######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002924Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الآمدي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 631 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الاحكام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه عند المذاهب السنية #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002924Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2924_الاحكام-الآمدي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تعليق : عبد الرزاق عفيفي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1402 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # الاحكام في أصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الآمدي علق ~~عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الأول المكتب الاسلامي ~~PageV0MP001 # طبع بإذن فضيلة الشيخ المحقق و مؤسسة النور الطبعة الأولى 1387 ه‍. ~~الرياض الطبعة الثانية 1402 ه‍. بيروت المكتب الاسلامي دمشق: ص ب 800 - ~~هاتف: 111637 - برقيا: إسلامي بيروت: ص ب 3771 / 11 - هاتف: 450 638 - ~~برقيا: إسلاميا PageV0MP002 # بسم الله الرحمن الرحيم كلمة - موجزة عن تاريخ أصول الفقه احمد اللهم ~~حمدا يليق بجلالك، وأشكرك شكرا يوافي نعمك، ويكافئ مزيدك سبحانك لا نحصي ~~ثناءا عليك أنت كما أثنيت على نفسك. واشهد ان لا اله الا أنت وحدك لا شريك ~~لك شهادة تكفر بها عنا السيئات، وترفعنا بها عندك أعلى الدرجات وأشهد ان ~~محمدا عبدك المرتضى، ونبيك المجتبي، ورسولك المصطفى، صلوات الله وسلامه ~~عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلي يوم الدين. # وبعد. فأصول الفقه من العلوم التي عم نفعها، وعظمت فائدتها، فقد استطاع ~~به المجتهدون فطرة واستعدادا، أو دراسة واكتسابا ان يستثمروا نصوص الشريعة، ~~وان يستنبطوا بها الاحكام من أدلتها التفصيلية على أكمل وجه وأتقنه، وأوضح ~~طريق وأبينه. ووقف من عني بدراسته من العلماء المقلدين على ماخذ الأئمة ~~المجتهدين ومداركهم، وعرفوا طريقهم في اجتهادهم ومذاهبهم في استنباطهم، ~~فطبقوا قواعدهم على ماجد من أقضية، واستخرجوا على أصولهم أحكاما في كثير من ~~المسائل نسبوها إليهم تخريجا حيث لم يثبت عنهم فيها حكم نصا. # وقد يبلغ من يعني بعلم الأصول ويأخذ نفسه بدراسة قواعده استدلالا عليها ~~وتطبيقا لها على نهج من تقدمه من الأئمة ان يكون مجتهدا مطلقا يعتمد في ~~بحثه على أصول الشريعة، ويرجع إلى أدلتها ويستنبط منها الاحكام. وربما كان ~~هذا أيسر له وأعم نفعا، واسلم عاقبة من اجتهاده في المسائل على مقتضي أصول ~~امام معين واستخراج الفروع على أصوله. PageV0MP003 # وقد كانت العربية سليقة للصحابة رضي الله عنهم وبلغتهم نزل القران، وبها ~~بينه النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يعرفون مقصد الكلام ومغزاه من لحن ~~القول وفحواه، وقد شهدوا ms001 عهد الوحي والتنزيل، ولزموا النبي صلى الله عليه ~~وسلم في سفره وإقامته، وكانوا مع ذلك على جانب عظيم من الفطنة والذكاء ~~وسلامة الذوق ونور البصيرة والحرص على التشريع علما وعملا، فوقفوا على ~~أسرار الشريعة ومقاصدها، ولم يجدوا في أنفسهم حاجة إلى دراسة قواعد ~~يستعينون بها في استثمار نصوص الشريعة ولا ضرورة تلجئهم إلى تدوين أصول ~~يرجع إليها في استنباط الاحكام من الأدلة. # وقد سار التابعون على مدرجتهم، وسلكوا سبيلهم فاستغنوا غناهم لقرب العهد ~~بالوحي، وقوة الصلة بالصحابة، وكثرة الاخذ عنهم والمخالطة لهم، وغلبة ~~السلامة على اللغة العربية من الكلمات الدخيلة. # ولما بعد العهد بزمن النبوة، وكثر اختلاط العرب بغيرهم من الفرس والروم، ~~وترجم كثير من الكتب اليونانية وغيرها إلى اللغة العربية أيام الدولة ~~العباسية استعجم كثير من العرب في لغتهم، وأساليب كلامهم، وتأثرت أذواقهم، ~~واختلف مناهجهم وتغيرت أغراضهم في نثرهم وشعرهم. واللغة العربية لغة الكتاب ~~والسنة أسلوبا ومنهجا، ومقصدا ومغزي فهي الطريق إلى فهمهما والعمدة في ~~ادراك أسرارهما وعليها يتوقف معرفة كثير من وجوه اعجاز القران، فلذا عني ~~العلماء يحفظها في جوانبها المختلفة بشتى الوسائل وتوسعوا في تدوين ~~قواعدها، وبدأوا يضعون قواعد أصول الفقه. وساعدهم على ذلك ما وقفوا عليه في ~~الكتب المترجمة من صناعة التأليف ونظام التقعيد وحسن التبويب والترتيب. # وزاد تدوين أصول الفقه سهولة أن قواعده عند علماء الحديث في الحجاز ~~وعلماء الرأي بالعراق بدأت تتمايز في نقاش المجتهدين من الفريقين، وتظهر في ~~حجاجهم واستدلالهم، وان لم تكن مدونة لديهم. # وكان أول من عني بتدوين أصول الفقه فيما اشتهر بين العلماء أبو عبد الله ~~محمد ابن إدريس الشافعي فأملى كتابه المعروف بالرسالة، وكتبه عنه الربيع بن ~~سليمان المرادي، وقد جمع في املاء الرسالة بين أمرين اجمالا. PageV0MP004 # الأول: تحرير القواعد الأصولية وإقامة الأدلة عليها من الكتاب والسنة ~~وإيضاح منهجه في الاستدلال وتأييده بالشواهد من اللغة العربية. # الثاني: الاكثار من الأمثلة لزيادة الايضاح، والتطبيق لكثير من الأدلة ~~على قضايا في أصول الشريعة وفروعها، مع نقاش للمخالفين تزيده جزالة العبارة ~~قوة، ms002 وتكسبه جمالا فكان كتابه قاعدة محكمة بنى عليها من جاء بعده، ومنهجه ~~فيه طريقا واضحا سلكه من الف في هذا العلم وتوسع فيه. # وقد تبعه في الامرين أبو محمد علي بن حزم في كتابه " الاحكام في أصول ~~الاحكام " بل كان أكثر منه سردا للأدلة النقلية مع نقدها، وايرادا للفروع ~~الفقهية مع ذكر مذاهب العلماء فيها، وما احتجوا به عليها، ثم يوسع ذلك نقدا ~~ونقاشا ويرجح ما يراه صوابا. غير أن أبا محمد وان كان غير مدافع في سعة ~~علمه واطلاعه على النصوص. # وتمييز صحيحها من سقيمها، و المعرفة بمذاهب العلماء وأدلتها، وايراد ذلك ~~في أسلوب رائع، وعبارات سهلة واضحة، لم يبلغ مبلغ الشافعي. فقد كان الشافعي ~~أخبر منه بالنقل، واعرف بطرقه، وأقدر على نقده، وأعدل في حكمه وأدرى بمعاني ~~النصوص ومغزاها، وأرعى لمقاصد الشريعة وأسرارها، وبناء الاحكام عليها مع ~~جزالة في العبارة تذكر بالعربية في عهدها الأول، ومع حسن أدب في النقد، ~~وعفة لسان في نقاش الخصوم والرد على المخالفين. # ولو سلك المؤلفون في الأصول بعد الشافعي طريقته في الامرين تقعيدا ~~واستدلالا وتطبيقا وايضاحا بكثرة الأمثلة وتركوا الخيال وكثرة الجدل ~~والفروض واطرحوا العصبية في النقاش والحجاج. ولم يزيدوا الا ما تقتضي طبيعة ~~النماء في العلوم اضافته من مسائل وتفاصيل لما أصل في الأبواب، والا ما ~~تدعوا إليه الحاجة من التطبيق والتمثيل من واقع الحياة للايضاح، كما فعل ~~ابن حزم لسهل هذا العلم على طالبيه ولانتهى بمن اشتغل به إلى صفوف ~~المجتهدين من قريب. # ولكنهم اختلفوا فاخذ كل جانبا. # فمنهم من عنى بالقواعد واثباتا بالأدلة عقلا ونقلا مع بسط القول ووضوح ~~العبارة في سوق الأدلة ونقاشها وضوحا لا يعوز القارئ إلى شرح أو بيان. ~~PageV0MP005 # غير أنهم قصروا في جانب الأمثلة والتطبيق فلا يوجد في كتبهم من ذلك الا ~~النزر اليسير، ثم هو تقليدي يرثه الاخر عن الأول فلا تنويع ولا تجديد ولا ~~تطبيق لماجد من القضايا في العهود المختلفة وأكثروا مع ذلك من الجدل ~~والخيال والفروض وألوان الاحتمال، وذكر مسائل لا ms003 تدعو لها الحاجة، وقد عرفت ~~هذه الطريقة بطريقة علماء الكلام، وممن نسج على منوالها في تأليفه أبو ~~الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي في كتابه المعتمد، وأبو ~~المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الأشعري الشافعي الشهير بامام ~~الحرمين في كتابه البرهان، وأبو حامد محمد بن محمد الغزالي الأشعري الشافعي ~~في كتابه المستصفى، فهؤلاء و من سلك سبيلهم لم يراعوا في تأليفهم فروع مذهب ~~معين انما همهم تفصيل القواعد الأصولية وإيضاحها بالأمثلة وذكر خلاف ~~العلماء فيها والاستدلال عليها ومناقشة الأدلة وترجيح ما يرونه، وقد جمع ما ~~في هذه الكتب فخر الدين محمد بن عمر الرازي الأشعري الشافعي في كتابه ~~المحصول، وأبو الحسن علي بن أبي علي محمد بن سالم السيف الآمدي الأشعري ~~الشافعي في كتابه (الاحكام) مع بسط في القول ووضوح في العبارة. # ومنهم من أكثر من المسائل الفقهية، وعني فيها بالانتصار لمذهب معين، وقرر ~~إلى جانبها قواعد أصولية على ضوء ما حكم به امامه في هذه المسائل، فكان ~~صنيعه في تأليفه أشبه بصنيع مجتهد المذهب الذي يعني بمعرفة أصول امامه من ~~الفروع التي نص على حكمها، لا صنيع المجتهد المطلق أو العالم الأصولي ~~المنصف الذي يعني ببحث القواعد الأصولية على ضوء أصول الشريعة والاستدلال ~~عليها بالكتاب والسنة، دون ميل إلى نصرة مذهب معين في الفروع الفقهية. # وتسمى هذه الطريقة طريقة الحنفية لشيوعها فيهم، ممن نهج سبيلها أبو زيد ~~عبيد الله بن عمر الدبوسي، ومحمد بن أحمد السرخسي وعلي بن محمد البزدوي. # ولو سلك هؤلاء طريق الاستقراء فأكثروا المسائل الفقهية من أبواب شتى على ~~أن يجمعها وحدة أصولية كما فعل ذلك الشاطبي أحيانا في كتاب الموافقات، ~~وقصدوا بذلك الشرح والايضاح، والارشاد إلى ما بينها من معنى جامع يقتضي ~~اشتراكها PageV0MP006 # في الحكم دون تقيد بمذهب معين ليخلصوا إلى القاعدة الأصولية، واتبعوا ذلك ~~ما يؤيد الاستقراء من أدلة العقل والنقل لكان طريقة طبيعيا تألفه الفطر ~~السليمة وتعتمده عقول الباحثين المنصفين ولأكسبوا من قرأ في كتبهم استقلالا ~~في الحكم وفتحوا امامهم باب ms004 البحث والتنقيب، ويسروا لهم تطبيق القواعد ~~الأصولية على ماجد ويجد من القضايا في مختلف العصور. # واكتفى من جاء بعد هؤلاء باختصار كتب من سبقهم وتلخيصها غالبا على إحدى ~~الطريقتين كالبيضاوي في المنهاج، وربما جمع بعضهم في مختصره بين الطريقتين ~~كابن الهمام في تحريره، وقد بلغ كثير من المختصرات حد الألغاز فاضطر من ~~يقرؤها ان يرجع إلى الأصول التي منها اختصرت ليتمكن من فهمها أو شرحها. # وخير لمن يزيد فهم علم الأصول على وجهه ويرسخ فيه ان يرجع في قراءته إلى ~~كتب الأوائل فإنها اقعد، عبارتها أدق وأوضح، وتحريرهم لمحل النزاع وحكايتهم ~~الخلاف أوفق، لأنهم بذلك اعرف، ونقاشهم للأدلة جار على أصول النقد، وقواعد ~~الجدل، والمناظرة عند العلماء. # هذا ولما عزم الأخ الكريم الشيخ (على بن حمد الصالحي) على طبع كتاب ~~(الاحكام في أصول الاحكام) للآمدي لكونه من مراجع الدراسة في (المعهد ~~العالي للقضاء) وانفاد ما طبع منه قبل ذلك سألني طلاب المعهد ان اكتب عليه ~~كلمات فاستجاب لطلبهم تحقيقا لرغبتهم، وأداءا لبعض الواجب على، ولم أحاول ~~ان اقف من الكتاب موقف الشارح، فالكتاب واضح العبارة، عالي الأسلوب بسط ~~مؤلفه القول فيه، وأرخى لقلمه العنان في بيان معانيه، فهو غني بوضوحه عن ~~الشراح، بل من أراد ذلك منه احتقر عبارة نفسه إلى جانب عبارة الآمدي. # لذا اقتصرت على نقد دليل، أو التنبيه على خطأ في رأي، أو تأويل لنص، أو ~~بيان ضعف حديث، أو تصحيح لتحريف في الأصول التي طبع عليها قدر الطاقة مع ~~الايجاز، ولم أستقص في ذلك لضيق وقتي، وضعف قوتي، وطول الكتاب، وحرص الطابع ~~على اخراج الكتاب بسرعة، وقد اكتفي عن تفصيل القول أو بيان الخطأ في البحث ~~بإشارة إلى مراجع معتمدة في نظري. والله اسال ان يلهمني الرشد والصواب فإنه ~~سبحانه الهادي إلى سواء السبيل. PageV0MP007 # وفيما يلي ترجمة للمؤلف أحببت ان أقدمها بين يدي الكتاب وتعليقاتي عليه. # (ترجمه السيف الآمدي) من الميزان للذهبي، ولسان الميزان لابن حجر، ~~والبداية لابن كثير، والوفيات لابن خلكان، والطبقات لابن السبكي، مع ms005 بعض ~~تصرف. # هو أبو الحسن علي بن أبي علي محمد بن سالم التغلبي الآمدي. ولد بآمد " ~~بلدة بديار بكر " عام 551 ه‍ وقدم بغداد وتعلم وتفقه على مذهب الإمام أحمد ~~بن حنبل وحفظ كتاب الهداية لأبي الخطاب، ثم صار شافعيا واشتغل بعلم الخلاف ~~وتفنن في علم النظر ويقال انه حفظ الوسيط لأبي حامد الغزالي ويذكر عن ابن ~~عبد السلام انه قال ما علمت قواعد البحث الا من السيف الآمدي وما سمعت أحدا ~~يلقى الدرس أحسن منه، وكان إذا غير لفظة من الوسيط كان اللفظ الذي يأتي به ~~أقرب إلى المعني قال ولو ورد على الاسلام من يشك فيه من المتزندقة لتعين ~~الآمدي لمناظرته. # وذكر ابن خلكان انه لما انتقل إلى الشام اشتغل بالعلوم العقلية ثم انتقل ~~إلى مصر متصدر بالجامع الظافري وانتشرت فضائله فحسده أقوام فسعوا به وكتبوا ~~خطوطهم باتهامه بمذهب الأوائل ولا تعطيل والانحلال وطلبوا من بعضهم ان ~~يوافقهم فكتب. # حسدوا الفتي إذ لم ينالوا سعيه * فالقوم أعداء له وخصوم فانتقل الآمدي ~~إلى حماة وصنف بها التصانيف، ثم انتقل إلى دمشق ودرس بالعزيزية ثم عزله ~~الأشرف لاشتغاله بالمنطق وعلوم الفلسفة. # وذكر ان الذهبي في الميزان انه صح عن الآمدي انه كان تاركا للصلاة ا ه‍. # ويظهر ان الذهبي استند في ذلك إلى ما نقله في كتابه تاريخ الاسلام عن ~~شيخه القاضي تقي لادين سليمان بن حمزة أبي الفضل المقدسي حكاية عن الشيخ ~~شمس الدين ابن أبي عمر قال كنا نتردد على السيف الآمدي فشككنا هل يصلي ~~PageV0MP008 # فتركناه حتى نام، وعلمنا على رجله بالحبر فبقيت العلامة نحو يومين مكانها ~~أقول قد يبقي الحبر إياما على العضو مع تتابع الوضوء والغسل وخاصة عضو من ~~لا يرى التدليك فرضنا في الطهارة بل يكتفي بإسالة الماء في غسله ووضوئه ولا ~~أدري كيف سكت من كان يتردد عليه الطلب العلم عن الانكار عليه أو النصح له ~~أو الحديث معه في الصلاة ان كان ما ذكروا دليلا عندهم على تركه للصلاة وعلى ~~كل حال فالأصل ms006 البراءة حتى يثبت الناقل. # وقال ابن كثير في البداية: كان حنبلي المذهب كثير البكاء رقيق القلب وقد ~~تكلموا فيه بأشياء الله اعلم بصحتها والذي يغلب على الظن انه ليس لغالبها ~~صحة وقد كانت ملوك بني أيوب كالمعظم والكامل يكرمونه وان كانوا لا يحبونه ~~كثيرا وقد فوض إليه المعظم التدريس بالعزيزية فلما ولي الأشرف عزله ~~لاشتغاله بالمنطق وعلوم الأوائل، فلزم بيته حتى توفي في صفر سنة 631 ه‍ عن ~~ثمانين سنة انتهي، وقد برأه ابن كثير مما رمي به في الجملة فأنصفه من خصومة ~~وأنصف خصومه منه. # أقول ان الآمدي درس الفلسفة بأقسامها المختلفة وتوغل فيها وتشعب بها روحه ~~حتى ظهر أثر ذلك في تأليفه. ومن قرأ كتبه وخاصة ما الفه في علم الكلام ~~وأصول الفقه يتبين له ما ذكرت، كما يتبين له منها انه كان قوي العارضة كثير ~~الجدل واسع الخيال كثير التشقيقات في تفصيل المسائل والترديد والسبر ~~والتقسيم في الأدلة إلى درجة قد تنتهي بالقارئ أحيانا إلى الحيرة. # فمن كره من الولاة والعلماء منطق اليونان والخوض في سائر علوم الفلسفة ~~وخاصة ما يتعلق منها بالإلهيات وكره كثرة الجدل والاسترسال في الخيال ~~والاكثار من تأويل النصوص وذكر الاحتمالات خشية ما تفظي إليه من الحيرة ~~والمتاهات مع قلة الجدوى منها تارة وعدم الفائدة أحيانا كالأشرف والذهبي ~~كره الآمدي دينا. وأنكر عليه ما رآه منكرا، وقد يجد في كتبه ومسلكه في ~~تأليفها ما يؤيد رأيه فيه ويدعوا إلى النيل منه. PageV0MP009 # ومن لم يكره ذلك ولكنه ضاق ذرعا بالآمدي لعجزه عن أن يصل إلى ما وصل إليه ~~من التبحر في العلوم، وقوة عارضته وحضور بديهية في الجدل والمناظرة وحسن ~~أسلوبه وبارع بيانه في التدريس وصناعة التأليف حسده حيث لم يؤت مثل ما أوتي ~~في نظره كما في ذكره ابن خلكان عن بعض العلماء في سبب خروجه عن مصر ~~مستخفيا. # ومن لم ير بأسا بدراسة المنطق وسائر علوم الفلسفة والف التأويل للنصوص ~~وكثرة الفروض والاحتمالات دراسة ومناظرة وتأليفها رفع من شأن الآمدي وعني ~~بالذب ms007 عنه وانهال بالملامة على من حط من قدره أو اتهمه في دينه، أو طعن في ~~تأليفه كابن السبكي حيث عاب الذهبي في انتقاصه الآمدي. # وقصارى القول ان العلماء لهم منازع شتى ومشارب متباينة فمن اتفقت نزعاتهم ~~تحاجوا وتناصروا واثني بعضهم على بعض خيرا، ومن اختلف أفكارهم ووجهات نظرهم ~~تناحروا وتراموا بالنبال الا من رحم الله. # وأسعدهم بالحق من كانت نزعة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ووسعه ما وسع السلف مع رعاية ما ثبت من مقاصد الشريعة باستقراء نصوصها ~~فكلما كان العالم أرعى لذلك والزم له كان أقوم طريقا وأهدى سبيلا والمعصوم ~~من عصمه الله وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكل بني آدم خطأ وخير الخطائين التوابون. وما الآمدي إلا عالم من علماء ~~البشر يخطئ ويصيب فلننتفع بالصواب من قوله ولنرد عليه خطأه ولنستغفر الله ~~له وليكن شأننا معه كشأننا مع غيره من علماء المسلمين وليكن شعارنا مع ~~الجميع. # (ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان. ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم.) عبد الرزاق عفيفي PageV0MP010 # الاحكام في أصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الآمدي علق ~~عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الأول المكتب الاسلامي ~~PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله خالق الأفلاك ومديرها ومزينها بالشهب ~~الثاقبة ومنيرها وجاعل حركات السيارات دالة على اختلاف أحوال الكائنات ~~وتدبيرها ومظهر حكمه في ابداعه لأنواع موجودات العالم وتصويرها المتفضل ~~بسوابغ الانعام قليلها وكثيرها. العادل فيما قضاه وأمضاه من الاحكام ~~وتقديرها. الذي شرف نوع الانسان بالعقل الهادي إلى أدلة التوحيد ونحريرها. ~~وأهل خاصة العلماء لاستثمار أحكام الشريعة من مداركها وتقريرها حتى استقرت ~~قاعدة الدين وظهرت حكمته في جمعها وتحبيرها. # واشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة منجية من صغير الموبقات ~~وكبيرها واشهد ان محمدا عبده ورسوله الذي أزال واضح برهانه وأزاح بصادق ~~بيانه. ما ظهر من شبه الملحدة وتزويرها. صلى الله عليه ms008 وعلى آله وصحابته ~~المؤازرين له في اظهار دعوته بحدها وتشميرها والسلام. # وبعد: فإنه لما كانت الأحكام الشرعية والقضايا الفقهية وسائل مقاصد ~~المكلفين ومناط مصالح الدنيا والدين. وأجل العلوم قدرا وأعلاها شرفا وذكرا. ~~لما يتعلق بها من مصالح العباد في المعاش والمعاد كانت أولى بالالتفات ~~إليها. وأجدر بالاعتماد عليها. # وحيث كان لا سبيل إلى استثمارها. دون النظر في مسالكها ولا مطمع في ~~اقتناصها. من غير التفات إلى مداركها كان من اللازمات والقضايا الواجبات ~~البحث في أغوارها. والكشف عن اسرارها والإحاطة بمعانيها. والمعرفة بمبانيها ~~حتى تذلل طرق الاستثمار وينقاد جموح غامض الأفكار ولذلك كثر تدآبي وطال ~~اغترابي. في جمع فوائدها. وتحقيق فرائدها. من PageV01P003 # مباحثات الفضلاء ومطارحات النبلاء حتى لان من معركها ما استصعب على ~~المتدربين وظهر منها ما خفي على حذاق المتبحرين وأحطت منها بلباب الألباب. # واحتويت من معانيها على العجب العجاب فأحببت ان أجمع فيها كتابا حاويا ~~لجميع مقاصد قواعد الأصول مشتملا على حل ما انعقد من غوامضها على أرباب ~~العقول متجنبا للاسهاب وغث الاطناب مميطا للقشرة عن اللباب خدمة لمولانا ~~السلطان الملك المعظم المكرم سلطان الأجواد والامجاد. # اجل العالم وأفضل من تمتد إليه أعناق الهمم والعزائم. ملك أرباب الفضائل. ~~ناقد خلاص الأفاضيل. باعث أموات الخواطر. ناشر رفات العلوم. # الدواثر بما خصه الله به من الفضائل التي حاز بها قصب سبق الأولين. # والمناقب التي يقف دون احصائها عد الحاصرين فبيده زمامها. واليه حلها ~~وإبرامها. وبه كشف أغوارها. والميز بين ظلمها وأنوارها أدام الله سعادته ~~إدامة لا تغرب طوالعها. ولا تنضب مشارعها وان كنت في ضرب المثال كحامل تمر ~~إلى هجر أو طل إلى مطره لكنه أقصى درجات القدر. وغاية منال أفكار البشر ~~وأرجو ان يصادف منه القبول وان يقع منه الاغضاء عما فيه من الغفلة والذهول. # (وسميته كتاب الأحكام في أصول الاحكام) وقد جعلته مشتملا على أربع قواعد. # الأولى في تحقيق مفهوم أصول الفقه ومباديه. PageV01P004 # الثانية في تحقيق الدليل السمعي وأقسامه وما يتعلق به من لوازمه واحكامه ~~الثالثة في احكام المجتهدين ms009 وأحوال المفتين والمستفتين. # الرابعة في ترجيحات طرق المطلوبات. # اللهم فيسر ختامه وسهل اتمامه وبصرنا بسلوك مسالك الحق اليقين وجنبنا ~~برحمتك عن طريق الزائغين وسلمنا من غوائل البدع واقطع عنا علائق الطمع ~~وآمنا يوم الخوف والجزع. انك ملاذ القاصدين. وكهف الراغبين. # القاعدة الأولى في تحقيق مفهوم أصول الفقه، وتعريف موضوعه وغايته، وما ~~فيه من البحث عنه من مسائله، وما منه استمداده، وتصوير مباديه وما لا بد من ~~سبق معرفته قبل الخوض فيه فنقول حق على كل من حاول تحصيل علم من العلوم، أن ~~يتصور معناه أولا بالحد أو الرسم ليكون على بصيرة فيما يطلبه، وأن يعرف ~~موضوعه - وهو الشئ الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة له - تمييزا ~~له عن غيره، وما هو الغاية المقصودة من تحصيله، حتى لا يكون سعيه عبثا، وما ~~عنه البحث فيه من الأحوال التي هي مسائله لتصور طلبها، وما منه استمداده، ~~لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه، وأن يتصور مباديه التي لا بد من سبق ~~معرفتها فيه، لامكان البناء عليها. # أما مفهوم أصول الفقه، فنقول: اعلم أن قول القائل: أصول الفقه قول مؤلف ~~من مضاف، هو الأصول، ومضاف إليه، هو الفقه، ولن نعرف المضاف قبل معرفة ~~المضاف إليه، فلا جرم أنه يجب تعريف معنى الفقه أولا، ثم معنى الأصول ~~ثانيا. PageV01P005 # أما الفقه: ففي اللغة عبارة عن الفهم، ومنه قوله تعالى: * (ما نفقه كثيرا ~~مما تقول) * (11) هود: 91): # أي لا نفهم، وقوله تعالى: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) * (17) الاسراء: ~~44): أي لا تفهمون، وتقول العرب: فقهت كلامك، أي فهمته. # وقيل: هو العلم، والأشبه أن الفهم مغاير للعلم، إذ الفهم عبارة عن جودة ~~الذهن، من جهة تهيئه لاقتناص كل ما يرد عليه من المطالب، وإن لم يكن المتصف ~~به عالما، كالعامي الفطن. وأما العلم فسيأتي تحقيقه عن قريب. # وعلى هذا فكل عالم فهم، وليس كل فهم عالما. # وفي عرف المتشرعين، الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية ~~الفروعية، بالنظر والاستدلال. # فالعلم احتراز عن الظن بالأحكام الشرعية، فإنه وإن تجوز ms010 بإطلاق اسم الفقه ~~عليه، في العرف العامي، فليس فقها في العرف اللغوي والأصولي، بل الفقه ~~العلم بها أو العلم بالعمل بها بناء على الادراك القطعي، وإن كانت ظنية في ~~نفسها. # وقولنا: بجملة من الأحكام الشرعية احتراز عن العلم بالحكم الواحد، أو ~~الاثنين لا غير، فإنه لا يسمى في عرفهم فقها. # وإنما لم نقل بالأحكام، لان ذلك يشعر بكون الفقه هو العلم بجملة الاحكام. # ويلزم منه أن لا يكون العلم بما دون ذلك فقها، وليس كذلك. # وقولنا: الشرعية احتراز عما ليس بشرعي، كالأمور العقلية، والحسية. # وقولنا: الفروعية احتراز عن العلم بكون أنواع الأدلة حججا، فإنه ليس فقها ~~في العرف الأصولي، وإن كان المعلوم حكما شرعيا نظريا، لكونه غير فروعي. # وقولنا: بالنظر والاستدلال احتراز عن علم الله تعالى بذلك، وعلم جبريل ~~والنبي عليه السلام فيما علمه بالوحي، فإن علمهم بذلك لا يكون فقها في ~~PageV01P006 # العرف الأصولي، إذ ليس طريق العلم في حقهم بذلك النظر والاستدلال. # وأما أصول الفقه: فاعلم أن أصل كل شئ، هو ما يستند تحقيق ذلك الشئ إليه. # فأصول الفقه: هي أدلة الفقه، وجهات دلالاتها على الأحكام الشرعية، وكيفية ~~حال المستدل بها، من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل، بخلاف الأدلة الخاصة، ~~المستعملة في آحاد المسائل الخاصة. # وأما موضوع أصول الفقه: فاعلم أن موضوع كل علم، هو الشئ الذي يبحث في ذلك ~~العلم عن أحواله العارضة لذاته. # ولما كانت مباحث الأصوليين في علم الأصول، لا تخرج عن أحوال الأدلة ~~الموصلة إلى الأحكام الشرعية المبحوث عنها فيه، وأقسامها، واختلاف مراتبها، ~~وكيفية استثمار الأحكام الشرعية عنها، على وجه كلي، كانت هي موضوع علم ~~الأصول. # وأما غاية علم الأصول: فالوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية، التي هي مناط ~~السعادة الدنيوية والأخروية. # وأما مسائله فهي: أحوال الأدلة المبحوث عنها فيه مما عرفناه. # وأما ما منه استمداده، فعلم الكلام، والعربية، والأحكام الشرعية: # أما علم الكلام: فلتوقف العلم بكون أدلة الاحكام مفيدة لها شرعا، على ~~PageV01P007 # معرفة الله تعالى وصفاته، وصدق رسوله فيما جاء به، وغير ذلك مما ms011 لا يعرف ~~في غير علم الكلام. # وأما علم العربية: فلتوقف معرفة دلالات الأدلة اللفظية، من الكتاب، ~~والسنة، وأقوال أهل الحل والعقد من الأمة، على معرفة موضوعاتها لغة، من جهة ~~الحقيقة، والمجاز، والعموم، والخصوص، والاطلاق، والتقييد، والحذف، ~~والاضمار، والمنطوق، والمفهوم، والاقتضاء، والإشارة، والتنبيه، والايماء، ~~وغيره، مما لا يعرف في غير علم العربية. # وأما الأحكام الشرعية: فمن جهة أن الناظر في هذا العلم، إنما ينظر في ~~أدلة الأحكام الشرعية، فلا بد أن يكون عالما بحقائق الاحكام، ليتصور القصد ~~إلى إثباتها ونفيها، وأن يتمكن بذلك من إيضاح المسائل، بضرب الأمثلة، وكثرة ~~الشواهد، ويتأهل بالبحث فيها للنظر والاستدلال. # ولا نقول إن استمداده من وجود هذه الأحكام ونفيها في آحاد المسائل، فإنها ~~من هذه الجهة لأثبت لها بغير أدلتها، فلو توقفت الأدلة على معرفتها من هذه ~~الجهة، كان دورا ممتنعا. # وأما مبادئه: فاعلم أن مبادئ كل علم هي التصورات والتصديقات المسلمة في ~~ذلك العلم، وهي غير مبرهنة فيه، لتوقف مسائل ذلك العلم عليها. وسواء كانت ~~مسلمة في نفسها كمبادئ العلم الاعلى، أو غير مسلمة في نفسها، بل مقبولة على ~~سبيل المصادرة، أو الوضع، على أن تبرهن في علم أعلى من ذلك العلم، وما هذه ~~المبادئ في علم الأصول؟ فنقول: # قد عرف أن استمداد علم أصول الفقه، إنما هو من علم الكلام، والعربية، ~~والأحكام الشرعية. فمبادئه غير خارجة عن هذه الأقسام الثلاثة، فلنرسم في كل ~~مبدأ قسما: PageV01P008 # القسم الأول في المبادئ الكلامية فنقول: اعلم أنه لما كانت أصول الفقه، ~~هي أدلة الفقه، وكان الكلام فيها مما يحوج إلى معرفة الدليل، وانقسامه إلى ~~ما يفيد العلم أو الظن، وكان ذلك مما لا يتم دون النظر، دعت الحاجة إلى ~~تعريف معنى الدليل، والنظر، والعلم، والظن، من جهة التحديد والتصوير لا ~~غير. # أما الدليل فقد يطلق في اللغة بمعنى الدال، وهو الناصب للدليل. # وقيل هو الذاكر للدليل، وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد. وهذا هو ~~المسمى دليلا في عرف الفقهاء، وسواء كان موصلا إلى علم أو ظن. # والأصوليون ms012 يفرقون بين ما أوصل إلى العلم، وما أوصل إلى الظن، فيخصون اسم ~~الدليل بما أوصل إلى العلم، واسم الامارة بما أوصل إلى الظن. # وعلى هذا، فحده على أصول الفقهاء: أنه الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر ~~فيه إلى مطلوب خبري. # فالقيد الأول: احتراز عما لم يتوصل به إلى المطلوب، لعدم النظر فيه، فإنه ~~لا يخرج بذلك عن كونه دليلا، لما كان التوصل به ممكنا. # والقيد الثاني: احتراز عما إذا كان الناظر في الدليل بنظر فاسد. # والثالث: احتراز عن الحد الموصل إلى العلم التصوري. وهو عام للقاطع ~~والظني. # وأما حده على العرف الأصولي: فهو ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب ~~خبري، وهو منقسم إلى عقلي محض، وسمعي محض، ومركب من الامرين. PageV01P009 # فالأول: كقولنا في الدلالة على حدوث العالم: العالم مؤلف، وكل مؤلف حادث، ~~فيلزم عنه العالم حادث. # والثاني: كالنصوص من الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس، كما يأتي ~~تحقيقه. # والثالث: كقولنا في الدلالة على تحريم النبيذ: النبيذ مسكر، وكل مسكر ~~حرام - لقوله، عليه السلام: كل مسكر حرام - فيلزم عنه النبيذ حرام. # وأما النظر، فإنه قد يطلق في اللغة بمعنى الانتظار، وبمعنى الرؤية ~~بالعين، والرأفة، والرحمة، والمقابلة، والتفكر، والاعتبار. وهذا الاعتبار ~~الأخير هو المسمى بالنظر في عرف المتكلمين. # وقد قال القاضي أبو بكر في حده: هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو ~~ظنا. # وقد احترز بقوله: يطلب به عن الحياة وسائر الصفات المشروطة بالحياة، ~~فإنها لا يطلب بها ذلك، وإن كان من قامت به يطلبه. وقصد بقوله: علما أو ظنا ~~التعميم للعلم والظن، ليكون الحد جامعا، وهو حسن، غير أنه يمكن أن يعبر عنه ~~بعبارة أخرى، لا يتجه عليها من الاشكالات ما قد يتجه على عبارة القاضي، على ~~ما بيناه في أبكار الأفكار وهو أن يقال: النظر عبارة عن التصرف بالعقل في ~~الأمور السابقة بالعلم والظن، للمناسبة للمطلوب بتأليف خاص، قصدا لتحصيل ما ~~ليس حاصلا في العقل وهو عام للنظر المتضمن للتصور والتصديق، والقاطع ~~والظني، وهو منقسم إلى ما وقف ms013 الناظر فيه على وجه دلالة الدليل على ~~المطلوب، PageV01P010 # فيكون صحيحا، وإلى ما ليس كذلك، فيكون فاسدا. وشرط وجوده مطلقا العقل ~~وانتفاء أضداده من النوم، والغفلة، والموت، وحصول العلم بالمطلوب، وغير ~~ذلك. # وأما العلم: فقد اختلف المتكلمون في تحديده: فمنهم من زعم أنه لا سبيل ~~إلى تحديده، لكن اختلف هؤلاء: فمنهم من قال: بيان طريق تعريفه إنما هو ~~بالقسمة والمثال، كإمام الحرمين، والغزالي، وهو غير سديد. فإن القسمة، إن ~~لم تكن مفيدة لتمييزه عما سواه، فليست معرفة له، وإن كانت مميزة له عما ~~سواه. فلا معنى للتحديد بالرسم سوى هذا. # ومنهم من زعم أن العلم بالعلم ضروري، غير نظري، لان كل ما سوى العلم لا ~~يعلم إلا بالعلم، فلو علم بالغير، كان دورا ولأن كل أحد يعلم وجود نفسه ~~ضرورة، والعلم أحد تصورات هذا التصديق، فكان ضروريا. # وهو أيضا غير سديد. أما الوجه الأول: فلان جهة توقف غير العلم على العلم، ~~من جهة كون العلم إدراكا له، وتوقف العلم على الغير، لا من جهة كون ذلك ~~الغير إدراكا للعلم، بل من جهة كونه صفة مميزة له عما سواه. ومع اختلاف جهة ~~التوقف، فلا دور. وأما الوجه الثاني: فهو مبني على أن تصورات القضية ~~الضرورية لا بد وأن تكون ضرورية، وليس كذلك، لان القضية الضرورية هي التي ~~يصدق العقل بها بعد تصور مفرداتها من غير توقف بعد تصور المفردات على نظر ~~واستدلال، وسواء كانت التصورات ضرورية، أو نظرية. # ومنهم من سلك في تعريفة التحديد. وقد ذكر في ذلك حدود كثيرة، أبطلناها في ~~أبكار الأفكار والمختار في ذلك أن يقال: العلم عبارة عن صفة يحصل بها لنفس ~~المتصف بها التميز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه احتمال ~~نقيضه. # فقولنا: صفة كالجنس له ولغيره من الصفات. وقولنا: يحصل بها التميز احتراز ~~عن الحياة، وسائر الصفات المشروطة بالحياة. وقولنا: بين حقائق PageV01P011 # الكليات احتراز عن الادراكات الجزئية، فإنها إنما تميز بين المحسوسات ~~الجزئية، دون الأمور الكلية. وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن في أن ms014 ~~الادراكات نوع من العلم، لم نحتج إلى التقييد بالكليات. # وهو منقسم إلى قديم لا أول لوجوده، وإلى حادث بعد العدم. والحادث ينقسم ~~إلى ضروري، وهو العلم الحادث الذي لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر ~~واستدلال. فقولنا: العلم الحادث احتراز عن علم الله تعالى. وقولنا: لا قدرة ~~للمكلف على تحصيله بنظر واستدلال احتراز عن العلم النظري، والنظري هو العلم ~~الذي تضمنه الصحيح. # وأما الظن: فعبارة عن ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من غير ~~قطع. PageV01P012 # القسم الثاني في المبادئ اللغوية كنا بينا فيما تقدم وجه استمداد الأصول ~~من اللغة، فلا بد من تعريف المبادئ المأخوذة منها. ولنقدم على ذلك مقدمة ~~فنقول: # اعلم أنه لما كان نوع الانسان أشرف موجود في عالم السفليات، لكونه مخلوقا ~~لمعرفة الله تعالى التي هي أجل المطلوبات، وأسنى المرغوبات، بما خصه الله ~~به من العقل الذي به إدراك المعقولات، والمميز بين حقائق الموجودات، على ما ~~قال، عليه السلام حكاية عن ربه: كنت كنزا لم أعرف، فخلقت خلقا لا عرف به. # ولما كان هذا المقصود لا يتم دون الاطلاع على المقدمات النظرية، المستندة ~~إلى القضايا الضرورية، المتوسل بها إلى مطلوباته وتحقيق ما جاء به، وكان كل ~~واحد لا يستقل بتحصيل معارفه بنفسه وحده دون معين ومساعد له من نوعه، دعت ~~الحاجة إلى نصب دلائل يتوصل بها كل واحد إلى معرفة ما في ضمير الآخر من ~~المعلومات المعينة له في تحقيق غرضه. وأخف ما يكون من ذلك ما كان من ~~الأفعال الاختيارية، وأخف من ذلك ما كان منها لا يفتقر إلى الآلات ~~والأدوات، ولا فيه ضرر الازدحام، ولا بقاء له مع الاستغناء عنه، وهو مقدور ~~عليه في كل الأوقات من غير مشقة ولا نصب. وذلك هو ما يتركب من المقاطع ~~الصوتية التي خص بها نوع الانسان دون سائر أنواع الحيوان، عناية من الله ~~تعالى به. # ومن اختلاف تركيبات المقاطع الصوتية حدثت الدلائل الكلامية، والعبارات ~~اللغوية. PageV01P013 # وهي إما أن لا تكون موضوعة لمعنى، أو هي موضوعة. # والقسم الأول: مهمل ms015 لا اعتبار به، والثاني: يستدعي النظر في أنواعه، ~~وابتداء وضعه، وطريق معرفته. فهذان أصلان لا بد من النظر فيهما. # الأصل الأول في أنواعه - وهي نوعان وذلك لأنه إما أن يكون اللفظ الدال ~~بالوضع مفردا، أو مركبا الأول: في المفرد - وفيه ستة فصول. # الفصل الأول في حقيقته أما حقيقته فهو ما دل بالوضع على معنى، ولا جزء له ~~يدل على شئ أصلا، كلفظ الانسان، فإن (إن) من قولنا إنسان، وإن دلت على ~~الشرطية فليست إذ ذاك جزءا من لفظ الانسان، وحيث كانت جزءا من لفظ الانسان، ~~لم تكن شرطية، لان دلالات الألفاظ ليست لذواتها، بل هي تابعة لقصد المتكلم ~~وإرادته. ونعلم أن المتكلم حيث جعل: إن شرطية، لم يقصد جعلها غير شرطية. # وعلى هذا، فعبد الله، إن جعل علما على شخص، كان مفردا، وإن قصد به النسبة ~~إلى الله تعالى بالعبودية، كان مركبا، لدلالة أجزائه على أجزاء معناه. ~~PageV01P014 # الفصل الثاني في أقسام دلالته وهو إما أن تكون دلالته لفظية، أو غير ~~لفظية. واللفظية: إما أن تعتبر بالنسبة إلى كمال المعنى الموضوع له اللفظ، ~~أو إلى بعضه: فالأول: دلالة المطابقة، كدلالة لفظ الانسان على معناه. ~~والثاني: دلالة التضمن، كدلالة لفظ الانسان على ما في معناه من الحيوان، أو ~~الناطق. والمطابقة أعم من التضمن، لجواز أن يكون المدلول بسيطا لا جزء له. # وأما غير اللفظية، فهي دلالة الالتزام، وهي أن يكون اللفظ له معنى، وذلك ~~المعنى له لازم من خارج، فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ، ينتقل الذهن من ~~مدلول اللفظ إلى لازمه، ولو قدر عدم هذا الانتقال الذهني، لما كان ذلك ~~اللازم مفهوما. ودلالة الالتزام، وإن شاركت دلالة التضمن في افتقارهما إلى ~~نظر عقلي، يعرف اللازم في الالتزام، والجزء في دلالة التضمن، غير أنه في ~~التضمن لتعريف كون الجزء داخلا في مدلول اللفظ، وفي الالتزام لتعريف كونه ~~خارجا عن مدلول اللفظ. فلذلك كانت دلالة التضمن لفظية، بخلاف دلالة ~~الالتزام. ودلالة الالتزام مساوية لدلالة المطابقة ضرورة امتناع خلو مدلول ~~اللفظ المطابق عن لازم، ms016 وأعم من دلالة التضمن، لجواز أن يكون اللازم لما لا ~~جزء له. PageV01P015 # الفصل الثالث في أقسام المفرد وهو إما أن يصح جعله أحد جزأي القضية ~~الخبرية، التي هي ذات جزأين فقط، أو لا يصح. # فإن كان الأول، فإما أن يصح تركب القضية الخبرية من جنسه، أو لا يصح، فإن ~~كان الأول، فهو الاسم، وإن كان الثاني، فهو الفعل. # وأما قسيم القسم الأول، فهو الحرف. # ولا يلزم على ما ذكرناه، الأسماء النواقص، كالذي والتي، والمضمرات، كهو ~~وهي، حيث إنه لا يمكن جعلها أحد جزأي القضية الخبرية عند تجردها، ولا تركب ~~القضية الخبرية منها لأنها وإن تعذر ذلك فيها عند تجردها فالنواقص عند ~~تعينها بالصلة لا يمتنع ذلك منها، وكذلك المضمرات عند إضافتها إلى المظهرات ~~بخلاف الحروف. # الفصل الرابع في الاسم وهو ما دل على معنى في نفسه، ولا يلزم منه الزمان ~~الخارج عن معناه لبنيته. # ثم لا يخلو إما أن يكون واحدا، أو متعددا: فإن كان واحدا، فمسماه إما أن ~~يكون واحدا، أو متعددا، فإن كان واحدا، فمفهومه منقسم على وجوه. # القسمة الأولى: أنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو ~~لا يصح. فإن كان الأول، فهو كلي، وسواء وقعت فيه الشركة بالفعل ما بين ~~أشخاص متناهية كاسم الكوكب، أو غير متناهية كاسم الانسان، أو لم تقع، إما ~~لمانع من خارج كاسم العالم والشمس والقمر، أو بحكم الاتفاق كاسم عناق مغرب، ~~أو جبل من ذهب. PageV01P016 # وهو إما أن يكون صفة، أو لا يكون صفة. والصفة كالعالم والقادر. # وما ليس بصفة، إما أن يكون عينا، كالانسان والفرس. وإما معنى كالعلم ~~والجهل. # وما كان من هذه الأسماء لا اختلاف في مدلوله بشدة ولا ضعف، ولا تقدم ~~وتأخر. فهو المتواطئ، كلفظ الانسان والفرس، وإلا فمشكك، كلفظ الوجود ~~والأبيض وعلى كل تقدير، إما أن يكون ذاتيا للمشتركات فيه، أو عرضيا. # فإن كان ذاتيا، فالمشتركات فيه إما أن تكون مختلفة بالذوات، أو بالعرض: # فإن كان الأول، فإما أن يقال عليها في جواب ms017 ما هي، فهو الجنس، أو لا يقال ~~كذلك، فهو ذاتي مشترك إما جنس جنس، أو فصل جنس. وإن كانت مختلفة بالعرض، ~~فإما أن يقال عليها في جواب ما أو لا. والأول هو النوع، والثاني هو فصل ~~النوع. # وإن كان عرضيا، فإن كانت المشتركات مختلفة بالذوات، فهو العرض العام، ~~وإلا فهو الخاصة. # وأما إن كان مفهومه غير صالح لاشتراك كثيرين فيه، فهو الجزئي، وهو إما أن ~~لا يكون فيه تأليف، أو فيه. # والأول إما أن لا يكون مرتجلا، أو هو مرتجل: # فإن لم يكن مرتجلا، فإما أن لا يكون منقولا كزيد وعمرو، أو هو منقول. # والمنقول إما عن اسم أو فعل أو صوت. # فإن كان الأول، فإما عن اسم عين كأسد وعقاب، أو اسم معنى كفضل، أو اسم ~~صفة كحاتم، وإن كان الثاني، فإما عن ماض كشمر، أو مضارع كتغلب، أو فعل أمر ~~كاصمت، وإن كان الثالث كببة. PageV01P017 # وإن كان مرتجلا، وهو أن لا يكون بينه وبين ما نقل عنه مناسبة كحمدان. # وإن كان مؤلفا، فإما من اسمين مضافين كعبد الله، أو غير مضافين، وأحدهما ~~عامل في الآخر، أو غير عامل. والأول كتسمية بعض الناس زيد منطلق، والثاني ~~كبعلبك وحضرموت وإما من فعلين كقام قعد، وإما من حرفين كتسميته إنما، وإما ~~من اسم وفعل نحو تأبط شرا، وإما من حرف واسم كتسميته بزيد وإما من فعل وحرف ~~كتسميته قام على. # وأما إن كان الاسم واحدا، والمسمى مختلفا، فإما أن يكون موضوعا على الكل ~~حقيقة بالوضع الأول، أو هو مستعار في بعضها. # فإن كان الأول فهو المشترك، وسواء كانت المسميات متباينة كالجون: # للسواد، والبياض، أو غير متباينة، كما إذا أطلقنا اسم الأسود على شخص من ~~الأشخاص بطريق العلمية، وأطلقناه عليه بطريق الاشتقاق من السواد القائم به، ~~فإن مدلوله عند كونه علما، إنما هو ذات الشخص، ومدلوله عند كونه مشتقا ~~الذات مع الصفة، وهي السواد. فالذات التي هي مدلول العلم جزء من مدلول ~~اللفظ المشتق، ومدلول اللفظ المشتق وصف لمدلول العلم وإن كان ms018 الثاني، فهو ~~المجازي. # وأما إن كان الاسم متعددا، فإما أن يكون المسمى متحدا أو متعددا، فإن كان ~~متحدا، فتلك هي الأسماء المترادفة، كالبهتر والبحتر للقصير، وإن كان المسمى ~~متعددا، فتلك هي الأسماء المتباينة كالانسان والفرس. # مسائل هذه القسمة ثلاث: PageV01P018 # المسألة الأولى اختلف الناس في اللفظ المشترك، هل له وجود في اللغة. ~~فأثبته قوم، ونفاه آخرون. والمختار جوازه ووقوعه. # أما الجواز العقلي فهو أنه لا يمتنع عقلا أن يضع واحد من أهل اللغة لفظا ~~واحدا على معنيين مختلفين بالوضع الأول على طريق البدل، ويوافقه عليه ~~الباقون، أو أن يتفق وضع إحدى القبيلتين للاسم على معنى حقيقة، ووضع الأخرى ~~له بإزاء معنى آخر، من غير شعور لكل واحدة بما وضعته الأخرى. ثم يشتهر ~~الوضعان، ويخفى سببه وهو الأشبه. ولو قدر ذلك لما لزم من فرض وقوعه محال ~~عقلا. كيف وأن وضع اللفظ تابع لغرض الواضع والواضع كما أنه قد يقصد تعريف ~~الشئ لغيره مفصلا، فقد يقصد تعريفه مجملا غير مفصل، إما لأنه علمه كذلك ولم ~~يعلمه مفصلا، أو لمحذور يتعلق بالتفصيل دون الاجمال، فلا يبعد لهذه الفائدة ~~منهم وضع لفظ يدل عليه من غير تفصيل. # وأما بيان الوقوع، فقد قال قوم إنه لو لم تكن الألفاظ المشتركة واقعة في ~~اللغة مع أن المسميات غير متناهية والأسماء متناهية ضرورة تركبها من الحروف ~~المتناهية، خلت أكثر المسميات عن الألفاظ الدالة عليها مع دعو الحاجة ~~إليها، وهو ممتنع وغير سديد من حيث إن الأسماء، وإن كانت مركبة من الحروف ~~المتناهية، فلا يلزم أن تكون متناهية، إلا أن يكون ما يحصل من تضاعيف ~~التركيبات متناهية، وهو غير مسلم. # وإن كانت الأسماء متناهية، فلا نسلم أن المسميات المتضادة، والمختلفة - ~~وهي التي يكون اللفظ مشتركا بالنسبة إليها - غير متناهية. PageV01P019 # وإن كانت غير متناهية، غير أن وضع الأسماء على مسمياتها مشروط بكون كل ~~واحد من المسميات مقصودا بالوضع، وما لا نهاية له مما يستحيل فيه ذلك، ولئن ~~سلمنا أنه غير ممتنع ولكن لا يلزم من ذلك الوضع. # ولهذا فإن ms019 كثيرا من المعاني لم تضع العرب بإزائها ألفاظا تدل عليها، لا ~~بطريق الاشتراك ولا التفصيل، كأنواع الروائح، وكثير من الصفات. # قال أبو الحسين البصري: أطلق أهل اللغة اسم القرء على الطهر والحيض، وهما ~~ضدان. فدل على وقوع الاسم المشترك في اللغة. # ولقائل أن يقول: القول بكونه مشتركا غير منقول عن أهل الوضع، بل غاية ~~المنقول اتحاد الاسم وتعدد المسمى. ولعله أطلق عليهما باعتبار معنى واحد ~~مشترك بينهما، لا باعتبار اختلاف حقيقتهما، أو أنه حقيقة في أحدهما، مجاز ~~في الآخر، وإن خفي موضع الحقيقة والمجاز. وهذا هو الأولى. # أما بالنظر إلى الاحتمال الأول، فلما فيه من نفي التجوز والاشتراك، وأما ~~بالنظر إلى الاحتمال الثاني فلان التجوز أولى من الاشتراك، كما يأتي في ~~موضعه. # والأقرب في ذلك أن يقال: اتفق إجماع الكل على إطلاق اسم الموجود على ~~القديم والحادث حقيقة. ولو كان مجازا في أحدهما، لصح نفيه إذ هو أمارة ~~المجاز، وهو ممتنع. وعند ذلك فإما أن يكون اسم الموجود دالا على ذات الرب ~~تعالى، أو على صفة زائدة على ذاته: فإن كان الأول، فلا يخفى أن ذات الرب ~~تعالى مخالفة بذاتها لما سواها من الموجودات الحادثة، وإلا، لوجب الاشتراك ~~بينها وبين ما شاركها في معناها في الوجوب، ضرورة التساوي في مفهوم ~~PageV01P020 # الذات، وهو محال. وإن كان مدلول اسم الوجود صفة زائدة على ذات الرب ~~تعالى، فإما أن يكون المفهوم منه هو المفهوم من اسم الوجود في الحوادث، ~~وإما خلافه. والأول يلزم منه أن يكون مسمى الوجود في الممكن واجبا لذاته ~~ضرورة أن وجود الباري تعالى واجب لذاته، أو أن يكون وجود الرب ممكنا ضرورة ~~إمكان وجود ما سوى الله تعالى، وهو محال. وإن كان الثاني لزم منه الاشتراك، ~~وهو المطلوب. # فإن قيل المقصود من وضع الألفاظ إنما هو التفاهم، وذلك غير متحقق مع ~~الاشتراك من حيث إن فهم المدلول منه، ضرورة تساوي النسبة، غير معلوم من ~~اللفظ، والقرائن فقد تظهر، وقد تخفى. وبتقدير خفائها يختل المقصود من الوضع ~~وهو الفهم. # قلنا: ms020 وإن اختل فهم التفصيل على ما ذكروه، فلا يختل معه الفهم في جهة ~~الجملة كما سبق تقريره. وليس فهم التفصيل لغة من الضروريات، بدليل وضع ~~أسماء الأجناس. فإنها لا تفيد تفاصيل ما تحتها. وإن سلمنا أن الفائدة ~~المطلوبة إنما هي PageV01P021 # فهم التفصيل، فإنما يمنع ذلك من وضع الألفاظ المشتركة، أن لو لم تكن ~~مفيدة لجميع مدلولاتها بطريق العموم، وليس كذلك، على ما ذهب إليه القاضي ~~والشافعي، رضي الله عنه، كما سيأتي تحقيقه. # وإذا عرف وقوع الاشتراك لغة، فهو أيضا واقع في كلام الله تعالى. والدليل ~~عليه قوله تعالى: * (والليل إذا عسعس) * (81) التكوير: 17)، فإنه مشترك بين ~~إقبال الليل وإدباره، وهما ضدان، هكذا ذكره صاحب الصحاح. # وما يقوله المانع لذلك: من أن المشترك إن كان المقصود منه الافهام، فإن ~~وجد معه البيان، فهو تطويل من غير فائدة، وإن لم يوجد فقد فات المقصود، وإن ~~لم يكن المقصود منه الافهام فهو عبث وهو قبيح، فوجب صيانة كلام الله عنه ~~فهو مبني على الحسن والقبح الذاتي العقلي، وسيأتي إبطاله. # كيف وقد بينا أن مذهب الشافعي، والقاضي أبي بكر، أن المشترك نوع من أنواع ~~العموم، والعام غير ممتنع في كلام الله تعالى، وبتقدير عدم عمومه، فلا ~~يمتنع أن يكون في الخطاب به فائدة لنيل الثواب بالاستعداد لامتثاله، بتقدير ~~بيانه بظهور دليل يدل على تعيين البعض، وإبطال جميع الأقسام سوى الواحد ~~منها. # المسألة الثانية قد ظن في أشياء أنها مشتركة، وهي متواطئة، وفي أشياء ~~أنها متواطئة، وهي مشتركة. # أما الأول: فكقولنا: مبدأ للنقطة. والآن، فإنه لما اختلف الموضوع المنسوب ~~إليه، وهو الزمان والخط، ظن الاشتراك في اسم المبدأ، وليس كذلك، فإن إطلاق ~~اسم المبدأ عليهما إنما كان بالنظر إلى أن كل واحد منهما أول لشئ، لا من ~~حيث هو أول للزمان أو الخط. وهو من هذا الوجه متواطئ، وليس بمشترك. ~~PageV01P022 # وأما الثاني، فكقولنا: خمري للون الشبيه بلون الخمر، وللعنب باعتبار أنه ~~يؤول إلى الخمر، وللدواء إذا كان يسكر كالخمر، أو أن الخمر جزء منه، فإنه ~~لما ms021 اتحد المنسوب إليه، وهو الخمر، ظن أنه متواطئ، وليس كذلك، فإن اسم ~~الخمري، وإن اتحد المنسوب إليه، إنما كان بسبب النسب المختلفة إليه، ومع ~~الاختلاف فلا تواطؤ. نعم لو أطلق اسم الخمري في هذه الصور باعتبار ما وقع ~~به الاشتراك من عموم النسبة، وقطع النظر عن خصوصياتها، كان متواطئا. # المسألة الثالثة ذهب شذوذ من الناس إلى امتناع وقوع الترادف في اللغة، ~~مصيرا منهم إلى أن الأصل عند تعدد الأسماء تعدد المسميات، واختصاص كل اسم ~~بمسمى غير مسمى الآخر. وبيانه من أربعة أوجه: # الأول: إنه يلزم من اتحاد المسمى تعطيل فائدة أحد اللفظين لحصولها باللفظ ~~الآخر. # الثاني: إنه لو قيل باتحاد المسمى، فهو نادر بالنسبة إلى المسمى المتعدد ~~بتعدد الأسماء، وغلبة استعمال الأسماء بإزاء المسميات المتعددة تدل على أنه ~~أقرب إلى تحصيل مقصود أهل الوضع من وضعهم، فاستعمال الألفاظ المتعددة فيما ~~هو على خلاف الغالب خلاف الأصل. # الثالث: إن المؤونة في حفظ الاسم الواحد أخف من حفظ الاسمين، والأصل إنما ~~هو التزام أعظم المشتقين لتحصيل أعظم الفائدتين. # الرابع: إنه إذا اتحد الاسم، دعت حاجة الكل إلى معرفته مع خفة المؤونة في ~~حفظه، فعمت فائدة التخاطب به، ولا كذلك إذا تعددت الأسماء فإن كل واحد على ~~أمرين: بين أن يحفظ مجموع الأسماء، أو البعض منها. والأول شاق جدا، وقلما ~~يتفق ذلك، والثاني فيلزم منه الاخلال بفائدة التخاطب لجواز اختصاص كل واحد ~~بمعرفة اسم لا يعرفه الآخر. PageV01P023 # وجوابه: أن يقال لا سبيل إلى إنكار الجواز العقلي، فإنه لا يمتنع عقلا أن ~~يضع واحد لفظين على مسمى واحد، ثم يتفق الكل عليه. أو أن تضع إحدى ~~القبيلتين أحد الاسمين على مسمى، وتضع الأخرى له اسما آخر، من غير شعور كل ~~قبيلة بوضع الأخرى ثم يشيع الوضعان بعد بذلك كيف وإن ذلك جائز بل واقع ~~بالنظر إلى لغتين ضرورة، فكان جائزا بالنظر إلى قبيلتين. # قولهم في الوجه الأول: لا فائدة في أحد الاسمين ليس كذلك، فإنه يلزم منه ~~التوسعة في اللغة، وتكثير الطرق المفيدة للمطلوب، ms022 فيكون أقرب إلى الوصول ~~إليه، حيث إنه لا يلزم من تعذر حصول أحد الطريقين تعذر الآخر، بخلاف ما إذا ~~اتحد الطريق. وقد يتعلق به فوائد أخر في النظم والنثر بمساعدة أحد اللفظين ~~في الحرف الروي، ووزن البيت، والجناس، والمطابقة، والخفة في النطق به، إلى ~~غير ذلك من المقاصد المطلوبة لأرباب الأدب وأهل الفصاحة. # وما ذكروه في الوجه الثاني، فغير مانع من وقوع الترادف، بدليل الأسماء ~~المشتركة والمجازية. # وما ذكروه في الوجه الثالث، فإنما يلزم المحذور منه، وهو زيادة مؤونة ~~الحفظ، أن لو وظف على كل واحد حفظ جميع المترادفات، وليس كذلك، بل هو مخير ~~في حفظ الكل أو البعض، مع ما فيه من الفائدة التي ذكرناها. # وعن الوجه الرابع، أنه ملغى بالترادف في لغتين، كيف وإنه يلزم من الاخلال ~~بالترادف الاخلال بما ذكرناه من المقاصد أولا، وهو محذور. # ثم الدليل على وقوع الترادف في اللغة، ما نقل عن العرب من قولهم: الصهلب ~~والشوذب من أسماء الطويل، والبهتر والبحتر من أسماء القصير، إلى غير ذلك. # ولا دليل على امتناع ذلك حتى يتبع ما يقوله من يتعسف في هذا الباب في ~~بيان اختلاف المدلولات. لكنه ربما خفي بعض الألفاظ المترادفة، وظهر البعض، ~~فيجعل الأشهر بيانا للأخفى، وهو الحد اللفظي. PageV01P024 # وقد ظن بأسماء أنها مترادفة، وهي متباينة. وذلك عندما إذا كانت الأسماء ~~لموضوع واحد باعتبار صفاته المختلفة، كالسيف، والصارم، والهندي، أو باعتبار ~~صفته، وصفة صفته، كالناطق، والفصيح، وليس كذلك. # ويفارق المرادف المؤكد من جهة أن اللفظ المرادف لا يزيد مرادفه إيضاحا، ~~ولا يشترط تقدم أحدهما على الآخر، ولا يرادف الشئ بنفسه بخلاف المؤكد. # والتابع في اللفظ، فمخالف لهما فإنه لا بد وأن يكون على وزن المتبوع، ~~وأنه قد لا يفيد معنى أصلا، كقولهم: حس بسن، وشيطان ليطان، ولهذا قال ابن ~~دريد: # سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بسن فقال: ما أدري ما هو. # القسمة الثانية: # الاسم ينقسم إلى ظاهر، ومضمر، وما بينهما. وذلك لأنه إما أن يقصد به ~~البيان مع الاختصار، أو لا ms023 مع الاختصار فالأول هو الظاهر، والثاني إما أن ~~لا يقصد معه التنبيه أو يقصد: فالأول هو المضمر، والثاني ما بينهما. # فأما الاسم الظاهر: إما أن لا يكون آخره ألفا، ولا ياء قبلها كسرة، أو ~~يكون. # فالأول هو الاسم الصحيح، فإن دخله حركة الجر مع التنوين، فهو المنصرف، ~~كزيد وعمرو، وإن لم يكن كذلك، فهو غير منصرف، كأحمد وإبراهيم. # والثاني هو المعتل، فإن كان في آخره ياء قبلها كسرة، فهو المنقوص، ~~كالقاضي والداعي، وإن كان في آخره ألف، فهو المقصور، كالدنيا والأخرى، وإن ~~كان في آخره همزة قبلها ألف، فهو الممدود، كالرداء والكساء. # وأما المضمر، فهو إما منفصل، وإما متصل: والمنفصل نحو: أنا، ونحن، وهو، ~~وهي ونحوه. والمتصل نحو: فعلت وفعلنا - وما بينهما فهو اسم الإشارة. # وهو إما أن يكون مفردا، ليس معه تنبيه ولا خطاب، أو يكون. PageV01P025 # فالأول، نحو: ذا، وذان، وذين، وأولاء. وأما إن كان غير مفرد، فإن وجد معه ~~التنبيه لا غير، فنحو: هذا، وهذان. وإن وجد معه الخطاب، فنحو: ذاك وذانك، ~~وإن اجتمعا معه، فنحو: هذاك، وهاتيك. # ثم ما كان من الأسماء الظاهرة، فلا يكون من أقل من ثلاثة أحرف أصول، نفيا ~~للاجحاف عنه مع قوته بالنسبة إلى الفعل والحرف، إلا فيما شذ من قولهم: يد، ~~ودم، وأب، وأخ ونحوه، مما حذف منه الحرف الثالث. # وما كان من الأسماء المضمرة متصلا، كان من حرف واحد كالتاء من فعلت. # وإن كان منفصلا، فلا يكون من أقل من حرفين، يبتدأ بأحدهما، ويوقف على ~~الآخر: نحو هو، وهي. وكذلك ما كان من أسماء الإشارة، فلا يكون من أقل من ~~حرفين أيضا، نحو ذا، وذي ونحوه. # وبالجملة فإما أن يدل على شئ بعينه، أو لا بعينه. # فالأول هو: المعرفة، كأسماء الاعلام، والمضمرات، والمبهمات، كأسماء ~~الإشارة، والموصولات، وما دخل عليه لام التعريف، وما أضيف إلى أحد هذه ~~المعارف. # والثاني هو: النكرة، كإنسان وفرس. # وما ألحق بآخره من الأسماء ياء مشددة، مكسور ما قبلها، فهو المنسوب، ~~كالهاشمي والمكي ونحوه. # القسمة الثالثة: # الاسم ينقسم ms024 إلى ما هو حقيقة، ومجاز. # أما الحقيقة فهي في اللغة مأخوذة من الحق، والحق هو الثابت اللازم، وهو ~~نقيض الباطل، ومنه يقال حق الشئ حقه، ويقال حقيقة الشئ أي ذاته الثابتة ~~اللازمة، ومنه قوله تعالى: * (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) * (39) ~~الزمر: 71) أي وجبت. وكذلك قوله تعالى: * (حقيق على أن لا أقول) * (7) ~~الأعراف: 105) أي واجب علي. PageV01P026 # وأما في اصطلاح الأصوليين، فاعلم أن الأسماء الحقيقية قد يطلقها ~~الأصوليون على لغوية وشرعية. واللغوية: تنقسم إلى وضعية وعرفية. والكلام ~~إنما هو في الحقيقة الوضعية، فلنعرفها، ثم نعود إلى باقي الأقسام. وقد ذكر ~~فيها حدود واهية يستغنى عن تضييع الزمان بذكرها، والحق في ذلك أن يقال: هي ~~اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة، كالأسد المستعمل في الحيوان ~~الشجاع العريض الأعالي، والانسان في الحيوان الناطق. # وأما الحقيقة العرفية اللغوية، فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له بعرف ~~الاستعمال اللغوي، وهي قسمان: # الأول: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام، ثم يخصص بعرف استعمال أهل اللغة ~~ببعض مسمياته، كاختصاص لفظ الدابة بذوات الأربع عرفا، وإن كان في أصل اللغة ~~لكل ما دب. وذلك إما لسرعة دبيبه أو كثرة مشاهدته، أو كثرة استعماله، أو ~~غير ذلك. # الثاني: أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى، ثم يشتهر في عرف استعمالهم ~~بالمجاز الخارج عن الموضوع اللغوي، بحيث إنه لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه ~~غيره، كاسم الغائط، فإنه، وإن كان في أصل اللغة للموضع المطمئن من الأرض، ~~غير أنه قد اشتهر في عرفهم بالخارج المستقذر من الانسان، حتى إنه لا يفهم ~~من ذلك اللفظ، عند إطلاقه غيره. ويمكن أن يكون شهرة استعمال لفظ الغائط من ~~الخارج المستقذر من الانسان، لكثرة مباشرته وغلبة التخاطب به مع الاستنكاف ~~من ذكر الاسم الخاص به، لنفرة الطباع عنه، فكنوا عنه بلازمه، أو لمعنى آخر. # وأما الحقيقة الشرعية، فهي استعمال الاسم الشرعي فيما كان موضوعا له أولا ~~في الشرع. وسواء كان الاسم الشرعي ومسماه لا يعرفهما أهل اللغة، أو هما ~~معروفان لهم. غير ms025 أنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، أو عرفوا المعنى، ~~ولم يعرفوا الاسم ولم يعرفوا ذلك المعنى كاسم الصلاة، PageV01P027 # والحج، والزكاة ونحوه. وكذلك اسم الايمان والكفر. لكن ربما خصت هذه ~~بالأسماء الدينية. # وإن شئت أن تحد الحقيقة على وجه يعم جميع هذه الاعتبارات، قلت: الحقيقة ~~هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به التخاطب. فإنه ~~جامع مانع. # وأما المجاز فمأخوذ في اللغة من الجواز، وهو الانتقال من حال إلى حال. # ومنه يقال جاز فلان من جهة كذا إلى كذا، وهو مخصوص في اصطلاح الأصوليين ~~بانتقال اللفظ من جهة الحقيقة إلى غيرها. # وقبل النظر في تحديده، يجب أن تعلم أن المجاز قد يكون لصرف اللفظ عن ~~الحقيقة الوضعية وعن العرفية، والشرعية إلى غيرها، كما كانت الحقيقة منقسمة ~~إلى وضعية وعرفية وشرعية. # وعند هذا نقول: من اعتقد كون المجاز وضعيا، قال في حد المجاز في اللغة ~~الوضعية هو اللفظ المتواضع على استعماله في غير ما وضع له أولا في اللغة ~~لما بينهما من التعلق. ومن لم يعتقد كونه وضعيا، أبقى الحد بحاله، وأبدل ~~المتواضع عليه بالمستعمل، وعلى هذا فلا يخفى حد التجوز عن الحقيقة العرفية ~~والشرعية. # وإن أردت التحديد على وجه يعم الجميع، قلت: هو اللفظ المتواضع على ~~استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به المخاطبة، ~~لما بينهما من التعلق، ونعني بالتعلق بين محل الحقيقة والمجاز أن يكون محل ~~التجوز مشابها لمحل الحقيقة في شكله وصورته، كإطلاق اسم الانسان على المصور ~~على الحائط، أو في صفة ظاهرة في محل الحقيقة، كإطلاق اسم الأسد على الانسان ~~لاشتراكهما في صفة الشجاعة، لا في صفة البخر لخفائها، أو لأنه كان حقيقة. # كإطلاق اسم العبد على المعتق، أو لأنه يؤول إليه في الغالب، كتسمية ~~العصير خمرا، أو أنه مجاور له في الغالب، كقولهم: جرى النهر والميزاب، ~~ونحوه. PageV01P028 # وجميع جهات التجوز، وإن تعددت غير خارجة عما ذكرناه وإنما قيدنا الحد ~~باللفظ، لان الكلام إنما هو في المجاز اللفظي ms026 لا مطلقا، وبقولنا: المتواضع ~~على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا تمييزا له عن الحقيقة. # وبقولنا: لما بينهما من التعلق، لأنه لو لم يكن كذلك، كان ذلك الاستعمال ~~ابتداء وضع آخر، وكان اللفظ مشتركا لا مجازا. # فإن قيل ما ذكرتموه من الحد غير جامع، لأنه يخرج منه التجوز بتخصيص الاسم ~~ببعض مدلولاته في اللغة، كتخصيص لفظ الدابة بذوات الأربع، فإنه مجاز، وهو ~~غير مستعمل في غير ما وضع له أولا، لدخول ذوات الأربع في المدلول الأصلي، ~~ويلزم منه أيضا خروج التجوز بزيادة الكاف في قوله: * (ليس كمثله شئ) * (42) ~~الشورى: 11)، فإنه مجاز، وهو غير مستعمل في إفادة شئ أصلا. ويخرج أيضا منه ~~التجوز بلفظ الأسد عن الانسان، حالة قصد تعظيمه، وإنما يحصل تعظيمه بتقدير ~~كونه أسدا، لا بمجرد إطلاق اسم الأسد عليه، بدليل ما إذا جعل علما له، ~~ومدلوله إذ ذاك لا يكون غير ما وضع له أولا. وتدخل فيه الحقيقة العرفية، ~~كلفظ الغائط وإن كان اللفظ مستعملا في غير موضوعه أولا. والحقيقة من حيث هي ~~حقيقة لا تكون مجازا. # قلنا: أما الاشكال الأول فمندفع، لأنه لا يخفى أن حقيقة المطلق مخالفة ~~لحقيقة المقيد من حيث هما كذلك، فإذا كان لفظ الدابة حقيقة في مطلق دابة، ~~فاستعماله في الدابة المقيدة على الخصوص يكون استعمالا له في غير ما وضع له ~~أولا، وأما الكاف في قوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * فليست مستعملة للاسمية ~~كوضعها في اللغة، ولا للتشبيه، وإلا كان معناها: ليس لمثله مثل، وهو مثل ~~لمثيله، فكان تناقضا فكانت مستعملة، لا فيما وضعت له في اللغة أولا، فكانت ~~داخلة في الحد. PageV01P029 # وأما التعبير بلفظ الأسد عن الانسان تعظيما له، فليس لتقدير مسمى الأسد ~~الحقيقي فيه، بل لمشاركته له في صفته من الشجاعة. والحقيقة العرفية وإن ~~كانت حقيقة بالنظر إلى تواضع أهل العرف عليها، فلا تخرج عن كونها مجازا ~~بالنسبة إلى استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا، ولا تناقض، وإذا عرف ~~معنى الحقيقة والمجاز، فمهما ورد لفظ ms027 في معنى، وتردد بين القسمين، فقد يعرف ~~كونه حقيقة ومجازا بالنقل عن أهل اللغة، وإن لم يكن نقل فقد يعرف كونه ~~مجازا بصحة نفيه في نفس الامر ويعرف كونه حقيقة بعدم ذلك. ولهذا فإنه يصح ~~أن يقال لمن سمي من الناس حمارا لبلادته، إنه ليس بحمار، ولا يصح أن يقال ~~إنه ليس بإنسان في نفس الامر لما كان حقيقة فيه. # ومنها أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير ~~قرينة، مع عدم العلم بكونه مجازا، بخلاف غيره من المدلولات، فالمتبادر إلى ~~الفهم هو الحقيقة، وغيره هو المجاز. # فإن قيل هذا لا يطرد في المجاز المنقول، حيث إنه يسبق إلى الفهم من اللفظ ~~دون حقيقته، فالامر فيهما بالضد مما ذكرتموه وينتقض أيضا باللفظ المشترك، ~~فأنه حقيقة في مدلولاته، مع عدم تبادر شئ منها إلى الفهم عند إطلاقه. # قلنا: أما الأول فمندفع. وذلك لان اللفظ الوارد، إذا تبادر مدلوله إلى ~~الذهن عند إطلاقه، فإن علم كونه مجازا فهو غير وارد على ما ذكرناه، وإن لم ~~يعلم، فالظاهر أنه يكون حقيقة فيه، لاختصاص ذلك بالحقيقة في الغالب، وإدراج ~~النادر تحت الغالب أولى. وأما اللفظ المشترك فإن قلنا إنه عام في جميع ~~محامله، فقد اندفع الاشكال. وإن قلنا إنه لا يتناول إلا واحدا من مدلولاته ~~على طريق البدل، فهو PageV01P030 # حقيقة في الواحد على البدل، لا في الواحد عينا. والذي هو حقيقة فيه فهو ~~متبادر إلى الفهم عند إطلاقه، وهو الواحد على البدل. والذي لم يتبادر إلى ~~الفهم وهو الواحد المعين غير حقيقة فيه، وفيه دقة. # ومنها أن لا يكون اللفظ مطردا في مدلوله، مع عدم ورود المنع من أهل اللغة ~~والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة، إذ هو غير مطرد في كل ~~طويل. # فإن قيل: عدم الاطراد لا يدل على التجوز، فإن اسم السخي حقيقة في الكريم، ~~والفاضل حقيقة في العالم، وهذان المدلولان موجودان في حق الله تعالى، ولا ~~يقال له سخي ولا فاضل، وكذلك اسم القارورة حقيقة ms028 في الزجاجة المخصوصة، ~~لكونها مقرا للمائعات، وهذا المعنى موجود في الجرة والكوز، ولا يسمى ~~قارورة، وإن سلمنا ذلك. ولكن الاطراد لا يدل على الحقيقة، لجواز اطراد بعض ~~المجازات، وعدم الاطراد في بعضها كما ذكرتموه فلا يلزم منه التعميم. # قلنا: أما الاشكال الأول، فقد اندفع بقولنا: إذا لم يوجد مانع شرعي ولا ~~لغوي وفيما أورد من الصور، قد وجد المنع، ولولاه لكان الاسم مطردا فيها. # وأما الثاني، فإنا لا ندعي أن الاطراد دليل الحقيقة، ليلزم ما قيل، بل ~~المدعى أن عدم الاطراد دليل المجاز. # ومنها أن يكون الاسم قد اتفق على كونه حقيقة في غير المسمى المذكور، ~~وجمعه مخالف لجمع المسمى المذكور، فنعلم أنه مجاز فيه، وذلك كإطلاق اسم ~~الامر على القول المخصوص، وعلى الفعل في قوله تعالى: * (وما أمرنا إلا ~~واحدة) * (54) القمر: 50) وقوله تعالى: * (وما أمر PageV01P031 # فرعون برشيد) * (11) هود: 97) فإن جمعه في جهة الحقيقة أوامر، وفي الفعل ~~أمور. ولا نقول إن المجاز لا يجمع والحقيقة تجمع، كما ذكر بعضهم، إذ ~~الاجماع منعقد على التجوز بلفظ الحمار عن البليد، مع صحة تثنيته وجمعه، حيث ~~يقال حماران وحمر. # فإن قيل اختلاف الجمع لا يدل على التجوز في المسمى المذكور، لجواز أن ~~يكون حقيقة فيه، واختلاف الجمع بسبب اختلاف المسمى. # قلنا: الجمع إنما هو للاسم، لا للمسمي فاختلافه لا يكون مؤثرا في اختلاف ~~الجمع. # ومنها أن يكون الاسم موضوعا لصفة، ولا يصح أن يشتق لموضوعها منها اسم، مع ~~عدم ورود المنع من الاشتقاق، فيدل على كونه مجازا، وذلك كإطلاق اسم الامر ~~على الفعل. فإنه لا يشتق لمن قام به منه اسم الآمر. بخلاف اسم القارورة، ~~فإنه لا يطلق على الكوز والجرة بطريق الاشتقاق من قرار المائع فيه، مع كون ~~اسم القرار فيه حقيقة كما اشتق في الزجاجة المخصوصة لورود المنع من أهل ~~اللغة فيه. # فإن قيل: هذا ينتقض باسم الرائحة القائمة بالجسم، فإنه حقيقة مع عدم ~~الاشتقاق. # قلنا: لا نسلم عدم الاشتقاق. فإنه يصح أن يقال للجسم الذي قامت به ~~الرائحة متروح. # ومنها ms029 أن يكون الاسم مضافا إلى شئ حقيقة، وهو متعذر الإضافة إليه، فيتعين ~~أن يكون مجازا في شئ آخر، وذلك كقوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: ~~82). # فإن قيل: لا يدل ذلك على كونه مجازا في الغير، لجواز أن يكون مشتركا، ~~وتعذر حمل اللفظ المشترك على بعض محامله لا يوجب جعله مجازا في الباقي. # قلنا: هذا مبني على القول بالاشتراك، وهو خلاف الأصل، والمجاز، وإن كان ~~على خلاف الأصل، إلا أن المحذور فيه أدنى من محذور الاشتراك على ما يأتي، ~~PageV01P032 # فكان أولى. وعلى هذا نقول: مهما ثبت كون اللفظ حقيقة في بعض المعاني، لزم ~~أن يكون مجازا فيما عداه، إذا لم يكن بينهما معنى مشترك يصلح أن يكون ~~مدلولا للفظ بطريق التواطؤ. # ومنها أن يكون قد ألف من أهل اللغة أنهم إذا استعملوا لفظا بإزاء معنى، ~~أطلقوه إطلاقا، وإذا استعملوه بإزاء غيره، قرنوا به قرينة، فيدل ذلك على ~~كونه حقيقة فيما أطلقوه مجازا في الغير، وذلك لان وضع الكلام للمعنى إنما ~~كان ليكتفي به في الدلالة. والأصل أن يكون ذاك في الحقيقة دون المجاز ~~لكونها أغلب في الاستعمال. # ومنها أنه إذا كان اللفظ حقيقة في معنى، ولذلك المعنى متعلق فإطلاقه ~~بإزاء ما ليس له ذلك المتعلق يدل على كونه مجازا فيه، كإطلاق اسم القدرة ~~على الصفة المؤثرة في الايجاد. فإن لها مقدورا، وإطلاقها على المخلوقات في ~~قولهم: انظر إلى قدرة الله لا مقدور لها. # فإن: قيل التعلق ليس من توابع كون اللفظ حقيقيا، بل من توابع المسمى، ولا ~~يلزم من اختلاف المسمى، إذا كان الاسم في أحدهما حقيقة، أن يكون مجازا في ~~الآخر، لجواز الاشتراك، فجوابه ما سبق. # ومنها أن يكون الاسم الموضوع لمعنى مما يتوقف إطلاقه عليه على تعلقه ~~بمسمى ذلك الاسم في موضع آخر، ولا كذلك بالعكس فيعلم أن المتوقف مجاز، ~~والآخر غير مجاز. # وتشترك الحقيقة والمجاز في امتناع اتصاف أسماء الاعلام بهما، كزيد وعمرو. # وذلك لان الحقيقة على ما تقدم إنما تكون عند استعمال اللفظ فيما وضع له ~~أولا، والمجاز ms030 في غير ما وضع له أولا. وذلك يستدعي كون الاسم الحقيقي ~~والمجازي في وضع اللغة موضوعا لشئ قبل هذا الاستعمال في وضع اللغة. وأسماء ~~الاعلام ليست كذلك. فإن مستعملها لم يستعملها فيما وضعه أهل اللغة له أولا، ~~ولا في غيره لأنها لم تكن من وضعهم، فلا تكون حقيقة ولا مجازا. PageV01P033 # وعلى هذا، فالألفاظ الموضوعة أولا في ابتداء الوضع في اللغة لا توصف ~~بكونها حقيقة ولا مجازا، وإلا كانت موضوعة قبل ذلك الوضع، وهو خلاف الفرض. ~~وكذلك كل وضع ابتدائي، حتى الأسماء المخترعة ابتداء لأرباب الحرف والصناعات ~~لأدواتهم وآلاتهم، وإنما تصير حقيقة ومجازا باستعمالها بعد ذلك. # وبهذا يعلم بطلان قول من قال: إن كل مجاز له حقيقة ولا عكس. # وذلك لان غاية المجاز أن يكون مستعملا في غير ما وضع له أولا، وما وضع له ~~اللفظ أولا ليس حقيقة، ولا مجازا، على ما عرف. # وبالنظر إلى ما حققناه في معنى الحقيقة والمجاز، يعلم أن تسمية اللفظ ~~المستعمل فيما وضع له أولا حقيقة، وإن كان حقيقة بالنظر إلى الامر العرفي، ~~غير أنه مجاز بالنظر إلى كونه منقولا من الوجوب والثبوت الذي هو مدلول ~~الحقيقة أولا في اللغة، على ما سبق تحقيقه. # وتشترك الحقيقة والمجاز أيضا أن كل ما كان من كلام العرب، ما عدا الوضع ~~الأول، فإنه لا يخلو عن الحقيقة والمجاز معا، بل لا بد من أحدهما فيه. # مسائل هذه القسمة خمس: PageV01P034 # المسألة الأولى في الأسماء الشرعية ولا شك في إمكانها، إذ لا إحالة في ~~وضع الشارع اسما من أسماء أهل اللغة، أو من غير أسمائهم على معنى يعرفونه، ~~أو لا يعرفونه، لم يكن موضوعا لأسمائهم. # فإن دلالات الأسماء على المعاني ليست لذواتها، ولا الاسم واجب للمعنى، ~~بدليل انتفاء الاسم قبل التسمية، وجواز إبدال اسم البياض بالسواد في ابتداء ~~الوضع، وكما في أسماء الاعلام، والأسماء الموضوعة لأرباب الحرف والصناعات ~~لأدواتهم وآلاتهم. # وإنما الخلاف نفيا وإثباتا في الوقوع. والحجاج هاهنا مفروض فيما استعمله ~~الشارع من أسماء أهل اللغة، كلفظ الصوم والصلاة هل ms031 خرج به عن وضعهم، أم لا. # فمنع القاضي أبو بكر من ذلك، وأثبته المعتزلة والخوارج والفقهاء احتج ~~القاضي بمسلكين: # الأول: أن الشارع لو فعل ذلك، لزمه تعريف الأمة بالتوقيف نقل تلك ~~الأسامي، وإلا كان مكلفا لهم بفهم مراده من تلك الأسماء، وهم لا يفهمونه، ~~وهو تكليف بما لا يطاق والتوقيف الوارد في مثل هذه الأمور لا بد وأن يكون ~~متواترا لعدم قيام الحجة بالآحاد فيها، ولا تواتر. # وهذه الحجة غير مرضية، أما أولا، فلأنها مبنية على امتناع التكليف بما لا ~~يطاق، وهو فاسد على ما عرف من أصول أصحابنا القائلين بخلافه في هذه ~~PageV01P035 # المسألة، وإن كان ذلك ممتنعا عند المعتزلة، وبتقدير امتناع التكليف بما ~~لا يطاق، إنما يكون هذا تكليفا بما لا يطاق إذ لو كلفهم بفهمها قبل ~~تفهيمهم. # وليس كذلك. # قوله: التفهيم، إنما يكون بالنقل. لا نسلم. وما المانع أن يكون تفهيمهم ~~بالتكرير والقرائن المتضافرة مرة بعد مرة، كما يفعل الوالدان بالولد ~~الصغير، والأخرس في تعريفه لما في ضميره لغيره بالإشارة. # المسلك الثاني: أن هذه الألفاظ قد اشتمل عليها القرآن. فلو كانت مفيدة ~~لغير مدلولاتها في اللغة، لما كانت من لسان أهل اللغة، كما لو قال: أكرم ~~العلماء وأراد به الجهال أو الفقراء، وذلك لان كون اللفظ عربيا ليس لذاته ~~وصورته، بل لدلالته على ما وضعه أهل اللغة بإزائه، وإلا، كانت جميع ألفاظهم ~~قبل التواضع عليها عربية، وهو ممتنع، ويلزم من ذلك أن لا يكون القرآن ~~عربيا، وهو على خلاف قوله تعالى: * (إنا جعلناه قرآنا عربيا) * (43) ~~الزخرف: 3)، وقوله تعالى: * (بلسان عربي مبين) * (26) الشعراء: 195)، وقوله ~~تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * (14) إبراهيم: 4) وذلك ~~ممتنع. # وهذا المسلك ضعيف أيضا، إذ لقائل أن يقول: لا أسلم أنه يلزم من ذلك خروج ~~القرآن عن كونه عربيا، فإن قيل لأنه إذا كان مشتملا على ما ليس بعربي، فما ~~بعضه عربي وبعضه غير عربي، لا يكون كله عربيا. وفي ذلك مخالفة ظواهر النصوص ~~المذكورة، فيمكن أن يقال: لا نسلم دلالة النصوص على كون ms032 القرآن بكليته ~~عربيا لان القرآن قد يطلق على السورة الواحدة منه، بل على الآية الواحدة ~~كما يطلق على الكل. ولهذا يصح أن يقال للسورة الواحدة: هذا قرآن. والأصل في ~~الاطلاق الحقيقة، ولأن القرآن مأخوذ من الجمع، ومنه يقال: قرأت الناقة ~~لبنها في ضرعها، إذا جمعته، وقرأت الماء في الحوض أي جمعته، والسورة ~~الواحدة فيها معنى الجمع، PageV01P036 # لتألفها من حروف وكلمات وآيات، فصح إطلاق القرآن عليها. غايته أنا خالفنا ~~هذا في غير الكتاب العزيز، فوجب العمل بمقتضى هذا الأصل في الكتاب وبعضه، ~~ولأنه لو حلف أنه لا يقرأ القرآن، فقرأ سورة منه، حنث، ولو لم يكن قرآنا، ~~لما حنث. وإذا كان كذلك فليس الحمل على الكل أولى من البعض. وعند ذلك أمكن ~~حمله على البعض الذي ليس فيه غير العربية. # فإن قيل: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، فلو ~~كان البعض قرآنا، والكل قرآنا لزمت التثنية في القرآن، وهو خلاف الاجماع. # وإذا لم يكن القرآن إلا واحدا، تعين أن يكون هو الكل ضرورة الاجماع على ~~تسميته قرآنا. # قلنا: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، لمعنى أنه ~~لم ينزل غير هذا القرآن، أو بمعنى أن المجموع قرآن، وبعضه ليس بقرآن. # الأول مسلم، والثاني ممنوع. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل على كون بعض القرآن قرآنا معارض بما يدل ~~على أنه ليس بقرآن، وهو صحة قول القائل عن السورة والآية: هذا بعض القرآن. # قلنا: المراد به إنما هو بعض الجملة المسماة بالقرآن، وليس في ذلك ما يدل ~~على أن البعض ليس بقرآن حقيقة. فإن جزء الشئ، إذا شارك كله في معناه، كان ~~مشاركا له في اسمه، ولهذا يقال إن بعض اللحم لحم، وبعض العظم عظم، وبعض ~~الماء ماء، لاشتراك الكل والبعض في المعنى المسمى بذلك الاسم، وإنما يمتنع ~~ذلك فيما كان البعض فيه غير مشارك للكل في المعنى المسمى بذلك الاسم. # ولهذا لا يقال: بعض العشرة عشرة، وبعض المائة مائة، وبعض الرغيف رغيف، ms033 ~~وبعض الدار دار، إلى غير ذلك. وعند ذلك، فما لم يبينوا كون ما نحن فيه من ~~القسم الثاني دون الأول، فهو غير لازم. وإن سلمنا التعارض من كل وجه، ~~PageV01P037 # فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات. وعلى المستدل الترجيح. وإن ~~سلمنا دلالة النصوص على كون القرآن بجملته عربيا، لكن بجهة الحقيقة، أو ~~المجاز، الأول ممنوع، والثاني مسلم، وذلك لان ما الغالب منه العربية، يسمى ~~عربيا، وإن كان فيه ما ليس بعربي، كما يسمى الزنجي أسود، وإن كان بعضه ~~اليسير مبيضا، كأسنانه، وشحمة عينيه، والرومي أبيض وإن كان البعض اليسير ~~منه أسود، كالناظر من عينيه. وكذل البيت من الشعر بالفارسية يسمى فارسيا، ~~وإن كان مشتملا على كلمات يسيرة من العربية. # ويدل على هذا التجوز ما اشتمل عليه القرآن من الحروف المعجمة، في أوائل ~~السور، فإنها ليست من لغة العرب في شئ، وأيضا فإن القرآن قد اشتمل على ~~عبادات غير معلومة للعرب، فلا يتصور التعبير عنها في لغتهم. فلا بد لها من ~~أسماء تدل عليها غير عربية، وأيضا فإن القرآن مشتمل على قوله تعالى: * (وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) وأراد به صلاتكم، وليس الايمان ~~في اللغة بمعنى الصلاة، بل بمعنى التصديق، وعلى قوله: * (أقيموا الصلاة) * ~~(2) البقرة: 43) والصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وفي الشرع عبارة عن ~~الافعال المخصوصة، وعلى قوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) ~~والزكاة في اللغة عبارة عن النماء والزيادة، وفي الشرع عبارة عن وجوب أداء ~~مال مخصوص، وعلى قوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام) * (2) البقرة: 183) ~~والصوم في اللغة عبارة عن مطلق إمساك، وفي الشرع عبارة عن إمساك مخصوص، بل ~~وقد يطلق الصوم في الشرع في حالة لا إمساك فيها، كحالة الآكل ناسيا. # وعلى قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (3) آل عمران: 97) ~~PageV01P038 # والحج في اللغة عبارة عن مطلق قصد، وفي الشرع عبارة عن القصد إلى مكان ~~مخصوص. # وهذا كله يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي، فكان إطلاق اسم العربي ~~عليه مجازا. # فإن قيل: أما الحروف المعجمة التي في أوائل ms034 السور فهي أسماؤها، وأما ~~العبادات الحادثة فمن حيث إنها أفعال محسوسة معلومة للعرب ومسماة بأسماء ~~خاصة لها لغة، غير أن الشرع اعتبرها في الثواب والعقاب عليها بتقدير الفعل ~~أو الترك. وليس في ذلك ما يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي. # وأما الآيات المذكورة فهي محمولة على مدلولاتها لغة. # أما قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143)، ~~فالمراد به تصديقكم بالصلاة، وقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: ~~43) فالمراد به الدعاء، وكذلك قوله: * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43)، ~~فالمراد به النمو. # والمراد من الصوم الامساك، ومن الحج القصد. # غير أن الشارع شرط في إجزائها وصحتها شرعا ضم غيرها إليها. وليس في ذلك ~~ما يدل على تغيير الوضع اللغوي، وإن سلمنا دخول هذه الشروط في مسمى هذه ~~الأسماء، لكن بطريق المجاز، أما في الصلاة، فمن جهة أن الدعاء جزؤها، والشئ ~~قد يسمى باسم جزئه، ومنه قول الشاعر: # يناشدني حاميم والرمح شاجر * * فهلا تلا حاميم قبل التقدم وأراد به ~~القرآن، فسماه باسم جزئه. وكذلك الكلام في الصوم، والزكاة، والحج. # ويمكن أن يقال بأن تسمية الصوم الخاص، وكذلك الزكاة، والحج، والايمان. من ~~باب التصرف بتخصيص الاسم ببعض مسمياته لغة، كما في لفظ PageV01P039 # الدابة والشارع له ولاية هذا التصرف، كما لأهل اللغة، ويخص الصلاة أن ~~أفعالها، إنما سميت صلاة، لكونها مما يتبع بها فعل الامام. فإن التالي ~~للسابق من الخيل يسمى مصليا، لكونه تابعا، ويخص الزكاة أن تسمية الواجب ~~زكاة باسم سببه، والتجوز باسم السبب عن المسبب جائز لغة. والمجاز من اللغة ~~لا من غيرها. # قلنا: أما الحروف فإنها إذا كانت أسماء لآحاد السور، فهي أعلام لها، ~~وليست لغوية. فقد اشتمل القرآن على ما ليس من لغة العرب. وما ذكروه في ~~العبادات الحادثة في الشرع فإنما يصح، أن لو لم تكن قد أطلق عليها أسماء لم ~~تكن العرب قد أطلقتها عليها. ويدل على هذا الاطلاق ما ذكر من الآيات، ~~قولهم: إن هذه الأسماء محمولة على موضوعاتها لغة: غير أن الشارع شرط في ~~إجزائها شروطا لا تصح ms035 بدونها، فإن مسمى الصلاة في اللغة هو الدعاء. # وقد يطلق اسم الصلاة على الافعال التي لا دعاء فيها. كصلاة الأخرس الذي ~~لا يفهم الدعاء في الصلاة حتى يأتي به. وبتقدير أن يكون الدعاء متحققا، ~~فليس هو المسمى بالصلاة وحده. ودليله أنه يصح أن يقال إنه في الصلاة حالة ~~كونه غير داع، ولم كان هو المسمى بالصلاة لا غير، لصح عند فراغه من الدعاء ~~أن يقال: # خرج من الصلاة. وإذا عاد إليه، يقال: عاد إلى الصلاة. وأن لا يسمى الشخص ~~مصليا حالة عدم الدعاء مع تلبسه بباقي الافعال. وكل ذلك خلاف الاجماع. # قولهم: تسمية هذه الأفعال بهذه الأسماء إنما هو بطريق المجاز. # قلنا: الأصل في الاطلاق الحقيقة. # وقولهم: إن الدعاء جزء من هذه الأفعال. والشئ قد يسمى باسم جزئه. # قلنا: كل جزء أو بعض الاجزاء: الأول ممنوع، والثاني مسلم. # ولهذا فإن العشرة لا تسمى خمسة، ولا الكل جزءا، وإن كان بعضه يسمى جزءا، ~~إلى أمثلة كثيرة لا تحصى. PageV01P040 # وليس القول بأن ما نحن فيه من القبيل الجائز أولى من غيره، وإن سلمنا صحة ~~ذلك تجوزا. ولكن ليس القول بالتجوز في هذه الأسماء، وإجراء لفظ القرآن على ~~حقيقته أولى من العكس. # فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، فإن ما ذكرتموه يلزم منه النقل وتغيير ~~اللغة، فيستدعي ثبوت أصل الوضع وإثبات وضع آخر. والوضع اللغوي لا يفتقر إلى ~~شئ آخر، ولا يلزم منه تغيير، فكان أولى. وأيضا فإن الغالب من الأوضاع ~~البقاء لا التغيير، وإدراج ما نحن فيه تحت الأغلب أغلب. # قلنا: بل جانب الخصم أولى، لما فيه من ارتكاب مجاز واحد وما ذكرتموه ففيه ~~ارتكاب مجازات كثيرة، فكان أولى. وعلى هذا فقد اندفع قولهم بالتجوز بجهة ~~التخصيص أيضا. وما ذكروه من تسمية أفعال الصلاة، لما فيها من المتابعة ~~للامام، فيلزم منه أن لا تسمى صلاة الامام والمنفرد صلاة لعدم هذا المعنى ~~فيها. # وقولهم في الزكاة: أن الواجب سمي زكاة باسم سببه تجوزا، فيلزم عليه أن لا ~~تصح تسميته زكاة، عند عدم النماء ms036 في المال، وإن كان النماء حاصلا فالتجوز ~~باسم السبب عن المسبب جائز مطلقا، أو في بعض الأسباب: الأول ممنوع، والثاني ~~مسلم. ولهذا، فإنه لا يصح تسمية الصيد شبكة، وإن كان نصبها سببا له، ولا ~~يسمى الابن أبا، وإن كان الأب سببا له. وكذلك لا يسمى العالم إلها، وإن كان ~~الاله تعالى سببا له، إلى غير ذلك من النظائر. # وعند ذلك فليس القول بأن ما نحن فيه، من قبيل التجوز به، أولى من غيره. # وأما المعتزلة فقد احتجوا بما سبق من الآيات، وبقولهم إن الايمان في ~~اللغة هو التصديق، وفي الشرع يطلق على غير التصديق. ويدل عليه قوله، عليه ~~السلام: PageV01P041 # الايمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق سمي إماطة الأذى إيمانا، وليس بتصديق. # وأيضا فإن الدين في الشرع، عبارة عن فعل العبادات، وإقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة، بدليل قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ~~* (98) البينة: 5) إلى آخر الآية. ثم قال: * (وذلك دين القيمة) * (98) ~~البينة: 5) فكان راجعا إلى كل المذكور، والدين هو الاسلام، لقوله تعالى: * ~~(إن الدين عند الله الاسلام) * (3) آل عمران: 19) والاسلام هو الايمان، ~~فيكون الايمان، في الشرع، هو فعل العبادات. # ودليل كون الايمان هو الاسلام، إنه لو كان الايمان غير الاسلام، لما كان ~~مقبولا من صاحبه، لقوله تعالى: * (ومن يبتغ غير الاسلام دينا، فلن يقبل ~~منه) * (3) آل عمران: 85) وأيضا فإنه استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله ~~تعالى: * (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين) * (51) الذاريات: 35) والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى ~~منه. # وأيضا قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) ~~وأراد به الصلاة إلى بيت المقدس. # وأيضا فإن قاطع الطريق، وإن كان مصدقا، فليس بمؤمن، لأنه يدخل النار، ~~بقوله تعالى: * (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * (2) البقرة: 114) والداخل في ~~النار مخزي، لقوله تعالى حكاية عن أهل النار: * (ربنا إنك من تدخل النار ~~فقد أخزيته) * (3) آل عمران: 192) مع التقرير لهم على ذلك. ms037 والمؤمن غير ~~مخزي لقوله تعالى: * (يوم لا يخزي الله النبي والذين أمنوا معه) * (66) ~~التحريم: 8) PageV01P042 # وأيضا فإن المكلف يوصف بكونه مؤمنا، حالة كونه غافلا عن التصديق بالنوم ~~وغيره، وأيضا فإنه لو كان الايمان في الشرع، هو الايمان اللغوي، أي التصديق ~~لسمي في الشرع المصدق بشريك الاله تعالى مؤمنا، والمصدق بالله مع إنكار ~~الرسالة مؤمنا، إلى نظائره. # ولقائل أن يقول: أما الآيات السابق ذكرها، فيمكن أن يقال في جوابها إن ~~إطلاق اسم الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، إنما كان بطريق المجاز على ما ~~سبق، والمجاز غير خارج عن اللغة، وتسمية إماطة الأذى عن الطريق إيمانا أمكن ~~أن يكون لكونه دليلا على الايمان فعبر باسم المدلول عن الدال، وهو أيضا جهة ~~من جهات التجوز. # فإن قيل: الأصل إنما هو الحقيقة. # قلنا: إلا أنه يلزم منه التغيير، ومخالفة الوضع اللغوي، فيتقابلان وليس ~~أحدهما أولى من الآخر لما سبق. # وقولهم: إن الايمان هو الاسلام بما ذكروه، فهو معارض بقوله تعالى: * (قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) * (49) الحجرات: 14)، ولو اتحدا، لما صح هذا ~~القول. وليس أحدهما أولى من الآخر، بل الترجيح للتغاير، نظرا إلى أن الأصل ~~عند تعدد الأسماء تعدد المسميات، ولئلا يلزم منه التغيير في الوضع. وبهذا ~~يندفع ما ذكروه من الاستثناء. # وقوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) فالمراد ~~به التصديق بالصلاة، PageV01P043 # لا نفس الصلاة، فلا تغيير، وإن كان المراد به الصلاة غير أن الصلاة، لما ~~كانت تدل على التصديق، سميت باسم مدلولها، وذلك مجاز من وضع اللغة. # وقوله تعالى: * (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) * (66) ~~التحريم: 8) لا يتناول كل مؤمن، بل من آمن مع النبي، عليه السلام، وهو صريح ~~في ذلك. وأولئك لم يصدر منهم ما دل صدر الآية عليه، من الحراب لله ورسوله، ~~والسعي في الأرض بالفساد الذي أوجب دخول النار في الآية. ولا يلزم من نفي ~~الخزي عمن آمن مع النبي نفيه عن غيره. # وقولهم: إن المكلف يوصف بالايمان، حالة كونه غافلا عن التصديق بالله ~~تعالى، إنما كان ذلك ms038 بطريق المجاز، لكونه كان مصدقا، وأنه يؤول إلى ~~التصديق. وهو جهة من جهات التجوز. # وما يقال من أن الأصل الحقيقة، فقد سبق جوابه. كيف وإن ذلك لازم لهم في ~~كل ما يفسرون الايمان به. ومع اتحاد المحذور، فتقرير الوضع أولى. # والمصدق بشريك الاله تعالى، ليس مؤمنا شرعا، لان الايمان في الشرع مطلق ~~تصديق، بل تصديق خاص، وهو التصديق بالله، وبما جاءت به رسله. # وهو من باب تخصيص الاسم ببعض مسمياته في اللغة، فكان مجازا لغويا، وبه ~~يندفع ما قيل من التصديق بالله، والكفر برسوله، حيث أن مسمى الايمان الشرعي ~~لم يوجد. # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فالحق عندي في ذلك إنما هو إمكان كل ~~واحد من المذهبين. # وأما ترجيح الواقع منهما، فعسى أن يكون عند غيري تحقيقه. PageV01P044 # المسألة الثانية اختلف الأصوليون في اشتمال اللغة على الأسماء المجازية: ~~فنفاه الأستاذ أبو إسحاق، ومن تابعه، وأثبته الباقون وهو الحق. # حجة المثبتين أنه قد ثبت إطلاق أهل اللغة اسم الأسد على الانسان الشجاع، ~~والحمار على الانسان البليد، وقولهم: ظهر الطريق ومتنها، وفلان على جناح ~~السفر، وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق، وكبد السماء، إلى غير ذلك، ~~وإطلاق هذه الأسماء لغة مما لا ينكر إلا عن عناد. وعند ذلك فإما أن يقال إن ~~هذه الأسماء حقيقة في هذه الصور، أو مجازية لاستحالة خلو الأسماء اللغوية ~~عنهما ما سوى الوضع الأول كما سبق تحقيقه، لا جائز أن يقال بكونها حقيقة ~~فيها، لأنها حقيقة فيما سواها بالاتفاق. # فإن لفظ الأسد حقيقة في السبع، والحمار في البهيمة، والظهر والمتن والساق ~~والكبد في الأعضاء المخصوصة بالحيوان، واللمة في الشعر إذا جاوز شحمة ~~الأذن. # وعند ذلك فلو كانت هذه الأسماء حقيقية فيما ذكر من الصور، لكان اللفظ ~~مشتركا، ولو كان مشتركا، لما سبق إلى الفهم، عند إطلاق هذه الألفاظ، البعض ~~دون البعض، ضرورة التساوي في الدلالة الحقيقية. ولا شك أن السابق إلى الفهم ~~من إطلاق لفظ الأسد، إنما هو السبع، ومن إطلاق لفظ الحمار، إنما هو ~~البهيمة، ms039 وكذلك في باقي الصور. # كيف وإن أهل الاعصار لم تزل تتناقل في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية ~~هذا حقيقة، وهذا مجازا. PageV01P045 # فإن قيل: لو كان في لغة العرب لفظ مجازي، فأما أن يفيد معناه بقرينة، أو ~~لا بقرينة. فإن كان الأول، فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى، فكان ~~مع القرينة حقيقة في ذلك المعنى. وإن كان الثاني، فهو أيضا حقيقة، إذا لا ~~معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالإفادة من غير قرينة. # وأيضا فإنه ما من صورة من الصور، إلا ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي ~~الخاص بها. فاستعمال اللفظ المجازي فيها، مع افتقاره إلى القرينة من غير ~~حاجة، بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم. # قلنا: جواب الأول، أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة، ولا ~~معنى للمجاز سوى هذا. والنزاع في ذلك لفظي، كيف وإن المجاز والحقيقة من ~~صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية، فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع. # وجواب الثاني، أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي، دون الحقيقة، قد ~~تكون لاختصاصه بالخفة على اللسان، أو لمساعدته في وزن الكلام نظما ونثرا، ~~والمطابقة، والمجانسة، والسجع، وقصد التعظيم، والعدول عن الحقيقي للتحقير، ~~إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام. PageV01P046 # المسألة الثالثة اختلفوا في دخول الأسماء المجازية في كلام الله تعالى: # فنفاه أهل الظاهر، والرافضة. وأثبته الباقون. # احتج المثبتون بقوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) وبقوله ~~تعالى: * (واسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي أقبلنا فيها) * (12) ~~يوسف: 82) وبقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * (18) الكهف: 77). # والأول: من باب التجوز بالزيادة. ولهذا لو حذفت الكاف بقي الكلام مستقلا. # والثاني: من باب النقصان، فإن المراد به أهل القرية، لاستحالة سؤال ~~القرية، والعير وهي البهائم. # والثالث: من باب الاستعارة، لتعذر الإرادة من الجدار وإذا امتنع حمل هذه ~~الألفاظ على ظواهرها في اللغة، فما تكون محمولة عليه هو المجاز. # فإن قيل: لا نسلم التجوز فيما ذكرتموه من الألفاظ، أما قوله تعالى: * ~~(ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) فهو حقيقة في نفي التشبيه، ms040 إذ الكاف ~~للتشبيه. # وأما قوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) فالمراد به مجتمع ~~الناس، فإن القرية مأخوذة من الجمع، ومنه يقال: قرأت الماء في الحوض، أي ~~جمعته. # وقرأت الناقة لبنها في ضرعها، أي جمعته. ويقال لمن صار معروفا بالضيافة، ~~مقري ويقري، لاجتماع الأضياف عنده. وسمي القرآن قرآنا لذلك أيضا، لاشتماله ~~على مجموع السور والآيات. وأما العير فهي القافلة ومن فيها من الناس. ثم ~~وإن كان اسم القرية للجدران، والعير للبهائم، غير أن الله تعالى قادر على ~~إنطاقها، وزمن النبوة زمن خرق العوائد، فلا يمتنع نطقها بسؤال النبي لها. ~~PageV01P047 # وقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * (18) الكهف: 77) فمحمول أيضا على ~~حقيقته، لأنه لا يتعذر على الله تعالى خلق الإرادة فيه. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التجوز، لكنه معارض بما يدل على عدمه، وذلك ~~لان المجاز كذب، ولذلك يصدق نفيه عند قول القائل للبليد حمار، وللانسان ~~الشجاع أسد. ونقيض النفي الصادق يكون كاذبا، ولأن المجاز هو الركيك من ~~الكلام، وكلام الرب تعالى مما يصان عنه. # سلمنا أنه ليس بكذب، غير أنه إنما يصار إليه عند العجز عن الحقيقة، ~~ويتعالى الرب عن ذلك. # سلمنا أنه غير متوقف على العجز عن الحقيقة، غير أنه مما لا يفيد معناه ~~بلفظه دون قرينة، وربما تخفى، فيقع الالتباس على المخاطب، وهو قبيح من ~~الحكيم. # سلمنا أنه لا يفضي إلى الالتباس، غير أنه إذا خاطب بالمجاز، وجب وصفه ~~بكونه متجوزا، نظرا إلى الاشتقاق، كما في الواحد منا، وهو خلاف الاجماع. # سلمنا عدم اتصافه بذلك، غير أن كلام الله تعالى حق فله حقيقة، والحقيقة ~~مقابلة للمجاز. # والجواب: قولهم: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) لنفي التشبيه ليس ~~كذلك، فإنه لو كانت الكاف هاهنا للتشبيه، لكان معنى النفي: ليس مثل مثله ~~شئ. وهو تناقض، ضرورة أنه مثل لمثله، فالمثل في الآية زائد، والمراد من ~~قولهم مثلك لا يقول هذا المشارك له في صفاته. # وقولهم: المراد من القرية الناس المجتمعون، ليس كذلك لان القرية هي المحل ~~الذي يقع فيه الاجتماع، لا نفس الاجتماع. ومن ذلك ms041 سمي الزمان الذي فيه ~~يجتمع دم الحيض قرأ. وكذلك يقال القاري لجامع القرآن، والمقري لجامع ~~الأضياف. # قولهم: إن العير هي القافلة المجتمعة من الناس. # قلنا: من الناس والبهائم، لا نفس الناس فقط، ولهذا لا يقال لمجتمع الناس ~~من غير أن يكون معهم بهائم، قافلة. PageV01P048 # قولهم لو سأل لوقع الجواب. # قلنا: جواب الجدران والبهائم ثم غير واقع على وفق الاختيار في عموم ~~الأوقات، بل إن وقع، فإنما يقع بتقدير تحدي النبي عليه السلام به. ولم يكن ~~كذلك فيما نحن فيه فلا يمكن الاعتماد عليه. ثم وإن أمكن تخيل ما قالوه مع ~~بعده، فبماذا يعتذر عن قوله تعالى: * (تجري من تحتها الأنهار) * (2) ~~البقرة: 25) والأنهار غير جارية، وعن قوله تعالى: * (واشتعل الرأس شيبا) * ~~(19) مريم: 4) وهو غير مشتعل، وعن قوله تعالى: * (واخفض لهما جناح الذل) * ~~(17) الاسراء: 24) والذل لا جناح له، وقوله تعالى: * (الحج أشهر معلومات) * ~~(2) البقرة: 197) والأشهر ليست هي الحج، وإنما هي طرف لافعال الحج، وقوله ~~تعالى: * (لهدمت صوامع وبيع وصلوات) * (22) الحج: 40) والصلوات لا تهدم، ~~وقوله: * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * (4) النساء: 43) وقوله: * (الله ~~نور السماوات والأرض) * (24) النور: 35) وقوله: * (فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم) * (2) البقرة: 194) والقصاص ليس بعدوان، وقوله: * (وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها) * (42) الشورى: 40) وقوله: * (الله يستهزئ بهم) * (2) البقرة: ~~15)، * (ويمكرون ويمكر الله) * (8) الأنفال: 30)، وقوله: * (كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله) * (5) المائدة: 64)، وقوله تعالى: * (أحاط بهم ~~سرادقها) * (18) الكهف: 29) إلى ما لا يحصى ذكره من المجازات. # وعن المعارضة الأولى بمنع كون المجاز كذبا، فإنه إنما يكون كذبا أن لو ~~أثبت ذلك حقيقة لا مجازا، كيف وإن الكذب مستقبح عند العقلاء، بخلاف ~~الاستعارة والتجوز، فإنه عندهم من المستحسنات. # قولهم: إنه من ركيك الكلام، ليس كذلك، بل ربما كان المجاز أفصح وأقرب إلى ~~تحصيل مقاصد المتكلم البليغ على ما سبق وعن الثانية، بمنع ما ذكروه من ~~اشتراط المصير إلى المجاز بالعجز عن الحقيقة، بل إنما يصار إليه مع القدرة ~~على الحقيقة لما ذكرناه من المقاصد فيما تقدم. # وعن الثالثة، أنها مبنية على القول بالتقبيح العقلي، وقد ms042 أبطلناه، ~~PageV01P049 # كيف وهو لازم على الخصوم فيما ورد من الآيات المتشابهات. فما هو الجواب ~~في المتشابهات؟ هو الجواب لنا هاهنا. # وعن الرابعة، أنه إنما لم يسم، متجوزا، لان ذلك مما يوهم التسمح في ~~أقواله بالقبيح. ولهذا يفهم منه ذلك عند قول القائل: فلان متجوز في مقاله ~~... (2) فيتوقف إطلاقه في حق الله تعالى على الاطلاق الشرعي ولم يرد. # وعن الخامسة، أن كلام الله وإن كان له حقيقة، فبمعنى كونه صدقا، لا بمعنى ~~الحقيقة المقابلة للمجاز. # المسألة الرابعة اختلفوا في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية. فأثبته ~~ابن عباس وعكرمة، ونفاه الباقون. # احتج النافون بقوله تعالى: * (ولو جعلناه قرآنا أعجميا، لقالوا لولا فصلت ~~آياته أأعجمي وعربي) * (41) فصلت: 44) فنفى أن يكون أعجميا، وقطع اعتراضهم ~~بتنوعه بين أعجمي وعربي. ولا ينتفي الاعتراض وفيه أعجمي، وبقوله تعالى: * ~~(بلسان عربي مبين) * (26) الشعراء: 195) وبقوله: * (إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا) * (12) يوسف: 2) وظاهر ذلك ينافي أن يكون فيه ما ليس بعربي. # واحتج المثبتون لذلك بقولهم: القرآن مشتمل على المشكاة. وهي هندية، ~~وإستبرق، وسجيل بالفارسية، وطه، بالنبطية، وقسطاس، بالرومية، والأب، وهي ~~كلمة لا تعرفها العرب، ولذلك روي عن عمر أنه لما تلا هذه الآية قال: هذه ~~الفاكهة فما الأب PageV01P050 # قالوا: ولأن النبي عليه السلام مبعوث إلى أهل كل لسان كافة على ما قال ~~تعالى: * (كافة للناس بشيرا ونذيرا) * (34) سبأ: 28) وقال عليه السلام بعثت ~~إلى الأسود والأحمر، فلا ينكر أن يكون كتابه جامعا للغة الكل، ليتحقق خطابه ~~للكل إعجازا وبيانا، وأيضا فإن النبي عليه السلام لم يدع أنه كلامه، بل ~~كلام الله تعالى، رب العالمين، المحيط بجميع اللغات، فلا يكون تكلمه ~~باللغات المختلفة منكرا، غايته أنه لا يكون مفهوما للعرب. وليس ذلك بدعا، ~~بدليل تضمنه للآيات المتشابهات، والحروف المعجمة في أوائل السور. # أجاب النافون، وقالوا: أما الكلمات المذكورة، فلا نسلم أنها ليست عربية، ~~وغايته اشتراك اللغات المختلفة في بعض الكلمات، وهو غير ممتنع، كما في ~~قولهم: # سروال بدل سراويل، وفي قولهم: تنور، فإنه قد قيل إنه مما اتفق فيه جميع ~~اللغات، ولا ms043 يلزم من خفاء كلمة الأب على عمر أن لا يكون عربيا، إذ ليس كل ~~كلمات العربية مما أحاط بها كل واحد من آحاد العرب. ولهذا قال ابن عباس: ما ~~كنت أدري ما معنى: * (فاطر السماوات والأرض) * (35) فاطر: 1) حتى سمعت ~~امرأة من العرب تقول: # أنا فطرته أي ابتدأته. # وأما بعثته إلى الكل، فلا يوجب ذلك اشتمال الكتاب على غير لغة العرب لما ~~ذكروه. وإلا لزم اشتماله على جميع اللغات، ولما جاز الاقتصار من كل لغة على ~~كلمة واحدة لتعذر البيان والاعجاز بها. وما ذكروه فغايته أنه إذا كان كلام ~~الله المحيط بجميع اللغات، فلا يمتنع أن يكون مشتملا على اللغات المختلفة، ~~ولكنه لا يوجبه، فلا يقع ذلك في مقابلة النصوص الدالة على عدمه. ~~PageV01P051 # المسألة الخامسة اختلفوا في إطلاق الاسم على مسماه المجازي: هل يفتقر في ~~كل صورة إلى كونه منقولا عن العرب، أو يكفي فيه ظهور العلاقة المعتبرة في ~~التجوز، كما عرفناه أولا، فمنهم من شرط في ذلك النقل مع العلاقة. ومنهم من ~~اكتفى بالعلاقة لا غير. # احتج الشارطون للنقل بأنه لو اكتفى بالعلاقة لجاز تسمية غير الانسان ~~نخلة، لمشابهته لها في الطول، كما جاز في الانسان، ولجاز تسمية الصيد شبكة، ~~والثمرة شجرة، وظل الحائط حائطا، والابن أبا، تعبيرا عن هذه الأشياء بأسماء ~~أسبابها لما بينها وبين أسبابها من الملازمة في الغالب. وهي من الجهات ~~المصححة للتجوز. # وليس كذلك. فدل على أنه لا بد من نقل الاستعمال ولقائل أن يقول: ما ~~المانع أن يكون تحقق العلاقة بين محل الحقيقة ومحل التجوز كافيا في جواز ~~إطلاق الاسم على جهة المجاز، وحيث وجدت العلاقة المجوزة للاطلاق في بعض ~~الصور، وامتنع الاطلاق، فإنما كان لوجود المنع من قبل أهل اللغة، لا للتوقف ~~على نقل استعمالهم للاسم فيها على الخصوص. # فإن قيل: لو لم يكن نقل استعمال أهل اللغة معتبرا في محل التجوز، فتسميته ~~باسم الحقيقة، إما بالقياس عليه: أو أنه مخترع للواضع المتأخر، الأول ممتنع ~~لما يأتي، والثاني، فلا يكون من لغة العرب. PageV01P052 # قلنا: ms044 لا يلزم من عدم التنصيص في آحاد الصور من أهل اللغة على التسمية أن ~~يكون كما ذكروه، بل ثم قسم ثالث: وهو أن تنص العرب نصا كليا على جواز إطلاق ~~الاسم الحقيقي على كل ما كان بينه وبينه علاقة منصوص عليها من قبلهم، كما ~~بيناه. ولا معنى للمجاز إلا هذا. وهو غير خارج عن لغتهم. # فإن قيل: لو كان الامر على ما ذكرتموه، لكان المنع منهم متحققا مع وجود ~~المطلق، وهو تعارض مخالف للأصل بخلاف ما ذكرناه. # قلنا: أمكن أن يكون المطلق ما ذكرناه مشروطا بعدم ظهور المنع، ومع ظهور ~~المنع، فلا مطلق، وفيه عوص. # واحتج النافون بأن إطلاق المجاز مما لا يفتقر إلى بحث ونظر دقيق في ~~الجهات المصححة في التجوز. والامر النقلي لا يكون كذلك، وأيضا فإنه لو كان ~~نقليا لما افتقر فيه إلى العلاقة بينه وبين محل الحقيقة، بل لكان النقل فيه ~~كافيا. # ولقائل أن يقول: أما الأول، فالنظر ليس في النقل بل في العلاقة التي بين ~~محل التجوز والحقيقة. وأما الثاني، فلان الافتقار إلى العلاقة إنما كان ~~لضرورة توقف المجاز، من حيث هو مجاز عليها. وإلا كان إطلاق الاسم عليه من ~~باب الاشتراك، لا من باب المجاز. وإذا تقاومت الاحتمالات في هذه المسألة، ~~فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح. PageV01P053 # القسمة الرابعة: # الاسم لا يخلو إما أن يكون بحيث لا يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو ~~يصح. # فالأول: اسم العلم، كزيد وعمرو، والثاني: إما أن لا يكون صفة، أو هو صفة: # والأول هو اسم الجنس، وهو إما أن يكون عينا، كالانسان والفرس، أو غير ~~عين، كالعلم والجهل، والصفة، كالقائم والقاعد. وهو الاسم المشتق، والمشتق ~~هو ما غير من أسماء المعاني عن شكله بزيادة أو نقصان في الحروف أو الحركات ~~أو فيهما، وجعل دالا على ذلك المعنى، وعلى موضوع له غير معين، كتسمية الجسم ~~الذي قام به السواد أسود، والبياض أبيض، ونحوه. ولا يتصور أن يكون المشتق ~~إلا كذلك. # وهل يشترط قيام المشتق منها بما له الاشتقاق، وهل ms045 يلزم الاشتقاق من الصفة ~~المعنوية لما قامت به، فذلك مما أوجبه أصحابنا، ونفاه المعتزلة، حيث إنهم ~~جوزوا اشتقاق اسم المتكلم لله تعالى من كلام مخلوق له غير قائم بذاته، ولم ~~يوجبوا الاشتقاق منه للمحل الذي خلق فيه. وقد عرفنا مأخذ الخلاف من ~~الجانبين، وما هو الصحيح منه في أبكار الأفكار فليلتمس. # مسائل هذه القسمة مسألتان: # المسألة الأولى في أن بقاء الصفة المشتق منها، هل يشترط في إطلاق اسم ~~المشتق حقيقة، أم لا. # فأثبته قوم، ونفاه آخرون، وقد فصل بعضهم بين ما هو ممكن الحصول، وما ليس ~~ممكنا. فاشترط ذلك في الممكن دون غيره. PageV01P054 # احتج الشارطون بأنه لو كان إطلاق الضارب على شخص ما حقيقة بعد انقضائه ~~صفة الضرب منه، لما صح نفيه. ويصح أن يقال إنه في الحال ليس بضارب. # ولقائل أن يقول: صحة سلب الضاربية عنه في الحال، إنما يلزم منه سلبها عنه ~~مطلقا، إذ لو لم يكن أعم من الضاربية في الحال، وهو غير مسلم. وعند ذلك فلا ~~يلزم من صحة سلب الأخص سلب الأعم. # فإن قيل: قول القائل هذا ضارب لا يفيد سوى كونه ضاربا في الحال، فإذا سلم ~~صحة سلبه في الحال، فهو المطلوب. # قلنا: هذا بعينه إعادة دعوى محل النزاع. بل الضارب هو من حصل له الضرب، ~~وهو أعم من حصول الضرب له في الحال. فالضارب أعم من الضارب في الحال. # فإن قيل: وكما أن حصول الضرب أعم من حصول الضرب في الحال، لانقسامه إلى ~~الماضي والحال فهو أعم من المستقبل أيضا، لانقسامه إلى الحال والمستقبل. ~~فإن صدق اسم الضارب حقيقة باعتبار هذا المعنى الأعم، فليكن اسم الضارب ~~حقيقة قبل وجود الضرب منه، كما كان حقيقة بعد زوال الضرب. # قلنا: الضارب حقيقة من حصل منه الضرب. وهذا يصدق على من وجد منه الضرب في ~~الماضي أو الحال، بخلاف من سيوجد منه الضرب في المستقبل، فإنه لا يصدق عليه ~~أنه حصل منه الضرب. وعند ذلك فلا يلزم من صدق الضارب حقيقة على من وجد منه ~~الضرب، ms046 صدقه حقيقة على من سيوجد منه الضرب، ولم يوجد. # واحتج النافون بوجوه: PageV01P055 # الأول: أن أهل اللغة قالوا: إذا كان اسم الفاعل بتقدير الماضي لا يعمل ~~عمل الفعل، فلا يقال ضارب زيدا أمس، كما يقال بتقدير المستقبل، بل يقال ~~ضارب زيد، أطلقوا عليه اسم الفاعل باعتبار ما صدر عنه من الفعل الماضي. # الثاني: أنه لو كان وجود ما منه الاشتقاق شرطا في صحة الاشتقاق حقيقة، ~~لما كان إطلاق اسم المتكلم والمخبر حقيقة أصلا، لان ذلك لا يصح إلا بعد ~~تحقق الكلام منه والخبر، وهو إنما يتم بمجموع حروفه وأجزائه، ولا وجود ~~للحروف السابقة مع الحرف الأخير أصلا ولا حقا، بامتناع كونه متكلما حقيقة ~~قبل وجود الكلام، فلو لم يكن حقيقة عند آخر جزء من الكلام والخبر مع عدم ~~وجود الكلام والخبر في تلك الحالة، لما كان حقيقة أصلا، وهو ممتنع، وإلا ~~لصح أن يقال إنه ليس بمتكلم إذ هو لازم نفي الحقيقة، ولما حنث من حلف أن ~~فلانا لم يتكلم حقيقة، وإنني لا أكلم فلانا حقيقة، إذا كان قد تكلم أو ~~كلمه. # الثالث: إن الضارب من حصل منه الضرب، ومن وجد منه الضرب في الماضي، يصدق ~~عليه أنه قد حصل منه الضرب فكان ضاربا حقيقة. # ولقائل أن يقول: أما الوجه الأول: فإنه لا يلزم من إطلاق اسم الفاعل عليه ~~أن يكون حقيقة، ولهذا فإنهم قالوا: اسم الفاعل، إذا كان بتقدير المستقبل، ~~عمل عمل الفعل. فقيل ضارب زيدا غدا، وليس ذلك حقيقة بالاتفاق. # وأما الوجه الثاني: فغير لازم أيضا، إذ للخصم أن يقول: شرط كون المشتق ~~حقيقة إنما هو وجود ما منه الاشتقاق إن أمكن، وإلا فوجود آخر جزء منه. # وذلك متحقق في الكلام والخبر بخلاف ما نحن فيه. # وأما الثالث: فلا نسلم أن اسم الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب مطلقا، ~~بل من الضرب حاصل منه حالة تسميته ضاربا. ثم يلزم تسمية أجلاء الصحابة ~~كفرة، لما وجد منهم من الكفر السابق، والقائم قاعدا، والقاعد قائما، لما ~~وجد منه من القعود ms047 والقيام السابق، وهو غير جائز بإجماع المسلمين وأهل ~~اللسان. # هذا ما عندي في هذه المسألة، وعليك بالنظر والاعتبار. PageV01P056 # المسألة الثانية اختلفوا في الأسماء اللغوية: هل ثبتت قياسا أم لا. ~~فأثبته القاضي أبو بكر، وابن سريج من أصحابنا، وكثير من الفقهاء وأهل ~~العربية. وأنكره معظم أصحابنا، والحنفية، وجماعة من أهل الأدب مع اتفاقهم ~~على امتناع جريان القياس في أسماء الاعلام وأسماء الصفات. # أما أسماء الاعلام: فلكونها غير موضوعة لمعان موجبة لها، والقياس لا بد ~~فيه من معنى جامع، إما معرف وإما داع. وإذا قيل في حق الأشخاص في زماننا: ~~هذا سيبويه، وهذا جالينوس. فليس بطريق القياس في التسمية، بل معناه: هذا ~~حافظ كتاب سيبويه وعلم جالينوس بطريق التجوز، كما يقال: # قرأت سيبويه، والمراد به كتابه. # وأما أسماء الصفات: الموضوعة للفرق بين الصفات، كالعالم والقادر، فلأنها ~~واجبة الاطراد، نظرا إلى تحقق معنى الاسم، فإن مسمى العالم من قام به ~~العلم، وهو متحقق في حق كل من قام به العلم، فكان إطلاق اسم العالم عليه ~~ثابتا بالوضع لا بالقياس، إذ ليس قياس أحد المسميين المتماثلين في المسمى ~~على الآخر أولى من العكس، وإنما الخلاف في الأسماء الموضوعة على مسمياتها ~~مستلزمة لمعان في محالها وجودا وعدما، وذلك كإطلاق اسم الخمر على النبيذ ~~بواسطة مشاركته للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على العقل، ~~وكإطلاق اسم السارق على النباش، بواسطة مشاركته للسارقين من الاحياء في أخذ ~~المال على سبيل الخفية، وكإطلاق اسم الزاني على اللائط بواسطة مشاركته ~~للزاني في إيلاج الفرج المحرم، والمختار أنه لا قياس، وذلك لأنه إما أن ~~ينقل عن العرب أنهم وضعوا اسم الخمر لكل مسكر، أو للمعتصر من العنب خاصة، ~~أو لم ينقل شئ من ذلك فإن كان الأول، فاسم الخمر ثابت للنبيذ بالتوقيف لا ~~بالقياس. وإن كان الثاني، فالتعدية تكون على خلاف المنقول عنهم، ولا يكون ~~ذلك من لغتهم. PageV01P057 # وإن كان الثالث، فيحتمل أن يكون الوصف الجامع الذي به التعدية دليلا على ~~التعدية، ويحتمل أن لا يكون دليلا، بدليل ما ms048 صرح بذلك، وإذا احتمل، واحتمل، ~~فليس أحد الامرين أولى من الآخر. فالتعدية تكون ممتنعة. # فإن قيل الوصف الجامع، وإن احتمل أن لا يكون دليلا غير أن احتمال كونه ~~دليلا أظهر وبيانه من ثلاثة أوجه: # الأول: إن الاسم دار مع الوصف في الأصل وجودا وعدما. والدوران دليل كون ~~وجود الوصف أمارة على الاسم، فيلزم من وجوده في الفرع وجود الاسم. # الثاني: إن العرب إنما سمت باسم الفرس، والانسان الذي كان في زمانهم، ~~وكذلك وصفوا الفاعل في زمانهم بأنه رفع، والمفعول نصب، وإنما وصفوا بعض ~~الفاعلين والمفعولين، ومع ذلك فالاسم مطرد في زماننا بإجماع أهل اللغة في ~~كل إنسان وفرس، وفاعل ومفعول، وليس ذلك إلا بطريق القياس. # والثالث: قوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (59) الحشر: 2) وهو ~~عام في كل قياس. # ثم ما ذكرتموه باطل بالقياس الشرعي. فإن كل ما ذكرتموه من الأقسام بعينه ~~متحقق فيه. ومع ذلك فالقياس صحيح متبع، وهو أيضا على خلاف مذهب الشافعي، ~~فإنه سمى النبيذ خمرا، وأوجب الحد بشربه، وأوجب الحد على اللائط قياسا على ~~الزنى، وأوجب الكفارة في يمين الغموس قياسا على اليمين في المستقبل، وتأول ~~حديث: الشفعة للجار بحمله على الشريك في الممر، وقال: العرب تسمي الزوجة ~~جارا، فالشريك أولى. # قلنا: جواب الأول: إن دوران الاسم مع الوصف في الأصل وجودا وعدما لا يدل ~~على كونه علة للاسم، بمعنى كونه داعيا إليه وباعثا، بل إن كان، ولا بد، ~~فبمعنى كونه أمارة، وكما دار مع اسم الخمر مع الشدة المطربة، دار مع خصوص ~~شدة المعتصر من العنب، وذلك غير موجود في النبيذ، فلا قياس. PageV01P058 # ثم ما ذكروه منتقض بتسمية العرب للرجل الطويل نخلة، والفرس الأسود، أدهم، ~~والملون بالبياض والسواد، أبلق، والاسم فيه دائر مع الوصف في الأصل وجودا ~~وعدما. ومع ذلك لم يسموا الفرس والجمل لطوله نخلة، ولا الانسان المسود، ~~أدهم، ولا المتلون من باقي الحيوانات بالسواد والبياض أبلق. وكل ما هو ~~جوابهم في هذه الصور جوابنا في موضع النزاع. # وجواب الثاني: أن ما وقع الاستشهاد به ms049 لم يكن مستند التسمية فيه على ~~الاطلاق، القياس، بل العرب وضعت تلك الأسماء للأجناس المذكورة بطريق ~~العموم، لا أنها وضعتها للمعين، ثم طرد القياس في الباقي. # وجواب الثالث: بمنع العموم في كل اعتبار، وإن كان عاما في المعتبر، فلا ~~يدخل فيه القياس في اللغة. وأما النقض بالقياس الشرعي فغير متجه، من جهة أن ~~اجتماع الأمة من السلف عندنا أوجب الالحاق عند ظن الاشتراك في علة حكم ~~الأصل، حتى إنه لو لم يكن إجماع، لم يكن قياس. ولا إجماع فيما نحن فيه من ~~الأمة السابقة على الالحاق. فلا قياس. # وأما تسمية الشافعي: رضي الله عنه، النبيذ خمرا، فلم يكن في ذلك مستندا ~~إلى القياس، بل إلى قوله عليه السلام: إن من التمر خمرا وهو توقيف لا قياس، ~~وإيجابه للحد في اللواط، وفي النبش، لم يكن لكون اللواط زنى، ولا لكون ~~النبش سرقة، بل لمساواة اللواط للزنى، والنبش للسرقة في المفسدة المناسبة ~~للحد المعتبر في الشرع. # وأما يمين الغموس: فإنما سميت يمينا لا بالقياس، بل بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: اليمن الغموس تدع الديار بلاقع فكان ذلك بالتوقيف. PageV01P059 # وأما تسمية الشافعي للشريك جارا، إنما كان بالتوقيف لا بالقياس على ~~الزوجة، وإنما ذكر الزوجة لقطع الاستبعاد في تسمية الشريك جارا، لزيادة ~~قربه بالنسبة إلى الجار الملاصق فقال: الزوجة أقرب من الشريك، وهي جار، فلا ~~يستبعد ذلك فيما هو أبعد منها، وبتقدير أن يكون قائلا بالقياس في اللغة، ~~إلا أن غيره مخالف له. والحق من قوليهما أحق أن يتبع. # الفصل الخامس في الفعل وأقسامه والفعل ما دل على حدث مقترن بزمان محصل ~~والحدث المصدر، وهو اسم الفعل، والزمان المحصل، الماضي والحال، والمستقبل. ~~وهو منقسم بحسب انقسام الزمان فالماضي منه، كقام وقعد والحاضر والمستقبل في ~~اللفظ واحد، ويسمى المضارع، وهو ما في أوله إحدى الزوائد الأربع، وهي: ~~الهمزة، والتاء، والنون، والياء، كقولك: أقوم، وتقوم ونقوم، ويقوم. وتخليص ~~المستقبل عن الحاضر بدخول السين أو سوف عليه، كقولك: سيقوم وسوف يقوم. # وأما فعل الامر، فما نزع منه ms050 حرف المضارعة لا غير، كقولك في يقوم قم، ~~ونحوه. # ويدخل في هذه الأقسام فعل ما لم يسم فاعله، وأفعال القلوب والجوارح، ~~والافعال الناقصة، وأفعال المدح والذم، والتعجب. # والفعل وإن كان كلمة مفردة عند النحاة مطلقا، فعند الحكماء المفرد منه ~~إنما هو الماضي دون المضارع. وذلك، لان حرف المضارعة في المضارع هو ~~PageV01P060 # الدال على الموضوع، معينا كان أو غير معين، والمفرد هو الدال الذي لا جزء ~~له يدل على شئ أصلا على ما سبق تحقيقه في حد المفرد. وهو بخلاف الماضي، ~~فإنه، وإن دل على الفعل وعلى موضوعه، فليس فيه حرف يدل على الموضوع، فكان ~~مفردا. # وقد ألحق بعضهم ما كان من المضارع الذي في أوله الياء بالماضي في ~~الافراد، دون غيره، لاشتراكهما في الدلالة على الفعل، وعلى موضوع له غير ~~معين، وليس بحق. فإنهما، وإن اشتركا في هذا المعنى، فمفترقان من جهة دلالة ~~الياء على الموضوع الذي ليس معينا، بخلاف الماضي، حيث إنه لم يوجد منه حرف ~~يدل على الموضوع كما سبق. # الفصل السادس في الحرف وأصنافه الحرف ما دل على معنى في غيره، وهو على ~~أصناف: # منها حرف الإضافة، وهو ما يفضي بمعاني الافعال إلى الأسماء. وهو ثلاثة ~~أقسام: # الأول: منه ما لا يكون إلا حرفا كمن، وإلى، وحتى، وفي، والباء، واللام، ~~ورب، وواو القسم، وتائه. # أما من فهي قد تكون لابتداء الغاية، كقولك: سرت من بغداد، وللتبعيض، ~~كقولك: أكلت من الخبز، ولبيان الجنس، كقولك: خاتم من حديد، وزائدة، كقولك: ~~ما جاءني من أحد. PageV01P061 # وأما إلى فهي قد تكون لانتهاء الغاية، كقولك: سرت إلى بغداد، وبمعنى مع، ~~كقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (4) النساء: 2)، وأما ~~حتى ففي معنى إلى وأما في فللظرفية، كقولك، وزيد في الدار. وقد ترد بمعنى ~~على، كقوله تعالى: * (ولأصلبنكم في جذوع النخل) * (20) طه: 71). وقد يتجوز ~~بها في قولهم، نظرت في العلم الفلاني. # وأما الباء فللالصاق، كقولك: به داء. وقد تكون للاستعانة، كقولك: # كتبت بالقلم. والمصاحبة، كقولك: اشتريت الفرس بسرجه، وقد ترد بمعنى على، ~~قال ms051 الله تعالى: * (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من ~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (3) آل عمران: 75)، أي على قنطار، وعلى ~~دينار، وقد ترد بمعنى من أجل، قال الله تعالى: * (ولم أكن بدعائك رب شقيا) ~~* (19) مريم: 4) أي لأجل دعائك، وقيل بمعنى في دعائك. # وقد تكون زائدة، كقوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (2) ~~البقرة: 195). # وأما اللام فهي للاختصاص، كقولك: المال لزيد، وقد تكون زائدة، كقوله: ردف ~~لكم. # وأما رب فهي للتقليل، ولا تدخل إلا على النكرة، كقولك: رب رجل عالم. # وأما واو القسم فمبدلة عن باء الالصاق، في قولك: أقسمت بالله. # والتاء مبدلة من الواو في تالله. # القسم الثاني: ما يكون حرفا واسما، كعلى، وعن، والكاف، ومذ، ومنذ. # فأما على فهي للاستعلاء، وهي إما حرف، كقولك: على زيد دين، وإما اسم، ~~كقول الشاعر: # غدت من عليه بعدما تظمئها تصل وعن قيض بزيزاء مجهل PageV01P062 # وأما عن فللمباعدة: وهي إما حرف، كقوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره) * (24) النور: 63) وإما اسم، كقولك: جلست من عن يمينه. # وأما الكاف فقد تكون حرفا للتشبيه، كقولك: زيد كعمرو. # وقد تكون اسما، كقول الشاعر: # يضحكن عن كالبرد المنهم وأما مذ ومنذ فحرفان لابتداء الغاية في الزمان، ~~تقول: ما رأيته مذ اليوم، ومنذ يوم الجمعة. وقد يكونان اسمين، إذا رفعا ما ~~بعدهما. # القسم الثالث: ما يكون حرفا وفعلا، كحاشا، وخلا، وعدا. فإنها تخفض ما ~~بعدها بالحرفية، وقد تنصبه بالفعلية ومنها الحرف المضارع للفعل، وهو ينصب ~~الاسم ويرفع الخبر، مثل: إن، وأن، ولكن، وكأن، وليت، ولعل. # ومنها حروف العطف، وهي عشرة: منها أربعة تشتر ك في جميع المعطوف والمعطوف ~~عليه في حكم، غير أنها تختلف في أمور أخرى، وهذه هي الواو، والفاء، وثم ~~وحتى. # أما الواو فقد اتفق جماهير أهل الأدب على أنها للجمع المطلق غير مقتضية ~~ترتيبا ولا معية. ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقا، ونقل عن الفراء أنها ~~للترتيب حيث يستحيل الجمع، كقوله: * (يا أيها الذين آمنوا، اركعوا، ~~واسجدوا) * (22) الحج: 77)، وقيل إنها ms052 ترد بمعنى أو كقوله تعالى: * (أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع) * (35) فاطر: 1) قيل، أراد مثنى، أو ثلاث، أو ~~رباع. وقد ترد للاستئناف، كالواو في قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) تقديره، ~~والراسخون يقولون آمنا به وقد ترد بمعنى مع في باب المفعول معه، تقول: # جاء البرد والطيالسة. وقد ترد بمعنى إذ قال الله تعالى: * (ثم أنزل عليكم ~~من بعد الغم أمنة نعاسا) * (3) آل عمران: 154) إلى قوله: * (وطائفة قد ~~أهمتهم أنفسهم) * (3) آل عمران: 154) أي إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم. ~~PageV01P063 # احتج القائلون بالجمع المطلق من تسعة أوجه: # الأول: أنه لو كانت الواو في قول القائل: رأيت زيدا وعمرا للترتيب، لما ~~صح قوله تعالى: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) * (2) البقرة: 58) في آية، ~~وفي آية أخرى: # * (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) * (7) الأعراف: 161) مع اتحاد القضية، ~~لما فيه من جعل المتقدم متأخرا، والمتأخر متقدما. # الثاني: أنه لو كانت للترتيب، لما حسن قول القائل: تقاتل زيد وعمرو إذ لا ~~ترتيب فيه. # الثالث: أنه كان يلزم أن يكون قول القائل: جاء زيد وعمرو كاذبا عند ~~مجيئهما معا، أو تقدم المتأخر، وليس كذلك. # الرابع: أنه كان يلزم أن يكون قوله: رأيت زيدا وعمرا بعده تكريرا، وقبله ~~تناقضا. # الخامس: أنها لو كانت للترتيب، لما حسن الاستفسار عن تقدم أحدهما، وتأخر ~~الآخر، لكونه مفهوما من ظاهر العطف. # السادس: أنه كان يجب على العبد الترتيب، عند قول سيده له، إيت بزيد ~~وعمرو. # السابع: هو أن واو العطف في الأسماء المختلفة جارية مجرى واو الجمع، وفي ~~الأسماء المتماثلة مجرى ياء التثنية، وهما لا يقتضيان الترتيب، فكذلك ما هو ~~جار مجراهما. # الثامن: أن الجمع المطلق معقول، فلا بد له من حرف يفيده، وليس ثم من ~~الحروف ما يفيده سوى الواو بالاجماع فتعين أن يكون هو الواو. # التاسع: أنها لو أفادت الترتيب، لدخلت في جواب الشرط كالفاء، ولا يحسن أن ~~يقال: إذا دخل زيد الدار وأعطه درهما كما يحسن أن يقال: فأعطه درهما. # ولقائل أن يقول: ms053 على الوجه الأول: إذا كان من أصل المخالف أن الواو ظاهرة ~~في الترتيب، فلا يمنع ذلك من حملها على غير الترتيب تجوزا، وعلى هذا فحيث ~~تعذر حملها على الترتيب في الآيتين المذكورتين، لا يمنع من استعمالها في ~~غير الترتيب بجهة التجوز. PageV01P064 # وكذلك الكلام في قولهم: تقاتل زيد وعمرو ولا يلزم من التجوز بالواو في ~~غير الترتيب أن يتجوز عنه بالفاء وثم، إذ هو غير لازم مع اختلاف الحروف. # وعلى الوجه الثالث: أنه لا يلزم أن يكون كاذبا بتقدير المعية، أو تقدم ~~المتأخر في اللفظ لامكان التجوز بها عن الجمع المطلق، كما لو قال: رأيت ~~أسدا وكان قد رأى إنسانا شجاعا. # وعلى الرابع: أنه إذا قال: رأيت زيدا وعمرا بعده لا يكون تكريرا، لأنه ~~يكون مفيدا لامتناع حمله على الجمع المطلق، لاحتمال توهمه بجهة التجوز. # وإذا قال: رأيت زيدا وعمرا قبله لا يكون تناقضا، لكونه مفيدا لإرادة جهة ~~التجوز. # وعلى الخامس: أنه إنما حسن الاستفسار لاحتمال اللفظ له تجوزا. # وعلى السادس: أنه إنما لم يجب على العبد الترتيب نظرا إلى قرينة الحال ~~المقتضية لإرادة جهة التجوز، حتى إنه لو فرض عدم القرينة، لقد كان ذلك ~~موجبا للترتيب. # فإن قيل: لو كانت الواو حقيقة في الترتيب، فإفادتها للجمع المطلق عند ~~تفسيرها به: إن كان مجازا، فهو خلاف الأصل، وإن كان حقيقة، فليزم منه ~~الاشتراك، وهو أيضا على خلاف الأصل. # قلنا: ولو كانت حقيقة في الجمع المطلق، فإفادتها للترتيب عند تفسيرها به، ~~وإن كان مجازا فهو خلاف الأصل، وإن كان حقيقة كان مشتركا، وهو خلاف الأصل. ~~وليس أحد الامرين أولى من الآخر فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، لأنها إذا ~~كانت حقيقة في الترتيب خلا الجمع المطلق عن حرف يخصه، ويدل عليه، وإذا كانت ~~حقيقة في الجمع المطلق، لم يخل الترتيب عن حرف يدل عليه لدلالة الفاء وثم ~~عليه. # قلنا: فنحن إنما نجعلها حقيقة في الترتيب المطلق المشترك بين الفاء وثم ~~وذلك مما لا تدل عليه الفاء وثم دلالة مطابقة، بل إما بجهة ms054 التضمن أو ~~PageV01P065 # الالتزام. وكما أنها تدل على الترتيب المشترك بدلالة التضمن أو الالتزام، ~~فتدل على الجمع المطلق هذه الدلالة. وعند ذلك فليس إخلاء الترتيب المشترك ~~عن لفظ يطابقه، أولى من إخلاء الجمع المطلق. # وعلى السابع: أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كانت الواو جارية مجرى واو ~~الجمع وياء التثنية مطلقا، وليس كذلك، لأنه لا مانع من كونها جارية مجراهما ~~في مطلق الجمع، مع كونها مختصة بالترتيب. كما في الفاء وثم. # وعلى الثامن: أنه كما أن الجمع المطلق معقول، ولا بد له من حرف يدل عليه ~~فالترتيب المطلق أيضا معقول وبد له من حرف يدل عليه. وليس ما يفيده ~~بالاجماع سوى الواو فتعين، كيف وإن الجمع المطلق حاصل بقوله: رأيت زيدا، ~~رأيت عمرا. # وعلى التاسع: أن ما ذكروه منتقض بثم وبعد. # وأما المثبتون للترتيب، فقد احتجوا بالنقل، والحكم، والمعنى أما النقل ~~فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، اركعوا، واسجدوا) * (22) الحج: 77) ~~فإنه مقتض للترتيب، وأيضا ما روي أنه لما نزل قوله تعالى: * (إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله) * (2) البقرة: 58) قال الصحابة للنبي عليه السلام: ~~بم نبدأ؟ قال: ابدأوا بما بدأ الله به ولولا أن الواو للترتيب، لما كان ~~كذلك. # وأيضا ما روي أن واحدا قام بين يدي رسول الله وقال: من أطاع الله ورسوله ~~فقد اهتدى، ومن عصاهما فقد غوى فقال عليه السلام بئس خطيب القوم أنت، قل ~~ومن عصى الله ورسوله فقد غوى ولو كانت الواو للجمع المطلق، لما وقع الفرق. ~~PageV01P066 # وأيضا ما روي عن عمر أنه قال لشاعر قال: كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا ~~لو قدمت الاسلام على الشيب لأجزتك وكان عمر من أهل اللسان، وذلك يدل على ~~الترتيب. # وأيضا ما روي أن الصحابة أنكروا على ابن عباس، وقالوا له: لم تأمرنا ~~بالعمرة قبل الحج، وقد قال الله: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (2) ~~البقرة: 196) وكانوا أيضا من أهل اللسان وذلك يدل على الترتيب ولولا أن ~~الواو للترتيب، لما كان كذلك. # وأما الحكم، فإنه لو قال الزوج لزوجته قبل الدخول بها: ms055 أنت طالق وطالق ~~وطالق وقع بها طلقة واحدة، ولو كانت الواو للجمع المطلق لوقعت الثلاث، كما ~~لو قال لها: أنت طالق ثلاثا. # وأما المعنى، فهو أن الترتيب في اللفظ يستدعي سببا، والترتيب في الوجود ~~صالح له، فوجب الحمل عليه. # أجاب النافون عن النقل: أما الآية، فلا نسلم أن الترتيب مستفاد منها، بل ~~من دليل آخر، وهو أن النبي عليه السلام صلى ورتب الركوع قبل السجود، وقال: # صلوا كما رأيتموني أصلي ولو كانت الواو للترتيب، لما احتاج النبي عليه ~~السلام إلى هذا البيان. # وأما قوله عليه السلام: ابدأوا بما بدأ الله به فهو دليل عليهم، حيث سأله ~~الصحابة عن ذلك مع أنهم من أهل اللسان، ولو كانت الواو للترتيب لما احتاجوا ~~إلى ذلك السؤال. # ولقائل أن يقول: ولو كانت للجمع المطلق، لما احتاجوا إلى السؤال، ~~فيتعارضان، ويبقى قوله عليه السلام: ابدأوا بما بدأ الله به وهو دليل ~~الترتيب. # وأما قوله عليه السلام: قل ومن عصى الله ورسوله فقد غوى إنما قصد به ~~إفراد ذكر الله تعالى أولا مبالغة في تعظيمه، لا أن الواو للترتيب، ويدل ~~عليه أن معصية الله ورسوله لا انفكاك لإحداهما عن الأخرى، حتى يتصور فيهما ~~الترتيب. PageV01P067 # وأما قول عمر، فمبني على قصد التعظيم بتقديم ذكر الأعظم، على قصد ~~الترتيب. # وأما قصة الصحابة مع ابن عباس، فلم يكن مستند إنكارهم لامره بتقديم ~~العمرة على الحج، كون الآية مقتضية لترتيب العمرة بعد الحج، بل لأنها ~~مقتضية للجمع المطلق، وأمره بالترتيب مخالف لمقتضى الآية، كيف وإن فهمهم ~~لترتيب العمرة على الحج من الآية معارض بما فهمه ابن عباس، وهو ترجمان ~~القرآن. # وأما الحكم فهو ممنوع على أصل من يعتقد أن الواو للجمع المطلق. وبه قال ~~أحمد بن حنبل، وبعض أصحاب مالك، والليث بن سعد، وربيعة بن أبي ليلى. # وقد نقل عن الشافعي ما يدل عليه في القديم. وإن سلم ذلك، فالوجه في ~~تخريجه أن يقال: # إذا قال لها أنت طالق ثلاثا، فالأخير تفسير للأول، والكلام يعتبر بجملته، ~~بخلاف قوله: أنت طالق ms056 وطالق وطالق. # وأما المعنى فهو منقوض بقوله: رأيت زيدا، رأيت عمرا فإن تقديم أحد ~~الاسمين في الذكر لا يستدعي تقديمه في نفس الامر إجماعا. كيف وإنه يجوز أن ~~يكون السبب في تقديمه ذكرا لزيادة حبه له واهتمامه بالاخبار عنه، أو لأنه ~~قصد الاخبار عنه لا غير، ثم تجدد له قصد الاخبار عن الآخر عند إخباره عن ~~الأول. # وبالجملة فالكلام في هذه المسألة متجاذب، وإن كان الأرجح هو الأول في ~~النفس. # وأما الفاء وثم وحتى، فإنها تقتضي الترتيب. وتختلف من جهات أخر. # فأما الفاء فمقتضاها إيجاب الثاني بعد الأول من غير مهلة. هذا مما اتفق ~~الأدباء على نقله عن أهل اللغة. وقوله تعالى * (وكم من قرية أهلكناها ~~فجاءها بأسنا) * (7) الأعراف: 4) وإن كان مجئ البأس لا يتأخر عن الهلاك، ~~فيجب تأويله بالحكم بمجئ البأس بعد هلاكها ضرورة موافقة للنقل. وقوله ~~تعالى: * (لا تفتروا على الله كذبا PageV01P068 # فيسحتكم بعذاب) * (20) طه: 61) وقوله تعالى: * (وإن كنتم على سفر ولم ~~تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) * (2) البقرة: 283) فإنه، وإن كان الاسحات ~~بالعذاب مما يتراخى عن الافتراء بالكذب. # وكذلك الرهن مما يتراخى عن المداينة، غير أنه يجب تأويله بأن حكم ~~الافتراء، الاسحات، وحكم المداينة، الرهنية، لما ذكرناه من موافقة النقل. # وقد ترد الفاء مورد الواو كقول الشاعر: # بسقط اللوى بين الدخول فحومل وأما ثم فإنها توجب الثاني بعد الأول بمهلة: ~~وقوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) * (20) طه: ~~82) وإن كان الاهتداء يتراخى عن التوبة والايمان والعمل الصالح، فيجب حمله ~~على دوام الاهتداء وثباته، ضرورة موافقة النقل. # وقيل إنها قد ترد بمعنى الواو كقوله تعالى: * (فإلينا مرجعهم، ثم الله ~~شهيد على ما يفعلون) * (10) يونس: 46) لاستحالة كونه شاهدا بعد أن لم يكن ~~شاهدا. # وأما حتى فموجبة لكون المعطوف جزءا من المعطوف عليه، نحو قولك: # مات الناس حتى الأنبياء، وقدم الحاج حتى المشاة. فالأول أفضله، والثاني ~~دونه. # وثلاثة منها تشترك في تعليق الحكم بأحد المذكورين وهي: أو، وإما، وأم. # إلا أن أو وإما يقعان في الخبر والامر والاستفهام. ms057 وأم لا تقع إلا في ~~الاستفهام. غير أن أو وإما في الخبر للشك، تقول: جاء زيد أو عمرو، وجاء إما ~~زيد وإما عمرو، وفي الامر للتخيير تقول: اضرب زيدا أو عمرا، واضرب إما زيدا ~~وإما عمرا. وللإباحة تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين. وأو في الاستفهام مع ~~الشك في وجود الامرين، وأم مع العلم بأحدهما والشك في تعيينه. # وثلاثة منها تشترك في أن المعطوف مخالف للمعطوف عليه في حكمه، وهي: # لا، وبل، ولكن. تقول: جاءني زيد لا عمر، بل عمرو، وما جاءني زيد لكن عمرو ~~ومنها: حروف النفي، وهي: ما، ولا، ولم، ولما، ولن، وإن بالتخفيف. ~~PageV01P069 # فأما ما فلنفي الحال، أو الماضي القريب من الحال، كقولك ما تفعل، ما فعل. # وأما لا فلنفي المستقبل، إما خبرا كقولك: لا رجل في الدار، أو نهيا، ~~كقولك: لا تفعل، أو دعاء كقولك: لا رعاك الله. # وأما لم ولما فلقلب المضارع إلى الماضي، تقول: لم يفعل، ولما يفعل، ولن ~~لتأكيد المستقبل، كقولك: لن أبرح اليوم مكاني، تأكيدا كقولك: # لا أبرح اليوم مكاني. # وإن لنفي الحال كقوله تعالى: * (إن كانت إلا صيحة واحدة) * (36) يس: 29). # ومنها حروف التنبيه، وهي: ها، وألا، وأما. # تقول: ها أفعل كذا، وألا زيد قائم، وأما إنك خارج. # ومنها حروف النداء، وهي: يا، وأيا، وهيا، وأي، والهمزة، ووا. # والثلاثة الأول لنداء البعيد، وأي والهمزة للقريب، ووا للندبة. # ومنها حروف التصديق والايجاب، وهي: نعم، وبلى، وأجل، وجير، وإي، وإن، ~~فنعم، مصدقة لما سبق من قول القائل: قام زيد، ما قام زيد، وبلى لايجاب ما ~~نفي، كقولك: بلى، لمن قال: ما قام زيد. # وأجل لتصديق الخبر لا غير، كقولك: أجل، لمن قال: جاء زيد. # وجير وإن وإي للتحقيق، تقول: جير لأفعلن كذلك، وإن الامر كذا، وإي والله، ~~ومنها حروف الاستثناء، وهي: إلا، وحاشا، وعدا، وخلا. # والحرف المصدري، وهو: ما في قولك: أعجبني ما صنعت، أي صنعك. # وأن في قولك: أريد أن تفعل كذا، أي فعلك. # وحروف التحضيض، وهي: لولا، ولو ما، وهلا، وألا فعلت ms058 كذا، إذا أردت الحث ~~على الفعل. PageV01P070 # وحرف تقريب الماضي من الحال، وهو قد في قولك: قد قام زيد. # وحروف الاستفهام، وهي: الهمزة، وهل، في قولك: أزيد قام؟ وهل زيد قائم؟ # وحروف الاستقبال، وهي: السين، وسوف وأن، ولا، وإن. في قولك سيفعل، وسوف ~~يفعل، وأريد أن تفعل، ولا تفعل، وإن تفعل. # وحروف الشرط، وهي: إن، ولو، في قولك: إن جئتني، ولو جئتني أكرمتك. # وحرف التعليل، وهو كي، في قولك: قصدت فلانا كي يحسن إلي. # وحرف الردع، وهو: كلا، في قولك جوابا لمن قال لك: إن الامر كذا. # ومنها حروف اللامات، وهي: لام التعريف الداخلة على الاسم المنكر لتعريفه ~~كالرجل، ولام جواب القسم، في قولك: والله لأفعلن كذا، والموطئة للقسم، في ~~قولك: والله لئن أكرمتني لأكرمنك، ولام جواب لو، ولولا، في قولك: لو كان ~~كذا لكان كذا، ولولا كان كذا لكان كذا، ولام الامر، في قولك: # ليفعل زيد، ولام الابتداء في قولك: لزيد منطلق. # ومنها تاء التأنيث الساكنة، في قولك: فعلت. # ومنها التنوين، والنون المؤكدة، في قولك: والله لأفعلن كذا. # وهذا اخر الكلام في النوع الأول. # النوع الثاني: في تحقيق مفهوم المركب من مفردات الألفاظ، وهو الكلام. # اعلم أن اسم الكلام قد يطلق على العبارات الدالة بالوضع تارة، وعلى ~~مدلولها القائم بالنفس تارة، على ما حققناه في كتبنا الكلامية. والمقصود ~~هاهنا إنما هو معنى الكلام اللساني دون النفساني. # والكلام اللساني قد يطلق تارة على ما ألف من الحروف والأصوات من غير ~~دلالة على شئ، ويسمى مهملا، وإلى ما يدل. ولهذا، يقال في اللغة: هذا ~~PageV01P071 # كلام مهمل، وهذا كلام غير مهمل، وسواء كان إطلاق الكلام على المهمل حقيقة ~~أو مجازا. والغرض هاهنا إنما هو بيان الكلام الذي ليس بمهمل لغة، وقد اختلف ~~فيه: فذهب أكثر الأصوليين إلى أن الكلمة الواحدة، إذا كانت مركبة من حرفين ~~فصاعدا، كلام ولا جرم، قالوا في حده: هو ما انتظم من الحروف المسموعة ~~المميزة المتواضع على استعمالها الصادرة عن مختار واحد. # وقصدوا بالقيد الأول، الاحتراز عن الحرف الواحد، ms059 كالزاي من زيد، وبالقيد ~~الثاني، الاحتراز عن حروف الكتابة، وبالقيد الثالث، الاحتراز عن أصوات ~~كثيرة من البهائم، والمهملات من الألفاظ، وبالقيد الرابع، الاحتراز عن ~~الاسم الواحد، إذا صدرت حروفه كل حرف من شخص، فإنه لا يسمى كلاما. # ومنهم من قال إن الكلمة الواحدة تسمى كلاما. لكن اختلفوا فيما اجتمع من ~~كلمات، وهو غير مفيد، كقول القائل: زيد لا كلما، ونحوه، هل هو كلام، فمنهم ~~من قال إنه كلام لان آحاد كلماته وضعت للدلالة. # ومنهم من لم يسمه كلاما والنزاع في إطلاق اسم الكلام في هذه الصور مائل ~~إلى الاصطلاح الخارج عن وضع اللغة باتفاق من أهل الأدب. # وأما مأخذه في اصطلاح أهل اللغة، قال الزمخشري، وهو ناقد بصير في هذه ~~الصناعة: الكلام، هو المركب من كلمتين، أسندت إحداهما إلى الأخرى. # فقوله: المركب من كلمتين احتراز عن الكلمة الواحدة. وقوله: أسندت إحداهما ~~إلى الأخرى احتراز عن قولك: زيد عمرو، وعن قولك: زيد على، أو زيد في، أو ~~قام في. فإن المجموع منهما مركب من كلمتين وليس بكلام، لعدم إسناد إحداهما ~~إلى الأخرى. وأقل ما يكون ذلك من اسمين، كقولك: زيد قائم، أو اسم وفعل، ~~كقولك: زيد قام، وتسمى الأولى جملة اسمية، والثانية جملة فعلية. # ولا يتركب الكلام من الاسم والحرف فقط، ولا من الافعال وحدها، ولا من ~~الحروف، ولا من الافعال والحروف. PageV01P072 # فإن قيل: ما ذكرتموه من الحد منتقض بما تركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى ~~الأخرى، وهما مهملتان، فإنه لا يكون كلاما، وذلك كما لو أسندت مقلوب زيد ~~إلى مقلوب رجل، فقلت: ديز هو لجر. # قلنا: المراد من الكلمة التي منها التأليف، اللفظة الواحدة الدالة بالوضع ~~على معنى مفرد، ولا وجود لذلك فيما ذكروه. غير أن ما ذكروه من الحد يدخل ~~فيه قول القائل: حيوان ناطق، وإنسان عالم، وغير ذلك من النسب التقييدية. # فإنه لا يعد كلاما مفيدا، وإن أسند فيه إحدى الكلمتين إلى الأخرى، والوجب ~~أن يقال: الكلام ما تألف من كلمتين تأليفا يحسن السكوت عليه. # الأصل الثاني في ms060 مبدأ اللغات وطرق معرفتها أول ما يجب تقديمه أن ما وضع ~~من الألفاظ الدالة على معانيها هل هو لمناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه، أم ~~لا. # فذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك، مصيرا منهم إلى أنه لو لم ~~يكن بين اللفظ ومعناه مناسبة طبيعية، لما كان اختصاص ذلك المعنى بذلك اللفظ ~~أولى من غيره، ولا وجه له فإنا نعلم أن الواضع في ابتداء الوضع، لو وضع لفظ ~~الوجود على العدم، والعدم على الوجود، واسم كل ضد على مقابله، لما كان ~~ممتنعا، كيف وقد وضع ذلك كما في اسم الجون، والقرء ونحوه، والاسم الواحد لا ~~يكون مناسبا بطبعه لشئ، ولعدمه. وحيث خصص الواضع بعض الألفاظ ببعض ~~المدلولات، إنما كان ذلك نظرا إلى الإرادة المخصصة، كان الواضع هو الله ~~تعالى، أو المخلوق إما لغرض، أو لا لغرض، وإذا بطلت المناسبة الطبيعية، ~~وظهر أن مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري ~~PageV01P073 # فقد اختلف الأصوليون فيه: # فذهب الأشعري وأهل الظاهر، وجماعة من الفقهاء إلى أن الواضع هو الله ~~تعالى، ووضعه متلقي لنا من جهة التوقيف الإلهي إما بالوحي، أو بأن يخلق ~~الله الأصوات والحروف، ويسمعها لواحد أو لجماعة، ويخلق له أو لهم العلم ~~الضروري بأنها قصدت للدلالة على المعاني، محتجين على ذلك بآيات، منها قوله ~~تعالى: * (وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: # أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك، لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا) * (2) البقرة: 31) دل على أن آدم والملائكة لا يعلمون إلا بتعليم ~~الله تعالى، ومنها قوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6) ~~الانعام: 38) وقوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وقوله ~~تعالى: * (اقرأ باسم ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) * ~~(96) العلق: 3 - 5) واللغات داخلة في هذه المعلومات، وقوله تعالى: * (إن هي ~~إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) * (53) النجم: ~~23) ذمهم على تسمية بعض الأشياء من غير توقيف، فدل على أن ما عداها توقيف. ~~وقوله تعالى: ms061 * (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم) * (30) ~~الروم: 22) والمراد به اللغات لا نفس اختلاف هيئات الجوارح من الألسنة لان ~~اختلاف اللغات أبلغ في مقصود الآية، فكان أولى بالحمل عليه. # وذهبت البهشمية وجماعة من المتكلمين إلى أن ذلك من وضع أرباب اللغات ~~واصطلاحهم، وأن واحدا أو جماعة انبعثت داعيته، أو دواعيهم، إلى وضع هذه ~~الألفاظ بإزاء معانيها. ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار، كما يفعل ~~الوالدان بالولد الرضيع، وكما يعرف الأخرس ما في ضميره بالإشارة والتكرار ~~مرة بعد أخرى، محتجين على ذلك بقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه) * (14) إبراهيم: 4 وهذا دليل على تقدم اللغة على البعثة ~~والتوقيف. # وذهب الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني إلى أن القدر الذي يدعو به الانسان ~~غيره إلى التواضع، بالتوقيف، وإلا فلو كان بالاصطلاح، فالاصطلاح عليه ~~PageV01P074 # متوقف على ما يدعو به الانسان غيره إلى الاصطلاح على ذلك الامر، فإن كان ~~بالاصطلاح لزم التسلسل وهو ممتنع، فلم يبق غير التوقيف، وجوز حصول ما عدا ~~ذلك بكل واحد من الطريقين. # وذهب القاضي أبو بكر وغيره من أهل التحقيق، إلى أن كل واحد من هذه ~~المذاهب ممكن بحيث لو فرض وقوعه، لم يلزم عنه محال لذاته، وأما وقوع البعض ~~دون البعض، فليس عليه دليل قاطع، والظنون فمتعارضة يمتنع معها المصير إلى ~~التعيين. # هذا ما قيل، والحق أن يقال إن كان المطلوب في هذه المسألة يقين الوقوع ~~لبعض هذه المذاهب. فالحق ما قاله القاضي أبو بكر إذ لا يقين من شئ منها على ~~ما يأتي تحقيقه. # وإن كان المقصود إنما هو الظن، وهو الحق، فالحق ما صار إليه الأشعري، لما ~~قيل من النصوص لظهورها في المطلوب فإن قيل لا نسلم ظهور النصوص المذكورة في ~~المطلوب. # أما قوله تعالى: * (وعلم آدم الأسماء كلها) * (2) البقرة: 31) فالمراد ~~بالتعليم إنما هو إلهامه، وبعث داعيته على الوضع، وسمي بذلك معلما لكونه ~~الهادي إليه، لا بمعنى أنه أفهمه ذلك بالخطاب على ما قال تعالى في حق داود: ~~* (وعلمناه صنعة لبوس لكم) * (21) الأنبياء: 80) معناه ألهمناه ms062 ذلك. وقوله ~~تعالى في حق سليمان: * (ففهمناها سليمان) * (21) الأنبياء: 79) أي ألهمناه. # سلمنا أن المراد به الافهام بالخطاب والتوقيف. ولكن أراد به كل الأسماء ~~مطلقا. أو الأسماء إلي كانت موجودة في زمانه. الأول ممنوع، والثاني مسلم. # سلمنا أنه أراد به جميع الأسماء مطلقا، غير أن ذلك يدل على أن علم آدم ~~بها كان توقيفيا، ولا يلزم أن يكون أصلها بالتوقيف لجواز أن يكون من مصطلح ~~خلق سابق على آدم، والباري تعالى علمه ما اصطلح عليه غيره. # سلمنا أن جميع الأسماء المعلومة لآدم بالتوقيف له، ولكنه يحتمل أنه ~~أنسيها، ولم PageV01P075 # يوقف عليها من بعده. واصطلح أولاده من بعده على هذه اللغات، والكلام إنما ~~هو في هذه اللغات. # وأما قول الملائكة: * (لا علم لنا إلا ما علمتنا) * (2) البقرة: 31) فلا ~~يدل على أن أصل اللغات التوقيف لما عرف في حق آدم. # وقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6) الانعام: 38) فالمراد ~~به أن ما ورد في الكتاب لا تفريط فيه، وإن كان المراد به أنه بين فيه كل ~~شئ، فلا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم. # وعلى هذا يخرج الجواب عن قوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: ~~89) وعن قوله: # * (علم الانسان ما لم يعلم) * (96) العلق: 5). # وأما آية الذم فالذم فيها، إنما كان على إطلاقهم أسماء الأصنام مع ~~اعتقادهم كونها آلهة. # وأما آية اختلاف الألسنة، فهي غير محمولة على نفس الجارحة بالاجماع، فلا ~~بد من التأويل. # وليس تأويلها بالحمل على اللغات أولى من تأويلها بالحمل على الاقدار على ~~اللغات، كيف وإن التوقيف يتوقف على معرفة كون تلك الألفاظ دالة على تلك ~~المعاني. وذلك لا يعرف إلا بأمر خارج عن تلك الألفاظ، والكلام فيه إن كان ~~توقيفيا كالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع، فلم يبق غير الاصطلاح. # ثم ما ذكرتموه معارض بقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) ~~* (4) إبراهيم: 4). # وذلك يدل على سبق اللغات على البعثة. # والجواب: قولهم: المراد من تعليم آدم إلهامه بالوضع والاصطلاح مع نفسه، ~~وهو خلاف الظاهر من إطلاق ms063 لفظ التعليم. ولهذا فإن من اخترع أمرا، واصطلح ~~عليه مع نفسه، يصح أن يقال إنه ما علمه أحد ذلك، ولو كان إطلاق التعليم ~~بمعنى الالهام بما يفعله الانسان مع نفسه حقيقة، لما صح نفيه. وحيث صح ~~نفيه، دل PageV01P076 # على كونه مجازا. والأصل في الاطلاق الحقيقة، ولا يلزم من التأويل فيما ~~ذكروه من التعليم في حق داود وسليمان التأويل فيما نحن فيه، إلا أن ~~الاشتراك في دليل التأويل، والأصل عدمه. # وقولهم: أراد به الأسماء الموجودة في زمانه، إنما يصح أن لو لم يكن جميع ~~الأسماء موجودة في زمانه، وهو غير مسلم، بل الباري تعالى علمه كل ما يمكن ~~التخاطب به، ويجب الحمل عليه عملا بعموم اللفظ. # قولهم: من الجائز أن يكون جميع الأسماء من مصطلح من كان قبل آدم. # قلنا: وإن كان ذلك محتملا، إلا أن الأصل عدمه، فمن ادعاه يحتاج إلى دليل، ~~وبه يبطل أنه يحتمل أنه أنسيها، إذ الأصل عدم النسيان، وبقاء ما كان على ما ~~كان. # وعلى هذا فقد خرج الجواب عما ذكروه من تأويل قول الملائكة: * (لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا) * (2) البقرة: 31) إذ هو مبني على ما قيل من التأويل في حق ~~آدم، وقد عرف جوابه. # قولهم: المراد من قوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6) ~~الانعام: 38) أنه لا تفريط فيما في الكتاب، ليس كذلك. فإن ذلك معلوم لكل ~~عاقل قطعا. فحمل اللفظ عليه لا يكون مفيدا. # قولهم: لا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم، فقد سبق جوابه، ~~وبه يخرج الجواب عما ذكروه على قوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) ~~النحل: 89) وعن قوله: # * (علم الانسان ما لم يعلم) * (96) العلق: 5). # قولهم في آية الذم، إنما ذمهم على اعتقادهم، كون الأصنام آلهة، فهو خلاف ~~الظاهر من إضافة الذم إلى التسمية. ولا يقبل من غير دليل. PageV01P077 # وما ذكروه على الآية الأخيرة، فلا يخفى أن الترجيح بحمل اللفظ على اختلاف ~~اللغات دون حمله على الاقدار على اللغات، لكونه أقل في الاضمار، إذ هو ~~يفتقر إلى إضمار اللغات لا ms064 غير. وما ذكروه يفتقر إلى إضمار القدرة على ~~اللغات، فلا يصار إليه. # قولهم في المعنى إنه يفضي إلى التسلسل، ليس كذلك، فإنه لا مانع أن يخلق ~~الله تعالى العبارات، ويخلق لمن يسمعها العلم الضروري بأن واضعا وضعها لتلك ~~المعاني، كما سبق. # ثم ما ذكروه لازم عليهم في القول بالاصطلاح فإن ما يدعى به إلى الوضع ~~والاصطلاح لا بد وأن يكون معلوما. فإن كان معلوما بالاصطلاح لزم التسلسل، ~~وهو ممتنع، فلم يبق غير التوقيف. # وما ذكروه من المعارضة بالآية الأخيرة، فإنما يلزم أن لو كان طريق ~~التوقيف منحصرا في الرسالة، وليس كذلك، بل جاز أن يكون أصل التوقيف معلوما، ~~إما بالوحي من غير واسطة، وإما بخلق اللغات، وخلق العلم الضروري للسامعين ~~بأن واضعا وضعها لتلك المعاني على ما سبق. # وأما طرق معرفتها لنا، فاعلم أن ما كان منها معلوما بحيث لا يتشكك فيه مع ~~التشكيك، كعلمنا بتسمية الجوهر جوهرا، والعرض عرضا، ونحوه من الأسامي، ~~فنعلم أن مدرك ذلك إنما هو التواتر القاطع. وما لم يكن معلوما لنا، ولا ~~تواتر فيه، فطريق تحصيل الظن به إنما هو إخبار الآحاد. ولعل الأكثر إنما هو ~~الأول. PageV01P078 # القسم الثالث في المبادئ الفقهية والأحكام الشرعية اعلم أن الحكم الشرعي ~~يستدعي حاكما، ومحكوما فيه، ومحكوما عليه فلنفرض في كل واحد أصلا، وهي ~~أربعة أصول: # الأصل الأول في الحاكم اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى، ولا حكم إلا ما ~~حكم به. ويتفرع عليه أن العقل لا يحسن، ولا يقبح، ولا يوجب شكر المنعم، ~~وأنه لا حكم قبل ورود الشرع. ولنرسم في كل واحد مسألة: # المسألة الأولى مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الافعال لا توصف بالحسن ~~والقبح لذواتها، وأن العقل لا يحسن ولا يقبح، وإنما إطلاق اسم الحسن والقبح ~~عندهم باعتبارات ثلاثة، إضافية غير حقيقية. # أولها: إطلاق اسم الحسن على ما وافق الغرض، والقبيح على ما خالفه. # وليس ذلك ذاتيا لاختلافه وتبدله بالنسبة إلى اختلاف الاغراض، بخلاف اتصاف ~~المحل بالسواد والبياض. # وثانيها: إطلاق اسم الحسن على ما أمر ms065 الشارع بالثناء على فاعله، ويدخل ~~فيه أفعال الله تعالى، والواجبات والمندوبات، دون المباحات. وإطلاق اسم ~~القبيح على ما أمر الشارع بذم فاعله، ويدخل فيه الحرام، دون المكروه ~~والمباح، وذلك أيضا مما يختلف باختلاف ورود أمر الشارع في الافعال. ~~PageV01P079 # وثالثها: إطلاق اسم الحسن على ما لفاعله مع العلم به، والقدرة عليه أن ~~يفعله، بمعنى نفي الحرج عنه في فعله. وهو أعم من الاعتبار الأول لدخول ~~المباح فيه. والقبيح في مقابلته، ولا يخفى أن ذلك أيضا مما يختلف باختلاف ~~الأحوال، فلا يكون ذاتيا. وعلى هذا فما كان من أفعال الله تعالى بعد ورود ~~الشرع فحسن بالاعتبار الثاني والثالث، وقبله بالاعتبار الثالث، وما كان من ~~أفعال العقلاء قبل ورود الشرع فحسنه وقبيحه بالاعتبار الأول والثالث، وبعده ~~بالاعتبارات الثلاثة. # وذهب المعتزلة، والكرامية، والخوارج، والبراهمة، والثنوية وغيرهم إلى أن ~~الافعال منقسمة إلى حسنة وقبيحة لذواتها، لكن منها ما يدرك حسنه وقبحه ~~بضرورة العقل، كحسن الايمان، وقبح الكفران، أو بنظره كحسن الصدق المضرة، ~~وقبح الكذب النافع، أو بالسمع كحسن العبادات، لكن اختلفوا: PageV01P080 # فزعمت الأوائل من المعتزلة أن الحسن، والقبيح غير مختص بصفة موجبة لحسنه ~~وقبحه، ومنهم من أوجب ذلك كالجبائية، ومنهم من فصل وأوجب ذلك في القبيح دون ~~الحسن. ونشأ بينهم بسبب هذا الاختلاف اختلاف في العبارات الدالة على معنى ~~للحسن والقبيح، أومأنا إليها وإلى مناقضتهم فيها في علم الكلام وقد احتج ~~أصحابنا بحجج: # الأولى: أنه لو كان الكذب قبيحا لذاته، للزم منه أنه إذا قال: إن بقيت ~~ساعة أخرى كذبت، أن يكون الحسن منه في الساعة الأخرى الصدق، أو الكذب ~~والأول ممتنع لما يلزمه من كذب الخبر الأول، وهو قبيح، وما لزم منه القبيح ~~فهو قبيح، فلم يبق غير الثاني وهو المطلوب. # الثانية: لو كان قبح الخبر الكاذب ذاتيا، فإذا قال القائل: زيد في الدار، ~~ولم يكن فيها فالمقتضي لقبحه، إما نفس ذلك اللفظ، وإما عدم المخبر عنه، ~~وإما مجموع الامرين، وإما أمر خارج: الأول: يلزمه قبح ذلك الخبر، وإن كان ~~صادقا، والثاني: يلزمه أن ms066 يكون العدم علة للامر الثبوتي، والثالث: يلزمه أن ~~يكون العدم جزء علة الامر الثبوتي، والكل محال. وإن كان الرابع، فذلك ~~المقتضي الخارج إما لازم للخبر المفروض وإما غير لازم. فإن كان الأول، فإن ~~كان لازما لنفس اللفظ، لزم قبحه وإن كان صادقا، وإن كان لازما لعدم المخبر ~~عنه أو لمجموع الامرين، كان العدم مؤثرا في الامر الثبوتي، وهو محال. وإن ~~كان لازما لأمر خارج، عاد التقسيم في ذلك الخارج، وهو تسلسل. وإن لم يكن ~~ذلك المقتضي PageV01P081 # الخارج لازما للخبر الكاذب أمكن مفارقته له، فلا يكون الخبر الكاذب ~~قبيحا. # الثالثة: لو كان الخبر الكاذب قبيحا لذاته، فالمقتضي له لا بد وأن يكون ~~ثبوتيا، ضرورة اقتضائه للقبح الثبوتي، وهو إن كان صفة لمجموع حروف الخبر، ~~فهو محال، لاستحالة اجتماعها في الوجود، وإن كان صفة لبعضها، لزم أن تكون ~~أجزاء الخبر الكاذب كاذبة، ضرورة كون المقتضي لقبح الخبر الكاذب، إنما هو ~~الكذب، وذلك محال. # الرابعة: أنه لو كان قبح الكذب وصفا حقيقيا، لما اختلف باختلاف الأوضاع، ~~وقد اختلف، حيث إن الخبر الكاذب قد يخرج عن كونه كذبا وقبيحا بوضع الواضع ~~له أمرا أو نهيا. # الخامسة: لو كان الكذب قبيحا لذاته، لما كان واجبا ولا حسنا عند ما إذا ~~استفيد به عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله. # السادسة: لو كان الظلم قبيحا لكونه ظلما، لكان المعلول متقدما على علته، ~~لان قبح الظلم الذي هو معلول للظلم متقدم على الظلم، ولهذا ليس لفاعله أن ~~يفعله، وكان القبح مع كونه وصفا ثبوتيا ضرورة اتصاف العدم بنقيضه معللا بما ~~العدم جزء منه، وذلك لان مفهوم الظلم أنه إضرار غير مستحق، ولا استحقاق، ~~عدم، وهو ممتنع. # السابعة: أن أفعال العبد غير مختارة له، وما يكون كذلك لا يكون حسنا ولا ~~قبيحا لذاته إجماعا، وبيان كونه غير مختار أن فعله إن كان لازما له، لا ~~يسعه تركه، فهو مضطر إليه، لا مختار له، وإن جاز تركه، فإن افتقر في فعله ~~إلى مرجح عاد التقسيم، وهو تسلسل ممتنع، وإلا ms067 فهو اتفاقي لا اختياري. ~~PageV01P082 # وهذه الحجج ضعيفة: # أما الأولى: فلانه أمكن أن يقال بأن صدقه في الساعة الأخرى حسن، ولا يلزم ~~من ملازمة القبيح له قبحه، وإن كان قبيحا من جهة استلزامه للقبيح، فلا ~~يمتنع الحكم عليه بالحسن والقبح بالنظر إلى ما اختص به من الوجوه ~~والاعتبارات الموجبة للحسن والقبح، كما هو مذهب الجبائية. وإن قدر امتناع ~~ذلك، فلا يمتنع الحكم بقبح صدقه لما ذكروه، وقبح كذبه لكونه كذبا. # وأما الثانية: فلانه لا امتناع من القول بقبح الخبر مشروطا بعدم زيد في ~~الدار، والشرط غير مؤثر. # وأما الثالثة: فلما يلزمها من امتناع اتصاف الخبر بكونه كاذبا وهو محال. # وأما الرابعة: فلانه لا مانع من أن يكون قبح الخبر الكاذب مشروطا بالوضع، ~~وعدم مطابقته للمخبر عنه، مع علم المخبر به، كما كان ذلك مشروطا في كونه ~~كذبا. # وأما الخامسة: فلان الكذب في الصورة المفروضة غير متعين لخلاص النبي ~~لامكان الاتيان بصورة الخبر من غير قصد له، أو مع التعريض وقصد الاخبار عن ~~الغير. وإذا لم يكن متعينا له، كان قبيحا. وإن قدر تعيينه، فالحسن والواجب، ~~ما لازمه من تخليص النبي، لا نفس الكذب، واللازم غير الملزوم، وغايته أنه ~~لا يأثم به مع قبحه، ولا يحرم شرعا لترجح المانع عليه. # وأما السادسة: فلانه أمكن منع تقدم قبح الظلم عليه ضرورة كونه صفة له، بل ~~المتقدم إنما هو الحكم على ما سيوجد من الظلم بكونه قبيحا شرعا وعرفا. # وأمكن منع تعليل القبح بالعدم، وعدم الاستحقاق، وإن كان لازما للظلم، فلا ~~PageV01P083 # يلزم أن يكون داخلا في مفهومه. فأمكن أن يكون الظلم علة القبح بما فيه من ~~الامر الوجودي، والعدم شرطه. # وأما السابعة: فلانه يلزم أن يكون الرب تعالى مضطرا إلى أفعاله، غير ~~مختار فيها لتحقق عين ما ذكروه من القسمة في أفعاله، وهو محال. ويلزم أيضا ~~منها امتناع الحكم بالحسن والقبح الشرعي على الافعال، والجواب يكون مشتركا. # والمعتمد في ذلك أن يقال لو كان فعل من الافعال حسنا أو قبيحا لذاته، ~~فالمفهوم من كونه ms068 قبيحا وحسنا، ليس هو نفس ذات الفعل، وإلا كان من علم ~~حقيقة الفعل عالما بحسنه وقبحه، وليس كذلك، لجواز أن يعلم حقيقة الفعل ~~ويتوقف العلم بحسنه وقبحه على النظر، كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع. ~~وإن كان مفهومه زائدا على مفهوم الفعل الموصوف به فهو صفة وجودية، لان ~~نقيضه، وهو لا حسن ولا قبح، صفة للعدم المحض، فكان عدميا. ويلزم من ذلك كون ~~الحسن والقبح وجوديا، وهو قائم بالفعل لكونه صفة له، ويلزم من ذلك قيام ~~العرض بالعرض، وهو محال. وذلك لان العرض الذي هو محل العرض، لا بد وأن يكون ~~قائما بالجوهر، أو بما هو في آخر الامر قائم بالجوهر، قطعا للتسلسل ~~الممتنع، وقيام العرض بالجوهر لا معنى له غير وجوده في حيث الجوهر، تبعا له ~~فيه وقيام أحد العرضين بالآخر لا معنى له سوى أنه في حيث العرض الذي قيل ~~إنه قائم به، وحيث ذلك العرض هو حيث الجوهر، فهما في حيث الجوهر وقائمان ~~به، ولا معنى لقيام أحدهما بالآخر، وإن كان قيام أحدهما بالآخر مشروطا ~~بقيام العرض الآخر به فإن قيل: ما ذكرتموه يلزم منه امتناع اتصاف الفعل ~~بكونه ممكنا، ومعلوما، ومقدورا، ومذكورا، وهو محال. ثم ما ذكرتموه معارض ~~بما يدل على نقيض مدلوله. # وبيانه من جهة الاستدلال، والالزام: # أما الاستدلال: فمن وجهين: PageV01P084 # الأول: اتفاق العقلاء على حسن الصدق النافع، وقبح الكذب المضر، وكذلك حسن ~~الايمان، وقبح الكفران، وغير ذلك، مع قطع النظر عن كل حالة تقدر من عرف أو ~~شريعة، أو غير ذلك، فكان ذاتيا والعلم به ضروري. # الثاني: إنا نعلم أن من استوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب، وقطع النظر في ~~حقه عن الاعتقادات والشرائع وغير ذلك من الأحوال، فإنه يميل إلى الصدق، ~~ويؤثره، وليس ذلك إلا لحسنه في نفسه، وكذلك نعلم أن من رأى شخصا مشرفا على ~~الهلاك وهو قادر على إنقاذه، فإنه يميل إليه، وإن كان بحيث لا يتوقع في ~~مقابلة ذلك حصول غرض دنياوي ولا أخروي، بل ربما كان يتضرر بالتعب والتعني. ms069 ~~وليس ذلك إلا لحسنه في ذاته. # وأما من جهة الالزام: فهو أنه لو كان السمع، وورود الأمر والنهي، هو مدرك ~~الحسن والقبح، لما فرق العاقل بين من أحسن إليه، وأساء، ولما كان فعل الله ~~حسنا قبل ورود السمع، ولجاز من الله الامر بالمعصية، والنهي عن الطاعة، ~~ولجاز إظهار المعجزة على يد الكذاب، ولا امتنع الحكم بقبح الكذب على الله ~~تعالى قبل ورود السمع، ولكان الوجوب أيضا متوقفا على السمع. ويلزم من ذلك ~~إفحام الرسل من حيث إن النبي إذا بعث وادعى الرسالة، ودعا إلى النظر في ~~معجزته، فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك، ما لم يجب علي النظر. # ووجوب النظر متوقف على استقرار الشرع بالنظر في معجزتك وهو دور والجواب، ~~عن الأول: # أن ما ذكروه من الصفات فأمور تقديرية، فمفهوم نقائضها سلب التقدير، ~~والأمور المقدرة ليست من الصفات العرضية، فلا يلزم منه قيام العرض بالعرض. # فإن قيل مثله في الحسن والقبح، فقد خرج عن كونه من الصفات الثبوتية ~~للذات، وهو المطلوب، وعن المعارضة الأولى بمنع إجماع العقلاء على السن ~~والقبح فيما ذكروه. فإن من العقلاء من لا يعتقد ذلك، كبعض الملاحدة، ونحن ~~أيضا PageV01P085 # لا نوافق على قبح إيلام البهائم من غير جرم ولا غرض، وهو من صور النزاع، ~~وإن كان ذلك متفقا عليه بين العقلاء، فلا يلزم أن يكون العلم به ضروريا، ~~وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء عادة. وإن كان ذلك معلوما ضرورة، فلا يلزم ~~من أن يكون ذاتيا، إلا أن يكون مجردا من أمر خارج، وهو غير مسلم على ما ~~يأتي. # وعن المعارضة الثانية، أنه لا يخلو إما أن يقال بالتفاوت بين الصدق ~~والكذب ولو بوجه أو لا يقال به. والأول يلزمه إبطال الاستدلال. والثاني ~~يمنع معه إيثار أحد الامرين دون الآخر. وعلى هذا إن كان ميله إلى الانقاذ ~~لتحقق أمر خارج، فالاستدلال باطل، وإن لم يكن، فالميل إلى الانقاذ لا يكون ~~مسلما، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه في حق الشاهد، فلا يلزم مثله في حق الغائب ms070 ~~إلا بطريق قياسه على الشاهد، وهو متعذر لما بيناه في علم الكلام. # ثم كيف يقاس، والاجماع منعقد على التفرقة، بتقبيح تمكين السيد لعبيده من ~~الفواحش، مع العلم بهم والقدرة على منعهم، دون تقبيح ذلك بالنسبة إلى الله ~~تعالى. # فإن قيل: إنما لم يقبح من الله ذلك لعدم قدرته على منع الخلق من المعاصي، ~~وذلك لان ما يقع من العبد من المعصية، لا بد وأن يكون وقوعها معلوما للرب، ~~وإلا كان جاهلا بعواقب الأمور، وهو محال. ومنع الرب تعالى من وقوع ما هو ~~معلوم الوقوع له، لا يكون مقدورا كما ذهب إليه النظام. # قلنا: فما قيل فهو بعينه لازم بالنسبة إلى السيد، وأولى أن لا يكون السيد ~~قادرا على المنع ومع ذلك فالفرق واقع. PageV01P086 # والجواب: عن الالزام الأول: أن مفهوم الحسن والقبح بمعنى موافقة الغرض ~~ومخالفته، وبمعنى ما للفاعل أن يفعله، وأن لا يفعله متحقق قبل ورود الشرع، ~~لا بالمعنى الذاتي. # وعن الثاني: أن فعل الله قبل ورود الشرع حسن، بمعنى أن له فعله. # وعن الثالث: أنه لا معنى للطاعة عندنا إلا ما ورد الامر به، ولا معنى ~~للمعصية إلا ما ورد النهي عنه. وعلى هذا، فلا يمتنع ورود الامر بما كان ~~منهيا، والنهي بما كان مأمورا. # وعن الرابع: أنه إنما يلزم أن لو لم يكن لامتناع إظهار المعجزة على يد ~~الكاذب مدرك سوى القبح الذاتي، وليس كذلك، وبه اندفاع الالزام الخامس أيضا. # وعن السادس: ما سيأتي في المسألة بعدها، وإذا بطل معنى الحسن والقبح ~~الذاتي لزم منه امتناع وجوب شكر المنعم عقلا، وامتناع حكم عقلي قبل ورود ~~الشرع، إذ هما مبنيان على ذلك. غير أن عادة الأصوليين جارية لفرض الكلام في ~~هاتين المسألتين إظهارا لما يختص بكل واحد من الاشكالات والمناقضات. # المسألة الثانية مذهب أصحابنا وأهل السنة أن شكر المنعم واجب سمعا، لا ~~عقلا، خلافا للمعتزلة في الوجوب العقلي. احتج أصحابنا على امتناع إيجاب ~~العقل لذلك، بأن قالوا: لو كان العقل موجبا، فلا بد وأن يوجب لفائدة، وإلا ~~كان إيجابه ms071 عبثا، وهو قبيح. ويمتنع عود الفائدة إلى الله تعالى لتعاليه ~~عنها، وإن عادت إلى العبد. # فإما أن تعود إليه في الدنيا، أو في الأخرى. # الأول: محال، فإن شكر الله تعالى عند الخصوم ليس هو معرفة الله تعالى، ~~لان الشكر فرع المعرفة، وإنما هو عبارة عن إتعاب النفس وإلزام المشقة لها ~~PageV01P087 # بتكليفها تجنب المستقبحات العقلية، وفعل المستحسنات العقلية، وهو فرع ~~التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه، فلم يبق سوى التعب والعناء المحض ~~الذي لا حظ للنفس فيه. # والثاني: محال، لعدم استقلال العقل بمعرفة الفائدة الأخروية دون إخبار ~~الشارع بها، ولا إخبار، وأيضا فإنه لا معنى لكون الشئ واجبا سوى ترجح فعله ~~على تركه. وبالعقل يعرف الترجيح لا أنه مرجح، فلا يكون موجبا، إذ الموجب هو ~~المرجح. وإذا بطل الايجاب العقلي تعين الايجاب الشرعي ضرورة انعقاد الاجماع ~~على حصر الوجوب في الشرع والعقل. فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني منهما. # فإن قيل: شكر المنعم معلوم لكل أحد ضرورة، فما ذكرتموه استدلال على إبطال ~~أمر ضروري، فلا يقبل. وإن لم يكن كذلك، فلم قلتم إن إيجاب العقل للشكر لا ~~بد وأن يكون لفائدة، قولكم: حتى لا يكون عبثا قبيحا. فهذا منكم لا يستقيم ~~مع إنكار القبح العقلي، كيف وإن تلك الفائدة إما أن تكون واجبة التحصيل ~~وإما أن لا تكون كذلك: فإن كانت واجبة التحصيل، استدعت فائدة أخرى، وهو ~~تسلسل ممتنع. PageV01P088 # وإن لم تكن واجبة، فما يوجبه العقل بها أولى أن لا يكون واجبا، وإن كان ~~لفائدة، فما المانع أن تكون الفائدة في الشكر نفس الشكر لا أمرا خارجا عنه، ~~كما أن تحصيل المصلحة، ودفع المفسدة عن النفس مطلوب لنفسه لا لغيره. # وإن كان لا بد من فائدة خارجة عن كون الشكر شكرا، فما المانع أن تكون ~~الفائدة الامن من احتمال العقاب بتقدير عدم الشكر على ما أنعم الله به عليه ~~من النعم، إذ هو محتمل، ولا يخلو العاقل عن خطور هذا الاحتمال بباله، وذلك ~~من أعظم الفوائد، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على ms072 امتناع الايجاب العقلي، ~~لكنه بعينه دال على امتناع الايجاب الشرعي. والجواب أن ذاك يكون مشتركا، ~~وإن لم يكن كذلك. ولكن ما ذكرتموه معارض بما يدل على جواز الايجاب العقلي. ~~وذلك إنه لم يكن العقل موجبا لانحصرت مدارك الوجوب في الشرع، لما ذكرتموه ~~من الاجماع. وذلك محال، لما يلزم عنه من إفحام الرسل، وإبطال مقصود البعثة. ~~وذلك أن النبي إذا ادعى الرسالة، وتحدى بالمعجزة، ودعا الناس إلى النظر ~~فيها لظهور صدقه، فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك، إلا أن يكون النظر ~~واجبا علي شرعا. ووجوب النظر شرعا متوقف على استقرار الشرع، وذلك متوقف على ~~وجوب النظر، وهو دور ممتنع. # والجواب: لا نسلم أن العلم الضروري بما ذكروه عقلا، إذ هو دعوى محل ~~النزاع، وإن سلم ذلك، لكن بالنسبة إلى من ينتفع بالشكر، ويتضرر بعدمه. # وأما بالنسبة إلى الله تعالى مع استحالة ذلك في حقه، فلا. # قولهم: لم قلتم برعاية الفائدة، قلنا: لما ذكرناه. # قولهم: هذا منكم لا يستقيم - قلنا: إنما ذكرنا ذلك بطريق الالزام للخصم، ~~لكونه قائلا به، وبه يبطل ما ذكروه في إبطال رعاية الفائدة. كيف وقد أمكن ~~PageV01P089 # أن يقال بوجوب تحصيل الحكمة لحكمة هي نفسها كما ذكروه من جلب المصلحة، ~~ودفع المفسدة عن النفس. ولا يمكن أن يقال مثل ذلك ففعل الشكر. فإن نفس ~~الفعل ليس هو الحكمة المطلوبة من إيجاده، ولو أمكن ذلك، لأمكن أن يقال مثله ~~في جميع الأفعال، وهو خلاف الاجماع. وإذا لم تكن الفائدة المطلوبة من ~~إيجاده بقي التقسيم بحالة. # قولهم: ما المانع أن تكون الفائدة هي الامن على ما ذكروه، فهو مبني على ~~امتناع خلو العاقل عن خطور ما ذكروه من الاحتمال بباله، وهو غير مسلم، على ~~ما هو معلوم، من أكثر العقلاء شاهدا، وبتقدير صحة ذلك، فما ذكروه معارض ~~باحتمال خطور العقاب بباله على شكر الله تعالى وإتعابه لنفسه، وتصرفه فيها، ~~مع أنها مملوكة لله تعالى دون إذنه من غير منفعة ترجع إليه ولا إلى الله ~~تعالى. # وليس أحدهما أولى من الآخر، ms073 بل ربما كان هذا الاحتمال راجحا، وذلك من جهة ~~أنه قد تقرر في العقول أن من أخذ في التقرب والخدمة إلى بعض الملوك العظماء ~~بتحريك أنملته في كسر بيته، وإظهار شكره بين العباد في البلاد على إعطائه ~~لقمة من الخبز مع استغنائه واستغناء الملك عنها، فإنه يعد مستهزئا بذلك ~~الملك، مستحقا للعقاب على صنعه. # ولا يخفى أن شكر الشاكرين بالنسبة إلى جلال الله تعالى دون تحريك الأنملة ~~بالنسبة إلى جلال الملك، وأن ما أنعم الله به على العبيد لعدم تناهي ملكه، ~~وتناهي ملك غيره دون تلك اللقمة، فكان المتعاطي لخدمة الله وشكره على ما ~~أنعم به عليه به أولى بالذم واستحقاق العقاب. ولولا ورود الشرع بطلب ذلك من ~~العبيد وحثهم عليه، لما وقع الاقدام عليه. # وما يقال من حال المشتغل بالشكر والخدمة أرجى حالا من المعرض عن ذلك ~~عرفا، فكان أولى. فهو مسلم في حق من ينتفع بالخدمة والشكر، ويتضرر بعدمهما. ~~والباري تعالى منزه عن ذلك، فلا يطرد ما ذكروه في حقه. PageV01P090 # قولهم: ما ذكرتموه لازم عليكم في الايجاب الشرعي، ليس كذلك. فإن الفائدة ~~الأخروية، ولم يستقل العاقل بمعرفتها، فالله تعالى عالم بها. كيف وإن ذلك ~~إنما يلزم منا أن لو اعتبرنا الحكمة في الايجاب الشرعي، وليس ذلك على ما ~~عرف من أصلنا. # وأما المعارضة بما ذكروه من إفحام الرسل، فجوابه من وجهين: # الأول، منع توقف استقرار الشرع على نظر المدعو في المعجزة بل مهما ظهرت ~~المعجزة في نفسها وكان صدق النبي فيما ادعاه ممكنا وكان المدعو عاقلا ~~متمكنا من النظر والمعرفة، فقد استقر الشرع وثبت، والمدعو مفرط في حق نفسه. # الثاني، إن الدور لازم على القائل بالايجاب العقلي، لان العقل بجوهره غير ~~موجب دون النظر والاستدلال، وإلا لما خلا عاقل عن ذلك. وعند ذلك فللمدعو أن ~~يقول لا أنظر في معجزتك حتى أعرف وجوب النظر، ولا أعرف وجوب النظر حتى ~~أنظر، وهو دور مفحم. والجواب إذ ذاك يكون واحدا. # وعلى كل تقدير فالمسألة ظنية، لا قطعية. # المسألة الثالثة مذهب ms074 الأشاعرة وأهل الحق أنه لا حكم لافعال العقلاء قبل ~~ورود الشرع. # وأما المعتزلة، فإنهم قسموا الافعال الخارجة عن الافعال الاضطرارية إلى ~~ما حسنه العقل، وإلى ما قبحه، وإلى ما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، فما ~~حسنه العقل، إن استوى فعله وتركه في النفع والضرر، سموه مباحا، وإن ترجح ~~فعله على تركه، فإن لحق الذم بتركه سموه واجبا، وسواء كان مقصودا لنفسه، ~~كالايمان، أو لغيره، كالنظر المفضي إلى معرفة الله تعالى، وإن لم يلحق الذم ~~بتركه، سموه مندوبا. وما قبحه العقل، فإن التحق الذم بفعله، سموه ~~PageV01P091 # حراما، وإلا فمكروه. وما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، فقد اختلفوا فيه ~~فمنهم من حظره، ومنهم من أباحه، ومنهم من وقف عن الامرين. # احتجت الأشاعرة بالمنقول والمعقول: # أما المنقول، فقول الله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (17) ~~الاسراء: 15) ووجه الدلالة منه أنه أمن من العذاب قبل بعثه الرسل. وذلك ~~يستلزم انتفاء الوجوب والحرمة قبل البعثة. وإلا لما أمن من العذاب بتقدير ~~ترك الواجب، وفعل المحرم، إذ هو لازم لهما. # وأيضا قوله تعالى: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (4) ~~النساء: 165) ومفهومه يدل على الاحتجاج قبل البعثة. ويلزم من ذلك نفي ~~الموجب والمحرم. # وأما من جهة المعقول، فلان ثبوت الحكم إما بالشرع أو بالعقل بالاجماع، ~~ولا شرع قبل ورود الشرع، والعقل غير موجب ولا محرم لما سبق في المسألة ~~المتقدمة، فلا حكم. # فإن قيل: أما الآية الأولى، فلا حجة فيها، فإنه ليس العذاب من لوازم ترك ~~الواجب وفعل المحرم، ولهذا يجوز انفكاكه عنهما بناء على عفو أو شفاعة، ~~فنفيه قبل ورود الشرع لا يلزم منه نفيهما. # سلمنا أنه لازم لهما لكن بعد ورود الشرع لا قبله. وعلى هذا، فلا يلزم ~~نفيهما من نفيه قبل ورود الشرع. # سلمنا أنه لازم لهما، لكنه لازم للواجب والمحرم شرعا أو عقلا: الأول ~~مسلم، والثاني ممنوع. وعلى هذا فاللازم من نفيه قبل الشرع نفي الواجب ~~والمحرم شرعا لا عقلا، سلمنا ذلك، ولكن ليس في الآية ms075 ما يدل على نفي ~~الإباحة والوقف، لعدم ملازمة العذاب لشئ من ذلك إجماعا. PageV01P092 # وأما الآية الأخرى: وإن سلمنا كون المفهوم حجة فالاعتراض على الآية ~~الأولى بعينه وارد هاهنا. وأما ما ذكرتموه من المعقول، فقد سبق ما فيه كيف ~~وأن ما ذكرتموه من الدلالة على نفي الحكم حكم بنفي الحكم فكان متناقضا. # والجواب عن السؤال الأول، أن وقوع العذاب بالفعل، وإن لم يكن لازما من ~~ترك الواجب وفعل المحرم، فلازمه عدم الامن من ذلك لعدم تحقق الواجب والمحرم ~~دونه. وهذا اللازم منتف قبل ورود الشرع، على ما دلت عليه الآية، فلا ملزوم. # وبه يندفع ما ذكروه من السؤال الثاني والثالث. # والتمسك بالآية إنما هو في نفي الوجوب والحرمة قبل لا غير، ونفي ما سوى ~~ذلك، فإنما يستفاد من دليل آخر على ما سنبينه، وبه اندفع السؤال الرابع. # وما ذكروه على الدليل العقلي، فقد سبق أيضا جوابه، ونفي الحكم، وإن كان ~~حكما، غير أن المنفي ليس هو الحكم مطلقا ليلزم التناقض، بل نفي ما أثبتوه ~~من الأحكام المذكورة، فلا تناقض. # وأما القائلون بالإباحة إن فسروها بنفي الحرج عن الفعل والترك، فلا نزاع ~~في هذا المعنى، وإنما النزاع في صحة إطلاق لفظ الإباحة بإزائه. ولهذا فإنه ~~يمتنع إطلاق لفظ الإباحة على أفعال الله تعالى مع تحقق ذلك المعنى فيها، ~~وإن فسروها بتخيير الفاعل بين الفعل والترك، فإما أن يكون ذلك التخيير ~~للفاعل من نفسه وإما من غيره: فإن كان الأول، فيلزم منه تسمية أفعال الله ~~مباحة، لتحقق ذلك في حقه. وهو ممتنع بالاجماع. وإن كان الثاني، فالمخير إما ~~الشرع وإما العقل بالاجماع، ولا شرع قبل ورود الشرع، وتخيير العقل عندهم ~~إنما يكون فيما استوى فعله وتركه من الافعال الحسنة عقلا، أو فيما لم يقض ~~العقل فيه بحسن ولا قبح، وهو فرع الحسن والقبح العقلي، وقد أبطلناه، وإن ~~فسروه بأمر آخر، فلا بد من تصويره. PageV01P093 # فإن قيل: المباح هو المأذون في فعله، وقد ورد دليل الاذن من الله تعالى ~~قبل ورود الشرع، وإن لم ms076 ترد صورة الاذن. وبيانه من وجهين: # الأول: هو أن الله تعالى خلق الطعوم من المأكولات، والذوق فينا، وأقدرنا ~~عليها، وعرفنا بالأدلة العقلية أنها نافعة لنا، غير مضرة، ولا ضرر عليه في ~~الانتفاع بها، وهو دليل الاذن منه لنا في ذلك. وصار هذا كما لو قدم إنسان ~~طعاما بين يدي إنسان على هذه الصفات، فإن العقلاء يقضون بكونه قد أذن له ~~فيه. # الثاني: أن خلقه للطعوم في الأجسام مع إمكان ألا يخلقها، لا بد له من ~~فائدة نفيا للعبث عنه، وليست تلك الفائدة عائدة إلى الله تعالى، لتعاليه ~~عنها، فلا بد من عودها إلى العبد، وليست هي الاضرار، ولا ما هو خارج عن ~~الاضرار والانتفاع، إذ هو خلاف الاجماع، فكانت فائدتها الانتفاع بها، وهو ~~دليل الاذن في إدراكها. وسواء كان الانتفاع بها بجهة الالتذاذ بها، وتقوم ~~البنية، أو بجهة تجنبها لنيل الثواب، أو الاستدلال بها على معرفة الله ~~تعالى لتوقف ذلك كله على إدراكها واحتمال وجود مفسدة فيه مع عدم الاطلاع ~~عليها، لا يكون مانعا من الاذن والحكم بالإباحة، بدليل الاستضاءة بسراج ~~الغير، والاستظلال بحائطه. # وقلنا: أما الوجه الأول: فحاصله يرجع إلى قياس الغائب على الشاهد، وقد ~~أبطلناه. # وأما الثاني: فمبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعاله تعالى، وهو ممنوع ~~على ما عرف من أصلنا. ثم إذا كان مأذونا فيه من جهة الشارع، فإباحته شرعية ~~لا عقلية. # وأما القائلون بالوقف، إن عنوا به توقف الحكم بهذه الأشياء على ورود ~~السمع، فحق، وإن عنوا به الاحجام عن الحكم بالوجوب، أو الحظر، أو الإباحة ~~لتعارض أدلتها، ففاسد لما سبق. PageV01P094 # الأصل الثاني في حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه، وما يتعلق به من المسائل ~~ويشتمل على مقدمة وستة فصول: # أما المقدمة: ففي بيان حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه، أما حقيقته، فقد قال ~~بعض الأصوليين: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين. # وقيل إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، وهما فاسدان، لان ~~قوله تعالى: * (والله خلقكم وما تعملون) * (37) الصافات: 96) وقوله تعالى: ~~* (خالق كل شئ) * (6) الانعام: ms077 102) خطاب من الشارع، وله تعلق بأفعال ~~المكلفين والعباد، وليس حكما شرعيا بالاتفاق. # وقال آخرون: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء ~~أو التخيير. وهو غير جامع: فإن العلم بكون أنواع الأدلة حججا، وكذلك الحكم ~~بالملك والعصمة ونحوه أحكام شرعية، وليست على ما قيل. # والواجب أن نعرف معنى الخطاب أولا ضرورة توقف معرفة الحكم الشرعي عليه ~~فنقول: # قد قيل فيه: هو الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئا وهو غير مانع، فإنه ~~يدخل فيه الكلام الذي لم يقصد التكلم به إفهام المستمع، فإنه على ما ذكر من ~~الحد، وليس خطابا. # والحق إنه: اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه. # (فاللفظ) احتراز عما وقعت المواضعة عليه من الحركات والإشارات المفهمة. # و (المتواضع عليه) احتراز عن الألفاظ المهملة. # و (المقصود بها الافهام) احتراز عما ورد على الحد الأول. PageV01P095 # وقولنا: (لمن هو متهيئ لفهمه) احتراز عن الكلام لمن لا يفهم، كالنائم ~~والمغمى عليه ونحوه. # وإذا عرف معنى الخطاب، فالأقرب أن يقال في حد الحكم الشرعي أنه: # خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية. # فقولنا: (خطاب الشارع) احتراز عن خطاب غيره. والقيد الثاني احتراز عن ~~خطابه بما لا يفيد فائدة شرعية، كالاخبار عن المعقولات والمحسوسات ونحوها، ~~وهو مطرد منعكس لا غبار عليه. # وإذا عرف معنى الحكم الشرعي، فهو إما أن يكون متعلقا بخطاب الطلب ~~والاقتضاء أو لا يكون: # فإن كان الأول، فالطلب إما للفعل أو للترك، وكل واحد منهما إما جازم أو ~~غير جازم. # فما تعلق بالطلب الجازم للفعل فهو الوجوب، وما تعلق بالطلب الجازم للترك ~~فهو الحرمة، وما تعلق بغير الجازم منه فهو الكراهة. # وإن لم يكن متعلقا بخطاب الاقتضاء، فإما أن يكون متعلقا بخطاب التخيير، ~~أو غيره. # فإن كان الأول، فهو الإباحة، وإن كان الثاني فهو الحكم الوضعي، كالصحة ~~والبطلان ونصب الشئ سببا أو مانعا أو شرطا، وكون الفعل عبادة وقضاء وأداء ~~وعزيمة ورخصة إلى غير ذلك. # فلنرسم في كل قسم منها فصلا، وهي ستة فصول: PageV01P096 # الفصل الأول في حقيقة الوجوب ms078 وما يتعلق به من المسائل أما حقيقة الوجوب: ~~فاعلم أن الوجوب في اللغة قد يطلق بمعنى السقوط، ومنه يقال: وجبت الشمس إذا ~~سقطت، ووجب الحائط إذا سقط. # وقد يطلق بمعنى الثبوت والاستقرار، ومنه قوله عليه السلام: إذا وجب ~~المريض، فلا تبكين باكية أي استقر وزال عنه التزلزل والاضطراب. # وأما في العرف الشرعي، فقد قيل: هو ما يستحق تاركه العقاب على تركه وهو ~~إن أريد (بالاستحقاق) ما يستدعي مستحقا عليه فباطل، لعدم تحقق ذلك بالنسبة ~~إلى الله تعالى، على ما بيناه في علم الكلام، وبالنسبة إلى أحد من ~~المخلوقين بالاجماع. # وإن أريد به أنه لو عوقب، لكان ذلك ملائما لنظر الشارع، فلا بأس به. # وقيل: هو ما توعد بالعقاب على تركه، وهو باطل، لان التوعد بالعقاب على ~~الترك خبر، ولو ورد لتحقق العقاب بتقدير الترك لاستحالة الخلف في خبر ~~الصادق، وإن كان ذلك في حق غيره يعد كرما وفضيلة، لما يلزمه من المصلحة ~~الراجحة، وليس كذلك لجواز العفو عنه. # وقيل: هو الذي يخاف العقاب على تركه، ويبطل بالمشكوك في وجوبه، كيف وإن ~~هذه الحدود ليست حدا للحكم الشرعي، وهو الوجوب، بل للفعل الذي هو متعلق ~~الوجوب. PageV01P097 # والحق في ذلك أن يقال: الوجوب الشرعي عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض ~~تركه سببا للذم شرعا في حالة ما. فالقيد الأول احتراز عن خطاب غير الشارع، ~~والثاني احتراز عن بقية الاحكام، والثالث احتراز عن ترك الواجب الموسع أول ~~الوقت فإنه سبب للذم بتقدير إخلاء جميع الوقت عنه، وإخلاء أول الوقت من غير ~~عزم على الفعل بعده، وعن ترك الواجب المخير، فإنه سبب للذم بتقدير ترك ~~البدل، وليس سببا له بتقدير فعل البدل وعلى هذا، إن قلنا إن الاذان وصلاة ~~العيد فرض كفاية، واتفق أهل بلدة على تركه قوتلوا. وإن قلنا إنه سنة، فلا. # وبالجملة فلا بد في الوجوب من ترجيح الفعل على الترك بما يتعلق به من ~~الذم أو الثواب الخاص به. فإنه لا تحقق للوجوب مع تساوي طرفي الفعل والترك ~~في الغرض. وربما ms079 أشار القاضي أبو بكر إلى خلافه. # وإذا عرف معنى الوجوب الشرعي فلا بد من الإشارة إلى ما يتعلق به من ~~المسائل، وهي سبع. # المسألة الأولى هل الفرض غير الواجب، أو هو هو؟ # أما في اللغة، فالواجب هو الساقط والثابت، كما سبق تعريفه وأما الفرض فقد ~~يطلق في اللغة بمعنى التقدير، ومنه قولهم: فرضتا القوس، للحزتين اللتين في ~~سيتيه موضع الوتر، وفرضة النهر وهو موضع اجتماع السفن، ومنه قولهم: فرض ~~الحاكم النفقة، أي قدرها. # وقد يطلق بمعنى الانزال. ومنه قوله تعالى: * (إن الذي فرض عليك القرآن) * ~~(28) القصص: 85) أي أنزل، PageV01P098 # وقد يطلق بمعنى الحل ومنه قوله تعالى: * (ما كان على النبي من حرج فيما ~~فرض الله له) * (33) الأحزاب: 38) أي أحل له. # وأما في الشرع، فلا فرق بين الفرض والواجب عند أصحابنا، إذ الواجب في ~~الشرع على ما ذكرناه، عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا ~~في حالة ما. وهذا المعنى بعينه متحقق في الفرض الشرعي. # وخص أصحاب أبي حنيفة اسم الفرض بما كان من ذلك مقطوعا به. واسم الواجب ~~بما كان مظنونا، مصيرا منهم إلى أن الفرض هو التقدير والمظنون لم يعلم كونه ~~مقدرا علينا، بخلاف المقطوع. فلذلك خص المقطوع باسم الفرض دون المظنون. ~~والأشبه ما ذكره أصحابنا من حيث إن الاختلاف في طريق إثبات الحكم حتى يكون ~~هذا معلوما، وهذا مظنونا، غير موجب لاختلاف ما ثبت به. # ولهذا، فإن اختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء، والقوة والضعف، بحيث ~~إن المكلف يقتل بترك البعض منها دون البعض، لا يوجب اختلاف الواجب في ~~حقيقته من حيث هو واجب. وكذا اختلاف طرق النوافل غير موجب لاختلاف حقائقها. ~~وكذلك اختلاف طرق الحرام بالقطع والظن غير موجب لاختلافه في نفسه من حيث هو ~~حرام، كيف وإن الشارع قد أطلق اسم الفرض على الواجب في قوله تعالى: * (فمن ~~فرض فيهن الحج) * (2) البقرة: 197) أي أوجب. والأصل أن يكون مشعرا به حقيقة ~~وأن لا يكون له مدلول سواه، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. والذي يؤيد ~~إخراج ms080 قيد القطع عن مفهوم الفرض إجماع الأمة على إطلاق اسم الفرض على ما ~~أدى من الصلوات المختلف في صحتها بين الأئمة بقولهم: # أد فرض الله تعالى. والأصل في الاطلاق الحقيقة، وما ذكره الخصوم في تخصيص ~~اسم الفرض المقطوع به، فمن باب التحكم، حيث إن الفرض في اللغة هو التقدير ~~مطلقا كان مقطوعا به أو مظنونا. فتخصيص ذلك بأحد القسمين دون الآخر بغير ~~دليل، لا يكون مقبولا، وبالجملة فالمسألة لفظية. PageV01P099 # المسألة الثانية لا فرق عند أصحابنا بين واجب العين، والواجب على الكفاية ~~من جهة الوجوب، لشمول حد الواجب لهما. خلافا لبعض الناس، مصيرا منه إلى أن ~~واجب العين لا يسقط بفعل الغير، بخلاف واجب الكفاية، وغايته الاختلاف في ~~طريق الاسقاط، وذلك لا يوجب الاختلاف في الحقيقة، كالاختلاف في طريق الثبوت ~~كما سبق. ولهذا، فإن من ارتد وقتل، فقتله بالردة، وبالقتل واجب. ومع ذلك ~~فأحد الواجبين يسقط بالتوبة دون الواجب الآخر. ولم يلزم من ذلك اختلافهما. # المسألة الثالثة اختلفوا في الواجب المخير كما في خصال الكفارة: # فمذهب الأشاعرة والفقهاء أن الواجب منها واحد لا بعينه، ويتعين بفعل ~~المكلف. # وأطلق الجبائي وابنه القول بوجوب الجميع على التخيير. # حجة أصحابنا أنه لا يخلو إما أن يقال بوجوب الجميع، أو بوجوب واحد. # والواحد، إما معين، وإما غير معين. لا جائز أن يقال بالأول لخمسة أوجه: # الأول: أنه لو كان التخيير موجبا للجميع، لكان الامر بإيجاب عتق عبد من ~~العبيد على طريق التخيير موجبا للجميع، وهو محال. # الثاني: أن ذلك مما يمنع من التخيير، ولهذا فإنه لا يحسن أن يقول القائل ~~لغيره: أوجبت عليك صلاتين، فصل أيهما شئت، واترك أيهما شئت. كما لا يحسن أن ~~يقول: أوجبت عليك الصلاة، وخيرتك في فعلها وتركها، لما فيه من رفع الواجب ~~وليس ذلك من لغة العرب في شئ. PageV01P100 # الثالث: أن الواجب ما لا يجوز تركه مع القدرة عليه والامر فيما نحن فيه ~~بخلافه. # الرابع: أن الخصوم قد وافقوا على أنه لو أتى بالجميع، أو ترك الجميع، ~~فإنه لا يثاب ms081 ولا يعاقب على الجميع. # الخامس: أنه لو كان الجميع واجبا، لنوى نية أداء الواجب في كل واحدة من ~~الخصال عندما إذا فعل الجميع، وهو خلاف الاجماع. ولا جائز أن يقال بأن ~~الواجب واحد معين، إذ هو خلاف مقتضى التخيير، ولأنه كان يلزم أن لا يحصل ~~الاجزاء بتقدير أداء غيره مع القدرة عليه، وهو خلاف الاجماع. فلم يبق غير ~~الابهام. # غير أن أبا الحسين البصري قد تكلف رد الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ ~~دون المعنى، وذلك أنه قال: معنى إيجاب الجميع أن الله تعالى حرم ترك ~~الجميع، لا كل واحد واحد منها بتقدير فعل المكلف لواحد منها مع تفويض فعل ~~أي واحد منها كان إلى المكلف. وهذا هو بعينه مذهب الفقهاء. غير أن ما ذكره ~~في تفسير وجوب الجميع، وإن كان رافعا للخلاف، غير أنه خلاف ما نقله الأئمة ~~عن الجبائي وابنه من إطلاق القول بوجوب الجميع والدلائل المشعرة بذلك. ~~فلننسج في الحجاج على منوالهم. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل، إنما يلزم أن لو كانت آية التكفير وهي ~~قوله تعالى: * (فكفارته إطعام عشرة مساكين) * (5) المائدة: 89) الآية، دالة ~~على تخيير كل واحد واحد من الأمة بين خصال الكفارة بجهة الايجاب. وما ~~المانع أن يكون ذلك إخبارا عما يوجد من الكفارة وتقديره فما يوجد من ~~الكفارة هو إطعام من حانث، أو كسوة من حانث آخر، أو عتق من حانث آخر. ~~PageV01P101 # سلمنا دلالتها على الايجاب لكن لا أنها خطاب بالتخيير لكل واحد واحد من ~~الأمة، بل المراد بها إيجاب الاطعام على البعض، والكسوة على البعض والعتق ~~على البعض. فكأنه قال: فكفارته إطعام عشرة مساكين لبعضهم، أو الكسوة لبعض ~~آخر، أو العتق لبعض آخر، سلمنا دلالة ما ذكرتموه، لكنه معارض بما يدل على ~~إبطال مدلوله. وبيانه من أحد عشر وجها: # الأول: أن الخصال المذكورة إما أن تكون مستوية فيما يرجع إلى الصفات ~~المقتضية للوجوب، أو أنها مختصة بالبعض دون البعض. # فإن كان الأول، فيلزم التسوية في الوجوب بين الكل. # وإن كان الثاني، كان ms082 ذلك البعض هو الواجب بعينه دون غيره. # الثاني: إن الواجب ما تعلق به خطاب الشرع بالايجاب، وخطاب الشرع إنما ~~يتعلق بالمعين دون المبهم، ولهذا، فإنه يمتنع تعلق الايجاب بأحد شخصين لا ~~بعينه، فكذلك بفعل أحد أمرين لا يعينه، وعند ذلك فيلزم تعلقه بالكل أو ببعض ~~منه معين. # الثالث: أن الايجاب طلب، والطلب يستدعي مطلوبا معينا لما تحقق قبل. # والمعين إما الكل أو البعض. # الرابع: أنه لو فعل العبد الجميع، فإنه يثاب ثواب من فعل واجبا، فسببه ~~يجب أن يكون مقدورا للمكلف معينا لاستحالة الثواب على ما لا يكون من فعل ~~العبد، واستحالة إسناد المعين إلى غير معين، والمبهم ليس كذلك، فلزم أن ~~يكون الثواب على الجملة أو بعض معين منها. # الخامس: أنه لو ترك الجميع فإنه يعاقب عقاب من ترك واجبا منها، وذلك يدل ~~على أن الجميع واجب أو بعض منه معين كما سبق. # السادس: أنه كان الواجب واحدا لا بعينه من الخصال، لكان منها شئ لا بعينه ~~غير واجب. والتخيير بين الواجب وما ليس بواجب محال لما فيه من رفع حقيقة ~~الواجب. PageV01P102 # السابع: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه، فعند التكفير بالجميع إما أن ~~يسقط الفرض بمجموعها، أو بكل واحد منها، أو بواحد منها، فإن كان الأول أو ~~الثاني، فالكل واجب، وإن كان الثالث، فذلك هو الفرض. # الثامن: ويخص إيجاب الجميع أنه لو كان الواجب واحدا لنصب الله عليه ~~دليلا، وليكله إلى تعيين العبد لعدم معرفته بما فيه المصلحة، كما في سائر ~~الواجبات. فحيث لم يعين، دل على أن الكل واجب. # التاسع: أنه إذا كان الواجب واحدا لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف، فالباري ~~تعالى يعلم ما سيعينه العبد، فيكون الواجب معينا عند الله تعالى. وإن لم ~~يكن معينا عند العبد قبل الفعل. ويلزم من ذلك التخيير بين الواجب المعين ~~وبين ما ليس واجبا، وهو محال. فثبت أن الجميع واجب. # العاشر: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه، فكفر ثلاثة كل واحد بواحد من ~~الخصال، غير ما كفر به ms083 الآخر، لكان الواحد منهم لا بعينه هو المكفر بالواجب ~~دون الباقين. وحيث وقع ما فعله كل واحد موقع الواجب كان الجميع واجبا. # الحادي عشر: أن الوجوب قد يعم عددا من المتعبدين ويسقط بفعل الواحد منهم، ~~كفرض الكفاية، فلا يمتنع أن يعم الوجوب عددا من العبادات، ويسقط بفعل واحدة ~~منها. # والجواب: عن السؤال الأول: أن الاجماع من الأمة منعقد على أن المراد من ~~الآية الوجوب، لا نفس الاخبار. # وعن الثاني أن حمل الآية على ما ذكروه مع مخالفته لاجماع السلف مما يحوج ~~إلى إضمارات كثيرة في الآية، وهي ما قدروه من البعض في قولهم، فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين لبعضهم وكذلك في الكسوة والعتق، وهو على خلاف الأصل من ~~غير حاجة، كيف وإنه لو كان كما ذكروه، لقال: فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~وكسوتهم وتحرير رقبة، لوجوب الخصال الثلاث على الجميع بالنسبة إلى الحانثين ~~المذكورين. PageV01P103 # وعن المعارض الأول أنه مبني على وجوب رعاية المصلحة في أحكام الله تعالى، ~~وهو غير مسلم كيف وإنه يلزم منه أن يكون الامر على ما ذكروه في عقد الإمامة ~~لاحد الامامين الصالحين، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين ~~الخاطبين، وفي إيجاب عتق عبد من العبيد، وهو مخالف للاجماع وحيث تعذر ~~الوجوب على أحد شخصين لا بعينه، إنما كان لتوقف تحقق الوجوب على ارتباطه ~~بالذم والعقاب، على ما سبق في تحديده، وذم أحد شخصين لا بعينه متعذر بخلاف ~~الذم على أحد فعلين لا بعينه. وبهذه الصور يكون اندفاع ما ذكروه من المعارض ~~الثاني وما بعده إلى آخر التاسع. # وعن العاشر: أن الواجب على كل واحد من المكفرين خصلة من الخصال الثلاث لا ~~بعينها. وقد أتى بما وجب عليه، وسقط به الفرض عنه، فكان ما أتى به كل واحد ~~واجبا، لا أن الواجب على الكل خصلة واحدة لا بعينها ليلزم ما قيل. # وعن الحادي عشر: أنا لا نمنع سقوط الواجب دون أدائه، ولكن لا يلزم من ذلك ~~أن تكون خصال الكفارة كلها واجبة كما كان الوجوب ثابتا على أعداد ms084 المكلفين ~~في فرض الكفاية، لان الاجماع منعقد على تأثيم الكل بتقدير اتفاقهم على ~~الترك، ولا كذلك في خصال الكفارة. # وعلى هذه القاعدة لو قال لزوجتيه: إحداكما طالق. فالمطلقة منهما واحدة لا ~~بعينها. وأن وجب الكف عنهما والتخيير في التعيين إلى المطلق، كما لو قيل في ~~خصال الكفارة من غير فرق. ولا يخفى وجه الحجاج من الطرفين. PageV01P104 # المسألة الرابعة إذا كان وقت الواجب فاضلا عنه، كصلاة الظهر مثلا، فمذهب ~~أصحابنا وأكثر الفقهاء وجماعة من المعتزلة كالجبائي وابنه وغيرهما أنه واجب ~~موسع، وأن جميع أجزاء ذلك الوقت وقت لأداء ذلك الواجب فيه فيما يرجع إلى ~~سقوط الفرض به وحصول مصلحة الوجوب. # وهل للواجب في أول الوقت ووسطه بتقدير تأخير الواجب عنه إلى ما بعده بدل، ~~اختلف هؤلاء فيه: فأثبته أصحابنا والجبائي وابنه، وهو العزم على الفعل. # وأنكره بعض المعتزلة، كأبي الحسين البصري وغيره. # وقال قوم: وقت الوجوب هو أول الوقت، وفعل الواجب بعد ذلك يكون قضاء. # وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: وقت الوجوب هو آخر الوقت، لكن اختلفوا في وقوع ~~الفعل قبل ذلك: # فمنهم من قال: هو نفل يسقط به الفرض. # ومنهم من قال، كالكرخي: إن المكلف إذا بقي بنعت المكلفين إلى آخر الوقت، ~~كان ما فعله واجبا، وإلا فنفل. # وحكي عنه أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان. # حجة القائلين بالوجوب الموسع أن الامر بصلاة الظهر، وهو قوله تعالى: # * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (17) الاسراء: 78) عام لجميع ~~أجزاء الوقت المذكور. وليس المراد به تطبيق أول فعل الصلاة على أول الوقت، ~~وآخره على آخره، ولا إقامة الصلاة في كل وقت من أوقاته، حتى لا يخلو جزء ~~منه عن صلاة، إذ هو خلاف الاجماع، ولا تعيين جزء منه لاختصاصه بوقوع الواجب ~~فيه، إذ لا دلالة للفظ عليه. # فلم يبق إلا أنه أراد به أن كل جزء منه صالح لوقوع الواجب فيه. ويكون ~~المكلف مخيرا في إيقاع الفعل في أي جزء شاء منه، ضرورة امتناع قسم آخر، وهو ~~المطلوب. PageV01P105 # ويدل على ms085 إرداة هذا الاحتمال حصول الاجزاء عن الواجب بأداء الصلاة في أي ~~وقت قدر منه، فإنه يدل على حصول مقصود الواجب من الكل، وأن الفعل في كل وقت ~~قائم مقامه في غيره من الأوقات، فيكون واجبا، وإلا، فلو لم يكن محصلا ~~لمقصود الواجب، فيلزم منه إما فوات مصلحة الواجب، بتقدير فعل الصلاة في غير ~~وقت الوجوب، فتكون الصلاة حراما لكونها مفوتة لمصلحة الواجب، وهو محال، ~~وإما بقاء مصلحة الوجوب ويلزم منه وجوب فعل الصلاة لبقاء مقصودها الموجب ~~لها بعد فعل الصلاة في الوقت المفروض، وهو خلاف الاجماع. # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مطلوبكم، وذلك أنه لو كان ~~الفعل واجبا في أول الوقت أو وسطه، لما جاز تركه مع القدرة عليه، إذ هو ~~حقيقة الواجب. وإنما يتحقق ذلك بالنسبة إلى آخر الوقت لانعقاد الاجماع على ~~لحوق الاثم بتركه فيه، بتقدير عدم فعله قبله. وأما قبل ذلك فالفعل فيه ندب ~~لكونه مثابا مع جواز تركه. ويسقط الفرض به في آخر الوقت، ولا يمتنع سقوط ~~الفرض عن المكلف بفعل ما ليس بفرض، كالزكاة المعجلة قبل الحول، سلمنا أنه ~~ليس بنفل، ولكن ما المانع من القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل، أو تعيين ~~الوقت الأول للوجوب وما بعده قضاء، أو الحكم بكونه واجبا بتقدير بقائه بصفة ~~المكلفين إلى آخر الوقت، كما قيل من المذاهب السابقة. # والجواب عن جواز ترك الفعل في أول الوقت أنه لا يدل على عدم الوجوب ~~مطلقا، بل على عدم الوجوب المضيق. وأما الموسع، فلا. # والفرق بين المندوب والواجب الموسع، جواز ترك المندوب مطلقا، والموسع ~~بشرط الفعل بعده في الوقت الموسع. وحاصله راجع إلى أن الواجب على المكلف ~~إيقاع الفعل في أي وقت شاء من أجزاء ذلك الوقت الموسع على طريق الابهام ~~والتعيين إلى المكلف، كما سبق في خصال الكفارة، أو بشرط العزم على الفعل ~~بعده. ثم لو كان نفلا لما سقط به الفرض لما سبق. والزكاة المعجلة واجبة ~~PageV01P106 # مؤجلة بعد انعقاد سببها وهو ملك النصاب، لا أنها نافلة، ms086 ولكان ينبغي أن ~~تصح الصلاة بنية النفل، وليس كذلك فإن قيل: لو كان العزم بدلا عن الفعل في ~~أول الوقت لما وجب الفعل بعده، ولما جاز المصير إليه مع القدرة على المبدل، ~~كسائر الابدال مع مبدلاتها، ولكان من أخر الصلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن ~~العزم يكون عاصيا لكونه تاركا للأصل وبدله كيف وإن الامر الوارد بإيجاب ~~الصلاة في هذا الوقت ليس فيه تعرض للعزم، فإيجابه يكون زيادة على مقتضى ~~الامر. ثم جعل العزم بدلا من صفة الفعل أو عن أصل الفعل، مع أنه من أفعال ~~القلوب بعيد، إذ لا عهد لنا في الشرع بجعل أفعال القلوب أبدالا عن الافعال. ~~ولا يجعل صفة الفعل مبدلا. # قلنا: لم يكن بدلا عن أصل الفعل، بل عن تقديم الفعل، فلا يكون موجبا ~~لسقوط الفعل مطلقا. ومعنى كونه بدلا أنه مخير بينه وبين تقديم الفعل ~~والمصير إلى أحد المخيرين، غير مشروط بالعجز عن الآخر. لا أنه من باب ~~الوضوء من التيمم، وإنما لم يعص مع تركه غافلا لعدم تكليف الغافل والامر ~~وإن لم يكن متعرضا للعزم، فلا يلزم منه امتناع جعله بدلا، فإنه لا يلزم من ~~انتفاء بعض المدارك انتفاء الكل. # وأما استبعاد كون العزم بدلا عن صفة الفعل على ما ذكروه فغير مستحق ~~للجواب. ثم كيف يستبعد ذلك، والفدية في حق الحامل عند خوفها على جنينها، ~~وكذلك المرضع على ولدها، بدل عن تقديم الصوم في حقها، وهو صفة الفعل. # وكذلك الندم توبة وهو من أعمال القلوب. وقد جعل بدلا عما فرط من أفعال ~~الطاعات الواجبة حالة الكفر الأصلي. # والجواب: عن القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل أنه إن أريد به أنا نتبين ~~سقوط الغرض بالفعل في ذلك الوقت، فهو مسلم ولا منافاة بينه وبين ما ذكرناه. ~~PageV01P107 # وإن أرادوا به أنا نتبين أن غير ذلك الوقت لم يكن وقتا للوجوب، بمعنى ~~أنه، لو أدى فيه الفعل، لم يقع الموقع، فهو خلاف الاجماع. وإن أريد به غير ~~ذلك، فلا بد من تصويره. # وعن القول بتعين ms087 الوقت الأول للوجوب وما بعده للقضاء فيما سبق. # كيف وأن الاجماع منعقد على أن ما يفعل بعد ذلك الوقت ليس بقضاء ولا يصح ~~بنية القضاء. # وعن الوقت أنه خلاف الاجماع من السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت، ~~ومات فيه أثنائه أنه أدى فرض الله، وأثبت ثواب الواجب، وعلى ما حققناه من ~~الوجوب الموسع لو أخر المكلف الصلاة عن أول الوقت بشرط العزم ومات، لم يلق ~~الله عاصيا، نظرا إلى إجماع السلف على ذلك. وليس يلزم من ذلك إ بطال معنى ~~الوجوب حيث إنه لا يجوز تركه مطلقا، بل بشرط العزم على ما تقدم. ولا يمكن ~~أن يقال جواز التأخير مشروط بسلامة العاقبة، لكونها منطوية عنه، ولا بد من ~~الحكم الجزم في هذه الحال، إما بالبعضية، وهو خلاف الاجماع، وإما بنفيها ~~ضرورة امتناع التوقف على ظهور العاقبة بالاجماع من سلف الأمة، وإذا عرف ~~معنى الواجب الموسع، ففعله في وقته أول مرة يسمى أداء. وسواء كان فعله على ~~نوع من الخلل لعذر، أو لا على نوع من الخلل. وإن فعل على نوع من الخلل ~~لعذر، ثم فعل في ذلك الوقت مرة ثانية، سمي إعادة، وإن لم يفعل في وقته ~~المقدر، وسواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر، ثم فعل بعد خروج وقته سمي قضاء. ~~PageV01P108 # المسألة الخامسة اتفق الكل في الواجب الموسع على أن المكلف لو غلب على ~~ظنه أنه يموت بتقدير التأخير عن أول الوقت فأخره، أنه يعصي، وإن لم يمت. ~~واختلفوا في فعله بعد ذلك في الوقت: هل يكون قضاء أو أداء. فذهب القاضي أبو ~~بكر إلى كونه قضاء، وخالفه غيره في ذلك. # حجة القاضي أن الوقت صار مقدرا مضيقا بما غلب على ظن المكلف أنه لا يعيش ~~أكثر منه، ولذلك عصى بالتأخير عنه. فإذا فعل الواجب بعد ذلك فقد فعله خارج ~~وقته، فكان قضاء كما في غيره من العبادات الفائتة في أوقاتها المقدرة ~~المحدودة. # ولقائل أن يقول: غاية ظن المكلف أنه أوجب العصيان بالتأخير عن الوقت الذي ms088 ~~ظن حياته فيدون ما بعده، فلا يلزم من ذلك تضييق الوقت، بمعنى أنه إذا بقي ~~بعد ذلك الوقت كان فعله للواجب فيه قضاء، وذلك لأنه كان وقتا للأداء. # والأصل بقاء ما كان على ما كان. ولا يلزم من جعل ظن المكلف موجبا للعصيان ~~بالتأخير مخالفة هذا الأصل أيضا. ولهذا فإنه لا يلزم من عصيان المكلف ~~بتأخير الواجب الموسع عن أول الوقت من غير عزم على الفعل عند القاضي أن ~~يكون فعل الواجب بعد ذلك في الوقت قضاء، وهو في غاية الاتجاه. # المسألة السادسة اتفقوا على أن الواجب إذا لم يفعل في وقته المقدر، وفعل ~~بعده، أنه يكون قضاء، وسواء تركه في وقته عمدا، أو سهوا. # اتفقوا على أن ما لم يجب، ولم ينعقد سبب وجوبه في الأوقات المقدرة، ففعله ~~بعد ذلك لا يكون قضاء، لا حقيقة ولا مجازا، كفوائت الصلوات في حالة الصبى ~~والجنون. PageV01P109 # واختلفوا فيما انعقد سبب وجوبه، ولم يجب لمانع، أو لفوات شرط من خارج، ~~وسواء كان المكلف قادرا على الاتيان بالواجب في وقته، كالصوم في حق المريض ~~والمسافر، أو غير قادر عليه، إما شرعا كالصوم في حق الحائض، وإما عقلا ~~كالنائم، أنه هل يسمى قضاء حقيقة أو مجازا. # فمنهم من مال إلى التجوز مصيرا منه إلى أن القضاء إنما يكون حقيقة عند ~~فوات ما وجب في الوقت استدراكا لمصلحة الواجب الفائت. وذلك غير متحقق فيما ~~نحن فيه، ووجوبه بعد ذلك الوقت بأمر مجدد لا ارتباط له بالوقت الأول. # فكان إطلاق القضاء عليه تجوزا. # ومنهم من مال إلى أنه قضاء حقيقة، لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب ~~وجوبه ولم يجب للمعارض وإطلاق اسم القضاء في هذه الصور في محل الوفاق، إنما ~~كان باعتبار ما اشتركا فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه لا استدراك ~~مصلحة ما وجب. وهذا هو الأشبه، لما فيه من نفي التجوز والاشتراك عن اسم ~~القضاء. # المسألة السابعة ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب. # اختلفوا فيه، ولا بد قبل ms089 الخوض في الحجاج من تلخيص محل النزاع، فنقول: # ما لا يتم الواجب إلا به، إما أن يكون وجوبه مشروطا بذلك الشئ، أو لا ~~يكون مشروطا به. # فإن كان الأول، فهو كما لو قال الشارع: أوجبت عليك الصلاة، إن كنت متطهرا ~~فلا خلاف في أن تحصيل الشرط ليس واجبا، وإنما الواجب الصلاة، إذا وجد ~~الشرط. PageV01P110 # وإن كان الثاني، وهو أن يكون وجوبه مطلقا غير مشروط الوجوب بذلك الغير، ~~بل مشروط الوقوع، فذلك هو محل النزاع إن كان الشرط مقدورا للمكلف، وذلك كما ~~لو وجبت الصلاة وتعذر وقوعها دون الطهارة، أو وجب غسل الوجه، ولم يكن إلا ~~بغسل جزء من الرأس إلى غير ذلك. # وإن لم يكن الشرط مقدورا للمكلف، فلا إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا ~~يطاق. وذلك كحضور الامام الجمعة، وحصول تمام العدد فيها، فإن ذلك غير مقدور ~~لآحاد المكلفين. # وإذا تلخص محل النزاع، فنقول: اتفق أصحابنا والمعتزلة على أن ما لا يتم ~~الواجب إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب. خلافا لبعض الأصوليين. # قال أبو الحسين البصري: وإنما قلنا إن تحصيل الشرط واجب، لأنه لو لم يجب، ~~بل كان تركه مباحا لكان الآمر كأنه قال للمأمور: لك مباح ألا تأتي بالشرط، ~~وأوجب عليك الفعل مع عدم الاتيان بما لا يتم إلا به. وذلك تكليف بما لا ~~يطاق، وهو محال. وهذه الطريقة في غاية الفساد وذلك لان وجوب المشروط إذا ~~كان مطلقا، فلا يلزم من إباحة الشرط أن يكون التكليف بالمشروط حالة عدم ~~الشرط، فإن عدمه غير لازم من إباحته، بل حالة عدم وجوب الشرط. # وفرق بين الامرين. فلا يكون التكليف بالمشروط تكليفا بما لا يطاق. ثم ~~يقال له إن كان التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط محالا فالتكليف بالمشروط ~~مشروط بوجود الشرط، وكل ما وجوبه مشروط بشرط، فالشرط لا يكون واجب التحصيل ~~لما سبق، ولا جواب عنه. # والأقرب في ذلك أن يقال: انعقد إجماع الأمة على إطلاق القول بوجوب تحصيل ~~ما أوجبه الشارع. وتحصيله إنما هو بتعاطي الأمور ms090 الممكنة من الاتيان به. ~~فإذا قيل يجب التحصيل بما لا يكون واجبا، كان متناقضا. وبالجملة فالمسألة ~~وعرة، والطرق ضيقة، فليقنع بمثل هذا في هذا المضيق. PageV01P111 # فإن قيل: القول بوجوب الشرط زيادة على ما اقتضاه الامر بالمشروط، إذ لا ~~دلالة عليه، والزيادة على النص نسخ، ونسخ مدلول النص لا يكون إلا بنص آخر، ~~ولا نص. ثم لو كان واجبا، لكان مقدورا، حذرا من التكليف بما لا يطاق. وما ~~يجب غسله من الرأس وإمساكه من الليل غير مقدور، ولكان مثابا عليه، ومعاقبا ~~على تركه. والثواب والعقاب إنما هو على غسل الوجه وتركه، وعلى صوم اليوم ~~وتركه، لا على مسح بعض الرأس، وإمساك شئ من الليل. ولهذا، فإنه لو تصور ~~الاتيان بالمشروط دون شرطه، كان كذلك. # قلنا: جواب الأول أن النسخ إنما يلزم إن لو كان ما قيل بوجوبه رافعا ~~لمقتضى النص الوارد بالمشروط، وليس كذلك، فإن مقتضاه وجوبه، ووجوبه باق ~~بحاله. # وجواب الثاني أنه مبني على القول بأن كل واجب لا يقدر بقدر محدود. ~~فالزيادة على أقل ما ينطلق عليه الاسم هل توصف بالوجوب لكون نسبة الكل إلى ~~الوجوب نسبة واحدة، أو الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم والزيادة ندب. فمن ~~ذهب إلى القول الأول، قال كل ما يأتي به من ذلك فهو واجب. والأصح إنما هو ~~القول الثاني، وهو أن الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم، إذ هو مكتفي به من ~~غير لوم على ترك الزيادة من غير بدل، وهو مقدور. # وجواب الثالث بمنع ما ذكروه. # وجواب الرابع بأن الوجوب إنما يتحقق بالنسبة إلى العاجز عن الاتيان ~~بالمشروط دون الشرط لا القادر. PageV01P112 # الفصل الثاني في المحظور وقد يطلق في اللغة على ما كثرت آفاته: ومنه يقال ~~لبن محظور، أي كثير الآفة. # وقد يطلق بمعنى المنع والقطع، ومنه قولهم: حظرت عليه كذا، أي منعته منه، ~~ومنه الحظيرة للبقعة المنقطعة تأتي إليها المواشي. # وأما في الشرع: فقد قيل فيه ضد ما قيل في الواجب من الحدود المزيفة ~~السابق ذكرها. ولا يخفى وجه الكلام ms091 عليها. # والحق فيه أن يقال: هو ما ينتهض فعله سببا للذم شرعا بوجه ما من حيث هو ~~فعل له. # فالقيد الأول فاصل له عن الواجب والمندوب وسائر الأحكام والثاني فاصل له ~~عن المخير كما ذكرناه في الواجب. والثالث فاصل له عن المباح الذي يستلزم ~~فعله ترك واجب، فإنه يذم عليه، لكن لا من جهة فعله، بل لما لزمه من ترك ~~الواجب، والحظر: فهو خطاب الشارع بما فعله سبب للذم شرعا بوجه ما، من حيث ~~هو فعله. ومن أسمائه أنه محرم ومعصية وذنب. وإذا عرف معنى المحظور، فلا بد ~~من ذكر ما يختص به من المسائل، وهي ثلاث مسائل: PageV01P113 # المسألة الأولى يجوز أن يكون المحرم أحد أمرين، لا بعينه عندنا، خلافا ~~للمعتزلة، وذلك لأنه لا مانع من ورود النهي بقوله: لا تكلم زيدا أو عمرا. ~~وقد حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم عليك الجميع ولا واحدا ~~بعينه. فهذا الورود كان معقولا غير ممتنع. # ولا شك أنه إذا كان كذلك فليس المحرم مجموع كلاميهما، ولا كلام أحدهما ~~على التعيين، لتصريحه بنقيضه، فلم يبق إلا أن يكون المحرم أحدهما لا بعينه. # ومنهج الخصم في الاعتراض ومنهجنا في الجواب، فكما سبق في الواجب المخير، ~~ولا يخفى وجهه. ولكن ربما تشبث الخصوم هاهنا بقولهم: إن حرف أو إذا ورد في ~~النهي، اقتضى الجمع دون التخيير، ودليله قوله تعالى: * (ولا تطع منهم آثما ~~أو كفورا) * (76) الانسان: 24) فإن المراد به إنما هو النهي من الطاعة لكل ~~واحد منهما، لا النهي عن أحدهما. # وجوابه: أن يقال: مقتضى الآية إنما هو التخيير، وتحريم أحد الامرين لا ~~بعينه، والجمع في التحريم هاهنا إنما كان مستفادا من دليل آخر، ويجب أن ~~يكون كذلك جمعا بين الآية وما ذكرناه من الدليل. PageV01P114 # المسألة الثانية اتفق العقلاء على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في ~~فعل واحد من جهة واحدة، لتقابل حديهما، كما سبق تعريفه، إلا على رأي من ~~يجوز التكليف بالمحال. # وإنما الخلاف في أنه هل يجوز انقسام النوع الواحد من الافعال ms092 إلى واجب ~~وحرام، كالسجود لله تعالى والسجود للصنم، وأن يكون الفعل الواحد بالشخص ~~واجبا حراما من جهتين، كوجوب الفعل المعين الواقع في الدار المغصوبة من حيث ~~هو صلاة، وتحريمه من حيث هو غصب شاغل لملك الغير، فذلك مما جوزه أصحابنا ~~مطلقا وأكثر الفقهاء. وخالف في الصورة الأولى بعض المعتزلة، وقالوا: السجود ~~نوع واحد، وهو مأمور به لله تعالى، فلا يكون حراما ولا منهيا بالنسبة إلى ~~الصنم من حيث هو سجود، وإلا كان الشئ الواحد مأمورا منهيا، وذلك محال، ~~وإنما المحرم المنهي قصد تعظيم الصنم، وهو غير السجود. # وخالف في الصورة الثانية الجبائي وابنه وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر ~~والزيدية. # وقيل إنه رواية عن مالك. وقالوا الصلاة في الدار المغصوبة غير واجبة ولا ~~صحيحة، ولا يسقط بها الفرض ولا عندها، ووافقهم على ذلك القاضي أبو بكر إلا ~~في سقوط الفرض، فإنه قال: يسقط الفرض عندها لا بها، مصيرا منهم إلى أن ~~الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل المكلف، لا بما ليس من فعله والافعال ~~الموجودة من المصلي في الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه، وهو عاص ~~بها، مأثوم بفعلها، وليس له من الافعال غير ما صدر عنه، فلا يتصور أن تكون ~~واجبة طاعة ولا مثابا عليها، متقربا بها إلى الله تعالى. لان الحرام لا ~~يكون واجبا، والمعصية لا تكون طاعة، ولا مثابا عليها ولا متقربا بها، مع أن ~~التقرب شرط في صحة الصلاة والحق في ذلك ما قاله الأصحاب. PageV01P115 # أما في الصورة الأولى: فلضرورة التغاير بالشخصية بين السجود لله تعالى ~~والسجود للصنم. # ولا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من الوجوب الوجوب، وما ~~قيل من أن السجود مأمور به لله تعالى، فإن أريد به السجود من حيث هو كذلك، ~~فهو غير مسلم، بل السجود المقيد بقصد تعظيم الرب تعالى دون ما قصد به تعظيم ~~الصنم. ولهذا قال الله تعالى: * (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله) * ~~(37) فصلت: 41) ولو كان كما ذكروه لكان عين المأمور به منهيا عنه، وهو ~~محال. # وأما ms093 في الصورة الثانية: فلضرورة تغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار ~~اختلاف جهتيه من الغصب والصلاة. وذلك لان التغاير بين الشيئين، كما أنه قد ~~يقع بتعدد النوع تارة كالانسان والفرس، وبتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو. # فقد يقع التغاير مع اتحاد الموضوع المحكوم عليه شخصا بسبب اختلاف صفاته، ~~بأن يكون المحكوم عليه بأحد الحكمين المتقابلين هو الهيئة الاجتماعية من ~~ذاته وإحدى صفتيه، والمحكوم عليه بالحكم الآخر بالهيئة الاجتماعية والصفة ~~الأخرى كالحكم على زيد بكونه مذموما لفسقه، ومشكورا لكرمه، وذلك مما لا ~~يتحقق معه التقابل بين الحكمين والمنع منهما وقولهم: إن الفعل الموجود منه ~~في الدار المغصوبة متحد وهو حرام، فلا يكون واجبا. # قلنا: المحكوم عليه بالحرمة ذات الفعل من حيث هو فعل، أو من جهة كونه ~~غصبا، الأول غير مسلم. والثاني فلا يلزم منه امتناع الحكم عليه بالوجوب من ~~جهة كونه صلاة ضرورة الاختلاف كما سبق. # فإن قيل متعلق الوجوب إما أن يكون هو متعلق الحرمة أو هو مغاير له، ~~والأول يلزم منه التكليف بما لا يطاق والخصم لا يقول بذلك فيما نحن فيه ~~سواء قيل بإحالته أو بجوازه. والثاني إما أن يكون متعلق الوجوب والتحريم، ~~PageV01P116 # متلازمين أو غير متلازمين، لا جائز أن يقال بالثاني، فإن الغصب والصلاة، ~~وإن انفك أحدهما عن الآخر في غير مسألة النزاع، فهما متلازمان في مسألة ~~النزاع. # فلم يبق غير التلازم، وعند ذلك فالواجب متوقف على فعل المحرم، وما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب. فالمحرم الذي ذكرتموه يكون واجبا، وهو تكليف بما ~~لا يطاق. وأيضا فإن الحركات المخصوصة في الصلاة والسكنات داخلة في مفهومها، ~~والحركات والسكنات تشغل الحيز إذ الحركة عبارة عن شغل الجوهر للحيز بعد أن ~~كان في غيره، والسكون شغل الجوهر للحيز أكثر من زمان واحد. فشغل الحيز داخل ~~في مفهوم الحركة والسكون الداخلين في مفهوم الصلاة، فكان داخلا في مفهوم ~~الصلاة لان جزء الجزء جزء، وشغل الحيز فيما نحن فيه حرام. فالصلاة التي ~~جزءها حرام لا تكون واجبة، لان وجوبها إما أن يستلزم ms094 إيجاب جميع أجزائها، ~~أو لا يستلزم. والأول يلزم منه إيجاب ما كان من أجزائها محرما، وهو تكليف ~~بما لا يطاق. والثاني يلزم منه أن يكون الواجب بعض أجزاء الصلاة، لا نفس ~~الصلاة، لان مفهوم الجزء مغاير لمفهوم الكل وذلك محال. # قلنا: أما الاشكال الأول، فيلزم عليه ما لو قال السيد لعبده أوجبت عليك ~~خياطة هذا الثوب، وحرمت عليك السكن في هذا الدار، فإن فعلت هذا أثبتك، وإن ~~فعلت هذا عاقبتك، فإنه إذا سكن الدار، وخاط الثوب، فإنه يصح أن يقال فعل ~~الواجب والمحرم ويحسن من السيد ثوابه له على الطاعة، وعقابه له على المعصية ~~إجماعا. وعند ذلك فكل ما أوردوه من التقسيم فهو بعينه وارد هاهنا. وذلك أن ~~يقال: متعلق الوجوب، إن كان هو متعلق الحرمة، فهو تكليف بما لا يطاق، وليس ~~كذلك فيما فرض من الصورة، وإن تغايرا فهما في الصورة المفروضة متلازمان، ~~وإن جاز انفكاكهما حسبما قيل في الصلاة في الدار المغصوبة. فالواجب متوقف ~~على المحرم، فيلزم أن يكون واجبا لا محرما، لما قيل. وقد قيل بالجمع بين ~~الواجب والمحرم فيها، فما هو الجواب في هذه الصورة، هو الجواب في صورة محل ~~النزاع. على هذا فقد اندفع الاشكال الثاني أيضا من حيث إن شغل الحيز داخل ~~في مفهوم الحركات المخصوصة الداخلة في مفهوم الخياطة. وشغل الحيز ~~PageV01P117 # بالسكن محرم على ما قيل في صورة محل النزاع من غير فرق، والجواب يكون ~~مشتركا: كيف وإن إجماع سلف الأمة وهلم جرا منعقد على الكف عن أمر الظلمة ~~بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة مع كثرة وقوع ذلك منهم، ولو لم ~~تكن صحيحة مع وجوبها عليهم، لبقي الوجوب مستمرا، وامتنع على الأمة عدم ~~الانكار عادة وهو لازم على المعتزلة وأحمد بن حنبل حيث اعترفوا ببقاء الفرض ~~وعدم سقوطه. # وأما القاضي أبو بكر فإنه قال إن الفرض يسقط عندها لا بها، جمعا بين ~~الاجماع على عدم النكير على ترك القضاء وبين ما ظنه دليلا على امتناع صحة ~~الصلاة. وقد بينا إبطال مستنده. # المسألة ms095 الثالثة مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله، خلافا ~~لأبي حنيفة. # وصورة المسألة ما إذا أوجب الصوم وحرم إيقاعه في يوم العيد. وعلى هذا ~~النحو فالشافعي اعتقد أن المحرم هو الصوم الواقع، وألحقه بالمحرم باعتبار ~~أصله، فكان تحريمه مضادا لوجوبه. وأبو حنيفة اعتقد أن المحرم نفس الوقوع لا ~~الواقع، وهما غيران فلا تضاد، إلحاقا له بالمحرم باعتبار غيره وحيث قضى ~~بتحريم صلاة المحدث وبطلانها، إنما كان لفوات شرطها من الطهارة لا للنهي عن ~~إيقاعها مع الحدث، بخلاف الطواف حيث لا يقم الدليل عنده على اشتراط الطهارة ~~فيه. # وبالجملة فالمسألة اجتهادية ظنية، لا حظ لها من اليقين، وإن كان الأشبه ~~إنما هو مذهب الشافعي من حيث إن اللغوي لا يفرق عند سماعه لقول القائل: ~~حرمت عليك الصوم في هذا اليوم مع كونه موجبا لتحريم الصوم، وبين قوله حرمت ~~عليك إيقاع الصوم في هذا اليوم من جهة أنه لا معنى لايقاع الصوم في اليوم ~~سوى فعل الصوم في اليوم. فإذا كان فعل الصوم فيه محرما، كان ذلك مضادا ~~لوجوبه لا محالة. PageV01P118 # فإن قيل: لو كان تحريم إيقاع الفعل في الوقت تحريما للفعل الواقع، لزم أن ~~يكون تحريم إيقاع الطلاق في زمن الحيض تحريما لنفس الطلاق، ولو كان الطلاق ~~نفسه محرما لما كان معتبرا، وكذلك وقوع الصلوات في الأوقات والأماكن المنهي ~~عن إيقاعها فيها. # قلنا: أما الطلاق في زمن الحيض إنما قضى الشافعي بصحته لظهور صرف التحريم ~~عنده عن أصل الطلاق وصفته، إلى أمر خارج، وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة، ~~لدليل دل عليه. # وأما الصلوات في الأوقات والأماكن المنهي عنها، فقد منع بعض أصحابنا ~~صحتها في الأوقات دون الأماكن. ومن عمم، اعتقد صرف النهي فيها عن أصل الفعل ~~وصفته إلى أمر خارج لدليل دل عليه أيضا، بخلاف ما نحن فيه، حتى لو قام ~~الدليل فيه على ترك الظاهر لترك. # الفصل الثالث في تحقيق معنى المندوب وما يتعلق به من المسائل والمندوب في ~~اللغة مأخوذ من الندب، وهو الدعاء إلى أمر ms096 مهم، ومنه قول الشاعر: # (لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا) وأما في ~~الشرع، فقد قيل: هو ما فعله خير من تركه. ويبطل بالاكل قبل ورود الشرع، ~~فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة واستبقاء المهجة، وليس مندوبا، وقيل: هو ~~ما يمدح على فعله، ولا يذم على تركه، ويبطل بأفعال الله تعالى، فإنها كذلك، ~~وليست مندوبة. # فالواجب أن يقال: هو المطلوب فعله شرعا من غير ذم على تركه مطلقا. # (فالمطلوب فعله) احتراز عن الحرام والمكروه والمباح وغيره من الاحكام ~~الثابتة بخطاب الوضع والاخبار. و (نفي الذم) احتراز عن الواجب المخير، ~~والموسع، في أول الوقت. وإذا عرف معنى المندوب، ففيه مسألتان: PageV01P119 # المسألة الأولى ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا إلى أن المندوب ~~مأمور به خلافا للكرخي وأبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة. # احتج المثبتون بأن فعل المندوب يسمى طاعة بالاتفاق، وليس ذلك لذات الفعل ~~المندوب إليه وخصوص نفسه، وإلا كان طاعة بتقدير ورود النهي عنه، ولا لصفة ~~من الصفات التي يشاركه فيها غيره من الحوادث، وإلا كان كل حادث طاعة، ولا ~~لكونه مرادا لله تعالى، وإلا كان كل مراد الوقوع طاعة، وليس كذلك ولا لكونه ~~مثابا عليه، فإنه لا يخرج عن كونه طاعة، وإن لم يثب عليه، ولا لكونه موعودا ~~بالثواب عليه، لأنه لو ورد فيه وعد لتحقق، لاستحالة الخلف في خبر الشارع، ~~والثواب غير لازم له بالاجماع، والأصل عدم ما سوى ذلك. فتعين أن يكون طاعة ~~لما فيه من امتثال الامر، فإن امتثال الامر يسمى طاعة، ولهذا يقال: فلان ~~مطاع الامر، ومنه قول الشاعر: # (ولو كنت ذا أمر مطاع لما بدا * توان من المأمور في كل أمركا) كيف وقد ~~شاع وذاع إطلاق أهل الأدب قولهم بانقسام الامر إلى أمر إيجاب، وأمر ندب. # فإن قيل: أمكن أن يكون طاعة لكون مقتضى ومطلوبا ممن له الطلب والاقتضاء، ~~ولا يلزم أن يكون ذلك لكونه مأمورا. ثم لو كان فعله طاعة لكونه مأمورا، ~~لكان تركه معصية لكونه ms097 مأمورا. ولذلك يقال أمر فعصى. # ومنه قول الشاعر: (أمرتك أمرا جازما فعصيتني) وليس كذلك بالاجماع. # ويدل على أنه غير مأمور قوله عليه السلام: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة وقوله عليه السلام لبريرة وقد عتقت تحت عبد: لو ~~راجعتيه فقالت: بأمرك يا رسول الله فقال: لا، إنما أنا شافع نفى الامر في ~~الصورتين مع أن الفعل فيهما مندوب. فدل على أن المندوب ليس مأمورا. ~~PageV01P120 # قلنا: أما الاقتضاء والطلب فهو الامر عندنا على ما يأتي، فتسليمه تسليم ~~لمحل النزاع. # قولهم لا يسمى تاركه عاصيا. قلنا لان العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر ~~الايجاب، ولا بمخالفة مطلق أمر. ويجب أن يكون كذلك جمعا بين ما ذكروه من ~~الاطلاق وما ذكرناه من الدليل. ولمثل هذا يجب حمل الحديثين على أمر الايجاب ~~دون الندب. ويخص الحديث الأول أنه قيده بالمشقة، وهي لا تكون في غير أمر ~~الايجاب. وإذا ثبت كونه مأمورا فهو حسن بجميع الاعتبارات السابق ذكرها في ~~مسألة التحسين والتقبيح، وهل هو داخل في مسمى الواجب، فالكلام فيه على ما ~~سيأتي في الجائز نفيا وإثباتا. # المسألة الثانية اختلف أصحابنا في المندوب هل هو من أحكام التكاليف؟ ~~فأثبته الأستاذ أبو إسحاق، ونفاه الأكثرون، وهو الحق. # وحجة ذلك أن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة والمندوب مساو للمباح ~~في التخيير بين الفعل والترك من غير حرج، مع زيادة الثواب على الفعل. # والمباح ليس من أحكام التكليف على ما يأتي، فالمندوب أولى. # نعم، إن قيل إنه تكليفي باعتبار وجوب اعتقاد كونه مندوبا، فلا حرج، فإن ~~قيل المندوب لا يخلو عن كلفة ومشقة، فإنه سبب للثواب، فإن فعله رغبة في ~~الثواب ففعله مشق كفعل الواجب، وإن تركه شق عليه ما فاته من الثواب الجزيل ~~بفعله، وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل، بخلاف ترك المباح. # قلنا: يلزم عليه أن يكون حكم الشارع على الفعل بكونه سببا للثواب حكما ~~تكليفيا، لأنه إن أتى بالفعل رغبة في الثواب الذي هو مسببه فهو مشق، وإن ms098 ~~تركه شق عليه ما فاته من الثواب. وهو خلاف الاجماع. PageV01P121 # الفصل الرابع في المكروه المكروه في اللغة مأخوذ من الكريهة، وهي الشدة ~~في الحرب، ومنه قولهم جمل كره، أي شديد الرأس، وفي معنى ذلك الكراهة ~~والكراهية. # وأما في الشرع، فقد يطلق ويراد به الحرام، وقد يراد به ترك ما مصلحته ~~راجحة، وإن لم يكن منهيا عنه، كترك المندوبات. # وقد يراد به ما نهي عنه نهي تنزيه لا تحريم، كالصلاة في الأوقات والأماكن ~~المخصوصة. # وقد يراد به ما في القلب منه حزازة. وإن كان غالب الظن حله، كأكل لحم ~~الضبع. # وعلى هذا فمن نظر إلى الاعتبار الأول حده بحد الحرام، كما سبق. # ومن نظر إلى الاعتبار الثاني، حده بترك الأولى. # ومن نظر إلى الاعتبار الثالث، جده بالمنهي الذي لا ذم على فعله. # ومن نظر إلى الاعتبار الرابع، حده بأنه الذي فيه شبهة وتردد. # وإذا عرف معنى المكروه، فالخلاف في كونه منهيا عنه، وفي كونه من أحكام ~~التكاليف، فعلى نحو ما سبق في المندوب، ولا يخفى وجه الكلام في الطرفين ~~تزييفا واختيارا. PageV01P122 # الفصل الخامس في المباح وما يتعلق به من المسائل أما المباح، فهو في ~~اللغة مشتق من الإباحة، وهي الاظهار والاعلان. ومنه يقال باح بسره، إذا ~~أظهره. # وقد يرد أيضا بمعنى الاطلاق والاذن، ومنه يقال أبحته كذا، أي أطلقته فيه ~~وأذنت له. # وأما في الشرع، فقد قال قوم هو ما خير المرء فيه بين فعله وتركه شرعا. # وهو منقوض بخصال الكفارة المخيرة. فإنه ما من خصلة منها إلا والمكفر مخير ~~بين فعلها وتركها، وبتقدير فعلها لا تكون مباحة بل واجبة. وكذلك الصلاة في ~~أول وقتها الموسع مخير بين فعلها وتركها مع العزم، وليست مباحة بل واجبة. # وقال قوم، هو ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب، وهو منتقض بأفعال ~~الله تعالى، فإنها كذلك، وليست متصفة بكونها مباحة. # ومنهم من قال هو ما أعلم فاعله أو دل أنه لا ضرر عليه في فعله ولا تركه، ~~ولا نفع له في الآخرة، وهو غير ms099 جامع، لأنه يخرج منه الفعل الذي خير الشارع ~~فيه بين الفعل والترك مع إعلام فاعله، أو دلالة الدليل السمعي، على استواء ~~فعله في المصلحة والمفسدة دنيا وأخرى، فإنه مباح، وإن اشتمل فعله وتركه على ~~الضرر. # والأقرب في ذلك أن يقال: هو ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع ~~بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل. فالقيد الأول فاصل له عن فعل ~~الله تعالى: # والثاني عن الواجب الموسع في أول الوقت والواجب المخير. # وإذا عرف معنى المباح ففيه خمس مسائل: PageV01P123 # المسألة الأولى اتفق المسلمون على أن الإباحة من الأحكام الشرعية خلافا ~~لبعض المعتزلة، مصيرا منه إلى أن المباح لا معنى له سوى ما انتفى الحرج عن ~~فعله وتركه. وذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده، فلا يكون حكما ~~شرعيا. # ونحن لا ننكر أن انتفاء الحرج عن الفعل والترك ليس بإباحة شرعية، وإنما ~~الإباحة الشرعية خطاب الشارع بالتخيير على ما قررناه. وذلك غير ثابت قبل ~~ورود الشرع. ولا يخفى الفرق بين القسمين. فإذا ما أثبتناه من الإباحة ~~الشرعية لم يتعرض لنفيها وما نفي غير ما أثبتناه. # المسألة الثانية اتفق الفقهاء والأصوليون قاطبة على أن المباح غير مأمور ~~به، خلافا للكعبي وأتباعه من المعتزلة، في قولهم إنه لا مباح في الشرع، بل ~~كل فعل يفرض فو واجب مأمور به. # احتج من قال إنه غير مأمور به أن الامر طلب يستلزم ترجيح الفعل على ~~الترك، وهو غير متصور في المباح لما سبق في تحديده، ولأن الأمة مجمعة على ~~انقسام الاحكام إلى: وجوب وندب، وإباحة، وغير ذلك. فمنكر المباح يكون خارقا ~~للاجماع. # وحجة الكعبي أنه ما من فعل يوصف بكونه مباحا إلا ويتحقق بالتلبس به ترك ~~حرام ما، وترك الحرام واجب، ولا يتم تركه دون التلبس بضد من أضداده، وما لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب لما سبق. # ثم اعتذر عن الاجماع المحتج به بأن قال: يجب حمله على ذات الفعل مع قطع ~~النظر عن تعلق الامر به لسبب توقف ترك الحرام ms100 عليه. فإنه إذ ذاك لا يكون ~~مأمورا به، ضرورة الجمع بين الأدلة بأقصى الامكان. وقد اعترض عليه من لا ~~PageV01P124 # يعلم عور كلامه، بأنه وإن كان ترك الحرام واجبا، فالمباح ليس هو نفس ترك ~~الحرام، بل شئ يترك به الحرام مع إمكان تحقق ترك الحرام بغيره، فلا يلزم أن ~~يكون واجبا وهو غير سديد. فإنه إذا ثبت أن ترك الحرام واجب، وأنه لا يتم ~~بدون التلبس بضد من أضداده. # وقد تقرر أن مالا يتم الواجب دونه، فهو واجب. فالتلبس بضد من أضداده ~~واجب، غايته أن الواجب من الأضداد غير معين قبل تعيين المكلف له. # ولكن لا خلاف في وجوبه بعد التعيين، ولا خلاص عنه إلا بمنع وجوب ما لا ~~يتم الواجب إلا به، وفيه خرق القاعدة الممهدة على أصول الأصحاب. # وغاية ما ألزم عليه أنه لو كان الامر على ما ذكرت، لكان المندوب بل ~~المحرم إذا ترك به محرم آخر، أن يكون واجبا، وكان يجب أن تكون الصلاة حراما ~~على هذه القاعدة عندما إذا ترك بها واجبا آخر، وهو محال، فكان جوابه أنه لا ~~مانع من الحكم على الفعل الواحد بالوجوب والتحريم، بالنظر إلى جهتين ~~مختلفتين، كما في الصلاة في الدار المغصوبة ونحوه. # وبالجملة، وإن استبعده من استبعده، فهو في غاية الغوص والاشكال، وعسى أن ~~يكون عند غيري حله. # المسألة الثالثة اختلفوا في المباح هل هو داخل في مسمى الواجب أم لا؟ # وحجة من قال بالدخول، أن المباح ما لا حرج على فعله. وهذا المعنى متحقق ~~في الواجب، والزيادة إلى اختص بها الواجب غير نافية للاشتراك فيما قيل. # وحجة من قال بالتباين، أن المباح ما خير فيه بين الفعل والترك بالقيود ~~المذكورة، وهو غير متحقق في الواجب، وهو الحق. PageV01P125 # فإن قيل: العادة مطردة بإطلاق الجائز على الصلاة الواجبة والصوم الواجب ~~في قولهم صلاة جائزة، وصوم جائز، ولو لم يكن مفهوم الجائز متحققا في ~~الواجب، لزم منه إما الاشتراك وإما التجوز، هو خلاف الأصل. # قلنا: ولو كان إطلاقه عليه حقيقة، فلا مشترك ms101 بينهما سوى نفي الحرج عن ~~الفعل بدليل البحث والسير. فلو كان ذلك هو المسمى حقيقة، فالعادة أيضا ~~مطردة بإطلاق الجائز على ما انتفى الحرج عن تركه، ولهذا يقال: المحرم جائز ~~الترك. وما هو مسمى الجائز أولا غير متحقق هاهنا. ويلزم من ذلك أن يكون ~~إطلاق اسم الجائز على ترك المحرم مجازا أو مشتركا، وهو خلاف الأصل. وليس ~~أحد الامرين أولى من الآخر، بل احتمال التجوز فيما ذكرناه أولى، لما فيه من ~~موافقة الاطلاق في قولهم: هذا واجب وليس بجائز. وعلى كل تقدير فالمسألة ~~لفظية، وهي في محل الاجتهاد. # المسألة الرابعة اختلفوا في المباح هل هو داخل تحت التكليف. واتفاق جمهور ~~من العلماء على النفي خلافا للأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني. # والحق أن الخلاف في هذه المسألة لفظي. فإن النافي يقول إن التكليف إنما ~~يكون بطلب ما فيه كلفة ومشقه. ومنه قولهم: كلفتك عظيما، أي حملتك ما فيه ~~كلفة ومشقة. ولا طلب في المباح ولا كلفة، لكونه مخيرا بين الفعل والترك. # ومن أثبت ذلك لم يثبته بالنسبة إلى أصل الفعل، بل بالنسبة إلى وجوب ~~اعتقاد كونه مباحا. والوجوب من خطاب التكليف فما التقيا على محز واحد. # المسألة الخامسة اختلفوا في المباح هل هو حسن أم لا؟ # والحق امتناع النفي والاثبات في ذلك مطلقا، بل الواجب أن يقال إنه حسن ~~باعتبار أن لفاعله أن يفعله شرعا أو باعتبار موافقته للغرض. وليس حسنا ~~باعتبار أنه مأمور بالثناء على فاعله على ما تقرر في مسألة التحسين ~~والتقبيح PageV01P126 # الفصل السادس في الاحكام الثابتة بخطاب الوضع والاخبار وهي على أصناف: # الصنف الأول: الحكم على الوصف بكونه سببا، والسبب في اللغة عبارة عما ~~يمكن التوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الحبل سببا، والطريق سببا، لامكان ~~التوصل بهما إلى المقصود. # وإطلاقه في اصطلاح المتشرعين على بعض مسمياته في اللغة. وهو كل وصف ظاهر ~~منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي. ولا يخفى ما فيه من ~~الاحتراز، وهو منقسم إلى ما لا يستلزم في تعريفة للحكم حكمة ms102 باعثة عليه ~~كجعل زوال الشمس أمارة معرفة لوجوب الصلاة، في قوله تعالى: * (أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس) * (17) الاسراء: 78) وفي قوله عليه السلام: إذا زالت الشمس ~~فصلوا وكجعل طلوع هلال رمضان أمارة على وجوب صوم رمضان، بقوله تعالى: * ~~(فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (2) البقرة: 185) وقوله عليه السلام: صوموا ~~لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ونحوه، وإلى ما يستلزم حكمة باعثة للشرع على شرع ~~الحكم المسبب كالشدة المطربة المعرفة لتحريم شرب النبيذ، لا لتحريم شرب ~~الخمر في الأصل المقيس عليه. فإن تحريم شرب الخمر معروف بالنص أو الاجماع، ~~لا بالشدة المطربة. ولأنها لو كانت معرفة له، فهي لا يعرف كونها علة ~~بالاستنباط. إلا بعد معرفة الحكم في الأصل. # وذلك دور ممتنع. # وعلى هذا فالحكم الشرعي ليس هو نفس الوصف المحكوم عليه بالسببية، بل حكم ~~الشرع عليه بالسببية. # وعلى هذا فكل واقعة عرف الحكم فيها بالسبب لا بدليل آخر من الأدلة ~~السمعية، فلله تعالى فيها حكمان أحدهما الحكم المعرف بالسبب، والآخر ~~السببية المحكوم بها على الوصف المعرف للحكم، وفائدة نصبه سببا معرفا للحكم ~~PageV01P127 # عسر وقوف المكلفين على خطاب الشرع في كل واقعة من الوقائع، بعد انقطاع ~~الوحي، حذرا من تعطيل أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية. وسواء كان السبب ~~مما يتكرر بتكرره الحكم، كما ذكرناه من زوال الشمس وطلوع الهلال، وغيره من ~~أسباب الضمانات والعقوبات والمعاملات، أو غير متكرر به، كالاستطاعة في الحج ~~ونحوه، وسواء كان وصفا وجوديا، أو عدميا شرعيا، أو غير شرعي على ما يأتي ~~تحقيقه في القياس. # وإذا أطلق على السبب أنه موجب للحكم، فليس معناه أنه يوجبه لذاته، وصفة ~~نفسه، وإلا كان موجبا له قبل ورود الشرع، وإنما معناه أنه معرف للحكم لا ~~غير، كما ذكرناه في تحديده. # فإن قيل لو كانت السببية حكما شرعيا، لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر ~~يعرفها. ويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر، ~~وإما التسلسل، وهو محال. # وأيضا فإن الوصف المعرف للحكم، إما يعرفه بنفسه، أو بصفة زائدة. # وإما التسلسل وهو محال. ms103 # فإن كان الأول، لزم أن يكون معرفا له قبل ورود الشرع وهو محال. وإن كان ~~بصفة زائدة عليه، فالكلام في تلك الصفة كالكلام في الأول، وهو تسلسل ممتنع. # وأيضا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببا للحكم، إنما هو ما يستلزمه من ~~الحكمة المستدعية للحكم من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة. وذلك ممتنع لوجهين: # الأول: أنه لو كانت الحكمة معرفة لحكم السببية، لأمكن تعريف الحكم المسبب ~~بها من غير حاجة إلى توسط الوصف. وليس كذلك بالاجماع. # الثاني: أن الحكمة، إما أن تكون قديمة أو حادثة. # فإن كان الأول لزم من قدمها قدم موجبها، وهو معرفة السببية. وإن كان ~~الثاني، فلا بد لها من معرف آخر لخفائها. والتقسيم في ذلك المعرف عائد ~~بعينه. PageV01P128 # قلنا: معرفة السببية مستندة إلى الخطاب، أو إلى الحكمة الملازمة للوصف مع ~~اقتران الحكم بها في صورة، فلا تستدعي سببا آخر يعرفها حتى يلزم الدور، أو ~~التسلسل، وبما ذكرناه هاهنا يكون دفع إشكال الثاني أيضا. # وأما الوجه الأول: من الاشكال الثالث، فالوجه في دفعه أن الحكمة المعرفة ~~للسببية ليس طلق حكمة بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم، فلا تكون ~~بمجردها معرفة للحكم فإنها إذا كانت خفية غير مضبوطة بنفسها ولا بملزومها ~~من الوصف فلا يمكن تعريف الحكم بها، لعدم الوقوف على ما به التعريف ~~لاضطرابها واختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، وما هذا شأنه فدأب ~~الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة المنضبطة المستلزمة لاحتمال الحكمة ~~دفعا للعسر والحرج عنهم. # وأما الوجه الثاني: منه، فالوجه في دفعه أن يقال الحكمة إذا كانت مضبوطة ~~بالوصف فهي معروفة بنفسها غير مفتقرة إلى معرف آخر، ولا يلزم من تقدمها على ~~ورود الشرع أن تكون معرفة للسببية، لتوقف ذلك على اعتبارها في الشرع، ولا ~~اعتبار لها قبل ورود الشرع. وإذا عرف معنى السبب شرعا، فلو تخلف الحكم عنه ~~في صورة من الصور، فهل تبطل سببيته أم لا. فسيأتي الكلام عليه في مسألة ~~تخصيص العلة فيما بعد. PageV01P129 # الصنف الثاني: الحكم على الوصف بكونه مانعا. ms104 # والمانع منقسم إلى مانع الحكم، ومانع السبب. # أما مانع الحكم فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء ~~نقيض حكم السبب، مع بقاء حكمة السبب كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد ~~العدوان. # وأما مانع السبب فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينا، كالدين في باب ~~الزكاة مع ملك النصاب. # الصنف الثالث: الشرط. # والشرط ما كان عدمه مخلا بحكمة السبب، فهو شرط السبب كالقدرة على التسليم ~~في باب البيع، وما كان عدمه مشتملا على حكمة مقتضاها نقيض حكم السبب مع ~~بقاء حكمة السبب، فهو شرط الحكم، كعدم الطهارة في الصلاة مع الاتيان بمسمى ~~الصلاة والحكم الشرعي في ذلك إنما هو قضاء الشارع على الوصف بكونه مانعا أو ~~شرطا، لا نفس الوصف المحكوم عليه. وقد يرد هاهنا من الاشكالات ما وردت على ~~السبب، والوجه في دفعها ما سبق. # الصنف الرابع: الحكم بالصحة. # وهي في اللغة مقابل للسقم، وهو المرض، وأما في الشرع فقد تطلق الصحة على ~~العبادات تارة، وعلى عقود المعاملات تارة. # أما في العبادات، فعند المتكلم، الصحة عبارة عن موافقة أمر الشارع، وجب ~~القضاء أو لم يجب. وعند الفقهاء، الصحة عبارة عن سقوط القضاء بالفعل، فمن ~~صلى وهو يظن أنه متطهر، وتبين أنه لم يكن متطهرا، فصلاته صحيحة عند المتكلم ~~لموافقة أمر الشارع بالصلاة على حسب حاله، وغير صحيحة عند الفقهاء لكونها ~~غير مسقطة للقضاء. PageV01P130 # وأما في عقود المعاملات، فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه. ~~ولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج. ومن فسر صحة العقد بإذن ~~الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه، فهو فاسد. فإن البيع بشرط الخيار صحيح ~~بالاجماع، وإن لم يتحقق إذن الشارع بالانتفاع بتقدير الفسخ قبل انقضاء ~~المدة، مع أنه لا يطرد هذا التفسير في صحة الصلاة وغيرها من العبادات. وإن ~~صح، فالنزاع في أمر لفظي، ولا بأس بتفسير كون العبادة مجزية بكونها مسقطة ~~لوجوب القضاء. وحيث لم تكن متصفة بكونها مجزية عند أدائها مع اختلال شرطها، ~~وسقوط القضاء بالموت، إنما ms105 كان لأنه لم يسقط القضاء بفعلها بل بالموت. # الصنف الخامس: الحكم بالبطلان. # وهو نقيض الصحة بكل اعتبار من الاعتبارات السابقة. # وأما الفاسد، فمرادف للباطل عندنا، وهو عند أبي حنيفة قسم ثالث مغاير ~~للصحيح والباطل، وهو ما كان مشروعا بأصله، ممنوعا بوصفه، كبيع مال الربا ~~بجنسه متفاضلا ونحوه. وسيأتي تحقيق ذلك في المناهي. # الصنف السادس: العزيمة والرخصة. # أما العزيمة: ففي اللغة الرقية، وهي مأخوذة من عقد القلب المؤكد على أمر ~~ما، ومنه قوله تعالى: * (فنسي ولم نجد له عزما) * (20) طه: 115) أي قصدا ~~مؤكدا. # ومنه سمي بعض الرسل ألو العزم لتأكد قصدهم في إظهار الحق. # وأما في الشرع فعبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى، كالعبادات الخمس ~~ونحوها. # وأما الرخصة في اللغة، بتسكين الخاء، فعبارة عن التيسير والتسهيل. ومنه ~~يقال رخص السعر. إذا تيسر وسهل. وبفتح الخاء، عبارة عن الاخذ بالرخص. ~~PageV01P131 # وأما في الشرع، فقد قيل الرخصة ما أبيح فعله مع كونه حراما، وهو تناقض ~~ظاهر. # وقيل ما رخص فيه، مع كونه حراما، وهو، مع ما فيه من تعريف الرخصة ~~بالترخيص المشتق من الرخصة، غير خارج عن الإباحة. فكان في معنى الأول. # وقال أصحابنا: الرخصة ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرم، وهو غير ~~جامع. فإن الرخصة، كما قد تكون بالفعل، قد تكون بترك الفعل، كإسقاط وجوب ~~صوم رمضان، والركعتين من الرباعية في السفر. فكان من الواجب أن يقال: ~~الرخصة ما شرع من الاحكام لعذر إلى آخر الحد المذكور، حتى يعم النفي ~~والاثبات. # ثم العذر المرخص لا يخلو إما أن يكون راجحا على المحرم، أو مساويا، أو ~~مرجوحا. # فإن كان الأول، فموجبه لا يكون رخصة، بل عزيمة، وإلا كان كل حكم ثبت ~~بدليل راجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة، وهو خلاف الاجماع. # وإن كان مساويا، فإن قلنا بتساقط الدليلين المتعارضين من كل وجه، والرجوع ~~إلى الأصل، فلا يكون ذلك رخصة، وإلا كان كل فعل يقينا فيه على النفي الأصلي ~~قبل ورود الشرع رخصة، وهو ممتنع. وإن لم نقل بالتساقط، فالقائل قائلان: ms106 # قائل يقول بالوقف عن الحكم بالجواز وعدمه إلى حين ظهور الترجيح، وذلك ~~عزيمة لا رخصة، وقائل يقول بالتخيير بين الحكم بالجواز، والحكم بالتحريم. ~~ويلزم من ذلك أن لا يكون أكل الميتة حالة الاضطرار رخصة. ضرورة عدم التخيير ~~بين جواز الاكل والتحريم. لان الاكل واجب جزما، وقد قيل بكونه رخصة. فلم ~~يبق إلا أن يكون الدليل المحرم راجحا على المستبيح. ويلزم من ذلك العلم ~~بالمرجوح ومخالفة الراجح، وهو في غاية الاشكال، وإن كان هذا القسم هو ~~الأشبه بالرخصة، لما فيها من التيسير والتسهيل بالعمل بالمرجوح، ومخالفة ~~الراجح. وعلى هذا فإباحة PageV01P132 # شرب الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر عند الاكراه، وإسقاط صوم رمضان، والقصر ~~في الرباعية في السفر، والتيمم مع وجود الماء للجراحة أو لبعد الماء أو ~~لبيعه بأكثر من ثمن المثل رخصة حقيقة، وأكل الميتة حالة الاضطرار وإن كان ~~عزيمة من حيث هو واجب استبقاء للمهجة، فرخصة من جهة ما في الميتة من الخبث ~~المحرم وما لم يوجبه الله علينا، وإن كان واجبا على من قبلنا، فليس رخصة ~~حقيقة، وإن سمي رخصة لعدم الدليل المحرم لتركه. وكذلك كل حكم ثبت جوازه على ~~خلاف العموم للمخصص لا يكون رخصة، لان المخصص بين لنا أن المتكلم لم يرد ~~باللفظ العام لغة صورة التخصيص، فلا يكون إثبات الحكم فيها على خلاف ~~الدليل، لان العموم إنما يكون دليلا على الحكم في آحاد الصور الداخلة تحت ~~العموم لغة مع إرداة المتكلم لها، ومع المخصص فلا إرداة. # الأصل الثالث في المحكوم فيه وهو الافعال المكلف بها، وفيه خمس مسائل: # المسألة الأولى اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا يطاق ~~نفيا وإثباتا، وذلك كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإيجاد القديم ~~وإعدامه ونحوه. # وميله في أكثر أقواله إلى الجواز، وهو لازم على أصله في اعتقاد وجوب ~~مقارنة PageV01P133 # القدرة الحادثة للمقدور بها، متقدم التكليف بالفعل على الفعل، وأن القدرة ~~الحادثة غير مؤثرة في مقدورها، مقدورها مخلوق لله تعالى، ولا يخفى أن ~~التكليف بفعل الغير، حالة عدم القدرة عليه، تكليف ms107 بما لا يطاق. # وهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد، حيث قالوا بجواز تكليف ~~العبد بفعل في وقت علم الله تعالى أنه يكون ممنوعا عنه، والبكرية حيث زعموا ~~أن الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الايمان مع التكليف به. # غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا. ~~ووافقه على القول بالنفي بعض الأصحاب، وهو مذهب البصريين من المعتزلة وأكثر ~~البغداديين، وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا ~~وعلى وقوعه شرعا، كالتكليف بالايمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل، ~~خلافا لبعض الثنوية. # والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته، كالجمع بين الضدين ~~ونحوه، وجوازه في المستحيل باعتبار غيره، وإليه ميل الغزالي، رحمه الله. ~~PageV01P134 # ولنفرض الكلام في الطرفين: أما الطرف الأول: وهو امتناع التكليف ~~بالمستحيل لذاته، فيدل عليه أن التكليف طلب ما فيه كلفة. والطلب يستدعي ~~مطلوبا متصورا في نفس الطالب. فإن طلب ما لا تصور له في النفس محال، ~~والمستحيل لذاته، كالجمع بين الضدين، والنفي والاثبات معا في شئ واحد ~~ونحوه، لا تصور له في النفس. ولو تصور في النفس، لما كان وقوعه في الخارج ~~ممتنعا لذاته. وكما يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين في طرف الوجود، فكذلك ~~يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين طرف السلب، إذا لم يكن بينهما واسطة، ~~كالتكليف بسلب الحركة والسكون معا في شئ واحد، لاستحالة ذلك لذاتيهما. وعلى ~~هذا فمن توسط مزرعة مغصوبة فلا يقال له: لا تمكث ولا تخرج، كما ذهب إليه ~~أبو هاشم، وإن كان في كل واحد من المكث والخروج إفساد زرع الغير، بل يتعين ~~التكليف بالخروج، لما فيه من تقليل الضرر، وتكثيره في المكث، كما يكلف ~~المولج في الفرج الحرام بالنزع وإن كان به ماسا للفرج المحرم، لان ارتكاب ~~أدنى الضررين يصير واجبا نظرا إلى رفع أعلاهما، كإيجاب شرب الخمر من غص ~~بلقمة ونحوه. ووجوب الضمان عليه بما يفسده عند الخروج لا يدل على حرمة ~~الخروج، كما يجب الضمان على المضطر ms108 في المخمصة بما يتلفه بالاكل، وإن كان ~~الاكل واجبا وإن قدر انتفاء الترجيح بين الطرفين، وذلك، كما إذا سقط إنسان ~~من شاهق على صدر صبي محفوف بصبيان، وهو يعلم أنه إن استمر قتل من تحته، وإن ~~انتقل قتل من يليه، فيمكن أن يقال بالتخيير بينهما، أو يخلو مثل هذه ~~الواقعة عن حكم الشارع، وهو أولى من تكليفه طلب ما لا تصور له في نفس ~~الطالب على ما حققناه. # وهذا بخلاف ما إذا كان محالا باعتبار غيره، فإنه يكون ممكنا باعتبار ~~ذاته. # فكان متصورا في نفس الطالب، وهو واضح لا غبار عليه. PageV01P135 # فإن قيل: ما ذكرتموه من إحالة طلب الجمع بين الضدين بناء على عدم تصوره ~~في نفس الطالب غير صحيح، وذلك لأنه لو لم يكن متصورا في نفس الطالب، لما ~~علم إحالته، فإن العلم بصفة الشئ فرع تصور ذلك الشئ، واللازم ممتنع، وإن ~~سلم دلالة ما ذكرتموه، إلا أنه معارض بما يدل على جواز التكليف بالجمع بين ~~الضدين ووقوعه شرعا. وبيانه قوله تعالى لنوح: * (إنه لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن) * (1) هود: 36) أخبر أنه لا يؤمن غير من لم يؤمن، مع أنهم كانوا ~~مكلفين بتصديقه فيما يخبر به، ومن ضرورة ذلك تكليفهم بأن لا يصدقوه تصديقا ~~له في خبره أنهم لا يؤمنون. # وأيضا فإن الله تعالى كلف أبا لهب بتصديق النبي عليه السلام في أخباره. ~~ومن أخبار النبي عليه السلام، أن أبا لهب لا يصدقه لاخبار الله تعالى لنبيه ~~بذلك، فقد كلفه بتصديقه في إخباره بعدم تصديقه له وفي ذلك تكليفه بتصديقه ~~وعدم تصديقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين. # قلنا: أما الاشكال الأول، فمندفع. وذلك لان الجمع المعلوم المتصور ~~المحكوم بنفيه عن الضدين إنما هو الجمع المعلوم بين المختلفات، التي ليست ~~متضادة، ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما، وهو دقيق ~~فليتأمل وما ذكروه من المعارضة. فلا نسلم وجود الاخبار بعدم الايمان في ~~الآيتين مطلقا. # أما في قصة أبي لهب، فغاية ما ورد فيه قوله ms109 تعالى: * (سيصلى نارا ذات ~~لهب) * (111) المسد: 3) وليس في ذلك ما يدل على الاخبار بعدم تصديقه للنبي ~~مطلقا، فإنه لا يمتنع تعذيب المؤمن، وبتقدير امتناع ذلك، أمكن حمل قوله ~~تعالى: * (سيصلى نارا ذات لهب) * (111) المسد: 3) على تقدير عدم إيمانه. # وكذلك التأويل في قوله تعالى: * (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) * ~~(11) هود: 36) أي بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك. وذلك لا يدل ~~على الاخبار بعدم الايمان مطلقا، وإن سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم أنهم كلفوا ~~بتصديق النبي عليه السلام فيما أخبر من عدم تصديقهم بتكذيبه. وهذا مما اتفق ~~عليه نفاة التكليف بالجمع بين الضدين. PageV01P136 # وأما الطرف الثاني: وهو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره، فقد احتج ~~الأصحاب عليه بالنص والمعقول: # أما النص، فقوله تعالى: * (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) * (2) ~~البقرة: 286) سألوا دفع التكليف بما لا يطاق. ولو كان ذلك ممتنعا، لكان ~~مندفعا بنفسه، ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة. # فإن قيل إنما يمكن حمل الآية على سؤال دفع ما لا يطاق أن لو كان ذلك ~~ممكنا، وإلا لتعذر السؤال بدفع ما لا إمكان لوقوعه، كما ذكرتموه، وإمكانه ~~متوقف على كون الآية ظاهرة فيه فيكون دورا، سلمنا كونها ظاهرة فيما ~~ذكرتموه، ولكن أمكن تأويلها بالحمل على سؤال دفع ما فيه مشقة على النفس، ~~وإن كان مما يطاق ويجب الحمل عليه لموافقته لما سنذكره من الدليل بعد هذا، ~~سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق، لكنه حكاية حال الداعين، ولا حجة فيه، سلمنا ~~صحة الاحتجاج بقول الداعين، لكن لا يخلو إما أن يقال بأن جميع التكاليف غير ~~مطاقة، أو البعض دون البعض. الأول، يوجب إبطال فائدة تخصيصهم بذكر ما لا ~~يطاق، بل كان الواجب أيقال لا يكلفنا. وإن كان الثاني، فهو خلاف أصلكم، ~~سلمنا دلالة ما ذكرتموه، لكنه معارض بقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها) * (2) البقرة: 286) وهو صريح في الباب. وقوله تعالى: * (وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج) * (22) الحج: 87) ولا حرج أشد من التكليف ms110 بما لا ~~يطاق. # والجواب - عن السؤال الأول: أن الآية بوضعها ظاهرة فيما لا يطاق، فيجب ~~تقدير إمكان التكليف به ضرورة حمل الآية على ما هي ظاهرة فيه، حذرا من ~~التأويل من غير دليل. # وعن الثاني: أنه ترك الظاهر من غير دليل. PageV01P137 # وعن الثالث: أن الآية إنما وردت في معرض التقرير لهم، والحث على مثل هذه ~~الدعوات. فكان الاحتجاج بذلك لا بقولهم. # وعن الرابع: أنه وإن كان كل تكليف عندنا تكليفا بما لا يطاق، غير أنه يجب ~~تنزيل السؤال على ما لا يطاق، وهو ما يتعذر الاتيان به مطلقا في عرفهم، دون ~~ما لا يتعذر لما فيه من إجراء اللفظ على حقيقته، وموافقة أهل العرف في ~~عرفهم غايته إخراج ما لا يطاق مما هو مستحيل في نفسه لذاته من عموم الآية ~~لما ذكرنا من استحالة التكليف به، وامتناع سؤال الدفع للتكليف بما لا تكليف ~~به، ولا يخفى أنه تخصيص، والتخصيص أولى من التأويل. # وعن المعارضة بالآيتين أن غايتهما الدلالة على نفي وقوع التكليف بما لا ~~يطاق. # ولا يلزم من ذلك نفي الجواز المدلول عليه من جانبنا، كيف وإن الترجيح لما ~~ذكرناه من الآية لاعتضادها بالدليل العقلي على ما يأتي، ومع ذلك فلا خروج ~~لها عن الظن والتخمين. # وربما احتج بعض الأصحاب بقوله تعالى: * (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى ~~السجود فلا يستطيعون) * (68) القلم: 42) وهو تكليف بالسجود مع عدم ~~الاستطاعة، وإنما يصح الاحتجاج به أن لو أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة ~~بمعنى التكليف، وليس كذلك للاجماع على أن الدار الآخرة إنما هي دار مجازاة، ~~لا دار تكليف. # وأما من جهة المعقول، فقد احتج فيه بعضهم بحجج واهية: # الأولى منها: هو أن الفعل المكلف به إن كان مع استواء داعي العبد إلى ~~الفعل والترك، كان الفعل ممتنعا لامتناع حصول الرجحان معه، وإن كان مع ~~الترجيح لاحد الطرفين، كان الراجح واجبا، والمرجوح ممتنعا، الثانية: أن ~~الفعل الصادر من العبد إما أن والتكليف بهما يكون محالا يكون العبد متمكنا ~~من فعله وتركه، أو لا ms111 يكون. فإن لم يكن متمكنا منه، فالتكليف له بالفعل ~~يكون تكليفا بما لا يطاق، وإن كان متمكنا منه، فإما أن لا يتوقف ترجح فعله ~~على تركه على مرجح، PageV01P138 # أو يتوقف، الأول محال، وإلا كان كل موجود حادثا هكذا، ويلزم منه سد باب ~~إثبات واجب الوجود، وإن توقف، فذلك المرجح إن كان من فعل العبد عاد ~~التقسيم، وهو تسلسل ممتنع. وإن كان من فعل غيره، فإما أن يجب وقوع الفعل، ~~أو لا يجب. وإذا لم يجب، كان ممتنعا أو جائزا. والأول محال، وإلا كان ~~المرجح مانعا، وإن كان الثاني، عاد التقسيم بعينه، وهو ممتنع فلم يبق سوى ~~الوجوب. والعبد إذ ذاك يكون مجبورا لا مخيرا، وهو عين التكليف بما لا يطاق. # الثالثة: أن قدرة العبد غير مؤثرة في فعله، وإلا كانت مؤثرة فيه حال ~~وجوده، وفيه إيجاد الموجود أو قبل وجوده، ويلزم من ذلك أن يكون تأثير ~~القدرة في المقدور مغايرا له لتحقق التأثير في الزمن الأول دونه. والكلام ~~في ذلك التأثير وتأثير مؤثره فيه، كالأول، وهو تسلسل ممتنع، والقدرة غير ~~مؤثرة في الفعل، وهو المطلوب. # الرابعة: أن العبد مكلف بالفعل قبل وجود الفعل، والقدرة غير موجودة قبل ~~الفعل، لأنها لو وجدت، لكان لها متعلق، ومتعلقها لا يكون عدما، لأنه نفي ~~محض، فلا يكون أثرا لها، فكان وجودا، ولزم من ذلك أن تكون موجودة مع الفعل ~~لا قبله. # الخامسة: أن العبد مأمور بالنظر لقوله تعالى: * (قل انظروا) * (10) يونس: ~~101) والنظر متوقف على القضايا الضرورية، قطعا للتسلسل، وهي متوقفة على ~~تصور مفرداتها، وهي غير مقدورة التحصيل، لأنه إن كان عالما بها، فتحصيل ~~الحاصل محال، وإن لم يكن عالما بها، فطلبها محال. فالنظر يكون ممتنع ~~التحصيل. # وهذه الحجج ضعيفة جدا: # أما الحجة الأولى: فلقائل أن يقول: ما المانع أن يكون وجود الفعل مع ~~رجحان الداعي إلى الفعل، قوله لأنه صار الفعل واجبا. قلنا صار واجبا ~~بالداعي إليه والاختيار له، أو لذاته. الأول مسلم، والثاني ممنوع. وعلى هذا ~~خرج العبد عن كونه مكلفا بما لا ms112 يطاق ثم يلزم عليه أن تكون أفعال الرب ~~تعالى غير مقدورة بعين ما ذكروه وهو ممتنع. فما هو الجواب عن أفعال الله ~~يكون مشتركا. PageV01P139 # وأما الثانية: فهي بعينها أيضا لازمة على أفعال الله إذ أمكن أن يقال فعل ~~الله. # إما أن لا يكون متمكنا منه، أو يكون. وهو إما أن يفتقر إلى مرجح، أو لا، ~~وإن افتقر إلى مرجح، فإن كان من فعله عاد التقسيم، وإن لم يكن من فعله، ~~فإما أن يجب وقوع الفعل معه، أو لا يجب، وهلم جرا إلى آخره، والجواب يكون ~~مشتركا. # وكذلك الثالثة: أيضا لازمة على أفعال الله، مع أنها مقدورة له إجماعا. # وأما الرابعة: فيلزم منها أن تكون قدرة الرب تعالى حادثة موجودة مع فعله، ~~لا قبله، وهو مع إحالته، فقائل هذه الطريقة غير قائل به، وبيان ذلك أنه ~~أمكن أن يقال: لو وجدت قدرة الرب قبل وجود فعله، لكان لها متعلق، وليس ~~متعلقها العدم. فلم يبق غير الوجود، ويلزم أن لا يكون قبل الفعل بعين ما ~~ذكروه. # وأما الخامسة: فأشد ضعفا مما قبلها، إذ هي مبنية على امتناع اكتساب ~~التصورات، وقد أبطلناه في كتاب دقائق الحقائق إبطالا لا ريبة فيه بما لا ~~يحتمله هذا الكتاب، فعلى الناظر بمراجعته. وبتقدير أن لا تكون التصورات ~~مكتسبة، فالعلم بها يكون بالضرورة، والتكليف بالنظر المستند إلى ما ينقطع ~~التسلسل عنده من المعلومات الضرورية، لا يكون تكليفا بما لا يطاق، وهو ~~معلوم بالضرورة. # والمعتمد في ذلك مسلكان: # المسلك الأول: أن العبد غير خالق لفعله، فكان مكلفا بفعل غيره، وهو تكليف ~~بما لا يطاق. وبيان أنه غير خالق لفعله أنه لو كان خالقا لفعله، فليس خالقا ~~له بالذات والطبع إجماعا، بل بالاختيار. والخالق بالاختيار، لا بد وأن يكون ~~مخصصا لمخلوقه بالإرادة. ويلزم من كونه مريدا له أن يكون عالما به ضرورة. ~~والعبد غير عالم PageV01P140 # بجميع أجزاء حركاته، في جميع حالاته، ولا سيما في حالة إسراعه، فلا يكون ~~خالقا لها. # المسلك الثاني: إن إجماع السلف منعقد قبل وجود المخالفين من ms113 الثنوية على ~~أن الله تعالى مكلف بالايمان لمن علم أنه لا يؤمن، كمن مات على كفره، وهو ~~تكليف بما يستحيل وقوعه، لأنه لو وقع لزم أن يكون علم الباري تعالى جهلا ~~وهو محال فإن قيل: أما المسلك الأول، وإن سلمنا أن العبد لا بد وأن يكون ~~عالما بما يخلقه من أفعاله، لكن من جهة الجملة أو من جهة التفصيل. الأول لا ~~سبيل إلى نفيه، والثاني ممنوع. وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن العبد ~~غير خالق لفعله، لكنه معارض بما يدل على خلقه له. ودليله المعقول والمنقول: # أما المعقول، فهو أن قدرة العبد ثابتة بالاجماع منا ومنكم على فعله، فلو ~~لم تكن هي المؤثرة فيه، لا انتفي الفرق بين المقدور وغيره، وكان المؤثر فيه ~~غير العبد، ويلزم منه وجود مقدور بين قادرين، ولما وقع الاختلاف بين القوي ~~والضعيف، ولجاز أن يكون متعلقه بالجواهر والألوان، كما في العلم، ولكان ~~العبد مضطرا بما خلف فيه من الفعل لا مختارا، PageV01P141 # ولجاز أن يصدر عن العبد أفعال محكمة بديعة، وهو لا يشعر بها، ولما انقسم ~~فعله إلى طاعة ومعصية، لأنه ليس من فعله، ولكان الرب تعالى أضر على العبد ~~من إبليس، حيث إنه خلق فيه الكفر وعاقبه عليه، وإبليس داع لا غير. # ولما حسن شكر العبد ولا ذمه على أفعاله، ولا أمره ولا نهيه، ولا عقابه ~~ولا ثوابه، ولكان الرب تعالى آمرا للعبد بفعل نفسه، وهو قبيح معدود عند ~~العقلاء من الجهل والحمق، ولكان الكفر والايمان من قضاء الله تعالى وقدره، ~~وهو إما أن يكون حقا أو باطلا. فإن كان حقا، فالكفر حق، وإن كان باطلا، ~~فالايمان باطل، ولكان الرب تعالى إما راضيا به أو غير راض، والأول يلزم منه ~~الرضى بالكفر، والثاني يلزم منه عدم الرضى بالايمان، والكل محال مخالف ~~للاجماع. # وأما النقل، فقوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن، وعمل صالحا) * ~~(20) طه: 82) وقوله تعالى: * (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) * (45) ~~الجاثية: 21) وقول النبي عليه السلام: اعملوا وقاربوا وسددوا وقوله عليه ~~السلام: نية المؤمن ms114 خير من عمله إلى غير ذلك من النصوص الدالة على نسبة ~~العمل إلى العبد، والعقلاء متوافقون على إطلاق إضافة الفعل إلى العبد ~~بقولهم: فلان فعل كذا وكذا. والأصل في الاطلاق الحقيقة. # وأما المسلك الثاني: فهو أن تعلق علم الباري تعالى بالفعل أو بعدمه، إما ~~أن يكون موجبا لوجود ما علم وجوده، وامتناع وجود ما علم عدمه، أو لا يكون ~~كذلك. # فإن كان الأول، فليزمه محالات، وهو أن يكون العلم هو القدرة، أو أن ~~يستغنى به عن القدرة، ولا يكون الرب قادرا على إيجاد شئ أو عدمه، وأن لا ~~يكون للرب اختيار، ولا للعبد في وجود فعل من الافعال لكونه واجبا بالعلم، ~~أو ممتنعا، وإن لم يكن موجبا للوجود ولا للعدم، فقد بطل الاستدلال، وإن سلم ~~ذلك، لكنه معارض بما سبق من الأدلة العقلية والنقلية. # والجواب عما ذكروه أولا على المسلك الأول بأن الفعل المخلوق للعبد بتقدير ~~خلقه له مخلوق بجميع أجزائه، وكل جزء منه مخلوق له بانفراده، فيجب أن ~~PageV01P142 # يكون عالما به لما سبق وهذا هو العلم بالتفصيل، وهو غير عالم لما حققناه ~~وعما ذكروه من لالزام الأول بمنع عدم الفرق بين المقدور وغيره. # وعن الثاني: أنه إنما يمتنع وجود مقدور بين قادرين خالقين، أو مكتسبين، ~~أما بين خالق ومكتسب، فهو غير مسلم. # وعن الثالث: بأن الاختلاف بين القوي والضعيف إنما هو واقع في كثرة ما ~~يخلقه الله تعالى من القدر على المقدورات في أحد الشخصين دون الآخر، لا في ~~التأثير. # وعن الرابع: أنه إنما يلزم أن لو كان تعلق العلم بالجواهر والاعراض من ~~جهة كونه غير مؤثر فيها، وهو غير مسلم. # وعن الخامس: أنه إنما يلزم أن يكون العبد مضطرا أن لو لم يكن فعله مكتسبا ~~له ومقدورا، ولا يلزم من عدم التأثير عدم الاكتساب. # وعن السادس: أنه لا مانع من تلازم القدرة على الشئ والعلم به. # وعن السابع: أنه لا معنى لانقسام فعل العبد إلى الطاعة والمعصية غير كونه ~~مأمورا بهذا، ومنهيا عن هذا، لكسبه، وهو كذلك. # وعن ms115 الثامن: أنه لازم على أصلهم أيضا، فإن التمكن من الكفر بخلق القدرة ~~عليه أضر من الدعاء إليه. وقد فعل الله تعالى ذلك بالعبد، فما هو جواب لهم ~~هو جوابنا. # وعما ذكروه من الأمر والنهي، والشكر والذم، والثواب والعقاب والامر للعبد ~~بما هو من فعل الله تعالى، بالمنع من تقبيح ذلك بتقدير أن يكون قادرا، غير ~~مؤثر. # كيف وإنه مبني على التحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه. # وعن الالزام بالقضاء والقدر، أن القضاء قد يطلق بمعنى الاعلام، والامر، ~~والاختراع، وانقضاء الاجل، وإلزام الحكم، وتوفية الحقوق، والإرادة لغة. ~~PageV01P143 # وعلى هذا فالايمان من قضائه بجميع هذه الاعتبارات، وهو حق وأما الكفر ~~فليس من قضائه بمعنى كونه مأمورا، بل بمعنى خلقه وإرادة وقوعه، وهو حق من ~~هذا الوجه أيضا. # وعن الالزام بالرضى أنه راض بالايمان، وغير راض بالكفر وعن المنقول بأن ~~ما ذكروه غايته إضافة إلى العبد حقيقية. ونحن نقول به فإن الفاعل عندنا على ~~الحقيقة هو من وقع الفعل مقدورا له. وهو أعم من الموجد. # والجواب عما ذكروه في المسلك الثاني بأن تعلق العلم بوجود الفعل بملازمة ~~الوجود المقدور، فإنه إنما يعلم وجوده مقدورا، لا غير مقدور، وكذلك في ~~العدم. # وعلى هذا، فلا يلزم منه عدم القدرة في حق الله تعالى ولا سلب اختياره في ~~فعله. وكذلك العبيد فإنه إنما علم وقوع فعل العبد مقدورا للعبد، والمعارضات ~~فقد سبق الجواب عنها. # المسألة الثانية مذهب الجمهور من أصحابنا ومن المعتزلة أنه لا يشترط في ~~التكليف بالفعل، أن يكون شرطه حاصلا حالة التكليف، بل لا مانع من ورود ~~التكليف بالمشروط، وتقديم شرطه عليه، وهو جائز عقلا، وواقع سمعا، خلافا ~~لأكثر أصحاب الرأي وأبي حامد الأسفرائيني من أصحابنا، وذلك كتكليف الكفار ~~بفروع الاسلام حالة كفرهم. PageV01P144 # ودليل الجواز العقلي أنه لو خاطب الشارع الكافر المتمكن من فهم الخطاب، ~~وقال له: أوجبت عليك العبادات الخمس المشروط صحتها بالايمان، وأوجبت عليك ~~الاتيان بالايمان، مقدما عليها لم يلزم منه لذاته محال عقلا، ولا معنى ~~للجواز العقلي سوى هذا. # فإن قيل: التكليف ms116 بالفروع المشروطة بالايمان، إما أن تكون حالة وجود ~~الايمان، أو حالة عدم. # فإن كان الأول فلا تكليف قبل الايمان، وهو المطلوب. # وإن كان حالة عدمه فهو تكليف بما هو غير جائز عقلا. # وأيضا فإن التكليف بالفروع غير ممكن الامتثال، لاستحالة أدائها حالة ~~الكفر، وامتناع أدائها بعد الايمان، لكونه مسقطا لها بالاجماع. وما لا يمكن ~~امتثاله فالتكليف به تكليف بما لا يطاق، ولم يقل به قائل في هذه المسألة. # قلنا: أما الاشكال الأول، فإنما يلزم منه التكليف بما لا يطاق بتقدير ~~تكليفه بالفروع حالة الكفر، إن لو كان تكليفه بمعنى إلزامه الاتيان بها مع ~~الكفر، وليس كذلك، بل بمعنى أنه لو أصر على الكفر، حتى مات، ولم يأت بها مع ~~الايمان، فإنه يعاقب في الدار الآخرة، ولا إحالة فيه. # وبهذا الحرف يندفع ما ذكروه من الاشكال الثاني أيضا. كيف وإن الامتثال ~~بعد الاسلام غير ممتنع. غير أن الشارع أسقطه ترغيبا في الدخول في الاسلام، ~~بقوله عليه السلام: الاسلام يجب ما قبله وهذا بخلاف المرتد، حيث إنه أوجب ~~عليه فعل ما فاته في حال ردته ليكون ذلك مانعا من الردة. # وأما الوقوع شرعا، فيدل عليه النص والحكم. # أما النص فمن وجوه: الأول قوله تعالى: * (لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين) * (98) البينة: 1) إلى قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) * ~~(98) البينة: 5) والضمير في قوله: (وما أمروا) عائد إلى المذكورين أولا، ~~وهو صريح في الباب. PageV01P145 # وأيضا قوله تعالى: * (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) * (75) القيامة: ~~31) ذم على ترك الجميع، ولو لم يكن مكلفا بالكل لما ذم عليه. # وأيضا قوله تعالى: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف ~~له العذاب يوم القيامة) * (25) الفرقان: 68) حكم بمضاعفة العذاب على مجموع ~~المذكور والزنى من جملته. ولولا أنه محرم عليه ومنهي عنه، لما أثمه به، ~~وهذا حجة على من نفى التكليف بالامر ms117 والنهي، دون من جوز التكليف بالنهي دون ~~الامر. # وأيضا قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * ~~(3) آل عمران: 97) والكافر داخل فيه لكونه من الناس. # وأيضا قوله تعالى: * (فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) * (41) فصلت: ~~6 - 7) لكن قال المفسرون: # المراد بالزكاة في هذه الآية، إنما هو قول: * (لا إله إلا الله) * وأيضا ~~قوله تعالى: * (ما سلككم في سقر. قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين) * (74) المدثر: 42 - 44) ولو لم يكونوا قد كلفوا بالصلاة، لما ~~عوقبوا عليها. # فإن قيل: هذه حكاية قول الكفار، ولا حجة فيها، وإن كانت حجة، لكن أمكن أن ~~يكون المراد من قولهم: لم نك من المصلين أي من المؤمنين. # ومنه قوله عليه السلام: نهيت عن قتل المصلين وأراد به المؤمنين، وإن كان ~~المراد الصلاة الشرعية حقيقة. غير أن العذاب إنما كان لتكذيبهم بيوم الدين، ~~غير أنه غلظ بإضافة ترك الطاعات إليه، وأنه كان ذلك مضافا إلى الصلاة، لكن ~~لا إلى تركها، بل إلى إخراجهم أنفسهم عن العلم بقبح تركها بترك الايمان، ~~وإن كان ذلك على ترك الصلاة، لكن أمكن أن يكون ذلك إخبارا عن جماعة من ~~المرتدين تركوا الصلاة حالة ردتهم، وذلك محل الوفاق. PageV01P146 # والجواب عن قولهم إنه حكاية قول الكفار، أن علماء الأمة من السلف وغيرهم ~~أجمعوا على أن المراد بذلك إنما هو تصديقهم فيما قالوه، والتحذير لغيرهم من ~~ذلك. # ويدل على ذلك تعذيبهم بالتكذيب بيوم الدين، وقد عطف على ما قبله. والأصل ~~اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم. # وعن حمل لفظ المصلين على المؤمنين أنه ترك للظاهر من غير دليل، وإن أمكن ~~تأويل لفظ الصلاة فبماذا نتأول قوله: * (ولم نك نطعم المسكين) * (74) ~~المدثر: 44) فإن المراد به إنما هو الاطعام الواجب، لاستحالة التعذيب على ~~ترك إطعام ليس بواجب. # وعن قولهم بتغليظ عذاب التكذيب بإضافة ترك الطاعات إليه إنها لو كانت ~~مباحة، لما غلظ العذاب بها. # وعن قولهم بالتعذيب بإخراج أنفسهم عن العلم بقبح ترك الصلاة أنه ترك ~~للظاهر من غير ms118 دليل، وأنه يوجب التسوية بين كافر ارتكب جميع المحرمات، وبين ~~من لم يباشر شيئا منها، لاستوائهما فيما قيل، وهو خلاف الاجماع. # وعن الحمل على صلاة المرتدين أن الآية بلفظها عامة في كل المجرمين ~~المذكورين في قوله: # يتساءلون عن المجرمين وهو عام في المرتدين وغيرهم، فلا يجوز تخصيصها من ~~غير دليل. # هذا من جهة النصوص. # وأما من جهة الالزام، فهو أنه لو امتنع التكليف بالفعل مع عدم شرط الفعل، ~~لامتنع التكليف بالصلاة مع عدم الطهارة، ولكان من ترك الطهارة والصلاة أبدا ~~لا يعاقب ولا يذم إلا على ترك الطهارة، بل ما لا تتم الطهارة إلا به. وذلك ~~خلاف إجماع الأمة. # المسألة الثالثة اتفق أكثر المتكلمين على أن التكليف لا يتعلق إلا بما هو ~~من كسب العبد من الفعل وكف النفس عن الفعل، فإنه فعل خلافا لأبي هاشم في ~~قوله: إن التكليف قد يكون بأن لا يفعل العبد مع قطع النظر عن التلبس بضد ~~الفعل، وذلك ليس بفعل. PageV01P147 # احتج المتكلمون بأن ممتثل التكليف مطيع، والطاعة حسنة، والحسنة مستلزمة ~~للثواب، على ما قال تعالى: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * (6) ~~الانعام: 160) وقال تعالى: * (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا، ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى) * (53) النجم: 31) ولا فعل، عدم محض، وليس بشئ، وما ليس ~~بشئ لا يكون من كسب العبد، ولا متعلق القدرة، وما لا يكون من كسب العبد، لا ~~يكون مثابا عليه، لقوله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) *. # فإن قيل عدم الفعل، وإن لم يكن أمرا وجوديا ولا ذاتا ثابتة، فإنما يمتنع ~~التكليف به، ويمتنع أن يكون الامتثال به طاعة وحسنة مثابا عليها أن لو لم ~~يكن مقدورا للعبد ومكتسبا له، وهو غير مسلم، كما قاله القاضي أبو بكر في ~~أحد قوليه. قال المتكلمون، عدم الفعل من حيث هو كذلك متحقق قبل قدرة العبد، ~~وهو غير مقدور للعبد، قبل خلق قدرته، وهو مستمر إلى ما بعد خلق القدرة، فلا ~~يكون مقدورا للعبد، ولا مكتسبا له، ويلزم من ذلك امتناع التكليف به على ما ms119 ~~تقرر. إلا أن للخصم أن يقول: لا يلزم من كون عدم الفعل السابق على خلق ~~القدرة غير مقدور أن يكون المقارن منه للقدرة غير مقدور. # المسألة الرابعة اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ ~~من أصحابنا، وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل، واختلفوا في جواز تعلقه به في ~~أول زمان حدوثه: فأثبته أصحابنا. ونفاه المعتزلة. # احتج أصحابنا بأن الفعل في أول زمان حدوثه مقدور بالاتفاق وسواء قيل ~~بتقدم القدرة عليه، كما هو مذهب المعتزلة أم بوجودها مع وجوده، كما هو مذهب ~~أصحابنا. وإذا كان مقدورا أمكن تعلق التكليف به. PageV01P148 # فإن قبل: القول بجواز تعلق التكليف به في أول زمان حدوثه يلزم منه الامر ~~بإيجاد الموجود، وهو محال. # قلنا: يلزم منه الامر بإيجاد ما كان موجودا، أو بما لم يكن موجودا. # الأول: ممنوع. والثاني، فدعوى إحالته نفس محل النزاع، ثم يلزمهم من ذلك ~~أن لا يكون الفعل في أول زمان حدوثه أثرا للقدرة القديمة، ولا للحادثة على ~~اختلاف المذهبين، ولا موجدة له لما فيه من إيجاد الموجود، وهو محال. فما هو ~~جوابهم في إيجاد القدرة له فهو جوابنا في تعلق الامر به. # المسألة الخامسة اختلف أصحابنا والمعتزلة في جواز دخول النيابة فيما كلف ~~به من الافعال البدنية: # فأثبته أصحابنا ونفاه المعتزلة. # حجة أصحابنا على ذلك أنه لو قال القائل لغيره: أوجبت عليك خياطة هذا ~~الثوب، فإن خطته أو استنبت في خياطته أثبتك، وإن تركت الامرين عاقبتك كان ~~معقولا غير مردود. وما كان كذلك فوروده من الشارع لا يكون ممتنعا. # ويدل على وقوعه ما روي عن النبي عليه السلام، أنه رأى شخصا يحرم بالحج عن ~~شبرمة، فقال له النبي عليه السلام: أحججت عن نفسك - فقال: لا - فقال له: حج ~~عن نفسك ثم حج عن شبرمة. وهو صريح فيما نحن فيه. # فإن قيل: وجوب العبادات البدنية إنما كان ابتلاء وامتحانا من الله تعالى ~~للعبد فإنه مطلوب للشارع، لما فيه من كسر النفس الامارة بالسوء، وقهرها، ~~لكونها عدوة لله تعالى، على ما ms120 قال: عليه السلام، حكاية عن ربه: عاد نفسك، ~~فإنها PageV01P149 # انتصبت لمعاداتي تحصيلا للثواب على ذلك. وذلك مما لا مدخل للنيابة فيه ~~كما لا مدخل لها في باقي الصفات من الآلام واللذات ونحوها. # قلنا: أما الابتلاء والامتحان بالتكليف لما ذكروه، وإن كان مع تعيين ~~المكلف لأداء ما كلف به أشق مما كلف به مع تسويغ النيابة فيه، فليس في ذلك ~~مما يرفع أصل الكلفة والامتحان فيما سوغ له فيه الاستنابة. فإن المشقة ~~لازمة له بتقدير الاتيان به بنفسه، وهو الغالب، وبما يبذله من العوض للنائب ~~بتقدير النيابة، ويلتزمه من المنة بتقدير عدم العوض وليس المراعى في باب ~~التكاليف أشقها وأعلاها رتبة، ولذلك كانت متفاوتة. وأما الثواب والعقاب ~~فليس مما يجب على الله تعالى في مقابلة الفعل، بل إن أثاب فبفضله، وإن عاقب ~~فبعدله، كما عرف من أصلنا، بل له أن يثيب العاصي ويعاقب الطائع. # الأصل الرابع في المحكوم عليه وهو المكلف وفيه خمس مسائل المسألة الأولى ~~اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلا فاهما للتكليف، لان التكليف ~~خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة. ومن وجد له أصل ~~الفهم لأصل الخطاب. دون تفاصيله من كونه أمرا ونهيا، ومقتضيا للثواب ~~والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنه واجب الطاعة، وكون المأمور ~~به على صفة كذا وكذا، كالمجنون، والصبي الذي لا يميز، فهو بالنظر إلى فهم ~~التفاصيل، كالجماد والبهيمة بالنظر إلى فهم أصل الخطاب، ويتعذر تكليفه ~~أيضا، PageV01P150 # إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق، لان المقصود من التكليف كما ~~يتوقف على فهم أصل الخطاب، فهو متوقف على فهم تفاصيله. وأما الصبي المميز، ~~وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز، غير أنه أيضا غير فاهم على الكمال ما ~~يعرفه كامل العقل من وجود الله تعالى، وكونه متكلما مخاطبا مكلفا بالعبادة، ~~ومن وجود الرسول الصادق المبلغ عن الله تعالى، وغير ذلك مما يتوقف عليه ~~مقصود التكليف. # فنسبته إلى غير المميز، كنسبة غير المميز إلى ms121 البهيمة فيما يتعلق بفوات ~~شرط التكليف، وإن كان مقاربا لحالة البلوغ، بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ ~~سوى لحظة واحدة، فإنه، وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير ~~أنه لما كان العقل والفهم فيه خفيا، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له ~~ضابط يعرف به، جعل له الشارع ضابطا، وهو البلوغ، وحط عنه التكليف قبله ~~تخفيفا عليه. # ودليله قوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن ~~النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق. # فإن قيل: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلف، فكيف وجبت عليهما الزكاة ~~والنفقات والضمانات، وكيف أمر الصبي المميز بالصلاة. # قلنا: هذه الواجبات ليست متعلقة بفعل الصبي والمجنون، بل بماله أو بذمته. # فإنه أهل للذمة بإنسانيته المتهيئ بها لقبول فهم الخطاب عند البلوغ، ~~بخلاف البهيمة، والمتولي لأدائها الولي عنهما، أو هما بعد الإفاقة والبلوغ. ~~وليس ذلك من باب التكليف في شئ. # وأما الامر بصلاة المميز فليس من جهة الشارع، وإنما هو من جهة الولي، ~~لقوله عليه السلام: مروهم بالصلاة، وهم أبناء سبع وذلك لأنه يعرف الولي، ~~ويفهم خطابه، بخلاف خطاب الشارع على ما تقدم. PageV01P151 # وعلى هذا، فالغافل عما كلف به، والسكران المتخبط لا يكون خطابه وتكليفه ~~في حالة غفلته وسكره أيضا، إذ هو في تلك الحالة أسوأ حالا من الصبي المميز ~~فيما يرجع إلى فهم خطاب الشارع، وحصول مقصوده منه، وما يجب عليه من ~~الغرامات والضمانات بفعله في تلك الحال. فتخريجه كما سبق في الصبي ~~والمجنون، ونفوذ طلاق السكران، ففيه منع خطاب الوضع والاخبار وإن نفذ، فليس ~~من باب التكليف في شئ، بل من باب ما ثبت بخطاب الوضع والاخبار يجعل تلفظه ~~بالطلاق علامة على نفوذه، كما جعل زوال الشمس، وطلوع الهلال، علامة على ~~وجوب الصلاة والصوم. وكذلك الحكم في وجوب الحد عليه بالقتل والزنى وغيره. # وقوله تعالى: * (لا تقربوا الصلاة، وأنتم سكارى) * (4) النساء: 43) وإن ~~كان من باب خطاب التكليف بنهي السكران، فليس المقصود منه النهي عن الصلاة ~~حالة السكر، بل النهي ms122 عن السكر في وقت إرادة الصلاة. وتقديره: إذا أردتم ~~الصلاة، فلا تسكروا. كما يقال لمن أراد التهجد: لا تقرب التهجد وأنت شبعان. ~~أي لا تشبع إذا أردت التهجد، حتى لا يثقل عليك التهجد. وهو، وإن دل بمفهومه ~~على عدم النهي عن السكر في غير وقت الصلاة، فغير مانع لورود النهي عن ذلك ~~في ابتداء الاسلام، حيت لم يكن الشرب حراما وإن كان وروده بعد التحريم، وفي ~~حالة السكر، لكن يجب حمل لفظ السكران في الآية على من دب الخمر في شؤونه، ~~وكان ثملا نشوانا، وأصل عقله ثابت. # لان ذلك مما يؤول إلى السكر غالبا. # والتعبير عن الشئ باسم ما يؤول إليه، يكون تجوزا، كما في قوله تعالى: * ~~(إنك ميت، وإنهم ميتون) * (4) النساء: 43) وقوله تعالى: * (حتى تعلموا ما ~~تقولون) * (4) النساء: 43) فيجب حمله على كمال التثبت على ما يقال، إذ هو ~~غير ثابت حالة الانتشاء، وإن كان العقل والفهم حاصلا. # وذلك، كما يقال لمن أراد فعل أمر، وهو غضبان: لا تفعل، حتى تعلم ما تفعل، ~~أي حتى يزول عنك الغضب المانع من التثبت على ما تفعل. وإن كان عقله وفهمه ~~حاصلا. # ويجب المصير إلى هذه التأويلات، جمعا بين هذه الآية وما ذكرناه من الدليل ~~المانع من التكليف. PageV01P152 # المسألة الثانية مذهب أصحابنا جواز تكليف المعدوم، وربما أشكل فهم ذلك مع ~~إحالتنا لتكليف الصبي والمجنون والغافل والسكران، لعدم الفهم للتكاليف. ~~والمعدوم أسوأ حالا من هؤلاء في هذا المعنى لوجود أصل الفهم في حقهم، وعدمه ~~بالكلية في حق المعدوم، حتى أنكر ذلك جميع الطوائف. # وكشف الغطاء عن ذلك أنا لا نقول بكون المعدوم مكلفا بالاتيان بالفعل حالة ~~عدمه بل معنى كونه مكلفا حالة العدم قيام الطلب القديم بذات الرب تعالى ~~للفعل من المعدوم، بتقدير وجوده، وتهيئته لفهم الخطاب. فإذا وجدوا مهيأ ~~للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب والاقتضاء القديم. فإن الوالد لو وصى عند ~~موته لمن سيوجد بعده من أولاده بوصية، فإن الولد، بتقدير وجوده وفهمه، يصير ~~مكلفا بوصية والده، حتى أنه يوصف بالطاعة والعصيان، بتقدير ms123 المخالفة ~~والامتثال. # وأيضا، فإننا في وقتنا هذا، نوصف بكوننا مأمورين بأمر النبي عليه السلام، ~~وإن كان أمره في الحال معدوما. وليس ذلك إلا بما وجد منه من الامر، حال ~~وجوده. # ومثل هذا التكليف ثابت بالنسبة إلى الصبي والمجنون، بتقدير فهمه، أيضا، ~~بل أولى من حيث إن المشترط في حقه الفهم لا غير، وفي حق المعدوم الفهم ~~والوجود. # وهل يسمى التكليف بهذا التفسير في الأزل خطابا للمعدوم، وأمرا له عرفا. ~~PageV01P153 # الحق أنه يسمى أمرا، ولا يسمى خطابا. ولهذا، فإنه يحسن أن يقال للوالد ~~إذا وصى بأمر لمن سيوجد من أولاده بفعل من الافعال أنه أمر أولاده، ولا ~~يحسن أن يقال خاطبهم. لكن تمام فهم هذه القاعدة موقوف على إثبات كلام ~~النفس، وتحقيق كون الامر بمعنى الطلب والاقتضاء. وقد حققنا ذلك في ~~الكلاميات بما يجب على الأصولي تقليد المتكلم فيه. # المسألة الثالثة اختلفوا في الملجئ إلى الفعل بالاكراه، بحيث لا يسعه ~~تركه في جواز تكليفه بذلك الفعل إيجادا وعدما. # والحق أنه إذا خرج بالاكراه إلى حد الاضطرار، وصار نسبة ما يصدر عنه من ~~الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه أن تكليفه به إيجادا وعدما غير جائز، ~~إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وإن كان ذلك جائزا عقلا، لكنه ممتنع ~~الوقوع سمعا لقوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه والمراد منه لا رفع المؤاخذة، وهو مستلزم لرفع التكليف، وما يلزمه من ~~الغرامات، فقد سبق جوابه غير مرة. # وأما إن لم ينته إلى حد الاضطرار، فهو مختار، وتكليفه جائز عقلا وشرعا. # وأما الخاطئ فغير مكلف إجماعا فيما هو مخطئ ولقوله عليه السلام: # رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الحديث. # المسألة الرابعة اختلفوا في تكليف الحائض بالصوم، فنفاه أصحابنا، وأثبته ~~آخرون. # والحق في ذلك أنه إن أريد بكونها مكلفة به بتقدير زوال الحيض المانع، فهو ~~حق، وإن أريد به أنها مكلفة بالاتيان بالصوم حال الحيض، فهو ممتنع. وذلك ~~لان PageV01P154 # فعلها للصوم في حالة الحيض حرام ومنهي عنه، فيمتنع أن يكون واجبا ms124 ومأمورا ~~به، لما بينهما من التضاد الممتنع، إلا على القول بجواز التكليف بما لا ~~يطاق. # فإن قيل: فلو لم يكن الصوم واجبا عليها، فلم وجب عليها قضاؤه. # قلنا: القضاء عندنا إنما يجب بأمر مجدد، فلا يستدعي أمرا سابقا، وإنما ~~سمي قضاء لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه من الصوم، ولم يجب ~~لمانع الحيض. # المسألة الخامسة في أن المكلف بالفعل أو الترك هل يعلم كونه مكلفا قبل ~~التمكن من الامتثال، أم لا؟ # والذي عليه إجماع الأصوليين أنه يعلم ذلك إذا كان المأمور والآمر له ~~جاهلا لعاقبة أمره وأنه يتمكن بما كلف به أم لا، كأمر السيد لعبده بخياطة ~~الثوب في الغد، ومحل الخلاف فيما إذا كان الآمر عالما بعاقبة الامر دون ~~المأمور، كأمر الله تعالى بالصوم لزيد في الغد. # فأثبت ذلك القاضي أبو بكر، والجم الغفير من الأصوليين ونفاه المعتزلة. # احتج المثبتون بأن الامر بالطاعات، والنهي عن المعاصي متحقق مع جهل ~~المكلف بعاقبة الامر، فكان ذلك معلوما، ويدل على تحققه إجماع الأمة من ~~السلف قبل ظهور المخالفين على أن كل بالغ عاقل مأمور بالطاعات منهي عن ~~المعاصي قبل التمكن مما أمر به ونهي عنه، وأنه يعد متقربا بالعزم على فعل ~~الطاعة وترك المعصية، وأنه يجب عليه الشروع في العبادات الخمس في أوقاتها ~~بنية الفرض، وإن المانع له من ذلك بالحبس والصد عن فعلها آثم عاص بصده عن ~~امتثال أمر الشارع. # وذلك كله مع عدم النهي، والامر محال. # وأيضا فإنه لو لم يكن الامر معلوما له في الحال، لتعذر قصد الامتثال في ~~الواجبات المضيقة، لاستحالة العلم بتمام التمكن، إلا بعد انقضاء الوقت، وهو ~~محال. PageV01P155 # فإن قيل: لا خفاء بأن تعليق الامر على شرط معلوم الوقوع، وسواء كان وقوعه ~~حاليا، كما إذا قال: صم إن كان الله موجودا، أو ماليا، كما إذا قال: صم إن ~~صعدت الشمس غدا. # أو معلوم الانتفاء، كما إذا قال: صم إن اجتمع الضدان، وهو محال بل الأول ~~أمر جازم غير مشروط. # كيف وإنه يمتنع تعليق ms125 الامر بشرط مستقبل، لان الشرط لا بد وأن يكون حاصلا ~~مع المشروط أو قبله. والثاني، وإن كان فيه صيغة افعل، فليس بأمر لما فيه من ~~التكليف بما لا يطاق، والباري تعالى عالم بعواقب الأمور. فإن كان عالما ~~بتمكن العبد مما كلف به، وأنه سيأتي به فهو أمر جزم لا شرط فيه، وإن كان ~~عالما بعدم تمكنه مما قيل له افعله، أو لا تفعله، فلا يكون ذلك أمرا ولا ~~نهيا. وإذا كان كذلك، فالامر والنهي قبل التمكن من الامتثال لا يكون معلوما ~~للعبد، لتجويزه عدم الشرط، وهو التمكن في علم الله تعالى. # وعلى هذا، فيجب حمل الاجماع فيما ذكرتموه على ظن الامر، بناء على أن ~~الغالب من المكلف بقاؤه وتمكنه، لا على يقين الامر والعلم به. # قلنا: أما امتناع تعليق الامر بشرط معلوم الوقوع أو الانتفاء عند ~~المأمور، فلا نزاع فيه إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق، وإنما النزاع ~~إذا كان ذلك معلوما للآمر دون المأمور. فإنه لا يبعد أمر السيد لعبده بفعل ~~شئ في الغد، مع علمه برفع ذلك في الغد عنه، استصلاحا للعبد باستعداده في ~~الحال للقيام بأمر سيده، واشتغاله بذلك عن معاصيه، أو امتحانه بما يظهر ~~عليه من أمارات البشر والكراهة، حتى يثيبه على هذا، ويعاقبه على هذا، لا ~~لقصد الاتيان بما أمره به، أم الانتهاء عما نهاه عنه. ولا يكون ذلك من باب ~~التكليف بما لا يطاق. وإذا كان ذلك معقولا مفيدا، أمكن مثله في أمر الباري ~~تعالى. # قولهم إن شرط الامر لا يكون متأخرا عنه، مسلم، لما فيه من استحالة وجود ~~المشروط بدون شرطه، غير أن الشرط المتأخر عن الامر، وهو التمكن من الفعل، ~~PageV01P156 # ليس شرطا في تحقق الامر وقيامه بنفس الامر، حتى يقال بتأخير شرط وجوده عن ~~وجوده، بل هو شرط الامتثال. والامر عندنا لا يتوقف تحققه على الامتثال، كما ~~علم من أصلنا. # وعلى هذا، فقد بطل قولهم إن الأمر والنهي قبل التمكن من الامتثال يمتنع ~~أن يكون معلوما للعبد. ووجب حمل ms126 الاجماع فيما ذكروه من الاحكام على وجود ~~الامر حقيقة، لا على ظن وجوده. لان احتمال الخطأ في الظن قائم وهو ممتنع في ~~حق الاجماع. # وإذا عرف ما حققناه، فمن أفسد صوم رمضان بالوقاع، ثم مات أوجن بعد ذلك في ~~أثناء النهار وجبت عليه الكفارة على أحد قولينا، وعلى القول الآخر لا، ~~لأنها إنما تجب بإفساد صوم واجب لا يتعرض للانقطاع في اليوم، لا لعدم قيام ~~الامر بالصوم ووجوبه، وكذلك يجب على الحائض الشروع في صوم يوم علم الله ~~أنها تحيض فيه. وأنه لو قال إن شرعت في الصوم أو الصلاة الواجبين، فزوجتي ~~طالق، ثم شرع ومات في أثنائها حنث، ولزمه الطلاق، ولا كذلك عند المعتزلة، ~~وعلى هذا، كل ما يرد من هذا القبيل. PageV01P157 # القاعدة الثانية في بيان الدليل الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من أحكامه ~~ويشتمل على مقدمة وأصول: # أما المقدمة ففي بيان الدليل الشرعي وأقسامه. # فنقول: كما بينا في القاعدة الأولى حد الدليل وانقسامه إلى عقلي وشرعي. # وليس من غرضنا هاهنا تعريف الدليل العقلي بل الشرعي. والمسمى بالدليل ~~الشرعي منقسم إلى ما هو صحيح في نفسه، ويجب العمل به، وإلى ما ظن أنه دليل ~~صحيح، وليس هو كذلك. # أما القسم الأول فهو خمسة أنواع. # وذلك أنه إما أن يكون واردا من جهة الرسول أو لا من جهته. # فإن كان الأول، فلا يخلو إما أن يكون من قبيل ما يتلى. أو لا من قبيل ما ~~يتلى. # فإن كان من قبيل ما يتلى، فهو الكتاب. وإن كان من قبيل ما لا يتلى، فهو ~~السنة. # وإن لم يكن واردا من جهة الرسول، فلا يخلو إما أن يشترط فيه عصمة من صدر ~~عنه، أو لا يشترط ذلك، فإن كان الأول، فهو الاجماع، وإن كان الثاني، فلا ~~يخلو إما أن تكون صورته بحمل معلوم على معلوم في حكم بناء على جامع، أو لا ~~يكون كذلك. # فإن كان الأول، فهو القياس، وإن كان الثاني، فهو الاستدلال. # وكل واحد من هذه الأنواع، فهو دليل لظهور الحكم ms127 الشرعي عندنا به. # والأصل فيها إنما هو الكتاب، لأنه راجع إلى قول الله تعالى المشرع ~~للأحكام، والسنة مخبرة عن قوله تعالى وحكمه. ومستند الاجماع فراجع إليهما. # وأما القياس والاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النص أو الاجماع، ~~فالنص والاجماع أصل، والقياس والاستدلال فرع تابع لهما. # وأما القسم، الثاني وهو ما ظن أنه دليل وليس بدليل، فكشرع من قبلنا ومذهب ~~الصحابي، والاستحسان، والمصلحة المرسلة على ما سيأتي تحقيق الكلام فيه. ~~PageV01P158 # القسم الأول فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا وكما بان أنه على ~~خمسة أنواع، فالنظر المتعلق بها، منه ما هو مختص بكل واحد منها بخصوصه، ~~ومنها ما هو مشترك بينها. فلنرسم في كل واحد منها أصلا، وهي ستة أصول: # الأصل الأول في تحقيق معنى الكتاب، وما يتعلق به من المسائل، لأنه الأول ~~والأولى بتقديم النظر فيه أما حقيقة الكتاب، فقد قيل فيه: # هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف بالأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا، ~~وفيه نظر. فإنه لا معنى للكتاب سوى القرآن المنزل علينا على لسان جبريل، ~~وذلك مما لا يخرج عن حقيقته بتقدير عدم نقله إلينا متواترا، بل ولا بعدم ~~نقله إلينا بالكلية، بل غايته جهلنا بوجود القرآن بتقدير عدم نقله إلينا، ~~وعدم علمنا بكونه قرآنا، بتقدير عدم تواتره، وعلمنا بوجوده غير مأخوذ في ~~حقيقته، فلا يمكن أخذه في تحديده. # والأقرب في ذلك أن يقال: الكتاب هو القرآن المنزل. # فقولنا: (القرآن) احتراز عن سائر الكتب المنزلة من التوراة والإنجيل ~~وغيرهما، فإنها وإن كانت كتبا لله تعالى، فليست هي الكتاب المعهود لنا، ~~المحتج به في شرعنا على الأحكام الشرعية الذي نحن بصدد تعريفه، وفيه احتراز ~~عن الكلام المنزل على النبي عليه السلام، مما ليس بمتلو. # وقولنا: (المنزل) احتراز عن كلام النفس، فإنه ليس بكتاب، بل الكتاب هو ~~الكلام المعبر عن الكلام النفساني، ولذلك، لم نقل هو الكلام القديم، ولم ~~نقل هو المعجز، لان المعجز أعم من الكتاب، ولم نقل هو الكلام المعجز، لأنه ~~يخرج منه الآية وبعض الآية، مع ms128 أنها من الكتاب، وإن لم تكن معجزة. ~~PageV01P159 # وإذا أتينا على تعريف حقيقة الكتاب، فلا بد من النظر فيما يختص به من ~~المسائل، وهي خمس مسائل: # المسألة الأولى اتفقوا على أن ما نقل إلينا من القرآن نقلا متواترا، ~~وعلمنا أنه من القرآن أنه حجة، واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحادا، كمصحف ~~ابن مسعود وغيره، أنه هل يكون حجة، أم لا؟ # فنفاه الشافعي، وأثبته أبو حنيفة، وبنى عليه وجوب التتابع في صوم اليمين ~~بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. # والمختار إنما هو مذهب الشافعي. وحجته أن النبي عليه السلام كان مكلفا ~~بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن ~~تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه ~~منه. # فالراوي له إذا كان واحدا، إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، وإن لم يذكره ~~على أنه قرآن، فقد تردد بين أن يكون خبرا عن النبي عليه السلام، وبين أن ~~يكون ذلك مذهبا له، فلا يكون حجة. وهذا بخلاف خبر الواحد عن النبي عليه ~~السلام، وعلى هذا منع من وجوب التتابع في صوم اليمين على أحد قوليه. # فإن قيل: قولكم إن النبي عليه السلام كان يجب عليه إلقاء القرآن إلى عدد ~~تقوم الحجة القاطعة بقولهم، لا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ ~~القرآن في زمانه، عليه السلام، لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وإن جمعه ~~إنما كان PageV01P160 # بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد. ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة. ولو كان ~~قد ألقاه إلى جماعة تقوم الحجة بقولهم، لما كان كذلك. # ولهذا أيضا اختلفوا في البسملة أنها من القرآن. وأنكر ابن مسعود كون ~~الفاتحة والمعوذتين من القرآن. # سلمنا وجوب ذلك على النبي عليه السلام وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة ~~بقولهم، ولكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا ~~يمتنع ذلك بالنسبة إلى بضعهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم، وقد روى ما ~~رواه، فلم ms129 يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت. وعند ذلك فيتعين حمل ~~روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن، لان الظاهر من حاله الصدق ولم ~~يوجد ما يعارضه. # غايته أنه غير مجمع على العمل به، لعدم تواتره وإن لم يصرح بكونه قرآنا، ~~أمكن أن يكون من القرآن وأمكن أن لا يكون لكونه خبرا عن النبي عليه السلام، ~~وأمكن أن يكون لكونه مذهبا له كما ذكرتموه، وهو حجة بتقدير كونه قرآنا، ~~وتقدير كونه خبرا عن النبي عليه السلام. وهما احتمالان وإنما لا يكون حجة ~~بتقدير كونه مذهبا له، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من ~~احتمالين، أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه. # سلمنا أنه ليس بقرآن، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبا له. إلا أن ~~احتمال كونه خبرا راجح، لان روايته له موهم بالاحتجاج به. ولو كان مذهبا له ~~لصرح به، نفيا للتلبيس عن السامع المعتقد كونه حجة، مع الاختلاف في مذهب ~~الصحابي هل هو حجة أم لا. # والجواب: أما وجوب إلقائه على عدد تقوم الحجة بقولهم، فذلك مما لم يخالف ~~فيه أحد من المسلمين، لان القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه، عليه السلام، ~~قطعا ومع عدم بلوغه إلى من لم يشاهده بخبر التواتر، لا يكون حجة قاطعة ~~بالنسبة إليه، فلا يكون حجة عليه في تصديق النبي عليه السلام، ولا يلزم من ~~عدم بلوغ حفاظ القرآن في زمن النبي عليه السلام، عدد التواتر أن يكون ~~الحفاظ لآحاد آياته كذلك. PageV01P161 # وأما التوقف في جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد، فلم يكن في كونها ~~قرآنا، بل في تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها، وفي طولها وقصرها. # وأما ما اختلت به المصاحف، فما كان من الآحاد فليس من القرآن، وما كان ~~متواترا، فهو منه. وأما الاختلاف في التسمية، إنما كان في وضعها في أول كل ~~سورة، لا في كونها من القرآن. # وأما إنكار ابن مسعود، فلم يكن لانزال هذه السور على النبي عليه السلام، ~~بل لاجرائها مجرى القرآن في حكمه قولهم إذا ms130 رواه ابن مسعود لم يتفق الكل ~~على الخطأ. # قلنا: وإن كان كذلك، إلا أن سكوت من سكت، وإن لم يكن ممتنعا، إلا أنه ~~حرام لوجوب نقله عليه. وعند ذلك فلو قلنا إن ما نقله ابن مسعود قرآن، لزم ~~ارتكاب من عداه من الصحابة للحرام بالسكوت. ولو قلنا إنه ليس بقرآن، لم ~~يلزم منه ذلك، لا بالنسبة إلى الراوي ولا بالنسبة إلى من عداه من الساكتين، ~~وبتقدير ارتكاب ابن مسعود للحرام، مع كونه واحدا أولى من ارتكاب الجماعة ~~له، وعلى هذا فقد بطل قولهم بظهور صدقه فيما نقله من غير معارض، وتعين تردد ~~نقله بين الخبر والمذهب. # قولهم: حمله على الخبر راجح - لا نسلم ذلك. # قولهم: لو كان مذهبا لصرح به نفيا للتلبيس - قلنا: أجمع المسلمون على أن ~~كل خبر لم يصرح بكونه خبرا عن النبي عليه السلام ليس بحجة، وما نحن فيه ~~كذلك، ولا يخفى أن الحمل على المذهب، مع أنه مختلف في الاحتجاج به، أولى من ~~حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية، مع أنه ليس بحجة بالاتفاق. كيف ~~وفيه موافقة النفي الأصلي، وبراءة الذمة من التتابع، بخلاف مقابله، فكان ~~أولى. PageV01P162 # المسألة الثانية اتفقوا على أن التسمية آية من القرآن في سورة النمل، ~~وإنما اختلفوا في كونها آية من القرآن في أول كل سورة فنقل عن الشافعي في ~~ذلك قولان. # لكن من الأصحاب من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة، كتبت ~~مع القرآن بخط القرآن، أم لا. # ومنهم من حمل القولين على أنها هل هي آية برأسها في أول كل سورة، أو هي ~~مع أول آية من كل سورة آية، وهو الأصح. # وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين إلى أنها ليست آية من القرآن في ~~غير سورة النمل. وقضى بتخطئة من قال بأنها آية من القرآن في غير سورة ~~النمل، لكن من غير تكفير له لعدم ورود النص القاطع بإنكار ذلك. # والحجة لمذهب الشافعي من ثلاثة أوجه: # الأول: أنها أنزلت على رسول الله ms131 صلى الله عليه وسلم مع أول كل سورة. # ولذلك نقل عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله لا يعرف ختم سورة وابتداء ~~أخرى، حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم. وذلك يدل على أنها من ~~القرآن حيث أنزلت. # الثاني: أنها كانت تكتب بخط القرآن في أول كل سورة بأمر رسول الله، وأنه ~~لم ينكر أحد من الصحابة على من كتبها بخط القرآن في أول كل سورة، مع تخشنهم ~~في الدين وتحرزهم في صيانة القرآن عما ليس منه، حتى إنهم أنكروا على من ~~أثبت أوائل السور والتعشير والنقط. وذلك كله يغلب على الظن أنها حيث كتبت ~~مع القرآن بخط القرآن أنها منه. # الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: سرق الشيطان من الناس آية من القرآن ~~لما أن ترك بعضهم قراءة التسمية في أول السورة ولم ينكر عليه منكر، فدل على ~~كونها من القرآن في أول كل سورة. PageV01P163 # فإن قيل: لو كانت التسمية آية من القرآن في أول كل سورة، لم يخل إما أن ~~يشترط القطع في إثباتها، أو لا يشترط. فإن كان الأول، فما ذكرتموه من ~~الوجوه الدالة غير قطعية بل ظنية، فلا تصلح للاثبات وأيضا فإنه كان يجب على ~~النبي عليه السلام أن يبين كونها من القرآن حيث كتبت معه بيانا شافيا شائعا ~~قاطعا للشك، كما فعل في سائر الآيات وإن كان الثاني، فليثبت التتابع في صوم ~~اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه. # قلنا: الاختلاف فيما نحن فيه لم يقع في إثبات كون التسمية من القرآن في ~~الجملة، حتى يشترط القطع في طريق إثباتها، وإنما وقع في وضعها آية في أوائل ~~السور والقطع غير مشترط فيه. ولهذا وقع الخلاف في ذلك من غير تكفير من أحد ~~الخصمين للآخر، كما وقع الخلاف في عدد الآيات ومقاديرها. # قولهم كان يجب على النبي عليه السلام، بيان ذلك بيانا قاطعا للشك. # قلنا: ولو لم تكن من القرآن لتبين ذلك أيضا بيانا قاطعا للشك، كما فعل ~~ذلك في التعوذ، بل ms132 أولى من حيث إن التسمية مكتوبة بخط القرآن في أول كل ~~سورة، ومنزلة على النبي عليه السلام مع أول كل سورة، كما سبق بيانه، وذلك ~~مما يوهم أنها من القرآن، مع علم النبي عليه السلام بذلك، وقدرته على ~~البيان، بخلاف التعوذ. # فإن قيل: كل ما هو من القرآن فهو منحصر يمكن بيانه، بخلاف ما ليس من ~~القرآن، فإنه غير منحصر فلا يمكن بيان أنه ليس من القرآن، فلهذا قيل بوجوب ~~بيان ما هو من القرآن، دون ما ليس من القرآن. PageV01P164 # قلنا: نحن لم نوجب بيان كل ما ليس من القرآن أنه ليس من القرآن، بل إنما ~~أوجبنا بيان ما يسبق إلى الافهام أنه من القرآن، بتقدير أن لا يكون منه، ~~كما في التسمية. ولا يخفى أنه منحصر، بل هو أقل من بيان ما هو من القرآن. # وعلى هذا، فلا يلزم من وضع كون التسمية آية مع أول كل سورة بالاجتهاد ~~والظن. وقد ثبت كونها آية من القرآن في سورة النمل قطعا أن يقال مثله في ~~ثبوت قراءة ابن مسعود في التتابع، مع أنها لم يثبت كونها من القرآن قطعا ~~ولا ظنا. # المسألة الثالثة القرآن مشتمل على آيات محكمة ومتشابهة على ما قال تعالى: ~~* (منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات) * (3) آل عمران: 7) أما ~~المحكم فأصح ما قيل فيه قولان: # الأول أن المحكم ما ظهر معناه، وانكشف كشفا يزيل الاشكال، ويرفع ~~الاحتمال، وهو موجود في كلام الله تعالى. # والمتشابه المقابل له ما تعارض فيه الاحتمال، إما بجهة التساوي، كالألفاظ ~~المجملة، كما في قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * ~~(2) البقرة: 228) لاحتماله زمن الحيض، والطهر على السوية. وقوله تعالى: * ~~(أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) * (2) البقرة: 237) لتردده بين الزوج ~~والولي. وقوله: * (أو لامستم النساء) * (2) النساء: 43) لتردده بين اللمس ~~باليد والوطئ، أو لا على جهة التساوي كالأسماء المجازية، وما ظاهره موهم ~~للتشبيه، وهو مفتقر PageV01P165 # إلى تأويل، كقوله تعالى: * (ويبقى وجه ربك) * (55) الرحمن: 27). * (ونفخت ~~فيه من روحي) * (15) الحجر: 29) * (مما عملت أيدينا) * (36) يس: 71). * ~~(الله ms133 يستهزئ بهم) * (2) البقرة: 15) * (ومكروا ومكر الله) * (3) آل عمران: ~~54) * (والسماوات مطويات بيمينه) * (39) الزمر: 67) ونحوه من الكنايات ~~والاستعارات المؤولة بتأويلات مناسبة لأفهام العرب. وإنما سمي متشابها، ~~لاشتباه معناه على السامع. وهذا أيضا موجود في كلام الله تعالى. # القول الثاني: إن المحكم ما انتظم وترتب على وجه يفيد إما من غير تأويل، ~~أو مع التأويل من غير تناقض واختلاف فيه. وهذا أيضا متحقق في كلام الله ~~تعالى. # والمقابل له ما فسد نظمه، واختل لفظه ويقال فاسد، لا متشابه. وهذا غير ~~متصور الوجود في كلام الله تعالى. # وربما قيل: المحكم ما ثبت حكمه من الحلال والحرام، والوعد والوعيد ونحوه. # والمتشابه ما كان من القصص والأمثال، وهو بعيد عما يعرفه أهل اللغة، وعن ~~مناسبة اللفظ له لغة. PageV01P166 # المسألة الرابعة القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه، ~~لكونه هذيانا ونقصا يتعالى كلام الرب عنه، خلافا لمن لا يؤبه له في قوله. ~~كيف يقال ذلك، وكلام الرب تعالى مشتمل على ما لا معنى له، كحروف المعجم ~~التي في أوائل السور، إذ هي غير موضوعة في اللغة لمعنى، وعلى التناقض الذي ~~لا يفهم، كقوله تعالى: * (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) * (55) ~~الرحمن: 39) وقوله: * (فوربك لنسألنهم أجمعين) * (15) الحجر: 92) وعلى ~~الزيادة التي لا فائدة فيها، كقوله تعالى: * (فصيام ثلاثة أيام في الحج، ~~وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) * (2) البقرة: 196) وقوله: (كاملة) غير ~~مفيد لمعنى. وكذلك قوله تعالى: # * (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) * (69) الحاقة: 13) وقوله تعالى: * (لا ~~تتخذوا إلهين اثنين) * (16) النحل: 51) إلى غير ذلك. # قلنا: أما حروف المعجم، فلا نسلم أنه لا معنى لها، بل هي أسامي السور ~~ومعرفة لها. # وأما التناقض فغير صحيح، إذ التناقض لا بد فيه من اتحاد جهة السلب ~~والايجاب والزمان. وزمان إيجابه وسلبه غير متحد، بل مختلف. # وأما الزيادات المذكورة فهي للتأكيد، لا أنها غير معقولة المعنى. # فإن قيل: وإن كان ليس في القرآن ما لا معنى له إلا أن فيه ما لا يفهم ~~معناه. # وهو في معنى ما ms134 لا معنى له. وذلك كقوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) والواو في ~~قوله: * (والراسخون في العلم) * (3) آل عمران: 7) ليست للعطف، وإلا كان ~~الضمير في قوله: * (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * (3) آل عمران: 7) ~~عائدا إلى جملة المذكور السابق من الله تعالى والراسخين في العلم، وهو محال ~~في حق الله تعالى. # فلم يبق إلا أن يكون للابتداء. ويلزم من ذلك أن لا يكون ما علمه الرب ~~تعالى معلوما لهم. # وأيضا فإن الآيات الدالة على اليد واليمين، والوجه والروح، ومكر الله ~~والاستواء على العرش، وغير ذلك غير محمول على ما هو مفهوم منه في اللغة. # وما هو المراد منه غير معلوم. PageV01P167 # وأيضا فإن الخطاب بالقرآن، كما هو خطاب مع العرب، فهو خطاب مع العجم، ~~ومعناه غير مفهوم لهم. # قلنا: من قال بجواز التكليف بما لا يطاق، جوز أن يكون في القرآن ما له ~~معنى وإن لم يكن معلوما للمخاطب، ولا له بيان، ولا كذلك فيما لا معنى له ~~أصلا، لكونه هذيانا. ومن لم يجوز التكليف بما لا يطاق منع من ذلك، لكونه ~~تكليفا بما لا يطاق ولما فيه من إخراج القرآن عن كونه بيانا للناس ضرورة ~~كونه غير مفهوم. # وهو خلاف قوله تعالى: * (هذا بيان للناس) * (3) آل عمران: 138) ولأن ذلك ~~مما يجر إلى عدم الوثوق بشئ من أخبار الله تعالى ورسوله، ضرورة أنه ما من ~~خبر إلا ويجوز أن يكون المراد به ما لم يظهر منه. وذلك مبطل للشريعة مطلقا. # وأجاب عن الآية الأولى بأن الواو فيها للعطف، وأن الضمير في قوله: * ~~(يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) وإن كان ظاهرا في العود إلى جملة ~~المذكور، غير أنه لا بعد في تخصيصه بإخراج الرب تعالى عنه، بدليل العقل ~~المحيل لعود الضمير إليه. # وأما باقي الآيات المذكورة، فكلها كنايات وتجوزات مفهومة للعرب بأدلة ~~صارفة إليها، على ما بيناه في الكلاميات. # المسألة الخامسة اختلفوا في اشتمال القرآن على ألفاظ مجازية وكلمات غير ~~عربية. وقد استقصينا ms135 الكلام فيهما في القاعدة الأولى: في المبادئ اللغوية. ~~PageV01P168 # الأصل الثاني في السنة وهي في اللغة عبارة عن الطريقة، فسنة كل أحد ما ~~عهدت منه المحافظة عليه، والاكثار منه، كان ذلك من الأمور الحميدة أو ~~غيرها. # وأما في الشرع، فقد تطلق على ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي ~~عليه السلام، وقد تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية مما ليس ~~بمتلو، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز، وهذا النوع هو المقصود بالبيان ~~هاهنا. # ويدخل في ذلك أقوال النبي، عليه السلام، وأفعاله وتقاريره. # أما الأقوال من الأمر والنهي والتخيير والخبر وجهات دلالتها، فسيأتي ~~إيضاحها في الأصل الرابع المخصوص ببيان ما تشترك فيه الأدلة المنقولة ~~الشرعية. # وليكن البيان هاهنا مخصوصا بما يخص النبي عليه السلام من الافعال ~~والتقارير، ويشتمل على مقدمتين وخمس مسائل. # المقدمة الأولى في عصمة الأنبياء عليهم السلام، وشرح الاختلاف في ذلك وما ~~وقع الاتفاق من أهل الشرائع على عصمتهم عنه من المعاصي، وما فيه الاختلاف ~~أما قبل النبوة، فقد ذهب القاضي أبو بكر، وأكثر أصحابنا، وكثير من المعتزلة ~~إلى أنه لا يمتنع عليهم، المعصية كبيرة كانت أو صغيرة، بل ولا يمتنع عقلا ~~إرسال من أسلم وآمن بعد كفره. # وذهبت الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة، لان ذلك مما يوجب ~~هضمهم في النفوس واحتقارهم، والنفرة عن اتباعهم، وهو خلاف مقتضى الحكمة من ~~بعثة الرسل، ووافقهم على ذلك أكثر المعتزلة إلا في الصغائر. PageV01P169 # والحق ما ذكره القاضي، لأنه لا سمع قبل البعثة يدل على عصمتهم عن ذلك ~~والعقل دلالته مبنية على التحسين والتقبيح العقلي، ووجوب رعاية الحكمة في ~~أفعال الله تعالى، وذلك كله مما أبطلناه في كتبنا الكلامية. # وأما بعد النبوة، فالاتفاق من أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل ~~ما يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة ~~والتبليغ عن الله تعالى. # واختلفوا في جواز ذلك عليهم بطريق الغلط والنسيان، فمنع منه الأستاذ أبو ~~إسحاق وكثير من الأئمة، لما ms136 فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة. وجوزه ~~القاضي أبو بكر، مصيرا منه إلى أن ما كان من النسيان وفلتات اللسان غير ~~داخل تحت التصديق المقصود بالمعجزة، وهو الأشبه. # وأما ما كان من المعاصي القولية والفعلية التي لا دلالة للمعجزة على ~~عصمتهم عنها، فما كان منها كفرا فلا نعرف خلافا بين أرباب الشرائع في ~~عصمتهم عنه، إلا ما نقل عن الأزارقة من الخوارج أنهم قالوا بجواز بعثة نبي ~~علم الله أنه يكفر بعد نبوته، وما نقل عن الفضلية من الخوارج أنهم قضوا بأن ~~كل ذنب يوجد فهو كفر، مع تجويزهم صدور الذنوب عن الأنبياء. فكانت كفرا. # وأما ما ليس بكفر، فإما أن يكون من الكبائر، أو ليس منها. فإن كان من ~~الكبائر، فقد اتفقت الأمة، سوى الحشوية ومن جوز الكفر على الأنبياء، على ~~عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل، وإن اختلفوا في أن مدرك العصمة ~~السمع، كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا، أو العقل، كما ~~ذهب إليه المعتزلة. # وأما إن كان فعل الكبيرة عن نسيان أو تأويل خطأ، فقد اتفق الكل على ~~جوازه، سوى الرافضة. PageV01P170 # وأما ما ليس بكبيرة، فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله ~~بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة، كسرقة حبة أو كسرة، فالحكم فيه كالحكم ~~في الكبيرة. # وأما ما لا يكون من هذا القبيل، كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب فقد ~~اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا وسهوا، خلافا للشيعة ~~مطلقا، وخلافا للجبائي والنظام وجعفر بن مبشر في العمد. # وبالجملة، فالكلام فيما وقع فيه الاختلاف في هذه التفاصيل غير بالغ مبلغ ~~القطع، بل هو من باب الظنون. والاعتماد فيه على ما يساعد فيه من الأدلة ~~الظنية نفيا وإثباتا. وقد أتينا في كل موضع من المواضع المتفق عليها، ~~والمختلف فيها، تزييفا واختيارا بأبلغ بيان، وأوضح برهان في كتبنا ~~الكلامية. فعلى الناظر الالتفات إليها. PageV01P171 # المقدمة الثانية في معنى التأسي، والمتابعة، والموافقة، والمخالفة، إذ ~~الحاجة داعية إلى معرفة ذلك ms137 فيما نرومه من النظر في مسائل الافعال أما ~~التأسي بالغير: فقد يكون في الفعل والترك. # أما التأسي في الفعل: فهو أن تفعل مثل فعله على وجهه، من أجل فعله. # فقولنا: (مثل فعله) لأنه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل، كالقيام والقعود. # وقولنا: (على وجهه) معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته، لأنه لا تأسي ~~مع اختلاف الفعلين في كون أحدهما واجبا، والآخر ليس بواجب، وإن اتحدت ~~الصورة. # وقولنا: (من أجل فعله) لأنه لو اتفق فعل شخصين في الصورة والصفة، ولم يكن ~~أحدهما من أجل الآخر، كاتفاق جماعة في صلاة الظهر مثلا، أو صوم رمضان ~~اتباعا لأمر الله تعالى، فإنه لا يقال بتأسي البعض بالبعض. # وعلى هذا، فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص، فلا مدخل له في المتابعة ~~والتأسي وسواء تكرر أو لم يتكرر، إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به، ~~كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها، وصوم رمضان. # وأما التأسي: في الترك، فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من الافعال ~~على وجهه وصفته من أجل أنه ترك. ولا يخفى وجه ما فيه من القيود. # وأما المتابعة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك، فاتباع ~~القول هو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه القول. والاتباع في الفعل هو ~~التأسي بعينه. # وأما الموافقة: فمشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول أو فعل، أو ترك أو ~~اعتقاد، أو غير ذلك. وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر، أو لا من أجله. # وأما المخالفة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك: # فالمخالفة في القول ترك امتثال ما اقتضاه القول. # وأما المخالفة في الفعل، فهو العدول عن فعل مثل ما فعله الغير، مع وجوبه. ~~PageV01P172 # ولهذا فإن من فعل فعلا، ولم يجب على غيره مثل فعله، لا يقال له إنه مخالف ~~في الفعل، بتقدير الترك. ولذلك لم تكن الحائض مخالفة بترك الصلاة لغيرها. # وعلى هذا، فلا يخفى وجوه المخالفة في الترك. # وإذ أتينا على ما أردناه من ذكر ms138 المقدمتين، فلنرجع إلى المقصود من ~~المسائل المتعلقة بأفعال الرسول، عليه السلام. # المسألة الأولى اختلف الأصوليون في أفعال النبي عليه السلام، هل هي دليل ~~لشرع مثل ذلك الفعل بالنسبة إلينا، أم لا؟ # وقبل النظر في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع، فنقول: # أما ما كان من الافعال الجبلية، كالقيام والقعود والأكل والشرب ونحوه، ~~فلا نزاع في كونه على الإباحة بالنسبة إليه وإلى أمته. # وأما ما سوى ذلك، مما ثبت كونه من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد، فلا ~~يدل ذلك على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعا. وذلك كاختصاصه بوجوب الضحى ~~والأضحى والوتر والتهجد بالليل والمشاورة والتخيير لنسائه، وكاختصاصه ~~بإباحة الوصال في الصوم، وصفية المغنم، والاستبداد بخمس الخمس، ودخول مكة ~~بغير إحرام، والزيادة في النكاح على أربع نسوة، إلى غير ذلك من خصائصه. # وأما ما عرف كون فعله بيانا لنا، فهو دليل من غير خلاف، وذلك إما بصريح ~~مقاله، كقوله: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم أو بقرائن ~~الأحوال، وذلك كما إذا ورد لفظ مجمل، أو عام أريد به الخصوص، أو مطلق أريد ~~به التقييد، ولم يبينه قبل الحاجة إليه، ثم فعل عند الحاجة فعلا صالحا ~~للبيان، فإنه يكون بيانا حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة، وذلك ~~كقطعه يد السارق من الكوع، بيانا لقوله تعالى: * (فاقطعوا أيديهما) * (5) ~~المائدة: 38) وكتيممه PageV01P173 # إلى المرفقين، بيانا لقوله تعالى: * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) * (4) ~~النساء: 43) ونحوه. والبيان تابع للمبين في الوجوب والندب والإباحة. # وأما ما لم يقترن به ما يدل على أنه للبيان لا نفيا ولا إثباتا، فإما أن ~~يظهر فيه قصد القربة أو لم يظهر. # فإن ظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا فيه: # فمنهم من قال إن فعله عليه السلام محمول على الوجوب في حقه، وفي حقنا، ~~كابن سريج والاصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران والحنابلة وجماعة من ~~المعتزلة. # ومنهم من صار إلى أنه للندب. وقد قيل إنه قول الشافعي، وهو اختيار إمام ~~الحرمين. # ومنهم من قال إنه للإباحة، وهو مذهب مالك، ومنهم من ms139 قال بالوقف، وهو مذهب ~~جماعة من أصحاب الشافعي، كالصيرفي والغزالي وجماعة من المعتزلة. # وأما ما لم يظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا أيضا فيه على نحو اختلافهم ~~فيما ظهر فيه قصد القربة غير أن القول بالوجوب والندب، فيه أبعد مما ظهر ~~فيه قصد القربة، والوقف والإباحة أقرب. # وبعض من جوز على الأنبياء المعاصي، قال إنها على الخطر. # والمختار أن كل فعل لم يقترن به دليل يدل على أنه قصد به بيان خطاب سابق ~~فإن ظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى، فهو دليل في حقه عليه السلام على ~~القدر المشترك بين الواجب والمندوب: وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأن ~~الإباحة، وهي استواء الفعل والترك في رفع الحرج، خارجة عنه، وكذلك في حق ~~أمته. # وما لم يظهر فيه قصد القربة، فهو دليل في حقه على القدر المشترك بين ~~الواجب والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير، وكذلك عن أمته. # وأما إذا ظهر من فعله قصد القربة، فلان القربة غير خارجة عن الواجب ~~والمندوب، والقدر المشترك بينهما إنما هو ترجيح الفعل على الترك. والفعل ~~دليل قاطع عليه. PageV01P174 # وأما ما اختص به الواجب من الذم على الترك، وما اختص به المندوب من عدم ~~اللوم على الترك فمشكوك فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر. # وأما إذا لم يظهر من فعله قصد القربة، فهو وإن جوزنا عليه فعل الصغيرة، ~~غير أن احتمال وقوعها من آحاد عدول المسلمين نادر، فكيف من النبي عليه ~~السلام. بل الغالب من فعله، انه لا يكون معصية، ولا منهيا عنه. وعند ذلك ~~فما من فعل من آحاد أفعاله، إلا واحتمال دخوله تحت الغالب أغلب. وإذا كان ~~الغالب من فعله أنه لا يكون معصية، ولا منهيا عنه، فكل فعل لا يكون منهيا ~~عنه لا يخرج عن الواجب والمندوب والمباح: والقدر المشترك بين الكل إنما هو ~~رفع الحرج عن الفعل، دون الترك. والفعل دليل قاطع عليه. # وأما ما اختص به الوجوب والندب عن المباح من ترجح الفعل على الترك، ms140 وما ~~اختص به المباح عنهما من استواء الطرفين فمشكوك فيه. # هذا بالنسبة إلى النبي عليه السلام. # وأما بالنسبة إلى أمته فلانه، وإن كان عليه السلام، قد اختص عنهم بخصائص ~~لا يشاركونه فيها، غير أنها نادرة، بل أندر من النادر بالنسبة إلى الاحكام ~~المشترك فيها. # وعند ذلك، فما من واحد من آحاد الافعال إلا واحتمال مشاركة الأمة للنبي ~~عليه السلام فيه أغلب من احتمال عدم المشاركة، إدراجا للنادر تحت الأعم ~~الأغلب، فكانت المشاركة أظهر. # وإذ أتينا على تفصيل المذاهب وتقرير ما هو المختار، فلا بد من ذكر شبه ~~المخالفين، ووجه الانفصال عنها. # وأما شبه القائلين بالوجوب، فمن جهة النص، والاجماع، والمعقول. # أما من جهة النص، فمن جهة الكتاب، والسنة. # أما من جهة الكتاب، فقوله تعالى: * (فاتبعوه واتقوا) * (6) الانعام: 155) ~~أمر بمتابعته، ومتابعته امتثال القول والآتيان بمثل فعله. والامر ظاهر في ~~الوجوب. # وأيضا قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24) النور: 63) ~~حذر من مخالفة أمره، والتحذير دليل الوجوب. واسم الامر يطلق على الفعل، كما ~~سيأتي تقريره، PageV01P175 # والأصل في الاطلاق الحقيقة. وغايته أن يكون مشتركا بينه وبين القول ~~المخصوص، وسيأتي أن الاسم المشترك من قبيل الأسماء العامة. فكان متناولا ~~للفعل. # وأيضا قوله تعالى: * (وما آتاكم الرسول فخذوه) * (56) الحشر: 7) وفعله من ~~جملة ما يأتي به، فكان الاخذ به واجبا. # وأيضا قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجوا ~~الله واليوم الآخر) * (33) الأحزاب: 21) وهذا زجر في طي أمر. وتقديره: من ~~كان يؤمن بالله وباليوم الآخر، فله فيه إسوة حسنة. ومن لم يتأس به فلا يكون ~~مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. # وهو دليل الوجوب. # وأيضا قوله تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * (3) آل عمران: ~~31) ومحبة الله واجبة، والآية دلت على أن متابعة النبي عليه السلام لازمة ~~لمحبة الله الواجبة. ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. # وهو ممتنع. # وأيضا قوله تعالى: * (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24) النور: 54) ~~أمر بطاعة الرسول. # والامر ظاهر في الوجوب. ومن أتى بمثل فعل الغير على قصد إعظامه، ms141 فهو مطيع ~~له، وأيضا قوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون ~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الأحزاب: ~~37) وذلك يدل على أن فعله تشريع وواجب الاتباع، وإلا، لما كان تزويجه مزيلا ~~عن المؤمنين الحرج في أزواج أدعيائهم. # وأما من جهة السنة، فما روي أن الصحابة، رضي الله عنهم خلعوا نعالهم في ~~الصلاة، لما خلع نعله، ففهموا وجوب المتابعة له في فعله. والنبي عليه ~~السلام أقرهم على ذلك، ثم بين لهم علة انفراده بذلك. # وأيضا ما روي عنه أنه أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ. فقالوا له: ~~مالك أمرتنا بفسخ الحج ولم تفسخ ففهموا أن حكمهم كحكمه. والنبي عليه السلام ~~لم ينكر عليه، ولم يقل: لي حكمي، ولكم حكمكم بل أبدى عذرا يختص به. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام، أنه نهى الصحابة عن الوصال في الصوم، ~~وواصل. فقالوا له: نهيتنا عن الوصال، وواصلت فقال: لست كأحدكم، PageV01P176 # إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فأقرهم على ما فهموه من مشاركتهم له في ~~الحكم، واعتذر بعذر يختص به. # وأيضا ما روي عنه أنه لما سألته أم سلمة عن قبلة الصائم، فقال لها: لم لم ~~تقولي لهم إني أقبل وأنا صائم ولو لم يكن متبعا في أفعاله، لما كان لذلك ~~معنى. # وأيضا ما روي عنه أنه، لما سألته أم سلمة عن بل الشعر في الاغتسال، قال: # أما أنا فيكفيني أن أحثو على رأسي ثلاث حثيات من ماء وكان ذلك جوابا لها. ~~ولولا أنه متبع في فعله، لما كان جوابا لها. # وأيضا ما روي عنه أنه أمر الصحابة بالتحلل بالحلق والذبح، فتوقفوا، فشكا ~~ذلك إلى أم سلمة، فأشارت إليه بأن يخرج وينحر ويحلق، ففعل ذلك، فذبحوا ~~وحلقوا. ولولا أن فعله متبع، لما كان كذلك. # وأما من جهة الاجماع فما روي عن الصحابة أنهم، لما اختلفوا في الغسل من ~~غير إنزال، أنفذ عمر إلى عائشة، رضي الله عنها، وسألها عن ذلك، فقالت: ~~فعلته أنا ورسول الله، واغتسلنا ms142 فأخذ عمر والناس بذلك. ولولا أن فعله متبع، ~~لما ساغ ذلك. # وأيضا ما روي عن عمر، رضي الله عنه، أنه كان يقبل الحجر الأسود، ويقول: ~~إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنني رأيت رسول الله يقبلك، لما ~~قبلتك وكان ذلك شائعا فيما بين الصحابة من غير نكير، فكان إجماعا على ~~اتباعه في فعله. # وأما من جهة المعقول، فمن خمسة أوجه: # الأول: هو أن فعله احتمل أن يكون موجبا للفعل علينا، واحتمل أن لا يكون ~~موجبا. والحمل على الايجاب أولى لما فيه من الامن والتحرز عن ترك الواجب. # ولذلك فإنه لو نسي صلاة من خمس صلوات من يوم، فإنه يجب عليه إعادة الكل ~~حذرا من الاخلال بالواجب. وكذلك من طلق واحدة من نسائه، ثم نسيها، فإنه ~~يحرم عليه جميعهن نظرا إلى الاحتياط. PageV01P177 # الثاني: أن النبوة من الرتب العلية، والأوصاف السنية، ولا يخفى أن متابعة ~~العظيم في أفعاله، من أتم الأمور في تعظيمه وإجلاله، وأن عدم متابعته في ~~أفعاله بأن صلى، وهم جلوس، أو قام يطوف، وهم يتسامرون، من أعظم الأمور في ~~إسقاط حرمته، والاخلال بعظمته، وهو حرام ممتنع. # الثالث: أن أفعاله عليه السلام قائمة مقام أقواله في بيان المجمل، وتخصيص ~~العموم، وتقييد المطلق من الكتاب والسنة، فكان فعله محمولا على الوجوب ~~كالقول. # الرابع: أن ما فعله النبي عليه السلام يجب أن يكون حقا وصوابا، وترك الحق ~~والصواب يكون خطأ وباطلا، وهو ممتنع. # الخامس: أن فعله احتمل أن يكون واجبا، واحتمل أن لا يكون واجبا. # واحتمال كونه واجبا أظهر من احتمال كونه ليس بواجب، لان الظاهر من النبي ~~عليه السلام أنه لا يختار لنفسه سوى الأكمل والأفضل والواجب أكمل مما ليس ~~بواجب، وإذا كان واجبا، فيجب اعتقاد مشاركة الأمة له فيه، لما قررتموه في ~~طريقتكم. # وأما شبه القائلين بالندب فنقلية وعقلية أيضا. # أما النقلية: فقوله: تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * ~~(33) الأحزاب: 21) جعل التأسي به حسنة، وأدنى درجات الحسنة المندوب فكان ~~محمولا عليه، وما زاد فهو ms143 مشكوك فيه. # وأما العقلية: فهو أن فعله، وإن احتمل أن يكون معصية، إلا أنه خلاف ~~الظاهر، والظاهر من فعله أنه لا يكون إلا حسنة، والحسنة لا تخرج عن الواجب ~~والمندوب، وحمله على فعل المندوب أولى لوجهين. # الأول: أن غالب أفعال النبي عليه السلام كانت هي المندوبات. # الثاني: أن كل واجب مندوب وزيادة، وليس كل مندوب واجبا. فكان فعل المندوب ~~لعمومه أغلب، ويلزم من ذلك مشاركة أمته له فيه لما ذكرتموه في طريقتكم. # وأما شبه القائلين بالإباحة، فهي أن الأصل في الافعال كلها إنما هو ~~الإباحة، ورفع الحرج عن الفعل، والترك، إلا ما دل الدليل على تغييره. ~~والأصل عدم المغير. # وأما شبه القائلين بالوقف، فإنهم قالوا: فعله، عليه السلام، متردد بين أن ~~PageV01P178 # يكون خاصا به، وبين أن لا يكون خاصا به. وما ليس خاصا به متردد بين ~~الواجب والمندوب والمباح والفعل لا صيغة له ليدل على البعض دون البعض وليس ~~البعض أولى من البعض، فلزم الوقف إلى أن يقوم الدليل على التعيين. # والجواب عن شبه القائلين بالوجوب: # أما عن الآية الأولى، فلا نسلم أن قوله: فاتبعوه يدل على الوجوب، وإن ~~سلمنا ذلك ولكن قوله: فاتبعوه صريح في ابتاع شخص النبي عليه السلام، وهو ~~غير مراد. فلا بد من إضمار المتابعة في أقواله وأفعاله. والاضمار على خلاف ~~الأصل، فتمتنع الزيادة فيه من غير حاجة. وقد أمكن دفع الضرورة بإضمار أحد ~~الامرين. وليس إضمار المتابعة في الفعل أولى من القول، بل إضمار المتابعة ~~في القول أولى، لكونه متفقا عليه، ومختلفا في الفعل. # كيف وأن المتابعة في الفعل إنما يتحقق وجوبها، أن لو علم كون الفعل ~~المتبع واجبا، وإلا فبتقدير أن يكون غير واجب، فمتابعة ما ليس بواجب لا ~~تكون واجبة، ولم يتحقق كون فعله واجبا، فلا تكون متابعته واجبة. ~~PageV01P179 # وعن الآية الثانية، أن يقال اسم الامر، وإن أطلق على الفعل والقول ~~المخصوص، لكنه يجب اعتقاد كونه حقيقة في أمر مشترك بينهما، وهو الشأن ~~والصفة نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ لكونهما على خلاف الأصل. ms144 وعند ذلك ~~فلفظ الامر المحذر من مخالفته يكون مطلقا. والمطلق إذا عمل به في صورة فقد ~~خرج عن كونه حجة ضرورة توفية العمل بدلالته. وقد عمل به في القول المخصوص، ~~فلا يبقى حجة في الفعل سلمنا أنه غير متواطئ، ولكنه مجمع على كونه حقيقة في ~~القول المخصوص، ومختلف في الفعل، فكان حمله على المتفق عليه دون المختلف ~~فيه. # أو سلمنا أنه حقيقة في الفعل، لكنه يكون مشتركا، وعند ذلك، إن قيل بأن ~~اللفظ المشترك يمتنع حمله على جميع مدلولاته، فليس حمله على التحذير من ~~مخالفة الامر بمعنى الفعل أولى من القول، وإن قيل بحمل اللفظ المشترك على ~~جميع محامله، فالتحذير عن مخالفة الامر يتوقف على كون المحذر منه واجبا ~~لاستحالة التحذير من ترك ما ليس واجبا. وعند ذلك، فالقول بالتحذير من ~~مخالفة الفعل يستدعي وجوب ذلك الفعل، ووجوبه، إذا كان لا يعرف إلا من ~~التحذير، كان دورا. # كيف وإنه قد تقدم في الآية ذكر دعاء الرسول بقوله: * (لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) * (24) النور: 63) والمراد بالدعاء إنما هو ~~القول. فكان الامر المذكور بعده عائدا إلى قوله. ثم قد أمكن عود الضمير في ~~أمره إلى الله تعالى، إذ هو PageV01P180 # أقرب مذكور، حيث قال بعد ذكر الرسول: * (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ~~لواذا) * (24) النور: 63) فكان عوده إليه أولى. # وعن الآية الثالثة بمنع دلالة الامر على الوجوب، وإن سلمنا ذلك. ولكن ~~إنما يكون أخذ ما أتانا به واجبا، إذا كان ما أتى به واجبا. وأما إذا لم ~~يكن واجبا، فأخذه لا يكون واجبا، فإن القول بوجوب فعل لا يكون واجبا تناقض ~~في اللفظ والمعنى. # وعند ذلك، فيتوقف دلالة الآية على الوجوب على كون الفعل المأتي به واجبا، ~~ووجوبه إذا توقف على دلالة الآية على وجوبه كان دورا. # كيف وإن في الآية ما يدل على أن المراد بوجوب أخذه إنما هو الامر بمعنى ~~القول حيث إنه قابله بالنهي بقوله: وما نهاكم عنه فانتهوا والنهي لا يكون ~~إلا بالقول. وكذلك الامر المقابل ms145 له. # وعن الآية الرابعة من وجهين: الوجه الأول: إنا نقول المراد بالتأسي به في ~~فعله أن نستخير لأنفسنا ما استخاره لنفسه، واجبا وأن لا نعترض عليه فيما ~~يفعله أو معنى آخر. الأول مسلم، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون ما استخاره ~~لنفسه واجبا حتى يكون ما نستخيره نحن لأنفسنا واجبا. والثاني ممنوع. # الوجه الثاني: أن المراد بالتأسي به في فعله أن نوقع الفعل على الوجه ~~الذي أوقعه هو عليه السلام، حتى أنه لو صلى واجبا، وصلينا متنفلين، أو ~~بالعكس، فإن ذلك لا يكون تأسيا به، ولم يثبت كون ما فعله واجبا حتى يكون ما ~~نفعله نحن واجبا. # وعلى هذين الجوابين يخرج الجواب عن الآية الخامسة. # وعن الآية السادسة أن المراد من الطاعة إنما هو امتثال أمره ومتابعته في ~~فعله PageV01P181 # على الوجه الذي فعله، إن كان واجبا فواجبا، وإن كان ندبا فندبا. ونحن ~~نقول به، ولم يثبت أن ما فعله واجب، حتى تكون متابعتنا له فيه واجبة. # وعن الآية السابعة إن غايتها الدلالة على أن حكم أمته مساو لحكمه في ~~الوجوب والندب والإباحة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل ما فعله واجبا ليكون ~~فعلنا له واجبا. # وعن الخبر الأول من السنة من وجهين: # الأول أن ذلك لا يدل على أنهم فعلوا ذلك بجهة الوجوب، بل لعلهم رأوا ~~متابعته في خلع النعل مبالغة في موافقته. والذي يدل على أن الخلع بطريق ~~المتابعة له لم يكن واجبا إنكاره عليهم ذلك، وقوله: لم خلعتم نعالكم ولو ~~كانت متابعته في فعله واجبة على الاطلاق، لما أنكر ذلك. # الوجه الثاني أنه وإن ظنوا وجوب المتابعة، لكن لا من الفعل، بل لقيام ~~دليل أوجب عليهم ذلك وبيانه من وجهين: # الأول أنه، عليه السلام، كان قد قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي ففهموا ~~أن صلاته بيان لصلاتهم، فلما رأوه قد خلع نعله، تابعوه فيه لظنهم أن ذلك من ~~هيئات الصلاة. # الثاني أنهم كانوا مأمورين بأخذ زينتهم عند كل مسجد بقوله تعالى: * (خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد) ms146 * (7) الأعراف: 31) فلما رأوه قد خلع نعله، ظنوا ~~وجوبه، وأنه لا يترك الامر المسنون المأمور إلا لواجب. ونحن لا ننكر وجوب ~~المتابعة عند قيام الدليل. # وعن الخبر الثاني: أن فهمهم لوجوب م‍ تابعته في أفعال الحج إنما كان ~~مستندا إلى قوله عليه السلام: خذوا عني مناسككم لا إلى فعله. # وعن الخبر الثالث: أن الوصال للنبي عليه السلام لم يكن واجبا عليه، بل ~~غايته أنه كان مباحا له. ووجوب المتابعة فيما أصله غير واجب ممتنع، كما ~~سبق، بل ظنهم إنما كان مشاركته في إباحة الوصال. ونحن نقول به، وهذا هو ~~الجواب عن الخبر الرابع. PageV01P182 # وعن الخبر الخامس: أنه لا دلالة له على وجوب، بل الشعر في حقه عليه ~~السلام، ولا حق غيره. ولعله أراد بذلك الكفاية في الكمال، لا في الوجوب، بل ~~وجوب البل إنما هو مستفاد من قوله عليه السلام: بلوا الشعر وانقوا البشرة. # وعن الخبر السادس من وجهين: # الأول أن فعله وقع بيانا لقوله عليه السلام: خذوا عني مناسككم ولا نزاع ~~في وجوب اتباع فعله، إذا ورد بيانا لخطاب سابق، بل وهو أبلغ من دلالة القول ~~المجرد عن الفعل، لكون الفعل ينبئ عن المقصود عيانا، بخلاف القول، فإنه لا ~~يدل عليه عيانا. # الثاني أن وجوب التحلل وقع مستفادا من أمر النبي عليه السلام لهم بذلك. # غير أنهم كانوا يرتقبون إنجاز ما وعدهم الله به من الفتح والظهور على ~~قريش في تلك السنة، وأن ينسخ الله عنهم الامر بالتحلل وأداء ما كانوا فيه ~~من الحج. فلما تحلل عليه السلام، آيسوا من ذلك فتحللوا. # وعن الاحتجاج بالاجماع الأول لا نسلم أن وجوب الغسل من التقاء الختانين ~~كان مستفادا من فعل رسول الله، بل من قوله عليه السلام: إذا التقى ~~الختانان، وجب الغسل وسؤال عمر لعائشة إنما كان ليعلم أن فعل النبي هل وقع ~~موافقا لامره، أم لا. # وعن الثاني أن تقبيل عمر الحجر إنما كان مستفادا من فعل رسول الله المبين ~~لقوله: خذوا عني مناسككم كيف وأن تقبيل الحجر غير واجب على ms147 النبي عليه ~~السلام، ولا على غيره، بل غايته أن فعل النبي عليه السلام يدل على ترجيح ~~فعله على تركه من غير وجوب. وذلك مما لا ننكره، ولا ننكر مشاركة الأمة له ~~في ذلك. PageV01P183 # وعن الشبهة الأولى: من المعقول، فقد قيل في دفعها إن الاحتياط إنما يمكن ~~أن يقال به إذا خلا عن احتمال الضرر قطعا، وفيما نحن فيه يحتمل أن يكون ~~الفعل حراما على الأمة، وهو غير صحيح، فإنه لو غم الهلال ليلة الثلاثين من ~~رمضان، فإنه يحتمل أن يكون يوم الثلاثين منه يوم العيد، واحتمل أن لا يكون ~~يوم العيد. # ومع ذلك يجب صومه احتياطا للواجب، وإن احتمل أن يكون حراما لكونه من يوم ~~العيد. # والحق في ذلك أن يقال إنما يكون الاحتياط أولى لما ثبت وجوبه، كالصلاة ~~الفائتة من صلوات يوم وليلة، أو كان الأصل وجوبه، كما في صوم يوم الثلاثين ~~من رمضان، إذا كانت ليلته مغيمة. # وأما ما عساه أن يكون واجبا وغير واجب، فلا. وما نحن فيه كذلك، حيث لم ~~يتحقق وجوب الفعل، ولا الأصل وجوبه. # وعن الشبهة الثانية: لا نسلم أن الاتيان بمثل ما يفعله العظيم يكون ~~تعظيما له وأن تركه يكون إهانة له وحطا من قدره، بل ربما كان تعاطي الأدنى ~~لمساواته الاعلى فعله حطا من منزلته، وغضا من منصبه. ولهذا، يقبح من العبد ~~الجلوس على سرير سيده في مرتبته، والركوب على مركبه، ولو فعل ذلك، استحق ~~اللوم والتوبيخ. ثم لو كانت متابعة النبي في أفعاله موجبة لتعظيمه، وترك ~~المتابعة موجبة لاهانته، لوجب متابعته عندما إذا ترك بعض ما تعبدنا به من ~~العبادات، ولم يعلم سبب تركه، وهو خلاف الاجماع. # وعن الشبهة الثالثة: إنه لا يلزم من كون الفعل بيانا للقول أن يكون موجبا ~~لما يوجبه القول. فإن الخطاب القولي يستدعي وجوب الجواب، ولا كذلك الفعل. # وعن الشبهة الرابعة: أن فعل النبي عليه السلام، وإن كان حقا وصوابا ~~بالنسبة إليه، فلا يلزم أن يكون حقا وصوابا بالنسبة إلى أمته. إلا أن يكون ~~فعله مما ms148 يوجب مشاركتهم له في ذلك الفعل. وهو محل النزاع. PageV01P184 # وعن الشبهة الخامسة: إنه وإن كان فعل الواجب أفضل مما ليس بواجب، فلا ~~يلزم أن يكون كل ما يفعله النبي عليه السلام واجبا. ولهذا، فإن فعله ~~للمندوبات كان أغلب من فعله للواجبات، بل فعله للمباحات كان أغلب من فعله ~~للمندوبات. وعن ذلك فليس حمل فعله على النادر من أفعاله أولى من حمله على ~~الغالب منها وعن شبه القائلين بالندب. # أما الآية، فجوابها مثل ما سبق في الاحتجاج بها على الوجوب. # وأما الشبهة العقلية: فلا نسلم أن غالب فعله المندوبات، بل المباح. ولا ~~نسلم أن المندوب داخل في الواجب على ما سبق تقريره. # وأما شبهة الإباحة: فنحن قائلون بها في كل فعل لم يظهر من النبي عليه ~~السلام قصد التقرب به، وأما ما ظهر معه قصد التقرب به، فيمتنع أن يكون ~~مباحا بمعنى نفي الحرج عن فعله وتركه. فإن مثل ذلك لا يتقرب به. وذلك مما ~~يجب حمله على ترجيح جانب الفعل على الترك، على ما قررناه. # وأما الواقفية: فإن أرادوا بالوقف أنا لا نحكم بإيجاب ولا ندب إلا أن ~~يقوم الدليل على ذلك، فهو الحق وهو عين ما قررناه. وإن أرادوا به أن الثابت ~~أحد هذه الأمور، لكنا لا نعرفه بعينه فخطأ. فإن ذلك يستدعي دليلا، وقد بينا ~~أنه لا دلالة للفعل على شئ سوى ترجيح الفعل على الترك، عندما إذا ظهر من ~~النبي عليه السلام قصد التقرب بفعله، أو نفي الحرج مطلقا، عندما إذا لم ~~يظهر منه قصد القربة. # والأصل عدم دليل سوى الفعل. والله أعلم. PageV01P185 # المسألة الثانية إذا فعل النبي عليه السلام فعلا، ولم يكن بيانا لخطاب ~~سابق، ولا قام الدليل على أنه من خواصه، وعلمت لنا صفته من الوجوب أو الندب ~~أو الإباحة، إما بنصه، عليه السلام، على ذلك وتعريفه لنا، أو بغير ذلك من ~~الأدلة، فمعظم الأئمة من الفقهاء والمتكلمين متفقون على أننا متعبدون ~~بالتأسي به في فعله، واجبا كان أو مندوبا أو مباحا. # ومنهم من منع ms149 من ذلك مطلقا، ومنهم من فصل، كأبي علي بن خلاد، وقال ~~بالتأسي في العبادات دون غيرها. # والمختار إنما هو المذهب الجمهوري ودليله النص والاجماع. # أما النص، فقوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون ~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الأحزاب: ~~37) ولولا أنه متأسي به في فعله ومتبعا، لما كان للآية معنى. وهذا من أقوى ~~ما يستدل به هاهنا. # وأيضا قوله تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * (3) آل عمران: ~~31) ووجه الاستدلال به أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة، ~~فلو لم تكن المتابعة له لازمة لزم من عدمها عدم المحبة الواجبة، وذلك حرام ~~بالاجماع. # وأيضا قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر) * (33) الأحزاب: 21) ووجه الاحتجاج به أنه جعل التأسي ~~بالنبي عليه السلام، من لوازم رجاء الله تعالى واليوم الآخر. ويلزم من عدم ~~التأسي عدم الملزوم، وهو الرجاء لله واليوم الآخر. وذلك كفر. # والمتابعة والتأسي في الفعل على ما بيناه في المقدمة هو أن يفعل مثل ما ~~فعل على الوجه الذي فعل من أجل أنه فعل. PageV01P186 # وأما الاجماع فهو أن الصحابة كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله، ~~كرجوعهم إلى تزويجه لميمونة، وهو حرام، وفي تقبيله، عليه السلام للحجر ~~الأسود، وجواز تقبيله، وهو صائم إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة التي لا ~~تحصى. # فإن قيل: أما الآية الأولى، وإن دلت على التأسي به والمتابعة في التزويج ~~من أزواج الأدعياء إذا قضوا منهن وطرا، فليس فيها ما يدل على التأسي ~~والمتابعة في كل فعل. # وأما الأخيرتان، فلا نسلم عموم دلالتها على المتابعة والتأسي في كل شئ إذ ~~لا عموم لهما في ذلك. ولهذا فإنه يحسن أن يقال: لك في فلان أسوة في كل شئ ~~ويقال: لك في فلان أسوة حسنة في هذا الشئ دون غيره ولو كان لفظ (الأسوة) ~~عاما في كل شئ، لكان قوله: (في كل شئ) تكرارا وقوله: (في هذا الشئ دون ms150 ~~غيره) مناقضة، بل غايتها الدلالة على المتابعة والتأسي في بعض الأشياء. # ونحن قائلون بذلك في اتباع أقواله والتأسي بما دل الدليل القولي على ~~التأسي به في أفعاله، كقوله: صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم ~~ونحوه. # وأما ما ذكرتموه من الاجماع، فلا نسلم أن المستند فيما كانوا يفعلونه ~~التأسي بالنبي في فعله، وإنما كان مستندهم في ذلك غيره، أما فيما كان ~~مباحا، فالبقاء على الأصل، أما فيما كان واجبا أو مندوبا فالأقوال الدالة ~~على ذلك. # والجواب: عن الاعتراض على الآية الأولى، أن الآية ليس فيها دلالة على ~~خصوص متابعة المؤمنين للنبي، عليه السلام، في ذلك. ولولا أن التأسي بالنبي ~~عليه السلام في جميع أفعاله لازم، لما فهم المؤمنون من إباحة ذلك للنبي ~~عليه السلام إباحة ذلك لهم، ولا يمكن أن يقال بأن فهم الإباحة إنما كان ~~مستندا إلى الإباحة الأصلية، وإلا، لما كان لتعليل تزويج النبي عليه ~~السلام، بنفي الحرج عن المؤمنين معنى، لكونه مدفوعا بغيره. # وعن الاعتراض الثاني على الآيتين الأخريين، أن مقصودهما إنما هو بيان كون ~~النبي، عليه السلام، أسوة لنا ومتبعا، إظهارا لشرفه، وإبانة لخطره. وذلك ~~إنما يكون في شئ واحد، أو في جميع الأشياء. فإن كان في شئ واحد، فإما أن ~~PageV01P187 # يكون معينا أو مبهما: القول بالتعيين ممتنع لعدم دلالة اللفظ عليه، ~~والقول بالابهام ممتنع، لأنه على خلاف الغالب من خطاب الشرع، ولكونه أبعد ~~إظهار شرف النبي، عليه السلام. فلم يبق إلا أن يكون في جميع الأشياء. وإذا ~~قال: لك أسوة في فلان في جميع الأشياء فهو مفيد للتأكيد، ولي تكرارا خليا ~~عن الفائدة وإذا قال: لك أسوة في فلان في هذا الشئ دون غيره فلا يكون ~~مناقضة، لان العموم إنما هو مستفاد من التأسي والمتابعة المطلقة وهذا ليس ~~بمطلق، بل الكل جملة واحدة مفيدة لشئ معين. # وأما ما ذكروه على الاجماع، فهو خلاف المشهور المأثور عنهم عند اتفاقهم ~~بعد اختلافهم في التمسك بأفعال النبي، عليه السلام، والرجوع إليها وسؤال ~~زوجاته، والبحث عن أفعاله في ذلك، ms151 وسكون أنفسهم إليها، والاعتماد عليها، ~~واحتجاج بعضهم على بعض بها. ولو كان ثم دليل يدل على المتابعة والتأسي غير ~~النظر إلى أفعاله، لبادروا إليه من غير توقف على البحث عن فعله، عليه ~~السلام، وعلى ما ذكرناه في فعله، يكون الحكم في تركه. # المسألة الثالثة إذا فعل واحد بين يدي النبي عليه السلام فعلا أو في ~~عصره، وهو عالم به قادر على إنكاره، فسكت عنه وقرره عليه من غير نكير عليه، ~~فلا يخلو إما أن يكون النبي عليه السلام، قد عرف قبح ذلك الفعل وتحريمه من ~~قبل، أو لم يكن كذلك. # فإن كان الأول، فإما أن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله، وعلم من ~~النبي، عليه السلام، الاصرار على قبح ذلك الفعل وتحريمه، كاختلاف أهل الذمة ~~إلى كنائسهم، أو لم يكن كذلك. # فإن كان الأول، فالسكوت عنه لا يدل على جوازه وإباحته إجماعا، ولا يوهم ~~كونه منسوخا. # وإن كان الثاني، فالسكوت عنه وتقريره له من غير إنكار يدل على نسخه ~~PageV01P188 # عن ذلك الشخص. وإلا لما ساغ السكوت حتى لا يتوهم أنه منسوخ عنه، فيقع في ~~المحذور، وفيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز بالاجماع، إلا على ~~رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق. # وأما، إن لم يكن النبي عليه السلام قد سبق منه النهي عن ذلك الفعل، ولا ~~عرف تحريمه، فسكوته عن فاعله وتقريره له عليه ولا سيما إن وجد منه استبشار ~~وثناء على الفاعل، فإنه يدل على جوازه ورفع الحرج عنه، وذلك لأنه لو لم يكن ~~فعلا جائزا لكان تقريره له عليه، مع القدرة على إنكاره، وكان استبشاره ~~وثناؤه عليه حراما على النبي عليه السلام. وهو وإن كان من الصغائر الجائزة ~~على النبي، عليه السلام، عند قوم، إلا أنه في غاية البعد، لا سيما فيما ~~يتعلق ببيان الأحكام الشرعية . وإذا كان كذلك، فالانكار هو الغالب. فحيث لم ~~يوجد ذلك منه دل على الجواز غالبا. # فإن قيل: يحتمل أنه لم ينكر عليه: إما لعلمه بأنه لم يبلغه ms152 التحريم، فلم ~~يكن الفعل عليه حراما إذ ذاك، أو لأنه علم بلوغ التحريم إليه، ولم ينجع فيه ~~وأصر على ما هو عليه، أو لأنه منعه مانع من الانكار. # قلنا: عدم بلوغ التحريم إليه غير مانع من الانكار والاعلام بأن ذلك الفعل ~~حرام بل الاعلام بالتحريم واجب، حتى لا يعود إليه ثانيا، وإلا كان السكوت ~~مما يوهم: إما عدم دخوله في عموم التحريم، أو النسخ. وأما، إذا علم ذلك ~~الشخص التحريم، وأصر على فعله مع كونه مسلما متبعا للنبي عليه السلام، فلا ~~بد من تجديد الانكار، حتى لا يتوهم نسخه. ولا يلزم على هذا تجديد الانكار ~~على اختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، إذ هم غير متبعين له، ولا يعتقدون تحريم ~~ذلك، حتى يقال: يتوهم نسخ ذلك بسكوت النبي، عليه السلام، عن الانكار عليهم. # وما ذكروه من احتمال المانع، وإن كان قائما عقلا، غير أن الأصل عدمه، وهو ~~في غاية البعد، ولا سيما بعد ظهور شوكته واستيلائه وقهره لمن سواه. ~~PageV01P189 # المسألة الرابعة لا يتصور التعارض بين أفعال رسول الله، بحيث يكون البعض ~~منها ناسخا للآخر، أو مخصصا له، وذلك لأنهما إما من قبيل المتماثلين، كفعل ~~صلاة الظهر مثلا في وقتين متماثلين أو في وقتين مختلفين، وإما من قبيل ~~المختلفين. # والفعلان المختلفان إما أن يتصور اجتماعهما، كالصوم والصلاة، أو لا يتصور ~~اجتماعهما. # وما لا يتصور اجتماعهما: إما أن لا تتناقض أحكامهما، كصلاة الظهر والعصر ~~مثلا، أو تتناقض، كما لو صام في وقت معين، وأكل في مثل ذلك الوقت. # فإن كان من القسم الأول، أو الثاني، أو الثالث، فلا خفاء بعدم التعارض ~~بينهما، لامكان الجمع. # وإن كان من القسم الرابع، فلا تعارض أيضا، إذ أمكن أن يكون الفعل في وقت ~~واجبا أو مندوبا أو جائزا، وفي وقت آخر بخلافه، ولا يكون أحدهما رافعا، ولا ~~مبطلا لحكم الآخر، إذا لا عموم للفعلين، ولا لأحدهما. # نعم إن دل الدليل على أن ما فعله النبي عليه السلام، من الصوم، كان يجب ~~تكريره عليه في مثل الوقت أو ms153 دل الدليل على لزوم وجوب تأسي أمته به في ذلك ~~الوقت. فإذا ترك ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت بالتلبس بضده، كالأكل مع الذكر ~~للصوم والقدرة عليه، فإن أكله يدل على نسخ حكم ذلك الدليل الدال على تكرار ~~الصوم في حقه، لا نسخ حكم ذلك الصوم المتقدم لعدم اقتضائه للتكرار، ورفع ~~حكم وجد محال، أو أنه رأى بعض الأمة فمثل ذلك الوقت يأكل، فأقره عليه، ولم ~~ينكر مع الذكر للصوم والقدرة على الانكار، فإن ذلك يدل على نسخ حكم ذلك ~~الدليل المقتضي لتعميم الصوم على الأمة في حق ذلك الشخص أو تخصيصه، لا نسخ ~~حكم فعل الرسول ولا تخصيصه. وإن قيل النسخ فعل الرسول وتخصيصه، فلا يكون ~~إلا بمعنى أنه قد زال التعبد بمثله عن الرسول، أو الواحد من الأمة، وذلك من ~~باب التجوز والتوسع لا أنه حقيقة. PageV01P190 # المسألة الخامسة إذا تعارض فعل النبي وقوله، فإما أن يكون فعله لم يدل ~~الدليل على تكرره في حقه، ولا على تأسي الأمة به فيه، أو دل. فإن كان ~~الأول، فقوله إما أن يكون خاصا به، أو بنا، أو هو عام له ولنا. # فإن كان خاصا به، فإما أن يعلم تقدم أحدهما، أو يجهل التاريخ فإن علم ~~تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، فإما أن يكون المتقدم هو الفعل، أو القول. # فإن كان المتقدم هو الفعل مثل أن يفعل فعلا في وقت ويقول بعده، إما على ~~الفور أو التراخي: لا يجوز لي مثل هذا الفعل في مثل هذا الوقت، فلا تعارض ~~بينهما، لان القول لم يرفع حكم ما تقدم من الفعل في الماضي ولا في ~~المستقبل. لان الفعل غير مقتض للتكرار على ما وقع به الغرض، وقد أمكن الجمع ~~بين حكم القول والفعل، وأن كان المتقدم هو القول مثل أن يقول: الفعل ~~الفلاني واجب علي في الوقت الفلاني، ثم يتلبس بضده في ذلك الوقت. فمن جوز ~~نسخ الحكم قبل التمكن من الامتثال، قال: إن الفعل ناسخ لحكم القول. ومن لم ~~يجوز ذلك، منع كون الفعل ms154 رافعا لحكم القول، وقال: لا يتصور وجود مثل ذلك ~~الفعل مع العمد، إن لم نجوز على النبي، عليه السلام. وإلا فهو معصية. # وأما إن كان قوله خاصا بنا، فلا تعارض أيضا لعدم اجتماعهما في محل واحد ~~من جهة واحدة. # وأما إن كان قوله عاما لنا وله، فإن كان الفعل متقدما، فلا معارضة أيضا ~~بين قوله وفعله. # أما بالنسبة إليه، عليه السلام فلما تقدم فيما إذا كان قوله خاصا به، ~~وأما إلينا فلان فعله غير متعلق بنا على ما وقع به الغرض. وإن كان القول هو ~~المتقدم، فالحكم في التعارض بين قوله وفعله بالنسبة إليه، كما تقدم أيضا ~~فيما إذا كان قوله خاصا به، ولا معارضة بالنسبة إلينا، لعدم توارد قوله ~~وفعله علينا على ما وقع به الغرض. # هذا كله فيما إذا لم يدل الدليل على تكرر ذلك الفعل في حقه، ولا تأسي ~~الأمة به. # وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه، وعلى تأسي الأمة به، أو على تكرره ~~في حقه، دون تأسي الأمة به أو على تأسي الأمة به، دون تكرره في حقه. فالحكم ~~مختلف في هذه الصور. PageV01P191 # فإن دل الدليل على تكرره في حقه، وعلى تأسي الأمة به، فلا يخلو قوله، إما ~~أن يكون خاصا به، أو بنا، أو هو عام له ولنا: فإن كان قوله خاصا به، فإما ~~أن يعلم تقدم الفعل أو القول أو يجهل التاريخ: فإن علم تقدم، فالقول ~~المتأخر يكون ناسخا لحكم الفعل في حقه في المستقبل، دون أمته لعدم تناول ~~القول لهم. # وإن كان القول هو المتقدم، ففعله يكون ناسخا لحكم القول في حقه، أن كان ~~بعد التمكن من الامتثال أو قبله، على رأي من يجوزه، وموجبا للفعل على أمته. # وأما إن جهل التاريخ، فلا معارضة بين فعله وقوله بالنسبة إلى الأمة لعدم ~~تناول قوله لهم. # وأما بالنسبة إليه، فقد اختلف فيه: فمنهم من قال بوجوب العمل بالقول، ~~ومنهم من قال بالعكس، ومنهم من أوجب المعارضة والوقف إلى حين قيام دليل ~~التاريخ. # والمختار ms155 إنما هو العمل بالقول لوجوه أربعة: # الأول: أن القول يدل بنفسه من غير واسطة. والفعل إنما يدل على الجواز ~~بواسطة أن النبي عليه السلام لا يفعل المحرم، وذلك مما يتوقف على الدلائل ~~الغامضة البعيدة. # الثاني: أن القول مما يمكن التعبير به عما ليس بمحسوس، كالمعقولات ~~الصرفة، وعن المحسوس، والفعل لا ينبئ عن غير محسوس، فكانت دلالة القول أقوى ~~وأتم. # الثالث: أن القول قابل للتأكيد بقول آخر، ولا كذلك الفعل. القول. فكان ~~القول لذلك أولى. # الرابع: أن العمل بالقول ههنا مما يفضي إلى نسخ مقتضى الفعل في حق النبي ~~عليه السلام دون الأمة. والعمل بالفعل يفضي إلى إبطال مقتضى القول بالكلية، ~~فكان الجمع بينهما، ولو من وجه، أولى. # فإن قيل: بل الفعل آكد في الدلالة، فإنه يبين به القول، والمبين للشئ آكد ~~في الدلالة من ذلك الشئ. # وبيانه أن جبريل عليه السلام، بين للنبي عليه السلام كيفية الصلاة ~~المأمور بها، وبين مواقيتها حيث صلى به في اليومين، وقال: يا محمد، الوقت ~~ما بين هذين والنبي، عليه السلام، بين الصلاة للأمة بفعله، حيث قال: صلوا ~~كما رأيتموني أصلي وبين المراد من قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) ~~* (3) آل عمران: 97) بفعله حيث قال: خذوا عني مناسككم وقال للذي سأله عن ~~مواقيت الصلاة: صل معنا وبين الشهر بأصابعه حيث قال: إنما الشهر هكذا وهكذا ~~PageV01P192 # وأيضا فإن كل من رام تعليم غيره، إذا أراد المبالغة في إيصال معنى ما ~~يقوله إلى فهمه، استعان في ذلك بالإشارة بيده، والتخطيط وتشكيل الاشكال، ~~ولولا أن الفعل أدل لما كان كذلك. # قلنا: غاية ما ذكرتموه وجود البيان بالفعل، وكما وجد البيان بالفعل، فقد ~~وجد بالقول أغلب من البيان بالفعل. فإن أكثر الاحكام مستندها إنما هو ~~الأقوال دون الافعال، وغايته أنهما يتساويان في ذلك ويبقى ما ذكرناه من ~~الترجيحات الأولى بحالها. # هذا كله إذا كان قوله خاصا به. # وأما إن كان قوله خاصا بنا دونه، فإما أن يعلم تقدم الفعل أو القول، أو ~~يجهل التاريخ. # فإن علم تقدم الفعل، ms156 فالقول المتأخر يكون ناسخا للحكم في حقنا دونه، وإن ~~كان القول هو المتقدم فالحكم في كون الفعل ناسخا لحكم القول في حقنا دون ~~النبي فكما ذكرناه فيما إذا كان القول خاصا به. # وأما إن جهل التاريخ فالخلاف كالخلاف فيما إذا كان القول خاصا به، ~~والمختار إنما هو العمل بالقول لما علم. # وأما إن كان القول عاما له ولنا، فأيهما تأخر كان ناسخا لحكم المتقدم في ~~حقه وحقنا على ما ذكرناه من التفصيل في التعقيب والتراخي. # وإن جهل التاريخ، فالخلاف كالخلاف. والمختار كالمختار. # هذا كله فيما إذا دل الدليل على تكرر الفعل في حقه وعلى تأسي الأمة به. # وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه دون تأسي الأمة به، فالقول إن كان ~~خاصا بالأمة، فلا تعارض لعدم المزاحمة، بينهما. # وإن كان خاصا بالنبي، أو هو عام له، وللأمة، فالتعارض بين القول والفعل ~~إنما يتحقق بالنسبة إليه، دون أمته، لعدم قيام الدليل على تأسي الأمة به في ~~فعله، ولا يخفى الحكم، سواء تقدم الفعل أو تأخر، أو جهل التاريخ. ~~PageV01P193 # وأما إن دل الدليل على تأسي الأمة به في فعله، دون تكرره في حقه. فالقول ~~إن كان خاصا به، فإن كان متأخرا عن الفعل فلا معارضة لا في حقه، ولا في حق ~~أمته، وإن كان متقدما فالفعل المتأخر عنه يكون ناسخا لحكم القول في حقه على ~~ما ذكرناه من التفصيل، دون أمته. # وإن جهل التاريخ، فالخلاف على ما تقدم. # وإن كان القول خاصا بأمته، فلا معارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى ~~النبي عليه السلام لعدم المزاحمة. # وأما إن تحققت المعارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى الأمة، فأيهما كان ~~متأخرا، فهو الناسخ، وإن جهل التاريخ، فالخلاف على ما سبق وكذلك المختار. # وإن كان القول عاما له ولأمته، فإن تقدم الفعل، فالقول المتأخر لا معارضة ~~بينه وبين الفعل في حق النبي عليه السلام. وإنما هو ناسخ لحكم الفعل في حق ~~الأمة. # وإن تقدم القول فالفعل ناسخ لحكم القول في حق النبي والأمة. # وإن جهل ms157 التاريخ، فالخلاف كالخلاف، والمختار كالمختار. والله أعلم. ~~PageV01P194 # الأصل الثالث في الاجماع ويشتمل على مقدمة، ومسائل. # أما المقدمة: ففي تعريف الاجماع. وهو في اللغة باعتبارين: # أحدهما العزم على الشئ والتصميم عليه، ومنه يقال: أجمع فلان على كذا، إذا ~~عزم عليه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: * (فاجمعوا أمركم) * (10) يونس: 71) ~~أي اعزموا، وبقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل أي ~~يعزم. وعلى هذا فيصح إطلاق اسم الاجماع على عزم الواحد. # الثاني: الاتفاق، ومنه يقال: أجمع القوم على كذا، إذا اتفقوا عليه. وعلى ~~هذا، فاتفاق كل طائفة على أمر من الأمور، دينيا كان أو دنيويا، يسمى إجماعا ~~حتى اتفاق اليهود والنصارى. # وأما في اصطلاح الأصوليين، فقد قال النظام: هو كل قول قامت حجته، حتى قول ~~الواحد. وقصد بذلك الجمع بين إنكاره كون إجماع أهل الحل والعقد حجة، وبين ~~موافقته لما اشتهر بين العلماء من تحريم مخالفة الاجماع، والنزاع معه في ~~إطلاق اسم الاجماع على ذلك، مع كونه مخالفا للوضع اللغوي، والعرف الأصولي ~~آيل إلى اللفظ. # وقال الغزالي: الاجماع عبارة عن اتفاق أمة محمد خاصة على أمر من الأمور ~~الدينية. # وهو مدخول من ثلاثة أوجه: # الأول: أن ما ذكره يشعر بعدم انعقاد الاجماع إلى يوم القيامة. فإن أمة ~~محمد جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن وجد في بعض الاعصار منهم إنما يعم ~~بعض الأمة لا كلها، وليس ذلك مذهبا له ولا لمن اعترف بوجود الاجماع. # الثاني أنه، وإن صدق على الموجودين منهم في بعض الاعصار أنهم أمة محمد، ~~غير أنه يلزم مما ذكره أنه لو خلا عصر من الاعصار عن أهل الحل والعقد، وكان ~~كل من فيه عاميا واتفقوا على أمر ديني أن يكون إجماعا شرعيا. وليس كذلك. ~~PageV01P195 # الثالث: أنه يلزم من تقييده للاجماع بالاتفاق على أمر من الأمور الدينية ~~أن لا يكون إجماع الأمة على قضية عقلية أو عرفية حجة شرعية. وليس كذلك، لما ~~يأتي بيانه. # والحق في ذلك أن يقال: الاجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من ms158 ~~أمة محمد في عصر من الاعصار على حكم واقعة من الوقائع. # هذا إن قلنا إن العامي لا يعتبر في الاجماع. وإلا فالواجب أن يقال: ~~الاجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد إلى آخر الحد المذكور. # فقولنا: (اتفاق) يعم الأقوال والافعال، والسكوت والتقرير. # وقولنا: (جملة أهل الحل والعقد) احتراز عن اتفاق بعضهم وعن اتفاق العامة. # وقولنا: (من أمة محمد) احتراز عن اتفاق أهل الحل والعقد من أرباب الشرائع ~~السالفة. # وقولنا في: (عصر من الاعصار) حتى يندرج فيه إجماع أهل كل عصر. وإلا أوهم ~~ذلك أن الاجماع لا يتم إلا باتفاق أهل الحل والعقد في جميع الأعصار إلى يوم ~~القيامة. # وقولنا: (على حكم واقعة) ليعم الاثبات والنفي، والاحكام العقلية ~~والشرعية. # وإذا عرف معنى الاجماع، فلنرجع إلى المسائل المتعلقة به. # المسألة الأولى اختلفوا في تصور اتفاق أهل الحل والعقد على حكم واحد غير ~~معلوم بالضرورة: # فأثبته الأكثرون، ونفاه الأقلون، مصيرا منهم إلى أن اتفاقهم على ذلك ~~الحكم إما أن يكون عن دليل قاطع لا يحتمل التأويل، أو عن دليل ظني. # لا جائز أن يقال بالأول، وإلا لكانت العادة محيلة لعدم نقله وتواطئ الجمع ~~الكثير على إخفائه، فحيث لم ينقل، دل على عدمه. # كيف وأنه لو نقل لكان كافيا في الدلالة عن إجماعهم، ولا جائز أن يقال ~~بالثاني، لأنهم مع كثرتهم واختلاف أذهانهم ودواعيهم في الاعتراف بالحق ~~والعناد، فالعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الحكم الواحد، كما أنها تحيل ~~اتفاقهم على أكل PageV01P196 # طعام واحد معين في يوم واحد، وهو باطل، فأنه إن كان إجماعهم عن دليل قاطع ~~فإنما يمتنع عدم نقله، أن لو دعت الحاجة إليه، وإنما تدعو الحاجة إليه أن ~~لو لم يكن الاجماع على ذلك الحكم كافيا عنه. وهو محل النزاع وإن كان ذلك عن ~~دليل ظني فلا يمتنع معه اتفاق الجمع الكبير على حكمه بدليل اتفاق أهل الشبه ~~على أحكامها مع الأدلة القاطعة على مناقضتها، كاتفاق اليهود والنصارى على ~~إنكار بعثة محمد، صلى الله عليه وسلم، واتفاق الفلاسفة على قدم العالم، ms159 ~~والمجوس على التثنية مع كثرة عددهم كثرة لا تحصى فالاتفاق على الدليل الظني ~~الخالي عن معارضة القاطع له، أولى أن لا يمتنع عادة، وخرج عليه امتناع ~~اتفاق الجمع الكثير على أكل طعام معين في وقت واحد في العادة لعدم الصارف ~~إليه كيف وأن جميع ما ذكروه منتقض بما وجد من اتفاق جميع المسلمين، فضلا عن ~~اتفاق أهل الحل والعقد، مع خروج عددهم عن الحصر، على وجوب الصلوات الخمس ~~وصوم رمضان ووجوب الزكاة والحج، وغير ذلك من الاحكام التي لم يكن طريق ~~العلم بها الضرورة والوقوع دليل التصور وزيادة. PageV01P197 # المسألة الثانية المتفقون على تصور انعقاد الاجماع اختلفوا في إمكان ~~معرفته والاطلاع عليه: # فأثبته الأكثرون أيضا، ونفاه الأقلون، ومنهم أحمد بن حنبل في إحدى ~~الروايتين عنه. ولهذا نقل عنه أنه قال: من ادعى وجود الاجماع فهو كاذب، ~~اعتمادا منهم على أن معرفة اتفاقهم على اعتقاد الحكم الواحد متوقف على سماع ~~الاخبار بذلك من كل واحد من أهل الحل والعقد، أو مشاهدة فعل أو ترك منه يدل ~~عليه. # وذلك كله يتوقف على معرفة كل واحد منهم، وذلك، مع كثرتهم وتفرقهم في ~~البلاد النائية والأماكن البعيدة، متعذر عادة. وبتقدير المعرفة بكل واحد ~~منهم فمعرفة معتقده إنما تكون بالوصول إليه والاجتماع به، وهو أيضا متعذر. ~~وبتقدير الاجتماع به، وسماع قوله، ورؤية فعله أو تركه قد لا يفيد ذلك ~~اليقين بأنه معتقده، لجواز أن يكون إخباره وما يشاهد من فعله أو تركه على ~~خلاف معتقده لغرض من الاغراض. وبتقدير حصول العلم بمعتقده، فلعله يرجع عنه ~~قبل الوصول إلى الباقين وحصول العلم بمعتقدهم، ومع الاختلاف فلا إجماع. # وطريق الرد عليهم أن يقال: جميع ما ذكرتموه باطل بالواقع ودليل الوقوع ما ~~علمناه علما لا مراء فيه من أن مذهب جميع الشافعية امتناع قتل المسلم ~~بالذمي، وبطلان النكاح بلا ولي، وأن مذهب جميع الحنفية نقيض ذلك مع وجود ~~جميع ما ذكروه من التشكيكات والوقوع في هذه الصور دليل الجواز العادي ~~وزيادة. PageV01P198 # فإن قيل إنما علمنا أن مذهب أصحاب الشافعي ms160 وأبي حنيفة ذلك لأنا علمنا قول ~~الشافعي وقول أبي حنيفة في ذلك وهو قول واحد يمكن الاطلاع عليه. فعلمنا أن ~~مذهب كل من يتبعه وهو مقلد له ذلك، ولا كذلك في الاجماع لأنه لم يظهر لنا ~~نص عن الله والرسول يكون مستند إجماعهم. ولو عرف ذلك لكان هو الحجة. # قلنا: هذا، وإن استمر لكم هاهنا فلا يستمر فيما نقله قطعا من اعتقاد ~~النصارى واليهود من إنكار بعثة النبي عليه السلام. فإن ذلك لم يظهر لنا فيه ~~أنه قول موسى، ولا عيسى، ولا قول واحد معين، حتى يكون اعتقادهم ذلك ~~لاتباعهم له. فما هو الجواب هاهنا، فهو الجواب في محل النزاع. PageV01P199 # المسألة الثالثة اتفق أكثر المسلمين على أن الاجماع حجة شرعية يجب العمل ~~به على كل مسلم، خلافا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة. # وقد احتج أهل الحق في ذلك بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فخمس آيات: ~~الآية الأولى، وهي أقواها، وبها تمسك الشافعي، رضي الله عنه، وهي قوله ~~تعالى: * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) * (4) النساء: 115) ووجه ~~الاحتجاج بالآية أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، ولو لم يكن ~~ذلك محرما، لما توعد عليه، ولما حسن الجمع بينه، وبين المحرم من مشاقة ~~الرسول، عليه السلام، في التوعد، كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر ~~واكل الخبز المباح. # فإن قيل لا نسلم أن من للعموم، على ما سيأتي في مسائل العموم، حتى يتناول ~~كل من اتبع غير سبيل المؤمنين. # سلمنا أنها للعموم، غير أن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إنما وقع ~~مشروطا بمشاقة الرسول، والمشروط على العدم عند عدم الشرط سلمنا لحوق الذم ~~باتباع غير سبيل المؤمنين على انفراده، لكنه متردد بين أن يراد به عدم ~~متابعة سبيل المؤمنين، وتكون (غير) بمعنى إلا، وبين أن يراد به متابعة سبيل ~~غير المؤمنين، وتكون (غير) هنها صفة لسبيل غير المؤمنين. وليس أحد الامرين ~~أولى من الآخر، وبتقدير ms161 أن تكون (غير) صفة لسبيل غير المؤمنين، فسبيل غير ~~المؤمنين هو الكفر. # ونحن نسلم أن من شاقق الرسول وكفر، فإنه يكون متوعدا بالعقاب، وذلك لا ~~يدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين. # سلمنا أن سبيل غير المؤمنين ليس هو الكفر، ولكن ذلك لا يدل على التوعد ~~على عدم اتباع سبيل المؤمنين، بل غاية ما يلزم من تخصيص اتباع سبيل غير ~~المؤمنين بالتوعد عدم التوعد على اتباع سبيل المؤمنين بمفهومه. ولا نسلم أن ~~PageV01P200 # المفهوم حجة. وإن سلمنا أنه حجة، لكن في عدم التوعد على متابعة سبيل ~~المؤمنين. # ونحن نقول به. ولا يلزم من ذلك وجوب اتباعهم. # سلمنا أن المراد به عدم اتباع سبيل المؤمنين، لكنه يتناول سبيل جميع ~~المؤمنين، وجميع المؤمنين، كل من آمن بالله ورسوله إلى يوم القيامة. وذلك ~~لا يدل على أن ما وجد من الاجماع في بعض الاعصار حجة. # سلمنا أن المراد منه سبيل المؤمنين في كل عصر، لكنه عام في كل مؤمن عالم ~~وجاهل. والجهال غير داخلين في الاجماع المتبع. وما دون ذلك، فالآية غير ~~دالة عليه. # سلمنا أن المراد بالمؤمنين أهل الحل والعقد في أي عصر اتفق، لكن لفظ ~~(السبيل) مفرد لا عموم فيه، فلا يقتضي اتباع كل سبيل سلمنا عمومه، لكنه مما ~~يمتنع حمله على متابعة كل سبيل، وإلا لوجب متابعة أهل الاجماع فيما فعلوه ~~من المباحات، لأنهم فعلوه، ولا يجب لحكمهم عليه بالإباحة. ولوجب اتباعهم في ~~إجماعهم قبل الاتفاق على حكم من الاحكام على جواز الاجتهاد فيه لكل أحد ~~واتباعهم في امتناع الاجتهاد فيه بعد اتفاقهم عليه. وذلك تناقض محض. وعند ~~ذلك، فيحتمل أنه أراد به متابعة سبيلهم في متابعتهم للنبي عليه السلام، ~~وترك مشاقته. # ويحتمل أنه أراد به اتباع سبيلهم في الايمان واعتقاد دين الاسلام ويحتمل ~~أنه أراد اتباع سبيلهم في الاجتهاد دون التقليد. ونحن نقول بذلك كله. كيف ~~ويجب الحمل على ذلك، لما فيه من العمل باللفظ في زمن النبي، وفيما بعده. ~~ولو كان محمولا على متابعتهم فيما اتفقوا عليه من الأحكام الشرعية، ms162 لكان ~~ذلك خاصا بما بعد وفاة النبي عليه السلام، لاستحالة الاحتجاج بالاجماع في ~~زمانه PageV01P201 # سلمنا أن المراد به متابعتهم فيما أجمعوا عليه من الأحكام الشرعية لكنه ~~مشروط بسابقة تبين الهدى، بدليل قوله تعالى: * (من بعد ما تبين له الهدي) * ~~والهدى مذكور بالألف واللام المستغرقة، فيدخل فيه كل هدى، حتى إجماعهم على ~~الحكم الشرعي، وإنما يتبين الهدى بدليله، وإذا كان الاجماع من جملة الهدى، ~~فلا بد من تقدم بيانه بدليله. ودليل كون الاجماع هدى لا يكون هو نفس ~~الاجماع بل هو غيره. # وعند ذلك فظهور ذلك الدليل كاف في اتباعه عن اتباع الاجماع. # سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين مطلقا، لكن المراد بالمؤمنين الأئمة ~~المعصومون، لان سبيلهم لا يكون إلا حقا، أو المؤمنين إذا كان فيهم الامام ~~المعصوم، لان سبيلهم سبيله، وسبيل المعصوم لا يكون إلا حقا. فكان واجب ~~الاتباع. والثاني ممنوع. # سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين، وإن لم يكن فيهم الامام المعصوم، ولكن ~~إذا علم كونهم مؤمنين، والايمان هو التصديق، وهو باطن لا سبيل إلى معرفته. ~~وإذا لم يعلم كونهم مؤمنين، فالاتباع لا يكون واجبا لفوات شرطه. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الاجماع حجة، ولكنه معارض بالكتاب والسنة ~~والمعقول. # أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16) ~~النحل: 89) وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الاجماع،. # وقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (4) ~~النساء: 59) اقتصر على الكتاب والسنة. وذلك يدل على عدم الحاجة إلى ~~الاجماع. # وقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (2) البقرة: 188) ~~وقوله: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (2) البقرة: 169) نهى كل ~~الأمة عن هاتين المعصيتين، وذلك يدل على تصورهما منهم، ومن تتصور منه ~~المعصية لا يكون قوله ولا فعله موجبا للقطع. # وأما السنة، فهو أن النبي عليه السلام أقر معاذا لما سأله عن الأدلة ~~المعمول بها، على إهماله لذكر الاجماع، ولو كان الاجماع دليلا، لما ساغ ذلك ~~مع الحاجة إليه. # وأيضا فإنه قد ورد عن النبي عليه السلام ما يدل على جواز خلو ms163 العصر عمن ~~تقوم الحجة بقوله. عليه السلام: بدئ الاسلام غريبا، وسيعود كما بدأ ~~PageV01P202 # وأيضا قوله: لا ترجعوا بعدي كفارا نهى الكل عن الكفر، وهو دليل جواز ~~وقوعه منهم. # وقوله: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن بقبض العلماء حتى إذا يبق ~~عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وقوله: ~~تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى وقوله عليه السلام: لتركبن ~~سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وقوله: خير القرون القرن الذي أنا فيه، ~~ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم. # وأما المعقول فما ذكرناه في المسألتين الأوليين. # وأيضا فإن أمة محمد أمة من الأمم، فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الأمم. # وأيضا فإن الأحكام الشرعية لا يصح إثباتها إلا بدليل، فلا يكون إجماع ~~الأمة دليلا عليها، كالتوحيد وسائر المسائل العقلية. # والجواب: قولهم لا نسلم أن (من) للعموم سيأتي بيان ذلك في مسائل العموم. # قولهم إن التوعد إنما وقع على الجبين المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، ~~فقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، إن لم ~~يكن مشروطا بمشاقة الرسول، فهو المطلوب، وإن كان مشروطا به، فيكون اتباع ~~غير سبيل المؤمنين غير متوعد عليه عند عدم المشاقة مطلقا، وذلك باطل، لان ~~مخالفة الاجماع، وإن لم تكن خطأ لكن لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا، وما لا ~~يكون صوابا مطلقا لا يكون جائزا مطلقا، وليس بحق لأنه إذا سلم أن مخالفة ~~الاجماع عند عدم المشاقة ليست خطأ، فقوله لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا. ~~قلنا: إن لم تكن صوابا، فإما أن يكون عدم الصواب خطأ، أو لا يكون خطأ: فإن ~~كان الأول، فقد ناقض، وإن كان الثاني. # فما لا يكون خطأ لا يلزم التوعد عليه وقال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي ~~أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل المؤمنين مع مشاقته للرسول، ومشاقة ~~الرسول ليست معصية فقط، وإنما هي PageV01P203 # معصية على سبيل الرد ms164 عليه، لان من صدق النبي عليه السلام، وفعل بعض ~~المعاصي، لا يقال إنه مشاق للرسول. ومن كذب النبي عليه السلام لا يصح أن ~~يعلم صحة الاجماع بالسمع، ومن لا يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورا ~~باتباعه في تلك الحال، وهو غير سديد. # فإن لقائل أن يقول: وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه، وأن ~~من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الاجماع، ولكن القول بأنه لا يكون مأمورا ~~باتباع الاجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الاسلام، وهو باطل ~~بما سبق تقريره. # وقيل في جوابه أيضا إن الوعيد إذا علق على أمرين اقتضى ذلك التوعد بكل ~~واحد من الامرين جملة وإفرادا. ويدل عليه قوله تعالى: * (والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون. ~~ومن يفعل ذلك يلق آثاما) * (25) الفرقان: 68) فإنه يقتضي لحوق المأثم بكل ~~واحد من هذه الأمور جملة، وبكل واحد على انفراده. # ولقائل أن يقول: لا نسلم ثبوت الاثم في كل واحد من هذه الأمور على ~~انفراده بهذه الآية، وإنما كان ذلك مستفادا من الأدلة الخاصة الدالة على ~~لزوم المأثم بكل واحد من هذه الأمور بخصوصه. ولهذا، فإنه لما لم يدل الدليل ~~الخاص على مضاعفة العذاب بكل واحد من هذه الأمور، لم تكن الآية مقتضية ~~لتضاعف العذاب على كل واحد بتقدير الانفراد إجماعا، ولو كانت مقتضية لذلك، ~~لكان نفي المتضاعف بقوله: * (يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه ~~مهانا) * (25) الفرقان: 69) على خلاف الدليل. ولهذا، فإنه لو قال لزوجته: ~~إن كلمت زيدا وعمرا، أو إن كلمت زيدا، ودخلت الدار، فأنت طالق فإنه لا يقع ~~الطلاق بوجود أحد الامرين، ولولا أن الحكم المعلق على أمرين، على العدم عند ~~عدم أحدهما، لكان انتفاء الحكم في هذه الصورة، على خلاف الدليل، وهو ممتنع، ~~والأقرب في ذلك أن يقال: لا خلاف في التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين ~~PageV01P204 # عند المشاقة. وعند ذلك إما أن يكون لمفسدة متعلقة، أو لا لمفسدة. لا ms165 جائز ~~أن يقال بالثاني، فإن ما لا مفسدة فيه لا توعد عليه من غير خلاف، وإن كان ~~الأول فالمفسدة في اتباع غير سبيل المؤمنين إما أن تكون من جهة مشاقة ~~الرسول أو لا من جهة مشاقته. # فإن كان الأول فذكر المشاقة كاف في التوعد كما قيل، ولا حاجة إلى قوله: # ويتبع غير سبيل المؤمنين وإن كان الثاني، لزم التوعد لتحقق المفسدة سواء ~~وجدت المشاقة أو لم توجد. # قولهم إن (غير) مترددة بين أن تكون بمعنى إلا، أو بمعنى الصفة، قلنا: لا ~~يمكن أن تكون (غير) هاهنا صفة، لأنه يلزم من ذلك تحريم متابعة سبيل غير ~~المؤمنين. # ويلزم من ذلك أن الأمة إذا أجمعت على إباحة فعل من الافعال أن يحرم على ~~المكلف أن يقول بحظره أو وجوبه، والمخالف لا يقول بذلك. وبتقدير أن يكون ~~المراد منه تحريم اتباع سبيل غير المؤمنين، فذلك يعم تحريم كل سبيل هو غير ~~سبيل المؤمنين، لأنه سبيل غير المؤمنين. # ولهذا فإن من اختار لنفسه حالة، وتمسك بها، وكان معروفا بها، يقال إنها ~~سبيله، سواء تعددت الأحوال أو اتحدت. PageV01P205 # وإذا قيل: فلان سلك سبيل التجار، فهم منه أنه يفعل أفعالهم، ويتزيا ~~بزيهم، ويتخلق بأخلاقهم، ويجر على عاداتهم. # وعلى هذا، فيمتنع تخصيص السبيل المتوعد على اتباعه إذا كان غير سبيل ~~المؤمنين بشئ معين من كفر أو غيره، بل يعم ذلك ما كان مخالفا لطريق الأمة ~~وسبيلهم. # كيف وإنا لو لم نعتقد ذلك لزم منه أن يكون لفظ (السبيل) مبهما، وهو خلاف ~~الأصل على ما سبق. # قولهم إنه إنما يدل على عدم التوعد على متابعة سبيل المؤمنين بمفهومه، ~~قلنا إذا سلم أنه يحرم اتباع كل سبيل سوى سبيل المؤمنين، فلا نريد بكون ~~الاجماع حجة سوى هذا. # وقولهم: المراد من (سبيل المؤمنين) كل من آمن به إلى يوم القيامة، لا يصح ~~لوجهين: # الأول أن الأصل تنزيل اللفظ على حقيقته. ولفظ (المؤمنين) حقيقة، يكون لمن ~~هو متصف بالايمان، والاتصاف بالايمان مشروط بالوجود والحياة، ومن لا حياة ~~له ممن مات أو ms166 لم يوجد بعد، لا يكون مؤمنا حقيقة. فلفظ (المؤمنين) حقيقة ~~إنما يصدق على أهل كل عصر دون من تقدم أو تأخر. وهذا وإن منع من الاحتجاج، ~~بإجماع أهل العصر على من بعدهم، فلا يمنع من الاحتجاج به على من في عصرهم، ~~وهو خلاف مذهب الخصوم. # الثاني أن المقصود من الآية إنما هو الزجر عن مخالفة المؤمنين والحث على ~~متابعتهم، وذلك غير متصور عند حمل المؤمنين على كل من آمن إلى يوم القيامة، ~~إذ لا زجر ولا حث في يوم القيامة. # قولهم: الآية وإن دلت على وجوب اتباع سبيل المؤمنين في أي عصر كان، غير ~~أنها عامة في العالم، والجاهل، والجاهل غير مراد بالاتفاق. ولا نسلم ذلك ~~PageV01P206 # على ما يأتي، وإن سلمنا ذلك، غير أن الآية حجة في اتباع جملة المؤمنين، ~~إلا ما خصه الدليل، فتبقى الآية حجة في الباقي. # قولهم لفظ (السبيل) مفرد لا عموم فيه، عنه جوابان: # الأول أنه يجب اعتقاد عمومه لما سبق تقريره. # الثاني أنه إما أن يكون عاما بلفظه، أو لا يكون عاما بلفظه. # فإن كان الأول، فهو المطلوب، وإن كان الثاني، فهو إن لم يكن عاما بلفظه، ~~فهو عام بمعناه وإيمائه، ذلك لان اتباع سبيل المؤمنين، أي سبيل كان مناسب، ~~لكونه مصلحيا. وقد رتب الحكم على وفقه في كلام الشارع، فكان علة لوجوب ~~الاتباع مهما تحقق. # قولهم: يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الاجماع فيما فعلوه وحكموا بكونه ~~مباحا، وهو تناقض. # قلنا: الآية، وإن دلت على وجوب اتباع المؤمنين في كل سبيل لهم، ففعلهم ~~للمباح سبيل، وحكمهم بجواز الترك سبيل. ولا يلزم من مخالفة الآية في إيجاب ~~الفعل اتباعا لفعلهم له مخالفتها في اتباعهم في اعتقاد جواز تركه. # قولهم: يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الاجماع في جواز الاجتهاد وتحريمه، ~~قلنا: سنبين أنه مهما انعقد إجماع الأمة على حكم أنه يستحيل انعقاد إجماعهم ~~على مخالفته. # قولهم: يحتمل أنه أراد متابعتهم في متابعتهم للنبي عليه السلام وترك ~~مشاقته أو اتباعهم في الايمان أو في الاجتهاد، PageV01P207 # قلنا: ms167 اللفظ يعم كل سبيل على ما قررناه. وما ذكروه تخصيص لعموم الاتباع ~~من غير دليل، فلا يقبل قولهم إنه مشروط بسابقة تبين الهدى إلى آخره، فجوابه ~~من ثلاثة أوجه. # الأول: أن تبين الهدى إنما هو مشروط في الوعيد على المشاقة، لا في الوعيد ~~على اتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك لان المشاقة لا تكون إلا بعد تبين الهدى ~~ومعرفته بدليله، ومن لم يعرف ذلك لا يوصف بالمشاقة. # الثاني: أن تبين الاحكام الفروعية ليس شرطا في مشاقة الرسول بدليل أن من ~~تبين صدق النبي، وحاد عنه، ورد عليه، فإنه يوصف بالمشاقة، وإن كان جاهلا ~~بالفروع غير متبين لها. وإذا لم تكن معرفة أحكام الفروع شرطا في المشاقة، ~~فلا تكون مشترطة في لحوق الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين فيها. # الثالث: هو أن الآية إنما خرجت مخرج التعظيم والتبجيل للمؤمنين بإلحاق ~~الذم باتباع غير سبيلهم. فلو كان ذلك مشروطا بتبين كونه هدى، ولم يكن ~~اتباعهم في سبيلهم لأجل أنه سبيل لهم، بل لمشاركتهم فيما ذهبوا إليه لتبين ~~كونه هدى، لبطلت فائدة تعظيم الأمة الاسلامية وتميزهم بذلك. فإن كل من ظهر ~~الهدى في قوله واعتقاده، فالوعيد حاصل بمخالفته، وإن لم يكن من المسلمين. ~~وذلك كالوعيد على عدم مشاركة اليهود فيما ظهر كون معتقدهم فيه هدى، كإثبات ~~الصانع واعتقاد كون موسى رسولا كريما. # قولهم المراد من (المؤمنين) الأئمة المعصومون أو من كان فيهم الامام ~~المعصوم، عنه جوابان: # الأول أنه مبني على وجود الامام المعصوم، وهو باطل بما حققناه في علم ~~الكلام. # الثاني أن الآية عامة، فتخصيصها بالأئمة وبالمؤمنين الذين فيهم الامام ~~المعصوم من غير دليل غير مقبول. PageV01P208 # كيف وأن الآية دالة على الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين وعندهم التوعد ~~إنما هو بسبب اتباع غير سبيل الامام وحده دون غيره، وهو خلاف الظاهر. # قولهم سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين، لكن إذا علم أنهم مؤمنون، قلنا: ~~المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل المؤمنين والزجر عن ~~مخالفته، فإن كان سبيلهم معلوما، فلا إشكال، وإن لم يكن ms168 معلوما، فالتكليف ~~باتباع ما لا يكون معلوما إما أن لا يكتفى فيه بالظن، أو يكتفى فيه بالظن. ~~فإن كان الأول، فهو تكليف بما لا يطاق، وهو خلاف الأصل، وإن كان الثاني، ~~فهو المطلوب. # وأما ما ذكروه من المعارضة بالآية الأولى، فليس في بيان كون الاجماع حجة ~~متبعة بالآية التي ذكرها ما ينافي كون الكتاب تبيانا لكل شئ، وأصلا له وأما ~~الآية الثانية فهي دليل عليهم لأنها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول ~~في كل متنازع فيه، وكون الاجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه. وقد رددناه ~~إلى الله تعالى، حيث أثبتناه بالقرآن. وهم مخالفون في ذلك. # وأما الآية الثالثة والرابعة فلا نسلم أن النهي فيهما راجع إلى اجتماع ~~الأمة على ما نهوا عنه، بل هو راجع إلى كل واحد على انفراده، ولا يلزم من ~~جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة. # سلمنا أن النهي لجملة الأمة عن الاجتماع على المعصية، ولكن غاية ذلك جواز ~~وقوعها منهم عقلا. ولا يلزم من الجواز الوقوع. ولهذا فإن النبي عليه السلام ~~قد نهي عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى: * (ولا تكن من الجاهلين) * (6) ~~الانعام: 35) وقال تعالى لنبيه: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * (39) الزمر: ~~65) إذ ورد ذلك في معرض النهي مع العلم بكونه معصوما من ذلك. PageV01P209 # وأيضا فإنا نعلم أن كل أحد منهي عن الزنى وشرب الخمر، وقتل النفس بغير ~~حق، إلى غير ذلك من المعاصي. ومع ذلك فإن من مات، ولم يصدر عنه بعض ~~المعاصي، نعلم أن الله قد علم منه أنه لا يأتي بتلك المعصية، فكان معصوما ~~عنها ضرورة تعلق علم الله بأنه لا يأتي بها، ومع ذلك فهو منهي عنها. # وأما خبر معاذ فإنما لم يذكر فيه الاجماع، لأنه ليس بحجة في زمن النبي ~~عليه السلام، فلم يكن مؤخرا لبيانه مع الحاجة إليه. # وقوله عليه السلام: بدئ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ لا يدل على أنه لا ~~يبقى من تقوم الحجة بقوله بل غايته أن أهل الاسلام هم الأقلون وقوله: ms169 لا ~~ترجعوا بعدي كفارا فيحتمل أنه خطاب مع جماعة معينين، وإن كان خطابا مع ~~الكل، فجوابه ما سبق في آيات المناهي للأمة. # وقوله: حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا الحديث إلى آخره، ~~غايته الدلالة على جواز انقراض العلماء، ونحن لا ننكر امتناع وجود الاجماع ~~مع انقراض العلماء، وإنما الكلام في اجتماع من كان من العلماء. وعلى هذا، ~~يكون الجواب عن باقي الأحاديث الدالة على خلو الزمان من العلماء. كيف وأن ~~ما ذكروه معارض بما يدل على امتناع خلو عصر من الاعصار عمن تقوم الحجة ~~بقوله. # وهو قوله عليه السلام: لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر ~~الله، وحتى يظهر الدجال وأيضا ما روي أنه قال: وا شوقاه إلى إخواني قالوا: ~~يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ فقال: أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون من بعدي ~~يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس. # وما ذكروه من المعقول في المسألتين السابقتين، فقد سبق جوابه. ~~PageV01P210 # قولهم: إنها أمة من الأمم، فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الأمم، فقد ~~ذهب أبو إسحاق الأسفرايني وغيره من أصحابنا، وجماعة من العلماء إلى أن ~~إجماع علماء من تقدم من الملل أيضا حجة قبل النسخ. وإن سلمنا أنه ليس بحجة ~~فلانه لم يرد في حقهم من الدلالة الدالة على الاحتجاج بإجماعهم ما ورد في ~~علماء هذه الأمة، فافترقا، وأما الحجة الأخيرة، فلا نسلم أنه إذا كان الحكم ~~ثبت بالدليل لا يجوز إثباته بالاجماع. # وأما التوحيد: فنسلم أن الاجماع فيه ليس بحجة، وإن سلمنا أنه لا يكون حجة ~~فيه، بل في الأحكام الشرعية لا غير، غير أن الفرق بينهما أن التوحيد لا ~~يجوز فيه تقليد العامي للعالم، وإنما يرجع إلى أدلة يشترك فيها الكل، وهي ~~أدلة العقل، بخلاف الأحكام الشرعية، فإنه يجب على العامي الاخذ بقول العالم ~~فيها. وإذا جاز أو وجب الاخذ بقول الواحد، كان الاخذ بقول الجماعة أولى. # الآية الثانية قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس، ms170 ويكون الرسول عليكم شهيدا) * (2) البقرة: 143) وصف الأمة بكونهم ~~وسطا، والوسط هو العدل. # ويدل عليه النص واللغة. أما النص فقوله تعالى: * (قال أوسطهم ألم أقل ~~لكم) * (68) القلم: 28) أعدلهم، وقال عليه السلام، خير الأمور أوساطها. # وأما اللغة فقول الشاعر: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم أي عدول. ~~PageV01P211 # ووجه الاحتجاج بالآية أنه عدلهم وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم، ~~كما جعل الرسول حجة علينا في قبول قوله علينا. ولا معنى لكون الاجماع حجة ~~سوى كون أقوالهم حجة على غيرهم. فإن قيل. إنما وصفهم بالعدالة ليكونوا ~~شهداء في الآخرة على الناس، بتبليغ الأنبياء إليهم الرسالة، وذلك يقتضي ~~عدالتهم وقبول شهادتهم في يوم القيامة حالة ما يشهدون دون حالة التحمل في ~~الدنيا. # سلمنا أنه وصفهم بذلك في الدنيا. ولكن ليس في قوله: * (لتكونوا شهداء على ~~الناس) * (2) البقرة: 143) لفظ عموم يدل على قبول شهادتهم في كل شئ بل هو ~~مطلق في المشهود به، وهو غير معين، فكانت الآية مجملة، ولا حجة في المجمل، ~~سلمنا أنها ليست مجملة. ولكنا قد عملنا بها في قبول شهادتهم على من بعدهم ~~بإيجاب النبي عليه السلام العبادات عليهم وتكليفهم بما كلفهم به، فلا يبقى ~~حجة في غيره لتوفية العمل، بدلالة الآية. # سلمنا قبول شهادتهم في كل شئ غير أن الآية تدل على عدالة كل واحد من ~~الأمة وقبول شهادته، وهو مخصص بالاجماع بالفساق والنساء والصبيان ~~والمجانين. # والعام بعد التخصيص. لا يبقى حجة على ما سيأتي. # لكن ليس في ذلك ما يدل، سلمنا أنها تبقى حجة بعد التخصيص على عدالتهم ~~وعصمتهم عن الخطأ باطنا، بل ظاهرا، فإن ذلك كان في قبول الشهادة. # سلمنا أن ذلك يدل على عصمتهم عن الخطأ مطلقا، لكن فيما يشهدون به، لا ~~فيما يحكمون به من الأحكام الشرعية بطريق الاجتهاد. فإن ذلك ليس من باب ~~الشهادة في شئ، وهو محل النزاع. # سلمنا قبول قولهم مطلقا، غير أن الخطاب إما أن يكون مع جميع أمة محمد إلى ~~يوم القيامة، وإما مع الموجودين في وقت ms171 الخطاب. # فإن كان الأول، فلا حجة في إجماع كل عصر، إذ ليسوا كل الأمة. PageV01P212 # وإن كان الثاني، فلا يكون إجماع من بعدهم حجة. وإجماع الموجودين في زمن ~~الوحي ليس بحجة في زمن الوحي بالاجماع، وإنما يكون حجة بعد النبي عليه ~~السلام. وذلك يتوقف على بقاء كل من كان من المخاطبين بذلك في زمن النبي بعد ~~النبي، وأن يعرف مقاله كل واحد فيما ذهب إليه، وهو متعذر جدا. # والجواب عن السؤال الأول أن وصف أمة محمد بالعدالة إنما كان في معرض ~~الامتنان والانعام عليهم، وتعظيم شأنهم. وذلك إما أن يكون في الدنيا أو في ~~الأخرى، أو فيهما، لا جائز أن يكون في الأخرى لا غير، لوجهين: # الأول أن جميع الأمم عدول يوم القيامة، بل معصومون عن الخطأ، لاستحالة ~~ذلك منهم، وفيه إبطال فائدة التخصيص. # الثاني لو كان كذلك لقال: سنجعلكم عدولا، لا أن يقول جعلناكم. # وإن كان القسم الثاني والثالث، فهو المطلوب. # وعن الثاني من وجهين: # الأول أنه يجب اعتقاد العموم في قبول الشهادة نفيا للاجمال عن الكلام. # الثاني إن الاحتجاج ليس في قوله: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2) ~~البقرة: 143) بل في وصفهم بالعدالة، ومهما كانوا عدولا، وجب قبول قولهم في ~~كل شئ، وبه يخرج الجواب عن السؤال الثالث. # وأما الرابع: فجوابه أن الآية تدل على وصف جملة الأمة بالعدالة، ومقتضى ~~ذلك عدالتهم فيما يقولونه جملة، وآحادا، غير أنا خالفناه في بعض الآحاد، ~~فتبقى الآية حجة في عدالتهم فيما يقولونه جملة، وهو المطلوب. PageV01P213 # قولهم العام بعد التخصيص لا يبقى حجة، سنبطله فيما يأتي. # وأما السؤال الخامس: فجوابه أن الله تعالى أخبر عنهم بكونهم عدولا، ~~والأصل أن يكون كذلك حقيقة في نفس الامر لكونه عالما بالخفيات، فإن الحكيم ~~إذا علم من حال شخص أنه غير عدل في نفس الامر، لا يخبر عنه بأنه عدل. # وجواب السادس أنه إذا ثبت وصفهم بالعدالة في نفس الامر فيما يخبرون به ~~مما يرونه من الأحكام الشرعية، يجب صدقهم فيه، وإلا لما كانوا عدولا في نفس ~~الامر، وإذا ms172 كانوا صادقين فيه، فهو صواب، لكونه حسنا فهو حسن عند الله، ~~لقوله عليه السلام: ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله وإذا كان صوابا، ~~كان خلافة خطأ وهو المطلوب. # وجواب السابع أنه لا سبيل إلى حمل لفظ الأمة على كل من آمن بالرسول إلى ~~يوم القيامة، لما سبق في الآية الأولى ولا على من كان موجودا في زمن النبي ~~عليه السلام لا غير، لان أقوالهم غير محتج بها في زمنه، ولا وجود لهم بعد ~~وفاته، فإن كثيرا منهم مات بعد الخطاب بهذه الآية، قبل وفاة النبي عليه ~~السلام فلا يبقى لقوله تعالى: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: ~~143) فائدة فيجب حمله على أهل كل عصر، تحقيقا لفائدة كونهم شهداء. # الآية الثالثة قوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، ~~وتنهون عن المنكر) * (3) آل عمران: 110) والألف واللام إذا دخلت على اسم ~~الجنس عمت، على ما سيأتي، ومقتضى صدق الخبر بذلك أمرهم بكل معروف، ونهيهم ~~عن كل منكر، فإذا أمروا بشئ إما أن يكون معروفا أو منكرا، لا جائز أن يكون ~~منكرا، وإلا لكانوا ناهين عنه ضرورة العمل بالعموم الذي ذكرناه، لا أمرين ~~به، وإن كان PageV01P214 # معروفا، فخلافه يكون منكرا وهو المطلوب، وإذا نهوا عن شئ، فإما أن يكون ~~منكرا، أو معروفا لا جائز أن يكون معروفا وإلا لكانوا أمرين به ضرورة ما ~~ذكرناه من العموم، لا ناهين عنه. وإن كان منكرا فخلافه يكون معروفا، وهو ~~المطلوب. # فإن قيل: لا نسلم أن الألف واللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق، على ~~ما سيأتي، وعلى هذا، فلا تكون الآية عامة في الامر بكل معروف، ولا النهي عن ~~كل منكر، سلمنا أنها للعموم، لكن قوله (كنتم) يدل على كونهم متصفين بهذه ~~الصفة في الماضي، ولا يلزم من ذلك اتصافهم بذلك في الحال، بل ربما دل على ~~عدم اتصافهم بذلك في الحال، نظرا إلى قاعدة المفهوم. وعلى هذا فما وجد من ~~أمرهم ونهيهم، لا نعلم أنه كان قبل نزول الآية، فيكون حجة، أو بعدها، فلا ms173 ~~يكون حجة. # سلمنا اتصافهم بذلك في الماضي والحال، ولكن ليس فيه ما يدل على استدامتهم ~~لذلك في المستقبل، وعلى هذا، فما وجد من أمرهم ونهيهم مما لا يعلم أنه كان ~~في حالة كونه حجة، أو في غيرها سلمنا دلالة الآية على ذلك في جميع الأزمان، ~~لكنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام، ولا يلزم مثله في حق من ~~بعدهم سلمنا أنه خطاب مع الكل، لكن ذلك يستدعي كون كل واحد منهم على هذه ~~الصفة، ونحن نعلم خلاف ذلك ضرورة. وإذا كان المراد بالآية بعض الأمة، فذلك ~~البعض غير معين، ولا معلوم، فلا يكون قوله حجة. # والجواب عن السؤال الأول ما سيأتي في العمومات، كيف وأن الآية إنما وردت ~~في معرض التعظيم لهذه الأمة، وتمييزها على غيرها من الأمم، فلو كانت الآية ~~محمولة على البعض دون البعض، لبطلت فائدة التخصيص، فإنه ما من أمة إلا وقد ~~أمرت بالمعروف، كاتباع أنبيائهم وشرائعهم، ونهت عن المنكر كنهيهم عن ~~الالحاد، وتكذيب أنبيائهم. # وعن الثاني: إنه إما أن تكون (كان) هاهنا زائدة، أو تامة، أو زمانية. ~~PageV01P215 # فإن كانت زائدة كما في قول الفرزدق: # فكيف إذا مررت بدار قوم وجيران لنا كانوا كراما فإنه جعل (كراما) نعتا ~~للجيران وألغى (كان) فهي دالة على اتصافهم بذلك حالا، لا في الماضي، وإن ~~أفادت نصب خير أمة كما في قوله تعالى: # * (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) * (19) مريم: 29). # وإن كانت تامة، وهي التي تكون بمعنى الوقوع والحدوث، ويكتفى فيها باسم ~~واحد لا خبر فيه، كما في قوله تعالى: * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) ~~* (2) البقرة: 280) معناه حضر أو وقع ذو عسرة، وكقول الشاعر: # إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهدمه الشتاء فيكون معنى قوله: * ~~(كنتم خير أمة) * (3) آل عمران: 110) أي وجدتم، ويكون قوله: خير أمة نصبا ~~على الحال، فيكون ذلك دليلا على اتصافهم بذلك في الحال، لا في الماضي. # وإن كانت زمانية، وهي الناقصة، التي تحتاج إلى اسم وخبر، فكان، وإن دلت ~~على الماضي، فقوله: ms174 * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * (3) آل عمران: ~~110) يقتضي كونهم كذلك في كل حال، لورود ذلك في معرض التعظيم لهذه الأمة ~~على ما سبق تقريره في جواب السؤال الذي قبله. # وعن الثالث: أن قوله: * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * (3) آل ~~عمران: 110) فعل مضارع صالح للحال والاستقبال. ويجب أن يكون حقيقة فيهما ~~على العموم نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. # وعن الرابع: إنه إذا سلم كون الآية حجة في إجماع الصحابة، فهو كاف إذ هو ~~من جملة صور النزاع. PageV01P216 # وعن الخامس: إن الخطاب إذا كان مع الأمة، كان ذلك حجة في ما وجد من أمرهم ~~ونهيهم جملة، وذلك هو المطلوب، وإن لم يكن ذلك حجة في الافراد. # الآية الرابعة، قوله تعالى: * (واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا) * ~~(3) آل عمران: 103) ووجه الاحتجاج بها، أنه تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة ~~الاجماع تفرق، فكان منهيا عنه. ولا معنى لكون الاجماع حجة سوى النهي عن ~~مخالفته. # فإن قيل: لا نسلم وجود صيغة النهي، وإن سلمناها ولكن لا نسلم أن النهي ~~يدل على التحريم، كما سيأتي تقريره في النواهي، سلمنا دلالة النهي على ~~التحريم، ولكن لا نسلم عموم النهي عن التفرق في كل شئ، بل التفرق في ~~الاعتصام بحبل الله، إذ هو المفهوم من الآية، ولهذا، فإنه لو قال القائل ~~لعبيده: ادخلوا البلد أجمعين،، ولا تتفرقوا فإنه يفهم منه النهي عن التفرق ~~في دخول البلد، وما لم يعلم أن ما أجمع عليه أهل العصر اعتصام بحبل الله، ~~فلا يكون التفرق منهيا عنه. # سلمنا أن النهي عام في كل تفرق، ولكنه مخصوص بما قبل الاجماع. فإن كل ~~واحد من المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، وإذا كانت الظنون والآراء ~~مختلفة، كان التفرق مأمورا به لا منهيا عنه. والعام بعد التخصيص لا يبقى ~~حجة على ما سيأتي، سلمنا صحة الاحتجاج به، لكنه خطاب مع الموجودين في زمن ~~النبي عليه السلام، فلا يكون متناولا لمن بعدهم. وإجماع الموجودين في زمن ~~النبي غير محج به في زمانه إجماعا، ولا تحقق لوجودهم بجملتهم ms175 بعد وفاته، ~~حتى يكون إجماعهم حجة على ما سبق تقريره. # والجواب: عن السؤال الأول والثاني، ما سيأتي في النواهي. # وعن الثالث: أن قوله: * (واعتصموا بحبل الله جميعا) * (3) آل عمران: 103) ~~أمر بالاعتصام بحبل الله. # وقوله: * (ولا تفرقوا) * (3) آل عمران: 103) نهي عن التفرق في كل شئ، ~~ويجب الحمل عليه، وإلا كان النهي عن التفرق في الاعتصام بحبل الله مفيدا ~~لما أفاده الامر بالاعتصام به، فكان تأكيدا. والأصل في الكلام التأسيس دون ~~التأكيد. PageV01P217 # وعن الرابع: بيان كون العام حجة بعد التخصيص كما يأتي في العمومات وعلى ~~هذا، فيبقى حجة في امتناع التفرق بعد الاجماع، وفي امتناع مخالفة من وجد، ~~بعد أهل الاجماع لهم، وهو المطلوب. # وعن الخامس: بأن الأمر والنهي إنما هو مع أهل كل عصر بتقدير وجودهم ~~وفهمهم، على ما سيأتي تقريره في الأوامر. # الآية الخامسة، قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (4) ~~النساء: 59) ووجه الاحتجاج بالآية أنه شرط التنازع في وجوب الرد إلى الكتاب ~~والسنة، والمشروط على العدم، عند عدم الشرط. وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد ~~التنازع، فالاتفاق على الحكم كاف عن الكتاب والسنة. ولا معنى لكون الاجماع ~~حجة سوى هذا. # فإن قيل: سقوط وجوب الرد إلى الكتاب والسنة عند الاتفاق على الحكم، بناء ~~على الكتاب والسنة، أو من غير بناء عليهما: # فإن كان الأول، فالكتاب والسنة كافيان في الحكم، ولا حاجة إلى الاجماع. # وإن كان الثاني، ففيه تجويز وقوع الاجماع من غير دليل، وذلك محال مانع من ~~صحة الاجماع. # كيف وإنا لا نسلم انتفاء الشرط، فإن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا وجد ~~التنازع ممن تأخر من المجتهدين لاجماع المتقدمين. # قلنا: وإن كان الاجماع لا بد له من دليل، فلا نسلم انحصار دليله في ~~الكتاب والسنة، ليصح ما ذكروه لجواز أن يكون مستندهم في ذلك إنما هو القياس ~~والاستنباط على ما يأتي بيانه. وإن سلمنا انحصار دليل الاجماع في الكتاب ~~والسنة، ولكن ليس في ms176 ذلك ما يدل على عدم اكتفاء من وجد بعد أهل الاجماع، أو ~~اكتفاء من وجد في عصرهم من المقلدة بإجماعهم عن معرفة الكتاب والسنة. # وأما السؤال الثاني، فمشكل جدا. واعلم أن التمسك بهذه الآيات، وإن كانت ~~مفيدة للظن، فغير مفيدة للقطع. ومن زعم أن المسألة قطعية، فاحتجاجه فيها ~~بأمر ظني غير مفيد للمطلوب، وإنما يصح ذلك على رأي من يزعم أنها اجتهادية ~~ظنية. # هذا ما يتعلق بالكتاب، PageV01P218 # وأما السنة، وهي أقرب الطرق في إثبات كون الاجماع حجة قاطعة، فمن ذلك ما ~~روى أجلاء الصحابة، كعمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن ~~عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم. بروايات مختلفة الألفاظ متفقة ~~المعنى في الدلالة على عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة، كقوله عليه ~~السلام: # أمتي لا تجتمع على الخطأ أمتي لا تجتمع على الضلالة ولم يكن الله بالذي ~~يجمع أمتي على الضلالة، لم يكن الله ليجمع أمتي على الخطأ، وسألت الله أن ~~لا يجمع أمتي على الضلالة، فأعطانيه وقوله: ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند ~~الله حسن. يد الله على الجماعة ولا يبالي بشذوذ من شذ، ومن سره بحبوحة ~~الجنة، فليلزم الجماعة، فإن دعوتهم لتحيط من ورائهم، وإن الشيطان مع الفذ، ~~وهو من الاثنين أبعد. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله، ~~ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم. ومن خرج ~~عن الجماعة وفارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه. ومن فارق ~~الجماعة ومات فميتته جاهلية. # عليكم بالسواد الأعظم وقوله: تفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة كلها في النار ~~إلا فرقة واحدة قيل: # يا رسول الله، ومن تلك الفرقة قال: هي الجماعة إلى غير ذلك من الأحاديث ~~التي لا تحصى كثيرة. ولم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة معمولا بها، لم ~~ينكرها منكر، ولا دفعها دفع. PageV01P219 # فإن قيل هذه كلها أخبار آحاد تبلغ مبلغ التواتر، ولا تفيد اليقين. وإن ~~سلمنا التواتر، ولكن يحتمل أنه أراد ms177 به الخطأ والضلالة عن الأمة عصمة ~~جميعهم عن الكفر، لا بتأويل ولا شبهة. # ويحتمل أنه أراد بهم عصمتهم عن الخطأ في الشهادة في الآخرة أو فيما يوافق ~~النص المتواتر أو دليل العقل، دون ما يكون بالاجتهاد. # سلمنا دلالة هذه الأخبار على عصمتهم عن كل خطأ وضلال، لكن يحتمل أنه أراد ~~بالأمة كل من آمن به إلى يوم القيامة، وأهل كل عصر عصر ليسوا كل الأمة، فلا ~~يلزم امتناع الخطأ والضلال عليهم. # سلمنا انتفاء الخطأ والضلال عن الاجماع في كل واحد من الاعصار، ولكن لم ~~قلتم إنه يكون حجة على المجتهدين وأنه لا تجوز مخالفته، مع أن كل مجتهد في ~~الفرعيات مصيب على ما يأتي تحقيقه. ولا يجب على أحد المصيبين اتباع المصيب ~~الآخر. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الاجماع حجة، ولكنه معارض بما يدل على ~~أنه ليس بحجة ودليله ما سبق من الآيات والاخبار والمعقول في الآية الأولى. # والجواب: عن السؤال الأول من وجهين: # الأول: أن كل واحد من هذه الأخبار، وإن كان خبر واحد يجوز تطرق الكذب ~~إليه، إلا أن كل عاقل يجد من نفسه العلم الضروري من جملتها، قصد رسول الله ~~عليه السلام تعظيم هذه الأمة وعصمتها عن الخطأ، كما علم بالضرورة سخاء ~~حاتم، وشجاعة علي، وفقه الشافعي ومالك وأبي حنيفة رضي الله عنهم، وميل رسول ~~الله إلى عائشة دون باقي نسائه بالاخبار التي آحادها آحاد، غير أنها نازلة ~~منزلة التواتر. PageV01P220 # الوجه الثاني: أن هذه الأحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن ~~بعدهم متمسكا بها فيما بينهم في إثبات الاجماع من غير خلاف فيها ولا نكير ~~إلى زمان وجود المخالفين: والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير والجم ~~الغفير مع تكرر الأزمان واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما ~~لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة. وهو الاجماع المحكوم به على ~~الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده وإبطاله وإظهار النكير فيه. # فإن قيل من المحتمل أن أحدا أنكر هذه الأخبار ولم ينقل ms178 إلينا، ومع هذا ~~الاحتمال فلا قطع. # قولكم إن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الاجماع، لا نسلم ذلك، وما ~~المانع أن يكون استدلالهم على الاجماع لا بهذه الأحاديث، بل بغيرها ~~والاستدلال على صحة الأحاديث بالاجماع. # سلمنا استدلالهم بها على ذلك، لكنه دور لما فيه من الاستدلال بالأحاديث ~~على الاجماع والاستدلال على صحة الأحاديث بالاجماع. # ثم ما ذكرتموه في الدلالة على صحتها من عدم النكير معارض بما يدل على عدم ~~صحتها. # وذلك أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء ~~هذا الأصل العظيم عليها لإحالة العادة أن لا تعرف الصحابة للتابعين طريق ~~صحتها، قطعا للشك والارتياب. # قلنا جواب الأول: أن الاجماع من أعظم أصول الدين فلو وجد فيما يستدل به ~~عليه نكير، لاشتهر ذلك فيما بينهم وعظم الخلاف فيه كاشتهار خلافهم فيما هو ~~دونه من مسائل الفروع، كاختلافهم في دية الجنين. وقوله أنت علي حرام، وحد ~~الشرب ومسائل الجد والاخوة إلى غير ذلك، ولو كان كذلك لكانت العادة تحيل ~~عدم نقله، بل كان نقله أولى من نقل ما خولف فيه من مسائل الفروع، بل أولى ~~من نقل خلاف النظام في ذلك مع خفائه وقلة الاعتبار بقوله. # وجواب الثاني: ما ظهر واشتهر من تمسك الصحابة والتابعين والاحتجاج بهذه ~~الاخبار في معرض التهديد لمخالف الجماعة والزجر عن الخروج عنهم ظهورا لا ~~ريب فيه. PageV01P221 # وجواب الثالث: أن الاستدلال على صحة الاخبار لم يكن بالاجماع، بل بالعادة ~~المحيلة لعدم الانكار على الاستدلال بما لا صحة له فيما همن أعظم أصول ~~الاحكام. والاستدلال بالعادة غير الاستدلال بالاجماع، وذلك كالاستدلال ~~بالعادة على إحالة دعوى وجود معارض للقرآن واندراسه، ووجود دليل يدل على ~~إيجاب صلاة الضحى وصوم شوال ونحوه. # وجواب الرابع: أنه يحتمل أن تكون الصحابة قد علمت صحة الأخبار المذكورة ~~وكونها مفيدة للعلم بعصمة الأمة، لا بصريح مقال، بل بقرائن أحوال وأمارات ~~دالة على ذلك لا سبيل إلى نقلها، ولو نقلت لتطرق إليها التأويل والاحتمال، ~~واكتفوا بما يعلمه التابعون من أن العادة تحيل الاعتماد ms179 على ما لا أصل له ~~فيما هو من أعظم الأصول. # قولهم: يحتمل أنه نفى عنهم الضلال والخطأ بمعنى الكفر. # قلنا: هذه الأخبار نعلم أنها إنما وردت تعظيما لشأن هذه الأمة في معرض ~~الامتنان والانعام عليهم، وفي حملها على نفي الكفر عنهم خاصة إبطال فائدة ~~اختصاصهم بذلك لمشاركة بعض آحاد الناس للأمة في ذلك. وإنما يصح ذلك أن لو ~~أراد بها العصمة عما لا يعصم عنه الآحاد من أنواع الخطأ والكذب ونحوه. # وما ذكروه من باقي التأويلات فباطل. فإن فائدة هذه الأخبار إنما وردت ~~لايجاب متابعة الأمة والحث عليه والزجر عن مخالفته. ولو لم يكن ذلك محمولا ~~على جميع أنواع الخطأ. بل على بعض غير معلوم من ألفاظ الاخبار لامتنع إيجاب ~~متابعتهم فيه، لكنه غير معلوم، ولبطلت فائدة تخصيص الأمة بما ظهر منه قصد ~~تعظيمها لمشاركة آحاد الناس لهم في نفي بعض أنواع الخطأ عنهم، على ما سبق ~~تعريفه. PageV01P222 # وعن السؤال الثالث: ما سبق في المسائل المتقدمة. # وعن الرابع: أنه إذا ثبت انتقاء الخطأ عن الاجماع فيما ذهبوا إليه قطعا ~~فمخالفه يكون مخطئا قطعا. والمخطئ. قطعا في أمور الدين إذا كان عالما به لا ~~يخرج عن التبديع والتفسيق. ولا معنى لكون الاجماع حجة على الغير سوى ذلك. # كيف وإنه إذا ثبت انتفاء الخطأ عن أهل الاجماع فيما ذهبوا إليه، فقد ~~أجمعوا على وجوب اتباعهم فيما ذهبوا إليه، فكان واجبا، نفيا للخطأ عنهم، ~~وعن المعارضات النقلية ما سبق في أول المسألة. # وأما المعقول فهو أن الخلق الكثير، وهم أهل كل عصر إذا اتفقوا على حكم ~~قضية وجزموا به جزما قاطعا، فالعادة تحيل على مثلهم الحكم الجزم بذلك ~~والقطع به، وليس له مستند قاطع بحيث لا يتنبه واحد منهم إلى الخطأ في القطع ~~بما ليس بقاطع. ولهذا وجدنا أهل كل عصر قاطعين بتخطئة مخالف ما تقدم من ~~إجماع من قبلهم، ولولا أن يكون ذلك عن دليل قاطع، لاستحال في العادة ~~اتفاقهم على القطع بتخطئة المخالف ولا يقف واحد منهم على وجه الحق في ms180 ذلك. # ومن سلك هذه الطريقة المعنوية لم ير انعقاد الاجماع عندما إذا كان عدد ~~المجمعين ينقص عن عدد التواتر. ويلزمه أن لا يكون الاجماع المحتج به خصيصا ~~بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين، بل هو عام في إجماع كل من بلغ عددهم ~~عدد التواتر، وإن لم يكونوا مسلمين، فضلا عن أهل الحل والعقد. # وقد احتج الشيعة على صحة الاجماع بأن ما من عصر إلا ولا بد فيه من إمام ~~معصوم على ما قررناه من قاعدتهم في ذلك في أبكار الأفكار فإذا أجمع أهل ~~الحل والعقد من أهل العصر على حكم حادثة فلا بد وأن يكون فيهم الامام ~~المعصوم، لكونه سيد العلماء، وإلا لما كان الاتفاق من جميع أهل الحل ~~والعقد، وهو خلاف الفرض. وإذا كان كذلك، فالامام المعصوم لا يقول إلا حقا ~~PageV01P223 # مقطوعا به، وما وافقه من قول باقي الأمة أيضا يكون مقطوعا به لكونه ~~موافقا للمقطوع به ومخالف القاطع مخط لا محالة. # ولقائل أن يقول: أما الحجة الأولى، فالعادة لا تحيل الخطأ على الخلق ~~الكثير بظنهم ما ليس قاطعا قاطعا. ولهذا، فإن اليهود والنصارى، مع كثرتهم ~~كثرة تخرج عن حد التواتر، قد أجمعوا على تكذيب محمد عليه السلام وإنكار ~~رسالته. وليس ذلك إلا لخطئهم في ظن ما ليس قاطعا قاطعا. # وبالجملة فإما أن يقال باستحالة الخطأ عليهم فيما ذهبوا إليه، أو لا يقال ~~باستحالته، فإن كان الأول لزم أن لا يكون محمد نبيا حقا لاجماعهم على ~~تكذيبه، وإن كان الثاني فهو المطلوب. # فإن قيل: ما ذكرتموه في إبطال التمسك هاهنا بالعادة لازم عليكم فيما ~~ذكرتموه في الاحتجاج بالسنة على كون الاجماع حجة، فإن حاصله آئل إلى ~~الاحتجاج بالعادة وفيه إبطال ما قررتموه. # قلنا: الذي تمسكنا به من العادة إحالة اتفاق الأمة على إسناد المقطوع إلى ~~الاخبار التي مستند العلم بها وبمدلولها السماع المحسوس أو قرائن الأحوال، ~~والذي لا نحيله في العادة ههنا إنما هو الغلط بظن ما ليس مقطوعا مقطوعا به، ~~فيما هو نظري وطرقه مختلفة، وهو غير محسوس ms181 ولا مستند العلم به قرائن ~~الأحوال، فافترق البابان. PageV01P224 # وأما حجة الشيعة فمبنية على وجود الامام المعصوم في كل عصر. وقد أبطلنا ~~ذلك بالاعتراضات القادحة والاشكالات المشكلة على جهة الوفاء والاستقصاء في ~~موضعه اللائق به من الإمامة في علم الكلام، فعليك بمراجعته. # المسألة الرابعة اتفق القائلون بكون الاجماع حجة على أنه لا اعتبار ~~بموافقة من هو خارج عن الملة، ولا بمخالفته، وأنه لا يشترط فيه اتفاق كل ~~أهل الملة إلى يوم القيامة. # أما الأول فلان الاجماع إنما عرف كونه حجة بالأدلة السمعية، على ما سبق. # وهي، مع اختلاف ألفاظها، لا إشعار لها بإدراج من ليس من أهل الملة في ~~الاجماع، ولا دلالة لها إلا على عصمة أهل الملة، ولأن الكافر غير مقبول ~~القول، فلا يكون قوله معتبرا في إثبات حجة شرعية، ولا إبطالها. وإذا تم ~~الاجماع دونه. فلا اعتبار بمخالفته. # وأما الثاني، فلا الاجماع حجة شرعية يستدل به على الأحكام الشرعية، فلو ~~اعتبر فيه إجماع كل أهل الملة إلى يوم القيامة، لما أمكن الاحتجاج به: أما ~~قبل يوم القيامة، فلعدم كمال المجمعين، وأما يوم القيامة، فلانه لا تكليف، ~~ولا استدلال. PageV01P225 # المسألة الخامسة ذهب الأكثرون إلى أنه لا اعتبار بموافقة العامي من أهل ~~الملة في انعقاد الاجماع، ولا بمخالفته، واعتبره الأقلون، وإليه ميل القاضي ~~أبي بكر، وهو المختار. # وذلك لان قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطأ، بما دلت عليه الدلائل ~~السمعية من قبل، ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من ~~الخاصة والعامة. وإذا كان كذلك، فلا يلزم أن تكون العصمة الثابتة للكل ~~ثابتة للبعض، لان الحكم الثابت للجملة لا يلزم أن يكون ثابتا للافراد. # فإن قيل يجب تخصيص ما ورد من النصوص الدالة على عصمة الأمة بأهل الحل ~~والعقد منهم دون غيرهم لستة أوجه. # الأول: أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بالاجماع، فلا تكون ~~مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه. # الثاني: أن الأمة إنما كان قولها حجة، إذا كان ذلك مستندا إلى الاستدلال، ~~لان إثبات ms182 الاحكام من غير دليل محال والعامي ليس أهلا للاستدلال والنظر، ~~فلا يكون قوله معتبرا كالصبي والمجنون. # الثالث: أن قول العامي في الدين من غير دليل خطأ مقطوع به، والمقطوع ~~بخطئه لا تأثير لموافقته ولا لمخالفته. # الرابع: أن أهل العصر الأول من الصحابة، علماؤهم وعوامهم أجمعوا على أنه ~~لا عبرة بموافقة العامي ولا بمخالفته. # الخامس: أن الأمة إنما عصمت عن الخطأ في استدلالها، لان إثبات الأحكام ~~الشرعية من غير استدلال ودليل خطأ، والعامي ليس هو من أهل الاستدلال، فلا ~~يتصور ثبوت عصمة الاستدلال في حقه. # السادس: هو أن العامي لا يتصور منه الإصابة، إذا كان قائلا بالحكم من غير ~~دليل، فلا يتصور عصمته، لان العصمة مستلزمة للإصابة. PageV01P226 # والجواب: عن الوجه الأول: أنه وإن كان يجب على العامي الرجوع إلى أقوال ~~العلماء، فليس في ذلك ما يدل على أن أقوال العلماء دونه حجة قاطعة على ~~غيرهم من المجتهدين من بعدهم لجواز أن يكون الاحتجاج بأقوالهم على من بعدهم ~~مشروطا بموافقة العامة لهم، وإن لم يكن ذلك شرطا في وجوب اتباع العامة فيما ~~لهم يفتون به. # وعن الثاني: أنه وإن كان لا بد في الاجماع من الاستدلال لكن من أهل ~~الاستدلال أو مطلقا: الأول مسلم، والثاني ممنوع، وعلى هذا فلا يمتنع أن ~~تكون موافقة العامة للعلماء المستدلين شرطا في جعل الاجماع حجة، وإن لم يكن ~~العامي مستدلا، ولا يلزم من عدم اشتراط موافقة الصبيان والمجانين عدم ~~اشتراط موافقة العامة، لما بينهما من التفاوت في قرب الفهم في حق العامة، ~~الموجب للتكليف، وبعده في حق الصبيان والمجانين، المانع من التكليف. # وعن الثالث: أنه، وإن كان قول العامي في الدين من غير دليل خطأ، فلا يمنع ~~ذلك من كون موافقته للعلماء في أقوالهم شرطا في الاحتجاج بها على غيرهم. # وعن الرابع: أنه دعوى لم يقم عليها دليل. # وعن الخامس: أن العامي، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يمتنع أن تكون ~~موافقته من غير استدلال شرطا في كون الاجماع حجة. PageV01P227 # وعن السادس: أنه، وإن كان ms183 العامي إذا انفرد بالحكم لا يتصور منه الإصابة، ~~فما المانع من تصويبه مع الجماعة بتقدير موافقته لهم في أقوالهم، ولا شك أن ~~العامي مصيب في موافقته للعلماء. وعلى هذا جاز أن تكون موافقته شرطا في جعل ~~الاجماع حجة، على ما سبق تقريره. # وبالجملة، فهذه المسألة اجتهادية، غير أن الاحتجاج بالاجماع عند دخول ~~العوام فيه يكون قطعيا، وبدونهم يكون ظنيا. وعلى هذا فمن قال بإدخال العوام ~~في الاجماع، قال بإدخال الفقيه الحافظ لاحكام الفروع فيه، وإن لم يكن ~~أصوليا، وبإدخال الأصولي الذي ليس بفقيه بطريق الأولى لما بينهما وبين ~~العامة من التفاوت في الأهلية وصحة النظر، هذا في الاحكام، وهذا في الأصول. # ومن قال بأنه لا مدخل للعوام في الاجماع اختلفوا في الفقيه والأصولي، ~~نفيا وإثباتا فمن أثبت نظر إلى ما اشتملا عليه من الأهلية التي لا وجود لها ~~في العامي، ودخولهما في عموم لفظ الأمة في الأحاديث السابق ذكرها. # ومن نفى، نظر إلى عدم الأهلية المعتبرة في أئمة أهل الحل والعقد من ~~المجتهدين، كالشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم. # ومنهم من فصل بين الفقيه والأصولي، وهؤلاء اختلفوا: # فمنهم من اعتبر قول الفقيه الذي ليس بأصولي، وألغى قول الأصولي الذي ليس ~~بفقيه. # ومنهم من عكس الحال واعتبر قول الأصولي دون الفقيه لكونه أقرب إلى مقصود ~~الاجتهاد، لعمله بمدارك الاحكام على اختلاف أقسامها، وكيفية دلالاتها، ~~وكيفية تلقي الاحكام من منطوقها ومفهومها ومعقولها، بخلاف الفقيه. # ومن اعتبر قول الأصولي والفقيه، اعتبر قول من بلغ رتبة الاجتهاد، وإن لم ~~يكن مشتهرا بالفتوى بطريق الأولى، وذلك كواصل بن عطاء ونحوه. وفيه خلاف، ~~والمتبع في ذلك كله ما غلب على ظن المجتهد. PageV01P228 # المسألة السادسة المجتهد المطلق، إذا كان مبتدعا لا يخلو، إما أن لا يكفر ~~ببدعته، أو يكفر. # فإن كان الأول، فقد اختلفوا في انعقاد الاجماع مع مخالفته نفيا وإثباتا. # ومنهم من قال: الاجماع لا ينعقد عليه، بل على غيره، فيجوز له مخالفة ~~إجماع من عداه. ولا يجوز ذلك لغيره. # والمختار أنه لا ينعقد الاجماع دونه، ms184 لكونه من أهل الحل والعقد، وداخلا ~~في مفهوم لفظ الأمة المشهود لهم بالعصمة. وغايته أن يكون فاسقا، وفسقه غير ~~مخل بأهلية الاجتهاد. والظاهر من حاله فيما يخبر به عن اجتهاده الصدق ~~كإخبار غيره من المجتهدين. # كيف وإنه قد يعلم صدق الفاسق بقرائن أحواله، في مباحثاته وفلتات لسانه، ~~وإذا علم صدقه، وهو مجتهد كان كغيره من المجتهدين. # فإن قيل: إذا كان فاسقا، فالفاسق غير مقبول القول إجماعا فيما يخبر به، ~~فكان كالكافر والصبي، ولأنه لا يجوز تقليده فيما يفتي به، فلا يعتبر خلافه ~~كالصبي. # قلنا: إنما لا يقبل قوله فيما يخبر به، إذا لم يكن متأولا وكان عالما ~~بفسقه. # وأما إذا لم يكن كذلك، فلا. وعلى هذا، فلا نسلم امتناع قبول فتواه ~~بالنسبة إلى من ظهر صدقه عنده. # وأما الصبي، فإنما لم يعتبر قوله لعدم أهليته بخلاف ما نحن فيه وإن كان ~~الثاني، فلا خلاف في أنه غير داخل في الاجماع لعدم دخوله في مسمى الأمة ~~المشهود لهم بالعصمة، وإن لم يعلم هو كفر نفسه. # وعلى هذا، فلو خالف في مسألة فرعية، وبقي مصرا على المخالفة حتى تاب عن ~~بدعته، فلا أثر لمخالفته، لانعقاد إجماع جميع الأمة الاسلامية، قبل إسلامه ~~كما لو أسلم ثم خالف، إلا على رأي من يشترط في الاجماع انقراض عصر ~~المجمعين، PageV01P229 # ولو ترك بعض الفقهاء العمل بالاجماع، بخلاف هذا المبتدع المكفر، فهو ~~معذور، إن لم يعلم ببدعته ولا يؤاخذ بالمخالفة، كما إذا عمل الحاكم بشهادة ~~شاهد الزور من غير علم بتزويره، وإن علم ببدعته، وخالف الاجماع، لجهله بأن ~~تلك البدعة مكفرة، فهو غير معذور لتقصيره عن البحث، والسؤال عن ذلك لعلماء ~~الأصول العارفين بأدلة الايمان والتكفير، حتى يحصل له العلم بذلك بدليله، ~~إن كانت له أهلية فهمه، وإلا قلدهم فيما يخبرون به من التكفير، وأما ماذا ~~يكفر به من البدع، فقد استقصينا الكلام فيه في حكايات مذاهب أهل الملل ~~والنحل في أبكار الأفكار فعليك بمراجعته. # المسألة السابعة ذهب الأكثرون من القائلين بالاجماع إلى أن الاجماع ~~المحتج به ms185 غير مختص بإجماع الصحابة، بل إجماع أهل كل عصر حجة، خلافا لداود ~~وشيعته من أهل الظاهر، ولأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. # والأول هو المختار، ويدل عليه أن حجة كون الاجماع حجة غير خارجة كما ~~ذكرناه من الكتاب والسنة والمعقول. وكل واحد منها لا يفرق بين أهل عصر ~~وعصر، بل هو متناول لأهل كل عصر حسب تناوله لأهل عصر الصحابة، فكان إجماع ~~أهل كل عصر حجة. # فإن قيل: حجة كون الاجماع حجة غير خارجة عن الآيات والاخبار السابق ~~ذكرها، وقوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس) * (3) آل عمران: 110) ~~وقوله: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) البقرة: 143) خطاب مع الموجودين ~~في زمن النبي عليه السلام، فلا يكون متناولا لغيرهم، وقوله تعالى: * (ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين) * (4) النساء: 115) والأخبار الدالة على عصمة الأمة ~~خاصة PageV01P230 # بالصحابة الموجودين في زمن النبي عليه السلام، إذا هم كل المؤمنين وكل ~~الأمة، فإن من لم يوجد بعد، لا يكون موصوفا بالايمان، وبكونه من الأمة. # وأما التابعون، وكذلك من بعدهم، إذا أجمعوا على حكم، فليس هم كل المؤمنين ~~ولا كل الأمة، فلا يكون الخطاب متناولا لهم وحدهم، بل مع من تقدم من ~~المؤمنين قبلهم ضرورة اتصافهم بذلك، حالة وجودهم، وبموتهم لم يخرجوا عن ~~كونهم من المؤمنين ومن الأمة. # وكذلك فإنه لو ذهب واحد من الصحابة إلى حكم، واتفق التابعون على خلافه لم ~~يكن إجماعهم منعقدا، ولو خرج بموته عن الأمة والمؤمنين، لما كان كذلك. # وإذا لم يكن التابعون كل الأمة، ولا كل المؤمنين، فما اتفقوا عليه لا ~~يكون هو قول كل الأمة ولا كل المؤمنين فلا يكون حجة. وسواء وجد لمن تقدم ~~قول أو لم يوجد، فمخالفهم لا يكون مخالفا لكل الأمة، ولا لكل المؤمنين، فلا ~~يكون بذلك مستحقا للذم والتوعد، سلمنا دلالة الآيات والاخبار على انعقاد ~~إجماع من بعد الصحابة حجة، لكنه معارض بما بدل على عدمه، وبيانه من ستة ~~أوجه: # الأول: أن إجماع التابعين لا بد له من دليل، وذلك الدليل إما أن يكون ~~نصا، أو إجماعا، أو ms186 قياسا. # فإن كان إجماع من تقدم، فالحكم ثابت بإجماع الصحابة، لا بإجماع التابعين. # وإن كان قياسا، فيستدعي أن يكون متفقا عليه بين جميع التابعين، ليكون ~~مناط إجماعهم، وليس كذلك لوقوع الخلاف فيه فيما بينهم. # وإن كان نصا، فلا بد وأن تكون الصحابة عالمة به ضرورة أنه لا طريق إلى ~~معرفة التابعين به إلا من جهة الصحابة، ولو كان ذلك دليلا يمكن التمسك به ~~في إثبات الحكم، لما تصور تواطئ الصحابة على تركه وإهماله. # الثاني: هو أن الأصل أن لا يرجع إلى قول أحد سوى الصادق المؤيد بالمعجزة، ~~لتطرق الخطأ والكذب إلى من عداه. غير أنه لما ورد الثناء من النبي عليه ~~السلام PageV01P231 # على الصحابة بقوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله: عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي والذم لأهل الاعصار المتأخرة بقوله ~~عليه السلام: ثم يفشو الكذب وأن الرجل يصبح مؤمنا، ويمسي كافرا، وأن الواحد ~~منهم يحلف على ما لا يعلم، ويشهد قبل أن يستشهد، وأن الناس يكونون كالذئاب، ~~إلى غير ذلك من أنواع الذم التي سبق ذكرها، أوجب قصر الاحتجاج على إجماع ~~الصحابة دون غيرهم. # الثالث: أن الاحتجاج بالاجماع إنما يمكن بعد الاطلاع على قول كل واحد من ~~أهل الحل والعقد ومعرفته في نفسه. وذلك إنما يتصور في حق الصحابة، لان أهل ~~الحل والعقد منهم كانوا معروفين مشهورين محصورين لقلتهم وانحصارهم في قطر ~~واحد، بخلاف التابعين ومن بعدهم لكثرتهم وتشتتهم في البلاد المتباعدة. # الرابع: أن الاجماع من الصحابة واقع على أن كل مسألة لا تكون مجمعا عليها ~~ولا فيها نص قاطع أنه يجوز الاجتهاد فيها. فإذا لم يكن إجماع من الصحابة، ~~ولا ثم نص قاطع، وإلا ما ساغ من الصحابة تركه وإهماله، فتكون المسألة مجمعا ~~على جواز الاجتهاد فيها منهم، فلو أجمع التابعون على حكم تلك المسألة، فإن ~~منعنا من اجتهاد غيرهم فيها، فقد خرقنا إجماع الصحابة، وإن جوزنا، فإجماع ~~التابعين لا يكون حجة، وهو المطلوب. # الخامس: أنه لو كان في الأمة من هو غائب، فإنه وإن لم ms187 يكن له في المسألة ~~قول بنفي ولا إثبات، لا ينعقد الاجماع دونه في تلك المسألة، لكونه لو كان ~~حاضرا، لكان له فيها قول، فكذلك الميت من الصحابة قبل التابعين. ~~PageV01P232 # السادس: أنه لو كان قد خالف واحد من الصحابة، فإن إجماع التابعين بعده لا ~~ينعقد، وإذا لم ينقل خلاف من تقدم لا ينعقد الاجماع لاحتمال أن أحدا ممن ~~تقدم خالف ولم ينقل خلافه، وإذا احتمل واحتمل، فالاجماع لا يكون متيقنا. # والجواب عن السؤال الأول: قولهم في الآيات إنها خطاب مع الموجودين في زمن ~~النبي عليه السلام يلزمهم عليه أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان ~~موجودا عند نزول هذه الآيات، لان إجماعهم ليس إجماع جميع المخاطبين وقت ~~نزولها، وأن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزولها، لكونه خارجا عن المخاطبين. ~~وقد أجمعنا على أن إجماع من بقي، من الصحابة بعد رسول الله، يكون حجة. # قولهم: التابعون ليس هم كل الأمة، ولا كل المؤمنين، يلزم عليه أن لا ~~ينعقد إجماع من بقي من الصحابة بعد موت رسول الله، لان من مات من الصحابة، ~~أو استشهد في حياة رسول الله داخل في مسمى المؤمنين والأمة، وهو خلاف ~~المجمع عليه بين القائلين بالاجماع، وليس ذلك، إلا لان الماضي إذا لم يكن ~~له قول غير معتبر، كما أن المستقبل غير منتظر. وعلى هذا، فنقول: إنه إذا ~~ذهب واحد من الصحابة إلى حكم في مسألة، ثم مات، وأجمع التابعون على خلافه ~~في تلك المسألة، فقد قال بعض الأصوليين إنه ينعقد إجماع التابعين، ولا ~~اعتبار بقول الماضي، وليس بحق، لأنه يلزم منه أنه إذا أجمعت الصحابة على ~~حكم، ثم ماتوا، وأجمع التابعون على خلاف إجماع الماضين، أنه ينعقد، وهو ~~محال مخالف لاجماع القائلين بالاجماع. # وإنما الحق في ذلك أن يقال: إذا حكم الواحد من الصحابة بحكم، ثم حكم ~~التابعون بخلافه، فحكم التابعين ليس هو حكم جميع الأمة المعتبرين في تلك ~~المسألة التي وقع الخوض فيها. وإن كان حكمهم في مسألة لم يتقدم فيها خلاف ~~بعض ms188 الصحابة، فهو حكم كل الأمة المعتبرين وهذا كما لو أفتى الصحابي بحكم، ~~ثم مات، وأجمع باقي الصحابة على خلافه، فإنه لا ينعقد إجماعهم، وإن انعقد ~~إجماعهم إذا مات من غير مخالفة، لان حكمهم في الأول ليس هو حكم كل الأمة ~~المعتبرين بخلاف حكمهم في الثاني. PageV01P233 # والجواب عن المعارضة الأولى أنه، وإن كان دليل التابعين معلوما للصحابة، ~~غير أنه لا يمتنع أن تكون واقعة الحكم لم تقع في زمن الصحابة، فلم يتعرضوا ~~لحكمها، وإنما وقعت في زمن التابعين، فتعرضوا لاثبات حكمها بناء على ما ~~وجدوه من الدليل الذي كان معلوما للصحابة. # وعن الثانية: أن الأدلة الدالة على كون الاجماع حجة لا تفرق بين أهل عصر ~~وعصر. # وقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم لا يدل على عدم ~~الاهتداء بغيرهم إلا بطريق مفهوم اللقب، والمفهوم ليس بحجة فضلا عن مفهوم ~~اللقب على ما سيأتي في مسائل المفهوم. # وكذلك الكلام في قوله: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر كيف وأن ذلك ~~مما يوجب كون إجماع أبي بكر وعمر مع مخالفة باقي الصحابة لهم حجة قاطعة، ~~وهو خلاف الاجماع من الصحابة. # قولهم إنه ذم أهل الاعصار المتأخرة. # قلنا: غاية ما في ذلك غلبة ظهور الفساد والكذب، وليس فيه ما يدل على خلو ~~كل عصر ممن تقوم الحجة بقوله، وأنه إذا اتفق أهل ذلك العصر على حكم يكونون ~~معصومين عن الخطأ فيه. # وعن الثالثة: ما سبق في مسألة تصور الاطلاع على إجماعهم ومعرفتهم. # وعن الرابعة: أنه إن أجمع الصحابة على تجوير الخلاف مطلقا فلا يتصور ~~انعقاد إجماع التابعين على الحكم في تلك المسألة، لما فيه من التعارض بين ~~الاجماعين القاطعين.، وإن أجمعوا على تسويغ الاجتهاد مشروطا بعدم الاجماع، ~~فلا تناقض. # وعن الخامسة: أنها منتقضة بالواحد من الصحابة، فإنه لو مات انعقد الاجماع ~~PageV01P234 # من باقي الصحابة دونه، ولو كان غائبا لم ينعقد. وإنما كان كذلك، لان ~~الغائب في الحال له أهلية القول والحكم والموافقة والمخالفة، بخلاف الميت. # وعن السادسة: أنها باطلة بالميت الأول من ms189 الصحابة، فإنه يحتمل أنه خالف، ~~ولم ينقل خلافه. ومع ذلك فإن إجماع باقي الصحابة بعده يكون منعقدا. # كيف وأن النظر إلى مثل هذه الاحتمالات البعيدة، مما لا التفات إليه. وإلا ~~لما انعقد إجماع الصحابة لاحتمال أن يكون واحد منهم قد أظهر الموافقة، ~~وأبطن المخالفة لأمر من الأمور، كما نقل عن ابن عباس في موافقته لعمر في ~~مسألة العول وإظهار النكير بعده. # المسألة الثامنة اختلفوا في انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل، فذهب ~~الأكثرون إلى أنه لا ينعقد. # وذهب محمد بن جرير الطبري وأبو بكر الرازي وأبو الحسين الخياط من ~~المعتزلة، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، إلى انعقاده. # وذهب قوم إلى أن عدد الأقل إن بلغ التواتر لم يعتد بالاجماع دونه، وإلا ~~كان معتدا به. # وقال أبو عبد الله الجرجاني: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف، ~~كان خلافه معتدا به، كخلاف ابن عباس في مسألة العول. وإن أنكرت الجماعة ~~عليه ذلك، كخلاف ابن عباس في المتعة والمنع من تحريم ربا الفضل، لم يكن ~~خلافه معتدا به. # ومنهم من قال أن قول الأكثر يكون حجة، وليس بإجماع، ومنهم من قال أن ~~اتباع الأكثر أولى، وإن جاز خلافه. # والمختار مذهب الأكثرين. ويدل عليه أمران: # الأول أن التمسك في إثبات الاجماع حجة إنما هو بالأخبار الواردة في السنة ~~الدالة على عصمة الأمة على ما سبق تقريره. وعند ذلك فلفظ (الأمة) في ~~الاخبار يحتمل أنه أراد به كل الموجودين. من المسلمين في أي عصر كان، ~~ويحتمل أنه أراد به الأكثر، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار ويكرمون الضيف، ~~والمراد به الأكثر منهم: غير أن حمله على الجميع مما يوجب العمل بالاجماع ~~PageV01P235 # قطعا لدخول العدد الأكثر في الكل، ولا كذلك إذا حمل على الأكثر، فإنه لا ~~يكون الاجماع مقطوعا به لاحتمال إرادة الكل والأكثر ليس هو الكل. # الثاني أنه قد جرى مثل ذلك في زمن الصحابة، ولم ينكر أحد منهم على خلاف ~~الواحد، بل سوغوا له الاجتهاد فيما ذهب إليه مع مخالفة الأكثر. ms190 ولو كان ~~إجماع الأكثر حجة ملزمة للغير الاخذ به، لما كان كذلك. فمن ذلك اتفاق أكثر ~~الصحابة على امتناع قتال ما نعي الزكاة مع خلاف أبي بكر لهم. وكذلك خلاف ~~أكثر الصحابة لما انفرد به ابن عباس في مسألة العول وتحليل المتعة وأنه لا ~~ربا إلا في النسيئة. وكذلك خلافهم لابن مسعود فيما انفرد به في مسائل ~~الفرائض، ولزيد بن أرقم في مسألة العينة، ولأبي موسى في قوله: النوم لا ~~ينقض الوضوء، ولأبي طلحة في قوله بأن أكل البرد لا يفطر، إلى غير ذلك. # ولو كان إجماع الأكثر حجة، لبادروا بالانكار والتخطئة، وما وجد منهم من ~~الانكار في هذه الصور لم يكن إنكار تخطئة بل إنكار مناظرة في المأخذ، كما ~~جرت عادة المجتهدين بعضهم مع بعض. ولذلك بقي الخلاف الذي ذهب إليه الأقلون ~~جائزا إلى وقتنا هذا. وربما كان ما ذهب إليه الأقل هو المعول عليه الآن، ~~كقتال مانعي الزكاة. ولو كان ذلك مخالفا للاجماع المقطوع به، لما كان ذلك ~~سائغا. # وقد تمسك بعضهم هاهنا بطريقة أخرى، فقال إنه لو انعقد إجماع الأكثر مع ~~مخالفة الأقل، فإما أن ينعقد الاجماع عليه، فيلزم منه ترك ما علمه بالدليل ~~والرجوع إلى التقليد، وذلك في حق المجتهد ممتنع، وإن لم ينعقد الاجماع ~~عليه، فلا يكون الاجماع حجة مقطوعا بها فإنه لو كان مقطوعا به لما ساغت ~~مخالفته بالاجتهاد. # ولقائل أن يقول: إذا فرضنا أن انعقاد الاجماع من الأكثر دون الأقل حجة ~~قاطعة، فالقول برجوع المجتهد الواحد إليه. وإن كان على خلاف ما أوجبه ~~اجتهاده، لا يكون منكرا لما فيه من ترك الاجتهاد بالرجوع إلى الاجماع ~~القاطع. # ولهذا، فإنه لو أجمعت الأمة على حكم، ثم جاء من بعدهم مجتهد يرى في ~~اجتهاده ما يخالف إجماع الأمة السابقة، لم يجز له الحكم به، بل وجب عليه ~~الرجوع إلى الأمة. PageV01P236 # احتج المخالفون بالنصوص والاجماع والمعقول: # أما من جهة النصوص، فمنها ما ورد من الأخبار الدالة على عصمة الأمة عن ~~الخطأ. ولفظ (الأمة) يصح إطلاقه على أهل ms191 العصر، وإن شذ منهم الواحد ~~والاثنان، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف. والمراد به ~~الأكثر. فكان إجماعهم حجة لدلالة النصوص عليه. # ومنها قوله عليه السلام: عليكم بالسواد الأعظم، عليكم بالجماعة، يد الله ~~على الجماعة، إياكم والشذوذ والواحد والاثنان بالنسبة إلى الخلق الكثير ~~شذوذ. # الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد ونحو ذلك من الاخبار. # وأما الاجماع فهو أن الأمة اعتمدت في خلافة أبي بكر على انعقاد الاجماع ~~عليه، لما اتفق عليه الأكثرون، وإن خالف في ذلك جماعة كعلي وسعد بن عبادة. # ولولا أن إجماع الأكثر حجة مع مخالفة الأقل، لما كانت إمامة أبي بكر ~~ثابتة بالاجماع. # أما من جهة المعقول، فمن خمسة أوجه: # الأول: أن خبر الواحد بأمر لا يفيد العلم. وخبر الجماعة إذا بلغ عددهم ~~عدد التواتر يفيد العلم. فليكن مثله في باب الاجتهاد والاجماع. # الثاني: أن الكثرة يحصل بها الترجيح في رواية الخبر، فليكن مثله في ~~الاجتهاد. # الثالث: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد والاثنين، لما انعقد الاجماع أصلا، ~~لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين فيه، إما سرا، وإما ~~علانية. # الرابع: أن الاجماع حجة في العصر الذي هم فيه، وفيما بعد، وذلك يقتضي أن ~~يكون فيهم مخالف حتى يكون حجة عليه. # الخامس: أن الصحابة أنكرت على ابن عباس خلافه في ربا الفضل في النقود، ~~وتحليل المتعة، والعول. ولولا أن اتفاق الأكثر حجة لما أنكروا عليه، فإنه ~~ليس للمجتهد الانكار على المجتهد. # والجواب: قولهم: لفظ (الأمة) يصح إطلاقه على الأكثر. PageV01P237 # قلنا: بطريق المجاز، ولهذا يصح أن يقال: إذا شذ عن الجماعة واحد، ليس هم ~~كل الأمة ولا كل المؤمنين، بخلاف ما إذا لم يشذ منهم أحد. وعلى هذا، فيجب ~~حمل لفظ (الأمة) على الكل لكون الحجة فيه قطعية لما بيناه في حجتنا. # وعلى هذا، فيجب حمل قوله عليه السلام: عليكم بالسواد الأعظم على جميع أهل ~~العصر، لأنه لا أعظم منه. # فإن قيل: فظاهر هذا الخبر يقتضي أن يكون السواد الأعظم حجة على من ليس من ms192 ~~السواد الأعظم وذلك لا يتم إلا بأن يكون في عصرهم مخالف لهم. # قلنا: هو حجة على من يأتي بعدهم أقل عددا منهم. وعلى هذا يكون الجواب عن ~~قوله: عليكم بالجماعة، يد الله على الجماعة وحيث قال عليه السلام: الاثنان ~~فما فوقهما جماعة إنما أراد به انعقاد جماعة الصلاة بهما، وقوله: إياكم ~~والشذوذ. # قلنا: الشاذ هو المخالف بعد الموافقة، لا من خالف قبل الموافقة، وقوله: ~~الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد أراد به الحث على طلب الرفيق في ~~الطريق، ولهذا قال: والثلاثة ركب. # وما ذكروه في عقد الإمامة لأبي بكر، فلا نسلم أن الاجماع معتبر في انعقاد ~~الإمامة، بل البيعة بمحضر من عدلين كافية. # كيف وإنا لا نسلم عدم انعقاد إجماع الكل على بيعة أبي بكر، فإن كل من ~~تأخر عن البيعة إنما تأخر لعذر أو طرؤ أمر مع ظهور الموافقة منه بعد ذلك. ~~وقد استقصينا الكلام في هذا المعنى في الإمامة من علم الكلام. # والجواب: عن الحجة الأولى من المعقول، أنه، إن كان صدق الأكثر فيما ~~يخبرون به عن أمر محسوس مفيد للعلم، فلا يلزم مثله في الاجماع الصادر عن ~~الاجتهاد، مع أن الاحتجاج فيه إنما هو بقول الأمة، والأكثر ليس هم كل الأمة ~~على ما سبق. ثم لو كان كل من أفاد خبره اليقين، يكون قوله إجماعا محتجا به، ~~لوجب أن يكون إجماع كل أهل بلد محتجا به مع مخالفة أهل البلد الآخر لهم، ~~لان خبر أهل كل بلد يفيد العلم. PageV01P238 # وعن الثانية: أنه لا يلزم من الترجيح بالكثرة في الرواية التي يطلب منها ~~غلبة الظن دون اليقين مثله في الاجماع، مع كونه يقينيا، كيف وإنه لو اعتبر ~~في الاجماع ما يعتبر في الرواية، لكان مصير الواحد إلى الحكم وحده إجماعا، ~~كما أن روايته وحده مقبولة. وليس كذلك. # وعن الثالثة: أن الاحتجاج بالاجماع إنما يكون حيث علم الاتفاق من الكل ~~إما بصريح المقال أو قرائن الأحوال، وذلك ممكن حسب إمكان العلم باتفاق ~~الأكثر، وأما حيث لا يعلم فلا. ms193 وإن قيل إن ذلك غير ممكن، فمثله أيضا جار في ~~الأكثر. ويلزم من ذلك أن لا ينعقد الاجماع أصلا، وهو خلاف الأصلين. # وعن الرابعة: أنه يكون حجة على من خالف منهم بعد الوفاق في زمنهم، وعلى ~~من يوجد بعدهم ثم إن كان الاجماع يكون حجة إلا مع الخلاف، فليزم منه أنه ~~إذا لم يكن خلاف، لا يكون إجماع، وهو ظاهر الإحالة. # وعن الخامسة: أن إنكار الصحابة على ابن عباس فيما ذهب إليه لم يكن بناء ~~على إجماعهم واجتهادهم، بل بناء على مخالفة ما رووه له من الأخبار الدالة ~~على تحريم ربا الفضل ونسخ المتعة، على ما جرت به عادة المجتهدين في ~~مناظراتهم، والانكار على مخالفة ما ظهر لهم من الدليل حتى يبين لهم المأخذ ~~من جانب الخصم، وذلك كما قال ابن عباس: من شاء باهلني باهلته، والذي أحصى ~~رمل عالج عددا ما جعل الله في الفريضة نصفا ونصفا وثلثا، هذان نصفان ذهبا ~~بالمال فأين موضع الثلث وقال آخر: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنا، ~~ولا يجعل أب الأب أبا. وليس ذلك لان العود إلى قوله واجب على من خالفه، بل ~~بمعنى طلب الكشف عن مأخذ المخالفة. وإذا عرف أنه لا يكون اتفاق الأكثر ~~إجماعا، فيمتنع أن يكون حجة لخروجه عن الأدلة المتفق عليها. وهي النص من ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس وعدم دليل يدل على صحة الاحتجاج به. ~~ولذلك لا يكون أولى بالاتباع، لان الترجيح بالكثرة، وإن كان حقا في باب ~~رواية الاخبار لما فيه من ظهور أحد الظنين على الآخر، فلا يلزم مثله في باب ~~الاجتهاد، لما فيه من ترك ما ظهر له من الدليل لما لم يظهر له فيه دليل، أو ~~ظهر، غير أنه مرجوح في نظره. PageV01P239 # المسألة التاسعة اختلفوا في التابعي إذا كان من أهل الاجتهاد في عصر ~~الصحابة هل ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته أم لا. فمنهم من قال: لا ينعقد ~~بإجماعهم مع مخالفته، ثم اختلف هؤلاء. فمن لم يشترط انقراض العصر، قال إن ms194 ~~كان من أهل الاجتهاد قبل انعقاد إجماع الصحابة، فلا يعتد بإجماعهم مع ~~مخالفته، وإن بلغ رتبة الاجتهاد بعد انعقاد إجماع الصحابة، لا يعتد بخلافه. ~~وهذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين وأصحاب أبي حنيفة، ومذهب أحمد ~~بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. # ومن شرط انقراض العصر، قال لا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته، سواء كان ~~من أهل الاجتهاد حالة إجماعهم، أو صار مجتهدا بعد إجماعهم، لكن في عصرهم. # وذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلا، وهو مذهب بعض المتكلمين وأحمد ~~بن حنبل في رواية. # والمختار أنه إن كان من أهل الاجتهاد حالة إجماع الصحابة لا ينعقد ~~إجماعهم دون موافقته. # وقد استدل كثير من أصحابنا بقولهم إن الصحابة سوغت للتابعين المعاصرين ~~لهم الاجتهاد معهم في الوقائع الحادثة في عصرهم، كسعيد بن المسيب وشريح ~~القاضي والحسن البصري ومسروق وأبي وائل والشعبي وسعيد بن جبير وغيرهم، حتى ~~إن عمر وعليا وليا شريحا القضاء ولم يعترضا عليه فيما خالفهما فيه، وحكم ~~على علي، في خصومة عرضت له عنده على خلاف رأي علي، ولم ينكر عليه. # وروي عن ابن عمر أنه سئل عن فريضة، فقال: اسألوا سعيد بن جبير، فإنه أعلم ~~بها مني. # وسئل الحسين بن علي كرم الله وجهه عن مسألة، فقال: اسألوا الحسن البصري. # وسئل ابن عباس عن نذر ذبح الولد، فقال: اسألوا مسروقا. فلما أتاه السائل ~~بجوابه اتبعه. # وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: تذاكرت أنا وابن عباس ~~وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس: عدتها أبعد ~~الأجلين. وقلت أنا: عدتها أن تضع حملها. وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي. # فسوغ ابن عباس لأبي سلمة أن يخالفه مع أبي هريرة، إلى غير ذلك من ~~الوقائع. PageV01P240 # ولو كان قول التابعي باطلا لما ساغ للصحابة تجويزه والرجوع إليه. وفي هذه ~~الحجة نظر، فإن لقائل أن يقول: إنما كان الاجتهاد مسوغا للتابعي عند اختلاف ~~الصحابة، ولا يلزم من الاعتداد بقوله مع الاختلاف الاعتداد بقوله ms195 مع ~~الاتفاق، وهو محل النزاع. ولهذا، فإن قول التابعي معتبر بعد انقراض عصر ~~الصحابة، إذا لم يكن منهم اتفاق، وغير معتبر إذا كان على خلاف اتفاقهم. # والمعتمد في ذلك أن يقال: الأدلة الدالة على كون الاجماع حجة إنما هي ~~الأخبار الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ على ما سبق. وهذا الاسم لا يصدق ~~عليهم مع خروج التابعين المجتهدين عنهم. فإنه لا يقال إجماع جميع الأمة، بل ~~إجماع بعضهم فلا يكون حجة. # احتج الخصوم بالنص والمعقول والآثار: # أما النص فقوله عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، ~~عضوا عليها بالنواجذ وقوله: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وقوله: ~~أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. # وأما المعقول، فهو أن الصحابة لهم مزية الصحبة وشهادة التنزيل وسماع ~~التأويل، وأنهم مرضي عنهم على ما قال تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين ~~إذ يبايعونك تحت الشجرة) * (48) الفتح: 18) وقد قال النبي في حقهم: لو أنفق ~~غيرهم ملء الأرض ذهبا لما بلغ مد أحدهم. وذلك يدل على أن الحق معهم لا مع ~~مخالفهم. # وأما الآثار، فمنها أن عليا عليه السلام نقض على شريح حكمه في ابني عم ~~أحدهما أخ لام، لما جعل المال كله للأخ. # ومنها ما روي عن عائشة أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ~~مجاراته للصحابة وكلامه فيما بينهم، وزجرته عن ذلك، وقالت: فروج يصيح مع ~~الديكة. # والجواب: عن النصوص ما سبق في مسألة انعقاد إجماع غير الصحابة. ~~PageV01P241 # وعن المعقول: قولهم إن الصحابة لهم مزية الصحبة والفضيلة والدرجة ~~الرفيعة. # قلنا: لو كان ذلك مما يوجب اختصاص الاجماع بهم لما اعتبر قول الأنصار مع ~~المهاجرين، ولا قول المهاجرين مع قول العشرة، ولا قول باقي العشرة مع قول ~~الخلفاء الأربعة، ولا قول عثمان وعلي مع قول أبي بكر وعمر، ولا قول غير ~~الأهل مع الأهل، ولا قول غير الزوجات، مع الزوجات لوقوع التفاوت والتفاضل. ~~ولم يقل به قائل. # وعن الآثار، أما نقض علي على شريح حكمه، فليس لان قوله غير معتبر. ms196 # ولهذا فإنه لما حكم عليه في مخاصمته بخلاف رأيه لم ينكر عليه، وإنما نقض ~~حكمه، بمعنى أنه رد عليه بطريق الاستدلال والاعتراض، كما يقال نقض فلان ~~كتاب فلان وكلامه إذا اعترض عليه. ويحتمل أنه نقضه بنص اطلع عليه أوجب نقض ~~حكمه. # وأما إنكار عائشة على أبي سلمة، فيحتمل أنه كان ذلك بخلافه فيما سبق فيه ~~إجماع الصحابة أو لأنه لم يكن قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو بطريق التأديب مع ~~الصحابة، أو لأنها رأت ذلك مذهبا لها، فلا حجة فيه. PageV01P242 # المسألة العاشرة اتفق الأكثرون على أن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون ~~حجة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافا لمالك، فإنه قال: يكون ~~حجة. # ومن أصحابه من قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم. # ومنهم من قال أراد به أن يكون إجماعهم أولى. ولا تمتنع مخالفته. # ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والمختار مذهب الأكثرين. وذلك أن الأدلة الدالة على كون الاجماع حجة، ~~متناولة لأهل المدينة والخارج عن أهلها، وبدونه لا يكونون كل الأمة ولا كل ~~المؤمنين، فلا يكون إجماعهم حجة على ما عرف في المسائل المتقدمة. # احتج من نصر مذهب مالك بالنص والمعقول: # أما النص، فقوله عليه السلام: إن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير ~~خبث الحديد والخطأ من الخبث، فكان منفيا عنها. وقال عليه السلام: إن ~~الاسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها وقال عليه السلام: لا ~~يكايد أحد أهل المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في الماء. # وأما المعقول فمن ثلاثة أوجه: # الأول: هو أن المدينة دار هجرة النبي عليه السلام وموضع قبره، ومهبط ~~الوحي، ومستقر الاسلام، ومجمع الصحابة، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قول ~~أهلها. # الثاني: أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف ~~بأحوال الرسول من غيرهم، فوجب أن لا يخرج الحق عنهم. # الثالث: أن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم، فكان إجماعهم حجة ~~على غيرهم. # والجواب: عن النص الأول ms197 أنه، وإن دل على خلوص المدينة عن الخبث، فليس فيه ~~ما يدل على أن من كان خارجا عنها لا يكون خالصا عن الخبث، ولا على كون ~~إجماع أهل المدينة دونه حجة. وتخصيصه للمدينة بالذكر إنما كان إظهارا ~~لشرفها وإبانة لخطرها وتمييزا لها عن غيرها لما اشتملت عليه من الصفات ~~المذكورة في الوجه الأول من المعقول. وهو الجواب عن باقي النصوص. ~~PageV01P243 # وعن الوجه الأول من المعقول أن غايته اشتمال المدينة على صفات موجبة ~~لفضلها، وليس في ذلك ما يدل على انتفاء الفضيلة عن غيرها، ولا على الاحتجاج ~~بإجماع أهلها. ولهذا، فإن مكة أيضا مشتملة على أمور موجبة لفضلها، كالبيت ~~المحترم، والمقام وزمزم، والحجر المستلم، والصفا، والمروة، ومواضع المناسك، ~~وهي مولد النبي عليه السلام ومبعثه، ومولد إسماعيل، ومنزل إبراهيم. ولم يدل ~~ذلك على الاحتجاج بإجماع أهلها على مخالفيهم إذ لا قائل به. وإنما الاعتبار ~~بعلم العلماء واجتهاد المجتهدين، ولا أثر للبقاع في ذلك. # وعن الوجه الثاني أن ذلك لا يدل على انحصار أهل العلم فيها، والمعتبرين ~~من أهل الحل والعقد، ومن تقوم الحجة بقولهم، فإنهم كانوا منتشرين في ~~البلاد، متفرقين في الأمصار، وكلهم فيما يرجع إلى النظر والاعتبار سواء. ~~ولهذا قال عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يخصص ذلك ~~بموضع دون موضع، لعدم تأثير المواضع في ذلك. # وعن الوجه الثالث أنه تمثيل من غير دليل موجب للجمع بين الرواية ~~والدراية. # كيف وإن الفرق حاصل، وذلك من جهة الاجمال والتفصيل: # أما الاجمال فهو أن الرواية يرجح فيها بكثرة الرواة حتى إنه يجب على كل ~~مجتهد الاخذ بقول الأكثر بعد التساوي في جميع الصفات المعتبرة في قبول ~~الرواية، ولا كذلك في الاجتهاد، فإنه لا يجب على أحد من المجتهدين الاخذ ~~بقول الأكثر من المجتهدين، ولا بقول الواحد أيضا. # وأما من جهة التفصيل، فهو أن الرواية مستندها السماع ووقوع الحوادث ~~المروية في زمن النبي عليه السلام وبحضرته. ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك ~~وأقرب إلى معرفة المروي، كانت روايتهم أرجح. # وأما الاجتهاد فإن ms198 طريقه النظر والبحث بالقلب والاستدلال على الحكم. # وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الأماكن. # وعلى ما ذكرناه، فلا يكون إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمصرين ~~الكوفة والبصرة، حجة على مخالفيهم، وإن خالف فيه قوم لما ذكرناه من الدليل. ~~PageV01P244 # المسألة الحادية عشرة لا يكفي في انعقاد الاجماع اتفاق أهل البيت مع ~~مخالفة غيرهم لهم خلافا للشيعة، للدليل السابق في المسائل المتقدمة. # احتج المثبتون بالكتاب والسنة والمعقول: # أما الكتاب فقوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا) * (33) الأحزاب: 33) أخبر بذهاب الرجس عن أهل البيت بإنما، ~~وهي للحصر فيهم، وأهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين. # ويدل على هذا أنه لما نزلت هذه الآية أدار النبي عليه السلام الكساء على ~~هؤلاء، وقال هؤلاء أهل بيتي والخطأ والضلال من الرجس، فكان منتفيا عنهم. ~~PageV01P245 # وأما السنة فقوله عليه السلام: إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما، ~~لن تضلوا كتاب الله وعترتي حصر التمسك بهما، فلا تقف الحجة على غيرهما. # وأما المعقول فهو أن أهل البيت اختصوا بالشرف والنسب وأنهم أهل بيت ~~الرسالة، ومعدن النبوة والوقوف على أسباب التنزيل، ومعرفة التأويل، وأفعال ~~الرسول وأقواله، لكثرة مخالطتهم له عليه السلام، وأنهم معصومون عن الخطأ ~~PageV01P246 # على ما عرف في موضعه من الإمامة، والآية المذكورة أولا، فكانت أقوالهم ~~وأفعالهم حجة على غيرهم، بل قول الواحد منهم، ضرورة عصمته عن الخطأ، كما في ~~أقوال النبي عليه السلام وأفعاله. # والجواب: عن التمسك بالآية أنها إنما نزلت في زوجات النبي عليه السلام، ~~لقصد دفع التهمة عنهن وامتداد الأعين بالنظر إليهن. # ويدل على ذلك أول الآية وآخرها، وهو قوله تعالى: * (يا نساء النبي لستن ~~كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن ~~قولا معروفا) * (33) الأحزاب: 32) إلى قوله: * وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن ~~تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) * (33) الأحزاب: 33) وقوله عليه ~~السلام: هؤلاء أهل بيتي لا ينافي كون الزوجات ms199 من أهل البيت ويدل عليه الآية ~~المخاطبة لهم بأهل البيت. # والخبر وهو ما روي عن أم سلمة أنها قالت للنبي عليه السلام: ألست من أهل ~~البيت قال: بلى إن شاء الله. # فإن قيل: لو كان المراد بقوله: ليذهب عنكم الرجس أهل البيت الزوجات، لقال ~~(عنكن). # قلنا: إنما قال (عنكم) لان أول الآية وإن كان خطابا مع الزوجات، غير أنه، ~~لما خاطبهن بأهل البيت أدخل معهن غيرهن من الذكور كعلي والحسن والحسين، ~~فجاء بخطاب التذكير، لان الجمع إذا اشتمل على مذكر ومؤنث، غلب جمع التذكير، ~~وصار كما في قوله تعالى في حق زوجه إبراهيم: * (فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب. قالت يا ويلتى، أألد وأنا عجوز، وهذا بعلي شيخا، إن هذا لشئ ~~عجيب. قالوا: أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) * ~~(11) هود: 71 - 73) فكان ذلك عائدا إليها وإلى من حواه بيت إبراهيم من ذكر ~~وأنثى. PageV01P247 # وعن الخبر أنه من باب الآحاد. وعندهم أنه ليس بحجة، وإن كان حجة، ولكن لا ~~نسلم أن المراد بالثقلين الكتاب والعترة، بل الكتاب والسنة على ما روي أنه ~~قال: كتاب الله وسنتي وإن كان كما ذكروه، غير أنه أمكن حمله على الرواية ~~عنه عليه السلام وروايتهم حجة. ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الأدلة، وإنما ~~خصهم بذلك، لأنهم أخبر بحاله من أقواله وأفعاله. # ثم ما ذكروه معارض بقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم، عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ ~~وبقوله: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وبقوله: خذوا شطر دينكم عن ~~الحميراء وليس العمل بما ذكرتموه أولى مما ذكرناه. # وعن المعقول، أما اختصاصهم بالشرف والنسب، فلا أثر له في الاجتهاد ~~واستنباط الاحكام من مداركها، بل المعول في ذلك إنما هو على الأهلية للنظر ~~والاستدلال ومعرفة المدارك الشرعية وكيفية استثمار الاحكام منها، وذلك مما ~~لا يؤثر فيه الشرف ولا قرب القرابة. # وأما كثرة المخالطة للنبي عليه السلام، فذلك مما يشارك العترة فيه ~~الزوجات، ومن كان يصحبه من ms200 الصحابة في السفر والحضر من خدمه وغيرهم. # وأما العصمة، فلا يمكن التمسك بها لما بيناه في الكتب الكلامية. # وأما الآية فقد بينا أن المراد بنفي الرجس إنما هو نفي الظنة والتهمة عن ~~زوجات النبي عليه السلام، وذلك بمعزل عن الخطأ والضلال في الاجتهاد والنظر ~~في الأحكام الشرعية. PageV01P248 # وعلى هذا، فقد بطل أن يكون قول الواحد منهم أيضا حجة. # ويؤيد ذلك أن عليا، عليه السلام، لم ينكر على أحد ممن خالفه فيما ذهب ~~إليه من الاحكام، ولم يقل له إن الحجة فيما أقول، مع كثرة مخالفيه. ولو كان ~~ذلك منكرا، فقد كان متمكنا من الانكار فيما خولف فيه في زمن ولايته وظهور ~~شوكته، فتركه لذلك يكون خطأ منه، ويخرج بذلك عن العصمة وعن وجوب اتباعه ~~فيما ذهب إليه. # المسألة الثانية عشرة لا ينعقد إجماع الأئمة الأربعة مع وجود المخالف لهم ~~من الصحابة عند الأكثرين، خلافا لأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، ~~وللقاضي أبي حازم من أصحاب أبي حنيفة. وكذلك لا ينعقد إجماع الشيخين أبي ~~بكر وعمر مع مخالفة غيرهما لهما، خلافا لبعض الناس. ودليل ذلك ما سبق في ~~المسائل المتقدمة. # حجة من قال بانعقاد إجماع الأئمة الأربعة قوله عليه السلام: عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ أوجب اتباع سنتهم كما ~~أوجب اتباع سنته. والمخالف لسنته لا يعتد بقوله، فكذلك المخالف لسنتهم. # وحجة من قال بانعقاد إجماع الشيخين قوله عليه السلام: اقتدوا باللذين من ~~بعدي أبي بكر وعمر. # والجواب عن الخبر الأول أنه عام في كل الخلفاء الراشدين ولا دلالة فيه ~~على الحصر في الأئمة الأربعة، وإن دل على الحصر فهو معارض بقوله عليه ~~السلام: # أصحابي كالنجوم الحديث. وليس العمل بأحد الخبرين أولى من الآخر. وإذا ~~تعارض الخبران سلم لنا ما ذكرناه، وبهذا يبطل الاستدلال بالخبر الآخر أيضا. ~~PageV01P249 # المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في اشتراط عدد التواتر في الاجماع، فمن ~~استدل على كون الاجماع حجة بدلالة العقل، وهو أن الجمع الكثير لا يتصور ~~تواطئهم على الخطأ كإمام الحرمين ms201 وغيره، فلا بد من اشتراط ذلك عنده لتصور ~~الخطأ على من دون عدد التواتر وأما من احتج على ذلك بالأدلة السمعية، فقد ~~اختلفوا: فمنهم من شرطه، ومنهم من لم يشترطه. # والحق أنه غير مشترط لما بيناه من أن إثبات الاجماع بطريق العقل غير ~~متصور، وأنه لا طريق إليه سوى الأدلة السمعية من الكتاب والسنة. وعلى هذا، ~~فمهما كان عدد الاجماع أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ (الأمة) و ~~(المؤمنين)، وكانت الأدلة السمعية موجبة لعصمتهم عن الخطأ عليهم، ووجب ~~اتباعهم. # فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يصح بتقدير عود عدد المسلمين إلى ما دون عدد ~~التواتر، وذلك غير متصور، مهما دام التكليف من الله تعالى بدين الاسلام، ~~وذلك لان التكليف به إنما يكون مع قيام الحجة على ذلك، والحجة على ذلك إنما ~~تكون بالنقل المفيد لوجود محمد وتحديه بالرسالة، وما ورد على لسانه من معجز ~~الكتاب والسنة وأدلة الاحكام يقينا، ولا يفيد ذلك غير التواتر من أخبار ~~المسلمين لعدم نقل غيرهم لذلك، ومبالغتهم في محو ذلك وإعدامه. # سلمنا إمكان انتفاء التكليف مع عود عدد المجمعين إلى ما دون عدد التواتر، ~~ولكن ما دون عدد التواتر مما لا يعلم إسلامهم وإيمانهم بأقوالهم، ومن لا ~~يعلم إيمانه لا يعلم صدقه في الخبر عن الدين. # سلمنا إمكان حصول العلم بأقوال من عددهم دون عدد التواتر، فلو لم يبق من ~~الأمة سوى واحد، هل تقوم الحجة بقوله أم لا؟ # والجواب عن الأول أنا إن قلنا إن أهل الاجماع هم أهل الحل والعقد، فلا ~~يلزم من نقصان عددهم عن عدد التواتر انقطاع الحجة بالتكليف، لامكان حصول ~~المعرفة بذلك من أخبار المجتهدين والعامة جميعا، فإنه ليس من شرط التواتر ~~أن PageV01P250 # يكون ناقله مجتهدا. وإن قلنا إن العوام داخلة في الاجماع، ومع ذلك فعدد ~~الجميع دون عدد التواتر، فلا يلزم أيضا انقطاع ذلك لامكان إدامة الله ذلك ~~بأخبار المسلمين وأخبار الكفار معهم، وإن كانوا لا يعترفون بنبوة محمد عليه ~~السلام، وبخبر العدد القليل لاحتفاف القرائن المفيدة للعلم بأخبارهم، ms202 ويدل ~~على ذلك قوله عليه السلام: لا تزال طائفة من أمتي تقوم بالحق حتى يأتي أمر ~~الله، وبتقدير عدم ذلك كله فانقطاع التكليف وانتهاء الاسلام غير ممتنع عقلا ~~ولا شرعا. ولذلك قال عليه السلام: أول ما يفقد من دينكم الأمانة، وآخر ما ~~يفقد الصلاة وقال عليه السلام: إن الله لا ينزع العلم من صدور الرجال، ولكن ~~ينزع العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فإذا ~~سئلوا أفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. # وعن السؤال الثاني انه لا بعد في حصول العلم بخبرهم بما يحتف به من ~~القرائن، بل ولا بعد في ذلك، وأن كان المخبر واحدا، وأن يخلق الله لنا ~~العلم الضروري بذلك. # وعن السؤال الثالث أذلك مما اختلف فيه جواب الأصحاب فمنهم من قال إن قوله ~~يكون حجة متبعة، لأنه إذا لم يوجد من الأمة سواه، صدق عليه إطلاق لفظ ~~(الأمة)، ودليله قوله تعالى: * (إن إبراهيم كان أمة قانتا) * (16) النحل: ~~120) أطلق لفظ (الأمة) عليه وهو واحد. والأصل في الاطلاق الحقيقة وإذا كان ~~أمة كانت النصوص السابق ذكرها متناولة له حسب تناولها للجمع الكثير. # ومنهم من أنكر ذلك مصيرا منه إلى أن لفظ (الاجماع) مشعر بالاجتماع، وأقل ~~ما يكون ذلك من اثنين فصاعدا. PageV01P251 # المسألة الرابعة عشرة اختلفوا فيما إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى ~~حكم وعرف به أهل عصره. ولم ينكر عليه منكر: هل يكون ذلك إجماعا؟ # فذهب أحمد بن حنبل وأكثر أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي والجبائي ~~إلى أنه إجماع وحجة. # لكن من هؤلاء من شرط في ذلك انقراض العصر كالجبائي. # وذهب الشافعي إلى نفي، الامرين وهو منقول عن داود وبعض أصحاب أبي حنيفة. # وذهب أبو هاشم إلى أنه حجة، وليس بإجماع. # وذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أنه إن كان ذلك حكما من ~~حاكم لم يكن إجماعا، وإن كان فتيا كان إجماعا، وقد احتج النافون لكونه ~~إجماعا بأن سكوت من سكت يحتمل أن يكون لأنه موافق. # ويحتمل أنه ms203 لم يجتهد بعد في حكم الواقعة، ويحتمل أنه اجتهد، لكن لم يؤده ~~اجتهاده إلى شئ، وإن أدى اجتهاده إلى شئ، فيحتمل أن يكون ذلك الشئ مخالفا ~~للقول الذي ظهر. لكنه لم يظهره: # إما للتروي والتفكر في ارتياد وقت يتمكن من إظهاره، وإما لاعتقاده أن ~~القائل بذلك مجتهد، ولم ير الانكار على المجتهد لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، ~~أو لأنه سكت خشية ومهابة وخوف ثوران فتنة، كما نقل عن ابن عباس أنه وافق ~~عمر فمسألة العول، وأظهر النكير بعده، وقال هبته، وكان رجلا مهيبا، وإما ~~لظنه أن غيره قد كفاه مؤنة الانكار وهو مخطئ فيه. # ومع هذه الاحتمالات فلا يكون سكوتهم مع انتشار قول المجتهد فيما بينهم ~~إجماعا ولا حجة. PageV01P252 # وأما حجة ابن أبي هريرة أن العادة جارية بأن الحاضر مجالس الحكام يحضر ~~على بصيرة من خلافهم له فيما ذهب إليه من غير إنكار، لما في الانكار من ~~الافتيات عليهم، ولأن حكم الحاكم يقطع الخلاف، ويسقط الاعتراض، بخلاف قول ~~المفتي فإن فتواه غير لازمة ولا مانعة من الاجتهاد. وفي هاتين الحجتين نظر: # أما الأولى فما ذكر فيها من الاحتمالات، وإن كانت منقدحة عقلا، فهي خلاف ~~الظاهر من أحوال أرباب الدين وأهل الحل والعقد. # أما احتمال عدم الاجتهاد في الواقعة فبعيد من الخلق الكثير، والجم ~~الغفير، لما فيه من إهمال حكم الله تعالى فيما حدث، مع وجوبه عليهم ~~وإلزامهم به، وامتناع تقليدهم لغيرهم، مع كونهم من المجتهدين، فإنه معصية. ~~والظاهر عدم ارتكابها من المتدين المسلم. # وأما احتمال عدم تأدية الاجتهاد إلى شئ من الاحكام، فبعيد أيضا، لان ~~الظاهر أنه ما من حكم إلا ولله تعالى عليه دلائل وأمارات تدل عليه. والظاهر ~~ممن له أهلية الاجتهاد، إنما هو الاطلاع عليها، والظفر بها. # وأما احتمال تأخير الانكار للتروي والتفكر، وإن كان جائزا، غير أن العادة ~~تحيل ذلك في حق الجميع، ولا سيما إذا مضت عليهم أزمنة كثيرة حتى انقرض ~~العمر من غير نكير. # وأما احتمال السكوت عنه لكونه مجتهدا، فذلك مما لا يمنع من ms204 مباحثته ~~ومناظرته وطلب الكشف عن مأخذه، لا بطريق كالعادة الجارية من زمن الصحابة ~~إلى زمننا هذا بمناظرة المجتهدين، وأئمة الدين فيما بينهم، لتحقيق الحق، ~~وإبطال الباطل كمناظرتهم في مسائل الجد والاخوة وقوله: أنت علي حرام ~~والعول، ودية الجنين، ونحو ذلك من المسائل. # وأما احتمال التقية فبعيد أيضا، وذلك لان التقية إنما يكون فيما يحتمل ~~المخافة ظاهرا، وليس كذلك لوجهين. # الأول: أن مباحث المجتهدين غير مستلزمة لذلك، وذلك لان الغالب من حال ~~المجتهد، وهو من سادات أرباب الدين أن مباحثته فيما ذهب إليه لا توجب خيفة ~~في نفسه، ولا حقدا في صدره، تخاف عاقبته، إذ هو خلاف مقتضى الدين. ~~PageV01P253 # الثاني: أنه إما أن يكون خاملا غير مخوف، فلا تقية بالنسبة إليه، وإن كان ~~ذا شوكة وقوة كالامام الأعظم، فمحاباته في ذلك تكون غشا في الدين، والكلام ~~معه فيه يعد نصحا. والغالب إنما هو سلوك طريق النصح وترك الغش من أرباب ~~الدين، كما نقل عن علي في رده على عمر في عزمه على إعادة الجلد على أحد ~~الشهود على المغيرة، بقوله: إن جلدته، ارجم صاحبك. ورد معاذ عليه في عزمه ~~على جلد الحامل بقوله: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلا فما جعل لك على ما ~~في بطنها سبيلا، حتى قال عمر: لولا معاذ لهلك عمر. ومن ذلك رد المرأة على ~~عمر لما نهى عن المغالاة في مهور النساء بقولها: أيعطينا الله تعالى بقوله: ~~* (وآتيتم إحداهن قنطارا، فلا تأخذوا منه شيئا) * (4) النساء: 20) ويمنعنا ~~عمر، حتى قال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته. # ومن ذلك قول عبيدة السلماني لعلي، عليه السلام، لما ذكر أنه قد تجدد له ~~رأي في بيع أمهات الأولاد: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، إلى ~~غير ذلك من الوقائع. # وأما حجة ابن أبي هريرة، فإنما تصح بعد استقرار المذاهب. وأما قبل ذلك، ~~فلا نسلم أن السكوت لا يكون إلا عن رضى وعلى هذا، فالاجماع السكوتي ظني، ~~والاحتجاج به ظاهر لا قطعي. PageV01P254 # المسألة الخامسة عشرة إذا ذهب واحد من ms205 أهل الحل والعقد إلى حكم في مسألة. ~~ولم ينتشر بين أهل عصره، لكنه يعرف له مخالف، هل يكون إجماعا؟ # اختلفوا فيه، والأكثر على أنه ليس بإجماع، وهو المختار. # وذلك لأنه إنما يتخيل كونه إجماعا من أهل العصر، إذا علموا بقوله وسكتوا ~~عن الانكار، على ما تقدم في المسألة التي قبلها. # وأما إذا لم يعلموا به، فيمتنع رضاهم به أو سخطهم. ومع ذلك فيحتمل أن لا ~~يكون لهم في تلك المسألة قول، لعدم خطورها ببالهم. # وإن كان لهم فيها قول، احتمل أن يكون موافقا للمنقول إلينا، واحتمل أن ~~يكون مخالفا له، احتمالا على السواء. ومن لا قول له في نفس الامر في ~~المسألة، أو له قول، لكنه متردد بين الموافقة والمخالفة، فلا تتحقق منه ~~الموافقة والاجماع. وإذا لم يكن ذلك إجماعا، فهل يكون ما نقل إلينا من قول ~~الصحابي حجة متبعة أو لا. فسيأتي الكلام فيه فيما بعد. PageV01P255 # المسألة السادسة عشرة اختلفوا في انقراض العصر: هل هو شرط في انعقاد ~~الاجماع أو لا؟ # فذهب أكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة والأشاعرة والمعتزلة إلى أنه ليس ~~بشرط. # وذهب أحمد بن حنبل والأستاذ أبو بكر بن فورك إلى اعتباره شرطا. # ومن الناس من فصل، وقال: إن كان قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما، ~~لا يكون انقراض العصر شرطا. وإن كان الاجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد ~~إلى حكم، وسكت الباقون عن الانكار مع اشتهاره فيما بينهم، فهو شرط. # وهذا هو المختار. # لكن، قد احتج القائلون بعدم الاشتراط بمسلكين ضعيفين لا بد من الإشارة ~~إليهما، ووجه ضعفهما. ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. # المسلك الأول: أنهم قالوا: وقع الاجماع على كون الاجماع حجة بعد انقراض ~~العصر، إذا لم يوجد لهم مخالف، فالحجة إما أن تكون في نفس الاتفاق، أو نفس ~~انقراض العصر، أو مجموع الامرين. # لا جائز أن يقال بالثاني، وإلا كان انقراض العصر دون الاتفاق حجة، وهو ~~محال، ولا جائز أن يقال بالثالث، وإلا كان موتهم مؤثرا في جعل أقوالهم حجة، ms206 ~~وهو محال كما في موت النبي عليه السلام. فلم يبق سوى الأول، وهو ثابت قبل ~~انقراض العصر، وذلك هو المطلوب. # ولقائل أن يقول: ما المانع أن تكون الحجة في اتفاقهم مشروطا بعدم المخالف ~~لهم في عصرهم. ولا يخفى أن دعوى إحالة ذلك غير محل النزاع، ولا يلزم من عدم ~~اشتراط عدم مخالفة النبي، عليه السلام، في صحة الاحتجاج بقوله عدم اشتراط ~~ذلك فيما نحن فيه، إذ هو تمثيل من غير جامع صحيح، كيف والفرق حاصل من جهة ~~أن قول النبي مستند إلى الوحي على ما قال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3 - 4) وقول غيره: ليس عن وحي حتى يقع في ~~مقابلة قوله: وأما قول غيره فمستند إلى الاجتهاد، وقول المخالف له أيضا ~~مستند إلى الاجتهاد، وليس أحدهما أولى من الآخر، فافترقا. PageV01P256 # المسك الثاني: هو أن القول باشتراط انقراض العصر يفضي إلى عدم تحقق ~~الاجماع مطلقا، مع كونه حجة متبعة. وكل شرط أفضى إلى إبطال المشروط المتفق ~~على تحقيقه كان باطلا. # وبيان ذلك أن من اشترط انقراض العصر جوز لمن حدث من التابعين لأهل ذلك ~~العصر، إذا كان من أهل الاجتهاد، مخالفتهم، وشرط في صحة إجماعهم موافقته ~~لهم، وإذا صار التابعي من أهل الاجماع، فقد لا ينقرض عصرهم حتى يحدث تابع ~~التابعي. والكلام فيه كالكلام في الأول وهلم جرا، إلى يوم القيامة. # ومع ذلك، فلا يكون الاجماع متحققا في عصر من الاعصار. # ولقائل أن يقول: القائلون باشتراط انقراض العصر اختلفوا في إدخال من أدرك ~~المجمعين من التابعين لهم في إجماعهم: # فذهب أحمد بن حنبل إلى أنه لا مدخل للتابعي في إجماع أهل ذلك العصر في ~~إحدى الروايتين عنه، مع أنه يشترط انقراض العصر. وفائدة اشتراطه لذلك إمكان ~~رجوع المجمعين أو بعضهم عما حكموا به أولا، لا لجواز وجود مجتهد آخر، وعلى ~~هذا، فالاشكال يكون مندفعا. وبتقدير تسليم دخول التابع لهم في إجماعهم، فلا ~~يمتنع أن يكون الشرط هو انقراض عصر المجمعين عند حدوث الحادثة، واعتبار ms207 ~~موافقة من أدرك ذلك العصر من المجتهدين لا عصر من أدرك عصرهم. وعلى هذا، ~~فالاشكال لا يكون متجها. # والمعتمد في ذلك أن يقال: إذا اتفق إجماع أمة عصر من الاعصار على حكم ~~حادثة، فهم كل الأمة بالنسبة إلى تلك المسألة، وتجب عصمتهم في ذلك عن الخطأ ~~على ما سبق من النصوص في مسألة إثبات كون الاجماع حجة، وذلك غير متوقف على ~~انقراض عصرهم. # هذا فيما إذا اتفقوا على الحكم بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما وأما إن حكم ~~واحد بحكم، وانتشر حكمه فيما بينهم، وسكتوا عن الانكار، وإن كان الظاهر ~~الموافقة، على ما سبق تقريره، فذلك مما لا يمنع من إظهار بعضهم PageV01P257 # المخالفة في وقت آخر لاحتمال أن يكون في مهلة النظر. وقد ظهر له الدليل ~~عند ذلك. ويدل على ظهور هذا الاحتمال إظهاره للمخالفة. فإنه لو كان سكوته ~~عن موافقة ودليل، لكان الظاهر عدم مخالفته لذلك الدليل. وأما إن حدث تابعي ~~مخالف، مع إصرار الباقين على السكوت، فالظاهر أنه لا يعتد بمخالفته في ~~مقابلة الاجماع الظاهر. # احتج المخالفون بالنص والآثار والمعقول: # أما النص فقوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على ~~الناس) * (2) البقرة: 143) ووجه الدلالة أنه جعلهم حجة على الناس، ومن جعل ~~إجماعهم مانعا لهم من الرجوع، فقد جعلهم حجة على أنفسهم. # وأما الآثار، فمنها ما روي عن علي، عليه السلام، أنه قال اتفق رأيي ورأي ~~عمر على أن لا تباع أمهات الأولاد، والآن فقد رأيت بيعهن، أظهر الخلاف بعد ~~الوفاق، ودليله قول عبيدة السلماني: # رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. وقول عبيدة دليل سبق الاجماع. # ومنها أن عمر خالف ما كان عليه أبو بكر والصحابة في زمانه من التسوية في ~~القسم، وأقره الصحابة أيضا على ذلك. # ومنها أن عمر حد الشارب ثمانين، وخالف ما كان أبو بكر والصحابة عليه من ~~الحد أربعين. # وأما المعقول، فمن أربعة أوجه. # الأول أن إجماعهم ربما كان عن اجتهاد وظن، ولا حجر على المجتهد إذا تغير ~~اجتهاده، وإلا كان الاجتهاد مانعا ms208 من الاجتهاد، وهو ممتنع. وذلك، لان ~~العادة جارية بأن الرأي والنظر عند المراجعة وتكرر النظر يكون أوضح وأصح. # ويدل عليه قوله تعالى: * (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي) * (11) هود: 27) جعلوا بادي الرأي ذما وطعنا، فلا يجوز أن يكون ~~محكما على الرأي الثاني. # الوجه الثاني أنه لو لم تعتبر المخالفة في عصرهم، لبطل مذهب المخالف لهم ~~في عصرهم بموته، لان من بقي بعده كل الأمة، وذلك خلاف الاجماع. PageV01P258 # الوجه الثالث: أن قول الجماعة لا يزيد على قول النبي عليه السلام، ووفاة ~~النبي شرط في استقرار الحجة فيما يقوله. فاشتراط ذاك في استقرار قول ~~الجماعة أولى. # الوجه الرابع أنه لو لم يشترط انقراض العصر، وإلا فبتقدير أن يتذكر واحد ~~منهم أو جماعة منهم أو جملتهم، حديثا عن رسول الله، على خلاف إجماعهم. # فإن جاز رجوعهم إليه، كان الاجماع الأول خطأ، وإن لم يجز الرجوع، كان ~~استمرارهم على الحكم، مع ظهور دليل يناقضه، وهو أيضا خطأ، ولا مخلص منه إلا ~~باشتراط انقراض العصر. # والجواب عن الآية من وجهين: # الأول أنه لا يلزم من وصفهم بأنهم شهداء على الناس وحجة على غيرهم امتناع ~~كون أقوالهم حجة على أنفسهم، إلا بطريق المفهوم، ولا حجة فيه على ما يأتي، ~~بل ربما كان قبول قولهم على أنفسهم أولى من قبوله على غيرهم لعدم التهمة، ~~وتكون فائدة التخصيص التنبيه بالأدنى على الاعلى. ولهذا، فإنه قد يقبل ~~إقرار المرء على نفسه، وإن كان لا تقبل شهادته على غيره. # الثاني أن المراد بجعلهم شهداء على الناس في يوم القيامة بإبلاغ الأنبياء ~~إليهم، فلا يكون ذلك حجة فيما نحن فيه. # وعن الآثار: أما قول علي، فليس فيه ما يدل على اتفاق الأمة، وإلا قال: # أيي ورأي الأمة. والذي يدل على ذلك أنه قد نقل أن جابر بن عبد الله كان ~~يرى جواز بيعهن في زمن عمر، ومع مخالفته، فلا إجماع. وقول السلماني ليس فيه ~~أيضا ما يدل على اتفاق الجماعة على ذلك. لأنه يحتمل أنه أراد به رأيك ms209 مع ~~رأي الجماعة، ويحتمل أنه أراد به رأيك في زمن الجماعة والألفة والطاعة ~~للامام أحب إلينا من رأيك في زمن الفتنة وتشتيت الكلمة، نفيا للتهمة عن علي ~~في تطرقها إليه في PageV01P259 # مخالفة الشيخين، وبتقدير أن يكون علي قد خالف بعد انعقاد الاجماع، فلعله ~~كان ممن يرى اشتراط انقراض العصر. ولا حجة في قول المجتهد الواحد في محل ~~النزاع. # وأما قضية التسوية، فلا نسلم أن عمر خالف فيها بعد الوفاق، فإنه روي أنه ~~خالف أبا بكر في ذلك في زمانه، وقال له: أتجعل من جاهد في سبيل الله بنفسه ~~وماله كمن دخل في الاسلام كرها؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجرهم ~~على الله، وإنما الدنيا بلاغ. ولم يرو أن عمر رجع إلى قول أبي بكر، وإنما ~~فضل في زمانه وعود الامر إليه، لأنه كان مصرا على المخالفة. # وأما حده للشارب ثمانين، فغايته أنه خالف الاجماع السكوتي، ونحن نقول ~~بجواز ذلك لكونه كان من جملة الساكتين على ما بيناه في المسألة المتقدمة. # وعن الحجة الأولى: من المعقول أنه، وإن كان مصير كل واحد من المجتهدين ~~إلى الحكم عن اجتهاد وظن، ولكن بعد اتفاقهم على الحكم إنما يجوز الرجوع عنه ~~بالاجتهاد أن لو لم يصر الحكم بإجماعهم قطعيا. وأما إذ صار قطعيا فيمتنع ~~العود عنه وتركه بالاجتهاد الظني. وهذا بخلاف العود عن الاجتهاد الظني ~~بالاجتهاد الظني. # وعن الثانية: أنه قد ذهب بعض من نص هذا المذهب إلى إبطال مذهب المخالف ~~بموته، وقال بانعقاد إجماع من بقي ومنهم من قال: إنما لم يبطل مذهبه، ولا ~~ينعقد الاجماع بعده، لان من بعده ليس هم كل الأمة بالنسبة إلى هذه المسألة ~~التي خالف فيها الميت، فإن فتواه لا تبطل بموته، وهو الحق. # وعن الثالثة: بالفرق بين النبي، عليه السلام، والأمة، أن قوله إنما لم ~~يستقر قبل موته لامكان نسخه من الله تعالى، وهو مرتقب. وذلك إنما هو بالوحي ~~القاطع، ورفع القاطع بالقاطع على طريق النسخ غير ممتنع بخلاف رفع حكم ~~الاجماع القاطع بطريق الاجتهاد. ms210 # وعن الرابعة: أن ما فرضوه من تذكر الخبر المخالف لاجماعهم فهو فرض محال، ~~بل الله تعالى يعصم الأمة عن الاجماع على خلاف الخبر، وذلك يوجب إما عدم ~~الخبر المخالف، أو أن يعصم الراوي له عن النسيان إلى تمام انعقاد الاجماع. # وعلى هذا، يكون الحكم فيما يقال من اطلاع التابعين على خبر مخالف للاجماع ~~السابق. PageV01P260 # المسألة السابعة عشرة اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن ~~مأخذ ومستند يوجب اجتماعها خلافا لطائفة شاذة، فإنهم قالوا بجواز انعقاد ~~الاجماع عن توفيق لا توقيف بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير ~~مستند. # وقد احتج النافون لذلك بمسالك: # المسلك الأول: إنهم قالوا مع فقد الدليل والمستند لا يجب الوصول إلى ~~الحق، أي لا يلزم. # ولقائل أن يقول: متى لا يلزم ذلك، إذا لم تجمع الأمة على الحكم، أو إذا ~~أجمعت؟ الأول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع، فإنه ما المانع أنهم إذا اتفق ~~إجماعهم، أن يوفقهم الله تعالى للصواب، ضرورة استحالة إجماعهم على الخطأ ~~لما سبق في المسالك السمعية، والكلام إنما هو في جواز ذلك لا في وقوعه. # المسلك الثاني: إن الصحابة ليسوا بآكد حالا من النبي عليه السلام. ومعلوم ~~أنه لا يقول ولا يحكم إلا عن وحي على ما نطق به النص، فالأمة أولى أن لا ~~تقول إلا عن دليل. # ولقائل أن يقول: إذا دل الدليل على امتناع الخطأ على الرسول فيما يقول، ~~وكذلك الأمة، فلو قال الرسول قولا. وحكم بحكم عن غير دليل، لما كان إلا حقا ~~ضرورة استحالة الخطأ عليه، غير أنه امتنع منه الحكم والقول من غير دليل ~~لقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3 - ~~4) وأما الأمة فقد دل الدليل على استحالة الخطأ عليهم فيما أجمعوا عليه، ~~ولم يدل على أنهم لا يحكمون إلا عن دليل، فافترقا. PageV01P261 # المسلك الثالث: إنه لو جاز أن يحكموا من غير مستند، لجاز ذلك لكل واحد ~~منهم، فإنهم إنما يجمعون على الحكم بأن يقول كل واحد ms211 به، ولو جاز ذلك ~~لآحادهم، لم يكن للجمع في ذلك مزية على الآحاد. # ولقائل أن يقول: المزية للجمع على الآحاد من وجهين: # الأول أن إجماعهم يكون حجة بخلاف قول كل واحد من الآحاد. # الثاني أن جواز ذلك للآحاد مشروط بضم قول الباقي إليه، لا أنه جائز من ~~غير ضم، ولا كذلك قول الجميع، فإنه جائز على الاطلاق. # المسلك الرابع: إن القول في الدين من غير دلالة ولا أمارة خطأ، فلو ~~اتفقوا عليه كانوا مجمعين على الخطأ، وذلك محال قادح في الاجماع. # ولقائل أن يقول: متى يكون ذلك خطأ إذا لم تجمع الأمة عليه، أو إذا أجمعت؟ ~~الأول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع. # المسلك الخامس: إن المقالة إذا لم تستند إلى دليل لا يعلم انتسابها إلى ~~وضع الشارع، وما يكون كذلك لا يجوز الاخذ به. # ولقائل أن يقول: إما أن يراد بأنه لا يعرف انتسابها إلى وضع الشارع، أنه ~~لا يعرف ذلك عن دليل شرعي، أو أنه لا يعلم كونها مصيبة لحكم الشارع أو معنى ~~آخر: # الأول مسلم، وهذا هو عين صورة الواقع المختلف فيه. # والثاني دعوى محل النزاع، والثالث فلا بد من تصويره والدلالة عليه. ~~PageV01P262 # المسلك السادس: أنه لو جاز انعقاد الاجماع من غير دليل لم يكن لاشتراط ~~الاجتهاد في قول المجمعين معنى، وهو محال، لان اشتراط الاجتهاد مجمع عليه. # ولقائل أن يقول: الاجتهاد مشترط لا حالة الاجماع، أو حالة الاجماع؟ # الأول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع. فإن الخصم إذا قال بجواز الإصابة ~~وامتناع الخطأ على الاجماع من غير دليل، كيف يسلم اشتراط الاجتهاد في مثل ~~هذه الصورة. فهذه جملة ما ظفرت به من مسالك النافين وليس شئ منها موجبا ~~لاستبعاد مقالة المخالف والحكم ببعده عن الصواب. # وأما المثبتون فقد احتجوا بمسلكين: # الأول أن الاجماع حجة، فلو افتقر في جعله حجة إلى دليل، لكان ذلك الدليل ~~هو الحجة في إثبات الحكم المجمع عليه، ولم يكن في إثبات كون الاجماع حجة ~~فائدة وهو باطل من ثلاثة أوجه. # الأول: أنه أمكن أن ms212 يقال فائدة كون الاجماع حجة، جواز الاخذ به وإسقاط ~~البحث عن ذلك الدليل وحرمة المخالفة الجائزة قبل الاتفاق. # الثاني: أن ما ذكروه يوجب عدم انعقاد الاجماع عن الدليل ولم يقولوا به. # الثالث: أنه ينتقض بقول الرسول، فإنه حجة بالاتفاق مع أنه لا يقول ما ~~يقوله إلا عن دليل، وهو ما يوحى به إليه على ما نطق به النص. # المسلك الثاني: استدلالهم بالواقع، وهو أنهم قالوا: قد انعقد الاجماع من ~~غير دليل كإجماعهم على أجرة الحمام، وناصب الحباب على الطريق، وأجرة ~~الحلاق، وأخذ الخراج ونحوه. # ولقائل أن يقول: لا نسلم وقوع شئ من الاجماعات إلا عن دليل غايته أنه لم ~~ينقل الاكتفاء بالاجماع عنه وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فالواجب أن ~~يقال: إنهم إن أجمعوا عن غير دليل، فلا يكون إجماعهم إلا حقا ضرورة استحالة ~~الخطأ عليهم. وأما أن يقال إنه لا يتصور إجماعهم إلا عن دليل أو يتصور، ~~فذلك مما قد ظهر ضعف المأخذ فيه من الجانبين. PageV01P263 # المسألة الثامنة عشرة القائلون بأنه لا ينعقد الاجماع إلا عن مستند ~~اختلفوا في جواز انعقاده عن الاجتهاد والقياس. فجوزه الأكثرون، لكن اختلفوا ~~في الوقوع نفيا وإثباتا. # والقائلون بثبوته اختلفوا فمنهم من قال إن الاجماع مع ذلك يكون حجة تحرم ~~مخالفته، وهم الأكثرون، ومنهم من قال لا تحرم مخالفته، لان القول بالاجتهاد ~~في ذلك يفتح باب الاجتهاد ولا يحرمه. # وذهبت الشيعة وداود الظاهري وابن جرير الطبري إلى المنع من ذلك. # ومن الناس من قال بجواز ذلك بالقياس الجلي دون الخفي. # والمختار جوازه ووقوعه. وأنه حجة تمتنع مخالفته. # أما دليل الجواز العقلي، فهو أنا قد وجدنا الخلق الكثير الزائد على عدد ~~التواتر مجمعين على أحكام باطلة لا تستند إلى دليل قطعي ولا دليل ظني، كما ~~ذكرناه في مسألة تصور انعقاد الاجماع. فجواز انعقاد الاجماع عن الدليل ~~الظني الظاهر أولى كيف وأنا لو قدرنا وقوع ذلك لما لزم عنه لذاته محال ~~عقلا، ولا معنى للجائز سوى هذا. # وأما دليل الوقوع فهو أن الصحابة أجمعت على ms213 إمامة أبي بكر من طريق ~~الاجتهاد والرأي، حتى قال جماعة منهم رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه ~~لدنيانا؟ # وقال بعضهم: إن تولوها أبا بكر، تجدوه قويا في أمر الله، ضعيفا في بدنه ~~وأيضا فإنهم اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بطريق الاجتهاد، حتى قال أبو ~~بكر: # والله لا فرقت بين ما جمع الله، قال الله أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة. # وأجمعوا على تحريم شحم الخنزير قياسا على تحريم لحمه، وأجمعوا على إراقة ~~الشيرج والدبس السيال، إذا وقعت فيه فأرة وماتت، قياسا على فأرة السمن، ~~وعلى تأمير خالد بن الوليد في موضع كانوا فيه باجتهادهم. PageV01P264 # وأجمعوا في زمن عمر على حد شارب الخمر ثمانين بالاجتهاد، حتى قال علي ~~عليه السلام، إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فأرى أن يقام ~~عليه حد المفترين. وقال عبد الرحمن بن عوف: هذا حد، وأقل الحدود ثمانون. # وأجمعوا أيضا بطريق الاجتهاد على جزاء الصيد، ومقدار أرش الجناية، ومقدار ~~نفقة القريب وعدالة الأئمة والقضاة، ونحو ذلك. # وإذا ثبت الجواز والوقوع، وجب أن يكون حجة متبعة لما ثبت في مسألة كون ~~الاجماع حجة. # فإن قيل: ما ذكرتموه من دليل الجواز معارض بما يدل على عدمه، وبيانه من ~~خمسة أوجه: # الأول: أنه ما من عصر إلا وفيه جماعة من نفاة القياس، وذلك مما يمنع من ~~انعقاد الاجماع مستندا إلى القياس. # الثاني: أن القياس أمر ظني. وقوى الناس وأفهامهم مختلفة في إدراك الوقوف ~~عليه، وذلك مما يحيل اتفاقهم على إثبات الحكم به عادة، كما يستحيل اتفاقهم ~~على أكل طعام واحد في وقت واحد لاختلاف أمزجتهم. # الثالث: أن الاجماع دليل مقطوع به، حتى إن مخالفه يبدع ويفسق، والدليل ~~المظنون الثابت بالاجتهاد على ضده وذلك مما يمنع إسناد الاجماع إليه. # الرابع: أن الاجماع أصل من أصول الأدلة، وهو معصوم عن الخطأ. والقياس فرع ~~وعرضة للخطأ. واستناد الأصل وما هو معصوم عن الخطأ إلى الفرع وما هو عرضة ~~للخطأ ممتنع. # الخامس: أن الاجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد، فلو انعقد الاجماع ms214 عن ~~اجتهاد أو قياس، لحرمت المخالفة الجائزة بالاجماع، وذلك تناقض. # وأما ما ذكرتموه من دليل الوقوع، فلا نسلم أن إجماعهم في جميع صور ~~الاجماع كان عن القياس والاجتهاد، بل إنما كان ذلك عن نصوص ظهرت للمجمعين ~~منها ما ظهر لنا، وذلك كتمسك أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله تعالى: ~~PageV01P265 # * (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) وباستثناء النبي عليه ~~السلام وهو قوله (إلا) بحقها من قوله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله وكاستدلال الصحابة على تقديم أبي بكر بفعل النبي عليه السلام ~~حيث قالوا: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله ومنها ما لم ~~يظهر لنا للاكتفاء بالاجماع عن نقله. # والجواب: عن الوجه الأول أنا لا نسلم وقوع الخلاف في القياس في العصر ~~الأول ليصح ما ذكروه. ووجدوه الخلاف بعده في القياس غايته المنع من وقوع ~~انعقاد الاجماع على القياس بعد ظهور الخلاف فيه، ولا يمنع من ذلك مطلقا. # كيف وهو منقوض بخبر الواحد، فإنه مختلف فيه وفي أسباب تزكيته، ومع ذلك ~~فقد وافقوا على انعقاد الاجماع بناء عليه. # وعن الثاني: أن القياس إذا ظهر وعدم الميل والهوى، فلا يبعد اتفاق ~~العقلاء عليه، ويكون داعيا إلى الحكم به. وإن تعذر ذلك في وقت معين لتفاوت ~~أفهامهم وجدهم في النظر والاجتهاد، فلا يتعذر ذلك في أزمنة متطاولة، كما لا ~~يتعذر اتفاقهم على العمل بخبر الواحد، مع أن عدالته مظنونة بما يظهر من ~~الامارات الدالة عليها والأسباب الموجبة لتزكيته. # وهذا بخلاف اتفاق الكافة على أكل طعام واحد. فإن اختلاف أمزجتهم موجب ~~لاختلاف أغراضهم وشهواتهم، ولا داعي لهم إلى الاجتماع عليه، كما وجد الداعي ~~لهم عند ظهور القياس إلى الحكم بمقتضاه. # وعن الثالث من وجهين: الأول أن الأمة إذا اتفقت على ثبوت حكم القياس، ~~فإجماعهم على ذلك يسبقه إجماعهم على صحة ذلك القياس، وبذلك يخرج عن كونه ~~ظنيا، فإذا استناد الاجماع القطعي إنما هو إلى قطعي لا إلى ظني، الثاني أن ~~ما ذكروه ينتقض بما وافقوا عليه من ms215 انعقاد الاجماع. بناء على خبر الواحد مع ~~كونه ظنيا، والاجماع المستند إليه قطعي، فما هو الجواب في صورة الالزام ~~يكون جوابا في محل النزاع. PageV01P266 # وعن الرابع: أن القياس الذي هو مستند الاجماع ليس هو فرعا للاجماع بل ~~لغيره من الكتاب والسنة، وذلك لا يتحقق معه بناء الاجماع على فرعه. # قولهم إن القياس عرضة للخطأ بخلاف بالاجماع، فجوابه ما سبق في جواب الوجه ~~الذي قبله. # وعن الخامس: أن الاجماع إنما انعقد على جواز مخالفة المجتهد المنفرد ~~باجتهاده، كالواحد والاثنين، دون اجتهاد الأمة. # قولهم الأمة في الصورة المذكورة إنما أجمعت على نصوص. # قلنا وإن أمكن التشبث بما أوردوه من النصوص في بعض الصور، فما العذر فيما ~~لا يظهر فيه نص مع تصريحهم بالقياس وإلحاق صورة بصورة فيما ذكرناه، ولو كان ~~لهم فيها نص، لما عدلوا عنه إلى التصريح بالقياس، وإذا ثبت جواز انعقاد ~~الاجماع عن القياس وعن غيره من الأدلة الظنية، فلو ظهر دليل من الأدلة ~~الظنية، ورأينا الأمة قد حكمت بمقتضاه، وإن غلب على الظن كون هو المستند، ~~فلا يجب تعينه لجواز أن المستند غيره لتكثر الأدلة في نفس الامر، خلافا ~~لأبي عبد الله البصري. PageV01P267 # المسألة التاسعة عشرة إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، هل يجوز ~~لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ # اختلفوا فيه: فذهب الجمهور إلى المنع من ذلك، خلافا لبعض الشيعة وبعض ~~الحنفية وبعض أهل الظاهر، وذلك كما لو قال بعض أهل العصر إن الجارية الثيب ~~إذا وطئها المشتري، ثم وجد بها عيبا، يمنع الرد، وقال بعضهم بالرد مع ~~العقر، فالقول بالرد مجانا قول ثالث. # وكذلك لو قال بعضهم: الجد يرث جميع المال مع الأخ، وقال بعضهم بالمقاسمة، ~~فالقول بأنه لا يرث شيئا قول ثالث. # وكذلك إذا قال بعضهم: النية معتبرة في جميع الطهارات، وقال البعض النية ~~معتبرة في البعض دون البعض، فالقول بأنها لا تعتبر في شئ من الطهارات قول ~~ثالث. # وفي معنى هذا ما لو قال بعضهم: بجواز فسخ النكاح بالعيوب الخمسة، وقال ~~البعض لا يجوز ms216 الفسخ بشئ منها، فالقول بالفسخ بالبعض دون البعض قول ثالث. # وكذلك إذا قال بعضهم في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين، للام ثلث الأصل في ~~المسألتين، وقال بعضهم لها ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج والزوجة، فالقول بأن ~~لها ثلث الأصل في إحدى المسألتين وثلث ما يبقى في المسألة الأخرى قول ثالث. # احتج الغزالي على امتناع القول الثالث بأنه لو جاز القول الثالث فإما أن ~~لا يكون له دليل أو له دليل. # فإن كان الأول، فالقول به ممتنع، وإن كان الثاني، يلزم منه نسبته الخطأ ~~إلى الأمة بنسبتهم إلى تضييعه والغفلة عنه، وهو محال وهو ضعيف. فإنه إنما ~~يلزم PageV01P268 # من ذلك نسبة الأمة إلى الخطأ، أن لو كان الحق في المسألة معينا وهو ليس ~~كذلك على ما سيأتي، وإذا كان كل مجتهد مصيبا، فالتخطئة تكون ممتنعة. # واحتج القاضي عبد الجبار على ذلك بأن الأمة إذا اختلفت على قولين، فقد ~~أجمعت من جهة المعنى على المنع من إحداث قول ثالث، لان كل طائفة توجب الاخذ ~~بقولها أو بقول مخالفها، ويحرم الاخذ بغير ذلك، وهو ضعيف أيضا، وذلك لان ~~الخصم إنما يسلم إيجاب كل واحدة من الطائفتين الاخذ بقولها أو قول مخالفها ~~بتقدير أن لا يكون اجتهاد الغير قد يفضي إلى القول الثالث. # والمختار في ذلك إنما هو التفصيل. وهو أنه إن كان القول الثالث مما يرفع ~~ما اتفق عليه القولان، فهو ممتنع لما فيه من مخالفة الاجماع، وذلك كما في ~~مسألة الجارية المشتراة، فإنه إذا اتفقت الأمة فيها على قولين، وهما امتناع ~~الرد، والرد مع العقر فالقولان متفقان على امتناع الرد مجانا، فالقول به ~~يكون خرقا للاجماع السابق. # وكذلك في مسألة الجد، فإنه إذا اتفقت الأمة على قولين، وهما استقلاله ~~بالميراث ومقاسمته للأخ، فقد اتفق الفريقان على أن للجد قسطا من المال، ~~فالقول الحادث أنه لا يرث شيئا يكون خرقا للاجماع. # وكذلك في مسألة النية في الطهارة إذا اتفقت الأمة فيها على قولين، وهما ~~اعتبار النية في جميع الطهارات، وعلى اعتبارها في ms217 البعض دون البعض، فقد ~~اتفق القولان على اعتبارها في البعض، فالقول المحدث النافي لاعتبارها مطلقا ~~يكون خرقا للاجماع السابق. # وأما إن كان القول الثالث لا يرفع ما اتفق عليه القولان بل وافق كل واحد ~~من القولين من وجه، وخالفه من وجه، فهو جائز، إذ ليس فيه خرق الاجماع، وذلك ~~كما لو قال بعضهم باعتبار النية في جميع الطهارات، وقال البعض بنفي ~~اعتبارها في جميع الطهارات، فالقول الثالث، وهو اعتبارها في البعض دون ~~البعض، لا يكون خرقا للاجماع. لان خرق الاجماع إنما هو القول بما ~~PageV01P269 # يخالف ما اتفق عليه أهل الاجماع. وهاهنا ليس كذلك، فإن القائل بالنفي في ~~البعض والاثبات في البعض قد وافق في كل صورة مذهب ذي مذهب، فلم يكن مخالفا ~~للاجماع، لا في صورة اعتبار النية، لكونه موافقا لقول من قال باعتبارها في ~~الكل، ولا في صورة النفي لكونه موافقا لمن قال بنفي الاعتبار في الكل. # وكذلك لو قال بعضهم بأنه لا يقتل المسلم بالذمي، ولا يصح بيع الغائب، ~~وقال بعضهم بجواز قتل المسلم بالذمي، وبصحة بيع الغائب، فمن قال بجواز قتل ~~المسلم بالذمي، وبنفي صحة بيع الغائب، أو بالعكس، لم يكن خارقا للاجماع من ~~غير خلاف، وكان ذلك جائزا له. وعلى هذا، يكون الحكم في مسألة فسخ النكاح ~~بالعيوب الخمسة. # فإن قيل: فمن قال بالاثبات مطلقا لم يقل بالتفصيل. وكذلك من قال بالنفي ~~مطلقا، فالقول بالتفصيل قول لم يقل به قائل. # قلنا: وعدم القائل به مما لا يمنع من القول به، وإلا لما جاز أن يحكم ~~واقعة متجددة بحكم، إذا لم يكن قد سبق فيها لاحد قول، وهو خلاف الاجماع. # فإن قيل: فكل من القائلين بالنفي والاثبات مطلقا قائل بنفي التفصيل، ~~فالقول بالتفصيل يكون خرقا للاجماع. # قلنا: لا نسلم ذلك، فإن قول كل واحد منهما بنفي التفصيل إما أن يعرف من ~~صريح مقاله، أو من قوله بالنفي أو الاثبات مطلقا: الأول ممنوع، حتى أن كل ~~واحد من الفريقين لو صرح بنفي التفصيل، لما ساغ القول بالتفصيل، والثاني ms218 ~~غير مستلزم للقول بنفي التفصيل، وإلا لامتنع القول بالتفصيل فيما ذكرناه من ~~مسألة المسلم بالذمي وبيع الغائب، وهو ممتنع. # فإن قيل: القول بالتفصيل فيه تخطئة كل واحد من الفريقين في بعض ما ذهب ~~إليه، وتخطئة الفريقين تخطئة للأمة، وذلك محال. PageV01P270 # قلنا: المحال إنما هو تخطئة الأمة فيما اتفقوا عليه. وأما تخطئة كل بعض ~~فيما لم يتفق عليه لا يكون محالا. وعلى هذا، يجوز انقسام الأمة إلى قسمين، ~~وكل قسم مخطئ في مسألة لما ذكرناه، وإن خالف فيه الأكثرون. # (شبه المخالفين) الأولى: أن اختلاف الأمة على قولين دليل تسويغ الاجتهاد، ~~والقول الثالث حادث عن الاجتهاد، فكان جائزا. # الثانية: أنهم قالوا: أجمعنا على أن الصحابة لو انقرض عصرهم، وكانوا قد ~~استدلوا في مسألة من المسائل بدليلين، فإنه يجوز للتابعي الاستدلال بدليل ~~ثالث، فكذلك القول الثالث. # الثالثة: أنهم قالوا: دليل جواز إحداث قول ثالث الوقوع من غير إنكار من ~~الأمة، فمن ذلك أن الصحابة اختلفوا في مسألة زوج وأبوين وزوجة وأبوين، فقال ~~ابن عباس للام ثلث الأصل بعد فرض الزوج والزوجة، وقال الباقون للام ثلث ~~الباقي بعد فرض الزوج والزوجة، وقد أحدث التابعون قولا ثالثا، فقال ابن ~~سيرين بقول ابن عباس في زوج وأبوين دون الزوجة والأبوين وقال تابعي آخر ~~بالعكس. # ومن ذلك أن الصحابة اختلفوا في قوله: أنت علي حرام على ستة أوجه، فأحدث ~~مسروق، وهو من التابعين، مذهبا سابعا، وهو أنه لا يتعلق بقوله حكم. # والجواب عن الشبهة الأولى أن ذلك يدل على تسويغ الاجتهاد منهم أو من ~~غيرهم؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. # وعن الثانية بالفرق، وبيانه من وجهين: # الأول أن الاستدلال بدليل ثالث يؤكد ما صارت إليه الأمة من الحكم، ولا ~~يبطله بخلاف القول الثالث، على ما حققناه. PageV01P271 # الثاني أن اتفاقهم على دليل واحد لا يمنع من دليل آخر. ومع ذلك، فإن ~~اتفاقهم على حكم واحد مانع من إبداع حكم آخر مخالف له، فافترقا. # وعن الثالثة: أما مسألة الزوج والزوجة مع الأبوين، فهي من قبيل ما لا ~~يرفع ما اتفق ms219 عليه الفريقان، بل قول ابن سيرين وغيره من التابعين فيما ذهبا ~~إليه غير مخالف للاجماع، بل هو قائل في كل صورة بمذهب ذي مذهب، كما قررناه. # وبتقدير أن يكون رافعا لما اتفق عليه الفريقان، فلا يخلو إما أن يكون لم ~~يستقر قول جميع الصحابة على القولين، بل قول البعض، أو قد استقر عليهما قول ~~جميع الصحابة، فإن كان الأول، فليس فيه مخالفة الاجماع، بل مخالفة البعض، ~~وإن كان الثاني، فإما أن يكون قد خالفهم في وقت اتفاقهم على القولين، أو ~~بعد ذلك، فإن كان الأول فهو من أهل الاجماع، وقد خالفهم حالة اتفاقهم على ~~القولين فلا يكون بذلك خارقا للاجماع، وإن قدر إحداث قوله بعد ذلك فهو ~~مردود غير مقبول، وعدم نقل الانكار لا يدل على عدمه في نفسه. وعلى هذا، ~~يكون الجواب في مسألة أنت علي حرام. PageV01P272 # المسألة العشرون إذا استدل أهل العصر في مسألة بدليل، أو تأولوا تأويلا ~~فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر؟ # لا يخلو إما أن يكون أهل ذلك العصر قد نصوا على إبطال ذلك الدليل وذلك ~~التأويل، أو على صحته، أو سكتوا عن الامرين. # فإن كان الأول، لم يجز إحداثه لما فيه من تخطئة الأمة فيما أجمعوا عليه. # وإن كان الثاني، جاز إحداثه، إذ لا تخطئة فيه. # وإن كان الثالث، فقد ذهب الجمهور إلى جوازه، ومنع منه الأقلون. # والمختار جوازه، إلا إذا لزم من ذلك القدح فيما أجمع عليه أهل العصر. # ودليل ذلك أنه إذا لم يلزم منه القدح فيما أجمعوا عليه، كان ذلك جائزا، ~~كما لو لم يسبقه تأويل أو دليل آخر. ولهذا فإن الناس في كل عصر لم يزالوا ~~يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته، ولم ينكر ~~عليهم أحد، فكان ذلك إجماعا. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالكتاب والسنة والمعقول: # أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ويتبع غير سبيل المؤمنين) * (4) النساء: ~~115) والدليل والتأويل الثاني ليس هو سبيل المؤمنين. # وأيضا قوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف) * (3) ~~آل عمران: ms220 110) دل على أنهم يأمرون بكل معروف، لأنه ذكر المعروف بالألف ~~واللام المستغرقة للجنس، ولو كان الدليل والتأويل الثاني معروفا لأمروا به، ~~وحيث لم يأمروا به لم يكن معروفا، فكان منكرا. # وأما السنة، فقوله عليه السلام: أمتي لا تجتمع على الخطأ وقد ذهبوا عن ~~الدليل والتأويل الثاني، فلا يكون ذهابهم عنه خطأ. ولو كان دليلا صحيحا، أو ~~تأويلا صحيحا لكان الذهاب عنه خطأ وهو محال. PageV01P273 # وأما المعقول، فهو أنه لو جاز أن يذهب على أهل العصر الأول الدليل ~~الثاني، لجاز أن يوحي الله تعالى إلى النبي، عليه السلام، بدليلين على حكم ~~واحد، والنبي عليه السلام، يشرع الحكم لاحد الدليلين، ويذهب عن الآخر، وهو ~~ممتنع. # والجواب: عن الآية الأولى أن الذم فيها، إما أن يكون على ترك العمل بما ~~اتفقوا عليه من إثبات أو نفي، وإما بسلوك ما لم يتعرضوا له بنفي ولا إثبات: # الأول مسلم، غير أنه لا تحقق له فيما نحن فيه، فإن المحدث للدليل ~~والتأويل الثاني غير تارك لدليل أهل العصر الأول، ولا لتأويلهم، بل غايته ~~ضم دليل إلى دليل، وتأويل إلى تأويل، ولا هو تارك لما نهوا عنه من الدليل ~~والتأويل الثاني، إذ الكلام فيما إذا لم يكن قد نهوا عنه. والثاني مما لا ~~سبيل إلى حمل الآية عليه، لما فيه من إلحاق الذم بما لا تعرض فيه لابطال ~~الاجماع لا بنفي ولا إثبات. # وعن الآية الثانية أنها مشتركة الدلالة، وذلك لان قوله: * (وتنهون عن ~~المنكر) * يقتضي كونهم ناهين عن كل منكر لما ذكروه من لام الاستغراق. ولو ~~كان الدليل والتأويل الثاني منكرا، لنهوا عنه، ولم ينهوا عنه، فلا يكون ~~منكرا. # وعن السنة أن ذهابهم عن الدليل والتأويل الثاني مع صحته إنما يكون خطأ، ~~أن لو لم يستغنوا عنه بدليلهم وتأويلهم. # وعن المعقول أنه قياس من غير جامع صحيح، فلا يقبل كيف وإنه لا يخلو إما ~~أن يكون مع تعريفه الحكم الواحد بدليلين قد كلف إثبات الحكم بهما أو ~~بأحدهما، فإن كان الثاني فلا مانع من إثباته للحكم ms221 بأحدهما دون الآخر، وإن ~~كان الأول فلا يلزم من امتناع إثباته للحكم بأحد الدليلين مع تكليفه إثبات ~~الحكم بهما امتناع إثبات الأمة للحكم بأحد الدليلين دون الآخر إلا أن ~~يكونوا قد كلفوا بذلك، وهو غير مسلم. PageV01P274 # المسألة الحادية والعشرون إذا اختلف أهل عصر من الاعصار في مسألة من ~~المسائل على قولين واستقر خلافهم في ذلك، ولم يوجد له نكير: فهل يتصور ~~انعقاد إجماع من بعدهم على أحد القولين، بحيث يمتنع على المجتهد المصير إلى ~~القول الآخر، أم لا؟ # ذهب أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو الحسن ~~الأشعري، وإمام الحرمين، والغزالي وجماعة من الأصوليين إلى امتناعه. # وذهب المعتزلة وكثير من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى جوازه. # والأول هو المختار، وذلك لان الأمة إذا اختلفت على القولين، واستقر ~~خلافهم في ذلك بعد تمام النظر والاجتهاد، فقد انعقد إجماعهم على تسويغ ~~الاخذ بكل واحد من القولين باجتهاد أو تقليد، وهم معصومون من الخطأ فيما ~~أجمعوا عليه، على ما سبق من الأدلة السمعية. فلو أجمع من بعدهم على أحد ~~القولين على وجه يمتنع على المجتهد المصير إلى القول الآخر، مع أن الأمة في ~~العصر الأول مجمعة على جواز الاخذ به، ففيه تخطئة أهل العصر الأول فيما ~~ذهبوا إليه. # ويستحيل أن يكون الحق في جواز الاخذ بذلك القول والمنع من الاخذ به معا، ~~فلا بد وأن يكون أحد الامرين خطأ، أو يلزمه تخطئة أحد الاجماعين القاطعين، ~~وهو محال، فثبت أن إجماع التابعين على أحد قولي أهل العصر الأول يفضي إلى ~~أمر ممتنع، فكان ممتنعا. لكن ليس هذا الامتناع عقليا، بل سمعيا. ~~PageV01P275 # فإن قيل: اتفاق أهل العصر على قولين لا يلزم منه اتفاقهم على تجويز الاخذ ~~بكل واحد منهما، لان أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ لقوله عليه السلام: # إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران وإجماع الأمة على ~~تجويز الاخذ بالخطإ خطأ، وإن سلمنا إجماعهم على ذلك ولكن ما المانع أن يقال ~~بأن أهل العصر الأول إنما ms222 اتفقوا على تسويغ الاجتهاد والاخذ بكل واحد من ~~القولين بشرط أن لا يظهر إجماع كاتفاقهم على أن فرض العادم للماء هو التيمم ~~مشروطا بعدم الماء. فإذا وجد الماء، زال حكم ذلك الاجماع. # سلمنا أن إجماعهم على ذلك غير مشروط، ولكن إجماعهم على ذلك يدل على جواز ~~الاخذ بأحد القولين. فإذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد القولين، فإجماعهم ~~عليه موافق لاجماع أهل العصر الأول على جواز الاخذ به، إلا أنه مخالف ~~لاجماعهم وما يكون موافقا للاجماع لا يكون ممتنعا سمعا. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على الامتناع، لكنه معارض بما يدل على جوازه، ~~وبيانه بالوقوع، وذلك أن الصحابة اتفقوا على دفن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بيت عائشة بعد اختلافهم في موضع دفنه، واتفقوا على إمامة أبي بكر ~~بعد اختلافهم في من يكون إماما، اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بعد اختلافهم ~~في ذلك، واتفق التابعون على منع بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة في ~~ذلك، ولو كان الاتفاق بعد الخلاف ممتنعا، لما كان ذلك واقعا. # والجواب عن السؤال الأول: لا نسلم أن أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ، بل ~~كل مجتهد في مسائل الاجتهاد مصيب على ما يأتي تحقيقه. # وما ذكروه من الخبر فسيأتي تأويله كيف وإنه يجب اعتقاد الإصابة نظرا إلى ~~إجماع الأمة على جواز الاخذ بكل واحد من أقوال المجتهدين، ولو لم يكن ~~صوابا، PageV01P276 # وإلا كان إجماعهم على تجويز الاخذ بالخطإ، وهو محال. # وعن السؤال الثاني أنه لو جوز مثل هذا الاشتراط في إجماعهم على مثل هذا ~~الحكم، مع أن الأمة أطلقوا ولم يشترطوا، لساغ مثل ذلك في كل إجماع، ولساغ ~~أن تتفق الأمة على قول واحد، ومن بعدهم على خلافه، لجواز أن يكون إجماعهم ~~مشروطا بأن لا يظهر إجماع مخالف له، بل ولجاز للواحد من المجتهدين من بعدهم ~~المخالفة، لما قيل من الشرط، وهو محال لان الاجماع منعقد على أن كل من خالف ~~الاجماع المطلق الذي لم يظهر فيه ما ذكروه من الشرط فهو مخطئ ms223 آثم، وبه ~~إبطال ما صار إليه أبو عبد الله البصري من جواز انعقاد الاجماع على خلاف ~~الاجماع السابق. # وعن السؤال الثالث أن إجماع أهل العصر الثاني، لم يكن محالا لنفس إجماعهم ~~على أحد القولين، بل لما يستلزمه من امتناع الاخذ بالقول الآخر. # وعن السؤال الرابع أن الاتفاق فيما ذكروه من مسألة الدفن والإمامة وقتال ~~مانعي الزكاة لم يكن بعد استقرار الخلاف فيما بينهم واستمرار كل واحد من ~~المجتهدين على الجزم بما ذهب إليه، بل إنما كان ذلك الخلاف على طريق ~~المشورة، كما جرت به العادة في حالة البحث عما ينبغي أن يعمل بين العقلاء ~~بخلاف ما وقع النزاع فيه. # سلمنا أنه كان ذلك الاتفاق بعد استقرار الخلاف، غير أنه اتفاق من ~~المختلفين بأعيانهم، ومن شرط في الاجماع انقراض عصر المجتهدين، لم يمنع من ~~رجوعهم أو رجوع بعضهم عما أجمعوا عليه، والخلاف معه إنما يتصور في ~~المجمعين. على خلافهم بعد انقراض عصر الأولين. غير أن الجواب الأول هو ~~المختار. PageV01P277 # وأما مسألة أمهات الأولاد، وإن كان خلاف الصحابة قد استقر واستمر إلى ~~انقراض عصرهم، فلا نسلم إجماع التابعين قاطبة على امتناع بيعهن فإن مذهب ~~علي في جواز بيعهن لم يزل، بل جميع الشيعة وكل من هو من أهل الحول والعقد ~~على مذهبه قائل به، وإلى الآن، وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه. # المسألة الثانية والعشرون إذا اختلف الصحابة أو أهل أي عصر كان في ~~المسألة على قولين، فهل يجوز اتفاقهم بعد استقرار خلافهم على أحد القولين، ~~والمنع من جواز المصير إلى القول الآخر. # اختلفوا فيه: فمن اعتبر انقراض العصر في الاجماع، قطع بجوازه، ومن لم ~~يعتبر انقراض العصر اختلفوا: # فمنهم من جوزه بشرط أن يكون مستند اتفاقهم على الخلاف القياس والاجتهاد ~~لا دليلا قاطعا، ومنهم من منع ذلك مطلقا، ولم يجوز انعقاد إجماعهم على أحد ~~أقوالهم، وهو المختار. # وذلك لأنا بينا أن اتفاق الأمة على الحكم ولو في لحظة واحدة، كان ذلك ~~مستند إلى دليل ظني أو قطعي أنه يكون حجة قاطعة ms224 مانعة من مخالفته. # وقد بينا في المسألة المتقدمة أن الأمة إذا استقر خلافهم في المسألة على ~~قولين، فهو إجماع منهم على تجويز الاخذ بكل واحد من القولين. فلو تصور ~~إجماعهم على أحد القولين بعد ذلك، لزم منه المحال الذي بيناه في تقرير ~~المسألة التي قبلها. # وكل ما ورد في المسألة المتقدمة من الاعتراض والانفصال فهو بعينه متوجه ~~هاهنا فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا. # غير أن هذه المسألة تختص بسؤال آخر، وهو أن يقال: إذا اتفق جميع الصحابة، ~~أو أهل أي عصر كان، على حكم، وخالفهم واحد منهم، فإنه لا يمتنع أن يظهر ~~لذلك الواحد ما ظهر لباقي الأمة، ومع ظهور ذلك له إن منعناه من المصير إلى ~~PageV01P278 # مقتضاه، فقد منعناه من الحكم بالدليل الذي ظهر له ولباقي الأمة معه، ~~وأوجبنا عليه الحكم بما يخالف ذلك، ويقطع ببطلانه، وهو محال. وإن لم نمنعه ~~من العمل به، فقد حصل الوفاق منهم بعد الخلاف، وهو المطلوب. # قلنا: لو ظهر له ما ظهر للأمة فنحن لا نحيل عليه الرجوع إليه، ولكنا نقول ~~باستحالة ظهوره عليه، لا من جهة العقل، بل من جهة السمع، وهو ما يفضي إليه ~~من تعارض الاجماعين، ولزوم الخطأ في أحدهما، كما بيناه في المسألة ~~المتقدمة. # ولا فارق بينهما إلا من جهة أن أهل الاجماع في هذه المسألة هم الراجعون ~~بأعيانهم عما أجمعوا عليه، والمخالفون لأنفسهم بخلاف المسألة الأولى، وأن ~~المخالف في المسألة الأولى قد يتوهم أن بعض الأمة الخائضين في تلك المسألة ~~التي اتفقوا عليها، وفي هذه المسألة المجمعون هم كل الأمة. ولذلك كان ~~الاشكال في هذه المسألة أعظم منه في الأولى. # وعلى هذا، نقول إنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، ثم مات أحد ~~القسمين، وبقي القسم الآخر فإنه لا يكون قولهم إجماعا مانعا من الاخذ ~~بالقول الآخر. والوجه في تقريره ما سبق، وإن خالف فيه قوم. # المسألة الثالثة والعشرون هل يمكن وجود خبر أو دليل، ولا معارض له، ~~وتشترك الأمة في عدم العلم به؟ # اختلفوا فيه: ms225 فمنهم من جوزه، مصيرا منه إلى أنهم غير مكلفين بالعمل بما ~~لم يظهر لهم، ولم يبلغهم، فاشتراكهم في عدم العلم به لا يكون خطأ، فإن عدم ~~العلم ليس من فعلهم، وخطأ المكلف من أوصاف فعله. # ومنهم من أحاله، مصيرا منه إلى أنهم لو اشتركوا في عدم العلم به، لكان ~~ذلك سبيلا لهم، ولوجب على غيرهم اتباعه، وامتنع تحصيل العلم به، لقوله ~~تعالى: # * (ويتبع غير سبيل المؤمنين) * الآية. PageV01P279 # والمختار أنه لا مانع من اشتراكهم في عدم العلم به، وإن كان عملهم موافقا ~~لمقتضاه، لعدم تكليفهم بمعرفة ما لم يبلغهم ولم يظهر لهم. وأما الآية فلا ~~حجة فيها هاهنا، لان سبيل كل طائفة ما كان من الافعال المقصودة لهم ~~المتداولة فيما بينهم باتفاق منهم، على ما هو المتبادر إلى الفهم من قول ~~القائل: سبيل فلان كذا، وسبيل فلان كذا. وعدم العلم ليس من فعل الأمة، فلا ~~يكون سبيلا لهم. # كيف وإنا نعلم أن المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل ~~المؤمنين، ولو كان عدم العلم بالدليل سبيلا لهم، لكانت الآية حاثة على ~~متابعته، والشارع لا يحث على الجهل بأدلته الشرعية إجماعا. وأما إن كان ~~عملهم على خلافه، فهو محال، لما فيه من إجماع الأمة على الخطأ، المنفي ~~بالأدلة السمعية. # المسألة الرابعة والعشرون اختلفوا في تصور ارتداد أمة محمد، عليه السلام، ~~في عصر من الاعصار، نفيا وإثباتا. ولا شك في تصور ذلك عقلا. وإنما الخلاف ~~في امتناعه سمعا. # والمختار امتناعه، لقوله عليه السلام: أمتي لا تجتمع على ضلالة، أمتي لا ~~تجتمع على الخطأ إلى غير ذلك من الأحاديث السابقة الدالة على عصمة الأمة عن ~~فعل الخطأ والضلال. # فإن قيل: حال ارتدادهم ليس هم من أمته، عليه السلام، فلا تكون الاخبار ~~متناولة لهم. # قلنا: الاخبار دالة على أن أمة محمد لا يصدق عليهم الاتفاق على الخطأ، ~~وإذا ارتدت الأمة صدق قول القائل: إن أمة محمد قد اتفقت على الردة، والردة ~~من الخطأ. وذلك ممتنع. PageV01P280 # المسألة الخامسة والعشرون اختلف العلماء في دية اليهودي: ms226 فمنهم من قال ~~إنها مثل دية المسلم، ومنهم من قال إنها على النصف منها، ومنهم من قال إنها ~~على الثلث. # فمن حصرها في الثلث كالشافعي رحمة الله عليه اختلفوا فيه، فظن بعض ~~الفقهاء أنه متمسك في ذلك بالاجماع، وليس كذلك، بل الحصر في الثلث، مشتمل ~~على وجوب الثلث ونفي الزيادة، فوجوب الثلث مجمع عليه، ولا خلاف فيه. وأما ~~نفي الزيادة فغير مجمع عليه، لوقوع الخلاف فيه بل نفيه عند من نفى إنما هو ~~مستند إما إلى ظهور دليل في نظره بنفيه، من وجود مانع، أو فوات شرط، أو عدم ~~المدارك، والاعتماد على استصحاب النفي الأصلي. وليس ذلك من الاجماع في شئ. # المسألة السادسة والعشرون اختلفوا في ثبوت الاجماع بخبر الواحد، فأجازه ~~جماعة من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله والحنابلة، وأنكره جماعة من ~~أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحابنا كالغزالي، مع اتفاق الكل، على أن ما ثبت بخبر ~~الواحد لا يكون إلا ظنيا في سنده، وإن كان قطعيا في متنه. # وحجة من قال بجوازه، النص والقياس: # أما النص، فقوله عليه السلام: نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر ذكر ~~(الظاهر) بالألف واللام المستغرقة، فدخل فيه الاجماع الثابت بخبر الواحد، ~~لكونه ظاهرا ظنيا. # وأما القياس، فهو أن خبر الواحد عن الاجماع مفيد للظن، فكان حجة كخبره عن ~~نص الرسول. # وحجة المانعين من ذلك أن كون الاجماع المنقول على لسان الآحاد أصل من ~~أصول الفقه، كالقياس، وخبر الواحد عن الرسول، وذلك مما لم يرد من الأمة ~~PageV01P281 # فيه إجماع قاطع يدل على جواز الاحتجاج به، ولا نص قاطع من كتاب أو سنة، ~~وما عدا ذلك من الظواهر فغير محتج بها في الأصول، وإن احتج بها في الفروع. # وبالجملة فالمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به، وعلى عدم ~~اشتراطه. # فمن اشترط القطع، منع أن يكون خبر الواحد مفيدا في نقل الاجماع، ومن لم ~~يشترط ذلك، كان الاجماع المنقول على لسان الآحاد عنده حجة والظهور في هذه ~~المسألة للمعترض من الجانبين دون المستدل فيها. # المسألة ms227 السابعة والعشرون اختلفوا في تكفير جاحد الحكم المجمع عليه، ~~فأثبته بعض الفقهاء، وأنكره الباقون، مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الاجماع ~~الظني غير موجب للتكفير. # والمختار إنما هو التفصيل. وهو أن حكم الاجماع إما أن يكون داخلا في ~~مفهوم اسم الاسلام كالعبادات الخمس، ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة، أو لا ~~يكون كذلك، كالحكم بحل البيع وصحة الإجازة ونحوه. فإن كان الأول فجاحده ~~كافر، لمزايلة حقيقة الاسلام له، وإن كان الثاني فلا. PageV01P282 # خاتمة فيما يكون الاجماع حجة فيه، وما لا يكون، وأن الاجماع في الأديان ~~السالفة كان حجة أم لا. # أما الأول فهو أن المجمع عليه لا يخلو إما أن تكون صحة الاجماع متوقفة ~~عليه، أو لا يكون كذلك. فإن كان الأول فالاحتجاج بالاجماع على ذلك الشئ ~~يكون ممتنعا لتوقف صحة كل واحد منهما على الآخر، وهو دور، وذلك كالاستدلال ~~على وجود الرب تعالى وصحة رسالة النبي عليه السلام، من حيث إن صحة الاجماع ~~متوقفة على النصوص الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ، كما سبق تقريره وصحة ~~النصوص متوقفة على وجود الرب المرسل، وكون محمد رسولا. فإذا توقفت معرفة ~~وجود الرب ورسالة رسوله محمد على صحة الاجماع، كان دورا. # وإن كان من القسم الثاني، فالمجمع عليه إما أن يكون من أمور الدين أو ~~الدنيا. # فإن كان من أمور الدين فهو حجة مانعة من المخالفة إن كان قطعيا، من غير ~~خلاف عند القائلين بالاجماع. وسواء كان ذلك المتفق عليه عقليا كرؤية الرب ~~لا في جهة، ونفي الشريك لله تعالى، أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوه. ~~PageV01P283 # وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالاجماع على ما يتفق من الآراء ~~في الحروب وترتيب الجيوش وتدبير أمور الرعية، فقد اختلف فيه قول القاضي عبد ~~الجبار بالنفي والاثبات: فقال تارة بامتناع مخالفته، وتارة بالجواز. وتابعه ~~على كل واحد من القولين جماعة. # والمختار إنما هو المنع من المخالفة، وإنه حجة لازمة، لان العمومات ~~الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ ووجوب اتباعهم فيما أجمعوا عليه عامة في كل ms228 ~~ما أجمعوا عليه. # وأما أن الاجماع في الأديان السالفة كان حجة أم لا، فقد اختلف فيه ~~الأصوليون. # والحق في ذلك أن إثبات ذلك أو نفيه مع الاستغناء عنه لم يدل عليه عقل ولا ~~نقل. # فالحكم بنفيه أو إثباته متعذر. # وهذا آخر الكلام في الاجماع. # تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله الأصل الرابع فيما يشترك فيه ~~الكتاب والسنة والاجماع والله الموفق والمعين PageV01P284 # الاحكام في أصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الآمدي علق ~~عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الثاني المكتب الاسلامي ~~PageV02P001 # الأصل الرابع فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع وهو نوعان، يتعلق ~~أحدهما بالنظر في السند، والآخر بالنظر في المتن النوع الأول - النظر في ~~السند وهو الاخبار عن المتن، ويشتمل على ثلاثة أبواب: # الباب الأول في حقيقة الخبر وأقسامه أما حقيقة الخبر، فاعلم أولا أن اسم ~~الخبر قد يطلق على الإشارات الحالية والدلائل المعنوية، كما في قولهم عيناك ~~تخبرني بكذا، والغراب يخبر بكذا. # ومنه قول الشاعر: # وكم لظلام الليل عندك من يد * تخبر أن المانوية تكذب وقد يطلق على قول ~~مخصوص، لكنه مجاز في الأول، وحقيقة في الثاني، بدليل تبادره إلى الفهم من ~~إطلاق لفظ الخبر والغالب إنما هو اشتهار استعمال اللفظ في حقيقته دون ~~مجازه. ثم القول المخصوص قد يطلق على الصيغة كقول القائل: قام زيد، وقعد ~~PageV02P003 # عمرو. وقد يطلق على المعنى القائم بالنفس المعبر عنه بالصيغة كما قررناه ~~في الكلاميات والأشبه أنه في اللغة حقيقة في الصيغة، لتبادرها إلى الفهم من ~~إطلاق لفظ الخبر وإذا عرف مسمى الخبر حقيقة فما حده؟ # اختلفوا فيه: فمن أصحابنا من قال: لا سبيل إلى تحديده، بل معناه معلوم ~~بضرورة العقل. ودل على ذلك بأمرين.. # الأول: أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود، وأنه ليس بمعدوم، وأن الشئ ~~الواحد لا يكون موجودا، معدوما. ومطلق الخبر جزء من معنى الخبر الخاص، ~~والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء. فلو كان تصور ماهية مطلق الخبر ~~موقوفا على الاكتساب، لكان تصور الخبر الخاص أولى ms229 أن يكون كذلك. # الثاني: أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر عن الموضع ~~الذي يحسن فيه الامر، ولولا أن هذه الحقائق متصورة، لما كان كذلك. وهو ~~ضعيف. # أما قوله إنه معلوم بالضرورة فدعوى مجردة، وهي مقابلة بنقيضها. وما ذكره ~~من الدلالة على ذلك، فهو دليل على أن العلم به غير ضروري، لان الضروري هو ~~الذي لا يفتقر في العلم به إلى نظر ودليل يوصل إليه، وما يفتقر إلى ذلك فهو ~~نظري، لا ضروري. # فإن قيل: ما ذكرناه إنما هو بطريق التنبيه، لا بطريق الدلالة، لان من ~~الضروريات ما يفتقر إلى نوع تذكير وتنبيه على ما علم في مواضعه، فهو باطل ~~من وجهين: # الأول: أنه لو قيل ذلك لأمكن دعوى الضرورة في كل علم نظري. وأن ما ذكروه ~~من الدليل إنما هو بطريق التنبيه دون الدلالة، وهو محال. # الثاني: أن ما ذكره في معرض التنبيه غير مفيد أما الوجه الأول فهو باطل ~~من وجهين: # الأول: أن علم الانسان بوجود نفسه، وإن كان ضروريا وكذلك العلم باستحالة ~~كون الشئ الواحد موجودا معدوما معا، فغايته أنه علم ضروري بنسبة خاصة، ~~PageV02P004 # أو بسلب نسبة خاصة ولا يلزم منه أن يكون ذلك علما بحقيقة الخبر من حيث ~~وهو خبر وهو محل النزاع. # فإن قيل: إذ كانت تلك النسبة الخاصة معلومة بالضرورة فلا معنى لكون ذلك ~~المعلوم خبرا سوى تلك النسبة الخاصة، فهو عود إلى التحديد وترك لما قيل. # الثاني: إنا، وإن سلمنا أن مثل هذه الأخبار الخاصة معلومة بالضرورة، فلا ~~يلزم أن يكون الخبر المطلق من حيث هو خبر: كذلك، قوله: لان الخبر المطلق ~~جزء من الخبر الخاص، ليس كذلك، لان الخبر المطلق أعم من الخبر الخاص. فلو ~~كان جزءا من معنى الخبر الخاص، لكان الأعم منحصرا في الأخص وهو محال. # فإن قيل: الأعم لا بد وأن يكون مشتركا فيه بين الأمور الخاصة التي تحته، ~~ولا معنى لاشتراكها فيه سوى كونه جزءا من معناها. # قلنا: أما أولا، فإنه لا معنى لكون الأعم ms230 مشتركا فيه أنه موجود في ~~الأنواع أو الأشخاص التي هي أخص منه، بل بمعنى لحد أن حد الطبيعة التي عرض ~~لها إن كانت كلية مطلقة مطابق طبائع الأمور الخاصة تحتها. # وأما ثانيا، فلانه ليس كل عام يكون جزءا من معنى الخاص، ومقوما له بجواز ~~أن يكون من الاعراض العامة الخارجة عن مفهوم المعنى الخاص، كالأسود والأبيض ~~بالنسبة إلى ما تحتهما من معنى الانسان والفرس ونحوه. # وأما الوجه الثاني فباطل أيضا من جهة أن العلم الضروري إنما هو واقع ~~بالتفرقة بين ما يحسن فيه بيان الامر، وبيان ما يحسن فيه الخبر بعد معرفة ~~الامر والخبر، أما قبل ذلك فهو غير مسلم. # نعم، غاية ما في ذلك أنه يعلم التفرقة بين ما يجده في نفسه من طلب الفعل ~~والنسبة بين أمرين على وجه خاص، وليس هو العلم بحقيقة الامر والخبر. فإن ~~قيل إنه لا معنى للامر والخبر سوى ذلك المعلوم الخاص، فهو أيضا عود إلى ~~التحديد. كيف وإن PageV02P005 # ما ذكروه يوجب أن يكون الامر أيضا مستغنيا عن التحديد كاستغناء الخبر. ~~وهذا القائل بعينه قد عرف الامر بالتحديد، حيث قال: الامر هو طلب الفعل ~~بالقول على سبيل الاستعلاء. وأيضا فإن الكلام إنما هو واقع في مفهوم الخبر ~~اللفظي. وحقائق أنواع الألفاظ وانقسامها إلى أمر ونهى وخبر وغير ذلك مما لا ~~سبيل إلى القول بكونه معلوما بالضرورة، لكونه مبنيا على الوضع والاصطلاح. # ولهذا، فإن العرب لو أطلقوا اسم الامر على المفهوم من الخبر الآن، واسم ~~الخبر على مفهوم الامر، لما كان ممتنعا، وما يتبدل ويختلف باختلاف ~~الاصطلاحات. فالعلم بمعناه لا يكون ضروريا. وإذا عرف ذلك فقد أجمع الباقون ~~على أن العلم بمفهوم الخبر إنما يعرف بالحد والنظر، لكن اختلفوا في حده، ~~فقالت المعتزلة كالجبائي وابنه وأبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار ~~وغيرهم: إن الخبر هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب. وقد أورد عليه ~~إشكالات أربعة: # الأول أنه منتقض بقول القائل: محمد ومسيلمة صادقان في دعوى النبوة، ولا ~~يدخله الصدق، وإلا كان مسيلمة صادقا، ms231 ولا الكذب، وإلا كان محمد كاذبا وهو ~~خبر، وكذلك، فإن من كذب في جميع أخباره، فقال: جميع أخباري كذب، فإن قوله ~~هذا خبر، ولا يدخله الصدق. وإلا كانت جميع أخباره كذبا، وهو من جملة أخباره ~~ولا يدخله الكذب، وإلا كانت جميع أخباره مع هذا الخبر كذبا، وصدق في قوله ~~جميع أخباري كذب. # الثاني: أن تعريف الخبر بما يدخله الصدق والكذب يفضي إلى الدور، لان ~~تعريف الصدق والكذب متوقف على معرفة الخبر من حيث إن الصدق هو الخبر ~~الموافق للمخبر، والكذب بضده، وهو ممتنع. # الثالث: إن الصدق والكذب متقابلان، ولا يتصور اجتماعهما في خبر واحد. ~~ويلزم من ذلك إما امتناع وجود الخبر مطلقا، وهو محال، وإما وجود الخبر مع ~~امتناع اجتماع دخول الصدق والكذب فيه، فيكون المحدود متحققا دون ما قيل ~~بكونه حدا له، وهو أيضا محال. PageV02P006 # الرابع: أن الباري تعالى له خبر، ولا يتصور دخول الكذب فيه. # وقد أجاب الجبائي عن قول القائل محمد ومسيلمة صادقان بأن هذا الكلام يفيد ~~صدق أحدهما في حال صدق الآخر، فكأنه قال أحدهما صادق حال صدق الآخر. ولو ~~قال ذلك كان قوله كاذبا، فكذلك إذا قال: هما صادقان، وهو إنما يصح أن لو ~~كان معنى هذا الكلام ما قيل، وليس كذلك، بل قوله. هما صادقان، أعم من كون ~~أحدهما صادقا، حال صدق الآخر، وقبله وبعده. والأعم غير مشعر بالأخص، ولا ~~يلزم من كذب الأخص كذب الأعم. # وأجاب أبو هاشم بأن هذا الخبر جار مجرى خبرين: أحدهما خبر بصدق الرسول، ~~والآخر خبر بصدق مسيلمة. والخبران لا يوصفان بالصدق ولا بالكذب، فكذلك ~~هاهنا. وإنما الذي يوصف بالصدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر، وليس ~~بحق أيضا فإنه إنما ينزل منزلة الخبر من حيث إنه أفاد حكما واحدا لشخصين، ~~وهو غير مانع من وصفه بالصدق والكذب، بدليل الكذب في قول القائل: كل موجود ~~حادث وإن كان يفيد حكما واحدا لأشخاص متعددة. # وأجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن قال: المراد من قولنا: ما دخله الصدق ~~والكذب أن ms232 اللغة لا تحرم أن يقال للمتكلم به: صدقت أو كذبت. وهو أيضا غير ~~صحيح. فإن حاصله يرجع إلى التصديق والتكذيب، وهو غير الصدق والكذب في نفس ~~الخبر. # وأجاب عنه أبو عبد الله البصري بأنه كذب لأنه يفيد إضافة الصدق إليهما ~~معا، مع عدم اضافته إليهما معا. وهو وإن كان كما ذكر غير أنه إذا كان كاذبا ~~فلا يدخله الصدق، وقد قيل الخبر ما يدخله الصدق والكذب، والحق في الجواب أن ~~يقال حاصل هذا وإن كانت صورته صورة خبر واحد يرجع إلى خبرين أحدهما صادق ~~وهو إضافة الصدق إلى محمد والثاني كاذب وهو إضافته إلى مسيلمة. # وأما الالزام الثاني فلا يخلو الخبر فيه، إما أن يكون مطابقا للمخبر عنه، ~~أو غير مطابق. # فإن كان الأول، فهو صدق، وإن كان الثاني، فهو كذب لاستحالة الجمع بين ~~المتناقضين في السلب أو الايجاب. PageV02P007 # وأما الاشكال الثاني، فقد أجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن الخبر معلوم ~~لنا، وما ذكرناه لم نقصد به تعريف الخبر بل فصله وتمييزه عن غيره فإذا ~~عرفنا الصدق والكذب بالخبر فلا يكون دورا، وهو غير صحيح، لأنه إذا كان ~~تمييز الخبر عن غيره إنما يكون بالنظر إلى الصدق والكذب. فتمييز الصدق ~~والكذب بالخبر يوجب توقف كل واحد من الامرين في تمييزه عن غيره على الآخر، ~~وهو عين الدور، بل، لو قيل: إن الصدق والكذب، وإن كان داخلا في حد الخبر ~~ومميزا له، فلا نسلم أن الصدق والكذب، مفتقر في معرفته إلى الخبر، بل الصدق ~~والكذب معلوم لنا بالضرورة، لكان أولى. # وأما الاشكال الثالث، فقد قيل في جوابه إن المحدود إنما هو جنس الخبر، ~~وهو قابل لدخول الصدق والكذب فيه، كاجتماع السواد والبياض في جنس اللون، ~~وهو غير صحيح فإن الحد، وإن كان لجنس الخبر، فلا بد وأن يكون الحد موجودا ~~في كل واحد من آحاد الاخبار، وإلا لزم منه وجود الخبر دون حد الخبر وهو ~~ممتنع. ولا يخفى أن آحاد الاخبار الشخصية مما لا يجتمع فيه الصدق والكذب. ~~والحق في ذلك ms233 أن (الواو) وإن كانت ظاهرة في الجمع المطلق، غير أن المراد ~~بها الترديد بين القسمين تجوزا. # وأما الاشكال الرابع فقد قيل في جوابه مثل جواب الاشكال الذي قبله. وقد ~~عرف ما فيه. # ومن الناس من قال: الخبر ما دخله الصدق أو الكذب، ويرد عليه الاشكالان ~~الأولان من الاشكالات الواردة على الحد الأول دون الأخيرين. وقد عرف ما ~~فيهما. ويرد عليه إشكال آخر خاص به، وهو أن الحد معرف للمحدود، وحرف (أو) ~~للترديد، وهو مناف للتعريف. ويمكن أن يقال في جوابه، إن الحكم بقبول الخبر ~~لاحد هذين الامرين من غير تعيين جازم لا تردد فيه، وهو المأخوذ في التحديد. # وإنما التردد في اتصافه بأحدهما عينا، وهو غير داخل في الحد. ومنهم من ~~قال: هو ما يدخله التصديق والتكذيب وقيل ما يدخله التصديق أو التكذيب ~~PageV02P008 # ومنهم من قال: هو ما يدخله التصديق والتكذيب ويرد عليهما تعريف الخبر ~~بالتصديق والتكذيب المتوقف على معرفة الصدق والكذب المتوقف على معرفة الخبر ~~والترديد. وقد عرف ما في كل واحد منهما. # وقال أبو الحسين البصري: الخبر كلام يفيد بنفسه إضافة أمر إلى أمر نفيا ~~أو إثباتا. واحترز بقوله: (بنفسه) عن الامر، فإنه يستدعي كون الفعل المأمور ~~به واجبا، لكن لا بنفسه، بل بواسطة ما استدعاه الامر بنفسه من طلب الفعل ~~الصادر من الحكيم، وهو منتقض بالنسب التقييدية، كقول القائل: حيوان ناطق، ~~فإنه أفاد بنفسه إثبات النطق للحيوان، وليس بخبر. # فإن قال: إن ذلك ليس بكلام، ونحن فقد قيدنا الحد بالكلام. قلنا: هذا منه ~~لا يصح، فإن حد الكلام بما انتظم من الحروف المسموعة المميزة من غير اعتبار ~~قيد آخر. وحد الكلام بهذا الاعتبار متحقق فيما نحن فيه، فكان على أصله ~~كلاما. # والمختار فيه أن يقال: الخبر عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم ~~إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد ~~المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها. # أما قولنا: (اللفظ) فهو كالجنس للخبر وغيره من أقسام الكلام، ms234 ويمكن أن ~~يحترز به عن الخبر المجازي مما ذكرناه أولا. # وقولنا: (الدال) احتراز عن اللفظ المهمل. # وقولنا: (بالوضع) احتراز عن اللفظ الدال بجهة الملازمة وقولنا: (على ~~نسبة) احتراز عن أسماء الاعلام، وعن كل ما ليس له دلالة على نسبة. # وقولنا: (معلوم إلى معلوم) حتى يدخل فيه الموجود والمعدوم. وقولنا: (سلبا ~~أو إيجابا) حتى يعم ما مثل قولنا: زيد في الدار، ليس في الدار. وقولنا: ~~(يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام) احتراز عن اللفظ الدال على النسب ~~التقييدية. PageV02P009 # وقولنا: (مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها) احتراز عن صيغة ~~الخبر إذا وردت، ولا تكون خبرا، كالواردة على لسان النائم والساهي والحاكي ~~لها، أو لقصد الامر مجازا كقوله تعالى: * (والجروح قصاص) * (5) المائدة: ~~45) وقوله: * (والوالدات يرضعن أولادهن) * (2) البقرة: 233) * (والمطلقات ~~يتربصن) * (2) البقرة: 228) * (ومن دخله كان آمنا) * (3) آل عمران: 97) ~~ونحوه حيث إنه لم يقصد بها الدلالة على النسبة ولا سلبها. # وإذا عرف معنى الخبر، فهو ينقسم ثلاث قسم. # القسمة الأولى: # إن الخبر ينقسم إلى صادق وكاذب، لأنه لا يخلو إما أن يكون مطابقا للمخبر ~~به، أو غير مطابق فإن كان الأول، فهو الصادق وإن كان الثاني، فهو الكاذب. ~~وقال الجاحظ: الخبر ينقسم ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وما ليس بصادق ولا ~~كاذب. وقد احتج على ذلك بالنص والمعقول. # أما النص فحكاية القرآن عن الكفار قولهم عن النبي عليه السلام * (افترى ~~على الله كذبا أم به جنة) * (24) سبأ: 8) حصروا دعواه النبوة في الكذب ~~والجنة، وليس إخباره بالنبوة حالة جنونه كذبا، لأنهم جعلوها في مقابلة ~~الكذب، ولا صدقا، لأنهم لم يعتقدوا صدقه على كل تقدير. فإخباره حالة جنة ~~ليس بصدق ولا كذب أما المعقول فمن وجهين: # الأول أنه ليس الصادق هو الخبر المطابق للمخبر. فإن من أخبر بأن زيدا في ~~الدار، على اعتقاد أنه ليس فيها، وكان فيها، فإنه لا يوصف بكونه صادقا، ولا ~~يستحق المدح على ذلك وإن كان خبره مطابقا للمخبر، ولا يوصف بكونه كاذبا ~~لمطابقة خبره للمخبر. وكذلك ليس الكذب هو ms235 عدم مطابقة الخبر للمخبر لوجهين: # الأول: أنه كان يلزم منه الكذب في كلام الله تعالى بتخصيص عموم خبره ~~وتقييد مطلقه لعدم المطابقة، وهو محال. # الثاني: أنه لو أخبر مخبر أن زيدا في الدار، على اعتقاد كونه فيها ولم ~~يكن فيها، PageV02P010 # فإنه لا يوصف بكونه كاذبا، ولا يستحق الذم على ذلك. ولا يوصف بكونه صادقا ~~لعدم مطابقة الخبر للمخبر. وإنما الصادق ما طابق المخبر مع اعتقاد المخبر ~~أنه كذلك. والكذب ما لم يطابق المخبر، مع اعتقاده أنه كذلك الثاني أنه إذا ~~جاز أن يفرض في الاعتقاد واسطة بين كونه علما أو جهلا، لا يوصف بكونه علما، ~~ولا جهلا مركبا، كاعتقاد العامي المقلد وجود الاله تعالى، جاز أن يفرض بين ~~الصادق والكاذب خبر ليس بصادق ولا كاذب. # والجواب عن الآية أنهم إنما حصروا أمره بين الكذب والجنة، لان قصد ~~الدلالة به على مدلوله شرط في كونه خبرا والمجنون ليس له قصد صحيح، فصار ~~كالنائم والساهي، إذا صدرت منه صيغة الخبر، فإنه لا يكون خبرا، وحيث لم ~~يعتقدوا صدقه، لم يبق إلا أن يكون كاذبا، أو لا يكون ما أتى به خبرا، وإن ~~كانت صورته صورة الخبر أما أن يكون خبرا، وليس صادقا فيه ولا كاذبا، فلا. # وعن الوجه الأول من المعقول: أنا لا نسلم أن من أخبر عن كون زيد في ~~الدار، على اعتقاد أنه ليس فيها وهو فيها، أن خبره لا يكون صادقا، وإن كان ~~لا يستحق المدح على الصدق. # وكذلك لا نسلم أن من أخبر بأن زيدا في الدار، على اعتقاد كونه فيها، ولم ~~يكن فيها، أنه ليس كاذبا وإن كان لا يستحق الذم على كذبه. لان المدح والذم ~~ليس على نفس الصدق والكذب لا غير، بل على الصدق مع قصده، والكذب مع قصده. ~~ولهذا: فإن الأمة حاكمة بأن الكافر الذي علم منه اعتقاد بطلان رسالة محمد، ~~عليه السلام، صادق بإخباره بنبوة محمد، لما كان خبره مطابقا للمخبر، وإن لم ~~يكن معتقدا لذلك، ولا قاصدا للصدق، وحاكمة بكذبه في إخباره ms236 أنه ليس برسول، ~~وإن كان معتقدا لما أخبر به لما كان خبره غير مطابق للمخبر. وأما تخصيص ~~عموم خبر القرآن، وتقييد مطلقه، فإنما لم يكن كذبا، وإن لم يكن الخبر ~~محمولا على ظاهره من العموم والاطلاق لأنه مصروف عن حقيقته إلى مجازه، وصرف ~~اللفظ عن أحد مدلوليه إلى الآخر لا يكون كذبا، وسواء كان ذلك اللفظ من قبيل ~~الألفاظ المشتركة أو PageV02P011 # المجازية. ولهذا، فإن من أخبر بلفظ مشترك، وأراد به بعض مدلولاته دون ~~البعض، كما لو قال رأيت عينا وأراد به العين الجارية دون الباصرة، وبالعكس ~~فإنه لا يعد كاذبا. وكذلك من أخبر بلفظ هو حقيقة في شئ ومجاز في شئ، وأراد ~~جهة المجاز دون الحقيقة، فإنه لا يعد كاذبا، وذلك كما لو قال رأيت أسدا ~~وأراد به المحمل المجازي دون الحقيقي، وهو الانسان. # وعن الوجه الثاني أنه لا يلزم من انقسام. الاعتقاد إلى علم وجهل مركب، ~~وحالة متوسطة ليست علما ولا جهلا مركبا، انقسام الخبر إلى صدق وكذب، وما ~~ليس بصدق ولا كذب، إذ هو قياس تمثيلي من غير جامع. ولو كان ذلك كافيا، لوجب ~~أن يقال إنه أيضا يلزم من ذلك أن يكون بين النفي والاثبات واسطة، وهو محال. # وبالجملة، فالنزاع في هذه المسألة لفظي حيث إن أحد الخصمين يطلق اسم ~~الصدق والكذب على ما لا يطلقه الآخر إلا بشرط زائد. # القسمة الثانية: # إن الخبر ينقسم إلى ما يعلم صدقه، وإلى ما يعلم كذبه، وإلى ما يعلم صدقه ~~ولا كذبه. # فأما ما يعلم صدقه فمنه ما يعلم صدقه بمجرد الخبر، كخبر التواتر ومنه ما ~~يعلم صدقه لا بنفس الخبر، بل بدليل يدل على كونه صادقا، كخبر الله، وخبر ~~الرسول، فيما يخبر به عن الله تعالى، وخبر أهل الاجماع، وخبر من أخبر الله ~~تعالى عنه أو رسوله أو أهل الاجماع أنه صادق، وخبر من وافق خبره خبر الصادق ~~أو دليل العقل وأما ما وراء ذلك مما ادعي أنه معلوم الصدق ففيه اختلاف ~~وتفصيل يأتي ذكره في أخبار الآحاد. # وأما ms237 ما يعلم كذبه، فما كان مخالفا لضرورة العقل أو النظر أو الحس أو ~~أخبار التواتر أو النص القاطع أو الاجماع القاطع أو ما صرح الجمع الذين لا ~~يتصور تواطؤهم على الكذب بتكذيبه ومن ذلك، قول من لم يكذب قط فيما أخبر به ~~أنا كاذب فخبره ذلك، كاذب، لان المخبر عنه ليس هو نفس هذا الخبر، لان الخبر ~~يجب أن يكون غير المخبر عنه، ولا ما لم يوجد من أخباره، فإنها لا توصف بصدق ~~ولا كذب فلم يبق غير الاخبار السالفة. وقد كان صادقا فيها، فخبره عنها بأنه ~~كاذب فيها يكون PageV02P012 # كذبا. وقد اختلف في أخبار قيل إنها معلومة الكذب، وسيأتي الكلام فيها بعد ~~هذا في أخبار الآحاد. # وأما ما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فمنه ما يظن صدقه ككثير من الأخبار ~~الواردة في أحكام الشرائع والعادات ممن هو مشهور بالعدالة والصدق، ومنه ما ~~يظن كذبه كخبر من اشتهر بالكذب ومنه ما هو غير مظنون الصدق ولا الكذب، بل ~~مشكوك فيه، كخبر من لم يعلم حاله ولم يشتهر أمره بصدق ولا كذب فإن قيل: كل ~~خبر لم يقم الدليل على صدقه قطعا فهو كاذب لأنه لو كان صادقا لما أخلانا ~~الله تعالى عن نصب دليل يدل عليه، ولهذا، فإن المتحدي بالنبوة، إذا لم تظهر ~~على يده معجزة تدل على صدقه، فإنا نقطع بكذبه. قلنا: جوابه من ثلاثة أوجه: # الأول: لا نسلم امتناع الخلو من نصب دليل يدل على صدقه بتقدير أن يكون ~~صادقا في نفس الامر. ومن أوجب ذلك فإنما بناه على وجوب رعاية الصلاح أو لا ~~صلح، وقد أبطلناه في علم الكلام. # الثاني: أنه مقابل بمثله، وهو أن يقال: ولو كان كاذبا لما أخلانا الله ~~تعالى عن نصب دليل يدل على كذبه. # الثالث: أنه يلزم مما ذكروه أن يقطع بكذب كل شاهد لم يقم الدليل القاطع ~~على صدقه، وكفر كل مسلم وفسقه، إذا لم يقم دليل قاطع على إيمانه وعدالته، ~~وهو محال. # وأما المتحدي بالرسالة إذا لم تظهر المعجزة الدالة ms238 على صدقه إنما قطعنا ~~بكذبه بالنظر إلى العادة لا بالنظر إلى العقل، وذلك لان الرسالة عن الله ~~تعالى على خلاف العادة، والعادة تقضي بكذب من يدعي ما يخالف العادة من غير ~~دليل ولا كذلك الصدق في الاخبار عن الأمور المحسوسة، لأنه غير مخالف ~~للعادة. # القسمة الثالثة: # إن الخبر ينقسم إلى متواتر، وآحاد. ولما كان النظر في كل واحد من هذين ~~القسمين هو المقصود الأعظم من هذا النوع، وجب رسم الباب الثاني في ~~المتواتر، والباب الثالث في الآحاد. PageV02P013 # الباب الثاني في المتواتر ويشتمل على مقدمة، ومسائل. # أما المقدمة ففي بيان معنى التواتر والمتواتر. # أما التواتر في اللغة، فعبارة عن تتابع أشياء واحدا بعد واحد، بينهما ~~مهلة. # ومنه قوله تعالى: * (ثم أرسلنا رسلنا تترى) * (23) المؤمنون: 44) أي ~~واحدا بعد واحد بمهلة. # وأما في اصطلاح الأصوليين، فقد قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن خبر جماعة ~~بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم. وهو غلط، فإن ما ذكره إنما هو ~~حد الخبر المتواتر لا حد نفس التواتر، وفرق بين التواتر والمتواتر. وإنما ~~التواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن تتابع الخبر عن جماعة مفيد للعلم ~~بمخبره. # وأما المتواتر فقد قال بعض أصحابنا أيضا إنه الخبر المفيد للعلم اليقيني ~~بمخبره، وهو غير مانع لدخول خبر الواحد الصادق فيه. كيف وفيه زيادة لا حاجة ~~إليها، وهي قوله: (العلم اليقيني) فإن أحدهما كاف عن الآخر. والحق أن ~~المتواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن خبر جماعة مفيد بنفسه للعلم بمخبره. # فقولنا: (خبر) كالجنس للمتواتر والآحاد، وقولنا: (جماعة) احتراز عن خبر ~~الواحد، وقولنا: (مفيد للعلم) احتراز عن خبر جماعة لا يفيد العلم، فإنه لا ~~يكون متواترا، وقولنا: (بنفسه) احتراز عن خبر جماعة وافق دليل العقل أو دل ~~قول الصادق على صدقهم، كما سبق، وقولنا: (بمخبره) احتراز عن خبر جماعة أفاد ~~العلم بخبرهم لا (بمخبره) فإنه لا يسمى متواترا. # وإذ أتينا على بيان المقدمة، فلا بد من ذكر المسائل المتعلقة بخبر ~~التواتر، وهي ست مسائل. PageV02P014 # المسألة الأولى اتفق الكل على أن ms239 خبر التواتر مفيد للعلم بمخبره، خلافا ~~للسمنية والبراهمة في قولهم: لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون ~~الاخبار وغيرها، ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري ~~بالبلاد النائية، والأمم السالفة، والقرون الخالية والملوك والأنبياء ~~والأئمة والفضلاء المشهورين، والوقائع الجارية بين السلف الماضين بما يرد ~~علينا من الاخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات، عند إدراكنا لها بالحواس. ~~ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته، وظهر جنونه أو مجاحدته. # فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير على ~~الاخبار بخبر واحد، وذلك غير مسلم، مع اختلافهم في الأمزجة والآراء ~~والاغراض وقصد الصدق والكذب، كما لا يتصور اتفاق أهل بلد من البلاد على حب ~~طعام واحد معين، وحب الخير أو الشر. وإن سلمنا تصور اتفاق الخلق الكثير على ~~الاخبار بشئ واحد، إلا أن كل واحد منهم يجوز أن يكون كاذبا في خبره بتقدير ~~انفراده كما يجوز عليه الصدق. # فلو امتنع ذلك عليه حالة الاجتماع لانقلب الجائز ممتنعا، وهو محال وإذا ~~جاز ذلك على كل واحد واحد. والجملة لا تخرج عن الآحاد، كان خبر الجملة جائز ~~الكذب، وما يجوز أن يكون كاذبا، لا يكون العلم بما يخبر به واقعا. وإن ~~سلمنا أنه لا يلزم أن ما ثبت للآحاد يكون ثابتا للجملة، غير أن القول بحصول ~~العلم بخبر التواتر يلزم منه أمر ممتنع فيمتنع، وبيانه من ستة أوجه. # الأول: أنه لو جاز أن تخبر جماعة بما يفيد العلم، لجاز على مثلهم الخبر ~~بنقيض خبرهم، كما لو أخبر الأولون بأن زيدا كان في وقت كذا ميتا، ونقل ~~الآخرون حياته في ذلك الوقت بعينه، فإن حصل العلم بالخبرين، لزم اجتماع ~~العلم الضروري بموته وحياته فوقت واحد معين، وهو محال، وإن حصل العلم بأحد ~~الخبرين دون الآخر، فلا أولوية مع فرض تساوي المخبرين في الكمية والكيفية. ~~PageV02P015 # الثاني: أنه لو حصل العلم بخبر الجماعة الكثيرة لحصل العلم بما ينقله ~~اليهود عن موسى، والنصارى عن عيسى، من الأمور المكذبة لرسالة نبينا، التي ~~دلت المعجزة ms240 القاطعة على صدقه فيها ووجوب علمنا بها، واجتماع علمين ~~متناقضين محال. # الثالث: أنه لو حصل العلم الضروري بخبر التواتر، لما خالف في نبوة نبينا ~~أحد، لان ما علم بالضرورة لا يخالف، وحيث وقع الخلاف في ذلك من الخلق ~~الكثير علمنا أن خبر التواتر لا يفيد العلم. # الرابع: أنه لو كان العلم الضروري حاصلا بخبر التواتر، لما وقع التفاوت ~~بين علمنا بما أخبر به أهل التواتر من وجود بعض الملوك، وعلمنا بأنه لا ~~واسطة بين النفي والاثبات واستحالة اجتماع الضدين، وأن الجسم الواحد لا ~~يكون في آن واحد في مكانين، لان الضروريات لا تختلف ولا يخفى وجه الاختلاف ~~في سكون النفس إليهما. # الخامس: هو أن ما يحصل من الاعتقاد الجازم بما يخبر به أهل التواتر لا ~~يزيد على الاعتقاد الجازم بأن ما شاهدناه بالأمس من وجود الأفلاك الدائرة، ~~والكواكب السيارة، والجبال الشامخة، أنه الذي نشاهده اليوم مع جواز أن يكون ~~الله تعالى قد أعدم ذلك، وما نشاهده الآن قد خلقه الله تعالى على مثاله ~~فإذا لم يكن هذا يقينيا، فما لا يزيد عليه في الجزم والاعتقاد أيضا لا يكون ~~يقينيا. # السادس: أنه لو كان العلم الضروري حاصلا من خبر التواتر، لما خالفناكم ~~فيه، لان الضروري لا يخالف. والجواب من جهة الاجمال والتفصيل. # أما الاجمال فهو أن ما ذكروه تشكيك على ما علم بالضرورة، فلا يكون ~~مقبولا، وأما التفصيل فأما السؤال الأول، فجوابه بما سبق في بيان تصور ~~الاجماع، فيما تقدم. # وأما السؤال الثاني فلانه لا يلزم أن ما كان ثابتا لآحاد الجملة، وجائزا ~~عليها، أن يكون ثابتا للجملة، وجائزا عليها. ولهذا فإنه ما من واحد من ~~معلومات الله إلا وهو متناه، وجملة معلوماته غير متناهية. وكذلك كل واحد من ~~آحاد الجملة، PageV02P016 # فإنه جزء من الجملة، والجملة ليست جزءا من الجملة. وكذلك كل لبنة أو خشبة ~~داخلة في مسمى الدار، وهي جزء منها، وليست دارا، والمجتمع من الكل دار. # وكذلك العشرة مركبة من خمسة وخمسة وكل واحدة من الخمستين ليست عشرة، ~~والمجموع ms241 منهما عشرة، ونحوه. # وأما ما ذكروه في السؤال الثالث من الالزام الأول، فهو فرض محال فإنه ~~مهما أخبر جمع بما يحصل منه العلم بالمخبر فيمتنع إخبار مثلهم في الكمية ~~والكيفية وقرائن الأحوال بما يناقض ذلك. # وأما الالزام الثاني، فإنما يصح أن لو قلنا إن العلم يحصل من خبر كل ~~جماعة وإن خبر كل جماعة تواتر، وليس كذلك، وإنما دعوانا أن العلم قد يحصل ~~من خبر الجماعة، ولا يلزم أن يكون خبر كل جماعة محصلا للعلم. # وأما الالزام الثالث، فغير صحيح لان التواتر إنما يفيد العلم في الاخبار ~~عن المحسات والمشاهدات والنبوة حكم، فلذلك، لم يثبت بخبر التواتر كيف وإنا ~~لا ندعي أن كل تواتر يجب حصول العلم بمخبره مطلقا لكل أحد لتفاوت ~~PageV02P017 # الناس في السماع وقوة الفهم والاطلاع على القرائن المقترنة بالاخبار ~~المفيدة للعلم فمخالفة من يخالف غير قادحة فيما ندعيه من حصول العلم به ~~لبعض الناس. # وأما الالزام الرابع والخامس، فإنما يصح أن لو ادعينا أن ما يحصل من ~~العلم بخبر التواتر من الأمور البديهية، وليس كذلك، بل إنما ندعي العلم ~~العادي. وعلى هذا، فلا يخرج عن كونه علما بتقاصره عن العلوم البديهية، ولا ~~بمساواته لما قيل من العلوم العادية. # وأما الالزام السادس، فحاصله يرجع إلى المكابرة والمجاحدة وذلك غير متصور ~~في العادة في خلق لا يتصور عليهم التواطؤ على الخطأ. ثم لو كان الخلاف مما ~~يمنع من كونه علما ضروريا، لكان خلاف السوفسطائية في حصول العلم بالمحسوسات ~~مما يخرجه عن كونه علما ضروريا، وهو خلاف مذهب السمنية. # وما هو اعتذارهم في خلاف السوفسطائية في العلم بالمحسوسات يكون عذرا لنا ~~في خلافهم لنا في المتواترات. # المسألة الثانية اتفق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين من الأشاعرة ~~والمعتزلة على أن العلم الحاصل عن خبر التواتر ضروري. وقال الكعبي وأبو ~~الحسين البصري من المعتزلة والدقاق من أصحاب الشافعي: أنه نظري. # وقال الغزالي: إنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط ~~واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن، وليس ms242 ضروريا بمعنى ~~PageV02P018 # أنه حاصل من غير واسطة، كقولنا: القديم لا يكون محدثا، والموجود لا يكون ~~معدوما، فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس إحداهما أن هؤلاء مع ~~كثرتهم واختلاف أحوالهم، لا يجمعهم على الكذب جامع. # الثانية: أنهم قد اتفقوا على الاخبار عن الواقعة، ولكنه لا يفتقر إلى ~~ترتيب المقدمتين بلفظ منظوم، ولا إلى الشعور بتوسطهما وإفضائهما إليه. # ومنهم من توقف في ذلك، كالشريف المرتضى من الشيعة. # وإذ أتينا على تفصيل المذاهب فلا بد من ذكر حججها، والتنبيه على ما فيها، ~~ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. # أما حجج القائلين بالضرورة، فأولها، وهي الأقوى، أنه لو كان حصول العلم ~~بخبر التواتر بطريق الاستدلال والنظر، لما وقع ذلك لمن ليس له أهلية النظر ~~والاستدلال، كالصبيان والعوام، وهو واقع لهم لا محالة. ولقائل أن يقول: # لا نسلم أن الصبيان والعوام الذين يحصل لهم العلم بخبر التواتر ليس لهم ~~أهلية النظر في مثل هذا العلم، وإن لم يكونوا من أهل النظر فيما عداه من ~~المسائل الغامضة، كحدوث العالم ووجود الصانع ونحوه. وذلك، لان العلم النظري ~~منقسم إلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية، فيكون خفيا، وإلى ما مقدماته ~~المفضية إليه نظرية، فيكون خفيا، وإلى ما مقدماته المفضية إليه ضرورية غير ~~نظرية، وعند ذلك، فلا يمتنع أن يكون العلم بخبر التواتر من القبيل الثاني، ~~دون الأول. وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون العلم بأحوال المخبرين التي يتوقف ~~عليها العلم بمخبرهم حاصلة بالضرورة للصبيان والعوام، ويكون العلم بالنتيجة ~~اللازمة عنها ضروريا. وإنما تتم الحجة المذكورة أن لو بين أن العلم بمخبرهم ~~من قبيل ما مقدماته نظرية لا ضرورية وذلك مما لا سبيل إلى بيانه. # الحجة الثانية أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة وبغداد والبلاد ~~النائية، عند خبر التواتر بها، مع أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر ~~فيما يناسبه من العلوم PageV02P019 # المتقدمة عليه، ولا في ترتيبها المفضي إليه. ولو كان نظريا لما كان كذلك. # ولقائل أن يقول إنما يحتاج ms243 ذلك إلى الفكر والنظر المقدمات وترتيبها، إن ~~لو لم يكن العلم بتلك الأمور حاصلا بالضرورة على ما بيناه في إبطال الحجة ~~الأولى. # وأما إذا كان حاصلا بالضرورة، فلا. # الحجة الثالثة أن العلم بخبر التواتر لا ينتفي بالشبهة، وهذه هي أمارة ~~الضرورة. ولقائل أن يقول: المنفي بالشبهة العلم النظري الذي مقدماته نظرية، ~~أو الذي مقدماته ضرورية. الأول مسلم، والثاني ممنوع. # الحجة الرابعة أنه لو كان نظريا، لأمكن الاضراب عنه، كما في سائر ~~النظريات. # وحيث لم يمكن ذلك، دل على كونه ضروريا. # ولقائل أن يقول: الذي يمكن الاضراب عنه من العلوم النظرية إنما هو العلم ~~المفتقر إلى المقدمات النظرية. وأما ما لزمه من مقدمات حاصلة بالضرورة، ~~فلا. # الحجة الخامسة أنه لو كان نظريا، لوقع الخلاف فيه بين العقلاء، وحيث لم ~~يقع إلا من معاند كما سبق، كان ضروريا كالعلم بالمحسات ونحوه. # ولقائل أن يقول: تسويغ الخلاف عقلا إنما يكون في العلوم النظرية التي ~~مقدماتها نظرية. وأما مقدماتها ضرورية فلا، كما في المحسات. # وأما حجج القائلين بالنظر، فأولها، وهي ما استدل بها أبو الحسين البصري ~~أن قال الاستدلال ترتيب علوم يتوصل بها إلى علم آخر، فكلما وقف وجوده عل ~~ترتيب فهو نظري، والعلم الواقع بخبر التواتر كذلك، فكان نظريا. وذلك، لأنا ~~إنما نعلم ذلك، إذا علمنا أن المخبر لم يخبر عن رواية بل عن أمر محسوس، لا ~~لبس فيه وأنه لا داعي له إلى الكذب، فيعلم أنه لا يكون كذبا. وإذا لم يكن ~~كذبا تعين كونه صدقا. ومهما اختل شئ من هذه الأمور لم نعلم صحة الخبر، ولا ~~معنى لكونه نظريا سوى ذلك. PageV02P020 # ولقائل أن يقول: سلمنا أن النظر عبارة عما ذكر، لكن لا نسلم تحققه فيما ~~نحن فيه. وما المانع أن يكون اتفاقهم على الكذب، لا لغرض مع كونه مقدورا ~~لهم، فإن قال بأن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على الكذب لا لغرض ~~ومقصود. # قلنا: والعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الصدق لا لغرض ومقصود، فلم قلت بعدم ~~الغرض في الصدق دون الكذب، ms244 وإذا لم يكن غرض، فليس الصدق أولى من الكذب. # فإن قلنا: الغرض في الصدق كونه صدقا، لكونه حسنا، ولا كذلك الكذب لكونه ~~قبيحا، فهو مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه. # فإن قال: المراد إنما هو التحسين والتقبيح العرفي دون العقلي، ولا شك أن ~~أهل العرف يعدون الكذب قبيحا، والصدق حسنا. # قلنا: التحسين والتقبيح العرفي راجع إلى موافقة الغرض ومخالفته. وعلى ~~هذا، فلعل الكذب من حيث هو كذب فيما أخبروا به موافق لاغراضهم دون الصدق، ~~فكان حسنا، كما في اتفاقهم على الصدق في بعض ما أخبروا به، سلمنا أنهم لا ~~يجمعون على الكذب إلا لغرض، ولكن ما المانع منه؟ فإنا قد نجد الجمع الكثير ~~متفقين على وضع الأحاديث والاخبار لحكمة عائدة إليهم، وذلك كأهل مدينة أو ~~جيش عظيم اتفقوا على وضع خبر لا أصل له، إما لدفع مفسدة عنهم لا سبيل إلى ~~دفعها إلا به، وإما لجلب مصلحة لا تحصل إلا به. وهذا مما يغلب مثله في كل ~~عصر وزمان حتى إن أكثر الاخبار العامة الشائعة الواقعة في المعتاد كذلك. # فإن قال بأن ذلك، وإن كان واقعا، إلا أن العادة تحيل دوامه، وتوجب ~~انكشافه عن قرب من الزمان. # قلنا: فإذا آل الامر إلى التمسك بالعادة في استحالة اتفاقهم على الكذب ~~دائما فما المانع أن يقال بأن العادة موجبة لصدق المخبرين، إذا كانوا جمعا ~~كثيرا، وحصول العلم بخبرهم، وليس القول بأن العادة تحيل اتفاقهم على الكذب، ~~ويلزم من ذلك الصدق، أولى من أن يقال العادة توجب اتفاقهم على الصدق، ويلزم ~~من ذلك امتناع اتفاقهم على الكذب، وعند ذلك، فيخرج العلم بخبر التواتر عن ~~كونه نظريا. PageV02P021 # سلمنا أنه لا بد في حصول العلم بخبر التواتر من حصول العلم بامتناع الكذب ~~على المخبرين، ولكن نسلم أن ذلك يكون كافيا في كون العلم الحاصل من التواتر ~~نظريا، إلا أن يكون العلم بالمقدمات قد علم معه أنها مرتبطة بالعلم الحاصل ~~بخبر التواتر، وأنها الواسطة المفضية إليه، وذلك غير مسلم الوجود فيما نحن ~~فيه، كما ذهب ms245 إليه الغزالي. # الحجة الثانية: أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا لنا، لكنا عالمين ~~بذلك العلم على ما هو عليه، كما في سائر العلوم الضرورية. وذلك، لان حصول ~~علم للانسان، وهو لا يشعر به، محال. فإذا كان ذلك العلم ضروريا، وجب أن ~~يعلم كونه ضروريا، وليس كذلك. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا كان ضروريا بد وأن يعلم أنه ضروري، بل ~~جاز أن يكون أصل العلم بالمخبر بالضرورة، والعلم بصفته، وهي الضرورة، غير ~~ضروري. كيف وأنه معارض بأنه لو كان نظريا، لعلمناه على صفته نظريا على ما ~~قرروه، وليس كذلك، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. # الحجة الثالثة أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا، لما اختلف العقلاء ~~فيه، كما في غيره من الضروريات. # ولقائل أن يقول: الاختلاف فيه لا يدل على أنه غير ضروري، وإلا كان خلاف ~~السوفسطائية في حصول العلم بالضروريات، مانعا من كونها ضرورية، وليس كذلك ~~بالاتفاق من الخصمين هاهنا، بل ولكان خلاف السمنية في حصول أصل العلم بخبر ~~التواتر مانعا منه، وليس كذلك. # الحجة الرابعة، أن خبر التواتر لا يزيد في القوة على خبر الله تعالى، ~~وخبر رسوله، بل هو مماثل أو أدنى، والعلم بخبر الله ورسوله غير حاصل ~~بالضرورة، بل بالاستدلال، فما هو مثله كذلك، والأدنى أولى. # ولقائل أن يقول: حاصل ما ذكر راجع إلى التمثيل، وهو غير مفيد لليقين، كما ~~عرفناه في مواضعه. كيف وإن العلم بخبر التواتر من حيث هو علم، وإن كان لا ~~يقع التفاوت بينه وبين العلم الحاصل من خبر الله والرسول، فكذلك لا تفاوت ~~PageV02P022 # بين العلوم الضرورية المتفق على ضروريتها، كالعلم بأن لا واسطة بين النفي ~~والاثبات، والعلم بأن الواحد أقل من الاثنين ونحوه وبين العلم الحاصل بخبر ~~الله وخبر رسوله من حيث إن كل واحد منهما علم. ومع ذلك، ما لزم من كون ~~العلوم الضرورية ضرورية أن يكون العلم الحاصل من خبر الله وخبر رسوله ~~ضروريا، ولا من كون خبر الله ورسوله غير ضروري، أن تكون العلوم الضرورية ms246 ~~غير ضرورية. # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين وتفاوت الكلام بين الطرفين، فقد ظهر أن ~~الواجب إنما هو الوقف عن الجزم بأحد الامرين. # المسألة الثالثة اتفقت الأشاعرة والمعتزلة وجميع الفقهاء على أن خبر ~~التواتر لا يولد العلم، خلافا لبعض الناس. وقد اعتمد القائلون بامتناع ذلك ~~على مسلكين ضعيفين: # الأول: أنهم قالوا: لو كان خبر التواتر مولدا للعلم، فالعلم إما أن يكون ~~متولدا من الخبر الأخير، أو منه ومن جملة الاخبار المتقضية: فإن كان الأول، ~~فهو محال، وإلا لتولد منه بتقدير انفراده. وإن كان الثاني، فهو ممتنع لان ~~الاخبار متعددة، والمسبب الواحد لا يصدر عن سببين، كما لا يكون مخلوق بين ~~خالقين. # ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون متولدا عن الخبر الأخير مشروطا بتقدم ~~ما وجد من الاخبار قبله وعدمت، وإن كان متولدا عن الجميع، فما المانع أن ~~يكون متولدا عن الهيئة الاجتماعية، وهي شئ واحد، لا أنه متولد عن كل واحد ~~واحد من تلك الأخبار. وهذا مما لا مدفع له. # نعم لو قيل إن تولده من جميع الاخبار ممتنع ضرورة أن ما تقضى من الاخبار ~~معدوم، ولا تولد عن المعدوم، كان متجها. # المسلك الثاني: أنهم قالوا. قد استقر من مذهب القائلين بالتولد أن كل ما ~~هو طالب لجهة من الجهات فإنه يجوز أن يتولد عنه شئ في غير محله، ~~كالاعتمادات والحركات، وما ليس كذلك لا يتولد عنه شئ في غير محله. والقول ~~والخبر ليس PageV02P023 # له جهة، فلا يتولد عنه العلم، لأنه، لو تولد عنه العلم، لتولد في غير ~~محله، وهو ممتنع. وذلك مما لا اتجاه له مهما عرف من مذاهب الخصوم أن ~~إرعابات الانسان لغيره مما يولد فيه الوجل المولد للاصفرار بعد الاحمرار، ~~وأن تهجينه له مما يولد فيه الخجل المولد للاحمرار بعد الاصفرار، وإن كان ~~ما تولد عن القول المرهب والمهجن في غير محله. # والمعتمد في إبطال ذلك ليس إلا ما حققناه في أبكار الأفكار من الدليل ~~الدال على امتناع موجود غير الله تعالى، وأن كل موجود ممكن، ms247 فوجوده ليس إلا ~~بالله تعالى، فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا. # فإن قيل: اختياركم في المسألة المتقدمة إنما هو الوقف عن الجزم بكون ~~الحاصل عن خبر التواتر ضروريا أو نظريا، وما ذكرتموه هاهنا من كونه مخلوقا ~~لله تعالى يوجب كونه اضطراريا للعبد، وهو تناقض. كيف وإنه لو كان مخلوقا ~~لله تعالى لأمكن حصوله عن خبر الجماعة المفروضين بسبب خلق الله تعالى له، ~~وأمكن أن لا يحصل بسبب عدم خلقه. فلما كان ذلك واجب الحصول بخبر التواتر ~~علم أنه غير موجود بالاختيار مباشرة، بل بالتولد عما هو مباشر بالقدرة. # قلنا: أما التناقض فمندفع، فإنا سواء قلنا إن العلم مكتسب للعبد، أو هو ~~حاصل له ضروريا، فلا يخرج بذلك عن كونه مخلوقا لله تعالى على ما عرف من ~~أصلنا. # قولهم: لو كان مخلوقا لله تعالى لأمكن أن يحصل وأن لا يحصل، قلنا: ذلك ~~ممكن عقلا، غير أن الله تعالى قد أجرى العادة بخلقه للعلم عند خبر التواتر، ~~كما أجرى العادة بالشبع عند أكل الخبز، والري عند شرب الماء ونحوه. ~~PageV02P024 # المسألة الرابعة اتفق القائلون بحصول العلم عن الخبر المتواتر على شروط، ~~واختلفوا في شروط. # فأما المتفق عليه، فمنها ما يرجع إلى المخبر، ومنها ما يرجع إلى ~~المستمعين. # فأما ما يرجع إلى المخبرين، فأربعة شروط: # الأول: أن يكونوا قد انتهوا في الكثرة إلى حد يمتنع معه تواطؤهم على ~~الكذب. # الثاني: أن يكونوا عالمين بما أخبروا به، لا ظانين. # الثالث: أن يكون علمهم مستندا إلى الحس، لا إلى دليل العقل. # الرابع: أن يستوي طرفا الخبر ووسطه في هذه الشروط، لان خبر أهل كل عصر ~~مستقل بنفسه، فكانت هذه الشروط معتبرة فيه. # وأما ما يرجع إلى المستمعين، فأن يكون المستمع متأهلا لقبول العلم بما ~~أخبر به، غير عالم به قبل ذلك، وإلا كان فيه تحصيل الحاصل. # غير أن من زعم أن حصول العلم بخبر التواتر نظري شرط تقدم العلم بهذه ~~الأمور على حصول العلم بخبر التواتر، ومن زعم أنه ضروري لم يشترط سبق العلم ~~بهذه الأمور، لان ms248 العلم عنده حاصل عند خبر التواتر بخلق الله تعالى، فإن ~~خلق العلم له علم أن الخبر مشتمل على هذه الشروط، وإن لم يخلق له العلم علم ~~اختلال هذه الشروط أو بعضها، فضابط العلم بتكامل هذه الشروط حصول العلم ~~بخبر التواتر عنده، لا أن ضابط حصول العلم بخبر التواتر سابقة حصول العلم ~~بهذه الشروط. # ثم اختلف هؤلاء في أقل عدد يحصل معه العلم: # فقال بعضهم: هو خمسة. لان ما دون ذلك، كالأربعة بينة شرعية يجوز للقاضي ~~عرضها على المزكين بالاجماع لتحصيل غلبة الظن، ولو كان العلم حاصلا بقول ~~الأربعة، لما كان كذلك. وقد قطع القاضي أبو بكر بأن الأربعة عدد ناقص، ~~وتشكك في الخمسة. PageV02P025 # ومنهم من قال: أقل ذلك اثنا عشر، بعدد النقباء من بني إسرائيل، على ما ~~قال تعالى: * (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) * (5) المائدة: 12) وإنما خصهم ~~بذلك العدد لحصول العلم بخبرهم ومنهم من قال: أقله عشرون، تمسكا بقوله ~~تعالى: * (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) * (8) الأنفال: 65) ~~وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به. # ومنهم من قال: أقل ذلك أربعون، أخذا من عدد أهل الجمعة. # ومنهم من قال: أقلهم سبعون، تمسكا بقوله تعالى: * (واختار موسى قومه ~~سبعين رجلا لميقاتنا) * (7) الأعراف: 155) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما ~~يخبرون به. # ومنهم من قال: أقله ثلاثمائة وثلاثة عشر، نظرا إلى عدد أهل بدر، إنما ~~خصوا بذلك ليعلم ما يخبرون به للمشركين. # ومنهم من قال: أقل عدد يحصل به العلم معلوم لله تعالى، غير معلوم لنا، ~~وهذا هو المختار. وذلك لأنا لا نجد من أنفسنا معرفة العدد الذي حصل علمنا ~~بوجود مكة، وبغداد، وغير ذلك من المتواترات عنده. ولو كلفنا أنفسنا معرفة ~~ذلك عند توارد المخبرين بأمر من الأمور بترقب الحالة التي يكمل علمنا فيها ~~بعد تزايد ظننا بخبر واحد بعد واحد، لم نجد إليه سبيلا عادة، كما لم نجد من ~~أنفسنا العلم بالحالة التي يحصل فيها كمال عقولنا بعد نقصها، بالتدريج ~~الخفي، لقصور القوة البشرية عن الوقوف على ذلك، بل يحصل ms249 لنا العلم بخبر ~~التواتر، وإن كنا لا نقف على أقل عدد أفاده، كما نعلم حصول الشبع بأكل ~~الخبز، والري بشرب الماء، وإن كنا لا نقف على المقدار الذي حصل به الشبع ~~والري. # وما قيل من الأقاويل في ضبط عدد التواتر، فهي مع اختلافها وتعارضها وعدم ~~مناسبتها وملائمتها للمطلوب، مضطربة فإنه ما من عدد يفرض حصول العلم به ~~لقوم إلا وقد يمكن فرض خبرهم بعينه غير مفيد للعلم، بالنظر إلى آخرين، بل ~~ولو أخبروا بأعيانهم بواقعة أخرى لم يحصل بها العلم لمن حصل له العلم ~~بخبرهم الأول، ولو كان ذلك العدد هو الضابط لحصول العلم لما اختلف، وإنما ~~وقع الاختلاف بسبب الاختلاف في القرائن المقترنة بالخبر، وقوة سماع المستمع ~~وفهمه وإدراكه للقرائن. PageV02P026 # وبالجملة، فضابط التواتر ما حصل العلم عنده من أقوال المخبرين، لا أن ~~العلم مضبوط بعدد مخصوص، وعلى هذا فما من عدد يفرض كان أربعة أو ما زاد، ~~إلا ويمكن أن يحصل به العلم، ويمكن أن لا يحصل. ويختلف ذلك باختلاف ~~القرائن. # وما ذكر في كل صورة من أن تعيين ذلك العدد فيها إنما كان لحصول العلم ~~بخبرهم، تحكم لا دليل عليه، بل أمكن أن يكون لأغراض أخر غير ذلك، أو أن ذلك ~~واقع بحكم الاتفاق. # وعلى قولنا بأن ضابط التواتر حصول العلم عنده يمتنع الاستدلال بالتواتر ~~على من لم يحصل له العلم منه، وإنما المرجع فيه إلى الوجدان، هذا ما يرجع ~~إلى الشرائط المعتبرة المتفق عليها. # وأما الشروط المختلف فيها فستة: # الأول: ذهب قوم إلى أن شرط عدد التواتر أن لا يحويهم بلد ولا يحصرهم عدد، ~~ومذهب الباقين خلافه، وهو الحق. # وذلك، لأنه قد يحصل العلم بخبر أهل بلد من البلاد، بل بخبر الحجيج، أو ~~أهل الجامع بواقعة وقعت، وحادثة حدثت، مع أنهم محصورون. # الثاني: ذهب قوم إلى اشتراط اختلاف أنساب المخبرين وأوطانهم وأديانهم، ~~وهو فاسد، لأنا لو قدرنا أهل بلد اتفقت أديانهم وأنسابهم، وأخبروا بقضية ~~شاهدوها، لم يمتنع حصول العلم بخبرهم. # الثالث: ذهب بعضهم إلى أن شرط المخبرين ms250 أن يكونوا مسلمين عدولا، لان ~~الكفر عرضة للكذب والتحريف، والاسلام والعدالة ضابط الصدق والتحقيق في ~~القول، ولهذه العلة اختص المسلمون بدلالة إجماعهم على القطع، ولأنه لو وقع ~~العلم بتواتر خبر الكفار، لوقع العلم بما أخبر به النصارى، مع كثرة عددهم، ~~عن قتل المسيح وصلبه وما نقلوه عنه من كلمة التثليث، وهو باطل. فإنا نجد من ~~أنفسنا العلم بأخبار العدد الكثير، وإن كانوا كفارا، كما لو أخبر أهل ~~قسطنطينية بقتل ملكهم. وليس ذلك إلا لان الكثر مانعة من التواطئ على الكذب، ~~وإن لم يكن ذلك ممتنعا فيما كان دون تلك الكثرة. PageV02P027 # وأما الاجماع، فإنما اختص علماء الاسلام بالاحتجاج به للأدلة السمعية، ~~دون الأدلة العقلية، كما سبق، بخلاف التواتر وأما أنه لم يحصل لنا العلم ~~بما أخبر به النصارى من قتل المسيح وصلبه وكلمة التثليث، فيجب أن يكون ذلك ~~محالا على عدم شرط من شروط التواتر، وهو إما اختلال استواء طرفي الخبر ~~ووسطه فيما ذكرناه من الشروط قبل، أو لأنهم ما سمعوا كلمة التثليث صريحا، ~~بل سمعوا كلمة موهمة لذلك، فنقلوا التثليث ويجب اعتقاد ذلك نفيا للكفر عن ~~المسيح، على ما قال تعالى * (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) * ~~(5) المائدة: 73) أو لان المسيح شبه لهم، فنقلوا قتله وصلبه، ولا بعد في ~~ذلك، وإن كان الغلط فيه غير معتاد، إذا وقع في زمان خرق العوائد، وهو زمان ~~النبوة، وإن كان بعيدا في غير زمانه. ويجب اعتقاد ذلك، عملا بقوله تعالى: * ~~(وما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبه لهم) * (4) النساء: 157). # فإن قيل: فخرق العوائد جائز في غير زمان النبوة بكرامات الأولياء، فليجز ~~في كل ما أخبر به أهل ذلك العصر عن المحسات ووقوع الغلط فيه. # قلنا: إن حصل لنا العلم بخبرهم، علمنا استحالة الغلط عليهم وإن لم يحصل ~~لنا العلم به، علمنا أنه قد اختل شرط من شرائط التواتر، وإن لم يكن ذلك ~~الشرط معينا عندنا. # الرابع: ذهب قوم إلى أن شرطه أن يكونوا محمولين على أخبارهم بالسيف، وهو ~~باطل، فإنهم إن حملوا ms251 على الصدق لم يمتنع حصول العلم بقولهم، كما لو لم ~~يحملوا عليه. ولهذا فإنه لو حمل الملك أهل مدينة عظيمة على الاخبار عن أمر ~~محس. وجدنا أنفسنا عالمة بخبرهم حسب علمنا بخبرهم من غير حمل، وإن حملوا ~~على الكذب فيمتنع حصول العلم بخبرهم، لفوات شرط وهو إخبارهم عن معلوم محس. ~~PageV02P028 # الخامس: شرطت الشيعة وابن الراوندي وجود المعصوم في خبر التواتر، حتى لا ~~يتفقوا على الكذب، وهو باطل أيضا، لما بيناه من أنه لو اتفق أهل بلد من ~~بلاد الكفار على الاخبار عن قتل ملكهم أو أخذ مدينة، فإن العلم يحصل ~~بخبرهم، مع كونهم كفارا فضلا عن كون الامام المعصوم ليس فيهم. # ثم لو كان كذلك، فالعلم يكون حاصلا بقول الامام المعصوم بالنسبة إلى من ~~سمعه لا بخبر التواتر. # السادس: شرطت اليهود في خبر التواتر أن يكون مشتملا على أخبار أهل الذلة ~~والمسكنة، لأنه إذا لم يكن فيهم مثل هؤلاء، فلا يؤمن تواطيهم على الكذب ~~لغرض من الاغراض، بخلاف ما إذا كانوا أهل ذلة ومسكنة، فإن خوف مؤاخذتهم ~~بالكذب يمنعهم من الكذب. ولو صح لهم هذا الشرط، لثبت غرضهم من إبطال العلم ~~بخبر التواتر بمعجزات عيسى ونبينا، عليه السلام، حيث إنهم لم يدخلوا في ~~الاخبار بها، وهم أهل الذلة والمسكنة، لكنه باطل بما نجده من أنفسنا من ~~العلم بأخبار الأكابر والشرفاء العظماء إذا أخبروا بأمر محس، وكانوا خلقا ~~كثيرا، بل ربما كان حصول العلم من خبرهم أسرع من حصول العلم بخبر أهل ~~المسكنة والذلة لترفع هؤلاء عن رذيلة الكذب لشرفهم وقلة مبالاة هؤلاء به ~~لخستهم. # وبالجملة، لا يمتنع أن يكون شئ من هذه الشروط إذا تحقق كان حصول العلم ~~بخبر التواتر معه أسرع من غيره. # أما أن يكون ذلك شرطا ينتفي العلم بخبر التواتر عند انتفائه، فلا. # المسألة الخامسة ذهب القاضي أبو بكر وأبو الحسين البصري إلى أن كل عدد ~~وقع العلم بخبره في واقعة لشخص، لا بد وأن يكون مفيدا للعلم بغير تلك ~~الواقعة لغير ذلك الشخص إذا سمعه، وهذا ms252 إنما يصح على إطلاقه إذا كان العلم ~~قد حصل من نفس خبر ذلك العدد مجردا عما احتف به من القرائن العائدة إلى ~~أخبار المخبرين وأحوالهم، واستواء السامعين في قوة السماع للخبر والفهم ~~لمدلوله، مع فرض التساوي في PageV02P029 # القرائن، مع أن القرائن قد تفيد آحادها الظن، وبتضافرها واجتماعها العلم، ~~كما سنبينه. فلا يمتنع أن يحصل العلم بمثل ذلك العدد في بعض الوقائع ~~للمستمع دون البعض، لما اختص به من القرائن التي لا وجود لها في غيره، ~~وبتقدير اتحاد الواقعة وقرانها لا يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض ~~الأشخاص حصوله لشخص آخر، لتفاوتهما في قوة الادراك والفهم للقرائن، إذ ~~التفاوت فيما بين الناس في ذلك ظاهر جدا، حتى أن منهم من له قوة فهم أدق ~~المعاني وأغمضها في أدنى دقيقة من غير كد ولا تعب، ومنهم من انتهى في ~~البلادة إلى حد لا قدرة له على فهم أظهر ما يكون من المعاني مع الجد ~~والاجتهاد في ذلك، ومنهم من حاله متوسطة بين الدرجتين. وهذا أمر واضح لا ~~مراء فيه، ومع التفاوت في هذه الأمور يظهر أن ما ذكره القاضي وأبو الحسين ~~البصري مما لا سبيل إلى تصحيحه على إطلاقه المسألة السادسة إذا عرف أن ~~التواتر يفيد العلم بالمخبر الواحد، كالاخبار عن قتل ملك أو هجوم بلد، كما ~~ذكرناه، فلو بلغ عدد المخبرين إلى حد التواتر، لكن اختلفت أخبارهم والوقائع ~~التي أخبروا عنها مع اشتراك جميع أخبارهم في معنى كلي مشترك بين مخبراتهم، ~~فالكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخبارهم عن جريانه، إما بجهة ~~التضمن أو الالتزام، فكان معلوما من أخبارهم وذلك كالاخبار التي وردت خارجة ~~عن الحصر عن وقائع عنتر في حروبه، ووقائع حاتم في هباته وضيافاته، وإن ~~اختلفت وقائع هذه الأخبار، فكلها دالة على القدر المشترك من شجاعة هذا وكرم ~~هذا. غير أنه ربما كان حصول العلم بها مثل التواتر الأول، لاتحاد لفظه ~~ومعناه أسرع حصولا من الثاني، لاختلاف ألفاظه وما طابقها من المعاني، وإن ~~اتحد مدلولها من جهة ms253 التضمن أو الالتزام وهذا آخر باب التواتر. PageV02P030 # الباب الثالث في أخبار الآحاد ويشتمل على أربعة أقسام: # أولها: النظر في حقيقة خبر الواحد، وما يتعلق به من المسائل. # وثانيها: النظر في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد، وما يتعلق به من ~~المسائل. # وثالثها: النظر في مستند الراوي، وكيفية روايته، وما يتعلق به من ~~المسائل. # ورابعها: النظر فيما اختلف في رد خبر الواحد به ومسائله. # القسم الأول في حقيقة خبر الواحد ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة، ففي حقيقة خبر الواحد وشرح معناه. # قال بعض أصحابنا: خبر الواحد ما أفاد الظن، وهو غير مطرد ولا منعكس. # أما أنه غير مطرد، فلان القياس مفيد للظن، وليس هو خبر واحد فقد وجد ~~الحد، ولا محدود. # وأما أنه غير منعكس، فهو أن الواحد، إذا أخبر بخبر، ولم يفد الظن، فإنه ~~خبر واحد، وإن لم يفد الظن فقد وجد المحدود، ولا حد. كيف وإن التعريف بما ~~أفاد الظن، تعريف بلفظ متردد بين العلم، كما في قول الله تعالى: * (الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا ربهم) * (2) البقرة: 46) أي يعلمون، وبين ترجح أحد ~~الاحتمالين على الآخر في النفس من غير قطع. والحدود مما يجب صيانتها عن ~~الألفاظ المشتركة لا خلالها بالتفاهم وافتقارها إلى القرينة. # والأقرب في ذلك أن يقال: خبر الآحاد ما كان من الاخبار غير منته إلى حد ~~التواتر. # وهو منقسم إلى ما لا يفيد الظن أصلا، وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على ~~السواء، وإلى ما يفيد الظن، وهو: ترجح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر ~~في النفس من غير قطع. # فإن نقله جماعة تزيد على الثلاثة والأربعة سمي مستفيضا مشهورا. ~~PageV02P031 # وإذا عرف ذلك فلنذكر ما يتعلق به من المسائل، وهي سبع: # المسألة الأولى اختلفوا في الواحد العدل، إذا أخبر بخبر، هل يفيد خبره ~~العلم؟ # فذهب قوم إلى أنه يفيد العلم، ثم اختلف هؤلاء: # فمنهم من قال إنه يفيد العلم بمعنى الظن لا بمعنى اليقين، فإن العلم قد ~~يطلق ويراد به الظن، كما في قوله تعالى: * (فإن علمتموهن مؤمنات) * (60) ~~الممتحنة: 10) أي ms254 ظننتموهن. # ومنهم من قال إنه يفيد العلم اليقيني من غير قرينة، لكن من هؤلاء من قال: ~~ذلك مطرد في خبر كل واحد، كبعض أهل الظاهر، وهو مذهب أحمد بن حنبل في إحدى ~~الروايتين عنه. # ومنهم من قال إنما يوجد ذلك في بعض أخبار الآحاد، لا في الكل، وإليه ذهب ~~بعض أصحاب الحديث. # ومنهم من قال إنه يفيد العلم، إذا اقترنت به قرينة، كالنظام، ومن تابعه ~~في مقالته. # وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد العلم اليقيني مطلقا، لا بقرينة ولا بغير ~~قرينة. # والمختار حصول العلم بخبره، إذا احتفت به القرائن. ويمتنع ذلك عادة دون ~~القرائن، وإن كان لا يمتنع خرق العادة بأن يخلق الله تعالى لنا العلم بخبره ~~من غير قرينة. # أما أنه لا يفيد العلم بمجرده، فقد احتج القائلون بذلك بحجج واهية لا بد ~~من التنبيه عليها، والإشارة بعد ذلك إلى ما هو المعتمد في ذلك. # الحجة الأولى: من الحجج الواهية قولهم: لو كان خبر الواحد مفيدا للعلم ~~لأفاد كل خبر واحد، كما أن خبر التواتر لما كان موجبا كان كل خبر متواتر ~~كذلك. # ولقائل أن يقول، هذا قياس تمثيلي، وهو غير مفيد للعلم. كيف وإن خبر ~~التواتر قبل العلم به ضروري غير مكتسب، فلا يمتنع أن يخلقه الله تعالى عند ~~كل تواتر، لعلمه بما يشتمل عليه من مصلحة مختصة به، أو لمصلحة، كما يشاء ~~ويختار ومثل ذلك غير لازم في أخبار الآحاد. PageV02P032 # وإن قيل إنه نظري مكتسب. فلا مانع من استواء جميع أخبار التواتر فيما لا ~~بد منه في حصول العلم. ولا يلزم من ذلك استواء جميع أخبار الآحاد في ذلك. # الحجة الثانية: أن تأثيرات الأدلة في النفوس بحسب المؤثر، ولا نجد من ~~أنفسنا من خبر الواحد، وإن بلغ الغاية في العدالة، سوى ترجح صدقه على كذبه ~~من غير قطع، وذلك غير موجب للعلم. # وهذه الحجة في غاية الضعف، لان حاصلها يرجع إلى محض الدعوى في موضع ~~الخلاف من غير دلالة، ومع ذلك، فهي مقابلة بمثلها، وهو أن يقول ms255 الخصم: # وأنا أجد في نفسي العلم بذلك. وليس أحد الامرين أولى من الآخر. # الحجة الثالثة: أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم، لما روعي فيه شرط ~~الاسلام والعدالة كما في خبر التواتر. # وحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى التمثيل، وهو غير مفيد لليقين. ثم ما ~~المانع أن يكون حصول العلم بخبر التواتر، لان الله تعالى أجرى العادة بخلق ~~العلم عنده إن قيل إن العلم بخبر التواتر ضروري، وذلك غير لازم في خلقه عند ~~خبر من ليس بمسلم ولا عدل، أو أن يكون التواتر من حيث هو تواتر مشتمل على ~~ما يوجب العلم. إن قيل بأن العلم بخبر التواتر كسبي، وخبر من ليس بمسلم ولا ~~عدل غير مشتمل على ذلك. # والمعتمد في ذلك أربع حجج: # الحجة الأولى: أنه لو كان خبر الواحد الثقة مفيدا للعلم بمجرده، فلو أخبر ~~ثقة آخر بضد خبره، فإن قلنا خبر كل واحد يكون مفيدا للعلم، لزم اجتماع ~~العلم بالشئ وبنقيضه، وهو محال. وإن قلنا خبر أحدهما يفيد العلم دون الآخر، ~~فإما أن يكون معينا، أو غير معين. فإن كان الأول، فليس أحدهما أولى من ~~الآخر، ضرورة تساويهما في العدالة والخبر. وإن لم يكن معينا، فلم يحصل ~~العلم بخبر واحد منهما على التعيين، بل كل واحد منهما إذا جردنا النظر ~~إليه، كان خبره غير مفيد للعلم، لجواز أن يكون المفيد للعلم هو خبر الآخر. ~~كيف وأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، حتى يقال بحصول العلم بخبره، دون خبر ~~الآخر. PageV02P033 # الحجة الثانية: إن كل عاقل يجد من نفسه عند ما إذا أخبره واحد بعد واحد ~~بمخبر واحد يزيد اعتقاده بذلك المخبر. ولو كان الخبر الأول والثاني مفيدا ~~للعلم، فالعلم غير قابل للتزيد والنقصان. # فإن قيل: كيف يقال بأن العلم غير قابل للزيادة والنقصان، مع أن بعض ~~العلوم قد يكون أجلى من بعض، وأظهر، كالعلم الضروري، فإنه أقوى من العلم ~~المكتسب، والعلم بالعيان أقوى من العلم بالخبر. # قلنا: لا نسلم تصور التفاوت بين العلوم من حيث هي علوم بزيادة ms256 ولا نقصان، ~~لانتفاء احتمال النقيض عنها قطعا، ولو لم يكن كذلك، لما كانت علوما، بل ~~ظنونا. # والتفاوت الواقع بين العلم النظري والعلم الضروري ليس في نفس العلم ~~بالمعلوم، بل من جهة أن أحدهما مفتقر في حصوله إلى النظر دون الآخر، أو أن ~~أحدهما أسرع حصولا من الآخر، لتوقفه على النظر. والتفاوت الواقع بين العلم ~~بالخبر والعلم بالنظر غير متصور فيما تعلقا به، وإنما التفاوت بينهما من ~~جهة أن ما لا يدرك بالخبر يكون مدركا بالعيان والنظر. # الحجة الثالثة: أنه لو كان الخبر الواحد بمجرده موجبا للعلم، لكان العلم ~~حاصلا بنبوة من أخبر بكونه نبيا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه، ~~ولوجب أن يحصل للحاكم العلم بشهادة الشاهد الواحد، وأن لا يفتقر معه إلى ~~شاهد آخر، ولا إلى تزكيته، لما فيه من طلب تحصيل الحاصل، إذ العلم غير قابل ~~للزيادة والنقصان، كما سبق تقريره. PageV02P034 # الحجة الرابعة: أنه لو حصل العلم بخبر الواحد بمجرده لوجب تخطئة مخالفه ~~بالاجتهاد وتفسيقه وتبديعه، إن كان ذلك فيما يبدع بمخالفته، ويفسق، ولكان ~~مما يصح معارضته بخبر التواتر، وأن يمتنع التشكيك بما يعارضه كما في خبر ~~التواتر، وكل ذلك خلاف الاجماع. # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنص، والمعقول، والأثر: # أما النص فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * نهى عن اتباع غير ~~العلم. وقد أجمعنا على جواز اتباع خبر الواحد في أحكام الشرع، ولزوم العلم ~~به، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم، لكان الاجماع منعقدا على مخالفة ~~النص، وهو ممتنع. # وأيضا فإن الله تعالى قد ذم على اتباع الظن بقوله تعالى: * (إن يتبعون ~~إلا الظن) * (6) الانعام: 116) وقوله تعالى: * (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا، ~~إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (10) يونس: 36) فلو لم يكن خبر الواحد ~~مفيدا للعلم، بل للظن، لكنا مذمومين على اتباعه، وهو خلاف الاجماع وأما من ~~جهة المعقول، فمن وجهين: # الأول أنه، لو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم، لما أوجبه، وإن كثر العدد ~~إلى حد التواتر، لان ما ms257 جاز على الأول جاز على من بعده. # الثاني أنه، لو لم يكن خبره موجبا للعلم، لما أبيح قتل المقر بالقتل على ~~نفسه ولا بشهادة اثنين عليه، ولا وجبت الحدود بأخبار الآحاد، لكون ذلك ~~قاضيا على دليل العقل، وبراءة الذمة. PageV02P035 # وأما من جهة الأثر، ونخص مذهب من فرق بين خبر وخبر كبعض المحدثين، فهو أن ~~عليا، كرم الله وجه، قال ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته، سوى أبي بكر صدق ~~أبا بكر وقطع بصدقه، وهو واحد. # قلنا: أما الآيات، فالجواب عنها من وجهين: # الأول أن وجوب العمل بخبر الواحد واتباعه في الشرعيات إنما كان بناء على ~~انعقاد الاجماع على ذلك، والاجماع قاطع. فاتباعه لا يكون اتباعا لما ليس ~~بعلم ولا اتباعا للظن. # الثاني أنه يحتمل أن يكون المراد من الآيات إنما هو المنع من اتباع غير ~~العلم فيما المطلوب منه العلم، كالاعتقادات في أصول الدين من اعتقاد وجود ~~الله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز، ويجب الحمل على ذلك عملا بما ~~ذكرناه من الأدلة. # وأما ما ذكروه من الوجه الأول من جهة المعقول، فغير لازم، لان حكم الجملة ~~قد يغاير حكم الآحاد، على ما سبق مرارا. # وأما الوجه الثاني، فمبني على أن أحكام الشرع لا تبنى على غير العلم، وهو ~~غير مسلم، وعلى خلاف إجماع السلف قبل وجود المخالفين. # وما ذكروه من الأثر، فغايته أن يدل على أن عليا صدق أبا بكر، رضي الله ~~عنهما، من غير يمين، لحصول ظنه بخبره من غير يمين دون خبر غيره، لكون ما ~~اختص به من زيادة الرتبة وعلو الشأن في العدالة، والثقة في مقابلة يمين ~~غيره. والتصديق بناء على غلبة الظن جائز في باب الظنون، وإن لم يكن الصدق ~~معلوما. PageV02P036 # وأما جواز وقوع العلم بخبر الواحد، إذا احتفت به القرائن، فيدل عليه أن ~~القرينة قد تفيد الظن مجردة عن الخبر. وذلك كما إذا رأينا إنسانا يكثر من ~~النظر إلى شخص مستحسن،، فإنا نظن حبه له. فإذا اقترن بذلك ملازمته له، زاد ~~ذلك الظن ms258 ولا يزال في التزايد بزيادة خدمته له وبذل ما له وتغير حاله، إلى ~~غير ذلك من القرائن، حتى يحصل العلم بحبه له، كما في تزايد الظن بأخبار ~~الآحاد حتى يصير تواترا. وكذلك علمنا بخجل من هجن، ووجل من خوف، باحمرار ~~هذا، واصفرار هذا. وبهذا الطريق نعلم عند ارتضاع الطفل وصول اللبن إلى جوفه ~~بكثرة امتصاصه وازدراده، وحركة حلقه مع كون المرأة شابة نفساء، وبسكون ~~الصبي بعد بكائه، إلى غير ذلك من القرائن. # وإذا كانت القرائن المتضافرة بمجردها مفيدة للعلم، فلا يبعد أن تقترن ~~بالخبر المفيد للظن قرينة مفيدة للظن، قائمة مقام اقتران خبر آخر به. ثم لا ~~يزال التزايد في الظن بزيادة اقتران القرائن إلى أن يحصل العلم، كما في خبر ~~التواتر. # وإذا ثبت الجواز فبيان الوقوع أنه لو أخبر واحد أن ولد الملك قد مات، ~~واقترن بذلك علمنا بمرضه، وأنه لا مريض في دار الملك سواه، وما شاهدناه من ~~الصراخ العالي في داره، والنحيب الخارج عن العادة، وخروج الجنازة محتفة ~~بالخدم، والجواري حاسرات مبرحات يلطمن خدودهن، وينقضن شعورهن، والملك ممزق ~~الثوب حاسر الرأس يلطم وجهه، وهو مضطرب البال، مشوش الحال، على خلاف ما كان ~~من عادته من التزام الوقار والهيبة، والمحافظة على أسباب المروءة، فإن كل ~~عاقل سمع ذلك الخبر، وشاهد هذه القرائن يعلم صدق ذلك المخبر، ويحصل له ~~العلم بمخبره، كما يعلم صدق خبر التواتر ووقوع مخبره. # وكذلك إذا أخبر واحد، مع كمال عقله، وحسه بحياة نفسه وكراهته للألم، وهو ~~في أرغد عيشة، نافذ الامر، قائم الجاه أنه قتل من يكافئه عمدا عدوانا، بآلة ~~يقتل مثلها غالبا، من غير شبهة له في قتله ولا مانع له من القصاص، كان خبره ~~مع هذه القرائن موجبا للعلم بصدقه عادة. # وكذلك، إذا كان في جوار إنسان امرأة حامل، وقد انتهت مدة حملها، فسمع ~~الطلق من وراء الجدار، وضجة النسوان حول تلك الحامل، ثم سمع صراخ ~~PageV02P037 # الطفل، وخرج نسوة يقلن إنها قد ولدت، فإنه لا يستريب في ذلك، ويحصل له ~~العلم به ms259 قطعا.. وإنكار ذلك مما يخرج المناظرة إلى المكابرة. # فإن قيل العلم الحاصل بموت ولد الملك في الصورة المفروضة إما أن يكون ~~حاصلا من نفس الخبر أو من نفس القرائن، أو من الخبر مشروطا بالقرائن، أو ~~بالقرائن مشروطا بالخبر الأول أو من الامرين معا، لا جائز أن يكون من مجرد ~~الخبر لما ذكرتموه أولا، ولا جائز أن يكون من الخبر مشروطا بالقرائن، ولا ~~من القرائن بشرط الخبر، ولا من الخبر والقرائن معا، لاستقلال تلك القرائن ~~المذكورة بإفادة العلم بالموت سواء وجد الخبر أو لم يوجد. فلم يبق إلا أن ~~يكون حاصلا من نفس القرائن، ولا أثر للخبر. # ثم ما ذكرتموه معارض بما ذكرتموه من الحجج الدالة على امتناع وقوع العلم ~~بخبر الواحد مجردا عن القرائن، فإنها متجهة بعينها هاهنا. # والجواب عن السؤال الأول أنه لا يمتنع أن يكون سبب ما وجد من القرائن موت ~~غير ولد الملك فجأة. فإذا انضم إليها الخبر بموت ذلك المريض بعينه، كان ~~اعتقاد موته آكد من اعتقاد موته مع القرائن دون الخبر. # وعن المعارضات أنها غير لازمة فيما نحن فيه. # أما الحجة الأولى:، فلانا إذا فرضنا حصول العلم بخبر من احتفت بخبره ~~القرائن، فيمتنع تصور اقتران مثل تلك القرائن، أو ما يقوم مقامها، بالخبر ~~المناقض له، وإن كان نفس الخبر مناقضا، بخلاف ما إذا كان الخبر بمجرده ~~مفيدا للعلم، فإن ذلك غير مانع من خبر آخر مناقض له على ما هو معلوم في ~~الشاهد. # وأما الحجة الثانية: فلان ما نجده من التزيد عند أخبار الآحاد إنما يكون ~~فيما لم يحصل العلم فيه بخبر الأول والثاني وأما متى كان العلم قد حصل بخبر ~~الأول، PageV02P038 # فالتزيد من ذلك يكون ممتنعا، ولا كذلك فيما إذا أخبر واحد بخبر فإنا إذا ~~جردنا النظر إلى خبره من غير قرينة، وجدنا أنفسنا مما يزيد فيها الظن بما ~~أخبر به باقتران خبر غيره بخبره. # وأما الحجة الثالثة: فلانا إذا قلنا إن خبر الواحد يفيد العلم بمخبره، ~~لزم تصديق مدعي النبوة في خبره، ولا ms260 كذلك إذا قلنا إن الخبر لا يفيد العلم ~~إلا بالقرائن. # فخبر الواحد بنبوته لا يكون مفيدا للعلم بصدقه دون اقتران القرائن بقوله ~~والمعجزة من القرائن. # وأما الحجة الرابعة: فغايتها أنها تدل على أنه لم يوجد خبر من أخبار ~~الآحاد في الشرعيات موجبا للعلم بمجرده، ولا يلزم منه انتفاء ذلك مطلقا. # المسألة الثانية إذا أخبر واحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~بخبر، ولم ينكر عليه، هل يعلم كونه صادقا فيه؟ # منهم من قال بأن ذلك دليل العلم بصدقه فيما أخبر به، فإنه لو كان كاذبا ~~لأنكر النبي، عليه السلام، عليه، وإلا كان مقرا له على الكذب مع كونه ~~محرما، وذلك محال في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وهو غير صحيح، فإنه من ~~الجائز أن يكون النبي، صلى الله عليه وسلم، غير سامع له، بل هو ذاهل عنه، ~~وإن غلب على الظن السماع وعدم الغفلة، وبتقدير أن يعلم سماعه له وعدم غفلته ~~عنه، فمن الجائز أن لا يكون فاهما لما يقول، وإن غلب على الظن فهمه له، ~~وبتقدير أن يكون فاهما له، فلا يخلو إما أن يكون ما أخبر به متعلقا بالدين، ~~أو الدنيا: فإن كان متعلقا بالدين، وقدر كونه كاذبا فيه، فيحتمل أن يكون قد ~~بينه له، وعلم أن إنكاره عليه ثانيا غير منجع فيه فلم ير في PageV02P039 # الانكار عليه فائدة، ورأى المصلحة في إهماله إلى وقت آخر. وبتقدير عدم ~~ذلك كله، احتمل أن يكون كذبه في ذلك صغيرة، وعدم الانكار عليه في ذلك غايته ~~أن يكون صغيرة في حق النبي، صلى الله عليه وسلم، وانتفاء الصغائر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، غير مقطوع به على ما بيناه في كتبنا الكلامية. # هذا، إن كان إخباره بأمر ديني. # وأما إن كان إخباره بأمر دنيوي، فيحتمل أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم ~~يعلم بكونه كاذبا فيما أخبر به، وإن ظن علمه به، وبتقدير أن يكون عالما ~~بكذبه، فيحتمل أنه امتنع من الانكار لمانع، أو لعلمه بأنه لا ms261 فائدة في ~~إنكاره، وبتقدير عدم ذلك كله، فيحتمل أن يكون ذلك من الصغائر، والصغائر غير ~~ممتنعة على الأنبياء، كما علم. وعلى هذا، فعدم الانكار لا يدل على صدقه ~~قطعا، وإن دل عليه ظنا. # المسألة الثالثة إذا أخبر واحد بخبر عن أمر محس بين يدي جماعة عظيمة ~~وسكتوا عن تكذيبه، قال قوم: علم من ذلك صدقه لأنه يمتنع عادة أن لا يطلع ~~واحد منهم على كذبه، وبتقدير الاطلاع، يمتنع عادة سكوت الجمع العظيم عن ~~التكذيب مع اختلاف أمزجتهم وطباعهم، واختلاف دواعيهم، فحيث سكتوا عن ~~التكذيب دل على صدقه، وليس بحق، لأنه من الجائز أن لا يكون لهم اطلاع على ~~ما أخبر به، ولا يعلمون كونه صادقا ولا كاذبا، ولا واحد منهم، ولا العادة ~~مما تحيل اطلاع بعض الناس على أمر لم يطلع عليه غيره. # وبتقدير أن يعلم واحد منهم أو اثنان كذبه، فالعادة لا تحيل سكوت الواحد ~~والاثنين عن تكذيبه، وبتقدير أن يعلم الكل بكذبه، فيحتمل أن مانعا منعهم من ~~تكذيبه، ومع هذه الاحتمالات يمتنع القطع بتصديقه وإن كان صدقه مظنونا. ~~PageV02P040 # المسألة الرابعة إذا روى واحد خبرا، ورأينا الأمة مجمعة على العمل ~~بمقتضاه، قال جماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري وغيرهما، ~~إن ذلك يدل على صدقه قطعا، وإلا كان عملهم بمقتضاه خطأ، والأمة لا تجتمع ~~على الخطأ، وهو باطل. # وذلك لأنه من المحتمل أنهم لم يعملوا به، بل بغيره من الأدلة أو بعضهم ~~به، وبعضهم بغيره. وبتقدير عمل الكل به، فلا يدل ذلك على صدقه قطعا، لأنه ~~إذا كان مظنون الصدق، فالأمة مكلفة بالعمل بموجبه، وعملهم بموجبه مع ~~تكليفهم بذلك لا يكون خطأ، لان خطأهم إنما يكون بتركهم لما كلفوا به، أو ~~العمل بما نهوا عنه. # ومع هذه الاحتمالات، فصدقه لا يكون مقطوعا، وإن كان مظنونا. # وعلى هذا، لو روى واحد خبرا، واتفق أهل الاجماع فيه على قولين، فطائفة ~~عملت بمقتضاه، وطائفة اشتغلت بتأويله، فلا يدل ذلك على صدقه قطعا، وذلك لان ~~الطائفة التي عملت بمقتضاه لعلها لم ms262 تعمل به، بل بغيره، كما سبق. وبتقدير ~~أن تكون عاملة به، فاتفاقهم على قبوله لا يوجب كونه صادقا قطعا لما ذكرناه ~~من تكليفهم باتباع الظني. # المسألة الخامسة اختلفوا فيما لو وجد شئ بمشهد من الخلق الكثير، لتوفرت ~~الدواعي على نقله، إذا انفرد الواحد بروايته عن باقي الخلق، كما إذا أخبر ~~بأن الخليفة ببغداد قتل في وسط الجامع يوم الجمعة بمشهد من الخلق، ولم يخبر ~~بذلك أحد سواه، فذهب الكل إلى أن ذلك يدل على كذبه، خلافا للشيعة، وهو ~~الحق. وذلك، لان الله تعالى قد ركز في طباع الخلق من توفير الدواعي على نقل ~~ما علموه، والتحدث بما عرفوه، حتى إن العادة لتحيل كتمان ما لا يؤبه له مما ~~جرى من صغار الأمور على الجمع القليل فكيف على الجمع الكثير فيما هو من ~~عظائم الأمور ومهماتها، والنفوس مشرئبة إلى معرفته، وفي نقله صلاح للخلق، ~~بل السكوت عن نقل ذلك وإشاعته في إحالة العادة له أشد من إحالة العادة ~~لسكوتهم وتواطيهم على عدم نقل وجود مكة وبغداد. فلو جاز كتمان ذلك لجاز أن ~~يوجد مثل مصر وبغداد، ولم يخبر أحد PageV02P041 # عنهما، وذلك محال عادة. وبمثل هذا عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن ~~والتنصيص على إمام بعينه، من حيث إنه لو وجد ذلك لشاع وتوفرت الدواعي على ~~نقله. فإن قيل: # العادة إنما تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما جرى بمشهد منهم من ~~الأمور العظيمة، إذا لم يتحقق الداعي إلى الكتمان معارضا لداعي الاظهار، ~~ولا بعد في ذلك، إما لغرض واحد يعم الكل نظرا إلى مصلحة تتعلق بالكل في أمر ~~الولاية وإصلاح المعيشة، أو خوف ورهبة من عدو غالب وملك قاهر، أو لأغراض ~~متعددة، كل غرض لواحد، ويدل على ذلك الوقوع. وهو أن النصارى، مع كثرتهم ~~كثرة تخرج عن الحصر، لم ينقلوا كلام المسيح في المهد، مع أنه من أعجب حادث ~~حدث في الأرض، ومن أعظم ما تتوفر الدواعي على نقله وإشاعته، ونقلوا ما دون ~~ذلك من معجزاته. وأيضا فإن الناس نقلوا أعلام ms263 الرسل، ولم ينقلوا أعلام شعيب ~~وغيره من الرسل. وأيضا فإن آحاد المسلمين قد انفردوا بنقل ما تتوفر الدواعي ~~على نقله مع شيوعه فيما بين الصحابة والجمع الكثير، كنقل ما عدا القرآن من ~~معجزاته، كانشقاق القمر، وتسبيح الحصا في يده، ونبع الماء من بين أصابعه، ~~وحنين الجذع إليه، وتسليم الغزالة عليه، وكدخول مكة عنوة أو صلحا، وتثنية ~~الإقامة وإفرادها وإفراده في الحج، وقرانه، ونكاحه لميمونة وهو حرام، ~~وقبوله لشهادة الأعرابي وحده في هلال رمضان، ورفع اليدين في الصلاة والجهر ~~بالتسمية إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى. PageV02P042 # قلنا: قد بينا أن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما يجري ~~بينهم من الوقائع العظيمة. # قولهم ذلك، إنما يصح أن لو لم يوجد الداعي إلى الكتمان. # قلنا: والكلام فيه، وذلك أن العادة أيضا تحيل اشتراك الخلق الكثير في ~~الداعي إلى الكتمان، كما يستحيل اشتراكهم في الداعي إلى الكذب وإلى أكل ~~طعام واحد في يوم واحد، وما ذكروه من صور الاستشهاد. # أما كلام عيسى في المهد، فإنما تولى نقله الآحاد، لأنه لم يتكلم إلا ~~بحضرة نفر يسير، حيث لم يكن أمره قد ظهر، ولا شأنه قد اشتهر، ولا عرف ~~برسالة ولا نبوة، وذلك بخلاف إحياء الميت، وإبراء الأكمه والأبرص، فإنه كان ~~وقت اشتهاره ودعواه الرسالة، مستدلا بذلك على صدقه، وتطلع الناس إليه، ~~وامتداد الأعين إلى ما يدعيه. فلذلك، لم يقع اتفاقهم على كتمانه وأما أعلام ~~شعيب وغيره من الأنبياء، فإنما لم ينقل، لأنهم لم يدعوا الرسالة حتى ~~يستدلوا عليها بالمعجزات، ولا كان لهم شريعة انفردوا بها، بل كانوا يدعون ~~إلى شريعة من قبلهم من الرسل، كدعوى غيرهم من الأئمة وآحاد العلماء. # وأما نقل باقي معجزات الرسول غير القرآن، فإنما تولاه الآحاد، لأنه لم ~~يوجد شئ من ذلك بمشهد من الخلق العظيم، بل إنما جرى ما جرى منهم بحضور ~~طائفة يسيرة، (2) ولا سيما انشقاق القمر، فإنه كان من الآيات الليلية، وقعت ~~والناس بين نائم وغافل في لمح البصر، ولم يكن النبي، صلى الله ms264 عليه وسلم، ~~قد دعاهم إلى رؤيته، ولا نبههم على PageV02P043 # ذلك سوى من رآه من النفر اليسير. ولهذا، فإنه كم من أمر مهول يقع في ~~الليل، من زلزلة أو صاعقة أو ريح عاصف أو انقضاض شهاب عظيم، ولا يشعر به ~~سوى الآحاد. وهذا، بخلاف القرآن، فإنه كان، صلى الله عليه وسلم، يردده بين ~~الخلق في جميع عمره، فلم يبق أحد من الجمع العظيم في زمانه إلا وقد علمه ~~وشاهده. فلذلك، استحال تواطؤهم على عدم نقله. # وأما دخول مكة، فقد نقله الجمع الكثير، وهو مستفيض مشهور، أنه دخلها عنوة ~~متسلحا بالألوية والاعلام على سبيل القهر والغلبة، مع بذل الأمان لمن ألقى ~~سلاحه، واعتصم بالكعبة ودار أبي سفيان. وإنما خالف بعض الفقهاء لما اشتبه ~~عليه ذلك بأداء دية من قتله خالد بن الوليد. ولا يبعد ظن ذلك من الآحاد ~~PageV02P044 # وأما تثنية الإقامة وإفرادها، فإنما اختلفوا فيه لاحتمال أن المؤذن كان ~~يفرد تارة، يثني أخرى، فنقل كل بعض ما سمعه، وأهمل الباقي لعلمه بأنه من ~~الفروع المتسامح فيها، وهو الجواب عن الجهر بالتسمية ورفع اليدين في ~~الصلاة. # وأما إفراد النبي وقرانه في الحج، فإنما نقله الآحاد، لان ذلك مما يتعلق ~~بالنية، وليس ذلك مما يجب ظهوره ومناداة النبي صلى الله عليه وسلم به. # وأما نكاحه ميمونة، وهو حرام، فليس ذلك أيضا مما يجب إظهاره، بل جاز أن ~~يكون قد وقع ذلك بمحضر جماعة يسيرة. فلذلك انفرد به الآحاد. وهو الجواب عن ~~قبول شهادة الأعرابي وحده. # المسألة السادسة مذهب الأكثرين جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلا، ~~خلافا للجبائي وجماعة من المتكلمين. ودليل جوازه عقلا أنا، لو فرضنا ورود ~~الشارع بالتعبد بالعمل بخبر الواحد إذا غلب على الظن صدقه، لم يلزم عنه ~~لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز العقلي سوى ذلك. وغاية ما يقدر في ~~اتباعه احتمال كونه كاذبا أو مخطئا. وذلك لا يمنع من التعبد به، بدليل ~~اتفاقنا على التعبد بالعمل بقول المفتي، والعمل بقول الشاهدين، مع احتمال ~~الكذب والخطأ على المفتي والشاهد فيما ms265 أخبرا به. # فإن قيل: وإن سلمنا أنه لو ورد الشرع بذلك لم يلزم عنه لذاته محال، وأنه ~~ليس محالا لذاته عقلا، لكنه محال عقلا باعتبار أمر خارج عن ذاته، وذلك لان ~~PageV02P045 # التكاليف مبنية على المصالح ودفع المفاسد، فلو تعبدنا باتباع خبر الواحد ~~والعمل به، فإذا أخبر بخبر عن رسول الله بسفك دم واستحلال بضع محرم، مع ~~احتمال كونه كاذبا، فلا يكون في العمل بمقتضى قوله مصلحة بل محض مفسدة، وهو ~~خلاف وضع الشرع. ولهذا، امتنع ورود التعبد بالعمل بخبر الفاسق والصبي، فيما ~~يتعلق بالأحكام الشرعية إجماعا. # وأما ما ذكرتموه من التعبد بالعمل بقول الشاهدين، فالفرق بين الشهادة ~~والخبر من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الشهادة إنما تقبل فيما يجوز فيه الصلح، ولا كذلك الخبر عن ~~الله تعالى والرسول. فكانت المفسدة في الشهادة أبعد. # الثاني: أن الخبر يقتضي إثبات شرع بخلاف الشهادة. # الثالث: هو أن الحكم عند الشهادة إنما يثبت بدليل قاطع وهو الاجماع ~~والشهادة شرط، لا مثبت، بخلاف خبر الواحد، فإنه عندكم دليل مثبت للحكم ~~الشرعي. # ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه ~~معارض بما يدل على نقيضه. وبيانه من جهة المنقول، والمعقول. # أما المنقول، فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (17) الاسراء: ~~36) وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (2) البقرة: 169) ~~وقوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (10) يونس: 36). # وأما المعقول، فمن أربعة أوجه: # الأول: أنه لو جاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية عن ~~الرسول عند ظننا بصدقه، لاحتمال كونه مصلحة، لجاز ورود التعبد بقبول خبر ~~الواحد عن الله تعالى بالأحكام الشرعية، وذلك دون اقتران المعجزة بقوله ~~محال الثاني: أنه لو جاز ورود التعبد بخبر الواحد في الفروع، لجاز ورود ~~التعبد به في PageV02P046 # الأصول، وليس كذلك. # الثالث: أنه لو جاز التعبد بقبول خبر الواحد، لجاز التعبد به في نقل ~~القرآن، وهو محال. # الرابع: أن أخبار الآحاد قد تتعارض، فلو ورد التعبد بالعمل بها، لكان ~~واردا بالعمل ms266 بما لا يكن العمل به ضرورة التعارض، وهو ممتنع على الشارع. # والجواب عن السؤال الأول من وجهين: # الأول أنه مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وأفعاله، وهو غير ~~مسلم على ما عرفناه في الكلاميات. # الثاني أن ما ذكروه منتقض بورود التعبد بقبول شهادة الشهود وقول المفتي ~~وما ذكروه من الفروق فباطلة. أما الفرق الأول فمن وجهين: # الأول أنه لا يطرد في الاخبار المتعلقة بأنواع المعاملات. # الثاني أنه ينتقض بالشهادة فيما لا يجري فيه الصلح، كالدماء والفروج. # وأما الفرق الثاني فمن جهة أن الخبر كما يستلزم إثبات أمر شرعي، كالشهادة ~~على القتل والسرقة وغير ذلك، يستلزم إثبات أمر شرعي، وهو وجوب القتل ~~والقطع. # وأما الثالث، فمن جهة أنه لا فرق بين الخبر والشهادة من حيث إنه لا بد ~~عند الشهادة من دليل يوجب العمل بها، كما في العمل بالخبر. # وأما المعارضة بالآيات، فجوابها من وجهين: PageV02P047 # الأول أنا نقول بموجبها، وذلك أن العمل بخبر الواحد ووجوب اتباعه إنما هو ~~بدليل مقطوع به مفيد للعلم بذلك، وهو الاجماع. # الثاني أنه لازم على الخصوم في اعتقادهم أمتنا التعبد بخبر الواحد، إذ هو ~~غير معلوم بدليل قاطع، بل غايته أن يكون مظنونا لهم. فالآيات مشتركة ~~الدلالة، فكما تدل على امتناع اتباع خبر الواحد، تدل على امتناع القول بعدم ~~اتباعه. وإذا تعارضت جهات الدلالة فيها، امتنع العمل بها، وسلم لنا ما ~~ذكرناه. # وعلى هذا، نقول بجواز ورود التعبد بقبول خبر الفاسق والصبي عقلا، إذا غلب ~~على الظن صدقه، وإن كان ذلك غير واقع. # وما ذكروه من المعارضات العقلية، فجوابها من وجهين: # أحدهما عام للكل، والثاني خاص بكل واحد منها. # أما العام فهو أن ما ذكروه إلزاما علينا في خبر الواحد، فهو لازم عليهم ~~في ورود التعبد بقبول قول الشاهدين والمفتي، فما هو جوابهم عنه يكون جوابا ~~لنا في خبر الواحد. # وأما ما يخص كل معارضة: أما الأولى، فالجواب عنها من وجهين: # الأول هو أن دعوى الواحد للرسالة ونزول الوحي إليه من أندر الأشياء فإذا ms267 ~~لم يقترن بدعواه ما يوجب القطع بصدقه فلا يتصور حصول الظن بصدقه، ~~PageV02P048 # بل الذي يجزم به إنما هو كذبه. ونحن وإن قلنا بجواز ورود التعبد بخبر من ~~يغلب على الظن صدقه، فقد لا نسلم جواز ورود التعبد بقول من غلب على الظن ~~كذبه. # الثاني هو أنا إذا جوزنا ورود التعبد بخبر الواحد فوجوب العمل به لا بد ~~وأن يستند إلى دليل قاطع من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا كذلك المدعي ~~للرسالة، إذا لم تقترن بقوله معجزة تدل على وجوب العمل بقوله. # فإن قيل: فلو بعث رسول، وظهرت المعجزة القاطعة الدالة على صدقه، ثم قال ~~مهما أخبركم إنسان بأن الله تعالى أرسله بشريعة، وظننتم صدقه، فاعملوا ~~بقوله، فقد استند وجوب العمل بقوله إلى دليل قاطع، وهو قول النبي الصادق. ~~ومع ذلك، فإنه لا يجوز. # قلنا: لا نسلم، مع فرض هذا التقدير، أنه لا يجوز الاخذ بقوله: ثم الفرق ~~بين الامرين هو أن المفسدة اللازمة من قبول قول المدعي للرسالة من غير ~~معجزة أعظم من مفسدة قبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية. وذلك، لان رئاسة ~~النبوة أعظم من كل رئاسة، ورتبتها أعلى من كل رتبة، فلو ورد التعبد باتباع ~~كل مدع للرسالة إذا غلب على الظن صدقه من غير معجزة دالة على صدقه، فما من ~~أحد من الناس إلا وقد يسلك المسالك المغلبة على الظن صدقه، ويتوخى من ~~الافعال والأقوال ما تظهر به عدالته، طمعا في نيل مثل هذه الرئاسة العظمى ~~بمجرد دعواه. # وذلك يفضي إلى أن كل واحد يدعي نسخ شريعة الآخر ورفعها على قرب من ~~الزمان، ولا يخفى ما في ذلك من المفسدة التي لا تحقق لمثلها في خبر الواحد. ~~PageV02P049 # وأما المعارضة الثانية: فجوابها أن المعتبر في الأصول القطع واليقين، ولا ~~قطع في خبر الواحد، بخلاف الفروع، فإنها مبنية على الظنون. # وأما المعارضة الثالثة: فجوابها أن القرآن معجزة الرسول الدالة على صدقه، ~~ولا بد وأن يكون طريق إثباته قاطعا، وخبر الواحد ليس بقاطع، بخلاف أحكام ~~الشرع، فإن ما يثبت ms268 منها بخبر الواحد ظنية غير قطعية. # وأما المعارضة الرابعة: فجوابها أن التعارض بين الخبرين لا يمنع من العمل ~~بما يرجح منها. وبتقدير عدم الترجيح مطلقا، فقد يمكن أن يقال التخيير ~~بينهما، على ما هو مذهب الشافعي. وبتقدير امتناع التخيير، فغايته امتناع ~~ورود التعبد بمثل الاخبار التي لا يمكن العمل بها، ولا يلزم منه امتناع ~~ورود التعبد بما أمكن العمل بمقتضاه. PageV02P050 # المسألة السابعة الذين قالوا بجواز التعبد بخبر الواحد عقلا اختلفوا في ~~وجوب العمل به: # فمنهم من نفاه، كالقاساني والرافضة وابن داود. ومنهم من أثبته. # والقائلون بثبوته اتفقوا على أن أدلة السمع دلت عليه، واختلفوا في وجوب ~~وقوعه بدليل العقل: فأثبته أحمد بن حنبل والقفال وابن سريج من أصحاب ~~الشافعي، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، وجماعة كثيرة. # ونفاه الباقون. وفصل أبو عبد الله البصري بين الخبر الدال على ما يسقط ~~بالشبهة، وما لا يسقط بها: فمنع منه في الأول، وجوزه في الثاني. # فأما من قال بكونه حجة فقد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها، والتنبيه ~~على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. # الحجة الأولى: من جهة المعقول، وهي ما اعتمد عليها أبو الحسين البصري ~~وجماعة من المعتزلة، وهي أنهم قالوا: العقلاء يعلمون وجوب العلم بخبر ~~الواحد في العقليات، ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه، ~~ولا علة لذلك سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل. # وبيان ذلك أنه قد علم بالعقل وجوب التحرز من المضار وحسن اجتلاب المنافع. ~~فإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة، يلزمنا أن لا نشرب الدواء الفلاني، وأن لا ~~نقصد، وأن لا نقوم من تحت حائط مستهدم، فقد ظننا تفصيلا لما علمناه جملة من ~~وجوب التحرز عن المضار. # وبيان أن العلة للوجوب ما ذكره دورانها معها وجودا وعدما، وذلك بعينه ~~موجود في خبر الواحد في الشرعيات، فوجب العمل به. وذلك، لأنا قد علمنا في ~~PageV02P051 # الجملة وجوب الانقياد للنبي، صلى الله عليه وسلم، فيما يخبرنا به من ~~مصالحنا ودفع ms269 المضار عنا فإذا ظننا بخبر الواحد أن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، قد دعانا إلى الانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مضرة، فقد ~~ظننا تفصيل ما علمناه في الجملة، فوجب العمل به. # ولقائل أن يقول: أما أولا، فلا نسلم وجوب العمل بخبر الواحد في العقليات، ~~بل غايته إذا ظننا صدقه أن يكون العمل بخبره أولى من تركه. وكون الفعل أولى ~~من الترك أمر أعم من الواجب لشموله للمندوب فلا يلزم منه الوجوب. # سلمنا أن العمل بخبره واجب في العقليات، ولكن لا نسلم أن علة الوجوب ما ~~ذكرتموه. وما ذكرتموه من الدوران فلا يدل على أن المدار علة للدائر، لجواز ~~أن تكون علة الوجوب غير ما ذكرتموه من ظن تفصيل جملة معلومة بالعقل، وذلك ~~بأن تكون العلة معنى ملازما لما ذكرتموه، لا نفس ما ذكرتموه. ولا يلزم من ~~التلازم بينهما في العقليات التلازم بينهما في الشرعيات بجواز أن يكون ذلك ~~التلازم في العقليات اتفاقيا. # وإن سلمنا أن علة الوجوب ما ذكرتموه، لكن لا يلزم أن يكون ذلك علة في ~~الشرعيات، لجواز أن يكون خصوص ما ظن تفصيل جملته في العقليات داخلا في ~~التعليل، وتلك الخصوصية غير محققة في الشرعيات سلمنا دلالة ما ذكرتموه على ~~أنه علة بجهة عمومه، لكن قطعا أو ظنا: الأول ممنوع، والثاني مسلم. # غير أنه منقوض بخبر الفاسق والصبي، إذا غلب على الظن صدقه. فإن ما ~~ذكرتموه من الوصف الجامع متحقق فيه وقد انعقد الاجماع على أنه لا يجب العمل ~~به في PageV02P052 # الشرعيات. # سلمنا عدم الانتقاض، لكن غاية ما ذكرتموه أنه استعمال لقياس ظني في إفادة ~~كون خبر الواحد حجة في الشرعيات مع كونه أصلا من أصول الفقه، وإنما يصح ذلك ~~أن لو لم يكن التعبد في إثبات مثل ذلك بالطرق اليقينية، وهو غير مسلم. # الحجة الثانية: # أنهم قالوا: صدق الواحد في خبره ممكن فلو لم يعمل به، لكنا تاركين لأمر ~~الله تعالى وأمر رسوله، وهو خلاف ما يقتضيه الاحتياط. # ولقائل أن يقول: صدق الراوي، وإن ms270 كان ممكنا وراجحا، فلم قلتم بوجوب العمل ~~به والاحتياط بالأخذ بقوله. وإن كان مناسبا، ولكن لا بد له من شاهد ~~بالاعتبار، ولا شاهد له سوى خبر التواتر، وقول الواحد في الفتوى والشهادة ~~ولا يمكن القياس على الأول، لان ذلك مفيد للعلم، ولا يلزم من إفادته للوجوب ~~إفادة الخبر الظني له، ولا يمكن قياسه على الثاني وذلك، لان براءة الذمة ~~معلومة، وهي الأصل. وغاية قول الشاهد والمفتي، إذا غلب على الظن صدقه ~~مخالفة البراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد، ولا يلزم من العمل بخبر ~~الشاهد والمفتي مع مخالفته للبراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد العمل بخبر ~~الواحد المخالف لبراءة الذمة، بالنظر إلى جميع الناس وإن سلمنا صحة القياس، ~~فغايته أنه مفيد لظن الالحاق، وهو غير معتبر في إثبات الأصول، كما تقدم في ~~PageV02P053 # الحجة التي قبلها كيف وأنه منقوض بخبر الفاسق والصبي، إذا غلب على الظن ~~صدقه. # الحجة الثالثة: أنهم قالوا إذا وقعت واقعة، ولم يجد المفتي سوى خبر ~~الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشارع، وذلك ممتنع. # ولقائل أن يقول: خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، إنما يمتنع مع وجود دليله، ~~وأما مع عدم الدليل، فلا. ولهذا، فإنه لو لم يظفر المفتي في الواقعة بدليل ~~ولا خبر الواحد، فإنه لا يمتنع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي والمصير إلى ~~البراءة الأصلية. # وعلى هذا، فامتناع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي عند الظفر بخبر الواحد ~~يتوقف على كون خبر الواحد حجة ودليلا، وكونه حجة يتوقف على امتناع خلو ~~الواقعة مع وجوده عن الحكم، وهو دور ممتنع. كيف وإنا لا نسلم خلو الواقعة ~~عن الحكم الشرعي، فإن حكم الله تعالى في حق المكلف عند عدم الأدلة. ~~المقتضية لاثبات الحكم الشرعي نفي ذلك الحكم ومدركه شرعي فإن انتفاء مدارك ~~الشرع بعد ورود الشرع مدرك شرعي لنفي الحكم. PageV02P054 # الحجة الرابعة: أنه لو لم يكن خبر الواحد واجب القبول، لتعذر تحقيق بعثة ~~الرسول إلى كل أهل عصره، وذلك ممتنع. وبيان ذلك أنه لا طريق إلى تعريف ms271 أهل ~~عصره إلا بالمشافهة أو الرسل، ولا سبيل له إلى المشافهة للكل لتعذره. ~~والرسالة منحصرة في عدد التواتر والآحاد. والتواتر إلى كل أحد متعذر. فلو ~~لم يكن خبر الواحد مقبولا، لما تحقق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع الخلق ~~فيما أرسل به، وهو محال مخالف لقوله تعالى: # * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44). # ولقائل أن يقول: إنما يمتنع ذلك، أن لو كان التبليغ إلى كل من في عصره ~~واجبا، وأن كل من في عصره مكلف بما بعث به، وليس كذلك، بل إنما هو مكلف ~~بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه إما بالمشافهة أو بخبر التواتر. وكذلك كل ~~واحد من الأمة إنما كلف بما أرسل به الرسول إذا علمه. وإما مع عدم علمه به، ~~فلا. ولهذا، فإن من كان في زمن الرسول في البلاد النائية والجزائر ~~المنقطعة، ولا سبيل إلى إعلامه، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يكن ~~مكلفا بتبليغه، ولا ذلك الشخص كان مكلفا بما أرسل به. # الحجة الخامسة: قالوا: قد ثبت أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب، ~~فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول وغلب على الظن صدقه، فإما أن يجب العمل ~~بالاحتمال الراجح والمرجوح معا، أو تركهما معا، أو العمل بالمرجوح دون ~~الراجح، أو بالعكس: # بالاحتمال لا سبيل إلى الأول والثاني والثالث، لأنه محال فلم يبق سوى ~~الرابع وهو المطلوب. # ولقائل أن يقول: ما المانع من القول بأنه لا يجب العمل بقوله، ولا يجب ~~تركه، بل هو جائز الترك؟ والقول بأن مخالفة أمر الرسول موجبة لاستحقاق ~~العقاب مسلم فيما علم فيه PageV02P055 # أمر الرسول وأما مع عدم العلم به، فهو محل النزاع. # هذا ما قيل من الحجج العقلية. # وأما ما قيل من الحجج النقلية الواهية، فمنها قوله تعالى: * (فلولا نفر ~~من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ~~لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) ووجه الاحتجاج بها أن الله تعالى أوجب ~~الانذار على كل طائفة من فرقة خرجت للتفقه في الدين عند رجوعهم إلى قومهم، ~~بقوله تعالى: ms272 * (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) * (9) التوبة: 122) أمر ~~بالانذار، والانذار هو الاخبار والامر للوجوب. وإنما أمر بالانذار طلبا ~~للحذر بدليل قوله تعالى: * (لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) و (لعل) ~~ظاهرة في الترجي، وهو مستحيل في حق الله تعالى، فتعين حمل ذلك على ما هو ~~ملازم للترجي، وهو الطلب، فكان الامر بالانذار طلبا للتحذير، فكان أمرا ~~بالتحذير فكان الحذر واجبا. # وإذا ثبت أن إخبار كل طائفة موجب للحذر، فالمراد من لفظ الطائفة إنما هو ~~العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر. وبيانه من ثلاثة أوجه: # الأول: أن لفظ (الطائفة) قد يطلق على عدد لا ينتهي إلى حد التواتر، ~~كالاثنين والثلاثة، وعلى العدد المنتهي إلى حد التواتر، والأصل في الاطلاق ~~الحقيقة، ويجب اعتقاد اتحاد المسمى، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. ~~والقدر المشترك لا يخرج عن العدد القليل وما لازمه، فكان هو المسمى. ~~PageV02P056 # الثاني: أن الثلاثة فرقة، فالطائفة الخارجة منها إما واحد أو اثنان. # الثالث: أنه لا يخلو إما أن يكون المراد من لفظ (الطائفة) التي وجب عليها ~~الخروج للتفقه والانذار العدد الذي ينتهي إلى حد التواتر، أو ما دونه، لا ~~جائز أن يقال بالأول، وإلا لوجب على كل طائفة وأهل بلدة، إذا كان ما دونهم ~~لا ينتهون إلى حد التواتر أن يخرجوا بأجمعهم للتفقه والانذار، وذلك لا قائل ~~به، في عصر النبي، ولا في عصر من بعده فلم يبق غير الثاني. وإذا ثبت أن ~~إخبار العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر حجة موجبة في هذه الصورة، لزم أن ~~يكون حجة في غيرها ضرورة أن لا قائل بالفرق، وذلك هو المطلوب ولقائل أن ~~يقول: لا نسلم أنه أوجب الانذار على كل طائفة كما ذكرتموه. وصيغة قوله ~~(لينذروا) لا نسلم أنها للامر. # وإن كانت للامر، فلا نسلم للوجوب على ما يأتي. # سلمنا أنها للوجوب، ولكن لا نسلم أن الانذار هو الاخبار، بل أمكن أن يكون ~~المراد به التخويف من فعل شئ أو تركه، بناء على العلم بما فيه من المصلحة ~~أو المفسدة. والتخويف خارج عن الاخبار. ms273 PageV02P057 # سلمنا أن المراد به الاخبار، ولكن أمكن أن يكون ذلك بطريق الفتوى في ~~الفروع والأصول، ونحن نقول به. # سلمنا أن المراد به الاخبار عن الرسول بما سمع عنه ومنه، ولكن لا نسلم ~~أنه يلزم من إيجاب الاخبار بذلك إيجاب الحذر على من أخبر. # قولكم يجب حمل قوله تعالى: (لعل) على طلب الحذر، لكونه ملازما للترجي. # قلنا: الطلب الملازم للترجي الطلب الذي هو بمعنى ميل النفس، أو بمعنى ~~الامر. الأول مسلم، ولكنه مستحيل في حق الله تعالى. والثاني ممنوع. وإذا لم ~~يكن الحذر مأمورا به لا يكون واجبا. ومع تطرق هذه الاحتمالات، فالاستدلال ~~بالآية على كون خبر الواحد حجة في الشرعيات غير خارج عن باب الظنون فيما هو ~~من جملة الأصول. # والخصم مانع لصحته. # ومنها قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) ~~* (49) الحجرات: 6) ووجه الاحتجاج بهذه الآية من وجهين: الأول: أنه علق ~~وجوب التثبت على خبر الفاسق، فدل على أن خبر غير الفاسق بخلافه، وذلك إما ~~أن يكون بالجزم برده أو بقبوله، لا جائز أن يقال الأول، وإلا كان خبر العدل ~~أنزل درجة من خبر الفاسق، وهو محال فلم يبق غير الثاني. وهو المطلوب. ~~الثاني: أن سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث الوليد بن ~~عقبة بن أبي معيط ساعيا إلى قوم، فعاد وأخبر PageV02P058 # النبي، صلى الله عليه وسلم، أن الذين بعثه إليهم قد ارتدوا، وأرادوا ~~قتله، فأجمع النبي، صلى الله عليه وسلم، على غزوهم وقتلهم. وذلك حكم شرعي. ~~وكان النبي قد أراد العمل فيه بخبر الواحد، ولو لم يكن جائزا لما أراده، ~~ولا نكره الله تعالى عليه. # وهذه الحجة أيضا ضعيفة: أما الوجه الأول: فلان الاستدلال بهذه الآية غير ~~خارج عن مفهوم المخالفة، وسنبين أنه ليس بحجة، وإن كان حجة، لكنه حجة ظنية، ~~فلا يصح الاستدلال به في باب الأصول. # وأما الوجه الثاني: فمن وجهين: الأول لا نسلم أن النبي أجمع على قتلهم ~~وقتالهم بخبر الوليد بن عقبة، فإنه قد روي أنه ms274 بعث خالد بن الوليد وأمره ~~بالتثبت في أمرهم، فانطلق حتى أتاهم ليلا، فبعث عيونه، فعادوا إليه، ~~وأخبروه بأنهم على الاسلام، وأنهم سمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا، ~~أتاهم خالد بن الوليد، ورأى ما يعجبه منهم، فرجع إلى النبي، وأخبره بذلك. # الثاني: أن ما ذكروه من سبب النزول من أخبار الآحاد، فلا يكون حجة في ~~الأصول. # ومنها قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس) ~~* (2) البقرة: 143) ووجه الحجة من ذلك أن المخبر بخبر لنا عن الرسول شاهد ~~على الناس، ولا يجوز أن يجعله الله شاهدا على الناس، وهو غير مقبول القول. # ولقائل أن يقول: الآية خطاب مع الأمة لا مع الآحاد، فلا تكون حجة في محل ~~النزاع. ومنها قوله تعالى: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ~~والهدى) * (2) البقرة: 159) الآية. # ووجه الحجة بها أن الله تعالى توعد على كتمان الهدى، وذلك يدل على إيجاب ~~إظهار الهدى، وما يسمعه الواحد من النبي، صلى الله عليه وسلم، فهو من ~~الهدى. # فيجب عليه إظهاره. فلو لم يجب علينا قبوله، لكان الاظهار كعدمه، فلا يجب. ~~PageV02P059 # ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون المراد من قوله: * (إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى) * (2) البقرة: 159) العدد الذي تقوم به الحجة، ~~ويحتمل أنه أراد به ما دون ذلك. وبتقدير إرادة ما دون ذلك، فيحتمل أن يكون ~~المراد بما أنزل من البينات والهدى الكتاب العزيز، وهو الظاهر المتبادر إلى ~~الفهم منه عند الاطلاق، وبتقدير أن يكون المراد به كل ما أنزل على الرسول ~~حتى السنة، فغاية التهديد على كتمان ذلك الدلالة على وجوب إظهار ما سمع من ~~الرسول على من سمعه. وليس في ذلك ما يدل على وجوب قبوله على من بلغه على ~~لسان الآحاد. ولهذا، فإنه بمقتضى الآية يجب على الفاسق إظهار ما سمعه، وإن ~~كان لا يجب على سامعه قبوله. وذلك، لأنه من المحتمل أن يكون وجوب الاظهار ~~على كل واحد واحد، حتى يتألف من خبر المجموع التواتر المفيد للعلم. # ومع ذلك كله، فدلالة الآية على ms275 وجوب قبول خبر الواحد ظنية، فلا تكون حجة ~~في الأصول لما سبق. # ومنها قوله تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (16) ~~النحل: 43) أمر بسؤال أهل الذكر، والامر للوجوب، ولم يفرق بين المجتهد ~~وغيره. وسؤال المجتهد لغيره PageV02P060 # منحصر في طلب الاخبار بما سمعه دون الفتوى، ولو لم يكن القبول واجبا، لما ~~كان السؤال واجبا ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله فاسألوا صيغة أمر وإن ~~كانت أمرا، فلا نسلم أنها للوجوب، كما يأتي. وإن كانت للوجوب، فيحتمل أن ~~يكون المراد من أهل الذكر أهل العلم، وأن يكون المراد من المسؤول عنه ~~الفتوى. # وبتقدير أن يكون المراد السؤال عن الخبر، فيحتمل أن يكون المراد من ~~السؤال العلم بالمخبر عنه، وهو الظاهر، وذلك، لأنه أوجب السؤال عند عدم ~~العلم. فلو لم يكن المطلوب حصول العلم بالسؤال، لكان السؤال واجبا بعد حصول ~~خبر الواحد، لعدم حصول العلم بخبره، فإنه لا يفيد غير الظن. وذلك يدل على ~~أن العمل بخبر الواحد غير واجب، لأنه لا قائل بوجوب العمل بخبره مع وجوب ~~السؤال عن غيره. وإذا كان المطلوب إنما هو حصول العلم من السؤال، فذلك إنما ~~يتم بخبر التواتر، لا بما دونه. وإن سلمنا أن السؤال واجب على الاطلاق، فلا ~~يلزم أن يكون العمل بخبر الواحد واجبا، بدليل ما ذكرناه في الحجة المتقدمة. ~~PageV02P061 # وبتقدير دلالة ذلك على وجوب القبول لكنها دلالة ظنية، فلا يحتج بها في ~~الأصول. # ومنها قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، كونوا قوامين بالقسط، شهداء ~~لله) * (4) النساء: 135) أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، والامر للوجوب. ~~ومن أخبر عن الرسول بما سمعه منه، فقد قام بالقسط وشهد لله، فكان ذلك واجبا ~~عليه، وإنما يكون ذلك واجبا إن لو كان القبول واجبا، وإلا كان وجود الشهادة ~~كعدمها، وهو ممتنع. # ولقائل أن يقول: لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط والشهادة ~~لله على ما يأتي. وإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك، غير أنا نقول بموجب ~~الآية، فإن الشهادة لله، والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز ms276 العمل به. ~~وأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قياما بالقسط، ولا شهادة لله. وعند ذلك، ~~فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد. على أنه قام بالقسط، وأنه ~~شاهد لله وقيامه بالقسط وشهادته لله متوقف عل قبول خبره وجواز العمل به، ~~وهو دور ممتنع. # وإن سلمنا أنه شهد لله، وقام بالقسط، ولكن لا نسلم أنه واجب القبول، ~~ودليله ما سبق وبتقدير دلالة الآية على وجوب القبول، ولكن لجهة الظن، فلا ~~يصح. # ومنها ما اشتهر، واستفاض بالنقل المتواتر عن النبي، صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان ينفذ آحاد الصحابة إلى النواحي والقبائل والبلاد بالدعاء إلى ~~الاسلام، وتبليغ الاخبار والاحكام، وفصل الخصومات، وقبض الزكوات ونحو ذلك، ~~مع علمنا بتكليف المبعوث إليه بالطاعة والانقياد لقبول قول المبعوث إليهم، ~~والعمل بمقتضى ما يقول، مع كون المنفذ من الآحاد. ولو لم يكن خبر الواحد ~~حجة، لما كان كذلك. PageV02P062 # ولقائل أن يقول: وإن سلمنا تنفيذ الآحاد بطريق الرسالة، والقضاء وأخذ ~~الزكوات، والفتوى، وتعليم الاحكام، فلا نسلم وقوع تنفيذ الآحاد بالاخبار ~~التي هي مدارك الأحكام الشرعية ليجتهدوا فيها، وذلك محل النزاع. # سلمنا صحة التنفيد بالاخبار الدالة على الأحكام الشرعية، وتعريفهم إياها، ~~ولكن لا نسلم أن ذلك يدل على كون خبر الواحد في ذلك حجة، بل جاز أن يكون ~~ذلك لفائدة حصول العلم للمبعوث إليهم بما تواتر بضم خبر غير ذلك الواحد ~~إليه. # ومع هذه الاحتمالات، فلا يثبت كون خبر الواحد حجة فيما نحن فيه. # وقد أورد على هذه الحجة سؤالان آخران لا وجه لهما: # الأول: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كما أنه كان ينفذ الآحاد لتبليغ ~~الاخبار، كان ينفذهم لتعريف وحدانية الله تعالى، وتعريف الرسالة. فلو كان ~~خبر الواحد حجة في الاخبار بالأحكام الشرعية، لكان حجة في تعريف التوحيد ~~والرسالة، وهو خلاف الاجماع. # الثاني: أن من الجائز أن يكون تنفيذ الآحاد بالاخبار عن أحكام شرعية كانت ~~معلومة للمبعوث لهم قبل إرسال ذلك الواحد بها، كما أنهم علموا وجوب العمل ~~بخبر الواحد قبل إرسال ذلك ms277 الواحد إليهم على أصلكم. PageV02P063 # والجواب: عن الأول أن إنفاذ الآحاد لتعريف التوحيد والرسالة لم يكن واجب ~~القبول، لكونه خبر واحد، بل إنما كان واجب القبول من جهة ما يخبرهم به من ~~الأدلة العقلية، ويعرفهم من الدلائل اليقينية التي تشهد بصحتها عقولهم، ولا ~~كذلك فيما يخبر به من الأخبار الدالة على الأحكام الشرعية. # وعن الثاني أنهم لو كانوا عالمين بالأحكام الشرعية التي دل عليها خبر ~~الواحد، لما احتيج إلى إرساله لتعريفهم لما قد عرفوه، لما فيه من تحصيل ~~الحاصل. كيف وإن تعريف المعلوم بالخبر المظنون محال، وهذا بخلاف ما إذا علم ~~كون خبر الواحد مما يجب العمل به في الجملة، فإن تنفيذ الواحد لا يعرف وجوب ~~العمل بقوله بل إنما يعرف المخبر به على ما هو عليه، وذلك لم يكن معروفا ~~قبل خبره، فكان تنفيذه لتعريف ذلك مفيدا. # والأقرب في هذه المسألة إنما هو التمسك بإجماع الصحابة. ويدل على ذلك ما ~~نقل عن الصحابة من الوقائع المختلفة الخارجة عن العد والحصر، المتفقة على ~~العمل بخبر الواحد، ووجوب العمل به. # فمن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أنه عمل بخبر المغيرة ~~ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة، أن النبي أطعمها السدس، فجعل لها السدس ومن ~~ذلك عمل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ ~~الجزية من المجوس، وهو قوله، صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب ~~وعمل أيضا بخبر حمل ابن مالك في الجنين، وهو قوله: كنت بين جاريتين لي ~~(يعني ضرتين) فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم بغرة، فقال عمر: لو لم نسمع بهذا، لقضينا فيه ~~بغير هذا. # وروي عنه أنه قال: كدنا نقضي فيه برأينا. وأيضا فإنه كان لا يرى توريث ~~المرأة من دية زوجها، فأخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه. PageV02P064 # وأيضا فإنه ms278 كان يرى في الأصابع نصف الدية، ويفاضل بينها، فيجعل في الخنصر ~~ستة، وفي البنصر تسعة، وفي الوسطى والسبابة عشرة عشرة، وفي الابهام خمسة ~~عشرة. ثم رجع إلى خبر عمرو بن جزم أن في كل أصبع عشرة. # ومن ذلك عمل عثمان وعلي، رضي الله عنهما، بخبر فريعة بنت مالك في اعتداد ~~المتوفى عنها زوجها في منزل زوجها، وهو أنها قالت: جئت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، بعد وفاة زوجي أستأذنه في موضع العدة، فقال، صلى الله عليه ~~وسلم: امكثي حتى تنقضي عدتك. # ومن ذلك ما اشتهر من عمل علي، عليه السلام، بخبر الواحد وقوله، كنت إذا ~~سمعت من رسول الله حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني غيره، حلفته، ~~فإذا حلف صدقته. # ومن ذلك عمل ابن عباس بخبر أبي سعيد الخدري في الربا في النقد، بعد أن ~~كان لا يحكم بالربا في غير النسيئة. ومن ذلك عمل زيد بن ثابت بخبر امرأة من ~~الأنصار أن الحائض تنفر بلا وداع. ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: # كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة وأبي بن كعب شرابا من فضيخ التمر، إذ أتانا ~~آت، فقال إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار ~~فاكسرها. قال فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله، حتى تكسرت. # ومن ذلك عمل أهل قبا في التحول من القبلة بخبر الواحد أن القبلة قد نسخت ~~فالتفتوا إلى الكعبة بخبره. ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه بلغه عن رجل ~~أنه قال إن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: # كذب عدو الله. أخبرني أبي بن كعب قال: خطبنا رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، ثم ذكر موسى والخضر بشئ يدل على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر، ~~فعمل بخبر أبي حتى كذب الرجل وسماه عدوا لله. PageV02P065 # ومن ذلك ما روي أنه لما باع معاوية شيئا من أواني ذهب وورق بأكثر من وزنه ~~أنه قال له ms279 أبو الدرداء: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينهى عن ذلك. ~~فقال له معاوية: لا أرى بذلك بأسا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية، ~~أخبره عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض ~~أبدا. # ومن ذلك عمل جميع الصحابة بما رواه أبو بكر الصديق من قوله: الأئمة من ~~قريش، ومن قوله الأنبياء يدفنون حيث يموتون، ومن قوله: نحن معاشر الأنبياء ~~لا نورث ما تركناه صدقة. وعملهم بأجمعهم في الرجوع عن سقوط فرض الغسل ~~بالتقاء الختانين بقول عائشة: فعلته أنا ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~واغتسلنا. # وعمل جميعهم بخبر رافع بن خديج في المخابرة. وذلك ما روي عن ابن عمر أنه ~~قال: # كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا، حتى روى لنا رافع بن خديج أن ~~النبي، صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فانتهينا، وإلى غير ذلك من الوقائع ~~التي لا تحصى عددا، وكان ذلك شائعا ذائعا فيما بينهم من غير نكير. وعلى هذا ~~جرت سنة التابعين، كعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجبير بن مطعم ونافع ابن ~~جبير وخارجة بن زيد وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار ~~وطاوس وعطاء بن مجاهد وسعيد بن المسيب وفقهاء الحرمين والمصرين (يعني ~~الكوفة والبصرة) إلى حين ظهور المخالفين. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الاخبار في إثبات كون خبر الواحد حجة أخبار آحاد، ~~وذلك يتوقف على كونها حجة، وهو دور ممتنع. PageV02P066 # سلمنا عدم الدور، ولكن لا نسلم أن الصحابة عملوا بها، بل من الجائز أنهم ~~عملوا بنصوص متواترة أو بها مع ما اقترن بها من المقاييس، أو قرائن ~~الأحوال، أو غير ذلك من الأسباب. # سلمنا أنهم عملوا بها لا غير، لكن كل الصحابة أو بعضهم، الأول: ممنوع، ~~ولا سبيل إلى الدلالة عليه، والثاني: مسلم، لكن لا حجة فيه. # قولكم لم يوجد له نكير، لا نسلم ذلك. وبيانه من وجوه منها رد أبي بكر خبر ~~المغيرة في ميراث الجدة، حتى انضم ms280 إليه خبر محمد بن مسلمة. # ومنها رد أبي بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~في رد الحكم ابن أبي العاص. # ومنها رد عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستيذان، وهو قوله: سمعت رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا فلم ~~يؤذن له، فلينصرف حتى روى معه أبو سعيد الخدري. # ومنها رد علي، رضي الله عنه، خبر أبي سنان الأشجعي في المفوضة، وأنه كان ~~لا يقبل خبر أحد، حتى يحلفه، سوى أبي بكر. # ومنها رد عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. # سلمنا عدم الرد والانكار ظاهرا، غير أن سكوت الباقين عن الانكار لا يدل ~~على الموافقة لما سبق في مسائل الاجماع. # سلمنا دلالة ذلك على الموافقة فيما تلقوه بالقبول، وعملوا بموجبه، أو ~~مطلقا في كل خبر: الأول مسلم. وذلك، لان اتفاقهم عليه يدل على صحته قطعا، ~~نفيا للخطأ عن الاجماع. والثاني ممنوع. # وعلى هذا فيمتنع الاستدلال بكل خبر لم يقبلوه. PageV02P067 # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون خبر الواحد حجة. لكنه معارض بما يدل على ~~أنه ليس بحجة. وبيانه من جهة المعقول، والمنقول: # أما المنقول، فمن جهة الكتاب، والسنة: # أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (17) الاسراء: ~~36) وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (7) الأعراف: ~~33)، وقوله تعالى: * (إن يتبعون إلا الظن) * (53) النجم: 23) ذكر ذلك في ~~معرض الذم والعمل بخبر الواحد عمل بغير علم وبالظن، فكان ممتنعا. # وأما السنة، فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه توقف في خبر ذي ~~اليدين حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم، عن اثنتين وهو قوله أقصرت الصلاة ~~أم نسيت حتى أخبر أبو بكر وعمر ومن كان في الصف بصدقه، فأتم وسجد للسهو ~~وأما المعقول فمن وجوه. # الأول: أنه لو جاز التعبد بخبر الواحد، إذا ظن صدقه في الفروع، لجاز ذلك ~~في الرسالة والأصول، وهو ممتنع. # الثاني: أن الأصل براءة الذمة من الحقوق ms281 والعبادات وتحمل المشاق، وهو ~~مقطوع به، فلا تجوز مخالفته بخبر الواحد مع كونه مظنونا. # الثالث: أن العمل بخبر الواحد يفضي إلى ترك العمل بخبر الواحد، لأنه ما ~~من خبر إلا ويجوز أن يكون معه خبر آخر مقابل له. # الرابع: أن قبول خبر الواحد تقليد لذلك الواحد، فلا يجوز للمجتهد ذلك، ~~كما لا يجوز تقليده لمجتهد آخر. # والجواب: عن السؤال الأول أن ما ذكرناه من الاخبار، وإن كانت آحادها ~~آحادا، فهي متواترة من جهة الجملة كالاخبار الواردة بسخاء حاتم، وشجاعة ~~عنترة. # وعن الثاني أنهم لو عملوا بغير الاخبار المروية، لكانت العادة تحيل ~~تواطؤهم على عدم نقله، ولا سيما في موضع الاشكال وظهور استنادهم في العمل ~~إلى ما ظهر PageV02P068 # من الاخبار. كيف والمنقول عنهم خلاف ذلك حيث قال عمر لو لم نسمع هذا ~~لقضينا فيه بغير هذا وقول ابن عمر حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فانتهينا وكذلك ما ظهر منهم من رجوعهم إلى خبر ~~عائشة في التقاء الختانين إلى غير ذلك. وجدهم في طلب الاخبار، والسؤال عنها ~~عند وقوع الوقائع دليل العمل بها. # وعن الثالث أن عمل بعض الصحابة، بل الأكثر من المجتهدين منهم بأخبار ~~الآحاد، مع سكوت الباقين عن النكير، دليل الاجماع على ذلك، كما سبق تقريره ~~في مسائل الاجماع. # وما رووه من الاخبار أو توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود ~~معارض أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها، مع كونهم متفقين على ~~العمل بها. ولهذا، أجمعنا على أن ظواهر الكتاب والسنة حجة، وإن جاز تركها ~~والتوقف فيها لأمور خارجة عنها. # وعن الرابع أن اتفاقهم على العمل بخبر الواحد إنما يوجب العلم بصدقه، أن ~~لو لم يكونوا متعبدين باتباع الظن، وليس كذلك، بدليل تعبدهم باتباع ظواهر ~~الكتاب والسنة المتواترة، والعمل بالقياس على ما يأتي. وإذا كان اتباعهم ~~لخبر الواحد، لكونه ظنيا مضبوطا بالعدالة، كان خبر الواحد من تلك الجهة حجة ~~معمولا بها ضرورة بالاتفاق عليه من ms282 تلك الجهة، وذلك يعم خبر كل عدل. # وأما المعارضة بالآيات، فجوابها ما سبق في بيان جواز التعبد بخبر الواحد ~~عقلا. # وعن السنة، أنه، عليه السلام، إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهمه غلطه ~~لبعد انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير. ومع ظهور أمارة ~~الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه، فحيث وافقه الباقون على ذلك، ارتفع ~~حكم الامارة الدالة على وهم ذي اليدين، وعمل بموجب خبره. كيف وإن ~~PageV02P069 # عمل النبي صلى الله عليه وسلم، بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما، مع خبر ذي ~~اليدين، عمل بخبر لم ينته إلى حد التواتر، وهو موضع النزاع. وفي تسليمه ~~تسليم المطلوب. # وعن المعارضة الأولى من المعقول أنها منتقضة بخبر الواحد في الفتوى ~~والشهادة. # كيف والفرق حاصل. وذلك أن المشترط في إثبات الرسالة والأصول الدليل ~~القطعي، فلم يكن الدليل الظني معتبرا فيها، بخلاف الفروع. # وعن الثانية من وجهين: # الأول: أن براءة الذمة غير مقطوع بها بعد الوجود والتكليف في نفس الامر، ~~بل الشغل محتمل، وإن لم يظهر لنا سبب الشغل، فمخالفة براءة الذمة بخبر ~~الواحد لا يكون رفع مقطوع بمظنون. # الثاني: أنه منتقض بالشهادة والفتوى. # وعن الثالث أن تجويز وجود خبر معارض للخبر الذي ظهر لا يمنع من الاحتجاج ~~به، وإلا لما ساغ التمسك بدليل من ظواهر الكتاب والسنة المتواترة، لأنه ما ~~من واحد منها إلا ويجوز ورود ناسخ له أو مخصص له، بل ولما جاز التمسك بدليل ~~مستنبط معارض له، ولما ساغ أيضا للقاضي الحكم بشهادة الشاهدين، ولا للعامي ~~الاخذ بفتوى المجتهد له، لجواز وجود ما يعارضه وذلك خلاف الاجماع. # وعن الرابع أنه إنما لم يجز تقليد العالم للعالم، لاستوائهما في درجة ~~الاجتهاد، وليس تقليد أحدهما للآخر أولى من العكس، ولا كذلك المجتهد مع ~~الراوي، فإنهما لم يستويا في معرفة ما استبد بمعرفته الراوي من الخبر فلذلك ~~وجب عليه تقليده فيما رواه. # وبالجملة فالاحتجاج بمسلك الاجماع في هذه المسألة غير خارج عن مسالك ~~الظنون، وإن كان التمسك به أقرب مما سبق ms283 من المسالك. PageV02P070 # وعلى هذا، فمن اعتقد كون المسألة قطعية، فقد تعذر عليه النفي والاثبات، ~~لعدم مساعدة الدليل القاطع على ذلك. ومن اعتقد كونها ظنية، فليتمسك بما شاء ~~من المسالك المتقدمة. والله أعلم بالصواب. # القسم الثاني في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد وما يتشعب عنها من المسائل ~~أما الشروط فمنها ما لا بد منها، ومنها ما ظن أنها شروط وليست كذلك. # أما الشروط المعتبرة فهي أربعة: # الشرط الأول: أن يكون الراوي مكلفا. # وذلك لان من لا يكون مكلفا، إما أن يكون بحيث لا يقدر على الضبط ~~والاحتراز فيما يتحمله ويؤديه، كالمجنون والصبي غير المميز فلا تقبل ~~روايته، لتمكن الخلل فيها. # وإما أن يكون بحيث يقدر على الضبط والمعرفة، كالصبي المميز والمراهق الذي ~~لم يبق بينه وبين البلوغ سوى الزمان اليسير، فلا تقبل روايته لا لعدم ضبطه، ~~فإنه قادر عليه متمكن منه، ولا لما قيل من أنه لا يقبل إقراره على نفسه، ~~فلا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى، لأنه منتقض بالعبد وبالمحجور عليه، ~~فإنه لا يقبل إقراره على نفسه وروايته مقبولة بالاجماع، بل لأنا أجمعنا على ~~عدم قبول رواية الفاسق، لاحتمال كذبه، مع أنه يخاف الله تعالى، لكونه مكلفا ~~فاحتمال الكذب من الصبي مع أنه لا يخاف الله تعالى لعدم تكليفه يكون أظهر ~~PageV02P071 # من احتمال الكذب في حق الفاسق، فكان أولى بالرد ولا يلزم من قبول قوله في ~~إخباره أنه متطهر، حتى إنه يصح الاقتداء به في الصلاة، مع أن الظن بكونه ~~متطهرا شرط في صحة الاقتداء به وقبول روايته،، لان الاحتياط والتحفظ في ~~الرواية أشد منه في الاقتداء به في الصلاة. ولهذا، صح الاقتداء بالفاسق عند ~~ظن طهارته، ولا تقبل روايته، وإن ظن صدقه ومن قال بقبول شهادة الصبيان فيما ~~يجري بينهم من الجنايات فإنما كان اعتماده في ذلك على أن الجنايات فيما ~~بينهم مما تكثر، وأن الحاجة ماسة إلى معرفة ذلك بالقرائن، وهي شهادتهم مع ~~كثرتهم قبل تفرقهم. وليس ذلك جاريا على منهاج الشهادة ولا الرواية. # وهذا بخلاف ما ms284 إذا تحمل الرواية قبل البلوغ، وكان ضابطا لها، وأداها بعد ~~البلوغ وظهور رشده في دينه، فإنها تكون مقبولة، لأنه لا خلل في تحمله ولا ~~في أدائه ويدل على قبول روايته الاجماع، والمعقول. # أما الاجماع فمن وجهين. # الأول: أن الصحابة أجمعت على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان ~~بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة مطلقا، من غير فرق بين ما تحملوه في حالة ~~الصغر وبعد البلوغ. # الثاني: إجماع السلف والخلف على إحضار الصبيان مجالس الحديث وقبول ~~روايتهم لما تحملوه في حالة الصبا بعد البلوغ. # وأما المعقول، فهو أن التحرز في أمر الشهادة أكثر منه في الرواية. ولهذا ~~اختلف في قبول شهادة العبد، والأكثر على ردها. ولم يختلف في قبول رواية ~~العبد، واعتبر العدد في الشهادة بالاجماع، واختلف في اعتباره في الرواية. # وقد أجمعنا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ، إذا شهد به بعد ~~البلوغ قبلت شهادته. فالرواية أولى بالقبول. PageV02P072 # الشرط الثاني: أن يكون مسلما. # وذلك، لان الكافر إما أن لا يكون منتميا إلى الملة الاسلامية، كاليهودي ~~والنصراني ونحوه، أو هو منتم إليها كالمجسم. # فإن كان الأول، فلا خلاف في امتناع قبول روايته، لا لما قيل من أن الكفر ~~أعظم أنواع الفسق، والفاسق غير مقبول الرواية، فالكافر أولى، وذلك لان ~~الفاسق إنما لم تقبل روايته لما علم من جرأته على فعل المحرمات مع اعتقاد ~~تحريمها. وهذا المعنى غير متحقق في حق الكافر، إذا كان مترهبا عدلا في ~~دينه، معتقدا لتحريم الكذب، ممتنعا منه حسب امتناع العدل المسلم. وإنما ~~الاعتماد في امتناع قبول روايته على إجماع الأمة الاسلامية على ردها سلبا ~~لأهلية هذا المنصب الشريف عنه لخسته. # وإن كان الثاني، فقد اختلفوا فيه: # فمذهب أكثر أصحابنا، كالقاضي أبي بكر والغزالي والقاضي عبد الجبار من ~~المعتزلة، أنه مردود الرواية. # وقال أبو الحسين البصري: إن كان ذلك فيمن اشتهر بالكذب والتدين به لنصرة ~~مذهبه، فلا تقبل روايته لعدم الوثوق بصدقه، وإن كان متحرجا في مذهبه متحرزا ~~عن الكذب حسب احتراز العدل ms285 عنه، فهو مقبول الرواية، لان صدقه ظاهر مظنون. # والمختار رده، لا لما قيل من إجماع الأمة على رده، ولا لقياسه على الكافر ~~الخارج عن الملة بواسطة اشتراكهما في الكفر المناسب لسلب أهلية هذا المنصب ~~عنه، إذلالا له. PageV02P073 # أما الأول، فلان للخصم منع اتفاق الأمة على رد قول الكافر مطلقا، ولا ~~سبيل إلى الدلالة عليه، والقياس على الكافر الخارج عن الملة متعذر من جهة ~~أن كفره أشد وأغلظ وأظهر من كفر من هو من أهل القبلة، لكثرة مخالفته ~~للقاعدة الاسلامية أصولا وفروعا، بالنسبة إلى مخالفة المتأول لها. فكان ~~إذلاله بسلب هذا المنصب عنه أولى. ومع هذه الأولوية، فلا قياس، بل الواجب ~~الاعتماد في ذلك على قوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ، فتبينوا أن تصيبوا ~~قوما بجهالة) * (49) الحجرات: 6) أمر بالتثبت عند إخبار الفاسق، والكافر ~~فاسق، لان الكفر أعلى درجات الفسق. وإذا كان فاسقا، فالآية إن كانت عامة ~~بلفظها في كل فاسق، فالكافر داخل تحتها، وإن لم تكن عامة بلفظها في كل ~~فاسق، فهي عامة بالنظر إلى المعنى المومى إليه، وهو الفسق من حيث إنه رتب ~~رد الخبر على كون الآتي به فاسقا مطلقا في كلام الشارع مع مناسبته له، فكان ~~ذلك علة للرد، وهو متحقق فيما نحن فيه. # فإن قيل المرتب عليه رد الاخبار إنما هو مسمى الفاسق، وهو في عرف الشرع ~~خاص بمن هو مسلم صدرت منه كبيرة، أو واظب على صغيرة، فلا يكون متناولا ~~للكافر. وإن سلمنا تناوله للكافر، غير أنه معارض بقوله صلى الله عليه وسلم: ~~نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر والكافر المتأول، إذا كان متحرزا عن ~~الكذب، فقد ظهر صدقه، فوجب العمل به للخبر. # والجواب عن السؤال الأول بمنع اختصاص اسم الفاسق في الشرع بالمسلم، وإن ~~كان ذلك عرفا للمتأخرين من الفقهاء، وكلام الشارع إنما ينزل على عرفه، لا ~~على ما صار عرفا للفقهاء. # كيف وإن حمل الآية على الفاسق المسلم مما يوهم قبول خبر الفاسق الكافر ~~على الاطلاق، نظرا إلى قضية المفهوم، وهو خلاف الاجماع. ولا ms286 يخفى أن حمل ~~اللفظ على ما يلزم منه مخالفة دليل، أو ما اختلف في كونه دليلا على خلاف ~~الأصل. # وعن السؤال الثاني أن العمل بما ذكرناه أولى، لتواتره وخصوصه بالفاسق، ~~وأنه غير متفق على تخصيصه ومخالفته. وما ذكروه آحاد، وهو متناول للكافر ~~PageV02P074 # بعموم كون خبره ظاهرا، أو هو مخالف لخبر الكافر الخارج عن الملة، والفاسق ~~إذا ظن صدقه، فإن خبره لا يكون مقبولا بالاجماع. # الشرط الثالث: أن يكون ضبطه لما يسمعه أرجح من عدم ضبطه، وذكره له أرجح ~~من سهوه، لحصول غلبة الظن بصدقه فيما يرويه. # وإلا، فبتقدير رجحان مقابل كل واحد من الامرين عليه، أو معادلته له، ~~فروايته لا تكون مقبولة لعدم حصول الظن بصدقه، أما على أحد التقديرين، ~~فلكون صدقه مرجوحا، وأما على التقدير الآخر، فلضرورة التساوي. وإن جهل حال ~~الراوي في ذلك، كان الاعتماد على ما هو الأغلب من حال الرواة، وإن لم يعلم ~~الأغلب من ذلك، فلا بد من الاختبار والامتحان. # فإن قيل إنه وإن غلب السهو على الذكر، أو تعادلا، فالراوي عدل، والظاهر ~~منه أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بذكره له وضبطه. ولهذا، فإن الصحابة ~~أنكرت على أبي هريرة كثرة روايته، حتى قالت عائشة، رضي الله عنها رحم الله ~~أبا هريرة، لقد كان رجلا مهزارا في حديث المهراس ومع ذلك قبلوا أخباره، لما ~~كان الظاهر من حاله أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بضبطه وذكره. # وأيضا فإن الخبر دليل والأصل فيه الصحة، فتساوي الضبط والاختلال، والذكر ~~والنسيان غايته أنه موجب للشك في الصحة، والشك في ذلك لا يقدح في الأصل، ~~كما إذا كان متطهرا، ثم شك بعد ذلك أنه محدث أو طاهر، فإن الأصل ههنا لا ~~يترك بهذا الشك. PageV02P075 # قلنا: إذا كان الغرض إنما هو غلبة السهو، أو التعادل، فالراوي، وإن كان ~~الغالب من حاله أنه لا يروي إلا ما يظن أنه ذاكر له، فذلك لا يوجب حصول ~~الظن بصحة روايته، لان من شأنه النسيان يظن أنه ما نسي، وإن ms287 كان ناسيا. # وأما إنكار الصحابة على أبي هريرة كثرة الرواية، فلم يكن ذلك لاختلال ~~ضبطه وغلبة النسيان عليه، بل لان الاكثار مما لا يؤمن معه اختلال الضبط ~~الذي لا يعرض لمن قلت روايته وإن كان ذلك بعيدا. # وما قيل من أن الخبر دليل، والأصل فيه الصحة، فلا يترك بالشك. # قلنا إنما يكون دليلا، والأصل فيه الصحة، إذا كان مغلبا على الظن، ومع ~~عدم ترجيح ذكر الراوي على نسيانه لا يكون مغلبا على الظن، فلا يكون دليلا ~~لوقوع التردد في كونه دليلا، لا في أمر خارج عنه، ولا كذلك فيما إذا شك في ~~الحدث، ثم تيقن سابقة الطهارة، فإن تيقن الطهارة السابقة لا يقدح فيه الشك ~~الطارئي، وبالنظر إليه يترجح إليه أحد الاحتمالين، فلا يبقى معه الشك في ~~الدوام، حتى إنه لو بقي الشك مع النظر إلى الأصل، لما حكم بالطهارة. # الشرط الرابع: أن يكون الراوي متصفا بصفة العدالة وذلك يتوقف على معرفة ~~(العدل) لغة وشرعا. # أما العدل في اللغة، فهو عبارة عن المتوسط في الأمور من غير إفراط في ~~طرفي الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) ~~البقرة: 143) أي عدلا. # فالوسط والعدل بمعنى واحد. # وقد يطلق في اللغة ويراد به المصدر المقابل للجور، وهو اتصاف الغير بفعل ~~ما يجب له، وترك ما لا يجب، والجور في مقابلته. # وقد يطلق ويراد به ما كان من الافعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره، ومنه ~~يقال للملك المحسن إلى رعيته: عادل. # وأما في لسان المتشرعة، فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. PageV02P076 # وقد قال الغزالي في معنى هذه الأهلية إنها عبارة عن استقامة السيرة ~~والدين. # وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ~~جميعا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه. # وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات. # أما الكبائر فقد روى ابن عمر عن أبيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه ~~قال: الكبائر تسع: # الشرك بالله تعالى، وقتل النفس ms288 المؤمنة، وقذف المحصنة، والزنى، والفرار ~~من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والالحاد ~~بالبيت الحرام. # وروى أبو هريرة مع ذلك: أكل الربا، والانقلاب إلى الاعراب بعد هجرة. # وروي عن علي، عليه السلام، أنه أضاف إلى ذلك: السرقة وشرب الخمر. # وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقض الدين، وعدم الترفع عن الكذب، ~~وذلك كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث ~~ونحوه. # وأما بعض المباحات فما يدل على نقص المروءة، ودناءة الهمة، كالأكل في ~~السوق، والبول في الشوارع، وصحبة الأراذل والافراط في المزح، ونحو ذلك مما ~~يدل على سرعة الاقدام على الكذب، وعدم الاكتراث به. # ولا خلاف في اعتبار اجتناب هذه الأمور في العدالة المعتبرة في قبول ~~الشهادة والرواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم، لان من لا يجتنب هذه ~~الأمور أحرى أن لا يجتنب الكذب، فلا يكون موثوقا بقوله. # ولا خلاف أيضا في اشتراط هذه الأمور الأربعة في الشهادة. # وتختص الشهادة بشروط أخر: كالحرية، والذكورة، والعدد والبصر، وعدم ~~القرابة، والعداوة. وإذ أتينا على تحقيق شروط الرواية، فلا بد من الإشارة ~~إلى ذكر مسائل متشعبة عن شروط العدالة جرت العادة بذكرها وهي ثمان مسائل: ~~PageV02P077 # المسألة الأولى مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول ~~الحال غير مقبول الرواية، بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته، وكشف ~~سريرته، أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له. # وقال أبو حنيفة وأتباعه: يكتفى في قبول الرواية بظهور الاسلام والسلامة ~~عن الفسق ظاهرا. وقد احتج النافون بحجج: # الأولى: أن الدليل بنفي قبول خبر الفاسق وهو قوله تعالى: * (إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا) * (49) الحجرات: 6) غير أنا خالفناه فيمن ظهرت عدالته ~~بالاختبار بمعنى لا وجود له في محل النزاع، وهو ما اختص به من زيادة ظهور ~~الثقة بقوله، فوجب أن لا يقبل. # ولقائل أن يقول: الآية إنما دلت على امتناع قبول خبر الفاسق، ومن ظهر ~~إسلامه وسلم من الفسق ظاهرا، لا نسلم أنه فاسق حتى يندرج تحت عموم الآية. ms289 # واحتمال وجود الفسق فيه لا يوجب كونه فاسقا، بدليل العدل المتفق على ~~عدالته. # الحجة الثانية: أنه مجهول الحال فلا يقبل إخباره في الرواية دفعا لاحتمال ~~مفسدة الكذب، كالشهادة في العقوبات. # ولقائل أن يقول: وإن كان احتمال الكذب قائما ظاهرا، غير أن احتمال الصدق ~~مع ظهور الاسلام والسلامة من الفسق ظاهرا أظهر من احتمال الكذب. # ومع ذلك، فاحتمال القبول يكون أولى من احتمال الرد، ولا يمكن القياس على ~~الشهادة، لان الاحتياط في باب الشهادة أتم منه في باب الرواية. ولهذا، كان ~~العدد والحرية مشترطا في الشهادة دون الرواية، ومتعبدا فيها بألفاظ خاصة ~~غير معتبرة في الرواية، حتى إنه لو قال أعلم بدل قوله أشهد لم يكن مقبولا. ~~PageV02P078 # وعلى هذا، فلا يلزم من اشتراط ظهور العدالة في الشهادة بالخبرة الباطنة ~~اشتراط ذلك في الرواية. # الحجة الثالثة: قالوا: أجمعنا على أن العدالة شرط في قبول الرواية عن ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه شرط في ~~قبول الفتوى، فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار، فلا تقبل أخباره، دفعا ~~للمفسدة اللازمة من فوات الشرط، كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي ~~رتبة الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلد اتباعه إجماعا. # ولقائل أن يقول: المجمع على اشتراطه في الرواية العدالة بمعنى ظهور ~~الاسلام، والسلامة من الفسق ظاهرا أو بمعنى آخر والأول مسلم، غير أن ما هو ~~الشرط متحقق فيما نحن فيه. والثاني ممنوع. # كيف وإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق في الحجة ~~المتقدمة. # وبتقدير ظهور مناسبة الوصف الجامع، فالاعتبار بالمفتي غير ممكن. وذلك لان ~~بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة ولهذا كانت العدالة ~~أغلب وقوعا من رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية وعند ذلك فاحتمال عدم صفة ~~الاجتهاد يكون أغلب من عدم صفة العدالة، فلا يلزم من عدم قبول قول المفتي ~~مع الجهل بحاله القول بعدم قبول الراوي مع الجهل بحاله. # الحجة الرابعة: أن عدم الفسق شرط في قبول الرواية، فاعتبر فيه الخبرة ms290 ~~الباطنية مبالغة في دفع الضرر، كما في عدم الصبي والرق والكفر في قبول ~~الشهادة. # ولقائل أن يقول ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق تقريره في ~~الحجة الثانية. وبتقدير مناسبته، فالقياس على الشهادة غير ممكن لما تقدم. # الحجة الخامسة: قالوا: رد عمر رواية فاطمة بنت قيس لما كانت مجهولة ~~الحال، وعلي عليه السلام رد قول الأشجعي في المفوضة، واشتهر ذلك فيما بين ~~الصحابة، ولم ينكره منكر، فكان إجماعا. # ولقائل أن يقول: أما رد عمر لخبر فاطمة إنما كان لأنه لم يظهر له صدقها. ~~PageV02P079 # ولهذا، قال: كيف نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت. وما نحن فيه ليس ~~كذلك، فإن من ظهر إسلامه وسلامته من الفسق ظاهرا، فاحتمال صدقه لا محالة ~~أظهر من احتمال كذبه. # وأما رد علي، عليه السلام، لخبر الأشجعي فإنما كان أيضا لعدم ظهور صدقه ~~عنده. ولهذا، وصفه بكونه بوالا على عقبيه، أي غير محترز في أمور دينه. # ويجب أن يكون كذلك، وإلا كان مخالفا لقوله، صلى الله عليه وسلم نحن نحكم ~~بالظاهر، والله يتولى السرائر. # والمعتمد في المسألة أنا نقول: القول بوجوب قبول رواية مجهول الحال ~~يستدعي دليلا. والأصل عدم ذلك الدليل. والمسألة اجتهادية ظنية. فكان ذلك ~~كافيا فيها. # فإن قيل: بيان وجود الدليل من جهة النص، والاجماع، والمعقول: # أما النص فمن جهة الكتاب والسنة: # أما الكتاب، فقوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا) * (49) ~~الحجرات: 6) أمر بالتثبت مشروطا بالفسق، فما لم يظهر الفسق لا يجب التثبت ~~فيه. # وأما السنة، فمن وجهين: # الأول قوله عليه السلام إنما أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر وما نحن ~~فيه فالظاهر من حاله الصدق، فكان داخلا تحت عموم الخبر. # الثاني أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما جاءه الأعرابي، وقال: أشهد أن ~~لا إله إلا الله وشهد برؤية الهلال عنده، قبل شهادته، وأمر بالنداء بالصوم ~~لما ثبت عنده إسلامه PageV02P080 # ولم يعلم منه ما يوجب فسقا، فالرواية أولى. # وأما الاجماع فهو أن الصحابة كانوا متفقين على قبول أقوال العبيد ~~والنسوان والاعراب ms291 المجاهيل لما ظهر إسلامهم وسلامتهم من الفسق ظاهرا. # وأما المعقول فمن وجهين: # الأول أن الراوي مسلم لم يظهر منه فسق، فكان خبره مقبولا كإخباره بكون ~~اللحم لحم مذكى، وكون الماء طاهرا أو نجسا، وكون الجارية المبيعة رقيقة ~~وكونه متطهرا عن الحدثين، حتى يصح الاقتداء به ونحوه. # والثاني أنه لو أسلم كافر، وروى عقيب إسلامه خبرا من غير مهلة، فمع ظهور ~~إسلامه وعدم وجود ما يوجب فسقه بعد إسلامه، يمتنع رد روايته. وإذا قبلت ~~روايته حال إسلامه، فطول مدته في الاسلام أولى أن لا توجب رده. # والجواب عن الآية أن العمل بموجبها، نفيا وإثباتا، متوقف على معرفة كونه ~~فاسقا، أو ليس فاسقا، لا على عدم علمنا بفسقه. وذلك لا يتم دون البحث ~~والكشف عن حاله. # وعن الخبر الأول، من ثلاثة أوجه: # الأول: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أضاف الحكم بالظاهر إلى نفسه، ولا ~~يلزم مثله في حق غيره إلا بطريق القياس عليه، لا بنفس النص المذكور. ~~والقياس عليه ممتنع، لان ما للنبي، صلى الله عليه وسلم، من الاطلاع ~~والمعرفة بأحوال المخبر لصفاء جوهر نفسه واختصاصه عن الخلق بمعرفة ما لا ~~يعرفه أحد منهم من الأمور الغيبية، غير متحقق في حق غيره. # الثاني: أنه رتب الحكم على الظاهر، وذلك، وإن كان يدل على كونه علة ~~لقبوله والعمل به فتخلف الحكم عنه في الشهادة على العقوبات والفتوى يدل على ~~أنه ليس بعلة. PageV02P081 # الثالث: المعارضة بقوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (53) ~~النجم: 28) وليس العمل بعموم أحد النصين، وتأويل الآخر أولى من الآخر، بل ~~العمل بالآية أولى، لأنها متواترة، وما ذكروه آحاد. # وعن الخبر الثاني: لا نسلم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يعلم من حال ~~الأعرابي سوى الاسلام. # وعن الاجماع، لا نسلم أن الصحابة قبلوا رواية أحد من المجاهيل فيما يتعلق ~~بأخبار النبي، صلى الله عليه وسلم. # ولهذا، ردوا رواية من جهلوه، كرد عمر شهادة فاطمة بنت قيس، ورد علي شهادة ~~الأعرابي. # وعن الوجه الأول من المعقول بالفرق بين ms292 صور الاستشهاد ومحل النزاع. # وذلك، من وجهين: # الأول أن الرواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أعلى رتبة وأشرف منصبا ~~من الاخبار فيما ذكروه من الصور، فلا يلزم من القبول مع الجهل بحال الراوي ~~فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما. # الثاني أن الاخبار فيما ذكروه من الصور مقبول مع ظهور الفسق، ولا كذلك ~~فيما نحن فيه. # وعن الوجه الثاني من المعقول بمنع قبول روايته دون الخبرة بحاله، لاحتمال ~~أن يكون كذوبا، وهو باق على طبعه. وإن قلنا: روايته في مبدأ إسلامه، فلا ~~يلزم ذلك في حالة دوامه، لما بين ابتداء الاسلام ودوامه من رقة القلب، وشدة ~~الاخذ بموجباته، والحرص على امتثال مأموراته، واجتناب منهياته على ما يشهد ~~به العرف والعادة في حق كل من دخل في أمر محبوب، والتزمه، فإن غرامه به في ~~الابتداء يكون أشد منه في دوامه. PageV02P082 # المسألة الثانية الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه لا يخلو إما أن ~~يكون فسقه مظنونا، أو مقطوعا به فإن كان مظنونا، كفسق الحنفي إذا شرب ~~النبيذ، فالأظهر قبول روايته وشهادته. وقد قال الشافعي، رضي الله عنه: إذا ~~شرب الحنفي النبيذ أحده وأقبل شهادته. # وإن كان فسقه مقطوعا به، فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به، أو لا ~~يكون كذلك: # فإن كان الأول، فلا نعرف خلافا في امتناع قبول شهادته، كالخطابية من ~~الرافضة، لأنهم يرون شهادة الزور لموافقهم في المذهب. # وإن كان الثاني، كفسق الخوارج الذين استباحوا الدار، وقتلوا الأطفال ~~والنسوان، فهو موضع الخلاف. # فمذهب الشافعي وأتباعه وأكثر الفقهاء أن روايته وشهادته مقبولة. وهو ~~اختيار الغزالي وأبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين. # وذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من الأصوليين إلى امتناع ~~قبول شهادته وروايته. وهو المختار. # وقد احتج النافون بحجة ضعيفة. # وذلك أنهم قالوا: أجمعنا على أن الفاسق المفروض، لو كان عالما بفسقه، لم ~~يقبل خبره. فإذا كان جاهلا بفسقه، معتقدا أنه ليس بفاسق، فقد انضم إلى فسقه ~~فسق آخر وخطيئة أخرى، وهو اعتقاده في الفسق ms293 أنه ليس بفسق، فكان أولى أن لا ~~يقبل خبره. # ولقائل أن يقول: إذا لم يعتقد أنه فاسق، وكان متحرجا محترزا في دينه عن ~~الكذب وارتكاب المعصية، فكان إخباره مغلبا على الظن صدقه، بخلاف ما إذا علم ~~أن ما يأتي به فسقا فذلك يدل على قلة مبالاته بالمعصية، وعدم تحرزه عن ~~الكذب فافترقا. # والمعتمد في ذلك النص والمعقول. # أما النص، فقوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا) * (49) الحجرات: ~~6) أمر برد نبأ الفاسق. PageV02P083 # والخلاف إنما هو فيمن قطع بفسقه، فكان مندرجا تحت عموم الآية. غير أنا ~~خالفناه فيمن كان فسقه مظنونا، وما نحن فيه مقطوع بفسقه، فلا يكون في معنى ~~صورة المخالفة. # وأيضا قوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (53) النجم: 28) ~~غير أنا خالفناه في خبر من ظهرت عدالته، وفيمن كان فسقه مظنونا، فيبقى فيما ~~عداه على مقتضى الدليل. # وأما المعقول، فهو أن القول بقبول خبره يستدعي دليلا، والأصل عدمه. # فإن قيل: بيان وجود الدليل النص، والاجماع، والقياس: # أما النص فقوله، صلى الله عليه وسلم: إنما أحكم بالظاهر، والله يتولى ~~السرائر والفاسق فيما نحن فيه محترز عن الكذب، متدين بتحريمه، فكان صدقه في ~~خبره ظاهرا، فكان مندرجا تحت عموم الخبر. # وأما الاجماع، فهو أن عليا، عليه السلام، والصحابة قبلوا أقوال قتلة ~~عثمان والخوارج مع فسقهم، ولم ينكر ذلك منكر: فكان ذلك إجماعا. # وأما القياس فهو أن الظن بصدقه موجود. فكان واجب القبول مبالغة في تحصيل ~~مقصوده قياسا على العدل والمظنون فسقه والجواب: عن الخبر ما سبق في المسألة ~~التي قبلها. # وعن الاجماع: أنا لا نسلم أن كل من قبل شهادة الخوارج وقتلة عثمان كانوا ~~يعتقدون فسقهم، فإن الخوارج من جملة المسلمين والصحابة، ولم يكونوا معتقدين ~~فسق أنفسهم. # ومع عدم اعتقاد الجميع لفسقهم، وإن قبلوا شهادتهم، فلا يتحقق انعقاد ~~الاجماع على قبول خبر الفاسق. # وعن القياس بالفرق في الأصول المستشهد بها. # أما في العدل فلظهور عدالته واستحقاقه لمنصب الشهادة والرواية. وذلك ~~يناسب قبوله إعظاما له وإجلالا بخلاف الفاسق. # وأما في مظنون ms294 الفسق فلان حاله في استحقاق منصب الشهادة والرواية أقرب من ~~حال من كان فسقه مقطوعا به فلا يلزم من القبول ثم القبول ههنا. PageV02P084 # المسألة الثالثة اختلفوا في الجرح والتعديل: هل يثبت بقول الواحد أو لا؟ # فذهب قوم إلى أنه لا بد في التعديل والجرح من اعتبار العدد في الرواية ~~والشهادة. # وذهب آخرون إلى الاكتفاء بالواحد فيهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر. # والذي عليه الأكثر إنما هو الاكتفاء بالواحد في باب الرواية دون الشهادة، ~~وهو الأشبه وذلك لأنه لا نص ولا إجماع في هذه المسألة يدل على تعيين أحد ~~هذه المذاهب. # فلم يبق غير التشبيه والقياس. # ولا يخفى أن العدالة شرط في قبول الشهادة والرواية، والشرط لا يزيد في ~~إثباته على مشروطه، فكان إلحاق الشرط بالمشروط في طريق إثباته أولى من ~~إلحاقه بغيره وقد اعتبر العدد في قبول الشهادة دون قبول الرواية، فكان ~~الحكم في شرط كل واحد منها ما هو الحكم في مشروطه. # فإن قيل، التزكية والتعديل شهادة، فكان العدد معتبرا فيهما كالشهادة على ~~الحقوق. # قلنا: ليس ذلك أولى من قول القائل بأنها إخبار، فلا يعتبر العدد في ~~قبولها، كنفس الرواية. # فإن قيل: إلا أن ما ذكرناه أولى لما فيه من زيادة الاحتياط. # قلنا: بل ما يقوله الخصم أولى حذرا من تضييع أوامر الله تعالى ونواهيه. # كيف وأن اعتبار قول الواحد في الجرح والتعديل أصل متفق عليه، واعتبار ضم ~~قول غيره إليه يستدعي دليلا. والأصل عدمه. ولا يخفى أن ما يلزم منه موافقة ~~النفي الأصلي أولى مما يلزم منه مخالفته. PageV02P085 # المسألة الرابعة اختلفوا في قبول الجرح والتعديل دون ذكر سببهما: فقال ~~قوم: لا بد من ذكر السبب فيهما، أما في الجرح فلاختلاف الناس فيما يجرح به، ~~فلعله اعتقده جارحا وغيره لا يراه جارحا، وأما في العدالة فلان مطلق ~~التعديل لا يكون محصلا للثقة بالعدالة لجري العادة بتسارع الناس إلى ذلك ~~بناء على الظاهر. # وقال قوم: لا حاجة إلى ذلك فيهما اكتفاء ببصيرة المزكي والجارح، وهو ~~اختيار القاضي أبى بكر. # وقال ms295 الشافعي، رضي الله عنه: لا بد من ذكر سبب الجرح، لاختلاف الناس فيما ~~يجرح به، بخلاف العدالة، فإن سببها واحد لا اختلاف فيه. # ومنهم من عكس الحال واعتبر ذكر سبب العدالة دون الجرح والمختار إنما هو ~~مذهب القاضي أبي بكر. وذلك، لأنه إما أن يكون المزكي والجارح عدلا بصيرا ~~بما يجرح به ويعدل، أو لا يكون كذلك. فإن لم يكن عدلا، أو كان عدلا وليس ~~بصيرا فلا اعتبار بقوله: وإن كان عدلا بصيرا وجب الاكتفاء بمطلق جرحه ~~وتعديله، إذا الغالب مع كونه عدلا بصيرا أنه ما أخبر بالعدالة والجرح، إلا ~~وهو صادق في مقاله. فلا معنى لاشتراط إظهار السبب مع ذلك. # والقول بأن الناس قد اختلفوا فيما يجرح به، وإن كان حقا إلا أن الظاهر من ~~حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضا يكون عارفا بمواقع الخلاف ~~في ذلك. والظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا في صورة علم الوفاق عليها، وإلا كان ~~مدلسا ملبسا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده، وهو خلاف مقتضى العدالة ~~والدين وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة، ~~والإحاطة بسريرة المخبر عنه، ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء ~~على ظاهر الحال. PageV02P086 # المسألة الخامسة إذا تعارض الجرح والتعديل، فلا يخلو إما أن يكون الجارح ~~قد عين السبب، أو لم يعينه: فإن لم يعينه، فقول الجارح يكون مقدما لاطلاعه ~~على ما لم يعرفه العدل، ولا نفاه لامتناع الشهادة على النفي. وإن عين السبب ~~بأن يقول تقديرا: رأيته، وقد قتل فلانا، فلا يخلو إما أن لا يتعرض المعدل ~~لنفي ذلك، أو يتعرض لنفيه. # فإن كان الأول، فقول الجارح يكون مقدما لما سبق. وإن تعرض لنفيه بأن قال: ~~رأيت فلانا المدعي قتله حيا بعد ذلك، فهاهنا يتعارضان، ويصح ترجيح أحدهما ~~على الآخر بكثرة العدد، وشدة الورع والتحفظ، وزيادة البصيرة إلى غير ذلك ~~مما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى كما سيأتي تحقيقه. PageV02P087 # المسألة السادسة في طرق الجرح والتعديل أما طرق التعديل فمتفاوتة في ms296 ~~القوة والضعف. وذلك، لأنه لا يخلو إما أن يصرح المزكي بالتعديل قولا، أو لا ~~يصرح به فإن صرح به بأن يقول: هو عدل رضا، فإما أن يذكر مع ذلك السبب بأن ~~يقول لأني عرفت منه كذا وكذا أو لا يذكر السبب. فإن كان الأول، فهو تعديل ~~متفق عليه. وإن كان الثاني فمختلف فيه. والأظهر منه التعديل، كما سبق في ~~المسألة المتقدمة. فهذا الطريق مرجوح بالنسبة إلى الأول للاختلاف فيه ~~ولنقصان البيان فيه بخلاف الأول. # وأما إن لم يصرح بالتعديل قولا، لكن حكم بشهادته أو عمل بروايته، أو روى ~~عنه خبرا. # فإن حكم بشهادته فهو أيضا تعديل متفق عليه. وإلا كان الحاكم فاسقا بشهادة ~~من ليس بعدل عنده. وهذه الطريق أعلى من التزكية بالقول من غير ذكر سبب ~~لتفاوتهما في الاتفاق والاختلاف، اللهم إلا أن يكون الحاكم ممن يرى الحكم ~~بشهادة الفاسق. وأما بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب فالأشبه ~~التعادل بينهما لاستوائهما في الاتفاق عليهما. والأول، وإن اختص بذكر ~~السبب، فهذا مختص بإلزام الغير بقبول الشاهد، بخلاف الأول. # وأما إن عمل بروايته على وجه علم أنه لا مستند له في العمل سواها، ولا ~~يكون ذلك من باب الاحتياط، فهو أيضا تعديل متفق عليه، وإلا كان عمله برواية ~~من ليس بعدل فسقا. وهذا الطريق، وإن احتمل أن يكون العمل فيه مستندا إلى ~~ظهور الاسلام والسلامة من الفسق ظاهرا، كما في التعديل بالقول من غير ذكر ~~PageV02P088 # السبب، فهو راجح على التعديل بالقول من غير ذكر السبب، للاتفاق عليه ~~والاختلاف في ذلك، ومرجوح بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب، ~~وبالنسبة إلى الحكم بالشهادة، لان باب الشهادة أعلى من باب بالرواية. ~~ولذلك، اشترط فيه ما لم يشترط في باب الرواية كما سيأتي تعريفه، فكان ~~الاحتياط والاحتراز فيها أتم وأوفى. # وأما إن روى عنه، فهذا مما اختلف فيه هل هو تعديل أو لا. # ومنهم من فصل وقال: إن عرف من قول المزكي أو عادته أنه لا يروي إلا عن ~~العدل، فهو تعديل، وإلا ms297 فلا. وهو المختار. وذلك، لان العادة جارية بالرواية ~~عمن لو سئل عن عدالته لتوقف فيها. ولا يلزم من روايته عنه. مع عدم معرفته ~~بعدالته، أن يكون ملبسا مدلسا في الدين، كما قيل. لأنه إنما يكون كذلك إن ~~لو أوجبت روايته عنه على الغير العمل بها، وليس كذلك، بل غايته أنه قال ~~سمعته يقول كذا فعلى السامع بالكشف عن حال المروي عنه إن رام العمل بمقتضى ~~روايته. وإلا، كان مقصرا. وهذا الطريق يشبه أن يكون مرجوحا بالنسبة إلى ~~باقي الطرق. # أما بالنسبة إلى التصريح بالتعديل فظاهر، ولا سيما إن اقترن بذكر السبب ~~للاتفاق عليه والاختلاف في هذا الطريق. ولهذا، يكون مرجوحا بالنسبة إلى ~~الحكم بالشهادة للاتفاق عليه ولاختصاص الشهادة بما ذكرناه قبل. # وأما بالنسبة إلى العمل بالرواية، فلاشتراكهما في أصل الرواية واختصاص ~~أحدهما بالعمل بها. # وأما طرق الجرح فهو أن يصرح بكونه مجروحا، ويذكر مع ذلك سبب الجرح. وإن ~~لم يذكر معه سبب الجرح، فهو جرح كما سبق في المسألة المتقدمة، لكنه دون ~~الأول للاختلاف فيه، وللاتفاق على الأول. وليس من الجرح ترك العمل بروايته ~~والحكم بشهادته، لجواز أن يكون ذلك بسبب غير الجرح. وذلك، إما لمعارض، وإما ~~لأنه غير ضابط، أو لغلبة النسيان والغفلة عليه ونحوه، ولا الشهادة بالزنى ~~وكل ما يوجب الحد على المشهود عليه، إذا لم يكمل نصاب الشهادة، لأنه ~~PageV02P089 # لم يأت بصريح القذف، وإنما جاء ذلك محيي الشهادة، ولا بما يسوغ فيه ~~الاجتهاد وقد قال به بعض الأئمة المجتهدين، كاللعب بالشطرنج وشرب النبيذ ~~ونحوه، ولا بالتدليس، وذلك كقول من لم يعاصر الزهري مثلا، ولكنه روى عمن ~~لقيه، قولا يوهم أنه لقيه، ولقوله: حدثنا فلان وراء النهر، موهما أنه يريد ~~جيحان، وإنما يشير به إلى نهر عيسى مثلا، لأنه ليس بكذب، وإنما هو من ~~المعاريض المغنية عن الكذب. # المسألة السابعة اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة. # وقال قوم إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند ~~الرواية. # ومنهم من قال إنهم لم ms298 يزالوا عدولا إلى حين ما وقع من الاختلاف والفتن ~~فيما بينهم، وبعد ذلك، فلا بد من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد ~~منهم، إذا لم يكن ظاهر العدالة PageV02P090 # ومنهم من قال بأن كل من قاتل عليا عالما منهم، فهو فاسق مردود الرواية ~~والشهادة، لخروجهم عن الإمام الحق. # ومنهم من قال برد رواية الكل وشهادتهم، لان أحد الفريقين فاسق، وهو غير ~~معلوم ولا معين. # ومنهم من قال بقبول رواية كل واحد منهم وشهادته، إذا انفرد، لان الأصل ~~فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفة التحقق فسق ~~أحدهما من غير تعيين. # والمختار إنما هو مذهب الجمهور من الأئمة، وذلك بما تحقق من الأدلة ~~الدالة على عدالتهم ونزاهتهم وتخييرهم على من بعدهم. فمن ذلك قوله تعالى: * ~~(وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) البقرة: 143) أي عدولا. وقوله تعالى: * ~~(كنتم خير أمة أخرجت للناس) * (3) آل عمر ان: 110) وهو خطاب مع الصحابة ~~الموجودين في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم. ومنها قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم والاهتداء بغير عدل محال. وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: إن الله اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا واختيار الله ~~تعالى لا يكون لمن ليس بعدل. ومنها ما ظهر واشتهر بالنقل المتواتر الذي لا ~~مراء فيه من مناصرتهم للرسول، والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، والمحافظة ~~على أمور الدين، وإقامة القوانين، والتشدد في امتثال أوامر الشرع ونواهيه، ~~والقيام بحدوده ومراسيمه، حتى إنهم قتلوا الأهل والأولاد حتى قام الدين ~~واستقام، ولا أدل على العدالة أكثر من ذلك. # وعند ذلك، فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، وإن ~~كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار ~~إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين. وعلى هذا، فإما أن يكون كل مجتهد ~~مصيبا، أو أن المصيب واحد، والآخر مخطئ في اجتهاده. PageV02P091 # وعلى كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة، أما ~~بتقدير الإصابة فظاهر، وأما بتقدير ms299 الخطأ مع الاجتهاد فبالاجماع. # وإذ أتينا على ما أردناه من بيان عدالة الصحابة، فلا بد من الإشارة إلى ~~بيان من يقع عليه اسم الصحابي. # المسألة الثامنة اختلفوا في مسمى الصحابي: # فذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أن الصحابي من رأى النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدة ~~صحبته. # وذهب آخرون إلى أن الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه. # وذهب عمر بن يحيى إلى أن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي، ~~صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنه العلم. # والخلاف في هذه المسألة، وإن كان آيلا إلى النزاع في الاطلاق اللفظي، ~~فالأشبه إنما هو الأول. ويدل على ذلك ثلاثة أمور. # الأول: أن الصاحب اسم مشتق من الصحبة، والصحبة تعم القليل والكثير: ومنه ~~يقال صحبته ساعة، وصحبته يوما وشهرا، وأكثر من ذلك، كما يقال: فلان كلمني ~~وحدثني وزارني، وإن كان لم يكلمه ولم يحدثه ولم يزره سوى مرة واحدة. # الثاني: أنه لو حلف أنه لا يصحب فلانا في السفر، أو ليصحبنه، فإنه يبر ~~ويحنث بصحبته ساعة. # الثالث: أنه لو قال قائل: صحبت فلانا،، فيصح أن يقال: صحبته ساعة أو يوما ~~أو أكثر من ذلك، وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه، أو لا؟ ولولا أن الصحبة ~~شاملة لجميع هذه الصور، ولم تكن مختصة بحالة منها، لما احتيج إلى ~~الاستفهام. PageV02P092 # فإن قيل: إن الصاحب في العرف إنما يطلق على المكاثر الملازم، ومنه يقال: # أصحاب القرية، وأصحاب الكهف والرقيم، وأصحاب الرسول، وأصحاب الجنة، ~~للملازمين لذلك، وأصحاب الحديث للملازمين لدراسته وملازمته دون غيرهم. # ويدل على ذلك أيضا أنه يصح أن يقال: فلان لم يصحب فلانا، لكنه وفد عليه ~~أو رآه، أو عامله. والأصل في النفي أن يكون محمولا على حقيقته، بل ولا يكفي ~~ذلك، بل لا بد مع طول المدة من أخذ العلم والرواية عنه، ولهذا، يصح ms300 أن يقال ~~المزني صاحب الشافعي، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، ولا يصح ~~أن يقال لمن رآهما وعاشرهما طويلا، ولم يأخذ عنهما، أنه صاحب لهما. # والجواب عن الشبهة الأولى أنا لا نسلم أن اسم الصاحب لا يطلق إلا على ~~المكاثر الملازم، ولا يلزم من صحة إطلاق اسم الصاحب على الملازم المكاثر ~~كما في الصور المستشهد بها امتناع إطلاقه على غيره، بل يجب أن يقال بصحة ~~إطلاق ذلك على المكاثر وغيره حقيقة، نظرا إلى ما وقع به الاشتراك نفيا ~~للتجوز، والاشتراك عن اللفظ وصحة النفي إنما كان لان الصاحب في أصل الوضع، ~~وإن كان لمن قلت صحبته أو كثرت، غير أنه في عرف الاستعمال لمن طالت صحبته. ~~فإن أريد نفي الصحبة بالمعنى العرفي، فحق. وإن أريد نفيها بالمعنى الأصلي، ~~فلا يصح. # وهذا هو الجواب عما قيل من اشتراط أخذ العلم والرواية عنه أيضا. # وإذا عرف ذلك، فلو قال من عاصر النبي، صلى الله عليه وسلم، أنا صحابي مع ~~إسلامه وعدالته، فالظاهر صدقه. ويحتمل أن لا يصدق في ذلك، لكونه متهما ~~بدعوى رتبة يثبتها لنفسه، كما لو قال: أنا عدل، أو شهد لنفسه بحق. # هذا ما أردناه من الشروط المعتبرة. PageV02P093 # وأما الشروط التي ظن أنها شروط، وليست كذلك، فشروط منها أنه ليس من شرط ~~قبول الخبر العدد، بل يكفي في القبول خبر العدل الواحد، خلافا للجبائي، ~~فإنه قال: لا يقبل إلا أن يضاف إليه خبر عدل آخر، أو موافقة ظاهرا، وإن ~~يكون منتشرا فيما بين الصحابة أو عمل به بعض الصحابة. ونقل عنه أيضا أنه لا ~~يقبل الخبر في الزنى إلا من أربعة. # والوجه في الاحتجاج والانفصال ما سبق في مسألة وجوب التعبد بخبر الواحد. # وأيضا فليس من شرطه الذكورة لما اشتهر من أخذ الصحابة بأخبار النساء، كما ~~سبق بيانه، ولا البصر، بل يجوز قبول رواية الضرير إذا كان حافظا لما يسمعه، ~~وله آلة إدائه. ولهذا كانت الصحابة تروي عن عائشة ما تسمعه من صوتها، مع ~~أنهم لا يرون شخصها، ms301 ولا عدم القرابة، بل تجوز رواية الولد عن الوالد، ~~وبالعكس، لاتفاق الصحابة على ذلك، ولا عدم العداوة، لان حكم الرواية عام، ~~فلا يختص بواحد معين، حتى تكون العداوة مؤثرة فيه، ولا الحرية، بل هذه ~~الأمور إنما تشترط في الشهادة. # ولا يشترط أيضا في الراوي أن يكون مكثرا من سماع الأحاديث مشهور النسب، ~~لاتفاق الصحابة على قبول رواية من لم يرو سوى خبر واحد، وعلى قبول رواية من ~~لا يعرف نسبه، إذا كان مشتملا على الشرائط المعتبرة. # ولا يشترط أيضا أن يكون فقيها عالما بالعربية وبمعنى الخبر، وسواء كانت ~~روايته موافقة للقياس أو مخالفة، خلافا لأبي حنيفة فيما يخالف القياس، ~~لقوله، صلى الله عليه وسلم: نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها إلى قوله: فرب ~~حامل فقه ليس بفقيه دعا له وأقره على الرواية، ولو لم يكن مقبول القول لما ~~كان كذلك، ولأن الصحابة سمعوا أخبار آحاد لم يكونوا فقهاء كما ذكرناه فيما ~~تقدم، ولأن الاعتماد على خبر النبي، صلى الله عليه وسلم. والظاهر من الراوي ~~إذا كان عدلا متدينا أنه لا يروي إلا ما يتحققه على الوجه الذي سمعه. ~~PageV02P094 # القسم الثالث في مستند الراوي وكيفية روايته الراوي لا يخلو إما أن يكون ~~صحابيا، أو غير صحابي. فإن كان صحابيا فقد اتفقوا على أنه إذا قال: سمعت ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول كذا، أو أخبرني، أو حدثني، أو شافهني ~~رسول الله بكذا، فهو خبر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، واجب القبول، ~~واختلفوا في مسائل. # المسألة الأولى إذا قال الصحابي: قال رسول الله كذا، اختلفوا فيه فذهب ~~الأكثرون إلى أنه سمعه من النبي، صلى الله عليه وسلم فيكون حجة من غير ~~خلاف، وقال القاضي أبو بكر: لا يحكم بذلك، بل هو متردد بين أن يكون قد سمعه ~~من النبي عليه السلام، وبين أن يكون قد سمعه من غيره. وبتقدير أن يكون قد ~~سمعه من غير النبي، صلى الله عليه وسلم، فمن قال بعدالة جميع الصحابة، ~~فحكمه حكم ما لو سمعه ms302 من النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن قال بأن حكم ~~الراوي من الصحابة حكم غيرهم في وجوب الكشف عن حال الراوي منهم، فحكمه حكم ~~مراسيل تابع التابعين، وسيأتي تفصيل القول فيه. # والظاهر أن ذلك محمول على سماعه من غير واسطة مع إمكان سماعه من الواسطة، ~~لان قوله قال يوهم السماع من النبي، صلى الله عليه وسلم، من غير واسطة ~~إيهاما ظاهرا. # والظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة أنه لا يأتي بلفظ يوهم ~~معنى، ويريد غيره. PageV02P095 # المسألة الثانية إذا قال الصحابي سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~يأمر بكذا، أو ينهى عن كذا اختلفوا في كونه حجة. # فذهب قوم إلى أنه ليس بحجة لان الاحتجاج إنما هو بلفظ النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وقول الصحابي سمعته يأمر وينهى لا يدل على وجود الأمر والنهي من ~~النبي صلى الله عليه وسلم، لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي، فلعله سمع ~~صيغة اعتقد أنها أمر أو نهي، وليست كذلك عند غيره، ويحتمل أنه سمع النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، يأمر بشئ أو ينهى عن شئ، وهو ممن يعتقد أن الامر بالشئ ~~نهي عن جميع أضداده، وأن النهي عن الشئ أمر بأحد أضداده، فنقل الأمر ~~والنهي، وليس بأمر ولا نهي عند غيره. # والذي عليه اعتماد الأكثرين أنه حجة، وهو الأظهر. وذلك لان الظاهر من حال ~~الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أن يكون عارفا بمواقع الخلاف ~~والوفاق. # وعند ذلك. فالظاهر من حاله أنه لا ينقل إلا ما تحقق أنه أمر أو نهي من ~~غير خلاف، نفيا للتدليس والتلبيس عنه بنقل ما يوجب على سامعه اعتقاد الأمر ~~والنهي فيما لا يعتقده أمرا ولا نهيا. PageV02P096 # المسألة الثالثة إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، وأوجب ~~علينا كذا وحرم علينا كذا، أو أبيح لنا كذا، فمذهب الشافعي وأكثر الأئمة ~~أنه يجب إضافة ذلك إلى النبي عليه السلام. # وذهب جماعة من الأصوليين والكرخي من أصحاب أبي حنيفة إلى المنع من ذلك، ~~مصيرا منهم إلى ms303 أن ذلك متردد بين كونه مضافا إلى النبي عليه السلام، وبين ~~كونه مضافا إلى أمر الكتاب أو الأمة، أو بعض الأئمة، وبين أن يكون قد قال ~~ذلك عن الاستنباط والقياس، وأضافه إلى صاحب الشرع، بناء على أن موجب القياس ~~مأمور باتباعه من الشارع. # وإذا احتمل واحتمل، لا يكون مضافا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بل ولا ~~يكون حجة. # والظاهر مذهب الشافعي وذلك، لان من كان مقدما على جماعة، وهم بصدد امتثال ~~أوامره ونواهيه، فإذا قال الواحد منهم: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فالظاهر ~~أنه يريد أمر ذلك المقدم ونهيه والصحابة بالنسبة إلى النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، على هذا النحو. # فإذا قال الصحابي منهم: أمرنا أو نهينا: كان الظاهر منه أمر النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، ونهيه. ولا يمكن حمله على أمر الكتاب ونهيه، لأنه لو كان ~~كذلك، لكان ظاهرا للكل، فلا يختص بمعرفته الواحد منهم، ولا على أمر الأمة ~~ونهيها، لان قول الصحابي: أمرنا ونهينا قول الأمة، وهم لا يأمرون وينهون ~~أنفسهم، ولا على أمر الواحد من الصحابة، إذ ليس أمر البعض للبعض أولى من ~~العكس. # كيف وإن الظاهر من الصحابي أنه إنما يقصد بذلك تعريف الشرع. وذلك لا يكون ~~ثابتا بأمر الواحد من الصحابة ونهيه، ولا أن يكون ذلك بناء على ما قيل من ~~القياس والاستنباط لوجهين: # الأول: أن قول الصحابي: أمرنا ونهينا، خطاب مع الجماعة، وما ظهر لبعض ~~المجتهدين من القياس، وإن كان مأمورا باتباع حكمه، فذلك غير موجب للامر ~~باتباع من لم يظهر له ذلك القياس. # الثاني: أن قوله: أمرنا ونهينا بكذا عن كذا، إنما يفهم منه مطلق الأمر ~~والنهي، لا الامر باتباع حكم القياس. PageV02P097 # المسألة الرابعة اختلفوا في قول الصحابي: من السنة كذا. فذهب الأكثرون ~~إلى أن ذلك محمول على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلافا لأبي الحسن ~~الكرخي من أصحاب أبي حنيفة. والمختار مذهب الأكثرين، وذلك لما ذكرناه في ~~المسألة المتقدمة. # فإن قيل: اسم السنة متردد بين سنة النبي، وسنة الخلفاء ms304 الراشدين، على ما ~~قال، صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا ~~عليها بالنواجذ وإذا كان اللفظ مترددا بين احتمالين، فلا يكون صرفه إلى ~~أحدهما دون الآخر أولى من العكس. # قلنا: وإن سلمنا صحة إطلاق السنة على ما ذكروه، غير أن احتمال إرادة سنة ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، أولى لوجهين: # الأول: أن سنة النبي، صلى الله عليه وسلم، أصل، وسنة الخلفاء الراشدين ~~تبع لسنة النبي، صلى الله عليه وسلم، ومقصود الصحابي إنما هو بيان الشرعية. ~~ولا يخفى أن إسناد ما قصد بيانه إلى الأصل أولى من إسناده إلى التابع. # الثاني: أن ذلك هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ السنة في كلام ~~الصحابي لما ذكرناه في المسألة المتقدمة، فكان الحمل عليه أولى. ~~PageV02P098 # المسألة الخامسة إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا، وكانوا يفعلون كذا، وذلك ~~كقول عائشة: كانوا لا يقطعون في الشئ التافه، وكقول إبراهيم النخعي: كانوا ~~يحذفون التكبير حذفا فهو عند الأكثرين محمول على فعل الجماعة دون بعضهم، ~~خلافا لبعض الأصوليين. # ويدل على مذهب الأكثرين أن الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض ~~الاحتجاج، وإنما يكون ذلك حجة إن لو كان ما نقله مستندا إلى فعل الجميع، ~~لان فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر، ولا على غيرهم فإن قيل: لو كان ~~ذلك مستندا إلى فعل الجميع، لكان إجماعا، ولما ساغ مخالفته بطريق الاجتهاد ~~فيه، وحيث سوغتم ذلك دل على عوده إلى البعض دون الكل. # قلنا: تسويغ الاجتهاد فيه إنما كان لان إضافة ذلك إلى الجميع وقع ظنا لا ~~قطعا، وذلك، كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه الواحد من الألفاظ القاطعة في ~~الدلالة عن النبي، (ص، لما كان طريق اتباعه ظنيا، وإن كان لا يسوغ فيه ~~الاجتهاد عندما إذا ثبت بطريق قاطع، وأما إن كان الراوي غير صحابي، فمستنده ~~في الرواية إما قراءة الشيخ لما يرويه عنه، أو القراءة على الشيخ، أو إجازة ~~الشيخ له، أو أن يكتب له كتابا بما يرويه عنه، ms305 أو يناوله الكتاب الذي يرويه ~~عنه، أو أن يرى خطا يظنه خط الشيخ بأني سمعت عن فلان كذا. فإن كان مستنده ~~في الرواية قراءة الشيخ، فإما أن يكون الشيخ قد قصد إسماعه بالقراءة، أو لم ~~يقصد إسماعه بطريق من الطرق: فإن قصد إسماعه بالقراءة أو مع غيره، فهذا هو ~~أعلى الرتب في الرواية، وللراوي عنه PageV02P099 # أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، وقال فلان، وسمعته يقول كذا، وإن لم يقصد ~~إسماعه، فليس له أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، لأنه يكون كاذبا في ذلك، بل له ~~أن يقول: قال فلان كذا، وسمعته يقول كذا، ويحدث بكذا، ويخبر بكذا. # وأما القراءة على الشيخ، مع سكوت الشيخ من غير ما يوجب السكوت عن ~~الانكار، من إكراه أو غفلة أو غير ذلك، فقد اتفقوا على وجوب العمل به، ~~خلافا لبعض أهل الظاهر، لأنه لو لم تكن روايته صحيحة، لكان سكوته عن ~~الانكار مع القدرة عليه فسقا، لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح، وذلك ~~بعيد عن العدل المتدين. ثم اتفق القائلون بالصحة على تسليط الراوي على ~~قوله: أخبرنا وحدثنا فلان، قراءة عليه، واختلفوا في جواز قوله: حدثنا ~~وأخبرنا مطلقا، والأظهر امتناعه، لان ذلك يشعر بنطق الشيخ، وذلك من غير نطق ~~منه كذب. # وأما إجازة الشيخ وذلك بأن يقول: أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو ~~ما صح عندك من مسموعاتي، فقد اختلفوا في جواز الرواية بالإجازة: فجوزه ~~أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل، وأكثر المحدثين، واتفق هؤلاء على تسليط ~~الراوي على قوله: أجازني فلان كذا، وحدثني، وأخبرني إجازة واختلفوا في ~~قوله: حدثني وأخبرني مطلقا. # والذي عليه الأكثر، وهو الأظهر، أنه لا يجوز، لان ذلك يشعر بنطق الشيخ ~~بذلك وهو كذب، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجوز الرواية بالإجازة مطلقا. # وقال أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة إنه إن كان المجيز والمجاز له قد ~~علما ما في الكتاب الذي أجاز روايته، جازت روايته بقوله: أخبرني وحدثني. ~~PageV02P100 # وذلك، كما لو كتب إنسان صكا، والشهود يرونه، ثم قال ms306 لهم: اشهدوا علي ~~بجميع ما في هذا الصك، فإنه يجوز لهم إقامة الشهادة عليه بما في ذلك ~~الكتاب، وإلا فلا. # والمختار إنما هو جواز الرواية بالإجازة، وذلك لان المجيز عدل ثقة، ~~والظاهر أنه لم يجز إلا ما علم صحته، وإلا كان بإجازته رواية ما لم يروه ~~فاسقا، وهو بعيد عن العدل. وإذا علمت الرواية أو ظنت بإجازته، جازت الرواية ~~عنه كما لو كان هو القارئ أو قرئ عليه وهو ساكت. # فإن قيل إنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث، ولا ما يجري مجرى فعله، فلم ~~يجز أن يقول الراوي عنه: أخبرني، ولا حدثني لأنه يكون كذبا، ولأنه قادر على ~~أن يحدث به. فحيث لم يحدث به دل على أنه غير صحيح عنده. # قلنا: هذا باطل بما إذا كان الراوي عن الشيخ هو القارئ، فإنه لم يوجد من ~~الشيخ فعل الحديث، ولا ما يجري مجراه، وهو قادر على القراءة بنفسه. # ومع ذلك. فإنه يجوز للراوي أن يقول: أخبرني وحدثني، حيث كانت قراءته عليه ~~مع السكوت دليل صحة الحديث. # وعلى ما ذكرناه من الخلاف في الإجازة والخريف، والمختار يكون الكلام فيما ~~إذا ناوله كتابا فيه حديث هو سماعه، وقال له: قد أجزت لك أن تروي عني ما ~~فيه وله أن يقول: ناولني فلان كذا، وأخبرني، وحدثني مناولة. # وكذلك الحكم أيضا إذا كتب إليه بحديث وقال: أجزت لك روايته عني، فإنه يدل ~~على صحته، ويسلط الراوي على أن يقول: كاتبني بكذا، وحدثني أو أخبرني بكذا ~~كتابة. ولو اقتصر على المناولة أو الكتابة دون لفظ الإجازة، لم تجز له ~~الرواية، إذ ليس في الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه، ولا ~~على صحة الحديث في نفسه. # أما رؤية خط الشيخ بأني سمعت من فلان كذا، فلا يجوز مع ذلك الرواية عنه، ~~وسواء قال: هذا خطي، أو لم يقل، لأنه قد يكتب ما سمعه. ثم يشكك فيه، فلا بد ~~من التسليط من قبل الشيخ على الرواية عنه بطريقة، إذ ليس لأحد رواية ما شك ms307 ~~في روايته إجماعا. وعلى هذا، فلو روى كتابا عن بعض المحدثين، وشك في حديث ~~واحد منه PageV02P101 # غير معين، لم تجز له روايته شئ منه، لأنه ما من واحد ومن تلك الأحاديث ~~إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك فيه. وكذلك، لو روى عن جماعة حديثا، وشك في ~~روايته عن بعضهم من غير تعيين، فليس له الرواية عن واحد منهم، لأنه ما من ~~واحد إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك في الرواية عنه. والرواية مع الشك ~~ممتنعة. # نعم، لو غلب على ظنه رواية الحديث عن بعض المشايخ وسماعه منه، فهذا مما ~~اختلف فيه. # فقال أبو حنيفة: لا تجوز روايته ولا العمل به، لأنه حكم على المروي عنه ~~بأنه حدثه به، فلا يجوز مع عدم العلم، كما في الشهادة، وقال الشافعي وأبو ~~يوسف ومحمد بن الحسن: تجوز له الرواية والعمل به،، لان ذلك مما يغلب على ~~الظن صحته. ولهذا، فإن آحاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا ~~يحملون كتب الرسول إلى أطراف البلاد في أمور الصدقات وغيرها، وكان يجب على ~~كل أحد الاخذ بها بإخبار حاملها أنها من كتب الرسول، وإن لم يكن ما فيها ~~مما سمعه الحامل، ولا المحمول إليه، لكونها مغلبة على الظن. ولا كذلك في ~~الشهادة، لأنه قد اعتبر فيها من الاحتياط، ما لم يعتبر مثله في الرواية، ~~كما ذكرناه فيما تقدم. وعلى هذا، فلو قال عدل من عدول المحدثين عن كتاب من ~~كتب الحديث، إنه صحيح، فالحكم في جواز الاخذ به والخلاف فيه، كما سبق فيما ~~إذا ظن أنه يرويه، مع الاتفاق على أنه لا تجوز روايته عنه، بخلاف ما إذا ظن ~~الرواية، عنه. PageV02P102 # القسم الرابع فيما اختلف في رد خبر الواحد به وفيه عشر مسائل المسألة ~~الأولى اختلفوا في نقل حديث النبي، صلى الله عليه وسلم، بالمعنى دون اللفظ. # والذي عليه اتفاق الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والحسن البصري ~~وأكثر الأئمة أنه يحرم ذلك على الناقل، إذا كان غير عارف بدلالات الألفاظ ~~واختلاف مواقعها، ms308 وإن كان عالما بذلك، فالأولى له النقل بنفس اللفظ إذ هو ~~أبعد عن التغيير والتبديل وسوء التأويل. وإن نقله بالمعنى من غير زيادة في ~~المعنى، ولا نقصان منه، فهو جائز. # ونقل عن ابن سيرين وجماعة من السلف وجوب نقل اللفظ على صورته. # وهو اختيار أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة. # ومنهم من فصل وقال بجواز إبدال اللفظ بما يرادفه، ولا يشتبه الحال فيه، ~~ولا يجوز بما عدا ذلك. # والمختار مذهب الجمهور. ويدل عليه النص، والاجماع، والأثر، والمعقول. # أما النص، فما روي ابن مسعود أن رجلا سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وقال له: يا رسول الله، تحدثنا بحديث لا نقدر أن نسوقه كما سمعناه فقال صلى ~~الله عليه وسلم: إذا أصاب أحدكم المعنى، فليحدث وأيضا، فإن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، كان مقررا لآحاد رسله إلى البلاد في إبلاغ أوامره ونواهيه بلغة ~~المبعوث إليهم دون لفظ النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو دليل الجواز. ~~PageV02P103 # وأما الاجماع فما روي عن ابن مسعود أنه كان إذا حدث قال: قال رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، هكذا، أو نحوه. ولم ينكر عليه منكر، فكان إجماعا. # وأما الأثر فما روي عن مكحول أنه قال: دخلنا على واثلة بن الأسقع، فقلنا: # حدثنا حديثا ليس فيه تقديم ولا تأخير فغضب وقال لا بأس إذا قدمت وأخرت ~~إذا أصبت المعنى. # وأما المعقول فمن وجهين: الأول أن الاجماع منعقد على جواز شرح الشرع ~~للعجم بلسانهم، وإذا جاز الابدال بغير العربية في تفهيم المعنى، فالعربية ~~أولى. # الثاني هو أنا نعلم أن اللفظ غير مقصود لذاته ونفسه، ولهذا، فإن النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، كان يذكر المعنى في الكرات المتعددة بألفاظ مختلفة، بل ~~المقصود إنما هو المعنى، ومع حصول المعنى، فلا أثر لاختلاف اللفظ. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول: # أما النص فقوله صلى الله عليه وسلم: نضر الله امرأ سمع مقالتي، فوعاها ~~وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو ms309 أفقه ~~منه. # وأما المعقول فمن وجهين: الأول أن العلماء بالعربية وأهل الاجتهاد، قد ~~يختلفون في معنى اللفظ الوارد مع اتحاده، حتى إن كل واحد منهم قد يتنبه منه ~~على ما لا يتنبه عليه الآخر. وعند ذلك، فالراوي وإن كان عالما بالعربية ~~واختلاف دلالات الألفاظ فقد يحمل اللفظ على معنى فهمه من الحديث مع الغفلة ~~عن غير ذلك. فإذا أتى بلفظ يؤدي المعنى الذي فهمه من اللفظ النبوي دون غيره ~~مع احتمال أن يكون ما أخل به هو المقصود، أو بعض المقصود، فلا يكون وافيا ~~بالغرض من اللفظ، وربما اختل المقصود من اللفظ بالكلية بتقدير تعدد النقلة ~~بأن ينقل كل واحد ما سمعه من الراوي الذي قبله بألفاظ غير ألفاظه على حسب ~~ما يعقله من لفظه، مع التفاوت اليسير في المعنى، حتى ينتهي المعنى الأخير ~~إلى مخالفة المعنى المقصود باللفظ النبوي بالكلية، وهو ممتع. PageV02P104 # الثاني: أن خبر النبي، صلى الله عليه وسلم، قول تعبدنا باتباعه، فلا يجوز ~~تبديله بغيره، كالقرآن وكلمات الاذان والتشهد والتكبير. # والجواب عن النص من وجهين: # الأول: القول بموجبه، وذلك لان من نقل معنى اللفظ من غير زيادة ولا نقصان ~~يصح أن يقال أدى ما سمع كما سمع ولهذا، يقال لمن ترجم لغة إلى لغة، ولم ~~يغير المعنى، أدى ما سمع كما سمع. ويدل على أن المراد من الخبر إنما هو نقل ~~المعنى دون اللفظ ما ذكره من التعليل، وهو اختلاف الناس في الفقه، إذ هو ~~المؤثر في اختلاف المعنى. # وأما الألفاظ التي لا يختلف اجتهاد الناس في قيام بعضها مقام بعض، فذلك ~~مما يستوي فيه الفقيه والأفقه ومن ليس بفقيه، ولا يكون مؤثرا في تغيير ~~المعنى. # الثاني: أن هذا الخبر بعينه يدل على جواز نقل الخبر بالمعنى دون اللفظ، ~~وذلك لان الظاهر أن الخبر المروي حديث واحد، والأصل عدم تكرره من النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ومع ذلك فقد روي بألفاظ مختلفة، فإنه قد روي نضر الله ~~أمرا، ورحم الله امرأ، ورب حامل فقه غير فقيه وروي ms310 لا فقه له. # وعن المعنى الأول من المعقول أن الكلام إنما هو مفروض في نقل المعنى من ~~غير زيادة ولا نقصان، حتى إنه لو ظهرت فيه الزيادة والنقصان لم يكن جائزا. # وعن الثاني بالفرق بين ما نحن فيه وما ذكروه من الأصول المقيس عليها. # أما القرآن فلان المقصود من ألفاظه الاعجاز، فتغييره مما يخرجه عن ~~الاعجاز، فلا يجوز. ولا كذلك الخبر، فإن المقصود منه المعنى دون اللفظ. ~~ولهذا، فإنه لا يجوز التقديم والتأخير في القرآن، وإن لم يختلف المعنى، كما ~~لو قال بدل اسجدي اركعي، واركعي واسجدي. ولا كذلك في الخبر. # وأما كلمات الاذان والتشهد والتكبير، فالمقصود منها إنما هو التعبد بها. ~~وذلك لا يحصل بمعناها، والمقصود من الخبر هو المعنى دون اللفظ. كيف وإنه ~~ليس قياس الخبر على ما ذكروه أولى من قياسه على الشهادة حيث تجوز الشهادة ~~على شهادة الغير مع اتحاد المعنى، وإن كان اللفظ مختلفا. PageV02P105 # المسألة الثانية إذا أنكر الشيخ رواية الفرع عنه، فلا يخلو إما أن يكون ~~إنكاره لذلك إنكار جحود وتكذيب للفرع، أو إنكار نسيان وتوقف فإن كان الأول، ~~فلا خلاف في امتناع العمل بالخبر، لان كل واحد منهما مكذب للآخر فيما ~~يدعيه، ولا بد من كذب أحدهما، وهو موجب للقدح في الحديث. # غير أن ذلك لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين، لان كل واحد منهما عدل، ~~وقد وقع الشك في كذبه. والأصل العدالة، فلا تترك بالشك. وتظهر فائدة ذلك في ~~قبول رواية كل واحد منهما في غير ذلك الخبر. # وأما إن كان الثاني، فقد اختلفوا في قبول ذلك الخبر والعمل به: # فذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه وأكثر المتكلمين ~~إلى جواز العمل به، خلافا للكرخي وجماعة من أصحاب أبي حنيفة ولأحمد بن حنبل ~~في الرواية الأخرى عنه. ودليله الاجماع، والمعقول. # أما الاجماع، فما روي أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي ~~صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه ms311 قضى باليمين ~~مع الشاهد، ثم نسيه سهيل، فان يقول. حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي ~~هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ويرويه هكذا. ولم ينكر عليه أحد من ~~التابعين ذلك. فكان إجماعا منهم على جوازه. PageV02P106 # وأما المعقول فمن وجهين: # الأول أن الفرع عدل، وهو جازم بروايته عن الأصل، والأصل غير مكذب له، ~~وهما عدلان، فوجب قبول الرواية والعمل بها. # الثاني أن نسيان الأصل للرواية لا تزيد على موته وجنونه، ولو مات أو جن، ~~كانت رواية الفرع عنه مقبولة، ويجب العمل بها إجماعا، فكذلك، إذا نسي. # فإن قيل: أما الاستدلال بقضية ربيعة، فلا حجة فيه، لاحتمال أن سهيلا ذكر ~~الرواية برواية ربيعة عنه، ومع الذكر فالرواية تكون مقبولة. ثم هو معارض ~~بما روي أن عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه أما تذكر يا ~~أمير المؤمنين، لما كنا في الإبل، فأجنبت فتمعكت في التراب، ثم سألت النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما يكفيك أن تضرب بيديك فلم يقبل عمر من عمار ~~ما رواه، مع كونه عدلا عنده، لما كان ناسيا له. # وأما ما ذكرتموه من المعقول، فالأصل وإن لم يكن مكذبا للفرع، غير أن ~~نسيانه لما نسب إليه يجب أن يكون مانعا من العمل به، كما لو ادعى مدع أن ~~الحاكم حكم له بشئ فقال الحاكم: لا أذكر ذلك، فأقام المدعي شاهدين شهدا ~~بذلك، فإنه لا يقبل. وكذلك إذا أنكر شاهد الأصل شهادة الفرع عليه على سبيل ~~النسيان، فإن الشهادة لا تقبل. # والجواب عن قولهم إن سهيلا ذكر الرواية. قلنا: لو كان كذلك، لانطوى ذكر ~~ربيعة، وكان يروي عن شيخه، كما لو نسي، ثم تذكر بنفسه، وأما رد عمر لرواية ~~عمار عند نسيانه، فليس نظيرا لما نحن فيه. فإن عمارا لم يكن راويا عن عمر، ~~بل عن النبي، صلى الله عليه وسلم. وحيث لم يعمل عمر بروايته، فلعله كان ~~شاكا في روايته، أو كأن ذلك كان مذهبا له، فلا يكون حجة على غيره من ~~المجتهدين ms312 على ما سيأتي تقريره. PageV02P107 # وأما الحاكم إذا نسي ما حكم به، وشهد شاهدان بحكمه، فقد قال مالك وأبو ~~يوسف: يلزمه الحكم بشهادتهما. وعندنا، وإن لم يجب عليه ذلك، فهو واجب على ~~غيره من القضاة. # وأما القياس على الشهادة، فلا يصح، لان باب الشهادة أضيق من باب الرواية، ~~وقد اعتبر فيها من الشروط والقيود ما لم يعتبر في الرواية، وذلك كاعتبار ~~العدد والحرية والذكورة، ولا يقبل فيها العنعنة، ولا تصح الشهادة على ~~الشهادة من وراء حجاب. ولو قال أعلم بدل قوله أشهد لا يصح، ولا كذلك في ~~الرواية، فامتنع القياس. # المسألة الثالثة إذا روى جماعة من الثقات حديثا، وانفرد واحد منهم بزيادة ~~في الحديث لا تخالف المزيد عليه، كما لو روى جماعة أن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، دخل البيت، وانفرد واحد منهم بزيادة، فقال: دخل البيت وصلى، فلا يخلو ~~إما أن يكون مجلس الرواية مختلفا بأن يكون المنفرد بالزيادة روايته عن مجلس ~~غير مجلس الباقين، أو أن مجلس الرواية متحد، ويجهل الأمران. # فإن كان المجلس مختلفا، فلا نعرف خلافا في قبول الزيادة، لاحتمال أن يكون ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، قد فعل الزيادة في أحد المجلسين دون الآخر، ~~والراوي عدل ثقة، ولم يوجد ما يقدح في روايته، فكانت روايته مقبولة. ولهذا، ~~فإنه لو روى حديثا لم ينقله غيره مع عدم حضوره لم يقدح ذلك في روايته، ~~وكذلك لو شهد اثنان على شخص بألفي درهم لزيد في مجلس، وشهدت بينة أخرى عليه ~~في مجلس آخر بألف، لا يكون ذلك قادحا في الألف الزائدة، مع أن باب الشهادة ~~أضيق من باب الرواية، كما قررنا. # وأما إن اتحد المجلس، فإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا ~~يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها، فلا يخفى أن تطرق ~~الغلط والسهو إلى الواحد فيما نقله من الزيادة، يكون أولى من تطرق ذلك إلى ~~العدد المفروض، PageV02P108 # فيجب ردها، وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد، فقد اتفق جماعة الفقهاء ~~والمتكلمين ms313 على وجوب قبول الزيادة، خلافا لجماعة من المحدثين ولأحمد بن ~~حنبل في إحدى الروايتين عنه. # ودليل ذلك أن الراوي عدل ثقة، وقد جزم بالرواية، وعدم نقل الغير لها ~~فلاحتمال أن يكون من لم ينقل الزيادة قد دخل في أثناء المجلس وسمع بعض ~~الحديث أو خرج في أثناء المجلس لطارئ أوجب له الخروج قبل سماع الزيادة. ~~وبتقدير أن يكون حاضرا من أول المجلس إلى آخره، فلاحتمال أن يكون قد طرأ ما ~~شغله عن سماع الزيادة وفهمها من سهو أو ألم أو جوع أو عطش مفرط أو فكرة في ~~أمر مهم، أو اشتغال بحديث مع غيره والتفات إليه، أو أنه نسيها بعد ما ~~سمعها. ومع تطرق هذه الاحتمالات، وجزم العدل بالرواية، لا يكون عدم نقل ~~غيره للزيادة قادحا في روايته. # فإن قيل: هذه الاحتمالات وإن كانت منقدحة في حق من لم يرو الزيادة، ~~فاحتمال الغلط والسهو على الناقل للزيادة أيضا منقدح. وذلك، بأن يتوهم أنه ~~سمع تلك الزيادة، ولم يكن قد سمعها، أو أنه سمعها من غير الرسول، وتوهم ~~سماعها من الرسول، أو أنه ذكرها على سبيل التفسير والتأويل، فظن السامع ~~أنها زيادة في الحديث المروي، وذلك، كما روى ابن عباس عن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. قال ابن عباس: ولا أحسب ~~غير الطعام إلا كالطعام فأدرجه بعض الرواة في الحديث. وكذلك ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ~~استؤنفت الفريضة فظن الراوي أن الاستئناف إعادة للفرض الأول في المائة ~~الأولى، فقال: في كل خمس شاة. وأدرج ذلك في كلام النبي، صلى الله عليه ~~وسلم. ومع تعارض الاحتمالات، فليس العمل بالزيادة أولى من تركها، بل ~~الترجيح بجانب الترك لوجهين: PageV02P109 # الأول: أن احتمال تطرق الغلط والسهو على الواحد أكثر من احتمال تطرقه إلى ~~الجماعة. # الثاني أن الترك على وفق النفي الأصلي، والاثبات على خلافه، فكان أولى، ~~ولهذا، فإنه لو اجتمع المقومون على قيمة متلف، وخالفهم واحد ms314 بزيادة في ~~تقويمه في القيمة، فإن الزيادة تلغى بالاجماع. # والجواب عما عارضوا به من السهو في حق راوي الزيادة، أنه وإن كان منقدحا، ~~غير أن ما ذكرناه من الاحتمالات في حق من لم يرو الزيادة أكثر، ولأن سهو ~~الانسان عما سمعه يكون أكثر من سهوه فيما لم يسمعه أنه سمعه. # وما ذكروه من الزيادة بناء على احتمال التفسير والتأويل، وإن كان قائما، ~~غير أنه في غاية البعد، إذ الظاهر من حال العدل الثقة أنه لا يدرج في كلام ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، ما ليس فيه، لما فيه من التدليس والتلبيس. ولو ~~جوز مثل ذلك فما من حديث إلا ويمكن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال. ويلزم من ~~ذلك إبطال جميع الأحاديث. # وما ذكروه من الترجيح الأول فغير مطرد فيما إذا كان عدد الناقل للزيادة ~~مساويا لعدد الآخرين، وهو من جملة صور النزاع وبتقدير أن يكون أكثر، فقد ~~بينا أن الترجيح بجانب الواحد. # وما ذكروه من الترجيح الثاني فهو معارض بما إذا كانت الزيادة مقتضية لنفي ~~حكم، لولاها لثبت. وأما التقويم فحاصله يرجع إلى ظن وتخمين، بطريق ~~الاجتهاد. ولا يخفى أن تطرق الخطأ في ذلك إلى الواحد أكثر من تطرقه إلى ~~الجمع، بخلاف الرواية، فإنها لا تكون إلا بنقل ما هو محسوس بالسمع، وتطرق ~~الخطأ إليه بعيد. # وأما إن جهل الحال في أن الرواية عن مجلس واحد أو مجالس مختلفة، فالحكم ~~على ما سبق فيما إذا اتحد المجلس، وقبول الزيادة فيه أولى، نظرا إلى احتمال ~~اختلاف مجلس الرواية. # هذا كله فيما إذا لم تكن الزيادة مخالفة للمزيد عليه PageV02P110 # وأما إن كانت مخالفة له، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فالظاهر التعارض ~~خلافا لبعض المعتزلة. وعلى هذا، لو روى الواحد الزيادة مرة، وأهملها مرة، ~~في حديث واحد، فالتفصيل والحكم على ما تقدم فيما إذا تعددت الرواة. فعليك ~~بالاعتبار. # وكذلك الخلاف فيما إذا أسند الخبر واحد، وأرسله الباقون، أو رفعه إلى ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، وأوقفه الباقون على بعض الصحابة. # المسألة الرابعة إذا ms315 سمع الراوي خبرا وأراد نقل بعضه وحذف بعضه، فلا يخلو ~~إما أن يكون الخبر متضمنا لاحكام لا يتعلق بعضها ببعض، أو يتعلق بعضها ~~ببعض. # فإن كان الأول كقوله المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد ~~عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم فلا نعرف خلافا في جواز نقل البعض وترك ~~البعض. فإن ذلك بمنزلة أخبار متعددة، ومن سمع أخبارا متعددة، فله رواية ~~البعض دون البعض، وإن كان الأولى إنما هو نقل الخبر بتمامه، لقوله، صلى ~~الله عليه وسلم: نضر الله امرأ سمع مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها. # وإن كان الثاني، وذلك بأن يكون الخبر مشتملا على ذكر غاية. كنهيه صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الطعام، حتى تحوزه التجار إلى رحالهم وكنهيه عن بيع ~~الثمار حتى تزهى، أو شرط كقوله من قاء أو رعف أو أمذى، فليتوضأ وضوءه ~~للصلاة، أو استثناء: كقوله: لا تبيعوا البر بالبر إلى قوله إلا سواء بسواء ~~مثلا بمثل فإذا ذكر بعض الخبر. وقطعه عن الغاية أو الشرط أو الاستثناء فهو ~~غير جائز لما فيه من تغيير الحكم وتبديل الشرع. PageV02P111 # المسألة الخامسة خبر الواحد إذا ورد موجبا للعمل فيما تعم به البلوى كخبر ~~ابن مسعود في نقض الوضوء بمس الذكر، وخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند ~~القيام من نوم الليل، وخبره في رفع اليدين في الركوع، والاكل في الصوم ~~ناسيا ونحوه، مقبول عند الأكثرين، خلافا للكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة. # دليل ذلك النص، والاجماع، والمعقول، والالزام: # وأما النص، فقوله تعالى: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) ~~أوجب الانذار على كل طائفة خرجت للتفقه في الدين، وإن كانت آحادا، وهو مطلق ~~فيما تعم به البلوى، وما لا تعم. ولولا أنه واجب القبول لما كان لوجوبه ~~فائدة، وتقريره كما سبق، وأما الاجماع فهو أن الصحابة اتفقت على العمل بخبر ~~الواحد فيما تعم به البلوى. # فمن ذلك ما روي عن ابن عمر أنه قال كنا نخابر ms316 أربعين سنة لا نرى بذلك ~~بأسا، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى عن ذلك، ~~فانتهينا ومن ذلك رجوع الصحابة بعد اختلافهم في وجوب الغسل بالتقاء ~~الختانين من غير إنزال، إلى خبر عائشة وهو قولها إذا التقى الختانان، وجب ~~الغسل، أنزل أو لم ينزل، فعلته أنا ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~واغتسلنا ومن ذلك رجوع أبي بكر وعمر في سدس الجدة لما قال لها لا أجد لك في ~~كتاب الله شيئا خبر المغيرة، وهو قوله إن النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~أطعمها السدس، وصار ذلك إجماعا. # وأما المعقول، فمن وجهين: PageV02P112 # الأول أن الراوي عدل ثقة، وهو جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه، وذلك ~~يغلب على الظن صدقه، فوجب تصديقه كخبره فيما لا تعم به البلوى. # الثاني أنه يغلب على الظن، فكان واجب الاتباع، كالقياس، والمسألة ظنية، ~~فكان الظن فيها حجة. # وأما الالزام فهو أن الوتر وحكم الفصد والحجامة والقهقهة في الصلاة ووجوب ~~الغسل من غسل الميت وإفراد الإقامة وتثنيتها فمن قبيل ما تعم به البلوى، ~~ومع ذلك فقد أثبتها الخصوم بأخبار الآحاد فإن قيل لا نسلم إجماع الصحابة ~~على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، فإن أبا بكر رد خبر المغيرة في ~~الجدة وما ذكرتموه من المعقول فمبني على أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى ~~مظنون، وليس كذلك. وبيانه من وجهين. # الأول: أن ما تعم به البلوى، كخروج الخارج من السبيلين، ومس الذكر، مما ~~يتكرر في كل وقت. فلو كانت الطهارة مما تنتقض به، لوجب على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، إشاعته وأن لا يقتصر على مخاطبة الآحاد به، بل يلقيه على عدد ~~التواتر مبالغة في إشاعته، حتى لا يفضي ذلك إلى إبطال صلاة أكثر الخلق، وهم ~~لا يشعرون، فحيث لم ينقله سوى الواحد دل على كذبه. # الثاني: أن ذلك مما يكثر السؤال عنه، والجواب والدواعي متوفرة على نقله. # فحيث انفرد به الواحد دل على كذبه، كانفراد الواحد بنقل قتل أمير ms317 البلد ~~في السوق بمشهد من الخلق وطروء حادثة منعت الناس من صلاة الجمعة، وإن ~~الخطيب سب الله ورسوله على رأس المنبر، إلى غير ذلك من الوقائع. ولهذا، ~~فإنه لما كان القرآن مما تعم به البلوى بمعرفته امتنع إثباته بخبر الواحد. # وأما ما ذكرتموه من الالزامات فغير مساوية في عموم البلوى لمس الذكر، فلا ~~تكون في معناه. # والجواب: عن رد أبي بكر بخبر المغيرة في الجدة أنه لم يكن مطلقا. ولهذا ~~عمل به لما تابعه على ذلك محمد بن مسلمة، وخبرهما غير خارج عن الآحاد. ~~PageV02P113 # وما ذكروه في الوجه الأول من التكذيب فإنما يصح أن لو كان النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، مكلفا بالإشاعة على لسان أهل التواتر، وهو غير مسلم. # قولهم إنه يلزم من عدم ذلك إبطال صلاة أكثر الخلق، لا نسلم فإن من لم ~~يبلغه ذلك، فالنقض غير ثابت في حقه. ولا تكليف بمعرفة ما يقم عليه دليل. # وما ذكروه في الوجه الثاني فإنما يلزم توفر الدواعي على نقله إن لو كان ~~لا طريق إلى إثباته سوى النقل المتواتر. وأما إذا كان طريق معرفة ذلك إنما ~~هو الظن، فخبر الواحد كاف فيه. ولهذا، جاز إثباته بالقياس إجماعا، وما ~~استشهدوا به من الوقائع فغير مناظرة لما نحن فيه، إذ الطباع مما تتوفر على ~~نقلها وإشاعتها عادة، فانفراد الواحد يدل على كذبه. # ثم ما ذكروه من الوجهين منتقض عليهم، حيث عملوا بأخبار الآحاد فيما ~~ذكرناه من صور الالزام، ومس الذكر وإن كان أعم في الوقوع من تلك الصور، ~~فذلك لا يخرج تلك الصورة عن كونها واقعة في عموم البلوى. # وأما القرآن فإنما امتنع إثباته بخبر الواحد، لا لأنه مما تعم به البلوى، ~~بل لأنه المعجز في إثبات نبوة النبي، صلى الله عليه وسلم، وطريق معرفته ~~متوقف على القطع. ولذلك وجب على النبي إشاعته وإلقاؤه على عدد التواتر. ولا ~~كذلك ما نحن فيه. فإن الظن كاف فيه. ولذلك، يجوز إثباته بالقياس، وما عدا ~~القرآن مما أشيع إشاعة اشترك فيها الخاص والعام، كالعبادات ms318 الخمس، وأصول ~~المعاملات كالبيع والنكاح والطلاق والعتاق، وغير ذلك من الاحكام مما كان ~~يجوز أن لا يشيع، فذلك إما بحكم الاتفاق، وإما لأنه، صلى الله عليه وسلم، ~~كان متعبدا بإشاعته. والله أعلم. PageV02P114 # المسألة السادسة إذا روى الصحابي خبرا، فلا يخلو إما أن يكون مجملا، أو ~~ظاهرا، أو نصا قاطعا في متنه. # فإن كان مجملا مشتركا بين محامل على السوية، كلفظ القروء ونحوه، فإن حمله ~~الراوي على بعض محامله، فإن قلنا إن اللفظ المشترك ظاهر العموم في جميع ~~محامله، كما سيأتي تقريره، فهو القسم الثاني، وسيأتي الكلام فيه. وإن قلنا ~~بامتناع حمله على جميع محامله، فلا نعرف خلافا في وجوب حمل الخبر على ما ~~حمله الراوي عليه، لان الظاهر من حال النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه لا ~~ينطق باللفظ المجمل، لقصد التشريع وتعريف الاحكام، ويخليه عن قرينة حالية ~~أو مقالية تعين المقصود من الكلام. والصحابي الراوي المشاهد للحال أعرف ~~بذلك من غيره، فوجب الحمل عليه. ولا يبعد أن يقال بأن تعيينه لا يكون حجة ~~على غيره من المجتهدين، حتى ينظر، فإن انقدح له وجه يوجب تعيين غير ذلك ~~الاحتمال، وجب عليه اتباعه، وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح، فيجب اتباعه. # وأما إن كان اللفظ ظاهرا في معنى، وحمله الراوي على غيره، فمذهب الشافعي ~~وأبي الحسين الكرخي وأكثر الفقهاء أنه يجب الحمل على ظاهر الخبر دون، تأويل ~~الراوي: # ولهذا، قال الشافعي كيف أترك الخبر لأقوال أقوام، لو عاصرتهم لحاججتهم ~~بالحديث؟ # وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة وغيرهم إلى وجوب العمل بمذهب الراوي. # وقال القاضي عبد الجبار إن لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه، سوى علمه ~~بقصد النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك التأويل، وجب المصير إليه. وإن لم ~~يعلم ذلك بل جوز أن يكون قد صار إليه لدليل ظهر له، من نص أو قياس وجب ~~النظر إلى ذلك الدليل، فإن كان مقتضيا لما ذهب إليه، وجب المصير إليه، وإلا ~~فلا. وهذا اختيار أبي الحسين البصري. # والمختار أنه إن علم مأخذه في المخالفة، وكان ms319 ذلك مما يوجب حمل الخبر على ~~ما ذهب إليه الراوي، وجب اتباع ذلك الدليل، لا لان الراوي عمل به، فإنه ليس ~~عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر. PageV02P115 # وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر اللفظ، وذلك لان الراوي عدل، وقد جزم ~~بالرواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو الأصل في وجوب العمل بالخبر، ~~ومخالفة الراوي له، فيحتمل أنه كان لنسيان طرأ عليه، ويحتمل أنه كان لدليل ~~اجتهد فيه، وهو مخطئ فيه، أو هو مما يقول به دون غيره من المجتهدين، كما ~~عرف من مخالفة مالك، لخبر خيار المجلس، بما رآه من إجماع أهل المدينة على ~~خلافه. ويحتمل أنه علم ذلك علما لا مراء فيه، من قصد النبي له. # وإذا تردد بين هذه الاحتمالات، فالظاهر لا يترك بالشك والاحتمال. وعلى كل ~~تقدير فبمخالفته للخبر، لا يكون فاسقا، حتى يمتنع العمل بروايته. وبهذا، ~~يندفع قول الخصم إنه إن أحسن الظن بالراوي وجب حمل الخبر على ما حمله عليه، ~~وإن أسيئ به الظن امتنع العمل بروايته. # وأما إن كان الخبر نصا في دلالته، غير محتمل للتأويل والمخالفة، فلا وجه ~~لمخالفة الراوي له، سوى احتمال اطلاعه على ناسخ، ولعله يكون ناسخا في نظره، ~~ولا يكون ناسخا عند غيره من المجتهدين. وما ظهر في نظره لا يكون حجة على ~~غيره. # وإذا كان ذلك محتملا، فلا يترك النص الذي لا احتمال فيه، لأمر يحتمل. # المسألة السابعة خبر الواحد العدل، إذا ثبت أن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، عمل بخلافه، فلا يرد له الخبر،، إن لم يكن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، داخلا تحت عمومه، أو كان داخلا تحت عمومه، لكنه قام الدليل على أن ما ~~فعله من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد وإن لم يكن من خواصه فيجب العمل ~~بالراجح من الفعل أو الخبر، إن تعذر تخصيص أحدهما بالآخر. وإن عمل بخلافه ~~أكثر الأمة، فهم بعض الأمة، فلا يرد الخبر بذلك إجماعا، وإن خالف باقي ~~الحفاظ للراوي فيما نقله. فالمختار الوقف في ذلك نظرا إلى ms320 أن تطرق السهو ~~والخطأ إلى الجماعة، وإن كان أبعد من تطرقه إلى الواحد، غير أن تطرق السهو ~~إلى ما لم يسمع أنه سمع أبعد من تطرق السهو إلى ما سمع أنه لم يسمع. ~~PageV02P116 # المسألة الثامنة اتفقت الشافعية والحنابلة وأبو يوسف وأبو بكر الرازي من ~~أصحاب أبي حنيفة، وأكثر الناس على قبول خبر الواحد فيما يوجب الحد، وفي كل ~~ما يسقط بالشبهة، خلافا لأبي عبد الله البصري والكرخي. ودليل ذلك أنه يغلب ~~على الظن، فوجب قبوله لقوله، صلى الله عليه وسلم: نحن نحكم بالظاهر، والله ~~يتولى السرائر ولأنه حكم يجوز إثباته بالظن، بدليل ثبوته بالشهادة، وبظاهر ~~الكتاب، فجاز إثباته بخبر الواحد كسائر الاحكام الظنية، والمسألة ظنية، ~~فكان الظن كافيا فيها. وسقوطه بالشبهة لو كان، لكان مانعا من الأعمال، ~~والأصل عدم ذلك، وعلى من يدعيه بيانه. # فإن قيل: خبر الواحد مما يدخله احتمال الكذب، فكان ذلك شبهة في درء الحد، ~~لقوله، صلى الله عليه وسلم ادرؤوا الحدود بالشبهات فهو باطل بإثباته ~~بالشهادة، فإنها محتملة للكذب، ومع ذلك يثبت بها. PageV02P117 # المسألة التاسعة خبر الواحد، إذا خالف القياس، فإما أن يتعارضا من كل وجه ~~بأن يكون أحدهما مثبتا لما نفاه الآخر، أو من وجه دون وجه، بأن يكون أحدهما ~~مخصصا للآخر. # فإن كان الأول، فقد قال الشافعي، رضي الله عنه، وأحمد بن حنبل، والكرخي، ~~وكثير من الفقهاء أن الخبر مقدم على القياس. # وقال أصحاب مالك: يقدم القياس. وقال عيسى بن أبان: إن كان الراوي ضابطا ~~عالما غير متساهل فيما يرويه، قدم خبره على القياس، وإلا فهو موضع اجتهاد. # وفضل أبو الحسين البصري، فقال: علة القياس الجامعة أن تكون منصوصة أو ~~مستنبطة: فإن كانت منصوصة، فالنص عليها إما أن يكون مقطوعا به، أو غير ~~مقطوع: فإن كان مقطوعا به، وتعذر الجمع بينهما، وجب العمل بالعلة، لان النص ~~على العلة كالنص على حكمها، وهو مقطوع به،، وخبر الواحد مظنون، فكانت ~~مقدمة. # وإن لم يكن النص على العلة مقطوعا به، ولا حكمها في الأصل مقطوعا به، ~~فيجب ms321 الرجوع إلى خبر الواحد لاستواء النصين في الظن، واختصاص خبر الواحد ~~بالدلالة على الحكم بصريحه من غير واسطة، بخلاف النص الدال على العلة فإنه ~~إنما يدل على الحكم بواسطة العلة، وإن كان حكمها ثابتا قطعا فذلك موضع ~~الاجتهاد. # وإن كانت العلة مستنبطة فحكم الأصل إما أن يكون ثابتا بخبر واحد أو بدليل ~~مقطوع به: فإن كان ثابتا بخبر واحد فالأخذ بالخبر أولى، وإن كان ثابتا ~~قطعا، قال فينبغي أن يكون هذا موضع الاختلاف بين الناس. ومختاره أنه مجتهد ~~فيه وقال القاضي أبو بكر بالوقف. # والمختار في ذلك أن يقال: إما أن يكون متن خبر الواحد قطعيا، أو ظنيا: # فإن كان متنه قطعيا، فعلة القياس إما أن تكون منصوصة، أو مستنبطة فإن ~~كانت منصوصة وقلنا إن التنصيص على علة القياس لا يخرجه عن القياس - فالنص ~~PageV02P118 # الدال عليها إما أن يكون مساويا في الدلالة لخبر الواحد، أو راجحا عليه، ~~أو مرجوحا: # فإن كان مساويا فخبر الواحد أولى لدلالته على الحكم من غير واسطة، ودلالة ~~نص العلة على حكمها بواسطة. # وإن كان مرجوحا، فخبر الواحد أولى مع دلالته على الحكم من غير واسطة وإن ~~كان راجحا على خبر الواحد، فوجود العلة في الفزع إما أن يكون مقطوعا به أو ~~مظنونا: فإن كان مقطوعا، فالمصير إلى القياس أولى، وإن كان وجودها فيه ~~مظنونا، فالظاهر الوقف، لان نص العلة، وإن كان في دلالته على العلة راجحا، ~~غير أنه إنما يدل على الحكم بواسطة العلة، وخبر الواحد لا بواسطة، فاعتدلا. # وأما إن كانت العلة مستنبطة، فالخبر مقدم على القياس مطلقا. # ودليله النص، والاجماع، والمعقول. # أما النص فما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال لمعاذ، حيث بعثه ~~إلى اليمن قاضيا بم تحكم؟ - قال: بكتاب الله - قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة ~~رسول الله - قال: فإن لم تجد؟ # قال أجتهد رأيي، ولا آلو، أخر العمل بالقياس عن السنة من غير تفصيل بين ~~المتواتر والآحاد. والنبي صلى الله عليه وسلم، أقره على ذلك، وقال: الحمد ~~لله ms322 الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه الله ورسوله. # وإما الاجماع، فهو أن عمر، رضي الله عنه ترك القياس في الجنين لخبر حمل ~~بن مالك، وقال: لولا هذا، لقضينا فيه برأينا وأيضا ما روي عنه أنه ترك ~~القياس، في تفريق دية الأصابع على قدر منافعها، بخبر الواحد الذي روى فكل ~~إصبع عشر من الإبل، وترك اجتهاده. # وأيضا، فإنه ترك اجتهاده في منع ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الواحد، ~~وقال: # أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وكان ذلك مشهورا ~~فيما بين الصحابة، ولم ينكر عليه منكر، فصار إجماعا. PageV02P119 # وأما المعقول، فهو أن خبر الواحد راجح على القياس، وأغلب على الظن، فكان ~~مقدما عليه. وبيان ذلك أن الاجتهاد في الخبر واحتمال الخطأ فيه أقل من ~~القياس، لان خبر الواحد لا يخرج الاجتهاد فيه عن عدالة الراوي، وعن دلالته ~~على الحكم، وعن كونه حجة معمولا بها، فهذه ثلاثة أمور. # وأما القياس فإنه إن كان حكم أصله ثابتا بخبر الواحد، فهو مفتقر إلى ~~الاجتهاد في الأمور الثلاثة. وبتقدير أن يكون ثابتا بدليل مقطوع به، فيفتقر ~~إلى الاجتهاد في كون الحكم في الأصل مما يمكن تعليله أو لا. وبتقدير إمكان ~~تعليله، فيفتقر إلى الاجتهاد في إظهار وصف صالح للتعليل. وبتقدير ظهور وصف ~~صالح يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض له في الأصل. وبتقدير سلامته عن ~~ذلك، يفتقر إلى الاجتهاد في وجوده في الفرع. وبتقدير وجوده فيه، يفتقر إلى ~~الاجتهاد في نفي المعارض في الفرع من وجود مانع أو فوات شرط. وبتقدير ~~انتفاء ذلك، يحتاج إلى النظر في كونه حجة. # فهذه سبعة أمور لا بد من النظر فيها. وما يفتقر في دلالته إلى بيان ثلاثة ~~أمور لا غير، فاحتمال الخطأ فيه يكون أقل احتمالا من احتمال الخطأ فيما ~~يفتقر في بيانه إلى سبعة أمور. فكان خبر الواحد أولى. # وربما قيل في ترجيح خبر الواحد هاهنا وجوه أخر واهية آثرنا الاعراض عن ~~ذكرها، لظهور فسادها بأول نظر. # فإن قيل: أما ما ذكرتموه من خبر ms323 معاذ، فقد خالفتموه فيما إذا كانت العلة ~~الجامعة في القياس مقطوعا بعليتها وبوجودها في الفرع، كما تقدم. # وما ذكرتموه من الاجماع على تقديم خبر الواحد على القياس، فغير مسلم. فإن ~~ابن عباس قد خالف في ذلك حيث إنه لم يقبل خبر أبي هريرة فيما رواه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قوله: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في ~~الاناء حتى يغسلها ثلاثا لكونه مخالفا للقياس. # وأيضا فإنه رد خبر أبي هريرة في التوضي مما مست النار بالقياس وقال: ~~ألسنا نتوضأ بماء الحميم، فكيف نتوضأ بما عنه نتوضأ؟. PageV02P120 # وأما ما ذكرتموه من الترجيح، فهو معارض لما يتطرق إلى الخبر من احتمال ~~كذب الراوي، وأن يكون في نفسه كافرا أو فاسقا أو مخطئا. واحتمال الاجمال في ~~دلالة الخبر والتجوز والاضمار والنسخ، وكل ذلك غير متطرق إلى القياس. # وأيضا، فإن القياس يجوز به تخصيص عموم الكتاب، وهو أقوى من خبر الواحد، ~~فكان ترك خبر الواحد بالقياس أولى، وأيضا، فإن الظن بالقياس يحصل للمجتهد ~~من جهة نفسه واجتهاده، والظن الحاصل من خبر الواحد يحصل له من جهة غيره. ~~وثقة الانسان بنفسه أتم من ثقته بغيره. # وأيضا، فإن خبر الواحد، بتقدير إكذاب المخبر لنفسه، يخرج الخبر عن كونه ~~شرعيا، ولا كذلك القياس. # والجواب: قولهم إنكم خالفتم خبر معاذ، قلنا: غايته أنا خصصناه في صورة ~~لمعنى لم يوجد فيما نحن فيه، فبقينا عاملين بعمومه فيما عدا تلك الصورة. # قولهم إن ابن عباس قد رد خبر أبي هريرة بالقياس فيما ذكروه، ليس كذلك. # أما رده لخبر غسل اليدين، فإنما يمكن الاحتجاج به، أن لو كان قد رده ~~لمخالفة القياس المقتضي لجواز غسل اليدين من ذلك الاناء، وليس كذلك. # أما أولا، فلانا لا نسلم وجود القياس المقتضي لذلك. وبتقدير تسليمه، فهو ~~إنما رده لا للقياس، بل لأنه لا يمكن الاخذ به. ولهذا قال ابن عباس: فماذا ~~تصنع بالمهراس. والمهراس كان حجرا عظيما يصب فيه الماء لأجل الوضوء. ~~فاستبعد الاخذ بالخبر لاستبعاده صب الماء من ms324 المهراس على اليد. وقد وافق ~~ابن عباس على ما تخيله من الاستبعاد عائشة حيث قالت: رحم الله أبا هريرة ~~لقد كان رجلا مهذارا، فماذا يصنع بالمهراس؟. # وأما تركه لخبر التوضي مما مست النار، فلم يكن بالقياس، بل بما روي عن ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه أكل كتف شاة مصلية، وصلى، ولم يتوضأ. ثم ~~ذكر القياس بعد معارضته بالخبر. PageV02P121 # وأما ما ذكروه من ترجيحات القياس على خبر الواحد فمندفعة. # أما تطرق احتمال الكذب والكفر والفسق والخطأ إلى الراوي، وإن كان منقدحا، ~~فمثله متطرق إلى دليل حكم الأصل، إذا كان ثابتا بخبر الواحد. وهو من جملة ~~صور النزاع. وبتقدير ثبوته بدليل مقطوع به، فلا يخفى أن تطرق ذلك إلى من ~~ظهرت عدالته وإسلامه أبعد من تطرق الخطأ إلى القياس في اجتهاده فيما ذكرناه ~~من احتمالات الخطأ في القياس، لكونه معاقبا على الكذب والكفر والفسق، بخلاف ~~الخطأ في الاجتهاد، فإنه غير معاقب عليه، بل مثاب. # وما ذكروه من تطرق التجوز والاشتراك والنسخ إلى خبر الواحد، فذلك مما لا ~~يوجب ترجيح القياس عليه، بدليل الظاهر من الكتاب والسنة المتواترة. فإن ~~جميع ذلك متطرق إليه، وهو مقدم على القياس. # قولهم إن القياس يجوز تخصيص عموم الكتاب به، قلنا: وكذلك خبر الواحد، فلا ~~ترجيح من هذه الجهة. كيف وإنه لا يلزم من تخصيص الكتاب بالقياس، مع أنه غير ~~معطل للكتاب، أن يكون معطلا لخبر الواحد بالكلية، إذ الكلام مفروض فيما إذا ~~تعارضا وتعذر الجمع بينهما وقولهم إن الظن من القياس يحصل له من جهة نفسه، ~~بخلاف خبر الواحد، قلنا: # إلا أن تطرق الخطأ إليه أقرب من تطرقه إلى خبر الواحد لما سبق تقريره. # وقولهم إن الخبر يخرج عن كونه شرعيا بإكذاب المخبر لنفسه بخلاف القياس. # قلنا: وبتقدير الخطأ في القياس يخرج عن كونه قياسيا شرعيا، فاستويا. كيف ~~وإن الترجيح للخبر من جهات أخرى غير ما ذكرناها أولا، وهو أنه مستند إلى ~~كلام المعصوم، بخلاف القياس، فإنه مستند إلى اجتهاد المجتهد، وهو غير ~~معصوم. # وأيضا، فإن ms325 القياس مفتقر إلى جنس النص في إثبات حكم الأصل، وفي كونه حجة، ~~وخبر الواحد غير مفتقر إلى شرف القياس. وأيضا فان خبر الواحد يصير قطعيا ~~بما يعتضد بمن جنسه حتى يصير متواترا. # ولا كذلك القياس، فإنه لا ينتهي إلى القطع بما يعتضد به من جنس الأقيسة ~~أصلا، فكان أولى. PageV02P122 # هذا كله فيما إذا تعارضا، وتعذر الجمع بينهما. # وأما إن كان أحدهما أعم من الآخر، فإن كان الخبر هو الأعم، جاز أن يكون ~~القياس مخصصا له، على ما سيأتي في تخصيص العموم. وإن كان القياس أعم من خبر ~~الواحد، فإن قلنا: إن العلة لا تبطل بتقدير تخصيصها، وجب العمل بخبر الواحد ~~فيما دل عليه، وبالقياس فيما عدا ذلك جمعا بينهما. وإن قلنا بأن العلة تبطل ~~بتقدير تخصيصها، فالحكم فيها على ما عرف فيما إذا تعذر الجمع بين القياس ~~وخبر الواحد. # المسألة العاشرة. # اختلفوا في قبول الخبر المرسل، وصورته، ما إذا قال من لم يلق النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، وكان عدلا قال رسول الله فقبله أبو حنيفة، ومالك، وأحمد بن ~~حنبل في أشهر الروايتين عنه، وجماهير المعتزلة، كأبي هاشم. # وفصل عيسى بن أبان، فقبل مراسيل الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، ~~ومن هو من أئمة النقل مطلقا، دون من عدا هؤلاء. # وأما الشافعي، رضي الله عنه، فإنه قال: إن كان المرسل من مراسيل الصحابة ~~أو مرسلا قد أسنده غير مرسله أو أرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول، أو ~~عضده قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم، أو أن يكون المرسل قد عرف من حاله ~~أنه لا يرسل عمن فيه علة من جهالة أو غيرها، كمراسيل ابن المسيب، فهو ~~مقبول، وإلا فلا. ووافقه على ذلك أكثر أصحابه، والقاضي أبو بكر وجماعة من ~~الفقهاء. # والمختار قبول مراسيل العدل مطلقا. ودليله الاجماع، والمعقول. # أما الاجماع فهو أن الصحابة والتابعين أجمعوا على قبول المراسيل من ~~العدل: PageV02P123 # أما الصحابة فإنهم قبلوا أخبار عبد الله بن عباس، مع كثرة روايته. وقد ~~قيل إنه لم يسمع من رسول ms326 الله صلى الله عليه وسلم. سوى أربعة أحاديث، لصغر ~~سنه. ولما روى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، إنما الربا في النسيئة، وأن ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يزل يلبي حتى رمى حجر العقبة. قال في الخبر ~~الأول، لما روجع فيه: أخبرني به أسامة بن زيد. وقال في الخبر الثاني: ~~أخبرني به أخي الفضل بن عباس. # وأيضا ما روى ابن عمر، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من صلى ~~على جنازة، فله قيراط وأسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة. وأيضا ما روى أبو ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم ~~له وقال: ما أنا قلته، ورب الكعبة ولكن محمد قاله فلما روجع فيه، قال: ~~حدثني به الفضل بن عباس. # وأيضا ما روي عن البراء بن عازب أنه قال: ما كل ما نحدثكم به سمعناه من ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولكن سمعنا بعضه، وحدثنا أصحابنا ببعضه. # وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الاخبار. ويدل على ذلك ما روي عن ~~الأعمش أنه قال: قلت لإبراهيم النخعي إذا حدثتني فأسند. فقال: إذا قلت لك ~~حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك: حدثني عبد الله، فقد ~~حدثني جماعة عنه. # وأيضا ما روي عن الحسن أنه روى حديثا، فلما روجع فيه قال أخبرني به سبعون ~~بدريا، ويدل على ذلك ما اشتهر من إرسال ابن المسيب والشعبي وغيرهما. ولم ~~يزل ذلك مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير. فكان إجماعا. ~~PageV02P124 # وأما المعقول فهو أن العدل الثقة إذا قال: قال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، كذا، مظهرا للجزم بذلك، فالظاهر من حاله أنه لا يستجيز ذلك إلا وهو ~~عالم أو ظان أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ذلك. فإنه لو كان ظانا أن ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يقله، أو كان شاكا فيه، لما استجاز في دينه ~~النقل الجازم عنه، لما فيه من الكذب ms327 والتدليس على المستمعين. وذلك يستلزم ~~تعديل من روى عنه. وإلا لما كان عالما ولا ظانا بصدقه في خبره. # فإن قيل: لا نسلم الاجماع، ودليله من جهة الاجمال والتفصيل: # أما الاجمال فهو أن المسألة اجتهادية، والاجماع قاطع، فلا يساعد في مسائل ~~الاجتهاد. # وأما من جهة التفصيل فهو أن غاية ما ذكر مصير بعض الصحابة أو التابعين ~~إلى الارسال، وليس في ذلك ما يدل على إجماع الكل. # قولكم: لم ينكر ذلك منكر لا نسلم ذلك. ولهذا، باحثوا ابن عباس وابن عمر ~~وأبا هريرة في ذلك، حتى أسند كل واحد ما أخبر به. وقال ابن سيرين: لا نأخذ ~~بمراسيل الحسن وأبي العالية. وإن سلمنا عدم النكير فغايته أنهم سكتوا. ~~والسكوت لا يدل على الموافقة، لما سبق تقريره في مسائل الاجماع. سلمنا ~~الموافقة، غير أن الارسال المحتج بوقوعه، إنما وقع من الصحابة والتابعين. ~~ونحن نقول بذلك، لان الصحابي والتابعي إنما يروي عن الصحابي، والصحابة عدول ~~على ما سبق تحقيقه. PageV02P125 # وأما ما ذكرتموه من المعقول فلا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل ~~للمروي عنه، وذلك لأنه قد يروي الشخص عمن لو سئل عنه، لجرحه، أو توقف فيه، ~~فالراوي ساكت عن التعديل والجرح، والسكوت عن الجرح لا يكون تعديلا، وإلا ~~كان السكوت عن التعديل جرحا. ولهذا، فإن شاهد الفرع لو أرسل شهادة الأصل، ~~فإنه لا يكون تعديلا لشاهد الأصل لما ذكرناه. # قولكم: لو لم يكن ظانا لعدالة المروي عنه، أو عالما بها، لما جاز له أن ~~يجزم بالرواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قلنا: قد بينا إمكان الرواية ~~عن الكاذب والجزم بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع تجويز كذب ~~الراوي، وذلك قادح في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وإذا تعذر الجزم، فليس حمل قوله (قال) على معنى (أظن أنه قال) أولى من ~~حمله على (أني سمعت أنه قال) ولو حمل على (أني سمعت أنه قال) لم يكن ذلك ~~تعديلا، وعلى هذا فلا يكون بروايته مدلسا ولا ملبسا. # سلمنا أن ms328 الارسال تعديل للمروي عنه، ولكن لا نسلم أن مطلق التعديل مع قطع ~~النظر عن ذكر أسباب العدالة كاف في التعديل، كما سبق. # سلمنا أن مطلق التعديل كاف، لكن إذا عين المروي عنه ولم يعرف بفسق. وأما ~~إذا لم يعينه، فلعله اعتقده عدلا في نظره، ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم ~~يطلع المعدل عليه. # ولهذا لم يقبل تعديل شاهد الفرع لشاهد الأصل مع عدم تعيينه. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التعديل، لكنه معارض بما يدل على عدم ~~التعديل، وبيانه من ستة أوجه. # الأول: أن الجهالة بعين الراوي آكد من الجهل بصفته وذلك لان من جهلت ذاته ~~فقد جهلت صفته، ولا كذلك بالعكس. ولو كان معلوم العين، مجهول الصفة، لم يكن ~~خبره مقبولا، فإذا كان مجهول العين والصفة، أولى أن لا يكون خبره مقبولا. # الثاني: أن من شرط قبول الرواية المعرفة بعدالة الراوي، والمرسل لا يعرف ~~عدالة الراوي له،، فلا يكون خبره مقبولا لفوات الشرط. # الثالث: هو أن الخبر كالشهادة في اعتبار العدالة. وقد ثبت أن الارسال في ~~الشهادة مانع من قبولها، فكذلك الخبر. PageV02P126 # الرابع: أنه لو جاز العمل بالمراسيل، لم يكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن ~~عدالتهم معنى. # الخامس: أنه لو وجب العمل بالمراسيل لزم في عصرنا هذا أن يعمل بقول ~~الانسان: # قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كذا وإن لم يذكر الرواة، وهو ممتنع. # السادس: أن الخبر خبران، تواتر وآحاد. ولو قال الراوي أخبرني من لا ~~أحصيهم عددا لا يقبل قوله في التواتر. فكذلك في الآحاد. # والجواب قولهم: الاجماع لا يساعد في مسائل الاجتهاد، قلنا: الذي لا يساعد ~~إنما هو الاجماع القاطع في متنه وسنده، وما ذكرناه من الاجماع السكوتي ~~فظني، فلا يمتنع التمسك به في مسائل الاجتهاد، كالظاهر من الكتاب والسنة. # قولهم: لا نسلم عدم الانكار، قلنا: الأصل عدمه. # قولهم: إنهم باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة، قلنا: المراجعة في ذلك ~~لا تدل على إنكار الارسال، بل غايته طلب زيادة علم لم تكن حاصلة بالارسال، ~~وقول ابن ms329 سيرين ليس إنكارا للارسال مطلقا، بل إرسال الحسن وأبي العالية لا ~~غير لظنه أنهما لم يلتزما في ذلك تعديل المروي عنه. ولهذا قال فإنهما لا ~~يباليان عمن أخذا الحديث منه، لا على الارسال. # قولهم: السكوت لا يدل على الموافقة، قلنا: وإن لم يدل عليها قطعا، فهو ~~دليل عليها ظنا، كما سبق تقريره في الاجماع. # قولهم: نحن لا ننكر أن إرسال الصحابة والتابعين حجة، قلنا: إنما يصح ذلك، ~~أن لو كانوا لا يروون إلا عن الصحابي العدل، وليس كذلك. ولهذا قال الزهري ~~بعد الارسال: حدثني به رجل على باب عبد الملك. وقال عروة بن الزبير فيما ~~أرسله: # حدثني به بعض الحرسية. PageV02P127 # قولهم: لا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل للمروي عنه، قلنا: ~~دليله ما سبق. # قولهم إن الراوي قد يروي عمن لو سئل عنه لجرحه أو عدله، قلنا: ذلك إنما ~~يكون فيما إذا كان قد عين الراوي ووكل النظر فيه إلى المجتهدين، ولم يجزم ~~بأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال كذا، بل غايته أنه قال: قال فلان إن ~~النبي، صلى الله عليه وسلم قال كذا، وأما إذا لم يعين، فالظاهر أنه لا يجزم ~~بقوله: قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد علم أو ظن عدالة الراوي على ~~ما سبق. # وأما إرسال الشهادة فلا يلزم من عدم قبولها عدم قبول الارسال في الرواية، ~~لان الشهادة قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر في الرواية، كما سبق ~~تقريره. # قولهم: إن الجزم مع تجويز كذب من روي عنه كذب، قلنا: إنما يكون كذبا، إن ~~لو ظن أو علم أنه كاذب. وأما إذا قال ذلك مع ظن الصدق، فلا يكون كاذبا، وإن ~~احتمل في نفس الامر أن يكون المروي عنه كاذبا، كما لو قال: قال رسول الله، ~~ص)، مع العنعنة. # قولهم: سلمنا أن الارسال من الراوي تعديل للمروي عنه، لكنه تعديل مطلق، ~~فلا يكون حجة موجبة للعمل به على الغير، قلنا: قد بينا أن التعديل المطلق ~~دون تعيين سببه، كاف ms330 فيما تقدم. # قولهم: لعله اعتقده عدلا، ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم يعرفه المعدل، ~~قلنا: وإن كان ذلك محتملا، غير أن الظاهر عدمه، ولا سيما مع تعديل العدل ~~العالم بأحوال الجرح والتعديل، وعدم الظفر بما يوجب الجرح. # وأما اعتبار الرواية بالشهادة، فقد عرف وجه الفارق فيهما. # وما ذكروه من المعارضة الأولى، فإنما يصح أن لو كان يلزم من الجهل بعين ~~الراوي، الجهل بصفته مطلقا، وليس كذلك مما بيناه من أن الارسال يدل على ~~تعديله من جهة الجملة، وإن جهلت عينه PageV02P128 # وبهذا يبطل ما ذكروه من المعارضة الثانية. # وأما المعارضة الثالثة، فقد عرف جوابها بالفرق بين الرواية والشهادة. # وأما المعارضة الرابعة فجوابها ببيان فائدة ذكر الراوي، وذلك من وجهين: # الأول: أن الراوي قد يشتبه عليه حال المروي عنه فيعينه ليكل النظر في ~~أمره إلى المجتهد، بخلاف ما إذا أرسل. # الثاني: أنه إذا عين الراوي، فالظن الحاصل للمجتهد بفحصه بنفسه عن حاله ~~يكون أقوى من الظن الحاصل له بفحص غيره. # وأما المعارضة الخامسة فمندفعة أيضا، فإنه مهما كان المرسل للخبر في ~~زماننا عدلا، ولم يكذبه الحفاظ، فهو حجة. # وأما المعارضة السادسة، فإنما لم يصر الخبر بقول الواحد متواترا، لان ~~المتواتر يشترط فيه استواء طرفيه ووسطه، والواحد ليس كذلك، فلا يحصل بخبره ~~التواتر. # وإذا عرف أن المرسل مقبول من العدل، فمن لم يقل به كالشافعي، فقد قيل إنه ~~لا معنى لقوله إنه يكون مقبولا إذا أسنده غير المرسل، أو أسنده المرسل مرة، ~~لان الاعتماد في ذلك إنما هو على الاسناد، لا على الارسال، ولا معنى لقوله: ~~إنه يكون مقبولا إذا أرسله اثنان، وكانت مشايخهما مختلفة، لان ضم الباطل ~~إلى الباطل غير موجب للقبول، وليس بحق، لان الظن الحاصل بصدق الراوي من ~~الارسال مع هذه الأمور أقوى منه عند عدمها وعلى هذا، فلا يلزم من عدم ~~الاحتجاج بأضعف الظنين عدم الاحتجاج بأقواهما. # وإذا عرف الخبر المقبول، وغير المقبول فإذا تعارض خبران مقبولان، فالعمل ~~بأحدهما متوقف على الترجيح، وسيأتي في قاعدة الترجيحات، بأقصى الممكن إن ms331 ~~شاء الله تعالى. PageV02P129 # النوع الثاني - فيما يتعلق بالنظر في المتن وفيه بابان أولهما: فيما ~~يشترك فيه الكتاب، والسنة والاجماع. # وثانيهما فيما يشترك فيه الكتاب والسنة، دون ما عداهما من الأدلة. # الباب الأول فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع وكل واحد من هذه ~~الأصول الثلاثة إما أن يدل على المطلوب بمنظومه، أو لا بمنظومه. فلنفرض في ~~كل واحد منهما قسما. # القسم الأول في دلالات المنظوم، وهي تسعة أصناف الصنف الأول - في الامر ~~وفيه أربعة أبحاث أولهما فيما يدل اسم الامر عليه حقيقة. # وثانيهما في حد الامر الحقيقي. # وثالثها في صيغة الامر الدالة عليه. ورابعها في مقتضاه. # البحث الأول: فيما يطلق عليه اسم الامر حقيقة. # فنقول اتفق الأصوليون على أن اسم الامر، حقيقة في القول المخصوص، وهو قسم ~~من أقسام الكلام. ولذلك قسمت العرب الكلام إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، ~~ووعد ووعيد ونداء. وسواء قلنا إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، أو ~~العبارة الدالة بالوضع والاصطلاح، على اختلاف المذاهب، والكلام القديم ~~النفساني عندنا، وإن كان صفة واحدة لا تعدد فيه في ذاته، غير أنه يسمى أمرا ~~PageV02P130 # ونهيا وخبرا إلى غير ذلك من أقسام الكلام، بسبب اختلاف تعلقاته، ~~ومتعلقاته، كما سبق تقريره في أبكار الأفكار فلا يمتنع أن يكون الامر قسما ~~من أقسامه بهذا التفسير. # وإنما وقع الخلاف بينهم في إطلاق اسم الامر على الفعل: هل هو حقيقة أو ~~لا؟ # والأكثرون على أنه مجاز. واختيار أبي الحسين البصري أنه مشترك بين الشئ ~~والصفة، وبين جملة الشأن والطرائق، ووافق على أنه ليس حقيقة في نفس الفعل، ~~من حيث هو فعل، بل من حيث هو شئ. # وها نحن نذكر حجج كل فريق وننبه على ما فيها، ونذكر بعد ذلك ما هو ~~المختار. # أما حجة أبي الحسين البصري، على ما ذهب إليه، أن الانسان إذا قال هذا أمر ~~لم يدر السامع مراده من قوله إلا بقرينة وهو غير صحيح، لكونه مصادرا بدعوى ~~التردد في إطلاق اسم الامر. ولا يخفى ظهور المنع من مدعي الحقيقة في القول ms332 ~~المخصوص، وأنه مهما أطلق اسم الامر عنده، كان المتبادر إلى فهمه القول ~~المخصوص، وأنه لا ينصرف إلى غيره إلا بقرينة ولا يخفى امتناع تقرير التردد ~~مع هذا المنع. # وأما حجج القائلين بكونه مجازا في الفعل فكثيرة. # الأولى: منها، أنه لو كان حقيقة في الفعل مع كونه حقيقة في القول لزم منه ~~الاشتراك في اللفظ، وهو خلاف الأصل، لكونه مخلا بالتفاهم لاحتياجه في فهم ~~المدلول المعين منه إلى قرينة. وعلى تقدير خفائها، لا يحصل المقصود من ~~الكلام. # الثانية: أنه لو كان حقيقة في الفعل لا طرد في كل فعل، إذ هو لازم ~~الحقيقة. # ولهذا، فإنه لما كان إطلاق اسم العالم على من قام به العلم حقيقة، اطرد ~~في كل من قام به العلم، ولما كان قوله: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) ~~مجازا عن أهلها، لما بينهما من المجاورة، لم يصح التجوز بلفظ السؤال للبساط ~~والكوز عن صاحبه، وإن كانت الملازمة بينهما أشد، وهو غير مطرد، إذ لا يقال ~~للاكل والشرب أمر. # الثالثة: أنه لو كان حقيقة في الفعل، لاشتق لمن قام به منه اسم الامر، ~~كما في القول المخصوص، إذ هو الأصل، إلا أن يمنع مانع من جهة أهل اللغة، ~~PageV02P131 # كما اشتقوا اسم القارورة للزجاجة المخصوصة، من قرار المائع فيها، ومنعوا ~~من ذلك في الجرة والكوز ولم يرد مثله فيما نحن فيه. # الرابعة: أن جمع الامر الحقيقي في القول المخصوص بأوامر، وهو لازم له ~~لنفس الامر لا للمسمى، وهو غير متحقق في الفعل، بل إن جمع فإنما يجمع ~~بأمور. # الخامسة: أن الامر الحقيقي له متعلق وهو المأمور، وهو غير متحقق في ~~الفعل، فإنه، وإن سمي أمرا، فلا يقال له مأمور. ويلزم من انتفاء اللازم ~~انتفاء الملزوم. # السادسة: أن من لوازم الامر الحقيقي وصفه بكونه مطاعا أو مخالفا، ولا ~~كذلك الفعل. وفي هذه الحجج نظر: # أما الأولى فلقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من كونه حقيقة في الفعل، أن ~~يكون مشتركا إذا أمكن أن يكون حقيقة فيهما، باعتبار معنى مشترك بين القول ~~المخصوص، ms333 والفعل، فيكون متواطئا. # فإن قيل: الأصل عدم ذلك المسمى المشترك، فلا تواطؤ، قيل: لاخفاء ~~باشتراكهما في صفات، وافتراقهما في صفات فأمكن أن يكون بعض الصفات المشتركة ~~هو المسمى كيف وإن الأصل أن لا يكون اللفظ مشتركا ولا مجازا، لما فيه من ~~الافتقار إلى القرينة المخلة بالتفاهم. وليس أحد الامرين أولى من الآخر. # فإن قيل: ما وقع به الاشتراك لا يخرج عن الموجود والصفة والشيئية وغير ~~ذلك، وأي أمر قدر الاشتراك فيه، فهو متحقق في النهي وسائر أقسام الكلام، ~~ولا يسمى أمرا والقول بأنه متواطئ ممتنع. كيف وإن القائل قائلان: # قائل إنه مشترك وقائل إنه مجاز في الفعل. فإحداث قول ثالث يكون خرقا ~~للاجماع، وهو ممتنع. PageV02P132 # قلنا: أما الأول، فغير صحيح، وذلك أن مسمى اسم الامر إنما هو الشأن ~~والصفة، وكل ما صدق عليه ذلك، كان نهيا أو غيره؟ فإنه يسمى أمرا حقيقة. ~~وعلى هذا فقد اندفع ما ذكروه من خرق الاجماع فإن ما ذكرناه من جعل الشأن ~~والصفة مدلولا لاسم الامر، فمن جملة ما قيل وإن سلمنا أن ذلك يفضي إلى ~~الاشتراك، ولكن لم قيل بامتناعه. والقول بأنه مجاز مخل بالتفاهم، لافتقاره ~~إلى القرينة، وإنما يصح أن لو لم يكن اللفظ المشترك عند إطلاقه محمولا على ~~جميع محامله، وليس كذلك على ما سيأتي تقديره في مذهب الشافعي والقاضي أبي ~~بكر، سلمنا أنه خلاف الأصل، غير أن التجوز أيضا خلاف الأصل، وليس أحد ~~الامرين أولى من الآخر. # فإن قيل: إلا أن محذور الاشتراك أعظم من محذور التجوز، فكان المجاز أولى، ~~وبيانه من جهة الاجمال، والتفصيل: # أما الاجمال فهو أن المجاز أغلب في لغة العرب من الاشتراك، ولولا أنه ~~أوفى بتحصيل مقصود الوضع، لما كان كذلك وأما التفصيل فمن وجهين: # الأول: أن المحذور اللازم من الاشتراك بافتقاره إلى القرينة لازم له ~~أبدا، بخلاف المجاز، فإن المحذور إنما يلزمه بتقدير إرادة جهة المجاز، وهو ~~احتمال نادر، إذ الغالب إنما هو إرادة جهة الحقيقة. # الثاني: أن المحذور لازم في المشترك في كل محمل من ms334 محامله، لافتقاره إلى ~~القرينة في كل واحد منها، بخلاف المجاز، فإنه إنما يفتقر إلى القرينة ~~بتقدير إرادة جهة المجاز، لا بتقدير إرادة جهة الحقيقة. قيل هذا معارض من ~~عشرة أوجه: PageV02P133 # الأول: أن المشترك، لكونه حقيقة في كل واحد من مسمياته مما يطرد، بخلاف ~~المجاز كما سبق، وما يطرد أولى لقلة اضطرابه. # الثاني: أنه يصح منه الاشتقاق، لكونه حقيقة بخلاف المجاز، فكان أوسع في ~~اللغة، وأكثر فائدة. # الثالث: أنه لكونه حقيقيا، مما يصح التجوز به في غير محله الحقيقي، بخلاف ~~المجاز، فكان أولى لكثرة فائدته. # الرابع: أنه، وإن افتقر إلى قرينة، لكن يكفي أن يكون أدنى ما يغلب على ~~الظن، بخلاف المجاز، لافتقاره إلى قرينة مغلبة على الظن، وأن تكون راجحة ~~على جهة ظهور اللفظ في حقيقته، فكان تمكن الخلل منه لذلك أكثر. # الخامس: أن المجاز لا بد فيه من علاقة بينه وبين محل الحقيقة تكون مصححة ~~للتجوز باللفظ، على ما سلف، بخلاف المشترك. # السادس: أن المجاز لا يتم فهمه دون فهم محل الحقيقة، ضرورة كونه مستعارا ~~منه. وفهم كل واحد من مدلولات اللفظ المشترك غير متوقف على فهم غيره، فكان ~~أولى. # السابع: أن المجاز متوقف على تصرف من قبلنا في تحقيق العلاقة التي هي شرط ~~في التجوز، وربما وقع الخطأ فيه، بخلاف اللفظ المشترك. # الثامن: أنه يلزم من العمل باللفظ في جهة المجاز مخالفة الظهور في جهة ~~الحقيقة، بخلاف اللفظ المشترك إذ لا يلزم من العمل به في أحد مدلوليه ~~مخالفة ظاهر أصلا. # التاسع: أن المجاز تابع للحقيقة ولا عكس، فكان المشترك أولى. # العاشر: أن السامع للمجاز بتقدير عدم معرفته بالقرينة الصارفة إلى ~~المجاز، إذا كان هو مراد المتكلم فقد يبادر إلى العمل بالحقيقة، ويلزم منه ~~ترك المراد وفعل ما ليس بمراد، بخلاف المشترك، فإنه بتقدير عدم ظهور ~~القرينة مطلقا، لا يفعل شيئا، فلا يلزم سوى عدم المقصود. # فإن قيل إلا أن المجاز يتعلق به فوائد، فإنه ربما كان أبلغ وأوجز وأوقف ~~في بديع الكلام ونظمه ونثره للسجع والمطابقة والمجانسة ms335 واتحاد الروي في ~~الشعر، إلى غير ذلك. PageV02P134 # قلنا: ومثل هذا الاحتمال أيضا منقدح في اللفظ المشترك مع كونه حقيقة، ~~فكان اللفظ المشترك أولى. وإن لم يكن أولى فلا أقل من المساواة، وهي كافية ~~في مقام المعارضة. # وأما الحجة الثانية: فلا نسلم امتناع إطلاق الامر على الأكل والشرب، وإن ~~سلم ذلك، فعدم اطراده في كل فعل ان كان مما يمنع من كونه حقيقة في بعض ~~الأفعال فعدم اطراده في كل قول مما يمنع من كونه حقيقة في القول المخصوص، ~~وهو غير مطرد في كل قول على ما لا يخفى. وإن كان لا يمنع من ذلك في القول ~~فكذلك في الفعل. # فإن قيل: إنما يجب اطراد الاسم في المعنى الذي كان الاسم حقيقة فيه، لا ~~في غيره، والامر إنما كان حقيقة في القول المخصوص، في مطلق قول، وذلك مطرد ~~في ذلك القول، فمثله لازم في الافعال إذ للخصم أن يقول: إنما هو حقيقة في ~~بعض الأفعال، لا في كل فعل. # وأما الحجة الثالثة أنه لو كان الأصل في الحقائق الاشتقاق لكان المنع من ~~اشتقاق اسم القارورة للجرة والكوز من قرار المائع فيها على خلاف الأصل. # فإن قيل: ولو لم يكن على وفق الأصل لكان الاشتقاق في صور الاشتقاق على ~~خلاف الأصل، والمحذور اللازم منه أكثر لان صور الاشتقاق أغلب وأكثر من صور ~~عدم الاشتقاق. قيل: لا يلزم من عدم الأصالة في الاشتقاق أن يكون الاشتقاق ~~على خلاف الأصل لجواز أن يكون الاشتقاق وعدمه لا على وفق أصل فيقتضيه، بل ~~هما تابعان للنقل والوضع. # كيف وإنه إذا جاز أن يكون الاشتقاق من توابع الحقيقة جاز أن يكون من ~~توابع بعض المسميات، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. وعلى هذا، فلا يلزم ~~من الاشتقاق في بعض المسميات الاشتقاق في غيره، لعدم الاشتراك في ذلك ~~المسمى. PageV02P135 # وبهذا يندفع ما ذكروه من الحجة الرابعة والخامسة والسادسة. # كيف وقد قيل في الحجة الرابعة إن (أوامر) ليست جمع (أمر) بل جمع (إمرة) ~~وأما القائلون بكونه مشتركا بين القول ms336 المخصوص والفعل فقد احتجوا بثلاث ~~حجج. # الأولى: أن المسمى في نفسه مختلف، وكما قد أطلق اسم الامر على القول ~~المخصوص، فقد أطلق على الفعل. والأصل في الاطلاق الحقيقة. ويدل على الاطلاق ~~قول العرب: أمر فلان مستقيم، أي عمله. وإليه الإشارة بقوله تعالى: * (وما ~~أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) أي فعلنا * (وما أمر فرعون برشيد) * ~~(11) هود: 97). # الحجة الثانية: أن اسم الامر في الفعل قد جمع بأمور، والجمع علامة ~~الحقيقة. # الحجة الثالثة: أنه لو كان اسم الامر في الفعل مجازا لم يخل إما أن يكون ~~مجازا بالزيادة أو بالنقصان، أو لمشابهته لمحل الحقيقة أو لمجاور له، أو ~~لأنه كان عليه، أو سيؤول إليه، ولم يتحقق شئ من ذلك في الفعل. وإذا لم يكن ~~مجازا كان حقيقة. # وهذه الحجج ضعيفة أيضا. # أما الحجة الأولى فلقائل أن يقول لا نسلم صحة إطلاق اسم الامر على الفعل. # وقولهم: أمر فلان مستقيم ليس مسماه الفعل، بل شأنه وصفته وهو المراد من ~~قوله تعالى: * (وما أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) ومن قوله: * (وما ~~أمر فرعون برشيد) * (11) هود: 97) وأما الحجة الثانية، فلا نسلم أن الجمع ~~دليل الحقيقة، بدليل قولهم في جمع من سمي (حمارا) لبلادته (حمر) وهو مجاز. ~~وإن سلمنا بأن الجمع يدل على الحقيقة، ولكن لا نسلم أن (أمور) جمع (أمر) بل ~~الامر والأمور كل واحد منهما يقع موقع الآخر وليس أحدهما جمعا للآخر. ولهذا ~~يقال أمر فلان مستقيم فيفهم منه ما يفهم من قولهم أمور فلان مستقيمة. # وأما الحجة الثالثة: فهو أنه لا يلزم من كون الامر ليس مجازا في الفعل أن ~~يكون حقيقة فيه، من حيث هو فعل وإنما هو حقيقة فيه من جهة ما اشتمل عليه من ~~معنى الشأن والصفة كما سبق. PageV02P136 # وعلى هذا، فالمختار إنما هو كون الاسم اسم الامر متواطئا في القول ~~المخصوص والفعل، لا أنه مشترك، ولا مجاز في أحدهما. # البحث الثاني: في حد الامر. # وقد اختلفت المعتزلة فيه بناء على إنكارهم لكلام النفس: # فذهب البلخي وأكثر المعتزلة إلى أن الامر هو قول ms337 القائل لمن دونه افعل أو ~~ما يقوم مقامه. وأراد بقوله (يقوم مقامه) أي في الدلالة على مدلوله، وقصد ~~بذلك إدراج صيغة الامر من غير العربي في الحد. وهو فاسد من ثلاثة أوجه: # الأول: أن مثل ذلك قد يوجد فيما ليس بأمر بالاتفاق، كالتهديد في قوله ~~تعالى: # * (اعملوا ما شئتم) * (41) فصلت: 40) والإباحة في قوله: * (وإذا حللتم ~~فاصطادوا) * (5) المائدة: 2) والارشاد في قوله: # * (فاستشهدوا) * (6) النساء: 15) والامتنان كقوله: * (كلوا مما رزقكم ~~الله) * (6) الانعام: 142) والاكرام كقوله * (ادخلوها بسلام آمنين) * (15) ~~الحجر: 46) والتسخير، والتعجيز، إلى غير ذلك من المحامل التي يأتي ذكرها. # الثاني: أنه يلزم من ذلك أن تكون صيغة افعل الواردة من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، نحونا، أمرا حقيقة لتحقق ما ذكروه من شروط الامر فيها. ويلزم من ~~ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها، ويخرج بذلك عن كونه رسولا، لأنه لا معنى ~~للرسول غير المبلغ لكلام المرسل، لا أن يكون هو الآمر والناهي، كالسيد إذا ~~أمر عبده وسواء كانت صيغته مخلوقة له، كما هو مذهبهم، أو لله تعالى، كما هو ~~مذهبنا. # الثالث: أنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الأعلى نحو الأدنى ولا يكون أمرا، ~~بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع وقد يرد من الأدنى نحو الاعلى، ويكون ~~أمرا، إذا كانت على سبيل الاستعلاء، لا على سبيل الخضوع والتذلل، ولذلك ~~يوصف قائلها بالجهل والحمق بأمره لمن هو أعلى رتبة منه. # ومنهم من قال: الامر صيغة افعل على تجردها من القرائن الصارفة لها عن جهة ~~الامر إلى التهديد، وما عداه من المحامل. PageV02P137 # وهو أيضا فاسد من حيث إنه أخذ الامر في تعريف الامر وتعريف الشئ بنفسه ~~محال. وإن اقتصروا في التحديد على القول بأن الامر صيغة افعل المجردة عن ~~القرائن لا غير، وزعموا أن صيغة افعل فيما ليس بأمر لا تكون مجردة عن ~~القرائن، فليس ما ذكروه أولى من قول القائل: التهديد عبارة عن صيغة افعل ~~المجردة عن القرائن، إلا أن يدل عليه دليل من جهة السمع، وهو غير متحقق. # ومنهم من قال: الامر ms338 صيغة افعل بشرط إرادات ثلاث إرادة إحداث الصيغة، ~~وإرادة الدلالة بها على الامر، وإرادة الامتثال: فإرادة إحداث الصيغة، ~~احتراز عن النائم إذا وجدت هذه الصيغة منه، وإرادة الدلالة بها على الامر ~~احتراز عما إذا أريد بها التهديد أو ما سواه من المحامل، وإرادة الامتثال ~~احتراز عن الرسول الحاكي المبلغ، فإنه، وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها ~~على الامر، فقد لا يريد بها الامتثال. # وهو أيضا فاسد من وجهين: # الأول: أنه أخذ الامر في حد الامر، وتعريف الشئ بنفسه محال ممتنع الثاني: ~~هو أن الامر الذي هو مدلول الصيغة إما أن يكون هو الصيغة، أو غير الصيغة: ~~فإن كان هو نفس الصيغة، كان الكلام متهافتا من حيث إن حاصله يرجع إلى أن ~~الصيغة، دالة على الصيغة، والدال غير المدلول. وإن كان هو غير الصيغة، ~~فيمتنع أن يكون الامر هو الصيغة، وقد قال بأن الامر هو صيغة افعل بشرط ~~الدلالة على الامر، فإن الشرط غير المشروط. وإذا كان الامر غير الصيغة، فلا ~~بد من تعريفه والكشف عنه، إذ هو المقصود في هذا المقام. # ولما انحسمت عليهم طرق التعريف، قال قائلون منهم: الامر هو إرادة الفعل، ~~وقد احتج الأصحاب على إبطاله بأن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب ~~عبده، إذا اعتذر عن ذلك قصد إظهار أمره وأمره بين يدي السلطان قصدا لاظهار ~~مخالفته، لبسط عذره والخلاص من عقاب السلطان له، فإنه يعد آمرا، والعبد ~~مأمورا، ومطيعا بتقدير الامتثال، وعاصيا بتقدير المخالفة، مع علمنا بأنه لا ~~يريد منه الامتثال لما فيه من ظهور كذبه وتحقيق عقاب السلطان له، والعاقل ~~لا يقصد ذلك. غير أن مثل هذا لازم على أصحابنا PageV02P138 # إن كان صحيحا في تفسيرهم الامر، بطلب الفعل، من جهة أن السيد أيضا آمر في ~~مثل الصورة لعبده مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده، لما فيه من ~~تحقيق عقابه وكذبه، والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه. وعند ذلك ~~فما هو جواب أصحابنا في تفسير الامر بالطلب يكون جوابا للخصم ms339 في تفسيره ~~بالإرادة. # وإن زعم بعض أصحابنا أن الامر ليس هو الطلب، بل الاخبار باستحقاق الثواب ~~على الفعل، فيلزمه أن يكون الآمر لعبده مما يصح تصديقه وتكذيبه في أمره ~~لعبده ضرورة كون الامر خبرا وهو ممتنع. # كيف وإنه على خلاف تقسيم أهل اللغة الكلام، إلى أمر وخبر. # والحق في ذلك أن يقال. أجمع المسلمون، من غير مخالفة من الخصوم، على أن ~~من علم الله تعالى أنه يموت على كفره أنه مأمور بالايمان، وليس الايمان منه ~~مرادا لله تعالى، لأنه لا معنى لكونه مرادا لله تعالى سوى تعلق الإرادة به، ~~ولا معنى لتعلق الإرادة بالفعل سوى تخصيصها له بحالة حدوثه، فلا يعقل ~~تعلقها به دون تخصيصها له بحالة حدوثه، وما لم يوجد لم تكن الإرادة مخصصة ~~له بحالة حدوثه، فلا تكون متعلقة به. # وليقنع بهذا هاهنا عما استقصيناه من الوجوه الكثيرة في علم الكلام. # وأما أصحابنا، فمنهم من قال: الامر عبارة عن الخبر على الثواب على الفعل ~~تارة، والعقاب على الترك تارة، وهو فاسد، لما سبق من امتناع تصديق الآمر ~~وتكذيبه، ولأنه يلزم منه لزوم الثواب على فعل ما أمر به، والعقاب على تركه، ~~من جهة الشارع حذرا من الخلف في خبر الصادق، وليس كذلك بالاجماع. أما ~~الثواب فلجواز إحباط العمل بالردة، وأما العقاب فلجواز العفو والشفاعة. ~~ويمكن أن يحترز عن هذا الاشكال بأن يقال: هو الاخبار باستحقاق الثواب ~~والعقاب غير أنه يبقى عليه الاشكال الأول من غير دافع. PageV02P139 # ومنهم من قال، وهم الأكثرون، كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي ~~وغيرهم: الامر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. فقولهم ~~(القول) كالجنس للامر وغيره من أقسام الكلام. وقولهم (المقتضي طاعة المأمور ~~بفعل المأمور به) للفصل بين الامر وغيره من أقسام الكلام، ولفصل الامر عن ~~الدعاء والسؤال. # ومنهم من زاد في الحد (بنفسه) احترازا عن الصيغة، فإنها لا تقتضي الطاعة ~~بنفسها، بل بالتوقيف والاصطلاح وعلى كل تقدير فهو باطل لما فيه من تعريف ~~الامر بالمأمور والمأمور به، وهما مشتقان من الامر، ms340 والمشتق من الشئ أخفى ~~من ذلك الشئ، وتعريف الشئ بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشئ محال. # ومنهم من قال: الامر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعا. وهو أيضا ~~باطل لما فيه من تعريف الامر بالطاعة المتعلقة بالفعل، والطاعة المتعلقة ~~بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الامر، وهو دور ممتنع. كيف وإن فعل الرب تعالى ~~لما طلبه العبد منه بالسؤال يقال له باعتبار موافقة طلب للعبد مطيعا، بدليل ~~قوله عليه السلام إن أطعت الله أطاعك أي إن فعلت ما أراد فعل ما تريد. وليس ~~طلب العبد من الله تعالى بجهة السؤال لله أمرا، إذ الامر لله قبيح شرعا، ~~بخلاف السؤال. ويمكن الاحتراز عنه بما يعد فاعله مطيعا في العرف العام، ~~والباري تعالى ليس كذلك. # والأقرب في ذلك إنما هو القول الجاري على قاعدة الأصحاب، وهو أن يقال: # الامر طلب الفعل على جهة الاستعلاء. # فقولنا (طلب الفعل) احتراز عن النهي وغيره من أقسام الكلام، وقولنا (على ~~جهة الاستعلاء) احتراز عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس. # فإن قيل: قولكم (الامر هو طلب الفعل) إن أردتم به الإرادة، فهو مذهب ~~المعتزلة، وليس مذهبا لكم، وإن أردتم غيره، فلا بد من تصويره، وإلا كان فيه ~~تعريف الامر بما هو أخفى من الامر. PageV02P140 # قلنا: إجماع العقلاء منعقد على أن الامر قسم من أقسام الكلام وأنه واقع ~~موجود لا ريب فيه، وقد بينا امتناع تفسيره بالصيغة والإرادة بما سبق، فما ~~وراء ذلك هو المعني بالطلب، والنزاع في تسميته بالطلب بعد الموافقة على ~~وجوده، فآيل إلى خلاف لفظي. # البحث الثالث: في الصيغة الدالة على الامر. # وقد اختلف القائلون بكلام النفس: هل للامر صيغة تخصه وتدل عليه دون غيره ~~في اللغة، أم لا؟ # فذهب الشيخ أبو الحسن، رحمه الله، ومن تابعه إلى النفي وذهب من عداهم إلى ~~الاثبات. # قال إمام الحرمين والغزالي: والذي نراه أن هذه الترجمة عن الأشعري خطأ. ~~فإن قول القائل لغيره أمرتك، وأنت مأمور صيغة خاصة بالامر من غير منازعة. # وإنما الخلاف في أن ms341 صيغة افعل هل هي خاصة بالامر أو لا، لكونها مترددة في ~~اللغة بين محامل كثيرة يأتي ذكرها. # واعلم أنه لا وجه لاستبعاد هذا الخلاف. وقول القائل أمرتك، وأنت مأمور لا ~~يرفع هذا الخلاف إذ الخلاف إنما هو في صيغة الامر الموضوعة للانشاء، وما ~~مثل هذه الصيغ أمكن أن يقال إنها إخبارات عن الامر لا إنشاءات. وإن كان ~~الظاهر صحة استعمالها للانشاء، فإنه لا مانع من استعمال صيغة الخبر ~~للانشاء، كما في قوله: طلقت وبعت واشتريت ونحوه. PageV02P141 # وبيانه أنه إذا قال لزوجته (طلقتك) فإن الطلاق يقع عليه إجماعا، ولو كان ~~إخبارا، لكان إخبارا عن الماضي أو الحال، لعدم صلاحية هذه الصيغة ~~للاستقبال. ولو كان كذلك، لم يخل إما أن يكون قد وجد منه الطلاق، أو لم ~~يوجد: فإن كان الأول، امتنع تعليقه بالشرط في قوله إن دخلت الدار لان تعليق ~~وجود ما وجد على وجود ما لم يوجد محال، وإن كان الثاني، وجب أن يعد كاذبا، ~~وأن لا يقع الطلاق عليه، وهو خلاف الاجماع. # وإن قدر أنه إخبار عن المستقبل مع الإحالة، فيجب أيضا أن لا يقع به ~~الطلاق، كما لو صرح بذلك، وقال لها ستصيرين طالقا في المستقبل فإنه لا يقع ~~به الطلاق مع أنه صريح إخبار عن وقوع الطلاق في المستقبل، فما ليس بصريح ~~أولى. # وإذا بطل كونه إخبارا تعين أن يكون إنشاء إذ الاجماع منعقد على امتناع ~~الخلو منهما. فإذا بطل أحدهما تعين الآخر. # البحث الرابع: في مقتضى صيغة الامر وفيه اثنتا عشرة مسألة. # المسألة الأولى فيما ذا صيغة الامر حقيقة فيه إذا وردت مطلقة عرية عن ~~القرائن وقد اتفق الأصوليون على إطلاقها بإزاء خمسة عشر اعتبار الوجوب ~~كقوله: * (أقم الصلاة) * (31 لقمان: 17) والندب كقوله: * (فكاتبوهم) * (24 ~~النور: 33) والارشاد كقوله تعالى: * (فاستشهدوا) * (4 النساء: 15) وهو قريب ~~من الندب لاشتراكهما في طلب تحصيل المصلحة، غير أن الندب لمصلحة أخروية، ~~والارشاد لمصلحة دنيوية. # والإباحة كقوله: * (فاصطادوا) * (5 المائدة: 2) والتأديب، وهو داخل في ~~الندب، كقوله: كل مما يليك PageV02P142 # والامتنان كقوله: * (كلوا ms342 مما رزقكم الله) * (6 الانعام: 142) والاكرام ~~كقوله: * (ادخلوها بسلام) * (15 الحجر: 46) والتهديد كقوله: * (اعملوا ما ~~شئتم) * (41 فصلت: 40) والانذار كقوله: * (تمتعوا) * (14 إبراهيم: 30) وهو ~~في معنى التهديد. # والتسخير كقوله: * (كونوا قردة خاسئين) * (2 البقرة: 65) والتعجيز كقوله: ~~* (كونوا حجارة) * (17 الاسراء: 50) والإهانة كقوله تعالى: * (ذق إنك أنت ~~العزيز) * (44 الدخان: 49) والتسوية كقوله: * (فاصبروا أو لا تصبروا) * (52 ~~الطور: 16) والدعاء كقوله: * (اغفر لي) * (14 إبراهيم: 41) والتمني كقول ~~الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي وكمال القدرة كقوله: * (كن فيكون) ~~* (16 النحل: 40). # وقد اتفقوا على أنها مجاز فيما سوى الطلب والتهديد والإباحة غير أنهم ~~اختلفوا: فمنهم من قال إنها مشتركة، كاشتراك لفظ القرء بين الطلب للفعل، ~~وبين للتهديد المستدعي لترك الفعل، وبين الإباحة المخيرة بين الفعل والترك. # ومنهم من قال إنها حقيقة في الإباحة، مجاز فيما سواها ومنهم من قال إنها ~~حقيقة في الطلب ومجاز فيما سواه. وهذا هو الأصح، وذلك لأنا إذا سمعنا أن ~~أحدا قال لغيره افعل كذا وتجرد ذلك عن جميع القرائن، وفرضناه كذلك، فإنه ~~يسبق إلى الافهام منه طلب الفعل واقتضاؤه من غير توقف على أمر خارج دون ~~التهديد المستدعي لترك الفعل، والإباحة المخيرة بين الفعل والترك. ولو كان ~~مشتركا أو ظاهرا في الإباحة، لما كان كذلك. وإذا كان الطلب هو السابق إلى ~~الفهم عند عدم القرائن مطلقا، دل ذلك على كون صيغة (افعل) ظاهرة فيه. # فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك بناء عل عرف طارئ على الوضع اللغوي، كما في ~~لفظ الغائط والدابة وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على الظهور في الطلب، ~~PageV02P143 # غير أنه معارض بما يدل على ظهوره في الإباحة، لكونها أقل الدرجات، فكانت ~~مستيقنة. # قلنا جواب الأول أن الأصل عدم العرف الطارئ، وبقاء الوضع الأصلي بحاله. # وجواب الثاني لا نسلم أن الإباحة متيقنة، إذ هي مقابلة للطلب والتهديد، ~~لكونها غير مستدعية للفعل ولا للترك، والطلب مستدع للفعل، والتهديد مستدع ~~لترك الفعل، فلا تيقن لواحد منهما. # المسألة الثانية إذا ثبت أن صيغة افعل ظاهرة في الطلب والاقتضاء ms343 فالفعل ~~المطلوب لا بد وأن يكون فعله راجحا على تركه، فإن كان ممتنع الترك، كان ~~واجبا، وإن لم يكن ممتنع الترك، فإما أن يكون ترجحه لمصلحة أخروية، فهو ~~المندوب، وإما لمصلحة دنيوية، فهو الارشاد. # وقد اختلف الأصوليون: # فمنهم من قال إنه مشترك بين الكل، وهو مذهب الشيعة، ومنهم من قال إنه لا ~~دلالة له على الوجوب والندب بخصوصه، وإنما هو حقيقة في القدر المشترك ~~بينهما، وهو ترجيح الفعل على الترك، ومنهم من قال إنه حقيقة في الوجوب، ~~مجاز فيما عداه، وهذا هو مذهب الشافعي، رضي الله عنه، والفقهاء وجماعة من ~~المتكلمين، كأبي الحسين البصري، وهو قول الجبائي في أحد قوليه، ومنهم من ~~قال إنه حقيقة من الندب، وهو مذهب أبي هاشم وكثير من المتكلمين من المعتزلة ~~وغيرهم وجماعة من الفقهاء، وهو أيضا منقول عن الشافعي رحمه الله تعالى. ~~PageV02P144 # ومنهم من توقف، وهو مذهب الأشعري، رحمه الله، ومن تابعه من أصحابه، ~~كالقاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما، وهو الأصح. وذلك لان وضعه مشتركا، أو ~~حقيقة في البعض، مجازا في البعض، إما أن يكون مدركه عقليا أو نقليا: # الأول محال، إذ العقول لا مدخل لها في المنقول، لا ضرورة ولا نظرا ~~والثاني فإما أن يكون قطعيا أو ظنيا: والقطعي غير متحقق فيما نحن فيه، ~~والظني إنما ينفع أن لو كان إثبات مثل هذه المسألة مما يقنع فيه بالظن، وهو ~~غير مسلم، فلم يبق غير التوقف. # فإن قيل: ما ذكرتموه مبني على أن مدار مثل هذه المسألة على القطع، وهو ~~غير مسلم ولا في شئ من اللغات، وإن سلمنا ذلك، لكن ما المانع أن يكون ~~المدرك لا عقليا محضا ولا نقليا محضا، بل هو مركب منهما، كما يأتي تحقيقه، ~~وإن سلمنا الحصر فيما ذكرتموه، غير أنه لازم عليكم في القول بالوقف أيضا، ~~فإن العقل لا يقتضيه، والنقل القطعي غير متحقق فيه، والظن إنما يكتفى به أن ~~لو كانت المسألة ظنية، فما هو جوابكم عنه في القول بالوقف يكون جوابا ~~لخصومكم فيما ذهبوا إليه على ms344 اختلاف فذاهبهم. # قلنا: أما إنكار القطع في اللغات على الاطلاق فمما يفضي إلى إنكار القطع ~~في جميع الأحكام الشرعية، لان مبناها على الخطاب بالألفاظ اللغوية ~~ومعقولها، وذلك كفر صراح، والقول بأن ما ذكرتموه مبني على أن مدار ما نحن ~~فيه على القطع. # قلنا: نحن في هذه المسألة غير متعرضين لنفي ولا إثبات بل نحن متوقفون، ~~فمن رام إثبات اللغة فيما نحن فيه بطريق ظني أمكن أن يقال له متى يكتفى ~~بذلك فيما نحن فيه أإذا كان شرط إثباته القطع أم لا؟ ولا بد عند توجه ~~التقسيم، من تنزيل الكلام على الممنوع أو المسلم، وكل واحد منهما متعذر لما ~~سبق. PageV02P145 # قولهم: ما المانع من كونه مركبا من العقل والنقل؟ # قلنا: لان ما ذكرناه من التقسيم في النقلي، ثابت هاهنا كان مستقلا أو غير ~~مستقل، والقطع لا سبيل إليه، وإن كان ظنيا فالمركب منه ومن العقلي يكون ~~ظنيا، سواء كان العقلي ظنيا أو قطعيا. # قولهم: ما ذكرتموه لازم عليكم في الوقف، قلنا: ليس كذلك، لان الواقف غير ~~حاكم، بل هو ساكت عن الحكم والساكت عن الحكم، لا يفتقر إلى دليل، فلا يكون ~~ما ذكروه لازما علينا شبه القائلين بالوجوب. # وقد ذكر أبو الحسين البصري في ذلك ما يناهز ثلاثين شبهة دائرة بين غث ~~وثمين، وها نحن نلخص حاصلها، ونأتي على المعتمد من جملتها، مع حذف الزيادات ~~العرية عن الفائدة، ونشير إلى جهة الانفصال عنها، ثم نذكر بعد ذلك شبه ~~القائلين بالندب، وطرق تخريجها إن شاء الله تعالى. # إما شبه القائلين بالوجوب فشرعية، ولغوية، وعقلية. # أما الشرعية فمنها ما يرجع إلى الكتاب، ومنها ما يرجع إلى السنة، ومنها ~~ما يرجع إلى الاجماع. # أما الكتاب فقوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24 النور: ~~54) ثم هدد عليه بقوله: # * (فإن توليتم، فإنما عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم) * (24 النور: 54) ~~والتهديد على المخالفة دليل الوجوب. # وأيضا قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو ~~يصيبهم عذاب أليم) * (24 النور: 63) ووجه الاستدلال به ما ms345 سبق في الآية ~~التي قبلها. # وأيضا قوله تعالى لإبليس * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) * (7 الأعراف: ~~12) أو رد ذلك في معرض الذم بالمخالفة، لا في معرض الاستفهام، اتفاقا، وهو ~~دليل الوجوب. PageV02P146 # وأيضا قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) * (77 المرسلات: ~~48) ذمهم على المخالفة وهو دليل الوجوب وأيضا قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) * (33 ~~الأحزاب: 36) والمراد من قوله (قضى) أي ألزم، ومن قوله (أمرا) أي مأمورا، ~~وما لا خيرة فيه من المأمورات لا يكون إلا واجبا. # وأيضا قوله تعالى: * (أفعصيت أمري) * (220 طه: 93) وقوله: * (لا يعصون ~~الله ما أمرهم) * (66 التحريم: 6) وقوله: # * (لا أعصي لك أمرا) * (18 الكهف: 69) وصف مخالف الامر بالعصيان، وهو اسم ~~ذم، وذلك لا يكون في غير الوجوب. # وأيضا قوله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * (4 النساء: 65) أي أمرت، ولولا أن ~~الامر للوجوب لما كان كذلك. # وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته لو ~~راجعته - فقالت: بأمرك يا رسول الله فقال: لا، إنما أنا شافع - فقالت: لا ~~حاجة لي فيه فقد عقلت أنه لو كان أمرا، لكان واجبا، والنبي، صلى الله عليه ~~وسلم، قررها عليه. # وأيضا قوله، صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي، لامرتهم بالسواك ~~عند كل صلاة وهو دليل الوجوب، وإلا فلو كان الامر للندب، فالسواك مندوب. # وأيضا قوله لأبي سعيد الخدري حيث لم يجب دعاءه وهو في الصلاة أما سمعت ~~الله تعالى يقول: * (استجيبوا لله، وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) * (8 ~~الأنفال: 24) وبخه على مخالفة أمره، وهو دليل الوجوب وأيضا، فإنه لما سأله ~~الأقرع بن حابس أحجنا هذا لعامنا أم للأبد قال صلى الله عليه وسلم: # بل للأبد ولو قلت نعم لوجب. وذلك دليل على أن أوامره للوجوب. PageV02P147 # وأما الاجماع فهو أن الأمة في كل عصر لم ms346 تزل راجعة في إيجاب العبادات إلى ~~الأوامر من قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) ~~إلى غير ذلك، من غير توقف. وما كانوا يعدلون إلى غير الوجوب إلا لمعارض. # وأيضا، فإن أبا بكر، رضي الله عنه، استدل على وجوب الزكاة على أهل الردة ~~بقوله: * (وآتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، ~~فكان ذلك إجماعا. # وأما من جهة اللغة فمن وجوه: # الأول وصف أهل اللغة من خالف الامر بكونه عاصيا ومنه قولهم: # أمرتك، فعصيتني وقوله تعالى: * (أفعصيت أمري) * (20 طه: 93) وقول الشاعر: # أمرتك أمرا حازما فعصيتني والعصيان اسم ذم، وذلك في غير الوجوب ممتنع. ~~وأيضا فإن السيد إذا أمر عبده بأمر، فخالفه، حسن الحكم من أهل اللغة بذمه ~~واستحقاقه للعقاب، ولولا أن الامر للوجوب لما كان كذلك. # أما من جهة العقل فمن وجوه: # الأول أن الايجاب من المهمات في مخاطبة أهل اللغة، فلو لم يكن الامر ~~للوجوب لخلا الوجوب عن لفظ يدل عليه، وهو ممتنع مع دعو الحاجة إليه. # وأيضا فإنه قد ثبت أن الطلب لا يخرج عن الوجوب والندب، ويمتنع أن يكون ~~حقيقة في الندب، لا بجهة الاشتراك ولا التعيين ولا بطريق التخيير، ~~PageV02P148 # لان حمل الطلب على الندب معناه: افعل إن شئت. وهذا الشرط غير مذكور في ~~الطلب فيمتنع حمل الطلب عليه بوجه من هذه الوجوه. ويلزم من ذلك أن يكون ~~حقيقة في الوجوب وأيضا فإن الامر مقابل للنهي، والنهي يقتضي ترك الفعل ~~والامتناع من الفعل جزما، فالامر يجب أن يكون مقتضيا للفعل ومانعا من الترك ~~جزما. # وأيضا فإن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداده مما يمنع من ~~فعلها وذلك غير متصور دون فعل المأمور به، فكان واجبا. # وأيضا فإن حمل الامر على الوجوب أحوط للمكلف، لأنه إن كان للوجوب فقد حصل ~~المقصود الراجح، وأمنا من ضرر تركه. وإن كان للندب فحمله على الوجوب يكون ~~أيضا نافعا غير مضر. ولو حملناه على الندب، لم نأمن من الضرر، بتقدير كونه ~~واجبا لفوات المقصود الراجح. ms347 # وأيضا فإن المندوب داخل في الواجب من غير عكس فحمل الامر على الوجوب لا ~~يفوت معه المقصود من الندب بخلاف الحمل على الندب فكان حمله على الوجوب ~~أولى. # وأيضا فإن الامر موضوع لإفادة معنى، وهو إيجاد الفعل، فكان مانعا من ~~نقيضه كالخبر. # وأيضا فإن الامر بالفعل يفيد رجحان وجود الفعل على عدمه، وإلا كان مرجوحا ~~أو مساويا. ولو كان مرجوحا لما أمر به لما فيه من الاخلال بالمصلحة الزائدة ~~في الترك والتزام المفسدة الراجحة في الفعل، وهو قبيح. ولو كان مساويا، لم ~~يكن الامر به أولى من النهي عنه، وذلك أيضا قبيح. وإذا كان راجحا، فلو جاز ~~تركه، لزم منه الاخلال بأرجح المقصودين، وهو قبيح، فلا يرد به الشرع فتعين ~~الامتناع من الترك، وهو معنى الوجوب. # والجواب من جهة الاجمال، والتفصيل. # أما الاجمال فهو أن جميع ما ذكروه لا خروج له عن الظن، وإنما يكون مفيدا ~~فيما يطلب فيه الظن فقط، وهو غير مسلم فيما نحن فيه. وقوله، صلى الله عليه ~~وسلم: نحن نحكم بالظاهر فظني، والكلام في صحة الاحتجاج به فيما نحن فيه، ~~فعلى ما تقدم. PageV02P149 # وأما من جهة التفصيل، فإنا نخص كل شبهة بجواب. # أما قوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24 النور: 54) فهو ~~أمر والخلاف في اقتضائه للوجوب، بحاله وقوله: * (فإن توليتم، فإنما عليه ما ~~حمل، وعليكم ما حملتم) * (24 النور: 54) فإما أن لا يكون للتهديد بل ~~للاخبار بأن الرسول عليه ما حمل من التبليغ، وعليكم ما حملتم من القبول، ~~وليس في ذلك ما يدل على كون الامر للوجوب، وإن كان للتهديد فهو دليل على ~~الوجوب فيما هدد على تركه ومخالفته من الأوامر، وليس فيه ما يدل على أن كل ~~أمر مهدد بمخالفته، بدليل أمر الندب، فإن المندوب مأمور به، على ما سيأتي، ~~وليس مهددا على مخالفته. وإذا انقسم الامر إلى مهدد عليه، وغير مهدد، وجب ~~اعتقاد الوجوب فيما هدد عليه، دون غيره، وبه يخرج الجواب عن كل صيغة أمر ~~هدد على مخالفتها وحذر منها، ووصف مخالفها ms348 بكونه عاصيا، وبه دفع أكثر ما ~~ذكروه من الآيات. # ويخص قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24 النور: 63) ~~بأنه غير عام في كل أمر بصيغته. وإن قيل بالتعميم بالنظر إلى معقوله، من ~~جهة أنه مناسب، رتب التحذير على مخالفته، فإنما يصح أن لو لم يتخلف الحكم ~~عنه في أمر الندب، وقد تخلف فلا يكون حجة، وأيضا، فإن غايته أنه حذر من ~~مخالفة أمره ومخالفة أمره أن لا يعتقد موجبه، وأن لا يفعل على ما هو عليه ~~من إيجاب أو ندب، ونحن نقول به، وليس فيه ما يدل على أن كل أمر للوجوب. # ويخص قوله لإبليس * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) * (7 الأعراف: 12) ~~بأنه غير عام في كل أمر. PageV02P150 # ويخص قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) * (33 الأحزاب: 36) الآية، ~~بأن المراد من قوله أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، أي في اعتقاد وجوب ~~المأمور به أو ندبه، وفعله على ما هو عليه، إن كان واجبا فواجب، وإن كان ~~ندبا فندب. # ويخص قوله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) * (4 النساء: 65) ~~الآية بأنه لا حجة فيها. # وقوله: * (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * (4 النساء: 65) أي ~~حكمت به من الوجوب والندب والإباحة والتحريم ونحوه، وليس فيه ما يدل على أن ~~كل ما يقضي به يكون واجبا. # وأما حديث بريرة فلا حجة فيه، فإنها إنما سألت عن الامر، طلبا للثواب ~~بطاعته، والثواب والطاعة قد يكون بفعل المندوب، وليس في ذلك ما يدل على ~~أنها فهمت من الامر الوجوب، فحيث لم يكن أمرا لمصلحة أخروية لا بجهة ~~الوجوب، ولا بجهة الندب، قالت: لا حاجة لي فيه. # فإن قيل: فإجابة شفاعة النبي، صلى الله عليه وسلم مندوب إليها، فإذا لم ~~يكن مأمورا بها، تعين أن يكون الامر للوجوب. # قلنا: إذا سلم أن الشفاعة في صورة بريرة غير مأمور بإجابتها، فلا نسلم ~~أنها كانت في تلك الصورة مندوبة، ضرورة أن المندوب عندنا لا بد وأن يكون ~~مأمورا به. # وأما ms349 السواك ففيه ما يدل على أنه أراد بالامر أمر الوجوب، بدليل أنه قرن ~~به المشقة، والمشقة لا تكون إلا في فعل الواجب، لكونه متحتما، بخلاف ~~المندوب، لكونه في محل الخيرة بين الفعل والترك، ولا يمتنع صرف الامر إلى ~~الوجوب بقرينة، ودخول حرف (لولا) على مطلق الامر لا يمنع من هذا التأويل. ~~PageV02P151 # وأما خبر أبي سعيد الخدري فلا حجة فيه أيضا، فإن قوله تعالى: * (استجيبوا ~~لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) * (8 الأنفال: 24) إنما كان محمولا على ~~وجوب إجابة النداء، تعظيما لله تعالى، ولرسوله في إجابة دعائه، ونفيا ~~للإهانة عنه، والتحقير له، بالاعراض عن إجابة دعائه، لما فيه من هضمه في ~~النفوس، وإفضاء ذلك إلى الاخلال بمقصود البعثة، ولا يمتنع صرف الامر إلى ~~الوجوب بقرينة. # وأما خبر الحج، فلا دلالة فيه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ولو قلت ~~نعم لوجب ليس أمرا ليكون للوجوب، بل لأنه يكون بيانا لقوله تعالى: * (ولله ~~على الناس حج البيت) * (3 آل عمران: 97) فإنه مقتض للوجوب، غير أنه متردد ~~بين التكرار والمرة الواحدة، فقوله: لو قلت نعم لوجب أي تكرره لأنه يكون ~~بيانا لما أوجبه الله تعالى، لا أنه يكون موجبا. # وأما ما ذكروه من الاجماع، فإن أريد به أن الأمة كانت ترجع في الوجوب إلى ~~مطلق الأوامر فهو غير مسلم، وليس هو أولى من قول القائل: إنهم كانوا يرجعون ~~في الندب إلى مطلق الأوامر، مع أن أكثر الأوامر للمندوبات، وإن أريد به ~~أنهم كانوا يرجعون في الوجوب إلى الأوامر المقترنة بالقرائن، فلا حجة فيه. # وأما قصة أبي بكر، فلا حجة في احتجاجه بقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة ~~وأتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) على أن الامر بمطلقه للوجوب، وذلك لأنهم لم ~~يكونوا منكرين لأصل الوجوب، حتى يستدل على الوجوب بالآية، بل إنما أنكروا ~~التكرار، والاستدلال على تكرار ما وجب، لا يكون استدلالا على نفس اقتضاء ~~الامر بمطلقه للوجوب. # وأما قولهم: إن أهل اللغة يصفون من خالف الامر المطلق بالعصيان، ويحكمون ~~عليه باستحقاق الذم والتوبيخ، ليس كذلك فإنه ms350 ليس القول بملازمة هذه الأمور ~~للامر المطلق، وملازمة انتفائها للامر المقيد بالقرينة في المندوبات، أولى ~~من العكس. PageV02P152 # فإن قيل: بل تقييد المندوب بالقرينة، أولى من تقييد الواجب بها فإنها ~~بتقدير خفائها تحمل على الوجوب، وهو نافع غير مضر. وبتقدير تقييد الواجب ~~بها يلزم الاضرار بترك الواجب بتقدير خفائها، لفوات المقصود الأعظم منه، ~~فهو معارض بأن الأوامر الواردة في المندوبات، أكثر منها في الواجبات، فإنه ~~ما من واجب إلا ويتبعه مندوبات، والواجب غير لازم للمندوب ولا يخفى أن ~~المحذور في تقييد الأعم بالقرينة لاحتمال خفائها، أعظم من محذور ذلك في ~~الأخص. # وأما الشبه العقلية قولهم: إن الوجوب من المهمات. # قلنا: والندب من المهمات، وليس إخلاء أحد الامرين من لفظ يدل عليه، أولى ~~من الآخر. وإن قيل بأن المندوب له لفظ يدل عليه، وهو قول القائل ندبت ورغبت ~~فللوجوب أيضا لفظ يدل عليه، وهو قوله أوجبت وألزمت وحتمت. # قولهم أنه يمتنع أن يكون الامر حقيقة في الندب لما ذكروه، فهو مقابل ~~بمثله، فإن حمل الطلب على الوجوب معناه: افعل وأنت ممنوع من الترك وهو غير ~~مذكور في الطلب، فلا يكون حمله على أحدهما أولى من الآخر. # قولهم إن النهي يقتضي المنع من الفعل فيجب أن يكون الامر مقتضيا للمنع من ~~الترك. # قلنا: لا نسلم أن مطلق النهي يقتضي المنع من الفعل، إلا أن يدل عليه ~~دليل، كما ذكرناه في الامر. وإن صح ذلك في النهي فحاصل ما ذكروه راجع إلى ~~القياس في اللغة، وهو باطل بما سبق. # قولهم إن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده غير مسلم كما يأتي، وإن سلم، ~~ولكن إنما يمكن القول بأن النهي عن أضداد المأمور به مما يمنع من فعلها، إن ~~لو كان الامر للوجوب، وإلا فبتقدير أن يكون للندب، فالنهي عن أضداده يكون ~~نهي تنزيه، فلا يمنع من فعلها، وعند ذلك فيلزم منه توقف الوجوب على كون ~~النهي عن أضداده، مانعا من فعلها، وذلك متوقف على كون الامر للوجوب، وهو ~~دور ممتنع. # قولهم إن حمل الطلب ms351 على الوجوب أحوط للمكلف على ما ذكروه، فهو معارض بما ~~يلزم من حمله على الوجوب من الاضرار اللازم من الفعل الشاق بتقدير ~~PageV02P153 # فعله، والعقاب بتقدير تركه، ولما فيه من مخالفة النفي الأصلي بما اختص به ~~الوجوب من زيادة الذم والوصف بالعصيان، بخلاف المندوب كيف وإن المكلف إذا ~~نظر وظهر له أن الامر للندب فقد أمن من الضرر، وحصل مقصود الامر. # قولهم إن المندوب داخل في الواجب ليس كذلك على ما سبق تقريره. # قولهم إن الامر موضوع لمعنى، فكان مانعا من نقيضه، دعوى محل النزاع، ~~والقياس على الخبر من باب القياس في اللغات، وهو باطل بما سبق. ثم إنه ~~منقوض بالامر بالمندوب، فإنه مأمور به على ما سبق. # فإن قيل: لا يلزم من مخالفة الدليل في المندوب المخالفة مطلقا. # قلنا: يجب أن نعتقد أن ما ذكروه ليس بدليل حتى لا يلزم منه المخالفة في ~~المندوب. # وما ذكروه من الشبهة الأخيرة فهي منتقضة بالمندوب وأما شبه القائلين ~~بالندب، فمنها نقلية وعقلية. # أما النقلية فقوله، صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم، وإذ نهيتكم عن شئ فانتهوا فوض الامر إلى استطاعتنا ومشيئتنا، وهو ~~دليل الندبية. # وأما العقلية فهو أن المندوب ما فعله خير من تركه، وهو داخل في الواجب، ~~فكل واجب مندوب، وليس كل مندوب واجبا، لان الواجب ما يلام على تركه، ~~والمندوب ليس كذلك، فوجب جعل الامر حقيقة فيه لكونه متيقنا. # وجوابهما من جهة الاجمال، فما سبق في جواب شبه القائلين بالوجوب. # ومن جهة التفصيل: عن الأولى أنه لا يلزم من قوله: ما استطعتم تفويض الامر ~~إلى مشيئتنا، فإنه لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال: ما استطعتم وليس ذلك ~~خاصية للندب، فإن كل واجب كذلك. # وعن الثانية ما سبق من امتناع وجود المندوب في الواجب، ثم لو كان تنزيل ~~لفظ الامر على المتيقن لازما، لكان جعله حقيقة في رفع الحرج عن الفعل أولى، ~~لكونه متيقنا، بخلاف المندوب، فإنه متميز بكون الفعل مترجحا على الترك، وهو ~~غير متيقن. ms352 PageV02P154 # المسألة الثالثة اختلف الأصوليون في الامر العري عن القرائن: فذهب ~~الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه مقتض ~~للتكرار المستوعب لزمان العمر مع الامكان، وذهب آخرون إلى أنه للمرة ~~الواحدة، ومحتمل للتكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي ~~الحسين البصري وكثير من الأصوليين، ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها ~~بنفي ولا إثبات، وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية. # والمختار أن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال، وهو معلوم قطعا، ~~والتكرار محتمل، فإن اقترن به قرينة أشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل ~~عليه، وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافيا. والدليل على ذلك أنه إذا ~~قال له صل أو صم فقد أمره بإيقاع فعل الصلاة والصوم، وهو مصدر (افعل)، ~~والمصدر محتمل للاستغراق والعدد: ولهذا يصح تفسيره به، فإنه لو قال لزوجته ~~أنت طالق ثلاثا وقع به لما كان تفسيرا للمصدر، وهو الطلاق، ولو اقتصر على ~~قوله أنت طالق لم يقع سوى طلقة واحدة، مع احتمال اللفظ للثلاث، فإذا قال صل ~~فقد أمره بإيقاع المصدر، وهو الصلاة، والمصدر محتمل للعدد، فإن اقترن به ~~قرينة مشعرة بإرادة العدد حمل عليه، وإلا فالمرة الواحدة تكون كافية. ولهذا ~~فإنه لو أمر عبده أن يتصدق صدقة، أو يشتري خبزا أو لحما، فإنه يكتفى منه ~~بصدقة واحدة وشراء واحد، ولو زاد على ذلك، فإنه يستحق اللوم والتوبيخ لعدم ~~القرينة الصارفة إليه، وإن كان اللفظ محتملا له، وإنما كان كذلك لان حال ~~الآمر متردد بين إرادة العدد وعدم إرادته، وإنما يجب العدد مع ظهور ~~الإرادة، ولا ظهور، إذ الفرض فيما إذا عدمت القرائن المشعرة به. فقد بطل ~~القول بعدم إشعار اللفظ بالعدد مطلقا، وبطل القول بظهوره فيه وبالوقف أيضا. ~~والاعتراض هاهنا يختلف باختلاف مذاهب الخصوم: فمن اعتقد ظهوره في التكرار ~~اعترض بشبه. الأولى: منها أن أوامر الشارع في الصوم والصلاة محمولة على ~~التكرار، فدل على إشعار الامر به. PageV02P155 # الثانية: أن قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * يعم كل مشرك فقوله صم وصل ~~ينبغي أن ms353 يعم جميع الأزمان، لان نسبة اللفظ إلى الأزمان كنسبته إلى ~~الأشخاص. # الثالثة: أن قوله صم كقوله لا تصم ومقتضى النهي الترك أبدا، فوجب أن يكون ~~الامر مقتضيا للفعل أبدا لاشتراكهما في الاقتضاء والطلب. # الرابعة: أن الامر اقتضى فعل الصوم، واقتضى اعتقاد وجوبه والعزم عليه ~~أبدا، فكذلك الموجب الآخر. # الخامسة: أن الامر لا اختصاص له بزمان دون زمان، فليس حمله على البعض ولى ~~من البعض، فوجب التعميم. # السادسة: أنه لو لم يكن الامر للتكرار لما صح الاستثناء منه، لاستحالة ~~الاستثناء من المرة الواحدة، ولا تطرق النسخ إليه لان ذلك يدل على البدا، ~~وهو محال على الله تعالى، ولا حسن الاستفهام من الآمر أنك أردت المرة ~~الواحدة أو التكرار. ولكان قول الآمر لغيره صل مرة واحدة غير مفيد، وكان ~~قوله صل مرارا تناقضا، ولكان إذا لم يفعل المأمور ما أمر به في أول الوقت، ~~محتاجا في فعله ثانيا إلى دليل، وهو ممتنع. # السابعة: أن الحمل على التكرار أحوط للمكلف، لأنه إن كان للتكرار، فقد ~~حصل المقصود، ولا ضرر، وإن لم يكن للتكرار لم يكن فعله مضرا. # الثامنة: إن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداده يقتضي ~~استغراق الزمان، وذلك يستلزم استدامة فعل المأمور به. # التاسعة: قوله، صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم أي فأتوا بما أمرتكم به ما استطعتم، وذلك يقتضي وجوب التكرار. # العاشرة: أن عمر بن الخطاب سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، لما رآه قد ~~جمع بطهارة واحدة بين صلوات عام الفتح، وقال: أعمدا فعلت هذا يا رسول الله؟ ~~فقال: نعم ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من قوله تعالى: * (إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * (5 المائدة: 6) لما كان للسؤال معنى. # الحادية عشرة: أنه إذا قال الرجل لغيره: أحسن عشرة فلان، فإنه يفهم منه ~~التكرار والدوام. PageV02P156 # وأما شبه القائلين بامتناع احتمال التكرار، فأولها أن من قال لغيره ادخل ~~الدار يعد ممتثلا بالدخول مرة واحدة، كما أنه يصير ممتثلا لقوله اضرب رجلا ~~بضرب رجل ms354 واحد. ولذلك، فإنه لا يلام بترك التكرار، بل يلام من لامه عليه. # وثانيها: أنه لو قال القائل صام زيد صدق على المرة الواحدة من غير إدامة، ~~فليكن مثله في الامر. # وثالثها: أنه لو حلف أنه ليصلين أو ليصومن، برت يمينه بصلاة واحدة وصوم ~~يوم واحد، وعد آتيا بما التزمه، فكذلك في الالتزام بالامر. # ورابعها: أنه لو قال الرجل لوكيله طلق زوجتي لم يملك أكثر من تطليقة ~~واحدة. # وخامسها: أنه لو كان الامر للتكرار، لكان قوله صل مرارا غير مفيد، وكان ~~قوله صل مرة واحدة نقصا، وليس كذلك. # وسادسها: أنه لو كان مطلق الامر للتكرار، لكان الامر بعبادتين مختلفتين ~~لا يمكن الجمع بينهما إما تكليفا بما لا يطاق، أو أن يكون الامر بكل واحدة ~~مناقضا للامر بالأخرى، وهو ممتنع. # وأما شبه القائلين بالوقف، فأولها أن الامر بمطلقه غير ظاهر في المرة ~~الواحدة ولا في التكرار، ولهذا، فإنه يحسن أن يستفهم من الآمر عند قوله ~~اضرب ويقال له مرة واحدة أو مرارا. ولو كان ظاهرا في أحد الامرين لما حسن ~~الاستفهام. # وثانيها أنه لو كان ظاهرا في المرة الواحدة لكان قول الآمر اضرب مرة ~~واحدة تكرارا أو مرارا تناقضا، وكذلك لو كان ظاهرا في التكرار. # والجواب: عن الشبهة الأولى للقائلين بالتكرار هو أن حمل بعض الأوامر، وإن ~~كانت متكررة، على التكرار، لا يدل على استفادة ذلك من ظاهرها، وإلا كان ما ~~حمل من الأوامر على المرة الواحدة، كالحج ونحوه، مستفادا من ظاهر الامر، ~~ويلزم من ذلك إما التناقض أو اعتقاد الظهور في أحد الامرين دون الآخر من ~~غير أولوية وهو محال. PageV02P157 # فإن قيل: اعتقاد الظهور في التكرار أولى، لان ما حمل من الأوامر على ~~التكرار أكثر من المحمول على المرة الواحدة، وعند ذلك فلو جعلناه ظاهرا في ~~المرة الواحدة لكان المحذور اللازم من مخالفته في الحمل على التكرار أقل من ~~المحذور اللازم من جعله ظاهرا في التكرار عند حمله على المرة الواحدة. # قلنا: هذا إنما يلزم أن لو قلنا إن الامر ظاهر ms355 في أحد الامرين، وليس ~~كذلك، بل الامر عندنا إنما يقتضي إيقاع مصدر الفعل والمرة الواحدة من ~~ضروراته، لأن الامر ظاهر فيها، وكذلك في التكرار، فحمل الامر على أحدهما ~~بالقرينة لا يوجب مخالفة الظاهر في الآخر، لعدم تحققه فيه. # وعن الثانية: وإن سلمنا أن العموم في قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * ~~(9 التوبة: 5) أنه يتناول كل مشرك فليس ذلك إلا لعموم اللفظ، ولا يلزم مثله ~~فيما نحن فيه لعدم العموم في قوله صم بالنسبة إلى جميع الأزمان، بل لو قال ~~صم في جميع الأزمان كان نظيرا لقوله اقتلوا المشركين. # وعن الثالثة: لا نسلم أن النهي المطلق للدوام، وإنما يقتضيه عند التصريح ~~بالدوام أو ظهور قرينة تدل عليه، كما في الامر، وإن سلمنا اقتضاءه للدوام، ~~لكن ما ذكروه من إلحاق الامر بالنهي بواسطة الاشتراك بينهما في الاقتضاء ~~فرع صحة القياس في اللغات، وقد أبطلناه. وإن سلمنا صحة ذلك، غير أنا نفرق، ~~وبيانه من وجهين: الأول أن من أمر غيره أن يضرب فقد أمره بإيقاع مصدره وهو ~~الضرب، فإذا ضرب مرة واحدة يصح أن يقال: لم يعدم الضرب. # الثاني إن حمل الامر على التكرار مما يفضي إلى تعطيل الحوائج المهمة، ~~وامتناع الاتيان بالمأمورات التي لا يمكن اجتماعها بخلاف الانتهاء عن ~~المنهي مطلقا. PageV02P158 # وعن الرابعة: أنها غير متجهة، وذلك لان دوام اعتقاد الوجوب عند قيام دليل ~~الوجوب ليس مستفادا من نفس الامر، وإنما هو من أحكام الايمان، فتركه يكون ~~كفرا، والكفر منهي عنه دائما، ولهذا، كان اعتقاد الوجوب دائما في الأوامر ~~المقيدة. # وأما العزم فلا نسلم وجوبه، ولهذا فإن من دخل عليه الوقت، وهو نائم، لا ~~يجب على من حضره إنباهه، ولو كان العزم واجبا في ذلك الوقت، لوجب عليه، كما ~~لو ضاق وقت العبادة، وهو نائم. وإن سلمنا وجوب العزم، لكن لا نسلم وجوبه ~~دائما، بل هو تبع لوجوب المأمور به، وإن سلمنا وجوبه دائما، فلا نسلم كونه ~~مستفادا من نفس الامر، ليلزم ما قيل، بل إنما هو مستفاد من دليل اقتضى ~~دوامه غير ms356 الامر الوارد بالعبادة، ولهذا، وجب في الأوامر بالفعل مرة واحدة. # وعن الخامسة: أنها باطلة من جهة أن الامر غير مشعر بالزمان، وإنما الزمان ~~من ضرورات وقوع الفعل المأمور به، ولا يلزم من عدم اختصاصه ببعض الأزمنة ~~دون البعض التعميم كالمكان. # وعن السادسة: وهي قولهم لو كان الامر للمرة الواحدة لما دخله النسخ ليس ~~كذلك عندنا، فإنه لو أمر بالحج في السنة المستقبلة، جاز نسخه عندنا قبل ~~التمكن من الامتثال، على ما يأتي. وإنما ذلك لازم على المعتزلة. وأما دخول ~~الاستثناء فمن أوجب الفعل على الفور، يمنع منه، ومن أوجبه على التراخي، فلا ~~يمنع من استثناء بعض الأوقات التي المكلف مخير في إيقاع الواجب فيها. وأما ~~حسن الاستفهام، فإنما كان لتحصيل اليقين فيما اللفظ محتمل له، تأكيدا، فإنه ~~محتمل لإرادة التكرار وإرادة المرة الواحدة، وبه يخرج الجواب عن قوله صل ~~مرة وحدة وقوله: صل مرارا غير متناقض، بل غايته دلالة الدليل على إرادة ~~التكرار المحتمل. وإذا لم يفعل ما أمر به في أول الوقت، فمن قال بالتراخي، ~~لا يحتاج إلى دليل آخر، لان مقتضى الامر المطلق عنده تخيير المأمور في ~~إيقاع الفعل في أي وقت شاء من ذلك الوقت، ومن قال بالفور، فلا بد له من ~~دليل في ثاني الحال. PageV02P159 # وعن السابعة ما سبق في الواجب والمندوب. # وعن الثامنة لا نسلم أن الامر بالشئ نهي عن أضداده، وإن سلم ذلك، ولكن ~~اقتضاء النهي للاضداد بصفة الدوام، فرع كون الامر مقتضيا للفعل على الدوام، ~~وهو محل النزاع. # وأما قوله، صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر الحديث، إنما يلزم أن لو ~~كان ما زاد على المرة الواحدة مأمورا به، وليس كذلك. # وأما حديث عمر فلا يدل على أنه فهم أن الامر بالطهارة يقتضي تكرارها ~~بتكرر الصلاة، بل لعله أشكل عليه أنه للتكرار، فسأل النبي عن عمده وسهوه في ~~ذلك، لإزاحة الاشكال، بمعرفة كونه للتكرار، إن كان فعل النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، سهوا أو لا للتكرار، إن كان فعله عمدا. كيف وإن ms357 فهم عمر لذلك ~~مقابل بإعراض النبي، صلى الله عليه وسلم، عن التكرار، ولو كان للتكرار لما ~~أعرض عنه، وله الترجيح. # وأما الشبهة الأخيرة فإنما عم الامر فيها بالاكرام وحسن العشرة للأزمان، ~~لان ذلك إنما يقصد به التعظيم، وذلك يستدعي استحقاق المأمور بإكرامه ~~للاكرام، وهو سبب الامر، فمهما لم يعلم زوال ذلك السبب وجب دوام المسبب، ~~فكان الدوام مستفادا من هذه القرينة، لا من مطلق الامر. # والجواب عن الشبهة الأولى للقائلين بامتناع احتمال الامر المطلق للتكرار، ~~أن ذلك يدل على أن الامر غير ظاهر في التكرار، ولا يلزم منه امتناع احتماله ~~له. # ولهذا، فإنه لو قال: ادخل الدار مرارا، بطريق التفسير، فإنه يصح ويلزم، ~~ولو عدم الاحتمال لما صح التفسير. # وعن الثانية أن ذلك قياس في اللغات، فلا يصح، وبه دفع الشبهة الثالثة. # وإذا قال لوكيله طلق زوجتي إنما لم يملك ما زاد على الطلقة الواحدة، لعدم ~~ظهور الامر فيها، لا لعدم الاحتمال لغة. ولهذا لو قال طلقها ثلاثا على ~~التفسير، صح. # وعن الخامسة ما سبق. PageV02P160 # وعن السادسة أنها باطلة، وذلك لان زيادة المشقة من حمل الامر على ~~التكرار، إما أن لا يكون منافيا له، أو يكون منافيا: فإن كان الأول، فلا ~~اتجاه لما ذكروه، وإن كان الثاني فغايته تعذر العمل بالامر في التكرار، عند ~~لزوم الحرج، فيلون ذلك قرينة مانعة من صرف الامر إليه، ولا يلزم من ذلك ~~امتناع احتماله له لغة. # وجواب شبهة القائلين بالوقف ما سبق في جواب من تقدم، والله أعلم. # المسألة الرابعة الامر المعلق بشرط، كقوله: إذا زالت الشمس فصلوا أو صفة ~~كقوله: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24 النور: ~~2) هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرر الشرط والصفة، أم لا؟ # فمن قال إن الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هاهنا أولى. ومن قال إن الامر ~~المطلق لا يقتضي التكرار اختلفوا هاهنا: فمنهم من أوجبه، ومنهم من نفاه. # وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع، فنقول: ما علق به ~~المأمور من الشرط ms358 أو الصفة، إما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس الامر ~~لوجوب الفعل المأمور به، كالزنى، أو لا يكون كذلك، بل الحكم متوقف عليه من ~~غير تأثير له فيه، كالاحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنى، فإن كان ~~الأول، فالاتفاق واقع على تكرر الفعل بتكرره نظرا إلى تكرر العلة، ووقوع ~~الاتفاق على التعبد باتباع العلة، مهم وجدت، فالتكرار مستند إلى تكرار ~~العلة، لا إلى الامر، وإن كان الثاني، فهو محل الخلاف. والمختار أنه لا ~~تكرار. # وقد احتج القائلون بهذا المذهب بحجج واهية، لا بد من التنبيه عليها، وعلى ~~ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. الحجة الأولى أنهم قالوا: أجمعنا ~~على أن الخبر المعلق بالشرط أو الصفة لا يقتضي تكرار المخبر عنه كما لو قال ~~إن جاء زيد جاء عمرو فإنه لا يلزم تكرر مجئ عمرو في تكرر مجئ زيد، فكذلك في ~~الامر، وهي باطلة، فإن حاصلها يرجع إلى القياس في اللغة، وقد أبطلناه. ~~PageV02P161 # الثانية أنه لو قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنه لا يتكرر ~~الطلاق بتكرار الدخول، فكذلك في قوله إذا زالت الشمس فصلوا وهو أيضا من جنس ~~ما تقدم، لما فيه من قياس الامر على إنشاء الطلاق الذي ليس بأمر. # الثالثة أن اللفظ لا دلالة فيه إلا على تعليق شئ بشئ، وهو أعم من تعليقه ~~عليه في كل صورة، أو في صورة واحدة، والمشعر بالأعم لا يلزم أن يكون مشعرا ~~بالأخص. # وحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى محض الدعوى، بأن الامر المضاف إلى الشرط ~~أو الصفة لا يفهم منه اقتضاء التكرار بتكرر الشرط أو الصفة، وهو عين محل ~~النزاع. # وإنما الواجب أن يقال إنه مشعر بالأعم. والأصل عدم إشعاره، بالأخص. # والمعتمد في ذلك أن يقال: لو وجب التكرار لم يخل، إما أن يكون المقتضي له ~~نفس الامر، أو الشرط، أو مجموع الامرين: لا جائز أن يقال بالأول لما سبق في ~~المسألة المتقدمة، ولا بالثاني لان الشرط غير مؤثر في المشروط، بحيث يلزم ~~من ms359 وجوده وجوده، بل إنما تأثيره في انتفاء المشروط عند انتفائه وحيث قيل ~~بملازمة المشروط لوجود الشرط في قوله لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق إنما ~~كان لضرورة وجود الموجب، وهو قوله أنت طالق لا لنفس دخول الدار، وإلا كان ~~دخول الدار موجبا للطلاق مطلقا، وهو محال، ولا جائز أن يقال بالثالث، لأنا ~~أجمعنا على أنه لو قال لعبده إذا دخلت السوق فاشتر لحما أنه لا يقتضي ~~التكرار، وذلك إما أن يكون مع تحقق الموجب للتكرار، أو لا مع تحققه: لا ~~جائز أن يقال بالأول، وإلا فانتفاء التكرار إما لمعارض، أو لا لمعارض: ~~والأول ممتنع لما فيه من المعارضة وتعطيل الدليل عن أعماله، وهو خلاف ~~الأصل، والثاني أيضا باطل لما فيه من مخالفة الدليل من غير معارض، فلم يبق ~~سوى الثاني، وهو المطلوب فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من وجوه. # الأول: أنه قد وجد في كتاب الله تعالى أوامر متعلقة بشروط وصفات، وهي ~~متكررة بتكررها، كقوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة، فاغسلوا) * (5 ~~المائدة: 6) الآية، وقوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * ~~(5 المائدة: 38) * (والزانية والزاني) * (24 النور: 2) الآية ولو لم يكن ~~ذلك مقتضيا للتكرار لما كان متكررا. PageV02P162 # الثاني: أن العلة يتكرر الحكم بتكررها إجماعا، والشرط أقوى من العلة ~~لانتفاء الحكم بانتفائه بخلاف العلة، فكان اقتضاؤه للتكرار أولى. # الثالث: أن نسبة الحكم إلى إعداد الشرط المعلق عليه نسبة واحدة، ولا ~~اختصاص له بالموجود الأول منها، دون ما بعده، وعند ذلك فإما أن يلزم من ~~انتفاء الحكم مع وجود الشرط ثانيا وثالثا انتفاؤه مع وجود الشرط الأول، أو ~~من وجوده مع الأول الوجود مع الثاني، وما بعده، ضرورة التسوية: والأول خلاف ~~الاجماع، والثاني هو المطلوب. # الرابع: أنه لو لم يكن الامر مقتضيا لتعليق الحكم بجميع الشروط، بل ~~بالأول منها، فليزم أن يكون فعل العبادة مع الشرط الثاني، دون الأول، قضاء، ~~وكانت مفتقرة إلى دليل آخر وهو ممتنع. # الخامس: أن النهي المعلق بالشرط مفيد للتكرار، كما إذا قال إن دخل زيد ~~الدار، فلا تعطه ms360 درهما والامر ضد النهي، فكان مشاركا له في حكمه، ضرورة ~~اشتراكهما في الطلب والاقتضاء. # السادس: أن تعليق الامر على الشرط الدائم، موجب لدوام المأمور به بدوامه، ~~كما لو قال إذا وجد شهر رمضان فصمه فإن الصوم يكون دائما بدوام الشهر، ~~وتعليق الامر على الشرط المتكرر في معناه فكان دائما. # والجواب عن الأول أنه إذا ثبت بما ذكرناه أن الامر المعلق بالشرط والضفة ~~غير مقتض للتكرار، فحيث قضي بالتكرار إما أن يكون الشرط والصفة علة للحكم ~~المكرر في نفس الامر، كما في الزنى والسرقة، أو لا يكون علة له: فإن كان ~~الأول، فالتكرار إنما كان لتكرر العلة الموجبة للحكم، ولا كلام فيه، وإن ~~كان الثاني، فيجب اعتقاد كونه متكررا لدليل اقتضاه غير الامر المعلق بالشرط ~~والصفة، لما ذكرناه من عدم اقتضائه. كيف وإنه كما قد يتكرر الفعل المأمور ~~به بتكرر الشرط، فقد لا يتكرر كالأمر بالحج، فإنه مشروط بالاستطاعة وهو غير ~~متكرر بتكررها. PageV02P163 # وعن الثاني: أنه لا يلزم من تكرر الحكم بتكرر العلة لكونها موجبة للحكم، ~~تكرره بتكرر الشرط، مع أنه غير موجب للحكم، كما تقرر. # وعن الثالث: أنه إنما يلزم القائلين بالوجوب على الفور، وليس كذلك عندنا، ~~بل الامر مقتض للامتثال مع استواء التقديم والتأخير فيه، إذا علم تجدد ~~الشرط، وغلب على الظن بقاء المأمور، ويكون الامر قد اقتضى تعلق المأمور به ~~على الشروط كلها على طريق البدل من غير اختصاص له ببعضها دون بعض. وأما إن ~~لم يغلب على الظن تجدد الشرط، ولا بقاء المأمور إلى حالة وجود الشرط ~~الثاني، فقد تعين اختصاص المأمور بالشرط الأول، لعدم تحقق ما سواه. # وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الرابع أيضا. # وعن الخامس أن حاصله يرجع إلى قياس الامر على النهي في اللغة، وهو باطل ~~بما سبق. # كيف وإنا لا نسلم أن النهي المضاف إلى الشرط يتكرر بتكرر الشرط، بل ما ~~اقتضاه النهي إنما هو دوام المنع عند تحقق الشرط الأول، سواء تجدد الشرط ~~ثانيا، أو لم يتجدد. # وعن السادس أن الشرط ms361 المستشهد به، وإن كان له دوام في زمان معين، والحكم ~~موجود معه، فهو واحد والمشروط به غير متكرر بتكرره. وعند ذلك فلا يلزم من ~~لزوم وجود المشروط عند تحقق شرطه من غير تكرر، لزوم التكرر بتكرر الشرط في ~~محل النزاع. PageV02P164 # المسألة الخامسة اختلفوا في الامر المطلق: هل يقتضي تعجيل فعل المأمور ~~به؟ # فذهبت الحنفية والحنابلة وكل من قال بحمل الامر على التكرار، إلى وجوب ~~التعجيل. وذهبت الشافعية والقاضي أبو بكر وجماعة من الأشاعرة والجبائي ~~وابنه وأبو الحسين البصري إلى التراخي، وجواز التأخير عن أول وقت الامكان. # وأما الواقفية فقد توقفوا، لكن منهم من قال: التوقف إنما هو في المؤخر هل ~~هو ممتثل أو لا؟ وأما المبادر فإنه ممتثل قطعا، لكن هل يأثم بالتأخير؟ ~~اختلفوا فيه: # فمنهم من قال بالتأثيم، وهو اختيار إمام الحرمين، ومنهم من لم يؤثمه، ~~ومنهم من توقف في المبادر أيضا، وخالف في ذلك إجماع السلف. # والمختار أنه مهما فعل، كان مقدما أو مؤخرا، كان ممتثلا للامر، ولا إثم ~~عليه بالتأخير. # والدليل على ذلك أن الامر حقيقة في طلب الفعل لا غير، فمهما أتى بالفعل ~~في أي زمان كان، مقدما أو مؤخرا كان آتيا بمدلول الامر، فيكون ممتثلا ~~للامر، ولا إثم عليه بالتأخير، لكونه آتيا بما أمر به على الوجه الذي أمر ~~به، وبيان أن مدلول الامر طلب الفعل لا غير، وجهان. # الأول: أنه دليل على طلب الفعل بالاجماع، والأصل عدم دلالته على أمر ~~خارج، والزمان وإن كان لا بد منه من ضرورة وقوع الفعل المأمور به، ولا يلزم ~~أن يكون داخلا في مدلول الامر، فإن اللازم من الشئ أعم من الداخل في معناه، ~~ولا أن يكون متعينا، كما لا تتعين الآلة في الضرب، ولا الشخص المضروب، وإن ~~كان ذلك من ضرورات امتثال الامر بالضرب. # الوجه الثاني: أنه يجوز ورود الامر بالفعل على الفور وعلى التراخي، ويصح ~~مع ذلك أن يقال بوجود الامر في الصورتين. والأصل في الاطلاق الحقيقة، ولا ~~مشترك بين الصورتين سوى طلب الفعل، لان الأصل ms362 عدم ما سواه، فيجب أن يكون هو ~~مدلول الامر في الصورتين، دون ما به الاقتران من الزمان وغيره، نفيا للتجوز ~~والاشتراك عن اللفظ. PageV02P165 # فإن قيل: ما ذكرتموه في بيان امتناع خروج الوقت عن الدخول في مقتضى الامر ~~معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من خمسة وجوه: # الأول: أنه إذا قال السيد لعبده اسقني ماء فإنه يفهم منه تعجيل السقي، ~~حتى أنه يحسن لوم العبد وذمه في نظر العقلاء بتقدير التأخير، ولولا أنه من ~~مقتضيات الامر لما كان كذلك. إذ الأصل عدم القرينة. # الثاني: هو أن مدلول الامر، وهو الفعل المأمور به، لا يقع إلا في وقت ~~وزمان، فوجب أن يكون الامر مقتضيا للفعل في أقرب زمان كالمكان، وكما لو قال ~~لزوجته أنت طالق ولعبده أنت حر فإن مدلول لفظه يقع على الفور في أقرب زمان. # الثالث: أن الامر مشارك للنهي في مطلق الطلب، والنهي مقتض للامتثال على ~~الفور، فوجب أن يكون الامر كذلك. # الرابع: أن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداد المأمور به ~~مقتض للانتهاء عنها على الفور، وذلك متوقف على فعل المأمور به على الفور، ~~فكان الامر مقتضيا له على الفور. # الخامس: أنه تعالى عاتب إبليس ووبخه على مخالفة الامر بالسجود لآدم في ~~الحال بقوله: * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك؟) * (7 الأعراف: 12) ولو لم ~~يكن الامر بالسجود مقتضيا له في الحال، لما حسن توبيخه عليه، ولكان تلك ~~عذرا لإبليس في تأخيره. # سلمنا عدم دلالة الامر على وجوب الفعل على الفور لفظا لكن لم قلتم إنه لا ~~يكون مستلزما له بواسطة دلالته على أصل الوجوب؟ وبيان ذلك من وجوه أربعة: # الأول: أن الامر إذا دل على وجوب الفعل، فقد أجمعنا على وجوب اعتقاده على ~~الفور، مع أن ذلك لم يكن مقتضى للامر، بل هو من لوازم مقتضاه فكان مقتضاه ~~على الفور أولى لأصالته. # الثاني: أن إجماع السلف منعقد على أن المبادر يخرج عن عهدة الامر، ولا ~~إجماع في المؤخر، فكان القول بالتعجيل أحوط وأولى. PageV02P166 # الثالث: ms363 أن الفعل واجب بالاتفاق، فلو جاز تأخيره إما أن يجوز إلى غاية ~~معينة، أو لا إلى غاية. # فإن جاز تأخيره إلى غاية معينة، فإما أن تكون معلومة للمأمور، أو لا تكون ~~معلومة له: فإن كانت معلومة له، فإما أن تكون مذكورة بأن يقال له إلى عشرة ~~أيام مثلا، أو موصوفة. الأول خلاف الفرض، إذ الفرض فيما إذا كان أمرا مطلقا ~~غير مقيد بوقت في الذكر. وإن كان الثاني فالوقت الموصوف لا يخرج بالاجماع ~~عن الوقت الذي إذا انتهى إليه غلب على ظنه أنه لو أخر المأمور به عنه، ~~لفات، وذلك لا يكون إلا بأمارة تدل عليه، وهي الاجماع غير خارجة عن المرض ~~المرجو وعلو السن، وكل واحد من الامرين مضطرب مختلف، فإنه قد يموت قبل ذلك، ~~أو يعيش بعده فلا يعتمد عليه. وإن كانت الغاية غير معلومة له مع أنه لا ~~يجوز له التأخير عنها، كان ذلك تكليفا بما لا يطاق، وهو ممتنع، وهذا كله ~~فيما إذا جاز التأخير إلى غاية. # وإن كان التأخير لا إلى غاية، فإما أن يجوز ذلك ببدل، أو لا ببدل: فإن ~~كان ببدل، فذلك البدل إما أن يكون واجبا أو غير واجب: لا جائز أن لا يكون ~~واجبا، وإلا لما كان بدلا عن الواجب بالاجماع. وإن كان واجبا فهو ممتنع ~~لوجوه أربعة. # الأول أنه لو كان واجبا لوجب إنباه المأمور حالة ورود الامر نحوه على من ~~حضره حذرا من فوات الواجب الذي هو البدل، كما لو ضاق عليه الوقت وكان ~~نائما، الثاني هو أن الامر لا تعرض فيه لوجوب البدل، والأصل عدم دليل آخر، ~~ويمتنع القول بوجوب مالا دليل عليه، الثالث: أن البدل لو كان واجبا، لكان ~~قائما مقام المبدل ومحصلا لمقصوده، وإلا لما كان بدلا، لما فيه من فوات ~~مقصود الأصل، ويلزم من ذلك سقوط المأمور به بالكلية بتقدير الاتيان بالبدل ~~ضرورة حصول مقصوده، وهو محال، الرابع: أنه لو كان البدل واجبا لم يخل إما ~~أن يجوز تأخيره عن الوقت الثاني من ورود الامر، ms364 أو لا يجوز: فإن كان الأول ~~فالكلام فيه كالكلام في أصل المأمور به، وهو تسلسل ممتنع، PageV02P167 # وإن كان الثاني، فهو أيضا ممتنع، لان البدل لا يزيد على نفس المبدل، ووقت ~~المبدل غير معين، فكذلك البدل، وإن جاز التأخير أبدا لا ببدل، ففيه إخراج ~~الواجب عن حقيقته، وهو محال. # الرابع من الوجوه الأول أن امتثال المأمور به من الخيرات وهو سبب الثواب ~~فوجب تعجيله، لقوله تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) * (2 البقرات: 148) وقوله ~~تعالى: * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، وجنة عرضها السماوات والأرض) * (3 آل ~~عمران: 133) أمر بالمسارعة والمسابقة، وهي التعجيل، والامر للوجوب. # والجواب عن الوجه الأول أنه إنما فهم التعجيل من أمر السيد بسقي الماء من ~~الظن الحاصل بحاجة السيد إليه في الحال، إذ الظاهر أنه لا يطلب سقي الماء ~~من غير حاجة إليه، حتى أنه لو لم يعلم أو يظن أن حاجته إليه داعية في ~~الحال، لما فهم من أمره التعجيل، ولا حسن ذم العبد بالتأخير. # فإن قيل: أهل العرف إنما يذمون العبد بمخالفة مطلق الامر، ويقولون في ~~معرض الذم خالف أمر سيده وذلك يدل على أن مطلق الامر هو المقتضي للتعجيل ~~دون غيره. # قلنا: إنما نسلم صحة ذلك في الامر المقيد بالقرينة دون المطلق، والامر ~~فيما نحن فيه مقيد، ثم هو معارض عند مطلق الامر بصحة عذر العبد بقوله إنما ~~أخرت لعدم علمي وظني بدعو حاجته إليه في الحال وليس أحد الامرين أولى من ~~الآخر. # وعن الثاني من وجهين: # الأول: لا نسلم تعين أقرب الأماكن، ولا نسلم أن قوله أنت طالق، وأنت حر ~~يفيد صحة الطلاق والعتق بوضعه له لغة، بل ذلك لسبب جعل الشرع له علامة على ~~ذلك الحكم الخالي، ولا يلزم من ذلك أن يكون الامر موضوعا للفور. # الثاني: أن حاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وهو ممتنع كما سبق. # وعن الثالث والرابع: ما سبق في المسألة المتقدمة. # وعن الخامس: أن توبيخه لإبليس إنما كان ذلك لابائه واستكباره، ويدل عليه ~~قوله تعالى * (إلا إبليس أبى واستكبر) * (2 البقرة: ms365 34) ولتخيره على آدم ~~بقوله: * (أنا خير منه، PageV02P168 # خلقتني من نار وخلقته من طين) * (7 الأعراف: 12) ولا يمكن إضافة التوبيخ ~~إلى مطلق الامر من هو حيث هو أمر، لأنه منقسم إلى أمر إيجاب واستحباب، كما ~~سبق تقريره، ولا توبيخ على مخالفة أمر الاستحباب إجماعا. ولو كان التوبيخ ~~على مطلق الامر، لكان أمر الاستحباب موبخا على مخالفته، فلم يبق إلا أن ~~يكون التوبيخ على أمر الايجاب، وهو منقسم إلى أمر إيجاب على الفور، وأمر ~~إيجاب على التراخي، كما إذا قال أوجبت عليك متراخيا ولا يلزم منه أن يكون ~~مطلق الامر للايجاب حالا. # وإن سلمنا أنه وبخه على مخالفة الامر في الحال، ولكن لا نسلم أن الامر ~~بالسجود كان مطلقا، بل هو مقترن بقرينة لفظية موجبة لحمله على الفور، وهي ~~قوله تعالى: # * (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين) * (15 الحجر: 29) رتب ~~السجود على هذه الأوصاف بفاء التعقيب، وهي مقتضية للسجود عقبها على الفور ~~من غير مهلة. # قولهم: لم قلتم بأنه لا يكون مستلزما للفور بواسطة دلالته على وجوب ~~الفعل؟ # قلنا: الأصل عدم ذلك. # قولهم إنه يجب تعجيل اعتقاد وجوب الفعل، قلنا: ولم يلزم منه تعجيل وجوب ~~الفعل. # قولهم إنه من لوازم وجوب الفعل، قلنا من لوازم وجوب تقديم الفعل، أو من ~~لوازم وجوب الفعل؟ # الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لا يلزم منه وجوب تقديم الفعل، بدليل ما ~~لو أوجب الفعل مصرحا بتأخيره، فإنه يجب تعجيل اعتقاد وجوبه، وإن لم يكن ~~وجوب الفعل على الفور. # قولهم: القول بالتعجيل أحوط للمكلف، قلنا الاحتياط إنما هو باتباع المكلف ~~ما أوجبه ظنه: فإن ظن الفور، وجب عليه اتباعه، وإن ظن التراخي، وجب عليه ~~اتباعه، وإلا فبتقدير أن يكون قد غلب على ظنه التراخي، فالقول بوجوب ~~التعجيل على خلاف ظنه، يكون حراما وارتكاب المحرم يكون إضرارا، فلا يكون ~~احتياطا. # قولهم: لو جاز التأخير، إما أن يكون إلى غاية، أو لا إلى غاية إلى آخره، ~~PageV02P169 # فهو منقوض بما لو صرح الآمر بجواز التأخير، فإن كل ما ms366 ذكروه من الأقسام ~~متحقق فيه، مع جواز تأخيره، وما ذكروه من الآيتين الأخيرتين فهو غير دال ~~على وجوب تعجيل الفعل المأمور به، فإنهما بمنطوقهما يدلان على المسارعة إلى ~~الخيرات والمغفرة. والمراد به إنما هو المسارعة إلى سبب ذلك، ودلالتهما على ~~السبب إنما هي بجهة الاقتضاء، والاقتضاء لا عموم له، على ما يأتي تقريره، ~~فلا دلالة لهما على المسارعة إلى كل سبب للخيرات والمغفرة، فيختص ذلك بما ~~اتفق على وجوب تعجيله من الافعال المأمور بها، ولا يعم كل فعل مأمور به. # المسألة السادسة الامر بالشئ على التعيين، هل هو نهي عن أضداده؟ اختلفوا ~~فيه: # وتفصيل المذاهب: أما أصحابنا فالامر عندهم هو الطلب القائم بالنفس، وقد ~~اختلفوا: فمنهم من قال: الامر بالشئ بعينه نهي عن أضداده، وإن طلب الفعل ~~بعينه، طلب ترك أضداده، وهو قول القاضي أبي بكر في أول أقواله. # ومنهم من قال: هو نهي عن أضداده، بمعنى أنه يستلزم النهي عن الأضداد، لا ~~أن الامر هو عين المنهي، وهو آخر ما اختاره القاضي في أخر أقواله. ~~PageV02P170 # ومنهم من منع من ذلك مطلقا، وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي. # وأما المعتزلة فالامر عندهم نفس صيغة: افعل وقد اتفقوا على أن عين صيغة ~~افعل لا تكون نهيا، لان صيغة النهي لا تفعل وليس إحداهما عين الأخرى، وإنما ~~اختلفوا في أن الآمر بالشئ هل يكون نهيا عن أضداده من جهة المعنى: فذهب ~~القدماء من مشايخ المعتزلة إلى منعه ومن المعتزلة من صار إليه، كالعارضي ~~وأبي الحسين البصري وغيرهما من المعتبرين منهم. # ومعنى كونه نهيا عن الأضداد من جهة المعنى عندهم، أن صيغة الامر تقتضي ~~إيجاد الفعل والمنع من كل ما يمنع منه. # ومنهم من فصل بين أمر الايجاب، والندب، وحكم بأن أمر الايجاب يكون نهيا ~~عن أضداده ومقبحا لها، لكونها مانعة من فعل الواجب، بخلاف المندوب. ولهذا، ~~فإن أضداد المندوب من الافعال المباحة غير منهي عنها، لا نهي تحريم ولا نهي ~~تنزيه. # والمختار إنما هو التفصيل، وهو إما أن نقول بجواز التكليف بما لا ms367 يطاق، ~~أو لا يقول به: # فإن قلنا بجوازه، على ما هو مذهب الشيخ أبي الحسن، رحمة الله عليه، كما ~~سبق تقريره، فالامر بالفعل لا يكون بعينه نهيا عن أضداده، ولا مستلزما ~~للنهي عنها، بل جائز أن نؤمر بالفعل وبضده، في الحالة الواحدة، فضلا عن ~~كونه لا يكون منهيا عنه. PageV02P171 # وإن منعنا ذلك فالمختار أن الامر بالشئ يكون مستلزما للنهي عن أضداده، لا ~~أن يكون عين الامر هو عين النهي عن الضد، وسواء كان الامر أمر إيجاب أو ~~ندب. # أما أنه مستلزم للنهي عن الأضداد، فلان فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك ~~أضداده. وما لا يتم فعل المأمور به دون تركه، فهو واجب الترك، إن كان الامر ~~للايجاب ومندوب إلى تركه، إن كان الامر للندب، على ما سبق تقريره، وهو معنى ~~كونه منهيا عنه، غير أن النهي عن أضداد الواجب يكون نهي تحريم، وعن أضداد ~~المندوب، نهي كراهة وتنزيه، وأما أنه لا يكون عين الامر هو عين النهي. # فإذا قلنا إن الامر هو صيغة افعل فظاهر، على ما سبق، وأما على قولنا إن ~~الامر هو الطلب القائم بالنفس، فلانا إذا فرضنا الكلام في الطلب النفساني ~~القديم، فهو وإن اتحد على أصلنا، فإنما يكون أمرا بسبب تعلقه بإيجاد الفعل، ~~وهو من هذه الجهة لا يكون نهيا، لأنه إنما يكون نهيا بسبب تعلقه بترك الفعل ~~وهما، بسبب التغاير في التعلق والمتعلق، متغايران. وإن فرضنا الكلام في ~~الطلب القائم بالمخلوق، فهو وإن تعدد، فالامر منه أيضا، إنما هو الطلب ~~المتعلق بإيجاد الفعل، وهما غيران. # فإن قيل: لو كان الامر بالفعل مستلزما للنهي عن أضداده لكان الامر ~~بالعبادة مستلزما للنهي عن جميع المباحات المضادة لها، ويلزم من ذلك أن ~~تكون حراما إن كان النهي نهي تحريم أو مكروهة إن كان النهي نهي تنزيه، وخرج ~~المباح عن كونه مباحا، كما ذهب إليه الكعبي من المعتزلة، PageV02P172 # بل ويلزم منه أن يكون ما عدا العبادة المأمور بها من العبادات المضادة ~~لها منهيا عنها، ومحرمة أو مكروهة، وهو ms368 محال. # كيف وإن الآمر بالفعل قد يكون غافلا عن أضداده، والغافل عن الشئ لا يكون ~~ناهيا عنه، لان النهي عن الشئ يستدعي العلم به، والعلم بالشئ مع الذهول عنه ~~محال. # سلمنا أنه مستلزم للنهي عن أضداده، لكن يمتنع أن يكون النهي عن الأضداد ~~غير الامر، بل يجب أن يكون هو هو بعينه، كما قاله القاضي أبو بكر في أحد ~~قوليه ومأخذه أنه إذا وقع الاتفاق على أنه يلزم من الامر بالفعل النهي عن ~~أضداده، فذلك النهي إن كان هو غير الامر، فإما أن يكون ضدا له، أو مثلا، أو ~~خلافا: # لا جائز أن يقال بالمضادة، وإلا لما اجتمعا، وقد اجتمعا. # ولا جائز أن يكون مثلا لان المتماثلات أضداد على ما عرف في الكلاميات. # ولا جائز أن يكون خلافا، وإلا جاز وجود أحدهما دون الآخر، كما في العلم ~~والإرادة ونحوهما، ولجاز أن يوجد أحدهما مع ضد الآخر، كما يوجد العلم بالشئ ~~مع الكراهة المضادة لإرادته، ويلزم من ذلك، أنه إذا أمر بالحركة المضادة ~~للسكون إذا كان النهي عن السكون مخالفا للامر بالحركة أن يجتمع الامر ~~بالحركة والامر بالسكون المضاد المنهي عنه وفيه الامر بالضدين معا، وهو ~~ممتنع على ما وقع به الفرض. وإذا بطلت المغايرة تعين الاتحاد. وعلى هذا، ~~فالحركة عين ترك PageV02P173 # السكون، وشغل الجوهر بحيز هو عين تفريغه لغيره، وعين القرب من المشرق ~~بالفعل الواحد هو عين البعد من المغرب، فطلب أحدهما بعينه طلب الآخر لاتحاد ~~المطلوب. # والجواب: عن السؤال الأول أنا لا نمنع من كون المباحات بل الواجبات ~~المضادة المأمور بها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به، لا ~~في ذاتها، كما نقول في فعل الصلاة في الدار المغصوبة، فإنه في ذاته غير ~~منهي عنه، وإن كان منهيا عنه من جهة ما يتعلق به من شغل ملك الغير، كما سبق ~~ذكره. # والالتفات إلى ما يهول به من خروج المباحات عن كونها مباحة، فإن ذلك إنما ~~يلزم إن لو قيل بكونها منهيا عنها في ذواتها. # وأما إذا ms369 قيل بكونها منهيا مانعة من فعل المأمور به، فلا. # قولهم إنه قد يأمر بالفعل من هو غافل عن أضداده، قلنا لا نسلم أن الآمر ~~بالشئ عند كونه آمرا به يتصور أن يكون غافلا عن طلب ترك ما يمنع من فعل ~~المأمور به من جهة الجملة، وإن كان غافلا عن تفصيله. # ونحن إنما نريد بقولنا إن الامر بالشئ يستلزم النهي عن الأضداد من جهة ~~الجملة، لا من جهة التفصيل قولهم إنه يمتنع أن يكون النهي عن الأضداد غير ~~الامر، قلنا: دليله ما سبق. # وما ذكره القاضي أبو بكر من الدليل، فالمختار منه إنما هو قسم التخالف، ~~ولا يلزم من ذلك جواز انفكاك أحدهما عن الآخر لجواز أن يكونا من قبيل ~~المختلفات المتلازمة، كما في المتضايفات، وكل متلازمين من الطرفين، وبه ~~PageV02P174 # يمتنع الجمع بين وجود أحدهما وضد الآخر، ولا يلزم من جواز ذلك في بعض ~~المختلفات جوازه في الباقي. وإذا بطل ما ذكره من دليل الاتحاد بطل ما هو ~~مبني عليه. # المسألة السابعة مذهب أصحابنا والفقهاء وأكثر المعتزلة، أن الاتيان ~~بالمأمور به يدل على الاجزاء، خلافا للقاضي عبد الجبار من المعتزلة ومتبعيه ~~فإنه قال: لا يدل على الاجزاء. # وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تحقيق معنى الاجزاء ليكون التوارد بالنفي ~~والاثبات على محز واحد، فنقول: كون الفعل مجزئا قد يطلق بمعنى أنه امتثل به ~~الامر عندما إذا أتي به على الوجه الذي أمر به، وقد يطلق بمعنى أنه مسقط ~~للقضاء، وإذا علم معنى كون الفعل مجزئا فقد اتفق الكل على أن الاتيان ~~بالمأمور به على الوجه الذي أمر به، يكون مجزئا، بمعنى كونه امتثالا للامر، ~~وذلك مما لا خلاف فيه. # وإنما خالف القاضي عبد الجبار في كونه مجزئا، بالاعتبار الآخر، وهو أنه ~~لا يسقط القضاء، ولا يمتنع مع فعله من الامر بالقضاء وهو مصرح به في عمده. # وعلى هذا، فكل من استدل من أصحابنا كإمام الحرمين وغيره من القائلين ~~بالاجزاء على كون الفعل امتثالا وخروجا عن عهدة الامر الأول، فقد استدل ms370 على ~~محل الوفاق، وحاد عن موضع النزاع. لكن قد أورد أبو الحسين البصري إشكالا ~~على تفسير إجزاء الفعل بكونه مسقطا للقضاء، وقال: لو أمر بالصلاة مع ~~الطهارة، فأتى بها من غير طهارة، ومات عقيب الصلاة، فإنه لا يكون فعله ~~مجزئا، وإن كان القضاء ساقطا. وربما زاد عليه بعض الأصحاب، وقال: يمتنع ~~تفسير الاجزاء بسقوط القضاء، لأنا نعلل وجوب القضاء بكون الفعل الأول لم ~~يكن مجزئا، والعلة لا بد وأن تكون مغايرة للمعلول. PageV02P175 # والوجه في إبطالهما أن يقال: أما الأول فلان الاجزاء ليس هو نفس سقوط ~~القضاء مطلقا، ليلزم ما قيل، بل سقوط القضاء بالفعل في حق من يتصور في حقه ~~وجوب القضاء، وذلك غير متصور في حق الميت. # وأما الثاني: فلان علة صحة وجوب القضاء إنما هو استدراك ما فات من مصلحة ~~أصل العبادة، أو صفتها، أو مصلحة ما انعقد سبب وجوبه. ولم يجب لمانع، لا ما ~~قيل. # وإذا تنقح محل النزاع فنعود إلى المقصود فنقول: الفعل المأمور به لا ~~يخلو: # إما أن يكون قد أتى به المأمور على نحو ما أمر به من غير خلل ولا نقص في ~~صفته وشرطه، أو أتى به على نوع من الخلل. # والقسم الثاني: أنه لا نزاع في كونه غير مجزئ ولا مسقط للقضاء، وإنما ~~النزاع في القسم الأول، وليس النزاع فيه أيضا من جهة أنه يمتنع ورود أمر ~~مجدد بعد خروج الوقت بفعل مثل ما أمر به أولا، وإنما النزاع في ورود الامر ~~بالفعل متصفا بصفة القضاء، والحق نفيه، لان القضاء عبارة عن استدراك ما فات ~~من مصلحة الأداء أو مصلحة صفته، أو شرطه. وإذا كان المأمور به قد فعل على ~~جهة الكمال والتمام، من غير نقص ولا خلل، فوجوب القضاء استدراكا لما قد ~~حصل، تحصيل للحاصل، وهو محال. ومن ينفي القضاء إنما ينفيه بهذا التفسير، ~~وهذا مما يتعذر مع تحقيقه المنازعة فيه، وإن كان لا ينكر إمكان ورود الامر ~~خارج الوقت، بمثل ما فعل أولا، غير أنه لا يسميه قضاء. ومن سماه ms371 قضاء، ~~فحاصل النزاع معه آيل، إلى اللفظ دون المعنى. PageV02P176 # شبه الخصوم: الأولى أن من صلى، وهو يظن أنه متطهر، ولم يكن متطهرا مأمور ~~بالصلاة، فإن كان مأمورا بها مع الطهارة حقيقة، فهو عاص آثم بصلاته، حيث لم ~~يكن متطهرا، وإن كان مأمورا بالصلاة على حسب حاله، فقد أتى بما أمر به على ~~الوجه الذي أمر به، ومع ذلك يجب عليه القضاء، إذ لم يكن متطهرا. # وكذلك المفسد للحج مأمور بمضيه في حجة الفاسد، ويجب عليه القضاء. # الثانية: أن الامر لا يدل على غير طلب الفعل، ولا دلالة له على امتناع ~~التكليف بمثل فعل ما أمر به، فلا يكون مقتضيا له. # الثالثة: أن الامر، مثل النهي في الطلب، والنهي لا دلالة فيه على فساد ~~المنهي عنه، فالامر لا يدل على كون المأمور به مجزئا. # وجواب الأولى أنا لا نسلم وجوب القضاء فيما إذا صلى على ظن الطهارة، ثم ~~علم أنه لم يكن متطهرا، على قول لنا، وإن سلمنا وجوب القضاء، لكنه ليس ~~واجبا عما أمر به من الصلاة المظنون طهارتها، ولا عما أمر به من المضي في ~~الحج الفاسد، لأنه قد أتى بما أمر به على النحو الذي أمر به، وإنما القضاء ~~استدراك لمصلحة ما أمر به أولا، من الصلاة مع الطهارة، والحج العري عن ~~الفساد. # وعن الثانية: أنا لا نمنع من ورود أمر يدل على مثل ما فعل أولا، وإنما ~~المدعى أنه إذا أتى المأمور بفعل المأمور به على نحو ما أمر به، امتنع وجوب ~~القضاء بما ذكرناه من التفسير. # وعن الثالثة أنه قياس في اللغة وقد أبطلناه، وإن سلم صحته، غير أنا لا ~~نقول بأن الامر يدل على الاجزاء بمعنى امتناع وجوب القضاء، بل امتثال الامر ~~هو المانع من وجوب القضاء على ما تقرر وفرق بين الامرين. PageV02P177 # المسألة الثامنة إذا وردت صيغة افعل بعد الحظر، فمن قال إنها للوجوب قبل ~~الحظر، اختلفوا، فمنهم من أجراها على الوجوب، ولم يجعل لسبق الحظر تأثيرا ~~كالمعتزلة، ومنهم من قال بأنها للإباحة ورفع ms372 الحجر لا غير، وهم أكثر ~~الفقهاء، ومنهم من توقف كإمام الحرمين وغيره. # والمختار أنها، وإن كانت ظاهرة في الطلب والاقتضاء، وموقوفة بالنسبة إلى ~~الوجوب والندب، على ما سبق تقرير كل واحد من الامرين، إلا أنها محتملة ~~للإباحة والاذن في الفعل، كما تقدم. فإذا وردت بعد الحظر، احتمل أن تكون ~~مصروفة إلى الإباحة ورفع الحجر، كما في قوله تعالى: * (وإذا حللتم ~~فاصطادوا) * (5) المائدة: 2) * (وإذا طعمتم فانتشروا) * (33) الأحزاب: 53) ~~* (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا) * (62) الجمعة: 10) وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا واحتمل أن تكون مصروفة إلى ~~الوجوب، كما لو قيل للحائض والنفساء: إذا زال عنك الحيض فصلي وصومي. # وعند هذا، فإما أن يقال بتساوي الاحتمالين، أو بترجيح أحدهما على الآخر. # فإن قيل بالتساوي، امتنع الجزم بأحدهما، ووجب التوقف. وإن قيل بوجوب ~~الترجيح وامتناع التعارض من كل وجه، فليس اختصاص الوجوب به، أولى من ~~الإباحة، إلا أن يقوم الدليل على التخصيص، والأصل عدمه. وعلى هذا أيضا، ~~فيجب التوقف كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح، نظرا إلى غلبة ورود ~~مثل ذلك للإباحة، دون الوجوب. وعلى كل تقدير، فيمتنع الصرف إلى الوجوب. # وبالجملة، فهذه المسألة مستمدة من مسألة أن صيغة افعل إذا وردت مطلقة، هل ~~هي ظاهرة في الوجوب، أو الندب، أو موقوفة. وقد تقرر مأخذ كل فريق، وما هو ~~المختار فيه، والله أعلم. PageV02P178 # المسألة التاسعة إذا ورد الامر بعبادة في وقت مقدر، فلم تفعل فيه لعذر، ~~أو لغير عذر، أو فعلت فيه على نوع من الخلل، اختلفوا في وجوب قضائها بعد ~~ذلك الوقت، هل هو بالامر الأول، أو بأمر مجدد: # الأول هو مذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء، والثاني هو مذهب المحققين من ~~أصحابنا والمعتزلة. # ونقل عن أبي زيد الدبوسي أنه قال بوجوب القضاء بقياس الشرع. # وإن ورد مطلقا غير مقيد بوقت، فمن قال بحمله على الفور، اختلفوا فيما إذا ~~وقع الاخلال به في أول وقت الامكان هل يجب قضاؤه بنفس ذلك الامر، أو بأمر ~~مجدد. # والمختار أنه، مهما قيد ms373 الامر بوقت، فالقضاء بعده لا يكون إلا بأمر مجدد. # وبيانه من وجوه. # الأول: أنه لو كان الامر الأول مقتضيا للقضاء، لكان مشعرا به، وهو غير ~~مشعر به، فإنه إذا قال: صم في يوم الخميس، أو صل في وقت الزوال فإنه لا ~~إشعار له بإيقاع الفعل في غير ذلك الوقت لغة. # الثاني: أنه إذا علق الفعل بوقت معين، فلا بد وأن يكون ذلك لحكمة ترجع ~~إلى المكلف، إذ هو الأصل في شرع الاحكام. # وسواء ظهرت الحكمة، أم لم تظهر، وتلك الحكمة إما أن تكون حاصلة من الفعل ~~في غير ذلك الوقت، أو غير حاصلة، وليست حاصلة لثلاثة أوجه: # الأول: أنه يحتمل أن يكون ويحتمل أن لا يكون، والأصل العدم. # الثاني: أنها لو كانت حاصلة، فإما أن تكون مثلا لها في الوقت الأول أو ~~أزيد، لا جائز أن تكون أزيد، وإلا كان الحث على إيجاد الفعل بعد فوات وقته ~~أولى من فعله في الوقت، وهو محال. وإن كانت مثلا، فهو ممتنع، وإلا لما كان ~~تخصيص أحد الوقتين بالذكر أولى من الآخر. PageV02P179 # الثالث: أن الفعل في الوقت موصوف بكونه أداء، وقد قال عليه السلام: # لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم. # وإذا لم تكن حاصلة في الوقت الثاني حسب حصولها في الوقت الأول، فلا يلزم ~~من اقتضاء الامر للفعل في الوقت الأول أن يكون مقتضيا له فيما بعده. وصار ~~هذا كما لو أمر الطبيب بشرب الدواء في وقت، فإنه لا يكون متناولا لغير ذلك ~~الوقت. # وكذلك إذا علق الامر بشرط معين كاستقبال جهة معينة، أو بمكان معين، ~~كالأمر بالوقوف بعرفة، فإنه لا يكون متناولا لغيره. # الوجه الثالث من الوجوه الأول أن العبادات المأمور بها منقسمة إلى ما يجب ~~قضاؤه كالصوم والصلاة، وإلى ما لا يجب، كالجمعة والجهاد. فلو كان الامر ~~الأول مقتضيا للقضاء لكان القول بعدم القضاء فيما فرض من الصور على خلاف ~~الدليل، وهو ممتنع. # الرابع قوله صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ~~ذكرها ms374 أمر بالقضاء، ولو كان مأمورا به بالامر الأول، لكانت فائدة الخبر ~~التأكيد، ولو لم يكن مأمورا به، لكانت فائدته التأسيس، وهو أولى لعظم ~~فائدته. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من خمسة أوجه. # الأول: قوله، صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ~~ومن فاته الوقت الأول فهو مستطيع للفعل في الوقت الثاني. # الثاني: أن الامر إنما يدل على طلب الفعل، وهو مقتضاه لا غير، وأما ~~الزمان فلا يكون مطلوبا بالامر، إذ ليس هو من فعل المكلف، وإنما وقع ذلك ~~ضرورة كونه ظرفا للفعل، فاختلاله لا يؤثر في مقتضى الامر، وهو الفعل. # الثالث: أن الغالب من المأمورات في الشرع إنما هو القضاء بتقدير فوات ~~أوقاتها المعينة، ولا بد لذلك من مقتض، والأصل عدم كل ما سوى الامر السابق، ~~فكان هو المقتضي. PageV02P180 # الرابع: أنه لو وجب القضاء بأمر مجدد لكان أداء كما في الامر الأول، ولما ~~كان لتسميته قضاء معنى. # الخامس: أن العبادة حق لله تعالى، والوقت المفروض كالأجل لها، ففوات ~~أجلها لا يوجب سقوطها، كما في الدين للآدمي، ولأنه لو سقط وجوب الفعل بفوات ~~الوقت لسقط المأثم لأنه من أحكام وجوب الفعل، ولأن الأصل بقاء الوجوب. ~~فالقول بالسقوط بفوات الاجل على خلاف مقتضى الأصل. # والجواب: عن المعارضة الأولى أن الخبر دليل وجوب الاتيان بما أستطيع من ~~المأمور به، وإنما يفيد أن لو كان الفعل في الوقت الثاني داخلا تحت الامر ~~الأول، وهو محل النزاع. # وعن الثاني أن الامر اقتضى مطلق الفعل، أو فعلا مخصوصا بصفة وقوعه، في ~~وقت معين؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. # وعن الثالث أن القضاء فيما قيل بقضائه، إنما كان بناء على أدلة أخرى، لا ~~بالامر الأول. # قولهم، الأصل عدم ما سوى الامر الأول، قلنا: والأصل عدم دلالة الامر ~~الأول عليه، كيف وقد بينا عدم دلالته. # وعن الرابع أنه إنما سمي قضاء لكونه مستدركا لما فات من مصلحة الفعل ~~المأمور به أولا، أو مصلحة وصفه، كما تقدم تحقيقه. # وعن الخامس بمنع كون الوقت أجلا للفعل المأمور ms375 به، إذ الاجل عبارة عن وقت ~~مهلة وتأخير المطالبة بالواجب من أوله إلى آخره، كما في الحول بالنسبة إلى ~~وجوب الزكاة. ولذلك لا يأثم بإخراج وقت الاجل عن قضاء الدين، وإخراج الحول ~~عن أداء الزكاة فيه، ولا كذلك الوقت المقدر للصلاة، بل هو صفة الفعل ~~الواجب. ومن وجب عليه فعل بصفة لا يكون مؤديا له دون تلك الصفة. # وعلى هذا، فلا يخفى الكلام في الامر المطلق إذا كان محمولا على الفور، ~~ولم يؤت بالمأمور به في أول وقت الامكان. PageV02P181 # المسألة العاشرة الامر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الافعال لا ~~يكون أمرا لذلك الغير بذلك الفعل. # وبيانه من وجهين: # الأول: أنه لو كان أمرا لذلك الغير لكان ذلك مقتضاه لغة، ولو كان كذلك ~~لكان أمره، صلى الله عليه وسلم، لأولياء الصبيان قوله: مروهم بالصلاة وهم ~~أبناء سبع أمرا للصبيان بالصلاة من الشارع، وليس كذلك، لوجهين، الأول أن ~~الامر الموجه نحو الأولياء أمر تكليف، ولذلك يذم الولي بتركه شرعا، فلو كان ~~ذلك أيضا أمرا للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع، وخاصة ذلك لحوق الذم ~~بالمخالفة شرعا، وهو غير متصور في حق الصبيان، لعدم فهمهم لخطاب الشارع، ~~ويدل عليه قوله، صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى ~~يبلغ الخبر، ويمكن أن يقال فيه: الامر للولي والصبي، وإن كان واحدا، غير أن ~~نسبته إليهما مختلفة، فلا يمتنع اختلافهما في الذم بسبب ذلك. # الثاني: أنه لو كان أمرا للصبي لم يخل إما أن يكون أهلا لفهم خطاب ~~الشارع، أو لا يكون أهلا له. فإن كان الأول، فلا حاجة إلى أمر الولي له، أو ~~أن يكون أحد الامرين تأكيدا، والأصل في إفادة الألفاظ لمعانيها إنما هو ~~التأسيس، وإذا لم يكن أمر الولي بأمر الصبيان أمرا للصبيان، فإما أن يكون ~~ذلك لعدم اقتضائه لذلك لغة، أو لمعارض، والمعارضة يلزم منها تعطيل أحد ~~الدليلين عن إعماله، وهو خلاف الأصل، فلم يبق إلا أن يكون ذلك لعدم اقتضائه ~~له لغة وهو المطلوب. # الثاني: من الوجهين ms376 الأولين أنه يحسن أن يقول السيد لعبده سالم مر غانما ~~بكذا ويقول لغانم لا تطعه ولا يعد ذلك مناقضة في كلامه، ولو كان ذلك أمرا ~~لغانم، لكان كأنه قال أوجبت عليك طاعتي، ولا تطعني وهو تناقض. # وعلى هذا، لو أوجب الآمر على المأمور أن يأخذ من غيره مالا، لا يكون ذلك ~~إيجابا للاعطاء على ذلك الغير، كما في قوله تعالى لنبيه: * (خذ من أموالهم ~~صدقة) * (9) التوبة: 103) فإن ذلك لا يدل على إيجاب إعطاء الصدقة على الأمة ~~بنفس ذلك الايجاب، بل إن PageV02P182 # وجب فإنما يجب بدليل آخر، موجب لطاعة الرسول فيما يحكم به، تعظيما له، ~~ونفيا لما يلزم من مخالفته، من تحقيره وهضمه في أعين الناس المبعوث إليهم، ~~المفضي إلى الاخلال بمقصود البعثة، وإلا، فلا يبعد أن يقول السيد لاحد ~~عبديه أوجبت عليك أن تأخذ من العبد الآخر كذا ويقول الآخر حرمت عليك ~~موافقته من غير مناقضة فيما أوجبه، ولو كان إيجاب ذلك على أحد العبدين ~~إيجابا على العبد الآخر لكان تناقضا. # فإن قيل: وجوب الاخذ إنما يتم بالاعطاء، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو ~~واجب. # قلنا: إن كان الوجوب متعلقا بنفس الطلب، فهو غير متوقف على الاعطاء. # وإن كان متعلقا بنفس الاخذ، (وإن كان لا يتم ذلك دون الاعطاء) فليس كل ما ~~يتوقف عليه الواجب يكون واجبا، إلا أن يكون ذلك مقدورا لمن وجب عليه الاخذ، ~~وإعطاء الغير غير مقدور لمن وجب عليه الاخذ، فلا يكون واجبا. # المسألة الحادية عشرة إذا أمر بفعل من الافعال مطلقا غير مقيد في اللفظ ~~بقيد خاص، قال بعض أصحابنا: الامر إنما تعلق بالماهية الكلية المشتركة، ولا ~~تعلق له بشئ من جزئياتها، وذلك كالأمر بالبيع، فإنه لا يكون أمرا بالبيع ~~بالغبن الفاحش، ولا بثمن المثل، إذ هما متفقان في مسمى البيع، ومختلفان ~~بصفتهما. والامر إنما تعلق بالقدر المشترك، وهو غير مستلزم لما تخصص به كل ~~واحد من الامرين، فلا يكون الامر المتعلق بالأعم متعلقا بالأخص، اللهم إلا ~~أن تدل القرينة على إرادة أحد الامرين. ms377 # قال: ولذلك قلنا إن الوكيل في البيع المطلق لا يملك البيع بالغبن الفاحش، ~~وهو غير صحيح. وذلك لان ما به الاشتراك بين الجزئيات معنى كلي لا تصور ~~لوجوده في الأعيان، وإلا كان موجودا في جزئياته. ويلزم من ذلك انحصار ما ~~يصلح اشتراك كثيرين فيه فيما لا يصلح لذلك وهو محال. PageV02P183 # وعلى هذا، فليس معنى اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي هو أن الحد المطابق ~~للطبيعة الموصوفة بالكلية مطابق للطبيعة الجزئية بل إن تصور وجوده، فليس في ~~غير الأذهان. وإذا كان كذلك، فالامر: طلب إيقاع الفعل على ما تقدم، وطلب ~~الشئ يستدعي كونه متصورا في نفس الطالب، على ما تقدم تقريره. وإيقاع المعنى ~~الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه فلا يكون متصورا في نفس الطالب، فلا ~~يكون أمرا به، ولأنه يلزم منه التكليف بما لا يطاق، ومن أمر بالفعل مطلقا ~~لا يقال إنه مكلف بما لا يطاق، فإذا الامر لا يكون بغير الجزئيات الواقعة ~~في الأعيان، لا بالمعنى الكلي، وبطل ما ذكره. # ثم وإن سلم أن الامر متعلق بالمعنى الكلي المشترك، وهو المسمى بالبيع، ~~فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات، كالبيع بالغبن الفاحش، فقد أتى بما هو ~~مسمى البيع المأمور به، الموكل فيه، فوجب أن يصح، نظرا إلى مقتضى صيغة ~~الامر المطلق بالبيع. # وإن قيل بالبطلان، فلا يكون ذلك لعدم دلالة الامر به، بل لدليل معارض. # المسألة الثانية عشرة الأمران المتعاقبان إما أن لا يكون الثاني معطوفا ~~على الأول أو يكون معطوفا، فإن كان الأول، فإما أن يختلف المأمور به أو ~~يتماثل: فإن اختلف، فلا خلاف في اقتضاء المأمورين على اختلاف المذاهب في ~~الوجوب والندب والوقف، وسواء أمكن الجمع بينهما، كالصلاة مع الصوم، أم لا ~~يمكن الجمع، كالصلاة في مكانين، أو الصلاة مع أداء الزكاة، وإن تماثل، فإما ~~أن يكون المأمور به قابلا للتكرار، أو لا يكون قابلا له: فإن لم يكن قابلا ~~له كقوله صم يوم الجمعة، صم يوم الجمعة فإنه للتأكيد المحض، وإن كان قابلا ~~للتكرار، فإن كانت العادة مما ms378 تمنع من تكرره كقول السيد لعبده اسقني ماء، ~~اسقني ماء أو كان الثاني منهما PageV02P184 # معرفا كقوله أعط زيدا درهما، أعط زيدا الدرهم فلا خلاف أيضا في كون ~~الثاني مؤكدا للأول. # وإنما الخلاف فيما لم تكن العادة مانعة من التكرار، والثاني غير معرف، ~~كقوله: # صل ركعتين، صل ركعتين. فقال القاضي عبد الجبار: إن الثاني يفيد غير ما ~~أفاده الأول، ويلزم الاتيان بأربع ركعات، مصيرا منه إلى أن الامر الثاني، ~~لو انفرد أفاد اقتضاء الركعتين، فكذلك إذا تقدمه أمر آخر، لان الاقتضاء لا ~~يختلف. # وخالفه أبو الحسين البصري بالذهاب إلى الوقف والتردد بين حمل الامر ~~الثاني على الوجوب، أو التأكيد للأول والأظهر أنه إذا لم تكون العادة مانعة ~~من التكرار، ولا الثاني معرف، أن مقتضى الثاني غير مقتضى الأول. # وسواء قلنا إن مقتضى الامر الوجوب أم الندب، أم هو موقوف بين الوجوب ~~والندب، كما سبق، لأنه لو كان مقتضيا عين ما اقتضاه الأول، لكانت فائدته ~~التأكيد، ولو كان مقتضيا غير ما اقتضاه الأول، لكانت فائدته التأسيس، ~~والتأسيس أصل، والتأكيد فرع، وحمل اللفظ على الفائدة الأصلية أولى. # فإن قيل إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة النفي الأصلي، ودليل براءة الذمة ~~من القدر الزائد، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، فهو معارض بما يلزم من ~~التأكيد من مخالفة ظاهر الامر فإنه إما أن يكون ظاهرا في الوجوب أو الندب، ~~أو هو متردد بينهما، على وجه لا خروج له عنهما، على اختلاف المذاهب، وحمله ~~على التأكيد خلاف ما هو الظاهر من الامر. وإذا تعارض الترجيحان، سلم لنا ما ~~ذكرناه أولا. # كيف وإنه يحتمل أن يكون للوجوب في نفس الامر، وفي تركه محذور فوات ~~المقصود من الواجب، وتحصيل مقصود التأكيد، ولا يخفى أن تفويت مقصود التأكيد ~~وتحصيل مقصود الواجب أولى. # وأما إن كان الامر الثاني معطوفا على الأول، فإن كان المأمور به مختلفا، ~~فلا نزاع أيضا في اقتضائهما للمأمورين، أمكن الجمع بينهما أو لم يمكن. وإن ~~تماثلا فالمأمور به إن لم يقبل التكرار، فالامر الثاني للتأكيد ms379 من غير ~~خلاف، كقوله: صم يوم الجمعة، وصم يوم الجمعة وإن كان قابلا للتكرار فإن لم ~~تكن العادة مانعة PageV02P185 # من التكرار، ولا الثاني معرف، فالحكم على ما تقدم فيما إذا لم يكن حرف ~~عطف، ويزيد ترجيح آخر، وهو موافقة الظاهر من حروف العطف، وذلك كقوله: صل ~~ركعتين، وصل ركعتين. # وأما إن كانت العادة تمنع من التكرار، أو كان الثاني معرفا، كقوله: اسقني ~~ماء، واسقني ماء وكقوله: صل ركعتين، وصل ركعتين فقد تعارض الظاهر من حروف ~~العطف مع اللام المعرف، أو مع منع العادة من التكرار، ويبقى الامر على ما ~~ذكرناه فيما إذا لم يكن حرف عطف، ولا ثم تعريف ولا عادة مانعة من التكرار. ~~وقد عرف ما فيه. # وأما إن اجتمع التعريف والعادة المانعة من التكرار في معارضة حرف العطف، ~~كقوله: اسقني ماء واسقني الماء فالظاهر الوقف لان حرف العطف مع ما ذكرناه ~~من الترجيح السابق الموجب لحمل الامر الثاني على التأسيس واقع في مقابلة ~~العادة المانعة من التكرار، ولام التعريف، ولا يبعد ترجيح أحد الامرين بما ~~يقترن به من ترجيحات أخر. PageV02P186 # (الصنف الثاني في - النهي) أعلم أنه لما كان النهي مقابلا للامر، فكل ما ~~قيل في حد الامر على أصولنا وأصول المعتزلة من المزيف والمختار، فقد قيل ~~مقابله في حد النهي، ولا يخفى وجه الكلام فيه. # والكلام في أن النهي على أصول أصحابنا هل له صيغة تخصه وتدل عليه؟ فعلى ~~ما سبق في الامر أيضا، وأن صيغة لا تفعل وإن ترددت بين سبعة محامل، وهي ~~التحريم، والكراهة، والتحقير كقوله تعالى: * (ولا تمدن عينيك) * (55) ~~الحجر: 88) وبيان العاقبة كقوله: * (ولا تحسبن الله غافلا) * (14) إبراهيم: ~~42) والدعاء كقوله: لا تكلنا إلى أنفسنا واليأس كقوله: * (لا تعتذروا ~~اليوم) * (66) التحريم: 7) والارشاد كقوله: * (لا تسألوا عن أشياء) * فهي ~~حقيقة في طلب الترك واقتضائه، ومجاز فيما عداه. وأنها هل هي حقية في ~~التحريم أو الكراهة، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة؟ فعلى ما سبق في الامر من ~~المزيف والمختار. والخلاف في أكثر مسائله، فعلى وزان الخلاف في مقابلاتها ms380 ~~من مسائل الامر، ومأخذها كمأخذها، فعلى الناظر بالنقل والاعتبار. # غير أنه لا بد من الإشارة إلى ما تدعو الحاجة إلى معرفته من المسائل ~~الخاصة بالنهي، لاختصاصها بمأخذ لا تحقق له في مقابلاتها من مسائل الامر، ~~وهي ثلاث مسائل. PageV02P187 # المسألة الأولى اختلفوا في أن النهي عن التصرفات والعقود المفيدة ~~لأحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما، هل يقتضي فسادها أو لا؟ # فذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع ~~أهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى فسادها، لكن اختلفوا في جهة الفساد: # فمنهم من قال إن ذلك من جهة اللغة، ومنهم من قال إنه من جهة الشرع دون ~~اللغة، ومنهم من لم يقل بالفساد، وهو اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال ~~وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية، وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي ~~عبد الله البصري وأبي الحسين الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري ~~وكثير من مشايخهم. # ولا نعرف خلافا في أن ما نهى عنه لغيره أنه لا يفسد كالنهي عن البيع في ~~وقت النداء يوم الجمعة، إلا ما نقل عن مذهب مالك وأحمد بن حنبل في إحدى ~~الروايتين عنه. # والمختار أن ما نهي عنه لعينه، فالنهي لا يدل على فساده من جهة اللغة، بل ~~من جهة المعنى. # أما أنه لا يدل على الفساد من جهة اللغة، فلانه لا معنى لكون التصرف ~~فاسدا سوى انتفاء أحكامه وثمراته المقصودة منه، وخروجه عن كونه سببا مفيدا ~~لها، والنهي هو طلب ترك الفعل، ولا إشعار له بسلب أحكامه وثمراته وإخراجه ~~عن كونه سببا مفيدا لها. # ولهذا، فإنه لو قال: نهيتك عن ذبح شاة الغير بغير إذنه لعينه، ولكن إن ~~فعلت حلت الذبيحة، وكان ذلك سببا للحل، ونهيتك عن استيلاد جارية الابن ~~لعينه، وإن فعلت ملكتها، ونهيتك عن بيع مال الربا بجنسه متفاضلا لعينه، وإن ~~فعلت PageV02P188 # ثبت الملك، وكان البيع سببا له فإنه لا يكون متناقضا. ولو كان النهي عن ~~التصرف لعينه مقتضيا لفساده، لكان ذلك متناقضا. # وأما أنه يدل على الفساد من جهة المعنى، فذلك ms381 لان النهي طلب ترك الفعل، ~~وهو إما أن يكون لمقصود دعا الشارع إلى طلب ترك الفعل، أو لا لمقصود: # لا جائز أن يقال إنه لا لمقصود. # أما على أصول المعتزلة، فلانه عبث، والعبث قبيح، والقبيح لا يصدر من ~~الشارع. # وأما على أصولنا، فإنا، وإن جوزنا خلو أفعال الله تعالى عن الحكم ~~والمقاصد، غير أنا نعتقد أن الاحكام المشروعة لا تخلو عن حكمة ومقصود راجع ~~إلى العبد، لكن لا بطريق الوجوب، بل بحكم الوقوع. فالاجماع إذا منعقد على ~~امتناع خلو الأحكام الشرعية عن الحكم، وسواء ظهرت لنا، أم لم تظهر. وبتقدير ~~تسليم خلو بعض الأحكام عن الحكمة إلا أنه نادر والغالب عدم الخلو. وعند ~~ذلك، فإدراج ما وقع فيه النزاع تحت الغالب يكون أغلب. # وإذا بطل أن يكون ذلك لا لمقصود تعين أن يكون لمقصود، وإذا كان لمقصود، ~~فلو صح التصرف وكان سببا لحكمه المطلوب منه، فإما أن يكون مقصود النهي ~~راجحا على مقصود الصحة أو مساويا، أو مرجوحا: # لا جائز أن يكون مرجوحا إذ المرجوح لا يكون مقصودا مطلوبا في نظر ~~العقلاء. # والغالب من الشارع إنما هو التقرير لا التغيير. # وما لا يكون مقصودا فلا يرد طلب الترك لأجله، وإلا كان الطلب خليا عن ~~الحكمة، وهو ممتنع لما سبق. PageV02P189 # وبمثل ذلك يتبين أنه لا يكون مساويا، فلم يبق إلا أن يكون راجحا على ~~مقصود الصحة، ويلزم من ذلك امتناع الصحة وامتناع انعقاد التصرف لإفادة ~~أحكامه، وإلا كان الحكم بالصحة خليا عن حكمة ومقصود، ضرورة كون مقصودها ~~مرجوحا على ما تقدم تقريره، وإثبات الحكم خليا عن الحكمة في نفس الامر ~~ممتنع لما فيه من مخالفة الاجماع، وهو المطلوب. # فإن: قيل: ما ذكرتموه من كون النهي لا يدل على الفساد لغة معارض بما يدل ~~عليه. # وبيانه من جهة النص، والاجماع والمعنى. # أما من جهة النص فقوله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا، ~~فهو رد وفي رواية أدخل في ديننا ما ليس منه، فهو رد والمردود ما ليس بصحيح ms382 ~~ولا مقبول. # ولا يخفى أن المنهي ليس بمأمور، ولا هو من الدين، فكان مردودا. # وأما الاجماع فهو أن الصحابة استدلوا على فساد العقود بالنهي، فمن ذلك ~~احتجاج ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: * (ولا تنكحوا ~~المشركات) * (2) البقرة: 221) ولم ينكر عليه منكر، فكان إجماعا. # ومنها احتجاج الصحابة على فساد عقود الربا بقوله تعالى: * (وذروا ما بقي ~~من الربا) * (2) البقرة: 278) وبقوله صلى الله عليه وسلم: لا تبيعوا الذهب ~~بالذهب، ولا الورق بالورق الحديث إلى آخره. # وأما المعنى فمن وجهين: # الأول: أنا أجمعنا على حمل بعض المناهي على الفساد، كالنهي عن بيع الجزء ~~المجهول، ولو لم يكن ذلك مقتضى النهي، لكان لأمر خارج، والأصل عدمه فكان ~~ذلك مقتضى النهي ويلزم منه الفساد حيث وجد، وإلا كان فيه نفي المدلول مع ~~تحقق دليله، وهو ممتنع مخالف للأصل. # الثاني: النهي مشارك للامر في الطلب والاقتضاء، ومخالف له في طلب الترك، ~~والامر دليل الصحة، فليكن النهي دليل الفساد المقابل للصحة، ضرورة كون ~~النهي مقابلا للامر، وأنه يجب أن يكون حكم أحد المتقابلين مقابلا لحكم ~~الآخر. PageV02P190 # ثم ما ذكرتموه منقوض بالنهي عن العبادة لعينها، فإنا أجمعنا على أنها لا ~~تصح، ولو صرح الناهي بالصحة، لكان متناقضا. وإن سلمنا أن النهي لا يدل على ~~الفساد لغة، ولكن لا نسلم دلالته على الفساد من جهة المعنى. # وما ذكرتموه من وجوب ترجيح مقصود النهي على مقصود الصحة فغايته أنه يناسب ~~نفي الصحة، وليس يلزم من ذلك نفي الصحة، إلا أن يتبين له شاهد بالاعتبار. ~~ولو بينتم له شاهدا بالاعتبار كان الفساد لازما من القياس، لا من نفس النهي ~~ولا من معناه. # والجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد ~~من ثلاثة أوجه: # الأول: لا نسلم أن الفعل المأتي به من حيث إنه سبب لترتب أحكامه عليه ليس ~~من الدين حتى يكون مرودا. # الثاني: أنه أراد به الفاعل، وتقديره: من أدخل في ديننا ما ليس منه، ~~فالفاعل رد، أي مردود، ومعنى ms383 كونه مردودا أنه غير مثاب عليه، ونحن نقول به. # فإن قيل: عود الضمير إلى الفعل أولى، إذ هو أقرب مذكور، قلنا: إلا أنه ~~يلزم منه المعارضة بينه وبين ما ذكرناه من الدليل، ولا كذلك فيما إذا عاد ~~إلى نفس الفاعل، فكان عوده إلى الفاعل أولى. # الثالث: أنه، وإن عاد إلى نفس الفعل المنهي عنه، إلا أن معنى كونه ردا ~~أنه مردود بمعنى أنه غير مقبول، وما لا يكون مقبولا هو الذي لا يكون مثابا ~~عليه، ولا يلزم من كونه غير مثاب عليه أن لا يكون سببا لترتب أحكامه الخاصة ~~به عليه، وهو عين محل النزاع. # وعن الحديث الآخر ما ذكرناه من الوجه الثاني والثالث. ثم وإن سلمنا ~~دلالتهما على الفساد فليس في ذلك ما يدل على أن الفساد من مقتضيات النهي، ~~بل من دليل آخر، وهو قوله فهو رد ونحن لا ننكر ذلك. PageV02P191 # وعن الاجماع لا نسلم صحة احتجاجهم بدلالة النهي لغة على الفساد، بل إن صح ~~ذلك فإنما يصح بالنظر إلى دلالة الالتزام على ما قررنا، ويجب الحمل عليه ~~جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل، وبه يخرج الجواب عن الوجه الأول من ~~المعنى. # وعن الثاني من المعنى أن النهي وإن كان مقابلا للامر، فلا نسلم أن الامر ~~مقتض للصحة، حتى يكون النهي مقتضيا للفساد. وإن سلمنا اقتضاء الامر للصحة، ~~وأن النهي مقابل له، فلا نسلم لزوم اختلاف حكميهما لجواز اشتراك المتقابلات ~~في لازم واحد. # وإن سلم أنه يلزم من ذلك تقابل حكميهما، فيلزم أن لا يكون النهي مقتضيا ~~للصحة. # أما أن يكون مقتضيا للفساد، فلا، وأما النقض بالنهي عن العبادة فمندفع، ~~لأنه مهما كان النهي عن الفعل لعينه، فلا يتصور أن يكون عبادة مأمورا بها، ~~وما لم يكن عبادة فلا يتصور صحته عبادة، وإن قيل بفساده من جهة خروجه عن ~~كونه سببا لترتيب الاحكام الخاصة به عليه، فهو محل النزاع. # وعن الاعتراض الأخير أنا لا نقضي بالفساد لوجود مناسب الفساد ليفتقر إلى ~~شاهد بالاعتبار، وإنما قضينا بالفساد لعدم ms384 المناسب المعتبر بما بيناه من ~~استلزام النهي لذلك. # المسألة الثانية اتفق أصحابنا على أن النهي عن الفعل لا يدل على صحته ~~ونقل أبو زيد عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنهما قالا: يدل على صحته. # والمختار مذهب أصحابنا لوجهين: # الأول: أن النهي لو دل على الصحة، فإما أن يدل عليها بلفظه أو بمعناه، إذ ~~الأصل عدم ما سوى ذلك، واللازم ممتنع، وبيان امتناع دلالته على الصحة بلفظه ~~أن صحة الفعل لا معنى لها سوى ترتب أحكامه الخاصة به عليه، والنهي لغة لا ~~يزيد على طلب ترك الفعل، ولا إشعار له بغير ذلك نفيا ولا إثباتا. ~~PageV02P192 # وبيان امتناع دلالته على الصحة بمعناه ما بيناه من أن النهي بمعناه يدل ~~على الفساد في المسألة المتقدمة، فلا يكون ذلك مفيدا لنقيضه، وهو الصحة. # الوجه الثاني: أنا أجمعنا على وجود النهي حيث لا صحة، كالنهي عن بيع ~~الملاقيح والمضامين، وبيع حبل الحبلة، وكالنهي عن الصلاة في أيام الحيض، ~~بقوله، صلى الله عليه وسلم: دعي الصلاة أيام إقرائك والنهي عن نكاح ما نكح ~~الاباء بقوله تعالى: # * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (4) النساء: 22) ولو كان النهي ~~مقتضيا للصحة، لكان تخلف الصحة مع وجود النهي على خلاف الدليل وهو خلاف ~~الأصل، وسواء كان لمعارض أو لا لمعارض. # فإن قيل: إذا نهى الشرع عن صوم يوم النحر وعن الصلاة في الأوقات والأماكن ~~المكروهة، وعن بيع الربا، فالأصل تنزيل لفظ الصلاة والصوم والبيع على عرف ~~الشارع، وعرف الشارع في ذلك إنما هو الفعل المعتبر في حكمه شرعا، فلو لم ~~يكن التصرف المنهي عنه كذلك، لما كان هو التصرف الشرعي وهو ممتنع. # قلنا: أولا لا نسلم وجود عرف الشرع في هذه الأسماء، لما سبق، وإن سلمنا ~~أن له عرفا، لكن في طرف الأوامر أو النواهي؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. # وعلى هذا، فالنهي إنما هو عن التصرف اللغوي دون الشرعي، وإن سلمنا عرف ~~الشارع في هذه الأسماء، ولكن لا نسلم أن عرفه فيها ما ذكروه، بل ما هو بحال ms385 ~~يصح ويمكن صحته، ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الأدلة، ولا يلزم من كون ~~التصرف ممكن الصحة، وقوع الصحة كيف وإن ما ذكروه منتقض بما ذكرناه من ~~المناهي مع انتفاء الصحة عن منهياتها. PageV02P193 # المسألة الثالثة اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه ~~دائما، خلافا لبعض الشاذين. ودليل ذلك، أنه لو قال السيد لعبده لا تفعل كذا ~~وقدرنا نهيه مجردا عن جميع القرائن، فإن العبد لو فعل ذلك في أي وقت قدر، ~~يعد مخالفا لنهي سيده، ومستحقا للذم في عرف العقلاء وأهل اللغة. ولو لم يكن ~~النهي مقتضيا للتكرار والدوام، لما كان كذلك. # فإن قيل: لا خفاء بأن النهي قد يرد ويراد به الدوام، كما في النهي عن ~~الربا وشرب الخمر ونحوه، وقد يرد ولا يراد به الدوام، كما في نهي الحائض عن ~~الصوم والصلاة ونحوه، والصورتان مشتركتان في طلب ترك الفعل لا غير، ~~ومفترقتان في دوامه في إحدى الصورتين، وعدم دوامه في الأخرى. والأصل أن ~~يكون اللفظ حقيقة فيهما من غير اشتراك ولا تجوز، والدال على القدر المشترك ~~لا يكون دالا على ما اختص بكل واحد من الطرفين المختلفين، وأيضا فإنه لو ~~كان النهي مقتضيا للدوام، لكان عدم الدوام في بعض صور النهي على خلاف ~~الدليل، وهو ممتنع. # قلنا: النهي حيث ورد غير مراد به الدوام، يجب أن يكون ذلك لقرينة، نظرا ~~إلى ما ذكرناه من الدليل. وما قيل: إن ذلك يلزم منه الاشتراك أو التجوز. # قلنا: وإن لزم منه التجوز، وهو على خلاف الدليل، لافتقاره إلى القرينة ~~الصارفة، غير أن جعله حقيقة في المرة الواحدة، مما يوجب جعله مجازا في ~~الدوام والتكرار لاختلاف حقيقيتهما. وليس القول بجعله مجازا في التكرار ~~وحقيقة في المرة الواحدة أولى من العكس، بل جعله حقيقة في التكرار أولى، ~~لامكان التجوز به عن البعض، لكونه مستلزما له. ولو جعلناه حقيقة في البعض ~~لما أمكن التجوز به عن التكرار لعدم استلزامه له، وبه يندفع ما ذكروه من ~~الوجه الثاني أيضا. PageV02P194 # الصنف الثالث - في ms386 معنى العام والخاص ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة: ففي بيان معنى العام والخاص وصيغ العموم. # أما العام: فقد قال أبو الحسين البصري: العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما ~~يصلح له، ووافقه على ذلك بعض أصحابنا، وهو فاسد من وجهين: # الأول: أنه عرف العام بالمستغرق، وهما لفظان مترادفان، وليس المقصود ~~هاهنا من التحديد شرح اسم العام، حتى يكون الحد لفظيا، بل شرح المسمى إما ~~بالحد الحقيقي أو الرسمي، وما ذكره خارج عن القسمين. # الثاني: أنه غير مانع، لأنه يدخل فيه قول القائل ضرب زيد عمرا فإنه لفظ ~~مستغرق لجميع ما هو صالح له، وليس بعام. # وقال الغزالي إنه اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا، وهو ~~غير جامع، فإن لفظ المعدوم، والمستحيل من الألفاظ العامة، ولا دلالة له على ~~شيئين فصاعدا، إذ المعدوم ليس بشئ عنده وعند أهل الحق من أصحابنا، ~~والمستحيل بالاجماع، وإن كان جامعا، إلا أنه غير مانع. فإن قولنا: عشرة، ~~PageV02P195 # ومائة ليس من الألفاظ العامة، وإن كان مع اتحاده دالا على شيئين فصاعدا ~~وهي الآحاد الداخلة فيها، والحق في ذلك أن يقال العام: هو اللفظ الواحد ~~الدال على مسميين فصاعدا مطلقا معا. # فقولنا: (اللفظ) وإن كان كالجنس للعام والخاص، ففيه فائدة تقييد العموم ~~بالألفاظ، لكونه من العوارض الحقيقية لها دون غيرها عند أصحابنا وجمهور ~~الأئمة، كما يأتي تعريفه. # وقولنا (الواحد) احتراز عن قولنا ضرب زيد عمرا وقولنا: (الدال على ~~مسميين) ليندرج فيه الموجود والمعدوم، وفيه أيضا احتراز عن الألفاظ المطلقة ~~كقولنا: رجل ودرهم وإن كانت صالحة لكل واحد من آحاد الرجال وآحاد الدراهم ~~فلا يتناولها مقابل على سبيل البدل. # وقولنا: (فصاعدا) احتراز عن لفظ اثنين وقولنا: (مطلقا) احتراز عن قولنا ~~عشرة ومائة ونحوه من الاعداد المقيدة ولا حاجة بنا إلى قولنا من جهة واحدة ~~احتراز عن الألفاظ المشتركة والمجازية. # أما عند من يعتقد كونها من الألفاظ العامة، كما يأتي تحقيقه، فالحد لا ~~يكون مع أخذ هذا القيد جامعا. # وأما عند من لا يقول بالتعميم، فلا ms387 حاجة به إلى هذا القيد أيضا، إذ اللفظ ~~المشترك غير دال على مسمياته معا، بل على طريق البدل وكذلك الحكم في اللفظ ~~الدال على جهة الحقيقة والمجاز. وفي الحد المذكور ما يدرأ النقض بذلك، وهو ~~قولنا: # (الدال على مسميين معا). # وأما الخاص، فقد قيل فيه: هو كل ما ليس بعام، وهو غير مانع لدخول الألفاظ ~~المهملة فيه، فإنها، لعدم دلالتها، لا توصف بعموم ولا بخصوص. # ثم فيه تعريف الخاص بسلب العام عنه، ولا يخلو إما أن يكون بينهما واسطة، ~~أو لا: # فإن كان الأول، فلا يلزم من سلب العام تعين الخاص، PageV02P196 # وإن كان الثاني، فليس تعريف أحدهما بسلب حقيقة الآخر عنه أولى من العكس، ~~وأيضا فإن اللفظ قد يكون خاصا كلفظ الانسان، فإنه خاص بالنسبة إلى لفظ ~~الحيوان وما خرج عن كونه عاما بالنسبة إلى ما تحته. # وإن قيل إنه ليس بعام من جهة ما هو خاص، ففيه تعريف الخاص بالخاص، وهو ~~ممتنع. # والحق في ذلك أن يقال: الخاص قد يطلق باعتبارين: # الأول: وهو اللفظ الواحد الذي لا يصلح مدلوله لاشتراك كثيرين فيه، كأسماء ~~الاعلام من زيد وعمرو ونحوه، الثاني: ما خصوصيته بالنسبة إلى ما هو أعم منه ~~وحده أنه اللفظ الذي يقال على مدلوله، وعلى غير مدلوله، لفظ آخر من جهة ~~واحدة، كلفظ الانسان، فإنه خاص، ويقال على مدلوله وعلى غيره، كالفرس ~~والحمار، لفظ الحيوان من جهة واحدة. # وإذا تحقق معنى العام والخاص فاعلم أن اللفظ الدال ينقسم إلى عام لا أعم ~~منه، كالمذكور، فإنه يتناول الموجود والمعدوم، والمعلوم والمجهول، وإلى خاص ~~لا أخص منه، كأسماء الاعلام، وإلى ما هو عام بالنسبة، وخاص بالنسبة، كلفظ ~~الحيوان، فإنه عام بالنسبة إلى ما تحته من الانسان والفرس، وخاص بالنسبة ~~إلى ما فوقه، كلفظ الجوهر والجسم. # وأما صيغ العموم عند القائلين بها فهي: # إما أن تكون عامة فيمن يعقل وما لا يعقل جمعا وأفرادا مثل (أي) في الجزاء ~~والاستفهام، وأسماء الجموع المعرفة إذا لم يكن عهد، سواء كان جمع سلامة أو ~~جمع ms388 تكسير (كالمسلمين والرجال) والمنكرة (كرجال ومسلمين)، والأسماء المؤكدة ~~لها، مثل (كل وجميع) واسم الجنس إذا دخله الألف واللام من غير عهد (كالرجل ~~والدرهم) والنكرة المنفية كقولك: (لا رجل في الدار) و (ما في الدار من رجل) ~~والإضافة كقولك: (ضربت عبيدي) و (أنفقت دراهمي). # وإما عامة فيمن يعقل دون غيره (كمن) في الجزاء والاستفهام، تقول: من ~~عندك؟ ومن جاءني أكرمته. PageV02P197 # وإما عامة فيما لا يعقل، إما مطلقا من غير اختصاص بجنس مثل ما) في ~~الجزاء، كقوله، على اليد ما أخذت حتى ترد، والاستفهام تقول: ماذا صنعت؟ # وإما لا مطلقا، بل مختصة ببعض أجناس ما لا يعقل مثل (متى) في الزمان جزاء ~~واستفهاما، و (أين) و (حيث) في المكان جزاء واستفهاما، تقول: متى جاء ~~القوم، ومتى جئتني أكرمتك، وأين كنت، وأينما كنت أكرمتك. # وإذ أتينا على ما أردناه من بيان المقدمة، فلنشرع الآن في المسائل، وهي ~~خمس وعشرون مسألة: # المسألة الأولى اتفق العلماء على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، ~~واختلفوا في عروضه، حقيقة للمعاني: فنفاه الجمهور،، وأثبته الأقلون. # وقد احتج المثبتون بقولهم: الاطلاق شائع ذائع في لسان أهل اللغة بقولهم: # عم الملك الناس بالعطاء والانعام، وعمهم المطر والخصب والخير، وعمهم ~~القحط. # وهذه الأمور من المعاني، لا من الألفاظ. والأصل في الاطلاق الحقيقة. # أجاب النافون بأن الاطلاق في مثل هذه المعاني مجاز لوجهين: # الأول: أنه لو كان حقيقة في المعاني، لاطرد في كل معنى، إذ هو لازم ~~الحقيقة، وهو غير مطرد. ولهذا، فإنه لا يوصف شئ من الخاصة الواقعة في ~~امتداد الإشارة إليها، كزيد وعمرو، بكونه عاما لا حقيقة ولا مجازا. # الثاني: أن من لوازم العام أن يكون متحدا، ومع اتحاده متناولا لأمور ~~متعددة من جهة واحدة. والعطاء والانعام الخاص بكل واحد من الناس غير الخاص ~~بالآخر، وكذلك المطر فإن كل جزء اختص منه بجزء من الأرض، لا وجود له ~~بالنسبة إلى الجزء الآخر منها، وكذلك الكلام في الخصب والقحط، فلم يوجد من ~~PageV02P198 # ذلك ما هو مع اتحاده يتناول أشياء من جهة ms389 واحدة، فلم يكن عاما حقيقة، ~~بخلاف اللفظ الواحد، كلفظ الانسان والفرس. # أجاب المثبتون عن الأول. بأن العموم، وإن لم يكن مطردا في كل معنى، فهو ~~غير مطرد في كل لفظ، فإن أسماء الاعلام، كزيد وعمرو ونحوه، لا يتصور عروض ~~العموم لها، لا حقيقة ولا مجازا، فإن كان عدم اطراده في المعاني مما يبطل ~~عروضه للمعاني حقيقة، فكذلك في الألفاظ، وإن كان ذلك لا يمنع في الألفاظ، ~~فكذلك في المعاني، ضرورة عدم الفرق. # وعن الوجه الثاني أنه، وإن تعذر عروض العموم للمعاني الجزئية الواقعة في ~~امتداد الإشارة إليها حقيقة، فليس في ذلك ما يدل على امتناع عروضه للمعاني ~~الكلية المتصورة في الأذهان، كالمتصور من معنى الانسان المجرد عن الأمور ~~الموجبة لتشخيصه وتعيينه، فإنه مع اتحاده، فمطابق لمعناه وطبيعته لمعاني ~~الجزئيات الداخلة تحته من زيد وعمرو من جهة واحدة، كمطابقة اللفظ الواحد ~~العام لمدلولاته. # وإذا كان عروض العموم للفظ حقيقة، إنما كان لمطابقته مع اتحاده للمعاني ~~الداخلة تحته من جهة واحدة. فهذا المعنى بعينه متحقق في المعاني الكلية ~~بالنسبة إلى جزئياتها، فكان العموم من عوارضها حقيقة. PageV02P199 # المسألة الثانية اختلف العلماء في معنى العموم: هل له في اللغة صيغة ~~موضوعة له خاصة به تدل عليه، أو لا؟ فذهبت المرجئة إلى أن العموم لا صيغة ~~له في لغة العرب. # وذهب الشافعي وجماهير المعتزلة وكثير من الفقهاء إلى أن ما سبق ذكره من ~~الصيغ حقيقة في العموم، مجاز فيما عداه ومنهم من خالف في الجميع المنكر ~~والمعروف واسم الجنس إذا دخله الألف واللام، كما يأتي تعريفه، وهو مذهب أبي ~~هاشم. # وذهب أرباب الخصوص إلى أن هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجاز فيما عداه وقد ~~نقل عن الأشعري قولان: # أحدهما: القول بالاشتراك بين العموم والخصوص، والآخر: الوقف وهو عدم ~~الحكم بشئ مما قيل في الحقيقة في العموم، والخصوص، أو الاشتراك، ووافقه على ~~الوقف القاضي أبو بكر، وعلى كل واحد من القولين جماعة من الأصوليين. ~~PageV02P200 # ومن الواقفية من فصل بين الاخبار، والوعد، والوعيد، والامر، والنهي، فقال ~~بالوقف ms390 في الاخبار والوعد والوعيد، دون الأمر والنهي. # والمختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الألفاظ في الخصوص لكونه مرادا من ~~اللفظ يقينا سواء أريد به الكل أو البعض، والوقف فيما زاد على ذلك. ومنهاج ~~الكلام فعلى ما عرف في التوقف في الامر بين الوجوب والندب فعليك بنقله إلى ~~هاهنا، وإنما يتحقق هذا المقصود بذكر شبه المخالفين والانفصال عنها. # ولنبدأ من ذلك بشبه أرباب العموم، وهي نصية، وإجماعية، ومعنوية. # أما النصية، فمنها قول الله تعالى: * (ونادى نوح ربه، فقال: رب، إن ابني ~~من أهلي، وإن وعدك الحق) * (11) هود: 45) تمسكا منه بقوله تعالى: * (إنا ~~منجوك وأهلك) * (2) العنكبوت: 33) وأقره الباري تعالى على ذلك، وأجابه بما ~~دل على أنه ليس من أهله، ولولا أن إضافة الأهل إلى نوح للعموم، لما صح ذلك. # ومنها أنه لما نزل قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) ~~* (21) الأنبياء: 98) قال ابن الزبعرى لأخصمن محمدا ثم جاء إلى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، فقال له: # وقد عبدت الملائكة والمسيح، أفتراهم يدخلون النار واستدل بعموم (ما) ولم ~~ينكر عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، ذلك، بل نزل قوله تعالى غير منكر ~~لقوله، بل مخصصا له بقوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون) * (21) الأنبياء: 101) PageV02P201 # ومنها قوله تعالى: * (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا: إنا مهلكو ~~أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين - قال: إن فيها لوطا - قالوا: نحن ~~أعلم بمن فيها لننجينه وأهله، إلا امرأته كانت من الغابرين) * (29) ~~العنكبوت: 31 - 32) ووجه الاحتجاج بذلك أن إبراهيم فهم من أهل هذه القرية ~~العموم، حيث ذكر لوطا، والملائكة أقروه على ذلك، وأجابوه بتخصيص لوط وأهله ~~بالاستثناء واستثناء امرأته من الناجين. وذلك كله يدل على العموم. # وأما الاجماعية، فمنها احتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة ~~بقوله: # كيف تقاتلهم، وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا: # لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم ولم ينكر عليه ~~أحد من الصحابة ms391 احتجاجه بذلك، بل عدل أبو بكر إلى التعليق بالاستثناء وهو ~~قوله، صلى الله عليه وسلم إلا بحقها فدل على أن لفظ الجمع المعرف للعموم. # ومنها احتجاج فاطمة على أبي بكر في توريثها من أبيها، فدك والعوالي بقوله ~~تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) * (4) النساء: ~~11) ولم ينكر عليها أحد من الصحابة، بل عدل أبو بكر، رضي الله عنه، إلى ما ~~رواه عن النبي، صلى الله عليه وسلم إلى دليل التخصيص، وهو قوله، عليه ~~السلام: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ومنها احتجاج عثمان ~~على علي، رضي الله عنه، في جواز الجمع بين الأختين بقوله تعالى:، * (إلا ~~على أزواجهم) * (3) المؤمنون: 6) واحتجاج علي بقوله تعالى: * (وأن تجمعوا ~~بين الأختين) * (4) النساء: 23) ولم ينكر على أحد منهما صحة ما احتج به. ~~وإنما يصح ذلك، أن لو كانت الأزواج المضافة، والأختان على العموم. # ومنها أن عثمان، لما سمع قول الشاعر: # ألا كل شئ، ما خلا الله، باطل وكل نعيم، لا محالة، زائل قال له كذبت، فإن ~~نعيم أهل الجنة لا يزول ولم ينكر عليه منكر، ولولا أن (كل) للعموم، لما كان ~~كذلك. PageV02P202 # ومنها احتجاج أبي بكر على الأنصار بقوله، صلى الله عليه وسلم الأئمة من ~~قريش ووافقه الكل على صحة هذا الاحتجاج من غير نكير، ولو لم يكن لفظ ~~(الأئمة) عاما، لما صح الاحتجاج. # ومنها إجماع الصحابة على إجراء قوله تعالى: * (الزانية والزاني) * (24) ~~النور: 2)، * (والسارق والسارقة) * (5) المائدة: 38)، * (ومن قتل مظلوما) * ~~(17) الاسراء: 33)، * (وذروا ما بقي من الربا) * (2) البقرة: 278)، * (ولا ~~تقتلوا نفسكم) * (4) النساء: 29)، * (ولا تقتلوا الصيد، وأنتم حرم) * (5) ~~المائدة: 95) وقوله صلى الله عليه وسلم: لا وصية لوارث، ولا تنكح المرأة ~~على عمتها ولا خالتها، ومن ألقى سلاحه فهو آمن إلى غير ذلك على العموم. # وأما الشبه المعنوية، فمنها أن العموم من الأمور الظاهرة الجلية، والحاجة ~~مشتدة إلى معرفته في التخاطب، وذلك مما تحيل العادة مع توالي الاعصار على ~~أهل اللغة إهماله، وعدم تواضعهم على لفظ يدل عليه، مع أنه لا يتقاصر في دعو ms392 ~~الحاجة إلى معرفته، عن معرفة الواحد والاثنين، وسائر الاعداد، والخبر، ~~والاستخبار، والترجي، والتمني، والنداء، وغير ذلك من المعاني التي وضعت لها ~~الأسماء، وربما وضعوا لكثير من المسميات ألفاظا مترادفة مع الاستغناء عنها، ~~ومنها ما يخص كل واحد واحد من الألفاظ المذكورة من قبل. # أما (من) الاستفهامية: كقول القائل من جاءك؟ فلا يخلو إما أن تكون حقيقة ~~في الخصوص، أو العموم، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة، أو ليست موضوعة لاحد ~~الامرين، لا حقيقة ولا تجوزا: والأول محال، وإلا لما حسن أن يجاب بجملة ~~العقلاء، لكونه جوابا عن غير ما سأل عنه، ولا جائز أن تكون مشتركة أو ~~موقوفة، وإلا لما حسن الجواب بشئ إلا بعد PageV02P203 # الاستفهام عن مراد المسائل، وليس كذلك، ولا جائز أن يقال بالأخير للاتفاق ~~على إبطاله، فلم يبق إلا أن تكون حقيقة في العموم. # وأما الشرطية: وهي عندما إذا قال السيد لعبده من دخل داري، فأكرمه فإنه ~~إذا أكرم كل داخل لا يحسن من السيد الاعتراض عليه، ولو أخل بإكرام بعض ~~الداخلين، فإنه يحسن لومه وتوبيخه في العرف. # وأيضا فإنه يحسن الاستثناء من ذلك بقوله إلا أن يكون فاسقا والاستثناء ~~يخرج من الكلام ما لولاه لكان داخلا فيه، ولولا أن (من) للعموم، لما صح ~~ذلك. # وعلى هذا يكون الكلام في جميع الحروف المستعملة للشرط، والاستفهام، مثل: # ما، وأي، ومتى، وأين، وكم، وكيف ونحوه، ومؤكداتها مثل: كل، وجميع، فإنها ~~للعموم. وبيانه من وجوه: # الأول: أنه إذا قال القائل لعبده أكرم كل من رأيته فإنه يسقط عنه اللوم ~~بإكرام كل واحد، ولا يسقط بتقدير إخلاله بإكرام البعض، وأنه يحسن الاستثناء ~~بقوله: إلا الفساق، وذلك دليل العموم كما سبق. # الثاني: أنه لو قال رأيت كل من في البلد فإنه يعد كاذبا بتقدير عدم رؤيته ~~لبعضهم. # الثالث: أنه إذا قال القائل: كل الناس علماء كذبه قول القائل كل الناس ~~ليسوا علماء. ولو لم يكن اسم (كل) للعموم، لما كان كل واحد مكذبا للآخر، ~~لجواز أن يتناول كل واحد غير ما تناوله الآخر. ms393 # الرابع: أنا ندرك التفرقة بين (كل) و (بعض) ولو كان كل غير مفيد للعموم ~~لما تحقق الفرق، لكونه مساويا في الإفادة للبعض. # الخامس: أنه لو كان قول القائل: كل الناس يفيد العموم، ولكنه يعبر عنه ~~تارة عن البعض، وتارة عن العموم حقيقة، لكان قول القائل كلهم بيانا لاحد ~~الامرين فيما دخل عليه، لا تأكيدا له، كما لو قال رأيت عينا باصرة. ~~PageV02P204 # وأما الجمع المعرف فهو للعموم لوجهين الأول: أن كثرة الجمع المعرف تزيد ~~على كثرة الجمع المنكر، ولهذا يقال رجال من الرجال، ولا عكس، وعند ذلك، ~~فالجمع المعرف إما أن يكون مفيدا للاستغراق، أو للعدد غير مستغرق، لا جائز ~~أن يقال بالثاني، لان ما من عدد يفرض من ذلك إلا ويصح نسبته إلى المعرفة ~~بأنه منه، والأول هو المطلوب. # الثاني: أنه يصح تأكيد بما هو مفيد للاستغراق، والتأكيد إنما يفيد تقوية ~~المؤكد، لا أمرا جديدا، فلو لم يكن المؤكد يفيد الاستغراق، لما كان المؤكد ~~مفيدا له، أو كان مفيدا لأمر جديد، وهو ممتنع. # وأما النكرة المنفية، كقوله لا رجل في الدار أو في سياق النفي كقوله ما ~~في الدار من رجل فإن القائل لذلك يعد كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما، وأنه ~~يحسن الاستثناء بقوله إلا زيد وأنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا، كما ورد ~~قوله تعالى: * (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) * تكذيبا لمن قال ما ~~أنزل الله على بشر من شئ وكل ذلك يدل على كونها للعموم، ولأنها لو لم تكن ~~للعموم، لما كان قولنا لا إله إلا الله توحيدا، لعدم دلالته على نفي كل إله ~~سوى الله تعالى. # وأما الإضافة، كقوله: أعتقت عبيدي وإمائي فإنه يدل على العموم، بدليل ~~لزوم العتق في الكل، وأنه يجوز لمن سمعه أن يزوج من أي العبيد شاء، وأن ~~يتزوج من الإماء من شاء، دون رضى الورثة، وكذلك لو قال العبيد الذين هم في ~~يدي لفلان صح الاقرار بالنسبة إلى الجميع، ولولا أن ذلك للعموم، لما كان ~~كذلك. # وأما الجنس إذا ms394 دخله الألف واللام، ولا عهد فإنه للعموم لأربعة أوجه: # الأول: أنه إذا قال القائل رأيت إنسانا أفاد رؤية واحد معين، فإذا دخلت ~~عليه الألف واللام، فلو لم تكن الألف واللام مفيدة للاستغراق، لكانت معطلة ~~لتعذر حملها على تعريف الجنس، لكونه معلوما دونها، وهو ممتنع. PageV02P205 # الثاني: أنه يصح نعته بالجمع المعرف، وقد ثبت أن الجمع المعرف للعموم، ~~فكذلك المنعوت به، وذلك في قولهم أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض ~~وأنه يصح الاستثناء منه، كما في قوله تعالى: * (إن الانسان لفي خسر، إلا ~~الذين آمنوا) * وهو دليل العموم. # الثالث: أن القائل قائلان: قائل يقول إن الألف واللام الداخلة على الاسم ~~المفرد والجمع تفيد العموم، وقائل بالنفي مطلقا. وقد ثبت أنها مفيد ة ~~للعموم في الجمع، فالتفرقة تكون قولا بتفصيل لم يقل به قائل. # الرابع: أنه إذا كانت الألف واللام لتعريف المعهود عائدة إلى جميعه لعدم ~~أولوية عودها إلى البعض منه دون البعض، فكذلك إذا كانت لتعريف الجنس. # وأما الجمع المنكر فيدل على أنه للعموم ثلاثة أوجه. # الأول: أن قول القائل رجال يطلق على كل جمع على الحقيقة، حتى الجمع ~~المستغرق، فإذا حمل الاستغراق كان حملا له على جميع حقائقه، فكان أولى. # الثاني: أنه لو أراد المتكلم بلفظ الجمع المنكر البعض لعينه، وإلا كان ~~مراده مبهما، فحيث لم يعينه دل على أنه للاستغراق. # الثالث: أنه يصح دخول الاستثناء عليه بكل واحد واحد من آحاد الجنس، فكان ~~للعموم. # ومن شبههم أن العرب فرقت بين تأكيد العموم والخصوص في أصل الوضع، فقالوا ~~في الخصوص رأيت زيدا عينه نفسه ولا يقولون رأيت زيدا كلهم أجمعين وقالوا في ~~العموم رأيت الرجال كلهم أجمعين ولا يقولون رأيت لرجال عينه نفسه واختلاف ~~التأكيد يدل على اختلاف المؤكد، لان التأكيد مطابق للمؤكد. # ومنها: أنهم قالوا: وقع الاجماع على أن الباري تعالى قد كلفنا أحكاما تعم ~~جميع المكلفين، فلو لم يكن للعموم صيغة تفيده، لما وقع التكليف به لعدم ما ~~يدل عليه، أو كان التكليف به تكليفا بما لا يطاق، وهو ms395 محال. PageV02P206 # وأما شبه أرباب الخصوص، فأولها: أن تناول اللفظ للخصوص متيقن، وتناوله ~~للعموم محتمل، فجعله حقيقة في المتيقن أولى. # وثانيها: أن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص دون العموم، ومنه يقال: # جمع السلطان التجار والصناع وكل صاحب حرفة، وأنفقت دراهمي، وصرمت نخيلي ~~ونحوه، فكان جعلها حقيقة فيما استعمالها فيه أغلب، أولى. # وثالثها: أنه إذا قال السيد لعبده أكرم الرجال، ومن دخل داري فأعطه ~~درهما، ومتى جاءك فقير فتصدق عليه، ومتى جاء زيد فأكرمه وأين كان وحيث حل ~~فإنه لا يحسن الاستفسار عن إرادة البعض ويحسن الاستفسار عما وراء ذلك، فكان ~~جعل هذه الصيغ حقيقة فيما لا يحسن الاستفسار عنه دون ما يحسن. # ورابعها: أنه لو كان قول القائل رأيت الرجال للعموم، لكان إذا أريد به ~~الخصوص كان المخبر كاذبا، كما لو قال رأيت عشرين ولم ير غير عشرة، بخلاف ما ~~إذا كانت للخصوص، وأريد به العموم. # وخامسها: لو كانت للعموم، لكان تأكيدها غير مفيد لغير ما أفادته، فكان ~~عبثا، وكان الاستثناء منها نقضا. # وسادسها: (ويخص من) أنها لو كانت للعموم، لما جمعت، لان الجمع لا بد وأن ~~يفيد ما لا يفيده المجموع، وليس بعد العموم والاستغراق كثرة، فلا يجمع، وقد ~~جمعت في باب حكاية النكرات عند الاستفهام، فإنه إذا قال القائل جاءني رجال ~~قلت: منون؟ في حالة الوقف دون الوصل، ومنه قول الشاعر: # أتوا ناري، فقلت: منون أنتم؟ فقالوا: الجن. قلت: عموا ظلاما فقد قال ~~سيبويه أنه شاذ غير معمول به. PageV02P207 # وأما شبه أرباب الاشتراك، فأولها: أن هذه الألفاظ والصيغ قد تطلق للعموم ~~تارة، وللخصوص تارة، والأصل في الاطلاق الحقيقة، وحقيقة الخصوص غير حقيقة ~~العموم فكان اللفظ المتحد الدال عليهما حقيقة، مشتركا، كلفظ العين والقرء ~~ونحوه. # وثانيها: أنه يحسن عند إطلاق هذه الصيغ الاستفهام من مطلقها أنك أردت ~~البعض أو الكل، وحسن الاستفهام عن كل واحد منهما دليل الاشتراك، فإنه لو ~~كان حقيقة في أحد الامرين دون الآخر لما حسن الاستفهام عن جهة الحقيقة. # وأما شبه من قال بالتعميم في ms396 الأوامر والنواهي دون الاخبار، فهو أن ~~الاجماع منعقد على التكاليف بأوامر عامة لجميع المكلفين وبنواه عامة لهم، ~~فلو لم يكن الأمر والنهي للعموم، لما كان التكليف عاما، أو كان تكليفا بما ~~لا يطاق، وهو محال. وهذا بخلاف الاخبار، فإنه ليس بتكليف، ولأن الخبر يجوز ~~وروده بالمجهول، ولا بيان له أصلا كقوله تعالى: * (وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن) * (19) مريم: 74)، * (وقرونا بين ذلك كثير) * (25) الفرقان: 38) بخلاف ~~الامر، فإنه، وإن ورد بالمجمل، كقوله: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (6) ~~الانعام: 141) وقوله: * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) ~~فإنه لا يخلو عن بيان متقدم أو متأخر أو مقارن. # والجواب من جهة الاجمال عن جملة هذه الشبه ما أسلفناه في مسألة أن الامر ~~للوجوب أو الندب، فعليك بنقله إلى هاهنا. # وأما من جهة التفصيل، أما ما ذكره أرباب العموم من الآيات، أما قصة نوح ~~فلا حجة فيها، وذلك لان إضافة الأهل قد تطلق تارة للعموم، وتارة للخصوص، ~~كما في قولهم جمع السلطان أهل البلد وإن كان لم يجمع النساء والصبيان ~~والمرضى. وعند ذلك، فليس القول PageV02P208 # بحمل ذلك على الخصوص بقرينة أولى من القول بحمله على العموم بقرينة ونحن ~~لا ننكر صحة الحمل على العموم بالقرينة، وإنما الخلاف في كونه حقيقة أم لا. # وأما قصة ابن الزبعرى، فلا حجة فيها أيضا، لان سؤاله وقع فاسدا حيث ظن أن ~~(ما) عامة فيمن يعقل، وليس كذلك. ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~منكرا عليه ما أجهلك بلغة قومك أما علمت أن (ما) لما لا يعقل وهي وإن أطلقت ~~على من يعقل كما في قوله تعالى: * (والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ~~ونفس وما سواها) * (91) الشمس: 5 - 7) فليس حقيقة، بل مجازا. ويجب القول ~~بذلك، جمعا بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن (ما) لما لا ~~يعقل ولما فيه من موافقة المنقول عن أهل اللغة في ذلك. # وأما قصة إبراهيم، فجوابها بما سبق في قصة نوح. # وأما الاحتجاج بقصة عمر مع أبي بكر، فلا حجة فيها أيضا، لأنه ms397 إنما فهم ~~العصمة من العلة الموجبة لها في الأموال والدماء، وهي قول: لا إله إلا الله ~~فإنها مناسبة لذلك، والحكم مرتب عليها في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فكان ذلك إيماء إليها بالتعليل. # أما أن يكون ذلك مأخوذا من عموم دمائهم وأموالهم، فلا. ومعارضة أبي بكر ~~إنما كانت لما فهمه عمر من التعليل المقتضي للتعميم، لا لغيره. PageV02P209 # وأما قصة فاطمة مع أبي بكر، فالكلام في اعتقاد العموم في قوله تعالى: * ~~(يوصيكم الله في أولادكم) * (4) النساء: 11) ما سبق في قصة نوح وهو الجواب ~~أيضا عن احتجاج عثمان على جواز الجمع بين الأختين، ثم قد أمكن أن يضاف ذلك ~~إلى ما فهم من العلة الموجبة لرفع الحرج، وهي الزوجية، لا إلى عموم اللفظ. ~~وكذلك احتجاج علي بقوله: * (وأن تجمعوا بين الأختين) * (4) النساء: 23) لم ~~يكن لعموم اللفظ، بل بما أومى إليه اللفظ من العلة المانعة من الجمع، وهي ~~الاخوة، فإنها مناسبة لذلك، دفعا للاضرار الواقع بين الأختين من المزاحمة ~~على الزوج الواحد، وإنما يصح الاحتجاج باللفظ بمجرده، إن لو كان للعموم، ~~وهو محل النزاع. وإن صح الاحتجاج في هذه الصور بنفس اللفظ، فلا يمتنع أن ~~يكون ذلك بما اقترن به من قرينة العلة الرافعة للحرج في احتجاج عثمان، ~~والعلة المانعة من الجمع في احتجاج علي، رضي الله عنه. # وأما تكذيب عثمان للشاعر في قوله وكل نعيم لا محالة زائل فإنما كان لما ~~فهمه من قرينة حال الشاعر الدالة على قصد تعظيم الرب ببقائه وبطلان كل ما ~~سواه. # أما أن يكون ذلك مستفادا من ذلك مستفادا من مجرد قوله (كل) فلا. ~~PageV02P210 # وأما استدلال أبي بكر بقوله، صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش إنما فهم ~~منه التعميم لما ظهر له من قصد النبي صلى الله عليه وسلم، لتعظيم قريش ~~وميزتهم على غيرهم من القبائل، فلو لم يكن ذلك يدل على الخصوص فيهم ~~والاستغراق، لما حصلت هذه الفائدة. # وأما إجماع الصحابة على إجراء ما ذكروه من الآيات والاخبار على التعميم ~~في كل سارق وزان ms398 وغير ذلك، فإنما كان ذلك بناء على ما اقترن بها من العلل ~~المومى إليها الموجبة للتعميم، وهي السرقة والزنى وقتل الظالم إلى غير ذلك، ~~أما أن يكون اعتقاد تعميم تلك الأحكام مستندا إلى عموم تلك الألفاظ، فلا. # وأما ما ذكر من الشبهة الأولى المعنوية، فالجواب عنها: أنا وإن سلمنا أن ~~العموم ظاهر، وأن الحاجة داعية إلى وضع لفظ يدل عليه، ولكن لا نسلم إحالة ~~الاخلال به على الواضعين. ولهذا قد أخلوا بالألفاظ الدالة على كثير من ~~المعاني الظاهرة التي تدعو الحاجة إلى تعريفها بوضع اللفظ عليها، وذلك ~~كالفعل الحالي، ورائحة المسك والعود، وغير ذلك من أنواع الروائح والطعوم ~~الخاصة بمحالها. # فإن قيل لا نسلم أنهم أخلوا بشئ من ذلك، فإنهم يقولون: رائحة المسك، ~~ورائحة العود، وطعم العسل، وطعم السكر إلى غير ذلك. والإضافة من جملة ~~الأوضاع المعرفة، ولهذا، فإن الباري تعالى قد عرف نفسه بالإضافة في قوله: # * (ذو العرش) * (85) البروج: 15)، * (ذو الطول) * (40) غافر: 3) إلى غير ~~ذلك. # قلنا: وعلى هذا، لا نسلم أن العرب أخلت بما يعرف العموم، فإن الأسماء ~~المجازية والمشتركة أيضا من الأسماء المعرفة، كما سيأتي بيانه. وما وقع فيه ~~الخلاف من ألفاظ العموم، فهي غير خارجة في نفس الامر عن كونها حقيقة في ~~العموم دون غيره، أو مجازا فيه وحقيقة فيه وفي غيره، فتكون مشتركة. # وعلى كل تقدير، فما خلا العموم في وضعهم عن معر ف، ولا خلاف في ذلك، ~~وإنما الخلاف في جهة دلالته عليه، هل هي حقيقة أو مجاز؟ وخفاء جهة الدلالة ~~والوقوف في تعيينها لا يبطل أصل الوضع والتعريف. PageV02P211 # وأما الشبهة الثانية وقولهم إن (من) إذا كانت استفهامية، لا تخلو عن ~~الأقسام المذكورة في نفس الامر، مسلم. ولكن لم قالوا بوجوب تعيين بعضها مع ~~عدم الدليل القاطع على ذلك. # قولهم: لو كانت للخصوص لما حسن الجواب بكل العقلاء. # قلنا: ولو كانت للعموم، لما حسن الجواب بالبعض الخاص لما قرروه، وليس أحد ~~الامرين أولى من الآخر، كيف وإن الجواب بالكل بتقدير أن يكون للخصوص يكون ~~جوابا ms399 عن المسؤول عنه وزيادة، والجواب بالخصوص، بتقدير أن يكون للعموم، لا ~~يكون جوابا عن المسؤول عنه. ولذلك، كان الجواب بالكل مستحسنا. # ثم ما المانع أن تكون مشتركة؟ # قولهم: لأنه لا يحسن الجواب إلا بعد الاستفهام. # قلنا: إذا كانت مشتركة، وهي استفهامية، فالاستفهام إنما هو عن مدلولها، ~~ومدلولها عند الاستفهام إنما هو أحد المدلولين، لا بعينه، فإذا أجاب بأحد ~~الامرين فقد أجاب عما سئل عنه، فلا حاجة بالمسؤول إلى الاستفهام. # قولهم في الشرطية إن المفهوم من قول السيد لعبده من دخل داري فأكرمه ~~العموم، لما قرروه. # قلنا: ليس ذلك مفهوما من نفس اللفظ، بل من قرينة إكرام الزائر، حتى أنا ~~لو قدرنا أنه لا قرينة أصلا، ولا تحقق لما سوى اللفظ المذكور، فإنا لا نسلم ~~فهم العموم منه، ولا جواز التعميم دون الاستفهام أو ظهور دليل يدل عليه ~~بناء على قولنا بالوقف. ويدل على ذلك أنه يحسن الاستفهام من العبد، ولو كان ~~على أي صفة قدر، وحسن ذلك يدل على الترديد، ولولا الترديد لما حسن ~~الاستفهام. # قولهم إنه يحسن الاستثناء منه مسلم، ولكن لا نسلم أنه لا بد من دخول ما ~~استثني تحت المستثنى منه، فإن الاستثناء من غير الجنس صحيح، وإن لم يكن ~~المستثنى داخلا تحت المستثنى منه، ولا له عليه دلالة. ويدل على صحة ذلك ~~قوله تعالى: * (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) * (4) النساء: 157) والظن ~~هاهنا غير داخل تحت لفظ العلم، وقول الشاعر: PageV02P212 # وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري ~~لأيا ما أبينها * والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد فإن قيل: نحن إنما ندعي ~~ذلك فيما كان من الجنس، لا في غيره. # قلنا: وإذا كان من الجنس، فالاستثناء يدل على وجوب دخول ما استثني تحت ~~المستثنى منه، أو على صلاحيته للدخول تحته: الأول ممنوع، والثاني مسلم. # ويدل على ذلك صحة استثناء كل واحد من آحاد الجنس من جموع القلة، وهي ما ~~يتناول العشرة فما دونها، وهي: أفعل نحو أفلس، وأفعال نحو أصنام، وأفعلة ms400 ~~نحو أرغفة، وفعلة نحو صبية، مع أن آحاد الجنس غير واجبة الدخول تحت ~~المستثنى منه، والاستثناء من جمع السلامة، إذا لم تدخله الألف واللام، فإنه ~~من جموع القلة بنص سيبويه. # فإن قيل: نحن إنما ندعي ذلك فيما يصح استثناء العدد الكثير والقليل منه، ~~واستثناء العدد الكثير، وهو ما زاد على العشرة، لا يصح من جمع القلة. # قلنا: فيلزم عليه استثناء ما لا يصح من جمع القلة. قلنا فيلزم عليه ~~استثناء ما زاد على العشرة من الجمع المنكر، فإنه يصح، وإن كان كل واحد من ~~المستثنيات غير واجب الدخول تحت الجمع المنكر، بل ممكن الدخول. # فإن قيل: لو صح الاستثناء لاخراج ما يصح دخوله، لا ما يجب دخوله، لصح أن ~~يقول القائل: رأيت رجلا إلا زيدا، لصلاحية دخوله تحت لفظ رجل، وهو غير ~~صحيح. # وأيضا، فإن الاستثناء يدخل في الاعداد كقول القائل له علي عشرة دراهم إلا ~~درهما وهو واجب الدخول. وأيضا فإن أهل اللغة قالوا بأن الاستثناء إخراج جزء ~~من كل، والجزء واجب الدخول في كله. # قلنا: أما الأول فلان قوله رأيت رجلا لا يكون إلا معينا في نفس الامر ~~ضرورة وقوع الرؤية عليه، وإن لم يكن معينا عند المستمع، والمعين لا يصح ~~الاستثناء منه إجماعا. # وأما الثاني فبعيد عن التحقيق من حيث إن وجوب دخول الواحد في العشرة لا ~~يمنع من صحة دخوله فيها، بمعنى أنه لا يمتنع دخوله فيها، وما ليس بممتنع ~~أعم من PageV02P213 # الواجب، وعند ذلك، فلا يلزم أن يكون الاستثناء لوجوب الدخول، بل لصحة ~~الدخول، وهو الجواب عن الوجه الثالث أيضا. # كيف وإن استثناء واجب الدخول لا يمنع من استثناء ممكن الدخول، وعلى ما ~~قررناه في إبطا الاستدلال على عموم (من) استفهامية وجزائية يكون بعينه ~~جوابا عما ذكروه من الوجه الأول في عموم (كل) و (جميع). # قولهم في الوجه الثاني إنه لو قال: رأيت كل من في البلد يعد كاذبا، ~~بتقدير عدم رؤية بعضهم، لا نسلم لزوم ذلك مطلقا. فإنه لو قال القائل جمع ~~السلطان كل ms401 التجار وكل الصناع، وجاء كل العسكر فإنه لا يعد في العرف كاذبا ~~بتقدير تخلف آحاد الناس. والعرف بذلك شائع ذائع، وليس حوالة ذلك على ~~القرينة أولى من حوالة صورة التكذيب على القرينة. # قولهم في الوجه الثالث إن قول القائل كل الناس علماء يكذبه قول الآخر كل ~~الناس ليس علماء ليس كذلك مطلقا فإنه لو فسر كلامه بالغالب عنده، كان ~~تفسيره صحيحا مقبولا. ومهما أمكن حمل كلامه على ذلك، فلا تكاذب. # نعم إنما يصح التكاذب بتقدير ظهور الدليل الدال على إرادة الكل، بحيث لا ~~يشذ منهم واحد، وذلك مما لا ينكر، وإنما النزاع في اقتضاء اللفظ لذلك ~~بمطلقه. # قولهم في الوجه الرابع إنا ندرك التفرقة بين (بعض) و (كل) مسلم، لكن من ~~جهة أن بعضا لا يصلح للاستغراق وكلا صالح له ولما دونه، ولا يلزم من ذلك ~~ظهور (كل) في العموم. # قولهم في الوجه الخامس إنه يلزم أن يكون قوله (كلهم) بيانا لا تأكيدا، ~~PageV02P214 # قلنا: وإن بين به مراده من لفظه لا يخرجه ذلك عن كونه تأكيدا لما أراده ~~من العموم، فإن لفظه صالح له. # قولهم في الجمع المعرف إن كثرة الجمع المعرف تزيد على كثرة المنكر، قلنا: ~~متى إذا أريد به الاستغراق، أو إذا لم يرد به ذلك؟ الأول مسلم، والثاني ~~ممنوع، ولا يلزم من كونه صالحا للاستغراق أن يكون متعينا له، بل غايته أنه ~~إذا قال رأيت رجالا من الرجال كان ذلك قرينة صارفة للجمع المعرف إلى ~~الاستغراق. # قولهم إنه يصح تأكيده بما يفيد الاستغراق، قلنا: ذلك يستدعي كون المؤكد ~~صالحا للعموم، والدلالة على العموم عند التأكيد، ولا يدل على كونه بوضعه ~~للعموم. قولهم في تعميم النكرة المنفية: لو قال لا رجل في الدار فإنه يعد ~~كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما، قلنا: إنما عد كاذبا بذلك، لان قوله لا رجل في ~~الدار إنما ينفي حقيقة رجل في الدار، فإذا وجد رجل في الدار، كان كاذبا ولا ~~يلزم من ذلك العموم، في طرف النفي، إذ هو نفي ما ليس بعام. ms402 # قولهم إنه يحسن الاستثناء، سبق جوابه. # قولهم: إنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا، قلنا سبق جوابه أيضا. PageV02P215 # قولهم: لو لم يكن للعموم، لما كان قول القائل لا إله إلا الله توحيدا، ~~قلنا وإن لم يكن حقيقة في العموم، فلا يمتنع إرادة العموم بها. وعلى هذا، ~~فمهما لم ير المتكلم بها العموم، فلا يكون قوله توحيدا، وإن أراد ذلك كان ~~توحيدا، لكن لا يكون العموم من مقتضيات اللفظ، بل من قرينة حال المتكلم ~~الدالة على إرادة التوحيد، وعلى هذا، يكون الحكم أيضا فيما إذا قال ما في ~~الدار من رجل وقول أهل الأدب إنها للعموم يمكن حمله على عموم الصلاحية دون ~~الوجوب. # قولهم في الإضافة إذا قال: أعتقت عبيدي وإمائي ثم مات، جاز لمن سمعه أن ~~يزوج من شاء من العبيد، دون رضى الورثة. قلنا: ولو قال أنفقت دراهمي، وصرمت ~~نخيلي، وضرب عبيدي فإنه لا يعد كاذبا بتقدير عدم إنفاق بعض دراهمه، وعدم ~~صرم بعض نخيله، وعدم ضرب بعض عبيده، ولو كان ذلك للعموم، لكان كاذبا، وليس ~~صرف ذلك إلى القرينة أولى من صرف ما ذكروه إلى القرينة، وهو الجواب عن ~~قوله: العبيد الذين في يدي لفلان. # وما ذكروه في الدلالة على تعميم اسم الجنس، إذا دخله الألف واللام. # أما الوجه الأول منه قولهم إنه لا بد للألف واللام من فائدة، قلنا: يمكن ~~أن تكون فائدتها تعريف المعهود، وإن لم يكن ثم معهود، فالتردد بين العموم ~~والخصوص على السوية، بخلاف ما قبل دخولها. PageV02P216 # وأما الوجه الثاني فقد قيل إنه من النقل الشاذ الذي لا اعتماد عليه، وهو ~~مع ذلك مجاز. ولهذا فإنه لم يطرد في كل اسم فرد، فإنه لا يقال جاءني الرجل ~~العلماء، والرجل المسلمون ثم وإن أمكن نعته بالجمع، فإنما كان كذلك لان ~~المراد من قولهم إنما هو جنس الدينار، وجنس الدرهم، لا جملة الدنانير، ~~وجملة الدراهم. وحيث كان الهلاك بجنس الدينار والدرهم لأمر متحقق في كل ~~واحد من ذلك الجنس، جاز نعته بالجمع، نظرا إلى اقتضاء المعنى للجمع، ms403 لا ~~نظرا إلى اقتضاء لفظ الدينار. # وأما الاستثناء في الآية، فهو مجاز. ولهذا، لم يطرد، فإنه لا يحسن أن ~~يقال رأيت الرجل إلا العلماء، وعلى هذا النحو. ثم لو كان ذلك صالحا ~~للاستغراق، لأمكن مع اتحاده أن يؤكد (بكل) و (جميع) كما في (من) في قولك من ~~دخل داري أكرمته وهو غير جائز، فإنه يحسن أن يقال جاءني الرجل كلهم أجمعون ~~ويمكن أن يقال: إن مثل هذا قياس في اللغة، وهو غير جائز. # وأما الوجه الثالث فدفعه بمنع الحصر فيما قيل، بل القائل ثلاثة، والثالث ~~هو القائل بالتفصيل. # وأما الوجه الرابع فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وقد أبطلناه. # وأما ما ذكروه في تعميم الجمع المنكر، أما الوجه الأول منه، فعنه جوابان: # الأول: أن قول القائل رجال حقيقة في كل عدد على خصوصه، ممنوع، وإن أراد ~~به أنه حقيقة في الجمع المشترك بين جميع الاعداد فمسلم. ولكن لا يلزم من ~~ذلك أن يكون دالا على ما هو الأخص، لا حقيقة ولا مجازا. وعلى هذا، فقد بطل ~~القول بإنا إذا حملناه على الاستغراق، كان حملا له على جميع حقائقه، ضرورة ~~اتحاد مدلوله. # الثاني: وإن سلمنا أنه حقيقة في كل عدد بخصوصه، غير أنه ليس حمله على ~~الاستغراق، مع احتمال عدم الإرادة، أولى من حمله على الأقل، مع كونه ~~مستيقنا. # وأما الوجه الثاني فإنما يلزم المتكلم به بيان إرادة البعض عينا، أن لو ~~كان اللفظ موضوعا له. PageV02P217 # وأما إذا كان موضوعا لبعض مطلق فلا. وأما الاستثناء فقد عرف جوابه، كيف ~~وإن أهل اللغة اتفقوا على تسميته نكرة، ولو كان للاستغراق، لكان معروفا ~~كله، فلا يكون منكرا مختلطا بغيره. # قولهم: إن العرب فرقت بين تأكيد الواحد والعموم بما ذكروه، إنما يصح إن ~~لو كان (كلهم أجمعون تأكيدا للعموم، وليس كذلك، بل هو تأكيد للفظ الذي يجوز ~~أن يراد به العموم وغير العموم. # قولهم: لو لم يكن للعموم صيغة تدل عليه، لكان التكليف بالأمور العامة ~~تكليفا بما لا يطاق. # قلنا: إنما يكون كذلك، إن ms404 لو لم يكن ثم ما يدل على التعميم، وليس كذلك، ~~ولا يلزم من عدم صيغة تدل عليه بوضعها دون قرينة، التكليف بالمحال مع وجود ~~صيغة تدل عليه مع القرينة. # وأما شبه أرباب الخصوص: قولهم في الشبهة الأولى أن الخصوص متيقن، قلنا: ~~ذلك لا يدل على كونه مجازا في الزيادة، فإن الثلاثة مستيقنة في العشرة، ولا ~~يدل على كونه لفظ العشرة. حقيقة في الثلاثة مجازا في الزيادة. # فإن قيل: إلا أن الزيادة في العشرة على الثلاثة أيضا مستيقنة، قيل ليس ~~كذلك، وإلا لما صح استثناؤها بقوله: علي عشرة إلا ثلاثة كيف وإن ما ذكروه ~~من الترجيح معارض بما يدل على كونه حقيقة في العموم، وذلك لأنه من المحتمل ~~أن يكون مراد المتكلم العموم، فلو حمل لفظه على الخصوص لم يحصل مراده، ~~وبتقدير أن يكون مراده الخصوص لا يمتنع حصول مقصوده منه بتقدير الحمل على ~~العموم، بل المقصود حاصل وزيادة، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. # قولهم في الشبهة الثانية إن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص، لا نسلم ~~ذلك، وإن سلم إلا أن ذلك لا يدل على كون هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجازا ~~في العموم، ويدل عليه أن استعمال لفظ الغائط والعذرة غالب في الخارج ~~المستقذر PageV02P218 # من الانسان، وإن كان مجازا فيه، وحقيقة في الموضع المطمئن من الأرض، ~~وفناء الدار. وكذلك لفظ الشجاع حقيقة في الحية المخصوصة، وإن كان غالب ~~الاستعمال في الرجل المقدام. # قولهم في الثالثة إنه لا يحسن الاستفهام عن إرادة البعض بخلاف العموم. # قلنا: حسن الاستفهام عن إرادة العموم لا يخرج الصيغة عن كونها حقيقة في ~~العموم، ودليل ذلك أنه لو قال القائل دخل السلطان البلد، ولقيت بحرا، ~~وناطحت جبلا، ورأيت حمارا فإنه يحسن استفهامه هل أردت بالسلطان نفسه أو ~~عسكره؟ # وهل أردت بالجبل الجبل الحقيقي أو الرجل العظيم وهل أردت بالحمار الحمار ~~الحقيقي أو البليد؟ وأردت بالبحر البحر الحقيقي أو رجلا كريما؟ وعدم حسن ~~الاستفهام عن البعض لتيقنه لا يوجب كون الصيغة حقيقية فيه بدليل الثلاثة ms405 من ~~العشرة. # قولهم في الرابعة: لو كان قوله رأيت الرجال للعموم، لكان كاذبا بتقدير ~~إرادة الخصوص، قلنا: إنما يكون كاذبا مع كون لفظه حقيقة في العموم، إن لو ~~لم يكن لفظه صالحا لإرادة البعض تجوزا، ولهذا، فإنه لو قال: رأيت أسدا ~~وحمارا أو بحرا وكان قد رأى إنسانا شجاعا وإنسانا بليدا وإنسانا كريما، لم ~~يكن كاذبا، وإن كان لفظه حقيقة في غيره، وهذا بخلاف ما إذا قال: رأيت عشرة ~~رجال ولم يكن رأى غير خمسة، فإن لفظ العشرة مما لا يصلح للخمسة، لا حقيقة ~~ولا تجوزا. # قولهم في الخامسة إنه لو كانت هذه الصيغ للعموم، لكان تأكيدها عبثا، ليس ~~كذلك، فإنه يكون أبعد عن مجازفة المتكلم، وأبعد عن قبول التخصيص، وأغلب على ~~الظن. # كيف وإنه يلزم على ما ذكروه صحة تأكيد الخاص بقولهم جاء زيد عينه نفسه ~~وتأكيد عقود الاعداد كقوله تعالى: * (تلك عشرة كاملة) * (2) البقرة: 196) ~~وما هو الجواب ههنا عن التأكيد يكون جوابا في العموم. PageV02P219 # قولهم: وكان الاستثناء منها نقضا يلزم عليه الاستثناء من الاعداد المقيدة ~~كقوله له علي عشرة إلا خمسة فإنه صحيح بالاتفاق، مع أن لفظ العشرة صريح ~~فيها، وجوابه في الاعداد جوابه في العموم. # قولهم في السادسة إن (من) لو كانت للعموم، لما جمعت، قلنا: قد قيل إن ذلك ~~ليس بجمع وإنما هو الحاق زيادة الواو وإشباع الحركة، وبتقدير أن يكون جمعا، ~~فقد قال سيبويه إنه لا عمل عليه، لما فيه من جمع (من) حالة الوصل، وإنما ~~تجمع عندما إذا حكى بها الجمع المنكر حالة الوقف. # وإذ ذاك فلا تكون العموم. # وأما شبه أرباب الاشتراك: قولهم في الشبهة الأولى إن هذه الصيغ قد تطلق ~~تارة للعموم، وتارة للخصوص، والأصل في الاطلاق الحقيقة. # قلنا: الأصل في الاطلاق الحقيقة بصفة الاشتراك، أو لا بصفة الاشتراك؟ # الأول ممنوع، والثاني مسلم وذلك لأنه إذا كان مشتركا افتقر في فهم كل ~~واحد من مدلولاته إلى قرينة تعينه ضرورة تساوي نسبة اللفظ فيه إلى الكل، ~~والقرينة قد تظهر، وقد تخفى. وذلك يفضي ms406 إلى الاخلال بمقصود الوضع، وهو ~~التفاهم، وهذا بخلاف ما إذا كان اللفظ حقيقة في مدلول واحد، فإنه يحمل عليه ~~عند إطلاقه من غير افتقار إلى قرينة مخلة بالفهم. # قولهم في الثانية إنه يحسن الاستفهام. قلنا: ذلك لا يدل على كون اللفظ ~~مشتركا، فإنه يحسن مع كون اللفظ متحد المدلول، كما لو قال القائل خاصمت ~~السلطان فيقال أخاصمته؟ مع كون اللفظ حقيقة في شئ ومجازا في غيره، كما سبق ~~تمثيله من قول القائل صدمت جبلا، ورأيت بحرا، ولقيت حمارا فإنه يحسن ~~استفهامه، أنك أردت بذلك المدلولات الحقيقية أو المجازية من الرجل العظيم، ~~والكريم، والبليد. وذلك لفائدة زيادة الامن من المجازفة في الكلام، وزيادة ~~غلبة الظن وتأكده بما اللفظ ظاهر فيه، وللمبالغة في دفع المعارض، كما سبق ~~في التأكيد. # وأما طريق الرد على من فرق من الواقفية بين الأوامر والاخبار، فهو أن كل ~~ما يذكرونه في الدلالة على وجوب التوقف في الاخبار، فهو بعينه مطرد في ~~الأوامر. PageV02P220 # قولهم أولا إن الامر تكليف. قلنا: ومن الاخبار العامة ما كلفنا بمعرفتها، ~~كقوله تعالى: * (الله خالق كل شئ، وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) ~~وكذلك عمومات الوعد والوعيد، فإنا مكلفون بمعرفتها، لان بذلك يتحقق ~~الانزجار عن المعاصي، والانقياد إلى الطاعات، ومع التساوي في التكليف، فلا ~~معنى للوقوف. وإن سلمنا أن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، فهو غير ~~ممتنع عندنا على ما سبق تقريره. # قولهم ثانيا إن من الاخبار ما يرد بالمجهول من غير بيان، بخلاف الامر. # قلنا: لا نسلم امتناع ورود الامر بالمجهول، كيف وإن هذا الفرق، وإن دل ~~على عدم الحاجة فيما كان من الاخبار لم نكلف بمعرفتها إلى وضع اللفظ العام ~~بإزائه فغير مطرد فيما كلفنا بمعرفته كما سبق، وهم غير قائلين بالتفصيل بين ~~خبر وخبر. PageV02P221 # المسألة الثالثة اختلف العلماء في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة؟ وليس ~~محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شئ إلى شئ، فإن ذلك في ~~الاثنين والثلاثة، وما زاد من غير ms407 خلاف، وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى ~~بالجمع في اللغة. # مثل قولهم رجال ومسلمون. # وإذ تنقح محل النزاع فنقول مذهب عمر وزيد بن ثابت ومالك وداود والقاضي ~~أبي بكر والأستاذ أبي إسحاق وجماعة من أصحاب الشافعي، رضي الله عنه، ~~كالغزالي وغيره أنه اثنان، ومذهب ابن عباس والشافعي وأبي حنيفة ومشايخ ~~المعتزلة وجماعة من أصحاب الشافعي أنه ثلاثة، وذهب إمام الحرمين إلى أنه لا ~~يمتنع رد لفظ الجمع إلى الواحد. # احتج الأولون بحجج من جهة الكتاب، والسنة، وإشعار اللغة، والاطلاق. # أما من جهة الكتاب، فقوله تعالى: * (إنا معكم مستمعون) * (26) الشعراء: ~~15) وأراد به موسى وهرون، وقوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا) * (49) الحجرات: 9)، وقوله تعالى: * (وهل أتاك نبؤ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب، إذ دخلوا على داود ففزع منهم، قالوا: # لا تخف، خصمان بغي بعضنا على بعض) * (38) ص: 21) وقوله تعالى: * (فإن كان ~~له إخوة، فلأمه السدس ) * (4) النساء: 11) وأراد به الأخوين، وقوله تعالى: ~~* (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * (12) يوسف: 83) وأراد به يوسف وأخاه، ~~وقوله تعالى: * (وكنا لحكمهم شاهدين) * (21) الأنبياء: 78) وأراد به داود ~~وسليمان، وقوله تعالى: * (هذان خصمان اختصموا) * (22) الحج: 19) وقوله ~~تعالى: * (إن تتوبا إلى الله، فقد صغت قلوبكما) * (66) التحريم: 4). ~~PageV02P222 # وأما من جهة السنة ما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم أنه قال: الاثنان ~~فما فوقهما جماعة. # وأما من جهة الاشعار اللغوي فهو أن اسم الجماعة مشتق من الاجتماع، وهو ضم ~~شئ إلى شئ، وهو متحقق في الاثنين حسب تحققه في الثلاثة وما زاد عليها، ~~ولذلك تتصرف العرب وتقول: جمعت بين زيد وعمرو، فاجتمعا، وهما مجتمعان، كما ~~يقال ذلك في الثلاثة، فكان إطلاق اسم الجماعة على الاثنين حقيقة وأما من ~~جهة الاطلاق فمن وجهين: # الأول: أن الاثنين يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع، فيقولان: قمنا، وقعدنا، ~~وأكلنا، وشربنا، كما تقول الثلاثة. # الثاني: أنه يصح أن يقول القائل إذا أقبل عليه رجلان في مخافة: أقبل ~~الرجال. # وذلك كله يدل على أن لفظ الجمع حقيقة في الاثنين، إذ الأصل في الاطلاق ~~الحقيقة. # قال النافون لذلك: # أما ms408 قوله تعالى: * (إنا معكم مستمعون) * (26) الشعراء: 15) فالمراد به ~~موسى وهرون وفرعون وقومه، وهم جمع، وقوله تعالى: * (وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا) * (49) الحجرات: 9) فكل طائفة جمع. # وأما قصة داود فلا حجة فيها، فإن الخصم قد يطلق على الواحد وعلى الجماعة، ~~فيقال هذا خصمي، وهؤلاء خصمي، وليس في الآية ما يدل على أن كل واحد من ~~الخصمين كان واحدا، وقوله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) * (4) ~~النساء: 11) فالمراد به الثلاثة، وحيث ورثناها السدس مع الأخوين لم يكن ذلك ~~مخالفا لمنطوق اللفظ، بل لمفهومه، بدليل آخر، وهو انعقاد الاجماع على ذلك. ~~والمراد من قوله تعالى: * (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * (12) يوسف: 83) ~~يوسف وأخوه وشمعون الذي قال: * (لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي) * (12) ~~يوسف: 80) والمراد من قوله تعالى: * (وكنا لحكمهم شاهدين) * (21) الأنبياء: ~~78) PageV02P223 # داود وسليمان والمحكوم له، وهم جماعة، وقوله تعالى: * (هذان خصمان ~~اختصموا) * (22) الحج: 19) فالجواب عنه ما تقدم في قصة داود، وقوله تعالى: ~~* (إن تتوبا إلى الله، فقد صغت قلوبكما) * (66) التحريم: 4) فهو أشبه مما ~~يحتج به هاهنا، ويمكن أن يجاب عنه بأن الخطاب، وإن كان مع اثنين، وأنه ليس ~~لكل واحد منهما في الحقيقة سوى قلب واحد، غير أنه قد يطلق اسم القلوب على ~~ما يوجد للقلب الواحد من الترددات المختلفة إلى الجهات المختلفة، مجازا، ~~ومن ذلك قولهم لمن مال قلبه إلى جهتين أو تردد بينهما: إنه ذو قلبين، وعند ~~ذلك، فيجب حمل قوله قلوبكما على جهة التجوز دون الحقيقة، جمعا بينه وبين ما ~~سنذكره من الأدلة الدالة على امتناع إطلاق لفظ الجمع على الاثنين حقيقة. ~~ويمكن أن يقال إنما قال قلوبكما تجوزا حذرا من استثقال الجمع بين تثنيتين. ~~وقوله صلى الله عليه وسلم، الاثنان فما فوقهما جماعة إنما أراد به أن ~~حكمهما حكم الجماعة في انعقاد صلاة الجماعة بهما وإدراك فضيلة الجماعة، ~~ويجب الحمل عليه، لان الغالب من النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يعرفنا ~~الأحكام الشرعية، لا الأمور اللغوية، لكونها معلومة للمخاطب ولما سيأتي من ~~الأدلة. # وأما ما ذكروه ms409 من الاشعار اللغوي فجوابه أن يقال: وإن كان ما منه اشتقاق ~~لفظ الجماعة في الثلاثة موجودا في الاثنين، فلا يلزم إطلاق اسم الجماعة ~~عليهما، إذ هو من باب القياس في اللغة وقد أبطلناه، ولهذا فإن المعنى الذي ~~صح منه اشتقاق اسم القارورة للزجاجة المخصوصة، وهو قرار المائع فيها، متحقق ~~في الجرة والكوز، ولا يصح تسميتهما قارورة. كيف وإن ذلك لا يطرد في اسم ~~الرجال والمؤمنين وغيرهما من أسماء الجموع، إذ هو غير مشتق من الجمع، ~~والخلاف واقع في إطلاقه على الاثنين حقيقة. PageV02P224 # وجواب الاطلاق الأول أن ذلك لا يدل على أن الاثنين جمع، بدليل صحة قول ~~الواحد لذلك، مع أنه ليس بجماعة. ولهذا، فإنه لا يصح إخبار غيرهما عنهما ~~بذلك، فلا يقال عن الاثنين قاموا وقعدوا بل قاما وقعدا. # وجواب الاطلاق الثاني أن ذلك أيضا لا يدل على أن الاثنين جماعة، بدليل ~~صحة قوله: جاء الرجال عند ما إذا أقبل عليه الواحد في حال المخافة، والواحد ~~ليس بجمع بالاتفاق. # وأما حجج القائلين بأن أقل الجمع ثلاثة فست. # الأولى: ما روي عن ابن عباس أنه قال لعثمان حين رد الام من الثلث إلى ~~السدس بأخوين. قال الله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) * (4) ~~النساء: 11) وليس الاخوان إخوة في لسان قومك فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض ~~أمرا كان قبلي وتوارثه الناس ولولا أن ذلك مقتضى اللغة لما احتج به ابن ~~عباس على عثمان، وأقره عليه عثمان، وهما من أهل اللغة وفصحاء العرب. # الثانية: أن أهل اللغة فرقوا بين رجلين ورجال، فإطلاق اسم الرجال على ~~الرجلين رفع لهذا الفرق. # الثالثة: أنه لو صح إطلاق الرجال على الرجلين، لصح نعتهما بما ينعت به ~~الرجال، ولا يصح أن يقال: جاءني رجلان ثلاثة، كما يقال: جاءني رجال ثلاثة، ~~ولصح أن يقال، رأيت اثنين رجالا، كما يقال: رأيت ثلاثة رجال. # الرابعة: أن أهل اللغة فرقوا بين ضمير التثنية والجمع، فقالوا في ~~الاثنين: فعلا، وفي الجميع: فعلوا. # الخامسة: أنه يصح أن يقال: ما رأيت رجالا بل ms410 رجلين. ولو كان اسم الرجال ~~للرجلين حقيقة، لما صح نفيه. PageV02P225 # السادسة: أنه لو قال: لفلان علي دراهم، فإنه لا يقبل تفسيره بأقل من ~~ثلاثة. # وكذلك في النذر والوصية. # وهذه الحجج ضعيفة: أما الحجة الأولى، فهي معارضة بما روي عن زيد بن ثابت ~~أنه قال: الاخوان أخوة. وروي عنه أنه قال: أقل الجمع اثنان، وليس العمل ~~بأحدهما أولى من الآخر. # وأما الثانية، فهو أن التفرقة بين الرجلين والرجال أن اسم الرجلين جمع ~~خاص بالاثنين، والرجال جمع عام للاثنين وما زاد عليهما. # وأما الثالثة، فهو أن الثلاثة نعت للجمع العام، وهو الرجال، ولا يلزم أن ~~يكون نعتا للجمع الخاص، وهو رجلان وبه يعرف الجواب عن امتناع قولهم: # رأيت اثنين رجالا، من حيث إن رجالا اسم للجمع العام، وهو الثلاثة وما زاد ~~عليها، فلا يلزم أن يكون اسما لما دون ذلك، وبه يخرج الجواب عن الفرق بين ~~ضمير التثنية وضمير الجمع: فإن ضمير (فعلا) لجمع خاص وهو الاثنان، و ~~(فعلوا) ضمير ما زاد على ذلك. # وأما الخامسة فإنه إذا رأى رجلين، لا نسلم أنه يصح قوله: ما رأيت رجالا، ~~إلا أن يريد به ما زاد على الاثنين. # وأما الاحكام فممنوعة على أصل من يرى أن أقل الجمع اثنين. # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح وإلا ~~فالوقف لازم. PageV02P226 # المسألة الرابعة اختلف القائلون بالعموم، في العام بعد التخصيص، هل هو ~~حقيقة في الباقي أو مجاز، على ثمانية مذاهب. # فمنهم من قال إنه يبقى حقيقة مطلقا على أي وجه كان المخصص، وهو مذهب ~~الحنابلة وكثير من أصحابنا. # ومنهم من قال إنه يبقى مجازا كيف ما كان المخصص، وهو مذهب كثير من ~~أصحابنا، وإليه ميل الغزالي وكثير من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة، كعيسى بن ~~أبان وغيره. # ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن كان الباقي جمعا، فهو حقيقة، وإلا فلا. # وهو اختيار أبي بكر الرازي. # ومنهم من قال إن خص بدليل لفظي فهو حقيقة، كيف ما كان المخصص، متصلا أو ~~منفصلا، وإلا ms411 فهو مجاز. # ومنهم من قال إن خص بدليل متصل من شرط، كقوله من دخل داري وأكرمني أكرمته ~~أو استثناء، كقوله من دخل داري أكرمته سوى بني تميم فحقيقة، وإلا فمجاز، ~~وهو اختيار القاضي أبي بكر. # وقال القاضي عبد الجبار من المعتزلة: إن كان مخصصه شرطا، كما سبق تمثيله، ~~أو تقييدا بصفة، كقوله من دخل داري عالما أكرمته فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز، ~~حتى في الاستثناء. # وقال أبو الحسين البصري: إن كانت القرينة المخصصة مستقلة بنفسها، وسواء ~~كانت عقلية، كالدلالة الدالة على أن غير القادر غير مراد بالخطاب في ~~العبادات، أو لفظية، كقول المتكلم بالعموم: أردت به البعض الفلاني، فهو ~~مجاز، وإلا فهو حقيقة وسواء كانت القرينة شرطا، أو صفة مقيدة، أو استثناء. # ومن الناس من قال إنه حقيقة في تناول اللفظ له، مجاز في الاقتصار عليه. ~~PageV02P227 # والمختار تفريعا على القول بالعموم، أنه يكون مجازا في المستبقى، واحدا ~~كان أو جماعة، وسواء كان المخصص متصلا أو منفصلا، عقليا أو لفظيا، باستثناء ~~أو شرط أو تقييد بصفة. # ودليل ذلك أنه إذا كان اللفظ حقيقة في الاستغراق والهيئة الاجتماعية من ~~كل الجنس، فصرفه إلى البعض بالقرينة، كيف ما كانت القرينة. إما أن يكون ~~لدلالة اللفظ عليه حقيقة أو مجازا، لا جائز أن يقال بكونه حقيقة فيه، وإلا ~~كان اللفظ مشتركا بينه وبين الاستغراق، ضرورة اختلاف معنييهما بالبعضية ~~والكلية، وعدم اشتراكهما في معنى جامع يكون مدلولا للفظ، والمشترك لا يكون ~~ظاهرا بلفظه في بعض مدلولاته دون البعض، وهو خلاف مذهب القائلين بالعموم، ~~فلم يبق إلا أن يكون مجازا. # فإن قيل: ما المانع أن يكون حقيقة فيهما، باعتبار اشتراكهما في الجنسية، ~~على وجه لا يكون مشتركا ولا مجازا في أحدهما، والذي يدل على كونه حقيقة في ~~البعض المستبقى أن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، فخروج غيره عن ~~عموم اللفظ لا يكون مؤثرا فيه، سلمنا أنه ليس حقيقة في الجنس المشترك، ولكن ~~ما المانع من كون اللفظ بمطلقه، حقيقة في الاستغراق ومع القرينة يكون ms412 حقيقة ~~في البعض، سلمنا امتناع بقائه حقيقة فيه، ولكن متى إذا كان دليل التخصيص ~~لفظيا متصلا، أو منفصلا. # الأول ممنوع، والثاني مسلم. وذلك لأنه إذا كان الدليل المخصص لفظيا ~~متصلا، وسواء كان شرطا أو تقييدا بصفة أو استثناء، فإن الكلام يصير بسبب ~~الزيادة المتصلة به كلاما آخر مستقلا موضوعا للبعض، فإنه إذا قال من دخل ~~داري أكرمته كان له معنى، فإذا زاد شرطا أو صفة أو استثناء، كقوله من دخل ~~داري وأكرمني أكرمته، ومن دخل داري عالما أكرمته، أو من دخل داري أكرمته ~~PageV02P228 # إلا بني تميم تغير ذلك المعنى الأول، وصار معنى الشرط الداخل المكرم، ~~ومعنى الصفة الداخل العالم، ومعنى الاستثناء الداخل ممن ليس من بني تميم ~~فكان اللفظ والمعنى مختلفا، وكل واحد من اللفظين حقيقة في معناه، وصار هذا ~~بمنزلة قول القائل مسلم فإنه له معنى، فإذا زاد فيه الألف واللام فقال ~~المسلم أو زاد فيه الواو والنون فقال مسلمون فإن اللفظ بإلحاق الزيادة فيه ~~صار دالا على معنى زائد بجهة الحقيقة، لا بجهة التجوز، فكذلك فيما نحن فيه. # وعلى هذا نقول إن قوله تعالى: * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * ~~(29) العنكبوت: 14) إن مجموع هذا القول دل على المستبقى بجهة الحقيقة، وهو ~~قائم مقام قوله فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما. # هذا كله فيما إذا كان الاستثناء والمستثنى في كلام متكلم واحد، وأما لو ~~قال الله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) فقال الرسول عقيبه ~~إلا زيدا فهذا مما اختلف فيه أنه كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا، ~~أم لا. فمن قال بكونه متصلا، نظر إلى أن كلام النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~لا يكون في تشريع الاحكام يغير الوحي، فكان في البيان كما لو كان ذلك بكلام ~~الله تعالى. # ومنهم من أجراه مجرى الدليل المنفصل، دون المتصل، ولهذا، فإنه لو قال ~~الباري تعالى زيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم قام لا يكون خبرا صادرا من ~~الله تعالى، لان نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد، ولعل هذا هو ms413 الأظهر. # سلمنا أنه يكون مجازا في جميع الصور إلا في الشرط، وذلك لأنه إذا قال ~~أكرم بني تميم إن دخلوا داري فإن الشرط لم يخرج شيئا مما تناوله اللفظ من ~~أعيان الأشخاص، بل هو باق بحاله. وإنما أخرج حالا من الأحوال، وهي حالة عدم ~~دخول الدار، بخلاف الاستثناء وغيره، فلا يكون مجازا. # سلمنا التجوز مطلقا، لكن متى إذا كان المستبقى جمعا غير منحصر، أو إذا لم ~~يكن؟ # الأول ممنوع، والثاني مسلم. PageV02P229 # والجواب عن السؤال الأول أن البعض، وإن كان من جنس الكل، إلا أن اللفظ ~~العام حقيقة في استغراق الجنس من حيث هو كذلك، لا في الجنس مطلقا، ولهذا، ~~تعذر حمله على البعض، وإن كان من الجنس، إلا بقرينة، باتفاق القائلين ~~بالعموم، ومعنى الاستغراق غير متحقق في المستبقى، فلا يكون حقيقة فيه. # قولهم إن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، قلنا بانفراده أو مع ~~المخصص الخارج؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. وعلى هذا، فلا يلزم مع التخصيص ~~أن يبقى حقيقة فيه، كيف ويلزم عليه الواحد، فإن اللفظ كان متناولا له ~~حقيقة، قبل التخصيص، وبعد التخصيص، فهو مجاز فيه بالاتفاق. # وعن السؤال الثاني جوابان: الأول أن ذلك مما يرفع جميع المجازات عن ~~الكلام، فإنه ما من مجاز إلا ويمكن أن يقال أنه مع القرينة حقيقة في ~~مدلوله، وبدون القرينة حقيقة في غيره. # الثاني أنه لو كان كما ذكروه لكان استعمال ذلك اللفظ في الاستغراق مع ~~اقترانه بالقرينة المخصصة له بالبعض استعمالا له في غير الحقيقة، وصارفا له ~~عن الحقيقة، وهو خلاف إجماع القائلين بالعموم. # وعن السؤال الثالث أن دلالة اللفظ عند اقترانه بالدليل اللفظي المتصل لا ~~يخرج عن حقيقته وصورته بما اقترن به، وإلا كان كل مقترن بشئ خارجا عن ~~حقيقته. ويلزم من ذلك خروج الجسم عن حقيقته من حيث هو جسم عند اتصافه ~~بالبياض أو السواد، وكذلك في كل موصوف بصفة، وهو محال. وإذا كان باقيا على ~~حقيقته، فمعناه لا يكون مختلفا، بل غايته أن يصير مصروفا عن معناه بالقرينة ms414 ~~المقترنة به، وهو التجوز بعينه. وعلى هذا، فألفاظ الآية المذكورة في قصة ~~نوح الألف للألف، والخمسون للخمسين، وإلا للرفع، ومعرفة ما بقي حاصلة ~~بالحساب. وخرج عن هذا زيادة الألف واللام في المسلم، والواو والنون في ~~PageV02P230 # المسلمين، فإنها لا معنى لها في نفسها دون المزيد عليه، ولا سبيل إلى ~~إهمالها. فلذلك، كانت موجبة للتعيين في الوضع. # فإن قيل: لو قال لا إله فإنه بمطلقه يكون كفرا، ولو اقترن به الاستثناء ~~وهو قوله إلا الله كان إيمانا، وكذلك لو قال لزوجته أنت طالق كان بمطلقه ~~تنجيزا للطلاق، ولو اقترن به الشرط، وهو قوله إن دخلت الدار كان تعليقا، مع ~~أن الاستثناء والشرط له معنى، ولولا تغير الدلالة والوضع، لما كان كذلك. # قلنا: لا نسلم التغير في الوضع، بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه في جهة ~~إطلاقه إلى غيره بالقرينة كيف وإنه لو صح ما ذكروه، لم يكن ذلك من باب ~~تخصيص العموم الذي نحن فيه وعن السؤال الرابع من وجهين: # الأول: أنه مهما أخرج الشرط بعض الأحوال، فيلزم منه إخراج بعض الأعيان، ~~وذلك أنه إذا قال أكرم بني تميم إن دخلوا داري فقد أخرج من لم يدخل الدار، ~~الثاني أنه، وإن لم يخرج شيئا من الأعيان، ولكن لا نسلم انحصار التجوز في ~~إخراج الأعيان، وما المانع من القول بالتجوز في إخراج بعض الأحوال مع عموم ~~اللفظ بالنسبة إليها؟ # وعن السؤال الخامس، لا نسلم أن المستبقى، وإن كان جمعا غير منحصر، أنه ~~يكون عاما إذا لم يكن مستغرقا للجنس وإن سلمنا عمومه، غير أنه بعض مدلول ~~اللفظ العام المخصص، وإذا كان بعضا منه لزم أن يكون صرف اللفظ إليه مجازا ~~لما ذكرناه من الدليل. PageV02P231 # المسألة الخامسة اختلف القائلون بالعموم في صحة الاحتجاج به بعد التخصيص ~~فيما بقي، فأثبته الفقهاء مطلقا، وأنكره عيسى بن أبان وأبو ثور مطلقا، ~~ومنهم من فصل: # ثم اختلف القائلون بالتفصيل: فقال البلخي إن خص بدليل متصل كالشرط والصفة ~~والاستثناء، فهو حجة، وإن خص بدليل منفصل، فليس بحجة. # وقال أبو ms415 عبد الله البصري: إن كان المخصص قد منع من تعلق الحكم بالاسم ~~العام، وأوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر، لم يجز التعلق به، كما في ~~قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) فإن ~~قيام الدلالة على اعتبار الحرز ومقدار المسروق مانع من تعلق الحكم بعموم ~~اسم السارق، وموجب لتعلقه بشرط لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ. # وإن كان المخصص لم يمنع من تعلق الحكم الاسم العام، فهو حجة، كقوله ~~تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) فإن قيام الدلالة على المنع ~~من قتل الذمي غير مانع من تعلق الحكم باسم المشركين. # وقال القاضي عبد الجبار: إن كان العام المخصوص، لو تركنا وظاهره من دون ~~التخصيص، كنا نمتثل ما أريد منا، ونضم إليه ما لم يرد منا، صح الاحتجاج به، ~~وذلك كقوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * المخصص بأهل الذمة، وإن كان العام ~~بحيث لو تركنا وظاهره من غير تخصيص، لم يمكنا امتثال ما أريد منا دون بيان، ~~فلا يكون حجة، وذلك كقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: 43) فإنا ~~لو تركنا والآية، لم يمكنا امتثاله ما أريد منا من الصلاة الشرعية قبل ~~تخصيصه بالحائض، فكذلك بعد التخصيص. PageV02P232 # ومن الناس من قال إنه يكون حجة في أقل الجمع، ولا يكون حجة فيما زاد على ~~ذلك. واتفق الكل على أن العام، لو خص تخصيصا مجملا، فإنه لا يبقى حجة، كما ~~لو قال اقتلوا المشركين إلا بعضهم. # والمختار صحة الاحتجاج به فيما وراء صور التخصيص وقد احتج بعض الأصحاب ~~على ذلك بأن قال: اللفظ العام كان متناولا للكل بالاجماع، فكونه حجة في كل ~~قسم من أقسام ذلك الكل إما أن يكون موقوفا على كونه حجة في القسم الآخر، أو ~~على كونه حجة في الكل، أو لا يتوقف على واحد منهما: # فإن كان الأول، فهو باطل، لأنه إن كان كونه حجة في كل واحد من الأقسام ~~مشروطا بكونه حجة في القسم الآخر فهو دور ممتنع، وإن كان كونه حجة في بعض ~~الأقسام مشروطا بكونه حجة في قسم آخر، ولا عكس، فكونه ms416 حجة في ذلك القسم ~~الآخر يبقى بدون كونه حجة في القسم المشروط وليس بعض الأقسام بذلك أولى من ~~البعض مع تساوي نسبة اللفظ العام إلى كل أقسامه. # وإن كان الثاني، فهو أيضا باطل لان كونه حجة في الكل يتوقف على كونه حجة ~~في كل واحد من تلك الأقسام، لان الكل لا يتحقق إلا عند تحقق جميع الافراد، ~~وذلك أيضا دور ممتنع. وإذا بطل القسمان، ثبت كونه حجة في كل واحد من ~~الأقسام من غير توقف على كونه حجة في القسم الآخر، ولا على الكل، ثبت كونه ~~حجة في البعض المستبقى، وإن لم يبق حجة في غيره. وهذه الحجة مع طولها ضعيفة ~~جدا، إذ لقائل أن يقول: ما المانع من صحة توقف الاحتجاج به في كل واحد من ~~الأقسام على الآخر، أو على الكل مع التعاكس. # قوله: إنه دور ممتنع متى يكون ذلك ممتنعا إذا كان التوقف توقف معية أو ~~توقف تقدم؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. ولكن لم قلت بأن التوقف هاهنا بجهة ~~التقدم. ولا يخفى أن بيان ذلك مما لا سبيل إليه. PageV02P233 # والمعتمد في ذلك الاجماع، والمعقول. # أما الاجماع فهو أن فاطمة، رضي الله عنها، احتجت على أبي بكر في ميراثها ~~من أبيها بعموم قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم) * (4) النساء: 11) ~~الآية، مع أنه مخصص بالكافر والقاتل، ولم ينكر أحد من الصحابة صحة احتجاجها ~~مع ظهوره وشهرته، بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله، صلى الله ~~عليه وسلم: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة. # وأيضا فإن عليا، عليه السلام، احتج على جواز الجمع بين الأختين في الملك ~~بقوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانكم) * (4) النساء: 3) مع كونه مخصصا ~~بالأخوات والبنات، وكان ذلك مشهورا فيما بين الصحابة ولم يوجد له نكير، ~~فكان إجماعا. # وأيضا، فإن ابن عباس احتج على تحريم نكاح المرضعة بعموم قوله تعالى: # * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) * (4) النساء: 23) وقال: قضاء الله أولى من ~~قضاء ابن الزبير، مع أنه مخصوص لكون الرضاع المحرم متوقفا على شروط وقيود، ~~فليس ms417 كل مرضعة محرمة، ولم ينكر عليه منكر صحة احتجاجه به، فكان إجماعا. ~~PageV02P234 # وأما المعقول فهو أن العام قبل التخصيص حجة في كل واحد من أقسامه إجماعا. ~~والأصل بقاء ما كان قبل التخصيص بعده إلا أن يوجد له معارض. والأصل عدمه. # فإن قيل: لو كان حجة في الباقي بعد التخصيص، لم يخل إما أن يدل عليه ~~حقيقة أو تجوزا، لا جائز أن يقال بالأول، إذ يلزم منه أن يكون اللفظ مشتركا ~~بينه وبين الاستغراق ضرورة اتفاق القائلين بالعموم على كونه حقيقة في ~~الاستغراق، والاشتراك على خلاف الأصل. وإن كان مجازا، فيمتنع الاحتجاج به ~~لثلاثة أوجه. # الأول: أن المجاز فيما وراء صورة التخصيص متردد بين أقل الجمع وما عدا ~~صورة التخصيص، ويمتنع الحمل على الكل لما فيه من تكثير جهات التجوز، وليس ~~حمله على أحد المجازين أولى من الآخر، لعدم دلالة اللفظ عليه، فكان مجملا. # الثاني: أن المجاز ليس بظاهر، وما لا يكون ظاهرا لا يكون حجة. # الثالث: أن العام بعد التخصيص ينزل منزلة قوله: اقتلوا المشركين إلا ~~بعضهم والمشبه به ليس بحجة، فكذلك المشبه سلمنا أنه حجة، لكن في أقل الجمع، ~~أو فيما عدا صورة التخصيص؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. وذلك لان الحمل على ~~أقل الجمع متيقن، بخلاف الحمل على ما زاد عليه، فإنه مشكوك فيه، فكان حجة ~~في المتيقن. # والجواب عن السؤال الأول من جهة الاجمال، والتفصيل: # أما الاجمال، فهو أن اللفظ العام حجة في كل واحد من أقسامه، قبل التخصيص ~~إجماعا، وهو إما أن يكون دالا عليه حقيقة، أو مجازا، ضرورة، وكل ما ذكروه ~~من الاشكالات تكون لازمة، ومع ذلك فهو حجة، والعذر يكون متحدا. # وأما التفصيل، فنقول: ما المانع أن يكون مشتركا؟ # قولهم: الاشتراك على خلاف الأصل، قلنا إنما يكون خلاف الأصل، أن لو لم ~~يكن من قبيل الأسماء العامة، وليس كذلك على ما يأتي عن قرب إن شاء الله ~~تعالى. # وإن سلمنا أنه ليس مشتركا، فما المانع من التجوز؟ PageV02P235 # قولهم إنه مجمل لتردده بين جهات التجوز. قلنا: ms418 يجب اعتقاد ظهوره في بعضها ~~نفيا للاجمال عن الكلام، إذ هو خلاف الأصل، ثم متى يكون كذلك إذا كان حمله ~~على ما عدا صورة التخصيص مشهورا، أو إذا لم يكن؟ الأول ممنوع، والثاني ~~مسلم. # وبيان اشتهاره ما نقل عن الصحابة من علمهم بالعمومات المخصصة فيما وراء ~~صورة التخصيص نقلا شائعا ذائعا سلمنا أنه غير مشهور فيه، ولكن يجب حمل ~~اللفظ بعد التخصيص عليه، لأنه أولى من حمله على أقل الجمع لثلاثة أوجه. # الأول: لكونه معينا، وكون أقل الجمع مبهما في الجنس. # والثاني: إن حمله عليه بتقدير أن يكون المراد من اللفظ أقل الجمع غير مخل ~~بمراد المتكلم، وحمله على أقل الجميع بتقدير أن يكون المراد من اللفظ ما ~~عدا صورة التخصيص مخل بمراد المتكلم، فكان الحمل عليه أولى. # والثالث: إنه أقرب إلى الحقيقة، فكان أولى. # قولهم: المجاز ليس بظاهر إن أرادوا به أنه ليس حقيقة فمسلم، ولكن لا يدل ~~ذلك على أنه لا يكون حجة، إلا أن تكون الحجة منحصرة في الحقيقة، وهو محل ~~النزاع وإن أرادوا به أنه لا يكون حجة، فهو محل النزاع. # قولهم إنه ينزل منزلة قوله: اقتلوا المشركين إلا بعضهم ليس كذلك فإن ~~الخارج عن العموم، إذا كان مجهولا، تعذر العمل بالعموم مطلقا، لان العمل به ~~في أي واحد قدر لا يؤمن معه أن يكون هو المستثنى، بخلاف ما إذا كان الخارج ~~معينا. # وعن السؤال الثاني بما ذكرناه من الترجيحات السابقة. PageV02P236 # المسألة السادسة إذا ورد خطاب جوابا لسؤال سائل داع إلى الجواب، فالجواب ~~إما أن يكون غير مستقل بنفسه دون السؤال، أو هو مستقل: # فإن كان الأول، فهو تابع للسؤال في عمومه وخصوصه: # أما في عمومه، فمن غير خلاف، وذلك كما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~أنه سئل عن بيع الرطب التمر، فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: ~~فلا إذا. # وأما في خصوصه فكما لو سأله سائل، وقال: توضأت بماء البحر. فقال له: # يجزئك فهذا وأمثاله، وإن ترك فيه الاستفصال مع تعارض ms419 الأحوال، لا يدل على ~~التعميم في حق الغير، كما قاله الشافعي، رضي الله عنه، إذ اللفظ لا عموم ~~له. # ولعل الحكم على ذلك الشخص كان لمعنى يختص به، كتخصيص أبي بردة في الأضحية ~~بجذعة من المعز، وقوله له تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك، وتخصيصه خزيمة بقبول ~~شهادته وحده، وبتقدير تعميم المعنى الجالب للحكم، فالحكم في حق غيره إن ثبت ~~فبالعلة المتعدية، لا بالنص. # وأما إن كان الجواب مستقلا بنفسه دون السؤال، فإما أن يكون مساويا ~~للسؤال، أو أعم منه، أو أخص. PageV02P237 # فإن كان مساويا له، فالحكم في عمومه وخصوصه عند كون السؤال عاما أو خاصا، ~~فكما لو لم يكن مستقلا ومثاله عند كون السؤال خاصا سؤال الأعرابي عن وطئه ~~في نهار رمضان وقوله صلى الله عليه وسلم: أعتق رقبة ومثاله عند كون السؤال ~~عاما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سئل، فقيل له إنا نركب البحر ~~على أرماث لنا، وليس معنا من الماء العذب ما يكفينا، أفنتوضأ بما البحر؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم: البحر هو الطهور. # وأما إن كان الجواب أخص من السؤال، فالجواب يكون خاصا، ولا يجوز تعديه ~~الحكم من محل التنصيص إلى غيره إلا بدليل خارج عن اللفظ، إذ اللفظ لا عموم ~~له، كما سبق تقريره، بل وفي هذه الصورة الحكم بالخصوص أولى من القول به، ~~فيما إذا كان السؤال خاصا، والجواب مساويا له، حيث إنه هاهنا عدل عن مطابقة ~~سؤال السائل بالجواب مع دعوى الحاجة إليه، بخلاف تلك الصورة، فإنه طابق ~~بجوابه سؤال السائل. # وأما إن كان الجواب أعم من السؤال، فإما أن يكون أعم من السؤال في ذلك ~~الحكم لا غير، كسؤاله، صلى الله عليه وسلم، عن ماء بئر بضاعة، فقال: خلق ~~الماء طهورا، لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه أو أنه أعم من ~~السؤال في غير ذلك الحكم، كسؤاله، صلى الله عليه وسلم، عن التوضئ بماء ~~البحر، فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته PageV02P238 # فإن كان من القسم ms420 الثاني، فلا خلاف في عمومه في حل ميتته، لأنه عام مبتدأ ~~به، لا في معرض الجواب، إذ هو غير مسؤول عنه، وكل عام ورد مبتدأ بطريق ~~الاستقلال، فلا خلاف في عمومه عند القائلين بالعموم. # وأما إن كان من القسم الأول، فمذهب أبي حنيفة والجم الغفير أنه عام، وأنه ~~لا يسقط عمومه بالسبب الذي ورد عليه، والمنقول عن الشافعي، رضي الله عنه، ~~ومالك والمزني وأبي ثور خلافه. # وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا ورد العام على سبب خاص لا تعلق له بالسؤال، ~~كما روي عنه، صلى الله عليه وسلم أنه مر بشاة ميمونة، وهي ميتة، فقال، صلى ~~الله عليه وسلم: أيما إهاب دبغ فقد طهر. # والمختار إنما هو القول بالتعميم إلى أن يدل الدليل على التخصيص. # ودليله أنه لو عري اللفظ الوارد عن السبب كان عاما، وليس ذلك إلا ~~لاقتضائه للعموم بلفظه، لا لعدم السبب، فإن عدم السبب لا مدخل له في ~~الدلالات اللفظية، ودلالة العموم لفظية، وإذا كانت دلالته على العموم ~~مستفادة من لفظه، فاللفظ وارد مع وجوب السبب، حسب وروده مع عدم السبب، فكان ~~مقتضيا للعموم، ووجود السبب لو كان، لكان مانعا من اقتضائه للعموم، وهو ~~ممتنع لثلاثة أوجه: # الأول: أن الأصل عدم المانعية، فمدعيها يحتاج إلى البيان. # الثاني: أنه لو كان مانعا من الاقتضاء للعموم، لكان تصريح الشارع بوجوب ~~العمل بعمومه، مع وجود السبب، إما إثبات حكم العموم مع انتفاء العموم، أو ~~إبطال الدليل المخصص، وهو خلاف الأصل. # الثالث: أن أكثر العمومات وردت على أسباب خاصة، فآية السرقة نزلت في سرقة ~~المجن أو رداء صفوان، وآية الظهار نزلت في حق سلمة بن صخر، وآية اللعان ~~نزلت في حق هلال بن أمية، إلى غير ذلك. والصحابة عمموا أحكام هذه ~~PageV02P239 # الآيات من غير نكير، فدل على أن السبب غير مسقط للعموم، ولو كان مسقطا ~~للعموم لكان إجماع الأمة على التعميم خلاف الدليل ولم يقل أحد بذلك. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على اختصاص العموم بالسبب، وبيانه من ~~ستة ms421 أوجه: # الأول: أنه لو لم يكن المراد بيان حكم السبب لا غير، بل بيان القاعدة ~~العامة، لما أخر البيان إلى حالة وقوع تلك الواقعة، واللازم ممتنع. وإذا ~~كان المقصود إنما هو بيان حكم السبب الخاص، وجب الاقتصار عليه. # الثاني: أنه لو كان الخطاب عاما، لكان جوابا وابتداء، وقصد الجواب ~~والابتداء متنافيان. # الثالث: أنه لو كان الخطاب مع السبب عاما، لجاز إخراج السبب عن العموم ~~بالاجتهاد، كما في غيره من الصور الداخلة تحت العموم ضرورة تساوي نسبة ~~العموم إلى الكل، وهو خلاف الاجماع. # الرابع: أنه لو لم يكن للسبب مدخل في التأثير، لما نقله الراوي لعدم ~~فائدته. # الخامس: أنه لو قال القائل لغيره تغدى عندي فقال لا والله لا تغديت فإنه، ~~وإن كان جوابا عاما، فمقصور على سببه، حتى إنه لا يحنث بغدائه عند غيره، ~~ولولا أن السبب يقتضي التخصيص، لما كان كذلك. # السادس: أنه إذا كان السؤال خاصا، فلو كان الجواب عاما، لم يكن مطابقا ~~للسؤال، والأصل المطابقة لكون الزيادة عديمة التأثير فيما تعلق به غرض ~~السائل. # والجواب عن المعارضة الأولى أنها مبنية على وجوب رعاية الغرض والحكمة في ~~أفعال الله، وهو غير مسلم، وإن كان ذلك مسلما، لكن لا مانع من اختصاص إظهار ~~الحكم عند وجود السبب لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها دون غيره، ~~PageV02P240 # ثم يلزم مما ذكروه أن تكون العمومات الواردة على الأسباب الخاصة مما ~~ذكرناه مختصة بأسبابها، وهو خلاف الاجماع. # وعن الثانية أنه إن أريد بالتنافي بين الجواب والابتداء امتناع ذكره، ~~لحكم السبب مع غيره، فهو محل النزاع، وإن أرادوا غير ذلك، فلا بد من ~~تصويره. # وعن الثالثة أنه لا خلاف في كون الخطاب ورد بيانا لحكم السبب، فكان ~~مقطوعا به فيه، فلذلك امتنع تخصيصه بالاجتهاد، بخلاف غيره، فإن تناوله له ~~ظني، وهو ظاهر فيه، فلذلك جاز إخراجه عن عموم اللفظ بالاجتهاد، وما نقل عن ~~أبي حنيفة من أنه كان يجوز إخراج السبب عن عموم اللفظ بالاجتهاد، حتى أنه ~~أخرج الأمة المستفرشة عن عموم قوله عليه ms422 السلام: الولد للفراش ولم يلحق ~~ولدها بمولاها، مع وروده في وليد زمعة. وقد قال عبد الله بن زمعة: هو أخي ~~وابن وليدة أبي ولد على فراشه. فلعله فعل ذلك لعدم اطلاعه على ورود الخبر ~~على ذلك السبب. # وعن الرابعة أن فائدة نقل السبب امتناع إخراجه عن العموم بطريق الاجتهاد ~~ومعرفة أسباب التنزيل. # وعن الخامسة أن الموجب للتخصيص بالسبب في الصورة المستشهد بها عادة أهل ~~العرف بعضهم مع بعض، ولا كذلك في الأسباب الخاصة بالنسبة إلى خطاب الشارع ~~بالأحكام الشرعية. # وعن السادسة إن أرادوا بمطابقة الجواب للسؤال الكشف عنه وبيان حكمه، فقد ~~وجد، وإن أرادوا بذلك أن لا يكون بيانا لغير ما سئل عنه، فلا نسلم أنه ~~الأصل. # ويدل على ذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما سئل عن التوضؤ بماء ~~البحر فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته، تعرض لحل الميتة ولم يكن مسؤولا ~~عنها. ولو كان الاقتصار على نفس المسؤول عنه هو الأصل، لكان بيان النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، لحل الميتة على خلاف الأصل، وهو بعيد. PageV02P241 # المسألة السابعة اختلف العلماء في اللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت ~~واحد إذا كان مشتركا بين معنيين، كالقرء للطهر، والحيض، أو حقيقة في ~~أحدهما، مجازا في الآخر، كالنكاح المطلق على العقد، والوطئ ولم تكن الفائدة ~~فيهما واحدة، هل يجوز أن يراد به كلا المعنيين معا، أو لا؟ # فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا وجماعة من مشايخ ~~المعتزلة، كالجبائي والقاضي عبد الجبار وغيرهم، إلى جوازه، بشرط أن لا ~~يمتنع الجمع بينهما، وذلك كاستعمال صيغة (افعل) في الامر بالشئ والتهديد ~~عليه، غير أن مذهب الشافعي أنه مهما تجرد ذلك اللفظ عن القرينة الصارفة له ~~إلى أحد معنييه، وجب حمله على المعنيين، ولا كذلك عند من جوز ذلك من مشايخ ~~المعتزلة. # وذهب جماعة من أصحابنا وجماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي عبد الله ~~البصري وغيرهما، إلى المنع من جواز ذلك مطلقا. # وفصل أبو الحسين البصري والغزالي، فقالا: يجوز ذلك بالنظر إلى الإرادة ms423 ~~دون اللغة. # وعلى هذا النحو من الخلاف في اللفظ المفرد، اختلفوا في جمعه، كالأقراء ~~التي هي جمع قرء، هل يجوز حمله على الحيض والأطهار معا، وسواء كان إثباتا، ~~كما لو قيل للمرأة: اعتدي بالاقراء أو نفيا كما لو قيل لها: لا تعتدى ~~بالاقراء. وذلك لان جمع الاسم يفيد جمع ما اقتضاه الاسم، فإن كان الاسم ~~متناولا لمعنييه، كان الجمع كذلك، وإن كان لا يفيد سوى أحد المعنيين، فكذلك ~~أيضا جمعه. # والحجاج فيه متفرع على الحجاج في المفرد. وربما قال بالتعميم في طرف ~~النفي، كان فردا أو جمعا، بعض من قال بنفيه في طرف الاثبات، ولهذا قال أبو ~~الحسين البصري: وفيه بعض الاشتباه، إذ يجوز أن يقال بنفي الاعتداد بالحيض ~~والطهر معا. # والحق أن النفي لما اقتضاه الاثبات، فإن كان مقتضى الاثبات الجمع، فكذلك ~~النفي، وإن كان مقتضاه أحد الامرين، فكذلك النفي. وإذ أتينا على بيان ~~اختلاف المذاهب بالتفصيل، فلنعد إلى طرف الحجاج. وقد احتج القائلون بجواز ~~التعميم. PageV02P242 # أما في إمكان إرادة الامرين باللفظ الواحد، فهو أنا لو قدرنا عدم التكلم ~~بلفظ القرء، لم يمنع الجمع بين إرادة الاعتداد بالحيض وإرادة الاعتداد ~~بالطهر، فوجود اللفظ لا يحيل ما كان جائزا وكذلك الكلام في إرادة الجمع بين ~~الحقيقة والمجاز. # وأما بالنظر عند الوقوع لغة، فقوله تعالى: * (إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي) * (33) الأحزاب: 56) والصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء ~~والاستغفار، وهما معنيان مختلفان، وقد أريدا بلفظ واحد. وأيضا قوله تعالى: ~~* (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات، ومن في الأرض، والشمس والقمر) * ~~(22) الحج: 18:) إلى آخر الآية، وسجود الناس غير سجود غير الناس، وقد أريدا ~~بلفظ واحد. # واحتجوا أيضا بأن سيبويه قال: قول القائل لغيره الويل لك خبر ودعاء، فقد ~~جعله مع اتحاده مفيدا لكلا الامرين. # اعترض النافون، أما على إرادة إنكار الجمع بين المسميين فهو أن المتكلم ~~إذا استعمل الكلمة الواحدة في حقيقتها ومجازها معا، كان مريدا لاستعمالها ~~فيما وضعت له ومريدا للعدول بها عما وضعت له، وهو محال. ms424 وأيضا فإن المستعمل ~~للكلمة فيما هي مجاز فيه، لا بد وأن يضمر فيها كاف التشبيه، والمستعمل لها ~~في حقيقتها لا بد وأن لا يضمر فيها ذلك: والجمع بين الاضمار وعدمه في ~~الكلمة الواحدة محال. # هذا ما يخص الاسم المجازي، وأما ما يخص الاسم المشترك فهو أن اللفظ ~~المشترك موضوع في اللغة لاحد أمرين مختلفين على سبيل البدل، ولا يلزم من ~~ذلك أن يكون موضوعا لهما على الجمع، إذ المغايرة بين المجموع وبين كل واحد ~~من أفراده واقعة بالضرورة، والمساواة بينهما في جميع الأحكام، غير لازمة ~~وعلى هذا، فلا يلزم من كون كل واحد من المفردين مسمى باسم تسمية المجموع ~~به، وعند ذلك فالواضع إذا وضع لفظا لاحد مفهومين على سبيل البدل، فإن لم ~~يكن قد وضعه لمجموعهما، فاستعماله في المجموع استعمال اللفظ في غير ما وضع ~~له، وهو ممتنع. وإن كان قد وضعه له، فإما أن يستعمل اللفظ لإفادة المجموع ~~وحده، أو لافادته مع إفادة الافراد. # فإن كان الأول لم يكن اللفظ مفيدا لاحد مفهوماته، لان الواضع إن كان ~~PageV02P243 # قد وضعه بإزاء أمور ثلاثة على البدل، واحدها ذلك المجموع، فاستعمال اللفظ ~~فيه وحده لا يكون استعمالا للفظ في جميع مفهوماته. وإن استعمله في إفادة ~~المجموع والافراد على الجمع، فهو محال لان إفادة الجموع معناها أن الاكتفاء ~~لا يحصل إلا به، وإفادته للمفرد معناها أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منها، ~~وهو جمع بين النقيضين، وهو محال، فلا يكون اللفظ المشترك من حيث هو مشترك ~~ممكن الاستعمال في إفادة مفهوماته جملة. # وأما على دليل الوقوع لغة، أما النص الأول، فقد قال الغزالي فيه إن لفظ ~~الصلاة المطلق على صلاة الله تعالى والملائكة إنما هو باعتبار اشتراكهما في ~~معنى العناية بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، إظهارا لشرفه وحرمته، فهو ~~لفظ متواطئ لا مشترك، وكذلك لفظ السجود في الآية الأخرى، فإن مسماه إنما هو ~~القدر المشترك من معنى الخضوع لله تعالى، والدخول تحت تسخيره وإرادته. # وقال أبو هاشم: وإن سلم اختلاف المسمى وإرادتهما ms425 بلفظ واحد، فلا يبعد أن ~~يقال إن ذلك من قبيل ما نقلته الشريعة من الأسماء اللغوية إلى غير معانيها ~~في اللغة. # فأما قول سيبويه، فإنه وإن دل على أن العرب وضعت قوله الويل لك للخبر ~~والدعاء معا، فليس فيه ما يدل على أن كل الألفاظ المشتركة، أو الألفاظ التي ~~هي حقيقة في شئ ومجاز في شئ، موضوعة للجمع. كيف وإن قول سيبويه لا يدل على ~~كون ذلك القول مستعملا في الخبر والدعاء معا، بل جاز أن يكون موضوعا للخبر، ~~وهو مستعمل في الدعاء مجازا، معا. # أجاب المثبتون عن الاعتراض الأول على الامكان بمنع أن المستعمل للفظة في ~~حقيقتها ومجازها مريد لاستعمالها فيما وضعت له، ومريد للعدول بها عما وضعت ~~له، بل هو مريد لما وضعت له حقيقة، ولما لم توضع له حقيقة. # وعن الثاني أن إضمار التشبيه وعدمه في الكلمة الواحدة إنما يمتنع بالنسبة ~~إلى شئ واحد، وأما بالنسبة إلى شيئين فلا، كيف وإن ذلك لا يطرد في كل مجاز. ~~PageV02P244 # وعن الثالث أنه مبني على أن الاسم المشترك موضوع لاحد مسمياته على سبيل ~~البدل حقيقة، وليس كذلك عند الشافعي والقاضي أبي بكر، بل هو حقيقة في ~~المجموع، كسائر الألفاظ العامة، ولهذا فإنه إذا تجرد عن القرينة عندهما، ~~وجب حمله على الجميع، وإنما فارق باقي الألفاظ العامة من جهة تناوله لأشياء ~~لا تشترك في معنى واحد يصلح أن يكون مدلولا للفظ، بخلاف باقي العمومات، ~~فنسبه اللفظ المشترك في دلالته إلى جملة مدلولاتها وإلى أفرادها، كنسبة ~~غيره من الألفاظ العامة إلى مدلولاتها جملة وإفرادا. # وعلى هذا، فقد بطل كل ما قيل من التقسيم المبني على أن اللفظ المشترك ~~موضوع لاحد مسمياته على طريق البدل حقيقة، ضرورة كونه مبنيا عليه، وإنما هو ~~لازم على مشايخ المعتزلة المعتقدين كون اللفظ المشترك موضوعا لاحد مسمياته ~~حقيقة على طريق البدل. # فإن قيل: وإن كان اللفظ المشترك حقيقة في الجمع، فلا خفاء بجواز استعماله ~~في آحاد مدلولاته عند ظهور القرينة عند الشافعي والقاضي أبي بكر، وسواء كان ms426 ~~ذلك حقيقة أو مجازا. وعند ذلك فاستعماله في المجموع، وإن كان على وجه لا ~~يدخل فيه الافراد، فإن كان اللفظ حقيقة في الافراد، فاللفظ يكون مشتركا، ~~ولم يدخل فيه جميع مسمياته، وإن كان مجازا، فلم تدخل فيه الحقيقة والمجاز ~~معا، وهو خلاف مذهبكم، وإن كان على وجه يدخل فيه الافراد، فهو محال، لان ~~إفادته للمجموع معناها أن الاكتفاء لا يحصل إلا به، وإفادته للافراد معناها ~~أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منها، وهو جمع بين النقيضين كما سبق. # قلنا: استعماله في الافراد متى يكون معناه الاكتفاء بها إذا كانت داخلة ~~في المجموع، أو إذا لم تكن داخلة فيه؟ والأول ممنوع، بل معنى استعماله فيها ~~أنه لا بد منها. والثاني مسلم، ولا يلزم منه التناقض على كلا التقديرين، ~~أما على تقدير العمل باللفظ في آحاد أفراده مع الاقتصار عند ظهور القرينة، ~~فلان الجملة غير مشترطة في PageV02P245 # الاكتفاء، وأما عند كون الافراد داخلة في مسمى الجملة، فلأنها لا بد ~~منها، لا بمعنى أنه يكتفى بها. # فإن قيل: وإذا كانت الافراد داخلة في مسمى الجملة، فليس للفظ عليها دلالة ~~بجهة الحقيقة، ولا بجهة التجوز، بل بطريق الملازمة الذهنية، وليست دلالة ~~لفظية ليلزم ما قيل. # قلنا: لا خفاء بدخول الافراد في الجملة، فتكون مفهومة من اللفظ الدال على ~~الجملة، فله عليها دلالة، وهي إما أن تكون بجهة الحقيقة، أو التجوز، لما ~~سبق. # وعن الاعتراض الأول على النصوص، أنه لو كان مسمى الصلاة هو القدر المشترك ~~من الاعتناء، ومسمى السجود القدر المشترك من الخضوع، والانقياد، لاطرد ~~الاسم باطرادهما، وليس كذلك، فإنه لا يسمى كل اعتناء بأمر صلاة، ولا كل ~~خضوع وانقياد سجودا. وإن كان المسمى باسم الصلاة اعتناء خاصا، وبالسجود ~~خضوعا خاصا فلا بد من تصويره وبيان الاشتراك فيه. # فإن قيل: يجب اعتقاده، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ، فهو مبني على أن ~~التجوز والاشتراك على خلاف الأصل، وإنما يكون كذلك إن لو تعذر الجمع، وهو ~~محل النزاع. # وعن اعتراض أبي هاشم أنه مبني على تحقيق الأسماء ms427 الشرعية ونقلها من ~~موضوعاتها في اللغة، وهو باطل، على ما سبق من مذهب القاضي أبي بكر. # وعن الاعتراض على قول سيبويه: أما الأول فلانه إنما يلزم أن لو كان ~~الاستدلال بقول سيبويه على أن كل لفظ مشترك أو مجاز يجب أن يكون موضوعا ~~لمجموع مسمياته، وليس كذلك، بل إنما قصد به بيان الوقوع لا غير. # وأما الثاني فلانه لا انفكاك في قوله الويل لك عن الخبر والدعاء، واللفظ ~~واحد، ولا معنى لاستعماله فيهما، سوى فهمهما منه عند إطلاقه. PageV02P246 # المسألة الثامنة نفي المساواة بين الشيئين، كما في قوله تعالى: * (لا ~~يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) * (59) الحشر: 20) يقتضي نفي الاستواء في ~~جميع الأمور عند أصحابنا القائلين بالعموم، خلافا لأبي حنيفة، فإنه قال: ~~إذا وقع التفاوت، ولو من وجه واحد، فقد وفى بالعمل بدلالة اللفظ. # حجة أصحابنا أنه إذا قال القائل لا مساواة بين زيد وعمرو فالنفي داخل على ~~مسمى المساواة، فلو وجدت المساواة من وجه، لما كان مسمى المساواة منتفيا، ~~وهو خلاف مقتضى اللفظ. # فإن قيل الاستواء ينقسم إلى الاستواء من كل وجه، وإلى الاستواء من بعض ~~الوجوه، ولهذا يصدق قول القائل استوى زيد وعمرو عند تحقق كل واحد من ~~الامرين. والاستواء مطلقا أعم من الاستواء من كل وجه، ومن وجه دون وجه، ~~والنفي إنما دخل على الاستواء الأعم، فلا يكون مشعرا بأحد القسمين الخاصين. # وأيضا فإنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه، وإلا ~~لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء لأنه ما من شيئين إلا ولا بد ~~من استوائهما في أمر ما، ولو في نفي ما سواهما عنهما. ولو صدق ذلك وجب أن ~~يكذب عليه غير المساوي لتناقضهما عرفا. ولهذا، فإن من قال هذا مساو لهذا ~~فمن أراد تكذيبه قال لا يساويه والمتناقضان لا يصدقان معا، ويلزم من ذلك أن ~~لا يصدق على شيئين أنهما غير متساويين، وذلك باطل، فعلم أنه لا بد في ~~اعتبار المساواة من التساوي من كل وجه. وعند ذلك، فيكفي في نفي المساواة ms428 ~~نفي الاستواء من بعض الوجوه، لان نقيض الكلي الموجب، جزئي سالب، فثبت أن ~~نفي المساواة لا يقتضي نفي المساواة من كل وجه. # وأيضا فإنه لو كان نفي المساواة يقتضي نفي المساواة من كل وجه، لما صدق ~~نفي المساواة حقيقة على شيئين أصلا، لأنه ما من شيئين إلا وقد استويا في ~~أمر ما كما سبق. وهو على خلاف الأصل، إذ الأصل في الاطلاق الحقيقة دون ~~المجاز. PageV02P247 # والجواب عن الأول أن ذكر الأعم متى لا يكون مشعرا بالأخص، إذا كان ذلك في ~~طرف الاثبات أو النفي؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. # ولهذا، فإنه لو قال القائل ما رأيت حيوانا وكان قد رأى إنسانا أو غيره من ~~أنواع الحيوان، فإنه يعد كاذبا. # وعن الثاني، لا نسلم أنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة التساوي من بعض ~~الوجوه. # قولهم: لو كفى ذلك، لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء لما قرر، ~~مسلم. # قولهم: يلزم من ذلك أن يكذب عليه غير المساوي، وهو باطل بما قرر. فهو ~~مقابل بمثله، وهو أن يقال: لا يكفي في إطلاق نفي المساواة نفي المساواة من ~~بعض الوجوه، وإلا لوجب إطلاق نفي المساواة على كل شيئين، لأنه ما من شيئين ~~إلا وقد تفاوتا من وجه، ضرورة تعينهما، ولو صدق ذلك لوجب أن يكذب عليه ~~المساوي لتناقضهما عرفا. ولهذا، فإن من قال هذا غير مساو لهذا فمن أراد ~~تكذيبه قال إنه مساو له والمتناقضان لا يصدقان معا. ويلزم من ذلك أن لا ~~يصدق على شيئين أنهما متساويان، وذلك باطل، فإنه ما من شيئين إلا ولا بد من ~~استوائهما، ولو في نفي ما سواهما عنهما، فعلم أنه لا بد في اعتبار نفي ~~المساواة من نفي المساواة من كل وجه. وعند ذلك فيكفي في إثبات المساواة ~~المساواة من بعض الوجوه، لان نقيض الكلي السالب جزئي موجب. وفيه إبطال ما ~~ذكر من عدم الاكتفاء في إطلاق لفظ المساواة بالمساواة من وجه. وإذا تقابل ~~الأمران سلم لنا ما ذكرناه أولا. # وعن الثالث، لا نسلم صدق نفي ms429 المساواة مطلقا على ما وقع التساوي بينهما ~~من وجه. # قولهم: الأصل في الاطلاق الحقيقة، قلنا: إلا أن يدل الدليل على مخالفته. ~~ودليله ما ذكرناه. وفي معنى نفي المساواة قوله تعالى: * (ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا) *. PageV02P248 # المسألة التاسعة المقتضي، وهو ما أضمر ضرورة صدق المتكلم، لا عموم له، ~~وذلك كما في قوله، صلى الله عليه وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه فإنه أخبر عن رفع الخطأ والنسيان، ويتعذر حمله على حقيقته، ~~لافضائه إلى الكذب في كلام الرسول، ضرورة تحقق الخطأ والنسيان في حق الأمة، ~~فلا بد من إضمار حكم يمكن نفيه، من الاحكام الدنيوية أو الأخروية، ضرورة ~~صدقه في كلامه. وإذا كانت أحكام الخطأ والنسيان متعددة، فيمتنع إضمار ~~الجميع، إذ الاضمار على خلاف الأصل، والمقصود حاصل بإضمار البعض، فوجب ~~الاكتفاء به، ضرورة تقليل مخالفة الأصل. # فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم يكن لفظ الرفع دالا على رفع جميع ~~أحكام الخطأ والنسيان، وليس كذلك، وبيانه أن قوله: رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان يدل على رفعهما، مستلزما لرفع أحكامها. فإذا تعذر العمل به في نفي ~~الحقيقة، تعين العمل به في نفي الاحكام. # سلمنا أنه لا دلالة عليها وضعا، ولكن لم قلتم بأنه لا يدل عليها بعرف ~~الاستعمال؟ # ولهذا يقال ليس للبلد سلطان، وليس له ناظر ولا مدبر. والمراد به نفي ~~الصفات. # سلمنا أنه لا يدل عليها بعرف الاستعمال، غير أن اللفظ دال على رفع الخطأ ~~والنسيان. # فإذا تعذر ذلك، وجب إضمار جميع الأحكام لوجهين: # الأول أنه يجعل وجود الخطأ والنسيان كعدمه، والثاني أنه لا يخلو إما أن ~~يقال بإضمار الكل أو البعض أو لا بإضمار شئ أصلا. # والقول بعدم الاضمار خلاف الاجماع، وليس إضمار البعض أولى من البعض، ~~ضرورة تساوي نسبة اللفظ إلى الكل، فلم يبق سوى إضمار الجميع. # والجواب: عن الأول أن اللفظ إنما يستلزم نفي الاحكام بواسطة نفي حقيقة ~~الخطأ والنسيان، فإذا لم يكن الخطأ والنسيان متيقنا، فلا يكون مستلزما لنفي ~~الاحكام. PageV02P249 # وعن ms430 الثاني أن الأصل إنما هو العمل بالوضع الأصلي وعدم العرف الطارئ، فمن ~~ادعاه يحتاج إلى بيانه. وما ذكروه من الاستشهاد بالصور، فلا نسلم صحة حملها ~~على جميع الصفات وإلا لما كان السلطان موجودا ولا عالما ولا قادرا، ونحو ~~ذلك من الصفات، وهو محال. # وعن الثالث قولهم: إضمار جميع الأحكام يكون أقرب إلى المقصود من نفي ~~الحقيقة. # قلنا إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة الدليل المقتضي للأحكام، وهو وجود ~~الخطأ والنسيان. # قولهم ليس إضمار البعض أولى من البعض، إنما يصح أن لو قلنا بإضمار حكم ~~معين، وليس كذلك، بل بإضمار حكم ما، والتعيين إلى الشارع. # فإن قيل فيلزم من ذلك الاجمال في مراد الشارع، وهو على خلاف الأصل. # قلنا: لو قيل بإضمار الكل لزم منه زيادة الاضمار وتكثير مخالفة الدليل ~~كما سبق، وكل واحد منهم على خلاف الأصل. # ثم ما ذكرناه من الأصول إما أن تكون راجحة على ما ذكروه، أو مساوية له، ~~أو مرجوحة. فإن كانت راجحة، لزم العمل بها. # وإن كانت مساوية، فهو كاف لنا في هذا المقام في نفي زيادة الاضمار، وهما ~~تقديران، وما ذكروه إنما يمكن التمسك به على تقدير كونه راجحا، ولا يخفى أن ~~ما يتم التمسك به على تقديرين أرجح مما لا يمكن التمسك به إلا على تقدير ~~واحد. PageV02P250 # المسألة العاشرة الفعل المتعدي إلى مفعول كقوله والله لا آكل، أو إن أكلت ~~فأنت طالق هل يجري مجرى العموم بالنسبة إلى مفعولاته أم لا؟ # اختلفوا فيه: فأثبته أصحابنا والقاضي أبو يوسف، ونفاه أبو حنيفة. # وتظهر فائدة الخلاف في أنه لو نوى به مأكولا معينا، قبل عند أصحابنا حتى ~~إنه لا يحنث بأكل غيره، بناء على عموم لفظه له وقبول العام للتخصيص ببعض ~~مدلولاته، ولا يقبل عند أبي حنيفة تخصيصه به، لان التخصيص من توابع العموم، ~~ولا عموم. # حجة أصحابنا، أما في طرف النفي، وذلك عند ما إذا قال والله لا أكلت أن ~~قوله أكلت فعل يتعدى إلى المأكول ويدل عليه بوضعه وصيغته، فإذا قال لا أكلت ms431 ~~فهو ناف لحقيقة الاكل من حيث هو أكل، ويلزم من ذلك نفيه بالنسبة إلى كل ~~مأكول، وإلا لما كان نافيا لحقيقة الاكل من حيث هو أكل وهو خلاف دلالة ~~لفظه. وإذا كان لفظه دالا على نفي حقيقة الاكل بالنسبة إلى كل مأكول، فقد ~~ثبت عموم لفظه بالنسبة إلى كل مأكول، فكان قابلا للتخصيص. # وأما في طرف الاثبات، وهو ما إذا قال إن أكلت فأنت طالق فلا يخفى أن وقوع ~~الاكل المطلق يستدعي مأكولا مطلقا، لكونه متعديا إليه، والمطلق ما كان ~~شائعا في جنس المقيدات الداخلة تحته، فكان صالحا لتفسيره وتقييده بأي منها ~~كان، ولهذا لو قال الشارع أعتق رقبة صح تقييدها بالرقبة المؤمنة، ولو لم ~~يكن للمطلق على المقيد دلالة، لما صح تفسيره به. # فإن قيل: يلزم على ما ذكرتموه الزمان والمكان، فإن حقيقة الاكل لا تتم ~~نفيا، ولا إثباتا، إلا بالنسبة إليهما، ومع ذلك، لو نوى بلفظه مكانا معينا، ~~أو زمانا معينا، فإنه لا يقبل. # قلنا: لا نسلم ذلك وإن سلمنا فالفرق حاصل. وذلك لان الفعل، وهو قوله ~~(أكلت) غير متعد إلى الزمان والمكان، بل هو من ضرورات الفعل، فلم يكن اللفظ ~~PageV02P251 # دالا عليه بوضعه فلذلك لم يقبل تخصيص لفظه به، لان التخصيص عبارة عن حمل ~~اللفظ على بعض مدلولاته، لا على غير مدلولاته، بخلاف المأكول على ما سبق. # فإن قيل؟ إذا قال إن أكلت فأنت طالق فالاكل الذي هو مدلول لفظه كلي مطلق، ~~والمطلق لا إشعار له بالمخصص، فلا يصح تفسيره به. # قلنا: المحلوف عليه ليس هو المفهوم من الاكل الكلي الذي لا وجود له إلا ~~في الأذهان، وإلا لما حنث بالاكل الخاص، إذ هو غير المحلوف عليه، وهو خلاف ~~الاجماع، فلم يبق إلا أن يكون المراد به أكلا مقيدا من جملة الأكلات ~~المقيدة التي يمكن وقوعها في الأعيان أيا منها كان، وإذا كان لفظه لا إشعار ~~له بغير المقيد صح تفسيره به، كما إذا قال أعتق رقبة وفسره بالرقبة ~~المؤمنة، كما سبق. # المسألة الحادية عشرة الفعل، وإن ms432 انقسم إلى أقسام وجهات، فالواقع منه لا ~~يقع إلا على وجه واحد منها، فلا يكون عاما لجميعها، بحيث يحمل وقوعه على ~~جميع جهاته، وذلك كما روي عنه، عليه السلام، أنه صلى داخل الكعبة، فصلاته ~~الواقعة يحتمل أنها كانت فرضا، ويحتمل أنها كانت نفلا، ولا يتصور وقوعها ~~فرضا نفلا، فيمتنع الاستدلال بذلك على جواز الفرض والنفل في داخل الكعبة ~~جميعا، إذ لا عموم للفعل الواقع بالنسبة إليهما، ولا يمكن تعيين أحد ~~القسمين إلا بدليل. # وأما ما روي عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه صلى بعد غيبوبة الشفق، فالشفق ~~اسم مشترك بين الحمرة والبياض، فصلاته يحتمل أنها وقعت بعد الحمرة، ويحتمل ~~أنها وقعت بعد البياض، فلا يمكن حمل ذلك على وقوع فعل الصلاة بعدهما، على ~~رأي من لا يرى حمل اللفظ المشترك على جميع محامله، وإنما يمكن ذلك على رأي ~~من يرى ذلك كما سبق تحقيقه. فإن قول الراوي، صلى بعد غيبوبة الشفق، ينزل ~~منزلة قوله، صلى بعد الشفقين. PageV02P252 # وفي هذا المعنى أيضا قول الراوي كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يجمع بين ~~الصلاتين في السفر فإنه يحتمل وقوع ذلك في وقت الأولى، ويحتمل وقوعه في وقت ~~الثانية: وليس في نفس وقوع الفعل ما يدل على وقوعه فيهما، بل في أحدهما. ~~والتعين متوقف على الدليل. وأما وقوع ذلك منه، صلى الله عليه وسلم، متكررا ~~على وجه يعم سفر النسك وغيره، فليس أيضا في نفس وقوع الفعل ما يدل عليه، بل ~~إن كان ولا بد، فاستفادة ذلك إنما هي من قول الراوي: كان يجمع بين ~~الصلاتين. ولهذا، فإنه إذا قيل كان فلان يكرم الضيف يفهم منه التكرار دون ~~القصور على المرة الواحدة. # وعلى هذا أيضا، يجب أن يعلم أن ما فعله النبي، صلى الله عليه وسلم، واجبا ~~كان عليه أو جائزا له، لا عموم له بالإضافة إلى غيره، بل هو خاص في حقه، ~~إلا أن يدل دليل من خارج على المساواة بينه وبين غيره في ذلك الفعل، كما لو ~~صلى وقال صلوا كما ms433 رأيتموني أصلي أو غير ذلك. # فإن قيل: فقد أجمعت الأمة على تعميم سجود السهو في كل سهو، بما روي عنه، ~~صلى الله عليه وسلم، أنه سها في الصلاة، فسجد، وكذلك اتفقوا على تعميم ما ~~نقل عن عائشة أنها قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وهو في الصلاة في حق كل أحد، حتى إن الشافعي استدل بذلك على طهارة ~~مني الآدمي، واستدل به أبو حنيفة على جواز الاقتصار على الفرك في حق غير ~~النبي، مع حكمه بنجاسته. PageV02P253 # وكذلك إجماعهم على وجوب الغسل من التقاء الختانين بقول عائشة: فعلته أنا ~~ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، واغتسلنا وأيضا فإن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، كان إذا سئل عن حكم، أجاب بما يخصه، وأحال معرفة ذلك على فعل نفسه. # فمن ذلك لما سألته أم سلمة عن الاغتسال قال: أما أنا فأفيض الماء على ~~رأسي ومن ذلك أنه لما سئل عن قبلة الصائم قال أنا أفعل ذلك ولولا أن للفعل ~~عموما لما كان كذلك. # قلنا: أما تعميم سجود السهو فإنه إنما كان لعموم العلة، وهي السهو، من ~~حيث إنه رتب السجود على السهو بفاء التعقيب، وهو دليل العلة، كما يأتي ~~ذكره، لا لعموم الفعل. وكذلك الحكم في قوله زنى ماعز فرجم وفي قوله رضخ ~~يهودي رأس جارية، فرضخ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأسه. # وأما العمل بخبر عائشة في فرك المني، ووجوب الغسل من التقاء الختانين، ~~وإفاضة الماء على الرأس، وقبلة الصائم، فكل ذلك مستند إلى القياس، لا إلى ~~عموم الفعل لتعذره، كما سبق، والله أعلم. PageV02P254 # المسألة الثانية عشرة قول الصحابي: نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~عن بيع الغرر، وقوله: قضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالشفعة للجار، ~~ونحوه، اختلفوا في تعميمه لكل غرر، وكل جار. # والذي عليه معول أكثر الأصوليين أنه لا عموم له، لأنه حكاية الراوي، ~~ولعله رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، قد نهى عن فعل خاص لا عموم له، فيه ms434 ~~غرر، وقضى لجار مخصوص بالشفعة فنقل صيغة العموم لظنه عموم الحكم. # ويحتمل أنه سمع صيغة ظنها عامة، وليست عامة، ويحتمل أنه سمع صيغة عامة. ~~وإذا تعارضت الاحتمالات، لم يثبت العموم، والاحتجاج إنما هو بالمحكي لا ~~بنفس الحكاية. # ولقائل أن يقول: وإن كانت هذه الاحتمالات منقدحة، غير أن الصحابي الراوي ~~من أهل العدالة والمعرفة باللغة، فالظاهر أنه لم ينقل صيغة العموم، إلا وقد ~~سمع صيغة لا يشك في عمومها، لما هو مشتمل عليه من الداعي الديني والعقلي ~~المانع له من إيقاع الناس في ورطة الالتباس، واتباع ما لا يجوز اتباعه ~~وبتقدير أن لا يكون قاطعا بالعموم، فلا يكون نقله للعموم إلا وقد ظهر له ~~العموم، والغالب إصابته فيما ظنه ظاهرا فكان صدقه فيما نقله غالبا على ~~الظن، ومهما ظن صدق الراوي فيما نقله عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وجب ~~اتباعه. PageV02P255 # المسألة الثالثة عشرة مذهب الشافعي، رضي الله عنه، أنه، إذا حكم النبي ~~صلى الله عليه وسلم، بحكم في واقعة خاصة، وذكر علته، أنه يعم من وجدت في ~~حقه تلك العلة، خلافا للقاضي أبي بكر. # وذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم، في حق أعرابي محرم وقصت به ناقته لا ~~تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا وكقوله، صلى ~~الله عليه وسلم في قتلى أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم ~~القيامة، وأوداجهم تشخب دما وكما لو قال الشارع حرمت المسكر لكونه حلوا عم ~~التحريم كل حلو. # والحق في ذلك أنه إن ادعى عموم الحكم نظرا إلى الصيغة الواردة، فهو باطل ~~قطعا، كيف وإنه لو كان التنصيص على إثبات الحكم المعلل يقتضي بعمومه الحكم ~~في كل محل وجدت فيه العلة، لكان للوكيل إذا قال له الموكل أعتق عبدي سالما ~~لكونه أسود أن يعتق كل عبد أسود له، كما لو قال أعتق عبيدي السودان وليس ~~كذلك بالاجماع. # وإن قيل بالعموم، نظرا إلى الاشتراك في العلة، فهو الحق، ولا يلزم من ~~التعميم في الحكم بالعلة المشتركة شرعا، مثله فيما إذا قال ms435 لوكيله أعتق ~~عبدي سالما لكونه أسود إذ الوكيل إنما يتصرف بأمر الموكل لا بالقياس على ما ~~أمره به. وعلى هذا، فالفائدة في ذكر العلة معرفة كون الحكم معللا، إلا أن ~~يكون اللفظ الدال على الحكم عاما لغير محل التنصيص. # وما يقوله القاضي أبو بكر من أنه يحتمل أن يكون النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، علل ذلك في حق الأعرابي بما علمه من موته مسلما مخلصا في عبادته ~~محشورا ملبيا وقصت به ناقته، لا بمجرد إحرامه. وفي قتلى أحد بعلو درجتهم في ~~الجهاد، وتحقق شهادتهم، لا بمجرد الجهاد. وفي تحريم المسكر لكونه حلوا ~~مسكرا، وذلك كله غير معلوم في حق الغير. # وإن كان ما ذكروه منقدحا، غير أنه على خلاف ما ظهر من تعليله، عليه ~~السلام بمجرد الاحرام والجهاد، وترك ما ظهر من التعليل لمجرد الاحتمال ~~ممتنع. PageV02P256 # المسألة الرابعة عشرة اختلفوا في دلالة المفهوم تفريعا على القول به: هل ~~لها عموم أو لا؟. # وكشف الغطاء عن ذلك أن نقول: المفهوم ينقسم إلى مفهوم الموافقة، وهو ما ~~كان حكم السكوت عنه موافقا لحكم المنطوق كما يأتي تحقيقه. # فإن كان من قبيل مفهوم الموافقة، كما في تحريم ضرب الوالدين من تنصيصه ~~على تحريم التأفيف لهما، فحكم التحريم، وإن كان شاملا للصورتين، لكن مع ~~اختلاف جهة الدلالة، فثبوته في صورة النطق بالمنطوق، وفي صورة السكوت ~~بالمفهوم، فلا المنطوق عام بالنسبة إلى الصورتين، ولا المفهوم من غير خلاف. ~~وإنما الخلاف في عموم المفهوم، بالنسبة إلى صورة السكوت، ولا شك أن حاصل ~~النزاع فيه آيل إلى اللفظ. # فإن من قال بكونه عاما بالنسبة إليهما، إنما يريد به ثبوت الحكم به في ~~جميعها، لا بالدلالة اللفظية، وذلك مما لا خلاف فيه بين القائلين بالمفهوم. # ومن نفى العموم، كالغزالي، فلم يرد به أن الحكم لم يثبت به في جميع صور ~~السكوت، إذ هو خلاف الفرض، وإنما أراد نفي ثبوته، مستندا إلى الدلالة ~~اللفظية، وذلك مما لا يخالف فيه القائل بعموم المفهوم. # وأما مفهوم المخالفة، كما في نفي الزكاة ms436 عن المعلوفة من تنصيصه، صلى الله ~~عليه وسلم، على وجوب الزكاة في الغنم السائمة، فلا شك أيضا بأن اللفظ فيه ~~غير عام بمنطوقه للصورتين، ولا بمفهومه، وإنما النزاع في عمومه بالنسبة إلى ~~جميع صور السكوت وحاصل النزاع أيضا فيه آيل إلى اللفظ، كما سبق في مفهوم ~~الموافقة. PageV02P257 # المسألة الخامسة عشرة العطف على العام هل يوجب العموم في المعطوف؟ ~~اختلفوا فيه، فمنع أصحابنا من ذلك، وأوجبه أصحاب أبي حنيفة رحمه الله. # ومثاله استدلال أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله، صلى الله ~~عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر وهو عام بالنسبة إلى كل كافر، حربيا كان أو ~~ذميا. # فقال أصحاب أبي حنيفة: لو كان ذلك عاما للذمي، لكان المعطوف عليه كذلك، ~~وهو قوله ولا ذو عهد في عهده ضرورة الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في ~~الحكم وصفته، وليس كذلك، فإن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إنما هو ~~الكافر الحربي دون الذمي. # احتج أصحابنا بثلاثة أمور: # الأول: أن المعطوف لا يستقل بنفسه في إفادة حكمه، واللفظ الدال على حكم ~~المعطوف عليه لا دلالة له على حكم المعطوف بصريحه، وإنما أضمر حكم المعطوف ~~عليه في المعطوف، ضرورة الإفادة، وحذرا من التعطيل. والاضمار على خلاف ~~الأصل، فيجب الاقتصار فيه على ما تندفع به الضرورة، وهو التشريك في أصل ~~الحكم دون تفصيله من صفة العموم وغيره، تقليلا لمخالفة الدليل. # الثاني: أنه قد ورد عطف الخاص على العام في قوله تعالى: * (والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * (2) البقرة: 228) فإنه عام في الرجعية ~~والبائن، وقوله: * (وبعولتهن أحق بردهن) * (2) البقرة: 228) خاص. وورد عطف ~~الواجب على المندوب في قوله تعالى: * (فكاتبوهم) * (24) النور: 33) فإنه ~~للندب، وقوله: * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * (24) النور: 33) ~~للايجاب، وورد عطف الواجب على المباح في قوله تعالى: * (كلوا من ثمره إذا ~~أثمر) * (6) الانعام: 141) فإنه للإباحة وقوله: # * (وآتوا حقه) * (6) الانعام: 141) للايجاب. ولو كان الأصل هو الاشتراك ~~في أصل الحكم وتفصيله، لكان العطف في جميع هذه المواضع على خلاف الأصل، وهو ~~ممتنع. # الثالث: أن الاشتراك في ms437 أصل الحكم متيقن، وفي صفته محتمل، فجعل العطف ~~أصلا في المتيقن دون المحتمل أولى. PageV02P258 # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على وجوب التشريك بينهما في أصل الحكم ~~وتفصيله: وبيانه من وجهين. # الأول: أن حرف العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة واحدة، ~~فالحكم على أحدهما يكون حكما على الاخر. # الثاني: أن المعطوف إذا لم يكن مستقلا بنفسه، فلا بد من إضمار حكم ~~المعطوف عليه فيه، لتحقق الإفادة. وعند ذلك لا يخلو. # إما أن يقال بإضمار كل ما ثبت للمعطوف عليه للمعطوف، أو بعضه، لا جائز أن ~~يقال بالثاني لان الاضمار إما لبعض معين أو غير معين، القول بالتعيين ~~ممتنع، إذ هو غير واقع من نفس العطف. # كيف وإنه ليس البعض أولى من البعض الآخر،، والقول بعدم التعيين موجب ~~للابهام والاجمال في الكلام، وهو خلاف الأصل، فلم يبق سوى القسم الأول، وهو ~~المطلوب. # قلنا: جواب الأول أن العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة ~~واحدة، فيما فيه العطف أو في غيره؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، فلم قلتم إن ~~ما زاد على أصل الحكم معتبر في العطف إذ هو محل النزاع. # وجواب الثاني أن نقول بالتشريك في أصل الحكم المذكور دون صفته، وهو مدلول ~~اللفظ من غير إبهام ولا إجمال. PageV02P259 # المسألة السادسة عشرة إذا ورد خطاب خاص بالنبي، صلى الله عليه وسلم، ~~كقوله تعالى: * (يا أيها المزمل قم الليل) * (73) المزمل: 1) * (يا أيها ~~المدثر قم فأنذر) * (74) المدثر: 1) * (يا أيها النبي اتق الله) * (33) ~~الأحزاب: 1) * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * (39) الزمر: 65) لا يعم الأمة ذلك ~~الخطاب عند أصحابنا، خلافا لأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأصحابهما في قولهم ~~إنه يكون خطابا للأمة، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق. # ودليلنا في ذلك أن الخطاب الوارد نحو الواحد موضوع في أصل اللغة لذلك ~~الواحد فلا يكون متناولا لغيره بوضعه. ولهذا فإن السيد إذا أمر بعض عبيده ~~بخطاب يخصه لا يكون أمرا للباقين. # وكذلك في النهي والاخبار وسائر أنواع الخطاب. # كيف وإنه من المحتمل ms438 أن يكون الامر للواحد المعين مصلحة له، وهو مفسدة في ~~حق غيره، وذلك كما في أمر الطبيب لبعض الناس بشرب بعض الأدوية، فإنه لا ~~يكون ذلك أمرا لغيره لاحتمال التفاوت بين الناس في الأمزجة الأحوال ~~المقتضية لذلك الامر. ولهذا خص النبي، صلى الله عليه وسلم، بأحكام لم ~~يشاركه فيها أحد من أمته، من الواجبات والمندوبات، والمحظورات والمباحات، ~~ومع امتناع اتحاد الخطاب، وجواز الاختلاف في الحكمة والمقصود يمتنع التشريك ~~في الحكم، اللهم إلا أن يقوم دليل من خارج يدل على الاشتراك في العلة ~~الداعية إلى ذلك الحكم، فالاشتراك في الحكم يكون مستندا إلى نفس القياس، لا ~~إلى نفس الخطاب الخاص بمحل التنصيص، أو دليل آخر. PageV02P260 # فإن قيل: نحن لا ننكر أن الخطاب الخاص بالواحد لا يكون خطابا لغيره ~~مطلقا، بل المدعى أن من كان مقدما على قوم، وقد عقدت له الولاية والامارة ~~عليهم، وجعل له منصب الاقتداء به، فإنه إذا قيل له اركب لمناجزة العدو، وشن ~~الغارة عليه وعلى بلاده فإن أهل اللغة يعدون ذلك أمرا لاتباعه وأصحابه. # وكذلك إذا أخبر عنه بأنه قد فتح البلد الفلاني، وكسر العدو، فإنه يكون ~~إخبارا عن أتباعه أيضا. والنبي، صلى الله عليه وسلم، ممن قد ثبت كونه قدوة ~~للأمة ومتبعا لهم، فأمره ونهيه يكون أمرا ونهيا لامته، إلا ما دل الدليل ~~فيه على الفرق. ويدل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: * (يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) * (65) الطلاق: 1) ولم يقل إذا طلقت النساء ~~فطلقهن وذلك يدل على أن خطابه خطاب لامته وأيضا قوله تعالى: * (فلما قضى ~~زيد منها وطرا، زوجناكها، لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ~~إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الأحزاب: 37) أخبره أنه إنما أباحه ذلك ليكون ~~ذلك مباحا للأمة، ولو كانت الإباحة خاصة به، لما انتفى الحرج عن الأمة. # وأيضا فإنه قد ورد الخطاب بتخصيصه، عليه السلام، بأحكام دون أمته كقوله ~~تعالى: * (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) * (33) الأحزاب: 50) إلى ~~قوله: * (خالصة لك من دون المؤمنين) * (33) الأحزاب: 50) وكقوله تعالى: ms439 * ~~(ومن الليل فتهجد به نافلة لك) * (17) الاسراء: 79) ولو لم يكن الخطاب ~~المطلق له خطابا لامته، بل خاصا به، لما احتيج إلى بيان التخصيص به هاهنا. # وما ذكرتموه من احتمال التفاوت في المصلحة والمفسدة، فغير قادح مع ظهور ~~المشاركة في الخطاب، كما تقرر. ولهذا، جاز تكليف الكل مع هذا الاحتمال، ~~لظهور الخطاب، وجاز تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع عند ظن الاشتراك في ~~الداعي مع احتمال التفاوت بين الأصل والفرع في المصلحة والمفسدة. ~~PageV02P261 # والجواب: لا نسلم أن أمر المقدم يكون أمرا لاتباعه لغة، ولهذا فإنه يصح ~~أن يقال: أمر المقدم، ولم يأمر الاتباع، وأنه لو حلف أنه لم يأمر الاتباع ~~لم يحنث بالاجماع. ولو كان أمره للمقدم أمرا لاتباعه لحنث، نعم غايته أنه ~~يفهم عند أمر المقدم بالركوب وشن الغار لزوم توقف مقصود الامر على اتباع ~~أصحابه له، فكان ذلك من باب الاستلزام، لا من باب دلالة اللفظ مطابقة ولا ~~ضمنا، ولا يلزم مثله في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، بشئ من العبادات، ~~أو بتحريم شئ من الافعال، أو إباحتها، من حيث إنه لا يتوقف المقصود من ذلك ~~على مشاركة الأمة له في ذلك. # وقوله تعالى: * (إذا طلقتم النساء) * (65) الطلاق: 1) فخطاب عام مع الكل ~~على وجه يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره من الأمة، وتخصيص النبي ~~في أول الآية بالنداء جرى مجرى التشريف والتكريم له. # كيف وإن في الآية ما يدل على أن خطاب النبي لا يكون خطابا للأمة، فإنه لو ~~كان كذلك، لما احتيج إلى قوله * (طلقتم النساء فطلقوهن) * (65) الطلاق: 1) ~~لان قوله * (إذا طلقت النساء فطلقهن) * كاف في خطاب الأمة مع اتساقه مع أول ~~الآية. # وقوله تعالى * (فلما قضى زيد منها وطرا) * (33) الأحزاب: 37) لا حجة فيه ~~على المقصود. # وقوله: * (لكي لا يكون على المؤمنين حرج) * (33) الأحزاب: 37) ليس فيه ما ~~يدل على أن نفي الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم مدلول لقوله زوجناكها ~~بل غايته أن رفع الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان لمقصود رفع الحرج ms440 ~~عن المؤمنين وذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة دفع الحاجة وحصول المصلحة، ~~وعموم الخطاب غير متعين لذلك. PageV02P262 # وما ذكروه من الآيات الدالة على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم، بما ~~ذكروه لا يدل على أن مطلق الخطاب له عام لامته، بل إنما كان ذلك لقطع إلحاق ~~غيره به في تلك الأحكام بطريق القياس، ولو لم يرد التخصيص، لأمكن الالحاق ~~بطريق القياس. # المسألة السابعة عشرة اختلفوا في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، لاحد من ~~أمته: هل هو خطاب للباقين أم لا؟ # فنفاه أصحابنا، وأثبته الحنابلة وجماعة من الناس. ودليلنا ما سبق في ~~المسألة التي قبلها. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص، والاجماع، والمعنى. # أما النص فقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: 28) ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: بعثت إلى الناس كافة، وبعثت إلى الأحمر والأسود ~~وقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة. # وأما الاجماع فاتفاق الصحابة على رجوعهم في أحكام الحوادث إلى ما حكم به ~~النبي عليه السلام. على آحاد الأمة. # فمن ذلك رجوعهم في حد الزنى إلى ما حكم به على (ماعز)، ورجوعهم في ~~المفوضة إلى قصة (بروع بنت واشق)، ورجوعهم في ضرب الجزية على المجوس إلى ~~ضربه، عليه السلام، الجزية على مجوس هجر. ولولا أن حكمه على الواحد حكم على ~~الجماعة، لما كان كذلك. # وأما المعنى فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم، خصص بعض الصحابة بأحكام ~~دون غيره، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم، لأبي بردة في التضحية بعناق ~~تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك وقوله لأبي بكرة لما دخل الصف راكعا زادك الله ~~حرصا ولا تعد وقوله لاعرابي زوجه بما معه من القرآن هذا لك وليس لاحد بعدك ~~PageV02P263 # وتخصيصه لخزيمة بقبول شهادته وحده وتخصيصه لعبد الرحمن بن عوف بلبس ~~الحرير. ولولا أن الحكم بإطلاقه على الواحد حكم على الأمة، لما احتاج إلى ~~التنصيص بالتخصيص. # والجواب عن الآية وعن قوله بعثت إلى الناس كافة وإلى الأحمر والأسود أنه ~~وإن كان مبعوثا إلى الناس كافة، فبمعنى أنه يعرف ms441 كل واحد ما يختص به من ~~الاحكام، كأحكام المريض والصحيح والمقيم والمسافر، والحر والعبد والحائض ~~والطاهر وغير ذلك، ولا يلزم من ذلك اشتراك الكل فيما أثبت للبعض منهم. # وعن قوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أنه يجب تأويله على أن ~~المراد به أنه حكم على الجماعة من جهة المعنى والقياس، لا من جهة اللفظ، ~~لثلاثة أوجه. # الأول: أن الحكم هو الخطاب، وقد بينا في المسألة المتقدمة أن خطاب الواحد ~~ليس هو بعينه خطابا للباقين. # الثاني: أنه لو كان بعينه خطابا للباقين، لزم منه التخصيص بإخراج من لم ~~يكن موافقا لذلك الواحد في السبب الموجب للحكم عليه. PageV02P264 # الثالث: أنه لو كان خطابه المطلق للواحد خطابا للجماعة، لما احتاج إلى ~~قوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو كانت فائدته التأكيد، والأصل في ~~الدلالات اللفظية إنما هو التأسيس. ثم وإن كان حكمه على الواحد، حكما على ~~الجماعة، فلا يلزم اطراده في حكمه للواحد أن يكون حكما للجماعة، فإنه فرق ~~بين حكمه للواحد وحكمه عليه، والخلاف واقع في الكل. # وأما ما ذكروه من رجوع الصحابة في أحكام الوقائع إلى حكمه على الآحاد، ~~فلا يخلو إما أن يقال بذلك مع معرفتهم بالتساوي في السبب الموجب، أو لا مع ~~معرفتهم بذلك: الثاني خلاف الاجماع، وإن كان الأول، فمستند التشريك في ~~الحكم إنما كان الاشتراك في السبب لا في الخطاب. # وأما المعنى، فقد سبق الجواب عنه في المسألة المتقدمة. # المسألة الثامنة عشرة اتفق العلماء على أن كل واحد من المذكر والمؤنث لا ~~يدخل في الجمع الخاص بالآخر، كالرجال والنساء، وعلى دخولهما في الجمع الذي ~~لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث، كالناس. وإنما وقع الخلاف بينهم في ~~الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير، كالمسلمين والمؤمنين، هل هو ظاهر في ~~دخول الإناث فيه أو لا؟ # فذهبت الشافعية والأشاعرة والجمع الكثير من الحنفية والمعتزلة إلى نفيه. # وذهبت الحنابلة وابن داود وشذوذ من الناس إلى إثباته. PageV02P265 # احتج النافون بالكتاب، والسنة، والمعقول: # أما الكتاب فقوله تعالى: * (إن المسلمين والمسلمات، ms442 والمؤمنين والمؤمنات) ~~* (33) الأحزاب: 35) عطف جمع التأنيث على جمع المسلمين والمؤمنين، ولو كان ~~داخلا فيه، لما حسن عطفه عليه، لعدم فائدته. # وأما السنة فما روي عن أم سلمة أنها قالت يا رسول الله، إن النساء قلن: ~~ما نرى الله ذكر إلا الرجال فأنزل الله: * (إن المسلمين والمسلمات) * (33) ~~الأحزاب: 35) الآية. ولو كن قد دخلن في جمع التذكير، لكن مذكورات، وامتنعت ~~صحة السؤال والتقرير عليه. # وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ويل للذين يمسون ~~فروجهم، ثم يصلون، ولا يتوضؤون فقالت عائشة هذا للرجال فما للنساء؟ ولولا ~~خروجهن من جمع الذكور، لما صح السؤال ولا التقرير من النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وأما المعقول، فهو أن الجمع تضعيف الواحد، فقولنا قام لا يتناول المؤنث ~~بالاجماع. فالجمع الذي هو تضعيفه، كقولنا قاموا لا يكون متناولا له. # فإن قيل: أما الآية فالعطف فيها لا يدل على عدم دخول الإناث في جمع ~~التذكير، قولكم: لا فائدة فيه، ليس كذلك، إذ المقصود منه إنما هو الاتيان ~~بلفظ يخصهن تأكيدا، فلا يكون عريا عن الفائدة. # وأما سؤال أم سلمة وعائشة، فلم يكن لعدم دخول النساء في جمع الذكور، بل ~~لعدم تخصيصهن بلفظ صريح فيهن، كما ورد في المذكر. # وأما قولكم إن الجمع تضعيف الواحد فمسلم، ولكن لم قلتم بامتناع دخول ~~المؤنث فيه مع أنه محل النزاع. # والذي يدل على دخول المؤنث في جمع التذكير ثلاثة أمور: PageV02P266 # الأول: أن المألوف من عادة العرب أنه إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلبوا ~~جانب التذكير. ولهذا فإنه يقال للنساء إذا تمحضن: أدخلن، وإن كان معهن رجل، ~~قيل: ادخلوا. قال الله تعالى لآدم وحواء وإبليس * (قلنا اهبطوا منها جميعا) ~~* (2) البقرة: 38) كما ألف منهم تغليب جمع من يعقل إذا كان معه من لا يعقل. # ومنه قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه) ~~* (24) النور: 45) بل أبلغ من ذلك أنهم إذا وصفوا ما لا يعقل بصفة من يعقل ~~غلبوا فيه من يعقل. # ومنه قوله تعالى: * (أحد عشر ms443 كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) * ~~(12) يوسف: 4) جمعهم جمع من يعقل لوصفهم بالسجود الذي هو صفة من يعقل. ~~وكتغليبهم الكثرة على القلة حتى إنهم يصفون بالكرم والبخل جمعا أكثرهم متصف ~~بالكرم أو البخل. # وكتغليبهم في التثنية أحد الاسمين على الآخر، كقولهم الأسودان للتمر ~~والماء، والعمران لأبي بكر وعمر، والقمران للشمس والقمر. # الثاني: أنه يستهجن من العربي أن يقول لأهل حلة أو قرية أنتم آمنون، ~~ونساؤكم آمنات لحصول الامن للنساء بقوله أنتم آمنون ولولا دخولهن في قوله ~~أنتم آمنون لما كان كذلك. وكذلك لا يحسن منه أن يقول لجماعة فيهم رجال ~~ونساء قوموا وقمن بل لو قال قوموا كان ذلك كافيا في الامر للنساء بالقيام. ~~ولولا دخولهن في جمع التذكير، لما كان كذلك. # الثالث: أن أكثر أوامر الشرع بخطاب المذكر مع انعقاد الاجماع على أن ~~النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر، ولو لم يدخلن في ذلك الخطاب، ~~لما كان كذلك. # والجواب: قولهم في الآية: فائدة التخصيص بلفظ يخصهن التأكيد. # قلنا: لو اعتقدنا عدم دخولهن في جمع التذكير، كانت فائدة تخصيصهن بالذكر ~~التأسيس، ولا يخفى أن فائدة التأسيس أولى في كلام الشارع. # قولهم: سؤال أم سلمة وعائشة إنما كان لعدم تخصيص النساء بلفظ يخصهن، لا ~~لعدم دخول النساء في جمع التذكير، ليس كذلك: أما سؤال أم سلمة فهو صريح في ~~عدم الذكر مطلقا، لا في عدم ذكر ما يخصهن، بحيث قالت ما نرى الله ذكر إلا ~~الرجال ولو ذكر النساء، ولو بطريق الضمن، لما صح هذا الاخبار PageV02P267 # على إطلاقه. وأما حديث عائشة، فلأنها قالت هذا للرجال ولو كان الحكم ~~عاما، لما صح منها تخصيص ذلك بالرجال. # قولهم: المألوف من عادة العرب تغليب جانب التذكير، مسلم، ونحن لا ننازع ~~في أن العربي إذا أراد أن يعبر عن جمع، فيهم ذكور وإناث، أنه يغلب جانب ~~التذكير، ويعبر بلفظ التذكير، ويكون ذلك من باب التجوز، وإنما النزاع في أن ~~جمع التذكير إذا أطلق، هل يكون ظاهرا في دخول المؤنث ومستلزما له أو لا؟ # وليس ms444 فيما قيل ما يدل على ذلك. وهذا كما أنه يصح التجوز بلفظ الأسد عن ~~الانسان، ولا يلزم أن يكون ظاهرا فيه، مهما أطلق. # فإن قيل: إذا صح دخول المؤنث في جمع المذكر، فالأصل أن يكون مشعرا به ~~حقيقة، لا تجوزا. # قلنا: ولو كان جمع التذكير حقيقة للذكور والإناث، مع انعقاد الاجماع على ~~أنه حقيقة في تمحض الذكور، كان اللفظ مشتركا، وهو خلاف الأصل. # فإن قيل: ولو كان مجازا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لدخول ~~المسمى الحقيقي فيه، وهم الذكور، وهو ممتنع. # قلنا: ليس كذلك، فإنه لا يكون حقيقة في الذكور، إلا مع الاقتصار. # وأما إذا كان جزءا من المذكور، لا مع الاقتصار فلا. # كيف وإنا لا نسلم امتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز، كما سبق تقريره. # وأما الوجه الثاني: فإنما استهجن من العربي أن يقول أنتم آمنون، ونساؤكم ~~آمنات لان تأمين الرجال يستلزم الامن من جميع المخاوف المتعلقة بأنفسهم ~~وأموالهم ونسائهم، فلو لم تكن النساء آمنات، لما حصل أمن الرجال مطلقا، وهو ~~تناقض. أما أن ذلك يدل على ظهور دخول النساء في الخطاب فلا، وبه يظهر لزوم ~~أمن النساء من الاقتصار على قوله للرجال أنتم آمنون. # وأما الوجه الثالث: فغير لازم، وذلك أن النساء وإن شاركن الرجال في كثير ~~من أحكام التذكير، فيفارقن للرجال في كثير من الاحكام الثابتة بخطاب ~~التذكير، كأحكام الجهاد في قوله تعالى: * (وجاهدوا في الله حق جهاده) * ~~(22) الحج: 78) وأحكام الجمعة في قوله تعالى: PageV02P268 # * (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع) * ~~(62) الجمعة: 9) إلى غير ذلك من الاحكام. ولو كان جمع التذكير مقتضيا لدخول ~~الإناث فيه، لكان خروجهن عن هذه الأوامر على خلاف الدليل، وهو ممتنع، فحيث ~~وقع الاشتراك تارة، والافتراق تارة، علم أن ذلك إنما هو مستند إلى دليل ~~خارج، لا إلى نفس اقتضاء اللفظ لذلك. # المسألة التاسعة عشرة إذا ورد لفظ عام لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث ~~سوى لفظ الجمع، مثل (من) في الشرط والجزاء، هل يعم ms445 المذكر والمؤنث؟ # اختلفوا فيه: فأثبته الأكثرون، ونفاه الأقلون. # والمختار تفريعا على القول بالعموم دخول المؤنث فيه. # ودليله أنه لو قال القائل لعبده من دخل داري فأكرمه فإن العبد يلام ~~بإخراج الداخل من المؤنثات عن الاكرام، ويلام السيد بلوم العبد بإكرامهن. # وكذلك الحكم في النذر والوصية. والأصل في كل ما فهم من اللفظ أن يكون ~~حقيقة فيه لا مجازا. # فإن قيل: التعميم فيما ذكرتموه إنما فهم من قرينة الحال، وهي ما جرت به ~~العادة من مقابلة الداخل إلى دار الانسان والحلول في منزله بالاكرام، فكان ~~ذلك من باب المجاز، لا أنه من مقتضيات اللفظ حقيقة. # قلنا: هذا باطل بما لو قال: من دخل داري فأهنه فإنه يفهم منه العموم، وإن ~~كان على خلاف القرينة المذكورة. وكذا لو قال له من قال لك ألف، فقل له (ب) ~~فإنه لا قرينة أصلا، والعموم مفهوم منه، فدل على كونه حقيقة فيه. ~~PageV02P269 # المسألة العشرون اختلفوا في دخول العبد تحت خطاب التكاليف بالألفاظ ~~العامة المطلقة، كلفظ الناس والمؤمنين، فأثبته الأكثرون، ونفاه الأقلون، ~~إلا بقرينة ودليل يخصه. # ومنهم من قال بدخوله في العمومات المثبتة لحقوق الله دون حقوق الآدميين، ~~وهو منسوب إلى أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة. # والمختار إنما هو الدخول، وذلك لان الخطاب إذا كان بلفظ الناس أو ~~المؤمنين، فهو خطاب لكل من هو من الناس والمؤمنين، والعبد من الناس ~~والمؤمنين حقيقة، فكان داخلا في عمومات الخطاب بوضعه لغة، إلا أن يدل دليل ~~على إخراجه منه. فإن قيل: العبد، من حيث هو عبد، مال لسيده، ولذلك يتمكن من ~~التصرف فيه حسب تصرفه في سائر الأموال، وإذا كان مالا، كان بمنزلة البهائم، ~~فلا يكون داخلا تحت عموم خطاب الشارع. # سلمنا أنه ليس كالبهائم، إلا أن أفعاله التي يتعلق بها التكليف، ويحصل ~~بها الامتثال، مملوكة لسيده، ويجب صرفها إلى منافعه بخطاب الشرع، فلا يكون ~~الخطاب متعلقا بصرفها إلى غير منافع السيد، لما فيه من التناقض. # سلمنا عدم التناقض، غير أن الاجماع منعقد على إخراج العبد عن ms446 مطلق الخطاب ~~العام بالجهاد والحج والعمرة والجمعة والعمومات الواردة بصحة التبرع ~~والاقرار بالحقوق البدنية والمالية، ولو كان داخلا تحت عموم الخطاب بمطلقه، ~~لكان خروجه عنها في هذه الصور على خلاف الدليل. PageV02P270 # سلمنا إمكان دخوله تحت مطلق الخطاب لغة، إلا أن الرق مقتض لاخراجه عن ~~عمومات الخطاب بطريق التخصيص، وبيانه أنه صالح لذلك من حيث إنه مكلف بشغل ~~جميع أوقاته بخدمة سيده بخطاب الشرع، وحق السيد مقدم على حق الله تعالى ~~لوجهين: # الأول: أن السيد متمكن من منع العبد من التطوع بالنوافل، مع أنها حق لله ~~تعالى، ولولا أن حق السيد مرجح، لما كان كذلك. # الثاني: أن حق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، لأنه لا يتضرر ~~بفوات حقوقه، ولا ينتفع بحصولها، وحق الآدمي مبني على الشح والمضايقة، لأنه ~~ينتفع بحصوله ويتضرر بفواته. # والجواب عن السؤال الأول: أن كون العبد مالا مملوكا لا يخرجه عن جنس ~~المكلفين، إلى جنس البهائم، وإلا لما توجه نحوه التكليف بالخطاب الخاص ~~بالصلاة والصوم ونحوه، وهو خلاف الاجماع. # وعن السؤال الثاني: لا نسلم أن السيد مالك لصرف منافع العبد إليه في جميع ~~الأوقات، حتى في وقت تضايق وقت العبادة المأمور بها، بل في غيره. وعلى هذا، ~~فلا تناقض،. # وعن الثالث: أن ذلك لا يدل على إخراج العبد عن كون العمومات متناولة له ~~لغة، لما بيناه، بل غايته أنه خص بدليل، والتخصيص غير مانع من العموم لغة. # ولا يخفى أن القول بالتخصيص، أولى من القول برفع العموم لغة مع تحققه، ~~وصار كما في تخصيص المريض والحائض والمسافر عن العمومات الواردة بالصوم ~~والصلاة والجمعة والجهاد. # وعن الرابع بمنع تعلق حق السيد بمنافعه المصروفة إلى العبادات المأمور ~~بها عند ضيق أوقاتها، كما سبق، والرق، وإن اقتضى ذلك لمناسبته واعتباره، ~~فلا يقع في مقابلة الدلالة النصية على العبادة في ذلك الوقت، لقوة دلالة ~~النصوص على دلالة ما الحجة به مستندة إليها. والنصوص، وإن كانت متناولة ~~للعبد بعمومها، إلا أنها متناولة للعبادة في وقتها المعين بخصوصها. والرق ~~وإن كان مقتضيا لحق ms447 السيد PageV02P271 # بخصوصه، إلا أن اقتضاءه لذلك الحق في وقت العبادة بعمومه، فيتقابلان، ~~ويسلم الترجيح بالتنصيص، كما سبق. قولهم: حق الآدمي مرجح على حق الله ~~تعالى، لا نسلم ذلك مطلقا. ولهذا، فإن حق الله تعالى مرجح على حق السيد ~~فيما وجب على العبد بالخطاب الخاص به إجماعا، وبه يندفع ما ذكروه من ~~الترجيح الأول. # قولهم في الترجيح الثاني: إن السيد يتمكن من منع العبد من التنفل. # قلنا، وإن أوجب ذلك ترجح جانب حق السيد على حقوق الله تعالى في النوافل، ~~فغير موجب لترجحه عليه في الفرائض. # المسألة الحادية والعشرون ورود الخطاب على لسان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: * (يا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) * (يا أيها الناس) ~~* (2) البقرة: 21)، * (يا عبادي) * (29) العنكبوت: 56) يدخل الرسول في ~~عمومه عندنا، وعند أكثر العلماء، خلافا لطائفة من الفقهاء والمتكلمين. # ومنهم من قال: كل خطاب ورد مطلقا، ولم يكن الرسول مأمورا، في أوله بأمر ~~الأمة به، كهذه الآيات، فهو داخل فيه، وإليه ذهب أبو بكر الصيرفي والحليمي ~~من أصحاب الشافعي. # حجة من قال: يدخل في العموم، وهو المختار، حجتان. # الأولى: أن هذه الصيغ عامة لكل إنسان، وكل مؤمن، وكل عبد، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم، سيد الناس والمؤمنين والعبادة، والنبوة غير مخرجة له عن ~~إطلاق هذه الأسماء عليه، فلا تكون مخرجة له عن هذه العمومات. PageV02P272 # الحجة الثانية، أنه صلى الله عليه وسلم، كان إذا أمر الصحابة بأمر، وتخلف ~~عنه ولم يفعله، فإنهم كانوا يسألونه ما بالك لم تفعله؟ ولو لم يعقلوا دخوله ~~فيما أمرهم به، لما سألوه عن ذلك. وذلك، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم، ~~أنه أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ، فقالوا له أمرتنا بالفسخ، ~~ولم تفسخ ولم ينكر عليهم ما فهموه من دخوله في ذلك الامر، بل عدل إلى ~~الاعتذار، وهو قوله إني قلدت هديا وروي عنه أنه قال لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت، لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة. # فإن قيل: يمنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم، داخلا ms448 تحت عموم هذه ~~الأوامر ثلاثة أوجه: # الأول: أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، آمرا لامته بهذه الأوامر، ~~فلو كان مأمورا بها، لزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد آمرا ومأمورا، وهو ~~ممتنع، ولأنه يلزم أن يكون آمرا لنفسه، وأمر الانسان لنفسه ممتنع لوجهين: # الأول: أن الامر طلب الاعلى من الأدنى، والواحد لا يكون أعلى من نفسه ~~وأدنى منها. # الثاني: أنه وقع الاتفاق على أن أمر الانسان لنفسه على الخصوص ممتنع، ~~فكذلك أمره لنفسه على العموم. # الثاني من الوجوه الثلاثة أنه يلزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد مبلغا ~~ومبلغا إليه، وهو محال. # الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد اختص بأحكام لم تشاركه فيها ~~الأمة كوجوب ركعتي الفجر والضحى والأضحى وتحريم الزكاة عليه وأبيح له ~~النكاح بغير ولي ولا مهر ولا شهود، والصفي من المغنم، ونحوه من الخصائص، ~~وذلك يدل على مزيته وانفراده عن الأمة في الأحكام التكليفية، فلا يكون ~~داخلا تحت الخطاب المتناول لهم. PageV02P273 # قلنا: جواب الأول أن ما ذكروه مبني على كون الرسول آمرا، وليس كذلك، بل ~~هو مبلغ لأمر الله وفرق بين الآمر والمبلغ للامر. ولهذا، أعاد صيغ الأوامر ~~له بالتبليغ، كقوله: * (قل أوحي إلي) * (72) الجن: 1) * (واتل ما أوحي ~~إليك) * (18) الكهف: 27) ونحوه. # وجواب الثاني أنه مبلغ للأمة بما ورد على لسانه، وليس مبلغا لنفسه بذلك ~~الخطاب، بل بما سمعه من جبريل، عليه السلام. # وجواب الثالث أن اختصاصه ببعض الاحكام غير موجب لخروجه عن عمومات الخطاب. ~~ولهذا، فإن الحائض والمريض والمسافر والمرأة، كل واحد قد اختص بأحكام لا ~~يشاركه غيره فيها، ولم يخرج بذلك عن الدخول في عمومات الخطاب، والله أعلم ~~بالصواب. # المسألة الثانية والعشرون الخطاب الوارد شفاها في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والأوامر العامة، كقوله تعالى: * (يا أيها الناس) * (2) البقرة: ~~21) * (ويا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) ونحوه، هل يخص الموجود ين ~~في زمنه، أو هو عام لهم، ولمن بعدهم؟ # اختلفوا فيه: فذهب أكثر أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والمعتزلة إلى اختصاصه ~~بالموجودين في زمن ms449 رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت حكمه في حق من ~~بعدهم إلا بدليل آخر. # وذهبت الحنابلة وطائفة من السالفين والفقهاء إلى تناول ذلك لمن وجد بعد ~~عصر النبي صلى الله عليه وسلم. حجة النافين من وجهين: # الأول: أن المخاطبة شفاها بقوله تعالى: * (يا أيها الناس) * (2) البقرة: ~~21) * (ويا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) تستدعي كون المخاطب ~~موجودا أهلا للخطاب إنسانا مؤمنا، ومن لم يكن موجودا في وقت الخطاب لم يكن ~~متصفا بشئ من هذه الصفات، فلا يكون الخطاب متناولا له. PageV02P274 # الثاني: أن خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز ممتنع، حتى إن من شافهه ~~بالخطاب استهجن كلامه، وسفه في رأيه، مع أن حالهما لوجودهما واتصافهما بصفة ~~الانسانية وأصل الفهم، وقبولهما للتأديب بالضرب وغيره، أقرب إلى الخطاب ~~لهما، ممن لا وجود له. # احتج الخصوم بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والمعقول: # أما الكتاب فقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: 28) ~~وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: بعثت إلى الأحمر والأسود ولو لم يكن ~~خطابه متناولا لمن بعده، لم يكن رسولا إليه، ولا مبلغا إليه شرع الله ~~تعالى، وهو خلاف الاجماع. # وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ولفظ ~~(الجماعة) يستغرق كل من بعده. فلو لم يكن حكمه على من في زمانه حكما على ~~غيرهم، كان على خلاف الظاهر. PageV02P275 # وأما الاجماع فهو أن الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وإلى زماننا هذا، ~~ما زالوا يحتجون في المسائل الشرعية على من وجد بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، بالآيات والأخبار الواردة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ولولا ~~عموم تلك الدلائل اللفظية لمن وجد بعد ذلك، لما كان التمسك بها صحيحا، وكان ~~الاسترواح إليها خطأ، وهو بعيد عن أهل الاجماع. # وأما المعقول فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا أراد التخصيص ~~ببعض الأمة نص عليه، كما ذكرناه في مسألة خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~للواحد هل هو خطاب للباقين؟ # ولولا أن الخطاب المطلق العام يكون خطابا ms450 للكل لما احتاج إلى التخصيص. # والجواب على النصوص الدالة على كون النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم، ~~مبعوثا إلى الناس كافة، أنها إنما تلزم أن لو توقف مفهوم الرسالة والبعثة ~~إلى كل الناس، على المخاطبة للكل بالأحكام الشرعية شفاها، وليس كذلك، بل ~~ذلك يتحقق بتعريف البعض بالمشافهة، وتعريف البعض بنصب الدلائل والامارات، ~~وقياس بعض الوقائع على بعض. ويدل على ذلك أن أكثر الأحكام الشرعية لم يثبت ~~بالخطاب شفاها لقلة النصوص وندرتها، وكثرة الوقائع، وما لزم من ذلك أن لا ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم، رسولا ولا مبلغا بالنسبة إلى الاحكام التي ~~لم تثبت بالخطاب شفاها. # فإن قيل: والدلائل التي يمكن الاحتجاج بها في الأحكام الشرعية على من وجد ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم، غير الخطاب، فيما ذكرتموه. إنما يعلم كونها ~~حجة بالدلائل الخطابية فإذا كان الخطاب الموجود في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، لا يتناول من بعده، فقد تعذر الاحتجاج به عليه. PageV02P276 # قلنا: أمكن معرفة كونها حجة بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه حكم ~~بكونها حجة على من بعده، أو بالاجماع المنقول عن الصحابة على ذلك. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة فالكلام ~~في اختصاصه بالموجودين في زمنه، كالكلام في الأول. # وأما انعقاد الاجماع على صحة الاستدلال بالآيات والأخبار الواردة على ~~لسانه صلى الله عليه وسلم، على من وجد بعده، وهو أشبه حجج الخصوم، فجوابه ~~أنا بينا امتناع المخاطبة لمن ليس بموجود بما لا مراء فيه. وعند ذلك، فيجب ~~اعتقاد استناد أهل الاجماع إلى النصوص من جهة معقولها، لا من جهة ألفاظها، ~~جمعا بين الأدلة. # وأما ما ذكروه من المعنى، فقد سبق جوابه في مسألة خطاب النبي للواحد من ~~الأمة. PageV02P277 # المسألة الثالثة والعشرون اختلفوا في المخاطب: هل يمكن دخوله في عموم ~~خطابه لغة، أو لا؟ # والمختار دخوله، وعليه اعتماد الأكثرين، وسواء كان خطابه العام، أمرا، أو ~~نهيا، أو خبرا. # أما الخبر فكما في قوله تعالى: * (وهو بكل شئ ms451 عليم) * (57) الحديد: 3) ~~فإن اللفظ بعمومه يقتضي كون كل شئ معلوما لله تعالى، وذاته وصفاته أشياء، ~~فكانت داخلة تحت عموم الخطاب. # والامر فكما لو قال السيد لعبده من أحسن إليك فأكرمه فإن خطابه لغة يقتضي ~~إكرام كل من أحسن إلى العبد. فإذا أحسن السيد إليه، صدق عليه أنه من جملة ~~المحسنين إلى العبد فكان إكرامه على العبد لازما بمقتضى عموم خطاب السيد. # وكذلك في النهي كما إذا قال له من أحسن إليك فلا تسئ إليه وهذا في الوضوح ~~غير محتاج إلى الاطناب فيه. # فإن قيل: ما ذكرتموه يمتنع العمل به للنص، والمعنى: # أما النص، فقوله تعالى: * (الله خالق كل شئ) * (13) الرعد: 16) وذاته ~~وصفاته أشياء، وهو غير خالق لها، ولو كان داخلا في عموم خبره، لكان خالقا ~~لها، وهو محال. # وأما المعنى، فإن السيد إذا قال لعبده من دخل داري، فتصدق عليه بدرهم ولو ~~دخل السيد، فإنه يصد عليه أنه من الداخلين إلى الدار، ومع ذلك لا يحسن أن ~~يتصدق عليه العبد بدرهم ولو كان داخلا تحت عموم أمره، لكان ذلك حسنا. # قلنا: أما الآية، فإنها بالنظر إلى عموم اللفظ تقتضي كون الرب تعالى ~~خالقا لذاته وصفاته، غير أنه لما كان ممتنعا في نفس الامر عقلا، كان مخصصا ~~لعموم الآية، ولا منافاة بين دخوله في العموم بمقتضى اللفظ، وخروجه عنه ~~بالتخصيص. وكذلك الحكم فيما ذكروه من المثال، فإنه بعمومه مقتض للتصدق على ~~السيد عند دخوله، غير أنه بالنظر إلى القرينة الحالية، والدليل المخصص، ~~امتنع ثبوت حكم العموم في حقه، ولا منافاة كما سبق. PageV02P278 # المسألة الرابعة والعشرون اختلف العلماء في قوله تعالى: * (خذ من أموالهم ~~صدقة) * (9) التوبة: 103) هل يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل ~~مالك، أو أخذ صدقة واحدة من نوع واحد؟ # والأول مذهب الأكثرين، والثاني مذهب الكرخي. # احتج القائلون بتعميم كل نوع، بأنه تعالى أضاف الصدقة إلى جميع الأموال، ~~بقوله: * (من أموالهم) * (9) التوبة: 103) والجمع المضاف من ألفاظ العموم، ~~على ما عرف من مذهب أربابه، فنزل ذلك منزلة قوله ms452 خذ من كل نوع من أموالهم ~~صدقة فكانت الصدقة متعددة بتعدد أنواع الأموال. # وللنافي أن يقول: المأمور به صدقة منكرة مضافة إلى جملة الأموال، فمهما ~~أخذ من نوع واحد منها من المالك صدقة، صدق قول القائل أخذ من أمواله صدقة ~~لان المال الواحد جزء من جملة الأموال. فإذا أخذت الصدقة من جزء المال، صدق ~~أخذها من المال. # ولهذا، وقع الاجماع على أن كل درهم ودينار من دراهم المالك ودنانيره، ~~موصوف بأنه من ماله. ومع ذلك فإنه لا يجب أخذ الصدقة من خصوص كل ودرهم ~~ودينار له، والأصل أن يكون ذلك لعدم دلالة اللفظ عليه، لا للمعارض. # وبالجملة فالمسألة محتملة. ومأخذ الكرخي دقيق. PageV02P279 # المسألة الخامسة والعشرون اللفظ العام إذا قصد به المخاطب الذم أو المدح، ~~كقوله تعالى: * (إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم) * (82) ~~الانفطار: 13) وكقوله: * (والذين يكنزون الذهب والفضة. # ولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم) * (9) التوبة: 34). # نقل عن الشافعي، رضي الله عنه، أنه منع من عمومه، حتى أنه منع من التمسك ~~به في وجوب زكاة الحلي مصيرا منه إلى أن العموم لم يقع مقصودا في الكلام، ~~وإنما سيق لقصد الذم والمدح مبالغة في الحث على الفعل أو الزجر عنه. # وخالفه الأكثرون، وهو الحق من حيث إن قصد الذم أو المدح، وإن كان مطلوبا ~~للمتكلم، فلا يمنع ذلك من قصد العموم معه، إذ لا منافاة بين الامرين، وقد ~~أتى بالصيغة الدالة على العموم، فكان الجمع بين المقصودين أولى، ومن العمل ~~بأحدهما وتعطيل الآخر، والله أعلم. PageV02P280 # الصنف الرابع في تخصيص العموم ويشتمل على مقدمة ومسألتين. # أما المقدمة، ففي بيان معنى التخصيص، وما يجوز تخصيصه، وما لا يجوز. # أما التخصيص، فقد قال أبو الحسين البصري: هو إخراج بعض ما تناوله الخطاب ~~عنه وذلك مما لا يمكن حمله على ظاهره على كل مذهب. # أما على مذهب أرباب الخصوص، فلان الخطاب عندهم منزل على أقل ما يحتمله ~~اللفظ، فلا يتصور إخراج شئ منه. # وأما على مذهب أرباب الاشتراك، فمن جهة أن العمل ms453 باللفظ المشترك في بعض ~~محامله، لا يكون إخراجا لبعض ما تناوله الخطاب عنه، بل غايته استعمال اللفظ ~~في بعض محامله، دون البعض. # وأما على مذهب أرباب الوقف فظاهر، إذ اللفظ عندهم موقوف لا يعلم كونه ~~للخصوص أو للعموم، وهو صالح لاستعماله في كل واحد منهما. فإن قام الدليل ~~على أنه أريد به العموم، وجب حمله عليه، وامتنع إخراج شئ منه. وإن قام ~~الدليل على أنه للخصوص، لم يكن اللفظ إذ ذاك دليلا على العموم، ولا متناولا ~~له: # فلا يتحقق بالحمل على الخاص، إخراج بعض ما تناوله اللفظ على بعض محامله ~~الصالح لها. # وأما على مذهب أرباب العموم، فغايته أن اللفظ عندهم حقيقة في الاستغراق، ~~ومجاز في الخصوص. وعلى هذا، فإن لم يقم الدليل على مخالفة الحقيقة، وجب ~~إجراء اللفظ على جميع محامله، من غير إخراج شئ منها. وإن قام الدليل على ~~مخالفة الحقيقة، وامتناع العمل باللفظ في الاستغراق، وجب صرفه إلى محمله ~~المجازي، وهو الخصوص. # وعند حمل اللفظ على المجاز لا يكون اللفظ متناولا للحقيقة، وهي ~~الاستغراق، فلا تحقق لاخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه، إذ هو، حالة كونه ~~مستعملا في المجاز، لا يكون مستعملا في الحقيقة. وعلى هذا، فإطلاق القول ~~بتخصيص العام، وأن هذا عام مخصص، لا يكون حقيقة. PageV02P281 # وإذا عرف ذلك، فالتخصيص على ما يناسب مذهب أرباب العموم، هو تعريف أن ~~المراد باللفظ الموضوع للعموم حقيقة، إنما هو الخصوص، وعلى ما يناسب مذهب ~~أرباب الاشتراك، تعريف أن المراد باللفظ الصالح للعموم والخصوص، إنما هو ~~الخصوص. والمعرف لذلك، بأي طريق كان، يسمى مخصصا، واللفظ المصروف عن جهة ~~العموم إلى الخصوص، مخصصا. # وإذا عرف معنى تخصيص العموم، فاعلم أن كل خطاب لا يتصور فيه معنى الشمول، ~~كقوله صلى الله عليه وسلم، لأبي بردة: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك فلا يتصور ~~تخصيصه لان التخصيص على ما عرف، صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص، ~~وما لا عموم له، لا يتصور فيه هذا الصرف. وأما ما يتصور فيه الشمول ~~والعموم، فتصور ms454 فيه التخصيص، وسواء كان خطابا أو لم يكن خطابا، كالعلة ~~الشاملة، لامكان صرفه عن جهة عمومه إلى جهة خصوصه. هذا إتمام المقدمة. # وأما المسائل، فمسألتان المسألة الأولى اتفق القائلون بالعموم على جواز ~~تخصيصه على أي حال كان، من الاخبار، والامر وغيره، خلافا لشذوذ لا يؤبه لهم ~~في تخصيص الخبر. # ويدل على جواز ذلك، الشرع والمعقول: # أما الشرع، فوقوع ذلك في كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: * (الله خالق كل ~~شئ) * (13) الرعد: 16) * (وهو على كل شئ قدير) * (5) المائدة: 120) وليس ~~خالقا لذاته، ولا قادرا عليها، وهي شئ. # وقوله تعالى: * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) * (51) ~~الذاريات: 42) وقد أتت على الأرض والجبال، ولم تجعلها رميما. وقوله تعالى: ~~* (تدمر كل شئ) * (الأحقاف: 25) * (وأوتيت من كل شئ) * (27) النمل: 23) إلى ~~غير ذلك من الآيات الخبرية المخصصة، حتى إنه قد قيل لم يرد عام إلا وهو ~~مخصص، إلا في قوله تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) ولو لم ~~يكن ذلك جائزا، لما وقع في الكتاب. PageV02P282 # وأما المعقول فهو أنه لا معنى لتخصص العموم سوى صرف اللفظ عن جهة العموم ~~الذي هو حقيقة فيه، إلى جهة الخصوص بطريق المجاز، كما سبق تقريره، والتجوز ~~غير ممتنع في ذاته. ولهذا. لو قدرنا وقوعه، لم يلزم المحال عنه لذاته، ولا ~~بالنظر إلى وضع اللغة. ولهذا يصح من اللغوي أن يقول جاءني كل أهل البلد وإن ~~تخلف عنه بعضهم، ولا بالنظر إلى الداعي إلى ذلك والأصل عدم كل مانع سوى ~~ذلك، ويدل على جواز تخصيص الأوامر العامة، وإن لم نعرف فيها خلافا، قوله ~~تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) مع خروج أهل الذمة عنه، وقوله ~~تعالى: * (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38 * (والزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24) النور: 2) مع أنه ليس كل ~~سارق يقطع، ولا كل زان يجلد، وقوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين) * (4) النساء: 11) مع خروج الكافر والرقيق والقاتل عنه. # فإن قيل: القول بجواز تخصيص الخبر مما يوجب الكذب في الخبر، لما فيه من ms455 ~~مخالفة المخبر للخبر، وهو غير جائز على الشارع، كما في نسخ الخبر. # قلنا: لا نسلم لزوم الكذب، ولا وهم الكذب، بتقدير إرادة جهة المجاز، ~~وقيام الدليل على ذلك. وإلا كان القائل إذا قال: رأيت أسدا وأراد به ~~الانسان، أن يكون كاذبا، إذا تبينا أنه لم يرد الأسد الحقيقي، وليس كذلك ~~بالاجماع. # وعلى هذا، فلا نسلم امتناع نسخ الخبر، كما سيأتي تقريره. # المسألة الثانية اختلف القائلون بالعموم وتخصيصه، في الغاية التي يقع ~~انتهاء التخصيص إليها: # فمنهم من قال بجواز انتهاء التخصيص في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد. # ومنهم من أجاز ذلك في (من) خاصة دون ما عداها من أسماء الجموع، كالرجال ~~والمسلمين، وجعل نهاية التخصيص فيها أن يبقى تحتها ثلاثة. وهذا هو مذهب ~~القفال من أصحاب الشافعي، ومنهم من جعل نهاية التخصيص في جميع الألفاظ ~~العامة، جمعا كثيرا يعرف PageV02P283 # من مدلول اللفظ، وإن لم يكن محدودا، وهو مذهب أبي الحسين البصري، وإليه ~~ميل إمام الحرمين وأكثر أصحابنا. # احتج من جوز الانتهاء في التخصيص إلى الواحد بالنص، والاطلاق، والمعنى. # أما النص فقوله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون) * (15) ~~الحجر: 9) وأراد به نفسه وحده. # وأما الاطلاق فقول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لسعد بن أبي وقاص، وقد ~~أنفذ إليه القعقاع مع ألف فارس قد أنفذت إليك ألفي رجل أطلق اسم الألف ~~الأخرى، وأراد بها القعقاع. # وأما المعنى فمن وجهين: # الأول: أنه لو امتنع الانتهاء في التخصيص إلى الواحد، فإما أن يكون لان ~~الخطاب صار مجازا، أو لأنه إذا استعمل اللفظ فيه، لم يكن مستعملا فيما هو ~~حقيقة فيه من الاستغراق، وكل واحد من الامرين لو قيل بكونه مانعا، لزم ~~امتناع تخصيص العام مطلقا، ولا بعدد ما، لأنه يكون مجازا في ذلك العدد وغير ~~مستعمل فيما هو حقيقة فيه. وذلك خلاف الاجماع. # الثاني: أن استعمال اللفظ في الواحد من حيث إنه بعض من الكل، يكون مجازا، ~~كما في استعماله في الكثرة، فإذا جاز التجوز باللفظ العام عن الكثرة، فكذا ~~في الواحد. ms456 # ولقائل أن يقول: أما الآية فهي محمولة على تعظيم المتكلم وهو بمعزل عن ~~التخصيص بالواحد. # وأما الاطلاق العمري فمحمول على قصد بيان أن ذلك الواحد قائم مقام الألف، ~~وهو غير معنى التخصيص. PageV02P284 # وأما المعنى الأول، فلا نسلم الحصر فيما قيل من القسمين، بل المنع من ذلك ~~إنما كان لعدم استعماله لغة. وأما المعنى الثاني فمبني على جواز إطلاق ~~اللفظ العام، وإرادة الواحد مجازا، وهو محل النزاع. # وأما حجة أبي الحسين البصري فإنه قال: لو قال القائل قتلت كل من في ~~البلد، وأكلت كل رمانة في الدار وكان فيها تقدير ألف رمانة، وكان قد قتل ~~شخصا واحدا، أو ثلاثة. وأكل رمانة واحدة، أو ثلاث رمانات، فإن كلامه يعد ~~مستقبحا مستهجنا عند أهل اللغة. وكذلك إذا قال لعبده من دخل داري فأكرمه أو ~~قال لغيره من عندك وقال: أردت به زيدا وحده أو ثلاثة أشخاص معينة، أو غير ~~معينة، كان قبيحا مستهجنا، ولا كذلك فيما إذا حمل على الكثرة القريبة من ~~مدلول اللفظ، فإنه يعد موافقا مطابقا لوضع أهل اللغة. # وهذه الحجة وإن كانت قريبة من السداد، وقد قلده فيها جماعة كثيرة، إلا أن ~~لقائل أن يقول: متى يكون ذلك مستهجنا منه، إذا كان مريدا للواحد من جنس ذلك ~~العدد الذي هو مدلول اللفظ، وقد اقترن به قرينة، أو إذا لم يكن؟ # الأول ممنوع، والثاني مسلم. وبيان ذلك، النص وصحة الاطلاق. # أما النص فقوله تعالى: * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) * ~~(3) آل عمران: 173) وأراد بالناس القائلين، نعيم بن مسعود الأشجعي بعينه، ~~ولم يعد ذلك مستهجنا لاقترانه بالدليل. # وأما الاطلاق فصحة قول القائل أكلت الخبز واللحم، وشربت الماء والمراد به ~~واحد من جنس مدلولات اللفظ العام، ولم يكن ذلك مستقبحا، لاقترانه بالدليل. # نعم إذا أطلق اللفظ العام، وكان الظاهر منه إرادة الكل، وما يقاربه في ~~الكثرة، وهو مريد للواحد البعيد من ظاهر اللفظ، من غير اقتران دليل به يدل ~~عليه، فإنه يكون مستهجنا. # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فعليك ms457 بالاجتهاد في الترجيح. ~~PageV02P285 # الصنف الخامس - في أدلة تخصيص العموم وهي قسمان: متصلة ومنفصلة القسم ~~الأول في الأدلة المتصلة وهي أربعة أنواع: الاستثناء، والشرط، والصفة، ~~والغاية النوع الأول الاستثناء وفيه مقدمة ومسائل أما المقدمة، ففي معنى ~~الاستثناء، وصيغه، وأقسامه. # أما الاستثناء، فقال الغزالي: هو قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن ~~المذكور به لم يرد بالقول الأول. وهو باطل من وجهين: # الأول: أنه ينتقض بآحاد الاستثناءات، كقولنا: جاء القوم إلا زيدا فإنه ~~استثناء حقيقة، وليس بذي صيغ، بل صيغة واحدة، وهي: إلا زيدا. # الثاني: أنه يبطل بالأقوال الموجبة لتخصيص العموم الخارجة عن الاستثناء، ~~فإنها صيغ مخصوصة، وهي محصورة لاستحالة القول بعدم النهاية في الألفاظ ~~الدالة، وهي دالة على أن المذكور بها لم يرد بالقول الأول، وليست من ~~الاستثناء في شئ، وذلك كما لو قال القائل رأيت أهل البلد، ولم أر زيدا، ~~واقتلوا المشركين، ولا تقتلوا أهل الذمة، ومن دخل داري فأكرمه، والفاسق ~~منهم أهنه، وأهل البلد كلهم علماء، وزيد جاهل إلى غير ذلك. # وقال بعض المتبحرين من النحاة: الاستثناء إخراج بعض الجملة عن الجملة ~~بلفظ (إلا) أو ما يقوم مقامه، وهو منتقض بقول القائل رأيت أهل البلد، ولم ~~أر زيدا فإنه قائم مقام قوله: إلا زيدا، في إخراج بعض الجملة عن الجملة، ~~وليس باستثناء. PageV02P286 # وقيل: إنه عبارة عما لا يدخل في الكلام، إلا لاخراج بعضه بلفظ (إلا)، ولا ~~يستقل بنفسه، وهو أيضا مدخول من وجهين: # الأول: أن الاستثناء لا لاخراج بعض الكلام، وإنما يكون إخراجا لبعض ما دل ~~عليه الكلام الأول، وفرق بين الامرين. # الثاني: أنه لو قال القائل جاء القوم غير زيد فإنه استثناء مع أن لفظة ~~(غير) قد وجد فيها جميع ما ذكروه من القيود، سوى قوله: لا يدخل في الكلام ~~إلا لاخراج بعضه. فإن (غير) قد يدخل في الكلام لغرض النعتية، إذا لم يجز في ~~موضعها (إلا) كقولك: عندي درهم غير جيد فإنه لا يحسن أن تقول في موضعها ~~عندي درهم إلا جيدا فلا جرم كانت نعتا ms458 للدرهم، وتابعة له في إعرابه. وهذا ~~بخلاف ما إذا قلت عندي درهم غير قيراط فإن (غير) تكون استثنائية منصوبة ~~لامكان دخول إلا في موضعها. ويمكن أن يقال هاهنا إن النعتية ليست ~~استثنائية، فلا ترد على الحد. # والمختار في ذلك أن يقال: # الاستثناء عبارة عن لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه دال بحرف (إلا) أو ~~أخواتها على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به، ليس بشرط، ولا صفة، ولا غاية. # فقولنا: (لفظ) احتراز عن الدلالات العقلية والحسية الموجبة للتخصيص. # وقولنا: (متصل بجملة) احتراز عن الدلائل المنفصلة. # وقولنا: (ولا يستقل بنفسه) احتراز عن مثل قولنا: قام القوم، وزيد لم يقم ~~وقولنا: (دال) احتراز عن الصيغ المهملة. # وقولنا: (على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به) احتراز عن الأسماء المؤكدة ~~والنعتية. # كقول القائل جاءني القوم العلماء كلهم. وقولنا: (بحرف إلا أو أخواتها) ~~احتراز عن قولنا قام القوم دون زيد. وفيه احتراز عن أكثر الالزامات السابق ~~ذكرها وقولنا: (ليس بشرط) احتراز عن قول القائل لعبده من دخل داري فأكرمه ~~إن كان مسلما وقولنا: (ليس بصفة) احتراز من قول القائل جاءني بنو تميم ~~الطوال PageV02P287 # وقولنا: (ليس بغاية) احتراز عن قول القائل لعبده (أكرم بني تميم أبدا إلى ~~أن يدخلوا الدار وهذا الحد مطرد منعكس لا غبار عليه. # وإذا عرف معنى الاستثناء فصيغه كثيرة، وهي: إلا، وغير، وسوى، وخلا، ~~وحاشا، وعدا، وما عدا، وما خلا، وليس، ولا يكون، ونحوه. وأم الباب في هذه ~~الصيغ (إلا) لكونها حرفا مطلقا، ولوقوعها في جميع أبواب الاستثناء لا غير. ~~ولها أحكام مختلفة في الاعراب مستقصاة في كتب أهل الأدب، لا مناسبة لذكرها ~~فيما نحن فيه، كما قد فعله من غلب عليه حب العربية. # وهو منقسم إلى الاستثناء من الجنس، ومن غير الجنس، كما يأتي تحقيقه عن ~~قريب إن شاء الله تعالى. ويجوز أن يكون متأخرا عن المستثنى منه، كما ذكرناه ~~من الأمثلة، وأن يكون متقدما عليه مع الاتصال، كقولك خرج إلا زيدا القوم ~~ومنه قول الكميت. # فما لي إلا آل ms459 أحمد شيعة وما لي إلا مذهب الحق مذهب ويجوز الاستثناء من ~~الاستثناء من غير خلاف، كقول القائل له علي عشرة دراهم إلا أربعة، إلا ~~اثنين، ويدل عليه قوله تعالى: * (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) * (51) ~~الذاريات: 32) إلى قوله: * (إلا آل لوط، إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته) * ~~(15) الحجر: 59) استثنى إلى لوط من أهل القرية، واستثنى المرأة من الآل ~~المنجين من الهلاك. وهذا ما أردنا ذكره من المقدمة. # وأما المسائل فخمس: PageV02P288 # المسألة الأولى شرط صحة الاستثناء عند أصحابنا، وعند الأكثرين أن يكون ~~متصلا بالمستثنى منه حقيقة، من غير تخلل فاصل بينهما، أو في حكم المتصل، ~~وهو ما لا يعد المتكلم به آتيا به بعد فراغه من كلامه الأول عرفا، وإن تخلل ~~بينهما فاصل بانقطاع النفس أو سعال مانع من الاتصال حقيقة. # ونقل عن ابن عباس أنه كان يقول بصحة الاستثناء المنفصل، وإن طال الزمان ~~شهرا. # وذهب بعض أصحاب مالك إلى جواز تأخير الاستثناء لفظا لكن مع إضمار ~~الاستثناء متصلا بالمستثنى منه، ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين ~~الله تعالى. # ولعله مذهب ابن عباس. # وذهب بعض الفقهاء إلى صحة الاستثناء المنفصل في كتاب الله تعالى دون ~~غيره. # حجة القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه: # الأول: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من حلف على شئ فرأى ~~غيره خيرا منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه وروي فليكفر عن يمينه ~~وليأت الذي هو خير ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحا لأرشد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، إليه لكونه طريقا مخلصا للحالف عند تأمل الخير، في البر وعدم ~~الحنث، لان النبي صلى الله عليه وسلم إنما يقصد التيسير والتسهيل، ولا يخفى ~~أن الاستثناء أيسر وأسهل من التكفير، فحيث لم يرشد إليه دل على عدم صحته. # الثاني: أن أهل اللغة لا يعدون ذلك كلاما منتظما، ولا معدودا من كلام ~~العرب، ولهذا فإنه لو قال: لفلان علي عشرة دراهم ثم قال بعد شهر أو سنة إلا ~~درهما وقال رأيت بني تميم ثم قال بعد ms460 شهر إلا زيدا فإنه لا يعد استثناء ولا ~~كلاما صحيحا، كما لو قال رأيت زيدا ثم قال بعد شهر قائما فإنهم لا يعدونه ~~بذلك مخبرا عن زيد بشئ، وكذلك لو قال السيد لعبده أكرم زيدا ثم قال بعد شهر ~~إن دخل داري فإنهم لا يعدون ذلك شرطا. PageV02P289 # الثالث: أنه لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل، لما علم صدق صادق، ولا كذب ~~كاذب، ولا حصل وثوق بيمين، ولا وعد ولا وعيد، ولا حصل الجزم بصحة عقد نكاح، ~~وبيع وإجارة ولا لزوم معاملة أصلا، لامكان الاستثناء المنفصل، ولو بعد حين ~~ولا يخفى ما في ذلك من التلاعب وإبطال التصرفات الشرعية، وهو محال. # احتج الخصوم بأربعة أمور: # الأول: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: والله لأغزون ~~قريشا. ثم سكت، وقال بعده: إن شاء الله ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت، ~~لما فعله، لكونه مقتدى به. # وأيضا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم، أنه سألته اليهود عن عدة أهل الكهف ~~وعن مدة لبثهم فيه، فقال: غدا أجيبكم ولم يقل إن شاء الله فتأخر عنه الوحي ~~مدة بضعة عشر يوما، ثم نزل عليه * (ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا ~~مراء ظاهرا) * (28) الكهف: 22)، إلى قوله * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك ~~غدا، إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت) * (28) الكهف: 23، 24). # فقال: إن شاء الله بطريق الالحاق بخبره الأول. ولو لم يكن ذلك صحيحا، لما ~~فعله. # الثاني: أن ابن عباس ترجمان القرآن، ومن أفصح فصحاء العرب، وقد قال بصحة ~~الاستثناء المنفصل. وذلك يدل على صحته. # الثالث: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول، فجاز تأخيره، كالنسخ ~~والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم. # الرابع: أن الاستثناء رافع لحكم اليمين، فجاز تأخيره، كالكفارة. ~~PageV02P290 # والجواب عن الخبر الأول أن سكوته قبل الاستثناء يحتمل أنه من السكوت الذي ~~لا يخل بالاتصال الحكمي، كما أسلفناه، ويجب الحمل عليه موافقة لما ذكرناه ~~من الأدلة. # وعن الخبر الثاني أن قوله صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله، ليس عائدا ~~إلى خبر ms461 الأول، بل إلى ذكر ربه، إذا نسي، تقديره أذكر ربي إذا نسيت إن شاء ~~الله. وذلك كما إذا قال القائل لغيره افعل كذا فقال: إن شاء الله، أي أفعل ~~إن شاء الله. # وعن المنقول عن ابن عباس، إن صح ذلك. فلعله كان يعتقد صحة إضمار ~~الاستثناء، ويدين المكلف بذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وإن تأخر ~~الاستثناء لفظا، وهو غير ما نحن فيه، وإن لم يكن كذلك فهو أيضا مخصوم بما ~~ذكرناه من الأدلة واتفاق أهل اللغة على إبطاله ممن سواه. # وعن الوجه الثالث: أنه قياس في اللغة، فلا يصح لما سبق. ثم هو منقوض ~~بالخبر والشرط، كما سبق. كيف والفرق بين التخصيص والاستثناء واقع من جهة ~~الجملة من حيث إن التخصيص قد يكون بدليل العقل والحس، ولا كذلك الاستثناء ~~وبينه وبين النسخ، أن النسخ مما يمتنع اتصاله بالمنسوخ، بخلاف الاستثناء. # وعن الوجه الرابع بالفرق، وهو أن الكفارة رافعة لاثم الحنث، لا لنفس ~~الحنث، والاستثناء مانع من الحنث، فما التقيا في الحكم حتى يصح قياس أحدهما ~~على الآخر. كيف وإن الخلاف إنما وقع في صحة الاستثناء المنفصل من جهة ~~اللغة، لا من جهة الشرع، ولا قياس في اللغة على ما سبق. # المسألة الثانية اختلف العلماء في صحة الاستثناء من غير الجنس: فجوزه ~~أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين والنحاة، ~~ومنع منه الأكثرون. # وأما أصحابنا، فمنهم من قال بالنفي، ومنهم من قال بالاثبات. PageV02P291 # احتج من قال بالبطلان بأن الاستثناء استفعال مأخوذ من الثني، ومنه تقول: # ثنيت الشئ إذا عطفت بعضه على بعض، وثنيت فلانا عن رأيه، وثنيت عنان ~~الفرس. # وحقيقته أنه استخراج بعض ما تناوله اللفظ، وذلك غير متحقق في مثل قول ~~القائل رأيت الناس إلا الحمر لان الحمر المستثناة غير داخلة في مدلول ~~المستثنى منه، حتى يقال بإخراجها وثنيها عنه، بل الجملة الأولى باقية ~~بحالها، لم تتغير، ولا تعلق للثاني بالأول أصلا. ومع ذلك فلا تحقق ~~للاستثناء من اللفظ، ولا يمكن أن يقال بصحة الاستثناء بناء ms462 على ما وقع به ~~الاشتراك من المعنى، بين والمستثنى منه، وإلا لصح استثناء كل شئ من كل شئ، ~~ضرورة أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في معنى عام لهما، وليس كذلك. كيف ~~وأنه لو قال القائل جاء العلماء إلا الكلاب، وقدم الحاج إلا الحمير كان ~~مستهجنا لغة وعقلا، وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافا إلى أهل اللغة. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الاستثناء مأخوذ من الثني، بل من التثنية، ~~وكأن الكلام كان واحدا فثنى، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. # فإن قيل: لو كان الاستثناء مأخوذا من التثنية، لكان كل ما وجد فيه معنى ~~التثنية من الكلام استثناء، وليس كذلك. # قلنا: ولو كان مأخوذا من الثني، لكان كل ما وجد فيه الثني والعطف ~~استثناء، وليس كذلك. ولهذا لا يقال لمن عطف الثوب بعضه على بعض، أو عطف ~~عنان الفرس إنه استثناء. # قولكم إن الاستثناء استخراج بعض ما تناوله اللفظ دعوى في محل النزاع، ~~وكيف يدعى ذلك مع قول الخصم بصحة الاستثناء من غير الجنس، ولا دخول ~~للمستثنى تحت المستثنى منه. وما ذكرتموه من الاستقباح لا يدل على امتناع ~~صحته في اللغة. ولهذا فإنه لو قال القائل في دعائه يا رب الكلاب والحمير ~~وخالقهم، ارزقني وأعطني كان مستهجنا، وإن كان صحيحا من جهة اللغة والمعنى. # ثم وإن سلمنا امتناع صحة الاستثناء من نفس الملفوظ به مطابقة، فما المانع ~~من صحته، نظرا إلى ما وقع به الاشتراك بين المستثنى والمستثنى منه في ~~المعنى اللازم PageV02P292 # المدلول للفظ مطابقه، كما قال الشافعي إنه لو قال القائل: لفلان علي مائة ~~درهم إلا ثوبا فإنه يصح، ويكون معناه إلا قيمة ثوب، لاشتراكهما في ثبوت صفة ~~القيمة لهما، وكما قاله أبو حنيفة في استثناء المكيل من الموزون، وبالعكس، ~~لاشتراكهما في علة الربا. # قولكم: لو صح ذلك لصح استثناء كل شئ من كل شئ، ليس كذلك. # وما المانع أن تكون صحة الاستثناء مشروطة بمناسبة بين المستثنى والمستثنى ~~منه، كما إذا قال القائل ليس لي نخل ms463 إلا شجر، ولا إبل إلا بقر، ولا بنت إلا ~~ذكر ولا كذلك فيما إذا قال ليس لفلان بنت إلا أنه باع داره. # وأما القائلون بالصحة، فقد احتجوا بالمنقول والمعقول: # أما المنقول، فمن جهة القرآن، والشعر، والنثر. # أما القرآن، فقوله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا ~~إبليس لم يكن من الساجدين) * (7) الأعراف: 11) وإبليس لم يكن من جنس ~~الملائكة، لقوله تعالى في آية أخرى * (إلا إبليس كان من الجن، ففسق عن أمر ~~ربه) * (18) الكهف: 50) والجن ليسوا من جنس الملائكة، ولأنه كان مخلوقا من ~~نار على ما قال * (خلقتني من نار) * (7) الأعراف: 12) والملائكة من نور، ~~ولأن إبليس له ذرية على ما قال تعالى * (أفتتخذونه وذريته أولياء) * (18) ~~الكهف: 50) ولا ذرية للملائكة، فلا يكون من جنسهم، وهو مستثنى منهم. وقوله ~~تعالى: * (أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي، ~~إلا رب العالمين) * (26) الشعراء: 75، 77) استثنى الباري تعالى من جملة ما ~~كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها، والباري تعالى ليس من جنس شئ من ~~المخلوقات. وقوله تعالى: * (وما لهم به من علم إلا اتباع الظن) * (4) ~~النساء: 157) استثنى الظن من العلم، وليس من جنسه. وقوله تعالى * (لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما) * (56) الواقعة: 25) ~~استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه، وقوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (4) النساء: 29) ~~والتجارة ليست من جنس الباطل، وقد استثناها منه. وقوله تعالى: # * (فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون، إلا رحمة منا) * (36) يس: 43) استثنى ~~الرحمة من نفي الصريخ والانقاذ، وليست من جنسه. وقوله تعالى: * (لا عاصم ~~اليوم من أمر الله إلا من رحم) * (11) هود: 43) ومن رحم ليس بعاصم، بل ~~معصوم، وليس المعصوم من جنس العاصم. PageV02P293 # وقوله تعالى: * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ) * (4) النساء: ~~92) استثنى الخطأ من القتل، وليس من جنسه. # وأما الشعر فمن ذلك قول القائل منهم: # وبلدة ليس بها أنيس * * إلا اليعافير وإلا العيس والعيس ليست من جنس ~~الأنيس. # وقال النابغة الذبياني: # وقفت فيها أصيلا ms464 لا أسائلها * * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري ~~لأيا ما أبينها * * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد والأواري ليست من جنس ~~الأحد. # وقال: # ولا عيب فينا غير أن سيوفنا * * بهن فلول من قراع الكتائب وليس فلول ~~السيوف عيبا لأربابها، بل فخرا لهم، وقد استثناها من العيوب وليست من ~~جنسها. # وأما النثر فقول العرب: ما زاد إلا ما نقص، وما بالدار أحد إلا الوتد، ~~وما جاءني زيد إلا عمرو. استثنوا النقص من الزيادة، والوتد من أحد، وعمرا ~~من زيد، وليس من جنسه. PageV02P294 # وأما المعقول فهو أن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه، فصح، كاستثناء ~~الدراهم من الدنانير، وبالعكس. # ولقائل أن يقول: أما الآية الأولى، فلا نسلم أن إبليس لم يكن من جنس ~~الملائكة. قولكم إنه كان من الجن، قلنا: لا منافاة بين الامرين: فإنه قد ~~قال ابن عباس وغيره من المفسرين إن إبليس كان من الملائكة من قبيل يقال لهم ~~الجن، لأنهم كانوا خزان الجنان، وكان إبليس رئيسهم، وتسميته جنيا لنسبته ~~إلى الجنة، كما يقال بغدادي ومكي. ويحتمل أنه سمي بذلك لاجتنانه واختفائه، ~~ويدل على كونه من الملائكة أمران: الأول: أن الله تعالى استثناه من ~~الملائكة، والأصل أن يكون من جنسهم للاتفاق على صحة الاستثناء من الجنس ~~ووقع الخلاف في غيره. # الثاني: أن الامر بالسجود لآدم إنما كان للملائكة بدليل قوله تعالى: * ~~(وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم) * (2) البقرة: 34) ولو لم يكن، إبليس من ~~الملائكة، لما كان عاصيا للامر المتوجه إلى الملائكة، لكونه ليس منهم، إذ ~~الأصل عدم أمر وراء ذلك الامر. # ودليل عصيانه قوله تعالى: * (إلا إبليس أبى واستكبر، وكان من الكافرين) * ~~(2) البقرة: 34). # قولكم إن إبليس له ذرية، ليس في ذلك ما ينافي كونه من جنس الملائكة. # فلئن قلتم بأن التوالد لا يكون إلا من ذكر وأنثى والملائكة لا إناث فيهم، ~~بدليل قوله تعالى: * (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) * (43) ~~الزخرف: 19) ذكر ذلك في معرض الانكار والتوعد على قول ذلك. # قلنا: إنما يلزم من ذلك الإناث في الملائكة أن لو ms465 امتنع حصول الذرية إلا ~~من جنسين، وهو غير مسلم. # قولكم: إن إبليس مخلوق من نار، والملائكة من نور، لا منافاة أيضا بين ذلك ~~وبين كونه من الملائكة. # وأما الآية الثانية، فاستثناء الرب تعالى فيها من المعبودين، وذلك قوله: # * (ما كنتم تعبدون) * (26) الشعراء: 75) وهم كانوا ممن يعبد الله مع ~~الأصنام، لأنهم كانوا مشركين، لا جاحدين لله تعالى، فلا يكون الاستثناء من ~~غير الجنس. PageV02P295 # وأما الآية الثالثة، فجوابها من وجهين: الأول: أن قوله تعالى: * (وما لهم ~~به من علم إلا اتباع الظن) * (4) النساء: 157) عام في كل ما يسمى علما، ~~والظن يسمى علما، ودليله قوله تعالى * (فإن علمتموهن مؤمنات) * (60) ~~الممتحنة: 10) وأراد إن ظننتموهن لاستحالة اليقين بذلك، وذلك إن كان من ~~الأسماء المتواطئة، فلا يكون الاستثناء من غير الجنس، وإن كان من الأسماء ~~المشتركة أو المجازية، فهو من جملة الأسماء العامة كما سبق. # الثاني: أن (إلا) فيها ليست للاستثناء، بل هي بمعنى (لكن) وكذلك الحكم ~~فيما بعدها من الآيات. # وأما استثناء (اليعافير والعيس) من (الأنيس)، فليس استثناء من غير الجنس، ~~لأنها مما يؤنس بها، فهي من جنس الأنيس، وإن لم تكن من جنس الانس، بل وقد ~~يحصل الانس بالآثار والأبنية والأشجار، فضلا عن الحيوان. # وأما استثناء (الأواري) من (أحد) فإنما كان لأنه كما يطلق الأحد على ~~الآدمي، فقد يطلق على غيره من الحيوانات والجمادات ولذلك يقال: رأيت أحد ~~الحمارين، وركبت أحد الفرسين، ورميت أحد الحجرين وأحد السهمين، فلم يكن ~~الاستثناء من غير الجنس من حيث إن الأواري مما يصدق عليها لفظة (أحد) ~~وبتقدير أن لا يكون من الجنس، فإلا ليست استثنائية حقيقة، بل بمعنى (لكن) ~~كما سبق. # وأما (فلول السيوف) فهو عيب في السيوف، وإن كان يسبب فلولها فخرا ومدحة ~~لأربابها، فهو في الجملة استثناء من الجنس. # وقول العرب: (ما زاد إلا ما نقص) تقديره: ما زاد شئ إلا الذي نقص أي ~~ينقص، وهو استثناء من الجنس. # وقولهم: (ما في الدار أحد إلا الوتد) فجوابه كما سبق في (الأواري) من ~~(أحد). # وقوله: (ما جاءني ms466 زيد إلا عمرو) فإلا بمعنى (لكن). # وما ذكروه من المعقول، قولهم: إن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه، ~~فشئ لا إشعار له بصحة الاستثناء من غير الجنس. PageV02P296 # وأما استثناء (الدراهم) من (الدنانير) وبالعكس، فهو أيضا محل النزاع عند ~~القائلين بعدم صحة الاستثناء من غير الجنس، وإن تكلف بيان صحة الاستثناء من ~~جهة اشتراكهما في النقدية وجوهرية الثمنية فآيل إلى الاستثناء من الجنس. # المسألة الثالثة اتفقوا على امتناع الاستثناء المستغرق كقوله: له علي ~~عشرة إلا عشرة وإنما اختلفوا في استثناء النصف والأكثر، فذهب أصحابنا وأكثر ~~الفقهاء والمتكلمين إلى صحة استثناء الأكثر حتى إنه لو قال له علي عشرة إلا ~~تسعة لم يلزمه سوى درهم واحد. # القاضي أبو بكر في آخر أقواله، والحنابلة وابن درستويه النحوي إلى المنع ~~من ذلك، وزاد القاضي أبو بكر والحنابلة القول بالمنع من استثناء المساوي. # وقد نقل عن بعض أهل اللغة استقباح استثناء عقد صحيح، فلا يقول: له علي ~~مائة إلا عشرة، بل خمسة، أو غير ذلك. # احتج من قال بصحة استثناء الأكثر والمساوي بالمنقول، والمعقول، والحكم. # أما المنقول، فمن جهة القرآن، والشعر. # أما القرآن فقوله تعالى: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين) * (15) الحجر: 42) وقال * (لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم ~~المخلصين) * (38) ص: 83) فإن استووا، فقد استثنى المساوي، وإن تفاوتوا، ~~فأيهما كان أكثر، فقد استثناه. # كيف وإن الغاوين أكثر، بدليل قوله تعالى * (وقليل من عبادي الشكور) * ~~(34) سبأ: 13) وقوله تعالى: * (ولا تجد أكثرهم شاكرين) * (7) الأعراف: 17) ~~وقوله تعالى: * (وما أكثر الناس، ولو حرصت، بمؤمنين) * (12) يوسف: 103) ~~ولكن أكثرهم لا يعقلون، ولا يؤمنون. # وأما الشعر فقوله: # أدوا التي نقصت تسعين من مائة * * ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا ~~PageV02P297 # وأما المعقول فهو أن الاستثناء لفظ يخرج من الجملة ما لولاه لدخل فيها، ~~فجاز إخراج الأكثر به، كالتخصيص بالدليل المنفصل، كاستثناء الأقل. # هذا ما يخص الأكثر، وأما المساوي فدليله قوله تعالى: * (يا أيها المزمل ~~قم الليل إلا قليلا نصفه) * (73) المزمل: 1) استثنى النصف، وليس بأقل. # وأما الحكم فعام للأكثر والمساوي، وهو ms467 أنه لو قال له علي عشرة واستثنى ~~منها خمسة، أو تسعة، فإنه يلزمه في الأول خمسة، وفي الثاني درهم، باتفاق ~~الفقهاء. # ولولا صحة الاستثناء لما كان كذلك. # وفي هذه الحجج ضعف، إذ لقائل أن يقول: أما الآية فالغاوون فيها، وإن ~~كانوا أكثر من العباد المخلصين، بدليل النصوص المذكورة، فلا نسلم أن (إلا) ~~في قوله إلا من اتبعك من الغاوين للاستثناء، بل هي بمعنى (لكن). وإن سلمنا ~~أنها للاستثناء، ولكن نحن إنما نمنع من استثناء الأكثر، إذا كان عدد ~~المستثنى والمستثنى منه مصرحا به، كما إذا قال له علي مائة إلا تسعة وتسعين ~~درهما وأما إذا لم يكن العدد مصرحا به، كما إذا قال له خذ ما في الكيس من ~~الدراهم سوى الزيوف منها فإنه يصح، وإن كانت الزيوف في نفس الامر أكثر في ~~العدد، وكما إذا قال جاءني بنو تميم سوى الأوباش منهم فإنه يصح من غير ~~استقباح وإن كان عدد الأوباش منهم أكثر. # وأما الشعر، فلا استثناء فيه، بل معناه: أدوا المائة التي سقط منها ~~تسعون، ولا يلزم أن يكون سقوطها بطريق الاستثناء. # وما ذكروه من المعقول فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وهو فاسد، كما ~~سبق. # كيف والفرق بين الأصل والفرع واقع من جهة الاجمال. PageV02P298 # أما التخصيص فمن جهة أنه قد يكون بدليل منفصل، وبغير دليل لفظي، كما ~~يأتي. # وأما استثناء الأقل، فلكونه غير مستقبح، كما إذا قال له علي عشرة إلا ~~درهما ولا كذلك قوله له علي مائة إلا تسعة وتسعين. # وأما قوله تعالى: * (يا أيها المزمل) * (73) المزمل: 1) فلا دلالة فيه ~~على جواز استثناء النصف، إذ النصف غير مستثنى، وإنما هو ظرف للقيام فيه، ~~وتقديره: قم الليل ونصفه إلا قليلا. # وأما الحكم فدعوى الاتفاق عليه خطأ، فإن من لا يرى صحة استثناء الأكثر ~~والمساوي، فهو عنده بمنزلة الاستثناء المستغرق. ولو قال له علي عشرة إلا ~~عشرة لزمه العشرة، وإنما ذهب إلى ذلك الفقهاء القائلون بصحة استثناء الأكثر ~~والمساوي. # وأما من قال بامتناع صحة استثناء الأكثر والمساوي، فقد ms468 احتج بأن ~~الاستثناء على خلاف الأصل، لكونه إنكارا بعد إقرار، وجحدا بعد اعتراف. غير ~~أنا خالفناه في استثناء الأقل لمعنى لم يوجد في المساوي والأكثر، فوجب أن ~~لا يقال بصحته فيه. # وبيان ذلك من وجهين: # الأول: أن المقر ربما أقر بمال، وقد وفى بعضه، غير أنه نسيه لقلته، وعند ~~إقراره ربما تذكره فاستثناه. فلو لم يصح استثناؤه لتضرر، ولا كذلك في ~~الأكثر والنصف، لأنه قلما يتفق الذهول عنه. # والثاني: أنه إذا قال له علي مائة إلا درهما لم يكن مستقبحا وإذا قال له ~~علي مائة إلا تسعة وتسعين كان مستقبحا والمستقبح في لغة العرب لا يكون من ~~لغتهم. # وهذه الحجة ضعيفة أيضا، إذ لقائل أن يقول: لا نسلم أن الاستثناء على خلاف ~~الأصل، والقول بأنه إنكار بعد إقرار أنما يصح ذلك أن لو لم يكن المستثنى ~~والمستثنى منه جملة واحدة وإلا فلا. وإن سلمنا عدم الاتحاد، ولكن لا نسلم ~~مخالفة ذلك الأصل، بل الأصل قبوله لامكان صدق المتكلم به، ودفعا للضرر عنه، ~~ويجب اعتقاد ذلك حتى لا يكون قبول ذلك في استثناء الأقل على خلاف الأصل. ~~والقول بأن ذلك مستقبح ركيك في لغة العرب ليس فيه ما يمنع مع ذلك من ~~استعماله. # ولهذا، فإنه لو قال له علي عشرة إلا درهما كان مستحسنا ولو قال له علي ~~عشرة إلا دانقا ودانقا... إلى تمام عشرين مرة، كان في غاية الاستقباح، وما ~~منع ذلك من صحته واستعماله لغة. PageV02P299 # المسألة الرابعة الجمل المتعاقبة بالواو، إذا تعقبها الاستثناء رجع إلى ~~جميعها عند أصحاب الشافعي رضي الله عنه، وإلى الجملة الأخيرة عند أصحاب أبي ~~حنيفة. # وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة: إن كان ~~الشروع في الجملة الثانية إضرابا عن الأولى،، ولا يضمر فيها شئ مما في ~~الأولى، فالاستثناء مختص بالجملة الأخيرة، لان الظاهر أنه لم ينتقل عن ~~الجملة الأولى، مع استقلالها بنفسها إلى غيرها، إلا وقد تم مقصوده منها. # وذلك على أقسام أربعة: # الأول: أن تختلف الجملتان نوعا، كما لو قال ms469 أكرم بني تميم، والنحاة ~~البصريون إلا البغاددة إذ الجملة الأولى أمر، والثانية خبر. # القسم الثاني: أن تتحدا نوعا وتختلفا اسما وحكما، كما لو قال أكرم بني ~~تميم، واضرب ربيعة إلا الطوال إذ هما أمران. # الثالث: أن تتحدا نوعا، وتشتركا حكما، لا اسما كما لو قال سلم على بني ~~تميم، وسلم على بني ربيعة إلا الطوال. # الرابع: أن تتحدا نوعا، وتشتركا اسما لا حكما، ولا يشترك الحكمان في غرض ~~من الاغراض، كما لو قال سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال. # وأقوى هذه الأقسام في اقتضاء اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة القسم ~~الأول، ثم الثاني، ثم الثالث والرابع. # وأما إن لم تكن الجملة الأخيرة مضربة عن الأولى، بل لها بها نوع تعلق، ~~فالاستثناء راجع إلى الكل. وذلك أربعة أقسام. # القسم الأول: أن تتحد الجملتان نوعا واسما، لا حكما غير أن الحكمين قد ~~اشتركا في غرض واحد، كما لو قال أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا ~~الطوال لاشتراكهما في غرض الاعظام. PageV02P300 # الثاني: أن تتحد الجملتان نوعا، وتختلفا حكما، واسم الأولى مضمر في ~~الثانية، كما لو قال أكرم بني تميم، واستأجرهم إلا الطوال. # القسم الثالث: بالعكس من الذي قبله، كما لو قال أكرم بني تميم وربيعة إلا ~~الطوال. # القسم الرابع: أن يختلف نوع الجمل المتعاقبة، إلا أنه قد أضمر في الجملة ~~الأخيرة ما تقدم، أو كان غرض الاحكام المختلفة فيها واحدا، كما في آية ~~القذف، فإن جملها مختلفة النوع من حيث إن قوله تعالى * (فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة) * (24) النور: 4) أمر، وقوله * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * (24) ~~النور: 4) نهي، وقوله * (وأولئك هم الفاسقون) * (24) النور: 4) خبر. غير ~~أنها داخلة تحت القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة، لاشتراك أحكام هذه ~~الجمل في غرض الانتقام والإهانة، وداخلة تحت القسم الثاني، من جهة إضمار ~~الاسم المتقدم فيها. # وذهب المرتضى من الشيعة إلى القول بالاشتراك، وذهب القاضي أبو بكر ~~والغزالي وجماعة من الأصحاب إلى الوقف. # والمختار انه، مهما ظهر كون (الواو) للابتداء فالاستثناء يكون مختصا ~~بالجملة الأخيرة، ms470 كما في القسم الأول من الأقسام الثانية المذكورة لعدم ~~تعلق إحدى الجملتين بالأخرى، وهو ظاهر. وحيث أمكن أن تكون (الواو) للعطف أو ~~الابتداء، كما في باقي الأقسام السبعة فالواجب إنما هو الوقف. # وتحقيق ذلك متوقف على ذكر حجج المخالفين وإبطالها، ولنبدأ من ذلك بحجج ~~القائلين بالعود إلى الجميع: # الحجة الأولى: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة، ~~ولهذا فإنه لا فرق في اللغة بين قوله اضرب الجماعة التي منها قتلة وسراق ~~وزناة، إلا من تاب وبين قوله اضرب من قتل وسرق وزنى، إلا من تاب فوجب ~~اشتراكهما في عود الاستثناء إلى الجميع، وهي غير صحيحة. وذلك لأنه إن قيل ~~إنه لا فارق بين الجملة والجملتين في أمر ما، لزم أن يكون المتكثر واحدا ~~والواحد متكثرا، وهو محال. وإن قيل بالفرق فلا بد من جامع موجب للاشتراك في ~~الحكم. ومع ذلك، فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، ولا سبيل إليه، لما ~~تقدم. PageV02P301 # الحجة الثانية: أن الاجماع منعقد على أنه لو قال والله لا أكلت الطعام، ~~ولا دخلت الدار، ولا كلمت زيدا واستثنى بقوله: إن شاء الله أنه يعود إلى ~~الجميع. # وهذه الحجة أيضا باطلة، فإن العلماء، وإن أطلقوا لفظ الاستثناء على ~~التعليق على المشيئة، فمجاز، وليس باستثناء حقيقة، بل ذلك شرط، كما في قوله ~~إن دخلت الدار ويدل على كونه شرطا لا استثناء أنه يجوز دخوله على الواحد، ~~مع أن الواحد لا يدخله الاستثناء، وذلك كقوله أنت طالق إن شاء الله ولو قال ~~أنت طالق طلقة إلا طلقة لم يصح، ووقع به طلقة. وكذلك إذا قال له علي درهم ~~إلا درهما وإذا كان شرطا، فلا يلزم من عوده إلى الجميع عود الاستثناء، إلا ~~بطريق القياس، ولا بد من جامع مؤثر. ومع ذلك، يكون قياسا في اللغة، وهو ~~باطل بما سبق. وبهذا يبطل إلحاقهم الاستثناء بالشرط، وهو قولهم: الاستثناء ~~غير مستقل بنفسه، فكان عائدا إلى الكل، كالشرط، وهو ما إذا قال أكرم بني ~~تميم، وبني ربيعة إن دخلوا الدار في ms471 معنى قوله ان دخل بنو تميم وينو ربيعة ~~الدار فأكرمهم ولو صرح بذلك كان صحيحا، ولا كذلك في الاستثناء. ولهذا فإنه ~~لو قال إلا أن يتوبوا، اضرب بني تميم وبني ربيعة لا يكون صحيحا. # الحجة الثالثة: أن الحاجة قد تدعو إلى الاستثناء من جميع الجمل، وأهل ~~اللغة مطبقون على أن تكرار الاستثناء في كل جملة مستقبح ركيك مستثقل، وذلك ~~كما لو قال إن دخل زيد الدار فاضربه، إلا أن يتوب، وإن زنى فاضربه إلا أن ~~يتوب فلم يبق سوى تعقب الاستثناء للجملة الأخيرة. # ولقائل أن يقول: وإن كان ذلك مطولا، غير أنه يعرف شمول الاستثناء للكل ~~بيقين، فلا يكون مستقبحا، وإن كان مستقبحا، فإنما يمتنع أن لو كان وضع ~~اللغة مشروطا بالمستحسن وهو غير مسلم. ودليله أنه لو وقع الاستثناء كذلك، ~~فإنه يصح لغة ويثبت حكمه: ولولا أنه من وضع اللغة، لما كان كذلك. ~~PageV02P302 # الحجة الرابعة: إن الاستثناء صالح أن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس ~~البعض أولى من البعض، فوجب العود إلى الجميع، كالعام. # ولقائل أن يقول: كونه صالحا للعود إلى الجميع غير موجب لذلك، ولهذا فإن ~~اللفظ إذا كان حقيقة في شئ ومجازا في شئ، فهو صالح للحمل على المجاز، ولا ~~يجب حمله على المجاز. # وما ذكروه من الالحاق بالعموم فغير صحيح، لما علم مرارا. # الحجة الخامسة: أنه لو قال علي خمسة وخمسة إلا ستة فإنه يصح. ولو كان ~~مختصا بالجملة الأخيرة لما صح، لكونه مستغرقا لها. # قلنا: لا نسلم صحة الاستثناء على رأي لنا. وإن سلمنا فإنما عاد إلى ~~الجميع، لقيام الدليل عليه، وذلك لأنه لا بد من إعمال لفظه مع الامكان، وقد ~~تعذر استثناء الستة من الجملة الأخيرة، لكونه مستغرقا لها، وهو صالح للعود ~~إلى الجميع فحمل عليه: ومع قيام الدليل على ذلك، فلا نزاع، وإنما النزاع ~~فيما إذا ورد الاستثناء مقارنا للجملة الأخيرة من غير دليل يوجب عوده إلى ~~ما تقدم. # الحجة السادسة: أنه لو قال القائل بنو تميم وربيعة أكرموهم إلا الطوال ~~فإن ms472 الاستثناء يعود إلى الجميع، فكذلك إذا تقدم الامر بالاكرام، ضرورة ~~اتحاد المعنى. # ولقائل أن يقول: حاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة، وهو باطل لما ~~علم، كيف والفرق ظاهر، لأنه إذا تأخر الامر عن الجمل، فقد اقترن باسم ~~الجميع، وهو قوله أكرموهم بخلاف الامر المتقدم، فإنه لم يتصل باسم ~~الفريقين، بل باسم الفريق الأول. # الحجة السابعة: أنه إذا قال القائل اضربوا بني تميم وبني ربيعة إلا من ~~دخل الدار فمعناه من دخل من الفريقين. ولقائل أن يقول: ليس تقدير هذا ~~المعنى أولى من تقدير إلا من دخل من ربيعة. # وأما حجج القائلين بعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، فمن جهة النص ~~والمعقول. PageV02P303 # أما النص فقوله تعالى * (والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم ~~الفاسقون إلا الذين تابوا) * (24) النور: 4 - 5) فإنه راجع إلى قوله وأولئك ~~هم الفاسقون ولم يرجع إلى الجلد بالاتفاق. # وأيضا قوله تعالى * (فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله) * (4) ~~النساء: 92) وقوله * (إلا أن يصدقوا) * (4) النساء: 92) راجع إلى الدية دون ~~الاعتاق بالاتفاق. # قلنا: أما الآية الأولى، فلا نسلم اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة ~~منها، بل هو عائد إلى جميع الجمل عدا الجلد، لدليل دل عليه، وهو المحافظة ~~على حق الآدمي. # أما الآية الأخرى، فإنما امتنع عود الاستثناء إلى الاعتاق، لأنه حق الله ~~تعالى، وتصدق الولي لا يكون مسقطا لحق الله تعالى. # وأما من جهة المعقول فحجج: # الحجة الأولى أن الاستثناء من الجملة إذا تعقبه استثناء كان الاستثناء ~~الثاني عائدا إلى الجملة الاستثنائية، لا إلى الجملة الأولى، فدل على ~~اختصاص الاستثناء بالجملة المقارنة دون المتقدمة، وإلا كان عدم عوده إلى ~~المتقدمة على خلاف الأصل، وذلك كما لو قال له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين ~~فإن الاستثناء الثاني يختص بالأربعة دون العشرة. # ولقائل أن يقول: الاستثناء الثاني إما أن يكون بحرف عطف أو لا بحرف عطف. ~~فإن كان الأول، فهو راجع إلى الجملة المستثنى منها كقوله له علي عشرة إلا ms473 ~~ثلاثة، وإلا اثنين فيكون المقر به خمسة. وإن كان الثاني، كقوله له علي عشرة ~~إلا أربعة إلا اثنين فإنما امتنع عوده إلى الجملة المستثنى منها لدليل، لا ~~لعدم اقتضائه لذلك لغة، وذلك، أن الاستثناء الثاني لو عاد إلى الجملة ~~المستثنى منها فإما أن يعود إليها لا غير، أو إليها وإلى الاستثناء: الأول ~~ممتنع، لان الاجماع منعقد على دخول الاستثناء الأول تحت الاستثناء الثاني، ~~فقطعه عنه ورده إلى الجملة المستثنى منها لا غير، يكون على خلاف الاجماع ~~وإن كان عائدا إلى الاستثناء والمستثنى والمستثنى منه فالمستثنى منه إثبات ~~فالاستثناء منه يكون نفيا، لان الاستثناء من الاثبات نفي، والاستثناء من ~~الاستثناء يكون إثباتا، لان الاستثناء من النفي إثبات PageV02P304 # على ما يأتي تقريره عن قريب، وذلك ممتنع لوجهين: # الأول: أنه يلزم منه أن يكون قد أثبت لعوده إلى أحدهما مثل ما نفاه عن ~~الآخر، ويكون جابرا للنفي بالاثبات، ويبقى ما كان متحققا قبل الاستثناء ~~الثاني بحاله وفيه إلغاء الاستثناء الثاني وخروجه عن التأثير، وهو خلاف ~~الاجماع. # الوجه الثاني: أنه يلزم منه أن يكون بعوده إلى الجملة الأولى قد نفى عنها ~~مثل ما أثبته لها بعوده إلى الاستثناء الثاني، فيكون الاستثناء الواحد ~~مقتضيا لنفي شئ وإثباته بالنسبة إلى شئ واحد، وهو محال. # الحجة الثانية: أن الجملة الأخيرة حائلة بين الاستثناء والجملة الأولى، ~~فكان ذلك مانعا من العود إليها كالسكوت. # ولقائل أن يقول: إنما يصح ذلك أن لو لم يكون الكلام كله بمنزلة جملة ~~واحدة. # وأما إذا كان كالجملة الواحدة، فلا. # الحجة الثالثة: أنه استثناء تعقب جملتين، فلا يكون بظاهره عائدا إليهما، ~~كما لو قال أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعة فأنه لا يعود إلى الجميع وإلا ~~لوقع به طلقتان لا ثلاث طلقات. # قلنا: لا نسلم امتناع عوده إلى الجميع، بل هو عائد إلى الجميع، والواقع ~~طلقتان على رأي لنا. وإن سلمنا امتناع عوده إلى الجميع، فلان المعتبر من ~~قوله ثلاثا وثلاثا إنما هو الجملة الأولى دون الثانية. فلو عاد الاستثناء ~~إليها لكان مستغرقا وهو ms474 باطل. # الحجة الرابعة: أن دخول الجملة الأولى تحت لفظه معلوم، ودخولها تحت ~~الاستثناء مشكوك فيه، والشك لا يرفع اليقين. # قلنا: لا نسلم تيقن دخوله مع اتصال الاستثناء بالكلام، ثم وإن كان ذلك ~~مما يمنع من عود الاستثناء إلى الجمل المتقدمة، فهو مانع من اختصاصه ~~بالجملة الأخيرة لجواز عوده بالدليل إلى الجملة المتقدمة دون المتأخرة، ثم ~~يلزم منه أن لا يعود الشرط والصفة على باقي الجمل لما ذكروه، وهو عائد عند ~~أكثر القائلين باختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة. PageV02P305 # الحجة الخامسة: أنه لما كان الاستثناء مما تدعو الحاجة إليه، ولا يستقل ~~بنفسه دعت الحاجة إلى عوده إلى غيره، وهذه الحاجة والضرورة مندفعة بعوده ~~إلى ما يليه، فلا حاجة إلى عوده إلى غيره، إذ هو خارج عن محل الحاجة، وإنما ~~وجب اختصاصه بما يليه دون غيره لوجهين. # الأول: أنه إذا ثبت اختصاصه بجملة واحدة وجب عوده إلى ما يليه لامتناع ~~عوده إلى غيره بالاجماع. # الثاني: أنه قريب منه، والقرب مرجح، ولهذا وجب عود الضمير في قولهم جاء ~~زيد وعمرو أبوه منطلق إلى عمرو، لكونه أقرب مذكور، فكان ما يلي الفعل من ~~الاسمين اللذين لا يظهر فيهما الاعراب بالفاعلية أولى كقولهم ضربت سلمى ~~سعدى. # وهذه الحجة أيضا مدخولة، إذ لقائل أن يقول ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم ~~تكن الحاجة ماسة إلى عود الاستثناء إلى كل ما تقدم، وذلك غير مسلم، وإذا ~~كانت الحاجة ماسة إلى عوده إلى كل ما تقدم، فلا تكون الحاجة مندفعة بعوده ~~إلى ما يليه فقط. # ثم ما ذكرتموه منتقض بالشرط والصفة. وإن سلمنا أنه لا ضرورة، ولكن لم ~~قلتم بامتناع عوده إلى ما تقدم وإن لم تكن ثم ضرورة، ولهذا فإنه لو قام ~~دليل على إرادة عوده إلى الجميع فإنه يكون عائدا إليه إجماعا. وإنما الخلاف ~~في كونه حقيقة في الكلام أم لا. # الحجة السادسة: ذكرها القلانسي، وهي أن قال: نصب ما بعد الاستثناء في ~~الاثبات إنما كان بالفعل المتقدم بإعانة (إلا) على ما هو مذهب أكابر ~~البصريين، فلو ms475 قيل إن الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل، لكان ما بعد (إلا) ~~منتصبا بالافعال المقدرة في كل جملة، ويلزم منه اجتماع عاملين على معمول ~~واحد، وذلك لا يجوز، لأنه بتقدير مضادة أحد العاملين في عمله للعامل الآخر ~~يلزم منه أن يكون المعمول الواحد مرفوعا منصوبا معا، وذلك كما لو قلت: ما ~~زيد بذاهب، ولا قام عمرو وهو PageV02P306 # محال، ولأنه إما أن يكون كل واحد مستقلا بالاعمال أو لا كل واحد منهما ~~مستقل، أو المستقل البعض دون البعض. فإن كان الأول، لزم من ذلك عدم استقلال ~~كل واحد، ضرورة أنه لا معنى لكون كل واحد مستقلا، إلا أن الحكم ثبت به دون ~~غيره. # وإن كان الثاني، فهو خلاف الفرض، وإن كان الثالث، فليس البعض أولى من ~~البعض. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا قال قام القوم إلا زيدا أن زيدا منصوب ~~بقام، وإن سلمنا أنه منصوب بقام، لكن بالفعل المحقق أو المقدر في كل جملة. # الأول مسلم، والثاني ممنوع. والفعل المحقق غير زائد على واحد. # وأما حجج القائلين بالاشتراك فثلاث: # الحجة الأولى: أنه يحسن الاستفهام من المتكلم عن إرادة عود الاستثناء إلى ~~ما يليه أو إلى الكل، ولو كان حقيقة في أحد هذه المحامل دون غيره، لما حسن ~~ذلك، وذلك يدل على الاشتراك وهذه الحجة مدخولة، لجواز أن يكون الاستفهام ~~لعدم المعرفة بالمدلول الحقيقي والمجازي أصلا، كما تقوله الواقفية، أو لأنه ~~حقيقة في البعض، مجاز في البعض، والاستفهام للحصول على اليقين ودفع ~~الاحتمال البعيد، كما بيناه فيما تقدم. # الحجة الثانية: أنه يصح إطلاق الاستثناء، وإرادة عوده إلى ما يليه، وإلى ~~الجمل كلها، وإلى بعض الجمل المتقدمة دون البعض، بإجماع أهل اللغة، والأصل ~~في الاطلاق الحقيقة، والمعاني مختلفة، فكان مشتركا. # ولقائل أن يقول: متى يكون الأصل في الاطلاق الحقيقة إذا أفضى إلى ~~الاشتراك المخل بمقصود أهل الوضع من وضعهم أو إذا لم يفض؟ # الأول ممنوع، والثاني مسلم. ثم وإن كان ذلك هو الأصل مطلقا، غير أنه أمر ~~ظني، ولم قلتم بإمكان التمسك ms476 به فيما نحن فيه، على ما هو معلوم من قاعدة ~~الواقفية. # الحجة الثالثة: أن الاستثناء فضلة لا تستقل بنفسها، فكان احتمال عوده إلى ~~ما يليه، وإلى جميع الجمل مساويا، كالحال وظرف الزمان والمكان في قوله ضربت ~~زيدا وعمرا قائما في الدار يوم الجمعة. # ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة ما ذكره في الحال والظرف بل هو عائد إلى ~~الكل أو ما يليه على اختلاف المذهبين، وإن سلم ذلك، غير أنه آئل إلى القياس ~~في اللغة، وهو باطل كما سبق. PageV02P307 # المسألة الخامسة مذهب أصحابنا أن الاستثناء من الاثبات نفي، ومن النفي ~~إثبات، خلافا لأبي حنيفة. # ودليلنا في ذلك أن القائل إذا قال لا إله إلا الله كان موحدا مثبتا ~~للألوهية لله سبحانه وتعالى، ونافيا لها عما سواه. ولو كان نافيا للألوهية ~~عما سوى الرب تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى الرب تعالى، لما كان ذلك ~~توحيدا لله تعالى، لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله تعالى، وذلك خلاف ~~الاجماع. # وأيضا فإنه إذا قال القائل: لا عالم في البلد إلا زيد كان ذلك من أدل ~~الألفاظ على علم زيد وفضيلته، وكان ذلك متبادرا إلى فهم كل سامع لغوي، ولو ~~كان نافيا للعلم عما سوى زيد، غير مثبت للعلم لزيد، لما كان كذلك. وعلى هذا ~~النحو في كل ما هو من هذا القبيل. # فإن قيل: لو كان الاستثناء من النفي إثباتا، لكان قوله، صلى الله عليه ~~وسلم لا صلاة إلا بطهور، ولا نكاح إلا بولي، ولا تبيعوا البر بالبر إلا ~~سواء بسواء مقتضيا تحقق الصلاة عند وجود الطهور، والنكاح عند وجود الولي، ~~والبيع عند المساواة ولما لم يكن كذلك، علم أن المراد بالاستثناء إخراج ~~المستثنى عن دخوله في المستثنى منه، وأنه غير متعرض لنفيه ولا إثباته. # قلنا: الطهور والولي والمساواة لا يصدق عليه اسم ما استثني منه، فكان ~~استثناء من غير الجنس، وهو باطل بما تقدم، وإنما سبق ذلك لبيان اشتراط ~~الطهور في الصلاة، والولي في النكاح، والمساواة في صحة بيع البر بالبر. ~~والشرط ms477 وإن لزم من فواته فوات المشروط، فلا يلزم من وجوده وجود المشروط ~~لجواز انتفاء المقتضي أو فوات شرط آخر، أو وجود مانع، والله أعلم. ~~PageV02P308 # النوع الثاني التخصيص بالشرط والنظر في حده وأقسامه وصيغ الشرط اللغوي ~~وأحكامه أما حده، قال الغزالي: هو ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن ~~يوجد عند وجوده. وهو فاسد من وجهين: # الأول: أن فيه تعريف الشرط بالمشروط، والمشروط مشتق من الشرط، فكان أخفى ~~من الشرط، وتعريف الشئ بما هو أخفى منه ممتنع. # الثاني: أنه يلزم عليه جزء السبب إذا اتحد، فإنه لا يوجد الحكم دونه، ولا ~~يلزم من وجود الحكم عند وجوده، وليس بشرط. # وقال بعض أصحابنا: الشرط هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر في تأثيره، لا ~~في ذاته. # وهو فاسد أيضا فإن الحياة القديمة شرط في وجود علم الباري تعالى وكونه ~~عالما، ولا تأثير ولا مؤثر. # والحق في ذلك أن يقال: الشرط هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا ~~يكون سببا لوجوده، ولا داخلا في السبب. # ويدخل في هذا الحد شرط الحكم، وهو ظاهر، وشرط السبب، من حيث إنه يلزم من ~~نفي شرط السبب انتفاء السبب وليس هو سبب السبب، ولا جزؤه، وفيه احتراز عن ~~انتفاء الحكم لانتفاء مداركه، وعن انتفاء المدرك المعين وجزئه. # وهو منقسم إلى شرط عقلي، كالحياة للعلم والإرادة، وإلى شرعي، كالطهارة ~~للصلاة، والاحصان للرجم، وإلى لغوي. وصيغه كثيرة، وهي: إن الخفيفة، وإذا، ~~ومن، ومهما، وحيثما، وأينما، وإذ ما. PageV02P309 # وأم هذه الصيغ (إن) الشرطية، لأنها حرف، وما عداها من أدوات الشرط أسماء. ~~والأصل في إفادة المعاني للأسماء إنما هو الحروف، ولأنها تستعمل في جميع ~~صور الشرط، بخلاف أخواتها، فإن كل واحدة منها تختص بمعنى لا تجري في غيره: ~~(فمن) لمن يعقل، و (ما) لما لا يعقل، و (إذا) لما لا بد من وقوعه كقولك: # إذا احمر البسر فأتنا ونحو ذلك. # وأما أحكامه: فمنها أنه يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، وذلك ضربان: # الأول: أن يخرج منه ms478 ما علمنا خروجه بدليل آخر، كقوله أكرم بني تميم إن ~~استطعت فإنه يخرج من الكلام حالة عدم الاستطاعة، وإن كان ذلك معلوما دون ~~قوله، فيكون قوله مؤكدا. # الثاني: أنه يخرج منه ما لا يعلم خروجه دونه، كقوله أكرم بني تميم إن ~~دخلوا الدار فإنه يخرج منه حالة عدم دخول الدار، ولولا الشرط لعم الاكرام ~~جميع الأحوال، ولم يكن العلم بعدم الاكرام حالة عدم دخول الدار حاصلا لنا، ~~فكان مخصصا للعموم. # وعلى كل تقدير، لا يخلو إما أن يتحد الشرط والمشروط، أو يتحد الشرط، ~~ويتعدد المشروط، أو بالعكس، أو يتعددان معا. # فإن اتحد الشرط والمشروط، فمثاله ما سبق. # وأما إن اتحد الشرط، وتعدد المشروط، فإما أن تكون المشروطات على الجمع، ~~وعلى البدل: فإن كانت على الجمع، كقوله إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا ~~ودرهما وإن كانت على البدل، كقوله إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا أو درهما ~~فالحكم كما لو اتحد المشروط. PageV02P310 # وأما إن تعدد الشرط، واتحد المشروط، فإما أن تكون الشروط على الجمع أو ~~البدل: # فإن كان الأول، فكقوله أكرم بني تميم أبدا إن دخلوا الدار والسوق فمقتضى ~~ذلك توقف الاكرام على اجتماع الشرطين، واختلاله باختلال أحدهما. # وإن كان على البدل كقوله أكرم بني تميم إن دخلوا السوق أو الدار فمقتضى ~~ذلك توقف الاكرام على تحقق أحد الشرطين، واختلاله عند اختلالهما جميعا. # وأما إن تعدد الشرط والمشروط، فإما أن يكون الشرط والمشروط على الجمع أو ~~البدل، أو الشرط على الجمع، والمشروطات على البدل، أو بالعكس: # فإن كان القسم الأول كقوله إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما ودينارا ~~فالاعطاء متوقف على اجتماع الشرطين، ومختل باختلالهما، أو باختلال أحدهما. # وإن كان القسم الثاني فكقوله إن دخل زيد الدار أو السوق فأعطه درهما أو ~~دينارا فإعطاء أحد الامرين متوقف على تحقق أحد الشرطين، واختلاله باختلال ~~مجموع الامرين. # وإن كان القسم الثالث كقوله إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما أو ~~دينارا فإعطاء أحد الامرين متوقف على اجتماع الشرطين، واختلاله باختلال ~~أحدهما. # وإن ms479 كان الرابع كقوله إن دخل زيد الدار أو السوق، فأعطه درهما ودينارا ~~فإعطاء الامرين متوقف على أحد الشرطين، ومختل باختلالهما معا، وسواء كان ~~حصول الشرط دفعة، أو لا دفعة، بل شيئا فشيئا. # ومن أحكامه أنه لا بد من اتصاله بالمشروط لما تقدم في الاستثناء، وأنه ~~يجوز تقديمه على المشروط وتأخيره، وإن كان الوضع الطبيعي له إنما هو صدر ~~الكلام والتقدم على المشروط لفظا، لكونه متقدما عليه في الوجود طبعا. ولو ~~تعقب الشرط للجمل المتعاقبة، فقد اتفق الشافعي وأبو حنيفة على عوده إلى ~~جميعها خلافا لبعض النحاة في اعتقاده اختصاصه بالجملة التي تليه كانت ~~متقدمة أو متأخرة. # والكلام في الطرفين فعلى ما سبق في الاستثناء. # والمختار كالمختار، ولا يخفى وجهه. PageV02P311 # النوع الثالث تخصيص العام بالصفة وهي لا تخلو إما أن تكون مذكورة عقب ~~جملة واحدة أو جمل: # فإن كان الأول، كقوله أكرم بني تميم الطوال فإنه يقتضي اختصاص الاكرام ~~بالطوال منهم، ولولا ذلك لعم الطوال والقصار، فكانت الصفة مخرجة لبعض ما ~~كان داخلا تحت اللفظ لولا الصفة. # وإن كان الثاني كقوله أكرم بني تميم وبني ربيعة الطوال فالكلام في عود ~~الصفة إلى ما يليها، أو إلى الجميع، كالكلام في الاستثناء. PageV02P312 # النوع الرابع التخصيص بالغاية وصيغها إلى، وحتى، ولا بد وأن يكون حكم ما ~~بعدها مخالفا لما قبلها، وإلا كانت الغاية وسطا، وخرجت عن كونها غاية، ولزم ~~من ذلك إلغاء دلالة إلى، وحتى، وهي لا تخلو أيضا إما أن تكون مذكورة عقب ~~جملة واحدة أو جمل متعددة. # فإن كان الأول، فإما أن تكون الغاية واحدة، أو متعددة. # فإن كانت واحدة كقوله أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار فإن دخول ~~الدار يقتضي اختصاص الاكرام بما قبل الدخول، وإخراج ما بعد الدخول عن عموم ~~اللفظ. ولولا ذلك، لعم الاكرام حالة ما بعد الدخول. # وإن كانت متعددة فلا يخلو إما أن تكون على الجمع، أو على البدل: # فالأول كقوله أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار، ويأكلوا الطعام ~~فمقتضى ذلك استمرار الاكرام ms480 إلى تمام الغايتين، دون ما بعدهما. # والثاني كقوله أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار أو السوق فمقتضى ذلك ~~استمرار الاكرام إلى انتهاء إحدى الغايتين، أيهما كانت، دون ما بعدها. # وأما إن كانت الغاية مذكورة عقب جمل متعددة، فالكلام في اختصاصها بما ~~يليها. وفي عودها إلى جميع الجمل، كالكلام في الاستثناء، وسواء كانت الغاية ~~واحدة أو متعددة، على الجمع أو البدل. ولا تخفى أمثلتها، ووجه الكلام فيها، ~~وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في وقتها، كقوله إلى أن تطلع الشمس أو غير ~~معلومة الوقت، كقوله إلى دخول الدار. PageV02P313 # القسم الثاني في التخصيص بالأدلة المنفصلة وفيه أربع عشرة مسألة المسألة ~~الأولى مذهب الجمهور من العلماء جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي، خلافا ~~لطائفة شاذة من المتكلمين. # ودليل ذلك أن قوله تعالى * (الله خالق كل شئ) * (39) الزمر: 62) وقوله * ~~(وهو على كل شئ قدير) * (5) المائدة: 120) متناول بعموم لفظه لغة، كل شئ، ~~مع أن ذاته وصفاته أشياء حقيقة، وليس خالقا لها، ولا هي مقدورة له، ~~لاستحالة خلق القديم الواجب لذاته، واستحالة كونه مقدورا بضرورة العقل، فقد ~~خرجت ذاته وصفاته بدلالة ضرورة العقل عن عموم اللفظ، وذلك مما لا خلاف فيه ~~بين العقلاء، ولا نعني بالتخصيص سوى ذلك، فمن خالف في كون دليل العقل مخصصا ~~مع ذلك، فهو موافق على معنى التخصيص، ومخالف في التسمية. # وكذلك قوله تعالى * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * ~~(3) آل عمران: 97) فإن الصبي والمجنون من الناس حقيقة، وهما غير مرادين من ~~العموم، بدلالة نظر العقل على امتناع تكليف من لا يفهم ولا معنى للتخصيص ~~سوى ذلك. # فإن قيل نحن لا ننكر أن ذات الباري تعالى وصفاته وأن الصبي والمجنون مما ~~لم يرد باللفظ، وإنما ننكر كون دليل العقل مخصصا لثلاثة أوجه. PageV02P314 # الأول: أن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، وهو غير متصور فيما ~~ذكرتموه وبيانه، أن دلالات الألفاظ على المعاني ليست لذواتها، وإلا كانت ~~دالة عليها قبل المواضعة، وإنما دلالتها تابعة لمقصد المتكلم وإرادته، ونحن ~~نعلم بالضرورة أن ms481 المتكلم لا يريد بلفظه الدلالة على ما هو مخالف لصريح ~~العقل فلا يكون لفظه دالا عليه لغة، ومع عدم الدلالة اللغوية على الصورة ~~المخرجة، لا يكون تخصيصا. # الثاني: أن التخصيص بيان، والمخصص مبين. والبيان إنما يكون بعد سابقة ~~الاشكال، فيجب أن يكون البيان متأخرا عن المبين، ودليل العقل سابق فلا يكون ~~مبينا ولا مخصصا كالاستثناء المقدم. # الثالث: أن التخصيص بيان، فلا يجوز بالعقل، كالنسخ. ثم وإن سلمنا دلالة ~~اللفظ لغة على ما ذكرتموه، وجواز كون المخصص متقدا، ولكن ما المانع أن تكون ~~صحة الاحتجاج بالدليل العقلي مشروطة بعدم معارضة عموم الكتاب له، وبتقدير ~~الاشتراط بذلك لا يكون حجة في التمسك به، على الكتاب. وإن سلمنا صحة ~~التخصيص في الآيتين المذكورتين أولا، ولكن لا نسلم صحة تخصيص الصبي ~~والمجنون عن عموم آية الحج، فإن ما ذكرتموه مبني على امتناع خطابهما، وكيف ~~يمكن دعوى ذلك مع دخولهما تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم المتلفات. وإجماع ~~الفقهاء على صحة صلاة الصبي، واختلافهم في صحة إسلامه، ولولا إمكان دخوله ~~تحت الخطاب، لما كان كذلك. # والجواب عن الأول: قولهم، إن دلالات الألفاظ ليست لذواتها مسلم، وأنه لا ~~بد في دلالتها من قصد الواضع لها دالة على المعنى. # قولهم: العاقل لا يقصد بلفظة الدلالة على ما هو ممتنع بصريح العقل. # قلنا: ذلك ممتنع بالنظر إلى ما وضع اللفظ عليه لغة، أو بالنظر إلى إرادته ~~من اللفظ؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. وعند ذلك، فلا منافاة بين كون اللفظ ~~دالا على المعنى لغة، وبين كونه غير مراد من اللفظ. PageV02P315 # قولهم إن حق المخصص أن يكون متأخرا عما خصصه. قلنا: يجب أن يكون متأخرا ~~بالنظر إلى ذاته، أو بالنظر إلى صفته، وهو كونه مبينا ومخصصا؟ الأول ممنوع، ~~والثاني مسلم. وذلك لان دليل العقل، وإن كان متقدما في ذاته على الخطاب ~~المفروض، غير أنه لا يوصف قبل ذلك بكونه مخصصا لما يوجد، وإنما يصير مخصصا ~~ومبينا بعد وجود الخطاب. وأما الاستثناء فإنما لم يجز تقديمه، لان المتكلم ~~به لا يعد متكلما ms482 بكلام أهل اللغة، كما إذا قال إلا زيدا ثم قال بعد ذلك ~~قام القوم. وهذا بخلاف التخصيص، فإنه إذا قال * (الله خالق كل شئ) * (39) ~~الزمر: 62) وقام الدليل العقلي على أنه لم يرد بكلامه ذات الباري تعالى، ~~فإنه لا يخرج بذلك الكلام عن كونه متكلما بكلام العرب. # وأما امتناع النسخ بالعقل،، فإنما كان من جهة أن الناسخ معرف لبيان مدة ~~الحكم المقصودة في نظر الشارع، وذلك ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه بمجرد ~~قولهم: العقل، بخلاف معرفة استحالة كون ذات الرب تعالى مخلوقة مقدورة قولهم ~~ما المانع أن يكون التمسك بدليل العقل مشروطا بعدم معارضة الكتاب له. قلنا: ~~إذ وقع التعارض بينهما، وأحدهما مقتض للاثبات، والآخر للنفي، فلا سبيل إلى ~~الجمع بين موجبيهما، لما فيه من التناقض، ولا إلى نفيهما، لما فيه من وجود ~~واسطة بين النفي والاثبات، فلم يبق إلا العمل بأحدهما والعمل بعموم اللفظ ~~مما يبطل دلالة صريح العقل بالكلية، وهو محال، والعمل بدليل العقل لا يبطل ~~عموم الكتاب بالكلية، بل غايته إخراج بعض ما تناوله اللفظ من جهة اللغة، عن ~~كونه مرادا للمتكلم، وهو غير ممتنع، فكان العمل بدليل العقل متعينا. ~~PageV02P316 # قولهم إن الصبي والمجنون داخلان تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم المتلفات ~~ليس كذلك. فإنا إن نظرنا إلى تعلق الحق بمالهما، فهو ثابت بخطاب الوضع ~~والاخبار، وهو غير متعلق بالصبي والمجنون، وإن نظرنا إلى وجوب الأداء ~~الثابت بخطاب التكليف، فهو متعلق بفعل وليهما، لا بفعلهما. # وأما صحة صلاة الصبي واختلاف الناس في صحة إسلامه، فلا يدل ذلك على كونه ~~داخلا تحت خطاب التكليف بالصلاة والاسلام. # أما صحة الصلاة، فمعناها انعقادها سببا لثوابه، وسقوط الخطاب عنه بها إذا ~~صلى في أول الوقت، وبلغ في آخره، لا بمعنى أنه امتثل أمر الشارع، حتى يكون ~~داخلا تحت خطاب التكليف من الشارع، بل إن كان ولا بد، فهو داخل تحت خطاب ~~الولي لفهمه بخطابه، دون خطاب الشرع. وعلى هذا، يكون الجواب عن صحة إسلامه ~~عند من يقول بذلك، وبتقدير امتناع تخصيص الصبي ms483 بدليل العقل مع تسليم جواز ~~التخصيص به في الجملة، كما تقدم بيانه، فغير مضر ولا قادح، فإنه ليس ~~المقصود تحقيق ذلك في آحاد الصور. # وكما أن دليل العقل قد يكون مخصصا للعموم، فكذلك دليل الحس، وذلك كما في ~~قوله تعالى * (تدمر كل شئ) * (46) الأحقاف: 25) مع خروج السماوات والأرض عن ~~ذلك حسا، وكذلك قوله تعالى * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) * ~~(51) الذاريات: 42) وقد أتت على الأرض والجبال، ولم تجعلها رميما، بدلالة ~~الحس، فكان الحس هو الدال على أن ما خرج عن عموم اللفظ لم يكن مرادا ~~للمتكلم، فكان مخصصا. PageV02P317 # المسألة الثانية اتفق العلماء على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب، خلافا لبعض ~~الطوائف. # ودليله المنقول، والمعقول. # وأما المنقول فهو أن قوله * (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (65) ~~الطلاق: 4) ورد مخصصا لقوله تعالى * (والذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجا، ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) * (2) البقرة: 234) وقوله تعالى * ~~(والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) * (5) المائدة: 5) ورد مخصصا ~~لقوله تعالى * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * (2) البقرة: 221) والوقوع ~~دليل الجواز. # وأما المعقول فهو أنه إذا اجتمع نصان من الكتاب، أحدهما عام، والآخر خاص، ~~وتعذر الجمع بين حكميهما، فإما أن يعمل بالعام أو الخاص: فإن عمل بالعام ~~لزم منه إبطال الدليل الخاص مطلقا، ولو عمل بالخاص لا يلزم منه إبطال العام ~~مطلقا، لامكان العمل به فيما خرج عنه، كما سبق، فكان العمل بالخاص أولى، ~~ولأن الخاص أقوى في دلالته، وأغلب على الظن لبعده عن احتمال التخصيص، بخلاف ~~العام، فكان أولى بالعمل. # وعند ذلك، فإما أن يكون الدليل الخاص المعمول به ناسخا لحكم العام في ~~الصورة الخارجة عنه، أو مخصصا له. والتخصيص أولى من النسخ لثلاثة أوجه: # الأول: أن النسخ يستدعي ثبوت أصل الحكم في الصورة الخاصة ورفعه بعد ~~ثبوته، والتخصيص ليس فيه سوى دلالته على عدم إرادة المتكلم للصور المفروضة ~~بلفظ العام، فكان ما يتوقف عليه النسخ أكثر مما يتوقف عليه التخصيص، فكان ~~التخصيص أولى. # الثاني: أن النسخ رفع بعد الاثبات، والتخصيص منع من الاثبات، ms484 والدفع أسهل ~~من الرفع. # الثالث: أن وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ، فكان الحمل على التخصيص ~~أولى، إدراجا له تحت الأغلب، وسواء جهل التاريخ أو علم، وسواء كان الخاص ~~متقدما أو متأخرا. PageV02P318 # فإن قيل: لو كان الكتاب مبينا للكتاب، لخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~عن كونه مبينا للكتاب، وهو خلاف قوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * ~~(16) النحل: 44) وهو ممتنع. # قلنا: إضافة البيان إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ليس فيه ما يمنع من ~~كونه مبينا للكتاب بالكتاب، إذ الكل وارد على لسانه، فذكره الآية المخصصة ~~يكون بيانا منه، ويجب حمل وصفه بكونه مبينا على أن البيان وارد على لسانه، ~~كان الوارد على لسانه الكتاب أو السنة، لما فيه من موافقة عموم قوله تعالى ~~* (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) فإن مقتضاه أن ~~يكون الكتاب مبينا لكل ما هو من الكتاب، لكونه شيئا، غير أنا خالفناه في ~~البعض، فيجب بالبعض الآخر تقليلا لمخالفة الدليل العام. # فإن قيل: ما ذكرتموه، وإن صح فيما إذا كان الخاص متأخرا، ولا يصح فيما ~~اما جهل التاريخ، وذلك لأنه يحتمل أن يكون الخاص مقدما، فيكون العام بعده ~~ناسخا له، ويحتمل أن يكون العام متقدما، فيكون الخاص مخصصا له، ولم يترجح ~~أحدهما على الآخر، فوجب التعارض والتساقط، والرجوع إلى دليل آخر، كما ذهب ~~إليه أبو حنيفة والقاضي أبو بكر والامام أبو المعالي. # وإن سلمنا كون الخاص مخصصا، مع الجهل بالتاريخ، فلا يصح فيما إذا كان ~~العام متأخرا عن الخاص، فإنه يتعين أن يكون ناسخا لمدلول الخاص، لا أن يكون ~~الخاص مخصصا للعام، على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة. # وبيانه من أربعة أوجه: # الأول: أنه إذا قال اقتلوا المشركين فهو جار مجرى قوله اقتلوا زيدا ~~المشرك، وعمرا المشرك وخالدا وهلم جرا. فإذا الخاص كقوله اقتلوا زيدا ~~المشرك إذا ورد العام بعده بنفي القتل عن الجميع، فهو ناص على زيد، ولو قال ~~اقتلوا زيدا لا تقتلوا زيدا كان نسخا. # الثاني: أن الخاص ms485 المتقدم يمكن نسخه والعام الوارد بعده مما يمكن أن يكون ~~ناسخا، فكان ناسخا. PageV02P319 # الثالث: هو أن الخاص المتقدم متردد بين كونه منسوخا، ومخصصا لما بعده، ~~وذلك مما يمنع من كونه مخصصا، لان البيان لا يكون ملتبسا. # الرابع: قول ابن عباس كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث والعام المتأخر أحدث، ~~فوجب الاخذ به. # قلنا: أما الجواب عن التعارض عند الجهل بالتاريخ، فيما ذكرناه من الأدلة ~~السابقة على الترجيح. # وأما الجواب عن حجج أصحاب أبي حنيفة أما عن الأول فيمتنع كون العام في ~~تناوله لما تحته من الأشخاص جار مجرى الألفاظ الخاصة، إذ الألفاظ الخاصة ~~بكل واحد واحد، غير قابلة للتخصيص، بخلاف اللفظ العام. # وعن الثاني أنه لا يلزم من إمكان نسخه للخاص الوقوع، ولو لزم من الامكان ~~الوقوع، للزم أن يكون الخاص مخصصا للعام لامكان كونه مخصصا له، ويلزم من ~~ذلك أن يكون الخاص منسوخا، ومخصصا لناسخه وهو محال. # وعن الثالث أنهم إن أرادوا بتردد الخاص بين كونه منسوخا ومخصصا، أن ~~احتمال التخصيص مساو لاحتمال النسخ، فهو ممنوع لما تقدم. وإن أرادوا بذلك ~~تطرق الاحتمالين إليه في الجملة، فذلك لا يمنع من كونه مخصصا. ولو منع ذلك ~~من كونه مخصصا، لمنع تطرق احتمال كون العام مخصصا بالخاص إليه، من كونه ~~ناسخا. # وعن الرابع أنه قول واحد من الصحابة، فيجب حمله على ما إذا كان الا حدث ~~هو الخاص، جمعا بين الأدلة. PageV02P320 # المسألة الثالثة تخصيص السنة بالسنة جائز عند الأكثرين، ودليله المعقول، ~~والمنقول. # أما المعقول، فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب وأما المنقول فهو أن ~~قوله، صلى الله عليه وسلم، لا زكاة فيما دون خمسة أوسق ورد مخصصا لعموم ~~قوله، صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر فإنه عام في النصاب وما ~~دونه، وقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) مما لا ~~يمنع من كونه مبينا لما ورد على لسانه من السنة، بسنة أخرى، كما ذكرناه في ~~تخصيص الكتاب بالكتاب. # المسألة الرابعة يجوز تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن عندنا، وعند أكثر ~~الفقهاء ms486 والمتكلمين. ومنهم من منع من ذلك ودليله العقل، والعقل. # أما النقل فقوله تعالى * (وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16) ~~النحل: 89) وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الأشياء، فكانت داخلة ~~تحت العموم، إلا أنه قد خص في البعض، فيلزم العمل به في الباقي. # وأما المعقول، فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب. # فإن قيل: الآية معارضة بقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) ~~النحل: 44) ووجه الاحتجاج به أنه جعل النبي، صلى الله عليه وسلم، مبينا ~~للكتاب المنزل، وذلك إنما يكون بسنته. فلو كان الكتاب مبينا للسنة، لكان ~~المبين بالسنة مبينا لها، وهو ممتنع. # وأيضا فإن المبين أصل، والبيان تبع له، ومقصود من أجله، فلو كان القرآن ~~مبينا للسنة، لكانت السنة أصلا، والقرآن تبعا، وهو محال. # وجواب الآية أنه لا يلزم من وصف النبي، صلى الله عليه وسلم، بكونه مبينا ~~لما أنزل امتناع كونه مبينا للسنة بما يرد على لسانه من القرآن، إذ السنة ~~أيضا منزلة على ما قال تعالى * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * ~~(53) النجم: 3) غير أن الوحي، منه ما يتلى فيسمى كتابا، ومنه ما لا يتلى ~~فيسمى سنة، وبيان أحد المنزلين بالآخر غير ممتنع. PageV02P321 # وما ذكروه من المعنى فغير صحيح، فإن القرآن لا بد وأن يكون مبينا لشئ ~~ضرورة قوله تعالى * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وأي شئ قدر كون ~~القرآن مبينا له، فليس القرآن تبعا له، ولا ذلك الشئ متبوعا. # وأيضا، فإن الدليل القطعي قد يبين به مراد الدليل الظني، وليس منحطا عن ~~رتبة الظني. # المسألة الخامسة يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة. # أما إذا كانت السنة متواترة، فلم أعرف فيه خلافا، ويدل على جواز ذلك ما ~~مر من الدليل العقلي. # وأما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد، فمذهب الأئمة الأربعة جوازه. # ومن الناس من منع ذلك مطلقا، ومنهم من فصل، وهؤلاء اختلفوا: # فذهب عيسى بن أبان إلى أنه إن كان قد خص بدليل مقطوع به، جاز تخصيصه بخبر ~~الواحد، وإلا فلا. # وذهب الكرخي إلى أنه ms487 إن كان قد خص بدليل منفصل لا متصل جاز تخصيصه بخبر ~~الواحد، وإلا فلا. # وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف. # والمختار مذهب الأئمة، ودليله العقل، والنقل. # أما النقل فهو أن الصحابة خصوا قوله تعالى * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * ~~(4) النساء: 24) بما رواه أبو هريرة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم من قوله ~~لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها وخصوا قوله تعالى * (يوصيكم الله في ~~أولادكم) * (4) النساء: 11) الآية، بقوله صلى الله عليه وسلم لا يرث ~~القاتل، ولا يرث الكافر من المسلم، ولا المسلم من الكافر PageV02P322 # وبما رواه أبو بكر من قوله، صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء لا ~~نورث ما تركناه صدقة وخصوا قوله تعالى * (فإن كن نساء فوق اثنتين، فلهن ~~ثلثا ما ترك) * (4) النساء: 11) بما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه ~~جعل للجدة السدس، وخصوا قوله تعالى * (وأحل الله البيع) * (2) البقرة: 275) ~~بما روي عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين، وخصوا ~~قوله تعالى: * (والسارق والسارقة) * (5) المائدة: 38) وأخرجوا منه ما دون ~~النصاب بقوله صلى الله عليه وسلم لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا، وخصوا ~~قوله تعالى * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) بإخراج المجوس منه بما ~~روي عنه، عليه السلام، أنه قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلى غير ذلك من ~~الصور المتعددة، ولم يوجد لما فعلوه نكير، فكان ذلك إجماعا. والوقوع دليل ~~الجواز وزيادة. # وأما المعقول فما ذكرناه فيما تقدم في تخصيص الكتاب بالكتاب. # فإن قيل: ما ذكرتموه من التخصيص في الصور المذكورة لا نسلم أن تخصيصها ~~كان بخبر الواحد، ويدل عليه قوله، صلى الله عليه وسلم إذا روي عني حديث، ~~فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فاقبلوه، وما خالفه فردوه والخبر فيما ~~نحن فيه مخالف للكتاب، فكان مردودا. PageV02P323 # قولهم إن الصحابة أجمعوا على ذلك، إن لم يصح، فليس بحجة، وإن صح فالتخصيص ~~بإجماعهم عليه، لا بخبر الواحد. كيف وأنه لا إجماع على ذلك، PageV02P324 # ويدل عليه ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كذب ms488 فاطمة بنت قيس فيما روته عن ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، لما كان ذلك ~~مخصصا لعموم قوله تعالى * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * (65) الطلاق: ~~6) وقال كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة. # وإن سلمنا الاجماع على أن التخصيص كان بخبر الواحد، لكن ليس في ذلك ما ~~يدل على أن قول الواحد بمجرده مخصص، بل ربما قامت الحجة عندهم على صدقه، ~~وصحة قوله بقرائن وأدلة اقترنت بقوله، فلا يكون مجرد إخباره حجة. # وأما ما ذكرتموه من المعقول، فنقول: خبر الواحد، وإن كان نصا في مدلوله، ~~نظرا إلى متنه، غير أن سنده مظنون محتمل للكذب، بخلاف القرآن المتواتر، ~~فإنه قطعي السند، وقطعي في دلالته على كل واحد من الآحاد الداخلة فيه لما ~~بيناه في المسألة المتقدمة، ولا يكون خبر الواحد واقعا في معارضته، كما في ~~النسخ. # وإن سلمنا أن العموم ظني الدلالة بالنسبة إلى آحاده، لكن متى، إذا خص ~~بدليل مقطوع، على ما قاله عيسى بن إبان، أو بدليل منفصل، على ما قاله ~~الكرخي، أو قبل التخصيص؟ الأول مسلم، لكونه صار مجازا ظنيا، والثاني ممنوع، ~~لبقائه على حقيقته، وعند ذلك، فيمتنع التخصيص بخبر الواحد مطلقا لترجيح ~~العام عليه قبل التخصيص، بكونه قاطعا في متنه وسنده. PageV02P325 # وإن سلمنا أن دلالة العام بالنظر إلى متنه ظنية مطلقا، غير أنه قطعي ~~السند، والخبر وإن كان قاطعا في متنه، فظني في سنده، فقد تقابلا وتعارضا، ~~ووجب التوقف على دليل خارج لعدم أولوية أحدهما، كما قال القاضي أبو بكر. # والجواب: قد بينا أن الصحابة أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد، ~~حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير، فكان إجماعا. # وما ذكروه من الخبر، فإنما يمنع من تخصيص عموم القرآن بالخبر، أن لو كان ~~الخبر المخصص مخالفا للقرآن، وهو غير مسلم بل هو مبين للمراد منه، فكان ~~مقررا لا مخالفا، ويجب اعتقاد ذلك، حتى لا يفضي إلى تخصيص ما ذكروه من ~~الخبر، بالخبر المتواتر من السنة، فإنه مخصص ms489 للقرآن من غير خلاف. # قولهم إن صح إجماع الصحابة، فالتخصيص بإجماعهم، لا بالخبر، ليس كذلك، فإن ~~إجماعهم لم يكن على تخصيص تلك العمومات مطلقا، بل على تخصيصها بأخبار ~~الآحاد، ومهما كان التخصيص بأخبار الآحاد مجمعا عليه، فهو المطلوب. # وأما ما ذكروه من تكذيب عمر لفاطمة بنت قيس فلم يكن ذلك لان خبر الواحد ~~في تخصيص العموم مردود عنده، بل لتردده في صدقها، ولهذا قال كيف نترك كتاب ~~ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ولو كان خبر الواحد في ~~ذلك مردودا مطلقا، لما احتاج إلى هذا التعليل. # قولهم: لم يكن إجماعهم على ذلك لمجرد خبر الواحد. # قلنا: ونحن لا نقول بأن مجرد خبر الواحد يكون مقبولا، بل إنما يقبل إذا ~~كان مغلبا على الظن صدقه، ومع ذلك فالأصل عدم اعتبار ما سواه في القول. # قولهم إن سند الخبر ظني، مسلم، ولكن، لا نسلم أن دلالة العموم على الآحاد ~~الداخلة فيه، قطعية، لاحتماله للتخصيص بالنسبة إلى أي واحد منها قدر، وسواء ~~كان قد خص، أو لم يكن، على ما سبق بيانه. PageV02P326 # وأما النسخ، فلا نسلم امتناعه بخبر الواحد، وبتقدير التسليم فلان النسخ ~~رفع الحكم بعد إثباته، بخلاف التخصيص، لأنه بيان لا رفع، فلا يلزم مع ذلك ~~من امتناع النسخ به، امتناع التخصيص. # وما ذكروه من السؤال الأخير في جهة التعارض، فجوابه أن احتمال الضعف في ~~خبر الواحد من جهة كذبه، وفي العام من جهة جواز تخصيصه، ولا يخفى أن احتمال ~~الكذب في حق من ظهرت عدالته أبعد من احتمال التخصيص العام. # ولهذا، كانت أكثر العمومات مخصصة، وليس أكثر أخبار العدول كاذبة، فكان ~~العمل بالخبر أولى، ولأنه لو عمل بعموم العام، لزم إبطال العمل بالخبر ~~مطلقا، ولو عمل بالخبر لم يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقا، لامكان العمل ~~به فيما سوى صورة التخصيص، والجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من تعطيل ~~أحدهما، ولأن العمل بالعام إبطال للخاص، والعمل بالخاص بيان للعام، لا ~~إبطال له. # ولا يخفى أن البيان ms490 أولى من الابطال. # المسألة السادسة لا أعرف خلافا في تخصيص القرآن والسنة بالاجماع. ودليله ~~المنقول، والمعقول: # أما المنقول: فهو أن إجماع الأمة خصص آية القذف بتنصيف الجلد في حق ~~العبد، كالأمة. # وأما المعقول: فهو أن الاجماع دليل قاطع، والعام غير قاطع في آحاد ~~مسمياته، كما سبق تعريفه. فإذا رأينا أهل الاجماع قاضين بما يخالف العموم ~~في بعض الصور، علمنا أنهم ما قضوا به إلا وقد اطلعوا على دليل مخصص له، ~~نفيا للخطأ عنهم. وعلى هذا، فمعنى إطلاقنا أن الاجماع مخصص للنص أنه معرف ~~للدليل المخصص، لا أنه في نفسه هو المخصص. # وبالنظر إلى هذا المعنى أيضا، نقول: إنا إذا رأينا عمل الصحابة وأهل ~~الاجماع بما يخالف النص الخاص، لا يكون ذلك إلا لاطلاعهم على ناسخ للنص، ~~فيكون الاجماع معرفا للناسخ، لا أنه ناسخ. # وإنما قلنا إن الاجماع نفسه لا يكون ناسخا لان النسخ لا يكون بغير خطاب ~~الشارع، والاجماع ليس خطابا للشرع، وإن كان دليلا على الخطاب الناسخ. ~~PageV02P327 # المسألة السابعة لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم. والمفهوم، أنه يجوز ~~تخصيص العموم بالمفهوم، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة، أو من قبيل ~~مفهوم المخالفة، حتى إنه لو قال السيد لعبده كل من دخل داري فاضربه ثم قال ~~إن دخل زيد داري، فلا تقل له: أف فإن ذلك يدل على تحريم ضرب زيد وإخراجه عن ~~العموم، نظرا إلى مفهوم الموافقة، وما سيق له الكلام من كف الأذى عن زيد، ~~وسواء قيل إن تحريم الضرب مستفاد من دلالة اللفظ، أو من القياس الجلي على ~~اختلاف المذاهب في ذلك، كما يأتي. # وكذا، لو ورد نص عام يدل على وجوب الزكاة في الانعام كلها، ثم ورد قوله، ~~صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة زكاة فإنه يكون مخصصا للعموم بإخراج ~~معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهومه. # وإنما كان كذلك، لان كل واحد من المفهومين دليل شرعي، وهو خاص في مورده، ~~فوجب أن يكون مخصصا للعموم، لترجح دلالة الخاص على دلالة العام، كما سبق ~~تقريره. # فإن ms491 قيل: المفهوم، وإن كان خاصا وأقوى في الدلالة من العموم، إلا أن ~~العام منطوق به، والمنطوق أقوى في دلالته من المفهوم، لافتقار المفهوم في ~~دلالته إلى المنطوق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم قلنا: إلا ~~أن العمل بالمفهوم لا يلزم منه إبطال العمل بالعموم مطلقا، ولا كذلك ~~بالعكس. ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من العمل بظاهر ~~أحدهما، وإبطال أصل الآخر. PageV02P328 # المسألة الثامنة في تخصيص العموم بفعل الرسول، صلى الله عليه وسلم. # وقد اختلف القائلون بكون فعل الرسول حجة على غيره هل يجوز تخصيصه للعموم ~~أم لا؟ # فأثبته الأكثرون، كالشافعية، والحنفية والحنابلة، ونفاه الأقلون، ~~كالكرخي. # وتحقيق الحق من ذلك يتوقف على التفصيل، وهو أن نقول: العام الوارد، إما ~~أن يكون عاما للأمة والرسول، كما لو قال، صلى الله عليه وسلم الوصال، أو ~~استقبال القبلة في قضاء الحاجة، أو كشف الفخذ، حرام على كل مسلم. # وإما أن يكون عاما للأمة دون الرسول، كما لو قال صلى الله عليه وسلم: ~~نهيتكم عن الوصال، أو استقبال القبلة في قضاء الحاجة، أو كشف الفخذ، فإن ~~كان الأول فإذا رأيناه قد واصل أو استقبل القبلة في قضاء الحاجة أو كشف ~~فخذه، فلا خلاف في أن فعله يدل على إباحة ذلك الفعل في حقه، ويكون مخرجا له ~~عن العموم ومخصصا. # وأما بالنسبة إلى غيره، فإما أن نقول بأن اتباعه في فعله والتأسي به واجب ~~على كل من سواه، أو لا نقول ذلك. # فإن قيل بالأول، فيلزم منه رفع حكم العموم مطلقا في حقه بفعله، وفي حق ~~غيره بوجوب التأسي به، فلا يكون ذلك تخصيصا، بل نسخا لحكم العموم مطلقا، ~~بالنسبة إليه وإلى غيره. # وإن قيل بالثاني، كان ذلك تخصيصا له عن العموم، دون أمته. # وأما إن كان عاما للأمة دون الرسول، ففعله لا يكون مخصصا لنفسه عن ~~العموم، لعدم دخوله فيه. وأما بالنسبة إلى الأمة، فإن قيل أيضا بوجوب اتباع ~~الأمة له في فعله، كان ذلك أيضا نسخا عنهم لا تخصيصا، ms492 كما سبق. وإن لم يكن ~~ذلك واجبا عليهم، فلا يكون فعله مخصصا للعموم أصلا، لا بالنسبة إليه، لعدم ~~دخوله في العموم، ولا بالنسبة إلى الأمة. وعلى هذا التفصيل، فلا أرى للخلاف ~~على هذا التخصيص بفعل النبي وجها: PageV02P329 # أما إذا كان هو المخصص عن العموم وحده، فلعدم الخلاف فيه، وأما في باقي ~~الأقسام، فلعدم تحقق التخصيص. بل إن وقع الخلاف في باقي الأقسام، هل فعله ~~يكون ناسخا لحكم العموم فيها، فخارج عن الخوض في باب التخصيص، والأظهر في ~~ذلك إنما هو الوقف، من جهة أن دليل وجوب التأسي، واتباع النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، إنما هو بدليل عام للأمة، وهو مساو للعموم الآخر في عمومه، وليس ~~العمل بأحدهما، وإبطال الآخر، أولى من العكس. # فإن قيل: بل العمل بالفعل أولى، لأنه خاص، والخاص مقدم على العام، قلنا: ~~الفعل لم يكن دليلا على لزوم الحكم في حق باقي الأمة بنفسه، بل لأدلة عامة ~~موجبة على الأمة لزوم الاتباع. PageV02P330 # فإن قيل: إلا أن الفعل الخاص مع العمومات الموجبة للتأسي أخص من اللفظ ~~العام مطلقا، ولأنه متأخر عن العام، والمتأخر أولى بالعمل. # قلنا: أما الفعل، فلا نسلم أن له دلالة على وجوب تأسي الأمة بالنبي بوجه ~~من الوجوه، بل الموجب شئ آخر، وهو مساو للعام الآخر في عمومه، وسواء كان ~~الفعل خاصا أو عاما. وذلك الموجب للتأسي غير متأخر عن العام، بل محتمل ~~للتقدم والتأخر من غير ترجيح، حتى إنه لو علم التاريخ وجب العمل بالمتأخر ~~منهما. # كيف وإن القول بوجوب التأسي متوقف على وجود الفعل، وعلى الدليل الدال على ~~التأسي، ولا كذلك العام الآخر، وما يتوقف العمل به على أمرين يكون أبعد مما ~~لا يتوقف العمل به إلا على شئ واحد. # المسألة التاسعة تقرير النبي، صلى الله عليه وسلم، لما يفعله الواحد من ~~أمته بين يديه مخالفا للعموم، وعدم إنكاره عليه، مع علمه به، وعدم الغفلة ~~والذهول عنه، مخصص لذلك العام عند الأكثرين، خلافا لطائفة شاذة. # ودليل ذلك أن تقريره له عليه، دليل على ms493 جواز ذلك الفعل له، وإلا كان فعله ~~منكرا، ولو كان كذلك، لاستحال من النبي صلى الله عليه وسلم، السكوت عنه ~~وعدم PageV02P331 # النكير عليه. وإذا كان التقرير دليل الجواز، وإن أمكن نسخ ذلك الحكم ~~مطلقا أو نسخه عن ذلك الواحد بعينه، لكنه بعيد، واحتمال تخصيصه من العموم ~~أولى وأقرب، لما قررناه فيما تقدم. وعند ذلك، فإن أمكن تعقل معنى أوجب جواز ~~مخالفة ذلك الواحد للعموم، فكل من كان مشاركا له في ذلك المعنى، فهو مشارك ~~له في تخصيصه عن ذلك العام بالقياس عليه، عند من يرى جواز تخصيص العام ~~بالقياس على محل التخصيص. وأما إن لم يظهر المعنى الجامع، فلا. # فإن قيل: التقرير لا صيغة له، فلا يقع في مقابلة ما له صيغة، فلا يكون ~~مخصصا للعموم، وبتقدير أن يكون مخصصا فلا بد وأن يكون غير ذلك الواحد ~~مشاركا له في حكمه، وإلا فلو لم يكن غير ذلك الواحد مشاركا له في حكمه، ~~لصرح النبي، صلى الله عليه وسلم، بتخصيصه بذلك الحكم، دون غيره، دفعا ~~لمحذور التلبيس على الأمة، باعتقادهم المشاركة لذلك الواحد في حكمه، لقوله، ~~صلى الله عليه وسلم حكمي على الواحد حكمي على الجماعة. # قلنا: وإن كان التقرير لا صيغة له، غير أنه حجة قاطعة في جواز الفعل، ~~نفيا للخطأ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بخلاف العام، فإنه ظني محتمل ~~للتخصيص، فكان موجبا لتخصيصه. # وما ذكروه من وجوب المشاركة فبعيد. وذلك، لان حكم ذلك الواحد لا يخلو: # إما أن يكون له أو عليه. فإن كان له، فقوله: حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة لا يكون مرتبطا به، وإن كان عليه، فقوله حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة إنما يكون حجة موهمة لمشاركة الجماعة لذلك الواحد، إن لو كان قوله: ~~(حكمي) عاما في كل حكم، وهو غير مسلم. # وإذا لم يكن ذلك حجة عامة، فلا تدليس ولا تلبيس. وبتقدير مشاركة الأمة ~~لذلك الواحد في ذلك الحكم، يكون نسخا، ولا يكون تخصيصا، كما ظن بعضهم. ~~PageV02P332 # المسألة العاشرة مذهب الشافعي في ms494 القول الجديد، ومذهب أكثر الفقهاء ~~والأصوليين، أن مذهب الصحابي إذا كان على خلاف ظاهر العموم، وسواء كان هو ~~الراوي، أو لم يكن، لا يكون مخصصا للعموم، خلافا لأصحاب أبي حنيفة ~~والحنابلة وعيسى ابن أبان وجماعة من الفقهاء. # ودليله أن ظاهر العموم حجة شرعية يجب العمل بها باتفاق القائلين بالعموم. # ومذهب الصحابي ليس بحجة على ما سنبينه، فلا يجوز ترك العموم به. # فإن قيل: إذا خالف مذهب الصحابي العموم، فلا يخلو، إما أن يكون ذلك ~~لدليل، أو لا لدليل، لا جائز أن يكون لا لدليل وإلا وجب تفسيقه، والحكم ~~بخروجه عن العدالة، وهو خلاف الاجماع. # وإن كان ذلك لدليل، وجب تخصيص العموم به، جمعا بين الدليلين، إذ هو أولى ~~من تعطيل أحدهما، كما علم غير مرة. # قلنا: مخالفة الصحابي للعموم إنما كانت لدليل عن له في نظره، وسواء كان ~~في نفس الامر مخطئا فيه، أو مصيبا. فلذلك لم نقض بتفسيقه، لكونه مأخوذا ~~باتباع اجتهاده وما أوجبه ظنه ومع ذلك، فلا يكون ما عن له في نظره حجة ~~متبعة بالنسبة إلى غيره، بدليل جواز مخالفة صحابي آخر له من غير تفسيق، ولا ~~تبديع. # وإذا لم يكن ما صار إليه حجة واجبة الاتباع بالنسبة إلى الغير، فلا يكون ~~مخصصا لظاهر العموم المتفق على صحة الاحتجاج به مطلقا. PageV02P333 # المسألة الحادية عشرة إذا كان من عادة المخاطبين تناول طعام خاص، فورد ~~خطاب عام بتحريم الطعام، كقوله حرمت عليكم الطعام فقد اتفق الجمهور من ~~العلماء على إجراء اللفظ على عمومه في تحريم كل طعام، على وجه يدخل فيه ~~المعتاد وغيره، وأن العادة لا تكون منزلة للعموم على تحريم المعتاد دون ~~غيره، خلافا لأبي حنيفة، وذلك لان الحجة إنما هي في اللفظ الوارد، وهو ~~مستغرق لكل مطعوم بلفظه، ولا ارتباط له بالعوائد، وهو حاكم على العوائد، ~~فلا تكون العوائد حاكمة عليه. # فإن قيل: إذا منعتم من تجويز تخصيص العموم بالعادة وتنزيل لفظ الطعام على ~~ما هو المعتاد المتعارف عند المخاطبين، فما الفرق بينه وبين تخصيص اللفظ ~~ببعض ms495 مسمياته في اللغة، بالعادة، وذلك كتخصيص اسم الدابة بذوات الأربع، وإن ~~كان لفظ الدابة عاما في كل ما يدب، وكتخصيص اسم الثمن في البيع بالنقد ~~الغالب في البلد، حتى إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة والثمن غير ذوات ~~الأربع والنقد الغالب في البلد. # قلنا: الفرق بين الامرين أن العادة في محل النزاع إنما هي مطردة في ~~اعتياد أكل ذلك الطعام المخصوص، لا في تخصيص اسم الطعام بذلك الطعام الخاص، ~~فلا يكون ذلك قاضيا على ما اقتضاه عموم لفظ الطعام مع بقائه على الوضع ~~الأصلي، وهذا بخلاف لفظ الدابة، فإنه صار بعرف الاستعمال ظاهرا في ذوات ~~الأربع وضعا، حتى إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة غير ذوات الأربع، فكان ~~قاضيا على الاستعمال الأصلي، حتى إنه لو كانت العادة في الطعام المعتاد ~~أكله قد خصصت بعرف الاستعمال اسم الطعام بذلك الطعام، لكان لفظ الطعام ~~منزلا عليه دون غيره ضرورة تنزيل مخاطبة الشارع للعرب، على ما هو المفهوم ~~لهم من لغتهم، وفيه دقة مع وضوحه. PageV02P334 # المسألة الثانية عشرة اتفق الجمهور على أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص يدل ~~على بعض ما يدل عليه العام، لا يكون الخاص مخصصا للعام بجنس مدلول الخاص ~~ومخرجا عنه ما سواه، خلافا لأبي ثور من أصحاب الشافعي. وذلك كقوله صلى الله ~~عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر فإنه عام في كل إهاب، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم في شاة ميمونة دباغها طهورها وإنما لم يكن مخصصا له، لأنه لا تنافي ~~بين العمل بالخاص وإجراء العام على عمومه، ومع إمكان إجراء كل واحد على ~~ظاهره لا حاجة إلى العمل بأحدهما ومخالفة الآخر. # فإن قيل: فقد اخترتم أن المفهوم يكون مخصصا للعموم عند القائل به، وتخصيص ~~جلد الشاة بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما سوى الشاة من جلود باقي ~~الحيوانات، فكان مخصصا للعموم الوارد بتطهيرها. # قلنا: أما من نفى كون المفهوم حجة، وأبطل دلالته كما يأتي تحقيقه، فلا ~~أثر لالزامه به هاهنا. # ومن قال بالمفهوم ms496 المخصص للعموم إنما قال به في مفهوم الموافقة ومفهوم ~~الصفة المشتقة، كما سبق في المسألة المتقدمة، لا في مفهوم اللقب، وتخصيص ~~جلد الشاة بالذكر لا يدل على نفي الطهارة بالدباغ عن باقي جلود الحيوانات، ~~كالإبل والبقرة وغيرها، إلا بطريق مفهوم اللقب، وليس بحجة، على ما يأتي ~~تحقيقه. # ولهذا، فإنه لو قال: عيسى رسول الله، فإنه لا يدل على أن محمدا ليس برسول ~~الله. # وكذلك إذا قال الحادث موجود لا يدل على أن القديم ليس بموجود، وإلا كان ~~ذلك كفرا. PageV02P335 # المسألة الثالثة عشرة اللفظ العام إذا عقب بما فيه ضمير عائد إلى بعض ~~العام المتقدم لا إلى كله. هل يكون خصوص المتأخر مخصصا للعام المتقدم بما ~~الضمير عائد إليه أو لا؟ اختلفوا فيه: # فذهب بعض أصحابنا وبعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار وغيره إلى امتناع ~~التخصيص بذلك، ومنهم من جوزه، ومنهم من توقف، كإمام الحرمين وأبي الحسين ~~البصري. # وذلك كما في قوله تعالى * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * (2) ~~البقرة: 228) فإنه عام في كل الحرائر المطلقات بوائن كن أو رجعيات. ثم قال: ~~* (وبعولتهن أحق بردهن) * (2) البقرة: 228) فإن الضمير فيه إنما يرجع إلى ~~الرجعيات دون البوائن، وعلى هذا النحو. # والمختار بقاء اللفظ الأول على عمومه، وامتناع تخصيصه بما تعقبه. وذلك، ~~لان مقتضى اللفظ إجراؤه على ظاهره من العموم، ومقتضى اللفظ الثاني عود ~~الضمير إلى جميع ما دل عليه اللفظ المتقدم، إذ لا أولوية لاختصاص بعض ~~المذكور السابق به دون البعض، فإذا قام الدليل على تخصيص الضمير ببعض ~~المذكور السابق وخولف ظاهره، لم يلزم منه مخالفة الظاهر الأخير، بل يجب ~~إجراؤه على ظاهره، إلى أن يقوم الدليل على تخصيصه. # فإن قيل إنما يلزم مخالفة ظاهر ما اقتضاه الضمير، من العود إلى كل ~~المذكور السابق، إذا أجرينا اللفظ السابق على عمومه، وليس القول بإجرائه ~~على عمومه، ومخالفة ظاهر الضمير، أولى من إجراء ظاهر الضمير على مقتضاه، ~~وتخصيص المذكور السابق، وإذا لم يترجح أحدهما وجب الوقف. # قلنا: بل إجراء اللفظ المتقدم على عمومه، وتخصيص المتأخر أولى من ms497 العكس، ~~لان دلالة الأول ظاهرة، ودلالة الثاني غير ظاهرة، ولا يخفى أن دلالة ~~المظهر، أقوى من دلالة المضمر، فكان راجحا. PageV02P336 # المسألة الرابعة عشرة القائلون بكون العموم والقياس حجة، اختلفوا في جواز ~~تخصيص العموم بالقياس: # فذهب الأئمة الأربعة والأشعري وجماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي الحسين ~~البصري إلى جوازه مطلقا، وذهب الجبائي وجماعة من المعتزلة إلى تقديم العام ~~على القياس، وذهب ابن سريج وغيره من أصحاب الشافعي إلى جواز التخصيص بجلي ~~القياس دون خفيه، وذهب عيسى بن أبان والكرخي إلى جواز التخصيص بالقياس ~~للعام المخصص دون غيره، غير أن الكرخي اشترط أن يكون العام مخصصا بدليل ~~منفصل، وأطلق عيسى بن أبان، ومنهم من جوز التخصيص بالقياس، إذا كان أصل ~~القياس من الصور التي خصت عن العموم دون غيره، وذهب القاضي أبو بكر وإمام ~~الحرمين إلى الوقف. # والمختار أنه إذا كانت العلة الجامعة في القياس ثابتة بالتأثير، أي بنص ~~أو إجماع، جاز تخصيص العموم به، وإلا فلا. # أما إذا كانت العلة مؤثرة، فلأنها نازلة منزلة النص الخاص، فكانت مخصصة ~~للعموم، كتخصيصه بالنص، كما سبق تعريفه وأما إذا كانت العلة مستنبطة غير ~~مؤثرة، فإنما قلنا بامتناع التخصيص بها للاجمال والتفصيل: # أما الاجمال: فهو أن العام في محل التخصيص: إما أن يكون راجحا على القياس ~~المخالف له، أو مرجوحا أو مساويا: # فإن كان راجحا، امتنع تخصيصه بالمرجوح وإن كان مساويا، فليس العمل ~~بأحدهما أولى من الآخر. وإنما يمكن التخصيص بتقدير أن يكون القياس في محل ~~المعارضة راجحا. ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال ~~واحد بعينه. PageV02P337 # وأما التفصيل: فهو أن العموم ظاهر في كل صورة من آحاد الصور الداخلة ~~تحته، وجهة ضعفه غير خارجة عن احتمال تخصيصه أو كذب الراوي، إن كان العام ~~من أخبار الآحاد. # وأما احتمالات ضعف القياس فكثيرة جدا، وذلك، لأنه، وإن كان متناولا، لمحل ~~المعارضة بخصوصه، إلا أنه يحتمل أن يكون دليل حكم الأصل من أخبار الآحاد ~~التي يتطرق إليها الكذب. # وبتقدير أن يكون طريق إثباته ms498 قطعيا، فيحتمل أن يكون المستنبط القياس ليس ~~أهلا له. # وبتقدير أن يكون أهلا، فيحتمل أن لا يكون الحكم في نفس الامر معللا بعلة ~~ظاهرة. # وبتقدير أن يكون معللا بعلة ظاهرة، فلعلها غير ما ظنه القائس علة، ولم ~~يظهر عليها، أو أنه أخطأ في طريق إثبات العلة، فأثبتها بما لا يصلح ~~للاثبات. # وبتقدير أن تكون موجودة فيه، يحتمل أن يكون قد وجد في الفرع مانع السبب ~~أو مانع الحكم، أو فات شرط السبب فيه أو شرط الحكم، فكان العموم لذلك ~~راجحا. # كيف وأن العموم من جنس النصوص، والنص غير مفتقر في العمل به في جنسه إلى ~~القياس، والقياس متوقف في العمل به على النص، لأنه إن ثبت كونه حجة بالنص ~~فظاهر، وإن كان بالاجماع، فالاجماع متوقف على النص، فكان القياس متوقفا على ~~النص، فكان جنس النص لذلك راجحا. # ولذلك وقع القياس مؤخرا في حديث معاذ في العمل به عن العمل بالكتاب ~~والسنة حيث قال له النبي، صلى الله عليه وسلم، حين بعثه إلى اليمن قاضيا بم ~~تحكم؟ قال: # بكتاب الله قال: فإن لم تجد؟ - قال: بسنة رسول الله - قال: فإن لم تجد؟ - ~~قال: أجتهد رأيي - فقال، صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسول ~~الله لما يحبه الله ورسوله. # ومقتضى ذلك أن لا تتقدم السنة على الكتاب غير أنا خالفناه في تقديم خاص ~~السنة على عام الكتاب، فوجب العمل به فيما عداه. PageV02P338 # وهذه الاحتمالات كلها إن لم توجب الترجيح، فلا أقل من المساواة. # وعلى كلا التقديرين، فيمتنع تخصيص العام بالقياس. # فإن قيل: القول بالوقف خلاف الاجماع قبل وجود الواقفية، إذ الأمة مجمعة ~~على تقديم أحدهما، وإن اختلفوا في التعيين، ولأن القول بالوقف مما يفضي إلى ~~تعطيل الدليلين عن العمل بهما، والمحذور فيه فوق المحذور في العمل بأحدهما، ~~فالعمل بالقياس أولى، لأنا لو عملنا بالعموم لزم منه إبطال العمل بالقياس ~~مطلقا. ولو عملنا بالقياس، لم يلزم منه إبطال العموم مطلقا، لامكان العمل ~~به فيما عدا صورة التخصيص. # ولا يخفى أن ms499 الجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من العمل بأحدهما ~~وتعطيل الآخر. # قلنا: نحن لا نقول بالوقف لما بيناه من ترجيح العمل بالعموم على العمل ~~بالقياس. وبتقدير القول بالوقف، لا نسلم إجماعهم على إبطال الوقف، إلا أن ~~يوجد منهم التصريح بذلك، وهو غير مسلم. ولهذا فإن كل واحد من المجتهدين لا ~~يقطع بإبطال مذهب مخالفه، مع مصيره إلى نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه ~~فلان لا يكون قاطعا بإبطاله عند توقفه في نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه، ~~أولى. # قولهم إن العمل بالقياس غير مبطل للعمل بالعموم، قلنا في محل المعارضة أو ~~في غيرها؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. والنزاع إنما وقع في الترجيح في محل ~~المعارضة دون غيره. # وبالجملة، فلا يمتنع على المجتهد في هذه المسألة الحكم بالوقف أو ~~الترجيح، على حسب ما يظهر في نظره في آحاد الوقائع من القرائن والترجيحات ~~الموجبة التفاوت أو التساوي من غير تخطئة إذ الأدلة فيها نفيا وإثباتا، ~~ظنية، غير قطعية، فكانت ملحقة بالمسائل الاجتهادية دون القطعية، خلافا ~~للقاضي أبي بكر. PageV02P339 # ويجب أن نختم الكلام في أدلة التخصيص بالفرق بين التخصيص والاستثناء. # أما على رأي من يزعم أن الاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة،، كما ~~سبق، فلا خفاء بأن الاستثناء لا يكون تخصيصا بل هو مباين له. # وأما من يرى أن الاستثناء تخصيص، فهو نوع من التخصيص عنده، فكل استثناء ~~تخصيص، وليس كل تخصيص استثناء، وذلك لان الاستثناء لا بد وأن يكون متصلا ~~بالمستثنى منه، على ما تقدم تقريره، وأنه لا يثبت بقرائن الأحوال، بخلاف ~~غيره من أنواع التخصيص. وعلى هذا، يكون الحكم في التخصيص بذكر الشرط ~~والغاية أيضا. # تم الجزء الثاني بتاريخ 20 / 1 / 1389 ه‍ من كتاب الأحكام للآمدي ويليه ~~الجزء الثالث وأوله الصنف السادس في المطلق والمقيد نرجو من الله المعونة ~~والسداد PageV02P340 # تنبيه هام الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن اهتدى بهداه ~~وبعد: فنحب تنبيه القارئ الكريم لما يلي: # أولا: - كل منا يعلم أن جودة الطبع وحسن ms500 التنسيق وتحقيق الأصول والدقة في ~~التصحيح مما يساعد القارئ على الفهم بسرعة دون عناء وزيادة تفكير وهذا ما ~~قصدناه في طبعنا لهذا الكتاب الذي تتلقفه الأيدي من طبقات القراء من الطلاب ~~والشيوخ والمحامين وغيرهم من رواد العلم. # ثانيا: - أنت تعلم أن ما ذكرناه يتوقف على احضار الأصول وقد حاولنا فيسر ~~الله لنا مخطوطة تاريخها بعد فراغ المؤلف منه بسنة. وكنا نود أن نطلعك على ~~صور منها لكن لم يكن فيه سهولة علينا ولعل الله ان ييسر ذلك. # هذه المخطوطة تحصلنا فيها على بغيتنا. ووجودها بمنزلة الغيث من السماء ~~على الأرض العطشى. # ذلك اننا قابلنا عليها النسخ المطبوعة فوجدنا في جميع الطبقات سقطا ~~وتحريفا فوق ما تتصوره. وكنا نظن أن طبعة دار الكتب خيرة الطبعات وخالية من ~~السقط والتحريف، فتبين ان فيها كغيرها أو أقل، فجعلنا اعتمادنا على ~~المخطوطة، ورأينا ان نثبت الأصل الصحيح مما اختلفت في النسخ كما رأينا ~~اثبات السقط في طبعتنا دون تنبيه عليه تحصيلا للقصد واختصارا في العمل، ~~ولأن الذي صادفنا من السقط والتحريف شئ كثير. والتنبيه عليه يكون مشغلا ~~للقارئ وصارفا له عن تفهم هدفه من المعاني. PageV02P341 # ثالثا: - وجدنا هذه الطبعة بالتعليقات القيمة التي قام بها شيخنا (عبد ~~الرزاق العفيفي) من مناقشة للمؤلف في بعض آرائه. ومن تخريج لبعض الأحاديث ~~التي أوردها. والابيات الشعرية التي استشهد بها، ومن تصحيح للمعاني التي ~~استعصت على المؤلف أو التوت عبارته فيها. ومن تصحيح لما لم تف النسخ كلها ~~بصحته. وغير ذلك مما ستقف عليه. # وقديما قيل: (اعط القوس باريها). # ونحن بحسب استطاعتنا حاولنا الدقة في التصحيح وحسن التنسيق والتحقيق، الا ~~اننا وان لم نصل إلى كمال رغبتك نرجو ان نصل إليها انشاء الله بتشجيعك ~~وتوجيهك. # فما وجدت من حسن فباركه. وما وجدت بخلافه فأغمض عينيك واعتقد انه فوت لم ~~نتمكن من ادراكه. والصفح الجميل من شيم الكرام مثلك، وجل من لا عيب فيه. # بهذه المحاولة: نقدم لك هذا المورد العذب المصفى دون ان يخطر على بالك ~~مكدر من خوف ms501 سقط أو غيره. # ولما ذكرنا فاعتبر طبعتنا هي المرجع لهذا الكتاب لما فيها من الميزات ~~الحسنة في الحس والمعنى. # وليس أمامنا الا ان نشكر الله على تيسيره وفضله ومنه وعونه. # ثم نشكر لكل الاخوان الذين ساندونا في مهمتنا التي قصدناها في الرياض ~~والمدينة وغيرها. # وخاصة شيخنا (عبد الرزاق العفيفي) فله شكرنا على جهده وتحامله على نفسه ~~في ظروفه المتعبة، وحيا الله كل عامل مخلص لدينه وأمته والله المستعان، ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل. # الناشر علي الحمد الصالحي PageV02P342 # الاحكام في أصول الاحكام تأليف الامام العلامة على بن محمد الآمدي علق ~~عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الثالث المكتب الاسلامي ~~PageV03P001 # طبع باذن فضيلة الشيخ المحقق الطبعة الا. لي 1387 ه‍ الرياض PageV03P002 # بسم الله الرحمن الرحيم الصنف السادس في المطلق والمقيد أما المطلق: ~~فعبارة عن النكرة في سياق الاثبات فقولنا: (نكرة) احتراز عن أسماء المعارف ~~وما مدلوله واحد معين أو عام مستغرق وقولنا: (في سياق الاثبات) احتراز عن ~~النكرة في سياق النفي، فإنها تعم جميع ما هو من جنسها، وتخرج بذلك عن ~~التنكير لدلالة اللفظ على الاستغراق وذلك كقولك في معرض الامر أعتق رقبة أو ~~مصدر الامر كقوله * (فتحرير رقبة) * (4) النساء: 92) أو الاخبار عن ~~المستقبل كقوله (سأعتق رقبة) ولا يتصور الاطلاق في معرض الخبر المتعلق ~~بالماضي، كقوله رأيت رجلا ضرورة تعينه من إسناد الرؤية إليه (2) . وإن شئت ~~قلت هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه (3) . فقولنا: (لفظ) كالجنس ~~للمطلق وغيره وقولنا: (دال) احتراز عن الألفاظ المهملة وقولنا: (على مدلول) ~~ليعم الوجود والعدم # PageV03P003 # وقولنا: (شائع في جنسه) احتراز عن أسماء الاعلام، وما مدلوله معين أو ~~مستغرق. # وأما المقيد فإنه يطلق باعتبارين. # الأول: ما كان من الألفاظ الدالة على مدلول معين، كزيد وعمرو وهذا الرجل ~~ونحوه الثاني: ما كان من الألفاظ دالا على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة ~~عليه كقولك دينار مصري، ودرهم مكي وهذا النوع من المقيد، وإن كان مطلقا في ~~جنسه من حيث هو دينار مصري ودرهم مكي، غير أنه مقيد بالنسبة ms502 إلى مطلق ~~الدينار والدرهم، فهو مطلق من وجه، ومقيد من وجه وإذا عرف معنى المطلق ~~والمقيد، فكل ما ذكرناه في مخصصات العموم من المتفق عليه، والمختلف فيه، ~~والمزيف، والمختار، فهو بعينه جار في تقييد المطلق، فعليك باعتباره ونقله ~~إلى ههنا. # ونزيد مسألة أخرى، وهي أنه إذا ورد مطلق ومقيد، فلا يخلو. # إما أن يختلف حكمهما، أو لا يختلف: فإن اختلف حكمهما. فلا خلاف في امتناع ~~حمل أحدهما على الآخر، وسواء كانا مأمورين أو منهيين، أو أحدهما مأمورا ~~والآخر منهيا، وسواء اتحد سببهما أو اختلف، لعدم المنافاة في الجمع بينهما ~~إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا قال مثلا في كفار ة الظهار أعتقوا رقبة ثم ~~قال لا تعتقوا رقبة كافرة فإنه لا خلاف في مثل هذه الصورة أن المقيد يوجب ~~تقييد الرقبة المطلقة بالرقبة المسلمة. وعليك باعتبار أمثلة هذه الأقسام، ~~فإنها سهلة وأما إن لم يختلف حكمهما، فلا يخلو إما أن يتحد سببهما، أو لا ~~يتحد: فإن اتحد سببهما، فإما أن يكون اللفظ دالا على إثباتهما أو نفيهما، ~~فإن كان الأول كما لو قال في الظهار أعتقوا رقبة ثم قال أعتقوا رقبة مسلمة ~~فلا نعرف خلافا في حمل المطلق على المقيد ههنا، وإنما كان كذلك، لان من عمل ~~بالمقيد فقد وفى بالعمل بدلالة المطلق، ومن عمل بالمطلق لم يف بالعمل ~~بدلالة المقيد، فكان الجمع هو الواجب والأولى. PageV03P004 # فإن قيل بطريقه الشبهة إذا كان حكم المطلق إمكان الخروج عن عهدته بما شاء ~~المكلف من ذلك الجنس، فالعمل بالمقيد مما ينافي مقتضى المطلق، وليس مخالفة ~~المطلق، وإجراء المقيد على ظاهره أولى من تأويل المقيد بحمله على الندب ~~وإجراء المطلق على إطلاقه قلنا: بل التقييد أولى من التأويل لثلاثة أوجه ~~الأول: أنه يلزم منه الخروج عن العهدة بيقين، ولا كذلك في التأويل الثاني: ~~أن المطلق إذا حمل على المقيد، فالعمل به فيه لا يخرج عن كونه موفيا للعمل ~~باللفظ المطلق في حقيقته، ولهذا لو أداه قبل ورود التقييد، كان قد عمل ~~باللفظ في ms503 حقيقته، ولا كذلك في تأويل المقيد وصرفه عن جهة حقيقته إلى مجازه ~~الثالث: أن الخروج عن العهدة بفعل أي واحد كان من الآحاد الداخلة تحت اللفظ ~~المطلق لم يكن اللفظ دالا عليه بوضعه لغة، بخلاف ما دل عليه المقيد من صفة ~~التقييد. ولا يخفى أن المحذور في صرف اللفظ عما دل عليه اللفظ لغة أعظم من ~~صرفه عما لم يدل عليه بلفظه لغة وأما إن كان دالا على نفيهما أو نهى عنهما، ~~كما لو قال مثلا في كفارة الظهار لا تعتق مكاتبا كافرا فهذا أيضا مما لا ~~خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما في النفي، إذ لا تعذر فيه وأما إن ~~كان سببهما مختلفا، كقوله تعالى في كفارة الظهار * (والذين يظاهرون من ~~نسائهم، ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة) * (4) النساء: 92) وقوله تعالى ~~في القتل الخطأ * (ومن قتل مؤمنا خطأ، فتحرير رقبة مؤمنة) * فهذا مما اختلف ~~فيه فنقل عن الشافعي، (رضي الله عنه) تنزيل المطلق على المقيد في هذه ~~الصورة لكن اختلف الأصحاب في تأويله فمنهم من حمله على التقييد مطلقا من ~~غير حاجة إلى دليل آخر ومنهم من حمله على ما إذا وجد بينهما علة جامعة ~~مقتضية للالحاق وهو الأظهر من مذهبه وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم منعوا من ~~ذلك مطلقا PageV03P005 # ولنذكر حجة كل فريق، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار أما حجة من قال ~~بالتقييد من غير دليل، فهي أن كلام الله تعالى متحد في ذاته لا تعدد فيه، ~~فإذا نص على اشتراط الايمان في كفارة القتل، كان ذلك تنصيصا على اشتراطه في ~~كفارة الظهار، ولهذا حمل قوله تعالى: * (والذاكرات) * (33) الأحزاب: 35) ~~على قوله في أول الآية: * (والذاكرين الله كثيرا) * (33) الأحزاب: 35) من ~~غير دليل خارج . وهذا مما لا اتجاه له، فإن كلام الله تعالى إما أن يراد به ~~المعنى القائم بالنفس، أو العبارات الدالة عليه. والأول وإن كان واحدا لا ~~تعدد فيه، غير أن تعلقه بالمتعلقات مختلف باختلاف المتعلق ولا يلزم من ~~تعلقه بأحد المختلفين بالاطلاق والتقييد، أو العموم ms504 والخصوص، أو غير ذلك، ~~أن يكون متعلقا بالآخر، وإلا كان أمره ونهيه ببعض المختلفات أمرا ونهيا ~~بباقي المختلفات، وهو محال متناقض، بل وكان يلزم من تعلقه بالصوم المقيد في ~~الحج بالتفريق، حيث قال تعالى: * (فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا ~~رجعتم) * (2) البقرة: (196) وبالتتابع في الظهار حيث قال * (فصيام شهرين ~~متتابعين) * (4) النساء (92) أن يتقيد الصوم المطلق في اليمين، إما ~~بالتتابع أو التفريق، وهو محال أو بأحدهما دون الآخر، ولا أولوية كيف وإنه ~~يلزم من تقييده بأحدهما دون الآخر، إبطال ما ذكروه من أن التنصيص على أحد ~~المختلفين يكون تنصيصا على الآخر وإن أريد به العبارة الدالة، فهي متعددة ~~غير متحدة، ولا يلزم من دلالة بعضها على بعض الأشياء المختلفة، دلالته على ~~غيره، وإلا لزم من ذلك المحال الذي قدمنا لزومه في الكلام النفساني (1) ~~وأما ما ذكروه من حمل الذاكرات على الذاكرين الله كثيرا فلا نسلم أن ذلك من ~~غير دليل ودليله أن قوله تعالى * (والذاكرات) * (33) الأحزاب: 35) معطوف ~~على قوله: * (والذاكرين الله كثيرا) * (33) الأحزاب: 35) # PageV03P006 # ولا استقلال له بنفسه، فوجب رده إلى ما هو معطوف عليه ومشارك له في حكمه ~~وأما حجة أصحاب أبي حنيفة، فإنهم قالوا: إذا امتنع التقييد من غير دليل لما ~~سبق، فلا بد من دليل، ولا نص من كتاب أو سنة يدل على ذلك، والقياس يلزم منه ~~رفع ما اقتضاه المطلق من الخروج عن العهدة بأي شئ كان، مما هو داخل تحت ~~اللفظ المطلق، كما سبق تقريره، فيكون نسخا، ونسخ النص لا يكون بالقياس ~~ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من القياس نسخ النص المطلق، بل تقييده ~~ببعض مسمياته، وذلك لا يزيد على تخصيص العام بالقياس عندكم، فكذلك التقييد ~~كيف وإن لفظ (الرقبة) مطلق بالنسبة إلى السليمة والمعيبة، وقد كان مقتضى ~~ذلك أيضا الخروج عن العهدة بالمعيبة، وقد شرطتم صفة السلامة، ولم يدل عليه ~~نص من كتاب أو سنة وإن كان بالقياس، فإما أن يكون نسخا، أو لا يكون نسخا: ~~فإن كان الأول فقد بطل قولكم إن ms505 النسخ لا يكون بالقياس، وإن لم يكن نسخا، ~~فقد بطل قولكم إن رفع حكم المطلق بالقياس يكون نسخا وأما حجة من قال ~~بالتقييد، بناء على القياس، فالوجه في ضعفه ما سبق في تخصيص العام بالقياس، ~~فعليك بنقله إلى ههنا والمختار أنه إن كان الوصف الجامع بين المطلق والمقيد ~~مؤثرا أي ثابتا بنص أو إجماع، وجب القضاء بالتقييد، بناء عليه، وإن كان ~~مستنبطا من الحكم المقيد، فلا، كما ذكرناه في تخصيص العموم PageV03P007 # الصنف السابع في المجمل ويشتمل على مقدمة ومسائل أما المقدمة: ففي معنى ~~المجمل. وهو في اللغة مأخوذ من الجمع ومنه يقال أجمل الحساب إذا جمعه ورفع ~~تفاصيله وقيل هو المحصل، ومنه يقال جملت الشئ إذا حصلته هكذا ذكره صاحب ~~المجمل في اللغة وأما في اصطلاح الأصوليين، فقال بعض أصحابنا: هو اللفظ ~~الذي لا يفهم منه عند الاطلاق شئ، وهو فاسد، فإنه ليس يمانع ولا جامع أما ~~أنه ليس بمانع: فلانه يدخل فيه اللفظ المهمل، فإنه لا يفهم منه شئ عند ~~إطلاقه، وليس بمجمل، لان الاجمال والبيان من صفات الألفاظ الدالة، والمهمل ~~لا دلالة له، ويدخل فيه قولنا مستحيل، فإنه ليس بمجمل مع أنه لا يفهم منه ~~شئ عند إطلاقه، لان مدلوله ليس بشئ بالاتفاق وأما أنه ليس بجامع: فلان ~~اللفظ المجمل المتردد بين محامل، قد يفهم منه شئ وهو انحصار المراد منه في ~~بعضها، وإن لم يكن معينا. وكذلك ما هو مجمل من وجه، ومبين من وجه، كقوله ~~تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (6) الانعام: 141) فإنه مجمل وإن كان ~~يفهم منه شئ فإن قيل: المراد منه أنه الذي لا يفهم منه شئ عند إطلاقه من ~~جهة ما هو مجمل ففيه تعريف المجمل بالمجمل، وتعريف الشئ بنفسه ممتنع كيف ~~وإن الاجمال كما أنه قد يكون في دلالة الألفاظ، فقد يكون في دلالة الافعال، ~~وذلك كما لو قام النبي (ص)، من الركعة الثانية، ولم يجلس جلسة التشهد ~~الوسط، فإنه متردد بين السهو الذي لا دلالة له على جواز ترك الجلسة، وبين ~~التعمد ms506 الدال على جواز تركها. وإذا كان الاجمال قد يعم الأقوال والافعال، ~~PageV03P008 # فتقييد حد المجمل باللفظ يخرجه عن كونه جامعا، وبهذا يبطل ما ذكره ~~الغزالي في حد المجمل من أنه اللفظ الصالح لاحد معنيين الذي لا يتعين معناه ~~لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال وذكر أبو الحسين البصري فيه حدين آخرين ~~الأول: أنه (الذي لا يمكن معرفة المراد منه) ويبطل بالألفاظ المهملة، ~~وباللفظ الذي هو حقيقة في شئ، فإنه إذا أريد به جهة مجازه، فإنه لا يفهم ~~المراد منه وليس بمجمل الثاني قال (هو ما أفاد شيئا من جملة أشياء هو متعين ~~في نفسه، واللفظ لا بعينه)، قال وهذا بخلاف قولك (اضرب رجلا) فإن مدلوله ~~واحد غير معين في نفسه، وأي رجل ضربته جاز، ولا كذلك لفظ القرء فإن مدلوله ~~واحد متعين في نفسه من الطهر أو الحيض، وفيه إشعار بتقييد الحد باللفظ حيث ~~قال (واللفظ لا بعينه) فلا يكون جامعا بخروج الاجمال في دلالة الفعل عنه، ~~كما حققناه، وإنما يصح التقييد باللفظ، لو أريد تحديد المجمل اللفظي خاصة. # والحق في ذلك أن يقال: (المجمل هو ماله دلالة على أحد أمرين لا مزية ~~لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه) فقولنا: (ما له دلالة) ليعم الأقوال ~~والافعال وغير ذلك من الأدلة المجملة وقولنا: (على أحد أمرين) احتراز عما ~~لا دلالة له إلا على معنى واحد. # وقولنا: (لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه) احتراز عن اللفظ الذي ~~هو ظاهر في معنى وبعيد في غيره، كاللفظ الذي هو حقيقة في شئ ومجاز في شئ ~~على ما عرف فيما تقدم. # وقد يكون ذلك في لفظ مفرد مشترك عند القائلين بامتناع تعميمه، وذلك إما ~~بين مختلفين، كالعين، للذهب والشمس، والمختار للفاعل والمفعول، أو ضدين ~~كالقرء، للطهر والحيض (1). # PageV03P009 # وقد يكون في لفظ مركب، كقوله تعالى: * (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) * ~~(2) البقرة: 237) فإن هذه مترددة بين الزوج والولي وقد يكون ذلك بسبب ~~التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه كقولك: كل ما علمه الفقيه فهو كما علمه ms507 ~~فإن الضمير في (هو) متردد بين العود إلى الفقيه وإلى معلوم الفقيه، والمعنى ~~يكون مختلفا، حتى أنه إذا قيل بعوده إلى الفقيه كان معناه في الفقيه ~~كمعلومه، وإن عاد إلى معلومه، كان معناه: فمعلومه على الوجه الذي علم. # وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين جمع الاجزاء وجمع الصفات، كقولك ~~(الخمسة زوج وفرد) والمعنى مختلف، حتى أنه إن أريد به جمع الاجزاء، كان ~~صادقا، وإن أريد به جمع الصفات، كان كاذبا. # وقد يكون ذلك بسبب الوقف والابتداء، كما في قوله تعالى: * (وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (3) آل عمران: 7) فالواو في قوله ~~(والراسخون) مترددة بين العطف والابتداء، والمعنى يكون مختلفا (1) . وقد ~~يكون ذلك بسبب تردد الصفة (2) وذلك كما لو كان زيد طبيبا غير ماهر # PageV03P010 # في الطب وهو ماهر في غيره، فقلت (زيد طبيب ماهر) فإن قولك (ماهر) متردد ~~بين أن يراد به كونه ماهرا في الطب فيكون كاذبا، وبين أن يراد به غيره، ~~فيكون صادقا. # وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين مجازاته المتعددة عند تعذر حمله على ~~حقيقته، وقد يكون بسببه تخصيص العموم بصور مجهولة، كما لو قال اقتلوا ~~المشركين ثم قال بعد ذلك بعضهم غير مراد لي من لفظي (1) فإن قوله (اقتلوا ~~المشركين) بعد ذلك يكون مجملا غير معلوم، أو بصفة مجهولة كقوله تعالى * ~~(وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين) * (4) النساء: 24) فإن ~~تقييد الحل بالاحصان ، مع الجهل بما هو الاحصان، يوجب الاجمال فيما أحل (2) ~~أو باستثناء مجهول كقوله: * (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) ~~(3) * (5) المائدة: 1) فإنه مهما كان المستثنى مجملا، فالمستثنى منه كذلك، ~~وكذلك الكلام في تقييد المطلق وقد يكون ذلك بسبب إخراج اللفظ في عرف الشرع ~~عما وضع له في اللغة عند القائلين بذلك، قبل بيانه لنا، كقوله: * (أقيموا ~~الصلاة، وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) * (ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) فإنه يكون مجملا لعدم إشعار اللفظ ~~بما هو المراد منه بعينه من الافعال المخصوصة، لأنه (4) مجمل ms508 بالنسبة إلى ~~الوجوب # PageV03P011 # هذا كله في الأقوال وقد يكون ذلك في الافعال، كما ذكرناه أولا وتمام كشف ~~الغطاء عن ذلك بمسائل، وهي ثمان المسألة الأولى الذي صار إليه أصحابنا ~~وجماعة من المعتزلة، كالقاضي عبد الجبار والجبائي وأبي هاشم وأبي الحسين ~~البصري، أن التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان كقوله تعالى: * (حرمت ~~عليكم أمهاتكم) * (4) النساء: 23) * (وحرمت عليكم الميتة) * (المائدة: 3) ~~لا إجمال فيه، خلافا للكرخي وأبي عبد الله البصري. # احتج القائلون بالاجمال بأن التحليل والتحريم إنما يتعلق بالافعال ~~المقدورة، والأعيان التي أضيف إليها التحليل والتحريم غير مقدورة لنا، فلا ~~تكون هي متعلق التحليل والتحريم، فلا بد من إضمار فعل يكون هو متعلق ذلك، ~~حذرا من إهمال الخطاب بالكلية، ويجب أن يكون ذلك بقدر ما تندفع به الضرورة ~~تقليلا للاضمار المخالف للأصل. وعلى هذا، فيمتنع إضمار كل ما يمكن تعلقه ~~بالعين، من الافعال وليس إضمار البعض أولى من البعض، لعدم دلالة الدليل على ~~تعيينه، ولأنه لو دل على تعيين بعض الأفعال، لكان ذلك متعينا من تعلق ~~التحريم بأي عين كانت، وهو محال قال النافون: وإن سلمنا امتناع تعلق ~~التحليل والتحريم بنفس العين، ولكن متى يحتاج إلى الاضمار، إذا كان اللفظ ~~ظاهرا بعرف الاستعمال في الفعل المقصود من تلك العين، أو إذا لم يكن؟ الأول ~~ممنوع، والثاني مسلم. # وبيانه: أن كل من اطلع على عرف أهل اللغة، ومارس ألفاظ العرب لا يتبادر ~~إلى فهمه عند قول القائل لغيره (حرمت عليك الطعام والشراب، وحرمت عليك ~~النساء (سوى تحريم الأكل والشرب من الطعام والشراب، وتحريم وطئ النساء. # والأصل في كل ما يتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة، إما بالوضع الأصلي، أو ~~بعرف الاستعمال، والاجمال منتف بكل واحد منهما ولهذا، كان الاجمال منتفيا ~~عند قول القائل (رأيت دابة) لما كان المتبادر إلى الفهم ذوات الأربع بعرف ~~الاستعمال، وإن كان على خلاف الوضع الأصلي. وعلى هذا، فقد خرج الجواب عما ~~ذكروه من الوجه الثاني أيضا. PageV03P012 # سلمنا أنه لا بد من الاضمار، ولكن ما المانع من إضمار جميع التصرفات ~~المتعلقة ms509 بالعين، المضاف إليها التحليل والتحريم. # قولهم: إن زيادة الاضمار على خلاف الأصل. # . قلنا: فإضمار البعض إما أن يفضي إلى الاجمال، أو لا يفضي إليه، فإن كان ~~الثاني، فقد بطل مذهبكم، وإن كان يفضي إلى الاجمال، فلا بد من إضمار الكل، ~~حذرا من تعطيل دلالة اللفظ. # فلئن قالوا: إضمار البعض، وإن أفضى إلى الاجمال، فليس في ذلك ما يفضي إلى ~~تعطيل دلالة اللفظ مطلقا، لامكان معرفة تعيين مدلوله بدليل آخر وأما محذور ~~إضمار كل التصرفات فلازم مطلقا. ولا يخفى أن التزام المحذور الدائم أعظم من ~~التزام المحذور الذي لا يدوم. # قلنا: بل التزام محذور إضمار جميع الأفعال أولى من التزام محذور الاجمال ~~في اللفظ لثلاثة أوجه. # الأول: أن الاضمار في اللغة أكثر استعمالا من استعمال الألفاظ المجملة، ~~ولولا أن المحذور في الاضمار أقل، لما كان استعماله أكثر. # الثاني: أنه انعقد الاجماع على وجود الاضمار في اللغة والقرآن واختلف في ~~وجود الاجمال فيهما، وذلك يدل على أن محذور الاضمار أقل. # الثالث: أنه قال (ص): لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها ~~وباعوها (وكانوا أثمانها) (1) وذلك يدل على إضمار جميع التصرفات المتعلقة ~~بالشحوم وإلا، لما لحقهم اللعن ببيعها. ولو كان الاجمال أولى من إضمار ~~الكل، لكان ذلك على خلاف الأولى. # PageV03P013 # المسألة الثانية ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم) ~~* (5) المائدة: 6) مجمل لأنه يحتمل مسح جميع الرأس، ويحتمل مسح بعضه، وليس ~~أحدهما أولى من الآخر، فكان مجملا قالوا: وما روي عنه (ص)، أنه مسح ~~بناصيته، فهو بيان لمجمل الآية واتفق النافون على نفي الاجمال، لكن منهم من ~~قال إنه بحكم وضع اللغة ظاهر في مسح جميع الرأس، وهو مذهب مالك والقاضي عبد ~~الجبار وابن جني مصيرا منهم إلى أن (الباء) في اللغة أصل في الالصاق، كما ~~سبق تعريفه، وقد دخلت على المسح وقرنته بالرأس، واسم الرأس حقيقة في كله لا ~~بعضه، ولهذا، لا يقال لبعض الرأس رأس، فكان ذلك مقتضيا لمسح جميعه لغة، ~~وهذا، وإن كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع ms510 اللغة، غير أن عرف استعمال أهل ~~اللغة الطارئ على الوضع الأصلي حاكم عليه، والعرف من أهل اللغة في اطراد ~~الاعتبار جار باقتضاء إلصاق المسح بالرأس فقط، مع قطع النظر عن الكل ~~والبعض، ولهذا، فإنه إذا قال القائل لغيره امسح يدك بالمنديل لا يفهم منه ~~أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل، بل إن شاء بكله، ~~وإن شاء ببعضه. ولهذا، فإنه يخرج عن العهدة بكل واحد منهما. # وكذلك إذا قال: مسحت يدي بالمنديل فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله وببعضه، ~~غير فاهمين لزوم وقوع المسح بالكل أو البعض، بل بالقدر المشترك بين الكل ~~والبعض، وهو مطلق مسح (1) ويجب أن يكون كذلك، نفيا للتجوز والاشتراك في ~~العرف. وهذا هو مذهب الشافعي، رضي الله عنه، واختيار القاضي عبد الجبار ~~وأبي الحسين البصري. # وعلى كل تقدير، فلا وجه للقول بالاجمال، لا بالنظر إلى الوضع اللغوي ~~الأصلي، ولا بالنظر إلى عرف الاستعمال. # PageV03P014 # المسألة الثالثة مذهب الجمهور أنه لا إجمال في قوله (ص): رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان (1) وقال أبو الحسين البصري وأبو عبد الله البصري وغيرهما ~~إنه مجمل، مصيرا منهم إلى أن اللفظ بوضعه لغة يقتضي رفع الخطأ والنسيان في ~~نفسه، وهو محال مع فرض وقوعه فيجل منصب النبي عن نفيه. # وعند ذلك، فإما أن يضمر نفي جميع أحكامه أو بعضها، لا سبيل إلى الأول، ~~لان الاضمار على خلاف الأصل، وإنما يصار إليه لدفع الضرورة اللازمة من ~~تعطيل العمل باللفظ، فيجب الاقتصار فيه على أقل ما تندفع به الضرورة، وهو ~~بعض الأحكام. # كيف وأنه يمتنع إضمار نفي جميع الأحكام، لان من جملتها لزوم الضمان وقضاء ~~العبادة، وهو غير منفي بالاجماع. ثم ذلك الحكم المضمر لا يمكن القول بتعينه ~~لعدم دلالة اللفظ عليه، فلم يبق إلا أن يكون غير معين، ويلزم منه الاجمال. # قال النافون للاجمال: وإن تعذر حمل اللفظ على رفع عين الخطأ والنسيان، ~~فإنما يلزم الاضمار إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللغة في ~~نفي المؤاخذة والعقاب قبل ms511 ورود الشرع، وليس كذلك. ولهذا فإن كل من عرف عرف ~~أهل اللغة لا يتشكك ولا يتردد عند سماعه قول السيد لعبده رفعت عنك الخطأ ~~والنسيان في أن مراده من ذلك رفع المؤاخذة والعقاب. # والأصل أن كل ما يتبادر إلى الفهم من اللفظ أن يكون حقيقة فيه، إما ~~بالوضع الأصلي، أو العرف الاستعمالي. وذلك لا إجمال فيه ولا تردد. # PageV03P015 # فإن قيل: لو كان عرف الاستعمال كما ذكرتموه لارتفع عنه الضمان لكونه من ~~جملة المؤاخذات والعقوبات. قلنا: عنه جوابان الأول: أنا نسلم أن الضمان، من ~~حيث هو ضمان، عقوبة ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون، وليسا أهلا للعقوبة، ~~وكذلك يجب على المضطر في المخمصة إذا أكل مال غيره، مع أن الاكل واجب عليه ~~حفظا لنفسه، والواجب لا عقوبة على فعله، وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى ~~صف الكفار فأصاب مسلما، مع أنه مأمور بالرمي، وهو مثاب عليه. # الثاني: وإن سلمنا أنه عقاب، لكن غايته لزوم تخصيص عموم اللفظ الدال على ~~نفي كل عقاب، وذلك أسهل من القول بالاجمال. # المسألة الرابعة اختلفوا في قوله (ص): لا صلاة إلا بطهور، (1) ولا صلاة ~~إلا بفاتحة الكتاب، (2) ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (3)، ولا ~~نكاح إلا بولي وشاهدي عدل (4) ونحوه. # PageV03P016 # فمذهب الكل أنه لا إجمال فيه، خلافا للقاضي أبي بكر وأبي عبد الله ~~البصري، فإنهما قالا بإجماله، لان حرف النفي دخل على هذه المسميات مع ~~تحققها، فلا بد من إضمار حكم يلحق، وتمام تقريره كما مر في المسألة ~~المتقدمة. # والمختار: أنه لا إجمال في هذه الصور، لأنه لا يخلو إما أن يقال بأن ~~الشارع له في هذه الأسماء عرف، أو لا عرف له فيها، بل هي منزلة على الوضع ~~اللغوي. # فإن قيل بالأول، فيجب تنزيل كلام الشارع على عرفه، إذ الغالب منه أنه ~~إنما يناطقنا فيما له فيه عرف بعرفه، فيكون لفظه منزلا على نفي الحقيقة ~~الشرعية من هذه الأمور، ونفي الحقيقة الشرعية ممكن. # والأصل حمل الكلام على ما هو حقيقة فيه. وعلى ms512 هذا، فلا إجمال، وإن كان ~~مسمى هذه الأمور بالوضع اللغوي غير منفي. # وإن قيل بالثاني، فالاجمال أيضا إنما يتحقق إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا ~~بعرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع في مثل هذه الألفاظ في نفي الفائدة ~~والجدوى وليس كذلك. # وبيانه أن المتبادر إلى الفهم من نفي كل فعل كان متحقق الوجود إنما هو ~~نفي فائدته وجدواه. # ومنه قولهم لاعلم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا حكم إلا لله، ~~ولا طاعة إلا له، ولا بلد إلا بسلطان إلى غير ذلك. وإذا كان النفي محمولا ~~على نفي الفائدة والجدوى، فلا إجمال فيه. وإن سلمنا أنه لا عرف للشارع، ولا ~~لأهل اللغة في ذلك، وأنه لا بد من الاضمار غير أن الاتفاق واقع على أنه لا ~~خروج للمضمر ها هنا عن الصحة. والكمال وعند ذلك، فيجب اعتقاد ظهوره في نفي ~~الصحة والكمال لوجهين: الأول: أنه أقرب إلى موافقة دلالة اللفظ على النفي، ~~لأنه إذا قال: لا صلاة، لا صوم إلا بكذا فقد دل على نفي أصل الفعل بدلالة ~~المطابقة، وعلى صفاته بدلالة الالتزام، فإذا تعذر العمل بدلالة المطابقة، ~~تعين العمل بدلالة الالتزام تقليلا لمخالفة الدليل. PageV03P017 # الثاني: أنه إذا كان اللفظ قد دل على نفي العمل وعدمه، فيجب عند تعذر حمل ~~اللفظ على حقيقته، حمله على أقرب المجازات الشبيهة به، ولا يخفى أن مشابهة ~~الفعل الذي ليس بصحيح ولا كامل للفعل المعدوم أكثر من مشابهة الفعل الذي ~~نفي عنه أحد الامرين دون الآخر، فكان الحمل عليه أولى . فإن قيل ما ذكرتموه ~~معارض من وجهين: # الأول: أنه يلزم منه الزيادة في الاضمار والتجوز المخالف للأصل، الثاني: ~~أن حمله على نفي الكمال دون الصحة مستيقن، من حيث إنه يلزم من نفي الصحة ~~نفي الكمال، ولا عكس، وإذا تقابلت الاحتمالات لزم الاجمال . قلنا: بل ~~الترجيح لما ذكرناه، لأنه لا يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ، بخلاف ما ~~ذكرتموه، ولأنه على وفق النفي الأصلي، وما ذكرتموه على خلافه، فكان ما ~~ذكرناه أولى . وعلى ms513 هذا، فقوله (ص): لا عمل إلا بنية، وإنما الأعمال ~~بالنيات وإن لم يكن للشارع فيه عرف، كما في الصلاة والصوم ونحوهما، فعرف ~~أهل اللغة في نفيه نفي الفائدة والجدوى، كما قررناه فيما تقدم، فلا إجمال ~~فيه أيضا، خلافا لأبي الحسين البصري وأبي عبد الله البصري وغيرهما من ~~المعتزلة. PageV03P018 # المسألة الخامسة اختلفوا في قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما) * (5) المائدة: 38) فقال بعض الأصوليين إن لفظ القطع واليد مجمل. # أما الاجمال في القطع، فلانه يصدق إطلاقه على بينونة العضو من العضو، ~~وعلى شق الجلد الظاهر من العضو بالجرح، من غير إبانة للعضو. ولذلك يقال ~~عندما إذا جرح يده في بعض الأعمال، كبرى القلم وغيره قطع يده وأما الاجمال ~~في اليد، فلان لفظ اليد يطلق على جملتها إلى المنكب، وعليها إلى المرفق، ~~وعليها إلى الكوع، وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر، فكان لفظ اليد ~~والقطع، مجملا. # وذهب الباقون إلى خلافه متمسكين في ذلك بالاجمال والتفصيل: # أما الاجمال: فهو أن إطلاق لفظ اليد على ما ذكر من المحامل، وكذلك إطلاق ~~لفظ القطع، إما أن يكون حقيقة في الكل أو هو حقيقة في البعض مجاز في البعض، ~~فإن كان حقيقة في الكل، فإما أن يكون مشتركا، أو متواطئا : القول بالاشتراك ~~يلزم منه الاجمال في الكلام، وهو على خلاف الأصل. # وإن كان الثاني والثالث، فليس بمجمل. # كيف وإنه وإن كان الاشتراك على وفق الأصل إلا أن الاحتمالات ثلاثة كما ~~ذكرناه، ولا إجمال فيه على تقديرين منها، وهما حالة التواطؤ والتجوز في ~~أحدهما، وإنما يتحقق الاجمال على تقدير الاشتراك، وهو متحد، ووقوع احتمال ~~من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه. وإذا كان حقيقة في أحدهما دون ~~الآخر، فيجب اعتقاد كونه ظاهرا في كل العضو ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره ~~فيما سواه ، أما عند الخصم، فلدعواه الاجمال، وأما عندنا فلمصيرنا إلى نفي ~~الظهور عنه وانحصاره في جملة مسمى العضو PageV03P019 # . وأما التفصيل: فهو أن لفظ اليد، وإن أطلق على ما ذكروه من الاحتمالات ~~إلا أنه حقيقة في ms514 جملة العضو إلى المنكب، ومجاز فيما عداه. ودليله أنه يصح ~~أن يقال، إذا أبينت اليد من المرفق أو من الكوع: هذا بعض اليد لا كلها. ~~وذلك يدل على أنه ليس حقيقة من وجهين: # الأول: أن مسمى اليد حقيقة لا يصدق عليه أنه بعض اليد والثاني: صحة القول ~~بأنه ليس كل اليد، ولو كان مسمى اليد حقيقة، لما صح نفيه وأما لفظ القطع ~~فحقيقة في إبانة الشئ عما كان متصلا به. فإذا أضيف القطع إلى اليد، وكان ~~مسمى اليد حقيقة في جملتها إلى الكوع، وجب حمله على إبانة مسمى اليد، وهو ~~جملتها، وحيث أطلق قطع اليد عند إبانة بعض أجزائها عن بعض لا يكون حقيقة، ~~بل تجوزا. # فإن قيل: لو كان الامر على ما ذكرتموه لما وجب الاقتصار في قطع يد السارق ~~على قطعه من الكوع، لما فيه من مخالفة الظاهر. # قلنا: وإن لزم منه مخالفة الظاهر إلا إنه أولى من القول بالاجمال في كلام ~~الشارع، فكان إدراج ما نحن فيه تحت الأغلب أغلب. # الثاني أن القول بالاجمال: مما يفضي إلى تعطيل اللفظ عن الأعمال في ~~الحال، إلى حين قيام الدليل المرجح، ولا كذلك في الحمل على المجاز: فإنه إن ~~لم يظهر دليل التجوز عمل باللفظ في حقيقته، وإن ظهر عمل به في مجازه، من ~~غير تعطيل اللفظ في الحال ولا في ثاني الحال. PageV03P020 # المسألة السادسة اللفظ الوارد إذا أمكن حمله على ما يفيد معنى واحدا، ~~وعلى ما يفيد معنيين، قال الغزالي وجماعة من الأصوليين: هو مجمل لتردده بين ~~هذين الاحتمالين. # والذي عليه الأكثر أنه ليس بمجمل، بل هو ظاهر فيما يفيد معنيين. وهذا هو ~~المختار وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع فنقول: اللفظ ~~الوارد إما أن يظهر كونه حقيقة فيما قيل من المحملين مع اختلافهما أو كونه ~~حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، أو لم يظهر أحد الامرين: فإن كان من ~~القسم الأول أو الثاني، فلا معنى للخلاف فيه أما الأول فلتحقق إجماله وأما ~~الثاني فلتحقق ms515 الظهور في أحد المحملين: وإنما النزاع في القسم الثالث ويجب ~~اعتقاد نفي الاجمال فيه للاجمال والتفصيل: # أما الاجمال فما تقدم في المسألة المتقدمة. # وأما التفصيل فهو أن الكلام إنما وضع للإفادة، ولا سيما كلام الشارع. # ولا يخفى أن ما يفيد معنيين أكثر في الفائدة، فيجب اعتقاد كون اللفظ ~~ظاهرا فيه . فإن قيل: هذا الترجيح معارض بترجيح آخر، وهو إن الغالب من ~~الألفاظ الواردة هي المفيدة لمعنى واحد، بخلاف المفيد لمعنيين. وعند ذلك ~~فاعتقاد أدراج ما نحن فيه تحت الأعم الأغلب أغلب. # قلنا: يجب اعتقاد الترجيح فيما ذكرناه، وذلك لأنه لا يخلو إما أن يقال ~~بالتساوي بين الاحتمالين أو التفاوت. # القول بالتساوي يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ وامتناع العمل به مطلقا، إلى ~~حين قيام الدليل، وذلك على خلاف الأصل. # وإن قبل بالتفاوت والترجيح، فإما أن يكون فيما يفيد معنى واحدا، أو فيما ~~يفيد معنيين: لا سبيل إلى الأول، إذ القائل قائلان: قائل يقول بالاجمال، ~~ففيه نفي الترجيح عن المعنيين، وقائل يقول بأنه ظاهر راجح فيما يفيد معنيين ~~دون ما يفيد معنى واحدا، فقد وقع الاتفاق على نفي الترجيح فيما يفيد معنى ~~واحدا، فتعين الترجيح لما يفيد معنيين. PageV03P021 # المسألة السابعة اللفظ الوارد من جهة الشارع إذا أمكن حمله على حكم شرعي ~~مجدد، وأمكن حمله على الموضوع اللغوي: اختلفوا فيه. # فذهب الغزالي إلى أنه مجمل لتردده بين الاحتمالين من غير مزية، وذهب غيره ~~إلى أنه ظاهر في الحكم الشرعي، وهو المختار. # وذلك مثل قوله (ص): الطواف بالبيت صلاة (1) فإنه يحتمل أنه أراد به أنه ~~كالصلاة حكما، في الافتقار إلى الطهارة. # ويحتمل أنه أراد به أنه مشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة. # وكقوله (ص): الاثنان فما فوقهما جماعة (2) فإنه يحتمل أنه أراد به أنهما ~~جماعة حقيقة. # ويحتمل أنه أراد به انعقاد الجماعة بهما وحصول فضيلتها، وإنما قلنا بكونه ~~ظاهرا في الحكم الشرعي للاجمال والتفصيل: # أما الاجمال فما ذكرناه فيما تقدم. # وأما التفصيل: فهو أنه (ص)، إنما بعث لتعريف الأحكام الشرعية، التي لا ~~تعرف ms516 إلا من جهته لا لتعريف ما هو معروف لأهل اللغة، فوجب حمل اللفظ عليه ~~لما فيه من موافقة مقصود البعثة. # PageV03P022 # فإن قيل: ما ذكرتموه من الترجيح مقابل بمثله، وبيانه أن حمل اللفظ على ~~الحكم الشرعي، المجدد مخالف للنفي الأصلي، بخلاف الحمل على الموضوع الأصلي. # قلنا: إلا أنا لو حملناه على تعريف الموضوع اللغوي، كانت فائدة لفظ ~~الشارع التأكيد بتعريف ما هو معروف لنا ولو حملناه على تعريف الحكم الشرعي. ~~كانت فائدته التأسيس وتعريف ما ليس معروفا لنا، وفائدة التأسيس أصل، وفائدة ~~التأكيد تبع، فكان حمله على التأسيس أولى. # المسألة الثامنة إذا ورد لفظ الشارع، وله مسمى لغوي، ومسمى شرعي عند ~~المعترف بالأسماء الشرعية، قال القاضي أبو بكر تفريعا على القول بالأسماء ~~الشرعية إنه مجمل. # وقال بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة إنه محمول على المسمى الشرعي. # وفصل الغزالي، وقال: ما ورد في الاثبات، فهو للحكم الشرعي، وما ورد في ~~النهي، فهو مجمل، ومثال ذلك في طرف الاثبات قوله (ص)، حين دخل على عائشة، ~~فقال لها: أعندك شئ؟ - فقالت: لا - قال: إني إذا أصوم (1) فهو إن حمل على ~~الصوم الشرعي دل على صحة الصوم بنية من النهار بخلاف حمله على الصوم ~~اللغوي، ومثاله في طرف النهي نهيه عليه السلام عن صوم يوم النحر، (2) فإنه ~~إن حمل على الصوم الشرعي، دل على تصور وقوعه لاستحالة النهي عما لا تصور ~~لوقوعه، بخلاف ما إذا حمل على الصوم اللغوي. # والمختار ظهوره في المسمى الشرعي في طرف الاثبات، وظهوره في المسمى ~~اللغوي في طرف الترك (3). # PageV03P023 # أما الأول: فبيانه بما تقدم في المسألة التي قبلها، ويزيد ها هنا وجه آخر ~~في الترجيح، وهو أن الشارع، مهما ثبت له عرف، وإن كانت مناطقته لنا بالأمور ~~اللغوية غالبا، غير أن مناطقته لنا بعرفه، في موضع له فيه عرف، أغلب: # وأما إذا ورد في طرف الترك، كقوله (ص): دعي الصلاة أيام أقرائك (1) ~~وكنهيه عن بيع الحر والخمر وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين، فإنه لو كان ~~اللفظ ظاهرا في الصلاة الشرعية والبيع ms517 الشرعي، لزم أن يكون ذلك متصورا ~~لاستحالة النهي عما لا تصور له، وهو خلاف الاجماع، وأن يكون الشارع (2) قد ~~نهى عن التصرف الشرعي، وذلك ممتنع لما فيه من إهمال المصلحة المعتبرة ~~المرعية في التصرف الشرعي (3)، أو أن يقال مع ظهوره في المسمى الشرعي ~~بتأويله وصرفه إلى المسمى اللغوي، وهو على خلاف الأصل، ولا يلزم من اطراده ~~عرف الشرع في هذه المسميات في طرف الاثبات، مثله في طرف النهي أو النفي، ~~وعلى ما حققناه من تقديم عرف الشرع في خطابه، على وضع اللغة، فيقدم ما ~~اشتهر من المجاز الذي صار لا يفهم من اللفظ غيره، على الوضع الأصلي ~~الحقيقي، وسواء كان ذلك التجوز بطريق نقل الكلام من محل الحقيقة إلى ما هو ~~خارج عنه كلفظ الغائط، أو بطريق تخصيصه ببعض مسمياته في الحقيقة، كلفظ ~~الدابة لان العرف الطارئ غالب للوضع الأصلي، ولا إجمال فيه. # PageV03P024 # الصنف الثامن في البيان والمبين ويشتمل على مقدمة ومسائل أما المقدمة، ~~ففي تحقيق معنى البيان والمبين واختلاف الناس في العبارات الدالة عليهما، ~~وما هو المختار في ذلك. # أما البيان: فاعلم أنه لما كان متعلقا بالتعريف والاعلام بما ليس بمعروف ~~ولا معلوم، وكان ذلك مما يتوقف على الدليل، والدليل مرشد إلى المطلوب، وهو ~~العلم أو الظن الحاصل عن الدليل، ولم يخرج البيان عن التعريف والدليل، ~~والمطلوب الحاصل من الدليل، لعدم معنى رابع يفسر به البيان، فلا جرم اختلف ~~الناس. # فقال أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي وغيره، إن البيان هو التعريف وعبر ~~عنه بأنه إخراج الشئ من حيز الاشكال إلى حيز الوضوح والتجلي. # وذهب أبو عبد الله البصري وغيره إلى أن البيان هو العلم الحاصل من ~~الدليل. # وذهب القاضي أبو بكر والغزالي وأكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة، كالجبائي ~~وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وغيرهم، إلى أن البيان هو الدليل، وهو ~~المختار. # ويدل على صحة تفسيره بذلك أن من ذكر دليلا لغيره، وأوضحه غاية الايضاح ~~يصح لغة وعرفا أن يقال، تم بيانه، وهو بيان حسن، إشارة إلى الدليل المذكور. # وإن ms518 لم يحصل منه المعرفة بالمطلوب للسامع، ولا حصل به تعريفه، ولا إخراج ~~المطلوب من حيز الاشكال إلى حيز الوضوح والتجلي. والأصل في الاطلاق ~~الحقيقة، والذي يخص كل واحد من التعريفين الآخرين. # أما الأول: فلانه غير جامع، لان ما يدل على الحكم بديا من غير سابقة ~~إجمال بيان، وهو غير داخل في الحد، وشرط الحد أن يكون جامعا مانعا. كيف ~~وفيه تجوز وزيادة. أما التجوز ففي لفظ الحيز، فإنه حقيقة في الجوهر دون ~~غيره. # وأما الزيادة فما فيه من الجمع بين الوضوح والتجلي، وأحدهما كاف عن ~~الآخر، والحد مما يجب صيانته عن التجوز والزيادة. PageV03P025 # وأما التعريف الثاني: فلان حصول العلم عن الدليل يسمى تبينا، والأصل في ~~الاطلاق الحقيقة. فلو كان هو البيان أيضا حقيقة، لزم منه الترادف. والأصل ~~عند تعدد الأسماء، تعدد المسميات، تكثيرا للفائدة، ولأن الحاصل عن الدليل ~~قد يكون علما، وقد يكون ظنا. وعند ذلك فتخصيص اسم البيان بالعلم، دون الظن ~~لا معنى له، مع أن اسم البيان يعم الحالتين، وإذا كان النزاع إنما هو في ~~إطلاق أمر لفظي، فأولى ما اتبع، ما كان موافقا للاطلاق اللغوي، وأبعد عن ~~الاضطراب ومخالفة الأصول وإذا عرف أن البيان هو الدليل المذكور فحد البيان ~~ما هو حد الدليل، على ما سبق في تحريره (1) ويعم ذلك كل ما يقال له دليل، ~~كان مفيدا للقطع أو الظن وسواه كان عقليا أو حسيا، أو شرعيا أو عرفيا، أو ~~قولا أو سكوتا، أو فعلا أو ترك فعل إلى غير ذلك. # وأما المبين: فقد يطلق، ويراد به ما كان من الخطاب المبتدأ المستغنى ~~بنفسه عن بيان، وقد يراد به ما كان محتاجا إلى البيان، وقد ورد عليه بيانه، ~~وذلك كاللفظ المجمل إذا بين المراد منه، والعام بعد التخصيص، والمطلق بعد ~~التقييد، والفعل إذا اقترن به ما يدل على الوجه الذي قصد منه إلى غير ذلك. # وأما المسائل فثمان. # PageV03P026 # المسألة الأولى مذهب الأكثرين أن الفعل يكون بيانا، خلافا لطائفة شاذة. # ويدل على ذلك النقل والعقل. # أما النقل: فما ms519 روي عنه (ص)، أنه عرف الصلاة والحج بفعله حيث قال: # صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم. # وأما العقل: فهو أن الاجماع منعقد على كون القول بيانا، والآتيان بأفعال ~~الصلاة والحج، لكونها مشاهدة، أدل على معرفة تفصيلها من الاخبار عنها ~~بالقول فإنه ليس الخبر كالمعاينة (1) ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار أدل ~~على معرفة كونه فيها من الاخبار عنه بذلك. وإذا كان القول بيانا، مع قصوره ~~في الدلالة عن الفعل المشاهد، فكون الفعل بيانا أولى. فإن قيل: أما النقل ~~فالبيان فيه إنما وقع بالقول لا بالفعل، وهو قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي، ~~وخذوا عني مناسككم وأما المعقول فهو أن الفعل، وإن كان مشاهدا، غير أن زمان ~~البيان به مما يطول، ويلزم من ذلك تأخير البيان مع إمكانه بما هو أفضى ~~إليه، وهو القول، وذلك ممتنع. # قلنا: أما القول بأن البيان إنما حصل بالقول ليس كذلك فإنه لم يتضمن ~~تعريف شئ من أفعال الصلاة والحج، بل غايته تعريف أن الفعل هو البيان لذلك. # وأما القول بأن البيان بالفعل مما يفضي إلى تأخير البيان مع إمكان تقدمه ~~بالقول فهو غير مسلم، بل التعريف بالقول، وذكر كل فعل بصفته وهيئته وما ~~يتعلق به أبعد عن التشبث بالذهن من الفعل المشاهد، وربما احتيج في ذلك إلى ~~تكرير في أزمنة تزيد على زمان وقوع الفعل بأزمنة كثيرة، على ما يشهد به ~~العرف والعادة. # وإن سلمنا أن زمان التعريف بالفعل يكون أطول، فليس في ذلك ما يدل على ~~كونه غير صالح للبيان والتعريف والخلاف إنما هو في ذلك، وقد بينا أنه مع ~~صلاحيته للتعريف أدل من القول. # PageV03P027 # قولهم إنه يفضي إلى تأخير البيان، مع إمكان تقديمه بالقول. # قلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة قد دعت إلى البيان في الحال، أودعت ~~إليه: # فإن كان الأول، فلا محذور في التأخير مع حصول البيان بما هو أدل من القول ~~وإن كان الثاني، فلا نسلم امتناع التأخير على قولنا بجواز التكليف بما لا ~~يطاق على ما قررناه. # وبتقدير ms520 امتناعه، فإنما نسلم ذلك فيما إذا كان التأخير لا لفائدة وأما ~~إذا كان لفائدة، فلا. # وقد بينا الفائدة في البيان بالفعل من جهة كونه أدل على المقصود. # المسألة الثانية إذا ورد بعد اللفظ المجمل قول وفعل، وكل واحد منهما صالح ~~للبيان، فالبيان بماذا منهما؟ # والحق في ذلك أنه لا يخلو إما أن يتوافقا في البيان أو يختلفا: فإن ~~توافقا فإن علم تقدم أحدهما فهو البيان لحصول المقصود به، والثاني يكون ~~تأكيدا، إلا إذا كان دون الأول في الدلالة، لاستحالة تأكيد الشئ بما هو ~~دونه في الدلالة. # وإن جهل ذلك، فلا يخلو إما أن يكونا متساويين في الدلالة، أو أحدهما أرجح ~~من الآخر على حسب اختلاف الوقائع والأقوال والافعال: # فإن كان الأول فأحدهما هو البيان، والآخر مؤكد من غير تعيين وإن كان ~~الثاني، فالأشبه أن المرجوح هو المتقدم لأنا فرضنا تأخر المرجوح امتنع أن ~~يكون مؤكدا للراجح، إذ الشئ لا يؤكد بما هو دونه في الدلالة، والبيان حاصل ~~دونه، فكان الاتيان به غير مفيد، ومنصب الشارع منزه عن الاتيان بما لا يفيد ~~ولا كذلك فيما إذا جعلنا المرجوح مقدما، فإن الاتيان بالراجح بعده يكون ~~مفيدا للتأكيد، ولا يكون معطلا. # وأما إن لم يتوافقا في البيان، كما روي عنه (ص)، أنه بعد آية الحج قال: # من قرن حجا إلى عمرة فليطف طوافا واحدا، ويسعى سعيا واحدا (1) # PageV03P028 # وروى عنه (ص) أنه قرن فطاف طوافين، وسعى سعيين (1) فلا يخلو إما أن يعرف ~~تقدم أحدهما، أو يجهل. فإن علم التقدم قال أبو الحسين البصري: المتقدم هو ~~البيان. فإن تقدم الفعل كان الطواف الثاني واجبا. وإن تقدم القول كان ~~الطواف الثاني غير واجب، وليس بحق، بل الحق أن يقال: # إن كان القول متقدما، فالطواف الثاني غير واجب، وفعل النبي (ص) له يجب أن ~~يحمل على كونه مندوبا، وإلا فلو كان فعله له، دليل الوجوب، كان ناسخا لما ~~دل عليه القول. ولا يخفى أن الجمع أولى من التعطيل، وفعله للطواف الأول ~~يكون تأكيدا للقول، وإن كان الفعل ms521 متقدما، فهو، وإن دل على وجوب الطواف ~~الثاني: إلا أن القول بعده يدل على عدم وجوبه، والقول بإهمال دلالة القول ~~ممتنع، فلم يبق إلا أن يكون ناسخا لوجوب الطواف الثاني الذي دل عليه الفعل ~~أو أن يحمل فعله على بيان وجوب الطواف الثاني في حقه دون أمته، وأن يحمل ~~قوله على بيان وجوب الأول دون الثاني في حق أمته دونه، والأشبه إنما هو ~~الاحتمال الثاني دون الأول، لما فيه من الجمع بين البيانين من غير نسخ ولا ~~تعطيل (2). # وأما إن جهل المتقدم منهما، فالأولى إنما هو تقدير تقدم القول وجعله ~~بيانا لوجهين # PageV03P029 # الأول: أنه مستقل بنفسه في الدلالة بخلاف الفعل، فإنه لا يتم كونه بيانا ~~دون اقتران العلم الضروري بقصد النبي (ص)، البيان به، أو قول منه يدل على ~~ذلك وذلك مما لا ضرورة تدعو إليه (1). # الثاني: أنا إذا قدرنا تقدم القول أمكن حمل الفعل بعده على ندبية الطواف ~~الثاني كما تقدم تعريفه. ولو قدرنا تقدم الفعل يلزم منه إما إهمال دلالة ~~القول، أو كونه ناسخا لحكم الفعل، أو أن يكون الفعل بيانا لوجوب الطواف ~~الثاني في حق النبي (ص) دون أمته، والقول دليل عدم وجوبه في حق أمته دونه، ~~والاهمال والنسخ على خلاف الأصل، والافتراق بين النبي (ص) والأمة في وجوب ~~الطواف الثاني مرجوح بالنظر إلى ما ذكرناه من التشريك، لكون التشريك هو ~~الغالب دون الافتراق (2). # PageV03P030 # المسألة الثالثة هل يجب أن يكون البيان مساويا للمبين في القوة، أو يجوز ~~أن يكون أدنى منه. # قال الكرخي: لا بد من المساواة، وقال أبو الحسين البصري: يجوز أن يكون ~~أدنى منه. # وهل يجب أن يكون مساويا للمبين في الحكم؟ # فمنهم من قال به، ومنهم من نفاه. # والمختار في ذلك أن يقال: أما المساواة في القوة، فالواجب أن يقال: إن ~~كان المبين مجملا، كفى في تعيين أحده احتماليه أدنى ما يفيد الترجيح، وإن ~~كان عاما أو مطلقا، فلا بد وأن يكون المخصص والمقيد في دلالته أقوى من ~~دلالة العام على صورة التخصيص، ودلالة ms522 المطلق على صورة التقييد، وإلا فلو ~~كان مساويا لزم الوقف (1) ولو كان مرجوحا لزم منه إلغاء الراجح بالمرجوح، ~~وهو ممتنع. # وأما المساواة بينهما في الحكم فغير واجب، وذلك لأنه لو كان ما دل عليه ~~البيان من الحكم هو ما دل عليه المبين، لم يكن أحدهما بيانا للآخر. وإنما ~~يكون أحد الامرين بيانا للآخر إذا كان دالا على صفة مدلول الآخر، لا على ~~مدلوله ومع ذلك، فلا اتحاد في الحكم. # فإن قيل: المراد من الاتحاد في الحكم أنه إن كان حكم المبين واجبا، كان ~~بيانه واجبا، وإن لم يكن واجبا، لم يكن البيان واجبا. # قلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة داعية إلى البيان في الحال، أو هي ~~داعية فإن كان الأول فالبيان غير واجب، على ما سيأتي، وسواء كان حكم المبين ~~واجبا أو لم يكن. وإن كان الثاني، فعلى قولنا بجواز التكليف بما لا يطاق ~~على ما تقرر (2) فالبيان أيضا لا يكون واجبا، وإن كان الحكم المبين واجبا. # PageV03P031 # وأما إذا قلنا بامتناع التكليف بما لا يطاق، فالحق ما قالوه، وذلك لأنه ~~إذا كان المبين واجبا، فلو لم يكن البيان واجبا، لجاز تركه، ويلزم من ذلك ~~التكليف بما لا يطاق، وهو خلاف الفرض. # وإذا كان المبين غير واجب، فالقول بعدم إيجاب البيان لا يفضي إلى التكليف ~~بما لا يطاق، إذ لا تكليف فيما ليس بواجب، لان ما لا يكون واجب الفعل، ولا ~~واجب الترك، فهو إما مندوب، أو مباح، أو مكروه. وكل واحد من هذه الأقسام ~~الثلاثة لا تكليف فيه على ما تقدم (1) ولا يلزم من القول بالوجوب حذرا من ~~تكليف ما لا يطاق الوجوب مع عدم التكليف أصلا، اللهم إلا أن ينظر إلى ~~التكليف بوجوب اعتقاده، على ما هو عليه من إباحة أو ندب أو كراهة، فيكون من ~~القسم الأول. # المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان: أما عن وقت الحاجة، فقد اتفق الكل ~~على امتناعه سوى القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق، ومدار الكلام من ~~الجانبين فقد عرف فيما ms523 تقدم. # وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، ففيه مذاهب: # فذهب أكثر أصحابنا وجماعة من أصحاب أبي حنيفة إلى جوازه، وذهب بعض ~~أصحابنا، كأبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي، وبعض أصحاب أبي حنيفة ~~والظاهرية، إلى امتناعه، وذهب الكرخي وجماعة من الفقهاء إلى جواز تأخير ~~بيان المجمل دون غيره، وذهب بعضهم إلى جواز تأخير بيان الامر دون الخبر (2) ~~وذهب الجبائي وابنه والقاضي عبد الجبار إلى جواز تأخير بيان النسخ دون غيره ~~وذهب أبو الحسين البصري إلى جواز تأخير بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل، وأما ~~ماله ظاهر وقد استعمل في غير ظاهره، كالعام والمطلق والمنسوخ ونحوه، فقال ~~يجوز تأخير بيانه التفصيلي، ولا يجوز تأخير بيانه الاجمالي، وهو أن يقول ~~وقت الخطاب: # هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد، وهذا الحكم سينسخ. # PageV03P032 # (1) وإذا عرف تفصيل المذاهب فقد احتج أصحابنا القائلون بجواز التأخير ~~مطلقا بحجج نقلية، وعقلية. # إما النقلية: فالحجة الأولى منها قوله تعالى: * (إن علينا جمعه وقرآنه، ~~فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه) * (75) القيامة: 17 - 19) ~~ووجه الاحتجاج به أنه قال * (فإذا قرأناه) * معناه أنزلناه، ويدل على ذلك ~~قوله تعالى: * (فاتبع قرآنه) * أمر النبي (ص)، بالاتباع بفاء التعقيب، ~~لقوله: * (فإذا قرأناه) * ولا يتصور ذلك قبل الانزال لعدم معرفته به وإنما ~~يكون بعد الانزال. وإذا كان المراد بقوله * (قرأناه) * الانزال، فقوله: * ~~(ثم إن علينا بيانه) * يدل على تأخير البيان عن وقت الانزال، لان * (ثم) * ~~للمهلة والتراخي على ما سبق تقريره (2). # ولقائل أن يقول: وإن كان المراد من قوله تعالى: * (فإذا قرأناه) * ~~الانزال، ولكن لا نسلم أن المراد من قوله * (ثم إن علينا بيانه) * بيان ~~مجمله وخصوصه وتقييده ومنسوخه، بل المراد منه إظهاره وإشهاره، وهو على وفق ~~الظاهر، لان البيان هو الاظهار في اللغة، ومنه يقال: بان لنا الكوكب ~~الفلاني، وبان لنا سور المدينة إذا ظهر، ويقال: بين فلان الامر الفلاني إذا ~~أظهره وعند ذلك، فليس حمله على ما ذكر من بيان المراد من المجمل والعام ~~والمطلق أولى مما ذكرناه (3). كيف وإن الترجيح ms524 لهذا المعنى من جهة أن ~~المراد من قوله تعالى: * (إن علينا جمعه وقرآنه) * (75) القيامة: 17) إنما ~~هو جميع القرآن فإنه ليس اختصاص بعضه بذلك أولى من بعض # PageV03P033 # وأيضا فإنه أمر النبي (ص)، بالاتباع بقوله: * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) ~~* (75) القيامة: 18) والامر بذلك غير خاص ببعض القرآن دون البعض إجماعا، ~~ولأنه لا أولوية للبعض دون البعض ولأنه لو حمل ذلك على البعض دون البعض، مع ~~كونه غير معين في اللفظ، كان مجملا وتكليفا له بما ليس بمعلوم له، وهو خلاف ~~الأصل. وإذا ثبت أن المراد من قوله من أول الآية إنما هو جميع القرآن ~~فالظاهر أن يكون الضمير في قوله تعالى: # * (ثم إن علينا بيانه) * (75) القيامة: 19) عائد إلى جميع المذكور ~~السابق، وهو جملة القرآن، لا إلى بعضه، لعدم الأولوية. وإنما يمكن ذلك بحمل ~~البيان على ما ذكرناه، لا على ما ذكروه لاستحالة افتقار كل القرآن إلى ~~البيان بالمعنى الذي ذكروه، فإنه ليس كل القرآن مجملا ولا ظاهرا في معنى ~~وقد استعمل في غيره، فكان ما ذكرناه أولى. # وهذا إشكال مشكل، وفي تحريره وتقريره على هذا الوجه يتبين للناظر المتبحر ~~فيه إبطال كل ما يخبط به بعض المخبطين (1). # وإن سلمنا أن المراد به إنما هو بيان المراد من الظاهر الذي استعمل في ~~غير ما هو الظاهر منه، لكن ما المانع أن يكون المراد به البيان التفصيلي، ~~كما قاله أبو الحسين البصري؟ # PageV03P034 # فإن قيل: لا يمكن ذلك، لان لفظ البيان مطلق (1) فحمله على البيان ~~التفصيلي يكون تقييدا له، وتقييد المطلق من غير دليل ممتنع. # قلنا: وإذا كان مطلقا، فالمطلق لا يمكن حمله على جميع صوره، وإلا كان ~~عاما لا مطلقا، بل غايته أنه إذا عمل به في صورة، فقد وفى بالعمل بدلالته. # وعند ذلك، فلا يخفى أن تنزيل البيان في الآية على الاجمالي دون التفصيلي ~~يكون تقييدا للمطلق، وهو ممتنع من غير دليل. وإن لم يقل بتنزيله عليه، فلا ~~حجة فيه. # وإن سلمنا أن المراد به البيان الاجمالي والتفصيلي، غير أنه قد تعذر ~~العمل بظاهر ms525 (ثم) من حيث إنها تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن ضرورة عود ~~الضمير إلى الكل (2) على ما سبق. وذلك خلاف الاجماع. وإذا تعذر العمل ~~بظاهرها وجب العمل بها في مجازها، وهو حملها على معنى (الواو) كما في قوله ~~تعالى: * (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) * (10) يونس: 46) فإن ~~* (ثم) * ها هنا بمعنى (الواو) ولاستحالة كون الرب شاهدا، بعد أن لم يكن ~~شاهدا. # الحجة الثانية: قوله تعالى: * (الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) * (11) ~~هود: 1) و (ثم) للتأخير ولقائل أن يقول: لا نسلم أن المراد من التفصيل بيان ~~المراد من المجمل والظاهر والمستعمل في غير ما هو ظاهر فيه، بل المراد من ~~قوله: أحكمت أي في اللوح المحفوظ وفصلت في الانزال. # الحجة الثالثة: قوله تعالى: * (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه) * (20) طه: 114) وأراد به بيانه للناس. # PageV03P035 # ولقائل أن يقول: ظاهر ذلك للمنع من تعجيل نفس القرآن، لا بيان ما هو ~~المراد منه، لما فيه من الاضمار المخالف للأصل، وإنما منعه من تعجيل القرآن ~~أي من تعجيل أدائه عقيب سماعه، حتى لا يختلط عليه السماع بالأداء، وإلا فلو ~~أراد به البيان، لما منعه عنه بالنهي للاتفاق على أن تعجيل البيان بعد ~~الأداء غير منهي عنه. # الحجة الرابعة: أنه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة معينة غير منكرة ~~بقوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * (2) البقرة: 67) ولم ~~يعينها إلا بعد سؤالهم. ودليل كون المأمور به معينا أمران: الأول أنهم ~~سألوا تعيينها بقولهم له: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي (2) البقرة: 68) * ~~(وما لونها) * (2) البقرة: 69) ولو كانت منكرة، لما احتيج إلى ذلك للخروج ~~عن العهدة بأي بقرة كانت الثاني أن قوله تعالى: * (إنه يقول إنها بقرة لا ~~فارض ولا بكر) * (2) البقرة: 68)، و * (إنها بقرة صفراء) * (2) البقرة: ~~69)، و * (إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث) * (2) البقرة: 71) ~~والضمير في هذه جميع الكنايات (1) يجب صرفه إلى ما أمروا به أولا. # وبيانه من وجهين: الأول أنه لو لم يكن كذلك، لكان ms526 تكليفا بأمور مجددة غير ~~ما أمروا به أولا، ولو كان كذلك لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا ~~دون ما ذكر أولا، وهو خلاف الاجماع على أن المأمور به كان متصفا بجميع ~~الصفات المذكورة. # الثاني أنه لو لم يكن كذلك للزم منه أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال، ~~وهو خلاف الأصل. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن البقرة المأمور بها كانت معينة في نفس الامر، ~~بل منكرة مطلقا، فلا تكون محتاجة إلى البيان لامكان الخروج عن العهدة بذبح ~~أي بقرة اتفقت، ولا يكون ذلك من صور النزاع. # قولهم إنهم سألوا عن تعيينها، ولو أمروا بمنكر، لما سألوا عن تعيينه. # PageV03P036 # قلنا: ظاهر الامر يدل على التنكير، حيث قال: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة) * (2) البقرة: 67). والقول بالتعيين مخالف للتنكير المفهوم من اللفظ، ~~وليس الحمل على التعيين ضرورة تصحيح سؤالهم ومخالفة ظاهر النص أولى من ~~العكس، بل موافقة ظاهر لنص أولى. # قولكم في الوجه الثاني إن الضمير في جميع الكنايات عائد إلى المأمور به ~~أولا، لا نسلم ذلك. # قولهم لو لم يكن كذلك، لكان ذلك تكليفا بأمور مجددة مسلم، وما المانع ~~منه؟ # قولكم: لو كان كذلك، لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا دون ما ذكر ~~أولا، لا نسلم ذلك. وما المانع أن يكون قد أوجب عليهم بعد السؤال الأول ذبح ~~بقرة متصفة بالصفات المذكورة أولا، ثم أوجب بعد ذلك اعتبار الصفات المذكورة ~~ثانيا، ولا منافاة بين الحالتين. # قولكم: لو كان كذلك، لما كان الجواب مطابقا للسؤال، وهو خلاف الأصل فهو ~~معارض بما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال: لو ذبحوا أية بقرة ~~أرادوا لأجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم (1). # وهذا يدل على أن ذلك كان ابتداء إيجاب لا بيانا، لان البيان ليس بتشديد ~~بل تعيين ما هو الواجب. ولا يخفى أن موافقة ظاهر النص الدال على تنكير ~~البقرة وظاهر قول ابن عباس أولى من موافقة ما ذكروه من لزوم مطابقة الجواب ~~للسؤال، لما فيه من موافقة ms527 الأصلين، ومخالفة أصل واحد، وما ذكروه بالعكس. # ثم وإن سلمنا أن المأمور به كان بقرة معينة في نفس الامر، غير أنهم سألوا ~~البيان الاجمالي أو التفصيلي؟ # الأول ممنوع، والثاني مسلم. ولا يلزم من جواز تأخير البيان التفصيلي، ~~تأخير البيان الاجمالي، كما هو مذهب أبي الحسين البصري. وليس تقييد سؤالهم ~~بطلب البيان مع إطلاقه، بالاجمالي، أولى من التفصيلي، ولا محيص عنه. وربما ~~أورد على هذا الاحتجاج ما لا اتجاه له، كقولهم: ما المانع أن يكون البيان ~~مقارنا للمبين غير أنهم لم يتبينوا أن الامر بالذبح كان ناجزا، وتأخير ~~البيان عن وقت الحاجة ممتنع. # PageV03P037 # أما أولا فلانه لو كان البيان حاصلا، لفهموه ظاهرا، ولما سألوا عنه وأما ~~ثانيا فلان الامر بالذبح كان مطلقا، والامر المطلق على التراخي عند صاحب ~~هذه الحجة على ما سبق تقريره. ولو كان على الفور فتأخير بيانه عنه أيضا غير ~~ممتنع على أصله، لكونه قائلا بجواز التكليف بما لا يطاق، كما سبق تحقيقه. # الحجة الخامسة: أنه لما نزل قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم، أنتم لها واردون) * (21) الأنبياء: 98) قال عبد الله بن الزبعرى ~~فقد عبد ت الملائكة والمسيح أفتراهم يعذبون والنبي (ص)، لم ينكر عليه، بل ~~سكت إلى حين ما نزل عليه بيان ذلك بعد حين، وهو قوله: * (إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * (الأنبياء: 101) (1) وذلك يدل على جواز ~~التأخير. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الآية لم تكن بينة حتى أنها تحتاج إلى بيان، ~~فإن الملائكة والمسيح إنما يمكن القول بدخولهم في عموم الآية، إذ لو كانت ~~(ما) تتناول من يعلم ويعقل، وهو غير مسلم، وإذا لم تكن متناولة لهم، فلا ~~حاجة إلى إخراج ما لا دخول له في الآية عنها. # فإن قيل: دليل تناول (ما) لمن يعلم ويعقل النص والاطلاق والمعنى. # أما النص فقوله تعالى: * (وما خلق الذكر والأنثى) * (92) الليل: 3)، ~~وقوله تعالى: * (والسماء وما بناها) * (91) الشمس: 5) وقوله تعالى: * (ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد) * (109) الكافرون: 3) وأما الاطلاق فمن وجهين: # الأول ms528 أن (ما) قد تطلق بمعنى (الذي) باتفاق أهل اللغة، و (الذي) يصح ~~إطلاقها على من يعقل بدليل قولهم: الذي جاء زيد فما كذلك. # الثاني أنه يصح أن يقال: ما في داري من العبيد أحرار. # وأما المعنى فمن وجهين: # الأول هو أن ابن الزبعرى كان من فصحاء العرب، وقد فهم تناول (ما) لمن ~~يعقل، والنبي (ص)، لم ينكر عليه ذلك. PageV03P038 # الثاني أن (ما) لو كانت مختصة بمن لا يعلم، لما احتيج إلى قوله من دون ~~الله وحيث كانت بعمومها متناولة لله تعالى احتاج إلى التقييد بقوله: من دون ~~الله. # قلنا: أما ما ذكروه من النصوص والاطلاقات فغايتها جواز إطلاق (ما) على من ~~يعقل ويعلم، ولا يلزم من ذلك أن تكون ظاهرة فيه، بل هي ظاهرة فيمن لا يعقل. # ودليل ذلك قول النبي (ص)، لابن الزبعرى لما ذكر ما ذكر (1) رادا عليه ~~بقوله: ما أجهلك بلغة قومك، أما علمت أن (ما) لما لا يعقل و (من) لمن يعقل. ~~ولا يخفى أن الجمع بين الامرين والتوفيق بين الأدلة أولى من تعطيل قول ~~النبي (ص) والعمل بما ذكروه. # وإذا كانت * (ما) * ظاهرة في من لا يعقل دون من يعقل، وجب تنزيلها على ما ~~هي ظاهرة فيه. # وما ذكروه من الوجه الأول في المعنى فهو باطل بما ذكرناه من إنكار النبي ~~(ص) ولا يخفى أن اتباع قول النبي أولى من اتباع ما ظنه ابن الزبعرى. # وما ذكروه في الوجه الثاني من عدم الاحتياج إلى قوله * (من دون الله) * ~~(2) البقرة: 23) إنما يصح أن لو لم يكن فيه فائدة، وفائدته التأكيد، وحمل ~~الكلام على فائدة التأسيس، وإن كان هو الأصل، غير أنه يلزم من حمله على ~~فائدة التأسيس مخالفة ظاهر قول النبي (ص) والجمع أولى من التعطيل. وإن ~~سلمنا أن * (ما) * حقيقة في من يعقل، غير أنا لا نسلم أن بيان التخصيص لم ~~يكن مقارنا للآية. # وبيان المقارنة أن دليل العقل صالح للتخصيص على ما سبق. والعقل قد دل على ~~امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره، ms529 اللهم إلا أن يكون راضيا بجرم ذلك ~~الغير، واحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا الملائكة والمسيح بعبادة من عبد ~~هم و * (ما) * مثل هذا الدليل العقلي، فلا نسلم عدم مقارنته للآية. # وأما نزول قوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) * (21) ~~الأنبياء: 101) الآية، فإنما ورد تأكيدا بضم الدليل الشرعي، إلى الدليل ~~العقلي، مع الاستغناء عن أصله، أما أن يكون هو المستقل بالبيان، فلا. # الحجة السادسة: قول الملائكة لإبراهيم * (إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن ~~أهلها كانوا ظالمين) * (29) العنكبوت: 31) ولم يبينوا إخراج لوط ومن معه من ~~المؤمنين عن الهلاك بقولهم * (نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله) * (29) ~~العنكبوت: 32) إلا بعد سؤال إبراهيم وقوله: * (إن فيها لوطا) * (29) ~~العنكبوت: 32) # PageV03P039 # ولقائل أن يقول: لا نسلم تأخر البيان عن هذه الآية، بل هو مقترن بها. # ودليله قول الملائكة في تعليل الهلاك، إن أهلها كانوا ظالمين، وذلك لا ~~يدخل فيها إلا من كان ظالما كيف وإنه لم يتخلل بين قول الملائكة غير سؤال ~~إبراهيم، وهو قوله: * (إن فيها لوطا) * (29) العنكبوت: 32) وما مثل هذا لا ~~يعد تأخيرا للبيان، فإن مثل ذلك قد يجري إما بسبب انقطاع نفسه أو سعال فيما ~~بين البيان والمبين، ولا يعد ذلك من المبين تأخيرا. # ومبادرة إبراهيم إلى السؤال، ومنعهم (1) من اقتران البيان بالمبين نازل ~~منزلة انقطاع النفس والسعال، حتى أنه لو لم يبادر بالسؤال، لبادروا ~~بالبيان. # الحجة السابعة: أن النبي (ص)، أنفذ معاذا إلى اليمن ليعلمهم الزكاة ~~وغيرها فسألوه عن الوقص، فقال: ما سمعت فيه شيئا من رسول الله (ص)، حتى ~~أرجع إليه فاسأله (2) وذلك دليل على أن بيانه لم يتقدم. # ولقائل أن يقول كون معاذ لم يسمع البيان ولم يعرفه لا يدل على عدم مقارنة ~~البيان للمبين، كيف ويمكن أن يقال الأصل عدم وجوب الزكاة في الأوقاص ~~وغيرها. # غير أن الشارع أوجب فيما أوجب، وبقي الباقي على حكم العقل، وذلك صالح ~~للبيان والتخصيص. هذا ما يتعلق بالمنقول، وأما الحجج العقلية. # فأولها: أنه لو كان تأخير البيان ممتنعا، فإما أن يكون امتناعه ms530 لذاته، أو ~~لغيره، وذلك إما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره، وكل واحد من الامرين منتف، ~~فلا امتناع. # ولقائل أن يقول: ولو كان جائزا، فإما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره وكل ~~واحد من الامرين منتف، فلا جواز، وليس أحد الامرين أولى من الآخر وكل ما هو ~~جواب له ها هنا فهو جوابه فيما ذكر. # الحجة الثانية: أنه لو امتنع تأخير البيان، لامتنع تأخيره في الزمن ~~القصير وامتنع عطف الجمل المتعددة إذا كان بيان الأولى متأخرا عن الجمل ~~المعطوف عليها، ولما جاز البيان بالكلام الطويل، واللازم ممتنع. # PageV03P040 # ولقائل أن يقول: إنما يجوز تأخير البيان في الزمان القصير إذا كان مع ~~قصره لا يعد المتكلم معرضا عن كلامه الأول، فإن كلامه الثاني مع الأول ~~معدود كالجملة الواحدة، وذلك لا يعد تأخيرا للبيان. وهذا بخلاف ما إذا ~~تطاول الزمان تطاولا يعد به المتكلم بالكلام الأول معرضا عن كلامه، ولهذا ~~فإنه يجوز لغة وعرفا أن يتكلم الانسان بكلام يقصر فهم السامع عنه، ويبينه ~~بعد الزمان القصير من غير استهجان بخلاف ما إذا بينه بعد الزمان المتطاول، ~~فلا يلزم من التأخير ثم، التأخير ها هنا وأما الجمل المعطوفة فنازلة منزلة ~~الجملة الواحدة، فالبيان المتعقب للجمل المعطوفة ينزله منزلة تعقبه للجملة ~~الواحدة. # وأما البيان بالكلام الطويل فإنما يجوزه الخصم إذا لم يكن (1) حصول ~~البيان إلا به، أو كانت المصلحة فيه أتم من الكلام القصير، وإلا فلا. # الحجة الثالثة: أنه لو قبح تأخير البيان، لكان ذلك لعدم تبين المكلف، ~~وذلك يقتضي قبح الخطاب إذا بين له، ولم يتبين، فإنه لا فرق في ذلك بين ما ~~امتنع بأمر يرجع إلى نفسه أو إلى غيره. ولهذا يسقط تكليف الانسان إذا مات، ~~سواء قتل هو نفسه، أو قتله غيره واللازم ممتنع. # ولقائل أن يقول نسلم أن قبح تأخير البيان لما فيه من فقد التبين المنسوب ~~إلى المخاطب، ولا يلزم من ذلك قبحه عند عدم تبين المكلف إذا بين له، لكونه ~~منسوبا إلى تقصير المكلف، لا إلى المخاطب، وسقوط التكليف ms531 عن الميت إنما كان ~~لعدم تمكنه المشروط في التكليف، وذلك لا يفترق بأن يكون قد فات بفعله أو ~~بفعل غيره. # والمختار في ذلك: أما من جهة النقل فقوله تعالى: * (واعلموا أن ما غنمتم ~~من شئ فأن لله خمسه) * (8) الأنفال: 41) إلى قوله: * (ولذي القربى) * (8) ~~الأنفال: 41) ثم بين بعد ذلك أن السلب للقاتل وأن المراد بذوي القربى بنو ~~هاشم وبنو المطلب دون بني أمية وبني نوفل، بمنعه لهم من ذلك حتى أنه لما ~~سئل عن ذلك قال: إنا وبنو هاشم والمطلب لم نفترق في # PageV03P041 # جاهلية ولا إسلام، ولم نزل هكذا، وشبك بين أصابعه (1). # فإن قيل: المتأخر إنما هو البيان المفصل، ونحن لا نمنع من ذلك، وإنما ~~نمنع من تأخير البيان المجمل (2)، ولا دلالة لما ذكرتموه على تأخيره. # قلنا: إذا سلم عدم اقتران البيان التفصيلي بهذه الآية، فهو حجة على من ~~نازع فيه، وهي حجة على من نازع في تأخير البيان الاجمالي، حيث إنها ظاهرة ~~في العموم لكل ذوي القربى ولم ينقل أحد من أهل النقل وأرباب الاخبار ما ~~يشير إلى البيان الاجمالي أيضا، مع أن الأصل عدمه، ولو كان، لما أهمل نقله ~~غالبا وأيضا ما روي أن جبريل، عليه السلام، قال للنبي (ص): أقرأ - قال: وما ~~أقرأ؟ كرر عليه ذلك ثلاث مرات ثم قال له: * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) * ~~(96) العلق: 1) (3) أخر بيان ما أمره به أولا من إجماله إلى ما بعد ثلاث ~~مرات من أمر جبريل، وسؤال النبي، مع إمكان بيانه أولا. وذلك دليل جواز ~~التأخير. # فإن قيل: أمره له بالقراءة مطلق، وذلك إما أن يكون مقتضاه الوجوب على ~~الفور، أو التراخي: فإن كان الأول، فقد أخر البيان عن وقت الحاجة، وإن كان ~~الثاني، فلا شك في إفادته جواز الفعل في الزمن الثاني من وقت الامر، وتأخير ~~البيان عنه تأخير له عن وقت الحاجة، وذلك ممتنع بالاجماع. # فترك الظاهر لازم لنا ولكم، والخلاف إنما وقع في تأخير البيان إلى وقت ~~الحاجة، وليس فيما ذكرتموه دلالة عليه. # قلنا: أما أن الامر ليس ms532 مقتضاه الوجوب على الفور، فقد تقدم، وإذا كان على ~~التراخي، فلا نسلم لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة. # قولكم إنه يفيد جواز الفعل في الزمان الثاني من وقت الامر. # PageV03P042 # قلنا: متى، إذا كان الفعل المأمور به مبينا، أو إذا لم يكن مبينا؟ الأول ~~مسلم والثاني ممنوع. وإن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أن الحاجة داعية إلى ~~معرفته مع قطع النظر عن وجوبه وعدم المؤاخذة بتركه، بدليل ما قبل الامر. # وأيضا فإنه لما نزل قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * مع أنه لم يرد بها ~~مطلق الدعاء إجماعا لم يقترن بها الدعاء اجماعا لم يقترن بها البيان، بل ~~أخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها إلى أن بين ذلك جبريل للنبي (ص)، بعد ذلك، ~~وبين النبي (ص)، ذلك لغيره بعد بيان جبريل له. # وكذلك نزل قوله تعالى * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) مطلقا، ثم بين ~~النبي (ص)، بعد ذلك مقدار الواجب وصفته في النقود والمواشي وغيرها من أموال ~~الزكاة شيئا فشيئا. # وكذلك نزل قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) ~~المائدة: 38) ثم بين بعد ذلك ما يجب القطع بسرقته في مقداره وصفته على ~~التدريج. وكذلك نزل قوله تعالى: # * (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) * (9) التوبة: 41) ثم نزل تخصيصه بقوله ~~تعالى: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) * (9) التوبة: 91) إلى غير ذلك ~~من الأوامر العامة التي لم تبين تفاصيلها إلا بعد مدد. # فإن قيل: المؤخر في جميع هذه الأوامر إنما هو البيان التفصيلي، وليس فيها ~~ما يدل على تأخير البيان الاجمالي. كيف وإن الامر إما أن يكون على الفور، ~~أو التراخي، وتمام الاشكال ما سبق. # قلنا: وجواب الاشكالين أيضا ما سبق. وأيضا فإن العمومات الواردة في البيع ~~والنكاح والإرث وردت مطلقة، والنبي (ص)، بين بعد ذلك على التدريج ما يصح ~~بيعه وما لا يصح، ومن يحل نكاحها ومن لا يحل، وصفات العقود وشروطها، ومن ~~يرث ومن لا يرث، ومقادير المواريث شيئا فشيئا. ومن نظر في جميع عمومات ~~القرآن والسنة وجدها كذلك. # وأيضا فإنه لما نهى النبي (ص)، عن المزابنة، وشكا الأنصار إليه بعد ms533 ذلك، ~~رخص لهم في العرايا، وهي نوع من المزابنة، مع أنه لم ينقل أنه اقترن بنهيه ~~عن ذلك بيان مجمل ولا مفصل، وهو لا يخلو إما أن يكون ذلك نسخا أو تخصيصا ~~وعلى كلا التقديرين فهو حجة على المخالف فيه. PageV03P043 # وأما من جهة المعقول فهو أنه لو امتنع تأخير البيان، لم يخل إما أن يكون ~~ذلك ممتنعا لذاته أو لأمر من خارج. # لا جائز أن يكون لذاته، فإنا لو فرضناه واقعا، لا يلزم عنه المحال لذاته ~~وإن كان لأمر خارج، فلا يخفى أنه لا فارق بين حالة وجود البيان وعدمه سوى ~~علم المكلف بالمراد من الكلام، حالة وجود البيان، وجهله به حالة عدمه. # فلو امتنع تأخير البيان، لكان لما قارنه من جهل المكلف بالمراد، ولو كان ~~كذلك لامتنع تأخير بيان النسخ، لما فيه من الجهل بمراد الكلام الدال بوضعه ~~على تكرر الفعل على الدوام، واللازم ممتنع فالملزوم ممتنع. # وهذه الطريقة لازمة على كل من منع من تأخير بيان المجمل والعام والمقيد ~~وكل ما أريد به غير ما هو ظاهر فيه. وجوزه في النسخ، كالجبائي وأبي هاشم ~~والقاضي عبد الجبار وغيرهم. # اعترض القاضي عبد الجبار، وقال الفرق بين تأخير بيان النسخ وتأخير بيان ~~المجمل هو أن تأخير بيان النسخ مما لا يخل بالتمكن من الفعل في وقته، بخلاف ~~بيان صفة العبادة، فإنه لا يتأتى معه فعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها ~~والفرق بين تأخير بيان تخصيص العموم وتأخير بيان النسخ من وجهين. # الأول: أن الخطاب المطلق الذي أريد نسخه معلوم أن حكمه، مرتفع لعلمنا ~~بانقطاع التكليف، ولا كذلك المخصوص. # الثاني: أن تأخير بيان تخصيص العموم، مع تجويز إخراج بعض الأشخاص منه من ~~غير تعيين، مما يوجب الشك في كل واحد من أشخاص المكلفين، هل هو مراد ~~بالخطاب أم لا. ولا كذلك في تأخير بيان النسخ. # وجواب الفرق بين الاجمال والنسخ أن وقت العبادة إنما هو وقت دعو الحاجة ~~إليها، لا قبل ذلك، ووقت الحاجة إليها فالبيان لا يكون متأخرا عنه، فلا ms534 ~~يلزم من تأخير بيان صفة العبادة عنها في غير وقتها، ووجوده في وقتها تعذر ~~الاتيان بالعبادة في وقتها. # وجواب الفرق الأول: بين العموم والنسخ هو أن حكم الخطاب المطلق، وإن علم ~~ارتفاعه بانقطاع التكليف، فذلك مما يعم التخصيص والنسخ، لعلمنا بانقطاع ~~PageV03P044 # التكليف بالموت في الحالتين. وإنما الخلاف فيما قبل حالة الموت، مع وجود ~~الدليل الظاهر المتناول لكل الأشخاص واللفظ الظاهر المتناول لجميع أوقات ~~الحياة. وعند ذلك، إذا جاز رفع حكم الخطاب الظاهر المتناول لجميع الأوقات، ~~مع فرض الحياة والتمكن منه من غير دليل مبين في الحال، جاز تخصيص بعض من ~~تناوله اللفظ بظهوره مع التمكن من غير دليل مبين في الحال أيضا، لتعذر ~~الفرق بين الحالتين. # وجواب الفرق الثاني: أن تأخير بيان التخصيص، وإن أوجب التردد في كل واحد ~~من أشخاص المكلفين أنه داخل تحت الخطاب أم لا، فتأخير بيان النسخ عندما إذا ~~أمر بعبادة متكررة في كل يوم مما يوجب التردد في أن العبادة في كل يوم عدا ~~اليوم الأول، هل هي داخلة تحت الخطاب العام لجميع الأيام أم لا. وإذا جاز ~~ذلك في أحد الطرفين، جاز في الطرف الآخر ضرورة تعذر الفرق. # وكذلك أيضا فإنه إذا أمر بعبادة في وقت مستقبل أمرا عاما، فإن من شخص إلا ~~ويحتمل احترامه قبل دخول ذلك الوقت، ويخرج بذلك عن دخوله تحت الخطاب العام. ~~وذلك مما يوجب التردد في كل واحد واحد من الأشخاص هل هو داخل تحت ذلك ~~الخطاب إذا لم يرد البيان به، ومع ذلك فإنه غير ممتنع إجماعا. # شبه المخالفين، منها ما يختص بتأخير بيان المجمل، ومنها ما يختص بتأخير ~~بيان ماله ظاهر أريد به غير ما هو ظاهر فيه. # أما الشبه الخاصة بالمجمل فشبهتان: # الأولى: أنه لا فرق بين الخطاب باللفظ المجمل الذي لا يعرف له مدلول من ~~غير بيان، وبين الخطاب بلغة يضعها المخاطب مع نفسه من غير بيان. وعند ذلك ~~فإما أن يقال بحسن المخاطبة بهما، أو بأحدهما دون الآخر، أو لا بواحد ~~منهما: # الأول يلزم ms535 منه حسن المخاطبة بما وضعه مع نفسه من غير بيان، وهو في غاية ~~الجهالة والثاني أيضا ممتنع لعدم الأولوية، والثالث هو المطلوب. # الشبهة الثانية: أن المقصود من الخطاب إنما هو التفاهم والمجمل الذي لا ~~يعرف مدلوله من غير بيان له في الحال لا يحصل منه التفاهم، فلا يكون مفيدا، ~~وما لا فائدة فيه لا تحسن المخاطبة به، لكونه لغوا، وهو قبيح من الشارع، ~~كما لو خاطب بكلمات مهملة لم توضع في لغة من اللغات لمعنى على أن يبين ~~المراد منها بعد ذلك. PageV03P045 # وأما الشبه الخاصة بما استعمل من الظواهر في غير ما هو ظاهر فيه، فثلاث ~~شبه: # الأولى: إنه إن جاز الخطاب بمثل ذلك من غير بيان له في الحال، فإما أن ~~يقال بجواز تأخير بيانه إلى مدة معينة، فهو تحكم لم يقل به قائل. وإن كان ~~ذلك إلى غير نهاية، فيلزم منه بقاء المكلف عاملا أبدا بعموم قد أريد به ~~الخصوص، وهو في غاية التجهيل. # الثانية: أنه إذا خاطب الشارع بما يريد به غير ظاهره، فإما أن لا يكون ~~مخاطبا لنا في الحال، أو يكون مخاطبا لنا به حالا: # الأول خلاف الاجماع، وإن كان الثاني، فلا بد وأن يكون قاصدا لتفهيمنا ~~بخطابه حالا، وإلا خرج عن كونه مخاطبا لنا حالا، وهو خلاف الفرض وبيان لزوم ~~ذلك أن المعقول من قول القائل خاطب فلان فلانا أنه قصد تفهيمه كلامه له. ~~وإذا كان قاصدا للتفهيم في الحال، فإن قصد تفهيم ما هو الظاهر من كلامه، ~~فقد قصد تجهيلنا، وهو قبيح، وإن قصد تفهيم ما هو المراد منه، فقد قصد ما لا ~~سبيل لنا إليه دون البيان، وهو أيضا قبيح. # الثالثة: أنه لو جاز أن يخاطبنا بالعموم ويريد به الخصوص من غير بيان له ~~في الحال، لتعذر معرفة المراد من كلامه مطلقا، وذلك لان ما من لفظ يبين به ~~المراد إلا ويجوز أن يكون قد أراد به غير ما هو الظاهر منه ولم يبينه لنا، ~~وذلك مما يخل بمقصود الخطاب مطلقا، وهو ms536 ممتنع. # والجواب عن الشبهة الأولى بالفرق، وهو أن اللفظ المجمل، وإن لم يعلم منه ~~المراد بعينه، فقد علم المكلف أنه مخاطب بأحد مدلولاته المعينة المفهومة له ~~وبذلك يتحقق اعتقاده للوجوب والعزم على الفعل بتقدير البيان والتعيين، فكان ~~مفيدا بخلاف الخطاب، بما لا يفهم منه شئ أصلا كما فرضوه. # وبهذا يكون جواب الشبهة الثانية. # وعن الشبهة الثالثة: أن تأخير البيان إنما يجوز إلى الوقت الذي تدعو ~~الحاجة فيه إلى البيان، وذلك لا يكون إلا معينا في علم الله تعالى: ويجوز ~~أن يكون معلوما للرسول بإعلام الله تعالى له. وعند ذلك، فأي وقت وجب على ~~المكلف العمل PageV03P046 # بمدلول اللفظ فيه، فذلك هو وقت الحاجة إلى البيان، والبيان لا يكون إذ ~~ذاك متأخرا لما فيه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقبل وقت الوجوب، فلا ~~عمل للمكلف، حتى يقال بأنه عامل بعموم أريد به الخصوص، بل غايته أنه يعتقد ~~ذلك ولا امتناع فيه، كما لو أمر بعبادة متكررة كل يوم، فإنه لا يمتنع ~~اعتقاده لعموم ذلك في جميع الأيام، مع جواز نسخها في المستقبل وإن لم يرد ~~بذلك بيان، وكل ما يعتذر به في النسخ فهو عذر لنا ها هنا. # وعن الشبهة الرابعة من وجهين: # الأول: أنه، وإن لزم من كونه مخاطبا لنا أن يكون قاصدا لتفهيمنا في ~~الحال، لكن لا لنفس ما هو الظاهر من كلامه فقط، ولا لنفس مراده من كلامه ~~فقط، بل يفهم ما هو الظاهر من كلامه مع تجويز تخصيصه، وليس في ذلك تجهيل ~~ولا إحالة وذلك مما لا يمنع ورود المخصص بعد ذلك، وإلا لما كان مجوز ~~التخصيص، وهو خلاف الفرض. # الثاني: أنه يلزم على ما ذكروه، الخطاب مما علم الله أنه سينسخه، فإن ~~جميع ما ذكر من الأقسام بعينها متحققة فيه، ومع ذلك جاز الخطاب به مع تأخير ~~بيانه. # وعن الخامسة من وجهين: # الأول: أنه لا يمتنع أن يكون البيان: إما بدليل قاطع لا يسوغ فيه احتمال ~~التأويل أو ظني اقترن به من القرائن ما أوجب العلم ms537 بمدلول كلامه. # الثاني: أنه يلزم على ما ذكروه، الخطاب الوارد الذي علم الله نسخ حكمه مع ~~تأخير البيان عنه، والجواب يكون متحدا. PageV03P047 # المسألة الخامسة الذين منعوا من تأخير بيان المراد من الخطاب عن وقت ~~الخطاب اختلفوا في جواز تأخير تبليغ ما أوحي به إلى النبي (ص)، من الاحكام ~~والعبادات إلى وقت الحاجة إليه وأكثر المحققين على جوازه، وهو الحق لأنه لو ~~امتنع، لم يخل. # إما أن يمتنع لذاته، أو لمعنى من خارج: الأول محال، فإنه لا يلزمه من فرض ~~وقوعه لذاته محال، وإن كان ذلك لأمر من خارج، فالأصل عدمه كيف وإن تأخيره ~~يحتمل أن يكون فيه مصلحة في علم الله تقتضي التأخير. # ولهذا لو صرح الشارع بذلك، لما كان ممتنعا ويحتمل أن يكون فيه مفسدة ~~مانعة من التأخير، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. # فإن قيل: الامتناع من التأخير إنما هو لمعنى خارج عن ذاته، وهو قوله ~~تعالى: # * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) * (5) المائدة: 67) وظاهر الامر ~~للوجوب. # قولكم: يحتمل وجود مفسدة في التقديم، ومصلحة في التأخير، وليس أحد ~~الامرين أولى من الآخر. # قلنا: فهذا كما لا يمكن معه الجزم بامتناع التأخير، فلا يمكن معه الجزم ~~بجواز التأخير الذي هو مذهبكم. # وجواب الأول: أنا، وإن سلمنا أن قوله تعالى * (بلغ) * أمر، ولكن لا نسلم ~~أنه للوجوب (1) وإن سلمنا أنه للوجوب، ولكن لا نسلم أن مطلق الامر يقتضي ~~الفور، على ما تقدم تقريره. وإن سلمنا أنه على الفور، غير أنا لا نسلم أنه ~~يتناول تبليغ الاحكام التي وقع الخلاف فيها، وإنما هو دال على تبليغ ما ~~أنزل من لفظ القرآن، إذ هو المفهوم من لفظ المنزل. # وجواب الثاني: أنه إذا وقع التردد بين المصلحة والمفسدة، تساقطا، وبقينا ~~على أصل الجواز العقلي. # PageV03P048 # المسألة السادسة الذين اتفقوا على امتناع تأخير البيان إلى وقت الحاجة، ~~اختلفوا في جواز إسماع الله تعالى للمكلف العام دون إسماعه للدليل المخصص ~~له (1). # فذهب الجبائي وأبو الهذيل (2) إلى امتناع ذلك في الدليل المخصص السمعي، ~~وأجازا أن يسمعه ms538 العام المخصص بدليل العقل، وإن لم يعلم السامع دلالته على ~~التخصيص. # وذهب أبو هاشم والنظام وأبو الحسين البصري إلى جواز إسماع العام من لم ~~يعرف الدليل المخصص له، وسواء كان المخصص سمعيا أو عقليا. وهو الحق لوجهين: # الأول: إنا قد بينا جواز تأخير المخصص عن الخطاب، إذا كان سمعيا، مع أن ~~عدم سماعه لعدمه في نفسه، أتم من عدم سماعه مع وجوده في نفسه. فإذا جاز ~~تأخير المخصص، فجواز تأخير إسماعه مع وجوده أولى. # الثاني: هو أن وقوع ذلك يدل على جوازه، ودليله إسماع فاطمة قوله تعالى: # * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) * (4) النساء: 11) مع ~~أنها لم تسمع بقوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة إلا بعد ~~حين. وكذلك أسمعت الصحابة قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: ~~5) ولم يسمع أكثرهم الدليل المخصص للمجوس، وهو قوله (ص): # سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلا بعد حين، إلى وقائع كثيرة غير محصورة. # وكل ما يتشبث به الخصوم في المنع من ذلك فغير خارج عما ذكرناه لهم من ~~الشبه في المسألة المتقدمة، وجوابها ما سبق مع أنه منتقض بجواز إسماعه ~~العام مع عدم معرفته بالدليل المخصص، إذا كان عقليا. # المسألة السابعة اختلف المجوزون لتأخير البيان عن وقت الخطاب العام في ~~جواز التدريج في البيان: # فمنع منه قوم، مصيرا منهم إلى أن تخصيص البعض بالتنصيص على إخراجه دون ~~غيره يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي، وامتناع التخصيص بشئ آخر وهو # PageV03P049 # تجهيل للمكلف، وإنما ينتفي هذا التجهيل بالتنصيص على كل ما هو خارج عن ~~العموم. # ومذهب المحققين منهم خلاف ذلك. ودليل جوازه، وقوعه وبيان وقوعه، قوله ~~تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) فإنه عام ~~في كل سارق. ومع ذلك فإن تخصيصه بما خصص به من ذكر نصاب السرقة أولا، وعدم ~~الشبهة ثانيا، وقع على التدريج وكذلك قوله تعالى: * (ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) خصص أولا بتفسير ~~الاستطاعة بذكر الزاد والراحلة، ثم بذكر الامن في الطريق والسلامة من ms539 طلب ~~الخفارة ثانيا. # وكذلك قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) أخرج منه أهل ~~الذمة أولا، ثم العسيف والمرأة ثانيا. # وكذلك آية الميراث أخرج منها ميراث النبي (ص)، والقاتل والكافر، وكل ذلك ~~على التدريج، إلى غير ذلك من العمومات المخصصة. ولولا جوازه لما وقع. # والقول بأن تخصيص البعض بالذكر يوهم نفي تخصيصه بشئ آخر ليس كذلك فإن ~~الاقتصار على الخطاب العام دون ذكر المخصص، مع كونه ظاهرا في التعميم ~~بلفظه، إذا لم يوهم المنع من التخصيص، فإخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، مع ~~أنه لا دلالة له على إثبات غير ذلك البعض بلفظه، أولى أن لا يكون موهما ~~لمنع التخصيص. # المسألة الثامنة إذا ورد لفظ عام بعبادة أو غيرها، قبل دخول وقت العمل به ~~قال أبو بكر الصيرفي: يجب اعتقاد عمومه جزما قبل ظهور المخصص، وإذا ظهر ~~المخصص، تغير ذلك الاعتقاد، وهو خطأ: فإن احتمال إرادة الخصوص به قائم، ~~ولهذا، لو ظهر المخصص، لما كان ذلك ممتنعا، ووجب اعتقاد الخصوص. وما هذا ~~شأنه فاعتقاد عمومه جزما قبل الاستقصاء في البحث عن مخصصه وعدم الظفر به ~~على وجه تركن النفس إلى عدمه، يكون ممتنعا، فإذا لا بد في الجزم باعتقاد ~~عمومه من اعتقاد انتفاء مخصصه بطريقه، ومع ذلك لا نعرف خلافا بين الأصوليين ~~في امتناع العمل بموجب اللفظ العام قبل البحث عن المخصص، وعدم الظفر به، ~~لكن اختلفوا: # فذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين إلى امتناع العمل به واعتقاد ~~PageV03P050 # عمومه إلا بعد القطع بانتفاء المخصص، وإلا فالجزم بعمومه، والعمل به مع ~~احتمال وجود المعارض ممتنع. قال: ومعرفة انتفاء المخصص بطريق القطع ممكن، ~~وذلك بأن تكون المسألة المتمسك بالعموم فيها مما كثر الخلاف فيها بين ~~العلماء، وطال النزاع فيما بينهم فيها، ولم يطلع أحد منهم على موجب ~~للتخصيص، مع كثرة بحثهم واستقصائهم. ولو كان ثم شئ، لاستحال أن لا يعرف ~~عادة، ولأنه لو كان المراد بالعموم الخصوص، لاستحال أن لا ينصب الله تعالى ~~عليه دليلا، ويبلغه للكلفين. # وذهب ابن سريج وإمام الحرمين والغزالي ms540 وأكثر الأصوليين إلى امتناع اشتراط ~~القطع في ذلك، وهو المختار. # وذلك، لأنه لا طريق إلى معرفة ذلك بغير البحث والسبر، وهو غير يقيني، ~~والقول بأنه لو كان ثم مخصص لأطلع عليه العلماء غير يقيني، لجواز وجوده مع ~~عدم اطلاع أحد من العلماء عليه (1) وبتقدير اطلاع بعضهم عليه، فنقله له ~~أيضا غير قاطع، بل غايته أن يكون ظنيا. # كيف وإنه ليس كل ما ورد فيه العام مما كثر خوض العلماء فيه وبحثهم عنه ~~ليصح ما قيل. # والقول بأنه لو كان المراد بالعام الخصوص، لنصب الله تعالى عليه دليلا، ~~غير مسلم (2) وبتقدير نصبه للدليل، لا نسلم لزوم اطلاع المكلفين عليه. ~~وبتقدير ذلك، لا نسلم لزوم نقلهم له، (3) وإذا لم يكن إلى القطع بذلك طريق، ~~فلو شرط ذلك في العمل بالعموم لتعطلت العمومات بأسرها وإذا عرف، أنه لا بد ~~من الظن بانتفاء المخصص، فالحد الذي يجب العمل بالعموم عنده أن يبحث عن ~~المخصص بحثا يغلب على ظنه عدمه، وأنه لو بحث عنه ثانيا وثالثا، كان بحثه ~~غير مفيد. # وعلى هذا، يكون الكلام في العمل بكل دليل مع معارضه. # PageV03P051 # الصنف التاسع - في الظاهر وتأويله ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة، ففي تحقيق معنى الظاهر والتأويل. # أما الظاهر: فهو في اللغة عبارة عن الواضح المنكشف ومنه يقال: ظهر الامر ~~الفلاني، إذا اتضح وانكشف، وفي لسان المتشرعة، قال الغزالي: اللفظ الظاهر ~~هو الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع، وهو غير جامع مع اشتماله ~~على زيادة مستغنى عنها. أما أنه غير جامع، فلانه يخرج منه ما فيه أصل الظن ~~دون غلبة الظن مع كونه ظاهرا. ولهذا، يفرق بين قول القائل: ظن، وغلبة ظن، ~~ولأن غلبة الظن ما فيه أصل الظن وزيادة. # وأما اشتماله على الزيادة المستغنى عنها فهي قوله: من غير قطع فإن من ~~ضرورة كونه مفيدا للظن أن لا يكون قطعيا. # والحق في ذلك أن يقال: اللفظ الظاهر ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو ~~العرفي ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا . وإنما قلنا: ms541 (ما دل على معنى بالوضع ~~الأصلي أو العرفي) احترازا عن دلالته على المعنى الثاني، إذا لم يصر عرفيا، ~~كلفظ الأسد في الانسان وغيره. # وقولنا: (ويحتمل غيره) احتراز عن القاطع الذي لا يحتمل التأويل. # وقولنا: (احتمالا مرجوحا) احتراز عن الألفاظ المشتركة. # وهو منقسم إلى ما هو ظاهر بحكم الوضع الأصلي، كإطلاق لفظ الأسد بإزاء ~~الحيوان المخصوص، وإلى ما هو ظاهر بحكم عرف الاستعمال، كإطلاق لفظ الغائط ~~بإزاء الخارج المخصوص من الانسان. # وأما التأويل: ففي اللغة مأخوذ من آل يؤل، أي رجع، ومنه قوله تعالى: # * (ابتغاء تأويله) * (3) آل عمران: 7) أي ما يؤول إليه، ومنه يقال: تأول ~~فلان الآية الفلانية، أي نظر إلى ما يؤول إليه معناها. # وأما في اصطلاح المتشرعة، قال الغزالي: التأويل عبارة عن احتمال يعضده ~~دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر، وهو غير صحيح ~~PageV03P052 # أما أولا، فلان التأويل ليس هو نفس الاحتمال الذي حمل اللفظ عليه بل هو ~~نفس حمل اللفظ عليه، وفرق بين الامرين وأما ثانيا، فلانه غير جامع، فإنه ~~يخرج منه التأويل بصرف اللفظ عما هو ظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع غير ظني، ~~حيث قال: يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر ~~وأما ثالثا، فلانه أخذ في حد التأويل من حيث هو تأويل، وهو أعم من التأويل ~~بدليل، ولهذا يقال: تأويل بدليل، وتأويل من غير دليل. فتعريف التأويل على ~~وجه يوجد معه الاعتضاد بالدليل لا يكون تعريفا للتأويل المطلق، اللهم إلا ~~أن يقال: # إنما أراد تعريف التأويل الصحيح دون غيره. # والحق في ذلك أن يقال، أما التأويل، من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن ~~الصحة والبطلان، هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتماله له. # وأما التأويل المقبول الصحيح فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع ~~احتماله له بدليل يعضده. # وإنما قلنا: (حمل اللفظ على غير مدلوله) احترازا عن حمله على نفس مدلوله. # وقولنا: (الظاهر منه) احتراز عن صرف اللفظ ms542 المشترك من أحد مدلوليه إلى ~~الآخر، فإنه لا يسمى تأويلا. # وقولنا: (مع احتماله له) احتراز عما إذا صرف اللفظ عن مدلوله الظاهر إلى ~~ما لا يحتمله أصلا، فإنه لا يكون تأويلا صحيحا. # وقولنا: (بدليل يعضده) احترازا عن التأويل من غير دليل، فإنه لا يكون ~~تأويلا صحيحا أيضا. # وقولنا: (بدليل يعم القاطع والظني) وعلى هذا فالتأويل لا يتطرق إلى النص ~~ولا إلى المجمل، وإنما يتطرق إلى ما كان ظاهرا لا غير (1). # وإذا عرف معنى التأويل فهو مقبول معمول به، إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل ~~علماء الأمصار في كل عصر من عهد الصحابة إلى زمننا عاملين به من غير نكير. # PageV03P053 # وشروطه أن يكون الناظر المتأول أهلا لذلك، وأن يكون اللفظ قابلا للتأويل ~~بأن يكون اللفظ ظاهرا فيما صرف عنه محتملا لما صرف إليه، وأن يكون الدليل ~~الصارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله، ليتحقق صرفه ~~عنه إلى غيره، وإلا فبتقدير أن يكون مرجوحا، لا يكون صارفا ولا معمولا به ~~اتفاقا وإن كان مساويا لظهور اللفظ في الدلالة من غير ترجيح، فغايته إيجاب ~~التردد بين الاحتمالين على السوية، ولا يكون ذلك تأويلا، غير أنه يكتفى ~~بذلك من المعترض إذا كان قصده إيقاف دلالة المستدل، ولا يكتفى به من ~~المستدل دون ظهوره، وعلى حسب قوة الظهور وضعفه وتوسطه، يجب أن يكون التأويل ~~وتمام كشف ذلك بمسائل ثمان: # المسألة الأولى قوله (ص) لغيلان، وقد أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا، ~~وفارق سائرهن (1) وقوله لفيروز الديلمي، وقد أسلم على أختين: أمسك أيتهما ~~شئت، وفارق الأخرى (2) أمر بالامساك، وهو ظاهر في استصحاب النكاح، وقد ~~تأوله أصحاب أبي حنيفة بثلاث تأويلات: # الأول: أنهم قالوا: يحتمل أنه أراد بالامساك ابتداء النكاح، ويكون معنى ~~قوله: أمسك أربعا أي انكح منهن أربعا وأراد بقوله: وفارق سائرهن لا تنكحهن. # PageV03P054 # الثاني: أنهم قالوا: يحتمل أن النكاح في الصورتين كان واقعا في ابتداء ~~الاسلام قبل حصر عدد النساء في أربع وتحريم نكاح الأختين، فكان ذلك واقعا ~~على وجه الصحة، ms543 والباطل من أنكحة الكفار ليس إلا ما كان مخالفا لما ورد به ~~الشرع حال وقوعها. # الثالث: أنهم قالوا: يحتمل أنه أمر الزوج باختيار أوائل النساء وهذه ~~التأويلات، وإن كانت منقدحة عقلا، غير أن ما اقترن بلفظ الامساك من القرائن ~~دارئة لها. أما التأويل الأول فمن وجوه: # الأول: أن المتبادر إلى الفهم من لفظ (الامساك) إنما هو الاستدامة دون ~~التجديد. # الثاني أنه فوض الامساك والفراق إلى خيرة الزوج، وهما غير واقعين بخيرته ~~عندهم، لوقوع الفراق بنفس الاسلام وتوقف النكاح على رضا الزوجة. # الثالث: أنه لم يذكر شروط النكاح مع دعو الحاجة إلى معرفة ذلك لقرب عهدهم ~~بالاسلام. # الرابع: أنه أمر الزوج بإمساك أربع من العشر، وواحدة من الأختين، ~~وبمفارقة الباقي، والامر إما للوجوب، أو الندب ظاهرا على ما تقدم، وحصر ~~التزويج في العشرة وفي الأختين ليس واجبا ولا مندوبا، والمفارقة ليست من ~~فعل الزوج، حتى يكون الامر متعلقا بها. # الخامس: هو أن الظاهر من الزوج المأمور إنما هو امتثال أمر النبي (ص)، ~~بالامساك، ولم ينقل أحد من الرواة تجديد النكاح في الصور المذكورة. # السادس: هو أن الزوج إنما سأل عن الامساك بمنى الاستدامة، لا بمعنى تجديد ~~النكاح وعن الفراق بمعنى انقطاع النكاح. والأصل في جواب الرسول (ص) أن يكون ~~مطابقا للسؤال. # وأما التأويل الثاني فبعيد أيضا، لأنه لو لم يكن الحصر ثابتا في ابتداء ~~الاسلام لما خلا ابتداء الاسلام عن الزيادة على الأربع عادة، وعن الجمع بين ~~الأختين، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ذلك في ابتداء الاسلام، ولو وقع، ~~لنقل. # وقوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) * (4) النساء: ~~23) قال أهل التفسير: المراد به ما سلف في الجاهلية قبل بعثة النبي (ص). ~~ولهذا قال: * (إنه كان فاحشة ومقتا، وساء سبيلا) * (4) النساء: 22). ~~PageV03P055 # وأما التأويل الثالث فيدرؤه قوله (ص)، لزوج الأختين: أمسك أيتهما شئت، ~~وفارق الأخرى وقوله لواحد كان قد أسلم على خمس نسوة: اختر منهن أربعا وفارق ~~واحدة (1) قال المأمور بذلك: فعمدت إلى أقدمهن عندي، ففارقتها. # المسألة الثانية ومن ms544 جملة التأويلات البعيدة ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في ~~قوله (ص): في أربعين شاة شاة (2) من أن المراد به مقدار قيمة الشاة، وذلك ~~لان قوله: في أربعين شاة شاة قوي الظهور في وجوب الشاة عينا، حيث إنه خصصها ~~بالذكر، ولا بد في ذلك من إضمار حكم، وهو إما الندب أو الوجوب، وإضمار ~~الندب ممتنع لعدم اختصاص الشاة الواحدة من النصاب به، فلم يبق غير الواجب. # ولا يخفى أنه يلزم من تأويل ذلك بالحمل على وجوب مقدار قيمة الشاة بناء ~~على أن المقصود إنما هو دفع حاجات الفقراء وسد خلاتهم جواز دفع القيمة، ~~وفيه رفع الحكم، وهو وجوب الشاة بما استنبط منه من العلة، وهي دفع حاجات ~~الفقراء واستنباط العلة من الحكم (3) إذا كانت موجبة لرفعه، كانت باطلة. # ومما يلتحق من التأويلات بهذا التأويل (4) ما يقوله بعض الناس في قوله ~~تعالى: # * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * (9) التوبة: 60) الآية، من جواز ~~الاقتصار على البعض نظرا إلى أن المقصود من الآية إنما هو دفع الحاجة في ~~جهة من الجهات المذكورة، لا دفع # PageV03P056 # الحاجة عن الكل، لان الآية (1) ظاهرة في استحقاق جميع الأصناف المذكورة ~~للصدقة، حيث إنه أضافها إليهم بلام التمليك في عطف البعض على البعض بواو ~~التشريك، وما استنبط من هذا الحكم من العلة يكون رافعا لحكم المستنبط من ~~هذا الحكم من العلة يكون رافعا لحكم المستنبط من، فلا يكون صحيحا. # وما يقال من أن مقصود الآية إنما هو بيان مصارف الزكاة وشروط الاستحقاق، ~~فنحن، وإن سلمنا كون ذلك مقصودا من الآية، فلا نسلم أنه لا مقصود منها ~~سواه، ولا منافاة بين كون ذلك مقصودا، وكون الاستحقاق بصفة التشريك مقصودا ~~وهو الأولى موافقة لظاهر الإضافة بلام التمليك، والعطف بواو التشريك. ويقرب ~~من هذا التأويل أيضا ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في قوله تعالى: # * (فإطعام ستين مسكينا) * (58) المجادلة: 4) من أن المراد به إطعام طعام ~~ستين مسكينا، مصيرا منهم إلى أن المقصود إنما هو دفع الحاجة، ولا فرق في ~~ذلك بين دفع حاجة ستين مسكينا ودفع ms545 حاجة مسكين واحد في ستين يوما، وهو بعيد ~~أيضا، وذلك لان قوله تعالى: # * (فإطعام) * (58) المجادلة: 4) فعل لا بد له من مفعول يتعدى إليه. ~~وقوله: * (ستين مسكينا) * (58) المجادلة: 4) صالح أن يكون مفعول الاطعام، ~~وهو مما يمكن الاستغناء به مع ظهوره، والطعام، وإن كان صالحا أن يكون هو ~~مفعول الاطعام، إلا أنه غير ظاهر ومسكوت عنه، فتقدير حذف المظهر، وإظهار ~~المفعول المسكوت عنه بعيد في اللغة، والواجب عكسه. # وإذا كان ذلك ظاهرا في وجوب رعاية العدد فيما استنبط منه يكون موجبا ~~لرفعه فكان ممتنعا، كيف وانه لا يبعد ان يقصد الشارع مع ذلك رعاية العدد ~~دفعا لحاجة ستين مسكينا، نظرا للمكفر بما يناله من دعائهم له، واغتنامه ~~لبركتهم (2). # وقلما يخلو جمع من المسلمين عن ولي من أولياء الله تعالى يكون مستجاب ~~الدعوة، مغتنم الهمة. وذلك في الواحد المعين مما يندر. # PageV03P057 # المسألة الثالثة قوله (ص): أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، ~~فنكاحها باطل باطل باطل (1)، صدر الكلام (بأي وما) في معرض الشرط والجزاء ~~وذلك من أبلغ أدوات العموم عند القائلين به، وأكده بالبطلان مرة بعد مرة ~~ثلاث مرات، وهو من أبلغ ما يدل به الفصيح المصقع على التعميم والبطلان. # وقد طرق إليه أصحاب أبي حنيفة ثلاث تأويلات الأول: أنه يحتمل أنه أراد ~~بالمرأة، الصغيرة. # الثاني: أنه وإن أراد بها الكبيرة، فيحتمل أنه أراد بها الأمة والمكاتبة. # الثالث: أنه يحتمل أنه أراد ببطلان النكاح، مصيره إلى البطلان غالبا، ~~بتقدير اعتراض الأولياء عليها، إذا زوجت نفسها من غير كفوء. # وهذه التأويلات مما لا يمكن المصير إليها في صرف هذا العموم القوي ~~المقارب للقطع، عن ظاهره. # أما الحمل على الصغيرة فمن جهة أنها لا تسمى امرأة في وضع اللسان، ولأن ~~النبي (ص)، حكم بالبطلان ونكاح الصغيرة لنفسها دون إذن وليها، صحيح عندهم، ~~موقوف على إجازة الولي. # وأما الحمل على الأمة، فيدرأه قوله (ص): فإن مسها فلها المهر بما استحل ~~من فرجها ومهر الأمة ليس لها بل لسيدها. # وأما الحمل على المكاتبة فبعيد أيضا من جهة ms546 أنها بالنسبة إلى جنس النساء ~~نادرة، واللفظ المذكور من أقوى مراتب العموم وليس من الكلام العربي إطلاق ~~ما هذا شأنه، وإرادة ما هو في غاية الندرة والشذوذ، ولهذا فإنه لو قال ~~السيد لعبده: # أيما امرأة لقيتها اليوم فأعطها درهما وقال: إنما أردت به المكاتبة كان ~~منسوبا إلى الألغاز في القول وهجر الكلام. وعلى هذا، فلا نسلم صحة ~~الاستثناء بحيث لا يبقى غير الأقل النادر من المستثنى منه، كما سبق تقريره، ~~ولا فرق بين البابين. # PageV03P058 # وأما حمل بطلان النكاح على مصيره إلى البطلان، فبعيد من وجهين: # الأول أن مصير العقد إلى البطلان، من أندر ما يقع، والتعبير باسم الشئ ~~عما يؤول إليه، إنما يصح فيما إذا كان المآل إليه قطعا، كما في قوله تعالى: ~~* (إنك ميت، وإنهم ميتون) * (39) الزمر: 30) أو غالبا كما فتسمية العصير ~~خمرا في قوله تعالى: * (أراني أعصر خمرا) * (12) يوسف: 36) الثاني قوله: ~~فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها ولو كان العقد واقعا صحيحا، لكان ~~المهر لها بالعقد لا بالاستحلال. # المسألة الرابعة ومن التأويلات البعيدة قول أصحاب أبي حنيفة في قوله (ص): ~~لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل إن المراد به صوم القضاء والنذر، من ~~حيث (1) إن الصوم نكرة، وقد دخل عليه حرف النفي، فكان ظاهره العموم في كل ~~صوم. والمتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنما هو الصوم الأصلي المتخاطب به ~~في اللغات، وهو الفرض والتطوع (2) دون ما وجوبه بعارض، ووقوعه نادر، وهو ~~القضاء والنذر. # ولا يخفى أن إطلاق ما هو قوي في العموم، وإرادة ما هو العارض البعيد ~~النادر وإخراج الأصل الغالب منه، إلغاز في القول. # ولهذا، فإنه لو قال السيد لعبده من دخل داري من أقاربي أكرمه وقال: # إنما أردت قرابة السبب دون النسب، أو ذوات الأرحام البعيدة، دون العصبات ~~القريبة، كان قوله منكرا مستبعدا، لكنه مع ذلك لا ينتهض في البعد إلى بعد ~~التأويل في حمل الخبر السابق على الأمة والمكاتبة. # PageV03P059 # المسألة الخامسة ومن التأويلات البعيدة أيضا تأويل قوله (ص): من ملك ms547 ذا ~~رحم محرم عتق عليه (1) فإن ظهور وروده لتأسيس قاعدة، وتمهيد أصل، في سياق ~~الشرط والجزاء، والتنبيه على حرمة الرحم المحرم، وصلته، قوي الظهور في قصد ~~التعميم لكل ذي رحم محرم، وذلك مما يمتنع معه التأويل بالحمل على الأصول ~~والفصول، دون غيرهم، لأنهم قد امتازوا بكونهم على عمود النسب عن غيرهم ممن ~~هو على حواشيه من الأرحام، وذلك موجب لاختصاصهم بالتنصيص عليهم، إظهارا ~~لشرف قربهم ونسابتهم، فلو كان القصد متعلقا بهم دون غيرهم بالذكر، لما عدل ~~عن التنصيص عليهم إلى ما يعم، لما فيه من إسقاط حرمتهم، وإهمال خاصيتهم، ~~ولذلك، فإنه لو قال السيد لعبده: أكرم الناس قاصدا لاكرام أبويه لا غير، ~~كان ذلك من الأقوال المهجورة المستبعدة. # المسألة السادسة ومن التأويلات البعيدة تأويل أبي حنيفة في قوله تعالى: * ~~(واعلموا أنما غنمتم من شئ، فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * (8) ~~الأنفال: 41) حيث إنه قال باعتبار الحاجة مع القرابة وحرمان من ليس بمحتاج ~~من ذوي القربى، وهو بعيد جدا، لان الآية ظاهرة في إضافة الخمس إلى كل ذوي ~~القربى، بلام التمليك والاستحقاق مومئة إلى أن مناط الاستحقاق هو القرابة ~~(2) فإنها مناسبة للاستحقاق، إظهارا لشرفها وإبانة لخطرها، وحيث رتب ~~الاستحقاق على ذكرها في الآية، كان ذلك إيماء إلى التعليل بها، فالمصير بعد ~~ذلك إلى اعتبار الحاجة يكون تخصيصا للعموم، وتركا لما ظهر كونه علة مومى ~~إليها في الآية، وهو صفة القرابة، وتعليلا بالحاجة المسكوت عنها، وهو في ~~غاية البعد. # PageV03P060 # فإن قيل: ما ذكرتموه بعينه لازم على قول الشافعي، باعتبار الحاجة مع ~~اليتم في سياق الآية. # قلنا: المختار من قول الشافعي إنما هو عدم اعتبار الحاجة مع اليتم، ~~وبتقدير القول بذلك، فاعتبار الحاجة إنما كان لان لفظ اليتم مع قرينة إعطاء ~~المال مشعر بها، فاعتبارها يكون اعتبارا لما دل عليه لفظ الآية، لأنه إلغاء ~~له واليتم بمجرده عن اقتران الحاجة به، غير صالح للتعليل، بخلاف القرابة، ~~فإن القرابة بمجردها مناسبة للاكرام باستحقاق خمس الخمس (1) كما ذكرناه، ~~فاعتبار الحاجة معها يكون تركا للعمل بما ms548 ظهر كونه علة وعمل بغيره، وهو ~~مناقضة لا تأويل. # المسألة السابعة ومن التأويلات البعيدة أيضا مصير قوم إلى أن قوله (ص): ~~فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر (2) ليس بحجة في ~~إيجاب العشر ونصف العشر في الخضروات، لان المقصود الذي سيق الكلام لأجله ~~إنما هو الفرق بين العشر ونصف العشر، لا بيان ما يجب فيه العشر ونصف العشر، ~~وهو بعيد أيضا، لان اللفظ عام في كل ما سقت السماء، وسقي بنضح أو دالية ~~بوضع اللغة عند القائلين به، وكون ذلك مما يقصد به الفرق بين العشر ونصف ~~العشر غير مانع من قصد التعميم، إذ لا منافاة بينهما، اللهم إلا أن يبين أن ~~الخبر لم يرد إلا لقصد الفرق وذلك مما لا سبيل إليه. # PageV03P061 # المسألة الثامنة ومن أبعد التأويلات ما يقوله القائلون بوجوب غسل الرجلين ~~في الوضوء في قوله تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * (5) ~~المائدة: 6) من أن المراد به الغسل، وهو في غاية البعد (1) لما فيه من ترك ~~العمل بما اقتضاه ظاهر العطف من التشريك بين الرؤوس والأرجل في المسح من ~~غير ضرورة. # فإن قيل: العطف إنما هو على الوجوه واليدين في أول الآية، وذلك موجب ~~للتشريك في الغسل، وبيان ذلك من وجهين: # الأول: قوله تعالى: * (إلى الكعبين) * قدر المأمور به إلى الكعبين كما ~~قدر غسل اليدين إلى المرفقين، ولو كان الواجب هو المسح لما كان مقدرا كمسح ~~الرأس. # الثاني: ما ورد من القراءة بالنصب من قوله تعالى: * (وأرجلكم) * (5) ~~المائدة: 6) وذلك يدل على العطف على الأيدي دون الرؤوس. # وأما الكسر فإنما كان بسبب المجاورة، فإنها موجبة لاستتباع المجاور، ومنه ~~قول امرئ القيس: # كأن ثبيرا في عرانين ويله * كبير أناس في بجاد مزمل كسر (مزمل) استتباعا ~~لما قبله، وإلا فحقه أن يكون مرفوعا لكونه وصف (كبير) إن سلمنا أن الأرجل ~~معطوفة على الرؤوس غير أنه ليس من شرط العطف الاشتراك بين المعطوف والمعطوف ~~عليه في تفاصيل حكم المعطوف عليه، بل في أصله، كما سبق تقريره، وذلك مما ms549 قد ~~وقع الاشتراك فيه، فإن الغسل والمسح قد اشتركا في أن كل واحد منهما فيه ~~إمساس العضو بالماء، وإن افترقا في خصوص المسح والغسل وذلك كاف في صحة ~~العطف، ودليله قول الشاعر: # ولقد رأيتك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا عطف الرمح على التقلد بالسيف، ~~وإن كان الرمح لا يتقلد وإنما يعتقل به، لاشتراكهما في أصل الحمل. # PageV03P062 # وكذلك عطف الشاعر الماء على التبن في قوله: (وعلفتها تبنا وماء باردا) ~~(1) والماء لا يعلف لاشتراكهما في أصل التناول. # والجواب، قولهم إن العطف إنما هو على الأيدي، فأبعد من كل بعيد، لما فيه ~~من ترك العطف على ما يلي المعطوف إلى ما لا يليه. وأما التقدير بالكعبين ~~فمما لا يمنع من العطف على الرؤوس الممسوحة، وإن لم يكن مسح الرؤوس مقدرا ~~في الآية كما عطف الأيدي على الوجوه في حكم الغسل، وإن كان غسل اليدين ~~مقدرا وغسل الوجوه غير مقدر. # وأما القراءة بالنصب، فإنما كان ذلك عطفا على الموضع، وذلك لان الرؤوس في ~~موضع النصب، بوقوع الفعل عليها، غير أنه لما دخل الخافض على الرؤوس، أوجب ~~الكسر، ومنه قول الشاعر: # معاوي إننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا عطف (الحديد) على موضع ~~(الجبال) إذ هي في موضع نصب، غير أنها خفضت بدخول الجار عليها. # قولهم إن الكسر بسبب المجاورة إنما يصح إذا لم يكن بين المتجاورين فاصل ~~كما ذكروه من الشعر، وأما إذا فصل بينهما حرف العطف فلا. وإن سلمنا جوازه ~~غير أنه مما لا يتحمل إلا لضرورة الشعر، فلا ينتهض موجبا لاتباعه، وترك ما ~~أوجبه العطف. ومثل ذلك، وإن ورد في النثر، كما في قولهم جحر ضب خرب وماء شن ~~بارد فمن النوادر الشاذة التي لا يقاس عليها. # قولهم: إن العطف وإن وقع على الرؤوس، فذلك غير موجب للاشتراك في تفاصيل ~~حكم المعطوف عليه. قلنا: هذا هو الأصل، وإنما يصار إلى خلافه لدليل، ولا ~~دليل، وإنما ذكرنا هذه النبذة من مسائل التأويلات لتدرب المبتدئين بالنظر ~~في أمثالها. # وبالجملة، فالمتبع في ذلك إنما هو ms550 نظر المجتهد في كل مسألة فعليه اتباع ~~ما أوجبه ظنه. # PageV03P063 # القسم الثاني في دلالة غير المنظوم وهو ما دلالته لا بصريح صيغته ووضعه، ~~وذلك لا يخلو إما أن يكون مدلوله مقصودا للمتكلم، أو غير مقصود: # فإن كان مقصودا، فلا يخلو إما أن يتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به ~~عليه، أو لا يتوقف: # فإن توقف، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة الاقتضاء، وإن لم يتوقف فلا يخلو ~~إما أن يكون مفهوما في محل تناوله اللفظ نطقا، أو لا فيه. # فإن كان الأول، فتسمى دلالته دلالة التنبيه والايماء، وإن كان الثاني: ~~فتسمى دلالته دلالة المفهوم. # وأما إن كان مدلوله غير مقصود للمتكلم، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة ~~الإشارة. # فهذه أربعة أنواع: # النوع الأول - دلالة الاقتضاء وهي ما كان المدلول فيه مضمرا، إما لضرورة ~~صدق المتكلم، وإما لصحة وقوع الملفوظ به. # فإن كان الأول، فهو كقوله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه وقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل وقوله عليه ~~السلام: # لا عمل إلا بنية (1) فإن رفع الصوم والخطأ والعمل مع تحققه ممتنع، فلا بد ~~من إضمار نفي حكم يمكن نفيه، كنفي المؤاخذة والعقاب في الخبر الأول، ونفي ~~الصحة أو الكمال في الخبر الثاني، ونفي الفائدة والجدوى في الخبر الثالث ~~ضرورة صدق الخبر. # PageV03P064 # وإما إن كان لصحة الملفوظ به فإما ان تتوقف صحته عليه عقلا أو شرعا. # فإن كان الأول، فكقوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) فإنه لا ~~بد من إضمار أهل القرية لصحة الملفوظ به عقلا (1). # وإن كان الثاني، فكقول القائل لغيره: أعتق عبد ك عني على ألف فإنه يستدعي ~~تقدير سابقة انتقال الملك إليه ضرورة توقف العتق الشرعي عليه. # النوع الثاني - دلالة التنبيه والايماء وهي خمسة أصناف، وسيأتي ذكرها في ~~القياس. # النوع الثالث - دلالة الإشارة وذلك كما في قوله (ص)، في حق النساء النساء ~~ناقصات عقل ودين فقيل له: # يا رسول الله، ما نقصان دينهن؟ - قال: تمكث إحداهن في قعر بيتها شطر ~~دهرها لا ms551 تصلي، ولا تصوم (2) فهذا الخبر إنما سيق لبيان نقصان دينهن، لا ~~لبيان أكثر الحيض وأقل الطهر، ومع ذلك لزم منه أن يكون أكثر الحيض خمسة عشر ~~يوما، وأقل الطهر كذلك، لأنه ذكر شطر الدهر مبالغة في بيان نقصان دينهن، ~~ولو كان الحيض يزيد على خمسة عشر يوما لذكره وكذلك دلالة مجموع قوله تعالى: ~~* (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (46) الأحقاف: 15) وقوله تعالى: * (وفصاله ~~في عامين) * (31) لقمان: 14) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وإن لم يكن ذلك ~~مقصودا من اللفظ. # وكذلك قوله تعالى: * (فالآن باشروهن) * (2) البقرة: 187) أباح المباشرة ~~ممتدة إلى طلوع الفجر بقوله: * (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود) * (2) البقرة: 187) وكان بيان ذلك هو المقصود، ومع ذلك لزم منه أن ~~من جامع في ليل رمضان، وأصبح جنبا لم يفسد صومه، لان من جامع في آخر الليل، ~~لا بد من تأخر غسله إلى النهار، فلو كان ذلك مما يفسد الصوم لما أبيح ~~الجماع في آخر جزء من الليل. ومع ذلك فإنه لم يقع مقصودا من الكلام، إلى ~~نظائره. # PageV03P065 # النوع الرابع المفهوم ولا بد من النظر في معناه وأصنافه قبل الحجاج في ~~نفيه وإثباته أما معناه، فاعلم أن المفهوم مقابل للمنطوق، والمنطوق أصل ~~للمفهوم، فلا بد من تحقيقه أولا، ثم العود إلى تحقيق، معنى المفهوم ثانيا. # فنقول أما المنطوق، فقد قال بعضهم هو ما فهم من اللفظ في محل النطق، وليس ~~بصحيح، فإن الاحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء مفهومة من اللفظ في محل ~~النطق، ولا يقال لشئ من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: المنطوق ما فهم ~~من دلالة اللفظ قطعا في محل النطق وذلك كما في وجوب الزكاة المفهوم من قوله ~~(ص): في الغنم السائمة زكاة وكتحريم التأفيف للوالدين من قوله تعالى: * ~~(ولا تقل لهما أف) * (17) الاسراء: 23) إلى نظائره. # وأما المفهوم فهو ما فهم من اللفظ في غيره محل النطق، والمنطوق، وإن كان ~~مفهوما من اللفظ، غير أنه لما كان مفهوما من دلالة اللفظ نطقا، خص باسم ~~المنطوق، وبقي ما عداه ms552 معرفا بالمعنى العام المشترك، تمييزا بين الامرين. # وإذا عرف معنى المفهوم، فهو ينقسم إلى ما يسمى مفهوم الموافقة وإلى ما ~~يسمى مفهوم المخالفة. # أما مفهوم الموافقة فما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقا لمدلوله ~~في محل النطق، ويسمى أيضا فحوى الخطاب ولحن الخطاب، والمراد به معنى الخطاب ~~ومنه قوله تعالى: * (ولتعرفنهم في لحن القول) * (47) محمد: 30) أي في ~~معناه. # وقد يطلق اللحن ويراد به اللغة، ومنه يقال: لحن فلان بلحنه إذا تكلم ~~بلغته وقد يطلق ويراد به الفطنة، ومنه قوله (ص): (ولعل بعضكم ألحن بحجته من ~~بعض) أي أفطن. # وقد يطلق ويراد به الخروج عن ناحية الصواب، ويدخل فيه إزالة الاعراب عن ~~جهة الصواب. PageV03P066 # ومثاله تحريم شتم الوالدين وضربهما من دلالة قوله تعالى: * (ولا تقل لهما ~~أف) * (17) الاسراء: 23) فإن الحكم المفهوم من اللفظ في محل في محل السكوت ~~موافق للحكم المفهوم في محل النطق. # وكذلك دلالة قوله تعالى: * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) * (4) ~~النساء: 10) على تحريم إتلاف أموالهم، وكدلالة قوله تعالى: * (فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (99) الزلزلة: 7 - 8) ~~على المقابلة فيما زاد على ذلك وكدلالة قوله تعالى: * (ومنهم من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (3) آل عمران: ~~75) على تأدية ما دون القنطار، وعدم تأدية ما فوق الدينار، إلى غير ذلك من ~~النظائر. # والدلالة في جميع هذه الأقسام لا تخرج من قبيل التنبيه بالأدنى على ~~الاعلى، وبالأعلى على الأدنى، ويكون الحكم في محل السكوت أولى منه في محل ~~النطق، وإنما يكون كذلك إن لو عرف المقصود من الحكم في محل النطق من سياق ~~الكلام وعرف أنه أشد مناسبة واقتضاء للحكم في محل السكوت من اقتضائه له في ~~محل النطق، وذلك كما عرفنا من سياق الآية المحرمة للتأفيف أن المقصود إنما ~~هو كف الأذى عن الوالدين، وأن الأذى في الشتم والضرب أشد من التأفيف، فكان ~~بالتحريم أولى. وإلا فلو قطعنا النظر عن ذلك، لما لزم من تحريم ms553 التأفيف ~~تحريم الضرب العنيف، ولهذا فإنه ينتظم من الملك أن يأمر الجلاد بقتل والده ~~إذا استيقن منازعته له في ملكه، وينهاه عن التأفيف، حيث كان المقصود من ~~الامر بالقتل إنما هو دفع محذور المنازعة في الملك، وإن كان القتل أشد في ~~دفعه من التأفيف، ولذلك لم يلزم من إباحة أعلى المحذورين إباحة أدناهما، ~~ولا من تحريم أدناهما تحريم أعلاهما. # وهذا مما اتفق أهل العلم على صحة الاحتجاج به إلا ما نقل عن داود الظاهري ~~أنه قال إنه ليس بحجة، ودليل كونه حجة أنه إذا قال السيد لعبده، لا تعط ~~زيدا حبة، ولا تقل له أف، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه فإنه يتبادر ~~إلى الفهم من ذلك امتناع إعطاء ما فوق الحبة، وامتناع الشتم والضرب، ~~وامتناع الظلم بالدينار PageV03P067 # وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق التعبيس من هجر الكلام وغيره، ولذلك كان ~~المفهوم من قول النبي (ص): احفظ عفاصها ووكاءها حفظ ما التقط من الدنانير ~~ومن قوله (ص)، في الغنيمة: أدوا الخيط والمخيط أداء الرحال والنقود وغيرها، ~~ومن قوله: من سرق عصا مسلم، فعليه ردها رد ما زاد على ذلك. وكذلك لو حلف ~~أنه لا يأكل لفلان لقمة، ولا يشرب من مائه جرعة، كان ذلك موجبا لامتناعه من ~~أكل ما زاد على اللقمة كالرغيف وشرب ما زاد على الجرعة، إلى نظائره. # غير أن الخلاف واقع في أن مستند الحكم في محل السكوت، هل هو فحوى الدلالة ~~اللفظية، أو الدلالة القياسية. # وقد احتج القائلون بالفحوى بأن العرب إنما وضعت هذه الألفاظ للمبالغة في ~~التأكيد للحكم في محل السكوت. وأنها أفصح من التصريح بالحكم في محل السكوت. # ولهذا، فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقا للآخر، قالوا ~~هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم هذا الفرس ~~سابق لهذا الفرس وكذلك إذا قالوا فلان يأسف بشم رائحة مطبخه فإنه أفصح ~~عندهم وأبلغ من قولهم فلان لا يطعم ولا يسقي. # واحتج القائلون بكونه قياسا أنا لو ms554 قطعنا النظر عن المعنى الذي سيق له ~~الكلام من كف الأذى عن الوالدين، وعن كونه في الشتم والضرب، أشد منه في ~~التأفيف، لما قضى بتحريم الشتم والضرب إجماعا، ولما سبق من جواز أمر الملك ~~للجلاد بقتل والده، والنهي عن التأفيف له، فالتأفيف أصل، والشتم والضرب ~~فرع، ودفع الأذى علة، والتحريم حكم، ولا معنى للقياس إلا هذا. وسموا ذلك ~~قياسا جليا نظرا إلى أن الوصف الجامع بين الأصل والفرع ثابت بالتأثير. # والأشبه إنما هو المذهب الأول، وهو الاسناد إلى فحوى الدلالة اللفظية. # وما قيل من أنه لا بد من فهم المعنى، وكونه في محل السكوت أولى بالحكم في ~~محل النطق. فهو شرط تحقق الفحوى، ولا مناقضة بينه وبين الفحوى، ويدل على ~~أنه ثابت بالفحوى لا بالقياس أمران PageV03P068 # : الأول: أن القياس لا يشترط فيه أن يكون المعنى المناسب للحكم في الفرع ~~أشد مناسبة له من حكم الأصل إجماعا، وهذا النوع من الاستدلال لا يتم دونه، ~~فلا يكون قياسا. # الثاني: أن الأصل في القياس لا يكون مندرجا في الفرع وجزءا منه إجماعا. ~~وهذا النوع من الاستدلال قد يكون ما تخيل أصلا فيه جزءا مما تخيل فرعا، ~~وذلك كما لو قال السيد لعبده لا تعط لفلان حبة فإنه يدل على امتناع إعطاء ~~الدينار وما زاد عليه، والحبة المنصوصة تكون داخلة فيه. وكذلك قوله تعالى: ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (99) الزلزلة: 7 ~~- 8) فإنه يدل على روية ما زاد على الذرة، والذرة تكون داخلة فيه، إلى ~~نظائره. # ولهذا، فإن كل من خالف في القياس مطلقا وافق على هذا النوع، من الدلالة، ~~سوى أهل الظاهر، ولو كان قياسا، لما كان كذلك. # وعلى كل تقدير، فهو منقسم إلى قطعي وظني. # أما القطعي: فكما ذكرناه من آية التأفيف حيث إنا علمنا من سياق الآية أن ~~حكمة تحريم التأفيف إنما هو دفع الأذى عن الوالدين، وأن الأذى في الشتم ~~والضرب أشد. # وأما الظني: فكما في قوله تعالى: * (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ms555 ~~مؤمنة) * (4) النساء: 92) فإنه وإن دل على وجوب الكفارة في القتل العمد، ~~لكونه أولى بالمؤاخذة، كما يقوله الشافعي، غير أنه ليس بقطعي لامكان أن لا ~~تكون الكفارة في القتل الخطأ موجبة بطريق المؤاخذة لقوله (ص): رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان والمراد به رفع المؤاخذة، بل نظرا للخاطئ بإيجاب ما يكفر ~~ذنبه في تقصيره، ومن ذلك سميت كفارة، وجناية المتعمد فوق جناية الخاطئ. ~~وعند ذلك، فلا يلزم من كون الكفارة رافعة لاثم أدنى الجنايتين أن تكون ~~رافعة لاثم أعلاهما. # وأما مفهوم المخالفة فهو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفا ~~لمدلوله في محل النطق، ويسمى دليل الخطاب أيضا، وهو عند القائلين به منقسم ~~إلى عشرة أصناف متفاوتة في القوة والضعف. PageV03P069 # الصنف الأول: منها ذكر الاسم العام مقترنا بصفة خاصة، كقوله (ص): في ~~الغنم السائمة زكاة. # الصنف الثاني: مفهوم الشرط والجزاء كقوله تعالى: * وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن) * (65) الطلاق: 6) وقوله (ص): إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ~~(1). # الصنف الثالث: مفهوم الغاية كقوله تعالى: * (فلا تحل له من بعد، حتى تنكح ~~زوجا غيره) * (2) البقرة: 230) وقوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * ~~(2) البقرة: 222) * (وحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * (9) التوبة: 29 ~~). الصنف الرابع: مفهوم إنما كقوله (ص): إنما الأعمال بالنيات. وإنما الربا ~~في النسيئة. وإنما الولاء لمن أعتق. وإنما الشفعة فيما لم يقسم إلى نظائره. # الصنف الخامس: التخصيص بالأوصاف التي تطرأ وتزول بالذكر كقوله (ص): # الثيب أحق بنفسها من وليها. وقوله عليه الصلاة والسلام: (في السائمة ~~زكاة). # الصنف السادس: مفهوم اللقب، وذلك كتخصيص الأشياء الستة في الذكر بتحريم ~~الربا (2). # الصنف السابع: مفهوم الاسم المشتق الدال على الجنس، كقوله (ص)، لا تبيعوا ~~الطعام بالطعام وهو قريب من مفهوم اللقب لكون الطعام لقبا لجنس. # الصنف الثامن: مفهوم الاستثناء، كقوله تعالى: * (لا إله إلا الله) * (37) ~~الصافات: 35) وقول القائل (لا عالم في البلد إلا زيد). # الصنف التاسع: تعليق الحكم بعدد خاص، كتخصيص حد القذف بثمانين. # الصنف العاشر: مفهوم حصر المبتدأ في الخبر كقوله (العالم زيد وصديقي ~~عمرو) (3). # PageV03P070 # وإذا ms556 عرف المفهوم بحده وأصنافه فيجب أن تعلم قبل الخوض في الحجاج في هذه ~~الأصناف أن مستند فهم الحكم في محل السكوت عند القائلين به إنما هو النظر ~~إلى فائدة تخصيص محل النطق بالذكر دون غيره، وسواء كان ذلك من قبيل مفهوم ~~الموافقة أو المخالفة، وإن افترقا من جهة أن فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم ~~الموافقة إنما هو تأكيد مثل حكم المنطوق في محل المسكوت عنه وفائدة التخصيص ~~بالذكر في مفهوم المخالفة إنما هو نفي مثل حكم المنطوق في محل السكوت وذلك ~~مما لا يعلم من مجرد تخصيص محل النطق بالذكر دون نظر عقلي يتحقق به أن ~~التخصيص للتأكيد أو النفي، وذلك بأن ينظر إلى حكمة الحكم المنطوق به فإن ~~عرفت وعرف تحققها في المحل المسكوت عنه وأنها أولى باقتضائها الحكم فيه من ~~الحكم في محل النطق، علم أن فائدة التخصيص التأكيد وأن المفهوم مفهوم ~~الموافقة (1) وإن لم يعلم حكمة الحكم المنطوق به، أو علمت غير أنها لم تكن ~~متحققة في محل السكوت أو كانت متحققة فيه لكنها ليست أولى باقتضاء الحكم ~~فيه (2) علم أن فائدة التخصيص إنما هي النفي (3) وأن المفهوم مفهوم ~~المخالفة. # وإذا أتينا على تحقيق المفهوم وأصنافه، فلنرجع إلى المقصود من الحجاج في ~~نفيه وإثباته، وما هو المختار في كل واحد من أصنافه، فنقول: # أما مفهوم الموافقة فقد اتفق الكل على صحة الاحتجاج به سوى الظاهرية، وإن ~~اختلفوا في دلالته، هل هي لفظية أو قياسية، على ما سبق. والمتفقون على صحة ~~مفهوم الموافقة اختلفوا في صحة الاحتجاج بمفهوم المخالفة، فيجب الخوض فيما ~~يتعلق به من المسائل، وهي تسع مسائل # PageV03P071 # المسألة الأولى اختلفوا في الخطاب الدال على حكم مرتبط باسم عام مقيد ~~بصفة خاصة كقوله (ص): في الغنم السائمة زكاة (1) هل يدل على نفي الزكاة عن ~~غير السائمة، أو لا؟ # فأثبته الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والأشعري وجماعة من الفقهاء ~~والمتكلمين وأبو عبيد (2) وجماعة من أهل العربية ونفاه أبو حنيفة وأصحابه ~~والقاضي أبو بكر وابن سريج والقفال والشاشي وجماهير ms557 المعتزلة. # وفرق أبو عبد الله البصري من المعتزلة، وقال: الخطاب المتعلق بالصفة دال ~~على النفي عما عداها في أحد أحوال ثلاث، وهي: # أن يكون الخطاب قد ورد للبيان، كما في قوله (ص): في الغنم السائمة زكاة ~~أو التعليم، كما في خبر التحالف عند التخالف والسلعة قائمة (3) أو يكون ما ~~عدا الصفة داخلا تحتها، كالحكم بالشاهدين، فإنه يدل على نفيه عن الشاهد ~~الواحد لدخوله في الشاهدين، ولا يدل على النفي فيما سوى ذلك. # PageV03P072 # وإذ أتينا على تفصيل المذاهب من الجانبين، فلا بد من ذكر حجج الفريقين ~~والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. # أما القائلون بالاثبات فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية أما الحجج النقلية ~~فست حجج. # الحجة الأولى: أنهم قالوا إن أبا عبيد القاسم بن سلام من أهل اللغة، وقد ~~قال بدليل الخطاب في قوله (ص): لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (1) حيث قال إنه ~~أراد به أن من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته والواجد هو الغني وليه مطله ~~ومعنى إحلال عرضه مطالبته، وعقوبته حبسه. وقال في قوله (ص): مطل الغنى ظلم، ~~مطل غير الغنى ليس بظلم، وقال عليه السلام (لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير ~~له من أن يمتلئ شعرا) (2) وقد قيل له إن: النبي (ص)، إنما أراد الهجاء من ~~الشعراء أو هجاء الرسول، فقال: لو كان ذلك هو المراد، لم يكن لتعليق ذلك ~~بالكثرة وامتلاء الجوف منه معنى لان ما دون ملء الجوف من ذلك ككثيره. # ووجه الاحتجاج به أنه فهم أن تعليق الذم على امتلاء الجوف من ذلك مخالف ~~لما دونه. # ولقائل أن يقول: حكم أبي عبيد بذلك إن ادعيتم أنه كان نقلا عن العرب، فهو ~~غير مسلم، وليس في لفظه ما يدل على النقل. وإن قلتم إن ذلك كان بناء على ~~مذهبه واجتهاده، فغايته أنه مجتهد فيه، فلا يكون ذلك حجة على غيره من ~~المجتهدين المخالفين له في ذلك كيف وإنه لو ذكر ذلك نقلا، فلا نسلم كونه ~~حجة في مثل هذه القاعدة ms558 اللغوية لكونه من أخبار الآحاد، ثم هو معارض بمذهب ~~الأخفش (3) # PageV03P073 # فإنه من أهل اللغة، ولم يقل بدليل الخطاب على ما نقل عنه، على أنه يمكن ~~أن يكون حكمه بذلك مستندا إلى النفي الأصلي وعدم دلالة الدليل على مخالفته، ~~وهو أولى جمعا بين المذاهب. # الحجة الثانية: ما روى قتادة أنه قال: لما نزل قوله تعالى: * (استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لم، إن تستغفر لهم سبعين مرة، فلن يغفر الله لهم) * (9) ~~التوبة: 80) قال النبي (ص): # قد خيرني ربي، فوالله لأزيدن على السبعين فعقل أن ما زاد على السبعين ~~بخلافه لقائل أن يقول: ما ذكرتموه من أخبار الآحاد، لا نسلم كونه حجة في ~~مثل هذه القاعدة. # وإن سلمنا أنه حجة، ولكن يمتنع التمسك به لوجهين: # الأول: أن زيادة النبي (ص)، على السبعين في الاستغفار ليس فيه ما يدل على ~~فهمه وقوع المغفرة لهم باستغفاره زيادة على السبعين، وليس في لفظه ما يدل ~~عليه، فيحتمل أنه قصد بذلك استمالة قلوب الاحياء منهم ترغيبا لهم في الدين، ~~لا لوقوع المغفرة، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل ربما كان احتمال ~~الاستمالة أولى من فهمه وقوع المغفرة بالزيادة على السبعين في الاستغفار من ~~الآية، لما فيه من دفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: * (سواء ~~عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم) * (9) التوبة: 80). # الوجه الثاني: أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين يدل على انتفاء المغفرة ~~بالسبعين قطعا ضرورة صدق الله تعالى في خبره. ومن قال بدليل الخطاب فهو ~~قائل بأنه يدل على نقيض حكم المنطوق في محل السكوت، وعند ذلك فلو دل اختصاص ~~السبعين بنفي المغفرة قطعا، على نقيضه في محل السكوت، لكان دالا على وقوع ~~المغفرة بعد السبعين، وذلك إما أن يكون قطعا أو ظنا: # الأول: خلاف الاجماع وخلاف ما ذكرناه من الآية الدالة على امتناع المغفرة ~~بعد السبعين والثاني: فليس نقيضا لنفي المغفرة قطعا، بل هو مقابل، والمقابل ~~أعم من النقيض، فلا يكون ذلك من باب دليل الخطاب، وفيه دقة ms559 فليتأمل. ~~PageV03P074 # الحجة الثالثة: مصير ابن عباس، رضي الله عنهما، إلى منع توريث الأخت مع ~~البنت، استدلالا بقوله تعالى: * (إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله أخت، فلها ~~نصف ما ترك) * (4) النساء: 176) حيث إنه فهم من توريث الأخت مع عدم الولد ~~امتناع توريثها مع البنت لأنها ولد، وهو من فصحاء العرب وترجمان القرآن. # وجواب هذه الحجة ما سبق في دفع الحجة التي قبلها كيف وإنه يحتمل أنه ورث ~~الأخت عند عدم الولد بالآية، وعند وجود البنت لم يورثها بناء على استصحاب ~~النفي الأصلي، لا بناء على دليل الخطاب، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. # الحجة الرابعة: أن الصحابة اتفقوا على أن قوله (ص): إذا التقى الختانان، ~~فقد وجب الغسل (1) ناسخ لقوله (ص): الماء من الماء (2) ولولا أن قوله: # الماء من الماء يدل على نفي الغسل من غير إنزال لما كان نسخا له. # ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد في اللغات، وإن سلمنا، ~~ولكن لا نسلم أن جلة الصحابة اتفقوا على ذلك. وقول البعض لا يكون حجة على ~~غيره، وإن سلمنا اتفاق الصحابة على ذلك، ولكن إنما حكموا بكونه ناسخا لا ~~لمدلول دليل الخطاب، بل يحتمل أنهم فهموا من قوله (ص) الماء من الماء كل ~~غسل من إنزال الماء، ويدل على تأكد هذا الاحتمال قوله (ص): لا ماء إلا من ~~الماء فكان قوله: # إذا التقى الختانان، وجب الغسل ناسخا لمدلول عموم الأول، لا لمدلول دليل ~~الخطاب وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل حمله على ما ذكرناه أولى، لكونه ~~متفقا عليه، ومختلفا فيما ذكروه. # PageV03P075 # الحجة الخامسة: ما روي أن يعلى بن أمية قال لعمر: ما بالنا نقصر، وقد ~~أمنا وقد قال الله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) ~~* (4) النساء: 101) ووجه الاحتجاج به أنه فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف ~~عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل قال: لقد عجبت مما عجبت ~~منه، فسألت النبي (ص) عن ذلك، فقال لي: هي صدقة تصدق ms560 الله بها عليكم، ~~فاقبلوا صدقته ويعلى بن أمية وعمر من فصحاء العرب، وقد فهما ذلك. والنبي ~~(ص)، أقرهما عليه. # ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد ها هنا، وإن سلمنا لكن ~~يحتمل أن يعلى وعمر بنيا عدم القصر على استصحاب الحال في حالة الامن، لا ~~على دليل الخطاب، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل البناء على الاستصحاب ~~أولى، دفعا للتعارض بين الدليل المجوز للقصر حالة الامن، والدليل النافي ~~له. # الحجة السادسة: أنه إذا قال العربي لوكيله اشتر لي عبد ا أسود فهم منه ~~عدم الشراء للأبيض، حتى إنه لو اشترى أبيض لم يكن ممتثلا، وكذلك إذا قال ~~الرجل لزوجته أنت طالق إن دخلت الدار فهم منه انتفاء الطلاق عند عدم ~~الدخول. # ولقائل أن يقول: ليس ذلك مفهوما من دليل الخطاب بل عدم شراء الأبيض وعدم ~~وقوع الطلاق قبل دخول الدار إنما كان مستندا إلى النفي الأصلي ولهذا فإنه ~~لو قال له لا تشتر لي عبد ا أسود وقال لزوجته إن دخلت الدار، فلست طالقة ~~فإنه لا يصح شراؤه لعبد غير أسود، ولا يقع بالزوجة الطلاق بتقدير عدم دخول ~~الدار لبقاء ذلك على النفي الأصلي، ولو كان نفي الحكم في محل السكوت مما ~~يدل عليه ذكر الحكم في محل النطق، لصح شراء عبد ليس بأسود، وطلقت الزوجة ~~بتقدير عدم دخول الدار. وعلى هذا فكل خطاب ورد في الشرع أو اللغة بحكم مخصص ~~بصفة، وهو منفى عما عدا تلك الصفة، فهو مبني على استصحاب الحال، لا على ~~دليل الخطاب. # وأما الحجج العقلية فخمس حجج. PageV03P076 # الحجة الأولى: أنه لو كان حكم السائمة والمعلوفة، سواء في وجوب الزكاة ~~لما كان لتخصيص السائمة بالذكر فائدة، بل كان ملغزا بذكر ما يوهم في الزكاة ~~في المعلوفة، ومقصرا في البيان مع دعو الحاجة إليه. وذلك على خلاف الأصل. # وحيث امتنع ذلك دل على أن فائدة التخصيص بذكر السائمة نفي الزكاة عن ~~المعلوفة. # ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه في إثبات دليل الخطاب يرجع إلى إثبات ms561 الوضع ~~بما فيه من الفائدة، ولا نسلم إمكان إثبات الوضع بذلك (1) سلمنا إمكان ذلك ~~ولكن لا نسلم أنه لا فائدة في تخصيص الصفة بالذكر سوى نفي الحكم المعلق بها ~~عند عدمها. وبيانه من وجهين: الأول أنه لو لم يكن له فائدة سوى نفي الحكم ~~في محل السكوت لامتنع ورود نص خاص يدل على إثبات الحكم في محل السكوت لما ~~فيه من إبطال فائدة التخصيص بالذكر لمحل النطق لما يلزم من اللغو في كلام ~~الحكيم، وهو ممتنع. # فإن قيل: فإذا ثبت مثل ذلك الحكم في محل السكوت لم يكن مخصصا للصفة ~~بالحكم، حتى يقال بأن التخصيص يكون لغوا. # قلنا: فإذا مجرد تخصيص الصفة بالذكر لا يكون دليلا على نفي الحكم عند ~~عدمها دون البحث عما يدل على إثبات الحكم في محل السكوت مع عدم الظفر به، ~~وليس كذلك عندكم، لكن نفس التخصيص دليل، ووجود ما يدل على ثبات الحكم في ~~صورة السكوت يكون معارضا له، بل أمكن (2) وجود فائدة أخرى دعت إلى التخصيص ~~بالذكر، وهي إما عموم وقوع المذكور، كما في قوله تعالى: * (وربائبكم اللاتي ~~في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * (4) النساء: 23) وإما لسؤال سائل ~~سأل عن ذلك، أو لحدوث واقعة وقعت كذلك. وإن لم يكن شئ من ذلك فأمكن أن يكون ~~ذلك لرفع وهم من توهم أن حكم الصفة بتقدير تعميم اللفظ يكون مخالفا لحكم ~~العموم # PageV03P077 # ويكون بذلك منبها على إثبات الحكم فيما عدا الصفة بطريق الأولى، وذلك كما ~~لو قال: ضحوا بشاة فإنه قد يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بشاة عوراء، ~~فإذا قال: ضحوا بشاة عوراء كان ذلك أدل على التضحية بما ليست عوراء، وكذلك ~~لو قال: ولا تقتلوا أولادكم (17) الاسراء: 31) على العموم فقد يتوهم أنه لم ~~يرد النهي عن قتلهم عند خشية الاملاق، فإذا قال: * (ولا تقتلوا أولادكم ~~خشية إملاق) * (17) الاسراء: 31) كان أدل على النهي في غير حالة الخشية، ~~وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون لفائدة تعريف حكم المنطوق والمسكوت بنصين ~~مختلفين، إذ هو أدل ms562 على المقصود من التعميم لوقوع الخلاف فيه، وإمكان تطرق ~~التخصيص بالاجتهاد إلى محل الصفة وغيرها، وليس مرادا للتخصيص، وإن لم يكن ~~كذلك، أمكن أن يكون ذلك لفائدة التوصل إلى معرفة الحكم في المسكوت عنه ~~بطريق الاجتهاد، لينال المكلف ثواب الاجتهاد، حين توفر دواعي المجتهدين على ~~النظر والاستدلال والبحث عن الأحكام الشرعية، فتبقى غضة طرية، كما هي في ~~سائر الأصول المنصوص عليها مع وقوعها في الأقيسة وإن لم يكن كذلك أمكن أن ~~يكون حكم الصفة جاريا على حكم العقل الأصلي، وتكون المصلحة في نظر الشارع ~~تعريف ذلك الحكم عند وجود الصفة بالنص، وعند عدمها بالبقاء على الحكم ~~الأصلي، كما لو قال: لا زكاة في الغنم السائمة وإن لم يكن كذلك، وكان الحكم ~~في محل السكوت مخالفا للحكم في محل النطق، فأمكن أن يكون ثبوت الحكم على ~~خلاف حكم العقل، كما في إيجاب الزكاة، وتكون فائدة التنصيص على محل الصفة ~~اختصاصه بالحكم، فإنه لولا النص، لما ثبت، ويكون الحكم في محل السكوت، ~~منتفيا بناء على حكم العقل الأصلي. # فإن قيل: فإذا سلمتم انتفاء الحكم في محل السكوت، فقد وافقتم على ~~المطلوب. # قلنا: ليس كذلك، فإن النزاع إنما وقع في إسناد النفي في محل السكوت إلى ~~دليل الخطاب لا إلى النفي الأصلي، PageV03P078 # وإن سلمنا أنه لا فائدة في التخصيص سوى ما ذكرتموه، لكن يلزم على ما ~~ذكرتموه مفهوم اللقب الذي لم يقل به محصل على ما يأتي تقريره، فكل ما هو ~~جواب لكم ثم فهو جواب لنا ها هنا. # الحجة الثانية: إن أهل اللغة فرقوا بين الخطاب المطلق والمقيد بالصفة، ~~كما فرقوا بين الخطاب المرسل وبين المقيد بالاستثناء، والاستثناء يدل على ~~أن حكم المستثنى على خلاف حكم المستثنى منه، فكذلك الصفة ولقائل أن يقول: ~~نحن لا ننكر الفرق بين حكم الخطاب المطلق، وبين حكم الخطاب المقيد بالصفة، ~~فإن حكم المطلق العلم أو الظن بثبوت حكمه مطلقا، وحكم الخطاب المقيد بالصفة ~~ثبوته في محل التنصيص، قطعا أو ظنا وفي غير محل الصفة مشكوك في ms563 إثباته ~~ونفيه، فقد افترقا، كما وقع الافتراق بين الخطاب المطلق والخطاب المستثنى ~~منه، غير أن المطلق يقتضي إثبات الحكم أو نفيه مطلقا والخطاب المستثنى منه ~~يقتضي نفي الحكم في صورة الاستثناء جزما. # وعلى هذا، فإن قيل بأن العرب سوت من كل وجه، فهو ممتنع. وإن قيل بوجوب ~~التسوية بينهما من جهة أنه لا بد من الافتراق بين المطلق والمقيد بالصفة في ~~الجملة كما وقع الافتراق بين المطلق والمستثنى منه في الجملة، فهو واقع لا ~~محالة. # الحجة الثالثة: أنه إذا كان التخصيص بذكر الصفة يدل على الحكم في محل ~~التنصيص، وعلى نفيه في محل السكوت، كانت الفائدة فيه أكثر مما إذا لم يدل، ~~فوجب جعله دليلا عليه. # ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه وإن كان من جملة الفوائد، غير أن إثبات الحكم ~~أو نفيه مأخوذا من دليله، فرع دلالة ذلك الدليل عليه. # فلو قيل بكونه دليلا عليه لكون الحكم يكون داخلا فيه كان دورا. # كيف وإنه ليس القول بكون التخصيص دالا على نفي الحكم في محل السكوت، ~~تكثيرا للفائدة، وإبطال ما ذكرناه من الفوائد التي سبقت، أولى من العكس. ~~PageV03P079 # الحجة الرابعة: أن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة، والتعليق بالعلة يوجب ~~نفي الحكم لانتفاء العلة، فكذلك الصفة. # ولقائل أن يقول لا نسلم لزوم انتفاء الحكم مع انتفاء العلة، حتى يقال ~~مثله في الصفة اللهم إلا أن يقال باتحاد العلة فإنه يلزم من نفيها نفي ~~الحكم، ولكن لا نسلم أنه يلزم مثله في الصفة ضرورة أنه يلزم من تعدد أصناف ~~النوع وأشخاصه تعدد صفاته وإلا لما تعدد، بل كان متحدا من كل وجه. # الحجة الخامسة: أنه قال (ص) طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله ~~سبعا فلو لم يدل على عدم الطهارة فيما دون السبع، وإلا لما طهر بالسبع، لان ~~السابعة تكون واردة على محل طاهر، فلا يكون طهوره بالسبع، ويلزم من ذلك ~~إبطال دلالة المنطوق. # وكذلك إذا قال يحرم من الرضاع خمس رضعات لو لم يدل على أن ما دون ذلك لا ms564 ~~يحرم لما كانت الخمس رضعات محرمة لما عرف في الغسلات. # ولقائل أن يقول لا يلزم من كون الغسلات السبع غير دالة على نفي الطهارة ~~فيما دون السبع، ومن كون الرضعات الخمس غير دالة على نفي الحرمة فيما دونها ~~أن يكون المحل قبل السابعة طاهرا ولا أن يكون ما دون الخمس من الرضاع محرما ~~لجواز ثبوت النجاسة قبل السبع بدليل آخر غير دليل الخطاب. # وكذلك جاز أن يكون ما دون الرضعات الخمس غير محرمة بدليل غير دليل ~~الخطاب. # وإذ أتينا على حجج القائلين بدليل الخطاب وتتبع ما فيها فلا بد من ذكر ~~حجج عول عليها القائلون بإبطال دليل الخطاب والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر ~~بعد ذلك ما هو المختار. # الحجة الأولى: أن تقييد الحكم بالصفة، لو دل على نفيه عند نفيها، إما أن ~~يعرف ذلك بالعقل أو النقل، والعقل لا مجال له في اللغات، والنقل إما متواتر ~~وآحاد ولا سبيل إلى التواتر والآحاد لا تفيد غير الظن، وهو غير معتبر في ~~إثبات اللغات لان الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى ورسوله (ص)، ~~بقول الآحاد مع جواز الخطأ والغلط عليه يكون ممتنعا. PageV03P080 # ولقائل أن يقول: إن سلمنا أن ذلك لا يعرف إلا بالنقل ولكن لا نسلم امتناع ~~إثبات ذلك بالآحاد إذ المسألة عندنا غير قطعية، بل ظنية مجتهد فيها بنفي أو ~~إثبات، بل غلبة ظن تجري فيها التخطئة الظنية، دون القطعية، كما في سائر ~~مسائل الفروع الاجتهادية كيف وإن اشتراط التواتر في إثبات اللغات إما أن ~~يكون في كل كلمة ترد عن أهل اللغة أو في البعض دون البعض، القول بالتفصيل ~~تحكم غير معقول كيف وأنه لا قائل به وإن كان ذلك شرطا في الكل فذلك مما ~~يفضي إلى تعطيل التمسك بأكثر اللغة لتعذر التواتر فيها، ويلزم من ذلك تعطيل ~~العمل بأكثر ألفاظ الكتاب والسنة والأحكام الشرعية، والمحذور في ذلك فوق ~~المحذور في قبول خبر الواحد المعروف بالعدالة والضبط والمعرفة، وهو تطرق ~~الكذب أو الخطأ عليه مع أن الغالب ms565 صدقه وصحة نقله. ولهذا كان العلماء في كل ~~عصر وإلى زمننا هذا يكتفون في إثبات الأحكام الشرعية المستندة إلى الألفاظ ~~اللغوية بنقل الآحاد المعروفين بالثقة والمعرفة، كالأصمعي والخليل وأبي ~~عبيدة وأمثالهم (1). # الحجة الثانية: أنه لو كان تقييد الحكم بالصفة يدل على نفيه عند عدمها ~~لما حسن الاستفهام عن الحكم في حال نفيها لا عن نفيه ولا عن إثباته، لكونه ~~استفهاما عما دل عليه اللفظ، كما لو قال له: لا تقل لزيد أف فإنه دل على ~~امتناع ضربه فإنه لا يحسن أن يقال فهل أضربه ولا شك في حسنه، لو قال أد ~~الزكاة عن غنمك السائمة فإنه يحسن أن يقال وهل أؤديها عن المعلوفة؟ # ولقائل أن يقول: حسن الاستفهام إنما كان لطلب الأجلى والأوضح لكون دلالة ~~الخطاب ظاهرة ظنية غير قطعية، ولهذا فإنهم لم يستقبحوا الاستفهام ممن # PageV03P081 # قال رأيت أسدا أو بحرا، أو دخل السلطان البلد بأن يقال هل رأيت الحيوان ~~المخصوص أو إنسانا شجاعا؟ وهل رأيت البحر الذي هو الماء المخصوص أو إنسانا ~~كريما؟ وهل رأيت السلطان نفسه أو عسكره؟ مع أن لفظه ظاهر في أحد المعنيين ~~دون الآخر. # الحجة الثالثة: لو كان تعليق الحكم على الصفة يدل على نفيه عن غير المتصف ~~بها لكان في الخبر كذلك ضرورة اشتراك الامر والخبر في التخصيص بالصفة، ~~واللازم ممتنع. ولهذا، فإنه لو قال رأيت الغنم السائمة ترعى فإنه لا يدل ~~على عدم رؤية المعلوفة منها. # ولقائل أن يقول. الاستشهاد بالخبر، وإن كان كثيرا ما يستروح إليه ~~المنكرون لدليل الخطاب، إلا أنه ممنوع عند القائلين بدليل الخطاب، ولا فرق ~~عندهم في تعليق الحكم بالصفة بين الامر والخبر. # ولهذا، فإنه لو قال القائل الفقهاء الشافعية فضلاء أئمة فإن سامعه من ~~فقهاء الحنفية وغيرهم تشمئز نفسه من ذلك، وتكبر عن سماعه، لا لوصفه لهم ~~بذلك، بل لما فيه من الاشعار بسلب ذلك عمن ليس بشافعي. وهذا الشعور مما لا ~~يختلف فيه الامر والخبر عندهم، وإن سلم امتناع ذلك في الخبر، فحاصل ما ~~ذكروه يرجع إلى ms566 القياس في اللغة وهو ممتنع لما سبق. وبتقدير صحة القياس في ~~اللغة فالفرق بين الخبر والامر ظاهر، وذلك أنه إذا أخبر وقال رأيت خبزا ~~سميذا، ولحما طريا، ورطبا جنيا إنما يخبر عما شاهده وعلمه، ولا يلزم من ~~مشاهدته لذلك أن لا يكون قد شاهد ما ليس على هذه الصفة. وإذا قال لعبده ~~اشتر خبزا سميذا، ولحما طريا ورطبا جنيا مع علمه بأن الخبز الخشكار، واللحم ~~والرطب البايت، مما يباع في السوق، فقوله ذلك إنما يقصد به البيان، وتمييز ~~ما يشترى عما لا يشترى، فكان النفي ملازما للاثبات. # الحجة الرابعة: أن أهل اللغة فرقوا بين العطف والنقض فقالوا: قول القائل: # اضرب الرجال الطوال والقصار فالقصار عطف، وليس بنقض للأول، ولو كان قوله ~~اضرب الرجال الطوال مقتضيا لنفي الضرب عن القصار، لكان نقضا لا عطفا. ~~PageV03P082 # وهي بعيدة عن التحقيق. وذلك أن قول القائل اضرب الرجال الطوال إنما يدل ~~على امتناع ضرب القصار بتقدير اختصاص الطوال بالذكر، وإذا عطف عليه القصار، ~~فلا يكون مخصصا للطوال بالذكر، فلا يدل على نفي الضرب عن القصار، ثم هو ~~منتقض بالتخصيص بالغاية، كما لو قال القائل لغيره صم إلى غروب الشمس فإنه ~~يدل على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، ومع ذلك فإنه لو قال له صم ~~إلى غروب الشمس وإلى نصف الليل فإنه لا يكون نقضا. # الحجة الخامسة: أنه لو كان تعليق الحكم بالصفة دالا على نفيه عن غير ~~الموصوف بها لما حسن الجمع بين قوله أد زكاة السائمة وبين قوله والمعلوفة ~~لما بينهما من التناقض، كما لا يحسن أن يقول له لا تقل لزيد أف، واضربه. # ولقائل أن يقول: إنما لا يحسن ذلك أن لو قيل بالمناقضة، وليس كذلك على ما ~~سبق في الحجة التي قبلها. هذا إذا كان بطريق العطف، وأما إن قال بعد ذلك أد ~~زكاة المعلوفة فإنما لم يمتنع، لان غايته أن صريح قوله: أد زكاة الغنم ~~المعلوفة وقع معارضا لدليل الخطاب والمعارضة غير ممتنعة. ولا يلزم من عدم ~~جواز ms567 مثل ذلك في فحوى الخطاب امتناعه في دليل الخطاب، إذ هو قياس في اللغة ~~وهو ممتنع لما سبق. وبتقدير صحة القياس في اللغة، فالفرق ظاهر، وذلك لان ~~امتناع ذلك في فحوى الخطاب إنما كان فيما علم، لا فيما ظن على ما سبق. ~~ودليل الخطاب مظنون، ولا يلزم من امتناع معارضه المقطوع امتناع معارضة ~~المظنون. # ثم يلزم عليه التخصيص بالغاية كما سبق. # الحجة السادسة: ذكرها أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، وهي أن ~~المقصود من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عما سواه. وكذلك المقصود من ~~الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره، وتعليق الحكم بالاسم، كما لو قال: زيد ~~عالم لا يدل على نفي العلم عمن لم يسم باسم زيد فكذلك تعليق الحكم بالصفة. # ولقائل أن يقول: قياس التخصيص بالصفة على التخصيص بالاسم قياس في اللغة، ~~فلا يصح، وإن صح، فلا نسلم أن تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفي الحكم عما ~~سواه، كما يأتي. وإن سلم عدم دلالته على ذلك، فإنما يلزم مشاركة التعليق ~~PageV03P083 # بالصفة له في ذلك، أن لو بين أن مناط عدم دلالة التعليق بالاسم كونه ~~موضوعا للتمييز، وهو غير مسلم. # ثم الفرق بينهما أن شعور المتكلم بالاسم العام المقيد بالصفة الخاصة بما ~~ليس له تلك الصفة (1) أتم من شعور المتكلم باسم أحد الجنسين بالجنس الآخر. ~~وعند ذلك، فلا يلزم من عدم دلالة التخصيص بالاسم مثله في الصفة. # كيف وهو منقوض بالتخصيص بالغاية، فإنها مقصودة للتمييز. ومع ذلك، فهو دال ~~على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها. # الحجة السابعة: أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على نفيه عن غير الموصوف ~~بها، لأنه يصح أن يقال: في الغنم السائمة زكاة، ولا زكاة في المعلوفة منها. ~~ولو كان قوله: في الغنم السائمة زكاة يدل على نفيها عن المعلوفة، لما احتيج ~~إلى العبارة الأخرى لعدم فائدتها. # ولقائل أن يقول: كون الحكم في محل السكوت مستفادا من دليل الخطاب لا يمنع ~~من وضع عبارة خاصة إذ هو أبلغ ms568 في الدلالة وأقرب إلى حصول المقصود كما لا ~~يمتنع ذلك في التقييد بالغاية كما تقدم ذكره. # الحجة الثامنة: أن القول في الغنم السائمة زكاة له دلالة بمنطوقه على ~~وجوب زكاة السائمة، فلو كان له دلالة مفهوم، لجاز أن يبطل حكم المنطوق، ~~ويبقى حكم دلالة المفهوم، كما يجوز أن يبطل حكم دليل الخطاب، ويبقى حكم ~~صريح الخطاب وهو ممتنع. # ولقائل أن يقول: دليل الخطاب إنما هو متفرع من تخصيص الحكم بالصفة فإذا ~~بطل حكم الصفة، فلا تخصيص، ومع عدم التخصيص، فلا دلالة لدليل الخطاب، ثم هو ~~منقوض بالتخصيص بالغاية. # الحجة التاسعة: أنه ليس في لغة العرب كلمة تدل على المتضادين معا. فلو ~~كان قوله في الغنم السائمة زكاة دالا على نفي الزكاة عن المعلوفة، لكان ~~اللفظ الواحد دالا على الضدين معا، وهو ممتنع. # PageV03P084 # ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه ليس في اللغة لفظ يدل على المتضادين معا ~~بدليل ما ذكرناه من دلالة الأسماء المشتركة على المسميات المتعددة معا، ~~كانت أضدادا أو لم تكن. # سلمنا امتناع ذلك، ولكن إنما يمتنع ذلك بالنظر إلى جهة واحدة من دلالة ~~اللفظ. وأما من جهتين فلا نسلم ذلك، وها هنا الدال على وجوب الزكاة في ~~السائمة صريح الخطاب، والدال على نفي الزكاة عن المعلوفة دليل الخطاب، وهما ~~غيران، ثم ما ذكرتموه منتقض بالتخصيص بالغاية. # الحجة العاشرة: أن صورة الغنم السائمة خالفة لصورة الغنم التي ليست ~~بسائمة، وعند اختلاف الصورتين، لا يلزم من ثبوت الحكم في أحديهما ثبوته في ~~الأخرى ولا عدمه، لجواز اشتراك الصور المختلفة في أحكام وافتراقها في ~~أحكام. # وإذا لم يكن ذلك لازما، لم يلزم من الاخبار عن حكم في إحدى الصورتين ~~الاخبار عنه في الصورة الأخرى، لا وجودا ولا عدما. # ولقائل أن يقول: متى لا يلزم من ثبوت الحكم في إحدى الصورتين نفيه في ~~الصورة الأخرى إذا كان ذلك الحكم قد علق ثبوته بالاسم العام الموصوف بصفة ~~خاصة، أو إذا لم يكن؟ الأول ممنوع، ودعواه دعوى محل النزاع، والثاني مسلم. # وعلى هذا، فالقول ms569 بأنه لا يلزم من الاخبار عن حكم إحدى الصورتين ~~المختلفتين الاخبار عن الصورة الأخرى مطلقا لا يكون صحيحا، ثم إنه منتقض ~~بفحوى الخطاب، فإن صورة المنطوق بالحكم فيها مخالفة للصورة المسكوت عنها، ~~ومع ذلك فإن الحكم الثابت في صورة النطق لازم ثبوته في صورة السكوت، ~~والاخبار عنه في إحداهما إخبار عنه في الصورة الأخرى. # وإذ أتينا على ما أردناه من التنبيه على إبطال الحجج الواهية، فلا بد من ~~الإشارة إلى ما هو المختار في ذلك، وأقرب ما يقال فيه مسلكان: # المسلك الأول: إنه لو كان تعليق الحكم على الصفة موجبا لنفيه عند عدمها ~~لما كان ثابتا عند عدمها، لما يلزمه من مخالفة الدليل. وهو على خلاف الأصل، ~~لكنه ثابت مع عدمها. ودليله قوله تعالى: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) ~~* (17) الاسراء: 31) فإن النهي عن قتل الأولاد وقع معلقا بخشية الاملاق، ~~وهو منهي عنه أيضا في حالة عدم خشية الاملاق. PageV03P085 # فإن قيل: تعليق الحكم بالصفة عندنا إنما يكون دليلا على نفيه حالة عدم ~~الصفة إذا لم يكن حالة عدم الصفة أولى بإثبات حكم الصفة، كما ذكرناه من حكم ~~زكاة السائمة والمعلوفة. # وأما إذا كان الحكم في حالة عدم الصفة أولى بالاثبات من حالة وجود الصفة ~~فلا وها هنا تحريم القتل حالة عدم خشية الاملاق أولى من التحريم حالة خشية ~~الاملاق. # فكان التنصيص على تحريم القتل حالة خشية الاملاق محرما له حالة عدم ~~الخشية بطريق الأولى، وكان ذلك من باب فحوى الخطاب، لا من باب دليل الخطاب. # قلنا: هذا، وإن استمر لكم في هذه الصورة، فلا يستمر في قوله تعالى: # * (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) * (3) آل عمران: 130) وفي قوله * (ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا) * (4) النساء: 6) وفي قوله تعالى: * (ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) * (24) النور: 33) فإن النهي في ~~جميع هذه الصور ليس هو أولى من صور السكوت (1)، فإن النهي. # عن أكل قليل الربا ليس أولى من كثيره، ولا النهي عن أكل مال اليتيم من ~~غير إسراف أولى من الاسراف، ولا ms570 النهي عن الاكراه على الزنا حالة إرادة ~~التحصن أولى من حالة إرادة الزنا (2) ومع ذلك، فالحكم في الكل مشترك. # فإن قيل مخالفة دليل الخطاب في هذه الصور إنما كانت لمعارض، ولا يلزم ~~مخالفته عند عدم المعارض. # قلنا: وإن كان ثبوت الحكم في صورة السكوت على نحو ثبوته في صورة النطق ~~لدليل، ولكن يجب أن يعتقد أنه من غير مخالفة دليل لما فيه من دفع محذور ~~المعارضة. ولو كان دليل الخطاب دليلا، لزم من ذلك التعارض، وهو خلاف الأصل. # المسلك الثاني: إن تعليق الحكم بالصفة، لو كان مما يستفاد منه نفي الحكم ~~عند عدم الصفة، لم يخل # PageV03P086 # إما أن يكون ذلك مستفادا من صريح الخطاب أو من جهة أن تعليق الحكم بالصفة ~~يستدعي فائدة، ولا فائدة سوى نفي الحكم عند عدم الصفة. # أو من جهة أخرى: الأول محال، فإن صريح الخطاب بوجوب الزكاة في السائمة ~~غير صريح بوجوبها في المعلوفة كيف وإن ذلك مما لا قائل به. # والثاني أيضا ممتنع لما ذكرناه من الوجوه الكثيرة في إبطال الحجة الأولى ~~من المعقول للقائلين بدليل الخطاب. # والثالث فالأصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه، ويلتحق بهذه المسألة تخصيص ~~الأوصاف التي تطرأ وتزول كقوله السائمة تجب فيها الزكاة والحكم كالحكم نفيا ~~وإثباتا، والمأخذ من الطرفين، فعلى ما عرف، والمختار فيها كالمختار ثم. ~~PageV03P087 # المسألة الثانية اختلفوا في الحكم المعلق على شئ بكلمة (إن) هل الحكم على ~~العدم عند عدم ذلك الشئ أولا: # فذهب ابن سريج والهراسي من أصحاب الشافعي والكرخي وأبو الحسين البصري إلى ~~أن الحكم على العدم مع عدم ذلك الشرط، وذهب القاضي عبد الجبار وأبو عبد ~~الله البصري إلى أن الحكم لا يكون على العدم عند عدم الشرط، وهو المختار. # وبيانه أن ما علق عليه الحكم بكلمة (إن) إما أن لا يكون شرطا للحكم أو ~~يكون شرطا: # فإن كان الأول، فلا يلزم من نفيه نفي الحكم، وإن كان شرطا فلا يخلو إما ~~أن يكون من لوازم الشرط انتفاء الحكم المعلق عليه مطلقا عند انتفائه، ولا ms571 ~~يكون لازما له: الأول محال، وإلا لامتنع وجود القصر المعلق على الخوف بكلمة ~~(إن) في قوله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا) * (4) النساء: 101) وهو خلاف الاجماع، وإن كان الثاني ~~فهو المطلوب. # فإن قيل: هو من لوازمه بتقدير عدم المعارض وليس من لوازمه بتقدير المعارض ~~ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه أن كلمة (إن) مسماة في ~~اصطلاح أهل اللغة بالشرط، والأصل في الاطلاق الحقيقة، ولأن قول القائل ~~لغيره إن دخل زيد الدار فأكرمه في معنى قوله دخول زيد الدار شرط في إكرامه، ~~فكان ما دخلت عليه كلمة (إن) شرطا في الحكم، وإذا كان شرطا لزم من عدمه عدم ~~المشروط. ويدل عليه ثلاثة أمور: # الأول: أن يعلي بن أمية فهم من تعليق القصر على الخوف بكلمة * (ان) * عدم ~~القصر عند عدم الخوف حيث سأل عمر قال: ما بالنا نقصر وقد أمنا، وقد قال ~~تعالى: # * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * (4) النساء: 101) ~~وأقره عمر على ذلك، وقال له: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي (ص) عن ~~ذلك فقال: صدقة # PageV03P088 # تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته (1). وفهم عمر ويعلي ذلك مع تقرير ~~النبي (ص) لهما على ما فهماه دليل ظاهر على العدم عند العدم. # الثاني: أن الأمة متفقة على أن الحياة شرط لوجود العلم والقدرة والإرادة ~~ونحو ذلك، وإن الحول شرط لوجوب الزكاة، وحكموا بانتفاء العلم والقدرة عند ~~عدم الحياة، وبانتفاء وجوب الزكاة عند عدم الحول، ولولا أن ذلك مقتضى الشرط ~~لما كان كذلك. # الثالث: أنه إذا كان الشرط مما يثبت الحكم مع عدمه على كل حال، وهو لا ~~يلزم من وجوده وجود الحكم، فيلزم أن يكون كل أمرين مختلفين لا يلزم من وجود ~~أحدهما وجود الآخر، ولا من عدمه عدمه شرطا، وهو محال متفق عليه. # والجواب: قولهم انه من لوازمه بتقدير عدم المعارض. # قلنا: يجب أن لا يكون مقتضيا لذلك، حذرا من التعارض بتقدير وجود المعارض. # وما ذكروه ms572 ثانيا، إنا وإن سلمنا أن ما دخلت عليه كلمة (إن) شرط ولكن لا ~~نسلم أنه يلزم من عدمه عدم المشروط. # وأما الاستدلال بقضية يعلي بن أمية فليس فيه ما يدل على أن عدم الخوف ~~مانع من ثبوت القصر دونه، بل لعله فهم أن الأصل عدم القصر، وحيث ورد القصر ~~حالة الخوف بقوله * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * ولم ~~يوجد ما يدل على القصر حالة عدم الخوف، فيبقى على حكم الأصل فإن قيل: ما ~~ذكرتموه من الاحتمال إنما يصح أن لو كان الأصل في الصلاة الاتمام، وليس ~~كذلك، بل الأصل في الصلاة عدم الاتمام، ودليله ما روي عن عائشة رضي الله ~~عنها، أنها قالت: كانت الصلاة في السفر والحضر ركعتين ، فأقرت في السفر ~~وزيدت في الحضر (2) فلم يبق للتعجب وجه سوى دلالة اشتراط الخوف وعدم القصر ~~عند عدمه. # قلنا: الصلاة المشروعة بديا ركعتين لا تسمى مقصورة، كصلاة الصبح، ولا ~~فعلها قصرا، وإنما المقصورة اسم لما جوز الاقتصار عليه من ركعتين في ~~الرباعية # PageV03P089 # ولفظ القصر لنفس الاقتصار على الركعتين من الرباعية، فإطلاق لفظ القصر في ~~الآية مشعر بسابقة وجوب الاتمام لا محالة. # وإذا كان الاتمام هو الأصل السابق على القصر، فقد بطل ما ذكروه، كيف وإن ~~ما ذكرناه من الاحتمال هو الأولى، وإلا، فلو كان اشتراط الخوف في القصر ~~مانعا من القصر مع عدمه، لما جاز القصر مع عدم الخوف، أو كان القصر على ~~خلاف الدليل، وهو ممتنع من غير ضرورة وأما (1) عدم العلم والقدرة، وعدم ~~وجوب الزكاة عند عدم الحياة وعدم الحول، فليس في ذلك ما يدل على أن عدم ~~الشرط مانع من وجود الحكم مع عدمه ولا بد، بل غايته أن الحكم قد ينتفي في ~~بعض صور نفي الشرط، ولا نزاع فيه وإنما النزاع في لزوم انتفائه من انتفاء ~~شرطه ولا بد. # وأما الوجه الثالث فالوجه في جوابه أن يقال: لا يلزم من كونه الشرط لا ~~يلزم من ثبوته ثبوت الحكم، ولا من نفيه نفيه، إذا ms573 كان غير الشرط مشاركا له ~~في هذه الصفة، أن يكون شرطا، لأنه لا يمتنع اشتراك المختلفات في عارض عام ~~لها كيف وإن معنى كون الشئ شرطا لغيره أنه مؤكد لحال المشروط، بمعنى أنه ~~إذا تحقق الشرط لا يجوز نفي المشروط عند تحقق مقتضيه دفعا لوهم من توهم أن ~~الخطاب لو ورد مطلقا لجاز أن لا يكون المشروط بذلك الشرط مرادا وذلك كما لو ~~قال القائل ضح بالشاة وإن كانت عوراء فإنه لو قال ضحوا بالشاة مطلقا لجاز ~~أن يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بالعوراء، فكان ذكر الشرط لدفع هذا ~~الوهم. # وعلى هذا فلا يلزم أن يكون كل شئ شرطا لكل شئ، كما قالوه، إلا أن يكون ~~الشرط على هذا النحو الذي ذكرناه، وليس كذلك. # وإن سلمنا أن الشرط يمنع من وجود المشروط دونه، ولكن متى إذا أمكن قيام ~~شرط مقام ذلك الشرط، أو إذا لم يقم مقامه شرط آخر؟ الأول ممنوع، والثاني ~~مسلم. وهذا هو مذهب القاضي عبد الجبار وأبي عبد الله البصري. وعلى # PageV03P090 # هذا، فكونه شرطا يتحقق بانتفاء الحكم عند انتفائه، إذا لم يقم غيره مقامه ~~وإن لم يثبت إذا قام غيره مقامه، فلم قلتم إن غيره لم يقم مقامه في الشرطية ~~مع أن لفظ الاشتراط لا يدل على وجود شرط آخر، ولا على عدمه. # فإن قيل: إذا قال القائل لغيره إن دخل زيد الدار فأعطه درهما معناه أن ~~الشرط هو دخول الدار في عطيتك له، وذلك يقتضي أن يكون كمال الشرط هو دخول ~~الدار، لان لام الجنس تقتضي العموم، ولأن قوله إن دخل الدار فأعطه درهما ~~يقتضي عدم الاعطاء عند عدم الدخول، فلو قام شرط آخر مقامه لزم منه جواز ~~الاعطاء مع عدم الدخول، فيقتضي الشرط الأول امتناع وجود شرط آخر يقوم ~~مقامه، لما فيه من إخراج الشرط الأول عن كونه شرطا. # قلنا: جواب الأول أنا لا نسلم أن معنى قوله: (إن دخل الدار) هو شرط، بل ~~هو شرط، وذلك لا يمنع من شرط آخر. وتقدير لام ms574 الجنس ها هنا، زيادة لم يدل ~~عليها دليل، فلا يصار إليها. # وجواب الثاني أنا نسلم أن قوله: إن دخل الدار يقتضي عدم الاعطاء عند عدم ~~الدخول مطلقا، بل إذا لم يقم غيره مقامه، لكن قد يمكن أن يقال ههنا إذا سلم ~~أنه إذا لم يقم غيره مقامه إن عدمه يقتضي العدم، فالأصل عدم قيام غيره ~~مقامه، فاقتضى عدمه العدم. وربما احتج القاضي عبد الجبار وأبو عبد الله ~~البصري بأنه لو منع الشرط من ثبوت الحكم عند عدمه، لكان قوله تعالى: * (ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) * (24) النور: 33) يمنع من تحريم ~~الاكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن، وهو محال مخالف للاجماع. # ولقائل أن يقول: ذكر إرادة التحصن إنما كان لكونه شرطا في الاكراه ~~لاستحالة تحقق الاكراه على الزنا في حق من هو مريد له غير مريد للتحصن. # لا لأنه شرط في تحريم الاكراه على الزنا: والله أعلم. PageV03P091 # المسألة الثالثة اختلفوا في الخطاب إذا قيد الحكم بغاية، كما في قوله ~~تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) وقوله تعالى: * ~~(ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (2) البقرة: 222) وقوله: * (فلا تحل له من بعد، ~~حتى تنكح زوجا غيره) * (2) البقرة: 230) وقوله: * (حتى يعطوا الجزية) * ~~فذهب أكثر الفقهاء وجماعة من المتكلمين، كالقاضي أبي بكر والقاضي عبد ~~الجبار وأبي الحسين البصري وغيرهم، إلى أن ذلك يدل على نفي الحكم فيما بعد ~~الغاية وخالف في ذلك أصحاب أبي حنيفة وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وهو ~~المختار وذلك لأنه لو دل تقييد الحكم بالغاية المحدودة على نفي الحكم فيما ~~بعد الغاية لم يخل إما أن يدل عليه بصريح لفظه أو بأنه لو لم يكن دالا على ~~نفي الحكم فيما بعد الغاية، لما كان التقييد بالغاية مفيدا أو من جهة أخرى ~~الأول محال، لان اللفظ بصريحه لم يدل على نفي الحكم بعد الغاية، والثاني ~~إنما يلزم أن لو لم يكن للتقييد فائدة سوى ما ذكروه، وليس كذلك، بل جاز أن ~~تكون فائدة التقييد تعريف بقاء ما بعد الغاية على ما ms575 كان قبل الخطاب أي أنه ~~متعرض فيه لاثبات الحكم ولا نفيه. وإن كان الثالث، فالأصل عدمه، وعلى مدعيه ~~بيانه. # وأيضا فإنه لا مانع من ورود الخطاب فيما بعد الغاية بمثل الحكم السابق ~~قبل الغاية بالاجماع. # وعند ذلك، إما أن يكون تقييد الحكم بالغاية نافيا للحكم فيما بعدها، أو ~~لا يكون: والأول يلزم منه إثبات الحكم مع تحقق ما ينفيه، وهو خلاف الأصل. ~~وإن كان الثاني، فهو المطلوب. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه وبيانه أن كلمة (حتى) و ~~(إلى) لانتهاء الغاية، وهي جارية مجرى قوله صوموا صوما أخره الليل ولو قال ~~ذلك لمنع من وجوب الصوم بعد مجئ PageV03P092 # الليل، لأنه لو وجب الصوم بعد ذلك لصارت الغاية وسطا، وهو محال. ولهذا ~~فإنه لو قال القائل لعبده لا تعط زيدا درهما حتى يقوم، واضرب عمرا حتى يتوب ~~فإنه لا يحسن الاستفهام بعد ذلك، وأن يقال فهل أعطيه إذا قام، وهل أضربه ~~إذا تاب؟ ولولا أن التقييد بالغاية يدل على عدم الحكم بعدها لما كان كذلك. # قلنا: لا ننكر أن (حتى) و (إلى) لانتهاء الغاية وأنها جارية مجرى قوله ~~صوموا صياما آخره الليل غير أن الخلاف إنما هو في أن تقييد الحكم بالغاية ~~هل يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية، وذلك غير لازم من التقييد بالغاية، ~~بل غايته أن دلالة التقييد بالغاية، على أن ما بعدها غير متعرض فيه بالخطاب ~~الأول لا بنفي ولا إثبات، ولا يلزم من وجود صوم بعد الغاية أن تصير الغاية ~~وسطا، بل هي غاية للصوم المأمور به أولا، وإنما تصير وسطا أن لو كان الصوم ~~فيما بعد الغاية مستندا إلى الخطاب الذي قبل الغاية، وليس كذلك. # وأما أنه لا يحسن الاستفهام عند قوله لا تعط زيدا درهما حتى يقوم، واضرب ~~عمرا حتى يتوب لان ما بعد الغاية مسكوت عنه غير متعرض له بنفي ولا إثبات ~~فلا يحسن الاستفهام فيما لا دلالة للفظ عليه، كما قبل الامر بالاعطاء ~~والضرب. PageV03P093 # المسألة الرابعة اختلفوا في تقييد ms576 الحكم بعدد مخصوص هل يدل على أن ما عدا ~~ذلك العدد بخلافه أو لا؟ # والحق في ذلك إنما هو التفصيل، وهو أن الحكم إذا قيد بعدد مخصوص. # فمنه ما يدل على ثبوت ذلك الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق الأولى، ~~وذلك كما لو حرم الله جلد الزاني مائة، وقال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل ~~خبثا، فإنه يدل على تحريم ما زاد على القلتين لا يحمل خبثا بطريق الأولى ~~(7) ولأن ما زاد على المائة وعلى القلتين ففيه المائة والقلتان وزيادة. # وهل يدل ذلك على أن الحكم فيما دون المائة ودون القلتين على خلاف الحكم ~~في المائة، والقلتين؟ هذا موضع الخلاف. # ومنه ما لا يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على العدد المخصوص بطريق الأولى. # وذلك كما إذا أوجب جلد الزاني مائة أو أباحه، فإنه لا يدل على الوجوب ~~والإباحة فيما زاد على ذلك بطريق الأولى، بل هو مسكوت عنه ومختلف في دلالته ~~على نفي الوجوب والإباحة فيما زاد ومتفق على أن حكم ما نقص كحكم المائة ~~لدخوله تحتها، لكن لا يمنع من الاقتصار عليه (1). # والمختار فيما كان مسكوتا عنه، ولم يكن الحكم فيه ثابتا بطريق الأولى من ~~هذه الصور أن تخصيص الحكم بالعدد لا يدل على انتفاء الحكم فيه لما ذكرناه ~~في المسائل المتقدمة. ومن نازع في ذلك فلا يخرج في احتجاجه على مذهبه عما ~~ذكرناه فيما تقدم، وقد عرف ما فيه. # PageV03P094 # المسألة الخامسة اتفق الكل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة خلافا للدقاق ~~وأصحاب الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله. # وصورته أن يعلن الحكم إما باسم جنس، كالتنصيص على الأشياء الستة بتحريم ~~الربا، أو باسم علم، كقول القائل: زيد قائم أو قام. # والمختار إنما هو مذهب الجمهور، لكن قد احتج بعض القائلين بإبطاله بحجج ~~لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو ~~المختار. # الحجة الأولى: لو كان مفهوم اللقب حجة، لبطل القياس، وذلك ممتنع. # وبيان لزوم ذلك أن القياس لا بد ms577 فيه من أصل، وحكم الأصل إما أن يكون ~~منصوصا أو مجمعا عليه: فلو كان النص على الحكم في الأصل أو الاجماع عليه ~~يدل على نفي الحكم عن الفرع، فالحكم في الفرع إن ثبت بالنص أو الاجماع، فلا ~~قياس. # وإن ثبت بالقياس على الأصل، فهو ممتنع لما فيه من مخالفة النص أو الاجماع ~~الدال على نفي الحكم في الفرع. # ولقائل أن يقول: النص الوارد في الأصل، وإن دل على نفي الحكم في الفرع ~~فليس بصريحه، بل بمفهومه، وذلك مما لا يمنع عند القائلين به من إثبات الحكم ~~بمعقول النص، وهو القياس، فلا يفضي إلى إبطال القياس، وغايته التعارض، لا ~~الابطال. # الحجة الثانية: أنه لو كان مفهوم اللقب حجة ودليلا، لكان القائل إذا قال ~~عيسى رسول الله فكأنه قال محمد ليس برسول الله وكذلك إذا قال زيد موجود ~~فكأنه قال الاله ليس بموجود وهو كفر صراح، ولم يقل بذلك قائل ولقائل أن ~~يقول من الخصوم إنما لا يكون المتكلم بذلك كافرا إذا لم يكن متنبها لدلالة ~~اللفظ، أو كان متنبها لها، غير أنه لم يرد بلفظه ما دل عليه مفهومه، وأما ~~إذا كان متنبها لدلالة لفظه وهو مريد لمدلولها، فإنه يكون كافرا. ~~PageV03P095 # الحجة الثالثة: أنهم قالوا: إذا قال القائل زيد يأكل لا يفهم منه أن عمرا ~~لا يأكل ولقائل أن يقول: لا يفهم منه ذلك من يعتقد دلالة مفهوم اللقب، أو ~~من لا يعتقده الأول ممنوع، والثاني مسلم. وعدم فهم ذلك بالنسبة إلى من لا ~~يعتقد دلالته لا يدل على عدم دلالته في نفسه. # الحجة الرابعة: أنه لو كان مفهوم اللقب دليلا، لما حسن من الانسان أن ~~يخبر أن زيدا يأكل، إلا بعد علمه أن غيره لم يأكل، وإلا كان مخبرا بما يعلم ~~أنه كاذب فيه، أو بما لا يأمن فيه من الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع ~~عدم علمه بذلك، دل على عدم دلالته على نفي الاكل عن غير زيد. # ولقائل أن يقول: إذا أخبر بذلك، فلا يخلو إما أن يكون ms578 عالما بأن غير زيد ~~يأكل، أو غير عالم بذلك. وعلى كلا التقديرين إنما لم يستقبح منه ذلك لظهور ~~القرينة الدالة على أنه لم يرد سوى مدلول صريح لفظه دون مفهومه، لعدم علمه ~~بذلك في إحدى الحالتين، وعلمه بوقوع الاكل من غير زيد في الحالة الأخرى، ~~فإن الظاهر من حال العاقل أنه لا يخبر عن نفي ما لم يعلمه ولا نفي ما علم ~~وقوعه حتى إنه لو ظهر منه ما يدل على إرادته لنفي ما دل عليه لفظه عند ~~القائلين به لكان مستقبحا. # والمختار في إبطال ما سبق في المسائل المتقدمة. # وأما حجج الخصوم وجوابها، فعلى ما سبق في مفهوم التقييد بالصفة. # وربما احتجوا في خصوص هذه المسألة بحجج أخرى، وهو أنه لو تخاصم شخصان، ~~فقال أحدهما للآخر. أما أنا فليس لي أم ولا أخت ولا امرأة زانية فإنه ~~يتبادر إلى الفهم نسبة الزنا منه إلى زوجة خصمه وأمه وأخته. ولهذا قال ~~أصحاب أحمد بن حنبل ومالك بوجوب حد القذف عليه. # وجوابه أن ذلك إن فهم منه، فإنما يفهم من قرينة حاله لا من دلالة مقاله، ~~بدليل ما أسلفناه. ولذلك لم يكن حد القذف عندنا واجبا بذلك، وعلى هذا يكون ~~الحكم في مفهوم الاسم العام المشتق، كقوله: لا تبيعوا الطعام بالطعام. ~~PageV03P096 # المسألة السادسة اختلفوا في تقييد الحكم بإنما كقوله (ص): إنما الشفعة ~~فيما لم يقسم، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما الولاء لمن أعتق، وإنما الربا ~~في النسيئة هل يدل على الحصر أو لا؟ # فذهب القاضي أبو بكر والغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه ظاهر ~~في الحصر، محتمل للتأكيد. # وذهب أصحاب أبي حنيفة وجماعة ممن أنكر دليل الخطاب إلى أنه لتأكيد ~~الاثبات، ولا دلالة له على الحصر وهو المختار. # وذلك لان كلمة * (إنما) * قد ترد ولا حصر كقوله: إنما الربا في النسيئة ~~وهو غير منحصر في النسيئة لانعقاد الاجماع على تحريم ربا الفضل، فإنه لم ~~يخالف فيه سوى ابن عباس، ثم رجع عنه. # وقد ترد والمراد بها الحصر كقوله تعالى: * (إنما أنا ms579 بشر مثلكم) * (18) ~~الكهف: 110) (1) وعند ذلك فيجب اعتقاد كونها حقيقة في القدر المشترك بين ~~الصورتين، وهو تأكيد إثبات الخبر للمبتدأ، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ ~~لكونه (2) على خلاف الأصل، ولأن كلمة (إنما) لو كانت للحصر لكان ورودها في ~~غير الحصر على خلاف الأصل. # فإن قيل: ولو لم تكن للحصر، لكان فهم الحصر في صورة الحصر من غير دليل، ~~وهو خلاف الأصل: # قلنا إنما يكون فهم ذلك من غير دليل أن لو كان دليل الحصر منحصرا في كلمة ~~(إنما) وليس كذلك. # PageV03P097 # المسألة السابعة اختلفوا في قوله (ص): الأعمال بالنيات وفي قول القائل: ~~العالم زيد: وصديقي زيد هل يدل على حصر الأعمال فيما كان منويا، وعلى حصر ~~العالم والصديق في زيد. # فذهبت الحنيفة والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين إلى أنه لا يدل على ~~الحصر وذهب الغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه يدل على الحصر. # والمختار أنه لا يدل لما سبق في المسائل المتقدمة. # فإن قيل: لو لم يكن ذلك دالا على حصر الأعمال في المنوي، والعالم والصديق ~~في زيد، لكان المبتدأ أعم من خبره، وكان ذلك كذبا، كما لو قال: الحيوان ~~إنسان، والانسان زيد. # قلنا: إنما يلزم الكذب أن لو كانت (الألف واللام) في الأعمال للعموم ~~فإنها تنزل منزلة قوله: كل عمل منوى وهو كاذب، كما في قوله كل حيوان إنسان ~~وليس كذلك، بل هي ظاهرة في البعض، فكأنه قال بعض الأعمال بالنيات وذلك صادق ~~غير كاذب. # وكذلك الحكم في قوله العالم زيد وكذلك قوله صديقي زيد ليس عاما في كل ~~صديق، بل كأنه قال بعض أصدقائي زيد حتى إنه لو ثبت أن (الألف واللام) إذا ~~دخلت على اسم الجنس تكون عامة، وكان المتكلم مريدا للتعميم، فإنه يكون ~~كاذبا بتقدير ظهور عالم آخر وصديق آخر له، وكان قوله دالا على الحصر لا ~~محالة (1) وربما قيل في إبطال القول بالحصر إنه لو كان قوله العالم زيد ~~وصديقي زيد يدل على حصر العالم والصديق في زيد، لكان إذا قال العالم زيد ~~وعمرو، وصديقي ms580 زيد وعمرو متناقضا، وليس كذلك باتفاق أهل اللغة، وليس بحق، ~~فإن للخصم أن يقول إنما يكون ذلك مناقضا بشرط أن يتجرد قوله الأول عما ~~يغيره # PageV03P098 # وأما إذ عطف عليه قوله وعمرو صار الكل كالجملة الواحدة، وكان قوله العالم ~~زيد مع الانفراد مغايرا في دلالته لقوله العالم زيد وعمرو وهذا كما لو قال ~~له علي عشرة ثم بعد حين قال: إلا خمسة فإنه لا يقبل لما فيه من مناقضة لفظه ~~الأول: ولو قال له علي عشرة إلا خمسة على الاتصال كان مقبولا لعدم تناقضه ~~ولولا اختلاف الدلالة لما اختلف الحال، بل كان الواجب أن لا يقبل استثناؤه ~~في الصورتين، أو يقبل فيهما، وهو محال. # المسألة الثامنة اختلفوا في قوله لا عالم في البلد إلا زيد فالذي عليه ~~الجمهور وأكثر منكري المفهوم أنه يدل على نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون ~~زيد عالما. # وذهب بعض منكري المفهوم إلى أن ذلك لا يدل على كون زيد عالما، بل هو نطق ~~بالمستثنى منه، وسكوت عن المستثنى. ومعنى خروج المستثنى عن المستثنى منه ~~أنه لم يدخل في عموم المستثنى منه، وأنه لم يتعرض فيه لكون زيد عالما، لا ~~نفيا ولا إثباتا. # والحق إنما هو المذهب الجمهوري ودليله ما بيناه فيما تقدم من أن ~~الاستثناء من النفي إثبات، وأن قول القائل لا إله إلا الله ناف للألوهية عن ~~غير الله تعالى ومثبت لصفة الألوهية لله تعالى، وقررناه أحسن تقرير، وحققنا ~~وجه الانفصال عن كل ما ورد عليه من الاشكالات، فعليك بالالتفات إليه ونقله ~~إلى هاهنا. PageV03P099 # المسألة التاسعة اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق ~~بالذكر لخروجه مخرج الأعم بالأغلب، لا مفهوم له، وذلك كقوله تعالى: * ~~(وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * (4) النساء: 23) ~~وقوله: * (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * ~~(4) النساء: 35) (1) وقوله (ص): أيما امرأة نكحت نفسها بغير أذن وليها، ~~فنكاحها باطل وقوله (ص): فليستنج بثلاثة أحجار فإن تخصيصه بالذكر لمحل ~~النطق في جميع هذه ms581 الصور إنما كان لأنه الغالب إذ الغالب أن الربيبة إنما ~~تكون في الحجر وإن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق، وإن المرأة لا تزوج نفسها ~~إلا عند عدم إذن الولي لها وإبائه من تزويجها، وإن الاستنجاء لا يكون إلا ~~بالحجارة، وكذلك الحكم في كل ما ظهر سبب تخصيصه بالذكر، كسؤال سائل أو حدوث ~~حادثة أو غير ذلك مما سبق ذكره من أسباب التخصيص. # وعلى هذا فلو لم يظهر سبب يوجب تخصيص محل النطق بالذكر دون محل السكوت، ~~بل كانت الحاجة إليهما وإلى ذكرهما مع العلم بهما مستوية، ولم يكن الحكم في ~~محل السكوت أولى بالثبوت، وبالجملة لو لم يظهر سبب من الأسباب الموجبة ~~للتخصيص سوى نفي الحكم في محل السكوت، فهل يجب القول بنفي الحكم في محل ~~السكوت تحقيقا لفائدة التخصيص، أو لا يجب: # إن قلنا إنه لا يجب، كان التخصيص بالذكر عبثا خليا عن الفائدة، وذلك مما ~~ينزه عنه منصب آحاد البلغاء، فضلا عن كلام الله تعالى ورسوله. # وإن قلنا بوجوب نفي الحكم، لزم القول بدلالة المفهوم في هذه الصورة. # PageV03P100 # والوجه في حله أن يقال: إذا لم يظهر السبب المخصص، فلا يخلو إما أن يكون ~~مع عدم ظهوره محتمل الوجود والعدم على السواء، أو أن عدمه أظهر من وجوده: # فإن كان الأول، فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات، وعلى هذا فلا ~~مفهوم، وإن كان الثاني، فإنما يلزم من ذلك نفي الحكم في محل السكوت، أن لو ~~كان نفي الحكم فيه من جملة الفوائد الموجبة لتخصيص محل النطق بالذكر، وليس ~~كذلك. # وذلك لان نفي الحكم في محل السكوت عند القائلين بمفهوم المخالفة إنما هو ~~فرع دلالة اللفظ في محل النطق عليه، فلو كانت دلالة اللفظ في محل النطق عل ~~نفي الحكم في محل السكوت متوقفة عليه بوجه من الوجوه كان دورا ممتنعا (1). # وإلى ها هنا تم الكلام في أصناف دلالة غير المنظوم. # هذا ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع. # وأما ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه ms582 الكتاب والسنة دون غيرهما من ~~الأدلة، فهو النظر في النسخ، ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة فتشتمل على أربعة فصول # PageV03P101 # الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ أما النسخ فهو في اللغة قد ~~يطلق بمعنى الإزالة، ومنه يقال نسخت الشمس الظل، أي أزالته، ونسخت الريح ~~أثر المشي، أي أزالته. ونسخ الشيب الشباب، إذا أزاله، ومنه تناسخ القرون ~~والأزمنة. والإزالة هي الاعدام، ولهذا يقال: # زال عنه المرض والألم وزالت النعمة عن فلان، ويراد به الانعدام في هذه ~~الأشياء كلها. # وقد يطلق بمعنى نقل الشئ وتحويله من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه. # قال السجستاني من أهل اللغة: والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل ~~والعسل إلى أخرى ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم، وتناسخ ~~الأنفس بانتقالها من بدن إلى غيره عند القائلين بذلك. ومنه نسخ الكتاب بما ~~فيه من مشابهة النقل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: * (إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون) * (45) الجاثية: 29) والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف، أو من ~~الصحف إلى غيرها. # اختلف الأصوليون: فذهب القاضي أبو بكر ومن تابعه، كالغزالي وغيره إلى أن ~~اسم النسخ مشترك بين هذين المعنيين. # وذهب أبو الحسين البصري وغيره إلى أنه حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل. # وذهب القفال من أصحاب الشافعي إلى أنه حقيقة في النقل والتحويل. # وقد احتج أبو الحسين البصري بأن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم نسخت ~~الكتاب مجاز، لان ما في الكتاب لم ينقل حقيقة. وإذا كان اسم النسخ مجاز في ~~النقل، لزم أن يكون حقيقة في الإزالة، لأنه غير مستعمل فيما سواهما. # وإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في الآخر. # وقد قرر ذلك بعضهم من وجه آخر، فقال: إطلاق اسم النسخ بمعنى الإزالة ~~والاعدام واقع كما سبق، والأصل في الاطلاق الحقيقة، ويلزم أن لا يكون حقيقة ~~في النقل، دفعا للاشتراك عن اللفظ. PageV03P102 # ولقائل أن يقول على الوجه الأول إن إطلاق اسم النسخ على الكتاب إما أن ~~يكون حقيقة، أو ms583 تجوزا: فإن كان حقيقة فهو المطلوب، وبطل ما ذكروه، وإن كان ~~مجازا، ضرورة أن ما في الكتاب لم ينقل على الحقيقة، فيمتنع أن يكون التجوز ~~به مستعارا من الإزالة، فإنه غير مزال، ولا يشبه الإزالة، فلا بد من ~~استعارته من معنى آخر، والاجماع منعقد على امتناع إطلاق اسم النسخ حقيقة في ~~الإزالة والنقل، فإذا تعذرت استعارته من الإزالة، تعين أن يكون مستعارا من ~~النقل. # ووجه استعارته منه أن تحصيل ما في أحد الكتابين في الآخر، تجري مجرى نقله ~~وتحويله إليه، فكان، منه بسبب من أسباب التجوز. وإذا كان مستعارا من النقل ~~وجب أن يكون اسم النسخ حقيقة في النقل إذ المجاز لا يتجوز به في غيره ~~بإجماع أهل اللغة. # ثم وإن كان ذلك مجازا في نسخ الكتاب، فما الاعتذار عن اطلاق اسم التناسخ ~~في المواريث، مع كونها منتقلة حقيقة، وإطلاق اسم النسخ على تحويل النحل ~~والعسل من خلية إلى أخرى. فإن ما ذكروه في تقرير التجوز في نسخ الكتاب غير ~~متصور ها هنا. # وأما الوجه الثاني فمقابل بمثله، وهو أن يقال: اسم النسخ قد أطلق بمعنى ~~النقل على ما سبق. والأصل في الاطلاق الحقيقة، ويلزم من كونه حقيقة فيه أن ~~لا يكون حقيقة في الإزالة، دفعا للاشتراك عن اللفظ، وليس أحد الامرين أولى ~~من الآخر، فإن قبل الترجيح لكونه حقيقة في الإزالة، وذلك لان الإزالة مطلق ~~إعدام، والنقل أخص من الإزالة، لأنه يستلزم إعدام الصفة وحدوث أخرى، ~~والاعدام المستلزم حدوث شئ آخر، أخص من الاعدام الذي لا يستلزم ذلك، وإذا ~~كانت الإزالة أعم، فجعل النسخ حقيقة فيها أولى، نفيا للتجوز والاشتراك عن ~~اللفظ. # قلنا: لا نسلم أن الإزالة أعم من النقل والتحويل وإن كان يستلزم إعدام ~~صفة وتجدد أخرى، فكل إزالة هكذا، لان الإزالة على ما قيل هي الاعدام، ~~والاعدام يستلزم زوال الصفة، وهي الوجود وتجدد أخرى، وهي صفة العدم، وهما ~~صفتان متقابلتان، مهما انتفت إحداهما تحققت الأخرى، وإذا تساويا عموما ~~وخصوصا PageV03P103 # فليس جعل اسم النسخ حقيقة في أحدهما أولى ms584 من الآخر. # وإذا تعذر ترجيح أحد الامرين مع صحة الاطلاق فيهما، كان القول بالاشتراك ~~أشبه، اللهم إلا أن يوجد في حقيقة النقل خصوص تبدل الصفة الوجودية بصفة ~~وجودية، فيكون النقل أخص. # ومع هذا كله، فالنزاع في هذا لفظي لا معنوي. # وأما معناه في اصطلاح الأصوليين، فقد اختلف فيه فقال أبو الحسين البصري: ~~هو إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله تعالى أو عن رسوله، مع ~~تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا وهو فاسد من وجهين: # الأول: هو أن إزالة المثل إما أن تكون قبل وجود ذلك المثل أو بعد عدمه، ~~أو في حالة وجوده: # الأول محال، فإن ما لم يوجد، لا يقال إنه أزيل والثاني أيضا محال، فإن ~~إزالة ما عدم بعد وجوده ممتنع. # والثالث أيضا محال، لان الإزالة هي الاعدام، وإعدام الشئ حال وجوده محال ~~(1) الوجه الثاني: أنه غير مانع إذ يدخل فيه إزالة مثل ما كان ثابتا من ~~الاحكام العقلية قبل ورود الشرع بخطاب الشارع المتراخي على وجه لولا خطاب ~~الشارع المغير لكان ذلك الحكم مستمرا، وليس بنسخ في مصطلح المتشرعين ~~إجماعا. # ومنهم من قال: هو إزالة الحكم بعد استقراره، ويبطل بالوجهين السابقين، ~~وبما لو زال الحكم بعد استقراره بمرض أو جنون أو موت، فإنه داخل فيما قيل، ~~وليس بنسخ إجماعا. # ومنهم من قال: هو نقل الحكم إلى خلافه، ويبطل بما بطل به الحد الذي قبله ~~وبما لو نقل الحكم إلى خلافه بالغاية، كما في قوله تعالى: * (ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) فإن الحكم فيما قبل الغاية قد قلب ~~إلى خلافه فيما بعد الغاية، وليس بنسخ، وبه يبطل قول من قال في حده إنه ~~بيان مدة الحكم. # PageV03P104 # وقال القاضي أبو بكر: إنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب ~~المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا، مع تراخيه عنه، وهو اختيار الغزالي ~~أيضا، وقصد بالقيد الأول تعميم كل خطاب كان من باب المنظوم أو غيره، ~~والاحتراز عن الموت والمرض والجنون وجميع الاعذار الدالة على ارتفاع ~~الاحكام ms585 الزائلة بها مع تراخيها، ولولاها لكانت الاحكام الزائلة بها ~~مستمرة، وبالقيد الثاني، وهو الخطاب المتقدم، الاحتراز عن الخطاب الدال على ~~ارتفاع الاحكام العقلية قبل ورود الشرع، وبالقيد الثالث، وهو على وجه لولاه ~~لكان مستمرا، الاحتراز عما إذا ورد الخطاب بحكم موقت، ثم ورد الخطاب عند ~~تصرم ذلك الوقت بحكم مناقض للأول، كما لو ورد قوله عند غروب الشمس كلوا بعد ~~قوله: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) فإنه لا يكون نسخا ~~لحكم الخطاب الأول، حيث إنه لو قدرنا عدم الخطاب الثاني، لم يكن حكم الخطاب ~~الأول مستمرا، بل منتهيا بالغروب، وبالقيد الرابع الاحتراز عن الخطاب ~~المتصل، كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية، فإنه يكون بيانا لا نسخا ويرد ~~عليه إشكالات: # الاشكال الأول: أن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت هو الناسخ ~~والنسخ هو نفس الارتفاع، فلا يكون الناسخ هو النسخ. # الثاني: وهو ما أورده أبو الحسين البصري أنه قال إنه ليس بجامع ولا مانع: # أما أنه ليس بجامع، فلانه يخرج منه النسخ بفعل الرسول، مع أنه ليس بخطاب، ~~ويخرج منه نسخ ما ثبت بفعل الرسول وليس فيه ارتفاع حكم ثبت بالخطاب. # وأما أنه ليس بمانع، فلانه لو اختلفت الأمة في الواقعة على قولين، ~~وأجمعوا بخطابهم على تسويغ الاخذ بكل واحد من القولين للمقلد، ثم أجمعوا ~~بأقوالهم على أحد القولين، فإن حكم خطاب الاجماع الثاني دل على ارتفاع حكم ~~خطاب الاجماع الأول، وليس بنسخ إذ الاجماع لا ينسخ به PageV03P105 # الثالث: هو أن تحديد النسخ بارتفاع الحكم الثاني تحديد له، بما ليس ~~بمتصور، لوجوه يأتي ذكرها في مسألة إثبات النسخ. # الرابع: أن فيه زيادة لا حاجة إليها، وهي قوله (متراخ عنه) وقوله (على ~~وجه لولاه لكان مستمرا ثابتا) فإن ذكر التراخي إنما وقع احترازا عن الخطاب ~~المتصل كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية، وفي الحد ما يدرأ النقض بذلك، ~~وهو ارتفاع الحكم، والخطاب المتصل بالخطاب الأول في هذه الصور، ليس رافعا ~~لحكم الخطاب المتقدم في الذكر، بل هو مبين أن الخطاب المتقدم لم يرد الحكم ~~فيما ms586 استثنى، وفيما خرج عن الشرط والغاية، وبالتقييد بالرفع يدرأ النقض ~~بالخطاب الوارد بما يخالف حكم الخطاب المتقدم إذا كان حكمه، موقتا من حيث ~~إن الخطاب الثاني لا يدل على ارتفاع حكم الخطاب الأول لانتهائه بانتهاء ~~وقته. # والجواب عن الاشكال الأول: لا نسلم أن النسخ هو ارتفاع الحكم، بل النسخ ~~نفس الرفع المستلزم للارتفاع، والرفع هو الخطاب الدال على الارتفاع، وذلك ~~لان النسخ يستدعى ناسخا ومنسوخا، والناسخ هو الرافع أي الفاعل، والمنسوخ هو ~~المرفوع أي المفعول، والرافع والمرفوع، أي الفاعل والمفعول، يستدعي رفعا ~~وارتفاعا، أي فعلا وانفعالا، والرافع هو الله تعالى على الحقيقة، وإن سمي ~~الخطاب ناسخا، فإنما هو بطريق التجوز، كما يأتي تحقيقه، والمرفوع هو الحكم، ~~والرفع الذي هو الفعل صفة الرافع، وذلك هو الخطاب، والارتفاع الذي هو نفس ~~الانفعال صفة المرفوع المفعول. وذلك على نحو فسخ العقد، فإن الفاسخ هو ~~العاقد، والمفسوخ هو العقد، والفسخ صفة العاقد، وهو قوله فسخت والانفساخ ~~صفة العقد، وهو انحلاله بعد انبرامه. # وأما النسخ بفعل الرسول، فلا نسلم أن فعل الرسول ناسخ حقيقة، إذ ليس ~~للرسول ولاية إثبات الأحكام الشرعية، ورفعها من تلقاء نفسه، وإنما هو رسول ~~ومبلغ عن الله تعالى ما يشرعه من الاحكام، ويرفعه، ففعله، إن كان ولا بد، ~~فإنما هو PageV03P106 # دليل على الخطاب الدال على ارتفاع الحكم، لا أن نفس الفعل هو الدال على ~~الارتفاع. # وأما الاشكال بالاجماع ففيه جوابان الأول: أنه مهما اجتمعت الأمة على ~~تسويغ الخلاف في حكم مسألة معينة، وكان إجماعهم قاطعا، فلا نسلم تصور ~~إجماعهم على مناقضة ما أجمعوا عليه أولا ليصح ما قيل الثاني: أنه، وإن صح ~~ذلك، فلا نسلم أن الحكم نفيا وإثباتا مستند إلى قول أهل الاجماع، وإنما هو ~~مستند إلى الدليل السمعي الموجب لاجماعهم على ذلك الحكم وعلى هذا، فيكون ~~إجماعهم دليلا على وجود الخطاب الذي هو النسخ، لا أن خطابهم نسخ. # وما وعدوا به في الوجه الثالث فسيأتي الجواب عنه أيضا. # وأما ما ذكروه من الزيادات، فهي غير مخلة بصحة الحد، وفائدتها ms587 الميز بين ~~النسخ والصور المذكورة، مبالغة في تحصيل الفائدة. # ومع ذلك، فالمختار في تحديده أن يقال: النسخ عبارة عن خطاب الشارع المانع ~~من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق. ولا يخفى ما فيه من الاحتراز من ~~غير حاجة إلى التقييد بالتراخي، ولا بقولنا (لولاه لكان مستمرا ثابتا) لما ~~سبق تقريره # PageV03P107 # وأما الناسخ، فإنه قد يطلق على الله تعالى، فيقال: نسخ فهو ناسخ. # ومنه قوله تعالى * (ما ننسخ من آية) * (2) البقرة: 106) وقوله تعالى * ~~(فينسخ الله ما يلقى الشيطان) * (22) الحج: 52) وقد يطلق على الآية أنها ~~ناسخة، فيقال: آية السيف نسخت كذا فهي ناسخة. # وكذلك على طريق يعرف به نسخ الحكم من خبر الرسول وفعله وتقريره وإجماع ~~الأمة وعلى الحكم فيقال وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء، فهو ناسخ، ~~وعلى المعتقد لنسخ الحكم، فيقال: فلان ينسخ القرآن بالسنة، أي يعتقد ذلك، ~~فهو ناسخ. # غير أن الاجماع منعقد على أن إطلاق اسم ناسخ على الحكم وعلى المعتقد ~~للنسخ مجاز، وإنما الخلاف بيننا وبين المعتزلة في أنه حقيقة في الله تعالى ~~أو في الطريق المعرف لارتفاع الحكم. # فعندهم الناسخ في الحقيقة هو الطريق، حتى قالوا في حده: إن الناسخ هو قول ~~صادر عن الله تعالى أو عن رسوله أو فعل منقول عن رسوله، يفيد إزالة مثل ~~الحكم الثابت بنص صادر عن الله تعالى أو بنص أو فعل منقول عن رسوله، مع ~~تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا. # وأما نحن فمعتقدنا أن الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى، وأن خطابه ~~الدال على ارتفاع الحكم هو النسخ، وإن سمي ناسخا، فمجاز. # وحاصل النزاع في ذلك آيل إلى اللفظ. # وأما المنسوخ فهو الحكم المرتفع كالمرتفع من وجوب تقديم الصدقة بين يدي ~~مناجاة النبي (ص)، وحكم الوصية للوالدين والأقربين، وحكم التربص حولا كاملا ~~عن المتوفى عنها زوجها إلى غير ذلك. PageV03P108 # الفصل الثاني في الفرق بين النسخ والبداء واعلم أن البداء عبارة عن ~~الظهور بعد الخفاء. # ومنه يقال: بدا لنا سور المدينة بعد خفائه، وبدا ms588 لنا الامر الفلاني، أي ~~ظهر بعد خفائه. # وإليه الإشارة بقوله تعالى: * (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) * ~~(39) الزمر: 47) * (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) * (6) الانعام: 28) ~~* (وبدا لهم سيئات ما عملوا) * (45) الجاثية: 33) وحيث كان فإن النسخ يتضمن ~~الامر بما نهى عنه، والنهي عما أمر به على حده وظن أن الفعل لا يخرج عن ~~كونه مستلزما لمصلحة أو مفسدة فإن كان مستلزما لمصلحة، فالامر به بعد النهي ~~عنه على الحد الذي نهى عنه إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المصلحة. # وإن كان مستلزما لمفسدة، فالنهي عنه بعد الامر به على الحد الذي أمر به، ~~إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المفسدة، وذلك عين البداء. # ولما خفي الفرق بين البداء والنسخ على اليهود والرافضة، منعت اليهود من ~~النسخ في حق الله تعالى وجوزت الروافض البداء عليه لاعتقادهم جواز النسخ ~~على الله تعالى مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء (1) واعتضدوا في ذلك ~~بما نقلوه # PageV03P109 # عن علي رضي الله عنه، أنه قال: لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة. # ونقلوا عن جعفر الصادق، رضي الله عنه، أنه قال: ما بدا لله تعالى في شئ ~~كما بدا له في إسماعيل، أي في أمره بذبحه. ونقلوا عن موسى (1) بن جعفر أنه ~~قال: البداء ديننا ودين آبائنا في الجاهلية. وتمسكوا أيضا بقوله تعالى: * ~~(يمحو الله ما يشاء، ويثبت) * (13) الرعد: 39) وفي ذلك قال شاعرهم: # ولولا البداء سميته غير هائب * وذكر البدا نعت لمن يتقلب - ولولا البدا ~~ما كان فيه تصرف * وكان كنار دهره يتلهب - وكان كضوء مشرق بطبيعة * وبالله ~~عن ذكر الطبائع يرغب فلزم اليهود على ذلك إنكار تبدل الشرائع، ولزم الروافض ~~على ذلك وصف الباري تعالى بالجهل مع النصوص القطعية والأدلة العقلية الدالة ~~على استحالة ذلك في حقه. # وانه لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء. # أما النصوص الكتابية، فكقوله تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: ~~3) وقوله تعالى: * (عالم الغيب والشهادة) * (13) الرعد: 9) وقوله: * (وما ~~تسقط ms589 من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في ~~كتاب مبين) * (6) الانعام: 59) وقوله: * (ما أصاب من مصيبة في الأرض، ولا ~~في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) * (57) الحديد: 22) إلى غير ذلك ~~من الآيات. # وأما الأدلة العقلية، فما استقصيناه في كتبنا الكلامية وما نقلوه عن علي ~~وعن أهل بيته، فمن الأحاديث التي انتحلها الكذاب الثقفي (2) # PageV03P110 # على أهل البيت، فإنه كان يدعي العصمة لنفسه، ويخبر بأشياء، فإذا ظهر كذبه ~~فيها، قال إن الله وعدني بذلك، غير أنه بدا له منه، وأسند ذلك إلى أهل ~~البيت مبالغة في ترويج أكاذيبه. # وأما الآية فالمراد بها إنما هو محو المنسوخ وإثبات الناسخ ومحو السيئات ~~بالحسنات، كما قال تعالى: * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * (11) هود: 114) ~~ومحو الحسنات بالردة على ما قال تعالى: * (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو ~~كافر، فأولئك حبطت أعمالهم) * (2) البقرة: 217) أو محو المباحات وإثبات ~~الطاعات، على ما قاله أهل التفسير، أو محو ما يشاء من الآجال أو الأرزاق، ~~وإثبات غيرها. ويجب الحمل على ذلك جمعا بينه وبين الأدلة القاطعة الدالة ~~على امتناع الجهل في حق الله تعالى (1). # وكشف الغطاء عن ذلك يتحقق بالفرق بين النسخ والبداء فنقول: # إذا عرف معنى البداء، وأنه مستلزم للعلم بعد الجهل والظهور بعد الخفاء، ~~وأن ذلك مستحيل في حق الله تعالى على ما بيناه، في كتبنا الكلامية، فالنسخ ~~ليس كذلك، فإنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى في الأزل استلزام الامر بفعل من ~~الافعال للمصلحة في وقت معين، واستلزام نسخه للمصلحة في وقت آخر، فإذا نسخه ~~في الوقت الذي علم نسخه فيه فلا يلزم من ذلك أن يكون قد ظهر له ما كان خفيا ~~عنه، ولا أن يكون قد أمر بما فيه مفسدة، ولا نهى عما فيه مصلحة، وذلك ~~كإباحته الاكل في الليل من رمضان، وتحريمه في نهاره. # PageV03P111 # فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون الباري تعالى قد علم استمرار أمره بالفعل ~~المعين أبدا، أو إلى وقت معين، وعلم أنه ms590 لا يكون مأمورا بعد ذلك الوقت فإن ~~كان الأول، استحال نسخه لما فيه من انقلاب علمه جهلا وإن كان الثاني، ~~فالحكم يكون منتهيا بنفسه في ذلك الوقت، فلا يتصور بقاؤه بعده، وإلا لانقلب ~~علم الباري جهلا، وإذا كان منتهيا بنفسه فالنسخ لا يكون مؤثرا فيه لا في ~~حالة علم الله تعالى أنه يكون الفعل مأمورا فيها، ولا في حالة علم الله أنه ~~لا يكون مأمورا فيها، لما فيه من انقلاب علمه إلى الجهل، وإذا لم يكن ~~الناسخ مؤثرا فيه، فلا يتصور نسخه. # قلنا: الامر مطلق، والباري علم أن الامر بالفعل ينتهي بالناسخ في الوقت ~~الذي علم أن النسخ يقع فيه، لا أنه علم انتهاءه إلى ذلك الوقت مطلقا، بل ~~علم انتهاءه بالنسخ، فلو لم يكن منتهيا بالنسخ لانقلب علمه جهلا. وعلى هذا، ~~فلا يلزم من انتهاء الامر في ذلك الوقت بالنسخ، أن لا يكون الامر منسوخا. ~~PageV03P112 # الفصل الثالث في الفرق بين التخصيص والنسخ نقول إن التخصيص والنسخ وإن ~~اشتركا من جهة أن كل واحد منهما قد يوجب تخصيص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ ~~لغة، غير أنهما يفترقان من عشرة أوجه: # الأول: أن التخصيص يبين أن ما خرج عن العموم لم يكن المتكلم قد أراد ~~بلفظه الدلالة عليه، والنسخ يبين أن ما خرج لم يرد التكليف به، وإن كان قد ~~أراد بلفظه الدلالة عليه. # الثاني: أن التخصيص لا يرد على الامر بمأمور واحد، والنسخ قد يرد على ~~الامر بمأمور واحد. # الثالث: أن النسخ لا يكون في نفس الامر إلا بخطاب من الشارع، بخلاف ~~التخصيص، فإنه يجوز بالقياس وبغيره من الأدلة العقلية والسمعية. # الرابع: أن الناسخ لا بد وأن يكون متراخيا عن المنسوخ، بخلاف المخصص فإنه ~~يجوز أن يكون متقدما على المخصص ومتأخرا عنه، كما سبق تحقيقه. # الخامس: أن التخصيص لا يخرج العام عن الاحتجاج به مطلقا في مستقبل الزمان ~~فإنه يبقى معمولا به فيما عدا صورة التخصيص، بخلاف النسخ، فإنه قد يخرج ~~الدليل المنسوخ حكمه عن العمل به في مستقبل الزمان ms591 بالكلية، وذلك عند ما ~~إذا ورد النسخ على الامر بمأمور واحد. # السادس: أنه يجوز التخصيص بالقياس، ولا يجوز به النسخ. # السابع: أن النسخ رفع الحكم بعد أن ثبت، بخلاف التخصيص. # الثامن: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة، ولا يجوز تخصيص شريعة بأخرى. # التاسع: أن العام يجوز نسخ حكمه حتى لا يبقى منه شئ، بخلاف التخصيص. # العاشر: وهو ما ذكره بعض المعتزلة، أن التخصيص أعم من النسخ، وأن كل نسخ ~~تخصيص، وليس كل تخصيص نسخا، إذ النسخ لا يكون إلا بتخصيص الحكم ببعض ~~الأزمان، والتخصيص يعم تخصيص الحكم ببعض الأشخاص وبعض الأحوال وبعض ~~الأزمان، وفيه نظر، PageV03P113 # وذلك أنه إن ثبت أن ما ذكر من صفات التخصيص الفارقة بينه وبين النسخ ~~داخلة في مفهوم التخصيص، أو ملازمة خارجة، فلا وجود لها في النسخ، فلا يكون ~~التخصيص أعم من النسخ، لان الأعم لا بد وأن يصدق الحكم به مع جميع صفاته ~~اللازمة لذاته، على الأخص، وذلك مما لا يصدق على النسخ، فلا يكون النسخ ~~تخصيصا. # وإلا فلقائل (1) أن يقول: ما ذكر من الصفات الفارقة بين التخصيص والنسخ ~~إنما هي فروق بين أنواع التخصيص، وليست من لوازم مفهوم التخصيص بل التخصيص ~~أعم من النسخ، ومن جميع الصور المذكورة، وهو قادح لا غبار عليه اللهم إلا ~~أن يرجع إلى الاصطلاح، وإطلاق اسم التخصيص على بعض هذه الأنواع، والنسخ على ~~البعض الآخر فحاصل النزاع يرجع إلى الاطلاق اللفظي، ولا منازعة فيه بعد فهم ~~عوز المعنى. # الفصل الرابع في شروط النسخ الشرعي وهي منقسمة إلى متفق عليه ومختلف فيه. # أما المتفق عليه: فأن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، وأن يكون الدليل الدال ~~على ارتفاع الحكم شرعيا متراخيا عن الخطاب المنسوخ حكمه، وأن لا يكون ~~الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت معين. # وأما الشروط المختلف فيها، فأن يكون قد ورد الخطاب الدال على ارتفاع ~~الحكم بعد دخول وقت التمكن من الامتثال، وأن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما ~~لا يدخله الاستثناء والتخصيص، وأن يكون نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، ~~وأن يكون الناسخ ms592 والمنسوخ نصين قاطعين، وأن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ ~~مقابلة الامر بالنهي، والمضيق بالموسع، وأن يكون النسخ ببدل. فإن ذلك كله ~~مختلف فيه. # والحق أن هذه الأمور غير معتبرة كما يأتي، وإذ أتينا على ما أردناه من ~~المقدمة فلا بد من العود إلى المسائل المتشعبة عن النسخ، وهي عشرون مسألة. # PageV03P114 # المسألة الأولى في إثبات النسخ على منكريه وقد اتفق أهل الشرائع على جواز ~~النسخ عقلا، وعلى وقوعه شرعا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم ~~الأصفهاني (1) فإنه منع من ذلك شرعا، وجوزه عقلا، ومن أرباب الشرائع سوى ~~اليهود، فإنهم انقسموا ثلاث فرق: # فذهبت الشمعنية إلى امتناعه عقلا وسمعا وذهبت العنانية منهم إلى امتناعه ~~سمعا لا عقلا وذهبت العيسوية إلى جوازه عقلا، ووقوعه سمعا، واعترفوا بنبوة ~~محمد (ص) لكن إلى العرب خاصة لا إلى الأمم كافة. # والدليل على الجواز العقلي العقل والسمع (2). # أما العقل: فهو أن المخالف لا يخلو إما أن يكون ممن يوافق على أن الله ~~تعالى له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض، وإما أن يكون ~~ممن يعتبر الحكمة والغرض في أفعاله تعالى: فإن كان الأول، فلا يمتنع عليه ~~تعالى أن يأمر بالفعل في وقت، وينهى عنه في وقت، كما أمر بالصيام في نهار ~~رمضان، ونهى عنه في يوم العيد، وإن كان الثاني، فمع بطلانه (3) على ما ~~عرفناه في كتب الكلام، فلا يمتنع أن يعلم الله استلزام الامر بالفعل في وقت ~~معين للمصلحة واستلزام # PageV03P115 # النهي عنه للمصلحة في وقت آخر، فإن المصالح مما يختلف باختلاف الأشخاص ~~والأحوال حتى إن مصلحة بعض الأشخاص في الغنى أو الصحة أو التكليف، ومصلحة ~~الآخر في نقيضه، فكذلك جاز أن تختلف المصلحة باختلاف الأزمان حتى أن مصلحة ~~بعض أهل الأزمان في المداراة والمساهلة، ومصلحة أهل زمان آخر في الشدة ~~والغلظة عليهم، إلى غير ذلك من الأحوال. # وإذا عرف جواز اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان، فلا يمتنع أن يأمر الله ~~تعالى المكلف بالفعل في زمان لعلمه بمصلحته فيه، وينهاه ms593 عنه في زمن آخر ~~لعلمه بمصلحته فيه، كما يفعل الطبيب بالمريض، حيث يأمره باستعمال دواء خاص ~~في بعض الأزمنة وينهاه عنه في زمن آخر بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف ~~مزاجه، وكما يفعل الوالد بولده من التأديب له وضربه في زمان، واللين له ~~والرفق به في زمان آخر على حسب ما يتراءى له من المصلحة. ولهذا خص الشارع ~~كل زمان بعبادة غير عبادة الزمن الآخر، كأوقات الصلوات والحج والصيام، ~~ولولا اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لما كان كذلك. # ومع جواز اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لا يكون النسخ ممتنعا. # هذا ما يدل على الجواز العقلي من جهة العقل. # وأما من جهة السمع: فقوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) فهذه ~~الآية تدل على جواز النسخ على الله تعالى شرعا. # أما بالنسبة إلى من خالف في ذلك من المسلمين فظاهر لموافقته على أن الآية ~~من كلام الله تعالى، وأن كلامه صدق. # وأما بالنسبة إلى اليهود، فلانه إذا ثبت أن محمدا رسول الله بما أثبتناه ~~من الأدلة القاطعة في علم الكلام، وأنه صادق فيما يدعيه من الوحي إليه من ~~الله تعالى، فقد ادعى كون هذه الآية من كلام الله، فكان صادقا في ذلك، ~~وكانت الآية حجة على جواز النسخ. PageV03P116 # وأما ما يدل على وقوع النسخ في الشرع إما بالنسبة إلى من خالف من ~~المسلمين في ذلك فهو أن الصحابة والسلف أجمعوا على أن شريعة محمد (ص)، ~~ناسخة لجميع الشرائع السالفة، وأجمعوا على نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس ~~باستقبال الكعبة، وعلى نسخ الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث، ونسخ ~~صوم عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)، ~~ووجوب التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها، ووجوب ثبات الواحد للعشرة، ~~المستفاد من قوله تعالى: * (إن يكن منكم عشرون صابرون) * (8) الأنفال: 65) ~~الآية، بقوله: * (الآن خفف الله عنكم) * (8) الأنفال: 66) الآية، إلى غير ~~ذلك من الاحكام المتعددة (1). # وأما بالنسبة إلى ms594 منكر ذلك من اليهود فيدل عليه أنه ورد في التورية أن ~~الله تعالى أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك في شريعة من بعده، ~~وأيضا فإن الله تعالى قال لنوح عند خروجه من الفلك إني جعلت لك كل دابة ~~مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه وقد ~~حرم كثيرا من الدواب على ما بعده من أرباب الشرائع، وهو عين النسخ (2). # فإن قيل: يحتمل أن أمر آدم والإباحة لنوح وذريته كان مقيدا بظهور شريعة ~~من بعده، فتحريم ذلك على من بعده لا يكون نسخا لانتهاء مدة الحكم الأول ~~لكونه كان مقيدا بظهور شريعة من بعده. # قلنا: الامر لآدم والإباحة لنوح كان مطلقا. والأصل عدم التقييد. # وإن قيل إنه كان ذلك مقيدا في علم الله تعالى بظهور شريعة أخرى. # قلنا: فهذا هو عين النسخ، فإن الله تعالى إذا أمر بالفعل مطلقا، فهو عالم ~~بأنه سينسخه، ويعلم وقت نسخه، فتقييده في علمه لا يخرجه عن حقيقة النسخ. # PageV03P117 # وقد احتج عليهم بإلزامات أخر. # منها أن العمل كان مباحا في يوم السبت، ثم حرم على موسى وقومه. # ومنها أن الختان كان في شرع إبراهيم جائزا بعد الكبر، وقد أوجبه موسى يوم ~~ولادة الطفل ومنها أن الجمع بين الأختين كان مباحا في شريعة يعقوب، وقد حرم ~~ذلك في شريعة من بعده. # ولقائل أن يقول: العمل في يوم السبت، وكذلك الختان في حالة الكبر، وكذلك ~~الجمع بين الأختين كان مباحا بحكم الأصل، ورفع ما كان ثابتا بحكم الأصل ~~العقلي لا يكون نسخا كما علم فيما تقدم. # فإن قيل: لو كان النسخ جائزا عقلا، لم يخل نسخ ما أمر به إما أن يكون ~~لحكمة ظهرت لم تكن ظاهرة حالة الامر، أو لا يكون كذلك: # فإن لم يكن لحكمة ظهرت له، كان عابثا، والعبث على الحكيم محال. # وإن كان الأول: فقد بدا له ما لم يكن، والبداء على الله تعالى محال. # وأيضا فإنه لو جاز نسخ الأحكام الشرعية لكون التكليف ms595 بها مصلحة في وقت، ~~ومفسدة في وقت، لجاز نسخ ما وجب من الاعتقادات في التوحيد وما يجوز على ~~الله تعالى وما لا يجوز، وهو محال. # وأيضا فإن الخطاب المنسوخ حكمه. # إما أن يكون موقتا بوقت، أو هو دال على التأبيد. # فإن كان الأول، فهو غير قابل للنسخ لانتهائه بانتهاء ذلك الوقت. # وإن كان الثاني، فهو محال من أربعة أوجه: # الأول: إنه من ذلك اعتقاد المكلف دوام الحكم وتأييده، وهو جهل قبيح، وما ~~لزم منه القبيح فهو قبيح. # الثاني: أنه يلزم منه أن لا يبقى لنا طريق إلى معرفة التأبيد بتقدير ~~إرادة التأبيد وذلك مما يوجب إعجاز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد، وهو ~~محال. PageV03P118 # الثالث: أنه لو جاز النسخ مع أن اللفظ للتأبيد، لما بقي لنا وثوق بوعد ~~الله تعالى ووعيده، ولا بشئ من الظواهر اللفظية، ولا يخفى ما في ذلك من ~~اختلال الشرائع واتجاه قول الباطنية. # الرابع: أنه يلزمكم على هذا جواز نسخ شريعتكم، ولم تقولوا به وأيضا فإنه ~~لو جاز رفع الحكم بعد وقوعه، فإما أن يكون رفعه قبل وجوده أو بعد عدمه، أو ~~في حال وجوده: # الأول محال، لان رفع ما لم يوجد غير متصور. # والثاني محال، لان رفع المعدوم ممتنع. # والثالث يلزم منه أن يكون الشئ حالة وجوده مرتفعا، وذلك أيضا ممتنع. # وأيضا فإن الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا أو قبيحا: فإن كان الأول ~~فقد نهى عن الحسن، وإن كان الثاني، فقد أمر بالقبيح. # وأيضا فإنه إما أن يكون طاعة أو معصية: فإن كان طاعة، فقد نهى عن الطاعة، ~~وإن كان معصية، فقد أمر بالمعصية. # وأيضا فإما أن يكون مرادا أو مكروها: فإن كان مرادا، فقد صار بالنهي ~~مكروها، وإن كان مكروها، فقد صار بالامر مرادا. # وأما ما ذكرتموه من الدليل السمعي على الجواز العقلي، فلا وجه له. # أما قوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) * (2) البقرة: ~~106) فالمراد بالنسخ الإزالة، ونسخ الآية بإزالتها عن اللوح المحفوظ. # وأما ما ذكرتموه على الوقوع ms596 الشرعي، فلا نسلم أن شريعة محمد ناسخة لشرائع ~~من تقدم على ما يأتي تقريره. # وأما وجوب استقبال بيت المقدس، فإنه لم يزل بالكلية، لجواز التوجه إليه ~~عند الاشكال ومع العذر، فكان ذلك تخصيصا لا نسخا. # وأما تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)، فإنما زالت لزوال سببها، ~~وهو امتياز المنافقين من حيث إنهم لا يتصدقون على المؤمنين. PageV03P119 # ووجوب التربص حولا كاملا لم يزل بالكلية لبقائه عندما إذا كانت مدة حملها ~~سنة فكان ذلك أيضا من باب التخصيص، لا من باب النسخ. # سلمنا الجواز العقلي، ولكن لا نسلم الجواز الشرعي، وبيانه من وجهين: # الأول: قوله تعالى في صفة القرآن * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه) * (41) فصلت: 42) فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل، وهذه حجة من منع جواز ~~نسخ القرآن مطلقا. # الثاني: أن موسى الكليم كان نبيا حقا بالاجماع منا ومنكم وبالدلائل ~~الدالة على صدقه في رسالته، وقد نقل عنه نقلا متواترا أنه قال هذه الشريعة ~~مؤبدة عليكم ما دامت السماوات والأرض وروي عنه أنه قال الزموا يوم السبت ~~أبدا فقد كذب بذلك من ادعى نسخ شريعته، فلو قيل بجواز نسخ شريعته لزم منه ~~أن يكون كاذبا، وهو محال. # والجواب عن الاشكال الأول: أن النسخ لم يكن لحكمة ظهرت له بعد أن لم تكن ~~ظاهرة بل إن قلنا برعاية الحكمة لحكمة، كان عالما بها على ما سبق في الفرق ~~بين النسخ والبداء. # وعن الاشكال الثاني: أن اعتقاد التوحيد وكل ما مستند معرفته دليل العقل ~~لا يخلو إما أن يقال بأن وجوبه (1) ثابت بالعقل، كما قاله المعتزلة، أو ~~بالشرع كما نقوله نحن: # فإن كان الأول، فلا يخفى إحالة نسخ ما ثبت وجوبه عقلا، لان الشارع لا ~~يأتي بما يخالف العقل. # وإن كان الثاني، فالعقل يجوز أن لا يرد الشرع بوجوبه ابتداء، فضلا عن ~~نسخه بعد وجوبه. # وعن الثالث: قولهم إن الخطاب إن كان موقتا، فلا يكون قابلا للنسخ، لا ~~نسلم ذلك، فإنه لو قال في رمضان حجوا في هذه السنة، ms597 ثم قال قبل يوم عرفة لا ~~تحجوا، فإنه يكون جائزا عندنا، على ما يأتي في جواز نسخ الامر قبل التمكن ~~من الامتثال. # قولهم: وإن كان دالا على التأبيد فهو محال، لا نسلم ذلك. # PageV03P120 # قولهم في الوجه الأول إنه يلزم منه جهل المكلف باعتقاد التأبيد. # فقد أجاب عنه أبو الحسين البصري بأنه إنما يفضي إلى ذلك إن لو لم يكن قد ~~اقترن بالخطاب المنسوخ ما يشعر بنسخه، وليس كذلك. # وقد بينا إبطال ما ذهب إليه في تأخير البيان إلى وقت الحاجة (1). # والوجه في الجواب أن نقول: دلالة الخطاب على التأبيد لا يلزمها التأبيد ~~مع القول بجواز النسخ، فإذا اعتقد المكلف التأبيد فالجهل إنما جاءه من قبل ~~نفسه، لا من قبل ما اقتضاه الخطاب، بل الواجب أن يعتقد التأبيد بشرط عدم ~~الناسخ ثم، وان أفضى ذلك إلى الجهل في حق العبد، فالقول بقبح ذلك من الله ~~تعالى مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه فيما تقدم (2). # ثم متى يكون ذلك قبيحا إذا استلزم مصلحة تربو على مفسدة جهله، أو إذا لم ~~يكن كذلك، الأول ممنوع، والثاني مسلم. # وبيان لزوم المصلحة الزائدة هنا ما فيه من زيادة الثواب باعتقاده دوام ما ~~أمر به والعزم على فعله والانقياد لقضاء الله وحكمه في الأمر والنهي. # كيف وإن ما ذكروه منتقض بما يحدثه الله تعالى للعبد من الغنى والصحة، فإن ~~ذلك مما يوجب اعتقاد دوامه له مع جواز إزالته بالفقر والمرض. قولهم في ~~الوجه الثاني إنه يفضي إلى تعجيز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد، ليس ~~كذلك، لجواز أن يخلق لنا العلم الضروري بذلك. # وما ذكروه في الوجه الثالث فمندفع، فإنه إن كان اللفظ الوارد في الخطاب ~~مما لا يحتمل التأويل، فالوثوق به حاصل لا محالة، وإن كان مما يحتمل ~~التأويل، فيجب أن يكون الوثوق به على حسب ما اقتضاه الظاهر لا قطعا وذلك ~~غير مستحيل. # وما ذكروه في الوجه الرابع فغير صحيح، فإنا لا نمنع من جواز نسخ شرعنا # PageV03P121 # عقلا، وإنما نمنع منه شرعا لورود خبر ms598 الصادق بذلك عندنا، وهو قوله تعالى: ~~* (وخاتم النبيين) * (33) الأحزاب: 40) وقوله (ص) الا انه لا نبي بعدي (1) ~~والخلف خبر الصادق محال. # ومع ذلك فإنا لا نحمل عقلا أن يكون ذلك الخبر مشروطا بقيد. # قولهم: لو جاز رفع الحكم، ينظر الأصل ان يكون قبل وقوعه، فمندفع. فإنا ~~وإن أطلقنا لفظة الرفع في النسخ إنما نريد به امتناع استمرار المنسوخ، وأنه ~~لولا الخطاب الدال على الانقطاع لاستمر، وذلك لا يلزم عليه شئ مما قيل (2). # قولهم: الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا، أو قبيحا، فهو مبني على ~~التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه. # قولهم: إما أن يكون طاعة أو معصية، قلنا هو طاعة حالة كونه مأمورا، ~~ومعصية حالة كونه منهيا، فالطاعة والمعصية ليست من صفات الافعال، بل تابعة ~~للامر والنهي. # قولهم: إما أن يكون مرادا أو مكروها، لا نسلم الحصر لجواز أن لا يكون ~~مرادا ولا مكروها، إذ الإرادة والكراهة عندنا غير لازمة للامر والنهي (3). # PageV03P122 # وبتقدير أن يكون ما أمر به مرادا، جاز أن يكون مرادا حالة الامر دون حالة ~~النهي. # قولهم: المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ، ليس كذلك. # فإنه قال تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * ~~(2) البقرة: 106) والقرآن خير كله من غير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ ~~الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ وكتابة أخرى بدلها، لما تحقق هذا الوصف، ~~وإنما يتحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى أحكام الآيات المرفوعة ~~عنا والموضوعة علينا، من حيث إن البعض قد يكون أخف من البعض فيما يرجع إلى ~~تحمل المشقة، أو أن ثواب البعض أجزل من ثواب البعض على اختلاف المذاهب، ~~فوجب حمل النسخ على نسخ أحكام الآيات لا على ما ذكروه (1). # وأما منع كون شريعة محمد (ص) ناسخة لشرع من تقدم فمخالف لاجماع السلف ~~قاطبة. # والكلام في هذا المقام إنما هو مع منكر النسخ من الاسلاميين. # وما يذكرونه في تقدير ذلك فسيأتي الجواب عنه أيضا. # وأما ما ذكروه على باقي صور النسخ فهو أيضا ms599 خلاف إجماع السلف. # كيف وإن ما ذكروه من التخريج لا وجه له. # قولهم إن التوجه إلى بيت المقدس لم يزل بالكلية. # قلنا: لا خلاف أنه كان يجب التوجه إليه حالة عدم الاشكال والعذر، وقد زال ~~ذلك بالكلية، فكان نسخا. # قولهم إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال لزوال سببه. # قلنا: الأصل بقاء السبب، وما ذكروه من السبب يلزم منه أن كل من لم يتصدق ~~من الصحابة أن يكون منافقا، ولم يتصدق أحد منهم سوى علي عليه السلام، على ~~ما نقله الرواة، وذلك ممتنع. # PageV03P123 # قولهم إن وجوب التربص لم يزل بالكلية. # قلنا لا خلاف بين أهل الملة في أنه كان التربص حولا كاملا واجبا، سواء ~~كانت مدة الحمل سنة، أو لم تكن، وذلك مما رفع بالكلية. # وما ذكروه من امتناع نسخ القرآن بقوله * (لا يأتيه الباطل) * (41) فصلت: ~~42) الآية، فليس فيه ما يدل على امتناع النسخ، إلا أن يكون النسخ إبطالا ~~له، وليس كذلك. # وبيانه أن النسخ لا معنى له سوى قطع الحكم الذي دل عليه اللفظ، مع كون ~~المخاطب مريدا لقطعة على ما سبق، وذلك لا يكون إبطالا له بل تحقيقا ~~لمقصوده. # وما ذكروه من قول موسى، فمختلق لم تثبت صحته عن موسى عليه السلام. # وقد قيل إن أول من وضع ذلك لهم ابن الراوندي (1) ليعارض به دعوى الرسالة ~~من محمد (ص)، لما ظهر من تسمحه في الدين. ويدل على ذلك أن أحبارهم ككعب ~~الأحبار، وابن سلام، ووهب ابن منبه (2) وغيرهم كانوا أعرف من غيرهم بما في ~~التوراة، وقد أسلموا ولم يذكروا شيئا من ذلك: ولو كان ذلك صحيحا لكان من ~~أقوى ما يتمسك به اليهود في زمن النبي (ص)، في معارضته، ولم ينقل عنهم شئ ~~من ذلك ثم أنهم مختلفون في نفس متن الحديث، فإن منهم من قال الحديث إن ~~أطعتموني لما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، ثبت ملككم، كما ثبتت السماوات ~~والأرض، وليس في ذلك ما يدل على إحالة النسخ. # وإن سلمنا صحة ما نقلوه، فيحتمل أنه أراد بالشريعة، التوحيد ويحتمل ms600 أنه ~~أراد بقوله مؤبدة ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر. # PageV03P124 # ومع احتمال هذه التأويلات، فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبي (ص)، من ~~المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم. # كيف وإن لفظ التأبيد قد ورد في التوراة، ولم يرد به الدوام، كقوله إن ~~العبد يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبي العتق، فلتثقب أذنه ~~ويستخدم أبدا وكقوله في البقرة التي أمروا بذبحها هذه سنة لكم أبدا وكقوله ~~قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما. # وأما العيسوية، فيمتنع عليهم بعد التسليم بصحة رسالته وصدقه في دعواه بما ~~اقترن بها من المعجزة القاطعة تكذيبه فيما ورد به التواتر القاطع عنه بدعوى ~~البعثة إلى الأمم كافة ونزول القرآن بذلك. # وهو قوله تعالى: * (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) * (7) ~~الأعراف: 158) وقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: ~~28) وقال في وصف ما أنزل عليه هذا هدى للناس ومن ذلك قوله (ص): بعثت إلى ~~الأحمر والأسود وقوله: بعثت إلى الناس كافة (1) وقوله: لو كان أخي موسى حيا ~~لما وسعه إلا اتباعي ويدل على ذلك ما اشتهر عنه، وتواتر من دعائه لطوائف ~~الجبابرة والأكاسرة. # وتنفيذه إلى أقاصي البلاد، وطلب الدخول في ملته والقتال لمن جاحده من ~~العرب وغيرهم في نبوته، والله أعلم. # PageV03P125 # المسألة الثانية اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد ~~خروج وقته واختلفوا في جواز ذلك قبل دخول الوقت. # وذلك كما لو قال الشارع في رمضان حجوا في هذه السنة، ثم قال قبل يوم عرفة ~~لا تحجوا. # فذهبت الأشاعرة وأكثر أصحاب الشافعي، وأكثر الفقهاء إلى جوازه. # ومنع من ذلك جماهير المعتزلة وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وبعض ~~أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. # والمختار جوازه. وقد احتج الأصحاب بحجج ضعيفة. # الحجة الأولى قوله تعالى: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * (13) الرعد: 39) ~~دل على أنه يمحو كل ما يشاء محوه على كل وجه، فيدخل فيه محو العبادة قبل ~~دخول وقتها، ولا دلالة فيه، لان ms601 الآية إنما تدل على محو كل ما يشاء محوه، ~~وليس فيها ما يدل على أنه يشاء محو العبادة قبل دخول وقتها، مع كون ذلك ~~ممتنعا عند الخصم، وإن بين إمكان مشيئة ذلك بغير الآية، ففيه ترك الاستدلال ~~بالآية كيف وإنه قد أمكن حمل المحو على ما هو حقيقة فيه، وهو محو الكتابة ~~مما يكتبه الملكان من المباحات، وتبقيه المعاصي والطاعات. # ومنهم من احتج بقصة إبراهيم، عليه السلام، وأمر الله له بذبح ولده، ونسخه ~~عنه بذبح الفداء، ودليل أمره بذلك انه قد روي أنه تعالى قال لإبراهيم * ~~(اذبح ولدك) * وروي * (واحدك) * والقرآن دل عليه بقوله * (يا بني إني أرى ~~في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى. قال يا أبت افعل ما تؤمر) * ~~(الصافات: 102) وانه نسخ بذبح الفدا بقوله * (وفديناه بذبح عظيم) * (37) ~~الصافات: 107) وهذا أيضا مما يضعف الاحتجاج به جدا. # غير أنه قد وجه الخصوم على هذه الحجة اعتراضات واهية لا بد من ذكرها ~~والإشارة إلى الانفصال عنها تكثيرا للفائدة PageV03P126 # ثم نذكر بعد ذلك وجه الضعيف في الآية المذكورة (1). # أما الأسئلة فأولها أنهم قالوا إن ذلك إنما كان مناما لا أصل له، فلا ~~يثبت به الامر، ولهذا قال: إني أرى في المنام. # سلمنا أن منامه أصل يعتمد عليه، ولكن لا نسلم أنه كان قد أمر. وقول ولده ~~افعل ما تؤمر، ليس فيه دلالة على أنه كان قد أمر ولهذا علقه على المستقبل. ~~ومعناه: # افعل ما يتحقق من الامر في المستقبل. # سلمنا أنه كان مأمورا. لكن لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة، بل ~~بالعزم على الذبح امتحانا له بالصبر على العزم، وذلك بلاء عظيم، والفداء ~~إنما كان عما يتوقعه من الامر بالذبح لا عن نفس وقوع الامر بالذبح أو ~~بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء وأخذ المدية والحبل وتله للجبين، ~~فاستشعر إبراهيم أنه مأمور بالذبح، ولذلك قال تعالى: * (قد صدقت الرؤيا) * ~~(37) الصافات: 105) سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة، إلا أنه قد وجد ~~منه، فإن قد روي أنه كان كلما قطع جزءا عاد ms602 ملتحما إلى آخر الذبح، ولهذا ~~قال الله تعالى: * (قد صدقت الرؤيا) * (37) الصافات: 105) وإذا كان ما أمر ~~به من الذبح قد وقع، فالفداء لا يكون نسخا. # سلمنا أن الذبح حقيقة لم يوجد، لكن قد روي أن الله تعالى منعه من الذبح ~~بأن جعل على عنق ولده صفيحة من نحاس أو حديد مانعة من الذبح، لا أن ذلك كان ~~بطريق النسخ. # والجواب عن الأول أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والناهي، وحي ~~معمول به، وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام، وقد روي عن النبي (ص) أن ~~وحيه كان ستة أشهر بالمنام ولهذا قال عليه السلام: الرؤيا الصالحة جزء من ~~ستة وأربعين جزأ من النبوة (2) فكانت نسبة الستة أشهر من ثلاثة وعشرين سنة ~~من نبوته، # PageV03P127 # كذلك، ويدل على ذلك قوله (ص): ما احتلم نبي قط (1) يعني ما تشكل له ~~الشيطان في المنام على الوجه الذي يتشكل لأهل الاحتلام. # كيف وإنه لو كان ذلك خيالا، لا وحيا، لما جاز لإبراهيم العزم على الذبح ~~المحرم بمنام لا أصل له، ولما سماه بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء. # وعن الثاني أن قوله * (افعل ما تؤمر) * (37) الصافات: 102) وإن لم يكن ~~ظاهرا في الماضي، لكنه قد يرد ويراد به الماضي. ولهذا فإنه لو قال القائل ~~قد أمرني السلطان بكذا فإنه يصح أن يقال له افعل ما تؤمر أي ما أمرت به، ~~وأنت مأمور. ويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد على إخراجه إلى الصحراء وأخذ ~~آلات الذبح وترويع الولد، فإن ذلك كله، مما يحرم من غير أمر ولا إذن في ~~ذلك. # وعن الثالث أن حمل الامر على العزم أو على مقدمات الذبح على خلاف قوله * ~~(إني أرى في المنام أني أذبحك) * (37) الصافات: 102) ثم لو كان مأمورا ~~بالعزم على الذبح ومقدمات الذبح لا غير لما سماه بلاء مبينا، ولما احتاج ~~إلى الفداء، لكون المأمور به مما وقع، ولما قال الذبيح * (ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين) * (37) الصافات: 102) فإن ذلك مما لا ضرر عليه فيه. ~~وقوله: * (قد صدقت الرؤيا) * (37) الصافات: 105) معناه ms603 أنك عملت في ~~المقدمات عمل مصدق للرؤيا بقلبه. # لكن لقائل أن يقول: إذا كان قد أمر بإخراج الولد إلى الصحراء وأخذ المدية ~~والحبل وتله للجبين، مع إبهام عاقبة الامر عليه وعلى ولده، فإنه يظهر من ~~ذلك لهما أن عاقبة الامر إنما هي الذبح، وذلك عين البلاء، به يتحقق قول ~~الذبيح * (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * (37) الصافات: 102) وأما ~~تسمية الكبش فداء، فإنما كان عن الامر المتوقع، لا عن الامر الواقع، غير أن ~~هذا مما لا يستقيم على أصل أبي الحسين البصري (2) لما فيه من توريط المكلف ~~في الجهل، حيث أوجب عليه ما يظهر منه الامر بالذبح، ولا أمر. # PageV03P128 # وعن الرابع: أنه لو كان قد أتى بما أمر به من الذبح، لما احتاج إلى ~~الفداء ولا اشتهر ذلك وظهر، لأنه من أكبر الآيات الباهرات، وحيث لم ينقله ~~سوى بعض الخصوم دل على ضعفه. # وعن الخامس: أن ذلك من المعتزلة لا يصح لأنهم لا يرون التكليف بما لا ~~يطاق. # وهذا تكليف بما لا يطاق، كيف وإنه لو كان كما ذكروه لنقل أيضا واشتهر، ~~لكونه من المعجزات العظيمة. هذا ما في هذه الأسئلة والأجوبة. # وأما وجه الضعف في الاحتجاج بقصة إبراهيم فمن جهة أن لقائل أن يقول: # وإن سلمنا أنه نسخ عنه الامر بالذبح، لكن لا نسلم أنه نسخ قبل التمكن من ~~الامتثال. بل إنما كان ذلك بعد التمكن من الامتثال، والخلاف إنما هو فيما ~~قبل التمكن لا بعده. ولا سبيل إلى بيان أنه نسخ قبل التمكن من الامتثال إلا ~~بعد بيان أن مطلق الامر يقتضي الوجوب على الفور، أو أن وقت الامر كان مضيقا ~~لا يجوز التأخير عنه للنبي عليه السلام، وأن النبي عليه السلام، لا يجوز ~~عليه صغائر المعاصي، والكل ممنوع على ما عرف. # الحجة الثانية أن الله تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)، ~~قبل فعلها. # وأيضا فإن النبي (ص)، صالح قريشا يوم الحديبية على رد من هاجر إليه، ثم ~~نسخ ذلك قبل الرد بقوله تعالى: * (فإن علمتموهن ms604 مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار) * (60) الممتحنة: 10) وأيضا فإن الاجماع من الخصوم واقع على أن ~~الله تعالى لو أمرنا بالمواصلة في الصوم سنة، جاز أن ينسخه عنا بعد شهر ~~منها، وذلك نسخ للصوم فيما بقي من السنة قبل حضور وقته. # وأيضا فإن النبي (ص)، قال: أحلت لي مكة ساعة من نهار ومع ذلك منع من ~~القتال فيها، وهو نسخ قبل وقت الفعل. وهذه الحجج أيضا ضعيفة. # أما الأولى، فلان لقائل أن يقول: لا نسلم أن نسخ تقديم الصدقة كان قبل ~~التمكن من الوقت، ويدل عليه أمران: # الأول عتاب الله لهم بقوله * (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقة، ~~فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم) * الآية ولو لم يكن وقت الفعل قد حضر لما ~~حسن ذلك. PageV03P129 # الثاني أن عليا رضي الله عنه، ناجى بعد تقديم الصدقة (1) وذلك يدل على ~~حضور وقت الفعل. # وأما الثانية فلانه لا يمتنع أن يكون ذلك بعد مضي وقت تمكن المهاجرة فيه ~~إليه مع ردهن، ولا دليل على وقوع نسخ ذلك قبل دخول وقت الفعل، فلا يكون ~~حجة. # وأما الثالثة، فلان النسخ ورد على بعض ما تناوله اللفظ، فكان بيانا أن ~~مراده من اللفظ إنما هو بعض السنة، ويكون النهي متناولا لغير ما تناوله ~~الامر، وذلك غير ممتنع، وهذا بخلاف ما إذا نسخ قبل دخول شئ من الوقت، لان ~~النهي يكون متناولا لغير ما تناوله الامر، ولا يلزم من جواز ذلك ثم جوازه ~~هاهنا. # وأما الرابعة فلان إباحة القتال في تلك الساعة لا يقتضي وقوع القتال ولا ~~بد وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون النهي عن القتال بعد مضي تلك الساعة، ولا ~~دليل يدل على وقوع النسخ قبل دخول الوقت. # كيف وأنه لا دلالة في قوله أحلت لي مكة ساعة على إباحة القتال، بل لعله ~~أراد بذلك إباحة قتل أناس معينين، كابن خطل وغيره، فالنهي عن القتال لا ~~يكون نسخا لإباحة القتال. والأقرب في ذلك حجتان: # الحجة الأولى التمسك بقصة الاسراء، وهو ما صح بالرواية أن الله تعالى ms605 فرض ~~ليلة الاسراء على نبيه وعلى أمته خمسين صلاة، فأشار عليه موسى بالرجوع، ~~وقال له أمتك ضعفاء لا يطيقون ذلك، فاستنقص الله ينقصك وأنه قبل ما أشار ~~عليه، وسأل الله في ذلك، فنسخ الخمسين إلى أن بقي خمس صلوات. وذلك نسخ لحكم ~~الفعل قبل دخول وقته. # الحجة الثانية أنه يجوز أن يأمر الله تعالى زيدا بفعل في الغد، ويمنعه ~~منه بمانع عائق له عنه قبل الغد، فيكون مأمورا بالفعل في الغد بشرط انتفاء ~~المانع. وإذا جاز الامر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ مع تعقيبه بالنسخ، إذ ~~الفعل لا يفرق بين الحالتين، وهو إلزام ملزم. # PageV03P130 # فإن قيل أما قصة الاسراء فهي خبر واحد، فلا يمكن إثبات مثل هذه المسألة ~~به. # وإن كان حجة، إلا أنه يقتضي نسخ حكم الفعل قبل التمكن، وقبل تمكن المكلف ~~من العلم به لنسخه قبل الانزال، وذلك مما لا يحصل معه الثواب بالعزم على ~~الادواء والاعتقاد لوجوبه، ولم يقولوا به. # وأما الحجة الثانية فلا نسلم أنه يجوز أن يأمر زيدا في الغد ويمنعه منه ~~قبل الغد لأنه لا يخلو إما أن يأمره مطلقا ويريد منه الفعل، أو بشرط زوال ~~المانع. # فإن كان الأول، فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفا بما لا يطاق، وهو محال. # وإن كان الثاني، فالامر بالشرط مما لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب ~~الأمور على ما سبق تقريره في الأوامر، وهذا بخلاف ما إذا أمر جماعة بفعل في ~~الغد فإنه يجوز أن يمنع بعضهم من الفعل، لان ذلك يدل على أنه لم يرد بخطابه ~~من علم منعه، وإذا لم يجز في المنع، فكذلك في النسخ. # ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من وجوه: # الأول أنه إذا نهى المكلف عن الفعل الذي أمر به قبل دخول وقته، فالامر ~~والنهي قد تواردا على شئ واحد من جهة واحدة في وقت واحد، وهو محال وذلك لان ~~الفعل في نفسه في ذلك الوقت إما أن يكون حسنا أو قبيحا. وعند ذلك، فلا يخلو ~~الباري تعالى عند ms606 الامر بالفعل إما أن يكون عالما بما هو عليه الفعل من ~~الحسن والقبح، وكذلك في حالة النهي، أو لا يكون عالما به أصلا، أو هو عالم ~~به في حالة النهي، دون حالة الامر، أو في حالة الامر، دون حالة النهي: # فإن كان الأول، فإن كان الفعل حسنا، فقد نهى عن الحسن مع علمه به، وإن ~~كان قبيحا، فقد أمر بالقبيح مع علمه به، وهو قبيح، وإن كان الثاني فهو ~~محال. # لما يلزمه من الجهل في حق الله تعالى، وكذلك إن كان الثالث أو الرابع. # كيف وإنه إذا ظهر له في حالة النهي ما لم يكن قد ظهر له في حالة الامر ~~فهو عين البداء، والبداء على الله محال. PageV03P131 # الوجه الثاني أنه إذا أمر بالفعل في وقت معين، ثم نهى عنه، فقد بان أنه ~~لم يرد إيقاعه، ويكون قد أمر بما لم يرده، ولو جاز ذلك، لما بقي لنا وثوق ~~بقول من أقوال الشارع لجواز أن يكون المراد بذلك القول ضد ما هو دال على ~~إرادته، وذلك محال. # الثالث أن ذلك مما يفضي إلى أن يكون الفعل الواحد مأمورا منهيا، والامر ~~والنهي عندكم كلام الله، وكلامه صفة واحدة، فيكون الكلام الواحد أمرا نهيا ~~بشئ واحد في وقت واحد، وذلك محال. # والجواب: قولهم في قصة الاسراء إنها خبر واحد. # قلنا: والمسألة عندنا من مسائل الاجتهاد، ولذلك لا يكفر المخالف فيها، ~~ولا يبدع. # قولهم إنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به. قلنا: فقد نسخ عن النبي (ص) بعد ~~علمه، وإن سلمنا أنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به، ولكن لم قالوا ~~بامتناعه. # قولهم إنه لا يتعلق به فائدة الثواب باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل، ~~فهو مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو ممنوع على ما عرف من ~~أصلنا. # قولهم على الحجة الثانية إنا لا نسلم الامر مع المنع. # قلنا: قد سبق تقريره في الأوامر. # قولهم: إن أراد منه الفعل، فهو تكليف بما لا يطاق. # قلنا: وإن كان كذلك، فهو جائز عندنا ms607 على ما تقرر قبل. # قولهم: وإن لم يكن مريدا له، فهو أمر بشرط عدم المنع من العالم بعواقب ~~الأمور، وذلك محال لما سبق. # قلنا: وقد سبق أيضا في الأوامر جواز ذلك، وإبطال كل ما تخيلوه مانعا. # قولهم في المعارضة الأولى إنه يلزم من ذلك أن يكون الرب تعالى آمرا ~~وناهيا عن فعل واحد في وقت واحد، وهو محال، لا نسلم إحالته. # قولهم: إما أن يكون حسنا أو قبيحا، فهو مبني على الحسن والقبح العقلي، ~~وهو باطل لما سبق. فلئن قالوا: وإن لم يكن حسنا ولا قبيحا، فلا يخلو إما أن ~~يكون مشتملا على مصلحة أو مفسدة. # فإن كان الأول، فقد نهى عما فيه مصلحة، وإن كان الثاني، فقد أمر بما فيه ~~مفسدة. PageV03P132 # قلنا: وهذا أيضا مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو باطل، ~~لما عرف من أصلنا، بل جاز أن يكون الأمر والنهي، لا لمصلحة ولا لمفسدة. وإن ~~سلم عدم خلوه عن المصلحة والمفسدة، ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الامر ~~بالمفسدة والنهي عن المصلحة، بل جاز أن يقال إنه مشتمل على المصلحة حالة ~~الامر، ومشتمل على المفسدة حالة النهي، ولا مفسدة حالة الامر، ولا مصلحة ~~حالة النهي، على ما تقرر قبل. ولا يلزم من ذلك الجهل في حق الله تعالى ولا ~~البداء، لعلمه حالة الامر بما الفعل مشتمل عليه من المصلحة، وانه سينسخه في ~~ثاني الحال، لما يلازمه من المفسدة المقتضية للنسخ حالة النسخ، كما علم. # قولهم في المعارضة الثانية: إذا أمر بالفعل، ثم نهى عنه، فتبين أنه أمر ~~بما لم يرد، مسلم. وعندنا ليس من شرط الامر إرادة المأمور به كما سبق ~~تعريفه. # قولهم يلزم من ذلك عدم الوثوق بجميع أقوال الشارع، إن أرادوا بذلك أنه ~~إذا خاطب بما يحتمل التأويل أنا لا نقطع بإرادته لما هو الظاهر من كلامه، ~~فمسلم ولكن لا نسلم امتناع ذلك، وهذا هو أول المسألة، وإن أرادوا به أنه لا ~~يمكن الاعتماد على ظاهره مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات ms608 البعيدة، فغير ~~مسلم وإن أرادوا غير ذلك، فلا نسلم تصوره. # قولهم في المعارضة الثالثة إنه يلزم منه أن يكون الفعل الواحد في وقت ~~واحد مأمورا منهيا. # قلنا: مأمور منهي معا، أو لا معا؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. # قولهم إن كلام الله عندكم صفة واحدة لا نسلم ذلك، إن سلكنا مذهب عبد الله ~~بن سعد من أصحابنا، وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن فلم قالوا بالإحالة. # قولهم يلزم منه أن تكون الصفة الواحدة أمرا نهيا. # قلنا: إنما تسمى الصفة الواحدة بهذه الأسماء بسبب اختلاف تعلقاتها ~~ومتعلقاتها فإن تعلقت بالفعل سميت أمرا، وإن تعلقت بالترك سميت نهيا، وذلك ~~إنما يمتنع أن لو اتحد زمان التعلق بالفعل والترك. # وأما إذا كان زمان التعلق مختلفا، فلا. والمأمور والمنهي، وإن كان زمانه ~~متحدا لكن تعلق الامر به غير زمان تعلق النهي به، ومع التغاير فلا امتناع. ~~PageV03P133 # المسألة الثالثة اتفق الجمهور على جواز نسخ حكم الخطاب إذا كان بلفظ ~~التأبيد، كقوله صوموا أبدا خلافا لشذوذ من الأصوليين. # ودليل جوازه أن الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد غايته أن يكون دالا على ثبوت ~~الحكم في جميع الأزمان بعمومه، ولا يمتنع مع ذلك أن يكون المخاطب مريدا ~~لثبوت الحكم في بعض الأزمان دون البعض، كما في الألفاظ العامة لجميع ~~الأشخاص. # وإذا يكن ذلك ممتنعا، فلا يمتنع ورود الناسخ المعرف لإرادة المخاطب لذلك. # ولو فرضنا ذلك، لما لزم عنه المحال، وكان جائزا. # فإن قيل: لفظ التأبيد جار مجرى التنصيص على كل وقت من أوقات الزمان ~~بخصوصه، والتنصيص على وجوب الفعل في الوقت المعين بخصوص لا يجوز نسخه، ~~فكذلك هذا. # وأيضا فإنا لو أمرنا بالعبادة بلفظ يقتضي الاستمرار، جاز النسخ، فلو جاز ~~ذلك مع التقييد بلفظ التأبيد، لم يكن للتقييد معنى. # وأيضا فإنه لو جاز نسخ ما ورد بلفظ التأبيد، لما بقي لنا طريق إلى العلم ~~بدوام العبادة في زمان إرادة التكليف. # وأيضا، فإن المخاطب إذا أخبر بلفظ التأبيد لم يجز نسخه، فكذلك في غير ~~الخبر. # والجواب عن الأول: لا نسلم ms609 أن لفظ التأبيد ينزل منزلة التنصيص على كل وقت ~~بعينه، بل هو في العرف قد يطلق للمبالغة، كما في قول القائل: لازم فلانا ~~أبدا وفلان أبدا يكرم الضيف، وأدام الله ملك الأمير أبدا. # وإن سلمنا أنه ينزل منزلة التنصيص على الأوقات المعينة، فعندنا لا يمتنع ~~نسخ حكم الخطاب، إذا كان مقيدا بوقت معين، كما إذا قال صل وقت زوال الشمس ~~ركعتين فإنه يجوز نسخه بعد دخول الوقت وقبله على ما عرف من أصلنا. # وعن الثاني أن فائدة التأبيد تأكيد الاستمرار، فإذا ورد النسخ، كانت ~~فائدة تأكيد المبالغة في الاستمرار، لا نفس الاستمرار. ثم يلزمهم على ما ~~ذكروه PageV03P134 # ما إذا أتى بلفظ عام، كما لو قال كل من دخل داري فأكرمه فإنه يجوز تخصيصه ~~مع تأكيده بكل وجميع، فما هو جوابهم في التخصيص فهو جواب لنا في النسخ. # وعن الثالث أن ما ذكروه إنما يصح إن لو كان لفظ التأبيد يفيد العلم، ولا ~~طريق يفيده سواه، والأمران ممنوعان: أما الأول، فلما سبق، وأما الثاني ~~فلجواز أن يخلق الله تعالى العلم الضروري بذلك أو بما يقترن باللفظ من ~~القرائن المفيدة لليقين، كما في القرائن المقترنة بخبر التواتر، ثم ما ~~ذكروه لازم عليهم في تخصيص العام المؤكد، فإنه جائز مع توجه ما ذكروه في ~~النسخ بعينه عليه. # والجواب أن ذلك يكون متحدا. وعن الرابع بمنع ذلك في الخبر أيضا. # المسألة الرابعة مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل، خلافا لبعض ~~الشذوذ ودليله أمران: # الأول ما يدل على الجواز العقلي، وهو أنا لو فرضنا وقوع ذلك لم يلزم عنه ~~لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز عقلا سوى هذا، ولأنه لا يحلو إما أن ~~لا يقال برعاية الحكمة في أفعال الله تعالى (1) أو يقال بذلك : فإن كان ~~الأول، فرفع حكم الخطاب بعد ثبوته لا يكون ممتنعا، لان الله تعالى له أن ~~يفعل ما يشاء. # وإن كان الثاني، فلا يمتنع في العقل أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون ~~بدله. # الثاني ما يدل ms610 على الجواز الشرعي، وهو أن ذلك مما وقع في الشرعي كنسخ ~~تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص) (2) ونسخ الاعتداد بحول كامل في حق ~~المتوفى عنها زوجها، ونسخ وجوب ثبات الرجل لعشرة، ونسخ وجوب الامساك بعد # PageV03P135 # الفطر في الليل (1) ونسخ تحريم ادخار لحوم الأضاحي (2) وكل ذلك من غير ~~بدل إلى غير ذلك من الاحكام التي نسخت لا إلى بدل. والوقوع في الشرع أدل ~~الدلائل على الجواز الشرعي. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وهو قوله تعالى: * (ما ~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * أخبر أنه لا ينسخ إلا ~~ببدل، والخلف في خبر الصادق محال. # قلنا: ما ذكروه إنما هو دليل لزوم البدل في نسخ لفظ الآية، وليس فيه ~~دلالة على نسخ حكمها، وذلك هو موضع الخلاف سلمنا دلالة ما ذكروه على نسخ ~~الحكم، لكن لا نسلم العموم في كل حكم وإن سلمنا، ولكنه مخصص بما ذكرناه من ~~الصور. # سلمنا أنه غير مخصص، لكن ما المانع أن يكون رفع الحكم بدل إثباته، وهو ~~خير منه في الوقت الذي نسخ فيه، لكون المصلحة في الرفع دون الاثبات، وإن ~~سلم امتناع وقوع ذلك شرعا، لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي. # PageV03P136 # المسألة الخامسة وكما يجوز نسخ حكم الخطاب من غير بدل كما بيناه، يجوز ~~نسخه إلى بدل أخف منه كنسخ تحريم الاكل بعد النوم في ليل رمضان إلى حله ~~وإلى بدل مماثل، كنسخ وجوب التوجه إلى القدس، بالتوجه إلى الكعبة وهذان مما ~~لا خلاف فيهما عند القائلين بالنسخ. # وإنما الخلاف في نسخ الحكم إلى بدل أثقل منه. # ومذهب أكثر أصحابنا وجمهور المتكلمين والفقهاء جوازه، خلافا لبعض أصحاب ~~الشافعي وبعض أهل الظاهر ومنهم من أجازه عقلا، ومنع منه سمعا. # ودليل جوازه عقلا ما سبق في المسألة المتقدمة. # ودليل الجواز الشرعي وقوع ذلك في الشرع. # فمن ذلك أن الله تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الاسلام، مخيرا بينه ~~وبين الفداء بالمال، ونسخه بتحتم الصوم، وهو أثقل من الأول ms611 (1). # ومن ذلك أن الله تعالى أوجب في ابتداء الاسلام الحبس في البيوت والتعنيف ~~حدا على الزنا، ونسخه بالضرب بالسياط والتغريب عن الوطن في حق البكر، ~~وبالرجم بالحجارة في حق الثيب، (2) ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان (3). # وكل ذلك أثقل من الأول. # PageV03P137 # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه. وبيانه من جهة العقل، ~~والسمع أما من جهة العقل، فهو أن النسخ إما أن يكون لا لمصلحة أو لمصلحة: # فإن كان الأول، فهو عبث وقبيح، فلا يكون جائزا على الشارع. # وإن كان لمصلحة: فإما أن تكون أدنى من مصلحة المنسوخ، أو مساوية لها، أو ~~راجحة عليها: # فإن كان الأول فهو أيضا ممتنع، لما فيه من إهمال أرجح المصلحتين واعتبار ~~أدناهما وإن كان الثاني، فليس الناسخ أولى من المنسوخ، فلم يبق غير الثالث. # وإذا كان النسخ إنما يكون للأصلح والأنفع والأقرب إلى حصول الطاعة، وذلك ~~(1) إنما يكون بنقل المكلفين من الأشد إلى الأخف، ومن الأصعب إلى الأسهل، ~~لكونه أقرب إلى حصول الطاعة، وأسهل في الانقياد، وإذا كان بالعكس، كان ~~إضرارا بالمكلفين، لأنهم إن فعلوا، التزموا المشقة الزائدة. # وإن تركوا استضروا بالعقوبة والمؤاخذة، وذلك غير لائق بحكمة الشارع. # وأما من جهة السمع، فنصوص: # أولها قوله تعالى: * (يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الانسان ضعيفا) * (4) ~~النساء: 28) ولا تخفيف في نسخ الأخف إلى الأثقل. # وثانيها قوله تعالى: * (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) * (2) ~~البقرة: 185) وفي نسخ الأخف إلى الأثقل إرادة العسر، وفيه تكذيب خبر ~~الصادق. # وثالثها قوله تعالى: * (ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم) * (7) ~~الأعراف: 157) والإصر هو الثقل، أخبر أنه يضع عنهم الثقل الذي حمله للأمم ~~قبلهم، فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه كان تكذيبا لخبره تعالى، وهو محال. # ورابعها قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ~~* (2) البقرة: 106) # PageV03P138 # وليس المراد منه أنه يأتي بخير من الآية في نفسها، إذ القرآن كله خير، لا ~~تفاضل فيه، وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا، وذلك هو ms612 الأخف ~~والأسهل في الاحكام (1). # والجواب عن المعقول أن ما ذكروه لازم عليهم في ابتداء التكليف، ونقل ~~الخلق من الإباحة والاطلاق إلى مشقة التكليف، وكذلك في نقلهم من الصحة إلى ~~السقم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن الجدة إلى العدم، وإعدام القوي والحواس ~~بعد وجودها، فإن ما نقلهم إليه أشق عليهم مما نقلهم عنه. وكل ما ذكروه فهو ~~بعينه لازم ها هنا، وما هو الجواب في صورة الالزام فهو جوابنا في محل ~~النزاع. # وعن الآية الأولى أنه لا عموم فيها حتى يلزم من ذلك إرادة التخفيف في كل ~~شئ، وبتقدير العموم، فليس فيه ما يدل على إرادة التخفيف على الفور، بل جاز ~~أن يكون المراد من ذلك التخفيف في المآل برفع أثقال الآخرة، والعقاب على ~~المعاصي، بما يحصل لنا من الثواب الجزيل على الأعمال الشاقة علينا في ~~الدنيا وعلى طباعنا، تسمية للشئ بعاقبته (2) ومنه قوله تعالى: * (فما ~~أصبرهم على النار) * (2) البقرة: 175) وقوله تعالى: * (إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا) * (4) النساء: 10) ومنه يقال (لدوا للموت وابنوا للخراب) (3) ~~وبتقدير إرادة الفور، فلا يمتنع التخصيص، كما خص بأثقال تكاليفه المبتدأة ~~وابتلائه في الأبدان والأموال، كما سبق تقريره. وما ذكرناه من الأدلة ~~الدالة على وقوع ذلك صالح لتخصيص هذه الآية. # وعن الآية الثانية أنه يجب حملها على ما فيه اليسر والعسر بالنظر إلى ~~المآل حتى لا يلزم منه كثرة التخصيص بابتداء التكاليف، وما وقع به الابتلاء ~~في الدنيا في الأبدان والأموال. # PageV03P139 # ولا يخفى أن التكليف بما هو أشق في الدنيا إذا كان ثوابه المآل أكثر ~~وأدفع للعقاب المجتلب بالمعاصي أنه يسر لا عسر. وإن سلمنا أن المراد به ~~إرادة اليسر وعدم إرادة العسر العاجل، لكنه يجب تخصيصه بما ذكرناه جمعا بين ~~الأدلة. # وعن الآية الثالثة أنه لا يلزم من وضع الإصر والثقل الذي كان على من ~~قبلنا عنا، امتناع ورود نسخ الأخف بالأثقل في شرعنا. # وعن الآية الرابعة: أنه لو كان ذلك عائدا إلى نسخ التلاوة، فلا حجة فيه ~~إذ النزاع إنما هو في نسخ الحكم الأخف ms613 بالأثقل وإن كان عائدا إلى نسخ حكم ~~الآية، فالخير في الأمور الدينية يرجع إلى ما هو أكثر في الثواب. # ومنه يقال الفرض خير من النفل، بمعنى أنه أكثر في الثواب، وإن كان أشق من ~~النفل على النفس، وفي الأمور الدنيوية يرجع إلى ما هو خير في العاجل وأصلح ~~ولا يختص ذلك بالأسهل. ولهذا يحسن أن يقول الطبيب للمريض الجوع والعطش ~~أصلح، لك وخير من الشبع والري وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون التكليف بالأشق ~~أكثر ثوابا وأصلح في المآل، على ما قال تعالى: * (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ~~ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله) * (9) التوبة: 120) إلى قوله: * (إلا كتب ~~لهم به عمل صالح) * (9) التوبة: 120) وقال تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (99) الزلزلة: 7 - 8) وقال تعالى: ~~* (جزاء بما كانوا يعملون) * (46) الأحقاف: 14) وقال (ص) لعائشة، رضي الله ~~عنها: ثوابك على قدر نصبك (1) فكان التكليف بالأشق خيرا من الأخف. # PageV03P140 # المسألة السادسة اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم، وبالعكس، ~~ونسخهما معا خلافا لطائفة شاذة من المعتزلة. ويدل على ذلك العقل، والنقل. # أما العقل فهو أن جواز تلاوة الآية حكم، ولهذا يثاب عليها بالاجماع. # وقد قال (ص): من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات (1) وما ~~يترتب عليها من الوجوب والتحريم وغير ذلك حكم، وإذا كانا حكمين جاز أن يكون ~~إثباتهما مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت، وأن لا يكون إثبات أحدهما مصلحة ~~مطلقا وإثبات أحدهما مصلحة في وقت دون وقت، وإذا كان كذلك جاز رفعهما معا، ~~ورفع أحدهما دون الآخر، كما سبق تقريره. # وأما النقل، أما نسخ التلاوة، والحكم فيدل عليه ما روت عائشة أنها قالت: # كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات، فنسخت بخمس (2) وليس في المصحف عشر ~~رضعات محرمات، ولا حكمها، فهما منسوخان. وأما نسخ الحكم دون التلاوة، فكنسخ ~~حكم آية الاعتداد بالحول (3) ونسخ حكم آية الوصية للوالدين # PageV03P141 # وأما نسخ التلاوة دون الحكم، فما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله ms614 عنه أنه ~~قال: كان فيما أنزل الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ~~ورسوله فإنه منسوخ التلاوة دون الحكم. # وهل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المحدث ويتلوها الجنب. فذلك مما ~~تردد الأصوليون فيه. والأشبه المنع من ذلك. # فإن قيل: الحكم مع التلاوة ينزل منزلة العلم مع العالمية، والحركة مع ~~المتحركية والمنطوق مع المفهوم، وكما لا يمكن الانفكاك بين العلم والعالمية ~~والمنطوق مع المفهوم، فكذلك التلاوة مع حكمها. # وأما ما يخص نسخ الحكم دون التلاوة، فهو أن الحكم إذا نسخ وبقيت التلاوة ~~كانت موهمة بقاء الحكم، وذلك مما يعرض المكلف إلى اعتقاد الجهل، والحكيم ~~يقبح منه ذلك. # وأيضا إذا بقيت التلاوة دون حكمها، تبقى عرية عن الفائدة، ويمتنع خلو ~~القرآن عن الفائدة. # وأما ما يخص نسخ التلاوة دون الحكم، فوجهان: # الأول أن الآية ذريعة إلى معرفة الحكم، فإذا نسخت الآية دون الحكم، أشعر ~~ذلك بارتفاع الحكم، وفيه تعريض المكلف لاعتقاد الجهل، وهو قبيح من الشارع. # الثاني أن نسخ التلاوة دون حكمها يكون عريا عن الفائدة، حيث إنه لم يلزم ~~من ذلك إثبات حكم ولا رفعه، وما عرى من التصرفات عن الفائدة كان عبثا ~~والعبث على الله محال. # والجواب عن الأول: لا نسلم أولا أن العالمية مغايرة لقيام العلم بالذات، ~~ولا المتحركية مغايرة لقيام الحركة بالذات، ولا الملازمة بين المنطوق ~~والمفهوم، ليصح التمثيل. وإن سلمنا جميع ذلك، ولكن لا نسلم أن التلاوة مع ~~الحكم نازلة منزلة ما ذكروه، بل هي نازلة منزلة الامارة والعلامة على الحكم ~~في ابتداء ثبوته دون حالة دوامه. PageV03P142 # وعلى هذا فلا يلزم من انتفاء الامارة في طرف الدوام انتفاء ما دلت عليه. # وذلك لا يلزم من انتفاء الحكم لدليل انتفاء الامارة الدالة عليه. # وعن قولهم إن التلاوة إذا ثبتت بعد نسخ الحكم عرضت المكلف لاعتقاد الجهل ~~متى إذا نصب الله تعالى دليلا على نسخ الحكم، أو إذا لم ينصب؟ الأول ممنوع ~~والثاني مسلم. وذلك، لان الناظر إذا كان مجتهدا، عرف دليل النسخ، وإن كان ms615 ~~مقلدا فغرضه تقليد المجتهد العارف بدليل النسخ. ثم وإن كان كما ذكروه، فلا ~~نسلم أن ذلك ممتنع في حق الله تعالى إلا على فاسد أصل من يقول بالتحسين ~~والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه (1). # وعن قولهم إنه ليس في بقاء التلاوة فائدة بعد نسخ الحكم أن ذلك مبني على ~~رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو غير مسلم (2). # وإن سلما ذلك، فلا يمتنع أن يكون الباري تعالى قد علم في ذلك حكمة استأثر ~~بها، ونحن لا نشعر بذلك وعن قولهم إن الآية إذا نسخت عرضت المكلف لاعتقاد ~~الجهل، إنما يلزم ذلك أن لو كان يلزم من انتفاء الدلالة على الحكم في ~~الدوام انتفاء الحكم، وهو غير مسلم، ولا يلزم من الدليل الدال على نسخ ~~التلاوة أن يكون دالا على نسخ الحكم. # وعن قولهم إنه لا فائدة في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ما سبق في قولهم إن ~~بقاء التلاوة غير مفيد مع نسخ الحكم. # PageV03P143 # المسألة السابعة فيما يتعلق بنسخ الاخبار. # والنسخ إما أن يكون لنسخ الخبر أو لمدلوله وثمرته: # فإن كان الأول فإما أن تنسخ تلاوته أو تكليفنا به بأن نكون قد كلفنا أن ~~نخبر بشئ فينسخ عنا التكليف بذلك الاخبار، وكل واحد من الامرين جائز من غير ~~خلاف بين القائلين بجواز النسخ، وسواء كان ما نسخت تلاوته ماضيا أو ~~مستقبلا، وسواء كان ما نسخ تكليف الاخبار به مما لا يتغير مدلوله، كالاخبار ~~بوجود الله تعالى وحدوث العالم. # أو يتغير كالاخبار بكفر زيد وإيمانه، لان كل ذلك حكم من الأحكام الشرعية ~~فجاز أن يكون مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت آخر. # لكن هل يجوز أن ينسخ تكليفنا بالاخبار عما لا يتغير، بتكليفنا بالاخبار ~~بنقيضه؟ # قالت المعتزلة: لا يجوز، لأنه كذب، والتكليف بالكذب قبيح، وهو غير متصور ~~من الشارع، وهو مبني على أصولهم في التحسين والتقبيح العقلي ووجوب رعاية ~~المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه. وعلى هذا، فلا مانع من نسخ ~~التكليف بالخبر، بنقيض الخبر. # وأما إن كان النسخ لمدلول الخبر وفائدته، ms616 فذلك المدلول. # إما أن يكون مما لا يتغير، كمدلول الخبر بوجود الاله سبحانه وحدوث ~~العالم، أو مما يتغير: # فإن كان الأول فنسخه محال بالاجماع. # وأما إن كان مدلوله مما يتغير، وسواء كان ماضيا، كالاخبار بما وجد من ~~إيمان زيد وكفره، أو مستقبلا، وسواء كان وعدا أو وعيدا، أو حكما شرعيا. # فقد اختلف في رفعه ونسخه. # فذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من المتكلمين والفقهاء ~~إلى امتناع رفعه. # وذهب أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري إلى ~~جوازه. # ومنهم من فصل بين الخبر الماضي والمستقبل، فمنعه في الماضي، وجوزه في ~~المستقبل. PageV03P144 # والمختار جوازه، ماضيا كان أو مستقبلا. وذلك لأنه إذا ما دل عليه، كان ~~الاخبار متكررا، والخبر عام فيه، فأمكن أن يكون الناسخ مبينا لاخراج بعض ما ~~تناوله اللفظ، وإن المراد بعض ذلك المذكور، كما في الأوامر والنواهي. # قيل: الفرق بين الخبر وبين الأمر والنهي أن نسخ الخبر يؤذن بكونه كذبا ~~ولهذا فإنه لو قال أهلك الله زيدا ثم قال ما أهلك الله زيدا كان كذبا، ~~بخلاف الأمر والنهي. وإن سلمنا إمكان نسخ مدلول الخبر، لكن إذا كان مدلوله ~~حكما شرعيا تكليفا. أما إذا لم يكن كذلك، فلا. وذلك لأنه إذا كان حكمه ~~تكليفا كان الخبر في معنى الأمر والنهي. والامر يجوز نسخ حكمه، كما لو قال ~~أمرتكم ونهيتكم وأوجبت عليكم بخلاف ما إذا لم يكن كذلك. # والجواب عن الأول أن ذلك إنما يفضي إلى الكذب، إن لو لم يمكن حمل الناسخ ~~على غير ما أريد من الخبر، وليس الامر كذلك على ما حققناه وأما إذا قال ~~أهلك الله زيدا فإهلاكه إنما لم يدخله النسخ، لأنه لا يتكرر حتى يمكن رفع ~~بعضه وتبقية البعض، بل إنما يقع دفعة واحدة، فلو أخبر عن عدمه مع اتحاده، ~~كان كذبا، لاتحاد المثبت والمنفي. # وعن الثاني أنهم إن أرادوا بقولهم إن الخبر بالحكم الشرعي في معنى الامر ~~أن صيغته كصيغته، فهو خلاف الحسن: (1) وإن أرادوا به أنه يفيد إيجاب الفعل ms617 ~~كما في الامر، فمسلم ولكن لا يلزم أن يكون هو هو، فإنه لا يلزم من اشتراك ~~شيئين مختلفين في لازم واحد عام لهما اتحادهما، وغايته، تسليم نسخ مدلول ~~بعض الاخبار، وليس فيه ما يدل على امتناع نسخ غيره مما قد بينا. # PageV03P145 # المسألة الثامنة اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ القرآن بالقرآن، ~~لتساويه في العلم به ووجوب العمل، وذلك كما بيناه من نسخ الاعتداد بالحول ~~بأربعة أشهر وعشر، ونسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول بقوله * ~~(أأشفقتم) *. الآية (58) المجادلة: 13) ونسخ وجوب ثبوت الواحد للعشرة، ~~بقوله تعالى: * (الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا) * (8) الأنفال: ~~66) واتفقوا أيضا على جواز نسخ السنة المتواترة بالمتواترة منها، ونسخ ~~الآحاد منها بالمتواتر. # ونسخ الآحاد بالآحاد كما روي أنه (ص)، حرم زيارة القبور بنهيه عنها ثم ~~نسخ ذلك بقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها (1) وكما روي عنه ~~(ص) أنه قال في شارب الخمر فإن شربها الرابعة فاقتلوه (2) فنسخ ذلك بما روي ~~عنه أنه حمل إليه من شربها الرابعة فلم يقتله. # وأما نسخ المتواتر منها بالآحاد، فقد اتفقوا على جوازه عقلا، واختلفوا في ~~وقوعه سمعا. فأثبته داود وأهل الظاهر، ونفاه الباقون. # وقد احتج النافون لذلك بالاجماع، والمعنى: # PageV03P146 # أما الاجماع: فما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لا ندع كتاب ~~ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت (1). # وأيضا ما روي عن علي رضي الله عنه، أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ~~بقول أعرابي بوال على عقبيه (2). # ووجه الاحتجاج به أنهما لم يعملا بخبر الواحد، ولم يحكما به على القرآن، ~~وما ثبت من السنة تواترا، وكان ذلك مشتهرا فيما بين الصحابة ولم ينكر ~~عليهما منكر، فكان ذلك إجماعا. # وأما المعنى: فهو أن الآحاد ضعيف، والمتواتر أقوى منه، فلا يقع الأضعف في ~~مقابلة الأقوى (3). # ولقائل أن يقول: عدم قبول خبر الواحد فيما ذكر لا يمنع من قبول خبر ~~الواحد مطلقا، وذلك لأنه لا مانع أن يكون امتناع قبوله لعدم ms618 حصول الظن ~~بصدقه. # ولهذا قال عمر لا ندري أصدقت أم كذبت وقال علي في الأعرابي ما قال وإلا ~~فكيف يمكن القول بعدم قبول خبر الواحد مع ما بينا من كون خبر الواحد حجة، ~~ومع ما بيناه من جواز تخصيص التواتر بالآحاد (4). # وما ذكروه من المعنى فهو باطل بالتخصيص على ما سبق. # PageV03P147 # كيف، وإنه وإن كان أضعف من المتواتر من جهة كونه آحادا إلا أنه أقوى من ~~المتواتر من جهة كونه خاصا، والمتواتر عاما. والظن الحاصل من الخاص إذا كان ~~آحادا أقوى من الظن الحاصل من العام المتواتر، لان تطرق الضعف إلى الواحد ~~من جهة كذبه واحتمال غلطه، وتطرق الضعف إلى العام من جهة تخصيصه، واحتمال ~~إرادة بعض ما دل عليه دون البعض، واحتمال تطرق التخصيص إلى العام أكثر من ~~تطرق الخطأ والكذب إلى العدل، فكان الظن المستفاد من خبر الواحد أقوى. # وأما المثبتون فقد احتجوا بالنقل، والمعنى. # أما النقل فمن وجهين: # الأول: أن وجوب التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة المتواترة، لأنه ~~لم يوجد في الكتاب ما يدل عليه، وإن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس، ~~بناء على السنة المتواترة، فلما نسخ جاءهم منادي رسول الله (ص) فقال لهم: # (إن القبلة قد حولت) (1) فاستداروا بخبره والنبي (ص)، لم ينكر عليهم، فدل ~~على الجواز. # الثاني: أن النبي (ص) كان ينفذ الآحاد إلى أطراف البلاد لتبليغ الناسخ ~~والمنسوخ ولولا قبول خبر الواحد في ذلك، لما كان قبوله واجبا. وأما المعنى ~~فمن وجهين: # الأول أن النسخ أحد البيانين، فكان جائزا بخبر الواحد كالتخصيص. # الثاني: أن نسخ القرآن بخبر الواحد جائز على ما سيأتي بيانه، فنسخ السنة ~~المتواترة به أولى (2). # PageV03P148 # ولقائل أن يقول: أما قصة أهل قبا فمن أخبار الآحاد، ولا نسلم ثبوت مثل ~~هذه القاعدة به. كيف وإنه يحتمل أن يكون قد اقترن بقوله قرائن أوجبت العلم ~~بصدقه من قربهم من مسجد رسول الله (ص)، وسماعهم لضجة الخلق في ذلك فكان ~~نازلا منزلة الخبر المتواتر (1). # وأما تنفيذ الآحاد للتبليغ فإنما يجوز ms619 فيما يجوز فيه خبر الواحد وما لا ~~فلا (2). # وما ذكروه من المعنى الأول فحاصله يرجع إلى قياس النسخ على التخصيص، وهو ~~إنما يفيد في الأمور الظنية، فلم قالوا إنما نحن فيه من هذا القبيل (3). # كيف والفرق حاصل، وذلك أن النسخ رفع لما ثبت بخلاف التخصيص على ما سبق ~~معرفته (4) فلم قالوا بأنه إذا قبل: خبر الواحد فيما لا يقتضي الرفع لما ~~ثبت يقبل في رفع ما ثبت. # وأما المعنى الثاني، فلا نسلم صحة نسخ القرآن بخبر الواحد على ما يأتي. # PageV03P149 # المسألة التاسعة المنقول عن الشافعي رضي الله عنه، في أحد قوليه إنه لا ~~يجوز نسخ السنة بالقرآن. # ومذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء جوازه عقلا، ووقوعه شرعا. # احتج المثبتون على الجواز العقلي والوقوع الشرعي. # أما الجواز العقلي: فهو أن الكتاب والسنة وحي من الله تعالى، على ما قال ~~تعالى * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * غير أن الكتاب متلو، ~~والسنة غير متلوة، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلا. ولهذا، ~~فإنا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل القرآن ناسخا للسنة لما لزم عنه لذاته محال ~~عقلا. # وأما الوقوع الشرعي فيدل عليه أمور الأول: أن النبي (ص)، صالح أهل مكة ~~عام الحديبية على أن من جاءه مسلما رده، حتى إنه رد أبا جندل وجماعة من ~~الرجال فجاءت امرأة فأنزل الله تعالى * (فإن علمتموهن مؤمنات، فلا ترجعوهن ~~إلى الكفار) * (60) الممتحنة: 10) وهذا قرآن نسخ ما صالح عليه رسول الله ~~(ص)، وهو من السنة. # الثاني: أن التوجه إلى بيت المقدس لم يعرف إلا من السنة (1) وقد نسخ ~~بقوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * (2) البقرة: 144) ولا يمكن ~~أن يقال بأن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما بالقرآن، وهو قوله: * (فثم ~~وجه الله) * (2) البقرة: 115) لان قوله (فثم وجه الله) تخيير بين القدس ~~وغيره من الجهات. والمنسوخ إنما هو وجوب التوجه إليه عينا: # وذلك غير معلوم من القرآن. # الثالث: أن المباشرة في الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة، وقد نسخ ذلك ~~بقوله تعالى: ms620 * (فالآن باشروهن) * (2) البقرة: 187). # الرابع: أن صوم عاشوراء كان واجبا بالسنة، ونسخ بصوم رمضان في قوله تعالى ~~* (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (2) البقرة: 185). # الخامس: أن تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال كان جائزا بالسنة. ولهذا قال # PageV03P150 # يوم الخندق، وقد أخر الصلاة حشا الله قبورهم نارا، لحبسهم له عن الصلاة ~~(1) وقد نسخ ذلك الجواز بصلاة الخوف الواردة في القرآن. # فإن قيل: ما ذكرتموه من صور نسخ السنة بالقرآن، ما المانع أن يكون الحكم ~~في جميع ما ذكرتموه ثابتا بقرآن نسخ رسمه، وبقي حكمه؟ وإن سلمنا أنه ثابت ~~بالسنة، ولكن ما المانع أن يكون النسخ وقع بالسنة، ودلالة ما ذكرتموه من ~~الآيات على أحكامها ليس فيه ما يدل على عدم ارتفاع الاحكام السابقة بالسنة. # ويدل على أن الامر على ما ذكرناه أن الشافعي كان من أعلم الناس بالناسخ ~~والمنسوخ وأحكام التنزيل، وقد أنكر نسخ السنة بالقرآن، ولولا أن الامر على ~~ما ذكرناه لما كان إنكاره صحيحا. ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على نسخ ~~السنة بالقرآن غير أنه معارض بالنص والمعقول. # أما النص: فقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) ~~جعل السنة بيانا، فلو نسخت لخرجت عن كونها بيانا، وذلك غير جائز. # وأما المعقول فمن وجهين: الأول أنه لو نسخت السنة بالقرآن، لزم تنفير ~~الناس عن النبي (ص)، وعن طاعته لايهامهم أن الله تعالى لم يرض ما سنه ~~الرسول، وذلك مناقض لمقصود البعثة ولقوله تعالى * (وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله) *. # الثاني: أن السنة ليست من جنس القرآن لان القرآن معجزة ومتلو ومحرم ~~تلاوته على الجنب، ولا كذلك السنة، وإذا لم يكن القرآن من جنس السنة امتنع ~~نسخه لها كما يمتنع نسخ القرآن بحكم دليل العقل، وبالعكس. # PageV03P151 # والجواب عن السؤال الأول أن إسناد إثبات ما ذكرناه من الاحكام المنسوخة ~~إلى ما وجد من السنة من أفعال النبي (ص)، وأقواله وتقريراته صالح لاثباتها، ~~وقد اقترن بها الاثبات، فكان الاثبات مستندا إليها، وكذلك الكلام في إسناد ~~نسخها إلى ما وجد من الآيات الصالحة ms621 للنسخ من ترتب النسخ عليها، فبتقدير ~~(1) وجود خطاب آخر يكون إسناد الأحكام المذكورة إليه بتقدير نسخه وكذلك ~~تقدير وجود سنة ناسخة لها مع عدم الاطلاع عليها وإمكان إسناد نسخها إلى ما ~~وجد من الآيات الصالحة لنسخها من غير ضرورة يكون ممتنعا. # ولو فتح هذا الباب، لما استقر لاحد قدم في إثبات ناسخ ولا منسوخ، لان ما ~~من ناسخ يقدر إلا ويحتمل أن يكون الناسخ غيره، وما من منسوخ حكمه يقدر إلا ~~ويحتمل أن يكون إسناد ذلك الحكم إلى غيره، وهو خلاف إجماع الأمة في ~~الاكتفاء بالحكم على كون ما وجد من الخطاب الصالح لنسخ الحكم هو الناسخ وأن ~~ما وجد من الدليل الصالح لاثبات الحكم هو المثبت، وإن احتمل إضافة الحكم ~~والنسخ إلى غير ما ظهر، مع عدم الظفر به بعد البحث التام عنه. وعن المعارضة ~~بالنص من وجهين: # الأول: أن المراد بقوله * (لتبين للناس) * (16) النحل: 44) إنما هو ~~التبليغ وذلك يعم تبليغ الناس من القرآن وغيره، وليس فيه ما يدل على امتناع ~~كون القرآن ناسخا للسنة. # الثاني: وإن سلمنا أن المراد بقوله (لتبين للناس) إنما هو بيان المجمل ~~والعام والمطلق والمنسوخ، لكن لا نسلم دلالة ذلك على انحصار ما ينطق به في ~~البيان بل جاز مع كونه مبينا أن ينطق بغير البيان، ويكون محتاجا إلى بيان. # وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه. # الأول: أن ذلك إنما يصح أن لو كانت السنة من عند الرسول من تلقاء نفسه ~~وليس كذلك، بل إنما هي من الوحي على ما قال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3). # الثاني: أنه لو امتنع نسخ السنة بالقرآن لدلالته على أن ما شرعه أولا غير ~~مرضي لامتنع نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وهو خلاف إجماع القائلين ~~بالنسخ. # PageV03P152 # الثالث: أن ما ذكروه إنما يدل على أن المشروع أولا غير مرضي أن لو كان ~~النسخ رفع ما ثبت أولا، وليس كذلك، بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على أن ~~الشارع لم يرد ms622 بخطابه الأول ثبوت الحكم في وقت النسخ دون ما قبله. # وعن المعارضة الثانية: أنه لا يلزم من اختلاف جنس السنة والقرآن بعد ~~اشتراكهما في الوحي بما اختص بكل واحد منهما امتناع نسخ أحدهما بالآخر. # وعلى هذا، فنقول القرآن يكون رافعا لحكم الدليل العقلي، وإن لم يسم ~~ناسخا. # المسألة العاشرة: قطع الشافعي وأكثر أصحابه وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ ~~الكتاب بالسنة المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. # وأجاز ذلك جمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة، ومن الفقهاء مالك ~~وأصحاب أبي حنيفة وابن سريج، واختلف هؤلاء في الوقوع. # والمختار جوازه عقلا، لما ذكرناه في المسألة المتقدمة. # وأما الوقوع فقد احتج القائلون به بأن الوصية للوالدين والأقربين نسخت ~~بقوله (ص) (ألا لا وصية لوارث (1)). # قالوا: ولا يمكن أن يقال بأن الناسخ للوصية آية الميراث، لان الجمع ممكن ~~من حيث إن الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب، وهو ضعيف لما فيه من نسخ حكم ~~القرآن المتواتر بخبر الآحاد، وهو ممتنع على ما يأتي (2) ولأنه لا يلزم من ~~كون الميراث مانعا من الوصية للوارث أن يكون مانعا من الوصية لغير الوارث. # واحتجوا أيضا بأن جلد الزاني الثابت بقوله تعالى: * (الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24) النور: 2) نسخ بالرجم الثابت ~~بالسنة، وهو ضعيف لما فيه من نسخ القرآن بآحاد السنة، وهو ممتنع على ما ~~يأتي (3)، وفي حق الشيخ والشيخة من جهة أنه أمكن # PageV03P153 # أن يقال إن نسخ الجلد بالرجم إنما كان بقرآن نسخ رسمه، وهو ما روي عن عمر ~~أنه قال (كان فيما أنزل الله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ~~نكالا من الله ورسوله (1). # ولا يمكن أن يقال إن ذلك لم يكن قرآنا بما روي عن عمر أنه قال (لولا أنني ~~أخشى أن يقال: زاد عمر في القرآن ما ليس منه لكتبت: الشيخ والشيخة إذا زنيا ~~على حاشية المصحف (2) وذلك يدل على أنه لم يكن قرآنا لأنا نقول: غاية قول ~~عمر الدلالة على إخراج ذلك عن المصحف والقرآن لنسخ تلاوته، ms623 وليس فيه دلالة ~~على أنه لم يكن قرآنا. # فإن قيل (الشيخ والشيخة) لم يثبت بالتواتر، بل بقول عمر، ونسخ المتواتر ~~بالآحاد ممتنع على ما يأتي، وسواء كان ذلك قرآنا أو سنة. # PageV03P154 # قلنا: والسنة وهو رجم النبي (ص)، للزاني لم يثبت بالتواتر، بل بطريق ~~الآحاد. # وغايته أن الأمة مجمعة على الرجم، والاجماع ليس بناسخ، بل هو دليل وجود ~~الناسخ المتواتر، وليس إحالته على سنة متواترة لم تظهر لنا أولى من إحالته ~~على قرآن متواتر لم يظهر لنا تواتره بسبب نسخ تلاوته (1). # وأما النافون لذلك فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية: # أما النقلية فمن خمسة أوجه. # الأول: قوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) وصف ~~نبيه بكونه مبينا، والناسخ رافع، والرافع غير البيان. # الثاني: قوله تعالى: * (وإذا بدلنا آية مكان آية) * (16) النمل: 101) ~~أخبر أنه إنما يبدل الآية بالآية، لا بالسنة. # PageV03P155 # الثالث: أن المشركين عند تبديل الآية مكان آية، قالوا (إنما أنت مفتر) ~~فأزال الله تعالى وهمهم بقوله * (قل نزله روح القدس من ربك بالحق) * (16) ~~النحل: 102) وذلك يدل على أن التبديل لا يكون إلا بما نزله روح القدس ~~الرابع: قوله تعالى: * (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو ~~بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * ~~(10) يونس: 15) وهو دليل على أن القرآن لا ينسخ بغير القرآن. # الخامس قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها، ~~ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) وذلك يدل على أن ~~الآية لا تنسخ إلا بآية. # وبيانه من وجوه الأول: أنه قال: * (نأت بخير منها أو مثلها) * (2) ~~البقرة: 106) والسنة ليست خيرا من القرآن، ولا مثله. # الثاني: أن الله تعالى وصف نفسه بأنه الذي يأتي بخير منها، وذلك لا يكون ~~إلا والناسخ قرآن لا سنة. # الثالث: وصف البدل بأنه خير، أو مثل وكل واحد من الوصفين يدل على أن ~~البدل من جنس المبدل أما المثل فظاهر وأما ما هو خير. فلانه ms624 لو قال القائل ~~لغيره (لا آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه) فإنه يفيد أنه يأتيه بدرهم ~~خير من الأول. # الرابع: قوله * (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) دل ~~على أن الذي يأتي به هو المختص بالقدرة عليه وذلك هو القرآن دون غيره. # وأما من جهة المعقول فمن وجهين: # الأول: أن السنة إنما وجب اتباعها بالقرآن، في قوله تعالى: * (وما أتاكم ~~الرسول فخذوه) * (59) الحشر: 7) وقوله (فاتبعوه) وذلك يدل على أن السنة فرع ~~القرآن، والفرع لا يرجع إلى أصله بالابطال والاسقاط، كما لا ينسخ القرآن ~~والسنة بالفرع المستنبط منهما وهو القياس الثاني: أن القرآن أقوى من السنة، ~~ودليله من ثلاثة أوجه. # الأول: قول النبي (ص)، لمعاذ بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ # قال: بسنة رسول الله قدمه في العمل به على السنة، والنبي (ص)، أقره على ~~ذلك. # وذلك دليل قوته. # الثاني: أنه أقوى من جهة لفظه، لأنه معجز، والسنة ليست معجزة. ~~PageV03P156 # الثالث: أنه أقوى من جهة حكمه حيث اعتبرت الطهارة في تلاوته عن الجنابة ~~والحيض، وفى مس مسطوره مطلقا، والأقوى لا يجوز رفعه بالأضعف. # والجواب عن الآية الأولى من ثلاثة أوجه الأول: أنه يجب حمل قوله (لتبين ~~للناس) على معنى لتظهر للناس لكونه أعم من بيان المجمل، والعموم، لأنه ~~يتناول إظهار كل شئ حتى المنسوخ، وإظهار المنسوخ أعم من إظهاره بالقرآن. # الثاني: أن نسخ حكم الآية بيان لها فيدخل في قوله * (لتبين للناس) * ~~وتبين القرآن أعم من تبيينه بالقرآن. # الثالث: أنه وإن لم يكن النسخ بيانا غير أن وصف النبي (ص)، بكونه مبينا ~~لا يخرجه عن اتصافه بكونه ناسخا. وعن الآية الثانية من وجهين: # الأول: أنها ظاهرة في تبديل رسم آية بآية، النزاع إنما هو في تبديل حكم ~~الآية، وليس فيه ما يدل على تبديل حكمها بآية أخرى. # الثاني: أن الله تعالى أخبر أنه إذا بدل آية مكان آية قالوا إنما أنت ~~مفتر، وليس في ذلك ما يدل على أن تبديل الآية لا يكون إلا ms625 بآية. وذلك كما ~~لو قال القائل لغيره (إذا أكلت في السوق سقطت عدالتك) فإن ذلك لا يدل على ~~أنه لا يأكل في السوق. # وعن قوله * (قل نزله روح القدس) * (16) النحل: 102) أن ذلك لا يدل عل ~~امتناع نسخ القرآن بالسنة إلا أن تكون السنة لم ينزل بها روح القدس. وليس ~~كذلك، إذ السنة من الوحي، وإن كانت لا تتلى على ما سبق تقريره. # وعن الآية الرابعة من وجهين: الأول: أن قوله * (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) ~~* (6) الانعام: 50) أي في تبديل آية مكان آية وليس فيه ما يدل على امتناع ~~تبديل حكم الآية. # الثاني: أن النسخ، وإن كان بالسنة، فهي من الوحي على ما تقدم، فلم يكن ~~متبعا، إلا ما يوحى إليه به. وعن الآية الأخيرة من ثلاثة أوجه: # الأول لا نسلم دلالتها على امتناع نسخ حكم الآية بغير الآية. # قولهم: في الوجه الأول إن السنة ليست خيرا من القرآن ولا مثله. ~~PageV03P157 # قلنا: قوله * (ما ننسخ من آية) * (2) البقرة: 106) إما ان يراد به نسخ ~~رسمها، أو نسخ حكمها. # فإن كان الأول فهو ممتنع، فإنه وصف البدل بكونه خيرا منها، والقرآن خير ~~كله ولا يفضل بعضه على بعض (1). وإن كان الثاني فذلك يدل على أن الحكم ~~الناسخ يكون خيرا من الحكم المنسوخ أو مثله. # ونحن نقول إنه لا يمتنع أن يكون الحكم الناسخ، أصلح في التكليف وأنفع ~~للمكلف. # وأما الوجه الثاني فلا دلالة فيه لان السنة إذا كانت ناسخة فالآتي بما هو ~~خير إنما هو الله تعالى، والرسول مبلغ، ولا يدل ذلك على أن الناسخ لا يكون ~~إلا قرآنا بل الاتيان بما هو خير أعم من ذلك. # وأما الوجه الثالث، فلا دلالة فيه على لزوم المجانسة بين الآية المنسوخ ~~حكمها وبين ناسخه، لأنه وصفه بكونه خيرا، والقرآن لا تفاوت فيه، على ما ~~سبق، فعلم أن المفاضلة والمماثلة إنما هي راجعة إلى الحكم المنسوخ والحكم ~~الناسخ على ما سبق. # وعلى هذا، فلا نسلم أنه إذا قال له ما آخذ منك درهما إلا وآتيك ms626 بخير منه ~~أنه يدل على المجانسة، فإن ما هو خير أعم من الجنس، فكأنه قال آتيك بشئ هو ~~خير مما أخذت منك والمذكور أولا. وإن كان هو الآية والضمير في قوله بخير ~~منها، وإن كان عائدا إليها فلا يلزم منه المجانسة بين المضمر والمظهر. # وأما الوجه الرابع، فنحن قائلون بموجبه، فإن المتمكن من إزالة الحكم بما ~~هو خير منه إنما هو الله عز وجل. # الوجه الثاني أن الآية تدل على أنه لا بد في نسخ كل آية من الاتيان بآية ~~هي خير منها أو مثلها ضرورة الاخبار، ولكن ليس في ذلك دلالة على أن الآية ~~المأتي بها هي الناسخة لامكان أن يكون بدلا عن الآية الأولى وإن كان الناسخ ~~غيرها. # PageV03P158 # الثالث: أن ظاهر الآية يتناول نسخ رسم الآية، والأصل تنزيل اللفظ على ~~حقيقته، وفي حمله على نسخ الحكم، صرفه إلى جهة المجاز، وهو خلاف الأصل ~~والنزاع إنما وقع في نسخ الحكم، لا في نسخ الرسم. # وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه. # الأول أن ذلك إنما يمتنع إن لو كانت السنة رافعة لما هي فرع عليه من ~~القرآن وليس كذلك بل ما هي فرع عليه غير مرفوع بها، وما هو مرفوع بها ليست ~~فرعا عليه. # الثاني: أن ما ذكروه حجة عليهم، فإن القرآن قد دل على وجوب الاخذ بما ~~يأتي به الرسول ووجوب اتباعه، فإذا أتى بنسخ حكم الآية، ولم يتبع، كان على ~~خلاف ما ذكروه. # الثالث: أن السنة ليست رافعة للقرآن، وإنما هي رافعة لحكمه، وحكمه ليس ~~أصلا لها، فإذا المرتفع ليس هو الأصل وما هو الأصل غير مرتفع. # وعن المعارضة الثانية أن القرآن، وإن كان معجزا في نظمه وبلاغته، ومتلوا ~~ومحترما، فليس فيه ما يدل على أن دلالة كل آية منه أقوى من دلالة غيره من ~~الأدلة، ولهذا، فإنه لو تعارض عام من الكتاب وخاص من السنة المتواترة، كانت ~~السنة مقدمة عليه وكذلك أيضا لو تعارضت آية ودليل عقلي، فإن الدليل العقلي ~~يكون حاكما عليها وكذلك ms627 الاجماع وكثير من الأدلة على ما يأتي في الترجيحات. # وعلى هذا، فلا يمتنع رفع حكم الآية بدليل السنة. # كيف وإن السنة الناسخة ليست معارضة ولا نافية لمقتضى الآية، بل مبينة ~~ومخصصة على ما سبق (1). # PageV03P159 # المسألة الحادية عشرة اختلفوا في جواز نسخ الحكم الثابت بالاجماع: فنفاه ~~الأكثرون، وأثبته الأقلون. # والمختار مذهب الجمهور، ودليله أن ما وجد من الاجماع بعد رسول الله (ص) ~~وانقراض زمن الوحي لو نسخ حكمه فإما أن يكون بنص من كتاب أو سنة، أو بإجماع ~~آخر، أو قياس: # لا جائز أن يكون بنص، لان ذلك النص لا بد وأن يكون موجودا في زمن النبي ~~(ص) سابقا على هذا الاجماع، لاستحالة حدوث نص بعد وفاة رسول الله (ص) ولو ~~كان ذلك النص متقدما على الاجماع، لكان إجماعهم على خلاف مقتضاه خطأ، وهو ~~غير متصور من الأمة ولا جائز أن يكون بإجماع آخر لان الاجماع الثاني إما أن ~~يكون بناء على دليل رافع لحكم الاجماع الأول، أو لا بناء على دليل، فإن لم ~~يكن مبينا على دليل، كان خطأ والأمة مصونة عنه، وإن كان ذلك بدليل، فذلك ~~الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا لا جائز أن يكون نصا لأنه لا بد وأن يكون ~~متقدما على الاجماعين متحققا في زمن النبي (ص)، ويلزم من ذلك الخطأ في ~~الاجماع الأول، وهو محال. # ولا جائز أن يكون قياسا، لأنه لا بد له من أصل، والحكم في ذلك الأصل إما ~~أن يكون بدليل متجدد بعد الاجماع الأول، أو سابق عليه: فإن كان بدليل متجدد ~~فهو إما إجماع أو قياس، لاستحالة تجدد النص، فإن كان إجماعا فلا بد له من ~~دليل، وذلك الدليل لا بد وأن يكون نصا أو قياسا على أصل آخر، فإن كان قياسا ~~على أصل آخر، فالكلام في ذلك الأصل كالكلام في الأول، فإما أن يتسلسل أو ~~ينتهي إلى أصل ثابت بالنص، والتسلسل محال، والثاني يلزم منه أن يكون النص ~~على أصل القياس سابقا على الاجماع الأول. وعند ذلك فصحة القياس ms628 عليه مشروطة ~~بعد الاجماع الأول على مناقضته، ونسخ الاجماع الأول به متوقف على صحته، وهو ~~دور ممتنع. # هذا كله، إن كان دليل أصل القياس الذي هو مستند الاجماع متجددا. وإن كان ~~سابقا على الاجماع الأول، فعدول أهل الاجماع عنه دليل على عدم صحة القياس ~~عليه وإلا كان إجماعهم خطأ، وهو محال. PageV03P160 # وأما إن كان الناسخ لحكم الاجماع الأول هو القياس، فلا بد وأن يكون ~~مستندا إلى أصل ثابت بالنص، والكلام في نسخ النص به مما يفضي إلى الدور، ~~كما قررناه قبل. # فإن قيل: فلو اختلفت الأمة في المسألة على قولين، فقد أجمعت على أن ~~المقلد له الاخذ بأي القولين شاء. ولو أجمعت بعد ذلك على أحد القولين، فقد ~~أجمعت على حصر (1) ما أجمعت أولا عل تجويزه، وهو نسخ حكم الاجماع بالاجماع. # قلنا: نحن لا نسلم تصور انعقاد الاجماع الثاني على ما سبق في مسائل ~~الاجماع. # المسألة الثانية عشرة مذهب الجمهور أن الاجماع لا ينسخ به، خلافا لبعض ~~المعتزلة وعيسى بن أبان (2). # ودليل الامتناع أن المنسوخ به إما أن يكون حكم نص أو إجماع أو قياس: # الأول محال، لان الاجماع إما أن يكون مستندا إلى دليل أو ليس مستندا إلى ~~دليل فإن لم يكن مستندا إلى دليل فهو خطأ. # وإن كان مستندا إلى دليل، فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا لا جائز ~~أن يكون قياسا لما سنبينه بعد. وإن كان نصا فالناسخ ذلك النص، لا الاجماع ~~وإن قيل إن الاجماع ناسخ، فليس إلا بمعنى أنه يدل على الناسخ، وإن كان ~~ناسخا لحكم إجماع سابق، فهو باطل بما في المسألة التي قبلها. وإن كان ناسخا ~~لحكم قياس، فالقياس إما أن يكون صحيحا أو لا يكون صحيحا: فإن كان صحيحا، ~~فإجماع الأمة على خلاف مقتضاه، إن كان لا لدليل فهو خطأ، وإن كان لدليل، ~~فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا: فإن كان نصا فالرافع لحكم ذلك ~~القياس هو النص، وإن كان قياسا، فإما أن يكون راجحا على القياس الأول، ms629 أو ~~مرجوحا، أو مساويا: فإن كان راجحا، فالأول لا يكون مقتضاه ثابتا لان شرط ~~ثبوت الحكم رجحان مقتضيه، وكذلك إن كان مساويا، وإن كان القياس الأول ~~راجحا، فالاجماع على القياس الثاني خطأ، وهو ممتنع. # PageV03P161 # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنقل والمعنى. # أما النقل فهو أن ابن عباس حين قال لعثمان كيف تحجب الام عن الثلث ~~بالأخوين والله تعالى يقول * (فإن كان له إخوة، فلأمه السدس) * (4) النساء: ~~11) والاخوان ليسا بإخوة؟ قال عثمان حجبها قومك يا غلام (1) وذلك دليل ~~النسخ بالاجماع. # وأما المعنى، فهو أن الاجماع دليل من أدلة الشرع القطعية فجاز النسخ به ~~كالقرآن والسنة المتواترة. # قلنا: أما قصة ابن عباس مع عثمان إنما يصح الاستدلال بها إن لو كان حكم ~~الام مع الأخوين منسوخا، وليس كذلك، إلا أن يكون الاخوان ليسا بإخوة، وليس ~~كذلك على ما سبق بيانه في مسائل العموم. # وما ذكروه من المعنى فحاصله يرجع إلى إثبات كونه ناسخا بالقياس على النص، ~~وهو غير مسلم الصحة في مثل هذه المسائل، وإن كان صحيحا، غير أنه مما يمتنع ~~التمسك به لما بيناه. # PageV03P162 # المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في نسخ حكم القياس: # فمنهم من منع من ذلك مطلقا، كالحنابلة والقاضي عبد الجبار في بعض أقواله ~~مصيرا منهم إلى أن القياس إذا كان مستنبطا من أصل، فالقياس باق ببقاء الأصل ~~فلا يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله. # ومنهم من جوز ذلك مطلقا، كأبي الحسين البصري، لكنه فصل بين القياس ~~الموجود في زمن النبي (ص)، والقياس الموجود بعده، فقال. إن كان القياس ~~موجودا في زمن النبي (ص)، بأن يكون قد نص على أصل كتنصيصه على تحريم بيع ~~البر، بالبر متفاضلا وتعبد الناس بقياس غير البر على البر بواسطة الكيل ~~مثلا بإمارة تدل عليه، فإذا قضى بتحريم بيع الأرز بناء على القياس على ~~البر، فلا يمتنع نسخه بالنص وبالقياس. # أما النص: فبأن ينص بعد ذلك على إباحة بيع الأرز وينسخ تحريمه. # وأما القياس، فبأن ينص على إباحة بيع بعض المأكولات ويتعبد بالقياس عليه ~~بواسطة ms630 كونه مأكولا بأمارة هي أقوى من الامارة الدالة على أن علة تحريم ~~البر هي الكيل. # وإن كان القياس موجودا بعد النبي (ص)، بأن يكون قد اجتهد بعض المجتهدين ~~فأداه القياس إلى تحريم شئ بعد البحث عن الأدلة المعارضة وعدم الظفر بها ثم ~~اطلع بعد ذلك على نص أو إجماع متقدم، أو قياس أرجح من قياسه، فإنه يلزم من ~~ذلك رفع حكم قياسه الأول، وإن كان ذلك لا يسمى نسخا. # قال، وهذا كله إنما يتم على القول بأن كل مجتهد مصيب، حيث إنه تعبد ~~بالقياس الأول، ثم رفع. # وأما من لا يقول بأن كل مجتهد مصيب، فإنه لا يقول بتعبده بالقياس الأول ~~فرفعه لا يكون متحققا. وهذا جملة ما ذكره أبو الحسين. # وأما نحن فنقول: العلة الجامعة في القياس إما أن تكون منصوصة، أو مستنبطة ~~بنظر المجتهد. PageV03P163 # فإن كانت منصوصة، فهي في معنى النص، وما مثل هذا القياس فليكن نسخ حكمه ~~بنص أو بقياس في معناه، ولو ذهب إليه ذاهب بعد النبي (ص) لعدم اطلاعه على ~~ناسخه بعد البحث عنه، فإنه وإن كان متعبدا باتباع ما أوجبه ظنه، فرفع حكمه ~~في حقه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخا متحددا، بل تبين أنه كان ~~منسوخا، وفرق بين الامرين. # وأما إن كانت العلة الجامعة مستنبطة بنظر المجتهد، فحكمها في حقه غير ~~ثابت بالخطاب، فرفعه في حقه عند الظفر بدليل يعارضه، ويترجح عليه لا يكون ~~نسخا على قولنا إن النسخ رفع حكم خطاب، على ما قررناه، وإن كانت مشاركا ~~للنسخ في رفع الحكم وقطع استمراره، وسواء قلنا إن كل مجتهد مصيب أو لم نقل ~~بذلك. # المسألة الرابعة عشرة اختلفوا في النسخ بالقياس على ثلاثة أقوال. # ثالثها الفرق بين القياس الجلي والخفي، وهو قول أبي القاسم الأنماطي (1) ~~من أصحاب الشافعي. # والمختار أنه إن كانت العلة الجامعة في القياس منصوصة، فهي في معنى النص ~~فيصح النسخ به. # وإن كانت غير منصوصة، فإما أن يكون القياس قطعيا أو ظنيا بأن تكون العلة ~~فيه مستنبطة بنظر المجتهد. ms631 # فإن كان قطعيا، كقياس الأمة على العبد في تقويم الصيب على السيد المعتق ~~فإنه وإن كان مانعا من إثبات حكم دليل آخر كان نصا أو قياسا، فلا يكون ذلك ~~نسخا، وإن كان في معنى النسخ، لكونه ليس بخطاب، عل ما بيناه من أن النسخ ~~إنما هو الخطاب الدال على ارتفاع حكم خطاب آخر. # وإن كان القياس ظنيا، فيمنع أن يكون ناسخا، لان المنسوخ حكمه: # إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا: الأول والثاني محال، إن كان النص ~~والاجماع # PageV03P164 # خاصا، لكون النص الخاص والاجماع مقدما على القياس الظني بالاتفاق، وإن ~~كان عاما، فلا نسخ، لان القياس ليس بخطاب على ما سبق. وإن كان قياسا، فلا ~~بد وأن يكون القياس الثاني راجحا على الأول. # وعند ذلك، فتارة نقول إن القياس الأول لا يكون قياسا لعدم ترجحه، وإن ~~الترجح شرط في الاقتضاء، وتارة نقول إنه وإن لزم منه رفع حكمه، فهو في معنى ~~النسخ، ولكنه ليس بنسخ، لما بيناه من أن النسخ هو الخطاب الدال على ارتفاع ~~حكم خطاب. وهو غير متحقق فيما نحن فيه. وللمخالف شبهتان: # الأولى قوله تعالى * (الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن ~~منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله) ~~* (8) الأنفال: 66) أوجب نسخ ثبات الواحد للعشرة، وليس مصرحا به، وإنما هو ~~منبه عليه، وذلك هو نفس نسخ حكم النص بالقياس. # الثاني أنهم قالوا: النسخ أحد البيانين، فجاز بالقياس كالتخصيص. # والجواب عن الأولى أنها إنما تصح إن لو كان ثبوت الواحد للاثنين الرافع ~~ثبوت الواحد للعشرة مستفادا من القياس، وليس كذلك، بل استفادته إنما هي من ~~نفس مفهوم اللفظ. # وعن الثانية أنها منقوضة بالاجماع وبدليل العقل وبخبر الواحد، فإنه يخصص ~~به، ولا ينسخ به. # المسألة الخامسة عشرة اتفق الكل على جواز النسخ بفحوى الخطاب، كدلالة ~~قوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * (17) الاسراء: 23) على تحريم الضرب ~~وغيره من أنواع الأذى، وعلى جواز نسخ حكمه. # وإنما اختلفوا في جواز نسخ الأصل دون ms632 الفحوى، والفحوى دون الأصل. # غير أن الأكثر على أن نسخ الأصل يفيد نسخ الفحوى، لان الفحوى تابع للأصل، ~~ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع. # وأما نسخ الفحوى دون الأصل، فقد تردد فيه قول القاضي عبد الجبار، فجوزه ~~تارة نظر إلى أن ذلك جار مجرى التنصيص على تحريم التأفيف وتحريم ~~PageV03P165 # الضرب العنيف، فكأنه قال لا تقل لهما أف ولا تضربهما فرفع حكم أحدهما ~~يفيد رفع حكم الآخر، ومنع منه تارة، ووافقه على المنع أبو الحسين البصري ~~مصيرا منهما إلى أن تحريم التأفيف إنما كان إعظاما للوالدين. فإذا أبيح ~~ضربهما كان ذلك نقضا للغرض من تحريم التأفيف. # والمختار في ذلك أن يقال: إثبات تحريم الضرب في محل السكوت إما أن يقال ~~إنه ثابت بالقياس على تحريم التأفيف في محل النطق، أو أنه ثابت بدلالة ~~اللفظ لغة على اختلاف المذاهب فيه. # فإن كان الأول: فيجب أن يقال بأن نسخ حكم الأصل يوجب رفع حكم الفرع، ~~لاستحالة بقاء الفرع دون أصله، وإن لم يسم ذلك نسخا، لما سبق. وإن رفع حكم ~~الفرع لا يوجب رفع حكم الأصل، إذ لا يلزم من رفع التابع رفع المتبوع وإن ~~كان الثاني، فلا يخفى أن دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح اللفظ، ~~وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى، وهما دلالتان مختلفتان، غير أن دلالة الفحوى ~~تابعة لدلالة المنطوق. وعند ذلك، أمكن أن يقال بأن رفع حكم إحدى الدلالتين ~~لا يلزم منه رفع حكم الدلالة الأخرى. # فإن قيل: فإذا كانت دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق، فرفع الأصل مما ~~يمتنع معه بقاء التابع. # وأيضا فإن الغرض من دلالة المنطوق إعظام الوالدين، فرفع حكم الفحوى مما ~~يخل بالغرض من دلالة المنطوق، فيمتنع معه بقاء حكم المنطوق. # قلنا: أما الأول فمندفع، وذلك لان دلالة الفحوى، وإن كانت تابعة لدلالة ~~المنطوق، فنسخ حكم المنطوق ليس نسخا لدلالته، بل نسخا لحكمه، ودلالة الفحوى ~~تابعة لدلالة المنطوق على حكمه، لا أنها تابعة لحكمه، ودلالته باقية بعد ~~نسخ حكمه كما كانت قبل نسخه، فما هو ms633 أصل لدلالة الفحوى غير مرتفع، وما هو ~~المرتفع ليس أصلا للفحوى. # وأما الثاني، فغاية ما يلزم من نسخ حكم الفحوى إبطال الغرض من أصل إثبات ~~الحكم فيه، ولا يخفى أن غرض إثبات التحريم للتأفيف مغاير لغرض تخصيصه ~~بالذكر، تنبيها بالأدنى على الاعلى، ولا يلزم من إبطال أحد الغرضين إبطال ~~الغرض الآخر. PageV03P166 # المسألة السادسة عشرة اختلفوا في نسخ حكم أصل القياس، هل يبقى معه حكم ~~الفرع أو لا؟ # فذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى بقائه، والباقون إلى امتناعه، وهو المختار، ~~لان ثبوت الحكم في الفرع تابع لاعتبار علته بحكم الأصل، فإذا نسخ حكم الأصل ~~خرجت العلة المستنبطة منه عن أن تكون معتبرة في نظر الشارع، فبطل ما كان ~~تابعا لاعتبارها. # فإن قيل: يلزم مما ذكرتموه نسخ حكم الفرع بالقياس على حكم الأصل، حيث ~~جعلتم رفع حكم الفرع تابعا لرفع حكم الأصل، والنسخ بالقياس غير جائز على ما ~~قررتموه، ثم ما ذكرتموه من انتفاء التابع لانتفاء المتبوع، متى يلزم ذلك، ~~إذا كان الحكم يفتقر في دوامه إلى دوام سببه، أو إذا لم يفتقر؟ # الأول مسلم، والثاني ممنوع، فلم قلتم بافتقاره إليه؟ وإن سلمنا ذلك، ولكن ~~ما ذكرتموه منتقض بالأب، فإنه يتبعه ولده الطفل في الاسلام والكفر، ولو زال ~~إسلام الأب بالردة، لم يلزم منه زوال ما كان ثابتا للولد من الاسلام تبعا ~~له. # قلنا: جواب الأول أنا لا نسلم أن رفع الحكم في الفرع كان بالقياس على رفع ~~حكم الأصل، وإلا لافتقر إلى علة جامعة نافية لهما، وليس كذلك. وإنما قيل ~~برفعه لانتفاء علته، وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء موجبه وبين انتفائه ~~بالقياس. # وجواب الثاني أنه إن قيل بافتقار الحكم في دوامه إلى دوام علته فهو ~~المطلوب، وإن لم يقل بذلك، فلا خلاف بين أئمة الفقه أنه وإن لم يفتقر الحكم ~~في دوامه إلى دوام ضابط حكمة الحكم المعرف للحكم في الفرع في ابتدائه انه ~~لا بد من دوام احتمال الحكمة، حتى إنه لو انتهت حكمة الحكم قطعا، امتنع ~~بقاؤه بعدها، وإذا ms634 لم يكن بد من دوام احتمال الحكمة، فلا بد من أن تكون ~~معتبرة لاستحالة بقاء الحكم لحكمة غير معتبرة، وبنسخ حكم الأصل زال ~~اعتبارها، وانتفاء ما لا بد منه في دوام الحكم يوجب رفع الحكم. # وعلى هذا فقد اندفع النقض، فإنا لا نسلم أن إسلام الأب علة موجبة لاسلام ~~الابن، حتى يلزم من انتفاء إسلامه انتفاء إسلام الابن، ولا أن دوام إسلام ~~الأب معتبر في دوام إسلام الابن، ليلزم من انتفاؤه PageV03P167 # المسألة السابعة عشرة لا نعرف خلافا بين الأمة في أن الناسخ إذا كان مع ~~جبريل عليه السلام، لم ينزل به إلى النبي (ص)، لم يثبت له حكم في حق ~~المكلفين، بل هم في التكليف بالحكم الأول على ما كانوا عليه قبل إلقاء ~~الناسخ إلى جبريل. وإنما الخلاف فيما إذا ورد النسخ إلى النبي (ص)، ولم ~~يبلغ الأمة، هل يتحقق بذلك النسخ في حقهم، أو لا؟ # فذهب بعض أصحاب الشافعي إلى الاثبات، وبعضهم إلى النفي، وبه قال أصحاب ~~أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل، وهو المختار. # وبيانه أن النسخ له لازم وهو ارتفاع حكم الخطاب السابق وامتناع الخروج ~~بالفعل الواجب أولا عن العهدة، ولزوم الاتيان بالفعل الواجب الناسخ والاثم ~~بتركه، والثواب على فعله. وهذه اللوازم منتفية، ويلزم من انتفاء اللازم ~~انتفاء الملزوم. أما أن الحكم السابق لم يرتفع، فهو أن المكلف يثاب على ~~فعله (1) ويخرج به عن العهدة، ويأثم بتركه له قبل بلوغ النسخ إليه (2) ~~بالاجماع. # ولهذا، فإن أهل قبا لما بلغهم نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى ~~الكعبة استداروا، والنبي (ص)، اعتد لهم بالركعات التي أتوا بها بعد نزول ~~النسخ، قبل علمهم بالنسخ، ولم ينكر عليهم. # وأما ان الخطاب بالنسخ غير لازم للمكلف قبل البلوغ فبيانه بالنص والحكم. # أما النص فقوله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (17) ~~الاسراء: 15) وقوله تعالى: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * ~~(4) النساء: 165) وقوله تعالى: * (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا) * (28) القصص: 59). # وأما الحكم فهو أن المكلف، ms635 لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها ~~كان آثما عاصيا غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة، قبل بلوغ ~~النسخ إليه، ولو كان مخاطبا بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيا بفعل ~~ما خوطب به # PageV03P168 # وللمخالفين خمس شبه. # الشبهة الأولى أن المكلف متصرف بالاذن من الشارع، فلزم رفعه برفع الشرع ~~له، وإن لم يعلم المكلف بالرفع كما لو عزل الموكل الوكيل عن التصرف فإنه لا ~~ينعقد تصرفه بعد ذلك، وإن لم يعلم يعزله. # الثانية أن النسخ إسقاط حق لا يعتبر فيه رضي من يسقط عنه، فلا يعتبر فيه ~~علمه، كالطلاق والعتق والابراء. # الثالثة أن النسخ إباحة ترك الفعل بعد إيجابه، أو إباحة فعله بعد خطره، ~~فلا يتوقف ذلك على علم من أبيح له، كما لو قال لزوجته إن خرجت بغير إذني، ~~فأنت طالق، ثم أذن لها من حيث لا تعلم، فإنه يثبت حكم الإباحة في حق الزوجة ~~ولا يقع الطلاق بخروجها. # الرابعة أن نسخ الحكم إباحة ترك المنسوخ الذي هو حق الشارع، فوجب أن يثبت ~~قبل علم المباح له، كما لو قال القائل أبحت ثمرة بستاني لكل من دخله فإنه ~~يباح لكل داخل، وإن لم يعلم بذلك. # الخامسة أن رفع الحكم يتحقق بعد علم المكلف بالنسخ، فرفعه إما أن يكون ~~بعلمه أو بالنسخ، والعلم غير مؤثر في الرفع، فكان الرفع بالنسخ، ولزم رفعه ~~عند تحقق النسخ. # والجواب عن الأول بمنع عزل الوكيل قبل علمه بالعزل. # وعن الثانية لم قالوا بأن النسخ إذا لم يتوقف على رضى المنسوخ عنه، لا ~~يتوقف على علم. ولا يلزم من عدم اعتبار العلم في صورة الاستشهاد عدم ~~اعتباره في النسخ فإنه لا مانع أن يكون عدم اعتبار العلم، ثم لعدم تضمنه ~~رفع حكم خطاب سابق بخلاف ما نحن فيه، فكان العلم مشترطا فيه، لما ذكرناه. # وعن الثالثة والرابعة بمنع الحكم فيما ذكروه من صوره الاستشهاد. # وعن الخامسة أن رفع الحكم بالنسخ مشروط بالعلم، ولا تحقق للمشروط دون ~~شرطه. PageV03P169 # المسألة ms636 الثامنة عشرة الزيادة على النص هل تكون نسخا؟ وقد اتفق العلماء ~~على أن الزيادة إذا كانت عبادة منفردة بنفسها عن العبادة المزيد عليها أنها ~~لا تكون نسخا لحكم المزيد عليه وذلك كزيادة صلاة على صلوات أو صوم أو حجة ~~أو زكاة، إلا ما نقل عن بعض العراقيين أنهم قالوا: إن زيادة صلاة سادسة على ~~الصلوات الخمس يكون نسخا من جهة أن الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها ~~في قوله تعالى: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * (2) البقرة: 238) ~~تخرج عن كونها وسطى، وهو غير صحيح لوجهين: # الأول أن النسخ إنما يكون لحكم شرعي على ما تقدم، وكون العبادة وسطى أمر ~~حقيقي ليس بحكم شرعي. # الثاني أنه يلزم عليه، أن لو أوجب الشارع أربع صلوات، ثم أوجب صلاة ~~خامسة، أو زكاة أو صوما، أن يكون ذلك نسخا لاخراج العبادة الأخيرة عن كونها ~~أخيرة، وإخراج العبادات السابقة عن كونها أربعا وهو خلاف الاجماع. # وإنما اختلفوا في غير هذه الزيادة كزيادة ركعة على ركعات صلاة واحدة، ~~وزيادة جلدات على جلدات حد واحد، وزيادة صفة في رقبة الكفارة، كالايمان إلى ~~غير ذلك من الزيادات: # فذهبت الشافعية والحنابلة وجماعة من المعتزلة، كالجبائي وأبي هاشم، إلى ~~أنها لا تكون نسخا. # وقالت الحنفية تكون نسخا ومنهم من فصل. # ثم القائلون بالتفصيل، منهم من قال إن كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما ~~أفاده مفهوم المخالفة والشرط، كانت الزيادة نسخا، كإيجاب الزكاة في معلوفة ~~الغنم فإنه خلاف ما أفاده قوله (ص) في الغنم السائمة زكاة من نفي الزكاة عن ~~المعلوفة، وإلا فلا. # ومنهم من قال إن كانت الزيادة مغيرة لحكم المزيد عليه في المستقبل، ~~كزيادة التغريب في المستقبل، على الحد، وزيادة عشرين جلدة على حد القذف، ~~كانت نسخا. PageV03P170 # وإن لم تغير حكمه في المستقبل، فإنها لا تكون نسخا، وسواء كانت الزيادة ~~لا تنفك عن المزيد عليه، كما لو وجب علينا ستر الفخذ، فإنه يجب ستر بعض ~~الركبة. # ضرورة أن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، أو كانت الزيادة عند تعذر ms637 ~~المزيد عليه، وذلك كإيجاب قطع رجل السارق، بعد قطع يديه وهذا هو مذهب ~~الكرخي وأبي عبد الله البصري من المعتزلة. # ومنهم من قال إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا بحيث صار ~~المزيد عليه، لو فعل بعد الزيادة على حسب ما كان يفعل قبلها، كان وجوده ~~كعدمه، ووجب استئنافه، كزيادة ركعة على ركعتي الفجر، كان ذلك نسخا. # أو كان قد خير بين فعلين، فزيد فعل ثالث، فإنه يكون نسخا لتحريم ترك ~~الفعلين السابقين، وإلا فلا، وذلك كزيادة التغريب على الحد، وزيادة عشرين ~~جلدة على حد القذف، وزيادة شرط منفصل في شرائط الصلاة. كزيادة الوضوء، وهذا ~~هو مذهب القاضي عبد الجبار. # ومنهم من قال إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع ~~للتعدد والانفصال، كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح، فهو نسخ، وإن لم تكن ~~الزيادة كذلك، كزيادة عشرين جلدة على حد القذف، فلا تكون نسخا. وهذا هو ~~الذي اختاره الغزالي والمختار أنه إن كانت الزيادة متأخرة عن المزيد عليه، ~~وكانت رافعة لحكم شرعي كان ذلك نسخا، ووجب النظر في دليل الزيادة، فإن كان ~~مما يجوز بمثله نسخ حكم النص، فهو نسخ، وإلا فلا. وإن لم تكن الزيادة ~~متأخرة عن المزيد عليه أو كانت رافعة لحكم العقل الأصلي لا غير، لم يكن ذلك ~~نسخا شرعيا، وإن كان نسخا لغويا، وجاز بكل ما يصلح أن يكون دليلا في موضعه، ~~وإن لم يجز به النسخ، كالقياس وخبر الواحد ونحوه، وهذا هو اختيار أبي ~~الحسين البصري. # وإذ أتينا على شرح المذاهب بالتفصيل، فلا بد من النظر فيما يتفرع على هذه ~~المذاهب من المسائل الفرعية، والكشف عن وجه الحق في كل واحدة منها، تتمة ~~للمقصود، وهي عشرة فروع: PageV03P171 # الفرع الأول إذا وجبت الزكاة في معلوفة الغنم، لا يكون ذلك نسخا لحكم ~~قوله (ص): في الغنم السائمة زكاة لأنه لا يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة كما ~~سبق في إبطال دليل الخطاب، وإنما يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة، بناء على ~~حكم العقل الأصلي، فرفعه لا ms638 يكون نسخا لما تقدم وإن سلمنا أن دليل الخطاب ~~حجة، وأنه يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة فلا يخفى أن وجوب الزكاة فيها ~~يكون رافعا لما اقتضاه دليل الخطاب، فيكون نسخا. # الفرع الثاني إذا زيدت ركعة على ركعتي الصبح بحيث صارت صلاة الصبح ثلاث ~~ركعات. # قال أبو الحسين البصري هذا ليس بنسخ لحكم الدليل الدال على وجوب صلاة ~~الصبح، لان زيادة الركعة، إما أن تكون نسخا للركعتين، أو نسخا لاجزائها ~~ووجوبها، أو نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين: # لا جائز أن يكون نسخا للركعتين، لان النسخ لا يتعلق بالافعال كيف وإن ~~الركعتين قارتان لم يرتفعا. # ولا جائز أن يكون نسخا لأجزائها، وإلا كان زيادة غسل عضو آخر في طهارة ~~الصلاة ناسخا لأجزائها ووجوبها، الذي كان قبل إيجاب غسل العضو الزائد، ولم ~~يقل به من قال بهذا المذهب، كالقاضي عبد الجبار، كما عرف من مذهبه ولا جائز ~~أن يكون نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين، لأنه إنما كان واجبا آخر الصلاة، ~~وذلك غير مرتفع، ولا متغير، وإنما المتغير آخر الصلاة، فإن آخرها كان بآخر ~~الركعتين، والآن صار آخر الثلاث. # وقد قيل في إبطاله لا نسلم الحصر، فإنه كان يحرم الزيادة على الركعتين، ~~والتحريم حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة، وليس بحق إذ لقائل أن يقول: إنما ~~يصح ذلك أن لو كان الامر بالركعتين مقتضيا للنهي عن الزيادة عليهما، وليس ~~كذلك، بل أمكن أن يكون ذلك مستفادا من دليل آخر، فزيادة الركعة على ~~الركعتين لا يكون نسخا لحكم الدليل الدال على وجوب الركعتين. PageV03P172 # وقد قيل في إبطاله أيضا، إن النسخ إنما هو لاجزاء الركعتين بتقدير ~~انفرادهما وهو حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة، وفيه نظر، إذ يمكن أن يقال: ~~معنى كون الركعتين مجزية أنه يخرج بها عن عهدة الامر ومعنى الخروج بها عن ~~العهدة أنه لا يجب مع فعلها شئ آخر، وليس ذلك حكما شرعيا ليكون رفعه نسخا ~~شرعيا، بل هو من مقتضيات النفي الأصلي. # وإنما طريق الرد عليه أن يقال: ما ذكره من الالزام باشتراط ms639 غسل العضو ~~الزائد. # وإن كان لازما على القاضي عبد الجبار فغير لازم لغيره، كالغزالي ونحوه من ~~القائلين بكون ذلك نسخا، فلا بد من الدلالة عليه، ولم يتعرض لذلك، وإن قدر ~~لزوم ذلك، فلا يخفى أن وجوب التشهد بعد الركعتين حكم شرعي، وقد ارتفع ~~بزيادة الركعة. والقول بأن المغير إنما هو آخر الصلاة ليس كذلك. # فإن التشهد كان واجبا عقيب الركعتين، وبالزيادة صار غير واجب. # الفرع الثالث زيادة التغريب على الحد، وزيادة عشرين جلدة على الثمانين ~~ليس بنسخ لان النسخ يستدعي رفع ما ثبت للثمانين من الحكم الشرعي، ولا تحقق ~~له، إذا الأصل بقاء ما كان لها من الحكم قبل الزيادة بعدها. # فإن قيل: بيان ارتفاع حكم الثمانين من خمسة أوجه: الأول: أن الثمانين قبل ~~الزيادة كانت كل الحد الواجب، وقد صارت بعد الزيادة بعض الحد. # الثاني: أن الثمانين كانت مجزئة قبل الزيادة، وقد ارتفع إجزاؤها ~~بالزيادة. # الثالث: الثمانون وحدها كان يتعلق بها التفسيق. ورد الشهادة، وبعد ~~الزيادة زال تعلق ذلك بالثمانين. # الرابع: أن الثمانين قبل الزيادة كان يجب الاقتصار عليها، وبعد الزيادة ~~زال هذا الوجوب. # الخامس: أن قيل الزيادة كانت الزيادة غير واجبة (1) وقد زال هذا الحكم ~~بإيجاب الزيادة. # والجواب عن الأول: أنه لا معنى لكون الثمانين قبل الزيادة كل الواجب إلا. # PageV03P173 # أنها واجبة، وغيرها ليس بواجب، ووجوبها لم يرتفع، وإنما المرتفع بالزيادة ~~عدم وجوب الزيادة، وذلك معلوم بالبراءة الأصلية، فلا يكون رفعه نسخا شرعيا. # وعن الثاني ما سبق في الفرع الذي قبله. # وعن الثالث لا نسلم أن التفسيق ورد الشهادة متعلق بالثمانين، بل بالقذف ~~وإن سلمنا تعلق ذلك بالثمانين، إلا أن معنى التفسيق يرجع إلى عدم موافقة ~~أمر الشارع، ورد الشهادة إلى عدم قبولها، وذلك معلوم بالنفي الأصلي، ورد ~~الشهادة وإن كان معلوما من قوله تعالى: * (ولا تقبلوا لهم شهادة) * فليس من ~~مقتضيات دليل إيجاب الثمانين، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا. # وعن الرابع أن معنى وجوب الاقتصار على الثمانين قبل الزيادة أنها واجبة ~~ولا تجوز الزيادة عليها، ووجوبها لم ms640 يرتفع، وإنما المرتفع عدم الجواز ~~المستند إلى البراءة الأصلية، وذلك ليس بنسخ على ما تقدم. # وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الالزام الخامس أيضا. # الفرع الرابع إذا أوجب الله تعالى غسل الرجلين على التعيين، ثم خيرنا بين ~~ذلك وبين المسح على الخفين، أو خيرنا في الكفارة بين الاطعام والصيام، ثم ~~زاد ثالثا، وهو الاعتاق، هل يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الرجلين على التعيين ~~ووجوب التخيير بين الاطعام والصيام على التعيين؟ الحق إنه ليس بنسخ (1) لان ~~معنى كون العمل واجبا على التعيين انه واجب وان غيره لا يقوم مقامه وكونه. # PageV03P174 # واجبا لم يرتفع وإنما المرتفع كون غيره لا يقوم مقامه وذلك ثابت بمقتضى ~~النفي الأصلي، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا وكذلك لتخيير بين الاطعام والصيام ~~على التعيين معناه ان الواجب منهما، وان غيرهما لا يقوم مقامهما ووجوب ~~أحدهما لا يعنيه مرتفع، وانما المرتفع كون غيرهما لا يقوم مقامهما، وذلك ~~ثابت بمقتضى النفي الأصلي، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا. # الفرع الخامس إذا وقف الله تعالى الحكم على شاهدين بقوله * (فاستشهدوا ~~شهيدين) * (2) البقرة: 282) فإذا جوز الحكم بشاهد ويمين بخبر الواحد، فهل ~~يكون ذلك نسخا للحكم بالشاهدين على التعيين؟ الحق أنه ليس بنسخ، وذلك لان ~~مقتضى الآية جواز الحكم بالشاهدين، وأن شهادتهما حجة، وليس فيه ما يدل على ~~امتناع الحكم بحجة أخرى إلا بالنظر إلى المفهوم، ولا حجة فيه على ما تقدم. ~~وإن كان حجة فرفعه يكون نسخا، ولا يجوز بخبر الواحد (1). # الفرع السادس: إذا أوجب الله تعالى عتق رقبة مطلقة في كفارة الظهار، ~~فتقييدها بعد ذلك بالايمان إن ثبت أن الله تعالى أراد بكلامه الدلالة على ~~أجزاء الرقبة الكافرة وغيرها، كان التقييد بالايمان نسخا، ولا يجوز بدليل ~~العقل والقياس وخبر الواحد، وإلا كان تقييدا للمطلق لا نسخا (2). # الفرع السابع: إذا أوجب الله تعالى قطع يد السارق ورجله على التعيين، ~~فإباحة قطع رجله الأخرى بعد ذلك، إن كان رافعا لعدم الإباحة الثابتة بحكم ~~العقل الأصلي، فلا يكون نسخا شرعيا وإن كان رافعا للتحريم، وإن ms641 جاز أن # PageV03P175 # يكون نسخا، فليس نسخا لمقتضى النص الأول لعدم دلالته عليه. # الفرع الثامن: إذا زيد في الطهارة اشتراط غسل عضو زائد على الأعضاء ~~الستة، فلا يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الأعضاء الستة، إذ هي واجبة مع وجوب ~~غسل العضو الزائد، ولا لأجزائها عند الاقتصار عليها، لان معنى كونها مجزئة ~~أن امتثال الامر بفعلها غير متوقف على أمر آخر، وامتثال الامر بفعلها غير ~~مرتفع وإنما المرتفع عدم التوقف على شرط آخر، وذلك المرتفع وهو عدم اشتراط ~~أمر آخر إنما كان مستندا إلى حكم العقل الأصلي، فلا يكون رفعه نسخا شرعيا. # وعلى هذا، يكون الحكم فيما إذا زيد في الصلاة شرط آخر. # الفرع التاسع: قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: ~~187) دال على جعل أول الليل غاية للصوم، فإيجاب صوم أول الليل بعد ذلك هل ~~يكون نسخا لما دلت عليه الآية من كون أول الليل غاية للصوم وظرفا له؟ # والحق في ذلك أن يقال: إن قلنا إن مفهوم الغاية ليس بحجة وأنه لا يدل على ~~مد الحكم إلى غاية أن يكون الحكم فيما بعد الغاية على خلاف ما قبلها، ~~فإيجاب صوم أول الليل لا يكون نسخا لمدلول الآية، وإلا كان نسخا، وامتنع ~~ذلك بدليل العقل وخبر الواحد (1). # الفرع العاشر: إذا قال الله تعالى (صلوا إن كنتم متطهرين) فاشتراط شرط ~~آخر لا يكون نسخا، لأنه إما أن يكون نسخا لوجوب الصلاة مع الطهارة، أو ~~لأجزائها، أو لما فيه من رفع عدم اشتراط شرط آخر، أو لشئ آخر: # لا سبيل إلى الأول لان الوجوب مع الطهارة لم يرتفع. # والثاني لا سبيل إليه، لما سبق في الفرع الثامن. # ولا سبيل إلى الثالث، لأنه رفع حكم العقل الأصلي، فلا يكون نسخا شرعيا ~~والرابع لا بد من تصويره لان الأصل عدمه. # وعلى هذا أيضا قوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (22) الحج: 29) ~~موجب للطواف مطلقا مع الطهارة، ومن غير طهارة، فاشتراط الطهارة بقوله (ص): ~~الطواف بالبيت # PageV03P176 # صلاة لا يكون نسخا لوجوب الطواف لبقاء وجوبه، ولا لاجزائه، ولا ms642 لعدم ~~اشتراط الطهارة لما بيناه. # ولذلك، منع الشافعي من الاجزاء بقوله: الطواف بالبيت صلاة (1). # وأبو حنيفة لما لم يسعه مخالفة الخبر قال بوجوب الطهارة مع بقاء الطواف ~~مجزئا من غير طهارة، حيث اعتقد أن رفع الاجزاء يكون نسخا لحكم الكتاب بخبر ~~الواحد. # PageV03P177 # المسألة التاسعة عشرة اتفقوا على أن نسخ سنة من سنن العبادة لا يكون نسخا ~~لتلك العبادة، كنسخ ستر الرأس، والوقوف على يمين الامام في الصلاة واختلفوا ~~في أن نسخ ما تتوقف عليه صحة العبادة، هل يكون نسخا لتلك العبادة فذهب ~~الكرخي وأبو الحسين البصري إلى أن ذلك لا يكون نسخا للعبادة. # وسواء كان المنسوخ جزءا من مفهوم العبادة كالركعة من صلاة الظهر مثلا، أو ~~شرطا خارجا عن مفهوم الصلاة، كالوضوء. # ومن المتكلمين من قال: إنه نسخ للعبادة مطلقا. وإليه ميل الغزالي. # ومنهم من فصل بين الجزء والشرط وأوجب نسخ العبادة بنسخ جزئها دون شرطها، ~~كالقاضي عبد الجبار. # والمختار أنه لا يكون ذلك نسخا للعبادة مطلقا. أما إذا كانت الصلاة أربع ~~ركعات، فكل ركعتين منها واجبة، فنسخ أحد الواجبين لا يوجب نسخ الواجب ~~الآخر، وكذلك إذا كانت الصلاة واجبة، والطهارة شرط فيها. فنسخ اشتراط ~~الطهارة لا يكون موجبا لنسخ وجوب الصلاة، بل الوجوب باق بحاله، فلا نسخ. # فإن قيل: إذا أوجب الشارع أربع ركعات، ثم نسخ منها وجوب ركعتين، فقد نسخ ~~وجوب أصل العبادة، لا أنه نسخ للبعض، وتبقية للبعض، فإن الركعتين الباقيتين ~~ليست بعض الأربع، بل هي عبادة أخرى، وإلا فلو كانت بعضا منها، لكان من صلى ~~الصبح أربع ركعات آتيا بالواجب وزيادة، كما لو أوجب عليه التصدق بدرهم، ~~فتصدق بدرهمين. # وإن سلمنا أن وجوب الركعتين باق بحاله، غير أنها كانت قبل نسخ الركعتين ~~لا تجزي، وقد ارتفع ذلك بنسخ الركعتين الزائدتين حيث صارت تجزئ، وكان يجب ~~تأخير التشهد إلى ما بعد الأربع، وقد ارتفع ذلك، وهو عين النسخ. # وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا نسخ شرط العبادة، فإنها كانت قبل النسخ لا ~~تجزئ، وقد ارتفع ذلك بنسخ ms643 الشرط. # والجواب: قولهم إن نسخ الركعتين نسخ لوجوب أصل العبادة ليس كذلك بدليل ~~بقاء وجوب الركعتين: PageV03P178 # قولهم الركعتان عبادة أخرى غير العبادة الأولى، إن أرادوا بالغيرية أنها ~~بعض منها، والبعض غير الكل فمسلم، ولكن لا يكون نسخا للركعتين، وإن كان ~~نسخا لوجوب الكل، وإن أرادوا به أنها ليست بعضا من الأربع، فهو غير مسلم. # قولهم لو كانت بعضا من الأربع، لكان من صلى الصبح أربعا، قد أتى بالواجب ~~وزيادة. قلنا ولو لم تكن بعضا من الواجب الأول، بل عبادة أخرى، لافتقرت في ~~وجوبها إلى ورود أمر يدل على وجوبها، وهو خلاف الاجماع، وحيث لم تصح صلاة ~~الصبح عند الاتيان بأربع ركعات فإنما كان لادخال ما ليس من الصلاة فيها. # قولهم إنها كانت قبل نسخ الركعتين لا تجزئ. # قلنا: إن أريد به عدم امتثال الامر والثواب عليها، فذلك مستند إلى النفي ~~الأصلي، فرفعه لا يكون نسخا، وإن أريد به وجوب القضاء، فهو نسخ، لكن لا ~~لنفس العبادة. # قولهم إنه كان يجب تأخير التشهد إلى ما بعد الأربع ليس كذلك، فإن التشهد ~~بعد الركعتين جائز. # نعم غايته أنه لم يكن واجبا وعدم وجوبه فلبقائه على النفي الأصلي، فرفعه ~~لا يكون نسخا شرعيا على ما عرف. # نعم لو قيل برفع جوازه بحكم الشرع، كان ذلك نسخا. # وعلى هذا، عرف الجواب عن قولهم إن العبادة كانت لا تجزئ دون الطهارة، ثم ~~صارت مجزئة. PageV03P179 # المسألة العشرون: اتفق العلماء على جواز نسخ جميع التكاليف بإعدام العقل ~~الذي هو شرط في التكليف، وأنه يستحيل أن يكلف الله أحدا بالنهي عن معرفته ~~إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق. وذلك لان تكليفه بالنهي عن ~~معرفته يستدعي العلم بنهيه، والعلم بنهيه يستدعي العلم بذاته، فإن من لا ~~يعرف الباري تعالى يمتنع عليه أن يكون عالما بنهيه. فإذا تحريم معرفته ~~متوقف على معرفته، وهو دور ممتنع. وإنما الخلاف في أمرين: # الأول: أنه هل يتصور نسخ وجوب معرفة الله تعالى وشكر المنعم ونسخ تحريم ~~الكفر والظلم والكذب، وكذلك كل ms644 ما قيل بوجوبه لحسنه وتحريمه لقبحه في ذاته: # فذهبت المعتزلة بناء على فاسد أصولهم في اعتقاد الحسن والقبح الذاتي ~~ورعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، إلى امتناع نسخ هذه الأحكام لاعتقادهم ~~أن المقتضى لوجوبها وتحريمها إنما هو صفات ذاتية لا يجوز تبديلها ولا ~~تغييرها، ونحن قد أبطلنا هذه الأصول، ونبهنا على فسادها فيما تقدم. # الثاني: أنه وإن جاز نسخ هذه الأحكام، فبعد أن كلف الله العبد هل يجوز أن ~~ينسخ عنه جميع التكاليف أو لا؟ # اختلفوا فيه نفيا وإثباتا واختار الغزالي المنع من ذلك مصيرا منه إلى أن ~~المنسوخ عنه يجب عليه معرفة النسخ والناسخ والدليل المنصوب عليه. فهذا ~~النوع من التكليف لا يمكن نسخه، بل هو باق بالضرورة، وليس بحق، فإنا وإن ~~قلنا بأن النسخ لا يحصل في حق المكلف دون علمه بنزول النسخ، فلا يمتنع تحقق ~~النسخ لجميع التكاليف في حقه عند علمه بالنسخ، وإن لم يكن مكلفا بمعرفة ~~النسخ. PageV03P180 # خاتمة في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ فنقول: النصان إذا تعارضا وتنافيا ~~إما أن يتعارضا من كل وجه أو من وجه دون وجه: # فإن تنافيا من كل وجه، فإما أن يكونا معلومين أو مظنونين، أو أحدهما ~~معلوما والآخر مظنونا: فإن كانا معلومين أو مظنونين، فإما أن يعلم تأخر ~~أحدهما عن الآخر فهو ناسخ، والمتقدم منسوخ. # وذلك قد يعرف إما بلفظ النسخ والمنسوخ، كما لو قال النبي (ص): هذا ناسخ ~~وهذا منسوخ (1) أو أجمعت الأمة على ذلك. # وإما بالتاريخ، وذلك قد يعلم إما بأن يكون في اللفظ ما يدل على التقدم ~~والتأخر كقوله (ص): كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها وإما بإسناد ~~الراوي أحدهما إلى شئ متقدم، كقوله، كان هذا في السنة الفلانية، وهذا في ~~السنة الفلانية وإحداهما معلومة التقدم على الأخرى هذا كله إذا كان سند ~~الناسخ والمنسوخ مستويا. # وليس من الطرق الصحيحة في معرفة النسخ أن يقول الصحابي كان الحكم كذا، ثم ~~نسخ فإنه ربما قال ذلك عن اجتهاد، ولا أن يقول في أحد المتواترين إنه كان ~~قبل ms645 الآخر، لأنه يتضمن نسخ المتواتر بقول الواحد ولا يلزم ثبوت نسب الولد ~~من صاحب الفراش ضمنا من قبول قول القابلة في الولد إنه من إحدى المرأتين، ~~وأن النسب لا يثبت بقولها ابتدأ، مثل ذلك ها هنا، كما قاله القاضي عبد ~~الجبار، فإن غاية ذلك الجواز، ولا يلزم منه الوقوع. # ولا أن يكون أحدهما مثبتا في المصحف بعد الآخر، لأنه ليس ترتيب الآيات في ~~المصحف على ترتيبها في النزول، ولا أن يكون راوي أحدهما من أحداث. # PageV03P181 # الصحابة، لأنه قد ينقل عمن تقدمت صحبته. وإن روى عن النبي (ص)، من غير ~~واسطة، فلجواز أن تكون رواية متقدم الصحبة متأخرة. # ولا أن يكون إسلام أحد الراويين بعد إسلام الآخر، لما ذكرناه في رواية ~~الحدث ولا أن يكون أحد الراويين متجدد الصحبة بعد انقطاع صحبة الراوي ~~الآخر، لجواز سماعه عمن تقدمت صحبته، ولا أن يكون أحد النصين على وفق قضية ~~العقل والبراءة الأصلية، والآخر على خلافه فإنه ليس تقدم الموافق لذلك أولى ~~من المخالف. # وأما إن علم اقترانهما مع تعذر الجمع بينهما، فعندي أن ذلك غير متصور ~~الوقوع، إن جوزه قوم، وبتقدير وقوعه، فالواجب إما الوقف عن العمل بأحدهما ~~(1) أو التخيير بينهما إن أمكن. وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شئ من ذلك. # وأما إن كان أحدهما معلوما، والآخر مظنونا، فالعمل بالمعلوم واجب، سواء ~~تقدم أو تأخر (2) أو جهل الحال في ذلك لكنه إن كان متأخرا عن المظنون كان ~~ناسخا، وإلا كان مع وجوب العمل به غير ناسخ. هذا كله فيما إذا تنافيا من كل ~~وجه وأما إن تنافيا من وجه دون وجه، بأن يكون كل واحد منهما أعم من الآخر ~~من وجه دون وجه كما في قوله (ص): من بدل دينه فاقتلوه (3) فإنه خاص ~~بالمبدل، وعام في النساء والرجال، وقوله: نهيت عن قتل النسوان (4) فإنه خاص ~~في النساء، وعام بالنسبة إلى المبدل، فالحكم فيهما كما لو تنافيا من كل ~~وجه، فعليك بالاعتبار، والله أعلم. # PageV03P182 # الأصل الخامس في القياس ويشتمل على مقدمة وخمسة أبو ms646 أب. # أما المقدمة ففي تحقيق معنى القياس وبيان أركانه. # أما القياس فهو في اللغة عبارة عن التقدير، ومنه يقال: قست الأرض بالقصبة ~~وقست الثوب بالذراع، أي قدرته بذلك وهو يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر ~~بالمساواة، فهو نسبة وإضافة بين شيئين ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا ~~يقاس بفلان أي يساويه، ولا يساويه. # وأما في اصطلاح الأصوليين فهو منقسم إلى قياس العكس، وقياس الطراد. # أما قياس العكس، فعبارة عن تحصيل نقيض حكم معلوم ما في غيره، لافتراقهما ~~(1) في علة الحكم، وذلك كما لو قيل: لو لو يكن الصوم شرطا في الاعتكاف، لما ~~كان شرطا له عند نذره أن يعتكف صائما، كالصلاة فإن الصلاة لما لم تكن شرطا ~~في الاعتكاف لم تكن من شرطه إذا نذر أن يعتكف مصليا، فالأصل هو الصلاة، ~~والفرع هو الصوم، وحكم الصلاة أنها ليست شرطا في الاعتكاف، والثابت في ~~الصوم نقيضه، وهو أنه شرط في الاعتكاف، وقد افترقا في العلة (2) لان العلة ~~التي لأجلها لم تكن الصلاة شرطا في الاعتكاف أنها لم تكن شرطا فيه حالة ~~النذر، وهذه العلة غير موجودة في الصوم، لأنه شرط في الاعتكاف حالة النذر ~~إجماعا (3). # PageV03P183 # وأما قياس الطرد، فقد قيل فيه عبارات غير مرضية، لا بد من الإشارة إليها ~~وإلى إبطالها. # ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار فيه. # فمنها قول بعضهم إنه عبارة عن إصابة الحق، وهو منتقض بإصابة الحق بالنص ~~والاجماع، فإنه على ما قيل وليس بقياس كيف وإن إصابة الحق فرع للقياس وحكم ~~له، وحكم القياس لا يكون هو القياس. # ومنها قول بعضهم إنه بذل الجهد في استخراج الحق، وهو أيضا باطل بما ~~أبطلنا به الحد الذي قبله. # كيف وإن بذل الجهد إنما هو منبئ عن حال القائس، لا عن نفس القياس. # وقد قيل في إبطاله إنه غير منعكس لوجود المحدود، دون الحد، وذلك أن من ~~رأى حكما منصوصا عليه وعلى علته، وكانت علته مما يشهد الحس بها في الفرع ~~فإن ذلك مقتضى تعدية الحكم من الأصل إلى ms647 الفرع بطريق القياس، وإن لم يوجد ~~فيه بذل جهد في استخراج الحق فقد وجد المحدود دون حده، وليس بحق، فإنه وإن ~~لم يلحق المكلف بذل جهد في معرفة الحكم وعلته، لكونهما منصوصين ولا في ~~معرفة وجود العلة في الفرع لكونها محسة فيه، فلا بد من الاجتهاد في معرفة ~~صحة النص إن كان آحادا، وإن كان متواترا، ولا بد من البحث عن كونه منسوخا ~~أم لا، وإن لم يكن منسوخا، فلا بد من النظر في الأصل هل للعلة فيه معارض أو ~~لا وإن لم يكن لها معارض في الأصل فلا بد من النظر في الفرع هل وجد فيه ~~مانع أو فات شرط أو لا، ثم وإن قدر انتفاء الاجتهاد مطلقا في الصورة ~~المفروضة فلا نسلم تحقق القياس فيها، بل الحكم إنما يثبت في الفرع على هذا ~~التقدير بالاستدلال، لا بالقياس، على ما يأتي تحقيقه. # ومنها قول بعضهم إن القياس هو التشبيه، ويلزم عليه أن يكون تشبيه أحد ~~الشيئين بالآخر، في المقدار، وفي بعض صفات الكيفيات كالألوان والطعوم ~~ونحوها. PageV03P184 # قياسا شرعيا، إذ الكلام إنما هو في حد القياس في اصطلاح المتشرعين، وليس ~~كذلك. # ومنها قول بعضهم: القياس هو الدليل الموصل إلى الحق، وهو باطل بالنص ~~والاجماع. # ومنهم من قال: هو العلم الواقع بالمعلوم عن نظر، وهو أيضا باطل بالعلم ~~الحاصل بالنظر في دلالة النص والاجماع كيف وإن العلم غير حاصل من القياس، ~~فإنه لا يفيد غير الظن، وإن كان حاصلا منه، فهو ثمرة القياس، فلا يكون هو ~~القياس. # وقال أبو هاشم إنه عبارة عن حمل الشئ على غيره وإجراء حكمه عليه وهو باطل ~~من وجهين: # الأول أنه غير جامع لأنه يخرج منه القياس الذي فرعه معدوم ممتنع لذاته ~~فإنه ليس بشئ الثاني: أن حمل الشئ على غيره وإجراء حكمه عليه قد يكون من ~~غير جامع. # فلا يكون قياسا، وإن كان بجامع، فيكون قياسا، وليس في لفظه ما يدل على ~~الجامع، فكان لفظه عاما للقياس ولما ليس بقياس. # وقال القاضي عبد الجبار: إنه ms648 حمل الشئ على الشئ في بعض أحكامه بضرب من ~~الشبه، وهو باطل بما أبطلنا به حد أبي هاشم في الوجه الأول. # وقال أبو الحسين البصري: القياس تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في ~~علة الحكم عند المجتهد. # وقد أورد على نفسه في ذلك إشكالا وأجاب عنه. أما الاشكال فهو أن الفقهاء ~~يسمون قياس العكس قياسا، وليس هو تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في ~~علة الحكم، بل هو تحصيل نقيض حكم الشئ في غيره لافتراقهما في علة الحكم، ~~كما سبق تحقيقه. # وأما الجواب فحاصله أن تسمية قياس العكس قياسا إنما كان بطريق المجاز ~~لفوات خاصية القياس فيه، وهو إلحاق الفرع بالأصل في حكمه لما بينهما من ~~المشابهة. # ويمكن أن يقال في جوابه أيضا إنه وإن كان قياس العكس قياسا حقيقة. # غير أن اسم القياس مشترك بين قياس الطرد وقياس العكس، فتحديد أحدهما ~~PageV03P185 # بخاصيته لا ينتقض بالمسمى الآخر المخالف له في خاصيته، وإن كان مسمى ~~باسمه. # ولهذا، فإنه لو حدت العين بحد يخصها لا ينتقض بالعين الجارية المخالفة ~~لها في حدها وإن اشتركا في الاسم، والمحدود ها هنا إنما هو قياس الطرد ~~المخالف في حقيقته لقياس العكس، غير أن ما ذكره من الحد مدخول من وجهين. # الأول أن قوله تحصيل حكم الأصل في الفرع مشعر بتحصيل عين حكم الأصل في ~~الفرع، وهو ممتنع، فكان من حقه أن يقول: مثل حكم الأصل في الفرع. # الثاني أن تحصيل حكم الأصل في الفرع هو حكم الفرع ونتيجة القياس. # ونتيجة الشئ لا تكون هي نفس ذلك الشئ، فكان الأولى أن يقول: # القياس هو اشتباه الفرع والأصل في علة حكم الأصل في نظر المجتهد على وجه ~~يستلزم تحصيل الحكم في الفرع. # وقال القاضي أبو بكر (1): القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما. # أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما من اثبات حكم أو صفة لها أو نفيهما ~~عنهما. وقد وافقه عليه أكثر أصحابنا، وهو مشتمل على خمسة قيود: # الأول قوله: حمل معلوم على معلوم. # الثاني ms649 قوله: في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما. # الثالث قوله: بناء على جامع بينهما. # الرابع قوله: من إثبات حكم أو صفة لهما. # الخامس قوله: أو نفيه عنهما. # أما القيد الأول يستدعي بيان معنى الحمل، وبيان فائدة إطلاق لفظ المعلوم ~~وفائدة حمل المعلوم على المعلوم. # أما الحمل فمعناه مشاركة أحد المعلومين للآخر في حكمه، وإنما أطلق لفظ ~~المعلوم، لأنه ربما كانت صورة المحمول والمحمول عليه عدمية، وربما كانت ~~وجودية فلفظ المعلوم يكون شاملا لهما، فإنه لو أطلق لفظ الموجود، لخرج منه ~~المعدوم، ولو أطلق لفظ الشئ لاختص أيضا بالموجود على رأي أهل الحق. # PageV03P186 # ولو قال: حمل فرع على أصل، ربما أوهم اختصاصه بالموجود من جهة أن وصف ~~أحدهما بكونه فرعا، والآخر بكونه أصلا، قد يظن أنه صفة وجودية والصفات ~~الوجودية لا تكون صفة للمعدوم، وإن لم يكن حقا، فكان استعمال لفظ المعلوم ~~أجمع وأمنع وأبعد عن الوهم الفاسد، وإنما قال: حمل معلوم على معلوم لان ~~القياس يستدعي المقايسة، وذلك لا يكون إلا بين شيئين، ولأنه لولاه لكان ~~إثبات الحكم أو نفيه في الفرع غير مستفاد من القياس، أو كان معللا بعلة غير ~~معتبرة، فيكون بمجرد الرأي، والتحكم، وهو ممتنع. # وأما القيد الثاني: فإنما ذكره، لان حمل الفرع على الأصل قد بان أن معناه ~~التشريك في الحكم، وحكم الأصل، وهو المحمول عليه قد يكون إثباتا، وقد يكون ~~نفيا وكانت عبارته بذلك أجمع للنفي والاثبات. # وأما القيد الثالث: فإنما ذكره لان القياس لا يتم إلا بالجامع بين الأصل ~~والفرع وإلا كان حمل الفرع على الأصل في حكمه من غير دليل، وهو ممتنع. # وأما القيد الرابع: فإنما ذكره، لان الجامع بين الأصل والفرع قد يكون ~~تارة حكما شرعيا، كما لو قال في تحريم بيع الكلب، نجس فلا يجوز بيعه ~~كالخنزير وقد يكون وصفا حقيقيا، كما لو قال في النبيذ مسكر فكان حراما ~~كالخمر. # وأما القيد الخامس: فإنما ذكره لان الجامع من الحكم أو الصفة قد يكون ~~إثباتا كما ذكرناه من المثالين. وقد يكون نفيا. ms650 # أما في الحكم فكما لو قال في الثوب النجس إذا غسل بالخل، غير طاهر، فلا ~~تصح الصلاة فيه، كما لو غسله باللبن والمرق. # وأما في الصفة، فكما لو قال في الصبي، غير عاقل، فلا يكلف كالمجنون. # وقد أورد عليه تشكيكات لا بد في ذكرها والإشارة إلى دفعها. # الاشكال الأول أن القول بحمل المعلوم على المعلوم إما أن يراد به إثبات ~~مثل حكم أحدهما للآخر، أو شئ آخر فإن كان الأول: فالقول ثانيا في إثبات حكم ~~لهما أو نفيه عنهما يكون تكرارا من غير فائدة. PageV03P187 # وإن كان الثاني فلا بد من بيانه، كيف وإنه بتقدير أن يراد به شئ آخر، فلا ~~يجوز ذكره في تعريف القياس، لان ماهية القياس تتم بإثبات مثل حكم أحد ~~المعلومين للآخر بأمر جامع، فكان ذكر ذلك الشئ زائدا عما يحتاج إليه. # الثاني: أن قوله في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما مشعر بأن الحكم في ~~الأصل والفرع مثبت بالقياس، وهو محال من جهة أن القياس فرع على ثبوت الحكم ~~في الأصل، فلو كان ثبوت الحكم في الأصل فرعا على القياس كان دورا. # الثالث: أنه كما يثبت الحكم بالقياس، فقد ثبتت الصفة أيضا بالقياس، ~~كقولنا في الباري تعالى (عالم) فكان له علم كالشاهد. فالقياس أعم من القياس ~~الشرعي والعقلي. وعند ذلك إما أن تكون الصفة مندرجة في الحكم، أو لا تكون. # فإن كان الأول: كان القول بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما ~~تكرارا لكون الصفة أحد أقسام الحكم. وإن كان الثاني: كان التعريف ناقصا. # الرابع: أن المعتبر في ماهية القياس، الجامع من حيث هو جامع لا أقسام ~~الجامع وذلك إن ماهية القياس قد تنفك عن كل واحد من أقسامه بعينه وما تنفك ~~عنه الماهية لا يكون داخلا في حدها، وأيضا فإنه لو وجب في ذكر ماهية القياس ~~ذكر أقسام الجامع، فالحكم والصفة الجامعة أيضا كل واحد منهما منقسم إلى ~~أقسام كثيرة لا تحصى، فكان يجب استقصاؤها في الذكر، وإلا كان الحد ناقصا، ~~وهو محال. ms651 # الخامس: أن كلمة (أو) للترديد والشك، والتحديد إنما هو للتعيين، والترديد ~~ينافي التعيين. # السادس: أن القياس الفاسد قياس، وهو غير داخل في هذا الحد، وذلك لان هذا ~~القائل قد اعتبر في حده حصول الجامع، ومهما حصل الجامع كان صحيحا فالفاسد ~~الذي لم يحصل الجامع فيه في نفس الامر، لا يكون داخلا فيه، فكان يجب أن ~~يقال بأمر جامع في ظن المجتهد، فإنه يعم القياس الفاسد الذي لم يحصل الجامع ~~فيه في نفس الامر. # والجواب عن الاشكال الأول أن المراد بحمل المعلوم على المعلوم إنما هو ~~التشريك بينهما في حكم أحدهما مطلقا. # وقوله بعد ذلك (في إثبات حكم أو نفيه) إشارة إلى ذكرها تفاصل ذلك الحكم ~~وأقسامه، PageV03P188 # وهي زائدة على نفس التسوية في مفهوم الحكم، فذكرها ثانيا لا يكون تكرارا. # وعن الثاني: وإن كان هو أقوى الاشكالات الواردة ها هنا أن يقال: لا نسلم ~~أن قول القائل (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) مشعر ~~بإثبات حكم الأصل بالقياس، حتى يلزم منه الدور، لان القياس، على ما علم ~~مركب من الأصل والفرع، وحكم الأصل والوصف الجامع بين الأصل والفرع والحكم ~~في الأصل غير مستند في ثبوته ولا نفيه إلى مجموع هذه الأمور، إذ هو غير ~~متوقف على الفرع، ولا على نفسه، وإنما هو متوقف في ثبوته على الوصف الجامع ~~وهو العلة حيث إن الشرع لم يثبت الحكم في الأصل إلا بناء عليه، ولهذا قال ~~الحاد في هذه (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما) والوصف ~~الجامع ركن القياس، وليس هو نفس القياس، فلا يكون ثبوت الحكم في الأصل ولا ~~نفيه بالقياس، بل بالعلة، وليست هي نفس القياس، وإنما الثابت والمنفي ~~بالقياس إنما هو حكم الفرع لا غير (1). # وعن الثالث من وجهين: الأول أنه مبني على تصور القياس، في غير الشرعيات ~~وهو غير مسلم، على ما يأتي بيانه (2) وما ذكروه من المثال، فقد أبطلنا صحة ~~القياس فيه في أبكار الأفكار. الثاني وإن سلمنا تصور القياس ms652 في غير ~~الشرعيات، غير أن الكلام إنما وقع في تحديد القياس الشرعي في مصطلح أهل ~~الشرع، وذلك لا يكون إلا فيما كان حكم الأصل فيه شرعيا، والصفة ليست حكما ~~شرعيا، فلا. # PageV03P189 # تكون مندرجة فيه. وعلى هذا، فخروج القياس العقلي عن الحد المذكور للقياس ~~الشرعي لا يكون موجبا لنقصانه وقصوره. # وعن الرابع: أنه، وإن كان ذكر أقسام الجامع من الحكم والصفة وتعيين كل ~~واحد غير داخل في مفهوم القياس، فذكره لم يكن لتوقف مفهوم القياس عليه، حتى ~~يقال بقصور التعريف بل للمبالغة في الكشف والايضاح بذكر الأقسام وذلك مما ~~لا يخل بالحد، ولا يلزم من ذلك الاستقصاء بذكر باقي أقسام الحكم والصفة ~~لعدم وجوبه. # وعن الخامس: أن التحديد والتعريف قد تم بقولنا (حمل معلوم على معلوم بأمر ~~جامع بينهما) وما وقع فيه الترديد بحرف (أو)، فقد بان التحديد (1) والتعريف ~~غير متوقف عليه، وإنما ذكر لزيادة البيان والايضاح، فلا يكون ذلك مانعا من ~~تعريف المحدود، كيف وإنه لا معنى للترديد سوى بيان صحة انقسام الحكم ~~والجامع إلى ما قيل، وصحة الانقسام من الصفات اللازمة التي لا ترديد فيها. # وعن السادس: أن المطلوب إنما هو تحديد القياس الصحيح الشرعي، والفاسد ليس ~~من هذا القبيل، فخروجه عن الحد لا يكون مبطلا له، لكنه يرد عليه إشكال مشكل ~~لا محيص عنه، وهو أن الحكم في الفرع نفيا وإثباتا متفرع على القياس إجماعا، ~~وليس هو ركنا في القياس، لان نتيجة الدليل لا تكون ركنا في الدليل، لما فيه ~~من الدور الممتنع، وعند ذلك فيلزم من أخذ إثبات الحكم ونفيه في الفرع في حد ~~القياس أن يكون ركنا في القياس، وهو دور ممتنع. وقد أخذه في حد القياس حيث ~~قال (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) إشارة إلى الفرع والأصل. # والمختار في حد القياس أن يقال إنه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل ~~في العلة المستنبطة من حكم الأصل. وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض ~~عرية عما يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها على ما تقدم (2). # PageV03P190 # وإذا ms653 عرف معنى القياس، فهو يشتمل على أربعة أركان: الأصل، والفرع، وحكم ~~الأصل، والوصف الجامع. # أما الأصل فقد يطلق على أمرين: الأول ما بني عليه غيره، كقولنا: # إن معرفة الله أصل في معرفة رسالة الرسول، من حيث إن معرفة الرسول تنبني ~~على معرفة المرسل الثاني ما عرف بنفسه من غير افتقار إلى غيره، وإن لم يبن ~~عليه غيره، وذلك كما تقوله في تحريم الربا في النقدين، فإنه أصل، وإن لم ~~يبن عليه غيره. # وعلى هذا، اختلف العلماء في الأصل في القياس، وذلك كما إذا قسنا النبيذ ~~على الخمر المنصوص عليه بقوله عليه السلام حرمت الخمرة لعينها (1) في تحريم ~~الشراب، هل الأصل هو النص أو الخمر أو الحكم الثابت في الخمر، وهو التحريم ~~مع اتفاق الكل على أن العلة في الخمر، وهي الشدة المطربة ليست هي الأصل. # فقال بعض المتكلمين: الأصل هو النص الدال على تحريم الخمر، لأنه الذي بني ~~عليه التحريم، والأصل ما بني عليه. # PageV03P191 # وقالت الفقهاء: الأصل إنما هو الخمر الثابتة حرمته، لان الأصل ما كان حكم ~~الفرع مقتبسا منه ومردودا إليه. وهذا إنما يتحقق في نفس الخمر. # وقال بعضهم: الأصل إنما هو الحكم الثابت في الخمر، لان الأصل ما انبنى ~~عليه غيره، وكان العلم به موصلا إلى العلم بغيره أو الظن. وهذه الخاصية ~~موجودة في حكم الخمر، فكان هو الأصل. # قالوا: وليس الأصل هو النص، لان النص هو الطريق إلى العلم بالحكم، ولو ~~تصور العلم بالحكم في الخمر دون النص، كان القياس ممكنا، ولأنه لو كان النص ~~هو الأصل، لكونه طريقا إلى معرفة الحكم، باتفاق لكان قول الراوي هو أصل ~~القياس بطريق الأولى، لكونه طريقا إلى معرفة النص، وليس كذلك بالاتفاق. # وليس الأصل أيضا هو الخمر، لأنه قد يعلم الخمر، ولا يعلم أن الحرمة جارية ~~فيه، ولا في الفرع، بخلاف ما إذا علم الحكم، فكان هو الأصل. # واعلم أن النزاع في هذه المسألة لفظي، وذلك لأنه إذا كان معنى الأصل ما ~~يبنى عليه غيره فالحكم أمكن أن يكون أصلا ms654 لبناء الحكم في الفرع عليه، على ~~ما تقرر. وإذا كان الحكم في الخمر أصلا، فالنص الذي به. معرفة الحكم يكون ~~أصلا للأصل. وعلى هذا، أي طريق عرف به حكم الخمر من إجماع أو غيره أمكن أن ~~يكون أصلا، وكذلك الخمر، فإنه إذا كان محلا للفعل الموصوف بالحرمة، فهو ~~أيضا أصل للأصل، فكان أصلا. # والأشبه أن يكون الأصل هو المحل، على ما قاله الفقهاء، لافتقار الحكم ~~والنص إليه ضرورة من غير عكس، فإن المحل غير مفتقر إلى النص ولا إلى الحكم. # وأما الفرع: فهل هو نفس الحكم المتنازع فيه أو محله؟ اختلفوا فيه: # فمن قال بأن الأصل هو الحكم في الخمر، قال الفرع هو الحكم في النبيذ. # ومن قال بأن الأصل هو المحل، قال الفرع هو المحل، وهو النبيذ، وإن كان ~~الأولى أن يكون الفرع هو الحكم المتفرع على القياس، والمحل أصل الحكم ~~المفرع على القياس. # فتسمية الخمر أصلا أولى من تسمية النبيذ فرعا، من حيث إن الخمر أصل ~~للتحريم الذي هو الأصل، بخلاف النبيذ فإنه أصل للفرع، لا أنه فرع له. ~~PageV03P192 # وأما الوصف الجامع فهو فرع في الحكم لكونه مستنبطا من محل حكم المنصوص ~~عليه، فهو تبع للنص والحكم ومحله، وهو أصل في الفرع، لكون الحكم المتنازع ~~فيه في النبيذ مبنيا عليه. وتسمية الوصف الجامع في الفرع أصلا، أولى من ~~تسمية النص في الخمر والتحريم ومحله أصلا، للاختلاف في ذلك والاتفاق على ~~كون الوصف في ذلك أصلا. # وإذا عرف معنى القياس وأركانه، فلنشرع في بيان أبوابه: # الباب الأول في شرائط القياس ويشتمل على مقدمة وأقسام. # أما المقدمة، فاعلم أن القياس، على ما سبق تعريفه، يستدعي أركانا لا يتم ~~دونها، وثمرة هي نتيجته. # فأما الأركان، فهي أربعة: # الفرع المسمى بصورة محل النزاع، وهي الواقعة المتنازع عليها نفيا ~~واثباتا. # والأصل: وهو الواقعة التي يقصد تعدية حكمها إلى الفرع. # والحكم: الشرعي الخاص بالأصل. # والعلة الجامعة بين الأصل والفرع. # وأما ثمرته: فحكم الفرع، فإنه إذا تم القياس أنتج حكم الفرع، وليس حكم ~~الفرع من ms655 أركان القياس، إذ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس، فلو كان ~~ركنا منه، لتوقف على نفسه، وهو محال. # وعلى هذا، فشروط القياس لا تخرج عن شروط هذه الأركان، فمنها ما يعود إلى ~~الأصل، ومنها ما يعود إلى الفرع: وما يعود إلى الأصل فمنها ما يعود إلى ~~حكمه، ومنها ما يعود إلى علته. فلنرسم في كل واحد منهما قسما (1). # PageV03P193 # القسم الأول في شرائط حكم الأصل وهي ثمانية الشرط الأول: أن يكون حكما ~~شرعيا، لان الغرض من القياس الشرعي إنما هو تعريف الحكم الشرعي في الفرع ~~نفيا وإثباتا. فإذا لم يكن الحكم في الأصل شرعيا بأن كان قضية لغوية أو ~~عقلية فالحكم المتعدي إلى الفرع لا يكون شرعيا فلا فلا يكون الغرض من ~~القياس الشرعي حاصلا، كيف وإنه إذا كان قضية لغوية فقد بينا امتناع جريان ~~القياس فيه، في اللغات. الشرط الثاني: يكون ثابتا غير منسوخ، حتى يمكن بناء ~~الفرع عليه وإلا فبتقدير أن لا يكون ثابتا، فلا ينتفع به ناظر ولا مناظر، ~~لأنه إنما تعدى الحكم من الأصل إلى الفرع بناء على الوصف الجامع، وذلك ~~متوقف على اعتبار الشارع له. فإذا لم يكن الحكم المرتب على وصفه ثابتا في ~~الشرع، فلا يكون معتبرا. # الشرط الثالث: أن يكون دليل ثبوته شرعيا، لان ما لا يكون دليله شرعيا لا ~~يكون حكما شرعيا. # الشرط الرابع: أن لا يكون حكم الأصل متفرعا عن أصل آخر، وهذا ما ذهب إليه ~~أكثر أصحابنا والكرخي، خلافا للحنابلة (1) وأبي عبد الله البصري، وذلك لان ~~العلة الجامعة بينه وبين أصله إما أن تكون هي العلة الجامعة بينه وبين ~~فرعه، أو هي غيرها: فإن كان الأول، فالأصل الذي به الشهادة بالاعتبار إنما ~~هو الأصل الأخير لا الأصل الأول، فليقع الرد إليه، وإلا فهو تطويل من غير ~~فائدة، وذلك كما لو قال # PageV03P194 # الشافعي مثلا في السفرجل مطعوم، فجرى فيه الربا، قياسا على التفاح، ثم ~~قاس التفاح في تحريم الربا على البر بواسطة الطعم أيضا. # وإن كان الثاني، وهو أن تكون العلة ms656 في القياسين مختلفة، فلا تخلو إما أن ~~تكون العلة التي عدى بها الحكم من الأصل الممنوع حكمه إلى فرعه مؤثرة، أي ~~ثابتة بنص أو إجماع أو مستنبطة: فإن كان الأول، فقد أمكن إثبات الحكم في ~~الفرع الأول بالعلة المؤثرة، ولم يبق للقياس على الأصل الممنوع حكمه وقياسه ~~على الأصل الأخير حاجة، بل هو تطويل غير مفيد. وإن كان الثاني، وذلك كما لو ~~قال الشافعي في مسألة فسخ النكاح بالجذام عيب يثبت به الفسخ في البيع، ~~فيثبت به الفسخ في النكاح، قياسا على الرتق والقرن، ثم قاس الرتق والقرن ~~عند توجيه منعه على الجب والعنة بواسطة فوات غرض الاستمتاع به، فلا يصح ~~القياس فيه، وذلك لان الحكم في الفرع المتنازع فيه أولا إنما يثبت بما يثبت ~~به حكم أصله، فإذا كان حكم أصله ثابتا بعلة أخرى، وهي ما استنبطت من الأصل ~~الآخر، فيمتنع تعدية الحكم بغيرها، لان غيرها لم يثبت اعتبار الشارع له ~~ضرورة أن الحكم الثابت معه ثابت بغيره بالاتفاق، فلو ثبت الحكم به في الفرع ~~الأول مع عدم اعتباره، كان ذلك إثباتا للحكم بالمعنى المرسل الخلي عن ~~الاعتبار، وذلك ممتنع. # وعلى هذا، فإن قلنا بجواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مع كونه ممتنعا، كما ~~يأتي تقريره (1) فهو ممتنع ها هنا، حيث إنا قطعنا بأن العلة المستنبطة من ~~الأصل الممنوع مما لم يلتفت إليها الشارع في إثبات الحكم في أصلها للاتفاق ~~على ثبوته بغيرها. والجمع بين العلل إنما يكون حيث يمكن الظن باعتبار ~~الشارع لها من إثبات الحكم على وفقها. # هذا كله إن كان حكم الأصل مقولا به من جهة المستدل، ممنوعا من جهة ~~المعترض، وأما إن كان مقولا به من جهة المعترض، ممنوعا من جهة المستدل. # وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة تعيين النية عندما إذا نوى النفل أتى ~~بما أمر به، فوجب أن يصح، كما إذا كان عليه فريضة الحج، ونوى النفل، فإن ~~الحكم. # PageV03P195 # في الأصل مما لا يقول به الحنفي، بل الشافعي، فلا يصح من المستدل بناء ms657 ~~الفرع عليه، لأنه إما أن يذكر ذلك في معرض التقرير لمأخذ من هو منتم إليه، ~~أو في معرض الالزام للخصم: # فإن كان الأول فهو ممتنع، لأنه إنما يعرف كون الوصف الجامع مأخذا لامامه ~~بإثباته للحكم على وفقه، وبالقياس على الأصل الذي لا يقول به إمامه لا يعرف ~~ذلك. # وإن كان الثاني، وذلك بأن يقول هذا هو عندك علة الحكم في الأصل المقيس ~~عليه، وهو موجود في محل النزاع، فيلزمك الاعتراف بحكمه، وإلا فيلزم منه ~~إبطال المعنى وانتقاضه لتخلف الحكم عنه من غير معارض، ويلزم من إبطال ~~التعليل به امتناع إثبات الحكم به في الأصل، فهو أيضا ممتنع، لوجهين: # الأول أن للمعترض أن يقول: الحكم في الأصل لم يكن عندي ثابتا على هذا ~~الوصف، بل بناء على غيره، ويجب تصديقه فيه، لكونه عدلا، والظاهر من حاله ~~الصدق، وهو أعرف بمأخذ مذهبه. الثاني أنه، وإن كان الحكم في الأصل معللا ~~بالوصف المذكور، غير أن حاصل الالزام يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في ~~الفرع بإثبات خلاف حكمه، ضرورة تصويبه في اعتقاد كون الوصف الجامع علة ~~للحكم في الأصل المقيس عليه وهو غير لازم، إذ ليس تخطئته في الفرع ضرورة ~~تصويبه في تعليل حكم الأصل بالوصف المذكور، أولى من تخطئته في تعليل حكم ~~الأصل بالوصف المذكور وتصويبه في حكم الفرع. # الشرط الخامس: أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن سنن القياس، والمعدول ~~به عن سنن القياس على قسمين. # الأول ما لا يعقل معناه، وهو على ضربين: إما مستثنى من قاعدة عامة أو ~~مبتدأ به: فالأول كقبول شهادة خزيمة وحده، فإنه مع كونه غير معقول المعنى، ~~مستثنى من قاعدة الشهادة. والثاني كأعداد الركعات، وتقدير نصب الزكوات، ~~ومقادير الحدود، PageV03P196 # والكفارات، فإنه مع كونه غير معقول المعنى، غير مستثنى من قاعدة سابقة ~~عامة. # وعلى كلا التقديرين يمتنع فيه القياس. # القسم الثاني: ما شرع ابتداء، ولا نظير له، ولا يجري فيه القياس لعدم ~~النظير وسواء كان معقول المعنى، كرخص السفر والمسح على الخفين لعلة دفع ~~المشقة، أو ms658 هو غير معقول المعنى، كاليمين في القسامة وضرب الدية على ~~العاقلة ونحوه. # الشرط السادس: إذا كان حكم الأصل متفقا عليه، فقد اختلفوا في كيفية ~~الاتفاق: # فمنهم من قال بأنه يكفي أن يكون ذلك متفقا عليه بين الفريقين لا غير. # ومنهم من قال: لا يكفي ذلك، بل لا بد وأن يكون متفقا عليه بين الأمة، ~~وإلا فإن كان متفقا عليه بين الفريقين فقط، فلا يصح القياس عليه، وسموه ~~قياسا مركبا. # وقبل النظر في مأخذ الحجاج، فلابد من النظر في معنى القياس المركب ~~وأقسامه. # أما القياس المركب فهو أن يكون الحكم في الأصل غير منصوص عليه، ولا مجمع ~~عليه من الأمة (1) وهو قسمان: # الأول مركب الأصل، والثاني مركب الوصف. # أما التركيب في الأصل فهو أن يعين المستدل علة في الأصل المذكور، ويجمع ~~بها بينه وبين فرعه، فيعين المعترض فيه علة أخرى، ويقول: الحكم عندي ثابت ~~بهذه العلة، وذلك كما إذا قال في مسألة الحر بالعبد مثلا، عبد فلا يقتل به ~~الحر كالمكاتب، فإن المكاتب غير منصوص عليه، ولا مجمعا عليه بين الأمة، ~~لاختلاف الناس في وجوب القصاص على قاتله، وإنما هو متفق عليه بين الشافعي ~~وأبي حنيفة، وعند ذلك فللحنفي أن يقول العلة في المكاتب (2) المتفق عليه ~~المانعة من جريان القصاص فيه عندي إنما هو جهالة (3) المستحق من السيد أو ~~الورثة. فإن سلم ذلك امتنعت التعدية إلى الفرع لخلو الفرع عن العلة، وإن ~~أبطل التعليل بها فأنا أمنع الحكم في الأصل لأنه إنما ثبت عندي بهذه العلة، ~~وهي مدرك إثباته، ولا محذور في نفي الحكم. # PageV03P197 # لانتفاء مدركه إذ لم يلزم منه مخالفة نص ولا إجماع، وعلى كلا التقديرين، ~~فالقياس يكون ممتنعا إما لمنع حكم الأصل، وإما لعدم علة الأصل في الفرع. # قال بعض الأصوليين: وإنما سمي هذا النوع قياسا مركبا، لاختلاف الخصمين في ~~علة الأصل، وليس بحق. وإلا كان كل قياس اختلف في علة أصله، وإن كان منصوصا ~~أو متفقا عليه بين الأمة، مركبا، وليس كذلك. # والأشبه أنه إنما سمي بذلك لاختلاف ms659 الخصمين في تركيب الحكم على العلة في ~~الأصل فإن المستدل يزعم أن العلة الجامعة مستنبطة من حكم الأصل، وهي فرع ~~له. # والمعترض يزعم أن الحكم في الأصل فرع على العلة وهي المثبتة له، وأنه لا ~~طريق إلى إثباته سواها، وأنها غير مستنبطة منه، ولا هي فرع عليه، ولذلك منع ~~ثبوت الحكم عند إبطالها، وإنما سمي مركب الأصل لأنه نظير في علة حكم الأصل ~~(1). # وأما مركب الوصف فهو ما وقع الاختلاف فيه في وصف المستدل، هل له وجود في ~~الأصل أو لا؟ # وذلك كما لو قال المستدل في مسألة تعليق الطلاق بالنكاح، تعليق، فلا يصح ~~قبل النكاح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق، فللخصم أن يقول: لا نسلم ~~وجود التعليق في الأصل، بل هو تنجيز، فإن ثبت أنه تعليق، فأنا أمنع الحكم ~~وأقول بصحته، كما في الفرع، ولا يلزمني من المنع محذور، لعدم النص عليه ~~وإجماع الأمة، وإنما سمي مركب الوصف، لأنه خلاف في تعيين الوصف الجامع. # وإذ أتينا على بيان معنى القياس المركب وأقسامه. # فنقول: لا يخلو إما أن ينظر في ذلك إلى الناظر المجتهد، أو المناظر: فإن ~~كان الأول، فإن كان له مدرك في ثبوت حكم الأصل سوى النص والاجماع، فالقياس ~~صحيح لأنه إذا غلب على ظنه صحة القياس فلا يكابر نفسه فيما أوجبه ظنه، وإن # PageV03P198 # لم يكن له مدرك سوى النص والاجماع فالقياس متعذر لتعذر إثبات حكم الأصل ~~وإن كان الثاني، فالمختار بعد إبطال ما يعارض به الخصم في القسم الأول من ~~التركيب وتحقيق وجود ما يدعيه في الأصل في القسم الثاني منه، إنما هو ~~التفصيل وهو أن الخصم إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا. # فإن كان مجتهدا وظهر في نظره إبطال المدرك الذي بني عليه حكم الأصل، فله ~~منع حكم الأصل. وعند ذلك فالقياس لا يكون منتفعا به بالنسبة إلى الخصم. # وإن كان مقلدا فليس له منع الحكم في الأصل وتخطئة إمامه فيه بناء على ~~عجزه هو عن تمشية الكلام مع المستدل، وذلك لاحتمال أن لا ms660 يكون ما عينه ~~المعترض هو المأخذ في نظر إمامه، وبتقدير أن يكون هو المأخذ في نظر إمامه، ~~فلا يلزم من عجز المقلد عن تقريره عجز إمامه عنه لكونه أكمل حالا منه وأعرف ~~بوجه ما ذهب إليه وتقريره. # وقد قيل إنه وإن كان لا بد من تخطئة إمام المعترض إما في حكم الأصل أو ~~الفرع، فليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع، وليس بحق، فإنه كما ~~أنه ليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع، فليس للمستدل تخطئة ~~إمام المعترض في الفرع دون الأصل، ولا أولوية. # فإن قيل: بل تخطئته في الفرع أولى لوقوع الخلاف فيه بين إمام المستدل ~~وإمام المعترض، بخلاف حكم الأصل، فيقال كما أن الخلاف واقع في الفرع بين ~~الامامين فالخلاف في الأصل أيضا واقع بين الأئمة، إذ هو غير مجمع عليه. ~~وليس موافقة إمام المستدل في الفرع أولى من موافقة المخالف في الأصل. # الشرط السابع: أن لا يكون الدليل الدال على إثبات حكم الأصل دالا على ~~إثبات حكم الفرع، وإلا فليس جعل أحدهما أصلا للآخر أولى من العكس. # الشرط الثامن: اختلف الأصوليون في اشتراط قيام الدليل على تعليل حكم ~~الأصل وجواز القياس عليه نفيا وإثباتا. # والمختار أنه إن أريد بالدليل الدال على ذلك أن يكون دليلا خاصا بذلك ~~الأصل من كتاب أو سنة أو إجماع، فهو باطل. PageV03P199 # وإن أريد به أنه لا بد من قيام دليل على ذلك بجهة العموم والشمول، فهو ~~حق: # وذلك لأنا سنبين أن كل أصل أمكن تعليل حكمه فإنه يجب تعليله، وإنه يجوز ~~القياس عليه، وذلك لان مدرك كون القياس حجة إنما هو إجماع الصحابة على ما ~~يأتي (1) وقد علمنا من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم أنهم كانوا يقيسون ~~الفرع على الأصل عند وجود ما يظن كونه علة لحكم الأصل في الأصل فظن وجوده ~~في الفرع وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل وجواز القياس ~~عليه، حتى قال عمر لأبي موسى الأشعري: اعرف الأشباه والأمثال، ثم ms661 قس الأمور ~~برأيك (2) ولم يفصل. # وكذلك اختلفوا في قوله أنت علي حرام حتى قاسه بعضهم على الطلاق، وبعضهم ~~على الظهار، وبعضهم على اليمين. ولم ينقل نص خاص ولا إجماع، على القياس على ~~تلك الأصول ولا على جواز تعليلها. # PageV03P200 # القسم الثاني في شروط علة الأصل وقد اتفق الكل على جواز تعليل حكم الأصل ~~بالأوصاف الظاهرة الجلية العرية عن الاضطراب. وسواء أكان الوصف معقولا، ~~كالرضى والسخط، أم محسا كالقتل والسرقة، أم عرفيا كالحسن والقبح. وسواء ~~أكان موجودا في محل الحكم كما ذكر من الأمثلة أم ملازما له غير موجود فيه، ~~كتحريم نكاح الأمة لعلة رق الولد، لكن اختلفوا في شروط. فلنفرض في كل واحد ~~منها مسألة. # المسألة الأولى ذهب الأكثرون إلى أن شرط علة الأصل (1) أن لا يكون محل ~~حكم الأصل ولا جزأ من محله. وذهب آخرون إلى جوازه. والمختار إنما هو ~~التفصيل، وهو امتناع ذلك في المحل دون الجزء، وذلك لان الكلام إنما هو واقع ~~في علة أصل القياس فلو كانت العلة فيه هي محل حكم الأصل بخصوصه، لكانت ~~العلة قاصرة لاستحالة كون محل حكم الأصل بخصوصه متحققا في الفرع، وإلا كان ~~الأصل والفرع متحدا، وهو محال. # نعم إنما يمكن ذلك فيما إذا لم تكن علة حكم الأصل متعدية، لأنه لا يعد في ~~استلزام محل الحكم لحكمة داعية إلى ذلك الحكم، كاستلزام الأوصاف العامة ~~لمحل الأصل والفرع. # وأما الجزء، فلا يمتنع التعليل به لاحتمال عمومه الأصل والفرع. # PageV03P201 # المسألة الثانية اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الامارة ~~المجردة. والمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث أي ~~مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وإلا فلو كانت ~~وصفا طرديا لا حكمة فيه. # بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين: # الأول: أنه لا فائدة في الامارة، سوى تعريف الحكم، والحكم في الأصل معروف ~~بالخطاب لا بالعلة المستنبطة منه. # الثاني: أن علة الأصل مستنبطة من حكم الأصل، ومتفرعة عنه، فلو كانت معرفة ~~لحكم ms662 الأصل، لكان متوقفا عليها، ومتفرعا عنها، وهو دور ممتنع. # المسألة الثالثة ذهب الأكثرون إلى امتناع تعليل الحكم بالحكمة المجردة عن ~~الضابط (2). وجوزه الأقلون. ومنهم من فصل بين الحكمة الظاهرة المنضبطة ~~بنفسها والحكمة الخفية المضطربة فجوز التعليل بالأولى دون الثانية، وهذا هو ~~المختار. # PageV03P202 # أما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة غير مضطربة، فلانا أجمعنا على أن الحكم ~~إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح ~~التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من ~~الحكمة الخفية. فإذا كانت الحكمة، وهي المقصود من شرع الحكم، مساوية للوصف ~~في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها. # وأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة فيمتنع التعليل بها لثلاثة ~~أوجه: # الأول: أنها إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور والأشخاص ~~والأزمان والأحوال، فلا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم منها والوقوف عليه إلا ~~بعسر وحرج، ودأب الشارع فيما هذا شأنه على ما ألفناه منه، إنما هو رد الناس ~~فيه إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الاحكام. ~~ولهذا فإنا نعلم أن الشارع إنما قضى بالترخص في السفر، دفعا للمشقة ~~المضبوطة بالسفر الطويل إلى مقصد معين، ولم يعلقها بنفس المشقة، لما كانت ~~مما يضطرب ويختلف. ولهذا فإنه لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر، وإن ~~ظن أن مشقته تزيد على مشقة المسافر في كل يوم فرسخ، وإن كان في غاية ~~الرفاهية والدعة، لما كان ذلك مما يختلف ويضطرب. الثاني: أن الاجماع منعقد ~~على صحة تعليل الاحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال ~~الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لحكمة الزجر أو الجبر، ~~وتعليل صحة البيع بالتصرف الصادر من الأهل في المحل لحكمة الانتفاع، وتعليل ~~تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه ونحوه، ولو ~~كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لم احتيج إلى التعليل بضوابط هذه الحكم ~~والنظر إليها، لعدم الحاجة إليها، ولما فيه من زيادة الحرج بالبحث عن ms663 ~~الحكمة، وعن ضابطها مع الاستغناء بأحدهما. # الثالث: أن التعليل بالحكمة المجردة إذا كانت خفية مضطربة، مما يفضي إلى ~~العسر والحرج في حق المكلف بالبحث عنها والاطلاع عليها، والحرج منفي بقوله ~~تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (22) الحج: 78) غير أنا خالفناه ~~في التعليل بالوصف PageV03P203 # الظاهر المنضبط، لكون المشقة فيه أدنى، فبقينا عاملين بعموم النص فيما ~~عداه. # فإن قيل: ما ذكرتموه في جواز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة فهو فرع ~~إمكان ذلك، وهو غير مسلم في الحكمة، فإنها راجعة إلى الحاجات إلى المصالح ~~ودفع المفاسد، والحاجات مما تخفى وتزيد وتنقص، فلا تكون ظاهرة ولا منضبطة ~~وإن سلمنا إمكان ذلك نادرا. # غير أنه يلزم من التوسل إلى معرفتها في آحاد الصور لتعيين القليل منها، ~~نوع عسر وحرج لا يلزم في التوسل إلى معرفة الضوابط الجلية والمظان الظاهرة ~~المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم في الغالب، وذلك مدفوع بقوله تعالى: * ~~(ما جعل عليكم في الدين من حرج) *. # وما ذكرتموه في امتناع التعليل بالحكمة الخفية: # أما الوجه الأول، فالبحث عن الحكمة الخفية، وإن كان فيه نوع حرج ومشقة، ~~غير أنه لا بد منه عند التعليل بالوصف الظاهر المشتمل عليها ضرورة أنها علة ~~لكون الوصف علة، ولولا اشتمال الوصف عليها لما كان علة للحكم وإذا لم يكن ~~بد من معرفتها في جعل الوصف علة للحكم وقد جعلت علة للعلة أمكن أن تجعل علة ~~للحكم من غير حاجة إلى ضابطها. وحيث لم تقض بالترخص في حق الحمال في الحضر ~~دفعا للمشقة عنه، فغايته امتناع تعليل الرخصة بمطلق المشقة، بل بالمشقة ~~الخاصة بالسفر، ولا يلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة مطلقا. # وأما الوجه الثاني: فغاية ما فيه جواز التعليل بالضابط المشتمل على ~~الحكمة. # وليس فيه ما يدل على امتناع التعليل بالحكمة. قولكم: إنه لا حاجة إليه، ~~لا نسلم ذلك، فإن الاطلاع عليه أسهل من الاطلاع على الحكمة. # وأما الوجه الثالث: فهو أن الحرج اللازم عن البحث عن الحكمة الخفية وإن ~~كان شاقا، غير أنه لا يزيد على البحث ms664 عنها عند التعليل بضابطها، بل المشقة ~~في تعرفها، مع تعرف ضابطها، أشق من تعرفها دون ضابطها. وقد أجمعنا على ~~مخالفة النص المذكور عند التعليل بالضابط، وكانت مخالفته عند التعليل ~~بالحكمة، لا غير أقل مشقة وحرجا، فكان أولى بالمخالفة. PageV03P204 # والجواب عن الاعتراض الأول: أن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كانت ~~الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها في بعض الصور لا فيما لم يكن ، قولهم إن ~~الاطلاع عليها والبحث عنها أشق من البحث عن الضابط ليس كذلك. فإنها إذا ~~كانت ظاهرة منضبطة، كالوصف، فلا تفاوت. # وعن الاعتراض الأول: على الوجه الثاني (1) أن البحث عن الحكمة عند تجردها ~~عن الضابط لا بد فيه من معرفة كميتها وخصوصيتها، حتى نأمن من الاختلاف بين ~~الأصل والفرع فيها وذلك غير ممكن في الحكمة الخفية المضطربة، ولا يكفي فيه ~~مجرد معرفة احتمالها بخلاف ما إذا كانت مضبوطة بضابط، فإنا نكتفي بمعرفة ~~الضابط ومعرفة أصل احتمال الحكمة لا غير. ويدل على ذلك ما ذكرناه من ~~الاستشهاد، وما ذكروه عليه، فهو اعتراف بامتناع التعليل بمجرد الحكمة، وهو ~~المطلوب. # وعن الاعتراض على الوجه الثاني أنه لو أمكن التعليل بالحكمة لما احتيج ~~إلى التعليل بالضابط. # قولهم إن الوقوف عليه أسهل من الوقوف على الحكمة بمجردها. # قلنا: فيلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة لما فيه من تأخير إثبات الحكم ~~الشرعي إلى زمان إمكان الاطلاع على الحكمة، مع إمكان إثباته بالضابط في ~~أقرب زمان، وذلك ممتنع. # وعن الاعتراض على الوجه الثالث أنا لا نسلم التساوي في الحرج والمشقة في ~~البحث عن الحكمة مع ضابطها، ومع خلوها عن الضابط. وذلك لأنا نفتقر في البحث ~~عنها عند خلوها عن الضابط إلى معرفة خصوصيتها وكميتها، حتى نأمن من التفاوت ~~فيها بين الأصل والفرع، كما سبق، ولا كذلك في البحث عنها مع ضابطها، فإنا ~~لا نفتقر في البحث عنها إلى أكثر من معرفة أصل احتمالها. ولا يخفى أن الحرج ~~في تعرفها على جهة التفصيل أتم من تعرفها لا بجهة التفصيل. # PageV03P205 # المسألة الرابعة اختلفوا في جواز تعليل الحكم الثبوتي ms665 بالعدم: فجوزه قوم. # ومنع منه آخرون، وشرطوا أن تكون العلة للحكم الثبوتي أمرا وجوديا، وهو ~~المختار. # وبيانه من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الحكم بكون الوصف علة صفة وجودية، لان نقيض العلة (لا علة)، و ~~(لا علة) أمكن أن يكون صفة لبعض الاعدام، ولو كان المفهوم (من لا علة) ~~وجوديا، لكان الوجود صفة للعدم، وهو محال. وإذا كان (لا علة) عدما، ~~فالمفهوم من نقيضها وجودي. # الوجه الثاني: أنه يصح قول القائل أي شئ وجد حتى حدث هذا الامر؟ # ولو لم يكن الحدوث متوقفا على وجود شئ، لما صح هذا الكلام. كما لو قال: # أي رجل مات، حتى حدث لفلان هذا المال؟ حيث لم يكن حدوث المال لفلان ~~متوقفا على ما قيل. # الثالث: وهو خاص بما إذا كان الحكم ثابتا بخطاب التكليف، كالوجوب والحظر ~~ونحوه، وهو أن يقال قد ثبت أن العلة المستنبطة من الحكم لا بد وأن تكون ~~بمعنى الباعث لا بمعنى الامارة. والباعث ما اشتمل على تحصيل مصلحة أو ~~تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، كما يأتي بيانه. فإذا كان الحكم ثابتا ~~بخطاب التكليف لمثل هذا الغرض، فلا بد وأن يكون ضابط ذلك الغرض مقدورا ~~للمكلف في إيجاده وإعدامه، وإلا لما كان شرع ذلك الحكم مفيدا لمثل ذلك ~~الغرض، لعدم إفضائه إلى الغرض المطلوب، والعدم المحض لا انتساب له إلى قدرة ~~المكلف لا بإيجاد ولا إعدام، فجعل ضابطا لغرض الحكم، ومقصوده لا يكون مفضيا ~~إلى مقصود شرع الحكم، فيمتنع التعليل به. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الوجه الأول معارض بما يدل على أن المفهوم من صفة ~~العلة عدم، وبيانه من وجهين: PageV03P206 # الأول أنه لو كانت صفة العلة أمرا وجوديا، لم يخل إما أن تكون واجبة ~~لذاتها، أو ممكنة: الأول محال، وإلا لما افتقرت إلى الموصوف بها. # والثاني يوجب افتقارها إلى علة مرجحة لها. والكلام في صفة تلك العلة ~~كالكلام في الأولى، وهو تسلسل ممتنع. # الوجه الثاني: أنه يصح وصف الامر العدمي بكونه علة للامر العدمي، ولهذا ~~يصح أن يقال: إنما ms666 لم أسلم على فلان، لأني لم أره وإنما لم أفعل كذا، لعدم ~~الداعي إليه. # وأما الوجه الثاني، فليس فيه دلالة على توقف حدوث ذلك الامر على تجدد ~~وجود أمر آخر. ولهذا، فإنه يصح أن يقال أي شئ صنع هذا، حتى حدث له هذا ~~المال؟ وإن لم يكن حصول المال له موقوفا على صنع من جهته، لجواز حدوثه له ~~عن إرث أو وصية. # وإن سلمنا دلالته على التوقف على الامر الوجودي، غير أنه معارض بما يدل ~~على صحة تعليل الامر الوجودي بالامر العدمي. # وبيانه أنه يصح أن يقال ضرب فلان عبد ه لأنه لم يمتثل أمره وشتم فلان ~~فلانا لأنه لم يسلم عليه، وهو تعليل للامر الوجودي بالامر العدمي. # وأما الوجه الثالث: فهو وإن سلمنا أن العلة لا بد وأن تكون بمعنى الباعث، ~~وأن الباعث عبارة عما ذكرتموه، ولكن لا نسلم امتناع كون الوصف العدمي باعثا ~~وذلك لأنا أجمعنا على جواز التعليل بالوصف الوجودي الظاهر المنضبط، إذا كان ~~يلزم من ترتيب الحكم على وفقه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة ظاهرا، فالعدم ~~المقابل له يكون أيضا ظاهرا منضبطا، ويكون مشتملا على نقيض ما اشتمل عليه ~~الوصف الوجودي، وهو لا يخرج عن المصلحة أو المفسدة، لأنه إن كان ما اشتمل ~~عليه الوصف الوجودي مصلحة، فعدمه يلزمه عدم تلك المصلحة، وعدم المصلحة ~~مفسدة، وإن كان ما اشتمل عليه الوصف الوجودي مفسدة، فعدمه يلزمه عدم تلك ~~المفسدة وعدم المفسدة مصلحة وهو مقدور للمكلف، لأنه إذا كان مقابله، وهو ~~الوصف الوجودي، مقدورا، فلا معنى لكونه مقدورا، إلا أنه مقدور على إيجاده ~~وإعدامه، فإذا العدم المقابل للوجود مقدور، وإذا كان مقدورا وهو ظاهر ~~PageV03P207 # منضبط مشتمل على مصلحة أو مفسدة، فقد أمكن التعليل به كما أمكن التعليل ~~بالوصف الوجودي. # والجواب عن الأول أن ما ذكروه من لزوم التسلسل بتقدير كون العلية صفة ~~وجودية لزم بتقدير كونها عدمية، وذلك، لان المفهوم من صفة العلية، إذا كان ~~أمرا عدميا، فإما أن يكون واجبا لنفسه ومفهومه، أو ممكنا لا جائز أن ms667 يكون ~~واجبا لذاته، والا لما افتقر في تحقيقه إلى نسبته إلى ذات العلة وكونه وصفا ~~لها، وإن كان ممكنا، فلا بد له من علة مرجحة. والتسلسل لازم له وعند ذلك، ~~فالجواب يكون متحدا. وما ذكروه من الاحتجاج ثانيا، فلا يصح. وذلك، لان وجود ~~الداعي إلى الفعل شرط وجود الفعل. وكذلك الرؤية لزيد شرط في السلام عليه، ~~لا أن ذلك علة له، وإنما أضيف عدم الأثر إليه بلام التعليل بجهة التجوز ~~لمشابهته للعلة في افتقار الأثر إلى كل واحد منهما. ولذلك، يقال في صورة ~~تعليق الطلاق والعتق بدخول الدار إنما طلقت الزوجة، وعتق العبد لدخول الدار ~~ويجب حمل ذلك على جهة التجوز جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل. # قولهم على الوجه الثاني: ليس فيه دلالة على توقف الحدوث عل تجدد الوجود ~~قلنا: دليله ما ذكرناه، وما ذكروه من الاستشهاد. فإنما صح بناءا على الظاهر ~~من جهة أن الغالب في حدوث المال لبعض الأشخاص أن يكون مستندا إلى صنعة لا ~~إلى ما ذكروه. ونحن إنما نتمسك في هذا الوجه بالظاهر، لا بالقطع. # وما ذكروه من المعارضة الدالة على تعليل الامر الوجودي بالامر العدمي غير ~~صحيح. فإن المعلل به ليس هو العدم المحض، فإنه غير منتسب إلى فعل الشخص فلا ~~يحسن جعله علة للعقاب، لا عقلا ولا شرعا، وإنما التعليل بالامتناع عن ذلك ~~وكف النفس عنه، وهو أمر وجودي لا عدمي. # وما ذكروه على الوجه الثالث فحاصله راجع إلى التعليل بالاعدام المقدور، ~~وهو أمر وجودي لا بالعدم المحض الذي لا قدرة للمكلف عليه. وذلك غير ما وقع ~~فيه النزاع. PageV03P208 # وإذا عرف امتناع تعليل الوجود بالعدم المحض مما ذكرناه، فبمثله يعلم أن ~~العدم لا يكون جزأ من العلة المقتضية للامر الوجودي، ولا داخلا فيها. ~~والوجه في الاعتراض على ذلك والانفصال، فعلى ما تقدم. # ويخصه اعتراض آخر وهو أن انتفاء معارضة المعجزة بمثلها جزء من المعرف ~~لكونها معجزة. وكذلك الدوران فإنه معرف لعلية المدار وأحد أجزاء الدوران ~~العدم مع العدم. # وجوابه أنا لا نسلم ms668 أن العدم فيما ذكروه من صور الاستشهاد جزء من المعرف ~~بل شرط، والشرط غير الجزء. # وإذا عرف امتناع تعليل الحكم الثبوتي بالعدم المحض، وامتناع جعله جزأ من ~~العلة لزم امتناع التعليل بالصفات الإضافية (1) وذلك لان المفهوم من الصفة ~~الإضافية إما أن يكون وجودا أو عدما لا جائز أن يكون وجودا، لان الصفة ~~الإضافية لا بد وأن تكون صفة للمضاف، ويلزم من ذلك قيام الصفة الوجودية ~~بالمعدوم المحض وهو محال. # وبيان لزوم ذلك أن الإضافة الواقعة بين المتناقضين وبين المتقدم والمتأخر ~~قائمة بكل واحد من الامرين وأحد المتقابلين مما ذكرناه لا بد وأن يكون ~~معدوما. وإذا بطل أن يكون المفهوم من الإضافة وجودا، تعين أن يكون عدما. # PageV03P209 # المسألة الخامسة اختلفوا في جواز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي: ~~فجوزه قوم. # ومنع منه آخرون. وشرطوا في العلة أن لا تكون حكما شرعيا. # ونحن نشير إلى مأخذ الفريقين، وننبه على ما فيه، ثم نذكر بعد ذلك ما هو ~~المختار. # فأما من قال بأن الحكم يجوز أن يكون علة للحكم، فقد احتجوا عليه بأن أحد ~~الحكمين قد يكون دائرا مع الحكم الآخر وجودا وعدما. والدوران دليل كون ~~المدار عليه للدائر (1) وسنبين أن الدوران لا يدل على التعليل فيما بعد. # وأما القائلون بامتناع التعليل بالحكم، فقد احتجوا بأن الحكم إذا كان علة ~~لحكم آخر، فإما أن يكون متقدما عليه، أو متأخرا عنه، أو مقارنا له لا جائز ~~أن يقال بالأول، وإلا لزم منه وجود العلة مع تخلف حكمها عنها وهو نقض ~~للعلة. # ولا جائز أن يقال بالثاني، لان المتأخر لا يكون علة للمتقدم. # وإن كان الثالث: فليس جعل أحدهما علة للآخر أولى من العكس. وأيضا فإنه ~~يحتمل أن لا يكون لحكم الأصل علة، ويحتمل أن يكون. وإذا كان معللا، احتمل ~~أن لا يكون الحكم به هو العلة، واحتمل أن يكون، وعلى هذا فلا يكون علة على ~~تقديرين، وإنما يكون علة على تقدير واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من ~~احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد. # وأيضا ms669 فإنه لو كان الحكم علة للحكم، فإما أن يكون علة بمعنى الامارة ~~المعرفة أو بمعنى الباعث. # لا جائز أن يقال بالأول لما سبق (2) ولا جائز أن يقال بالثاني، لان القول ~~بكون الحكم داعيا وباعثا على الحكم محال خارق للاجماع. # PageV03P210 # ولقائل أن يقول: أما الحجة الأولى، فلا نسلم امتناع التقدم. # قولهم: يلزم منه نقض العلة - ليس كذلك، فإن الحكم لم يكن علة لنفسه ~~وذاته، بل إنما يصير علة باعتبار الشرع له بقران الحكم الآخر به، وذلك كما ~~في تعليل تحريم شرب الخمر بالشدة المطربة، فإن الشدة المطربة، وإن كانت ~~متقدمة على التحريم، فلا يقال إنها علة قبل اعتبارها من الشرع بقران ~~التحريم بها، فلا تكون منتقضة بتخلف التحريم عنها قبل ورود الشرع. وإن ~~سلمنا امتناع التقدم فما المانع أن يكون مقارنا؟ # قولهم: ليس جعل أحد المقترنين علة للآخر أولى من العكس ليس كذلك، فإن ~~الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كان أحد الحكمين مناسبا للحكم الآخر من غير ~~عكس، وإلا فمع قطع النظر عن جهة البعث في أحد الحكمين، فلا يكون علة. # وما ذكروه من الترجيح، فهو لازم عليهم في التعليل بالأوصاف الحقيقة، وما ~~هو جواب ثم، فهو الجواب فيما نحن فيه. # وأما الحجة الثانية، فالمختار من قسميها أنه علة بمعنى الباعث. # قولهم: إنه ممتنع، خارق للاجماع، دعوى مجردة، لا دليل عليها. # وعند هذا، فنقول: المختار أنه يجوز أن يكون الحكم علة للحكم، بمعنى ~~الامارة المعرفة لكن لا في أصل القياس، بل في غيره، فقد حرمت كذا فإنه لا ~~يمتنع أن يقول الشارع: مهما رأيتم أنني حرمت كذا، فقد حرمت كذا، ومهما أبحت ~~كذا كما لو قال: مهما زالت الشمس فصلوا، ومهما طلع هلال رمضان فصوموا. # وأما في أصل القياس فقد بينا أنه لا يجوز أن تكون العلة فيه بمعنى ~~الامارة المعرفة، بل بمعنى الباعث، فإذا كان الحكم علة لحكم أصل القياس، ~~فلا بد وأن يكون باعثا عليه. # وعلى هذا، فحكم الأصل إما أن يكون حكما تكليفيا أو ثابتا بخطاب الوضع ms670 ~~والاخبار. PageV03P211 # فإن كان ثابتا بخطاب التكليف، امتنع أن يكون الحكم الشرعي علة له، لأنه ~~غير مقدور للمكلف لا في إيجاده، ولا في إعدامه، فلا يصلح أن يكون علة له ~~لما ذكرناه في امتناع التعليل بالوصف العدمي، وبما ذكرناه أيضا يمتنع ~~تعليله بالوصف العرفي والتقديري والوصف الوجودي الذي لا قدرة للمكلف على ~~تحصله، كالشدة المطربة والطعم والنقدية والصغر ونحوه. # وأما إن كان حكم الأصل ثابتا بخطاب الوضع والاخبار، فلا بد وأن يكون ~~الحكم المعلل به باعثا على حكم الأصل إما لدفع مفسدة لزمت من شرع الحكم. # المعلل به، واما لتحصيل مصلحة تلزم منه: فإن كان الأول، فيمتنع أن يكون ~~الحكم علة، لان المفسدة اللازمة من الحكم المعلل به كانت مطلوبة الانتفاء ~~بشرع حكم الأصل، لما شرع الحكم المعلل به، لما يلزم من شرعه من وجوه مفسدة ~~مطلوبة الانتفاء للشارع: وإن كان الثاني، فلا يمتنع تعليل الحكم بالحكم، ~~فإنه لا يمتنع أن يكون ترتيب أحد الحكمين على الآخر يستلزم حصول مصلحة لا ~~يستقل بها أحدهما، فقد ينحل من هذه الجملة أن إطلاق القول بامتناع التعليل ~~بالحكم الشرعي وجوازه ممتنع، بل لا بد من النظر إلى ما ذكرناه، لما ذكرناه ~~من التفصيل. # المسألة السادسة اشترط قوم أن تكون العلة ذات وصف واحد، لا تركيب فيه، ~~كتعليل تحريم الخمر بالاسكار ونحوه. ومنع من ذلك الأكثرون، وهو المختار ~~وذلك كتعليل وجوب القصاص بالمحدد بالقتل العمد العدوان. # ودليله أنه لا يمتنع أن تكون الهيئة الاجتماعية من الأوصاف المتعددة مما ~~يقوم الدليل على ظن التعليل بها إما بمناسبة أو شبه، أو سبر وتقسيم، أو غير ~~ذلك من طرق الاستنباط والتخريج مع اقتران الحكم بها حسب دلالته على علية ~~الوصف الواحد، وكان علة. # فإن قيل: ما ذكرتموه، وإن دل على جواز التعليل بعلة ذات أوصاف، غير أنه ~~معارض بما يدل على امتناعه. PageV03P212 # وبيانه من أربعة أوجه: # المعارضة الأولى: أن مجموع الأوصاف إذا كان علة للحكم، فالعلية صفة زائدة ~~على مجموع تلك الأوصاف. ودليله أمران: # الأول أنا نعقل الهيئة ms671 الاجتماعية من الأوصاف، ونجهل كونها علة والمعلوم ~~غير المجهول. # الثاني أنه يحسن أن يقال: الهيئة الاجتماعية من الأوصاف علة، فنصفها بها، ~~والصفة يجب أن تكون غير الموصوف. وعند ذلك فإما أن تكون صفة العلية بتمامها ~~قائمة بكل واحد من الأوصاف، أو بواحد منها، أو أنها مع اتحادها قائمة ~~بالمجموع، كل بعض منها قائم بوصف: # لا جائز أن يقال بالأول، وإلا كان كل وصف علة مستقلة، لان العلة مجموع ~~الأوصاف، وهو خلاف الفرض. كيف وإن ذلك محال كما يأتي. # وإن قيل بالثاني: فالعلة ذلك الوصف الذي قامت به صفة العلية، لا مجموع ~~الأوصاف، وهو أيضا خلاف الفرض. # ولا جائز أن يقال بالثالث، لان صفة العلية متحدة، فيلزم من ذلك تعدد ~~المتحد لقيامه بالمتعدد، أو اتحاد المتعدد، وهو محال. # المعارضة الثانية أنه لو كانت العلية صفة لأوصاف متعددة، فهي متوقفة على ~~كل واحد من تلك الأوصاف، ويلزم من ذلك أن يكون عدم كل وصف منها علة مستقلة ~~لعدم صفة العلية ضرورة انتفائها عند عدمه، وذلك محال لوجهين: # الأول أنه إذا انتفت جميع الأوصاف، فإما أن يكون عدم كل وصف علة مستقلة ~~لعدم العلية أو البعض دون البعض، أو أنه لا واحد منها مستقل بل المستقل ~~الجميع. # لا جائز أن يقال بالأول، لان معنى استقلال عدم كل واحد من الأوصاف بعدم ~~العلية، لا معنى له سوى أنه المفيد لذلك دون غيره، ويلزم من ذلك امتناع ~~استقلال كل واحد منها. # ولا جائز أن يقال بالثاني لأنه لا أولوية لاختصاص البعض بذلك دون البعض. ~~PageV03P213 # ولا جائز أن يقال بالثالث لما فيه من إخراج كل واحد من تلك الأوصاف عن ~~الاستقلال بالعلية، وقد قيل إنه مستقل. # الوجه الثاني: أنه إذا كان عدم كل وصف منها يستقل عند انفراده بعدم ~~العلية، فبتقدير انتفاء العلية عند انتفاء بعض الأوصاف، يلزم منه أنه إذا ~~انتفى بعد ذلك وصف آخر من تلك الأوصاف أن لا يكون موجبا لعدم العلية لكونها ~~معدومة ويلزم من ذلك نقض العلة العقلية، وهو محال. # المعارضة ms672 الثالثة أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد من تلك الأوصاف مناسبا ~~للحكم، أو لا واحد منها مناسب له، أو المناسب البعض دون البعض. # فإن كان الأول، فيلزم من مناسبة كل واحد للحكم مع اقتران الحكم به أن ~~يكون مستقلا بالتعليل، وعند ذلك، فالحكم إما أن يضاف إلى كل واحد على سبيل ~~الاستقلال، أو إلى البعض دون البعض، أو إلى الجملة، والكل محال لما تقدم في ~~المعارضة السابقة. # وإن كان الثاني فضم ما لا يصلح للتعليل إلى ما يصلح له لا يكون مفيدا ~~للتعليل. # وإن كان الثالث: فذلك هو العلة المستقلة لمناسبته وقران الحكم به، ولا ~~مدخل لغيره في التعليل. # المعارضة الرابعة: أن كل واحد من الأوصاف إذا لم يكن علة عند انفراده، ~~فعند انضمامه، إن تجددت صفة العلية له، فلا بد من تجدد أمر يقتضي العلية. # وذلك الامر المتجدد لا بد له من علة متجددة توجبه: والكلام في ذلك ~~المتجدد كالكلام في الأول، وهو تسلسل ممتنع. # الجواب عن المعارضة الأولى من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه لا معنى لكون مجموع الأوصاف علة سوى أن الشارع قضى بالحكم ~~رعاية لما اشتملت عليه الأوصاف من الحكمة. وليس ذلك صفة لها فلا يلزم ما ~~ذكروه، الا ان هذا يناقض ما ذكر من الوجه الأول في امتناع التعليل بالعدم ~~الثاني الثاني: أنه إن كانت العلية صفة للأوصاف غير أنه يمتنع ان تكون صفة ~~وجودية وبيانه من وجهين: PageV03P214 # الأول: أنها لو كانت صفة وجودية، لكانت عرضا، والصفات المعلل بها أعراض، ~~والعرض لا يقوم بالعرض كما بيناه في أبكار الأفكار وغيره. # الثاني: أنها صفة إضافية وقد بينا فيما تقدم أن المفهوم من الصفة ~~الإضافية غير وجودي، وما ذكروه من المحال، إنما يلزم بتقدير كونها صفة ~~وجودية، وليس كذلك غير أن هذين الجوابين يناقضان ما ذكر من الوجه الأول في ~~امتناع التعليل بالعدم. # الثالث: أن ما ذكروه منتقض بكون القول المخصوص خبرا أو استخبارا أو وعدا ~~أو وعيدا أو غير ذلك، مع تعدد ألفاظه وحروفه، فإن ms673 كل ما ذكروه من الأقسام ~~بعينه متحقق فيه. ومع ذلك، لم يمتنع وصفه بما وصف به. فما هو الجواب ها هنا ~~يكون جوابا في محل النزاع. # وعن الثانية: أنها مبنية على كون عدم الأوصاف علة لعدم العلية. وليس كذلك ~~لوجهين: # الأول: أن العدم لا يصلح أن يكون علة لما تقدم. # الثاني: أن وجود كل واحد من الأوصاف شرط في تحقق العلية، فانتفاء العلية ~~عند انتفاء بعض الأوصاف أو كلها إنما هو لانتفاء الشرط لا لعلة علم العلية. # وعن الثالثة: أنه وإن لم يكن كل واحد من الأوصاف مناسبا للحكم مناسبة ~~استقلال فلا يمتنع أن تكون مناسبة الاستقلال ناشئة أو ملازمة للهيئة ~~الاجتماعية من الأوصاف، كما في القتل العمد العدوان بالنسبة إلى وجوب ~~القصاص ونحوه. # وعن الرابعة: أن المتجدد والمستلزم للعلية إنما هو الانضمام الحادث ~~بالفاعل المختار، فلا تسلسل ثم يلزم على ما ذكروه تجدد الهيئة الاجتماعية ~~من الأوصاف المتعددة، فإنها غير متحققة في كل واحد واحد من الأوصاف مع لزوم ~~ما ذكروه. # فما هو الجواب عن تجدد الهيئة الاجتماعية يكون جوابا عن تجدد صفة العلية. ~~PageV03P215 # المسألة السابعة اتفق الكل على أن تعدية العلة شرط في صحة القياس وعلى ~~صحة العلة القاصرة كانت منصوصة أو مجمعا عليها. # وإنما اختلفوا في صحة العلة القاصرة إذا لم تكن منصوصة ولا مجمعا عليها. # وذلك كتعليل أصحاب الشافعي حرمة الربا في النقدين بجوهرية الثمينة. # فذهب الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل والقاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار ~~وأبو الحسين البصري وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى صحتها وذهب أبو حنيفة ~~وأصحابه وأبو عبد الله البصري والكرخي إلى إبطالها. # والمختار صحتها. وقد احتج القائلون بذلك بمسالك: # المسلك الأول أنهم قالوا: تعدية العلة إلى الفرع موقوف على صحتها في ~~نفسها فلو كانت صحتها متوقفة على تعديتها كان دورا ممتنعا. # ولقائل أن يقول إن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة ثبوت الحكم بها ~~في الفرع، فهو مسلم وإن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة وجودها في ~~الفرع لاغير، فهو غير مسلم. ms674 # وعلى هذا فنحن لا نقول بان التعدية بالاعتبار الأول شرط في صحة العلة ~~ليكون دورا، وإنما نقول بأن شرط صحة العلة التعدية بالاعتبار الثاني، وهو ~~غير مفض إلى الدور، فإن صحة العلة، وإن كانت مشروطة بوجودها في غير محل ~~النص، فوجودها غير متوقف على صحتها في نفسها، فلا دور، وإن سلمنا توقف ~~التعدية على الصحة وتوقف الصحة على التعدية، فإنما يلزم الدوران لو كان ذلك ~~التوقف مشروطا بتقدم كل واحد من الامرين على الاخر وأما إذا كان ذلك بجهة ~~المعية كما في توقف كل واحد من المضافين على الآخر فلا دور. # المسلك الثاني أنهم قالوا إذا دار الحكم مع الوصف القاصر وجودا وعدما دل ~~على كونه علة كالمتعدي، وهو غير صحيح لما سنبينه من إبطال التمسك بالدوران. ~~PageV03P216 # المسلك الثالث: أنهم قالوا إذا جاز أن تكون علة عند دلالة النص عليها جاز ~~أن تكون علة بالاستنباط، وهو غير صحيح أيضا. وذلك لان عليتها عند دلالة ~~النص مستفادة من النص، ودلالة النص عليها غير متحققة حالة استنباطها، فلا ~~يلزم أن تكون علة. # فإن قيل: إذا دل النص على علية الوصف القاصر، وجب الحكم بعلية المستنبط ~~لما بينهما من الاشتراك في الحكمة قلنا: هذا قياس في الأسباب، وسيأتي ~~إبطاله. # والمعتمد في ذلك أن يقال إذا كان الوصف القاصر مناسبا للحكم، والحكم ثابت ~~على وفقه، غلب على الظن كونه علة للحكم بمعنى كونه باعثا عليه، ولا معنى ~~لصحة العلة سوى ذلك. # فإن قيل القضاء بصحة العلة يستدعي فائدة، فإن ما لا فائدة فيه لا يمكن ~~القضاء بصحته، وفائدة العلة إنما هي في إثبات الحكم بها، والعلة القاصرة ~~غير مثبتة للحكم في الأصل لكونه ثابتا بالنص أو الاجماع، ولأنها مستنبطة ~~منه، فتكون فرعا عليه فلو كانت مثبتة له، لكان فرعا عليها، وهو دور، ولا هي ~~مثبتة للحكم في الفرع لعدم تعديتها. فقد تعرت عن الفائدة بالكلية، فلا تكون ~~صحيحة. # قلنا: وإن سلمنا امتناع إثبات الحكم بالعلية القاصرة، وأن إثبات الحكم ~~بها فائدة لها، ولكن لا ms675 نسلم انحصار فائدتها في ذلك، بل لها ثلاث فوائد ~~أخر. # الأولى معرفة كونها باعثة على الحكم بما اشتملت عليه من المناسبة أو ~~الشبه وإذا كانت باعثة على الحكم، كان الحكم معقول المعنى، وكان أدعى إلى ~~الانقياد وأسرع في القبول له مما لم يظهر فيه الباعث، وكان تعبدا، وإذا كان ~~كذلك، كان أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع من شرع الحكم، فكان التعليل بها ~~مفيدا. # الثانية: أن العلة إذا كانت قاصرة، فبتقدير ظهور وصف آخر متعد في محلها ~~يمتنع تعدية الحكم به دون ترجيحه على العلة القاصرة، وذلك من أجل الفوائد. # الثالثة: أنه إذا كانت القاصرة علة، وعرفناها، فقد امتنع بسببها تعدية ~~الحكم إلى الفرع، وذلك أيضا من أتم الفوائد. PageV03P217 # فإن قيل: وإن كان ما ذكرتموه من جملة الفوائد، وأن ذلك مما يغلب على الظن ~~الصحة، غير أن العمل بالظن على خلاف قوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا) * وحيث خالفناه في العلة المتعدية لاشتمالها على ما ذكرتموه من ~~الفوائد وزيادة فائدة التعدية، فلا يلزم منه المخالفة فيها (1) دون ذلك. # قلنا: يجب حمل الآية على ما المطلوب فيه القطع، جمعا بينه وبين ما ذكرناه ~~من الدليل. # سلمنا أنه لا فائدة في العلة القاصرة، ولكن لا يلزم من ذلك امتناع القضاء ~~بصحتها بدليل ما لو كانت منصوصة. # المسألة الثامنة اختلفوا في جواز تخصيص العلة المستنبطة: # فجوزه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل ومنع من ذلك أكثر أصحاب ~~الشافعي. وقد قيل إنه منقول عن الشافعي. # PageV03P218 # ثم القائلون بجواز تخصيصها اتفقوا على جواز تخصيص العلة المنصوصة. # واختلفوا: في جواز تخصيص المستنبطة إذا لم يوجد في محل التخلف مانع ولا ~~فوات شرط، فمنع منه الأكثرون وجوزه الأقلون. # والقائلون بالمنع في تخصيص العلة المستنبطة اختلفوا في جواز تخصيص العلة ~~المنصوصة. # والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن يقال: العلة الشرعية لا تخلو إما أن ~~تكون قطعية أو ظنية: # فإن كانت قطعية، فتخلف الحكم عنها لا يخلو إما أن يكون لا بدليل أو ~~بدليل. لا ms676 جائز أن يقال بالأول، لأنه محال. # وان كان الثاني: فالدليل اما ظني أو قطعي، والظني لا يعارض القطعي، ~~وتعارض قاطعين أيضا محال، الا ان يكون أحدهما ناسخا للآخر وإن كانت ظنية، ~~فتخلف الحكم عنها إما في معرض الاستثناء أولا في معرض الاستثناء: # فإن كان الأول كتخلف إيجاب المثل في لبن المصراة عن العلة الموجبة له وهي ~~تماثل الاجزاء، بالعدول إلى إيجاب صاع من التمر، وتخلف وجوب الغرامة عمن ~~صدرت عنه الجناية في باب ضرب الدية على العاقلة، وتخلف حكم الربا مع وجود ~~الطعم في العرايا ونحوه، فذلك مما لا يدل على بطلان العلة، بل تبقي حجة ~~فيما وراء صورة الاستثناء، وسواء كانت العلة المخصوصة منصوصة أو مستنبطة، ~~وذلك لان الدليل من النص أو الاستنباط قد دل على كونها علة، وتخلف الحكم ~~حيث ورد بطريق الاستثناء عن قاعدة القياس كان مقررا لصحة العلة لا ملغيا ~~لها. # وأما إن كان تخلف الحكم عنها لا بطريق الاستثناء فلا يخلو إما أن تكون ~~العلة منصوصة أو مستنبطة: فإن كانت منصوصة فلا يخلو إما أن يمكن حمل النص ~~على أن الوصف المنصوص عليه بعض العلة، وذلك PageV03P219 # كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين مأخوذا (1) من قوله عليه ~~السلام الوضوء مما خرج (2) فإنه إذا تخلف عنه الوضوء في الحجامة أمكن أخذ ~~قيد الخارج من السبيلين في العلة، وتأويل النص بصرفه عن عموم الخارج النجس ~~إلى الخارج من المخرج المعتاد أو حمله على تعليل حكم آخر غير الحكم المصرح ~~به في النص، وذلك قوله (3) تعالى: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين) * (59) الحشر: 2) معللا بقوله تعالى * (ذلك بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله) * (59) الحشر: 4) فإن الحكم المعلل المصرح به إنما هو خراب البيت، ~~وليس كل من شاق الله ورسوله يخرب بيته، فأمكن حمل الخراب على استحقاق ~~الخراب، وجد الخراب أو لم يوجد. أو أنه لا يمكن ذلك، فإن أمكن تأويل النص ~~بالحمل على معنى خاص أو حكم آخر خاص وجب التأويل لما فيه من الجمع بين دليل ~~التعليل بتأويله، ودليل إبطال ms677 العلة المذكورة. وإن لم يمكن تأويله بغير ~~الوصف المذكور والحكم المرتب عليه، فغايته امتناع إثبات حكم العلية، لما ~~عارضها من النص النافي لحكمها و العلة المنصوصة في معنى النص وتخلف حكم ~~النص عنه في صوره (4)، لما عارضه لا يوجب إبطال العمل به في غير صورة ~~المعارضة، فكذلك العلة المنصوصة. # و أما إن كانت العلة مستنبطة، فتخلف الحكم عنها إما أن يكون لمانع أو ~~فوات شرط أو لا يكون. # فإن كان الأول: وذلك كما في تعليل إيجاب القصاص على القاتل بالقتل العمد ~~العدوان، وتخلف الحكم عنه في الأب والسيد بمانع الأبوة والسيادة، فلا يكون # PageV03P220 # ذلك مبطلا للعلية فيما وراء صورة المخالفة، لان دليل الاستنباط قد دل على ~~العلية بالمناسبة والاعتبار، وقد أمكن إحالة نفي الحكم على ما ظهر من ~~المانع لا على إلغاء العلة فيجب الحمل عليه جمعا بين الدليل الدال على ~~العلة والدليل الدال عل مانعية الوصف النافي للحكم، فإن الجمع بين الأدلة ~~أولى من إبطالها. # ولا يخفى: أن القول بإبطال العلة بتخلف الحكم عنها مما يلزم منه إبطال ~~الدليل الدال على العلة والدليل الدال على مانعية المانع، فكان القول ~~بإحالة نفي الحكم على المانع أولى. # فإن قيل: لا نسلم أن المناسبة وقران الحكم بها فقط دليل العلية، بل مع ~~الاطراد، وإن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم إمكان تعليل انتفاء الحكم بالمانع ~~لوجهين: # الأول أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلف يتوقف ~~على وجود المقتضي للحكم فيها، فإنه لو لم يكن المقتضي للحكم موجودا فيها، ~~لكان الحكم منتفيا لانتفاء المقتضي لا للمانع ولا لفوات الشرط، والقول بكون ~~الوصف المذكور علة يتوقف في صورة التخلف على وجود المانع أو فوات الشرط، ~~فإنا إذا لم نتبين وجود المانع ولا فوات الشرط، فالحكم يجب أن يكون منتفيا ~~لانتفاء ما يقتضيه، وعند ذلك نتبين أن الوصف المذكور ليس بعلة، وإذا توقف ~~كل واحد من المقتضي والمانع على الآخر، كان دورا ممتنعا وهذا الامتناع إنما ~~لزم من التعليل بالمانع أو فوات ms678 الشرط في صورة التخلف، فكان ممتنعا. # الوجه الثاني أن انتفاء الحكم في صورة التخلف كان متحققا قبل وجود ~~المانع، وفي تعليله بالمانع تعليل المتقدم بالمتأخر وهو محال، وسواء كان ~~المانع بمعنى الامارة أو الباعث. # قلنا: جواب الأول أنا إذا رأينا الوصف مناسبا والحكم مقترنا به، غلب على ~~الظن تأول النظر (1) إليه أنه علة مع قطع النظر عن البحث في جميع مجاري ~~العلة، هل الحكم مقارن لها أو لا. # PageV03P221 # وأما الاطراد فحاصله يرجع إلى السلامة عن النقص المعارض لدليل العلية ~~وعدم المعارض عن داخل في دليل العلية وعن الدور من ثلاثة أوجه: # الأول لا نسلم أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع يستدعي وجود المقتضي. # ودليله أنه يصح انتفاؤه بالمانع مع وجود المقتضي، ومع كون المقتضي معارضا ~~للمانع، فلان يصح تعليل النفي به مع عدم المقتضي كان أولى (1). # الثاني وإن سلمنا توقف التعليل بالمانع على وجود المقتضي، ولكن لا نسلم ~~توقف وجود المقتضي على وجود المانع، فإن كون المقتضي مقتضيا إنما يعرف ~~بدليله من المناسبة والاعتبار، أو غير ذلك من الطرق، وذلك متحقق فيما نحن ~~فيه. فيجب القضاء بكونه مقتضيا. والمانع إنما هو من قبيل المعارض، فإن وجد ~~انتفى الحكم المقتضي مع بقاء المقتضي بحاله مقتضيا، وإن لم يوجد، عمل ~~المقتضي عمله. # الثالث سلمنا توقف كل واحد منهما على الآخر، لكن توقف معية أو توقف تقدم: ~~الأول مسلم، والثاني ممنوع. وعلى هذا، فلا دور. # وعن قولهم: فيه تعليل المتقدم بالمتأخر أن المعلل نفيه بالمانع إنما هو ~~انتفاء الحكم الذي صار بسبب وجود المقتضي بعرضية الثبوت عرضية لازمة لا ~~مطلق حكم، وذلك مما لا يسلم تقدمه على المانع المفروض وأما إن لم يظهر في ~~صورة التخلف مانع ولا فوات شرط، فالحق بطلان العلة، وذلك لان العلة ~~المستنبطة إنما عرف كونها علة باعتبار الشارع لها بثبوت الحكم على وفقها، ~~وذلك إن دل على اعتبارها. فتخلف الحكم عنها مع ظهور ما يكون مستندا لنفيه ~~يدل على إلغائها، وليس أحد الدليلين أولى من الآخر، فيتقاومان ويبقى الوصف ms679 ~~على ما كان قبل الاعتبار، ولم يكن قبل ذلك علة، فكذلك بعده. # فإن قيل: مناسبة الوصف وقران الحكم به دليل ظاهر على كونه علة، وكذلك ~~سائر طرق الاستنباط، وهذا الدليل قائم، وإن وجد النقص، وتخلف الحكم # PageV03P222 # عن الوصف، غايته أنه يوجب الشك في فساد العلة، وتقاوم احتمال انتفاء ~~الحكم لانتفاء العلة، أو وجود المعارض على السواء، وإذا كان دليل العلة ~~ظاهرا ودليل الفساد مشكوكا فيه، فالمشكوك فيه لا يقع في مقابلة الظاهر. ~~ودليل وقوع الشك في فساد العلة في صورة النقض وتقاوم الاحتمال فيها، أنه ~~يحتمل أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض، من وجود مانع أو فوات ~~شرط، ويحتمل أنه لفساد العلة، وهما متقاومان. وبيان التقاوم أن احتمال ~~الانتفاء لانتفاء العلة، وإن كان على وفق الأصل بالنسبة إلى احتمال انتفائه ~~للمعارض، دفعا لمحذور المعارضة، غير أنه على خلاف الأصل بالنظر إلى إبطال ~~العلة مع قيام الدليل الدال على كون الوصف علة، واحتمال انتفاء الحكم ~~للمعارض وإن كان على خلاف الأصل لما فيه من نفي الحكم مع قيام دليله، غير ~~أنه على وفق الأصل من جهة موافقة الدليل الدال على كون الوصف علة، فإذا ~~احتمال انتفاء الحكم لانتفاء العلة موافق للأصل من وجه، ومخالف له من وجه، ~~فيتقاوم الاحتمالان على السواء وذلك مما يوجب الشك في فساد العلة. والشك لا ~~يعارض الظاهر بوجه. # قلنا: إذا اعترف بالشك في دليل فساد العلة، فيلزم منه الشك في فساد ~~العلة، ويلزم من الشك في فساد العلة انتفاء الظن بكونها علة، لان الصحة ~~والفساد متقابلان، فمهما وقع الشك في أحد المتقابلين، وقع الشك في الآخر، ~~وإن كان أحدهما ظاهرا، والآخر بعيدا، فالقول بوقوع الشك في أحد المتقابلين ~~مع ظهور الآخر ممتنع، كما يمتنع الشك في الغيم مع ظن الصحو، والشك في موت ~~زيد مع ظن حياته. # وهذا بخلاف ما إذا شككنا في الطهارة، وحكمنا بالنجاسة، نظرا إلى النجاسة ~~السابقة، فإن الشك في هذه الصور لا يجامع النظر إلى الأصل، بل عند النظر ~~إلى ms680 الأصل يترجح أحد احتمالي الشك على الآخر، فلا يبقى الشك متحققا، حتى ~~إنه لو وقع الشك في النجاسة أو الطهارة مع النظر إلى الأصل، لبقي الشك ~~معمولا به. وهذا، بخلاف ما نحن فيه، فإن الشك انما وقع في فساد العلة في ~~صورة النقض مع النظر إلى دليل العلة، ولولا النظر إلى دليل العلة، لكان ~~الظاهر انتفاء الحكم لا انتفاء العلة. # ومهما كان كذلك، فلا يمكن القضاء بظهور العلة، مع أن تقاوم الاحتمال إنما ~~كان بالنظر إلى دليل العلة. PageV03P223 # كيف وإنه قد يمكن أن يقال: انتفاء الحكم مع وجود الوصف دليل ظاهر على أنه ~~ليس بعلة، وثبوت الحكم على وفقه مع مناسبته، مما يوجب الشك في صحة التعليل ~~به في محل الاعتبار والمشكوك فيه لا يعارض الظاهر، وبيان وقوع الشك في صحة ~~التعليل في الأصل المستروح إليه أنه وإن كان ثبوت الحكم به على وفق الأصل ~~غير أنه على خلاف الأصل بالنظر إلى دليل الفساد. وثبوت الحكم لغيره، وإن ~~كان على خلاف الأصل مع عدم الظفر به إلا أنه على وفق الأصل بالنظر إلى دليل ~~الفساد ويلزم من ذلك تقاوم الاحتمالات في صحة العلة. وكان الظاهر قد دل على ~~فسادها، فلا يترك بالمشكوك فيه. # فإن قيل: ما ذكرتموه من دلائل عدم الانتقاض في الصور المذكورة معارض من ~~ثمانية أوجه: (1) الأول وهو اختيار أبي الحسين البصري، أن تخصيص العلة مما ~~يمنع من كونها أمارة على الحكم في شئ من الفروع، سواء ظن بها أنها جهة ~~للمصلحة، أو لم يظن بها ذلك. # وبيان ذلك أنا إذا علمنا أن علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا هي كونه ~~موزونا، ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا مع أنه موزون، لم يخل ~~إما أن يعلم ذلك بعلة أخرى تقتضي إباحته، أو بنص فإن علمنا إباحته بعلة ~~أخرى يقايس بها الرصاص على أصل مباح لكونه أبيض مثلا، فإنا عند ذلك لا نعلم ~~تحريم بيع الحديد بالحديد متفاضلا إلا بكونه موزونا غير أبيض، فإنا لو ~~شككنا في كونه ms681 أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلا كما لو شككنا في كونه موزونا، ~~فبان أنا لا نعلم بعد التخصيص تحريم شئ لكونه موزونا فقط، فبطل أن يكون ~~الموزون # PageV03P224 # وحده علة، بل الموزون مع كونه غير أبيض. وعلى هذا، يكون الكلام فيما إذا ~~دل على إباحة بيع الرصاص نص، وسواء علمت علة الإباحة أو لم تعلم. # الثاني قال بعض أصحابنا: اقتضاء العلة للحكم إما أن يعتبر فيه انتفاء ~~المعارض، أو لا يعتبر: فإن اعتبر لم تكن العلة علة الا عند انتفاء المعارض، ~~وذلك يقتضي أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ليس هو تمام العلة، بل بعضها. وإن ~~لم يعتبر، فسواء حصل المعارض أو لم يحصل يكون الحكم حاصلا، وذلك يقدح في ~~كون المعارض معارضا. # الثالث: أنه لابد وأن يكون بين كون المقتضي مقتضيا اقتضاء حقيقيا بالفعل ~~وبين كون المانع مانعا حقيقيا بالفعل منافاة بالذات، وشرط طريان أحد ~~المتنافيين بالذات انتفاء الأول وليس انتفاء الأول لطريان اللاحق، وإلا لزم ~~الدور وحيث كان شرط كون المانع مانعا خروج المقتضي عن كونه مقتضيا بالفعل ~~لم يجز أن يكون خروجه عن كونه مقتضيا بالفعل لأجل تحقق والا لزم الدور فإذا ~~المقتضي إنما خرج عن كونه مقتضيا لا بالمانع، بل بذاته، وقد انعقد الاجماع ~~على أن ما يكون كذلك لا يصلح للعلية. # الرابع أن الوصف وإن وجد مع الحكم في الأصل، فقد وجد مع الحكم في صورة ~~النقض مع عدم الحكم. ووجوده مع الحكم لا يقتضي القطع بكونه علة لذلك الحكم ~~ووجوده مع عدم الحكم في صورة النقض يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم ~~في تلك الصورة. والوصف الحاصل في الفرع، كما إنه مثل الوصف الحاصل في ~~الأصل، فهو مثل الوصف الحاصل في صورة النقض، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من ~~الآخر، فلم يجز الحكم عليه بكونه علة. # الخامس قالوا: لا طريق إلى صحة العلة الشرعية سوى جريانها مع معلولها، ~~فإذا لم تجر معه، لم يكن إلى صحتها طريق. # السادس قالوا: العلة الشرعية إذا دل الدليل على تعلق ms682 الحكم بها، امتنع ~~تخصيصها، كالعلة العقلية. PageV03P225 # السابع قالوا: العلة في القياس طريق إلى إثبات الحكم في الفرع، فإذا وجدت ~~العلة في فرعين، امتنع أن تكون طريقا إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر، كما ~~في الادراكات والأدلة العقلية. # الثامن قالوا: لو جاز وجود العلة الشرعية في فروع يثبت الحكم معها في ~~البعض دون البعض لم يكن البعض بالاثبات أولى من البعض الآخر. # وما ذكرتموه من دليل الانتقاض في الصورة الأخيرة معارض من أربعة أوجه: ~~(1) الأول إجماع الصحابة على ذلك. ودليله ما روي عن ابن مسعود أنه كان يقول ~~هذا حكم معدول به عن سنن القياس (2) واشتهر ذلك فيما بين الصحابة من غير ~~نكير، فصار إجماعا. # الثاني: أن العلة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع، ووجودها في موضع من ~~غير حكم لا يخرجها عن كونها أمارة، فإنه ليس من شرط كون الامارة أمارة على ~~شئ أن يكون ذلك الشئ ملازما لها دائما بدليل وجود جميع الامارات الشرعية ~~على إثبات الاحكام، وإن لم تكن الاحكام ملازمة لها قبل ورود الشرع وبدليل ~~الغيم الرطب، فإنه أمارة على وجود المطر، وإن لم يكن المطر ملازما له ~~ولذلك، فإن وقوف مركوب القاضي على باب الملك أمارة على كونه في دار الملك ~~ولا يخرج في ذلك أمارة، لوجوده (3) في بعض الأوقات والقاضي غير موجود # PageV03P226 # في دار الملك، بأن يكون مركوبه مستعارا، وكذلك خبر الواحد فإنه أمارة على ~~وجود الحكم، وتخلف حكمه عند وجود النص الراجح المخالف له لا يخرجه عن كونه ~~أمارة، عليه عند عدم ذلك النص. # الثالث أن العلة المستنبطة أمارة، فجاز تخصيصها كالمنصوصة. # الرابع أن كون الوصف أمارة على الحكم في محل إما أن يتوقف على كونه إمارة ~~على ذلك الحكم في محل آخر، أو لا يتوقف: فإن توقف فإما أن لا يتعاكس الحال ~~في ذلك، أو يتعاكس (2): الأول محال، لما فيه من الدور. # والثاني أيضا محال لعدم الأولوية. ولم يتوقف فهو المطلوب. # والجواب عن المعارضة الأولى من المعارضات الدالة على امتناع التخصيص: # أنا، وإن ms683 سلمنا أن علة القياس أمارة على حكم الفرع معرفة له، وأنه إذا ~~تخلف الحكم عنها في صورة أخرى للمعارض لا يمكن إثبات الحكم بها في فرع من ~~الفروع دون العلم بانتفاء ذلك المعارض لها المتفق عليه، ولكن لا يلزم أن ~~يكون انتفاء ذلك لمعارض من جملة المعرف للحكم، بل المعرف للحكم إنما هو ما ~~كان باعثا عليه في الأصل، وانتفاء المعارض انما توقف إثبات حكم الامارة ~~عليه ضرورة أن الحكم لا يثبت مع تحقق المعارض النافي له، فكان نفيه شرطا في ~~إثبات حكم الامارة لا أنه داخل في مفهوم الامارة. # وعن الثانية أنه، وإن سلم أن اقتضاء العلة للحكم لا يتوقف على عدم ~~المعارض، فما المانع منه؟ # قولهم إنه يكون الحكم حاصلا. وإن حصل المعارض، لا نسلم ذلك، فإن العلة، ~~وان كانت مقتضية للحكم فإنما يلزم وجود الحكم، أن لو انتفى المعارض الراجح ~~أو المساوي. # PageV03P227 # وعلى هذا فلا يلزم من النفي القدح في المعارض ولا في العلة. # وعن الثالثة لا نسلم المنافاة بين اقتضاء المقتضي واقتضاء المانع، ولا ~~استحالة الجمع بينهما، وإن استحال الجمع بين حكميهما. # وعلى هذا، فلا يلزم من تحقق المانع خروج المقتضي عن جهة اقتضائه، لا ~~بذاته، ولا بغيره، بخلاف المتنافيات بالذات. # وعن الرابعة أنه، وإن كان وجود الوصف مع الحكم في الأصل لا يوجب القطع ~~بكونه علة، لكنه يغلب على الظن كونه علة، ووجوده مع عدم الحكم في صورة ~~النقض، لا نسلم أنه يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم، بل الظن بالعلية ~~باق بحاله، وانتفاء الحكم إنما كان لوجود المعارض النافي للحكم على ما هو ~~معلوم من قاعدة القائلين بتخصيص العلة. # وعن الخامسة: لا نسلم أن اطراد العلة طريق إلى صحتها، كما يأتي مفصلا من ~~كونه (1) لا طريق سواه وعن السادسة: لا نسلم أن العلة العقلية يمتنع تخلف ~~الحكم عنها، بل ذلك جائز عند فوات القابل لحكمها، كما بيناه في الكلاميات. ~~وإن سلمنا امتناع تخلف حكمها عنها، فليس ذلك لدلالة الدليل على تعلق الحكم ~~بها، ms684 ولا لكونها علة، بل إنما كان ذلك بكونها مقتضية للحكم لذاتها، وذلك ~~غير متحقق في العلة الشرعية فإنها ليست مقتضية للحكم لذاتها وإنما هي علة ~~بوضع الشارع لها أمارة على الحكم في الفرع. # وعن السابعة: أنه ليست العلة في امتناع الافتراق في الدليل العقلي ~~المتعلق بمدلولين، وامتناع الافتراق في الادراك المتعلق بمدركين، كونه ~~طريقا لا دليلا بل لكون الدليل العقلي موجبا لذاته، ولكون الادراك مما يجب ~~العلم بالمدرك عنده عادة (2) بخلاف العلل الشرعية، على ما سبق. # PageV03P228 # وعن الثامنة: أنه إنما اختص البعض بتخلف الحكم دون البعض، لاختصاصه ~~بمعارض لا تحقق له فيما كان الحكم ثابتا فيه. # وعن المعارضة الأولى: من المعارضات الدالة على التخصيص أنه لا دلالة لقول ~~ابن مسعود على أن القياس الذي كان الحكم ثابتا على خلافه أنه حجة، فالاجماع ~~على ذلك لا يكون مفيدا. # وإن كان حجة، لكن يمكن حمله على ما إذا كان تخلف الحكم عنه بطريق ~~الاستثناء. ويجب الحمل عليه، جمعا بين الأدلة. # وعن الثانية: لا نسلم أن تخلف الحكم عن الامارة من غير معارض لا يخرجها ~~عن كونها أمارة، وذلك، لأنه إما أن يكون كل ما توقف عليه التعريف في صورة ~~كانت الامارة أمارة فيه قد تحقق في صورة تخلف الحكم أو لم يتحقق. # فإن كان الأول: فتخلف الحكم عنه ممتنع. # وإن كان الثاني: فالموجود في صورة التخلف ليس هو الامارة التي توقف عليها ~~التعريف، بل البعض منها. # وعلى هذا، يكون تخريج كل ما ذكروه من الصور (1). # وعن الثالثة: بمنع كون المستنبطة مع تخلف الحكم عنها من غير معارض أمارة. ~~وعلى هذا، فلم يوجد الجامع بين الأصل والفرع. وإن دلوا على كونها أمارة مع ~~التخصيص بطريق آخر، فهو كاف في المطلوب، وخروج عن خصوص هذه الدلالة. # وعن الرابعة: أن المختار مما ذكروه من الأقسام قسم التوقف من الطرفين. # قولهم: إن ذلك يفضي إلى الدور - إنما يلزم إن لو توقف كون الامارة في كل ~~واحدة من الصورتين على كونها أمارة في الصورة الأخرى توقف تقدم ms685 أما إذا كان ~~ذلك بطريق المعية فلا، كما عرف ذلك فيما تقدم والله أعلم. # PageV03P229 # المسألة التاسعة اختلفوا في الكسر: وهو تخلف الحكم المعلل عن معنى العلة ~~وهو الحكمة المقصودة من الحكم، هل هو مبطل للعلة أو لا؟ # وصورته: ما لو قال الحنفي في مسألة العاصي بسفره مسافر، فوجب أن يترخص في ~~سفره كغير العاصي في سفره وبين مسافة السفر، بما فيه من المشقة. # فقال المعترض: ما ذكرته من الحكمة، وهي المشقة، منتقضة،، فإنها موجودة في ~~حق الحمال وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر، ومع ذلك فإنه لا رخصة. # والأكثرون على أن ذلك غير مبطل للعلة. # والوجه فيه أن الكلام إنما هو مفروض في الحكمة التي ليست منضبطة بنفسها ~~بل بضابطها وعند ذلك فلا يخفى أن مقدارها مما لا ينضبط، بل هو مختلف ~~باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس ~~إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الاحكام، على ~~ما قال تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وعلى هذا، فيمتنع ~~التعليل بها دون ضابطها. وإذا لم تكن علة، فلا معنى لا يراد النقض عليها. # فإن قيل: المقصود من شرع الحكم إنما هو الحكمة دون ضابطها، وعند ذلك ~~فيحتمل أن يكون مقدار الحكمة في صورة النقض مساويا لمقدارها في صورة ~~التعليل، ويحتمل أن يكون أزيد، ويحتمل أن يكون أنقص. وعلى تقدير المساواة ~~والزيادة، فقد وجد في صورة النقص ما كان موجودا في صورة التعليل، وإنما لا ~~يكون موجودا بتقدير أن يكون أنقض. # ولا يخفى أن ما يتم على تقديرين أغلب على الظن مما لا يتم إلا على تقدير ~~واحد. # ومع ذلك، فيظهر إلغاء ما ظن أن الحكم معلل به. # قلنا: الحكمة، وإن كانت هي المقصودة من شرع الحكم، لكن على وجه تكون ~~مضبوطة إما بنفسها، أو بضابطها، لما ذكرناه. وما فرض من الحكمة في صورة ~~النقض مجردة عن ضابطها، فامتنع كونها مقصودة، وبتقدير كونها PageV03P230 # مقصودة، فالنقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل كونها ms686 معللا بها. وعلى هذا ~~فانتفاء الحكم، مع وجود الحكمة، في دلالته على إبطال التعليل بالحكمة مرجوح ~~بالنظر إلى دليل التعليل بها، وذلك لأنه من المحتمل أن يكون انتفاء الحكم ~~في صورة النقص لمعارض. ومع هذا الاحتمال، فتخلف الحكم عنها لا يدل على ~~إبطالها. # فإن قيل: بحثنا وسبرنا فلم نطلع على ما يصلح معارضا في صورة النقص (1)، ~~فيظهر أن انتفاءه لانتفاء العلة، فهو معارض بقول المستدل، بحثت في محل ~~التعليل فلم أطلع على ما يصلح للتعليل سوى ما ذكرته فدل على التعليل به فإن ~~قيل: بحثنا راجح، لما فيه من موافقة انتفاء الحكم لانتفاء علته إذ هو ~~الأصل، نفيا للتعارض، فهو معارض بما بحث المستدل من موافقة ما ظهر من دليل ~~العلة من المناسبة والاعتبار، فيتقاومان، ويترجح كلام المستدل بأن مقدار ~~الحكمة في صورة التعليل، وإن كان مظنون الوجود في صورة النقض، فيحتمل أن لا ~~يكون موجودا فيها، وإلا كان مقطوعا، لا مظنونا، وهو موجود في صورة التعليل ~~قطعا مع قران الحكم به قطعا، وهو دليل العلية، وما هو دليل البطلان موجودها ~~(2) في صورة النقض ظنا، مع انتفاء الحكم قطعا، والمقطوع به من وجهين راجح ~~على ما هو مقطوع من وجه، ومظنون من وجه. # ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح مما لا يتجه على النقض على المظنة. فلذلك، ~~كان النقض لازما على المظنة دون الحكمة. # فإن قيل: فلو فرض وجود الحكمة في صورة النقض قطعا، فما المختار فيه؟ # قلنا: ذلك مما يمتنع وقوعه. وبتقدير وقوعه، فقد قال بعض أصحابنا: # إنه لا الفتات إليه، مصيرا منه إلى أن التوسل إلى معرفة ذلك في آحاد ~~الصور بخفائه وندرته مما يلزم منه نوع عسر وحرج، ولا يلزم مثله في التوسل ~~إلى معرفة الضوابط الجلية. فكان من المناسب حط هذه الكلفة عن المجتهد، ورد ~~الناس إلى الضوابط الجلية المشتملة على احتمال الحكم في الغالب. # PageV03P231 # ولقائل أن يقول: البحث عن الحكمة في آحاد الصور، هل هي موجودة قطعا وإن ~~كان يفضي إلى العسر والحرج، إلا أنا ms687 نعلم أن المقصود الأصلي من إثبات ~~الاحكام ونفيها إنما هو الحكم والمقاصد. فعلى تقدير وجود الحكمة في بعض ~~الصور مماثلة لها في محل التعليل قطعا، لو لم نقل بوجوب التعليل بها في غير ~~محل التعليل. لزم منه انتفاء الحكم مع وجود حكمته قطعا، وذلك ممتنع، كما ~~يمتنع إثبات الحكم مع انتفاء حكمته قطعا فيما عدا الصورة النادرة، وكذلك لو ~~لم نقل بإلغائها عند تخلف الحكم عنها فيصح مع تيقنها، فيلزم منه (1) إثبات ~~الحكم بها مع الضابط مع كونها ملغاة قطعا. # ولا يخفى أن محذور إثبات الحكم لحكمة ألغاها الشارع أو نفي الحكم مع وجود ~~حكمته يقينا أعظم من المحذور اللازم للمجتهد من البحث عن الحكمة في آحاد ~~الصور، على ما لا يخفى. # وعلى هذا، يكون الكلام فيما إذا فرض وجود الحكمة في صورة النقض أزيد منها ~~في محل التعليل يقينا. لكن إن كان قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو أليق ~~بها بأن يكون وافيا بتحصيل أصل الحكمة وزيادة ولو رتب عليها في تلك الصورة ~~الحكم المعلل كان فيه الاخلال بتلك الزيادة في صورة النقض، فلا يكون ذلك ~~نقضا للحكمة، ولا إلغاء لها، بل الواجب تخلف الحكم المعلل عنها وإثبات ~~الحكم اللائق بها، الوافي بتحصيل الزيادة لما فيه من رعاية أصل المصلحة ~~وزيادتها فإنه أولى من رعاية أصل المصلحة وإلغاء الزيادة. فإذا انتفاء ~~الحكم في هذه الصورة لا يدل على إلغاء الحكمة بل على اعتبارها بأصلها ~~وصفتها. # ومثال ذلك ما إذا علل المستدل وجوب القطع قصاصا بحكمة الزجر فقال ~~المعترض: مقصود الزجر في القتل العمد العدوان أعظم. ومع ذلك فإنه لا يجب به ~~القطع، فللمستدل أن يقول: الحكمة في صورة النقض، وإن كانت أزيد منها في محل ~~التعليل، غير أنه قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو أليق بها، وهو وجوب ~~القتل. # PageV03P232 # المسألة العاشرة اختلفوا في النقض المكسور، وهو النقض على بعض أوصاف ~~العلة (1). # وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة عند ~~العاقد ms688 حال العقد، فلا يصح بيعه، كما لو قال بعتك عبد ا فقال المعترض هذا ~~ينتقض بما لو تزوج امرأة لم يرها، فإنها مجهولة الصفة عند العاقد لدى ~~العقد، ومع ذلك فإن النكاح يصح، والأكثرون على رده وإبطاله. # وذلك، لان التعليل إنما وقع بكونه مبيعا مجهول الصفة، لا بكونه مجهول ~~الصفة فقط، والمنكوحة ليست مبيعة، وإن كانت مجهولة الصفة. وإبطال التعليل ~~ببعض أوصاف العلة لا يكون إبطالا بجملة العلة. # نعم. إن بين المعترض أنه لا تأثير للوصف الذي وقع به الاحتراز عن النقص ~~في الحكم لا بانفراده ولا مع ضميمة إلى الوصف الآخر، فالمستدل بين أمرين ~~بين أن يبقى مصرا على التعليل بمجموع الوصفين، وبين أن يترك الكلام على ~~التعليل بالوصف المنقوض: # فإن كان الأول: فقد بطل التعليل بما علل به لعدم التأثير لا بالنقض. # وإن كان الثاني: فقد بطل التعليل بالنقض لكونه واردا على كل العلة. # فإن قيل: الوصف المحذوف وإن لم يكن مناسبا، ولا له تأثير في إثبات الحكم ~~المعلل لا بانفراده، ولا مع ضميمة إلى غيره، فلا يمتنع أخذه في التعليل ~~لفائدة الاحتراز عن النقض، وإنما يخرج عن التعليل، إن لو تعرى عن الفائدة ~~بالكلية، وليست الفائدة منحصرة في المناسبة على ما تقدم. # قلنا: فائدة الاحتراز به عن النقض متوقفة على كونه من أجزاء العلة، حتى ~~إنه لو لم يكن من أجزاء العلة، لكانت العلة ما وراءه، والنقض إذ ذاك يكون ~~واردا عليها. وكونه من أجزاء العلة يتوقف على إمكان الاحتراز به عن النقض ~~وهو دور ممتنع. # PageV03P233 # المسألة الحادية عشرة اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية: فأثبته ~~قوم: ونفاه أصحابنا والمعتزلة. # وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من بيان أقسام العكس، واختلاف الاصطلاحات ~~فيه، وتعيين محل النزاع منها فنقول: أما العكس في اللغة فمأخوذ من رد أول ~~الامر إلى آخره، وآخره إلى أوله، وأصله شد رأس البعير بخطامه إلى ذراعه. # وأما في اصطلاح الحكماء فهو عبارة عن جعل اللازم ملزوما، والملزوم لازما ~~مع بقاء كيفية القضية بحالها ms689 من السلب والايجاب (1) وذلك كقول القائل في ~~عكس القضية الحملية إذا كانت موجبة كلية، كقولنا كل إنسان حيوان أو جزئية ~~كقولنا بعض الانسان حيوان بعض الحيوان إنسان أو كلية سالبة، كقولنا لا شئ ~~من الانسان بحجر لا شئ من الحجر بإنسان وعلى قياسه عكس القضية الشرطية. # وأما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين، فقد يطلق العكس باعتبارين: # الأول: منهما مثل قول الحنفي: لما لم يجب القتل بصغير المثقل، لم يجب ~~بكبيره بدليل عكسه في المحدد، وهو أنه لما وجب بكبير الجارح، وجب بصغيرة ~~وهو باطل. # PageV03P234 # فإنه لا مانع من ورود الشارع بوجوب القصاص بكل جارح، وإن تخصص وجوبه في ~~المثقل بالكبير منه. # وأما الثاني: فهو انتفاء الحكم عند انتفاء العلة (1) والعكس بهذا ~~الاعتبار هو المقصود بالخلاف ها هنا. # والمختار فيه إنما هو التفصيل وهو أن جنس الحكم المعلل، إما أن لا يكون ~~له سوى علة واحدة، أو أنه معلل بعلل، في كل صورة بعلة. # فإن كان الأول، وذلك كتعليل جنس وجوب القصاص في النفس بالقتل العمد ~~العدوان، فإنه لا علة له سواه، فلا شك في لزوم انتفائه عند انتفاء علته، لا ~~لأنه يلزم من نفي العلة الواحدة نفي الحكم، بل لان الحكم لا بد له من دليل، ~~ولا دليل. # وإن كان الثاني: كما في تعليل إباحة الدم بالقتل العمد العدوان، والردة ~~عن الاسلام والزنا في الاحصان، وقطع الطريق، وتعليل نقض الوضوء بالمس ~~واللمس والبول والغائط فلا شك أنه لا يلزم من انتفاء بعض هذه العلل نفي جنس ~~الحكم لجواز وجود علة أخرى: وإنما يلزم نفيه بتقدير انتفاء جميع العلل. # هذا في جنس الحكم المعلل وأما آحاد أشخاص الحكم في آحاد الصور، فإنه ~~يمتنع تعليله بعلتين، على ما يأتي تقريره. وإنما يكون معللا بعلة واحدة على ~~طريق البدل، فلا يلزم من نفي العلة المعينة نفيه لجواز وجود بدلها، لما ~~سبق. # فإن قيل: وإن كان الحكم معللا بعلة واحدة، ولا علة له سواها، في دليل ~~عليه، فكانت مشابهة للدليل العقلي في العقليات، ولا يلزم ms690 من نفي الدليل في ~~العقليات نفي المدلول، ولهذا فإن الصنعة دليل وجود الرب تعالى. ولو قدر ~~انتفاؤها لم يلزم منه انتفاء وجود الرب تعالى فكذلك العلة الشرعية. # قلنا: العلة، وإن كانت دليل الحكم، فلا نعني بانتفاء الحكم عند انتفائها ~~انتفاءه في نفسه بل انتفاء العلم أو الظن به ضرورة توقف ذلك على النظر ~~الصحيح في الدليل، ولا دليل. وكذلك الحكم في الصنعة مع الصانع. # PageV03P235 # المسألة الثانية عشرة (1) اتفقوا على جواز تعليل الحكم بعلل، في كل صورة ~~بعلة. # واختلفوا: في جواز تعليل الحكم الواحد (2) في صورة واحدة بعلتين معا ~~فمنهم من منع ذلك مطلقا كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين ومن تابعهما. # ومنهم من جوز ذلك مطلقا. # ومنهم من فصل بين العلل المنصوصة والمستنبطة، فجوزه في المنصوصة، ومنع ~~منه في المستنبطة، كالغزالي ومن تابعه. # والمختار: إنما هو المذهب الأول. وذلك، لأنه لو كان معللا بعلتين، لم يخل ~~إما أن تستقل كل واحدة بالتعليل، أو أن المستقل بالتعليل إحداهما دون ~~الأخرى أو أنه لا استقلال لواحدة منهما، بل التعليل لا يتم إلا باجتماعهما. # لا جائز أن يقال بالأول، لان معنى كون الوصف مستقلا بالتعليل أنه علة ~~الحكم دون غيره، ويلزم من استقلال كل واحدة منهما بهذا التفسير امتناع ~~استقلال كل واحدة منهما، وهو محال. # وإن كان الثاني: أو الثالث، فالعلة ليست إلا واحدة. وعلى هذا فلا فرق بين ~~أن تكون العلة في محل التعليل بمعنى الباعث أو بمعنى الامارة. # فإن قيل: نحن لا نفسر استقلال العلة بأن الحكم ثبت بها لا غير، ليلزمنا ~~ما قيل، بل معنى استقلالها أنها لو انفردت لكان الحكم ثابتا لها، ولا أثر ~~لانتفاء غيرها. # ولا يخفى وجه الفرق بينه وبين القسمين الآخرين. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع تعليل الحكم بعلتين على وجه تكون كل ~~واحدة مستقلة بالحكم، لكنه معارض بما يدل على جوازه، بالنظر إلى ما هو ~~الواقع من أحكام الشرع. # وذلك أنا قد اتفقنا على ثبوت الحكم الواحد عقيب علل مختلفة، كل واحدة قد ~~ثبت استقلالها ms691 بالتعليل في صورة. # PageV03P236 # وعند ذلك، فإما أن يقال: العلة منها واحدة، أو الكل علة واحدة ذات أوصاف، ~~أو أن كل واحدة علة مستقلة لا جائز أن يقال بالأول، وإلا فهي معينة أو ~~مبهمة: القول بالتعيين ممتنع لعدم الأولوية، ولما فيه من خروج الباقي عن ~~التعليل مع استقلال كل واحدة به، وبهذا يبطل الابهام. # والقسم الثاني أيضا، فلم يبق سوى القسم الثالث وهو الاستقلال. # ودليل ثبوت مثل هذه الأحكام، الاجماع على إباحة قتل من قتل مسلما قتلا ~~عمدا عدوانا، وارتد عن الاسلام، وزنا محصنا، وقطع الطريق معا، وعلى ثبوت ~~الولاية على الصغير المجنون، وعلى امتناع نكاح من أولدته وأرضعته، وعلى ~~تحريم وطئ الحائض المعتدة المحرمة، وعلى انتقاض الوضوء بالمس واللمس والبول ~~والغائط معا. # والجواب عن الاشكال الأول أن الكلام إنما هو مفروض في حالة الاجتماع. # لا في حالة الانفراد، والتقسيم في حالة الاجتماع، فعلى ما سبق. # وأما الاحكام فالوجه في دفعها أن نقول أما إباحة قتل من قتل، وارتد، وزنا ~~محصنا، وقطع الطريق، فالعلل وإن كانت فيه متعددة: فالحكم أيضا متعدد شخصا، ~~وإن اتحد نوعا. ولذلك، فإنه لا يلزم من انتفاء إباحة القتل بعد العود عن ~~الردة إلى الاسلام انتفاؤها بباقي الأسباب الاخر، ولا من انتفاء الإباحة ~~بسبب إسقاط القصاص انتفاؤها بباقي الأسباب. # ويدل على تعدد الحكم أيضا أن الإباحة بجهة القتل العمد العدوان حق للآدمي ~~بجهة الخلوص. ولذلك، يتمكن من إسقاطه مطلقا، والإباحة بجهة الزنا والردة حق ~~الله تعالى بجهة الخلوص دون الآدمي، وذلك غير متصور في شئ واحد، وعلى تقدير ~~الاستيفاء، فالمقدم حق الآدمي، وهو الإباحة بجهة القصاص، لان حقه مبني على ~~الشح والمضايقة، وحق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، من حيث إن ~~الآدمي يتضرر بفوات حقه دون الباري تعالى. # وأما ثبوت الولاية على الصغير المجنون فمستندة إلى الصغر لسبقه على ~~الجنون لكون الجنون لا يعرف إلا بعد حين. وكذلك امتناع نكاح الوالدة ~~المرضعة. # فإنه مستند إلى الولادة دون الرضاع لسبقها عليه. PageV03P237 # وأما الوطئ في حق الحائض المعتدة ms692 المحرمة فغير محرم على التحقيق، وإنما ~~المحرم في حق الحائض ملابسة الأذى، وفي حق المعتدة تطويل العدة، وفي حق ~~المحرمة إفساد العبادة، وهي أحكام متعددة، لا أنها حكم واحد. # وأما المس واللمس وباقي الأسباب فالأحداث المرتبة عليها متعددة على رأي ~~لنا. # وعلى هذا فلو نوى رفع حدث واحد منها لا يرتفع الباقي، فأحكامها أيضا ~~متعددة، لا أنها حكم واحد، والنزاع إنما هو في تعليل الحكم الواحد بالشخص ~~بعلتين، لا في تعليل حكمين. # وعلى هذا فلا يخفى وجه التخريج لكل ما يرد من هذا القبيل. # المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في العلة الواحدة الشرعية هل تكون علة ~~لحكمين شرعيين أو لا؟ # والمختار جوازه. وذلك، لان العلة إما بمعنى الامارة أو الباعث. # فإن كانت بمعنى الامارة فغير ممتنع لا عقلا ولا شرعا نصب أمارة واحدة على ~~حكمين مختلفين. وذلك مما لا نعرف فيه خلافا كما لو قال الشارع: جعلت طلوع ~~الهلال أمارة على وجوب الصوم والصلاة ونحوه (1). # وأما إن كانت بمعنى الباعث، فلا يمتنع أيضا أن يكون الوصف الواحد باعثا ~~للشرع على حكمين مختلفين، أي مناسبا لهما. وذلك كمناسبة شرب الخمر للتحريم ~~ووجوب الحد، وكذلك التصرف بالبيع من الأهل في المحل المرئي، فإنه مناسب ~~لصحة البيع ولزومه. # فإن قيل: إذا كان الوصف مناسبا لاحد الحكمين، فمعنى كونه مناسبا له أنه ~~لو رتب ذلك الحكم عليه لحصل مقصوده. # وعلى هذا، فيمتنع أن يكون مناسبا للحكم الآخر، لأنه لو ناسبه لكان بمعنى ~~أن ترتيبه عليه محصل للمقصود منه، وفي ذلك تحصيل الحاصل لكونه حاصلا بالحكم ~~الآخر. # PageV03P238 # وأيضا فإنه إذا كان الوصف الواحد مناسبا لحكمين مختلفين: # فإما أن يناسبهما من جهة واحدة، أو من جهتين مختلفتين: # فإن كان الأول، فهو ممتنع، إذ الشئ الواحد لا يكون مناسبا لشئ من جهة ما ~~يناسب مخالفه. # وإن كان الثاني فعلة الحكمين مختلفة لا أنها متحدة. # والجواب عن الأول أن معنى المناسب للحكم أعم مما ذكروه. # وذلك لان المناسب ينقسم إلى ما ترتيب الحكم الواحد عليه يستقل بتحصيل ~~مقصوده، وذلك ms693 مما يمنع كونه مناسبا لحكمين بهذا التفسير وإلى ما يتوقف حصول ~~مقصوده على ترتيب الحكم عليه. # وإن لم يكن ذلك الحكم وافيا بتحصيل المقصود دون الحكم الآخر. # وعلى هذا، فامتناع مناسبة الوصف الواحد للحكمين بالتفسير الأول وإن كان ~~لازما فلا يمتنع أن يكون مناسبا للحكمين بالتفسير الثاني. # وعن الاشكال الثاني: أنه إذا عرف أن معنى مناسبة الوصف للحكمين توقف حصول ~~المقصود منه على شرع الحكمين، فلا يمتنع أن يكون الوصف مناسبا لهما من جهة ~~واحدة. # المسألة الرابعة عشرة إذا كانت العلة في أصل القياس بمعنى الباعث، كما ~~قررناه، فشرطها أن تكون ضابط الحكمة المقصودة للشرع من إثبات الحكم أو ~~نفيه، بحيث لا يلزم منه (1) إثبات الحكم مع تيقن انتفاء الحكمة في صورة، ~~وإلا كان فيه إثبات الحكم مع انتفاء الحكمة المطلوبة منه يقينا، وهو ممتنع، ~~ومثاله ما لو قيل بأن حكمة القصاص إنما هي صيانة النفس المعصومة عن الفوات، ~~فمن ضبط صيانة النفس عن الفوات بالجرح لا غير، كما يقوله أبو حنيفة، فيلزمه ~~شرع القصاص في حق من جرح ميتا ضرورة وجود الضابط مع تيقن انتفاء الحكمة أو ~~نفي الحكم مع وجود علته، وهو ممتنع. # فإن قيل: وإن لزم من ذلك إثبات الحكم في صورة بدون حكمة واحدة. # PageV03P239 # وذلك الضابط (1) في الأصل المذكور إنما يمتنع الضبط به إن لو لم يكن له ~~سوى حكمة واحدة. # وأما إذا جاز أن يكون الوصف الواحد ضابطا في كل صورة لحكمة، فانتفاء حكمة ~~إحدى الصورتين عن الأخرى لا يوجب أن يكون ثبوت الحكم في الصورة التي انتفت ~~عنها تلك الحكمة عريا عن الفائدة، بل يكون ثبوته بالحكمة الخاصة بتلك ~~الصورة والضابط لها، ولحكمة الحكم في الصورة الأخرى شئ واحد. # قلنا: إذا اتحد الضابط فاختصاصه في كل صورة بحكمة مخالفة للحكمة المختصة ~~به في الصورة الأخرى، إما أن يكون ذلك لذاته أو لمخصص مختص بتلك الصورة دون ~~الصورة الأخرى. # لا جائز أن يقال بالأول: وإلا لزم الاشتراك بين الصورتين في الحكمتين ~~ضرورة اتحاد المستلزم لها. ms694 # وإن قيل بالثاني: فما به التخصيص في كل واحدة من الصورتين، ولا وجود له ~~في الصورة الأخرى يكون من جملة الضابط، فالضابط للحكمتين يكون مختلفا وإن ~~كان مركبا من الوصف المشترك وما به تخصصت كل صورة من المخصص الزائد (2). # المسألة الخامسة عشرة ذهب جماعة إلى إن شرط ضابط الحكمة أن يكون جامعا ~~بحيث لا توجد الحكمة يقينا في صورة دونه، مصيرا منهم إلى أنه لو كان كذلك ~~فلا يخلو إما أن يثبت الحكم في الصورة التي وجدت فيها الحكمة دون ذلك ~~الضابط أو لا يثبت فإن كان الأول، فيلزم مه إدارة الحكم على الحكمة دون ~~ضابطها، وهو ممتنع، لما فيه من الاستغناء عن الضابط لامكان إثبات الحكم ~~بالحكمة دونه. # وإن كان الثاني فيلزم منه إهمال الحكمة مع العلم بأن الحكم لم يثبت إلا ~~بها، وهو ممتنع. # وصورة ذلك ضبط الحنفي العمدية باستعمال الجارح، حيث إنه يلزم منه إهمال ~~العمدية مع تيقن وجودها فيما إذا أدار حجر البزارة على رأسه، أو ألقاه في ~~بحر مغرق أو نار محرقة. # PageV03P240 # ولقائل أن يقول: ما ذكر من المحذور إنما يلزم إن لو امتنع تعليل الحكم في ~~صورتين بعلتين، وهو باطل لما سبق. # ومع جواز تعليل الحكم في صورتين بعلتين، لا يمتنع أن تكون حكمة الحكم في ~~الصورتين واحدة، ولها في كل صورة ضابط بحسب تلك الصورة، وذلك لا يجر إلى ~~إهمال الحكمة ولا إلى إلغاء الضابط. # المسألة السادسة عشرة اختلفوا في جواز تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عن ~~ذلك الحكم في الوجود وذلك كتعليل إثبات الولاية للأب على الصغير الذي عرض ~~له الجنون بالجنون، فإن الولاية ثابتة قبل عروض الجنون. # والمختار امتناعه. وذلك، لأن علة حكم الأصل إما أن تكون بمعنى الباعث أو ~~بمعنى الامارة المعرفة له. # فإن كان الأول، فيلزم من تأخر العلة عن الحكم في الوجود أن يكون الحكم ~~ثابتا قبل ذلك: إما لا بباعث أو بباعث غير العلة المتأخرة عنه لاستحالة ~~ثبوت الحكم بباعث لا تحقق له مع الحكم. # وإن كان ms695 الثاني، فهو ممتنع لوجهين: # الأول: ما بيناه من امتناع كون العلة في الأصل بمعنى الامارة. # الثاني: أنها وإن كانت بمعنى الامارة فإنما هو في تعريف الحكم، وقد عرف ~~قبلها ضرورة سبقه في الوجود عليها، وتعريف المعروف محال. # فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يستقيم بتقدير امتناع تعليل الحكم الواحد ~~بعلتين وإلا فبتقدير تعليله بعلتين، فلا يمتنع تعليله بعلة موجودة معه وعلة ~~متأخرة عنه. # قلنا: أما أولا فقد بينا امتناع تعليل الحكم بعلتين في صورة واحدة ~~وبتقدير جواز ذلك فإنما يجوز لتقدير أن لا تكون إحدى العلتين متقدمة على ~~الأخرى لما بيناه فيما تقدم. PageV03P241 # المسألة السابعة عشرة إذا كان الحكم في الأصل نفيا، والعلة له وجود مانع ~~أو فوات شرط، فقد اختلفوا في اشتراط وجود المقتضي لاثباته. # والمختار اشتراطه. وذلك، لان الاحكام إنما شرعت لمصالح الخلق، فما لا ~~فائدة في إثباته، فلا يشرع. فانتفاؤه يكون لانتفاء فائدته، وسواء وجدت ثم ~~حكمة تقتضي نفيه أو لم توجد. وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء فائدته، وبين ~~انتفائه لوجود فائدة نافية له. وإذا كان كذلك، فما لم يوجد المقتضي ~~للاثبات، كان نفي الحكم للمانع أو لفوات الشرط ممتنعا. # فإن قيل: لا خفاء بأن وجود المقتضى من قبيل المعارض لوجود المانع وفوات ~~الشرط، فإذا استقل المانع وفوات الشرط بنفي الحكم مع وجود ما يعارضه ويكسر ~~سورته، فلان يستقل بالنفي مع انتفاء المعارض كان أولى (1) وأيضا فإنا لو ~~اشترطنا وجود المقتضي، فيلزم منه التعارض بينه وبين المانع أو فوات الشرط ~~والتعارض على خلاف الأصل لما فيه من إهمال أحد الدليلين. وعند انتفاء ~~المقتضي، لو أحلنا نفي الحكم على نفي المقتضى مع تحقق ما يناسب نفي الحكم ~~من المانع أو فوات الشرط، لزم منه إهمال مناسبة المانع وفوات الشرط مع ~~اقتران نفي الحكم به، وهو خلاف الأصل. # قلنا: جواب الاشكال الأول أنه لا يلزم من انتفاء الحكم بالمانع وفوات ~~الشرط مع وجود المقتضي المشترط في إعماله لما بيناه انتفاؤه له مع فوات شرط ~~إعماله. # وجواب الثاني: أنه وإن لزم ms696 من وجود المقتضي التعارض بينه وبين المانع أو ~~فوات الشرط، فهو أهون من نفيه لوجود المانع مع فوات شرط إعماله على ما ~~حققناه. # PageV03P242 # ولهذا كان نفي الحكم بالمانع وفوات الشرط مع وجود المقتضي متفقا عليه بين ~~القائلين بتخصيص العلة، ومختلفا فيه مع انتفاء المقتضي. # وبتقدير انتفاء المقتضي فنفي الحكم له دون ما ظهر من المانع وفوات الشرط ~~وإن أفضى إلى إلغاء مناسبة المانع وفوات الشرط مع اعتباره إلا أنه أولى من ~~انتفائه للمانع أو فوات الشرط. # ولهذا، وقع الاتفاق من الكل على استقلاله بالنفي عند عدم المعارض ووقع ~~الخلاف في استقلال المانع وفوات الشرط بالنفي مع القائلين بامتناع تخصيص ~~العلة، فكان النفي له أولى (1). # ولا يمكن أن يقال بإحالة النفي على نفي المقتضي والمانع معا لأنه معا ~~لأنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد مستقلا بالنفي أو أن المقتضي للنفي ~~الهيئة الاجتماعية منهما وهما بمنزلة أجزاء العلة النافية: لا سبيل إلى ~~الأول لما بيناه من امتناع تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين ~~مستقلتين، ولا سبيل إلى الثاني لان نفي المقتضي بتقدير انتفاء معارضه مستقل ~~بالنفي إجماعا، وفيه إخراج المستقل عن الاستقلال وهو ممتنع. وإذا ثبت أنه ~~لا بد في التعليل بالمانع وفوات الشرط من وجود المقتضي فلا بد من بيانه ~~بطريق تفصيلي يدل على وجوده وعليته بما يساعد من الأدلة وإن اتفق أن كان ~~الشارع قد نص على نفي الحكم، فهو دليل ظاهر على وجود المقتضى، لأنه لو لم ~~يكن المقتضي موجودا، كانت فائدة التنصيص على النفي التأكيد لاستقلال نفي ~~المقتضي بالنفي. # والأصل أن يحمل كلام الشارع على فائدة التأسيس، لكونها أصلا. # وإنما يتم ذلك بالنظر إلى وجود المقتضي. # فإن قيل: اعتقاد وجود المقتضي حملا للكلام على فائدة التأسيس يلزم منه ~~نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه، وهو خلاف الأصل، وليس مخالفة محذور مخالفة ~~المقتضى مع كونه خلاف الأصل دفعا لمحذور حمل الكلام على فائدة التأكيد أولى ~~من العكس. # PageV03P243 # قلنا: بل المحذور اللازم من نفي الحكم مع وجود ms697 ما يقتضيه مخالفة المقتضي ~~لا غير وهو غالب في الشرع، ومحذور التأكيد مع كونه نادرا فيه مخالفة ما ظهر ~~من مناسبة المانع واعتباره، مع أن الغالب من حال الشارع اعتبار المناسبات، ~~لا إلغاؤها. # ولا يخفى أن التزام محذور عهد التزامه في الشرع غالبا وليس فيه التزام ~~محذور آخر، أولى من التزام محذور لم يعهد التزامه في الشرع غالبا وفيه ~~التزام محذور آ خر. # المسألة الثامنة عشرة يجب أن لا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل ~~بها مما ترجع على الحكم الذي استنبطت منه بالابطال. # وذلك كتعليل وجوب الشاة في باب الزكاة بدفع حاجة الفقراء، لما فيه من رفع ~~وجوب الشاة (1) وأن ارتفاع الأصل المستنبط منه يوجب إبطال العلة المستنبطة ~~منه ضرورة توقف عليتها على اعتبارها به. # وأن لا تكون طردية محضة كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه. # لما بيناه من أن العلة في الأصل لا تكون إلا بمعنى الباعث، والوصف الطردي ~~(2) لا يكون باعثا، ولأن الحكم في الفرع إنما يثبت بما غلب على الظن أن ~~الحكم في الأصل ثابت له، وذلك غير متصور في الوصف الطردي. # وأن لا يكون لها في الأصل معارض لا تحقق له في الفرع لما يأتي تقريره، ~~وأن لا تكون مخالفة للنص الخاص أو للاجماع. وهذا كله من الشروط المتفق ~~عليها. # وقد اشترط فيها أن لا تكون مخصصة لعموم القرآن، وقد أبطلناه فيما تقدم ~~(3) وأن لا تعارضها علة أخرى تقتضي نقيض حكمها. # PageV03P244 # وإنما يصح ذلك أن لو كانت العلة المعارضة لها راجحة عليها، وممتنعة ~~التخصيص وقد عرف ما في ذلك (1). # وأن لا تتضمن زيادة على النص، وإنما يصح ذلك أن لو كانت الزيادة منافية ~~لمقتضى النص (2). # وأن تكون منتزعة من أصل مقطوع بحكمه، وليس كذلك لما بيناه من جواز القياس ~~على أصل حكمه ثابت بدليل مظنون، وأن لا تكون مخالفة لمذهب الصحابي، وليس ~~كذلك، لجواز أن يكون مذهب الصحابي مستندا إلى علة مستنبطة من أصل آخر، إلا ~~أن تكون علته مع ظهورها راجحة، وأن يكون وجودها في ms698 الفرع مقطوعا به، وليس ~~كذلك، لان وجودها أحد ما يتوقف عليه الحكم في الفرع، فكان الظن كافيا فيه، ~~كما في وجودها في الأصل وفي كونها علة، وفي نفي المعارض عنها في الأصل ~~والفرع. # وبالجملة فهذه الشروط في محل الاجتهاد. # المسألة التاسعة عشرة اتفقوا على أن نصب الوصف سببا وعلة من الشارع، وأن ~~دليله لا بد وأن يكون شرعيا وسواء كان كونه سببا وعلة وحكما شرعيا، أو لم ~~يكن، كما سبق وجه الكلام فيه، وإنما اختلفوا في الدليل الدال على العلة ~~الجامعة في القياس: # فذهب بعض أصحابنا إلى أن شرطه أن لا يكون متناولا لاثبات الحكم في الفرع ~~وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة الفواكه مطعوم فجرى فيه الربا قياسا على ~~البر، ثم دل على كون الطعم علة بقوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام # PageV03P245 # إلا مثلا بمثل (1) فإنه وإن كان دليلا على كون الطعم علة بالايماء فهو ~~دليل على تحريم الربا في الفواكه بعمومه. # وربما كان الدليل الدال على العلة متناولا لحكم الفرع بخصوصه، دون حكم ~~الأصل وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة الخارج من غير السبيلين خارج نجس ~~فينفض الوضوء كالخارج من السبيلين. ثم دل على كون الخارج النجس علة للنقض ~~بقوله، عليه السلام من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة (2) فإن ~~القئ والرعاف والمذي من حيث هو خارج، نجس مناسب لنقض الوضوء، فترتيب الحكم ~~عليه في كلام الشارع يدل على التعليل به، كما يأتي في طرق إثبات العلة، ~~ولكنه مع ذلك متناول لاثبات حكم الفرع بخصوصه دون حكم الأصل، وإنما شرطوا ~~امتناع ذلك مصيرا منهم إلى أنه إذا كان دليل العلة يستقل بالدلالة على ~~الحكم المتنازع فيه، فالاستدلال بالعلة على الحكم على وجه لا بد من إثباتها ~~بدليل يستقل بإثبات الحكم المتنازع فيه، يكون تطويلا بلا فائدة، فليعدل ~~إليه أولا. # ولقائل أن يقول: الاستدلال بالعلة المثبتة بالنص المتناول لحكم الفرع وإن ~~أفضى إلى التطويل، فحاصله يرجع إلى مناقشة جدلية، وليس ذلك مما يقدح في ms699 صحة ~~القياس المذكور، ولا يكون قادحا في المقصود، وقد ينقدح عنه جواب آخر في بعض ~~الصور، وهو عندما إذا كان العام الدال على حكم الفرع قد خص في صورة، وكان ~~المستدل ممن يرى أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجة إلا في أقل الجمع، فله ~~أن يقول: إنما لم أتمسك بعموم النص في إثبات حكم الفرع، لعدم مساعدة الدليل ~~على إدراج الفرع فيه، وذلك لا يمنع من التمسك به في إثبات العلة ولو في ~~صورة واحدة، ومهما كان كذلك، لزم إثبات الحكم بتلك العلة في أي صورة وجدت، ~~ولذلك وقع التمسك به في إثبات العلة دون الحكم. # PageV03P246 # المسألة العشرون اختلف الشافعية والحنفية في حكم أصل القياس المنصوص ~~عليه، هل هو ثابت بالعلة، أو النص. # فقالت: الشافعية إنه ثابت بالعلة وقالت: الحنفية إنه ثابت بالنص، محتجين ~~على ذلك بأمور ثلاثة: # الأول: أن الحكم في الأصل مقطوع به، والعلة المستنبطة منه مظنونة. ~~والمقطوع به لا يكون ثابتا بالمظنون. # الثاني: أن العلة مستنبطة من حكم الأصل، ومتفرعة عليه، وتابعة له في ~~الوجود فلو كان الحكم ثابتا بها، لكان الأصل ثابتا بما لا ثبوت له دون ~~ثبوته، وهو دور. # الثالث: أنه قد يثبت الحكم تعبدا من غير علة، فلو كان ثابتا بالعلة، لما ~~ثبت مع عدمها. # واعلم أن الخلاف في هذه المسألة آيل إلى اختلاف في اللفظ. # وذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعلة، لا يريدون به أن العلة معرفة ~~له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه، وأنها لا تعرف دون معرفته وإنما ~~يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الأصل. # وأنها التي لأجلها أثبت الشارع الحكم، وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك ~~وحيث قالت الحنفية: إن العلة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست ~~باعثة وإنما أرادوا بذلك أنها غير معرفة لحكم الأصل بالنسبة إلينا وأصحابنا ~~غير منكرين لذلك فلا خلاف في المعنى، بل في اللفظ. PageV03P247 # القسم الثالث في شروط الفرع وهي خمسة الشرط الأول: أن يكون خاليا عن ms700 ~~معارض راجح يقتضي نقيض ما اقتضته علة القياس، على رأي القائلين بجواز تخصيص ~~العلة، ليكون القياس مفيدا. # الشرط الثاني: أن تكون العلة الموجودة فيه مشاركة لعلة الأصل، إما في ~~عينها كتعليل تحريم شرب النبيذ بالشدة المطربة المشتركة بينه وبين الخمر، ~~أو في جنسها كتعليل وجوب القصاص في الأطراف بجامع الجناية المشتركة بين ~~القطع والقتل، لان القياس على ما تقدم إنما هو تعدية حكم الأصل إلى الفرع، ~~بواسطة علة الأصل. # فإذا لم تكن علة الفرع مشاركة لها في صفة عمومها ولا خصوصها، فلم تكن (1) ~~علة الأصل في الفرع، فلا يمكن تعدية حكم الأصل إلى الفرع. الشرط الثالث: أن ~~يكون الحكم في الفرع مماثلا لحكم الأصل في عينه، كوجوب القصاص في النفس ~~المشترك بين المثقل والمحدد، أو جنسه كإثبات الولاية على الصغيرة في ~~نكاحها، قياسا على إثبات الولاية في مالها، فإن المشترك بينهما إنما هو جنس ~~الولاية لا عينها، ولو لم يكن كذلك لكان القياس باطلا. وذلك، لان شرع ~~الاحكام لم يكن مطلوبا لذاته، بل لما يفضي إليه من مقاصد العباد، وسواء ظهر ~~المقصود أم لم يظهر. فان كان حكم الفرع مماثلا لحكم الأصل، علمنا أن ما ~~يحصل به من المقصود مثل ما يحصل من حكم الأصل ضرورة اتحاد الوسيلة، فيجب ~~إثباته. # وأما إذا كان حكم الفرع مخالفا لحكم الأصل مع أنه الوسيلة إلى تحصيل ~~المقصود، فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفا لافضاء حكم الأصل ~~إليها. والمخالفة بينهما من الافضاء إما أن تكون بزيادة في إفضاء حكم الأصل ~~إليها أو في إفضاء حكم الفرع. # فإن كان الأول، فلا يلزم من شرع الحكم في الأصل رعاية لأصل المقصود ~~وزيادة الافضاء إليه، شرع حكم الفرع تحصيلا لأصل المقصود دون زيادة الافضاء ~~إليه لان زيادة الافضاء إلى المقصود مقصودة في نظر العقلاء وأهل العرف. # PageV03P248 # وإن كان الثاني: فهو ممتنع، لأنا أجمعنا على امتناع ثبوت مثل حكم الفرع ~~في الأصل. وعند ذلك، فتنصيص الشارع على حكم الأصل دون حكم الفرع يدل على أن ~~حكم ms701 الأصل أفضى إلى المقصود من حكم الفرع وإلا فلو كان حكم الفرع أفضى إلى ~~المقصود من حكم الأصل، لكان أولى بالتنصيص عليه فإن قيل ما ذكرتموه فرع ~~تصور الاختلاف في الأحكام الشرعية، وليس كذلك. # وذلك لان حكم الله هو كلامه وخطابه، وذلك مما لا اختلاف فيه، وإنما ~~الاختلاف في تعلقاته ومتعلقاته. وحكم الشارع بالوجوب لا يخالف حكمه ~~بالتحريم من حيث هو حكم الله وكلامه. وإن وقع الاختلاف في أمر خارج، كالذم ~~على الفعل، والذم على الترك، بسبب اختلاف محل الخطاب. # ولا يخفى أن اختلاف محل الخطاب غير موجود لاختلاف الحكم في نفسه، بدليل ~~اشتراك الصوم والصلاة في حكم الوجوب، والقتل والزنا في التحريم (1). # PageV03P249 # وإن سلمنا تصور الاختلاف في نفس الحكم الشرعي، ولكن ما المانع أن يكون ~~إفضاء حكم الفرع إلى المقصود أتم من إفضاء حكم الأصل إليه. # قولكم: لو كان كذلك، لكان التنصيص عليه في الأصل أولى، إنما يلزم أن لو ~~لم تكن فائدة التنصيص على حكم الأصل لقصد التنبيه بالأدنى على الاعلى. # وبتقدير أن لا يكون ذلك مقصودا للشارع، فإنما لم ينص عليه لاحتمال أن ~~يكون ذلك لمانع مختص به، لا وجود له في حكم الأصل. والجواب عن السؤل الأول ~~أنه ليس حكم الشارع عبارة عن مطلق كلامه وخطابه، ليصح ما قيل، بل الخطاب ~~المقيد بتعلق خاص، كما بيناه في حد الحكم. # وإذا كان التعلق داخلا في مفهوم الحكم فالتعلقات مختلفة، ويلزم من ~~اختلافها اختلاف الاحكام. # وعن الثاني أنه لو كانت فائدة تخصيص حكم الأصل بالتنصيص عليه التنبيه به ~~على حكم الفرع، لكان حكم الفرع ثابتا بمفهوم الموافقة، لا بالقياس، ولجاز ~~إثباته في الأصل، وهو ممتنع. # قولهم: إنما لم ينص عليه لاحتمال اختصاصه بمانع. # قلنا: المانع إما أن يكون من لوازم صورة الأصل، أو من لوازم مثل حكم ~~الفرع أو من لوازم اجتماع الامرين. # فإن كان الأول: فيلزم منه امتناع إثبات حكم الأصل في الأصل بطريق الأولى ~~ضرورة كون مقصوده أدنى من مقصود حكم الفرع، على ما وقع به ms702 الفرض. # وإن كان الثاني: فيلزم منه امتناع ثبوته في الفرع أيضا ضرورة أن ما هو ~~المانع من إثباته في الأصل من لوازم نفس ذلك الحكم. # وإن كان الثالث، فالأصل عدمه. # الشرط الرابع: أن لا يكون حكم الفرع منصوصا عليه، وإلا ففيه قياس ~~PageV03P250 # المنصوص على المنصوص، وليس أحدهما بالقياس على الآخر أولى من العكس. # وهذا مما لا نعرف خلافا بين الأصوليين في اشتراطه. # الشرط الخامس: أن لا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل، وذلك كما لو ~~قالوا قاس للشافعي الوضوء على التيمم في الافتقار إلى النية، لأنه يلزم منه ~~أن يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل كون العلة الجامعة في قياسه علة، ضرورة ~~كونها مستنبطة من حكم متأخر عنه، اللهم إلا أن يذكر ذلك بطريق الالزام ~~للخصم، لا بطريق مأخذ القياس. # وقد شرط قوم أن يكون الحكم في الفرع ثابتا بالنص جملة لا تفصيلا، وهو ~~باطل. فإن الصحابة قاسوا قوله أنت علي حرام على الطلاق واليمين والظهار، ~~ولم يوجد في الفرع نص، لا جملة ولا تفصيلا. # الباب الثاني في مسالك إثبات العلة الجامعة في القياس المسلك الأول: ~~الاجماع وهو أن يذكر ما يدل على إجماع الأمة في عصر من الاعصار على كون ~~الوصف الجامع علة لحكم الأصل، إما قطعا، أو ظنا، فإنه كاف في المقصود. # وذلك كإجماعهم على كون الصغر علة لثبوت الولاية على الصغير، في قياس ~~ولاية النكاح على ولاية المال. # فإن قيل: فإذا كانت العلة مجمعا عليها قطعا، فكيف يسوغ الخلاف معها في ~~مسائل الاجتهاد؟ # قلنا: بأن يكون وجودها ظنيا في الأصل أو الفرع. وأما إن كان وجودها قطعيا ~~فيهما مع كونها مقطوعا بعليتهما، فلا. PageV03P251 # المسلك الثاني: النص الصريح وهو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على ~~التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة، من غير احتياج فيه إلى نظر ~~واستدلال. وهو قسمان: # الأول: ما صرح فيه بكون الوصف علة أو سببا للحكم الفلاني، وذلك، كما لو ~~قال: العلة كذا، أو السبب كذا (1). # القسم الثاني: ما ورد ms703 فيه حرف من حروف التعليل كاللام وكي ومن وإن ~~والباء. # أما (اللام) فكقوله تعالى * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) * (الاسراء: 78) أي ~~زوال الشمس. # وكقوله تعالى * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * (الذاريات: 56) ~~وكقوله عليه السلام كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة (2) أي ~~القوافل السيارة. # وذلك يدل على التعليل بالوصف الذي دخلت عليه (اللام) لتصريح أهل اللغة ~~بأنها للتعليل. # وأما (الكاف) فكقوله تعالى * (كيلا يكون دولة بين الأغنياء) * (الحشر: 7) ~~أي كي لا تبقى الدولة بين الأغنياء، بل تنتقل إلى غيرهم. # وأما (من) فكقوله تعالى * (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) * ~~(المائدة: 32). # وأما (إن) فكقوله عليه السلام في قتلى أحد زملوهم بكلومهم فإنهم يحشرون ~~يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك (3) ~~وكقوله عليه السلام في حق محرم وقصت به ناقته، لا تخمروا # PageV03P252 # رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا (1). # وأما (الباء) فكقوله تعالى * (جزاء بما كانوا يعملون) * (الأحقاف: 14). # فهذه هي الصيغ الصريحة في التعليل، وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل. # إلا أن يدل الدليل على أنها لم يقصد بها التعليل فتكون مجازا فيما قصد ~~بها وذلك في (اللام) كما لو قيل: لم فعلت كذا؟ فقال لأني قصدت أن أفعل وكما ~~في قول القائل أصلي لله وقول الشاعر لدوا للموت وابنوا للخراب (2) فقصد ~~الفعل لا يصلح أن يكون علة للفعل وغرضا له وكذلك ذات الله تعالى لا تصلح أن ~~تكون علة للصلاة، ولا الموت علة للولادة ولا الخراب علة للبناء، بل علة ~~الفعل ما يكون باعثا على الفعل، وهي الأشياء التي تصلح أن تكون بواعث. وكما ~~في قوله تعالى * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (الحشر: 2) * ~~(ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) * (الحشر: 4) وليس كل من شاق الله ورسوله ~~يخرب بيته، فليست المشاقة علة لخراب البيت، اللهم إلا أن يحمل لفظ الخراب ~~على استحقاق الخراب، أو على استحقاق العذاب، فإنه يكون معللا بالمشاقة. # PageV03P253 # المسلك الثالث: ما يدل على العلية بالتنبيه والايماء. # وذلك بأن يكون التعليل لازما من مدلول ms704 اللفظ وضعا لا أن يكون اللفظ دالا ~~بوضعه على التعليل، وهو ستة أقسام. # القسم الأول - ترتيب الحكم على الموصف بفاء التعقيب والتسبيب في كلام ~~الله أو رسوله أو الراوي عن الرسول. # أما في كلام الله تعالى فكما في قوله تعالى * (والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما) * (المائدة: 38) * (وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * ~~(المائدة: 6). # وأما في كلام رسوله فكقوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة، فهي له (1) ~~وقوله ملكت نفسك فاختاري. # وأما في كلام الراوي فكما في قوله: سها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة فسجد. # وزنا ماعز، فرجمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم. # وذلك في جميع هذه الصور يدل على أن ما رتب عليه الحكم (بالفاء) يكون علة ~~للحكم لكون (الفاء) في اللغة ظاهرة في التعقيب ولهذا فإنه لو قيل جاء زيد ~~فعمرو فإن ذلك يدل على مجئ عمرو عقيب مجئ زيد من غير مهلة، ويلزم من ذلك ~~السببية لأنه لا معنى لكون الوصف سببا، إلا ما ثبت الحكم عقيبه، وليس ذلك ~~قطعا، بل ظاهرا # PageV03P254 # لان (الفاء) في اللغة قد ترد بمعنى الواو في إرادة الجمع المطلق. # وقد ترد بمعنى (ثم) في إرادة التأخير مع المهلة، كما سبق تعريفه. غير ~~أنها ظاهرة في التعقيب، بعيدة فيما سواه. # وهذه الرتب متفاوتة، فأعلاها ما ورد في كلام الله تعالى، ثم ما ورد في ~~كلام رسوله، ثم ما ورد في كلام الراوي. # وسواء كان فقهيا أو لم يكن، لكنه إن كان فقيها كان الظن بقوله أظهر، وإذا ~~لم يكن فقيها، وإن كان في أدنى الرتب، غير أنه مغلب على الظن، لأنه إذا قال ~~سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد، فالظاهر من حاله مع كونه متدينا ~~عالما بكون (الفاء) موضوعة للتعقيب، أنه لو لم يفهم أن السهو سبب للسجود، ~~وإلا لما رتب السجود بالفاء، لما فيه من التلبيس بنقل ما يفهم منه السببية، ~~ولا يكون سببا، بل ولما كان تعليقه للسجود بالسهو أولى من غيره. القسم ~~الثاني: ما لو حدثت ms705 واقعة، فرفعت إلى النبي عليه السلام، فحكم عقيبها بحكم، ~~فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم. # وذلك كما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ~~هلكت وأهلكت. # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا صنعت؟ فقال واقعت أهلي في نهار ~~رمضان عامدا. فقال له، عليه السلام: أعتق رقبة (1). فإنه يدل على كون ~~الوقاع علة للعتق. # وذلك لأنا نعلم أن الأعرابي إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن ~~واقعته لبيان حكمها شرعا، وأن النبي عليه السلام، إنما ذكر ذلك الحكم في ~~معرض الجواب له، # PageV03P255 # لا أنه ذكره ابتداء منه لما فيه من إخلاء السؤال عن الجواب وتأخير البيان ~~عن وقت الحاجة، وكل ذلك وإن كان ممكنا، إلا أنه على خلاف الظاهر. وإذا كان ~~ذلك جوابا عن سؤاله، فالسؤال الذي عنه الجواب يكون ذكره مقدرا في الجواب في ~~كلام المجيب، فيصير كأنه قال: واقعت فكفر. # وقد عرف أن الوصف إذا رتب الحكم عليه في كلام الشارع بفاء التعقيب ~~تحقيقا، فإنه يكون علة، فكذلك إذا كان الحكم مرتبا عليه بفاء التعقيب ~~تقديرا. # ولهذا كان هذا القسم ملحقا بالقسم الذي قبله، وإن كان دونه في الظهور ~~والدلالة، لكون (الفاء) فيه مقدرة، وفي الأول محققة، ولاحتمال أن يكون قد ~~بدأ به لا عن قصد الجواب، وذلك، كما لو قال العبد لسيده: قد طلعت الشمس أو ~~غربت. فقال له: اسقني ماء فإنه لا يفهم منه الجواب لسؤاله، ولا التعليل، بل ~~هو أمر له ابتداء بسقي الماء وعدول عن السؤال بالكلية إما لذهوله عن السؤال ~~أو لعدم الالتفات إليه لعدم تعلق الغرض به، غير أن هذا الاحتمال، وإن كان ~~منقدحا ها هنا، فهو بعيد في حق النبي، عليه السلام، فيما فرض السؤال عنه إذ ~~الغالب عدم الذهول، وأنه إنما قصد الجواب حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت ~~الحاجة، مع كونه خلاف الظاهر. # القسم الثالث: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدر التعليل به لما ~~كان ms706 لذكره فائدة، ومنصب الشارع مما ينزه عنه: وذلك، لان الوصف المذكور إما ~~أن يكون مذكورا مع الحكم في كلام الله تعالى، أو كلام رسوله. # فإن كان في كلام الله تعالى، وقدرنا أنه لو لم يقدر التعليل به، فذكره لا ~~يكون مفيدا، ولا يخفى أن ذلك غير جائز في كلام الله تعالى إجماعا، نفيا لما ~~لا يليق بكلامه عنه. # وإن كان ذلك في كلام رسوله، فلا يخفى أن الأصل إنما هو انتفاء العبث عن ~~العاقل في فعله وكلامه، ونسبة ما لا فائدة فيه إليه، لكونه عارفا بوجوه ~~المصالح والمفاسد فلا يقدم في الغالب على ما لا فائدة فيه. وإذا كان ذلك هو ~~الظاهر PageV03P256 # من آحاد العقلاء فمن هو أهل للرسالة عن الله تعالى ونزول الوحي عليه ~~وتشريع الاحكام، أولى . وإذا عرف ذلك، فيجب اعتقاد كون الوصف المذكور في ~~كلامه مع الحكم علة له. # وهذا القسم على أصناف. وذلك، لان الشارع إما أن يذكر ذلك ابتداء من غير ~~سؤال أو بعد السؤال. فإن كان من غير سؤال، فهو الصنف الأول، وذلك كما في ~~حديث ابن مسعود ليلة الجن، حيث توضأ، عليه السلام، بماء كان قد نبذ فيه ~~تميرات لاجتناب ملوحته، فقال ثمرة طيبة وماء طهور (1) فإنه يدل على جواز ~~الوضوء به. وإلا كان ذكره ضائعا. لكون ما ذكر ظاهرا غير محتاج إلى بيان. # وان كان مع السؤال، فلا يخلو إما أن يذكر ذلك الوصف في محل السؤال أو في ~~غيره فإن كان في محل السؤال، فهو الصنف الثاني، وذلك كما روي عنه عليه ~~السلام، أنه سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا إذا (2) فهذا وإن فهم منه أن ~~النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر من ترتيبه الحكم على الوصف بالفاء ~~واقترانه بحرف (إذا) وهي من صيغ التعليل، غير أنا لو قدرنا انتفاء هذين ~~لبقي فهم التعليل بالنقصان بحاله نظرا إلى أنه لو لم يقدر التعليل به، لكان ~~ذكره والاستفسار ms707 عنه غير مفيد. # وإن كان في غير محل السؤال، وهو أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر نظير لمحل ~~السؤال، فهو الصنف الثالث. وذلك كما روي عنه، عليه السلام، أنه لما # PageV03P257 # سألته الجارية الخثعمية، وقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته الوفاة، ~~وعليه فريضة الحج فإن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال، عليه السلام: أرأيت لو ~~كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك؟ فقالت: نعم. قال: فدين الله أحق ~~بالقضاء (1). # فالخثعمية إنما سألت عن الحج، والنبي، عليه السلام، ذكر دين الآدمي والحج ~~من حيث هو دين، نظير لدين الآدمي، فذكره لنظير المسؤول عنه، مع ترتيب الحكم ~~عليه يدل على التعليل به، وإلا كان ذكره عبثا. # ويلزم من كون نظير الواقعة علة للحكم المرتب عليها، أن يكون المسؤول عنه ~~أيضا علة لمثل ذلك الحكم، ضرورة المماثلة. # وما مثل هذا يسميه الأصوليون التنبيه على أصل القياس. فكأنه نبه على ~~الأصل، وعلى علة حكمه، وعلى صحة إلحاق المسؤول عنه بواسطة العلة المومي ~~إليها. # وليس من هذا القبيل ما مثل به بعض الأصوليين، وذلك كما روي عن عمر أنه ~~سأل النبي، عليه السلام عن قبلة الصائم: هل تفسد الصوم؟ فقال عليه السلام: # أرأيت لو تمضمضت، أكان ذلك يفسد الصوم؟ فقال: لا وذلك لان النبي، عليه ~~السلام، إنما ذكر ذلك بطريق النقض، لما توهمه عمر من كون القبلة مفسدة ~~للصوم، لكونها مقدمة للوقاع المفسد للصوم، فنقض النبي، عليه السلام ذلك ~~بالمضمضة، فإنها مقدمة للشرب المفسد للصوم، وليست مفسدة للصوم. # أما أن يكون ذلك تنبيها على تعليل عدم الافساد بكون المضمضة مقدمة للفساد ~~فلا. # وذلك لان كون القبلة والمضمضة مقدمة لافساد الصوم، ليس فيه ما يتخيل أن ~~يكون مانعا من الافطار، بل غايته أن لا يكون مفطرا، فكان الأشبه بما ذكره ~~النبي، عليه السلام، أن يكون نقضا، لا تعليلا. # وأيضا فإن الأصل أن يكون الجواب مطابقا للسؤال، لا زائدا عليه ولا ناقصا ~~عنه # PageV03P258 # أما الزيادة فلعدم تعلق الغرض بها. # وأما النقصان فلما فيه من الاخلال بمقصود ms708 السائل. # وعمر إنما سأل عن كون القبلة مفسدة للصوم أم لا؟ فالجواب المطابق له إنما ~~يكون بما يدل على الافساد أو عدمه وكون القبلة علة لنفي الفساد غير مسؤول ~~عنه فلا يكون اللفظ الدال على ذلك جوابا مطابقا للسؤال، بخلاف النقض، فإنه ~~يتحقق به أن القبلة غير مفسدة، فكان جوابا مطابقا للسؤال. # القسم الرابع: أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم بذكر صفة، فإن ذلك يشعر ~~بان تلك الصفة هي علة التفرقة في الحكم، حيث خصصها بالذكر دون غيرها فلو لم ~~تكن علة، لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ، وهو تلبيس يصان منصب الشارع ~~عنه. # وذلك منقسم إلى ما يكون حكم أحد الامرين مذكورا في ذلك الخطاب دون ذكر ~~الآخر. # وإلى ما لا يكون مذكورا فيه: (1) الأول: كما في قوله، عليه السلام: ~~القاتل لا يرث فإنه خصص القاتل بعدم الميراث، بعد سابقة إرث من يرث. # والثاني، فمنه ما تكون التفرقة فيه بلفظ الشرط والجزاء، كقوله لا تبيعوا ~~البر بالبر إلى قوله فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدا بيد ومنه ما ~~يكون بالغاية، كقوله تعالى * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (البقرة: 222) ومنه ~~ما يكون بالاستثناء كقوله تعالى * (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) * (البقرة: ~~237) ومنه ما يكون بلفظ الاستدراك كقوله تعالى * (لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) * (المائدة: 89) ومنه أن ~~يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، كقوله عليه السلام ~~للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم. # PageV03P259 # القسم الخامس - أن يكون الشارع قد أنشأ الكلام لبيان مقصود، وتحقيق ~~مطلوب، ثم يذكر في أثنائه شيئا آخر، لو لم يقدر كونه علة لذلك الحكم ~~المطلوب لم يكن له تعلق بالكلام، لا بأوله ولا بآخره، فإنه يعد خبطا في ~~اللغة واضطرابا في الكلام، وذلك مما تبعد نسبته إلى الشارع، وذلك كقوله ~~تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع) * فالآية إنما سيقت لبيان أحكام الجمعة لا لبيان ms709 ~~أحكام البيع. فلو لم يعتقد كون النهي عن البيع علة للمنع عن السعي الواجب ~~إلى الجمعة، لما كان مرتبطا بأحكام الجمعة، وما سيق له الكلام، ولا تعلق ~~به، وذلك ممتنع، لما سبق. # وقوله تعالى * (وذروا البيع) * وإن كانت صيغته صيغة أمر، إلا أنه في معنى ~~النهي إذا النهي طلب ترك الفعل. وقوله تعالى * (وذروا البيع) * طلب لترك ~~البيع، فكان نهيا. # القسم السادس - أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا كقوله، عليه السلام ~~لا يقضي القاضي، وهو غضبان فإنه يشعر بكون الغضب علة مانعة من القضاء لما ~~فيه من تشويش الفكر واضطراب الحال، وكذلك إذا قال: أكرم العالم، وأهن ~~الجاهل، فإنه يسبق إلى الفهم منه أن العلم علة للاكرام والجهل علة للإهانة ~~وذلك لوجهين. # الأول: ما ألف من عادة الشارع من اعتبار المناسبات دون إلغائها، فإذا قرن ~~بالحكم في لفظه وصفا مناسبا غلب على الظن اعتباره له. # الثاني: ما علمنا من حال الشارع أنه لا يرد بالحكم خليا عن الحكمة إذ ~~الاحكام إنما شرعت لمصالح العبيد، وليس ذلك بطريق الوجوب، بل بالنظر إلى ~~جري العادة المألوفة من شرع الاحكام (1) فإذا ذكر مع الحكم وصفا مناسبا، ~~غلب # PageV03P260 # على الظن أنه علة له إلا أن يدل الدليل على أنه لم يرد به ما هو الظاهر ~~منه، فيجوز تركه. # وذلك، كما في قوله لا يقضي القاضي وهو غضبان فإنه وإن دل بظاهره على أن ~~مطلق الغضب علة، فجواز القضاء مع الغضب اليسير يدل على أن مطلق الغضب ليس ~~بعلة، بل الغضب المانع من استيفاء النظر. # وإذا عرفت أقسام الوصف المومي إليه، ترتب عليه النظر في مسألتين. # المسألة الأولى اختلف الأصوليون في اشتراط مناسبة الوصف المومي إليه. # فأثبته قوم، ونفاه آخرون، كالغزالي وأتباعه. حجة من قال باشتراط المناسبة ~~أن الغالب من تصرفات الشارع أن تكون على وفق تصرفات العقلاء وأهل العرف (1) ~~ولو قال الواحد من أهل العرف لغيره أكرم الجاهل، وأهن العالم قضى كل عاقل ~~أنه لم يأمر بإكرام الجاهل لجهلة، ولا أن أمره بإهانة ms710 العالم لعلمه، وإن ~~ذلك لا يصلح للتعليل، نظرا إلى أن تصرفات العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة ~~وقضايا العقل. # وأيضا فإن الاتفاق من الفقهاء واقع على امتناع خلو الأحكام الشرعية عن ~~الحكم إما بطريق الوجوب على رأي المعتزلة، وإما بحكم الاتفاق على رأي ~~أصحابنا (2) وسواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر. # وما يعلم قطعا أنه لا مناسبة فيه، ولا وهم المناسبة يعلم امتناع التعليل ~~به. # والمختار: أن تقول: أما ما كان من القسم السادس الذي فهم التعليل فيه ~~مستندا إلى ذكر الحكم مع الوصف المناسب، فلا يتصور فهم التعليل فيه دون فهم ~~المناسبة، لان عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه يكون تناقضا. وأما ما ~~سواه من # PageV03P261 # الأقسام فلا يمتنع التعليل فيها بما لا مناسبة فيه، إلا أن تكون العلة ~~بمعنى الباعث، وأما بمعنى الامارة والعلامة فلا. # وعلى هذا، فما ذكروه من الحجة على امتناع التعليل بالوصف الطردي إنما يصح ~~إن لو قيل إن التعليل بالوصف الطردي بمعنى الباعث، ولا اتجاه لها في ~~التعليل بمعنى الامارة والعلامة. # وعلى هذا، فلا امتناع في جعل الجهل علامة على الاكرام، والعلم علامة على ~~الإهانة، إذا لم يكن هو الباعث بل الباعث غيره. # المسألة الثانية اتفقوا على صحة الايماء فيما إذا كان حكم الوصف المومي ~~إليه مدلولا عليه بصريح اللفظ، كالأمثلة السابق ذكرها. # وأما إذا كان اللفظ يدل على الوصف بصريحه، والحكم مستنبط منه، غير مصرح ~~به، كما في قوله تعالى * (وأحل الله البيع وحرم الربا) * فإن اللفظ بصريحة ~~يدل على الحل، والصحة مستنبطة منه. # ووجه استنباط الصحة منه أنه لو لم يكن البيع صحيحا، لم يكن مثمرا، إذ هو ~~معنى نفي الصحة وإذا لم يكن مثمرا مفيدا، كان تعاطيه عبثا، والعبث مكروه، ~~والمكروه لا يحل. وعند ذلك، فيلزم من الحل الصحة لتعذر الحل مع انتفاء ~~الصحة. # وهذا (1) مما اختلف في كونه مومى إليه. # فذهب قوم إلى امتناع الايماء تمسكا منهم بأن الايماء إنما يتحقق إذا دل ~~اللفظ بوضعه على الوصف والحكم، كما سبق من الأمثلة. # وأما ms711 إذا دل على الوصف بالوضع، وكان الحكم مستنبطا منه، فلا يدل ذلك على ~~كونه مومي إليه، كما إذا دل اللفظ على الحكم بوضعه، وكان الوصف مستنبطا ~~منه، فإنه لا يدل على الايماء إلى الوصف، وذلك كما في قوله، عليه السلام ~~حرمت الخمرة لعينها (2) فإنه يدل على الحكم، وهو التحريم وضعا، والشدة ~~المطربة علة مستنبطة منه، وليست مومي إليها. # PageV03P262 # وذهب المحققون إلى كونه مومي إليه، وهو الحق. # وذلك، لأنه إذا كان اللفظ بصريحه يدل على الوصف، وهو الحل، والصحة لازمة ~~له لما تقرر، فإثبات الحل وضعا يدل على إرادة ثبوت الصحة ضرورة كونها لازمة ~~للحل، فيكون ثابتا بإثبات الشارع له مع وصف الحل وإثبات الشارع للحكم ~~مقترنا بذكر وصف مناسب دليل الايماء إلى الوصف، كما لو ذكر معه الحكم بلفظ ~~يدل عليه وضعا، ضرورة تساويهما في الثبوت، وإن اختلفا في طريق الثبوت، بأن ~~كان أحدهما ثابتا بدلالة اللفظ وضعا، والآخر مستنبطا من مدلول اللفظ وضعا، ~~لان الايماء إنما كان مستفادا عند ذكر الحكم والوصف بطريق الوضع من جهة ~~اقتران الحكم بالوصف، لا من جهة كون الحكم ثابتا بطريق الوضع. وهذا بخلاف ~~ما إذا كان الحكم مدلولا عليه وضعا، والوصف مستنبط منه. وذلك لان الوصف ~~المستنبط من الحكم المصرح به، كما في المثال المذكور، لم يكن وجوده لازما ~~من الحكم المصرح به، ولا مناسبته لتحققه قبل شرع الحكم بخلاف الصحة مع ~~الحل، كما تقدم تحقيقه. # والمعتبر في الايماء أن يكون الوصف المومي إليه مذكورا في كلام الشارع مع ~~الحكم، أو لازما من مدلول كلامه (1) والأمران مفقودان في الوصف المستنبط ~~بخلاف الحل مع الصحة (2). # PageV03P263 # المسلك الرابع: في إثبات العلة بالسير والتقسيم (1) وذلك أن يقال: الحكم ~~الثابت في الأصل إما أن يكون ثابتا لعلة، أو لا لعلة لا جائز أن يقال ~~بالثاني، إذا هو خلاف إجماع الفقهاء. على أن الحكم لا يخلو عن علة إما بجهة ~~الوجوب، كما قالت المعتزلة. # أولا بجهة الوجوب، كقول أصحابنا (2) وبتقدير جواز خلوه عن العلة فالخلو ~~عنها على خلاف ms712 الغالب المألوف من شرع الاحكام، وذلك يدل ظاهرا على استلزام ~~الحكم فيما نحن فيه للعلة. # وإذا كان لا بد له من علة فإما بأن تكون ظاهرة أو غير ظاهرة. # لا جائز أن تكون غير ظاهرة، وإلا كان الحكم تعبدا، وهو خلاف الأصل لوجوه ~~ثلاثة. # الأول أن إثبات الحكم بجهة التعقل أغلب من إثباته بجهة التعبد، وإدراج ما ~~نحن فيه تحت الغالب أغلب على الظن. # الثاني أنه إذا كان الحكم معقول المعنى، كان على وفق المألوف من تصرفات ~~العقلاء وأهل العرف، والأصل تنزيل التصرفات الشرعية على وزان التصرفات ~~العرفية. # PageV03P264 # الثالث أنه إذا كان معقول المعنى، كان أقرب إلى الانقياد، وأسرع في ~~القبول، فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم فكان أولى وإذا كان ~~لا بد من علة ظاهرة. فإذا قال المناظر، الموجود في محل الحكم لا يخرج عن ~~وصفين أو ثلاثة مثلا، لأني بحثت وسبرت، فلم أطلع على ما سواه، وكان أهلا ~~للنظر بأن كانت مدارك المعرفة بذلك لديه متحققة من الحس والعقل وكان عدلا ~~ثقة فيما يقول. والغالب من حاله الصدق، غلب على الظن انتفاء ما سوى المذكور ~~من الأوصاف أو قال (1) الأصل عدم كل موجود سوى ما وجد من الأوصاف المذكورة. ~~إلا أن يدل الدليل عليه. والأصل عدم ذلك الدليل، فإنه يغلب على الظن الحصر ~~فيما عينه. # وإذا ثبت حصر الأوصاف فيما عينه فإذا بين بعد ذلك حذف البعض عن درجة ~~الاعتبار في التعليل بدليل صالح مساعد له عليه، بحيث يغلب على الظن ذلك، ~~فيلزم من مجموع الامرين (2) انحصار التعليل فيما استبقاه ضرورة امتناع خلو ~~محل الحكم عن علة ظاهرة، وامتناع، وجود ما وراء الأوصاف المذكورة وامتناع ~~إدراج المحذوف في التعليل لما دل عليه الدليل. # فإن قيل: لعله لم يبحث ولم يسبر، وإن بحث وسبر، فلعله وجد وصفا وراء ما ~~أدعى الحصر فيه، ولم يذكره ترويجا لكلامه وإن لم يجد شيئا وراء المذكور فلا ~~يدل ذلك على عدمه فإن عدم العلم بالوصف جهل به والجهل بوجود الوصف ms713 لا يدل ~~على عدمه وإن دل على عدمه بالنسبة إلى الباحث، فلا يدل على عدمه بالنسبة ~~إلى الخصم، فإنه ربما كان عالما بوجود وصف آخر وراء المذكور. وعند ذلك فلا ~~ينتهض بحث المستدل دليلا في نظر خصمه على العدم لعلمه بمناقضته. ثم وإن دل ~~ذلك على حصر الأوصاف فيما ذكره، فحذف بعض الأوصاف عن درجة الاعتبار في ~~التعليل إنما يلزم منه انحصار التعليل في المستبقى أن لو كان الحكم في # PageV03P265 # التعليل معقول المعنى. وإما على تقدير كونه غير معقول المعنى فلا، لأنه ~~جاز أن يشترك المحذوف والمستبقي في انتفاء الاعتبار وإن كان الحكم معقول ~~المعنى، فغاية ما في حذف الوصف المحذوف إبطال معارض العلة. ولا يلزم من ذلك ~~صحة كون المستبقى علة، لان صحة العلة إنما تكون بالنظر إلى وجود مصححها، لا ~~بالنظر إلى انتفاء معارضها (1). # قلنا: إذا كان الباحث مسلما عدلا، فالظاهر أنه صادق فيما أخبر به من ~~البحث وعدم الاطلاع على وصف آخر. وعند ذلك فالقضاء بنفي الوصف لا يكون ~~مستندا إلى عدم العلم به، بل بناء على الظن بعدمه، فإن الظن بعدم الشئ ~~ملازم للبحث عن ذلك الشئ ممن هو أهله، مع عدم الاطلاع عليه. وعند ذلك، ~~فالظاهر أنه لو كان الخصم يعلم وجود وصف آخر لأبرزه، وأظهره إفحاما لخصمه، ~~وإظهارا لعلم مست الحاجة إلى اظهاره، فدعوى العلم منه بوجود وصف آخر من غير ~~بيان مع إمكان البيان، لا يكون مقبولا لظهور العناد فيه، ولو بين الخصم ~~وجود وصف آخر، فإنا وإن تبينا انخرام حصر المستدل به. غير أنه إذا أدرجه في ~~الابطال مع ما أبطل، فإنه لا يعد منقطعا فيما يقصده من التعليل بالوصف ~~المستبقي. وإذا ثبت انحصار الأوصاف في القدر المذكور، فلا يخفى أنه إذا ~~أخرج البعض عن درجة الاعتبار، تعين انحصار التعليل في المستبقي، فإنه وإن ~~جاز أن يكون الحكم تعبدا غير أنه بعيد لما سبق تقريره. وليس القضاء بكون ~~المستبقي علة بناء على إبطال المعارض بل على أن الحكم في محل التعليل لا ms714 بد ~~له من علة ظاهرا. وعند ذلك، يغلب على الظن انحصارها في الأوصاف المذكورة. ~~فإذا قام الدليل على إبطال البعض غلب على الظن التعليل بالمستبقي، ويكون ~~ذلك الظن مستفادا من جملة القواعد الممهدة، لا من نفس إبطال المعارض. # هذا كله في حق المناظر. (2) # PageV03P266 # وأما الناظر المجتهد فإنه، مهما غلب على ظنه شئ من ذلك، فلا يكابر نفسه، ~~وكان مؤاخذا بما أوجبه ظنه. # وعند ذلك، فلا بد من بيان طرق الحذف. # الأول: منها أن يبين المستدل أن الوصف الذي استبقاه قد ثبت به الحكم في ~~صورة بدون الوصف المحذوف، وهو ملقب بالالغاء، وهو شديد الشبه بنفي العكس ~~الذي ليس بمقبول، وسيأتي الفرق بينهما. ولا بد من بيان ثبوت الحكم مع الوصف ~~المستبقي فإنه لو ثبت دونه كما ثبت المحذوف (1) كان ذلك إلغاء للمستبقي ~~أيضا وعند ذلك (2) فيتبين استقلال المستبقي بالتعليل، ومع ظهور ذلك، فيمتنع ~~إدخال الوصف المحذوف في التعليل في محل التعليل، لأنه يلزم منه إلغاء وصف ~~المستدل في الفرع مع استقلاله ضرورة تخلف ما لم يثبت كونه مستقلا، وهو ~~ممتنع. # ويمتنع أيضا إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف المحذوف لا غير، لما ~~فيه من إثبات الحكم بما لم يثبت استقلاله وإلغاء ما ثبت استقلاله، وهو ~~ممتنع. # لكن لقائل أن يقول: دعوى استقلال الوصف المستبقي في صورة الالغاء ~~بالتعليل من مجرد إثبات الحكم مع وجوده وانتفاء الوصف المحذوف، غير صحيحة ~~فإنه لو كان مجرد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الالغاء كافيا في التعليل ~~بدون ضميمة ما يدل على استقلاله بطريق من طرق إثبات العلة لكان ذلك كافيا ~~في أصل القياس، ولم يكن إلى البحث والسبر حاجة. وكذا غيره من الطرق فإذا لا ~~بد من بيان الاستقلال بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلة، وعند ذلك إن شرع ~~المستدل في بيان الاستقلال ببعض طرق إثبات العلة، فإن بين الاستقلال في ~~صورة الالغاء # PageV03P267 # بالبحث والبر، كما أثبت ذلك في الأصل الأول، فقد استقلت صورة الالغاء ~~بالاعتبار، وأمكن أن تكون أصلا لعلته، وتبينا أن ms715 الأصل الأول لا حاجة إليه، ~~فإن المصير إلى أصل لا يمكن التمسك به في الاعتبار إلا بذكر صورة أخرى ~~مستقلة بالاعتبار، يكون تطويلا بلا فائدة وإن بين الاستقلال بطريق آخر، ~~فيلزمه مع هذا المحذور محذور آخر، وهو الانتقال في إثبات كون الوصف. علة من ~~طريق إلى طريق آخر، وهو شنيع في مقام النظر. # الطريق الثاني - أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع عدم ~~الالتفات إليه في إثبات الاحكام كالطول والقصر، والسواد والبياض، ونحوه. # الطريق الثالث - أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع إلغاءه في ~~جنس ذلك الحكم المعلل، فيجب إلغاؤه، وإن كان مناسبا. وذلك، كما في قوله ~~عليه السلام من أعتق شركا له من عبد قوم عليه نصيب شريكه (1) فإنه وإن أمكن ~~تقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق، غير أنا لما عهدنا من الشارع ~~التسوية بين الذكر والأنثى في أحكام العتق، ألغينا صفة الذكورة في السراية، ~~بخلاف ما عداه من الاحكام. # الطريق الرابع - إذا قال: بحثت في الوصف المحذوف، فلم أجد فيه مناسبة، ~~ولا ما يوهم المناسبة، وكان أهلا للنظر والبحث عدلا، فالظاهر صدقه، وأن ~~الوصف غير مناسب، ويلزم من ذلك حذفه، ضرورة كون العلة في الأصل بمعنى ~~الباعث على ما تقرر قبل وامتناع اعتبار ما لا يكون مناسبا. # PageV03P268 # فإن قيل: البحث والسبر وإن دل على عدم المناسبة في الوصف المحذوف ~~فللمعترض أن يقول: بحثت في الوصف المستبقي، فلم أجد فيه مناسبة. # وعند ذلك، فإن بين المستدل المناسبة فيه، فقد انتقل في إثبات العلة من ~~طريق السبر إلى المناسبة. وإن لم يبين ذلك، لم يكن وصف المعترض بالحذف أولى ~~من وصف المستدل. # قلنا: إن كان قد سبق من المعترض تسليم مناسبة كل واحد من الوصفين، فلا ~~يسمع منه بعد بيان المستدل نفي المناسبة في الوصف المحذوف، منع المناسبة في ~~المستبقي، لكون مانعا لما سلمه، ولا يجب على المستدل بيان المناسبة في ~~الوصف المستبقي. وإن لم يسبق من المعترض تسليم ذلك، فللمستدل طريق صالح ms716 في ~~دفع السؤال من غير حاجة إلى بيان المناسبة في الوصف المستبقي، وهو ترجيح ~~سبره على سبر المعترض بموافقته للتعدية، وموافقة سبر المعترض للقصور، ~~والتعدية أولى من القصور، على ما يأتي تقريره في الترجيحات. PageV03P269 # المسلك الخامس - في إثبات العلة المناسبة والإحالة (1). # ويشتمل على ثمانية فصول الفصل الأول في تحقيق معنى المناسب قال أبو زيد: ~~(2) المناسب عبارة عما لو عرض على العقول تلقته بالقبول. # وما ذكروه، وإن كان موافقا للوضع اللغوي حيث يقال هذا الشئ مناسب لهذا ~~الشئ، أي ملائم له، غير أن تفسير المناسب بهذا المعنى وإن أمكن أن يتحققه ~~الناظر مع نفسه، فلا طريق للمناظر إلى إثباته على خصمه في مقام النظر ~~لامكان أن يقول الخصم: هذا مما لم يتلقه عقلي بالقبول، فلا يكون مناسبا ~~بالنسبة إلي، وإن تلقاه عقل غيري بالقبول. فإنه ليس الاحتجاج علي بتلقي عقل ~~غيري له بالقبول، أولى من الاحتجاج على غيري بعدم تلقي عقلي له بالقبول. # وعلى هذا بني أبو زيد امتناع التمسك في إثبات العلة في مقام النظر ~~بالمناسبة وقران الحكم بها، وإن لم يمتنع التمسك بذلك في حق الناظر، لأنه ~~لا يكابر نفسه فيما يقضي به عقله. # والحق في ذلك أن يقال: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب ~~الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم. # وسواء كان ذلك الحكم نفيا أو إثباتا. وسواء كان ذلك المقصود جلب مصلحة أو ~~دفع مفسدة. وهو أيضا غير خارج عن وضع اللغة لما بينه وبين الحكم من التعلق ~~والارتباط. وكل ما له تعلق بغيره وارتباط فإنه يصح لغة أن يقال إنه مناسب ~~له. ولا يخفى إمكان إثبات مثل ذلك في مقام النظر على الخصم، بما لو أعرض ~~عنه الخصم وأصر معه على المنع، كان معاندا. # PageV03P270 # الفصل الثاني في تحقيق معنى المقصود المطلوب من شرع الحكم المقصود من شرع ~~الحكم إما جلب مصلحة، أو دفع مضرة، أو مجموع الامرين بالنسبة إلى العبد، ~~لتعالي الرب تعالى عن الضرر والانتفاع. ms717 وربما كان ذلك مقصودا للعبد لأنه ~~ملائم له، وموافق لنفسه. # ولذلك، إذا خير العاقل بين وجود ذلك وعدمه، اختار وجوده على عدمه. # وإذا عرف أن المقصود من شرع الحكم إنما هو تحصيل المصلحة أو دفع المضرة ، ~~فذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة. # فإن كان في الدنيا، فشرع الحكم إما أن يكون مفضيا إلى تحصيل أصل المقصود ~~ابتداء، أو دواما، أو تكميلا. # فالأول: مثل القضاء بصحة التصرف الصادر من الأهل في المحل تحصيلا لأصل ~~المقصود المتعلق به من الملك أو المنفعة، كما في البيع والإجارة ونحوهما. # وأما الثاني: فكالقضاء بتحريم القتل، وإيجاب القصاص على من قتل عمدا ~~عدوانا، لافضائه إلى دوام المصلحة المعلقة بالنفس الانسانية المعصومة. # وأما الثالث، فكالحكم باشتراط الشهادة ومهر المثل في النكاح، فإن مكمل ~~لمصلحة النكاح، لا أنه محصل لأصلها لحصولها بنفس اعتبار التصرف وصحته. # وأما في الأخرى فالمقصود العائد إليها من شرع الحكم لا يخرج عن جلب ~~الثواب، ودفع العقاب. # فالأول كالحكم بإيجاب الطاعات وأفعال العبادات، لافضائه إلى نيل الثواب ~~ورفع الدرجات. # والثاني فكالحكم بتحريم أفعال المعاصي، وشرع الزواجر عليها دفعا لمحذور ~~العقاب المرتب عليها. PageV03P271 # الفصل الثالث في بيان مراتب إفضاء الحكم إلى المقصود من شرع الحكم، ~~واختلافها المقصود إما أن يكون حاصلا من شرع الحكم يقينا أو ظنا، أو أن ~~الحصول وعدمه متساويان، أو أن عدم الحصول راجح على الحصول. # أما الأول: فمثاله إفضاء الحكم بصحة التصرف بالبيع إلى إثبات الملك. # وأما الثاني: فكشرع القصاص المرتب على القتل العمد العدوان صيانة للنفس ~~المعصومة عن الفوات، فإنه مظنون الحصول راجح الوقوع، إذ الغالب من حال ~~العاقل أنه إذا علم أنه إذا قتل قتل، أنه لا يقدم على القتل، فتبقى نفس ~~المجني عليه، إلى نظائره من الزواجر، وليس ذلك مقطوعا به لتحقق الاقدام على ~~القتل، مع شرع القصاص كثيرا. # وأما القسم الثالث: فقلما يتفق له في الشرع مثال على التحقيق، بل على ~~طريق التقريب، وذلك، كشرع الحد على شرب الخمر، لحفظ العقل، فإن إفضاءه إلى ms718 ~~ذلك متردد، حيث إنا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه، لا ~~على وجه الترجيح والغلبة لاحد الفريقين على الآخر في العادة. # ومثال القسم الرابع إفضاء الحكم بصحة نكاح الآيسة إلى مقصود التوالد ~~والتناسل، فإنه، وإن كان ممكنا عقلا، غير أنه بعيد عادة، فكان الافضاء إليه ~~مرجوحا. # فهذه الأقسام الأربعة وإن كانت مناسبة نظرا إلى أنها موافقة للنفس، غير ~~أن أعلاها القسم الأول لتيقنه، ويليه الثاني لكونه مظنونا راجحا. ويليه ~~الثالث لتردده، ويليه الرابع لكونه مرجوحا. والقسمان الأولان متفق على صحة ~~التعليل بهما عند القائلين بالمناسبة. # وأما القسم الثالث والرابع، فلكون المقصود فيهما غير ظاهر، للمساواة في ~~الثالث، والمرجوحية في الرابع. فالاتفاق واقع على صحة التعليل بهما إذا كان ~~ذلك في آحاد الصور الشاذة، وكان المقصود ظاهرا من الوصف في غالب صور الجنس، ~~وإلا فلا. وذلك، كما ذكرناه من مثال صحة نكاح الآيسة لمقصود التوالد، فإنه ~~وإن PageV03P272 # كان غير ظاهر بالنسبة إلى الآيسة، إلا أنه ظاهر فيما عداها (1). # وعلى هذا، فلو خلا الوصف الذي رتب عليه الحكم عن المقصود الموافق للنفس ~~قطعا، وإن كان ظاهرا في غالب صور الجنس، كما في لحوق النسب في نكاح المشرقي ~~للمغربية، وشرع الاستبراء في شراء الجارية لمعرفة فراغ الرحم، فيما إذا ~~اشترى الجارية ممن باعها منه في مجلس البيع الأول لعلمنا بفراغ رحمها من ~~غيره قطعا، وإن كان ذلك ظاهرا في غالب صور الجنس فيما عدا هذه الصور، فلا ~~يكون مناسبا، ولا يصح التعليل به لان المقصود من شرع الاحكام الحكم (2) ~~فشرع الاحكام مع انتفاء الحكمة يقينا لا يكون مفيدا، فلا يرد به الشرع ~~خلافا لأصحاب أبي حنيفة. # PageV03P273 # الفصل الرابع في أقسام المقصود من شرع الحكم واختلاف مراتبه في نفسه ~~وذاته (1) وهو لا يخلو إما أن يكون من قبيل المقاصد الضرورية، أو لا يكون ~~من قبيل المقاصد الضرورية. # فإن كان من قبيل المقاصد الضرورية فإما أن يكون أصلا، أو لا يكون أصلا. # فإن كان أصلا، فهو الراجع إلى المقاصد الخمسة التي لم تخل ms719 من رعايتها ملة ~~من الملل، ولا شريعة من الشرائع، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، ~~والمال فإن حفظ هذه المقاصد الخمسة من الضروريات، وهي أعلى مراتب ~~المناسبات. # والحصر في هذه الخمسة الأنواع إنما كان نظرا إلى الوقوع والعلم بانتفاء ~~مقصد ضروري خارج عنها في العادة. # أما حفظ الدين فبشرع قتل الكافر المضل وعقوبة الداعي إلى البدع. # وأما حفظ النفوس فبشرع القصاص. # وأما حفظ العقول فبشرع الحد على شرب المسكر. # وأما حفظ الأموال التي بها معاش الخلق، فبشرع الزواجر للغصاب والسراق ~~(2). # وأما إن لم يكن أصلا فهو التابع المكمل للمقصود الضروري. # وذلك كالمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب القليل من المسكر، الداعي إلى ~~الكثير وإن لم يكن مسكرا. فإن أصل المقصود من حفظ العقل حاصل بتحريم شرب ~~المسكر، لا بتحريم قليله، وإنما يحرم القليل للتكميل والتتميم. # وأما إن لم يكن المقصود من المقاصد الضرورية. # فإما أن يكون من قبيل ما تدعو حاجة الناس إليه، أو لا تدعو إليه الحاجة. # فإن كان من قبيل ما تدعو إليه الحاجة، فإما أن يكون أصلا أو لا يكون ~~أصلا. # PageV03P274 # فإن كان أصلا، فهو القسم الثاني: الراجع إلى الحاجات الزائدة. # وذلك كتسليط الولي على تزويج الصغيرة، لا لضرورة ألجأت إليه، بل لحاجة ~~تقييد الكفوء الراغب، خيفة فواته عند دعو الحاجة إليه، بعد البلوغ لا إلى ~~خلف. # وأما تسليط الولي على تربية الصغير وإرضاعه وشراء المطعوم والملبوس له، ~~فليس من هذا القبيل، بل من قبيل الضروريات الأصلية التي لا تخلو شريعة عن ~~رعايتها. # وهذا القسم في الرتبة دون القسم الأول: ولهذا جاز اختلاف الشرائع فيه، ~~دون القسم الأول، وهو في محل المعارضة، مع ما كان من قبيل التكملة والتتمة ~~للقسم الأول. ولهذا، اشتركا في جواز اختلاف الشرائع فيهما. # وإن لم يكن أصلا، فهو التابع الجاري مجرى التتمة والتكملة للقسم الثاني: # وذلك كرعاية الكفاءة ومهر المثل في تزويج الصغيرة، فإنه أفضى إلى دوام ~~النكاح وتكميل مقاصده، وإن كان أصل المقصود حاصلا دون ذلك. وهذا النوع في ~~الرتبة دون ms720 ما تقدم، أما بالنظر إلى المقصود الذي هو من باب الضرورات ~~والحاجات فظاهر، وأما بالنظر إلى ما هو من قبيل التكملة للمقصود الضروري ~~فلكونه مكملا لما ليس بضروري. # وأما إن كان المقصود ليس من قبيل الحاجات الزائدة، فهو القسم الثالث وهو ~~ما يقع موقع التحسين والتزيين ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات ~~وذلك كسلب العبيد أهلية الشهادة، من حيث إن العبد نازل القدر والمنزلة، ~~لكونه مستسخرا للمالك مشغولا بخدمته، فلا يليق به منصب الشهادة لشرفها وعظم ~~خطرها، جريا للناس على ما ألفوه وعدوه من محاسن العادات، وإن كان لا تتعلق ~~به حاجة ضرورية ولا زائدة ولا هو من قبيل التكملة لأحدهما، وليس هذا من ~~قبيل سلب ولايته على الطفل، فإن سلب ولايته من قبيل الحاجات، لان الولاية ~~على الطفل تستدعي الخلو والفراغ والنظر في أحواله، واستغراق العبد بما هو ~~الواجب عليه من خدمة مالكه مانع له من ذلك. ولا كذلك في الشهادة لاتفاقها ~~في بعض الأحيان. PageV03P275 # الفصل الخامس (1) اختلفوا في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه ~~وجود مفسدة مساوية له أو راجحة عليه، هل تنخرم مناسبته أو لا؟ فأثبته قوم: ~~ونفاه آخرون. # وقد احتج من قال ببقاء المناسبة من وجوه أربعة. # الأول: أن مناسبة الوصف تنبني على ما فيه من المصلحة، والمصلحة أمر حقيقي ~~لا تختل (2) بمعارضة المفسدة. ودليله (3) أن المصلحة والمفسدة المتعارضتان ~~إما أن يتساويا، أو تترجح إحداهما على الأخرى. فإن كان الأول، فإما أن تبطل ~~كل واحدة منهما بالأخرى أو أن تبطل إحداهما بالأخرى من غير عكس، أو لا تبطل ~~واحدة منها، بالأخرى الأول محال، لان عدم كل واحدة منهما إنما هو بوجود ~~الأخرى، وذلك يجر إلى وجودهما مع عدمهما ضرورة أن العلة لا بد وأن تكون ~~متحققة مع المعلول، والثاني محال (4) لعدم الأولوية، والثالث (5) هو ~~المطلوب، وإن كانت إحداهما أرجح من الأخرى، فلا يلزم منه إبطال المرجوحة ~~إلا أن تكون بينهما منافاة، ولا منافاة، لما بيناه من جواز اجتماعهما في ~~القسم الأول ولأن الراجحة ms721 منهما إذا كانت معارضة بالمرجوحة فإما أن ينتفي ~~شئ من الراجحة لأجل المرجوحة، أو لا ينتفي منها شئ فإن كان الأول، فهو محال ~~أن تتساويا لما سبق في القسم الأول، ولأنه ليس انتفاء بعض الراجح وبقاء ~~بعضه أولى من العكس ضرورة التساوي في الحقيقة، وإن تفاوتا، فالكلام في ~~الراجح كالكلام في # PageV03P276 # الأول، وهو تسلسل ممتنع. وإذا كانت المصلحة لا تختل بمعارضة المفسدة، ~~فالعقل يقضي بمناسبتها للحكم، وبالنظر إلى المعارض يقضي بانتفاء الحكم لأجل ~~المعارض. ولهذا، يحسن من العاقل أن يقول الداعي إلى إثبات الحكم موجود غير ~~أنه يمنعني منه مانع، ولو اختلت مناسبة الوصف، لما حسن من العاقل هذه ~~المقالة. # الوجه الثاني: أنه قد يتعارض في نظر الملك عند الظفر بجاسوس عدوه المنازع ~~له في ملكه، قتله وعقوبته، زجرا له ولأمثاله عن الحبس (1) المضر به ~~والاحسان إليه وإكرامه إما للاستهانة بعدوه، أو لقصد كشف أسراره. وأي ~~الامرين سلك فإنه لا يعد خارجا عن مذاق الحكمة، ومقتضى المناسبة، وإن لزم ~~منه فوات المقصود الحاصل من سلوك مقابله، وسواء تساويا، أو كان أحدهما ~~راجحا. # الثالث: أنه إذا اجتمع الأخ من الأبوين مع الأخ من الأب في الميراث، فإنه ~~قد يتعارض في نظر الناظر تقديم الأخ من الأبوين لاختصاصه بقرابة الأمومة، ~~والتسوية بينهما لاشتراكهما في جهة العصوبة، وإلغاء قرابة الأمومة، وتفضيل ~~الأخ من الأبوين لاختصاصه بمزيد القرابة. ومع ذلك، فالعقل يقضي بتأدي النظر ~~(2) من غير احتياج إلى ترجيح بأن ورود الشرع بالاحتمال الأول مناسب غير ~~خارج عن مذاق العقول، ولو كان ترجيح الوصف المصلحي معتبرا في مناسبته لما ~~كان كذلك. # الرابع: أن الشارع قد ورد بصحة الصلاة في الدار المغصوبة نظرا إلى ما ~~فيها من المصلحة، وبتحريمها نظرا إلى ما فيها من مفسدة الغصب. فلو اشترط ~~الترجيح في المناسبة، لما ثبت الصحة، ولا التحريم، بتقدير التساوي بين ~~مصلحة الصحة ومفسدة التحريم، ولا حكم الصحة بتقدير رجحان مفسدة الغصب، ولا ~~التحريم بتقدير رجحان مصلحة الصحة لعدم المناسبة. # وهذه الحجج ضعيفة: # PageV03P277 # أما الحجة الأولى فلقائل ms722 أن يقول: إن أردت أن مناسبة الوصف تنبني على أنه ~~لا بد في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة، فمسلم. ولكن، لا ~~يلزم من وجود بعض ما لا بد منه في المناسبة، تحقق المناسبة. وإن أردت أنها ~~مستقلة بتحقيق المناسبة، فممنوع. وذلك، لان المصلحة وإن كانت متحققة في ~~نفسها فالمناسبة أمر عرفي، وأهل العرف لا يعدون المصلحة العارضة بالمفسدة ~~المساوية أو الراجحة مناسبة. ولهذا، إن من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت ~~عليه عشرة، يعد سفيها خارجا في تصرفه عن تصرفات العقلاء. ولو كان ذلك ~~مناسبا، لما كان كذلك، وعلى هذا، فلا يلزم من اجتماع المصلحة والمفسدة تحقق ~~المناسبة. # وقوله: غير أنه يمنعني منه مانع. وإن كان صحيحا في العرف، فليس ذلك إلا ~~لا خلال المانع المفسدي بمناسبة المصلحة، لا بمعنى أن الانتفاء محال على ~~المفسدة (1) مع وجود المناسب للحكم. # وعلى هذا، نقول بأن مناسبة كل واحدة من المصلحة والمفسدة تختل بتقدير ~~التساوي وبتقدير مرجوحية إحداهما فالمختل مناسبتها دون مناسبة الراجحة ~~ضرورة فوات شرط المناسبة، لا لان كل واحدة علة للاخلال بمناسبة الأخرى أو ~~إحداهما، ليلزم في ذلك ما قيل. # وأما الحجة الثانية: فلقائل أن يقول أيضا: مهما لم يترجح في نظر الملك ~~وأهل العرف مصلحة ما عينه من أحد الطريقين من الاحسان أو الإساءة بمقتضى ~~الحالة الراهنة، فإن فعله لا يكون مناسبا، ويكون بتصرفه خارجا عن تصرفات ~~العقلاء. # وأما الحجة الثالثة فلقائل أن يقول: لا نسلم جواز الجزم بمناسبة ما عين ~~دون ظهور الترجيح في نظر الناظر، وبعد ظهور الترجيح، فليس الجزم بمناسبة ~~الوصف في نفس الامر قطعا، لجواز أن يكون في نفسه مرجوحا، وإن لم يطلع عليه. # PageV03P278 # وأما الحجة الرابعة، فبعيدة عن التحقيق، وذلك، لان الكلام إنما هو مفروض ~~في إثبات حكم لمصلحة يلزم من إثباته تحصيلا للمصلحة مفسدة مساوية، أو ~~راجحة، وما ذكر من مفسدة تحريم الغصب، وهي شغل ملك الغير غير لازمة من ~~ترتيب حكم المصلحة عليها، وهو صحة الصلاة، فإنا وإن لم نقض ms723 بصحة الصلاة ~~فالمفسدة اللازمة من الغضب لا تختل بل هي باقية بحالها، ولو كانت لازمة من ~~حكم المصلحة لا غير، لانتفت المفسدة المفروضة بانتفاء حكم المصلحة، وليس ~~كذلك. وحيث لم تكن مفسدة تحريم الغضب لازمة عن حكم المصلحة، كان من المناسب ~~اعتبار كل واحدة منهما في حكمها، وهي المصلحة والمفسدة، إذ لا معارضة ~~بينهما على ما تقرر. # وإذا تقرر توقف المناسبة على الترجيح، فللمعلل ترجيح وصفه بطرق تفصيلية ~~تختلف باختلاف المسائل، وله الترجيح بطريق إجمالي يطرد في جميع المسائل. # وحاصله أن يقول المعلل لو لم يقدر ترجيح المصلحة على ما عارضها من ~~المفسدة مع البحث وعدم الاطلاع على ما يمكن إضافة الحكم إليه في محل ~~التعليل سوى ما ذكرته، لزم أن يكون الحكم قد ثبت تعبدا، وهو خلاف الأصل ~~لوجهين. # الأول: أن الغالب من الاحكام التعقل دون التعبد، فإدراج ما نحن فيه تحته ~~أولى. # الثاني: أنه إذا كان معقول المعنى، كان الحكم أقرب إلى الانقياد، وأدعى ~~إلى القبول، فإن الانقياد إلى المعقول المألوف أقرب مما ليس كذلك، فكان ~~أفضى إلى المقصود من شرع الحكم. # لكن لقائل أن يقول: ما ذكرتموه من البحث عن وصف آخر تمكن إضافة الحكم ~~إليه مع عدم الظفر به، وإن دل على ترجيح جهة المصلحة فهو معارض بما يدل على ~~عدم ترجيحها، وهو عدم الاطلاع على ما به تكون راجحة على معارضها مع البحث ~~عنه، وعدم الظفر به، وليس أحد البحثين أولى من الآخر. # فإن قلتم: بل ما ذكرناه أولى من جهة أن بحثنا عن وصف صالح للتعليل وذلك ~~لا يتعدى محل الحكم فمحله متحد وبحثكم إنما هو عما به الترجيح، وهو غير ~~منحصر في محل الحكم، فإن ما به الترجيح قد يكون بما يعود إلى ذات العلة، ~~وقد يكون بأمر خارج عنها، كما يأتي تقريره. فكان ما ذكرناه أولى. ~~PageV03P279 # قلنا: ما به الترجيح، إن كان خارجا عن محل الحكم، فلا يتحقق به الترجيح ~~في محل الحكم، وإن كان في محل الحكم فقد استوى البحثان في ms724 اتحاد محلهما، ~~ولا ترجيح بهذه الجهة، وبتقدير تسليم اتحاد محل بحث المستدل والتعدد في محل ~~بحث المعترض. غير أن الظن الحاصل من البحثين، إما أن يكون متساويا أو ~~متفاوتا: # وبتقدير المساواة ورجحان ظن المعترض، فلا ترجيح في جانب المستدل. # وإنما يترجح بتقدير أن يكون ظنه راجحا. # ولا يخفى أن ما يقع على تقدير من تقديرين، يكون أغلب مما لا يقع إلا على ~~تقدير واحد. # وينبغي أن يعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة إنما يتحقق على رأي ~~من لا يرى تخصيص العلة. # وأما من يرى جواز تخصيصها، وجواز إحالة انتفاء الحكم على تحقق المعارض مع ~~وجود المقتضي، فلا بد له من الاعتراف بالمناسبة، وإن كانت المصلحة مرجوحة ~~أو مساوية. فإن انتفاء الحكم بالمانع، مع وجود المقتضي، إما أن يكون لمقصود ~~راجح على مقصود المقتضي للاثبات، أو مساو له أو مرجوح بالنسبة إليه، فإن ~~كان راجحا فقد قيل بمناسبة المقتضي للاثبات مع كون مقصوده مرجوحا وإلا فلو ~~لم يكن مناسبا كان الحكم منتفيا لانتفاء المناسب لا لوجود المانع وإن كان ~~مساويا. فكذلك أيضا وإن كانت مفسدة المانع مرجوحة، فقد قيل بانتفاء الحكم ~~له، ولولا مناسبته للانتفاء لما انتفى الحكم به، فإنه لو جاز أن ينتفي ~~الحكم بما ليس بمناسب، لجاز أن يثبت بما ليس بمناسب. PageV03P280 # الفصل السادس في كيفية ملازمة الحكمة لضابطها وبيان أقسامها فنقول: ~~الحكمة اللازمة لضابطها إما أن تكون ناشئة عنه. # وإما أن لا تكون ناشئة عنه. # والتي لا تكون ناشئة عنه، إما أن تكون للوصف دلالة على الحاجة إليها، أو ~~لا تكون كذلك. # فالأول: كشرع الرخصة في السفر لدفع المشقة الناشئة من السفر. # والثاني: كالحكم بصحة البيع بإفضائه، إلى الانتفاع بالعوض. فإن الانتفاع ~~لازم لصحة البيع ظاهرا وليس ناشئا عن البيع، ولكن للبيع، وهو التصرف الصادر ~~من الأهل في المحل، وهو الايجاب والقبول، دلالة على الحاجة إليه. # والثالث: كما في ملك نصاب الزكاة فإنه يناسب إيجاب الزكاة من حيث إنه ~~نعمة، والنعمة تناسب الشكر لافضاء الشكر إلى زيادة ms725 النعمة، على ما قال ~~تعالى * (ولئن شكرتم لأزيدنكم) *. والزكاة صالحة لان تكون شكرا لما فيها من ~~إظهار النعمة، وإظهار النعمة في العرف يعد شكرا. # ولا يخفى أن ما مثل هذا المقصود (1) وهو زيادة النعمة، ملازم لترتيب ~~إيجاب الزكاة على ذلك النصاب وليس زيادة النعمة ناشئة عن نفس ملك النصاب، ~~كما كانت المشقة ناشئة عن السفر، ولا لملك النصاب، دلالة على الحاجة إلى ~~زيادة النعمة، كدلالة البيع على الحاجة إلى الانتفاع. # PageV03P281 # الفصل السابع في أقسام المناسب بالنظر إلى اعتباره، وعدم اعتباره فنقول: ~~الوصف المناسب إما أن يكون معتبرا في نظر الشارع، أو لا يكون معتبرا: # فإن كان معتبرا، فاعتباره إما أن يكون بنص، أو إجماع، أو بترتيب الحكم ~~على وفقه في صورة بنص أو إجماع. # فإن كان معتبرا بنص أو إجماع، فيسمى المؤثر، على ما سبق تحقيقه في ~~المسائل المتقدمة، وإذا كان معتبرا بترتيب الحكم على وفقه في صورة، فالذي ~~تقتضيه القسمة العقلية تسعة أقسام. # وذلك، لأنه إما أن يكون معتبرا بخصوص وصفه، أو بعموم وصفه، أو بخصوصه ~~وعمومه، وإن كان معتبرا بخصوص وصفه دون عموم وصفه. # فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم المعلل أو في جنسه، أو في عينه وجنسه. # وإن كان معتبرا بعموم وصفه فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم أو جنسه أو ~~في عينه وجنسه وإن كان معتبرا بعموم وصفه وخصوصه فإما أن يكون معتبرا في ~~عين الحكم أو جنسه أو في عينه وجنسه. وأما إن لم يكن الوصف معتبرا، فلا ~~يخلو إما أن يظهر مع ذلك إلغاؤه أو لم يظهر منه ذلك. # فهذه جملة الأقسام المذكورة غير أن الواقع منها في الشرع لا يزيد على ~~خمسة. # القسم الأول: أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في الحكم وعموم الوصف ~~في عموم الحكم في أصل آخر، وذلك كما في إلحاق القتل بالمثقل، بالمحدد لجامع ~~القتل العمد العدوان، فإنه قد ظهر تأثير عين القتل العمد العدوان في عين ~~الحكم وهو وجوب القتل في المحدد وظهر تأثير جنس ms726 القتل من حيث هو جناية على ~~المحل المعصوم بالقود في جنس القتل من حيث هو قصاص في الأيدي، وهذا القسم ~~هو المعبر عنه بالملائم، وهو متفق عليه بين القياسين، ومختلف فيما عداه. # القسم الثاني: أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في خصوص PageV03P282 # الحكم من غير أن يظهر اعتبار عينه في جنس ذلك الحكم في أصل آخر متفق عليه ~~ولا جنسه في عين ذلك الحكم ولا جنسه في جنسه، ولا دل على كونه علة نص. # ولا إجماع، لا بصريحه ولا إيمائه، وذلك كمعنى الاسكار، فإنه يناسب تحريم ~~تناول النبيذ، وقد ثبت اعتبار عينه في عين التحريم في الخمر، ولم يظهر ~~تأثير عينه في جنس ذلك الحكم، ولا جنسه في عينه ولا جنسه في جنسه، ولا ~~إجماع عليه، فلو قدرنا انتفاء النصوص الدالة على كون الاسكار علة فلا يكون ~~معتبرا بنص أيضا، وهذا هو المناسب الغريب، وهو مختلف فيه بين القياسين، وقد ~~أنكره بعضهم، وإنكاره غير متجه لأنه يفيد الظن بالتعليل. # ولهذا فإنا إذا رأينا شخصا قابل الاحسان بالاحسان، والإساءة بالإساءة، مع ~~أنه لم يعهد من حاله قبل ذلك شئ فيما يرجع إلى المكافأة وعدمها، غلب على ~~الظن ما رتب الحكم عليه. # والذي يؤيد ذلك أنه لا يخلو إما أن يكون الحكم قد ثبت لعلة، أو لا لعلة. # فإن كان لا لعلة، فهو بعيد لما سبق تقريره من امتناع خلو الاحكام عن ~~العلل. # وإن كان لعلة، فإما أن يكون لما لم يظهر، أو لما ظهر: الأول ويلزم منه ~~التعبد، وهو بعيد، على ما عرف، والثاني هو المطلوب. # فإن قيل: الفرق بين ما نحن فيه، وبين صورة الاستشهاد إنا قد ألفنا من ~~تصرفات العقلاء مقابلة الاحسان بالاحسان، والإساءة بالإساءة، فكان ذلك من ~~قبيل القسم الأول، وهو الملائم المتفق عليه، لا من قبيل القسم الثاني، وهو ~~الغريب المختلف فيه. # قلنا: نحن إنما نفرض الكلام في شخص لم يعهد من حاله قبل ذلك الفعل موافقة ~~ولا مخالفة، فلا يكون من الملائم المتفق عليه، ولا ms727 من الملغى. ومع ذلك فإن ~~التعليل يظهر من فعله لكل عاقل، نظرا إلى أن الغالب إنما هو غلبة طبيعة ~~المكافأة بالانتقام، والاحسان، في حق العاقل، كما أن الغالب من الشارع ~~اعتبار المناسبات دون إلغائها. وليس هذا من القسم الأول في شئ، لان القسم ~~الأول مفروض فيما علم من الشارع اعتبار العين في العين فيه، والجنس في ~~الجنس، والفرق بين الامرين ظاهر. # القسم الثالث: أن يكون الشارع قد اعتبر جنس الوصف في جنس الحكم لا غير، ~~أي أنه لم يعتبر مع ذلك عينه في عينه، ولا عينه في جنسه، ولا جنسه في عينه، ~~PageV03P283 # ولا دل عليه نص ولا إجماع. وهذا أيضا من جنس المناسب الغريب المختلف فيه ~~بين القياسين إلا أنه دون القسم الثاني، وذلك لان الظن الحاصل باعتبار ~~الخصوص في الخصوص لكثرة ما به الاشتراك أقوى من الظن الحاصل من اعتبار ~~العموم في العموم، وذلك كاعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر، ~~في جنس التخفيف. فإن عين مشقة الحائض ليست عين مشقة المسافر، بل من جنسها، ~~وعين التخفيف عن المسافر بإسقاط الركعتين الزائدتين ليس عين التخفيف عن ~~الحائض بإسقاط أصل الصلاة بل من جنسها. # واعلم أن الوصف المعلل به، وكذلك الحكم المعلل له أجناس: # منها ما هو عال ليس فوقه ما هو أعلى منه. # ومنها ما هو قريب إليه، ليس بينه وبينه واسطة، ومنها ما هو متوسط بين ~~الطرفين، إما على السواء، أو أنه إلى أحد الطرفين أقرب من الآخر. # فأما الجنس العالي للحكم الخاص، فكونه حكما، وأخص منه كونه وجوبا أو ~~تحريما أو غير ذلك من الاحكام. # وأخص من الوجوب العبادة وغير العبادة. وأخص من العبادة الصلاة، وغير ~~الصلاة وأخص من الصلاة الفرض والنفل. # وأما الجنس العالي للوصف الخاص فكونه وصفا تناط الاحكام به، وأخص منه ~~كونه مناسبا بحيث يخرج منه الشبهي، وأخص منه المصلحة الضرورية. # وأخص منه حفظ النفس والعقل، وعلى هذا النحو فالظن في هذا القسم مما يزيد ~~وينقص بسبب التفاوت فيما به الاشتراك، من الجنس العالي ms728 والسافل والمتوسط ~~فيما كان الاشتراك فيه بالجنس السافل، فهو أغلب على الظن، وما كان الاشتراك ~~فيه بالأعم، فهو أبعد، وما كان بالمتوسط، فمتوسط على الترتيب في الصعود ~~والنزول. # القسم الرابع: المناسب الذي لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار ~~بطريق من الطرق المذكورة، ولا ظهر إلغاؤه في صورة، ويعبر عنه بالمناسب ~~المرسل (1) وسيأتي الكلام عنه فيما بعد. # PageV03P284 # القسم الخامس: المناسب الذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه، ~~وظهر مع ذلك إلغاؤه وإعراض الشارع عنه في صوره، فهذا مما اتفق على إبطاله، ~~وامتناع التمسك به. وذلك كقول بعض العلماء، لبعض الملوك، لما جامع في نهار ~~رمضان وهو صائم يجب عليك صوم شهرين متتابعين. فلما أنكر عليه، حيث لم يأمره ~~بإعتاق رقبة مع اتساع ماله، قال لو أمرته بذلك لسهل عليه ذلك واستحقر إعتاق ~~رقبة في قضاء شهوة فرجه، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم، مبالغة في زجره. ~~فهذا وإن كان مناسبا، غير أنه لم يشهد له شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت ~~الغاية بنص الكتاب. # الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف ~~علة وذلك، لان الاحكام إنما شرعت لمقاصد العباد. أما أنها مشروعة لمقاصد ~~وحكم فيدل عليه الاجماع والمعقول. # أما الاجماع: فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو ~~عن حكمة ومقصود، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب، كما قالت المعتزلة، ~~أو بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كقول أصحابنا (1) وأما المعقول فهو أن ~~الله تعالى حكيم في صنعه، فرعاية الغرض في صنعه، إما أن يكون واجبا، أو لا ~~يكون واجبا: # فإن كان واجبا، فلم يخل عن المقصود، وإن لم يكن واجبا، ففعله للمقصود ~~يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود، فكان المقصود لازما من ~~فعله ظنا. وإذا كان المقصود لازما في صنعه فالاحكام من صنعه (2) فكانت لغرض ~~ومقصود. والغرض إما أن يكون عائدا إلى # PageV03P285 # الله تعالى، أو إلى العباد. ولا سبيل إلى الأول لتعاليه عن الضرر ms729 ~~والانتفاع، ولأنه على خلاف الاجماع، فلم يبق سوى الثاني. # وأيضا فإن الاحكام مما جاء بها الرسول، فكانت رحمة للعالمين، لقوله ~~تعالى: # * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) * (الأنبياء: 107). فلو خلت الاحكام ~~عن حكمة عائدة إلى العالمين ما كانت رحمة، بل نقمة، لكون التكليف بها محض ~~تعب ونصب. # وأيضا قوله تعالى: * (ورحمتي وسعت كل شئ) * (الأعراف: 156) فلو كان شرع ~~الاحكام في حق العباد لا لحكمة، لكانت نقمة لا رحمة، لما سبق، وأيضا قوله ~~عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام (1) فلو كان التكليف بالأحكام لا ~~لحكمة عائدة إلى العباد، لكان شرعها ضررا محضا، وكان ذلك بسبب الاسلام، وهو ~~خلاف النص. # وإذا ثبت أن الاحكام إنما شرعت لمصالح العباد، فإذا رأينا حكما مشروعا ~~مستلزما لأمر مصلحي، فلا يخلو إما أن يكون ذلك هو الغرض من شرع الحكم أو ما ~~لم يظهر لنا، لا يمكن أن الغرض ما لم يظهر لنا، وإلا كان شرع الحكم تعبدا ~~وهو خلاف الأصل، لما سبق تقريره. فلم يبق إلا أن يكون مشروعا لما ظهر، # PageV03P286 # ، وإذا كان ذلك مظنونا، فيجب العمل به، لان الظن واجب الاتباع في الشرع، ~~ويدل على ذلك إجماع الصحابة على العمل بالظن ووجوب اتباعه في الأحكام ~~الشرعية. # فمن ذلك ما اشتهر عنهم في زمن عمر من تقدير حد شارب الخمر بثمانين جلدة ~~بسبب ظن وقع لهم من قول علي، رضي الله عنه أرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر ~~هذي وإذا هذي افترى، فأرى أن يقام عليه حد المفترين (1) إقامة للشرب الذي ~~هو مظنة الافتراء مقام الافتراء في حكمه. # ومن ذلك حكمهم في إمامة أبي بكر بالرأي والظن، وقياسهم العهد على العقد ~~في الإمامة، ورجوعهم إلى اجتهاد أبي بكر في قتال بني حنيفة حيث امتنعوا من ~~أداء الزكاة، واتفاقهم على كتبة المصحف وجمع القرآن بين الدفتين بالرأي ~~والظن واتفاقهم على الاجتهاد في مسألة الجد والاخوة على وجوه مختلفة. # ومن ذلك ما اشتهر عن آحاد الصحابة من العمل بالظن والرأي من غير نكير ~~عليه. # فمن ms730 ذلك قول أبي بكر أقول في الكلالة برأيي وحكمه. بالرأي في التسوية في ~~العطاء. # ومن ذلك قول عمر أقول في الجد برأيي، وأقضي فيه برأيي وقضى فيه بآراء ~~مختلفة. # وقوله في حديث الجنين لولا هذا، لقضينا فيه برأينا. # وتشريكه في المسألة الحمارية، لما قيل له هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا ~~من أم واحدة؟ # ومن ذلك ما نقل عن عثمان إنه قال لعمر في بعض الأحكام إن اتبعت رأيك ~~فرأيك أسد، وإن تتبع من قبلك، فنعم ذلك الرأي. إلى غير ذلك من الوقائع التي ~~لا تحصى ولأن عملهم بالرأي مع الاختلاف، اما ان يكون مع وجود دليل قاطع # PageV03P287 # فيما اختلفوا فيه، أو لا مع وجود دليل قاطع، لا جائز ان يقال بالأول وإلا ~~كان المخالف فاسقا والموافق بالسكوت عن الانكار فاسقا، ويلزم من ذلك تعميم ~~الفسق بجميع الصحابة، وهو ممتنع لما سبق من الدلالة على عصمتهم فلم يبق سوى ~~الثاني وهو المطلوب فإن قيل: لا نسلم استلزام شرع الاحكام للحكم والمقاصد، ~~وذلك لان شرع الاحكام من صنع الله تعالى (1) وصنعه إما أن يستلزم الحكمة ~~والمقصود، أو لا يستلزم، والأول ممتنع لسبعة عشر وجها: # الأول: أن القائل قائلان: قائل يقول بأن أفعال العبيد مخلوقة لله تعالى، ~~وقائل إنها مخلوقة للعبيد فمن قال إنها مخلوقة لله تعالى فيلزمه من ذلك أن ~~يكون خالقا للكفر والمعاصي وأنواع الشرور، مع أنه لا حكمة ولا مقصود في خلق ~~هذه الأشياء، ومن قال إنها مخلوقة للعبيد فإنما كانت مخلوقة لهم بواسطة خلق ~~الله تعالى القدرة لهم على ذلك، فخلقه للقدرة الموجبة لهذه الأمور لا يكون ~~أيضا لحكمة. # الثاني: أنه لو استلزم فعله للحكمة، ما أمات الأنبياء، وأنظر إبليس، وما ~~أوجب تخليد أهل النار في النار، لعدم الحكمة في ذلك. # الثالث: أنه لو كان لحكمة ومقصود، فعند تحقق الحكمة، لا يخلو إما أن يجب ~~الفعل، بحيث لا يمكن عدمه، أو لا يجب: فإن كان الأول، فيلزم منه أن يصير ~~الباري تعالى مضطرا غير مختار، وإن لم يجب ms731 الفعل فقد أمكن وجوده تارة وعدمه ~~تارة وعند ذلك إما أن يترجح أحد الممكنين على الآخر لمقصود، أو لا لمقصود ~~فإن كان الأول، فالكلام فيه كالكلام في الأول، وهو تسلسل ممتنع. # وإن كان الثاني، فهو المطلوب. # الرابع: أنه لو كان صنع الرب تعالى يستلزم الغرض والمقصود، فذلك المقصود ~~إما أن يكون حادثا أو قديما: فإن كان قديما، فيلزم منه قدم الصنع والمصنوع، ~~وهو محال. # وإن كان حادثا، فإما أن يتوقف حدوثه على مقصود آخر، أو لا يتوقف، فالأول ~~يلزم منه التسلسل، والثاني هو المطلوب. # PageV03P288 # الخامس: أنه تعالى قد كلف بالايمان من علم أنه لا يؤمن، كأبي جهل وغيره، ~~وذلك مما يستحيل معه الايمان، وإلا كان علمه جهلا. والتكليف بما لا يمكن ~~وقوعه على وجه يعاقب المكلف على عدم فعله، مجرد عن الغرض والحكمة. # السادس: أن حكم الله هو كلامه وخطابه. وكلامه وخطابه قديم، والمقصود لا ~~جائز أن يكون قديما، وإلا لزم منه موجود قديم غير الباري تعالى وصفاته، وهو ~~محال. وإن كان حادثا، فيلزم منه تعليل القديم بالحادث، وهو ممتنع. # السابع: أن خلق الباري تعالى للعالم في وقته المعلوم المحدود، مع جواز ~~خلقه قبله أو بعده، وتقديره بشكله المقدر، مع جواز أن يكون أصغر أو أكبر، ~~مما لا يوقف منه على غرض ومقصود. # الثامن: أنه لو كان له في فعله غرض ومقصود، لم يخل إما أن يكون فعله لذلك ~~الغرض أولى من تركه، أو لا يكون أولى: # فإن كان الأول، فيلزمه منه أن يكون الرب تعالى مستكملا بذلك الصنع، ~~وناقصا قبله، وهو محال، وإن لم يكن فعله أولى من الترك، امتنع الفعل لعدم ~~الأولوية. # التاسع: أن الحكم والمقاصد خفية، وفي ربط الأحكام الشرعية بها ما يوجب ~~الحرج في حق المكلف باطلاعه عليها بالبحث عنها. والحرج منفي بقوله تعالى: # * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) *. # العاشر: أن وجود الحكمة مما يجب تأخره عن وجود شرع الحكم، وما يكون ~~متأخرا في الوجود يمتنع أن يكون علة لما هو متقدم عليه. # الحادي ms732 عشر: أنه لو كان شرع الاحكام للحكم، لكانت مفيدة لها قطعا، وذلك ~~لان الله تعالى قادر على تحصيل تلك الحكمة قطعا. فلو فعل ما فعله قصدا ~~لتحصيل تلك الحكمة، لكان الظاهر منه أنه فعله على وجه تحصل الحكمة به قطعا، ~~وأكثر الاحكام من الزواجر وغيرها غير مفيدة لما ظن أنها حكم لها قطعا. # الثاني عشر: أنه لا يخلو إما أن يكون الرب تعالى قادرا على تحصيل تلك ~~الحكمة الحاصلة من شرع الحكم دون شرع الحكم أو لا يكون قادرا عليه: # لا جائز أن لا يكون قادرا إذ هو صفة نقص، والنقص على الله محال، وإن كان ~~قادرا على ذلك، فشرع الحكم وتوسطه في البين لا يكون مفيدا، بل هو محض عناء ~~وتعب. PageV03P289 # الثالث عشر: أن خلق الكافر شقيا في الدنيا مخلدا في العذاب في الأخرى، ~~مما لا حكمة فيه ولا مقصود. # الرابع عشر: أن الله تعالى قد أوجب على المكلف معرفته، وذلك إما أن لا ~~يكون على العارف به أو على غير العارف: # الأول فيه تحصيل الحاصل، والثاني يلزم منه المحال، حيث أوجب معرفته على ~~من لا يعرفه مع توقف معرفة إيجابه على معرفة ذاته، وهو دور، ولا مصلحة في ~~شئ من ذلك. # الخامس عشر: أن الله تعالى قد أقدر العباد على المعاصي وتركهم يرتكبون ~~الفواحش، وهو مطلع عليهم، وقادر على منعهم من ذلك، ولم يفعل شيئا من ذلك، ~~وذلك مما لا حكمة فيه. # السادس عشر: أن الحكمة إنما تطلب في حق من تميل نفسه في صنعه إلى جلب نفع ~~أو دفع ضرر، والرب تعالى منزه عن ذلك. # السابع عشر: أن الحكمة إنما تطلب في فعل من لو خلا فعله عن الحكمة، لحقه ~~الذم، وكان عابثا، والرب يتعالى عن ذلك، لكونه متصرفا في ملكه بحسب ما يشاء ~~ويختار من غير سؤال عما يفعل، على ما قال تعالى: * (لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون) * (الأنبياء: 23) وإن لم يكن فعله مستلزما للحكمة فهو المطلوب. # سلمنا استلزام شرع الحكم للحكمة، ولكن لا يلزم ms733 أن يكون ما ظهر من المناسب ~~علة، ولو كان يدل المناسب على كونه علة، لكانت أجزاء العلة المناسبة عللا، ~~بل غايته أن تكون جزء علة. ولا يلزم من وجود جزء العلة في الفرع وجود ~~الحكم. # سلمنا غلبة الظن بكون ما ظهر من المناسب علة، ولكن لا نسلم وجوب العمل ~~بالظن مطلقا لما سنبينه في مسألة كون القياس حجة، وما ذكرتموه من الدلائل ~~فسيأتي الكلام عليها أيضا في مسألة كون القياس حجة. # والجواب عما ذكروه من المنع ما سبق تقريره (1)، وعن الشبهة الأولى من ~~ثلاثة أوجه: # الأول: أن القدرة إنما تتعلق بالحدوث والوجود لا غير، والكفر وأنواع ~~المعاصي والشرور راجعة إلى مخالفة نهي الشارع، وليس ذلك من متعلق القدرة في ~~شئ. (2) # PageV03P290 # الثاني: وإن سلمنا أن جميع ذلك مخلوق لله تعالى، فنحن لا ندعي ملازمة ~~الحكمة لا فعاله مطلقا، حتى يطرد ذلك في كل مخلوق، بل إنما ندعي ذلك فيما ~~يمكن مراعاة الحكمة فيه، وذلك ممكن فيما عدا أنواع الشرور والمعاصي (1)، ~~ولا ندعي ذلك قطعا بل ظاهرا. # الثالث: وإن سلمنا لزوم الحكمة لأفعاله مطلقا، ولكن لا نسلم امتناع ذلك ~~فيما ذكروه من الصور قطعا، لجواز أن يكون لازمها حكم لا يعلمها سوى الرب ~~تعالى. # وبهذين الجوابين الأخيرين يكون جواب الشبهة الثانية. # وعن الثالثة أن وجود الفعل وإن قدر تحقق الحكمة، غير واجب، بل هو تبع ~~لتعلق القدرة والإرادة به، ومع ذلك فالباري لا يكون مضطرا بل مختارا. # وعن الرابعة: أن المقصود حادث، ولكن لا يفتقر إلى مقصود آخر، فإنا إنما ~~ندعي ذلك فيما هو ممكن، وافتقار المقصود إلى مقصود آخر غير ممكن لافضائه ~~إلى التسلسل الممتنع، وإن كان مفتقرا إلى مقصود، فذلك المقصود هو نفسه لا ~~غيره، فلا تسلسل. # PageV03P291 # وعن الخامسة: أنا لا ندعي لزوم المقصود في كل فعل ليلزمنا ما قيل، وإن ~~كان ذلك لازما، فلا يمتنع أن يكون ذلك لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها، ~~كما بيناه في التكليف بما لا يطاق. # وعن السادسة: أن الحكم ليس هو نفس الكلام ms734 القديم كما سبق تقريره، بل ~~الكلام بصفة التعلق، فكان حادثا (1)، وإن كان الحكم قديما. والمقصود حادثا ~~فإنما يمتنع تعليله به أن لو كان موجبا للحكم، وليس كذلك، (2) بل إما بمعنى ~~الامارة والعلامة عند من يقول بذلك، والحادث لا يمتنع أن يكون أمارة على ~~القديم، وإما بمعنى الباعث فلا يمتنع أيضا أن يكون متأخرا، ويكون حكم الله ~~القديم بما حكم به لأجل ما سيوجد من المقصود الحادث. # وعن السابعة: بمنع انتفاء الحكمة فيما قيل، وإن لم تكن معلومة لنا. # وعن الثامنة: أن فعله لذلك الغرض أولى من تركه، لكن بالنظر إلى المخلوق ~~دون الخالق. # وعن التاسعة: أنه لا حرج في ربط الاحكام بالحكم، إذا كانت منضبطة بأنفسها ~~أو بأوصاف ظاهرة ضابطة لها لعدم العسر في معرفتها، وإن كان في ذلك نوع عسر ~~وحرج يكد العقل في الاجتهاد فيها، فلا نسلم خلو ذلك عن المقصود، وهو زيادة ~~الثواب على ما قال عليه السلام " ثوابك على قدر نصبك " (3) # PageV03P292 # وعن العاشرة: أن الحكمة، وإن كانت متأخرة في الوجود عن شرع الحكم، فإنما ~~يمتنع أن تكون علة بمعنى المؤثر لا بمعنى الباعث. (1) وعن الحادية عشرة: ~~أنه لا يمتنع أن تكون الحكمة المقصودة من شرع الحكم إنما هو حصول الحكمة ~~ظاهرا لا قطعا. # وعن الثانية عشرة: أنه لا يمتنع على بعض آراء المعتزلة أن يقال بأن الرب ~~تعالى غير قادر على تحصيل ذلك الغرض الخاص من شرع ذلك الحكم دون شرعه، ولا ~~يلزم منه العجز، ضرورة كونه غير ممكن، وإن قدر أنه قادر على ذلك وهو الحق، ~~فلا يلزم أن يكون شرع الحكم غير مفيد مع حصول الفائدة به، وإن قدر إمكان ~~حصول الفائدة بطريق آخر. # وعن الثالثة عشرة: أن الحكمة فيما ذكروه إما أن تكون ممتنعة أو جائزة. # فإن كان الأول، فلا يلزم امتناعها فيما هي ممكنة فيه، وإن كان الثاني، ~~فلا مانع من وجودها، وإن لم نطلع نحن عليها. # وهو الجواب عن الرابعة عشرة، كيف وأنه إنما يلزم الدور الممتنع، أن لو ~~قيل بتوقف ms735 الوجوب على معرفة المكلف للوجوب، وليس كذلك على ما سبق تقريره في ~~شكر المنعم. # وعن الخامسة عشرة: ما هو جواب الشبهتين قبلها. # وعن السادسة عشرة بمنع ما ذكروه في رعاية الحكمة، بل الحكمة إنما تطلب في ~~فعل من لو وجدت الحكمة في فعله لما كان ممتنعا، بل واقعا في الغالب. # وعن السابعة عشرة: أن ما ذكروه إنما يلزم في حق من تجب مراعاة الحكمة في ~~فعله، والباري تعالى ليس كذلك (2)، على ما حققناه في كتبنا الكلامية. # PageV03P293 # قولهم: لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب علة. # قلنا لا يلزم أن يكون علة قطعا، وإنما يلزم أن يكون علة ظاهرا، ضرورة أنه ~~لا بد للحكم من علة ظاهرة، على ما سبق تقريره، ولا ظاهر سواه. # وأما أجزاء العلة، وإن كانت مناسبة، فإنما يمتنع التعليل بكل واحد منها، ~~لما سبق من امتناع تعليل الحكم الواحد في محل واحد بعلل، بخلاف ما إذا اتحد ~~الوصف، أو تعدد، وكانت العلة مجموع الأوصاف. # قولهم: لا نسلم وجوب العمل بذلك، وإن كان مظنونا. # قلنا: دليله ما ذكرناه وما سيأتي في مسألة إثبات القياس على منكريه. # وما يذكرونه على ذلك فسيأتي جوابه ثم أيضا المسلك السادس - إثبات العلة ~~بالشبه ويشتمل على ثلاثة فصول الفصل الأول في حقيقة الشبه واختلاف الناس ~~فيه، وما هو المختار فيه نقول: اعلم أن اسم الشبه، وإن أطلق على كل قياس، ~~ألحق الفرع فيه بالأصل لجامع يشبهه فيه، غير أن آراء الأصوليين مختلفة فيه: ~~(1) فمنهم من فسره بما تردد فيه الفرع بين أصلين، ووجد فيه المناط الموجود ~~في كل واحد من الأصلين، إلا أنه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الأوصاف ~~التي بها مشابهته للأصل الآخر، فإلحاقه بما هو أكثر مشابهة هو الشبه. وذلك ~~كالعبد المقتول خطأ إذا زادت قيمته على دية الحر، فإنه قد اجتمع فيه مناطان ~~متعارضان، # PageV03P294 # أحدهما النفسية، وهو مشابه للحر فيها، ومقتضى ذلك أن لا يزاد فيه على ~~الدية، والثاني المالية وهو مشابه للفرس فيها، ومقتضى ذلك الزيادة. ms736 # إلا أن مشابهته للحر في كونه آدميا مثابا معاقبا، ومشابهته للفرس في كونه ~~مملوكا مقوما في الأسواق، فكان إلحاقه بالحر أولى لكثرة مشابهته له، وليس ~~هذا من الشبه في شئ. فإن كل واحد من المناطين مناسب، وما ذكر من كثرة ~~المشابهة إن كانت مؤثرة، فليست إلا من باب الترجيح لاحد المناطين على ~~الآخر، وذلك لا يخرجه عن المناسب، وإن كان يفتقر إلى نوع ترجيح. # ومنهم من فسره بما عرف المناط فيه قطعا، غير أنه يفتقر في آحاد الصور إلى ~~تحقيقه، وذلك كما في طلب المثل في جزاء الصيد بعد أن عرف أن المثل واجب ~~بقوله تعالى: * (فجزاء مثل ما قتل من النعم) * (المائدة: 95) وليس هذا أيضا ~~من الشبه، إذ الكلام إنما هو مفروض في العلة الشبهية، والنظر ههنا إنما هو ~~في تحقيق الحكم الواجب، وهو الأشبه لا في تحقيق المناط، وهو معلوم بدلالة ~~النص. # ودليل أن الواجب هو الأشبه، أنه أوجب المثل، ونعلم أن الصيد لا يماثله شئ ~~من النعم، فكان ذلك محمولا على الأشبه، كيف وهو مجزوم مقطوع به، والشبه ~~مختلف فيه، وكيف يكون المتفق عليه هو نفس المختلف فيه. # ومنهم من فسره بما اجتمع فيه مناطان مختلفان، لا على سبيل الكمال، إلا أن ~~أحدهما أغلب من الآخر، فالحكم بالأغلب حكم بالأشبه، وذلك كاللعان، فإنه قد ~~وجد فيه لفظ الشهادة واليمين، وليسا بمتمحضين، لان الملاعن مدع، والمدعي لا ~~تقبل شهادته لنفسه ولا يمينه، وهذا وإن كان أقرب من المذاهب المتقدمة إلا ~~أنه مهما غلبت إحدى الشائبتين، فقد ظهرت المصلحة الملازمة لها في نظرنا، ~~فيجب الحكم بها، ولكنه غير خارج عن التعليل بالمناسب. # وقد ذهب القاضي أبو بكر إلى تفسيره بقياس الدلالة، وهو الجمع بين الأصل ~~والفرع بما لا يناسب الحكم، ولكن يستلزم ما يناسب الحكم، وسيأتي تحقيقه في ~~موضعه بعد. PageV03P295 # ومنهم من فسره بما يوهم المناسبة من غير اطلاع عليها، وذلك أن الوصف ~~المعلل به لا يخلو إما أن تظهر فيه المناسبة، أو لا تظهر فيه المناسبة (1)، ~~بوقوف من ms737 هو أهل معرفة المناسبة عليها، وذلك بأن يكون ترتيب الحكم على وفقه ~~مما يفضي إلى تحصيل مقصود من المقاصد المبينة من قبل، فهو المناسب. # وإن لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام ممن هو أهله، فإما أن يكون مع ~~ذلك مما لم يؤلف من الشارع الالتفات إليه في شئ من الاحكام، أو هو مما ألف ~~من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام. # فإن كان من الأول فهو الطردي الذي لا التفات إليه. ومثاله ما لو قال ~~الشافعي مثلا في إزالة النجاسة بمائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تجوز ~~إزالة النجاسة به كالدهن، وكما لو علل في مسألة من المسائل بالطول والقصر ~~والسواد والبياض ونحوهما وإن كان الثاني فهو الشبهي وذلك لأنه بالنظر إلى ~~عدم الوقوف على المناسبة فيه بعد البحث، يجزم المجتهد بانتفاء مناسبته، ~~وبالنظر إلى اعتباره في بعض الأحكام يوجب إيقاف المجتهد عن الجزم بانتفاء ~~المناسبة فيه، فهو مشابه للمناسب في أنه غير مجزوم بنفي المناسبة عنه، ~~ومشابه للطردي في أنه غير مجزوم بظهور المناسبة فيه. # فهو دون المناسب وفوق الطردي. ولعل المستند في تسميته شبهيا إنما هو هذا ~~المعنى ومثاله قول الشافعي في مسألة إزالة النجاسة، طهارة تراد لأجل ~~الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فإن الجامع هو الطهارة، ~~ومناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة. وبالنظر إلى كون ~~الشارع اعتبرها في بعض الأحكام كمس المصحف والصلاة والطواف، يوهم اشتمالها ~~على المناسبة كما تقرر. # واعلم أن إطلاق اسم الشبه، وإن كان حاصله في هذه الصورة راجعا إلى ~~الاصطلاحات اللفظية، غير أن أقربها إلى قواعد الأصول، الاصطلاح الأخير، وهو ~~الذي ذهب إليه أكثر المحققين، ويليه في القرب مذهب القاضي أبي بكر. # PageV03P296 # الفصل الثاني في أن الشبه مع قران الحكم به دليل على كون الوصف علة ~~وبيانه أنا إذا رأينا حكما ثابتا عقيب وصفين، وأحد الوصفين شبهي بالتفسير ~~الأخير، والآخر طردي، فلا يخلو: # إما أن يكون الحكم ثابتا لمصلحة، أو لا لمصلحة، لا جائز أن يقال ms738 بالثاني ~~إذ الحكم الشرعي لا يخلو عن مصلحة، وإن لم يكن ذلك بطريق الوجوب كما تقرر ~~قبل (1)، فلم يبق غير الأول، وهو أنه ثابت لمصلحة وتلك المصلحة لا تخلو: # إما أن تكون في ضمن الوصف الشبهي، أو الطردي لعدم ما سواهما، ولا يخفى أن ~~اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة، أغلب على الظن من اشتمال الطردي عليها، ~~لان الطردي مجزوم بنفي مناسبته، والشبهي متردد فيه على ما تقرر. # وإذا كان ذلك هو الغالب على الظن فالظن معمول به في الشرعيات على ما تقدم ~~تقريره. # الفصل الثالث زعم بعض أصحابنا أن الشبهي إذا اعتبر جنسه في جنس الحكم دون ~~اعتبار عينه في عينه، لا يكون حجة بخلاف الوصف المناسب، مصيرا منه إلى أن ~~الشبهي إذا ظهر تأثير عينه في عين الحكم، فالظن المستفاد منه في أدنى درجات ~~الظن، فإذا انحط عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في الجنس، فقد اضمحل ~~الظن بالكلية، لأنه ليس تحت أدنى درجات الظن درجة سوى ما ليس بظن، وما ليس ~~بمظنون، لا يكون حجة، وهذا بخلاف المناسب، فإن الظن المستفاد منه باعتبار ~~العين في العين قوي جدا، فنزوله عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في ~~الجنس، وإن فات معه ذلك الظن الغالب، فقد بقي له أصل الظن، فكان حجة. # PageV03P297 # وأيضا فإن الوصف الشبهي إنما صار شبهيا باعتبار الشارع له في جنس الحكم ~~المعلل، وذلك في إفادة الظن دون المناسب المرسل، والمناسب المرسل ليس بحجة، ~~لما سيأتي تقريره (1)، فما هو دونه أولى أن لا يكون حجة، وهذا بخلاف ~~المناسب المتأيد بشهادة الجنس في الجنس، فإنه فوق المناسب المرسل. فلا يلزم ~~من كون المرسل ليس بحجة، أن يكون ذلك ليس بحجة. # ولقائل أن يقول: أما الأول فهو مبني على أن الشبهي المتأيد بشهادة العين ~~في العين، في أدنى درجات الظنون، وهو غير مسلم، بل للخصم أن يقول: ما هو في ~~أدنى درجات الظنون إنما هو الشبهي المتأيد بشهادة الجنس في الجنس، والنزول ~~عن تلك الدرجة إلى ما ms739 دونها (2) لا يوجب انمحاق الظن بالكلية كما قيل. # وأما الثاني: فهو وإن سلم أن الشبهي إنما صار شبهيا بالتفات الشارع إليه ~~في بعض الأحكام ، وأنه أدنى من المناسب المرسل من حيث إن مناسبة المرسل ~~ظاهرة، ومناسبة الشبهي غير ظاهرة، بل موهمة متردد فيها. غير أن الشبهي بعد ~~أن ثبت كونه شبيها بالتفات الشارع إليه في بعض الأحكام إذا رأينا الشارع قد ~~اعتبر جنسه في جنس الحكم المعلل، فقد صار معتبرا، ولا كذلك المرسل فإنه غير ~~معتبر، ولا يلزم من عدم الاحتجاج بما ليس معتبرا عدم الاحتجاج بالمعتبر. # PageV03P298 # المسلك السابع - إثبات العلة بالطرد والعكس وقد اختلف فيه: فذهب جماعة من ~~الأصوليين إلى أنه يدل على كون الوصف علة. # لكن اختلف هؤلاء: فمنهم من قال إنه يدل على العلية قطعا، كبعض المعتزلة، ~~ومنهم من قال يدل عليها ظنا، كالقاضي أبي بكر وبعض الأصوليين، وهو مذهب ~~أكثر أبناء زماننا. # والذي عليه المحققون من أصحابنا وغيرهم أنه لا يفيد العلية لا قطعا ولا ~~ظنا، وهو المختار، وصورته ما إذا قيل في مسألة النبيذ مثلا (مسكر) فكان ~~حراما كالخمر، وأثبت كون المسكر علة للتحريم، بدورانه مع التحريم وجودا ~~وعدما في الخمر، فإنه إذا صار مسكرا حرم، وإن زال الاسكار عنه بأن صار خلا ~~فإنه لا يحرم، وقد احتج القائلون إنه ليس بحجة بأمرين: # الأول ما ذكره الغزالي وهو أن قال حاصل الاطراد يرجع إلى سلامة العلة عن ~~النقض، وسلامة العلة عن مفسد واحد لا يوجب سلامتها عن كل مفسد، وعلى تقدير ~~السلامة عن كل مفسد، فصحة الشئ لا تكون بسلامته عن المفسدات، بل لوجود ~~المصحح، والعكس ليس شرطا في العلل، فلا يؤثر. وهذه الحجة ضعيفة، فإنه وإن ~~سلم أن كل واحد من الامرين على انفراده لا دلالة له على العلية، فلا يلزم ~~منه عدم التأثير بتقدير الاجتماع، ودليله إجزاء العلة، فإن كل واحد منها لا ~~يستقل بإثبات الحكم، ولم يلزم من ذلك عدم استقلال المجموع. # الحجة الثانية لبعض أصحابنا: قال إن الصور التي دار الحكم ms740 فيها مع الوصف ~~وجودا وعدما لا بد أن تكون متمايزة بصفات خاصة بها، وإلا كانت متحدة لا ~~متعددة. # وعند ذلك، فللخصم أن يأخذ الوصف الخاص بكل صورة من صور الطرد والعكس في ~~العلة في تلك الصورة، ويجعل العلة في كل صورة مجموع الوصفين وهما الوصف ~~المشترك والوصف الخاص بها وهي من النمط الأول، إذ لقائل أن يقول: الترجيح ~~للتعليل بالوصف المشترك لكونه مطردا في جميع مجاري الحكم، فيكون أغلب على ~~الظن، بخلاف التعليل بالمركب من الوصف الخاص والمشترك. PageV03P299 # فإن قيل: بل التعليل بالمركب أولى لما فيه من تعدد مدارك الحكم، فإنه ~~أولى من اتحاده لكونه أقرب إلى تحصيل مقصود الشارع من الحكم، فهو مقابل بأن ~~التعليل بالوصف المشترك يكون منعكسا بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في ~~كل صورة، ولا يخفى أن التعليل بالمطرد المنعكس، أولى من التعليل بالمطرد ~~الذي لا ينعكس، للاتفاق عليه، ولأن التعليل بالوصف المشترك يكون متعديا، ~~بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في كل صورة، فإنه يكون قاصرا، والتعليل ~~بالمتعدية أولى للاتفاق عليها والاختلاف في القاصرة. # والحق في ذلك أن يقال: مجرد الدوران لا يدل على التعليل بالوصف لوجهين: # الأول: أنه يجوز أن يكون الوصف وصفا ملازما للعلة، وليس هو العلة، وذلك ~~كالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة، ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا ~~بالتعرض لانتفاء وصف غيره بدلالة البحث والسبر، أو بأن الأصل عدمه. ويلزم ~~من ذلك الانتقال من طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم، وهو كاف في ~~الاستدلال على العلية. # الثاني: أن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية، كدوران أحد ~~المتلازمين المتعاكسين، كالمتضايفين، وليس أحدهما علة للآخر، وكذلك فإن ~~الدوران كما وجد في جانب الحكم مع الوصف، فقد وجد في جانب الوصف مع الحكم، ~~وليس الحكم علة للوصف. # فإن قيل: نحن لا ندعي أن مطلق الدوران دليل على علية الوصف ليلزم ما قيل، ~~بل بقيود ثلاثة وهي أن يكون حدوث ذلك الأثر مرتبا على وجود ذلك الوصف ترتبا ~~عقليا، بحيث يصدق قول القائل: وجد ms741 هذا الشئ فحدث ذلك الأثر. # وأن لا يقطع بخروج هذا الوصف عن أن يكون علة وموجبا لحدوث ذلك الأثر. # وأن لا يقطع بوجود علة أخرى لهذا الحكم سوى هذا الوصف. ومهما وجد الدوران ~~على هذه القيود كان دليلا على العلية. وذلك كما إذا دعي الانسان باسم فغضب ~~منه، وإذا لم يدع به لم يغضب، ورأينا ذلك منه مرارا، مرة بعد مرة، وجودا ~~وعدما، فإنه يغلب على الظن أن ذلك الاسم هو سبب الغضب، حتى إن الصبيان ~~يعلمون ذلك منه، ويتبعونه في الدروب، داعين له بذلك الاسم المغضب له، ~~PageV03P300 # والدوران بهذه القيود متحقق في السكر مع التحريم، فكان دليلا على كونه ~~علة وخرج عليه ما ذكر من الرائحة الفائحة، حيث قطعنا أنها ليست علة، وكذلك ~~الحكم في كل واحد من المتضايفين بالنسبة إلى الآخر، ولأنه يمتنع ترتيب كل ~~واحد على الآخر في الوجود بالتفسير المذكور، وكذلك الكلام في نسبة الحكم ~~إلى الوصف. وخرج عليه أيضا ما إذا ظهر ثم علة مغايرة للمدار. # قلنا: إذا كان من جملة قيود صحة دلالة الدوران ان يكون حدوث ذلك الامر ~~مرتبا على وجود ذلك الوصف بالتفسير المذكور، فاما ان يراد به أن وجود الحكم ~~يتعقب وجود الوصف أو أنه امارة عليه أو باعث عليه، أو معنى آخر والأول ~~ممتنع إذ الكلام انما هو في شرعية الحكم ولا يخفى ان شرعيته تكون سابقة في ~~الوجود على وجود سببها والثاني أيضا ممتنع إذ الكلام انما هو في العلة ~~المستنبطة من حكم الأصل وهي فلا تكون الا بمعنى الباعث على ما سبق تقريره، ~~وعند ذلك فاما ان يظهر فيه معنى يقتضي كونه باعثا على الحكم من مناسبة أو ~~شبه أو لا يظهر ذلك، فان كان الأول فلا يكون باعثا، وان كان الثاني ~~فالمناسبة مع قرآن الحكم بها كاف في التعليل ولا حاجة إلى الدوران، وان كان ~~بمعنى آخر فلا بد من تصويره والدلالة عليه، وقد ترد عليه أسئلة قلنا: ما ~~ذكروه من دوران غضب الانسان مع دعائه ببعض ms742 الأسماء بالقيود المذكورة، لا ~~نسلم غلبة الظن بكون ذلك الاسم علة، بل به أو بملازمه، وإنما يظهر كونه علة ~~مع ظهور انتفاء الملازم. والطريق في ذلك إنما هو التمسك بالعدم الأصلي أو ~~بعدم الاطلاع عليه بعد البحث والسبر والتقسيم، ويلزم منه الانتقال من طريقة ~~الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم، وهي كافية في التعليل. # وقد ترد عليه أسئلة أخرى مشهورة الجواب، آثرنا الاعراض عن ذكرها، اكتفاء ~~في إبطال الدوران بما ذكرناه، فإنه في غاية القوة والدقة. # وإذا عرف أن الطرد والعكس لا يصلح دليلا على العلية، فالاطراد بانفراده ~~أولى أن لا يكون دليلا، نظرا إلى أن الاطراد عبارة عن السلامة عن النقض ~~المفسد، والسلامة عن مفسد واحد غير موجبة للتصحيح. PageV03P301 # (خاتمة) في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحكم، وهو العلة (1). # ولما كانت العلة متعلق الحكم ومناطه، فالنظر والاجتهاد فيه إما في تحقيق ~~المناط أو تنقيحه أو تخريجه، أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود ~~العلة في آحاد الصور، بعد معرفتها في نفسها (2)، وسواء كانت معروفة بنص أو ~~إجماع أو استنباط، أما إذا كانت معروفة بالنص، فكما في جهة القبلة فإنها ~~مناط وجوب استقبالها، وهي معروفة بإيماء النص، وهو قوله تعالى: * (وحيثما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره) * (البقرة: 144). وكون هذه الجهة هي جهة القبلة في ~~حالة الاشتباه، فمظنون بالاجتهاد والنظر في الامارات. # وأما إذا كانت معلومة بالاجماع فكالعدالة، فإنها مناط وجوب قبول الشهادة، ~~وهي معلومة بالاجماع، وأما كون هذا الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد. # وأما إذا كانت مظنونة بالاستنباط، فكالشدة المطربة، فإنها مناط تحريم ~~الشرب في الخمر (3)، فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط، ولا ~~نعرف خلافا في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العلة فيه معلومة بنص ~~أو إجماع (4)، وإنما الخلاف فيه فيما إذا كان مدرك معرفتها الاستنباط. # PageV03P302 # وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه ~~علة، من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من ~~الأوصاف، كل واحد بطريقة (1)، كما ms743 علم فيما تقدم، مما ذكرناه من التعليل ~~بالوقاع في قصة الأعرابي، فإنه وإن كان مومى إليه بالنص، غير أنه يفتقر في ~~معرفته عينا إلى حذف كل ما اقترن به من الأوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي ~~والاجتهاد، وذلك بأن يبين أن كونه أعرابيا، وكونه شخصا معينا، وأن كون ذلك ~~الزمان وذلك الشهر بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجة وامرأة ~~معينة، لا مدخل له في التأثير، بما يساعد من الأدلة في ذلك حتى يتعدى إلى ~~كل من وطئ في نهار رمضان عامدا، وهو مكلف صائم. وهذا النوع، وإن أقر به ~~أكثر منكري القياس، فهو دون الأول. وأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد ~~في إثبات علة الحكم الذي دل النص أو الاجماع عليه دون عليته. # وذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر، وكون ~~القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في المحدد (2)، وكون الطعم علة ربا ~~الفضل في البر ونحوه، حتى يقاس عليه كل ما ساواه في علته، وهذا في الرتبة ~~دون النوعين الأولين، ولذلك أنكره أهل الظاهر والشيعة وطائفة من المعتزلة ~~البغداديين. # تم الجزء الثالث - ويليه الجزء الرابع - وأوله. # الباب الثالث في أقسام القياس - وأنواعه. # أعان الله على اتمامه بمنه وكرمه. # PageV03P303 # الاحكام في أصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الآمدي علق ~~عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الرابع PageV04P001 # طبع باذن فضيلة الشيخ المحقق الطبعة الأولى 1387 ه‍ الرياض PageV04P002 # بسم الله الرحمن الرحيم الباب الثالث في أقسام القياس وأنواعه وهي خمس ~~قسم: القسمة الأولى: القياس ينقسم إلى ما المعنى الجامع فيه باقتضاء الحكم ~~في الفرع أولى منه في الأصل، وإلى ما هو مساو، وإلى ما هو أدنى فالأول، ~~كتحريم ضرب الوالدين بالنسبة إلى تحريم التأفيف لهما وما في معناه، وسواء ~~كان قطعيا أو ظنيا، كما سبق تقريره في مسائل المفهوم. # وإن كان الثاني فكما في إلحاق الأمة بالعبد في تقويم نصيب الشريك على ~~المعتق، وكما في إلحاق نجاسة الماء بصب البول فيه من كوز، بنجاسته بالبول ms744 ~~فيه ونحوه. # وإن كان الثالث، فكما في إلحاق النبيذ بالخمر في تحريم الشرب وإيجاب الحد ~~ونحوه. # غير أن هذا النوع الثالث متفق على كونه قياسا، ومختلف في النوعين الأولين ~~كما سبق. # القسمة الثانية: القياس ينقسم إلى جلي وخفي فالجلي: ما كانت العلة فيه ~~منصوصة، أو غير منصوصة، غير أن الفارق بين الأصل والفرع مقطوع بنفي تأثيره. # فالأول كإلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما، بعلة كف الأذى ~~عنهما. # والثاني كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم النصيب حيث عرفنا أنه لا فارق ~~بينهما سوى الذكورة في الأصل والأنوثة في الفرع وعلمنا عدم التفات الشارع ~~إلى ذلك في أحكام العتق خاصة. # وأما الخفي: فما كانت العلة فيه مستنبطة من حكم الأصل، كقياس القتل ~~بالمثقل على المحدد ونحوه. # القسمة الثالثة: القياس ينقسم إلى مؤثر وملائم. أما المؤثر فإنه يطلق ~~باعتبارين: # الأول ما كانت العلة الجامعة فيه منصوصة بالصريح أو الايماء أو مجمعا ~~عليها. # والثاني ما أثر عين الوصف الجامع في عين الحكم، أو عينه في جنس الحكم، أو ~~جنسه، في عين الحكم. PageV04P003 # وأما الملائم: فما أثر جنسه في جنس الحكم كما سبق تحقيقه. ومن الناس من ~~جعل المؤثر من هذه الأقسام ما أثر عينه في عين الحكم لا غير، والملائم ما ~~بعده من الأقسام. # القسمة الرابعة: القياس ينقسم إلى قياس علة، ودلالة، والقياس في معنى ~~الأصل وذلك لأنه لا يخلو إما أن يكون الوصف الجامع بين الأصل والفرع، قد ~~صرح به أو لم يصرح به، فإن صرح به فلا يخلو إما أن يكون هو العلة الباعثة ~~على الحكم في الأصل، أو لا يكون هو العلة، بل هو دليل عليها. # فإن كان الأول فيسمى قياس العلة، وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر في تحريم ~~الشرب بواسطة الشدة المطربة، ونحوه. وإنما سمي قياس العلة للتصريح فيه ~~بالعلة. # وإن كان الثاني فيسمى قياس الدلالة، وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر ~~بالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة، أو الجمع بين الأصل والفرع بأحد ~~موجبي العلة في الأصل استدلالا به على الموجب ms745 الآخر، كما في الجمع بين قطع ~~الجماعة ليد الواحد، وقتل الجماعة للواحد، في وجوب القصاص بواسطة الاشتراك ~~في وجوب الدية عليهم بتقدير إيجابها. # وأما إن كان الوصف الجامع لم يصرح به في القياس، كما في إلحاق الأمة ~~بالعبد في تقويم نصيب الشريك على المعتق بواسطة نفي الفارق بينهما، فيسمى ~~القياس في معنى الأصل. # القسمة الخامسة: القياس لا يخلو إما أن يكون طريق إثبات العلة المستنبطة ~~فيه، المناسبة، أو الشبه، أو السبر والتقسيم، أو الطرد والعكس، كما سبق ~~تحقيقه. # فإن كان الأول، فيسمى قياس الإحالة. # وإن كان الثاني، فيسمى قياس الشبه. # وإن كان الثالث، فيسمى قياس السبر. # وإن كان الرابع، فيسمى قياس الاطراد. PageV04P004 # الباب الرابع في مواقع الخلاف في القياس وإثباته على منكريه وفيه ست ~~مسائل. # المسألة الأولى يجوز التعبد بالقياس في الشرعيات عقلا. # وبه قال السلف من الصحابة والتابعين، والشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن ~~حنبل وأكثر الفقهاء والمتكلمين، وقالت الشيعة والنظام وجماعة من معتزلة ~~بغداد، كيحيى الإسكافي وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب بإحالة ورود التعبد به ~~عقلا، وإن اختلفوا في مأخذ الإحالة العقلية كما سنبينه. # وقال القفال من أصحاب الشافعي وأبو الحسين البصري: بأن العقل موجب لورود ~~التعبد بالقياس. PageV04P005 # والمختار إنما هو الجواز، ويدل على ذلك الاجمال والتفصيل: # أما الاجمال: فهو أنه لا خلاف بين العقلاء أنه يحسن من الشارع أن ينص ~~ويقول: # لا يقضي القاضي وهو غضبان، لان الغضب مم يوجب اضطراب رأيه وفهمه، فقيسوا ~~على الغضب ما كان في معناه، كالجوع والعطش والاعياء المفرط، وأن يقول: حرمت ~~عليكم شرب الخمر، ومهما غلب على ظنونكم أن علة التحريم الشدة المطربة ~~الصادة عن ذكر الله المفضية إلى وقوع الفتن والعداوة والبغضاء لتغطيتها على ~~العقل، فقيسوا عليها كل ما في معناه من النبيذ وغيره، ولو كان ذلك ممتنعا ~~عقلا لما حسن ورود الشرع بذلك. # وأما من جهة التفصيل: فمن وجهين الأول: هو أن العاقل إذا صح نظره ~~واستدلاله، أدرك بالامارات الحاضرة المدلولات الغائبة، وذلك كمن رأى جدارا ~~مائلا منشقا، ms746 فإنه يحكم بهبوطه، أو رأى غيما رطبا وهواء باردا، حكم بنزول ~~المطر، أو رأى إنسانا خارجا من بيت فيه قتيل، وبيده سكين مخضبة بالدم، حكم ~~بكونه قاتلا، فإذا رأى الشارع قد أثبت حكما في صورة من الصور، ورأى ثم معنى ~~يصلح أن يكون داعيا إلى إثبات ذلك الحكم، ولم يظهر له ما يبطله بعد البحث ~~التام، والسبر الكامل، فإنه يغلب على ظنه أن الحكم ثبت له، وإذا وجد ذلك ~~الوصف في صورة أخرى غير الصورة المنصوص عليها، ولم يظهر له أيضا ما يعارضه، ~~فإنه يغلب على ظنه ثبوت الحكم به في حقنا، وقد علمنا أن مخالفة حكم الله ~~تعالى سبب للعقاب، فالعقل يرجح فعل ما ظن فيه المصلحة ودفع المضرة على ~~تركه، ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك. # الثاني: أن التعبد بالقياس فيه مصلحة لا تحصل دونه، وهي ثواب المجتهد على ~~اجتهاده وإعمال فكره وبحثه في استخراج علة الحكم المنصوص عليه لتعديته إلى ~~محل آخر، على ما قال، عليه السلام: ثوابك على قدر نصبك وما كان طريقا إلى ~~تحصيل مصلحة المكلف، فالعقل لا يحيله بل يجوزه. PageV04P006 # فإن قيل: ما ذكرتموه من جواز التعبد بالقياس بناء على ظن حصول المصلحة ~~ودفع المضرة، إنما يحسن إذا لم يكن الوصول إلى ذلك بطريق يقيني، وأما إذا ~~أمكن فلا، وذلك لأنه مهما أمكن الوصول إلى المطلوب بطريق يؤمن فيه من ~~الخطأ، فالعقل يمنع من سلوك طريق لا يؤمن فيه الخطأ، فما لم تثبتوا أنه لم ~~يوجد دليل شرعي قاطع يدل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع أمة، فاتباع الظن ~~يكون ممتنعا عقلا. # سلمنا أنه لم يوجد دليل قطعي على ذلك، لكن إنما يسوغ العقل التمسك بالظن ~~إذا لم يوجد دليل ظني راجع على ظن القياس مفض إلى حكم القياس، وإلا كان ~~العمل بما الخطأ فيه أقرب مما ترك وهو ممتنع عقلا. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تجويز العقل لذلك، غير أنه منقوض ومعارض. # أما النقض فبصور: منها أن قول الشاهد الواحد، بل ms747 العبيد والنساء ~~المتمحضات، في الحقوق المالية والدماء والفروج، بل الفساق، مغلب على ظن ~~القاضي الصدق، ومع ذلك لا يجوز له العمل به، ومنها أن مدعى النبوة، إذا غلب ~~على الظن صدقه من غير دلالة المعجزة عليه لا يجوز اتباعه والعمل بقوله، ~~ومنها أن المصالح المرسلة وإن غلبت على الظن لا يجوز العمل بها، ومنها أنه ~~لو اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات، أو ميتة بعشر مذكيات، لم يجز مد اليد إلى ~~واحدة منها، وإن وجدت علامات مغلبة على الظن. # وأما المعارضة فمن خمسة وعشرين وجها: # الأول: قال النظام إن العقل يقتضي التسوية بين المتماثلات في أحكامها، ~~والاختلاف بين المختلفات في أحكامها، والشارع قد رأيناه فرق بين ~~المتماثلات، وجمع بين المختلفات، وهو على خلاف قضية العقل، وذلك يدل على أن ~~القياس الشرعي غير وارد على مذاق العقل، فلا يكون العقل مجوزا له. ~~PageV04P007 # أما تفرقته بين المتماثلات، فإنه فرض الغسل من المني، وأبطل الصوم ~~بإنزاله عمدا دون البول والمذي، وأوجب غسل الثوب من بول الصبية، والرش عليه ~~من بول الغلام، ونقص من عدد الرباعية في حق المسافر الشطر دون الثنائية، ~~وأوجب الصوم على الحائض دون الصلاة، مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها، ~~وحرم النظر إلى العجوز القبيحة المنظر، وأباحه في حق الأمة الحسناء، وقطع ~~سارق القليل، دون غاصب الكثير، وأوجب الجلد بالقذف بالزنى دون القذف ~~بالكفر، وقبل في القتل شاهدين دون الزنى، وجلد قاذف الحر الفاسق دون العبد ~~العفيف، وفرق في العدة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما، وجعل ~~استبراء الرحم بحيضة واحدة في حق الأمة، والحرة المطلقة بثلاث حيضات، وأوجب ~~تطهير غير الموضع الذي خرجت منه الريح، مع أن القياس كان مقتضيا للتسوية في ~~جميع هذه الصور بل ربما كان بعض الصور التي لم يثبت فيها الحكم أولى به مما ~~ثبت فيها. # وأما تسويته بين المختلفات فإنه سوى بين قتل الصيد عمدا وخطأ في إيجاب ~~الضمان، وسوى في إيجاب القتل بين الردة والزنى، وسوى في إيجاب الكفارة بين ~~قتل النفس والوطئ ms748 في رمضان والظهار، مع الاختلاف، وذلك مما يبطل الاعتبار ~~بالأمثال ويوجب امتناع العمل بالقياس. # الثاني: قالت الشيعة: إن القول بالتعبد بالقياس يفضي إلى الاختلاف، وذلك ~~عند ما إذا ظهر لكل واحد من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر، ~~والاختلاف ليس من الدين لقوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا) * (النساء: 82) وقوله تعالى: * (وأن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه) * (الشورى: 13) وقوله * (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) * ~~(الأنفال: 46) وقوله: * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) * (الانعام: ~~159) وقوله تعالى: * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * (آل عمران: ~~105) ذكر ذلك في معرض الذم، ولا ذم على ما يكون من الدين، وقد ذم الصحابة ~~الاختلاف حتى قال عمر لا تختلفوا، فإنكم إن اختلفتم، كان من بعدكم أشد ~~اختلافا PageV04P008 # وأنه لما سمع ابن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب ~~الواحد أو الثوبين، صعد المنبر وقال: رجلان من أصحاب رسول الله (ص)، ~~اختلفا، فعن أي فتياكم يصدر المسلمون؟ لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا ~~إلا فعلت وصنعت وقال جرير بن كليب: رأيت عمر ينهى عن المتعة وعليا يأمر ~~بها، فقلت إن بينكما لشرا. # وكتب علي إلى قضاته أيام خلافته أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره ~~الخلاف وأرجو أن أموت كما مات أصحابي. # الثالث: أنه إذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين، فإما أن يقال بأن كل ~~مجتهد مصيب، فيلزم منه أن يكون الشئ ونقيضه حقا، وهو محال، وإما أن يقال ~~بأن المصيب واحد، وهو أيضا محال فإنه ليس تصويب أحد الظنين، مع استوائهما، ~~دون الآخر أولى من العكس. # الرابع: قال النبي (ص): أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا فلو ~~كان التنصيص منه على الأشياء الستة الربوية قصدا لقياس ما عداها من ~~المطعومات عليها، مع أنه كان قادرا على ما هو أصرح منه، وللخلاف والجهل ~~أدفع، وهو أن يقول: حرمت الربا في كل مطعوم لكان عدولا منه عن الظاهر ~~المفهوم، إلى الخفي الموهوم، وهو غير لائق بفصاحته وحكمته، ms749 وهو خلاف نصه. ~~PageV04P009 # الخامس: أن الحكم في أصل القياس، إن كان ثابتا بالنص امتنع إثباته في ~~الفرع، لعدم وجود النص في الفرع وامتناع ثبوته فيه بغير طريق حكم الأصل، ~~وإلا لما كان تابعا للأصل ولا فرعا له وإن كان ثابتا بالعلة فهو ممتنع ~~لوجهين: # الأول أن الحكم في الأصل مقطوع، والعلة مظنونة، والمقطوع به لا يثبت ~~بالمظنون. # الثاني أن العلة في الأصل مستنبطة من حكم الأصل، ومتفرعة عليه، والمتفرع ~~على الشئ لا يكون مثبتا لذلك الشئ، وإلا كان دورا ممتنعا. # السادس: أنه لو كانت العلة منصوصة، كما لو قال: حرمت الربا في البر لكونه ~~مطعوما فإنه لا يقتضي التحريم في غير البر فالمستنبطة أولى بعدم التعدية، ~~وبيان أن المنصوصة لا تقتضي التحريم في غير محل النص، قصور دلالة اللفظ عن ~~ذلك، ولهذا فإنه لو قال: أعتقت كل عبد لي أسود عتق كل السودان من عبيده، ~~ولو قال: أعتقت عبدي سالما لسواده، أو لسوء خلقه فإنه لا يعتق غانم، وإن ~~كان أشد سوادا من سالم، وأسوأ خلقا. # السابع: أن حكم القياس إما أن يكون موافقا للبراءة الأصلية، أو مخالفا ~~لها: PageV04P010 # فإن كان الأول، لم يكن القياس مفيدا، لأنه لو قدر عدمه كان مقتضاه متحققا ~~بالبراءة الأصلية، وإن كان الثاني فهو ممتنع، لان البراءة الأصلية متيقنة، ~~والقياس مظنون، واليقين تمتنع مخالفته بالظن. # الثامن: أنه لو جاز التعبد بالقياس عقلا في الفروع لظن المصلحة، لجاز مثل ~~ذلك في أصول الأقيسة، وهو محال لما فيه من التسلسل. # التاسع: أن الشرعيات مصالح، فلو جاز إثباتها بالقياس، لجاز أن يتعبد ~~بالاخبار عن كون زيد في الدار عند غلبة الظن بكونه فيها بالامارات، وهو ~~ممتنع. # العاشر: أن الرجم بالظن جهل، ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل، حتى ~~يتخبطوا فيه، ويحكموا بما يجوز أن يكون مخالفا لحكم الله تعالى. # الحادي عشر: أنه لا يستقيم قياس إلا بعلة، والعلة ما توجب الحكم بذاتها، ~~وعلل الشرع ليس كذلك، فلا قياس. # الثاني عشر: أن حكم الله تعالى خبره، وذلك إنما ms750 يعرف بالتوقيف، لا ~~بالقياس، لان القياس من فعلنا، لا من توقيف الشارع. # الثالث عشر: أن جلي الأحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص، فكذلك خفيها، ~~كالمدركات، فإن جليها وخفيها لا يدرك بغير الحس. # الرابع عشر: أنه لو كان للشرعيات علل لاستحال انفكاكها عن أحكامها، كما ~~في العلل العقلية، فإنه يستحيل انفكاك الحركة القائمة بالجسم عن كونه ~~متحركا PageV04P011 # لما كانت الحركة علة لكونه متحركا، وذلك يوجب ثبوت الأحكام الشرعية قبل ~~ورود الشرع لتقدم العلل عليها، وهو محال. # الخامس عشر: أنه لو كان القياس صحيحا لكان حجة مع النص وذلك ممتنع ~~بالاجماع. # السادس عشر: أن نظر القائس لا بد وأن يقع في منظور فيه، والمنظور فيه ليس ~~سوى النص والحكم، وهو الواجب والحرام مثلا، وليس المنظور فيه هو النص، إذ ~~هو غير متناول للفرع والحكم، فهو فعل المكلف. # ويلزم من ذلك أنه إذا لم يوجد فعل المكلف أن لا يصح القياس: ويلزم من ~~فساد الامرين فساد القياس الشرعي. # السابع عشر: أنه لو جاز التعبد بتحريم شئ أو وجوبه عند ظننا أنه مشابه ~~لأصل محرم أو واجب بناء على أمارة، لجاز أن يتعبد بذلك عند ظننا المشابهة ~~من غير أمارة، وهو محال. # الثامن عشر: أنه لو جاز التعبد بالقياس الشرعي، لكان على عليته دلالة، ~~والدلالة عليها إما النص، والعلة المستنبطة التي فيها الخلاف غير منصوصة، ~~وإما العادات، والعادات تكون مثبتة للأحكام الشرعية، فلا تكون مثبتة ~~لأماراتها. # التاسع عشر: لو كانت المعاني المشروعة من الأصول أدلة على ثبوت الاحكام ~~في الفروع، لم يقف كونها أدلة على شئ سواها، كما في النصوص، والاتفاق واقع ~~على احتياج المستنبطة إلى دليل، والمحتاج إلى الدليل لا يكون دليلا كما في ~~الاحكام. # العشرون: أنه إذا غلب على الظن تحريم ربا الفضل في البر، إما لكونه مطعوم ~~جنس أو مكيل جنس أو قوتا أو مالا، فلا بد من رعاية المصلحة في ذلك، وأي ~~مصلحة في تحريم بيع ما هذه صفته. PageV04P012 # الحادي والعشرون: أنه لو صح معرفة الحكم الشرعي، مع كونه غيبيا ms751 بالقياس، ~~لصح معرفة الأمور الغيبية بالقياس، وهو محال. # الثاني والعشرون: أن القياس فعل القائس، وذلك مما لا يجوز أن يتوصل به ~~إلى معرفة المصالح. # الثالث والعشرون: أن القياس لا بد فيه من علة مستنبطة من حكم الأصل، ~~والحكم في الأصل جاز أن يكون معللا، وجاز أن لا يكون معللا: # وبتقدير كونه معللا، يحتمل أن يكون الحكم ثابتا بغير ما استنبط، وبتقدير ~~أن يكون ثابتا بما استنبط، يحتمل أن لا يكون متحققا في الفرع إذا كان وجوده ~~فيه ظنيا. وما هذا شأنه لا يصلح للدلالة. # الرابع والعشرون: أنه لو جاز التعبد بالقياس لأفضى ذلك إلى تقابل الأدلة ~~وتكافئها، وأن يكون الرب تعالى موجبا للشئ ومحرما له، وهو محال على الله ~~تعالى. # وبيان ذلك أنه قد يتردد الفرع بين أصلين حكم أحدهما الحل، والآخر الحرمة. # فإذا ظهر في نظر المجتهد شبه الفرع بكل واحد منهما، لزم الحكم بالحل ~~والحرمة في شئ واحد، وذلك محال. # الخامس والعشرون: أن القياس لا بد فيه من علة جامعة، والعلل الشرعية لا ~~بد وأن تكون على وزان العلل العقلية، والعلة الشرعية يجوز عند القائلين ~~بالقياس أن تكون ذات أوصاف، والعلة العقلية ليست كذلك، فإنها تستقل بحكمها ~~كاستقلال الحركة بكون المحل الذي قامت به متحركا، واستقلال السواد بكون ~~محله أسود، ونحوه. # وأما من زعم أن العقل موجب للتعبد بالقياس الشرعي، فقد احتج بثلاث شبه: # الأولى: أن الأنبياء، عليهم السلام، مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة، ~~والصور لا نهاية لها، فلا تمكن إحاطة النصوص بها، فاقتضى العقل وجوب التعبد ~~بالقياس. # الثانية: أنه إذا غلب على الظن أن المصلحة في إثبات الحكم بالقياس، وأنه ~~أنفى للضرر، فيجب اتباعه عقلا، تحصيلا للمصلحة ودفعا للمضرة، كما يجب ~~القيام من تحت حائط ظن سقوطه لفرط ميله، وإن جاز أن تكون السلامة في القعود ~~والهلاك في النهوض. PageV04P013 # الثالثة: أن العلل الشرعية ومناسبتها للأحكام مدركة بالعقل، فكان العقل ~~موجبا لورود التعبد بها، كما توجب أحكام العلل العقلية. # والجواب: عن السؤال الأول أنه، إذا سلم أن ms752 القياس مغلب على الظن وجود ~~المصلحة، فهو بيان، وهو وإن كان البيان فيه مرجوحا بالنسبة إلى البيان ~~القاطع، فليس ذلك مما يمنع من التعبد به مع عدم الظفر بالبيان القاطع، وإن ~~كان ممكن الوجود، وإلا لما جاز التعبد بالنصوص الظنية، وأخبار الآحاد مع ~~إمكان أن يخلق الله تعالى لنا العلم الضروري بالأحكام، وإمكان وجود النصوص ~~القاطعة الجلية. # وعلى هذا، يخرج الجواب عن السؤال الثاني أيضا. # وعن النقض بما ذكروه من الصور أن العقل يجوز ورود التعبد بكل ما هو مغلب ~~عن الظن، غير أنه لما ورد التعبد من الشارع بامتناع العمل به، كان ذلك ~~لمانع الشرع لا لعدم الجواز العقلي. # وعن المعارضة الأولى: أن كل ما ظن فيه الجامع بين الأصل والفرع، وظهرت ~~صلاحيته للتعليل، فالعقل لا يمنع من ورود التعبد من الشارع فيه بالالحاق، ~~وحيث فرق الشارع في الصور المذكورة، فلم يكن ذلك لاستحالة ورود التعبد ~~بالقياس، بل إنما كان ذلك إما لعدم صلاحية ما وقع جامعا، أو لمعارض له في ~~الأصل، أو في الفرع، وحيث جمع بين مختلفات الصفات فإنما كان لاشتراكها في ~~معنى جامع صالح للتعليل، أو لاختصاص كل صورة بعلة صالحة للتعليل، فإنه لا ~~مانع، عند اختلاف الصورة، وإن اتحد نوع الحكم، أن تعلل بعلل مختلفة لا أن ~~الحكم ثبت في الكل بالقياس. # وعلى هذا نقول: ما لم يظهر تعليله وصحة القياس عليه إما لعدم صلاحية ~~الجامع، أو لتحقق الفارق، أو لظهور دليل التعبد، فلا قياس فيه أصلا، وإنما ~~القياس فيما ظهر كون الحكم في الأصل معللا فيه، وظهر الاشتراك في العلة ~~وانتفى الفارق. # وعن الثانية: أن ذلك وإن أفضى إلى الاختلاف بين المجتهدين، فإن ذلك غير ~~محذور مطلقا، فإن جميع الشرائع والملل كلها من عند الله، وهي مختلفة، ولا ~~محذور فيها، وإلا لما كانت مشروعة من عند الله، PageV04P014 # كيف وإن الأمة الاسلامية معصومة عن الخطأ، على ما عرف. فلو كان الاختلاف ~~مذموما ومحذورا على الاطلاق، لكانت الصحابة مع اشتهار اختلافهم وتباين ~~أقوالهم في المسائل الفقهية، ms753 مخطئة، بل الأمة قاطبة، وذلك ممتنع. # وعلى هذا، فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه، على الاختلاف في ~~التوحيد والايمان بالله ورسوله والقيام بنصرته، وفيما المطلوب فيه القطع ~~دون الظن، والاختلاف بعد الوفاق، واختلاف العامة ومن ليس له أهلية النظر ~~والاجتهاد، وبالجملة كل ما لا يجوز فيه الاختلاف جمعا بين الأدلة بأقصى ~~الامكان وقوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا) * (النساء: 82) إنما المراد به نفي التناقض والاضطراب والاختلاف ~~المناقض للبلاغة عن القرآن، لا نفي الاختلاف في الأحكام الشرعية. # وأما إنكار عمر على ابن مسعود وأبي بن كعب، فيجب أيضا حمله على اختلافهما ~~فيما سبق فيه الاجماع، أو على اختلافهما بالنظر إلى مستفت واحد حذرا من ~~تحيره. # وأما قول جرير لعلي وعمر عند اختلافهما في مسألة المتعة، فيجب حمله على ~~ما ظنه من إفضاء ذلك إلى فتنة وثوران أمر. # وأما ما كتبه علي إلى قضاته، فيجب حمله أيضا على خوفه من انفتاق فتق بسبب ~~نسبته إلى تعصب لمخالفة من سبق. # وعن الثالثة: باختيار تصويب كل مجتهد بناء على أن الحكم عند الله تعالى ~~في حق كل واحد ما أدى إليه اجتهاده وذلك مما لا يمنع من كون الشئ ونقيضه ~~حقا PageV04P015 # بالنسبة إلى شخصين مختلفين، كما في الصلاة وتركها بالنسبة إلى الحائض ~~والطاهر، وكالجهات المختلفة في القبلة حال اشتباهها بالنسبة إلى شخصين، ~~وبالنسبة إلى شخص واحد في حالتين مختلفتين، وكجواز ركوب البحر في حق من غلب ~~على ظنه السلامة، وتحريمه في حق من غلب على ظن الهلاك. وهذا بخلاف القضايا ~~العقلية، وما الحق فيه في نفس الامر لا يكون إلا واحدا معينا، كحدوث العالم ~~وقدمه، ووجود الصانع وعدمه. # وعن الرابعة من وجهين: الأول: أنه لو كان العدول من أصرح الطريقين ~~وأبينهما إلى أدناهما مما يمتنع ويخل بالبلاغة، لما ساغ ورود الكتاب ~~بالألفاظ المجملة وإرادة المعين، والعامة وإرادة الخاص، والمطلقة وإرادة ~~المقيد، والألفاظ المحتملة، ولما ساغ أيضا مثل ذلك من الرسول مع إمكان ~~الاتيان بألفاظ صريحة ms754 ناصة على الغرض المطلوب، وهو ممتنع خلاف الواقع. # الوجه الثاني: أنه غير بعيد أن يكون الله تعالى ورسوله قد علما أن في ~~التعبد بالقياس والاجتهاد مصلحة للمكلفين لا تحصل من التنصيص. وذلك بسبب ~~بعث دواعيهم على الاجتهاد طلبا لزيادة الثواب الحاصل به، على ما نطق به ~~النص في حق عائشة، حتى تبقى الشريعة مستمرة غضة طرية. # وعن الخامسة: أن الحكم في الأصل، وإن كان ثابتا بالنص أو الاجماع لا ~~بالعلة، وأن ذلك غير متحقق في الفرع، فلا نسلم وجوب ثبوت الحكم في الفرع ~~بمثل طريق إثبات حكم الأصل، بل يمكن أن يكون إثبات الحكم في الأصل مع كونه ~~مقطوعا PageV04P016 # به بدليل مقطوع به، وفي الفرع بوجود ما كان قد ظهر كونه باعثا على الحكم ~~في الأصل، ولا يلزم من كون الفرع تابعا في حكمه للأصل اتحاد الطريق المثبت ~~للحكم فيهما، وإلا لما كان أحدهما تابعا للآخر، بل التبعية متحققة بمجرد ~~إثبات الحكم في الفرع بما عرف كونه باعثا على الحكم في الأصل. # وعن السادسة من وجهين: # الأول، قال بعضهم: إن علم قطعا قصده للسواد عتق كل عبد أسود له. # وقال بعضهم: لا يكفي مجرد القصد، بل لا بد مع ذلك من أن ينوي بهذا اللفظ ~~عتق جميع السودان، فإنه كاف في عتق كل عبد له أسود، وغايته إطلاق اللفظ ~~الخاص، وإرادة العام، وهو سائغ لغة، كما حمل قوله تعالى: * (ولا تأكلوا ~~أموالهم) * على النهي عن الاتلاف العام، وكما حمل قول القائل والله لا أكلت ~~لفلان خبزا، ولا شربت من مائه جرعة إذا قصد به دفع المنة على أخذ الدراهم ~~وغيرها من العروض، حتى إنه يحنث بكل ذلك. # وقال بعضهم: لا يكفي ذلك لان مجرد النية والإرادة لذلك غير كافية في ~~العتق، بل إن قال مع ذلك وقيسوا عليه كل أسود عتق كل عبد له أسود. وهذا هو ~~اختيار الصيرفي من أصحاب الشافعي، وهو أقرب من الذي قبله. # الثاني: أنه لا يلزم من امتناع التعدية هاهنا امتناع التعدية في العلل ~~المستنبطة ms755 الشرعية، وذلك، لان العتق من باب التصرف في أملاك العبيد ~~بالزوال، ولا كذلك في الأحكام الشرعية ، وعند ذلك فلا يلزم من امتناع ~~التعدية هاهنا، مبالغة في صيانة ملك العبيد مثله في الأحكام الشرعية. ~~PageV04P017 # ولهذا فإنه لو اجتمع في المحل الواحد حقان لله وللآدمي، وتضايق المحل عن ~~استيفائهما، كما لو وجب القتل على شخص بالردة وبالقتل الموجب للقصاص، فإنه ~~يقدم حق الآدمي على حق الله تعالى، ويقتل قصاصا، لا بالردة ولهذا طرد أهل ~~اللغة مثل ذلك وعدوه فيما لا يقتضي زوال ملك الآدمي، فإنه لو قال القائل ~~لغيره لا تأكل هذا الطعام، فأنه مسموم، ولا تشرب هذا الشراب، فأنه مسهل، ~~ولا تجالس فلانا لسواده فإن أهل اللغة يعدونه إلى كل ما هو من جنسه مشارك ~~له في العلة. وعلى هذا نقول إنه لو قال لوكيله بع هذا العبد لسواده أو لسوء ~~خلقه، وكان قد قال له مهما ظهر لك رضائي بشئ من التصرفات بقرائن الأحوال ~~دون صريح الأقوال، فافعله. وعلم أن العلة في إطلاق البيع السواد وسوء الخلق ~~خاصة، فله بيع كل ما شاركه في تلك العلة على وزان ذلك في الشرع. # وعن السابعة: أنها منقوضة بمخالفة البراءة الأصلية بالنصوص الظنية ~~وبالاقرار والشهادة والفتوى وغير ذلك. # وعن الثامنة أنه لو لم يرد النص بالحكم في أصول الأقيسة، وإلا كان التعبد ~~بإثبات أحكامها بالقياس على أصل آخر جائزا، وإن امتنع ذلك لما فيه من ~~التسلسل، فلا يرد به التعبد لاستحالته في نفسه. # وعن التاسعة: أنه لا يمتنع في العقل أيضا ورود التعبد بإخبارنا عن كون ~~زيد في الدار عن ظن، إذا ظهرت أمارة كونه في الدار. # وعن العاشرة: أنها مبينة على فاسد أصول الخصوم في وجوب رعاية الصلاح ~~والأصلح، وهو باطل على ما عرف من أصلنا. وإن سلمنا وجوب رعاية المصلحة ، ~~فلا يمتنع، أن يكون في التعبد بالقياس مصلحة، وقد استأثر الرب تعالى بالعلم ~~بها كيف وإن ما ذكروه منقوض بورود التعبد بالنصوص الظنية وقبول الشهادة ~~والاجتهاد في القبلة حالة الاشتباه، وبقبول ms756 قول العدول في قيم المتلفات ~~وأرش الجنايات وتقدير النفقات. PageV04P018 # وعن الحادية عشرة: أن العلة في القياس إنما هي بمعنى الامارة والعلامة ~~على الحكم في الفرع، وذلك مما لا يمتنع التعبد باتباعه. ولهذا فإنه لو قال ~~الشارع: مهما رأيتم وصف الشدة المطربة، فاعلموا أني قضيت بتحريم ذلك المشتد ~~المطرب كان واجب الاتباع. # وعن الثانية عشرة: أنه مهما لم يقم دليل يدل على وجوب التعبد بالقياس من ~~نص أو إجماع، فإنا لا نثبت به الحكم، ولا ننفيه. وإن كان يجوز ورود التعبد ~~به عقلا. فإذا قال الشارع قد تعبدتكم بالقياس، فمهما رأيتم الحكم قد ثبت في ~~صورة وغلب على ظنونكم أنه ثبت لعلة، وأنها، وأنها متحققة في صورة أخرى،. ~~فقيسوها كان ذلك إخبارا عن إثبات الحكم في الفرع. وإن لم يرد مثل هذا النص، ~~فانعقاد الاجماع على ذلك يكون كافيا. # وعن الثالثة عشرة: أنها قياس تمثيلي من غير جامع، فلا يصح وقد أجاب بعضهم ~~بأن كثير الزعفران الواقع في الماء يعلم بالادراك، وخفيه إنما يعلم بإخبار ~~من شاهده لا بنفس الادراك، وليس بحق، فإن الخبر مستند إلى المشاهدة. # فإن قيل: الحكم في الفرع أيضا مستند إلى الحكم الثابت بالنص، فكان جلي ~~الاحكام وخفيها مستندا إلى النص. # قيل النص الوارد في الأصل لم يكن واردا في الفرع، ولو ورد في الفرع، لما ~~احتيج إلى القياس. # وعن الرابعة عشرة: أنا لا نسلم أن كون المتحرك متحركا يزيد على قيام ~~الحركة بالمحل، فلا علة ولا معلول، وإن سلمنا أن المتحركية معللة بالحركة، ~~ولكن ما ذكروه تمثيل من غير جامع، وذلك لان اسم العلة مشترك بين العلة ~~العقلية والعلة الشرعية لان العلة العقلية مقتضية للحكم بذاتها، لا بوضع، ~~بخلاف العلة الشرعية، فإنها بمعنى الامارة والعلامة، أو بمعنى الباعث، ولا ~~يمتنع أن يكون الوصف علامة على الحكم في بعض الأزمان دون البعض، اتباعا ~~لوضع الشارع، ولا يمتنع أن يكون الوصف باعثا لما يختص به من المصلحة في بعض ~~الأزمان دون البعض، كما أبيحت الخمرة في زمان، وحرمت ms757 PageV04P019 # في زمان، وجوز الصوم في زمان، وحرم في زمان. ويكون مناط معرفة ذلك اعتبار ~~الشارع للوصف في وقت وإلغاءه في وقت آخر. # وعن الخامسة عشرة: أن القياس عندنا حجة مع النص الموافق ولا يلزم أن يكون ~~حجة مع النص المخالف الراجح، بدليل خبر الواحد، فإنه حجة، وإن لم يكن حجة ~~مع النص المخالف الراجح. # وعن السادسة عشرة: أن نظر القائس في الفرع، وإن لم يكن في دلالة النص، ~~فهو ناظر في المعنى الجامع والدلالة على عليته وفي الحكم في الفرع، وليس ~~الحكم هو فعل المكلف، بل الحكم إنما هو الوجوب أو التحريم المتعلق بفعله. # وعن السابعة عشرة: أنه إن غلب على الظن مشابهة شئ لشئ محرم، وأمكن ذلك من ~~غير أمارة، فالعقل يجوز ورود الشرع بالتعبد بتحريمه، وإن لم يرد الشرع به. # وعن الثامنة عشرة: بمنع الحصر فيما ذكروه، وما المانع من طريق آخر يعرف ~~كون الوصف الجامع علة، من الايماء أو غيره من طرق التخريج، كما عرف. # وعن التاسعة عشرة: أن العلل المستنبطة من الأصول، وإن كانت أدلة على ~~الاحكام في الفروع، فليست أدلة لذواتها وصفات أنفسها الذاتية، كما في العلل ~~العقلية، بل إنما كانت أدلة بالوضع والتوقيف وجعل الشارع لها أدلة، فلذلك ~~افتقرت في جعلها أدلة إلى غيرها. # وعن العشرين: أن الكلام في هذه المسألة غير مختص بتصحيح القياس في آحاد ~~الصور، بل إنما هو في جواز ورود التعبد بالقياس في الجملة، كيف وإن الوجه ~~في ظهور المصلحة في التعليل بمطعوم جنس، أو مكيل جنس، أو غير ذلك مما قد ~~تكلف بيانه في مسائل الفروع فعلى الناظر في ذلك بالاعتبار، حتى إن كل ما لم ~~يظهر فيه وجه المصلحة، ولا دفع المفسدة من الأوصاف المستنبطة بدليله، ~~فالقياس فيه غير جائز. PageV04P020 # وعن الحادية والعشرين: أن كل ما هو غيب عنا، لو جعل الله عليه أمارة تدل ~~عليه، كما جعل ذلك في الأحكام الشرعية، كان الحكم في معرفته، كما في ~~الاحكام، وحيث لم يجعل له أمارة تدل عليه لم يكن ms758 معلوما. # وعن الثانية والعشرين: لا نسلم أن التوصل إلى معرفة المصالح بفعل القائس، ~~وإنما فعل القائس، وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع، تبع لمعرفة المصلحة ~~المأخوذة من حكم الأصل. # وعن الثالثة والعشرين: أنه متى غلب على ظن القائس كون الحكم معللا، وظهرت ~~له علة في نظره مجردة عن المعارض، وتحقق وجودها في الفرع، كان له القياس، ~~وإلا فلا. # وعن الرابعة والعشرين: أنه مهما تقابل في نظر القائس قياسان على التحليل ~~والتحريم مثلا، فكل واحدة من العلتين غير موجبة لحكمها لذاتها، فلا يلزم من ~~ذلك اجتماع الحكمين، وعلى هذا، إن ترجحت إحداهما على الأخرى، كان العمل ~~بها، وإن تعارضا من كل وجه، أمكن أن يقال بالوقف إلى حين ظهور الترجيح، ~~وأمكن أن يقال بتخيير المجتهد في العمل بأي القياسين شاء، على ما عرف من ~~مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل. # وعن الخامسة والعشرين: لا نسلم أن العلل الشرعية على وزان العلل العقلية، ~~وإنما هي بمعنى الامارات والعلامات، وما كان بمعنى الامارة والعلامة لا ~~يمتنع أن يكون الظن الحاصل منه، من مجموع أوصاف لا يستقل البعض بها، وذلك ~~PageV04P021 # كالظن الحاصل بنزول المطر، عند طلوع الغيم وتكاثفه ودنوه من الأرض وهبوب ~~الهواء البارد. وكذلك ظن سقوط الجدار بميله وانشقاقه وتخلخل أجزائه إلى غير ~~ذلك. # والجواب عن الشبهة الأولى للقائلين بكون العقل موجبا لورود التعبد ~~بالقياس، أن الذي لا يتناهى إنما هو الجزئيات الداخلة تحت الأجناس الكلية. ~~أما الأجناس الكلية، فلا نسلم أنها غير متناهية. # وعلى هذا، فقد أمكن التنصيص على كل واحد من الأجناس بأن يقول الشارع كل ~~مطعوم ربوي، وكل مسكر حرام، وكل قاتل عمدا عدوانا مقتول، وكل سارق من حرز ~~مثله لا شبهة له فيه مقطوع، إلى نظائره، والحكم في كل صورة من جزئيات ذلك ~~الجنس يكون ثابتا بالنص. وإن افتقرنا فيه إلى الاجتهاد في إدراج كل واحد ~~تحت جنسه ليتم إثبات الحكم فيه بالنص، فذلك إنما هو من باب تحقيق متعلق ~~الحكم، لا أنه قياس. وعلى هذا، فلا حاجة إلى ms759 القياس. وإن سلمنا امتناع ~~التعميم بغير القياس، فإنما يجب التعبد به أن لو كان النبي عليه السلام ~~مكلفا بالتعميم، وهو غير مسلم، بل يمكن أن يقال بأنه إنما كلف بما يقدر على ~~تبليغه بطريق المخاطبة. # وما ذكروه مبني على وجوب رعاية الصلاح والأصلح، وهو غير مسلم، على ما ~~عرفناه في الكلاميات. # وعن الثانية أنها مبنية على كون العقل موجبا، وعلى وجوب رعاية المصلحة، ~~وهو باطل، على ما عرفناه. PageV04P022 # وإن سلمنا أن العقل موجب عند ظهور المصلحة في نظر العاقل، لكن متى إذا ~~كان علم الله تعالى متعلقا بما ظنه العبد على وفق ما ظنه العبد، أو على ~~خلافه؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. وعند ذلك، فمن الجائز أن يكون الرب ~~تعالى قد علم أنه لا مصلحة للمكلفين في القياس، وأنه مضر في حقهم على خلاف ~~مظنون العبد. ومع ذلك، فلا يكون العقل موجبا للقياس. وإن سلمنا إيجاب ذلك ~~مطلقا، لكن إذا أمكن إثبات الحكم في الفرع بطريق غير القياس، أو إذا لم ~~يمكن؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. وقد بينا إمكان ذلك في دفع الشبهة التي ~~قبلها. # وعن الثالثة أنها مبينة على كون العقل موجبا، وعلى وجوب رعاية المصلحة، ~~وعلى أنه لا طريق إلى معرفة الحكم في الفرع سوى القياس، وعلى أن الله تعالى ~~عالم بأن المصلحة في القياس، كما ظنه العبد، وكل ذلك ممنوع، وأيضا فإن ~~العلة الجامعة قد لا يكون طريق إثباتها المناسبة، كما سبق تعريفه. # وبتقدير أن يكون لا طريق سوى المناسبة، وأنه لا طريق إلى معرفتها إلا ~~بالعقل، فلا نسلم أنه يلزم من ذلك وجوب التعبد بها عقلا. # وما ذكروه من العلل العقلية مبني على العلة والمعلول العقليين، وهو غير ~~مسلم. # وبتقدير تحقق ذلك، فالعقل إنما يقضي بملازمة معلول العلة العقلية لها، ~~لكونها مقتضية لمعلولها بذاتها، ولا كذلك العلل الشرعية، فإنها إنما كانت ~~عللا بمعنى الامارات والعلامات، فلا يصح القياس. PageV04P023 # المسألة الثانية الذين اتفقوا على جواز التعبد بالقياس عقلا، اختلفوا: # فمنهم من قال: لم يرد التعبد الشرعي به، ms760 بل ورد بحظره، كداود بن علي ~~الأصفهاني وابنه القاشاني والنهرواني، ولم يقضوا بوقوع ذلك إلا فيما كانت ~~علته منصوصة أو مومى إليها. # وذهب الباقون إلى أن التعبد الشرعي به، واقع بدليل السمع، واختلفوا في ~~وقوعه بدليل العقل، كما بيناه في المسألة المتقدمة، وأومأنا إلى إبطاله. # ثم الدليل السمعي هل هو قاطع أو ظني؟ اختلفوا فيه: # فقال الكل إنه قطعي سوى أبي الحسين البصري، فإنه قال إنه ظني، وهو ~~المختار. # وقد احتج على ذلك بحجج ضعيفة لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ضعفها، ~~ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. فمنها كتابية، وإجماعية، ومعنوية: # أما الكتابية، فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * ~~(النساء: 59) ووجه الاحتجاج به أنه أمر بطاعة الله والرسول. والمراد من ذلك ~~إنما هو امتثال أمرهما ونهيهما، فقوله ثانيا: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه ~~إلى الله والرسول) * (النساء: 59) والظاهر من الرد هو القياس، ولأنه لو ~~أراد به اتباع أوامرهما ونواهيهما، لكان ذلك تكرارا، فلم يبق إلا أن يكون ~~المراد به الرد إلى ما استنبط من الأمر والنهي. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن المراد من قوله تعالى: * (فردوه) * القياس ~~على ما أمر الله ورسوله بل يمكن أن يكون المراد البحث عن كون المتنازع فيه ~~مأمورا أو منهيا، حتى يدخل تحت قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فالامر ~~الأول بالطاعة للامر والنهي، والثاني بالبحث عن المتنازع فيه، هل هو مأمور ~~أو منهي أو لا، فلا تكرار. PageV04P024 # وإنما يمكن حمل الرد على القياس مع كونه مختلفا في الاحتجاج به أن لو ~~تعذر حمل لفظ الرد على غيره، وليس بمتعذر. # وإن سلمنا امتناع حمله على البحث عن كون المتنازع فيه مأمورا أو منهيا، ~~أمكن أن يكون المراد بقوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما أمركم به ~~ونهاكم عنه، والمراد من قوله: فإن تنازعتم في شئ أي فيما لم يسبق فيه أمر ~~ولا نهي، فردوه إلى الله والرسول بالسؤال ms761 للرسول لينبئكم عن مقتضى ذلك في ~~كتاب الله وسنة رسوله. # فإن قيل: هذا يوجب اختصاص الآية بمن وجد في زمن النبي عليه السلام، لتعذر ~~ذلك بالنسبة إلى من بعدهم، والاجماع منعقد على تعميم وجوب الطاعة والرد إلى ~~الله والرسول في كل زمان. فلو كان معنى الرد السؤال للرسول، لما تصور ذلك ~~في حق من وجد بعد النبي، عليه السلام. # قلنا: وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان، ولكن لا نسلم أن ~~وجوب الرد ثابت في كل زمان، لأنه إن حمل الرد على القياس، فهو محل النزاع، ~~وإن حمل على السؤال للنبي عليه السلام، فظاهر أنه غير واجب على من لم يره. # فإن قيل: الضمير في المخاطب بالرد عائد إلى المخاطب بالطاعة، فإذا كان ~~الخطاب بالطاعة عاما، فكذلك الخطاب بالرد، وإذا تعذر حمل الرد على السؤال ~~في حق الكل، تعين أن يكون المراد به القياس. # قلنا: وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان، ولكن لا نسلم أنها ~~واجبة بقوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول لأنها خطاب مشافهة، على ما سبق ~~PageV04P025 # تقريره في الأوامر. وإن سلمنا عموم خطاب الامر بالطاعة، فغايته أن يكون ~~الضمير في قوله فردوه إلى الله والرسول ظاهرا في العود إلى كل من أمر ~~بالطاعة، فعوده إلى البعض، وهو من كان في زمن النبي، عليه السلام، لضرورة ~~حمل الرد على السؤال للنبي، عليه السلام، غايته أن يكون تخصيصا للعموم، وهو ~~مقابل بمثله في حمل الرد على القياس، وذلك لان الآية عامة في حق كل مجتهد ~~وعامي، ويلزم من حمل لفظ الرد على القياس تخصيص الآية بالمجتهدين دون ~~غيرهم، وليس مخالفة أحد العمومين والتمسك بالآخر أولى من العكس، وأيضا قوله ~~تعالى: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم) * (النساء: 83) والاستنباط هو القياس، وهو ضعيف أيضا. ولك، لأنه إنما ~~يجب حمل الاستنباط في الآية على القياس أن لو تعذر حمله على غيره، وليس ~~كذلك، إذ أمكن أن يراد به استخراج الحكم من دليله، ms762 وهو أعم من القياس. ~~ولهذا يصح أن يقال لمستخرج الحكم من دلالة النص إنه مستنبط، كيف وإن ~~المذكور في صدر الآية إنما هو الامن والخوف بقوله تعالى * (وإذا جاءهم أمر ~~من الامن أو الخوف) * فيجب أن يكون الضمير في قوله أذاعوا به وفي قوله ولو ~~ردوه وفي قوله لعلمه وفي قوله يستنبطونه عائدا إليه، لأنه المذكور لا إلى ~~غيره لكونه غير مذكور. وليس ذلك من القياس في شئ. # وأيضا قوله تعالى * (إن أنتم إلا بشر مثلنا) * (إبراهيم: 10) ووجه ~~الاحتجاج به أنهم أوردوا ذلك في معرض صدهم عما كان يعبد آباؤهم، لما بينهم ~~من المشابهة في البشرية، ولم ينكر عليهم ذلك، وهو عين القياس، فكان حجة، ~~وهو ضعيف أيضا لوجهين: PageV04P026 # الأول: لا نسلم عدم النكير عليهم، فإن الآية إنما خرجت مخرج الانكار ~~لقولهم ذلك، ولذلك قال تعالى: * (إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على ~~من يشاء من عباده) * (إبراهيم: 11). # الثاني: أنه وإن كان قياسا وتشبيها في الأمور الحقيقية، فلا يلزم مثله في ~~الأحكام الشرعية إلا بطريق القياس أيضا، وهو محل النزاع. # وأما الاجماعية، فمنها أنهم قالوا: الأمة قد علقت من قوله تعالى: * (ولا ~~تقل لهما أف) * (الاسراء: 23) تحريم الشتم والضرب بطريق القياس، وهو غير ~~صحيح لامكان قول الخصم إن ذلك إنما عقل من دلالة اللفظ وفحوى الخطاب، على ~~ما سبق، وإن كان ذلك بطريق القياس، غير أن العلة فيه معلومة بدلالة النص، ~~وهي كف الأذى عن الوالدين، ولا يلزم مثله فيما كانت العلة فيه مستنبطة ~~مظنونة، كما قاله النظام. # ومنها أن الأمة مجمعة على رجم الزاني المحصن قياسا على رجم النبي (ص) ~~(لماعز) وهو ضعيف، وأيضا لامكان أن يقال بل إنما حكموا بذلك بناء على قوله ~~(ص): # حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ومنها أن الأمة مجمعة على أن الله ~~تعالى تعبدنا بالاستدلال بالامارات على جهة القبلة عند اشتباهها، وذلك أيضا ~~مما لا يمكن التمسك به، لان الخصم لا يمنع من التمسك بالامارات مطلقا، بل ~~يجوز ذلك في القبلة ms763 وفي تقويم أروش الجنايات، وقيم المتلفات وتقدير ~~النفقات، وفيما كانت الامارات فيه خفية، ولا يلزم مثله في الامارات الشرعية ~~والأقيسة كيف وإن من الخصوم من يمنع من صحة الاجتهاد عند اشتباه القبلة، ~~ويوجب التوجه إلى الجهات الأربع، حتى يخرج عن العهدة بيقين. # وأما الحجة المعنوية فهي أن النص والاجماع مما يقل في الحوادث ويندر. # فلو لم يكن القياس حجة أفضى ذلك إلى خلو أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية ~~وهو خلاف المقصود من بعثة الرسل، وذلك ممتنع، وهي ضعيفة أيضا PageV04P027 # وذلك لان الوقائع التي خلت عن النصوص والاجماع، إنما يلزم خلوها عن ~~الأحكام الشرعية أن لو لم يكن نفي الحكم الشرعي بعد ورود الشرع حكما شرعيا ~~وأما إذا كان حكما شرعيا، وكان مدركه شرعيا، وهو استصحاب الحال وانتفاء ~~المدارك الشرعية المقتضية للأحكام الاثباتية، فلا. # وإن سلمنا أن انتفاء الحكم عند انتفاء النص والاجماع ليس حكما شرعيا، ~~ولكن إنما يمتنع ذلك أن لو كنا مكلفين بإثبات الأحكام الشرعية في كل قضية، ~~وهو غير مسلم وذلك لان الشارع كما يورد إثبات الاحكام في بعض الوقائع قد ~~يورد نفيها في بعض آخر، على حسب اختلاف المصالح ثم يلزم على ما ذكروه أن ~~تكون المصالح المرسلة الخلية عن الاعتبار حججا في الشريعة، وهو محال، وذلك ~~لأنه ليس كل واقعة يمكن وجود النص أو الاجماع أو القياس فيها. فلو لم تكن ~~المصلحة المرسلة حجة، أفضى ذلك أيضا إلى خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية، ~~لعدم وجود النص أو الاجماع أو القياس فيها والعذر إذ ذاك يكون مشتركا ~~PageV04P028 # والمعتمد في المسألة الكتاب والسنة والاجماع. # أما الكتاب فقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر ~~بالاعتبار، والاعتبار هو الانتقال من الشئ إلى غيره، وذلك متحقق في القياس ~~حيث إن فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع. ولهذا، قال ابن عباس في الأسنان ~~اعتبر حكمها بالأصابع، في أن ديتها متساوية، أطلق الاعتبار، وأراد به نقل ~~حكم الأصابع إلى الأسنان، والأصل في الاطلاق الحقيقة وإذا ثبت أن القياس ~~مأمور به، فالامر ms764 إما أن يكون للوجوب، أو للندب على ما سبق في الأوامر. ~~وعلى كلا التقديرين، فالعمل بالقياس يكون مشروعا. # فإن قيل لا نسلم أنه أمر بالاعتبار، وصيغة افعلوا مترددة بين الامر ~~وغيره، كما سبق في الأوامر، وليس جعلها ظاهرة في البعض أولى من البعض، ~~سلمنا أنها للامر، ولكن لا نسلم أن الاعتبار ما ذكرتموه، بل هو عبارة عن ~~الاتعاظ، ويدل عليه أمران: الأول قوله تعالى: * (إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الابصار) * (آل عمران: 13) وقوله: * (وإن لكم في الانعام لعبرة) * (النحل: ~~66) والمراد به الاتعاظ، إذ هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ. # الثاني أن القائس في الفروع إذا أقدم على المعاصي، ولم يتفكر في أمر ~~آخرته ، يقال إنه غير معتبر، ولو كان القياس هو الاعتبار، لما صح سلب ذلك ~~عنه. # سلمنا أن الاعتبار ظاهر في القياس، لكنه قد وجد في الآية ما يمنع من ~~الحمل عليه ويصرفه إلى الاعتبار بمعنى الاتعاظ، وذلك قوله تعالى: * (يخربون ~~بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (الحشر: 2) ولو كان الاعتبار بمعنى ~~القياس لما حسن ترتيبه على ذلك، وإنما يحسن ذلك عند إرادة الاتعاظ. # سلمنا أن المراد به القياس، غير أنه ليس في الآية صيغة عموم تقتضي العمل ~~بكل قياس، فكانت الآية مطلقة، والمطلق إذا عمل به في صورة أو صور لا يبقى ~~حجة فيما عداها، ضرورة الوفاء بالعمل بدلالته، وقد عملنا بذلك في القياس ~~العقلي PageV04P029 # والقياس الذي علته منصوصة أو مومى إليها، وبقياس الفروع على الأصول في ~~امتناع إثباتها بالقياس. # سلمنا العموم لكنه قد خص بما كلفنا فيه باليقين وبما كان منصوصا عليه ~~وبما لم نعلم له أصلا، ولا وصفا جامعا، فإن القياس غير مأمور به في ذلك ~~كله. # وكذلك إذا قال لوكيله أعتق غانما لسواده فإنه لا يجوز تعدية ذلك إلى سالم ~~وإن كان مسودا. والعام بعد التخصيص لا يبقى حجة، وإن بقي حجة ففي أقل ما ~~يتناوله الاسم العام، على ما سبق في العموم. # وإن سلمنا أنه يبقى حجة فيما عدا محل التخصيص، غير أن الآية ms765 خطاب مع ~~الموجودين، فيختص ذلك بمن كان موجودا في وقت نزول الوحي بالآية، وإن عم ~~جميع الأزمان ولكنه أمر مطلق، فلا يكون مفيدا للفور، ولا للتكرار، وإن كان ~~مفيدا لذلك، لكن بطريق ظني لا قطعي والمسألة قطعية لا ظنية. # والجواب عن السؤال الأول أنا قد بينا أن صيغة (افعل) ظاهرة في الطلب، وأن ~~الطلب لا يخرج عن اقتضاء الوجوب أو الندب في الأوامر، وأي الامرين قدر، كان ~~دليلا على شرع القياس. # قولهم: لا نسلم أن الاعتبار عبارة عما ذكرتموه. قلنا: دليله ما ذكرناه. # قولهم: يطلق بمعنى الاتعاظ. قلنا عنه جوابان: # الأول المنع، ويدل عليه قولهم: اعتبر فلان فاتعظ ولو كان الاعتبار هو ~~الاتعاظ لما حسن هذا الكلام والترتيب، ولأن ترتيب الشئ على نفسه ممتنع. # الثاني أن الاعتبار بمعنى الانتقال من الشئ إلى غيره، هو مشترك بين ~~القياس الاتعاظ اما ان الانتقال متحقق في القياس فقد سبق بيانه واما انه ~~متحقق في الاتعاظ فذلك لان المتعظ بغيره منتقل من العلم بحال ذلك الغير إلى ~~العلم بحال نفسه ويجب ان يكون لفظ الاعتبار حقيقة فيما وقع فيه الاشتراك ~~نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ وإذا كان كذلك فالامر اعتبار امر القدر ~~المشترك بين القياس والاتعاظ PageV04P030 # وهو اما ان يكون متناولا لواحد من الاعتبارات على سبيل الشيوع أو لكل ~~اعتبار على جهة العموم فان كان الأول فتعلق الامر به انما كان لما يتعلق به ~~من المصلحة وتلك المصلحة فكما تحصل من الواحد الفرد تحصل من كل واحد من ~~الافراد ضرورة الاشتراك في ملزومها فالفظ وان لم يكن عاما بلفظه فيكون عاما ~~بمعناه وان كان الثاني فهو المطلوب فكان مأمورا به من جهة ما فيه من ~~الانتقال، وذلك هو القياس. وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الآيتين. # قولهم: القائس إذا كان معرضا عن أمر آخرته، يقال إنه غير معتبر. # قلنا لا يصح ذلك بالنظر إلى كونه قائسا، وإنما صح ذلك بالنظر إلى أمر ~~الآخرة، وإنما أطلق النفي بطريق المجاز نظرا إلى إخلاله بأعظم المقاصد، وهو ms766 ~~أمر المعاد. # وعن الثالث أنه إذا كان الانتقال متحققا في الاتعاظ على ما قدمناه، وذلك ~~هو القياس، فلا نسلم امتناع ترتيب القياس على ما ذكروه. # وعن الرابع أن اللفظ إن كان عاما فهو المطلوب، وإن كان مطلقا، فيجب حمله ~~على القياس الشرعي، نظرا إلى أن الغالب من الشارع أنه إنما يخاطبنا بالأمور ~~الشرعية دون غيرها، وهو إما أن تكون العلة فيه منصوصة أو مستنبطة، والأول ~~ليس بقياس على ما حققناه قبل. وإن كانت مستنبطة فقد سلم صحة الاحتجاج ببعض ~~الأقيسة المختلف فيها، ويلزم من ذلك تسليم الباقي ضرورة أن لا قائل بالفرق. # وعن الخامس أن العام بعد التخصيص يكون حجة فيما وراء صور التخصيص، على ما ~~سبق في العموم. # وعن قولهم إنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي، عليه السلام، فلا يعم. # قلنا: لا نسلم أنه لا يعم بتقدير الوجود والفهم. وإن سلمنا أنه لا يعم ~~بلفظه، فهو عام بمعناه نظرا إلى انعقاد الاجماع عل أن أحكام الخطاب الثابت ~~في زمن النبي، عليه السلام، عامة في حق من بعد النبي (ص). فإذا لم يكن ~~الخطاب عاما بلفظه، PageV04P031 # وجب أن يكون عاما بمعناه، ضرورة انعقاد الاجماع على ذلك. # وبتقدير أن لا يكون عاما لا بلفظه ولا بمعناه، فهو حجة على الخصوم في بعض ~~صور النزاع، ويلزم من ذلك الحكم في الباقي، ضرورة أن لا قائل بالتفصيل. # وبهذا الجواب، يكون الجواب عن قولهم: إن الامر المطلق لا يقتضي الفور ولا ~~التكرار. # وعن السؤال الأخير، أن المسألة ظنية غير قطعية. # وأما من جهة السنة فما روي عن النبي (ص)، أنه قال لمعاذ، حين بعثه إلى ~~اليمن قاضيا بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد، قال: فبسنة رسول ~~الله. قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي والنبي (ص)، أقره على ذلك. وقال: # الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله واجتهاد الرأي ~~لا بد وأن يكون مردودا إلى أصل، وإلا كان مرسلا، والرأي المرسل غير معتبر، ~~وذلك هو القياس. ms767 PageV04P032 # وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري، وقد ~~أنفذهما إلى اليمن بم تقضيان؟ فقالا: إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا السنة، ~~قسنا الامر بالامر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به صرحوا بالعمل بالقياس ~~والنبي (ص) أقرهما عليه، فكان حجة. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام، أنه قال لابن مسعود اقض بالكتاب والسنة، ~~إذا وجدتهما، فإذا لم تجد الحكم فيهما، اجتهد رأيك ووجه الاحتجاج به كما ~~تقدم في الخبر الأول. # وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه لما سألته الجارية الخثعمية وقالت يا ~~رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج. إن حججت ~~عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ~~ذلك؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء ووجه الاحتجاج به أنه ألحق دين ~~الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس. وما مثل هذا يميه ~~الأصوليون التنبيه على أصل القياس، كما سبق تحقيقه. PageV04P033 # وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال لام سلمة، وقد سئلت عن قبلة ~~الصائم: # هل أخبرته أني أقبل وأنا صائم وإنما ذكر ذلك تنبيها على قياس غيره عليه. # وأيضا ما روي عنه أنه أمر سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة برأيه، ~~وأمرهم بالنزول على حكمه، فأمر بقتلهم، وسبي نسائهم، فقال عليه السلام: # لقد وافق حكمه حكم الله. # وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم ~~الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها حكم بتحريم ثمنها، باعتبار تحريم ~~أكلها. # وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه علل كثيرا من الاحكام، والتعليل موجب ~~لاتباع العلة أين كانت، وذلك هو نفس القياس. # فمن ذلك قوله عليه السلام: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل ~~الدافة، فادخروها. وقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها ~~تذكركم بالآخرة. # ومنا قوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: # نعم. فقال: فلا ms768 إذا. # ومنها قوله (كي لا يكون دولة بين الأغنياء معكم). # ومنها قوله في حق محرم وقصت به ناقته: لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا، ~~فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا. # ومنها قوله في حق شهداء أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم ~~القيامة، وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك. ~~PageV04P034 # ومنها قوله في الهرة: إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات. # وقوله: إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل، فلا يغمس يده في الاناء حتى ~~يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده. # وقوله في الصيد: فإن وقع في الماء فلا تأكل منه، لعل الماء أعان على ~~قتله. # وأيضا قوله: أنا أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي والرأي إنما هو ~~تشبيه شئ بشئ، وذلك هو القياس، إلى غير ذلك من الاخبار المختلف لفظها، ~~المتحد معناها، النازل جملتها منزلة التواتر، وإن كانت آحادها آحادا. # فإن قيل: أما حيث معاذ فإنه مرسل، وخبر واحد ورد في إثبات كون القياس ~~حجة، وهو مما تعم به البلوى، والمرسل ليس بحجة عند الشافعي، وخبر الواحد، ~~فيما تعم به البلوى ليس بحجة عند أبي حنيفة، فالاجماع من الفريقين على أنه ~~ليس بحجة. # والذي يدل على ضعفه أن النبي عليه السلام، كان قد ولاه القضاء، وذلك لا ~~يكون إلا بعد معرفة اشتمال معاذ على معرفه ما به يقضي. فالسؤال عما علم لا ~~معنى له. # وأيضا فإنه وقف العمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة، ووقف العمل ~~بالسنة على عدم وجدان الكتاب. والأول على خلاف قوله تعالى: * (ما فرطنا في ~~الكتاب من شئ) * (الانعام: 38). وعلى خلاف قوله: * (ولا رطب ولا يابس إلا ~~في كتاب مبين) * (الانعام: 59) والثاني على خلاف الدليل الدال على جواز نسخ ~~الكتاب وتخصيصه بالسنة. PageV04P035 # سلمنا صحته وأنه حجة، غير أن اجتهاد الرأي أعم من القياس، وذلك لان ~~اجتهاد الرأي، كما يكون بالقياس، قد يكون بالاجتهاد في الاستدلال بخفي ~~النصوص من الكتاب والسنة، وطلب الحكم فيهما، على التمسك بالبراءة الأصلية، ~~ولفظه غير عام ms769 في كل رأي، فلا يكون حمله على اجتهاد الرأي بالقياس أولى من ~~غيره. # سلمنا أن المراد به اجتهاد الرأي بالقياس، غير أن القياس ينقسم إلى ما ~~علته منصوصة أو مومى إليها، وإلى ما علته مستنبطة بالرأي، واللفظ أيضا ~~مطلق، وقد عملنا به في القياس الذي علته منصوصة على ما قاله النظام. # سلمنا أنه حجة مطلقا في كل قياس، ولكن قبل إكمال الدين أو بعده؟ على ما ~~قال تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * (المائدة: 3) الأول مسلم، والثاني ~~ممنوع. وذلك أن إكمال الدين إنما يكون باشتمال الكتاب والسنة على تعريف كل ~~ما لا بد من معرفته وعلى هذا فالقياس لا حاجة إليه بعد ذلك. وبتقدير كونه ~~حجة مطلقا، لكن فيما تعبد في إثباته بالظن لا باليقين. والقياس ليس من هذا ~~الباب. # وبهذا يكون الاعتراض على حديث ابن مسعود أيضا. # وأما حديث الجارية الخثعمية، فالورود عليه من جملة الأسئلة الواردة على ~~حديث معاذ، أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى، وأنه ظني فلا يتمسك به في ~~مسائل الأصول، وهما عامان في جميع ما ذكر من الاخبار ويخصه أن النبي (ص)، ~~إنما ذكر دين الآدمي بطريق التقريب إلى فهم الجارية في حصول نفع القضاء. ~~أما أن يكون ذلك بطريق القياس، فلا. # وأما حديث أم سلمة فيدل على أن فعل النبي (ص) حجة متبعة، أما أن يكون ذلك ~~بطريق القياس على فعل النبي (ص)، فلا. # وأما حديث سعد بن معاذ، فليس فيه أيضا ما يدل على صحة القياس فإن أمره له ~~بأن يحكم في بني قريظة برأيه لا يخص القياس، لما تقدم من أن اجتهاد الرأي ~~أعم من القياس، فلعله أمره أن يحكم باجتهاد رأيه في الاستدلال بخفي النصوص ~~PageV04P036 # من الكتاب والسنة، ولذلك، قال، عليه السلام: لقد وافق حكمه حكم الله ~~ورسوله. # وأما خبر تحريم الشحوم على اليهود فليس فيه ما يدل على تحريم البيع، ~~بالقياس على تحريم الاكل، فإن تحريم الشئ أعم من تحريم أكله، فإن تحريم ~~الشئ تحريم للتصرف فيه مطلقا. وبتقدير أن ms770 يكون تحريم الاكل مصرحا به، ~~فالمراد به تحريم التصرف مطلقا، بدليل قوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل) * (البقرة: 188) وقوله: * (ولا تأكلوا مال اليتيم) *. # وقوله: * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (النساء: 2) والمراد به ~~المنع من التصرف في ذلك بغير حق. # وأما الأخبار الدالة على تعليل الاحكام، فليس يلزم من تعليل الحكم ~~المنصوص عليه بعلة، إلحاق غير المنصوص، به لاشتراكهما في تلك العلة، إذ هو ~~محل النزاع وليس في الاخبار ما يدل على الالحاق، بل التعليل إنما كان ~~لتعريف الباعث على الحكم، ليكون أقرب إلى الانقياد، وادعى إلى القبول. ~~ولهذا أمكن التنصيص على العلة القاصرة، ولا قياس عنها. # وبتقدير دلالتها على الالحاق. فالعلل فيها منصوصة ومومى إليها. ونحن نقول ~~بهذا النوع من القياس، كما قاله النظام، وقوله عليه السلام: إني أحكم بينكم ~~بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي فهو على خلاف قوله تعالى: * (وما ينطق عن ~~الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3) وبتقدير أن يكون حكمه بالرأي، فلا ~~يلزم أن يكون ذلك بالقياس لما تقدم. # وبتقدير أن يكون بالقياس، فلا يلزم من جواز التمسك بالقياس للنبي عليه ~~السلام، مع كونه معصوما عن الخطأ، مسددا في أحكامه، جواز ذلك لغيره. # والجواب عن السؤال الأول على خبر معاذ أنا قد بينا أن المرسل وخبر الواحد ~~فيما تعم به البلوى حجة. # وأما سؤال معاذ عما به يقضي، فإنما كان قبل توليه القضاء، ليعلم صلاحيته ~~لذلك وإن كان ذلك بعد توليه القضاء، فإنما كان ذلك بطريق التأكيد، أو ~~بأعلام الغير بأهليته للقضاء، PageV04P037 # وأما توقيفه للعمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة فغير مخالف لقوله ~~تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38) إذ المراد منه إنما ~~هو عدم التفريط فيما ورد من الكتاب، لا أن المراد به بيان كل شئ، فإنا نعلم ~~عدم اشتماله على بيان العلوم العقلية من الهندسية والحسابية وكثير من ~~الأحكام الشرعية، وبتقدير أن يكون المراد به بيان كل شئ، لكن لا بطريق ~~الصريح، بل بمعنى أنه أصل لبيان كل شئ. ms771 فإنه أصل لبيان صدق الرسول في قوله، ~~وقوله بيان للقياس وغيره: وبه يخرج الجواب عن الآية الأخرى، وأما توقيفه ~~العمل بالسنة على عدم الكتاب، فالمراد به الكتاب الذي لا معارض له ولا ~~ناسخ، ويجب تنزيله على ذلك، ضرورة الجمع بين تقرير النبي عليه السلام، له ~~على ذلك، وبين الدليل الدال على نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة. # وعن السؤال الثاني أنه يمتنع حمل اجتهاد الرأي على الاجتهاد في الاستدلال ~~بخفي نصوص الكتاب والسنة، لان قوله فإن لم تجد عام في الجلي والخفي، بدليل ~~صحة الاستثناء وورود الاستفهام. فتخصيص ذلك بالجلي دون الخفي من غير دليل ~~ممتنع، والتمسك بالبراءة الأصلية في نفي الأحكام الشرعية، ليس بحجة على ما ~~يأتي. فلا يكون اجتهاد الرأي فيه مستندا للحكم. # وبتقدير أن يكون حجة، فذلك معلوم لكل عاقل، فلا يكون مفتقرا إلى اجتهاد ~~الرأي. # وعن السؤال الثالث أنا لا نسلم أن ما كانت علته منصوصة يكون قياس على ما ~~سيأتي. # وإن سلمنا أنه قياس فما ذكرناه، وإن لم يكن حجة على النظام، فهو حجة على ~~غيره. # وعن الرابع أن إكمال الدين، إنما يكون ببيان كل شئ، إما بلا واسطة، أو ~~PageV04P038 # بواسطة، على ما بيناه. وعلى هذا فلا يمتنع العمل بالقياس بعد إكمال ~~الدين، لكونه من جملة الوسائط. # وعن الخامس ما سبق من أن المسألة ظنية غير قطعية. وعلى هذا فلا يخفى ~~الجواب عما يعترض به على خبر ابن مسعود. # وكذلك جواب كل ما يعترض به من هذه الأسئلة على باقي الاخبار. # وما ذكروه على خبر الجارية الخثعمية فبعيد أيضا، فإنه لو لم يكن مدرك ~~الحكم فيما سألت عنه القياس على دين الآدمي، لما كان التعرض لذكره مفيدا، ~~بل كان يجب الاقتصار على قوله نعم. # وما ذكروه على حديث أم سلمة، فغير صحيح. وذلك، لأنه لو لم يكن اتباعنا له ~~في فعله، بطريق التأسي به، لما كان حكم فعله ثابتا في حقنا، ولا معنى ~~للقياس سوى ذلك. # وما ذكروه على حديث سعد بن معاذ، باطل أيضا، لان حكمه ms772 لو كان مستندا إلى ~~الكتاب أو السنة، لما كان ذلك برأيه، وقد قال: أحكم فيهم برأيك وقوله عليه ~~السلام: لقد وافق حكمه حكم الله ورسوله لا منافاة بينه وبين الحكم بالقياس ~~فإنه إذا كان القياس من طرق الشرع، فالحكم المستند إليه يكون حكما لله ~~ولرسوله. # وما ذكروه على خبر الشحوم، مندفع من حيث إن الظاهر من إضافة التحريم إلى ~~المأكول إنما هو تحريم الاكل. # وكذلك التحريم المضاف إلى النساء إما هو تحريم الوطئ، وإلى الدابة تحريم ~~الركوب، وإلى الدار تحريم السكنى. # وكذلك في كل شئ على حسبه، وهو المتبادر إلى الفهم عند إطلاقه. فتحريم ~~PageV04P039 # البيع لا يكون مأخوذا من مطلق التحريم المضاف إلى أكل الشحوم، فلم يبق ~~إلا أن يكون بطريق الالحاق به، وهو معنى القياس. # وما ذكروه على الأخبار الدالة على التعليل بالعلل المذكورة من أن ذلك لا ~~يدل على التعدية، فحق. غير أن ما ذكروه بتقدير تسليم التعدية على مذهب ~~النظام، فقد سبق جوابه. # وأما الاجماع، وهو أقوى الحجج في هذه المسألة، فهو أن الصحابة اتفقوا على ~~استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد منهم فمن ~~ذلك رجوع الصحابة إلى اجتهاد أبي بكر رضي الله عنه في أخذ الزكاة من بني ~~حنيفة وقتالهم على ذلك، PageV04P040 # وقياس خليفة رسول الله على الرسول في ذلك بوساطة أخذ الزكاة للفقراء ~~وأرباب المصارف. # ومن ذلك قول أبي بكر لما سئل عن الكلالة أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن ~~صوابا، فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد ~~والولد. # ومن ذلك أن أبا بكر ورث أم الام دون أم الأب، فقال له بعض الأنصار لقد ~~ورثت امرأة من ميت، لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة، لو كانت هي ~~الميتة ورث جميع ما تركت فرجع إلى التشريك بينهما في السدس. # ومن ذلك حكم أبي بكر بالرأي في التسوية في العطاء حتى قال له عمر كيف ~~تجعل من ترك دياره وأمواله، وهاجر إلى ms773 رسول الله، كمن دخل في الاسلام كرها ~~، فقال أبو بكر: إنما أسلموا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ ~~وحيث انتهت PageV04P041 # النوبة إلى عمر فرق بينهم. # ومن ذلك قياس أبي بكر تعيين الامام بالعهد على تعيينه بعقد البيعة، حتى ~~إنه عهد إلى عمر بالخلافة، ووافقه على ذلك الصحابة. # ومن ذلك ما روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري اعرف الأشباه ~~والأمثال، ثم قس الأمور برأيك. # ومن ذلك قول عمر أقضي في الجد برائي، وأقول فيه برائي وقضى فيه بآراء ~~مختلفة. # ومن ذلك قوله لما سمع حديث الجنين لولا هذا لقضينا فيه برأينا. ~~PageV04P042 # ومن ذلك أنه لما قيل له في مسألة المشركة هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا ~~من أم واحدة فشرك بينهم. # ومن ذلك أنه لما قيل لعمر إن سمرة قد أخذ الخمر من تجار اليهود في ~~العشور، وخللها وباعها، قال: قاتل الله سمرة أما علم أن رسول الله، (ص)، ~~قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها ~~قاس الخمر على الشحم، وأن تحريمها تحريم لثمنها. ومن ذلك أنه جلد أبا بكرة ~~حيث لم يكمل نصاب الشهادة، بالقياس على القاذف، وإن كان شاهدا لا قاذفا. # ومن ذلك قول عثمان لعمر في واقعة إن تتبع رأيك، فرأيك أسد، وإن تتبع رأي ~~من قبلك، فنعم ذلك الرأي كان ولو كان فيه دليل قاطع على أحدهما لم يجز ~~تصويبهما. # ومن ذلك أنه ورث المبتوتة بالرأي. # ومن ذلك قول علي عليه السلام في حد شارب الخمر: إنه إذا شرب سكر، وإذا ~~سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفترين قاس حد الشارب على القاذف. # ومن ذلك أن عمر كان يشك في قود القتيل الذي اشترك في قتله سبعة، فقال له ~~علي يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة، أكنت تقطعهم؟ # قال: نعم. قال: فكذلك وهو قياس للقتل على السرقة. # ومن ذلك ما روي عن علي أنه قال في أمهات الأولاد اتفق رأيي ورأي عمر على ~~أن ms774 لا يبعن، وقد رأيت الآن بيعهن حتى قال له عبيدة السلماني: رأيك مع ~~الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. PageV04P043 # ومن ذلك قول علي في المرأة التي أجهضت بفزعها، بإرسال عمر إليها، أم ~~المأثم فأرجو أن يكون منحطا عنك، ورأى عليك الدية، فقال له: عزمت عليك أن ~~لا تبرح حتى تضربها على بني عدي، يعني قومه، وألحقه عثمان و عبد الرحمن بن ~~عوف بالمؤدب وقالا: إنما أنت مؤدب، ولا شئ عليك. # ومن ذلك قول ابن عباس، لما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين، أين ~~وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال له زيد: أقول برأيي، وتقول برأيك. # ومن ذلك قوله في مسألة الجد ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا ~~يجعل أبا الأب أبا. # ومن ذلك قول ابن مسعود في المفوضة، برأيه بعد أن استمهل شهرا، وأنه كان ~~يوصي من يلي القضاء بالرأي ويقول لا ضير في القضاء بالكتاب والسنة وقضايا ~~الصالحين، فإن لم تجد شيئا من ذلك، فاجتهد رأيك. # ومن ذلك اختلاف الصحابة في الجد حتى ألحقه بعضهم بالأب في إسقاط الاخوة، ~~وألحقه بعضهم بالاخوة. PageV04P044 # ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لزوجته أنت علي حرام حتى قال أبو بكر ~~وعمر: هو يمين. # وقال علي وزيد: هو طلاق ثلاث. # وقال ابن مسعود: هو طلقة واحدة. # وقال ابن عباس هو ظهار، إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى، وذلك يدل ~~على أن الصحابة مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها وردوا بعضها إلى ~~بعض في أحكامها، وأنه ما من واحد من أهل النظر والاجتهاد منهم، إلا وقد قال ~~بالرأي والقياس. ومن لم يوجد منه الحكم بذلك، فلم يوجد منه في ذلك إنكار، ~~فكان إجماعا سكوتيا، وهو حجة مغلبة على الظن، لما سبق تقريره في مسائل ~~الاجماع. # وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور، وذلك لا بد لهم ~~فيها من مستند، وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي والتحكم في دين الله من غير ~~دليل، وهو ممتنع، ms775 وذلك المستند يمتنع أن يكون نصا، وإلا لأظهر كل واحد ما ~~اعتمد عليه من النص، إقامة لعذره وردا لغيره عن الخطأ بمخالفته على ما ~~اقتضته العادة الجارية بين النظار، ولأن العادة تحيل على الجمع الكثير ~~كتمان نص دعت الحاجة إلى إظهاره في محل الخلاف. وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا ~~على حكم في واقعة بناء على نص، فإنه لا يمتنع اتفاقهم على عدم نقله، بناء ~~على الاكتفاء في ذلك الحكم بإجماعهم، ولو أظهروا تلك النصوص، واحتجوا بها، ~~لكانت العادة تحيل عدم نقلها، فحيث لم تنقل، دل على عدمها، وإذا لم يكن ~~نصا، تعين أن يكون قياسا واستنباطا. # فإن قيل: لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس، وما نقل عنهم من ~~الاجتهاد في الوقائع المذكورة والعمل بالرأي، فلعلهم إنما استندوا فيه إلى ~~الاجتهاد في دلالات النصوص الخفية من الكتاب والسنة، كحمل المطلق على ~~المقيد، والعام على الخاص، وترجيح أحد النصين على الآخر، والنظر في تقرير ~~النفي الأصلي، ودلالة الاقتضاء، والإشارة، والتنبيه، والايماء، وأدلة ~~الخطاب، وتحقيق المناط، وغير ذلك من الاجتهادات المتعلقة بالأدلة النصية. ~~PageV04P045 # قولكم: لو كان ثم نص لظهر - قلنا: ولو كانوا قائسين لتلك الصور على ~~غيرها، لأظهروا العلل الجامعة فيها، وصرحوا بها كما في النصوص، ولو أظهروها ~~واحتجوا بها، لنقلت أيضا، فعدم نقلها يدل على عدمها. وإذا لم يكن قياس ~~واستنباط، تعين أن يكون المستند إنما هو النص، وليس أحد الامرين أولى من ~~الآخر. # وما نقل عن الصحابة من التصريح بالعمل بالرأي في الوقائع المذكورة، لا ~~يلزم أن يكون قياسا، فإن اجتهاد الرأي أعم من اجتهاد الرأي بالقياس، على ما ~~تقرر، ولا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص. # سلمنا أنهم عملوا بالقياس، غير أنا لا نسلم عمل الكل به، فإنه لم ينقل ~~ذلك إلا عن جماعة يسيرة لا تقوم الحجة بقولهم. # قولكم إنه لم يوجد من غيرهم نكير عليهم - لا نسلم ذلك. # وبيان وجود الانكار ما روي عن أبي بكر أنه لما سئل عن الكلالة قال: أي ~~سماء تظلني، وأي ms776 أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي وأيضا ما روي عن ~~عمر أنه قال إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء الدين، أعيتهم الأحاديث أن ~~يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا وقال إياكم والمكايلة فسئل عن ذلك، ~~فقال المقايسة وروي عن شريح أنه قال كتب إلي عمر اقض بما في كتاب الله، فإن ~~جاءك ما ليس في كتاب الله، فاقض بما في سنة رسول الله، فإن جاءك ما ليس في ~~سنة رسول الله فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد، فلا عليك أن لا ~~تقضي وأيضا ما روي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال لعمر في مسألة الجنين إن ~~اجتهدوا فقد أخطؤوا، وإن لم يجتهدوا، فقد غشوك PageV04P046 # وروي عن عثمان وعلي أنهما قالا لو كان الدين بالقياس، لكان المسح على ~~باطن الخف أولى من ظاهره وروي عن ابن عباس أنه قال إن الله تعالى قال لنبيه ~~(ص) * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) ولم يقل بما رأيت ~~ولو جعل لاحد أن يحكم برأيه، لجعل ذلك لرسول الله وقال إياكم والمقاييس، ~~فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وقال إن الله لم يجعل لاحد أن يحكم في ~~دينه برأيه وروي عن ابن عمر أنه قال: السنة ما سنة رسول الله، لا تجعلوا ~~الرأي سنة وقال أيضا إن قوما يفتون بآرائهم، لو نزل القرآن، لنزل بخلاف ما ~~يفتون وقال أيضا اتهموا الرأي على الدين، فإنه منا تكلف وظن، وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا قلتم في دينكم بالقياس، ~~أحللتم كثيرا مما حرم الله، وحرمتم كثيرا مما حلل الله، وقال أيضا: قراؤكم ~~صلحاؤكم، يذهبون ويتخذ الناس رؤوسا جهالا، يقيسون ما لم يكن بما كان وقالت ~~عائشة أخبروا زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله بفتواه بالرأي في ~~مسألة العينة وقد أنكر التابعون ذلك أيضا، حتى قال الشعبي: ما أخبروك عن ~~أصحاب محمد، فاقبله، وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الحش وقال مسروق لا ms777 أقيس ~~شيئا بشئ، أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها وكان ابن سيرين يذم المقاييس ويقول ~~أول من قاس إبليس. # ومع هذه الانكارات من الصحابة والتابعين فلا إجماع. # سلمنا أنه لم يظهر النكير في ذلك، لكن لا يلزم منه أن يكون سكوت الباقين ~~عن موافقة، لما ذكر في الاجماع. PageV04P047 # سلمنا أنه عن موافقة، لكنه لا حجة في إجماع الصحابة. وكيف يقال بذلك وقد ~~عدلوا عما أمروا به، ونهوا عنه، وتجبروا وتآمروا وجعلوا الخلاف طريقا إلى ~~أغراضهم الفاسدة. حتى جرى بينهم ما جرى من الفتن والحروب، وتألبوا على أهل ~~البيت، وكتموا النص على علي، رضي الله عنه، غصبوه الخلافة، ومنعوا فاطمة ~~إرثها من أبيها، المنصوص عليه في كتاب الله، برواية انفرد بها أبو بكر، ~~وعدلوا عن طاعة الامام المعصوم، المحيط بجميع النصوص الدالة على جميع ~~الأحكام الشرعية، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يجوز معها الاحتجاج ~~بأقوالهم. وهذا السؤال مما أورده الرافضة. # سلمنا أن قول البعض بالقياس، وسكوت الباقين حجة، لكنها حجة ظنية، على ما ~~سبق في الاجماع. وكون القياس حجة أمر قد تعبدنا فيه بالعلم، فلا يكون ~~مستفادا من الدليل الظني. # سلمنا صحة الاحتجاج به، ولكن ما المانع أن يكون عملهم بالقياس المنصوص ~~على علته، ونحن نقول به، كما قاله النظام والقاشاني والنهرواني. # سلمنا عملهم بكل قياس، لكن لم قلتم إنه إذا جاز العمل بالقياس للصحابة، ~~جاز ذلك لمن بعدهم، وذلك لان الصحابة، لما كانوا عليه من شدة اليقين، ~~والصلابة في الدين ومشاهدة الوحي والتنزيل، وكثرة التحفظ في أمور دينهم، ~~حتى نقل عنهم قتل الاباء والأبناء، وبذل الأنفس والأموال، ومهاجرة الأهل ~~والأوطان في نصرة الدين، حتى ورد في حقهم من التفضيل والتعظيم في الكتاب ~~والسنة ما لم يرد مثله في حق غيرهم، على ما ذكر في الاجماع. وعند ذلك، فلا ~~يلزم من جواز عملهم بالقياس، جوازه لغيرهم. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على صحة القياس، وأنا متعبدون به، لكنه معارض ~~بالكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا ms778 تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله) * (الحجرات: 1) والحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله، لأنه حكم ~~بغير قوليهما. # وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (البقرة: 169) ~~وقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (الاسراء: 36) والحكم بالقياس ~~قول بما لا يعلم. PageV04P048 # وقوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (النجم: 28) وقوله ~~تعالى: * (إن بعض الظن إثم) * (الحجرات: 12) وقوله تعالى: * (وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل ~~الله. # وقوله تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10) ~~وقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) ~~والحكم بالقياس لا يكون حكما لله، ولا مردودا إليه. # وقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38) وقوله تعالى: ~~* (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (الانعام: 59) وذلك يدل على أنه ~~لا حاجة إلى القياس. # وأما من جهة السنة فما روى عمر عن النبي (ص)، قال ستفترق أمتي فرقا ~~أعظمها فتنة، الذين يقيسون الأمور بالرأي وأيضا ما روى أبو هريرة، رضي الله ~~عنه، عن النبي (ص). أنه قال: تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، وبرهة بسنة ~~رسول الله، وبرهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك ضلوا وأضلوا وذلك يدل على أن ~~القياس والعمل بالرأي غير صحيح. # والجواب: قولهم لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس قلنا: دليله ما ~~ذكرناه. # قولهم: يحتمل أن يكون عملهم بدلالات النصوص الخفية قلنا: لو كان كذلك ~~لظهر المستند واشتهر، على ما قررناه. # قولهم: ولو كان ذلك لمحض القياس، لأظهروا العلل الجامعة، وصرحوا بها كما ~~في النصوص - قلنا: منهم من صرح، كتصريح أبي بكر في التسوية في العطاء بين ~~المهاجرين وغيرهم، وهو قوله إنما الدنيا بلاغ وتصريح علي في قياسه حد شارب ~~الخمر على حد القاذف، بواسطة الاشتراك في الافتراء، وتصريح عثمان و عبد ~~الرحمن بن عوف في إلحاقهم عمر في صورة المرأة التي أجهضت الجنين بالمؤدب، ~~بواسطة التأديب. # ومنهم من اعتمد في التنبيه عليها بفتواه، وجري ms779 العادة بفهم المستمع وجه ~~المأخذ والشبه بين محل النزاع ومحل الاجماع. ولهذا فإن العادة جارية من بعض ~~PageV04P049 # الملوك بقتل الجاسوس إذا ظفر به، زجرا له ولغيره عن التجسس عليه، وعادة ~~البعض الاحسان إليه، لاستمالته له، حتى يدله على أحوال عدوه، فإذا رأينا ~~ملكا قد قتل جاسوسا، أو أحسن إليه، ولم نعهد من عادته قبل ذلك شيئا، كان ~~ذلك كافيا في التنبيه على رعاية العلة الموجبة للقتل، أو الاحسان، في محل ~~الوفاق، ولا كذلك النصوص، فإن الأذهان غير مستقلة بمعرفتها، فدعت الحاجة ~~إلى التصريح بها. # وعلى هذا، فمن قال منهم في قوله: أنت علي حرام، إنه طلاق ثلاث، نبه على ~~أن مطلق التحريم يقتضي نهاية التحريم، وذلك مشترك بينه وبين الطلاق الثلاث، ~~فلذلك عدى الطلاق الثلاث إليه. # ومن جعله طلقة واحدة، نبه على أنه اعتبر فيه أقل ما يثبت معه التحريم، ~~فلذلك ألحقه بالطلقة الواحدة، ومن جعله ظهارا، ألحقه بالظهار، من حيث إنه ~~يفيد التحريم بلفظ ليس هو لفظ الطلاق، ولا لفظ الايلاء. # ومن شرك بين الجد وابن الابن نبه على أن العلة في ذلك استواؤهما في ~~الادلاء إلى الميت في طرفي العلو والسفل، ولهذا شبههما بغصني شجرة، وجدولي ~~نهر ومن ذلك تنبيه عمر في قياسه الخمور على الشحوم، على أن العلة في تحريم ~~أثمانها تحريمها. # ومن ذلك التنبيه في التشريك بين الاخوة من الأب والام والاخوة من الام، ~~على أن العلة الاشتراك في جهة الأمومة إلى غير ذلك من التنبيهات. # ويدل على ما ذكرناه تصريح أكثر الصحابة فيما عملوا به بالرأي. # قولهم: اجتهاد الرأي أعم من القياس - قلنا: وإن كان الامر على ما قيل، ~~غير أنا قد بينا أنه لم يكن ذلك مستندا إلى النصوص، فتعين استناده إلى ~~القياس والاستنباط. # قولهم: لا نسلم عمل الكل بالقياس - PageV04P050 # قلنا: وإن عمل به البعض، فقد بينا أنه لم يوجد من الباقين في ذلك نكير، ~~فكان إجماعا. # قولهم: قد وجد الانكار - لا نسلم ذلك. وما ذكروه من صور الانكار، فهي ~~منقولة عمن نقلنا عنهم ms780 القول بالرأي والقياس، فلا بد من التوفيق بين ~~النقلين لاستحالة الجمع بينهما والعمل بأحدهما من غير أولوية، وعند ذلك، ~~فيجب حمل ما نقل عنهم من إنكار العمل بالرأي والقياس على ما كان من ذلك ~~صادرا عن الجهال، ومن ليس له رتبة الاجتهاد، وما كان مخالفا للنص، وما ليس ~~له أصل يشهد له بالاعتبار، وما كان على خلاف القواعد الشرعية، وما استعمل ~~من ذلك فيما تعبدنا فيه بالعلم دون الظن جمعا بين النقلين. هذا من جهة ~~الاجمال، وأما من جهة التفصيل: أما قول أبي بكر أي سماء تظلني، وأي أرض ~~تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي فإنما أراد به قوله في تفسير القرآن، ~~ولا شك أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، لكونه مستندا إلى محض السمع عن النبي ~~(ص)، وأهل اللغة، بخلاف الفروع الشرعية. # وأما قول عمر إياكم وأصحاب الرأي الخبر إلى آخره - فإنما قصد به ذم من ~~ترك الأحاديث، وحفظ ما وجد منها، وعدل إلى الرأي، مع أن العمل مشروط بعدم ~~النصوص. # وقوله إياكم والمكايلة أي المقايسة فالمراد به المقايسة الباطلة لما ~~ذكرناه. # وأما قوله لأبي موسى الأشعري فإنما يفيد أن لو لم يكن القياس مما أجمع ~~عليه أهل العلم، وإلا فبتقدير أن يكون واجدا له، فلا. PageV04P051 # وقول علي لعمر في مسألة الجنين، لا يدل على أن كل اجتهاد خطأ، ونحن لا ~~ننكر الخطأ في بعض الاجتهادات، كما سبق تعريفه. # وأما قول عثمان وعلي لو كان الدين بالقياس... الخبر. فيجب حمله على أنه ~~لو كان جميع الدين بالقياس، لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره، ويكون ~~المقصود منه أنه ليس كل ما أتت به السنن على ما يقتضيه القياس. # وأما قول ابن عباس إن الله قال لنبيه، الخبر، ليس فيه ما يدل على عدم ~~الحكم بالقياس إلا بمفهومه، وليس بحجة على ما سبق بيانه. # وقوله: إياكم والمقاييس يجب حمله على المقاييس الفاسدة، كالمقاييس التي ~~عبدت بها الشمس والقمر، وغير ذلك مما بيناه لما سلف من الجمع بين ms781 النقلين. # وقوله: إن الله لم يجعل لاحد أن يحكم في دينه برأيه يجب حمله على الرأي ~~المجرد عن اعتبار الشارع له، لما سبق. # وأما قول ابن عمر السنة ما سنه رسول الله (ص) فإنما ينفع، أن لو كان ~~القياس ليس مما سنه الرسول. # وقوله لا تجعلوا الرأي سنة أراد به الرأي الذي لا اعتبار له، وإلا فالرأي ~~المعتبر من السنة، لا يكون خارجا عن السنة. # وقوله: إن قوما يفتون بآرائهم... الخبر. ليس فيه ما يدل على أن كل من ~~أفتى برأيه يكون كذلك. ونحن لا ننكر أن بعض الآراء باطل. # وقوله: اتهموا الرأي على الدين غايته الدلالة على احتمال الخطأ فيه، وليس ~~فيه ما يدل على إبطاله. # وقوله: وإن الظن لا يغني من الحق شيئا المراد به استعمال الظن في مواضع ~~اليقين، لا أن المراد به إبطال الظن بدليل صحة العمل بظواهر الكتاب والسنة. # وأما قول ابن مسعود إذا قلتم في دينكم بالقياس... الخبر، يجب حمله على ~~القياس الفاسد لما سبق. وقوله: ويتخذ الناس رؤوسا جهالا... إلى آخره، ~~فالمراد PageV04P052 # به أيضا القياس الباطل، ولهذا وصفهم بكونهم جهالا. وعلى ذلك يجب حمل قول ~~عائشة في حق زيد بن أرقم، وكذلك قول الشعبي ومسروق وابن سيرين، جميعا بين ~~النقلين، كما سبق تقريره. # قولهم: لا نسلم أن السكوت يدل على الموافقة - قلنا: دليله ما سبق في ~~مسائل الاجماع. # قولهم: لا نسلم أن إجماع الصحابة حجة - قد دللنا عليه في مسائل الاجماع ~~أيضا. # وما ذكروه من القوادح في الصحابة فمن أقوال المبتدعة الزائغين كالنظام ~~ومن تابعه من الرافضة. الضلال، وقد أبطلنا ذلك كله في كتاب أبكار الأفكار ~~في المواضع اللائقة بذلك. # قولهم: إنه حجة ظنية - قلنا: والمسألة أيضا عندنا ظنية. # قولهم: ما المانع أن يكون عملهم بالأقيسة المنصوص على عللها - عنه أجوبة ~~ثلاثة: # الأول: أنه لو كان ثم نص لنقل، كما ذكرناه في النصوص الدالة على الاحكام. # الثاني: أنه إذا كانت العلة منصوصة، فإن لم يرد التعبد بإثبات الحكم بها ~~في غير محل النص، ms782 فيمتنع إثباته، لما يأتي في المسألة التي بعدها، وإن ورد ~~الشرع بذلك، فالحكم يكون في الفرع ثابتا بالاستدلال، أي بعلة منصوصة، لا ~~بالقياس، على ما يأتي تقريره. وعلى هذا فلا يكونون عاملين بالقياس. # الثالث: أن ذلك يكون حجة على من أنكر القياس مطلقا، وإن لم يكن حجة على ~~النظام والقائلين بقوله. # قولهم: لا يلزم أن يكون القياس حجة بالنسبة إلى غير الصحابة - قلنا: ~~القائل قائلان: قائل يقول بالقياس مطلقا بالنسبة إلى الكل وقائل بنفيه ~~مطلقا بالنسبة إلى الكل. وقد اتفق الفريقان على نفي التفصيل، كيف وإنه حجة ~~على من قال بنفيه مطلقا. PageV04P053 # وما ذكروه من المعارضة، أما الآية الأولى، فإنما تفيد أن لو لم يكن ~~القياس مما عرف التعبد به من الله تعالى ورسوله، وعند ذلك فيتوقف كون العمل ~~بالقياس تقدما بين يدي الله ورسوله على كون الحكم به غير مستفاد من الله ~~ورسوله، وذلك متوقف على كون الحكم به تقدما بين يدي الله ورسوله، فلا يكون ~~حجة. # وأما الآية الثانية والثالثة فجوابهما من ثلاثة أوجه: # الأول: أنا نقول بموجب الآيتين، وذلك لأنا إذا حكمنا بمقتضى القياس عند ~~ظننا به، فحكمنا به يكون معلوم الوجوب لنا بالاجماع، لا أنه غير معلوم. # الثاني: أنه يجب حمل الآيتين على النهي عن القول بما ليس بمعلوم على ما ~~تعبدنا فيه بالعلم، جمعا بينهما، وبين ما ذكرناه من الأدلة. # الثالث: أن الآيتين حجة على الخصوم في القول بإبطال القياس، إذا هو غير ~~معلوم لهم لكون المسألة غير علمية، فكانت مشتركة الدلالة. # وبمثل هذه الأجوبة يكون الجواب عن قوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا) * (يونس: 36) وقوله: * (إن بعض الظن إثم) * (الحجرات: 12). # وأما قوله تعالى: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) فنحن ~~نقول بموجبه، فإن من حكم بما هو مستنبط من المنزل، فقد حكم بالمنزل، كيف ~~وأن ذلك خطاب مع الرسول، ولا يلزم من امتناع ذلك في حق الرسول، لامكان ~~تعرفه أحكام الوقائع بالوحي، امتناع ذلك في حق غيره. # وقوله تعالى: * (وما ms783 اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10) ~~وقوله: * (فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) غير مانع من القياس، لان ~~العمل بالمستنبط من قول الله وقول الرسول حكم من الله ورد إليه وإلى ~~الرسول. # وأما من قال بإبطال القياس، فلم يعمل بقول الله وقول الرسول، ولا بما ~~استنبط منهما، فكان ذلك حجة عليه لا له. # وقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38) PageV04P054 # وقوله: * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (الانعام: 38) فالمراد ~~به أن الكتاب بيان لكل شئ، إما بدلائل ألفاظه من غير واسطة، وإما بواسطة ~~الاستنباط منه، أو دلالته على السنة والاجماع الدالين على اعتبار القياس، ~~فالعمل بالقياس يكون عملا بما بينه الكتاب لا أنه خارج عنه، كيف وإنه مخصوص ~~بالاجماع، فإنا نعلم عدم اشتماله على تعريف العلوم الرياضية من الهندسية ~~والحسابية، بل وكثير من الأحكام الشرعية، كمسائل الجد والاخوة، وأنت علي ~~حرام، والمفوضة، ومسائل العول ونحوه. وعند ذلك فيجب حمله على أن ما اشتمل ~~عليه الكتاب من الاحكام المبينة به لا تفريط فيها، حذرا من مخالفة عموم ~~اللفظ. # وأما ما ذكروه من السنة في ذم الرأي فيجب حمله على الرأي الباطل، كما ~~ذكرناه، جمعا بين الأدلة. # المسألة الثالثة إذا نص الشارع على علة الحكم، هل يكفي ذلك في تعدية ~~الحكم بها إلى غير محل الحكم المنصوص، دون ورود التعبد بالقياس بها؟ ~~اختلفوا فيه: # فقال أبو إسحاق الأسفرايني وأكثر أصحاب الشافعي وجعفر بن مبشر وجعفر بن ~~حرب وبعض أهل الظاهر: لا يكفي ذلك. # وقال أحمد بن حنبل والنظام والقاشاني والنهرواني وأبو بكر الرازي من ~~أصحاب أبي حنيفة والكرخي: يكفي ذلك في إثبات الحكم بها أين وجدت، وإن لم ~~يتعبد بالقياس بها. # وقال أبو عبد الله البصري: إن كانت العلة المنصوص عليها علة للتحريم وترك ~~الفعل كان التنصيص عليها كافيا في تحريم الفعل بها أين وجدت، وإن كانت علة ~~لوجوب الفعل أو ندبه، لم يكن ذلك كافيا في إيجاب الفعل بها ولا في ندبه أين ~~وجدت دون ورود ms784 التعبد بالقياس، لان من تصدق على فقير لفقره بدرهم، لا يجب ~~أن يتصدق على كل فقير، ومن أكل شيئا من السكر، لأنه حلو PageV04P055 # لا يجب عليه أن يأكل كل سكر، وهذا بخلاف من ترك أكل رمانة لحموضتها، فإنه ~~يجب عليه أن يترك كل رمانة حامضة. # والمختار هو القول الأول لأنه إذا قال الشارع: حرمت الخمر، لأنه مسكر، ~~ولم يرد التعبد بإثبات التحريم بالمسكر في غير الخمر، فالقضاء بالتحريم في ~~غير الخمر كالنبيذ، إما أن يكون ذلك لان اللفظ اقتضى بعمومه تحريم كل مسكر، ~~وأن قوله: # حرمت الخمر لأنه مسكر، نازل منزلة قوله: حرمت كل مسكر، كما قاله النظام ~~ومن قال بمقالته، وإما لوجود العلة في غير الخمر لعدم إمكان قسم ثالث. # فإن كان الأول، فهو ممتنع من حيث إن قوله: حرمت الخمر لاسكاره، لا دلالة ~~له من جهة اللغة على تحريم كل مسكر، كدلالة قوله: حرمت كل مسكر، ولهذا فإنه ~~لو قال: أعتقت عبيدي السودان، عتق كل عبد أسود له، ولو قال: أعتقت سالما ~~لسواده، فإنه لا يعتق كل عبد له أسود، وإن كان أشد سوادا من سالم ، وكذلك ~~إذا قال لوكيله: بع سالما لسوء خلقه، لم يكن له التصرف في غيره من العبيد ~~بالبيع، وإن كان أسوأ خلقا من سالم. # وإن كان الثاني فهو ممتنع لوجهين: # الأول أنه لو كان وجود ما نص على عليته كافيا في إثبات الحكم أينما وجدت ~~العلة دون التعبد بالقياس، للزم من قوله: أعتقت سالما لسواده، عتق غانم، ~~إذا كان مشاركا له في السواد، وهو ممتنع. # الثاني أنه من الجائز أن يكون ما وقع التنصيص، عليه هو عموم الاسكار، ومن ~~الجائز أن يكون خصوص إسكار الخمر، لما علم الله فيه من المفسدة الخاصة به، ~~التي لا وجود لها في غير الخمر. وإذا احتمل واحتمل فالتعدية به تكون ~~ممتنعة، إلا أن يرد التعبد بالتعدية. # فإن قيل: لم قلتم إن اللفظ لا يقتضي بعمومه تحريم كل مسكر، وقوله: # أعتقت عبدي سالما لسواده، دال على عتق غانم ms785 أيضا، إذا كان أسود ولهذا فإن ~~أهل اللسان وكل عاقل يناقضه في ذلك عند عدم إعتاقه، ويقول له: فغانم أيضا ~~أسود، فلم خصصت سالما بالعتق؟ PageV04P056 # وكذلك القول في قوله لوكيله: بع سالما لسواده. # هذا بالنظر إلى المفهوم من اللفظة لغة، وحيث لم يقع العتق بغير سالم، ولا ~~جاز بيعه شرعا، فإنما كان لان اللفظ وإن كان له على ذلك دلالة، لكنها غير ~~صريحة، فالشارع قيد التصرف في أملاك العبيد بصريح القول، نظرا لهم في عاقبة ~~الامر، لجواز طرو الندم والبداء عليهم، بخلاف تصرف الشارع في الأحكام ~~الشرعية. # ولهذا، فإنه لو قال الشارع: حرمت الخمر لاسكاره، وقيسوا عليه كل مسكر، ~~لزم منه تحريم كل مسكر. ولو قال لوكيله: بع سالما لسواده، وقس عليه كل ~~أسود، فإنه لا ينفذ تصرفه بذلك. # وإن سلمنا أنه لا عموم في اللفظ، ولكن لم قلتم إنه يمتنع إثبات الحكم ~~لوجود العلة؟ # وما ذكرتموه من الوجه الأول، فالعذر عنه ما ذكرناه من تقييد الشارع ~~التصرف في أملاك العبيد بصريح القول دون غيره وما ذكرتموه من الوجه الثاني، ~~فغير صحيح لستة أوجه: # الأول: أن العرف شاهد بأن الأب إذا قال لولده: لا تأكل هذا، فإنه مسموم، ~~وكل هذا، لأنه غذاء نافع، فإنه يفهم منه المنع من أكل كل طعام مسموم، وجواز ~~أكل كل غذاء نافع، ولو أمكن أن يكون لخصوص الإضافة تأثير، أو احتمل أن تكون ~~داخلة في التعليل، لما تبادر إلى الفهم التعميم من ذلك، والأصل تنزيل ~~التصرفات الشرعية على وفق التصرفات العرفية. # الثاني: أن الغالب من العلة المنصوص عليها أن تكون مناسبة للحكم حتى تخرج ~~عن التعبد، ولا مناسبة في خصوص إضافة الاسكار إلى الخمر، بل المناسبة في ~~كونه مسكرا لا غير. # الثالث: أنه لو لم يكن الوصف المنصوص عليه علة بعمومه، بحيث يثبت به ~~الحكم في موضع آخر، بل العلة خصوص إضافة ذلك الوصف إلى محله، لم يكن ~~للتنصيص عليه فائدة، وذلك لان اختصاص الخمر بوصف الاسكار ملازم له غير ~~مفارق، فكان يكفيه أن يقول: ms786 حرمت الخمر، لا غير. # الرابع: أن أخذ خصوص إضافة الوصف المنصوص على عليته في التعليل، على خلاف ~~الظاهر في جميع التعاليل، ولهذا فإن عقلاء العرب ما نطقوا بعلة إلا وطردوها ~~PageV04P057 # في غير المحل الذي أضافوها إليه، ولهذا فإنهم إذا قالوا: اضرب هذا الأسود ~~لكونه سارقا، فإنهم يلغون خصوص إضافة السرقة إلى الأسود، حتى إن السرقة لو ~~وجدت من أبيض كانت مقتضية لضربه. # الخامس: أنه لو أمكن أخذ خصوص إضافة الصفة إلى محلها في التعليل، لما صح ~~قياس أصلا. وذلك ممتنع. # السادس: أنه إذا قال الشارع: حرمت التأفيف للوالدين، فإنه يفهم منه كل ~~عاقل تحريم ضربهما لما كان الشارع موميا إلى العلة، وهي كف الأذى عنهما، ~~فإذا صرح بالعلة ونص عليها، كان ذلك أولى بالتعدية، ولو كان لخصوص الأذى ~~بالتأفيف مدخل في التعليل، لما فهم تحريم الضرب. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع التعدية فيما إذا قال: حرمت الخمر ~~لكونها مسكرة، لكنه غير مطرد، فيما إذا قال: علة تحريم الخمر الاسكار، حيث ~~إنه لا إضافة. # والجواب: قولهم: لم قلتم إن اللفظ بعمومه لا يقتضي ذلك قلنا: لما ذكرناه. # قولهم: إن قوله: أعتقت سالما لسواده، مقتض بلفظه عتق غيره من العبيد ~~السودان، غير صحيح، فإن اللفظ الدال على العتق إنما هو قوله: أعتقت سالما، ~~وذلك لا دلالة له على غيره. وإن قيل إنه يدل عليه من جهة التعليل، فهو عود ~~إلى الوجه الثاني. # قولهم إن العقلاء يناقضونه في ذلك بغانم. # قلنا: ليس ذلك بناء على عموم لفظ العتق لهما، وإنما ذلك منهم طلبا لفائدة ~~التخصيص لسالم بالعتق، مع ظنهم عموم العلة التي علل بها. وإذا بطل القول ~~بتعميم اللفظ، فالعتق يكون منتفيا في غانم لعدم دلالة اللفظ على عتقه، لا ~~لما ذكروه، PageV04P058 # كيف وإنه يجب اعتقاد ذلك حتى لا يلزم منه نفي العتق مع وجود دليله في حق ~~غانم، لأنه لو دل اللفظ عليه، لكان الأصل اعتبار لفظه في مدلوله نظرا إلى ~~تحصيل مصلحة العاقل، التي دل لفظه عليها. # قولهم إنه لو ms787 قال لوكيله: بع سالما لسواده، وقس عليه كل أسود من عبيدي، ~~لا ينفذ تصرفه في غير سالم. لا نسلم ذلك، فإنه لو قال له: مهما ظهر لك من ~~إرادتي ورضائي بشئ بالاستدلال دون صريح المقال، فافعله، فله فعله. فإذا قال ~~له: # أعتق سالما لسواده، وقس عليه غيره، فإذا ظهر أن العلة السواد الجامع بين ~~سالم وغانم، وأنه لا فارق بينهما، فقد ظهر له إرادته لعتق غانم، فكان له ~~عتقه. # قولهم: لم قلتم بامتناع الحكم لوجود العلة؟ # قلنا: لما ذكرناه من الوجهين، وما ذكروه على الوجه الأول، فإنما يصح أن ~~لو كان ما ذكروه من العلة موجبا للحكم في غير محل النص، ويجب اعتقاد انتفاء ~~الحكم لانتفاء العلة، حذرا من التعارض، فإنه على خلاف الأصل. # والجواب عما ذكروه على الوجه الثاني من الاشكال الأول، أنا إنما قضينا ~~فيما ذكروه، بالتعميم، نظرا إلى قرينة حال الآباء مع الأبناء، وأنهم لا ~~يفرقون في حقهم بين سم وسم، وغذاء نافع وما في معناه من الأغذية النافعة، ~~وهذا بخلاف ما إذا حرم الله شيئا أو أوجبه، فإن العادة الشرعية مطردة ~~بإباحة مثل ما حرم، وتحريم مثل ما أوجب، حتى أنه يوجب الصوم في نهار رمضان، ~~ويحرمه في يوم العيد، ويبيح شرب الخمر في زمان، ويحرمه في زمان، ويوجب ~~الغسل من بول الصبية والرش من بول الغلام، ويوجب الغسل من المني دون البول ~~والمذي، مع اتحاد مخرجهما، ويوجب الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، ويبيح ~~النظر إلى وجه الرقيقة الحسناء، دون الحرة العجوز الشوهاء، إلى غير ذلك، ~~مما ذكرناه فيما تقدم من التفرقة بين المتماثلات، وعلى عكسه الجمع بين ~~المختلفات، PageV04P059 # وذلك لما علمه الله تعالى من اختصاص أحد المثلين بمصلحة مقارنة لزمانه، ~~لا وجود لها في مثله، إذ ليست المصالح والمفاسد من الأمور التابعة لذوات ~~الأوصاف وطباعها، حتى تكون لازمة لها، بل ذلك مختلف باختلاف الأوقات. هذا ~~كله إن قلنا بوجوب رعاية المصالح، وإلا فلله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد. # وعن الاشكال الثاني، أن النظر ms788 في التعليل إلى مناسبة القدر المشترك، ~~وإلغاء ما به الافتراق من الخصوصية، إما أن يكون دالا على وجوب الاشتراك ~~بين الأصل والفرع، أو لا يكون موجبا له: فإن كان موجبا فهو دليل التعبد ~~بالقياس، والتنصيص على العلة دونه لا يكون كافيا في تعدية الحكم، وهو ~~المطلوب، وإن لم يكن موجبا للتعدية، فلا أثر لايراده. # وعن الاشكال الثالث: بأن فائدة التنصيص على العلة أن تعلم، حتى يكون ~~الحكم معقول المعنى، إن كان الوصف مناسبا للحكم، فإنه يكون أسرع في ~~الانقياد PageV04P060 # وأدعى إلى القبول، وأن ينتفي الحكم في محل التنصيص عند انتفائها، ولمثل ~~هذه الفائدة يكون التنصيص على الوصف، وإن لم يكن مناسبا للحكم. # وعن الاشكال الرابع: ما ذكرناه في حل الاشكال الأول. # وعن الاشكال الخامس: أنه لا يلزم من إمكان أخذ خصوص المحل في التعليل ~~إبطال القياس، لجواز أن يقوم الدليل على إبطال أخذه في التعليل في آحاد ~~الصور ومهما لم يقم الدليل على ذلك، فالقياس يكون متعذرا. # وعن السادس: أنه إنما فهم تحريم ضرب الوالدين من تحريم التأفيف لهما، ~~نظرا إلى القرينة الدالة على ذلك من إنشاء الكلام وسياقه، لقصد إكرام ~~الوالدين، ودفع الأذى عنهما. # ولا يخفى أن اقتضاء ذلك لتحريم الضرب أشد منه لتحريم التأفيف، ولذلك كان ~~سابقا إلى الفهم من تحريم التأفيف، والتنبيه بالأدنى على الاعلى. # أما أن يكون ذلك مستفادا من نفس اللفظ والتنصيص على العلة بمجرده، فلا. # وعن الاشكال الأخير أنه مهما قال: جعلت شرب المسكر علة للتحريم، فالحكم ~~يكون ثابتا في كل صورة وجد فيها شرب المسكر بالعلة المنصوص عليها بجهة ~~العموم، حتى في الخمر، وذلك من باب الاستدلال، لا من باب القياس، فإنه ليس ~~قياس بعض المسكر هاهنا على البعض، أولى من العكس، لتساوي نسبة العلة ~~المنصوصة إلى الكل، ولا كذلك فيما نحن فيه . وعلى هذا فلا معنى لما ذكره ~~أبو عبد الله البصري من التفصيل بين الفعل والترك، وذلك لأنه لا مانع ولا ~~بعد في تحريم الخمر لشدة الخمر خاصة، دون غيره من ms789 المسكرات، ولعلم الله ~~باختصاصه بالحكمة الداعية إلى التحريم، وأن يشرك بين المتماثلات في إيجاب ~~الفعل، أو تركه، أو ندبه، لعلمه باشتراكها في الحكمة الداعية إلى الايجاب ~~والندب. # وأما من أكل سكرا، فلم يأكله لمجرد حلاوته، بل لحلاوته وصدق شهوته عند ~~فراغ معدته، فإذا زالت الشهوة بالاكل، وامتلأت المعدة، وتبدلت الحالة ~~الأولى إلى مقابلها، امتنع لزوم الاكل لكل سكر مرة بعد مرة، حتى إنه لو لم ~~تتبدل الحال، لعم ذلك كل سكر وحلو. PageV04P061 # المسألة الرابعة مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر الناس جواز إثبات ~~الحدود والكفارات بالقياس، خلافا لأصحاب أبي حنيفة. # ودليل ذلك النص، والاجماع، والمعقول. # أما النص فتقرير النبي (ص)، لمعاذ في قوله اجتهد رأيي مطلقا من غير تفصيل ~~وهو دليل الجواز، وإلا لوجب التفصيل، لأنه في مظنة الحاجة إليه، وتأخير ~~البيان عن وقت الحاجة ممتنع. # وأما الاجماع فهو أن الصحابة لما اشتوروا في حد شارب الخمر، قال علي رضي ~~الله عنه: (إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد ~~المفتري). # قاسه على حد المفتري، ولم ينقل عن أحد من الصحابة في ذلك نكير، فكان ~~إجماعا. # وأما المعقول، فهو أنه مغلب على الظن، فجاز إثبات الحد والكفارة به ~~لقوله، عليه السلام: نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر وقياسا على خبر ~~الواحد. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الدلائل ظنية، والمسألة أصولية قطعية، فلا يسوغ ~~التمسك بالظن فيها - سلمنا دلالة ما ذكرتموه على المطلوب، ولكنه معارض بما ~~يدل على عدمه، وذلك من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الحدود والكفارات من الأمور المقدرة التي لا يمكن تعقل المعنى ~~الموجب تقديرها، والقياس فرع تعقل علة حكم الأصل، فما لا تعقل له من ~~الاحكام علة، فالقياس فيه متعذر، كما في أعداد الركعات وأنصبة الزكاة ~~ونحوها. # الثاني: أن الحدود عقوبات، وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، والقياس ~~PageV04P062 # مما يدخله احتمال الخطأ، وذلك شبهة، والعقوبات مما تدرأ بالشبهات، لقوله، ~~عليه السلام ادرؤوا الحدود بالشبهات. # الثالث: أن الشارع قد أوجب حد القطع بالسرقة، ولم يوجبه بمكاتبة ms790 الكفار، ~~مع أنه أولى بالقطع، وأوجب الكفارة بالظهار لكونه منكرا وزورا ولم يوجبها ~~في الردة، مع أنها أشد في المنكر وقول الزور، فحيث لم يوجب ذلك فيما هو ~~أولى، دل على امتناع جريان القياس فيه. # والجواب عن الأول: لا نسلم أن المسألة قطعية. # وعن المعارضة الأولى أن الحكم المعدى من الأصل إلى الفرع إنما هو وجوب ~~الحد والكفارة من حيث هو وجوب، وذلك معقول بما علم في مسائل الخلاف، لا أنه ~~مجهول. # وعن الثانية: لا نسلم احتمال الخطأ في القياس على قولنا إن كل مجتهد ~~مصيب، وإن سلمنا احتمال الخطأ فيه، لكن لا نسلم أن ذلك يكون شبهة مع ظهور ~~الظن الغالب، بدليل جواز إثبات الحدود والكفارات بخبر الواحد، مع احتمال ~~الخطأ فيه لما كان الظن فيه غالبا. # وعن الثالثة من وجهين: # الأول أن غاية ما يقدر أن الشارع قد منع من إجراء القياس في بعض صور وجوب ~~الحد والكفارة، وذلك لا يدل على المنع مطلقا، بل يجب اعتقاد اختصاص تلك ~~الصور بمعنى لا وجود له في غيرها، تقليلا لمخالفة ما ذكرناه من الأدلة. ~~PageV04P063 # الثاني، الفرق. وذلك: أما بين السرقة ومكاتبة الكفار فلان داعية الأراذل، ~~وهم الأكثرون، متحققة بالنسبة إليها، فلولا شرع القطع، لكانت مفسدة السرقة، ~~مما تقع غالبا، ولا كذلك في مكاتبة الكفار. # وأما بين الظهار والردة، فهو أن الحاجة إلى شرع الكفارة في الردة دون ~~الحاجة إلى شرعها في الظهار، وذلك لما ترتب على الردة من شرع القتل الوازع ~~عنها بخلاف الظهار، وربما أورد الأصحاب مناقضة على أصحاب أبي حنيفة في ~~منعهم من إيجاب الكفارة بالقياس، بإيجاب الكفارة بالاكل والشر ب في نهار ~~رمضان، بالقياس على المجامع، وهو غير لازم على من قال منهم بذلك، وذلك لان ~~العلة عندهم في حق المجامع لايجاب الكفارة مومى إليها في قصة الأعرابي، وهي ~~عموم الافساد، فالحكم في الأكل والشرب يكون ثابتا بالاستدلال، أي بعلة مومى ~~إليها، لا بالقياس، وذلك لان القياس لا بد فيه من النظر إلى حكم الأصل، إذ ~~هو ms791 أحد أركان القياس، لضرورة اعتبار العلة الجامعة والعلة إذا كانت منصوصة ~~أو مومى إليها، فقد ثبت اعتبارها بالنص، لا بحكم الأصل، ومهما كان الحكم في ~~الأصل غير ملتفت إليه في اعتبار العلة، لاستقلال النص باعتبارها، فلا يكون ~~الحكم في الفرع ثابتا بالقياس، لان العمل بالقياس لا بد فيه من النظر إلى ~~حكم لأصل. وقد قيل إنه لا نظر إليه، بل غايته أن النص قد دل في الوقاع على ~~الحكم وعلى العلة، فالحكم في الفرع إذا كان ثابتا بالعلة المنصوصة، لا يكون ~~حكما بالقياس ولا بالنص، لعدم دلالة النص عليه، وإن دل على العلة ولا ~~إجماع، لوقوع الخلاف فيه، وما كان ثابتا لا بنص ولا إجماع ولا قياس، فالذي ~~ثبت به هو المعبر عنه بالاستدلال. PageV04P064 # المسألة الخامسة ذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى جواز إجراء القياس في ~~الأسباب، ومنع من ذلك أبو زيد الدبوسي وأصحاب أبي حنيفة، وهو المختار. # وصورته إثبات كون اللواط سببا للحد، بالقياس على الزنا . ودليل ذلك أن ~~الحكمة وهي كونه إيلاج فرج في فرج محرم مشتهى طبعا التي يكون الوصف سببا ~~بها، وهي الحكمة التي لأجلها يكون الحكم المرتب على الوصف ثابتا، وعند ذلك ~~فقياس أحد الوصفين على الآخر في حكم السببية لا بد وأن يكون لاشتراكهما في ~~حكمة الحكم بالسببية. # وتلك الحكمة إما أن تكون منضبطة بنفسها ظاهرة جلية غير مضطربة، وإما أن ~~تكون خفية مضطربة. # فإن كان الأول، فلا يخلو إما أن يقال بأن الحكمة إذا كانت منضبطة بنفسها ~~يصح تعليل الحكم بها أو لا يصح؟ إذ الاختلاف في ذلك واقع: فإن قيل بالأول ~~كانت مستقلة بإثبات الحكم (وهو الحد) المرتب على الوصف، ولا حاجة إلى الوصف ~~المحكوم عليه بكونه سببا، للاستغناء عنه وإن كان الثاني، فقد امتنع التعليل ~~والجمع بين الأصل والفرع بها. # وأما إن كانت خفية مضطربة، فإما أن تكون مضبوطة بضابط أو لا، فإن كانت ~~مضبوطة بضابط فذلك الضابط لها، هو السبب، وهو القدر المشترك بين الأصل ~~والفرع، ولا حاجة إلى النظر إلى ms792 خصوص كل واحد من الوصفين المختلفين، وهما ~~الزنى واللواط هنا المقتضي على أحدهما بالأصالة، والآخر بالفرعية. # وإن لم تكن مضبوطة بضابط، فالجمع بها يكون ممتنعا إجماعا، لاحتمال ~~التفاوت فيها بين الأصل والفرع، فإن الحكم مما يختلف باختلاف الصور ~~والأشخاص والأزمان والأحوال. # فإن قيل: ما المانع أن يكون الوصف الجامع بينهما هو الحكمة؟ وما ذكرتموه ~~من كون الحكمة إذا كانت خفية مضطربة يمتنع الجمع بها، لاحتمال التفاوت ~~فيها. PageV04P065 # قلنا: احتمال التفاوت وإن كان قائما، غير أن احتمال التساوي راجح، وذلك ~~لأنه يحتمل أن تكون الحكمة التي في الفرع مساوية لما في الأصل، ويحتمل أن ~~تكون راجحة، ويحتمل أن تكون مرجوحة وعلى التقديرين الأولين، فالمساواة ~~حاصلة، وزيادة على التقدير الثاني منهما وإنما تكون مرجوحة على التقدير ~~الثالث، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب وقوعا ~~من احتمال واحد بعينه، فكان الجمع أولى، ثم كيف وقد جعلتم القتل بالمثقل ~~سببا لوجوب القصاص، بالقياس على القتل بالمحدد، وجعلتم اللواط سببا للحد، ~~بالقياس على الزنى، وجعلتم النية في الوضوء شرطا لصحة الصلاة، بالقياس على ~~نية التيمم. # والجواب: أما ما ذكروه من دليل ظهور التساوي في الحكمة، فلا يخلو إما أن ~~يكون ذلك كافيا في الجمع، أو لا يكون كافيا: # فإن كان كافيا، فليجمع بين الأصل والفرع في الحكم المرتب على السبب، ولا ~~حاجة إلى الجمع بالسبب، وإن لم يكن ذلك كافيا، فهو المطلوب. # وما ذكروه من الالزامات، فلا وجه لها. # أما قياس القتل بالثقل على المحدد، فلم يكن ذلك في السببية، وإنما ذلك في ~~إيجاب القصاص بجامع القتل العمد العدوان، وهو السبب لا غير. # وأما قياس اللواط على الزنى، فإنما كان ذلك في وجوب الحد بجامع إيلاج فرج ~~في فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا، وذلك هو السبب، مع قطع النظر عن خصوصية ~~الزنى واللواط. # وأما قياس الضوء على التيمم فإنما هو في اعتبار النية بجامع الطهارة ~~المقصودة للصلاة، وذلك هو السبب، لا أن القياس في الاشتراط. # وعلى هذا النحو كل ما ms793 يرد من هذا القبيل. PageV04P066 # المسألة السادسة اختلفوا في جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية: # فأثبته بعض الشذوذ، مصيرا منه إلى أن جميع الأحكام الشرعية من جنس واحد، ~~ولهذا تدخل جميعها تحت حد واحد، وهو حد الحكم الشرعي، وتشترك فيه، وقد جاز ~~على بعضها أن يكون ثابتا بالقياس، وما جاز على بعض المتماثلات، كان جائزا ~~على الباقي، وهو غير صحيح. وذلك أنه وإن دخلت جميع الأحكام الشرعية تحت حد ~~الحكم الشرعي، وكان الحكم الشرعي من حيث هو حكم شرعي جنسا لها، غير أنها ~~متنوعة ومتمايزة بأمور موجبة لتنوعها. # وعلى هذا، فلا مانع أن يكون ما جاز على بعضها وثبت له، أن يكون ذلك له ~~باعتبار خصوصيته وتعينه، لا باعتبار ما به الاشتراك وهو عام لها. # كيف وإن ذلك مما يمتنع لثلاثة أوجه. # الأول: أنا قد بينا امتناع إجراء القياس في الأسباب والشروط، وبينا أن ~~حكم الشارع على الوصف بكونه سببا وشرطا حكم شرعي. # الثاني: أن ذلك مما يفضي إلى أمر ممتنع، فكان ممتنعا، وبيان لزوم ذلك أن ~~كل قياس لا بد له من أصل يستند إليه، على ما علم، فلو كان كل حكم يثبت ~~بالقياس، لكان حكم أصل القياس ثابتا بالقياس، وكذلك حكم أصل أصله، فإن ~~تسلسل الامر إلى غير النهاية امتنع وجود قياس ما، لتوقفه على أصول لا نهاية ~~لها، وإن انتهى إلى أصل لا يتوقف على القياس على أصل آخر، فهو خلاف الفرض. # الثالث: أن من الاحكام ما ثبت غير معقول المعنى، كضرب الدية على العاقلة ~~ونحوه، وما كان كذلك، فإجراء القياس فيه متعذر، وذلك لان القياس فرع تعقل ~~علة حكم الأصل وتعديتها إلى الفرع، فما لا يعقل له علة، فإثباته بالقياس ~~يكون ممتنعا. PageV04P067 # خاتمة لهذا الباب القياس مأمور به لقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي ~~الابصار) * (الحشر: 2) كما سبق تقريره وهو منقسم إلى واجب، ومندوب. # والواجب: منه منقسم إلى ما هو واجب على بعض الأعيان، وذلك في حق كل من ~~نزلت به نازلة من القضاة والمجتهدين، ولا يقوم ms794 غيره فيها مقامه مع ضيق ~~الوقت، وإلى ما هو واجب على الكفاية، وذلك بأن يكون كل واحد من المجتهدين ~~يقوم مقام غيره في تعريف حكم ما حدث من الواقعة بالقياس. # وأما المندوب، وهو القياس فيما يجوز حدوثه من الوقائع، ولم يحدث بعد، فإن ~~المكلف قد يندب إليه ليكون حكمه معدا لوقت الحاجة، وهل يوصف القياس بكونه ~~دينا لله تعالى، فذلك مما وصفه به القاضي عبد الجبار مطلقا، ومنع منه أبو ~~الهذيل، وفصل الجبائي بين الواجب والمندوب منه فوصف الواجب بذلك دون ~~المندوب. # والمختار أن يقال: إن عني بالدين ما كان من الاحكام المقصودة بحكم ~~الأصالة، كوجوب الفعل وحرمته ونحوه، فالقياس واعتباره ليس بدين، فإنه غير ~~مقصود لنفسه، بل لغيره. وإن عني بالدين ما تعبدنا به، كان مقصودا أصليا أو ~~تابعا، فالقياس من الدين لأنا متعبدون به على ما سبق. وبالجملة فالمسألة ~~لفظية PageV04P068 # الباب الخامس في الاعتراضات الواردة على القياس وجهات الانفصال عنها. # أما الاعتراضات الواردة على قياس العلة فخمسة وعشرون اعتراضا. # الاعتراض الأول - الاستفسار وهو طلب شرح دلالة اللفظ المذكور، وإنما يحسن ~~ذلك إذا كان اللفظ مجمل مترددا بين محامل على السوية، أو غريبا لا يعرفه ~~السامع المخاطب، فعلى السائل بيان كونه مجملا أو غريبا لان الاستفسار عن ~~الواضح عناد أو جهل. # ولهذا قال القاضي أبو بكر: ما ثبت فيه الاستبهام، صح عنه الاستفهام، ~~ولذلك وجب أن يكون سؤال الاستفسار أولا، وما سواه متأخرا عنه، لكونه فرعا ~~على فهم معنى اللفظ: وصيغه متعددة: PageV04P069 # فمنها (الهمزة)، كقوله أعندك زيد؟ وهي الأصل في الاستفسار، إذ لا ترد ~~لغيره، بخلاف غيرها من الأسئلة، فإنها قد ترد لغير الاستفهام. # فمن ذلك (هل) وهي تلي الهمزة في الرتبة، إذ هي أصل في الاستفهام، كقولك ~~هل زيد موجود؟ ولكنها قد ترد نادرا للتأكيد، كقوله تعالى: # * (هل أتى على الانسان حين من الدهر) * (الانسان: 1) والمراد به: قد أتى. # ومن ذلك (ما) فإنها قد ترد بمعنى الاستفهام، كقولك ما عندك؟ # ولكنها قد ترد للنفي، كقولك ما رأيت أحدا ms795 وللتعجب، كقولك ما أحسن زيدا ~~إلى معان أخر، ولذلك، كانت متأخرة في الرتبة عن (هل). # ومن ذلك (من) وهي قد ترد بمعنى الاستفهام، كقولك من عندك؟ # وقد ترد بمعنى الشرط والجزاء، كقوله عليه السلام من دخل دار أبي سفيان، ~~فهو آمن وقد ترد بمعنى الخبر، كقولك جاءني من أحبه وهي مختصة بمن يعقل، دون ~~ما لا يعقل، وهي متأخرة في الرتبة عن (ما) لان (ما) قد ترد لما لا يعقل ~~ولمن يعقل كقوله تعالى: * (والسماء وما بناها) * أي: ومن بناها. # ومن ذلك (أين) وهي سؤال عن المكان. و (متى) عن الزمان. # و (كيف) عن الكيفية. و (كم) عن الكمية. و (أي) عن التمييز. # والهمزة تقوم مقام الكل في السؤال. # وإذا ثبت أن شرط قبول الاستفسار كون اللفظ مجملا أو غريبا، فيجب على ~~السائل بيان ذلك لصحة سؤاله. # فإن قيل: لا خفاء بأن ظهور الدليل شرط في صحة الدليل، كما سبق، وإنما يتم ~~الظهور، أن لو لم يكن اللفظ مجملا، فنفي الاجمال إذا شرط في الدليل، وبيان ~~شرط الدليل على المستدل لا على المعترض. # قلنا: ظهور الدليل، وإن كان متوقفا على نفي الاجمال، غير أن الأصل عدم ~~الاجمال. PageV04P070 # وسؤال الاستفسار يستدعي الاجمال المخالف للأصل، فكان بيانه على المستفهم، ~~ولا تقبل منه دعوى الاجمال بجهة الاشتراك أو الغرابة، بناء على أنه لم يفهم ~~منه شيئا فيما كان ظاهرا مشهورا في ألسنة أهل اللغة والشرع، لانتسابه إلى ~~العناد، لعدم خفائه عليه في الغالب، لكن إن بين الاجمال بجهة الغرابة ~~بطريقة أو بجهة الاشتراك بسبب تردده بين احتمالين، كفاه ذلك من غير احتياج ~~إلى بيان التسوية بينهما، لان الأصل عدم الترجيح، ولعدم قدرته على بيان ~~التسوية وقدرة المستدل على الترجيح، وطريق المستدل في جواب دفع الاجمال ~~بجهة الغرابة، التفسير إن عجز عن إبطال غرابته، وفي جواب دفع الاجمال بجهة ~~الاشتراك، منع تعدد محامل اللفظ إن أمكن، أو بيان الظهور في أحد ~~الاحتمالين، وله فيه طريق تفصيلي بالنقل عن أهل الوضع أو الشرع أو ببيان ms796 ~~أنه مشهور فيه، والشهرة دليل الظهور والحقيقة غالبا، وطريق إجمالي، وهو أن ~~يقول: الاجمال على خلاف الأصل لاخلاله بالتفاهم، فيجب اعتقاد ظهوره في أحد ~~الاحتمالين نفيا للاجمال عن الكلام، وهو وإن لزم منه التجوز في أحدهما، وهو ~~خلاف الأصل أيضا، غير أن محذور الاشتراك أعظم من محذور التجوز، كما سبق ~~تقريره. # وإن تعذر عليه بيان ذلك فقد يقدر على دفع الاجمال أيضا بدعوى كون اللفظ ~~متواطئا فيهما لموافقته لنفي الاجمال والتجوز، أو أن يفسر لفظه بما أراد ~~منهما. PageV04P071 # الاعتراض الثاني فساد الاعتبار ومعناه أن ما ذكرته من القياس لا يمكن ~~اعتباره في بناء الحكم عليه، لا لفساد في وضع القياس وتركيبه، وذلك كما إذا ~~كان القياس مخالفا للنص، فهو فاسد الاعتبار لعدم صحة الاحتجاج به مع النص ~~المخالف له. وقد مثل ذلك أيضا بقياس الكافر على المسلم في صحة الظهارة، ~~وبقياس الحي على الميت في المضمضة وقياس الصبي على البالغ في إيجاب الزكاة، ~~من جهة الظهور الفرق بين الأصل والفرع. وعلى هذا النحو كل قياس ظهر الفارق ~~في بين الأصل والفرع. وأقرب هذه الأمثلة إنما هو المثال الأول: لأنه مهما ~~ثبت أن القياس مخالف للنص، كان باطلا لما سبق تقريره. # وأما باقي الأمثلة، فحاصلها يرجع إلى إبداء الفرق بين الأصل والفرع، وهو ~~سؤال آخر غير سؤال فساد الاعتبار، وسيأتي الكلام عليه. # وجوابه إما بالطعن في سند النص إن أمكن، أو بمنع الظهور أو التأويل أو ~~القول بالموجب أو المعارضة بنص آخر، ليسلم له القياس، أو أن يبين أن القياس ~~من قبيل ما يجب ترجيحه على النص المعارض له بوجه من وجوه الترجيحات ~~المساعدة له PageV04P072 # . الاعتراض الثالث فساد الوضع واعلم أن صحة وضع القياس أن يكون على هيئة ~~صالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه وفساد الوضع لا يكون على الهيئة ~~الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه. وقد مثله الفقهاء بما تلقي الحكم ~~فيه من مقابله، كتلقي التضييق من التوسيع، والتخفيف من التغليظ، والاثبات ~~من النفي، وبالعكس وأن يكون ما جعله علة ms797 للحكم مشعرا بنقيض الحكم المرتب ~~عليه، وذلك كقولهم في النكاح بلفظ الهبة: لفظ ينعقد به غير النكاح، فلا ~~ينعقد به فإنه من حيث إنه ينعقد به غير النكاح يقتضي انعقاد النكاح به، لا ~~عدم الانعقاد، لأن الاعتبار يقتضي الاعتبار، لا عدم الاعتبار. # ومن هذا فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار وليس كل فاسد الاعتبار يكون فاسد ~~الوضع، لان القياس قد يكون صحيح الوضع، وإن كان اعتباره فاسدا بالنظر إلى ~~أمر خارج، كما سبق تقريره. # ولهذا، وجب تقديم سؤال فساد الاعتبار على سؤال فساد الوضع، لان النظر في ~~الأعم يجب أن يتقدم على النظر في الأخص، لكون الأخص مشتملا على ما اشتمل ~~عليه الأعم وزيادة. # وإذا عرف ما قررناه في سؤال فساد الوضع، فلقائل أن يقول: اقتضاء الوصف ~~لنقيض الحكم المرتب عليه: # اما يدعي انه يراد به اقتضاؤه له مناسب نقيض الحكم على ما هو اشعار اللفظ ~~واما اعتبار الوصف في نقض الحكم في صوره كما قاله بعض المتأخرين فان كان ~~الأول فاما أن يدعي أنه مناسب لنقيض الحكم من الجهة التي تمسك بها المستدل، ~~أو من جهة أخرى، PageV04P073 # فإن كان ذلك من الجهة التي تمسك بها المستدل فيلزم منه أن يكون وصف ~~المستدل غير مناسب لحكمه، ضرورة أن الوصف الواحد لا يناسب حكمين متقابلين ~~من جهة واحدة، ولكن يرجع حاصله إلى القدح في المناسبة وعدم التأثير، لا أنه ~~سؤال آخر. # وإن كان ذلك من جهة أخرى، فلا يمتنع مناسبة وصف المستدل لحكمه من الجهة ~~التي تمسك بها، ويرجع حاصله إلى سؤال الاشتراك في الدلالة وهو حقيقة ~~العارضة لأنه سؤال آخر وان أريد باقتضائه لنقيض الحكم اعتباره في نقيض ~~الحكم فلا يخلوا اما ان يكون معتبرا في نقيض الحكم من الجهة التي تمسك بها ~~المستدل من جهة أخرى فان كان من جهة أخرى فلا يقدح في اعتباره في حكم ~~المستدل من جهته فإنه جاز ان يعتبر الوصف الواحد في حكمين متقابلين يكون من ~~جهتين كالصلاة في الدار المغصوبة وان كان معتبرا في ms798 نقيض الحكم من الجهة ~~التي تمسك بها المستدل فإنه وان منع اعتباره في حكم المستدل ضرورة امتناع ~~اعتباره من جهة واحدة في حمين متقابيلن، غير أن حاصله يرجع إلى سؤال القلب ~~كما يأتي تحقيقه وسواء كان اعتباره في نقيض الحكم متفقا عليه أو ثابتا ~~بالدليل لأنه سؤال آخر وقد يشبه بسؤال النقض من وجه آخر من حيث انا وجدنا ~~العلة في صورة مع انتفاء الحكم لكن مع مزيد وهو كون العلة في صورة النقض هو ~~علة النقض وجوابه من وجهين الأول مع اقتضاء الوصف لنقض الحكم والقدح فيما ~~أبداه المعترض الثاني ان نسلم ذلك ونبين انه يقتضي الحكم الذي قصده من جهة ~~أخرى ثم لا يخلو: إما أن تكون جهة المناسبة لنقيض الحكم معتبرة في صوره، أو ~~غير معتبرة، فإن لم تكن معتبرة، كان ما يبديه المستدل من جهة المناسبة ~~كافيا في دفع السؤال، ضرورة كونها معتبرة، ومناسبة المعترض غير معتبرة. وإن ~~كانت مناسبة المعترض معتبرة، فإن أورد المعترض ما ذكره في معرض المعارضة، ~~فقد انتقل عن سؤاله الأول إلى سؤال المعارضة، ووجب على المستدل الترجيح لما ~~ذكره، ضرورة التساوي في المناسبة والاعتبار، وإن لم يورد ذلك في معرض ~~المعارضة وبقي مصرا على السؤال الأول فلا يحتاج المستدل إلى الترجيح لكونه ~~خاصا بالمعارضة. وهذا من مستحسنات صناعة الجدل، فليتأمل. PageV04P074 # الاعتراض الرابع منع حكم الأصل ولما كان منع حكم الأصل من قبيل النظر في ~~تفصيل القياس، كان متأخرا عما قبله، لكون ما قبله نظرا في القياس من جهة ~~الجملة، لا من جهة التفصيل. # والنظر في الجملة يتقدم على النظر في التفصيل. # ومثاله ما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة مثلا: مائع لا يرفع الحدث، ~~فلا يزيل حكم النجاسة، كالدهن. فقال الحنفي: لا أسلم الحكم في الأصل، فإن ~~الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة. # وقد اختلف الفقهاء في انقطاع المستدل بتوجيه منع حكم الأصل عليه: # فمنهم من قال بانقطاعه، لأنه أنشأ الكلام للدلالة على حكم الفرع، لا على ~~حكم الأصل، فإذا منع حكم ms799 الأصل، فإما أن يشرع في الدلالة عليه، أو لا يشرع: # فإن لم يشرع في الدلالة عليه لم يتم دليله على مقصوده، وهو انقطاع، وإن ~~شرع في الدلالة عليه، فقد ترك ما كان بصدد الدلالة عليه أولا، وعدل عما ~~أنشأه من الدليل على حكم الفرع إلى الدلالة على حكم الأصل، ولا معنى ~~للانقطاع سوى هذا. # ومنهم من قال: لا يكون منقطعا، لأنه إنما أنشأ الدليل على حكم الفرع ~~إنشاء من يحاول تمشيته وتقريره، وبالدلالة على حكم الأصل يحصل هذا المقصود، ~~لا أنه تارك لما شرع فيه أولا، ولا منع من ذلك، فإن الحكم في الفرع، كما ~~يتوقف على وجود علة الأصل في الأصل، وكونها علة فيه، وعلى وجودها في الفرع، ~~يتوقف علي ثبوت حكم الأصل، وكل ذلك من أركان القياس، ولم يمنع أحد من ~~محاولة تقرير القياس عند منع وجود علة الأصل ومنع كونها علة فيه، ومنع ~~وجودها في الفرع من الدلالة على محل المنع، فكذلك حكم الأصل، ضرورة التساوي ~~بين الكل في افتقار صحة القياس إليه. # ومنهم من فصل بين أن يكون المنع خفيا، وبين أن يكون ظاهرا، فحكم بانقطاعه ~~عند ظهور المنع، وبعدم انقطاعه عند خفائه، لظهور عذره. PageV04P075 # وهذا هو اختيار الأستاذ أبي إسحاق الأسفرائيني. # ومنهم من قال: يجب اتباع عرف المكان الذي هو فيه ومصطلح أهله في ذلك. # وهذا هو اختيار الغزالي. # والمختار أنه لا يعد منقطعا إذا دل على موقع المنع، لما قررناه فيما ~~تقدم. # وقد بينا شرط الدلالة على حكم الأصل، في أركان القياس. # وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: لا يفتقر إلى الدلالة على محل المنع، ~~بل له أن يقول: إنما قست على أصلي ولا وجه لذلك، فإنه إن قصد إثبات الحكم ~~على أصل نفسه، فالخصم غير منازع له في ثبوت حكم الفرع على أصله، ولا وجه ~~للمناظرة بينهما في ذلك. وإن قصد إثبات الحكم في الفرع بالنسبة إلى الخصم ~~بحيث يوجب الانقياد إليه، فذلك متعذر مع منع حكم الأصل، وعدم ثبوته ~~بالدلالة. # وإنما يتصور ms800 الاستغناء عن الدلالة على حكم الأصل، إذا كان اللفظ الدال ~~على حكم الأصل عاما، وهو منقسم إلى ممنوع وغير ممنوع، كالدهن، فإنه وإن منع ~~الحكم في الطاهر منه، فهو غير ممنوع في الدهن النجس، وعند ذلك فله أن يقول: ~~إنما قست على الدهن النجس دون الطاهر، وإن كان قياسي عليهما، فغايته القياس ~~على أصلين وقد بطل التمسك بأحدهما، فيبقى التمسك بالآخر. وإذا ذكر الدليل ~~على موقع المنع، فمنهم من حكم بانقطاع المعترض لتبين فساد المنع وتعذر ~~الاعتراض منه على دليل المستدل لافضائه إلى التطويل فيما هو خارج عن ~~المقصود الأصلي في أول النظر. # ومنهم من قال: لا يعد منقطعا، ولا يمنع من الاعتراض على دليل المنع، ولا ~~يكتفي من المستدل بما يدعيه دليلا، وإلا لما كان لقبول المنع معنى، بل ~~الانقطاع إنما يتحقق في حق كل واحد بعجزه عما يحاوله نفيا وإثباتا، وهذا هو ~~المختار. PageV04P076 # الاعتراض الخامس التقسيم وهو في عرف الفقهاء: عبارة عن ترديد اللفظ بين ~~احتمالين، أحدهما ممنوع، والآخر مسلم، غير أن المطالبة متوجهة ببناء الغرض ~~عليه، إما أنه لا بد من ترديده بين احتمالين، لأنه لو لم يكن محتملا ~~لامرين، لم يكن للترديد والتقسيم معنى، بل كان يجب حمل اللفظ على ما هو ~~دليل عليه، وإما أنه لا بد وأن يكون احتمال اللفظ لهما على السوية، لأنه لو ~~كان ظاهرا في أحدهما، لم يكن للتقسيم أيضا وجه، بل كان يجب تنزيل اللفظ على ~~ما هو ظاهر فيه، كان ممنوعا أو مسلما. وذلك كما لو قال المستدل في البيع ~~بشرط الخيار، وجد سبب ثبوت الملك للمشتري، فوجب أن يثبت، وبين وجود السبب ~~بالبيع الصادر من الأهل من المحل، فقال المعترض: السبب هو مطلق بيع أو ~~البيع المطلق، أي الذي لا شرط فيه: الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لم قلت ~~بوجوده. # ولقائل أن يقول: التقسيم وإن كان من شرطه تردد اللفظ بين احتمالين على ~~السوية، فليس من شرطه أن يكون أحد الاحتمالين ممنوعا، والآخر مسلما، بل كما ~~يجوز أن ms801 يكون كذلك، يجوز أن يشترك الاحتمالان في التسليم، ولكن بشرط أن ~~يختلفا باعتبار ما يرد على كل واحد منهما من الاعتراضات القادحة فيه، وإلا ~~فلو اتحدا فيما يرد عليهما من الاعتراضات، مع التساوي في التسليم، لم يكن ~~للتقسيم معنى، بل كان يجب تسليم المدلول وإيراد ما يختص به. ولا خلاف أنهما ~~لو اشتركا في المنع أن التقسيم لا يكون مفيدا. PageV04P077 # وعلى هذا فلو أراد المعترض تصحيح تقسيمه، فيكفيه بيان إطلاق اللفظ بإزاء ~~الاحتمالين من غير تكليف ببيان التساوي بينهما في دلالة اللفظ عليهما بجهة ~~التفصيل، لان ذلك مما يعسر من جهة أن ما من وجه يبين التساوي فيه إلا ~~وللمستدل أن يقول: ولم قلت بعدم التفاوت من وجه آخر؟ بلى لو قيل إنه يكلف ~~التساوي بينهما من جهة الاجمال، وهو أن يقول: التفاوت يستدعي ترجح أحدهما ~~على الآخر وزيادته عليه، والأصل عدم تلك الزيادة، لم يكن ذلك شاقا، وكان ~~وافيا بالدلالة على شرط التقسيم. ولو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ ~~المستدل عليهما، وأورد الاعتراض عليهما، كما لو قال المستدل في مسألة ~~الالتجاء إلى الحرم: # وجد سبب استيفاء القصاص، فيجب استيفاؤه. وبين وجود السبب بالقتل العمل ~~العدوان، فقال المعترض: متى يمكن القول بالاستيفاء إذا وجد المانع، أو إذا ~~لم يوجد؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. ولكن، لم قلت إنه لم يوجد، وبيان ~~وجوده أن الحرم مانع، وبينه بطريقة لم يخل إما أن يورد ذلك بناء على أن لفظ ~~المستدل متردد بين الاحتمالين المذكورين، أو على دعواه الملازمة بين الحكم ~~ودليله: # فإن كان الأول فهو باطل لعدم تردد لفظ السبب بين ما ذكر من الاحتمالين، ~~وإن كان الثاني، فإن اقتصر على المطالبة ببيان انتفاء المانع، فهو غير ~~مقبول، لما تقرر في الاصطلاح من حط مؤنة ذلك عن المناظر في الموانع ~~والمعارضات المختلف فيها، وإن أضاف إلى ذلك الدلالة على وجود المعارض، ~~فحاصل السؤال يرجع إلى المعارضة، ولا حاجة إلى التقسيم وإذا اتجه سؤال ~~التقسيم على التفسير الأول. فجوابه من جهة الجدل من ms802 ستة أوجه: # الأول: أن يعين المستدل بعض محامل لفظه، ويبين أن اللفظ موضوع بإزائه ~~حقيقة في لغة العرب، إما بالنفل عن أهل الوضع، أو الشارع الصادق، ~~PageV04P078 # أو ببيان كونه مشهورا به في الاستعمال، فيكون حقيقة، لأنه الغالب، وبما ~~يساعد من الأدلة، ومع بيان ذلك، فالتقسيم يكون مردودا، لتبين فوات شرطه من ~~التساوي في الدلالة. # الثاني: أن يقول إنه، وإن لم يكن ظاهرا بحكم الوضع فيما عينته من ~~الاحتمال، غير أنه ظاهر بعرف الاستعمال، كما في لفظ الغائط ونحوه. # الثالث: أنه، وإن لم يكن ظاهرا بالامرين، إلا أنه ظاهر في عرف الشرع، ~~كلفظ الصلاة والصوم ونحوه. # الرابع: أنه، وإن تعذر كونه ظاهرا بأحد الأنحاء المذكورة، لكنه ظاهر بحكم ~~ما اقترن به من القرائن المساعدة له في كل مسألة. # الخامس: أنه، وإن تعذر بيان الظهورية بأحد الطرق المفصلة، فله دفع ~~التقسيم بوجه إجمالي، وهو أن يقول: الاجمال على خلاف الأصل، فيجب اعتقاد ~~ظهور اللفظ في بعض احتمالاته، ضرورة نفي الاجمال عن اللفظ. ومع ذلك ~~فالتقسيم لا يكون واردا. وقد يقدر على بيان كون اللفظ ظاهرا فيما عينه بهذا ~~الطريق الاجمالي، وهو أن يقول: إذا ثبت أنه لا بد وأن يكون اللفظ ظاهرا في ~~بعض محامله، نفيا للاجمال عن الكلام، فيجب اعتقاد ظهوره فيما عينه المستدل، ~~ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره فيما عداه، أما عند المعترض، فلضرورة دعواه ~~الاجمال في اللفظ. # وأما عند المستدل، فلضرورة دعواه أنه ظاهر فيما ادعاه دون غيره. # السادس: أن يبين أن اللفظ له احتمال آخر غير ما تعرض له المعترض بالمنع ~~والتسليم، وأنه مراده، إلا أن يحترز المعترض عن ذلك بأن يعين مجملا، ويقول: ~~إن أردت هذا، فمسلم. ولكن لم قلت ببناء الغرض عليه. وإن أردت ما عداه، ~~فممنوع. # فما مثل هذا الجواب لا يكون متجها، وإن أراد المستدل الجواب الفقهي، فإن ~~كان قادرا على تنزيل كلامه على أحد القسمين، فالأولى في الاصطلاح تنزيله ~~على أحدهما، حذرا من التطويل، وليكن منزلا على أسهلهما في التمشية والقرب ~~إلى المقصود ms803 إن أمكن، وإن كان الجمع جائزا شرعا. وإن لم يقدر على شئ من ~~ذلك، كان منقطعا. PageV04P079 # وأما موقع سؤال التقسيم، فيجب أن يكون بعد منع حكم الأصل، لكونه متعلقا ~~بالوصف المتفرع عن حكم الأصل، وأن يكون مقدما على منع وجود الوصف لدلالة ~~منع الوجود على تعيين الوصف والتقسيم على الترديد وإن يكون مقدما على سؤال ~~المطالبة بتأثير الوصف المدعي علة لكونه مشعرا بترديد لفظ المستدل بين ~~أمرين والمطالبة بتأثير الوصف مشعرة بتسليم كونه مدلولا للفظ لا غير، ضرورة ~~تخصيصه بالكلام عليه، وإلا كان التخصيص به غير مفيد، وإيراد ما يشعر ~~بالترديد بعد ما يشعر بتسليم اتحاد المدلول يكون متناقضا. # وقد علل ذلك بعض أرباب الاصطلاح بأن المطالبة بتأثير الوصف تستدعي تسليم ~~وجود الوصف. والتقسيم مشتمل على منع الوجود، ومنع الوجود بعد تسليم الوجود ~~لا يكون مقبولا، لما فيه من التناقض، وهو غير صحيح لوجهين: # الأول أن ما ذكره إنما هو مبني على أن أحد القسمين لا بد وأن يكون ممنوع ~~الوجود، وليس كذلك لما سبق في مبدأ السؤال وبتقدير أن يكون أحد القسمين ~~ممنوع الوجود فإنما يلزم التناقض والمنع بعد التسليم، أن لو كان ما أورد ~~عليه سؤال المطالبة أو لا هو نفس القسم الذي منع وجوده في التقسيم، وبتقدير ~~أن يكون غيره، فلا. # وبالجملة فيمتنع أيضا قبول سؤال التقسيم بعد سؤال الاستفسار لان المسؤول ~~إن كان قد دفع سؤال الاستفسار جدلا بنفي الاجمال فالتقسيم بعده لا يرد، ~~ضرورة توقفه على الاجمال، وقد انتفى. وإن أجاب عنه بتعيين ما قصده بكلامه، ~~فبعد التعيين لا حاجة إلى التقسيم، بل يجب ورود الاعتراض على عينه دون ~~غيره. PageV04P080 # الاعتراض السادس منع وجود العلة في الأصل ولكون النظر في علة الأصل ~~متفرعا عن حكم الأصل، وجب تأخيره عن النظر في حكم الأصل، وعن التقسيم، لما ~~ذكرناه في السؤال الذي قبله. # ومثاله ما لو قال الشافعي في مسألة جلد الكلب مثلا: حيوان يغسل الاناء من ~~ولوغه سبعا، فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير، فيقول الخصم: لا ms804 أسلم وجوب ~~غسل الاناء من ولوغ الخنزير سبعا. # وجوابه بذكر ما يدل على وجوده من العقل أو الحس أو الشرع، على حسب حال ~~الوصف في كل مسألة، أو أن يفسر لفظه بما لا يمكن الخصم منعه، وإن كان ~~احتمال اللفظ له بعيدا. وذلك كما لو قال في المثال المذكور أعني به ما إذا ~~لم يغلب على ظنه الطهارة وإن فسر لفظه بما له وجود في الأصل، غير أن لفظه ~~لا يحتمله لغة فالمختار أنه لا يقبل، وإن ذهب إلى قبوله بعض المتأخرين، ~~وذلك، لان وضع اللفظ إنما كان لقصد تحصيل المعنى منه وأن يعرف كل أحد ما في ~~ضميره لغيره بواسطة اللفظ المستعمل، وذلك مشروط بضبط الوضع ضبطا يمتنع معه ~~دخول الزيادة والنقصان. وإذا قبل من كل أحد تفسير لفظه بما لا يحتمله لغة، ~~حالة عجزه عن تقرير كلامه، أفضى ذلك إلى اضطراب اللغة وإبطال فائدة وضعها، ~~كيف وإن إطلاقه لذلك اللفظ دليل ظاهر على إرادة مدلوله، وعدوله عند المنع ~~مشعر بالانقطاع في تقريره. PageV04P081 # الاعتراض السابع منع كون الوصف المدعى علة ولما كانت العلية صفة للوصف ~~المذكور ومتوقفة على وجوده، وجب أن يكون النظر فيها نفيا وإثباتا، متأخرا ~~عن النظر في وجود الوصف. # وهذا هو أعظم الأسئلة الواردة على القياس، لعموم وروده على كل ما يدعى ~~كونه علة، واتساع طرق إثباته، وتشعب مسالكه، كما تقدم تقريره. # وقد اختلف العلماء في قبوله نفيا وإثباتا والمختار لزوم قبوله. # وذلك، لان إثبات الحكم في الفرع مما لا يمكن إسناده إلى مجرد إثبات حكم ~~الأصل دون جامع بينهما. # والجامع يجب أن يكون في الأصل بمعنى الباعث، لا بمعنى الامارة، على ما ~~سبق تقريره. # والوصف الطردي لا يصلح أن يكون باعثا، فيمتنع التمسك به في القياس، فلو ~~لم يقبل منع تأثير الوصف والمطالبة بتأثيره، أفضى ذلك إلى التمسك بالأوصاف ~~الطردية، ثقة من المتكلم بامتناع مطالبته بالتأثير. ولا يخفى وجه فساده. # وأيضا، فإن الأصل عدم الدليل الدال على جواز التمسك بالقياس، غير أنا ~~استثنينا منه ما ms805 كانت علة القياس فيه مخيلة، أو شبهية لاجماع الصحابة عليه، ~~ولم ينقل عنهم أنهم تمسكوا بقياس علته طردية، فبقينا فيه على حكم الأصل. # فلذلك وجب قبول سؤال منع التأثير وبيان كون الوصف مؤثرا. # وعند هذا، فلا بد من ذكر شبه الرادين له وتحقيق جوابها. وقد احتجوا بشبه. # الأولى: أنه لو قبل سؤال منع التأثير، فما من دليل يذكره المستدل على كون ~~الوصف علة إلا وهذا السؤال وارد عليه، إلى ما لا يتناهى، فيجب رده حفظا ~~للكلام عن الخبط والنشر. PageV04P082 # الثانية: أنه لا معنى للقياس سوى رد الفرع إلى الأصل بجامع، وقد أتى به ~~المستدل، وخرج عن وظيفته، فعلى المعترض القدح فيه. # الثالثة: أن الأصل أن كل ما ثبت الحكم عقيبه في الأصل أن يكون علة، فمن ~~ادعى أن الوصف الجامع ليس بعلة، احتاج إلى بيانه. # الرابعة: أنا بحثنا فلم نجد سوى هذه العلة، فعلى المعترض القدح فيها، أو ~~إبداء غيرها. # الخامسة: أنهم قالوا: عجز المعترض عن الاعتراض على الوصف المذكور دليل ~~صحته كالمعجزة، فالمنع من الصحة مع وجود دليل الصحة لا يكون مقبولا. # السادسة: قولهم حاصل هذا السؤال يرجع إلى المنازعة في علة الأصل، ويجب أن ~~يكون متنازعا فيها، ليتصور الخلاف في الفرع. # السابعة: أن حاصل القياس يرجع إلى تشبيه الفرع بالأصل، والشبه حجة. # وقد تحقق ذلك بما ذكر من الوصف الجامع، فلا حاجة إلى إبداء غيره. # الثامنة: قولهم: هذا الوصف مطرد لم يتخلف حكمه عنه في صورة، فكان صحيحا. # والجواب عن الأولى: أن التسلسل منقطع بذكر ما يفيد أدنى ظن بالتعليل من ~~الطرق التي بيناها قبل، فإن المطالبة بعلية ما غلب على الظن كونه علة بعد ~~ذلك يكون عنادا، وهو مردود إجماعا. # وعن الثانية: بمنع تحقق القياس بجامع لا يغلب على الظن كونه علة. # وعن الثالثة: بمنع أن الأصل علية كل ما ثبت الحكم معه من الأوصاف. # وعن الرابعة: أن البحث مع عدم الاطلاع على غير الوصف المذكور طريق من طرق ~~إثبات العلة، كما سبق، فكان ذلك جوابا عن ms806 سؤال المطالبة وقبولا له، لا أنه ~~رد له. PageV04P083 # وعن الخامسة: أنه لو كان عجز المعترض عن الاعتراض دليل صحة العلة، لكان ~~عجز المستدل عن تصحيح العلة دليل فسادها، ولا أولوية، ولكان عجز المعترض عن ~~الاعتراض على إبطال ما ادعى من الحكم في الفتوى دليلا على ثبوت الحكم، ولم ~~يقل به قائل. # وعن السادسة: أن علة الأصل، وإن كانت متنازعا فيها، فلا بد من دليل ظني ~~يدل على كونها علة كما في الحكم المختلف فيه. # وعن السابعة: أن إثبات الحكم في الفرع متوقف على ظن إثباته، ولا نسلم أن ~~مطلق المشابهة بين الأصل والفرع في مطلق وصف، مفيد للظن. # وعن الثامنة: أن حاصلها يرجع إلى الاكتفاء بالوصف الطردي، لكونه غير ~~منتقض، وهو باطل بما سبق في طرق إثبات العلة. # وإذا علم أنه لا بد من قبول سؤال المطالبة بالتأثير، وأنه لا بد من ~~الدلالة على كون الوصف علة، وطريق إثبات ذلك ما يساعد من الأدلة التي ~~قررناها قبل. PageV04P084 # الاعتراض الثامن سؤال عدم التأثير وهو إبداء وصف في الدليل مستغنى عنه في ~~إثبات الحكم أو نفيه. # وقد قسمه الجدليون أربعة أقسام: # الأول: عدم التأثير في الوصف، وذلك بأن يكون الوصف المأخوذ في الدليل ~~طرديا، لا مناسبة فيه ولا شبه، وذلك كما يقال في صلاة الصبح صلاة لا يجوز ~~قصرها، فلا تقدم في الأداء على وقتها كالمغرب، فإن عدم القصر وصف طردي ~~بالنسبة إلى الحكم المذكور. # الثاني: عدم التأثير في الأصل، وهو أن يكون الوصف قد استغني عنه في إثبات ~~الحكم في الأصل المقيس عليه بغيره، وذلك كما إذا قال المستدل في بيع ~~الغائب، مبيع غير مرئي، فلا يصح بيعه، كالطير في الهواء، والسمك في الماء، ~~فإن ما وجد في الأصل من العجز عن التسليم مستقل بالحكم. # وهذا النوع مما اختلف فيه، فرده الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني ومن ~~تابعه، مصيرا منهم إلى أنه إشارة إلى علة أخرى في الأصل، ولا يمتنع تعليل ~~الحكم الواحد في محل واحد بعلتين. # ومنهم من قبله، مصيرا منهم ms807 إلى امتناع تعليل الحكم بعلتين، وقد سبق تقرير ~~كل واحد من المأخذين، وما هو المختار منهما. # الثالث: عدم التأثير في الحكم، وهو أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له ~~في الحكم المعلل، وذلك، كما لو قال المستدل في مسألة المرتدين إذا أتلفوا ~~أموالنا: # طائفة مشركة، فلا يجب عليهم الضمان بتلف أموالنا في دار الحرب كأهل ~~الحرب، فإن الاتلاف في دار الحرب لا تأثير له في نفي الضمان، ضرورة ~~الاستواء في الحكم عندهم بين الاتلاف في دار الحرب ودار الاسلام. ~~PageV04P085 # وحاصل هذا القسم يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم ~~المذكور إن كان طرديا، أو إلى سؤال الالغاء إن كان مؤثرا. # الرابع: عدم التأثير في محل النزاع، وهو أن يكون الوصف المذكور في الدليل ~~لا يطرد في جميع صور النزاع، وإن كان مناسبا. # وذلك كما لو قال المستدل في مسألة ولاية المرأة: زوجت نفسها من غير كف، ~~فلا يصح نكاحها. وذلك من حيث إن النزاع واقع فيما إذا زوجت نفسها من الكفء ~~وغير الكفء. # وهذا أيضا مما اختلف في قبوله، فرده قوم، مصيرا منهم إلى منع جواز الفرض ~~في الدليل، وقبله من لم يمنع من ذلك، وهو المختار على ما عرفناه في كتاب ~~الجدل. # وإذا بطل القسم الرابع، وهو عدم التأثير في محل النزاع، ورجع حاصل القسم ~~الثالث، وهو عدم التأثير في الحكم، إلى عدم التأثير في الوصف أو الالغاء، ~~فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف وعدم التأثير في الأصل. وعدم التأثير في ~~الوصف راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف، وسؤال المطالبة يغني عنه، وجوابه ~~جوابه فلا يجتمعان، وعدم التأثير في الأصل، فحاصله يرجع إلى المعارضة في ~~الأصل، لا أنه غيره. وجوابه جوابه كما يأتي. ومع ذلك كله، فقد يكون أخذ ~~الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مفيدا بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع ~~الموجود في صورة النقض، أو وجود الشرط الفائت فيها، لقصد دفع النقض، أو ~~مشيرا إلى قصد الفرض في الدليل في بعض صور ms808 النزاع، كما ذكر من مثال أخذ ~~الاتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، ولا يكون عديم التأثير، إذ هو غير ~~مستغنى عنه في إثبات الحكم، إما لقصد دفع النقض، أو لقصد الفرض. ~~PageV04P086 # الاعتراض التاسع القدح في مناسبة الوصف المعلل به وذلك بما يلزم من ترتيب ~~الحكم على وفقه لتحصيل المصلحة المطلوبة منه وجود مفسدة مساوية لها، أو ~~راجحة عليها. وقد بينا وجه الاختلاف فيه، وأن المختار إبطاله، لا أن يبين ~~ترجيح المصلحة على المفسدة، إما بطريق إجمالي أو تفصيلي، كما بيناه فيما ~~سبق. # الاعتراض العاشر القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى ما علل به من المقصود ~~وذلك كما لو عللت حرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ~~ارتفاع الحجاب بين الرجال والنساء إلى سد باب الفجور بالحرمة المؤبدة، وعلم ~~الرجل بامتناع وصوله إلى الأنثى على الوجه المشروع حتى ينسد عليه باب الطمع ~~في مقدمات الهم بها والنظر إليها، فإن للمعترض أن يقول: هذا الحكم غير صالح ~~لافضائه إلى هذا المقصود من حيث إن سد باب النكاح أدعى إلى محذور الوقوع في ~~الزنى. # وجوابه أن الحرمة المؤبدة، مما تمنع من النظر إلى المرأة بشهوة عادة، ~~والامتناع العادي على مر الزمان يلتحق بالامتناع الطبعي، وبه يتحقق انسداد ~~باب الفجور. PageV04P087 # الاعتراض الحادي عشر أن يكون الوصف المعلل به باطنا خفيا وذلك لو علل ~~بالرضا أو القصد، فإنه قد يقال القصد والرضا من الأوصاف الباطنة الخفية ~~التي لا يطلع عليها بأنفسها فلا تكون علة للحكم الشرعي الخفي، ولا معرفة ~~له. # وجوابه أن يبين ضبط الرضا بما يدل عليه من الصيغ الظاهرة وضبط القصد بما ~~يدل عليه من الافعال الظاهرة. وكل ذلك معلوم في الخلافيات. # الاعتراض الثاني عشر أن يكون الوصف المعلل به مضطربا، غير منضبط كالتعليل ~~بالحكم والمقاصد، مثل التعليل بالحرج والمشقة والزجر والردع ونحوه. # فإنه قد يقال: مثل هذه الأوصاف مما تضطرب وتختلف باختلاف الأشخاص ~~والأزمان والأحوال. وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان ~~الظاهرة الجلية، دفعا للعسر ms809 والحرج عن الناس في البحث عنها، ومنعا للاضطراب ~~في الاحكام عند اختلاف الصور بسبب الاختلاف في هذه الأوصاف بالزيادة ~~والنقصان. # وجوابه إما ببيان كون ما علل به مضبوطا بنفسه أو بضابطه، كضبط الحرج ~~والمشقة بالسفر ونحوه. PageV04P088 # الاعتراض الثالث عشر - النقض وهو عبارة عن تخلف الحكم مع وجود ما ادعى ~~كونه علة له، وقد أومأنا في مسألة تخصيص العلة إلى وجه دلالة ذلك على ~~إبطالها ووجه الانفصال عنه فيما إذا كانت العلة منصوصة، أو مجمعا عليها، أو ~~مستنبطة، وفي صورة النقض مانع أو فوات شرط، بالاستقصاء التام المفصل، والذي ~~يختص بما نحن فيه هاهنا وجوه أخر في الجواب الأول منع وجود العلة في صورة ~~النقض، إن أمكن. # وذلك، كما لو قال الشافعي في مسألة زكاة الحلي مال غير نام، فلا تجب فيه ~~الزكاة كثياب البذلة. # فقال المعترض: هذا ينتقض بالحلي المحظور، فإنه غير نام، ومع ذلك فإن ~~الزكاة تجب فيه. فقال المستدل: لا أسلم أن الحلي المحظور غير نام، وإنما ~~كان منع وجود العلة في صورة النقض، دافعا للنقض لان النقض وجود العلة ولا ~~حكم فإذا لم توجد العلة في صورة النقض فلا نقض، لكن اختلفوا في المعترض، هل ~~له الدلالة على وجود العلة في صورة النقض، عند منع المستدل لوجودها؟ # فمنهم من قال: له ذلك، إذ به يتحقق انتقاضها وهدم كلا المستدل، فكان له ~~ذلك كغيره من الاعتراضات. # ومنهم من منع من ذلك، لما فيه من قلب القاعدة بانقلاب المستدل معترضا، ~~والمعترض مستدلا. والواجب إنما هو التفصيل، وهو أنه إن تعين ذلك طريقا ~~للمعترض في هدم كلام المستدل، وجب قبوله منه، تحققا لفائدة المناظرة، وإن ~~أمكنه القدح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا، نعم لو كان المستدل قد دل ~~على وجود العلة في محل التعليل بدليل هو موجود في صورة النقض، فإذا منع ~~وجود العلة، PageV04P089 # فإن قال المعترض فقد انتقض الدليل الذي دللت به على وجود العلة، لا يكون ~~مسموعا لكونه انتقالا من النقض على نفس العلة إلى النقض ms810 على دليلها. # وذلك، كما لو قال الحنفي في مسألة تبييت النية وتعيينها، أي بمسمى الصوم، ~~فوجب أن يصح كما في محل الوفاق، ودل على وجود الصوم، بقوله: إن الصوم عبارة ~~في الامساك مع النية، وهو موجود فيما نحن فيه. # فقال المعترض: هذا منتقض بما إذا نوى بعد الزوال. # وإن قال المعترض للمستدل: ابتداء أمرك لا يخلو من حالين، إما أن تعتقد ~~وجود الصوم في صورة النقض، أو لا تعتقده. # فإن كان الأول، فقد انتقضت علتك، وإن كان الثاني فقد انتقض ما ذكرته من ~~الدليل على وجود العلة، كان متجها. # وإن أورد ذلك، لا في معرض نقض دليل وجود العلة، بل في معرض الدلالة به ~~على وجود العلة ي صورة النقض، فالحكم فيه على ما سبق في الدلالة على نفي ~~الحكم في صورة النقض، فهو غير مسموع على ما يأتي: # الثاني: منع تخلف الحكم وإنما كان ذلك دافعا للنقض لما ذكرناه في منع ~~وجود العلة، وذلك، كما لو قال الشافعي في مسألة الثيب الصغيرة ثيب فلا يجوز ~~إخبارها كالثيب البالغ، فقال المعترض: هذا منقوض بالثيب المجنونة، فإنه ~~يجوز إجبارها. # فقال المستدل: لا نسلم صحة إجبار الثيب المجنونة. والكلام في تمكين ~~المعترض من الاستدلال على تخلف الحكم في صورة النقض، كالكلام في دلالته على ~~وجود العلة، وقد عرف ما فيه. # الثالث: أن يكون النقض على أصل المستدل خاصة، وذلك كما لو قال الشافعي في ~~مسألة الرطب بالتمر: باع مال الربا بجنسه متفاضلا، فلا يصح كما لو باع صاعا ~~بصاعين، PageV04P090 # فقال الحنفي: هذا منتقض على أصلك بالعرايا، فإنه يصح، وإن باع مال الربا ~~بجنسه متفاضلا. # وجوابه من ثلاثة أوجه: # الأول: أن يبين في صورة النقض مناسبا يقتضي النفي، من مانع أو فوات شرط، ~~مع قران الحكم به على أصله. # الثاني: أن يقول: النقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل العلة، فتخلف ~~الحكم عن العلة إنما هو على مذهب أحد الفريقين، وثبوت الحكم على وفق العلة ~~المعلل بها بالاتفاق، ولا مساواة بين المتفق عليه ms811 والمختلف فيه، فلا يقع في ~~معارضة دليل العلة. # الثالث: أن يبين أن تخلف الحكم عن العلة في معرض الاستثناء، والمستثنى لا ~~يقاس عليه ولا يناقض به، كما في صورة العرايا المذكورة. # الرابع: أن يكون إبداء النقض على أصل المعترض لا غير، وتوجيهه أن يقول ~~المعترض: هذا الوصف مما لم يطرد على أصلي، فلا يلزمني الانقياد إليه. # وجوابه أن يقول المستدل: ما ذكرته حجة عليك في الصورتين، إذ هي محل ~~النزاع، ومذهبك في صورة النقض لا يكون حجة في درء الاحتجاج، وإلا كان حجة ~~في محل النزاع، وهو محال. # وهل يجب على المستدل الاحتراز في دليله عن النقض؟ اختلفوا: # فمنهم من قال بوجوبه، لقربه من الضبط، وبعده عن النشر والخبط، ولأن ما ~~أشار إليه المستدل من الوصف المعلل به إذا كان منتقضا، فإما أن يكون انتفاء ~~الحكم في صورة النقض لا لمعارض، أو لمعارض: # فإن كان الأول، فلا يكون الوصف علة، لما سبق تقريره في مسألة تخصيص ~~العلة. # وإن كان الثاني، فقد ثبت أن للعلة معارضا متفقا عليه، فلا بد من نفيه في ~~الدليل، لان المناظر تلو الناظر، وليس للناظر الجزم بالحكم عند ظهور سببه ~~دون ظهور انتفاء معارضه، فكذلك المناظر، غير أنا أسقطنا عنه كلفة نفي ~~المعارض المختلف فيه لعسر نفيه فبقينا فيما عداه على حكم الأصل. # ومنهم من لم يوجبه، تمسكا منه بأن ما يقع به الاحتراز عن النقض إما أن ~~يكون من جملة أجزاء العلة، أو خارجا عنها: PageV04P091 # فإن كان الأول، فالعلة لا تكون علة دونه، وما مثل هذا لا خلاف في وجوب ~~ذكره في العلة، لعدم تمام العلة دونه، ومن نازع فيه فقد نازع في أنه: # هل يجب على المستدل ذكر العلة أو لا، وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن ~~يكون مشيرا إلى نفي المعارض أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول. فقد تعرض لما ~~لم يسأل عنه، لكونه مسؤولا بعد الفتوى عن الدليل المقتضي للحكم، وانتفاء ~~المعارض ليس من الدليل، ولو قيل إنه من الدليل ms812 كان خلاف الغرض في هذا ~~القسم. # وإن كان الثاني، فالنقض غير مندفع به، لان النقض عبارة عن وجود العلة، ~~ولا حكم، فإذا كان المذكور خارجا عن العلة، ولا فيه إشارة إلى نفي المعارض، ~~فالعلة ما دونه، وقد وجدت في صورة النقض، ولا معارض فكان النقض متجها. # وإن قيل إن الوصف المأخوذ للاحتراز من جملة العلة لتعلق فائدة دفع النقض ~~به، وإن لم يكن مناسبا، فقد سبق إبطاله في تخصيص العلة. # الاعتراض الرابع عشر الكسر وهو النقض على المعنى. وقد ذكرنا طريق إيراده ~~ووجه الانفصال عنه، في شروط العلة. ويخصه من الأجوبة هاهنا منع وجود المعنى ~~المشار إليه في صورة النقض، ومنع تخلف الحكم عنه، وباقي الأجوبة التي ~~أوردناها في سؤال النقض قبله. PageV04P092 # الاعتراض الخامس عشر المعارضة في الأصل بمعنى وراء ما علل به المستدل، ~~وسواء كان مستقلا بالتعليل، كمعارضة من علل تحريم ربا الفضل في البر بالطعم ~~أو بالكيل أو بالقوت، أو غير مستقل بالتعليل على وجه يكون داخلا في التعليل ~~وجزءا من العلة، وذلك كمعارضة من علل وجوب القصاص في القتل بالمثقل بالقتل ~~العمد العدوان بالجارح، في الأصل ونحوه. # وقد اختلف الجدليون في قبوله فمنهم من رده بناء منه على أنه لا يمتنع ~~تعليل الحكم الواحد بعلتين، كما سبق تقريره، ولهذا، فإنا لو قدرنا انفراد ~~ما ذكر المستدل مجردا عن المعارض، صح التعليل به إجماعا، وإنما صح التعليل ~~به، لصلاحية فيه، لا لعدم المعارض، فإن العدم لا يكون علة، ولا داخلا فيها ~~لما سبق تقريره. فإذا صح التعليل به مع عدم المعارض، صح مع وجوده، ولأنه لا ~~معنى للعلة إلا ما يثبت الحكم عقيبها، وهذا المعنى موجود في الوصفين، فكان ~~كل واحد علة. # ومنهم من قبله وأوجب جوابه على المستدل، وهو المختار. # وذلك لأنه إذا وجد في الأصل وصفان. # فإما أن يكون كل واحد علة مستقلة، أو لا يكون كذلك لا جائز أن يكون كل ~~واحد علة مستقلة، لما سبق تقريره في امتناع ذلك، سواء كانت العلة بمعنى ~~الامارة ms813 أو الباعث. PageV04P093 # وإن كان القسم الثاني، فإما أن يكون الحكم ثابتا لما ذكره المستدل لا ~~غير، أو لما ذكره المعترض لا غير، أو لهما جميعا بحيث تكون العلة مجموع ~~الوصفين، وكل واحد منهما جزؤها. لا جائز أن يقال بالأول، ولا بالثاني. فإنه ~~ليس تعيين أحدهما للتعليل وإلغاء الآخر مع تساويهما في الاقتضاء أولى من ~~الآخر، فلم يبق غير الثالث. ويلزم منه امتناع تعدية الحكم من الأصل إلى ~~الفرع. # وبتقدير تساوي الاحتمالات الثلاثة، فلا يخفى أن التعدية تمتنع بتقدير أن ~~تكون العلة ما ذكره المعترض. # وبتقدير أن تكون العلة هي الهيئة الاجتماعية من الوصفين. وإنما يصح ~~بتقدير التعليل بما ذكره المستدل لا غير. # ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه. ~~ومع ذلك فالتعدية تكون ممتنعة، لكن بشرط أن يكون ما أبداه المعترض صالحا ~~للتعليل، أو لدخوله فيه عند كون ما أبداه المستدل صالحا، وإلا فلا معارضة ~~وهل يجب على المعترض نفي ما أبداه معارضا في الأصل في الفرع؟ اختفوا فيه: # فمنهم من قال: لا يجب عليه ذلك، فإنه إن كان موجودا في الفرع، فيفتقر ~~المستدل إلى بيان وجوده فيه ليصح الالحاق. وإن لم يبين ذلك، فقد انقطع ~~الجمع. # ومنهم من قال: لا بد له من نفيه عن الفرع، لان مقصوده الفرق. وذلك لا يتم ~~دون نفيه عن الفرع. # والمختار أنه إن قصد المعترض الفرق، فلا بد له من نفيه، وإن لم يقصد ~~الفرق بأن يقول: هذا الوصف قد ثبت أنه لا بد من إدراجه في التعليل لما دل ~~عليه من الدليل، فإن كان غير موجود في الفرع، فقد ثبت الفرق، وإن كان ~~موجودا في الفرع، فالحكم يكون ثابتا في الفرع بمجموع الوصفين، ونتبين أن ~~المستدل لم يكن ذاكرا للعلة في الابتداء، بل لبعضها وأي الامرين قدر، ~~فالاشكال لازم. PageV04P094 # هذا كله فيما إذا كان المقيس عليه أصلا واحدا. # وإن كان المقيس عليه أصولا متعددة، فمنهم من منع من ذلك لافضائه إلى ~~النشر مع إمكان حصول المقصود ms814 بالواحد منها، ومنهم من جوز ذلك لكونه أقوى في ~~إفادة الظن. # ومن جوز ذلك، اختلفوا في جواز الاقتصار في المعارضة في الأصل على أصل ~~واحد: # فمنهم من جوزه، لان المستدل قصد إلحاق الفرع بجميع الأصول، فإذا وقع ~~الفرق بين الفرع وبعض الأصول، فقد تم مقصود المعترض من إبطال غرض المستدل، ~~ومنهم من قال: لا بد من المعارضة في كل أصل، لأنه إذا عارض في البعض دون ~~البعض، فقد بقي قياس المستدل صحيحا على الأصل الذي لم يعارض فيه، وبه يتم ~~المقصود من إثبات الحكم أو نفيه والذين أوجبوا المعارضة في جميع الأصول. # منهم من أوجب اتحاد المعارض في الكل، دفعا لانتشار الكلام ولأن يكون ~~مقابلا في اتحاده لاتحاد وصف المستدل، ومنهم من جوز المعارضة في كل أصل ~~بغير ما في الأصل الآخر، لجواز أن لا يساعده في الكل علة واحدة. # ثم اختلف هؤلاء: فمنهم من قال يجوز للمستدل الاقتصار في الجواب على أصل ~~واحد، إذ به يتم مقصوده، ومنهم من لم يجوز ذلك، حيث إن المستدل التزم صحة ~~القياس على الكل، وعلى هذا يقع الخلاف فيما لو عارض في بعض الأصول، هل يجب ~~على المستدل الجواب أو لا؟ # والوجه في الجواب من ستة أوجه: # الأول: منع وجود الوصف المعارض به في الأصل. # الثاني: المطالبة بتأثير الوصف، إن كان طريق إثبات العلة من جانب ~~المستدل، المناسبة أو الشبه، دون السبر والتقسيم. PageV04P095 # الثالث: أن يبين كونه ملغى في جنس الاحكام كالطول والقصر ونحوه. # الرابع: أن يبين أنه ملغى في جنس الحكم المعلل، وإن كان مناسبا، وذلك ~~كالذكورة في باب العتق. # الخامس: أن يبين أنه قد استقل بالحكم في صورة دون الوصف المعارض به، وعند ~~ذلك، فيمتنع أن يكون علة مستقلة في محل التعليل، لما فيه من إلغاء المستقل ~~واعتبار غير المستقل، ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما ~~علل به المستدل في الفرع مع استقلاله لفوات ما لم يثبت استقلاله، وهو ~~ممتنع. فإن عارض المعترض في صورة الالغاء ms815 بوصف آخر غير ما عارض به في ~~الأصل، فلا بد من إبطاله، وإلا فالقياس متعذر، ولا يمكن أن يقال في جوابه ~~إن كل وصف اختص بصورة، فهو ملغى بالصورة الأخرى. # وهذا هو المسمى في الاصطلاح بتعدد الوضع. # فإن للمعترض أن يقول: العكس غير لازم في العلل الشرعية لجواز ثبوت الحكم ~~في كل صورة بعلة غير علة الصورة الأخرى، وإذا جاز ثبوت الحكم في صورتين ~~بعلتين مختلفتين، فلا يلزم من إثبات الحكم في كل صورة بعلة مع عدم علة ~~الصورة الأخرى فيها، إلغاء ما وجد في تلك الصورة. # السادس: أن يبين رجحان ما ذكره على ما عارض به المعترض بوجه من وجوه ~~الترجيحات التي يأتي ذكرها. # وعند ذلك فيمتنع جعل ما عارض به المعترض علة مستقلة في محل التعليل، لما ~~فيه من إهمال الراجح واعتبار المرجوح، PageV04P096 # ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما علل به المستدل في ~~الفرع بتخلف الحكم عنه مع رجحانه، ضرورة انتفاء الوصف المرجوح. # وها هنا ترجيح آخر، وهو أن يكون أحد الوصفين في الأصل المستنبط منه ~~متعديا، والآخر قاصرا، وذلك لا يخلو إما أن يكون في طرف الاثبات، أو النفي: # فإن كان في طرف الاثبات، فلا يخلو إما أن يكون الوصف المتعدي جزءا من ~~العلة، أو خارجا عنها، بأن يكون المعارض في الأصل بالوصف القاصر لا غير: # فإن كان خارجا عنها، فلا يخلو إما أن يكون الوصف المتعدي مساويا للقاصر ~~في جهة اقتضائه، أو أن الترجيح لأحدهما، فإن كان مساويا للقاصر من جهة ~~الاقتضاء، فالتعليل بالمتعدي أولى، وبيانه من جهة الاجمال والتفصيل. # أما الاجمال: فهو أن التعليل بالمتعدي متفق عليه، بخلاف التعليل بالقاصر، ~~والتعليل، بالمتفق عليه أولى. # وأما التفصيل: فهو أن فائدة المتعدي أكثر من القاصر، لان فائدة القاصر ~~إنما هي في ظهور الحكمة الباعثة في الأصل لسرعة الانقياد، وسهولة القبول، ~~والمتعدي مشارك للقاصر في هذا المعنى وزيادة التعريف للحكم في الفرع، وهو ~~أعظم فوائد العلة عند الأكثرين، وهو وإن لزم من التعليل ms816 به إهمال المناسب ~~القاصر فمقابل بمثله، حيث إنه يلزم من التعليل بالقاصر إهمال المناسب ~~المتعدي، مع كونه راجحا. # والتعليل بالقاصر وإن كان على وفق النفي الأصلي في الفرع، والتعليل ~~بالمتعدي على خلافه، إلا أنه مخالفة لما وقعت مخالفته في الأصل بما لم تظهر ~~مخالفته، ولو عملنا بالقاصر لموافقة النفي الأصلي، لكان فيه العمل بموافقة ~~ما وقع الاتفاق على مخالفته، ومخالفة ما لم يقع الاتفاق على مخالفته، وهو ~~الوصف المتعدي، فكان مرجوحا. # فإن قيل: إلا أن التعليل بالوصف المتعدي يلزم منه مخالفة ما لم يتفق على ~~مخالفته من الوصف القاصر، وما اتفق على مخالفته من النفي الأصلي، فكان فيه ~~مخالفة ظاهرين: PageV04P097 # أحدهما متفق على مخالفته، والآخر عير متفق على مخالفته، والتعليل بالوصف ~~القاصر يلزم منه العمل بهذين الظاهرين، ومخالفة ظاهر واحد، وهو الوصف ~~المعتدي. # قلنا: هذا مقابل بمثله، فإنه بعد أن ثبت الحكم في الأصل لمعنى، وإن كان ~~قاصرا، فالأصل أن يثبت في الفرع بما وجد مساويا لوصف الأصل في الاقتضاء، ~~نظرا إلى تماثل مقصود الشارع، والمحافظة على هذا الأصل أولى من المحافظة ~~على النفي الأصلي، لكون النفي الأصلي مخالفا في الأصل بمثل ما قيل باقتضائه ~~للحكم في الفرع. # وعند ذلك فيترجح ما ذكرناه من جهة أن العمل بالوصف المتعدي عمل به وبأصل ~~مترجح على النفي الأصلي، والعمل بالقاصر عمل به وبأصل مرجوح بالنظر إلى ~~الأصل المعمول به من جانبنا، فكان ما ذكرناه أولى. # فإن قيل ربما كان المانع للحكم قائما مطلقا، وعند ذلك فالتعليل بالقاصر ~~أولى، لما فيه من موافقة الدليل الشرعي النافي، وموافقة النفي الأصل، بخلاف ~~المتعدي. # قلنا: المانع في الفرع يستدعي وجود المقتضي، وإلا فالحكم يكون فيه ~~منتفيا، لانتفاء ما يقتضيه، لا لوجود منافيه، فدعوى وجود المانع في الفرع ~~مع وجوب قصور العلة المقتضية للاثبات على الأصل، تناقض لا حاصل له، كيف وإن ~~ما مثل هذا المانع مرجوح عند الخصم بالنسبة إلى الوصف القاصر، والمتعدي على ~~ما وقع به الفرض في ابتداء الكلام مساو للقاصر في المقصود، فكان ms817 مرجوحا ~~بالنسبة إلى المتعدي أيضا، فكان المتعدي أولى كما بيناه في النفي الأصلي. # فإن قيل: كما أن المتعدية قد تعرف إثبات الحكم في الفرع، فالقاصرة تعرف ~~نفيه عن الفرع، وكما أن معرفة ثبوت الحكم في الفرع مقصود للشارع، فمعرفة ~~انتفائه أيضا عنه مقصود له. # قلنا:: هذا إنما يستقيم أن لو لم يوجد في الفرع ما هو مساو للعلة القاصرة ~~في الأصل، فيما يرجع إلى جهة الاقتضاء. والمقصود المطلوب للشارع من إثبات ~~الحكم، لان تعريف العلة القاصرة لنفي الحكم في الفرع، إنما هو بناء على ~~انتفاء مقصود الحكم، ولن يتصور ذلك مع وجود ما هو مساو في الطلب والاقتضاء ~~لما هو المقصود في الأصل، فلا ينتهض الوصف القاصر في الأصل علامة على ~~انتفاء الحكم في الفرع، مع وجود الوصف المتعدى فيه، ومساواته للقاصر في ~~الاقتضاء على ما وقع به الفرض، PageV04P098 # كيف وإن العلة القاصرة غير مستقلة بتعريف انتفاء الحكم في الفرع، إلا مع ~~ضميمة انتفاء علة غيرها، وانتفاء النص والاجماع بخلاف العلة المتعدية في ~~طرف الاثبات، فما استقل بالتعريف يكون أولى مما لا يستقل. # نعم قد يتوقف العمل بالعلة المثبتة على انتفاء المعارض، لا أن انتفاء ~~المعارض من جملة المعرف، ولا الداعي، بخلاف ما تتوقف عليه العلة القاصرة في ~~تعريفها نفي الحكم في الفرع. والعمل بما هو معرف بنفسه من غير توقف في ~~تعريفه على غيره أولى. # وعلى هذا يكون الحكم إن كان الوصف المتعدي راجحا في جهة اقتضائه أولى، ~~والوصف المتعدي وإن توقف استقلاله على إخراج القاصر عن التعليل، فليس إخراج ~~القاصر موقوفا على استقلال المتعدي، ليلزم الدور، لجواز اتفاقهما في ~~إخراجهما عن التعليل، كيف وإنه مقابل بدور آخر حيث إنه يتوقف إدخال القاصر ~~في التعليل على عدم استقلال المتعدي، وكذلك بالعكس. # وأما إن كان المتعدي مرجوحا في جهة اقتضائه بالنسبة إلى الوصف القاصر، ~~فالوصف القاصر أولى، نظرا إلى المحافظة على زيادة المناسبة المعتبرة بثبوت ~~الحكم على وفقها، والنظر إليها، وإن أوجب إهمال فائدة المتعدية، أولى، لما ~~فيه من زيادة ms818 المصلحة وصلاح المكلف وما يتعلق به من زيادة التعقل وسرعة ~~الانقياد في ابتداء ثبوت الحكم، لأنه الأصل في كون الحكم معللا. # وفائدة التعدية إنما تعرف بعد تعرف تعليل الحكم بما علل به، بنظر ثان ~~متأخر عن النظر فيما علل به الحكم في الأصل، ولا شك أن ما هو أشد مناسبة ~~للحكم يكون أسبق إلى الفهم بالتعليل للحكم الثابت في الأصل، فكان التعليل ~~به أولى. # وإن كانت جهة التساوي والأرجحية غير معلومة ولا ظاهرة، فالتعليل بالمتعدي ~~أولى، نظرا إلى أن العمل به أولى على تقدير أن يكون مساويا، وعلى تقدير أن ~~يكون راجحا. # وإنما يمتنع العمل به على تقدير أن يكون مرجوحا في نفس الامر. # ولا يخفى أن العمل بما العمل به يتم على تقدير من التقديرين أولى مما لا ~~يتم العمل به إلا على تقدير واحد بعينه. PageV04P099 # وعلى ما فصلناه في طرف الاثبات يكون الحكم في طرف النفي هذا كله إن كان ~~الوصف المتعدي خارجا عن العلة القاصرة وأما إن كان داخلا فيها بأن كان ~~المعارض معللا بمجموع الوصفين: الوصف القاصر والمتعدي معا، فالقاصر أولى، ~~وسواء كان ذلك في طرف الاثبات أو النفي، وسواء كان المتعدي راجحا على ~~القاصر، أو مرجوحا، أو مساويا. # أما في طرف الاثبات، فلان التعليل بالعلة المتعدية يلزم منه إهمال الوصف ~~القاصر وتعطيله، ولا كذلك بالعكس. ولا يخفى أن الجمع أولى من التعطيل. # فإن قيل: إلا أنه على تقدير أن يكون الوصف المتعدي راجحا، لو جعلنا الوصف ~~القاصر داخلا في التعليل، فيلزم منه أن يتخلف الحكم في الفرع عن الوصف ~~المتعدي الراجح، رعاية لما فات من الوصف المرجوح، وهو ممتنع. # قلنا: هذا إنما يستقيم علي تقدير أن يكون رجحانه ظاهرا ولا يستقيم على ~~تقدير أن يكون مرجوحا، أو مساويا. ولا يخفى أن احتمال وقوع العمل بما يتم ~~على تقدير من تقديرين أولى من العمل بما لا يتم العمل به إلا على تقدير ~~واحد بعينه. # كيف وإن العمل بالقاصر، وإن كان يفضي إلى إهمال الوصف المتعدي في ms819 الفرع، ~~إلا إنه لا يلزم منه إهماله مطلقا، إذ هو داخل في العلة، ولو عملنا بالوصف ~~المتعدي فقط يلزم منه إهمال القاصر وتعطيله مطلقا، فالعمل بالقاصر يكون ~~أولى، وعلى هذا يكون الحكم، إن كان ذلك في طرف النفي أيضا، بل أولى لما فيه ~~من تقليل مخالفة المقتضي للاثبات. # هذا إن ظهر الترجيح، وأما إن تحققت المعارضة من غير ترجيح بعد البحث ~~التام، فعلى مقتضى ما أسلفناه من القول بالتخيير عند التعارض مع التنافي، ~~فلا مانع من الجري على تلك القاعدة هاهنا. # الاعتراض السادس عشر سؤال التركيب وهو الوارد على القياس المركب. وقد ~~بينا معنى القياس المركب وأقسامه ووجه تسميته بذلك، والسؤال الوارد عليه ~~وجوابه في شرط حكم الأصل. PageV04P100 # الاعتراض السابع عشر سؤال التعدية وهو أن يعين المعترض في الأصل معنى ~~ويعارض به، ثم يقول للمستدل: ما عللت به وإن تعدى إلى فرع مختلف فيه، فالذي ~~عللت به أيضا قد تعدى إلى فرع مختلف فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر. # وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة إجبار البكر البالغ: بكر، فجاز إجبارها ~~كالبكر الصغيرة، فعارضه الحنفي بالصغر، وقال: البكارة، وإن تعدت إلى البكر ~~البالغة، فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة. وهذا أيضا مما اختلف فيه والحق ~~أنه لا يخرج عن سؤال المعارضة في الأصل مع زيادة التسوية في التعدية. # وجوابه بإبطال ما عارض به المعترض وحذفه عن درجة الاعتبار بما أسلفناه في ~~سؤال المعارضة في الأصل. ومهما حقق شئ من تلك الطرق فقد اندفع، ولا أثر لما ~~أشير إليه من التسوية، خلافا للداركي. # الاعتراض الثامن عشر منع وجود الوصف المعلل به في الفرع وجوابه كجواب منع ~~وجوده في الأصل، وقد عرف. # الاعتراض التاسع عشر المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض حكم المستدل، إما ~~بنص، أو إجماع ظاهر، أو بوجود مانع الحكم، أو بفوات شرط الحكم. ولا بد من ~~بيان تحققه وطريق كونه مانعا أو شرطا على نحو طريق إثبات المستدل كون الوصف ~~الذي علل به من التأثير أو الاستنباط. # وقد اختلف ms820 في قبوله فمنع منه قوم تمسكا منهم بأن المعارضة استدلال وبناء، ~~وحق المعترض أن يكون هادما، لا بانيا. PageV04P101 # وقبله الأكثرون، وهو المختار، إذ يلزم منه هدم ما بناه المستدل، لمقاومة ~~دليله لدليله، ولا حجر عليه في سلوك طرق الهدم، ولا سيما إذا تعين ذلك ~~طريقا في الهدم، بأن لم يكن له هادم سواه، فلو لم يقبل منه، لبطل مقصود ~~المناظرة، واختلت فائدة البحث والاجتهاد. # والوجه في جوابه عند توجهه أن يقدح فيه المستدل بكل ما للمعترض أن يقدح ~~به فيه، أن لو كان المستدل متمسكا به وإن عجز عن جميع ذلك، فقد اختلفوا في ~~جواز دفعه بالترجيح: # فمنهم من لم يجوز ذلك، اعتمادا منهم على أن ما ذكره المعترض، وإن كان ~~مرجوحا بالنسبة إلى ما ذكره المستدل، فلا يخرج بذلك عن كونه اعتراضا. # ومنهم من جوزه، وهو المختار، لأنه مهما ترجح ما ذكره المستدل بوجه من ~~وجوه الترجيحات الآتية، كان العمل به متعينا. # وهل يجب على المستدل أن يذكر في دليله ما يومئ إلى الترجيح؟ # منهم من أوجبه، لتوقف العمل بالدليل عليه فكان من الدليل، فلو لم يذكره، ~~لم يكن ذاكرا للدليل أولا، بل لبعضه، ومنهم من لم يوجبه، لما في التكليف به ~~من الحرج والمشقة. # والمختار أن يقال: إما أن يكون ما به الترجيح يرجع إلى العلة بأن يكون ~~وصفا من أوصافها، أو لا يكون كذلك: # فإن كان الأول، فلا بد من ذكره في الدليل أولا، ليكون ذاكرا للدليل. # وإن كان الثاني، فلا، لأنه مسؤول عن الدليل وقد أتى بمسماه حقيقة، ~~والترجيح بأمر خارج عن الدليل إنما هو من توابع ورود المعارضة، فذكره بعد ~~المعارضة، وإن توقف عليه إعمال الدليل بدفع المعارض، لا يوجب أن يكون داخلا ~~في مسمى الدليل، حتى يقال إنه لم يكن ذاكرا للدليل أولا. PageV04P102 # الاعتراض العشرون الفرق واعلم أن سؤال الفرق عند أبناء زماننا لا يخرج عن ~~المعارضة في الأصل أو الفرع، إلا أنه عند بعض المتقدمين عبارة عن مجموع ~~الامرين، حتى إنه لو اقتصر ms821 على أحدهما لا يكون فرقا. # ولهذا اختلفوا فمنهم من قال: إنه غير مقبول، لما فيه من الجمع بين أسئلة ~~مختلفة، وهي المعارضة في الأصل والمعارضة في الفرع. # ومنهم من قال بقبوله، واختلفوا مع ذلك في كونه سؤالين أو سؤالا واحدا. # فقال ابن سريج إنه سؤالان، جوز الجمع بينهما لكونه أدل على الفرق. # وقال غيره: بل هو سؤال واحد لاتحاد مقصوده، وهو الفرق، وإن اختلفت صيغته. # ومن المتقدمين من قال: ليس سؤال الفرق هو هذا، وإنما هو عبارة عن بيان ~~معنى في الأصل له مدخل في التعليل، ولا وجود له في الفرع، فيرجع حاصله إلى ~~بيان انتفاء علة الأصل في الفرع، وبه ينقطع الجمع. # وجوابه على كل تقدير لا يخرج عما ذكرناه في جواب المعارضة في الأصل ~~والفرع. # الاعتراض الحادي والعشرون إذا اختلف الضابط بين الأصل والفرع، واتحدت ~~الحكمة كما لو قيل في شهود القصاص: تسببوا في القتل عمدا عدوانا، فلزمهم ~~القصاص، زجرا لهم عن التسبب، كالمكره. # فللمعترض أن يقول: ضابط الحكمة في الأصل إنما هو الاكراه، وفي الفرع ~~الشهادة، والمقصود منهما، وإن كان متحدا وهو الزجر، فلا يمكن تعدية الحكم ~~به وحده، وما جعل ضابطا له في الأصل غير موجود في الفرع، والضابط في الفرع ~~يحتمل أن لا يكون مساويا لضابط الأصل في الافضاء إلى المقصود، فامتنع ~~الالحاق. # وجوابه إما بأن يبين أن التعليل إنما هو بعموم ما اشترك فيه الضابط من ~~التسبب المضبوط عرفا، أو بأن يبين أن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود ~~أكثر من إفضاء ضابط الأصل، فكان أولى بالثبوت. PageV04P103 # وذلك كما لو كان أصله في مثل هذه المسألة (المغرى للحيوان) من حيث إن ~~انبعاث الولي للتشفي والانتقام في الفرع لغلبة إقدام المكره بالاكراه على ~~القتل، طلبا لخلاص نفسه، أغلب من إقدام الحيوان بالاغراء على الآدمي بسبب ~~غلبة نفرته عنه. # وبالجملة، فيبين الغلبة بما يساعد في آحاد المسائل. # الاعتراض الثاني والعشرون إذا اتحد الضابط بين الأصل والفرع، واختلف جنس ~~المصلحة كما لو قال الشافعي في مسألة اللواط: ms822 أولج فرجا في فرج مشتهى طبعا، ~~محرم شرعا، فوجب به الحد كالزنى. # فللمعترض أن يقول: الضابط وإن كان متحدا، غير أن الحكمة التي في الفرع، ~~وهي صيانة النفس عن رذيلة اللياطة، مخالفة لحكمة الأصل، وهي دفع محذور ~~اختلاط المياه واشتباه الأنساب المفضي إلى تضييع المولود وانقطاع نسل جنس ~~الانسان. # وعند ذلك فلا يلزم من اعتبار الضابط في الأصل لما لزمه من الحكمة، ~~اعتباره في الفرع لغير تلك الحكمة، لجواز أن لا تكون قائمة مقامها في نظر ~~الشارع. # وجوابه أن يقال: التعليل إنما وقع بالضابط المشترك المستلزم لدفع المحذور ~~اللازم من عموم الجماع، والتعرض لحذف خصوص ما اختص به الأصل من الزنى ~~ومقصوده اللازم عنه وحذفه بطريق من طرق الحذف التي سبق بيانها في السبر ~~والتقسيم الاعتراض الثالث والعشرون أن يقال: حكم الفرع مخالف الأصل، فلا ~~قياس، لان القياس عبارة عن تعدية حكم الأصل إلى الفرع بواسطة الجامع ~~بينهما، ومع اختلاف الحكم، فحكم الأصل لا يكون متعديا إلى الفرع، فلا قياس. # وجوابه ببيان اتحاد الحكم، إما عينا، وذلك كما في قياس وجوب الصوم على ~~وجوب الصلاة، وقياس صحة البيع على صحة النكاح، وأن الاختلاف إنما هو عائد ~~إلى المحل، وهو غير قادح PageV04P104 # في صحة القياس لكونه شرطا فيه، وإما جنسا، كما في قياس وجوب قطع الأيدي ~~باليد الواحدة، على وجوب قتل الأنفس بالنفس الواحدة، وأن الاختلاف إنما هو ~~في عين الحكم، فكان، إما ملائما، إن كان الاشتراك في جنس العلة، أو مؤثرا ~~إن كان الاشتراك في عينها، على ما سبق تحقيقه. وذلك غير مبطل للقياس عند ~~القائلين به. # وأما إن كان الحكم مختلفا جنسا ونوعا، كما في إلحاق الاثبات بالنفي، أو ~~الوجوب بالتحريم، وبالعكس، فقد بينا وجه الاختلاف في صحته، وأن المختار ~~إبطاله. # الاعتراض الرابع والعشرون سؤال القلب وهو قسمان: الأول قلب الدعوى، ~~والآخر قلب الدليل. # أما قلب الدعوى: فضربان، وذلك لان الدعوى إما أن يكون الدليل مضمرا فيها، ~~أو لا يكون كذلك: # فإن كان الأول، فهو كما لو قال الأشعري: ms823 أعلم بالضرورة أن كل موجود مرئي. ~~فهذه دعوى فيها إضمار الدليل، وتقديره، لأنه موجود، إذ الوجود هو المصحح ~~للرؤية عنده. # فقال المعتزلي: أعلم بالضرورة أن كل ما ليس في جهة لا يكون مرئيا. فهذه ~~الدعوى مقابلة للأولى، من جهة أن الموجود ينقسم إلى ما هو في جهة، وإلى ما ~~ليس PageV04P105 # فالقول بأن ما ليس في جهة لا يكون مرئيا، يقابل قول القائل: كل موجود ~~مرئي. ودليلها مضمر فيها، وتقديره أن انتفاء الجهة مانع من الرؤية. # وأما إن لم يكن الدليل مضمرا فيها، فكما لو قال القائل في مسألة إفضاء ~~النظر إلى العلم، أو في مسألة التحسين والتقبيح مثلا: # أعلم بالضرورة أن النظر لا يفضي إلى العلم، وأن الكفر قبيح لعينه، والشكر ~~حسن لعينه. # فقال المعترض أعلم بالضرورة أن النظر يفضي إلى العلم، وأن الكفر ليس ~~قبيحا لعينه، ولا الشكر حسنا لعينه. وهذا هو عين مقابلة بالفاسد، والمقصود ~~منه استنطاق المدعي باستحالة دعوى الضرورة من خصمه في محل الخلاف، فيقال: # وهذا لازم لك أيضا. # وقد أورد الجدليون في هذا الباب قلب الاستبعاد في الدعوى، وذلك كما لو ~~قال الشافعي في مسألة إلحاق الولد بأحد الأبوين المدعيين، تحكيم الولد في ~~ذلك تحكم بلا دليل، فقال الحنفي: وتحكيم القائف في ذلك أيضا تحكم بلا دليل. ~~PageV04P106 # قالوا والمقصود منه أيضا استنطاق المدعي بأن ما ذكره ليس بتحكم، بل له ~~مأخذ صحيح، فيقول المعترض: وكذلك ما ذكرته. وهو في غاية البعد، فإنه إما أن ~~يعترف المدعى بأن ما ذهب إليه تحكم، أو أن يبين مأخذه فيه، فإن كان تحكما ~~فلا تغني معارضته بتحكمه في مذهبه في إبطال دعواه التحكم في مذهب خصمه، وإن ~~بين له مأخذا، فلا يلزم منه أن يكون ما استبعده من مذهب خصمه كذلك. # وإن تعرض المعترض لبيان المأخذ فيما استبعده المدعي، فهو الجواب، ولا ~~حاجة إلى القلب. # وأما قلب الدليل، وهو عبارة عن بيان كون ما ذكره المستدل يدل عليه، ثم لا ~~يخلو إما أن يسلم المعترض أن ما ذكره المستدل ms824 من الدليل يدل له من وجه، أو ~~يبين أنه لا دلالة له على مذهب المستدل ولا من وجه، فإن بين أن ما ذكره لا ~~يدل له، وهو دليل عليه، فهذا قلما يوجد له مثال في غير النصوص وذلك كما لو ~~استدل في توريث الخال بقوله عليه السلام الخال وارث من لا وارث له فقال ~~المعترض: المراد به نفي توريث الخال بطريق المبالغة، كما يقال: الجوع زاد ~~من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة له، معناه نفي كون الجوع زادا، ~~والصبر حيلة. # ويدل على إرادة هذا الاحتمال أنه لا يخلو: إما أن يكون المراد من قوله: ~~لا وارث له نفي كل وارث، فتوريث الخال لا يتوقف عند من يراه وارثا على نفي ~~جميع الوراث، لإرثه مع الزوج والزوجة، وإما نفي من عداه من الوراث بجهة ~~العصوبة فتخصيص الخال بالذكر لا يكون مفيدا، لان من عداه من ذوي الأرحام ~~كذلك. PageV04P107 # وهذا النوع من القلب، وإن دل على مذهب المعترض، فهو شبيه بفساد الوضع، من ~~حيث إنه لا يدل على مذهب المستدل. # وإن سلم أن ما ذكره المستدل يدل له من وجه فهذا النوع من القلب ثلاثة ~~أقسام، وذلك لان المعترض إما أن يتعرض في القلب لتصحيح مذهبه، أو لابطال ~~مذهب المستدل: وإن تعرض لابطال مذهب المستدل، فإما أن يتعرض له صريحا بأن ~~يجعله حكما للدليل بلا واسطة، أو لا بصريحه، بل بطريق الالتزام، بأن يرتب ~~على الدليل حكما يلزم منه إبطال مذهب المستدل. # فإن كان من القسم الأول، فهو كما لو قال الحنفي مثلا في مسألة الاعتكاف: # لبث محض، فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة، فقال المعترض: لبث محض، ~~فلا يشترط الصوم في صحته، كالوقوف بعرفة، فكل واحد منهما قد تعرض في دليله ~~لتصحيح مذهبه، غير أن المستدل أشار بعلته إلى اشتراط الصوم بطريق الالتزام، ~~والمعترض أشار إلى نفي اشتراطه صريحا. # وعند التحقيق، فتعليل المستدل في هذا المثال لنفي القربة ليس تعليلا ~~بمناسب يقتضي نفي القربة، بل بانتفاء المناسب من ms825 حيث إن اللبث المحض لا ~~يناسب ولا يشم منه رائحة المناسبة للقرابة. وتعليل المعترض بأمر طردي، فإنه ~~لا مناسبة في اللبث المحض لنفي اشتراط الصوم. # وقد يتفق أن يكون المستدل قد تعرض لتصحيح مذهبه صريحا، والمعترض كذلك، ~~كما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة: طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز ~~بغير الماء كطهارة الحدث، فقال المعترض: طهارة تراد لأجل الصلاة فتصبح بغير ~~الماء كطهارة الحدث، فكل واحد منهما متعرض في الدليل لتصحيح مذهبه صريحا، ~~والعلة في الطرفين شبهية. # وإن كان من القسم الثاني، وهو أن يتعرض المعترض في القلب لابطال مذهب ~~المستدل صريحا ، فمثاله ما لو قال الحنفي في مسألة مسح الرأس: عضو من أعضاء ~~الوضوء. فلا يكتفي فيه بأقل ما ينطلق عليه الاسم كسائر الأعضاء. ~~PageV04P108 # فقال الشافعي: عضو من أعضاء الوضوء، فلا يتقدر بالربع كسائر الأعضاء، فكل ~~واحد منهما قد صرح في دليله بإبطال مذهب خصمه، وليس في ذلك ما يدل على ~~تصحيح مذهب أحدهما، فإنه ليس يلزم من إبطال مذهب كل واحد منهما تصحيح مذهب ~~الآخر، لجواز أن يكون الصحيح هو مذهب مالك، وهو وجوب الاستيعاب. # نعم لو كان القائل في المسألة قائلان، والاتفاق منهما واقع على نفي قول ~~ثالث، فإنه يلزم من تعرض كل واحد منهما لابطال مذهب الآخر تصحيح مذهبه، ~~ضرورة الاجتماع على إبطال قول ثالث. وذلك كالحكم بالأولوية في مسألة التخلي ~~للعبادة. # وإن كان من القسم الثالث، فهو كما لو قال الحنفي في مسألة بيع الغائب: ~~عقد معارضة، فيصح مع الجهل بالمعوض، كالنكاح، فقال الشافعي: عقد معاوضة فلا ~~يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح. # فإن المعترض في هذا المثال لم يتعرض لابطال مذهب المستدل في القول بالصحة ~~صريحا، بل بطريق الالتزام. وذلك أن من قال بالصحة، فقد قال بخيار الرؤية. # فخيار الرؤية لازم الصحة. فإذا بطل خيار الرؤية، فقد انتفى اللازم، ويلزم ~~من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. ويلتحق بأذيال هذا القسم الثالث قلب ~~التسوية، ومثاله قول الحنفي في مسألة إزالة النجاسة بالخل: مائع طاهر مزيل ~~للعين ms826 والأثر، فتحصل به الطهارة كالماء، فيقول الشافعي: مائع طاهر مزيل ~~للعين والأثر فتستوي فيه طهارة الحدث والخبث كالماء، فإنه يلزم من القول ~~بالتسوية في الخل بين طهارة الحدث والخبث عدم حصول الطهارة بالخل في الخبث ~~لعدم حصولها به في الحدث، والحكم بالتسوية. # واعلم أن أعلى مراتب أنواع القلب ما بين فيه أنه يدل على المستدل، ولا ~~يدل له، ثم يليه النوع الثاني، وهو ما بين فيه أنه يدل له وعليه، وأعلى ~~مراتب هذا النوع ما صرح فيه بإثبات مذهب المعترض، وهو القسم الأول منه، ثم ~~ما صرح فيه بإبطال مذهب المستدل فإنه دون ما قبله من حيث إنه لا يلزم منه ~~تصحيح مذهبه على ما تقدم، وهو القسم الثاني منه، ثم القسم الثالث، فإنه وإن ~~شارك ما قبله من القسم الثاني في إبطال مذهب المستدل، إلا أنه يدل عليه ~~بطريق الالتزام، وما قبله بصريحه، PageV04P109 # وهذا النوع من القلب لا تعرض فيه لدلالة المستدل بالقدح، بل غايته بيان ~~دلالة أخرى منه تدل على نقيض مطلوبه، فكان شبيها بالمعارضة، وإن فارقها من ~~جهة أنه معارضة نشأت من نفس دليل المستدل. # وإذا أتينا على ما أردناه من تحقيق معنى القلب، وأقسامه، فقد اختلف في ~~قبوله: # فقبله قوم من حيث إنه يشير إلى ضعف الدليل، لدلالته على نقيض مذهب ~~المستدل، ورده آخرون من حيث إن المعترض إما أن يتعرض في دليله لنقيض حكم ~~المستدل، أو إلى غيره: # فإن كان الأول، فقد تعذر عليه القياس على أصل المستدل، لاستحالة اجتماع ~~حكمين متقابلين مجمع عليهما في صورة واحدة. # وإن كان الثاني، فلا يكون ذلك اعتراضا على الدليل. # والحق في ذلك أنه وإن تعرض في الدليل لحكم يقابل حكم المستدل صريحا، فقد ~~لا يمتنع الجمع بينهما في أصل واحد، كما ذكرناه من مثال إزالة النجاسة في ~~القسم الأول. # وإن تعرض لغيره، فيصح القلب إذا كان ذلك لازما عما ذكره المعترض، كما ~~ذكرناه المعترض كما ذكرناه من المثال في القسم الثاني من النوع الثاني من ~~التمثيل في مسألة ms827 بيع الغائب، ومن التمثيل بقلب التسوية في إزالة النجاسة. # وإنما يمتنع قبوله لان ما ذكره المستدل إما أن يكون مقصود الشارع من ~~الحكم المرتب عليه ملازما له، أو لا يكون فإن كان الأول فتعليل المعترض به ~~لمقابل حكم المستدل إما أن يكون بحيث يلزمه مقصود من مقابل الحكم، أو لا ~~يكون كذلك: # فإن كان الأول، فإما أن يكون ذلك من جهة ما علل به المستدل، أو من غيرها: # فإن كان الأول فمحال أن يكون الوصف الواحد من جهة واحدة يناسب الحكم ~~ومقابله، وإن كان الثاني، فما ذكره ليس بقلب، إذ القلب لا بد فيه من اتحاد ~~العلة في القياسين، بل هو معارضة بدليل آخر، وإن كان بحيث لا يلازمه ~~المقصود، فهو بالنسبة إلى حكم المعترض طردي، ووصف المستدل مناسب أو شبهي، ~~فلا يكون قادحا وإن كان ما ذكره المستدل طرديا بالنسبة إلى ما رتبه عليه، ~~فهو باطل في نفسه، لتعذر التعليل بالطردي المحض، ولا حاجة إلى شئ من ~~الاعتراضات. PageV04P110 # الاعتراض الخامس والعشرون - سؤال القول بالموجب وحاصله يرجع إلى تسليم ما ~~اتخذه المستدل حكما لدليله على وجه لا يلزم منه تسليم الحكم المتنازع فيه. # ومهما توجه على هذا الوجه، كان المستدل منقطعا، لتبين أن ما نصه من ~~الدليل لم يكن متعلقا بمحل النزاع، وهو منحصر في قسمين. وذلك لان المستدل ~~إما أن ينصب دليل على تحقيق مذهبه، وما نقل عن إمامه من الحكم، أو على ~~إبطال ما يظنه مدركا لمذهب خصمه. # فإن كان الأول، فهو كما لو قال الشافعي في الملتجئ إلى الحرم وجد سبب ~~جواز استيفاء القصاص، فكان استيفاؤه جائزا. فقال الخصم: أقول بموجب هذا ~~الدليل، فإن استيفاء القصاص عندي جائز. وإنما النزاع في جواز هتك حرمة ~~الحرم. # وإن كان الثاني، فهو كما لو قال الشافعي في مسألة استيلاد الأب جارية ~~ابنه: # وجوب القيمة لا يمنع من إيجاب المهر كاستيلاد أحد الشريكين، أو قال في ~~مسألة القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في ~~المتوسل إليه. # فقال ms828 الخصم: أقول بموجب هذا الدليل، وأن وجوب القيمة لا يمنع من وجوب ~~المهر، والتفاوت في الوسيلة لا يمنع من التفاوت في المتوسل إليه. والنزاع ~~إنما هو في وجوب المهر ووجوب القصاص، ولا يلزم من إبطال ما ذكر من الموانع ~~إثبات وجوب المهر والقصاص، لجواز انتفاء المقتضي لذلك أو وجود مانع آخر، أو ~~فوات شرط. # وورود هذا النوع من القول بالموجب أغلب في المناظرات من ورود النوع ~~الأول، من جهة أن خفاء المدارك أغلب من خفاء الاحكام، لكثرة المدارك ~~وتشعبها وعدم الوقوف على ما هو معتمد الخصم من جملتها، بخلاف الاحكام، فإنه ~~قلما يتفق الذهول عنها. # ولهذا قد يشترك في معرفة الحكم المنقول عن الامام الخواص والعوام، دون ~~معرفة المدارك، فكان احتمال الخطأ في اعتقاد كون المدرك المعين هو مدرك ~~الامام أقرب من احتمال الخطأ فيما ينسب إلى الامام من الحكم المدلول عليه. ~~PageV04P111 # وقد اختلف الجدليون في وجوب تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب في ~~هذا النوع. # فقال بعضهم: لا بد من تكليفه بذلك لاحتمال أن يكون هذا هو المأخذ عنده، ~~فإذا علم أنه لا يكلف بإبداء المأخذ عند إيراد القول بالموجب، فقد يقول ~~بذلك عنادا، قصدا لايقاف كلام خصمه، ولا كذلك إذا وظف عليه بيان المأخذ ~~فكان أفضى إلى صيانة الكلام عن الخبط والعناد، فكان أولى. # وقال آخرون: لا وجه لتكليفه بذلك بعد وفائه بشرط القول بالموجب، وهو ~~استبقاء محل النزاع، وهو الأظهر، لأنه عاقل متدين، وهو أعرف بمأخذ إمامه، ~~فكان الظاهر من حاله الصدق فيما ادعاه، فوجب تصديقه، كيف وإنا لو أوجبنا ~~عليه إبداء المأخذ، فإن مكنا المستدل من إبطاله والاعتراض عليه، يلزم منه ~~قلب المستدل معترضا، والمعترض مستدلا، ولا يخفى ما فيه من الخبط. وإن لم ~~يمكن من ذلك، فلا فائدة في إبداء المأخذ، لامكان ادعائه ما يصلح للتعليل ~~ترويحا لكلامه، ثقة منه بامتناع ورود الاعتراض عليه. # وللمستدل في دفع القول بالموجب بالاعتبار الأول طرق. # الأول:: أن يقول: المسألة مشهورة بالخلاف فيما فرض فيه الكلام إن أمكن، ~~والشهرة ms829 بذلك دليل وقوع الخلاف فيه. # الثاني: أن يبين أن محل النزاع لازم فيما فرض الكلام فيه، وذلك كما لو ~~كان حكم دليله أنه لا يجوز قتل المسلم بالذمي، فقال المعترض: هو عندي غير ~~جائز، بل واجب. # فيقول المستدل المعنى بعدم الجواز لزوم التبعة بفعله، ويلزم من ذلك نفي ~~الوجوب لاستحالة لزوم التبعة بفعل الواجب. # الثالث: أن يقول المستدل القول بالموجب فيه تغيير كلامي عن ظاهره، فلا ~~يكون قولا بموجبه، PageV04P112 # وذلك كما لو كان المستدل قد قال في زكاة الخيل: حيوان تجوز المسابقة ~~عليه، فوجبت فيه الزكاة قياسا على الإبل. # فقال المعترض: عندي تجب فيه زكاة التجارة. والنزاع إنما هو في زكاة ~~العين. # فيقول المستدل: إذ كان النزاع في زكاة العين. فظاهر كلامي منصرف إليها ~~لقرينة الحال، ولظهور عود الألف واللام في الزكاة إلى المعهود، وأيضا فإن ~~لفظ الزكاة يعم زكاة العين والتجارة، فالقول به في زكاة التجارة قول ~~بالموجب في صورة واحدة، وهو غير متجه، لان موجب الدليل التعميم، فالقول ~~ببعض الموجب لا يكون قولا بالموجب، بل ببعضه. # وكذلك إذا قال في مسألة إزالة النجاسة: مائع لا يزيل الحدث، فلا يزيل ~~الخبث، كالمرقة، فقال المعترض: أقول به، فإن الخل النجس لا يزيل الحدث ولا ~~الخبث، فيقول المستدل: ظاهر كلامي إنما هو الخل الطاهر، ضرورة وقوع النزاع ~~فيه، وإيراد القول بالموجب على وجه يلزم منه تغيير كلام المستدل عن ظاهره، ~~لا يكون قولا بمدلوله وموجبه، بل بغيره، فلا يكون مقبولا، وله في دفع القول ~~بالموجب بالاعتبار الثاني أيضا طرق: # الأول: أن يكون المستدل قد أفتى بما وقع مدلولا لدليله وفرض المعترض ~~الكلام معه فيه، وطالبه بالدليل عليه، فإذا قال بالموجب بعد ذلك، فقد سلم ~~ما وقع النزاع فيه، وأفسد على نفسه القول بالموجب، بالمطالبة بالدليل عليه ~~أولا. # وبمثل هذا يمكن أن يجاب عن القول بالاعتبار الأول أيضا. # الثاني: أن يبين لقب المسألة مشهور بذلك بين النظار كما سبق تقريره أولا. # الثالث: أن يبين أن محل النزاع لازم من مدلول دليله، إن ms830 أمكن، ~~PageV04P113 # وذلك بأن يكون المعترض قد ساعد على وجود المقتضي لوجوب القصاص، وكانت ~~الموانع التي يوافق المستدل عليها منتفية، والشروط متحققة. فإذا أبطل كون ~~المانع المذكور مانعا، فيلزم منه الحكم المتنازع فيه ظاهرا. # وأما قياس الدلالة، والقياس في معنى الأصل، فيرد عليهما كل ما كان واردا ~~على قياس العلة، سوى الأسئلة المتعلقة بمناسبة الوصف الجامع. فإنها لا ترد ~~عليهما، أما قياس الدلالة، فلان الوصف الجامع فيه ليس بعلة، وأما القياس في ~~معنى الأصل فلعدم ذكر الجامع فيه. # والأسئلة الواردة على نفس الوصف الجامع لا ترد على القياس في معنى الأصل، ~~لعدم ذكر الجامع فيه. # ويختص قياس الدلالة بسؤال آخر، وهو عند ما إذا كان الجامع بين الأصل ~~والفرع أحد موجبي الأصل، كما إذا قال القائل في مسألة الأيدي باليد الواحدة ~~أحد موجبي الأصل، فالطرف المعصوم يساوي النفس فيه دليله الموجب الثاني، ~~وقرره بأن الدية أحد الموجبين في الأصل، وهي واجبة في الفرع على الكل، ~~ويلزم من وجود أحد الموجبين في الفرع وجود الموجب الآخر وذلك لأن علة ~~الموجبين في الأصل إما أن تكون واحدة، أو متعددة: فإن كانت واحدة، فيلزم من ~~وجود أحد موجبيها في الفرع وجودها فيه، ومن وجودها فيه وجود الموجب الآخر ~~وهو القصاص، على الكل. # وإن كانت متعددة، فتلازم الحكمين في الأصل دليل تلازم العلتين، وعند ذلك ~~فيلزم من وجود أحد الحكمين في الفرع وجود علته التي وجد بها في الأصل، ~~ويلزم من وجود علته وجود علة الحكم الآخر. # والسؤال الوارد عليه أن يقال: لا يلزم من وجود أحد حكمي الأصل في الفرع ~~وجود الحكم الآخر، سواء اتحدت علتهما في الأصل، أو تعددت. PageV04P114 # أما إذا اتحدت، فلانه لا يمتنع عند تعدد المحال وإن اتحد نوع الحكم، أن ~~يكون الحكم الثابت في الفرع ثابتا بغير علة الأصل، وهو الأولى، لما فيه من ~~تكثير مدارك الحكم، فإنه أفضى إلى اقتناص مقصود الشارع من الحكم، مما إذا ~~اتحد المدرك، وإذا كان كذلك، فلا يلزم منه وجود الحكم الآخر، لجواز أن ms831 لا ~~تكون علة الفرع مستقلة بإثبات الحكم الآخر، كاستقلال علة الأصل. # وأما إذا تعددت العلة، فإن وقع التلازم بينهما، فلجواز أن تكون علة الحكم ~~الثابت في الفرع غير علته في الأصل، لما ذكرناه، وعند ذلك، فلا يلزم منها ~~وجود العلة الأخرى في الفرع، فإنه لا يلزم من التلازم بين علة ذلك الحكم ~~وعلة الحكم الآخر في الأصل التلازم بين علته في الفرع، وعلة الحكم الآخر. # وعلى هذا، لا يكون الحكم الآخر لازما في الفرع. وجوابه أن يقال: ثبوت أحد ~~الحكمين في الفرع يدل ظاهرا على وجود علته التي ثبت بها في الأصل، وإن جاز ~~ثبوته في الفرع بغيرها، لان الأصل عدم وجود علة أخرى غير علته في الأصل. # والقول بأن تعدد المدارك أولى معارض بأن الاتحاد أولى لما فيه من التعليل ~~بعلة مطردة منعكسة، وما ذكروه، وإن كانت العلة فيه مطردة، إلا أنها غير ~~منعكسة. # والتعليل بالعلة المطردة المنعكسة متفق عليه، بخلاف غير المنعكسة، فكانت ~~أولى. # فإن قيل: وكما أن الأصل عدم علة أخرى في الفرع غير علة الأصل، فالأصل عدم ~~علة الأصل في الفرع، وليس العمل بأحد الأصلين أولى من الآخر. # قلنا: بل العمل بما ذكرناه أولى، لان العلة فيه تكون متعدية، وهي متفق ~~على صحة التعليل بها. وما ذكروه يلزم منه أن تكون العلة في الأصل قاصرة، ~~لان الأصل عدم وجودها في صورة أخرى، وهي مختلف في صحة التعليل بها، فكان ما ~~ذكرناه أولى. PageV04P115 # خاتمة لهذا الباب في ترتيب الأسئلة الواردة على القياس والاعتراضات ~~الواردة على القياس أما أن تكون من جنس واحد، كالنقوض، أو المعارضات في ~~الأصل أو في الفرع، وإما أن تكون من أجناس مختلفة، كالمنع والمطالبة، ~~والنقض، والمعارضة ونحوها. # فإن كان الأول، فقد اتفق الجدليون على جواز إيرادها معا، إذ لا يلزم منها ~~تناقض، ولا نزول عن سؤال إلى سؤال. # وإن كان الثاني، فلا يخلو: إما أن تكون الأسئلة غير مرتبة أو مرتبة: # فإن كانت غير مرتبة، فقد أجمع الجدليون على جواز الجمع بينهما، سوى ms832 أهل ~~سمرقند، فإنهم أوجبوا الاقتصار على سؤال واحد، لقربه إلى الضبط، وبعده عن ~~الخبط. # ويلزمهم على ذلك ما كان من الأسئلة المتعددة من جنس واحد، فإنها، وإن ~~أفضت إلى النشر، فالجمع بينها مقبول من غير خلاف بين الجدليين. # وإن كانت مرتبة، فقد منع منه أكثر الجدليين من حيث إن المطالبة بتأثير ~~الوصف بعد منع وجوده نزول عن المنع، ومشعر بتسليم وجوده، لأنه لو بقي مصرا ~~على منع وجود الوصف، فالمطالبة بتأثير ما لا وجود له محال. وعند ذلك فلا ~~يستحق المعترض غير جواب الأخير من الأسئلة. # ومنهم من لم يمنع منه، وذلك بأن يورد المطالبة بتأثير الوصف، بعد منع ~~وجود الوصف مقدرا لتسليم وجود الوصف. وذلك بأن يقول: وإن سلم عن المنع ~~تقديرا، فلا يسلم عن المطالبة وغيرها، ولا شك أنه أولى، لعدم إشعاره ~~بالمناقضة والعود إلى منع ما سلم وجوده أولا، كمنع وجود الوصف بعد المطالبة ~~بتأثيره المشعر بتسليم وجوده. وهذا هو اختيار الأستاذ أبي إسحاق، وهو ~~المختار. # وإذا كان لا بد من رعاية الترتيب في الأسئلة، فأول ما تجب البداية به ~~سؤال الاستفسار، لان من لا يعرف مدلول اللفظ، لا يعرف ما يتجه عليه. ~~PageV04P116 # ثم بعده سؤال فساد الاعتبار، لأنه نظر في فساده من جهة الجملة قبل النظر ~~في تفصيله، ثم سؤال فساد الوضع لأنه أخص من سؤال فساد الاعتبار كما سبق ~~تقريره، والنظر في الأعم يجب أن يكون قبل النظر في الأخص. # ثم بعده منع الحكم في الأصل، ويجب أن يكون مقدما على ما يتعلق بالنظر في ~~العلة، لان العلة مستنبطة من حكم الأصل فهي فرع عليه، والكلام في الفرع يجب ~~تأخيره عن الكلام في أصله، ثم بعده منع وجود العلة في الأصل. # ثم بعده النظر فيما يتعلق بعلية الوصف، كالمطالبة، وعدم التأثير، والقدح ~~في المناسبة، والتقسيم، وكون الوصف غير ظاهر ولا منضبط، وكون الحكم غير ~~صالح لافضائه إلى المقصود منه. # ثم بعده النقض والكسر، لكونه معارضا لدليل العلية، ثم بعده المعارضة في ~~الأصل، لأنه معارضة لنفس ms833 العلة، فكان متأخرا عن المعارض لدليل العلية، ~~والتعدية والتركيب، لان حاصلهما يرجع إلى المعارضة في الأصل، كما سبق ~~تقريره، ثم بعده ما يتعلق بالفرع كمنع وجود العلة في الفرع، ومخالفة حكمه ~~لحكم الأصل، ومخالفته للأصل في الضابط والحكمة والمعارضة في الفرع وسؤال ~~القلب، ثم بعد ذلك القول بالموجب، لتضمنه تسليم كل ما يتعلق بالدليل المثمر ~~له من تحقيق شروطه وانتفاء القوادح فيه. وهذا آخر الأصل الخامس. ~~PageV04P117 # الأصل السادس في معنى الاستدلال، وأنواعه أما معناه في اللغة فهو استفعال ~~من طلب الدليل والطريق المرشد إلى المطلوب. # وأما في اصطلاح الفقهاء، فإنه يطلق تارة بمعنى ذكر الدليل، وسواء كان ~~الدليل نصا أو إجماعا أو قياسا أو غيره، ويطلق تارة على نوع خاص من أنواع ~~الأدلة، وهذا هو المطلوب بيانه هاهنا. # وهي عبارة عن دليل لا يكون نصا ولا إجماعا ولا قياسا فإن قيل: تعريف ~~الاستدلال بسلب غيره من الأدلة عنه ليس أولى من تعريف غيره من الأدلة بسب ~~حقيقة الاستدلال عنه. # قلنا: إنما كان تعريف الاستدلال بما ذكرناه أولى، بسبب سبق التعريف ~~لحقيقة ما عداه من الأدلة دون تعريف الاستدلال كما سبق. وتعريف الأخفى ~~بالأظهر جائز دون العكس. # وإذا عرف معنى الاستدلال، فهو على أنواع، منها قولهم: وجد السبب، فثبت ~~الحكم، ووجد المانع وفات الشرط فينتفي الحكم فإنه دليل من حيث إن الدليل ما ~~يلزم من ثبوته لزوم المطلوب قطعا، أو ظاهرا، ولا يخفى لزوم المطلوب من ثبوت ~~ما ذكرناه، فكان دليلا، وليس هو نصا ولا إجماعا ولا قياسا فكان استدلالا. # فإن قيل: تعريف الدليل بما يلزم من إثباته الحكم المطلوب، تعريف للدليل ~~بالمدلول، والمدلول لا يعرف إلا بدليله، فكان دورا ممتنعا. وإن سلمنا صحة ~~الحد، ولكن لا نسلم أن المذكور ليس بقياس، فإنه إذا آل الامر إلى إثبات ~~المدعى، كان مفتقرا إلى المناسبة والاعتبار، ولا معنى للقياس سوى هذا. # قلنا: أما الدور فإنما يلزم أن لو اتحدت جهة التوقف، وليس كذلك، وذلك لان ~~المطلوب إنما يتوقف على الدليل من جهة وجوده ms834 في آحاد الصور، لا من جهة ~~حقيقته، لأنا نعرف حقيقة الحكم من حيث هو حكم، وإن جهلنا دليل وجوده. ~~والدليل إنما يتوقف على لزوم المطلوب له من جهة حقيقته لا من جهة وجوده في ~~آحاد الصور. وإذا اختلفت الجهة فلا دور. وما ذكروه في تحقيق PageV04P118 # كونه قياسا، فإنما يلزم أن لو كان تقرير السببية والمانعية والشرطية لا ~~يكون إلا بما ذكروه، وليس ذلك بلازم لامكان تقريره بنص يدل عليه أو إجماع. # والثابت بالنص أو الاجماع لا يكون نصا ولا إجماعا، كما تقرر قبل ~~والاعتراضات الواردة على طريق تقريره، ووجوه الانفصال عنها غير خافية. # ومنها نفي الحكم لانتفاء مداركه، كقولهم: الحكم يستدعي دليلا، ولا دليل، ~~فلا حكم. أما أنه يستدعي دليلا، فبالضرورة، وأما أنه لا دليل، فلا يدل عليه ~~سوى البحث والسبر، وإن الأصل في الأشياء كلها العدم، وطريق الاعتراض، ~~بإبداء ما يصلح دليلا من نص أو إجماع أو قياس أو استدلال. # وجوابه بالقدح في الدليل المذكور بما يساعد في موضع على حسبه، ولا يخفى. # وقد ترد عليه أسئلة كثيرة أوردناها في كتاب المؤاخذات وقررناها اعتراضا ~~وانفصالا، فعليك بالالتفات إليها. # ومنها الدليل المؤلف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها تسليم قول آخر. ~~وذلك القول اللازم إما أن لا يكون ولا نقيضه مذكورا فيما لزم عنه بالفعل، ~~أو هو مذكور فيه. # فإن كان الأول، فيسمى اقترانيا، وأقل ما يتركب من مقدمتين، ولا يزيد ~~عليهما. # وكل مقدمة تشتمل على مفردين، الواحد منهما مكرر في المقدمتين، ويسمى حدا ~~أوسط، والمفردان الآخران اللذان بهما افتراق المقدمتين، منهما يكون المطلوب ~~اللازم، ويسمى أحدهما، وهو ما كان محكوم به في المطلوب، حدا أكبر، وما كان ~~منهما محكوما عليه في المطلوب يسمى حدا أصغر والمقدمة التي فيها الحد ~~الأكبر كبرى والتي فيها الحد الأصغر صغرى. # ثم هيئة الحد الأوسط في نسبته إلى الحدين المختلفين تسمى شكلا ~~PageV04P119 # وهيئته في النسبة إما بكونه محمولا على الحد الأصغر، وموضوعا للحد الأكبر ~~ويسمى الشكل الأول، وإما بكونه محمولا عليهما ويسمى الشكل الثاني، ms835 وإما ~~بكونه موضوعا لهما ويسمى الشكل الثالث وإما بكونه موضوعا للأصغر ومحمولا ~~على الأكبر، ويسمى الشكل الرابع. وهو بعيد عن الطباع ومستغنى عنه بباقي ~~الاشكال فلنقتصر على ذكر ما قبله من الاشكال الثلاثة. # أما الشكل الأول منها، فهو أبينها، وما بعده فمتوقف في معرفة ضروبه عليه، ~~وهو منتج للمطالب الأربعة: الكلي موجبا وسالبا، والجزئي موجبا وسالبا. # وشرطه في الانتاج إيجاب صغراه، وأن تكون في حكم الموجبة، وكلية كبراه. # وضروبه المنتجة أربعة: # الضرب الأول: من كليتين موجبتين، كقولنا: كل وضوء. عبادة، وكل عبادة ~~تفتقر إلى النية، واللازم كل وضوء يفتقر إلى النية. # الضرب الثاني: من كلية صغرى موجبة، كلية كبرى سالبة، كقولنا: كل وضوء ~~عبادة، ولا شئ من العبادة يصح بدون النية، واللازم لا شئ من الوضوء يصح ~~بدون النية. PageV04P120 # الضرب الثالث: بعض الوضوء عبادة، وكل عبادة تفتقر إلى النية، واللازم بعض ~~الوضوء يفتقر إلى النية. # الضرب الرابع: بعض الوضوء عبادة، ولا شئ من العبادة يصح بدون النية ~~واللازم بعض الوضوء لا يصح بدون النية. # الشكل الثاني: وشروطه في الانتاج اختلاف مقدمتيه في الكيفية، وكلية ~~كبراه. # وضروبه المنتجة أربعة: # الضرب الأول: من كليتين، الصغرى موجبة، والكبرى سالبة، كقولنا: كل بيع ~~غائب فصفات المبيع فيه مجهولة، ولا شئ مما يصح بيعه صفات المبيع فيه ~~مجهولة، واللازم لا شئ من بيع الغائب صحيح. # الضرب الثاني: من كلية صغرى سالبة، وكلية كبرى موجبة، كقولنا: لا شئ من ~~بيع الغائب معلوم الصفات، وكل بيع صحيح فمعلوم الصفات، واللازم كالذي قبله. # الضرب الثالث: من جزئية صغرى موجبة، وكلية كبرى سالبة كقولنا: # بعض بيع الغائب مجهول الصفات، ولا شئ مما يصح بيعه مجهول الصفات، ولازمه ~~بعض بيع الغائب لا يصح. # الضرب الرابع: من جزئية صغرى سالبة، وكلية كبرى موجبة، كقولنا: ليس ~~PageV04P121 # كل بيع غائب معلوم الصفات، وكل بيع صحيح معلوم الصفات، ولازمه كلازم الذي ~~قبله. # والانتاج في هذا الشكل غير بين بنفسه، بل هو مفتقر إلى بيان، وذلك بأن ~~تعكس الكبرى من الأول، وتبقيها كبرى بحالها، فإنه ms836 يعود إلى الضرب الثاني من ~~الشكل الأول ناتجا عين المطلوب، وتعكس الصغرى من الثاني فتجعلها كبرى ثم ~~تستنتج وتعكس النتيجة فيعود إلى عين المطلوب وأن تعكس الكبرى من الثالث ~~وتبقيها كبرى بحالها فأنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الأول ناتجا عين ~~المطلوب والضرب الرابع منه لا يتبين بالعكس، لأنك إن عكست PageV04P122 # الكبرى منه، عادت جزئية، ولا قياس عن جزئيتين، والصغرى فلا عكس لها وإن ~~شئت بينت الانتاج بالخلف، وهو أن تأخذ نقيض النتيجة من كل ضرب منه، وتجعله ~~صغرى للمقدمة الكبرى من ذلك الضرب، فإنه ينتج نقيض المقدمة الصغرى الصادقة ~~وهو محال، وليس لزوم المحال عن نفس الصورة القياسية لتحقق شروطها، ولا عن ~~نفس المقدمة الكبرى، لكونها صادقة فكان لازما عن نقيض المطلوب، فكان محالا، ~~وإلا لما لزم عنه المحال. وإذا كان نقيض المطلوب محالا، كان المطلوب الأول ~~هو الصادق. PageV04P123 # الشكل الثالث: وشرط إنتاجه إيجاب صغراه، أو أن تكون في حكم الموجبة، ~~وكلية إحدى مقدميته، ولا ينتج غير الجزئي الموجب والسالب. وضروبه المنتجة ~~ستة: # الضرب الأول: من كليتين موجبتين، كقولنا: كل بر مطعوم، وكل بر ربوي، ~~ولازمه بعض المطعوم ربوي. # الضرب الثاني: من جزئية صغرى موجبة، وكلية موجبة كبرى، كقولنا: # بعض البر مطعوم، وكل بر ربوي، ولازمه كلازم ما قبله. # الضرب الثالث: من كلية موجبة صغرى، وجزئية موجبة كبرى، كقولنا: # كل بر مطعوم، وبعض البر ربوي ولازمه كلازم ما قبله. # الضرب الرابع: من كلية موجبة صغرى، وكلية سالبة كبرى، كقولنا: كل بر ~~مطعوم، ولا شئ من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه لا شئ من المطعوم ~~يصح بيعه بجنسه متفاضلا. # الضرب الخامس: من جزئية موجبة صغرى، وكلية سالبة كبرى، كقولنا بعض البر ~~ربوي، ولا شئ من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه كلازم ما قبله. # الضرب السادس: من كلية موجبة صغرى، وجزئية سالبة كبرى، كقولنا: # كل بر مطعوم، وبعض البر لا يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه كلازم ما ~~قبله. # وإنتاج هذا الشكل غير بين بنفسه دون بيان، وهو أن ms837 تعكس الصغرى من الأول ~~والثاني، وتبقيها صغرى بحالها، فإنه يعود إلى الضرب الثالث من الشكل الأول ~~ناتجا عين المطلوب، وتعكس الصغرى من الرابع والخامس، وتبقيها صغرى بحالها ~~فإنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الأول، ناتجا عين المطلوب وتعكس ~~الكبرى من الثالث وتجعلها صغرى للصغرى، ثم تعكس النتيجة، فتعود إلى عين ~~المطلوب. وأما السادس منه فلا يتبين بالعكس، لأنك إن عكست الصغرى، عادت ~~جزئية، ولا قياس عن جزئيتين، والكبرى فلا عكس لها. # وإن شئت بينت بالخلف، وهو أن تأخذ نقيض النتيجة، وتجعله كبرى للصغرى في ~~جميع ضروبه، فإنه ينتج نقيض المقدمة الكبرى الصادقة، ويلزم من PageV04P124 # ذلك كذب النقيض، لما بيناه في الشكل الثاني. ويلزمه صدق المطلوب الأول. # وأما إن كان القسم الثاني، وهو أن يكون اللازم أو نقيضه مذكورا فيما لزم ~~عنه بالفعل، فيسمى استثنائيا. ولا بد فيه من قضيتين إحداهما استثنائية لعين ~~أحد جزئي القضية الأخرى أو نقيضه، ثم القضية المستثنى منها لا بد فيها من ~~جزئين بينهما نسبة بإيجاب أو سلب. والنسبة الايجابية بينهما إما أن تكون ~~باللزوم والاتصال، وفي حالة السلب برفعه، أو بالعناد والانفصال، وفي حالة ~~السلب برفعه. # فإن كان الأول، فتسمى تلك القضية شرطية متصلة، وأحد جزئيها، وهو ما دخل ~~عليه حرف الشرط (مقدما) والثاني، وهو ما دخل عليه حرف الجزاء (تاليا) وما ~~هي مقدمة فيه يسمى قياسا شرطيا متصلا. # وإن كان الثاني، فتسمى منفصلة وما هي مقدمة فيه يسمى قياسا منفصلا. # أما الشرطي: المتصل، فشرط إنتاجه أن تكون النسبة بين المقدم والتالي ~~كلية، أي دائمة، وأن يكون الاستثناء إما بعين المقدم منها، أو نقيض التالي، ~~وذلك لان التالي إما أن يكون أعم من المقدم، أو مساويا له. ولا يجوز أن ~~يكون أخص منه، وإلا كانت القضية كاذبة. وعند ذلك، فاستثناء عين المقدم يلزم ~~منه عين التالي، سواء كان التالي أعم من المقدم أو مساويا له. واستثناء ~~نقيض التالي يلزم منه نقيض المقدم. وأما استثناء نقيض المقدم وعين التالي، ~~فلا يلزم منه شئ، لجواز أن ms838 يكون التالي أعم من المقدم، فلا يلزم من نفي ~~الأخص نفي الأعم، ولا من وجود الأعم وجود الأخص. وإن لزم ذلك، فإنما يكون ~~عند التساوي بينهما، فلا يكون الانتاج لازما لنفس صورة الدليل، بل لخصوص ~~المادة، وذلك كما في قولنا: دائما إن كان هذا الشئ إنسانا، فهو حيوان، لكنه ~~إنسان، فيلزمه أنه حيوان، أو لكنه ليس بحيوان فيلزمه أنه ليس إنسانا. # وأما المنفصل: فالمنفصلة منه إما أن تكون مانعة الجمع بين الجزأين والخلو ~~معا، أو مانعة الجمع دون الخلو، أو مانعة الخلو دون الجمع: # فإن كان الأول، فيلزم من استثناء عين كل واحد من الجزئين نقيض الآخر، ومن ~~استثناء نقيضه عين الآخر، وذلك كما في قولنا: دائما إما أن يكون العدد ~~PageV04P125 # زوجا، وإما أن يكون فردا، لكنه زوج فليس بفرد أو لكنه فرد ليس بزوج أو ~~لكنه ليس بزوج فهو فرد أو لكنه ليس بفرد فهو زوج. # وإن كان الثاني، فاستثناء عين أحدهما يلزمه نقيض الجزء الآخر، ولا يلزم ~~من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه وذلك كقولنا: دائما إما أن ~~يكون الجسم جمادا وإما حيوانا لكنه حيوان فليس بجماد أو لكنه جماد فليس ~~بحيوان ولا يلزم من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه. # وإن كان الثالث، فاستثناء نقيض كل واحد منهما يلزم منه عين الآخر، ولا ~~يلزم من استثناء عين أحدهما عين الآخر، ولا نقيضه، وذلك كما إذا قلنا: # دائما إما أن يكون المحل لا أسود، وإما لا أبيض. فاستثناء نقيض أحدهما ~~يلزمه عين الآخر، ولا يلزم من استثناء عين أحدهما عين الآخر ولا نقيضه. # فهذه جملة ضروب هذا النوع من الاستدلال لخصناها في أوجز عبارة. ومن أراد ~~الاطلاع على ذلك بطريق الكمال والتمام فعليه بمراجعة كتبنا المخصوصة بهذا ~~الفن. ولا يخفى ما يرد عليها من الاعتراضات من منع المقدمات والقوادح في ~~الأدلة الدالة عليها، على اختلاف أنواعها، وكذلك الجواب عنها. # ومن أنواع الاستدلال استصحاب الحال وفيه مسألتان: PageV04P126 # المسألة الأولى في الاستدلال باستصحاب الحال وقد اختلف فيه: ms839 فذهب أكثر ~~الحنفية وجماعة من المتكلمين، كأبي الحسين البصري وغيره، إلى بطلانه. ومن ~~هؤلاء من جوز به الترجيح لا غير. # وذهب جماعة من أصحاب الشافعي، كالمزني والصيرفي والغزالي وغيرهم من ~~المحققين، إلى صحة الاحتجاج به، وهو المختار، وسواء كان ذلك الاستصحاب لأمر ~~وجودي أو عدمي، أو عقلي أو شرعي، وذلك لان ما تحقق وجوده أو عدمه في حالة ~~من الأحوال، فإنه يستلزم ظن بقائه، والظن حجة متبعة في الشرعيات، على ما ~~سبق تحقيقه. وإنما قلنا إنه يستلزم ظن بقائه لأربعة أوجه. # الأول أن الاجماع منعقد على أن الانسان لو شك في وجود الطهارة ابتداء، لا ~~تجوز له الصلاة، ولو شك في بقائها جازت له الصلاة، ولو لم يكن الأصل في كل ~~متحققا دوامه، للزم إما جواز الصلاة في الصورة الأولى، أو عدم الجواز في ~~الصورة الثانية، وهو خلاف الاجماع. PageV04P127 # وإنما قلنا ذلك، لأنه لو لم يكن الراجح هو الاستصحاب، لم يخل: # إما أن يكون الراجح عدم الاستصحاب، أو أن الاستصحاب، وعدمه سيان: # فإن كان الأول فيلزم منه امتناع جواز الصلاة في الصورة الثانية لظن فوات ~~الطهارة، وإن كان الثاني، فلا يخلو: # إما أن يكون استواء الطرفين مما تجوز معه الصلاة أو لا تجوز فإن كان ~~الأول فيلزم منه جواز الصلاة في الصورة الأولى، وإن كان الثاني فيلزمه عدم ~~جواز الصلاة في الصورة الثانية. وكل ذلك ممتنع. # الوجه الثاني أن العقلاء وأهل العرف إذا تحققوا وجود شئ أو عدمه وله ~~أحكام خاصة به، فإنهم يسوغون القضاء والحكم بها في المستقبل من زمان ذلك ~~الوجود أو العدم، حتى إنهم يجيزون مراسلة من عرفوا وجوده قبل ذلك بمدد ~~متطاولة، وإنفاذ الودائع إليه، ويشهدون في الحالة الراهنة بالدين على من ~~أقر به قبل تلك الحالة. ولولا أن الأصل بقاء ما كان على على ما كان، لما ~~ساغ لهم ذلك الثالث أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، وذلك لان الباقي لا ~~يتوقف على أكثر من وجود الزمان المستقبل ومقابل ذلك الباقي له كان وجودا ms840 أو ~~عدما. # وأما التغير فمتوقف على ثلاثة أمور: وجود الزمان المستقبل، وتبدل الوجود ~~بالعدم أو العدم بالوجود، ومقارنة ذلك الوجود أو العدم لذلك الزمان. ولا ~~يخفى أن تحقق ما يتوقف على أمرين لا غير أغلب مما يتوقف على ذينك الامرين ~~وثالث غيرهما. # الوجه الرابع إذا وقع العرض فيما هو باق بنفسه، الجوهر، فقد يقال: # غلبة الظن بدوامه أكثر من تغيره، فكان دوامه أولى. وذلك لان بقاءه مستغن ~~عن المؤثر حالة بقائه، لأنه لو افتقر إلى المؤثر، فإما أن يصدر عن ذلك ~~المؤثر أثر، أو لا يصدر عنه أثر: فإن صدر عنه أثر، فإما أن يكون هو عين ما ~~كان ثابتا أو شيئا متجددا: الأول محال، لما فيه من تحصيل الحاصل، والثاني ~~فعلى خلاف الفرض. وإن لم يصدر عنه أثر، فلا معنى لكونه مؤثرا وإذا كان ~~مستغنيا في بقائه PageV04P128 # عن المؤثر فتغيره لا بد وأن يكون بمؤثر وإلا كان منعدما بنفسه، وهو محال ~~وإلا لما بقي، وإذا كان البقاء غير مفتقر إلى مؤثر، وتغيره مفتقر إلى ~~المؤثر فعدم الباقي لا يكون إلا بمانع يمنع منه. # وأما المتجدد سواء كان عدما أو وجودا، فإنه قد ينتفي تارة لعدم مقتضيه، ~~وتارة لمانعه، وما يكون عدمه بأمرين يكون أغلب مما عدمه بأمر واحد. # وعلى هذا فالأصل في جميع الأحكام الشرعية إنما هو العدم وبقاء ما كان على ~~ما كان، إلا ما ورد الشارع. بمخالفته، فإنا نحكم به ونبقى فيما عداه عاملين ~~بقضية النفي الأصلي، كوجوب صوم شوال، وصلاة سادسة ونحوه. # فإن قيل: لا نسلم أن كل ما تحقق وجوده في حالة من الأحوال، أو عدمه، فهو ~~مظنون البقاء وما ذكرتموه من الوجه الأول، فالاعتراض عليه من وجوه. # الأول أنا نسلم انعقاد الاجماع على الفرق في الحكم فيما ذكرتموه من ~~الصورتين، فإن مذهب مالك وجماعة من الفقهاء إنما هو التسوية بينهما في عدم ~~الصحة، وإن سلمنا ذلك وسلمنا أنه لو لم يكن الأصل البقاء في كل متحقق، للزم ~~رجحان الطهارة أو المساواة في الصورة الأولى، ms841 ورجحان الحدث أو المساواة في ~~الصورة الثانية. # ولكن لا يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الأولى جوز الصلاة، بدليل ~~امتناع الصلاة بعد النوم والاغماء والمس، على الطهارة، وإن كان وجود ~~الطهارة راجحا. # ولامتناع الصلاة مع ظن الحدث في الصورة الثانية، حيث قلتم بأن ظن الحدث ~~لا يلحق بتيقن الحدث. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل في الطهارة والحدث البقاء، ولكن لا ~~نسلم أنه يلزم من ذلك الطهارة والحدث أن يكون الأصل في كل متحقق سواهما ~~البقاء، لا بد لهذا من دليل. PageV04P129 # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل البقاء في كل شئ. لكنه منقوض ~~بالزمان والحركات من حيث إن الأصل فيهما التقضي دون البقاء والاستمرار. # وما ذكرتموه من الوجه الثاني فليس فيه ما يدل على ظن البقاء بل إنما كان ~~ذلك مجوزا منهم لاحتمال إصابة الغرض فيما فعلوه، وذلك كاستحسان الرمي إلى ~~الغرض لقصد الإصابة، لاحتمال وقوعها، وإن لم تكن الإصابة ظاهرة، بل مرجوحة ~~أو مساوية. # وما ذكرتموه من الوجه الثالث لا نسلم أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير. # وما ذكرتموه من زيادة توقف التغير على تبدل الوجود بالعدم أو بالعكس، ~~معارض بما يتوقف عليه البقاء من تجدد مثل السابق وإن سلمنا أن ما يتوقف ~~عليه التغير أكثر، لكن لا نسلم أنه يدل على غلبة البقاء على التغير، لجواز ~~أن تكون الأشياء المتعددة التي يتوقف عليها التغير أغلب في الوجود من ~~الاعداد القليلة التي يتوقف عليها البقاء، أو مساوية لها. وإن سلمنا أن ~~البقاء أغلب من التغير، ولكن لا نسلم كونه غالبا على الظن، لجواز أن يكون ~~الشئ أغلب من غيره، وإن غلب على الظن عدمه في نفسه. سلمنا دلالة ذلك على ~~الأغلبية، لكن فيما هو قابل للبقاء أو فيما ليس قابلا له؟ الأول مسلم، ~~والثاني ممنوع. فلم قلتم بأن الاعراض التي وقع النزاع في بقائها قابلة ~~للبقاء؟ كيف وإنها غير قابلة، لما علم في الكلاميات. # وما ذكرتموه من الوجه الرابع لا نسلم أن الباقي لا يفتقر إلى ms842 مؤثر. # وما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وذلك لان الباقي في حالة بقائه إما ~~أن يكون واجبا لذاته، أو ممكنا لذاته: الأول محال، وإلا لما تصور عليه ~~العدم، وإن كان ممكنا، فلا بد له من مؤثر، وإلا لا نسد علينا باب إثبات ~~واجب الوجود. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل في كل متحقق دوامه، لكنه معارض بما ~~يدل على عدمه، وبيانه من ثلاثة أوجه. # الأول: أنه لو كان الأصل في كل شئ استمراره ودوامه، لكان حدوث جميع ~~الحوادث على خلاف الدليل المقتضي لاستمرار عدمها، وهو خلاف الأصل. ~~PageV04P130 # الثاني: أن الاجماع منعقد على أن بينة الاثبات تقدم على بينة النفي، ولو ~~كان الأصل في كل متحقق دوامه، لكانت بينة النفي لاعتضادها بهذا الأصل أولى ~~بالتقدم. # الثالث: أن مذهب الشافعي أنه لا يجزي عتق العبد الذي انقطع خبره، عن ~~الكفارة، ولو كان الأصل بقاءه لأجزأ. # سلمنا الأصل هو البقاء والاستمرار، ولكن متى يمكن التمسك به في الأحكام ~~الشرعية ، إذا كان محصلا لأصل الظن، أو غلبة الظن؟ الأول ممتنع، وإلا كانت ~~شهادة العبيد والنساء المتمحضات، والفساق مقبولة، لحصول أصل الظن بها. # والثاني مسلم، ولكن لا نسلم أن مثل هذا الأصل يفيد غلبة الظن، وذلك لان ~~الأصل عدم هذه الزيادة بنفس ما ذكرتم. سلمنا كون ذلك مغلبا على الظن، لكن ~~قبل ورود الشرع، أو بعده؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. # وبيانه أن قبل ورود الشرع قد أمنا الدليل المغير، فكان الاستصحاب لذلك ~~مغلبا، على الظن وبعد ورود الشرع لم نأمن التغير وورود الدليل المغير، فلا ~~يبقى مغلبا، على الظن. # والجواب عن منع الاجماع على التفرقة فيما ذكرناه من الصورتين، أن المراد ~~به إنما هو الاجماع بين الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الأئمة، فكان ما ذكرناه ~~حجة على الموافق دون المخالف. # وعن السؤال الأول على الوجه الأول، أنه يلزم من رجحان الطهارة في الصورة ~~الأولى صحة الصلاة، تحصيلا لمصلحة الصلاة مع ظن الطهارة، كالصورة الثانية. ~~وأما النوم فإنما امتنعت معه الصلاة لكونه سببا ظاهرا لوجود ms843 الخارج الناقض ~~للطهارة، لتيسر خروج الخارج معه باسترخاء المفاصل، على ما قال عليه السلام: ~~العينان وكاء الستة. PageV04P131 # وقال: إذا نامت العينان، انطلق الوكاء وإذا كان النوم مظنة الخارج ~~المحتمل، وجب إدارة الحكم عليه، كما هو الغالب من تصرفات الشارع، لا على ~~حقيقة الخروج، دفعا للعسر والحرج عن المكلفين. وبه يقع الجواب عن الاغماء ~~والمس. # ويلزم من رجحان الحدث في الصورة الثانية امتناع صحة الصلاة، زجرا له عن ~~التقرب إلى الله تعالى والوقوف بين يديه، مع ظن الحدث، فإنه قبيح عقلا ~~وشرعا، ولذلك نهي عنه. والشاهد له بالاعتبار الصورة الأولى. # قولهم إنه لا تأثير للحدث المظنون عندكم - قلنا: إنما لا يكون مؤثرا ~~بتقدير أن لا نقول باستصحاب الحال، كالتقدير الذي نحن فيه، وإلا فلا. # وعن السؤال الثاني أنه لو لم يكن الاستصحاب والاستمرار مقتضى الدليل في ~~كل متحقق، لكان الاستمرار في هاتين الصورتين على خلاف حكم الأعم أغلب، إن ~~كان عدم الاستمرار هو الأغلب، وهو على خلاف الأصل أو أن يكون عدم الاستمرار ~~على خلاف الغالب إن كان الاستمرار هو الأغلب، وإن تساوى الطرفان، فهو ~~احتمال من ثلاثة احتمالات، ووقوع احتمال من احتمالين أغلب من احتمال واحد ~~بعينه. # وعن السؤال الثالث أنا إنما ندعي أن الأصل البقاء فيما يمكن بقاؤه، إما ~~بنفسه، كالجواهر، أو بتجدد أمثاله كالاعراض، وعليه بناء الأدلة المذكورة، ~~وعلى هذا، فالأصل في الزمان بقاؤه بتجدد أمثاله. # وأما الحركات فإما أن تكون من قبيل ما يمكن بقاؤه واستمراره، أو لا من ~~هذا القبيل: فإن كان الأول، فهو من جملة صور النزاع، وإن كان الثاني، ~~فالنقض به يكون مندفعا PageV04P132 # وعما ذكروه على الوجه الثاني أن الاقدام على الفعل لغرض موهوم غير ظاهر ~~إنما يكون فيما لا خطر في فعله ولا مشقة كما ذكروه من المثال. # وأما ما يلزم الخطر والمشقة في فعله، فلا بد وأن يكون لغرض ظاهر راجح على ~~خطر ذلك الفعل ومشقته، على ما تشهد به تصرفات العقلاء وأهل العرف، من ركوب ~~البحار ومعاناة المشاق من الاسفار، فإنهم ms844 لا يرتكبون ذلك إلا مع ظهور ~~المصلحة لهم في ذلك ومن فعل ذلك لا مع ظهور المصلحة في نظره عد سفيها مخبطا ~~في عقله، وما وقع به الاستشهاد من تنفيذ الودائع وإرسال الرسل إلى من بعدت ~~مدة غيبته، والشهادة بالدين على من تقدم إفراره، من هذا القبيل، فكان ~~الاستصحاب فيه ظاهرا. # وعما ذكروه على الوجه الثالث أولا فجوابه بزيادة افتقار التغير إلى تجدد ~~علة موجبة للتغير بخلاف البقاء، لامكان اتحاد علة المتجددات. # وما ذكروه ثانيا فجوابه من وجهين. # الأول أن الشئ إذا كان موقوفا على شئ واحد، والآخر على شيئين، فما يتوقف ~~على شئ واحد لا يتحقق عدمه إلا بتقدير عدم ذلك الشئ، وما يتوقف تحققه على ~~أمرين يتم عدمه بعدم كل واحد من ذينك الامرين. # ولا يخفى أن ما يقع عدمه على تقديرين يكون عدمه أغلب من عدم ما لا يتحقق ~~عدمه إلا بتقدير واحد. وما كان عدمه أغلب، كان تحققه أندر، وبالعكس مقابله. # فإن قيل: عدم الواحد المعين إما أن يكون مساويا في الوقوع لعدم الواحد من ~~الشيئين، أو غالبا، أو مغلوبا، ولا تتحقق غلبة الظن فيما ذكرتموه بتقدير ~~غلبة الواحد المعين ومساواته وإنما يتحقق ذلك بتقدير كونه مغلوبا. # ولا يخفى أن وقوع أحد أمرين لا بعينه أغلب من وقوع الواحد المعين كما ~~ذكرتموه. # قلنا: إذا نسبنا أحد الشيئين لا بعينه إلى ذلك الواحد المعين فإما أن ~~يكون عدمه أغلب من ذلك المعين، أو مساويا له، أو مغلوبا، فإن كان الأول لزم ~~ما ذكرناه، وإن كان الثاني، فكذلك أيضا، لترجحه بضم عدم الوصف الآخر إليه، ~~وإن كان PageV04P133 # مغلوبا فنسبة الوصف الآخر إليه لا تخلو من الأقسام الثلاثة، ويترجح ما ~~ذكرناه بتقديرين آخرين منها، وإنما لا يترجح ما ذكرناه بتقدير أن يكون كل ~~واحد من الوصفين مرجوحا، فإذا ما ذكرناه يتم على تقديرات أربعة، ولا يتم ~~على تقدير واحد، وفيه دقة، فليتأمل. # الوجه الثاني أن العاقل إذا عن له مقصودان متساويان، وكانت المقدمات ~~الموصلة إلى أحدهما أكثر من مقدمات ms845 الآخر، فإنه يبادر إلى مقدماته أقل، ~~ولولا أن ذلك أفضى إلى مقصوده وأغلب، لما كان إقدامه عليه أغلب، لخلوه عن ~~الفائدة المطلوبة من تصرفات العقلاء. # قولهم: وإن كان البقاء أغلب من التغير فلا يلزم أن يكون غالبا على الظن، ~~قلنا: إذا كان البقاء أغلب من مقابله فهو أغلب على الظن منه، ويجب المصير ~~إليه، نظرا إلى أن المجتهد مؤاخذ بما هو الأظهر عنده. # قولهم: إنما يدل ما ذكرتموه على غلبة الظن فيما هو قابل للبقاء. # قلنا: الاعراض إن كانت باقية، فلا إشكال، وإن لم تكن باقية بأنفسها، ~~فممكنة البقاء بطريق التجدد، كسواد الغراب وبياض الثلج. وعلى كل تقدير ~~فالكلام إنما هو واقع فيما هو ممكن التجدد من الاعراض، لا فيما هو غير ~~ممكن. # وعما ذكروه على الوجه الرابع أن يقال: مجرد الامكان غير محوج إلى المؤثر، ~~بل المحوج إليه إنما هو الامكان المشروط بالحدوث أو الحدوث المشروط ~~بالامكان. # وعن المعارضات، أما الحوادث فإنما خالفنا فيها الأصل، لوجود السبب الموجب ~~للحدوث ونفي حكم الدليل مع وجوده لمعارض، أولى من إخراجه عن الدلالة ~~وإبطاله بالكلية، مع ظهور دلالته. # وأما تقديم الشهادة المثبتة على النافية، وإن كانت معتضدة بأصل براءة ~~الذمة، فإنما كان لاطلاع المثبت على السبب الموجب لمخالفة براءة الذمة وعدم ~~اطلاع النافي عليه، لامكان حدوثه حالة غيبة النافي عن المنكر، وتعذر صحبته ~~له واطلاعه PageV04P134 # على أحواله في سائر الأوقات. # وأما مسألة العبد فهي ممنوعة، وبتقدير تسليمها، فلان الذمة مشغولة ~~بالكفارة يقينا، ولا تحصل البراءة منها إلا بيقين وجود العبد، ولا يقين. ~~فمن ادعى وجود مثل ذلك فيما نحن فيه فعليه الدليل. # قولهم: إنما يمكن التمسك به في الأحكام الشرعية، إذا كان مفيدا لغلبة ~~الظن - لا نسلم ذلك، بل أصل الظن كاف، وبه يظهر الشئ على مقابله وأما رد ~~الشهادة في الصور المذكورة، فلم يكن لعدم صلاحيتها، بل لعدم اعتبارها في ~~الشرع، بخلاف ما نحن فيه من استصحاب الحال، فإنه معتبر، بدليل ما ذكرناه من ~~صورة الشاك في الطهارة والحدث. # قولهم إنه ms846 مغلب على الظن قبل ورود الشرع لا بعده، ليس كذلك، فإنا بعد ~~ورود الشرع، إذا لم نظفر بدليل يخالف الأصل بقي ذلك الأصل مغلبا على الظن. # نعم غايته أنه قبل ورود الشرع أغلب على الظن لتيقن عدم المعارض منه بعد ~~ورود الشرع لظن عدم المعارض. PageV04P135 # المسألة الثانية اختلفوا في جواز استصحاب حكم الاجماع في محل الخلاف: # فنفاه جماعة من الأصوليين، كالغزالي وغيره، وأثبته آخرون وهو المختار. # وصورته ما لو قال الشافعي مثلا في مسألة الخارج النجس من غير السبيلين: # إذا تطهر، ثم خرج منه خارج من غير السبيلين فهو بعد الخروج متطهر ولو صلى ~~فصلاته صحيحة، لان الاجماع منعقد على هذين الحكمين قبل الخارج، والأصل في ~~كل متحقق دوامه لما تحقق في المسألة التي قبلها، إلا أن يوجد المعارض ~~النافي، والأصل عدمه، فمن ادعاه يحتاج إلى الدليل. # فإن قيل القول بثبوت الطهارة وصحة الصلاة في محل النزاع إما أن يكون ~~لدليل، أو لا لدليل: لا جائز أن يكون لا لدليل، فإنه خلاف الاجماع، وإن كان ~~لدليل، فإما نص أو قياس أو إجماع: فإن كان بنص أو قياس، فلا بد من إظهاره، ~~ولو ظهر لم يكن إثبات الحكم في محل الخلاف بناء على الاستصحاب، بل بناء على ~~ما ظهر من النص أو القياس. وإن كان بالاجماع، فلا إجماع في محل الخلاف، وإن ~~كان الاجماع قبل خروج الخارج ثابتا. # قلنا: متى يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل، إذا قيل بنزوله منزلة الجواهر، ~~أو الاعراض؟ الأول ممنوع، بل هو باق بعد ثبوته بالاجماع لا بدليل، لما سبق ~~تقريره في المسألة المتقدمة، والثاني مسلم، ولكن لم قلتم إنه نازل منزلة ~~الاعراض؟ # سلمنا أنه نازل منزلة الاعراض، وأنه لا بد له من دليل، ولكن لا نسلم ~~انحصار الدليل المبقى فيما ذكروه من النص والاجماع والقياس، إلا أن يبينوا ~~أن الاستصحاب ليس بدليل، وهو موضوع النزاع. # سلمنا أن الاستصحاب بنفسه لا يكون دليلا على الحكم الباقي بنفسه، ولكنه ~~دليل الدليل على الحكم، وذلك لأنا بينا في ms847 المسألة المتقدمة وجود غلبة الظن ~~ببقاء كل ما كان متحققا على حاله، وذلك يدل من جهة الاجمال على دليل موجب ~~لذلك الظن. PageV04P136 # القسم الثاني فيما ظن أنه دليل صحيح، وليس كذلك وهو أربعة أنواع. # النوع الأول - شرع من قبلنا. وفيه مسألتان. # المسألة الأولى اختلفوا في النبي عليه السلام قبل بعثته، هل كان متعبدا ~~بشرع أحد من الأنبياء قبله؟ # فمنهم من نفى ذلك، كأبي الحسين البصري وغيره، ومنهم من أثبته، ثم اختلف ~~المثبتون: فمنهم من نسبه إلى شرع نوح، ومنهم من نسبه إلى شرع إبراهيم، ~~ومنهم من نسبه إلى موسى، ومنهم من نسبه إلى عيسى. # ومن الأصوليين. من قضى بالجواز، وتوقف في الوقوع، كالغزالي والقاضي عبد ~~الجبار وغيرهما من المحققين، وهو المختار. # أما الجواز فثابت، وذلك لأنه لو امتنع، إما أن يمتنع لذاته، أو لعدم ~~المصلحة في ذلك، أو لمعنى آخر: # الأول ممتنع، فإنا لو فرضنا وقوعه، لم يلزم عنه لذاته في العقل محال. # والثاني فمبني على وجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه ~~في كتبنا الكلامية، وبتقدير رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى فغير بعيد ~~أن يعلم الله تعالى أن مصلحة الشخص قبل نبوته في تكليفه بشريعة من قبله. # والثالث فلا بد من إثباته، إذ الأصل عدمه. PageV04P137 # وأما الوقوع فيستدعي دليلا، والأصل عدمه، وما يتخيل من الأدلة الدالة على ~~الوقوع وعدمه، فمع عدم دلالتها في أنفسها، متعارضة كما يأتي، وليس التمسك ~~بالبعض منها أولى من البعض. # فإن قيل: الدليل على أنه لم يكن قبل البعثة متعبدا بشريعة أحد قبله أنه ~~لو كان متعبدا بشريعة من الشرائع السالفة، لنقل عنه فعل ما تعبد به واشتهر ~~تلبسه بتلك الشريعة ومخالطة أهلها، كما هو الجاري من عادة كل متشرع بشريعة، ~~وقد عرفت أحواله قبل البعثة، ولم ينقل عنه شئ من ذلك. # وأيضا فإنه لو كان متعبدا ببعض الشرائع السالفة، لافتخر أهل تلك الشريعة ~~بعد بعثته واشتهاره وعلو شأنه بنسبته إليهم وإلى شرعهم. ولم ينقل شئ من ~~ذلك. # سلمنا أنه لا دليل ms848 يدل على عدم تعبده بشرع من قبله، ولكن لا نسلم عدم ~~الدليل الدال على تعبده بشرع من قبله. ويدل على ذلك أمران. # الأول: أن كل من سبق من المرسلين كان داعيا إلى اتباع شرعه كل المكلفين، ~~وكان النبي عليه السلام، داخلا في ذلك العموم. # الثاني: أنه، عليه السلام، قبل البعثة كان يصلي، ويحج، ويعتمر ويطوف ~~بالبيت ويعظمه، ويذكي، ويأكل اللحم، ويركب البهائم ويستسخرها، ويتجنب ~~الميتة، وذلك كله مما لا يرشد إليه العقل، ولا يحسن بغير الشرع. # والجواب عن الاعتراض الأول أنه مقابل، بأنه لو لم يكن على شريعة من ~~الشرائع، ولا متعبدا بشئ منها، لظهر منه التلبس بخلاف ما أهل تلك الشرائع ~~متلبسون به. واشتهرت مخالفته لهم في ذلك وكانت الدواعي متوفرة على نقله، ~~ولم ينقل عنه شئ من ذلك، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. PageV04P138 # وعن الاعتراض الأول للمذهب الثاني بمنع دعوة من سبق من الأنبياء لكافة ~~المكلفين إلى اتباعه، فإنه لم ينقل في ذلك لفظ يدل على التعميم، ليحكم به. # وبتقدير نقله فيحتمل أن يكون زمان نبينا، عليه السلام، زمان اندراس ~~الشرائع المتقدمة وتعذر التكليف بها، لعدم نقلها وتفصيلها، ولذلك بعث في ~~ذلك الزمان. # وعن الاعتراض الثاني أنا لا نسلم ثبوت شئ مما ذكروه بنقل يوثق به، ~~وبتقدير ثبوته لا يدل ذلك على أنه كان متعبدا به شرعا، لاحتمال أن تكون ~~صلاته وحجته وعمرته وتعظيمه للبيت بطريق التبرك بفعل مثل ما نقل جملته عن ~~أفعال الأنبياء المتقدمين، واندرس تفصيله. # وأما أكل اللحم وذبح الحيوان واستسخاره للبهائم، فإنما كان بناء منه على ~~أنه لا تحريم قبل ورود الشرع. # وأما تركه للميتة بناء على عيافة نفسه لها، كعيافته لحم الضب، أما أن ~~يكون متعبدا بذلك شرعا، فلا. PageV04P139 # المسألة الثانية اختلفوا في النبي، عليه السلام وأمته، بعد البعث، هل هم ~~متعبدون بشرع من تقدم؟ # فنقل عن أصحاب أبي حنيفة، وعن أحمد في إحدى الروايتين عنه، وعن بعض أصحاب ~~الشافعي أن النبي عليه السلام، كان متعبدا بما صح من شرائع من قبله ms849 بطريق ~~الوحي إليه، لا من جهة كتبهم المبدلة ونقل أربابها. # ومذهب الأشاعرة والمعتزلة المنع من ذلك، وهو المختار ويدل على ذلك أمور ~~أربعة. # الأول: أن النبي، عليه السلام، لما بعث معاذا إلى اليمن قاضيا قال له بم ~~تحكم؟ # قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم ~~تجد؟ # قال: أجتهد رأيي ولم يذكر شيئا من كتب الأنبياء الأولين وسننهم، والنبي، ~~عليه السلام، أقره على ذلك، ودعا له، وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول ~~الله لما يحبه الله ورسوله ولو كانت من مدارك الأحكام الشرعية لجرت مجرى ~~الكتاب والسنة في وجوب الرجوع إليها، ولم يجز العدول عنها إلى اجتهاد الرأي ~~إلا بعد البحث عنها واليأس من معرفتها. # الثاني: أنه لو كان النبي عليه السلام متعبدا بشريعة من قبله، وكذلك ~~أمته، لكان تعلمها من فروض الكفايات، كالقرآن والاخبار، ولوجب على النبي ~~عليه السلام، مراجعتها، وأن لا يتوقف على نزول الوحي في أحكام الوقائع التي ~~لا خلو للشرائع الماضية عنها، ولوجب أيضا على الصحابة بعد النبي، عليه ~~السلام، مراجعتها والبحث عنها والسؤال لناقليها عند حدوث الوقائع المختلف ~~فيها فيما بينهم، كمسألة الجد والعول وبيع أم الولد والمفوضة وحد الشرب ~~وغير ذلك، على نحو بحثهم عن الاخبار النبوية في ذلك، وحيث لم ينقل شئ من ~~ذلك، علم أن شريعة من تقدم غير متعبد بها لهم. PageV04P140 # الثالث: أنه لو كان متعبدا باتباع شرع من قبله إما في الكل أو البعض، لما ~~نسب شئ من شرعنا إليه، على التقدير الأول، ولا كل الشرع إليه، على التقدير ~~الثاني، كما لا ينسب شرعه، عليه السلام، إلى من هو متعبد بشرعه من أمته، ~~وهو خلاف الاجماع من المسلمين. # الرابع: أن إجماع المسلمين على أن شريعة النبي، عليه السلام، ناسخة ~~لشريعة من تقدم، فلو كان متعبدا بها، لكان مقررا لها ومخبرا عنها، لا ناسخا ~~لها، ولا مشرعا، وهو محال. # فإن قيل على الحجة الأولى: إنما لم يتعرض معاذ لذكر التوراة والإنجيل، ~~اكتفاء منه بآيات ms850 في الكتاب تدل على اتباعهما، على ما يأتي، ولأن اسم ~~الكتاب يدخل تحته التوراة والإنجيل، لكونهما من الكتب المنزلة. # وأما الحجة الثانية، لا نسلم أن تعلم ما قيل بالتعبد به من الشرائع ليس ~~من فروض الكفايات، ولا نسلم عدم مراجعة النبي، عليه السلام، لها. ولهذا نقل ~~عنه مراجعة التوارة في مسألة الرجم، وما لم يراجع فيه شرع من تقدم، إما لان ~~تلك الشرائع لم تكن مبينة له، أو لأنه ما كان متعبدا باتباع الشريعة ~~السالفة الا بطريق الوحي، ولم يوح إليه به. # وأما عدم بحث الصحابة عنها، فإنما كان لان ما تواتر منها كان معلوما لهم ~~وغير محتاج إلى بحث عنه، وما كان منها منقولا على لسان الآحاد من الكفار لم ~~يكونوا متعبدين به. # وأما الحجة الثالثة فإنما ينسب إليه ما كان متعبدا به من الشرائع بأنه من ~~شرعه بطريق التجوز، لكونه معلوما لنا بواسطته وإن لم يكن هو الشارع له. # وأما الحجة الرابعة فنحن نقول بها، وأن ما كان من شرعه مخالفا لشرع من ~~تقدم فهو ناسخ له، وما لم يكن من شرعه بل هو متعبد فيه باتباع شرع من تقدم، ~~فلا. # 1 - الاحتمال الثاني هو الذي يتفق مع تحرير محل النزاع ومع ما قال به ~~أصحاب المذهب الأول 2 - الظاهر لهم لم يتركوا ذلك الا لا نهم لم يكلفوا ~~بالبحث عن شئ من شرائعهم في غير ما ثبت لديهم في الكتاب والسنة كما تقدم ~~PageV04P141 # ولهذا فإنه لا يوصف شرعه بأنه ناسخ لبعض ما كان مشروعا قبله، كوجوب ~~الايمان، وتحريم الكفران، والزنى، والقتل، والسرقة، وغير ذلك مما شرعنا فيه ~~موافق لشرع من تقدم. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على مطلوبكم، لكنه معارض بما يدل على نقيضه، ~~وبيانه من جهة الكتاب والسنة. # أما من جهة الكتاب فآيات. # الأولى قوله تعالى في حق الأنبياء * (أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده) * (الانعام: 90) أمره باقتدائه بهداهم، وشرعهم من هداهم، فوجب عليه ~~اتباعه. # الثانية قوله تعالى * (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) * (النساء: ~~163) وقوله ms851 تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) * (الشورى: 13) فدل ~~على وجوب اتباعه لشريعة نوح. # الثالثة قوله تعالى * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) * (النحل: ~~123) أمره باتباع ملة إبراهيم، والامر للوجوب. # الرابعة قوله تعالى * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون) * (المائدة: 44) والنبي عليه السلام، من جملة النبيين، فوجب عليه ~~الحكم بها. # وأما السنة، فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه رجع إلى التوراة ~~في رجم اليهودي. # وأيضا ما روي عنه عندما طلب منه القصاص في سن كسرت، فقال كتاب الله ~~PageV04P142 # يقضي بالقصاص وليس في الكتب ما يقضي بالقصاص في السن سوى التوراة، وهو ~~قوله تعالى فيها * (السن بالسن) * (المائدة: 45) وأيضا ما روي عنه أنه قال ~~من نام عن صلاة أو أنسيها، فليصلها إذا ذكرها وتلا قوله تعالى * (أقم ~~الصلاة لذكري) * (طه: 14) وهو خطاب مع موسى، عليه السلام. # والجواب قولهم (إنما لم يذكر معاذ التوراة والإنجيل، لدلالة القرآن ~~عليهما) لا نسلم ذلك، وما يذكرونه في ذلك، فسيأتي الكلام عليه. وإن سلمنا ~~ذلك، لكن لا يكون ذلك كافيا عن ذكرهما، كما لو لم يكن ما في القرآن من ذكر ~~السنة والقياس على ما بيناه، كافيا عن ذكرهما، أو أن لا يكون إلى ذكر السنة ~~والقياس في خبر معاذ حاجة، وكل واحد من الامرين على خلاف الأصل. # قولهم (إن الكتب السالفة مندرجة في لفظ الكتاب) ليس كذلك، لان المتبادر ~~من إطلاق لفظ الكتاب في شرعنا عند قول القائل قرأت كتاب الله، وحكمت بكتاب ~~الله ليس غير القرآن. وذلك لما علم من معاناة المسلمين لحفظ القرآن ودراسته ~~والعمل بموجباته، دون غيره من الكتب السالفة. # قولهم: لا نسلم أن تعلم ما تعبد به من الشرائع الماضية ليس فرضا على ~~الكفاية - قلنا: لان إجماع المسلمين قبل ظهور المخالفين، على أنه لا تأثيم ~~بترك النظر على كافة المجتهدين في ذلك. PageV04P143 # وأما مراجعة النبي عليه السلام، التوراة فإنما كان لاظهار صدقه فيما كان ~~قد أخبر به من أن الرجم مذكور في ms852 التوراة وإنكاره اليهود ذلك، لا لان ~~يستفيد حكم الرجم منها، ولذلك فإنه لم يرجع إليها فيما سوى ذلك. # وما ذكروه في امتناع بحث الصحابة عن ذلك فغير صحيح، لان ما نقل من ذلك ~~متواترا، إنما يعرفه من خالط النقلة له، وكان فاحصا عنه، ولم ينقل عن أحد ~~من الصحابة شئ من ذلك، كيف وإنه قد كان يمكن معرفة ذلك ممن أسلم من أحبار ~~اليهود، وهو ثقة مأمون، كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهما، ولم ينقل ~~عن النبي عليه السلام، ولا عن أحد من الأمة السؤال لهم عن ذلك. وما ذكروه ~~على الحجة الثالثة فترك للظاهر المشهور المتبادر إلى الفهم من غير دليل، ~~فلا يسمع. # وما ذكروه على الحجة الرابعة فمندفع، وذلك لان إطلاق الأمة أن شرع النبي ~~عليه السلام، ناسخ للشرائع السالفة بينهم، يفهم منه أمران: أحدهما رفع ~~أحكامها، والثاني أنه غير متعبد بها. فما لم يثبت رفعه من تلك الأحكام ~~بشرعه ضرورة استمراره، فلا يكون ناسخا له، فيبقى المفهوم الآخر، وهو عدم ~~تعبده به. ولا يلزم من مخالفة دلالة الدليل على أحد مدلوليه مخالفته بالنظر ~~إلى المدلول الآخر. # والجواب عن المعارضة بالآية الأولى أنه إنما أمره باتباع هدى مضاف إلى ~~جميعهم، مشترك بينهم، دون ما وقع به الخلاف فيما بينهم، والناسخ والمنسوخ ~~منه، لاستحالة اتباعه وامتثاله، والهدى المشترك فيما بينهم، إنما هو ~~التوحيد، والأدلة PageV04P144 # العقلية، الهادية إليه، وليس ذلك من شرعهم في شئ. ولهذا قال فبهداهم ~~اقتده ولم يقل بهم وبتقدير أن يكون المراد من الهدي المشترك، ما اتفقوا فيه ~~من الشرائع دون ما اختلفوا فيه، فاتباعه له إنما كان بوحي إليه وأمر مجدد، ~~لا أنه بطريق الاقتداء بهم. # وعن قوله تعالى * (إنا أوحينا إليك، كما أوحينا إلى نوح) * (النساء: 163) ~~أنه لا دلالة له على أنه موحى إليه بعين ما أوحي به إلى نوح والنبيين من ~~بعده، حتى يقال باتباعه لشريعتهم، بل غايته أنه أوحى إليه، كما أوحى إلى ~~غيره من النبيين، قطعا لاستبعاد ذلك، وإنكاره. وبتقدير أن ms853 يكون المراد به ~~أنه أوحى إليه بما أوحى به إلى غيره من النبيين، فغايته أنه أوحى إليه بمثل ~~شريعة من قبله بوحي مبتدأ، لا بطريق الاتباع لغيره. # وعن قوله تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) * (الشورى: 13) أن ~~المراد من الدين إنما هو أصل التوحيد، لا ما اندرس من شريعته. ولهذا لم ~~ينقل عن النبي عليه السلام، البحث عن شريعة نوح، وذلك مع التعبد بها في حقه ~~ممتنع، وحيث خصص PageV04P145 # نوحا بالذكر، مع اشتراك جميع الأنبياء في الوصية بالتوحيد، كان تشريفا له ~~وتكريما، كما خصص روح عيسى بالإضافة إليه، والمؤمنين بلفظ العباد، وعن قوله ~~تعالى: * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) * (النحل: 123) أن المراد ~~بلفظ الملة، إنما هو أصول التوحيد وإجلال الله تعالى بالعبادة دون الفروع ~~الشرعية، ويدل على ذلك أربعة أوجه، الأول أن لفظ الملة لا يطلق على الفروع ~~الشرعية، بدليل أنه لا يقال ملة الشافعي وملة أبي حنيفة، لمذهبيهما في ~~الفروع الشرعية. # الثاني: أنه قال عقيب ذلك * (وما كان من المشركين) * (النحل: 123)، ذكر ~~ذلك في مقابلة الدين، ومقابل الشرك إنما هو التوحيد. # الثالث: أنه قال * (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) * (البقرة: ~~130) ولو كان المراد من الدين الاحكام الفرعية، لكان من خالفه فيها من ~~الأنبياء سفيها، وهو محال. # الرابع: أنه لو كان المراد من الدين فروع الشريعة، لوجب على النبي عليه ~~السلام، البحث عنها لكونه مأمورا بها، وذلك مع اندراسها ممتنع. ثم وإن ~~سلمنا أن المراد بالملة الفروع الشرعية، غير أنه إنما وجب عليه اتباعها بما ~~أوحى. ولهذا قال: ثم أوحينا إليك. # وعن قوله تعالى * (إنا أنزلنا التوراة) * (المائدة: 44) الآية، أن قوله * ~~(يحكم بها النبيون) * (المائدة: 44) صيغة إخبار، لا صيغة أمر، وذلك لا يدل ~~على وجوب اتباعها. وبتقدير أن يكون ذلك أمرا، فيجب حمله على ما هو مشترك ~~الوجوب بين جميع الأنبياء، وهو التوحيد، PageV04P146 # دون الفروع الشرعية المختلف فيها فيما بينهم، لامكان تنزيل لفظ النبيين ~~على عمومه، بخلاف التنزيل على الفروع الشرعية. ms854 كيف وإن هذه الآيات متعارضة، ~~والعمل بجميعها ممتنع، وليس العمل بالبعض أولى من البعض. # وعن الخبر الأول، وهو رجوع النبي عليه السلام، إلى التوراة في رجم ~~اليهودي ما سبق. # وعن الخبر الثاني، لا نسلم أن كتابنا غير مشتمل على قصاص السن بالسن، ~~ودليله قوله تعالى * (فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ~~* (البقرة: 194) وهو عام في السن وغيره. # وعن الخبر الثالث أنه لم يذكر الخطاب مع موسى، لكونه موجبا لقضاء الصلاة ~~عند النوم والنسيان، وإنما أوجب ذلك بما أوحى إليه، ونبه على أن أمته ~~مأمورة بذلك، كما أمر موسى عليه السلام. # ثم ما ذكرتموه من النقل معارض بقوله عليه السلام بعثت إلى الأحمر والأسود ~~وكل نبي بعث إلى قومه، والنبي عليه السلام، لم يكن من أقوام الأنبياء ~~المتقدمين، فلا يكون متعبدا بشرعهم وبما روي عنه عليه السلام، أنه رأى مع ~~عمر بن الخطاب PageV04P147 # قطعة من التوراة ينظر فيها، فغضب وقال ألم آت بها بيضاء نقية، لو أدركني ~~أخي موسى لما وسعه إلا اتباعي أخبر بأن موسى، لو كان حيا، لما وسعه إلا ~~اتباعه، فلان لا يكون النبي، عليه السلام، متبعا لموسى بعد موته أولى. ~~وربما عورض أيضا بقوله تعالى * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * (المائدة: ~~48) والشرعة، الشريعة والمنهاج الطريق، وذلك يدل على عدم اتباع الأخير لمن ~~تقدم من الأنبياء، لان الشريعة لا تضاف إلا إلى من اختص بها، دون التابع ~~لها، ولا حجة فيه، فإن الشرائع، وإن اشتركت في شئ، فمختلفة في أشياء. ~~وباعتبار ما به الاختلاف بينها كانت شرائع مختلفة، وذلك كما يقال: لكل إمام ~~مذهب، باعتبار اختلاف الأئمة في بعض الأحكام، وإن وقع الاتفاق بينهم في ~~كثير منها. # وربما أورد النفاة في ذلك طرقا أخرى شتى ضعيفة، آثرنا الاعراض عن ذكرها. # وكما أن النبي عليه السلام، لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم إلا بوحي مجدد، ~~لم يكن قبل بعثته على ما كان قومه عليه، بل كان متجنبا لأصنامهم، معرضا عن ~~أزلامهم، ولا يأكل من ذبائحهم على ms855 النصب. هذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأئمة ~~المسلمين. # ومن الأصوليين من قال بالوقف، وهو بعيد. PageV04P148 # النوع الثاني مذهب الصحابي، وفيه مسألتان: # المسألة الأولى اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون ~~حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماما كان أو حاكما أو مفتيا. # واختلفوا في كونه حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين: # فذهبت الأشاعرة والمعتزلة والشافعي في أحد قوليه وأحمد بن حنبل في إحدى ~~الروايتين عنه، والكرخي إلى أنه ليس بحجة، وذهب مالك بن انس والرازي ~~والبرذعي من أصحاب أبي حنيفة والشافعي في قول له وأحمد بن حنبل في رواية له ~~إلى أنه حجة مقدمة على القياس، وذهب قوم إلى أنه إن خالف القياس، فهو حجة، ~~وإلا، فلا، وذهب قوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر دون غيرهما. # والمختار أنه ليس بحجة مطلقا. وقد احتج النافون بحجج ضعيفة، لا بد من ~~ذكرها والإشارة إلى وجه ضعفها، قبل ذكر ما هو المختار في ذلك. # الحجة الأولى قوله تعالى * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * ~~(النساء: 59) أوجب الرد عند الاختلاف إلى الله والرسول، فالرد إلى مذهب ~~الصحابي يكون تركا للواجب، وهو ممتنع. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله تعالى * (فردوه إلى الله والرسول) * ~~(النساء: 59) يدل على الوجوب، على ما سبق تقريره. فالرد إلى مذهب الصحابي ~~لا يكون تركا للواجب. وإن سلمنا أنه للوجوب، ولكن عند إمكان الرد، وهو أن ~~يكون حكم المختلف فيه مبينا في الكتاب أو السنة، وأما بتقدير أن لا يكون ~~مبينا فيهما، فلا. PageV04P149 # ونحن إنما نقول باتباع مذهب الصحابي مع عدم الظفر بما يدل على حكم ~~الواقعة من الكتاب والسنة. # الحجة الثانية قالوا: أجمعت الصحابة على جواز مخالفة كل واحد من آحاد ~~الصحابة المجتهدين للآخر. ولو كان مذهب الصحابي حجة لما كان كذلك، وكان يجب ~~على كل واحد منهم اتباع الآخر، وهو محال. # ولقائل أن يقول: الخلاف إنما هو في كون مذهب الصحابي حجة على من بعده من ~~مجتهدة التابعين ms856 ومن بعدهم، لا مجتهدة الصحابة، فلم يكن الاجماع دليلا على ~~محل النزاع. # الحجة الثالثة أن الصحابي من أهل الاجتهاد، والخطأ ممكن عليه، فلا يجب ~~على التابع المجتهد العمل بمذهبه كالصحابيين والتابعيين. # ولقائل أن يقول: لا يلزم من امتناع وجوب العمل بمذهب الصحابي على صحابي ~~مثله، وامتناع وجوب العمل بمذهب التابعي على تابعي مثله، امتناع وجوب عمل ~~التابعي بمذهب الصحابي مع تفاوتهما، على ما قال عليه السلام خير القرون ~~القرن الذي أنا فيه وقال عليه السلام أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم ولم يرد مثل ذلك في حق غيرهم. PageV04P150 # الحجة الرابعة: أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل، وذهب كل واحد إلى خلاف ~~مذهب الآخر، كما في مسائل الجد مع الاخوة وقوله أنت علي حرام كما سبق ~~تعريفه، فلو كان مذهب الصحابي حجة على غيره من التابعين، لكانت حجج الله ~~تعالى مختلفة متناقضة، ولم يكن اتباع التابعي للبعض أولى من البعض. # ولقائل أن يقول: اختلاف مذاهب الصحابة لا يخرجها عن كونها حججا في ~~أنفسها، كأخبار الآحاد، والنصوص الظاهرة، ويكون العمل بالواحد منها متوقفا ~~على الترجيح، ومع عدم الوقوف على الترجيح، فالواجب الوقف، أو التخيير، كما ~~عرف فيما تقدم. # الحجة الخامسة: أن قول الصحابي عن اجتهاد مما يجوز عليه الخطأ، فلا يقدم ~~على القياس، كالتابعي. # ولقائل أن يقول: اجتهاد الصحابي، وإن جاز عليه الخطأ فلا يمنع ذلك من ~~تقديمه على القياس، كخبر الواحد، ولا يلزم من امتناع تقديم مذهب التابعي ~~على القياس، امتناع ذلك في مذهب الصحابي، لما بيناه من الفرق بينهما. ~~PageV04P151 # الحجة السادسة: أن التابعي المجتهد متمكن من تحصيل الحكم بطريقه، فلا ~~يجوز له التقليد فيه، كالأصول. # ولقائل أن يقول: اتباع مذهب الصحابي إنما يكون تقليدا له إن لو لم يكن ~~قوله حجة متبعة، وهو محل النزاع، وخرج عليه الأصول، فإن القطع واليقين ~~معتبر فيها، ومذهب الغير من أهل الاجتهاد فيها ليس بحجة قاطعة، فكان اتباعه ~~في مذهبه تقليدا من غير دليل، وذلك لا يجوز. # والمعتمد في ذلك الاحتجاج بقوله تعالى * (فاعتبروا يا ms857 أولي الابصار) * ~~(الحشر: 2) أوجب الاعتبار، وأراد به القياس، كما سبق تقريره في إثبات كون ~~القياس حجة. # وذلك ينافي وجوب اتباع مذهب الصحابي وتقديمه على القياس. # فإن قيل: لا نسلم دلالة على وجوب اتباع القياس، وقد سبق تقريره من وجوه، ~~سلمنا دلالته على ذلك، لكنه معارض من جهة الكتاب، والسنة، والاجماع، ~~والمعقول. # أما الكتاب، فقوله تعالى * (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف) ~~* (آل عمران: 110) وهو خطاب مع الصحابة بأن ما يأمرون به معروف، والامر ~~بالمعروف واجب القبول. # وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~وقوله عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ولا يمكن ~~PageV04P152 # حمل ذلك على مخاطبة العامة والمقلدين لهم، لما فيه من تخصيص العموم من ~~غير دليل، ولما فيه من إبطال فائدة تخصيص الصحابة بذلك، من جهة وقوع ~~الاتفاق على جواز تقليد العامة لغير الصحابة من المجتهدين، فلم يبق إلا أن ~~يكون المراد به وجوب اتباع مذاهبهم. # وأما الاجماع فهو أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا، رضي الله عنه، الخلافة ~~بشرط الاقتداء بالشيخين، فأبى، وولى عثمان، فقبل، ولم ينكر عليه منكر ، ~~فصار إجماعا. # وأما المعقول فمن وجوه. # الأول: أن الصحابي إذا قال قولا يخالف القياس، فإما أن لا يكون له فيما ~~قال PageV04P153 # مستند، أو يكون: لا جائز أن يقال بالأول، وإلا كان قائلا في الشريعة بحكم ~~لا دليل عليه، وهو محرم، وحال الصحابي العدل ينافي ذلك. # وإن كان الثاني فلا مستند وراء القياس سوى النقل، فكان حجة متبعة الثاني: ~~أن قول الصحابي إذا انتشر، ولم ينكر عليه منكر، كان حجة، فكان حجة مع عدم ~~الانتشار، كقول النبي عليه السلام. # الثالث: أن مذهب الصحابي إما أن يكون عن نقل أو اجتهاد: فإن كان الأول، ~~كان حجة، وإن كان الثاني، فاجتهاد الصحابي مرجح على اجتهاد التابعي ومن ~~بعده، لترجحه بمشاهدة التنزيل، ومعرفة التأويل، ووقوفه من أحوال النبي عليه ~~السلام، ومراده من كلامه، على ما لم يقف عليه غيره، فكان حال التابعي إليه ~~كحال العامي ms858 بالنسبة إلى المجتهد التابعي، فوجب اتباعه له. # والجواب عن منع دلالة الآية ما ذكرناه. وعن القوادح ما سبق. # وعن المعارضة بالكتاب، أنه لا دلالة فيه، لما سبق في إثبات الاجماع. وإن ~~كان دالا فهو خطاب مع جملة الصحابة، ولا يلزم من كون ما أجمعوا عليه حجة أن ~~يكون قول الواحد والاثنين حجة. # وعن السنة أنه لا دلالة فيها أيضا، لما سبق في الاجماع، ولأن الخبر الأول ~~وإن كان عاما في أشخاص الصحابة، فلا دلالة فيه على عموم الاقتداء في كل ما ~~يقتدى فيه. وعند ذلك، فقد أمكن حمله على الاقتداء بهم فيما يرونه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وليس الحمل على غيره أولى من الحمل عليه، وبه يظهر ~~فساد التمسك بالخبر الثاني. # وعن الاجماع، أنه إنما لم ينكر أحد من الصحابة على عبد الرحمن وعثمان ~~ذلك، لأنهم حملوا لفظ الاقتداء على المتابعة في السيرة والسياسة، دون ~~المتابعة في المذهب، بدليل الاجماع على أن مذهب الصحابي ليس حجة على غيره ~~من الصحابي المجتهدين، كيف وإنه لو كان المراد بشرط الاقتداء بهما المتابعة ~~في مذهبهما فالقائل بأن مذهب الصحابي حجة قائل بوجوب اتباعه، والقائل أنه ~~ليس بحجة قائل بتحريم اتباعه على غيره من المجتهدين، ويلزم من ذلك الخطأ ~~بسكوت الصحابة عن الانكار PageV04P154 # إما على علي حيث امتنع من الاقتداء، إن كان ذلك واجبا، وإما على عثمان و ~~عبد الرحمن بن عوف، إن كان الاقتداء بالشيخين محرما. وذلك ممتنع وعن ~~المعارضة الأولى من المعقول أنها منتقضة بمذهب التابعي، فإن ما ذكروه بعينه ~~ثابت فيه، وليس بحجة بالاتفاق. # وعن الثانية أنه لا يخلو إما أن يقول بأن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر ~~عليه منكر، أيكون ذلك إجماعا، أم لا يكون إجماعا؟ فإن كان الأول، فالحجة في ~~الاجماع، لا في مذهب الصحابي، وذلك غير متحقق فيما إذا لم ينتشر، وإن كان ~~الثاني، فلا حجة فيه مطلقا، كيف وإن ما ذكروه منتقض بمذهب التابعي، فإنه ~~إذا انتشر في عصره، ولم يوجد له نكير كان ms859 حجة، ولا يكون حجة بتقدير عدم ~~انتشاره إجماعا. # وعن الثالثة: لا نسلم أن مستنده النقل، لأنه لو كان معه نقل لأبداه ~~ورواه، لأنه من العلوم النافعة. وقد قال عليه السلام من كتم علما نافعا ~~ألجمه الله بلجام من نار وذلك خلاف الظاهر من حال الصحابي، فلم يبق إلا أن ~~يكون عن رأي واجتهاد، وعند ذلك فلا يكون حجة على غيره من المجتهدين بعده، ~~لجواز أن يكون دون غيره في الاجتهاد، وإن كان متميزا بما ذكروه من الصحبة ~~ولوازمها. # ولهذا قال عليه السلام فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثم هو منتقض ~~بمذهب التابعي فإنه ليس بحجة على من بعده من تابعي التابعين، وإن كانت ~~نسبته إلى تابعي التابعين كنسبة الصحابي إليه. PageV04P155 # المسألة الثانية إذا ثبت أن مذهب الصحابي ليس بحجة واجبة الاتباع، فهل ~~يجوز لغيره تقليده؟ # أما العامي فيجوز له ذلك من غير خلاف، وأما المجتهد من التابعين ومن ~~بعدهم، فيجوز له تقليده إن جوزنا تقليد العالم للعالم، وإن لم نجوز ذلك فقد ~~اختلف قول الشافعي في جواز تقليد العالم من التابعين للعالم من الصحابة ~~فمنع من ذلك في الجديد، وجوزه في القديم. غير أنه اشترط انتشار مذهبه تارة، ~~ولم يشترطه تارة. والمختار امتناع ذلك مطلقا، لما يأتي في قاعدة الاجتهاد ~~إن شاء الله تعالى. # النوع الثالث الاستحسان وقد اختلف فيه فقال به أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن ~~حنبل، وأنكره الباقون، حتى نقل عن الشافعي أنه قال من استحسن، فقد شرع. # ولا بد قبل النظر في الحجاج من تلخيص محل النزاع، ليكون التوارد بالنفي ~~والاثبات على محز واحد، فنقول. # الخلاف ليس في نفس إطلاق لفظ الاستحسان جوازا وامتناعا، لوروده في الكتاب ~~والسنة وإطلاق أهل اللغة. # أما الكتاب فقوله تعالى * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * (الزمر: ~~18) وقوله تعالى * (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) * (الأعراف: 145). # وأما السنة فقوله عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. ~~PageV04P156 # وأما الاطلاق فما نقل عن الأئمة من استحسان دخول الحمام من غير تقدير ms860 عوض ~~للماء المستعمل، ولا تقدير مدة السكون فيها، وتقدير أجرته، واستحسان شرب ~~الماء من أيدي السقائين من غير تقدير في الماء وعوضه. وقد نقل عن الشافعي ~~أنه قال: أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما، وأستحسن ثبوت الشفعة ~~للشفيع إلى ثلاثة أيام، وأستحسن ترك شئ للمكاتب من نجوم الكتابة. وقال في ~~السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى، فقطعت: القياس أن تقطع يمناه، ~~والاستحسان أن لا تقطع. # فلم يبق الخلاف إلا في معنى الاستحسان وحقيقته، ولا شك أن الاستحسان قد ~~يطلق على ما يميل إليه الانسان ويهواه من الصور والمعاني، وإن كان مستقبحا ~~عند غيره، وهو في اللغة استفعال من الحسن، وليس ذلك هو محز الخلاف لاتفاق ~~الأمة قبل ظهور المخالفين على امتناع حكم المجتهد في شرع الله تعالى ~~بشهواته وهواه، من غير دليل شرعي، وأنه لا فرق في ذلك بين المجتهد والعامي، ~~وإنما محز الخلاف فيما وراء ذلك. # وقد اختلف أصحاب أبي حنيفة في تعريفه بحده: فمنهم من قال إنه عبارة عن ~~دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه. # والوجه في الكلام عليه أنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلا محققا، ووهما ~~فاسدا، فلا خلاف في امتناع التمسك به وإن تحقق أنه دليل من الأدلة الشرعية ~~فلا نزاع في جواز التمسك به أيضا، وإن كان ذلك في غاية البعد، وإنما النزاع ~~في تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عند دون حالة إمكان التعبير ~~عنه، ولا حاصل للنزاع اللفظي. # ومنهم من قال إنه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، ويخرج ~~منه الاستحسان عندهم بالعدول عن موجب القياس إلى النص من الكتاب أو السنة ~~أو العادة. PageV04P157 # أما الكتاب فكما في قول القائل: مالي صدقة، فإن القياس لزوم التصدق بكل ~~مال له، وقد استحسن تخصيص ذلك بمال الزكاة كما في قوله تعالى * (خذ من ~~أموالهم صدقة) * (التوبة: 9) ولم يرد به سوى مال الزكاة. # وأما السنة فكاستحسانهم أن لا قضاء على ms861 من أكل ناسيا في نهار رمضان، ~~والعدول عن حكم القياس إلى قوله، عليه السلام، لمن أكل ناسيا (الله أطعمك ~~وسقاك). # وأما العادة فكالعدول عن موجب الاجارات في ترك تقدير الماء المستعمل في ~~الحمام، وتقدير السكنى فيها، ومقدار الأجرة، كما ذكرناه فيما تقدم، للعادة ~~في ترك المضايقة في ذلك. # ومنهم من قال إنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه، وحاصله يرجع ~~إلى تخصيص العلة، وقد عرف ما فيه. # وقال الكرخي: الاستحسان هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها ~~إلى خلافه، لوجه هو أقوى، ويدخل فيه العدول عن حكم العموم إلى مقابله ~~للدليل المخصص، والعدول عن حكم الدليل المنسوخ إلى مقابله للدليل الناسخ، ~~وليس باستحسان عندهم. # وقال أبو الحسين البصري: هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول ~~الألفاظ، لوجه هو أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول، وقصد بقوله (غير ~~شامل شمول الألفاظ) الاحتراز عن العدول عن العموم إلى القياس، لكونه لفظا ~~شاملا، وبقوله (وهو في حكم الطارئ) الاحتراز عن قولهم: تركنا الاستحسان ~~بالقياس، فإنه ليس استحسانا، من حيث إن القياس الذي ترك له الاستحسان ليس ~~في حكم الطارئ، بل هو الأصل، وذلك كما لو قرأ أية سجدة في آخر سورة، ~~فالاستحسان أن يسجد لها، ولا يجتزئ بالركوع، ومقتضى القياس أن يجتزئ ~~بالركوع، فإنهم قالوا بالعدول ها هنا عن الاستحسان إلى القياس. # وهذا الحد وإن كان أقرب مما تقدم لكونه جامعا مانعا، غير أن حاصله يرجع ~~إلى تفسير الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابله بدليل طارئ ~~PageV04P158 # عليه أقوى منه، من نص أو إجماع أو غيره، ولا نزاع في صحة الاحتجاج به. ~~وإن نوزع في تلقيبه بالاستحسان، فحاصل النزاع راجع فيه إلى الاطلاقات ~~اللفظية، ولا حاصل له، وإنما النزاع في إطلاقهم الاستحسان على العدول عن ~~حكم الدليل إلى العادة، وهو أن يقال: إن أردتم بالعادة ما اتفق عليه الأمة ~~من أهل الحل والعقد، فهو حق، وحاصله راجع إلى الاستدلال بالاجماع. وإن أريد ms862 ~~به عادة من لا يحتج بعادته، كالعادات المستحدثة للعامة فيما بينهم، فذلك ~~مما يمتنع ترك الدليل الشرعي به. # وإذا تحقق المطلوب في هذه المسألة، فلا بد من الإشارة إلى شبه تمسك بها ~~القائلون بالاستحسان في بيان كون المفهوم منه حجة مع قطع النظر عن تفصيل ~~القول فيه، والإشارة إلى جهة ضعفها. وقد تمسكوا في ذلك بالكتاب، والسنة، ~~وإجماع الأمة. # أما الكتاب فقوله تعالى * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * (الزمر: ~~18) وقوله تعالى * (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) * (الزمر: 55). # ووجه الاحتجاج بالآية الأولى ورودها في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن ~~القول، وبالآية الثانية من جهة أنه أمر باتباع أحسن ما أنزل، ولولا أنه حجة ~~لما كان كذلك. # وأما السنة فقوله، عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن ~~ولولا أنه حجة لما كان عند الله حسنا. # وأما إجماع الأمة فما ذكر من استحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من أيدي ~~السقائين من غير تقدير لزمان السكون وتقدير الماء والأجرة. # والجواب عن الآية الأولى أنه لا دلالة له فيها على وجوب اتباع أحسن ~~القول، وهو محل النزاع. # وعن الآية الثانية أنه لا دلالة أيضا فيها على أن ما صاروا إليه دليل ~~منزل، فضلا عن كونه أحسن ما أنزل. # وعن الخبر كذلك أيضا، فإن قوله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ~~إشارة إلى إجماع المسلمين، والاجماع حجة ولا يكون الا عن دليل، وليس فيه ~~PageV04P159 # دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين حسنا أنه حسن عند الله، وإلا كان ما ~~رآه آحاد العوام من المسلمين حسنا أن يكون حسنا عند الله، وهو ممتنع. # وعن الاجماع على استحسان ما ذكروه، لا نسلم أن استحسانهم لذلك هو الدليل ~~على صحته، بل الدليل ما دل على استحسانهم له، وهو جريان ذلك في زمن النبي ~~عليه السلام، مع علمه به وتقريره لهم عليه أو غير ذلك النوع الرابع - ~~المصالح المرسلة وقد بينا في القياس حقيقة المصلحة وأقسامها في ذاتها ~~وانقسامها باعتبار شهادة الشارع لها ms863 إلى معتبرة وملغاة، وإلى ما لم يشهد ~~الشرع لها باعتبار ولا إلغاء، وبينا ما يتعلق بالقسمين الأولين، ولم يبق ~~غير القسم الثالث، وهو المعبر عنه بالمناسب المرسل، وهذا أوان النظر فيه. # وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به، وهو ~~الحق، إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به، مع إنكار أصحابه لذلك عنه، ولعل ~~النقل إن صح عنه فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة، بل فيما كان من ~~المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعا، لا فيما كان من المصالح غير ضروري، ~~ولا كلي، ولا وقوعه قطعي، وذلك كما لو تترس الكفار بجماعة من المسلمين، ~~بحيث لو كففنا عنهم، لغلب الكفار على دار الاسلام، واستأصلوا شأفة ~~المسلمين، ولو رمينا الترس وقتلناهم، اندفعت المفسدة عن كافة المسلمين ~~قطعا، غير أنه يلزم منه قتل مسلم لا جريمة له. # فهذا القتل وإن كان مناسبا في هذه الصورة، والمصلحة ضرورية كلية قطعية، ~~غير أنه لم يظهر من الشارع اعتبارها ولا إلغاؤها في صورة. PageV04P160 # وإذا عرف ذلك، فالمصالح على ما بينا منقسمة إلى ما عهد من الشارع ~~اعتبارها، وإلى ما عهد منه إلغاؤها. وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين، ~~وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد ~~بالاعتبار، يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى. # فإن قيل: ما ذكرتموه فرع تصور وجود المناسب المرسل، وهو غير متصور، وذلك ~~لأنا أجمعنا على أن ثم مصالح معتبرة في نظر الشارع في بعض الأحكام، وأي وصف ~~قدر من الأوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر وكان من قبيل الملائم الذي ~~أثر جنسه في جنس الحكم، وقد قلتم به، قلنا وكما أنه من جنس المصالح ~~المعتبرة فهو من جنس المصالح الملغاة، فإن كان يلزم من كونه من جنس ما ~~اعتبر من المصالح أن يكون معتبرا، فيلزم أن يكون ملغى ضرورة كونه من جنس ~~المصالح الملغاة، وذلك يؤدي إلى أن يكون الوصف الواحد معتبرا ملغى بالنظر ~~إلى حكم واحد، وهو محال. # وإذا كان ms864 كذلك، فلا بد من بيان كونه معتبرا بالجنس القريب منه لنأمن ~~إلغاءه، والكلام فيما إذا لم يكن كذلك. PageV04P161 # القاعدة الثالثة في المجتهدين وأحوال المفتين والمستفتين وتشتمل على ~~بابين الباب الأول في المجتهدين ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة ففي تعريف معنى الاجتهاد والمجتهد، والمجتهد فيه. # أما (الاجتهاد) فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من ~~الأمور مستلزم للكلفة والمشقة. ولهذا يقال اجتهد فلان في حمل حجر البزارة، ~~ولا يقال اجتهد في حمل خردلة. # وأما في اصطلاح الأصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشئ من ~~الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه فقولنا (استفراغ ~~الوسع) كالجنس للمعنى اللغوي والأصولي، وما وراءه خواص مميزة للاجتهاد ~~بالمعنى الأصولي. # وقولنا (في طلب الظن) احتراز عن الاحكام القطعية وقولنا (بشئ من الأحكام ~~الشرعية) ليخرج عنه الاجتهاد في المعقولات والمحسات وغيرها. # وقولنا (بحيث يحس من النفس العجز عن المزيد فيه) ليخرج عنه اجتهاد المقصر ~~في اجتهاده مع إمكان الزيادة عليه، فإنه لا يعد في اصطلاح الأصوليين ~~اجتهادا معتبرا. # وأما (المجتهد) فكل من اتصف بصفة الاجتهاد، وله شرطان: # الشرط الأول أن يعلم وجود الرب تعالى، وما يجب له من الصفات، ويستحقه من ~~الكمالات، وأنه واجب الوجود لذاته، حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، حتى يتصور ~~منه التكليف، وأن يكون مصدقا بالرسول، وما جاء به من الشرع PageV04P162 # المنقول، بما ظهر على يده من المعجزات، والآيات الباهرات، ليكون فيما ~~يسنده إليه من الأقوال والاحكام محققا. # ولا يشترط أن يكون عارفا بدقائق علم الكلام، متبحرا فيه، كالمشاهير من ~~المتكلمين، بل أن يكون عارفا بما يتوقف عليه الايمان، مما ذكرناه، ولا ~~يشترط أن يكون مستند علمه في ذلك الدليل المفصل، بحيث يكون قادرا على ~~تقريره وتحريره ودفع الشبه عنه، كالجاري من عادة الفحول، من أهل الأصول، بل ~~أن يكون عالما بأدلة هذه الأمور من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل. # الشرط الثاني أن يكون عالما عارفا بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها، وطرق ~~إثباتها، ووجوه دلالاتها ms865 على مدلولاتها، واختلاف مراتبها، والشروط المعتبرة ~~فيها، على ما بيناه، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها، وكيفية استثمار ~~الاحكام منها، قادرا على تحريرها وتقريرها، والانفصال عن الاعتراضات ~~الواردة عليها. # وإنما يتم ذلك بأن يكون عارفا بالرواة وطرق الجرح والتعديل، والصحيح ~~والسقيم، كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأن يكون عارفا بأسباب النزول، ~~والناسخ والمنسوخ في النصوص الاحكامية، عالما باللغة والنحو، ولا يشترط أن ~~يكون في اللغة كالأصمعي، وفي النحو كسيبويه والخليل، بل أن يكون قد حصل من ~~ذلك على ما يعرف به أوضاع العرب والجاري من عاداتهم في المخاطبات، بحيث ~~يميز بين دلالات الألفاظ من المطابقة، والتضمين، والالتزام، والمفرد ~~والمركب، والكلي منها والجزئي، والحقيقة والمجاز، والتواطئ والاشتراك، ~~والترادف والتباين، والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، ~~والمنطوق PageV04P163 # والمفهوم، والاقتضاء والإشارة، والتنبيه والايماء، ونحو ذلك مما فصلناه. ~~ويتوقف عليه استثمار الحكم من دليله. # وذلك كله أيضا إنما يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في ~~جميع مسائل الفقه. # وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل، فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق ~~بتلك المسألة، وما لا بد منه فيها ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له ~~بها، مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية، كما أن المجتهد المطلق قد يكون ~~مجتهدا في المسائل المتكثرة، بالغا رتبة الاجتهاد فيها وإن كان جاهلا ببعض ~~المسائل الخارجة عنها، فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام ~~المسائل ومداركها. فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر ولهذا نقل عن مالك ~~أنه سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها لا أدري. # وأما ما فيه الاجتهاد: فما كان من الأحكام الشرعية دليله ظني. # فقولنا (من الأحكام الشرعية) تمييز له عما كان من القضايا العقلية، ~~واللغوية، وغيرها. # وقولنا (دليله ظني) تمييز له عما كان دليله منها قطعيا، كالعبادات الخمس، ~~ونحوها، فإنها ليست محلا للاجتهاد فيها، لان المخطئ فيها يعد آثما والمسائل ~~الاجتهادية، ما لا يعد المخطئ فيها باجتهاده آثما. # هذا ما أردناه من بيان ms866 المقدمة. وأما المسائل فاثنتا عشرة مسألة. ~~PageV04P164 # المسألة الأولى اختلفوا في أن النبي عليه السلام، هل كان متعبدا ~~بالاجتهاد فيما لا نص فيه؟ # فقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف إنه كان متعبدا به وقال أبو علي ~~الجبائي وابنه أبو هاشم إنه لم يكن متعبدا به. # وجوز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ~~والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري. # ومن الناس من قال إنه كان له الاجتهاد في أمور الحروب، دون الأحكام ~~الشرعية. # والمختار جواز ذلك عقلا ووقوعه سمعا. # أما الجواز العقلي، فلانا لو فرضنا أن الله تعالى تعبده بذلك، وقال له ~~حكمي عليك أن تجتهد وتقيس لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، ولا معنى للجواز ~~العقلي سوى ذلك. # وأما الوقوع السمعي فيدل عليه الكتاب، والسنة، والمعقول أما الكتاب فقوله ~~تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر بالاعتبار على العموم ~~لأهل البصائر، والنبي عليه السلام، أجلهم في ذلك، فكان داخلا في العموم، ~~وهو دليل التعبد بالاجتهاد والقياس، على ما سبق تقريره في إثبات القياس على ~~منكريه وأيضا قوله تعالى * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله) * (النساء: 15) PageV04P165 # وما أراه يعم الحكم بالنص، والاستنباط من النصوص، وأيضا قوله تعالى * ~~(وشاورهم في الامر) * (آل عمران: 159) والمشاورة إنما تكون فيما يحكم فيه ~~بطريق الاجتهاد لا فيما يحكم فيه بطريق الوحي. # وأيضا قوله تعالى بطريق العتاب للنبي عليه السلام، في أسارى بدر، وقد ~~أطلقهم * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) * (الأنفال: 67) ~~فقال عليه السلام لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب، ما نجا منه إلا عمر ~~لأنه كان قد أشار بقتلهم، وذلك يدل على أن ذلك كان بالاجتهاد، لا بالوحي. # وأيضا قوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم) * (التوبة: 43) عاتبه على ~~ذلك ونسبه إلى الخطأ، وذلك لا يكون فيما حكم فيه بالوحي، فلم يبق سوى ~~الاجتهاد، وليس ذلك خاصا بالنبي عليه السلام، بل كان غيره أيضا من الأنبياء ~~متعبدا ms867 بذلك. # ويدل عليه قوله تعالى * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) * (الأنبياء: ~~78) الآية، وقوله * (ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما) * (الأنبياء: ~~79) وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد لا بطريق الوحي. # وأما السنة فما روى الشعبي أنه كان رسول الله، (ص)، يقضي القضية وينزل ~~القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به، فيترك ما قضى به على حاله، ويستقبل ما ~~نزل به PageV04P166 # القرآن، والحكم بغير القرآن لا يكون إلا باجتهاد. # وأيضا ما روي عنه أنه قال في مكة لا يختلا خلاها، ولا يعضد شجرها. # فقال العباس: إلا الإذخر. فقال عليه السلام إلا الإذخر ومعلوم أن الوحي ~~لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الاستثناء بالاجتهاد. # وأيضا ما روى عنه عليه السلام أنه قال العلماء ورثة الأنبياء وذلك يدل ~~على أنه كان متعبدا بالاجتهاد، والا لما كانت علماء أمته وارثة لذلك عنه، ~~وهو خلاف الخبر. # وأما المعقول فمن وجهين: # الأول: أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بدلالة النص لظهوره، وزيادة ~~المشقة سبب لزيادة الثواب، لقوله عليه السلام، لعائشة ثوابك على قدر نصبك ~~وقوله عليه السلام، أفضل العبادات أحمدها أي أشقها، فلو لم يكن النبي عليه ~~السلام عاملا بالاجتهاد مع عمل أمته به. لزم اختصاصهم بفضيلة لم توجد له، ~~وهو ممتنع، فإن آحاد أمة النبي (ص) لا يكون أفضل من النبي في شئ أصلا. ~~PageV04P167 # الثاني: أن القياس هو النظر في ملاحظة المعنى المستنبط من الحكم المنصوص ~~عليه، وإلحاق نظير المنصوص به، بواسطة المعنى المستنبط، والنبي عليه ~~السلام، أولى بمعرفة ذلك من غيره لسلامة نظره، وبعده عن الخطأ، والاقرار ~~عليه. # وإذا عرف ذلك فقد ترجح في نظره إثبات الحكم في الفرع ضرورة، فلو لم يقض ~~به، لكان تاركا لما ظنه حكما لله تعالى على بصيرة منه، وهو حرام بالاجماع. # فإن قيل: ما ذكرتموه في بيان الجواز العقلي، فالاعتراض عليه يأتي فيما ~~نذكره من المعقول. # وأما الآية الأولى، فقد سبق الاعتراض عليها فيما تقدم. # وأما قوله تعالى * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس ms868 بما ~~أراك الله) * (النساء: 105) أي بما أنزل إليك. # وأما الآية الثالثة، فالمراد منها المشاورة في أمور الحروب والدنيا، ~~وكذلك العتاب في قوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم) * (التوبة: 43). # وأما عتابه في أسارى بدر فلعله كان مخيرا بالوحي بين قتل الكل، أو إطلاق ~~الكل، أو فداء الكل، فأشار بعض الأصحاب بإطلاق البعض دون البعض، فنزل ~~العتاب للذين عينوا، لا لرسول الله (ص) غير أنه ورد بصيغة الجمع في قوله ~~تريدون عرض الدنيا والمراد به أولئك خاصة. # وأما الخبر الأول: فهو مرسل ولا حجة في المراسيل، كما سبق. وإن كان حجة، ~~غير أنه يحتمل أنه كان يقضي بالوحي، والوحي الثاني يكون ناسخا للأول. # وأما الخبر الثاني: فيحتمل أن النبي (ص)، كان مريدا لاستثناء الإذخر، ~~فسبقه به العباس. # وأما الخبر الثالث، فيدل على أن العلماء ورثة الأنبياء فيما كان ~~للأنبياء. ولا نسلم أن الاجتهاد كان للأنبياء حتى يكون موروثا عنهم، ~~PageV04P168 # كيف ويحتمل أنه أراد به الإرث في تبليغ أحكام الشرع إلى العامة، كما كان ~~الأنبياء مبلغين للمبعوث إليهم، ويحتمل أنه أراد به الإرث فيما كان ~~للأنبياء في حفظ قواعد الشريعة. # وأما الوجه الأول من المعقول، فالثواب فيما عظمت مشقته وإن كان أكثر، ~~ولكن لا يلزم منه ثبوته للنبي عليه السلام، وإلا لما ساغ له الحكم إلا ~~بالاجتهاد، تحصيلا لزيادة الثواب، وهو ممتنع، واختصاص علماء الأمة بذلك دون ~~النبي عليه السلام، لا يوجب كونهم أفضل من النبي (ص) مع اختصاصه بمنصب ~~الرسالة، ورتبة النبؤة، وتشريفه بالبعثة، وهداية الخلق بعد الضلالة على جهة ~~العموم. # وأما الوجه الثاني، وإن كان النبي عليه السلام، أشد علما من غيره بمعرفة ~~القياس، وجهات الاستنباط، إلا أن وجوب العمل به في حقه مشروط بعدم معرفة ~~الحكم بالوحي. وهذا الشرط مما لم يتبين في حقه، عليه السلام، فلا مشروط، ~~وهذا بخلاف علماء أمته، فافترقا. # وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تعبده بالقياس والاجتهاد، غير أنه معارض ~~بما يدل على عدمه. # وبيانه من جهة الكتاب والمعقول، أما الكتاب فقوله تعالى ms869 * (وما ينطق عن ~~الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3 - 4) وقوله تعالى * (ما يكون لي أن ~~أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (يونس: 15) وذلك ينفي أن ~~يكون الحكم الصادر عنه بالاجتهاد. # وأما المعقول فمن عشرة أوجه: # الأول أن النبي عليه السلام، نزل منزلا، فقيل له إن كان ذلك عن وحي، ~~فالسمع والطاعة، وإن كان ذلك عن رأي، فليس ذلك منزل مكيدة. فقال: بل هو ~~بالرأي فدل على أنه تجوز مراجعته في الرأي، وقد علم أنه لا تجوز مراجعته ~~PageV04P169 # في الأحكام الشرعية، فلا تكون عن رأي. # الثاني: أنه لو كان في الاحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاد لجاز أن لا ~~يجعل أصلا لغيره، وأن يخالف فيه، وأن لا يكفر مخالفه، لان جميع ذلك من ~~لوازم الاحكام الثابتة بالاجتهاد. # الثالث: لو كان متعبدا بالاجتهاد لأظهره، ولما توقف على الوحي فيما كان ~~يتوفق فيه في بعض الوقائع، لما فيه من ترك ما وجب عليه من الاجتهاد، ~~واللازم ممتنع. # الرابع: أن الاجتهاد لا يفيد سوى الظن، والنبي عليه السلام كان قادرا على ~~تلقي الاحكام من الوحي القاطع، والقادر على تحصيل اليقين لا يجوز له المصير ~~إلى الظن، كالمعاين للقبلة لا يجوز له الاجتهاد فيها. # الخامس: أن الأمور الشرعية مبنية على المصالح التي لا علم للخلق بها. فلو ~~قيل للنبي عليه السلام، احكم بما ترى كان ذلك تفويضا إلى من لا علم له ~~بالأصلح، وذلك مما يوجب اختلال المصالح الدينية والأحكام الشرعية. # السادس: أن لنا صوابا في الرأي وصدقا في الخبر، وقد أجمعنا على أن النبي ~~عليه السلام، ليس له أن يخبر بما لا يعلم كونه صدقا، فكذلك لا يجوز له ~~الحكم بما لا علم له بصوابه. # السابع: أنه لو جاز أن يكون متعبدا بالاجتهاد لجاز أن يرسل الله رسولا، ~~ويجعل له أن يشرع شريعة برأيه، وأن ينسخ ما تقدمه من الشرائع المنزلة من ~~الله تعالى، وأن ينسخ أحكاما أنزلها الله تعالى عليه برأيه، وذلك ممتنع. # الثامن: أنه لو ms870 جاز صدور الأحكام الشرعية عن رأيه واجتهاده فربما أورث ~~ذلك تهمة في حقه، وأنه هو الواضع للشريعة من تلقاء نفسه، وذلك مما يخل ~~بمقصود البعثة، وهو ممتنع. # التاسع: أن الاجتهاد عرضة للخطأ فوجب صيانة النبي عليه السلام، عنه. # العاشر: أن الاجتهاد مشروط بعدم النص، وهذا الشرط غير متحقق في حق النبي ~~عليه السلام، لان الوحي متوقع في حقه في كل حالة. # والجواب عما ذكروه على الآية الأولى، قد سبق فيما تقدم أيضا وعما ذكروه ~~على الآية الثانية من وجهين. PageV04P170 # الأول: أن الحكم بما استنبط من المنزل يكون حكما بالمنزل لأنه حكم ~~بمعناه. # ولهذا قال في آخر الآية * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2). # الثاني: أن حكمه بالاجتهاد. حكم بما أراه الله، فتقييده بالمنزل خلاف ~~الاطلاق. # وعما ذكروه على الآية الثالثة، أنه إنما أمر بالمشاورة في أمر الفداء وهو ~~من أحكام الدين لتعلقه بأعظم مصالح العبادات، وبتقدير أن يكون كما ذكروه، ~~فهو حجة على من خالف فيه وبه دفع ما ذكروا على الآية الرابعة. # وعما ذكروه على العتاب في أسارى بدر، فهو على خلاف عموم الخطاب الوارد في ~~الآية، وتخصيص من غير دليل، فلا يصح. # وعما ذكروه على الخبر الأول من السنة بما بيناه فيما سبق من أن المرسل ~~حجة. # وقولهم: يحتمل أنه كان يحكم بالوحي، والوحي الثاني ناسخ له. # قلنا: النسخ خلاف الأصل، لما فيه من تعطيل الدليل المنسوخ، وذلك وإن كان ~~نسخا لما حكم به النبي عليه السلام، غير أن تعطيل دليل الاجتهاد بنسخ حكمه ~~أولى من تعطيل القرآن. # وعما ذكروه على الخبر الثاني أنه لو كان الإذخر مستثنى فيما نزل إليه، ~~لكان تأخيره إلى ما بعد قول العباس تأخيرا للاستثناء عن المستثنى منه مع ~~دعو الحاجة إلى اتصاله به حذرا من التلبيس خلاف الأصل. # وعما ذكروه على الخبر الثالث أن الظاهر من قوله العلماء ورثة الأنبياء ~~فيما اختصوا به من العلم مطلقا، فلو لم تكن علومهم الاجتهادية موروثة عن ~~الأنبياء، لكان ذلك تقييدا للمطلق، وتخصيصا للعام، من غير ضرورة، ms871 وهو ~~ممتنع. وبه يبطل ما ذكروه من التأويلات. PageV04P171 # وعما ذكروه على الوجه الأول من المعقول إنما يصح أن لو كان ذلك ممكنا في ~~جميع الأحكام، وليس كذلك، فان الاجتهاد بالقياس يستدعي أصلا ثابتا لا ~~بالاجتهاد، قطعا للتسلسل. # قولهم: إنه قد اختص بمنصب الرسالة، فلا يكون أحد أفضل منه قلنا: وإن كان ~~كذلك، غير أن زيادة الثواب بزيادة المشقة نوع فضيلة، فيبعد اختصاص أحد من ~~أمته بفضيلة لا تكون موجودة في حق النبي عليه السلام، وإلا كان أفضل منه من ~~تلك الجهة، وهو بعيد. # وعما ذكروه على الثاني من المعقول أنه باطل باجتهاد أهل عصره، فإنه كان ~~واقعا، بدليل تقريره لمعاذ على قوله أجتهد رأيي ولم يكن احتمال معرفة الحكم ~~بورود الوحي إلى النبي عليه السلام، مانعا من الاجتهاد في حقه، وإنما ~~المانع وجود النص، لاحتمال وجوده. # وعن المعارضة بالآية الأولى أنها إنما تتناول ما ينطق به، واجتهاده من ~~فعله لا من نطقه، والخلاف إنما هو في الاجتهاد لا في النطق. # فإن قيل فإذا اجتهد فلا بد وأن ينطق بحكم اجتهاده والاخبار عما ظنه من ~~الحكم، فتكون الآية متناولة له ومن المعلوم أن ما ينطق به إذا كان مستنده ~~الاجتهاد، فليس عن وحي، وإن لم يكن عن هوى. # قلنا: إذا كان متعبدا بالاجتهاد من قبل الشارع، وقيل له: مهما ظننت ~~باجتهادك حكما، فهو حكم الشرع، فنطقه بذلك يكون عن وحي لا عن هوى. ~~PageV04P172 # وعن الآية الثانية أنها إنما تدل على أن تبديله للقرآن ليس من تلقاء ~~نفسه، وإنما هو بالوحي، والنزاع إنما وقع في الاجتهاد، والاجتهاد وإن وقع ~~في دلالة القرآن، فذلك تأويل لا تبديل. # وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول أن المراجعة إنما كانت في أمر دنيوي ~~متعلق بالحروب، وليس ذلك من المراجعة في أحكام الشرع في شئ. # وعن الثانية، لا نسلم أن ما ذكروه من لوازم الاحكام الثابتة بالاجتهاد، ~~بدليل إجماع الأمة على الاجتهاد، واجتهاد النبي عليه السلام، لا يتقاصر عن ~~اجتهاد الأمة الذين ثبتت عصمتهم بقول الرسول، إن ms872 لم يكن مترجحا عليه وعن ~~الثالثة: أنه لا مانع أن يكون متعبدا بالاجتهاد، وإن لم يظهره صريحا، ~~لمعرفة ذلك لما ذكرناه من الأدلة. # وأما تأخره عن جواب بعض ما كان يسأل عنه فلاحتمال انتظار النص الذي لا ~~يجوز معه الاجتهاد إلى حين اليأس منه، أو لأنه كان في مهلة النظر في ~~الاجتهاد فيما سئل عنه، فأن زمان الاجتهاد في الأحكام الشرعية غير مقدر. # وعن الرابعة: النقض بما وقع الاجماع عليه من تعبد النبي عليه السلام، ~~بالحكم بقول الشهود حتى قال إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من ~~بعض مع إمكان انتظاره في ذلك لنزول الوحي الذي لا ريب فيه. PageV04P173 # وعن الخامسة: أنها مبنية على وجوب اعتبار المصالح، وهو غير مسلم، على ما ~~عرفناه في علم الكلام. وإن سلمنا ذلك فلا مانع من إلهام الله تعالى له ~~بالصواب فيما يجتهد فيه من الحوادث كيف وإن ما ذكروه منتقض بتعبد غيره ~~بالاجتهاد. # وعن السادسة: من ثلاثة أوجه. # الأول: أنها تمثيل من غير جامع صحيح، فلا تكون حجة. # الثاني: الفرق، وهو أن الاخبار بما لا يعلم كونه صادقا قد لا نأمن فيه ~~الكذب، وهو الاخبار عن الشئ على خلاف ما هو عليه، وذلك مما لا يجوز لاحد ~~الاقدام عليه. # وأما الاجتهاد فعلى قولنا بأن كل مجتهد مصيب، فالنبي أولى أن يكون مصيبا ~~في اجتهاده، والخطأ في الاجتهاد مبني على أن الحكم عند الله تعالى واحد في ~~كل واقعة في نفس الامر، وليس كذلك، بل الحكم عند الله في كل واقعة ما أدى ~~إليه نظر المجتهد، على ما يأتي تقريره. # الثالث: أن ما ذكروه منتقض بإجماع الأمة، إذ كان عن اجتهاد. # وعن السابعة: أنها أيضا تمثيل من غير جامع صحيح كيف وإنا لا نمنع من ~~إرسال رسول بما وصفوه، لا عقلا ولا شرعا، فإن لله تعالى أن يفعل ما يشاء، ~~ويحكم بما يريد، ولا سيما إذا قلنا بأن المصالح غير معتبرة في أفعاله ~~تعالى. # وإن قلنا إنها معتبرة فلا يبعد أن يعلم الله ms873 تعالى المصلحة للمكلفين في ~~إرسال رسول بهذه المثابة، ويعصمه عن الخطأ في اجتهاده، كما في إجماع الأمة. # وعن الثامنة أن التهمة منفية عنه في وضع الشريعة برأيه بما دل على صدقه ~~فيما يدعيه من تبليغ الاحكام بجهة الرسالة، من المعجزة القاطعة. # وعن التاسعة: أنا لا نسلم أن كل اجتهاد في الأحكام الشرعية عرضة للخطأ، ~~PageV04P174 # بدليل إجماع الصحابة على الاجتهاد. واجتهاد النبي عليه السلام، غير ~~متقاصر عن اجتهاد أهل الاجماع، فكان معصوما فيه عن الخطأ. # وعن العاشرة: أن المانع من الاجتهاد دائما هو وجود النص لا إمكان وجود ~~النص، ثم ما ذكروه منتقض باجتهاد الصحابة في زمن النبي عليه السلام. # المسألة الثانية اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد النبي عليه السلام، ~~واختلفوا في جواز الاجتهاد لمن عاصره. # فذهب الأكثرون إلى جوازه عقلا، ومنع منه الأقلون ثم اختلف القائلون ~~بالجواز في ثلاثة أمور: # الأول: منهم من جوز ذلك للقضاة والولاة في غيبته، دون حضوره، ومنهم من ~~جوزه مطلقا. # الثاني: أن منهم من قال بجواز ذلك مطلقا إذا لم يوجد من ذلك منع، ومنهم ~~من قال: لا يكتفي في ذلك بمجرد عدم المنع، بل لا بد من الاذن في ذلك، ومنهم ~~من قال: السكوت عنه مع العلم بوقوعه كاف. # الثالث: اختلفوا في وقوع التعبد به سمعا: فمنهم من قال إنه كان متعبدا ~~به، ومنهم من توقف في ذلك مطلقا، كالجبائي، ومنهم من توقف في حق من حضر، ~~دون من غاب، كالقاضي عبد الجبار. # والمختار جواز ذلك مطلقا وأن ذلك مما وقع مع حضوره وغيبته ظنا لا قطعا. ~~PageV04P175 # أما الجواز العقلي فيدل عليه ما دللنا به على جواز ذلك في حق النبي عليه ~~السلام، في المسألة المتقدمة. # وأما بيان الوقوع: أما في حضرته فيدل عليه قول أبي بكر رضي الله عنه في ~~حق أبي قتادة حيث قتل رجلا من المشركين، فأخذ سلبه غيره لا نقصد إلى أسد من ~~أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه. فقال النبي عليه السلام صدق ~~وصدق في فتواه ولم ms874 يكن قال ذلك بغير الرأي والاجتهاد. # وأيضا ما روي عن النبي عليه السلام، أنه حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، ~~فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم، بالرأي، فقال عليه السلام لقد حكمت بحكم الله من ~~فوق سبعة أرقعة. # وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه أمر عمرو بن العاص وعقبة بن عامر ~~الجهني أن يحكما بين خصمين، وقال لهما إن أصبتما، فلكما عشر حسنات، وإن ~~أخطأتما، فلكما حسنة واحدة. # وأما في غيبته، فيدل عليه قصة معاذ وعتاب بن أسيد حين بعثهما قاضيين إلى ~~اليمن. PageV04P176 # فإن قيل: الموجود في عصر النبي عليه السلام قادر على معرفة الحكم بالنص ~~وبالرسول عليه السلام. والقادر على التوصل إلى الحكم على وجه يؤمن فيه ~~الخطأ، إذا عدل إلى الاجتهاد الذي لا يؤمن فيه الخطأ، كان قبيحا، والقبيح ~~لا يكون جائزا. # وأيضا فإن الحكم بالرأي في حضرة النبي عليه السلام، من باب التعاطي ~~والافتيات على النبي عليه السلام، وهو قبيح، فلا يكون جائزا. وهذا بخلاف ما ~~بعد النبي عليه السلام. # وأيضا فإن الصحابة كانوا يرجعون عند وقوع الحوادث إلى النبي عليه السلام، ~~ولو كان الاجتهاد جائزا لهم لم يرجعوا إليه. # وأما ما ذكرتموه من أدلة الوقوع فهي أخبار آحاد لا تقوم الحجة بها في ~~المسائل القطعية، وبتقدير أن تكون حجة، فلعلها خاصة بمن وردت في حقه غير ~~عامة. # والجواب عن السؤال الأول ما مر في جواز اجتهاد النبي عليه السلام وعن ~~الثاني أن ذلك، إذا كان بأمر رسول الله وإذنه، فيكون ذلك من باب امتثال ~~أمره، لا من باب التعاطي والافتيات عليه. # وعن قولهم (إن الصحابة كانوا يرجعون في أحكام الوقائع إلى النبي عليه ~~السلام) يمكن أن يكون ذلك فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد، وإن ظهر، غير ~~أن القادر على التوصل إلى مقصوده بأحد طريقين لا يمتنع عليه العدول عن ~~أحدهما إلى الآخر، ولا يخفى أنه إذا كان الاجتهاد طريقا يتوصل به إلى ~~الحكم، فالرجوع إلى النبي عليه السلام، أيضا طريق آخر. # وما ذكروه من ms875 أن الأخبار المذكورة في ذلك أخبار آحاد، فهو كذلك، غير أن ~~المدعي إنما هو حصول الظن بذلك دون القطع. # قولهم يحتمل أن يكون ذلك خاصا بمن وردت تلك الأخبار في حقه - قلنا: ~~المقصود من الأخبار المذكورة إنما هو الدلالة على وقوع الاجتهاد في زمن ~~النبي عليه السلام، ممن عاصره لا بيان وقوع الاجتهاد من كل من عاصره. ~~PageV04P177 # المسألة الثالثة مذهب الجمهور من المسلمين أنه ليس كل مجتهد في العقليات ~~مصيبا، وأن الاثم غير محطوط عن مخالف ملة الاسلام، سواء نظر وعجز عن معرفة ~~الحق، أم لم ينظر. # وقال الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري من المعتزلة بحط الاثم عن مخالف ~~ملة الاسلام إذا نظر واجتهد فأداه اجتهاده إلى معتقده، وأنه معذور، بخلاف ~~المعاند. # وزاد عبيد الله بن الحسن العنبري بأن قال: كل مجتهد في العقليات مصيب، ~~وهو إن أراد بالإصابة موافقة الاعتقاد للمعتقد، فقد أحال، وخرج عن المعقول، ~~وإلا كان يلزم من ذلك أن يكون حدوث العالم وقدمه في نفس الامر حقا عند ~~اختلاف الاجتهاد، وكذلك في كل قضية عقلية اعتقد فيها النفي والاثبات، بناء ~~على ما أدى إليه من الاجتهاد، وهو من أمحل المحالات، وما أظن عاقلا يذهب ~~إلى ذلك. وإن أراد بالإصابة أنه أتى بما كلف به مما هو داخل تحت وسعه ~~وقدرته من الاجتهاد، وأنه معذور في المخالفة، غير آثم، فهو ما ذهب إليه ~~الجاحظ، وهو أبعد عن الأول في القبح. ولا شك أنه غير محال عقلا، وإنما ~~النزاع في إحالة ذلك وجوازه شرعا. # وقد احتج الجمهور على مذهبهم بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. # أما الكتاب فقوله تعالى * (ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من ~~النار) * (ص: 27) وقوله * (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) * (فصلت: ~~23) وقوله تعالى * (ويحسبون أنهم على شئ، ألا إنهم هم الكاذبون) * ~~(المجادلة: 18). # ووجه الاحتجاج بهذه الآيات أنه ذمهم على معتقدهم وتوعدهم بالعقاب عليه ~~ولو كانوا معذورين فيه لما كان كذلك. # وأما السنة فما علم منه عليه السلام، علما لا مراء فيه تكليفه للكفار ms876 من ~~اليهود والنصارى بتصديقه واعتقاد رسالته وذمهم على معتقداتهم وقتله لمن ظفر ~~به منهم PageV04P178 # وتعذيبه على ذلك منهم مع العلم الضروري بأن كل من قاتله وقتله لم يكن ~~معاندا بعد ظهور الحق له بدليله، فان ذلك مما تحيله العادة. ولو كانوا ~~معذورين في اعتقاداتهم، وقد أتوا بما كلفوا به، لما ساغ ذلك منه. # وأما الاجماع فهو أن الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين اتفقوا أيضا على ~~قتال الكفار وذمهم ومهاجرتهم على اعتقاداتهم، ولو كانوا معذورين في ذلك، ~~لما ساغ ذلك من الأمة المعصومة عن الخطأ. # فإن قيل: أما الآية الأولى فغاية ما فيها ذم الكفار، وذلك غير متحقق في ~~محل النزاع، لان الكفر في اللغة مأخوذ من الستر والتغطية، ومنه يقال: لليل ~~كافر، لأنه ساتر للحوادث، وللحارث كافر، لسترة الحب، وذلك غير متصور إلا في ~~حق المعاند العارف بالدليل، مع إنكاره لمقتضاه، كيف وإنه يجب حمل هذه ~~الآية، والآيتين بعدها على المعاند دون غيره، جمعا بينه وبين ما سنذكره من ~~الدليل. # وأما ما ذكرتموه من قتل النبي عليه السلام الكفار، فلا نسلم أنه كان على ~~ما اعتقدوه عن اجتهادهم، بل على إصرارهم على ذلك، وإهمالهم لترك البحث عما ~~دعوا إليه والكشف عنه مع إمكانه. # وأما الاجماع فلا يمكن الاستدلال به في محل الخلاف، كيف وإنه يمكن حمل ~~فعل أهل الاجماع على ما حمل عليه فعل النبي عليه السلام. # ودليل هذه التأويلات أن تكليفهم باعتقاد نقيض معتقدهم الذي أدى إليه ~~اجتهادهم، واستفرغوا الوسع فيه، تكليف بما لا يطاق، وهو ممتنع، للنص ~~والمعقول. # أما النص، فقوله تعالى * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (البقرة: 286). ~~PageV04P179 # وأما المعقول فهو أن الله تعالى رؤوف بعباده، رحيم لهم، فلا يليق به ~~تعذيبهم على ما لا قدرة لهم عليه. # ولهذا كان الاثم مرتفعا عن المجتهدين في الأحكام الشرعية مع اختلاف ~~اعتقاداتهم فيها، بناء على اجتهاداتهم المؤدية إليها، كيف وقد نقل عن بعض ~~المعتزلة أنهم أولوا قول الجاحظ وابن العنبري، بالحمل على المسائل الكلامية ~~المختلف فيها بين المسلمين، ms877 ولا تكفير فيها، كمسألة الرؤية، وخلق الأعمال، ~~وخلق القرآن، ونحو ذلك، لان الأدلة فيها ظنية متعارضة. # الجواب عما ذكروه على الآية أنه خلاف الاجماع في صحة إطلاق اسم الكافر ~~على من اعتقد نقيض الحق، وإن كان عن اجتهاد. # وقولهم إن الكفر في اللغة مأخوذ من التغطية مسلم، ولكن لا نسلم انتفاء ~~التغطية فيما نحن فيه: وذلك لأنه باعتقاده لنقيض الحق بناء على اجتهاده، ~~مغط للحق، وهو غير متوقف على علمه بذلك. # وما ذكروه من التأويل، ففيه ترك الظاهر من غير دليل، وما يذكرونه من ~~الدليل، فسيأتي الكلام عليه. # وما ذكروه على السنة، فبعيد أيضا، وذلك لأنه إن تعذر قتلهم وذمهم على ما ~~كانوا قد اعتقدوه عن اجتهاد هم واستفراغ وسعهم، فهو لازم أيضا على تعذر ~~قتلهم وذمهم، على عدم تصديقه فيما دعاهم إليه، لان الكلام إنما هو مفروض ~~فيمن أفرغ وسعه وبذل جهده في التوصل إلى معرفة ما دعاه النبي (ص)، إليه، ~~وتعذر عليه الوصول إليه. # وما ذكروه في امتناع التمسك بالاجماع في محل الخلاف، إنما يصح فيما كان ~~من الاجماع بعد الخلاف، أو حالة الخلاف. # وأما الاجماع السابق على الخلاف، فهو حجة على المخالف وقد بينا سبقه. # وما ذكروه من التأويل، فجوابه كما تقدم. # قولهم إن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، لا نسلم ذلك، فإن الوصول ~~PageV04P180 # إلى معرفة الحق ممكن بالأدلة المنصوبة عليه، ووجود العقل الهادي، وغايته ~~امتناع الوقوع باعتبار أمر خارج، وذلك لا يمنع من التكليف به، وإنما يمتنع ~~التكليف بما لا يكون ممكنا في نفسه، كما سبق تقريره في موضعه. # وما ذكروه فقد سبق تخريجه أيضا في مسألة تكليف ما لا يطاق. # وأما رفع الاثم في المجتهدات الفقهية، فإنما كان لان المقصود منها إنما ~~هو الظن بها، وقد حصل، بخلاف ما نحن فيه، فإن المطلوب فيها ليس هو الظن، بل ~~العلم، ولم يحصل. # وما ذكروه من التأويل إن صح أنه المراد من كلام الجاحظ وابن العنبري، ~~ففيه رفع الخلاف، والعود إلى الحق، ولا نزاع فيه. ms878 PageV04P181 # المسألة الرابعة اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الاثم محطوط عن ~~المجتهدين في الأحكام الشرعية، وذهب بشر المريسي وابن علية وأبو بكر الأصم ~~ونفاة القياس، كالظاهرية والامامية، إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها ~~متعين، وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه، فهو آثم غير كافر، ولا فاسق. # وحجة أهل الحق في ذلك، ما نقل نقلا متواترا لا يدخله ريبة ولا شك، وعلم ~~علما ضروريا من اختلاف الصحابة فيما بينهم في المسائل الفقهية، كما بيناه ~~فيما تقدم مع استمرارهم على الاختلاف إلى انقراض عصرهم، ولم يصدر من أحد ~~منهم نكير، ولا تأثيم لاحد، لا على سبيل الابهام ولا التعيين، مع علمنا ~~بأنه لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس وتحريم الزنى والقتل، لبادروا إلى ~~تخطئته وتأثيمه. # فلو كانت المسائل الاجتهادية نازلة منزلة هذه المسائل في كونها قطعية ~~ومأثوما على المخالفة فيها، لبالغوا في الانكار والتأثيم، حسب مبالغتهم في ~~الانكار على من خالف في وجوب العبادات الخمس وفي تأثيمه، لاستحالة تواطئهم ~~على الخطأ، ودلالة النصوص النازلة منزلة التواتر على عصمتهم عنه، كما سبق ~~تقريره في مسائل الاجماع. # فإن قيل: فقد وقع الانكار من بعضهم على بعض في العمل بالرأي والاجتهاد في ~~المسائل الفقهية، كما ذكرناه في إثبات القياس على منكريه، ومع الانكار فلا ~~إجماع. # وإن سلمنا عدم نقل إنكارهم لذلك، فيحتمل أنهم أنكروا و لم ينقل إلينا. ~~وبتقدير عدم صدور الانكار منهم ظاهرا، فيحتمل أنهم أضمروا الانكار والتأثيم ~~تقية وخوفا من ثوران فتنة وهجوم آفة. # قلنا: أما السؤال الأول فقد أجبنا عنه فيما تقدم. # وأما الثاني فهو خلاف مقتضى العادة، فإنه لو وجد الانكار، لتوفرت الدواعي ~~على نقله، واستحال في العادة كتمانه، كما نقل عنهم الانكار على الخوارج ~~ومانعي الزكاة وغير ذلك. وبمثل هذا يندفع أيضا ما ذكروه من السؤال الثالث. ~~PageV04P182 # المسألة الخامسة المسألة الظنية من الفقهيات إما أن يكون فيها نص، أو لا ~~يكون: # فإن لم يكن فيها نص فقد اختلفوا فيها: # فقال قوم: كل مجتهد فيها مصيب، وإن حكم ms879 الله فيها لا يكون واحدا بل هو ~~تابع لظن المجتهد، فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده، وغلب على ~~ظنه، وهو قول القاضي أبي بكر وأبي الهذيل والجبائي وابنه. # وقال آخرون: المصيب فيها واحد، ومن عداه مخطئ، لان الحكم في كل واقعة لا ~~يكون إلا معينا، لان الطالب يستدعي مطلوبا، وذلك المطلوب هو الأشبه عند ~~الله في نفس الامر بحيث لو نزل نص، لكان نصا عليه. # لكن منهم من قال بأنه لا دليل عليه، وإنما هو مثل دفين يظفر به حالة ~~الاجتهاد بحكم الاتفاق، فمن ظفر به، فهو مصيب ومن لم يصبه فهو مخطئ. # ومنهم من قال: عليه دليل، لكن اختلف هؤلاء،: # فمنهم من قال إنه قطعي، ثم اختلف هؤلاء: # فمنهم من قال بتأثيم المجتهد بتقدير عدم الظفر به ونقض حكمه، كأبي بكر ~~الأصم وابن علية وبشر المريسي، ومنهم من قال بعدم التأثيم لخفاء الدليل ~~وغموضه، فكان معذورا، ومنهم من قال إنه ظني، فمن ظفر به، فهو مصيب، وله ~~أجران، ومن لم يصبه، فهو مخطئ، وله أجر واحد. وهذا هو مذهب ابن فورك ~~والأستاذ أبي إسحاق الأسفرائيني. PageV04P183 # ومنهم من نقل عنه القولان التخطئة والتصويب، كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد ~~بن حنبل والأشعري. # وأما إن كان في المسألة نص، فإن قصر في طلبه، فهو مخطئ آثم لتقصيره فيما ~~كلف به من الطلب. وإن لم يقصر فيه، وأفرغ الوسع في طلبه، لكن تعذر عليه ~~الوصول إليه، إما لبعد المسافة، أو لاخفاء الراوي له وعدم تبليغه، فلا إثم، ~~لعدم تقصيره، وهل هو مخطئ أو مصيب؟ ففيه من الخلاف ما سبق. # والمختار إنما هو امتناع التصويب لكل مجتهد، غير أن القائلين بذلك قد ~~احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر ~~بعد ذلك ما هو المختار. # الحجة الأولى من جهة الكتاب قوله تعالى * (وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان) * ~~(الأنبياء: 78) ووجه الاحتجاج به أنه خصص سليمان ms880 بفهم الحق في الواقعة، ~~وذلك يدل على عدم فهم (داود) له، وإلا لما كان التخصيص مفيدا، وهو دليل ~~اتحاد حكم الله في الواقعة، وأن المصيب واحد. # وأيضا قوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) وقوله ~~تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7) ~~ولولا أن في محل الاستنباط حكما معينا، لما كان كذلك وأيضا قوله تعالى * ~~(ولا تفرقوا فيه) * (الشورى: 13) * (ولا تنازعوا فتفشلوا) * (الأنفال: 46) ~~* (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * (آل عمران: 105) وذلك أيضا يدل ~~على اتحاد الحق في كل واقعة. # ولقائل أن يقول على الآية الأولى: غاية ما فيها تخصيص سليمان بالفهم، ولا ~~دلالة له على عدم ذلك في حق (داود) إلا بطريق المفهوم، وليس بحجة، على ما ~~تقرر في مسائل المفهوم. وان سلمنا أنه حجة، غير أنه قد روي أنهما حكما في ~~تلك PageV04P184 # القضية بالنص حكما واحدا، ثم نسخ الله الحكم في مثل تلك القضية في ~~المستقبل، وعلم (سليمان) بالنص الناسخ دون (داود) فكان هذا هو الفهم الذي ~~أضيف إليه. # والذي يدل على هذا قوله تعالى * (وكلا آتينا حكما وعلما) * () ولو كان ~~أحدهما مخطئا لما كان قد أتي في تلك الواقعة حكما وعلما. وإن سلمنا أن ~~حكمهما كان مختلفا، لكن يحتمل أنهما حكما بالاجتهاد مع الاذن فيه، وكانا ~~محقين في الحكم، إلا أنه نزل الوحي على وفق ما حكم به سليمان، فصار ما حكم ~~به حقا متعينا بنزول الوحي به، ونسب التفهيم إلى سليمان بسبب ذلك. وإن ~~سلمنا أن داود كان مخطئا في تلك الواقعة، غير أنه يحتمل أنه كان فيها نص ~~اطلع عليه سليمان دون داود، ونحن نسلم الخطأ في مثل هذه الصورة، وإنما ~~النزاع فيما إذا حكما بالاجتهاد، وليس في الواقعة نص. # وعلى الآية الثانية والثالثة أنه يجب حملهما على الأمور القطعية دون ~~الاجتهادية. # ودليله قوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) وقوله ~~تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7) ~~والقضايا الاجتهادية لا علم فيها، وإن سلمنا أن المراد بهما ms881 القضايا ~~الاجتهادية، فقوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) ~~وقوله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: ~~7) يدل على تصويب المستنبطين والراسخين في العلم، وليس فيه ما يدل على ~~تصويب البعض منهم دون البعض، بل غايته الدلالة بمفهومه على عدم ذلك في حق ~~العوام ومن ليس من أهل الاستنباط والرسوخ في العلم. # وعلى الآيات الدالة على النهي عن التفرق، أن المراد منها إنما هو التفرق ~~في أصل الدين والتوحيد، وما يطلب فيه القطع دون الظن. # ويدل على ذلك أن القائلين بجواز الاجتهاد، مجمعون على أن كل واحد من ~~المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، ومنهي عن مخالفته، وهو أمر ~~بالاختلاف، PageV04P185 # ونهي عن الاتفاق في المجتهدات. # الحجة الثانية: من جهة السنة قوله عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأصاب، ~~فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر واحد وذلك صريح في انقسام الاجتهاد إلى خطأ ~~وصواب. # ولقائل أن يقول: نحن نقول بموجب الخبر، وأن الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده، ~~فله أجر واحد، غير أن الخطأ عندنا في ذلك إنما يتصور فيما إذا كان في ~~المسألة نص، أو إجماع، أو قياس جلى، وخفي عليه بعل لبحث التام عنه، وذلك ~~غير متحقق في محل النزاع، أو فيما إذا أخطأ في مطلوب من رد المال إلى ~~مستحقه بسبب ظنه صدق الشهود، وهم كاذبون، أو مغالطة الخصم، لكونه أخصم من ~~خصمه، وألحن بحجته، لا فيما وجب عليه من حكم الله تعالى. ولهذا قال عليه ~~السلام إنما أحكم بالظاهر، وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بحجته من ~~صاحبه فمن حكمت له بشئ من مال أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من ~~النار. # الحجة الثالثة: من جهة الاجماع أن الصحابة أجمعوا على إطلاق لفظ الخطأ في ~~الاجتهاد: PageV04P186 # فمن ذلك ما روى عن أبي بكر أنه قال أقول في ا لكلالة برأيي، فإن يكن ~~صوابا، فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان ~~ومن ذلك ما روي عن عمر أنه حكم بحكم، ms882 فقال رجل حضره هذا، والله الحق. فقال ~~عمر: أن عمر لا يدري أنه أصاب الحق، لكنه لم يأل جهدا وروي عنه أنه قال ~~لكاتبه اكتب هذا ما رأى عمر، فإن يكن خطأ فمنه، وإن يكن صوابا، فمن الله ~~وأيضا قوله في جواب المرأة التي ردت عليه النهي عن المبالغة في المهر أصابت ~~امرأة، وأخطأ عمر ومن ذلك ما روي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال في المرأة ~~التي استحضرها عمر فأجهضت ما في بطنها، وقد قال له عثمان و عبد الرحمن بن ~~عوف: إنما أنت مؤدب، لا نرى عليك شيئا، إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم ~~يجتهدا، فقد غشاك، أرى عليك الدية ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال في ~~المفوضة أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا، فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ، ~~فمني ومن الشيطان PageV04P187 # ومن ذلك ما روي أن عليا وابن مسعود وزيدا، رضي الله عنهم، خطؤوا ابن عباس ~~في ترك القول بالعول، وأنكر عليهم ابن عباس قولهم بالعول بقوله من شاء أن ~~يباهلني باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددا، لم يجعل في مال واحد نصفا ~~ونصفا وثلثا، هذان نصفان ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ # ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن ~~الابن ابنا، ولا يجعل أبا الأب أبا إلى غير ذلك من الوقائع، ولم ينكر بعضهم ~~على بعض في التخطئة، فكان ذلك إجماعا على أن الحق من أقاويلهم ليس إلا ~~واحدا. # ولقائل أن يقول: نحن لا ننكر وقوع الخطأ في الاجتهاد، لكن فيما إذا لم ~~يكن المجتهد أهلا للاجتهاد، أو كان أهلا، لكنه قصر في اجتهاده، أو إن لم ~~يقصر لكنه خالف النص أو الاجماع أو القياس الجلي، أو في مطلوبه دون ما وجب ~~عليه من حكم الله، كما سبق تقريره في جواب السنة. # وأما ما تم فيه الاجتهاد من أهله، ولم يوجد له معارض مبطل، فليس فيما ~~ذكروه من قضايا ms883 الصحابة ما يدل على وقوع الخطأ فيه. PageV04P188 # الحجة الرابعة: # من جهة المعقول من ستة أوجه. # الأول أن الاجتهاد مكلف به بالاجماع، فعند اختلاف المجتهدين في حكم ~~الحادثة، ومصير كل واحد إلى مناقضة الآخر إما أن يكون اجتهاد كل واحد منهما ~~مستندا إلى دليل، أو لا دليل لواحد منهما، أو أن الدليل مستند أحدهما دون ~~الآخر فإن كان الأول، فالدليلان المتقابلان إما أن يكون أحدهما راجحا على ~~الآخر، أو هما متساويان: فإن كان أحدهما راجحا، فالذاهب إليه مصيب، ومخالفه ~~مخطئ. وإن كان الثاني، فمقتضاهما التخيير أو الوقف، فالجازم بالنفي أو ~~الاثبات يكون مخطئا. وإن كان لا دليل لواحد منهما، فهما مخطئان. وإن كان ~~الدليل لأحدهما دون الآخر فأحدهما مصيب، والآخر مخطئ لا محالة. # الثاني: أن القول بتصويب المجتهدين يفضي عند اختلاف المجتهدين بالنفي ~~والاثبات، أو الحل والحرمة، في مسألة واحدة، إلى الجمع بين النقيضين، وهو ~~محال، وما أفضى إلى المحال يكون محالا. # الثالث: أن الأمة مجمعة على تجويز المناظرة بين المجتهدين، ولو كان كل ~~واحد مصيبا فيما ذهب إليه، لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة، وذلك لان كل ~~واحد يعتقد أن ما صار إليه مخالفه حق، وأنه مصيب فيه والمناظرة إما لمعرفة ~~أن ما صار إليه خصمه صواب، أو لرده عنه: # فإن كان الأول، ففيه تحصيل الحاصل. # وإن كان الثاني، فقصد كل واحد لرد صاحبه عما هو عليه، مع اعتقاده أنه ~~صواب يكون حراما. # الرابع: أن المجتهد في حال اجتهاده، إما أن يكون له مطلوب، أو يكون: # فإن كان الأول، فهو محال، إذ المجتهد طالب، وطالب لا مطلوب له محال. # وإن كان الثاني، فمطلوبه متقدم على اجتهاده ونظره، وذلك مع عدم تعين ~~المطلوب في نفسه محال. # الخامس: أنه لو صح تصويب كل واحد من المجتهدين، لوجب عند الاختلاف ~~PageV04P189 # في الآنية بالطهارة والنجاسة أن يقضى بصحة اقتداء كل واحد من المجتهدين، ~~بالآخر، لاعتقاد المأموم صحة صلاة إمامه. # السادس: أن القول بتصويب المجتهدين يلزم منه أمور ممتنعة فيمتنع. # الأول: أنه إذا تزوج شافعي ms884 بحنفية، وكانا مجتهدين، وقال لها أنت بائن ~~فإنه بالنظر إلى ما يعتقده الزوج من جواز الرجعة تجوز له المراجعة، والمرأة ~~بالنظر إلى ما تعتقده من امتناع الرجعة يحرم عليها تسليم نفسها إليه، وذلك ~~مما يفضي إلى منازعة بينهما لا سبيل إلى رفعها شرعا، وهو محال. # الثاني: أنه إذا نكح واحد امرأة بغير ولي، ونكحها آخر بعده بولي، فيلزم ~~من صحة المذهبين حل الزوجة للزوجين، وهو محال. # الثالث: أن العامي إذا استفتى مجتهدين، واختلفا في الحكم، فإما أن يعمل ~~بقوليهما، وهو محال، أو بقول أحدهما، ولا أولوية، وإما لا بقول واحد منهما، ~~فيكون متحيرا، وهو ممتنع ولقائل أن يقول على الوجه الأول: إن المختار إنما ~~هو القسم الأول من أقسامه. # قولهم: الدليلان إما أن يتساويا، أو يترجح أحدهما على الآخر - قلنا: في ~~نفس الامر أو في نظر الناظر؟ # الأول ممنوع، وذلك لان الأدلة في مسائل الظنون ليست أدلة لذواتها وصفات ~~أنفسها، حتى تكون في نفس الامر متساوية في جهة دلالتها، أو متفاوتة، وإن ~~كان في نظر الناظر، فلا نسلم صحة هذه القسمة، بل كل واحد منهما راجح في نظر ~~الناظر الذي صار إليه، وذلك لان الأدلة الظنية مما تختلف باختلاف الظنون، ~~فهي أمور إضافية غير حقيقية، كما أن ما وافق غرض زيد، فهو حسن بالنسبة ~~إليه، وإن كان قبيحا بالنسبة إلى من خالف غرضه. # وعلى هذا، فلا تخطئة على ما ذكروه وإن سلمنا أن الدليلين في نفسيهما لا ~~يخرجان عن المساواة أو الترجيح لأحدهما على الآخر، غير أن النزاع إنما هو ~~في الخطأ بمعنى عدم الإصابة لحكم الله في الواقعة، لا بمعنى عدم الظفر ~~بالدليل الراجح، ولا يلزم من عدم الظفر بالدليل الراجح عدم PageV04P190 # الظفر بحكم الله في الواقعة، لان حكم الله تعالى عندنا عبارة عما أدى ~~إليه نظر المجتهد وظنه، لا ما أدى إليه الدليل الراجح في نفس الامر. # وعلى الوجه الثاني: أن التناقض إنما يلزم أن لو اجتمع النفي والاثبات، ~~والحل والحرمة، في حق شخص واحد، من جهة واحدة، ms885 أما بالنظر إلى شخصين، فلا ~~ولهذا، فإن الميتة تحل للمضطر، وتحرم على غيره، وإفطار رمضان مباح للمريض ~~والمسافر، ومن له عذر، دون غيره. وفيما نحن فيه كذلك: فأن من وجب عليه ~~الحكم بالحل الذي أداه نظره إليه، غير من وجب عليه الحكم بالتحريم الذي ~~أداه نظره إليه. ثم لو كان ذلك ممتنعا، لما وجب على كل واحد من المجتهدين ~~في القبلة، إذا أدى اجتهاده إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر، التوجه إلى ~~الجهة التي غلب على ظنه أنها جهة القبلة، كتحريم التوجه إليها بالنسبة إلى ~~الآخر، ولما حرم على كل واحد ما وجب على الآخر، وهو ممتنع. # وعلى الثالث أن فائدة المناظرة غير منحصرة فيما ذكروه، بل لها فوائد أخر ~~تجب المناظرة لها، أو تستحب. # فالأولى كالمناظرة لتعرف انتفاء الدليل القاطع الذي لا يجوز معه الاجتهاد ~~، أو لطلب تعرف الترجيح عند تساوي الدليلين في نظر المجتهد، حتى يجزم ~~بالنفي أو الاثبات، أو يحل له الوقف أو التخيير لكونه مشروطا بعدم الترجيح. # والثانية، كالمناظرة التي يطلب بها تذليل طرق الاجتهاد والقوة على ~~استثمار الاحكام من الأدلة واستنباطها منها، وشحذ الخاطر وتنبيه المستمعين ~~على مدارك الأحكام ومآخذها، لتحريك دواعيهم إلى طلب رتبة الاجتهاد، لنيل ~~الثواب الجزيل وحفظ قواعد الشريعة. # وعلى الرابع أن مطلوب المجتهد ما يؤدي إليه نظره واجتهاده لا غير. وذلك ~~غير معين، لا عنده ولا عند الله تعالى. # وعلى الخامس أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كان القضاء بصحة صلاة المأموم ~~مطلقا، وليس كذلك. وإنما هي صحيحة بالنسبة إليه، غير صحيحة بالنسبة إلى ~~مخالفه. وشرط صحة اقتداء المأموم بالامام اعتقاد صحة صلاة إمامه بالنسبة ~~إليه. PageV04P191 # وعلى السادس أما الالزام الأول، فلا نسلم إفضاء ذلك إلى منازعة لا ترتفع، ~~لأنه يمكن رفعها فيما فرضوه من الصورة برفع الامر إلى حاكم من حكام ~~المسلمين، أو محكم منهم، فما حكم به وجب اتباعه، كيف وإن ما ذكروه لم يكن ~~لازما من القول بتصويب المجتهدين، بل إنما كان لازما من القول بأنه ms886 يجب على ~~كل مجتهد اتباع ما أوجبه ظنه، وسواء كان مخطئا أو مصيبا، لان المصيب غير ~~معين، وذلك متفق عليه، فما هو جواب لهم ها هنا فهو جواب الخصم في قوله ~~بالتصويب. # وإما الالزام الثاني فنقول أي النكاحين وجد من معتقد صحته أولا فهو صحيح، ~~والنكاح الثاني باطل، لكونه نكاحا لزوجة الغير، وإن صدر الأول ممن لا يعتقد ~~صحته، كالنكاح بلا ولي من الشافعي فهو باطل، والثاني صحيح. # وأما الالزام الثالث، فنقول: حكم العامي عند تعارض الفتاوى في حقه حكم ~~تعارض الدليلين في حق المجتهد من غير ترجيح. وحكم المجتهد في ذلك إما ~~التوقف أو التخيير، على ما يأتي والأقرب في ذلك أن يقال الأصل عدم التصويب، ~~والأصل في كل متحقق دوامه، إلا ما دل الدليل على مخالفته. والأصل عدم ~~الدليل المخالف فيما نحن فيه، فيبقى فيه على حكم الأصل. غير أنا خالفناه في ~~تصويب واحد غير معين للاجماع، ولا إجماع يما نحن فيه، فوجب القضاء بنفيه. # فإن قيل: وإن كان الأصل عدم الدليل المخالف للنفي الأصلي إلا أنه قد وجد، ~~ودليله من جهة الكتاب، والسنة،، والاجماع، والمعقول. # أما الكتاب فقوله تعالى في حق داود وسليمان * (وكلا آتينا حكما وعلما) * ~~(الأنبياء: 79) ولو كان أحدهما مخطئا لما كان ما صار إليه حكما لله، ولا ~~علما. PageV04P192 # وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ووجه ~~الاحتجاج به أنه عليه السلام، جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى، مع ~~اختلافهم في الاحكام نفيا وإثباتا، كما بيناه قبل. فلو كان فيهم مخطئ، لما ~~كان الاقتداء به هدى، بل ضلالة. # وأما الاجماع فهو أن الصحابة اتفقوا على تسويغ خلاف بعضهم لبعض، من غير ~~نكير منهم على ذلك، بل ونعلم أن الخلفاء منهم كانوا يولون القضاة والحكام ~~مع علمهم بمخالفتهم لهم في الاحكام، ولم ينكر عليهم منكر. ولو تصور الخطأ ~~في الاجتهاد، لما ساغ ذلك من الصحابة، كما لم يسوغوا ترك الانكار على مانعي ~~الزكاة، وكل منكر أنكروه. # وأما من جهة المعقول، فمن سبعة ms887 أوجه. # الأول أنه لو كان الحق متعينا في باب الاجتهاد في كل مسألة لنصب الله ~~تعالى عليه دليلا قاطعا، دفعا للاشكال، وقطعا لحجة المحتج، كما هو المألوف ~~من عادة الشارع في كل ما دعا إليه، ومنه قوله تعالى * (رسلا مبشرين ~~ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (النساء: 165) وقوله ~~تعالى * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) * (إبراهيم: 4) ~~وقوله تعالى * (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا: ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا) * (طه: 134) ولو كان عليه دليل قاطع، لوجب الحكم على مخالفه ~~بالفسق والتأثيم، كالمخالف في العقليات. # الثاني: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لما ساغ لاحد من العامة تقليد أحد ~~من العلماء، إلا بعد الاجتهاد والتحري فيمن يقلده، وليس كذلك. وحيث خير في ~~التقليد دل على التساوي بين المجتهدين، فإن الشرع لا يخير إلا في حالة ~~التساوي. # الثالث: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لوجب نقض كل حكم خالفه، كما قاله ~~بشر المريسي والأصم. وحيث لم ينقض دل على التساوي. PageV04P193 # الرابع: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لما وجب على كل واحد من المجتهدين ~~اتباع ما أوجبه ظنه، ولا كان مأمورا به، لان الشارع لا يأمر بالخطإ، وحيث ~~كان مأمورا باتباعه، دل. على كونه صوابا. # الخامس: أنه لا خلاف في ترجيح الأدلة المتقابلة في المجتهدات بما لا ~~يستقل بإثبات أصل الحكم ولا نفيه، فدل على أن الدليل من الجانبين ما هو ~~خارج عن الترجيح، فالدليل على كل واحد من الحكمين قائم، فكان حقا. # السادس: أن حصر الحق في جهة واحدة مما يفضي إلى الضيق والحرج، وهو منفي ~~بقوله تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (الحج: 78) وقوله تعالى * ~~(يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) * (البقرة: 185). # السابع: أنه لو كان المجتهد مخطئا، لما علم كونه مغفورا له، واللازم ~~ممتنع. # وبيان الملازمة أنه لو كان مخطئا، فلا يخلو: # إما أن لا يجوز كونه مخطئا، أو يجوز كونه مخطئا: # الأول محال، فإن ms888 من قال بالتخطئة لم يعين الخطأ في واحد، بل أمكن أن يكون ~~قائلا بالنفي أو الاثبات. # والثاني فلا يخلو: إما أن يعلم مع تجويز كونه مخطئا، أنه قد انتهى في ~~النظر إلى الرتبة التي يغفر له بترك ما بعدها، أو لا يعلم ذلك: # الأول محال، فإن المجتهد لا يميز ما بين الرتبتين. # وإن كان الثاني، فهو مجوز لترك النظر الذي إذا أخل به بعد النظر الذي ~~انتهى إليه لا يكون مغفورا له، وذلك ممتنع مخالف لاجماع الأمة على ثواب كل ~~مجتهد وغفران ما أخل به من النظر. # والجواب عن الآية أن غايتها الدلالة على أن كل واحد منهما أوتي حكما ~~وعلما، وهو نكرة في سياق الاثبات، فيخص، وليس فيه ما يدل على أنه أوتي حكما ~~وعلما فيما حكم به. وقد أمكن حمل ذلك على أنه أوتي حكما وعلما بمعرفة ~~دلالات الأدلة على مدلولاتها، وطرق الاستنباط، فلا يبقى حجة في غيره. ~~PageV04P194 # وعن السنة أن الخبر، وإن كان عاما في الأصحاب والمقتدين بهم، غير أن ما ~~فيه الاقتداء غير عام، ولا يلزم من العموم في الأشخاص، العموم في الأحوال. # وعلى هذا، فقد أمكن حمله على الاقتداء في الرواية عن النبي عليه السلام، ~~لا في الرأي والاجتهاد. وقد عمل به فيه، فلا يبقى حجة فيما عداه، ضرورة ~~إطلاقه. # وعن الاجماع أنه إنما لم ينكر بعض الصحابة على بعض المخالفة، لان المخطئ ~~غير معين، ومع ذلك، فهو مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، ومثاب عليه. والذي يجب ~~إنكاره من الخطأ ما كان مخطئه معينا، وهو منهي عنه. وما نحن فيه ليس كذلك. # وعن الشبهة الأولى من المعقول: لا نسلم أنه لو كان الحكم في الواقعة ~~معينا لنصب الله عليه دليلا قاطعا، إذ هو مبني على وجوب رعاية الحكمة في ~~أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في كتبنا الكلامية. وإن سلمنا وجوب رعاية ~~الحكمة، ولكن لا مانع أن تكون الحكمة طلب الظن بذلك الحكم، بناء على الأدلة ~~الظنية، لا طلب العلم به لنيل ثواب النظر والاجتهاد. فإن ms889 ثوابه لزيادة ~~المشقة فيه أزيد، على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك وإن لم تظهر ~~فيه حكمة، فلا مانع من اختصاصه بحكمة لا يعلمها سوى الرب تعالى. # وعن الثانية أنه إنما خير العامي في التقليد لمن شاء، لكونه لا يقدر على ~~معرفة الا علم دون معرفة مأخذ المجتهدين، ووجه الترجيح فيه. وذلك مما يخرجه ~~عن العامية، ويمنعه من جواز الاستفتاء، بل غاية ما يقدر على معرفته كون كل ~~واحد منهما عالما أهلا للاجتهاد، ومن هذه الجهة قد استويا في نظره، فلذلك ~~كان مخيرا حتى إنه لو قدر على معرفة الأعلم ولو بإخبار العلماء بذلك، لم ~~يجز له تقليد غيره. # وعن الثالثة أنه إنما امتنع نقض ما خالف الصواب لعدم معرفة الصواب من ~~الخطأ. # وعن الرابعة أنها منقوضة بما إذا كان في المسألة نص أو إجماع ولم يعلم به ~~المجتهد بعد البحث التام فان الحكم فيها معين، ومع ذلك فالمجتهد مأمور ~~باتباع ما أوجبه ظنه. PageV04P195 # وعن الخامسة: أنا وإن سلمنا أن الترجيح قد يكون بما لا يستقل بالحكم، فلا ~~يمنع ذلك من اعتباره جزءا من الدليل. # وعلى هذا فالمرجوح لا يكون دليلا، وإن كان دليلا، لكن لا نسلم جواز ترتب ~~الحكم على المرجوح مع وجود الراجح في نفس الامر. وعن السادسة: أن الحرج ~~إنما يلزم من تعيين الحق أن لو وجب على المجتهدين اتباعه قطعا. # أما إذا كان ذلك مفوضا إلى ظنونهم واجتهاداتهم، فلا. # كيف ويلزم على ما ذكروه ما إذا كان في المسألة نص أو إجماع، فإن الحكم ~~فيها يكون معينا، وإن لزم منه الحرج. # وعن السابعة: بمنع ما ذكروه من الملازمة، وذلك لان الكلام إنما هو مفروض ~~فيما إذا علم المجتهد من نفسه انتهاءه في الاجتهاد واستفراغ الوسع إلى حد ~~يقطع بانتفاء قدرته على المزيد عليه، وذلك هو ضابط العلم بكونه مغفورا له ~~ما وراءه. PageV04P196 # المسألة السادسة اتفقوا في الأدلة العقلية المتقابلة بالنفي والاثبات، ~~على استحالة التعادل بينها. # وذلك، لان دلالة الدليل العقلي يجب أن يكون مدلولها ms890 حاصلا، فلو تعادل ~~الدليلان في نفسيهما لزم من ذلك حصول مدلوليهما، كالدليل الدال على حدوث ~~العالم، والدال على قدمه، ويلزم من ذلك اجتماع النقيضين، وهو محال. # واختلفوا في تعادل الأمارات الظنية. # فذهب أحمد بن حنبل والكرخي إلى المنع من ذلك، وذهب القاضي أبو بكر ~~والجبائي وابنه وأكثر الفقهاء إلى جوازه، وهو المختار. وذلك، لأنه لو ~~استحال تعادل الامارتين في نفسيهما، فإما أن يكون ذلك محالا في ذاته، أو ~~لدليل خارج: الأول ممتنع، فإنا لو قدرنا ذلك، لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، ~~وإن كان الدليل من خارج، عقليا كان أو شرعيا، فالأصل عدمه. # وعلى مدعيه بيانه PageV04P197 # . فإن قيل: إذا قيل بتعادل الامارتين، فإما أن يعمل بكل واحدة منهما، أو ~~بأحديهما دون الأخرى، أو لا يعمل ولا بواحدة منهما: # الأول محال، لما فيه من الجمع بين النقيضين، والثاني محال، لأنه إما أن ~~يعمل بواحدة منهما على طريق التعيين أو الابهام: فإن كان على طريق التعيين، ~~فلا أولوية مع التساوي وإن كان على سبيل التخيير، فهو ممتنع لوجوه ثلاثة: # الأول: أن الأمة مجمعة على امتناع تخيير المكلفين في مسائل الاجتهاد. # الثاني: أن التخيير إباحة للفعل والترك، وهو عمل بأمارة الإباحة، وهو ~~ممتنع. لما سبق. # الثالث: أنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للمتخاصمين، وكذلك المفتي ~~للعامي، بين الحكم ونقيضه، وأن يحكم لزيد بحكم، ولعمرو بنقيضه، وأن يحكم في ~~يوم بحكم، وفي الغد بنقيضه، وذلك محال، والثالث أيضا محال، لما فيه من ~~الجمع بين النقيضين، ولأن وضع الامارتين يكون عبثا، والعبث في تصرفات ~~الشارع ممتنع. # وأيضا فإن الحكم عند الله تعالى في الواقعة لا يكون إلا واحدا، على ما ~~سبق تقريره في المسألة المتقدمة، وهو الذي وقع عليه اختياركم، فلو تعادلت ~~الامارتان، لزم من ذلك التضليل والحيرة في إصابة الحق، وهو ممتنع على ~~الشارع الحكيم. # والجواب عن الشبهة الأولى بمنع الحصر فيما ذكروه، إذ قد أمكن قسم ثالث، ~~وهو العمل بمجموعهما، بأن يكونا كالدليل الواحد، ومقتضاهما الوقف أو ~~التخيير. PageV04P198 # وإن سلمنا امتناع ذلك، فما ms891 المانع من العمل بإحداهما على طريق التخيير ~~بأن يعمل المكلف بما شاء منهما، إن شاء أثبت، وإن شاء نفي. # قولهم: إن الأمة مجمعة على امتناع تخيير المكلف في مسائل الاجتهاد. # قلنا: متى إذا ترجح في نظره إحدى الامارتين، أو إذا تعادلتا؟ # الأول مسلم، والثاني ممنوع، ولا بعد في التخيير عند التعارض مع التساوي، ~~نازلا منزلة ورود التخيير من الشارع بلفظ التخيير، كما في خصال الكفارة، أو ~~كما في التخيير بين إخراج الحقاق، وبنات اللبون، عندما إذا اجتمع في ماله ~~مائتان من الإبل بقوله عليه السلام في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حق ~~فإنه إن أخرج أربع حقاق، فقد عمل بالنص، وإن أخرج خمس بنات لبون، فقد عمل ~~بالنص. # قولهم: إن التخيير إباحة للفعل والترك، وهو عمل بأمارة الإباحة، وترك ~~للامارة الوجوب - قلنا: إنما يلزم ذلك أن لو كان التخيير بين الفعل والترك ~~مطلقا، وليس كذلك. # وإنما هو تخيير في العمل بأحد الحكمين، مشروطا بقصد العمل بدليله، كما في ~~التخيير بين القصر في السفر والاتمام، بشرط قصد العمل بدليل الرخصة، أو ~~دليل الاتمام. # قولهم إنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للخصمين، والمفتي للعامي، بين ~~الحكمين المتناقضين، ليس كذلك، بل التخيير إنما هو للحاكم والمفتي في العمل ~~بإحدى الامارتين عند الحكم والفتوى، فلا بد من تعين ما اختاره، دفعا للنزاع ~~بين الخصوم، وللتحير عن المستفتى. # وأما حكمه لزيد بحكم ولعمرو بنقيضه، فغير ممتنع، كما لو تغير اجتهاده. # وكذلك الحكم في يوم وبنقيضه في الغد، وإنما يمتنع ذلك أن لو كان المحكوم ~~عليه واحدا، لما فيه من إضرار المحكوم عليه بالحكم له بحل النكاح و ~~الانتفاع بالملك في وقت، وتحريمه عليه في وقت آخر. وإن سلمنا امتناع ~~التخيير، فما المانع من ترك العمل بهما، والقول بتساقطهما. # قولهم إنه يلزم منه الجمع بين النقيضين. إنما يلزم ذلك أن لو اعتقد نفي ~~الحل والإباحة. وأما إذا لم يعتقد شيئا من ذلك، فلا. PageV04P199 # قولهم إن وضع الامارتين يكون عبثا، فهو مبني على وجوب رعاية ms892 الحكمة في ~~أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في مواضعه. وبتقدير التسليم، فلا يمتنع ~~استلزام ذلك لحكمة استأثر الله تعالى بالعلم بها دون المخلوقين. # كيف وقد أمكن أن تكون الحكمة فيه إيقاف المجتهد عن الجزم بالنفي أو ~~الاثبات. # وعن الشبهة الثانية أنا وإن سلمنا أن الحكم في المسألة لا يكون إلا ~~واحدا، ولكن ما المانع من تعادل الامارات. # قولهم: يلزم منه التحير والتضليل، إنما يلزم ذلك أن لو كان مكلفا بإصابة ~~ما هو الحكم عند الله تعالى، وليس كذلك. وإنما هو مكلف بما أوجبه ظنه، على ~~ما سبق. فإن لم يغلب على ظنه شئ، ضرورة التعادل، كان الواجب التخيير أو ~~التوقف أو التساقط. # المسألة السابعة فيما يصح نسبته من الأقوال إلى المجتهد، وما لا يصح ولا ~~خلاف في صحة اعتقاد الوجوب والتحريم، أو النفي والاثبات معا، في مسألتين ~~مختلفتين، كوجوب الصلاة وتحريم الزنى، وفي اعتقاد الجمع بين الاحكام ~~المختلفة التي لا تقابل بينها في شئ واحد، كالتحريم ووجوب الحد، ونحوه، وفي ~~اعتقاد وجوب فعلين متضادين على البدل، كالاعتداد بالأطهار والحيض أو فعلين ~~غير متضادين كخصال الكفارة. # وأما اعتقاد حكمين متقابلين في شئ واحد على سبيل البدل، فقد اختلفوا فيه، ~~وبينا مأخذ القولين في المسألة المتقدمة، وما هو المختار في ذلك ~~PageV04P200 # وأما ما يقال في هذه المسألة: للمجتهد الفلاني قولان، فلا يخلو إما أن ~~يكونا منصوصين في تلك المسألة، أو أحدهما منصوص عليه والآخر منقول، فإن كان ~~الأول فلا يخلو إما أن يكون التنصيص عليهما في وقتين، أو في وقت واحد فإن ~~كان ذلك في وقتين، فلا يخلو إما أن يكون التاريخ معلوما أو غير معلوم: # فإن كان الأول، فالقول الثاني ناسخ للأول، وهو الذي يجب إسناده إليه، دون ~~الأول، لكونه مرجوعا عنه. وإن قيل إن الأول قوله، فليس إلا بمعنى أنه كان ~~قولا له، لا بمعنى انه الآن قوله ومعتقده، وإن كان الثاني، فيجب اعتقاد ~~نسبة أحدهما إليه والرجوع عن الآخر، وإن لم يكن ذلك معلوما ولا معينا. # وعلى هذا، فيمتنع ms893 العمل بأحدهما قبل التبيين، لاحتمال أن يكون ما عمل به ~~هو المرجوع عنه. # وهذا، كما إذا وجدنا نصين، وعلمنا أن أحدهما ناسخ للآخر، ولم يتبين لنا ~~الناسخ من المنسوخ، فإنه يمتنع العمل بكل واحد منهما، لاحتمال أن يكون ما ~~عمل به هو المنسوخ. وكذلك الراوي، فإنه إذا سمع كتابا من الاخبار سوى خبر ~~واحد منه، وأشكل عليه ما سمعه عن غيره، فإنه لا يجوز له رواية شئ منه، ~~لاحتمال أن يكون ذلك ما لم يروه. # وأما إن كان التنصيص عليهما في وقت واحد، فإما أن ينص على الراجح منهما ~~بأن يقول: وهذا القول أولى، أو يفرع عليه دون الآخر، فيظهر من ذلك أن قوله ~~وما يجب أن يكون معتقدا له هو الراجح دون المرجوح. # وأما أن لا يوجد منه ما يدل على الترجيح، كما نقل عن الشافعي ذلك في سبع ~~عشرة مسألة، فلا يخلو إما أنه ذكر ذلك بطريق الحكاية لأقوال من تقدم، فلا ~~تكون أقوالا له. # وإما أن يكون ذلك بمعنى اعتقاده للقولين، وهو محال. وذلك لان دليلي ~~القولين إما أن يكون أحدهما راجحا على الآخر في نظره، أو هما متساويان. ~~PageV04P201 # فإن كان الأول فاعتقاده لحكم الدليل المرجوح ممتنع. وإن كان الثاني، ~~فاعتقاده للتحريم والإباحة معا، في شئ واحد من جهة واحدة محال. # وإن كان معنى القولين التخيير بين الحكمين أو التردد والشك، كتردد ~~الشافعي في التسمية، هل هي آية من أول كل سورة؟ فذلك مما لا يصح معه نسبة ~~القولين إليه. # ولهذا فإن من قال بالتخيير بين خصال الكفارة لا يقال إن له في الكفارة ~~أقوالا. # وكذلك من شك في شئ وتردد فيه، لا يقال: له فيه أقوال، وإنما يمكن تصحيح ~~ذلك بأن يحمل قوله (في المسألة قولان) على أنه قد وجد فيها دليلين ~~متعارضين، ولا موجود سواهما، إما نصان، أو استصحابان، كما إذا أعتق عن ~~كفارته عبدا غائبا منقطع الخبر. فإن الأصل بقاء حياته، والأصل بقاء اشتغال ~~الذمة، أو أصلان مختلفان، والمسألة مشابهة لكل واحد من الأصلين ms894 على السوية، ~~ويمكن أن يقول بكل واحد منهما قائل، فقوله بوجود هذا الاحتمال، وهذا ~~الاحتمال، قولان، لكنه ليس قولا بحكم شرعي. # وأما إن كان منصوصا عليه والآخر منقولا، فذلك إنما يتصور في صورتين ~~متناظرتين، وعند ذلك، فلا يخلو إما أن يظهر بين الصورتين فارق، أو لا يظهر: ~~فإن ظهر بينهما فارق، فالنقل يكون ممتنعا. # وإن لم يظهر بينهما فارق، وكان الامام قد نص على حكم الصورتين، فلا يخلو ~~إما أن يكون قد نص عليهما في وقتين، أو في وقت واحد. # فإن كان في وقتين: فإما أن يكون التاريخ معلوما، أو غير معلوم، فإن كان ~~معلوما، فتنصيصه على الحكم الأخير، يستلزم ثبوت مثله في الصورة المنصوص ~~عليها، أولا، ضرورة عدم الفرق، ويلزم من ذلك رجوعه عن الحكم المنصوص عليه ~~أولا. وإن لم يكن التاريخ معلوما، فيجب اعتقاد اشتراك الصورتين في أحد ~~الحكمين، وهو ما نص عليه آخرا، وإن لم يكن معلوما بعينه. وعلى هذا، فلا ~~يمكن العمل بأحدهما على سبيل التعيين، لجواز أن يكون هو المرجوع عنه، كما ~~أسلفناه، وأما إن نص على حكمي الصورتين في وقت واحد، فهو كما لو نص عليهما ~~في صورة واحدة، وقد عرف ما فيه. PageV04P202 # المسألة الثامنة اتفقوا على أن حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل ~~الاجتهادية لمصلحة الحكم، فإنه لو جاز نقض حكمه إما بتغيير اجتهاده، أو ~~بحكم حاكم آخر، لأمكن نقض الحكم بالنقض، ونقض نقض النقض، إلى غير النهاية. ~~ويلزم من ذلك اضطراب الاحكام، وعدم الوثوق بحكم الحاكم، وهو خلاف المصلحة ~~التي نصب الحاكم لها. # وإنما يمكن نقضه بأن يكون حكمه مخالفا لدليل قاطع، من نص أو إجماع أو ~~قياس جلي، وهو ما كانت العلة فيه منصوصة، أو كان قد قطع فيه بنفي الفارق ~~بين الأصل والفرع، كما سبق تحقيقه. ولو كان حكمه مخالفا لدليل طني من نص أو ~~غيره، فلا ينقض ما حكم به بالظن، لتساويهما في الرتبة ولو حكم على خلاف ~~اجتهاده، مقلدا لمجتهد آخر، فقد اتفقوا على امتناعه، وإبطال حكمه، ms895 ولو كان ~~الحاكم مقلدا لامام، وحكم بحكم يخالف مذهب إمامه، فإن قضينا بصحة حكم ~~المقلد ضرورة عدم المجتهد في زماننا، فنقض حكمه مبني على الخلاف في أنه هل ~~يجوز له تقليد غير إمامه؟ فإن منعنا من ذلك، نقض، وإلا فلا. # وأما المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى حكم في حق نفسه، كتجويز نكاح المرأة ~~بلا ولي. ثم تغير اجتهاده، فإما أن يتصل بذلك حكم حاكم آخر، أو لا يتصل: # فإن كان الأول لم ينقض الاجتهاد السابق، نظرا إلى المحافظة على حكم ~~الحاكم ومصلحته. # وإن كان الثاني، لزمه مفارقة الزوجة، وإلا كان مستديما لحل الاستمتاع بها ~~على خلاف معتقده، وهو خلاف الاجماع. # وأما إن كان قد أفتى بذلك لغيره، وعمل ذلك الغى بفتواه. ثم تغير اجتهاده، ~~فقد اختلفوا في أن المقلد هل يجب عليه مفارقة الزوجة، لتغير اجتهاد مفتيه. # والحق وجوبه، كما لو قلد من ليس له أهلية الاجتهاد في القبلة، من هو من ~~أهل الاجتهاد فيها، ثم تغير اجتهاده إلى جهة أخرى في أثناء صلاة المقلد له، ~~فإنه يجب عليه التحول إلى الجهة الأخرى، كما لو تغير اجتهاد ه هو في نفسه. ~~PageV04P203 # المسألة التاسعة المكلف إذا كان قد حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في ~~مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها، وأداه اجتهاده إلى حكم فيها، فقد اتفق ~~الكل على أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين، في خلاف ما أوجبه ظنه، ~~وترك ظنه. # وإن لم يكن قد اجتهد فيها، فقد اختلفوا فيه. # فقال أبو علي الجبائي: الأولى له أن يجتهد، وإن لم يجتهد وترك الأولى، ~~جاز له تقليد الواحد من الصحابة، إذا كان مترجحا في نظره على غيره ممن ~~خالفه، وإن استووا في نظره يخير في تقليد من شاء منهم، ولا يجوز له تقليد ~~من عداهم. # وبه قال الشافعي في رسالته القديمة. # ومن الناس من قال: يجوز له تقليد الواحد من الصحابة أو التابعين، دون من ~~عداهم، قال محمد بن الحسن: يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه، ولا يقلد ms896 من ~~هو مثله أو دونه، وسواء كان من الصحابة أو غيرهم، وقال ابن سريج: يجوز ~~تقليد العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد. # وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري يجوز تقليد العالم ~~للعالم مطلقا. # وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان. وقال بعض أهل العراق: يجوز تقليد العالم ~~فيما يفتي به، وفيما يخصه. ومنهم من قال بجواز ذلك فيما يخصه دون ما يفتى ~~به. # ومن هؤلاء من خصص ذلك بما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد. # وذهب القاضي أبو بكر وأكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم للعالم، سواء ~~كان أعلم منه، أو لم يكن. وهو المختار. # إلا أن القائلين بذلك قد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها والتنبيه على ~~ضعفها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. # الحجة الأولى: أن من له أهلية الاجتهاد متمكن من الاجتهاد، فلا يجوز مع ~~ذلك مصيره إلى قول غيره، كما في العقليات. PageV04P204 # الثانية: أنه لو كان قد اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام، لم يجز ~~له تقليد غيره، وترك ما أدى إليه اجتهاده، فكذا لا يجوز له تقليده قبل ~~الاجتهاد لامكان أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف رأي من قلده. # الثالثة: أنه لو جاز لغير الصحابة تقليد الصحابة مع تمكنه من الاجتهاد ~~لجاز لبعض الصحابة من المجتهدين تقليد البعض، ولو جاز ذلك، لما كان ~~لمناظراتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى. # الرابعة: أن الصحابة كانت تترك ما رأته باجتهادها لما تسمعه من الخبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عمل غيرهم بالخبر وترك العمل برأيهم، أولى. # ولقائل أن يقول على الحجة الأولى: إنما لم يجز التقليد العقليات، ضرورة ~~أن المطلوب فيها هو العلم، وهذا غير حاصل بالتقليد، بخلاف مسائل الاجتهاد، ~~فإن المطلوب فيها هو الظن، وهو حاصل بالتقليد فافترقا. # وعلى الثانية أنه إذا اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام، فوثوقه به ~~أتم من وثوقه بما يقلد فيه الغير، لأنه مع مساواة اجتهاده لاجتهاد الغير، ~~يحتمل أن ms897 لا يكون الغير صادقا فيما أخبر به عن اجتهاده والمجتهد لا يكابر ~~نفسه فيما أدى إليه اجتهاده. # وقبل أن يجتهد لم يحصل له الوثوق بحكم ما، فلا يلزم من امتناع التقليد مع ~~الاجتهاد امتناعه مع عدمه. # وعلى الثالثة أن من المخالفين في هذه المسألة من يجوز تقليد الصحابة ~~بعضهم لبعض، إذا كان المقلد أعلم، كما سبق في تفصيل المذاهب في أول ~~المسألة. # وبتقدير التسليم، فلا يخفى أن الوثوق باجتهاد الصحابي لمشاهدة الوحي ~~والتنزيل، ومعرفة التأويل، والاطلاع على أحوال النبي، (ص) وزيادة اختصاص ~~الصحابة بالتشدد في البحث عن قواعد الدين، وتأسيس الشريعة، وعدم تسامحهم ~~فيها، PageV04P205 # أشد من غيرهم، على ما قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه أتم ~~من الوثوق باجتهاد غير الصحابي. وما مثل هذا التفاوت فغير واقع بين ~~الصحابة. # وعلى هذا، فلا يلزم من جواز تقليد غير الصحابي للصحابي، تقليد الصحابي ~~للصحابي . وعن الرابعة أن الخبر لا يخلو إما أن يكون صريحا في مناقضة مذهب ~~الصحابي، أو لا يكون صريحا، بل دلالته على ذلك ظنية اجتهادية: # فإن كان الأول، فلا خفاء في امتناع تقليد الصحابي معه، كما يمتنع على ~~الصحابي العمل برأيه مع ذلك الخبر. وإن كان الثاني، فلا نسلم أنه يجب على ~~الصحابي الرجوع إليه مع استمراره على اعتقاد ما رآه أولا وترجيح ما أداه ~~إليه اجتهاده على ذلك الخبر. وعلى ذلك، فلا يمتنع تقليد الصحابي مع وجود ~~ذلك الخبر. # والمعتمد في المسألة أن يقال: القول بجواز التقليد حكم شرعي، ولا بد له ~~من دليل، والأصل عدم ذلك الدليل، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه، ولا يلزم من ~~جواز ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم، جواز ~~ذلك في حق من له أهلية التوصل إلى الحكم، وهو قادر عليه، ووثوقه به أتم مما ~~هو مقلد فيه، لما سبق. # فإن قيل: دليل جواز التقليد في حق من لم يجتهد، وإن كانت له أهلية ~~الاجتهاد، الكتاب والسنة، والاجماع، والمعقول. # أما الكتاب فقوله تعالى * (فاسألوا ms898 أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * ~~(النحل: 43) أمر بالسؤال، وأدنى درجاته جواز اتباع المسؤول واعتقاد قوله، ~~وليس المراد به من لم يعلم شيئا أصلا، بل من لم يعلم تلك المسألة، ومن لم ~~يجتهد في المسألة، وإن كانت له أهلية الاجتهاد فيها، غير عالم بها، فكان ~~داخلا تحت عموم الآية وأيضا قوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الامر منكم) * () والمراد (بأولي الامر) العلماء، أمر غير العالم ~~بطاعة العالم، وأدنى درجاته جواز اتباعه فيما هو مذهبه. # وأما السنة، فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~PageV04P206 # وقوله (ص) عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وقوله عليه السلام ~~اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. # وأما الاجماع، فهو أن عمر رجع إلى قول علي، رضي الله عنه، وإلى قول معاذ، ~~وبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان على اتباع سنة الشيخين أبي بكر وعمر، ولم ~~ينكر ذلك أحد من الصحابة، مع أن المقلد كان أهلا للاجتهاد، فصار ذلك ~~إجماعا. و أما المعقول، فهو أنه لا يقدر باجتهاده على غير الظن واتباع ~~المجتهد فيما ذهب إليه، مفيد للظن، والظن معمول به في الشرعيات، على ما سبق ~~تقريره، فكان اتباعه فيه جائزا. # والجواب عن الآية الأولى أن المراد بأهل الذكر أهل العلم، أي المتمكن من ~~تحصيل العلم بأهليته فيما يسأل عنه، لا من العلم بالمسألة المسؤول عنها ~~حاضر عتيد لديه. فإن أهل الشئ. من هو متأهل لذلك الشئ، لا من حصل له ذلك ~~الشئ. # والأصل تنزيل اللفظ على ما هو حقيقة فيه. وعلى هذا، فتخص الآية بسؤال من ~~ليس من أهل العلم، كالعامي، لمن هو أهل له. وما نحن فيه فهو من أهل العلم ~~بالتفسير المذكور، فلا يكون داخلا تحت الآية، لان الآية لا دلالة لها على ~~PageV04P207 # أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم، فإنه ليس السائل أولى بذلك من المسؤول. # وعن الآية الثانية أن المراد (بأولي الامر) الولاة بالنسبة إلى الرعية، ~~والمجتهد ين بالنسبة إلى العوام، بدليل أنه أوجب الطاعة لهم. واتباع ~~المجتهد للمجتهد، ms899 وإن جاز عند الخصوم، فغير واجب بالاجماع، فلا يكون داخلا ~~تحت عموم الآية. # وعن السنة ما سبق في مسألة مذهب الصحابي هل هو حجة أو لا؟ # وعن الاجماع: أما عمر فإنه لم يكن مقلدا لعلي ولمعاذ فيما ذهبا إليه، بل ~~لأنه اطلع من قوليهما على دليل أوجب رجوعه إليه وأما قصة عبد الرحمن بن ~~عوف، فقد سبق جوابها في المسائل المتقدمة. # وعن المعقول أنه لو اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم، لم يجز له تقليد غيره ~~في خلاف ما أدى إليه اجتهاده، إجماعا، فلو جاز له التقليد مع عدم الاجتهاد، ~~لكان ذلك بدلا عن اجتهاده، والبدل دون المبدل، والأصل أن لا يجوز العدول ~~إلى البدل مع إمكان تحصيل المبدل، مبالغة في تحصيل الزيادة من مقصوده، ~~اللهم إلا أن يرد نص بالتخيير يوجب إلغاء الزيادة من مقصود المبدل، أو نص ~~بأنه بدل عند العدم لا عند الوجود، كما في بنت مخاض وابن لبون عن خمس ~~وعشرين من الإبل، فإن وجود بنت مخاض يمنع من أداء ابن لبون، ولا يمتنع ذلك ~~عند عدمها. والأصل عدم ذلك النص، كيف وإن ما ذكروه معارض بقوله تعالى * ~~(فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) وقوله تعالى * (وما اختلفتم فيه ~~من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10) وقوله تعالى * (واتبعوا ما أنزل ~~إليكم من ربكم) * (الأعراف: 3) وقوله تعالى * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * ~~(الاسراء: 36) PageV04P208 # وبقوله عليه السلام اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له وتقليد العالم للعالم ~~يلزم منه ترك الاعتبار، وترك العمل بحكم الله ورسوله، وترك ما أنزل، ~~واقتفاء ما ليس له به علم، وترك الاجتهاد المأمور به، وهو خلاف ظاهر النص. ~~وإذا تعارضت الأدلة، سلم لنا ما ذكرناه أولا. # المسألة العاشرة اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقال للمجتهد: احكم، فإنك لا ~~تحكم إلا بالصواب. # فأجاز ذلك قوم، لكن اختلفوا: فقال موسى بن عمران بجواز ذلك مطلقا ، للنبي ~~وغيره من العلماء. # وقال أبو علي الجبائي بجواز ذلك للنبي خاصة، في أحد قوليه. # وقد نقل عن الشافعي في ms900 كتاب الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنع ~~ومنع من ذلك الباقون. # والمختار جوازه دون وقوعه، لكن لا بد من الإشارة إلى حجج عول عليها ~~المجوزون، بعضها يدل على الجواز، وبعضها يدل على الوقوع، والتنبيه على ~~ضعفها كالجاري من PageV04P209 # عادتنا، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المعتمد في هذه المسألة. # وقد احتجوا بالنص، والاجماع، والمعقول. # أما النص فمن جهة الكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى * (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه) * (آل عمران: 93) أضاف التحريم إليه، فدل على كونه مفوضا ~~إليه، وأما السنة فمن وجوه. # منها ما روي عن النبي عليه السلام، أنه لما قال في مكة لا يختلي خلاها ~~ولا يعضد شجرها قال له العباس: إلا الإذخر فقال النبي عليه السلام إلا ~~الإذخر ومعلوم أن ذلك لم يكن إلا من تلقاء نفسه، لعلمنا بأن الوحي لم ينزل ~~عليه في تلك الحالة ولولا أن الحكم مفوض إليه، لما ساغ ذلك. # ومنها قوله عليه السلام لولا أن أشق على أمتي، لامرتهم بالسواك عند كل ~~صلاة. # ومنها قوله عليه السلام عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق. # ومنها ما روي أنه لما قيل له: أحجنا هذا لعامنا، أم للأبد؟ فقال بل للأبد ~~ولو قلت نعم لوجب أضاف الوجوب والعفو إلى أمره وفعله، ولولا أنه مفوض إلى ~~اختياره، لما جاز. PageV04P210 # ومنها ما روي عنه، عليه السلام، أنه أمر مناديا يوم فتح مكة أن اقتلوا ~~ابن حبابة وابن أبي سرح، ولو كانا متعلقين بأستار الكعبة ثم عفا عن ابن أبي ~~سرح بشفاعة عثمان، ولو كان قد أمر بقتله بوحي، لما خالفه بشفاعة عثمان. # ومنها ما روي عنه عليه السلام، أنه لما قتل النضر بن الحارث، جاءته بنت ~~النضر، فأنشدته. # ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق فقال عليه السلام ~~أما إني لو كنت سمعت شعرها ما قتلته ولو كان قتله بأمر من الله، لما خالفه، ~~وإن سمع شعرها. # ومنها ما روي عنه عليه السلام، ms901 أنه لما قيل له إن ماعزا رجم، فقال لو ~~كنتم تركتموه حتى أنظر في أمره وذلك يدل على أن حكم الرجم كان مفوضا إلى ~~رأيه. # ومنها قوله عليه السلام كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، ~~PageV04P211 # وعن لحوم الأضاحي، ألا فانتفعوا بها وذلك يدل على تفويض الحل والحرمة في ~~ذلك إليه. # وأما الاجماع فما نقل عن آحاد الصحابة فيما حكم به إن كان صوابا فمن الله ~~ورسوله، وإن كان خطأ، فمني ومن الشيطان أضاف الحكم إلى نفسه، ولم ينكر عليه ~~منكر، فصار ذلك إجماعا ومن ذلك ما شاع وذاع من رجوع آحاد الصحابة عما حكم ~~به أولا، من غير نكير عليه، ولو لم يكن ذلك من تلقاء نفسه، بل عن دليل من ~~الشارع، لما شاع ذلك منه، ولما جاز تطابق الصحابة على عدم الانكار عليه. # وأما المعقول فمن وجوه. # الأول: أنه إذا جاز تفويض الشارع إلى المكلف اختيار واحدة من خصال ~~الكفارة، جاز مثله في الاحكام. # الثاني: أنه إذا جاز أن يفوض إلى العامي العمل بما شاء من فتوى أي ~~المجتهدين شاء من غير دليل، جاز مثله في الأحكام الشرعية بالنسبة إلى ~~المجتهدين الثالث: أنه إذا جاز الحكم بالامارة الظنية مع جواز الخطأ فيها ~~عن الصواب، جاز الحكم بما يختاره المجتهد من غير دليل، وإن جاز عدو له عن ~~جهة الصواب. # ولقائل أن يجيب عن الآية: بأن إسرائيل لم يكن من جملة بنيه حتى يكون ~~داخلا في عموم الآية، وعند ذلك فيحتمل أن إسرائيل حرم ما حرم على نفسه، ~~بالاجتهاد، مستندا إلى دليل ظني، لا أنه عن غير دليل. # وعن الخبر الأول أنه قد قيل إن الإذخر ليس من الخلا، فلا يكون داخلا فيما ~~حرم. # وعلى هذا، فإباحته تكون بناء على استصحاب الحال، والاستثناء من العباس ~~والنبي عليه السلام، كان تأكيدا. PageV04P212 # وبتقدير أن يكون مستثنى حقيقة مما حرم بطريق التأسيس، لكن من المحتمل أن ~~يكون ذلك بوحي سابق، وهو الأولى لقوله تعالى في حق رسوله * (وما ينطق عن ~~الهوى إن ms902 هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3) أما أن يكون ذلك من تلقاء نفسه من ~~غير دليل، فلا. # وعن الخبر الثاني أنه من الجائز أن الوحي نزل بتخييره في أمرهم بالسواك ~~الشاق عند كل صلاة، وعدم أمرهم بذلك، لا أن أمره لهم بالسواك يكون من تلقاء ~~نفسه، ويجب اعتقاد ذلك، لما سبق في الآية. # وعن الخبر الثالث أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه، بمعنى أنه لم يأخذ صدقة ~~الخيل والرقيق منهم، لا بمعنى أنه المسقط لها. ودليله ما سبق في الآية. # وعن الخبر الرابع أن قوله ولو قلت نعم لوجب لا يدل على أن الوجوب مستند ~~إلى قوله نعم من تلقاء نفسه، بل لأنه لا يقول ما يقول إلا بوحي، لما سبق في ~~الآية. # وعن الخامس أنه يجوز أن يكون قد أبيح القتل وتركه بالوحي بدليل ما سبق في ~~الآية. وهو الجواب عن قصة النضر بن الحارث وماعز. # وعن الخبر الأخير أنه إنما نهى، وأباح بعد النهي، بطريق الوحي، لا أن ذلك ~~من تلقاء نفسه. # وعن الاجماع. أما إضافة الخطأ إلى أنفسهم، فلا يدل على أن من حكم منهم ~~أنه حكم من غير دليل، بل يمكن أن يكون حكمه بناء على ما ظنه دليلا، وهو ~~مخطئ فيه، ولو كان ذلك عن اختيار قد أبيح لهم العمل به، لما شكوا في كونه ~~صوابا. # وأما رجوع آحاد الصحابة عما حكم به إلى غيره، فإنما كان ذلك لظهور الخطأ ~~له فيما ظنه دليلا على الحكم أولا، وقد سوغ له الحكم به. أما أن يكون ذلك ~~من غير دليل، فلا. # وعن الوجه الأول من المعقول أنه لا يلزم من التخيير في خصال الكفارة من ~~غير اجتهاد، جواز ذلك في الأحكام الشرعية، بدليل أن العامي له أن يتخير في ~~خصال الكفارة. ومن قال بجواز التخيير في الأحكام الشرعية، لم يقض بجوازه ~~لغير المجتهد، ولو وقع التساوي بين الصورتين، لجاز ذلك للعامي، وهو ممتنع ~~بالاجماع. # وبمثله يخرج الجواب عن الوجه الثاني. # وعن الوجه الثالث أنه لا يلزم من ms903 جواز العمل بالامارة مع كونها مفيدة ~~PageV04P213 # للظن العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم. # والمعتمد في المسألة أن يقال: لو امتنع ذلك، إما أن يمتنع لذاته، أو ~~لمانع من خارج، الأول محال فأنا إذا قدرناه لم يلزم عنه لذاته محال في ~~العقل وإن كان لمانع من خارج فالأصل عدمه، وعلى من يدعيه بيانه. # فإن قيل: يمتنع ذلك لان الباري تعالى إنما شرع الشرائع لمصالح العباد، ~~فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد، فاختيار العبد متردد بين أن يكون مصلحة، ~~وبين أن يكون مفسدة، فلا نأمن من اختياره للمفسدة، وذلك خلاف ما وضعت له ~~الشريعة. # والجواب عن هذا الاشكال أنه مبني على رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، ~~وقد أبطلناه في موضعه، وإن سلمنا اعتبار ذلك في أفعاله تعالى، ولكن قد أمنا ~~في ذلك من اختيار المفسدة لقول الله اختر، فإنك لا تختار إلا الصواب. # فإن قيل: يمتنع على الشارع قول ذلك، لاستحالة استمرار المكلف على اختيار ~~الصلاح دون الفساد، كما لا يجوز اتفاق الافعال الكثيرة المحكمة من غير علم، ~~ثم لو جاز ذلك في حق المجتهد، لجاز مثله في حق العامي، وليس كذلك. # قلنا: دليل جواز ذلك من الشارع، أنا لو قدرنا وروده منه، لم يلزم عنه ~~لذاته محال. # قولهم: إنه لا يتفق اختيار الصلاح في الافعال الكثيرة - قلنا: متى إذا ~~أخبر الصادق بذلك، أو إذا لم يخبر؟ الأول ممنوع. والثاني مسلم. وعلى هذا، ~~فلو قال للعامي مثل ذلك، كان جائزا عقلا. ثم وإن سلمنا أنه لا يتفق اختيار ~~المصلحة في الافعال الكثيرة، لكن متى إذا كانت المصلحة خارجة عن الفعل ~~المختار، أو إذا كانت المصلحة هي نفس الفعل المختار؟ الأول مسلم، والثاني ~~ممنوع. PageV04P214 # فإن قيل: فيلزم من ذلك الإباحة وإسقاط التكليف - قلنا: # ليس كذلك، بل هو إيجاب التخيير، وإيجاب التخيير تكليف، لا أنه إباحة ~~وإسقاط للتكليف. # فإن قيل إنما يحسن إيجاب ما يمكن الخلو منه، ويمتنع الخلو من الفعل ~~والترك، فلا يحسن إيجابه، قلنا هذا وإن استمر في إيجاب الفعل ms904 وتركه، فلا ~~يستمر في التخيير بين الاحكام التي يتصور الخلو منها، كالتخيير بين أن يكون ~~الفعل محرما أو واجبا. وذلك بأن يقال له: اختر إما التحريم وإما الوجوب، ~~وأيهما اخترت، فلا تختر إلا ما المصلحة فيه. # ولا يخفى جواز الخلو منهما بالإباحة. وإن سلمنا أن المصلحة خارجة عن نفس ~~الفعل المختار، وأنه يمتنع اختيار المصلحة في الافعال الكثيرة، ولكن ما ~~المانع من ذلك في الافعال القليلة. # فإن قيل: إنه إما أن يكون قد أوجب عليه اختيار ما المصلحة فيه، أو خيره ~~بين المصلحة والمفسدة، فإن كان الأول، فقد كلفه ما لا يطاق، حيث أوجب عليه ~~اختيار المصلحة من غير دليل، وإن كان الثاني، فهو محال على الشارع، لما فيه ~~من الاذن منه في فعل المفسدة، وهو خارج عن العدل. # قلنا: إن أوجب عليه اختيار المصلحة، وإن كان تكليفا بما لا يطاق، فهو ~~جائز على ما سبق تقريره. وإن خيره بين أمرين، فلا يمتنع ذلك، كما أنه يوجب ~~عليه الحكم بما أوجبه ظنه من الامارة الظنية، وإن كان مخطئا مرتكبا ~~للمفسدة، كما تقرر قبل. # وإذا جاز إيجاب فعل ما هو مفسدة مع عدم علم المكلف به جاز التخيير بين ~~المصلحة والمفسدة، مع عدم علم المكلف بذلك. PageV04P215 # المسألة الحادية عشرة القائلون بجواز الاجتهاد للنبي عليه السلام: ~~اختلفوا في جواز الخطأ عليه في اجتهاده. # فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك وذهب أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب ~~الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة إلى جوازه، لكن بشرط أن لا يقر عليه، ~~وهو المختار، ودليله المنقول والمعقول. # أما المنقول فمن جهة الكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين ~~صدقوا وتعلم الكاذبين) * (التوبة: 43) وذلك يدل على خطئه في إذنه لهم. # وقوله تعالى في المفاداة في يوم بدر * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض) * (الأنفال: 67) إلى قوله تعالى * (لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) * (الأنفال: 68) حتى قال النبي عليه السلام ms905 لو ~~نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر لأنه كان قد أشار بقتلهم ونهى عن ~~المفاداة، وذلك دليل على خطئه في المفاداة. # وقوله تعالى * (إنما أنا بشر مثلكم) * (الكهف: 110) أثبت المماثلة بينه ~~وبين غيره، وقد جاز الخطأ على غيره، فكان جائزا عليه، لان ما جاز على أحد ~~المثلين يكون جائزا على الآخر. # وأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام، أنه قال إنما أحكم بالظاهر، ~~وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشئ من ~~PageV04P216 # مال أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار وذلك يدل على أنه قد ~~يقضي بما لا يكون حقا في نفس الامر. # وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما ~~تنسون، فإذا نسيت فذكروني. # وأيضا ما اشتهر عنه عليه السلام، من نسيانه في الصلاة وتحلله عن ركعتين ~~في الرباعية في قصة ذي اليدين، وقول ذي اليدين أقصرت الصلاة أم سهوت؟ فقال ~~النبي عليه السلام: أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. # وأما المعقول فإنه لو امتنع وقوع الخطأ منه في اجتهاده، فإما أن يكون ذلك ~~لذاته، أو لأمر من خارج: لا جائز أن يقال بالأول، فإنا لو فرضناه، لم يلزم ~~عنه المحال لذاته عقلا. وإن كان لأمر خارج، فالأصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه ~~فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من ثلاثة أوجه. # الأول: أنا قد أمرنا باتباع حكمه، على ما قال تعالى * (فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ~~ويسلموا تسليما) * (النساء: 65) فلو جاز عليه الخطأ في حكمه، لكنا، قد ~~أمرنا باتباع الخطأ، والشارع لا يأمر بالخطإ. # الثاني: أن الأمة إذا أجمعت على حكم مجتهد فيه، كان إجماعهم معصوما عن ~~الخطأ، كما سبق بيانه. ولو جاز على النبي الخطأ في اجتهاده، لكانت الأمة ~~أعلى رتبة منه، وذلك محال. PageV04P217 # الثالث: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة اتباع النبي عليه السلام، ~~في الأحكام الشرعية ، إقامة ms906 لمصالح الخلق، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه، ~~لأوجب ذلك التردد في قوله والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهو ~~محال. # والجواب عن الاشكال الأول أنه يلزم على ما ذكروه أمر الشارع للعامي ~~باتباع قول المفتي مع جواز خطئه. فما هو جواب لهم في صور الالزام، فهو جواب ~~لنا في محل النزاع. # وعن الاشكال الثاني أن من الناس من منع من تصور انعقاد الاجماع عن ~~الاجتهاد، فضلا عن وقوعه وامتناع الخطأ فيه. # ومنهم من جوزه، وجوز مع ذلك مخالفته لامكان الخطأ فيه، كما سبق ذكره في ~~مسائل الاجماع. # وبتقدير التسليم لانعقاد الاجماع عن الاجتهاد، وامتناع الخطأ فيه، فلا ~~مانع منه، ولا يلزم من ذلك علو رتبة الأمة على رتبة النبي عليه السلام، مع ~~اختصاصه بالرسالة، وكون عصمة الاجماع مستفادة من قوله، وأنه الشارع المتبع، ~~وأهل الاجماع متبعون له، ومأمورون بأوامره، ومنهيون بنواهيه. ولا كذلك ~~بالعكس. # وعن الثالث: أن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن الله تعالى أو امره ~~ونواهيه. # والمقصود من إظهار المعجزات إظهار صدقه فيما يدعيه من الرسالة والتبليغ ~~عن الله تعالى، وذلك مما لا يتصور خطؤه فيه بالاجماع. ولا كذلك ما يحكم به ~~عن اجتهاده، فإنه لا يقول ما يقوله فيه عن وحي، ولا بطريق التبليغ، بل حكمه ~~فيه حكم غيره من المجتهدين، فتطرق الخطأ إليه في ذلك لا يوجب الاخلال بمعنى ~~البعثة والرسالة. PageV04P218 # المسألة الثانية عشرة اختلفوا في النافي، هل عليه دليل أو لا؟ # منهم من قال: لا دليل عليه، وسواء كان ذلك من القضايا العقلية أو ~~الشرعية. # ومنهم من أوجب ذلك عليه في الموضعين، ومنهم من أوجبه عليه في القضايا ~~العقلية، دون الشرعية والمختار إنما هو التفصيل. وهو أن النافي إما أن يكون ~~نافيا بمعنى ادعائه عدم علمه بذلك وظنه، أو مدعيا للعمل، أو الظن بالنفي: # فإن كان الأول، فالجاهل لا يطالب بالدليل على جهله، ولا يلزمه ذلك، كما ~~لا يطالب على دعواه: أني لست أجد ألما، ولا جوعا، ولا حرا، ولا بردا، ms907 إلى ~~غير ذلك. # وإن كان الثاني، فلا يخلو إما أن يدعي العلم بنفي ما نفاه ضرورة، أو لا ~~بطريق الضرورة: # فإن كان الأول، فلا دليل عليه أيضا، لأنه إن كان صادقا في دعوى الضرورة، ~~فالضروري لا يطالب بالدليل عليه. وإن لم يكن صادقا في دعواه الضرورة، فلا ~~يطالب بالدليل عليه أيضا، فإنه ما ادعى حصوله له عن نظر. ويكفي المنع في ~~انقطاعه، حيث إنه لا يقدر على تحقيق الضرورة في ذلك، والنظر غير مدعى له، ~~وإن ادعى العلم بنفيه لا بطريق الضرورة، فلا يخلو إما أن لا يكون قد حصل له ~~بطريق مفض إليه، أو يكون بطريق مفض إليه: لا جائز أن يقال بالأول، لان حصول ~~علم غير ضروري من غير طريق يفضي إليه، محال. # وإن كان الثاني، فلا بد عند الدعوى والمطالبة بدليلها من ذكره وكشفه ~~لينظر فيه. وإلا كان قد كتم علما نافعا مست الحاجة إلى إظهاره، ودخل تحت ~~قوله، عليه السلام من كتم علما نافعا فقد تبوأ مقعده من النار ولأنه لا فرق ~~في ذلك في دعوى الاثبات والنفي، وقد وجب على مدعي الاثبات ذكر الدليل، ~~فكذلك في دعوى النفي، كيف وإن الاجماع منعقد على أن من ادعى الوحدانية لله ~~تعالى وقدمه PageV04P219 # أنه يجب عليه إقامة الدليل، وإن كان حاصل دعوى الوحدانية نفي الشريك، ~~وحاصل دعوى القدم نفي الحدوث والأولية. ولهذا، نبه الله تعالى على نفي آلهة ~~غير الله على الدليل في قوله تعالى * (لو كان فيهما آلهة إلا الله، لفسدتا) ~~* الآية. # فإن قيل: فماذا تقولون فيما إذا ادعى رجل أنه نبي، ولم تقم على دعواه ~~بينة؟ # هل يلزم المنكرين لنبوته إقامة الدليل على أنه ليس بنبي، أو لا يلزم؟ # وكذلك من أنكر وجوب صلاة سادسة أو صوم شوال، أو المدعى عليه بحق، إذا ~~أنكر ما ادعي عليه به، هل يلزمه إقامة الدليل على ما نفاه أو لا؟ إن قلتم ~~بالأول، فهو خلاف الاجماع، وإن قلتم بالثاني مع كونه نافيا في قضية غير ~~ضرورية، فقد سلمتم محل ms908 النزاع. # قلنا: النفي في جميع هذه الصور لم يخل عن دليل يدل على النفي. غير أنه قد ~~يكتفي بظهوره عن ذكره، وهو البقاء على النفي الأصلي، واستصحاب الحال مع عدم ~~القاطع له، وهو ما يدل على النبوة، وما يدل على وجوب صلاة سادسة، وعلى وجوب ~~صوم شوال، وشغل الذمة. # وإذا قيل إن النافي عليه دليل، فالدليل المساعد في ذلك إما نص وارد من ~~الشارع يدل على النفي، أو إجماع من الأمة، وإما التمسك باستصحاب النفي ~~الأصلي، وعدم الدليل المغير القاطع، وإما الاستدلال بانتفاء اللازم على ~~انتفاء الملزوم. # وهل يمكن الاستدلال على النفي بالقياس الشرعي؟ اختلفوا فيه، بناء على ~~الاختلاف في جواز تخصيص العلة، ولا فرق في ذلك بين قياس العلة، والدلالة، ~~والقياس في معنى الأصل. PageV04P220 # الباب الثاني في التقليد، والمفتي، والمستفتي، وما فيه الاستفتاء. وما ~~يتشعب عن ذلك من المسائل أما (التقليد) فعبارة عن العمل بقول الغير من غير ~~حجة ملزمة، وهو مأخوذ من تقليده بالقلادة وجعلها في عنقه، وذلك كالاخذ بقول ~~العامي، وأخذ المجتهد بقول من هو مثله. وعلى هذا، فالرجوع إلى قول النبي ~~عليه السلام، وإلى ما أجمع عليه أهل العصر من المجتهدين، ورجوع العامي إلى ~~قول المفتي، وكذلك عمل القاضي بقول العدول، لا يكون تقليدا، لعدم عروة عن ~~الحجة الملزمة. # أما في قبول قول الرسول، فما دل على وجوب تصديقه من المعجزة، ووجوب قبول ~~قول الاجماع قول الرسول، ووجوب قبول قول المفتي والشاهدين، الاجماع على ~~ذلك، وإن سمي ذلك تقليدا بعرف الاستعمال، فلا مشاحة في اللفظ. PageV04P221 # وأما (المفتي) فلا بد وأن يكون من أهل الاجتهاد، وإنما يكون كذلك بأن ~~يكون عارفا بالأدلة العقلية، كأدلة حدوث العالم، وأن له صانعا، وأنه واحد ~~متصف بما يجب له من صفات الكمال والجلال، منزه عن صفات النقص والخلل، وأنه ~~أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وأيده بالمعجزات الدالة على صدقه في رسالته، ~~وتبليغه للأحكام الشرعية ، وأن يكون مع ذلك عارفا بالأدلة السمعية ~~وأنواعها، واختلاف مراتبها في جهات دلالاتها، والناسخ والمنسوخ منها، ms909 ~~والمتعارضات، وجهات الترجيح فيها، وكيفية استثمار الاحكام منها، على ما سبق ~~تعريفه، وأن يكون عدلا ثقة حتى يوثق به فيما يخبر عنه من الأحكام الشرعية، ~~ويستحب له أن يكون قاصدا للارشاد وهداية العامة إلى معرفة الأحكام الشرعية، ~~لا بجهة الرياء والسمعة، متصفا بالسكينة والوقار، ليرغب المستمع في قبول ما ~~يقول، كافا نفسه عما في أيدي الناس، حذرا من التنفير عنه . وأما (المستفتي) ~~فلا يخلو إما أن يكون عالما قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو لم يكن كذلك: # فإن كان الأول قد اجتهد في المسألة وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام ، ~~فلا خلاف في امتناع اتباعه لغيره في خلاف ما أداه إليه اجتهاده، وإن لم يكن ~~قد اجتهد فيها فقد اختلفوا في جواز اتباعه لغيره من المجتهدين فيما أدى ~~إليه اجتهاده وقد سبق الكلام فيه بجهة التفصيل، وما هو المختار. # وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يخلو إما أن يكون عاميا صرفا، لم يحصل له ~~شئ من العلوم التي يترقى بها إلى رتبة الاجتهاد، أو أنه قد ترقى عن رتبة ~~العامة بتحصيل بعض العلوم المعتبرة في رتبة الاجتهاد: # فإن كان الأول، فقد اختلف في جواز اتباعه لقول المفتي، والصحيح أن وظيفته ~~اتباع قول المفتي على ما يأتي. وإن كان الثاني، فقد تردد أيضا فيه، والصحيح ~~أن حكمه حكم العامي. # وأما ما فيه (الاستفتاء) فلا يخلو إما أن يكون من القضايا العلمية، أو ~~الظنية الاجتهادية: فإن كان الأول، فقد اختلف أيضا في جواز اتباع قول الغير ~~فيه، والحق امتناعه، كما يأتي. وإن كان الثاني، فهو المخصوص بجواز ~~الاستفتاء عنه ووجوب اتباع قول المفتي. # وإذ أتينا على ما حققناه فلنرجع إلى المسائل المتشعبة عنه وهي ثمان. ~~PageV04P222 # المسألة الأولى اختلفوا في جواز التقليد في المسائل الأصولية المتعلقة ~~بالاعتقاد في وجود الله تعالى، وما يجوز عليه، وما لا يجوز عليه، وما يجب ~~له، وما يستحيل عليه. # فذهب عبيد الله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية إلى جوازه. # وربما قال بعضهم إنه الواجب على المكلف، وإن النظر ms910 في ذلك والاجتهاد فيه ~~حرام. # وذهب الباقون إلى المنع منه، وهو المختار لوجوه. # الأول أن النظر واجب، وفي التقليد ترك الواجب، فلا يجوز. ودليل وجوبه أنه ~~لما نزل قوله تعالى * (إن في خلق السماوات والأرض) * (البقرة: 164) الآية، ~~قال عليه السلام ويل لمن لاكها بين لحييه، ولم يتفكر فيها توعد على ترك ~~النظر والتفكر فيها، فدل على وجوبه. # الثاني أن الاجماع من السلف منعقد على وجوب معرفة الله تعالى، وما يجوز ~~عليه، وما لا يجوز، فالتقليد إما أن يقال إنه محصل للمعرفة، أو غير محصل ~~لها: # القول بأنه محصل للمعرفة ممتنع لوجوه: # الأول أن المفتي بذلك غير معصوم، ومن لا يكون معصوما، ولا يكون خبره واجب ~~الصدق، وما لا يكون واجب الصدق، فخبره لا يفيد العلم. # الثاني أنه لو كان التقليد يفيد العلم، لكان العلم حاصلا لمن قلد في حدوث ~~PageV04P223 # العالم، ولمن قلد في قدمه، وهو محال، لافضائه إلى الجمع بين كون العالم ~~حادثا وقديما. # الثالث أنه لو كان التقليد مفيدا للعمل، فالعلم بذلك إما أن يكون ضروريا، ~~أو نظريا: لا جائز أن يكون ضروريا، وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء، ولأنه ~~لو خلا الانسان ودواعي نفسه من مبدأ نشئة لم يجد ذلك من نفسه أصلا، والأصل ~~عدم الدليل المفضي إليه، فمن ادعاه لا بد له من بيانه. # الوجه الثالث من الوجوه الأول أن التقليد مذموم شرعا، فلا يكون جائزا، ~~غير أنا خالفنا ذلك في وجوب اتباع العامي المجتهد، وفيما ذكرناه من الصور ~~فيما سبق، لقيام الدليل على ذلك، والأصل عدم الدليل الموجب للاتباع فيما ~~نحن فيه، فنبقي على مقتضي الأصل. وبيان ذم التقليد قوله تعالى حكاية عن قوم ~~* (إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون) * () ذكر ذلك في ~~معرض الذم لهم. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من وجوه: # الأول أن النظر غير واجب لوجوه. الأول أنه منهي عنه، ودليل النهي عنه ~~الكتاب والسنة: # أما الكتاب فقوله تعالى * (وما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) * ~~(غافر: 4) والنظر يفضي ms911 إلى فتح باب الجدال، فكان منهيا عنه. # وأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام، أنه نهى الصحابة لما رآهم ~~يتكلمون في مسألة القدر، وقال إنما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا وقال ~~عليه السلام عليكم بدين العجائز وهو ترك النظر، ولو كان النظر واجبا لما ~~كان منهيا عنه. PageV04P224 # الثاني أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض والنظر في المسائل الكلامية ~~مطلقا، ولو وجد ذلك منهم، لنقل، كما نقل عنهم النظر في المسائل الفقهية، ~~ولو كان النظر في ذلك واجبا، لكانوا أولى بالمحافظة عليه. # الثالث أنه لم ينقل عن النبي عليه السلام، ولا عن أحد من الصحابة ~~والتابعين إلى زمننا هذا الانكار على من كان في زمانهم من العوام، ومن ليس ~~له أهلية النظر على ترك النظر، مع أنهم أكثر الخلق، بل كانوا حاكمين ~~بإسلامهم، مقرين لهم على ما هم عليه. # الرابع لو كان النظر في معرفة الله تعالى واجبا، فإما أن يجب على العارف، ~~أو على غير العارف: الأول محال، لما فيه من تحصيل الحاصل، والثاني يلزم منه ~~أن يكون الجهل بالله تعالى واجبا ضرورة توقف النظر الواجب عليه، وأن ما لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأنه يلزم منه توقف معرفة إيجاب الله تعالى ~~على معرفة ذاته، ومعرفة ذاته على النظر المتوقف على إيجابه، وهو دور. # المعارضة الثانية أن النظر مظنة الوقوع في الشبهات واضطراب الآراء ~~والخروج إلى الضلال، بخلاف التقليد، فكان سلوك ما هو أقرب إلى السلامة ~~أولى. ولهذا، صادفنا أكثر الخلق على ذلك، فكان أولى بالاتباع. # الثالثة أن أدلة الأصول فيما يرجع إلى الغموض والخفاء أشد من أدلة ~~الفروع، فإذا جاز التقليد في الفروع مع سهولة أدلتها، دفعا للحرج، فلان ~~يجوز ذلك في الأصول أولى. # الرابعة أن الأصول والفروع قد استويا في التكليف بهما، وقد جاز التقليد ~~في الفروع، فكذلك في الأصول. # والجواب عن المعارضة الأولى بمنع النهي عن النظر، وأما الآية، فالمراد ~~بهما إنما هو الجدال بالباطل على ما قال تعالى * (وجادلوا ms912 بالباطل ليدحضوا ~~به الحق) * (غافر: 5) دون الجدال بالحق، ودليله قوله تعالى * (وجادلهم ~~بالتي هي أحسن) * (النحل: 125) وقوله تعالى * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن) * (العنكبوت: 46) PageV04P225 # ولو كان الجدال بالحق منهيا عنه، لما كان مأمورا به، ثم كيف يكون النظر ~~منهيا عنه، وقد أثنى الله تعالى على الناظرين بقوله تعالى * (ويتفكرون في ~~خلق السماوات والأرض) * (آل عمران: 191) أورد ذلك في معرض الثناء والمدح، ~~والمنهي عنه لا يكون ممدوحا عليه. وبه يخرج الجواب عن نهيه عن النظر في ~~القدر. # وقوله عليه السلام عليكم بدين العجائز لم يثبت ولم يصح. وإن صح، فيجب ~~حمله على التفويض إلى الله تعالى فيما قضاه وأمضاه، جمعا بينه وبين ما ~~ذكرناه من الأدلة. # قولهم (لم ينقل عن أحد من الصحابة النظر في ذلك) يلزم منه نسبة الصحابة ~~إلى الجهل بمعرفة الله تعالى، مع كون الواحد منا عالما بذلك، وهو محال. ~~وإذا كانوا عالمين بذلك، فليس العلم بذلك من الضروريات، فتعين إسناده إلى ~~النظر والدليل، وإنما لم تنقل عنهم المناظرة في ذلك لصفاء أذهانهم، وصحة ~~عقائدهم، وعدم من يحوجهم إلى ذلك. وحيث نقل عنهم ذلك في مسائل الفروع، ~~فلكونها اجتهادية، والظنون فيها متفاوتة، بخلاف المسائل القطعية. # قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم ينكروا على العامة ترك ~~النظر. PageV04P226 # قلنا: إنما لم ينكروا ذلك لان المعرفة الواجبة كانت حاصلة لهم، وهي ~~المعرفة بالدليل من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل. # قولهم (إن وجوب النظر يلزم منه وجوب الجهل بالله تعالى) إنما يلزم ذلك أن ~~لو كان الجهل مقدورا للعبد، وهو غير مسلم. # قولهم (يلزم منه الدور) لا نسلم ذلك، فإن الواجب الشرعي عندنا غير متوقف ~~على النظر، كما سبق في مسألة شكر المنعم. # قولهم (إن النظر مظنة الوقوع في الشبهات والتردي في الضلالات) قلنا: ~~فاعتقاد من يقلده إما أن يكون عن تقليد، أو نظر، ضرورة امتناع كونه ضروريا: # فإن كان الأول، فالكلام فيمن قلده كالكلام فيه، وهو تسلسل ممتنع، وإن كان ~~الثاني فالمحذور اللازم من ms913 النظر لازم في التقليد مع زيادة، وهو احتمال كذب ~~من قلده فيما أخبره به، بخلاف الناظر مع نفسه، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى ~~إليه نظره. # قولهم إن التقليد عليه الأكثر والسواد الأعظم. # قلنا: ذلك لا يدل على أنه أقرب إلى السلامة، لان التقليد في العقائد ~~المضلة أكثر من الصحيحة، على ما قال تعالى * (وإن تطع أكثر من في الأرض ~~يضلوك عن سبيل الله) * (الانعام: 116) وقال تعالى * (وقليل ما هم) * (ص: ~~24) وقال عليه السلام تفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة: # واحدة ناجية، والباقي في النار وإنما كان ذلك، لان أدلة الحق دقيقة ~~غامضة، لا يطلع عليها سوى أصحاب الأذهان الصافية والعقول الراجحة، مع ~~المبالغة في الجد والاجتهاد، وذلك مما يندر ويقل وقوعه. PageV04P227 # قولهم (ان أدلة الأصول أخفى، فكان التقليد فيها أولى من الفروع) ليس كذلك ~~فإن المطلوب في الأصول القطع واليقين، بخلاف الفروع فإن المطلوب فيها الظن، ~~وهو حاصل من التقليد، فلا يلزم من جواز التقليد في الفروع جوازه في الأصول. # وبه يكون الجواب عن المعارضة الأخيرة أيضا. # المسألة الثانية العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد، وان كان محصلا لبعض ~~العلوم المعتبرة في الاجتهاد، يلزمه اتباع قول المجتهدين والاخذ بفتواه، ~~عند المحققين من الأصوليين. # ومنع من ذلك بعض معتزل البغداديين وقالوا: لا يجوز ذلك الا بعد أن يتبين ~~له صحة اجتهاده بدليله. # ونقل عن الجبائي أنه أباح ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها، كالعبادات ~~الخمس. # والمختار إنما هو المذهب الأول. ويدل عليه النص، والاجماع، والمعقول. # أما النص فقوله تعالى * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (النحل: ~~43) وهو عام لكل المخاطبين، ويجب أن يكون عاما في السؤال عن كل ما لا يعلم، ~~بحيث يدخل فيه محل النزاع، وإلا كان متناولا لبعض ما لا يعلم بعينه، أو لا ~~بعينه: والأول غير مأخوذ من دلالة اللفظ، والثاني يلزم منه تخصيص ما فهم من ~~معنى الامر بالسؤال، وهو طلب الفائدة ببعض الصور، دون البعض، وهو خلاف ~~الأصل. وإذا كان عاما في الأشخاص وفي كل ms914 ما ليس بمعلوم، فأدنى درجات قوله ~~(فاسألوا) الجواز، وهو خلاف مذهب الخصوم. PageV04P228 # وأما الاجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث ~~المخالفين يستفتون المجتهدين، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء منهم ~~يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك ~~من غير نكير، فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا. # وأما المعقول فهو أن من ليس له أهلية الاجتهاد، إذا حدثت به حادثة فرعية، ~~إما أن لا يكون متعبدا بشئ، وهو خلاف الاجماع من الفريقين، وإن كان متعبدا ~~بشئ فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم، أو بالتقليد: الأول ممتنع، لان ~~ذلك مما يفضي في حقه وفي حق الخلق أجمع إلى النظر في أدلة الحوادث، ~~والاشتغال عن المعايش، وتعطيل الصنائع والحرف، وخراب الدنيا، وتعطيل الحرث ~~والنسل، ورفع الاجتهاد والتقليد رأسا، وهو من الحرج والاضرار المنفي بقوله ~~تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وبقوله عليه السلام لا ضرر ولا ~~ضرار في الاسلام وهو عام في كل حرج وضرار، ضرورة كونه نكرة في سياق النفي. # غير أنا خالفناه في امتناع التقليد، في أصول الدين لما بيناه من الفرق في ~~مسألة امتناع التقليد في أصول الدين، ولأن الوقائع الحادثة الفقهية أكثر ~~بأضعاف كثيرة من المسائل الأصولية التي قيل فيها بامتناع التقليد فكان ~~الحرج في إيجاب الاجتهاد فيها أكثر، فبقينا فيما عدا ذلك عاملين بقضية ~~الدليل، وهو عام في المسائل الاجتهادية وغيرها. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالكتاب، والسنة، والمعقول: # أما الكتاب، فقوله تعالى * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * ~~(البقرة: 169) والقول بالتقليد قول بما ليس بمعلوم، فكان منهيا عنه. ~~PageV04P229 # وأيضا. قوله تعالى حكاية عن قوم * (إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على ~~آثارهم مقتدون) * (الزخرف: 23) ذكر ذلك في معرض الذم للتقليد، والمذموم لا ~~يكون جائزا. # وأما السنة فقوله عليه السلام طلب العلم فريضة على كل مسلم وقوله عليه ~~السلام اجتهدوا، فكل ميسر لما خلق له والنصان عامان في الأشخاص وفي كل علم، ms915 ~~وهما يدلان على وجوب النظر. # وأما المعقول فمن وجهين: # الأول: أن العامي لو كان مأمورا بالتقليد، فلا يأمن أن يكون من قلده ~~مخطئا في اجتهاده، وأنه كاذب فيما أخبره به، فيكون العامي مأمورا باتباع ~~الخطأ والكذب، وذلك على الشارع ممتنع. # الثاني: أن الفروع والأصول مشتركة في التكليف بها، فلو جاز التقليد في ~~الفروع لمن ظهر صدقه فيما أخبر به، لجاز ذلك في الأصول. # والجواب عن الآية الأولى أنها مشتركة الدلالة، فإن النظر أيضا والاجتهاد ~~في المسائل الاجتهادية قول بما ليس بمعلوم ولا بد من سلوك أحد الامرين. ~~وليس في الآية دليل على تعيين امتناع أحدهما كيف ويجب حملها على ما لا يعلم ~~فيما يشترط فيه العلم تقليلا لتخصيص العموم، ولما فيه من موافقة ما ذكرناه ~~من الأدلة. PageV04P230 # وعن الآية الثانية بوجوب حملها على ذم التقليد فيما يطلب فيه العلم، جمعا ~~بينها وبين ما ذكرناه من الأدلة. # وعن الخبر الأول أنه متروك بالاجماع، في محل النزاع، فإن القائل فيه ~~قائلان: # قائل بأن الواجب التقليد، وقائل إن الواجب إنما هو النظر، والعلم غير ~~مطلوب فيهما إجماعا. # وعن الثاني لا نسلم دلالته على الوجوب، على ما سبق تعريفه، وإن دل على ~~وجوب الاجتهاد، لكنه لا عموم له بالنسبة إلى كل مطلوب، حتى يدخل فيه محل ~~النزاع، وإن كان عاما بلفظه، لكن يجب حمله على من له أهلية الاجتهاد، جمعا ~~بينه وبين ما ذكرناه من الأدلة. # وعن الوجه الأول من المعقول أنه، وإن اجتهد العامي، فلا نأمن من وقوع ~~الخطأ منه، بل هو أقرب إلى الخطأ، لعدم أهليته، والمحذور يكون مشتركا. # وعن الوجه الثاني ما سبق من الفرق. PageV04P231 # المسألة الثالثة القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي، اتفقوا على جواز ~~استفتائه لمن عرفه بالعلم، وأهلية الاجتهاد، والعدالة، بأن يراه منتصبا ~~للفتوى، والناس متفقون على سؤاله والاعتقاد فيه، وعلى امتناعه فيمن عرفه ~~بالضد من ذلك. # واختلفوا في جواز استفتاء من لم يعرفه بعلم ولا جهالة. # والحق امتناعه على مذهب الجمهور، وذلك لأنه لا نأمن أن يكون حال ms916 المسؤول ~~كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول. # ولا يخفى أن احتمال العامية قائم، بل هو أرجح من احتمال صفة العلم ~~والاجتهاد، نظرا إلى أن الأصل عدم ذلك، وإلى أن الغالب إنما هو العوام، وأن ~~اندراج من جهلنا حالة تحت الأغلب، أغلب على الظن. ولهذا، امتنع قبول قول ~~مدعي الرسالة وقبول قول الراوي والشاهد إذا لم يقم دليل على صدقه. # فإن قيل إذا لم يعرف العامي السائل عدالة المفتي، فلا يخلو: # إما أن يقال إنه يجب عليه البحث عن عدالته، أو لا يجب: # فإن قيل بالأول، فهو خلاف ما الناس عليه في العادة من غير نكير. # وإن قيل بالثاني، فلا يخفى أن احتمال عدم العدالة مقاوم لاحتمال العدالة، ~~وعند ذلك، فاحتمال صدقه فيما يخبر به مقاوم لاحتمال كذبه. # وعند ذلك إما أن يلزم من جواز الاستفتاء مع الجهل بالعدالة جوازه مع ~~الجهل بالعلم، أو لا يلزم: # فإن لم يلزم، فما الفرق؟ وإن لزم فهو المطلوب. # قلنا: لا نسلم جريان العادة بما ذكروه عند إرادة الاستفتاء وعلى هذا، فلا ~~بد من السؤال عن العدالة بما يغلب على الظن من قول عدل أو عدلين. # وإن سلمنا أنه لا يحتاج إلى البحث عن ذلك، فالفرق ظاهر، وذلك لان الغالب ~~من حال المسلم، ولا سيما المشهور بالعلم والاجتهاد، إنما هو العدالة، وهو ~~كاف في إفادة الظن، ولا كذلك في العلم، لأنه ليس الأصل في كل إنسان أن يكون ~~عالما مجتهدا، ولا الغالب ذلك. PageV04P232 # المسألة الرابعة إذا استفتى العامي عالما في مسألة، فأفتاه، ثم حدث مثل ~~تلك الواقعة، فهل يجب على المفتي أن يجتهد لها ثانيا، ولا يعتمد على ~~الاجتهاد الأول اختلفوا فيه: فمنهم من قال: لا بد من الاجتهاد ثانيا، ~~لاحتمال أن يتغير اجتهاده، ويطلع على ما لم يكن اطلع عليه أولا. # ومنهم من قال: لا حاجة إلى اجتهاد آخر، لان الأصل عدم اطلاعه على ما لم ~~يطلع عليه أولا. # والمختار إنما هو التفصيل، وهو أنه إما أن يكون ذاكرا للاجتهاد الأول، أو ms917 ~~غير ذاكر له، فإن كان الأول، فلا حاجة إلى اجتهاد آخر، كما لو اجتهد في ~~الحال. # وإن كان الثاني، فلا بد من الاجتهاد لأنه في حكم من لم يجتهد. # المسألة الخامسة اختلفوا في أنه هل يجوز خلو عصر من الاعصار عن مجتهد ~~يمكن تفويض الفتاوى إليه؟ # فمنع منه قوم، كالحنابلة وغيرهم، وجوزه آخرون وهو المختار. # وذلك، لأنه لو امتنع، لامتنع إما لذاته، أو لأمر من خارج: # الأول محال، فإنا لو فرضنا وقوعه لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، وإن كان ~~الثاني، فالأصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه. PageV04P233 # فإن قيل: دليل امتناعه النص، والمعقول. # أما النص فقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق، حتى يأتي ~~أمر الله، وحتى يظهر الدجال وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال وا ~~شوقاه إلى إخواني قالوا يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ فقال: أنتم أصحابي، ~~إخواني قوم يأتون بعدي، يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد ~~الناس وأيضا قوله عليه السلام العلماء ورثة الأنبياء وأحق الأمم بالوراثة ~~هذه الأمة، وأحق الأنبياء بإرث العلم عنه. نبي هذه الأمة. # وأما المعقول فمن وجهين: # الأول: أن التفقه في الدين والاجتهاد فيه، فرض على الكفاية، بحيث إذا ~~اتفق الكل على تركه أثموا. فلو جاز خلو العصر عمن يقوم به، لزم منه اتفاق ~~أهل العصر على الخطأ والضلالة، وهو ممتنع لما سبق. # الثاني: أن طريق معرفة الأحكام الشرعية إنما هو الاجتهاد فلو خلا العصر ~~عن مجتهد يمكن الاستناد إليه في معرفة الاحكام أفضى إلى تعطيل الشريعة ~~واندراس الاحكام، وذلك ممتنع، لأنه على خلاف عموم ما سبق من النصوص. ~~PageV04P234 # والجواب عما ذكروه من النصوص أنها معارضة بما يدل على نقيضها، فمن ذلك ~~قوله عليه السلام بدئ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ وقوله عليه السلام إن ~~الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ ~~الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا وقوله عليه ~~السلام تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإنها أول ms918 ما ينسى وقوله عليه السلام ~~لتركبن سنن من كان قبلكم، حذوا القذة بالقذة وقوله (ص) خير القرون القرن ~~الذي أنا فيه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر لا ~~يعبأ الله بهم وإذا تعارضت النصوص سلم لنا ما ذكرناه من الدليل أولا. # وما ذكروه من الوجه الأول من المعقول، فجوابه أن يقال: متى يكون التفقه ~~PageV04P235 # في الدين والتأهل للاجتهاد فرضا على الكفاية في كل عصر؟ إذا أمكن اعتماد ~~العوام على الاحكام المنقولة إليهم في كل عصر عمن سبق من المجتهدين في ~~العصر الأول بالنقل المغلب على الظن، أو إذا لم يمكن؟ الأول ممنوع، والثاني ~~مسلم، ولكن لا نسلم امتناع ذلك. # وهذا هو الجواب عن الوجه الثاني من المعقول أيضا. # المسألة السادسة من ليس بمجتهد، هل تجوز له الفتوى بمذهب غيره من ~~المجتهدين، كما هو المعتاد في زمننا هذا؟ # اختلفوا فيه: فذهب أبو الحسين البصري وجماعة من الأصوليين إلى المنع من ~~ذلك، لأنه إنما يسأل عما عنده لا عما عند غيره، ولأنه لو جازت الفتوى بطريق ~~الحكاية عن مذهب الغير، لجاز ذلك للعامي، وهو محال، مخالف للاجماع. # ومنهم من جوزه إذ ثبت ذلك عنده بنقل من يوثق بقوله. # والمختار أنه إذا كان مجتهدا في المذهب بحيث يكون مطلعا على مأخذ المجتهد ~~المطلق الذي يقلده، وهو قادر على التفريع على قواعد إمامه وأقواله، متمكن ~~من من الفرق والجمع، والنظر والمناظرة في ذلك، كان له الفتوى. تمييزا له عن ~~العامي، ودليله انقطاع الاجماع من أهل كل عصر على قبول مثل هذا النوع من ~~الفتوى وإن لم يكن كذلك، فلا. PageV04P236 # المسألة السابعة إذا حدثت للعامي حادثة، وأراد الاستفتاء عن حكمها، فإما ~~أن يكون في البلد مفت واحد، أو أكثر: # فإن كان الأول، وجب عليه الرجوع إليه، والاخذ بقوله، وإن كان الثاني، فقد ~~اختلف الأصوليون: # فمنهم من قال لا يتخير بينهم، حتى يأخذ بقول من شاء منهم، بل يلزمه ~~الاجتهاد في أعيان المفتين من الأورع والأدين والأعلم، وهو مذهب أحمد بن ms919 ~~حنبل وابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي وجماعة من الفقهاء والأصوليين، ~~مصيرا منهم إلى أن قول المفتيين في حق العامي ينزل منزلة الدليلين ~~المتعارضين في حق المجتهد، وكما يجب على المجتهد الترجيح بين الدليلين، ~~فيجب على العامي الترجيح بين المفتيين، إما بأن يتحفظ من كل باب من الفقه ~~مسائل، ويتعرف أجوبتها ويسأل عنها، فمن أجابه، أو كان أكثر إصابة، اتبعه، ~~أو بأن يظهر له ذلك بالشهرة والتسامع، ولأن طريق معرفة هذه الأحكام إنما هو ~~الظن، والظن في تقليد الأعلم والأدين أقوى، فكان المصير إليه أولى. # وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين والفقهاء إلى التخيير والسؤال ~~لمن شاء من العلماء، وسواء تساووا أو تفاضلوا، وهو المختار. # ويدل على ذلك أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين. فإن ~~الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال عليه ~~السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ ~~وقال عليه السلام: أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ ~~بن جبل وكان فيهم العوام ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والاخذ بقولهم ~~PageV04P237 # لا غير. ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد ~~في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له، مع ~~وجود الأفضل، ولو كان ذلك غير جائز، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم ~~إنكاره والمنع منه ويتأيد ذلك، بقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم ~~أولى. # المسألة الثامنة إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث، ~~وعمل بقوله فيها، اتفقوا على أنه ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك ~~إلى غيره. # وهل له اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر؟ اختلفوا فيه: # فمنهم من منع منه، ومنهم من أجازه، وهو الحق نظرا إلى ما وقع عليه إجماع ~~الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد ~~من السلف الحجر على العامة في ms920 ذلك، ولو كان ذلك ممتنعا، لما جاز من الصحابة ~~إهماله، والسكوت عن الانكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها، فكما لم ~~يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة ~~الأخرى. # وأما إذا عين العامي مذهبا معينا، كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره، ~~وقال: أنا على مذهبه، وملتزم له، فهل له الرجوع إلى الاخذ بقول غيره في ~~مسألة من المسائل؟ # اختلفوا فيه: فجوزه قوم نظرا إلى أن التزامه لمذهب معين غير ملزم له، ~~ومنع من ذلك آخرون، لأنه بالتزامه المذهب صار لازما له، كما لو التزم مذهبه ~~في حكم حادثة معينة. والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن كل مسألة من مذهب ~~الأول اتصل عمله بها، فليس له تقليد الغير فيها، وما لم يتصل عمله بها، فلا ~~مانع من اتباع غيره فيها PageV04P238 # القاعدة الرابعة في الترجيحات وتشتمل على مقدمة وبابين. # أما المقدمة ففي بيان معنى الترجيح، ووجوب العمل بالراجح، وما فيه ~~الترجيح. # أما الترجيح فعبارة عن اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب، مع ~~تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر. # فقولنا (اقتران أحد الصالحين) احتراز عما ليسا بصالحين للدلالة، أو ~~أحدهما صالح، والآخر ليس بصالح، فإن الترجيح إنما يكون مع تحقق التعارض، ~~ولا تعارض مع عدم الصلاحية للامرين أو أحدهما. # وقولنا (مع تعارضهما) احتراز عن الصالحين اللذين لا تعارض بينهما، فإن ~~الترجيح إنما يطلب عند التعارض، لا مع عدمه، وهو عام للمتعارضين مع التوافق ~~في الاقتضاء كالعلل المتعارضة في أصل القياس، كما يأتي، وللمتعارضين مع ~~التنافي في الاقتضاء، كالأدلة المتعارضة في الصور المختلف فيها نفيا ~~وإثباتا. # وقولنا (بما يوجب العمل بأحدهما وإهمال الآخر). احتراز عما اختص به أحد ~~الدليلين عن الآخر من الصفات الذاتية أو العرضية، ولا مدخل له في التقوية ~~والترجيح. # وأما أن العمل بالدليل الراجح واجب، فيدل عليه ما نقل وعلم من إجماع ~~الصحابة والسلف في الوقائع المختلفة على وجوب تقديم الراجح من الظنين، وذلك ~~كتقديمهم خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين ms921 على خبر أبي هريرة ~~PageV04P239 # في قوله إنما الماء من الماء وما روت عن النبي عليه السلام، أنه كان يصبح ~~جنبا، وهو صائم، على ما رواه أبو هريرة من قوله عليه السلام من أصبح جنبا، ~~فلا صوم له لكونها أعرف بحال النبي عليه السلام. وكانوا لا يعدلون إلى ~~الآراء والأقيسة إلا بعد البحث عن النصوص واليأس منها، ومن فتش عن أحوالهم ~~ونظر في وقائع اجتهاداتهم علم علما لا يشوبه ريب، أنهم كانوا يوجبون العمل ~~بالراجح من الظنين، دون أضعفهما. # ويدل على ذلك أيضا تقرير النبي عليه السلام، لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن ~~قاضيا، على ترتيب الأدلة وتقديم بعضها على بعض، كما سبق تقريره غير مرة. ~~ولأنه إذا كان أحد الدليلين راجحا، فالعقلاء يوجبون بعقولهم العمل بالراجح. # والأصل تنزيل التصرفات الشرعية منزلة التصرفات العرفية. # ولهذا قال عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول. # أما النص فقوله تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر ~~بالاعتبار مطلقا من غير تفصيل. PageV04P240 # وأيضا قوله عليه السلام نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر والدليل ~~المرجوح ظاهر، فجاز العمل به. # وأما المعقول فهو أن الأمارات الظنية المتعارضة لا تزيد على البينات ~~المتعارضة، والترجيح غير معتبر في البينات، حتى إنه لا تقدم شهادة الأربعة ~~على شهادة الاثنين. # قلنا: أما الآية فغايتها الامر بالنظر والاعتبار، وليس فيها ما ينافي ~~القول بوجوب العمل بالترجيح، فإن إيجاب أحد الامرين لا ينافي إيجاب غيره. # وأما الخبر فيدل على جواز العمل بالظاهر، والظاهر هو ما ترجح أحد طرفيه ~~على الآخر، ومع وجود الدليل الراجح فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحا من ~~جهة مخالفته للراجح، فلا يكون ظاهرا فيه. # وأما المعقول فلا نسلم امتناع الترجيح في باب الشهادة، بل عندنا يقدم قول ~~الأربعة على قول الاثنين، على رأي لنا. # وإن سلمنا أنه لا اعتبار بالترجيح في باب الشهادة، فإنما كان لان المتبع ~~في ذلك إنما هو إجماع الصحابة. وقد ألف منهم اعتبار ذلك في باب ms922 تعارض ~~الأدلة، دون باب الشهادة. # وأما ما فيه الترجيح فهي الطرق الموصلة إلى المطلوبات. وهي تنقسم إلى ~~قطعي وظني. # أما القطعي فلا ترجيح فيه، لان الترجيح لا بد وأن يكون موجبا لتقوية أحد ~~الطريقين المتعارضين على الآخر. والمعلوم المقطوع به غير قابل للزيادة ~~والنقصان، فلا يطلب فيه الترجيح، ولأن الترجيح إنما يكون بين متعارضين، ~~وذلك غير متصور في القطعي، لأنه إما أن يعارضه قطعي أو ظني: # الأول محال، لأنه يلزم منه إما العمل بهما، وهو جمع بين النقيضين في ~~الاثبات، أو امتناع العمل بهما، وهو جمع بين النقيضين في النفي، أو العمل ~~بأحدهما دون الآخر، ولا أولوية مع التساوي. # والثاني أيضا محال لامتناع ترجح الظني على القاطع، وامتناع طلب الترجيح ~~في القاطع. # كيف وإن الدليل القاطع لا يكون في مقابلته دليل صحيح، فلم يبق سوى الطرق ~~الظنية. PageV04P241 # والطرق الظنية منقسمة إلى شرعية وعقلية، وليس من غرضنا بيان العقلية، بل ~~الشرعية. # وهي إما أن تكون موصلة إلى الظن بأمر مفرد، وهي الحدود، أو الظن بأمر ~~مركب، وهي الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والاجماع والقياس والاستدلال ~~كما سبق تحقيقه. فلنرسم في ترجيحات كل واجد من الطريقين بابا: # الباب الأول في ترجيحات الطرق الموصلة إلى التصديقات الشرعية. والتعارض ~~إما أن يكون بين منقولين، أو معقولين، أو منقول ومعقول. فلنرسم في كل واحد ~~قسما. # القسم الأول في التعارض الواقع بين منقولين والترجيح بينهما منه ما يعود ~~إلى السند، ومنه ما يعود إلى المتن، ومنه ما يعود إلى المدلول، ومنه ما ~~يعود إلى أمر من خارج. # فأما ما يعود إلى السند، فمنه ما يعود إلى الراوي ومنه ما يعود إلى نفس ~~الرواية، ومنه ما يعود إلى المروي، ومنه ما يعود إلى المروي عنه. # فأما ما يعود إلى الراوي فمنه ما يعود إلى نفسه، ومنه ما يعود إلى ~~تزكيته. # فأما ما يعود إلى نفس الراوي فترجيحات. # الأول: أن تكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر، فما رواته أكثر يكون ~~مرجحا، خلافا للكرخي، لأنه يكون أغلب على ms923 الظن، من جهة أن احتمال وقوع ~~الغلط والكذب على العدد الأكثر أبعد من احتمال وقوعه في العدد الأقل، ولأن ~~خبر كل واحد من الجماعة يفيد الظن. # ولا يخفى أن الظنون المجتمعة كلما كانت أكثر كانت أغلب على الظن حتى ~~ينتهي إلى القطع. # ولهذا فإنه لما كان الحد الواجب بالزنى من أكبر الحدود وآكدها جعلت ~~الشهادة عليه أكثر عددا من غيره، وأن النبي، عليه السلام، لم يعمل بقول ذي ~~اليدين قصرت الصلاة أم نسيت حتى أخبره بذلك أبو بكر وعمر. ولم يعمل أبو بكر ~~بخبر المغيرة PageV04P242 # أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أطعم الجدة السدس، حتى اعتضد بخبر محمد بن ~~مسلمة. # ولم يعمل عمر بخبر أبي موسى، حتى اعتضد بخبر أبي سعيد الخدري. # الثاني: أن يكون راوي أحد الحديثين مشهورا بالعدالة والثقة، بخلاف الآخر، ~~أو أنه أشهر بذلك، فروايته مرجحة، لان سكون النفس إليه أشد، والظن بقوله ~~أقوى. # الثالث: أن يكون أحد الراويين أعلم وأضبط من الآخر، أو أورع وأتقى، ~~فروايته أرجح، لأنها أغلب على الظن. # الرابع: أن يكون أحد الراويين، حالة روايته، ذاكرا للرواية عن شيخه غير ~~معتمد في ذلك على نسخة سماعه أو خط نفسه، بخلاف الآخر، فهو أرجح، لأنه يكون ~~أبعد من السهو والغلط. # الخامس: أن يكون أحد الراويين قد عمل بما روى، والآخر خالف ما روى، فمن ~~لم يخالف روايته أولى، لكونه أبعد عن الكذب، بل هو أولى من رواية من لم ~~يظهر منه العمل بروايته. # السادس: أن يكونا مرسلين، وقد عرف من حال أحد الراويين أنه لا يروي عن ~~غير العدل، كابن المسيب ونحوه، بخلاف الآخر، فرواية الأول تكون أولى. # السابع: أن يكون راوي أحد الخبرين مباشرا لما رواه، والآخر غير مباشر، ~~فرواية المباشر تكون أولى، لكونه أعرف بما روى، وذلك كرواية أبي رافع أن ~~النبي عليه السلام، نكح ميمونة، وهو حلال، فإنه يرجح على رواية ابن عباس ~~أنه نكحها وهو حرام، لان أبا رافع كان هو السفير بينهما والقابل لنكاحها عن ~~رسول الله. # الثامن: أن ms924 يكون أحد الراويين هو صاحب القصة، كما روت ميمونة أنها قالت ~~تزوجني رسول الله ونحن حلالان فإنها تقدم على رواية ابن عباس، لكونها ~~PageV04P243 # أعرف بحال العقد من غيرها، لشدة اهتمامها، خلافا للجرجاني من أصحاب أبي ~~حنيفة. # التاسع: أن يكون أحد الراويين أقرب إلى النبي عليه السلام حال سماعه من ~~الآخر، فروايته تكون أولى، وذلك كرواية ابن عمر إفراد النبي عليه السلام، ~~فإنها مقدمة على من روى أنه قرن لأنه ذكر أنه كان تحت ناقته حين لبى النبي ~~عليه السلام، وأنه سمع إحرامه بالافراد العاشر: إذا كان أحد الراويين من ~~كبار الصحابة، والآخر من صغارهم، فرواية الأكبر أرجح لان الغالب أنه يكون ~~أقرب إلى النبي عليه السلام، حالة السماع لقوله عليه السلام ليليني منكم ~~أولوا الأحلام والنهى ولأن محافظته على منصبه مما يوجب التحرز عن الكذب ~~أكثر من الصغير. # الحادي عشر: إذا كان أحد الراويين متقدم الاسلام على الراوي الآخر، ~~فروايته أولى، إذ هي أغلب على الظن، لزيادة أصالته في الاسلام وتحريره فيه. # الثاني عشر: أن يكون أحد الراويين فقيها والآخر غير فقيه، أو هو أفقه ~~وأعلم بالعربية، فخبره يكون مرجحا، لكونه أعرف بما يرويه لتمييزه بين ما ~~يجوز وما لا يجوز. # الثالث عشر: أن يكون أحد الراويين أفطن وأذكى وأكثر تيقظا من الآخر، ~~فروايته أولى لكثرة ضبطه. # الرابع عشر: أن يكون أحد الراويين روايته عن حفظ، والآخر عن كتاب، ~~فالراوي عن الحفظ أولى لكثرة ضبطه. # الخامس عشر: إن كان أحد الراويين مشهور النسب بخلاف الآخر، فروايته أولى، ~~لان احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة يكون أكثر. # السادس عشر: إذا كان في رواة أحد الخبرين من يلتبس اسمه باسم بعض الضعفاء ~~بخلاف الآخر، فالذي لا يلتبس اسمه أولى لأنه أغلب على الظن. PageV04P244 # السابع عشر: أن يكون أحد الراويين قد تحمل الرواية في زمن الصبي، والآخر ~~في زمن بلوغه، فرواية البالغ أولى لكثرة ضبطه. # وأما ما يعود إلى التزكية، فترجيحات. # الأول: أن يكون المزكي لاحد الراويين أكثر من الآخر، أو أن يكون ms925 المزكى ~~له أعدل وأوثق، فروايته مرجحة، لأنها أغلب على الظن. # الثاني: أن تكون تزكية أحدهما بصريح المقال، والآخر بالرواية عنه، أو ~~بالعمل بروايته، أو الحكم بشهادته، فرواية من تزكيته بصريح المقال مرجحة ~~على غيرها، لان الرواية قد تكون عمن ليس بعدل، وكذلك العمل بما يوافق ~~الرواية، والشهادة قد تكون بغيرها وهو موافق لها، ولا يكون ذلك بهما، ولا ~~كذلك التزكية بصريح المقال. # الثالث: تزكية أحد الراويين بالحكم بشهادته، والآخر بالرواية عنه فرواية ~~المعمول بشهادته أولى، لان الاحتياط في الشهادة فيما يرجع إلى أحكام الجرح ~~والتعديل أكثر منه في الرواية والعمل بها. ولهذا قبلت رواية الواحد ~~والمرأة، دون شهادتهما، وقبلت رواية الفرع مع إنكار الأصل لها، على بعض ~~الآراء، ومن غير ذكر الأصل، بخلاف الشهادة الرابع: أن تكون تزكية أحدهما ~~بالعمل بروايته، والآخر بالرواية عنه، فالأول أرجح، لان الغالب من العدل ~~أنه لا يعمل برواية غير العدل، ولا كذلك في الرواية لان كثيرا ما يروي ~~العدل عمن لو سئل عنه لجرحه أو توقف في حاله. # وبالجملة فاحتمال العمل برواية غير العدل أقل من احتمال الرواية عن غير ~~العدل. # واحتمال العمل بدليل غيره، وإن كان قائما إلا أنه بعيد عن البحث التام مع ~~عدم الاطلاع عليه. # وأما ما يعود إلى نفس الرواية فترجيحات. # الأول: أن يكون أحد الخبرين متواترا، والآخر آحادا، فالمتواتر لتيقنه ~~أرجح من الآحاد، لكون مظنونا. # الثاني: أن يكون أحد الخبرين مسندا، والآخر مرسلا، فالمسند أولى لتحقق ~~PageV04P245 # المعرفة برواية، والجهالة براوي الآخر. ولهذا، تقبل شهادة الفرع إذا عرف ~~شاهد الأصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلا. # فإن قيل: الراوي إذا كان عدلا ثقة وأرسل الخبر، فالغالب أن لا يكون إلا ~~مع الجزم بتعديل من روي عنه، وإلا كان ذلك تلبيسا على المسلمين، وهو بعيد ~~في حقه، وهذا بخلاف ما إذا ذكر المروي عنه، فإنه غير جازم بتعديله، فكان ~~المرسل أولى قلنا: التلبيس إنما يلزم بروايته عمن لم يذكره إذا لم يكن لي ~~نفس الامر عدلا، أن لو وجب اتباعه في قوله. ms926 وإنما يجب اتباعه في قوله، أن ~~لو ظهرت عدالة الأصل وهو دور، كيف وإنه لو كان ذلك تعديلا منه فهو غير ~~مقبول، لكونه تعديلا مطلقا، وإن كان مقبولا، فإنما يقبل إذا كان مضافا إلى ~~شخص معين لم يعرف بفسق. # وأما إذا كان غير معين فلا، لاحتمال أن يكون بحيث لو عينه، لاطلعنا من ~~حاله على فسق قد جهله الراوي. ثم ولو كان تعديلا مقبولا، إلا أنه إذا كان ~~مذكورا مشهور الحال، وقد عدل بمثل ذلك التعديل أو أعلى منه، كان قبول قوله ~~أولى وأغلب على الظن، وعدم جزم الراوي بعدالة المروي عنه إذا كان مصرحا به، ~~وجزمه بعدالة من سكت عن ذكره، بعد أن ظهر تعديل المذكور بتعديل غيره، لا ~~يكون موجبا للترجيح، بل من ظهرت عدالته بطريق متفق عليه يكون أولى ممن ظهرت ~~عدالته بطريق مختلف فيه. # الثالث: أن يكون أحد الخبرين من مراسيل التابعين، والآخر من مراسيل تابعي ~~التابعين، فما هو من مراسيل التابعين أولى، لان الظاهر من التابعي أنه لا ~~يروي عن غير الصحابي، وعدالة الصحابة، بما ثبت من ثناء النبي عليه السلام، ~~وتزكيته لهم في ظواهر الكتاب والسنة، أغلب على الظن من العدالة في حق غيرهم ~~من المتأخرين. ولهذا قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه وقال ~~عليه السلام أصحابي كالنجوم PageV04P246 # بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يرو مثل ذلك في حق غيرهم. # الرابع: أن يكون أحدهما معنعنا، وطريق ثبوت الآخر الشهرة مع عدم النكير، ~~أو الاسناد إلى كتاب من كتب المحدثين، فالمعنعن أولى، لأنه أغلب على الظن، ~~أما بالنسبة إلى الطريق الأول فلمساواته له في عدم النكير وزيادته عليه ~~برواية العدل عن العدل، وأما بالنسبة إلى الطريق الثاني، فلانه أسلم من ~~الغلط والتلبيس، وأبعد عن التبديل والتصحيف. # الخامس: أن يكون أحدهما ثابتا بطريق الشهرة، والآخر بالاسناد إلى كتاب من ~~كتب المحدثين، فالمسند إلى كتب المحدثين أولى، من جهة أن احتمال تطرق الكذب ~~إلى ما دخل في صنعة المحدثين وإن لم يكن من كتبهم المشهورة بهم، ms927 والمنسوبة ~~إليهم، أبعد من احتمال تطرقه إلى ما اشتهر، وهو غير منسوب إليهم. ولهذا، ~~فإن كثيرا ما اشتهر مع كذبه ورد المحدثين له. # السادس: أن يكون أحدهما مسندا إلى كتاب موثوق بصحته، كمسلم والبخاري، ~~والآخر مسندا إلى كتاب غير مشهور بالصحة ولا بالسقم، كسنن أبي داود ونحوها، ~~فالمسند إلى الكتاب المشهور بالصحة أولى. # السابع: أن تكون رواية أحدهما بقراءة الشيخ عليه، والآخر بقراءته هو على ~~الشيخ، أو بإجازته، أو مناولته له، أو بخط رآه في كتاب. فما الرواية فيه ~~بقراءة الشيخ أرجح، لأنه أبعد عن غفلة الشيخ عما يرويه. # الثامن: أن تكون رواية أحدهما بالمناولة، والآخر بالإجازة، فالمناولة ~~أولى، لان الإجازة غير كافية، وهو أن يقول خذ هذا الكتاب وحدث به عني، فقد ~~سمعته من فلان، وعند ذلك، فتكون إجازة وزيادة. والإجازة تكون راجحة على ~~رؤية الخط في الكتاب، لان الخطوط مما تشتبه، ولا احتمال في نسبة لفظه إليه ~~بالإجازة. # وكذلك لو قال الشيخ هذا خطي، فالإجازة تكون أولى، لان دلالة لفظ الشيخ ~~على الرواية عمن روى عن أظهر من دلالة خطه عليها. PageV04P247 # وإذا كانت الإجازة أولى من الرواية عن الخط، والمناولة أولى من الإجازة، ~~كانت المناولة أولى من الرواية عن الخط. # التاسع: أن يكون أحد الخبرين أعلى إسنادا من الآخر، فيكون أولى، لأنه ~~كلما قلت الرواة كان أبعد عن احتمال الغلط والكذب. # العاشر: أن يكون أحد الخبرين قد اختلف في كونه موقوفا على الراوي، والآخر ~~متفق على رفعه إلى النبي عليه السلام، فالمتفق على رفعه أولى، لأنه أغلب ~~على الظن. # الحادي عشر: أن تكون رواية أحد الخبرين بلفظ النبي، والآخر بمعناه، ~~فرواية اللفظ أولى، لكونها أضبط وأغلب على الظن بقول الرسول. # الثاني عشر: أن تكون إحدى الروايتين بسماع من غير حجاب، والأخرى مع ~~الحجاب، وذلك كرواية القاسم بن محمد عن عائشة من غير حجاب، لكونها عمة له، ~~أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدا، فإنها تقدم على رواية أسود عنها أن زوجها ~~كان حرا، لسماعه عنها مع الحجاب، لان الرواية ms928 من غير حجاب شاركت الرواية مع ~~الحجاب في السماع، وزادت تيقن عين المسموع منه. # الثالث عشر: إذا كانت إحدى الروايتين قد اختلفت دون الأخرى، فالتي لا ~~اختلاف فيها أولى، لبعدها عن الاضطراب. # وأما ما يعود إلى المروي فترجيحات. # الأول: أن تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبي عليه السلام، ~~والرواية الأخرى عن كتاب فرواية السماع أولى، لبعدها عن تطرق التصحيف ~~والغلط. # الثاني: أن تكون إحدى الروايتين عن سماع من النبي عليه السلام، والأخرى ~~عما جرى في مجلسه أو زمانه، وسكت عنه، فرواية السماع أولى، لكونها أبعد عن ~~غفلة النبي عليه السلام، وذهوله، بخلاف الرواية عما جرى في مجلسه، وسكت ~~عنه، فرواية السماع أولى مما جرى في زمانه خارجا عن مجلسه. PageV04P248 # الثالث: أن تكون إحدى الروايتين عما خطره مع السكوت عنه أعظم من خطر ~~المسكوت عنه في الرواية الأخرى، فما خطره أعظم يكون أرجح، لكون السكوت عنه ~~أغلب على الظن في تقريره. # الرابع: أن تكون إحدى الروايتين عن صيغة النبي عليه السلام، والأخرى عن ~~فعله، فرواية الصيغة تكون راجحة لقوة دلالتها وضعف الفعل. ولهذا أن من خالف ~~في دلالة الفعل وجواز الاحتجاج به، لم يخالف في الصيغ، لان ما يفعله النبي ~~عليه السلام، إلى الاختصاص به أقرب من اختصاصه بمدلول الصيغة، ولأن تطرق ~~الغفلة إلى الانسان في فعله أكثر منها في كلامه، ولهذا قلما يتكلم الانسان ~~غافلا، بخلاف الفعل. # الخامس: أن يكون أحدهما خبر واحد ورد فيما تعم به البلوى، بخلاف الآخر ~~فما لا تعم به البلوى أولى، لكونه أبعد عن الكذب، من جهة أن تفرد الواحد ~~بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله قريب من الكذب، وذلك كمن ~~تفرد بنقل قتل الملك في وسط السوق بمشهد من الخلق. ولهذا كان مختلفا فيه، ~~ومتفقا على مقابله. # وأما ما يعود إلى المروي عنه، فترجيحات. # الأول: أن يكون أحد الراويين قد روى عمن أنكر روايته عنه، كما في حديث ~~الزهري، بخلاف الراوي الآخر، فما لم يقع فيه إنكار المروي ms929 عنه يكون أرجح ~~لكونه أغلب على الظن. # الثاني: أن يكون الأصل في أحد الخبرين قد أنكر رواية الفرع عنه إنكار ~~نسيان ووقوف، والآخر إنكار تكذيب وجحود، فالأول أولى، لان غلبة الظن ~~بالرواية عنه أكثر من غلبة الظن بالثاني. # وأما الترجيحات العائدة إلى المتن. PageV04P249 # الأول: منها أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا، فالنهي من حيث هو نهي مرجح ~~على الامر لثلاثة أوجه. الأول أن الطلب فيه الترك أشد. ولهذا لو قدر كون كل ~~واحد منهما مطلقا، فإن أكثر من قال بالخروج عن عهدة الامر بالفعل مرة ~~واحدة، نازع في النهي. # الثاني: أن محامل النهي، وهي تردده بين التحريم والكراهة لا غير، أقل من ~~محامل الامر لتردده بين الوجوب والندب والإباحة على بعض الآراء. # الثالث: أن الغالب من النهي طلب دفع المفسدة، ومن الامر طلب تحصيل ~~المصلحة، واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح. # الترجيح الثاني: أن يكون أحدهما آمرا، والآخر مبيحا، فالآمر وإن ترجح على ~~المبيح، نظرا إلى أنه إن عمل به لا يصير مخالفا للمبيح، ولا كذلك بالعكس، ~~لاستواء طرفي المباح وترجح جانب المأمور به، إلا أن المبيح يترجح على الآمر ~~من أربعة أوجه: # الأول: أن مدلول المبيح متحد، ومدلول الآخر متعدد، كما سبق تعريفه، فكان ~~أولى. # الثاني: أن غاية ما يلزم من العمل بالمبيح تأويل الآخر بصرفه عن محمله ~~الظاهر إلى المحمل البعيد، والعمل بالآمر يلزم منه تعطيل المبيح، بالكلية، ~~والتأويل أولى من التعطيل. # الثالث: أن المبيح قد يمكن العمل بمقتضاه على تقديرين على تقدير مساواته ~~للآمر ورجحانه والعمل بمقتضى الآمر متوقف على الترجيح وما يتم العمل به على ~~تقديرين يكون أولى مما لا يتم العمل به الا على تقدير واحد. # الرابع: أن العمل بالمبيح بتقدير أن يكون الفعل مقصودا للمكلف لا يختل ~~لكونه مقدورا له، والعمل بالآخر يوجب الاخلال بمقصود الترك، بتقدير كون ~~الترك مقصودا الترجيح الثالث: أن يكون أحدهما أمرا، والآخر خبرا، فالخبر ~~يكون راجحا لثلاثة أوجه. # الأول: أن مدلول الخبر متحد بخلاف الامر على ms930 ما سبق، فكان أولى لبعده عن ~~الاضطراب. # الثاني: أن الخبر أقوى في الدلالة، ولهذا امتنع نسخه على بعض الآراء، ~~بخلاف الامر. PageV04P250 # الثالث: أن العمل يلزمه محذور الكذب في الخبر من كلام الشارع، وهو فوق ~~المحذور اللازم من فوات مقصود الامر، فكان الخبر أولى. # الترجيح الرابع: أن يكون أحدهما ناهيا، والآخر مبيحا، فالمبيح يكون مقدما ~~على ما عرف في الامر. # الخامس: أن يكون أحدهما نهيا، والآخر خبرا، فالخبر مقدم على النهي على ما ~~عرف في الامر أيضا. # السادس: أن يكون أحدهما مبيحا، والآخر خبرا، فالخبر مقدم لما سبق في ~~الوجه الثاني والثالث في الامر إذا عارض الخبر. # السابع: أن يكون أحدهما مشتركا، والآخر غير مشترك، بل متحد المدلول، فما ~~اتحد مدلوله أولى، لبعده عن الخلل. # الثامن: أن يكون مدلول أحدهما حقيقيا، والآخر مجازيا، فالحقيقي أولى لعدم ~~افتقاره إلى القرنية المخلة بالتفاهم. # التاسع: أن يكونا مشتركين، إلا أن مدلولات أحدهما أقل من مدلولات الآخر، ~~فالأول أولى لقلة اضطرابه وقرب استعماله فيما هو المقصود منه. # العاشر: أن يكونا مجازين، إلا أن أحدهما منقول مشهور في محل التجوز، كلفظ ~~الغائط، بخلاف الآخر، فالمنقول أولى لعدم افتقاره إلى القرنية. # الحادي عشر: أن يكون المصحح للتجوز في أحدهما أظهر وأشهر من الآخر، فهو ~~أولى. # الثاني عشر: أن يكون لفظ أحدهما مشتركا، والآخر مجازا غير منقول. وقد ~~ذكرنا ما يستحقه كل واحد منهما من الترجيح في الامر بطريق الاستقصاء، فعليك ~~باعتباره والالتفات إليه. # الثالث عشر: أن يكونا حقيقيين، الا أن أحدهما أظهر وأشهر، فالأظهر مرجح. # الرابع عشر: أن تكون إحدى الحقيقتين متفقا عليها، والأخرى مختلفا فيها ~~فالمتفق عليه أولى، لأنه أغلب على الظن. PageV04P251 # الخامس عشر: أن تكون دلالة أحدهما غير محتاجة إلى إضمار ولا حذف، بخلاف ~~الأخرى، فالذي لا يحتاج إلى ذلك أولى لقلة اضطرابه. # السادس عشر: أن يكون أحدهما يدل على مدلوله بالوضع الشرعي، والآخر بالوضع ~~اللغوي، وكل واحد منهما مستعمل في الشرع، فها هنا يظهر أن العمل باللفظ ~~اللغوي يكون أولى، لأنه من لسان الشارع ms931 مع كونه مقررا لوضع اللغة، وما هو ~~عرفه ومصطلحه، وإن كان من لسانه، إلا أنه مغير للوضع اللغوي، ولا يخفى أن ~~العمل بما هو من لسان الشارع من غير تغيير أولى من العمل بما هو من لسانه ~~مع التغيير، ولأنه أبعد عن الخلاف، وهذا بخلاف ما إذا أطلق لفظا واحدا، ~~وكان له مدلول لغوي، وقد استعاره الشارع في معنى آخر، وصار عرفا له، فإنه ~~مهما أطلق الشارع ذلك اللفظ، فيجب تنزيله على عرفه الشرعي دون اللغوي، لان ~~الغالب من الشارع أنه إذا أطلق لفظا، وله موضوع في عرفه، أنه لا يريد به ~~غيره. # السابع عشر: أن يكون العمل بأحدهما يلزم منه الجمع بين مجازين، والآخر لا ~~يلزم منه غير مجاز واحد، فالذي فيه مجاز واحد أولى، لأنه أبعد عن الاضطراب، ~~وأقرب إلى الأصل. # الثامن عشر: أن يكون أحدهما دالا على مطلوبه من وجهين أو أكثر، والآخر لا ~~يدل إلا من جهة واحدة، فالذي كثرت جهة دلالته أولى لأنه أغلب على الظن. # التاسع عشر: أن تكون دلالة أحدهما مؤكدة دون الأخرى فالمؤكدة أولى، لأنه ~~أقوى دلالة، وأغلب على الظن، وذلك كما في قوله عليه السلام فنكاحها باطل ~~باطل باطل. PageV04P252 # العشرون: أن تكون دلالة أحدهما على مدلوله بطريق المطابقة، والآخر بدلالة ~~الالتزام، فدلالة المطابقة أولى لأنها أضبط. # الحادي والعشرون: أن يكونا دالين بجهة الاقتضاء، إلا أن العمل بأحدهما في ~~مدلوله، ضرورة صدق المتكلم، أو لضرورة وقوع الملفوظ به عقلا، والآخر لضرورة ~~وقوع الملفوظ به شرعا، كما سبق تعريفه، فما يتوقف عليه صدق المتكلم، فوقوع ~~الملفوظ به عقلا أولى، نظرا إلى بعد الخلف في كلام الشارع، وامتناع مخالفة ~~المعقول، وقرب المخالفة في المشروع. # الثاني والعشرون: أن يكونا دالين بجهة التنبيه والايماء إلى أن أحدهما لو ~~لم يقدر كون المذكور فيه علة للحكم المذكور معه كان ذكره عبثا وحشوا، ~~والآخر من قبيل ما رتب فيه الحكم على الوصف بفاء التعقيب، فالذي لو لم يقدر ~~فيه التعليل كان ذكره عبثا، أولى من الآخر، نظرا إلى ms932 محذور العبث في كلام ~~الشارع، وإلغاؤه أتم من محذور المخالفة الدلالة حرف الفاء على التعليل، ~~وإمكان تأويلها بغير السببية، بل وهو أولى من سائر أنواع التنبيه والايماء ~~لما ذكرناه من زيادة المحذور، وما دل على العلية بفاء التعقيب لظهورها، ~~مقدم على ما عداه من باقي أقسام التنبيه والايماء. # الثالث والعشرون أن يكونا دالين بجهة المفهوم، إلا أن أحدهما من قبيل ~~مفهوم المخالفة، والآخر من قبيل مفهوم الموافقة، فقد يمكن ترجيح مفهوم ~~الموافقة على مفهوم المخالفة من جهة أنه متفق عليه، ومختلف في مقابله، وقد ~~يمكن ترجيح مفهوم المخالفة عليه من وجهين: # الأول: أن فائدة مفهوم المخالفة التأسيس، وفائدة مفهوم الموافقة التأكيد، ~~والتأسيس أصل، والتأكيد فرع، فكان مفهوم المخالفة أولى، الثاني: أن مفهوم ~~الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم المقصود من الحكم في محل النطق، وبيان ~~وجوده في محل السكوت، وأن اقتضاءه للحكم في محل السكوت أشد. PageV04P253 # وأما مفهوم المخالفة فإنه يتم بتقدير عدم فهم المقصود من الحكم في محل ~~النطق، وبتقدير كونه غير متحقق في محل السكوت، وبتقدير أن يكون له معارض في ~~محل السكوت وبتقدير ان يكون له معارض في محل السكوت ولا يخفى أن ما يتم على ~~تقديرات أربعة أولى مما لا يتم إلا على تقدير واحد. # الرابع والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، ودلالة ~~الآخر من قبيل دلالة الإشارة، فدلالة الاقتضاء أولى لترجحها بقصد المتكلم ~~لها، بخلاف دلالة الإشارة. # الخامس والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، والآخر ~~من قبيل دلالة التنبيه والايماء، فدلالة الاقتضاء أولى، لتوقف صدق المتكلم ~~أو مدلول منطوقه عليه، بخلاف دلالة التنبيه والايماء. # السادس والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، والآخر ~~من قبيل دلالة المفهوم، فدلالة الاقتضاء أولى لوقوع الاتفاق عليها، ووقوع ~~الخلاف في مقابلها، ولأن ما يعترض دلالة الاقتضاء من المبطلات، أقل مما ~~يعترض المفهوم، وبهذا كان ما كان من قبيل دلالة التنبيه والايماء مقدما على ~~دلالة المفهوم. # السابع والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما ms933 من قبيل المنطوق، والآخر من قبيل ~~دلالة غير المنطوق، فالمنطوق أولى، لظهور دلالته وبعده عن الالتباس، بخلاف ~~مقابله. # الثامن والعشرون: أن يكون أحدهما عاما، والآخر خاصا، فالخاص مقدم مقدم ~~على العام لثلاثة أوجه: # الأول أنه أقوى في الدلالة وأخص بالمطلوب، الثاني أن العمل بالعام يلزم ~~منه إبطال دلالة الخاص وتعطيله، ولا يلزم من العمل بالخاص تعطيل العام، بل ~~تأويله وتخصيصه، ولا يخفى أن محذور التعطيل فوق محذور التأويل. # الثالث: أن ضعف العموم بسبب تطرق التخصيص إليه وضعف الخصوص بسبب تأويله ~~وصرفه عن ظاهره إلى مجازه، ولا يخفى أن تطرق التخصيص إلى PageV04P254 # العمومات أكثر من تطرق التأويل، إلى الخاص، ولهذا كانت أكثر العمومات ~~مخصصة، وأكثر الظواهر الخاصة مقررة، وبهذا يكون المطلق الدال على واحد لا ~~بعينه مرجحا على العام. # التاسع والعشرون: أن يكون أحدهما عاما مخصصا، والآخر غير مخصص، فالذي لم ~~يدخله التخصيص أولى لعدم تطرق الضعف إليه: # وعلى هذا، فما كان عاما من وجه وخاصا من وجه يكون مرجحا على ما هو عام من ~~كل وجه، وكذلك المطلق من وجه، والمقيد من وجه مرجح على ما هو مطلق من كل ~~وجه، وما هو منطوق من كل وجه مقدم على ما هو حقيقي من وجه دون وجه. # الثلاثون: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما من قبيل الشرط والجزاء، والآخر ~~من قبيل النكرة المنفية، فقد يمكن ترجح دلالة الشرط والجزاء، لكون الحكم ~~فيه معللا بخلاف النكرة المنفية، والمعلل أولى من غير المعلل، وقد يمكن ~~ترجح دلالة نفي النكرة بأن دلالته أقوى. ولهذا كان خروج الواحد منه يعد ~~خلفا في الكلام، عند ما إذا قال لا رجل في الدار وكان فيها رجل، بخلاف ~~مقابله، وبهذا تكون دلالة النكرة المنفية أولى من جميع أقسام العموم. # الحادي والثلاثون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الشرط والجزاء، ~~والآخر من قبيل أسماء الجموع، فالأول أولى لان أكثر من خالف في صيغ العموم ~~وافق على صيغة الشرط والجزاء، ولأن الدلالة فيه مشيرة إلى الحكم والعلة، ~~بخلاف مقابله، ms934 وبهذا يكون أولى من باقي أقسام العموم. # الثاني والثلاثون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل الجمع المعرف، والآخر ~~جمع منكر، فالمعرف أولى لوجهين: الأول أن بعض من وافق على عموم الجمع ~~المعرف خالف في المنكر، فكان أقوى لقربه إلى الوفاق. الثاني أنه لا يدخله ~~الابهام بخلاف المنكر، فكان أولى، وربما رجح المنكر بكونه دالا على عدد أقل ~~من الجمع المعرف، فكان أقرب إلى الخصوص، فكان أولى. PageV04P255 # الثالث والثلاثون: أن يكون أحدهما اسم جمع معرف، والآخر اسم جنس دخله ~~الألف واللام، فاسم الجمع أولى، لامكان حمل اسم الجنس على الواحد المعهود، ~~بخلاف الجمع المعرف، فكان أقوى عموما، يكون مقدما على (من) و (ما) الرابع ~~والثلاثون: إذا كان أحدهما من قبيل الاسم الجنس المعرف واخر من قبيل من وما ~~فمن وما أولى لعدم احتمالهما للعهد واحتمال ما قابلهما له. # الخامس والثلاثون: ان يكون أحد الطاهرين مضطربا في لفظه بخلاف الخر فغير ~~المطرب أولى لأنه أدل على الحفظ والضبط السادس والثلاثون: أن يكون أحدهما ~~قد دل على الحكم وعلته، والآخر دل على الحكم دون علته فالدال على العلة ~~أولى، لأنه أقرب إلى الايضاح والبيان. # السابع والثلاثون: أن يكون أحدهما قولا، والآخر فعلا، فالقول أولى لأنه ~~أبلغ في البيان من الفعل، وإن كان أحدهما قولا وفعلا، والآخر قول فقط، ~~فالقول والفعل أولى، لأنه أقوى في البيان. # الثامن والثلاثون: أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لم يتعرض الآخر لها، ~~كرواية من روى أنه عليه السلام كبر في صلاة العيد سبعا، فإنها مقدمة على ~~رواية من روى أربعا، لاشتمالها على زيادة علم خفي على الآخر. PageV04P256 # التاسع والثلاثون: أن يكون أحد المنقولين الظاهرين إجماعا والآخر نصا، ~~وسواء كان من الكتاب أو السنة، فالاجماع مرجح، لان النسخ مأمون فيه بخلاف ~~النص. # الأربعون: أن يكونا إجماعين ظاهرين إلا أن أحدهما قد دخل فيه جميع أهل ~~العصر، والآخر لم يدخل فيه سوى أهل الحل والعقد: فالذي دخل فيه الجميع ~~أولى، لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف فيه. # الحادي والأربعون: ms935 أن يكون أحدهما قد دخل فيه مع أهل الحل والعقد الفقهاء ~~الذين ليسوا أصوليين، والأصوليون الذين ليسوا فقهاء، وخرج عنه العوام، ~~والآخر بالعكس، فالأول أولى لقربهم من المعرفة والإحاطة بأحكام الشرع ~~واستنباطها من مداركها، وبهذا المعنى يكون أيضا ما دخل فيه الأصولي الذي ~~ليس بفقيه، ولم يدخل فيه الفقيه، أولى مما هو بالعكس، لان الأصولي أعرف ~~بمدارك الاحكام وكيفية تلقي الاحكام من المنطوق والمفهوم والامر والنهي ~~وغيره. # الثاني والأربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع الذي ليس ~~بكافر، بخلاف الآخر، فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى، لان الظاهر من حاله ~~الصدق، ولأنه أبعد عن الخلاف. # الثالث والأربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع، دون ~~العوام والفروعيين الذين ليسوا أصوليين، والأصوليون الذين ليسوا فروعيين، ~~والآخر بعكسه، فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى، إذ الخلل في قوله إنما هو ~~من جهة كذبه فيما يقول، والخلل في قول من عداه من المذكورين إنما هو من ~~جهله وعدم إحاطته وعدم كماله. ولا يخفى أن احتمال وقوع الخلل بجهة الكذب من ~~الفاسق لحرمته وتعلق الاثم به أنذر من الخلل الناشئ بسبب الجهل وعدم ~~الإحاطة. PageV04P257 # الرابع والأربعون: أن يكون أحد الاجماعين من الصحابة، والآخر من ~~التابعين، فإجماع الصحابة أولى للثقة بعدالتهم وبعد تقاعدهم عن تحقيق الحق ~~وإبطال الباطل وغلبة جدهم وكثرة اجتهادهم في تمهيد أحكام الشريعة، ولأنه ~~أبعد عن خلاف من خالف في إجماع غير الصحابة. وعلى هذا فإجماع التابعين يكون ~~مقدما على إجماع من بعدهم لقربهم من العصر الأول، ولقوله عليه السلام: خير ~~القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه فإجماعهم يكون أغلب على الظن. # الخامس والأربعون: أن يكون أحد الاجماعين قد انقرض عصره، بخلاف الآخر، ~~فما انقرض عصره يكون أولى لاستقراره وبعده عن الخلاف. # السادس والأربعون: أن يكون أحدهما مأخوذا عن انقسام الأمة في مسألة من ~~المسائل على قولين في أنه إجماع على نفي قول ثالث، والاجماع الآخر على ~~إثبات القول الثالث، فالاجماع على إثباته أولى، لأنه أبعد عن ms936 اللبس وعما ~~يقوله المنازع في الأول من وجوه القدح، ويبديه من الاحتمالات. # السابع والأربعون: أن يكون أحدهما مسبوقا بالمخالفة، بخلاف الآخر، فالذي ~~لم يسبق بالمخالفة أولى لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف. # الثامن والأربعون: أن يكون أحدهما قد رجع بعض المجتهدين فيه عما حكم به، ~~موافقا للباقين لدليل ظهر له، بخلاف الآخر، فما لم يرجع فيه بعض المجتهدين ~~أولى، لبعده عن المناقضة والخلاف فيه. # التاسع والأربعون: أن كون أحدهما إجماع الصحابة، إلا أنه لم يدخل فيه غير ~~المجتهدين، والآخر من إجماع التابعين إلا أنه قد دخل فيه جميع أهل عصرهم، ~~فإجماع الصحابة أولى للوثوق بعدالتهم وزيادة جدهم، كما سبق تقريره، وفي ~~معنى هذا يكون قد رجع واحد من الصحابة عن الواقعة، بخلاف التابعين. # الخمسون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه جميع أهل العصر إلا أنه لم ينقرض ~~عصرهم، والآخر بالعكس، فما دخل فيه جميع أهل العصر أولى، لان غلبة الظن فيه ~~متيقنة، واحتمال الرجوع بسبب عدم انقراض العصر موهوم، وفي معناه أن يكون ~~PageV04P258 # ما لم ينقرض عصره قد دخل فيه المجتهد المبتدع، أو الأصولي الذي ليس ~~فروعيا، أو الفروعي الذي ليس بأصولي، والآخر بخلافه. # الحادي والخمسون: أن يكون أحدهما غير مأخوذ من انقسام الأمة على قولين، ~~كما سبق، إلا أنه ينقرض عصره، والآخر بعكسه، فالأول أولى، نظرا إلى أن جهة ~~الاجماع فيه أقوى بيقين، أو رجوع الواحد عنه قبل انقراض العصر موهوم، وفي ~~معناه ما إذا كان أحد الاجماعين قد انقرض عصره إلا أنه مسبوق بالمخالفة، ~~والآخر بعكسه. # الثاني والخمسون: أن يكون أحد الاجماعين مأخوذا من انقسام الأمة على ~~قولين إلا أنه غير مسبوق بمخالفة بعض المتقدمين، والآخر بعكسه، فالذي لم ~~يكن مأخوذا من انقسام الأمة على قولين أولى، لقوة الاجماع فيه. # وأما الترجيحات العائدة إلى المدلول. # الأول: منها أن يكون حكم أحدهما الحظر، والآخر الإباحة، وهذا مما اختلف ~~فيه: فذهب الأكثر كأصحابنا وأحمد بن حنبل والكرخي والرازي من أصحاب أبي ~~حنيفة إلى أن الحاظر أولى، وذهب أبو هاشم ms937 وعيسى بن أبان، إلى التساوي ~~والتساقط. والوجه في ترجيح ما مقتضاه الحظر أن ملابسة الحرام موجبة للمأثم ~~بخلاف المباح، فكان أولى بالاحتياط. # ولهذا فإنه لو اجتمع في العين الواحدة حظر وإباحة، كالمتولد بين ما يؤكل ~~وما لا يؤكل، قدم التحريم على الإباحة، وكذلك إذا طلق بعض نسائه بعينها، ثم ~~أنسيها، حرم وطئ الجميع، تقديما للحرمة على الإباحة وإليه الإشارة بقوله ~~عليه السلام ما اجتمع الحلال والحرام، إلا غلب الحرام الحلال وقال عليه ~~السلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك غير أنه قد يمكن ترجيح ما مقتضاه ~~PageV04P259 # الإباحة من جهة أخرى، وهي أنا لو عملنا بما مقتضاه التحريم لزم منه فوات ~~مقصود الإباحة من الترك مطلقا. ولو عملنا بما مقتضاه الإباحة، فقد لا يلزم ~~منه فوات مقصود الحظر لان الغالب أنه إذا كان حراما فلا بد وأن تكون ~~المفسدة ظاهرة، وعند ذلك، فالغالب أن المكلف يكون عالما بها، وقادرا على ~~دفعها، لعلمه بعدم لزوم المحذور من ترك المباح، ولأن المباح مستفاد من ~~التخيير قطعا، بخلاف استفادة الحرمة من النهي لتردده بين الحرمة والكراهة ~~فكان أولى، وعلى هذا فلا يخفى وجه الترجيح بين ما مقتضاه الحرمة، وما ~~مقتضاه الندب. # الثاني: أن يكون مدلول أحدهما الحظر، والآخر الوجوب، فما مقتضاه التحريم ~~أولى لوجهين: # الأول هو أن الغالب من الحرمة إنما هو دفع مفسدة ملازمة للفعل أو ~~تقليلها، وفي الوجوب تحصيل مصلحة ملازمة للفعل أو تكميلها، واهتمام الشارع ~~والعقلاء بدفع المفاسد أتم من اهتمامهم بتحصيل المصالح. ولهذا فإن من أراد ~~فعلا لتحصيل مصلحة ينفر عنه إذا عارضه في نظرة لزوم مفسدة مساوية للمصلحة، ~~كمن رام تحصيل درهم على وجه يلزم منه فوات مثله، وإذا كان ما هو المقصود من ~~التحريم أشد وآكد منه في الواجب كانت المحافظة عليه أولى. ولهذا كان ما ~~شرعت العقوبات فيه من فعل المحرمات أكثر من ترك الواجبات وأشد، كالرجم ~~المشروع في زنى المحصن. # الوجه الثاني أن إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتم من إفضاء الوجوب إلى ~~مقصوده، فكانت المحافظة ms938 عليه أولى. وذلك، لان مقصود الحرمة يتأتى بالترك، ~~وذلك كاف مع القصد له أو مع الغفلة عنه ولا كذلك فعل الواجب. # وأيضا فإن ترك الواجب وفعل المحرم إذا تساويا في داعية الطبع إليهما، ~~فالترك يكون أيسر وأسهل من الفعل لتضمن الفعل مشقة الحركة وعدم المشقة في ~~الترك. # وما يكون حصول مقصوده أوقع، يكون أولى بالمحافظة عليه. # الثالث: أن يكون حكم أحدهما الحرمة، والآخر الكراهة، فالحظر أولى، ~~لمساواته الكراهة في طلب الترك وزيادته عليه بما يدل على اللوم عند الفعل، ~~ولأن المقصود PageV04P260 # منهما إنما هو الترك لما يلزمه من دفع المفسدة الملازمة للفعل، والحرمة ~~أوفى لتحصيل ذلك المقصود، فكانت أولى بالمحافظة. # وأيضا فإن العمل بالمحرم لا يلزم منه إبطال دلالة المقتضي للكراهة وهو ~~طلب الترك العمل بالمقتضي للكراهة مما يجوز معه الفعل، وفيه إبطال دلالة ~~المحرم. # ولا يخفى أن العمل بما لا يفضي إلى الابطال يكون أولى، وبما حققناه في ~~ترجيح المحرم على المقتضي للكراهة يكون ترجيح الموجب على المقتضي للندب. # الرابع: أن يكون حكم أحدهما إثباتا، والآخر نفيا، وذلك كخبر بلال بأن ~~النبي عليه السلام، دخل البيت وصلى، وخبر أسامة أنه دخل ولم يصل فالنافي ~~مرجح على المثبت، خلافا للقاضي عبد الجبار في قوله إنهما سواء. والمثبت، ~~وإن كان مترجحا على النافي لاشتماله على زيادة علم، غير أن النافي لو قدرنا ~~تقدمه على المثبت، كانت فائدته التأكيد، ولو قدرنا تأخره، كانت فائدته ~~التأسيس، وفائدة التأسيس أولى، لما سبق تقريره، فكان القضاء بتأخيره أولى. # فإن قيل: إلا أنه يلزم من تأخره مخالفة الدليل المثبت ورفع حكمه دون ~~تقدمه. # قلنا: هو معارض بمثله، فإنا لو قدرنا تقدم النافي، فالمثبت بعده يكون ~~نافيا لحكمه ورافعا له. # فإن قيل: المثبت، وإن كان رافعا لحكم النافي على تقدير تأخره عنه، فرافع ~~لما فائدته التأكيد، ولو قدرنا تأخر النافي كان مبطلا لما فائدته التأسيس، ~~فكان فرض تأخر المثبت أولى. PageV04P261 # قلنا: إلا أنه وإن كانت فائدة النافي التأكيد على تقدير تقدمه، فالمثبت ~~يكون رافعا لحكم تأسيسي، وهو ms939 الباقي على الحال الأصلي وزيادة ما حصل من ~~النافي من التأكيد ولا كذلك ما لو كان النافي متأخرا، فإنه لا يرفع غير ~~التأسيس، وما لا يفضي إلى رفع التأسيس مع التأكيد يكون أولى مما يفضي إلى ~~رفع الامرين معا، وما يقال من أن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق، ~~والنافي غير مجمع على إفادته لحكم شرعي. والغالب من الشارع أنه لا يتولى ~~بيان غير الشرعي، فمع أنه غير سديد من جهة أن الحكم الشرعي غير مقصود ~~لذاته، وإنما هو مقصود لحكمته، لكونه وسيلة إليها وحكمة الاثبات، وإن كانت ~~مقصودة، فكذلك حكمة النفي، فهو معارض من جهة أن الغالب من الشارع على ما هو ~~المألوف منه إنما هو التقرير لا التغيير، وعلى هذا، فالحكم للنفي الأصلي ~~يكون أولى من المغير. # الخامس: أن يكون حكم أحدهما معقولا، والآخر غير معقول، فما حكمه غير ~~معقول، وإن كان الثواب بتلقيه أكثر لزيادة مشقته كما نطق به الحديث، إلا أن ~~مقصود الشارع بشرع ما هو معقول أتم مما ليس بمعقول، نظرا إلى سهولة ~~الانقياد وسرعة القبول، وما شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى. ~~ولهذا، كان شرع المعقول أغلب من شرع غير المعقول، حتى إنه قد قيل إنه لا ~~حكم إلا وهو معقول، حتى في ضرب الدية على العاقلة ونحوه مما ظن أنه غير ~~معقول، ولأن ما يتعلق بالمعقول من الفائدة بالنظر إلى محل النص بالتعدية ~~والالحاق أكثر منه في غير المعقول، فكان أولى وما كانت جهة تعقله أقوى كما ~~يأتي وجه التفصيل فيه في العلل، فهو أولى. # السادس: أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لا وجود لها في الآخر، كموجب ~~الجلد مع الموجب للجلد والتغريب، فالموجب للزيادة يكون أولى، لان العمل ~~بالزيادة غير موجب لابطال منطوق الآخر فيما دل عليه من وجوب الجلد وإجزائه ~~عن نفسه والعمل بالموجب للجلد فقط موجب لابطال المنطوق في الدلالة على وجوب ~~الزيادة، وما لا يفضي إلى إبطال حكم الدليل، أولى مما يفضي إلى الابطال، ~~ولأن دلالة ms940 الموجب للجلد على نفي الزيادة غير مأخوذة من منطوق اللفظ، ووجوب ~~PageV04P262 # الزيادة مأخوذ من منطوق اللفظ، ومخالفة ما ليس بمنطوق بالمنطوق أولى من ~~العكس لما تقدم. # السابع: أن يكون موجب أحدهما الجلد، والآخر الدرء، فالدارئ يكون أولى، ~~نظرا إلى ما حققناه في ترجيح ما حكمه النفي على ما حكمه الاثبات، ولأن ~~الخطأ في نفي العقوبة أولى من الخطأ في تحقيقها، على ما قال عليه السلام ~~لان يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ولأن ما يعترض الحد من ~~المبطلات أكثر مما يعترض الدرء، فكان أولى لبعده عن الخلل وقربه إلى ~~المقصود، ولأنه على خلاف الدليل النافي للحد والعقوبة. # الثامن: أن يكون حكم أحدهما وقوع الطلاق أو العتق، وحكم الآخر نفيه، قال ~~الكرخي: ما حكمه الوقوع أولى، لأنه على وفق الدليل النافي لملك البضع وملك ~~اليمين، والنافي لهما على خلافه، ويمكن أن يقال بل النافي لهما أولى، لأنه ~~على وفق الدليل المقتضي لصحة النكاح وإثبات ملك اليمين المترجح على النفي ~~له. # التاسع: أن يكون حكم أحدهما تكليفيا، وحكم الآخر وضعيا، فالتكليفي، وإن ~~اشتمل على زيادة الثواب المرتبط بالتكليف، وكان لأجله راجحا، فالوضعي من ~~جهة أنه لا يتوقف على ما يتوقف عليه الحكم التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه ~~وتمكنه من الفعل يكون مترجحا. # العاشر: أن يكون حكم أحدهما أخف من الآخر، فقد قيل إن الأخف أولى، لان ~~الشريعة مبناها على التخفيف على ما قال الله تعالى * (يريد الله بكم اليسر، ~~ولا يريد بكم العسر) * (البقرة: 185) وقال تعالى * (ما جعل عليكم في الدين ~~من حرج) * (الحج: 78) وقال عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وقيل إن ~~الأثقل أولى، نظرا إلى الشرعية، PageV04P263 # إنما يقصد بها مصالح المكلفين، والمصلحة في الفعل الأشق أعظم منها في ~~الفعل الأخف، على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك ولأن الغالب على ~~الظن إنما هو تأخره عن الأخف، نظرا إلى المألوف من أحوال العقلاء، فإن من ~~قصد تحصيل مقصود بفعل من الافعال ولم يحصل به ms941 لا يقصد تحصيله بما هو أخف ~~منه بل بما هو أعلى منه، فبتقدير تقدم الأخف على الأثقل يكون موافقا لنظر ~~أهل العرف، فكان أولى، ولأن زيادة ثقله تدل على تأكد المقصود منه على مقصود ~~الأخف، فالمحافظة عليه تكون أولى. # الحادي عشر: أن يكون كل واحد من الخبرين خبرا واحدا إلا أن حكم أحدهما ~~مما تعم به البلوى بخلاف حكم الآخر فما لا تعم به البلوى أولى، لكونه أبعد ~~عن الكذب من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على ~~نقله أقرب إلى الكذب كما تقرر قبل، ولهذا كان مختلفا فيه، ومتفقا على ~~مقابله. # وأما الترجيحات العائدة إلى أمر خارج. # الأول: منها أن يكون أحد الدليلين موافقا لدليل آخر، من كتاب أو سنة أو ~~إجماع أو قياس أو عقل أو حس، والآخر على خلافه، فما هو على وفق الدليل ~~الخارج أولى، لتأكد غلبة الظن بقصد مدلوله، ولأن العمل به، وإن أفضى إلى ~~مخالفة مقابله وهو دليل واحد، فالعمل بمقابله يلزم منه مخالفة دليلين ~~والعمل بما يلزم معه مخالفة دليل واحد أولى مما يلزم منه مخالفة دليلين. # الثاني: أن يكون أحدهما قد عمل بمقتضاه علماء المدينة، أو الأئمة الأربعة ~~أو بعض الأمة بخلاف الآخر، فما عمل به يكون أولى، أما ما عمل به أهل ~~المدينة فلأنهم أعرف بالتنزيل وأخبر بمواقع الوحي والتأويل، وكذلك الأئمة ~~والخلفاء الراشدون، لحث النبي عليه السلام على متابعتهم والاقتداء بهم على ~~ما سبق تعريفه وذلك يغلب على الظن قوته في الدلالة وسلامته عن المعارض، ~~وعلى هذا أيضا ما عمل بمقتضاه بعض الأمة يكون أغلب على الظن، فكان أولى ~~PageV04P264 # وفي معنى هذا أن يعتضد كل واحد منهما بدليل، غير أن ما عضد أحدهما راجح ~~على الآخر ما عضد الآخر، أو أن يعمل بكل واحد منهما بعض الأمة، غير أن من ~~عمل بأحدهما أعرف بمواقع الوحي والتنزيل، فيكون أولى. # الثالث: أن يكون كل واحد منهما مؤولا، إلا أن دليل التأويل في أحدهما ~~أرجح من دليل ms942 التأويل في الآخر، فهو أولى، لكونه أغلب على الظن. # الرابع: أن يكون أحدهما دالا على الحكم والعلة، والآخر على الحكم دون ~~العلة، فما يدل على العلة يكون أولى، لقربه إلى المقصود بسبب سرعة الانقياد ~~وسهولة القبول، ولدلالته على الحكم من جهة لفظه ومن جهة دلالته عليه بواسطة ~~دلالته على العلة، وما دل على الحكم بجهتين يكون أولى، ولأن العمل به يلزمه ~~مخالفة ما قابله من جهة واحدة، والعمل بالمقابل يلزم منه مخالفة الدليل ~~الآخر على الحكم من جهتين، فكان أولى، وربما رجح ما لم يدل على العلة من ~~جهة أن المشقة في قبوله أشد والثواب عليه أعظم، إلا أنه مرجوح بالنظر إلى ~~مقصود التعقل، ولذلك كان هو الأغلب. # الخامس: أن يدل كل واحد منهما على الحكم والعلة، إلا أن دلالة أحدهما على ~~العلية أقوى من دلالة الآخر عليها كما بيناه فيما تقدم، فالأقوى يكون أولى، ~~لكونه أغلب على الظن. # السادس: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما ورد على سبب خاص بخلاف الآخر، ~~وعند ذلك فتعارضهما إما أن يكون بالنسبة إلى ذلك السبب الخاص، أو بالنسبة ~~إلى غير ه: فإن كان الأول، فالوارد على ذلك السبب يكون أولى، لكونه أمر به، ~~ولأن محذور المخالفة فيه، نظرا إلى أن تأخير البيان عما دعت الحاجة إليه ~~يكون أتم من المحذور اللازم من المخالفة في الآخر، لكونه غير وارد فيها. # وإن كان الثاني، فالعام المطلق يكون أولى لان عمومه أقوى من عموم مقابله ~~لاستوائهما في صيغة العموم وغلبة الظن بتخصيص ما ورد على الواقعة بها، نظرا ~~إلى بيان ما دعت الحاجة إليه، وإلى أن الأصل إنما هو مطابقة ما ورد في معرض ~~البيان لما مست إليه الحاجة، ولأن ما ورد على السبب الخاص مختلف في تعميمه ~~عند القائلين بالعموم، بخلاف مقابله، وعلى هذا فمحذور المخالفة في العام ~~المطلق يكون أشد. PageV04P265 # السابع: أن يكون أحدهما قد وردت به المخاطبة على سبيل الاخبار بالوجوب أو ~~التحريم أو غيره، كما في قوله تعالى * (والذين يظاهرون منكم من ms943 نسائهم) * ~~(المجادلة: 2) أو في معرض الشرط والجزاء، كما في قوله تعالى * (ومن دخله ~~كان آمنا) * (آل عمران: 97) والآخر وردت المخاطبة به شفاها، كما في قوله ~~تعالى * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) * (البقرة: 183) فإن ~~تقابلا في حق من وردت المخاطبة إليه شفاها، فخطاب المشافهة أولى، وإن كان ~~ذلك بالنظر إلى غير من وردت المخاطبة إليه شفاها، كان الآخر أولى، لما ~~حققناه في معارضة العام المطلق والوارد على السبب المعين، ولأن الخطاب ~~شفاها إنما يكون للحاضر من الموجودين، وتعميمه بالنسبة إلى غيرهم إنما يكون ~~بالنظر إلى دليل آخر: إما من إجماع الأمة على أنه لا تفرقة، أو من قوله ~~عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة. # الثامن: أن يكون أحدهما مما يجوز تطرق النسخ إليه أو قد اختلف في تطرق ~~النسخ إليه، بخلاف الآخر، فالذي لا يقبل النسخ يكون أولى لقلة تطرق الأسباب ~~الموهية إليه. # التاسع: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما قد اتفق على العمل به في صورة، ~~بخلاف الآخر، فما اتفق على العمل به، وإن كان قد يغلب على الظن زيادة ~~اعتباره، إلا أن العمل بما لم يعمل به في صورة متفق عليها أولى، إذ العمل ~~به مما لا يفضي إلى تعطيل الآخر، لكونه قد عمل به في الجملة، والعمل بما ~~عمل به يفضي إلى تعطيل ما لم يعمل به، وما يفضي إلى التأويل أولى مما يفضي ~~إلى التعطيل. وما عمل به في الصورة المتفق عليها، وإن لزم أن يكون فيها ~~راجحا على العام المقابل، إلا أنه يحتمل أن يكون الترجيح له لأمر خارج لا ~~وجود له في محل النزاع، وهو وإن كان المرجح الخارج بعيد الوجود، لكن يجب ~~اعتقاد وجوده، نفيا لاهمال العام الآخر. فإن قيل: لو كان له مرجح من خارج ~~لوقفنا عليه بعد البحث التام، وقد بحثنا فلم نجد شيئا من ذلك، واحتمال ~~مخالفة السبر أيضا بعيد، فهو معارض بمثله، فإنه لو كان رجحانه لمعنى يعود ~~إلى نفسه، لوقفنا عليه بعد البحث، وقد بحثنا ms944 فلم نجده. وعند ذلك، فيتقاوم ~~الكلامان، وقد يسلم لنا ما ذكرناه أو لا. # العاشر: أن يكون أحدهما قد قصد به بيان الحكم المختلف فيه، بخلاف الآخر، ~~فالذي قصد به البيان للحكم يكون أولى، لأنه يكون أمس بالمقصود، PageV04P266 # وكما في قوله تعالى * (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) * (النساء: ~~23) فإنه قصد به بيان تحريم الجمع بين الأختين في الوطئ بملك اليمين، فإنه ~~مقدم على قوله تعالى * (أو ما ملكت أيمانكم) * (النساء: 3) حيث لم يقصد به ~~بيان الجمع. # الحادي عشر: أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمة، بخلاف ~~الآخر، الأقرب إلى الاحتياط يكون مقدما لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع ~~المضرة. # الثاني عشر: أن يكون أحدهما يستلزم نقص الصحابي، كحديث القهقهة في ~~الصلاة، بخلاف الآخر، فالذي لا يستلزم ذلك أولى لكونه أقرب إلى الظاهر ~~الموافق لحال الصحابي ووصف الله له بالعدالة، على ما قال تعالى * (وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا) * (البقرة: 143) أي عدولا. # الثالث عشر: أن يقترن بأحد الخبرين تفسير الراوي بفعله أو قوله، فإنه ~~يكون مرجحا على ما ليس كذلك، لان الراوي للخبر يكون أعرف وأعلم بما رواه ~~الرابع عشر: أن يذكر أحد الراويين سبب ورود ذلك النص بخلاف الآخر، فالذاكر ~~للسبب أولى، لان ذلك يدل على زيادة اهتمامه بما رواه. # الخامس عشر: أن يكون قد اقترن بأحد الخبرين ما يدل على تأخيره عن الآخر، ~~كالخبر الذي ظهر بعد استظهار النبي عليه السلام وقوة شوكته بخلاف الآخر، ~~فالظاهر بعد قوة شوكة النبي عليه السلام أولى، لان احتمال ظهور مقابله قبل ~~قوة الشوكة أكثر من احتمال وقوع ما ظهر بعد قوة الشوكة، فكان تأخيره أغلب ~~على الظن فكان أولى. # وفي معناه أن يكون أحد الراويين متأخر الاسلام عن الآخر، فالغالب أن ما ~~رواه عن النبي عليه السلام بعد إسلامه، فروايته أولى، لان رواية الآخر ~~يحتمل أن تكون قبل إسلام المتأخر، ويحتمل أن تكون بعد إسلامه، فكان تأخير ~~ما رواه متأخر الاسلام أغلب على الظن وفي معناه أن يعلم أن موت ms945 متقدم ~~الاسلام كان متقدما على إسلام المتأخر، وكذلك إذا علمنا أن غالب رواية أحد ~~الراويين قبل الغالب من رواية الآخر، فروايته تكون مرجوحة، لان الغالب تقدم ~~ما رواه، PageV04P267 # وكذلك إذا كانت رواية أحدهما مؤرخة بتاريخ مضيق دون الآخر، فاحتمال تقدم ~~غير المؤرخة يكون أغلب، وكذلك إذا كان أحد الخبرين يدل على التخفيف، والآخر ~~على التشديد، فاحتمال تأخر التشديد أظهر لان الغالب منه عليه السلام أنه ما ~~كان يشدد إلا بحسب علو شأنه واستيلائه وقهره، ولهذا أوجب العبادات شيئا ~~فشيئا، وحرم المحرمات شيئا فشيئا. # القسم الثاني في التعارض الواقع بين معقولين والمعقولان، إما قياسان، أو ~~استدلالان، أو قياس واستدلال فإن كان التعارض بين قياسين، فالترجيح بينهما ~~قد يكون بما يعود إلى أصل القياس، وقد يكون بما يعود إلى فرعه، وقد يكون ~~بما يعود إلى مدلوله، وقد يكون بما يعود إلى أمر خارج. فأما ما يعود إلى ~~الأصل فمنه ما يعود إلى حكمه، ومنه ما يعود إلى علته، فأما ما يعود إلى حكم ~~الأصل فترجيحات. # الأول: أن يكون الحكم في أصل أحدهما قطعيا، وفي الآخر ظنيا، فما حكم أصله ~~قطعي أولى، لان ما يتطرق إليه من الخلل بسبب حكم الأصل منفي، ولا كذلك ~~الآخر، فكان أغلب على الظن. وفي معنى هذا ما يكون الحكم في أصل أحدهما ~~ممنوعا ، وفي الآخر غير ممنوع، فغير الممنوع يكون أولى. # الثاني: أن يكون حكم الأصل فيهما ظنيا، غير أن الدليل المثبت لأحدهما ~~أرجح من المثبت للآخر، فيكون أولى الثالث: أن يكون حكم الأصل في أحدهما مما ~~اختلف في نسخه، بخلاف الآخر فالذي لم يختلف في نسخه أولى، لبعده عن الخلل. # الرابع: أن يكون الحكم في أصل أحدهما غير معدول به عن سنن القياس كما ~~ذكرناه فيما تقدم، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن سنن القياس أولى، لكونه ~~أبعد عن التعبد وأقرب إلى المعقول وموافقة الدليل. PageV04P268 # الخامس: أن يكون حكم الأصل في أحدهما قد قام دليل خاص على وجوب تعليله، ~~وجواز القياس عليه، ولا كذلك الآخر، ms946 فما قام الدليل فيه على وجوب تعليله ~~وجواز القياس عليه أولى، وإن لم يكون ذلك شرطا في صحته كما سبق ، لما فيه ~~من الامن من غائلة التعبد والقصور على الأصل ولبعده عن الخلاف. # السادس: أن يكون حكم أحد الأصلين مما اتفق القياسيون على تعليله، والآخر ~~مختلف فيه، فما اتفق على تعليله أولى، إذ هو أبعد عن الالتباس، وأغلب على ~~الظن. # السابع: أن يكون حكم أحد الأصلين قطعيا، لكنه معدول به عن سنن القياس، ~~والآخر ظني، لكنه غير معدول به عن سنن القياس، فالظني الموافق لسنن القياس ~~أولى، لكونه موافقا للدليل وأبعد عن التعبد. # الثامن: أن يكون حكم أحدهما في الأصل قطعيا، إلا أنه لم يقم دليل خاص على ~~وجوب تعليله، وعلى جواز القياس عليه، وحكم الآخر ظني إلا أنه قد قام الدليل ~~على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه، فما حكمه قطعي أولى، لان ما يتطرق ~~إليه من الخلل إنما هو بسبب قربه من احتمال التعبد والقصور على الأصل ~~المعين، وما يتطرق إلى الظني من الخلل، فمن جهة أن يكون الامر في نفسه خلاف ~~ما ظهر، واحتمال التعبد والقصور على ما ورد الشرع فيه بالحكم أبعد من ~~احتمال ظن الظهور لما ليس بظاهر والترك للعمل بما هو ظاهر. # التاسع: أن يكون حكم أصل أحدهما قطعيا، إلا أنه لم يتفق على تعليله، وحكم ~~الآخر ظني إلا أنه متفق على تعليله، فالظني المتفق على تعليله أولى، لان ~~تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع إنما هو فرع تعقل العلة في الأصل، وتحقق ~~وجودها في الفرع، واحتمال معرفة ذلك فيما هو متفق عليه أغلب، واحتمال الخلل ~~بالنظر إلى الحكم الظني، وإن كان قائما ومأمونا في جانب الحكم القطعي، إلا ~~أن احتمال قطع القياس فيما لم يتفق على تعليله لعدم الاطلاع على ما هو ~~المقصود من حكم الأصل، أغلب من احتمال انقطاع القياس لخلل ملتحق بالظاهر ~~الدال على حكم الأصل، مع ظهور دليله وعدم الاطلاع عليه بعد البحث التام ~~فيه. # العاشر: أن يكون دليل ثبوت ms947 الحكم في أصل أحدهما أرجح من الآخر، إلا أنه ~~مختلف في نسخه بخلاف الآخر، فما دليله راجح أولى، لان الأصل عدم النسخ، ~~وقول النسخ معارض بقول عدم النسخ، فكان احتمال عدم النسخ أرجح. PageV04P269 # الحادي عشر: أن يكون دليل ثبوت الحكم في أحدهما راجحا على دليل حكم أصل ~~الآخر، إلا أنه معدول به عن سنن القياس والقاعدة العامة، بخلاف الآخر ، فما ~~لم يعدل به عن القاعدة أولى، لأنه يلزم من العمل به الجري على وفق القاعدة ~~العامة التي ورد الحكم في القياس الآخر على خلافها، غير أنه يلزم منه إهمال ~~جانب الترجيح في الآخر، وما يلزم من العمل بالآخر، فإنما هو اعتبار ظهور ~~الترجيح، لكن مع مخالفة القاعدة المتفق عليها، واحتمال مخالفة القواعد ~~العامة المتفق عليها أبعد من احتمال مخالفة الشذوذ من ظواهر الأدلة، كيف ~~وإن العمل بما دليل ثبوت حكم أصله ظني، محافظة على أصل الدليل الظني ~~والقاعدة العامة، والعمل بما ظهر الترجيح في دليل ثبوت حكمه فيه الموافقة، ~~لما ظهر من الترجيح ومخالفة القاعدة وأصل الدليل الآخر. ولا يخفى أن العمل ~~بما يلزم منه موافقة ظاهرين ومخالفة ظاهر واحد، أولى من العكس. # الثاني عشر: أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما راجحا على دليل الآخر، إلا ~~أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه، بخلاف الآخر، ~~فما ظهر الترجيح في دليله أولى، لما ذكرناه فيما إذا كان الحكم قطعيا. # الثالث عشر: أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما أرجح من دليل الآخر إلا ~~أنه غير متفق على تعليله، بخلاف الآخر، فما اتفق على تعليله أولى، لما ~~ذكرناه فيما إذا كان حكم الأصل في أحدهما قطعيا، والآخر ظنيا. # الرابع عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما مما اتفق على عدم نسخه، إلا أنه ~~معدول به عن القاعدة العامة، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن القاعدة أولى ~~، لما سبق تحقيقه. # الخامس عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة، إلا ~~أنه لم يقم ms948 دليل خاص على وجوب تعليله وجواز القياس عليه، بخلاف الآخر، ~~PageV04P270 # فما هو على وفق القاعدة العامة أولى، لان العمل به عمل بأغلب ما يرد به ~~الشرع، والعمل بمقابله بالعكس، ولأن أكثر من قال باشتراط كون الحكم في ~~الأصل غير معدول به عن القاعدة العامة، خالف في اشتراط قيام الدليل على ~~وجوب تعليل الحكم وجواز القياس عليه، ولم يشترط غير الشذوذ، فكونه غير ~~معدول به عن القاعدة العامة أمس بالقياس. # السادس عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة، إلا ~~أنه لم يتفق على تعليله، والآخر بعكسه، فما اتفق على تعليه أولى، لان كل ~~واحد من القياسين، وإن كان مختلفا فيه، إلا أن احتمال وقوع التعبد في ~~القياس يبطله قطعا، ومخالفة القاعدة العامة غير مبطلة للقياس قطعا، وما ~~يبطل القياس قطعا بتقدير وقوعه يكون مرجوحا بالنسبة إلى ما لا يبطله قطعا. # وأما الترجيحات العائدة إلى علة حكم الأصل، فمنها ما يرجع إلى طريق ~~إثباتها، ومنها ما يرجع إلى صفتها. # أما الترجيحات العائدة إلى طرق إثباتها. # فالأول منها أن يكون وجود علة أحد القياسين مقطوعا به في أصله، بخلاف علة ~~الآخر، فما وجود علته في أصله قطعي أولى، وسواء كان وجودها معقولا أو محسا، ~~مدلولا عليه أو غير مدلول، لكونه أغلب على الظن. وفي معنى هذا أن يكون وجود ~~العلتين مظنونا، غير أن ظن وجود إحداهما أرجح من الأخرى، فقياسها أولى، ~~لأنها أغلب على الظن. # الثاني: أن يكون دليل علية الوصف في أحد القياسين قطعيا، وفي الآخر ظنيا، ~~فيكون أولى، لأنه أغلب على الظن. # الثالث: أن يكون دليل العلتين ظنيا، غير أن دليل إحدى العلتين أرجح من ~~دليل الأخرى، فما دليلها أرجح فقياسها أولى، لأنه أغلب على الظن. ~~PageV04P271 # الرابع: أن يكون طريق علية الوصف فيهما الاستنباط، إلا أن دليل إحدى ~~العلتين السبر والتقسيم، والأخرى المناسبة، فما طريق ثبوت العلية فيه السبر ~~والتقسيم يكون أولى، لان الحكم في الفرع، كما يتوقف على تحقق مقتضيه في ~~الأصل يتوقف على انتفاء ms949 معارضه في الأصل، والسبر والتقسيم فيه التعرض لبيان ~~المقتضي وإبطال المعارض، بخلاف إثبات العلة بالإحالة، فكان السبر والتقسيم ~~أولى. # فإن قيل: وصف العلة لا بد وأن يكون مناسبا في نفس الامر أو شبهيا لامتناع ~~التعليل بالوصف الطروي، ولا يخفى أن احتمال عدم المناسبة بعد إظهارها ~~بالطريق التفصيلي أبعد من احتمال عدمها في السبر والتقسيم، حيث لم يتعرض ~~فيه لبيانها تفصيلا، فكان طريق المناسبة أولى قلنا: إلا أن التعرض لمناسبة ~~الوصف لا دلالة له بوجه على نفي المعارض في الأصل، فإنه لامتناع من اجتماع ~~مناسبين في محل واحد على حكم واحد، ودلالة البحث والسير على مناسب في الأصل ~~غير الوصف المشترك، مع أن الأصل أن يكون الحكم معقول المعنى وأن يدل على أن ~~الوصف المشترك مناسب، ولا يخفى أن ما يدل على مناسبة العلة وعلى انتفاء ~~معارضها أولى مما يدل على مناسبتها ولا يدل على انتفاء معارضها. # فإن قيل: إلا أن طريق إثبات العلة بالمناسبة أو الشبه أدل على مناسبة ~~الوصف بعد إظهارها من دلالة السبر والتقسيم على انتفاء وصف آخر، لاحتمال أن ~~يصدق الناظر في قوله، وأن يكذب، وبتقدير صدقه فظهور ذلك مختص به دون غيره، ~~بخلاف طريق المناسبة، فإنه ظاهر بالنظر إلى الخصمين. # قلنا: بل العكس أولى، وذلك لان الخلل العائد إلى دليل نفي المعارض إنما ~~هو بالكذب أو الغلط، لعدم الظفر بالوصف، ولا يخفى أن وقوع الغلط مع كون ~~الوصف المبحوث عنه ظاهرا جليا، ووقوع الكذب مع كون الباحث عدلا، أبعد من ~~احتمال وقوع الغلط فيما أبدى من المناسبة مع كونها خفية مضطربة. ~~PageV04P272 # الخامس: أن يكون نفي الفارق في أصل أحد القياسين مقطوعا به، وفي الآخر ~~مظنونا، فما قطع فيه بنفي الفارق يكون أولى، لكونه أغلب على الظن. # السادس: أن يكون طريق ثبوت إحدى العلتين السبر والتقسيم، والأخرى الطرد ~~والعكس، فما طريق ثبوته السبر والتقسيم أولى، إذ هو دليل ظاهر على كون ~~الوصف علة، وما دار الحكم معه وجودا وعدما غير ظاهر العلية، لان الحكم قد ~~يدور مع ms950 الأوصاف الطردية، كما في الرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة ~~الدائرة مع تحريم الشرب وجودا وعدما، مع أنها ليست علة، لان العلة لا بد ~~وأن تكون في الأصل بمعنى الباعث، لا بمعنى الامارة، كما سبق تقريره. ~~والرائحة الفائحة ليست باعثة، إذ لا يشم منها رائحة المناسبة، وكما أنه غير ~~ظاهر في الدلالة على علية الوصف، فلا دلالة له على ملازمة العلة، لما ~~قدمناه في إبطال الطرد والعكس. وبهذا يكون القياس الذي طريق إثبات العلية ~~فيه المناسبة أولى مما طريق إثباتها فيه الطرد والعكس. # وأما الترجيحات العائدة إلى صفة العلة. # فالأول: منها أنه إذا كانت علة الأصل في أحد القياسين حكما شرعيا، وفي ~~الآخر وصفا حقيقيا، فما علته وصف حقيقي أولى، لوقوع الاتفاق عليه، ووقوع ~~الخلاف في مقابله، فكانت أغلب على الظن. # الثاني: أن تكون علة الحكم الثبوتي في أحدهما وصفا وجوديا، وفي الآخر ~~وصفا عدميا، فما علته ثبوتية أولى للاتفاق عليه ووقوع الخلاف في مقابله. # الثالث: أن تكون علة أحدهما بمعنى الباعث، وفي الآخر بمعنى الامارة، فما ~~علته باعثة أولى، للاتفاق عليه. # الرابع: أن تكون علة أحدهما وصفا ظاهرا منضبطا، وفي الآخر بخلافه، فما ~~علته مضبوطة أولى، لأنه أغلب على الظن لظهوره، ولبعده عن الخلاف. ا الخامس: ~~أن تكون علة أحدهما وصفا متحدا، وفي الآخر ذات أوصاف، فما علته ذات وصف ~~واحد أولى، لأنه أقرب إلى الضبط، وأبعد عن الخلاف. # السادس: أن تكون علة أحدهما أكثر تعدية من علة الآخر، فهو أولى لكثرة ~~فائدته. PageV04P273 # السابع: أن تكون علة أحدهما مطردة بخلاف الآخر، فما علته مطردة أولى، ~~لسلامتها عن المفسد وبعدها عن الخلاف. وفي معنى هذا أن تكون علة أحدهما غير ~~منكسرة، بخلاف علة الآخر، فما علته غير منكسرة أولى، لبعدها عن الخلاف. # الثامن: أن تكون علة أحدهما منعكسة بخلاف علة الآخر فما علته منعكسة ~~أولى، لأنها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف. # التاسع: أن تكون علة أحدهما غير متأخرة عن الحكم بخلاف الآخر، فما علته ~~غير متأخرة أولى، لبعده عن الخلاف. ms951 # العاشر: أن تكون علة أحدهما مطردة غير منعكسة، وعلة الآخر منعكسة غير ~~مطردة، فالمطردة أولى، لما بيناه من اشتراط الاطراد، وعدم اشتراط الانعكاس، ~~ولهذا فإن من سلم اشتراط الاطراد خالف في اشتراط الانعكاس. # الحادي عشر: أن يكون ضابط الحكمة في علة أحد القياسين جامعا للحكمة مانعا ~~لها، بخلاف ضابط حكمة العلة في القياس الآخر، كما بيناه، فالجامع المانع ~~أولى، لزيادة ضبطه وبعده عن الخلاف. # الثاني عشر: أن تكون العلة في أحدهما غير راجعة على الحكم الذي استنبطت ~~منه برفعه، أو رفع بعضه، بخلاف الآخر، فهو أولى لسلامة علته عما يوهيها، ~~وبعدها عن الخلاف. # الثالث عشر: أن تكون علة أحد القياسين مناسبة، وعلة الآخر شبهية، فما ~~علته مناسبة أولى، لزيادة غلبة الظن بها، وزيادة مصلحتها، وبعدها عن ~~الخلاف. # الرابع عشر: أن يكون المقصود من إحدى العلتين من المقاصد الضرورية كما ~~بيناه من قبل، والمقصود من العلة الأخرى غير ضروري، فما مقصوده من الحاجات ~~الضرورية أولى، لزيادة مصلحته وغلبة الظن به، ولهذا فإنه لم تخل شريعة عن ~~مراعاته، وبولغ في حفظه، بشرع أبلغ العقوبات. # الخامس عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين من الحاجات الزائدة، ومقصود ~~الأخرى من باب التحسينات والتزيينات، فما مقصوده من باب الحاجات الزائدة ~~أولى، لتعلق الحاجة به دون مقابله. PageV04P274 # السادس عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين من مكملات المصالح الضرورية، ~~ومقصود الأخرى من أصول الحاجات الزائدة، فما مقصوده من مكملات الضروريات، ~~وإن كان تابعا لها ومقابله أصل في نفسه، يكون أولى، ولهذا أعطى حكم أصله ~~حتى شرع في شرب قليل الخمر ما شرع في كثيره. # السابع عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين حفظ أصل الدين، ومقصود الأخرى ما ~~سواه من المقاصد الضرورية، فما مقصوده حفظ أصل الدين يكون أولى، نظرا إلى ~~مقصوده وثمرته، من نيل السعادة الأبدية في جوار رب العالمين، وما سواه من ~~حفظ الأنفس والعقل والمال وغيره، فإنما كان مقصودا من أجله، على ما قال ~~تعالى * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * (). # فإن قيل: بل ما يفضي ms952 إلى حفظ مقصود النفس أولى وأرجح، وذلك لان مقصود ~~الدين حق الله تعالى، ومقصود غيره حق للآدمي، وحق الآدمي مرجح على حقوق ~~الله تعالى مبني على الشح والمضايقة، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة ~~والمساهلة، من جهة أن الله تعالى لا يتضرر بفوات حقه، فالمحافظة عليه أولى ~~من المحافظة على حق لا يتضرر مستحقه بفواته، ولهذا رجحنا حقوق الآدمي على ~~حق الله تعالى، بدليل أنه لو ازدحم حق الله تعالى وحق الآدمي في محل واحد، ~~وضاق عن استيفائهما بأن يكون قد كفر وقتل عمدا عدوانا، فإنا نقتله قصاصا لا ~~بكفره. # وأيضا فإنا قد رجحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين، حيث خففنا عن المسافر ~~بإسقاط الركعتين، وأداء الصوم، وعن المريض بترك الصلاة قائما وترك أداء ~~الصوم، وقدمنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في صورة إنجاء الغريق وأبلغ من ~~ذلك أنا رجحنا مصلحة المال على مصلحة الدين، حيث جوزنا ترك الجمعة ~~والجماعة، ضرورة حفظ أدنى شئ من المال، ورجحنا مصالح المسلمين المتعلقة ~~ببقاء الذمي بين أظهرهم على مصلحة الدين، حتى عصمنا دمه وماله مع وجود ~~الكفر المبيح. # قلنا: أما النفس فكما هي متعلق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الأحكام، فهي ~~متعلق حق الله تعالى بالنظر إلى أحكام أخر، ولهذا يحرم عليه قتل نفسه ~~والتصرف PageV04P275 # بما يفضي إلى تفويتها، فالتقديم إنما هو لمتعلق الحقين، ولا يمتنع تقديم ~~حق الله وحق الآدمي على ما تمحض حقا لله، كيف وإن مقصود الدين متحقق بأصل ~~شرعية القتل، وقد تحقق، والقتل انما هو لتحقيق الوعيد به، والمقصود بالقصاص ~~إنما هو التشفي والانتقام، ولا يحصل ذلك للوارث بشرع القتل، دون القتل ~~بالفعل، على ما يشهد به العرف، فكان الجمع بين الحقين أولى من تضييع ~~أحدهما، كيف وإن تقديم حق الآدمي ها هنا لا يفضي إلى تفويت حق الله فيما ~~يتعلق بالعقوبة البدنية مطلقا، لبقاء العقوبة الأخروية، وتقديم حق الله مما ~~يفضي إلى فوات حق الآدمي من العقوبة البدنية مطلقا، فكان ذلك أولى. # وأما التخفيف عن المسافر والمريض فليس ms953 تقديما لمقصود النفس على مقصود أصل ~~الدين، بل على فروعه، وفروع الشئ غير أصل الشئ، ثم وإن كان، فمشقة الركعتين ~~في السفر تقوم مقام مشقة الأربع في الحضر، وكذلك صلاة المريض قاعدا بالنسبة ~~إلى صلاته قائما وهو صحيح، فالمقصود لا يختلف. # وأما أداء الصوم، فلانه لا يفوت مطلقا، بل يفوت إلى خلف، وهو القضاء، وبه ~~يندفع ما ذكروه من صورة إنقاذ الغريق وترك الجمعة والجماعة لحفظ المال ~~أيضا، وبقاء الذمي بين أظهر المسلمين معصوم الدم والمال ليس لمصلحة ~~المسلمين، بل لأجل اطلاعه على محاسن الشريعة وقواعد الدين، ليسهل انقياده ~~ويتيسر استرشاده، وذلك من مصلحة الدين، لا من مصلحة غيره، وكما أن مقصود ~~الدين مقدم على غيره من مقاصد الضروريات، فكذلك ما يتعلق من مقصود النفس ~~يكون مقدما على غيره من المقاصد الضرورية، أما بالنظر إلى حفظ النسب، فلان ~~حفظ النسب إنما كان مقصودا لأجل حفظ الولد، حتى لا يبقى ضائعا لا مربي له، ~~فلم يكن مطلوبا لعينه بل لافضائه إلى بقاء النفس واما بالنظر إلى المال ~~فلهذا المعنى أيضا فإنه لم يكن بقاؤه مطلوبا لعينه وذاته، بل لأجل بقاء ~~النفس مرفهة منعمة، حتى تأتي بوظائف التكاليف وأعباء العبادات. # وأما بالنظر إلى حفظ العقل، فمن جهة أن النفس أصل، والعقل تبع، فالمحافظة ~~على الأصل أولى، ولأن ما يفضي إلى فوات النفس على تقدير أفضليته يفوتها ~~مطلقا، وما يفضي إلى تفويت العقل كشرب المسكر لا يفضي إلى فواته مطلقا، ~~PageV04P276 # فالمحافظة بالمنع مما يفضي إلى الفوات مطلقا أولى. وعلى هذا أيضا يكون ~~المقصود في حفظ النسب أولى من المقصود في حفظ العقل والمال ولكونه عائدا ~~إلى حفظ النفس وما يفضي إلى حفظ العقل ومقدم على ما يفضي إلى حفظ المال، ~~لكونه مركب الأمانة وملاك التكليف ومطلوبا للعبادة بنفسه من غير واسطة، ولا ~~كذلك المال، ولهذا كانت هذه الرتب مختلفة في العقوبات المرتبة عليها، على ~~نحو اختلافها في أنفسها. وبمثل تفاوت هذه الرتب يكون التفاوت بين مكملاتها. # الثامن عشر: أن يكون الوصف الجامع في ms954 أحد القياسين نفس علة حكم الأصل، ~~والآخر دليل علة الأصل وملازمها، فالذي فيه الجامع نفس العلة أولى، لظهورها ~~وركون النفس إليها. # التاسع عشر: أن تكون علة الأصل في أحد القياسين ملائمة، وعلة الآخر ~~غريبة، فما علته ملائمة أولى، لأنها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف. # العشرون: أن تكون علة الأصلين منقوضة، إلا أنه قد ظهر في صورة النقض في ~~أحدهما ما يمكن إحالة النقض عليه، من وجود مانع أو فوات شرط، بخلاف الأخرى، ~~فهي أولى لأنها أغلب على الظن. # الحادي والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين قد يتخلف عنها مدلولها في ~~صورة بطريق الاستثناء على خلاف القاعدة العامة، والأخرى يتخلف عنها حكمها ~~لا على جهة الاستثناء، فالتي يتخلف عنها حكمها بجهة الاستثناء تكون أولى، ~~لقربها إلى الصحة وبعدها عن الخلاف. # الثاني والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين قد خلفها في صورة النقض ما هو ~~أليق بها لكون مناسبتها فيها أشد، كما ذكرناه فيما تقدم، بخلاف الأخرى فهي ~~أولى لتبين عدم إلغائها بخلاف الأخرى. # الثالث والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين لا مزاحم لها في أصلها، بخلاف ~~الأخرى، فالتي لا مزاحم لها أولى، لأنها أغلب على الظن وأقرب إلى التعدية. ~~وعلى هذا، يكون ما رجحانها على مزاحمها أكثر مقدمة أيضا. PageV04P277 # الرابع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين مقتضية للاثبات، والأخرى ~~مقتضية للنفي، فالنافية تكون أولى، لان مقتضاها يتم على تقدير رجحانها، ~~وعلى تقدير مساواتها، ومقتضى المثبتة لا يتم إلا على تقدير رجحانها، وما ~~يتم مطلوبه على تقدير من تقديرين يكون أغلب على الظن مما لا يتم مطلوبه إلا ~~على تقدير واحد معين. # فإن قيل: الا أن العلة المثبتة مقتضاها حكم شرعي بالاتفاق، بخلاف ~~النافية، وما فائدتها شرعية بالاتفاق تكون أولى، وأيضا فإنه يجب اعتقاد ~~اختصاص أصل النافية بمعنى لا وجود له في الفرع، تقليلا لمخالفة الدليل، كيف ~~وإن ما ذكرتموه من الترجيح للنافية غير مستقيم على رأي من يعتقد التخيير ~~عند تساوي الدليلين المتعارضين، وعلى هذا فيتساوى القدمان. # قلنا: أما كون ms955 حكم إحدى العلتين شرعي، فلا يرجح به، لان الحكم إنما كان ~~مطلوبا لا لنفسه، بل لما يفضي إليه من الحكم به، والشارع كما يود تحصيل ~~الحكمة بواسطة ثبوت الحكم، يود تحصيلها بواسطة نفيه، كيف وإن العلة النافية ~~متأيدة بالنفي الأصلي، والمثبتة على خلافه، فكانت أولى. # وما قيل من وجوب اعتقاد اختصاص النافية بمعنى في الأصل لا وجود له في ~~الفرع، فهو معارض بمثله في المثبتة، وأنه يجب اعتقاد اختصاص أصلها بمعنى لا ~~وجود له في الفرع، تقليلا لمخالفة الدليل النافي، وليس أحدهما أولى من ~~الآخر، والتخيير وإن كان مقولا به عند تعارض الدليلين مع التساوي من كل ~~وجه، فليس إلا على بعض الآراء الشاذة بالنسبة إلى ما قابله، كيف وإن الحكم ~~إنما يثبت لما يصلح أو يكون مقصودا، وإثبات الحكم عند التعارض من كل وجه ~~لتحصيل مصلحة على وجه يلزم منه مفسدة مساويه لا يصلح أن يكون مقصودا، ~~فالحكم يكون منتفيا لانتفاء مقصوده. PageV04P278 # الخامس والعشرون: أن تكون حكمة إحدى العلتين قد اختلت، احتمالا لمانع أخل ~~بها دون الأخرى، فالتي لا يختل حكمها احتمالا، أولى، لقربها إلى الظن ~~وبعدها عن الخلل والخلاف. # السادس والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين أفضى إلى تحصيل مقصودها من ~~الأخرى، فتكون أولى، لزيادة مناسبتها بسبب ذلك. # السابع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين مشيرة إلى نقيض المطلوب ~~ومناسبة له من وجه، بخلاف الأخرى، فما لا تكون مناسبة لنقيض المطلوب تكون ~~أولى، لكونها أظهر في إفضائها إلى حكمها، وأغلب على الظن، وأبعد عن ~~الاضطراب. # الثامن والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين متضمنة لمقصود يعم جميع ~~المكلفين، والأخرى متضمنة لمقصود يرجع إلى آحادهم، فالأولى أولى، لعموم ~~فائدتها. # التاسع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين أكثر شمولا لمواقع الخلاف من ~~الأخرى، فتكون أولى لعموم فائدتها. # وأما الترجيحات العائدة إلى الفرع فأربعة: # الأول: أن يكون فرع أحد القياسين مشاركا لاصله في عين الحكم وعين العلة، ~~وفرع الآخر مشاركا لاصله في جنس الحكم وجنس العلة، أو جنس الحكم وعين ~~العلة، أو ms956 بالعكس، فما المشاركة فيه في عين العلة وعين الحكم أولى، لان ~~التعدية باعتبار الاشتراك في المعنى الأخص والأعم، أغلب على الظن من ~~الاشتراك في المعنى الأعم. وعلى هذا، فما المشاركة فيه بين الأصل والفرع ~~عين أحد الامرين: إما الحكم أو العلة، تكون أولى، مما المشاركة فيه بين ~~أصله وفرعه في جنس الامرين، وإن كان فرع أحدهما مشاركا لاصله في عين العلة ~~وجنس الحكم، والآخر بعكسه، فما المشاركة فيه في عين العلة وجنس الحكم أولى، ~~لان تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع إنما هي فرع تعدية العلة، فهي الأصل في ~~التعدية وعليها المدار. # الثاني: أن يكون الفرع في أحد القياسين متأخرا عن أصله، وفي الآخر ~~متقدما، فما الفرع فيه متأخر أولى، لسلامته عن الاضطراب، وبعده عن الخلاف، ~~وعلمنا بثبوت الحكم فيه بما استنبط من الأصل. PageV04P279 # الثالث: أن يكون وجود العلة في أحد الفرعين قطعيا، وفي الآخر ظنيا، فما ~~وجود العلة فيه قطعي أولى، لان أغلب على الظن، وأبعد عن احتمال القادح فيه. # الرابع: أن يكون حكم الفرع في أحدهما قد ثبت بالنص جملة لا تفصيلا، بخلاف ~~الآخر، فإنه يكون أولى، لأنه أغلب على الظن، وأبعد عن الخلاف. # وأما الترجيحات العائدة إلى حكم الفرع وإلى أمر خارج، فعلى ما أسلفناه في ~~المنقولات. # وقد يتركب مما ذكرناه من الترجيحات ومقابلات بعضها لبعض ترجيحات أخر ~~خارجة عن الحصر لا يخفى إيجادها في مواضعها على من أخذت الفطانة بيده. # وقد أشرنا إلى جملة منها في كتابنا الموسوم بمنتهى المسالك في رتب السالك ~~فعليك بمراجعته. # وعلى هذا فلا يخفى الترجيح المتعلق بالاستدلالات المتعارضة بالنظر إلى ~~ذواتها وطرق إثباتها. # وأما التعارض الواقع بين المنقول والمعقول، فالمنقول إما أن يكون خاصا، ~~وإما عاما. # فإن كان خاصا، فإما أن يكون دالا بمنظومه، أو لا بمنظومه. # فإن كان الأول، فهو أولى، لكونه أصلا بالنسبة إلى الرأي، وقلة تطرق الخلل ~~إليه. # وإن كان الثاني فمنه ما هو ضعيف جدا، ومنه ما هو قوي جدا، ومنه ما هو ~~متوسط بين الرتبتين. والترجيح ms957 إذ ذاك يكون على حسب ما يقع في نفس المجتهد ~~من قوة الدلالة وضعفها، وذلك مما لا ينضبط ولا حاصر له، بحيث تمكن الإشارة ~~إليه في هذا الكتاب، وإنما هو موكول إلى الناظرين في آحاد الصور التي لا ~~حصر لها. # وأما إن كان المنقول عاما، فقد قيل بتقدم القياس عليه، وقيل بتقدم ~~العموم، وقيل بالتوقف، وقيل يتقدم على جلي القياس دون خفيه، وقيل يتقدم ~~القياس على ما دخله التخصيص دون ما لم يدخله. # والمختار إنما هو تقديم القياس، وسواء كان جليا أو خفيا، لأنه يلزم من ~~العمل بعموم العام إبطال دلالة القياس مطلقا، ولا يلزم من العمل بالقياس ~~إبطال العام مطلقا، بل غاية ما يلزم منه تخصيصه وتأويله. PageV04P280 # ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين على وجه يلزم منه تأويل أحدهما أولى من ~~العمل بأحدهما وإبطال الآخر، ولأن القياس يتناول المتنازع فيه بخصوصه ، ~~والمنقول يتناوله بعمومه، والخاص أقوى من العام. # فإن قيل: إلا أن العموم أصل، والقياس فرع، والأصل مقدم على الفرع، وأيضا ~~فإن تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى القياس على ما سبق تقريره، ~~فكان أولى. # قلنا: أما الأول فإنما يلزم أن لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو أصل ~~ذلك القياس، وليس كذلك، بل جاز أن يكون فرعا لغيره. # فإن قيل: وإن لم يكن فرعا لذلك العام بعينه، فهو فرع بالنسبة إلى ما هو ~~من جنسه. # قلنا: إلا أن ذلك لا يمنع من تخصيص العموم بالقياس، وإلا لما جاز تخصيص ~~عموم الكتاب بخبر الواحد لكونه فرعا بالنسبة إلى ما هو من جنسه، وهو ممتنع ~~على ما سبق. # وما ذكروه من الترجيح الثاني، فهو معارض بمثله، فإن العام، يحتمل ان يكون ~~غير ظاهر في العموم، وإن كان ظاهرا، فيحتمل الخصوص، واحتمال ذلك في الشرع ~~أغلب من احتمال الغلط من المجتهد المتبحر، على ما لا يخفى. # ولهذا، قيل إنه ما من عام، إلا وهو مخصوص إلا في قوله تعالى * (والله بكل ~~شئ عليم) * ولا كذلك القياس. PageV04P281 # الباب الثاني ms958 في الترجيحات الواقعة بين الحدود الموصلة إلى المعاني ~~المفردة التصورية واعلم أن الحدود على اختلاف أنواعها منقسمة إلى عقلية ~~وسمعية كانقسام الحجج. # غير أن ما هو متعلق غرضنا ها هنا إنما هو السمعية، ومن السمعية ما كان ~~ظنيا. وعند تعارض الحدين السمعيين، فقد يقع الترجيح بينهما من وجوه. # الأول: أن يكون أحدهما مشتملا على ألفاظ صريحة ناصة على الغرض المطلوب من ~~غير تجوز ولا استعادة ولا اشتراك ولا غرابة ولا اضطراب ولا ملازمة، بل ~~بطريق المطابقة أو التضمن، بخلاف الآخر، فهو أولى لكونه أقرب إلى الفهم، ~~وأبعد عن الخلل والاضطراب. # الثاني: أن يكون المعرف في أحدهما أعرف من المعرف في الآخر، فهو أولى ~~لكونه أفضى إلى التعريف. # الثالث: أن يكون أحدهما معرفا بالأمور الذاتية، والآخر بالأمور العرضية، ~~فالمعرف بالأمور الذاتية أولى، لأنه مشارك للمعرف بالأمور العرضية في ~~التمييز، ومرجح عليه بتصوير معنى المحدود. # الرابع: أن يكون أحد الحدين أعم من الآخر، فقد يمكن أن يقال الأعم أولى، ~~لتناوله محدود الآخر وزيادة، وما كان أكثر فائدة فقد يمكن أن يقال بأن ~~الأخص أولى، نظرا إلى أن مدلوله متفق عليه، ومدلول الآخر من الزيادة مختلف ~~فيه، وما مدلوله متفق عليه أولى. PageV04P282 # الخامس: أن يكون أحدهما قد أتي فيه بجميع ذاتياته، والآخر ببعضها مع ~~التمييز، فالأول يكون أولى لأنه أشد تعريفا. # السادس: أن يكون أحدهما على وفق النقل السمعي، والآخر على خلافه، ~~فالموافق يكون أولى لبعده عن الخلل، ولأنه أغلب على الظن. # السابع: أن يكون طريق اكتساب أحدهما أرجح من طريق اكتساب الآخر فهو أولى، ~~لأنه أغلب على الظن. # الثامن: أن يكون أحدهما موافقا للوضع اللغوي، والآخر على خلافه، أو أنه ~~أقرب إلى موافقته، والآخر أبعد، فالموافق، أو ما هو أكثر موافقة للوضع ~~اللغوي، يكون أولى، لان الأصل إنما هو التقرير دون التغيير، لكونه أقرب إلى ~~الفهم، وأسرع إلى الانقياد. ولهذا، كان التقرير هو الغالب، وكان متفقا ~~عليه، بخلاف التغيير، فكان أولى. # التاسع: أن يكون أحدهما مما قد ذهب إلى العمل به أهل ms959 المدينة، أو الخلفاء ~~الراشدون، أو جماعة من الأمة، أو واحد من المشاهير، بالاجتهاد والعدالة ~~والثقة بما يقول، بخلاف الآخر، فهو أولى، لكونه أغلب على الظن وأقرب إلى ~~الانقياد. # العاشر: أن يلزم من العمل بأحدهما تقرير حكم الحظر، والآخر تقرير الوجوب، ~~أو الكراهة، أو الندب، فما يلزم منه تقرير الحظر أولى لما قدمناه في الحجج. # الحادي عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم النفي، والآخر الاثبات، فالمقرر ~~للنفي أولى، لما سبق في الحجج. # الثاني عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم معقول، ومن الآخر حكم غير ~~معقول، فما يلزم منه تقرير حكم معقول أولى لما سبق في الحجج. # الثالث عشر: أن يلزم من أحدهما درء الحد والعقوبة، ومن الآخر إثباته، ~~فالدارئ للحد أولى، لما سبق أيضا. PageV04P283 # الرابع عشر: أن يكون أحدهما يلازمه الحرية أو الطلاق، والآخر يلازمه الرق ~~أو إبقاء النكاح، فالحكم فيه ما سبق في الحجج. # وقد يتشعب من تقابل هذه الترجيحات ترجيحات أخرى كثيرة خارجة عن الحصر، لا ~~تخفى على متأملها. # وهذا آخر ما أردناه، ونهاية ما رتبناه. اللهم! فكما ألهمت بإنشائه، وأعنت ~~على إنهائه، فاجعله نافعا في الدنيا، وذخيرة صالحة في الأخرى، واختم ~~بالسعادة آجالنا، وحقق بالزيادة آمالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، ~~واجعل إلى حصنك مصيرنا ومآلنا، وتقبل بفضلك أعمالنا، إنك مجيب الدعوات. ~~ومفيض الخيرات، والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، خاتم ~~النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم، إلى يوم الدين# PageV04P284 #####ENDNOTES# 1 - هل الامر بمطلق الماهية امر بجزئي من جزئياتها، ضرورة انها كلي ولا ~~وجود للكي خارج الأذهان الا في الجزئيات، أو امر بكل جزئي من جزئياتها، ~~لاشعار عدم التقييد بالتعميم، أو اذن وتخيير في فعل كل جزئي من جزئيات ~~الماهية ويخرج المكلف بفعل واحد منها كالواجب المخير، في ذلك خلاف. # 2 - انظر تقيد صاحب جميع الجوامع وشارحه للتعريفين ورد العطار في حاشيته ~~عليهما وما نقله عن العلامة طاش كبري مما يوضح هذا الموضوع. # 3 - وقيل: المطلق ما دل على الماهية بلا قيد أي ms960 من غير اعتبار قيد سواء ~~وجد ولم يعتبر أم لم يوجد فعلى التعريفين الأول والثاني لا يسمى اللفظ ~~باعتبار دلالته على الماهية دون نظر إلى القيد مطلقا وعلى الثالث مطلقا. 1 - انظر التعليق ص 153 ج 1 1 - انظر الفرق بين المختلفين والضدين في التعليق ص 173 - 174 ج 2. 1 - الاختلاف بالوقف والابتداء في الآية فرع الاختلاف في المراد بالمتشابه ~~وبتأويله، والجميع من اختلاف التنوع لا التضاد، فان أريد بالمتشابه حقيقة ~~الله وكنه صفاته وكنه الروح ونعيم الجنة، إلى أمثال ذلك مم اختص الله ~~بعلمه، كان تأويله بمعنى مآله وحقيقته التي لا يعلمها الا الله، وعليه يكون ~~الوقوف على لفظ الجلالة، وتكون الواو للاستئناف والجملة بعدها اسمية. # وان أريد بالمتشابه ما اشتبه معناه وخفي على بعض الناس، كان تأويله بمعنى ~~تفسيره. وعليه يكون الوقف على لفظ العلم، وتكون الواو عاطفة وجملة يقولون ~~حال من قوله والراسخون والتقدير: وما يعلم المعنى المراد من الآيات ~~المتشابهة الا من أنزلها والا الراسخون في العلم قائلين آمنا به كل من ~~المحكم والمتشابه من عند ربنا فليس في الآية تردد يوجب الاجمال ويمنع من ~~اعتقاد ما دلت عليه، والعمل به كما هو الشأن في الاجمال، بل التخيير بين ~~قراءتين لكل منهما معنى صحيح. # 2 - معناه تردد اللفظ بين ان يكون نعتا وخبرا كما في المثال. ١ - هذا مثال فرضي لا يقع مثله في التكليف. # ٢ - الاحصان والسفاح وان كان كل منهما يطلق على معان في اللغة الا ان ~~الاحصان هنا بمعنى العفة، والسفاح بمعنى الزنا. فمعنى محصنين غير مسافحين ~~أعفاء بنكاح ما أحل الله لكم غير زناه، كما يدل على ذلك سياق الكلام وعرف ~~الاستعمال، فلا خفاء في المعنى ولا اجمال في الآية. # ٣ - (الا ما يتلى عليكم) قد بين الله المستثنى في آية (حرمت عليكم ~~الميتة). من سورة المائدة، وآية (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ~~وغيرها من سورة الأنعام ، وآية (انما حرم عليكم الميتة) من سورة النحل وهما ~~قبل سورة المائدة ms961 نزولا. وبذلك لم يكون المستثنى مجهولا منه مجملا. ضرورة ~~ان ما ينلى من المحرمات قد سبق بيانه في القرآن قبل نزول هذه الآية. # 4 - لأنه - فيه تحريف. والصواب: لأنه، بحرف النفي لا بحرف التعليل. الحديث رواه احمد وأبو داود بلفظ (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~فباعوها وأكلوا أثمانها، (وان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم ~~ثمنها) وقد رواه الستة ضمن حديث طويل. وفيه (قاتل الله اليهود ان الله لما ~~حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه 1 - يظهر لي فرق بين قوله تعالى (وامسحوا برؤسكم) وقول القائل: # امسح يدك بالمنديل، ومسحت يدي بالمنديل، فان عرف الاستعمال يدل على أن ~~القصد بالخطاب في الآية إلى مسح الرأس، والعضو الماسح وسيلة وان القصد في ~~طلب مسح اليد بالمنديل والاخبار بذلك إلى مسح اليد، والمنديل وسيلة ~~فالمنديل نظير العضو الماسح، كلاهما آلة للمسح لم تقصد به لنفسها واليد في ~~المثالين نظير الرأس في الآية وكلاهما مقصود بالمسح، وكل من وضع اللغة وعرف ~~الاستعمال يدل ظاهرا على تعميمهما به. 1 - رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان بلفظ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~وما ستكرهوا عليه) ورمز له السيوطي في الجامع الصغير براموز الصحة. 1 - رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر بلفظ (لا صلاة لمن لا طهور ~~له) وفي معناه ما رواه مسلم بلفظ (لا يقبل صلاة بغير طهور). # 2 - رواه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت بلفظ (لا صلاة لمن لم ~~يقرأ فيها بفاتحة الكتاب). # 3 - رواه الخمسة من طريق ابن عمر عن حفصة (من لم يجمع الصيام قبل الفجر ~~فلا صيام له) وقد اختلف في وقفه ورفعه: فقال أبو داود: لا يصح رفعه وقال ~~الترمذي الموقوف أصح ونقل في العلل عن البخاري أنه قال: هو خطأ: # وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف، وقال النسائي: # الصواب عندي أنه موقوف ولا يصح رفعه. # 4 - رواه ابن حبان من حديث عائشة مرفوعا ورجح الترمذي وقفه. ms962 1 - رواه الترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس بلفظ الطواف بالبيت ~~صلاة الا أن الله أباح فيه الكلام وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان، ~~وقال الترمذي: رواه مرفوعا وموقوفا ولا نعرفه مرفوعا الامن حديث عطاء بن ~~السائب، ورجح النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري وقفه (عطاء بن السائب ~~اختلط بآخرة). # 2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 223 ج 2. 1 - جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه من طريق عائشة قالت دخل على النبي (ص) ~~ذات يوم فقال هل عندكم شئ فقلنا لا (قال فاني إذا صائم) الحديث 2 - روي ~~مسلم في صحيحه من طريق أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن صيام يومين (يوم ~~الأضحى ويوم الفطر) ورواه أيضا من طريق عمر وأبي سعيد وعائشة بمعناه. # 3 - الترك يعني به النفي والنهي. 1 - هذا معنى جزء من حديث رواه أبو داود والنسائي من حديث فاطمة بنت أبي ~~حبيش أنها شكت إلى رسول الله (ص) فقال لها انما ذلك عرق فانتظري، إذا أتى ~~قرؤك تصلي فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء، وقريب منه ~~ما ذكرت عائشة ان النبي (ص) أم رام حبيبة ان تدع الصلاة أيام أقرائها. # 2 - وأن يكون - معطوف على فاعل لزم. # 3 - أجيب بأنه ليس المراد بالشرعي الصحيح شرعا حتى ما قيل، بل المراد ما ~~يسميه الشرع بذلك الاسم من الهيئات المخصوصة حيث يقول هذه صلاة صحيحة وهذه ~~صلاة فاسده، وإلا لزم في قوله (ودعي الصلاة أيام أقرائك) ان يكون مجملا بين ~~الصلاة في عرف الشرع والدعاء، أو يكون ظاهرا في الدعاء، واللازم باطل، ~~لظهوره في المعنى الشرعي انظر المسألة في مختصر ابن الحاجب وشرحه. 1 - سبق شرح الدليل في المبادئ الكلامية. 1 - جزء من حديث انظر طرقه ومن خرجه والكلام على متنه وأسانيده في كشف ~~الخفاء 1 - الحديث في مسند أحمد من طريق، بن عمر بلفظ (من قرن بين حجة وعمرته ~~أجزاه لهما طواف واحد) ورمز له السيوطي في الجامع ms963 الصغير براموز الحسن. ١ - ذكر ابن حجر في كتاب الدراية في تخريج أحاديث الهداية ان عليا جمع بين الحج والعمرة فطاف ~~طوافين وسعى سعيين وحدث ان النبي (ص) فعل ذلك رواه النسائي في مسند على ~~ورواته موثوقون، وأخرجه محمد بن الحسن من قول على موقوفا بلفظ الامر وفي ~~اسناده راو مجهول. # 2 - قد يقال الأشبه انما هو الاحتمال الأول لما سيجئ له بعد قليل من أن ~~التشريك بين النبي (ص) وأمته في التشريع هو الغالب فلا يعدل عنه إلى ~~التفريق بينهما في الحكم الا لدليل، ولا دليل، ودعوى أن الأول يلزمه اما ~~اهمال دلال القول وهو ممتنع، واما نسخ الفعل بالقول غير صحيحة إذ يمكن ان ~~يقال ان القول بعد الفعل المعارض له بين حمل الفعل على الندب من أول الامر ~~فلا نسخ للفعل ولا تعطيل للقول. 1 - الأصل في فعله (ص) التشريع لنفسه ولأمته حتى يصرفه عن ذلك دليل فهو ~~دليل مستقل بنفسه كالقول. # 2 - تقدم أنه يمكن بحمل الفعل السابق على الندب والقول المعارض له على ~~نفي الوجوب فلا اهمال للقول ولا نسخ للفعل ولا افتراق بينه وبين الأمة. 1 - ان تخصيص العام وتقييد حال المساواة في قوة لدلالة أولى، لما في ذلك من ~~اعمال الدليلين، بخلاف القول بالوقف فإنه تعطيل للدليلين، وبخلاف القول ~~بالغاء البيان فان فيه العمل بأحد الدليلين دون الآخر. # 2 - أنظر المسألة الأولى من مسائل الأصل الثالث في المحكوم فيه - ج 1. 1 - تقدم في مسائل المندوب والمكروه والمباح آخر الكلام على اقسام الحكم ~~الشرعي - ج 1. # 2 - وذهب بعضهم أيضا إلى جواز تأخير بيان الخبر دون الأمر والنهي كالأمر ~~في الرأيين. ١ - هذا الكلام مجرد فرض وخيال ليس له واقع في التشريع. # ٢ - فسرت القراءة في الآية بالانزال وبتلاوة جبريل على الرسول (ص) وفسر ~~الاتباع فيها بالاستماع للتلاوة، وبالاتباع عقيدة وعملا، وهذا من اختلاف ~~التنوع فالقرآن منزل مقروء على النبي (ص) ~~وهو مأمور بالاستماع له، واعتقاده، والعمل به، فلا يضر هذا الاختلاف في ms964 ~~الاستدلال بالآية على المظلوم. # ٣ - قيل معنى بيان القرآن اظهاره واشهاره، ~~وقيل اظهاره على لسان النبي (ص) تلاوة بعد جمعه في صدره وتثبيته في قلبه، ~~وعليها لا يتم للمستدل الاحتجاج بالآية على مطلوبه، وقيل معنى بيانه ايضاح ~~مجمله وتحديد المراد ن عامه ومطلقه والدلالة على منسوخه وعليه يتم ~~الاستدلال بالآية على المطلوب، والذي يظهر لي أن البيان عام لأنه اسم جنس ~~مضاف فيشمل كل ما ذكر، فالله تكفل لرسوله (ص) بحفظ القرآن ونشره واشهاره وتيسير تلاوته، وتكفل ~~بايضاح متشابه بمحكمه والدلالة على المراد بعامه ومطلقه وبذلك يتم ~~الاستدلال بالآية على المطلوب. ١ - استحالة افتقار كل القرآن إلى بيان ~~بالمعنى الذي ذكره المستدل ضرورة انه منه المجمل وغير المجمل قرينة على ~~إرادة البيان لما يحتاج إلى البيان، كما أن استحالة ابلاغ القرآن واحكام الشريعة لكل فرد من بني آدم ~~ضرورة ان فيهم من ليس اهلا للتكليف قرينة على إرادة البيان بالمعنى الذي ~~ذكره المعترض لمن هو أهل للتكليف دون غيره. فعموم البيان لجميع القرآن محمول على الخصوص على التفسيرين فلا ~~أولوية لتفسير المعترض ولا المستدل، والاختلاف بينهما اختلاف تنوع فيجب حمل ~~الآية على الجميع كما تقدم وعليه فلا اشكال. ١ - تقدم لفظ البيان في الآية عام لا مطلق، لأنه اسم حنس مضاف، وعليه فلا ~~يصح ما ذكره الآمدي في الجواب لبنائه على لفظ البيان في الآية مطلق. # ٢ - القرآن نزل منجما وكلما نزل منه نجم ~~بينه الله بعد نزوله انجازا لوعده وهذا ما دلت عليه ثم من الترتيب. ولم تدل ~~على وجوب تأخير بيان كل القرآن حتى يتم ~~نزوله، وبذلك يتعذر حملها على ظاهرها كما قال الآمدي. 1 - في هذه جميع - فيه تحريف والصواب في جميع هذه. 1 - انظر تعليق ابن جرير في تفسيره على الأثر وما روى بمعناه. 1 - انظر التعليق ص 201 ج 2. 1 - ومنعهم من إضافة المصدر للمفعول والمعنى ومنع إبراهيم إياهم. # 2 - حديث معاذ روى مني رق لم تخل من ms965 مقال فارجع إلى تخليص الحبير لتعرف ~~طرق الحديث وما كل منها من المقال. لم يكن - لعلة لم يكن. 1 - هذا جزء من حديث رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي من طريق جبير ~~بن مطعم مطولا بألفاظ مختلفة فاقتصر الآمدي منه على موضع الشاهد وتصرف في ~~العبارة فأرجع إليه في دواوين السنة المذكورة. # 2 - انظر التعليق 1 - ص 33 - (3). # 3 - الحديث معروف وقد رواه البخاري في باب بدء الوحي عن عائشة مطولا ~~فاقتصر المؤلف منه على موضع الشاهد في العبارة. 1 - الامر في هذه الآية للوجوب قطعا وليس من النزاع فيما تقتضيه صيغة الامر ~~إذ محله الامر المجرد من القرائن وهو في الآية قد اقترن بالتهديد على الترك ~~في قوله (وان لم تفعل فما بلغت رسالته). 1 - خلافهم في جواز اسماع الله للمكلف العام دون اسماع، الدليل المخصص له ~~خلاف لا جدوى له بعد انقطاع الوحي فلا ينبغي الاشتغال بمثله. # 2 - أبو الهذيل هو محمد بن الهذيل بن عبد الله المعروف بالعلاف رأس في ~~الاعتزال مات 235 أو 236 أو 237. - 1 جواز وجود المخصص للعام مع عدم اطلاع أحد من الأمة عليه ينافي عصمة ~~الأمة في اجماعها ويرده أيضا حديث: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق) ~~الحديث 2 - يجاب عن منع الملازمة بأن نصب الأدلة على المراد مما أريد به ~~غير ظاهره هو مقتضى الحكمة فان اراده الخصوص من الفظ العام دون دليل تلبيس ~~ينافي حكمة الله وعدله ورحمته بعباده. # 3 - لزوم الاطلاع على المخصص ونقله ولو من أحد آحاد المكلفين هو مقتضى ~~عصمة الأمة والأحاديث الدالة على العصمة. 1 - ذكر ابن تيمية للتأويل ثلاثة معان، وأوضح كلا منه بالأمثلة فانظرها في ~~التدمرية والحموية وغيرهما من كتبه 1 - رواه احمد والترمذي وابن ماجة من ي ريق عبد الله بن عمر بلفظ (أسلم ~~غيلان الثقفي وتحته عشرة نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي (ص) أن ~~يختار منهن أربعا. قال البخاري هذا الحديث غير محفوظ وحكم أبو حاتم وأبو ~~زرعة ms966 بأن المرسل أصح وصححه الحاكم وابن حبان. انظر الكلام عليه في تخليص ~~الحبير 2 - رواه الشافعي وأحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي من طريق ~~الضحاك ابن فيروز الديلمي عن أبيه، أنه قال أسلمت وعندي امرأتان أختان ~~فأمرني النبي (ص) إن أطلق أحدهما. وفي لفظ للترمذي اختر أيتهما شئت) صححه ~~ابن حبان والدارقطني والبيهقي وحسنه الترمذي واعله البخاري والعقيلي. انظر ~~تلخيص الحبير 1 - الحديث عند الشافعي عن نوفل بن معاوية أنه أسلم وتحته خمس نسوة فقال له ~~النبي (ص) أمسك أربعا وفارق الأخرى وفي سنده رجل مجهول. # 2 - هذا معنى جزء من حديث رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي من طريق ~~أنس أن أبا بكر كتب لهم ان هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله (ص) ~~الحديث. # 3 - واستنباط العلة من الحكم - هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف والتقدير ~~والعلة المستنبطة من الحكم - ولو عبر بهذا لكان انسب لما ذكر بعد. # 4 - إي في البعد. 1 - لان الآية - الخ تعليل لبعد هذا التأويل. # 2 - واغتنامه لبركتهم، أي لبركة دعائهم له من أجل مواساته لهم. 1 - جزء من حديث رواه داود الطيالسي وأبو عوانه وابن حبان والحاكم وحسنه ~~الترمذي، وأعل بالارسال، وقول ابن جريح ثم ألقيت الزهري فسألته عنه فأنكره. 1 - من حيث. الخ تعليل لبعد ما تقدم من تأويل أصحاب أبي حنيفة للحديث. # 2 - لكن دل حديث عائشة الذي رواه الجماعة الا البخاري على استثناء صيام ~~التطوع فلا يجب تبييت النية. 1 - رواه احمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من طريق الحسن عن سمرة، وطعن ~~فيه بما في سماع الحسن من سمرة من الخلاف، وبان شعبة رواه عن قتادة عن ~~الحسن مرسلا وحماد هو الذي رواه عن قتادة عن الحسن عن سمرة متصلا وشعبة ~~احفظ من حماد، وأيضا بقول ابن المديني فيه انه حديث منكر وقول البخاري فيه ~~لا يصح. # 2 - لكن خصها الحديث ببني هاشم وبني المطلب دون بني نوفل وبني عبد شمس. ١ - اما ان القرابة مناسبة بمجردها للعطاء ms967 من الخمس فمسلم، واما ان قدر الاستحقاق خمس الخمس فيحتاج إلى دليل آخر سوى مجرد القرابة. # 2 - رواه الجماعة الا مسلما من طريق ابن عمر بلفظ (فيما سقت السماء ~~والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر) ورواه احمد ومسلم. # والنسائي وأبو داود من طريق جابر بمعناه 1 - انظر ما ذكره ابن جرير وابن كثير في تفسيريهما لقوله تعالى (وامسحوا ~~برؤسكم وأرجلكم) وكلام شارع الطحاوية عند ذكر الأدلة مشروعية المسح على ~~الخفين. 1 - تمامه (حتى شتتت همالة عيناها) انظر هذا البيت وما معه من الأبيات في ~~باب الحذف والاختصار من تأويل مشكل القران لابن قتيبة. 1 - الحديث معناه صحيح وقد روى بألفاظ عدة منه انما الأعمال بالنيات: # (والأعمال بالنيات) (والأعمال بالنية) وقد ذكر كثيرا منها ابن حجر في فتح ~~الباري وليس من بينها (لا عمل الا بنية) 1 - واسال القرية - انظر 45 ج 1. # 2 - الحديث مثل به الأصول لما يدل على معان ثانوية،. استدل به الفقهاء ~~على أكثر مدة الحيض وأقل مدة الطهر، وقد أنكره غير واحد وقال لا أصل له ~~انظر تلخيص الحبير، وكشف الخفا. 1 - حديث (إذ اتاكم كريم قوم فأكرموه) روى من عدة طرق كلها ضعيفة بل حكم ~~بعض العلماء بوضعه ولكن عابه في ذلك ابن حجر وشيخه العراقي لكثرة طرقه التي ~~يقوى بعضها بعضا. # 2 - في الذكر بتحريم الربا، لعله بالذكر في تحريم الربا. # 3 - الظاهر أن الحصر في قوله العالم زيد من حصر الخبر في المبتدأ فان ~~المعنى على الحكم بالعلم لزيد والمحكوم له أو عليه هو المبتدأ والمتضمن ~~للحكم هو الخبر. # وكذلك القول في جملة صديقي عمرو فهو من قصر صداقة المتكلم المفهومة من ~~الخبر على عمرو المحكوم عليه. 1 - ومثل ذلك ما إذا علم أن اقتضاءها للحكم في المسكوت مساو لاقتضائها إياه ~~في محل النطق فيسمى أيضا مفهوم الموافقة، أو القياس الجلي. # 2 - وليست مساوية أيضا كما تقدم. # 3 - انما هي النفي، يعني ان التخصيص في المنطوق فيما يسمى ms968 مفهوم الموافقة ~~يدل على أنه لا يحكم في المسكوت بمثل ما حكم به في المنطوق، اما ان يدل على ~~ثبوت حكم في المسكوت مخالف لحكم المنطوق فهذا محل نظر واختلاف بين العلماء ~~على ما سيجئ: وقالت الظاهرية ان التخصيص في المنطوق لا دلالة له على اثبات ~~حكم ما في المسكوت ولا نفيه. 1 - هذا معنى جزء من حديث رواه البخاري من طريق انس بن مالك بلفظ في صدقة ~~الغنم أربعين إلى عشرين ومائة شاة فاقتصر المؤلف على موضع الشاهد وتصرف في ~~العبارة. # 2 - أبو عبيد هو القاسم بن سلام، البغدادي مات بمكة عام 224 ه‍ عن 76 سنة ~~3 - يشير إلى ما رواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من طريق القاسم بن ~~عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن جده بلفظ (إذا اختلف المتبايعان ~~والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا)، وقد روي الحديث عن عبد الله بن ~~مسعود من طرق بألفاظ مختلفة كل منها لم يخل من مقال، قد جزم الشافعي بأن ~~طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شئ موصول. (1) - رواه احمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم من طريق الشريد بن ~~سويد. # (2) - رواه الجماعة. # (3) - الأخفش - الأخافش في النحو ثلاثة 1 - أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد ~~المجيد مولى قيس بن ثعلبة توفي عام 177 ه‍ المعروف بالأخفش الأكبر. # 2 - أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء البلخي ثم البصري المعروف ~~بالأخفش الأوسط توفي عام 215 ه‍ 3 - أبو المحاسن علي بن سلمان بن الفضل ~~المعروف بالأخفش الأصغر توفي ببغداد عام 315 ه‍ عن ثمانين سنة. 1 - رواه الشافعي في الام وابن ماجة من طريق عائشة وصححه ابن حبان واعله ~~البخاري بأن الأوزاعي أخطأ فيه ورواه غيره عن عبد الرحمن ابن القاسم مرسلا ~~ورواه الترمذي بلفظ (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل) وصححه. # 2 - جزء من حديث رواه احمد وأبو داود والترمذي وصححه. 1 - وذلك لان مدار اثبات الوضع النقل لا التعليل والعقل، إذا العقل ms969 لا مدخل ~~له في اثبات اللغات. # 2 - لم يتميز بدء (الوجه الثاني) ولعله يبدأ بقوله بل أمكن وجود فوائد ~~أخرى دعت إلى التخصيص بالذكر الخ. 1 - هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع الباهلي ~~الأصمعي البصري مات بالبصرة عام 213 - 217 عن 88 سنة. # والخليل هو ابن احمد الأزدي الفراهيدي أبو عبد الرحمن البصري صاحب العروض ~~وكتاب العين في اللغة مات عام 170 - 175 ه‍ وأبو عبيدة النحوي معمر بن ~~المثنى التيمي بالولاء البصري من أئمة العلم والأدب واللغة ولد عام 110 ه‍ ~~وتوفي عام 209 ه‍ فان كان المذكور أبا عبيد بلا تاء فقد سبقت ترجمه في ص 72 1 - بما ليس له تلك الصفة متعلق بشعور. 1 - من صور السكوت - فيه تحريف والصواب في صور السكوت. # 2 - ولا النهي عن الاكراه على الزنا حالة إرادة التحصن أولى من حالة ~~إرادة الزنا في العبارة قلب والصواب - ولا النهي عن الاكراه على الزنا حالة ~~إرادة الزنا أولى من حالة التحصن. 1 - الهراسي على بن محمد بن علي أبو الحسن الطبري الشافعي الملقب بعماد ~~الدين المعروف بالكيا الهراسي ولد عام 450 وتوفي 504 ه‍. 1 - حديث يعلى بن أمية رواه الجماعة الا البخاري. # 2 - رواه البخاري ومسلم. 1 - جواب عن الدليل الثاني من الأدلة التي ذكرت لتأييد المعارضة. 1 - لكن لا يمنع من الاقتصار عليه فيه تحريف والصواب لكن الاقتصار عليهما. 1 - المعنى انا بشر لا ملك فالحصر في الجملة إضافي لا حقيقي، إذ للرسول (ص) ~~صفات أخرى سوى البشرية. # 2 - لكونه - الصواب - لكونهما أي التجوز والاشتراك. 1 - الظاهر قصر الأعمال المعتبرة شرعا على ما صحبته النية، وقصر العلم ~~والصداقة. # في المثالين الآخرين على زيد قصرا حقيقيا ان لم يكن ثم عالم من الخلق وقت ~~التكلم سوى زيد ولا صديق للمتكلم في الواقع سواه والا فالقصر ادعائي ولا ~~كذب في الحالين. 1 - المناسب لذكر الخلع ان يمثل بقوله تعالى (فان خفتم ان لا يقيما ms970 حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فان آية بعث الحكمين ليس فيها اشعار ~~بخلع. 1 - انظر مختصر المنتهى لابن الحاجب وشرحه للعضد فإنه أجاب عن الكثير من ~~أدلة الآمدي واعتراضاته في هذه المسألة. 1 - سيأتي مثل هذا الترديد في أدلة المانعين للنسخ عقلا وجواب الآمدي عنه. # وبذلك تعرف لونا من جدل الآمدي في نقاشه ودفاعه. 1 - هذا تعاريف للنسخ في اصطلاح المتأخرين، وأما النسخ عند المتقدمين فيشمل ~~مع ما ذكر تقييد المطلق، وتخصيص العام، وبيان المجمل، ورفع ما توهم المكلف ~~ارادته من النصوص وهو غير مراد منها - انظر تفسير قوله تعالى: (وان تبدوا ~~ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) الآيات في مجموع الفتاوى لابن ~~تيمية ج 14 وص 397 ج 20 من مجموع الفتاوى، والمسألة الثالثة من مسائل النسخ ~~في الموقوفات للشاطبي وأعلام الموقعين لابن القيم ١ - اعتذر الآمدي عن اليهود والرافضة في انتقاصهم لله وطعنهم في أفعاله ~~وشرائعه بخفاء الفرق بين النسخ والبداء، وتعذر الفصل بينهما عليهم، فمنعت ~~اليهود النسخ حماية لجناب الله في زعمهم، وجهلت الرافضة ربها فحكمت بأن ~~الله يبدو له من المصالح والمفاسد ما كان خفيا عليه فينقض ما أبرمه (تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا) ومن تبين امر اليهود وحسدهم لم بعد موسى من ~~الأنبياء وكيدهم لشرائع الاسلام وتبين حال الرافضة ووقف على فساد دخيلتهم ~~وزندقتهم بإبطان الكفر وإظهار الاسلام وانهم ورثوا مبادئهم عن اليهود ~~ونهجوا في الكيد للاسلام منهجهم علم أن ما قالوه من الزور والبهتان أنما ~~كان عن قصد سئ وحسد للحق وأهله وعصبية ممقوتة دفعتهم إلى الدس والخداع ~~واعمال معاول الهدم سرا وعلنا للشرائع ودولها القائمة عليها، ومن قرأ آيات ~~القرآن وتاريخ الفريقين ظهر له ما هم عليه ~~من الدخل والمكر السئ. 1 - هو موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي. # 2 - الكذاب الثقفي - هو المختار بن أبي عبيد، كان خارجيا ثم زبيريا ثم ms971 ~~شيعيا وكيسانيا واليه تنسب المختارية من فرق الشيعة، ومن مذهبه جواز البداء ~~على الله تعالى، انظر ترجمته في الملل للشهرستاني، والفرق بين الفرق لعبد ~~القاهر البغدادي قتل في موقعة بينه وبين مصعب بن الزبير بح وراء عام 67 ه‍. 1 - بين (تعالى في آخر الآية أن كل ما يكون منه من محو واثبات وتبديل ~~وتغيير واقع فعلا كونيا أو تشريعا ومسطور عنده بي أم الكتاب، جرى به القلم ~~فكتب ما هو كائن من ناسخ ومنسوخ وسعادة وشقاوة وسائر ما يكون من التغيير ~~والتبديل كل منها في وقته الذي حدد له في عمله (تعالى) وكتابه ورهين ~~بأسبابه حسب ما تقتضيه الحكمة، وبذلك يتبين أنه لا يلزم من المحو والاثبات ~~عموما ان يكون بدا لله أمر كان خفيا عليه، بل ما كان وما سيكون من فعل أو ~~تشريع تفسير عملي وتطبيق واقعي دقيق موافق لسابق علمه وما جرى به قلمه في ~~كتابه. 1 - وإلا فلقائل - كان فيه تحريفا ولعل الأصل ولقائل ويكون جوابا عن النظر ~~المتقدم 1 - أبو مسلم الأصفهاني: هو محمد بن بحر المعتزلي من كتبه: (جامع التأويل). # ولد عام 254 ه‍ ومات عام 322 ه‍. # 2 - العنانية فرقة من اليهود تنسب إلى رجل يقال له عنان بن داود ومن ~~مذهبهم الاعتراف بولاية عيسى عليه السلام وانكار نبوته والعيسوية فرقة من ~~اليهود تنتسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني ادعى النبوة وبدأ ~~دعوته زمن مروان بن محمد الحمار، وحارب أصحاب المنصور بالري - انظر تراجمهم ~~ومذاهبهم في كتاب الملل للشهرستاني، والفصل لابن حزم. # 3 - انظر ما سبق تعليقا ص 91 - 94 - 104. ١ - سيأتي الكلام على هذه النصوص في مواضعها (من مسائل النسخ) إن شاء الله ~~تعالى ٢ - الاحتجاج على اليهود بما في كتبهم من باب الالزام فقط فإنها قد ~~دخلها التحريف والتبديل فلا يصلح ما فيها حجة لاثبات حق الا ما ذكر منه في ~~القرآن أو روي من طريق صحيح عن الرسول (ص)، ~~مع تقريره أو السكوت عنه. 1 - اي ms972 وجوب اعتقاد التوحيد وما في حكمه على المكلف. 1 - انظر رأي أبي الحسين البصري والرد عليه في المسألة الرابعة من مسائل ~~البيان والمبين. # 2 - تقدم أيضا ما فيه تعليقا على المسألة الأولى من الأصل الأول في ~~الحاكم. ١ - في معناه ما رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق أنس، قال (ص) ~~ان الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول ~~بعدي ولا نبي، الحديث وفي آخر عند احمد بلفظ لا نبوة بعدي الا المبشرات) ~~الحديث وقد صح في ذلك المعنى أحاديث بلغت درجة التواتر، وفيها الرد على ~~القاديانية ومن ذهب مذهبهم في عدم ختم النبوة انظر تفسير ابن كثير لقوله ~~تعالى (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (الأحزاب) 2 - انظر ما تقدم - ص 104 ~~ج 3. # 3 - ان قصد المستدل بالإرادة، الإرادة الكونية وبالأمر الامر الشرعي فلا ~~تلازم بينهما، وكذلك ان قصد بالكراهة الكراهة الكونية فلا تلازم بينها وبين ~~النهي كما قال الآمدي، فان الله قد أراد كونا كفر بعض المكلفين كأبي لهب ~~وأمره بالايمان وكره كراهة كونية قدرية ايمان أبي جهل ولم ينهه عنه بل امره ~~به، وان قصد المستدل بالإرادة في دليله الإرادة الشرعية وبالكراهة الكراهة ~~الشرعية فالتلازم بين الإرادة والامر الشرعيين حق، وكذلك التلازم بين ~~الكراهة والنهي الشرعيين، والجواب هو ما ذكره الآمدي بعد قوله (وبتقدير إلى ~~آخره) وقد مر نظيره في الإجابة عن الدليل الذي قبله. ١ - انظر الكلام على هذه الآية في كتاب، جواب أهل العلم والايمان في أن قل ~~هو الله أحد تعدل ثلث القرآن 1 - ابن الراوندي هو أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق كان من المعتزلة ~~اشتهر بالزندقة والالحاد واليه تنسب الراوندية إحدى فرق المعتزلة توفي عام ~~798 ه‍ 2 - كعب الأحبار بن ماتع أبو إسحاق الحميري أسلم أيام أبي بكر أو ~~عمر وتوفي في خلافة عثمان عام 32 ه‍ عن 104 سنة وابن الاسلام هو عبد الله ~~بن سلام أبو يوسف الإسرائيلي صحابي جليل مات بالمدينة عام 43 ه‍ ووهب هو ~~ابن ms973 منبه بن كامل اليماني الصنعاني أبو عبد الله الا بناوي ولد عام 34 ه‍ ~~ومات عام 110 أو 116 1 - انظر ما تقدم تعليقا ص 275 ج 2 1 - إي وجه الضعف في الاستدلال بالآية. # 2 - رواه البخاري من طريق أبي سعيد الخدري ومسلم من طريق ابن عمر وأبي ~~هريرة واحمد وابن ماجة من طريق أبي رزين 1 - ذكره السيوطي في الخصائص الكبرى من قول ابن عباس بلفظ ما احتلم نبي قط ~~وانما الاحتلام من الشيطان ونسبه إلى الطبراني والدينوري في المجالسة. # 2 - انظر رأيه والرد عليه في المسألة الرابعة من مسائل البيان المبين. 1 - ذكر ابن كثير في تفسيره مناجاة علي رسول الله بعد تقديمه الصدقة من ~~طريق ابن أبي نجيح وليث ابن أبي سليم عن مجاهد فارجع إلى تفصيل القصة فيه ~~وفي تفسير ابن جرير. 1 - سبق تعليقا الرد على القول بعدم رعاية الحكمة في أفعال الله وتشريعه ~~فتعين الشق الثاني من الترديد المذكور. # 2 - انظر ما تقدم تعليقا ص 130 ج 3. 1 - يعني وجوب الامساك عن الجماع بعد الفطر ليلية الصيام. # 2 - يشير إلى ما رواه أحمد والبخاري ومسلم، من طريق عائشة قالت: دف أهل ~~أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمان رسول الله (ص) فقال ادخروا ثلاثا ثم ~~تصدقوا بما بقى: فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله ان الناس يتخذون ~~الأسقية من ضحاياهم ويجملون فيها الودك: فقال: وما ذاك قالوا: نهيت ان تؤكل ~~لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فقال: انما نهيتكم من اجل الدافة، فكلوا وادخروا ~~وتصدقوا، وقد روى الحديث من طرق بألفاظ مختلفة يفسر بعضها بعضا وفي بعضها ~~زيادات. # . يرى بعض العلماء ان الحكم اختلف في الحالين لاختلاف مقتضيه وليس من ~~النسخ فلو دعت الحاجة إلى منع ولى الامر رعيته من ادخار لحوم ضحاياهم كان ~~له ذلك دفعا للحاجة ثم يعود الحل بعد ذهابها ويكون ذلك من التصرفات التي ~~لولى الامر في رعيته. 1 - يشير إلى ما دلت عليه آية الصيام وما رواه مسلم ms974 من طريق سلمة بين ~~الأكوع انه قال: كنا في رمضان على عهد رسول الله (ص) من شاء صام ومن شاء ~~أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ~~2 - يشير إلى ما رواه الجماعة الا البخاري والنسائي من طريق عبادة بن ~~الصامت انه قال: قال رسول الله (ص): خذوا عنى خذوا عنى، قد جعل الله لهن ~~سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. # 3 - يشير إلى ما رواه احمد والبخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: كان يوم ~~عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله (ص) يصومه، فلما قدم ~~المدينة صامه وامر الناس بصيامه قال من شاء صامه ومن شاء تركه " وقد رووه ~~أيضا من طريق عبد الله بن عمر. 1 - وذلك - فيه تحريف والصواب فذلك لأنه جواب قوله وإذا كان. ١ - انظر ما ذكره ابن تيمية من وجوه التفاضل بين سور القرآن وآياته في تفسيره لهذه الآية في كتابه ~~جواب أهل العلم والايمان في أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن 2 - تسمية للشئ مفعول لأجله وقع علة ~~لقوله المراد من ذلك التخفيف. # 3 - جزء من حديث رواه البيهقي في الشعب من ي ريق أبي هريرة والزبير ~~مرفوعا ان الله ملكا (الحديث) ونقل القاري عن الإمام أحمد انه قال هو مما ~~يدور في الأسواق والأصل له انظر تفصيل الكلام عليه في كشف الخفاء والالباس ~~للعجلوني 1 - ذكر البخاري في ي باب (أجر العمرة على قدر النصب) عن عائشة قالت: # (يا رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك فقيل لها: انتظري فإذا طهرت ~~فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثم أتينا بمكان كذا ولكنها على قدر نفقتك أو ~~نصبك) وذكر مسلم مثله في باب (وجوه الاحرام)... الخ. # وفي المستدرك للحاكم عن عائشة أن النبي (ص) قال لها في عمرتها إن لك من ~~الاجر على قدر نصبك وذكر الحاكم في المستدرك أيضا شاهدا له ان النبي (ص) ~~قال لها ms975 في عمرتها (إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك) ١ - رواه البيهقي من حديث ابن عمر بلفظ (من قرأ القرآن فأعرب في قرائته كان له بكل حرف عشرون ~~حسنة ومن قرأه بغير اعراب كان له بكل حرف عشر حسنات) انظر كتاب البرهان - ~~مسألة في استحباب قراءة القرآن بالتفخيم ٢ - ~~في صحيح مسلم من طريق عمرة عن عائشة قالت: كان فيما انزل من القران عشر ~~رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس رضعات فتوفي رسول الله (ص) وهن فيما يقرأ ~~من القرآن وفي رواية عنها (نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نزل خمس معلومات) ~~3 - هذا مبني على ما رآه جمهور العلماء من أن آية (والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج) نزلت في بيان حكم ~~العدة والسكنى، اما على رأي من قال إنها نزلت في بيان حق، السكنى دون مدة ~~العدة فليست منسوخة لأنه لا تعارض بينها وبين آية اعتداد المتوفي عنها ~~زوجها بأربعة أشهر وعشرة لاختلاف موضوع الآيتين. 1 - انظر مسألة الحسن والقبح العقليين مع التعليق عليها في الجزء الأول. # 2 - تقدم ما فيه مرارا في التعليق. 1 - الحسن - الصواب بالسين المشددة 1 - جزء من حديث رواه ابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري والحاكم من طريق ~~انس. # 2 - يشير إلى ما رواه الخمسة الا النسائي من حديث معاوية ان النبي (ص) ~~قال: # إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا الرابعة ~~فاقتلوهم) قال الترمذي انما كان هذا في أول الامر ثم نسخ، هكذا روى محمد بن ~~إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي (ص) قال إن شرب الخمر فاجلدوه ~~فان عاد الرابعة فاقتلوه قال: ثم اتى النبي (ص) بعد ذلك برجل قد شرب في ~~الرابعة فضربه ولم يقتله. وذهب إلى قتله منهم ابن حزم وأنكر الاجماع على ~~النسخ. ١ - ثبوت السكنى للمبتولة من المسائل الاجتهادية، وقد رأى عمر الحكم بها ~~لدلالة القرآن عليها ms976 في نظره وخالفته في ذلك ~~فاطمة بنت قيس وغيرها وهي صاحبة الواقعة، وأنكرت على عمر فهمه في آية، ~~(تخرجوهن من بيوتهن)، وآية، (اسكنوهن من حيث سكنتم)، ورأت ان حديث حرمان ~~المبتوتة من حق السكنى لا يعارض الآية فلا نسخ. انظر ص ٧٩ ج. # ٢ - قيل إن ما روي عن علي من رد حديث معقل بن سنان الأشجعي في المفوضة لم ~~يثبت. # ٣ - انظر جوابه الثالث عن المعارضة الأولى في مسألة نسخ السنة بالقرآن والتعليق ص 151 - ج 3. # 4 - تخصيص التواتر بالآحاد - الصواب تخصيص المتواتر بالآحاد. 1 - يشير إلى ما رواه احمد ومسلم وغيرهما من حديث انس ان رسول (ص) كان يصلي ~~نحو بيت المقدس فنزلت (قد نرى تقلب وجهلك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) ~~قول وجهك شطر المسجد الحرام) فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر ~~وقد صلوا ركعة فنادى الا ان القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة 2 - ~~هذه القاعدة اجتهادية للنظر فيها مجال، ومن اجل ذلك كانت موضع نزاع بين ~~المجتهدين فتثبت بخبر الواحد كأمثالها من مسائل الأصول، ولا ينبغي ان يتكلم ~~بمثل هذا الاعتراض من يستدل في مسائل الأصول بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ١ - حديث تحول الصحابة وهم في الصلاة إلى الكعبة ظاهرا في إضافة تحولهم إلى ~~خبر المنادي فلا يعدل عن ذلك إلى الإضافة للقرائن، إذ الأصل عدمها. # ٢ - ثبت ان النبي (ص) كان ينفذ الآحاد لتبليغ أصول الدين وفروعه وتحفيظ ~~ما نزل من القرآن فخبر الواحد معمول به في ~~جميع مسائل الدين. # 3 - تقدم غير مرة أم كثيرا من مسائل أصول الفقه ظنية بل فيها ما خرج منه ~~المؤلف بالشك والحيرة واذن فما نحن فيه من قبيل ما يستدل عليه بما يفيد ~~غلبة الظن. # 4 - قد يقال ان النسخ بيان لأمد انتهاء الحكم وتعريف بمراد المتكلم من ~~خطابه وانه لم يرد من اطلاق خطابه الأول الاستمرار فهو تخصيص للحكم ببعض ~~الأزمان انظر قوله في ص 122 - ج 3 (فانا ms977 وان أطلقنا لفظة الرفع في النسخ ~~انما نريد به امتناع استمرار المنسوخ، إلى الخ) وقوله آخر لمسألة التاسعة ~~(بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على أن الشرع لم يرد بخطابه الأول ثبوت الحكم ~~في وقت النسخ) لتعرف طريقة الجدلية في نقاشه ودفاعه. 1 - تقدم تعليقا ص 149 ج 3. 1 - يشير إلى ما رواه احمد والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال حبسنا يوم ~~الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل كفينا، وذلك قول الله ~~عز وجل (وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا) قال: فدعا رسول ~~الله (ص) بلا لا فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ~~ثم امره فأقام العصر وصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام ~~المغرب فصلاها كذلك، قال: وذلك قبل ان ينزل الله عز وجل في صلاة الخوف (فان ~~خفتم فرجلا أو ركبانا) 1 - فبتقدير - فيه تحريف والصواب فتقدير، الخ. 1 - جزء من حديث رواه الخمسة إلا أبا داود من طريق عمرو بن خارجة عن النبي ~~(ص) بلفظ ان الله قد اعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) وقد رواه أيضا ~~الخمسة الا النسائي من طريق أبي امامة. # 2 - 3 - سيأتي أيضا الكلام على ذلك تعليقا إن شاء الله. ١ - يتلخص الكلام على رجم المحصن في ثلاثة أمور، الأول نقله عمليا نقلا ~~متواترا عن النبي (ص) والخلفاء الراشدين ومن بعدهم إلى يومنا فلم يخل عهد ~~من إقامة حد الزنا جلدا للبكر ورجما للثيب، ونقله أيضا بالقول من عدة طرق ~~نقلا مستفيضا ان لم يكن متوترا وكل من النقلين يفيد وحده العلم بثبوت حد ~~الرجم وباجتماعهما يتأكد العلم بمشروعيته ولا مدخل بعد هذا لشبهة والا موضع ~~لريبة الثاني ان حكم مما نزل في كتاب الله ودلت عليه آية من آيات القرآن قراها الصحابة وحفظوها وعمل بها النبي ~~(ص) حياته والصحابة بعده وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة من ذلك ما رواه ~~مالك في الموطأ والبخاري ms978 ومسلم في صحيحيهما من طريق ابن عباس عن عمر في ~~خطبة طويلة ان الله بعث محمدا (ص) بالحق وانزل عليه الكتاب فكان فيما انزل ~~عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده ~~فأخشى ان طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا ~~بترك فريضة أنزلها الله الحديث، الا ان الأحاديث الصحيحة لم تذكر نص الآية ~~ولم تعين موضعها من سور القرآن وقد ذكرها ~~النسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجة بلفظ (الشيخ والشيخة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة) وذكر النسائي انها من سورة الأحزاب. # الثالث قول عمر: ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب ~~الله لأثبتها كما نزلت). وهذه المقالة فيها نظر من جهتين: # الأولى أن عمر لم يكن ليمنعه قول الناس أو الخوف من كلامهم ان يكتب في القرآن ما هو منه في عقيدته وقد عرف بالصراحة ~~في القول والصلابة في الحق لا يخشى في ذلك لومة لائم ولو كان معتذرا في ذلك ~~بما يقال من أنها نسخت تلاوتها وبقي حكمها. # الثانية: أن في أسانيد تلك المقالة ضعفا ففي أحد أسانيدها عند أحمد هشيم ~~ابن بشير السلمي عن الزهري عن علي بن زيد بن جدعان. وعلى ضعيف. وعلى كل حال ~~في هذه المقالة ريبة وفتح لباب الظنة في الصحابة والقرآن فيجب ان تبحث وتحقق كما ينبغي والله ~~العالم. 1 - الأمة مجمعة على رجم الزاني المحصن وهي مستندة في اجماعها عليه إلى ~~نقله عمليا نقلا متوترا عن النبي (ص) ومن بعده إلى يومنا هذا في الدول التي ~~تقام فيها الحدود، والى نقله بالقول نقلا صحيحا ان لم يبلغ درجة التواتر ~~المصطلح عليه فلا أقل من أن يكون مستفيضا استفاضة يفيد معها العلم لكثرة ~~طرقه وعدالة رواته. 1 - الخيرية قد تكون في تأثير التالين والسامعين وقد تكون فيما تضمنته ~~الآيات من الاحكام أصولا وفروعا، ضروريات ومكملات وقد تكون باختلاف أحوال ~~الناس وأطوارهم فيكون حكم في حال ms979 وظروف أصلح وأنفع للناس من غيره في تلك ~~الحال، انظر ما كتبه ابن تيمية على الآية في كتاب جواب أهل اعلم والايمان. 1 - انظر ما ذكره المؤلف في الجواب الثالث عن لمعارضة الأولى من جهة العقل ~~آخر المسألة التاسعة. 1 - حصر - الصواب حظر بالظاء. # 2 - هو عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى الكوفي الحنفي القاضي مات عام 221 ~~ه‍ - مناظرة ابن عباس لعثمان رضي الله عنهم في رد الام للسدس بالأخوين خرجها ~~الحاكم، وذكر ابن كثير في تفسيره لآيات المواريث ما رواه البيهقي من طريق ~~شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس انه دخل على عثمان، فقال إن الأخوين لا ~~يردان الام عن الثلث قال الله تعالى (فان كان له اخوة فلأمه الثلث) ~~والاخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان الا أستطيع تغيير ما كان قبلي ~~ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. ثم قال ابن كثير: وفي صحة هذا الأثر نظر: # فان شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس: ولو كان هذا صحيحا عن ابن عباس لذهب ~~إليه أصحابه الاخصاء. 1 - أبو القاسم الأنماطي هو عثمان بن سعيد. 1 - يثاب على فعله - أي بتقدير وجوبه أو ندبه. 2 - ويأثم بتركه له قبل بلوغ ~~النسخ إليه - أي بتقدير وجوبه 1 - ان قيل الزيادة كانت الزيادة غير واجبة - فيه تحريف ولعل الأصل ان ~~الزيادة كانت قبل الزيادة غير واجبة. ١ - حكى الأسنوي في كتابه نهاية السول في شرح منهاج الوصول للبيضاوي عن ~~الآمدي انه اختلف قوله في المسألتين فقال في الاحكام ان الحق أنه ليس بنسخ ~~في المسألتين، وقال في منتهى السول انه نسخ في الأولى وليس بنسخ في ~~الثانية، وقد وجدت بمخطوطة المدينة التي هي العمدة في هذه الطبعة قول الآمدي انه لانسخ ~~في المسألتين فآثرت أن أجعل ما فيها في أصل هذه الطبعة واجعل في التعليق ~~قول الآمدي الآخر الذي ذكر الأسنوي أنه قوله في منتهى السؤال لا في الاحكام ~~وهذا نصه: (الحق انه نسخ لغسل الرجلين وليس ms980 نسخا للتخيير بين الاطعام ~~والصيام، لان التخيير بين الاطعام والصيام على التعيين) 1 - متى صح خبر القضاء بالشاهد واليمين، وجب العمل به مطلقا، اما لعدم ~~اعتبار مفهوم المخالفة في قوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) واما ~~الرجحان الخبر عليه وان قلنا ان المفهوم حجة وجهل التاريخ لأنه منطوق متفق ~~على العمل به عند المختلفين في حجية مفهوم المخالفة، واما لأنه ناسخ له ان ~~علم التاريخ وكان متأخرا. # 2 - يجب العمل بخبر الواحد في ذلك تقييدا أو نسخا فإنه على تقدير إفادته ~~لغلبة الظن فقط فإفادة المتواتر لاستمرار حكمه ظنية ما دام الوحي ينزل فلا ~~بعد في أن يقطع الاستمرار بخبر الواحد، إذ كلاهما ظني - انظر التعليق 4 ص ~~149 ج 3. 1 - انظر التعليق ص 175 ج 3. 1 - (الطواف بالبيت) رواه ابن حبان في صحيحة من حديث فضيل بن عياض والحاكم ~~في المستدرك من حديث سفيان كلاهما عن عطاء بن السائب عن طاووس عن بن عباس ~~قال: قال رسول الله (ص) (الطواف بالبيت صلاة الا أن الله قد أدحل فيه النطق ~~فمن نطق فيه فلا ينطق الا بخير. وأخرجه الترمذي في كتابه عن جرير عن عطاء ~~بن السائب به، بلفظ) الطواف حول البيت مثل الصلاة) قال وقد روي هذا الحديث ~~عن ابن طاووس وغيره موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا الا من حديث عطاء ابن السائب، ~~انظر تفصيل الكلام على متنه وطرقه في نصب الراية وتلخيص الحبير. 1 - هذا مجرد فرض وتقدير لم يعهد مثل هذا في عبارات الكتاب والسنة، فهو غير ~~علمي في التمييز بين الناسخ والمنسوخ. 1 - عن العمل بأحدهما - لعله عن العمل بكل منهما. # 2 - بل العمل بالمتأخر منهما واجب فان المتواتر وان كان معلوم الثبوت ~~لكنه ظني الاستمرار ما دام الوحي ينزل فيجوز قطع استمراره بالآحاد وليس في ~~ذلك أكثر من تخصيص متواتر ظاهره العموم في الزمان بآحاد يبين اختصاصه ببعض ~~الزمان وتخصيص المتواتر العام بالآحاد لا غرابة فيه، انظر التعليق 4 - ص ~~149 ج 3 3 - من بدل، ms981 رواه احمد والبخاري والأربعة من طريق ابن عباس. # 4 - روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر نهى النبي (ص): عن قتل النساء ~~والصبيان. 1 - لافتراقهما - الصواب لتنافيهما فان مجرد الافتراق في العلة والاختلاف ~~فيها لا يوجب التناقض في الحكم. # 2 - افترقا في العلة - اي تنافيا وتقابلا بالسلب والايجاب. # 3 - ومن أمثلته أيضا ما تضمنه قوله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق) فقد ~~أثبت الله تعالى لنفسه التفرد باستحقاق الألوهية وأنكر ان يكون غيره مستحقا ~~لذلك استقلالها أو اشتراكا لتنافيهما في الموجب وهو الخلق فلله الخلق ~~والامر وحده وغيره ليس إليه شئ من ذلك ومن ذلك قوله تعالى (ضرب الله مثلا ~~عبد ا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا) الآيتين من سورة ~~النحل، ومنه قوله (ص) (وفي أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا ~~شهوته ويكون فيها اجر قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك ~~إذا وضعها في الحلال كان له اجر). 1 - وهو محمد بن الطيب الباقلاني. 1 - انما الأولى زائدة وتقدير الكلام، والثابت والمنفي بالقياس انما هو حكم ~~الفرع لا غير. # 2 - قياس التعليل والتمثيل كما يجري في الأحكام الشرعية يجرى في طبائع ~~الأشياء وخواصها وفي العقليات صفات وأفعالا بعد معرفة العلة - انظر الكلام ~~على ذلك في ص 366 - من مسودة آل تيمية، واللمع لأبي إسحاق الشيرازي، وروضة ~~الناظر لابن قدامة، والكوكب المنير للفتوحي. ١ - بان التحديد - تم وانتهى. # ٢ - هذه التعاريف دخلتها الصناعة المنطقية المتكلفة فصارت خفية غامضة، ~~واحتاجت إلى شرح وبيان، ومع ذلك لم تسلم من النقد والاخذ والرد، وسلكوا في ~~البيان طريقة القرآن وسنة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام، ومعهود العرب ومألوفهم من الايضاح بضرب الأمثال لسهل الامر ~~وهان الخطب. 1 - حديث حرمت الخمر لعينها، ويروي بعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل ~~شراب رواه العقيلي في ترجمة محمد بن الفرات عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث ~~عن علي مرفوعا واعله بمحمد بن الفرات ورواه العقيلي من طريق عبد ms982 الرحمن بن ~~مجهول في الرواية والنسب وحديثه غير محفوظ، وانما يروى هذا عن ابن عباس من ~~قوله. وقد رواه موقوفا على ابن عباس النسائي في سننه من طرق، والبزار في ~~مسنده والطبراني في معجمه والدارقطني في سننه مع اختلاف في العبارة، ومن ~~أراد تفصيل القول في ذلك فليرجع إلى كتاب نصب الراية للزيلعي، والى ترجمة ~~أبي إسحاق السبيعي والحارث الأعور في تهذيب التهذيب لابن حجر فان أبا إسحاق ~~يدلس وقد عنعن، والحارث الأعور كذاب. ومع ذلك فلغة أهل الجدل واصطلاح علماء ~~الفقه وأصوله بعد استحكام الخلاف بينهم ظاهرة في صناعة الحديث ووضعه لنصرة ~~المذهب. 1 - منهما - الصواب منها 1 - ظاهر الاطلاق في قوله: خلافا للحنابلة جواز بناء القياس على القياس. # وليس كذلك، فان منهم من منع ذلك، ومنهم من اجازه، بل منهم من روي عنه ~~قولان في ذلك، المنع، والجواز، كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب - انظر روضة ~~الناظر لابن قدامة، والكوكب المنير لأبي العباس الفتوحي واللمع لأبي إسحاق ~~الشيرازي وانظر خلاف الحنابلة في حكم بناء القياس على القياس في ص 394 و ~~395 من مسودة آل تيمية طبعة المدني 1 - سيأتي الكلام على ذلك تعليقا في المسألة الثانية عشرة من مسائل شروط ~~العلة إن شاء الله تعالى. 1 - ولكنه متفق عليه من الخصمين المستدل والمعترض. # 2 - العلة في المكاتب - أي علة الحكم بترك القصاص للمكاتب من قاتله الحر. # 3 - انما هو جهالة - الصواب انما هي جهالة، لان كلا من مرجع الضمير وخبره ~~مؤنث. 1 - قارن بين خلاف الحنفية والأئمة الثلاثة هنا فيما ثبت حكم الأصل، وبيان ~~الآمدي علة تسمية هذا النوع من القياس المركب مركب الأصل، وبين خلاف ~~الحنفية والشافعية فيما ثبت به حكم الأصل في المسألة العشرين من مسائل شروط ~~العلة مع مراعاة أن العلة هنا مستنبطة، وفي المسألة الآتية منصوصة. ١ - سيأتي في أدلة التعبد بالقياس ان العمدة في ثبوت ذلك إجماع الصحابة، فحصره ~~مدرك التعبد بالقياس هنا على الاجماع حصر ادعائي يقصد به بيان ان الاجماع ms983 ~~هو المعول في اثباته لا نفي المدارك الأخرى التي استدل بها على التعبد ~~بالقياس. # 2 - سيأتي الكلام عليه تعليقا عند الكلام على أدلة التعبد بالقياس إن شاء ~~الله تعالى. 1 - علة الأصل - اي علة حكم الأصل. 1 - اختار ان تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث لا لامارة وهذا وان كان ~~بالنسبة للمكلف مناسبا فان المعنى الذي ثبت الحكم من اجله يبعث المكلف على ~~العمل بمقتضاه، لكنه ينبغي ان يغبر عنه في حق الله بالمقصود من شرع الحكم ~~أدبا مع الله قال في مسودة آل تيمية قد أطلق غير واحد من أصحابنا القاضي ~~وأبو الخطاب وابن عقيل والحلواني وغيرهم في غير موضع من علل الشرع انما هي ~~امارات وعلامات نصبها الله أدلة على الاحكام فهي تجري مجرى الأسماء، ثم قال ~~وهذا الكلام غير صحيح على الاطلاق، ثم قال: ذكر ابن عقيل وغيره انها وان ~~كانت امارات فإنها موجبة لمصالح ودافعة لمفاسد ليست من جنس الامارات ~~الساذجة العاطلة عن الايجاب. # 2 - المراد بالضابط هنا الوصف الظاهر المشتمل على لحكمة المقصودة للشارع ~~من شرع الحكم. 1 - وعن الاعتراض الأول على الوجه الثاني - فيه تحريف والصواب وعن الاعتراض ~~على الوجه الأول. 1 - انظر تعريف الصفة الإضافية في التعليق ص 174 ج 2. 1 - عليه - الصواب علة للدائر. # 2 - لما سبق، يعني لما تقدم أول المسألة الثانية من الأدلة على انها ~~بمعنى الباعث. 1 - فيها - فيه تحريف والصواب فيما - بالميم. # 2 - ذكر في روضة الناظر أن أبا حفص البرمكي حكى وجهين في اشتراط الاطراد ~~لصحة العلة، الأول أن الاطراد - وهو ان يوجد الحكم كلما وجدت العلة - شرط ~~صحتها، فمتى تخلف الحكم عنها استدللنا على انها ليست بعلة ان كانت مستنبطة، ~~وعلى أنها بعض العلة ان كانت منصوصا عليها، ونصره القاضي أبو يعلى وبه قال ~~بعض الشافعية - ويسمى تخلف الحكم عن العلة نقضا. # الثاني: أن الاطراد ليس بشرط في صحتها فتبقى حجة فيما عدا المحل المخصوص ~~كالعموم إذا خص واختاره أبو الخطاب. الخ. # وفي المنهاج للبيضاوي خمسة ms984 أقوال في المسألة - الجواز مطلقا، المنع ~~مطلقا، الجواز في المنصوصة دون المستنبطة - الجواز في المستنبطة بمانع أو ~~فوات شرط، الجواز في المستنبطة ولو بلا مانع أو فوات شرط دون المنصوصة ~~فارجع إلى الكتابين تجد ذلك مع الأمثلة. 1 - كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين مأخوذا - الخ، فيه سقط ~~وتقدير الكلام: كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين بالخارج ~~النجس مأخوذا - وبالخارج الأول متعلق بانتقاض، والثاني متعلق بتعليل. ~~وسيأتي للمؤلف مثل هذا في المسألة التاسعة عشرة من مسائل شروط العلة. # 2 - رواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس بلفظ (الوضوء مما يخرج ~~وليس مما يدخل) وفي اسناده الفضل بن المختار وشعبة مولى ابن عباس وكلاهما ~~ضعيف - انظر تلخيص الحبير. # 3 - وذلك قوله تعالى - الصواب وذلك كقوله. # 4 - في صوره - الصواب في صورة. 1 - تأول - الصواب بأول. 1 - كان أولى - المناسب حذف كان وقد استعمل المؤلف هذا الأسلوب أكثر من ~~مرة. 1 - هذه معارضات ممن يقول بمنع تخصيص العلة مطلقا لأدلة من يقولون بجواز ~~تخصيصها في الصورة الآتية - العلة القطعية مطلقا، والظنية في معرض ~~الاستثناء، والمنصوصة الظنية في غير الاستثناء والمستنبطة إذا كان لها ~~معارض من مانع أو فقد شرط. 1 - الصورة الأخيرة هي ما إذا كانت العلة مستنبطة وتخلف الحكم عنها على غير ~~طريق الاستثناء، وبدون معارض لها من وجود مانع أو فقد شرط، وقد اختار ~~الآمدي بطلان العلة بتخلف حكمها عنها في في هذه الصورة، واستدل على ذلك بما ~~تقدم، فعارضه من يقول بجواز تخصيص العلة مطلقا بأربعة أوجه ذكرها الآمدي ~~وأجاب عنها 2 - هذا حكم معدول به عن سنن القياس لم أجد هذه الكلمة عن ابن ~~مسعود وليست مما يشبه لغة عند الصحابة - لكنها شبيهة بلغة علماء الفقه ~~وأصوله في نقاشهم وجدالهم عند الاستدلال واشتداد الخلاف بينهم ومع ذلك فقد ~~ذكر ابن تيمية في ص 504 وما بعدها من ج 20 كثيرا من المسائل التي ادعى فيها ~~علماء الفقه وأصوله انهما على خلاف القياس وبين انها لم تخرج ms985 عن قاعدة ~~القياس فارجع إليه. # 3 - لوجوده - في العبارة تحريف والصواب بوجوده - والباء سببية، وجملة ~~(والقاضي غير موجود في دار الملك) حالية. 1 - اي عند عدم ذلك النص الراجح المعارض لخبر الواحد. # 2 - فاما ان لا يتعاكس الحال في ذلك أو يتعاكس هكذا في المخطوطة والنسخ ~~المطبوعة وفي جميعها تحريف، والصواب فاما أن يتعاكس الحال في ذلك أولا ~~يتعاكس. # وبذلك يتفق مع تعليل رد الأول بما فيه من الدور، ورد الثاني بعدم ~~الأولوية. 1 - مفصلا من كونه - هكذا في المطبوعة والمخطوطة والصواب فصلا عن كونه الخ ~~2 - جرى في التعبير بلفظ عنده على طريقة الأشعرية فإنهم يقولون المسببات ~~توجد عند وجود الأسباب لا بها والنتائج توجد عند وجود الأدلة بها، ومذهب ~~أهل السنة والجماعة انها توجد بها لكن لا بذاتها بل بجعل الله لها أسبابا ~~لمسبباتها ودلائل على نتائجها. 1 - يعني صور الاستدلال بالغيم الرطب على المطر بوجود مركوب القاضي في مكان ~~على وجوده فيه. والاستدلال بخبر الواحد عند عدم المعارض وان تخلف مع وجود ~~المعارض الراجح. 1 - في صورة النقص - الصواب في صورة النقض بالضاد المعجمة. # 2 - في المخطوطة فوجودها وفي المطبوعات موجودها وكلها محرفة والصواب ~~فموجود. 1 - فيلزم منه - المناسب للزم منه لأنه جواب لو 1 - النقض المكسور كما عرفه المؤلف الخ. اما النقض فهو تخلف الحكم عن العلة 1 - الخلاف في اشتراط العكس متفرع على الخلاف في جواز تعدد العلل، فكان ~~المناسب ان تجعل هذه المسألة بعد مسألة تعدد العلل. # 2 - في المخطوطة بجعل الخبر مبتدأ والمبتدأ خبرا مع بقاء الخ، وتعريف ~~المطبوعة خاص بعكس القضية وتعريف المخطوطة خاص بعكس القضية الحملية. وقد ~~عرفه صاحب متن المسلم بتعريف يشملهما فقال: # العكس قلب جزأي القضية * مع بقاء الكم والكيفية - والصدق الا الموجب ~~الكلية * فعوضوها الموجب الجزئية فهذا أجمع من كل من التعريفين وأنسب لما ~~ذكر بعد من التمثيل لعكس كل منهما والقضية: الجملة الخبرية، والكم العدد ~~الذي يعبر عنه بكل وبعض وما في معناهما والكيفية السلب والايجاب، اي ms986 النفي ~~والاثبات. 1 - ويقابل العكس بهذا المعنى الطرد وهو عندهم كلما وجدت العلة وجد الحكم. 1 - انظر ص 167 ج 20 وص 273 - 274 ج 18 من مجموع الفتاوي. # 2 - الواحد اي بالشخص. 1 - هذا مثال فرضي ومثاله من واقع التشريع جعل غروب شمس يوم من رمضان امارة ~~على مشروعية الفطر للصائم ووجوب صلاة المغرب. 1 - اي الوصف الذي جعل ضابطا للحكمة. 1 - وذلك الأولى فذلك. # 2 - من المخصص الزائد - بيان لكلمة ما في قوله وما به تخصصت كل صورة. 1 - كان أولى - الظاهر أن كان زائدة، وأولى خبر للمصدر المؤول من أن والفعل ~~وقد تقدم للمؤلف استعمال مثل هذا التركيب في ص 222 ج 3 1 - فكان النفي له أولى - يعني فكان النفي لأجله أولى، فاللام للتعليل. 1 - بيانه ان وجوب الشاة زكاة عن أربعين شاة إذا كان المقصود منه مجرد دفع ~~حاجة الفقراء، ولو ببذل القيمة ارتفع وجوب الشاة على التعيين في الزكاة. # 2 - العلة الطردية، أو الوصف الطردي هو الذي لم يشتمل على معنى مناسب ~~يقتضي بناء الحكم على ذلك الوصف كالأمثلة المذكورة. # 3 - تقدم له ذلك في المسألة الرابعة عشرة من مسائل تخصيص العموم بالأدلة ~~المنفصلة. 1 - تقدم في المسألة الثامنة في الكلام على خلاف العلماء في جواز تخصيص ~~العلة. # 2 - انظر ذلك مع ما تقدم في المسألة الثامنة عشرة من خلاف العلماء في ~~الزيادة على النص، هل هي نسخ أو لا. 1 - رواه أحمد ومسلم من طريق معمر بن عبد الله القرشي أنه قال كنت اسمع ~~النبي (ص) يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير. # 2 - رواه ابن ماجة في سننه من طريق عائشة بلفظ من اصابه قئ أو رعاف أو ~~قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم) وفي ~~سند إسماعيل بن عياش عن ابن جريح، وهو ضعيف فيما رواه عن الحجازيين وأيضا ~~الصحيح فيه أنه مرسل، وقد رواه الدارقطني من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ ms987 إذا ~~قاء أحدكم أو رعف وهو في الصلاة أو أحدث فلينصرف فليتوضأ ثم ليجي فليبن على ~~ما مضى، وفي سنده أبو بكر الداهري وهو كذاب. 1 - فلم تكن علة - الصواب لم تكن علة. 1 - هذا مبني على مذهب الأشعرية من أن كلام الله صفة نفسية قديمة ليس بحرف، ~~ولا صوت، وانه شئ واحد لا تعدد فيه من حيث ذاته، فأمره عين نهيه وخيره عين ~~استخباره، ووعده عين وعيده، وانما يتنوع عندهم إلى هذه الأنواع ويختلف ~~باعتبار تعلقاته ومتعلقاته وهذا مخالف لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، ~~فان كلام الله يطلق عندهم على اللفظ والمعنى حقيقة، وقد ينصرف إلى أحدهما ~~بقرينة ويتنوع في نفسه إلى أمر ونهى ووعد ووعيد وخبر وانشاء وقد تكلم ~~سبحانه فيما مضى ولا يزال يتكلم وسيتكلم في الموقف يوم القيامة مع المؤمنين ~~والكافرين، ومع أهل الجنة والنار، فيكلم كلا بما يناسبه، كما دلت على ذلك ~~آيات القران والأحاديث الصحيحة، واذن فالاعتراض ساقط من أصله، وما ذكر بعد ~~من اشتراك حكم الصوم والصلاة في حكم الوجوب فمسلم، لكنه اشتراك في جنس ~~الوجوب لا في عينه وشخصه فوجوب الصلاة ثبت بأمر يخصه تكلم الله به وقت فرضه ~~الصلاة، ووجوب الصيام ثبت بأمر يخصه تكلم الله به بعد فرضه الصلاة بسنوات، ~~والقصد ان وجوب كل منهما يختلف عن الآخر في شخصه وفيما وجب به من الامر، ~~وفي درجته وآثاره، وكذلك القول في تحريم القتل والربا وغيرهما من المحرمات، ~~فهي مندرجة تحت جنس واحد ولكنها مختلفة في أعيانها وفيما وجبت به من كلامه ~~تعالى، وفي الزمن الذي تكلم الله بتحريم كل منها. 1 - هذا التعبير لم يرد في الكتاب ولا في السنة، فهو مجرد فرض وتقدير. # 2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 136 - ج 3. # 3 - رواه النسائي في سننه من حديث عبد الله بن ثعلبة قال قال رسول الله ~~(ص) زملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يكلم في سبيل الله الا يأتي يوم القيامة ~~يدمي لونه لون الدم، والريح ريح المسك - ورواه ms988 الواقدي في مغازيه، قريبا من ~~هذا ورواه غيرهما من طرق بألفاظ مختلفة، انظر نصب الراية. 1 - رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال كان رجل مع النبي (ص) فوقصته ~~ناقة وهو محرم فمات فقال النبي (ص) اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا ~~تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه فأنه يبعث يوم القيامة ملبيا) وقد روى من عدة ~~طرق بألفاظ مختلفه - انظر تلخيص الحبير ونصب الراية. # 2 - جزء من حديث رواه البيهقي في الشعب عن أبي هريرة والزبير مرفوعا بلفظ ~~ان ملكا بباب من أبو أب السماء الحديث، وهو غير صحيح - انظر كشف الحفا ~~والالباس للمجلوني لتعرف طرقه وما فيها من المطاعن. 1 - رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده وأبو داود الطيالسي في مسنده ~~والدارقطني في سننه من طريق عائشة، ورواه البخاري أيضا في المزارعة في ~~صحيحه من طريق عائشة بلفظ (من أعمر أرضا ليست لاحد فهو أحق) وترجم له بباب ~~من أحيا أرضا مواتا، وقد رواه أبو داود والنسائي والترمذي من عدة طرق ~~بألفاظ متقاربة 2 - يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ~~عائشة انها قالت كان في بريرة ثلاث سنن أعتقت فخيرت، وقال رسول الله (ص) ~~الولاء لمن أعتق، ودخل رسول الله (ص) وبرمة على النار فقرب إليه خبز وإدام ~~من ادم البيت، فقال ألم أر البرمة، فقيل لحم تصدق به على بريرة وأنت لا ~~تأكل الصدقة قال: هو لها صدقة ولنا هدية. 1 - يشير إلى ما رواه الجماعة من طريق أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي (ص) ~~فقال هلكت يا رسول الله قال، وما أهلكك قال: وقعت على امرأتي في رمضان قال ~~هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع ان تصوم شهرين متتابعين قال قال ~~فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا، قال ثم جلس قال فأتى النبي (ص) بعرق ~~فيه تمر قال تصدق بهذا، قال فهل على أفقر منا فما بين لابتيها أهل بيت أحوج ~~إليه منا، فضحك ms989 النبي (ص) حتى بدت نواجذه وقال اذهب فأطعمه أهلك، وقد روى ~~الحديث من طريق بألفاظ متقاربة. 1 - جزء من حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة في السنن من طريق عبد ~~الله بن مسعود ان النبي (ص) قال له ليلة الجن، عندك طهور، قال لا، إلا شئ ~~من نبيذ في إداوة قال (ص) تمرة طيبة وماء طهور) زاد الترمذي فتوضأ منه وفي ~~سنده أبو زيد مولى عمرو بن حريث وهو مجهول، وفي سنده أيضا أبو فزارة ولا ~~يدرى من هو، واعل أيضا بالاختلاف في حضور ابن مسعود ليلة الجن. # 2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 237 ج 2 / انظر تفصيل الكلام عليه في نصب ~~الراية. 1 - يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن امرأة من خثعم ~~قالت يا رسول الله ان فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا ~~لا يستطيع ان يستمسك على الراحلة (أفأحج عنه قال نعم. الخ انظر تلخيص ~~الحبير 1 - والى مالا يكون مذكورا فيه - فيه تحريف والصواب والى ما يكون كل من ~~الامرين مذكورا فيه. 1 - رعاية المصلحة في شرع الاحكام لم يوجبها أحد سوى الله عليه وإنما ~~أوجبها سبحانه على نفسه رحمة منه بعباده، ويقال أيضا إن رعاية المصلحة في ~~التصرفات هو مقتضى الحكمة وموجب الرحمة فكان احكم الحاكمين، وارحم ~~الراحمين، أولى بذلك في فعله وشرعه. 1 - لو قال تصرفات العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة وقضايا العقل، فاحكم ~~الحاكمين أولى بذلك لكان انسب في حق الله ومغنيا عن قوله الغالب من تصرفات ~~الشارع ان تكون على وفق تصرفات العقلاء فان فيها ما فيها. # 2 - أصحابنا يعني الأشعرية - وقد تقدم ما في ذلك تعليقا ص 260 ج 3 الخ. 1 - وهذا - فيه تحريف، والصواب فهذا لأنه جواب قوله وأما إذا كان اللفظ. # 2 - تقدم تعليقا ص 191 ج 3 ان هذا الحديث غير صحيح. فما بنى عليه من ~~التمثيل به لما حكمه منصوص وعلته مستنبط غير صحيح أيضا، والصحيح ms990 ان كلا من ~~تحريم الخمر وعلته الموجبة له منصوص في الكتاب والسنة قال تعالى: يا أيها ~~الذين آمنوا) - إلى قوله - (فهل أنتم منتهون) وقوله (ص). 1 - أو لازما من مدلول كلامه - فيه سقط والأصل أو الحكم لازما من مدلول ~~كلامه 2 - الحاصل ان الأقسام العقلية في هذا المقام أربعة. # الأول ذكر الوصف والحكم في النص، كما في حديث لا يقضى القاضي وهو غضبان، ~~وهذا متفق فيه على أن الوصف مومى إليه. # الثاني ذكر الوصف والحكم مستنبط منه لازم له كما قوله تعالى (وأحل الله ~~البيع وحرم الربا) فحل البيع هنا وصف مستلزم للصحة والا لما كان للحل فائدة ~~ولارتفع بارتفاع الصحة، وكذا القول في تحريم الربا فإنه مستلزم لبطلان ~~العقد، وهذا القسم مختلف في كون الوصف مومى إليه. # والثالث ذكر الحكم في النص والوصف لازم له مستنبط منه كحل البيع للحاجة ~~إلى تبادل المنافع فالحاصل منصوص والحاجة مستنبطة منه. وهذا متفق على أنه ~~ليس مومى إليه. # الرابع وهو الا يذكر الحكم ولا الوصف فهذا لا وجود له. 1 - التقسيم لغة التجزئة، والمراد به هنا ترديد المستدل بين ما جمعه من ~~الأوصاف التي يحتمل ان يكون كل منها علة الحكم، والسبر لغة الاختبار، ~~والمراد منه هنا اختبار كل وصف من الأوصاف التي انحصر التعليل فيها بطريق ~~من الطرق الآتية ليتميز ما يصلح منها للتعليل فيضاف إليه الحكم ويلغي منها ~~ما لا يصلح للتعليل 2 - تقدم ما في ذلك تعليقا. 1 - أو قال - عطف على قوله قال الناظر. # 2 - الأمران هما حصر ما يحتمل ان يكون علة للحكم من الأوصاف والغاء ما لا ~~يصلح منها للتعليل بطريق من طرق الالغاء الآتية ليتمحض ما بقي منها ~~للتعليل. 1 - هذه ستة اعتراضات واردة على ما استدل به الناظر من قوله لأني بحثت الخ ~~وقد أجاب عنها المستدل بستة أجوبة مرتبة ترتيبها. # 2 - الناظر من بحث لنفسه فما غلب على ظنه وجب عليه العمل به والمناظر به ~~بحث مع خصم يناقشه في دليله فان اقنع ms991 المستدل خصمه أو ألزمه الحجة كان ~~افحاما، وان عجز المستدل عن اتمام دليله أو انتقل إلى دليل آخر كان منقطعا 1 - وعند ذلك - يعني عند ثبوت الحكم دون الوصف المحذوف، وثبوته مع الوصف ~~المستبقى في كل صورة فتبين.. الخ. 1 - جزء من حديث أخرجه السنة من طريق أبي هريرة قال قال رسول الله (ص) من ~~أعتق شقصا له في عبد، فخلاصه في ماله ان كان له مال، فان لم يكن مال استعى ~~العبد غير مشفوق عليه ورواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر قال قال رسول ~~الله (ص) من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة ~~عدل فاعطي شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد والا فقد عتق منه ما عتق. 1 - والإحالة - الصواب والإخالة بالخاء المعجمة. # 2 - أبو زيد - وهو عبيد الله بن عمر الدبوسي القاضي مات 430 ه‍. 1 - إذا كان التساوي والرجوحية في آحاد الصور الشاذة عاد الثالث والرابع ~~إلى الثاني، ثم للنكاح مقاصد كثيرة، منها التناسل وعفة الفرج وإتراف النفس ~~والتعاون على متاعب الحياة، وبعض مقاصده أهم من بعض، وإذن فبعد التناسل في ~~نكاح الآيسة لا يفضي إلى عدم الحكمة أو المقصود مطلقا، وان أفضى إلى ظن عدم ~~مقصود من مقاصد النكاح. # 2 - الحكم بكسر الحاء جمع حكمة. 1 - ارجع إلى كتاب المقاصد من كتاب الموافقات للشاطي فإنه قسمها إلى ~~ضروريات وحاجيات وتحسينيات وذكر مكملات كل منها، وأوضحها بالتعاريف ~~والأمثلة. # 2 - فيه سقط - تقديره واما حفظ النسل فبشرع النكاح وحد الجلد والرجم. 1 - انظر ص 290 - 206 ج 19 من مجموع الفتاوي لابن تيمية. والجزء الثاني من ~~الموافقات ومبحث الأوامر والنواهي من الجزء الثالث منها. # 2 - لا تختل - الجملة خبر ثان للمصلحة. # 3 - ودليله - دليل قوله (المصلحة امر حقيقي لا تختل الخ. # 4 - والثاني محال - تحته صورتان الأولى بطلان المصلحة بالمفسدة دون العكس ~~والثاني بطلان المفسدة بالمصلحة دون العكس، وعلة البطلان فيهما واحدة هي ~~عدم الأولوية. # 5 - هو في الحقيقة رابع ms992 لما تقدم من أن الثاني تحته صورتان 1 - لحبس - فيه تحريف والصواب التجسس. # 2 - بتأدي النظر - لعله ببادئ النظر - بباءين. 1 - محال على المفسدة - اي راجع إليها، ناشئ منها، وليس المراد بالمحال ما ~~يقابل الواجب والجائز العقليين. 1 - ولا يخفى ان ما مثل هذا المقصود - تكرر من الآمدي استعمال هذا التركيب ~~وعبارته قلقة وقد تقدم الكلام على ذلك تعليقا ص 141 ج 2. وأقول لو حذفت ما، ~~أو بقيت وزيد بعدها كان لسهلت العبارة ووضح معناها. 1 - يعبر عنه أيضا بالمصلحة المرسلة. وسيأتي الكلام عليها في الأدلة ~~المختلف فيها. 1 - تقدم ما فيه تعليقا غير مرة. # 2 - لو قال المعتزلي: أحكام الله من صنعه لقلنا انه بنى تعبيره على مذهبه ~~من أن كلام الله مخلوق لفظه ومعناه، لكن الآمدي أشعري يرى احكام الله خطابه ~~وانها قديمة غير مخلوقة، وانها شئ واحد في نفسه، وان تعددت باعتبار ~~متعلقاتها وتعلقاتها كما تقدم ذلك ص 249 ج 3 فكيف يقول هنا ان احكام الله ~~من صنعه: # فكان ينبغي أن يقول احكام الله من شرعه، إحقاقا للحق وتأدبا مع الله في ~~نسبة صفاته إليه وليسلم من التناقض. 1 - رواه احمد في مسنده، وعبد الرزاق في مصنفه، وابن ماجة في سننه من طريق ~~ابن عباس بلفظ (لا ضرر ولا ضرار) وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي وهو رافضي ~~مدلس، وقد ضعفه جماعة ورماه آخرون بالكذب، مات سنة عام 128 أو 132 ه‍ وقد ~~رواه الطبراني في معجمه الوسط من حديث جابر بن عبد الله قال: # قال رسول الله (ص) (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) وفي اسناده محمد بن ~~إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وللحديث طرق أخرى لا يخلو بعضها من مطعن، ولكن ~~معناه صحيح يشهد له استقراء نصوص الشريعة والأصول العامة في الكتاب والسنة. 1 - روى القصة مالك في الموطأ من طريق ثور بن يزيد الديلي عن عمر، وأخرجها ~~الحاكم في المستدرك من طريق ثور عن عكرمة عن ابن عباس، ورواها عبد الرزاق ~~في مصنفه ms993 من طريق عكرمة عن عمر بن الخطاب، وقد روى مسلم القصة في صحيحه من ~~طريق انس بن مالك، وفيها ان الذي أشار على عمر هو عبد الرحمن بن عوف، فيجوز ~~ان يكون كل من علي وعبد الرحمن أشار على عمر ان يجلد الشارب ثمانين جلدة. 1 - تقدم ما فيه تعليقا ص 285 ج 3، وقد يقال هنا إن شرع الاحكام غير ~~الاحكام. 1 - يعني دليل الاجماع وأدلة العقل والنقل التي ذكرها أول الفصل الثامن ص ~~285 ج 3 2 - هذا الجواب غير صحيح لوجهين الأول ان الأول ان الأمور المنهى ~~عنها من الكفر والربا والزنا ونحوها من المعاصي، والشرور، أفعال تتعلق بها ~~القدرة فمخالف الأمور المنهي عنها تتعلق قدرته باحداثها وايجادها واما ~~موافقة النهى بترك المنهي عنه فمن باب التروك، والتروك قد يدعى فيها انها ~~ليست بأفعال، فلا تتعلق بها قدرة ولا يكون فيها تكليف. وقد يفسر ترك المنهى ~~بالكف عنه والكف فعل تتعلق به القدرة والتكليف والثاني ان مخالفة نهي ~~الشارع بالكفر ونحوه لو لم تتعلق به القدرة لم يكن العبد مكلفا به ولم يكن ~~من كسبه فلا يعاقب عليه، وذلك باطل. 1 - الجواب الثاني: أيضا غير صحيح. فان ما ذكر من الاجماع وأدلة العقل ~~والنقل أول الفصل الثامن دل على أن جميع فعال الله وأحكام شرعه مبنية على ~~الحكمة دون فرق بين أنواعها من خير وشر وأمر ونهي، فالجواب الصحيح أن ~~الافعال مخلوقة، لله وهي باعتبار صدورها عنه مقتضى الحكمة وموجب العدالة. ~~وان تألم منها العباد وكانت في ظاهرها شرا فقد تكون ابتلاء وامتحانا لرفع ~~الدرجات وتمييز الطيب من الخبيث، وقد تكون تمحيصا للذنوب وتكفيرا للسيئات، ~~وقد تكون عقوبة وجزاءا عادلا على ذنب سابق، وقد تكون لغير ذلك مما لا يعلمه ~~الا الله وقريب من ذلك ما ذكره الآمدي في الوجه الثالث من الجواب. 1 - تقدم ما فيه تعليقا ص 249 ج 3 والتعلق امر اعتباري لا ينفعه التعلل به ~~2 - بل الحكم مقتضية للأحكام موجبة لها لكن لا ms994 بنفسها بل باعتبار الشرع لها ~~فلا يتخلف عنها حكمها الا لمعارض معتبر شرعا من فقد شرط أو وجود مانع، ~~والجواب الصحيح عن الشبهة السادسة ان آحاد كلام الله وخطابه وآحاد احكام ~~شريعته حادثة وقت نزول الوحي بشرعها، وانها لحكم ومقاصد اقتضت شرعها وخطاب ~~المكلفين بها في ذلك الوقت دون ما قبله ولم يكن لشئ من ذلك وجود في نفسه ~~قبل زمنه الذي على الله وجوده فيه. وعلى ذلك فلا مانع من تعليل الاحكام ~~بالحكم والمقاصد 3 - تقدم الكلام على الحديث تعليقا ص 140 ج 3. 1 - لحكمة الحكم جهتان، الأولى رعايتها والقصد إلى تحصيلها فشرع الحكم ~~لأجلها، والثانية تحققها في الخارج ثمرة لتنفيذ الحكم وتطبيقه، وهي باعتبار ~~الجهة الأولى علمية متقدمة على الحكم علما وقصدا باعتبار الجهة الثانية ~~متحققة في الخارج متأخرة عن الحكم وعن تطبيقه، وقد تكون مقارنة لتطبيقه، ~~وقديما قيل: أول الفكرة آخر العمل. # 2 - الحق ان من كمال الله وجوب مراعاته الحكمة في فعله وشرعه فذلك مقتضى ~~كما له وموجب عدله واحسانه وان قيل ذلك واجب عليه فهو سبحانه الذي أوجبه ~~على نفسه رحمة منه بعباده (كتب ربكم على نفسه الرحمة). 1 - لو قال غير أنه أطلق في الاصطلاح على نوع من الأقيسة معين، وقد اختلفت ~~آراء الأصوليين في تعريفه لكان انسب، فإنه لا يريد في هذا الفصل تعريف كل ~~قياس ولا تعريف القياس من حيث هو وإنما يريد نوعا معينا يسمى بهذا الاسم ~~بدليل بنائه على جامع معين، واختياره آخر المسألة تعريفا له لا يشاركه فيه ~~غيره من الأقيسة وجعله أثناء المسألة قسيما للقياس المناسب والقياس الطردي. 1 - فيه سقط حرف الشرط وفعله، والتقدير فان ظهرت فيه المناسبة بوقوف الخ ~~وجواب الشرط قوله بعد فهو المناسب 1 - تقدم ما فيه تعليقا غير مرة. 1 - سيأتي ذلك في النوع الرابع من أنواع الأدلة المختلف في حجيتها تحت ~~عنوان (المصلحة المرسلة) 2 - يعني والنزول عن رتبة تأثير العين في العين ~~إلى رتبة تأثر الجنس في الجنس لا يوجب... الخ. ms995 1 - مناط الحكم متعلقة كما يكون علة منصوصة أو مستنبطة يكون قاعدة كلية ~~منصوصة، أو مجمعا عليها، فتفسير المناط بالعلة تفسير له ببعض أنواعه. # 2 - تحقيق المناط قد يكون بتطبيق القاعدة الكلية المنصوصة أو المجمع ~~عليها في آحاد الصور، وقد يكون بالنظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور ~~فتعريف الآمدي له بما ذكر تعريف بالأخص. # 3 - مناط تحريم الخمر منصوص لا مستنبط لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا ~~انما الخمر والميسر) إلى قوله (فهل أنتم منتهون) وقوله (ص) " كل مسكر خمر ~~وكل مسكر حرام " رواه الجماعة الا البخاري، وفي رواية مسلم (كل مسكر خمر ~~وكل خمر حرام) 4 - وكذا لا خلاف في تحقيق القاعدة الكلية الثابتة بنص أو ~~اجماع. 1 - بطريقة - الصواب بطريقه الهاء، فإنه ليس بلازم ان يكون الغاء كل وصف ~~بطريقة خاصة، بل قد تجتمع أوصاف في الحذف بطريق واحد من الطرق التي سبق ~~ذكرها في السبر والتقسيم. # 2 - تحريم الخمر منصوص العلة كما تقدم وكذا وجوب القصاص لقوله تعالى (ومن ~~قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) وللأحاديث الكثيرة في ذلك ولكن بطريق ~~الايماء. ms996