######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_002924Vols
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الآمدي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 631
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: الاحكام
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه عند المذاهب السنية
#META# 022.BookVOLS :: 4
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_002924Vols
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2924_الاحكام-الآمدي-ج-1
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: تعليق : عبد الرزاق عفيفي
#META# 041.EdNUMBER :: الثانية
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1402
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# الاحكام في أصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الآمدي علق
~~عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الأول المكتب الاسلامي
~~PageV0MP001
# طبع بإذن فضيلة الشيخ المحقق و مؤسسة النور الطبعة الأولى 1387 ه.
~~الرياض الطبعة الثانية 1402 ه. بيروت المكتب الاسلامي دمشق: ص ب 800 -
~~هاتف: 111637 - برقيا: إسلامي بيروت: ص ب 3771 / 11 - هاتف: 450 638 -
~~برقيا: إسلاميا PageV0MP002
# بسم الله الرحمن الرحيم كلمة - موجزة عن تاريخ أصول الفقه احمد اللهم
~~حمدا يليق بجلالك، وأشكرك شكرا يوافي نعمك، ويكافئ مزيدك سبحانك لا نحصي
~~ثناءا عليك أنت كما أثنيت على نفسك. واشهد ان لا اله الا أنت وحدك لا شريك
~~لك شهادة تكفر بها عنا السيئات، وترفعنا بها عندك أعلى الدرجات وأشهد ان
~~محمدا عبدك المرتضى، ونبيك المجتبي، ورسولك المصطفى، صلوات الله وسلامه
~~عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلي يوم الدين.
# وبعد. فأصول الفقه من العلوم التي عم نفعها، وعظمت فائدتها، فقد استطاع
~~به المجتهدون فطرة واستعدادا، أو دراسة واكتسابا ان يستثمروا نصوص الشريعة،
~~وان يستنبطوا بها الاحكام من أدلتها التفصيلية على أكمل وجه وأتقنه، وأوضح
~~طريق وأبينه. ووقف من عني بدراسته من العلماء المقلدين على ماخذ الأئمة
~~المجتهدين ومداركهم، وعرفوا طريقهم في اجتهادهم ومذاهبهم في استنباطهم،
~~فطبقوا قواعدهم على ماجد من أقضية، واستخرجوا على أصولهم أحكاما في كثير من
~~المسائل نسبوها إليهم تخريجا حيث لم يثبت عنهم فيها حكم نصا.
# وقد يبلغ من يعني بعلم الأصول ويأخذ نفسه بدراسة قواعده استدلالا عليها
~~وتطبيقا لها على نهج من تقدمه من الأئمة ان يكون مجتهدا مطلقا يعتمد في
~~بحثه على أصول الشريعة، ويرجع إلى أدلتها ويستنبط منها الاحكام. وربما كان
~~هذا أيسر له وأعم نفعا، واسلم عاقبة من اجتهاده في المسائل على مقتضي أصول
~~امام معين واستخراج الفروع على أصوله. PageV0MP003
# وقد كانت العربية سليقة للصحابة رضي الله عنهم وبلغتهم نزل القران، وبها
~~بينه النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يعرفون مقصد الكلام ومغزاه من لحن
~~القول وفحواه، وقد شهدوا ms001 عهد الوحي والتنزيل، ولزموا النبي صلى الله عليه
~~وسلم في سفره وإقامته، وكانوا مع ذلك على جانب عظيم من الفطنة والذكاء
~~وسلامة الذوق ونور البصيرة والحرص على التشريع علما وعملا، فوقفوا على
~~أسرار الشريعة ومقاصدها، ولم يجدوا في أنفسهم حاجة إلى دراسة قواعد
~~يستعينون بها في استثمار نصوص الشريعة ولا ضرورة تلجئهم إلى تدوين أصول
~~يرجع إليها في استنباط الاحكام من الأدلة.
# وقد سار التابعون على مدرجتهم، وسلكوا سبيلهم فاستغنوا غناهم لقرب العهد
~~بالوحي، وقوة الصلة بالصحابة، وكثرة الاخذ عنهم والمخالطة لهم، وغلبة
~~السلامة على اللغة العربية من الكلمات الدخيلة.
# ولما بعد العهد بزمن النبوة، وكثر اختلاط العرب بغيرهم من الفرس والروم،
~~وترجم كثير من الكتب اليونانية وغيرها إلى اللغة العربية أيام الدولة
~~العباسية استعجم كثير من العرب في لغتهم، وأساليب كلامهم، وتأثرت أذواقهم،
~~واختلف مناهجهم وتغيرت أغراضهم في نثرهم وشعرهم. واللغة العربية لغة الكتاب
~~والسنة أسلوبا ومنهجا، ومقصدا ومغزي فهي الطريق إلى فهمهما والعمدة في
~~ادراك أسرارهما وعليها يتوقف معرفة كثير من وجوه اعجاز القران، فلذا عني
~~العلماء يحفظها في جوانبها المختلفة بشتى الوسائل وتوسعوا في تدوين
~~قواعدها، وبدأوا يضعون قواعد أصول الفقه. وساعدهم على ذلك ما وقفوا عليه في
~~الكتب المترجمة من صناعة التأليف ونظام التقعيد وحسن التبويب والترتيب.
# وزاد تدوين أصول الفقه سهولة أن قواعده عند علماء الحديث في الحجاز
~~وعلماء الرأي بالعراق بدأت تتمايز في نقاش المجتهدين من الفريقين، وتظهر في
~~حجاجهم واستدلالهم، وان لم تكن مدونة لديهم.
# وكان أول من عني بتدوين أصول الفقه فيما اشتهر بين العلماء أبو عبد الله
~~محمد ابن إدريس الشافعي فأملى كتابه المعروف بالرسالة، وكتبه عنه الربيع بن
~~سليمان المرادي، وقد جمع في املاء الرسالة بين أمرين اجمالا. PageV0MP004
# الأول: تحرير القواعد الأصولية وإقامة الأدلة عليها من الكتاب والسنة
~~وإيضاح منهجه في الاستدلال وتأييده بالشواهد من اللغة العربية.
# الثاني: الاكثار من الأمثلة لزيادة الايضاح، والتطبيق لكثير من الأدلة
~~على قضايا في أصول الشريعة وفروعها، مع نقاش للمخالفين تزيده جزالة العبارة
~~قوة، ms002 وتكسبه جمالا فكان كتابه قاعدة محكمة بنى عليها من جاء بعده، ومنهجه
~~فيه طريقا واضحا سلكه من الف في هذا العلم وتوسع فيه.
# وقد تبعه في الامرين أبو محمد علي بن حزم في كتابه " الاحكام في أصول
~~الاحكام " بل كان أكثر منه سردا للأدلة النقلية مع نقدها، وايرادا للفروع
~~الفقهية مع ذكر مذاهب العلماء فيها، وما احتجوا به عليها، ثم يوسع ذلك نقدا
~~ونقاشا ويرجح ما يراه صوابا. غير أن أبا محمد وان كان غير مدافع في سعة
~~علمه واطلاعه على النصوص.
# وتمييز صحيحها من سقيمها، و المعرفة بمذاهب العلماء وأدلتها، وايراد ذلك
~~في أسلوب رائع، وعبارات سهلة واضحة، لم يبلغ مبلغ الشافعي. فقد كان الشافعي
~~أخبر منه بالنقل، واعرف بطرقه، وأقدر على نقده، وأعدل في حكمه وأدرى بمعاني
~~النصوص ومغزاها، وأرعى لمقاصد الشريعة وأسرارها، وبناء الاحكام عليها مع
~~جزالة في العبارة تذكر بالعربية في عهدها الأول، ومع حسن أدب في النقد،
~~وعفة لسان في نقاش الخصوم والرد على المخالفين.
# ولو سلك المؤلفون في الأصول بعد الشافعي طريقته في الامرين تقعيدا
~~واستدلالا وتطبيقا وايضاحا بكثرة الأمثلة وتركوا الخيال وكثرة الجدل
~~والفروض واطرحوا العصبية في النقاش والحجاج. ولم يزيدوا الا ما تقتضي طبيعة
~~النماء في العلوم اضافته من مسائل وتفاصيل لما أصل في الأبواب، والا ما
~~تدعوا إليه الحاجة من التطبيق والتمثيل من واقع الحياة للايضاح، كما فعل
~~ابن حزم لسهل هذا العلم على طالبيه ولانتهى بمن اشتغل به إلى صفوف
~~المجتهدين من قريب.
# ولكنهم اختلفوا فاخذ كل جانبا.
# فمنهم من عنى بالقواعد واثباتا بالأدلة عقلا ونقلا مع بسط القول ووضوح
~~العبارة في سوق الأدلة ونقاشها وضوحا لا يعوز القارئ إلى شرح أو بيان.
~~PageV0MP005
# غير أنهم قصروا في جانب الأمثلة والتطبيق فلا يوجد في كتبهم من ذلك الا
~~النزر اليسير، ثم هو تقليدي يرثه الاخر عن الأول فلا تنويع ولا تجديد ولا
~~تطبيق لماجد من القضايا في العهود المختلفة وأكثروا مع ذلك من الجدل
~~والخيال والفروض وألوان الاحتمال، وذكر مسائل لا ms003 تدعو لها الحاجة، وقد عرفت
~~هذه الطريقة بطريقة علماء الكلام، وممن نسج على منوالها في تأليفه أبو
~~الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي في كتابه المعتمد، وأبو
~~المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الأشعري الشافعي الشهير بامام
~~الحرمين في كتابه البرهان، وأبو حامد محمد بن محمد الغزالي الأشعري الشافعي
~~في كتابه المستصفى، فهؤلاء و من سلك سبيلهم لم يراعوا في تأليفهم فروع مذهب
~~معين انما همهم تفصيل القواعد الأصولية وإيضاحها بالأمثلة وذكر خلاف
~~العلماء فيها والاستدلال عليها ومناقشة الأدلة وترجيح ما يرونه، وقد جمع ما
~~في هذه الكتب فخر الدين محمد بن عمر الرازي الأشعري الشافعي في كتابه
~~المحصول، وأبو الحسن علي بن أبي علي محمد بن سالم السيف الآمدي الأشعري
~~الشافعي في كتابه (الاحكام) مع بسط في القول ووضوح في العبارة.
# ومنهم من أكثر من المسائل الفقهية، وعني فيها بالانتصار لمذهب معين، وقرر
~~إلى جانبها قواعد أصولية على ضوء ما حكم به امامه في هذه المسائل، فكان
~~صنيعه في تأليفه أشبه بصنيع مجتهد المذهب الذي يعني بمعرفة أصول امامه من
~~الفروع التي نص على حكمها، لا صنيع المجتهد المطلق أو العالم الأصولي
~~المنصف الذي يعني ببحث القواعد الأصولية على ضوء أصول الشريعة والاستدلال
~~عليها بالكتاب والسنة، دون ميل إلى نصرة مذهب معين في الفروع الفقهية.
# وتسمى هذه الطريقة طريقة الحنفية لشيوعها فيهم، ممن نهج سبيلها أبو زيد
~~عبيد الله بن عمر الدبوسي، ومحمد بن أحمد السرخسي وعلي بن محمد البزدوي.
# ولو سلك هؤلاء طريق الاستقراء فأكثروا المسائل الفقهية من أبواب شتى على
~~أن يجمعها وحدة أصولية كما فعل ذلك الشاطبي أحيانا في كتاب الموافقات،
~~وقصدوا بذلك الشرح والايضاح، والارشاد إلى ما بينها من معنى جامع يقتضي
~~اشتراكها PageV0MP006
# في الحكم دون تقيد بمذهب معين ليخلصوا إلى القاعدة الأصولية، واتبعوا ذلك
~~ما يؤيد الاستقراء من أدلة العقل والنقل لكان طريقة طبيعيا تألفه الفطر
~~السليمة وتعتمده عقول الباحثين المنصفين ولأكسبوا من قرأ في كتبهم استقلالا
~~في الحكم وفتحوا امامهم باب ms004 البحث والتنقيب، ويسروا لهم تطبيق القواعد
~~الأصولية على ماجد ويجد من القضايا في مختلف العصور.
# واكتفى من جاء بعد هؤلاء باختصار كتب من سبقهم وتلخيصها غالبا على إحدى
~~الطريقتين كالبيضاوي في المنهاج، وربما جمع بعضهم في مختصره بين الطريقتين
~~كابن الهمام في تحريره، وقد بلغ كثير من المختصرات حد الألغاز فاضطر من
~~يقرؤها ان يرجع إلى الأصول التي منها اختصرت ليتمكن من فهمها أو شرحها.
# وخير لمن يزيد فهم علم الأصول على وجهه ويرسخ فيه ان يرجع في قراءته إلى
~~كتب الأوائل فإنها اقعد، عبارتها أدق وأوضح، وتحريرهم لمحل النزاع وحكايتهم
~~الخلاف أوفق، لأنهم بذلك اعرف، ونقاشهم للأدلة جار على أصول النقد، وقواعد
~~الجدل، والمناظرة عند العلماء.
# هذا ولما عزم الأخ الكريم الشيخ (على بن حمد الصالحي) على طبع كتاب
~~(الاحكام في أصول الاحكام) للآمدي لكونه من مراجع الدراسة في (المعهد
~~العالي للقضاء) وانفاد ما طبع منه قبل ذلك سألني طلاب المعهد ان اكتب عليه
~~كلمات فاستجاب لطلبهم تحقيقا لرغبتهم، وأداءا لبعض الواجب على، ولم أحاول
~~ان اقف من الكتاب موقف الشارح، فالكتاب واضح العبارة، عالي الأسلوب بسط
~~مؤلفه القول فيه، وأرخى لقلمه العنان في بيان معانيه، فهو غني بوضوحه عن
~~الشراح، بل من أراد ذلك منه احتقر عبارة نفسه إلى جانب عبارة الآمدي.
# لذا اقتصرت على نقد دليل، أو التنبيه على خطأ في رأي، أو تأويل لنص، أو
~~بيان ضعف حديث، أو تصحيح لتحريف في الأصول التي طبع عليها قدر الطاقة مع
~~الايجاز، ولم أستقص في ذلك لضيق وقتي، وضعف قوتي، وطول الكتاب، وحرص الطابع
~~على اخراج الكتاب بسرعة، وقد اكتفي عن تفصيل القول أو بيان الخطأ في البحث
~~بإشارة إلى مراجع معتمدة في نظري. والله اسال ان يلهمني الرشد والصواب فإنه
~~سبحانه الهادي إلى سواء السبيل. PageV0MP007
# وفيما يلي ترجمة للمؤلف أحببت ان أقدمها بين يدي الكتاب وتعليقاتي عليه.
# (ترجمه السيف الآمدي) من الميزان للذهبي، ولسان الميزان لابن حجر،
~~والبداية لابن كثير، والوفيات لابن خلكان، والطبقات لابن السبكي، مع ms005 بعض
~~تصرف.
# هو أبو الحسن علي بن أبي علي محمد بن سالم التغلبي الآمدي. ولد بآمد "
~~بلدة بديار بكر " عام 551 ه وقدم بغداد وتعلم وتفقه على مذهب الإمام أحمد
~~بن حنبل وحفظ كتاب الهداية لأبي الخطاب، ثم صار شافعيا واشتغل بعلم الخلاف
~~وتفنن في علم النظر ويقال انه حفظ الوسيط لأبي حامد الغزالي ويذكر عن ابن
~~عبد السلام انه قال ما علمت قواعد البحث الا من السيف الآمدي وما سمعت أحدا
~~يلقى الدرس أحسن منه، وكان إذا غير لفظة من الوسيط كان اللفظ الذي يأتي به
~~أقرب إلى المعني قال ولو ورد على الاسلام من يشك فيه من المتزندقة لتعين
~~الآمدي لمناظرته.
# وذكر ابن خلكان انه لما انتقل إلى الشام اشتغل بالعلوم العقلية ثم انتقل
~~إلى مصر متصدر بالجامع الظافري وانتشرت فضائله فحسده أقوام فسعوا به وكتبوا
~~خطوطهم باتهامه بمذهب الأوائل ولا تعطيل والانحلال وطلبوا من بعضهم ان
~~يوافقهم فكتب.
# حسدوا الفتي إذ لم ينالوا سعيه * فالقوم أعداء له وخصوم فانتقل الآمدي
~~إلى حماة وصنف بها التصانيف، ثم انتقل إلى دمشق ودرس بالعزيزية ثم عزله
~~الأشرف لاشتغاله بالمنطق وعلوم الفلسفة.
# وذكر ان الذهبي في الميزان انه صح عن الآمدي انه كان تاركا للصلاة ا ه.
# ويظهر ان الذهبي استند في ذلك إلى ما نقله في كتابه تاريخ الاسلام عن
~~شيخه القاضي تقي لادين سليمان بن حمزة أبي الفضل المقدسي حكاية عن الشيخ
~~شمس الدين ابن أبي عمر قال كنا نتردد على السيف الآمدي فشككنا هل يصلي
~~PageV0MP008
# فتركناه حتى نام، وعلمنا على رجله بالحبر فبقيت العلامة نحو يومين مكانها
~~أقول قد يبقي الحبر إياما على العضو مع تتابع الوضوء والغسل وخاصة عضو من
~~لا يرى التدليك فرضنا في الطهارة بل يكتفي بإسالة الماء في غسله ووضوئه ولا
~~أدري كيف سكت من كان يتردد عليه الطلب العلم عن الانكار عليه أو النصح له
~~أو الحديث معه في الصلاة ان كان ما ذكروا دليلا عندهم على تركه للصلاة وعلى
~~كل حال فالأصل ms006 البراءة حتى يثبت الناقل.
# وقال ابن كثير في البداية: كان حنبلي المذهب كثير البكاء رقيق القلب وقد
~~تكلموا فيه بأشياء الله اعلم بصحتها والذي يغلب على الظن انه ليس لغالبها
~~صحة وقد كانت ملوك بني أيوب كالمعظم والكامل يكرمونه وان كانوا لا يحبونه
~~كثيرا وقد فوض إليه المعظم التدريس بالعزيزية فلما ولي الأشرف عزله
~~لاشتغاله بالمنطق وعلوم الأوائل، فلزم بيته حتى توفي في صفر سنة 631 ه عن
~~ثمانين سنة انتهي، وقد برأه ابن كثير مما رمي به في الجملة فأنصفه من خصومة
~~وأنصف خصومه منه.
# أقول ان الآمدي درس الفلسفة بأقسامها المختلفة وتوغل فيها وتشعب بها روحه
~~حتى ظهر أثر ذلك في تأليفه. ومن قرأ كتبه وخاصة ما الفه في علم الكلام
~~وأصول الفقه يتبين له ما ذكرت، كما يتبين له منها انه كان قوي العارضة كثير
~~الجدل واسع الخيال كثير التشقيقات في تفصيل المسائل والترديد والسبر
~~والتقسيم في الأدلة إلى درجة قد تنتهي بالقارئ أحيانا إلى الحيرة.
# فمن كره من الولاة والعلماء منطق اليونان والخوض في سائر علوم الفلسفة
~~وخاصة ما يتعلق منها بالإلهيات وكره كثرة الجدل والاسترسال في الخيال
~~والاكثار من تأويل النصوص وذكر الاحتمالات خشية ما تفظي إليه من الحيرة
~~والمتاهات مع قلة الجدوى منها تارة وعدم الفائدة أحيانا كالأشرف والذهبي
~~كره الآمدي دينا. وأنكر عليه ما رآه منكرا، وقد يجد في كتبه ومسلكه في
~~تأليفها ما يؤيد رأيه فيه ويدعوا إلى النيل منه. PageV0MP009
# ومن لم يكره ذلك ولكنه ضاق ذرعا بالآمدي لعجزه عن أن يصل إلى ما وصل إليه
~~من التبحر في العلوم، وقوة عارضته وحضور بديهية في الجدل والمناظرة وحسن
~~أسلوبه وبارع بيانه في التدريس وصناعة التأليف حسده حيث لم يؤت مثل ما أوتي
~~في نظره كما في ذكره ابن خلكان عن بعض العلماء في سبب خروجه عن مصر
~~مستخفيا.
# ومن لم ير بأسا بدراسة المنطق وسائر علوم الفلسفة والف التأويل للنصوص
~~وكثرة الفروض والاحتمالات دراسة ومناظرة وتأليفها رفع من شأن الآمدي وعني
~~بالذب ms007 عنه وانهال بالملامة على من حط من قدره أو اتهمه في دينه، أو طعن في
~~تأليفه كابن السبكي حيث عاب الذهبي في انتقاصه الآمدي.
# وقصارى القول ان العلماء لهم منازع شتى ومشارب متباينة فمن اتفقت نزعاتهم
~~تحاجوا وتناصروا واثني بعضهم على بعض خيرا، ومن اختلف أفكارهم ووجهات نظرهم
~~تناحروا وتراموا بالنبال الا من رحم الله.
# وأسعدهم بالحق من كانت نزعة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
~~ووسعه ما وسع السلف مع رعاية ما ثبت من مقاصد الشريعة باستقراء نصوصها
~~فكلما كان العالم أرعى لذلك والزم له كان أقوم طريقا وأهدى سبيلا والمعصوم
~~من عصمه الله وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~وكل بني آدم خطأ وخير الخطائين التوابون. وما الآمدي إلا عالم من علماء
~~البشر يخطئ ويصيب فلننتفع بالصواب من قوله ولنرد عليه خطأه ولنستغفر الله
~~له وليكن شأننا معه كشأننا مع غيره من علماء المسلمين وليكن شعارنا مع
~~الجميع.
# (ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان. ولا تجعل في قلوبنا غلا
~~للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم.) عبد الرزاق عفيفي PageV0MP010
# الاحكام في أصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الآمدي علق
~~عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الأول المكتب الاسلامي
~~PageV01P001
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله خالق الأفلاك ومديرها ومزينها بالشهب
~~الثاقبة ومنيرها وجاعل حركات السيارات دالة على اختلاف أحوال الكائنات
~~وتدبيرها ومظهر حكمه في ابداعه لأنواع موجودات العالم وتصويرها المتفضل
~~بسوابغ الانعام قليلها وكثيرها. العادل فيما قضاه وأمضاه من الاحكام
~~وتقديرها. الذي شرف نوع الانسان بالعقل الهادي إلى أدلة التوحيد ونحريرها.
~~وأهل خاصة العلماء لاستثمار أحكام الشريعة من مداركها وتقريرها حتى استقرت
~~قاعدة الدين وظهرت حكمته في جمعها وتحبيرها.
# واشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة منجية من صغير الموبقات
~~وكبيرها واشهد ان محمدا عبده ورسوله الذي أزال واضح برهانه وأزاح بصادق
~~بيانه. ما ظهر من شبه الملحدة وتزويرها. صلى الله عليه ms008 وعلى آله وصحابته
~~المؤازرين له في اظهار دعوته بحدها وتشميرها والسلام.
# وبعد: فإنه لما كانت الأحكام الشرعية والقضايا الفقهية وسائل مقاصد
~~المكلفين ومناط مصالح الدنيا والدين. وأجل العلوم قدرا وأعلاها شرفا وذكرا.
~~لما يتعلق بها من مصالح العباد في المعاش والمعاد كانت أولى بالالتفات
~~إليها. وأجدر بالاعتماد عليها.
# وحيث كان لا سبيل إلى استثمارها. دون النظر في مسالكها ولا مطمع في
~~اقتناصها. من غير التفات إلى مداركها كان من اللازمات والقضايا الواجبات
~~البحث في أغوارها. والكشف عن اسرارها والإحاطة بمعانيها. والمعرفة بمبانيها
~~حتى تذلل طرق الاستثمار وينقاد جموح غامض الأفكار ولذلك كثر تدآبي وطال
~~اغترابي. في جمع فوائدها. وتحقيق فرائدها. من PageV01P003
# مباحثات الفضلاء ومطارحات النبلاء حتى لان من معركها ما استصعب على
~~المتدربين وظهر منها ما خفي على حذاق المتبحرين وأحطت منها بلباب الألباب.
# واحتويت من معانيها على العجب العجاب فأحببت ان أجمع فيها كتابا حاويا
~~لجميع مقاصد قواعد الأصول مشتملا على حل ما انعقد من غوامضها على أرباب
~~العقول متجنبا للاسهاب وغث الاطناب مميطا للقشرة عن اللباب خدمة لمولانا
~~السلطان الملك المعظم المكرم سلطان الأجواد والامجاد.
# اجل العالم وأفضل من تمتد إليه أعناق الهمم والعزائم. ملك أرباب الفضائل.
~~ناقد خلاص الأفاضيل. باعث أموات الخواطر. ناشر رفات العلوم.
# الدواثر بما خصه الله به من الفضائل التي حاز بها قصب سبق الأولين.
# والمناقب التي يقف دون احصائها عد الحاصرين فبيده زمامها. واليه حلها
~~وإبرامها. وبه كشف أغوارها. والميز بين ظلمها وأنوارها أدام الله سعادته
~~إدامة لا تغرب طوالعها. ولا تنضب مشارعها وان كنت في ضرب المثال كحامل تمر
~~إلى هجر أو طل إلى مطره لكنه أقصى درجات القدر. وغاية منال أفكار البشر
~~وأرجو ان يصادف منه القبول وان يقع منه الاغضاء عما فيه من الغفلة والذهول.
# (وسميته كتاب الأحكام في أصول الاحكام) وقد جعلته مشتملا على أربع قواعد.
# الأولى في تحقيق مفهوم أصول الفقه ومباديه. PageV01P004
# الثانية في تحقيق الدليل السمعي وأقسامه وما يتعلق به من لوازمه واحكامه
~~الثالثة في احكام المجتهدين ms009 وأحوال المفتين والمستفتين.
# الرابعة في ترجيحات طرق المطلوبات.
# اللهم فيسر ختامه وسهل اتمامه وبصرنا بسلوك مسالك الحق اليقين وجنبنا
~~برحمتك عن طريق الزائغين وسلمنا من غوائل البدع واقطع عنا علائق الطمع
~~وآمنا يوم الخوف والجزع. انك ملاذ القاصدين. وكهف الراغبين.
# القاعدة الأولى في تحقيق مفهوم أصول الفقه، وتعريف موضوعه وغايته، وما
~~فيه من البحث عنه من مسائله، وما منه استمداده، وتصوير مباديه وما لا بد من
~~سبق معرفته قبل الخوض فيه فنقول حق على كل من حاول تحصيل علم من العلوم، أن
~~يتصور معناه أولا بالحد أو الرسم ليكون على بصيرة فيما يطلبه، وأن يعرف
~~موضوعه - وهو الشئ الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة له - تمييزا
~~له عن غيره، وما هو الغاية المقصودة من تحصيله، حتى لا يكون سعيه عبثا، وما
~~عنه البحث فيه من الأحوال التي هي مسائله لتصور طلبها، وما منه استمداده،
~~لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه، وأن يتصور مباديه التي لا بد من سبق
~~معرفتها فيه، لامكان البناء عليها.
# أما مفهوم أصول الفقه، فنقول: اعلم أن قول القائل: أصول الفقه قول مؤلف
~~من مضاف، هو الأصول، ومضاف إليه، هو الفقه، ولن نعرف المضاف قبل معرفة
~~المضاف إليه، فلا جرم أنه يجب تعريف معنى الفقه أولا، ثم معنى الأصول
~~ثانيا. PageV01P005
# أما الفقه: ففي اللغة عبارة عن الفهم، ومنه قوله تعالى: * (ما نفقه كثيرا
~~مما تقول) * (11) هود: 91):
# أي لا نفهم، وقوله تعالى: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) * (17) الاسراء:
~~44): أي لا تفهمون، وتقول العرب: فقهت كلامك، أي فهمته.
# وقيل: هو العلم، والأشبه أن الفهم مغاير للعلم، إذ الفهم عبارة عن جودة
~~الذهن، من جهة تهيئه لاقتناص كل ما يرد عليه من المطالب، وإن لم يكن المتصف
~~به عالما، كالعامي الفطن. وأما العلم فسيأتي تحقيقه عن قريب.
# وعلى هذا فكل عالم فهم، وليس كل فهم عالما.
# وفي عرف المتشرعين، الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية
~~الفروعية، بالنظر والاستدلال.
# فالعلم احتراز عن الظن بالأحكام الشرعية، فإنه وإن تجوز ms010 بإطلاق اسم الفقه
~~عليه، في العرف العامي، فليس فقها في العرف اللغوي والأصولي، بل الفقه
~~العلم بها أو العلم بالعمل بها بناء على الادراك القطعي، وإن كانت ظنية في
~~نفسها.
# وقولنا: بجملة من الأحكام الشرعية احتراز عن العلم بالحكم الواحد، أو
~~الاثنين لا غير، فإنه لا يسمى في عرفهم فقها.
# وإنما لم نقل بالأحكام، لان ذلك يشعر بكون الفقه هو العلم بجملة الاحكام.
# ويلزم منه أن لا يكون العلم بما دون ذلك فقها، وليس كذلك.
# وقولنا: الشرعية احتراز عما ليس بشرعي، كالأمور العقلية، والحسية.
# وقولنا: الفروعية احتراز عن العلم بكون أنواع الأدلة حججا، فإنه ليس فقها
~~في العرف الأصولي، وإن كان المعلوم حكما شرعيا نظريا، لكونه غير فروعي.
# وقولنا: بالنظر والاستدلال احتراز عن علم الله تعالى بذلك، وعلم جبريل
~~والنبي عليه السلام فيما علمه بالوحي، فإن علمهم بذلك لا يكون فقها في
~~PageV01P006
# العرف الأصولي، إذ ليس طريق العلم في حقهم بذلك النظر والاستدلال.
# وأما أصول الفقه: فاعلم أن أصل كل شئ، هو ما يستند تحقيق ذلك الشئ إليه.
# فأصول الفقه: هي أدلة الفقه، وجهات دلالاتها على الأحكام الشرعية، وكيفية
~~حال المستدل بها، من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل، بخلاف الأدلة الخاصة،
~~المستعملة في آحاد المسائل الخاصة.
# وأما موضوع أصول الفقه: فاعلم أن موضوع كل علم، هو الشئ الذي يبحث في ذلك
~~العلم عن أحواله العارضة لذاته.
# ولما كانت مباحث الأصوليين في علم الأصول، لا تخرج عن أحوال الأدلة
~~الموصلة إلى الأحكام الشرعية المبحوث عنها فيه، وأقسامها، واختلاف مراتبها،
~~وكيفية استثمار الأحكام الشرعية عنها، على وجه كلي، كانت هي موضوع علم
~~الأصول.
# وأما غاية علم الأصول: فالوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية، التي هي مناط
~~السعادة الدنيوية والأخروية.
# وأما مسائله فهي: أحوال الأدلة المبحوث عنها فيه مما عرفناه.
# وأما ما منه استمداده، فعلم الكلام، والعربية، والأحكام الشرعية:
# أما علم الكلام: فلتوقف العلم بكون أدلة الاحكام مفيدة لها شرعا، على
~~PageV01P007
# معرفة الله تعالى وصفاته، وصدق رسوله فيما جاء به، وغير ذلك مما ms011 لا يعرف
~~في غير علم الكلام.
# وأما علم العربية: فلتوقف معرفة دلالات الأدلة اللفظية، من الكتاب،
~~والسنة، وأقوال أهل الحل والعقد من الأمة، على معرفة موضوعاتها لغة، من جهة
~~الحقيقة، والمجاز، والعموم، والخصوص، والاطلاق، والتقييد، والحذف،
~~والاضمار، والمنطوق، والمفهوم، والاقتضاء، والإشارة، والتنبيه، والايماء،
~~وغيره، مما لا يعرف في غير علم العربية.
# وأما الأحكام الشرعية: فمن جهة أن الناظر في هذا العلم، إنما ينظر في
~~أدلة الأحكام الشرعية، فلا بد أن يكون عالما بحقائق الاحكام، ليتصور القصد
~~إلى إثباتها ونفيها، وأن يتمكن بذلك من إيضاح المسائل، بضرب الأمثلة، وكثرة
~~الشواهد، ويتأهل بالبحث فيها للنظر والاستدلال.
# ولا نقول إن استمداده من وجود هذه الأحكام ونفيها في آحاد المسائل، فإنها
~~من هذه الجهة لأثبت لها بغير أدلتها، فلو توقفت الأدلة على معرفتها من هذه
~~الجهة، كان دورا ممتنعا.
# وأما مبادئه: فاعلم أن مبادئ كل علم هي التصورات والتصديقات المسلمة في
~~ذلك العلم، وهي غير مبرهنة فيه، لتوقف مسائل ذلك العلم عليها. وسواء كانت
~~مسلمة في نفسها كمبادئ العلم الاعلى، أو غير مسلمة في نفسها، بل مقبولة على
~~سبيل المصادرة، أو الوضع، على أن تبرهن في علم أعلى من ذلك العلم، وما هذه
~~المبادئ في علم الأصول؟ فنقول:
# قد عرف أن استمداد علم أصول الفقه، إنما هو من علم الكلام، والعربية،
~~والأحكام الشرعية. فمبادئه غير خارجة عن هذه الأقسام الثلاثة، فلنرسم في كل
~~مبدأ قسما: PageV01P008
# القسم الأول في المبادئ الكلامية فنقول: اعلم أنه لما كانت أصول الفقه،
~~هي أدلة الفقه، وكان الكلام فيها مما يحوج إلى معرفة الدليل، وانقسامه إلى
~~ما يفيد العلم أو الظن، وكان ذلك مما لا يتم دون النظر، دعت الحاجة إلى
~~تعريف معنى الدليل، والنظر، والعلم، والظن، من جهة التحديد والتصوير لا
~~غير.
# أما الدليل فقد يطلق في اللغة بمعنى الدال، وهو الناصب للدليل.
# وقيل هو الذاكر للدليل، وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد. وهذا هو
~~المسمى دليلا في عرف الفقهاء، وسواء كان موصلا إلى علم أو ظن.
# والأصوليون ms012 يفرقون بين ما أوصل إلى العلم، وما أوصل إلى الظن، فيخصون اسم
~~الدليل بما أوصل إلى العلم، واسم الامارة بما أوصل إلى الظن.
# وعلى هذا، فحده على أصول الفقهاء: أنه الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر
~~فيه إلى مطلوب خبري.
# فالقيد الأول: احتراز عما لم يتوصل به إلى المطلوب، لعدم النظر فيه، فإنه
~~لا يخرج بذلك عن كونه دليلا، لما كان التوصل به ممكنا.
# والقيد الثاني: احتراز عما إذا كان الناظر في الدليل بنظر فاسد.
# والثالث: احتراز عن الحد الموصل إلى العلم التصوري. وهو عام للقاطع
~~والظني.
# وأما حده على العرف الأصولي: فهو ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب
~~خبري، وهو منقسم إلى عقلي محض، وسمعي محض، ومركب من الامرين. PageV01P009
# فالأول: كقولنا في الدلالة على حدوث العالم: العالم مؤلف، وكل مؤلف حادث،
~~فيلزم عنه العالم حادث.
# والثاني: كالنصوص من الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس، كما يأتي
~~تحقيقه.
# والثالث: كقولنا في الدلالة على تحريم النبيذ: النبيذ مسكر، وكل مسكر
~~حرام - لقوله، عليه السلام: كل مسكر حرام - فيلزم عنه النبيذ حرام.
# وأما النظر، فإنه قد يطلق في اللغة بمعنى الانتظار، وبمعنى الرؤية
~~بالعين، والرأفة، والرحمة، والمقابلة، والتفكر، والاعتبار. وهذا الاعتبار
~~الأخير هو المسمى بالنظر في عرف المتكلمين.
# وقد قال القاضي أبو بكر في حده: هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو
~~ظنا.
# وقد احترز بقوله: يطلب به عن الحياة وسائر الصفات المشروطة بالحياة،
~~فإنها لا يطلب بها ذلك، وإن كان من قامت به يطلبه. وقصد بقوله: علما أو ظنا
~~التعميم للعلم والظن، ليكون الحد جامعا، وهو حسن، غير أنه يمكن أن يعبر عنه
~~بعبارة أخرى، لا يتجه عليها من الاشكالات ما قد يتجه على عبارة القاضي، على
~~ما بيناه في أبكار الأفكار وهو أن يقال: النظر عبارة عن التصرف بالعقل في
~~الأمور السابقة بالعلم والظن، للمناسبة للمطلوب بتأليف خاص، قصدا لتحصيل ما
~~ليس حاصلا في العقل وهو عام للنظر المتضمن للتصور والتصديق، والقاطع
~~والظني، وهو منقسم إلى ما وقف ms013 الناظر فيه على وجه دلالة الدليل على
~~المطلوب، PageV01P010
# فيكون صحيحا، وإلى ما ليس كذلك، فيكون فاسدا. وشرط وجوده مطلقا العقل
~~وانتفاء أضداده من النوم، والغفلة، والموت، وحصول العلم بالمطلوب، وغير
~~ذلك.
# وأما العلم: فقد اختلف المتكلمون في تحديده: فمنهم من زعم أنه لا سبيل
~~إلى تحديده، لكن اختلف هؤلاء: فمنهم من قال: بيان طريق تعريفه إنما هو
~~بالقسمة والمثال، كإمام الحرمين، والغزالي، وهو غير سديد. فإن القسمة، إن
~~لم تكن مفيدة لتمييزه عما سواه، فليست معرفة له، وإن كانت مميزة له عما
~~سواه. فلا معنى للتحديد بالرسم سوى هذا.
# ومنهم من زعم أن العلم بالعلم ضروري، غير نظري، لان كل ما سوى العلم لا
~~يعلم إلا بالعلم، فلو علم بالغير، كان دورا ولأن كل أحد يعلم وجود نفسه
~~ضرورة، والعلم أحد تصورات هذا التصديق، فكان ضروريا.
# وهو أيضا غير سديد. أما الوجه الأول: فلان جهة توقف غير العلم على العلم،
~~من جهة كون العلم إدراكا له، وتوقف العلم على الغير، لا من جهة كون ذلك
~~الغير إدراكا للعلم، بل من جهة كونه صفة مميزة له عما سواه. ومع اختلاف جهة
~~التوقف، فلا دور. وأما الوجه الثاني: فهو مبني على أن تصورات القضية
~~الضرورية لا بد وأن تكون ضرورية، وليس كذلك، لان القضية الضرورية هي التي
~~يصدق العقل بها بعد تصور مفرداتها من غير توقف بعد تصور المفردات على نظر
~~واستدلال، وسواء كانت التصورات ضرورية، أو نظرية.
# ومنهم من سلك في تعريفة التحديد. وقد ذكر في ذلك حدود كثيرة، أبطلناها في
~~أبكار الأفكار والمختار في ذلك أن يقال: العلم عبارة عن صفة يحصل بها لنفس
~~المتصف بها التميز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه احتمال
~~نقيضه.
# فقولنا: صفة كالجنس له ولغيره من الصفات. وقولنا: يحصل بها التميز احتراز
~~عن الحياة، وسائر الصفات المشروطة بالحياة. وقولنا: بين حقائق PageV01P011
# الكليات احتراز عن الادراكات الجزئية، فإنها إنما تميز بين المحسوسات
~~الجزئية، دون الأمور الكلية. وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن في أن ms014
~~الادراكات نوع من العلم، لم نحتج إلى التقييد بالكليات.
# وهو منقسم إلى قديم لا أول لوجوده، وإلى حادث بعد العدم. والحادث ينقسم
~~إلى ضروري، وهو العلم الحادث الذي لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر
~~واستدلال. فقولنا: العلم الحادث احتراز عن علم الله تعالى. وقولنا: لا قدرة
~~للمكلف على تحصيله بنظر واستدلال احتراز عن العلم النظري، والنظري هو العلم
~~الذي تضمنه الصحيح.
# وأما الظن: فعبارة عن ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من غير
~~قطع. PageV01P012
# القسم الثاني في المبادئ اللغوية كنا بينا فيما تقدم وجه استمداد الأصول
~~من اللغة، فلا بد من تعريف المبادئ المأخوذة منها. ولنقدم على ذلك مقدمة
~~فنقول:
# اعلم أنه لما كان نوع الانسان أشرف موجود في عالم السفليات، لكونه مخلوقا
~~لمعرفة الله تعالى التي هي أجل المطلوبات، وأسنى المرغوبات، بما خصه الله
~~به من العقل الذي به إدراك المعقولات، والمميز بين حقائق الموجودات، على ما
~~قال، عليه السلام حكاية عن ربه: كنت كنزا لم أعرف، فخلقت خلقا لا عرف به.
# ولما كان هذا المقصود لا يتم دون الاطلاع على المقدمات النظرية، المستندة
~~إلى القضايا الضرورية، المتوسل بها إلى مطلوباته وتحقيق ما جاء به، وكان كل
~~واحد لا يستقل بتحصيل معارفه بنفسه وحده دون معين ومساعد له من نوعه، دعت
~~الحاجة إلى نصب دلائل يتوصل بها كل واحد إلى معرفة ما في ضمير الآخر من
~~المعلومات المعينة له في تحقيق غرضه. وأخف ما يكون من ذلك ما كان من
~~الأفعال الاختيارية، وأخف من ذلك ما كان منها لا يفتقر إلى الآلات
~~والأدوات، ولا فيه ضرر الازدحام، ولا بقاء له مع الاستغناء عنه، وهو مقدور
~~عليه في كل الأوقات من غير مشقة ولا نصب. وذلك هو ما يتركب من المقاطع
~~الصوتية التي خص بها نوع الانسان دون سائر أنواع الحيوان، عناية من الله
~~تعالى به.
# ومن اختلاف تركيبات المقاطع الصوتية حدثت الدلائل الكلامية، والعبارات
~~اللغوية. PageV01P013
# وهي إما أن لا تكون موضوعة لمعنى، أو هي موضوعة.
# والقسم الأول: مهمل ms015 لا اعتبار به، والثاني: يستدعي النظر في أنواعه،
~~وابتداء وضعه، وطريق معرفته. فهذان أصلان لا بد من النظر فيهما.
# الأصل الأول في أنواعه - وهي نوعان وذلك لأنه إما أن يكون اللفظ الدال
~~بالوضع مفردا، أو مركبا الأول: في المفرد - وفيه ستة فصول.
# الفصل الأول في حقيقته أما حقيقته فهو ما دل بالوضع على معنى، ولا جزء له
~~يدل على شئ أصلا، كلفظ الانسان، فإن (إن) من قولنا إنسان، وإن دلت على
~~الشرطية فليست إذ ذاك جزءا من لفظ الانسان، وحيث كانت جزءا من لفظ الانسان،
~~لم تكن شرطية، لان دلالات الألفاظ ليست لذواتها، بل هي تابعة لقصد المتكلم
~~وإرادته. ونعلم أن المتكلم حيث جعل: إن شرطية، لم يقصد جعلها غير شرطية.
# وعلى هذا، فعبد الله، إن جعل علما على شخص، كان مفردا، وإن قصد به النسبة
~~إلى الله تعالى بالعبودية، كان مركبا، لدلالة أجزائه على أجزاء معناه.
~~PageV01P014
# الفصل الثاني في أقسام دلالته وهو إما أن تكون دلالته لفظية، أو غير
~~لفظية. واللفظية: إما أن تعتبر بالنسبة إلى كمال المعنى الموضوع له اللفظ،
~~أو إلى بعضه: فالأول: دلالة المطابقة، كدلالة لفظ الانسان على معناه.
~~والثاني: دلالة التضمن، كدلالة لفظ الانسان على ما في معناه من الحيوان، أو
~~الناطق. والمطابقة أعم من التضمن، لجواز أن يكون المدلول بسيطا لا جزء له.
# وأما غير اللفظية، فهي دلالة الالتزام، وهي أن يكون اللفظ له معنى، وذلك
~~المعنى له لازم من خارج، فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ، ينتقل الذهن من
~~مدلول اللفظ إلى لازمه، ولو قدر عدم هذا الانتقال الذهني، لما كان ذلك
~~اللازم مفهوما. ودلالة الالتزام، وإن شاركت دلالة التضمن في افتقارهما إلى
~~نظر عقلي، يعرف اللازم في الالتزام، والجزء في دلالة التضمن، غير أنه في
~~التضمن لتعريف كون الجزء داخلا في مدلول اللفظ، وفي الالتزام لتعريف كونه
~~خارجا عن مدلول اللفظ. فلذلك كانت دلالة التضمن لفظية، بخلاف دلالة
~~الالتزام. ودلالة الالتزام مساوية لدلالة المطابقة ضرورة امتناع خلو مدلول
~~اللفظ المطابق عن لازم، ms016 وأعم من دلالة التضمن، لجواز أن يكون اللازم لما لا
~~جزء له. PageV01P015
# الفصل الثالث في أقسام المفرد وهو إما أن يصح جعله أحد جزأي القضية
~~الخبرية، التي هي ذات جزأين فقط، أو لا يصح.
# فإن كان الأول، فإما أن يصح تركب القضية الخبرية من جنسه، أو لا يصح، فإن
~~كان الأول، فهو الاسم، وإن كان الثاني، فهو الفعل.
# وأما قسيم القسم الأول، فهو الحرف.
# ولا يلزم على ما ذكرناه، الأسماء النواقص، كالذي والتي، والمضمرات، كهو
~~وهي، حيث إنه لا يمكن جعلها أحد جزأي القضية الخبرية عند تجردها، ولا تركب
~~القضية الخبرية منها لأنها وإن تعذر ذلك فيها عند تجردها فالنواقص عند
~~تعينها بالصلة لا يمتنع ذلك منها، وكذلك المضمرات عند إضافتها إلى المظهرات
~~بخلاف الحروف.
# الفصل الرابع في الاسم وهو ما دل على معنى في نفسه، ولا يلزم منه الزمان
~~الخارج عن معناه لبنيته.
# ثم لا يخلو إما أن يكون واحدا، أو متعددا: فإن كان واحدا، فمسماه إما أن
~~يكون واحدا، أو متعددا، فإن كان واحدا، فمفهومه منقسم على وجوه.
# القسمة الأولى: أنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو
~~لا يصح. فإن كان الأول، فهو كلي، وسواء وقعت فيه الشركة بالفعل ما بين
~~أشخاص متناهية كاسم الكوكب، أو غير متناهية كاسم الانسان، أو لم تقع، إما
~~لمانع من خارج كاسم العالم والشمس والقمر، أو بحكم الاتفاق كاسم عناق مغرب،
~~أو جبل من ذهب. PageV01P016
# وهو إما أن يكون صفة، أو لا يكون صفة. والصفة كالعالم والقادر.
# وما ليس بصفة، إما أن يكون عينا، كالانسان والفرس. وإما معنى كالعلم
~~والجهل.
# وما كان من هذه الأسماء لا اختلاف في مدلوله بشدة ولا ضعف، ولا تقدم
~~وتأخر. فهو المتواطئ، كلفظ الانسان والفرس، وإلا فمشكك، كلفظ الوجود
~~والأبيض وعلى كل تقدير، إما أن يكون ذاتيا للمشتركات فيه، أو عرضيا.
# فإن كان ذاتيا، فالمشتركات فيه إما أن تكون مختلفة بالذوات، أو بالعرض:
# فإن كان الأول، فإما أن يقال عليها في جواب ms017 ما هي، فهو الجنس، أو لا يقال
~~كذلك، فهو ذاتي مشترك إما جنس جنس، أو فصل جنس. وإن كانت مختلفة بالعرض،
~~فإما أن يقال عليها في جواب ما أو لا. والأول هو النوع، والثاني هو فصل
~~النوع.
# وإن كان عرضيا، فإن كانت المشتركات مختلفة بالذوات، فهو العرض العام،
~~وإلا فهو الخاصة.
# وأما إن كان مفهومه غير صالح لاشتراك كثيرين فيه، فهو الجزئي، وهو إما أن
~~لا يكون فيه تأليف، أو فيه.
# والأول إما أن لا يكون مرتجلا، أو هو مرتجل:
# فإن لم يكن مرتجلا، فإما أن لا يكون منقولا كزيد وعمرو، أو هو منقول.
# والمنقول إما عن اسم أو فعل أو صوت.
# فإن كان الأول، فإما عن اسم عين كأسد وعقاب، أو اسم معنى كفضل، أو اسم
~~صفة كحاتم، وإن كان الثاني، فإما عن ماض كشمر، أو مضارع كتغلب، أو فعل أمر
~~كاصمت، وإن كان الثالث كببة. PageV01P017
# وإن كان مرتجلا، وهو أن لا يكون بينه وبين ما نقل عنه مناسبة كحمدان.
# وإن كان مؤلفا، فإما من اسمين مضافين كعبد الله، أو غير مضافين، وأحدهما
~~عامل في الآخر، أو غير عامل. والأول كتسمية بعض الناس زيد منطلق، والثاني
~~كبعلبك وحضرموت وإما من فعلين كقام قعد، وإما من حرفين كتسميته إنما، وإما
~~من اسم وفعل نحو تأبط شرا، وإما من حرف واسم كتسميته بزيد وإما من فعل وحرف
~~كتسميته قام على.
# وأما إن كان الاسم واحدا، والمسمى مختلفا، فإما أن يكون موضوعا على الكل
~~حقيقة بالوضع الأول، أو هو مستعار في بعضها.
# فإن كان الأول فهو المشترك، وسواء كانت المسميات متباينة كالجون:
# للسواد، والبياض، أو غير متباينة، كما إذا أطلقنا اسم الأسود على شخص من
~~الأشخاص بطريق العلمية، وأطلقناه عليه بطريق الاشتقاق من السواد القائم به،
~~فإن مدلوله عند كونه علما، إنما هو ذات الشخص، ومدلوله عند كونه مشتقا
~~الذات مع الصفة، وهي السواد. فالذات التي هي مدلول العلم جزء من مدلول
~~اللفظ المشتق، ومدلول اللفظ المشتق وصف لمدلول العلم وإن كان ms018 الثاني، فهو
~~المجازي.
# وأما إن كان الاسم متعددا، فإما أن يكون المسمى متحدا أو متعددا، فإن كان
~~متحدا، فتلك هي الأسماء المترادفة، كالبهتر والبحتر للقصير، وإن كان المسمى
~~متعددا، فتلك هي الأسماء المتباينة كالانسان والفرس.
# مسائل هذه القسمة ثلاث: PageV01P018
# المسألة الأولى اختلف الناس في اللفظ المشترك، هل له وجود في اللغة.
~~فأثبته قوم، ونفاه آخرون. والمختار جوازه ووقوعه.
# أما الجواز العقلي فهو أنه لا يمتنع عقلا أن يضع واحد من أهل اللغة لفظا
~~واحدا على معنيين مختلفين بالوضع الأول على طريق البدل، ويوافقه عليه
~~الباقون، أو أن يتفق وضع إحدى القبيلتين للاسم على معنى حقيقة، ووضع الأخرى
~~له بإزاء معنى آخر، من غير شعور لكل واحدة بما وضعته الأخرى. ثم يشتهر
~~الوضعان، ويخفى سببه وهو الأشبه. ولو قدر ذلك لما لزم من فرض وقوعه محال
~~عقلا. كيف وأن وضع اللفظ تابع لغرض الواضع والواضع كما أنه قد يقصد تعريف
~~الشئ لغيره مفصلا، فقد يقصد تعريفه مجملا غير مفصل، إما لأنه علمه كذلك ولم
~~يعلمه مفصلا، أو لمحذور يتعلق بالتفصيل دون الاجمال، فلا يبعد لهذه الفائدة
~~منهم وضع لفظ يدل عليه من غير تفصيل.
# وأما بيان الوقوع، فقد قال قوم إنه لو لم تكن الألفاظ المشتركة واقعة في
~~اللغة مع أن المسميات غير متناهية والأسماء متناهية ضرورة تركبها من الحروف
~~المتناهية، خلت أكثر المسميات عن الألفاظ الدالة عليها مع دعو الحاجة
~~إليها، وهو ممتنع وغير سديد من حيث إن الأسماء، وإن كانت مركبة من الحروف
~~المتناهية، فلا يلزم أن تكون متناهية، إلا أن يكون ما يحصل من تضاعيف
~~التركيبات متناهية، وهو غير مسلم.
# وإن كانت الأسماء متناهية، فلا نسلم أن المسميات المتضادة، والمختلفة -
~~وهي التي يكون اللفظ مشتركا بالنسبة إليها - غير متناهية. PageV01P019
# وإن كانت غير متناهية، غير أن وضع الأسماء على مسمياتها مشروط بكون كل
~~واحد من المسميات مقصودا بالوضع، وما لا نهاية له مما يستحيل فيه ذلك، ولئن
~~سلمنا أنه غير ممتنع ولكن لا يلزم من ذلك الوضع.
# ولهذا فإن ms019 كثيرا من المعاني لم تضع العرب بإزائها ألفاظا تدل عليها، لا
~~بطريق الاشتراك ولا التفصيل، كأنواع الروائح، وكثير من الصفات.
# قال أبو الحسين البصري: أطلق أهل اللغة اسم القرء على الطهر والحيض، وهما
~~ضدان. فدل على وقوع الاسم المشترك في اللغة.
# ولقائل أن يقول: القول بكونه مشتركا غير منقول عن أهل الوضع، بل غاية
~~المنقول اتحاد الاسم وتعدد المسمى. ولعله أطلق عليهما باعتبار معنى واحد
~~مشترك بينهما، لا باعتبار اختلاف حقيقتهما، أو أنه حقيقة في أحدهما، مجاز
~~في الآخر، وإن خفي موضع الحقيقة والمجاز. وهذا هو الأولى.
# أما بالنظر إلى الاحتمال الأول، فلما فيه من نفي التجوز والاشتراك، وأما
~~بالنظر إلى الاحتمال الثاني فلان التجوز أولى من الاشتراك، كما يأتي في
~~موضعه.
# والأقرب في ذلك أن يقال: اتفق إجماع الكل على إطلاق اسم الموجود على
~~القديم والحادث حقيقة. ولو كان مجازا في أحدهما، لصح نفيه إذ هو أمارة
~~المجاز، وهو ممتنع. وعند ذلك فإما أن يكون اسم الموجود دالا على ذات الرب
~~تعالى، أو على صفة زائدة على ذاته: فإن كان الأول، فلا يخفى أن ذات الرب
~~تعالى مخالفة بذاتها لما سواها من الموجودات الحادثة، وإلا، لوجب الاشتراك
~~بينها وبين ما شاركها في معناها في الوجوب، ضرورة التساوي في مفهوم
~~PageV01P020
# الذات، وهو محال. وإن كان مدلول اسم الوجود صفة زائدة على ذات الرب
~~تعالى، فإما أن يكون المفهوم منه هو المفهوم من اسم الوجود في الحوادث،
~~وإما خلافه. والأول يلزم منه أن يكون مسمى الوجود في الممكن واجبا لذاته
~~ضرورة أن وجود الباري تعالى واجب لذاته، أو أن يكون وجود الرب ممكنا ضرورة
~~إمكان وجود ما سوى الله تعالى، وهو محال. وإن كان الثاني لزم منه الاشتراك،
~~وهو المطلوب.
# فإن قيل المقصود من وضع الألفاظ إنما هو التفاهم، وذلك غير متحقق مع
~~الاشتراك من حيث إن فهم المدلول منه، ضرورة تساوي النسبة، غير معلوم من
~~اللفظ، والقرائن فقد تظهر، وقد تخفى. وبتقدير خفائها يختل المقصود من الوضع
~~وهو الفهم.
# قلنا: ms020 وإن اختل فهم التفصيل على ما ذكروه، فلا يختل معه الفهم في جهة
~~الجملة كما سبق تقريره. وليس فهم التفصيل لغة من الضروريات، بدليل وضع
~~أسماء الأجناس. فإنها لا تفيد تفاصيل ما تحتها. وإن سلمنا أن الفائدة
~~المطلوبة إنما هي PageV01P021
# فهم التفصيل، فإنما يمنع ذلك من وضع الألفاظ المشتركة، أن لو لم تكن
~~مفيدة لجميع مدلولاتها بطريق العموم، وليس كذلك، على ما ذهب إليه القاضي
~~والشافعي، رضي الله عنه، كما سيأتي تحقيقه.
# وإذا عرف وقوع الاشتراك لغة، فهو أيضا واقع في كلام الله تعالى. والدليل
~~عليه قوله تعالى: * (والليل إذا عسعس) * (81) التكوير: 17)، فإنه مشترك بين
~~إقبال الليل وإدباره، وهما ضدان، هكذا ذكره صاحب الصحاح.
# وما يقوله المانع لذلك: من أن المشترك إن كان المقصود منه الافهام، فإن
~~وجد معه البيان، فهو تطويل من غير فائدة، وإن لم يوجد فقد فات المقصود، وإن
~~لم يكن المقصود منه الافهام فهو عبث وهو قبيح، فوجب صيانة كلام الله عنه
~~فهو مبني على الحسن والقبح الذاتي العقلي، وسيأتي إبطاله.
# كيف وقد بينا أن مذهب الشافعي، والقاضي أبي بكر، أن المشترك نوع من أنواع
~~العموم، والعام غير ممتنع في كلام الله تعالى، وبتقدير عدم عمومه، فلا
~~يمتنع أن يكون في الخطاب به فائدة لنيل الثواب بالاستعداد لامتثاله، بتقدير
~~بيانه بظهور دليل يدل على تعيين البعض، وإبطال جميع الأقسام سوى الواحد
~~منها.
# المسألة الثانية قد ظن في أشياء أنها مشتركة، وهي متواطئة، وفي أشياء
~~أنها متواطئة، وهي مشتركة.
# أما الأول: فكقولنا: مبدأ للنقطة. والآن، فإنه لما اختلف الموضوع المنسوب
~~إليه، وهو الزمان والخط، ظن الاشتراك في اسم المبدأ، وليس كذلك، فإن إطلاق
~~اسم المبدأ عليهما إنما كان بالنظر إلى أن كل واحد منهما أول لشئ، لا من
~~حيث هو أول للزمان أو الخط. وهو من هذا الوجه متواطئ، وليس بمشترك.
~~PageV01P022
# وأما الثاني، فكقولنا: خمري للون الشبيه بلون الخمر، وللعنب باعتبار أنه
~~يؤول إلى الخمر، وللدواء إذا كان يسكر كالخمر، أو أن الخمر جزء منه، فإنه
~~لما ms021 اتحد المنسوب إليه، وهو الخمر، ظن أنه متواطئ، وليس كذلك، فإن اسم
~~الخمري، وإن اتحد المنسوب إليه، إنما كان بسبب النسب المختلفة إليه، ومع
~~الاختلاف فلا تواطؤ. نعم لو أطلق اسم الخمري في هذه الصور باعتبار ما وقع
~~به الاشتراك من عموم النسبة، وقطع النظر عن خصوصياتها، كان متواطئا.
# المسألة الثالثة ذهب شذوذ من الناس إلى امتناع وقوع الترادف في اللغة،
~~مصيرا منهم إلى أن الأصل عند تعدد الأسماء تعدد المسميات، واختصاص كل اسم
~~بمسمى غير مسمى الآخر. وبيانه من أربعة أوجه:
# الأول: إنه يلزم من اتحاد المسمى تعطيل فائدة أحد اللفظين لحصولها باللفظ
~~الآخر.
# الثاني: إنه لو قيل باتحاد المسمى، فهو نادر بالنسبة إلى المسمى المتعدد
~~بتعدد الأسماء، وغلبة استعمال الأسماء بإزاء المسميات المتعددة تدل على أنه
~~أقرب إلى تحصيل مقصود أهل الوضع من وضعهم، فاستعمال الألفاظ المتعددة فيما
~~هو على خلاف الغالب خلاف الأصل.
# الثالث: إن المؤونة في حفظ الاسم الواحد أخف من حفظ الاسمين، والأصل إنما
~~هو التزام أعظم المشتقين لتحصيل أعظم الفائدتين.
# الرابع: إنه إذا اتحد الاسم، دعت حاجة الكل إلى معرفته مع خفة المؤونة في
~~حفظه، فعمت فائدة التخاطب به، ولا كذلك إذا تعددت الأسماء فإن كل واحد على
~~أمرين: بين أن يحفظ مجموع الأسماء، أو البعض منها. والأول شاق جدا، وقلما
~~يتفق ذلك، والثاني فيلزم منه الاخلال بفائدة التخاطب لجواز اختصاص كل واحد
~~بمعرفة اسم لا يعرفه الآخر. PageV01P023
# وجوابه: أن يقال لا سبيل إلى إنكار الجواز العقلي، فإنه لا يمتنع عقلا أن
~~يضع واحد لفظين على مسمى واحد، ثم يتفق الكل عليه. أو أن تضع إحدى
~~القبيلتين أحد الاسمين على مسمى، وتضع الأخرى له اسما آخر، من غير شعور كل
~~قبيلة بوضع الأخرى ثم يشيع الوضعان بعد بذلك كيف وإن ذلك جائز بل واقع
~~بالنظر إلى لغتين ضرورة، فكان جائزا بالنظر إلى قبيلتين.
# قولهم في الوجه الأول: لا فائدة في أحد الاسمين ليس كذلك، فإنه يلزم منه
~~التوسعة في اللغة، وتكثير الطرق المفيدة للمطلوب، ms022 فيكون أقرب إلى الوصول
~~إليه، حيث إنه لا يلزم من تعذر حصول أحد الطريقين تعذر الآخر، بخلاف ما إذا
~~اتحد الطريق. وقد يتعلق به فوائد أخر في النظم والنثر بمساعدة أحد اللفظين
~~في الحرف الروي، ووزن البيت، والجناس، والمطابقة، والخفة في النطق به، إلى
~~غير ذلك من المقاصد المطلوبة لأرباب الأدب وأهل الفصاحة.
# وما ذكروه في الوجه الثاني، فغير مانع من وقوع الترادف، بدليل الأسماء
~~المشتركة والمجازية.
# وما ذكروه في الوجه الثالث، فإنما يلزم المحذور منه، وهو زيادة مؤونة
~~الحفظ، أن لو وظف على كل واحد حفظ جميع المترادفات، وليس كذلك، بل هو مخير
~~في حفظ الكل أو البعض، مع ما فيه من الفائدة التي ذكرناها.
# وعن الوجه الرابع، أنه ملغى بالترادف في لغتين، كيف وإنه يلزم من الاخلال
~~بالترادف الاخلال بما ذكرناه من المقاصد أولا، وهو محذور.
# ثم الدليل على وقوع الترادف في اللغة، ما نقل عن العرب من قولهم: الصهلب
~~والشوذب من أسماء الطويل، والبهتر والبحتر من أسماء القصير، إلى غير ذلك.
# ولا دليل على امتناع ذلك حتى يتبع ما يقوله من يتعسف في هذا الباب في
~~بيان اختلاف المدلولات. لكنه ربما خفي بعض الألفاظ المترادفة، وظهر البعض،
~~فيجعل الأشهر بيانا للأخفى، وهو الحد اللفظي. PageV01P024
# وقد ظن بأسماء أنها مترادفة، وهي متباينة. وذلك عندما إذا كانت الأسماء
~~لموضوع واحد باعتبار صفاته المختلفة، كالسيف، والصارم، والهندي، أو باعتبار
~~صفته، وصفة صفته، كالناطق، والفصيح، وليس كذلك.
# ويفارق المرادف المؤكد من جهة أن اللفظ المرادف لا يزيد مرادفه إيضاحا،
~~ولا يشترط تقدم أحدهما على الآخر، ولا يرادف الشئ بنفسه بخلاف المؤكد.
# والتابع في اللفظ، فمخالف لهما فإنه لا بد وأن يكون على وزن المتبوع،
~~وأنه قد لا يفيد معنى أصلا، كقولهم: حس بسن، وشيطان ليطان، ولهذا قال ابن
~~دريد:
# سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بسن فقال: ما أدري ما هو.
# القسمة الثانية:
# الاسم ينقسم إلى ظاهر، ومضمر، وما بينهما. وذلك لأنه إما أن يقصد به
~~البيان مع الاختصار، أو لا ms023 مع الاختصار فالأول هو الظاهر، والثاني إما أن
~~لا يقصد معه التنبيه أو يقصد: فالأول هو المضمر، والثاني ما بينهما.
# فأما الاسم الظاهر: إما أن لا يكون آخره ألفا، ولا ياء قبلها كسرة، أو
~~يكون.
# فالأول هو الاسم الصحيح، فإن دخله حركة الجر مع التنوين، فهو المنصرف،
~~كزيد وعمرو، وإن لم يكن كذلك، فهو غير منصرف، كأحمد وإبراهيم.
# والثاني هو المعتل، فإن كان في آخره ياء قبلها كسرة، فهو المنقوص،
~~كالقاضي والداعي، وإن كان في آخره ألف، فهو المقصور، كالدنيا والأخرى، وإن
~~كان في آخره همزة قبلها ألف، فهو الممدود، كالرداء والكساء.
# وأما المضمر، فهو إما منفصل، وإما متصل: والمنفصل نحو: أنا، ونحن، وهو،
~~وهي ونحوه. والمتصل نحو: فعلت وفعلنا - وما بينهما فهو اسم الإشارة.
# وهو إما أن يكون مفردا، ليس معه تنبيه ولا خطاب، أو يكون. PageV01P025
# فالأول، نحو: ذا، وذان، وذين، وأولاء. وأما إن كان غير مفرد، فإن وجد معه
~~التنبيه لا غير، فنحو: هذا، وهذان. وإن وجد معه الخطاب، فنحو: ذاك وذانك،
~~وإن اجتمعا معه، فنحو: هذاك، وهاتيك.
# ثم ما كان من الأسماء الظاهرة، فلا يكون من أقل من ثلاثة أحرف أصول، نفيا
~~للاجحاف عنه مع قوته بالنسبة إلى الفعل والحرف، إلا فيما شذ من قولهم: يد،
~~ودم، وأب، وأخ ونحوه، مما حذف منه الحرف الثالث.
# وما كان من الأسماء المضمرة متصلا، كان من حرف واحد كالتاء من فعلت.
# وإن كان منفصلا، فلا يكون من أقل من حرفين، يبتدأ بأحدهما، ويوقف على
~~الآخر: نحو هو، وهي. وكذلك ما كان من أسماء الإشارة، فلا يكون من أقل من
~~حرفين أيضا، نحو ذا، وذي ونحوه.
# وبالجملة فإما أن يدل على شئ بعينه، أو لا بعينه.
# فالأول هو: المعرفة، كأسماء الاعلام، والمضمرات، والمبهمات، كأسماء
~~الإشارة، والموصولات، وما دخل عليه لام التعريف، وما أضيف إلى أحد هذه
~~المعارف.
# والثاني هو: النكرة، كإنسان وفرس.
# وما ألحق بآخره من الأسماء ياء مشددة، مكسور ما قبلها، فهو المنسوب،
~~كالهاشمي والمكي ونحوه.
# القسمة الثالثة:
# الاسم ينقسم ms024 إلى ما هو حقيقة، ومجاز.
# أما الحقيقة فهي في اللغة مأخوذة من الحق، والحق هو الثابت اللازم، وهو
~~نقيض الباطل، ومنه يقال حق الشئ حقه، ويقال حقيقة الشئ أي ذاته الثابتة
~~اللازمة، ومنه قوله تعالى: * (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) * (39)
~~الزمر: 71) أي وجبت. وكذلك قوله تعالى: * (حقيق على أن لا أقول) * (7)
~~الأعراف: 105) أي واجب علي. PageV01P026
# وأما في اصطلاح الأصوليين، فاعلم أن الأسماء الحقيقية قد يطلقها
~~الأصوليون على لغوية وشرعية. واللغوية: تنقسم إلى وضعية وعرفية. والكلام
~~إنما هو في الحقيقة الوضعية، فلنعرفها، ثم نعود إلى باقي الأقسام. وقد ذكر
~~فيها حدود واهية يستغنى عن تضييع الزمان بذكرها، والحق في ذلك أن يقال: هي
~~اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة، كالأسد المستعمل في الحيوان
~~الشجاع العريض الأعالي، والانسان في الحيوان الناطق.
# وأما الحقيقة العرفية اللغوية، فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له بعرف
~~الاستعمال اللغوي، وهي قسمان:
# الأول: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام، ثم يخصص بعرف استعمال أهل اللغة
~~ببعض مسمياته، كاختصاص لفظ الدابة بذوات الأربع عرفا، وإن كان في أصل اللغة
~~لكل ما دب. وذلك إما لسرعة دبيبه أو كثرة مشاهدته، أو كثرة استعماله، أو
~~غير ذلك.
# الثاني: أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى، ثم يشتهر في عرف استعمالهم
~~بالمجاز الخارج عن الموضوع اللغوي، بحيث إنه لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه
~~غيره، كاسم الغائط، فإنه، وإن كان في أصل اللغة للموضع المطمئن من الأرض،
~~غير أنه قد اشتهر في عرفهم بالخارج المستقذر من الانسان، حتى إنه لا يفهم
~~من ذلك اللفظ، عند إطلاقه غيره. ويمكن أن يكون شهرة استعمال لفظ الغائط من
~~الخارج المستقذر من الانسان، لكثرة مباشرته وغلبة التخاطب به مع الاستنكاف
~~من ذكر الاسم الخاص به، لنفرة الطباع عنه، فكنوا عنه بلازمه، أو لمعنى آخر.
# وأما الحقيقة الشرعية، فهي استعمال الاسم الشرعي فيما كان موضوعا له أولا
~~في الشرع. وسواء كان الاسم الشرعي ومسماه لا يعرفهما أهل اللغة، أو هما
~~معروفان لهم. غير ms025 أنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، أو عرفوا المعنى،
~~ولم يعرفوا الاسم ولم يعرفوا ذلك المعنى كاسم الصلاة، PageV01P027
# والحج، والزكاة ونحوه. وكذلك اسم الايمان والكفر. لكن ربما خصت هذه
~~بالأسماء الدينية.
# وإن شئت أن تحد الحقيقة على وجه يعم جميع هذه الاعتبارات، قلت: الحقيقة
~~هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به التخاطب. فإنه
~~جامع مانع.
# وأما المجاز فمأخوذ في اللغة من الجواز، وهو الانتقال من حال إلى حال.
# ومنه يقال جاز فلان من جهة كذا إلى كذا، وهو مخصوص في اصطلاح الأصوليين
~~بانتقال اللفظ من جهة الحقيقة إلى غيرها.
# وقبل النظر في تحديده، يجب أن تعلم أن المجاز قد يكون لصرف اللفظ عن
~~الحقيقة الوضعية وعن العرفية، والشرعية إلى غيرها، كما كانت الحقيقة منقسمة
~~إلى وضعية وعرفية وشرعية.
# وعند هذا نقول: من اعتقد كون المجاز وضعيا، قال في حد المجاز في اللغة
~~الوضعية هو اللفظ المتواضع على استعماله في غير ما وضع له أولا في اللغة
~~لما بينهما من التعلق. ومن لم يعتقد كونه وضعيا، أبقى الحد بحاله، وأبدل
~~المتواضع عليه بالمستعمل، وعلى هذا فلا يخفى حد التجوز عن الحقيقة العرفية
~~والشرعية.
# وإن أردت التحديد على وجه يعم الجميع، قلت: هو اللفظ المتواضع على
~~استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به المخاطبة،
~~لما بينهما من التعلق، ونعني بالتعلق بين محل الحقيقة والمجاز أن يكون محل
~~التجوز مشابها لمحل الحقيقة في شكله وصورته، كإطلاق اسم الانسان على المصور
~~على الحائط، أو في صفة ظاهرة في محل الحقيقة، كإطلاق اسم الأسد على الانسان
~~لاشتراكهما في صفة الشجاعة، لا في صفة البخر لخفائها، أو لأنه كان حقيقة.
# كإطلاق اسم العبد على المعتق، أو لأنه يؤول إليه في الغالب، كتسمية
~~العصير خمرا، أو أنه مجاور له في الغالب، كقولهم: جرى النهر والميزاب،
~~ونحوه. PageV01P028
# وجميع جهات التجوز، وإن تعددت غير خارجة عما ذكرناه وإنما قيدنا الحد
~~باللفظ، لان الكلام إنما هو في المجاز اللفظي ms026 لا مطلقا، وبقولنا: المتواضع
~~على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا تمييزا له عن الحقيقة.
# وبقولنا: لما بينهما من التعلق، لأنه لو لم يكن كذلك، كان ذلك الاستعمال
~~ابتداء وضع آخر، وكان اللفظ مشتركا لا مجازا.
# فإن قيل ما ذكرتموه من الحد غير جامع، لأنه يخرج منه التجوز بتخصيص الاسم
~~ببعض مدلولاته في اللغة، كتخصيص لفظ الدابة بذوات الأربع، فإنه مجاز، وهو
~~غير مستعمل في غير ما وضع له أولا، لدخول ذوات الأربع في المدلول الأصلي،
~~ويلزم منه أيضا خروج التجوز بزيادة الكاف في قوله: * (ليس كمثله شئ) * (42)
~~الشورى: 11)، فإنه مجاز، وهو غير مستعمل في إفادة شئ أصلا. ويخرج أيضا منه
~~التجوز بلفظ الأسد عن الانسان، حالة قصد تعظيمه، وإنما يحصل تعظيمه بتقدير
~~كونه أسدا، لا بمجرد إطلاق اسم الأسد عليه، بدليل ما إذا جعل علما له،
~~ومدلوله إذ ذاك لا يكون غير ما وضع له أولا. وتدخل فيه الحقيقة العرفية،
~~كلفظ الغائط وإن كان اللفظ مستعملا في غير موضوعه أولا. والحقيقة من حيث هي
~~حقيقة لا تكون مجازا.
# قلنا: أما الاشكال الأول فمندفع، لأنه لا يخفى أن حقيقة المطلق مخالفة
~~لحقيقة المقيد من حيث هما كذلك، فإذا كان لفظ الدابة حقيقة في مطلق دابة،
~~فاستعماله في الدابة المقيدة على الخصوص يكون استعمالا له في غير ما وضع له
~~أولا، وأما الكاف في قوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * فليست مستعملة للاسمية
~~كوضعها في اللغة، ولا للتشبيه، وإلا كان معناها: ليس لمثله مثل، وهو مثل
~~لمثيله، فكان تناقضا فكانت مستعملة، لا فيما وضعت له في اللغة أولا، فكانت
~~داخلة في الحد. PageV01P029
# وأما التعبير بلفظ الأسد عن الانسان تعظيما له، فليس لتقدير مسمى الأسد
~~الحقيقي فيه، بل لمشاركته له في صفته من الشجاعة. والحقيقة العرفية وإن
~~كانت حقيقة بالنظر إلى تواضع أهل العرف عليها، فلا تخرج عن كونها مجازا
~~بالنسبة إلى استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا، ولا تناقض، وإذا عرف
~~معنى الحقيقة والمجاز، فمهما ورد لفظ ms027 في معنى، وتردد بين القسمين، فقد يعرف
~~كونه حقيقة ومجازا بالنقل عن أهل اللغة، وإن لم يكن نقل فقد يعرف كونه
~~مجازا بصحة نفيه في نفس الامر ويعرف كونه حقيقة بعدم ذلك. ولهذا فإنه يصح
~~أن يقال لمن سمي من الناس حمارا لبلادته، إنه ليس بحمار، ولا يصح أن يقال
~~إنه ليس بإنسان في نفس الامر لما كان حقيقة فيه.
# ومنها أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير
~~قرينة، مع عدم العلم بكونه مجازا، بخلاف غيره من المدلولات، فالمتبادر إلى
~~الفهم هو الحقيقة، وغيره هو المجاز.
# فإن قيل هذا لا يطرد في المجاز المنقول، حيث إنه يسبق إلى الفهم من اللفظ
~~دون حقيقته، فالامر فيهما بالضد مما ذكرتموه وينتقض أيضا باللفظ المشترك،
~~فأنه حقيقة في مدلولاته، مع عدم تبادر شئ منها إلى الفهم عند إطلاقه.
# قلنا: أما الأول فمندفع. وذلك لان اللفظ الوارد، إذا تبادر مدلوله إلى
~~الذهن عند إطلاقه، فإن علم كونه مجازا فهو غير وارد على ما ذكرناه، وإن لم
~~يعلم، فالظاهر أنه يكون حقيقة فيه، لاختصاص ذلك بالحقيقة في الغالب، وإدراج
~~النادر تحت الغالب أولى. وأما اللفظ المشترك فإن قلنا إنه عام في جميع
~~محامله، فقد اندفع الاشكال. وإن قلنا إنه لا يتناول إلا واحدا من مدلولاته
~~على طريق البدل، فهو PageV01P030
# حقيقة في الواحد على البدل، لا في الواحد عينا. والذي هو حقيقة فيه فهو
~~متبادر إلى الفهم عند إطلاقه، وهو الواحد على البدل. والذي لم يتبادر إلى
~~الفهم وهو الواحد المعين غير حقيقة فيه، وفيه دقة.
# ومنها أن لا يكون اللفظ مطردا في مدلوله، مع عدم ورود المنع من أهل اللغة
~~والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة، إذ هو غير مطرد في كل
~~طويل.
# فإن قيل: عدم الاطراد لا يدل على التجوز، فإن اسم السخي حقيقة في الكريم،
~~والفاضل حقيقة في العالم، وهذان المدلولان موجودان في حق الله تعالى، ولا
~~يقال له سخي ولا فاضل، وكذلك اسم القارورة حقيقة ms028 في الزجاجة المخصوصة،
~~لكونها مقرا للمائعات، وهذا المعنى موجود في الجرة والكوز، ولا يسمى
~~قارورة، وإن سلمنا ذلك. ولكن الاطراد لا يدل على الحقيقة، لجواز اطراد بعض
~~المجازات، وعدم الاطراد في بعضها كما ذكرتموه فلا يلزم منه التعميم.
# قلنا: أما الاشكال الأول، فقد اندفع بقولنا: إذا لم يوجد مانع شرعي ولا
~~لغوي وفيما أورد من الصور، قد وجد المنع، ولولاه لكان الاسم مطردا فيها.
# وأما الثاني، فإنا لا ندعي أن الاطراد دليل الحقيقة، ليلزم ما قيل، بل
~~المدعى أن عدم الاطراد دليل المجاز.
# ومنها أن يكون الاسم قد اتفق على كونه حقيقة في غير المسمى المذكور،
~~وجمعه مخالف لجمع المسمى المذكور، فنعلم أنه مجاز فيه، وذلك كإطلاق اسم
~~الامر على القول المخصوص، وعلى الفعل في قوله تعالى: * (وما أمرنا إلا
~~واحدة) * (54) القمر: 50) وقوله تعالى: * (وما أمر PageV01P031
# فرعون برشيد) * (11) هود: 97) فإن جمعه في جهة الحقيقة أوامر، وفي الفعل
~~أمور. ولا نقول إن المجاز لا يجمع والحقيقة تجمع، كما ذكر بعضهم، إذ
~~الاجماع منعقد على التجوز بلفظ الحمار عن البليد، مع صحة تثنيته وجمعه، حيث
~~يقال حماران وحمر.
# فإن قيل اختلاف الجمع لا يدل على التجوز في المسمى المذكور، لجواز أن
~~يكون حقيقة فيه، واختلاف الجمع بسبب اختلاف المسمى.
# قلنا: الجمع إنما هو للاسم، لا للمسمي فاختلافه لا يكون مؤثرا في اختلاف
~~الجمع.
# ومنها أن يكون الاسم موضوعا لصفة، ولا يصح أن يشتق لموضوعها منها اسم، مع
~~عدم ورود المنع من الاشتقاق، فيدل على كونه مجازا، وذلك كإطلاق اسم الامر
~~على الفعل. فإنه لا يشتق لمن قام به منه اسم الآمر. بخلاف اسم القارورة،
~~فإنه لا يطلق على الكوز والجرة بطريق الاشتقاق من قرار المائع فيه، مع كون
~~اسم القرار فيه حقيقة كما اشتق في الزجاجة المخصوصة لورود المنع من أهل
~~اللغة فيه.
# فإن قيل: هذا ينتقض باسم الرائحة القائمة بالجسم، فإنه حقيقة مع عدم
~~الاشتقاق.
# قلنا: لا نسلم عدم الاشتقاق. فإنه يصح أن يقال للجسم الذي قامت به
~~الرائحة متروح.
# ومنها ms029 أن يكون الاسم مضافا إلى شئ حقيقة، وهو متعذر الإضافة إليه، فيتعين
~~أن يكون مجازا في شئ آخر، وذلك كقوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف:
~~82).
# فإن قيل: لا يدل ذلك على كونه مجازا في الغير، لجواز أن يكون مشتركا،
~~وتعذر حمل اللفظ المشترك على بعض محامله لا يوجب جعله مجازا في الباقي.
# قلنا: هذا مبني على القول بالاشتراك، وهو خلاف الأصل، والمجاز، وإن كان
~~على خلاف الأصل، إلا أن المحذور فيه أدنى من محذور الاشتراك على ما يأتي،
~~PageV01P032
# فكان أولى. وعلى هذا نقول: مهما ثبت كون اللفظ حقيقة في بعض المعاني، لزم
~~أن يكون مجازا فيما عداه، إذا لم يكن بينهما معنى مشترك يصلح أن يكون
~~مدلولا للفظ بطريق التواطؤ.
# ومنها أن يكون قد ألف من أهل اللغة أنهم إذا استعملوا لفظا بإزاء معنى،
~~أطلقوه إطلاقا، وإذا استعملوه بإزاء غيره، قرنوا به قرينة، فيدل ذلك على
~~كونه حقيقة فيما أطلقوه مجازا في الغير، وذلك لان وضع الكلام للمعنى إنما
~~كان ليكتفي به في الدلالة. والأصل أن يكون ذاك في الحقيقة دون المجاز
~~لكونها أغلب في الاستعمال.
# ومنها أنه إذا كان اللفظ حقيقة في معنى، ولذلك المعنى متعلق فإطلاقه
~~بإزاء ما ليس له ذلك المتعلق يدل على كونه مجازا فيه، كإطلاق اسم القدرة
~~على الصفة المؤثرة في الايجاد. فإن لها مقدورا، وإطلاقها على المخلوقات في
~~قولهم: انظر إلى قدرة الله لا مقدور لها.
# فإن: قيل التعلق ليس من توابع كون اللفظ حقيقيا، بل من توابع المسمى، ولا
~~يلزم من اختلاف المسمى، إذا كان الاسم في أحدهما حقيقة، أن يكون مجازا في
~~الآخر، لجواز الاشتراك، فجوابه ما سبق.
# ومنها أن يكون الاسم الموضوع لمعنى مما يتوقف إطلاقه عليه على تعلقه
~~بمسمى ذلك الاسم في موضع آخر، ولا كذلك بالعكس فيعلم أن المتوقف مجاز،
~~والآخر غير مجاز.
# وتشترك الحقيقة والمجاز في امتناع اتصاف أسماء الاعلام بهما، كزيد وعمرو.
# وذلك لان الحقيقة على ما تقدم إنما تكون عند استعمال اللفظ فيما وضع له
~~أولا، والمجاز ms030 في غير ما وضع له أولا. وذلك يستدعي كون الاسم الحقيقي
~~والمجازي في وضع اللغة موضوعا لشئ قبل هذا الاستعمال في وضع اللغة. وأسماء
~~الاعلام ليست كذلك. فإن مستعملها لم يستعملها فيما وضعه أهل اللغة له أولا،
~~ولا في غيره لأنها لم تكن من وضعهم، فلا تكون حقيقة ولا مجازا. PageV01P033
# وعلى هذا، فالألفاظ الموضوعة أولا في ابتداء الوضع في اللغة لا توصف
~~بكونها حقيقة ولا مجازا، وإلا كانت موضوعة قبل ذلك الوضع، وهو خلاف الفرض.
~~وكذلك كل وضع ابتدائي، حتى الأسماء المخترعة ابتداء لأرباب الحرف والصناعات
~~لأدواتهم وآلاتهم، وإنما تصير حقيقة ومجازا باستعمالها بعد ذلك.
# وبهذا يعلم بطلان قول من قال: إن كل مجاز له حقيقة ولا عكس.
# وذلك لان غاية المجاز أن يكون مستعملا في غير ما وضع له أولا، وما وضع له
~~اللفظ أولا ليس حقيقة، ولا مجازا، على ما عرف.
# وبالنظر إلى ما حققناه في معنى الحقيقة والمجاز، يعلم أن تسمية اللفظ
~~المستعمل فيما وضع له أولا حقيقة، وإن كان حقيقة بالنظر إلى الامر العرفي،
~~غير أنه مجاز بالنظر إلى كونه منقولا من الوجوب والثبوت الذي هو مدلول
~~الحقيقة أولا في اللغة، على ما سبق تحقيقه.
# وتشترك الحقيقة والمجاز أيضا أن كل ما كان من كلام العرب، ما عدا الوضع
~~الأول، فإنه لا يخلو عن الحقيقة والمجاز معا، بل لا بد من أحدهما فيه.
# مسائل هذه القسمة خمس: PageV01P034
# المسألة الأولى في الأسماء الشرعية ولا شك في إمكانها، إذ لا إحالة في
~~وضع الشارع اسما من أسماء أهل اللغة، أو من غير أسمائهم على معنى يعرفونه،
~~أو لا يعرفونه، لم يكن موضوعا لأسمائهم.
# فإن دلالات الأسماء على المعاني ليست لذواتها، ولا الاسم واجب للمعنى،
~~بدليل انتفاء الاسم قبل التسمية، وجواز إبدال اسم البياض بالسواد في ابتداء
~~الوضع، وكما في أسماء الاعلام، والأسماء الموضوعة لأرباب الحرف والصناعات
~~لأدواتهم وآلاتهم.
# وإنما الخلاف نفيا وإثباتا في الوقوع. والحجاج هاهنا مفروض فيما استعمله
~~الشارع من أسماء أهل اللغة، كلفظ الصوم والصلاة هل ms031 خرج به عن وضعهم، أم لا.
# فمنع القاضي أبو بكر من ذلك، وأثبته المعتزلة والخوارج والفقهاء احتج
~~القاضي بمسلكين:
# الأول: أن الشارع لو فعل ذلك، لزمه تعريف الأمة بالتوقيف نقل تلك
~~الأسامي، وإلا كان مكلفا لهم بفهم مراده من تلك الأسماء، وهم لا يفهمونه،
~~وهو تكليف بما لا يطاق والتوقيف الوارد في مثل هذه الأمور لا بد وأن يكون
~~متواترا لعدم قيام الحجة بالآحاد فيها، ولا تواتر.
# وهذه الحجة غير مرضية، أما أولا، فلأنها مبنية على امتناع التكليف بما لا
~~يطاق، وهو فاسد على ما عرف من أصول أصحابنا القائلين بخلافه في هذه
~~PageV01P035
# المسألة، وإن كان ذلك ممتنعا عند المعتزلة، وبتقدير امتناع التكليف بما
~~لا يطاق، إنما يكون هذا تكليفا بما لا يطاق إذ لو كلفهم بفهمها قبل
~~تفهيمهم.
# وليس كذلك.
# قوله: التفهيم، إنما يكون بالنقل. لا نسلم. وما المانع أن يكون تفهيمهم
~~بالتكرير والقرائن المتضافرة مرة بعد مرة، كما يفعل الوالدان بالولد
~~الصغير، والأخرس في تعريفه لما في ضميره لغيره بالإشارة.
# المسلك الثاني: أن هذه الألفاظ قد اشتمل عليها القرآن. فلو كانت مفيدة
~~لغير مدلولاتها في اللغة، لما كانت من لسان أهل اللغة، كما لو قال: أكرم
~~العلماء وأراد به الجهال أو الفقراء، وذلك لان كون اللفظ عربيا ليس لذاته
~~وصورته، بل لدلالته على ما وضعه أهل اللغة بإزائه، وإلا، كانت جميع ألفاظهم
~~قبل التواضع عليها عربية، وهو ممتنع، ويلزم من ذلك أن لا يكون القرآن
~~عربيا، وهو على خلاف قوله تعالى: * (إنا جعلناه قرآنا عربيا) * (43)
~~الزخرف: 3)، وقوله تعالى: * (بلسان عربي مبين) * (26) الشعراء: 195)، وقوله
~~تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * (14) إبراهيم: 4) وذلك
~~ممتنع.
# وهذا المسلك ضعيف أيضا، إذ لقائل أن يقول: لا أسلم أنه يلزم من ذلك خروج
~~القرآن عن كونه عربيا، فإن قيل لأنه إذا كان مشتملا على ما ليس بعربي، فما
~~بعضه عربي وبعضه غير عربي، لا يكون كله عربيا. وفي ذلك مخالفة ظواهر النصوص
~~المذكورة، فيمكن أن يقال: لا نسلم دلالة النصوص على كون ms032 القرآن بكليته
~~عربيا لان القرآن قد يطلق على السورة الواحدة منه، بل على الآية الواحدة
~~كما يطلق على الكل. ولهذا يصح أن يقال للسورة الواحدة: هذا قرآن. والأصل في
~~الاطلاق الحقيقة، ولأن القرآن مأخوذ من الجمع، ومنه يقال: قرأت الناقة
~~لبنها في ضرعها، إذا جمعته، وقرأت الماء في الحوض أي جمعته، والسورة
~~الواحدة فيها معنى الجمع، PageV01P036
# لتألفها من حروف وكلمات وآيات، فصح إطلاق القرآن عليها. غايته أنا خالفنا
~~هذا في غير الكتاب العزيز، فوجب العمل بمقتضى هذا الأصل في الكتاب وبعضه،
~~ولأنه لو حلف أنه لا يقرأ القرآن، فقرأ سورة منه، حنث، ولو لم يكن قرآنا،
~~لما حنث. وإذا كان كذلك فليس الحمل على الكل أولى من البعض. وعند ذلك أمكن
~~حمله على البعض الذي ليس فيه غير العربية.
# فإن قيل: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، فلو
~~كان البعض قرآنا، والكل قرآنا لزمت التثنية في القرآن، وهو خلاف الاجماع.
# وإذا لم يكن القرآن إلا واحدا، تعين أن يكون هو الكل ضرورة الاجماع على
~~تسميته قرآنا.
# قلنا: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، لمعنى أنه
~~لم ينزل غير هذا القرآن، أو بمعنى أن المجموع قرآن، وبعضه ليس بقرآن.
# الأول مسلم، والثاني ممنوع.
# فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل على كون بعض القرآن قرآنا معارض بما يدل
~~على أنه ليس بقرآن، وهو صحة قول القائل عن السورة والآية: هذا بعض القرآن.
# قلنا: المراد به إنما هو بعض الجملة المسماة بالقرآن، وليس في ذلك ما يدل
~~على أن البعض ليس بقرآن حقيقة. فإن جزء الشئ، إذا شارك كله في معناه، كان
~~مشاركا له في اسمه، ولهذا يقال إن بعض اللحم لحم، وبعض العظم عظم، وبعض
~~الماء ماء، لاشتراك الكل والبعض في المعنى المسمى بذلك الاسم، وإنما يمتنع
~~ذلك فيما كان البعض فيه غير مشارك للكل في المعنى المسمى بذلك الاسم.
# ولهذا لا يقال: بعض العشرة عشرة، وبعض المائة مائة، وبعض الرغيف رغيف، ms033
~~وبعض الدار دار، إلى غير ذلك. وعند ذلك، فما لم يبينوا كون ما نحن فيه من
~~القسم الثاني دون الأول، فهو غير لازم. وإن سلمنا التعارض من كل وجه،
~~PageV01P037
# فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات. وعلى المستدل الترجيح. وإن
~~سلمنا دلالة النصوص على كون القرآن بجملته عربيا، لكن بجهة الحقيقة، أو
~~المجاز، الأول ممنوع، والثاني مسلم، وذلك لان ما الغالب منه العربية، يسمى
~~عربيا، وإن كان فيه ما ليس بعربي، كما يسمى الزنجي أسود، وإن كان بعضه
~~اليسير مبيضا، كأسنانه، وشحمة عينيه، والرومي أبيض وإن كان البعض اليسير
~~منه أسود، كالناظر من عينيه. وكذل البيت من الشعر بالفارسية يسمى فارسيا،
~~وإن كان مشتملا على كلمات يسيرة من العربية.
# ويدل على هذا التجوز ما اشتمل عليه القرآن من الحروف المعجمة، في أوائل
~~السور، فإنها ليست من لغة العرب في شئ، وأيضا فإن القرآن قد اشتمل على
~~عبادات غير معلومة للعرب، فلا يتصور التعبير عنها في لغتهم. فلا بد لها من
~~أسماء تدل عليها غير عربية، وأيضا فإن القرآن مشتمل على قوله تعالى: * (وما
~~كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) وأراد به صلاتكم، وليس الايمان
~~في اللغة بمعنى الصلاة، بل بمعنى التصديق، وعلى قوله: * (أقيموا الصلاة) *
~~(2) البقرة: 43) والصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وفي الشرع عبارة عن
~~الافعال المخصوصة، وعلى قوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43)
~~والزكاة في اللغة عبارة عن النماء والزيادة، وفي الشرع عبارة عن وجوب أداء
~~مال مخصوص، وعلى قوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام) * (2) البقرة: 183)
~~والصوم في اللغة عبارة عن مطلق إمساك، وفي الشرع عبارة عن إمساك مخصوص، بل
~~وقد يطلق الصوم في الشرع في حالة لا إمساك فيها، كحالة الآكل ناسيا.
# وعلى قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (3) آل عمران: 97)
~~PageV01P038
# والحج في اللغة عبارة عن مطلق قصد، وفي الشرع عبارة عن القصد إلى مكان
~~مخصوص.
# وهذا كله يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي، فكان إطلاق اسم العربي
~~عليه مجازا.
# فإن قيل: أما الحروف المعجمة التي في أوائل ms034 السور فهي أسماؤها، وأما
~~العبادات الحادثة فمن حيث إنها أفعال محسوسة معلومة للعرب ومسماة بأسماء
~~خاصة لها لغة، غير أن الشرع اعتبرها في الثواب والعقاب عليها بتقدير الفعل
~~أو الترك. وليس في ذلك ما يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي.
# وأما الآيات المذكورة فهي محمولة على مدلولاتها لغة.
# أما قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143)،
~~فالمراد به تصديقكم بالصلاة، وقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة:
~~43) فالمراد به الدعاء، وكذلك قوله: * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43)،
~~فالمراد به النمو.
# والمراد من الصوم الامساك، ومن الحج القصد.
# غير أن الشارع شرط في إجزائها وصحتها شرعا ضم غيرها إليها. وليس في ذلك
~~ما يدل على تغيير الوضع اللغوي، وإن سلمنا دخول هذه الشروط في مسمى هذه
~~الأسماء، لكن بطريق المجاز، أما في الصلاة، فمن جهة أن الدعاء جزؤها، والشئ
~~قد يسمى باسم جزئه، ومنه قول الشاعر:
# يناشدني حاميم والرمح شاجر * * فهلا تلا حاميم قبل التقدم وأراد به
~~القرآن، فسماه باسم جزئه. وكذلك الكلام في الصوم، والزكاة، والحج.
# ويمكن أن يقال بأن تسمية الصوم الخاص، وكذلك الزكاة، والحج، والايمان. من
~~باب التصرف بتخصيص الاسم ببعض مسمياته لغة، كما في لفظ PageV01P039
# الدابة والشارع له ولاية هذا التصرف، كما لأهل اللغة، ويخص الصلاة أن
~~أفعالها، إنما سميت صلاة، لكونها مما يتبع بها فعل الامام. فإن التالي
~~للسابق من الخيل يسمى مصليا، لكونه تابعا، ويخص الزكاة أن تسمية الواجب
~~زكاة باسم سببه، والتجوز باسم السبب عن المسبب جائز لغة. والمجاز من اللغة
~~لا من غيرها.
# قلنا: أما الحروف فإنها إذا كانت أسماء لآحاد السور، فهي أعلام لها،
~~وليست لغوية. فقد اشتمل القرآن على ما ليس من لغة العرب. وما ذكروه في
~~العبادات الحادثة في الشرع فإنما يصح، أن لو لم تكن قد أطلق عليها أسماء لم
~~تكن العرب قد أطلقتها عليها. ويدل على هذا الاطلاق ما ذكر من الآيات،
~~قولهم: إن هذه الأسماء محمولة على موضوعاتها لغة: غير أن الشارع شرط في
~~إجزائها شروطا لا تصح ms035 بدونها، فإن مسمى الصلاة في اللغة هو الدعاء.
# وقد يطلق اسم الصلاة على الافعال التي لا دعاء فيها. كصلاة الأخرس الذي
~~لا يفهم الدعاء في الصلاة حتى يأتي به. وبتقدير أن يكون الدعاء متحققا،
~~فليس هو المسمى بالصلاة وحده. ودليله أنه يصح أن يقال إنه في الصلاة حالة
~~كونه غير داع، ولم كان هو المسمى بالصلاة لا غير، لصح عند فراغه من الدعاء
~~أن يقال:
# خرج من الصلاة. وإذا عاد إليه، يقال: عاد إلى الصلاة. وأن لا يسمى الشخص
~~مصليا حالة عدم الدعاء مع تلبسه بباقي الافعال. وكل ذلك خلاف الاجماع.
# قولهم: تسمية هذه الأفعال بهذه الأسماء إنما هو بطريق المجاز.
# قلنا: الأصل في الاطلاق الحقيقة.
# وقولهم: إن الدعاء جزء من هذه الأفعال. والشئ قد يسمى باسم جزئه.
# قلنا: كل جزء أو بعض الاجزاء: الأول ممنوع، والثاني مسلم.
# ولهذا فإن العشرة لا تسمى خمسة، ولا الكل جزءا، وإن كان بعضه يسمى جزءا،
~~إلى أمثلة كثيرة لا تحصى. PageV01P040
# وليس القول بأن ما نحن فيه من القبيل الجائز أولى من غيره، وإن سلمنا صحة
~~ذلك تجوزا. ولكن ليس القول بالتجوز في هذه الأسماء، وإجراء لفظ القرآن على
~~حقيقته أولى من العكس.
# فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، فإن ما ذكرتموه يلزم منه النقل وتغيير
~~اللغة، فيستدعي ثبوت أصل الوضع وإثبات وضع آخر. والوضع اللغوي لا يفتقر إلى
~~شئ آخر، ولا يلزم منه تغيير، فكان أولى. وأيضا فإن الغالب من الأوضاع
~~البقاء لا التغيير، وإدراج ما نحن فيه تحت الأغلب أغلب.
# قلنا: بل جانب الخصم أولى، لما فيه من ارتكاب مجاز واحد وما ذكرتموه ففيه
~~ارتكاب مجازات كثيرة، فكان أولى. وعلى هذا فقد اندفع قولهم بالتجوز بجهة
~~التخصيص أيضا. وما ذكروه من تسمية أفعال الصلاة، لما فيها من المتابعة
~~للامام، فيلزم منه أن لا تسمى صلاة الامام والمنفرد صلاة لعدم هذا المعنى
~~فيها.
# وقولهم في الزكاة: أن الواجب سمي زكاة باسم سببه تجوزا، فيلزم عليه أن لا
~~تصح تسميته زكاة، عند عدم النماء ms036 في المال، وإن كان النماء حاصلا فالتجوز
~~باسم السبب عن المسبب جائز مطلقا، أو في بعض الأسباب: الأول ممنوع، والثاني
~~مسلم. ولهذا، فإنه لا يصح تسمية الصيد شبكة، وإن كان نصبها سببا له، ولا
~~يسمى الابن أبا، وإن كان الأب سببا له. وكذلك لا يسمى العالم إلها، وإن كان
~~الاله تعالى سببا له، إلى غير ذلك من النظائر.
# وعند ذلك فليس القول بأن ما نحن فيه، من قبيل التجوز به، أولى من غيره.
# وأما المعتزلة فقد احتجوا بما سبق من الآيات، وبقولهم إن الايمان في
~~اللغة هو التصديق، وفي الشرع يطلق على غير التصديق. ويدل عليه قوله، عليه
~~السلام: PageV01P041
# الايمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة
~~الأذى عن الطريق سمي إماطة الأذى إيمانا، وليس بتصديق.
# وأيضا فإن الدين في الشرع، عبارة عن فعل العبادات، وإقامة الصلاة وإيتاء
~~الزكاة، بدليل قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)
~~* (98) البينة: 5) إلى آخر الآية. ثم قال: * (وذلك دين القيمة) * (98)
~~البينة: 5) فكان راجعا إلى كل المذكور، والدين هو الاسلام، لقوله تعالى: *
~~(إن الدين عند الله الاسلام) * (3) آل عمران: 19) والاسلام هو الايمان،
~~فيكون الايمان، في الشرع، هو فعل العبادات.
# ودليل كون الايمان هو الاسلام، إنه لو كان الايمان غير الاسلام، لما كان
~~مقبولا من صاحبه، لقوله تعالى: * (ومن يبتغ غير الاسلام دينا، فلن يقبل
~~منه) * (3) آل عمران: 85) وأيضا فإنه استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله
~~تعالى: * (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من
~~المسلمين) * (51) الذاريات: 35) والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى
~~منه.
# وأيضا قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143)
~~وأراد به الصلاة إلى بيت المقدس.
# وأيضا فإن قاطع الطريق، وإن كان مصدقا، فليس بمؤمن، لأنه يدخل النار،
~~بقوله تعالى: * (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * (2) البقرة: 114) والداخل في
~~النار مخزي، لقوله تعالى حكاية عن أهل النار: * (ربنا إنك من تدخل النار
~~فقد أخزيته) * (3) آل عمران: 192) مع التقرير لهم على ذلك. ms037 والمؤمن غير
~~مخزي لقوله تعالى: * (يوم لا يخزي الله النبي والذين أمنوا معه) * (66)
~~التحريم: 8) PageV01P042
# وأيضا فإن المكلف يوصف بكونه مؤمنا، حالة كونه غافلا عن التصديق بالنوم
~~وغيره، وأيضا فإنه لو كان الايمان في الشرع، هو الايمان اللغوي، أي التصديق
~~لسمي في الشرع المصدق بشريك الاله تعالى مؤمنا، والمصدق بالله مع إنكار
~~الرسالة مؤمنا، إلى نظائره.
# ولقائل أن يقول: أما الآيات السابق ذكرها، فيمكن أن يقال في جوابها إن
~~إطلاق اسم الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، إنما كان بطريق المجاز على ما
~~سبق، والمجاز غير خارج عن اللغة، وتسمية إماطة الأذى عن الطريق إيمانا أمكن
~~أن يكون لكونه دليلا على الايمان فعبر باسم المدلول عن الدال، وهو أيضا جهة
~~من جهات التجوز.
# فإن قيل: الأصل إنما هو الحقيقة.
# قلنا: إلا أنه يلزم منه التغيير، ومخالفة الوضع اللغوي، فيتقابلان وليس
~~أحدهما أولى من الآخر لما سبق.
# وقولهم: إن الايمان هو الاسلام بما ذكروه، فهو معارض بقوله تعالى: * (قل
~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) * (49) الحجرات: 14)، ولو اتحدا، لما صح هذا
~~القول. وليس أحدهما أولى من الآخر، بل الترجيح للتغاير، نظرا إلى أن الأصل
~~عند تعدد الأسماء تعدد المسميات، ولئلا يلزم منه التغيير في الوضع. وبهذا
~~يندفع ما ذكروه من الاستثناء.
# وقوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) فالمراد
~~به التصديق بالصلاة، PageV01P043
# لا نفس الصلاة، فلا تغيير، وإن كان المراد به الصلاة غير أن الصلاة، لما
~~كانت تدل على التصديق، سميت باسم مدلولها، وذلك مجاز من وضع اللغة.
# وقوله تعالى: * (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) * (66)
~~التحريم: 8) لا يتناول كل مؤمن، بل من آمن مع النبي، عليه السلام، وهو صريح
~~في ذلك. وأولئك لم يصدر منهم ما دل صدر الآية عليه، من الحراب لله ورسوله،
~~والسعي في الأرض بالفساد الذي أوجب دخول النار في الآية. ولا يلزم من نفي
~~الخزي عمن آمن مع النبي نفيه عن غيره.
# وقولهم: إن المكلف يوصف بالايمان، حالة كونه غافلا عن التصديق بالله
~~تعالى، إنما كان ذلك ms038 بطريق المجاز، لكونه كان مصدقا، وأنه يؤول إلى
~~التصديق. وهو جهة من جهات التجوز.
# وما يقال من أن الأصل الحقيقة، فقد سبق جوابه. كيف وإن ذلك لازم لهم في
~~كل ما يفسرون الايمان به. ومع اتحاد المحذور، فتقرير الوضع أولى.
# والمصدق بشريك الاله تعالى، ليس مؤمنا شرعا، لان الايمان في الشرع مطلق
~~تصديق، بل تصديق خاص، وهو التصديق بالله، وبما جاءت به رسله.
# وهو من باب تخصيص الاسم ببعض مسمياته في اللغة، فكان مجازا لغويا، وبه
~~يندفع ما قيل من التصديق بالله، والكفر برسوله، حيث أن مسمى الايمان الشرعي
~~لم يوجد.
# وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فالحق عندي في ذلك إنما هو إمكان كل
~~واحد من المذهبين.
# وأما ترجيح الواقع منهما، فعسى أن يكون عند غيري تحقيقه. PageV01P044
# المسألة الثانية اختلف الأصوليون في اشتمال اللغة على الأسماء المجازية:
~~فنفاه الأستاذ أبو إسحاق، ومن تابعه، وأثبته الباقون وهو الحق.
# حجة المثبتين أنه قد ثبت إطلاق أهل اللغة اسم الأسد على الانسان الشجاع،
~~والحمار على الانسان البليد، وقولهم: ظهر الطريق ومتنها، وفلان على جناح
~~السفر، وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق، وكبد السماء، إلى غير ذلك،
~~وإطلاق هذه الأسماء لغة مما لا ينكر إلا عن عناد. وعند ذلك فإما أن يقال إن
~~هذه الأسماء حقيقة في هذه الصور، أو مجازية لاستحالة خلو الأسماء اللغوية
~~عنهما ما سوى الوضع الأول كما سبق تحقيقه، لا جائز أن يقال بكونها حقيقة
~~فيها، لأنها حقيقة فيما سواها بالاتفاق.
# فإن لفظ الأسد حقيقة في السبع، والحمار في البهيمة، والظهر والمتن والساق
~~والكبد في الأعضاء المخصوصة بالحيوان، واللمة في الشعر إذا جاوز شحمة
~~الأذن.
# وعند ذلك فلو كانت هذه الأسماء حقيقية فيما ذكر من الصور، لكان اللفظ
~~مشتركا، ولو كان مشتركا، لما سبق إلى الفهم، عند إطلاق هذه الألفاظ، البعض
~~دون البعض، ضرورة التساوي في الدلالة الحقيقية. ولا شك أن السابق إلى الفهم
~~من إطلاق لفظ الأسد، إنما هو السبع، ومن إطلاق لفظ الحمار، إنما هو
~~البهيمة، ms039 وكذلك في باقي الصور.
# كيف وإن أهل الاعصار لم تزل تتناقل في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية
~~هذا حقيقة، وهذا مجازا. PageV01P045
# فإن قيل: لو كان في لغة العرب لفظ مجازي، فأما أن يفيد معناه بقرينة، أو
~~لا بقرينة. فإن كان الأول، فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى، فكان
~~مع القرينة حقيقة في ذلك المعنى. وإن كان الثاني، فهو أيضا حقيقة، إذا لا
~~معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالإفادة من غير قرينة.
# وأيضا فإنه ما من صورة من الصور، إلا ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي
~~الخاص بها. فاستعمال اللفظ المجازي فيها، مع افتقاره إلى القرينة من غير
~~حاجة، بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم.
# قلنا: جواب الأول، أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة، ولا
~~معنى للمجاز سوى هذا. والنزاع في ذلك لفظي، كيف وإن المجاز والحقيقة من
~~صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية، فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع.
# وجواب الثاني، أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي، دون الحقيقة، قد
~~تكون لاختصاصه بالخفة على اللسان، أو لمساعدته في وزن الكلام نظما ونثرا،
~~والمطابقة، والمجانسة، والسجع، وقصد التعظيم، والعدول عن الحقيقي للتحقير،
~~إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام. PageV01P046
# المسألة الثالثة اختلفوا في دخول الأسماء المجازية في كلام الله تعالى:
# فنفاه أهل الظاهر، والرافضة. وأثبته الباقون.
# احتج المثبتون بقوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) وبقوله
~~تعالى: * (واسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي أقبلنا فيها) * (12)
~~يوسف: 82) وبقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * (18) الكهف: 77).
# والأول: من باب التجوز بالزيادة. ولهذا لو حذفت الكاف بقي الكلام مستقلا.
# والثاني: من باب النقصان، فإن المراد به أهل القرية، لاستحالة سؤال
~~القرية، والعير وهي البهائم.
# والثالث: من باب الاستعارة، لتعذر الإرادة من الجدار وإذا امتنع حمل هذه
~~الألفاظ على ظواهرها في اللغة، فما تكون محمولة عليه هو المجاز.
# فإن قيل: لا نسلم التجوز فيما ذكرتموه من الألفاظ، أما قوله تعالى: *
~~(ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) فهو حقيقة في نفي التشبيه، ms040 إذ الكاف
~~للتشبيه.
# وأما قوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) فالمراد به مجتمع
~~الناس، فإن القرية مأخوذة من الجمع، ومنه يقال: قرأت الماء في الحوض، أي
~~جمعته.
# وقرأت الناقة لبنها في ضرعها، أي جمعته. ويقال لمن صار معروفا بالضيافة،
~~مقري ويقري، لاجتماع الأضياف عنده. وسمي القرآن قرآنا لذلك أيضا، لاشتماله
~~على مجموع السور والآيات. وأما العير فهي القافلة ومن فيها من الناس. ثم
~~وإن كان اسم القرية للجدران، والعير للبهائم، غير أن الله تعالى قادر على
~~إنطاقها، وزمن النبوة زمن خرق العوائد، فلا يمتنع نطقها بسؤال النبي لها.
~~PageV01P047
# وقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * (18) الكهف: 77) فمحمول أيضا على
~~حقيقته، لأنه لا يتعذر على الله تعالى خلق الإرادة فيه.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التجوز، لكنه معارض بما يدل على عدمه، وذلك
~~لان المجاز كذب، ولذلك يصدق نفيه عند قول القائل للبليد حمار، وللانسان
~~الشجاع أسد. ونقيض النفي الصادق يكون كاذبا، ولأن المجاز هو الركيك من
~~الكلام، وكلام الرب تعالى مما يصان عنه.
# سلمنا أنه ليس بكذب، غير أنه إنما يصار إليه عند العجز عن الحقيقة،
~~ويتعالى الرب عن ذلك.
# سلمنا أنه غير متوقف على العجز عن الحقيقة، غير أنه مما لا يفيد معناه
~~بلفظه دون قرينة، وربما تخفى، فيقع الالتباس على المخاطب، وهو قبيح من
~~الحكيم.
# سلمنا أنه لا يفضي إلى الالتباس، غير أنه إذا خاطب بالمجاز، وجب وصفه
~~بكونه متجوزا، نظرا إلى الاشتقاق، كما في الواحد منا، وهو خلاف الاجماع.
# سلمنا عدم اتصافه بذلك، غير أن كلام الله تعالى حق فله حقيقة، والحقيقة
~~مقابلة للمجاز.
# والجواب: قولهم: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) لنفي التشبيه ليس
~~كذلك، فإنه لو كانت الكاف هاهنا للتشبيه، لكان معنى النفي: ليس مثل مثله
~~شئ. وهو تناقض، ضرورة أنه مثل لمثله، فالمثل في الآية زائد، والمراد من
~~قولهم مثلك لا يقول هذا المشارك له في صفاته.
# وقولهم: المراد من القرية الناس المجتمعون، ليس كذلك لان القرية هي المحل
~~الذي يقع فيه الاجتماع، لا نفس الاجتماع. ومن ذلك ms041 سمي الزمان الذي فيه
~~يجتمع دم الحيض قرأ. وكذلك يقال القاري لجامع القرآن، والمقري لجامع
~~الأضياف.
# قولهم: إن العير هي القافلة المجتمعة من الناس.
# قلنا: من الناس والبهائم، لا نفس الناس فقط، ولهذا لا يقال لمجتمع الناس
~~من غير أن يكون معهم بهائم، قافلة. PageV01P048
# قولهم لو سأل لوقع الجواب.
# قلنا: جواب الجدران والبهائم ثم غير واقع على وفق الاختيار في عموم
~~الأوقات، بل إن وقع، فإنما يقع بتقدير تحدي النبي عليه السلام به. ولم يكن
~~كذلك فيما نحن فيه فلا يمكن الاعتماد عليه. ثم وإن أمكن تخيل ما قالوه مع
~~بعده، فبماذا يعتذر عن قوله تعالى: * (تجري من تحتها الأنهار) * (2)
~~البقرة: 25) والأنهار غير جارية، وعن قوله تعالى: * (واشتعل الرأس شيبا) *
~~(19) مريم: 4) وهو غير مشتعل، وعن قوله تعالى: * (واخفض لهما جناح الذل) *
~~(17) الاسراء: 24) والذل لا جناح له، وقوله تعالى: * (الحج أشهر معلومات) *
~~(2) البقرة: 197) والأشهر ليست هي الحج، وإنما هي طرف لافعال الحج، وقوله
~~تعالى: * (لهدمت صوامع وبيع وصلوات) * (22) الحج: 40) والصلوات لا تهدم،
~~وقوله: * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * (4) النساء: 43) وقوله: * (الله
~~نور السماوات والأرض) * (24) النور: 35) وقوله: * (فاعتدوا عليه بمثل ما
~~اعتدى عليكم) * (2) البقرة: 194) والقصاص ليس بعدوان، وقوله: * (وجزاء سيئة
~~سيئة مثلها) * (42) الشورى: 40) وقوله: * (الله يستهزئ بهم) * (2) البقرة:
~~15)، * (ويمكرون ويمكر الله) * (8) الأنفال: 30)، وقوله: * (كلما أوقدوا
~~نارا للحرب أطفأها الله) * (5) المائدة: 64)، وقوله تعالى: * (أحاط بهم
~~سرادقها) * (18) الكهف: 29) إلى ما لا يحصى ذكره من المجازات.
# وعن المعارضة الأولى بمنع كون المجاز كذبا، فإنه إنما يكون كذبا أن لو
~~أثبت ذلك حقيقة لا مجازا، كيف وإن الكذب مستقبح عند العقلاء، بخلاف
~~الاستعارة والتجوز، فإنه عندهم من المستحسنات.
# قولهم: إنه من ركيك الكلام، ليس كذلك، بل ربما كان المجاز أفصح وأقرب إلى
~~تحصيل مقاصد المتكلم البليغ على ما سبق وعن الثانية، بمنع ما ذكروه من
~~اشتراط المصير إلى المجاز بالعجز عن الحقيقة، بل إنما يصار إليه مع القدرة
~~على الحقيقة لما ذكرناه من المقاصد فيما تقدم.
# وعن الثالثة، أنها مبنية على القول بالتقبيح العقلي، وقد ms042 أبطلناه،
~~PageV01P049
# كيف وهو لازم على الخصوم فيما ورد من الآيات المتشابهات. فما هو الجواب
~~في المتشابهات؟ هو الجواب لنا هاهنا.
# وعن الرابعة، أنه إنما لم يسم، متجوزا، لان ذلك مما يوهم التسمح في
~~أقواله بالقبيح. ولهذا يفهم منه ذلك عند قول القائل: فلان متجوز في مقاله
~~... (2) فيتوقف إطلاقه في حق الله تعالى على الاطلاق الشرعي ولم يرد.
# وعن الخامسة، أن كلام الله وإن كان له حقيقة، فبمعنى كونه صدقا، لا بمعنى
~~الحقيقة المقابلة للمجاز.
# المسألة الرابعة اختلفوا في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية. فأثبته
~~ابن عباس وعكرمة، ونفاه الباقون.
# احتج النافون بقوله تعالى: * (ولو جعلناه قرآنا أعجميا، لقالوا لولا فصلت
~~آياته أأعجمي وعربي) * (41) فصلت: 44) فنفى أن يكون أعجميا، وقطع اعتراضهم
~~بتنوعه بين أعجمي وعربي. ولا ينتفي الاعتراض وفيه أعجمي، وبقوله تعالى: *
~~(بلسان عربي مبين) * (26) الشعراء: 195) وبقوله: * (إنا أنزلناه قرآنا
~~عربيا) * (12) يوسف: 2) وظاهر ذلك ينافي أن يكون فيه ما ليس بعربي.
# واحتج المثبتون لذلك بقولهم: القرآن مشتمل على المشكاة. وهي هندية،
~~وإستبرق، وسجيل بالفارسية، وطه، بالنبطية، وقسطاس، بالرومية، والأب، وهي
~~كلمة لا تعرفها العرب، ولذلك روي عن عمر أنه لما تلا هذه الآية قال: هذه
~~الفاكهة فما الأب PageV01P050
# قالوا: ولأن النبي عليه السلام مبعوث إلى أهل كل لسان كافة على ما قال
~~تعالى: * (كافة للناس بشيرا ونذيرا) * (34) سبأ: 28) وقال عليه السلام بعثت
~~إلى الأسود والأحمر، فلا ينكر أن يكون كتابه جامعا للغة الكل، ليتحقق خطابه
~~للكل إعجازا وبيانا، وأيضا فإن النبي عليه السلام لم يدع أنه كلامه، بل
~~كلام الله تعالى، رب العالمين، المحيط بجميع اللغات، فلا يكون تكلمه
~~باللغات المختلفة منكرا، غايته أنه لا يكون مفهوما للعرب. وليس ذلك بدعا،
~~بدليل تضمنه للآيات المتشابهات، والحروف المعجمة في أوائل السور.
# أجاب النافون، وقالوا: أما الكلمات المذكورة، فلا نسلم أنها ليست عربية،
~~وغايته اشتراك اللغات المختلفة في بعض الكلمات، وهو غير ممتنع، كما في
~~قولهم:
# سروال بدل سراويل، وفي قولهم: تنور، فإنه قد قيل إنه مما اتفق فيه جميع
~~اللغات، ولا ms043 يلزم من خفاء كلمة الأب على عمر أن لا يكون عربيا، إذ ليس كل
~~كلمات العربية مما أحاط بها كل واحد من آحاد العرب. ولهذا قال ابن عباس: ما
~~كنت أدري ما معنى: * (فاطر السماوات والأرض) * (35) فاطر: 1) حتى سمعت
~~امرأة من العرب تقول:
# أنا فطرته أي ابتدأته.
# وأما بعثته إلى الكل، فلا يوجب ذلك اشتمال الكتاب على غير لغة العرب لما
~~ذكروه. وإلا لزم اشتماله على جميع اللغات، ولما جاز الاقتصار من كل لغة على
~~كلمة واحدة لتعذر البيان والاعجاز بها. وما ذكروه فغايته أنه إذا كان كلام
~~الله المحيط بجميع اللغات، فلا يمتنع أن يكون مشتملا على اللغات المختلفة،
~~ولكنه لا يوجبه، فلا يقع ذلك في مقابلة النصوص الدالة على عدمه.
~~PageV01P051
# المسألة الخامسة اختلفوا في إطلاق الاسم على مسماه المجازي: هل يفتقر في
~~كل صورة إلى كونه منقولا عن العرب، أو يكفي فيه ظهور العلاقة المعتبرة في
~~التجوز، كما عرفناه أولا، فمنهم من شرط في ذلك النقل مع العلاقة. ومنهم من
~~اكتفى بالعلاقة لا غير.
# احتج الشارطون للنقل بأنه لو اكتفى بالعلاقة لجاز تسمية غير الانسان
~~نخلة، لمشابهته لها في الطول، كما جاز في الانسان، ولجاز تسمية الصيد شبكة،
~~والثمرة شجرة، وظل الحائط حائطا، والابن أبا، تعبيرا عن هذه الأشياء بأسماء
~~أسبابها لما بينها وبين أسبابها من الملازمة في الغالب. وهي من الجهات
~~المصححة للتجوز.
# وليس كذلك. فدل على أنه لا بد من نقل الاستعمال ولقائل أن يقول: ما
~~المانع أن يكون تحقق العلاقة بين محل الحقيقة ومحل التجوز كافيا في جواز
~~إطلاق الاسم على جهة المجاز، وحيث وجدت العلاقة المجوزة للاطلاق في بعض
~~الصور، وامتنع الاطلاق، فإنما كان لوجود المنع من قبل أهل اللغة، لا للتوقف
~~على نقل استعمالهم للاسم فيها على الخصوص.
# فإن قيل: لو لم يكن نقل استعمال أهل اللغة معتبرا في محل التجوز، فتسميته
~~باسم الحقيقة، إما بالقياس عليه: أو أنه مخترع للواضع المتأخر، الأول ممتنع
~~لما يأتي، والثاني، فلا يكون من لغة العرب. PageV01P052
# قلنا: ms044 لا يلزم من عدم التنصيص في آحاد الصور من أهل اللغة على التسمية أن
~~يكون كما ذكروه، بل ثم قسم ثالث: وهو أن تنص العرب نصا كليا على جواز إطلاق
~~الاسم الحقيقي على كل ما كان بينه وبينه علاقة منصوص عليها من قبلهم، كما
~~بيناه. ولا معنى للمجاز إلا هذا. وهو غير خارج عن لغتهم.
# فإن قيل: لو كان الامر على ما ذكرتموه، لكان المنع منهم متحققا مع وجود
~~المطلق، وهو تعارض مخالف للأصل بخلاف ما ذكرناه.
# قلنا: أمكن أن يكون المطلق ما ذكرناه مشروطا بعدم ظهور المنع، ومع ظهور
~~المنع، فلا مطلق، وفيه عوص.
# واحتج النافون بأن إطلاق المجاز مما لا يفتقر إلى بحث ونظر دقيق في
~~الجهات المصححة في التجوز. والامر النقلي لا يكون كذلك، وأيضا فإنه لو كان
~~نقليا لما افتقر فيه إلى العلاقة بينه وبين محل الحقيقة، بل لكان النقل فيه
~~كافيا.
# ولقائل أن يقول: أما الأول، فالنظر ليس في النقل بل في العلاقة التي بين
~~محل التجوز والحقيقة. وأما الثاني، فلان الافتقار إلى العلاقة إنما كان
~~لضرورة توقف المجاز، من حيث هو مجاز عليها. وإلا كان إطلاق الاسم عليه من
~~باب الاشتراك، لا من باب المجاز. وإذا تقاومت الاحتمالات في هذه المسألة،
~~فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح. PageV01P053
# القسمة الرابعة:
# الاسم لا يخلو إما أن يكون بحيث لا يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو
~~يصح.
# فالأول: اسم العلم، كزيد وعمرو، والثاني: إما أن لا يكون صفة، أو هو صفة:
# والأول هو اسم الجنس، وهو إما أن يكون عينا، كالانسان والفرس، أو غير
~~عين، كالعلم والجهل، والصفة، كالقائم والقاعد. وهو الاسم المشتق، والمشتق
~~هو ما غير من أسماء المعاني عن شكله بزيادة أو نقصان في الحروف أو الحركات
~~أو فيهما، وجعل دالا على ذلك المعنى، وعلى موضوع له غير معين، كتسمية الجسم
~~الذي قام به السواد أسود، والبياض أبيض، ونحوه. ولا يتصور أن يكون المشتق
~~إلا كذلك.
# وهل يشترط قيام المشتق منها بما له الاشتقاق، وهل ms045 يلزم الاشتقاق من الصفة
~~المعنوية لما قامت به، فذلك مما أوجبه أصحابنا، ونفاه المعتزلة، حيث إنهم
~~جوزوا اشتقاق اسم المتكلم لله تعالى من كلام مخلوق له غير قائم بذاته، ولم
~~يوجبوا الاشتقاق منه للمحل الذي خلق فيه. وقد عرفنا مأخذ الخلاف من
~~الجانبين، وما هو الصحيح منه في أبكار الأفكار فليلتمس.
# مسائل هذه القسمة مسألتان:
# المسألة الأولى في أن بقاء الصفة المشتق منها، هل يشترط في إطلاق اسم
~~المشتق حقيقة، أم لا.
# فأثبته قوم، ونفاه آخرون، وقد فصل بعضهم بين ما هو ممكن الحصول، وما ليس
~~ممكنا. فاشترط ذلك في الممكن دون غيره. PageV01P054
# احتج الشارطون بأنه لو كان إطلاق الضارب على شخص ما حقيقة بعد انقضائه
~~صفة الضرب منه، لما صح نفيه. ويصح أن يقال إنه في الحال ليس بضارب.
# ولقائل أن يقول: صحة سلب الضاربية عنه في الحال، إنما يلزم منه سلبها عنه
~~مطلقا، إذ لو لم يكن أعم من الضاربية في الحال، وهو غير مسلم. وعند ذلك فلا
~~يلزم من صحة سلب الأخص سلب الأعم.
# فإن قيل: قول القائل هذا ضارب لا يفيد سوى كونه ضاربا في الحال، فإذا سلم
~~صحة سلبه في الحال، فهو المطلوب.
# قلنا: هذا بعينه إعادة دعوى محل النزاع. بل الضارب هو من حصل له الضرب،
~~وهو أعم من حصول الضرب له في الحال. فالضارب أعم من الضارب في الحال.
# فإن قيل: وكما أن حصول الضرب أعم من حصول الضرب في الحال، لانقسامه إلى
~~الماضي والحال فهو أعم من المستقبل أيضا، لانقسامه إلى الحال والمستقبل.
~~فإن صدق اسم الضارب حقيقة باعتبار هذا المعنى الأعم، فليكن اسم الضارب
~~حقيقة قبل وجود الضرب منه، كما كان حقيقة بعد زوال الضرب.
# قلنا: الضارب حقيقة من حصل منه الضرب. وهذا يصدق على من وجد منه الضرب في
~~الماضي أو الحال، بخلاف من سيوجد منه الضرب في المستقبل، فإنه لا يصدق عليه
~~أنه حصل منه الضرب. وعند ذلك فلا يلزم من صدق الضارب حقيقة على من وجد منه
~~الضرب، ms046 صدقه حقيقة على من سيوجد منه الضرب، ولم يوجد.
# واحتج النافون بوجوه: PageV01P055
# الأول: أن أهل اللغة قالوا: إذا كان اسم الفاعل بتقدير الماضي لا يعمل
~~عمل الفعل، فلا يقال ضارب زيدا أمس، كما يقال بتقدير المستقبل، بل يقال
~~ضارب زيد، أطلقوا عليه اسم الفاعل باعتبار ما صدر عنه من الفعل الماضي.
# الثاني: أنه لو كان وجود ما منه الاشتقاق شرطا في صحة الاشتقاق حقيقة،
~~لما كان إطلاق اسم المتكلم والمخبر حقيقة أصلا، لان ذلك لا يصح إلا بعد
~~تحقق الكلام منه والخبر، وهو إنما يتم بمجموع حروفه وأجزائه، ولا وجود
~~للحروف السابقة مع الحرف الأخير أصلا ولا حقا، بامتناع كونه متكلما حقيقة
~~قبل وجود الكلام، فلو لم يكن حقيقة عند آخر جزء من الكلام والخبر مع عدم
~~وجود الكلام والخبر في تلك الحالة، لما كان حقيقة أصلا، وهو ممتنع، وإلا
~~لصح أن يقال إنه ليس بمتكلم إذ هو لازم نفي الحقيقة، ولما حنث من حلف أن
~~فلانا لم يتكلم حقيقة، وإنني لا أكلم فلانا حقيقة، إذا كان قد تكلم أو
~~كلمه.
# الثالث: إن الضارب من حصل منه الضرب، ومن وجد منه الضرب في الماضي، يصدق
~~عليه أنه قد حصل منه الضرب فكان ضاربا حقيقة.
# ولقائل أن يقول: أما الوجه الأول: فإنه لا يلزم من إطلاق اسم الفاعل عليه
~~أن يكون حقيقة، ولهذا فإنهم قالوا: اسم الفاعل، إذا كان بتقدير المستقبل،
~~عمل عمل الفعل. فقيل ضارب زيدا غدا، وليس ذلك حقيقة بالاتفاق.
# وأما الوجه الثاني: فغير لازم أيضا، إذ للخصم أن يقول: شرط كون المشتق
~~حقيقة إنما هو وجود ما منه الاشتقاق إن أمكن، وإلا فوجود آخر جزء منه.
# وذلك متحقق في الكلام والخبر بخلاف ما نحن فيه.
# وأما الثالث: فلا نسلم أن اسم الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب مطلقا،
~~بل من الضرب حاصل منه حالة تسميته ضاربا. ثم يلزم تسمية أجلاء الصحابة
~~كفرة، لما وجد منهم من الكفر السابق، والقائم قاعدا، والقاعد قائما، لما
~~وجد منه من القعود ms047 والقيام السابق، وهو غير جائز بإجماع المسلمين وأهل
~~اللسان.
# هذا ما عندي في هذه المسألة، وعليك بالنظر والاعتبار. PageV01P056
# المسألة الثانية اختلفوا في الأسماء اللغوية: هل ثبتت قياسا أم لا.
~~فأثبته القاضي أبو بكر، وابن سريج من أصحابنا، وكثير من الفقهاء وأهل
~~العربية. وأنكره معظم أصحابنا، والحنفية، وجماعة من أهل الأدب مع اتفاقهم
~~على امتناع جريان القياس في أسماء الاعلام وأسماء الصفات.
# أما أسماء الاعلام: فلكونها غير موضوعة لمعان موجبة لها، والقياس لا بد
~~فيه من معنى جامع، إما معرف وإما داع. وإذا قيل في حق الأشخاص في زماننا:
~~هذا سيبويه، وهذا جالينوس. فليس بطريق القياس في التسمية، بل معناه: هذا
~~حافظ كتاب سيبويه وعلم جالينوس بطريق التجوز، كما يقال:
# قرأت سيبويه، والمراد به كتابه.
# وأما أسماء الصفات: الموضوعة للفرق بين الصفات، كالعالم والقادر، فلأنها
~~واجبة الاطراد، نظرا إلى تحقق معنى الاسم، فإن مسمى العالم من قام به
~~العلم، وهو متحقق في حق كل من قام به العلم، فكان إطلاق اسم العالم عليه
~~ثابتا بالوضع لا بالقياس، إذ ليس قياس أحد المسميين المتماثلين في المسمى
~~على الآخر أولى من العكس، وإنما الخلاف في الأسماء الموضوعة على مسمياتها
~~مستلزمة لمعان في محالها وجودا وعدما، وذلك كإطلاق اسم الخمر على النبيذ
~~بواسطة مشاركته للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على العقل،
~~وكإطلاق اسم السارق على النباش، بواسطة مشاركته للسارقين من الاحياء في أخذ
~~المال على سبيل الخفية، وكإطلاق اسم الزاني على اللائط بواسطة مشاركته
~~للزاني في إيلاج الفرج المحرم، والمختار أنه لا قياس، وذلك لأنه إما أن
~~ينقل عن العرب أنهم وضعوا اسم الخمر لكل مسكر، أو للمعتصر من العنب خاصة،
~~أو لم ينقل شئ من ذلك فإن كان الأول، فاسم الخمر ثابت للنبيذ بالتوقيف لا
~~بالقياس. وإن كان الثاني، فالتعدية تكون على خلاف المنقول عنهم، ولا يكون
~~ذلك من لغتهم. PageV01P057
# وإن كان الثالث، فيحتمل أن يكون الوصف الجامع الذي به التعدية دليلا على
~~التعدية، ويحتمل أن لا يكون دليلا، بدليل ما ms048 صرح بذلك، وإذا احتمل، واحتمل،
~~فليس أحد الامرين أولى من الآخر. فالتعدية تكون ممتنعة.
# فإن قيل الوصف الجامع، وإن احتمل أن لا يكون دليلا غير أن احتمال كونه
~~دليلا أظهر وبيانه من ثلاثة أوجه:
# الأول: إن الاسم دار مع الوصف في الأصل وجودا وعدما. والدوران دليل كون
~~وجود الوصف أمارة على الاسم، فيلزم من وجوده في الفرع وجود الاسم.
# الثاني: إن العرب إنما سمت باسم الفرس، والانسان الذي كان في زمانهم،
~~وكذلك وصفوا الفاعل في زمانهم بأنه رفع، والمفعول نصب، وإنما وصفوا بعض
~~الفاعلين والمفعولين، ومع ذلك فالاسم مطرد في زماننا بإجماع أهل اللغة في
~~كل إنسان وفرس، وفاعل ومفعول، وليس ذلك إلا بطريق القياس.
# والثالث: قوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (59) الحشر: 2) وهو
~~عام في كل قياس.
# ثم ما ذكرتموه باطل بالقياس الشرعي. فإن كل ما ذكرتموه من الأقسام بعينه
~~متحقق فيه. ومع ذلك فالقياس صحيح متبع، وهو أيضا على خلاف مذهب الشافعي،
~~فإنه سمى النبيذ خمرا، وأوجب الحد بشربه، وأوجب الحد على اللائط قياسا على
~~الزنى، وأوجب الكفارة في يمين الغموس قياسا على اليمين في المستقبل، وتأول
~~حديث: الشفعة للجار بحمله على الشريك في الممر، وقال: العرب تسمي الزوجة
~~جارا، فالشريك أولى.
# قلنا: جواب الأول: إن دوران الاسم مع الوصف في الأصل وجودا وعدما لا يدل
~~على كونه علة للاسم، بمعنى كونه داعيا إليه وباعثا، بل إن كان، ولا بد،
~~فبمعنى كونه أمارة، وكما دار مع اسم الخمر مع الشدة المطربة، دار مع خصوص
~~شدة المعتصر من العنب، وذلك غير موجود في النبيذ، فلا قياس. PageV01P058
# ثم ما ذكروه منتقض بتسمية العرب للرجل الطويل نخلة، والفرس الأسود، أدهم،
~~والملون بالبياض والسواد، أبلق، والاسم فيه دائر مع الوصف في الأصل وجودا
~~وعدما. ومع ذلك لم يسموا الفرس والجمل لطوله نخلة، ولا الانسان المسود،
~~أدهم، ولا المتلون من باقي الحيوانات بالسواد والبياض أبلق. وكل ما هو
~~جوابهم في هذه الصور جوابنا في موضع النزاع.
# وجواب الثاني: أن ما وقع الاستشهاد به ms049 لم يكن مستند التسمية فيه على
~~الاطلاق، القياس، بل العرب وضعت تلك الأسماء للأجناس المذكورة بطريق
~~العموم، لا أنها وضعتها للمعين، ثم طرد القياس في الباقي.
# وجواب الثالث: بمنع العموم في كل اعتبار، وإن كان عاما في المعتبر، فلا
~~يدخل فيه القياس في اللغة. وأما النقض بالقياس الشرعي فغير متجه، من جهة أن
~~اجتماع الأمة من السلف عندنا أوجب الالحاق عند ظن الاشتراك في علة حكم
~~الأصل، حتى إنه لو لم يكن إجماع، لم يكن قياس. ولا إجماع فيما نحن فيه من
~~الأمة السابقة على الالحاق. فلا قياس.
# وأما تسمية الشافعي: رضي الله عنه، النبيذ خمرا، فلم يكن في ذلك مستندا
~~إلى القياس، بل إلى قوله عليه السلام: إن من التمر خمرا وهو توقيف لا قياس،
~~وإيجابه للحد في اللواط، وفي النبش، لم يكن لكون اللواط زنى، ولا لكون
~~النبش سرقة، بل لمساواة اللواط للزنى، والنبش للسرقة في المفسدة المناسبة
~~للحد المعتبر في الشرع.
# وأما يمين الغموس: فإنما سميت يمينا لا بالقياس، بل بقوله صلى الله عليه
~~وسلم: اليمن الغموس تدع الديار بلاقع فكان ذلك بالتوقيف. PageV01P059
# وأما تسمية الشافعي للشريك جارا، إنما كان بالتوقيف لا بالقياس على
~~الزوجة، وإنما ذكر الزوجة لقطع الاستبعاد في تسمية الشريك جارا، لزيادة
~~قربه بالنسبة إلى الجار الملاصق فقال: الزوجة أقرب من الشريك، وهي جار، فلا
~~يستبعد ذلك فيما هو أبعد منها، وبتقدير أن يكون قائلا بالقياس في اللغة،
~~إلا أن غيره مخالف له. والحق من قوليهما أحق أن يتبع.
# الفصل الخامس في الفعل وأقسامه والفعل ما دل على حدث مقترن بزمان محصل
~~والحدث المصدر، وهو اسم الفعل، والزمان المحصل، الماضي والحال، والمستقبل.
~~وهو منقسم بحسب انقسام الزمان فالماضي منه، كقام وقعد والحاضر والمستقبل في
~~اللفظ واحد، ويسمى المضارع، وهو ما في أوله إحدى الزوائد الأربع، وهي:
~~الهمزة، والتاء، والنون، والياء، كقولك: أقوم، وتقوم ونقوم، ويقوم. وتخليص
~~المستقبل عن الحاضر بدخول السين أو سوف عليه، كقولك: سيقوم وسوف يقوم.
# وأما فعل الامر، فما نزع منه ms050 حرف المضارعة لا غير، كقولك في يقوم قم،
~~ونحوه.
# ويدخل في هذه الأقسام فعل ما لم يسم فاعله، وأفعال القلوب والجوارح،
~~والافعال الناقصة، وأفعال المدح والذم، والتعجب.
# والفعل وإن كان كلمة مفردة عند النحاة مطلقا، فعند الحكماء المفرد منه
~~إنما هو الماضي دون المضارع. وذلك، لان حرف المضارعة في المضارع هو
~~PageV01P060
# الدال على الموضوع، معينا كان أو غير معين، والمفرد هو الدال الذي لا جزء
~~له يدل على شئ أصلا على ما سبق تحقيقه في حد المفرد. وهو بخلاف الماضي،
~~فإنه، وإن دل على الفعل وعلى موضوعه، فليس فيه حرف يدل على الموضوع، فكان
~~مفردا.
# وقد ألحق بعضهم ما كان من المضارع الذي في أوله الياء بالماضي في
~~الافراد، دون غيره، لاشتراكهما في الدلالة على الفعل، وعلى موضوع له غير
~~معين، وليس بحق. فإنهما، وإن اشتركا في هذا المعنى، فمفترقان من جهة دلالة
~~الياء على الموضوع الذي ليس معينا، بخلاف الماضي، حيث إنه لم يوجد منه حرف
~~يدل على الموضوع كما سبق.
# الفصل السادس في الحرف وأصنافه الحرف ما دل على معنى في غيره، وهو على
~~أصناف:
# منها حرف الإضافة، وهو ما يفضي بمعاني الافعال إلى الأسماء. وهو ثلاثة
~~أقسام:
# الأول: منه ما لا يكون إلا حرفا كمن، وإلى، وحتى، وفي، والباء، واللام،
~~ورب، وواو القسم، وتائه.
# أما من فهي قد تكون لابتداء الغاية، كقولك: سرت من بغداد، وللتبعيض،
~~كقولك: أكلت من الخبز، ولبيان الجنس، كقولك: خاتم من حديد، وزائدة، كقولك:
~~ما جاءني من أحد. PageV01P061
# وأما إلى فهي قد تكون لانتهاء الغاية، كقولك: سرت إلى بغداد، وبمعنى مع،
~~كقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (4) النساء: 2)، وأما
~~حتى ففي معنى إلى وأما في فللظرفية، كقولك، وزيد في الدار. وقد ترد بمعنى
~~على، كقوله تعالى: * (ولأصلبنكم في جذوع النخل) * (20) طه: 71). وقد يتجوز
~~بها في قولهم، نظرت في العلم الفلاني.
# وأما الباء فللالصاق، كقولك: به داء. وقد تكون للاستعانة، كقولك:
# كتبت بالقلم. والمصاحبة، كقولك: اشتريت الفرس بسرجه، وقد ترد بمعنى على،
~~قال ms051 الله تعالى: * (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من
~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (3) آل عمران: 75)، أي على قنطار، وعلى
~~دينار، وقد ترد بمعنى من أجل، قال الله تعالى: * (ولم أكن بدعائك رب شقيا)
~~* (19) مريم: 4) أي لأجل دعائك، وقيل بمعنى في دعائك.
# وقد تكون زائدة، كقوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (2)
~~البقرة: 195).
# وأما اللام فهي للاختصاص، كقولك: المال لزيد، وقد تكون زائدة، كقوله: ردف
~~لكم.
# وأما رب فهي للتقليل، ولا تدخل إلا على النكرة، كقولك: رب رجل عالم.
# وأما واو القسم فمبدلة عن باء الالصاق، في قولك: أقسمت بالله.
# والتاء مبدلة من الواو في تالله.
# القسم الثاني: ما يكون حرفا واسما، كعلى، وعن، والكاف، ومذ، ومنذ.
# فأما على فهي للاستعلاء، وهي إما حرف، كقولك: على زيد دين، وإما اسم،
~~كقول الشاعر:
# غدت من عليه بعدما تظمئها تصل وعن قيض بزيزاء مجهل PageV01P062
# وأما عن فللمباعدة: وهي إما حرف، كقوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون
~~عن أمره) * (24) النور: 63) وإما اسم، كقولك: جلست من عن يمينه.
# وأما الكاف فقد تكون حرفا للتشبيه، كقولك: زيد كعمرو.
# وقد تكون اسما، كقول الشاعر:
# يضحكن عن كالبرد المنهم وأما مذ ومنذ فحرفان لابتداء الغاية في الزمان،
~~تقول: ما رأيته مذ اليوم، ومنذ يوم الجمعة. وقد يكونان اسمين، إذا رفعا ما
~~بعدهما.
# القسم الثالث: ما يكون حرفا وفعلا، كحاشا، وخلا، وعدا. فإنها تخفض ما
~~بعدها بالحرفية، وقد تنصبه بالفعلية ومنها الحرف المضارع للفعل، وهو ينصب
~~الاسم ويرفع الخبر، مثل: إن، وأن، ولكن، وكأن، وليت، ولعل.
# ومنها حروف العطف، وهي عشرة: منها أربعة تشتر ك في جميع المعطوف والمعطوف
~~عليه في حكم، غير أنها تختلف في أمور أخرى، وهذه هي الواو، والفاء، وثم
~~وحتى.
# أما الواو فقد اتفق جماهير أهل الأدب على أنها للجمع المطلق غير مقتضية
~~ترتيبا ولا معية. ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقا، ونقل عن الفراء أنها
~~للترتيب حيث يستحيل الجمع، كقوله: * (يا أيها الذين آمنوا، اركعوا،
~~واسجدوا) * (22) الحج: 77)، وقيل إنها ms052 ترد بمعنى أو كقوله تعالى: * (أولي
~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع) * (35) فاطر: 1) قيل، أراد مثنى، أو ثلاث، أو
~~رباع. وقد ترد للاستئناف، كالواو في قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا
~~الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) تقديره،
~~والراسخون يقولون آمنا به وقد ترد بمعنى مع في باب المفعول معه، تقول:
# جاء البرد والطيالسة. وقد ترد بمعنى إذ قال الله تعالى: * (ثم أنزل عليكم
~~من بعد الغم أمنة نعاسا) * (3) آل عمران: 154) إلى قوله: * (وطائفة قد
~~أهمتهم أنفسهم) * (3) آل عمران: 154) أي إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم.
~~PageV01P063
# احتج القائلون بالجمع المطلق من تسعة أوجه:
# الأول: أنه لو كانت الواو في قول القائل: رأيت زيدا وعمرا للترتيب، لما
~~صح قوله تعالى: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) * (2) البقرة: 58) في آية،
~~وفي آية أخرى:
# * (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) * (7) الأعراف: 161) مع اتحاد القضية،
~~لما فيه من جعل المتقدم متأخرا، والمتأخر متقدما.
# الثاني: أنه لو كانت للترتيب، لما حسن قول القائل: تقاتل زيد وعمرو إذ لا
~~ترتيب فيه.
# الثالث: أنه كان يلزم أن يكون قول القائل: جاء زيد وعمرو كاذبا عند
~~مجيئهما معا، أو تقدم المتأخر، وليس كذلك.
# الرابع: أنه كان يلزم أن يكون قوله: رأيت زيدا وعمرا بعده تكريرا، وقبله
~~تناقضا.
# الخامس: أنها لو كانت للترتيب، لما حسن الاستفسار عن تقدم أحدهما، وتأخر
~~الآخر، لكونه مفهوما من ظاهر العطف.
# السادس: أنه كان يجب على العبد الترتيب، عند قول سيده له، إيت بزيد
~~وعمرو.
# السابع: هو أن واو العطف في الأسماء المختلفة جارية مجرى واو الجمع، وفي
~~الأسماء المتماثلة مجرى ياء التثنية، وهما لا يقتضيان الترتيب، فكذلك ما هو
~~جار مجراهما.
# الثامن: أن الجمع المطلق معقول، فلا بد له من حرف يفيده، وليس ثم من
~~الحروف ما يفيده سوى الواو بالاجماع فتعين أن يكون هو الواو.
# التاسع: أنها لو أفادت الترتيب، لدخلت في جواب الشرط كالفاء، ولا يحسن أن
~~يقال: إذا دخل زيد الدار وأعطه درهما كما يحسن أن يقال: فأعطه درهما.
# ولقائل أن يقول: ms053 على الوجه الأول: إذا كان من أصل المخالف أن الواو ظاهرة
~~في الترتيب، فلا يمنع ذلك من حملها على غير الترتيب تجوزا، وعلى هذا فحيث
~~تعذر حملها على الترتيب في الآيتين المذكورتين، لا يمنع من استعمالها في
~~غير الترتيب بجهة التجوز. PageV01P064
# وكذلك الكلام في قولهم: تقاتل زيد وعمرو ولا يلزم من التجوز بالواو في
~~غير الترتيب أن يتجوز عنه بالفاء وثم، إذ هو غير لازم مع اختلاف الحروف.
# وعلى الوجه الثالث: أنه لا يلزم أن يكون كاذبا بتقدير المعية، أو تقدم
~~المتأخر في اللفظ لامكان التجوز بها عن الجمع المطلق، كما لو قال: رأيت
~~أسدا وكان قد رأى إنسانا شجاعا.
# وعلى الرابع: أنه إذا قال: رأيت زيدا وعمرا بعده لا يكون تكريرا، لأنه
~~يكون مفيدا لامتناع حمله على الجمع المطلق، لاحتمال توهمه بجهة التجوز.
# وإذا قال: رأيت زيدا وعمرا قبله لا يكون تناقضا، لكونه مفيدا لإرادة جهة
~~التجوز.
# وعلى الخامس: أنه إنما حسن الاستفسار لاحتمال اللفظ له تجوزا.
# وعلى السادس: أنه إنما لم يجب على العبد الترتيب نظرا إلى قرينة الحال
~~المقتضية لإرادة جهة التجوز، حتى إنه لو فرض عدم القرينة، لقد كان ذلك
~~موجبا للترتيب.
# فإن قيل: لو كانت الواو حقيقة في الترتيب، فإفادتها للجمع المطلق عند
~~تفسيرها به: إن كان مجازا، فهو خلاف الأصل، وإن كان حقيقة، فليزم منه
~~الاشتراك، وهو أيضا على خلاف الأصل.
# قلنا: ولو كانت حقيقة في الجمع المطلق، فإفادتها للترتيب عند تفسيرها به،
~~وإن كان مجازا فهو خلاف الأصل، وإن كان حقيقة كان مشتركا، وهو خلاف الأصل.
~~وليس أحد الامرين أولى من الآخر فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، لأنها إذا
~~كانت حقيقة في الترتيب خلا الجمع المطلق عن حرف يخصه، ويدل عليه، وإذا كانت
~~حقيقة في الجمع المطلق، لم يخل الترتيب عن حرف يدل عليه لدلالة الفاء وثم
~~عليه.
# قلنا: فنحن إنما نجعلها حقيقة في الترتيب المطلق المشترك بين الفاء وثم
~~وذلك مما لا تدل عليه الفاء وثم دلالة مطابقة، بل إما بجهة ms054 التضمن أو
~~PageV01P065
# الالتزام. وكما أنها تدل على الترتيب المشترك بدلالة التضمن أو الالتزام،
~~فتدل على الجمع المطلق هذه الدلالة. وعند ذلك فليس إخلاء الترتيب المشترك
~~عن لفظ يطابقه، أولى من إخلاء الجمع المطلق.
# وعلى السابع: أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كانت الواو جارية مجرى واو
~~الجمع وياء التثنية مطلقا، وليس كذلك، لأنه لا مانع من كونها جارية مجراهما
~~في مطلق الجمع، مع كونها مختصة بالترتيب. كما في الفاء وثم.
# وعلى الثامن: أنه كما أن الجمع المطلق معقول، ولا بد له من حرف يدل عليه
~~فالترتيب المطلق أيضا معقول وبد له من حرف يدل عليه. وليس ما يفيده
~~بالاجماع سوى الواو فتعين، كيف وإن الجمع المطلق حاصل بقوله: رأيت زيدا،
~~رأيت عمرا.
# وعلى التاسع: أن ما ذكروه منتقض بثم وبعد.
# وأما المثبتون للترتيب، فقد احتجوا بالنقل، والحكم، والمعنى أما النقل
~~فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، اركعوا، واسجدوا) * (22) الحج: 77)
~~فإنه مقتض للترتيب، وأيضا ما روي أنه لما نزل قوله تعالى: * (إن الصفا
~~والمروة من شعائر الله) * (2) البقرة: 58) قال الصحابة للنبي عليه السلام:
~~بم نبدأ؟ قال: ابدأوا بما بدأ الله به ولولا أن الواو للترتيب، لما كان
~~كذلك.
# وأيضا ما روي أن واحدا قام بين يدي رسول الله وقال: من أطاع الله ورسوله
~~فقد اهتدى، ومن عصاهما فقد غوى فقال عليه السلام بئس خطيب القوم أنت، قل
~~ومن عصى الله ورسوله فقد غوى ولو كانت الواو للجمع المطلق، لما وقع الفرق.
~~PageV01P066
# وأيضا ما روي عن عمر أنه قال لشاعر قال: كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا
~~لو قدمت الاسلام على الشيب لأجزتك وكان عمر من أهل اللسان، وذلك يدل على
~~الترتيب.
# وأيضا ما روي أن الصحابة أنكروا على ابن عباس، وقالوا له: لم تأمرنا
~~بالعمرة قبل الحج، وقد قال الله: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (2)
~~البقرة: 196) وكانوا أيضا من أهل اللسان وذلك يدل على الترتيب ولولا أن
~~الواو للترتيب، لما كان كذلك.
# وأما الحكم، فإنه لو قال الزوج لزوجته قبل الدخول بها: ms055 أنت طالق وطالق
~~وطالق وقع بها طلقة واحدة، ولو كانت الواو للجمع المطلق لوقعت الثلاث، كما
~~لو قال لها: أنت طالق ثلاثا.
# وأما المعنى، فهو أن الترتيب في اللفظ يستدعي سببا، والترتيب في الوجود
~~صالح له، فوجب الحمل عليه.
# أجاب النافون عن النقل: أما الآية، فلا نسلم أن الترتيب مستفاد منها، بل
~~من دليل آخر، وهو أن النبي عليه السلام صلى ورتب الركوع قبل السجود، وقال:
# صلوا كما رأيتموني أصلي ولو كانت الواو للترتيب، لما احتاج النبي عليه
~~السلام إلى هذا البيان.
# وأما قوله عليه السلام: ابدأوا بما بدأ الله به فهو دليل عليهم، حيث سأله
~~الصحابة عن ذلك مع أنهم من أهل اللسان، ولو كانت الواو للترتيب لما احتاجوا
~~إلى ذلك السؤال.
# ولقائل أن يقول: ولو كانت للجمع المطلق، لما احتاجوا إلى السؤال،
~~فيتعارضان، ويبقى قوله عليه السلام: ابدأوا بما بدأ الله به وهو دليل
~~الترتيب.
# وأما قوله عليه السلام: قل ومن عصى الله ورسوله فقد غوى إنما قصد به
~~إفراد ذكر الله تعالى أولا مبالغة في تعظيمه، لا أن الواو للترتيب، ويدل
~~عليه أن معصية الله ورسوله لا انفكاك لإحداهما عن الأخرى، حتى يتصور فيهما
~~الترتيب. PageV01P067
# وأما قول عمر، فمبني على قصد التعظيم بتقديم ذكر الأعظم، على قصد
~~الترتيب.
# وأما قصة الصحابة مع ابن عباس، فلم يكن مستند إنكارهم لامره بتقديم
~~العمرة على الحج، كون الآية مقتضية لترتيب العمرة بعد الحج، بل لأنها
~~مقتضية للجمع المطلق، وأمره بالترتيب مخالف لمقتضى الآية، كيف وإن فهمهم
~~لترتيب العمرة على الحج من الآية معارض بما فهمه ابن عباس، وهو ترجمان
~~القرآن.
# وأما الحكم فهو ممنوع على أصل من يعتقد أن الواو للجمع المطلق. وبه قال
~~أحمد بن حنبل، وبعض أصحاب مالك، والليث بن سعد، وربيعة بن أبي ليلى.
# وقد نقل عن الشافعي ما يدل عليه في القديم. وإن سلم ذلك، فالوجه في
~~تخريجه أن يقال:
# إذا قال لها أنت طالق ثلاثا، فالأخير تفسير للأول، والكلام يعتبر بجملته،
~~بخلاف قوله: أنت طالق ms056 وطالق وطالق.
# وأما المعنى فهو منقوض بقوله: رأيت زيدا، رأيت عمرا فإن تقديم أحد
~~الاسمين في الذكر لا يستدعي تقديمه في نفس الامر إجماعا. كيف وإنه يجوز أن
~~يكون السبب في تقديمه ذكرا لزيادة حبه له واهتمامه بالاخبار عنه، أو لأنه
~~قصد الاخبار عنه لا غير، ثم تجدد له قصد الاخبار عن الآخر عند إخباره عن
~~الأول.
# وبالجملة فالكلام في هذه المسألة متجاذب، وإن كان الأرجح هو الأول في
~~النفس.
# وأما الفاء وثم وحتى، فإنها تقتضي الترتيب. وتختلف من جهات أخر.
# فأما الفاء فمقتضاها إيجاب الثاني بعد الأول من غير مهلة. هذا مما اتفق
~~الأدباء على نقله عن أهل اللغة. وقوله تعالى * (وكم من قرية أهلكناها
~~فجاءها بأسنا) * (7) الأعراف: 4) وإن كان مجئ البأس لا يتأخر عن الهلاك،
~~فيجب تأويله بالحكم بمجئ البأس بعد هلاكها ضرورة موافقة للنقل. وقوله
~~تعالى: * (لا تفتروا على الله كذبا PageV01P068
# فيسحتكم بعذاب) * (20) طه: 61) وقوله تعالى: * (وإن كنتم على سفر ولم
~~تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) * (2) البقرة: 283) فإنه، وإن كان الاسحات
~~بالعذاب مما يتراخى عن الافتراء بالكذب.
# وكذلك الرهن مما يتراخى عن المداينة، غير أنه يجب تأويله بأن حكم
~~الافتراء، الاسحات، وحكم المداينة، الرهنية، لما ذكرناه من موافقة النقل.
# وقد ترد الفاء مورد الواو كقول الشاعر:
# بسقط اللوى بين الدخول فحومل وأما ثم فإنها توجب الثاني بعد الأول بمهلة:
~~وقوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) * (20) طه:
~~82) وإن كان الاهتداء يتراخى عن التوبة والايمان والعمل الصالح، فيجب حمله
~~على دوام الاهتداء وثباته، ضرورة موافقة النقل.
# وقيل إنها قد ترد بمعنى الواو كقوله تعالى: * (فإلينا مرجعهم، ثم الله
~~شهيد على ما يفعلون) * (10) يونس: 46) لاستحالة كونه شاهدا بعد أن لم يكن
~~شاهدا.
# وأما حتى فموجبة لكون المعطوف جزءا من المعطوف عليه، نحو قولك:
# مات الناس حتى الأنبياء، وقدم الحاج حتى المشاة. فالأول أفضله، والثاني
~~دونه.
# وثلاثة منها تشترك في تعليق الحكم بأحد المذكورين وهي: أو، وإما، وأم.
# إلا أن أو وإما يقعان في الخبر والامر والاستفهام. ms057 وأم لا تقع إلا في
~~الاستفهام. غير أن أو وإما في الخبر للشك، تقول: جاء زيد أو عمرو، وجاء إما
~~زيد وإما عمرو، وفي الامر للتخيير تقول: اضرب زيدا أو عمرا، واضرب إما زيدا
~~وإما عمرا. وللإباحة تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين. وأو في الاستفهام مع
~~الشك في وجود الامرين، وأم مع العلم بأحدهما والشك في تعيينه.
# وثلاثة منها تشترك في أن المعطوف مخالف للمعطوف عليه في حكمه، وهي:
# لا، وبل، ولكن. تقول: جاءني زيد لا عمر، بل عمرو، وما جاءني زيد لكن عمرو
~~ومنها: حروف النفي، وهي: ما، ولا، ولم، ولما، ولن، وإن بالتخفيف.
~~PageV01P069
# فأما ما فلنفي الحال، أو الماضي القريب من الحال، كقولك ما تفعل، ما فعل.
# وأما لا فلنفي المستقبل، إما خبرا كقولك: لا رجل في الدار، أو نهيا،
~~كقولك: لا تفعل، أو دعاء كقولك: لا رعاك الله.
# وأما لم ولما فلقلب المضارع إلى الماضي، تقول: لم يفعل، ولما يفعل، ولن
~~لتأكيد المستقبل، كقولك: لن أبرح اليوم مكاني، تأكيدا كقولك:
# لا أبرح اليوم مكاني.
# وإن لنفي الحال كقوله تعالى: * (إن كانت إلا صيحة واحدة) * (36) يس: 29).
# ومنها حروف التنبيه، وهي: ها، وألا، وأما.
# تقول: ها أفعل كذا، وألا زيد قائم، وأما إنك خارج.
# ومنها حروف النداء، وهي: يا، وأيا، وهيا، وأي، والهمزة، ووا.
# والثلاثة الأول لنداء البعيد، وأي والهمزة للقريب، ووا للندبة.
# ومنها حروف التصديق والايجاب، وهي: نعم، وبلى، وأجل، وجير، وإي، وإن،
~~فنعم، مصدقة لما سبق من قول القائل: قام زيد، ما قام زيد، وبلى لايجاب ما
~~نفي، كقولك: بلى، لمن قال: ما قام زيد.
# وأجل لتصديق الخبر لا غير، كقولك: أجل، لمن قال: جاء زيد.
# وجير وإن وإي للتحقيق، تقول: جير لأفعلن كذلك، وإن الامر كذا، وإي والله،
~~ومنها حروف الاستثناء، وهي: إلا، وحاشا، وعدا، وخلا.
# والحرف المصدري، وهو: ما في قولك: أعجبني ما صنعت، أي صنعك.
# وأن في قولك: أريد أن تفعل كذا، أي فعلك.
# وحروف التحضيض، وهي: لولا، ولو ما، وهلا، وألا فعلت ms058 كذا، إذا أردت الحث
~~على الفعل. PageV01P070
# وحرف تقريب الماضي من الحال، وهو قد في قولك: قد قام زيد.
# وحروف الاستفهام، وهي: الهمزة، وهل، في قولك: أزيد قام؟ وهل زيد قائم؟
# وحروف الاستقبال، وهي: السين، وسوف وأن، ولا، وإن. في قولك سيفعل، وسوف
~~يفعل، وأريد أن تفعل، ولا تفعل، وإن تفعل.
# وحروف الشرط، وهي: إن، ولو، في قولك: إن جئتني، ولو جئتني أكرمتك.
# وحرف التعليل، وهو كي، في قولك: قصدت فلانا كي يحسن إلي.
# وحرف الردع، وهو: كلا، في قولك جوابا لمن قال لك: إن الامر كذا.
# ومنها حروف اللامات، وهي: لام التعريف الداخلة على الاسم المنكر لتعريفه
~~كالرجل، ولام جواب القسم، في قولك: والله لأفعلن كذا، والموطئة للقسم، في
~~قولك: والله لئن أكرمتني لأكرمنك، ولام جواب لو، ولولا، في قولك: لو كان
~~كذا لكان كذا، ولولا كان كذا لكان كذا، ولام الامر، في قولك:
# ليفعل زيد، ولام الابتداء في قولك: لزيد منطلق.
# ومنها تاء التأنيث الساكنة، في قولك: فعلت.
# ومنها التنوين، والنون المؤكدة، في قولك: والله لأفعلن كذا.
# وهذا اخر الكلام في النوع الأول.
# النوع الثاني: في تحقيق مفهوم المركب من مفردات الألفاظ، وهو الكلام.
# اعلم أن اسم الكلام قد يطلق على العبارات الدالة بالوضع تارة، وعلى
~~مدلولها القائم بالنفس تارة، على ما حققناه في كتبنا الكلامية. والمقصود
~~هاهنا إنما هو معنى الكلام اللساني دون النفساني.
# والكلام اللساني قد يطلق تارة على ما ألف من الحروف والأصوات من غير
~~دلالة على شئ، ويسمى مهملا، وإلى ما يدل. ولهذا، يقال في اللغة: هذا
~~PageV01P071
# كلام مهمل، وهذا كلام غير مهمل، وسواء كان إطلاق الكلام على المهمل حقيقة
~~أو مجازا. والغرض هاهنا إنما هو بيان الكلام الذي ليس بمهمل لغة، وقد اختلف
~~فيه: فذهب أكثر الأصوليين إلى أن الكلمة الواحدة، إذا كانت مركبة من حرفين
~~فصاعدا، كلام ولا جرم، قالوا في حده: هو ما انتظم من الحروف المسموعة
~~المميزة المتواضع على استعمالها الصادرة عن مختار واحد.
# وقصدوا بالقيد الأول، الاحتراز عن الحرف الواحد، ms059 كالزاي من زيد، وبالقيد
~~الثاني، الاحتراز عن حروف الكتابة، وبالقيد الثالث، الاحتراز عن أصوات
~~كثيرة من البهائم، والمهملات من الألفاظ، وبالقيد الرابع، الاحتراز عن
~~الاسم الواحد، إذا صدرت حروفه كل حرف من شخص، فإنه لا يسمى كلاما.
# ومنهم من قال إن الكلمة الواحدة تسمى كلاما. لكن اختلفوا فيما اجتمع من
~~كلمات، وهو غير مفيد، كقول القائل: زيد لا كلما، ونحوه، هل هو كلام، فمنهم
~~من قال إنه كلام لان آحاد كلماته وضعت للدلالة.
# ومنهم من لم يسمه كلاما والنزاع في إطلاق اسم الكلام في هذه الصور مائل
~~إلى الاصطلاح الخارج عن وضع اللغة باتفاق من أهل الأدب.
# وأما مأخذه في اصطلاح أهل اللغة، قال الزمخشري، وهو ناقد بصير في هذه
~~الصناعة: الكلام، هو المركب من كلمتين، أسندت إحداهما إلى الأخرى.
# فقوله: المركب من كلمتين احتراز عن الكلمة الواحدة. وقوله: أسندت إحداهما
~~إلى الأخرى احتراز عن قولك: زيد عمرو، وعن قولك: زيد على، أو زيد في، أو
~~قام في. فإن المجموع منهما مركب من كلمتين وليس بكلام، لعدم إسناد إحداهما
~~إلى الأخرى. وأقل ما يكون ذلك من اسمين، كقولك: زيد قائم، أو اسم وفعل،
~~كقولك: زيد قام، وتسمى الأولى جملة اسمية، والثانية جملة فعلية.
# ولا يتركب الكلام من الاسم والحرف فقط، ولا من الافعال وحدها، ولا من
~~الحروف، ولا من الافعال والحروف. PageV01P072
# فإن قيل: ما ذكرتموه من الحد منتقض بما تركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى
~~الأخرى، وهما مهملتان، فإنه لا يكون كلاما، وذلك كما لو أسندت مقلوب زيد
~~إلى مقلوب رجل، فقلت: ديز هو لجر.
# قلنا: المراد من الكلمة التي منها التأليف، اللفظة الواحدة الدالة بالوضع
~~على معنى مفرد، ولا وجود لذلك فيما ذكروه. غير أن ما ذكروه من الحد يدخل
~~فيه قول القائل: حيوان ناطق، وإنسان عالم، وغير ذلك من النسب التقييدية.
# فإنه لا يعد كلاما مفيدا، وإن أسند فيه إحدى الكلمتين إلى الأخرى، والوجب
~~أن يقال: الكلام ما تألف من كلمتين تأليفا يحسن السكوت عليه.
# الأصل الثاني في ms060 مبدأ اللغات وطرق معرفتها أول ما يجب تقديمه أن ما وضع
~~من الألفاظ الدالة على معانيها هل هو لمناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه، أم
~~لا.
# فذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك، مصيرا منهم إلى أنه لو لم
~~يكن بين اللفظ ومعناه مناسبة طبيعية، لما كان اختصاص ذلك المعنى بذلك اللفظ
~~أولى من غيره، ولا وجه له فإنا نعلم أن الواضع في ابتداء الوضع، لو وضع لفظ
~~الوجود على العدم، والعدم على الوجود، واسم كل ضد على مقابله، لما كان
~~ممتنعا، كيف وقد وضع ذلك كما في اسم الجون، والقرء ونحوه، والاسم الواحد لا
~~يكون مناسبا بطبعه لشئ، ولعدمه. وحيث خصص الواضع بعض الألفاظ ببعض
~~المدلولات، إنما كان ذلك نظرا إلى الإرادة المخصصة، كان الواضع هو الله
~~تعالى، أو المخلوق إما لغرض، أو لا لغرض، وإذا بطلت المناسبة الطبيعية،
~~وظهر أن مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري
~~PageV01P073
# فقد اختلف الأصوليون فيه:
# فذهب الأشعري وأهل الظاهر، وجماعة من الفقهاء إلى أن الواضع هو الله
~~تعالى، ووضعه متلقي لنا من جهة التوقيف الإلهي إما بالوحي، أو بأن يخلق
~~الله الأصوات والحروف، ويسمعها لواحد أو لجماعة، ويخلق له أو لهم العلم
~~الضروري بأنها قصدت للدلالة على المعاني، محتجين على ذلك بآيات، منها قوله
~~تعالى: * (وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال:
# أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك، لا علم لنا إلا ما
~~علمتنا) * (2) البقرة: 31) دل على أن آدم والملائكة لا يعلمون إلا بتعليم
~~الله تعالى، ومنها قوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6)
~~الانعام: 38) وقوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وقوله
~~تعالى: * (اقرأ باسم ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) *
~~(96) العلق: 3 - 5) واللغات داخلة في هذه المعلومات، وقوله تعالى: * (إن هي
~~إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) * (53) النجم:
~~23) ذمهم على تسمية بعض الأشياء من غير توقيف، فدل على أن ما عداها توقيف.
~~وقوله تعالى: ms061 * (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم) * (30)
~~الروم: 22) والمراد به اللغات لا نفس اختلاف هيئات الجوارح من الألسنة لان
~~اختلاف اللغات أبلغ في مقصود الآية، فكان أولى بالحمل عليه.
# وذهبت البهشمية وجماعة من المتكلمين إلى أن ذلك من وضع أرباب اللغات
~~واصطلاحهم، وأن واحدا أو جماعة انبعثت داعيته، أو دواعيهم، إلى وضع هذه
~~الألفاظ بإزاء معانيها. ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار، كما يفعل
~~الوالدان بالولد الرضيع، وكما يعرف الأخرس ما في ضميره بالإشارة والتكرار
~~مرة بعد أخرى، محتجين على ذلك بقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا
~~بلسان قومه) * (14) إبراهيم: 4 وهذا دليل على تقدم اللغة على البعثة
~~والتوقيف.
# وذهب الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني إلى أن القدر الذي يدعو به الانسان
~~غيره إلى التواضع، بالتوقيف، وإلا فلو كان بالاصطلاح، فالاصطلاح عليه
~~PageV01P074
# متوقف على ما يدعو به الانسان غيره إلى الاصطلاح على ذلك الامر، فإن كان
~~بالاصطلاح لزم التسلسل وهو ممتنع، فلم يبق غير التوقيف، وجوز حصول ما عدا
~~ذلك بكل واحد من الطريقين.
# وذهب القاضي أبو بكر وغيره من أهل التحقيق، إلى أن كل واحد من هذه
~~المذاهب ممكن بحيث لو فرض وقوعه، لم يلزم عنه محال لذاته، وأما وقوع البعض
~~دون البعض، فليس عليه دليل قاطع، والظنون فمتعارضة يمتنع معها المصير إلى
~~التعيين.
# هذا ما قيل، والحق أن يقال إن كان المطلوب في هذه المسألة يقين الوقوع
~~لبعض هذه المذاهب. فالحق ما قاله القاضي أبو بكر إذ لا يقين من شئ منها على
~~ما يأتي تحقيقه.
# وإن كان المقصود إنما هو الظن، وهو الحق، فالحق ما صار إليه الأشعري، لما
~~قيل من النصوص لظهورها في المطلوب فإن قيل لا نسلم ظهور النصوص المذكورة في
~~المطلوب.
# أما قوله تعالى: * (وعلم آدم الأسماء كلها) * (2) البقرة: 31) فالمراد
~~بالتعليم إنما هو إلهامه، وبعث داعيته على الوضع، وسمي بذلك معلما لكونه
~~الهادي إليه، لا بمعنى أنه أفهمه ذلك بالخطاب على ما قال تعالى في حق داود:
~~* (وعلمناه صنعة لبوس لكم) * (21) الأنبياء: 80) معناه ألهمناه ms062 ذلك. وقوله
~~تعالى في حق سليمان: * (ففهمناها سليمان) * (21) الأنبياء: 79) أي ألهمناه.
# سلمنا أن المراد به الافهام بالخطاب والتوقيف. ولكن أراد به كل الأسماء
~~مطلقا. أو الأسماء إلي كانت موجودة في زمانه. الأول ممنوع، والثاني مسلم.
# سلمنا أنه أراد به جميع الأسماء مطلقا، غير أن ذلك يدل على أن علم آدم
~~بها كان توقيفيا، ولا يلزم أن يكون أصلها بالتوقيف لجواز أن يكون من مصطلح
~~خلق سابق على آدم، والباري تعالى علمه ما اصطلح عليه غيره.
# سلمنا أن جميع الأسماء المعلومة لآدم بالتوقيف له، ولكنه يحتمل أنه
~~أنسيها، ولم PageV01P075
# يوقف عليها من بعده. واصطلح أولاده من بعده على هذه اللغات، والكلام إنما
~~هو في هذه اللغات.
# وأما قول الملائكة: * (لا علم لنا إلا ما علمتنا) * (2) البقرة: 31) فلا
~~يدل على أن أصل اللغات التوقيف لما عرف في حق آدم.
# وقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6) الانعام: 38) فالمراد
~~به أن ما ورد في الكتاب لا تفريط فيه، وإن كان المراد به أنه بين فيه كل
~~شئ، فلا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم.
# وعلى هذا يخرج الجواب عن قوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل:
~~89) وعن قوله:
# * (علم الانسان ما لم يعلم) * (96) العلق: 5).
# وأما آية الذم فالذم فيها، إنما كان على إطلاقهم أسماء الأصنام مع
~~اعتقادهم كونها آلهة.
# وأما آية اختلاف الألسنة، فهي غير محمولة على نفس الجارحة بالاجماع، فلا
~~بد من التأويل.
# وليس تأويلها بالحمل على اللغات أولى من تأويلها بالحمل على الاقدار على
~~اللغات، كيف وإن التوقيف يتوقف على معرفة كون تلك الألفاظ دالة على تلك
~~المعاني. وذلك لا يعرف إلا بأمر خارج عن تلك الألفاظ، والكلام فيه إن كان
~~توقيفيا كالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع، فلم يبق غير الاصطلاح.
# ثم ما ذكرتموه معارض بقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)
~~* (4) إبراهيم: 4).
# وذلك يدل على سبق اللغات على البعثة.
# والجواب: قولهم: المراد من تعليم آدم إلهامه بالوضع والاصطلاح مع نفسه،
~~وهو خلاف الظاهر من إطلاق ms063 لفظ التعليم. ولهذا فإن من اخترع أمرا، واصطلح
~~عليه مع نفسه، يصح أن يقال إنه ما علمه أحد ذلك، ولو كان إطلاق التعليم
~~بمعنى الالهام بما يفعله الانسان مع نفسه حقيقة، لما صح نفيه. وحيث صح
~~نفيه، دل PageV01P076
# على كونه مجازا. والأصل في الاطلاق الحقيقة، ولا يلزم من التأويل فيما
~~ذكروه من التعليم في حق داود وسليمان التأويل فيما نحن فيه، إلا أن
~~الاشتراك في دليل التأويل، والأصل عدمه.
# وقولهم: أراد به الأسماء الموجودة في زمانه، إنما يصح أن لو لم يكن جميع
~~الأسماء موجودة في زمانه، وهو غير مسلم، بل الباري تعالى علمه كل ما يمكن
~~التخاطب به، ويجب الحمل عليه عملا بعموم اللفظ.
# قولهم: من الجائز أن يكون جميع الأسماء من مصطلح من كان قبل آدم.
# قلنا: وإن كان ذلك محتملا، إلا أن الأصل عدمه، فمن ادعاه يحتاج إلى دليل،
~~وبه يبطل أنه يحتمل أنه أنسيها، إذ الأصل عدم النسيان، وبقاء ما كان على ما
~~كان.
# وعلى هذا فقد خرج الجواب عما ذكروه من تأويل قول الملائكة: * (لا علم لنا
~~إلا ما علمتنا) * (2) البقرة: 31) إذ هو مبني على ما قيل من التأويل في حق
~~آدم، وقد عرف جوابه.
# قولهم: المراد من قوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6)
~~الانعام: 38) أنه لا تفريط فيما في الكتاب، ليس كذلك. فإن ذلك معلوم لكل
~~عاقل قطعا. فحمل اللفظ عليه لا يكون مفيدا.
# قولهم: لا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم، فقد سبق جوابه،
~~وبه يخرج الجواب عما ذكروه على قوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16)
~~النحل: 89) وعن قوله:
# * (علم الانسان ما لم يعلم) * (96) العلق: 5).
# قولهم في آية الذم، إنما ذمهم على اعتقادهم، كون الأصنام آلهة، فهو خلاف
~~الظاهر من إضافة الذم إلى التسمية. ولا يقبل من غير دليل. PageV01P077
# وما ذكروه على الآية الأخيرة، فلا يخفى أن الترجيح بحمل اللفظ على اختلاف
~~اللغات دون حمله على الاقدار على اللغات، لكونه أقل في الاضمار، إذ هو
~~يفتقر إلى إضمار اللغات لا ms064 غير. وما ذكروه يفتقر إلى إضمار القدرة على
~~اللغات، فلا يصار إليه.
# قولهم في المعنى إنه يفضي إلى التسلسل، ليس كذلك، فإنه لا مانع أن يخلق
~~الله تعالى العبارات، ويخلق لمن يسمعها العلم الضروري بأن واضعا وضعها لتلك
~~المعاني، كما سبق.
# ثم ما ذكروه لازم عليهم في القول بالاصطلاح فإن ما يدعى به إلى الوضع
~~والاصطلاح لا بد وأن يكون معلوما. فإن كان معلوما بالاصطلاح لزم التسلسل،
~~وهو ممتنع، فلم يبق غير التوقيف.
# وما ذكروه من المعارضة بالآية الأخيرة، فإنما يلزم أن لو كان طريق
~~التوقيف منحصرا في الرسالة، وليس كذلك، بل جاز أن يكون أصل التوقيف معلوما،
~~إما بالوحي من غير واسطة، وإما بخلق اللغات، وخلق العلم الضروري للسامعين
~~بأن واضعا وضعها لتلك المعاني على ما سبق.
# وأما طرق معرفتها لنا، فاعلم أن ما كان منها معلوما بحيث لا يتشكك فيه مع
~~التشكيك، كعلمنا بتسمية الجوهر جوهرا، والعرض عرضا، ونحوه من الأسامي،
~~فنعلم أن مدرك ذلك إنما هو التواتر القاطع. وما لم يكن معلوما لنا، ولا
~~تواتر فيه، فطريق تحصيل الظن به إنما هو إخبار الآحاد. ولعل الأكثر إنما هو
~~الأول. PageV01P078
# القسم الثالث في المبادئ الفقهية والأحكام الشرعية اعلم أن الحكم الشرعي
~~يستدعي حاكما، ومحكوما فيه، ومحكوما عليه فلنفرض في كل واحد أصلا، وهي
~~أربعة أصول:
# الأصل الأول في الحاكم اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى، ولا حكم إلا ما
~~حكم به. ويتفرع عليه أن العقل لا يحسن، ولا يقبح، ولا يوجب شكر المنعم،
~~وأنه لا حكم قبل ورود الشرع. ولنرسم في كل واحد مسألة:
# المسألة الأولى مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الافعال لا توصف بالحسن
~~والقبح لذواتها، وأن العقل لا يحسن ولا يقبح، وإنما إطلاق اسم الحسن والقبح
~~عندهم باعتبارات ثلاثة، إضافية غير حقيقية.
# أولها: إطلاق اسم الحسن على ما وافق الغرض، والقبيح على ما خالفه.
# وليس ذلك ذاتيا لاختلافه وتبدله بالنسبة إلى اختلاف الاغراض، بخلاف اتصاف
~~المحل بالسواد والبياض.
# وثانيها: إطلاق اسم الحسن على ما أمر ms065 الشارع بالثناء على فاعله، ويدخل
~~فيه أفعال الله تعالى، والواجبات والمندوبات، دون المباحات. وإطلاق اسم
~~القبيح على ما أمر الشارع بذم فاعله، ويدخل فيه الحرام، دون المكروه
~~والمباح، وذلك أيضا مما يختلف باختلاف ورود أمر الشارع في الافعال.
~~PageV01P079
# وثالثها: إطلاق اسم الحسن على ما لفاعله مع العلم به، والقدرة عليه أن
~~يفعله، بمعنى نفي الحرج عنه في فعله. وهو أعم من الاعتبار الأول لدخول
~~المباح فيه. والقبيح في مقابلته، ولا يخفى أن ذلك أيضا مما يختلف باختلاف
~~الأحوال، فلا يكون ذاتيا. وعلى هذا فما كان من أفعال الله تعالى بعد ورود
~~الشرع فحسن بالاعتبار الثاني والثالث، وقبله بالاعتبار الثالث، وما كان من
~~أفعال العقلاء قبل ورود الشرع فحسنه وقبيحه بالاعتبار الأول والثالث، وبعده
~~بالاعتبارات الثلاثة.
# وذهب المعتزلة، والكرامية، والخوارج، والبراهمة، والثنوية وغيرهم إلى أن
~~الافعال منقسمة إلى حسنة وقبيحة لذواتها، لكن منها ما يدرك حسنه وقبحه
~~بضرورة العقل، كحسن الايمان، وقبح الكفران، أو بنظره كحسن الصدق المضرة،
~~وقبح الكذب النافع، أو بالسمع كحسن العبادات، لكن اختلفوا: PageV01P080
# فزعمت الأوائل من المعتزلة أن الحسن، والقبيح غير مختص بصفة موجبة لحسنه
~~وقبحه، ومنهم من أوجب ذلك كالجبائية، ومنهم من فصل وأوجب ذلك في القبيح دون
~~الحسن. ونشأ بينهم بسبب هذا الاختلاف اختلاف في العبارات الدالة على معنى
~~للحسن والقبيح، أومأنا إليها وإلى مناقضتهم فيها في علم الكلام وقد احتج
~~أصحابنا بحجج:
# الأولى: أنه لو كان الكذب قبيحا لذاته، للزم منه أنه إذا قال: إن بقيت
~~ساعة أخرى كذبت، أن يكون الحسن منه في الساعة الأخرى الصدق، أو الكذب
~~والأول ممتنع لما يلزمه من كذب الخبر الأول، وهو قبيح، وما لزم منه القبيح
~~فهو قبيح، فلم يبق غير الثاني وهو المطلوب.
# الثانية: لو كان قبح الخبر الكاذب ذاتيا، فإذا قال القائل: زيد في الدار،
~~ولم يكن فيها فالمقتضي لقبحه، إما نفس ذلك اللفظ، وإما عدم المخبر عنه،
~~وإما مجموع الامرين، وإما أمر خارج: الأول: يلزمه قبح ذلك الخبر، وإن كان
~~صادقا، والثاني: يلزمه أن ms066 يكون العدم علة للامر الثبوتي، والثالث: يلزمه أن
~~يكون العدم جزء علة الامر الثبوتي، والكل محال. وإن كان الرابع، فذلك
~~المقتضي الخارج إما لازم للخبر المفروض وإما غير لازم. فإن كان الأول، فإن
~~كان لازما لنفس اللفظ، لزم قبحه وإن كان صادقا، وإن كان لازما لعدم المخبر
~~عنه أو لمجموع الامرين، كان العدم مؤثرا في الامر الثبوتي، وهو محال. وإن
~~كان لازما لأمر خارج، عاد التقسيم في ذلك الخارج، وهو تسلسل. وإن لم يكن
~~ذلك المقتضي PageV01P081
# الخارج لازما للخبر الكاذب أمكن مفارقته له، فلا يكون الخبر الكاذب
~~قبيحا.
# الثالثة: لو كان الخبر الكاذب قبيحا لذاته، فالمقتضي له لا بد وأن يكون
~~ثبوتيا، ضرورة اقتضائه للقبح الثبوتي، وهو إن كان صفة لمجموع حروف الخبر،
~~فهو محال، لاستحالة اجتماعها في الوجود، وإن كان صفة لبعضها، لزم أن تكون
~~أجزاء الخبر الكاذب كاذبة، ضرورة كون المقتضي لقبح الخبر الكاذب، إنما هو
~~الكذب، وذلك محال.
# الرابعة: أنه لو كان قبح الكذب وصفا حقيقيا، لما اختلف باختلاف الأوضاع،
~~وقد اختلف، حيث إن الخبر الكاذب قد يخرج عن كونه كذبا وقبيحا بوضع الواضع
~~له أمرا أو نهيا.
# الخامسة: لو كان الكذب قبيحا لذاته، لما كان واجبا ولا حسنا عند ما إذا
~~استفيد به عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله.
# السادسة: لو كان الظلم قبيحا لكونه ظلما، لكان المعلول متقدما على علته،
~~لان قبح الظلم الذي هو معلول للظلم متقدم على الظلم، ولهذا ليس لفاعله أن
~~يفعله، وكان القبح مع كونه وصفا ثبوتيا ضرورة اتصاف العدم بنقيضه معللا بما
~~العدم جزء منه، وذلك لان مفهوم الظلم أنه إضرار غير مستحق، ولا استحقاق،
~~عدم، وهو ممتنع.
# السابعة: أن أفعال العبد غير مختارة له، وما يكون كذلك لا يكون حسنا ولا
~~قبيحا لذاته إجماعا، وبيان كونه غير مختار أن فعله إن كان لازما له، لا
~~يسعه تركه، فهو مضطر إليه، لا مختار له، وإن جاز تركه، فإن افتقر في فعله
~~إلى مرجح عاد التقسيم، وهو تسلسل ممتنع، وإلا ms067 فهو اتفاقي لا اختياري.
~~PageV01P082
# وهذه الحجج ضعيفة:
# أما الأولى: فلانه أمكن أن يقال بأن صدقه في الساعة الأخرى حسن، ولا يلزم
~~من ملازمة القبيح له قبحه، وإن كان قبيحا من جهة استلزامه للقبيح، فلا
~~يمتنع الحكم عليه بالحسن والقبح بالنظر إلى ما اختص به من الوجوه
~~والاعتبارات الموجبة للحسن والقبح، كما هو مذهب الجبائية. وإن قدر امتناع
~~ذلك، فلا يمتنع الحكم بقبح صدقه لما ذكروه، وقبح كذبه لكونه كذبا.
# وأما الثانية: فلانه لا امتناع من القول بقبح الخبر مشروطا بعدم زيد في
~~الدار، والشرط غير مؤثر.
# وأما الثالثة: فلما يلزمها من امتناع اتصاف الخبر بكونه كاذبا وهو محال.
# وأما الرابعة: فلانه لا مانع من أن يكون قبح الخبر الكاذب مشروطا بالوضع،
~~وعدم مطابقته للمخبر عنه، مع علم المخبر به، كما كان ذلك مشروطا في كونه
~~كذبا.
# وأما الخامسة: فلان الكذب في الصورة المفروضة غير متعين لخلاص النبي
~~لامكان الاتيان بصورة الخبر من غير قصد له، أو مع التعريض وقصد الاخبار عن
~~الغير. وإذا لم يكن متعينا له، كان قبيحا. وإن قدر تعيينه، فالحسن والواجب،
~~ما لازمه من تخليص النبي، لا نفس الكذب، واللازم غير الملزوم، وغايته أنه
~~لا يأثم به مع قبحه، ولا يحرم شرعا لترجح المانع عليه.
# وأما السادسة: فلانه أمكن منع تقدم قبح الظلم عليه ضرورة كونه صفة له، بل
~~المتقدم إنما هو الحكم على ما سيوجد من الظلم بكونه قبيحا شرعا وعرفا.
# وأمكن منع تعليل القبح بالعدم، وعدم الاستحقاق، وإن كان لازما للظلم، فلا
~~PageV01P083
# يلزم أن يكون داخلا في مفهومه. فأمكن أن يكون الظلم علة القبح بما فيه من
~~الامر الوجودي، والعدم شرطه.
# وأما السابعة: فلانه يلزم أن يكون الرب تعالى مضطرا إلى أفعاله، غير
~~مختار فيها لتحقق عين ما ذكروه من القسمة في أفعاله، وهو محال. ويلزم أيضا
~~منها امتناع الحكم بالحسن والقبح الشرعي على الافعال، والجواب يكون مشتركا.
# والمعتمد في ذلك أن يقال لو كان فعل من الافعال حسنا أو قبيحا لذاته،
~~فالمفهوم من كونه ms068 قبيحا وحسنا، ليس هو نفس ذات الفعل، وإلا كان من علم
~~حقيقة الفعل عالما بحسنه وقبحه، وليس كذلك، لجواز أن يعلم حقيقة الفعل
~~ويتوقف العلم بحسنه وقبحه على النظر، كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع.
~~وإن كان مفهومه زائدا على مفهوم الفعل الموصوف به فهو صفة وجودية، لان
~~نقيضه، وهو لا حسن ولا قبح، صفة للعدم المحض، فكان عدميا. ويلزم من ذلك كون
~~الحسن والقبح وجوديا، وهو قائم بالفعل لكونه صفة له، ويلزم من ذلك قيام
~~العرض بالعرض، وهو محال. وذلك لان العرض الذي هو محل العرض، لا بد وأن يكون
~~قائما بالجوهر، أو بما هو في آخر الامر قائم بالجوهر، قطعا للتسلسل
~~الممتنع، وقيام العرض بالجوهر لا معنى له غير وجوده في حيث الجوهر، تبعا له
~~فيه وقيام أحد العرضين بالآخر لا معنى له سوى أنه في حيث العرض الذي قيل
~~إنه قائم به، وحيث ذلك العرض هو حيث الجوهر، فهما في حيث الجوهر وقائمان
~~به، ولا معنى لقيام أحدهما بالآخر، وإن كان قيام أحدهما بالآخر مشروطا
~~بقيام العرض الآخر به فإن قيل: ما ذكرتموه يلزم منه امتناع اتصاف الفعل
~~بكونه ممكنا، ومعلوما، ومقدورا، ومذكورا، وهو محال. ثم ما ذكرتموه معارض
~~بما يدل على نقيض مدلوله.
# وبيانه من جهة الاستدلال، والالزام:
# أما الاستدلال: فمن وجهين: PageV01P084
# الأول: اتفاق العقلاء على حسن الصدق النافع، وقبح الكذب المضر، وكذلك حسن
~~الايمان، وقبح الكفران، وغير ذلك، مع قطع النظر عن كل حالة تقدر من عرف أو
~~شريعة، أو غير ذلك، فكان ذاتيا والعلم به ضروري.
# الثاني: إنا نعلم أن من استوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب، وقطع النظر في
~~حقه عن الاعتقادات والشرائع وغير ذلك من الأحوال، فإنه يميل إلى الصدق،
~~ويؤثره، وليس ذلك إلا لحسنه في نفسه، وكذلك نعلم أن من رأى شخصا مشرفا على
~~الهلاك وهو قادر على إنقاذه، فإنه يميل إليه، وإن كان بحيث لا يتوقع في
~~مقابلة ذلك حصول غرض دنياوي ولا أخروي، بل ربما كان يتضرر بالتعب والتعني. ms069
~~وليس ذلك إلا لحسنه في ذاته.
# وأما من جهة الالزام: فهو أنه لو كان السمع، وورود الأمر والنهي، هو مدرك
~~الحسن والقبح، لما فرق العاقل بين من أحسن إليه، وأساء، ولما كان فعل الله
~~حسنا قبل ورود السمع، ولجاز من الله الامر بالمعصية، والنهي عن الطاعة،
~~ولجاز إظهار المعجزة على يد الكذاب، ولا امتنع الحكم بقبح الكذب على الله
~~تعالى قبل ورود السمع، ولكان الوجوب أيضا متوقفا على السمع. ويلزم من ذلك
~~إفحام الرسل من حيث إن النبي إذا بعث وادعى الرسالة، ودعا إلى النظر في
~~معجزته، فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك، ما لم يجب علي النظر.
# ووجوب النظر متوقف على استقرار الشرع بالنظر في معجزتك وهو دور والجواب،
~~عن الأول:
# أن ما ذكروه من الصفات فأمور تقديرية، فمفهوم نقائضها سلب التقدير،
~~والأمور المقدرة ليست من الصفات العرضية، فلا يلزم منه قيام العرض بالعرض.
# فإن قيل مثله في الحسن والقبح، فقد خرج عن كونه من الصفات الثبوتية
~~للذات، وهو المطلوب، وعن المعارضة الأولى بمنع إجماع العقلاء على السن
~~والقبح فيما ذكروه. فإن من العقلاء من لا يعتقد ذلك، كبعض الملاحدة، ونحن
~~أيضا PageV01P085
# لا نوافق على قبح إيلام البهائم من غير جرم ولا غرض، وهو من صور النزاع،
~~وإن كان ذلك متفقا عليه بين العقلاء، فلا يلزم أن يكون العلم به ضروريا،
~~وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء عادة. وإن كان ذلك معلوما ضرورة، فلا يلزم
~~من أن يكون ذاتيا، إلا أن يكون مجردا من أمر خارج، وهو غير مسلم على ما
~~يأتي.
# وعن المعارضة الثانية، أنه لا يخلو إما أن يقال بالتفاوت بين الصدق
~~والكذب ولو بوجه أو لا يقال به. والأول يلزمه إبطال الاستدلال. والثاني
~~يمنع معه إيثار أحد الامرين دون الآخر. وعلى هذا إن كان ميله إلى الانقاذ
~~لتحقق أمر خارج، فالاستدلال باطل، وإن لم يكن، فالميل إلى الانقاذ لا يكون
~~مسلما، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه في حق الشاهد، فلا يلزم مثله في حق الغائب ms070
~~إلا بطريق قياسه على الشاهد، وهو متعذر لما بيناه في علم الكلام.
# ثم كيف يقاس، والاجماع منعقد على التفرقة، بتقبيح تمكين السيد لعبيده من
~~الفواحش، مع العلم بهم والقدرة على منعهم، دون تقبيح ذلك بالنسبة إلى الله
~~تعالى.
# فإن قيل: إنما لم يقبح من الله ذلك لعدم قدرته على منع الخلق من المعاصي،
~~وذلك لان ما يقع من العبد من المعصية، لا بد وأن يكون وقوعها معلوما للرب،
~~وإلا كان جاهلا بعواقب الأمور، وهو محال. ومنع الرب تعالى من وقوع ما هو
~~معلوم الوقوع له، لا يكون مقدورا كما ذهب إليه النظام.
# قلنا: فما قيل فهو بعينه لازم بالنسبة إلى السيد، وأولى أن لا يكون السيد
~~قادرا على المنع ومع ذلك فالفرق واقع. PageV01P086
# والجواب: عن الالزام الأول: أن مفهوم الحسن والقبح بمعنى موافقة الغرض
~~ومخالفته، وبمعنى ما للفاعل أن يفعله، وأن لا يفعله متحقق قبل ورود الشرع،
~~لا بالمعنى الذاتي.
# وعن الثاني: أن فعل الله قبل ورود الشرع حسن، بمعنى أن له فعله.
# وعن الثالث: أنه لا معنى للطاعة عندنا إلا ما ورد الامر به، ولا معنى
~~للمعصية إلا ما ورد النهي عنه. وعلى هذا، فلا يمتنع ورود الامر بما كان
~~منهيا، والنهي بما كان مأمورا.
# وعن الرابع: أنه إنما يلزم أن لو لم يكن لامتناع إظهار المعجزة على يد
~~الكاذب مدرك سوى القبح الذاتي، وليس كذلك، وبه اندفاع الالزام الخامس أيضا.
# وعن السادس: ما سيأتي في المسألة بعدها، وإذا بطل معنى الحسن والقبح
~~الذاتي لزم منه امتناع وجوب شكر المنعم عقلا، وامتناع حكم عقلي قبل ورود
~~الشرع، إذ هما مبنيان على ذلك. غير أن عادة الأصوليين جارية لفرض الكلام في
~~هاتين المسألتين إظهارا لما يختص بكل واحد من الاشكالات والمناقضات.
# المسألة الثانية مذهب أصحابنا وأهل السنة أن شكر المنعم واجب سمعا، لا
~~عقلا، خلافا للمعتزلة في الوجوب العقلي. احتج أصحابنا على امتناع إيجاب
~~العقل لذلك، بأن قالوا: لو كان العقل موجبا، فلا بد وأن يوجب لفائدة، وإلا
~~كان إيجابه ms071 عبثا، وهو قبيح. ويمتنع عود الفائدة إلى الله تعالى لتعاليه
~~عنها، وإن عادت إلى العبد.
# فإما أن تعود إليه في الدنيا، أو في الأخرى.
# الأول: محال، فإن شكر الله تعالى عند الخصوم ليس هو معرفة الله تعالى،
~~لان الشكر فرع المعرفة، وإنما هو عبارة عن إتعاب النفس وإلزام المشقة لها
~~PageV01P087
# بتكليفها تجنب المستقبحات العقلية، وفعل المستحسنات العقلية، وهو فرع
~~التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه، فلم يبق سوى التعب والعناء المحض
~~الذي لا حظ للنفس فيه.
# والثاني: محال، لعدم استقلال العقل بمعرفة الفائدة الأخروية دون إخبار
~~الشارع بها، ولا إخبار، وأيضا فإنه لا معنى لكون الشئ واجبا سوى ترجح فعله
~~على تركه. وبالعقل يعرف الترجيح لا أنه مرجح، فلا يكون موجبا، إذ الموجب هو
~~المرجح. وإذا بطل الايجاب العقلي تعين الايجاب الشرعي ضرورة انعقاد الاجماع
~~على حصر الوجوب في الشرع والعقل. فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني منهما.
# فإن قيل: شكر المنعم معلوم لكل أحد ضرورة، فما ذكرتموه استدلال على إبطال
~~أمر ضروري، فلا يقبل. وإن لم يكن كذلك، فلم قلتم إن إيجاب العقل للشكر لا
~~بد وأن يكون لفائدة، قولكم: حتى لا يكون عبثا قبيحا. فهذا منكم لا يستقيم
~~مع إنكار القبح العقلي، كيف وإن تلك الفائدة إما أن تكون واجبة التحصيل
~~وإما أن لا تكون كذلك: فإن كانت واجبة التحصيل، استدعت فائدة أخرى، وهو
~~تسلسل ممتنع. PageV01P088
# وإن لم تكن واجبة، فما يوجبه العقل بها أولى أن لا يكون واجبا، وإن كان
~~لفائدة، فما المانع أن تكون الفائدة في الشكر نفس الشكر لا أمرا خارجا عنه،
~~كما أن تحصيل المصلحة، ودفع المفسدة عن النفس مطلوب لنفسه لا لغيره.
# وإن كان لا بد من فائدة خارجة عن كون الشكر شكرا، فما المانع أن تكون
~~الفائدة الامن من احتمال العقاب بتقدير عدم الشكر على ما أنعم الله به عليه
~~من النعم، إذ هو محتمل، ولا يخلو العاقل عن خطور هذا الاحتمال بباله، وذلك
~~من أعظم الفوائد، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على ms072 امتناع الايجاب العقلي،
~~لكنه بعينه دال على امتناع الايجاب الشرعي. والجواب أن ذاك يكون مشتركا،
~~وإن لم يكن كذلك. ولكن ما ذكرتموه معارض بما يدل على جواز الايجاب العقلي.
~~وذلك إنه لم يكن العقل موجبا لانحصرت مدارك الوجوب في الشرع، لما ذكرتموه
~~من الاجماع. وذلك محال، لما يلزم عنه من إفحام الرسل، وإبطال مقصود البعثة.
~~وذلك أن النبي إذا ادعى الرسالة، وتحدى بالمعجزة، ودعا الناس إلى النظر
~~فيها لظهور صدقه، فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك، إلا أن يكون النظر
~~واجبا علي شرعا. ووجوب النظر شرعا متوقف على استقرار الشرع، وذلك متوقف على
~~وجوب النظر، وهو دور ممتنع.
# والجواب: لا نسلم أن العلم الضروري بما ذكروه عقلا، إذ هو دعوى محل
~~النزاع، وإن سلم ذلك، لكن بالنسبة إلى من ينتفع بالشكر، ويتضرر بعدمه.
# وأما بالنسبة إلى الله تعالى مع استحالة ذلك في حقه، فلا.
# قولهم: لم قلتم برعاية الفائدة، قلنا: لما ذكرناه.
# قولهم: هذا منكم لا يستقيم - قلنا: إنما ذكرنا ذلك بطريق الالزام للخصم،
~~لكونه قائلا به، وبه يبطل ما ذكروه في إبطال رعاية الفائدة. كيف وقد أمكن
~~PageV01P089
# أن يقال بوجوب تحصيل الحكمة لحكمة هي نفسها كما ذكروه من جلب المصلحة،
~~ودفع المفسدة عن النفس. ولا يمكن أن يقال مثل ذلك ففعل الشكر. فإن نفس
~~الفعل ليس هو الحكمة المطلوبة من إيجاده، ولو أمكن ذلك، لأمكن أن يقال مثله
~~في جميع الأفعال، وهو خلاف الاجماع. وإذا لم تكن الفائدة المطلوبة من
~~إيجاده بقي التقسيم بحالة.
# قولهم: ما المانع أن تكون الفائدة هي الامن على ما ذكروه، فهو مبني على
~~امتناع خلو العاقل عن خطور ما ذكروه من الاحتمال بباله، وهو غير مسلم، على
~~ما هو معلوم، من أكثر العقلاء شاهدا، وبتقدير صحة ذلك، فما ذكروه معارض
~~باحتمال خطور العقاب بباله على شكر الله تعالى وإتعابه لنفسه، وتصرفه فيها،
~~مع أنها مملوكة لله تعالى دون إذنه من غير منفعة ترجع إليه ولا إلى الله
~~تعالى.
# وليس أحدهما أولى من الآخر، ms073 بل ربما كان هذا الاحتمال راجحا، وذلك من جهة
~~أنه قد تقرر في العقول أن من أخذ في التقرب والخدمة إلى بعض الملوك العظماء
~~بتحريك أنملته في كسر بيته، وإظهار شكره بين العباد في البلاد على إعطائه
~~لقمة من الخبز مع استغنائه واستغناء الملك عنها، فإنه يعد مستهزئا بذلك
~~الملك، مستحقا للعقاب على صنعه.
# ولا يخفى أن شكر الشاكرين بالنسبة إلى جلال الله تعالى دون تحريك الأنملة
~~بالنسبة إلى جلال الملك، وأن ما أنعم الله به على العبيد لعدم تناهي ملكه،
~~وتناهي ملك غيره دون تلك اللقمة، فكان المتعاطي لخدمة الله وشكره على ما
~~أنعم به عليه به أولى بالذم واستحقاق العقاب. ولولا ورود الشرع بطلب ذلك من
~~العبيد وحثهم عليه، لما وقع الاقدام عليه.
# وما يقال من حال المشتغل بالشكر والخدمة أرجى حالا من المعرض عن ذلك
~~عرفا، فكان أولى. فهو مسلم في حق من ينتفع بالخدمة والشكر، ويتضرر بعدمهما.
~~والباري تعالى منزه عن ذلك، فلا يطرد ما ذكروه في حقه. PageV01P090
# قولهم: ما ذكرتموه لازم عليكم في الايجاب الشرعي، ليس كذلك. فإن الفائدة
~~الأخروية، ولم يستقل العاقل بمعرفتها، فالله تعالى عالم بها. كيف وإن ذلك
~~إنما يلزم منا أن لو اعتبرنا الحكمة في الايجاب الشرعي، وليس ذلك على ما
~~عرف من أصلنا.
# وأما المعارضة بما ذكروه من إفحام الرسل، فجوابه من وجهين:
# الأول، منع توقف استقرار الشرع على نظر المدعو في المعجزة بل مهما ظهرت
~~المعجزة في نفسها وكان صدق النبي فيما ادعاه ممكنا وكان المدعو عاقلا
~~متمكنا من النظر والمعرفة، فقد استقر الشرع وثبت، والمدعو مفرط في حق نفسه.
# الثاني، إن الدور لازم على القائل بالايجاب العقلي، لان العقل بجوهره غير
~~موجب دون النظر والاستدلال، وإلا لما خلا عاقل عن ذلك. وعند ذلك فللمدعو أن
~~يقول لا أنظر في معجزتك حتى أعرف وجوب النظر، ولا أعرف وجوب النظر حتى
~~أنظر، وهو دور مفحم. والجواب إذ ذاك يكون واحدا.
# وعلى كل تقدير فالمسألة ظنية، لا قطعية.
# المسألة الثالثة مذهب ms074 الأشاعرة وأهل الحق أنه لا حكم لافعال العقلاء قبل
~~ورود الشرع.
# وأما المعتزلة، فإنهم قسموا الافعال الخارجة عن الافعال الاضطرارية إلى
~~ما حسنه العقل، وإلى ما قبحه، وإلى ما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، فما
~~حسنه العقل، إن استوى فعله وتركه في النفع والضرر، سموه مباحا، وإن ترجح
~~فعله على تركه، فإن لحق الذم بتركه سموه واجبا، وسواء كان مقصودا لنفسه،
~~كالايمان، أو لغيره، كالنظر المفضي إلى معرفة الله تعالى، وإن لم يلحق الذم
~~بتركه، سموه مندوبا. وما قبحه العقل، فإن التحق الذم بفعله، سموه
~~PageV01P091
# حراما، وإلا فمكروه. وما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، فقد اختلفوا فيه
~~فمنهم من حظره، ومنهم من أباحه، ومنهم من وقف عن الامرين.
# احتجت الأشاعرة بالمنقول والمعقول:
# أما المنقول، فقول الله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (17)
~~الاسراء: 15) ووجه الدلالة منه أنه أمن من العذاب قبل بعثه الرسل. وذلك
~~يستلزم انتفاء الوجوب والحرمة قبل البعثة. وإلا لما أمن من العذاب بتقدير
~~ترك الواجب، وفعل المحرم، إذ هو لازم لهما.
# وأيضا قوله تعالى: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (4)
~~النساء: 165) ومفهومه يدل على الاحتجاج قبل البعثة. ويلزم من ذلك نفي
~~الموجب والمحرم.
# وأما من جهة المعقول، فلان ثبوت الحكم إما بالشرع أو بالعقل بالاجماع،
~~ولا شرع قبل ورود الشرع، والعقل غير موجب ولا محرم لما سبق في المسألة
~~المتقدمة، فلا حكم.
# فإن قيل: أما الآية الأولى، فلا حجة فيها، فإنه ليس العذاب من لوازم ترك
~~الواجب وفعل المحرم، ولهذا يجوز انفكاكه عنهما بناء على عفو أو شفاعة،
~~فنفيه قبل ورود الشرع لا يلزم منه نفيهما.
# سلمنا أنه لازم لهما لكن بعد ورود الشرع لا قبله. وعلى هذا، فلا يلزم
~~نفيهما من نفيه قبل ورود الشرع.
# سلمنا أنه لازم لهما، لكنه لازم للواجب والمحرم شرعا أو عقلا: الأول
~~مسلم، والثاني ممنوع. وعلى هذا فاللازم من نفيه قبل الشرع نفي الواجب
~~والمحرم شرعا لا عقلا، سلمنا ذلك، ولكن ليس في الآية ms075 ما يدل على نفي
~~الإباحة والوقف، لعدم ملازمة العذاب لشئ من ذلك إجماعا. PageV01P092
# وأما الآية الأخرى: وإن سلمنا كون المفهوم حجة فالاعتراض على الآية
~~الأولى بعينه وارد هاهنا. وأما ما ذكرتموه من المعقول، فقد سبق ما فيه كيف
~~وأن ما ذكرتموه من الدلالة على نفي الحكم حكم بنفي الحكم فكان متناقضا.
# والجواب عن السؤال الأول، أن وقوع العذاب بالفعل، وإن لم يكن لازما من
~~ترك الواجب وفعل المحرم، فلازمه عدم الامن من ذلك لعدم تحقق الواجب والمحرم
~~دونه. وهذا اللازم منتف قبل ورود الشرع، على ما دلت عليه الآية، فلا ملزوم.
# وبه يندفع ما ذكروه من السؤال الثاني والثالث.
# والتمسك بالآية إنما هو في نفي الوجوب والحرمة قبل لا غير، ونفي ما سوى
~~ذلك، فإنما يستفاد من دليل آخر على ما سنبينه، وبه اندفع السؤال الرابع.
# وما ذكروه على الدليل العقلي، فقد سبق أيضا جوابه، ونفي الحكم، وإن كان
~~حكما، غير أن المنفي ليس هو الحكم مطلقا ليلزم التناقض، بل نفي ما أثبتوه
~~من الأحكام المذكورة، فلا تناقض.
# وأما القائلون بالإباحة إن فسروها بنفي الحرج عن الفعل والترك، فلا نزاع
~~في هذا المعنى، وإنما النزاع في صحة إطلاق لفظ الإباحة بإزائه. ولهذا فإنه
~~يمتنع إطلاق لفظ الإباحة على أفعال الله تعالى مع تحقق ذلك المعنى فيها،
~~وإن فسروها بتخيير الفاعل بين الفعل والترك، فإما أن يكون ذلك التخيير
~~للفاعل من نفسه وإما من غيره: فإن كان الأول، فيلزم منه تسمية أفعال الله
~~مباحة، لتحقق ذلك في حقه. وهو ممتنع بالاجماع. وإن كان الثاني، فالمخير إما
~~الشرع وإما العقل بالاجماع، ولا شرع قبل ورود الشرع، وتخيير العقل عندهم
~~إنما يكون فيما استوى فعله وتركه من الافعال الحسنة عقلا، أو فيما لم يقض
~~العقل فيه بحسن ولا قبح، وهو فرع الحسن والقبح العقلي، وقد أبطلناه، وإن
~~فسروه بأمر آخر، فلا بد من تصويره. PageV01P093
# فإن قيل: المباح هو المأذون في فعله، وقد ورد دليل الاذن من الله تعالى
~~قبل ورود الشرع، وإن لم ms076 ترد صورة الاذن. وبيانه من وجهين:
# الأول: هو أن الله تعالى خلق الطعوم من المأكولات، والذوق فينا، وأقدرنا
~~عليها، وعرفنا بالأدلة العقلية أنها نافعة لنا، غير مضرة، ولا ضرر عليه في
~~الانتفاع بها، وهو دليل الاذن منه لنا في ذلك. وصار هذا كما لو قدم إنسان
~~طعاما بين يدي إنسان على هذه الصفات، فإن العقلاء يقضون بكونه قد أذن له
~~فيه.
# الثاني: أن خلقه للطعوم في الأجسام مع إمكان ألا يخلقها، لا بد له من
~~فائدة نفيا للعبث عنه، وليست تلك الفائدة عائدة إلى الله تعالى، لتعاليه
~~عنها، فلا بد من عودها إلى العبد، وليست هي الاضرار، ولا ما هو خارج عن
~~الاضرار والانتفاع، إذ هو خلاف الاجماع، فكانت فائدتها الانتفاع بها، وهو
~~دليل الاذن في إدراكها. وسواء كان الانتفاع بها بجهة الالتذاذ بها، وتقوم
~~البنية، أو بجهة تجنبها لنيل الثواب، أو الاستدلال بها على معرفة الله
~~تعالى لتوقف ذلك كله على إدراكها واحتمال وجود مفسدة فيه مع عدم الاطلاع
~~عليها، لا يكون مانعا من الاذن والحكم بالإباحة، بدليل الاستضاءة بسراج
~~الغير، والاستظلال بحائطه.
# وقلنا: أما الوجه الأول: فحاصله يرجع إلى قياس الغائب على الشاهد، وقد
~~أبطلناه.
# وأما الثاني: فمبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعاله تعالى، وهو ممنوع
~~على ما عرف من أصلنا. ثم إذا كان مأذونا فيه من جهة الشارع، فإباحته شرعية
~~لا عقلية.
# وأما القائلون بالوقف، إن عنوا به توقف الحكم بهذه الأشياء على ورود
~~السمع، فحق، وإن عنوا به الاحجام عن الحكم بالوجوب، أو الحظر، أو الإباحة
~~لتعارض أدلتها، ففاسد لما سبق. PageV01P094
# الأصل الثاني في حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه، وما يتعلق به من المسائل
~~ويشتمل على مقدمة وستة فصول:
# أما المقدمة: ففي بيان حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه، أما حقيقته، فقد قال
~~بعض الأصوليين: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين.
# وقيل إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، وهما فاسدان، لان
~~قوله تعالى: * (والله خلقكم وما تعملون) * (37) الصافات: 96) وقوله تعالى:
~~* (خالق كل شئ) * (6) الانعام: ms077 102) خطاب من الشارع، وله تعلق بأفعال
~~المكلفين والعباد، وليس حكما شرعيا بالاتفاق.
# وقال آخرون: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء
~~أو التخيير. وهو غير جامع: فإن العلم بكون أنواع الأدلة حججا، وكذلك الحكم
~~بالملك والعصمة ونحوه أحكام شرعية، وليست على ما قيل.
# والواجب أن نعرف معنى الخطاب أولا ضرورة توقف معرفة الحكم الشرعي عليه
~~فنقول:
# قد قيل فيه: هو الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئا وهو غير مانع، فإنه
~~يدخل فيه الكلام الذي لم يقصد التكلم به إفهام المستمع، فإنه على ما ذكر من
~~الحد، وليس خطابا.
# والحق إنه: اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه.
# (فاللفظ) احتراز عما وقعت المواضعة عليه من الحركات والإشارات المفهمة.
# و (المتواضع عليه) احتراز عن الألفاظ المهملة.
# و (المقصود بها الافهام) احتراز عما ورد على الحد الأول. PageV01P095
# وقولنا: (لمن هو متهيئ لفهمه) احتراز عن الكلام لمن لا يفهم، كالنائم
~~والمغمى عليه ونحوه.
# وإذا عرف معنى الخطاب، فالأقرب أن يقال في حد الحكم الشرعي أنه:
# خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية.
# فقولنا: (خطاب الشارع) احتراز عن خطاب غيره. والقيد الثاني احتراز عن
~~خطابه بما لا يفيد فائدة شرعية، كالاخبار عن المعقولات والمحسوسات ونحوها،
~~وهو مطرد منعكس لا غبار عليه.
# وإذا عرف معنى الحكم الشرعي، فهو إما أن يكون متعلقا بخطاب الطلب
~~والاقتضاء أو لا يكون:
# فإن كان الأول، فالطلب إما للفعل أو للترك، وكل واحد منهما إما جازم أو
~~غير جازم.
# فما تعلق بالطلب الجازم للفعل فهو الوجوب، وما تعلق بالطلب الجازم للترك
~~فهو الحرمة، وما تعلق بغير الجازم منه فهو الكراهة.
# وإن لم يكن متعلقا بخطاب الاقتضاء، فإما أن يكون متعلقا بخطاب التخيير،
~~أو غيره.
# فإن كان الأول، فهو الإباحة، وإن كان الثاني فهو الحكم الوضعي، كالصحة
~~والبطلان ونصب الشئ سببا أو مانعا أو شرطا، وكون الفعل عبادة وقضاء وأداء
~~وعزيمة ورخصة إلى غير ذلك.
# فلنرسم في كل قسم منها فصلا، وهي ستة فصول: PageV01P096
# الفصل الأول في حقيقة الوجوب ms078 وما يتعلق به من المسائل أما حقيقة الوجوب:
~~فاعلم أن الوجوب في اللغة قد يطلق بمعنى السقوط، ومنه يقال: وجبت الشمس إذا
~~سقطت، ووجب الحائط إذا سقط.
# وقد يطلق بمعنى الثبوت والاستقرار، ومنه قوله عليه السلام: إذا وجب
~~المريض، فلا تبكين باكية أي استقر وزال عنه التزلزل والاضطراب.
# وأما في العرف الشرعي، فقد قيل: هو ما يستحق تاركه العقاب على تركه وهو
~~إن أريد (بالاستحقاق) ما يستدعي مستحقا عليه فباطل، لعدم تحقق ذلك بالنسبة
~~إلى الله تعالى، على ما بيناه في علم الكلام، وبالنسبة إلى أحد من
~~المخلوقين بالاجماع.
# وإن أريد به أنه لو عوقب، لكان ذلك ملائما لنظر الشارع، فلا بأس به.
# وقيل: هو ما توعد بالعقاب على تركه، وهو باطل، لان التوعد بالعقاب على
~~الترك خبر، ولو ورد لتحقق العقاب بتقدير الترك لاستحالة الخلف في خبر
~~الصادق، وإن كان ذلك في حق غيره يعد كرما وفضيلة، لما يلزمه من المصلحة
~~الراجحة، وليس كذلك لجواز العفو عنه.
# وقيل: هو الذي يخاف العقاب على تركه، ويبطل بالمشكوك في وجوبه، كيف وإن
~~هذه الحدود ليست حدا للحكم الشرعي، وهو الوجوب، بل للفعل الذي هو متعلق
~~الوجوب. PageV01P097
# والحق في ذلك أن يقال: الوجوب الشرعي عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض
~~تركه سببا للذم شرعا في حالة ما. فالقيد الأول احتراز عن خطاب غير الشارع،
~~والثاني احتراز عن بقية الاحكام، والثالث احتراز عن ترك الواجب الموسع أول
~~الوقت فإنه سبب للذم بتقدير إخلاء جميع الوقت عنه، وإخلاء أول الوقت من غير
~~عزم على الفعل بعده، وعن ترك الواجب المخير، فإنه سبب للذم بتقدير ترك
~~البدل، وليس سببا له بتقدير فعل البدل وعلى هذا، إن قلنا إن الاذان وصلاة
~~العيد فرض كفاية، واتفق أهل بلدة على تركه قوتلوا. وإن قلنا إنه سنة، فلا.
# وبالجملة فلا بد في الوجوب من ترجيح الفعل على الترك بما يتعلق به من
~~الذم أو الثواب الخاص به. فإنه لا تحقق للوجوب مع تساوي طرفي الفعل والترك
~~في الغرض. وربما ms079 أشار القاضي أبو بكر إلى خلافه.
# وإذا عرف معنى الوجوب الشرعي فلا بد من الإشارة إلى ما يتعلق به من
~~المسائل، وهي سبع.
# المسألة الأولى هل الفرض غير الواجب، أو هو هو؟
# أما في اللغة، فالواجب هو الساقط والثابت، كما سبق تعريفه وأما الفرض فقد
~~يطلق في اللغة بمعنى التقدير، ومنه قولهم: فرضتا القوس، للحزتين اللتين في
~~سيتيه موضع الوتر، وفرضة النهر وهو موضع اجتماع السفن، ومنه قولهم: فرض
~~الحاكم النفقة، أي قدرها.
# وقد يطلق بمعنى الانزال. ومنه قوله تعالى: * (إن الذي فرض عليك القرآن) *
~~(28) القصص: 85) أي أنزل، PageV01P098
# وقد يطلق بمعنى الحل ومنه قوله تعالى: * (ما كان على النبي من حرج فيما
~~فرض الله له) * (33) الأحزاب: 38) أي أحل له.
# وأما في الشرع، فلا فرق بين الفرض والواجب عند أصحابنا، إذ الواجب في
~~الشرع على ما ذكرناه، عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا
~~في حالة ما. وهذا المعنى بعينه متحقق في الفرض الشرعي.
# وخص أصحاب أبي حنيفة اسم الفرض بما كان من ذلك مقطوعا به. واسم الواجب
~~بما كان مظنونا، مصيرا منهم إلى أن الفرض هو التقدير والمظنون لم يعلم كونه
~~مقدرا علينا، بخلاف المقطوع. فلذلك خص المقطوع باسم الفرض دون المظنون.
~~والأشبه ما ذكره أصحابنا من حيث إن الاختلاف في طريق إثبات الحكم حتى يكون
~~هذا معلوما، وهذا مظنونا، غير موجب لاختلاف ما ثبت به.
# ولهذا، فإن اختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء، والقوة والضعف، بحيث
~~إن المكلف يقتل بترك البعض منها دون البعض، لا يوجب اختلاف الواجب في
~~حقيقته من حيث هو واجب. وكذا اختلاف طرق النوافل غير موجب لاختلاف حقائقها.
~~وكذلك اختلاف طرق الحرام بالقطع والظن غير موجب لاختلافه في نفسه من حيث هو
~~حرام، كيف وإن الشارع قد أطلق اسم الفرض على الواجب في قوله تعالى: * (فمن
~~فرض فيهن الحج) * (2) البقرة: 197) أي أوجب. والأصل أن يكون مشعرا به حقيقة
~~وأن لا يكون له مدلول سواه، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. والذي يؤيد
~~إخراج ms080 قيد القطع عن مفهوم الفرض إجماع الأمة على إطلاق اسم الفرض على ما
~~أدى من الصلوات المختلف في صحتها بين الأئمة بقولهم:
# أد فرض الله تعالى. والأصل في الاطلاق الحقيقة، وما ذكره الخصوم في تخصيص
~~اسم الفرض المقطوع به، فمن باب التحكم، حيث إن الفرض في اللغة هو التقدير
~~مطلقا كان مقطوعا به أو مظنونا. فتخصيص ذلك بأحد القسمين دون الآخر بغير
~~دليل، لا يكون مقبولا، وبالجملة فالمسألة لفظية. PageV01P099
# المسألة الثانية لا فرق عند أصحابنا بين واجب العين، والواجب على الكفاية
~~من جهة الوجوب، لشمول حد الواجب لهما. خلافا لبعض الناس، مصيرا منه إلى أن
~~واجب العين لا يسقط بفعل الغير، بخلاف واجب الكفاية، وغايته الاختلاف في
~~طريق الاسقاط، وذلك لا يوجب الاختلاف في الحقيقة، كالاختلاف في طريق الثبوت
~~كما سبق. ولهذا، فإن من ارتد وقتل، فقتله بالردة، وبالقتل واجب. ومع ذلك
~~فأحد الواجبين يسقط بالتوبة دون الواجب الآخر. ولم يلزم من ذلك اختلافهما.
# المسألة الثالثة اختلفوا في الواجب المخير كما في خصال الكفارة:
# فمذهب الأشاعرة والفقهاء أن الواجب منها واحد لا بعينه، ويتعين بفعل
~~المكلف.
# وأطلق الجبائي وابنه القول بوجوب الجميع على التخيير.
# حجة أصحابنا أنه لا يخلو إما أن يقال بوجوب الجميع، أو بوجوب واحد.
# والواحد، إما معين، وإما غير معين. لا جائز أن يقال بالأول لخمسة أوجه:
# الأول: أنه لو كان التخيير موجبا للجميع، لكان الامر بإيجاب عتق عبد من
~~العبيد على طريق التخيير موجبا للجميع، وهو محال.
# الثاني: أن ذلك مما يمنع من التخيير، ولهذا فإنه لا يحسن أن يقول القائل
~~لغيره: أوجبت عليك صلاتين، فصل أيهما شئت، واترك أيهما شئت. كما لا يحسن أن
~~يقول: أوجبت عليك الصلاة، وخيرتك في فعلها وتركها، لما فيه من رفع الواجب
~~وليس ذلك من لغة العرب في شئ. PageV01P100
# الثالث: أن الواجب ما لا يجوز تركه مع القدرة عليه والامر فيما نحن فيه
~~بخلافه.
# الرابع: أن الخصوم قد وافقوا على أنه لو أتى بالجميع، أو ترك الجميع،
~~فإنه لا يثاب ms081 ولا يعاقب على الجميع.
# الخامس: أنه لو كان الجميع واجبا، لنوى نية أداء الواجب في كل واحدة من
~~الخصال عندما إذا فعل الجميع، وهو خلاف الاجماع. ولا جائز أن يقال بأن
~~الواجب واحد معين، إذ هو خلاف مقتضى التخيير، ولأنه كان يلزم أن لا يحصل
~~الاجزاء بتقدير أداء غيره مع القدرة عليه، وهو خلاف الاجماع. فلم يبق غير
~~الابهام.
# غير أن أبا الحسين البصري قد تكلف رد الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ
~~دون المعنى، وذلك أنه قال: معنى إيجاب الجميع أن الله تعالى حرم ترك
~~الجميع، لا كل واحد واحد منها بتقدير فعل المكلف لواحد منها مع تفويض فعل
~~أي واحد منها كان إلى المكلف. وهذا هو بعينه مذهب الفقهاء. غير أن ما ذكره
~~في تفسير وجوب الجميع، وإن كان رافعا للخلاف، غير أنه خلاف ما نقله الأئمة
~~عن الجبائي وابنه من إطلاق القول بوجوب الجميع والدلائل المشعرة بذلك.
~~فلننسج في الحجاج على منوالهم.
# فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل، إنما يلزم أن لو كانت آية التكفير وهي
~~قوله تعالى: * (فكفارته إطعام عشرة مساكين) * (5) المائدة: 89) الآية، دالة
~~على تخيير كل واحد واحد من الأمة بين خصال الكفارة بجهة الايجاب. وما
~~المانع أن يكون ذلك إخبارا عما يوجد من الكفارة وتقديره فما يوجد من
~~الكفارة هو إطعام من حانث، أو كسوة من حانث آخر، أو عتق من حانث آخر.
~~PageV01P101
# سلمنا دلالتها على الايجاب لكن لا أنها خطاب بالتخيير لكل واحد واحد من
~~الأمة، بل المراد بها إيجاب الاطعام على البعض، والكسوة على البعض والعتق
~~على البعض. فكأنه قال: فكفارته إطعام عشرة مساكين لبعضهم، أو الكسوة لبعض
~~آخر، أو العتق لبعض آخر، سلمنا دلالة ما ذكرتموه، لكنه معارض بما يدل على
~~إبطال مدلوله. وبيانه من أحد عشر وجها:
# الأول: أن الخصال المذكورة إما أن تكون مستوية فيما يرجع إلى الصفات
~~المقتضية للوجوب، أو أنها مختصة بالبعض دون البعض.
# فإن كان الأول، فيلزم التسوية في الوجوب بين الكل.
# وإن كان الثاني، كان ms082 ذلك البعض هو الواجب بعينه دون غيره.
# الثاني: إن الواجب ما تعلق به خطاب الشرع بالايجاب، وخطاب الشرع إنما
~~يتعلق بالمعين دون المبهم، ولهذا، فإنه يمتنع تعلق الايجاب بأحد شخصين لا
~~بعينه، فكذلك بفعل أحد أمرين لا يعينه، وعند ذلك فيلزم تعلقه بالكل أو ببعض
~~منه معين.
# الثالث: أن الايجاب طلب، والطلب يستدعي مطلوبا معينا لما تحقق قبل.
# والمعين إما الكل أو البعض.
# الرابع: أنه لو فعل العبد الجميع، فإنه يثاب ثواب من فعل واجبا، فسببه
~~يجب أن يكون مقدورا للمكلف معينا لاستحالة الثواب على ما لا يكون من فعل
~~العبد، واستحالة إسناد المعين إلى غير معين، والمبهم ليس كذلك، فلزم أن
~~يكون الثواب على الجملة أو بعض معين منها.
# الخامس: أنه لو ترك الجميع فإنه يعاقب عقاب من ترك واجبا منها، وذلك يدل
~~على أن الجميع واجب أو بعض منه معين كما سبق.
# السادس: أنه كان الواجب واحدا لا بعينه من الخصال، لكان منها شئ لا بعينه
~~غير واجب. والتخيير بين الواجب وما ليس بواجب محال لما فيه من رفع حقيقة
~~الواجب. PageV01P102
# السابع: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه، فعند التكفير بالجميع إما أن
~~يسقط الفرض بمجموعها، أو بكل واحد منها، أو بواحد منها، فإن كان الأول أو
~~الثاني، فالكل واجب، وإن كان الثالث، فذلك هو الفرض.
# الثامن: ويخص إيجاب الجميع أنه لو كان الواجب واحدا لنصب الله عليه
~~دليلا، وليكله إلى تعيين العبد لعدم معرفته بما فيه المصلحة، كما في سائر
~~الواجبات. فحيث لم يعين، دل على أن الكل واجب.
# التاسع: أنه إذا كان الواجب واحدا لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف، فالباري
~~تعالى يعلم ما سيعينه العبد، فيكون الواجب معينا عند الله تعالى. وإن لم
~~يكن معينا عند العبد قبل الفعل. ويلزم من ذلك التخيير بين الواجب المعين
~~وبين ما ليس واجبا، وهو محال. فثبت أن الجميع واجب.
# العاشر: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه، فكفر ثلاثة كل واحد بواحد من
~~الخصال، غير ما كفر به ms083 الآخر، لكان الواحد منهم لا بعينه هو المكفر بالواجب
~~دون الباقين. وحيث وقع ما فعله كل واحد موقع الواجب كان الجميع واجبا.
# الحادي عشر: أن الوجوب قد يعم عددا من المتعبدين ويسقط بفعل الواحد منهم،
~~كفرض الكفاية، فلا يمتنع أن يعم الوجوب عددا من العبادات، ويسقط بفعل واحدة
~~منها.
# والجواب: عن السؤال الأول: أن الاجماع من الأمة منعقد على أن المراد من
~~الآية الوجوب، لا نفس الاخبار.
# وعن الثاني أن حمل الآية على ما ذكروه مع مخالفته لاجماع السلف مما يحوج
~~إلى إضمارات كثيرة في الآية، وهي ما قدروه من البعض في قولهم، فكفارته
~~إطعام عشرة مساكين لبعضهم وكذلك في الكسوة والعتق، وهو على خلاف الأصل من
~~غير حاجة، كيف وإنه لو كان كما ذكروه، لقال: فكفارته إطعام عشرة مساكين
~~وكسوتهم وتحرير رقبة، لوجوب الخصال الثلاث على الجميع بالنسبة إلى الحانثين
~~المذكورين. PageV01P103
# وعن المعارض الأول أنه مبني على وجوب رعاية المصلحة في أحكام الله تعالى،
~~وهو غير مسلم كيف وإنه يلزم منه أن يكون الامر على ما ذكروه في عقد الإمامة
~~لاحد الامامين الصالحين، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين
~~الخاطبين، وفي إيجاب عتق عبد من العبيد، وهو مخالف للاجماع وحيث تعذر
~~الوجوب على أحد شخصين لا بعينه، إنما كان لتوقف تحقق الوجوب على ارتباطه
~~بالذم والعقاب، على ما سبق في تحديده، وذم أحد شخصين لا بعينه متعذر بخلاف
~~الذم على أحد فعلين لا بعينه. وبهذه الصور يكون اندفاع ما ذكروه من المعارض
~~الثاني وما بعده إلى آخر التاسع.
# وعن العاشر: أن الواجب على كل واحد من المكفرين خصلة من الخصال الثلاث لا
~~بعينها. وقد أتى بما وجب عليه، وسقط به الفرض عنه، فكان ما أتى به كل واحد
~~واجبا، لا أن الواجب على الكل خصلة واحدة لا بعينها ليلزم ما قيل.
# وعن الحادي عشر: أنا لا نمنع سقوط الواجب دون أدائه، ولكن لا يلزم من ذلك
~~أن تكون خصال الكفارة كلها واجبة كما كان الوجوب ثابتا على أعداد ms084 المكلفين
~~في فرض الكفاية، لان الاجماع منعقد على تأثيم الكل بتقدير اتفاقهم على
~~الترك، ولا كذلك في خصال الكفارة.
# وعلى هذه القاعدة لو قال لزوجتيه: إحداكما طالق. فالمطلقة منهما واحدة لا
~~بعينها. وأن وجب الكف عنهما والتخيير في التعيين إلى المطلق، كما لو قيل في
~~خصال الكفارة من غير فرق. ولا يخفى وجه الحجاج من الطرفين. PageV01P104
# المسألة الرابعة إذا كان وقت الواجب فاضلا عنه، كصلاة الظهر مثلا، فمذهب
~~أصحابنا وأكثر الفقهاء وجماعة من المعتزلة كالجبائي وابنه وغيرهما أنه واجب
~~موسع، وأن جميع أجزاء ذلك الوقت وقت لأداء ذلك الواجب فيه فيما يرجع إلى
~~سقوط الفرض به وحصول مصلحة الوجوب.
# وهل للواجب في أول الوقت ووسطه بتقدير تأخير الواجب عنه إلى ما بعده بدل،
~~اختلف هؤلاء فيه: فأثبته أصحابنا والجبائي وابنه، وهو العزم على الفعل.
# وأنكره بعض المعتزلة، كأبي الحسين البصري وغيره.
# وقال قوم: وقت الوجوب هو أول الوقت، وفعل الواجب بعد ذلك يكون قضاء.
# وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: وقت الوجوب هو آخر الوقت، لكن اختلفوا في وقوع
~~الفعل قبل ذلك:
# فمنهم من قال: هو نفل يسقط به الفرض.
# ومنهم من قال، كالكرخي: إن المكلف إذا بقي بنعت المكلفين إلى آخر الوقت،
~~كان ما فعله واجبا، وإلا فنفل.
# وحكي عنه أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان.
# حجة القائلين بالوجوب الموسع أن الامر بصلاة الظهر، وهو قوله تعالى:
# * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (17) الاسراء: 78) عام لجميع
~~أجزاء الوقت المذكور. وليس المراد به تطبيق أول فعل الصلاة على أول الوقت،
~~وآخره على آخره، ولا إقامة الصلاة في كل وقت من أوقاته، حتى لا يخلو جزء
~~منه عن صلاة، إذ هو خلاف الاجماع، ولا تعيين جزء منه لاختصاصه بوقوع الواجب
~~فيه، إذ لا دلالة للفظ عليه.
# فلم يبق إلا أنه أراد به أن كل جزء منه صالح لوقوع الواجب فيه. ويكون
~~المكلف مخيرا في إيقاع الفعل في أي جزء شاء منه، ضرورة امتناع قسم آخر، وهو
~~المطلوب. PageV01P105
# ويدل على ms085 إرداة هذا الاحتمال حصول الاجزاء عن الواجب بأداء الصلاة في أي
~~وقت قدر منه، فإنه يدل على حصول مقصود الواجب من الكل، وأن الفعل في كل وقت
~~قائم مقامه في غيره من الأوقات، فيكون واجبا، وإلا، فلو لم يكن محصلا
~~لمقصود الواجب، فيلزم منه إما فوات مصلحة الواجب، بتقدير فعل الصلاة في غير
~~وقت الوجوب، فتكون الصلاة حراما لكونها مفوتة لمصلحة الواجب، وهو محال،
~~وإما بقاء مصلحة الوجوب ويلزم منه وجوب فعل الصلاة لبقاء مقصودها الموجب
~~لها بعد فعل الصلاة في الوقت المفروض، وهو خلاف الاجماع.
# فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مطلوبكم، وذلك أنه لو كان
~~الفعل واجبا في أول الوقت أو وسطه، لما جاز تركه مع القدرة عليه، إذ هو
~~حقيقة الواجب. وإنما يتحقق ذلك بالنسبة إلى آخر الوقت لانعقاد الاجماع على
~~لحوق الاثم بتركه فيه، بتقدير عدم فعله قبله. وأما قبل ذلك فالفعل فيه ندب
~~لكونه مثابا مع جواز تركه. ويسقط الفرض به في آخر الوقت، ولا يمتنع سقوط
~~الفرض عن المكلف بفعل ما ليس بفرض، كالزكاة المعجلة قبل الحول، سلمنا أنه
~~ليس بنفل، ولكن ما المانع من القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل، أو تعيين
~~الوقت الأول للوجوب وما بعده قضاء، أو الحكم بكونه واجبا بتقدير بقائه بصفة
~~المكلفين إلى آخر الوقت، كما قيل من المذاهب السابقة.
# والجواب عن جواز ترك الفعل في أول الوقت أنه لا يدل على عدم الوجوب
~~مطلقا، بل على عدم الوجوب المضيق. وأما الموسع، فلا.
# والفرق بين المندوب والواجب الموسع، جواز ترك المندوب مطلقا، والموسع
~~بشرط الفعل بعده في الوقت الموسع. وحاصله راجع إلى أن الواجب على المكلف
~~إيقاع الفعل في أي وقت شاء من أجزاء ذلك الوقت الموسع على طريق الابهام
~~والتعيين إلى المكلف، كما سبق في خصال الكفارة، أو بشرط العزم على الفعل
~~بعده. ثم لو كان نفلا لما سقط به الفرض لما سبق. والزكاة المعجلة واجبة
~~PageV01P106
# مؤجلة بعد انعقاد سببها وهو ملك النصاب، لا أنها نافلة، ms086 ولكان ينبغي أن
~~تصح الصلاة بنية النفل، وليس كذلك فإن قيل: لو كان العزم بدلا عن الفعل في
~~أول الوقت لما وجب الفعل بعده، ولما جاز المصير إليه مع القدرة على المبدل،
~~كسائر الابدال مع مبدلاتها، ولكان من أخر الصلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن
~~العزم يكون عاصيا لكونه تاركا للأصل وبدله كيف وإن الامر الوارد بإيجاب
~~الصلاة في هذا الوقت ليس فيه تعرض للعزم، فإيجابه يكون زيادة على مقتضى
~~الامر. ثم جعل العزم بدلا من صفة الفعل أو عن أصل الفعل، مع أنه من أفعال
~~القلوب بعيد، إذ لا عهد لنا في الشرع بجعل أفعال القلوب أبدالا عن الافعال.
~~ولا يجعل صفة الفعل مبدلا.
# قلنا: لم يكن بدلا عن أصل الفعل، بل عن تقديم الفعل، فلا يكون موجبا
~~لسقوط الفعل مطلقا. ومعنى كونه بدلا أنه مخير بينه وبين تقديم الفعل
~~والمصير إلى أحد المخيرين، غير مشروط بالعجز عن الآخر. لا أنه من باب
~~الوضوء من التيمم، وإنما لم يعص مع تركه غافلا لعدم تكليف الغافل والامر
~~وإن لم يكن متعرضا للعزم، فلا يلزم منه امتناع جعله بدلا، فإنه لا يلزم من
~~انتفاء بعض المدارك انتفاء الكل.
# وأما استبعاد كون العزم بدلا عن صفة الفعل على ما ذكروه فغير مستحق
~~للجواب. ثم كيف يستبعد ذلك، والفدية في حق الحامل عند خوفها على جنينها،
~~وكذلك المرضع على ولدها، بدل عن تقديم الصوم في حقها، وهو صفة الفعل.
# وكذلك الندم توبة وهو من أعمال القلوب. وقد جعل بدلا عما فرط من أفعال
~~الطاعات الواجبة حالة الكفر الأصلي.
# والجواب: عن القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل أنه إن أريد به أنا نتبين
~~سقوط الغرض بالفعل في ذلك الوقت، فهو مسلم ولا منافاة بينه وبين ما ذكرناه.
~~PageV01P107
# وإن أرادوا به أنا نتبين أن غير ذلك الوقت لم يكن وقتا للوجوب، بمعنى
~~أنه، لو أدى فيه الفعل، لم يقع الموقع، فهو خلاف الاجماع. وإن أريد به غير
~~ذلك، فلا بد من تصويره.
# وعن القول بتعين ms087 الوقت الأول للوجوب وما بعده للقضاء فيما سبق.
# كيف وأن الاجماع منعقد على أن ما يفعل بعد ذلك الوقت ليس بقضاء ولا يصح
~~بنية القضاء.
# وعن الوقت أنه خلاف الاجماع من السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت،
~~ومات فيه أثنائه أنه أدى فرض الله، وأثبت ثواب الواجب، وعلى ما حققناه من
~~الوجوب الموسع لو أخر المكلف الصلاة عن أول الوقت بشرط العزم ومات، لم يلق
~~الله عاصيا، نظرا إلى إجماع السلف على ذلك. وليس يلزم من ذلك إ بطال معنى
~~الوجوب حيث إنه لا يجوز تركه مطلقا، بل بشرط العزم على ما تقدم. ولا يمكن
~~أن يقال جواز التأخير مشروط بسلامة العاقبة، لكونها منطوية عنه، ولا بد من
~~الحكم الجزم في هذه الحال، إما بالبعضية، وهو خلاف الاجماع، وإما بنفيها
~~ضرورة امتناع التوقف على ظهور العاقبة بالاجماع من سلف الأمة، وإذا عرف
~~معنى الواجب الموسع، ففعله في وقته أول مرة يسمى أداء. وسواء كان فعله على
~~نوع من الخلل لعذر، أو لا على نوع من الخلل. وإن فعل على نوع من الخلل
~~لعذر، ثم فعل في ذلك الوقت مرة ثانية، سمي إعادة، وإن لم يفعل في وقته
~~المقدر، وسواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر، ثم فعل بعد خروج وقته سمي قضاء.
~~PageV01P108
# المسألة الخامسة اتفق الكل في الواجب الموسع على أن المكلف لو غلب على
~~ظنه أنه يموت بتقدير التأخير عن أول الوقت فأخره، أنه يعصي، وإن لم يمت.
~~واختلفوا في فعله بعد ذلك في الوقت: هل يكون قضاء أو أداء. فذهب القاضي أبو
~~بكر إلى كونه قضاء، وخالفه غيره في ذلك.
# حجة القاضي أن الوقت صار مقدرا مضيقا بما غلب على ظن المكلف أنه لا يعيش
~~أكثر منه، ولذلك عصى بالتأخير عنه. فإذا فعل الواجب بعد ذلك فقد فعله خارج
~~وقته، فكان قضاء كما في غيره من العبادات الفائتة في أوقاتها المقدرة
~~المحدودة.
# ولقائل أن يقول: غاية ظن المكلف أنه أوجب العصيان بالتأخير عن الوقت الذي ms088
~~ظن حياته فيدون ما بعده، فلا يلزم من ذلك تضييق الوقت، بمعنى أنه إذا بقي
~~بعد ذلك الوقت كان فعله للواجب فيه قضاء، وذلك لأنه كان وقتا للأداء.
# والأصل بقاء ما كان على ما كان. ولا يلزم من جعل ظن المكلف موجبا للعصيان
~~بالتأخير مخالفة هذا الأصل أيضا. ولهذا فإنه لا يلزم من عصيان المكلف
~~بتأخير الواجب الموسع عن أول الوقت من غير عزم على الفعل عند القاضي أن
~~يكون فعل الواجب بعد ذلك في الوقت قضاء، وهو في غاية الاتجاه.
# المسألة السادسة اتفقوا على أن الواجب إذا لم يفعل في وقته المقدر، وفعل
~~بعده، أنه يكون قضاء، وسواء تركه في وقته عمدا، أو سهوا.
# اتفقوا على أن ما لم يجب، ولم ينعقد سبب وجوبه في الأوقات المقدرة، ففعله
~~بعد ذلك لا يكون قضاء، لا حقيقة ولا مجازا، كفوائت الصلوات في حالة الصبى
~~والجنون. PageV01P109
# واختلفوا فيما انعقد سبب وجوبه، ولم يجب لمانع، أو لفوات شرط من خارج،
~~وسواء كان المكلف قادرا على الاتيان بالواجب في وقته، كالصوم في حق المريض
~~والمسافر، أو غير قادر عليه، إما شرعا كالصوم في حق الحائض، وإما عقلا
~~كالنائم، أنه هل يسمى قضاء حقيقة أو مجازا.
# فمنهم من مال إلى التجوز مصيرا منه إلى أن القضاء إنما يكون حقيقة عند
~~فوات ما وجب في الوقت استدراكا لمصلحة الواجب الفائت. وذلك غير متحقق فيما
~~نحن فيه، ووجوبه بعد ذلك الوقت بأمر مجدد لا ارتباط له بالوقت الأول.
# فكان إطلاق القضاء عليه تجوزا.
# ومنهم من مال إلى أنه قضاء حقيقة، لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب
~~وجوبه ولم يجب للمعارض وإطلاق اسم القضاء في هذه الصور في محل الوفاق، إنما
~~كان باعتبار ما اشتركا فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه لا استدراك
~~مصلحة ما وجب. وهذا هو الأشبه، لما فيه من نفي التجوز والاشتراك عن اسم
~~القضاء.
# المسألة السابعة ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب.
# اختلفوا فيه، ولا بد قبل ms089 الخوض في الحجاج من تلخيص محل النزاع، فنقول:
# ما لا يتم الواجب إلا به، إما أن يكون وجوبه مشروطا بذلك الشئ، أو لا
~~يكون مشروطا به.
# فإن كان الأول، فهو كما لو قال الشارع: أوجبت عليك الصلاة، إن كنت متطهرا
~~فلا خلاف في أن تحصيل الشرط ليس واجبا، وإنما الواجب الصلاة، إذا وجد
~~الشرط. PageV01P110
# وإن كان الثاني، وهو أن يكون وجوبه مطلقا غير مشروط الوجوب بذلك الغير،
~~بل مشروط الوقوع، فذلك هو محل النزاع إن كان الشرط مقدورا للمكلف، وذلك كما
~~لو وجبت الصلاة وتعذر وقوعها دون الطهارة، أو وجب غسل الوجه، ولم يكن إلا
~~بغسل جزء من الرأس إلى غير ذلك.
# وإن لم يكن الشرط مقدورا للمكلف، فلا إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا
~~يطاق. وذلك كحضور الامام الجمعة، وحصول تمام العدد فيها، فإن ذلك غير مقدور
~~لآحاد المكلفين.
# وإذا تلخص محل النزاع، فنقول: اتفق أصحابنا والمعتزلة على أن ما لا يتم
~~الواجب إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب. خلافا لبعض الأصوليين.
# قال أبو الحسين البصري: وإنما قلنا إن تحصيل الشرط واجب، لأنه لو لم يجب،
~~بل كان تركه مباحا لكان الآمر كأنه قال للمأمور: لك مباح ألا تأتي بالشرط،
~~وأوجب عليك الفعل مع عدم الاتيان بما لا يتم إلا به. وذلك تكليف بما لا
~~يطاق، وهو محال. وهذه الطريقة في غاية الفساد وذلك لان وجوب المشروط إذا
~~كان مطلقا، فلا يلزم من إباحة الشرط أن يكون التكليف بالمشروط حالة عدم
~~الشرط، فإن عدمه غير لازم من إباحته، بل حالة عدم وجوب الشرط.
# وفرق بين الامرين. فلا يكون التكليف بالمشروط تكليفا بما لا يطاق. ثم
~~يقال له إن كان التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط محالا فالتكليف بالمشروط
~~مشروط بوجود الشرط، وكل ما وجوبه مشروط بشرط، فالشرط لا يكون واجب التحصيل
~~لما سبق، ولا جواب عنه.
# والأقرب في ذلك أن يقال: انعقد إجماع الأمة على إطلاق القول بوجوب تحصيل
~~ما أوجبه الشارع. وتحصيله إنما هو بتعاطي الأمور ms090 الممكنة من الاتيان به.
~~فإذا قيل يجب التحصيل بما لا يكون واجبا، كان متناقضا. وبالجملة فالمسألة
~~وعرة، والطرق ضيقة، فليقنع بمثل هذا في هذا المضيق. PageV01P111
# فإن قيل: القول بوجوب الشرط زيادة على ما اقتضاه الامر بالمشروط، إذ لا
~~دلالة عليه، والزيادة على النص نسخ، ونسخ مدلول النص لا يكون إلا بنص آخر،
~~ولا نص. ثم لو كان واجبا، لكان مقدورا، حذرا من التكليف بما لا يطاق. وما
~~يجب غسله من الرأس وإمساكه من الليل غير مقدور، ولكان مثابا عليه، ومعاقبا
~~على تركه. والثواب والعقاب إنما هو على غسل الوجه وتركه، وعلى صوم اليوم
~~وتركه، لا على مسح بعض الرأس، وإمساك شئ من الليل. ولهذا، فإنه لو تصور
~~الاتيان بالمشروط دون شرطه، كان كذلك.
# قلنا: جواب الأول أن النسخ إنما يلزم إن لو كان ما قيل بوجوبه رافعا
~~لمقتضى النص الوارد بالمشروط، وليس كذلك، فإن مقتضاه وجوبه، ووجوبه باق
~~بحاله.
# وجواب الثاني أنه مبني على القول بأن كل واجب لا يقدر بقدر محدود.
~~فالزيادة على أقل ما ينطلق عليه الاسم هل توصف بالوجوب لكون نسبة الكل إلى
~~الوجوب نسبة واحدة، أو الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم والزيادة ندب. فمن
~~ذهب إلى القول الأول، قال كل ما يأتي به من ذلك فهو واجب. والأصح إنما هو
~~القول الثاني، وهو أن الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم، إذ هو مكتفي به من
~~غير لوم على ترك الزيادة من غير بدل، وهو مقدور.
# وجواب الثالث بمنع ما ذكروه.
# وجواب الرابع بأن الوجوب إنما يتحقق بالنسبة إلى العاجز عن الاتيان
~~بالمشروط دون الشرط لا القادر. PageV01P112
# الفصل الثاني في المحظور وقد يطلق في اللغة على ما كثرت آفاته: ومنه يقال
~~لبن محظور، أي كثير الآفة.
# وقد يطلق بمعنى المنع والقطع، ومنه قولهم: حظرت عليه كذا، أي منعته منه،
~~ومنه الحظيرة للبقعة المنقطعة تأتي إليها المواشي.
# وأما في الشرع: فقد قيل فيه ضد ما قيل في الواجب من الحدود المزيفة
~~السابق ذكرها. ولا يخفى وجه الكلام ms091 عليها.
# والحق فيه أن يقال: هو ما ينتهض فعله سببا للذم شرعا بوجه ما من حيث هو
~~فعل له.
# فالقيد الأول فاصل له عن الواجب والمندوب وسائر الأحكام والثاني فاصل له
~~عن المخير كما ذكرناه في الواجب. والثالث فاصل له عن المباح الذي يستلزم
~~فعله ترك واجب، فإنه يذم عليه، لكن لا من جهة فعله، بل لما لزمه من ترك
~~الواجب، والحظر: فهو خطاب الشارع بما فعله سبب للذم شرعا بوجه ما، من حيث
~~هو فعله. ومن أسمائه أنه محرم ومعصية وذنب. وإذا عرف معنى المحظور، فلا بد
~~من ذكر ما يختص به من المسائل، وهي ثلاث مسائل: PageV01P113
# المسألة الأولى يجوز أن يكون المحرم أحد أمرين، لا بعينه عندنا، خلافا
~~للمعتزلة، وذلك لأنه لا مانع من ورود النهي بقوله: لا تكلم زيدا أو عمرا.
~~وقد حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم عليك الجميع ولا واحدا
~~بعينه. فهذا الورود كان معقولا غير ممتنع.
# ولا شك أنه إذا كان كذلك فليس المحرم مجموع كلاميهما، ولا كلام أحدهما
~~على التعيين، لتصريحه بنقيضه، فلم يبق إلا أن يكون المحرم أحدهما لا بعينه.
# ومنهج الخصم في الاعتراض ومنهجنا في الجواب، فكما سبق في الواجب المخير،
~~ولا يخفى وجهه. ولكن ربما تشبث الخصوم هاهنا بقولهم: إن حرف أو إذا ورد في
~~النهي، اقتضى الجمع دون التخيير، ودليله قوله تعالى: * (ولا تطع منهم آثما
~~أو كفورا) * (76) الانسان: 24) فإن المراد به إنما هو النهي من الطاعة لكل
~~واحد منهما، لا النهي عن أحدهما.
# وجوابه: أن يقال: مقتضى الآية إنما هو التخيير، وتحريم أحد الامرين لا
~~بعينه، والجمع في التحريم هاهنا إنما كان مستفادا من دليل آخر، ويجب أن
~~يكون كذلك جمعا بين الآية وما ذكرناه من الدليل. PageV01P114
# المسألة الثانية اتفق العقلاء على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في
~~فعل واحد من جهة واحدة، لتقابل حديهما، كما سبق تعريفه، إلا على رأي من
~~يجوز التكليف بالمحال.
# وإنما الخلاف في أنه هل يجوز انقسام النوع الواحد من الافعال ms092 إلى واجب
~~وحرام، كالسجود لله تعالى والسجود للصنم، وأن يكون الفعل الواحد بالشخص
~~واجبا حراما من جهتين، كوجوب الفعل المعين الواقع في الدار المغصوبة من حيث
~~هو صلاة، وتحريمه من حيث هو غصب شاغل لملك الغير، فذلك مما جوزه أصحابنا
~~مطلقا وأكثر الفقهاء. وخالف في الصورة الأولى بعض المعتزلة، وقالوا: السجود
~~نوع واحد، وهو مأمور به لله تعالى، فلا يكون حراما ولا منهيا بالنسبة إلى
~~الصنم من حيث هو سجود، وإلا كان الشئ الواحد مأمورا منهيا، وذلك محال،
~~وإنما المحرم المنهي قصد تعظيم الصنم، وهو غير السجود.
# وخالف في الصورة الثانية الجبائي وابنه وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر
~~والزيدية.
# وقيل إنه رواية عن مالك. وقالوا الصلاة في الدار المغصوبة غير واجبة ولا
~~صحيحة، ولا يسقط بها الفرض ولا عندها، ووافقهم على ذلك القاضي أبو بكر إلا
~~في سقوط الفرض، فإنه قال: يسقط الفرض عندها لا بها، مصيرا منهم إلى أن
~~الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل المكلف، لا بما ليس من فعله والافعال
~~الموجودة من المصلي في الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه، وهو عاص
~~بها، مأثوم بفعلها، وليس له من الافعال غير ما صدر عنه، فلا يتصور أن تكون
~~واجبة طاعة ولا مثابا عليها، متقربا بها إلى الله تعالى. لان الحرام لا
~~يكون واجبا، والمعصية لا تكون طاعة، ولا مثابا عليها ولا متقربا بها، مع أن
~~التقرب شرط في صحة الصلاة والحق في ذلك ما قاله الأصحاب. PageV01P115
# أما في الصورة الأولى: فلضرورة التغاير بالشخصية بين السجود لله تعالى
~~والسجود للصنم.
# ولا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من الوجوب الوجوب، وما
~~قيل من أن السجود مأمور به لله تعالى، فإن أريد به السجود من حيث هو كذلك،
~~فهو غير مسلم، بل السجود المقيد بقصد تعظيم الرب تعالى دون ما قصد به تعظيم
~~الصنم. ولهذا قال الله تعالى: * (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله) *
~~(37) فصلت: 41) ولو كان كما ذكروه لكان عين المأمور به منهيا عنه، وهو
~~محال.
# وأما ms093 في الصورة الثانية: فلضرورة تغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار
~~اختلاف جهتيه من الغصب والصلاة. وذلك لان التغاير بين الشيئين، كما أنه قد
~~يقع بتعدد النوع تارة كالانسان والفرس، وبتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو.
# فقد يقع التغاير مع اتحاد الموضوع المحكوم عليه شخصا بسبب اختلاف صفاته،
~~بأن يكون المحكوم عليه بأحد الحكمين المتقابلين هو الهيئة الاجتماعية من
~~ذاته وإحدى صفتيه، والمحكوم عليه بالحكم الآخر بالهيئة الاجتماعية والصفة
~~الأخرى كالحكم على زيد بكونه مذموما لفسقه، ومشكورا لكرمه، وذلك مما لا
~~يتحقق معه التقابل بين الحكمين والمنع منهما وقولهم: إن الفعل الموجود منه
~~في الدار المغصوبة متحد وهو حرام، فلا يكون واجبا.
# قلنا: المحكوم عليه بالحرمة ذات الفعل من حيث هو فعل، أو من جهة كونه
~~غصبا، الأول غير مسلم. والثاني فلا يلزم منه امتناع الحكم عليه بالوجوب من
~~جهة كونه صلاة ضرورة الاختلاف كما سبق.
# فإن قيل متعلق الوجوب إما أن يكون هو متعلق الحرمة أو هو مغاير له،
~~والأول يلزم منه التكليف بما لا يطاق والخصم لا يقول بذلك فيما نحن فيه
~~سواء قيل بإحالته أو بجوازه. والثاني إما أن يكون متعلق الوجوب والتحريم،
~~PageV01P116
# متلازمين أو غير متلازمين، لا جائز أن يقال بالثاني، فإن الغصب والصلاة،
~~وإن انفك أحدهما عن الآخر في غير مسألة النزاع، فهما متلازمان في مسألة
~~النزاع.
# فلم يبق غير التلازم، وعند ذلك فالواجب متوقف على فعل المحرم، وما لا يتم
~~الواجب إلا به فهو واجب. فالمحرم الذي ذكرتموه يكون واجبا، وهو تكليف بما
~~لا يطاق. وأيضا فإن الحركات المخصوصة في الصلاة والسكنات داخلة في مفهومها،
~~والحركات والسكنات تشغل الحيز إذ الحركة عبارة عن شغل الجوهر للحيز بعد أن
~~كان في غيره، والسكون شغل الجوهر للحيز أكثر من زمان واحد. فشغل الحيز داخل
~~في مفهوم الحركة والسكون الداخلين في مفهوم الصلاة، فكان داخلا في مفهوم
~~الصلاة لان جزء الجزء جزء، وشغل الحيز فيما نحن فيه حرام. فالصلاة التي
~~جزءها حرام لا تكون واجبة، لان وجوبها إما أن يستلزم ms094 إيجاب جميع أجزائها،
~~أو لا يستلزم. والأول يلزم منه إيجاب ما كان من أجزائها محرما، وهو تكليف
~~بما لا يطاق. والثاني يلزم منه أن يكون الواجب بعض أجزاء الصلاة، لا نفس
~~الصلاة، لان مفهوم الجزء مغاير لمفهوم الكل وذلك محال.
# قلنا: أما الاشكال الأول، فيلزم عليه ما لو قال السيد لعبده أوجبت عليك
~~خياطة هذا الثوب، وحرمت عليك السكن في هذا الدار، فإن فعلت هذا أثبتك، وإن
~~فعلت هذا عاقبتك، فإنه إذا سكن الدار، وخاط الثوب، فإنه يصح أن يقال فعل
~~الواجب والمحرم ويحسن من السيد ثوابه له على الطاعة، وعقابه له على المعصية
~~إجماعا. وعند ذلك فكل ما أوردوه من التقسيم فهو بعينه وارد هاهنا. وذلك أن
~~يقال: متعلق الوجوب، إن كان هو متعلق الحرمة، فهو تكليف بما لا يطاق، وليس
~~كذلك فيما فرض من الصورة، وإن تغايرا فهما في الصورة المفروضة متلازمان،
~~وإن جاز انفكاكهما حسبما قيل في الصلاة في الدار المغصوبة. فالواجب متوقف
~~على المحرم، فيلزم أن يكون واجبا لا محرما، لما قيل. وقد قيل بالجمع بين
~~الواجب والمحرم فيها، فما هو الجواب في هذه الصورة، هو الجواب في صورة محل
~~النزاع. على هذا فقد اندفع الاشكال الثاني أيضا من حيث إن شغل الحيز داخل
~~في مفهوم الحركات المخصوصة الداخلة في مفهوم الخياطة. وشغل الحيز
~~PageV01P117
# بالسكن محرم على ما قيل في صورة محل النزاع من غير فرق، والجواب يكون
~~مشتركا: كيف وإن إجماع سلف الأمة وهلم جرا منعقد على الكف عن أمر الظلمة
~~بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة مع كثرة وقوع ذلك منهم، ولو لم
~~تكن صحيحة مع وجوبها عليهم، لبقي الوجوب مستمرا، وامتنع على الأمة عدم
~~الانكار عادة وهو لازم على المعتزلة وأحمد بن حنبل حيث اعترفوا ببقاء الفرض
~~وعدم سقوطه.
# وأما القاضي أبو بكر فإنه قال إن الفرض يسقط عندها لا بها، جمعا بين
~~الاجماع على عدم النكير على ترك القضاء وبين ما ظنه دليلا على امتناع صحة
~~الصلاة. وقد بينا إبطال مستنده.
# المسألة ms095 الثالثة مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله، خلافا
~~لأبي حنيفة.
# وصورة المسألة ما إذا أوجب الصوم وحرم إيقاعه في يوم العيد. وعلى هذا
~~النحو فالشافعي اعتقد أن المحرم هو الصوم الواقع، وألحقه بالمحرم باعتبار
~~أصله، فكان تحريمه مضادا لوجوبه. وأبو حنيفة اعتقد أن المحرم نفس الوقوع لا
~~الواقع، وهما غيران فلا تضاد، إلحاقا له بالمحرم باعتبار غيره وحيث قضى
~~بتحريم صلاة المحدث وبطلانها، إنما كان لفوات شرطها من الطهارة لا للنهي عن
~~إيقاعها مع الحدث، بخلاف الطواف حيث لا يقم الدليل عنده على اشتراط الطهارة
~~فيه.
# وبالجملة فالمسألة اجتهادية ظنية، لا حظ لها من اليقين، وإن كان الأشبه
~~إنما هو مذهب الشافعي من حيث إن اللغوي لا يفرق عند سماعه لقول القائل:
~~حرمت عليك الصوم في هذا اليوم مع كونه موجبا لتحريم الصوم، وبين قوله حرمت
~~عليك إيقاع الصوم في هذا اليوم من جهة أنه لا معنى لايقاع الصوم في اليوم
~~سوى فعل الصوم في اليوم. فإذا كان فعل الصوم فيه محرما، كان ذلك مضادا
~~لوجوبه لا محالة. PageV01P118
# فإن قيل: لو كان تحريم إيقاع الفعل في الوقت تحريما للفعل الواقع، لزم أن
~~يكون تحريم إيقاع الطلاق في زمن الحيض تحريما لنفس الطلاق، ولو كان الطلاق
~~نفسه محرما لما كان معتبرا، وكذلك وقوع الصلوات في الأوقات والأماكن المنهي
~~عن إيقاعها فيها.
# قلنا: أما الطلاق في زمن الحيض إنما قضى الشافعي بصحته لظهور صرف التحريم
~~عنده عن أصل الطلاق وصفته، إلى أمر خارج، وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة،
~~لدليل دل عليه.
# وأما الصلوات في الأوقات والأماكن المنهي عنها، فقد منع بعض أصحابنا
~~صحتها في الأوقات دون الأماكن. ومن عمم، اعتقد صرف النهي فيها عن أصل الفعل
~~وصفته إلى أمر خارج لدليل دل عليه أيضا، بخلاف ما نحن فيه، حتى لو قام
~~الدليل فيه على ترك الظاهر لترك.
# الفصل الثالث في تحقيق معنى المندوب وما يتعلق به من المسائل والمندوب في
~~اللغة مأخوذ من الندب، وهو الدعاء إلى أمر ms096 مهم، ومنه قول الشاعر:
# (لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا) وأما في
~~الشرع، فقد قيل: هو ما فعله خير من تركه. ويبطل بالاكل قبل ورود الشرع،
~~فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة واستبقاء المهجة، وليس مندوبا، وقيل: هو
~~ما يمدح على فعله، ولا يذم على تركه، ويبطل بأفعال الله تعالى، فإنها كذلك،
~~وليست مندوبة.
# فالواجب أن يقال: هو المطلوب فعله شرعا من غير ذم على تركه مطلقا.
# (فالمطلوب فعله) احتراز عن الحرام والمكروه والمباح وغيره من الاحكام
~~الثابتة بخطاب الوضع والاخبار. و (نفي الذم) احتراز عن الواجب المخير،
~~والموسع، في أول الوقت. وإذا عرف معنى المندوب، ففيه مسألتان: PageV01P119
# المسألة الأولى ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا إلى أن المندوب
~~مأمور به خلافا للكرخي وأبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة.
# احتج المثبتون بأن فعل المندوب يسمى طاعة بالاتفاق، وليس ذلك لذات الفعل
~~المندوب إليه وخصوص نفسه، وإلا كان طاعة بتقدير ورود النهي عنه، ولا لصفة
~~من الصفات التي يشاركه فيها غيره من الحوادث، وإلا كان كل حادث طاعة، ولا
~~لكونه مرادا لله تعالى، وإلا كان كل مراد الوقوع طاعة، وليس كذلك ولا لكونه
~~مثابا عليه، فإنه لا يخرج عن كونه طاعة، وإن لم يثب عليه، ولا لكونه موعودا
~~بالثواب عليه، لأنه لو ورد فيه وعد لتحقق، لاستحالة الخلف في خبر الشارع،
~~والثواب غير لازم له بالاجماع، والأصل عدم ما سوى ذلك. فتعين أن يكون طاعة
~~لما فيه من امتثال الامر، فإن امتثال الامر يسمى طاعة، ولهذا يقال: فلان
~~مطاع الامر، ومنه قول الشاعر:
# (ولو كنت ذا أمر مطاع لما بدا * توان من المأمور في كل أمركا) كيف وقد
~~شاع وذاع إطلاق أهل الأدب قولهم بانقسام الامر إلى أمر إيجاب، وأمر ندب.
# فإن قيل: أمكن أن يكون طاعة لكون مقتضى ومطلوبا ممن له الطلب والاقتضاء،
~~ولا يلزم أن يكون ذلك لكونه مأمورا. ثم لو كان فعله طاعة لكونه مأمورا،
~~لكان تركه معصية لكونه ms097 مأمورا. ولذلك يقال أمر فعصى.
# ومنه قول الشاعر: (أمرتك أمرا جازما فعصيتني) وليس كذلك بالاجماع.
# ويدل على أنه غير مأمور قوله عليه السلام: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم
~~بالسواك عند كل صلاة وقوله عليه السلام لبريرة وقد عتقت تحت عبد: لو
~~راجعتيه فقالت: بأمرك يا رسول الله فقال: لا، إنما أنا شافع نفى الامر في
~~الصورتين مع أن الفعل فيهما مندوب. فدل على أن المندوب ليس مأمورا.
~~PageV01P120
# قلنا: أما الاقتضاء والطلب فهو الامر عندنا على ما يأتي، فتسليمه تسليم
~~لمحل النزاع.
# قولهم لا يسمى تاركه عاصيا. قلنا لان العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر
~~الايجاب، ولا بمخالفة مطلق أمر. ويجب أن يكون كذلك جمعا بين ما ذكروه من
~~الاطلاق وما ذكرناه من الدليل. ولمثل هذا يجب حمل الحديثين على أمر الايجاب
~~دون الندب. ويخص الحديث الأول أنه قيده بالمشقة، وهي لا تكون في غير أمر
~~الايجاب. وإذا ثبت كونه مأمورا فهو حسن بجميع الاعتبارات السابق ذكرها في
~~مسألة التحسين والتقبيح، وهل هو داخل في مسمى الواجب، فالكلام فيه على ما
~~سيأتي في الجائز نفيا وإثباتا.
# المسألة الثانية اختلف أصحابنا في المندوب هل هو من أحكام التكاليف؟
~~فأثبته الأستاذ أبو إسحاق، ونفاه الأكثرون، وهو الحق.
# وحجة ذلك أن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة والمندوب مساو للمباح
~~في التخيير بين الفعل والترك من غير حرج، مع زيادة الثواب على الفعل.
# والمباح ليس من أحكام التكليف على ما يأتي، فالمندوب أولى.
# نعم، إن قيل إنه تكليفي باعتبار وجوب اعتقاد كونه مندوبا، فلا حرج، فإن
~~قيل المندوب لا يخلو عن كلفة ومشقة، فإنه سبب للثواب، فإن فعله رغبة في
~~الثواب ففعله مشق كفعل الواجب، وإن تركه شق عليه ما فاته من الثواب الجزيل
~~بفعله، وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل، بخلاف ترك المباح.
# قلنا: يلزم عليه أن يكون حكم الشارع على الفعل بكونه سببا للثواب حكما
~~تكليفيا، لأنه إن أتى بالفعل رغبة في الثواب الذي هو مسببه فهو مشق، وإن ms098
~~تركه شق عليه ما فاته من الثواب. وهو خلاف الاجماع. PageV01P121
# الفصل الرابع في المكروه المكروه في اللغة مأخوذ من الكريهة، وهي الشدة
~~في الحرب، ومنه قولهم جمل كره، أي شديد الرأس، وفي معنى ذلك الكراهة
~~والكراهية.
# وأما في الشرع، فقد يطلق ويراد به الحرام، وقد يراد به ترك ما مصلحته
~~راجحة، وإن لم يكن منهيا عنه، كترك المندوبات.
# وقد يراد به ما نهي عنه نهي تنزيه لا تحريم، كالصلاة في الأوقات والأماكن
~~المخصوصة.
# وقد يراد به ما في القلب منه حزازة. وإن كان غالب الظن حله، كأكل لحم
~~الضبع.
# وعلى هذا فمن نظر إلى الاعتبار الأول حده بحد الحرام، كما سبق.
# ومن نظر إلى الاعتبار الثاني، حده بترك الأولى.
# ومن نظر إلى الاعتبار الثالث، جده بالمنهي الذي لا ذم على فعله.
# ومن نظر إلى الاعتبار الرابع، حده بأنه الذي فيه شبهة وتردد.
# وإذا عرف معنى المكروه، فالخلاف في كونه منهيا عنه، وفي كونه من أحكام
~~التكاليف، فعلى نحو ما سبق في المندوب، ولا يخفى وجه الكلام في الطرفين
~~تزييفا واختيارا. PageV01P122
# الفصل الخامس في المباح وما يتعلق به من المسائل أما المباح، فهو في
~~اللغة مشتق من الإباحة، وهي الاظهار والاعلان. ومنه يقال باح بسره، إذا
~~أظهره.
# وقد يرد أيضا بمعنى الاطلاق والاذن، ومنه يقال أبحته كذا، أي أطلقته فيه
~~وأذنت له.
# وأما في الشرع، فقد قال قوم هو ما خير المرء فيه بين فعله وتركه شرعا.
# وهو منقوض بخصال الكفارة المخيرة. فإنه ما من خصلة منها إلا والمكفر مخير
~~بين فعلها وتركها، وبتقدير فعلها لا تكون مباحة بل واجبة. وكذلك الصلاة في
~~أول وقتها الموسع مخير بين فعلها وتركها مع العزم، وليست مباحة بل واجبة.
# وقال قوم، هو ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب، وهو منتقض بأفعال
~~الله تعالى، فإنها كذلك، وليست متصفة بكونها مباحة.
# ومنهم من قال هو ما أعلم فاعله أو دل أنه لا ضرر عليه في فعله ولا تركه،
~~ولا نفع له في الآخرة، وهو غير ms099 جامع، لأنه يخرج منه الفعل الذي خير الشارع
~~فيه بين الفعل والترك مع إعلام فاعله، أو دلالة الدليل السمعي، على استواء
~~فعله في المصلحة والمفسدة دنيا وأخرى، فإنه مباح، وإن اشتمل فعله وتركه على
~~الضرر.
# والأقرب في ذلك أن يقال: هو ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع
~~بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل. فالقيد الأول فاصل له عن فعل
~~الله تعالى:
# والثاني عن الواجب الموسع في أول الوقت والواجب المخير.
# وإذا عرف معنى المباح ففيه خمس مسائل: PageV01P123
# المسألة الأولى اتفق المسلمون على أن الإباحة من الأحكام الشرعية خلافا
~~لبعض المعتزلة، مصيرا منه إلى أن المباح لا معنى له سوى ما انتفى الحرج عن
~~فعله وتركه. وذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده، فلا يكون حكما
~~شرعيا.
# ونحن لا ننكر أن انتفاء الحرج عن الفعل والترك ليس بإباحة شرعية، وإنما
~~الإباحة الشرعية خطاب الشارع بالتخيير على ما قررناه. وذلك غير ثابت قبل
~~ورود الشرع. ولا يخفى الفرق بين القسمين. فإذا ما أثبتناه من الإباحة
~~الشرعية لم يتعرض لنفيها وما نفي غير ما أثبتناه.
# المسألة الثانية اتفق الفقهاء والأصوليون قاطبة على أن المباح غير مأمور
~~به، خلافا للكعبي وأتباعه من المعتزلة، في قولهم إنه لا مباح في الشرع، بل
~~كل فعل يفرض فو واجب مأمور به.
# احتج من قال إنه غير مأمور به أن الامر طلب يستلزم ترجيح الفعل على
~~الترك، وهو غير متصور في المباح لما سبق في تحديده، ولأن الأمة مجمعة على
~~انقسام الاحكام إلى: وجوب وندب، وإباحة، وغير ذلك. فمنكر المباح يكون خارقا
~~للاجماع.
# وحجة الكعبي أنه ما من فعل يوصف بكونه مباحا إلا ويتحقق بالتلبس به ترك
~~حرام ما، وترك الحرام واجب، ولا يتم تركه دون التلبس بضد من أضداده، وما لا
~~يتم الواجب إلا به فهو واجب لما سبق.
# ثم اعتذر عن الاجماع المحتج به بأن قال: يجب حمله على ذات الفعل مع قطع
~~النظر عن تعلق الامر به لسبب توقف ترك الحرام ms100 عليه. فإنه إذ ذاك لا يكون
~~مأمورا به، ضرورة الجمع بين الأدلة بأقصى الامكان. وقد اعترض عليه من لا
~~PageV01P124
# يعلم عور كلامه، بأنه وإن كان ترك الحرام واجبا، فالمباح ليس هو نفس ترك
~~الحرام، بل شئ يترك به الحرام مع إمكان تحقق ترك الحرام بغيره، فلا يلزم أن
~~يكون واجبا وهو غير سديد. فإنه إذا ثبت أن ترك الحرام واجب، وأنه لا يتم
~~بدون التلبس بضد من أضداده.
# وقد تقرر أن مالا يتم الواجب دونه، فهو واجب. فالتلبس بضد من أضداده
~~واجب، غايته أن الواجب من الأضداد غير معين قبل تعيين المكلف له.
# ولكن لا خلاف في وجوبه بعد التعيين، ولا خلاص عنه إلا بمنع وجوب ما لا
~~يتم الواجب إلا به، وفيه خرق القاعدة الممهدة على أصول الأصحاب.
# وغاية ما ألزم عليه أنه لو كان الامر على ما ذكرت، لكان المندوب بل
~~المحرم إذا ترك به محرم آخر، أن يكون واجبا، وكان يجب أن تكون الصلاة حراما
~~على هذه القاعدة عندما إذا ترك بها واجبا آخر، وهو محال، فكان جوابه أنه لا
~~مانع من الحكم على الفعل الواحد بالوجوب والتحريم، بالنظر إلى جهتين
~~مختلفتين، كما في الصلاة في الدار المغصوبة ونحوه.
# وبالجملة، وإن استبعده من استبعده، فهو في غاية الغوص والاشكال، وعسى أن
~~يكون عند غيري حله.
# المسألة الثالثة اختلفوا في المباح هل هو داخل في مسمى الواجب أم لا؟
# وحجة من قال بالدخول، أن المباح ما لا حرج على فعله. وهذا المعنى متحقق
~~في الواجب، والزيادة إلى اختص بها الواجب غير نافية للاشتراك فيما قيل.
# وحجة من قال بالتباين، أن المباح ما خير فيه بين الفعل والترك بالقيود
~~المذكورة، وهو غير متحقق في الواجب، وهو الحق. PageV01P125
# فإن قيل: العادة مطردة بإطلاق الجائز على الصلاة الواجبة والصوم الواجب
~~في قولهم صلاة جائزة، وصوم جائز، ولو لم يكن مفهوم الجائز متحققا في
~~الواجب، لزم منه إما الاشتراك وإما التجوز، هو خلاف الأصل.
# قلنا: ولو كان إطلاقه عليه حقيقة، فلا مشترك ms101 بينهما سوى نفي الحرج عن
~~الفعل بدليل البحث والسير. فلو كان ذلك هو المسمى حقيقة، فالعادة أيضا
~~مطردة بإطلاق الجائز على ما انتفى الحرج عن تركه، ولهذا يقال: المحرم جائز
~~الترك. وما هو مسمى الجائز أولا غير متحقق هاهنا. ويلزم من ذلك أن يكون
~~إطلاق اسم الجائز على ترك المحرم مجازا أو مشتركا، وهو خلاف الأصل. وليس
~~أحد الامرين أولى من الآخر، بل احتمال التجوز فيما ذكرناه أولى، لما فيه من
~~موافقة الاطلاق في قولهم: هذا واجب وليس بجائز. وعلى كل تقدير فالمسألة
~~لفظية، وهي في محل الاجتهاد.
# المسألة الرابعة اختلفوا في المباح هل هو داخل تحت التكليف. واتفاق جمهور
~~من العلماء على النفي خلافا للأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني.
# والحق أن الخلاف في هذه المسألة لفظي. فإن النافي يقول إن التكليف إنما
~~يكون بطلب ما فيه كلفة ومشقه. ومنه قولهم: كلفتك عظيما، أي حملتك ما فيه
~~كلفة ومشقة. ولا طلب في المباح ولا كلفة، لكونه مخيرا بين الفعل والترك.
# ومن أثبت ذلك لم يثبته بالنسبة إلى أصل الفعل، بل بالنسبة إلى وجوب
~~اعتقاد كونه مباحا. والوجوب من خطاب التكليف فما التقيا على محز واحد.
# المسألة الخامسة اختلفوا في المباح هل هو حسن أم لا؟
# والحق امتناع النفي والاثبات في ذلك مطلقا، بل الواجب أن يقال إنه حسن
~~باعتبار أن لفاعله أن يفعله شرعا أو باعتبار موافقته للغرض. وليس حسنا
~~باعتبار أنه مأمور بالثناء على فاعله على ما تقرر في مسألة التحسين
~~والتقبيح PageV01P126
# الفصل السادس في الاحكام الثابتة بخطاب الوضع والاخبار وهي على أصناف:
# الصنف الأول: الحكم على الوصف بكونه سببا، والسبب في اللغة عبارة عما
~~يمكن التوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الحبل سببا، والطريق سببا، لامكان
~~التوصل بهما إلى المقصود.
# وإطلاقه في اصطلاح المتشرعين على بعض مسمياته في اللغة. وهو كل وصف ظاهر
~~منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي. ولا يخفى ما فيه من
~~الاحتراز، وهو منقسم إلى ما لا يستلزم في تعريفة للحكم حكمة ms102 باعثة عليه
~~كجعل زوال الشمس أمارة معرفة لوجوب الصلاة، في قوله تعالى: * (أقم الصلاة
~~لدلوك الشمس) * (17) الاسراء: 78) وفي قوله عليه السلام: إذا زالت الشمس
~~فصلوا وكجعل طلوع هلال رمضان أمارة على وجوب صوم رمضان، بقوله تعالى: *
~~(فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (2) البقرة: 185) وقوله عليه السلام: صوموا
~~لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ونحوه، وإلى ما يستلزم حكمة باعثة للشرع على شرع
~~الحكم المسبب كالشدة المطربة المعرفة لتحريم شرب النبيذ، لا لتحريم شرب
~~الخمر في الأصل المقيس عليه. فإن تحريم شرب الخمر معروف بالنص أو الاجماع،
~~لا بالشدة المطربة. ولأنها لو كانت معرفة له، فهي لا يعرف كونها علة
~~بالاستنباط. إلا بعد معرفة الحكم في الأصل.
# وذلك دور ممتنع.
# وعلى هذا فالحكم الشرعي ليس هو نفس الوصف المحكوم عليه بالسببية، بل حكم
~~الشرع عليه بالسببية.
# وعلى هذا فكل واقعة عرف الحكم فيها بالسبب لا بدليل آخر من الأدلة
~~السمعية، فلله تعالى فيها حكمان أحدهما الحكم المعرف بالسبب، والآخر
~~السببية المحكوم بها على الوصف المعرف للحكم، وفائدة نصبه سببا معرفا للحكم
~~PageV01P127
# عسر وقوف المكلفين على خطاب الشرع في كل واقعة من الوقائع، بعد انقطاع
~~الوحي، حذرا من تعطيل أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية. وسواء كان السبب
~~مما يتكرر بتكرره الحكم، كما ذكرناه من زوال الشمس وطلوع الهلال، وغيره من
~~أسباب الضمانات والعقوبات والمعاملات، أو غير متكرر به، كالاستطاعة في الحج
~~ونحوه، وسواء كان وصفا وجوديا، أو عدميا شرعيا، أو غير شرعي على ما يأتي
~~تحقيقه في القياس.
# وإذا أطلق على السبب أنه موجب للحكم، فليس معناه أنه يوجبه لذاته، وصفة
~~نفسه، وإلا كان موجبا له قبل ورود الشرع، وإنما معناه أنه معرف للحكم لا
~~غير، كما ذكرناه في تحديده.
# فإن قيل لو كانت السببية حكما شرعيا، لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر
~~يعرفها. ويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر،
~~وإما التسلسل، وهو محال.
# وأيضا فإن الوصف المعرف للحكم، إما يعرفه بنفسه، أو بصفة زائدة.
# وإما التسلسل وهو محال. ms103
# فإن كان الأول، لزم أن يكون معرفا له قبل ورود الشرع وهو محال. وإن كان
~~بصفة زائدة عليه، فالكلام في تلك الصفة كالكلام في الأول، وهو تسلسل ممتنع.
# وأيضا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببا للحكم، إنما هو ما يستلزمه من
~~الحكمة المستدعية للحكم من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة. وذلك ممتنع لوجهين:
# الأول: أنه لو كانت الحكمة معرفة لحكم السببية، لأمكن تعريف الحكم المسبب
~~بها من غير حاجة إلى توسط الوصف. وليس كذلك بالاجماع.
# الثاني: أن الحكمة، إما أن تكون قديمة أو حادثة.
# فإن كان الأول لزم من قدمها قدم موجبها، وهو معرفة السببية. وإن كان
~~الثاني، فلا بد لها من معرف آخر لخفائها. والتقسيم في ذلك المعرف عائد
~~بعينه. PageV01P128
# قلنا: معرفة السببية مستندة إلى الخطاب، أو إلى الحكمة الملازمة للوصف مع
~~اقتران الحكم بها في صورة، فلا تستدعي سببا آخر يعرفها حتى يلزم الدور، أو
~~التسلسل، وبما ذكرناه هاهنا يكون دفع إشكال الثاني أيضا.
# وأما الوجه الأول: من الاشكال الثالث، فالوجه في دفعه أن الحكمة المعرفة
~~للسببية ليس طلق حكمة بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم، فلا تكون
~~بمجردها معرفة للحكم فإنها إذا كانت خفية غير مضبوطة بنفسها ولا بملزومها
~~من الوصف فلا يمكن تعريف الحكم بها، لعدم الوقوف على ما به التعريف
~~لاضطرابها واختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، وما هذا شأنه فدأب
~~الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة المنضبطة المستلزمة لاحتمال الحكمة
~~دفعا للعسر والحرج عنهم.
# وأما الوجه الثاني: منه، فالوجه في دفعه أن يقال الحكمة إذا كانت مضبوطة
~~بالوصف فهي معروفة بنفسها غير مفتقرة إلى معرف آخر، ولا يلزم من تقدمها على
~~ورود الشرع أن تكون معرفة للسببية، لتوقف ذلك على اعتبارها في الشرع، ولا
~~اعتبار لها قبل ورود الشرع. وإذا عرف معنى السبب شرعا، فلو تخلف الحكم عنه
~~في صورة من الصور، فهل تبطل سببيته أم لا. فسيأتي الكلام عليه في مسألة
~~تخصيص العلة فيما بعد. PageV01P129
# الصنف الثاني: الحكم على الوصف بكونه مانعا. ms104
# والمانع منقسم إلى مانع الحكم، ومانع السبب.
# أما مانع الحكم فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء
~~نقيض حكم السبب، مع بقاء حكمة السبب كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد
~~العدوان.
# وأما مانع السبب فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينا، كالدين في باب
~~الزكاة مع ملك النصاب.
# الصنف الثالث: الشرط.
# والشرط ما كان عدمه مخلا بحكمة السبب، فهو شرط السبب كالقدرة على التسليم
~~في باب البيع، وما كان عدمه مشتملا على حكمة مقتضاها نقيض حكم السبب مع
~~بقاء حكمة السبب، فهو شرط الحكم، كعدم الطهارة في الصلاة مع الاتيان بمسمى
~~الصلاة والحكم الشرعي في ذلك إنما هو قضاء الشارع على الوصف بكونه مانعا أو
~~شرطا، لا نفس الوصف المحكوم عليه. وقد يرد هاهنا من الاشكالات ما وردت على
~~السبب، والوجه في دفعها ما سبق.
# الصنف الرابع: الحكم بالصحة.
# وهي في اللغة مقابل للسقم، وهو المرض، وأما في الشرع فقد تطلق الصحة على
~~العبادات تارة، وعلى عقود المعاملات تارة.
# أما في العبادات، فعند المتكلم، الصحة عبارة عن موافقة أمر الشارع، وجب
~~القضاء أو لم يجب. وعند الفقهاء، الصحة عبارة عن سقوط القضاء بالفعل، فمن
~~صلى وهو يظن أنه متطهر، وتبين أنه لم يكن متطهرا، فصلاته صحيحة عند المتكلم
~~لموافقة أمر الشارع بالصلاة على حسب حاله، وغير صحيحة عند الفقهاء لكونها
~~غير مسقطة للقضاء. PageV01P130
# وأما في عقود المعاملات، فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه.
~~ولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج. ومن فسر صحة العقد بإذن
~~الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه، فهو فاسد. فإن البيع بشرط الخيار صحيح
~~بالاجماع، وإن لم يتحقق إذن الشارع بالانتفاع بتقدير الفسخ قبل انقضاء
~~المدة، مع أنه لا يطرد هذا التفسير في صحة الصلاة وغيرها من العبادات. وإن
~~صح، فالنزاع في أمر لفظي، ولا بأس بتفسير كون العبادة مجزية بكونها مسقطة
~~لوجوب القضاء. وحيث لم تكن متصفة بكونها مجزية عند أدائها مع اختلال شرطها،
~~وسقوط القضاء بالموت، إنما ms105 كان لأنه لم يسقط القضاء بفعلها بل بالموت.
# الصنف الخامس: الحكم بالبطلان.
# وهو نقيض الصحة بكل اعتبار من الاعتبارات السابقة.
# وأما الفاسد، فمرادف للباطل عندنا، وهو عند أبي حنيفة قسم ثالث مغاير
~~للصحيح والباطل، وهو ما كان مشروعا بأصله، ممنوعا بوصفه، كبيع مال الربا
~~بجنسه متفاضلا ونحوه. وسيأتي تحقيق ذلك في المناهي.
# الصنف السادس: العزيمة والرخصة.
# أما العزيمة: ففي اللغة الرقية، وهي مأخوذة من عقد القلب المؤكد على أمر
~~ما، ومنه قوله تعالى: * (فنسي ولم نجد له عزما) * (20) طه: 115) أي قصدا
~~مؤكدا.
# ومنه سمي بعض الرسل ألو العزم لتأكد قصدهم في إظهار الحق.
# وأما في الشرع فعبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى، كالعبادات الخمس
~~ونحوها.
# وأما الرخصة في اللغة، بتسكين الخاء، فعبارة عن التيسير والتسهيل. ومنه
~~يقال رخص السعر. إذا تيسر وسهل. وبفتح الخاء، عبارة عن الاخذ بالرخص.
~~PageV01P131
# وأما في الشرع، فقد قيل الرخصة ما أبيح فعله مع كونه حراما، وهو تناقض
~~ظاهر.
# وقيل ما رخص فيه، مع كونه حراما، وهو، مع ما فيه من تعريف الرخصة
~~بالترخيص المشتق من الرخصة، غير خارج عن الإباحة. فكان في معنى الأول.
# وقال أصحابنا: الرخصة ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرم، وهو غير
~~جامع. فإن الرخصة، كما قد تكون بالفعل، قد تكون بترك الفعل، كإسقاط وجوب
~~صوم رمضان، والركعتين من الرباعية في السفر. فكان من الواجب أن يقال:
~~الرخصة ما شرع من الاحكام لعذر إلى آخر الحد المذكور، حتى يعم النفي
~~والاثبات.
# ثم العذر المرخص لا يخلو إما أن يكون راجحا على المحرم، أو مساويا، أو
~~مرجوحا.
# فإن كان الأول، فموجبه لا يكون رخصة، بل عزيمة، وإلا كان كل حكم ثبت
~~بدليل راجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة، وهو خلاف الاجماع.
# وإن كان مساويا، فإن قلنا بتساقط الدليلين المتعارضين من كل وجه، والرجوع
~~إلى الأصل، فلا يكون ذلك رخصة، وإلا كان كل فعل يقينا فيه على النفي الأصلي
~~قبل ورود الشرع رخصة، وهو ممتنع. وإن لم نقل بالتساقط، فالقائل قائلان: ms106
# قائل يقول بالوقف عن الحكم بالجواز وعدمه إلى حين ظهور الترجيح، وذلك
~~عزيمة لا رخصة، وقائل يقول بالتخيير بين الحكم بالجواز، والحكم بالتحريم.
~~ويلزم من ذلك أن لا يكون أكل الميتة حالة الاضطرار رخصة. ضرورة عدم التخيير
~~بين جواز الاكل والتحريم. لان الاكل واجب جزما، وقد قيل بكونه رخصة. فلم
~~يبق إلا أن يكون الدليل المحرم راجحا على المستبيح. ويلزم من ذلك العلم
~~بالمرجوح ومخالفة الراجح، وهو في غاية الاشكال، وإن كان هذا القسم هو
~~الأشبه بالرخصة، لما فيها من التيسير والتسهيل بالعمل بالمرجوح، ومخالفة
~~الراجح. وعلى هذا فإباحة PageV01P132
# شرب الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر عند الاكراه، وإسقاط صوم رمضان، والقصر
~~في الرباعية في السفر، والتيمم مع وجود الماء للجراحة أو لبعد الماء أو
~~لبيعه بأكثر من ثمن المثل رخصة حقيقة، وأكل الميتة حالة الاضطرار وإن كان
~~عزيمة من حيث هو واجب استبقاء للمهجة، فرخصة من جهة ما في الميتة من الخبث
~~المحرم وما لم يوجبه الله علينا، وإن كان واجبا على من قبلنا، فليس رخصة
~~حقيقة، وإن سمي رخصة لعدم الدليل المحرم لتركه. وكذلك كل حكم ثبت جوازه على
~~خلاف العموم للمخصص لا يكون رخصة، لان المخصص بين لنا أن المتكلم لم يرد
~~باللفظ العام لغة صورة التخصيص، فلا يكون إثبات الحكم فيها على خلاف
~~الدليل، لان العموم إنما يكون دليلا على الحكم في آحاد الصور الداخلة تحت
~~العموم لغة مع إرداة المتكلم لها، ومع المخصص فلا إرداة.
# الأصل الثالث في المحكوم فيه وهو الافعال المكلف بها، وفيه خمس مسائل:
# المسألة الأولى اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا يطاق
~~نفيا وإثباتا، وذلك كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإيجاد القديم
~~وإعدامه ونحوه.
# وميله في أكثر أقواله إلى الجواز، وهو لازم على أصله في اعتقاد وجوب
~~مقارنة PageV01P133
# القدرة الحادثة للمقدور بها، متقدم التكليف بالفعل على الفعل، وأن القدرة
~~الحادثة غير مؤثرة في مقدورها، مقدورها مخلوق لله تعالى، ولا يخفى أن
~~التكليف بفعل الغير، حالة عدم القدرة عليه، تكليف ms107 بما لا يطاق.
# وهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد، حيث قالوا بجواز تكليف
~~العبد بفعل في وقت علم الله تعالى أنه يكون ممنوعا عنه، والبكرية حيث زعموا
~~أن الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الايمان مع التكليف به.
# غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا.
~~ووافقه على القول بالنفي بعض الأصحاب، وهو مذهب البصريين من المعتزلة وأكثر
~~البغداديين، وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا
~~وعلى وقوعه شرعا، كالتكليف بالايمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل،
~~خلافا لبعض الثنوية.
# والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته، كالجمع بين الضدين
~~ونحوه، وجوازه في المستحيل باعتبار غيره، وإليه ميل الغزالي، رحمه الله.
~~PageV01P134
# ولنفرض الكلام في الطرفين: أما الطرف الأول: وهو امتناع التكليف
~~بالمستحيل لذاته، فيدل عليه أن التكليف طلب ما فيه كلفة. والطلب يستدعي
~~مطلوبا متصورا في نفس الطالب. فإن طلب ما لا تصور له في النفس محال،
~~والمستحيل لذاته، كالجمع بين الضدين، والنفي والاثبات معا في شئ واحد
~~ونحوه، لا تصور له في النفس. ولو تصور في النفس، لما كان وقوعه في الخارج
~~ممتنعا لذاته. وكما يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين في طرف الوجود، فكذلك
~~يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين طرف السلب، إذا لم يكن بينهما واسطة،
~~كالتكليف بسلب الحركة والسكون معا في شئ واحد، لاستحالة ذلك لذاتيهما. وعلى
~~هذا فمن توسط مزرعة مغصوبة فلا يقال له: لا تمكث ولا تخرج، كما ذهب إليه
~~أبو هاشم، وإن كان في كل واحد من المكث والخروج إفساد زرع الغير، بل يتعين
~~التكليف بالخروج، لما فيه من تقليل الضرر، وتكثيره في المكث، كما يكلف
~~المولج في الفرج الحرام بالنزع وإن كان به ماسا للفرج المحرم، لان ارتكاب
~~أدنى الضررين يصير واجبا نظرا إلى رفع أعلاهما، كإيجاب شرب الخمر من غص
~~بلقمة ونحوه. ووجوب الضمان عليه بما يفسده عند الخروج لا يدل على حرمة
~~الخروج، كما يجب الضمان على المضطر ms108 في المخمصة بما يتلفه بالاكل، وإن كان
~~الاكل واجبا وإن قدر انتفاء الترجيح بين الطرفين، وذلك، كما إذا سقط إنسان
~~من شاهق على صدر صبي محفوف بصبيان، وهو يعلم أنه إن استمر قتل من تحته، وإن
~~انتقل قتل من يليه، فيمكن أن يقال بالتخيير بينهما، أو يخلو مثل هذه
~~الواقعة عن حكم الشارع، وهو أولى من تكليفه طلب ما لا تصور له في نفس
~~الطالب على ما حققناه.
# وهذا بخلاف ما إذا كان محالا باعتبار غيره، فإنه يكون ممكنا باعتبار
~~ذاته.
# فكان متصورا في نفس الطالب، وهو واضح لا غبار عليه. PageV01P135
# فإن قيل: ما ذكرتموه من إحالة طلب الجمع بين الضدين بناء على عدم تصوره
~~في نفس الطالب غير صحيح، وذلك لأنه لو لم يكن متصورا في نفس الطالب، لما
~~علم إحالته، فإن العلم بصفة الشئ فرع تصور ذلك الشئ، واللازم ممتنع، وإن
~~سلم دلالة ما ذكرتموه، إلا أنه معارض بما يدل على جواز التكليف بالجمع بين
~~الضدين ووقوعه شرعا. وبيانه قوله تعالى لنوح: * (إنه لن يؤمن من قومك إلا
~~من قد آمن) * (1) هود: 36) أخبر أنه لا يؤمن غير من لم يؤمن، مع أنهم كانوا
~~مكلفين بتصديقه فيما يخبر به، ومن ضرورة ذلك تكليفهم بأن لا يصدقوه تصديقا
~~له في خبره أنهم لا يؤمنون.
# وأيضا فإن الله تعالى كلف أبا لهب بتصديق النبي عليه السلام في أخباره.
~~ومن أخبار النبي عليه السلام، أن أبا لهب لا يصدقه لاخبار الله تعالى لنبيه
~~بذلك، فقد كلفه بتصديقه في إخباره بعدم تصديقه له وفي ذلك تكليفه بتصديقه
~~وعدم تصديقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين.
# قلنا: أما الاشكال الأول، فمندفع. وذلك لان الجمع المعلوم المتصور
~~المحكوم بنفيه عن الضدين إنما هو الجمع المعلوم بين المختلفات، التي ليست
~~متضادة، ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما، وهو دقيق
~~فليتأمل وما ذكروه من المعارضة. فلا نسلم وجود الاخبار بعدم الايمان في
~~الآيتين مطلقا.
# أما في قصة أبي لهب، فغاية ما ورد فيه قوله ms109 تعالى: * (سيصلى نارا ذات
~~لهب) * (111) المسد: 3) وليس في ذلك ما يدل على الاخبار بعدم تصديقه للنبي
~~مطلقا، فإنه لا يمتنع تعذيب المؤمن، وبتقدير امتناع ذلك، أمكن حمل قوله
~~تعالى: * (سيصلى نارا ذات لهب) * (111) المسد: 3) على تقدير عدم إيمانه.
# وكذلك التأويل في قوله تعالى: * (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) *
~~(11) هود: 36) أي بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك. وذلك لا يدل
~~على الاخبار بعدم الايمان مطلقا، وإن سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم أنهم كلفوا
~~بتصديق النبي عليه السلام فيما أخبر من عدم تصديقهم بتكذيبه. وهذا مما اتفق
~~عليه نفاة التكليف بالجمع بين الضدين. PageV01P136
# وأما الطرف الثاني: وهو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره، فقد احتج
~~الأصحاب عليه بالنص والمعقول:
# أما النص، فقوله تعالى: * (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) * (2)
~~البقرة: 286) سألوا دفع التكليف بما لا يطاق. ولو كان ذلك ممتنعا، لكان
~~مندفعا بنفسه، ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة.
# فإن قيل إنما يمكن حمل الآية على سؤال دفع ما لا يطاق أن لو كان ذلك
~~ممكنا، وإلا لتعذر السؤال بدفع ما لا إمكان لوقوعه، كما ذكرتموه، وإمكانه
~~متوقف على كون الآية ظاهرة فيه فيكون دورا، سلمنا كونها ظاهرة فيما
~~ذكرتموه، ولكن أمكن تأويلها بالحمل على سؤال دفع ما فيه مشقة على النفس،
~~وإن كان مما يطاق ويجب الحمل عليه لموافقته لما سنذكره من الدليل بعد هذا،
~~سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق، لكنه حكاية حال الداعين، ولا حجة فيه، سلمنا
~~صحة الاحتجاج بقول الداعين، لكن لا يخلو إما أن يقال بأن جميع التكاليف غير
~~مطاقة، أو البعض دون البعض. الأول، يوجب إبطال فائدة تخصيصهم بذكر ما لا
~~يطاق، بل كان الواجب أيقال لا يكلفنا. وإن كان الثاني، فهو خلاف أصلكم،
~~سلمنا دلالة ما ذكرتموه، لكنه معارض بقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا
~~وسعها) * (2) البقرة: 286) وهو صريح في الباب. وقوله تعالى: * (وما جعل
~~عليكم في الدين من حرج) * (22) الحج: 87) ولا حرج أشد من التكليف ms110 بما لا
~~يطاق.
# والجواب - عن السؤال الأول: أن الآية بوضعها ظاهرة فيما لا يطاق، فيجب
~~تقدير إمكان التكليف به ضرورة حمل الآية على ما هي ظاهرة فيه، حذرا من
~~التأويل من غير دليل.
# وعن الثاني: أنه ترك الظاهر من غير دليل. PageV01P137
# وعن الثالث: أن الآية إنما وردت في معرض التقرير لهم، والحث على مثل هذه
~~الدعوات. فكان الاحتجاج بذلك لا بقولهم.
# وعن الرابع: أنه وإن كان كل تكليف عندنا تكليفا بما لا يطاق، غير أنه يجب
~~تنزيل السؤال على ما لا يطاق، وهو ما يتعذر الاتيان به مطلقا في عرفهم، دون
~~ما لا يتعذر لما فيه من إجراء اللفظ على حقيقته، وموافقة أهل العرف في
~~عرفهم غايته إخراج ما لا يطاق مما هو مستحيل في نفسه لذاته من عموم الآية
~~لما ذكرنا من استحالة التكليف به، وامتناع سؤال الدفع للتكليف بما لا تكليف
~~به، ولا يخفى أنه تخصيص، والتخصيص أولى من التأويل.
# وعن المعارضة بالآيتين أن غايتهما الدلالة على نفي وقوع التكليف بما لا
~~يطاق.
# ولا يلزم من ذلك نفي الجواز المدلول عليه من جانبنا، كيف وإن الترجيح لما
~~ذكرناه من الآية لاعتضادها بالدليل العقلي على ما يأتي، ومع ذلك فلا خروج
~~لها عن الظن والتخمين.
# وربما احتج بعض الأصحاب بقوله تعالى: * (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى
~~السجود فلا يستطيعون) * (68) القلم: 42) وهو تكليف بالسجود مع عدم
~~الاستطاعة، وإنما يصح الاحتجاج به أن لو أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة
~~بمعنى التكليف، وليس كذلك للاجماع على أن الدار الآخرة إنما هي دار مجازاة،
~~لا دار تكليف.
# وأما من جهة المعقول، فقد احتج فيه بعضهم بحجج واهية:
# الأولى منها: هو أن الفعل المكلف به إن كان مع استواء داعي العبد إلى
~~الفعل والترك، كان الفعل ممتنعا لامتناع حصول الرجحان معه، وإن كان مع
~~الترجيح لاحد الطرفين، كان الراجح واجبا، والمرجوح ممتنعا، الثانية: أن
~~الفعل الصادر من العبد إما أن والتكليف بهما يكون محالا يكون العبد متمكنا
~~من فعله وتركه، أو لا ms111 يكون. فإن لم يكن متمكنا منه، فالتكليف له بالفعل
~~يكون تكليفا بما لا يطاق، وإن كان متمكنا منه، فإما أن لا يتوقف ترجح فعله
~~على تركه على مرجح، PageV01P138
# أو يتوقف، الأول محال، وإلا كان كل موجود حادثا هكذا، ويلزم منه سد باب
~~إثبات واجب الوجود، وإن توقف، فذلك المرجح إن كان من فعل العبد عاد
~~التقسيم، وهو تسلسل ممتنع. وإن كان من فعل غيره، فإما أن يجب وقوع الفعل،
~~أو لا يجب. وإذا لم يجب، كان ممتنعا أو جائزا. والأول محال، وإلا كان
~~المرجح مانعا، وإن كان الثاني، عاد التقسيم بعينه، وهو ممتنع فلم يبق سوى
~~الوجوب. والعبد إذ ذاك يكون مجبورا لا مخيرا، وهو عين التكليف بما لا يطاق.
# الثالثة: أن قدرة العبد غير مؤثرة في فعله، وإلا كانت مؤثرة فيه حال
~~وجوده، وفيه إيجاد الموجود أو قبل وجوده، ويلزم من ذلك أن يكون تأثير
~~القدرة في المقدور مغايرا له لتحقق التأثير في الزمن الأول دونه. والكلام
~~في ذلك التأثير وتأثير مؤثره فيه، كالأول، وهو تسلسل ممتنع، والقدرة غير
~~مؤثرة في الفعل، وهو المطلوب.
# الرابعة: أن العبد مكلف بالفعل قبل وجود الفعل، والقدرة غير موجودة قبل
~~الفعل، لأنها لو وجدت، لكان لها متعلق، ومتعلقها لا يكون عدما، لأنه نفي
~~محض، فلا يكون أثرا لها، فكان وجودا، ولزم من ذلك أن تكون موجودة مع الفعل
~~لا قبله.
# الخامسة: أن العبد مأمور بالنظر لقوله تعالى: * (قل انظروا) * (10) يونس:
~~101) والنظر متوقف على القضايا الضرورية، قطعا للتسلسل، وهي متوقفة على
~~تصور مفرداتها، وهي غير مقدورة التحصيل، لأنه إن كان عالما بها، فتحصيل
~~الحاصل محال، وإن لم يكن عالما بها، فطلبها محال. فالنظر يكون ممتنع
~~التحصيل.
# وهذه الحجج ضعيفة جدا:
# أما الحجة الأولى: فلقائل أن يقول: ما المانع أن يكون وجود الفعل مع
~~رجحان الداعي إلى الفعل، قوله لأنه صار الفعل واجبا. قلنا صار واجبا
~~بالداعي إليه والاختيار له، أو لذاته. الأول مسلم، والثاني ممنوع. وعلى هذا
~~خرج العبد عن كونه مكلفا بما لا ms112 يطاق ثم يلزم عليه أن تكون أفعال الرب
~~تعالى غير مقدورة بعين ما ذكروه وهو ممتنع. فما هو الجواب عن أفعال الله
~~يكون مشتركا. PageV01P139
# وأما الثانية: فهي بعينها أيضا لازمة على أفعال الله إذ أمكن أن يقال فعل
~~الله.
# إما أن لا يكون متمكنا منه، أو يكون. وهو إما أن يفتقر إلى مرجح، أو لا،
~~وإن افتقر إلى مرجح، فإن كان من فعله عاد التقسيم، وإن لم يكن من فعله،
~~فإما أن يجب وقوع الفعل معه، أو لا يجب، وهلم جرا إلى آخره، والجواب يكون
~~مشتركا.
# وكذلك الثالثة: أيضا لازمة على أفعال الله، مع أنها مقدورة له إجماعا.
# وأما الرابعة: فيلزم منها أن تكون قدرة الرب تعالى حادثة موجودة مع فعله،
~~لا قبله، وهو مع إحالته، فقائل هذه الطريقة غير قائل به، وبيان ذلك أنه
~~أمكن أن يقال: لو وجدت قدرة الرب قبل وجود فعله، لكان لها متعلق، وليس
~~متعلقها العدم. فلم يبق غير الوجود، ويلزم أن لا يكون قبل الفعل بعين ما
~~ذكروه.
# وأما الخامسة: فأشد ضعفا مما قبلها، إذ هي مبنية على امتناع اكتساب
~~التصورات، وقد أبطلناه في كتاب دقائق الحقائق إبطالا لا ريبة فيه بما لا
~~يحتمله هذا الكتاب، فعلى الناظر بمراجعته. وبتقدير أن لا تكون التصورات
~~مكتسبة، فالعلم بها يكون بالضرورة، والتكليف بالنظر المستند إلى ما ينقطع
~~التسلسل عنده من المعلومات الضرورية، لا يكون تكليفا بما لا يطاق، وهو
~~معلوم بالضرورة.
# والمعتمد في ذلك مسلكان:
# المسلك الأول: أن العبد غير خالق لفعله، فكان مكلفا بفعل غيره، وهو تكليف
~~بما لا يطاق. وبيان أنه غير خالق لفعله أنه لو كان خالقا لفعله، فليس خالقا
~~له بالذات والطبع إجماعا، بل بالاختيار. والخالق بالاختيار، لا بد وأن يكون
~~مخصصا لمخلوقه بالإرادة. ويلزم من كونه مريدا له أن يكون عالما به ضرورة.
~~والعبد غير عالم PageV01P140
# بجميع أجزاء حركاته، في جميع حالاته، ولا سيما في حالة إسراعه، فلا يكون
~~خالقا لها.
# المسلك الثاني: إن إجماع السلف منعقد قبل وجود المخالفين من ms113 الثنوية على
~~أن الله تعالى مكلف بالايمان لمن علم أنه لا يؤمن، كمن مات على كفره، وهو
~~تكليف بما يستحيل وقوعه، لأنه لو وقع لزم أن يكون علم الباري تعالى جهلا
~~وهو محال فإن قيل: أما المسلك الأول، وإن سلمنا أن العبد لا بد وأن يكون
~~عالما بما يخلقه من أفعاله، لكن من جهة الجملة أو من جهة التفصيل. الأول لا
~~سبيل إلى نفيه، والثاني ممنوع. وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن العبد
~~غير خالق لفعله، لكنه معارض بما يدل على خلقه له. ودليله المعقول والمنقول:
# أما المعقول، فهو أن قدرة العبد ثابتة بالاجماع منا ومنكم على فعله، فلو
~~لم تكن هي المؤثرة فيه، لا انتفي الفرق بين المقدور وغيره، وكان المؤثر فيه
~~غير العبد، ويلزم منه وجود مقدور بين قادرين، ولما وقع الاختلاف بين القوي
~~والضعيف، ولجاز أن يكون متعلقه بالجواهر والألوان، كما في العلم، ولكان
~~العبد مضطرا بما خلف فيه من الفعل لا مختارا، PageV01P141
# ولجاز أن يصدر عن العبد أفعال محكمة بديعة، وهو لا يشعر بها، ولما انقسم
~~فعله إلى طاعة ومعصية، لأنه ليس من فعله، ولكان الرب تعالى أضر على العبد
~~من إبليس، حيث إنه خلق فيه الكفر وعاقبه عليه، وإبليس داع لا غير.
# ولما حسن شكر العبد ولا ذمه على أفعاله، ولا أمره ولا نهيه، ولا عقابه
~~ولا ثوابه، ولكان الرب تعالى آمرا للعبد بفعل نفسه، وهو قبيح معدود عند
~~العقلاء من الجهل والحمق، ولكان الكفر والايمان من قضاء الله تعالى وقدره،
~~وهو إما أن يكون حقا أو باطلا. فإن كان حقا، فالكفر حق، وإن كان باطلا،
~~فالايمان باطل، ولكان الرب تعالى إما راضيا به أو غير راض، والأول يلزم منه
~~الرضى بالكفر، والثاني يلزم منه عدم الرضى بالايمان، والكل محال مخالف
~~للاجماع.
# وأما النقل، فقوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن، وعمل صالحا) *
~~(20) طه: 82) وقوله تعالى: * (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) * (45)
~~الجاثية: 21) وقول النبي عليه السلام: اعملوا وقاربوا وسددوا وقوله عليه
~~السلام: نية المؤمن ms114 خير من عمله إلى غير ذلك من النصوص الدالة على نسبة
~~العمل إلى العبد، والعقلاء متوافقون على إطلاق إضافة الفعل إلى العبد
~~بقولهم: فلان فعل كذا وكذا. والأصل في الاطلاق الحقيقة.
# وأما المسلك الثاني: فهو أن تعلق علم الباري تعالى بالفعل أو بعدمه، إما
~~أن يكون موجبا لوجود ما علم وجوده، وامتناع وجود ما علم عدمه، أو لا يكون
~~كذلك.
# فإن كان الأول، فليزمه محالات، وهو أن يكون العلم هو القدرة، أو أن
~~يستغنى به عن القدرة، ولا يكون الرب قادرا على إيجاد شئ أو عدمه، وأن لا
~~يكون للرب اختيار، ولا للعبد في وجود فعل من الافعال لكونه واجبا بالعلم،
~~أو ممتنعا، وإن لم يكن موجبا للوجود ولا للعدم، فقد بطل الاستدلال، وإن سلم
~~ذلك، لكنه معارض بما سبق من الأدلة العقلية والنقلية.
# والجواب عما ذكروه أولا على المسلك الأول بأن الفعل المخلوق للعبد بتقدير
~~خلقه له مخلوق بجميع أجزائه، وكل جزء منه مخلوق له بانفراده، فيجب أن
~~PageV01P142
# يكون عالما به لما سبق وهذا هو العلم بالتفصيل، وهو غير عالم لما حققناه
~~وعما ذكروه من لالزام الأول بمنع عدم الفرق بين المقدور وغيره.
# وعن الثاني: أنه إنما يمتنع وجود مقدور بين قادرين خالقين، أو مكتسبين،
~~أما بين خالق ومكتسب، فهو غير مسلم.
# وعن الثالث: بأن الاختلاف بين القوي والضعيف إنما هو واقع في كثرة ما
~~يخلقه الله تعالى من القدر على المقدورات في أحد الشخصين دون الآخر، لا في
~~التأثير.
# وعن الرابع: أنه إنما يلزم أن لو كان تعلق العلم بالجواهر والاعراض من
~~جهة كونه غير مؤثر فيها، وهو غير مسلم.
# وعن الخامس: أنه إنما يلزم أن يكون العبد مضطرا أن لو لم يكن فعله مكتسبا
~~له ومقدورا، ولا يلزم من عدم التأثير عدم الاكتساب.
# وعن السادس: أنه لا مانع من تلازم القدرة على الشئ والعلم به.
# وعن السابع: أنه لا معنى لانقسام فعل العبد إلى الطاعة والمعصية غير كونه
~~مأمورا بهذا، ومنهيا عن هذا، لكسبه، وهو كذلك.
# وعن ms115 الثامن: أنه لازم على أصلهم أيضا، فإن التمكن من الكفر بخلق القدرة
~~عليه أضر من الدعاء إليه. وقد فعل الله تعالى ذلك بالعبد، فما هو جواب لهم
~~هو جوابنا.
# وعما ذكروه من الأمر والنهي، والشكر والذم، والثواب والعقاب والامر للعبد
~~بما هو من فعل الله تعالى، بالمنع من تقبيح ذلك بتقدير أن يكون قادرا، غير
~~مؤثر.
# كيف وإنه مبني على التحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه.
# وعن الالزام بالقضاء والقدر، أن القضاء قد يطلق بمعنى الاعلام، والامر،
~~والاختراع، وانقضاء الاجل، وإلزام الحكم، وتوفية الحقوق، والإرادة لغة.
~~PageV01P143
# وعلى هذا فالايمان من قضائه بجميع هذه الاعتبارات، وهو حق وأما الكفر
~~فليس من قضائه بمعنى كونه مأمورا، بل بمعنى خلقه وإرادة وقوعه، وهو حق من
~~هذا الوجه أيضا.
# وعن الالزام بالرضى أنه راض بالايمان، وغير راض بالكفر وعن المنقول بأن
~~ما ذكروه غايته إضافة إلى العبد حقيقية. ونحن نقول به فإن الفاعل عندنا على
~~الحقيقة هو من وقع الفعل مقدورا له. وهو أعم من الموجد.
# والجواب عما ذكروه في المسلك الثاني بأن تعلق العلم بوجود الفعل بملازمة
~~الوجود المقدور، فإنه إنما يعلم وجوده مقدورا، لا غير مقدور، وكذلك في
~~العدم.
# وعلى هذا، فلا يلزم منه عدم القدرة في حق الله تعالى ولا سلب اختياره في
~~فعله. وكذلك العبيد فإنه إنما علم وقوع فعل العبد مقدورا للعبد، والمعارضات
~~فقد سبق الجواب عنها.
# المسألة الثانية مذهب الجمهور من أصحابنا ومن المعتزلة أنه لا يشترط في
~~التكليف بالفعل، أن يكون شرطه حاصلا حالة التكليف، بل لا مانع من ورود
~~التكليف بالمشروط، وتقديم شرطه عليه، وهو جائز عقلا، وواقع سمعا، خلافا
~~لأكثر أصحاب الرأي وأبي حامد الأسفرائيني من أصحابنا، وذلك كتكليف الكفار
~~بفروع الاسلام حالة كفرهم. PageV01P144
# ودليل الجواز العقلي أنه لو خاطب الشارع الكافر المتمكن من فهم الخطاب،
~~وقال له: أوجبت عليك العبادات الخمس المشروط صحتها بالايمان، وأوجبت عليك
~~الاتيان بالايمان، مقدما عليها لم يلزم منه لذاته محال عقلا، ولا معنى
~~للجواز العقلي سوى هذا.
# فإن قيل: التكليف ms116 بالفروع المشروطة بالايمان، إما أن تكون حالة وجود
~~الايمان، أو حالة عدم.
# فإن كان الأول فلا تكليف قبل الايمان، وهو المطلوب.
# وإن كان حالة عدمه فهو تكليف بما هو غير جائز عقلا.
# وأيضا فإن التكليف بالفروع غير ممكن الامتثال، لاستحالة أدائها حالة
~~الكفر، وامتناع أدائها بعد الايمان، لكونه مسقطا لها بالاجماع. وما لا يمكن
~~امتثاله فالتكليف به تكليف بما لا يطاق، ولم يقل به قائل في هذه المسألة.
# قلنا: أما الاشكال الأول، فإنما يلزم منه التكليف بما لا يطاق بتقدير
~~تكليفه بالفروع حالة الكفر، إن لو كان تكليفه بمعنى إلزامه الاتيان بها مع
~~الكفر، وليس كذلك، بل بمعنى أنه لو أصر على الكفر، حتى مات، ولم يأت بها مع
~~الايمان، فإنه يعاقب في الدار الآخرة، ولا إحالة فيه.
# وبهذا الحرف يندفع ما ذكروه من الاشكال الثاني أيضا. كيف وإن الامتثال
~~بعد الاسلام غير ممتنع. غير أن الشارع أسقطه ترغيبا في الدخول في الاسلام،
~~بقوله عليه السلام: الاسلام يجب ما قبله وهذا بخلاف المرتد، حيث إنه أوجب
~~عليه فعل ما فاته في حال ردته ليكون ذلك مانعا من الردة.
# وأما الوقوع شرعا، فيدل عليه النص والحكم.
# أما النص فمن وجوه: الأول قوله تعالى: * (لم يكن الذين كفروا من أهل
~~الكتاب والمشركين) * (98) البينة: 1) إلى قوله تعالى: * (وما أمروا إلا
~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) *
~~(98) البينة: 5) والضمير في قوله: (وما أمروا) عائد إلى المذكورين أولا،
~~وهو صريح في الباب. PageV01P145
# وأيضا قوله تعالى: * (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) * (75) القيامة:
~~31) ذم على ترك الجميع، ولو لم يكن مكلفا بالكل لما ذم عليه.
# وأيضا قوله تعالى: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون
~~النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف
~~له العذاب يوم القيامة) * (25) الفرقان: 68) حكم بمضاعفة العذاب على مجموع
~~المذكور والزنى من جملته. ولولا أنه محرم عليه ومنهي عنه، لما أثمه به،
~~وهذا حجة على من نفى التكليف بالامر ms117 والنهي، دون من جوز التكليف بالنهي دون
~~الامر.
# وأيضا قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) *
~~(3) آل عمران: 97) والكافر داخل فيه لكونه من الناس.
# وأيضا قوله تعالى: * (فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) * (41) فصلت:
~~6 - 7) لكن قال المفسرون:
# المراد بالزكاة في هذه الآية، إنما هو قول: * (لا إله إلا الله) * وأيضا
~~قوله تعالى: * (ما سلككم في سقر. قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم
~~المسكين) * (74) المدثر: 42 - 44) ولو لم يكونوا قد كلفوا بالصلاة، لما
~~عوقبوا عليها.
# فإن قيل: هذه حكاية قول الكفار، ولا حجة فيها، وإن كانت حجة، لكن أمكن أن
~~يكون المراد من قولهم: لم نك من المصلين أي من المؤمنين.
# ومنه قوله عليه السلام: نهيت عن قتل المصلين وأراد به المؤمنين، وإن كان
~~المراد الصلاة الشرعية حقيقة. غير أن العذاب إنما كان لتكذيبهم بيوم الدين،
~~غير أنه غلظ بإضافة ترك الطاعات إليه، وأنه كان ذلك مضافا إلى الصلاة، لكن
~~لا إلى تركها، بل إلى إخراجهم أنفسهم عن العلم بقبح تركها بترك الايمان،
~~وإن كان ذلك على ترك الصلاة، لكن أمكن أن يكون ذلك إخبارا عن جماعة من
~~المرتدين تركوا الصلاة حالة ردتهم، وذلك محل الوفاق. PageV01P146
# والجواب عن قولهم إنه حكاية قول الكفار، أن علماء الأمة من السلف وغيرهم
~~أجمعوا على أن المراد بذلك إنما هو تصديقهم فيما قالوه، والتحذير لغيرهم من
~~ذلك.
# ويدل على ذلك تعذيبهم بالتكذيب بيوم الدين، وقد عطف على ما قبله. والأصل
~~اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم.
# وعن حمل لفظ المصلين على المؤمنين أنه ترك للظاهر من غير دليل، وإن أمكن
~~تأويل لفظ الصلاة فبماذا نتأول قوله: * (ولم نك نطعم المسكين) * (74)
~~المدثر: 44) فإن المراد به إنما هو الاطعام الواجب، لاستحالة التعذيب على
~~ترك إطعام ليس بواجب.
# وعن قولهم بتغليظ عذاب التكذيب بإضافة ترك الطاعات إليه إنها لو كانت
~~مباحة، لما غلظ العذاب بها.
# وعن قولهم بالتعذيب بإخراج أنفسهم عن العلم بقبح ترك الصلاة أنه ترك
~~للظاهر من غير ms118 دليل، وأنه يوجب التسوية بين كافر ارتكب جميع المحرمات، وبين
~~من لم يباشر شيئا منها، لاستوائهما فيما قيل، وهو خلاف الاجماع.
# وعن الحمل على صلاة المرتدين أن الآية بلفظها عامة في كل المجرمين
~~المذكورين في قوله:
# يتساءلون عن المجرمين وهو عام في المرتدين وغيرهم، فلا يجوز تخصيصها من
~~غير دليل.
# هذا من جهة النصوص.
# وأما من جهة الالزام، فهو أنه لو امتنع التكليف بالفعل مع عدم شرط الفعل،
~~لامتنع التكليف بالصلاة مع عدم الطهارة، ولكان من ترك الطهارة والصلاة أبدا
~~لا يعاقب ولا يذم إلا على ترك الطهارة، بل ما لا تتم الطهارة إلا به. وذلك
~~خلاف إجماع الأمة.
# المسألة الثالثة اتفق أكثر المتكلمين على أن التكليف لا يتعلق إلا بما هو
~~من كسب العبد من الفعل وكف النفس عن الفعل، فإنه فعل خلافا لأبي هاشم في
~~قوله: إن التكليف قد يكون بأن لا يفعل العبد مع قطع النظر عن التلبس بضد
~~الفعل، وذلك ليس بفعل. PageV01P147
# احتج المتكلمون بأن ممتثل التكليف مطيع، والطاعة حسنة، والحسنة مستلزمة
~~للثواب، على ما قال تعالى: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * (6)
~~الانعام: 160) وقال تعالى: * (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا، ويجزي الذين
~~أحسنوا بالحسنى) * (53) النجم: 31) ولا فعل، عدم محض، وليس بشئ، وما ليس
~~بشئ لا يكون من كسب العبد، ولا متعلق القدرة، وما لا يكون من كسب العبد، لا
~~يكون مثابا عليه، لقوله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) *.
# فإن قيل عدم الفعل، وإن لم يكن أمرا وجوديا ولا ذاتا ثابتة، فإنما يمتنع
~~التكليف به، ويمتنع أن يكون الامتثال به طاعة وحسنة مثابا عليها أن لو لم
~~يكن مقدورا للعبد ومكتسبا له، وهو غير مسلم، كما قاله القاضي أبو بكر في
~~أحد قوليه. قال المتكلمون، عدم الفعل من حيث هو كذلك متحقق قبل قدرة العبد،
~~وهو غير مقدور للعبد، قبل خلق قدرته، وهو مستمر إلى ما بعد خلق القدرة، فلا
~~يكون مقدورا للعبد، ولا مكتسبا له، ويلزم من ذلك امتناع التكليف به على ما ms119
~~تقرر. إلا أن للخصم أن يقول: لا يلزم من كون عدم الفعل السابق على خلق
~~القدرة غير مقدور أن يكون المقارن منه للقدرة غير مقدور.
# المسألة الرابعة اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ
~~من أصحابنا، وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل، واختلفوا في جواز تعلقه به في
~~أول زمان حدوثه: فأثبته أصحابنا. ونفاه المعتزلة.
# احتج أصحابنا بأن الفعل في أول زمان حدوثه مقدور بالاتفاق وسواء قيل
~~بتقدم القدرة عليه، كما هو مذهب المعتزلة أم بوجودها مع وجوده، كما هو مذهب
~~أصحابنا. وإذا كان مقدورا أمكن تعلق التكليف به. PageV01P148
# فإن قبل: القول بجواز تعلق التكليف به في أول زمان حدوثه يلزم منه الامر
~~بإيجاد الموجود، وهو محال.
# قلنا: يلزم منه الامر بإيجاد ما كان موجودا، أو بما لم يكن موجودا.
# الأول: ممنوع. والثاني، فدعوى إحالته نفس محل النزاع، ثم يلزمهم من ذلك
~~أن لا يكون الفعل في أول زمان حدوثه أثرا للقدرة القديمة، ولا للحادثة على
~~اختلاف المذهبين، ولا موجدة له لما فيه من إيجاد الموجود، وهو محال. فما هو
~~جوابهم في إيجاد القدرة له فهو جوابنا في تعلق الامر به.
# المسألة الخامسة اختلف أصحابنا والمعتزلة في جواز دخول النيابة فيما كلف
~~به من الافعال البدنية:
# فأثبته أصحابنا ونفاه المعتزلة.
# حجة أصحابنا على ذلك أنه لو قال القائل لغيره: أوجبت عليك خياطة هذا
~~الثوب، فإن خطته أو استنبت في خياطته أثبتك، وإن تركت الامرين عاقبتك كان
~~معقولا غير مردود. وما كان كذلك فوروده من الشارع لا يكون ممتنعا.
# ويدل على وقوعه ما روي عن النبي عليه السلام، أنه رأى شخصا يحرم بالحج عن
~~شبرمة، فقال له النبي عليه السلام: أحججت عن نفسك - فقال: لا - فقال له: حج
~~عن نفسك ثم حج عن شبرمة. وهو صريح فيما نحن فيه.
# فإن قيل: وجوب العبادات البدنية إنما كان ابتلاء وامتحانا من الله تعالى
~~للعبد فإنه مطلوب للشارع، لما فيه من كسر النفس الامارة بالسوء، وقهرها،
~~لكونها عدوة لله تعالى، على ما ms120 قال: عليه السلام، حكاية عن ربه: عاد نفسك،
~~فإنها PageV01P149
# انتصبت لمعاداتي تحصيلا للثواب على ذلك. وذلك مما لا مدخل للنيابة فيه
~~كما لا مدخل لها في باقي الصفات من الآلام واللذات ونحوها.
# قلنا: أما الابتلاء والامتحان بالتكليف لما ذكروه، وإن كان مع تعيين
~~المكلف لأداء ما كلف به أشق مما كلف به مع تسويغ النيابة فيه، فليس في ذلك
~~مما يرفع أصل الكلفة والامتحان فيما سوغ له فيه الاستنابة. فإن المشقة
~~لازمة له بتقدير الاتيان به بنفسه، وهو الغالب، وبما يبذله من العوض للنائب
~~بتقدير النيابة، ويلتزمه من المنة بتقدير عدم العوض وليس المراعى في باب
~~التكاليف أشقها وأعلاها رتبة، ولذلك كانت متفاوتة. وأما الثواب والعقاب
~~فليس مما يجب على الله تعالى في مقابلة الفعل، بل إن أثاب فبفضله، وإن عاقب
~~فبعدله، كما عرف من أصلنا، بل له أن يثيب العاصي ويعاقب الطائع.
# الأصل الرابع في المحكوم عليه وهو المكلف وفيه خمس مسائل المسألة الأولى
~~اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلا فاهما للتكليف، لان التكليف
~~خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة. ومن وجد له أصل
~~الفهم لأصل الخطاب. دون تفاصيله من كونه أمرا ونهيا، ومقتضيا للثواب
~~والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنه واجب الطاعة، وكون المأمور
~~به على صفة كذا وكذا، كالمجنون، والصبي الذي لا يميز، فهو بالنظر إلى فهم
~~التفاصيل، كالجماد والبهيمة بالنظر إلى فهم أصل الخطاب، ويتعذر تكليفه
~~أيضا، PageV01P150
# إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق، لان المقصود من التكليف كما
~~يتوقف على فهم أصل الخطاب، فهو متوقف على فهم تفاصيله. وأما الصبي المميز،
~~وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز، غير أنه أيضا غير فاهم على الكمال ما
~~يعرفه كامل العقل من وجود الله تعالى، وكونه متكلما مخاطبا مكلفا بالعبادة،
~~ومن وجود الرسول الصادق المبلغ عن الله تعالى، وغير ذلك مما يتوقف عليه
~~مقصود التكليف.
# فنسبته إلى غير المميز، كنسبة غير المميز إلى ms121 البهيمة فيما يتعلق بفوات
~~شرط التكليف، وإن كان مقاربا لحالة البلوغ، بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ
~~سوى لحظة واحدة، فإنه، وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير
~~أنه لما كان العقل والفهم فيه خفيا، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له
~~ضابط يعرف به، جعل له الشارع ضابطا، وهو البلوغ، وحط عنه التكليف قبله
~~تخفيفا عليه.
# ودليله قوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن
~~النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق.
# فإن قيل: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلف، فكيف وجبت عليهما الزكاة
~~والنفقات والضمانات، وكيف أمر الصبي المميز بالصلاة.
# قلنا: هذه الواجبات ليست متعلقة بفعل الصبي والمجنون، بل بماله أو بذمته.
# فإنه أهل للذمة بإنسانيته المتهيئ بها لقبول فهم الخطاب عند البلوغ،
~~بخلاف البهيمة، والمتولي لأدائها الولي عنهما، أو هما بعد الإفاقة والبلوغ.
~~وليس ذلك من باب التكليف في شئ.
# وأما الامر بصلاة المميز فليس من جهة الشارع، وإنما هو من جهة الولي،
~~لقوله عليه السلام: مروهم بالصلاة، وهم أبناء سبع وذلك لأنه يعرف الولي،
~~ويفهم خطابه، بخلاف خطاب الشارع على ما تقدم. PageV01P151
# وعلى هذا، فالغافل عما كلف به، والسكران المتخبط لا يكون خطابه وتكليفه
~~في حالة غفلته وسكره أيضا، إذ هو في تلك الحالة أسوأ حالا من الصبي المميز
~~فيما يرجع إلى فهم خطاب الشارع، وحصول مقصوده منه، وما يجب عليه من
~~الغرامات والضمانات بفعله في تلك الحال. فتخريجه كما سبق في الصبي
~~والمجنون، ونفوذ طلاق السكران، ففيه منع خطاب الوضع والاخبار وإن نفذ، فليس
~~من باب التكليف في شئ، بل من باب ما ثبت بخطاب الوضع والاخبار يجعل تلفظه
~~بالطلاق علامة على نفوذه، كما جعل زوال الشمس، وطلوع الهلال، علامة على
~~وجوب الصلاة والصوم. وكذلك الحكم في وجوب الحد عليه بالقتل والزنى وغيره.
# وقوله تعالى: * (لا تقربوا الصلاة، وأنتم سكارى) * (4) النساء: 43) وإن
~~كان من باب خطاب التكليف بنهي السكران، فليس المقصود منه النهي عن الصلاة
~~حالة السكر، بل النهي ms122 عن السكر في وقت إرادة الصلاة. وتقديره: إذا أردتم
~~الصلاة، فلا تسكروا. كما يقال لمن أراد التهجد: لا تقرب التهجد وأنت شبعان.
~~أي لا تشبع إذا أردت التهجد، حتى لا يثقل عليك التهجد. وهو، وإن دل بمفهومه
~~على عدم النهي عن السكر في غير وقت الصلاة، فغير مانع لورود النهي عن ذلك
~~في ابتداء الاسلام، حيت لم يكن الشرب حراما وإن كان وروده بعد التحريم، وفي
~~حالة السكر، لكن يجب حمل لفظ السكران في الآية على من دب الخمر في شؤونه،
~~وكان ثملا نشوانا، وأصل عقله ثابت.
# لان ذلك مما يؤول إلى السكر غالبا.
# والتعبير عن الشئ باسم ما يؤول إليه، يكون تجوزا، كما في قوله تعالى: *
~~(إنك ميت، وإنهم ميتون) * (4) النساء: 43) وقوله تعالى: * (حتى تعلموا ما
~~تقولون) * (4) النساء: 43) فيجب حمله على كمال التثبت على ما يقال، إذ هو
~~غير ثابت حالة الانتشاء، وإن كان العقل والفهم حاصلا.
# وذلك، كما يقال لمن أراد فعل أمر، وهو غضبان: لا تفعل، حتى تعلم ما تفعل،
~~أي حتى يزول عنك الغضب المانع من التثبت على ما تفعل. وإن كان عقله وفهمه
~~حاصلا.
# ويجب المصير إلى هذه التأويلات، جمعا بين هذه الآية وما ذكرناه من الدليل
~~المانع من التكليف. PageV01P152
# المسألة الثانية مذهب أصحابنا جواز تكليف المعدوم، وربما أشكل فهم ذلك مع
~~إحالتنا لتكليف الصبي والمجنون والغافل والسكران، لعدم الفهم للتكاليف.
~~والمعدوم أسوأ حالا من هؤلاء في هذا المعنى لوجود أصل الفهم في حقهم، وعدمه
~~بالكلية في حق المعدوم، حتى أنكر ذلك جميع الطوائف.
# وكشف الغطاء عن ذلك أنا لا نقول بكون المعدوم مكلفا بالاتيان بالفعل حالة
~~عدمه بل معنى كونه مكلفا حالة العدم قيام الطلب القديم بذات الرب تعالى
~~للفعل من المعدوم، بتقدير وجوده، وتهيئته لفهم الخطاب. فإذا وجدوا مهيأ
~~للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب والاقتضاء القديم. فإن الوالد لو وصى عند
~~موته لمن سيوجد بعده من أولاده بوصية، فإن الولد، بتقدير وجوده وفهمه، يصير
~~مكلفا بوصية والده، حتى أنه يوصف بالطاعة والعصيان، بتقدير ms123 المخالفة
~~والامتثال.
# وأيضا، فإننا في وقتنا هذا، نوصف بكوننا مأمورين بأمر النبي عليه السلام،
~~وإن كان أمره في الحال معدوما. وليس ذلك إلا بما وجد منه من الامر، حال
~~وجوده.
# ومثل هذا التكليف ثابت بالنسبة إلى الصبي والمجنون، بتقدير فهمه، أيضا،
~~بل أولى من حيث إن المشترط في حقه الفهم لا غير، وفي حق المعدوم الفهم
~~والوجود.
# وهل يسمى التكليف بهذا التفسير في الأزل خطابا للمعدوم، وأمرا له عرفا.
~~PageV01P153
# الحق أنه يسمى أمرا، ولا يسمى خطابا. ولهذا، فإنه يحسن أن يقال للوالد
~~إذا وصى بأمر لمن سيوجد من أولاده بفعل من الافعال أنه أمر أولاده، ولا
~~يحسن أن يقال خاطبهم. لكن تمام فهم هذه القاعدة موقوف على إثبات كلام
~~النفس، وتحقيق كون الامر بمعنى الطلب والاقتضاء. وقد حققنا ذلك في
~~الكلاميات بما يجب على الأصولي تقليد المتكلم فيه.
# المسألة الثالثة اختلفوا في الملجئ إلى الفعل بالاكراه، بحيث لا يسعه
~~تركه في جواز تكليفه بذلك الفعل إيجادا وعدما.
# والحق أنه إذا خرج بالاكراه إلى حد الاضطرار، وصار نسبة ما يصدر عنه من
~~الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه أن تكليفه به إيجادا وعدما غير جائز،
~~إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وإن كان ذلك جائزا عقلا، لكنه ممتنع
~~الوقوع سمعا لقوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
~~عليه والمراد منه لا رفع المؤاخذة، وهو مستلزم لرفع التكليف، وما يلزمه من
~~الغرامات، فقد سبق جوابه غير مرة.
# وأما إن لم ينته إلى حد الاضطرار، فهو مختار، وتكليفه جائز عقلا وشرعا.
# وأما الخاطئ فغير مكلف إجماعا فيما هو مخطئ ولقوله عليه السلام:
# رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الحديث.
# المسألة الرابعة اختلفوا في تكليف الحائض بالصوم، فنفاه أصحابنا، وأثبته
~~آخرون.
# والحق في ذلك أنه إن أريد بكونها مكلفة به بتقدير زوال الحيض المانع، فهو
~~حق، وإن أريد به أنها مكلفة بالاتيان بالصوم حال الحيض، فهو ممتنع. وذلك
~~لان PageV01P154
# فعلها للصوم في حالة الحيض حرام ومنهي عنه، فيمتنع أن يكون واجبا ms124 ومأمورا
~~به، لما بينهما من التضاد الممتنع، إلا على القول بجواز التكليف بما لا
~~يطاق.
# فإن قيل: فلو لم يكن الصوم واجبا عليها، فلم وجب عليها قضاؤه.
# قلنا: القضاء عندنا إنما يجب بأمر مجدد، فلا يستدعي أمرا سابقا، وإنما
~~سمي قضاء لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه من الصوم، ولم يجب
~~لمانع الحيض.
# المسألة الخامسة في أن المكلف بالفعل أو الترك هل يعلم كونه مكلفا قبل
~~التمكن من الامتثال، أم لا؟
# والذي عليه إجماع الأصوليين أنه يعلم ذلك إذا كان المأمور والآمر له
~~جاهلا لعاقبة أمره وأنه يتمكن بما كلف به أم لا، كأمر السيد لعبده بخياطة
~~الثوب في الغد، ومحل الخلاف فيما إذا كان الآمر عالما بعاقبة الامر دون
~~المأمور، كأمر الله تعالى بالصوم لزيد في الغد.
# فأثبت ذلك القاضي أبو بكر، والجم الغفير من الأصوليين ونفاه المعتزلة.
# احتج المثبتون بأن الامر بالطاعات، والنهي عن المعاصي متحقق مع جهل
~~المكلف بعاقبة الامر، فكان ذلك معلوما، ويدل على تحققه إجماع الأمة من
~~السلف قبل ظهور المخالفين على أن كل بالغ عاقل مأمور بالطاعات منهي عن
~~المعاصي قبل التمكن مما أمر به ونهي عنه، وأنه يعد متقربا بالعزم على فعل
~~الطاعة وترك المعصية، وأنه يجب عليه الشروع في العبادات الخمس في أوقاتها
~~بنية الفرض، وإن المانع له من ذلك بالحبس والصد عن فعلها آثم عاص بصده عن
~~امتثال أمر الشارع.
# وذلك كله مع عدم النهي، والامر محال.
# وأيضا فإنه لو لم يكن الامر معلوما له في الحال، لتعذر قصد الامتثال في
~~الواجبات المضيقة، لاستحالة العلم بتمام التمكن، إلا بعد انقضاء الوقت، وهو
~~محال. PageV01P155
# فإن قيل: لا خفاء بأن تعليق الامر على شرط معلوم الوقوع، وسواء كان وقوعه
~~حاليا، كما إذا قال: صم إن كان الله موجودا، أو ماليا، كما إذا قال: صم إن
~~صعدت الشمس غدا.
# أو معلوم الانتفاء، كما إذا قال: صم إن اجتمع الضدان، وهو محال بل الأول
~~أمر جازم غير مشروط.
# كيف وإنه يمتنع تعليق ms125 الامر بشرط مستقبل، لان الشرط لا بد وأن يكون حاصلا
~~مع المشروط أو قبله. والثاني، وإن كان فيه صيغة افعل، فليس بأمر لما فيه من
~~التكليف بما لا يطاق، والباري تعالى عالم بعواقب الأمور. فإن كان عالما
~~بتمكن العبد مما كلف به، وأنه سيأتي به فهو أمر جزم لا شرط فيه، وإن كان
~~عالما بعدم تمكنه مما قيل له افعله، أو لا تفعله، فلا يكون ذلك أمرا ولا
~~نهيا. وإذا كان كذلك، فالامر والنهي قبل التمكن من الامتثال لا يكون معلوما
~~للعبد، لتجويزه عدم الشرط، وهو التمكن في علم الله تعالى.
# وعلى هذا، فيجب حمل الاجماع فيما ذكرتموه على ظن الامر، بناء على أن
~~الغالب من المكلف بقاؤه وتمكنه، لا على يقين الامر والعلم به.
# قلنا: أما امتناع تعليق الامر بشرط معلوم الوقوع أو الانتفاء عند
~~المأمور، فلا نزاع فيه إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق، وإنما النزاع
~~إذا كان ذلك معلوما للآمر دون المأمور. فإنه لا يبعد أمر السيد لعبده بفعل
~~شئ في الغد، مع علمه برفع ذلك في الغد عنه، استصلاحا للعبد باستعداده في
~~الحال للقيام بأمر سيده، واشتغاله بذلك عن معاصيه، أو امتحانه بما يظهر
~~عليه من أمارات البشر والكراهة، حتى يثيبه على هذا، ويعاقبه على هذا، لا
~~لقصد الاتيان بما أمره به، أم الانتهاء عما نهاه عنه. ولا يكون ذلك من باب
~~التكليف بما لا يطاق. وإذا كان ذلك معقولا مفيدا، أمكن مثله في أمر الباري
~~تعالى.
# قولهم إن شرط الامر لا يكون متأخرا عنه، مسلم، لما فيه من استحالة وجود
~~المشروط بدون شرطه، غير أن الشرط المتأخر عن الامر، وهو التمكن من الفعل،
~~PageV01P156
# ليس شرطا في تحقق الامر وقيامه بنفس الامر، حتى يقال بتأخير شرط وجوده عن
~~وجوده، بل هو شرط الامتثال. والامر عندنا لا يتوقف تحققه على الامتثال، كما
~~علم من أصلنا.
# وعلى هذا، فقد بطل قولهم إن الأمر والنهي قبل التمكن من الامتثال يمتنع
~~أن يكون معلوما للعبد. ووجب حمل ms126 الاجماع فيما ذكروه من الاحكام على وجود
~~الامر حقيقة، لا على ظن وجوده. لان احتمال الخطأ في الظن قائم وهو ممتنع في
~~حق الاجماع.
# وإذا عرف ما حققناه، فمن أفسد صوم رمضان بالوقاع، ثم مات أوجن بعد ذلك في
~~أثناء النهار وجبت عليه الكفارة على أحد قولينا، وعلى القول الآخر لا،
~~لأنها إنما تجب بإفساد صوم واجب لا يتعرض للانقطاع في اليوم، لا لعدم قيام
~~الامر بالصوم ووجوبه، وكذلك يجب على الحائض الشروع في صوم يوم علم الله
~~أنها تحيض فيه. وأنه لو قال إن شرعت في الصوم أو الصلاة الواجبين، فزوجتي
~~طالق، ثم شرع ومات في أثنائها حنث، ولزمه الطلاق، ولا كذلك عند المعتزلة،
~~وعلى هذا، كل ما يرد من هذا القبيل. PageV01P157
# القاعدة الثانية في بيان الدليل الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من أحكامه
~~ويشتمل على مقدمة وأصول:
# أما المقدمة ففي بيان الدليل الشرعي وأقسامه.
# فنقول: كما بينا في القاعدة الأولى حد الدليل وانقسامه إلى عقلي وشرعي.
# وليس من غرضنا هاهنا تعريف الدليل العقلي بل الشرعي. والمسمى بالدليل
~~الشرعي منقسم إلى ما هو صحيح في نفسه، ويجب العمل به، وإلى ما ظن أنه دليل
~~صحيح، وليس هو كذلك.
# أما القسم الأول فهو خمسة أنواع.
# وذلك أنه إما أن يكون واردا من جهة الرسول أو لا من جهته.
# فإن كان الأول، فلا يخلو إما أن يكون من قبيل ما يتلى. أو لا من قبيل ما
~~يتلى.
# فإن كان من قبيل ما يتلى، فهو الكتاب. وإن كان من قبيل ما لا يتلى، فهو
~~السنة.
# وإن لم يكن واردا من جهة الرسول، فلا يخلو إما أن يشترط فيه عصمة من صدر
~~عنه، أو لا يشترط ذلك، فإن كان الأول، فهو الاجماع، وإن كان الثاني، فلا
~~يخلو إما أن تكون صورته بحمل معلوم على معلوم في حكم بناء على جامع، أو لا
~~يكون كذلك.
# فإن كان الأول، فهو القياس، وإن كان الثاني، فهو الاستدلال.
# وكل واحد من هذه الأنواع، فهو دليل لظهور الحكم ms127 الشرعي عندنا به.
# والأصل فيها إنما هو الكتاب، لأنه راجع إلى قول الله تعالى المشرع
~~للأحكام، والسنة مخبرة عن قوله تعالى وحكمه. ومستند الاجماع فراجع إليهما.
# وأما القياس والاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النص أو الاجماع،
~~فالنص والاجماع أصل، والقياس والاستدلال فرع تابع لهما.
# وأما القسم، الثاني وهو ما ظن أنه دليل وليس بدليل، فكشرع من قبلنا ومذهب
~~الصحابي، والاستحسان، والمصلحة المرسلة على ما سيأتي تحقيق الكلام فيه.
~~PageV01P158
# القسم الأول فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا وكما بان أنه على
~~خمسة أنواع، فالنظر المتعلق بها، منه ما هو مختص بكل واحد منها بخصوصه،
~~ومنها ما هو مشترك بينها. فلنرسم في كل واحد منها أصلا، وهي ستة أصول:
# الأصل الأول في تحقيق معنى الكتاب، وما يتعلق به من المسائل، لأنه الأول
~~والأولى بتقديم النظر فيه أما حقيقة الكتاب، فقد قيل فيه:
# هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف بالأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا،
~~وفيه نظر. فإنه لا معنى للكتاب سوى القرآن المنزل علينا على لسان جبريل،
~~وذلك مما لا يخرج عن حقيقته بتقدير عدم نقله إلينا متواترا، بل ولا بعدم
~~نقله إلينا بالكلية، بل غايته جهلنا بوجود القرآن بتقدير عدم نقله إلينا،
~~وعدم علمنا بكونه قرآنا، بتقدير عدم تواتره، وعلمنا بوجوده غير مأخوذ في
~~حقيقته، فلا يمكن أخذه في تحديده.
# والأقرب في ذلك أن يقال: الكتاب هو القرآن المنزل.
# فقولنا: (القرآن) احتراز عن سائر الكتب المنزلة من التوراة والإنجيل
~~وغيرهما، فإنها وإن كانت كتبا لله تعالى، فليست هي الكتاب المعهود لنا،
~~المحتج به في شرعنا على الأحكام الشرعية الذي نحن بصدد تعريفه، وفيه احتراز
~~عن الكلام المنزل على النبي عليه السلام، مما ليس بمتلو.
# وقولنا: (المنزل) احتراز عن كلام النفس، فإنه ليس بكتاب، بل الكتاب هو
~~الكلام المعبر عن الكلام النفساني، ولذلك، لم نقل هو الكلام القديم، ولم
~~نقل هو المعجز، لان المعجز أعم من الكتاب، ولم نقل هو الكلام المعجز، لأنه
~~يخرج منه الآية وبعض الآية، مع ms128 أنها من الكتاب، وإن لم تكن معجزة.
~~PageV01P159
# وإذا أتينا على تعريف حقيقة الكتاب، فلا بد من النظر فيما يختص به من
~~المسائل، وهي خمس مسائل:
# المسألة الأولى اتفقوا على أن ما نقل إلينا من القرآن نقلا متواترا،
~~وعلمنا أنه من القرآن أنه حجة، واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحادا، كمصحف
~~ابن مسعود وغيره، أنه هل يكون حجة، أم لا؟
# فنفاه الشافعي، وأثبته أبو حنيفة، وبنى عليه وجوب التتابع في صوم اليمين
~~بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله: فصيام ثلاثة أيام متتابعات.
# والمختار إنما هو مذهب الشافعي. وحجته أن النبي عليه السلام كان مكلفا
~~بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن
~~تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه
~~منه.
# فالراوي له إذا كان واحدا، إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، وإن لم يذكره
~~على أنه قرآن، فقد تردد بين أن يكون خبرا عن النبي عليه السلام، وبين أن
~~يكون ذلك مذهبا له، فلا يكون حجة. وهذا بخلاف خبر الواحد عن النبي عليه
~~السلام، وعلى هذا منع من وجوب التتابع في صوم اليمين على أحد قوليه.
# فإن قيل: قولكم إن النبي عليه السلام كان يجب عليه إلقاء القرآن إلى عدد
~~تقوم الحجة القاطعة بقولهم، لا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ
~~القرآن في زمانه، عليه السلام، لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وإن جمعه
~~إنما كان PageV01P160
# بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد. ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة. ولو كان
~~قد ألقاه إلى جماعة تقوم الحجة بقولهم، لما كان كذلك.
# ولهذا أيضا اختلفوا في البسملة أنها من القرآن. وأنكر ابن مسعود كون
~~الفاتحة والمعوذتين من القرآن.
# سلمنا وجوب ذلك على النبي عليه السلام وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة
~~بقولهم، ولكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا
~~يمتنع ذلك بالنسبة إلى بضعهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم، وقد روى ما
~~رواه، فلم ms129 يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت. وعند ذلك فيتعين حمل
~~روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن، لان الظاهر من حاله الصدق ولم
~~يوجد ما يعارضه.
# غايته أنه غير مجمع على العمل به، لعدم تواتره وإن لم يصرح بكونه قرآنا،
~~أمكن أن يكون من القرآن وأمكن أن لا يكون لكونه خبرا عن النبي عليه السلام،
~~وأمكن أن يكون لكونه مذهبا له كما ذكرتموه، وهو حجة بتقدير كونه قرآنا،
~~وتقدير كونه خبرا عن النبي عليه السلام. وهما احتمالان وإنما لا يكون حجة
~~بتقدير كونه مذهبا له، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من
~~احتمالين، أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.
# سلمنا أنه ليس بقرآن، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبا له. إلا أن
~~احتمال كونه خبرا راجح، لان روايته له موهم بالاحتجاج به. ولو كان مذهبا له
~~لصرح به، نفيا للتلبيس عن السامع المعتقد كونه حجة، مع الاختلاف في مذهب
~~الصحابي هل هو حجة أم لا.
# والجواب: أما وجوب إلقائه على عدد تقوم الحجة بقولهم، فذلك مما لم يخالف
~~فيه أحد من المسلمين، لان القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه، عليه السلام،
~~قطعا ومع عدم بلوغه إلى من لم يشاهده بخبر التواتر، لا يكون حجة قاطعة
~~بالنسبة إليه، فلا يكون حجة عليه في تصديق النبي عليه السلام، ولا يلزم من
~~عدم بلوغ حفاظ القرآن في زمن النبي عليه السلام، عدد التواتر أن يكون
~~الحفاظ لآحاد آياته كذلك. PageV01P161
# وأما التوقف في جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد، فلم يكن في كونها
~~قرآنا، بل في تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها، وفي طولها وقصرها.
# وأما ما اختلت به المصاحف، فما كان من الآحاد فليس من القرآن، وما كان
~~متواترا، فهو منه. وأما الاختلاف في التسمية، إنما كان في وضعها في أول كل
~~سورة، لا في كونها من القرآن.
# وأما إنكار ابن مسعود، فلم يكن لانزال هذه السور على النبي عليه السلام،
~~بل لاجرائها مجرى القرآن في حكمه قولهم إذا ms130 رواه ابن مسعود لم يتفق الكل
~~على الخطأ.
# قلنا: وإن كان كذلك، إلا أن سكوت من سكت، وإن لم يكن ممتنعا، إلا أنه
~~حرام لوجوب نقله عليه. وعند ذلك فلو قلنا إن ما نقله ابن مسعود قرآن، لزم
~~ارتكاب من عداه من الصحابة للحرام بالسكوت. ولو قلنا إنه ليس بقرآن، لم
~~يلزم منه ذلك، لا بالنسبة إلى الراوي ولا بالنسبة إلى من عداه من الساكتين،
~~وبتقدير ارتكاب ابن مسعود للحرام، مع كونه واحدا أولى من ارتكاب الجماعة
~~له، وعلى هذا فقد بطل قولهم بظهور صدقه فيما نقله من غير معارض، وتعين تردد
~~نقله بين الخبر والمذهب.
# قولهم: حمله على الخبر راجح - لا نسلم ذلك.
# قولهم: لو كان مذهبا لصرح به نفيا للتلبيس - قلنا: أجمع المسلمون على أن
~~كل خبر لم يصرح بكونه خبرا عن النبي عليه السلام ليس بحجة، وما نحن فيه
~~كذلك، ولا يخفى أن الحمل على المذهب، مع أنه مختلف في الاحتجاج به، أولى من
~~حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية، مع أنه ليس بحجة بالاتفاق. كيف
~~وفيه موافقة النفي الأصلي، وبراءة الذمة من التتابع، بخلاف مقابله، فكان
~~أولى. PageV01P162
# المسألة الثانية اتفقوا على أن التسمية آية من القرآن في سورة النمل،
~~وإنما اختلفوا في كونها آية من القرآن في أول كل سورة فنقل عن الشافعي في
~~ذلك قولان.
# لكن من الأصحاب من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة، كتبت
~~مع القرآن بخط القرآن، أم لا.
# ومنهم من حمل القولين على أنها هل هي آية برأسها في أول كل سورة، أو هي
~~مع أول آية من كل سورة آية، وهو الأصح.
# وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين إلى أنها ليست آية من القرآن في
~~غير سورة النمل. وقضى بتخطئة من قال بأنها آية من القرآن في غير سورة
~~النمل، لكن من غير تكفير له لعدم ورود النص القاطع بإنكار ذلك.
# والحجة لمذهب الشافعي من ثلاثة أوجه:
# الأول: أنها أنزلت على رسول الله ms131 صلى الله عليه وسلم مع أول كل سورة.
# ولذلك نقل عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله لا يعرف ختم سورة وابتداء
~~أخرى، حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم. وذلك يدل على أنها من
~~القرآن حيث أنزلت.
# الثاني: أنها كانت تكتب بخط القرآن في أول كل سورة بأمر رسول الله، وأنه
~~لم ينكر أحد من الصحابة على من كتبها بخط القرآن في أول كل سورة، مع تخشنهم
~~في الدين وتحرزهم في صيانة القرآن عما ليس منه، حتى إنهم أنكروا على من
~~أثبت أوائل السور والتعشير والنقط. وذلك كله يغلب على الظن أنها حيث كتبت
~~مع القرآن بخط القرآن أنها منه.
# الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: سرق الشيطان من الناس آية من القرآن
~~لما أن ترك بعضهم قراءة التسمية في أول السورة ولم ينكر عليه منكر، فدل على
~~كونها من القرآن في أول كل سورة. PageV01P163
# فإن قيل: لو كانت التسمية آية من القرآن في أول كل سورة، لم يخل إما أن
~~يشترط القطع في إثباتها، أو لا يشترط. فإن كان الأول، فما ذكرتموه من
~~الوجوه الدالة غير قطعية بل ظنية، فلا تصلح للاثبات وأيضا فإنه كان يجب على
~~النبي عليه السلام أن يبين كونها من القرآن حيث كتبت معه بيانا شافيا شائعا
~~قاطعا للشك، كما فعل في سائر الآيات وإن كان الثاني، فليثبت التتابع في صوم
~~اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه.
# قلنا: الاختلاف فيما نحن فيه لم يقع في إثبات كون التسمية من القرآن في
~~الجملة، حتى يشترط القطع في طريق إثباتها، وإنما وقع في وضعها آية في أوائل
~~السور والقطع غير مشترط فيه. ولهذا وقع الخلاف في ذلك من غير تكفير من أحد
~~الخصمين للآخر، كما وقع الخلاف في عدد الآيات ومقاديرها.
# قولهم كان يجب على النبي عليه السلام، بيان ذلك بيانا قاطعا للشك.
# قلنا: ولو لم تكن من القرآن لتبين ذلك أيضا بيانا قاطعا للشك، كما فعل
~~ذلك في التعوذ، بل ms132 أولى من حيث إن التسمية مكتوبة بخط القرآن في أول كل
~~سورة، ومنزلة على النبي عليه السلام مع أول كل سورة، كما سبق بيانه، وذلك
~~مما يوهم أنها من القرآن، مع علم النبي عليه السلام بذلك، وقدرته على
~~البيان، بخلاف التعوذ.
# فإن قيل: كل ما هو من القرآن فهو منحصر يمكن بيانه، بخلاف ما ليس من
~~القرآن، فإنه غير منحصر فلا يمكن بيان أنه ليس من القرآن، فلهذا قيل بوجوب
~~بيان ما هو من القرآن، دون ما ليس من القرآن. PageV01P164
# قلنا: نحن لم نوجب بيان كل ما ليس من القرآن أنه ليس من القرآن، بل إنما
~~أوجبنا بيان ما يسبق إلى الافهام أنه من القرآن، بتقدير أن لا يكون منه،
~~كما في التسمية. ولا يخفى أنه منحصر، بل هو أقل من بيان ما هو من القرآن.
# وعلى هذا، فلا يلزم من وضع كون التسمية آية مع أول كل سورة بالاجتهاد
~~والظن. وقد ثبت كونها آية من القرآن في سورة النمل قطعا أن يقال مثله في
~~ثبوت قراءة ابن مسعود في التتابع، مع أنها لم يثبت كونها من القرآن قطعا
~~ولا ظنا.
# المسألة الثالثة القرآن مشتمل على آيات محكمة ومتشابهة على ما قال تعالى:
~~* (منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات) * (3) آل عمران: 7) أما
~~المحكم فأصح ما قيل فيه قولان:
# الأول أن المحكم ما ظهر معناه، وانكشف كشفا يزيل الاشكال، ويرفع
~~الاحتمال، وهو موجود في كلام الله تعالى.
# والمتشابه المقابل له ما تعارض فيه الاحتمال، إما بجهة التساوي، كالألفاظ
~~المجملة، كما في قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) *
~~(2) البقرة: 228) لاحتماله زمن الحيض، والطهر على السوية. وقوله تعالى: *
~~(أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) * (2) البقرة: 237) لتردده بين الزوج
~~والولي. وقوله: * (أو لامستم النساء) * (2) النساء: 43) لتردده بين اللمس
~~باليد والوطئ، أو لا على جهة التساوي كالأسماء المجازية، وما ظاهره موهم
~~للتشبيه، وهو مفتقر PageV01P165
# إلى تأويل، كقوله تعالى: * (ويبقى وجه ربك) * (55) الرحمن: 27). * (ونفخت
~~فيه من روحي) * (15) الحجر: 29) * (مما عملت أيدينا) * (36) يس: 71). *
~~(الله ms133 يستهزئ بهم) * (2) البقرة: 15) * (ومكروا ومكر الله) * (3) آل عمران:
~~54) * (والسماوات مطويات بيمينه) * (39) الزمر: 67) ونحوه من الكنايات
~~والاستعارات المؤولة بتأويلات مناسبة لأفهام العرب. وإنما سمي متشابها،
~~لاشتباه معناه على السامع. وهذا أيضا موجود في كلام الله تعالى.
# القول الثاني: إن المحكم ما انتظم وترتب على وجه يفيد إما من غير تأويل،
~~أو مع التأويل من غير تناقض واختلاف فيه. وهذا أيضا متحقق في كلام الله
~~تعالى.
# والمقابل له ما فسد نظمه، واختل لفظه ويقال فاسد، لا متشابه. وهذا غير
~~متصور الوجود في كلام الله تعالى.
# وربما قيل: المحكم ما ثبت حكمه من الحلال والحرام، والوعد والوعيد ونحوه.
# والمتشابه ما كان من القصص والأمثال، وهو بعيد عما يعرفه أهل اللغة، وعن
~~مناسبة اللفظ له لغة. PageV01P166
# المسألة الرابعة القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه،
~~لكونه هذيانا ونقصا يتعالى كلام الرب عنه، خلافا لمن لا يؤبه له في قوله.
~~كيف يقال ذلك، وكلام الرب تعالى مشتمل على ما لا معنى له، كحروف المعجم
~~التي في أوائل السور، إذ هي غير موضوعة في اللغة لمعنى، وعلى التناقض الذي
~~لا يفهم، كقوله تعالى: * (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) * (55)
~~الرحمن: 39) وقوله: * (فوربك لنسألنهم أجمعين) * (15) الحجر: 92) وعلى
~~الزيادة التي لا فائدة فيها، كقوله تعالى: * (فصيام ثلاثة أيام في الحج،
~~وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) * (2) البقرة: 196) وقوله: (كاملة) غير
~~مفيد لمعنى. وكذلك قوله تعالى:
# * (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) * (69) الحاقة: 13) وقوله تعالى: * (لا
~~تتخذوا إلهين اثنين) * (16) النحل: 51) إلى غير ذلك.
# قلنا: أما حروف المعجم، فلا نسلم أنه لا معنى لها، بل هي أسامي السور
~~ومعرفة لها.
# وأما التناقض فغير صحيح، إذ التناقض لا بد فيه من اتحاد جهة السلب
~~والايجاب والزمان. وزمان إيجابه وسلبه غير متحد، بل مختلف.
# وأما الزيادات المذكورة فهي للتأكيد، لا أنها غير معقولة المعنى.
# فإن قيل: وإن كان ليس في القرآن ما لا معنى له إلا أن فيه ما لا يفهم
~~معناه.
# وهو في معنى ما ms134 لا معنى له. وذلك كقوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا
~~الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) والواو في
~~قوله: * (والراسخون في العلم) * (3) آل عمران: 7) ليست للعطف، وإلا كان
~~الضمير في قوله: * (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * (3) آل عمران: 7)
~~عائدا إلى جملة المذكور السابق من الله تعالى والراسخين في العلم، وهو محال
~~في حق الله تعالى.
# فلم يبق إلا أن يكون للابتداء. ويلزم من ذلك أن لا يكون ما علمه الرب
~~تعالى معلوما لهم.
# وأيضا فإن الآيات الدالة على اليد واليمين، والوجه والروح، ومكر الله
~~والاستواء على العرش، وغير ذلك غير محمول على ما هو مفهوم منه في اللغة.
# وما هو المراد منه غير معلوم. PageV01P167
# وأيضا فإن الخطاب بالقرآن، كما هو خطاب مع العرب، فهو خطاب مع العجم،
~~ومعناه غير مفهوم لهم.
# قلنا: من قال بجواز التكليف بما لا يطاق، جوز أن يكون في القرآن ما له
~~معنى وإن لم يكن معلوما للمخاطب، ولا له بيان، ولا كذلك فيما لا معنى له
~~أصلا، لكونه هذيانا. ومن لم يجوز التكليف بما لا يطاق منع من ذلك، لكونه
~~تكليفا بما لا يطاق ولما فيه من إخراج القرآن عن كونه بيانا للناس ضرورة
~~كونه غير مفهوم.
# وهو خلاف قوله تعالى: * (هذا بيان للناس) * (3) آل عمران: 138) ولأن ذلك
~~مما يجر إلى عدم الوثوق بشئ من أخبار الله تعالى ورسوله، ضرورة أنه ما من
~~خبر إلا ويجوز أن يكون المراد به ما لم يظهر منه. وذلك مبطل للشريعة مطلقا.
# وأجاب عن الآية الأولى بأن الواو فيها للعطف، وأن الضمير في قوله: *
~~(يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) وإن كان ظاهرا في العود إلى جملة
~~المذكور، غير أنه لا بعد في تخصيصه بإخراج الرب تعالى عنه، بدليل العقل
~~المحيل لعود الضمير إليه.
# وأما باقي الآيات المذكورة، فكلها كنايات وتجوزات مفهومة للعرب بأدلة
~~صارفة إليها، على ما بيناه في الكلاميات.
# المسألة الخامسة اختلفوا في اشتمال القرآن على ألفاظ مجازية وكلمات غير
~~عربية. وقد استقصينا ms135 الكلام فيهما في القاعدة الأولى: في المبادئ اللغوية.
~~PageV01P168
# الأصل الثاني في السنة وهي في اللغة عبارة عن الطريقة، فسنة كل أحد ما
~~عهدت منه المحافظة عليه، والاكثار منه، كان ذلك من الأمور الحميدة أو
~~غيرها.
# وأما في الشرع، فقد تطلق على ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي
~~عليه السلام، وقد تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية مما ليس
~~بمتلو، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز، وهذا النوع هو المقصود بالبيان
~~هاهنا.
# ويدخل في ذلك أقوال النبي، عليه السلام، وأفعاله وتقاريره.
# أما الأقوال من الأمر والنهي والتخيير والخبر وجهات دلالتها، فسيأتي
~~إيضاحها في الأصل الرابع المخصوص ببيان ما تشترك فيه الأدلة المنقولة
~~الشرعية.
# وليكن البيان هاهنا مخصوصا بما يخص النبي عليه السلام من الافعال
~~والتقارير، ويشتمل على مقدمتين وخمس مسائل.
# المقدمة الأولى في عصمة الأنبياء عليهم السلام، وشرح الاختلاف في ذلك وما
~~وقع الاتفاق من أهل الشرائع على عصمتهم عنه من المعاصي، وما فيه الاختلاف
~~أما قبل النبوة، فقد ذهب القاضي أبو بكر، وأكثر أصحابنا، وكثير من المعتزلة
~~إلى أنه لا يمتنع عليهم، المعصية كبيرة كانت أو صغيرة، بل ولا يمتنع عقلا
~~إرسال من أسلم وآمن بعد كفره.
# وذهبت الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة، لان ذلك مما يوجب
~~هضمهم في النفوس واحتقارهم، والنفرة عن اتباعهم، وهو خلاف مقتضى الحكمة من
~~بعثة الرسل، ووافقهم على ذلك أكثر المعتزلة إلا في الصغائر. PageV01P169
# والحق ما ذكره القاضي، لأنه لا سمع قبل البعثة يدل على عصمتهم عن ذلك
~~والعقل دلالته مبنية على التحسين والتقبيح العقلي، ووجوب رعاية الحكمة في
~~أفعال الله تعالى، وذلك كله مما أبطلناه في كتبنا الكلامية.
# وأما بعد النبوة، فالاتفاق من أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل
~~ما يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة
~~والتبليغ عن الله تعالى.
# واختلفوا في جواز ذلك عليهم بطريق الغلط والنسيان، فمنع منه الأستاذ أبو
~~إسحاق وكثير من الأئمة، لما ms136 فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة. وجوزه
~~القاضي أبو بكر، مصيرا منه إلى أن ما كان من النسيان وفلتات اللسان غير
~~داخل تحت التصديق المقصود بالمعجزة، وهو الأشبه.
# وأما ما كان من المعاصي القولية والفعلية التي لا دلالة للمعجزة على
~~عصمتهم عنها، فما كان منها كفرا فلا نعرف خلافا بين أرباب الشرائع في
~~عصمتهم عنه، إلا ما نقل عن الأزارقة من الخوارج أنهم قالوا بجواز بعثة نبي
~~علم الله أنه يكفر بعد نبوته، وما نقل عن الفضلية من الخوارج أنهم قضوا بأن
~~كل ذنب يوجد فهو كفر، مع تجويزهم صدور الذنوب عن الأنبياء. فكانت كفرا.
# وأما ما ليس بكفر، فإما أن يكون من الكبائر، أو ليس منها. فإن كان من
~~الكبائر، فقد اتفقت الأمة، سوى الحشوية ومن جوز الكفر على الأنبياء، على
~~عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل، وإن اختلفوا في أن مدرك العصمة
~~السمع، كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا، أو العقل، كما
~~ذهب إليه المعتزلة.
# وأما إن كان فعل الكبيرة عن نسيان أو تأويل خطأ، فقد اتفق الكل على
~~جوازه، سوى الرافضة. PageV01P170
# وأما ما ليس بكبيرة، فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله
~~بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة، كسرقة حبة أو كسرة، فالحكم فيه كالحكم
~~في الكبيرة.
# وأما ما لا يكون من هذا القبيل، كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب فقد
~~اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا وسهوا، خلافا للشيعة
~~مطلقا، وخلافا للجبائي والنظام وجعفر بن مبشر في العمد.
# وبالجملة، فالكلام فيما وقع فيه الاختلاف في هذه التفاصيل غير بالغ مبلغ
~~القطع، بل هو من باب الظنون. والاعتماد فيه على ما يساعد فيه من الأدلة
~~الظنية نفيا وإثباتا. وقد أتينا في كل موضع من المواضع المتفق عليها،
~~والمختلف فيها، تزييفا واختيارا بأبلغ بيان، وأوضح برهان في كتبنا
~~الكلامية. فعلى الناظر الالتفات إليها. PageV01P171
# المقدمة الثانية في معنى التأسي، والمتابعة، والموافقة، والمخالفة، إذ
~~الحاجة داعية إلى معرفة ذلك ms137 فيما نرومه من النظر في مسائل الافعال أما
~~التأسي بالغير: فقد يكون في الفعل والترك.
# أما التأسي في الفعل: فهو أن تفعل مثل فعله على وجهه، من أجل فعله.
# فقولنا: (مثل فعله) لأنه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل، كالقيام والقعود.
# وقولنا: (على وجهه) معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته، لأنه لا تأسي
~~مع اختلاف الفعلين في كون أحدهما واجبا، والآخر ليس بواجب، وإن اتحدت
~~الصورة.
# وقولنا: (من أجل فعله) لأنه لو اتفق فعل شخصين في الصورة والصفة، ولم يكن
~~أحدهما من أجل الآخر، كاتفاق جماعة في صلاة الظهر مثلا، أو صوم رمضان
~~اتباعا لأمر الله تعالى، فإنه لا يقال بتأسي البعض بالبعض.
# وعلى هذا، فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص، فلا مدخل له في المتابعة
~~والتأسي وسواء تكرر أو لم يتكرر، إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به،
~~كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها، وصوم رمضان.
# وأما التأسي: في الترك، فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من الافعال
~~على وجهه وصفته من أجل أنه ترك. ولا يخفى وجه ما فيه من القيود.
# وأما المتابعة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك، فاتباع
~~القول هو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه القول. والاتباع في الفعل هو
~~التأسي بعينه.
# وأما الموافقة: فمشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول أو فعل، أو ترك أو
~~اعتقاد، أو غير ذلك. وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر، أو لا من أجله.
# وأما المخالفة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك:
# فالمخالفة في القول ترك امتثال ما اقتضاه القول.
# وأما المخالفة في الفعل، فهو العدول عن فعل مثل ما فعله الغير، مع وجوبه.
~~PageV01P172
# ولهذا فإن من فعل فعلا، ولم يجب على غيره مثل فعله، لا يقال له إنه مخالف
~~في الفعل، بتقدير الترك. ولذلك لم تكن الحائض مخالفة بترك الصلاة لغيرها.
# وعلى هذا، فلا يخفى وجوه المخالفة في الترك.
# وإذ أتينا على ما أردناه من ذكر ms138 المقدمتين، فلنرجع إلى المقصود من
~~المسائل المتعلقة بأفعال الرسول، عليه السلام.
# المسألة الأولى اختلف الأصوليون في أفعال النبي عليه السلام، هل هي دليل
~~لشرع مثل ذلك الفعل بالنسبة إلينا، أم لا؟
# وقبل النظر في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع، فنقول:
# أما ما كان من الافعال الجبلية، كالقيام والقعود والأكل والشرب ونحوه،
~~فلا نزاع في كونه على الإباحة بالنسبة إليه وإلى أمته.
# وأما ما سوى ذلك، مما ثبت كونه من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد، فلا
~~يدل ذلك على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعا. وذلك كاختصاصه بوجوب الضحى
~~والأضحى والوتر والتهجد بالليل والمشاورة والتخيير لنسائه، وكاختصاصه
~~بإباحة الوصال في الصوم، وصفية المغنم، والاستبداد بخمس الخمس، ودخول مكة
~~بغير إحرام، والزيادة في النكاح على أربع نسوة، إلى غير ذلك من خصائصه.
# وأما ما عرف كون فعله بيانا لنا، فهو دليل من غير خلاف، وذلك إما بصريح
~~مقاله، كقوله: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم أو بقرائن
~~الأحوال، وذلك كما إذا ورد لفظ مجمل، أو عام أريد به الخصوص، أو مطلق أريد
~~به التقييد، ولم يبينه قبل الحاجة إليه، ثم فعل عند الحاجة فعلا صالحا
~~للبيان، فإنه يكون بيانا حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة، وذلك
~~كقطعه يد السارق من الكوع، بيانا لقوله تعالى: * (فاقطعوا أيديهما) * (5)
~~المائدة: 38) وكتيممه PageV01P173
# إلى المرفقين، بيانا لقوله تعالى: * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) * (4)
~~النساء: 43) ونحوه. والبيان تابع للمبين في الوجوب والندب والإباحة.
# وأما ما لم يقترن به ما يدل على أنه للبيان لا نفيا ولا إثباتا، فإما أن
~~يظهر فيه قصد القربة أو لم يظهر.
# فإن ظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا فيه:
# فمنهم من قال إن فعله عليه السلام محمول على الوجوب في حقه، وفي حقنا،
~~كابن سريج والاصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران والحنابلة وجماعة من
~~المعتزلة.
# ومنهم من صار إلى أنه للندب. وقد قيل إنه قول الشافعي، وهو اختيار إمام
~~الحرمين.
# ومنهم من قال إنه للإباحة، وهو مذهب مالك، ومنهم من ms139 قال بالوقف، وهو مذهب
~~جماعة من أصحاب الشافعي، كالصيرفي والغزالي وجماعة من المعتزلة.
# وأما ما لم يظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا أيضا فيه على نحو اختلافهم
~~فيما ظهر فيه قصد القربة غير أن القول بالوجوب والندب، فيه أبعد مما ظهر
~~فيه قصد القربة، والوقف والإباحة أقرب.
# وبعض من جوز على الأنبياء المعاصي، قال إنها على الخطر.
# والمختار أن كل فعل لم يقترن به دليل يدل على أنه قصد به بيان خطاب سابق
~~فإن ظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى، فهو دليل في حقه عليه السلام على
~~القدر المشترك بين الواجب والمندوب: وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأن
~~الإباحة، وهي استواء الفعل والترك في رفع الحرج، خارجة عنه، وكذلك في حق
~~أمته.
# وما لم يظهر فيه قصد القربة، فهو دليل في حقه على القدر المشترك بين
~~الواجب والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير، وكذلك عن أمته.
# وأما إذا ظهر من فعله قصد القربة، فلان القربة غير خارجة عن الواجب
~~والمندوب، والقدر المشترك بينهما إنما هو ترجيح الفعل على الترك. والفعل
~~دليل قاطع عليه. PageV01P174
# وأما ما اختص به الواجب من الذم على الترك، وما اختص به المندوب من عدم
~~اللوم على الترك فمشكوك فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر.
# وأما إذا لم يظهر من فعله قصد القربة، فهو وإن جوزنا عليه فعل الصغيرة،
~~غير أن احتمال وقوعها من آحاد عدول المسلمين نادر، فكيف من النبي عليه
~~السلام. بل الغالب من فعله، انه لا يكون معصية، ولا منهيا عنه. وعند ذلك
~~فما من فعل من آحاد أفعاله، إلا واحتمال دخوله تحت الغالب أغلب. وإذا كان
~~الغالب من فعله أنه لا يكون معصية، ولا منهيا عنه، فكل فعل لا يكون منهيا
~~عنه لا يخرج عن الواجب والمندوب والمباح: والقدر المشترك بين الكل إنما هو
~~رفع الحرج عن الفعل، دون الترك. والفعل دليل قاطع عليه.
# وأما ما اختص به الوجوب والندب عن المباح من ترجح الفعل على الترك، ms140 وما
~~اختص به المباح عنهما من استواء الطرفين فمشكوك فيه.
# هذا بالنسبة إلى النبي عليه السلام.
# وأما بالنسبة إلى أمته فلانه، وإن كان عليه السلام، قد اختص عنهم بخصائص
~~لا يشاركونه فيها، غير أنها نادرة، بل أندر من النادر بالنسبة إلى الاحكام
~~المشترك فيها.
# وعند ذلك، فما من واحد من آحاد الافعال إلا واحتمال مشاركة الأمة للنبي
~~عليه السلام فيه أغلب من احتمال عدم المشاركة، إدراجا للنادر تحت الأعم
~~الأغلب، فكانت المشاركة أظهر.
# وإذ أتينا على تفصيل المذاهب وتقرير ما هو المختار، فلا بد من ذكر شبه
~~المخالفين، ووجه الانفصال عنها.
# وأما شبه القائلين بالوجوب، فمن جهة النص، والاجماع، والمعقول.
# أما من جهة النص، فمن جهة الكتاب، والسنة.
# أما من جهة الكتاب، فقوله تعالى: * (فاتبعوه واتقوا) * (6) الانعام: 155)
~~أمر بمتابعته، ومتابعته امتثال القول والآتيان بمثل فعله. والامر ظاهر في
~~الوجوب.
# وأيضا قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24) النور: 63)
~~حذر من مخالفة أمره، والتحذير دليل الوجوب. واسم الامر يطلق على الفعل، كما
~~سيأتي تقريره، PageV01P175
# والأصل في الاطلاق الحقيقة. وغايته أن يكون مشتركا بينه وبين القول
~~المخصوص، وسيأتي أن الاسم المشترك من قبيل الأسماء العامة. فكان متناولا
~~للفعل.
# وأيضا قوله تعالى: * (وما آتاكم الرسول فخذوه) * (56) الحشر: 7) وفعله من
~~جملة ما يأتي به، فكان الاخذ به واجبا.
# وأيضا قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجوا
~~الله واليوم الآخر) * (33) الأحزاب: 21) وهذا زجر في طي أمر. وتقديره: من
~~كان يؤمن بالله وباليوم الآخر، فله فيه إسوة حسنة. ومن لم يتأس به فلا يكون
~~مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر.
# وهو دليل الوجوب.
# وأيضا قوله تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * (3) آل عمران:
~~31) ومحبة الله واجبة، والآية دلت على أن متابعة النبي عليه السلام لازمة
~~لمحبة الله الواجبة. ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم.
# وهو ممتنع.
# وأيضا قوله تعالى: * (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24) النور: 54)
~~أمر بطاعة الرسول.
# والامر ظاهر في الوجوب. ومن أتى بمثل فعل الغير على قصد إعظامه، ms141 فهو مطيع
~~له، وأيضا قوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون
~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الأحزاب:
~~37) وذلك يدل على أن فعله تشريع وواجب الاتباع، وإلا، لما كان تزويجه مزيلا
~~عن المؤمنين الحرج في أزواج أدعيائهم.
# وأما من جهة السنة، فما روي أن الصحابة، رضي الله عنهم خلعوا نعالهم في
~~الصلاة، لما خلع نعله، ففهموا وجوب المتابعة له في فعله. والنبي عليه
~~السلام أقرهم على ذلك، ثم بين لهم علة انفراده بذلك.
# وأيضا ما روي عنه أنه أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ. فقالوا له:
~~مالك أمرتنا بفسخ الحج ولم تفسخ ففهموا أن حكمهم كحكمه. والنبي عليه السلام
~~لم ينكر عليه، ولم يقل: لي حكمي، ولكم حكمكم بل أبدى عذرا يختص به.
# وأيضا ما روي عنه عليه السلام، أنه نهى الصحابة عن الوصال في الصوم،
~~وواصل. فقالوا له: نهيتنا عن الوصال، وواصلت فقال: لست كأحدكم، PageV01P176
# إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فأقرهم على ما فهموه من مشاركتهم له في
~~الحكم، واعتذر بعذر يختص به.
# وأيضا ما روي عنه أنه لما سألته أم سلمة عن قبلة الصائم، فقال لها: لم لم
~~تقولي لهم إني أقبل وأنا صائم ولو لم يكن متبعا في أفعاله، لما كان لذلك
~~معنى.
# وأيضا ما روي عنه أنه، لما سألته أم سلمة عن بل الشعر في الاغتسال، قال:
# أما أنا فيكفيني أن أحثو على رأسي ثلاث حثيات من ماء وكان ذلك جوابا لها.
~~ولولا أنه متبع في فعله، لما كان جوابا لها.
# وأيضا ما روي عنه أنه أمر الصحابة بالتحلل بالحلق والذبح، فتوقفوا، فشكا
~~ذلك إلى أم سلمة، فأشارت إليه بأن يخرج وينحر ويحلق، ففعل ذلك، فذبحوا
~~وحلقوا. ولولا أن فعله متبع، لما كان كذلك.
# وأما من جهة الاجماع فما روي عن الصحابة أنهم، لما اختلفوا في الغسل من
~~غير إنزال، أنفذ عمر إلى عائشة، رضي الله عنها، وسألها عن ذلك، فقالت:
~~فعلته أنا ورسول الله، واغتسلنا ms142 فأخذ عمر والناس بذلك. ولولا أن فعله متبع،
~~لما ساغ ذلك.
# وأيضا ما روي عن عمر، رضي الله عنه، أنه كان يقبل الحجر الأسود، ويقول:
~~إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنني رأيت رسول الله يقبلك، لما
~~قبلتك وكان ذلك شائعا فيما بين الصحابة من غير نكير، فكان إجماعا على
~~اتباعه في فعله.
# وأما من جهة المعقول، فمن خمسة أوجه:
# الأول: هو أن فعله احتمل أن يكون موجبا للفعل علينا، واحتمل أن لا يكون
~~موجبا. والحمل على الايجاب أولى لما فيه من الامن والتحرز عن ترك الواجب.
# ولذلك فإنه لو نسي صلاة من خمس صلوات من يوم، فإنه يجب عليه إعادة الكل
~~حذرا من الاخلال بالواجب. وكذلك من طلق واحدة من نسائه، ثم نسيها، فإنه
~~يحرم عليه جميعهن نظرا إلى الاحتياط. PageV01P177
# الثاني: أن النبوة من الرتب العلية، والأوصاف السنية، ولا يخفى أن متابعة
~~العظيم في أفعاله، من أتم الأمور في تعظيمه وإجلاله، وأن عدم متابعته في
~~أفعاله بأن صلى، وهم جلوس، أو قام يطوف، وهم يتسامرون، من أعظم الأمور في
~~إسقاط حرمته، والاخلال بعظمته، وهو حرام ممتنع.
# الثالث: أن أفعاله عليه السلام قائمة مقام أقواله في بيان المجمل، وتخصيص
~~العموم، وتقييد المطلق من الكتاب والسنة، فكان فعله محمولا على الوجوب
~~كالقول.
# الرابع: أن ما فعله النبي عليه السلام يجب أن يكون حقا وصوابا، وترك الحق
~~والصواب يكون خطأ وباطلا، وهو ممتنع.
# الخامس: أن فعله احتمل أن يكون واجبا، واحتمل أن لا يكون واجبا.
# واحتمال كونه واجبا أظهر من احتمال كونه ليس بواجب، لان الظاهر من النبي
~~عليه السلام أنه لا يختار لنفسه سوى الأكمل والأفضل والواجب أكمل مما ليس
~~بواجب، وإذا كان واجبا، فيجب اعتقاد مشاركة الأمة له فيه، لما قررتموه في
~~طريقتكم.
# وأما شبه القائلين بالندب فنقلية وعقلية أيضا.
# أما النقلية: فقوله: تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) *
~~(33) الأحزاب: 21) جعل التأسي به حسنة، وأدنى درجات الحسنة المندوب فكان
~~محمولا عليه، وما زاد فهو ms143 مشكوك فيه.
# وأما العقلية: فهو أن فعله، وإن احتمل أن يكون معصية، إلا أنه خلاف
~~الظاهر، والظاهر من فعله أنه لا يكون إلا حسنة، والحسنة لا تخرج عن الواجب
~~والمندوب، وحمله على فعل المندوب أولى لوجهين.
# الأول: أن غالب أفعال النبي عليه السلام كانت هي المندوبات.
# الثاني: أن كل واجب مندوب وزيادة، وليس كل مندوب واجبا. فكان فعل المندوب
~~لعمومه أغلب، ويلزم من ذلك مشاركة أمته له فيه لما ذكرتموه في طريقتكم.
# وأما شبه القائلين بالإباحة، فهي أن الأصل في الافعال كلها إنما هو
~~الإباحة، ورفع الحرج عن الفعل، والترك، إلا ما دل الدليل على تغييره.
~~والأصل عدم المغير.
# وأما شبه القائلين بالوقف، فإنهم قالوا: فعله، عليه السلام، متردد بين أن
~~PageV01P178
# يكون خاصا به، وبين أن لا يكون خاصا به. وما ليس خاصا به متردد بين
~~الواجب والمندوب والمباح والفعل لا صيغة له ليدل على البعض دون البعض وليس
~~البعض أولى من البعض، فلزم الوقف إلى أن يقوم الدليل على التعيين.
# والجواب عن شبه القائلين بالوجوب:
# أما عن الآية الأولى، فلا نسلم أن قوله: فاتبعوه يدل على الوجوب، وإن
~~سلمنا ذلك ولكن قوله: فاتبعوه صريح في ابتاع شخص النبي عليه السلام، وهو
~~غير مراد. فلا بد من إضمار المتابعة في أقواله وأفعاله. والاضمار على خلاف
~~الأصل، فتمتنع الزيادة فيه من غير حاجة. وقد أمكن دفع الضرورة بإضمار أحد
~~الامرين. وليس إضمار المتابعة في الفعل أولى من القول، بل إضمار المتابعة
~~في القول أولى، لكونه متفقا عليه، ومختلفا في الفعل.
# كيف وأن المتابعة في الفعل إنما يتحقق وجوبها، أن لو علم كون الفعل
~~المتبع واجبا، وإلا فبتقدير أن يكون غير واجب، فمتابعة ما ليس بواجب لا
~~تكون واجبة، ولم يتحقق كون فعله واجبا، فلا تكون متابعته واجبة.
~~PageV01P179
# وعن الآية الثانية، أن يقال اسم الامر، وإن أطلق على الفعل والقول
~~المخصوص، لكنه يجب اعتقاد كونه حقيقة في أمر مشترك بينهما، وهو الشأن
~~والصفة نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ لكونهما على خلاف الأصل. ms144 وعند ذلك
~~فلفظ الامر المحذر من مخالفته يكون مطلقا. والمطلق إذا عمل به في صورة فقد
~~خرج عن كونه حجة ضرورة توفية العمل بدلالته. وقد عمل به في القول المخصوص،
~~فلا يبقى حجة في الفعل سلمنا أنه غير متواطئ، ولكنه مجمع على كونه حقيقة في
~~القول المخصوص، ومختلف في الفعل، فكان حمله على المتفق عليه دون المختلف
~~فيه.
# أو سلمنا أنه حقيقة في الفعل، لكنه يكون مشتركا، وعند ذلك، إن قيل بأن
~~اللفظ المشترك يمتنع حمله على جميع مدلولاته، فليس حمله على التحذير من
~~مخالفة الامر بمعنى الفعل أولى من القول، وإن قيل بحمل اللفظ المشترك على
~~جميع محامله، فالتحذير عن مخالفة الامر يتوقف على كون المحذر منه واجبا
~~لاستحالة التحذير من ترك ما ليس واجبا. وعند ذلك، فالقول بالتحذير من
~~مخالفة الفعل يستدعي وجوب ذلك الفعل، ووجوبه، إذا كان لا يعرف إلا من
~~التحذير، كان دورا.
# كيف وإنه قد تقدم في الآية ذكر دعاء الرسول بقوله: * (لا تجعلوا دعاء
~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) * (24) النور: 63) والمراد بالدعاء إنما هو
~~القول. فكان الامر المذكور بعده عائدا إلى قوله. ثم قد أمكن عود الضمير في
~~أمره إلى الله تعالى، إذ هو PageV01P180
# أقرب مذكور، حيث قال بعد ذكر الرسول: * (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم
~~لواذا) * (24) النور: 63) فكان عوده إليه أولى.
# وعن الآية الثالثة بمنع دلالة الامر على الوجوب، وإن سلمنا ذلك. ولكن
~~إنما يكون أخذ ما أتانا به واجبا، إذا كان ما أتى به واجبا. وأما إذا لم
~~يكن واجبا، فأخذه لا يكون واجبا، فإن القول بوجوب فعل لا يكون واجبا تناقض
~~في اللفظ والمعنى.
# وعند ذلك، فيتوقف دلالة الآية على الوجوب على كون الفعل المأتي به واجبا،
~~ووجوبه إذا توقف على دلالة الآية على وجوبه كان دورا.
# كيف وإن في الآية ما يدل على أن المراد بوجوب أخذه إنما هو الامر بمعنى
~~القول حيث إنه قابله بالنهي بقوله: وما نهاكم عنه فانتهوا والنهي لا يكون
~~إلا بالقول. وكذلك الامر المقابل ms145 له.
# وعن الآية الرابعة من وجهين: الوجه الأول: إنا نقول المراد بالتأسي به في
~~فعله أن نستخير لأنفسنا ما استخاره لنفسه، واجبا وأن لا نعترض عليه فيما
~~يفعله أو معنى آخر. الأول مسلم، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون ما استخاره
~~لنفسه واجبا حتى يكون ما نستخيره نحن لأنفسنا واجبا. والثاني ممنوع.
# الوجه الثاني: أن المراد بالتأسي به في فعله أن نوقع الفعل على الوجه
~~الذي أوقعه هو عليه السلام، حتى أنه لو صلى واجبا، وصلينا متنفلين، أو
~~بالعكس، فإن ذلك لا يكون تأسيا به، ولم يثبت كون ما فعله واجبا حتى يكون ما
~~نفعله نحن واجبا.
# وعلى هذين الجوابين يخرج الجواب عن الآية الخامسة.
# وعن الآية السادسة أن المراد من الطاعة إنما هو امتثال أمره ومتابعته في
~~فعله PageV01P181
# على الوجه الذي فعله، إن كان واجبا فواجبا، وإن كان ندبا فندبا. ونحن
~~نقول به، ولم يثبت أن ما فعله واجب، حتى تكون متابعتنا له فيه واجبة.
# وعن الآية السابعة إن غايتها الدلالة على أن حكم أمته مساو لحكمه في
~~الوجوب والندب والإباحة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل ما فعله واجبا ليكون
~~فعلنا له واجبا.
# وعن الخبر الأول من السنة من وجهين:
# الأول أن ذلك لا يدل على أنهم فعلوا ذلك بجهة الوجوب، بل لعلهم رأوا
~~متابعته في خلع النعل مبالغة في موافقته. والذي يدل على أن الخلع بطريق
~~المتابعة له لم يكن واجبا إنكاره عليهم ذلك، وقوله: لم خلعتم نعالكم ولو
~~كانت متابعته في فعله واجبة على الاطلاق، لما أنكر ذلك.
# الوجه الثاني أنه وإن ظنوا وجوب المتابعة، لكن لا من الفعل، بل لقيام
~~دليل أوجب عليهم ذلك وبيانه من وجهين:
# الأول أنه، عليه السلام، كان قد قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي ففهموا
~~أن صلاته بيان لصلاتهم، فلما رأوه قد خلع نعله، تابعوه فيه لظنهم أن ذلك من
~~هيئات الصلاة.
# الثاني أنهم كانوا مأمورين بأخذ زينتهم عند كل مسجد بقوله تعالى: * (خذوا
~~زينتكم عند كل مسجد) ms146 * (7) الأعراف: 31) فلما رأوه قد خلع نعله، ظنوا
~~وجوبه، وأنه لا يترك الامر المسنون المأمور إلا لواجب. ونحن لا ننكر وجوب
~~المتابعة عند قيام الدليل.
# وعن الخبر الثاني: أن فهمهم لوجوب م تابعته في أفعال الحج إنما كان
~~مستندا إلى قوله عليه السلام: خذوا عني مناسككم لا إلى فعله.
# وعن الخبر الثالث: أن الوصال للنبي عليه السلام لم يكن واجبا عليه، بل
~~غايته أنه كان مباحا له. ووجوب المتابعة فيما أصله غير واجب ممتنع، كما
~~سبق، بل ظنهم إنما كان مشاركته في إباحة الوصال. ونحن نقول به، وهذا هو
~~الجواب عن الخبر الرابع. PageV01P182
# وعن الخبر الخامس: أنه لا دلالة له على وجوب، بل الشعر في حقه عليه
~~السلام، ولا حق غيره. ولعله أراد بذلك الكفاية في الكمال، لا في الوجوب، بل
~~وجوب البل إنما هو مستفاد من قوله عليه السلام: بلوا الشعر وانقوا البشرة.
# وعن الخبر السادس من وجهين:
# الأول أن فعله وقع بيانا لقوله عليه السلام: خذوا عني مناسككم ولا نزاع
~~في وجوب اتباع فعله، إذا ورد بيانا لخطاب سابق، بل وهو أبلغ من دلالة القول
~~المجرد عن الفعل، لكون الفعل ينبئ عن المقصود عيانا، بخلاف القول، فإنه لا
~~يدل عليه عيانا.
# الثاني أن وجوب التحلل وقع مستفادا من أمر النبي عليه السلام لهم بذلك.
# غير أنهم كانوا يرتقبون إنجاز ما وعدهم الله به من الفتح والظهور على
~~قريش في تلك السنة، وأن ينسخ الله عنهم الامر بالتحلل وأداء ما كانوا فيه
~~من الحج. فلما تحلل عليه السلام، آيسوا من ذلك فتحللوا.
# وعن الاحتجاج بالاجماع الأول لا نسلم أن وجوب الغسل من التقاء الختانين
~~كان مستفادا من فعل رسول الله، بل من قوله عليه السلام: إذا التقى
~~الختانان، وجب الغسل وسؤال عمر لعائشة إنما كان ليعلم أن فعل النبي هل وقع
~~موافقا لامره، أم لا.
# وعن الثاني أن تقبيل عمر الحجر إنما كان مستفادا من فعل رسول الله المبين
~~لقوله: خذوا عني مناسككم كيف وأن تقبيل الحجر غير واجب على ms147 النبي عليه
~~السلام، ولا على غيره، بل غايته أن فعل النبي عليه السلام يدل على ترجيح
~~فعله على تركه من غير وجوب. وذلك مما لا ننكره، ولا ننكر مشاركة الأمة له
~~في ذلك. PageV01P183
# وعن الشبهة الأولى: من المعقول، فقد قيل في دفعها إن الاحتياط إنما يمكن
~~أن يقال به إذا خلا عن احتمال الضرر قطعا، وفيما نحن فيه يحتمل أن يكون
~~الفعل حراما على الأمة، وهو غير صحيح، فإنه لو غم الهلال ليلة الثلاثين من
~~رمضان، فإنه يحتمل أن يكون يوم الثلاثين منه يوم العيد، واحتمل أن لا يكون
~~يوم العيد.
# ومع ذلك يجب صومه احتياطا للواجب، وإن احتمل أن يكون حراما لكونه من يوم
~~العيد.
# والحق في ذلك أن يقال إنما يكون الاحتياط أولى لما ثبت وجوبه، كالصلاة
~~الفائتة من صلوات يوم وليلة، أو كان الأصل وجوبه، كما في صوم يوم الثلاثين
~~من رمضان، إذا كانت ليلته مغيمة.
# وأما ما عساه أن يكون واجبا وغير واجب، فلا. وما نحن فيه كذلك، حيث لم
~~يتحقق وجوب الفعل، ولا الأصل وجوبه.
# وعن الشبهة الثانية: لا نسلم أن الاتيان بمثل ما يفعله العظيم يكون
~~تعظيما له وأن تركه يكون إهانة له وحطا من قدره، بل ربما كان تعاطي الأدنى
~~لمساواته الاعلى فعله حطا من منزلته، وغضا من منصبه. ولهذا، يقبح من العبد
~~الجلوس على سرير سيده في مرتبته، والركوب على مركبه، ولو فعل ذلك، استحق
~~اللوم والتوبيخ. ثم لو كانت متابعة النبي في أفعاله موجبة لتعظيمه، وترك
~~المتابعة موجبة لاهانته، لوجب متابعته عندما إذا ترك بعض ما تعبدنا به من
~~العبادات، ولم يعلم سبب تركه، وهو خلاف الاجماع.
# وعن الشبهة الثالثة: إنه لا يلزم من كون الفعل بيانا للقول أن يكون موجبا
~~لما يوجبه القول. فإن الخطاب القولي يستدعي وجوب الجواب، ولا كذلك الفعل.
# وعن الشبهة الرابعة: أن فعل النبي عليه السلام، وإن كان حقا وصوابا
~~بالنسبة إليه، فلا يلزم أن يكون حقا وصوابا بالنسبة إلى أمته. إلا أن يكون
~~فعله مما ms148 يوجب مشاركتهم له في ذلك الفعل. وهو محل النزاع. PageV01P184
# وعن الشبهة الخامسة: إنه وإن كان فعل الواجب أفضل مما ليس بواجب، فلا
~~يلزم أن يكون كل ما يفعله النبي عليه السلام واجبا. ولهذا، فإن فعله
~~للمندوبات كان أغلب من فعله للواجبات، بل فعله للمباحات كان أغلب من فعله
~~للمندوبات. وعن ذلك فليس حمل فعله على النادر من أفعاله أولى من حمله على
~~الغالب منها وعن شبه القائلين بالندب.
# أما الآية، فجوابها مثل ما سبق في الاحتجاج بها على الوجوب.
# وأما الشبهة العقلية: فلا نسلم أن غالب فعله المندوبات، بل المباح. ولا
~~نسلم أن المندوب داخل في الواجب على ما سبق تقريره.
# وأما شبهة الإباحة: فنحن قائلون بها في كل فعل لم يظهر من النبي عليه
~~السلام قصد التقرب به، وأما ما ظهر معه قصد التقرب به، فيمتنع أن يكون
~~مباحا بمعنى نفي الحرج عن فعله وتركه. فإن مثل ذلك لا يتقرب به. وذلك مما
~~يجب حمله على ترجيح جانب الفعل على الترك، على ما قررناه.
# وأما الواقفية: فإن أرادوا بالوقف أنا لا نحكم بإيجاب ولا ندب إلا أن
~~يقوم الدليل على ذلك، فهو الحق وهو عين ما قررناه. وإن أرادوا به أن الثابت
~~أحد هذه الأمور، لكنا لا نعرفه بعينه فخطأ. فإن ذلك يستدعي دليلا، وقد بينا
~~أنه لا دلالة للفعل على شئ سوى ترجيح الفعل على الترك، عندما إذا ظهر من
~~النبي عليه السلام قصد التقرب بفعله، أو نفي الحرج مطلقا، عندما إذا لم
~~يظهر منه قصد القربة.
# والأصل عدم دليل سوى الفعل. والله أعلم. PageV01P185
# المسألة الثانية إذا فعل النبي عليه السلام فعلا، ولم يكن بيانا لخطاب
~~سابق، ولا قام الدليل على أنه من خواصه، وعلمت لنا صفته من الوجوب أو الندب
~~أو الإباحة، إما بنصه، عليه السلام، على ذلك وتعريفه لنا، أو بغير ذلك من
~~الأدلة، فمعظم الأئمة من الفقهاء والمتكلمين متفقون على أننا متعبدون
~~بالتأسي به في فعله، واجبا كان أو مندوبا أو مباحا.
# ومنهم من منع ms149 من ذلك مطلقا، ومنهم من فصل، كأبي علي بن خلاد، وقال
~~بالتأسي في العبادات دون غيرها.
# والمختار إنما هو المذهب الجمهوري ودليله النص والاجماع.
# أما النص، فقوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون
~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الأحزاب:
~~37) ولولا أنه متأسي به في فعله ومتبعا، لما كان للآية معنى. وهذا من أقوى
~~ما يستدل به هاهنا.
# وأيضا قوله تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * (3) آل عمران:
~~31) ووجه الاستدلال به أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة،
~~فلو لم تكن المتابعة له لازمة لزم من عدمها عدم المحبة الواجبة، وذلك حرام
~~بالاجماع.
# وأيضا قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو
~~الله واليوم الآخر) * (33) الأحزاب: 21) ووجه الاحتجاج به أنه جعل التأسي
~~بالنبي عليه السلام، من لوازم رجاء الله تعالى واليوم الآخر. ويلزم من عدم
~~التأسي عدم الملزوم، وهو الرجاء لله واليوم الآخر. وذلك كفر.
# والمتابعة والتأسي في الفعل على ما بيناه في المقدمة هو أن يفعل مثل ما
~~فعل على الوجه الذي فعل من أجل أنه فعل. PageV01P186
# وأما الاجماع فهو أن الصحابة كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله،
~~كرجوعهم إلى تزويجه لميمونة، وهو حرام، وفي تقبيله، عليه السلام للحجر
~~الأسود، وجواز تقبيله، وهو صائم إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة التي لا
~~تحصى.
# فإن قيل: أما الآية الأولى، وإن دلت على التأسي به والمتابعة في التزويج
~~من أزواج الأدعياء إذا قضوا منهن وطرا، فليس فيها ما يدل على التأسي
~~والمتابعة في كل فعل.
# وأما الأخيرتان، فلا نسلم عموم دلالتها على المتابعة والتأسي في كل شئ إذ
~~لا عموم لهما في ذلك. ولهذا فإنه يحسن أن يقال: لك في فلان أسوة في كل شئ
~~ويقال: لك في فلان أسوة حسنة في هذا الشئ دون غيره ولو كان لفظ (الأسوة)
~~عاما في كل شئ، لكان قوله: (في كل شئ) تكرارا وقوله: (في هذا الشئ دون ms150
~~غيره) مناقضة، بل غايتها الدلالة على المتابعة والتأسي في بعض الأشياء.
# ونحن قائلون بذلك في اتباع أقواله والتأسي بما دل الدليل القولي على
~~التأسي به في أفعاله، كقوله: صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم
~~ونحوه.
# وأما ما ذكرتموه من الاجماع، فلا نسلم أن المستند فيما كانوا يفعلونه
~~التأسي بالنبي في فعله، وإنما كان مستندهم في ذلك غيره، أما فيما كان
~~مباحا، فالبقاء على الأصل، أما فيما كان واجبا أو مندوبا فالأقوال الدالة
~~على ذلك.
# والجواب: عن الاعتراض على الآية الأولى، أن الآية ليس فيها دلالة على
~~خصوص متابعة المؤمنين للنبي، عليه السلام، في ذلك. ولولا أن التأسي بالنبي
~~عليه السلام في جميع أفعاله لازم، لما فهم المؤمنون من إباحة ذلك للنبي
~~عليه السلام إباحة ذلك لهم، ولا يمكن أن يقال بأن فهم الإباحة إنما كان
~~مستندا إلى الإباحة الأصلية، وإلا، لما كان لتعليل تزويج النبي عليه
~~السلام، بنفي الحرج عن المؤمنين معنى، لكونه مدفوعا بغيره.
# وعن الاعتراض الثاني على الآيتين الأخريين، أن مقصودهما إنما هو بيان كون
~~النبي، عليه السلام، أسوة لنا ومتبعا، إظهارا لشرفه، وإبانة لخطره. وذلك
~~إنما يكون في شئ واحد، أو في جميع الأشياء. فإن كان في شئ واحد، فإما أن
~~PageV01P187
# يكون معينا أو مبهما: القول بالتعيين ممتنع لعدم دلالة اللفظ عليه،
~~والقول بالابهام ممتنع، لأنه على خلاف الغالب من خطاب الشرع، ولكونه أبعد
~~إظهار شرف النبي، عليه السلام. فلم يبق إلا أن يكون في جميع الأشياء. وإذا
~~قال: لك أسوة في فلان في جميع الأشياء فهو مفيد للتأكيد، ولي تكرارا خليا
~~عن الفائدة وإذا قال: لك أسوة في فلان في هذا الشئ دون غيره فلا يكون
~~مناقضة، لان العموم إنما هو مستفاد من التأسي والمتابعة المطلقة وهذا ليس
~~بمطلق، بل الكل جملة واحدة مفيدة لشئ معين.
# وأما ما ذكروه على الاجماع، فهو خلاف المشهور المأثور عنهم عند اتفاقهم
~~بعد اختلافهم في التمسك بأفعال النبي، عليه السلام، والرجوع إليها وسؤال
~~زوجاته، والبحث عن أفعاله في ذلك، ms151 وسكون أنفسهم إليها، والاعتماد عليها،
~~واحتجاج بعضهم على بعض بها. ولو كان ثم دليل يدل على المتابعة والتأسي غير
~~النظر إلى أفعاله، لبادروا إليه من غير توقف على البحث عن فعله، عليه
~~السلام، وعلى ما ذكرناه في فعله، يكون الحكم في تركه.
# المسألة الثالثة إذا فعل واحد بين يدي النبي عليه السلام فعلا أو في
~~عصره، وهو عالم به قادر على إنكاره، فسكت عنه وقرره عليه من غير نكير عليه،
~~فلا يخلو إما أن يكون النبي عليه السلام، قد عرف قبح ذلك الفعل وتحريمه من
~~قبل، أو لم يكن كذلك.
# فإن كان الأول، فإما أن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله، وعلم من
~~النبي، عليه السلام، الاصرار على قبح ذلك الفعل وتحريمه، كاختلاف أهل الذمة
~~إلى كنائسهم، أو لم يكن كذلك.
# فإن كان الأول، فالسكوت عنه لا يدل على جوازه وإباحته إجماعا، ولا يوهم
~~كونه منسوخا.
# وإن كان الثاني، فالسكوت عنه وتقريره له من غير إنكار يدل على نسخه
~~PageV01P188
# عن ذلك الشخص. وإلا لما ساغ السكوت حتى لا يتوهم أنه منسوخ عنه، فيقع في
~~المحذور، وفيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز بالاجماع، إلا على
~~رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق.
# وأما، إن لم يكن النبي عليه السلام قد سبق منه النهي عن ذلك الفعل، ولا
~~عرف تحريمه، فسكوته عن فاعله وتقريره له عليه ولا سيما إن وجد منه استبشار
~~وثناء على الفاعل، فإنه يدل على جوازه ورفع الحرج عنه، وذلك لأنه لو لم يكن
~~فعلا جائزا لكان تقريره له عليه، مع القدرة على إنكاره، وكان استبشاره
~~وثناؤه عليه حراما على النبي عليه السلام. وهو وإن كان من الصغائر الجائزة
~~على النبي، عليه السلام، عند قوم، إلا أنه في غاية البعد، لا سيما فيما
~~يتعلق ببيان الأحكام الشرعية . وإذا كان كذلك، فالانكار هو الغالب. فحيث لم
~~يوجد ذلك منه دل على الجواز غالبا.
# فإن قيل: يحتمل أنه لم ينكر عليه: إما لعلمه بأنه لم يبلغه ms152 التحريم، فلم
~~يكن الفعل عليه حراما إذ ذاك، أو لأنه علم بلوغ التحريم إليه، ولم ينجع فيه
~~وأصر على ما هو عليه، أو لأنه منعه مانع من الانكار.
# قلنا: عدم بلوغ التحريم إليه غير مانع من الانكار والاعلام بأن ذلك الفعل
~~حرام بل الاعلام بالتحريم واجب، حتى لا يعود إليه ثانيا، وإلا كان السكوت
~~مما يوهم: إما عدم دخوله في عموم التحريم، أو النسخ. وأما، إذا علم ذلك
~~الشخص التحريم، وأصر على فعله مع كونه مسلما متبعا للنبي عليه السلام، فلا
~~بد من تجديد الانكار، حتى لا يتوهم نسخه. ولا يلزم على هذا تجديد الانكار
~~على اختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، إذ هم غير متبعين له، ولا يعتقدون تحريم
~~ذلك، حتى يقال: يتوهم نسخ ذلك بسكوت النبي، عليه السلام، عن الانكار عليهم.
# وما ذكروه من احتمال المانع، وإن كان قائما عقلا، غير أن الأصل عدمه، وهو
~~في غاية البعد، ولا سيما بعد ظهور شوكته واستيلائه وقهره لمن سواه.
~~PageV01P189
# المسألة الرابعة لا يتصور التعارض بين أفعال رسول الله، بحيث يكون البعض
~~منها ناسخا للآخر، أو مخصصا له، وذلك لأنهما إما من قبيل المتماثلين، كفعل
~~صلاة الظهر مثلا في وقتين متماثلين أو في وقتين مختلفين، وإما من قبيل
~~المختلفين.
# والفعلان المختلفان إما أن يتصور اجتماعهما، كالصوم والصلاة، أو لا يتصور
~~اجتماعهما.
# وما لا يتصور اجتماعهما: إما أن لا تتناقض أحكامهما، كصلاة الظهر والعصر
~~مثلا، أو تتناقض، كما لو صام في وقت معين، وأكل في مثل ذلك الوقت.
# فإن كان من القسم الأول، أو الثاني، أو الثالث، فلا خفاء بعدم التعارض
~~بينهما، لامكان الجمع.
# وإن كان من القسم الرابع، فلا تعارض أيضا، إذ أمكن أن يكون الفعل في وقت
~~واجبا أو مندوبا أو جائزا، وفي وقت آخر بخلافه، ولا يكون أحدهما رافعا، ولا
~~مبطلا لحكم الآخر، إذا لا عموم للفعلين، ولا لأحدهما.
# نعم إن دل الدليل على أن ما فعله النبي عليه السلام، من الصوم، كان يجب
~~تكريره عليه في مثل الوقت أو ms153 دل الدليل على لزوم وجوب تأسي أمته به في ذلك
~~الوقت. فإذا ترك ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت بالتلبس بضده، كالأكل مع الذكر
~~للصوم والقدرة عليه، فإن أكله يدل على نسخ حكم ذلك الدليل الدال على تكرار
~~الصوم في حقه، لا نسخ حكم ذلك الصوم المتقدم لعدم اقتضائه للتكرار، ورفع
~~حكم وجد محال، أو أنه رأى بعض الأمة فمثل ذلك الوقت يأكل، فأقره عليه، ولم
~~ينكر مع الذكر للصوم والقدرة على الانكار، فإن ذلك يدل على نسخ حكم ذلك
~~الدليل المقتضي لتعميم الصوم على الأمة في حق ذلك الشخص أو تخصيصه، لا نسخ
~~حكم فعل الرسول ولا تخصيصه. وإن قيل النسخ فعل الرسول وتخصيصه، فلا يكون
~~إلا بمعنى أنه قد زال التعبد بمثله عن الرسول، أو الواحد من الأمة، وذلك من
~~باب التجوز والتوسع لا أنه حقيقة. PageV01P190
# المسألة الخامسة إذا تعارض فعل النبي وقوله، فإما أن يكون فعله لم يدل
~~الدليل على تكرره في حقه، ولا على تأسي الأمة به فيه، أو دل. فإن كان
~~الأول، فقوله إما أن يكون خاصا به، أو بنا، أو هو عام له ولنا.
# فإن كان خاصا به، فإما أن يعلم تقدم أحدهما، أو يجهل التاريخ فإن علم
~~تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، فإما أن يكون المتقدم هو الفعل، أو القول.
# فإن كان المتقدم هو الفعل مثل أن يفعل فعلا في وقت ويقول بعده، إما على
~~الفور أو التراخي: لا يجوز لي مثل هذا الفعل في مثل هذا الوقت، فلا تعارض
~~بينهما، لان القول لم يرفع حكم ما تقدم من الفعل في الماضي ولا في
~~المستقبل. لان الفعل غير مقتض للتكرار على ما وقع به الغرض، وقد أمكن الجمع
~~بين حكم القول والفعل، وأن كان المتقدم هو القول مثل أن يقول: الفعل
~~الفلاني واجب علي في الوقت الفلاني، ثم يتلبس بضده في ذلك الوقت. فمن جوز
~~نسخ الحكم قبل التمكن من الامتثال، قال: إن الفعل ناسخ لحكم القول. ومن لم
~~يجوز ذلك، منع كون الفعل ms154 رافعا لحكم القول، وقال: لا يتصور وجود مثل ذلك
~~الفعل مع العمد، إن لم نجوز على النبي، عليه السلام. وإلا فهو معصية.
# وأما إن كان قوله خاصا بنا، فلا تعارض أيضا لعدم اجتماعهما في محل واحد
~~من جهة واحدة.
# وأما إن كان قوله عاما لنا وله، فإن كان الفعل متقدما، فلا معارضة أيضا
~~بين قوله وفعله.
# أما بالنسبة إليه، عليه السلام فلما تقدم فيما إذا كان قوله خاصا به،
~~وأما إلينا فلان فعله غير متعلق بنا على ما وقع به الغرض. وإن كان القول هو
~~المتقدم، فالحكم في التعارض بين قوله وفعله بالنسبة إليه، كما تقدم أيضا
~~فيما إذا كان قوله خاصا به، ولا معارضة بالنسبة إلينا، لعدم توارد قوله
~~وفعله علينا على ما وقع به الغرض.
# هذا كله فيما إذا لم يدل الدليل على تكرر ذلك الفعل في حقه، ولا تأسي
~~الأمة به.
# وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه، وعلى تأسي الأمة به، أو على تكرره
~~في حقه، دون تأسي الأمة به أو على تأسي الأمة به، دون تكرره في حقه. فالحكم
~~مختلف في هذه الصور. PageV01P191
# فإن دل الدليل على تكرره في حقه، وعلى تأسي الأمة به، فلا يخلو قوله، إما
~~أن يكون خاصا به، أو بنا، أو هو عام له ولنا: فإن كان قوله خاصا به، فإما
~~أن يعلم تقدم الفعل أو القول أو يجهل التاريخ: فإن علم تقدم، فالقول
~~المتأخر يكون ناسخا لحكم الفعل في حقه في المستقبل، دون أمته لعدم تناول
~~القول لهم.
# وإن كان القول هو المتقدم، ففعله يكون ناسخا لحكم القول في حقه، أن كان
~~بعد التمكن من الامتثال أو قبله، على رأي من يجوزه، وموجبا للفعل على أمته.
# وأما إن جهل التاريخ، فلا معارضة بين فعله وقوله بالنسبة إلى الأمة لعدم
~~تناول قوله لهم.
# وأما بالنسبة إليه، فقد اختلف فيه: فمنهم من قال بوجوب العمل بالقول،
~~ومنهم من قال بالعكس، ومنهم من أوجب المعارضة والوقف إلى حين قيام دليل
~~التاريخ.
# والمختار ms155 إنما هو العمل بالقول لوجوه أربعة:
# الأول: أن القول يدل بنفسه من غير واسطة. والفعل إنما يدل على الجواز
~~بواسطة أن النبي عليه السلام لا يفعل المحرم، وذلك مما يتوقف على الدلائل
~~الغامضة البعيدة.
# الثاني: أن القول مما يمكن التعبير به عما ليس بمحسوس، كالمعقولات
~~الصرفة، وعن المحسوس، والفعل لا ينبئ عن غير محسوس، فكانت دلالة القول أقوى
~~وأتم.
# الثالث: أن القول قابل للتأكيد بقول آخر، ولا كذلك الفعل. القول. فكان
~~القول لذلك أولى.
# الرابع: أن العمل بالقول ههنا مما يفضي إلى نسخ مقتضى الفعل في حق النبي
~~عليه السلام دون الأمة. والعمل بالفعل يفضي إلى إبطال مقتضى القول بالكلية،
~~فكان الجمع بينهما، ولو من وجه، أولى.
# فإن قيل: بل الفعل آكد في الدلالة، فإنه يبين به القول، والمبين للشئ آكد
~~في الدلالة من ذلك الشئ.
# وبيانه أن جبريل عليه السلام، بين للنبي عليه السلام كيفية الصلاة
~~المأمور بها، وبين مواقيتها حيث صلى به في اليومين، وقال: يا محمد، الوقت
~~ما بين هذين والنبي، عليه السلام، بين الصلاة للأمة بفعله، حيث قال: صلوا
~~كما رأيتموني أصلي وبين المراد من قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت)
~~* (3) آل عمران: 97) بفعله حيث قال: خذوا عني مناسككم وقال للذي سأله عن
~~مواقيت الصلاة: صل معنا وبين الشهر بأصابعه حيث قال: إنما الشهر هكذا وهكذا
~~PageV01P192
# وأيضا فإن كل من رام تعليم غيره، إذا أراد المبالغة في إيصال معنى ما
~~يقوله إلى فهمه، استعان في ذلك بالإشارة بيده، والتخطيط وتشكيل الاشكال،
~~ولولا أن الفعل أدل لما كان كذلك.
# قلنا: غاية ما ذكرتموه وجود البيان بالفعل، وكما وجد البيان بالفعل، فقد
~~وجد بالقول أغلب من البيان بالفعل. فإن أكثر الاحكام مستندها إنما هو
~~الأقوال دون الافعال، وغايته أنهما يتساويان في ذلك ويبقى ما ذكرناه من
~~الترجيحات الأولى بحالها.
# هذا كله إذا كان قوله خاصا به.
# وأما إن كان قوله خاصا بنا دونه، فإما أن يعلم تقدم الفعل أو القول، أو
~~يجهل التاريخ.
# فإن علم تقدم الفعل، ms156 فالقول المتأخر يكون ناسخا للحكم في حقنا دونه، وإن
~~كان القول هو المتقدم فالحكم في كون الفعل ناسخا لحكم القول في حقنا دون
~~النبي فكما ذكرناه فيما إذا كان القول خاصا به.
# وأما إن جهل التاريخ فالخلاف كالخلاف فيما إذا كان القول خاصا به،
~~والمختار إنما هو العمل بالقول لما علم.
# وأما إن كان القول عاما له ولنا، فأيهما تأخر كان ناسخا لحكم المتقدم في
~~حقه وحقنا على ما ذكرناه من التفصيل في التعقيب والتراخي.
# وإن جهل التاريخ، فالخلاف كالخلاف. والمختار كالمختار.
# هذا كله فيما إذا دل الدليل على تكرر الفعل في حقه وعلى تأسي الأمة به.
# وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه دون تأسي الأمة به، فالقول إن كان
~~خاصا بالأمة، فلا تعارض لعدم المزاحمة، بينهما.
# وإن كان خاصا بالنبي، أو هو عام له، وللأمة، فالتعارض بين القول والفعل
~~إنما يتحقق بالنسبة إليه، دون أمته، لعدم قيام الدليل على تأسي الأمة به في
~~فعله، ولا يخفى الحكم، سواء تقدم الفعل أو تأخر، أو جهل التاريخ.
~~PageV01P193
# وأما إن دل الدليل على تأسي الأمة به في فعله، دون تكرره في حقه. فالقول
~~إن كان خاصا به، فإن كان متأخرا عن الفعل فلا معارضة لا في حقه، ولا في حق
~~أمته، وإن كان متقدما فالفعل المتأخر عنه يكون ناسخا لحكم القول في حقه على
~~ما ذكرناه من التفصيل، دون أمته.
# وإن جهل التاريخ، فالخلاف على ما تقدم.
# وإن كان القول خاصا بأمته، فلا معارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى
~~النبي عليه السلام لعدم المزاحمة.
# وأما إن تحققت المعارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى الأمة، فأيهما كان
~~متأخرا، فهو الناسخ، وإن جهل التاريخ، فالخلاف على ما سبق وكذلك المختار.
# وإن كان القول عاما له ولأمته، فإن تقدم الفعل، فالقول المتأخر لا معارضة
~~بينه وبين الفعل في حق النبي عليه السلام. وإنما هو ناسخ لحكم الفعل في حق
~~الأمة.
# وإن تقدم القول فالفعل ناسخ لحكم القول في حق النبي والأمة.
# وإن جهل ms157 التاريخ، فالخلاف كالخلاف، والمختار كالمختار. والله أعلم.
~~PageV01P194
# الأصل الثالث في الاجماع ويشتمل على مقدمة، ومسائل.
# أما المقدمة: ففي تعريف الاجماع. وهو في اللغة باعتبارين:
# أحدهما العزم على الشئ والتصميم عليه، ومنه يقال: أجمع فلان على كذا، إذا
~~عزم عليه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: * (فاجمعوا أمركم) * (10) يونس: 71)
~~أي اعزموا، وبقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل أي
~~يعزم. وعلى هذا فيصح إطلاق اسم الاجماع على عزم الواحد.
# الثاني: الاتفاق، ومنه يقال: أجمع القوم على كذا، إذا اتفقوا عليه. وعلى
~~هذا، فاتفاق كل طائفة على أمر من الأمور، دينيا كان أو دنيويا، يسمى إجماعا
~~حتى اتفاق اليهود والنصارى.
# وأما في اصطلاح الأصوليين، فقد قال النظام: هو كل قول قامت حجته، حتى قول
~~الواحد. وقصد بذلك الجمع بين إنكاره كون إجماع أهل الحل والعقد حجة، وبين
~~موافقته لما اشتهر بين العلماء من تحريم مخالفة الاجماع، والنزاع معه في
~~إطلاق اسم الاجماع على ذلك، مع كونه مخالفا للوضع اللغوي، والعرف الأصولي
~~آيل إلى اللفظ.
# وقال الغزالي: الاجماع عبارة عن اتفاق أمة محمد خاصة على أمر من الأمور
~~الدينية.
# وهو مدخول من ثلاثة أوجه:
# الأول: أن ما ذكره يشعر بعدم انعقاد الاجماع إلى يوم القيامة. فإن أمة
~~محمد جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن وجد في بعض الاعصار منهم إنما يعم
~~بعض الأمة لا كلها، وليس ذلك مذهبا له ولا لمن اعترف بوجود الاجماع.
# الثاني أنه، وإن صدق على الموجودين منهم في بعض الاعصار أنهم أمة محمد،
~~غير أنه يلزم مما ذكره أنه لو خلا عصر من الاعصار عن أهل الحل والعقد، وكان
~~كل من فيه عاميا واتفقوا على أمر ديني أن يكون إجماعا شرعيا. وليس كذلك.
~~PageV01P195
# الثالث: أنه يلزم من تقييده للاجماع بالاتفاق على أمر من الأمور الدينية
~~أن لا يكون إجماع الأمة على قضية عقلية أو عرفية حجة شرعية. وليس كذلك، لما
~~يأتي بيانه.
# والحق في ذلك أن يقال: الاجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من ms158
~~أمة محمد في عصر من الاعصار على حكم واقعة من الوقائع.
# هذا إن قلنا إن العامي لا يعتبر في الاجماع. وإلا فالواجب أن يقال:
~~الاجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد إلى آخر الحد المذكور.
# فقولنا: (اتفاق) يعم الأقوال والافعال، والسكوت والتقرير.
# وقولنا: (جملة أهل الحل والعقد) احتراز عن اتفاق بعضهم وعن اتفاق العامة.
# وقولنا: (من أمة محمد) احتراز عن اتفاق أهل الحل والعقد من أرباب الشرائع
~~السالفة.
# وقولنا في: (عصر من الاعصار) حتى يندرج فيه إجماع أهل كل عصر. وإلا أوهم
~~ذلك أن الاجماع لا يتم إلا باتفاق أهل الحل والعقد في جميع الأعصار إلى يوم
~~القيامة.
# وقولنا: (على حكم واقعة) ليعم الاثبات والنفي، والاحكام العقلية
~~والشرعية.
# وإذا عرف معنى الاجماع، فلنرجع إلى المسائل المتعلقة به.
# المسألة الأولى اختلفوا في تصور اتفاق أهل الحل والعقد على حكم واحد غير
~~معلوم بالضرورة:
# فأثبته الأكثرون، ونفاه الأقلون، مصيرا منهم إلى أن اتفاقهم على ذلك
~~الحكم إما أن يكون عن دليل قاطع لا يحتمل التأويل، أو عن دليل ظني.
# لا جائز أن يقال بالأول، وإلا لكانت العادة محيلة لعدم نقله وتواطئ الجمع
~~الكثير على إخفائه، فحيث لم ينقل، دل على عدمه.
# كيف وأنه لو نقل لكان كافيا في الدلالة عن إجماعهم، ولا جائز أن يقال
~~بالثاني، لأنهم مع كثرتهم واختلاف أذهانهم ودواعيهم في الاعتراف بالحق
~~والعناد، فالعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الحكم الواحد، كما أنها تحيل
~~اتفاقهم على أكل PageV01P196
# طعام واحد معين في يوم واحد، وهو باطل، فأنه إن كان إجماعهم عن دليل قاطع
~~فإنما يمتنع عدم نقله، أن لو دعت الحاجة إليه، وإنما تدعو الحاجة إليه أن
~~لو لم يكن الاجماع على ذلك الحكم كافيا عنه. وهو محل النزاع وإن كان ذلك عن
~~دليل ظني فلا يمتنع معه اتفاق الجمع الكبير على حكمه بدليل اتفاق أهل الشبه
~~على أحكامها مع الأدلة القاطعة على مناقضتها، كاتفاق اليهود والنصارى على
~~إنكار بعثة محمد، صلى الله عليه وسلم، واتفاق الفلاسفة على قدم العالم، ms159
~~والمجوس على التثنية مع كثرة عددهم كثرة لا تحصى فالاتفاق على الدليل الظني
~~الخالي عن معارضة القاطع له، أولى أن لا يمتنع عادة، وخرج عليه امتناع
~~اتفاق الجمع الكثير على أكل طعام معين في وقت واحد في العادة لعدم الصارف
~~إليه كيف وأن جميع ما ذكروه منتقض بما وجد من اتفاق جميع المسلمين، فضلا عن
~~اتفاق أهل الحل والعقد، مع خروج عددهم عن الحصر، على وجوب الصلوات الخمس
~~وصوم رمضان ووجوب الزكاة والحج، وغير ذلك من الاحكام التي لم يكن طريق
~~العلم بها الضرورة والوقوع دليل التصور وزيادة. PageV01P197
# المسألة الثانية المتفقون على تصور انعقاد الاجماع اختلفوا في إمكان
~~معرفته والاطلاع عليه:
# فأثبته الأكثرون أيضا، ونفاه الأقلون، ومنهم أحمد بن حنبل في إحدى
~~الروايتين عنه. ولهذا نقل عنه أنه قال: من ادعى وجود الاجماع فهو كاذب،
~~اعتمادا منهم على أن معرفة اتفاقهم على اعتقاد الحكم الواحد متوقف على سماع
~~الاخبار بذلك من كل واحد من أهل الحل والعقد، أو مشاهدة فعل أو ترك منه يدل
~~عليه.
# وذلك كله يتوقف على معرفة كل واحد منهم، وذلك، مع كثرتهم وتفرقهم في
~~البلاد النائية والأماكن البعيدة، متعذر عادة. وبتقدير المعرفة بكل واحد
~~منهم فمعرفة معتقده إنما تكون بالوصول إليه والاجتماع به، وهو أيضا متعذر.
~~وبتقدير الاجتماع به، وسماع قوله، ورؤية فعله أو تركه قد لا يفيد ذلك
~~اليقين بأنه معتقده، لجواز أن يكون إخباره وما يشاهد من فعله أو تركه على
~~خلاف معتقده لغرض من الاغراض. وبتقدير حصول العلم بمعتقده، فلعله يرجع عنه
~~قبل الوصول إلى الباقين وحصول العلم بمعتقدهم، ومع الاختلاف فلا إجماع.
# وطريق الرد عليهم أن يقال: جميع ما ذكرتموه باطل بالواقع ودليل الوقوع ما
~~علمناه علما لا مراء فيه من أن مذهب جميع الشافعية امتناع قتل المسلم
~~بالذمي، وبطلان النكاح بلا ولي، وأن مذهب جميع الحنفية نقيض ذلك مع وجود
~~جميع ما ذكروه من التشكيكات والوقوع في هذه الصور دليل الجواز العادي
~~وزيادة. PageV01P198
# فإن قيل إنما علمنا أن مذهب أصحاب الشافعي ms160 وأبي حنيفة ذلك لأنا علمنا قول
~~الشافعي وقول أبي حنيفة في ذلك وهو قول واحد يمكن الاطلاع عليه. فعلمنا أن
~~مذهب كل من يتبعه وهو مقلد له ذلك، ولا كذلك في الاجماع لأنه لم يظهر لنا
~~نص عن الله والرسول يكون مستند إجماعهم. ولو عرف ذلك لكان هو الحجة.
# قلنا: هذا، وإن استمر لكم هاهنا فلا يستمر فيما نقله قطعا من اعتقاد
~~النصارى واليهود من إنكار بعثة النبي عليه السلام. فإن ذلك لم يظهر لنا فيه
~~أنه قول موسى، ولا عيسى، ولا قول واحد معين، حتى يكون اعتقادهم ذلك
~~لاتباعهم له. فما هو الجواب هاهنا، فهو الجواب في محل النزاع. PageV01P199
# المسألة الثالثة اتفق أكثر المسلمين على أن الاجماع حجة شرعية يجب العمل
~~به على كل مسلم، خلافا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة.
# وقد احتج أهل الحق في ذلك بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فخمس آيات:
~~الآية الأولى، وهي أقواها، وبها تمسك الشافعي، رضي الله عنه، وهي قوله
~~تعالى: * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل
~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) * (4) النساء: 115) ووجه
~~الاحتجاج بالآية أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، ولو لم يكن
~~ذلك محرما، لما توعد عليه، ولما حسن الجمع بينه، وبين المحرم من مشاقة
~~الرسول، عليه السلام، في التوعد، كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر
~~واكل الخبز المباح.
# فإن قيل لا نسلم أن من للعموم، على ما سيأتي في مسائل العموم، حتى يتناول
~~كل من اتبع غير سبيل المؤمنين.
# سلمنا أنها للعموم، غير أن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إنما وقع
~~مشروطا بمشاقة الرسول، والمشروط على العدم عند عدم الشرط سلمنا لحوق الذم
~~باتباع غير سبيل المؤمنين على انفراده، لكنه متردد بين أن يراد به عدم
~~متابعة سبيل المؤمنين، وتكون (غير) بمعنى إلا، وبين أن يراد به متابعة سبيل
~~غير المؤمنين، وتكون (غير) هنها صفة لسبيل غير المؤمنين. وليس أحد الامرين
~~أولى من الآخر، وبتقدير ms161 أن تكون (غير) صفة لسبيل غير المؤمنين، فسبيل غير
~~المؤمنين هو الكفر.
# ونحن نسلم أن من شاقق الرسول وكفر، فإنه يكون متوعدا بالعقاب، وذلك لا
~~يدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين.
# سلمنا أن سبيل غير المؤمنين ليس هو الكفر، ولكن ذلك لا يدل على التوعد
~~على عدم اتباع سبيل المؤمنين، بل غاية ما يلزم من تخصيص اتباع سبيل غير
~~المؤمنين بالتوعد عدم التوعد على اتباع سبيل المؤمنين بمفهومه. ولا نسلم أن
~~PageV01P200
# المفهوم حجة. وإن سلمنا أنه حجة، لكن في عدم التوعد على متابعة سبيل
~~المؤمنين.
# ونحن نقول به. ولا يلزم من ذلك وجوب اتباعهم.
# سلمنا أن المراد به عدم اتباع سبيل المؤمنين، لكنه يتناول سبيل جميع
~~المؤمنين، وجميع المؤمنين، كل من آمن بالله ورسوله إلى يوم القيامة. وذلك
~~لا يدل على أن ما وجد من الاجماع في بعض الاعصار حجة.
# سلمنا أن المراد منه سبيل المؤمنين في كل عصر، لكنه عام في كل مؤمن عالم
~~وجاهل. والجهال غير داخلين في الاجماع المتبع. وما دون ذلك، فالآية غير
~~دالة عليه.
# سلمنا أن المراد بالمؤمنين أهل الحل والعقد في أي عصر اتفق، لكن لفظ
~~(السبيل) مفرد لا عموم فيه، فلا يقتضي اتباع كل سبيل سلمنا عمومه، لكنه مما
~~يمتنع حمله على متابعة كل سبيل، وإلا لوجب متابعة أهل الاجماع فيما فعلوه
~~من المباحات، لأنهم فعلوه، ولا يجب لحكمهم عليه بالإباحة. ولوجب اتباعهم في
~~إجماعهم قبل الاتفاق على حكم من الاحكام على جواز الاجتهاد فيه لكل أحد
~~واتباعهم في امتناع الاجتهاد فيه بعد اتفاقهم عليه. وذلك تناقض محض. وعند
~~ذلك، فيحتمل أنه أراد به متابعة سبيلهم في متابعتهم للنبي عليه السلام،
~~وترك مشاقته.
# ويحتمل أنه أراد به اتباع سبيلهم في الايمان واعتقاد دين الاسلام ويحتمل
~~أنه أراد اتباع سبيلهم في الاجتهاد دون التقليد. ونحن نقول بذلك كله. كيف
~~ويجب الحمل على ذلك، لما فيه من العمل باللفظ في زمن النبي، وفيما بعده.
~~ولو كان محمولا على متابعتهم فيما اتفقوا عليه من الأحكام الشرعية، ms162 لكان
~~ذلك خاصا بما بعد وفاة النبي عليه السلام، لاستحالة الاحتجاج بالاجماع في
~~زمانه PageV01P201
# سلمنا أن المراد به متابعتهم فيما أجمعوا عليه من الأحكام الشرعية لكنه
~~مشروط بسابقة تبين الهدى، بدليل قوله تعالى: * (من بعد ما تبين له الهدي) *
~~والهدى مذكور بالألف واللام المستغرقة، فيدخل فيه كل هدى، حتى إجماعهم على
~~الحكم الشرعي، وإنما يتبين الهدى بدليله، وإذا كان الاجماع من جملة الهدى،
~~فلا بد من تقدم بيانه بدليله. ودليل كون الاجماع هدى لا يكون هو نفس
~~الاجماع بل هو غيره.
# وعند ذلك فظهور ذلك الدليل كاف في اتباعه عن اتباع الاجماع.
# سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين مطلقا، لكن المراد بالمؤمنين الأئمة
~~المعصومون، لان سبيلهم لا يكون إلا حقا، أو المؤمنين إذا كان فيهم الامام
~~المعصوم، لان سبيلهم سبيله، وسبيل المعصوم لا يكون إلا حقا. فكان واجب
~~الاتباع. والثاني ممنوع.
# سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين، وإن لم يكن فيهم الامام المعصوم، ولكن
~~إذا علم كونهم مؤمنين، والايمان هو التصديق، وهو باطن لا سبيل إلى معرفته.
~~وإذا لم يعلم كونهم مؤمنين، فالاتباع لا يكون واجبا لفوات شرطه.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الاجماع حجة، ولكنه معارض بالكتاب والسنة
~~والمعقول.
# أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16)
~~النحل: 89) وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الاجماع،.
# وقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (4)
~~النساء: 59) اقتصر على الكتاب والسنة. وذلك يدل على عدم الحاجة إلى
~~الاجماع.
# وقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (2) البقرة: 188)
~~وقوله: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (2) البقرة: 169) نهى كل
~~الأمة عن هاتين المعصيتين، وذلك يدل على تصورهما منهم، ومن تتصور منه
~~المعصية لا يكون قوله ولا فعله موجبا للقطع.
# وأما السنة، فهو أن النبي عليه السلام أقر معاذا لما سأله عن الأدلة
~~المعمول بها، على إهماله لذكر الاجماع، ولو كان الاجماع دليلا، لما ساغ ذلك
~~مع الحاجة إليه.
# وأيضا فإنه قد ورد عن النبي عليه السلام ما يدل على جواز خلو ms163 العصر عمن
~~تقوم الحجة بقوله. عليه السلام: بدئ الاسلام غريبا، وسيعود كما بدأ
~~PageV01P202
# وأيضا قوله: لا ترجعوا بعدي كفارا نهى الكل عن الكفر، وهو دليل جواز
~~وقوعه منهم.
# وقوله: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن بقبض العلماء حتى إذا يبق
~~عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وقوله:
~~تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى وقوله عليه السلام: لتركبن
~~سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وقوله: خير القرون القرن الذي أنا فيه،
~~ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم.
# وأما المعقول فما ذكرناه في المسألتين الأوليين.
# وأيضا فإن أمة محمد أمة من الأمم، فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الأمم.
# وأيضا فإن الأحكام الشرعية لا يصح إثباتها إلا بدليل، فلا يكون إجماع
~~الأمة دليلا عليها، كالتوحيد وسائر المسائل العقلية.
# والجواب: قولهم لا نسلم أن (من) للعموم سيأتي بيان ذلك في مسائل العموم.
# قولهم إن التوعد إنما وقع على الجبين المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين،
~~فقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، إن لم
~~يكن مشروطا بمشاقة الرسول، فهو المطلوب، وإن كان مشروطا به، فيكون اتباع
~~غير سبيل المؤمنين غير متوعد عليه عند عدم المشاقة مطلقا، وذلك باطل، لان
~~مخالفة الاجماع، وإن لم تكن خطأ لكن لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا، وما لا
~~يكون صوابا مطلقا لا يكون جائزا مطلقا، وليس بحق لأنه إذا سلم أن مخالفة
~~الاجماع عند عدم المشاقة ليست خطأ، فقوله لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا.
~~قلنا: إن لم تكن صوابا، فإما أن يكون عدم الصواب خطأ، أو لا يكون خطأ: فإن
~~كان الأول، فقد ناقض، وإن كان الثاني.
# فما لا يكون خطأ لا يلزم التوعد عليه وقال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي
~~أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل المؤمنين مع مشاقته للرسول، ومشاقة
~~الرسول ليست معصية فقط، وإنما هي PageV01P203
# معصية على سبيل الرد ms164 عليه، لان من صدق النبي عليه السلام، وفعل بعض
~~المعاصي، لا يقال إنه مشاق للرسول. ومن كذب النبي عليه السلام لا يصح أن
~~يعلم صحة الاجماع بالسمع، ومن لا يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورا
~~باتباعه في تلك الحال، وهو غير سديد.
# فإن لقائل أن يقول: وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه، وأن
~~من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الاجماع، ولكن القول بأنه لا يكون مأمورا
~~باتباع الاجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الاسلام، وهو باطل
~~بما سبق تقريره.
# وقيل في جوابه أيضا إن الوعيد إذا علق على أمرين اقتضى ذلك التوعد بكل
~~واحد من الامرين جملة وإفرادا. ويدل عليه قوله تعالى: * (والذين لا يدعون
~~مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون.
~~ومن يفعل ذلك يلق آثاما) * (25) الفرقان: 68) فإنه يقتضي لحوق المأثم بكل
~~واحد من هذه الأمور جملة، وبكل واحد على انفراده.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم ثبوت الاثم في كل واحد من هذه الأمور على
~~انفراده بهذه الآية، وإنما كان ذلك مستفادا من الأدلة الخاصة الدالة على
~~لزوم المأثم بكل واحد من هذه الأمور بخصوصه. ولهذا، فإنه لما لم يدل الدليل
~~الخاص على مضاعفة العذاب بكل واحد من هذه الأمور، لم تكن الآية مقتضية
~~لتضاعف العذاب على كل واحد بتقدير الانفراد إجماعا، ولو كانت مقتضية لذلك،
~~لكان نفي المتضاعف بقوله: * (يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه
~~مهانا) * (25) الفرقان: 69) على خلاف الدليل. ولهذا، فإنه لو قال لزوجته:
~~إن كلمت زيدا وعمرا، أو إن كلمت زيدا، ودخلت الدار، فأنت طالق فإنه لا يقع
~~الطلاق بوجود أحد الامرين، ولولا أن الحكم المعلق على أمرين، على العدم عند
~~عدم أحدهما، لكان انتفاء الحكم في هذه الصورة، على خلاف الدليل، وهو ممتنع،
~~والأقرب في ذلك أن يقال: لا خلاف في التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين
~~PageV01P204
# عند المشاقة. وعند ذلك إما أن يكون لمفسدة متعلقة، أو لا لمفسدة. لا ms165 جائز
~~أن يقال بالثاني، فإن ما لا مفسدة فيه لا توعد عليه من غير خلاف، وإن كان
~~الأول فالمفسدة في اتباع غير سبيل المؤمنين إما أن تكون من جهة مشاقة
~~الرسول أو لا من جهة مشاقته.
# فإن كان الأول فذكر المشاقة كاف في التوعد كما قيل، ولا حاجة إلى قوله:
# ويتبع غير سبيل المؤمنين وإن كان الثاني، لزم التوعد لتحقق المفسدة سواء
~~وجدت المشاقة أو لم توجد.
# قولهم إن (غير) مترددة بين أن تكون بمعنى إلا، أو بمعنى الصفة، قلنا: لا
~~يمكن أن تكون (غير) هاهنا صفة، لأنه يلزم من ذلك تحريم متابعة سبيل غير
~~المؤمنين.
# ويلزم من ذلك أن الأمة إذا أجمعت على إباحة فعل من الافعال أن يحرم على
~~المكلف أن يقول بحظره أو وجوبه، والمخالف لا يقول بذلك. وبتقدير أن يكون
~~المراد منه تحريم اتباع سبيل غير المؤمنين، فذلك يعم تحريم كل سبيل هو غير
~~سبيل المؤمنين، لأنه سبيل غير المؤمنين.
# ولهذا فإن من اختار لنفسه حالة، وتمسك بها، وكان معروفا بها، يقال إنها
~~سبيله، سواء تعددت الأحوال أو اتحدت. PageV01P205
# وإذا قيل: فلان سلك سبيل التجار، فهم منه أنه يفعل أفعالهم، ويتزيا
~~بزيهم، ويتخلق بأخلاقهم، ويجر على عاداتهم.
# وعلى هذا، فيمتنع تخصيص السبيل المتوعد على اتباعه إذا كان غير سبيل
~~المؤمنين بشئ معين من كفر أو غيره، بل يعم ذلك ما كان مخالفا لطريق الأمة
~~وسبيلهم.
# كيف وإنا لو لم نعتقد ذلك لزم منه أن يكون لفظ (السبيل) مبهما، وهو خلاف
~~الأصل على ما سبق.
# قولهم إنه إنما يدل على عدم التوعد على متابعة سبيل المؤمنين بمفهومه،
~~قلنا إذا سلم أنه يحرم اتباع كل سبيل سوى سبيل المؤمنين، فلا نريد بكون
~~الاجماع حجة سوى هذا.
# وقولهم: المراد من (سبيل المؤمنين) كل من آمن به إلى يوم القيامة، لا يصح
~~لوجهين:
# الأول أن الأصل تنزيل اللفظ على حقيقته. ولفظ (المؤمنين) حقيقة، يكون لمن
~~هو متصف بالايمان، والاتصاف بالايمان مشروط بالوجود والحياة، ومن لا حياة
~~له ممن مات أو ms166 لم يوجد بعد، لا يكون مؤمنا حقيقة. فلفظ (المؤمنين) حقيقة
~~إنما يصدق على أهل كل عصر دون من تقدم أو تأخر. وهذا وإن منع من الاحتجاج،
~~بإجماع أهل العصر على من بعدهم، فلا يمنع من الاحتجاج به على من في عصرهم،
~~وهو خلاف مذهب الخصوم.
# الثاني أن المقصود من الآية إنما هو الزجر عن مخالفة المؤمنين والحث على
~~متابعتهم، وذلك غير متصور عند حمل المؤمنين على كل من آمن إلى يوم القيامة،
~~إذ لا زجر ولا حث في يوم القيامة.
# قولهم: الآية وإن دلت على وجوب اتباع سبيل المؤمنين في أي عصر كان، غير
~~أنها عامة في العالم، والجاهل، والجاهل غير مراد بالاتفاق. ولا نسلم ذلك
~~PageV01P206
# على ما يأتي، وإن سلمنا ذلك، غير أن الآية حجة في اتباع جملة المؤمنين،
~~إلا ما خصه الدليل، فتبقى الآية حجة في الباقي.
# قولهم لفظ (السبيل) مفرد لا عموم فيه، عنه جوابان:
# الأول أنه يجب اعتقاد عمومه لما سبق تقريره.
# الثاني أنه إما أن يكون عاما بلفظه، أو لا يكون عاما بلفظه.
# فإن كان الأول، فهو المطلوب، وإن كان الثاني، فهو إن لم يكن عاما بلفظه،
~~فهو عام بمعناه وإيمائه، ذلك لان اتباع سبيل المؤمنين، أي سبيل كان مناسب،
~~لكونه مصلحيا. وقد رتب الحكم على وفقه في كلام الشارع، فكان علة لوجوب
~~الاتباع مهما تحقق.
# قولهم: يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الاجماع فيما فعلوه وحكموا بكونه
~~مباحا، وهو تناقض.
# قلنا: الآية، وإن دلت على وجوب اتباع المؤمنين في كل سبيل لهم، ففعلهم
~~للمباح سبيل، وحكمهم بجواز الترك سبيل. ولا يلزم من مخالفة الآية في إيجاب
~~الفعل اتباعا لفعلهم له مخالفتها في اتباعهم في اعتقاد جواز تركه.
# قولهم: يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الاجماع في جواز الاجتهاد وتحريمه،
~~قلنا: سنبين أنه مهما انعقد إجماع الأمة على حكم أنه يستحيل انعقاد إجماعهم
~~على مخالفته.
# قولهم: يحتمل أنه أراد متابعتهم في متابعتهم للنبي عليه السلام وترك
~~مشاقته أو اتباعهم في الايمان أو في الاجتهاد، PageV01P207
# قلنا: ms167 اللفظ يعم كل سبيل على ما قررناه. وما ذكروه تخصيص لعموم الاتباع
~~من غير دليل، فلا يقبل قولهم إنه مشروط بسابقة تبين الهدى إلى آخره، فجوابه
~~من ثلاثة أوجه.
# الأول: أن تبين الهدى إنما هو مشروط في الوعيد على المشاقة، لا في الوعيد
~~على اتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك لان المشاقة لا تكون إلا بعد تبين الهدى
~~ومعرفته بدليله، ومن لم يعرف ذلك لا يوصف بالمشاقة.
# الثاني: أن تبين الاحكام الفروعية ليس شرطا في مشاقة الرسول بدليل أن من
~~تبين صدق النبي، وحاد عنه، ورد عليه، فإنه يوصف بالمشاقة، وإن كان جاهلا
~~بالفروع غير متبين لها. وإذا لم تكن معرفة أحكام الفروع شرطا في المشاقة،
~~فلا تكون مشترطة في لحوق الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين فيها.
# الثالث: هو أن الآية إنما خرجت مخرج التعظيم والتبجيل للمؤمنين بإلحاق
~~الذم باتباع غير سبيلهم. فلو كان ذلك مشروطا بتبين كونه هدى، ولم يكن
~~اتباعهم في سبيلهم لأجل أنه سبيل لهم، بل لمشاركتهم فيما ذهبوا إليه لتبين
~~كونه هدى، لبطلت فائدة تعظيم الأمة الاسلامية وتميزهم بذلك. فإن كل من ظهر
~~الهدى في قوله واعتقاده، فالوعيد حاصل بمخالفته، وإن لم يكن من المسلمين.
~~وذلك كالوعيد على عدم مشاركة اليهود فيما ظهر كون معتقدهم فيه هدى، كإثبات
~~الصانع واعتقاد كون موسى رسولا كريما.
# قولهم المراد من (المؤمنين) الأئمة المعصومون أو من كان فيهم الامام
~~المعصوم، عنه جوابان:
# الأول أنه مبني على وجود الامام المعصوم، وهو باطل بما حققناه في علم
~~الكلام.
# الثاني أن الآية عامة، فتخصيصها بالأئمة وبالمؤمنين الذين فيهم الامام
~~المعصوم من غير دليل غير مقبول. PageV01P208
# كيف وأن الآية دالة على الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين وعندهم التوعد
~~إنما هو بسبب اتباع غير سبيل الامام وحده دون غيره، وهو خلاف الظاهر.
# قولهم سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين، لكن إذا علم أنهم مؤمنون، قلنا:
~~المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل المؤمنين والزجر عن
~~مخالفته، فإن كان سبيلهم معلوما، فلا إشكال، وإن لم يكن ms168 معلوما، فالتكليف
~~باتباع ما لا يكون معلوما إما أن لا يكتفى فيه بالظن، أو يكتفى فيه بالظن.
~~فإن كان الأول، فهو تكليف بما لا يطاق، وهو خلاف الأصل، وإن كان الثاني،
~~فهو المطلوب.
# وأما ما ذكروه من المعارضة بالآية الأولى، فليس في بيان كون الاجماع حجة
~~متبعة بالآية التي ذكرها ما ينافي كون الكتاب تبيانا لكل شئ، وأصلا له وأما
~~الآية الثانية فهي دليل عليهم لأنها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول
~~في كل متنازع فيه، وكون الاجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه. وقد رددناه
~~إلى الله تعالى، حيث أثبتناه بالقرآن. وهم مخالفون في ذلك.
# وأما الآية الثالثة والرابعة فلا نسلم أن النهي فيهما راجع إلى اجتماع
~~الأمة على ما نهوا عنه، بل هو راجع إلى كل واحد على انفراده، ولا يلزم من
~~جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة.
# سلمنا أن النهي لجملة الأمة عن الاجتماع على المعصية، ولكن غاية ذلك جواز
~~وقوعها منهم عقلا. ولا يلزم من الجواز الوقوع. ولهذا فإن النبي عليه السلام
~~قد نهي عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى: * (ولا تكن من الجاهلين) * (6)
~~الانعام: 35) وقال تعالى لنبيه: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * (39) الزمر:
~~65) إذ ورد ذلك في معرض النهي مع العلم بكونه معصوما من ذلك. PageV01P209
# وأيضا فإنا نعلم أن كل أحد منهي عن الزنى وشرب الخمر، وقتل النفس بغير
~~حق، إلى غير ذلك من المعاصي. ومع ذلك فإن من مات، ولم يصدر عنه بعض
~~المعاصي، نعلم أن الله قد علم منه أنه لا يأتي بتلك المعصية، فكان معصوما
~~عنها ضرورة تعلق علم الله بأنه لا يأتي بها، ومع ذلك فهو منهي عنها.
# وأما خبر معاذ فإنما لم يذكر فيه الاجماع، لأنه ليس بحجة في زمن النبي
~~عليه السلام، فلم يكن مؤخرا لبيانه مع الحاجة إليه.
# وقوله عليه السلام: بدئ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ لا يدل على أنه لا
~~يبقى من تقوم الحجة بقوله بل غايته أن أهل الاسلام هم الأقلون وقوله: ms169 لا
~~ترجعوا بعدي كفارا فيحتمل أنه خطاب مع جماعة معينين، وإن كان خطابا مع
~~الكل، فجوابه ما سبق في آيات المناهي للأمة.
# وقوله: حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا الحديث إلى آخره،
~~غايته الدلالة على جواز انقراض العلماء، ونحن لا ننكر امتناع وجود الاجماع
~~مع انقراض العلماء، وإنما الكلام في اجتماع من كان من العلماء. وعلى هذا،
~~يكون الجواب عن باقي الأحاديث الدالة على خلو الزمان من العلماء. كيف وأن
~~ما ذكروه معارض بما يدل على امتناع خلو عصر من الاعصار عمن تقوم الحجة
~~بقوله.
# وهو قوله عليه السلام: لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر
~~الله، وحتى يظهر الدجال وأيضا ما روي أنه قال: وا شوقاه إلى إخواني قالوا:
~~يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ فقال: أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون من بعدي
~~يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس.
# وما ذكروه من المعقول في المسألتين السابقتين، فقد سبق جوابه.
~~PageV01P210
# قولهم: إنها أمة من الأمم، فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الأمم، فقد
~~ذهب أبو إسحاق الأسفرايني وغيره من أصحابنا، وجماعة من العلماء إلى أن
~~إجماع علماء من تقدم من الملل أيضا حجة قبل النسخ. وإن سلمنا أنه ليس بحجة
~~فلانه لم يرد في حقهم من الدلالة الدالة على الاحتجاج بإجماعهم ما ورد في
~~علماء هذه الأمة، فافترقا، وأما الحجة الأخيرة، فلا نسلم أنه إذا كان الحكم
~~ثبت بالدليل لا يجوز إثباته بالاجماع.
# وأما التوحيد: فنسلم أن الاجماع فيه ليس بحجة، وإن سلمنا أنه لا يكون حجة
~~فيه، بل في الأحكام الشرعية لا غير، غير أن الفرق بينهما أن التوحيد لا
~~يجوز فيه تقليد العامي للعالم، وإنما يرجع إلى أدلة يشترك فيها الكل، وهي
~~أدلة العقل، بخلاف الأحكام الشرعية، فإنه يجب على العامي الاخذ بقول العالم
~~فيها. وإذا جاز أو وجب الاخذ بقول الواحد، كان الاخذ بقول الجماعة أولى.
# الآية الثانية قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على
~~الناس، ms170 ويكون الرسول عليكم شهيدا) * (2) البقرة: 143) وصف الأمة بكونهم
~~وسطا، والوسط هو العدل.
# ويدل عليه النص واللغة. أما النص فقوله تعالى: * (قال أوسطهم ألم أقل
~~لكم) * (68) القلم: 28) أعدلهم، وقال عليه السلام، خير الأمور أوساطها.
# وأما اللغة فقول الشاعر:
# هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم أي عدول.
~~PageV01P211
# ووجه الاحتجاج بالآية أنه عدلهم وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم،
~~كما جعل الرسول حجة علينا في قبول قوله علينا. ولا معنى لكون الاجماع حجة
~~سوى كون أقوالهم حجة على غيرهم. فإن قيل. إنما وصفهم بالعدالة ليكونوا
~~شهداء في الآخرة على الناس، بتبليغ الأنبياء إليهم الرسالة، وذلك يقتضي
~~عدالتهم وقبول شهادتهم في يوم القيامة حالة ما يشهدون دون حالة التحمل في
~~الدنيا.
# سلمنا أنه وصفهم بذلك في الدنيا. ولكن ليس في قوله: * (لتكونوا شهداء على
~~الناس) * (2) البقرة: 143) لفظ عموم يدل على قبول شهادتهم في كل شئ بل هو
~~مطلق في المشهود به، وهو غير معين، فكانت الآية مجملة، ولا حجة في المجمل،
~~سلمنا أنها ليست مجملة. ولكنا قد عملنا بها في قبول شهادتهم على من بعدهم
~~بإيجاب النبي عليه السلام العبادات عليهم وتكليفهم بما كلفهم به، فلا يبقى
~~حجة في غيره لتوفية العمل، بدلالة الآية.
# سلمنا قبول شهادتهم في كل شئ غير أن الآية تدل على عدالة كل واحد من
~~الأمة وقبول شهادته، وهو مخصص بالاجماع بالفساق والنساء والصبيان
~~والمجانين.
# والعام بعد التخصيص. لا يبقى حجة على ما سيأتي.
# لكن ليس في ذلك ما يدل، سلمنا أنها تبقى حجة بعد التخصيص على عدالتهم
~~وعصمتهم عن الخطأ باطنا، بل ظاهرا، فإن ذلك كان في قبول الشهادة.
# سلمنا أن ذلك يدل على عصمتهم عن الخطأ مطلقا، لكن فيما يشهدون به، لا
~~فيما يحكمون به من الأحكام الشرعية بطريق الاجتهاد. فإن ذلك ليس من باب
~~الشهادة في شئ، وهو محل النزاع.
# سلمنا قبول قولهم مطلقا، غير أن الخطاب إما أن يكون مع جميع أمة محمد إلى
~~يوم القيامة، وإما مع الموجودين في وقت ms171 الخطاب.
# فإن كان الأول، فلا حجة في إجماع كل عصر، إذ ليسوا كل الأمة. PageV01P212
# وإن كان الثاني، فلا يكون إجماع من بعدهم حجة. وإجماع الموجودين في زمن
~~الوحي ليس بحجة في زمن الوحي بالاجماع، وإنما يكون حجة بعد النبي عليه
~~السلام. وذلك يتوقف على بقاء كل من كان من المخاطبين بذلك في زمن النبي بعد
~~النبي، وأن يعرف مقاله كل واحد فيما ذهب إليه، وهو متعذر جدا.
# والجواب عن السؤال الأول أن وصف أمة محمد بالعدالة إنما كان في معرض
~~الامتنان والانعام عليهم، وتعظيم شأنهم. وذلك إما أن يكون في الدنيا أو في
~~الأخرى، أو فيهما، لا جائز أن يكون في الأخرى لا غير، لوجهين:
# الأول أن جميع الأمم عدول يوم القيامة، بل معصومون عن الخطأ، لاستحالة
~~ذلك منهم، وفيه إبطال فائدة التخصيص.
# الثاني لو كان كذلك لقال: سنجعلكم عدولا، لا أن يقول جعلناكم.
# وإن كان القسم الثاني والثالث، فهو المطلوب.
# وعن الثاني من وجهين:
# الأول أنه يجب اعتقاد العموم في قبول الشهادة نفيا للاجمال عن الكلام.
# الثاني إن الاحتجاج ليس في قوله: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2)
~~البقرة: 143) بل في وصفهم بالعدالة، ومهما كانوا عدولا، وجب قبول قولهم في
~~كل شئ، وبه يخرج الجواب عن السؤال الثالث.
# وأما الرابع: فجوابه أن الآية تدل على وصف جملة الأمة بالعدالة، ومقتضى
~~ذلك عدالتهم فيما يقولونه جملة، وآحادا، غير أنا خالفناه في بعض الآحاد،
~~فتبقى الآية حجة في عدالتهم فيما يقولونه جملة، وهو المطلوب. PageV01P213
# قولهم العام بعد التخصيص لا يبقى حجة، سنبطله فيما يأتي.
# وأما السؤال الخامس: فجوابه أن الله تعالى أخبر عنهم بكونهم عدولا،
~~والأصل أن يكون كذلك حقيقة في نفس الامر لكونه عالما بالخفيات، فإن الحكيم
~~إذا علم من حال شخص أنه غير عدل في نفس الامر، لا يخبر عنه بأنه عدل.
# وجواب السادس أنه إذا ثبت وصفهم بالعدالة في نفس الامر فيما يخبرون به
~~مما يرونه من الأحكام الشرعية، يجب صدقهم فيه، وإلا لما كانوا عدولا في نفس
~~الامر، وإذا ms172 كانوا صادقين فيه، فهو صواب، لكونه حسنا فهو حسن عند الله،
~~لقوله عليه السلام: ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله وإذا كان صوابا،
~~كان خلافة خطأ وهو المطلوب.
# وجواب السابع أنه لا سبيل إلى حمل لفظ الأمة على كل من آمن بالرسول إلى
~~يوم القيامة، لما سبق في الآية الأولى ولا على من كان موجودا في زمن النبي
~~عليه السلام لا غير، لان أقوالهم غير محتج بها في زمنه، ولا وجود لهم بعد
~~وفاته، فإن كثيرا منهم مات بعد الخطاب بهذه الآية، قبل وفاة النبي عليه
~~السلام فلا يبقى لقوله تعالى: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة:
~~143) فائدة فيجب حمله على أهل كل عصر، تحقيقا لفائدة كونهم شهداء.
# الآية الثالثة قوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف،
~~وتنهون عن المنكر) * (3) آل عمران: 110) والألف واللام إذا دخلت على اسم
~~الجنس عمت، على ما سيأتي، ومقتضى صدق الخبر بذلك أمرهم بكل معروف، ونهيهم
~~عن كل منكر، فإذا أمروا بشئ إما أن يكون معروفا أو منكرا، لا جائز أن يكون
~~منكرا، وإلا لكانوا ناهين عنه ضرورة العمل بالعموم الذي ذكرناه، لا أمرين
~~به، وإن كان PageV01P214
# معروفا، فخلافه يكون منكرا وهو المطلوب، وإذا نهوا عن شئ، فإما أن يكون
~~منكرا، أو معروفا لا جائز أن يكون معروفا وإلا لكانوا أمرين به ضرورة ما
~~ذكرناه من العموم، لا ناهين عنه. وإن كان منكرا فخلافه يكون معروفا، وهو
~~المطلوب.
# فإن قيل: لا نسلم أن الألف واللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق، على
~~ما سيأتي، وعلى هذا، فلا تكون الآية عامة في الامر بكل معروف، ولا النهي عن
~~كل منكر، سلمنا أنها للعموم، لكن قوله (كنتم) يدل على كونهم متصفين بهذه
~~الصفة في الماضي، ولا يلزم من ذلك اتصافهم بذلك في الحال، بل ربما دل على
~~عدم اتصافهم بذلك في الحال، نظرا إلى قاعدة المفهوم. وعلى هذا فما وجد من
~~أمرهم ونهيهم، لا نعلم أنه كان قبل نزول الآية، فيكون حجة، أو بعدها، فلا ms173
~~يكون حجة.
# سلمنا اتصافهم بذلك في الماضي والحال، ولكن ليس فيه ما يدل على استدامتهم
~~لذلك في المستقبل، وعلى هذا، فما وجد من أمرهم ونهيهم مما لا يعلم أنه كان
~~في حالة كونه حجة، أو في غيرها سلمنا دلالة الآية على ذلك في جميع الأزمان،
~~لكنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام، ولا يلزم مثله في حق من
~~بعدهم سلمنا أنه خطاب مع الكل، لكن ذلك يستدعي كون كل واحد منهم على هذه
~~الصفة، ونحن نعلم خلاف ذلك ضرورة. وإذا كان المراد بالآية بعض الأمة، فذلك
~~البعض غير معين، ولا معلوم، فلا يكون قوله حجة.
# والجواب عن السؤال الأول ما سيأتي في العمومات، كيف وأن الآية إنما وردت
~~في معرض التعظيم لهذه الأمة، وتمييزها على غيرها من الأمم، فلو كانت الآية
~~محمولة على البعض دون البعض، لبطلت فائدة التخصيص، فإنه ما من أمة إلا وقد
~~أمرت بالمعروف، كاتباع أنبيائهم وشرائعهم، ونهت عن المنكر كنهيهم عن
~~الالحاد، وتكذيب أنبيائهم.
# وعن الثاني: إنه إما أن تكون (كان) هاهنا زائدة، أو تامة، أو زمانية.
~~PageV01P215
# فإن كانت زائدة كما في قول الفرزدق:
# فكيف إذا مررت بدار قوم وجيران لنا كانوا كراما فإنه جعل (كراما) نعتا
~~للجيران وألغى (كان) فهي دالة على اتصافهم بذلك حالا، لا في الماضي، وإن
~~أفادت نصب خير أمة كما في قوله تعالى:
# * (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) * (19) مريم: 29).
# وإن كانت تامة، وهي التي تكون بمعنى الوقوع والحدوث، ويكتفى فيها باسم
~~واحد لا خبر فيه، كما في قوله تعالى: * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)
~~* (2) البقرة: 280) معناه حضر أو وقع ذو عسرة، وكقول الشاعر:
# إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهدمه الشتاء فيكون معنى قوله: *
~~(كنتم خير أمة) * (3) آل عمران: 110) أي وجدتم، ويكون قوله: خير أمة نصبا
~~على الحال، فيكون ذلك دليلا على اتصافهم بذلك في الحال، لا في الماضي.
# وإن كانت زمانية، وهي الناقصة، التي تحتاج إلى اسم وخبر، فكان، وإن دلت
~~على الماضي، فقوله: ms174 * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * (3) آل عمران:
~~110) يقتضي كونهم كذلك في كل حال، لورود ذلك في معرض التعظيم لهذه الأمة
~~على ما سبق تقريره في جواب السؤال الذي قبله.
# وعن الثالث: أن قوله: * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * (3) آل
~~عمران: 110) فعل مضارع صالح للحال والاستقبال. ويجب أن يكون حقيقة فيهما
~~على العموم نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ.
# وعن الرابع: إنه إذا سلم كون الآية حجة في إجماع الصحابة، فهو كاف إذ هو
~~من جملة صور النزاع. PageV01P216
# وعن الخامس: إن الخطاب إذا كان مع الأمة، كان ذلك حجة في ما وجد من أمرهم
~~ونهيهم جملة، وذلك هو المطلوب، وإن لم يكن ذلك حجة في الافراد.
# الآية الرابعة، قوله تعالى: * (واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا) *
~~(3) آل عمران: 103) ووجه الاحتجاج بها، أنه تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة
~~الاجماع تفرق، فكان منهيا عنه. ولا معنى لكون الاجماع حجة سوى النهي عن
~~مخالفته.
# فإن قيل: لا نسلم وجود صيغة النهي، وإن سلمناها ولكن لا نسلم أن النهي
~~يدل على التحريم، كما سيأتي تقريره في النواهي، سلمنا دلالة النهي على
~~التحريم، ولكن لا نسلم عموم النهي عن التفرق في كل شئ، بل التفرق في
~~الاعتصام بحبل الله، إذ هو المفهوم من الآية، ولهذا، فإنه لو قال القائل
~~لعبيده: ادخلوا البلد أجمعين،، ولا تتفرقوا فإنه يفهم منه النهي عن التفرق
~~في دخول البلد، وما لم يعلم أن ما أجمع عليه أهل العصر اعتصام بحبل الله،
~~فلا يكون التفرق منهيا عنه.
# سلمنا أن النهي عام في كل تفرق، ولكنه مخصوص بما قبل الاجماع. فإن كل
~~واحد من المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، وإذا كانت الظنون والآراء
~~مختلفة، كان التفرق مأمورا به لا منهيا عنه. والعام بعد التخصيص لا يبقى
~~حجة على ما سيأتي، سلمنا صحة الاحتجاج به، لكنه خطاب مع الموجودين في زمن
~~النبي عليه السلام، فلا يكون متناولا لمن بعدهم. وإجماع الموجودين في زمن
~~النبي غير محج به في زمانه إجماعا، ولا تحقق لوجودهم بجملتهم ms175 بعد وفاته،
~~حتى يكون إجماعهم حجة على ما سبق تقريره.
# والجواب: عن السؤال الأول والثاني، ما سيأتي في النواهي.
# وعن الثالث: أن قوله: * (واعتصموا بحبل الله جميعا) * (3) آل عمران: 103)
~~أمر بالاعتصام بحبل الله.
# وقوله: * (ولا تفرقوا) * (3) آل عمران: 103) نهي عن التفرق في كل شئ،
~~ويجب الحمل عليه، وإلا كان النهي عن التفرق في الاعتصام بحبل الله مفيدا
~~لما أفاده الامر بالاعتصام به، فكان تأكيدا. والأصل في الكلام التأسيس دون
~~التأكيد. PageV01P217
# وعن الرابع: بيان كون العام حجة بعد التخصيص كما يأتي في العمومات وعلى
~~هذا، فيبقى حجة في امتناع التفرق بعد الاجماع، وفي امتناع مخالفة من وجد،
~~بعد أهل الاجماع لهم، وهو المطلوب.
# وعن الخامس: بأن الأمر والنهي إنما هو مع أهل كل عصر بتقدير وجودهم
~~وفهمهم، على ما سيأتي تقريره في الأوامر.
# الآية الخامسة، قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
~~الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (4)
~~النساء: 59) ووجه الاحتجاج بالآية أنه شرط التنازع في وجوب الرد إلى الكتاب
~~والسنة، والمشروط على العدم، عند عدم الشرط. وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد
~~التنازع، فالاتفاق على الحكم كاف عن الكتاب والسنة. ولا معنى لكون الاجماع
~~حجة سوى هذا.
# فإن قيل: سقوط وجوب الرد إلى الكتاب والسنة عند الاتفاق على الحكم، بناء
~~على الكتاب والسنة، أو من غير بناء عليهما:
# فإن كان الأول، فالكتاب والسنة كافيان في الحكم، ولا حاجة إلى الاجماع.
# وإن كان الثاني، ففيه تجويز وقوع الاجماع من غير دليل، وذلك محال مانع من
~~صحة الاجماع.
# كيف وإنا لا نسلم انتفاء الشرط، فإن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا وجد
~~التنازع ممن تأخر من المجتهدين لاجماع المتقدمين.
# قلنا: وإن كان الاجماع لا بد له من دليل، فلا نسلم انحصار دليله في
~~الكتاب والسنة، ليصح ما ذكروه لجواز أن يكون مستندهم في ذلك إنما هو القياس
~~والاستنباط على ما يأتي بيانه. وإن سلمنا انحصار دليل الاجماع في الكتاب
~~والسنة، ولكن ليس في ms176 ذلك ما يدل على عدم اكتفاء من وجد بعد أهل الاجماع، أو
~~اكتفاء من وجد في عصرهم من المقلدة بإجماعهم عن معرفة الكتاب والسنة.
# وأما السؤال الثاني، فمشكل جدا. واعلم أن التمسك بهذه الآيات، وإن كانت
~~مفيدة للظن، فغير مفيدة للقطع. ومن زعم أن المسألة قطعية، فاحتجاجه فيها
~~بأمر ظني غير مفيد للمطلوب، وإنما يصح ذلك على رأي من يزعم أنها اجتهادية
~~ظنية.
# هذا ما يتعلق بالكتاب، PageV01P218
# وأما السنة، وهي أقرب الطرق في إثبات كون الاجماع حجة قاطعة، فمن ذلك ما
~~روى أجلاء الصحابة، كعمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن
~~عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم. بروايات مختلفة الألفاظ متفقة
~~المعنى في الدلالة على عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة، كقوله عليه
~~السلام:
# أمتي لا تجتمع على الخطأ أمتي لا تجتمع على الضلالة ولم يكن الله بالذي
~~يجمع أمتي على الضلالة، لم يكن الله ليجمع أمتي على الخطأ، وسألت الله أن
~~لا يجمع أمتي على الضلالة، فأعطانيه وقوله: ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند
~~الله حسن. يد الله على الجماعة ولا يبالي بشذوذ من شذ، ومن سره بحبوحة
~~الجنة، فليلزم الجماعة، فإن دعوتهم لتحيط من ورائهم، وإن الشيطان مع الفذ،
~~وهو من الاثنين أبعد. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله،
~~ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم. ومن خرج
~~عن الجماعة وفارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه. ومن فارق
~~الجماعة ومات فميتته جاهلية.
# عليكم بالسواد الأعظم وقوله: تفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة كلها في النار
~~إلا فرقة واحدة قيل:
# يا رسول الله، ومن تلك الفرقة قال: هي الجماعة إلى غير ذلك من الأحاديث
~~التي لا تحصى كثيرة. ولم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة معمولا بها، لم
~~ينكرها منكر، ولا دفعها دفع. PageV01P219
# فإن قيل هذه كلها أخبار آحاد تبلغ مبلغ التواتر، ولا تفيد اليقين. وإن
~~سلمنا التواتر، ولكن يحتمل أنه أراد ms177 به الخطأ والضلالة عن الأمة عصمة
~~جميعهم عن الكفر، لا بتأويل ولا شبهة.
# ويحتمل أنه أراد بهم عصمتهم عن الخطأ في الشهادة في الآخرة أو فيما يوافق
~~النص المتواتر أو دليل العقل، دون ما يكون بالاجتهاد.
# سلمنا دلالة هذه الأخبار على عصمتهم عن كل خطأ وضلال، لكن يحتمل أنه أراد
~~بالأمة كل من آمن به إلى يوم القيامة، وأهل كل عصر عصر ليسوا كل الأمة، فلا
~~يلزم امتناع الخطأ والضلال عليهم.
# سلمنا انتفاء الخطأ والضلال عن الاجماع في كل واحد من الاعصار، ولكن لم
~~قلتم إنه يكون حجة على المجتهدين وأنه لا تجوز مخالفته، مع أن كل مجتهد في
~~الفرعيات مصيب على ما يأتي تحقيقه. ولا يجب على أحد المصيبين اتباع المصيب
~~الآخر.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الاجماع حجة، ولكنه معارض بما يدل على
~~أنه ليس بحجة ودليله ما سبق من الآيات والاخبار والمعقول في الآية الأولى.
# والجواب: عن السؤال الأول من وجهين:
# الأول: أن كل واحد من هذه الأخبار، وإن كان خبر واحد يجوز تطرق الكذب
~~إليه، إلا أن كل عاقل يجد من نفسه العلم الضروري من جملتها، قصد رسول الله
~~عليه السلام تعظيم هذه الأمة وعصمتها عن الخطأ، كما علم بالضرورة سخاء
~~حاتم، وشجاعة علي، وفقه الشافعي ومالك وأبي حنيفة رضي الله عنهم، وميل رسول
~~الله إلى عائشة دون باقي نسائه بالاخبار التي آحادها آحاد، غير أنها نازلة
~~منزلة التواتر. PageV01P220
# الوجه الثاني: أن هذه الأحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن
~~بعدهم متمسكا بها فيما بينهم في إثبات الاجماع من غير خلاف فيها ولا نكير
~~إلى زمان وجود المخالفين: والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير والجم
~~الغفير مع تكرر الأزمان واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما
~~لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة. وهو الاجماع المحكوم به على
~~الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده وإبطاله وإظهار النكير فيه.
# فإن قيل من المحتمل أن أحدا أنكر هذه الأخبار ولم ينقل ms178 إلينا، ومع هذا
~~الاحتمال فلا قطع.
# قولكم إن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الاجماع، لا نسلم ذلك، وما
~~المانع أن يكون استدلالهم على الاجماع لا بهذه الأحاديث، بل بغيرها
~~والاستدلال على صحة الأحاديث بالاجماع.
# سلمنا استدلالهم بها على ذلك، لكنه دور لما فيه من الاستدلال بالأحاديث
~~على الاجماع والاستدلال على صحة الأحاديث بالاجماع.
# ثم ما ذكرتموه في الدلالة على صحتها من عدم النكير معارض بما يدل على عدم
~~صحتها.
# وذلك أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء
~~هذا الأصل العظيم عليها لإحالة العادة أن لا تعرف الصحابة للتابعين طريق
~~صحتها، قطعا للشك والارتياب.
# قلنا جواب الأول: أن الاجماع من أعظم أصول الدين فلو وجد فيما يستدل به
~~عليه نكير، لاشتهر ذلك فيما بينهم وعظم الخلاف فيه كاشتهار خلافهم فيما هو
~~دونه من مسائل الفروع، كاختلافهم في دية الجنين. وقوله أنت علي حرام، وحد
~~الشرب ومسائل الجد والاخوة إلى غير ذلك، ولو كان كذلك لكانت العادة تحيل
~~عدم نقله، بل كان نقله أولى من نقل ما خولف فيه من مسائل الفروع، بل أولى
~~من نقل خلاف النظام في ذلك مع خفائه وقلة الاعتبار بقوله.
# وجواب الثاني: ما ظهر واشتهر من تمسك الصحابة والتابعين والاحتجاج بهذه
~~الاخبار في معرض التهديد لمخالف الجماعة والزجر عن الخروج عنهم ظهورا لا
~~ريب فيه. PageV01P221
# وجواب الثالث: أن الاستدلال على صحة الاخبار لم يكن بالاجماع، بل بالعادة
~~المحيلة لعدم الانكار على الاستدلال بما لا صحة له فيما همن أعظم أصول
~~الاحكام. والاستدلال بالعادة غير الاستدلال بالاجماع، وذلك كالاستدلال
~~بالعادة على إحالة دعوى وجود معارض للقرآن واندراسه، ووجود دليل يدل على
~~إيجاب صلاة الضحى وصوم شوال ونحوه.
# وجواب الرابع: أنه يحتمل أن تكون الصحابة قد علمت صحة الأخبار المذكورة
~~وكونها مفيدة للعلم بعصمة الأمة، لا بصريح مقال، بل بقرائن أحوال وأمارات
~~دالة على ذلك لا سبيل إلى نقلها، ولو نقلت لتطرق إليها التأويل والاحتمال،
~~واكتفوا بما يعلمه التابعون من أن العادة تحيل الاعتماد ms179 على ما لا أصل له
~~فيما هو من أعظم الأصول.
# قولهم: يحتمل أنه نفى عنهم الضلال والخطأ بمعنى الكفر.
# قلنا: هذه الأخبار نعلم أنها إنما وردت تعظيما لشأن هذه الأمة في معرض
~~الامتنان والانعام عليهم، وفي حملها على نفي الكفر عنهم خاصة إبطال فائدة
~~اختصاصهم بذلك لمشاركة بعض آحاد الناس للأمة في ذلك. وإنما يصح ذلك أن لو
~~أراد بها العصمة عما لا يعصم عنه الآحاد من أنواع الخطأ والكذب ونحوه.
# وما ذكروه من باقي التأويلات فباطل. فإن فائدة هذه الأخبار إنما وردت
~~لايجاب متابعة الأمة والحث عليه والزجر عن مخالفته. ولو لم يكن ذلك محمولا
~~على جميع أنواع الخطأ. بل على بعض غير معلوم من ألفاظ الاخبار لامتنع إيجاب
~~متابعتهم فيه، لكنه غير معلوم، ولبطلت فائدة تخصيص الأمة بما ظهر منه قصد
~~تعظيمها لمشاركة آحاد الناس لهم في نفي بعض أنواع الخطأ عنهم، على ما سبق
~~تعريفه. PageV01P222
# وعن السؤال الثالث: ما سبق في المسائل المتقدمة.
# وعن الرابع: أنه إذا ثبت انتقاء الخطأ عن الاجماع فيما ذهبوا إليه قطعا
~~فمخالفه يكون مخطئا قطعا. والمخطئ. قطعا في أمور الدين إذا كان عالما به لا
~~يخرج عن التبديع والتفسيق. ولا معنى لكون الاجماع حجة على الغير سوى ذلك.
# كيف وإنه إذا ثبت انتفاء الخطأ عن أهل الاجماع فيما ذهبوا إليه، فقد
~~أجمعوا على وجوب اتباعهم فيما ذهبوا إليه، فكان واجبا، نفيا للخطأ عنهم،
~~وعن المعارضات النقلية ما سبق في أول المسألة.
# وأما المعقول فهو أن الخلق الكثير، وهم أهل كل عصر إذا اتفقوا على حكم
~~قضية وجزموا به جزما قاطعا، فالعادة تحيل على مثلهم الحكم الجزم بذلك
~~والقطع به، وليس له مستند قاطع بحيث لا يتنبه واحد منهم إلى الخطأ في القطع
~~بما ليس بقاطع. ولهذا وجدنا أهل كل عصر قاطعين بتخطئة مخالف ما تقدم من
~~إجماع من قبلهم، ولولا أن يكون ذلك عن دليل قاطع، لاستحال في العادة
~~اتفاقهم على القطع بتخطئة المخالف ولا يقف واحد منهم على وجه الحق في ms180 ذلك.
# ومن سلك هذه الطريقة المعنوية لم ير انعقاد الاجماع عندما إذا كان عدد
~~المجمعين ينقص عن عدد التواتر. ويلزمه أن لا يكون الاجماع المحتج به خصيصا
~~بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين، بل هو عام في إجماع كل من بلغ عددهم
~~عدد التواتر، وإن لم يكونوا مسلمين، فضلا عن أهل الحل والعقد.
# وقد احتج الشيعة على صحة الاجماع بأن ما من عصر إلا ولا بد فيه من إمام
~~معصوم على ما قررناه من قاعدتهم في ذلك في أبكار الأفكار فإذا أجمع أهل
~~الحل والعقد من أهل العصر على حكم حادثة فلا بد وأن يكون فيهم الامام
~~المعصوم، لكونه سيد العلماء، وإلا لما كان الاتفاق من جميع أهل الحل
~~والعقد، وهو خلاف الفرض. وإذا كان كذلك، فالامام المعصوم لا يقول إلا حقا
~~PageV01P223
# مقطوعا به، وما وافقه من قول باقي الأمة أيضا يكون مقطوعا به لكونه
~~موافقا للمقطوع به ومخالف القاطع مخط لا محالة.
# ولقائل أن يقول: أما الحجة الأولى، فالعادة لا تحيل الخطأ على الخلق
~~الكثير بظنهم ما ليس قاطعا قاطعا. ولهذا، فإن اليهود والنصارى، مع كثرتهم
~~كثرة تخرج عن حد التواتر، قد أجمعوا على تكذيب محمد عليه السلام وإنكار
~~رسالته. وليس ذلك إلا لخطئهم في ظن ما ليس قاطعا قاطعا.
# وبالجملة فإما أن يقال باستحالة الخطأ عليهم فيما ذهبوا إليه، أو لا يقال
~~باستحالته، فإن كان الأول لزم أن لا يكون محمد نبيا حقا لاجماعهم على
~~تكذيبه، وإن كان الثاني فهو المطلوب.
# فإن قيل: ما ذكرتموه في إبطال التمسك هاهنا بالعادة لازم عليكم فيما
~~ذكرتموه في الاحتجاج بالسنة على كون الاجماع حجة، فإن حاصله آئل إلى
~~الاحتجاج بالعادة وفيه إبطال ما قررتموه.
# قلنا: الذي تمسكنا به من العادة إحالة اتفاق الأمة على إسناد المقطوع إلى
~~الاخبار التي مستند العلم بها وبمدلولها السماع المحسوس أو قرائن الأحوال،
~~والذي لا نحيله في العادة ههنا إنما هو الغلط بظن ما ليس مقطوعا مقطوعا به،
~~فيما هو نظري وطرقه مختلفة، وهو غير محسوس ms181 ولا مستند العلم به قرائن
~~الأحوال، فافترق البابان. PageV01P224
# وأما حجة الشيعة فمبنية على وجود الامام المعصوم في كل عصر. وقد أبطلنا
~~ذلك بالاعتراضات القادحة والاشكالات المشكلة على جهة الوفاء والاستقصاء في
~~موضعه اللائق به من الإمامة في علم الكلام، فعليك بمراجعته.
# المسألة الرابعة اتفق القائلون بكون الاجماع حجة على أنه لا اعتبار
~~بموافقة من هو خارج عن الملة، ولا بمخالفته، وأنه لا يشترط فيه اتفاق كل
~~أهل الملة إلى يوم القيامة.
# أما الأول فلان الاجماع إنما عرف كونه حجة بالأدلة السمعية، على ما سبق.
# وهي، مع اختلاف ألفاظها، لا إشعار لها بإدراج من ليس من أهل الملة في
~~الاجماع، ولا دلالة لها إلا على عصمة أهل الملة، ولأن الكافر غير مقبول
~~القول، فلا يكون قوله معتبرا في إثبات حجة شرعية، ولا إبطالها. وإذا تم
~~الاجماع دونه. فلا اعتبار بمخالفته.
# وأما الثاني، فلا الاجماع حجة شرعية يستدل به على الأحكام الشرعية، فلو
~~اعتبر فيه إجماع كل أهل الملة إلى يوم القيامة، لما أمكن الاحتجاج به: أما
~~قبل يوم القيامة، فلعدم كمال المجمعين، وأما يوم القيامة، فلانه لا تكليف،
~~ولا استدلال. PageV01P225
# المسألة الخامسة ذهب الأكثرون إلى أنه لا اعتبار بموافقة العامي من أهل
~~الملة في انعقاد الاجماع، ولا بمخالفته، واعتبره الأقلون، وإليه ميل القاضي
~~أبي بكر، وهو المختار.
# وذلك لان قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطأ، بما دلت عليه الدلائل
~~السمعية من قبل، ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من
~~الخاصة والعامة. وإذا كان كذلك، فلا يلزم أن تكون العصمة الثابتة للكل
~~ثابتة للبعض، لان الحكم الثابت للجملة لا يلزم أن يكون ثابتا للافراد.
# فإن قيل يجب تخصيص ما ورد من النصوص الدالة على عصمة الأمة بأهل الحل
~~والعقد منهم دون غيرهم لستة أوجه.
# الأول: أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بالاجماع، فلا تكون
~~مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه.
# الثاني: أن الأمة إنما كان قولها حجة، إذا كان ذلك مستندا إلى الاستدلال،
~~لان إثبات ms182 الاحكام من غير دليل محال والعامي ليس أهلا للاستدلال والنظر،
~~فلا يكون قوله معتبرا كالصبي والمجنون.
# الثالث: أن قول العامي في الدين من غير دليل خطأ مقطوع به، والمقطوع
~~بخطئه لا تأثير لموافقته ولا لمخالفته.
# الرابع: أن أهل العصر الأول من الصحابة، علماؤهم وعوامهم أجمعوا على أنه
~~لا عبرة بموافقة العامي ولا بمخالفته.
# الخامس: أن الأمة إنما عصمت عن الخطأ في استدلالها، لان إثبات الأحكام
~~الشرعية من غير استدلال ودليل خطأ، والعامي ليس هو من أهل الاستدلال، فلا
~~يتصور ثبوت عصمة الاستدلال في حقه.
# السادس: هو أن العامي لا يتصور منه الإصابة، إذا كان قائلا بالحكم من غير
~~دليل، فلا يتصور عصمته، لان العصمة مستلزمة للإصابة. PageV01P226
# والجواب: عن الوجه الأول: أنه وإن كان يجب على العامي الرجوع إلى أقوال
~~العلماء، فليس في ذلك ما يدل على أن أقوال العلماء دونه حجة قاطعة على
~~غيرهم من المجتهدين من بعدهم لجواز أن يكون الاحتجاج بأقوالهم على من بعدهم
~~مشروطا بموافقة العامة لهم، وإن لم يكن ذلك شرطا في وجوب اتباع العامة فيما
~~لهم يفتون به.
# وعن الثاني: أنه وإن كان لا بد في الاجماع من الاستدلال لكن من أهل
~~الاستدلال أو مطلقا: الأول مسلم، والثاني ممنوع، وعلى هذا فلا يمتنع أن
~~تكون موافقة العامة للعلماء المستدلين شرطا في جعل الاجماع حجة، وإن لم يكن
~~العامي مستدلا، ولا يلزم من عدم اشتراط موافقة الصبيان والمجانين عدم
~~اشتراط موافقة العامة، لما بينهما من التفاوت في قرب الفهم في حق العامة،
~~الموجب للتكليف، وبعده في حق الصبيان والمجانين، المانع من التكليف.
# وعن الثالث: أنه، وإن كان قول العامي في الدين من غير دليل خطأ، فلا يمنع
~~ذلك من كون موافقته للعلماء في أقوالهم شرطا في الاحتجاج بها على غيرهم.
# وعن الرابع: أنه دعوى لم يقم عليها دليل.
# وعن الخامس: أن العامي، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يمتنع أن تكون
~~موافقته من غير استدلال شرطا في كون الاجماع حجة. PageV01P227
# وعن السادس: أنه، وإن كان ms183 العامي إذا انفرد بالحكم لا يتصور منه الإصابة،
~~فما المانع من تصويبه مع الجماعة بتقدير موافقته لهم في أقوالهم، ولا شك أن
~~العامي مصيب في موافقته للعلماء. وعلى هذا جاز أن تكون موافقته شرطا في جعل
~~الاجماع حجة، على ما سبق تقريره.
# وبالجملة، فهذه المسألة اجتهادية، غير أن الاحتجاج بالاجماع عند دخول
~~العوام فيه يكون قطعيا، وبدونهم يكون ظنيا. وعلى هذا فمن قال بإدخال العوام
~~في الاجماع، قال بإدخال الفقيه الحافظ لاحكام الفروع فيه، وإن لم يكن
~~أصوليا، وبإدخال الأصولي الذي ليس بفقيه بطريق الأولى لما بينهما وبين
~~العامة من التفاوت في الأهلية وصحة النظر، هذا في الاحكام، وهذا في الأصول.
# ومن قال بأنه لا مدخل للعوام في الاجماع اختلفوا في الفقيه والأصولي،
~~نفيا وإثباتا فمن أثبت نظر إلى ما اشتملا عليه من الأهلية التي لا وجود لها
~~في العامي، ودخولهما في عموم لفظ الأمة في الأحاديث السابق ذكرها.
# ومن نفى، نظر إلى عدم الأهلية المعتبرة في أئمة أهل الحل والعقد من
~~المجتهدين، كالشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم.
# ومنهم من فصل بين الفقيه والأصولي، وهؤلاء اختلفوا:
# فمنهم من اعتبر قول الفقيه الذي ليس بأصولي، وألغى قول الأصولي الذي ليس
~~بفقيه.
# ومنهم من عكس الحال واعتبر قول الأصولي دون الفقيه لكونه أقرب إلى مقصود
~~الاجتهاد، لعمله بمدارك الاحكام على اختلاف أقسامها، وكيفية دلالاتها،
~~وكيفية تلقي الاحكام من منطوقها ومفهومها ومعقولها، بخلاف الفقيه.
# ومن اعتبر قول الأصولي والفقيه، اعتبر قول من بلغ رتبة الاجتهاد، وإن لم
~~يكن مشتهرا بالفتوى بطريق الأولى، وذلك كواصل بن عطاء ونحوه. وفيه خلاف،
~~والمتبع في ذلك كله ما غلب على ظن المجتهد. PageV01P228
# المسألة السادسة المجتهد المطلق، إذا كان مبتدعا لا يخلو، إما أن لا يكفر
~~ببدعته، أو يكفر.
# فإن كان الأول، فقد اختلفوا في انعقاد الاجماع مع مخالفته نفيا وإثباتا.
# ومنهم من قال: الاجماع لا ينعقد عليه، بل على غيره، فيجوز له مخالفة
~~إجماع من عداه. ولا يجوز ذلك لغيره.
# والمختار أنه لا ينعقد الاجماع دونه، ms184 لكونه من أهل الحل والعقد، وداخلا
~~في مفهوم لفظ الأمة المشهود لهم بالعصمة. وغايته أن يكون فاسقا، وفسقه غير
~~مخل بأهلية الاجتهاد. والظاهر من حاله فيما يخبر به عن اجتهاده الصدق
~~كإخبار غيره من المجتهدين.
# كيف وإنه قد يعلم صدق الفاسق بقرائن أحواله، في مباحثاته وفلتات لسانه،
~~وإذا علم صدقه، وهو مجتهد كان كغيره من المجتهدين.
# فإن قيل: إذا كان فاسقا، فالفاسق غير مقبول القول إجماعا فيما يخبر به،
~~فكان كالكافر والصبي، ولأنه لا يجوز تقليده فيما يفتي به، فلا يعتبر خلافه
~~كالصبي.
# قلنا: إنما لا يقبل قوله فيما يخبر به، إذا لم يكن متأولا وكان عالما
~~بفسقه.
# وأما إذا لم يكن كذلك، فلا. وعلى هذا، فلا نسلم امتناع قبول فتواه
~~بالنسبة إلى من ظهر صدقه عنده.
# وأما الصبي، فإنما لم يعتبر قوله لعدم أهليته بخلاف ما نحن فيه وإن كان
~~الثاني، فلا خلاف في أنه غير داخل في الاجماع لعدم دخوله في مسمى الأمة
~~المشهود لهم بالعصمة، وإن لم يعلم هو كفر نفسه.
# وعلى هذا، فلو خالف في مسألة فرعية، وبقي مصرا على المخالفة حتى تاب عن
~~بدعته، فلا أثر لمخالفته، لانعقاد إجماع جميع الأمة الاسلامية، قبل إسلامه
~~كما لو أسلم ثم خالف، إلا على رأي من يشترط في الاجماع انقراض عصر
~~المجمعين، PageV01P229
# ولو ترك بعض الفقهاء العمل بالاجماع، بخلاف هذا المبتدع المكفر، فهو
~~معذور، إن لم يعلم ببدعته ولا يؤاخذ بالمخالفة، كما إذا عمل الحاكم بشهادة
~~شاهد الزور من غير علم بتزويره، وإن علم ببدعته، وخالف الاجماع، لجهله بأن
~~تلك البدعة مكفرة، فهو غير معذور لتقصيره عن البحث، والسؤال عن ذلك لعلماء
~~الأصول العارفين بأدلة الايمان والتكفير، حتى يحصل له العلم بذلك بدليله،
~~إن كانت له أهلية فهمه، وإلا قلدهم فيما يخبرون به من التكفير، وأما ماذا
~~يكفر به من البدع، فقد استقصينا الكلام فيه في حكايات مذاهب أهل الملل
~~والنحل في أبكار الأفكار فعليك بمراجعته.
# المسألة السابعة ذهب الأكثرون من القائلين بالاجماع إلى أن الاجماع
~~المحتج به ms185 غير مختص بإجماع الصحابة، بل إجماع أهل كل عصر حجة، خلافا لداود
~~وشيعته من أهل الظاهر، ولأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.
# والأول هو المختار، ويدل عليه أن حجة كون الاجماع حجة غير خارجة كما
~~ذكرناه من الكتاب والسنة والمعقول. وكل واحد منها لا يفرق بين أهل عصر
~~وعصر، بل هو متناول لأهل كل عصر حسب تناوله لأهل عصر الصحابة، فكان إجماع
~~أهل كل عصر حجة.
# فإن قيل: حجة كون الاجماع حجة غير خارجة عن الآيات والاخبار السابق
~~ذكرها، وقوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس) * (3) آل عمران: 110)
~~وقوله: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) البقرة: 143) خطاب مع الموجودين
~~في زمن النبي عليه السلام، فلا يكون متناولا لغيرهم، وقوله تعالى: * (ويتبع
~~غير سبيل المؤمنين) * (4) النساء: 115) والأخبار الدالة على عصمة الأمة
~~خاصة PageV01P230
# بالصحابة الموجودين في زمن النبي عليه السلام، إذا هم كل المؤمنين وكل
~~الأمة، فإن من لم يوجد بعد، لا يكون موصوفا بالايمان، وبكونه من الأمة.
# وأما التابعون، وكذلك من بعدهم، إذا أجمعوا على حكم، فليس هم كل المؤمنين
~~ولا كل الأمة، فلا يكون الخطاب متناولا لهم وحدهم، بل مع من تقدم من
~~المؤمنين قبلهم ضرورة اتصافهم بذلك، حالة وجودهم، وبموتهم لم يخرجوا عن
~~كونهم من المؤمنين ومن الأمة.
# وكذلك فإنه لو ذهب واحد من الصحابة إلى حكم، واتفق التابعون على خلافه لم
~~يكن إجماعهم منعقدا، ولو خرج بموته عن الأمة والمؤمنين، لما كان كذلك.
# وإذا لم يكن التابعون كل الأمة، ولا كل المؤمنين، فما اتفقوا عليه لا
~~يكون هو قول كل الأمة ولا كل المؤمنين فلا يكون حجة. وسواء وجد لمن تقدم
~~قول أو لم يوجد، فمخالفهم لا يكون مخالفا لكل الأمة، ولا لكل المؤمنين، فلا
~~يكون بذلك مستحقا للذم والتوعد، سلمنا دلالة الآيات والاخبار على انعقاد
~~إجماع من بعد الصحابة حجة، لكنه معارض بما بدل على عدمه، وبيانه من ستة
~~أوجه:
# الأول: أن إجماع التابعين لا بد له من دليل، وذلك الدليل إما أن يكون
~~نصا، أو إجماعا، أو ms186 قياسا.
# فإن كان إجماع من تقدم، فالحكم ثابت بإجماع الصحابة، لا بإجماع التابعين.
# وإن كان قياسا، فيستدعي أن يكون متفقا عليه بين جميع التابعين، ليكون
~~مناط إجماعهم، وليس كذلك لوقوع الخلاف فيه فيما بينهم.
# وإن كان نصا، فلا بد وأن تكون الصحابة عالمة به ضرورة أنه لا طريق إلى
~~معرفة التابعين به إلا من جهة الصحابة، ولو كان ذلك دليلا يمكن التمسك به
~~في إثبات الحكم، لما تصور تواطئ الصحابة على تركه وإهماله.
# الثاني: هو أن الأصل أن لا يرجع إلى قول أحد سوى الصادق المؤيد بالمعجزة،
~~لتطرق الخطأ والكذب إلى من عداه. غير أنه لما ورد الثناء من النبي عليه
~~السلام PageV01P231
# على الصحابة بقوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله: عليكم
~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي والذم لأهل الاعصار المتأخرة بقوله
~~عليه السلام: ثم يفشو الكذب وأن الرجل يصبح مؤمنا، ويمسي كافرا، وأن الواحد
~~منهم يحلف على ما لا يعلم، ويشهد قبل أن يستشهد، وأن الناس يكونون كالذئاب،
~~إلى غير ذلك من أنواع الذم التي سبق ذكرها، أوجب قصر الاحتجاج على إجماع
~~الصحابة دون غيرهم.
# الثالث: أن الاحتجاج بالاجماع إنما يمكن بعد الاطلاع على قول كل واحد من
~~أهل الحل والعقد ومعرفته في نفسه. وذلك إنما يتصور في حق الصحابة، لان أهل
~~الحل والعقد منهم كانوا معروفين مشهورين محصورين لقلتهم وانحصارهم في قطر
~~واحد، بخلاف التابعين ومن بعدهم لكثرتهم وتشتتهم في البلاد المتباعدة.
# الرابع: أن الاجماع من الصحابة واقع على أن كل مسألة لا تكون مجمعا عليها
~~ولا فيها نص قاطع أنه يجوز الاجتهاد فيها. فإذا لم يكن إجماع من الصحابة،
~~ولا ثم نص قاطع، وإلا ما ساغ من الصحابة تركه وإهماله، فتكون المسألة مجمعا
~~على جواز الاجتهاد فيها منهم، فلو أجمع التابعون على حكم تلك المسألة، فإن
~~منعنا من اجتهاد غيرهم فيها، فقد خرقنا إجماع الصحابة، وإن جوزنا، فإجماع
~~التابعين لا يكون حجة، وهو المطلوب.
# الخامس: أنه لو كان في الأمة من هو غائب، فإنه وإن لم ms187 يكن له في المسألة
~~قول بنفي ولا إثبات، لا ينعقد الاجماع دونه في تلك المسألة، لكونه لو كان
~~حاضرا، لكان له فيها قول، فكذلك الميت من الصحابة قبل التابعين.
~~PageV01P232
# السادس: أنه لو كان قد خالف واحد من الصحابة، فإن إجماع التابعين بعده لا
~~ينعقد، وإذا لم ينقل خلاف من تقدم لا ينعقد الاجماع لاحتمال أن أحدا ممن
~~تقدم خالف ولم ينقل خلافه، وإذا احتمل واحتمل، فالاجماع لا يكون متيقنا.
# والجواب عن السؤال الأول: قولهم في الآيات إنها خطاب مع الموجودين في زمن
~~النبي عليه السلام يلزمهم عليه أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان
~~موجودا عند نزول هذه الآيات، لان إجماعهم ليس إجماع جميع المخاطبين وقت
~~نزولها، وأن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزولها، لكونه خارجا عن المخاطبين.
~~وقد أجمعنا على أن إجماع من بقي، من الصحابة بعد رسول الله، يكون حجة.
# قولهم: التابعون ليس هم كل الأمة، ولا كل المؤمنين، يلزم عليه أن لا
~~ينعقد إجماع من بقي من الصحابة بعد موت رسول الله، لان من مات من الصحابة،
~~أو استشهد في حياة رسول الله داخل في مسمى المؤمنين والأمة، وهو خلاف
~~المجمع عليه بين القائلين بالاجماع، وليس ذلك، إلا لان الماضي إذا لم يكن
~~له قول غير معتبر، كما أن المستقبل غير منتظر. وعلى هذا، فنقول: إنه إذا
~~ذهب واحد من الصحابة إلى حكم في مسألة، ثم مات، وأجمع التابعون على خلافه
~~في تلك المسألة، فقد قال بعض الأصوليين إنه ينعقد إجماع التابعين، ولا
~~اعتبار بقول الماضي، وليس بحق، لأنه يلزم منه أنه إذا أجمعت الصحابة على
~~حكم، ثم ماتوا، وأجمع التابعون على خلاف إجماع الماضين، أنه ينعقد، وهو
~~محال مخالف لاجماع القائلين بالاجماع.
# وإنما الحق في ذلك أن يقال: إذا حكم الواحد من الصحابة بحكم، ثم حكم
~~التابعون بخلافه، فحكم التابعين ليس هو حكم جميع الأمة المعتبرين في تلك
~~المسألة التي وقع الخوض فيها. وإن كان حكمهم في مسألة لم يتقدم فيها خلاف
~~بعض ms188 الصحابة، فهو حكم كل الأمة المعتبرين وهذا كما لو أفتى الصحابي بحكم،
~~ثم مات، وأجمع باقي الصحابة على خلافه، فإنه لا ينعقد إجماعهم، وإن انعقد
~~إجماعهم إذا مات من غير مخالفة، لان حكمهم في الأول ليس هو حكم كل الأمة
~~المعتبرين بخلاف حكمهم في الثاني. PageV01P233
# والجواب عن المعارضة الأولى أنه، وإن كان دليل التابعين معلوما للصحابة،
~~غير أنه لا يمتنع أن تكون واقعة الحكم لم تقع في زمن الصحابة، فلم يتعرضوا
~~لحكمها، وإنما وقعت في زمن التابعين، فتعرضوا لاثبات حكمها بناء على ما
~~وجدوه من الدليل الذي كان معلوما للصحابة.
# وعن الثانية: أن الأدلة الدالة على كون الاجماع حجة لا تفرق بين أهل عصر
~~وعصر.
# وقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم لا يدل على عدم
~~الاهتداء بغيرهم إلا بطريق مفهوم اللقب، والمفهوم ليس بحجة فضلا عن مفهوم
~~اللقب على ما سيأتي في مسائل المفهوم.
# وكذلك الكلام في قوله: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر كيف وأن ذلك
~~مما يوجب كون إجماع أبي بكر وعمر مع مخالفة باقي الصحابة لهم حجة قاطعة،
~~وهو خلاف الاجماع من الصحابة.
# قولهم إنه ذم أهل الاعصار المتأخرة.
# قلنا: غاية ما في ذلك غلبة ظهور الفساد والكذب، وليس فيه ما يدل على خلو
~~كل عصر ممن تقوم الحجة بقوله، وأنه إذا اتفق أهل ذلك العصر على حكم يكونون
~~معصومين عن الخطأ فيه.
# وعن الثالثة: ما سبق في مسألة تصور الاطلاع على إجماعهم ومعرفتهم.
# وعن الرابعة: أنه إن أجمع الصحابة على تجوير الخلاف مطلقا فلا يتصور
~~انعقاد إجماع التابعين على الحكم في تلك المسألة، لما فيه من التعارض بين
~~الاجماعين القاطعين.، وإن أجمعوا على تسويغ الاجتهاد مشروطا بعدم الاجماع،
~~فلا تناقض.
# وعن الخامسة: أنها منتقضة بالواحد من الصحابة، فإنه لو مات انعقد الاجماع
~~PageV01P234
# من باقي الصحابة دونه، ولو كان غائبا لم ينعقد. وإنما كان كذلك، لان
~~الغائب في الحال له أهلية القول والحكم والموافقة والمخالفة، بخلاف الميت.
# وعن السادسة: أنها باطلة بالميت الأول من ms189 الصحابة، فإنه يحتمل أنه خالف،
~~ولم ينقل خلافه. ومع ذلك فإن إجماع باقي الصحابة بعده يكون منعقدا.
# كيف وأن النظر إلى مثل هذه الاحتمالات البعيدة، مما لا التفات إليه. وإلا
~~لما انعقد إجماع الصحابة لاحتمال أن يكون واحد منهم قد أظهر الموافقة،
~~وأبطن المخالفة لأمر من الأمور، كما نقل عن ابن عباس في موافقته لعمر في
~~مسألة العول وإظهار النكير بعده.
# المسألة الثامنة اختلفوا في انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل، فذهب
~~الأكثرون إلى أنه لا ينعقد.
# وذهب محمد بن جرير الطبري وأبو بكر الرازي وأبو الحسين الخياط من
~~المعتزلة، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، إلى انعقاده.
# وذهب قوم إلى أن عدد الأقل إن بلغ التواتر لم يعتد بالاجماع دونه، وإلا
~~كان معتدا به.
# وقال أبو عبد الله الجرجاني: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف،
~~كان خلافه معتدا به، كخلاف ابن عباس في مسألة العول. وإن أنكرت الجماعة
~~عليه ذلك، كخلاف ابن عباس في المتعة والمنع من تحريم ربا الفضل، لم يكن
~~خلافه معتدا به.
# ومنهم من قال أن قول الأكثر يكون حجة، وليس بإجماع، ومنهم من قال أن
~~اتباع الأكثر أولى، وإن جاز خلافه.
# والمختار مذهب الأكثرين. ويدل عليه أمران:
# الأول أن التمسك في إثبات الاجماع حجة إنما هو بالأخبار الواردة في السنة
~~الدالة على عصمة الأمة على ما سبق تقريره. وعند ذلك فلفظ (الأمة) في
~~الاخبار يحتمل أنه أراد به كل الموجودين. من المسلمين في أي عصر كان،
~~ويحتمل أنه أراد به الأكثر، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار ويكرمون الضيف،
~~والمراد به الأكثر منهم: غير أن حمله على الجميع مما يوجب العمل بالاجماع
~~PageV01P235
# قطعا لدخول العدد الأكثر في الكل، ولا كذلك إذا حمل على الأكثر، فإنه لا
~~يكون الاجماع مقطوعا به لاحتمال إرادة الكل والأكثر ليس هو الكل.
# الثاني أنه قد جرى مثل ذلك في زمن الصحابة، ولم ينكر أحد منهم على خلاف
~~الواحد، بل سوغوا له الاجتهاد فيما ذهب إليه مع مخالفة الأكثر. ms190 ولو كان
~~إجماع الأكثر حجة ملزمة للغير الاخذ به، لما كان كذلك. فمن ذلك اتفاق أكثر
~~الصحابة على امتناع قتال ما نعي الزكاة مع خلاف أبي بكر لهم. وكذلك خلاف
~~أكثر الصحابة لما انفرد به ابن عباس في مسألة العول وتحليل المتعة وأنه لا
~~ربا إلا في النسيئة. وكذلك خلافهم لابن مسعود فيما انفرد به في مسائل
~~الفرائض، ولزيد بن أرقم في مسألة العينة، ولأبي موسى في قوله: النوم لا
~~ينقض الوضوء، ولأبي طلحة في قوله بأن أكل البرد لا يفطر، إلى غير ذلك.
# ولو كان إجماع الأكثر حجة، لبادروا بالانكار والتخطئة، وما وجد منهم من
~~الانكار في هذه الصور لم يكن إنكار تخطئة بل إنكار مناظرة في المأخذ، كما
~~جرت عادة المجتهدين بعضهم مع بعض. ولذلك بقي الخلاف الذي ذهب إليه الأقلون
~~جائزا إلى وقتنا هذا. وربما كان ما ذهب إليه الأقل هو المعول عليه الآن،
~~كقتال مانعي الزكاة. ولو كان ذلك مخالفا للاجماع المقطوع به، لما كان ذلك
~~سائغا.
# وقد تمسك بعضهم هاهنا بطريقة أخرى، فقال إنه لو انعقد إجماع الأكثر مع
~~مخالفة الأقل، فإما أن ينعقد الاجماع عليه، فيلزم منه ترك ما علمه بالدليل
~~والرجوع إلى التقليد، وذلك في حق المجتهد ممتنع، وإن لم ينعقد الاجماع
~~عليه، فلا يكون الاجماع حجة مقطوعا بها فإنه لو كان مقطوعا به لما ساغت
~~مخالفته بالاجتهاد.
# ولقائل أن يقول: إذا فرضنا أن انعقاد الاجماع من الأكثر دون الأقل حجة
~~قاطعة، فالقول برجوع المجتهد الواحد إليه. وإن كان على خلاف ما أوجبه
~~اجتهاده، لا يكون منكرا لما فيه من ترك الاجتهاد بالرجوع إلى الاجماع
~~القاطع.
# ولهذا، فإنه لو أجمعت الأمة على حكم، ثم جاء من بعدهم مجتهد يرى في
~~اجتهاده ما يخالف إجماع الأمة السابقة، لم يجز له الحكم به، بل وجب عليه
~~الرجوع إلى الأمة. PageV01P236
# احتج المخالفون بالنصوص والاجماع والمعقول:
# أما من جهة النصوص، فمنها ما ورد من الأخبار الدالة على عصمة الأمة عن
~~الخطأ. ولفظ (الأمة) يصح إطلاقه على أهل ms191 العصر، وإن شذ منهم الواحد
~~والاثنان، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف. والمراد به
~~الأكثر. فكان إجماعهم حجة لدلالة النصوص عليه.
# ومنها قوله عليه السلام: عليكم بالسواد الأعظم، عليكم بالجماعة، يد الله
~~على الجماعة، إياكم والشذوذ والواحد والاثنان بالنسبة إلى الخلق الكثير
~~شذوذ.
# الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد ونحو ذلك من الاخبار.
# وأما الاجماع فهو أن الأمة اعتمدت في خلافة أبي بكر على انعقاد الاجماع
~~عليه، لما اتفق عليه الأكثرون، وإن خالف في ذلك جماعة كعلي وسعد بن عبادة.
# ولولا أن إجماع الأكثر حجة مع مخالفة الأقل، لما كانت إمامة أبي بكر
~~ثابتة بالاجماع.
# أما من جهة المعقول، فمن خمسة أوجه:
# الأول: أن خبر الواحد بأمر لا يفيد العلم. وخبر الجماعة إذا بلغ عددهم
~~عدد التواتر يفيد العلم. فليكن مثله في باب الاجتهاد والاجماع.
# الثاني: أن الكثرة يحصل بها الترجيح في رواية الخبر، فليكن مثله في
~~الاجتهاد.
# الثالث: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد والاثنين، لما انعقد الاجماع أصلا،
~~لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين فيه، إما سرا، وإما
~~علانية.
# الرابع: أن الاجماع حجة في العصر الذي هم فيه، وفيما بعد، وذلك يقتضي أن
~~يكون فيهم مخالف حتى يكون حجة عليه.
# الخامس: أن الصحابة أنكرت على ابن عباس خلافه في ربا الفضل في النقود،
~~وتحليل المتعة، والعول. ولولا أن اتفاق الأكثر حجة لما أنكروا عليه، فإنه
~~ليس للمجتهد الانكار على المجتهد.
# والجواب: قولهم: لفظ (الأمة) يصح إطلاقه على الأكثر. PageV01P237
# قلنا: بطريق المجاز، ولهذا يصح أن يقال: إذا شذ عن الجماعة واحد، ليس هم
~~كل الأمة ولا كل المؤمنين، بخلاف ما إذا لم يشذ منهم أحد. وعلى هذا، فيجب
~~حمل لفظ (الأمة) على الكل لكون الحجة فيه قطعية لما بيناه في حجتنا.
# وعلى هذا، فيجب حمل قوله عليه السلام: عليكم بالسواد الأعظم على جميع أهل
~~العصر، لأنه لا أعظم منه.
# فإن قيل: فظاهر هذا الخبر يقتضي أن يكون السواد الأعظم حجة على من ليس من ms192
~~السواد الأعظم وذلك لا يتم إلا بأن يكون في عصرهم مخالف لهم.
# قلنا: هو حجة على من يأتي بعدهم أقل عددا منهم. وعلى هذا يكون الجواب عن
~~قوله: عليكم بالجماعة، يد الله على الجماعة وحيث قال عليه السلام: الاثنان
~~فما فوقهما جماعة إنما أراد به انعقاد جماعة الصلاة بهما، وقوله: إياكم
~~والشذوذ.
# قلنا: الشاذ هو المخالف بعد الموافقة، لا من خالف قبل الموافقة، وقوله:
~~الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد أراد به الحث على طلب الرفيق في
~~الطريق، ولهذا قال: والثلاثة ركب.
# وما ذكروه في عقد الإمامة لأبي بكر، فلا نسلم أن الاجماع معتبر في انعقاد
~~الإمامة، بل البيعة بمحضر من عدلين كافية.
# كيف وإنا لا نسلم عدم انعقاد إجماع الكل على بيعة أبي بكر، فإن كل من
~~تأخر عن البيعة إنما تأخر لعذر أو طرؤ أمر مع ظهور الموافقة منه بعد ذلك.
~~وقد استقصينا الكلام في هذا المعنى في الإمامة من علم الكلام.
# والجواب: عن الحجة الأولى من المعقول، أنه، إن كان صدق الأكثر فيما
~~يخبرون به عن أمر محسوس مفيد للعلم، فلا يلزم مثله في الاجماع الصادر عن
~~الاجتهاد، مع أن الاحتجاج فيه إنما هو بقول الأمة، والأكثر ليس هم كل الأمة
~~على ما سبق. ثم لو كان كل من أفاد خبره اليقين، يكون قوله إجماعا محتجا به،
~~لوجب أن يكون إجماع كل أهل بلد محتجا به مع مخالفة أهل البلد الآخر لهم،
~~لان خبر أهل كل بلد يفيد العلم. PageV01P238
# وعن الثانية: أنه لا يلزم من الترجيح بالكثرة في الرواية التي يطلب منها
~~غلبة الظن دون اليقين مثله في الاجماع، مع كونه يقينيا، كيف وإنه لو اعتبر
~~في الاجماع ما يعتبر في الرواية، لكان مصير الواحد إلى الحكم وحده إجماعا،
~~كما أن روايته وحده مقبولة. وليس كذلك.
# وعن الثالثة: أن الاحتجاج بالاجماع إنما يكون حيث علم الاتفاق من الكل
~~إما بصريح المقال أو قرائن الأحوال، وذلك ممكن حسب إمكان العلم باتفاق
~~الأكثر، وأما حيث لا يعلم فلا. ms193 وإن قيل إن ذلك غير ممكن، فمثله أيضا جار في
~~الأكثر. ويلزم من ذلك أن لا ينعقد الاجماع أصلا، وهو خلاف الأصلين.
# وعن الرابعة: أنه يكون حجة على من خالف منهم بعد الوفاق في زمنهم، وعلى
~~من يوجد بعدهم ثم إن كان الاجماع يكون حجة إلا مع الخلاف، فليزم منه أنه
~~إذا لم يكن خلاف، لا يكون إجماع، وهو ظاهر الإحالة.
# وعن الخامسة: أن إنكار الصحابة على ابن عباس فيما ذهب إليه لم يكن بناء
~~على إجماعهم واجتهادهم، بل بناء على مخالفة ما رووه له من الأخبار الدالة
~~على تحريم ربا الفضل ونسخ المتعة، على ما جرت به عادة المجتهدين في
~~مناظراتهم، والانكار على مخالفة ما ظهر لهم من الدليل حتى يبين لهم المأخذ
~~من جانب الخصم، وذلك كما قال ابن عباس: من شاء باهلني باهلته، والذي أحصى
~~رمل عالج عددا ما جعل الله في الفريضة نصفا ونصفا وثلثا، هذان نصفان ذهبا
~~بالمال فأين موضع الثلث وقال آخر: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنا،
~~ولا يجعل أب الأب أبا. وليس ذلك لان العود إلى قوله واجب على من خالفه، بل
~~بمعنى طلب الكشف عن مأخذ المخالفة. وإذا عرف أنه لا يكون اتفاق الأكثر
~~إجماعا، فيمتنع أن يكون حجة لخروجه عن الأدلة المتفق عليها. وهي النص من
~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس وعدم دليل يدل على صحة الاحتجاج به.
~~ولذلك لا يكون أولى بالاتباع، لان الترجيح بالكثرة، وإن كان حقا في باب
~~رواية الاخبار لما فيه من ظهور أحد الظنين على الآخر، فلا يلزم مثله في باب
~~الاجتهاد، لما فيه من ترك ما ظهر له من الدليل لما لم يظهر له فيه دليل، أو
~~ظهر، غير أنه مرجوح في نظره. PageV01P239
# المسألة التاسعة اختلفوا في التابعي إذا كان من أهل الاجتهاد في عصر
~~الصحابة هل ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته أم لا. فمنهم من قال: لا ينعقد
~~بإجماعهم مع مخالفته، ثم اختلف هؤلاء. فمن لم يشترط انقراض العصر، قال إن ms194
~~كان من أهل الاجتهاد قبل انعقاد إجماع الصحابة، فلا يعتد بإجماعهم مع
~~مخالفته، وإن بلغ رتبة الاجتهاد بعد انعقاد إجماع الصحابة، لا يعتد بخلافه.
~~وهذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين وأصحاب أبي حنيفة، ومذهب أحمد
~~بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.
# ومن شرط انقراض العصر، قال لا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته، سواء كان
~~من أهل الاجتهاد حالة إجماعهم، أو صار مجتهدا بعد إجماعهم، لكن في عصرهم.
# وذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلا، وهو مذهب بعض المتكلمين وأحمد
~~بن حنبل في رواية.
# والمختار أنه إن كان من أهل الاجتهاد حالة إجماع الصحابة لا ينعقد
~~إجماعهم دون موافقته.
# وقد استدل كثير من أصحابنا بقولهم إن الصحابة سوغت للتابعين المعاصرين
~~لهم الاجتهاد معهم في الوقائع الحادثة في عصرهم، كسعيد بن المسيب وشريح
~~القاضي والحسن البصري ومسروق وأبي وائل والشعبي وسعيد بن جبير وغيرهم، حتى
~~إن عمر وعليا وليا شريحا القضاء ولم يعترضا عليه فيما خالفهما فيه، وحكم
~~على علي، في خصومة عرضت له عنده على خلاف رأي علي، ولم ينكر عليه.
# وروي عن ابن عمر أنه سئل عن فريضة، فقال: اسألوا سعيد بن جبير، فإنه أعلم
~~بها مني.
# وسئل الحسين بن علي كرم الله وجهه عن مسألة، فقال: اسألوا الحسن البصري.
# وسئل ابن عباس عن نذر ذبح الولد، فقال: اسألوا مسروقا. فلما أتاه السائل
~~بجوابه اتبعه.
# وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: تذاكرت أنا وابن عباس
~~وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس: عدتها أبعد
~~الأجلين. وقلت أنا: عدتها أن تضع حملها. وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي.
# فسوغ ابن عباس لأبي سلمة أن يخالفه مع أبي هريرة، إلى غير ذلك من
~~الوقائع. PageV01P240
# ولو كان قول التابعي باطلا لما ساغ للصحابة تجويزه والرجوع إليه. وفي هذه
~~الحجة نظر، فإن لقائل أن يقول: إنما كان الاجتهاد مسوغا للتابعي عند اختلاف
~~الصحابة، ولا يلزم من الاعتداد بقوله مع الاختلاف الاعتداد بقوله ms195 مع
~~الاتفاق، وهو محل النزاع. ولهذا، فإن قول التابعي معتبر بعد انقراض عصر
~~الصحابة، إذا لم يكن منهم اتفاق، وغير معتبر إذا كان على خلاف اتفاقهم.
# والمعتمد في ذلك أن يقال: الأدلة الدالة على كون الاجماع حجة إنما هي
~~الأخبار الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ على ما سبق. وهذا الاسم لا يصدق
~~عليهم مع خروج التابعين المجتهدين عنهم. فإنه لا يقال إجماع جميع الأمة، بل
~~إجماع بعضهم فلا يكون حجة.
# احتج الخصوم بالنص والمعقول والآثار:
# أما النص فقوله عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي،
~~عضوا عليها بالنواجذ وقوله: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وقوله:
~~أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.
# وأما المعقول، فهو أن الصحابة لهم مزية الصحبة وشهادة التنزيل وسماع
~~التأويل، وأنهم مرضي عنهم على ما قال تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين
~~إذ يبايعونك تحت الشجرة) * (48) الفتح: 18) وقد قال النبي في حقهم: لو أنفق
~~غيرهم ملء الأرض ذهبا لما بلغ مد أحدهم. وذلك يدل على أن الحق معهم لا مع
~~مخالفهم.
# وأما الآثار، فمنها أن عليا عليه السلام نقض على شريح حكمه في ابني عم
~~أحدهما أخ لام، لما جعل المال كله للأخ.
# ومنها ما روي عن عائشة أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف
~~مجاراته للصحابة وكلامه فيما بينهم، وزجرته عن ذلك، وقالت: فروج يصيح مع
~~الديكة.
# والجواب: عن النصوص ما سبق في مسألة انعقاد إجماع غير الصحابة.
~~PageV01P241
# وعن المعقول: قولهم إن الصحابة لهم مزية الصحبة والفضيلة والدرجة
~~الرفيعة.
# قلنا: لو كان ذلك مما يوجب اختصاص الاجماع بهم لما اعتبر قول الأنصار مع
~~المهاجرين، ولا قول المهاجرين مع قول العشرة، ولا قول باقي العشرة مع قول
~~الخلفاء الأربعة، ولا قول عثمان وعلي مع قول أبي بكر وعمر، ولا قول غير
~~الأهل مع الأهل، ولا قول غير الزوجات، مع الزوجات لوقوع التفاوت والتفاضل.
~~ولم يقل به قائل.
# وعن الآثار، أما نقض علي على شريح حكمه، فليس لان قوله غير معتبر. ms196
# ولهذا فإنه لما حكم عليه في مخاصمته بخلاف رأيه لم ينكر عليه، وإنما نقض
~~حكمه، بمعنى أنه رد عليه بطريق الاستدلال والاعتراض، كما يقال نقض فلان
~~كتاب فلان وكلامه إذا اعترض عليه. ويحتمل أنه نقضه بنص اطلع عليه أوجب نقض
~~حكمه.
# وأما إنكار عائشة على أبي سلمة، فيحتمل أنه كان ذلك بخلافه فيما سبق فيه
~~إجماع الصحابة أو لأنه لم يكن قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو بطريق التأديب مع
~~الصحابة، أو لأنها رأت ذلك مذهبا لها، فلا حجة فيه. PageV01P242
# المسألة العاشرة اتفق الأكثرون على أن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون
~~حجة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافا لمالك، فإنه قال: يكون
~~حجة.
# ومن أصحابه من قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم.
# ومنهم من قال أراد به أن يكون إجماعهم أولى. ولا تمتنع مخالفته.
# ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
# والمختار مذهب الأكثرين. وذلك أن الأدلة الدالة على كون الاجماع حجة،
~~متناولة لأهل المدينة والخارج عن أهلها، وبدونه لا يكونون كل الأمة ولا كل
~~المؤمنين، فلا يكون إجماعهم حجة على ما عرف في المسائل المتقدمة.
# احتج من نصر مذهب مالك بالنص والمعقول:
# أما النص، فقوله عليه السلام: إن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير
~~خبث الحديد والخطأ من الخبث، فكان منفيا عنها. وقال عليه السلام: إن
~~الاسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها وقال عليه السلام: لا
~~يكايد أحد أهل المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في الماء.
# وأما المعقول فمن ثلاثة أوجه:
# الأول: هو أن المدينة دار هجرة النبي عليه السلام وموضع قبره، ومهبط
~~الوحي، ومستقر الاسلام، ومجمع الصحابة، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قول
~~أهلها.
# الثاني: أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف
~~بأحوال الرسول من غيرهم، فوجب أن لا يخرج الحق عنهم.
# الثالث: أن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم، فكان إجماعهم حجة
~~على غيرهم.
# والجواب: عن النص الأول ms197 أنه، وإن دل على خلوص المدينة عن الخبث، فليس فيه
~~ما يدل على أن من كان خارجا عنها لا يكون خالصا عن الخبث، ولا على كون
~~إجماع أهل المدينة دونه حجة. وتخصيصه للمدينة بالذكر إنما كان إظهارا
~~لشرفها وإبانة لخطرها وتمييزا لها عن غيرها لما اشتملت عليه من الصفات
~~المذكورة في الوجه الأول من المعقول. وهو الجواب عن باقي النصوص.
~~PageV01P243
# وعن الوجه الأول من المعقول أن غايته اشتمال المدينة على صفات موجبة
~~لفضلها، وليس في ذلك ما يدل على انتفاء الفضيلة عن غيرها، ولا على الاحتجاج
~~بإجماع أهلها. ولهذا، فإن مكة أيضا مشتملة على أمور موجبة لفضلها، كالبيت
~~المحترم، والمقام وزمزم، والحجر المستلم، والصفا، والمروة، ومواضع المناسك،
~~وهي مولد النبي عليه السلام ومبعثه، ومولد إسماعيل، ومنزل إبراهيم. ولم يدل
~~ذلك على الاحتجاج بإجماع أهلها على مخالفيهم إذ لا قائل به. وإنما الاعتبار
~~بعلم العلماء واجتهاد المجتهدين، ولا أثر للبقاع في ذلك.
# وعن الوجه الثاني أن ذلك لا يدل على انحصار أهل العلم فيها، والمعتبرين
~~من أهل الحل والعقد، ومن تقوم الحجة بقولهم، فإنهم كانوا منتشرين في
~~البلاد، متفرقين في الأمصار، وكلهم فيما يرجع إلى النظر والاعتبار سواء.
~~ولهذا قال عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يخصص ذلك
~~بموضع دون موضع، لعدم تأثير المواضع في ذلك.
# وعن الوجه الثالث أنه تمثيل من غير دليل موجب للجمع بين الرواية
~~والدراية.
# كيف وإن الفرق حاصل، وذلك من جهة الاجمال والتفصيل:
# أما الاجمال فهو أن الرواية يرجح فيها بكثرة الرواة حتى إنه يجب على كل
~~مجتهد الاخذ بقول الأكثر بعد التساوي في جميع الصفات المعتبرة في قبول
~~الرواية، ولا كذلك في الاجتهاد، فإنه لا يجب على أحد من المجتهدين الاخذ
~~بقول الأكثر من المجتهدين، ولا بقول الواحد أيضا.
# وأما من جهة التفصيل، فهو أن الرواية مستندها السماع ووقوع الحوادث
~~المروية في زمن النبي عليه السلام وبحضرته. ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك
~~وأقرب إلى معرفة المروي، كانت روايتهم أرجح.
# وأما الاجتهاد فإن ms198 طريقه النظر والبحث بالقلب والاستدلال على الحكم.
# وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الأماكن.
# وعلى ما ذكرناه، فلا يكون إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمصرين
~~الكوفة والبصرة، حجة على مخالفيهم، وإن خالف فيه قوم لما ذكرناه من الدليل.
~~PageV01P244
# المسألة الحادية عشرة لا يكفي في انعقاد الاجماع اتفاق أهل البيت مع
~~مخالفة غيرهم لهم خلافا للشيعة، للدليل السابق في المسائل المتقدمة.
# احتج المثبتون بالكتاب والسنة والمعقول:
# أما الكتاب فقوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
~~ويطهركم تطهيرا) * (33) الأحزاب: 33) أخبر بذهاب الرجس عن أهل البيت بإنما،
~~وهي للحصر فيهم، وأهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين.
# ويدل على هذا أنه لما نزلت هذه الآية أدار النبي عليه السلام الكساء على
~~هؤلاء، وقال هؤلاء أهل بيتي والخطأ والضلال من الرجس، فكان منتفيا عنهم.
~~PageV01P245
# وأما السنة فقوله عليه السلام: إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما،
~~لن تضلوا كتاب الله وعترتي حصر التمسك بهما، فلا تقف الحجة على غيرهما.
# وأما المعقول فهو أن أهل البيت اختصوا بالشرف والنسب وأنهم أهل بيت
~~الرسالة، ومعدن النبوة والوقوف على أسباب التنزيل، ومعرفة التأويل، وأفعال
~~الرسول وأقواله، لكثرة مخالطتهم له عليه السلام، وأنهم معصومون عن الخطأ
~~PageV01P246
# على ما عرف في موضعه من الإمامة، والآية المذكورة أولا، فكانت أقوالهم
~~وأفعالهم حجة على غيرهم، بل قول الواحد منهم، ضرورة عصمته عن الخطأ، كما في
~~أقوال النبي عليه السلام وأفعاله.
# والجواب: عن التمسك بالآية أنها إنما نزلت في زوجات النبي عليه السلام،
~~لقصد دفع التهمة عنهن وامتداد الأعين بالنظر إليهن.
# ويدل على ذلك أول الآية وآخرها، وهو قوله تعالى: * (يا نساء النبي لستن
~~كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن
~~قولا معروفا) * (33) الأحزاب: 32) إلى قوله: * وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن
~~تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما
~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) * (33) الأحزاب: 33) وقوله عليه
~~السلام: هؤلاء أهل بيتي لا ينافي كون الزوجات ms199 من أهل البيت ويدل عليه الآية
~~المخاطبة لهم بأهل البيت.
# والخبر وهو ما روي عن أم سلمة أنها قالت للنبي عليه السلام: ألست من أهل
~~البيت قال: بلى إن شاء الله.
# فإن قيل: لو كان المراد بقوله: ليذهب عنكم الرجس أهل البيت الزوجات، لقال
~~(عنكن).
# قلنا: إنما قال (عنكم) لان أول الآية وإن كان خطابا مع الزوجات، غير أنه،
~~لما خاطبهن بأهل البيت أدخل معهن غيرهن من الذكور كعلي والحسن والحسين،
~~فجاء بخطاب التذكير، لان الجمع إذا اشتمل على مذكر ومؤنث، غلب جمع التذكير،
~~وصار كما في قوله تعالى في حق زوجه إبراهيم: * (فبشرناها بإسحاق ومن وراء
~~إسحاق يعقوب. قالت يا ويلتى، أألد وأنا عجوز، وهذا بعلي شيخا، إن هذا لشئ
~~عجيب. قالوا: أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) *
~~(11) هود: 71 - 73) فكان ذلك عائدا إليها وإلى من حواه بيت إبراهيم من ذكر
~~وأنثى. PageV01P247
# وعن الخبر أنه من باب الآحاد. وعندهم أنه ليس بحجة، وإن كان حجة، ولكن لا
~~نسلم أن المراد بالثقلين الكتاب والعترة، بل الكتاب والسنة على ما روي أنه
~~قال: كتاب الله وسنتي وإن كان كما ذكروه، غير أنه أمكن حمله على الرواية
~~عنه عليه السلام وروايتهم حجة. ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الأدلة، وإنما
~~خصهم بذلك، لأنهم أخبر بحاله من أقواله وأفعاله.
# ثم ما ذكروه معارض بقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم
~~اهتديتم، عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ
~~وبقوله: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وبقوله: خذوا شطر دينكم عن
~~الحميراء وليس العمل بما ذكرتموه أولى مما ذكرناه.
# وعن المعقول، أما اختصاصهم بالشرف والنسب، فلا أثر له في الاجتهاد
~~واستنباط الاحكام من مداركها، بل المعول في ذلك إنما هو على الأهلية للنظر
~~والاستدلال ومعرفة المدارك الشرعية وكيفية استثمار الاحكام منها، وذلك مما
~~لا يؤثر فيه الشرف ولا قرب القرابة.
# وأما كثرة المخالطة للنبي عليه السلام، فذلك مما يشارك العترة فيه
~~الزوجات، ومن كان يصحبه من ms200 الصحابة في السفر والحضر من خدمه وغيرهم.
# وأما العصمة، فلا يمكن التمسك بها لما بيناه في الكتب الكلامية.
# وأما الآية فقد بينا أن المراد بنفي الرجس إنما هو نفي الظنة والتهمة عن
~~زوجات النبي عليه السلام، وذلك بمعزل عن الخطأ والضلال في الاجتهاد والنظر
~~في الأحكام الشرعية. PageV01P248
# وعلى هذا، فقد بطل أن يكون قول الواحد منهم أيضا حجة.
# ويؤيد ذلك أن عليا، عليه السلام، لم ينكر على أحد ممن خالفه فيما ذهب
~~إليه من الاحكام، ولم يقل له إن الحجة فيما أقول، مع كثرة مخالفيه. ولو كان
~~ذلك منكرا، فقد كان متمكنا من الانكار فيما خولف فيه في زمن ولايته وظهور
~~شوكته، فتركه لذلك يكون خطأ منه، ويخرج بذلك عن العصمة وعن وجوب اتباعه
~~فيما ذهب إليه.
# المسألة الثانية عشرة لا ينعقد إجماع الأئمة الأربعة مع وجود المخالف لهم
~~من الصحابة عند الأكثرين، خلافا لأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه،
~~وللقاضي أبي حازم من أصحاب أبي حنيفة. وكذلك لا ينعقد إجماع الشيخين أبي
~~بكر وعمر مع مخالفة غيرهما لهما، خلافا لبعض الناس. ودليل ذلك ما سبق في
~~المسائل المتقدمة.
# حجة من قال بانعقاد إجماع الأئمة الأربعة قوله عليه السلام: عليكم بسنتي
~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ أوجب اتباع سنتهم كما
~~أوجب اتباع سنته. والمخالف لسنته لا يعتد بقوله، فكذلك المخالف لسنتهم.
# وحجة من قال بانعقاد إجماع الشيخين قوله عليه السلام: اقتدوا باللذين من
~~بعدي أبي بكر وعمر.
# والجواب عن الخبر الأول أنه عام في كل الخلفاء الراشدين ولا دلالة فيه
~~على الحصر في الأئمة الأربعة، وإن دل على الحصر فهو معارض بقوله عليه
~~السلام:
# أصحابي كالنجوم الحديث. وليس العمل بأحد الخبرين أولى من الآخر. وإذا
~~تعارض الخبران سلم لنا ما ذكرناه، وبهذا يبطل الاستدلال بالخبر الآخر أيضا.
~~PageV01P249
# المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في اشتراط عدد التواتر في الاجماع، فمن
~~استدل على كون الاجماع حجة بدلالة العقل، وهو أن الجمع الكثير لا يتصور
~~تواطئهم على الخطأ كإمام الحرمين ms201 وغيره، فلا بد من اشتراط ذلك عنده لتصور
~~الخطأ على من دون عدد التواتر وأما من احتج على ذلك بالأدلة السمعية، فقد
~~اختلفوا: فمنهم من شرطه، ومنهم من لم يشترطه.
# والحق أنه غير مشترط لما بيناه من أن إثبات الاجماع بطريق العقل غير
~~متصور، وأنه لا طريق إليه سوى الأدلة السمعية من الكتاب والسنة. وعلى هذا،
~~فمهما كان عدد الاجماع أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ (الأمة) و
~~(المؤمنين)، وكانت الأدلة السمعية موجبة لعصمتهم عن الخطأ عليهم، ووجب
~~اتباعهم.
# فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يصح بتقدير عود عدد المسلمين إلى ما دون عدد
~~التواتر، وذلك غير متصور، مهما دام التكليف من الله تعالى بدين الاسلام،
~~وذلك لان التكليف به إنما يكون مع قيام الحجة على ذلك، والحجة على ذلك إنما
~~تكون بالنقل المفيد لوجود محمد وتحديه بالرسالة، وما ورد على لسانه من معجز
~~الكتاب والسنة وأدلة الاحكام يقينا، ولا يفيد ذلك غير التواتر من أخبار
~~المسلمين لعدم نقل غيرهم لذلك، ومبالغتهم في محو ذلك وإعدامه.
# سلمنا إمكان انتفاء التكليف مع عود عدد المجمعين إلى ما دون عدد التواتر،
~~ولكن ما دون عدد التواتر مما لا يعلم إسلامهم وإيمانهم بأقوالهم، ومن لا
~~يعلم إيمانه لا يعلم صدقه في الخبر عن الدين.
# سلمنا إمكان حصول العلم بأقوال من عددهم دون عدد التواتر، فلو لم يبق من
~~الأمة سوى واحد، هل تقوم الحجة بقوله أم لا؟
# والجواب عن الأول أنا إن قلنا إن أهل الاجماع هم أهل الحل والعقد، فلا
~~يلزم من نقصان عددهم عن عدد التواتر انقطاع الحجة بالتكليف، لامكان حصول
~~المعرفة بذلك من أخبار المجتهدين والعامة جميعا، فإنه ليس من شرط التواتر
~~أن PageV01P250
# يكون ناقله مجتهدا. وإن قلنا إن العوام داخلة في الاجماع، ومع ذلك فعدد
~~الجميع دون عدد التواتر، فلا يلزم أيضا انقطاع ذلك لامكان إدامة الله ذلك
~~بأخبار المسلمين وأخبار الكفار معهم، وإن كانوا لا يعترفون بنبوة محمد عليه
~~السلام، وبخبر العدد القليل لاحتفاف القرائن المفيدة للعلم بأخبارهم، ms202 ويدل
~~على ذلك قوله عليه السلام: لا تزال طائفة من أمتي تقوم بالحق حتى يأتي أمر
~~الله، وبتقدير عدم ذلك كله فانقطاع التكليف وانتهاء الاسلام غير ممتنع عقلا
~~ولا شرعا. ولذلك قال عليه السلام: أول ما يفقد من دينكم الأمانة، وآخر ما
~~يفقد الصلاة وقال عليه السلام: إن الله لا ينزع العلم من صدور الرجال، ولكن
~~ينزع العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فإذا
~~سئلوا أفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
# وعن السؤال الثاني انه لا بعد في حصول العلم بخبرهم بما يحتف به من
~~القرائن، بل ولا بعد في ذلك، وأن كان المخبر واحدا، وأن يخلق الله لنا
~~العلم الضروري بذلك.
# وعن السؤال الثالث أذلك مما اختلف فيه جواب الأصحاب فمنهم من قال إن قوله
~~يكون حجة متبعة، لأنه إذا لم يوجد من الأمة سواه، صدق عليه إطلاق لفظ
~~(الأمة)، ودليله قوله تعالى: * (إن إبراهيم كان أمة قانتا) * (16) النحل:
~~120) أطلق لفظ (الأمة) عليه وهو واحد. والأصل في الاطلاق الحقيقة وإذا كان
~~أمة كانت النصوص السابق ذكرها متناولة له حسب تناولها للجمع الكثير.
# ومنهم من أنكر ذلك مصيرا منه إلى أن لفظ (الاجماع) مشعر بالاجتماع، وأقل
~~ما يكون ذلك من اثنين فصاعدا. PageV01P251
# المسألة الرابعة عشرة اختلفوا فيما إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى
~~حكم وعرف به أهل عصره. ولم ينكر عليه منكر: هل يكون ذلك إجماعا؟
# فذهب أحمد بن حنبل وأكثر أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي والجبائي
~~إلى أنه إجماع وحجة.
# لكن من هؤلاء من شرط في ذلك انقراض العصر كالجبائي.
# وذهب الشافعي إلى نفي، الامرين وهو منقول عن داود وبعض أصحاب أبي حنيفة.
# وذهب أبو هاشم إلى أنه حجة، وليس بإجماع.
# وذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أنه إن كان ذلك حكما من
~~حاكم لم يكن إجماعا، وإن كان فتيا كان إجماعا، وقد احتج النافون لكونه
~~إجماعا بأن سكوت من سكت يحتمل أن يكون لأنه موافق.
# ويحتمل أنه ms203 لم يجتهد بعد في حكم الواقعة، ويحتمل أنه اجتهد، لكن لم يؤده
~~اجتهاده إلى شئ، وإن أدى اجتهاده إلى شئ، فيحتمل أن يكون ذلك الشئ مخالفا
~~للقول الذي ظهر. لكنه لم يظهره:
# إما للتروي والتفكر في ارتياد وقت يتمكن من إظهاره، وإما لاعتقاده أن
~~القائل بذلك مجتهد، ولم ير الانكار على المجتهد لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب،
~~أو لأنه سكت خشية ومهابة وخوف ثوران فتنة، كما نقل عن ابن عباس أنه وافق
~~عمر فمسألة العول، وأظهر النكير بعده، وقال هبته، وكان رجلا مهيبا، وإما
~~لظنه أن غيره قد كفاه مؤنة الانكار وهو مخطئ فيه.
# ومع هذه الاحتمالات فلا يكون سكوتهم مع انتشار قول المجتهد فيما بينهم
~~إجماعا ولا حجة. PageV01P252
# وأما حجة ابن أبي هريرة أن العادة جارية بأن الحاضر مجالس الحكام يحضر
~~على بصيرة من خلافهم له فيما ذهب إليه من غير إنكار، لما في الانكار من
~~الافتيات عليهم، ولأن حكم الحاكم يقطع الخلاف، ويسقط الاعتراض، بخلاف قول
~~المفتي فإن فتواه غير لازمة ولا مانعة من الاجتهاد. وفي هاتين الحجتين نظر:
# أما الأولى فما ذكر فيها من الاحتمالات، وإن كانت منقدحة عقلا، فهي خلاف
~~الظاهر من أحوال أرباب الدين وأهل الحل والعقد.
# أما احتمال عدم الاجتهاد في الواقعة فبعيد من الخلق الكثير، والجم
~~الغفير، لما فيه من إهمال حكم الله تعالى فيما حدث، مع وجوبه عليهم
~~وإلزامهم به، وامتناع تقليدهم لغيرهم، مع كونهم من المجتهدين، فإنه معصية.
~~والظاهر عدم ارتكابها من المتدين المسلم.
# وأما احتمال عدم تأدية الاجتهاد إلى شئ من الاحكام، فبعيد أيضا، لان
~~الظاهر أنه ما من حكم إلا ولله تعالى عليه دلائل وأمارات تدل عليه. والظاهر
~~ممن له أهلية الاجتهاد، إنما هو الاطلاع عليها، والظفر بها.
# وأما احتمال تأخير الانكار للتروي والتفكر، وإن كان جائزا، غير أن العادة
~~تحيل ذلك في حق الجميع، ولا سيما إذا مضت عليهم أزمنة كثيرة حتى انقرض
~~العمر من غير نكير.
# وأما احتمال السكوت عنه لكونه مجتهدا، فذلك مما لا يمنع من ms204 مباحثته
~~ومناظرته وطلب الكشف عن مأخذه، لا بطريق كالعادة الجارية من زمن الصحابة
~~إلى زمننا هذا بمناظرة المجتهدين، وأئمة الدين فيما بينهم، لتحقيق الحق،
~~وإبطال الباطل كمناظرتهم في مسائل الجد والاخوة وقوله: أنت علي حرام
~~والعول، ودية الجنين، ونحو ذلك من المسائل.
# وأما احتمال التقية فبعيد أيضا، وذلك لان التقية إنما يكون فيما يحتمل
~~المخافة ظاهرا، وليس كذلك لوجهين.
# الأول: أن مباحث المجتهدين غير مستلزمة لذلك، وذلك لان الغالب من حال
~~المجتهد، وهو من سادات أرباب الدين أن مباحثته فيما ذهب إليه لا توجب خيفة
~~في نفسه، ولا حقدا في صدره، تخاف عاقبته، إذ هو خلاف مقتضى الدين.
~~PageV01P253
# الثاني: أنه إما أن يكون خاملا غير مخوف، فلا تقية بالنسبة إليه، وإن كان
~~ذا شوكة وقوة كالامام الأعظم، فمحاباته في ذلك تكون غشا في الدين، والكلام
~~معه فيه يعد نصحا. والغالب إنما هو سلوك طريق النصح وترك الغش من أرباب
~~الدين، كما نقل عن علي في رده على عمر في عزمه على إعادة الجلد على أحد
~~الشهود على المغيرة، بقوله: إن جلدته، ارجم صاحبك. ورد معاذ عليه في عزمه
~~على جلد الحامل بقوله: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلا فما جعل لك على ما
~~في بطنها سبيلا، حتى قال عمر: لولا معاذ لهلك عمر. ومن ذلك رد المرأة على
~~عمر لما نهى عن المغالاة في مهور النساء بقولها: أيعطينا الله تعالى بقوله:
~~* (وآتيتم إحداهن قنطارا، فلا تأخذوا منه شيئا) * (4) النساء: 20) ويمنعنا
~~عمر، حتى قال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته.
# ومن ذلك قول عبيدة السلماني لعلي، عليه السلام، لما ذكر أنه قد تجدد له
~~رأي في بيع أمهات الأولاد: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، إلى
~~غير ذلك من الوقائع.
# وأما حجة ابن أبي هريرة، فإنما تصح بعد استقرار المذاهب. وأما قبل ذلك،
~~فلا نسلم أن السكوت لا يكون إلا عن رضى وعلى هذا، فالاجماع السكوتي ظني،
~~والاحتجاج به ظاهر لا قطعي. PageV01P254
# المسألة الخامسة عشرة إذا ذهب واحد من ms205 أهل الحل والعقد إلى حكم في مسألة.
~~ولم ينتشر بين أهل عصره، لكنه يعرف له مخالف، هل يكون إجماعا؟
# اختلفوا فيه، والأكثر على أنه ليس بإجماع، وهو المختار.
# وذلك لأنه إنما يتخيل كونه إجماعا من أهل العصر، إذا علموا بقوله وسكتوا
~~عن الانكار، على ما تقدم في المسألة التي قبلها.
# وأما إذا لم يعلموا به، فيمتنع رضاهم به أو سخطهم. ومع ذلك فيحتمل أن لا
~~يكون لهم في تلك المسألة قول، لعدم خطورها ببالهم.
# وإن كان لهم فيها قول، احتمل أن يكون موافقا للمنقول إلينا، واحتمل أن
~~يكون مخالفا له، احتمالا على السواء. ومن لا قول له في نفس الامر في
~~المسألة، أو له قول، لكنه متردد بين الموافقة والمخالفة، فلا تتحقق منه
~~الموافقة والاجماع. وإذا لم يكن ذلك إجماعا، فهل يكون ما نقل إلينا من قول
~~الصحابي حجة متبعة أو لا. فسيأتي الكلام فيه فيما بعد. PageV01P255
# المسألة السادسة عشرة اختلفوا في انقراض العصر: هل هو شرط في انعقاد
~~الاجماع أو لا؟
# فذهب أكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة والأشاعرة والمعتزلة إلى أنه ليس
~~بشرط.
# وذهب أحمد بن حنبل والأستاذ أبو بكر بن فورك إلى اعتباره شرطا.
# ومن الناس من فصل، وقال: إن كان قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما،
~~لا يكون انقراض العصر شرطا. وإن كان الاجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد
~~إلى حكم، وسكت الباقون عن الانكار مع اشتهاره فيما بينهم، فهو شرط.
# وهذا هو المختار.
# لكن، قد احتج القائلون بعدم الاشتراط بمسلكين ضعيفين لا بد من الإشارة
~~إليهما، ووجه ضعفهما. ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.
# المسلك الأول: أنهم قالوا: وقع الاجماع على كون الاجماع حجة بعد انقراض
~~العصر، إذا لم يوجد لهم مخالف، فالحجة إما أن تكون في نفس الاتفاق، أو نفس
~~انقراض العصر، أو مجموع الامرين.
# لا جائز أن يقال بالثاني، وإلا كان انقراض العصر دون الاتفاق حجة، وهو
~~محال، ولا جائز أن يقال بالثالث، وإلا كان موتهم مؤثرا في جعل أقوالهم حجة، ms206
~~وهو محال كما في موت النبي عليه السلام. فلم يبق سوى الأول، وهو ثابت قبل
~~انقراض العصر، وذلك هو المطلوب.
# ولقائل أن يقول: ما المانع أن تكون الحجة في اتفاقهم مشروطا بعدم المخالف
~~لهم في عصرهم. ولا يخفى أن دعوى إحالة ذلك غير محل النزاع، ولا يلزم من عدم
~~اشتراط عدم مخالفة النبي، عليه السلام، في صحة الاحتجاج بقوله عدم اشتراط
~~ذلك فيما نحن فيه، إذ هو تمثيل من غير جامع صحيح، كيف والفرق حاصل من جهة
~~أن قول النبي مستند إلى الوحي على ما قال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن
~~هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3 - 4) وقول غيره: ليس عن وحي حتى يقع في
~~مقابلة قوله: وأما قول غيره فمستند إلى الاجتهاد، وقول المخالف له أيضا
~~مستند إلى الاجتهاد، وليس أحدهما أولى من الآخر، فافترقا. PageV01P256
# المسك الثاني: هو أن القول باشتراط انقراض العصر يفضي إلى عدم تحقق
~~الاجماع مطلقا، مع كونه حجة متبعة. وكل شرط أفضى إلى إبطال المشروط المتفق
~~على تحقيقه كان باطلا.
# وبيان ذلك أن من اشترط انقراض العصر جوز لمن حدث من التابعين لأهل ذلك
~~العصر، إذا كان من أهل الاجتهاد، مخالفتهم، وشرط في صحة إجماعهم موافقته
~~لهم، وإذا صار التابعي من أهل الاجماع، فقد لا ينقرض عصرهم حتى يحدث تابع
~~التابعي. والكلام فيه كالكلام في الأول وهلم جرا، إلى يوم القيامة.
# ومع ذلك، فلا يكون الاجماع متحققا في عصر من الاعصار.
# ولقائل أن يقول: القائلون باشتراط انقراض العصر اختلفوا في إدخال من أدرك
~~المجمعين من التابعين لهم في إجماعهم:
# فذهب أحمد بن حنبل إلى أنه لا مدخل للتابعي في إجماع أهل ذلك العصر في
~~إحدى الروايتين عنه، مع أنه يشترط انقراض العصر. وفائدة اشتراطه لذلك إمكان
~~رجوع المجمعين أو بعضهم عما حكموا به أولا، لا لجواز وجود مجتهد آخر، وعلى
~~هذا، فالاشكال يكون مندفعا. وبتقدير تسليم دخول التابع لهم في إجماعهم، فلا
~~يمتنع أن يكون الشرط هو انقراض عصر المجمعين عند حدوث الحادثة، واعتبار ms207
~~موافقة من أدرك ذلك العصر من المجتهدين لا عصر من أدرك عصرهم. وعلى هذا،
~~فالاشكال لا يكون متجها.
# والمعتمد في ذلك أن يقال: إذا اتفق إجماع أمة عصر من الاعصار على حكم
~~حادثة، فهم كل الأمة بالنسبة إلى تلك المسألة، وتجب عصمتهم في ذلك عن الخطأ
~~على ما سبق من النصوص في مسألة إثبات كون الاجماع حجة، وذلك غير متوقف على
~~انقراض عصرهم.
# هذا فيما إذا اتفقوا على الحكم بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما وأما إن حكم
~~واحد بحكم، وانتشر حكمه فيما بينهم، وسكتوا عن الانكار، وإن كان الظاهر
~~الموافقة، على ما سبق تقريره، فذلك مما لا يمنع من إظهار بعضهم PageV01P257
# المخالفة في وقت آخر لاحتمال أن يكون في مهلة النظر. وقد ظهر له الدليل
~~عند ذلك. ويدل على ظهور هذا الاحتمال إظهاره للمخالفة. فإنه لو كان سكوته
~~عن موافقة ودليل، لكان الظاهر عدم مخالفته لذلك الدليل. وأما إن حدث تابعي
~~مخالف، مع إصرار الباقين على السكوت، فالظاهر أنه لا يعتد بمخالفته في
~~مقابلة الاجماع الظاهر.
# احتج المخالفون بالنص والآثار والمعقول:
# أما النص فقوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على
~~الناس) * (2) البقرة: 143) ووجه الدلالة أنه جعلهم حجة على الناس، ومن جعل
~~إجماعهم مانعا لهم من الرجوع، فقد جعلهم حجة على أنفسهم.
# وأما الآثار، فمنها ما روي عن علي، عليه السلام، أنه قال اتفق رأيي ورأي
~~عمر على أن لا تباع أمهات الأولاد، والآن فقد رأيت بيعهن، أظهر الخلاف بعد
~~الوفاق، ودليله قول عبيدة السلماني:
# رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. وقول عبيدة دليل سبق الاجماع.
# ومنها أن عمر خالف ما كان عليه أبو بكر والصحابة في زمانه من التسوية في
~~القسم، وأقره الصحابة أيضا على ذلك.
# ومنها أن عمر حد الشارب ثمانين، وخالف ما كان أبو بكر والصحابة عليه من
~~الحد أربعين.
# وأما المعقول، فمن أربعة أوجه.
# الأول أن إجماعهم ربما كان عن اجتهاد وظن، ولا حجر على المجتهد إذا تغير
~~اجتهاده، وإلا كان الاجتهاد مانعا ms208 من الاجتهاد، وهو ممتنع. وذلك، لان
~~العادة جارية بأن الرأي والنظر عند المراجعة وتكرر النظر يكون أوضح وأصح.
# ويدل عليه قوله تعالى: * (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي
~~الرأي) * (11) هود: 27) جعلوا بادي الرأي ذما وطعنا، فلا يجوز أن يكون
~~محكما على الرأي الثاني.
# الوجه الثاني أنه لو لم تعتبر المخالفة في عصرهم، لبطل مذهب المخالف لهم
~~في عصرهم بموته، لان من بقي بعده كل الأمة، وذلك خلاف الاجماع. PageV01P258
# الوجه الثالث: أن قول الجماعة لا يزيد على قول النبي عليه السلام، ووفاة
~~النبي شرط في استقرار الحجة فيما يقوله. فاشتراط ذاك في استقرار قول
~~الجماعة أولى.
# الوجه الرابع أنه لو لم يشترط انقراض العصر، وإلا فبتقدير أن يتذكر واحد
~~منهم أو جماعة منهم أو جملتهم، حديثا عن رسول الله، على خلاف إجماعهم.
# فإن جاز رجوعهم إليه، كان الاجماع الأول خطأ، وإن لم يجز الرجوع، كان
~~استمرارهم على الحكم، مع ظهور دليل يناقضه، وهو أيضا خطأ، ولا مخلص منه إلا
~~باشتراط انقراض العصر.
# والجواب عن الآية من وجهين:
# الأول أنه لا يلزم من وصفهم بأنهم شهداء على الناس وحجة على غيرهم امتناع
~~كون أقوالهم حجة على أنفسهم، إلا بطريق المفهوم، ولا حجة فيه على ما يأتي،
~~بل ربما كان قبول قولهم على أنفسهم أولى من قبوله على غيرهم لعدم التهمة،
~~وتكون فائدة التخصيص التنبيه بالأدنى على الاعلى. ولهذا، فإنه قد يقبل
~~إقرار المرء على نفسه، وإن كان لا تقبل شهادته على غيره.
# الثاني أن المراد بجعلهم شهداء على الناس في يوم القيامة بإبلاغ الأنبياء
~~إليهم، فلا يكون ذلك حجة فيما نحن فيه.
# وعن الآثار: أما قول علي، فليس فيه ما يدل على اتفاق الأمة، وإلا قال:
# أيي ورأي الأمة. والذي يدل على ذلك أنه قد نقل أن جابر بن عبد الله كان
~~يرى جواز بيعهن في زمن عمر، ومع مخالفته، فلا إجماع. وقول السلماني ليس فيه
~~أيضا ما يدل على اتفاق الجماعة على ذلك. لأنه يحتمل أنه أراد به رأيك ms209 مع
~~رأي الجماعة، ويحتمل أنه أراد به رأيك في زمن الجماعة والألفة والطاعة
~~للامام أحب إلينا من رأيك في زمن الفتنة وتشتيت الكلمة، نفيا للتهمة عن علي
~~في تطرقها إليه في PageV01P259
# مخالفة الشيخين، وبتقدير أن يكون علي قد خالف بعد انعقاد الاجماع، فلعله
~~كان ممن يرى اشتراط انقراض العصر. ولا حجة في قول المجتهد الواحد في محل
~~النزاع.
# وأما قضية التسوية، فلا نسلم أن عمر خالف فيها بعد الوفاق، فإنه روي أنه
~~خالف أبا بكر في ذلك في زمانه، وقال له: أتجعل من جاهد في سبيل الله بنفسه
~~وماله كمن دخل في الاسلام كرها؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجرهم
~~على الله، وإنما الدنيا بلاغ. ولم يرو أن عمر رجع إلى قول أبي بكر، وإنما
~~فضل في زمانه وعود الامر إليه، لأنه كان مصرا على المخالفة.
# وأما حده للشارب ثمانين، فغايته أنه خالف الاجماع السكوتي، ونحن نقول
~~بجواز ذلك لكونه كان من جملة الساكتين على ما بيناه في المسألة المتقدمة.
# وعن الحجة الأولى: من المعقول أنه، وإن كان مصير كل واحد من المجتهدين
~~إلى الحكم عن اجتهاد وظن، ولكن بعد اتفاقهم على الحكم إنما يجوز الرجوع عنه
~~بالاجتهاد أن لو لم يصر الحكم بإجماعهم قطعيا. وأما إذ صار قطعيا فيمتنع
~~العود عنه وتركه بالاجتهاد الظني. وهذا بخلاف العود عن الاجتهاد الظني
~~بالاجتهاد الظني.
# وعن الثانية: أنه قد ذهب بعض من نص هذا المذهب إلى إبطال مذهب المخالف
~~بموته، وقال بانعقاد إجماع من بقي ومنهم من قال: إنما لم يبطل مذهبه، ولا
~~ينعقد الاجماع بعده، لان من بعده ليس هم كل الأمة بالنسبة إلى هذه المسألة
~~التي خالف فيها الميت، فإن فتواه لا تبطل بموته، وهو الحق.
# وعن الثالثة: بالفرق بين النبي، عليه السلام، والأمة، أن قوله إنما لم
~~يستقر قبل موته لامكان نسخه من الله تعالى، وهو مرتقب. وذلك إنما هو بالوحي
~~القاطع، ورفع القاطع بالقاطع على طريق النسخ غير ممتنع بخلاف رفع حكم
~~الاجماع القاطع بطريق الاجتهاد. ms210
# وعن الرابعة: أن ما فرضوه من تذكر الخبر المخالف لاجماعهم فهو فرض محال،
~~بل الله تعالى يعصم الأمة عن الاجماع على خلاف الخبر، وذلك يوجب إما عدم
~~الخبر المخالف، أو أن يعصم الراوي له عن النسيان إلى تمام انعقاد الاجماع.
# وعلى هذا، يكون الحكم فيما يقال من اطلاع التابعين على خبر مخالف للاجماع
~~السابق. PageV01P260
# المسألة السابعة عشرة اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن
~~مأخذ ومستند يوجب اجتماعها خلافا لطائفة شاذة، فإنهم قالوا بجواز انعقاد
~~الاجماع عن توفيق لا توقيف بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير
~~مستند.
# وقد احتج النافون لذلك بمسالك:
# المسلك الأول: إنهم قالوا مع فقد الدليل والمستند لا يجب الوصول إلى
~~الحق، أي لا يلزم.
# ولقائل أن يقول: متى لا يلزم ذلك، إذا لم تجمع الأمة على الحكم، أو إذا
~~أجمعت؟ الأول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع، فإنه ما المانع أنهم إذا اتفق
~~إجماعهم، أن يوفقهم الله تعالى للصواب، ضرورة استحالة إجماعهم على الخطأ
~~لما سبق في المسالك السمعية، والكلام إنما هو في جواز ذلك لا في وقوعه.
# المسلك الثاني: إن الصحابة ليسوا بآكد حالا من النبي عليه السلام. ومعلوم
~~أنه لا يقول ولا يحكم إلا عن وحي على ما نطق به النص، فالأمة أولى أن لا
~~تقول إلا عن دليل.
# ولقائل أن يقول: إذا دل الدليل على امتناع الخطأ على الرسول فيما يقول،
~~وكذلك الأمة، فلو قال الرسول قولا. وحكم بحكم عن غير دليل، لما كان إلا حقا
~~ضرورة استحالة الخطأ عليه، غير أنه امتنع منه الحكم والقول من غير دليل
~~لقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3 -
~~4) وأما الأمة فقد دل الدليل على استحالة الخطأ عليهم فيما أجمعوا عليه،
~~ولم يدل على أنهم لا يحكمون إلا عن دليل، فافترقا. PageV01P261
# المسلك الثالث: إنه لو جاز أن يحكموا من غير مستند، لجاز ذلك لكل واحد
~~منهم، فإنهم إنما يجمعون على الحكم بأن يقول كل واحد ms211 به، ولو جاز ذلك
~~لآحادهم، لم يكن للجمع في ذلك مزية على الآحاد.
# ولقائل أن يقول: المزية للجمع على الآحاد من وجهين:
# الأول أن إجماعهم يكون حجة بخلاف قول كل واحد من الآحاد.
# الثاني أن جواز ذلك للآحاد مشروط بضم قول الباقي إليه، لا أنه جائز من
~~غير ضم، ولا كذلك قول الجميع، فإنه جائز على الاطلاق.
# المسلك الرابع: إن القول في الدين من غير دلالة ولا أمارة خطأ، فلو
~~اتفقوا عليه كانوا مجمعين على الخطأ، وذلك محال قادح في الاجماع.
# ولقائل أن يقول: متى يكون ذلك خطأ إذا لم تجمع الأمة عليه، أو إذا أجمعت؟
~~الأول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع.
# المسلك الخامس: إن المقالة إذا لم تستند إلى دليل لا يعلم انتسابها إلى
~~وضع الشارع، وما يكون كذلك لا يجوز الاخذ به.
# ولقائل أن يقول: إما أن يراد بأنه لا يعرف انتسابها إلى وضع الشارع، أنه
~~لا يعرف ذلك عن دليل شرعي، أو أنه لا يعلم كونها مصيبة لحكم الشارع أو معنى
~~آخر:
# الأول مسلم، وهذا هو عين صورة الواقع المختلف فيه.
# والثاني دعوى محل النزاع، والثالث فلا بد من تصويره والدلالة عليه.
~~PageV01P262
# المسلك السادس: أنه لو جاز انعقاد الاجماع من غير دليل لم يكن لاشتراط
~~الاجتهاد في قول المجمعين معنى، وهو محال، لان اشتراط الاجتهاد مجمع عليه.
# ولقائل أن يقول: الاجتهاد مشترط لا حالة الاجماع، أو حالة الاجماع؟
# الأول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع. فإن الخصم إذا قال بجواز الإصابة
~~وامتناع الخطأ على الاجماع من غير دليل، كيف يسلم اشتراط الاجتهاد في مثل
~~هذه الصورة. فهذه جملة ما ظفرت به من مسالك النافين وليس شئ منها موجبا
~~لاستبعاد مقالة المخالف والحكم ببعده عن الصواب.
# وأما المثبتون فقد احتجوا بمسلكين:
# الأول أن الاجماع حجة، فلو افتقر في جعله حجة إلى دليل، لكان ذلك الدليل
~~هو الحجة في إثبات الحكم المجمع عليه، ولم يكن في إثبات كون الاجماع حجة
~~فائدة وهو باطل من ثلاثة أوجه.
# الأول: أنه أمكن أن ms212 يقال فائدة كون الاجماع حجة، جواز الاخذ به وإسقاط
~~البحث عن ذلك الدليل وحرمة المخالفة الجائزة قبل الاتفاق.
# الثاني: أن ما ذكروه يوجب عدم انعقاد الاجماع عن الدليل ولم يقولوا به.
# الثالث: أنه ينتقض بقول الرسول، فإنه حجة بالاتفاق مع أنه لا يقول ما
~~يقوله إلا عن دليل، وهو ما يوحى به إليه على ما نطق به النص.
# المسلك الثاني: استدلالهم بالواقع، وهو أنهم قالوا: قد انعقد الاجماع من
~~غير دليل كإجماعهم على أجرة الحمام، وناصب الحباب على الطريق، وأجرة
~~الحلاق، وأخذ الخراج ونحوه.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم وقوع شئ من الاجماعات إلا عن دليل غايته أنه لم
~~ينقل الاكتفاء بالاجماع عنه وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فالواجب أن
~~يقال: إنهم إن أجمعوا عن غير دليل، فلا يكون إجماعهم إلا حقا ضرورة استحالة
~~الخطأ عليهم. وأما أن يقال إنه لا يتصور إجماعهم إلا عن دليل أو يتصور،
~~فذلك مما قد ظهر ضعف المأخذ فيه من الجانبين. PageV01P263
# المسألة الثامنة عشرة القائلون بأنه لا ينعقد الاجماع إلا عن مستند
~~اختلفوا في جواز انعقاده عن الاجتهاد والقياس. فجوزه الأكثرون، لكن اختلفوا
~~في الوقوع نفيا وإثباتا.
# والقائلون بثبوته اختلفوا فمنهم من قال إن الاجماع مع ذلك يكون حجة تحرم
~~مخالفته، وهم الأكثرون، ومنهم من قال لا تحرم مخالفته، لان القول بالاجتهاد
~~في ذلك يفتح باب الاجتهاد ولا يحرمه.
# وذهبت الشيعة وداود الظاهري وابن جرير الطبري إلى المنع من ذلك.
# ومن الناس من قال بجواز ذلك بالقياس الجلي دون الخفي.
# والمختار جوازه ووقوعه. وأنه حجة تمتنع مخالفته.
# أما دليل الجواز العقلي، فهو أنا قد وجدنا الخلق الكثير الزائد على عدد
~~التواتر مجمعين على أحكام باطلة لا تستند إلى دليل قطعي ولا دليل ظني، كما
~~ذكرناه في مسألة تصور انعقاد الاجماع. فجواز انعقاد الاجماع عن الدليل
~~الظني الظاهر أولى كيف وأنا لو قدرنا وقوع ذلك لما لزم عنه لذاته محال
~~عقلا، ولا معنى للجائز سوى هذا.
# وأما دليل الوقوع فهو أن الصحابة أجمعت على ms213 إمامة أبي بكر من طريق
~~الاجتهاد والرأي، حتى قال جماعة منهم رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه
~~لدنيانا؟
# وقال بعضهم: إن تولوها أبا بكر، تجدوه قويا في أمر الله، ضعيفا في بدنه
~~وأيضا فإنهم اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بطريق الاجتهاد، حتى قال أبو
~~بكر:
# والله لا فرقت بين ما جمع الله، قال الله أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة.
# وأجمعوا على تحريم شحم الخنزير قياسا على تحريم لحمه، وأجمعوا على إراقة
~~الشيرج والدبس السيال، إذا وقعت فيه فأرة وماتت، قياسا على فأرة السمن،
~~وعلى تأمير خالد بن الوليد في موضع كانوا فيه باجتهادهم. PageV01P264
# وأجمعوا في زمن عمر على حد شارب الخمر ثمانين بالاجتهاد، حتى قال علي
~~عليه السلام، إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فأرى أن يقام
~~عليه حد المفترين. وقال عبد الرحمن بن عوف: هذا حد، وأقل الحدود ثمانون.
# وأجمعوا أيضا بطريق الاجتهاد على جزاء الصيد، ومقدار أرش الجناية، ومقدار
~~نفقة القريب وعدالة الأئمة والقضاة، ونحو ذلك.
# وإذا ثبت الجواز والوقوع، وجب أن يكون حجة متبعة لما ثبت في مسألة كون
~~الاجماع حجة.
# فإن قيل: ما ذكرتموه من دليل الجواز معارض بما يدل على عدمه، وبيانه من
~~خمسة أوجه:
# الأول: أنه ما من عصر إلا وفيه جماعة من نفاة القياس، وذلك مما يمنع من
~~انعقاد الاجماع مستندا إلى القياس.
# الثاني: أن القياس أمر ظني. وقوى الناس وأفهامهم مختلفة في إدراك الوقوف
~~عليه، وذلك مما يحيل اتفاقهم على إثبات الحكم به عادة، كما يستحيل اتفاقهم
~~على أكل طعام واحد في وقت واحد لاختلاف أمزجتهم.
# الثالث: أن الاجماع دليل مقطوع به، حتى إن مخالفه يبدع ويفسق، والدليل
~~المظنون الثابت بالاجتهاد على ضده وذلك مما يمنع إسناد الاجماع إليه.
# الرابع: أن الاجماع أصل من أصول الأدلة، وهو معصوم عن الخطأ. والقياس فرع
~~وعرضة للخطأ. واستناد الأصل وما هو معصوم عن الخطأ إلى الفرع وما هو عرضة
~~للخطأ ممتنع.
# الخامس: أن الاجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد، فلو انعقد الاجماع ms214 عن
~~اجتهاد أو قياس، لحرمت المخالفة الجائزة بالاجماع، وذلك تناقض.
# وأما ما ذكرتموه من دليل الوقوع، فلا نسلم أن إجماعهم في جميع صور
~~الاجماع كان عن القياس والاجتهاد، بل إنما كان ذلك عن نصوص ظهرت للمجمعين
~~منها ما ظهر لنا، وذلك كتمسك أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله تعالى:
~~PageV01P265
# * (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) وباستثناء النبي عليه
~~السلام وهو قوله (إلا) بحقها من قوله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا
~~إله إلا الله وكاستدلال الصحابة على تقديم أبي بكر بفعل النبي عليه السلام
~~حيث قالوا: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله ومنها ما لم
~~يظهر لنا للاكتفاء بالاجماع عن نقله.
# والجواب: عن الوجه الأول أنا لا نسلم وقوع الخلاف في القياس في العصر
~~الأول ليصح ما ذكروه. ووجدوه الخلاف بعده في القياس غايته المنع من وقوع
~~انعقاد الاجماع على القياس بعد ظهور الخلاف فيه، ولا يمنع من ذلك مطلقا.
# كيف وهو منقوض بخبر الواحد، فإنه مختلف فيه وفي أسباب تزكيته، ومع ذلك
~~فقد وافقوا على انعقاد الاجماع بناء عليه.
# وعن الثاني: أن القياس إذا ظهر وعدم الميل والهوى، فلا يبعد اتفاق
~~العقلاء عليه، ويكون داعيا إلى الحكم به. وإن تعذر ذلك في وقت معين لتفاوت
~~أفهامهم وجدهم في النظر والاجتهاد، فلا يتعذر ذلك في أزمنة متطاولة، كما لا
~~يتعذر اتفاقهم على العمل بخبر الواحد، مع أن عدالته مظنونة بما يظهر من
~~الامارات الدالة عليها والأسباب الموجبة لتزكيته.
# وهذا بخلاف اتفاق الكافة على أكل طعام واحد. فإن اختلاف أمزجتهم موجب
~~لاختلاف أغراضهم وشهواتهم، ولا داعي لهم إلى الاجتماع عليه، كما وجد الداعي
~~لهم عند ظهور القياس إلى الحكم بمقتضاه.
# وعن الثالث من وجهين: الأول أن الأمة إذا اتفقت على ثبوت حكم القياس،
~~فإجماعهم على ذلك يسبقه إجماعهم على صحة ذلك القياس، وبذلك يخرج عن كونه
~~ظنيا، فإذا استناد الاجماع القطعي إنما هو إلى قطعي لا إلى ظني، الثاني أن
~~ما ذكروه ينتقض بما وافقوا عليه من ms215 انعقاد الاجماع. بناء على خبر الواحد مع
~~كونه ظنيا، والاجماع المستند إليه قطعي، فما هو الجواب في صورة الالزام
~~يكون جوابا في محل النزاع. PageV01P266
# وعن الرابع: أن القياس الذي هو مستند الاجماع ليس هو فرعا للاجماع بل
~~لغيره من الكتاب والسنة، وذلك لا يتحقق معه بناء الاجماع على فرعه.
# قولهم إن القياس عرضة للخطأ بخلاف بالاجماع، فجوابه ما سبق في جواب الوجه
~~الذي قبله.
# وعن الخامس: أن الاجماع إنما انعقد على جواز مخالفة المجتهد المنفرد
~~باجتهاده، كالواحد والاثنين، دون اجتهاد الأمة.
# قولهم الأمة في الصورة المذكورة إنما أجمعت على نصوص.
# قلنا وإن أمكن التشبث بما أوردوه من النصوص في بعض الصور، فما العذر فيما
~~لا يظهر فيه نص مع تصريحهم بالقياس وإلحاق صورة بصورة فيما ذكرناه، ولو كان
~~لهم فيها نص، لما عدلوا عنه إلى التصريح بالقياس، وإذا ثبت جواز انعقاد
~~الاجماع عن القياس وعن غيره من الأدلة الظنية، فلو ظهر دليل من الأدلة
~~الظنية، ورأينا الأمة قد حكمت بمقتضاه، وإن غلب على الظن كون هو المستند،
~~فلا يجب تعينه لجواز أن المستند غيره لتكثر الأدلة في نفس الامر، خلافا
~~لأبي عبد الله البصري. PageV01P267
# المسألة التاسعة عشرة إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، هل يجوز
~~لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟
# اختلفوا فيه: فذهب الجمهور إلى المنع من ذلك، خلافا لبعض الشيعة وبعض
~~الحنفية وبعض أهل الظاهر، وذلك كما لو قال بعض أهل العصر إن الجارية الثيب
~~إذا وطئها المشتري، ثم وجد بها عيبا، يمنع الرد، وقال بعضهم بالرد مع
~~العقر، فالقول بالرد مجانا قول ثالث.
# وكذلك لو قال بعضهم: الجد يرث جميع المال مع الأخ، وقال بعضهم بالمقاسمة،
~~فالقول بأنه لا يرث شيئا قول ثالث.
# وكذلك إذا قال بعضهم: النية معتبرة في جميع الطهارات، وقال البعض النية
~~معتبرة في البعض دون البعض، فالقول بأنها لا تعتبر في شئ من الطهارات قول
~~ثالث.
# وفي معنى هذا ما لو قال بعضهم: بجواز فسخ النكاح بالعيوب الخمسة، وقال
~~البعض لا يجوز ms216 الفسخ بشئ منها، فالقول بالفسخ بالبعض دون البعض قول ثالث.
# وكذلك إذا قال بعضهم في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين، للام ثلث الأصل في
~~المسألتين، وقال بعضهم لها ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج والزوجة، فالقول بأن
~~لها ثلث الأصل في إحدى المسألتين وثلث ما يبقى في المسألة الأخرى قول ثالث.
# احتج الغزالي على امتناع القول الثالث بأنه لو جاز القول الثالث فإما أن
~~لا يكون له دليل أو له دليل.
# فإن كان الأول، فالقول به ممتنع، وإن كان الثاني، يلزم منه نسبته الخطأ
~~إلى الأمة بنسبتهم إلى تضييعه والغفلة عنه، وهو محال وهو ضعيف. فإنه إنما
~~يلزم PageV01P268
# من ذلك نسبة الأمة إلى الخطأ، أن لو كان الحق في المسألة معينا وهو ليس
~~كذلك على ما سيأتي، وإذا كان كل مجتهد مصيبا، فالتخطئة تكون ممتنعة.
# واحتج القاضي عبد الجبار على ذلك بأن الأمة إذا اختلفت على قولين، فقد
~~أجمعت من جهة المعنى على المنع من إحداث قول ثالث، لان كل طائفة توجب الاخذ
~~بقولها أو بقول مخالفها، ويحرم الاخذ بغير ذلك، وهو ضعيف أيضا، وذلك لان
~~الخصم إنما يسلم إيجاب كل واحدة من الطائفتين الاخذ بقولها أو قول مخالفها
~~بتقدير أن لا يكون اجتهاد الغير قد يفضي إلى القول الثالث.
# والمختار في ذلك إنما هو التفصيل. وهو أنه إن كان القول الثالث مما يرفع
~~ما اتفق عليه القولان، فهو ممتنع لما فيه من مخالفة الاجماع، وذلك كما في
~~مسألة الجارية المشتراة، فإنه إذا اتفقت الأمة فيها على قولين، وهما امتناع
~~الرد، والرد مع العقر فالقولان متفقان على امتناع الرد مجانا، فالقول به
~~يكون خرقا للاجماع السابق.
# وكذلك في مسألة الجد، فإنه إذا اتفقت الأمة على قولين، وهما استقلاله
~~بالميراث ومقاسمته للأخ، فقد اتفق الفريقان على أن للجد قسطا من المال،
~~فالقول الحادث أنه لا يرث شيئا يكون خرقا للاجماع.
# وكذلك في مسألة النية في الطهارة إذا اتفقت الأمة فيها على قولين، وهما
~~اعتبار النية في جميع الطهارات، وعلى اعتبارها في ms217 البعض دون البعض، فقد
~~اتفق القولان على اعتبارها في البعض، فالقول المحدث النافي لاعتبارها مطلقا
~~يكون خرقا للاجماع السابق.
# وأما إن كان القول الثالث لا يرفع ما اتفق عليه القولان بل وافق كل واحد
~~من القولين من وجه، وخالفه من وجه، فهو جائز، إذ ليس فيه خرق الاجماع، وذلك
~~كما لو قال بعضهم باعتبار النية في جميع الطهارات، وقال البعض بنفي
~~اعتبارها في جميع الطهارات، فالقول الثالث، وهو اعتبارها في البعض دون
~~البعض، لا يكون خرقا للاجماع. لان خرق الاجماع إنما هو القول بما
~~PageV01P269
# يخالف ما اتفق عليه أهل الاجماع. وهاهنا ليس كذلك، فإن القائل بالنفي في
~~البعض والاثبات في البعض قد وافق في كل صورة مذهب ذي مذهب، فلم يكن مخالفا
~~للاجماع، لا في صورة اعتبار النية، لكونه موافقا لقول من قال باعتبارها في
~~الكل، ولا في صورة النفي لكونه موافقا لمن قال بنفي الاعتبار في الكل.
# وكذلك لو قال بعضهم بأنه لا يقتل المسلم بالذمي، ولا يصح بيع الغائب،
~~وقال بعضهم بجواز قتل المسلم بالذمي، وبصحة بيع الغائب، فمن قال بجواز قتل
~~المسلم بالذمي، وبنفي صحة بيع الغائب، أو بالعكس، لم يكن خارقا للاجماع من
~~غير خلاف، وكان ذلك جائزا له. وعلى هذا، يكون الحكم في مسألة فسخ النكاح
~~بالعيوب الخمسة.
# فإن قيل: فمن قال بالاثبات مطلقا لم يقل بالتفصيل. وكذلك من قال بالنفي
~~مطلقا، فالقول بالتفصيل قول لم يقل به قائل.
# قلنا: وعدم القائل به مما لا يمنع من القول به، وإلا لما جاز أن يحكم
~~واقعة متجددة بحكم، إذا لم يكن قد سبق فيها لاحد قول، وهو خلاف الاجماع.
# فإن قيل: فكل من القائلين بالنفي والاثبات مطلقا قائل بنفي التفصيل،
~~فالقول بالتفصيل يكون خرقا للاجماع.
# قلنا: لا نسلم ذلك، فإن قول كل واحد منهما بنفي التفصيل إما أن يعرف من
~~صريح مقاله، أو من قوله بالنفي أو الاثبات مطلقا: الأول ممنوع، حتى أن كل
~~واحد من الفريقين لو صرح بنفي التفصيل، لما ساغ القول بالتفصيل، والثاني ms218
~~غير مستلزم للقول بنفي التفصيل، وإلا لامتنع القول بالتفصيل فيما ذكرناه من
~~مسألة المسلم بالذمي وبيع الغائب، وهو ممتنع.
# فإن قيل: القول بالتفصيل فيه تخطئة كل واحد من الفريقين في بعض ما ذهب
~~إليه، وتخطئة الفريقين تخطئة للأمة، وذلك محال. PageV01P270
# قلنا: المحال إنما هو تخطئة الأمة فيما اتفقوا عليه. وأما تخطئة كل بعض
~~فيما لم يتفق عليه لا يكون محالا. وعلى هذا، يجوز انقسام الأمة إلى قسمين،
~~وكل قسم مخطئ في مسألة لما ذكرناه، وإن خالف فيه الأكثرون.
# (شبه المخالفين) الأولى: أن اختلاف الأمة على قولين دليل تسويغ الاجتهاد،
~~والقول الثالث حادث عن الاجتهاد، فكان جائزا.
# الثانية: أنهم قالوا: أجمعنا على أن الصحابة لو انقرض عصرهم، وكانوا قد
~~استدلوا في مسألة من المسائل بدليلين، فإنه يجوز للتابعي الاستدلال بدليل
~~ثالث، فكذلك القول الثالث.
# الثالثة: أنهم قالوا: دليل جواز إحداث قول ثالث الوقوع من غير إنكار من
~~الأمة، فمن ذلك أن الصحابة اختلفوا في مسألة زوج وأبوين وزوجة وأبوين، فقال
~~ابن عباس للام ثلث الأصل بعد فرض الزوج والزوجة، وقال الباقون للام ثلث
~~الباقي بعد فرض الزوج والزوجة، وقد أحدث التابعون قولا ثالثا، فقال ابن
~~سيرين بقول ابن عباس في زوج وأبوين دون الزوجة والأبوين وقال تابعي آخر
~~بالعكس.
# ومن ذلك أن الصحابة اختلفوا في قوله: أنت علي حرام على ستة أوجه، فأحدث
~~مسروق، وهو من التابعين، مذهبا سابعا، وهو أنه لا يتعلق بقوله حكم.
# والجواب عن الشبهة الأولى أن ذلك يدل على تسويغ الاجتهاد منهم أو من
~~غيرهم؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع.
# وعن الثانية بالفرق، وبيانه من وجهين:
# الأول أن الاستدلال بدليل ثالث يؤكد ما صارت إليه الأمة من الحكم، ولا
~~يبطله بخلاف القول الثالث، على ما حققناه. PageV01P271
# الثاني أن اتفاقهم على دليل واحد لا يمنع من دليل آخر. ومع ذلك، فإن
~~اتفاقهم على حكم واحد مانع من إبداع حكم آخر مخالف له، فافترقا.
# وعن الثالثة: أما مسألة الزوج والزوجة مع الأبوين، فهي من قبيل ما لا
~~يرفع ما اتفق ms219 عليه الفريقان، بل قول ابن سيرين وغيره من التابعين فيما ذهبا
~~إليه غير مخالف للاجماع، بل هو قائل في كل صورة بمذهب ذي مذهب، كما قررناه.
# وبتقدير أن يكون رافعا لما اتفق عليه الفريقان، فلا يخلو إما أن يكون لم
~~يستقر قول جميع الصحابة على القولين، بل قول البعض، أو قد استقر عليهما قول
~~جميع الصحابة، فإن كان الأول، فليس فيه مخالفة الاجماع، بل مخالفة البعض،
~~وإن كان الثاني، فإما أن يكون قد خالفهم في وقت اتفاقهم على القولين، أو
~~بعد ذلك، فإن كان الأول فهو من أهل الاجماع، وقد خالفهم حالة اتفاقهم على
~~القولين فلا يكون بذلك خارقا للاجماع، وإن قدر إحداث قوله بعد ذلك فهو
~~مردود غير مقبول، وعدم نقل الانكار لا يدل على عدمه في نفسه. وعلى هذا،
~~يكون الجواب في مسألة أنت علي حرام. PageV01P272
# المسألة العشرون إذا استدل أهل العصر في مسألة بدليل، أو تأولوا تأويلا
~~فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر؟
# لا يخلو إما أن يكون أهل ذلك العصر قد نصوا على إبطال ذلك الدليل وذلك
~~التأويل، أو على صحته، أو سكتوا عن الامرين.
# فإن كان الأول، لم يجز إحداثه لما فيه من تخطئة الأمة فيما أجمعوا عليه.
# وإن كان الثاني، جاز إحداثه، إذ لا تخطئة فيه.
# وإن كان الثالث، فقد ذهب الجمهور إلى جوازه، ومنع منه الأقلون.
# والمختار جوازه، إلا إذا لزم من ذلك القدح فيما أجمع عليه أهل العصر.
# ودليل ذلك أنه إذا لم يلزم منه القدح فيما أجمعوا عليه، كان ذلك جائزا،
~~كما لو لم يسبقه تأويل أو دليل آخر. ولهذا فإن الناس في كل عصر لم يزالوا
~~يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته، ولم ينكر
~~عليهم أحد، فكان ذلك إجماعا.
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالكتاب والسنة والمعقول:
# أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ويتبع غير سبيل المؤمنين) * (4) النساء:
~~115) والدليل والتأويل الثاني ليس هو سبيل المؤمنين.
# وأيضا قوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف) * (3)
~~آل عمران: ms220 110) دل على أنهم يأمرون بكل معروف، لأنه ذكر المعروف بالألف
~~واللام المستغرقة للجنس، ولو كان الدليل والتأويل الثاني معروفا لأمروا به،
~~وحيث لم يأمروا به لم يكن معروفا، فكان منكرا.
# وأما السنة، فقوله عليه السلام: أمتي لا تجتمع على الخطأ وقد ذهبوا عن
~~الدليل والتأويل الثاني، فلا يكون ذهابهم عنه خطأ. ولو كان دليلا صحيحا، أو
~~تأويلا صحيحا لكان الذهاب عنه خطأ وهو محال. PageV01P273
# وأما المعقول، فهو أنه لو جاز أن يذهب على أهل العصر الأول الدليل
~~الثاني، لجاز أن يوحي الله تعالى إلى النبي، عليه السلام، بدليلين على حكم
~~واحد، والنبي عليه السلام، يشرع الحكم لاحد الدليلين، ويذهب عن الآخر، وهو
~~ممتنع.
# والجواب: عن الآية الأولى أن الذم فيها، إما أن يكون على ترك العمل بما
~~اتفقوا عليه من إثبات أو نفي، وإما بسلوك ما لم يتعرضوا له بنفي ولا إثبات:
# الأول مسلم، غير أنه لا تحقق له فيما نحن فيه، فإن المحدث للدليل
~~والتأويل الثاني غير تارك لدليل أهل العصر الأول، ولا لتأويلهم، بل غايته
~~ضم دليل إلى دليل، وتأويل إلى تأويل، ولا هو تارك لما نهوا عنه من الدليل
~~والتأويل الثاني، إذ الكلام فيما إذا لم يكن قد نهوا عنه. والثاني مما لا
~~سبيل إلى حمل الآية عليه، لما فيه من إلحاق الذم بما لا تعرض فيه لابطال
~~الاجماع لا بنفي ولا إثبات.
# وعن الآية الثانية أنها مشتركة الدلالة، وذلك لان قوله: * (وتنهون عن
~~المنكر) * يقتضي كونهم ناهين عن كل منكر لما ذكروه من لام الاستغراق. ولو
~~كان الدليل والتأويل الثاني منكرا، لنهوا عنه، ولم ينهوا عنه، فلا يكون
~~منكرا.
# وعن السنة أن ذهابهم عن الدليل والتأويل الثاني مع صحته إنما يكون خطأ،
~~أن لو لم يستغنوا عنه بدليلهم وتأويلهم.
# وعن المعقول أنه قياس من غير جامع صحيح، فلا يقبل كيف وإنه لا يخلو إما
~~أن يكون مع تعريفه الحكم الواحد بدليلين قد كلف إثبات الحكم بهما أو
~~بأحدهما، فإن كان الثاني فلا مانع من إثباته للحكم ms221 بأحدهما دون الآخر، وإن
~~كان الأول فلا يلزم من امتناع إثباته للحكم بأحد الدليلين مع تكليفه إثبات
~~الحكم بهما امتناع إثبات الأمة للحكم بأحد الدليلين دون الآخر إلا أن
~~يكونوا قد كلفوا بذلك، وهو غير مسلم. PageV01P274
# المسألة الحادية والعشرون إذا اختلف أهل عصر من الاعصار في مسألة من
~~المسائل على قولين واستقر خلافهم في ذلك، ولم يوجد له نكير: فهل يتصور
~~انعقاد إجماع من بعدهم على أحد القولين، بحيث يمتنع على المجتهد المصير إلى
~~القول الآخر، أم لا؟
# ذهب أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو الحسن
~~الأشعري، وإمام الحرمين، والغزالي وجماعة من الأصوليين إلى امتناعه.
# وذهب المعتزلة وكثير من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى جوازه.
# والأول هو المختار، وذلك لان الأمة إذا اختلفت على القولين، واستقر
~~خلافهم في ذلك بعد تمام النظر والاجتهاد، فقد انعقد إجماعهم على تسويغ
~~الاخذ بكل واحد من القولين باجتهاد أو تقليد، وهم معصومون من الخطأ فيما
~~أجمعوا عليه، على ما سبق من الأدلة السمعية. فلو أجمع من بعدهم على أحد
~~القولين على وجه يمتنع على المجتهد المصير إلى القول الآخر، مع أن الأمة في
~~العصر الأول مجمعة على جواز الاخذ به، ففيه تخطئة أهل العصر الأول فيما
~~ذهبوا إليه.
# ويستحيل أن يكون الحق في جواز الاخذ بذلك القول والمنع من الاخذ به معا،
~~فلا بد وأن يكون أحد الامرين خطأ، أو يلزمه تخطئة أحد الاجماعين القاطعين،
~~وهو محال، فثبت أن إجماع التابعين على أحد قولي أهل العصر الأول يفضي إلى
~~أمر ممتنع، فكان ممتنعا. لكن ليس هذا الامتناع عقليا، بل سمعيا.
~~PageV01P275
# فإن قيل: اتفاق أهل العصر على قولين لا يلزم منه اتفاقهم على تجويز الاخذ
~~بكل واحد منهما، لان أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ لقوله عليه السلام:
# إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران وإجماع الأمة على
~~تجويز الاخذ بالخطإ خطأ، وإن سلمنا إجماعهم على ذلك ولكن ما المانع أن يقال
~~بأن أهل العصر الأول إنما ms222 اتفقوا على تسويغ الاجتهاد والاخذ بكل واحد من
~~القولين بشرط أن لا يظهر إجماع كاتفاقهم على أن فرض العادم للماء هو التيمم
~~مشروطا بعدم الماء. فإذا وجد الماء، زال حكم ذلك الاجماع.
# سلمنا أن إجماعهم على ذلك غير مشروط، ولكن إجماعهم على ذلك يدل على جواز
~~الاخذ بأحد القولين. فإذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد القولين، فإجماعهم
~~عليه موافق لاجماع أهل العصر الأول على جواز الاخذ به، إلا أنه مخالف
~~لاجماعهم وما يكون موافقا للاجماع لا يكون ممتنعا سمعا.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على الامتناع، لكنه معارض بما يدل على جوازه،
~~وبيانه بالوقوع، وذلك أن الصحابة اتفقوا على دفن رسول الله صلى الله عليه
~~وسلم في بيت عائشة بعد اختلافهم في موضع دفنه، واتفقوا على إمامة أبي بكر
~~بعد اختلافهم في من يكون إماما، اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بعد اختلافهم
~~في ذلك، واتفق التابعون على منع بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة في
~~ذلك، ولو كان الاتفاق بعد الخلاف ممتنعا، لما كان ذلك واقعا.
# والجواب عن السؤال الأول: لا نسلم أن أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ، بل
~~كل مجتهد في مسائل الاجتهاد مصيب على ما يأتي تحقيقه.
# وما ذكروه من الخبر فسيأتي تأويله كيف وإنه يجب اعتقاد الإصابة نظرا إلى
~~إجماع الأمة على جواز الاخذ بكل واحد من أقوال المجتهدين، ولو لم يكن
~~صوابا، PageV01P276
# وإلا كان إجماعهم على تجويز الاخذ بالخطإ، وهو محال.
# وعن السؤال الثاني أنه لو جوز مثل هذا الاشتراط في إجماعهم على مثل هذا
~~الحكم، مع أن الأمة أطلقوا ولم يشترطوا، لساغ مثل ذلك في كل إجماع، ولساغ
~~أن تتفق الأمة على قول واحد، ومن بعدهم على خلافه، لجواز أن يكون إجماعهم
~~مشروطا بأن لا يظهر إجماع مخالف له، بل ولجاز للواحد من المجتهدين من بعدهم
~~المخالفة، لما قيل من الشرط، وهو محال لان الاجماع منعقد على أن كل من خالف
~~الاجماع المطلق الذي لم يظهر فيه ما ذكروه من الشرط فهو مخطئ ms223 آثم، وبه
~~إبطال ما صار إليه أبو عبد الله البصري من جواز انعقاد الاجماع على خلاف
~~الاجماع السابق.
# وعن السؤال الثالث أن إجماع أهل العصر الثاني، لم يكن محالا لنفس إجماعهم
~~على أحد القولين، بل لما يستلزمه من امتناع الاخذ بالقول الآخر.
# وعن السؤال الرابع أن الاتفاق فيما ذكروه من مسألة الدفن والإمامة وقتال
~~مانعي الزكاة لم يكن بعد استقرار الخلاف فيما بينهم واستمرار كل واحد من
~~المجتهدين على الجزم بما ذهب إليه، بل إنما كان ذلك الخلاف على طريق
~~المشورة، كما جرت به العادة في حالة البحث عما ينبغي أن يعمل بين العقلاء
~~بخلاف ما وقع النزاع فيه.
# سلمنا أنه كان ذلك الاتفاق بعد استقرار الخلاف، غير أنه اتفاق من
~~المختلفين بأعيانهم، ومن شرط في الاجماع انقراض عصر المجتهدين، لم يمنع من
~~رجوعهم أو رجوع بعضهم عما أجمعوا عليه، والخلاف معه إنما يتصور في
~~المجمعين. على خلافهم بعد انقراض عصر الأولين. غير أن الجواب الأول هو
~~المختار. PageV01P277
# وأما مسألة أمهات الأولاد، وإن كان خلاف الصحابة قد استقر واستمر إلى
~~انقراض عصرهم، فلا نسلم إجماع التابعين قاطبة على امتناع بيعهن فإن مذهب
~~علي في جواز بيعهن لم يزل، بل جميع الشيعة وكل من هو من أهل الحول والعقد
~~على مذهبه قائل به، وإلى الآن، وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه.
# المسألة الثانية والعشرون إذا اختلف الصحابة أو أهل أي عصر كان في
~~المسألة على قولين، فهل يجوز اتفاقهم بعد استقرار خلافهم على أحد القولين،
~~والمنع من جواز المصير إلى القول الآخر.
# اختلفوا فيه: فمن اعتبر انقراض العصر في الاجماع، قطع بجوازه، ومن لم
~~يعتبر انقراض العصر اختلفوا:
# فمنهم من جوزه بشرط أن يكون مستند اتفاقهم على الخلاف القياس والاجتهاد
~~لا دليلا قاطعا، ومنهم من منع ذلك مطلقا، ولم يجوز انعقاد إجماعهم على أحد
~~أقوالهم، وهو المختار.
# وذلك لأنا بينا أن اتفاق الأمة على الحكم ولو في لحظة واحدة، كان ذلك
~~مستند إلى دليل ظني أو قطعي أنه يكون حجة قاطعة ms224 مانعة من مخالفته.
# وقد بينا في المسألة المتقدمة أن الأمة إذا استقر خلافهم في المسألة على
~~قولين، فهو إجماع منهم على تجويز الاخذ بكل واحد من القولين. فلو تصور
~~إجماعهم على أحد القولين بعد ذلك، لزم منه المحال الذي بيناه في تقرير
~~المسألة التي قبلها.
# وكل ما ورد في المسألة المتقدمة من الاعتراض والانفصال فهو بعينه متوجه
~~هاهنا فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا.
# غير أن هذه المسألة تختص بسؤال آخر، وهو أن يقال: إذا اتفق جميع الصحابة،
~~أو أهل أي عصر كان، على حكم، وخالفهم واحد منهم، فإنه لا يمتنع أن يظهر
~~لذلك الواحد ما ظهر لباقي الأمة، ومع ظهور ذلك له إن منعناه من المصير إلى
~~PageV01P278
# مقتضاه، فقد منعناه من الحكم بالدليل الذي ظهر له ولباقي الأمة معه،
~~وأوجبنا عليه الحكم بما يخالف ذلك، ويقطع ببطلانه، وهو محال. وإن لم نمنعه
~~من العمل به، فقد حصل الوفاق منهم بعد الخلاف، وهو المطلوب.
# قلنا: لو ظهر له ما ظهر للأمة فنحن لا نحيل عليه الرجوع إليه، ولكنا نقول
~~باستحالة ظهوره عليه، لا من جهة العقل، بل من جهة السمع، وهو ما يفضي إليه
~~من تعارض الاجماعين، ولزوم الخطأ في أحدهما، كما بيناه في المسألة
~~المتقدمة.
# ولا فارق بينهما إلا من جهة أن أهل الاجماع في هذه المسألة هم الراجعون
~~بأعيانهم عما أجمعوا عليه، والمخالفون لأنفسهم بخلاف المسألة الأولى، وأن
~~المخالف في المسألة الأولى قد يتوهم أن بعض الأمة الخائضين في تلك المسألة
~~التي اتفقوا عليها، وفي هذه المسألة المجمعون هم كل الأمة. ولذلك كان
~~الاشكال في هذه المسألة أعظم منه في الأولى.
# وعلى هذا، نقول إنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، ثم مات أحد
~~القسمين، وبقي القسم الآخر فإنه لا يكون قولهم إجماعا مانعا من الاخذ
~~بالقول الآخر. والوجه في تقريره ما سبق، وإن خالف فيه قوم.
# المسألة الثالثة والعشرون هل يمكن وجود خبر أو دليل، ولا معارض له،
~~وتشترك الأمة في عدم العلم به؟
# اختلفوا فيه: ms225 فمنهم من جوزه، مصيرا منه إلى أنهم غير مكلفين بالعمل بما
~~لم يظهر لهم، ولم يبلغهم، فاشتراكهم في عدم العلم به لا يكون خطأ، فإن عدم
~~العلم ليس من فعلهم، وخطأ المكلف من أوصاف فعله.
# ومنهم من أحاله، مصيرا منه إلى أنهم لو اشتركوا في عدم العلم به، لكان
~~ذلك سبيلا لهم، ولوجب على غيرهم اتباعه، وامتنع تحصيل العلم به، لقوله
~~تعالى:
# * (ويتبع غير سبيل المؤمنين) * الآية. PageV01P279
# والمختار أنه لا مانع من اشتراكهم في عدم العلم به، وإن كان عملهم موافقا
~~لمقتضاه، لعدم تكليفهم بمعرفة ما لم يبلغهم ولم يظهر لهم. وأما الآية فلا
~~حجة فيها هاهنا، لان سبيل كل طائفة ما كان من الافعال المقصودة لهم
~~المتداولة فيما بينهم باتفاق منهم، على ما هو المتبادر إلى الفهم من قول
~~القائل: سبيل فلان كذا، وسبيل فلان كذا. وعدم العلم ليس من فعل الأمة، فلا
~~يكون سبيلا لهم.
# كيف وإنا نعلم أن المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل
~~المؤمنين، ولو كان عدم العلم بالدليل سبيلا لهم، لكانت الآية حاثة على
~~متابعته، والشارع لا يحث على الجهل بأدلته الشرعية إجماعا. وأما إن كان
~~عملهم على خلافه، فهو محال، لما فيه من إجماع الأمة على الخطأ، المنفي
~~بالأدلة السمعية.
# المسألة الرابعة والعشرون اختلفوا في تصور ارتداد أمة محمد، عليه السلام،
~~في عصر من الاعصار، نفيا وإثباتا. ولا شك في تصور ذلك عقلا. وإنما الخلاف
~~في امتناعه سمعا.
# والمختار امتناعه، لقوله عليه السلام: أمتي لا تجتمع على ضلالة، أمتي لا
~~تجتمع على الخطأ إلى غير ذلك من الأحاديث السابقة الدالة على عصمة الأمة عن
~~فعل الخطأ والضلال.
# فإن قيل: حال ارتدادهم ليس هم من أمته، عليه السلام، فلا تكون الاخبار
~~متناولة لهم.
# قلنا: الاخبار دالة على أن أمة محمد لا يصدق عليهم الاتفاق على الخطأ،
~~وإذا ارتدت الأمة صدق قول القائل: إن أمة محمد قد اتفقت على الردة، والردة
~~من الخطأ. وذلك ممتنع. PageV01P280
# المسألة الخامسة والعشرون اختلف العلماء في دية اليهودي: ms226 فمنهم من قال
~~إنها مثل دية المسلم، ومنهم من قال إنها على النصف منها، ومنهم من قال إنها
~~على الثلث.
# فمن حصرها في الثلث كالشافعي رحمة الله عليه اختلفوا فيه، فظن بعض
~~الفقهاء أنه متمسك في ذلك بالاجماع، وليس كذلك، بل الحصر في الثلث، مشتمل
~~على وجوب الثلث ونفي الزيادة، فوجوب الثلث مجمع عليه، ولا خلاف فيه. وأما
~~نفي الزيادة فغير مجمع عليه، لوقوع الخلاف فيه بل نفيه عند من نفى إنما هو
~~مستند إما إلى ظهور دليل في نظره بنفيه، من وجود مانع، أو فوات شرط، أو عدم
~~المدارك، والاعتماد على استصحاب النفي الأصلي. وليس ذلك من الاجماع في شئ.
# المسألة السادسة والعشرون اختلفوا في ثبوت الاجماع بخبر الواحد، فأجازه
~~جماعة من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله والحنابلة، وأنكره جماعة من
~~أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحابنا كالغزالي، مع اتفاق الكل، على أن ما ثبت بخبر
~~الواحد لا يكون إلا ظنيا في سنده، وإن كان قطعيا في متنه.
# وحجة من قال بجوازه، النص والقياس:
# أما النص، فقوله عليه السلام: نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر ذكر
~~(الظاهر) بالألف واللام المستغرقة، فدخل فيه الاجماع الثابت بخبر الواحد،
~~لكونه ظاهرا ظنيا.
# وأما القياس، فهو أن خبر الواحد عن الاجماع مفيد للظن، فكان حجة كخبره عن
~~نص الرسول.
# وحجة المانعين من ذلك أن كون الاجماع المنقول على لسان الآحاد أصل من
~~أصول الفقه، كالقياس، وخبر الواحد عن الرسول، وذلك مما لم يرد من الأمة
~~PageV01P281
# فيه إجماع قاطع يدل على جواز الاحتجاج به، ولا نص قاطع من كتاب أو سنة،
~~وما عدا ذلك من الظواهر فغير محتج بها في الأصول، وإن احتج بها في الفروع.
# وبالجملة فالمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به، وعلى عدم
~~اشتراطه.
# فمن اشترط القطع، منع أن يكون خبر الواحد مفيدا في نقل الاجماع، ومن لم
~~يشترط ذلك، كان الاجماع المنقول على لسان الآحاد عنده حجة والظهور في هذه
~~المسألة للمعترض من الجانبين دون المستدل فيها.
# المسألة ms227 السابعة والعشرون اختلفوا في تكفير جاحد الحكم المجمع عليه،
~~فأثبته بعض الفقهاء، وأنكره الباقون، مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الاجماع
~~الظني غير موجب للتكفير.
# والمختار إنما هو التفصيل. وهو أن حكم الاجماع إما أن يكون داخلا في
~~مفهوم اسم الاسلام كالعبادات الخمس، ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة، أو لا
~~يكون كذلك، كالحكم بحل البيع وصحة الإجازة ونحوه. فإن كان الأول فجاحده
~~كافر، لمزايلة حقيقة الاسلام له، وإن كان الثاني فلا. PageV01P282
# خاتمة فيما يكون الاجماع حجة فيه، وما لا يكون، وأن الاجماع في الأديان
~~السالفة كان حجة أم لا.
# أما الأول فهو أن المجمع عليه لا يخلو إما أن تكون صحة الاجماع متوقفة
~~عليه، أو لا يكون كذلك. فإن كان الأول فالاحتجاج بالاجماع على ذلك الشئ
~~يكون ممتنعا لتوقف صحة كل واحد منهما على الآخر، وهو دور، وذلك كالاستدلال
~~على وجود الرب تعالى وصحة رسالة النبي عليه السلام، من حيث إن صحة الاجماع
~~متوقفة على النصوص الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ، كما سبق تقريره وصحة
~~النصوص متوقفة على وجود الرب المرسل، وكون محمد رسولا. فإذا توقفت معرفة
~~وجود الرب ورسالة رسوله محمد على صحة الاجماع، كان دورا.
# وإن كان من القسم الثاني، فالمجمع عليه إما أن يكون من أمور الدين أو
~~الدنيا.
# فإن كان من أمور الدين فهو حجة مانعة من المخالفة إن كان قطعيا، من غير
~~خلاف عند القائلين بالاجماع. وسواء كان ذلك المتفق عليه عقليا كرؤية الرب
~~لا في جهة، ونفي الشريك لله تعالى، أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوه.
~~PageV01P283
# وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالاجماع على ما يتفق من الآراء
~~في الحروب وترتيب الجيوش وتدبير أمور الرعية، فقد اختلف فيه قول القاضي عبد
~~الجبار بالنفي والاثبات: فقال تارة بامتناع مخالفته، وتارة بالجواز. وتابعه
~~على كل واحد من القولين جماعة.
# والمختار إنما هو المنع من المخالفة، وإنه حجة لازمة، لان العمومات
~~الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ ووجوب اتباعهم فيما أجمعوا عليه عامة في كل ms228
~~ما أجمعوا عليه.
# وأما أن الاجماع في الأديان السالفة كان حجة أم لا، فقد اختلف فيه
~~الأصوليون.
# والحق في ذلك أن إثبات ذلك أو نفيه مع الاستغناء عنه لم يدل عليه عقل ولا
~~نقل.
# فالحكم بنفيه أو إثباته متعذر.
# وهذا آخر الكلام في الاجماع.
# تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله الأصل الرابع فيما يشترك فيه
~~الكتاب والسنة والاجماع والله الموفق والمعين PageV01P284
# الاحكام في أصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الآمدي علق
~~عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الثاني المكتب الاسلامي
~~PageV02P001
# الأصل الرابع فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع وهو نوعان، يتعلق
~~أحدهما بالنظر في السند، والآخر بالنظر في المتن النوع الأول - النظر في
~~السند وهو الاخبار عن المتن، ويشتمل على ثلاثة أبواب:
# الباب الأول في حقيقة الخبر وأقسامه أما حقيقة الخبر، فاعلم أولا أن اسم
~~الخبر قد يطلق على الإشارات الحالية والدلائل المعنوية، كما في قولهم عيناك
~~تخبرني بكذا، والغراب يخبر بكذا.
# ومنه قول الشاعر:
# وكم لظلام الليل عندك من يد * تخبر أن المانوية تكذب وقد يطلق على قول
~~مخصوص، لكنه مجاز في الأول، وحقيقة في الثاني، بدليل تبادره إلى الفهم من
~~إطلاق لفظ الخبر والغالب إنما هو اشتهار استعمال اللفظ في حقيقته دون
~~مجازه. ثم القول المخصوص قد يطلق على الصيغة كقول القائل: قام زيد، وقعد
~~PageV02P003
# عمرو. وقد يطلق على المعنى القائم بالنفس المعبر عنه بالصيغة كما قررناه
~~في الكلاميات والأشبه أنه في اللغة حقيقة في الصيغة، لتبادرها إلى الفهم من
~~إطلاق لفظ الخبر وإذا عرف مسمى الخبر حقيقة فما حده؟
# اختلفوا فيه: فمن أصحابنا من قال: لا سبيل إلى تحديده، بل معناه معلوم
~~بضرورة العقل. ودل على ذلك بأمرين..
# الأول: أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود، وأنه ليس بمعدوم، وأن الشئ
~~الواحد لا يكون موجودا، معدوما. ومطلق الخبر جزء من معنى الخبر الخاص،
~~والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء. فلو كان تصور ماهية مطلق الخبر
~~موقوفا على الاكتساب، لكان تصور الخبر الخاص أولى ms229 أن يكون كذلك.
# الثاني: أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر عن الموضع
~~الذي يحسن فيه الامر، ولولا أن هذه الحقائق متصورة، لما كان كذلك. وهو
~~ضعيف.
# أما قوله إنه معلوم بالضرورة فدعوى مجردة، وهي مقابلة بنقيضها. وما ذكره
~~من الدلالة على ذلك، فهو دليل على أن العلم به غير ضروري، لان الضروري هو
~~الذي لا يفتقر في العلم به إلى نظر ودليل يوصل إليه، وما يفتقر إلى ذلك فهو
~~نظري، لا ضروري.
# فإن قيل: ما ذكرناه إنما هو بطريق التنبيه، لا بطريق الدلالة، لان من
~~الضروريات ما يفتقر إلى نوع تذكير وتنبيه على ما علم في مواضعه، فهو باطل
~~من وجهين:
# الأول: أنه لو قيل ذلك لأمكن دعوى الضرورة في كل علم نظري. وأن ما ذكروه
~~من الدليل إنما هو بطريق التنبيه دون الدلالة، وهو محال.
# الثاني: أن ما ذكره في معرض التنبيه غير مفيد أما الوجه الأول فهو باطل
~~من وجهين:
# الأول: أن علم الانسان بوجود نفسه، وإن كان ضروريا وكذلك العلم باستحالة
~~كون الشئ الواحد موجودا معدوما معا، فغايته أنه علم ضروري بنسبة خاصة،
~~PageV02P004
# أو بسلب نسبة خاصة ولا يلزم منه أن يكون ذلك علما بحقيقة الخبر من حيث
~~وهو خبر وهو محل النزاع.
# فإن قيل: إذ كانت تلك النسبة الخاصة معلومة بالضرورة فلا معنى لكون ذلك
~~المعلوم خبرا سوى تلك النسبة الخاصة، فهو عود إلى التحديد وترك لما قيل.
# الثاني: إنا، وإن سلمنا أن مثل هذه الأخبار الخاصة معلومة بالضرورة، فلا
~~يلزم أن يكون الخبر المطلق من حيث هو خبر: كذلك، قوله: لان الخبر المطلق
~~جزء من الخبر الخاص، ليس كذلك، لان الخبر المطلق أعم من الخبر الخاص. فلو
~~كان جزءا من معنى الخبر الخاص، لكان الأعم منحصرا في الأخص وهو محال.
# فإن قيل: الأعم لا بد وأن يكون مشتركا فيه بين الأمور الخاصة التي تحته،
~~ولا معنى لاشتراكها فيه سوى كونه جزءا من معناها.
# قلنا: أما أولا، فإنه لا معنى لكون الأعم ms230 مشتركا فيه أنه موجود في
~~الأنواع أو الأشخاص التي هي أخص منه، بل بمعنى لحد أن حد الطبيعة التي عرض
~~لها إن كانت كلية مطلقة مطابق طبائع الأمور الخاصة تحتها.
# وأما ثانيا، فلانه ليس كل عام يكون جزءا من معنى الخاص، ومقوما له بجواز
~~أن يكون من الاعراض العامة الخارجة عن مفهوم المعنى الخاص، كالأسود والأبيض
~~بالنسبة إلى ما تحتهما من معنى الانسان والفرس ونحوه.
# وأما الوجه الثاني فباطل أيضا من جهة أن العلم الضروري إنما هو واقع
~~بالتفرقة بين ما يحسن فيه بيان الامر، وبيان ما يحسن فيه الخبر بعد معرفة
~~الامر والخبر، أما قبل ذلك فهو غير مسلم.
# نعم، غاية ما في ذلك أنه يعلم التفرقة بين ما يجده في نفسه من طلب الفعل
~~والنسبة بين أمرين على وجه خاص، وليس هو العلم بحقيقة الامر والخبر. فإن
~~قيل إنه لا معنى للامر والخبر سوى ذلك المعلوم الخاص، فهو أيضا عود إلى
~~التحديد. كيف وإن PageV02P005
# ما ذكروه يوجب أن يكون الامر أيضا مستغنيا عن التحديد كاستغناء الخبر.
~~وهذا القائل بعينه قد عرف الامر بالتحديد، حيث قال: الامر هو طلب الفعل
~~بالقول على سبيل الاستعلاء. وأيضا فإن الكلام إنما هو واقع في مفهوم الخبر
~~اللفظي. وحقائق أنواع الألفاظ وانقسامها إلى أمر ونهى وخبر وغير ذلك مما لا
~~سبيل إلى القول بكونه معلوما بالضرورة، لكونه مبنيا على الوضع والاصطلاح.
# ولهذا، فإن العرب لو أطلقوا اسم الامر على المفهوم من الخبر الآن، واسم
~~الخبر على مفهوم الامر، لما كان ممتنعا، وما يتبدل ويختلف باختلاف
~~الاصطلاحات. فالعلم بمعناه لا يكون ضروريا. وإذا عرف ذلك فقد أجمع الباقون
~~على أن العلم بمفهوم الخبر إنما يعرف بالحد والنظر، لكن اختلفوا في حده،
~~فقالت المعتزلة كالجبائي وابنه وأبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار
~~وغيرهم: إن الخبر هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب. وقد أورد عليه
~~إشكالات أربعة:
# الأول أنه منتقض بقول القائل: محمد ومسيلمة صادقان في دعوى النبوة، ولا
~~يدخله الصدق، وإلا كان مسيلمة صادقا، ms231 ولا الكذب، وإلا كان محمد كاذبا وهو
~~خبر، وكذلك، فإن من كذب في جميع أخباره، فقال: جميع أخباري كذب، فإن قوله
~~هذا خبر، ولا يدخله الصدق. وإلا كانت جميع أخباره كذبا، وهو من جملة أخباره
~~ولا يدخله الكذب، وإلا كانت جميع أخباره مع هذا الخبر كذبا، وصدق في قوله
~~جميع أخباري كذب.
# الثاني: أن تعريف الخبر بما يدخله الصدق والكذب يفضي إلى الدور، لان
~~تعريف الصدق والكذب متوقف على معرفة الخبر من حيث إن الصدق هو الخبر
~~الموافق للمخبر، والكذب بضده، وهو ممتنع.
# الثالث: إن الصدق والكذب متقابلان، ولا يتصور اجتماعهما في خبر واحد.
~~ويلزم من ذلك إما امتناع وجود الخبر مطلقا، وهو محال، وإما وجود الخبر مع
~~امتناع اجتماع دخول الصدق والكذب فيه، فيكون المحدود متحققا دون ما قيل
~~بكونه حدا له، وهو أيضا محال. PageV02P006
# الرابع: أن الباري تعالى له خبر، ولا يتصور دخول الكذب فيه.
# وقد أجاب الجبائي عن قول القائل محمد ومسيلمة صادقان بأن هذا الكلام يفيد
~~صدق أحدهما في حال صدق الآخر، فكأنه قال أحدهما صادق حال صدق الآخر. ولو
~~قال ذلك كان قوله كاذبا، فكذلك إذا قال: هما صادقان، وهو إنما يصح أن لو
~~كان معنى هذا الكلام ما قيل، وليس كذلك، بل قوله. هما صادقان، أعم من كون
~~أحدهما صادقا، حال صدق الآخر، وقبله وبعده. والأعم غير مشعر بالأخص، ولا
~~يلزم من كذب الأخص كذب الأعم.
# وأجاب أبو هاشم بأن هذا الخبر جار مجرى خبرين: أحدهما خبر بصدق الرسول،
~~والآخر خبر بصدق مسيلمة. والخبران لا يوصفان بالصدق ولا بالكذب، فكذلك
~~هاهنا. وإنما الذي يوصف بالصدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر، وليس
~~بحق أيضا فإنه إنما ينزل منزلة الخبر من حيث إنه أفاد حكما واحدا لشخصين،
~~وهو غير مانع من وصفه بالصدق والكذب، بدليل الكذب في قول القائل: كل موجود
~~حادث وإن كان يفيد حكما واحدا لأشخاص متعددة.
# وأجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن قال: المراد من قولنا: ما دخله الصدق
~~والكذب أن ms232 اللغة لا تحرم أن يقال للمتكلم به: صدقت أو كذبت. وهو أيضا غير
~~صحيح. فإن حاصله يرجع إلى التصديق والتكذيب، وهو غير الصدق والكذب في نفس
~~الخبر.
# وأجاب عنه أبو عبد الله البصري بأنه كذب لأنه يفيد إضافة الصدق إليهما
~~معا، مع عدم اضافته إليهما معا. وهو وإن كان كما ذكر غير أنه إذا كان كاذبا
~~فلا يدخله الصدق، وقد قيل الخبر ما يدخله الصدق والكذب، والحق في الجواب أن
~~يقال حاصل هذا وإن كانت صورته صورة خبر واحد يرجع إلى خبرين أحدهما صادق
~~وهو إضافة الصدق إلى محمد والثاني كاذب وهو إضافته إلى مسيلمة.
# وأما الالزام الثاني فلا يخلو الخبر فيه، إما أن يكون مطابقا للمخبر عنه،
~~أو غير مطابق.
# فإن كان الأول، فهو صدق، وإن كان الثاني، فهو كذب لاستحالة الجمع بين
~~المتناقضين في السلب أو الايجاب. PageV02P007
# وأما الاشكال الثاني، فقد أجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن الخبر معلوم
~~لنا، وما ذكرناه لم نقصد به تعريف الخبر بل فصله وتمييزه عن غيره فإذا
~~عرفنا الصدق والكذب بالخبر فلا يكون دورا، وهو غير صحيح، لأنه إذا كان
~~تمييز الخبر عن غيره إنما يكون بالنظر إلى الصدق والكذب. فتمييز الصدق
~~والكذب بالخبر يوجب توقف كل واحد من الامرين في تمييزه عن غيره على الآخر،
~~وهو عين الدور، بل، لو قيل: إن الصدق والكذب، وإن كان داخلا في حد الخبر
~~ومميزا له، فلا نسلم أن الصدق والكذب، مفتقر في معرفته إلى الخبر، بل الصدق
~~والكذب معلوم لنا بالضرورة، لكان أولى.
# وأما الاشكال الثالث، فقد قيل في جوابه إن المحدود إنما هو جنس الخبر،
~~وهو قابل لدخول الصدق والكذب فيه، كاجتماع السواد والبياض في جنس اللون،
~~وهو غير صحيح فإن الحد، وإن كان لجنس الخبر، فلا بد وأن يكون الحد موجودا
~~في كل واحد من آحاد الاخبار، وإلا لزم منه وجود الخبر دون حد الخبر وهو
~~ممتنع. ولا يخفى أن آحاد الاخبار الشخصية مما لا يجتمع فيه الصدق والكذب.
~~والحق في ذلك ms233 أن (الواو) وإن كانت ظاهرة في الجمع المطلق، غير أن المراد
~~بها الترديد بين القسمين تجوزا.
# وأما الاشكال الرابع فقد قيل في جوابه مثل جواب الاشكال الذي قبله. وقد
~~عرف ما فيه.
# ومن الناس من قال: الخبر ما دخله الصدق أو الكذب، ويرد عليه الاشكالان
~~الأولان من الاشكالات الواردة على الحد الأول دون الأخيرين. وقد عرف ما
~~فيهما. ويرد عليه إشكال آخر خاص به، وهو أن الحد معرف للمحدود، وحرف (أو)
~~للترديد، وهو مناف للتعريف. ويمكن أن يقال في جوابه، إن الحكم بقبول الخبر
~~لاحد هذين الامرين من غير تعيين جازم لا تردد فيه، وهو المأخوذ في التحديد.
# وإنما التردد في اتصافه بأحدهما عينا، وهو غير داخل في الحد. ومنهم من
~~قال: هو ما يدخله التصديق والتكذيب وقيل ما يدخله التصديق أو التكذيب
~~PageV02P008
# ومنهم من قال: هو ما يدخله التصديق والتكذيب ويرد عليهما تعريف الخبر
~~بالتصديق والتكذيب المتوقف على معرفة الصدق والكذب المتوقف على معرفة الخبر
~~والترديد. وقد عرف ما في كل واحد منهما.
# وقال أبو الحسين البصري: الخبر كلام يفيد بنفسه إضافة أمر إلى أمر نفيا
~~أو إثباتا. واحترز بقوله: (بنفسه) عن الامر، فإنه يستدعي كون الفعل المأمور
~~به واجبا، لكن لا بنفسه، بل بواسطة ما استدعاه الامر بنفسه من طلب الفعل
~~الصادر من الحكيم، وهو منتقض بالنسب التقييدية، كقول القائل: حيوان ناطق،
~~فإنه أفاد بنفسه إثبات النطق للحيوان، وليس بخبر.
# فإن قال: إن ذلك ليس بكلام، ونحن فقد قيدنا الحد بالكلام. قلنا: هذا منه
~~لا يصح، فإن حد الكلام بما انتظم من الحروف المسموعة المميزة من غير اعتبار
~~قيد آخر. وحد الكلام بهذا الاعتبار متحقق فيما نحن فيه، فكان على أصله
~~كلاما.
# والمختار فيه أن يقال: الخبر عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم
~~إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد
~~المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها.
# أما قولنا: (اللفظ) فهو كالجنس للخبر وغيره من أقسام الكلام، ms234 ويمكن أن
~~يحترز به عن الخبر المجازي مما ذكرناه أولا.
# وقولنا: (الدال) احتراز عن اللفظ المهمل.
# وقولنا: (بالوضع) احتراز عن اللفظ الدال بجهة الملازمة وقولنا: (على
~~نسبة) احتراز عن أسماء الاعلام، وعن كل ما ليس له دلالة على نسبة.
# وقولنا: (معلوم إلى معلوم) حتى يدخل فيه الموجود والمعدوم. وقولنا: (سلبا
~~أو إيجابا) حتى يعم ما مثل قولنا: زيد في الدار، ليس في الدار. وقولنا:
~~(يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام) احتراز عن اللفظ الدال على النسب
~~التقييدية. PageV02P009
# وقولنا: (مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها) احتراز عن صيغة
~~الخبر إذا وردت، ولا تكون خبرا، كالواردة على لسان النائم والساهي والحاكي
~~لها، أو لقصد الامر مجازا كقوله تعالى: * (والجروح قصاص) * (5) المائدة:
~~45) وقوله: * (والوالدات يرضعن أولادهن) * (2) البقرة: 233) * (والمطلقات
~~يتربصن) * (2) البقرة: 228) * (ومن دخله كان آمنا) * (3) آل عمران: 97)
~~ونحوه حيث إنه لم يقصد بها الدلالة على النسبة ولا سلبها.
# وإذا عرف معنى الخبر، فهو ينقسم ثلاث قسم.
# القسمة الأولى:
# إن الخبر ينقسم إلى صادق وكاذب، لأنه لا يخلو إما أن يكون مطابقا للمخبر
~~به، أو غير مطابق فإن كان الأول، فهو الصادق وإن كان الثاني، فهو الكاذب.
~~وقال الجاحظ: الخبر ينقسم ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وما ليس بصادق ولا
~~كاذب. وقد احتج على ذلك بالنص والمعقول.
# أما النص فحكاية القرآن عن الكفار قولهم عن النبي عليه السلام * (افترى
~~على الله كذبا أم به جنة) * (24) سبأ: 8) حصروا دعواه النبوة في الكذب
~~والجنة، وليس إخباره بالنبوة حالة جنونه كذبا، لأنهم جعلوها في مقابلة
~~الكذب، ولا صدقا، لأنهم لم يعتقدوا صدقه على كل تقدير. فإخباره حالة جنة
~~ليس بصدق ولا كذب أما المعقول فمن وجهين:
# الأول أنه ليس الصادق هو الخبر المطابق للمخبر. فإن من أخبر بأن زيدا في
~~الدار، على اعتقاد أنه ليس فيها، وكان فيها، فإنه لا يوصف بكونه صادقا، ولا
~~يستحق المدح على ذلك وإن كان خبره مطابقا للمخبر، ولا يوصف بكونه كاذبا
~~لمطابقة خبره للمخبر. وكذلك ليس الكذب هو ms235 عدم مطابقة الخبر للمخبر لوجهين:
# الأول: أنه كان يلزم منه الكذب في كلام الله تعالى بتخصيص عموم خبره
~~وتقييد مطلقه لعدم المطابقة، وهو محال.
# الثاني: أنه لو أخبر مخبر أن زيدا في الدار، على اعتقاد كونه فيها ولم
~~يكن فيها، PageV02P010
# فإنه لا يوصف بكونه كاذبا، ولا يستحق الذم على ذلك. ولا يوصف بكونه صادقا
~~لعدم مطابقة الخبر للمخبر. وإنما الصادق ما طابق المخبر مع اعتقاد المخبر
~~أنه كذلك. والكذب ما لم يطابق المخبر، مع اعتقاده أنه كذلك الثاني أنه إذا
~~جاز أن يفرض في الاعتقاد واسطة بين كونه علما أو جهلا، لا يوصف بكونه علما،
~~ولا جهلا مركبا، كاعتقاد العامي المقلد وجود الاله تعالى، جاز أن يفرض بين
~~الصادق والكاذب خبر ليس بصادق ولا كاذب.
# والجواب عن الآية أنهم إنما حصروا أمره بين الكذب والجنة، لان قصد
~~الدلالة به على مدلوله شرط في كونه خبرا والمجنون ليس له قصد صحيح، فصار
~~كالنائم والساهي، إذا صدرت منه صيغة الخبر، فإنه لا يكون خبرا، وحيث لم
~~يعتقدوا صدقه، لم يبق إلا أن يكون كاذبا، أو لا يكون ما أتى به خبرا، وإن
~~كانت صورته صورة الخبر أما أن يكون خبرا، وليس صادقا فيه ولا كاذبا، فلا.
# وعن الوجه الأول من المعقول: أنا لا نسلم أن من أخبر عن كون زيد في
~~الدار، على اعتقاد أنه ليس فيها وهو فيها، أن خبره لا يكون صادقا، وإن كان
~~لا يستحق المدح على الصدق.
# وكذلك لا نسلم أن من أخبر بأن زيدا في الدار، على اعتقاد كونه فيها، ولم
~~يكن فيها، أنه ليس كاذبا وإن كان لا يستحق الذم على كذبه. لان المدح والذم
~~ليس على نفس الصدق والكذب لا غير، بل على الصدق مع قصده، والكذب مع قصده.
~~ولهذا: فإن الأمة حاكمة بأن الكافر الذي علم منه اعتقاد بطلان رسالة محمد،
~~عليه السلام، صادق بإخباره بنبوة محمد، لما كان خبره مطابقا للمخبر، وإن لم
~~يكن معتقدا لذلك، ولا قاصدا للصدق، وحاكمة بكذبه في إخباره ms236 أنه ليس برسول،
~~وإن كان معتقدا لما أخبر به لما كان خبره غير مطابق للمخبر. وأما تخصيص
~~عموم خبر القرآن، وتقييد مطلقه، فإنما لم يكن كذبا، وإن لم يكن الخبر
~~محمولا على ظاهره من العموم والاطلاق لأنه مصروف عن حقيقته إلى مجازه، وصرف
~~اللفظ عن أحد مدلوليه إلى الآخر لا يكون كذبا، وسواء كان ذلك اللفظ من قبيل
~~الألفاظ المشتركة أو PageV02P011
# المجازية. ولهذا، فإن من أخبر بلفظ مشترك، وأراد به بعض مدلولاته دون
~~البعض، كما لو قال رأيت عينا وأراد به العين الجارية دون الباصرة، وبالعكس
~~فإنه لا يعد كاذبا. وكذلك من أخبر بلفظ هو حقيقة في شئ ومجاز في شئ، وأراد
~~جهة المجاز دون الحقيقة، فإنه لا يعد كاذبا، وذلك كما لو قال رأيت أسدا
~~وأراد به المحمل المجازي دون الحقيقي، وهو الانسان.
# وعن الوجه الثاني أنه لا يلزم من انقسام. الاعتقاد إلى علم وجهل مركب،
~~وحالة متوسطة ليست علما ولا جهلا مركبا، انقسام الخبر إلى صدق وكذب، وما
~~ليس بصدق ولا كذب، إذ هو قياس تمثيلي من غير جامع. ولو كان ذلك كافيا، لوجب
~~أن يقال إنه أيضا يلزم من ذلك أن يكون بين النفي والاثبات واسطة، وهو محال.
# وبالجملة، فالنزاع في هذه المسألة لفظي حيث إن أحد الخصمين يطلق اسم
~~الصدق والكذب على ما لا يطلقه الآخر إلا بشرط زائد.
# القسمة الثانية:
# إن الخبر ينقسم إلى ما يعلم صدقه، وإلى ما يعلم كذبه، وإلى ما يعلم صدقه
~~ولا كذبه.
# فأما ما يعلم صدقه فمنه ما يعلم صدقه بمجرد الخبر، كخبر التواتر ومنه ما
~~يعلم صدقه لا بنفس الخبر، بل بدليل يدل على كونه صادقا، كخبر الله، وخبر
~~الرسول، فيما يخبر به عن الله تعالى، وخبر أهل الاجماع، وخبر من أخبر الله
~~تعالى عنه أو رسوله أو أهل الاجماع أنه صادق، وخبر من وافق خبره خبر الصادق
~~أو دليل العقل وأما ما وراء ذلك مما ادعي أنه معلوم الصدق ففيه اختلاف
~~وتفصيل يأتي ذكره في أخبار الآحاد.
# وأما ms237 ما يعلم كذبه، فما كان مخالفا لضرورة العقل أو النظر أو الحس أو
~~أخبار التواتر أو النص القاطع أو الاجماع القاطع أو ما صرح الجمع الذين لا
~~يتصور تواطؤهم على الكذب بتكذيبه ومن ذلك، قول من لم يكذب قط فيما أخبر به
~~أنا كاذب فخبره ذلك، كاذب، لان المخبر عنه ليس هو نفس هذا الخبر، لان الخبر
~~يجب أن يكون غير المخبر عنه، ولا ما لم يوجد من أخباره، فإنها لا توصف بصدق
~~ولا كذب فلم يبق غير الاخبار السالفة. وقد كان صادقا فيها، فخبره عنها بأنه
~~كاذب فيها يكون PageV02P012
# كذبا. وقد اختلف في أخبار قيل إنها معلومة الكذب، وسيأتي الكلام فيها بعد
~~هذا في أخبار الآحاد.
# وأما ما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فمنه ما يظن صدقه ككثير من الأخبار
~~الواردة في أحكام الشرائع والعادات ممن هو مشهور بالعدالة والصدق، ومنه ما
~~يظن كذبه كخبر من اشتهر بالكذب ومنه ما هو غير مظنون الصدق ولا الكذب، بل
~~مشكوك فيه، كخبر من لم يعلم حاله ولم يشتهر أمره بصدق ولا كذب فإن قيل: كل
~~خبر لم يقم الدليل على صدقه قطعا فهو كاذب لأنه لو كان صادقا لما أخلانا
~~الله تعالى عن نصب دليل يدل عليه، ولهذا، فإن المتحدي بالنبوة، إذا لم تظهر
~~على يده معجزة تدل على صدقه، فإنا نقطع بكذبه. قلنا: جوابه من ثلاثة أوجه:
# الأول: لا نسلم امتناع الخلو من نصب دليل يدل على صدقه بتقدير أن يكون
~~صادقا في نفس الامر. ومن أوجب ذلك فإنما بناه على وجوب رعاية الصلاح أو لا
~~صلح، وقد أبطلناه في علم الكلام.
# الثاني: أنه مقابل بمثله، وهو أن يقال: ولو كان كاذبا لما أخلانا الله
~~تعالى عن نصب دليل يدل على كذبه.
# الثالث: أنه يلزم مما ذكروه أن يقطع بكذب كل شاهد لم يقم الدليل القاطع
~~على صدقه، وكفر كل مسلم وفسقه، إذا لم يقم دليل قاطع على إيمانه وعدالته،
~~وهو محال.
# وأما المتحدي بالرسالة إذا لم تظهر المعجزة الدالة ms238 على صدقه إنما قطعنا
~~بكذبه بالنظر إلى العادة لا بالنظر إلى العقل، وذلك لان الرسالة عن الله
~~تعالى على خلاف العادة، والعادة تقضي بكذب من يدعي ما يخالف العادة من غير
~~دليل ولا كذلك الصدق في الاخبار عن الأمور المحسوسة، لأنه غير مخالف
~~للعادة.
# القسمة الثالثة:
# إن الخبر ينقسم إلى متواتر، وآحاد. ولما كان النظر في كل واحد من هذين
~~القسمين هو المقصود الأعظم من هذا النوع، وجب رسم الباب الثاني في
~~المتواتر، والباب الثالث في الآحاد. PageV02P013
# الباب الثاني في المتواتر ويشتمل على مقدمة، ومسائل.
# أما المقدمة ففي بيان معنى التواتر والمتواتر.
# أما التواتر في اللغة، فعبارة عن تتابع أشياء واحدا بعد واحد، بينهما
~~مهلة.
# ومنه قوله تعالى: * (ثم أرسلنا رسلنا تترى) * (23) المؤمنون: 44) أي
~~واحدا بعد واحد بمهلة.
# وأما في اصطلاح الأصوليين، فقد قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن خبر جماعة
~~بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم. وهو غلط، فإن ما ذكره إنما هو
~~حد الخبر المتواتر لا حد نفس التواتر، وفرق بين التواتر والمتواتر. وإنما
~~التواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن تتابع الخبر عن جماعة مفيد للعلم
~~بمخبره.
# وأما المتواتر فقد قال بعض أصحابنا أيضا إنه الخبر المفيد للعلم اليقيني
~~بمخبره، وهو غير مانع لدخول خبر الواحد الصادق فيه. كيف وفيه زيادة لا حاجة
~~إليها، وهي قوله: (العلم اليقيني) فإن أحدهما كاف عن الآخر. والحق أن
~~المتواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن خبر جماعة مفيد بنفسه للعلم بمخبره.
# فقولنا: (خبر) كالجنس للمتواتر والآحاد، وقولنا: (جماعة) احتراز عن خبر
~~الواحد، وقولنا: (مفيد للعلم) احتراز عن خبر جماعة لا يفيد العلم، فإنه لا
~~يكون متواترا، وقولنا: (بنفسه) احتراز عن خبر جماعة وافق دليل العقل أو دل
~~قول الصادق على صدقهم، كما سبق، وقولنا: (بمخبره) احتراز عن خبر جماعة أفاد
~~العلم بخبرهم لا (بمخبره) فإنه لا يسمى متواترا.
# وإذ أتينا على بيان المقدمة، فلا بد من ذكر المسائل المتعلقة بخبر
~~التواتر، وهي ست مسائل. PageV02P014
# المسألة الأولى اتفق الكل على أن ms239 خبر التواتر مفيد للعلم بمخبره، خلافا
~~للسمنية والبراهمة في قولهم: لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون
~~الاخبار وغيرها، ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري
~~بالبلاد النائية، والأمم السالفة، والقرون الخالية والملوك والأنبياء
~~والأئمة والفضلاء المشهورين، والوقائع الجارية بين السلف الماضين بما يرد
~~علينا من الاخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات، عند إدراكنا لها بالحواس.
~~ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته، وظهر جنونه أو مجاحدته.
# فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير على
~~الاخبار بخبر واحد، وذلك غير مسلم، مع اختلافهم في الأمزجة والآراء
~~والاغراض وقصد الصدق والكذب، كما لا يتصور اتفاق أهل بلد من البلاد على حب
~~طعام واحد معين، وحب الخير أو الشر. وإن سلمنا تصور اتفاق الخلق الكثير على
~~الاخبار بشئ واحد، إلا أن كل واحد منهم يجوز أن يكون كاذبا في خبره بتقدير
~~انفراده كما يجوز عليه الصدق.
# فلو امتنع ذلك عليه حالة الاجتماع لانقلب الجائز ممتنعا، وهو محال وإذا
~~جاز ذلك على كل واحد واحد. والجملة لا تخرج عن الآحاد، كان خبر الجملة جائز
~~الكذب، وما يجوز أن يكون كاذبا، لا يكون العلم بما يخبر به واقعا. وإن
~~سلمنا أنه لا يلزم أن ما ثبت للآحاد يكون ثابتا للجملة، غير أن القول بحصول
~~العلم بخبر التواتر يلزم منه أمر ممتنع فيمتنع، وبيانه من ستة أوجه.
# الأول: أنه لو جاز أن تخبر جماعة بما يفيد العلم، لجاز على مثلهم الخبر
~~بنقيض خبرهم، كما لو أخبر الأولون بأن زيدا كان في وقت كذا ميتا، ونقل
~~الآخرون حياته في ذلك الوقت بعينه، فإن حصل العلم بالخبرين، لزم اجتماع
~~العلم الضروري بموته وحياته فوقت واحد معين، وهو محال، وإن حصل العلم بأحد
~~الخبرين دون الآخر، فلا أولوية مع فرض تساوي المخبرين في الكمية والكيفية.
~~PageV02P015
# الثاني: أنه لو حصل العلم بخبر الجماعة الكثيرة لحصل العلم بما ينقله
~~اليهود عن موسى، والنصارى عن عيسى، من الأمور المكذبة لرسالة نبينا، التي
~~دلت المعجزة ms240 القاطعة على صدقه فيها ووجوب علمنا بها، واجتماع علمين
~~متناقضين محال.
# الثالث: أنه لو حصل العلم الضروري بخبر التواتر، لما خالف في نبوة نبينا
~~أحد، لان ما علم بالضرورة لا يخالف، وحيث وقع الخلاف في ذلك من الخلق
~~الكثير علمنا أن خبر التواتر لا يفيد العلم.
# الرابع: أنه لو كان العلم الضروري حاصلا بخبر التواتر، لما وقع التفاوت
~~بين علمنا بما أخبر به أهل التواتر من وجود بعض الملوك، وعلمنا بأنه لا
~~واسطة بين النفي والاثبات واستحالة اجتماع الضدين، وأن الجسم الواحد لا
~~يكون في آن واحد في مكانين، لان الضروريات لا تختلف ولا يخفى وجه الاختلاف
~~في سكون النفس إليهما.
# الخامس: هو أن ما يحصل من الاعتقاد الجازم بما يخبر به أهل التواتر لا
~~يزيد على الاعتقاد الجازم بأن ما شاهدناه بالأمس من وجود الأفلاك الدائرة،
~~والكواكب السيارة، والجبال الشامخة، أنه الذي نشاهده اليوم مع جواز أن يكون
~~الله تعالى قد أعدم ذلك، وما نشاهده الآن قد خلقه الله تعالى على مثاله
~~فإذا لم يكن هذا يقينيا، فما لا يزيد عليه في الجزم والاعتقاد أيضا لا يكون
~~يقينيا.
# السادس: أنه لو كان العلم الضروري حاصلا من خبر التواتر، لما خالفناكم
~~فيه، لان الضروري لا يخالف. والجواب من جهة الاجمال والتفصيل.
# أما الاجمال فهو أن ما ذكروه تشكيك على ما علم بالضرورة، فلا يكون
~~مقبولا، وأما التفصيل فأما السؤال الأول، فجوابه بما سبق في بيان تصور
~~الاجماع، فيما تقدم.
# وأما السؤال الثاني فلانه لا يلزم أن ما كان ثابتا لآحاد الجملة، وجائزا
~~عليها، أن يكون ثابتا للجملة، وجائزا عليها. ولهذا فإنه ما من واحد من
~~معلومات الله إلا وهو متناه، وجملة معلوماته غير متناهية. وكذلك كل واحد من
~~آحاد الجملة، PageV02P016
# فإنه جزء من الجملة، والجملة ليست جزءا من الجملة. وكذلك كل لبنة أو خشبة
~~داخلة في مسمى الدار، وهي جزء منها، وليست دارا، والمجتمع من الكل دار.
# وكذلك العشرة مركبة من خمسة وخمسة وكل واحدة من الخمستين ليست عشرة،
~~والمجموع ms241 منهما عشرة، ونحوه.
# وأما ما ذكروه في السؤال الثالث من الالزام الأول، فهو فرض محال فإنه
~~مهما أخبر جمع بما يحصل منه العلم بالمخبر فيمتنع إخبار مثلهم في الكمية
~~والكيفية وقرائن الأحوال بما يناقض ذلك.
# وأما الالزام الثاني، فإنما يصح أن لو قلنا إن العلم يحصل من خبر كل
~~جماعة وإن خبر كل جماعة تواتر، وليس كذلك، وإنما دعوانا أن العلم قد يحصل
~~من خبر الجماعة، ولا يلزم أن يكون خبر كل جماعة محصلا للعلم.
# وأما الالزام الثالث، فغير صحيح لان التواتر إنما يفيد العلم في الاخبار
~~عن المحسات والمشاهدات والنبوة حكم، فلذلك، لم يثبت بخبر التواتر كيف وإنا
~~لا ندعي أن كل تواتر يجب حصول العلم بمخبره مطلقا لكل أحد لتفاوت
~~PageV02P017
# الناس في السماع وقوة الفهم والاطلاع على القرائن المقترنة بالاخبار
~~المفيدة للعلم فمخالفة من يخالف غير قادحة فيما ندعيه من حصول العلم به
~~لبعض الناس.
# وأما الالزام الرابع والخامس، فإنما يصح أن لو ادعينا أن ما يحصل من
~~العلم بخبر التواتر من الأمور البديهية، وليس كذلك، بل إنما ندعي العلم
~~العادي. وعلى هذا، فلا يخرج عن كونه علما بتقاصره عن العلوم البديهية، ولا
~~بمساواته لما قيل من العلوم العادية.
# وأما الالزام السادس، فحاصله يرجع إلى المكابرة والمجاحدة وذلك غير متصور
~~في العادة في خلق لا يتصور عليهم التواطؤ على الخطأ. ثم لو كان الخلاف مما
~~يمنع من كونه علما ضروريا، لكان خلاف السوفسطائية في حصول العلم بالمحسوسات
~~مما يخرجه عن كونه علما ضروريا، وهو خلاف مذهب السمنية.
# وما هو اعتذارهم في خلاف السوفسطائية في العلم بالمحسوسات يكون عذرا لنا
~~في خلافهم لنا في المتواترات.
# المسألة الثانية اتفق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين من الأشاعرة
~~والمعتزلة على أن العلم الحاصل عن خبر التواتر ضروري. وقال الكعبي وأبو
~~الحسين البصري من المعتزلة والدقاق من أصحاب الشافعي: أنه نظري.
# وقال الغزالي: إنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط
~~واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن، وليس ms242 ضروريا بمعنى
~~PageV02P018
# أنه حاصل من غير واسطة، كقولنا: القديم لا يكون محدثا، والموجود لا يكون
~~معدوما، فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس إحداهما أن هؤلاء مع
~~كثرتهم واختلاف أحوالهم، لا يجمعهم على الكذب جامع.
# الثانية: أنهم قد اتفقوا على الاخبار عن الواقعة، ولكنه لا يفتقر إلى
~~ترتيب المقدمتين بلفظ منظوم، ولا إلى الشعور بتوسطهما وإفضائهما إليه.
# ومنهم من توقف في ذلك، كالشريف المرتضى من الشيعة.
# وإذ أتينا على تفصيل المذاهب فلا بد من ذكر حججها، والتنبيه على ما فيها،
~~ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.
# أما حجج القائلين بالضرورة، فأولها، وهي الأقوى، أنه لو كان حصول العلم
~~بخبر التواتر بطريق الاستدلال والنظر، لما وقع ذلك لمن ليس له أهلية النظر
~~والاستدلال، كالصبيان والعوام، وهو واقع لهم لا محالة. ولقائل أن يقول:
# لا نسلم أن الصبيان والعوام الذين يحصل لهم العلم بخبر التواتر ليس لهم
~~أهلية النظر في مثل هذا العلم، وإن لم يكونوا من أهل النظر فيما عداه من
~~المسائل الغامضة، كحدوث العالم ووجود الصانع ونحوه. وذلك، لان العلم النظري
~~منقسم إلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية، فيكون خفيا، وإلى ما مقدماته
~~المفضية إليه نظرية، فيكون خفيا، وإلى ما مقدماته المفضية إليه ضرورية غير
~~نظرية، وعند ذلك، فلا يمتنع أن يكون العلم بخبر التواتر من القبيل الثاني،
~~دون الأول. وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون العلم بأحوال المخبرين التي يتوقف
~~عليها العلم بمخبرهم حاصلة بالضرورة للصبيان والعوام، ويكون العلم بالنتيجة
~~اللازمة عنها ضروريا. وإنما تتم الحجة المذكورة أن لو بين أن العلم بمخبرهم
~~من قبيل ما مقدماته نظرية لا ضرورية وذلك مما لا سبيل إلى بيانه.
# الحجة الثانية أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة وبغداد والبلاد
~~النائية، عند خبر التواتر بها، مع أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر
~~فيما يناسبه من العلوم PageV02P019
# المتقدمة عليه، ولا في ترتيبها المفضي إليه. ولو كان نظريا لما كان كذلك.
# ولقائل أن يقول إنما يحتاج ms243 ذلك إلى الفكر والنظر المقدمات وترتيبها، إن
~~لو لم يكن العلم بتلك الأمور حاصلا بالضرورة على ما بيناه في إبطال الحجة
~~الأولى.
# وأما إذا كان حاصلا بالضرورة، فلا.
# الحجة الثالثة أن العلم بخبر التواتر لا ينتفي بالشبهة، وهذه هي أمارة
~~الضرورة. ولقائل أن يقول: المنفي بالشبهة العلم النظري الذي مقدماته نظرية،
~~أو الذي مقدماته ضرورية. الأول مسلم، والثاني ممنوع.
# الحجة الرابعة أنه لو كان نظريا، لأمكن الاضراب عنه، كما في سائر
~~النظريات.
# وحيث لم يمكن ذلك، دل على كونه ضروريا.
# ولقائل أن يقول: الذي يمكن الاضراب عنه من العلوم النظرية إنما هو العلم
~~المفتقر إلى المقدمات النظرية. وأما ما لزمه من مقدمات حاصلة بالضرورة،
~~فلا.
# الحجة الخامسة أنه لو كان نظريا، لوقع الخلاف فيه بين العقلاء، وحيث لم
~~يقع إلا من معاند كما سبق، كان ضروريا كالعلم بالمحسات ونحوه.
# ولقائل أن يقول: تسويغ الخلاف عقلا إنما يكون في العلوم النظرية التي
~~مقدماتها نظرية. وأما مقدماتها ضرورية فلا، كما في المحسات.
# وأما حجج القائلين بالنظر، فأولها، وهي ما استدل بها أبو الحسين البصري
~~أن قال الاستدلال ترتيب علوم يتوصل بها إلى علم آخر، فكلما وقف وجوده عل
~~ترتيب فهو نظري، والعلم الواقع بخبر التواتر كذلك، فكان نظريا. وذلك، لأنا
~~إنما نعلم ذلك، إذا علمنا أن المخبر لم يخبر عن رواية بل عن أمر محسوس، لا
~~لبس فيه وأنه لا داعي له إلى الكذب، فيعلم أنه لا يكون كذبا. وإذا لم يكن
~~كذبا تعين كونه صدقا. ومهما اختل شئ من هذه الأمور لم نعلم صحة الخبر، ولا
~~معنى لكونه نظريا سوى ذلك. PageV02P020
# ولقائل أن يقول: سلمنا أن النظر عبارة عما ذكر، لكن لا نسلم تحققه فيما
~~نحن فيه. وما المانع أن يكون اتفاقهم على الكذب، لا لغرض مع كونه مقدورا
~~لهم، فإن قال بأن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على الكذب لا لغرض
~~ومقصود.
# قلنا: والعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الصدق لا لغرض ومقصود، فلم قلت بعدم
~~الغرض في الصدق دون الكذب، ms244 وإذا لم يكن غرض، فليس الصدق أولى من الكذب.
# فإن قلنا: الغرض في الصدق كونه صدقا، لكونه حسنا، ولا كذلك الكذب لكونه
~~قبيحا، فهو مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه.
# فإن قال: المراد إنما هو التحسين والتقبيح العرفي دون العقلي، ولا شك أن
~~أهل العرف يعدون الكذب قبيحا، والصدق حسنا.
# قلنا: التحسين والتقبيح العرفي راجع إلى موافقة الغرض ومخالفته. وعلى
~~هذا، فلعل الكذب من حيث هو كذب فيما أخبروا به موافق لاغراضهم دون الصدق،
~~فكان حسنا، كما في اتفاقهم على الصدق في بعض ما أخبروا به، سلمنا أنهم لا
~~يجمعون على الكذب إلا لغرض، ولكن ما المانع منه؟ فإنا قد نجد الجمع الكثير
~~متفقين على وضع الأحاديث والاخبار لحكمة عائدة إليهم، وذلك كأهل مدينة أو
~~جيش عظيم اتفقوا على وضع خبر لا أصل له، إما لدفع مفسدة عنهم لا سبيل إلى
~~دفعها إلا به، وإما لجلب مصلحة لا تحصل إلا به. وهذا مما يغلب مثله في كل
~~عصر وزمان حتى إن أكثر الاخبار العامة الشائعة الواقعة في المعتاد كذلك.
# فإن قال بأن ذلك، وإن كان واقعا، إلا أن العادة تحيل دوامه، وتوجب
~~انكشافه عن قرب من الزمان.
# قلنا: فإذا آل الامر إلى التمسك بالعادة في استحالة اتفاقهم على الكذب
~~دائما فما المانع أن يقال بأن العادة موجبة لصدق المخبرين، إذا كانوا جمعا
~~كثيرا، وحصول العلم بخبرهم، وليس القول بأن العادة تحيل اتفاقهم على الكذب،
~~ويلزم من ذلك الصدق، أولى من أن يقال العادة توجب اتفاقهم على الصدق، ويلزم
~~من ذلك امتناع اتفاقهم على الكذب، وعند ذلك، فيخرج العلم بخبر التواتر عن
~~كونه نظريا. PageV02P021
# سلمنا أنه لا بد في حصول العلم بخبر التواتر من حصول العلم بامتناع الكذب
~~على المخبرين، ولكن نسلم أن ذلك يكون كافيا في كون العلم الحاصل من التواتر
~~نظريا، إلا أن يكون العلم بالمقدمات قد علم معه أنها مرتبطة بالعلم الحاصل
~~بخبر التواتر، وأنها الواسطة المفضية إليه، وذلك غير مسلم الوجود فيما نحن
~~فيه، كما ذهب ms245 إليه الغزالي.
# الحجة الثانية: أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا لنا، لكنا عالمين
~~بذلك العلم على ما هو عليه، كما في سائر العلوم الضرورية. وذلك، لان حصول
~~علم للانسان، وهو لا يشعر به، محال. فإذا كان ذلك العلم ضروريا، وجب أن
~~يعلم كونه ضروريا، وليس كذلك.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا كان ضروريا بد وأن يعلم أنه ضروري، بل
~~جاز أن يكون أصل العلم بالمخبر بالضرورة، والعلم بصفته، وهي الضرورة، غير
~~ضروري. كيف وأنه معارض بأنه لو كان نظريا، لعلمناه على صفته نظريا على ما
~~قرروه، وليس كذلك، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.
# الحجة الثالثة أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا، لما اختلف العقلاء
~~فيه، كما في غيره من الضروريات.
# ولقائل أن يقول: الاختلاف فيه لا يدل على أنه غير ضروري، وإلا كان خلاف
~~السوفسطائية في حصول العلم بالضروريات، مانعا من كونها ضرورية، وليس كذلك
~~بالاتفاق من الخصمين هاهنا، بل ولكان خلاف السمنية في حصول أصل العلم بخبر
~~التواتر مانعا منه، وليس كذلك.
# الحجة الرابعة، أن خبر التواتر لا يزيد في القوة على خبر الله تعالى،
~~وخبر رسوله، بل هو مماثل أو أدنى، والعلم بخبر الله ورسوله غير حاصل
~~بالضرورة، بل بالاستدلال، فما هو مثله كذلك، والأدنى أولى.
# ولقائل أن يقول: حاصل ما ذكر راجع إلى التمثيل، وهو غير مفيد لليقين، كما
~~عرفناه في مواضعه. كيف وإن العلم بخبر التواتر من حيث هو علم، وإن كان لا
~~يقع التفاوت بينه وبين العلم الحاصل من خبر الله والرسول، فكذلك لا تفاوت
~~PageV02P022
# بين العلوم الضرورية المتفق على ضروريتها، كالعلم بأن لا واسطة بين النفي
~~والاثبات، والعلم بأن الواحد أقل من الاثنين ونحوه وبين العلم الحاصل بخبر
~~الله وخبر رسوله من حيث إن كل واحد منهما علم. ومع ذلك، ما لزم من كون
~~العلوم الضرورية ضرورية أن يكون العلم الحاصل من خبر الله وخبر رسوله
~~ضروريا، ولا من كون خبر الله ورسوله غير ضروري، أن تكون العلوم الضرورية ms246
~~غير ضرورية.
# وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين وتفاوت الكلام بين الطرفين، فقد ظهر أن
~~الواجب إنما هو الوقف عن الجزم بأحد الامرين.
# المسألة الثالثة اتفقت الأشاعرة والمعتزلة وجميع الفقهاء على أن خبر
~~التواتر لا يولد العلم، خلافا لبعض الناس. وقد اعتمد القائلون بامتناع ذلك
~~على مسلكين ضعيفين:
# الأول: أنهم قالوا: لو كان خبر التواتر مولدا للعلم، فالعلم إما أن يكون
~~متولدا من الخبر الأخير، أو منه ومن جملة الاخبار المتقضية: فإن كان الأول،
~~فهو محال، وإلا لتولد منه بتقدير انفراده. وإن كان الثاني، فهو ممتنع لان
~~الاخبار متعددة، والمسبب الواحد لا يصدر عن سببين، كما لا يكون مخلوق بين
~~خالقين.
# ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون متولدا عن الخبر الأخير مشروطا بتقدم
~~ما وجد من الاخبار قبله وعدمت، وإن كان متولدا عن الجميع، فما المانع أن
~~يكون متولدا عن الهيئة الاجتماعية، وهي شئ واحد، لا أنه متولد عن كل واحد
~~واحد من تلك الأخبار. وهذا مما لا مدفع له.
# نعم لو قيل إن تولده من جميع الاخبار ممتنع ضرورة أن ما تقضى من الاخبار
~~معدوم، ولا تولد عن المعدوم، كان متجها.
# المسلك الثاني: أنهم قالوا. قد استقر من مذهب القائلين بالتولد أن كل ما
~~هو طالب لجهة من الجهات فإنه يجوز أن يتولد عنه شئ في غير محله،
~~كالاعتمادات والحركات، وما ليس كذلك لا يتولد عنه شئ في غير محله. والقول
~~والخبر ليس PageV02P023
# له جهة، فلا يتولد عنه العلم، لأنه، لو تولد عنه العلم، لتولد في غير
~~محله، وهو ممتنع. وذلك مما لا اتجاه له مهما عرف من مذاهب الخصوم أن
~~إرعابات الانسان لغيره مما يولد فيه الوجل المولد للاصفرار بعد الاحمرار،
~~وأن تهجينه له مما يولد فيه الخجل المولد للاحمرار بعد الاصفرار، وإن كان
~~ما تولد عن القول المرهب والمهجن في غير محله.
# والمعتمد في إبطال ذلك ليس إلا ما حققناه في أبكار الأفكار من الدليل
~~الدال على امتناع موجود غير الله تعالى، وأن كل موجود ممكن، ms247 فوجوده ليس إلا
~~بالله تعالى، فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا.
# فإن قيل: اختياركم في المسألة المتقدمة إنما هو الوقف عن الجزم بكون
~~الحاصل عن خبر التواتر ضروريا أو نظريا، وما ذكرتموه هاهنا من كونه مخلوقا
~~لله تعالى يوجب كونه اضطراريا للعبد، وهو تناقض. كيف وإنه لو كان مخلوقا
~~لله تعالى لأمكن حصوله عن خبر الجماعة المفروضين بسبب خلق الله تعالى له،
~~وأمكن أن لا يحصل بسبب عدم خلقه. فلما كان ذلك واجب الحصول بخبر التواتر
~~علم أنه غير موجود بالاختيار مباشرة، بل بالتولد عما هو مباشر بالقدرة.
# قلنا: أما التناقض فمندفع، فإنا سواء قلنا إن العلم مكتسب للعبد، أو هو
~~حاصل له ضروريا، فلا يخرج بذلك عن كونه مخلوقا لله تعالى على ما عرف من
~~أصلنا.
# قولهم: لو كان مخلوقا لله تعالى لأمكن أن يحصل وأن لا يحصل، قلنا: ذلك
~~ممكن عقلا، غير أن الله تعالى قد أجرى العادة بخلقه للعلم عند خبر التواتر،
~~كما أجرى العادة بالشبع عند أكل الخبز، والري عند شرب الماء ونحوه.
~~PageV02P024
# المسألة الرابعة اتفق القائلون بحصول العلم عن الخبر المتواتر على شروط،
~~واختلفوا في شروط.
# فأما المتفق عليه، فمنها ما يرجع إلى المخبر، ومنها ما يرجع إلى
~~المستمعين.
# فأما ما يرجع إلى المخبرين، فأربعة شروط:
# الأول: أن يكونوا قد انتهوا في الكثرة إلى حد يمتنع معه تواطؤهم على
~~الكذب.
# الثاني: أن يكونوا عالمين بما أخبروا به، لا ظانين.
# الثالث: أن يكون علمهم مستندا إلى الحس، لا إلى دليل العقل.
# الرابع: أن يستوي طرفا الخبر ووسطه في هذه الشروط، لان خبر أهل كل عصر
~~مستقل بنفسه، فكانت هذه الشروط معتبرة فيه.
# وأما ما يرجع إلى المستمعين، فأن يكون المستمع متأهلا لقبول العلم بما
~~أخبر به، غير عالم به قبل ذلك، وإلا كان فيه تحصيل الحاصل.
# غير أن من زعم أن حصول العلم بخبر التواتر نظري شرط تقدم العلم بهذه
~~الأمور على حصول العلم بخبر التواتر، ومن زعم أنه ضروري لم يشترط سبق العلم
~~بهذه الأمور، لان ms248 العلم عنده حاصل عند خبر التواتر بخلق الله تعالى، فإن
~~خلق العلم له علم أن الخبر مشتمل على هذه الشروط، وإن لم يخلق له العلم علم
~~اختلال هذه الشروط أو بعضها، فضابط العلم بتكامل هذه الشروط حصول العلم
~~بخبر التواتر عنده، لا أن ضابط حصول العلم بخبر التواتر سابقة حصول العلم
~~بهذه الشروط.
# ثم اختلف هؤلاء في أقل عدد يحصل معه العلم:
# فقال بعضهم: هو خمسة. لان ما دون ذلك، كالأربعة بينة شرعية يجوز للقاضي
~~عرضها على المزكين بالاجماع لتحصيل غلبة الظن، ولو كان العلم حاصلا بقول
~~الأربعة، لما كان كذلك. وقد قطع القاضي أبو بكر بأن الأربعة عدد ناقص،
~~وتشكك في الخمسة. PageV02P025
# ومنهم من قال: أقل ذلك اثنا عشر، بعدد النقباء من بني إسرائيل، على ما
~~قال تعالى: * (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) * (5) المائدة: 12) وإنما خصهم
~~بذلك العدد لحصول العلم بخبرهم ومنهم من قال: أقله عشرون، تمسكا بقوله
~~تعالى: * (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) * (8) الأنفال: 65)
~~وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به.
# ومنهم من قال: أقل ذلك أربعون، أخذا من عدد أهل الجمعة.
# ومنهم من قال: أقلهم سبعون، تمسكا بقوله تعالى: * (واختار موسى قومه
~~سبعين رجلا لميقاتنا) * (7) الأعراف: 155) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما
~~يخبرون به.
# ومنهم من قال: أقله ثلاثمائة وثلاثة عشر، نظرا إلى عدد أهل بدر، إنما
~~خصوا بذلك ليعلم ما يخبرون به للمشركين.
# ومنهم من قال: أقل عدد يحصل به العلم معلوم لله تعالى، غير معلوم لنا،
~~وهذا هو المختار. وذلك لأنا لا نجد من أنفسنا معرفة العدد الذي حصل علمنا
~~بوجود مكة، وبغداد، وغير ذلك من المتواترات عنده. ولو كلفنا أنفسنا معرفة
~~ذلك عند توارد المخبرين بأمر من الأمور بترقب الحالة التي يكمل علمنا فيها
~~بعد تزايد ظننا بخبر واحد بعد واحد، لم نجد إليه سبيلا عادة، كما لم نجد من
~~أنفسنا العلم بالحالة التي يحصل فيها كمال عقولنا بعد نقصها، بالتدريج
~~الخفي، لقصور القوة البشرية عن الوقوف على ذلك، بل يحصل ms249 لنا العلم بخبر
~~التواتر، وإن كنا لا نقف على أقل عدد أفاده، كما نعلم حصول الشبع بأكل
~~الخبز، والري بشرب الماء، وإن كنا لا نقف على المقدار الذي حصل به الشبع
~~والري.
# وما قيل من الأقاويل في ضبط عدد التواتر، فهي مع اختلافها وتعارضها وعدم
~~مناسبتها وملائمتها للمطلوب، مضطربة فإنه ما من عدد يفرض حصول العلم به
~~لقوم إلا وقد يمكن فرض خبرهم بعينه غير مفيد للعلم، بالنظر إلى آخرين، بل
~~ولو أخبروا بأعيانهم بواقعة أخرى لم يحصل بها العلم لمن حصل له العلم
~~بخبرهم الأول، ولو كان ذلك العدد هو الضابط لحصول العلم لما اختلف، وإنما
~~وقع الاختلاف بسبب الاختلاف في القرائن المقترنة بالخبر، وقوة سماع المستمع
~~وفهمه وإدراكه للقرائن. PageV02P026
# وبالجملة، فضابط التواتر ما حصل العلم عنده من أقوال المخبرين، لا أن
~~العلم مضبوط بعدد مخصوص، وعلى هذا فما من عدد يفرض كان أربعة أو ما زاد،
~~إلا ويمكن أن يحصل به العلم، ويمكن أن لا يحصل. ويختلف ذلك باختلاف
~~القرائن.
# وما ذكر في كل صورة من أن تعيين ذلك العدد فيها إنما كان لحصول العلم
~~بخبرهم، تحكم لا دليل عليه، بل أمكن أن يكون لأغراض أخر غير ذلك، أو أن ذلك
~~واقع بحكم الاتفاق.
# وعلى قولنا بأن ضابط التواتر حصول العلم عنده يمتنع الاستدلال بالتواتر
~~على من لم يحصل له العلم منه، وإنما المرجع فيه إلى الوجدان، هذا ما يرجع
~~إلى الشرائط المعتبرة المتفق عليها.
# وأما الشروط المختلف فيها فستة:
# الأول: ذهب قوم إلى أن شرط عدد التواتر أن لا يحويهم بلد ولا يحصرهم عدد،
~~ومذهب الباقين خلافه، وهو الحق.
# وذلك، لأنه قد يحصل العلم بخبر أهل بلد من البلاد، بل بخبر الحجيج، أو
~~أهل الجامع بواقعة وقعت، وحادثة حدثت، مع أنهم محصورون.
# الثاني: ذهب قوم إلى اشتراط اختلاف أنساب المخبرين وأوطانهم وأديانهم،
~~وهو فاسد، لأنا لو قدرنا أهل بلد اتفقت أديانهم وأنسابهم، وأخبروا بقضية
~~شاهدوها، لم يمتنع حصول العلم بخبرهم.
# الثالث: ذهب بعضهم إلى أن شرط المخبرين ms250 أن يكونوا مسلمين عدولا، لان
~~الكفر عرضة للكذب والتحريف، والاسلام والعدالة ضابط الصدق والتحقيق في
~~القول، ولهذه العلة اختص المسلمون بدلالة إجماعهم على القطع، ولأنه لو وقع
~~العلم بتواتر خبر الكفار، لوقع العلم بما أخبر به النصارى، مع كثرة عددهم،
~~عن قتل المسيح وصلبه وما نقلوه عنه من كلمة التثليث، وهو باطل. فإنا نجد من
~~أنفسنا العلم بأخبار العدد الكثير، وإن كانوا كفارا، كما لو أخبر أهل
~~قسطنطينية بقتل ملكهم. وليس ذلك إلا لان الكثر مانعة من التواطئ على الكذب،
~~وإن لم يكن ذلك ممتنعا فيما كان دون تلك الكثرة. PageV02P027
# وأما الاجماع، فإنما اختص علماء الاسلام بالاحتجاج به للأدلة السمعية،
~~دون الأدلة العقلية، كما سبق، بخلاف التواتر وأما أنه لم يحصل لنا العلم
~~بما أخبر به النصارى من قتل المسيح وصلبه وكلمة التثليث، فيجب أن يكون ذلك
~~محالا على عدم شرط من شروط التواتر، وهو إما اختلال استواء طرفي الخبر
~~ووسطه فيما ذكرناه من الشروط قبل، أو لأنهم ما سمعوا كلمة التثليث صريحا،
~~بل سمعوا كلمة موهمة لذلك، فنقلوا التثليث ويجب اعتقاد ذلك نفيا للكفر عن
~~المسيح، على ما قال تعالى * (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) *
~~(5) المائدة: 73) أو لان المسيح شبه لهم، فنقلوا قتله وصلبه، ولا بعد في
~~ذلك، وإن كان الغلط فيه غير معتاد، إذا وقع في زمان خرق العوائد، وهو زمان
~~النبوة، وإن كان بعيدا في غير زمانه. ويجب اعتقاد ذلك، عملا بقوله تعالى: *
~~(وما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبه لهم) * (4) النساء: 157).
# فإن قيل: فخرق العوائد جائز في غير زمان النبوة بكرامات الأولياء، فليجز
~~في كل ما أخبر به أهل ذلك العصر عن المحسات ووقوع الغلط فيه.
# قلنا: إن حصل لنا العلم بخبرهم، علمنا استحالة الغلط عليهم وإن لم يحصل
~~لنا العلم به، علمنا أنه قد اختل شرط من شرائط التواتر، وإن لم يكن ذلك
~~الشرط معينا عندنا.
# الرابع: ذهب قوم إلى أن شرطه أن يكونوا محمولين على أخبارهم بالسيف، وهو
~~باطل، فإنهم إن حملوا ms251 على الصدق لم يمتنع حصول العلم بقولهم، كما لو لم
~~يحملوا عليه. ولهذا فإنه لو حمل الملك أهل مدينة عظيمة على الاخبار عن أمر
~~محس. وجدنا أنفسنا عالمة بخبرهم حسب علمنا بخبرهم من غير حمل، وإن حملوا
~~على الكذب فيمتنع حصول العلم بخبرهم، لفوات شرط وهو إخبارهم عن معلوم محس.
~~PageV02P028
# الخامس: شرطت الشيعة وابن الراوندي وجود المعصوم في خبر التواتر، حتى لا
~~يتفقوا على الكذب، وهو باطل أيضا، لما بيناه من أنه لو اتفق أهل بلد من
~~بلاد الكفار على الاخبار عن قتل ملكهم أو أخذ مدينة، فإن العلم يحصل
~~بخبرهم، مع كونهم كفارا فضلا عن كون الامام المعصوم ليس فيهم.
# ثم لو كان كذلك، فالعلم يكون حاصلا بقول الامام المعصوم بالنسبة إلى من
~~سمعه لا بخبر التواتر.
# السادس: شرطت اليهود في خبر التواتر أن يكون مشتملا على أخبار أهل الذلة
~~والمسكنة، لأنه إذا لم يكن فيهم مثل هؤلاء، فلا يؤمن تواطيهم على الكذب
~~لغرض من الاغراض، بخلاف ما إذا كانوا أهل ذلة ومسكنة، فإن خوف مؤاخذتهم
~~بالكذب يمنعهم من الكذب. ولو صح لهم هذا الشرط، لثبت غرضهم من إبطال العلم
~~بخبر التواتر بمعجزات عيسى ونبينا، عليه السلام، حيث إنهم لم يدخلوا في
~~الاخبار بها، وهم أهل الذلة والمسكنة، لكنه باطل بما نجده من أنفسنا من
~~العلم بأخبار الأكابر والشرفاء العظماء إذا أخبروا بأمر محس، وكانوا خلقا
~~كثيرا، بل ربما كان حصول العلم من خبرهم أسرع من حصول العلم بخبر أهل
~~المسكنة والذلة لترفع هؤلاء عن رذيلة الكذب لشرفهم وقلة مبالاة هؤلاء به
~~لخستهم.
# وبالجملة، لا يمتنع أن يكون شئ من هذه الشروط إذا تحقق كان حصول العلم
~~بخبر التواتر معه أسرع من غيره.
# أما أن يكون ذلك شرطا ينتفي العلم بخبر التواتر عند انتفائه، فلا.
# المسألة الخامسة ذهب القاضي أبو بكر وأبو الحسين البصري إلى أن كل عدد
~~وقع العلم بخبره في واقعة لشخص، لا بد وأن يكون مفيدا للعلم بغير تلك
~~الواقعة لغير ذلك الشخص إذا سمعه، وهذا ms252 إنما يصح على إطلاقه إذا كان العلم
~~قد حصل من نفس خبر ذلك العدد مجردا عما احتف به من القرائن العائدة إلى
~~أخبار المخبرين وأحوالهم، واستواء السامعين في قوة السماع للخبر والفهم
~~لمدلوله، مع فرض التساوي في PageV02P029
# القرائن، مع أن القرائن قد تفيد آحادها الظن، وبتضافرها واجتماعها العلم،
~~كما سنبينه. فلا يمتنع أن يحصل العلم بمثل ذلك العدد في بعض الوقائع
~~للمستمع دون البعض، لما اختص به من القرائن التي لا وجود لها في غيره،
~~وبتقدير اتحاد الواقعة وقرانها لا يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض
~~الأشخاص حصوله لشخص آخر، لتفاوتهما في قوة الادراك والفهم للقرائن، إذ
~~التفاوت فيما بين الناس في ذلك ظاهر جدا، حتى أن منهم من له قوة فهم أدق
~~المعاني وأغمضها في أدنى دقيقة من غير كد ولا تعب، ومنهم من انتهى في
~~البلادة إلى حد لا قدرة له على فهم أظهر ما يكون من المعاني مع الجد
~~والاجتهاد في ذلك، ومنهم من حاله متوسطة بين الدرجتين. وهذا أمر واضح لا
~~مراء فيه، ومع التفاوت في هذه الأمور يظهر أن ما ذكره القاضي وأبو الحسين
~~البصري مما لا سبيل إلى تصحيحه على إطلاقه المسألة السادسة إذا عرف أن
~~التواتر يفيد العلم بالمخبر الواحد، كالاخبار عن قتل ملك أو هجوم بلد، كما
~~ذكرناه، فلو بلغ عدد المخبرين إلى حد التواتر، لكن اختلفت أخبارهم والوقائع
~~التي أخبروا عنها مع اشتراك جميع أخبارهم في معنى كلي مشترك بين مخبراتهم،
~~فالكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخبارهم عن جريانه، إما بجهة
~~التضمن أو الالتزام، فكان معلوما من أخبارهم وذلك كالاخبار التي وردت خارجة
~~عن الحصر عن وقائع عنتر في حروبه، ووقائع حاتم في هباته وضيافاته، وإن
~~اختلفت وقائع هذه الأخبار، فكلها دالة على القدر المشترك من شجاعة هذا وكرم
~~هذا. غير أنه ربما كان حصول العلم بها مثل التواتر الأول، لاتحاد لفظه
~~ومعناه أسرع حصولا من الثاني، لاختلاف ألفاظه وما طابقها من المعاني، وإن
~~اتحد مدلولها من جهة ms253 التضمن أو الالتزام وهذا آخر باب التواتر. PageV02P030
# الباب الثالث في أخبار الآحاد ويشتمل على أربعة أقسام:
# أولها: النظر في حقيقة خبر الواحد، وما يتعلق به من المسائل.
# وثانيها: النظر في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد، وما يتعلق به من
~~المسائل.
# وثالثها: النظر في مستند الراوي، وكيفية روايته، وما يتعلق به من
~~المسائل.
# ورابعها: النظر فيما اختلف في رد خبر الواحد به ومسائله.
# القسم الأول في حقيقة خبر الواحد ويشتمل على مقدمة ومسائل.
# أما المقدمة، ففي حقيقة خبر الواحد وشرح معناه.
# قال بعض أصحابنا: خبر الواحد ما أفاد الظن، وهو غير مطرد ولا منعكس.
# أما أنه غير مطرد، فلان القياس مفيد للظن، وليس هو خبر واحد فقد وجد
~~الحد، ولا محدود.
# وأما أنه غير منعكس، فهو أن الواحد، إذا أخبر بخبر، ولم يفد الظن، فإنه
~~خبر واحد، وإن لم يفد الظن فقد وجد المحدود، ولا حد. كيف وإن التعريف بما
~~أفاد الظن، تعريف بلفظ متردد بين العلم، كما في قول الله تعالى: * (الذين
~~يظنون أنهم ملاقوا ربهم) * (2) البقرة: 46) أي يعلمون، وبين ترجح أحد
~~الاحتمالين على الآخر في النفس من غير قطع. والحدود مما يجب صيانتها عن
~~الألفاظ المشتركة لا خلالها بالتفاهم وافتقارها إلى القرينة.
# والأقرب في ذلك أن يقال: خبر الآحاد ما كان من الاخبار غير منته إلى حد
~~التواتر.
# وهو منقسم إلى ما لا يفيد الظن أصلا، وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على
~~السواء، وإلى ما يفيد الظن، وهو: ترجح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر
~~في النفس من غير قطع.
# فإن نقله جماعة تزيد على الثلاثة والأربعة سمي مستفيضا مشهورا.
~~PageV02P031
# وإذا عرف ذلك فلنذكر ما يتعلق به من المسائل، وهي سبع:
# المسألة الأولى اختلفوا في الواحد العدل، إذا أخبر بخبر، هل يفيد خبره
~~العلم؟
# فذهب قوم إلى أنه يفيد العلم، ثم اختلف هؤلاء:
# فمنهم من قال إنه يفيد العلم بمعنى الظن لا بمعنى اليقين، فإن العلم قد
~~يطلق ويراد به الظن، كما في قوله تعالى: * (فإن علمتموهن مؤمنات) * (60)
~~الممتحنة: 10) أي ms254 ظننتموهن.
# ومنهم من قال إنه يفيد العلم اليقيني من غير قرينة، لكن من هؤلاء من قال:
~~ذلك مطرد في خبر كل واحد، كبعض أهل الظاهر، وهو مذهب أحمد بن حنبل في إحدى
~~الروايتين عنه.
# ومنهم من قال إنما يوجد ذلك في بعض أخبار الآحاد، لا في الكل، وإليه ذهب
~~بعض أصحاب الحديث.
# ومنهم من قال إنه يفيد العلم، إذا اقترنت به قرينة، كالنظام، ومن تابعه
~~في مقالته.
# وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد العلم اليقيني مطلقا، لا بقرينة ولا بغير
~~قرينة.
# والمختار حصول العلم بخبره، إذا احتفت به القرائن. ويمتنع ذلك عادة دون
~~القرائن، وإن كان لا يمتنع خرق العادة بأن يخلق الله تعالى لنا العلم بخبره
~~من غير قرينة.
# أما أنه لا يفيد العلم بمجرده، فقد احتج القائلون بذلك بحجج واهية لا بد
~~من التنبيه عليها، والإشارة بعد ذلك إلى ما هو المعتمد في ذلك.
# الحجة الأولى: من الحجج الواهية قولهم: لو كان خبر الواحد مفيدا للعلم
~~لأفاد كل خبر واحد، كما أن خبر التواتر لما كان موجبا كان كل خبر متواتر
~~كذلك.
# ولقائل أن يقول، هذا قياس تمثيلي، وهو غير مفيد للعلم. كيف وإن خبر
~~التواتر قبل العلم به ضروري غير مكتسب، فلا يمتنع أن يخلقه الله تعالى عند
~~كل تواتر، لعلمه بما يشتمل عليه من مصلحة مختصة به، أو لمصلحة، كما يشاء
~~ويختار ومثل ذلك غير لازم في أخبار الآحاد. PageV02P032
# وإن قيل إنه نظري مكتسب. فلا مانع من استواء جميع أخبار التواتر فيما لا
~~بد منه في حصول العلم. ولا يلزم من ذلك استواء جميع أخبار الآحاد في ذلك.
# الحجة الثانية: أن تأثيرات الأدلة في النفوس بحسب المؤثر، ولا نجد من
~~أنفسنا من خبر الواحد، وإن بلغ الغاية في العدالة، سوى ترجح صدقه على كذبه
~~من غير قطع، وذلك غير موجب للعلم.
# وهذه الحجة في غاية الضعف، لان حاصلها يرجع إلى محض الدعوى في موضع
~~الخلاف من غير دلالة، ومع ذلك، فهي مقابلة بمثلها، وهو أن يقول ms255 الخصم:
# وأنا أجد في نفسي العلم بذلك. وليس أحد الامرين أولى من الآخر.
# الحجة الثالثة: أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم، لما روعي فيه شرط
~~الاسلام والعدالة كما في خبر التواتر.
# وحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى التمثيل، وهو غير مفيد لليقين. ثم ما
~~المانع أن يكون حصول العلم بخبر التواتر، لان الله تعالى أجرى العادة بخلق
~~العلم عنده إن قيل إن العلم بخبر التواتر ضروري، وذلك غير لازم في خلقه عند
~~خبر من ليس بمسلم ولا عدل، أو أن يكون التواتر من حيث هو تواتر مشتمل على
~~ما يوجب العلم. إن قيل بأن العلم بخبر التواتر كسبي، وخبر من ليس بمسلم ولا
~~عدل غير مشتمل على ذلك.
# والمعتمد في ذلك أربع حجج:
# الحجة الأولى: أنه لو كان خبر الواحد الثقة مفيدا للعلم بمجرده، فلو أخبر
~~ثقة آخر بضد خبره، فإن قلنا خبر كل واحد يكون مفيدا للعلم، لزم اجتماع
~~العلم بالشئ وبنقيضه، وهو محال. وإن قلنا خبر أحدهما يفيد العلم دون الآخر،
~~فإما أن يكون معينا، أو غير معين. فإن كان الأول، فليس أحدهما أولى من
~~الآخر، ضرورة تساويهما في العدالة والخبر. وإن لم يكن معينا، فلم يحصل
~~العلم بخبر واحد منهما على التعيين، بل كل واحد منهما إذا جردنا النظر
~~إليه، كان خبره غير مفيد للعلم، لجواز أن يكون المفيد للعلم هو خبر الآخر.
~~كيف وأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، حتى يقال بحصول العلم بخبره، دون خبر
~~الآخر. PageV02P033
# الحجة الثانية: إن كل عاقل يجد من نفسه عند ما إذا أخبره واحد بعد واحد
~~بمخبر واحد يزيد اعتقاده بذلك المخبر. ولو كان الخبر الأول والثاني مفيدا
~~للعلم، فالعلم غير قابل للتزيد والنقصان.
# فإن قيل: كيف يقال بأن العلم غير قابل للزيادة والنقصان، مع أن بعض
~~العلوم قد يكون أجلى من بعض، وأظهر، كالعلم الضروري، فإنه أقوى من العلم
~~المكتسب، والعلم بالعيان أقوى من العلم بالخبر.
# قلنا: لا نسلم تصور التفاوت بين العلوم من حيث هي علوم بزيادة ms256 ولا نقصان،
~~لانتفاء احتمال النقيض عنها قطعا، ولو لم يكن كذلك، لما كانت علوما، بل
~~ظنونا.
# والتفاوت الواقع بين العلم النظري والعلم الضروري ليس في نفس العلم
~~بالمعلوم، بل من جهة أن أحدهما مفتقر في حصوله إلى النظر دون الآخر، أو أن
~~أحدهما أسرع حصولا من الآخر، لتوقفه على النظر. والتفاوت الواقع بين العلم
~~بالخبر والعلم بالنظر غير متصور فيما تعلقا به، وإنما التفاوت بينهما من
~~جهة أن ما لا يدرك بالخبر يكون مدركا بالعيان والنظر.
# الحجة الثالثة: أنه لو كان الخبر الواحد بمجرده موجبا للعلم، لكان العلم
~~حاصلا بنبوة من أخبر بكونه نبيا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه،
~~ولوجب أن يحصل للحاكم العلم بشهادة الشاهد الواحد، وأن لا يفتقر معه إلى
~~شاهد آخر، ولا إلى تزكيته، لما فيه من طلب تحصيل الحاصل، إذ العلم غير قابل
~~للزيادة والنقصان، كما سبق تقريره. PageV02P034
# الحجة الرابعة: أنه لو حصل العلم بخبر الواحد بمجرده لوجب تخطئة مخالفه
~~بالاجتهاد وتفسيقه وتبديعه، إن كان ذلك فيما يبدع بمخالفته، ويفسق، ولكان
~~مما يصح معارضته بخبر التواتر، وأن يمتنع التشكيك بما يعارضه كما في خبر
~~التواتر، وكل ذلك خلاف الاجماع.
# فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنص، والمعقول، والأثر:
# أما النص فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * نهى عن اتباع غير
~~العلم. وقد أجمعنا على جواز اتباع خبر الواحد في أحكام الشرع، ولزوم العلم
~~به، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم، لكان الاجماع منعقدا على مخالفة
~~النص، وهو ممتنع.
# وأيضا فإن الله تعالى قد ذم على اتباع الظن بقوله تعالى: * (إن يتبعون
~~إلا الظن) * (6) الانعام: 116) وقوله تعالى: * (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا،
~~إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (10) يونس: 36) فلو لم يكن خبر الواحد
~~مفيدا للعلم، بل للظن، لكنا مذمومين على اتباعه، وهو خلاف الاجماع وأما من
~~جهة المعقول، فمن وجهين:
# الأول أنه، لو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم، لما أوجبه، وإن كثر العدد
~~إلى حد التواتر، لان ما ms257 جاز على الأول جاز على من بعده.
# الثاني أنه، لو لم يكن خبره موجبا للعلم، لما أبيح قتل المقر بالقتل على
~~نفسه ولا بشهادة اثنين عليه، ولا وجبت الحدود بأخبار الآحاد، لكون ذلك
~~قاضيا على دليل العقل، وبراءة الذمة. PageV02P035
# وأما من جهة الأثر، ونخص مذهب من فرق بين خبر وخبر كبعض المحدثين، فهو أن
~~عليا، كرم الله وجه، قال ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته، سوى أبي بكر صدق
~~أبا بكر وقطع بصدقه، وهو واحد.
# قلنا: أما الآيات، فالجواب عنها من وجهين:
# الأول أن وجوب العمل بخبر الواحد واتباعه في الشرعيات إنما كان بناء على
~~انعقاد الاجماع على ذلك، والاجماع قاطع. فاتباعه لا يكون اتباعا لما ليس
~~بعلم ولا اتباعا للظن.
# الثاني أنه يحتمل أن يكون المراد من الآيات إنما هو المنع من اتباع غير
~~العلم فيما المطلوب منه العلم، كالاعتقادات في أصول الدين من اعتقاد وجود
~~الله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز، ويجب الحمل على ذلك عملا بما
~~ذكرناه من الأدلة.
# وأما ما ذكروه من الوجه الأول من جهة المعقول، فغير لازم، لان حكم الجملة
~~قد يغاير حكم الآحاد، على ما سبق مرارا.
# وأما الوجه الثاني، فمبني على أن أحكام الشرع لا تبنى على غير العلم، وهو
~~غير مسلم، وعلى خلاف إجماع السلف قبل وجود المخالفين.
# وما ذكروه من الأثر، فغايته أن يدل على أن عليا صدق أبا بكر، رضي الله
~~عنهما، من غير يمين، لحصول ظنه بخبره من غير يمين دون خبر غيره، لكون ما
~~اختص به من زيادة الرتبة وعلو الشأن في العدالة، والثقة في مقابلة يمين
~~غيره. والتصديق بناء على غلبة الظن جائز في باب الظنون، وإن لم يكن الصدق
~~معلوما. PageV02P036
# وأما جواز وقوع العلم بخبر الواحد، إذا احتفت به القرائن، فيدل عليه أن
~~القرينة قد تفيد الظن مجردة عن الخبر. وذلك كما إذا رأينا إنسانا يكثر من
~~النظر إلى شخص مستحسن،، فإنا نظن حبه له. فإذا اقترن بذلك ملازمته له، زاد
~~ذلك الظن ms258 ولا يزال في التزايد بزيادة خدمته له وبذل ما له وتغير حاله، إلى
~~غير ذلك من القرائن، حتى يحصل العلم بحبه له، كما في تزايد الظن بأخبار
~~الآحاد حتى يصير تواترا. وكذلك علمنا بخجل من هجن، ووجل من خوف، باحمرار
~~هذا، واصفرار هذا. وبهذا الطريق نعلم عند ارتضاع الطفل وصول اللبن إلى جوفه
~~بكثرة امتصاصه وازدراده، وحركة حلقه مع كون المرأة شابة نفساء، وبسكون
~~الصبي بعد بكائه، إلى غير ذلك من القرائن.
# وإذا كانت القرائن المتضافرة بمجردها مفيدة للعلم، فلا يبعد أن تقترن
~~بالخبر المفيد للظن قرينة مفيدة للظن، قائمة مقام اقتران خبر آخر به. ثم لا
~~يزال التزايد في الظن بزيادة اقتران القرائن إلى أن يحصل العلم، كما في خبر
~~التواتر.
# وإذا ثبت الجواز فبيان الوقوع أنه لو أخبر واحد أن ولد الملك قد مات،
~~واقترن بذلك علمنا بمرضه، وأنه لا مريض في دار الملك سواه، وما شاهدناه من
~~الصراخ العالي في داره، والنحيب الخارج عن العادة، وخروج الجنازة محتفة
~~بالخدم، والجواري حاسرات مبرحات يلطمن خدودهن، وينقضن شعورهن، والملك ممزق
~~الثوب حاسر الرأس يلطم وجهه، وهو مضطرب البال، مشوش الحال، على خلاف ما كان
~~من عادته من التزام الوقار والهيبة، والمحافظة على أسباب المروءة، فإن كل
~~عاقل سمع ذلك الخبر، وشاهد هذه القرائن يعلم صدق ذلك المخبر، ويحصل له
~~العلم بمخبره، كما يعلم صدق خبر التواتر ووقوع مخبره.
# وكذلك إذا أخبر واحد، مع كمال عقله، وحسه بحياة نفسه وكراهته للألم، وهو
~~في أرغد عيشة، نافذ الامر، قائم الجاه أنه قتل من يكافئه عمدا عدوانا، بآلة
~~يقتل مثلها غالبا، من غير شبهة له في قتله ولا مانع له من القصاص، كان خبره
~~مع هذه القرائن موجبا للعلم بصدقه عادة.
# وكذلك، إذا كان في جوار إنسان امرأة حامل، وقد انتهت مدة حملها، فسمع
~~الطلق من وراء الجدار، وضجة النسوان حول تلك الحامل، ثم سمع صراخ
~~PageV02P037
# الطفل، وخرج نسوة يقلن إنها قد ولدت، فإنه لا يستريب في ذلك، ويحصل له
~~العلم به ms259 قطعا.. وإنكار ذلك مما يخرج المناظرة إلى المكابرة.
# فإن قيل العلم الحاصل بموت ولد الملك في الصورة المفروضة إما أن يكون
~~حاصلا من نفس الخبر أو من نفس القرائن، أو من الخبر مشروطا بالقرائن، أو
~~بالقرائن مشروطا بالخبر الأول أو من الامرين معا، لا جائز أن يكون من مجرد
~~الخبر لما ذكرتموه أولا، ولا جائز أن يكون من الخبر مشروطا بالقرائن، ولا
~~من القرائن بشرط الخبر، ولا من الخبر والقرائن معا، لاستقلال تلك القرائن
~~المذكورة بإفادة العلم بالموت سواء وجد الخبر أو لم يوجد. فلم يبق إلا أن
~~يكون حاصلا من نفس القرائن، ولا أثر للخبر.
# ثم ما ذكرتموه معارض بما ذكرتموه من الحجج الدالة على امتناع وقوع العلم
~~بخبر الواحد مجردا عن القرائن، فإنها متجهة بعينها هاهنا.
# والجواب عن السؤال الأول أنه لا يمتنع أن يكون سبب ما وجد من القرائن موت
~~غير ولد الملك فجأة. فإذا انضم إليها الخبر بموت ذلك المريض بعينه، كان
~~اعتقاد موته آكد من اعتقاد موته مع القرائن دون الخبر.
# وعن المعارضات أنها غير لازمة فيما نحن فيه.
# أما الحجة الأولى:، فلانا إذا فرضنا حصول العلم بخبر من احتفت بخبره
~~القرائن، فيمتنع تصور اقتران مثل تلك القرائن، أو ما يقوم مقامها، بالخبر
~~المناقض له، وإن كان نفس الخبر مناقضا، بخلاف ما إذا كان الخبر بمجرده
~~مفيدا للعلم، فإن ذلك غير مانع من خبر آخر مناقض له على ما هو معلوم في
~~الشاهد.
# وأما الحجة الثانية: فلان ما نجده من التزيد عند أخبار الآحاد إنما يكون
~~فيما لم يحصل العلم فيه بخبر الأول والثاني وأما متى كان العلم قد حصل بخبر
~~الأول، PageV02P038
# فالتزيد من ذلك يكون ممتنعا، ولا كذلك فيما إذا أخبر واحد بخبر فإنا إذا
~~جردنا النظر إلى خبره من غير قرينة، وجدنا أنفسنا مما يزيد فيها الظن بما
~~أخبر به باقتران خبر غيره بخبره.
# وأما الحجة الثالثة: فلانا إذا قلنا إن خبر الواحد يفيد العلم بمخبره،
~~لزم تصديق مدعي النبوة في خبره، ولا ms260 كذلك إذا قلنا إن الخبر لا يفيد العلم
~~إلا بالقرائن.
# فخبر الواحد بنبوته لا يكون مفيدا للعلم بصدقه دون اقتران القرائن بقوله
~~والمعجزة من القرائن.
# وأما الحجة الرابعة: فغايتها أنها تدل على أنه لم يوجد خبر من أخبار
~~الآحاد في الشرعيات موجبا للعلم بمجرده، ولا يلزم منه انتفاء ذلك مطلقا.
# المسألة الثانية إذا أخبر واحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~بخبر، ولم ينكر عليه، هل يعلم كونه صادقا فيه؟
# منهم من قال بأن ذلك دليل العلم بصدقه فيما أخبر به، فإنه لو كان كاذبا
~~لأنكر النبي، عليه السلام، عليه، وإلا كان مقرا له على الكذب مع كونه
~~محرما، وذلك محال في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وهو غير صحيح، فإنه من
~~الجائز أن يكون النبي، صلى الله عليه وسلم، غير سامع له، بل هو ذاهل عنه،
~~وإن غلب على الظن السماع وعدم الغفلة، وبتقدير أن يعلم سماعه له وعدم غفلته
~~عنه، فمن الجائز أن لا يكون فاهما لما يقول، وإن غلب على الظن فهمه له،
~~وبتقدير أن يكون فاهما له، فلا يخلو إما أن يكون ما أخبر به متعلقا بالدين،
~~أو الدنيا: فإن كان متعلقا بالدين، وقدر كونه كاذبا فيه، فيحتمل أن يكون قد
~~بينه له، وعلم أن إنكاره عليه ثانيا غير منجع فيه فلم ير في PageV02P039
# الانكار عليه فائدة، ورأى المصلحة في إهماله إلى وقت آخر. وبتقدير عدم
~~ذلك كله، احتمل أن يكون كذبه في ذلك صغيرة، وعدم الانكار عليه في ذلك غايته
~~أن يكون صغيرة في حق النبي، صلى الله عليه وسلم، وانتفاء الصغائر عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، غير مقطوع به على ما بيناه في كتبنا الكلامية.
# هذا، إن كان إخباره بأمر ديني.
# وأما إن كان إخباره بأمر دنيوي، فيحتمل أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم
~~يعلم بكونه كاذبا فيما أخبر به، وإن ظن علمه به، وبتقدير أن يكون عالما
~~بكذبه، فيحتمل أنه امتنع من الانكار لمانع، أو لعلمه بأنه لا ms261 فائدة في
~~إنكاره، وبتقدير عدم ذلك كله، فيحتمل أن يكون ذلك من الصغائر، والصغائر غير
~~ممتنعة على الأنبياء، كما علم. وعلى هذا، فعدم الانكار لا يدل على صدقه
~~قطعا، وإن دل عليه ظنا.
# المسألة الثالثة إذا أخبر واحد بخبر عن أمر محس بين يدي جماعة عظيمة
~~وسكتوا عن تكذيبه، قال قوم: علم من ذلك صدقه لأنه يمتنع عادة أن لا يطلع
~~واحد منهم على كذبه، وبتقدير الاطلاع، يمتنع عادة سكوت الجمع العظيم عن
~~التكذيب مع اختلاف أمزجتهم وطباعهم، واختلاف دواعيهم، فحيث سكتوا عن
~~التكذيب دل على صدقه، وليس بحق، لأنه من الجائز أن لا يكون لهم اطلاع على
~~ما أخبر به، ولا يعلمون كونه صادقا ولا كاذبا، ولا واحد منهم، ولا العادة
~~مما تحيل اطلاع بعض الناس على أمر لم يطلع عليه غيره.
# وبتقدير أن يعلم واحد منهم أو اثنان كذبه، فالعادة لا تحيل سكوت الواحد
~~والاثنين عن تكذيبه، وبتقدير أن يعلم الكل بكذبه، فيحتمل أن مانعا منعهم من
~~تكذيبه، ومع هذه الاحتمالات يمتنع القطع بتصديقه وإن كان صدقه مظنونا.
~~PageV02P040
# المسألة الرابعة إذا روى واحد خبرا، ورأينا الأمة مجمعة على العمل
~~بمقتضاه، قال جماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري وغيرهما،
~~إن ذلك يدل على صدقه قطعا، وإلا كان عملهم بمقتضاه خطأ، والأمة لا تجتمع
~~على الخطأ، وهو باطل.
# وذلك لأنه من المحتمل أنهم لم يعملوا به، بل بغيره من الأدلة أو بعضهم
~~به، وبعضهم بغيره. وبتقدير عمل الكل به، فلا يدل ذلك على صدقه قطعا، لأنه
~~إذا كان مظنون الصدق، فالأمة مكلفة بالعمل بموجبه، وعملهم بموجبه مع
~~تكليفهم بذلك لا يكون خطأ، لان خطأهم إنما يكون بتركهم لما كلفوا به، أو
~~العمل بما نهوا عنه.
# ومع هذه الاحتمالات، فصدقه لا يكون مقطوعا، وإن كان مظنونا.
# وعلى هذا، لو روى واحد خبرا، واتفق أهل الاجماع فيه على قولين، فطائفة
~~عملت بمقتضاه، وطائفة اشتغلت بتأويله، فلا يدل ذلك على صدقه قطعا، وذلك لان
~~الطائفة التي عملت بمقتضاه لعلها لم ms262 تعمل به، بل بغيره، كما سبق. وبتقدير
~~أن تكون عاملة به، فاتفاقهم على قبوله لا يوجب كونه صادقا قطعا لما ذكرناه
~~من تكليفهم باتباع الظني.
# المسألة الخامسة اختلفوا فيما لو وجد شئ بمشهد من الخلق الكثير، لتوفرت
~~الدواعي على نقله، إذا انفرد الواحد بروايته عن باقي الخلق، كما إذا أخبر
~~بأن الخليفة ببغداد قتل في وسط الجامع يوم الجمعة بمشهد من الخلق، ولم يخبر
~~بذلك أحد سواه، فذهب الكل إلى أن ذلك يدل على كذبه، خلافا للشيعة، وهو
~~الحق. وذلك، لان الله تعالى قد ركز في طباع الخلق من توفير الدواعي على نقل
~~ما علموه، والتحدث بما عرفوه، حتى إن العادة لتحيل كتمان ما لا يؤبه له مما
~~جرى من صغار الأمور على الجمع القليل فكيف على الجمع الكثير فيما هو من
~~عظائم الأمور ومهماتها، والنفوس مشرئبة إلى معرفته، وفي نقله صلاح للخلق،
~~بل السكوت عن نقل ذلك وإشاعته في إحالة العادة له أشد من إحالة العادة
~~لسكوتهم وتواطيهم على عدم نقل وجود مكة وبغداد. فلو جاز كتمان ذلك لجاز أن
~~يوجد مثل مصر وبغداد، ولم يخبر أحد PageV02P041
# عنهما، وذلك محال عادة. وبمثل هذا عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن
~~والتنصيص على إمام بعينه، من حيث إنه لو وجد ذلك لشاع وتوفرت الدواعي على
~~نقله. فإن قيل:
# العادة إنما تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما جرى بمشهد منهم من
~~الأمور العظيمة، إذا لم يتحقق الداعي إلى الكتمان معارضا لداعي الاظهار،
~~ولا بعد في ذلك، إما لغرض واحد يعم الكل نظرا إلى مصلحة تتعلق بالكل في أمر
~~الولاية وإصلاح المعيشة، أو خوف ورهبة من عدو غالب وملك قاهر، أو لأغراض
~~متعددة، كل غرض لواحد، ويدل على ذلك الوقوع. وهو أن النصارى، مع كثرتهم
~~كثرة تخرج عن الحصر، لم ينقلوا كلام المسيح في المهد، مع أنه من أعجب حادث
~~حدث في الأرض، ومن أعظم ما تتوفر الدواعي على نقله وإشاعته، ونقلوا ما دون
~~ذلك من معجزاته. وأيضا فإن الناس نقلوا أعلام ms263 الرسل، ولم ينقلوا أعلام شعيب
~~وغيره من الرسل. وأيضا فإن آحاد المسلمين قد انفردوا بنقل ما تتوفر الدواعي
~~على نقله مع شيوعه فيما بين الصحابة والجمع الكثير، كنقل ما عدا القرآن من
~~معجزاته، كانشقاق القمر، وتسبيح الحصا في يده، ونبع الماء من بين أصابعه،
~~وحنين الجذع إليه، وتسليم الغزالة عليه، وكدخول مكة عنوة أو صلحا، وتثنية
~~الإقامة وإفرادها وإفراده في الحج، وقرانه، ونكاحه لميمونة وهو حرام،
~~وقبوله لشهادة الأعرابي وحده في هلال رمضان، ورفع اليدين في الصلاة والجهر
~~بالتسمية إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى. PageV02P042
# قلنا: قد بينا أن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما يجري
~~بينهم من الوقائع العظيمة.
# قولهم ذلك، إنما يصح أن لو لم يوجد الداعي إلى الكتمان.
# قلنا: والكلام فيه، وذلك أن العادة أيضا تحيل اشتراك الخلق الكثير في
~~الداعي إلى الكتمان، كما يستحيل اشتراكهم في الداعي إلى الكذب وإلى أكل
~~طعام واحد في يوم واحد، وما ذكروه من صور الاستشهاد.
# أما كلام عيسى في المهد، فإنما تولى نقله الآحاد، لأنه لم يتكلم إلا
~~بحضرة نفر يسير، حيث لم يكن أمره قد ظهر، ولا شأنه قد اشتهر، ولا عرف
~~برسالة ولا نبوة، وذلك بخلاف إحياء الميت، وإبراء الأكمه والأبرص، فإنه كان
~~وقت اشتهاره ودعواه الرسالة، مستدلا بذلك على صدقه، وتطلع الناس إليه،
~~وامتداد الأعين إلى ما يدعيه. فلذلك، لم يقع اتفاقهم على كتمانه وأما أعلام
~~شعيب وغيره من الأنبياء، فإنما لم ينقل، لأنهم لم يدعوا الرسالة حتى
~~يستدلوا عليها بالمعجزات، ولا كان لهم شريعة انفردوا بها، بل كانوا يدعون
~~إلى شريعة من قبلهم من الرسل، كدعوى غيرهم من الأئمة وآحاد العلماء.
# وأما نقل باقي معجزات الرسول غير القرآن، فإنما تولاه الآحاد، لأنه لم
~~يوجد شئ من ذلك بمشهد من الخلق العظيم، بل إنما جرى ما جرى منهم بحضور
~~طائفة يسيرة، (2) ولا سيما انشقاق القمر، فإنه كان من الآيات الليلية، وقعت
~~والناس بين نائم وغافل في لمح البصر، ولم يكن النبي، صلى الله ms264 عليه وسلم،
~~قد دعاهم إلى رؤيته، ولا نبههم على PageV02P043
# ذلك سوى من رآه من النفر اليسير. ولهذا، فإنه كم من أمر مهول يقع في
~~الليل، من زلزلة أو صاعقة أو ريح عاصف أو انقضاض شهاب عظيم، ولا يشعر به
~~سوى الآحاد. وهذا، بخلاف القرآن، فإنه كان، صلى الله عليه وسلم، يردده بين
~~الخلق في جميع عمره، فلم يبق أحد من الجمع العظيم في زمانه إلا وقد علمه
~~وشاهده. فلذلك، استحال تواطؤهم على عدم نقله.
# وأما دخول مكة، فقد نقله الجمع الكثير، وهو مستفيض مشهور، أنه دخلها عنوة
~~متسلحا بالألوية والاعلام على سبيل القهر والغلبة، مع بذل الأمان لمن ألقى
~~سلاحه، واعتصم بالكعبة ودار أبي سفيان. وإنما خالف بعض الفقهاء لما اشتبه
~~عليه ذلك بأداء دية من قتله خالد بن الوليد. ولا يبعد ظن ذلك من الآحاد
~~PageV02P044
# وأما تثنية الإقامة وإفرادها، فإنما اختلفوا فيه لاحتمال أن المؤذن كان
~~يفرد تارة، يثني أخرى، فنقل كل بعض ما سمعه، وأهمل الباقي لعلمه بأنه من
~~الفروع المتسامح فيها، وهو الجواب عن الجهر بالتسمية ورفع اليدين في
~~الصلاة.
# وأما إفراد النبي وقرانه في الحج، فإنما نقله الآحاد، لان ذلك مما يتعلق
~~بالنية، وليس ذلك مما يجب ظهوره ومناداة النبي صلى الله عليه وسلم به.
# وأما نكاحه ميمونة، وهو حرام، فليس ذلك أيضا مما يجب إظهاره، بل جاز أن
~~يكون قد وقع ذلك بمحضر جماعة يسيرة. فلذلك انفرد به الآحاد. وهو الجواب عن
~~قبول شهادة الأعرابي وحده.
# المسألة السادسة مذهب الأكثرين جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلا،
~~خلافا للجبائي وجماعة من المتكلمين. ودليل جوازه عقلا أنا، لو فرضنا ورود
~~الشارع بالتعبد بالعمل بخبر الواحد إذا غلب على الظن صدقه، لم يلزم عنه
~~لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز العقلي سوى ذلك. وغاية ما يقدر في
~~اتباعه احتمال كونه كاذبا أو مخطئا. وذلك لا يمنع من التعبد به، بدليل
~~اتفاقنا على التعبد بالعمل بقول المفتي، والعمل بقول الشاهدين، مع احتمال
~~الكذب والخطأ على المفتي والشاهد فيما ms265 أخبرا به.
# فإن قيل: وإن سلمنا أنه لو ورد الشرع بذلك لم يلزم عنه لذاته محال، وأنه
~~ليس محالا لذاته عقلا، لكنه محال عقلا باعتبار أمر خارج عن ذاته، وذلك لان
~~PageV02P045
# التكاليف مبنية على المصالح ودفع المفاسد، فلو تعبدنا باتباع خبر الواحد
~~والعمل به، فإذا أخبر بخبر عن رسول الله بسفك دم واستحلال بضع محرم، مع
~~احتمال كونه كاذبا، فلا يكون في العمل بمقتضى قوله مصلحة بل محض مفسدة، وهو
~~خلاف وضع الشرع. ولهذا، امتنع ورود التعبد بالعمل بخبر الفاسق والصبي، فيما
~~يتعلق بالأحكام الشرعية إجماعا.
# وأما ما ذكرتموه من التعبد بالعمل بقول الشاهدين، فالفرق بين الشهادة
~~والخبر من ثلاثة أوجه:
# الأول: أن الشهادة إنما تقبل فيما يجوز فيه الصلح، ولا كذلك الخبر عن
~~الله تعالى والرسول. فكانت المفسدة في الشهادة أبعد.
# الثاني: أن الخبر يقتضي إثبات شرع بخلاف الشهادة.
# الثالث: هو أن الحكم عند الشهادة إنما يثبت بدليل قاطع وهو الاجماع
~~والشهادة شرط، لا مثبت، بخلاف خبر الواحد، فإنه عندكم دليل مثبت للحكم
~~الشرعي.
# ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه
~~معارض بما يدل على نقيضه. وبيانه من جهة المنقول، والمعقول.
# أما المنقول، فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (17) الاسراء:
~~36) وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (2) البقرة: 169)
~~وقوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (10) يونس: 36).
# وأما المعقول، فمن أربعة أوجه:
# الأول: أنه لو جاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية عن
~~الرسول عند ظننا بصدقه، لاحتمال كونه مصلحة، لجاز ورود التعبد بقبول خبر
~~الواحد عن الله تعالى بالأحكام الشرعية، وذلك دون اقتران المعجزة بقوله
~~محال الثاني: أنه لو جاز ورود التعبد بخبر الواحد في الفروع، لجاز ورود
~~التعبد به في PageV02P046
# الأصول، وليس كذلك.
# الثالث: أنه لو جاز التعبد بقبول خبر الواحد، لجاز التعبد به في نقل
~~القرآن، وهو محال.
# الرابع: أن أخبار الآحاد قد تتعارض، فلو ورد التعبد بالعمل بها، لكان
~~واردا بالعمل ms266 بما لا يكن العمل به ضرورة التعارض، وهو ممتنع على الشارع.
# والجواب عن السؤال الأول من وجهين:
# الأول أنه مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وأفعاله، وهو غير
~~مسلم على ما عرفناه في الكلاميات.
# الثاني أن ما ذكروه منتقض بورود التعبد بقبول شهادة الشهود وقول المفتي
~~وما ذكروه من الفروق فباطلة. أما الفرق الأول فمن وجهين:
# الأول أنه لا يطرد في الاخبار المتعلقة بأنواع المعاملات.
# الثاني أنه ينتقض بالشهادة فيما لا يجري فيه الصلح، كالدماء والفروج.
# وأما الفرق الثاني فمن جهة أن الخبر كما يستلزم إثبات أمر شرعي، كالشهادة
~~على القتل والسرقة وغير ذلك، يستلزم إثبات أمر شرعي، وهو وجوب القتل
~~والقطع.
# وأما الثالث، فمن جهة أنه لا فرق بين الخبر والشهادة من حيث إنه لا بد
~~عند الشهادة من دليل يوجب العمل بها، كما في العمل بالخبر.
# وأما المعارضة بالآيات، فجوابها من وجهين: PageV02P047
# الأول أنا نقول بموجبها، وذلك أن العمل بخبر الواحد ووجوب اتباعه إنما هو
~~بدليل مقطوع به مفيد للعلم بذلك، وهو الاجماع.
# الثاني أنه لازم على الخصوم في اعتقادهم أمتنا التعبد بخبر الواحد، إذ هو
~~غير معلوم بدليل قاطع، بل غايته أن يكون مظنونا لهم. فالآيات مشتركة
~~الدلالة، فكما تدل على امتناع اتباع خبر الواحد، تدل على امتناع القول بعدم
~~اتباعه. وإذا تعارضت جهات الدلالة فيها، امتنع العمل بها، وسلم لنا ما
~~ذكرناه.
# وعلى هذا، نقول بجواز ورود التعبد بقبول خبر الفاسق والصبي عقلا، إذا غلب
~~على الظن صدقه، وإن كان ذلك غير واقع.
# وما ذكروه من المعارضات العقلية، فجوابها من وجهين:
# أحدهما عام للكل، والثاني خاص بكل واحد منها.
# أما العام فهو أن ما ذكروه إلزاما علينا في خبر الواحد، فهو لازم عليهم
~~في ورود التعبد بقبول قول الشاهدين والمفتي، فما هو جوابهم عنه يكون جوابا
~~لنا في خبر الواحد.
# وأما ما يخص كل معارضة: أما الأولى، فالجواب عنها من وجهين:
# الأول هو أن دعوى الواحد للرسالة ونزول الوحي إليه من أندر الأشياء فإذا ms267
~~لم يقترن بدعواه ما يوجب القطع بصدقه فلا يتصور حصول الظن بصدقه،
~~PageV02P048
# بل الذي يجزم به إنما هو كذبه. ونحن وإن قلنا بجواز ورود التعبد بخبر من
~~يغلب على الظن صدقه، فقد لا نسلم جواز ورود التعبد بقول من غلب على الظن
~~كذبه.
# الثاني هو أنا إذا جوزنا ورود التعبد بخبر الواحد فوجوب العمل به لا بد
~~وأن يستند إلى دليل قاطع من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا كذلك المدعي
~~للرسالة، إذا لم تقترن بقوله معجزة تدل على وجوب العمل بقوله.
# فإن قيل: فلو بعث رسول، وظهرت المعجزة القاطعة الدالة على صدقه، ثم قال
~~مهما أخبركم إنسان بأن الله تعالى أرسله بشريعة، وظننتم صدقه، فاعملوا
~~بقوله، فقد استند وجوب العمل بقوله إلى دليل قاطع، وهو قول النبي الصادق.
~~ومع ذلك، فإنه لا يجوز.
# قلنا: لا نسلم، مع فرض هذا التقدير، أنه لا يجوز الاخذ بقوله: ثم الفرق
~~بين الامرين هو أن المفسدة اللازمة من قبول قول المدعي للرسالة من غير
~~معجزة أعظم من مفسدة قبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية. وذلك، لان رئاسة
~~النبوة أعظم من كل رئاسة، ورتبتها أعلى من كل رتبة، فلو ورد التعبد باتباع
~~كل مدع للرسالة إذا غلب على الظن صدقه من غير معجزة دالة على صدقه، فما من
~~أحد من الناس إلا وقد يسلك المسالك المغلبة على الظن صدقه، ويتوخى من
~~الافعال والأقوال ما تظهر به عدالته، طمعا في نيل مثل هذه الرئاسة العظمى
~~بمجرد دعواه.
# وذلك يفضي إلى أن كل واحد يدعي نسخ شريعة الآخر ورفعها على قرب من
~~الزمان، ولا يخفى ما في ذلك من المفسدة التي لا تحقق لمثلها في خبر الواحد.
~~PageV02P049
# وأما المعارضة الثانية: فجوابها أن المعتبر في الأصول القطع واليقين، ولا
~~قطع في خبر الواحد، بخلاف الفروع، فإنها مبنية على الظنون.
# وأما المعارضة الثالثة: فجوابها أن القرآن معجزة الرسول الدالة على صدقه،
~~ولا بد وأن يكون طريق إثباته قاطعا، وخبر الواحد ليس بقاطع، بخلاف أحكام
~~الشرع، فإن ما يثبت ms268 منها بخبر الواحد ظنية غير قطعية.
# وأما المعارضة الرابعة: فجوابها أن التعارض بين الخبرين لا يمنع من العمل
~~بما يرجح منها. وبتقدير عدم الترجيح مطلقا، فقد يمكن أن يقال التخيير
~~بينهما، على ما هو مذهب الشافعي. وبتقدير امتناع التخيير، فغايته امتناع
~~ورود التعبد بمثل الاخبار التي لا يمكن العمل بها، ولا يلزم منه امتناع
~~ورود التعبد بما أمكن العمل بمقتضاه. PageV02P050
# المسألة السابعة الذين قالوا بجواز التعبد بخبر الواحد عقلا اختلفوا في
~~وجوب العمل به:
# فمنهم من نفاه، كالقاساني والرافضة وابن داود. ومنهم من أثبته.
# والقائلون بثبوته اتفقوا على أن أدلة السمع دلت عليه، واختلفوا في وجوب
~~وقوعه بدليل العقل: فأثبته أحمد بن حنبل والقفال وابن سريج من أصحاب
~~الشافعي، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، وجماعة كثيرة.
# ونفاه الباقون. وفصل أبو عبد الله البصري بين الخبر الدال على ما يسقط
~~بالشبهة، وما لا يسقط بها: فمنع منه في الأول، وجوزه في الثاني.
# فأما من قال بكونه حجة فقد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها، والتنبيه
~~على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.
# الحجة الأولى: من جهة المعقول، وهي ما اعتمد عليها أبو الحسين البصري
~~وجماعة من المعتزلة، وهي أنهم قالوا: العقلاء يعلمون وجوب العلم بخبر
~~الواحد في العقليات، ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه،
~~ولا علة لذلك سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل.
# وبيان ذلك أنه قد علم بالعقل وجوب التحرز من المضار وحسن اجتلاب المنافع.
~~فإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة، يلزمنا أن لا نشرب الدواء الفلاني، وأن لا
~~نقصد، وأن لا نقوم من تحت حائط مستهدم، فقد ظننا تفصيلا لما علمناه جملة من
~~وجوب التحرز عن المضار.
# وبيان أن العلة للوجوب ما ذكره دورانها معها وجودا وعدما، وذلك بعينه
~~موجود في خبر الواحد في الشرعيات، فوجب العمل به. وذلك، لأنا قد علمنا في
~~PageV02P051
# الجملة وجوب الانقياد للنبي، صلى الله عليه وسلم، فيما يخبرنا به من
~~مصالحنا ودفع ms269 المضار عنا فإذا ظننا بخبر الواحد أن النبي، صلى الله عليه
~~وسلم، قد دعانا إلى الانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مضرة، فقد
~~ظننا تفصيل ما علمناه في الجملة، فوجب العمل به.
# ولقائل أن يقول: أما أولا، فلا نسلم وجوب العمل بخبر الواحد في العقليات،
~~بل غايته إذا ظننا صدقه أن يكون العمل بخبره أولى من تركه. وكون الفعل أولى
~~من الترك أمر أعم من الواجب لشموله للمندوب فلا يلزم منه الوجوب.
# سلمنا أن العمل بخبره واجب في العقليات، ولكن لا نسلم أن علة الوجوب ما
~~ذكرتموه. وما ذكرتموه من الدوران فلا يدل على أن المدار علة للدائر، لجواز
~~أن تكون علة الوجوب غير ما ذكرتموه من ظن تفصيل جملة معلومة بالعقل، وذلك
~~بأن تكون العلة معنى ملازما لما ذكرتموه، لا نفس ما ذكرتموه. ولا يلزم من
~~التلازم بينهما في العقليات التلازم بينهما في الشرعيات بجواز أن يكون ذلك
~~التلازم في العقليات اتفاقيا.
# وإن سلمنا أن علة الوجوب ما ذكرتموه، لكن لا يلزم أن يكون ذلك علة في
~~الشرعيات، لجواز أن يكون خصوص ما ظن تفصيل جملته في العقليات داخلا في
~~التعليل، وتلك الخصوصية غير محققة في الشرعيات سلمنا دلالة ما ذكرتموه على
~~أنه علة بجهة عمومه، لكن قطعا أو ظنا: الأول ممنوع، والثاني مسلم.
# غير أنه منقوض بخبر الفاسق والصبي، إذا غلب على الظن صدقه. فإن ما
~~ذكرتموه من الوصف الجامع متحقق فيه وقد انعقد الاجماع على أنه لا يجب العمل
~~به في PageV02P052
# الشرعيات.
# سلمنا عدم الانتقاض، لكن غاية ما ذكرتموه أنه استعمال لقياس ظني في إفادة
~~كون خبر الواحد حجة في الشرعيات مع كونه أصلا من أصول الفقه، وإنما يصح ذلك
~~أن لو لم يكن التعبد في إثبات مثل ذلك بالطرق اليقينية، وهو غير مسلم.
# الحجة الثانية:
# أنهم قالوا: صدق الواحد في خبره ممكن فلو لم يعمل به، لكنا تاركين لأمر
~~الله تعالى وأمر رسوله، وهو خلاف ما يقتضيه الاحتياط.
# ولقائل أن يقول: صدق الراوي، وإن ms270 كان ممكنا وراجحا، فلم قلتم بوجوب العمل
~~به والاحتياط بالأخذ بقوله. وإن كان مناسبا، ولكن لا بد له من شاهد
~~بالاعتبار، ولا شاهد له سوى خبر التواتر، وقول الواحد في الفتوى والشهادة
~~ولا يمكن القياس على الأول، لان ذلك مفيد للعلم، ولا يلزم من إفادته للوجوب
~~إفادة الخبر الظني له، ولا يمكن قياسه على الثاني وذلك، لان براءة الذمة
~~معلومة، وهي الأصل. وغاية قول الشاهد والمفتي، إذا غلب على الظن صدقه
~~مخالفة البراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد، ولا يلزم من العمل بخبر
~~الشاهد والمفتي مع مخالفته للبراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد العمل بخبر
~~الواحد المخالف لبراءة الذمة، بالنظر إلى جميع الناس وإن سلمنا صحة القياس،
~~فغايته أنه مفيد لظن الالحاق، وهو غير معتبر في إثبات الأصول، كما تقدم في
~~PageV02P053
# الحجة التي قبلها كيف وأنه منقوض بخبر الفاسق والصبي، إذا غلب على الظن
~~صدقه.
# الحجة الثالثة: أنهم قالوا إذا وقعت واقعة، ولم يجد المفتي سوى خبر
~~الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشارع، وذلك ممتنع.
# ولقائل أن يقول: خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، إنما يمتنع مع وجود دليله،
~~وأما مع عدم الدليل، فلا. ولهذا، فإنه لو لم يظفر المفتي في الواقعة بدليل
~~ولا خبر الواحد، فإنه لا يمتنع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي والمصير إلى
~~البراءة الأصلية.
# وعلى هذا، فامتناع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي عند الظفر بخبر الواحد
~~يتوقف على كون خبر الواحد حجة ودليلا، وكونه حجة يتوقف على امتناع خلو
~~الواقعة مع وجوده عن الحكم، وهو دور ممتنع. كيف وإنا لا نسلم خلو الواقعة
~~عن الحكم الشرعي، فإن حكم الله تعالى في حق المكلف عند عدم الأدلة.
~~المقتضية لاثبات الحكم الشرعي نفي ذلك الحكم ومدركه شرعي فإن انتفاء مدارك
~~الشرع بعد ورود الشرع مدرك شرعي لنفي الحكم. PageV02P054
# الحجة الرابعة: أنه لو لم يكن خبر الواحد واجب القبول، لتعذر تحقيق بعثة
~~الرسول إلى كل أهل عصره، وذلك ممتنع. وبيان ذلك أنه لا طريق إلى تعريف ms271 أهل
~~عصره إلا بالمشافهة أو الرسل، ولا سبيل له إلى المشافهة للكل لتعذره.
~~والرسالة منحصرة في عدد التواتر والآحاد. والتواتر إلى كل أحد متعذر. فلو
~~لم يكن خبر الواحد مقبولا، لما تحقق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع الخلق
~~فيما أرسل به، وهو محال مخالف لقوله تعالى:
# * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44).
# ولقائل أن يقول: إنما يمتنع ذلك، أن لو كان التبليغ إلى كل من في عصره
~~واجبا، وأن كل من في عصره مكلف بما بعث به، وليس كذلك، بل إنما هو مكلف
~~بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه إما بالمشافهة أو بخبر التواتر. وكذلك كل
~~واحد من الأمة إنما كلف بما أرسل به الرسول إذا علمه. وإما مع عدم علمه به،
~~فلا. ولهذا، فإن من كان في زمن الرسول في البلاد النائية والجزائر
~~المنقطعة، ولا سبيل إلى إعلامه، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يكن
~~مكلفا بتبليغه، ولا ذلك الشخص كان مكلفا بما أرسل به.
# الحجة الخامسة: قالوا: قد ثبت أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب،
~~فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول وغلب على الظن صدقه، فإما أن يجب العمل
~~بالاحتمال الراجح والمرجوح معا، أو تركهما معا، أو العمل بالمرجوح دون
~~الراجح، أو بالعكس:
# بالاحتمال لا سبيل إلى الأول والثاني والثالث، لأنه محال فلم يبق سوى
~~الرابع وهو المطلوب.
# ولقائل أن يقول: ما المانع من القول بأنه لا يجب العمل بقوله، ولا يجب
~~تركه، بل هو جائز الترك؟ والقول بأن مخالفة أمر الرسول موجبة لاستحقاق
~~العقاب مسلم فيما علم فيه PageV02P055
# أمر الرسول وأما مع عدم العلم به، فهو محل النزاع.
# هذا ما قيل من الحجج العقلية.
# وأما ما قيل من الحجج النقلية الواهية، فمنها قوله تعالى: * (فلولا نفر
~~من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم
~~لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) ووجه الاحتجاج بها أن الله تعالى أوجب
~~الانذار على كل طائفة من فرقة خرجت للتفقه في الدين عند رجوعهم إلى قومهم،
~~بقوله تعالى: ms272 * (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) * (9) التوبة: 122) أمر
~~بالانذار، والانذار هو الاخبار والامر للوجوب. وإنما أمر بالانذار طلبا
~~للحذر بدليل قوله تعالى: * (لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) و (لعل)
~~ظاهرة في الترجي، وهو مستحيل في حق الله تعالى، فتعين حمل ذلك على ما هو
~~ملازم للترجي، وهو الطلب، فكان الامر بالانذار طلبا للتحذير، فكان أمرا
~~بالتحذير فكان الحذر واجبا.
# وإذا ثبت أن إخبار كل طائفة موجب للحذر، فالمراد من لفظ الطائفة إنما هو
~~العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر. وبيانه من ثلاثة أوجه:
# الأول: أن لفظ (الطائفة) قد يطلق على عدد لا ينتهي إلى حد التواتر،
~~كالاثنين والثلاثة، وعلى العدد المنتهي إلى حد التواتر، والأصل في الاطلاق
~~الحقيقة، ويجب اعتقاد اتحاد المسمى، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ.
~~والقدر المشترك لا يخرج عن العدد القليل وما لازمه، فكان هو المسمى.
~~PageV02P056
# الثاني: أن الثلاثة فرقة، فالطائفة الخارجة منها إما واحد أو اثنان.
# الثالث: أنه لا يخلو إما أن يكون المراد من لفظ (الطائفة) التي وجب عليها
~~الخروج للتفقه والانذار العدد الذي ينتهي إلى حد التواتر، أو ما دونه، لا
~~جائز أن يقال بالأول، وإلا لوجب على كل طائفة وأهل بلدة، إذا كان ما دونهم
~~لا ينتهون إلى حد التواتر أن يخرجوا بأجمعهم للتفقه والانذار، وذلك لا قائل
~~به، في عصر النبي، ولا في عصر من بعده فلم يبق غير الثاني. وإذا ثبت أن
~~إخبار العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر حجة موجبة في هذه الصورة، لزم أن
~~يكون حجة في غيرها ضرورة أن لا قائل بالفرق، وذلك هو المطلوب ولقائل أن
~~يقول: لا نسلم أنه أوجب الانذار على كل طائفة كما ذكرتموه. وصيغة قوله
~~(لينذروا) لا نسلم أنها للامر.
# وإن كانت للامر، فلا نسلم للوجوب على ما يأتي.
# سلمنا أنها للوجوب، ولكن لا نسلم أن الانذار هو الاخبار، بل أمكن أن يكون
~~المراد به التخويف من فعل شئ أو تركه، بناء على العلم بما فيه من المصلحة
~~أو المفسدة. والتخويف خارج عن الاخبار. ms273 PageV02P057
# سلمنا أن المراد به الاخبار، ولكن أمكن أن يكون ذلك بطريق الفتوى في
~~الفروع والأصول، ونحن نقول به.
# سلمنا أن المراد به الاخبار عن الرسول بما سمع عنه ومنه، ولكن لا نسلم
~~أنه يلزم من إيجاب الاخبار بذلك إيجاب الحذر على من أخبر.
# قولكم يجب حمل قوله تعالى: (لعل) على طلب الحذر، لكونه ملازما للترجي.
# قلنا: الطلب الملازم للترجي الطلب الذي هو بمعنى ميل النفس، أو بمعنى
~~الامر. الأول مسلم، ولكنه مستحيل في حق الله تعالى. والثاني ممنوع. وإذا لم
~~يكن الحذر مأمورا به لا يكون واجبا. ومع تطرق هذه الاحتمالات، فالاستدلال
~~بالآية على كون خبر الواحد حجة في الشرعيات غير خارج عن باب الظنون فيما هو
~~من جملة الأصول.
# والخصم مانع لصحته.
# ومنها قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)
~~* (49) الحجرات: 6) ووجه الاحتجاج بهذه الآية من وجهين: الأول: أنه علق
~~وجوب التثبت على خبر الفاسق، فدل على أن خبر غير الفاسق بخلافه، وذلك إما
~~أن يكون بالجزم برده أو بقبوله، لا جائز أن يقال الأول، وإلا كان خبر العدل
~~أنزل درجة من خبر الفاسق، وهو محال فلم يبق غير الثاني. وهو المطلوب.
~~الثاني: أن سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث الوليد بن
~~عقبة بن أبي معيط ساعيا إلى قوم، فعاد وأخبر PageV02P058
# النبي، صلى الله عليه وسلم، أن الذين بعثه إليهم قد ارتدوا، وأرادوا
~~قتله، فأجمع النبي، صلى الله عليه وسلم، على غزوهم وقتلهم. وذلك حكم شرعي.
~~وكان النبي قد أراد العمل فيه بخبر الواحد، ولو لم يكن جائزا لما أراده،
~~ولا نكره الله تعالى عليه.
# وهذه الحجة أيضا ضعيفة: أما الوجه الأول: فلان الاستدلال بهذه الآية غير
~~خارج عن مفهوم المخالفة، وسنبين أنه ليس بحجة، وإن كان حجة، لكنه حجة ظنية،
~~فلا يصح الاستدلال به في باب الأصول.
# وأما الوجه الثاني: فمن وجهين: الأول لا نسلم أن النبي أجمع على قتلهم
~~وقتالهم بخبر الوليد بن عقبة، فإنه قد روي أنه ms274 بعث خالد بن الوليد وأمره
~~بالتثبت في أمرهم، فانطلق حتى أتاهم ليلا، فبعث عيونه، فعادوا إليه،
~~وأخبروه بأنهم على الاسلام، وأنهم سمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا،
~~أتاهم خالد بن الوليد، ورأى ما يعجبه منهم، فرجع إلى النبي، وأخبره بذلك.
# الثاني: أن ما ذكروه من سبب النزول من أخبار الآحاد، فلا يكون حجة في
~~الأصول.
# ومنها قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس)
~~* (2) البقرة: 143) ووجه الحجة من ذلك أن المخبر بخبر لنا عن الرسول شاهد
~~على الناس، ولا يجوز أن يجعله الله شاهدا على الناس، وهو غير مقبول القول.
# ولقائل أن يقول: الآية خطاب مع الأمة لا مع الآحاد، فلا تكون حجة في محل
~~النزاع. ومنها قوله تعالى: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات
~~والهدى) * (2) البقرة: 159) الآية.
# ووجه الحجة بها أن الله تعالى توعد على كتمان الهدى، وذلك يدل على إيجاب
~~إظهار الهدى، وما يسمعه الواحد من النبي، صلى الله عليه وسلم، فهو من
~~الهدى.
# فيجب عليه إظهاره. فلو لم يجب علينا قبوله، لكان الاظهار كعدمه، فلا يجب.
~~PageV02P059
# ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون المراد من قوله: * (إن الذين يكتمون ما
~~أنزلنا من البينات والهدى) * (2) البقرة: 159) العدد الذي تقوم به الحجة،
~~ويحتمل أنه أراد به ما دون ذلك. وبتقدير إرادة ما دون ذلك، فيحتمل أن يكون
~~المراد بما أنزل من البينات والهدى الكتاب العزيز، وهو الظاهر المتبادر إلى
~~الفهم منه عند الاطلاق، وبتقدير أن يكون المراد به كل ما أنزل على الرسول
~~حتى السنة، فغاية التهديد على كتمان ذلك الدلالة على وجوب إظهار ما سمع من
~~الرسول على من سمعه. وليس في ذلك ما يدل على وجوب قبوله على من بلغه على
~~لسان الآحاد. ولهذا، فإنه بمقتضى الآية يجب على الفاسق إظهار ما سمعه، وإن
~~كان لا يجب على سامعه قبوله. وذلك، لأنه من المحتمل أن يكون وجوب الاظهار
~~على كل واحد واحد، حتى يتألف من خبر المجموع التواتر المفيد للعلم.
# ومع ذلك كله، فدلالة الآية على ms275 وجوب قبول خبر الواحد ظنية، فلا تكون حجة
~~في الأصول لما سبق.
# ومنها قوله تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (16)
~~النحل: 43) أمر بسؤال أهل الذكر، والامر للوجوب، ولم يفرق بين المجتهد
~~وغيره. وسؤال المجتهد لغيره PageV02P060
# منحصر في طلب الاخبار بما سمعه دون الفتوى، ولو لم يكن القبول واجبا، لما
~~كان السؤال واجبا ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله فاسألوا صيغة أمر وإن
~~كانت أمرا، فلا نسلم أنها للوجوب، كما يأتي. وإن كانت للوجوب، فيحتمل أن
~~يكون المراد من أهل الذكر أهل العلم، وأن يكون المراد من المسؤول عنه
~~الفتوى.
# وبتقدير أن يكون المراد السؤال عن الخبر، فيحتمل أن يكون المراد من
~~السؤال العلم بالمخبر عنه، وهو الظاهر، وذلك، لأنه أوجب السؤال عند عدم
~~العلم. فلو لم يكن المطلوب حصول العلم بالسؤال، لكان السؤال واجبا بعد حصول
~~خبر الواحد، لعدم حصول العلم بخبره، فإنه لا يفيد غير الظن. وذلك يدل على
~~أن العمل بخبر الواحد غير واجب، لأنه لا قائل بوجوب العمل بخبره مع وجوب
~~السؤال عن غيره. وإذا كان المطلوب إنما هو حصول العلم من السؤال، فذلك إنما
~~يتم بخبر التواتر، لا بما دونه. وإن سلمنا أن السؤال واجب على الاطلاق، فلا
~~يلزم أن يكون العمل بخبر الواحد واجبا، بدليل ما ذكرناه في الحجة المتقدمة.
~~PageV02P061
# وبتقدير دلالة ذلك على وجوب القبول لكنها دلالة ظنية، فلا يحتج بها في
~~الأصول.
# ومنها قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، كونوا قوامين بالقسط، شهداء
~~لله) * (4) النساء: 135) أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، والامر للوجوب.
~~ومن أخبر عن الرسول بما سمعه منه، فقد قام بالقسط وشهد لله، فكان ذلك واجبا
~~عليه، وإنما يكون ذلك واجبا إن لو كان القبول واجبا، وإلا كان وجود الشهادة
~~كعدمها، وهو ممتنع.
# ولقائل أن يقول: لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط والشهادة
~~لله على ما يأتي. وإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك، غير أنا نقول بموجب
~~الآية، فإن الشهادة لله، والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز ms276 العمل به.
~~وأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قياما بالقسط، ولا شهادة لله. وعند ذلك،
~~فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد. على أنه قام بالقسط، وأنه
~~شاهد لله وقيامه بالقسط وشهادته لله متوقف عل قبول خبره وجواز العمل به،
~~وهو دور ممتنع.
# وإن سلمنا أنه شهد لله، وقام بالقسط، ولكن لا نسلم أنه واجب القبول،
~~ودليله ما سبق وبتقدير دلالة الآية على وجوب القبول، ولكن لجهة الظن، فلا
~~يصح.
# ومنها ما اشتهر، واستفاض بالنقل المتواتر عن النبي، صلى الله عليه وسلم
~~أنه كان ينفذ آحاد الصحابة إلى النواحي والقبائل والبلاد بالدعاء إلى
~~الاسلام، وتبليغ الاخبار والاحكام، وفصل الخصومات، وقبض الزكوات ونحو ذلك،
~~مع علمنا بتكليف المبعوث إليه بالطاعة والانقياد لقبول قول المبعوث إليهم،
~~والعمل بمقتضى ما يقول، مع كون المنفذ من الآحاد. ولو لم يكن خبر الواحد
~~حجة، لما كان كذلك. PageV02P062
# ولقائل أن يقول: وإن سلمنا تنفيذ الآحاد بطريق الرسالة، والقضاء وأخذ
~~الزكوات، والفتوى، وتعليم الاحكام، فلا نسلم وقوع تنفيذ الآحاد بالاخبار
~~التي هي مدارك الأحكام الشرعية ليجتهدوا فيها، وذلك محل النزاع.
# سلمنا صحة التنفيد بالاخبار الدالة على الأحكام الشرعية، وتعريفهم إياها،
~~ولكن لا نسلم أن ذلك يدل على كون خبر الواحد في ذلك حجة، بل جاز أن يكون
~~ذلك لفائدة حصول العلم للمبعوث إليهم بما تواتر بضم خبر غير ذلك الواحد
~~إليه.
# ومع هذه الاحتمالات، فلا يثبت كون خبر الواحد حجة فيما نحن فيه.
# وقد أورد على هذه الحجة سؤالان آخران لا وجه لهما:
# الأول: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كما أنه كان ينفذ الآحاد لتبليغ
~~الاخبار، كان ينفذهم لتعريف وحدانية الله تعالى، وتعريف الرسالة. فلو كان
~~خبر الواحد حجة في الاخبار بالأحكام الشرعية، لكان حجة في تعريف التوحيد
~~والرسالة، وهو خلاف الاجماع.
# الثاني: أن من الجائز أن يكون تنفيذ الآحاد بالاخبار عن أحكام شرعية كانت
~~معلومة للمبعوث لهم قبل إرسال ذلك الواحد بها، كما أنهم علموا وجوب العمل
~~بخبر الواحد قبل إرسال ذلك ms277 الواحد إليهم على أصلكم. PageV02P063
# والجواب: عن الأول أن إنفاذ الآحاد لتعريف التوحيد والرسالة لم يكن واجب
~~القبول، لكونه خبر واحد، بل إنما كان واجب القبول من جهة ما يخبرهم به من
~~الأدلة العقلية، ويعرفهم من الدلائل اليقينية التي تشهد بصحتها عقولهم، ولا
~~كذلك فيما يخبر به من الأخبار الدالة على الأحكام الشرعية.
# وعن الثاني أنهم لو كانوا عالمين بالأحكام الشرعية التي دل عليها خبر
~~الواحد، لما احتيج إلى إرساله لتعريفهم لما قد عرفوه، لما فيه من تحصيل
~~الحاصل. كيف وإن تعريف المعلوم بالخبر المظنون محال، وهذا بخلاف ما إذا علم
~~كون خبر الواحد مما يجب العمل به في الجملة، فإن تنفيذ الواحد لا يعرف وجوب
~~العمل بقوله بل إنما يعرف المخبر به على ما هو عليه، وذلك لم يكن معروفا
~~قبل خبره، فكان تنفيذه لتعريف ذلك مفيدا.
# والأقرب في هذه المسألة إنما هو التمسك بإجماع الصحابة. ويدل على ذلك ما
~~نقل عن الصحابة من الوقائع المختلفة الخارجة عن العد والحصر، المتفقة على
~~العمل بخبر الواحد، ووجوب العمل به.
# فمن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أنه عمل بخبر المغيرة
~~ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة، أن النبي أطعمها السدس، فجعل لها السدس ومن
~~ذلك عمل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ
~~الجزية من المجوس، وهو قوله، صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب
~~وعمل أيضا بخبر حمل ابن مالك في الجنين، وهو قوله: كنت بين جاريتين لي
~~(يعني ضرتين) فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول
~~الله، صلى الله عليه وسلم بغرة، فقال عمر: لو لم نسمع بهذا، لقضينا فيه
~~بغير هذا.
# وروي عنه أنه قال: كدنا نقضي فيه برأينا. وأيضا فإنه كان لا يرى توريث
~~المرأة من دية زوجها، فأخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله، صلى الله عليه
~~وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه. PageV02P064
# وأيضا فإنه ms278 كان يرى في الأصابع نصف الدية، ويفاضل بينها، فيجعل في الخنصر
~~ستة، وفي البنصر تسعة، وفي الوسطى والسبابة عشرة عشرة، وفي الابهام خمسة
~~عشرة. ثم رجع إلى خبر عمرو بن جزم أن في كل أصبع عشرة.
# ومن ذلك عمل عثمان وعلي، رضي الله عنهما، بخبر فريعة بنت مالك في اعتداد
~~المتوفى عنها زوجها في منزل زوجها، وهو أنها قالت: جئت إلى النبي صلى الله
~~عليه وسلم، بعد وفاة زوجي أستأذنه في موضع العدة، فقال، صلى الله عليه
~~وسلم: امكثي حتى تنقضي عدتك.
# ومن ذلك ما اشتهر من عمل علي، عليه السلام، بخبر الواحد وقوله، كنت إذا
~~سمعت من رسول الله حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني غيره، حلفته،
~~فإذا حلف صدقته.
# ومن ذلك عمل ابن عباس بخبر أبي سعيد الخدري في الربا في النقد، بعد أن
~~كان لا يحكم بالربا في غير النسيئة. ومن ذلك عمل زيد بن ثابت بخبر امرأة من
~~الأنصار أن الحائض تنفر بلا وداع. ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك أنه قال:
# كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة وأبي بن كعب شرابا من فضيخ التمر، إذ أتانا
~~آت، فقال إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار
~~فاكسرها. قال فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله، حتى تكسرت.
# ومن ذلك عمل أهل قبا في التحول من القبلة بخبر الواحد أن القبلة قد نسخت
~~فالتفتوا إلى الكعبة بخبره. ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه بلغه عن رجل
~~أنه قال إن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس:
# كذب عدو الله. أخبرني أبي بن كعب قال: خطبنا رسول الله، صلى الله عليه
~~وسلم، ثم ذكر موسى والخضر بشئ يدل على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر،
~~فعمل بخبر أبي حتى كذب الرجل وسماه عدوا لله. PageV02P065
# ومن ذلك ما روي أنه لما باع معاوية شيئا من أواني ذهب وورق بأكثر من وزنه
~~أنه قال له ms279 أبو الدرداء: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينهى عن ذلك.
~~فقال له معاوية: لا أرى بذلك بأسا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية،
~~أخبره عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض
~~أبدا.
# ومن ذلك عمل جميع الصحابة بما رواه أبو بكر الصديق من قوله: الأئمة من
~~قريش، ومن قوله الأنبياء يدفنون حيث يموتون، ومن قوله: نحن معاشر الأنبياء
~~لا نورث ما تركناه صدقة. وعملهم بأجمعهم في الرجوع عن سقوط فرض الغسل
~~بالتقاء الختانين بقول عائشة: فعلته أنا ورسول الله، صلى الله عليه وسلم،
~~واغتسلنا.
# وعمل جميعهم بخبر رافع بن خديج في المخابرة. وذلك ما روي عن ابن عمر أنه
~~قال:
# كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا، حتى روى لنا رافع بن خديج أن
~~النبي، صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فانتهينا، وإلى غير ذلك من الوقائع
~~التي لا تحصى عددا، وكان ذلك شائعا ذائعا فيما بينهم من غير نكير. وعلى هذا
~~جرت سنة التابعين، كعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجبير بن مطعم ونافع ابن
~~جبير وخارجة بن زيد وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار
~~وطاوس وعطاء بن مجاهد وسعيد بن المسيب وفقهاء الحرمين والمصرين (يعني
~~الكوفة والبصرة) إلى حين ظهور المخالفين.
# فإن قيل: ما ذكرتموه من الاخبار في إثبات كون خبر الواحد حجة أخبار آحاد،
~~وذلك يتوقف على كونها حجة، وهو دور ممتنع. PageV02P066
# سلمنا عدم الدور، ولكن لا نسلم أن الصحابة عملوا بها، بل من الجائز أنهم
~~عملوا بنصوص متواترة أو بها مع ما اقترن بها من المقاييس، أو قرائن
~~الأحوال، أو غير ذلك من الأسباب.
# سلمنا أنهم عملوا بها لا غير، لكن كل الصحابة أو بعضهم، الأول: ممنوع،
~~ولا سبيل إلى الدلالة عليه، والثاني: مسلم، لكن لا حجة فيه.
# قولكم لم يوجد له نكير، لا نسلم ذلك. وبيانه من وجوه منها رد أبي بكر خبر
~~المغيرة في ميراث الجدة، حتى انضم ms280 إليه خبر محمد بن مسلمة.
# ومنها رد أبي بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
~~في رد الحكم ابن أبي العاص.
# ومنها رد عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستيذان، وهو قوله: سمعت رسول
~~الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا فلم
~~يؤذن له، فلينصرف حتى روى معه أبو سعيد الخدري.
# ومنها رد علي، رضي الله عنه، خبر أبي سنان الأشجعي في المفوضة، وأنه كان
~~لا يقبل خبر أحد، حتى يحلفه، سوى أبي بكر.
# ومنها رد عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه.
# سلمنا عدم الرد والانكار ظاهرا، غير أن سكوت الباقين عن الانكار لا يدل
~~على الموافقة لما سبق في مسائل الاجماع.
# سلمنا دلالة ذلك على الموافقة فيما تلقوه بالقبول، وعملوا بموجبه، أو
~~مطلقا في كل خبر: الأول مسلم. وذلك، لان اتفاقهم عليه يدل على صحته قطعا،
~~نفيا للخطأ عن الاجماع. والثاني ممنوع.
# وعلى هذا فيمتنع الاستدلال بكل خبر لم يقبلوه. PageV02P067
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون خبر الواحد حجة. لكنه معارض بما يدل على
~~أنه ليس بحجة. وبيانه من جهة المعقول، والمنقول:
# أما المنقول، فمن جهة الكتاب، والسنة:
# أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (17) الاسراء:
~~36) وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (7) الأعراف:
~~33)، وقوله تعالى: * (إن يتبعون إلا الظن) * (53) النجم: 23) ذكر ذلك في
~~معرض الذم والعمل بخبر الواحد عمل بغير علم وبالظن، فكان ممتنعا.
# وأما السنة، فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه توقف في خبر ذي
~~اليدين حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم، عن اثنتين وهو قوله أقصرت الصلاة
~~أم نسيت حتى أخبر أبو بكر وعمر ومن كان في الصف بصدقه، فأتم وسجد للسهو
~~وأما المعقول فمن وجوه.
# الأول: أنه لو جاز التعبد بخبر الواحد، إذا ظن صدقه في الفروع، لجاز ذلك
~~في الرسالة والأصول، وهو ممتنع.
# الثاني: أن الأصل براءة الذمة من الحقوق ms281 والعبادات وتحمل المشاق، وهو
~~مقطوع به، فلا تجوز مخالفته بخبر الواحد مع كونه مظنونا.
# الثالث: أن العمل بخبر الواحد يفضي إلى ترك العمل بخبر الواحد، لأنه ما
~~من خبر إلا ويجوز أن يكون معه خبر آخر مقابل له.
# الرابع: أن قبول خبر الواحد تقليد لذلك الواحد، فلا يجوز للمجتهد ذلك،
~~كما لا يجوز تقليده لمجتهد آخر.
# والجواب: عن السؤال الأول أن ما ذكرناه من الاخبار، وإن كانت آحادها
~~آحادا، فهي متواترة من جهة الجملة كالاخبار الواردة بسخاء حاتم، وشجاعة
~~عنترة.
# وعن الثاني أنهم لو عملوا بغير الاخبار المروية، لكانت العادة تحيل
~~تواطؤهم على عدم نقله، ولا سيما في موضع الاشكال وظهور استنادهم في العمل
~~إلى ما ظهر PageV02P068
# من الاخبار. كيف والمنقول عنهم خلاف ذلك حيث قال عمر لو لم نسمع هذا
~~لقضينا فيه بغير هذا وقول ابن عمر حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي صلى
~~الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فانتهينا وكذلك ما ظهر منهم من رجوعهم إلى خبر
~~عائشة في التقاء الختانين إلى غير ذلك. وجدهم في طلب الاخبار، والسؤال عنها
~~عند وقوع الوقائع دليل العمل بها.
# وعن الثالث أن عمل بعض الصحابة، بل الأكثر من المجتهدين منهم بأخبار
~~الآحاد، مع سكوت الباقين عن النكير، دليل الاجماع على ذلك، كما سبق تقريره
~~في مسائل الاجماع.
# وما رووه من الاخبار أو توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود
~~معارض أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها، مع كونهم متفقين على
~~العمل بها. ولهذا، أجمعنا على أن ظواهر الكتاب والسنة حجة، وإن جاز تركها
~~والتوقف فيها لأمور خارجة عنها.
# وعن الرابع أن اتفاقهم على العمل بخبر الواحد إنما يوجب العلم بصدقه، أن
~~لو لم يكونوا متعبدين باتباع الظن، وليس كذلك، بدليل تعبدهم باتباع ظواهر
~~الكتاب والسنة المتواترة، والعمل بالقياس على ما يأتي. وإذا كان اتباعهم
~~لخبر الواحد، لكونه ظنيا مضبوطا بالعدالة، كان خبر الواحد من تلك الجهة حجة
~~معمولا بها ضرورة بالاتفاق عليه من ms282 تلك الجهة، وذلك يعم خبر كل عدل.
# وأما المعارضة بالآيات، فجوابها ما سبق في بيان جواز التعبد بخبر الواحد
~~عقلا.
# وعن السنة، أنه، عليه السلام، إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهمه غلطه
~~لبعد انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير. ومع ظهور أمارة
~~الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه، فحيث وافقه الباقون على ذلك، ارتفع
~~حكم الامارة الدالة على وهم ذي اليدين، وعمل بموجب خبره. كيف وإن
~~PageV02P069
# عمل النبي صلى الله عليه وسلم، بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما، مع خبر ذي
~~اليدين، عمل بخبر لم ينته إلى حد التواتر، وهو موضع النزاع. وفي تسليمه
~~تسليم المطلوب.
# وعن المعارضة الأولى من المعقول أنها منتقضة بخبر الواحد في الفتوى
~~والشهادة.
# كيف والفرق حاصل. وذلك أن المشترط في إثبات الرسالة والأصول الدليل
~~القطعي، فلم يكن الدليل الظني معتبرا فيها، بخلاف الفروع.
# وعن الثانية من وجهين:
# الأول: أن براءة الذمة غير مقطوع بها بعد الوجود والتكليف في نفس الامر،
~~بل الشغل محتمل، وإن لم يظهر لنا سبب الشغل، فمخالفة براءة الذمة بخبر
~~الواحد لا يكون رفع مقطوع بمظنون.
# الثاني: أنه منتقض بالشهادة والفتوى.
# وعن الثالث أن تجويز وجود خبر معارض للخبر الذي ظهر لا يمنع من الاحتجاج
~~به، وإلا لما ساغ التمسك بدليل من ظواهر الكتاب والسنة المتواترة، لأنه ما
~~من واحد منها إلا ويجوز ورود ناسخ له أو مخصص له، بل ولما جاز التمسك بدليل
~~مستنبط معارض له، ولما ساغ أيضا للقاضي الحكم بشهادة الشاهدين، ولا للعامي
~~الاخذ بفتوى المجتهد له، لجواز وجود ما يعارضه وذلك خلاف الاجماع.
# وعن الرابع أنه إنما لم يجز تقليد العالم للعالم، لاستوائهما في درجة
~~الاجتهاد، وليس تقليد أحدهما للآخر أولى من العكس، ولا كذلك المجتهد مع
~~الراوي، فإنهما لم يستويا في معرفة ما استبد بمعرفته الراوي من الخبر فلذلك
~~وجب عليه تقليده فيما رواه.
# وبالجملة فالاحتجاج بمسلك الاجماع في هذه المسألة غير خارج عن مسالك
~~الظنون، وإن كان التمسك به أقرب مما سبق ms283 من المسالك. PageV02P070
# وعلى هذا، فمن اعتقد كون المسألة قطعية، فقد تعذر عليه النفي والاثبات،
~~لعدم مساعدة الدليل القاطع على ذلك. ومن اعتقد كونها ظنية، فليتمسك بما شاء
~~من المسالك المتقدمة. والله أعلم بالصواب.
# القسم الثاني في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد وما يتشعب عنها من المسائل
~~أما الشروط فمنها ما لا بد منها، ومنها ما ظن أنها شروط وليست كذلك.
# أما الشروط المعتبرة فهي أربعة:
# الشرط الأول: أن يكون الراوي مكلفا.
# وذلك لان من لا يكون مكلفا، إما أن يكون بحيث لا يقدر على الضبط
~~والاحتراز فيما يتحمله ويؤديه، كالمجنون والصبي غير المميز فلا تقبل
~~روايته، لتمكن الخلل فيها.
# وإما أن يكون بحيث يقدر على الضبط والمعرفة، كالصبي المميز والمراهق الذي
~~لم يبق بينه وبين البلوغ سوى الزمان اليسير، فلا تقبل روايته لا لعدم ضبطه،
~~فإنه قادر عليه متمكن منه، ولا لما قيل من أنه لا يقبل إقراره على نفسه،
~~فلا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى، لأنه منتقض بالعبد وبالمحجور عليه،
~~فإنه لا يقبل إقراره على نفسه وروايته مقبولة بالاجماع، بل لأنا أجمعنا على
~~عدم قبول رواية الفاسق، لاحتمال كذبه، مع أنه يخاف الله تعالى، لكونه مكلفا
~~فاحتمال الكذب من الصبي مع أنه لا يخاف الله تعالى لعدم تكليفه يكون أظهر
~~PageV02P071
# من احتمال الكذب في حق الفاسق، فكان أولى بالرد ولا يلزم من قبول قوله في
~~إخباره أنه متطهر، حتى إنه يصح الاقتداء به في الصلاة، مع أن الظن بكونه
~~متطهرا شرط في صحة الاقتداء به وقبول روايته،، لان الاحتياط والتحفظ في
~~الرواية أشد منه في الاقتداء به في الصلاة. ولهذا، صح الاقتداء بالفاسق عند
~~ظن طهارته، ولا تقبل روايته، وإن ظن صدقه ومن قال بقبول شهادة الصبيان فيما
~~يجري بينهم من الجنايات فإنما كان اعتماده في ذلك على أن الجنايات فيما
~~بينهم مما تكثر، وأن الحاجة ماسة إلى معرفة ذلك بالقرائن، وهي شهادتهم مع
~~كثرتهم قبل تفرقهم. وليس ذلك جاريا على منهاج الشهادة ولا الرواية.
# وهذا بخلاف ما ms284 إذا تحمل الرواية قبل البلوغ، وكان ضابطا لها، وأداها بعد
~~البلوغ وظهور رشده في دينه، فإنها تكون مقبولة، لأنه لا خلل في تحمله ولا
~~في أدائه ويدل على قبول روايته الاجماع، والمعقول.
# أما الاجماع فمن وجهين.
# الأول: أن الصحابة أجمعت على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان
~~بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة مطلقا، من غير فرق بين ما تحملوه في حالة
~~الصغر وبعد البلوغ.
# الثاني: إجماع السلف والخلف على إحضار الصبيان مجالس الحديث وقبول
~~روايتهم لما تحملوه في حالة الصبا بعد البلوغ.
# وأما المعقول، فهو أن التحرز في أمر الشهادة أكثر منه في الرواية. ولهذا
~~اختلف في قبول شهادة العبد، والأكثر على ردها. ولم يختلف في قبول رواية
~~العبد، واعتبر العدد في الشهادة بالاجماع، واختلف في اعتباره في الرواية.
# وقد أجمعنا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ، إذا شهد به بعد
~~البلوغ قبلت شهادته. فالرواية أولى بالقبول. PageV02P072
# الشرط الثاني: أن يكون مسلما.
# وذلك، لان الكافر إما أن لا يكون منتميا إلى الملة الاسلامية، كاليهودي
~~والنصراني ونحوه، أو هو منتم إليها كالمجسم.
# فإن كان الأول، فلا خلاف في امتناع قبول روايته، لا لما قيل من أن الكفر
~~أعظم أنواع الفسق، والفاسق غير مقبول الرواية، فالكافر أولى، وذلك لان
~~الفاسق إنما لم تقبل روايته لما علم من جرأته على فعل المحرمات مع اعتقاد
~~تحريمها. وهذا المعنى غير متحقق في حق الكافر، إذا كان مترهبا عدلا في
~~دينه، معتقدا لتحريم الكذب، ممتنعا منه حسب امتناع العدل المسلم. وإنما
~~الاعتماد في امتناع قبول روايته على إجماع الأمة الاسلامية على ردها سلبا
~~لأهلية هذا المنصب الشريف عنه لخسته.
# وإن كان الثاني، فقد اختلفوا فيه:
# فمذهب أكثر أصحابنا، كالقاضي أبي بكر والغزالي والقاضي عبد الجبار من
~~المعتزلة، أنه مردود الرواية.
# وقال أبو الحسين البصري: إن كان ذلك فيمن اشتهر بالكذب والتدين به لنصرة
~~مذهبه، فلا تقبل روايته لعدم الوثوق بصدقه، وإن كان متحرجا في مذهبه متحرزا
~~عن الكذب حسب احتراز العدل ms285 عنه، فهو مقبول الرواية، لان صدقه ظاهر مظنون.
# والمختار رده، لا لما قيل من إجماع الأمة على رده، ولا لقياسه على الكافر
~~الخارج عن الملة بواسطة اشتراكهما في الكفر المناسب لسلب أهلية هذا المنصب
~~عنه، إذلالا له. PageV02P073
# أما الأول، فلان للخصم منع اتفاق الأمة على رد قول الكافر مطلقا، ولا
~~سبيل إلى الدلالة عليه، والقياس على الكافر الخارج عن الملة متعذر من جهة
~~أن كفره أشد وأغلظ وأظهر من كفر من هو من أهل القبلة، لكثرة مخالفته
~~للقاعدة الاسلامية أصولا وفروعا، بالنسبة إلى مخالفة المتأول لها. فكان
~~إذلاله بسلب هذا المنصب عنه أولى. ومع هذه الأولوية، فلا قياس، بل الواجب
~~الاعتماد في ذلك على قوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ، فتبينوا أن تصيبوا
~~قوما بجهالة) * (49) الحجرات: 6) أمر بالتثبت عند إخبار الفاسق، والكافر
~~فاسق، لان الكفر أعلى درجات الفسق. وإذا كان فاسقا، فالآية إن كانت عامة
~~بلفظها في كل فاسق، فالكافر داخل تحتها، وإن لم تكن عامة بلفظها في كل
~~فاسق، فهي عامة بالنظر إلى المعنى المومى إليه، وهو الفسق من حيث إنه رتب
~~رد الخبر على كون الآتي به فاسقا مطلقا في كلام الشارع مع مناسبته له، فكان
~~ذلك علة للرد، وهو متحقق فيما نحن فيه.
# فإن قيل المرتب عليه رد الاخبار إنما هو مسمى الفاسق، وهو في عرف الشرع
~~خاص بمن هو مسلم صدرت منه كبيرة، أو واظب على صغيرة، فلا يكون متناولا
~~للكافر. وإن سلمنا تناوله للكافر، غير أنه معارض بقوله صلى الله عليه وسلم:
~~نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر والكافر المتأول، إذا كان متحرزا عن
~~الكذب، فقد ظهر صدقه، فوجب العمل به للخبر.
# والجواب عن السؤال الأول بمنع اختصاص اسم الفاسق في الشرع بالمسلم، وإن
~~كان ذلك عرفا للمتأخرين من الفقهاء، وكلام الشارع إنما ينزل على عرفه، لا
~~على ما صار عرفا للفقهاء.
# كيف وإن حمل الآية على الفاسق المسلم مما يوهم قبول خبر الفاسق الكافر
~~على الاطلاق، نظرا إلى قضية المفهوم، وهو خلاف الاجماع. ولا ms286 يخفى أن حمل
~~اللفظ على ما يلزم منه مخالفة دليل، أو ما اختلف في كونه دليلا على خلاف
~~الأصل.
# وعن السؤال الثاني أن العمل بما ذكرناه أولى، لتواتره وخصوصه بالفاسق،
~~وأنه غير متفق على تخصيصه ومخالفته. وما ذكروه آحاد، وهو متناول للكافر
~~PageV02P074
# بعموم كون خبره ظاهرا، أو هو مخالف لخبر الكافر الخارج عن الملة، والفاسق
~~إذا ظن صدقه، فإن خبره لا يكون مقبولا بالاجماع.
# الشرط الثالث: أن يكون ضبطه لما يسمعه أرجح من عدم ضبطه، وذكره له أرجح
~~من سهوه، لحصول غلبة الظن بصدقه فيما يرويه.
# وإلا، فبتقدير رجحان مقابل كل واحد من الامرين عليه، أو معادلته له،
~~فروايته لا تكون مقبولة لعدم حصول الظن بصدقه، أما على أحد التقديرين،
~~فلكون صدقه مرجوحا، وأما على التقدير الآخر، فلضرورة التساوي. وإن جهل حال
~~الراوي في ذلك، كان الاعتماد على ما هو الأغلب من حال الرواة، وإن لم يعلم
~~الأغلب من ذلك، فلا بد من الاختبار والامتحان.
# فإن قيل إنه وإن غلب السهو على الذكر، أو تعادلا، فالراوي عدل، والظاهر
~~منه أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بذكره له وضبطه. ولهذا، فإن الصحابة
~~أنكرت على أبي هريرة كثرة روايته، حتى قالت عائشة، رضي الله عنها رحم الله
~~أبا هريرة، لقد كان رجلا مهزارا في حديث المهراس ومع ذلك قبلوا أخباره، لما
~~كان الظاهر من حاله أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بضبطه وذكره.
# وأيضا فإن الخبر دليل والأصل فيه الصحة، فتساوي الضبط والاختلال، والذكر
~~والنسيان غايته أنه موجب للشك في الصحة، والشك في ذلك لا يقدح في الأصل،
~~كما إذا كان متطهرا، ثم شك بعد ذلك أنه محدث أو طاهر، فإن الأصل ههنا لا
~~يترك بهذا الشك. PageV02P075
# قلنا: إذا كان الغرض إنما هو غلبة السهو، أو التعادل، فالراوي، وإن كان
~~الغالب من حاله أنه لا يروي إلا ما يظن أنه ذاكر له، فذلك لا يوجب حصول
~~الظن بصحة روايته، لان من شأنه النسيان يظن أنه ما نسي، وإن ms287 كان ناسيا.
# وأما إنكار الصحابة على أبي هريرة كثرة الرواية، فلم يكن ذلك لاختلال
~~ضبطه وغلبة النسيان عليه، بل لان الاكثار مما لا يؤمن معه اختلال الضبط
~~الذي لا يعرض لمن قلت روايته وإن كان ذلك بعيدا.
# وما قيل من أن الخبر دليل، والأصل فيه الصحة، فلا يترك بالشك.
# قلنا إنما يكون دليلا، والأصل فيه الصحة، إذا كان مغلبا على الظن، ومع
~~عدم ترجيح ذكر الراوي على نسيانه لا يكون مغلبا على الظن، فلا يكون دليلا
~~لوقوع التردد في كونه دليلا، لا في أمر خارج عنه، ولا كذلك فيما إذا شك في
~~الحدث، ثم تيقن سابقة الطهارة، فإن تيقن الطهارة السابقة لا يقدح فيه الشك
~~الطارئي، وبالنظر إليه يترجح إليه أحد الاحتمالين، فلا يبقى معه الشك في
~~الدوام، حتى إنه لو بقي الشك مع النظر إلى الأصل، لما حكم بالطهارة.
# الشرط الرابع: أن يكون الراوي متصفا بصفة العدالة وذلك يتوقف على معرفة
~~(العدل) لغة وشرعا.
# أما العدل في اللغة، فهو عبارة عن المتوسط في الأمور من غير إفراط في
~~طرفي الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2)
~~البقرة: 143) أي عدلا.
# فالوسط والعدل بمعنى واحد.
# وقد يطلق في اللغة ويراد به المصدر المقابل للجور، وهو اتصاف الغير بفعل
~~ما يجب له، وترك ما لا يجب، والجور في مقابلته.
# وقد يطلق ويراد به ما كان من الافعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره، ومنه
~~يقال للملك المحسن إلى رعيته: عادل.
# وأما في لسان المتشرعة، فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية
~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. PageV02P076
# وقد قال الغزالي في معنى هذه الأهلية إنها عبارة عن استقامة السيرة
~~والدين.
# وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة
~~جميعا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه.
# وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات.
# أما الكبائر فقد روى ابن عمر عن أبيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه
~~قال: الكبائر تسع:
# الشرك بالله تعالى، وقتل النفس ms288 المؤمنة، وقذف المحصنة، والزنى، والفرار
~~من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والالحاد
~~بالبيت الحرام.
# وروى أبو هريرة مع ذلك: أكل الربا، والانقلاب إلى الاعراب بعد هجرة.
# وروي عن علي، عليه السلام، أنه أضاف إلى ذلك: السرقة وشرب الخمر.
# وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقض الدين، وعدم الترفع عن الكذب،
~~وذلك كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث
~~ونحوه.
# وأما بعض المباحات فما يدل على نقص المروءة، ودناءة الهمة، كالأكل في
~~السوق، والبول في الشوارع، وصحبة الأراذل والافراط في المزح، ونحو ذلك مما
~~يدل على سرعة الاقدام على الكذب، وعدم الاكتراث به.
# ولا خلاف في اعتبار اجتناب هذه الأمور في العدالة المعتبرة في قبول
~~الشهادة والرواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم، لان من لا يجتنب هذه
~~الأمور أحرى أن لا يجتنب الكذب، فلا يكون موثوقا بقوله.
# ولا خلاف أيضا في اشتراط هذه الأمور الأربعة في الشهادة.
# وتختص الشهادة بشروط أخر: كالحرية، والذكورة، والعدد والبصر، وعدم
~~القرابة، والعداوة. وإذ أتينا على تحقيق شروط الرواية، فلا بد من الإشارة
~~إلى ذكر مسائل متشعبة عن شروط العدالة جرت العادة بذكرها وهي ثمان مسائل:
~~PageV02P077
# المسألة الأولى مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول
~~الحال غير مقبول الرواية، بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته، وكشف
~~سريرته، أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له.
# وقال أبو حنيفة وأتباعه: يكتفى في قبول الرواية بظهور الاسلام والسلامة
~~عن الفسق ظاهرا. وقد احتج النافون بحجج:
# الأولى: أن الدليل بنفي قبول خبر الفاسق وهو قوله تعالى: * (إن جاءكم
~~فاسق بنبأ فتبينوا) * (49) الحجرات: 6) غير أنا خالفناه فيمن ظهرت عدالته
~~بالاختبار بمعنى لا وجود له في محل النزاع، وهو ما اختص به من زيادة ظهور
~~الثقة بقوله، فوجب أن لا يقبل.
# ولقائل أن يقول: الآية إنما دلت على امتناع قبول خبر الفاسق، ومن ظهر
~~إسلامه وسلم من الفسق ظاهرا، لا نسلم أنه فاسق حتى يندرج تحت عموم الآية. ms289
# واحتمال وجود الفسق فيه لا يوجب كونه فاسقا، بدليل العدل المتفق على
~~عدالته.
# الحجة الثانية: أنه مجهول الحال فلا يقبل إخباره في الرواية دفعا لاحتمال
~~مفسدة الكذب، كالشهادة في العقوبات.
# ولقائل أن يقول: وإن كان احتمال الكذب قائما ظاهرا، غير أن احتمال الصدق
~~مع ظهور الاسلام والسلامة من الفسق ظاهرا أظهر من احتمال الكذب.
# ومع ذلك، فاحتمال القبول يكون أولى من احتمال الرد، ولا يمكن القياس على
~~الشهادة، لان الاحتياط في باب الشهادة أتم منه في باب الرواية. ولهذا، كان
~~العدد والحرية مشترطا في الشهادة دون الرواية، ومتعبدا فيها بألفاظ خاصة
~~غير معتبرة في الرواية، حتى إنه لو قال أعلم بدل قوله أشهد لم يكن مقبولا.
~~PageV02P078
# وعلى هذا، فلا يلزم من اشتراط ظهور العدالة في الشهادة بالخبرة الباطنة
~~اشتراط ذلك في الرواية.
# الحجة الثالثة: قالوا: أجمعنا على أن العدالة شرط في قبول الرواية عن
~~النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه شرط في
~~قبول الفتوى، فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار، فلا تقبل أخباره، دفعا
~~للمفسدة اللازمة من فوات الشرط، كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي
~~رتبة الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلد اتباعه إجماعا.
# ولقائل أن يقول: المجمع على اشتراطه في الرواية العدالة بمعنى ظهور
~~الاسلام، والسلامة من الفسق ظاهرا أو بمعنى آخر والأول مسلم، غير أن ما هو
~~الشرط متحقق فيما نحن فيه. والثاني ممنوع.
# كيف وإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق في الحجة
~~المتقدمة.
# وبتقدير ظهور مناسبة الوصف الجامع، فالاعتبار بالمفتي غير ممكن. وذلك لان
~~بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة ولهذا كانت العدالة
~~أغلب وقوعا من رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية وعند ذلك فاحتمال عدم صفة
~~الاجتهاد يكون أغلب من عدم صفة العدالة، فلا يلزم من عدم قبول قول المفتي
~~مع الجهل بحاله القول بعدم قبول الراوي مع الجهل بحاله.
# الحجة الرابعة: أن عدم الفسق شرط في قبول الرواية، فاعتبر فيه الخبرة ms290
~~الباطنية مبالغة في دفع الضرر، كما في عدم الصبي والرق والكفر في قبول
~~الشهادة.
# ولقائل أن يقول ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق تقريره في
~~الحجة الثانية. وبتقدير مناسبته، فالقياس على الشهادة غير ممكن لما تقدم.
# الحجة الخامسة: قالوا: رد عمر رواية فاطمة بنت قيس لما كانت مجهولة
~~الحال، وعلي عليه السلام رد قول الأشجعي في المفوضة، واشتهر ذلك فيما بين
~~الصحابة، ولم ينكره منكر، فكان إجماعا.
# ولقائل أن يقول: أما رد عمر لخبر فاطمة إنما كان لأنه لم يظهر له صدقها.
~~PageV02P079
# ولهذا، قال: كيف نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت. وما نحن فيه ليس
~~كذلك، فإن من ظهر إسلامه وسلامته من الفسق ظاهرا، فاحتمال صدقه لا محالة
~~أظهر من احتمال كذبه.
# وأما رد علي، عليه السلام، لخبر الأشجعي فإنما كان أيضا لعدم ظهور صدقه
~~عنده. ولهذا، وصفه بكونه بوالا على عقبيه، أي غير محترز في أمور دينه.
# ويجب أن يكون كذلك، وإلا كان مخالفا لقوله، صلى الله عليه وسلم نحن نحكم
~~بالظاهر، والله يتولى السرائر.
# والمعتمد في المسألة أنا نقول: القول بوجوب قبول رواية مجهول الحال
~~يستدعي دليلا. والأصل عدم ذلك الدليل. والمسألة اجتهادية ظنية. فكان ذلك
~~كافيا فيها.
# فإن قيل: بيان وجود الدليل من جهة النص، والاجماع، والمعقول:
# أما النص فمن جهة الكتاب والسنة:
# أما الكتاب، فقوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا) * (49)
~~الحجرات: 6) أمر بالتثبت مشروطا بالفسق، فما لم يظهر الفسق لا يجب التثبت
~~فيه.
# وأما السنة، فمن وجهين:
# الأول قوله عليه السلام إنما أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر وما نحن
~~فيه فالظاهر من حاله الصدق، فكان داخلا تحت عموم الخبر.
# الثاني أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما جاءه الأعرابي، وقال: أشهد أن
~~لا إله إلا الله وشهد برؤية الهلال عنده، قبل شهادته، وأمر بالنداء بالصوم
~~لما ثبت عنده إسلامه PageV02P080
# ولم يعلم منه ما يوجب فسقا، فالرواية أولى.
# وأما الاجماع فهو أن الصحابة كانوا متفقين على قبول أقوال العبيد
~~والنسوان والاعراب ms291 المجاهيل لما ظهر إسلامهم وسلامتهم من الفسق ظاهرا.
# وأما المعقول فمن وجهين:
# الأول أن الراوي مسلم لم يظهر منه فسق، فكان خبره مقبولا كإخباره بكون
~~اللحم لحم مذكى، وكون الماء طاهرا أو نجسا، وكون الجارية المبيعة رقيقة
~~وكونه متطهرا عن الحدثين، حتى يصح الاقتداء به ونحوه.
# والثاني أنه لو أسلم كافر، وروى عقيب إسلامه خبرا من غير مهلة، فمع ظهور
~~إسلامه وعدم وجود ما يوجب فسقه بعد إسلامه، يمتنع رد روايته. وإذا قبلت
~~روايته حال إسلامه، فطول مدته في الاسلام أولى أن لا توجب رده.
# والجواب عن الآية أن العمل بموجبها، نفيا وإثباتا، متوقف على معرفة كونه
~~فاسقا، أو ليس فاسقا، لا على عدم علمنا بفسقه. وذلك لا يتم دون البحث
~~والكشف عن حاله.
# وعن الخبر الأول، من ثلاثة أوجه:
# الأول: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أضاف الحكم بالظاهر إلى نفسه، ولا
~~يلزم مثله في حق غيره إلا بطريق القياس عليه، لا بنفس النص المذكور.
~~والقياس عليه ممتنع، لان ما للنبي، صلى الله عليه وسلم، من الاطلاع
~~والمعرفة بأحوال المخبر لصفاء جوهر نفسه واختصاصه عن الخلق بمعرفة ما لا
~~يعرفه أحد منهم من الأمور الغيبية، غير متحقق في حق غيره.
# الثاني: أنه رتب الحكم على الظاهر، وذلك، وإن كان يدل على كونه علة
~~لقبوله والعمل به فتخلف الحكم عنه في الشهادة على العقوبات والفتوى يدل على
~~أنه ليس بعلة. PageV02P081
# الثالث: المعارضة بقوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (53)
~~النجم: 28) وليس العمل بعموم أحد النصين، وتأويل الآخر أولى من الآخر، بل
~~العمل بالآية أولى، لأنها متواترة، وما ذكروه آحاد.
# وعن الخبر الثاني: لا نسلم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يعلم من حال
~~الأعرابي سوى الاسلام.
# وعن الاجماع، لا نسلم أن الصحابة قبلوا رواية أحد من المجاهيل فيما يتعلق
~~بأخبار النبي، صلى الله عليه وسلم.
# ولهذا، ردوا رواية من جهلوه، كرد عمر شهادة فاطمة بنت قيس، ورد علي شهادة
~~الأعرابي.
# وعن الوجه الأول من المعقول بالفرق بين ms292 صور الاستشهاد ومحل النزاع.
# وذلك، من وجهين:
# الأول أن الرواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أعلى رتبة وأشرف منصبا
~~من الاخبار فيما ذكروه من الصور، فلا يلزم من القبول مع الجهل بحال الراوي
~~فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما.
# الثاني أن الاخبار فيما ذكروه من الصور مقبول مع ظهور الفسق، ولا كذلك
~~فيما نحن فيه.
# وعن الوجه الثاني من المعقول بمنع قبول روايته دون الخبرة بحاله، لاحتمال
~~أن يكون كذوبا، وهو باق على طبعه. وإن قلنا: روايته في مبدأ إسلامه، فلا
~~يلزم ذلك في حالة دوامه، لما بين ابتداء الاسلام ودوامه من رقة القلب، وشدة
~~الاخذ بموجباته، والحرص على امتثال مأموراته، واجتناب منهياته على ما يشهد
~~به العرف والعادة في حق كل من دخل في أمر محبوب، والتزمه، فإن غرامه به في
~~الابتداء يكون أشد منه في دوامه. PageV02P082
# المسألة الثانية الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه لا يخلو إما أن
~~يكون فسقه مظنونا، أو مقطوعا به فإن كان مظنونا، كفسق الحنفي إذا شرب
~~النبيذ، فالأظهر قبول روايته وشهادته. وقد قال الشافعي، رضي الله عنه: إذا
~~شرب الحنفي النبيذ أحده وأقبل شهادته.
# وإن كان فسقه مقطوعا به، فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به، أو لا
~~يكون كذلك:
# فإن كان الأول، فلا نعرف خلافا في امتناع قبول شهادته، كالخطابية من
~~الرافضة، لأنهم يرون شهادة الزور لموافقهم في المذهب.
# وإن كان الثاني، كفسق الخوارج الذين استباحوا الدار، وقتلوا الأطفال
~~والنسوان، فهو موضع الخلاف.
# فمذهب الشافعي وأتباعه وأكثر الفقهاء أن روايته وشهادته مقبولة. وهو
~~اختيار الغزالي وأبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين.
# وذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من الأصوليين إلى امتناع
~~قبول شهادته وروايته. وهو المختار.
# وقد احتج النافون بحجة ضعيفة.
# وذلك أنهم قالوا: أجمعنا على أن الفاسق المفروض، لو كان عالما بفسقه، لم
~~يقبل خبره. فإذا كان جاهلا بفسقه، معتقدا أنه ليس بفاسق، فقد انضم إلى فسقه
~~فسق آخر وخطيئة أخرى، وهو اعتقاده في الفسق ms293 أنه ليس بفسق، فكان أولى أن لا
~~يقبل خبره.
# ولقائل أن يقول: إذا لم يعتقد أنه فاسق، وكان متحرجا محترزا في دينه عن
~~الكذب وارتكاب المعصية، فكان إخباره مغلبا على الظن صدقه، بخلاف ما إذا علم
~~أن ما يأتي به فسقا فذلك يدل على قلة مبالاته بالمعصية، وعدم تحرزه عن
~~الكذب فافترقا.
# والمعتمد في ذلك النص والمعقول.
# أما النص، فقوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا) * (49) الحجرات:
~~6) أمر برد نبأ الفاسق. PageV02P083
# والخلاف إنما هو فيمن قطع بفسقه، فكان مندرجا تحت عموم الآية. غير أنا
~~خالفناه فيمن كان فسقه مظنونا، وما نحن فيه مقطوع بفسقه، فلا يكون في معنى
~~صورة المخالفة.
# وأيضا قوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (53) النجم: 28)
~~غير أنا خالفناه في خبر من ظهرت عدالته، وفيمن كان فسقه مظنونا، فيبقى فيما
~~عداه على مقتضى الدليل.
# وأما المعقول، فهو أن القول بقبول خبره يستدعي دليلا، والأصل عدمه.
# فإن قيل: بيان وجود الدليل النص، والاجماع، والقياس:
# أما النص فقوله، صلى الله عليه وسلم: إنما أحكم بالظاهر، والله يتولى
~~السرائر والفاسق فيما نحن فيه محترز عن الكذب، متدين بتحريمه، فكان صدقه في
~~خبره ظاهرا، فكان مندرجا تحت عموم الخبر.
# وأما الاجماع، فهو أن عليا، عليه السلام، والصحابة قبلوا أقوال قتلة
~~عثمان والخوارج مع فسقهم، ولم ينكر ذلك منكر: فكان ذلك إجماعا.
# وأما القياس فهو أن الظن بصدقه موجود. فكان واجب القبول مبالغة في تحصيل
~~مقصوده قياسا على العدل والمظنون فسقه والجواب: عن الخبر ما سبق في المسألة
~~التي قبلها.
# وعن الاجماع: أنا لا نسلم أن كل من قبل شهادة الخوارج وقتلة عثمان كانوا
~~يعتقدون فسقهم، فإن الخوارج من جملة المسلمين والصحابة، ولم يكونوا معتقدين
~~فسق أنفسهم.
# ومع عدم اعتقاد الجميع لفسقهم، وإن قبلوا شهادتهم، فلا يتحقق انعقاد
~~الاجماع على قبول خبر الفاسق.
# وعن القياس بالفرق في الأصول المستشهد بها.
# أما في العدل فلظهور عدالته واستحقاقه لمنصب الشهادة والرواية. وذلك
~~يناسب قبوله إعظاما له وإجلالا بخلاف الفاسق.
# وأما في مظنون ms294 الفسق فلان حاله في استحقاق منصب الشهادة والرواية أقرب من
~~حال من كان فسقه مقطوعا به فلا يلزم من القبول ثم القبول ههنا. PageV02P084
# المسألة الثالثة اختلفوا في الجرح والتعديل: هل يثبت بقول الواحد أو لا؟
# فذهب قوم إلى أنه لا بد في التعديل والجرح من اعتبار العدد في الرواية
~~والشهادة.
# وذهب آخرون إلى الاكتفاء بالواحد فيهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر.
# والذي عليه الأكثر إنما هو الاكتفاء بالواحد في باب الرواية دون الشهادة،
~~وهو الأشبه وذلك لأنه لا نص ولا إجماع في هذه المسألة يدل على تعيين أحد
~~هذه المذاهب.
# فلم يبق غير التشبيه والقياس.
# ولا يخفى أن العدالة شرط في قبول الشهادة والرواية، والشرط لا يزيد في
~~إثباته على مشروطه، فكان إلحاق الشرط بالمشروط في طريق إثباته أولى من
~~إلحاقه بغيره وقد اعتبر العدد في قبول الشهادة دون قبول الرواية، فكان
~~الحكم في شرط كل واحد منها ما هو الحكم في مشروطه.
# فإن قيل، التزكية والتعديل شهادة، فكان العدد معتبرا فيهما كالشهادة على
~~الحقوق.
# قلنا: ليس ذلك أولى من قول القائل بأنها إخبار، فلا يعتبر العدد في
~~قبولها، كنفس الرواية.
# فإن قيل: إلا أن ما ذكرناه أولى لما فيه من زيادة الاحتياط.
# قلنا: بل ما يقوله الخصم أولى حذرا من تضييع أوامر الله تعالى ونواهيه.
# كيف وأن اعتبار قول الواحد في الجرح والتعديل أصل متفق عليه، واعتبار ضم
~~قول غيره إليه يستدعي دليلا. والأصل عدمه. ولا يخفى أن ما يلزم منه موافقة
~~النفي الأصلي أولى مما يلزم منه مخالفته. PageV02P085
# المسألة الرابعة اختلفوا في قبول الجرح والتعديل دون ذكر سببهما: فقال
~~قوم: لا بد من ذكر السبب فيهما، أما في الجرح فلاختلاف الناس فيما يجرح به،
~~فلعله اعتقده جارحا وغيره لا يراه جارحا، وأما في العدالة فلان مطلق
~~التعديل لا يكون محصلا للثقة بالعدالة لجري العادة بتسارع الناس إلى ذلك
~~بناء على الظاهر.
# وقال قوم: لا حاجة إلى ذلك فيهما اكتفاء ببصيرة المزكي والجارح، وهو
~~اختيار القاضي أبى بكر.
# وقال ms295 الشافعي، رضي الله عنه: لا بد من ذكر سبب الجرح، لاختلاف الناس فيما
~~يجرح به، بخلاف العدالة، فإن سببها واحد لا اختلاف فيه.
# ومنهم من عكس الحال واعتبر ذكر سبب العدالة دون الجرح والمختار إنما هو
~~مذهب القاضي أبي بكر. وذلك، لأنه إما أن يكون المزكي والجارح عدلا بصيرا
~~بما يجرح به ويعدل، أو لا يكون كذلك. فإن لم يكن عدلا، أو كان عدلا وليس
~~بصيرا فلا اعتبار بقوله: وإن كان عدلا بصيرا وجب الاكتفاء بمطلق جرحه
~~وتعديله، إذا الغالب مع كونه عدلا بصيرا أنه ما أخبر بالعدالة والجرح، إلا
~~وهو صادق في مقاله. فلا معنى لاشتراط إظهار السبب مع ذلك.
# والقول بأن الناس قد اختلفوا فيما يجرح به، وإن كان حقا إلا أن الظاهر من
~~حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضا يكون عارفا بمواقع الخلاف
~~في ذلك. والظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا في صورة علم الوفاق عليها، وإلا كان
~~مدلسا ملبسا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده، وهو خلاف مقتضى العدالة
~~والدين وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة،
~~والإحاطة بسريرة المخبر عنه، ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء
~~على ظاهر الحال. PageV02P086
# المسألة الخامسة إذا تعارض الجرح والتعديل، فلا يخلو إما أن يكون الجارح
~~قد عين السبب، أو لم يعينه: فإن لم يعينه، فقول الجارح يكون مقدما لاطلاعه
~~على ما لم يعرفه العدل، ولا نفاه لامتناع الشهادة على النفي. وإن عين السبب
~~بأن يقول تقديرا: رأيته، وقد قتل فلانا، فلا يخلو إما أن لا يتعرض المعدل
~~لنفي ذلك، أو يتعرض لنفيه.
# فإن كان الأول، فقول الجارح يكون مقدما لما سبق. وإن تعرض لنفيه بأن قال:
~~رأيت فلانا المدعي قتله حيا بعد ذلك، فهاهنا يتعارضان، ويصح ترجيح أحدهما
~~على الآخر بكثرة العدد، وشدة الورع والتحفظ، وزيادة البصيرة إلى غير ذلك
~~مما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى كما سيأتي تحقيقه. PageV02P087
# المسألة السادسة في طرق الجرح والتعديل أما طرق التعديل فمتفاوتة في ms296
~~القوة والضعف. وذلك، لأنه لا يخلو إما أن يصرح المزكي بالتعديل قولا، أو لا
~~يصرح به فإن صرح به بأن يقول: هو عدل رضا، فإما أن يذكر مع ذلك السبب بأن
~~يقول لأني عرفت منه كذا وكذا أو لا يذكر السبب. فإن كان الأول، فهو تعديل
~~متفق عليه. وإن كان الثاني فمختلف فيه. والأظهر منه التعديل، كما سبق في
~~المسألة المتقدمة. فهذا الطريق مرجوح بالنسبة إلى الأول للاختلاف فيه
~~ولنقصان البيان فيه بخلاف الأول.
# وأما إن لم يصرح بالتعديل قولا، لكن حكم بشهادته أو عمل بروايته، أو روى
~~عنه خبرا.
# فإن حكم بشهادته فهو أيضا تعديل متفق عليه. وإلا كان الحاكم فاسقا بشهادة
~~من ليس بعدل عنده. وهذه الطريق أعلى من التزكية بالقول من غير ذكر سبب
~~لتفاوتهما في الاتفاق والاختلاف، اللهم إلا أن يكون الحاكم ممن يرى الحكم
~~بشهادة الفاسق. وأما بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب فالأشبه
~~التعادل بينهما لاستوائهما في الاتفاق عليهما. والأول، وإن اختص بذكر
~~السبب، فهذا مختص بإلزام الغير بقبول الشاهد، بخلاف الأول.
# وأما إن عمل بروايته على وجه علم أنه لا مستند له في العمل سواها، ولا
~~يكون ذلك من باب الاحتياط، فهو أيضا تعديل متفق عليه، وإلا كان عمله برواية
~~من ليس بعدل فسقا. وهذا الطريق، وإن احتمل أن يكون العمل فيه مستندا إلى
~~ظهور الاسلام والسلامة من الفسق ظاهرا، كما في التعديل بالقول من غير ذكر
~~PageV02P088
# السبب، فهو راجح على التعديل بالقول من غير ذكر السبب، للاتفاق عليه
~~والاختلاف في ذلك، ومرجوح بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب،
~~وبالنسبة إلى الحكم بالشهادة، لان باب الشهادة أعلى من باب بالرواية.
~~ولذلك، اشترط فيه ما لم يشترط في باب الرواية كما سيأتي تعريفه، فكان
~~الاحتياط والاحتراز فيها أتم وأوفى.
# وأما إن روى عنه، فهذا مما اختلف فيه هل هو تعديل أو لا.
# ومنهم من فصل وقال: إن عرف من قول المزكي أو عادته أنه لا يروي إلا عن
~~العدل، فهو تعديل، وإلا ms297 فلا. وهو المختار. وذلك، لان العادة جارية بالرواية
~~عمن لو سئل عن عدالته لتوقف فيها. ولا يلزم من روايته عنه. مع عدم معرفته
~~بعدالته، أن يكون ملبسا مدلسا في الدين، كما قيل. لأنه إنما يكون كذلك إن
~~لو أوجبت روايته عنه على الغير العمل بها، وليس كذلك، بل غايته أنه قال
~~سمعته يقول كذا فعلى السامع بالكشف عن حال المروي عنه إن رام العمل بمقتضى
~~روايته. وإلا، كان مقصرا. وهذا الطريق يشبه أن يكون مرجوحا بالنسبة إلى
~~باقي الطرق.
# أما بالنسبة إلى التصريح بالتعديل فظاهر، ولا سيما إن اقترن بذكر السبب
~~للاتفاق عليه والاختلاف في هذا الطريق. ولهذا، يكون مرجوحا بالنسبة إلى
~~الحكم بالشهادة للاتفاق عليه ولاختصاص الشهادة بما ذكرناه قبل.
# وأما بالنسبة إلى العمل بالرواية، فلاشتراكهما في أصل الرواية واختصاص
~~أحدهما بالعمل بها.
# وأما طرق الجرح فهو أن يصرح بكونه مجروحا، ويذكر مع ذلك سبب الجرح. وإن
~~لم يذكر معه سبب الجرح، فهو جرح كما سبق في المسألة المتقدمة، لكنه دون
~~الأول للاختلاف فيه، وللاتفاق على الأول. وليس من الجرح ترك العمل بروايته
~~والحكم بشهادته، لجواز أن يكون ذلك بسبب غير الجرح. وذلك، إما لمعارض، وإما
~~لأنه غير ضابط، أو لغلبة النسيان والغفلة عليه ونحوه، ولا الشهادة بالزنى
~~وكل ما يوجب الحد على المشهود عليه، إذا لم يكمل نصاب الشهادة، لأنه
~~PageV02P089
# لم يأت بصريح القذف، وإنما جاء ذلك محيي الشهادة، ولا بما يسوغ فيه
~~الاجتهاد وقد قال به بعض الأئمة المجتهدين، كاللعب بالشطرنج وشرب النبيذ
~~ونحوه، ولا بالتدليس، وذلك كقول من لم يعاصر الزهري مثلا، ولكنه روى عمن
~~لقيه، قولا يوهم أنه لقيه، ولقوله: حدثنا فلان وراء النهر، موهما أنه يريد
~~جيحان، وإنما يشير به إلى نهر عيسى مثلا، لأنه ليس بكذب، وإنما هو من
~~المعاريض المغنية عن الكذب.
# المسألة السابعة اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة.
# وقال قوم إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند
~~الرواية.
# ومنهم من قال إنهم لم ms298 يزالوا عدولا إلى حين ما وقع من الاختلاف والفتن
~~فيما بينهم، وبعد ذلك، فلا بد من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد
~~منهم، إذا لم يكن ظاهر العدالة PageV02P090
# ومنهم من قال بأن كل من قاتل عليا عالما منهم، فهو فاسق مردود الرواية
~~والشهادة، لخروجهم عن الإمام الحق.
# ومنهم من قال برد رواية الكل وشهادتهم، لان أحد الفريقين فاسق، وهو غير
~~معلوم ولا معين.
# ومنهم من قال بقبول رواية كل واحد منهم وشهادته، إذا انفرد، لان الأصل
~~فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفة التحقق فسق
~~أحدهما من غير تعيين.
# والمختار إنما هو مذهب الجمهور من الأئمة، وذلك بما تحقق من الأدلة
~~الدالة على عدالتهم ونزاهتهم وتخييرهم على من بعدهم. فمن ذلك قوله تعالى: *
~~(وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) البقرة: 143) أي عدولا. وقوله تعالى: *
~~(كنتم خير أمة أخرجت للناس) * (3) آل عمر ان: 110) وهو خطاب مع الصحابة
~~الموجودين في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم. ومنها قوله صلى الله عليه
~~وسلم:
# أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم والاهتداء بغير عدل محال. وقوله
~~صلى الله عليه وسلم: إن الله اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا واختيار الله
~~تعالى لا يكون لمن ليس بعدل. ومنها ما ظهر واشتهر بالنقل المتواتر الذي لا
~~مراء فيه من مناصرتهم للرسول، والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، والمحافظة
~~على أمور الدين، وإقامة القوانين، والتشدد في امتثال أوامر الشرع ونواهيه،
~~والقيام بحدوده ومراسيمه، حتى إنهم قتلوا الأهل والأولاد حتى قام الدين
~~واستقام، ولا أدل على العدالة أكثر من ذلك.
# وعند ذلك، فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، وإن
~~كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار
~~إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين. وعلى هذا، فإما أن يكون كل مجتهد
~~مصيبا، أو أن المصيب واحد، والآخر مخطئ في اجتهاده. PageV02P091
# وعلى كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة، أما
~~بتقدير الإصابة فظاهر، وأما بتقدير ms299 الخطأ مع الاجتهاد فبالاجماع.
# وإذ أتينا على ما أردناه من بيان عدالة الصحابة، فلا بد من الإشارة إلى
~~بيان من يقع عليه اسم الصحابي.
# المسألة الثامنة اختلفوا في مسمى الصحابي:
# فذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أن الصحابي من رأى النبي، صلى الله
~~عليه وسلم، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدة
~~صحبته.
# وذهب آخرون إلى أن الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي صلى الله عليه
~~وسلم، واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه.
# وذهب عمر بن يحيى إلى أن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي،
~~صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنه العلم.
# والخلاف في هذه المسألة، وإن كان آيلا إلى النزاع في الاطلاق اللفظي،
~~فالأشبه إنما هو الأول. ويدل على ذلك ثلاثة أمور.
# الأول: أن الصاحب اسم مشتق من الصحبة، والصحبة تعم القليل والكثير: ومنه
~~يقال صحبته ساعة، وصحبته يوما وشهرا، وأكثر من ذلك، كما يقال: فلان كلمني
~~وحدثني وزارني، وإن كان لم يكلمه ولم يحدثه ولم يزره سوى مرة واحدة.
# الثاني: أنه لو حلف أنه لا يصحب فلانا في السفر، أو ليصحبنه، فإنه يبر
~~ويحنث بصحبته ساعة.
# الثالث: أنه لو قال قائل: صحبت فلانا،، فيصح أن يقال: صحبته ساعة أو يوما
~~أو أكثر من ذلك، وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه، أو لا؟ ولولا أن الصحبة
~~شاملة لجميع هذه الصور، ولم تكن مختصة بحالة منها، لما احتيج إلى
~~الاستفهام. PageV02P092
# فإن قيل: إن الصاحب في العرف إنما يطلق على المكاثر الملازم، ومنه يقال:
# أصحاب القرية، وأصحاب الكهف والرقيم، وأصحاب الرسول، وأصحاب الجنة،
~~للملازمين لذلك، وأصحاب الحديث للملازمين لدراسته وملازمته دون غيرهم.
# ويدل على ذلك أيضا أنه يصح أن يقال: فلان لم يصحب فلانا، لكنه وفد عليه
~~أو رآه، أو عامله. والأصل في النفي أن يكون محمولا على حقيقته، بل ولا يكفي
~~ذلك، بل لا بد مع طول المدة من أخذ العلم والرواية عنه، ولهذا، يصح ms300 أن يقال
~~المزني صاحب الشافعي، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، ولا يصح
~~أن يقال لمن رآهما وعاشرهما طويلا، ولم يأخذ عنهما، أنه صاحب لهما.
# والجواب عن الشبهة الأولى أنا لا نسلم أن اسم الصاحب لا يطلق إلا على
~~المكاثر الملازم، ولا يلزم من صحة إطلاق اسم الصاحب على الملازم المكاثر
~~كما في الصور المستشهد بها امتناع إطلاقه على غيره، بل يجب أن يقال بصحة
~~إطلاق ذلك على المكاثر وغيره حقيقة، نظرا إلى ما وقع به الاشتراك نفيا
~~للتجوز، والاشتراك عن اللفظ وصحة النفي إنما كان لان الصاحب في أصل الوضع،
~~وإن كان لمن قلت صحبته أو كثرت، غير أنه في عرف الاستعمال لمن طالت صحبته.
~~فإن أريد نفي الصحبة بالمعنى العرفي، فحق. وإن أريد نفيها بالمعنى الأصلي،
~~فلا يصح.
# وهذا هو الجواب عما قيل من اشتراط أخذ العلم والرواية عنه أيضا.
# وإذا عرف ذلك، فلو قال من عاصر النبي، صلى الله عليه وسلم، أنا صحابي مع
~~إسلامه وعدالته، فالظاهر صدقه. ويحتمل أن لا يصدق في ذلك، لكونه متهما
~~بدعوى رتبة يثبتها لنفسه، كما لو قال: أنا عدل، أو شهد لنفسه بحق.
# هذا ما أردناه من الشروط المعتبرة. PageV02P093
# وأما الشروط التي ظن أنها شروط، وليست كذلك، فشروط منها أنه ليس من شرط
~~قبول الخبر العدد، بل يكفي في القبول خبر العدل الواحد، خلافا للجبائي،
~~فإنه قال: لا يقبل إلا أن يضاف إليه خبر عدل آخر، أو موافقة ظاهرا، وإن
~~يكون منتشرا فيما بين الصحابة أو عمل به بعض الصحابة. ونقل عنه أيضا أنه لا
~~يقبل الخبر في الزنى إلا من أربعة.
# والوجه في الاحتجاج والانفصال ما سبق في مسألة وجوب التعبد بخبر الواحد.
# وأيضا فليس من شرطه الذكورة لما اشتهر من أخذ الصحابة بأخبار النساء، كما
~~سبق بيانه، ولا البصر، بل يجوز قبول رواية الضرير إذا كان حافظا لما يسمعه،
~~وله آلة إدائه. ولهذا كانت الصحابة تروي عن عائشة ما تسمعه من صوتها، مع
~~أنهم لا يرون شخصها، ms301 ولا عدم القرابة، بل تجوز رواية الولد عن الوالد،
~~وبالعكس، لاتفاق الصحابة على ذلك، ولا عدم العداوة، لان حكم الرواية عام،
~~فلا يختص بواحد معين، حتى تكون العداوة مؤثرة فيه، ولا الحرية، بل هذه
~~الأمور إنما تشترط في الشهادة.
# ولا يشترط أيضا في الراوي أن يكون مكثرا من سماع الأحاديث مشهور النسب،
~~لاتفاق الصحابة على قبول رواية من لم يرو سوى خبر واحد، وعلى قبول رواية من
~~لا يعرف نسبه، إذا كان مشتملا على الشرائط المعتبرة.
# ولا يشترط أيضا أن يكون فقيها عالما بالعربية وبمعنى الخبر، وسواء كانت
~~روايته موافقة للقياس أو مخالفة، خلافا لأبي حنيفة فيما يخالف القياس،
~~لقوله، صلى الله عليه وسلم: نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها إلى قوله: فرب
~~حامل فقه ليس بفقيه دعا له وأقره على الرواية، ولو لم يكن مقبول القول لما
~~كان كذلك، ولأن الصحابة سمعوا أخبار آحاد لم يكونوا فقهاء كما ذكرناه فيما
~~تقدم، ولأن الاعتماد على خبر النبي، صلى الله عليه وسلم. والظاهر من الراوي
~~إذا كان عدلا متدينا أنه لا يروي إلا ما يتحققه على الوجه الذي سمعه.
~~PageV02P094
# القسم الثالث في مستند الراوي وكيفية روايته الراوي لا يخلو إما أن يكون
~~صحابيا، أو غير صحابي. فإن كان صحابيا فقد اتفقوا على أنه إذا قال: سمعت
~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول كذا، أو أخبرني، أو حدثني، أو شافهني
~~رسول الله بكذا، فهو خبر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، واجب القبول،
~~واختلفوا في مسائل.
# المسألة الأولى إذا قال الصحابي: قال رسول الله كذا، اختلفوا فيه فذهب
~~الأكثرون إلى أنه سمعه من النبي، صلى الله عليه وسلم فيكون حجة من غير
~~خلاف، وقال القاضي أبو بكر: لا يحكم بذلك، بل هو متردد بين أن يكون قد سمعه
~~من النبي عليه السلام، وبين أن يكون قد سمعه من غيره. وبتقدير أن يكون قد
~~سمعه من غير النبي، صلى الله عليه وسلم، فمن قال بعدالة جميع الصحابة،
~~فحكمه حكم ما لو سمعه ms302 من النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن قال بأن حكم
~~الراوي من الصحابة حكم غيرهم في وجوب الكشف عن حال الراوي منهم، فحكمه حكم
~~مراسيل تابع التابعين، وسيأتي تفصيل القول فيه.
# والظاهر أن ذلك محمول على سماعه من غير واسطة مع إمكان سماعه من الواسطة،
~~لان قوله قال يوهم السماع من النبي، صلى الله عليه وسلم، من غير واسطة
~~إيهاما ظاهرا.
# والظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة أنه لا يأتي بلفظ يوهم
~~معنى، ويريد غيره. PageV02P095
# المسألة الثانية إذا قال الصحابي سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
~~يأمر بكذا، أو ينهى عن كذا اختلفوا في كونه حجة.
# فذهب قوم إلى أنه ليس بحجة لان الاحتجاج إنما هو بلفظ النبي، صلى الله
~~عليه وسلم، وقول الصحابي سمعته يأمر وينهى لا يدل على وجود الأمر والنهي من
~~النبي صلى الله عليه وسلم، لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي، فلعله سمع
~~صيغة اعتقد أنها أمر أو نهي، وليست كذلك عند غيره، ويحتمل أنه سمع النبي،
~~صلى الله عليه وسلم، يأمر بشئ أو ينهى عن شئ، وهو ممن يعتقد أن الامر بالشئ
~~نهي عن جميع أضداده، وأن النهي عن الشئ أمر بأحد أضداده، فنقل الأمر
~~والنهي، وليس بأمر ولا نهي عند غيره.
# والذي عليه اعتماد الأكثرين أنه حجة، وهو الأظهر. وذلك لان الظاهر من حال
~~الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أن يكون عارفا بمواقع الخلاف
~~والوفاق.
# وعند ذلك. فالظاهر من حاله أنه لا ينقل إلا ما تحقق أنه أمر أو نهي من
~~غير خلاف، نفيا للتدليس والتلبيس عنه بنقل ما يوجب على سامعه اعتقاد الأمر
~~والنهي فيما لا يعتقده أمرا ولا نهيا. PageV02P096
# المسألة الثالثة إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، وأوجب
~~علينا كذا وحرم علينا كذا، أو أبيح لنا كذا، فمذهب الشافعي وأكثر الأئمة
~~أنه يجب إضافة ذلك إلى النبي عليه السلام.
# وذهب جماعة من الأصوليين والكرخي من أصحاب أبي حنيفة إلى المنع من ذلك،
~~مصيرا منهم إلى ms303 أن ذلك متردد بين كونه مضافا إلى النبي عليه السلام، وبين
~~كونه مضافا إلى أمر الكتاب أو الأمة، أو بعض الأئمة، وبين أن يكون قد قال
~~ذلك عن الاستنباط والقياس، وأضافه إلى صاحب الشرع، بناء على أن موجب القياس
~~مأمور باتباعه من الشارع.
# وإذا احتمل واحتمل، لا يكون مضافا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بل ولا
~~يكون حجة.
# والظاهر مذهب الشافعي وذلك، لان من كان مقدما على جماعة، وهم بصدد امتثال
~~أوامره ونواهيه، فإذا قال الواحد منهم: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فالظاهر
~~أنه يريد أمر ذلك المقدم ونهيه والصحابة بالنسبة إلى النبي، صلى الله عليه
~~وسلم، على هذا النحو.
# فإذا قال الصحابي منهم: أمرنا أو نهينا: كان الظاهر منه أمر النبي، صلى
~~الله عليه وسلم، ونهيه. ولا يمكن حمله على أمر الكتاب ونهيه، لأنه لو كان
~~كذلك، لكان ظاهرا للكل، فلا يختص بمعرفته الواحد منهم، ولا على أمر الأمة
~~ونهيها، لان قول الصحابي: أمرنا ونهينا قول الأمة، وهم لا يأمرون وينهون
~~أنفسهم، ولا على أمر الواحد من الصحابة، إذ ليس أمر البعض للبعض أولى من
~~العكس.
# كيف وإن الظاهر من الصحابي أنه إنما يقصد بذلك تعريف الشرع. وذلك لا يكون
~~ثابتا بأمر الواحد من الصحابة ونهيه، ولا أن يكون ذلك بناء على ما قيل من
~~القياس والاستنباط لوجهين:
# الأول: أن قول الصحابي: أمرنا ونهينا، خطاب مع الجماعة، وما ظهر لبعض
~~المجتهدين من القياس، وإن كان مأمورا باتباع حكمه، فذلك غير موجب للامر
~~باتباع من لم يظهر له ذلك القياس.
# الثاني: أن قوله: أمرنا ونهينا بكذا عن كذا، إنما يفهم منه مطلق الأمر
~~والنهي، لا الامر باتباع حكم القياس. PageV02P097
# المسألة الرابعة اختلفوا في قول الصحابي: من السنة كذا. فذهب الأكثرون
~~إلى أن ذلك محمول على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلافا لأبي الحسن
~~الكرخي من أصحاب أبي حنيفة. والمختار مذهب الأكثرين، وذلك لما ذكرناه في
~~المسألة المتقدمة.
# فإن قيل: اسم السنة متردد بين سنة النبي، وسنة الخلفاء ms304 الراشدين، على ما
~~قال، صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا
~~عليها بالنواجذ وإذا كان اللفظ مترددا بين احتمالين، فلا يكون صرفه إلى
~~أحدهما دون الآخر أولى من العكس.
# قلنا: وإن سلمنا صحة إطلاق السنة على ما ذكروه، غير أن احتمال إرادة سنة
~~النبي، صلى الله عليه وسلم، أولى لوجهين:
# الأول: أن سنة النبي، صلى الله عليه وسلم، أصل، وسنة الخلفاء الراشدين
~~تبع لسنة النبي، صلى الله عليه وسلم، ومقصود الصحابي إنما هو بيان الشرعية.
~~ولا يخفى أن إسناد ما قصد بيانه إلى الأصل أولى من إسناده إلى التابع.
# الثاني: أن ذلك هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ السنة في كلام
~~الصحابي لما ذكرناه في المسألة المتقدمة، فكان الحمل عليه أولى.
~~PageV02P098
# المسألة الخامسة إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا، وكانوا يفعلون كذا، وذلك
~~كقول عائشة: كانوا لا يقطعون في الشئ التافه، وكقول إبراهيم النخعي: كانوا
~~يحذفون التكبير حذفا فهو عند الأكثرين محمول على فعل الجماعة دون بعضهم،
~~خلافا لبعض الأصوليين.
# ويدل على مذهب الأكثرين أن الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض
~~الاحتجاج، وإنما يكون ذلك حجة إن لو كان ما نقله مستندا إلى فعل الجميع،
~~لان فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر، ولا على غيرهم فإن قيل: لو كان
~~ذلك مستندا إلى فعل الجميع، لكان إجماعا، ولما ساغ مخالفته بطريق الاجتهاد
~~فيه، وحيث سوغتم ذلك دل على عوده إلى البعض دون الكل.
# قلنا: تسويغ الاجتهاد فيه إنما كان لان إضافة ذلك إلى الجميع وقع ظنا لا
~~قطعا، وذلك، كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه الواحد من الألفاظ القاطعة في
~~الدلالة عن النبي، (ص، لما كان طريق اتباعه ظنيا، وإن كان لا يسوغ فيه
~~الاجتهاد عندما إذا ثبت بطريق قاطع، وأما إن كان الراوي غير صحابي، فمستنده
~~في الرواية إما قراءة الشيخ لما يرويه عنه، أو القراءة على الشيخ، أو إجازة
~~الشيخ له، أو أن يكتب له كتابا بما يرويه عنه، ms305 أو يناوله الكتاب الذي يرويه
~~عنه، أو أن يرى خطا يظنه خط الشيخ بأني سمعت عن فلان كذا. فإن كان مستنده
~~في الرواية قراءة الشيخ، فإما أن يكون الشيخ قد قصد إسماعه بالقراءة، أو لم
~~يقصد إسماعه بطريق من الطرق: فإن قصد إسماعه بالقراءة أو مع غيره، فهذا هو
~~أعلى الرتب في الرواية، وللراوي عنه PageV02P099
# أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، وقال فلان، وسمعته يقول كذا، وإن لم يقصد
~~إسماعه، فليس له أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، لأنه يكون كاذبا في ذلك، بل له
~~أن يقول: قال فلان كذا، وسمعته يقول كذا، ويحدث بكذا، ويخبر بكذا.
# وأما القراءة على الشيخ، مع سكوت الشيخ من غير ما يوجب السكوت عن
~~الانكار، من إكراه أو غفلة أو غير ذلك، فقد اتفقوا على وجوب العمل به،
~~خلافا لبعض أهل الظاهر، لأنه لو لم تكن روايته صحيحة، لكان سكوته عن
~~الانكار مع القدرة عليه فسقا، لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح، وذلك
~~بعيد عن العدل المتدين. ثم اتفق القائلون بالصحة على تسليط الراوي على
~~قوله: أخبرنا وحدثنا فلان، قراءة عليه، واختلفوا في جواز قوله: حدثنا
~~وأخبرنا مطلقا، والأظهر امتناعه، لان ذلك يشعر بنطق الشيخ، وذلك من غير نطق
~~منه كذب.
# وأما إجازة الشيخ وذلك بأن يقول: أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو
~~ما صح عندك من مسموعاتي، فقد اختلفوا في جواز الرواية بالإجازة: فجوزه
~~أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل، وأكثر المحدثين، واتفق هؤلاء على تسليط
~~الراوي على قوله: أجازني فلان كذا، وحدثني، وأخبرني إجازة واختلفوا في
~~قوله: حدثني وأخبرني مطلقا.
# والذي عليه الأكثر، وهو الأظهر، أنه لا يجوز، لان ذلك يشعر بنطق الشيخ
~~بذلك وهو كذب، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجوز الرواية بالإجازة مطلقا.
# وقال أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة إنه إن كان المجيز والمجاز له قد
~~علما ما في الكتاب الذي أجاز روايته، جازت روايته بقوله: أخبرني وحدثني.
~~PageV02P100
# وذلك، كما لو كتب إنسان صكا، والشهود يرونه، ثم قال ms306 لهم: اشهدوا علي
~~بجميع ما في هذا الصك، فإنه يجوز لهم إقامة الشهادة عليه بما في ذلك
~~الكتاب، وإلا فلا.
# والمختار إنما هو جواز الرواية بالإجازة، وذلك لان المجيز عدل ثقة،
~~والظاهر أنه لم يجز إلا ما علم صحته، وإلا كان بإجازته رواية ما لم يروه
~~فاسقا، وهو بعيد عن العدل. وإذا علمت الرواية أو ظنت بإجازته، جازت الرواية
~~عنه كما لو كان هو القارئ أو قرئ عليه وهو ساكت.
# فإن قيل إنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث، ولا ما يجري مجرى فعله، فلم
~~يجز أن يقول الراوي عنه: أخبرني، ولا حدثني لأنه يكون كذبا، ولأنه قادر على
~~أن يحدث به. فحيث لم يحدث به دل على أنه غير صحيح عنده.
# قلنا: هذا باطل بما إذا كان الراوي عن الشيخ هو القارئ، فإنه لم يوجد من
~~الشيخ فعل الحديث، ولا ما يجري مجراه، وهو قادر على القراءة بنفسه.
# ومع ذلك. فإنه يجوز للراوي أن يقول: أخبرني وحدثني، حيث كانت قراءته عليه
~~مع السكوت دليل صحة الحديث.
# وعلى ما ذكرناه من الخلاف في الإجازة والخريف، والمختار يكون الكلام فيما
~~إذا ناوله كتابا فيه حديث هو سماعه، وقال له: قد أجزت لك أن تروي عني ما
~~فيه وله أن يقول: ناولني فلان كذا، وأخبرني، وحدثني مناولة.
# وكذلك الحكم أيضا إذا كتب إليه بحديث وقال: أجزت لك روايته عني، فإنه يدل
~~على صحته، ويسلط الراوي على أن يقول: كاتبني بكذا، وحدثني أو أخبرني بكذا
~~كتابة. ولو اقتصر على المناولة أو الكتابة دون لفظ الإجازة، لم تجز له
~~الرواية، إذ ليس في الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه، ولا
~~على صحة الحديث في نفسه.
# أما رؤية خط الشيخ بأني سمعت من فلان كذا، فلا يجوز مع ذلك الرواية عنه،
~~وسواء قال: هذا خطي، أو لم يقل، لأنه قد يكتب ما سمعه. ثم يشكك فيه، فلا بد
~~من التسليط من قبل الشيخ على الرواية عنه بطريقة، إذ ليس لأحد رواية ما شك ms307
~~في روايته إجماعا. وعلى هذا، فلو روى كتابا عن بعض المحدثين، وشك في حديث
~~واحد منه PageV02P101
# غير معين، لم تجز له روايته شئ منه، لأنه ما من واحد ومن تلك الأحاديث
~~إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك فيه. وكذلك، لو روى عن جماعة حديثا، وشك في
~~روايته عن بعضهم من غير تعيين، فليس له الرواية عن واحد منهم، لأنه ما من
~~واحد إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك في الرواية عنه. والرواية مع الشك
~~ممتنعة.
# نعم، لو غلب على ظنه رواية الحديث عن بعض المشايخ وسماعه منه، فهذا مما
~~اختلف فيه.
# فقال أبو حنيفة: لا تجوز روايته ولا العمل به، لأنه حكم على المروي عنه
~~بأنه حدثه به، فلا يجوز مع عدم العلم، كما في الشهادة، وقال الشافعي وأبو
~~يوسف ومحمد بن الحسن: تجوز له الرواية والعمل به،، لان ذلك مما يغلب على
~~الظن صحته. ولهذا، فإن آحاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا
~~يحملون كتب الرسول إلى أطراف البلاد في أمور الصدقات وغيرها، وكان يجب على
~~كل أحد الاخذ بها بإخبار حاملها أنها من كتب الرسول، وإن لم يكن ما فيها
~~مما سمعه الحامل، ولا المحمول إليه، لكونها مغلبة على الظن. ولا كذلك في
~~الشهادة، لأنه قد اعتبر فيها من الاحتياط، ما لم يعتبر مثله في الرواية،
~~كما ذكرناه فيما تقدم. وعلى هذا، فلو قال عدل من عدول المحدثين عن كتاب من
~~كتب الحديث، إنه صحيح، فالحكم في جواز الاخذ به والخلاف فيه، كما سبق فيما
~~إذا ظن أنه يرويه، مع الاتفاق على أنه لا تجوز روايته عنه، بخلاف ما إذا ظن
~~الرواية، عنه. PageV02P102
# القسم الرابع فيما اختلف في رد خبر الواحد به وفيه عشر مسائل المسألة
~~الأولى اختلفوا في نقل حديث النبي، صلى الله عليه وسلم، بالمعنى دون اللفظ.
# والذي عليه اتفاق الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والحسن البصري
~~وأكثر الأئمة أنه يحرم ذلك على الناقل، إذا كان غير عارف بدلالات الألفاظ
~~واختلاف مواقعها، ms308 وإن كان عالما بذلك، فالأولى له النقل بنفس اللفظ إذ هو
~~أبعد عن التغيير والتبديل وسوء التأويل. وإن نقله بالمعنى من غير زيادة في
~~المعنى، ولا نقصان منه، فهو جائز.
# ونقل عن ابن سيرين وجماعة من السلف وجوب نقل اللفظ على صورته.
# وهو اختيار أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة.
# ومنهم من فصل وقال بجواز إبدال اللفظ بما يرادفه، ولا يشتبه الحال فيه،
~~ولا يجوز بما عدا ذلك.
# والمختار مذهب الجمهور. ويدل عليه النص، والاجماع، والأثر، والمعقول.
# أما النص، فما روي ابن مسعود أن رجلا سأل النبي، صلى الله عليه وسلم،
~~وقال له: يا رسول الله، تحدثنا بحديث لا نقدر أن نسوقه كما سمعناه فقال صلى
~~الله عليه وسلم: إذا أصاب أحدكم المعنى، فليحدث وأيضا، فإن النبي، صلى الله
~~عليه وسلم، كان مقررا لآحاد رسله إلى البلاد في إبلاغ أوامره ونواهيه بلغة
~~المبعوث إليهم دون لفظ النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو دليل الجواز.
~~PageV02P103
# وأما الاجماع فما روي عن ابن مسعود أنه كان إذا حدث قال: قال رسول الله،
~~صلى الله عليه وسلم، هكذا، أو نحوه. ولم ينكر عليه منكر، فكان إجماعا.
# وأما الأثر فما روي عن مكحول أنه قال: دخلنا على واثلة بن الأسقع، فقلنا:
# حدثنا حديثا ليس فيه تقديم ولا تأخير فغضب وقال لا بأس إذا قدمت وأخرت
~~إذا أصبت المعنى.
# وأما المعقول فمن وجهين: الأول أن الاجماع منعقد على جواز شرح الشرع
~~للعجم بلسانهم، وإذا جاز الابدال بغير العربية في تفهيم المعنى، فالعربية
~~أولى.
# الثاني هو أنا نعلم أن اللفظ غير مقصود لذاته ونفسه، ولهذا، فإن النبي،
~~صلى الله عليه وسلم، كان يذكر المعنى في الكرات المتعددة بألفاظ مختلفة، بل
~~المقصود إنما هو المعنى، ومع حصول المعنى، فلا أثر لاختلاف اللفظ.
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول:
# أما النص فقوله صلى الله عليه وسلم: نضر الله امرأ سمع مقالتي، فوعاها
~~وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو ms309 أفقه
~~منه.
# وأما المعقول فمن وجهين: الأول أن العلماء بالعربية وأهل الاجتهاد، قد
~~يختلفون في معنى اللفظ الوارد مع اتحاده، حتى إن كل واحد منهم قد يتنبه منه
~~على ما لا يتنبه عليه الآخر. وعند ذلك، فالراوي وإن كان عالما بالعربية
~~واختلاف دلالات الألفاظ فقد يحمل اللفظ على معنى فهمه من الحديث مع الغفلة
~~عن غير ذلك. فإذا أتى بلفظ يؤدي المعنى الذي فهمه من اللفظ النبوي دون غيره
~~مع احتمال أن يكون ما أخل به هو المقصود، أو بعض المقصود، فلا يكون وافيا
~~بالغرض من اللفظ، وربما اختل المقصود من اللفظ بالكلية بتقدير تعدد النقلة
~~بأن ينقل كل واحد ما سمعه من الراوي الذي قبله بألفاظ غير ألفاظه على حسب
~~ما يعقله من لفظه، مع التفاوت اليسير في المعنى، حتى ينتهي المعنى الأخير
~~إلى مخالفة المعنى المقصود باللفظ النبوي بالكلية، وهو ممتع. PageV02P104
# الثاني: أن خبر النبي، صلى الله عليه وسلم، قول تعبدنا باتباعه، فلا يجوز
~~تبديله بغيره، كالقرآن وكلمات الاذان والتشهد والتكبير.
# والجواب عن النص من وجهين:
# الأول: القول بموجبه، وذلك لان من نقل معنى اللفظ من غير زيادة ولا نقصان
~~يصح أن يقال أدى ما سمع كما سمع ولهذا، يقال لمن ترجم لغة إلى لغة، ولم
~~يغير المعنى، أدى ما سمع كما سمع. ويدل على أن المراد من الخبر إنما هو نقل
~~المعنى دون اللفظ ما ذكره من التعليل، وهو اختلاف الناس في الفقه، إذ هو
~~المؤثر في اختلاف المعنى.
# وأما الألفاظ التي لا يختلف اجتهاد الناس في قيام بعضها مقام بعض، فذلك
~~مما يستوي فيه الفقيه والأفقه ومن ليس بفقيه، ولا يكون مؤثرا في تغيير
~~المعنى.
# الثاني: أن هذا الخبر بعينه يدل على جواز نقل الخبر بالمعنى دون اللفظ،
~~وذلك لان الظاهر أن الخبر المروي حديث واحد، والأصل عدم تكرره من النبي صلى
~~الله عليه وسلم. ومع ذلك فقد روي بألفاظ مختلفة، فإنه قد روي نضر الله
~~أمرا، ورحم الله امرأ، ورب حامل فقه غير فقيه وروي ms310 لا فقه له.
# وعن المعنى الأول من المعقول أن الكلام إنما هو مفروض في نقل المعنى من
~~غير زيادة ولا نقصان، حتى إنه لو ظهرت فيه الزيادة والنقصان لم يكن جائزا.
# وعن الثاني بالفرق بين ما نحن فيه وما ذكروه من الأصول المقيس عليها.
# أما القرآن فلان المقصود من ألفاظه الاعجاز، فتغييره مما يخرجه عن
~~الاعجاز، فلا يجوز. ولا كذلك الخبر، فإن المقصود منه المعنى دون اللفظ.
~~ولهذا، فإنه لا يجوز التقديم والتأخير في القرآن، وإن لم يختلف المعنى، كما
~~لو قال بدل اسجدي اركعي، واركعي واسجدي. ولا كذلك في الخبر.
# وأما كلمات الاذان والتشهد والتكبير، فالمقصود منها إنما هو التعبد بها.
~~وذلك لا يحصل بمعناها، والمقصود من الخبر هو المعنى دون اللفظ. كيف وإنه
~~ليس قياس الخبر على ما ذكروه أولى من قياسه على الشهادة حيث تجوز الشهادة
~~على شهادة الغير مع اتحاد المعنى، وإن كان اللفظ مختلفا. PageV02P105
# المسألة الثانية إذا أنكر الشيخ رواية الفرع عنه، فلا يخلو إما أن يكون
~~إنكاره لذلك إنكار جحود وتكذيب للفرع، أو إنكار نسيان وتوقف فإن كان الأول،
~~فلا خلاف في امتناع العمل بالخبر، لان كل واحد منهما مكذب للآخر فيما
~~يدعيه، ولا بد من كذب أحدهما، وهو موجب للقدح في الحديث.
# غير أن ذلك لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين، لان كل واحد منهما عدل،
~~وقد وقع الشك في كذبه. والأصل العدالة، فلا تترك بالشك. وتظهر فائدة ذلك في
~~قبول رواية كل واحد منهما في غير ذلك الخبر.
# وأما إن كان الثاني، فقد اختلفوا في قبول ذلك الخبر والعمل به:
# فذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه وأكثر المتكلمين
~~إلى جواز العمل به، خلافا للكرخي وجماعة من أصحاب أبي حنيفة ولأحمد بن حنبل
~~في الرواية الأخرى عنه. ودليله الاجماع، والمعقول.
# أما الاجماع، فما روي أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي
~~صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه ms311 قضى باليمين
~~مع الشاهد، ثم نسيه سهيل، فان يقول. حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي
~~هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ويرويه هكذا. ولم ينكر عليه أحد من
~~التابعين ذلك. فكان إجماعا منهم على جوازه. PageV02P106
# وأما المعقول فمن وجهين:
# الأول أن الفرع عدل، وهو جازم بروايته عن الأصل، والأصل غير مكذب له،
~~وهما عدلان، فوجب قبول الرواية والعمل بها.
# الثاني أن نسيان الأصل للرواية لا تزيد على موته وجنونه، ولو مات أو جن،
~~كانت رواية الفرع عنه مقبولة، ويجب العمل بها إجماعا، فكذلك، إذا نسي.
# فإن قيل: أما الاستدلال بقضية ربيعة، فلا حجة فيه، لاحتمال أن سهيلا ذكر
~~الرواية برواية ربيعة عنه، ومع الذكر فالرواية تكون مقبولة. ثم هو معارض
~~بما روي أن عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه أما تذكر يا
~~أمير المؤمنين، لما كنا في الإبل، فأجنبت فتمعكت في التراب، ثم سألت النبي،
~~صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما يكفيك أن تضرب بيديك فلم يقبل عمر من عمار
~~ما رواه، مع كونه عدلا عنده، لما كان ناسيا له.
# وأما ما ذكرتموه من المعقول، فالأصل وإن لم يكن مكذبا للفرع، غير أن
~~نسيانه لما نسب إليه يجب أن يكون مانعا من العمل به، كما لو ادعى مدع أن
~~الحاكم حكم له بشئ فقال الحاكم: لا أذكر ذلك، فأقام المدعي شاهدين شهدا
~~بذلك، فإنه لا يقبل. وكذلك إذا أنكر شاهد الأصل شهادة الفرع عليه على سبيل
~~النسيان، فإن الشهادة لا تقبل.
# والجواب عن قولهم إن سهيلا ذكر الرواية. قلنا: لو كان كذلك، لانطوى ذكر
~~ربيعة، وكان يروي عن شيخه، كما لو نسي، ثم تذكر بنفسه، وأما رد عمر لرواية
~~عمار عند نسيانه، فليس نظيرا لما نحن فيه. فإن عمارا لم يكن راويا عن عمر،
~~بل عن النبي، صلى الله عليه وسلم. وحيث لم يعمل عمر بروايته، فلعله كان
~~شاكا في روايته، أو كأن ذلك كان مذهبا له، فلا يكون حجة على غيره من
~~المجتهدين ms312 على ما سيأتي تقريره. PageV02P107
# وأما الحاكم إذا نسي ما حكم به، وشهد شاهدان بحكمه، فقد قال مالك وأبو
~~يوسف: يلزمه الحكم بشهادتهما. وعندنا، وإن لم يجب عليه ذلك، فهو واجب على
~~غيره من القضاة.
# وأما القياس على الشهادة، فلا يصح، لان باب الشهادة أضيق من باب الرواية،
~~وقد اعتبر فيها من الشروط والقيود ما لم يعتبر في الرواية، وذلك كاعتبار
~~العدد والحرية والذكورة، ولا يقبل فيها العنعنة، ولا تصح الشهادة على
~~الشهادة من وراء حجاب. ولو قال أعلم بدل قوله أشهد لا يصح، ولا كذلك في
~~الرواية، فامتنع القياس.
# المسألة الثالثة إذا روى جماعة من الثقات حديثا، وانفرد واحد منهم بزيادة
~~في الحديث لا تخالف المزيد عليه، كما لو روى جماعة أن النبي، صلى الله عليه
~~وسلم، دخل البيت، وانفرد واحد منهم بزيادة، فقال: دخل البيت وصلى، فلا يخلو
~~إما أن يكون مجلس الرواية مختلفا بأن يكون المنفرد بالزيادة روايته عن مجلس
~~غير مجلس الباقين، أو أن مجلس الرواية متحد، ويجهل الأمران.
# فإن كان المجلس مختلفا، فلا نعرف خلافا في قبول الزيادة، لاحتمال أن يكون
~~النبي، صلى الله عليه وسلم، قد فعل الزيادة في أحد المجلسين دون الآخر،
~~والراوي عدل ثقة، ولم يوجد ما يقدح في روايته، فكانت روايته مقبولة. ولهذا،
~~فإنه لو روى حديثا لم ينقله غيره مع عدم حضوره لم يقدح ذلك في روايته،
~~وكذلك لو شهد اثنان على شخص بألفي درهم لزيد في مجلس، وشهدت بينة أخرى عليه
~~في مجلس آخر بألف، لا يكون ذلك قادحا في الألف الزائدة، مع أن باب الشهادة
~~أضيق من باب الرواية، كما قررنا.
# وأما إن اتحد المجلس، فإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا
~~يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها، فلا يخفى أن تطرق
~~الغلط والسهو إلى الواحد فيما نقله من الزيادة، يكون أولى من تطرق ذلك إلى
~~العدد المفروض، PageV02P108
# فيجب ردها، وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد، فقد اتفق جماعة الفقهاء
~~والمتكلمين ms313 على وجوب قبول الزيادة، خلافا لجماعة من المحدثين ولأحمد بن
~~حنبل في إحدى الروايتين عنه.
# ودليل ذلك أن الراوي عدل ثقة، وقد جزم بالرواية، وعدم نقل الغير لها
~~فلاحتمال أن يكون من لم ينقل الزيادة قد دخل في أثناء المجلس وسمع بعض
~~الحديث أو خرج في أثناء المجلس لطارئ أوجب له الخروج قبل سماع الزيادة.
~~وبتقدير أن يكون حاضرا من أول المجلس إلى آخره، فلاحتمال أن يكون قد طرأ ما
~~شغله عن سماع الزيادة وفهمها من سهو أو ألم أو جوع أو عطش مفرط أو فكرة في
~~أمر مهم، أو اشتغال بحديث مع غيره والتفات إليه، أو أنه نسيها بعد ما
~~سمعها. ومع تطرق هذه الاحتمالات، وجزم العدل بالرواية، لا يكون عدم نقل
~~غيره للزيادة قادحا في روايته.
# فإن قيل: هذه الاحتمالات وإن كانت منقدحة في حق من لم يرو الزيادة،
~~فاحتمال الغلط والسهو على الناقل للزيادة أيضا منقدح. وذلك، بأن يتوهم أنه
~~سمع تلك الزيادة، ولم يكن قد سمعها، أو أنه سمعها من غير الرسول، وتوهم
~~سماعها من الرسول، أو أنه ذكرها على سبيل التفسير والتأويل، فظن السامع
~~أنها زيادة في الحديث المروي، وذلك، كما روى ابن عباس عن النبي، صلى الله
~~عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. قال ابن عباس: ولا أحسب
~~غير الطعام إلا كالطعام فأدرجه بعض الرواة في الحديث. وكذلك ما روي عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين
~~استؤنفت الفريضة فظن الراوي أن الاستئناف إعادة للفرض الأول في المائة
~~الأولى، فقال: في كل خمس شاة. وأدرج ذلك في كلام النبي، صلى الله عليه
~~وسلم. ومع تعارض الاحتمالات، فليس العمل بالزيادة أولى من تركها، بل
~~الترجيح بجانب الترك لوجهين: PageV02P109
# الأول: أن احتمال تطرق الغلط والسهو على الواحد أكثر من احتمال تطرقه إلى
~~الجماعة.
# الثاني أن الترك على وفق النفي الأصلي، والاثبات على خلافه، فكان أولى،
~~ولهذا، فإنه لو اجتمع المقومون على قيمة متلف، وخالفهم واحد ms314 بزيادة في
~~تقويمه في القيمة، فإن الزيادة تلغى بالاجماع.
# والجواب عما عارضوا به من السهو في حق راوي الزيادة، أنه وإن كان منقدحا،
~~غير أن ما ذكرناه من الاحتمالات في حق من لم يرو الزيادة أكثر، ولأن سهو
~~الانسان عما سمعه يكون أكثر من سهوه فيما لم يسمعه أنه سمعه.
# وما ذكروه من الزيادة بناء على احتمال التفسير والتأويل، وإن كان قائما،
~~غير أنه في غاية البعد، إذ الظاهر من حال العدل الثقة أنه لا يدرج في كلام
~~النبي، صلى الله عليه وسلم، ما ليس فيه، لما فيه من التدليس والتلبيس. ولو
~~جوز مثل ذلك فما من حديث إلا ويمكن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال. ويلزم من
~~ذلك إبطال جميع الأحاديث.
# وما ذكروه من الترجيح الأول فغير مطرد فيما إذا كان عدد الناقل للزيادة
~~مساويا لعدد الآخرين، وهو من جملة صور النزاع وبتقدير أن يكون أكثر، فقد
~~بينا أن الترجيح بجانب الواحد.
# وما ذكروه من الترجيح الثاني فهو معارض بما إذا كانت الزيادة مقتضية لنفي
~~حكم، لولاها لثبت. وأما التقويم فحاصله يرجع إلى ظن وتخمين، بطريق
~~الاجتهاد. ولا يخفى أن تطرق الخطأ في ذلك إلى الواحد أكثر من تطرقه إلى
~~الجمع، بخلاف الرواية، فإنها لا تكون إلا بنقل ما هو محسوس بالسمع، وتطرق
~~الخطأ إليه بعيد.
# وأما إن جهل الحال في أن الرواية عن مجلس واحد أو مجالس مختلفة، فالحكم
~~على ما سبق فيما إذا اتحد المجلس، وقبول الزيادة فيه أولى، نظرا إلى احتمال
~~اختلاف مجلس الرواية.
# هذا كله فيما إذا لم تكن الزيادة مخالفة للمزيد عليه PageV02P110
# وأما إن كانت مخالفة له، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فالظاهر التعارض
~~خلافا لبعض المعتزلة. وعلى هذا، لو روى الواحد الزيادة مرة، وأهملها مرة،
~~في حديث واحد، فالتفصيل والحكم على ما تقدم فيما إذا تعددت الرواة. فعليك
~~بالاعتبار.
# وكذلك الخلاف فيما إذا أسند الخبر واحد، وأرسله الباقون، أو رفعه إلى
~~النبي، صلى الله عليه وسلم، وأوقفه الباقون على بعض الصحابة.
# المسألة الرابعة إذا ms315 سمع الراوي خبرا وأراد نقل بعضه وحذف بعضه، فلا يخلو
~~إما أن يكون الخبر متضمنا لاحكام لا يتعلق بعضها ببعض، أو يتعلق بعضها
~~ببعض.
# فإن كان الأول كقوله المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد
~~عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم فلا نعرف خلافا في جواز نقل البعض وترك
~~البعض. فإن ذلك بمنزلة أخبار متعددة، ومن سمع أخبارا متعددة، فله رواية
~~البعض دون البعض، وإن كان الأولى إنما هو نقل الخبر بتمامه، لقوله، صلى
~~الله عليه وسلم: نضر الله امرأ سمع مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها.
# وإن كان الثاني، وذلك بأن يكون الخبر مشتملا على ذكر غاية. كنهيه صلى
~~الله عليه وسلم عن بيع الطعام، حتى تحوزه التجار إلى رحالهم وكنهيه عن بيع
~~الثمار حتى تزهى، أو شرط كقوله من قاء أو رعف أو أمذى، فليتوضأ وضوءه
~~للصلاة، أو استثناء: كقوله: لا تبيعوا البر بالبر إلى قوله إلا سواء بسواء
~~مثلا بمثل فإذا ذكر بعض الخبر. وقطعه عن الغاية أو الشرط أو الاستثناء فهو
~~غير جائز لما فيه من تغيير الحكم وتبديل الشرع. PageV02P111
# المسألة الخامسة خبر الواحد إذا ورد موجبا للعمل فيما تعم به البلوى كخبر
~~ابن مسعود في نقض الوضوء بمس الذكر، وخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند
~~القيام من نوم الليل، وخبره في رفع اليدين في الركوع، والاكل في الصوم
~~ناسيا ونحوه، مقبول عند الأكثرين، خلافا للكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة.
# دليل ذلك النص، والاجماع، والمعقول، والالزام:
# وأما النص، فقوله تعالى: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في
~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122)
~~أوجب الانذار على كل طائفة خرجت للتفقه في الدين، وإن كانت آحادا، وهو مطلق
~~فيما تعم به البلوى، وما لا تعم. ولولا أنه واجب القبول لما كان لوجوبه
~~فائدة، وتقريره كما سبق، وأما الاجماع فهو أن الصحابة اتفقت على العمل بخبر
~~الواحد فيما تعم به البلوى.
# فمن ذلك ما روي عن ابن عمر أنه قال كنا نخابر ms316 أربعين سنة لا نرى بذلك
~~بأسا، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى عن ذلك،
~~فانتهينا ومن ذلك رجوع الصحابة بعد اختلافهم في وجوب الغسل بالتقاء
~~الختانين من غير إنزال، إلى خبر عائشة وهو قولها إذا التقى الختانان، وجب
~~الغسل، أنزل أو لم ينزل، فعلته أنا ورسول الله، صلى الله عليه وسلم،
~~واغتسلنا ومن ذلك رجوع أبي بكر وعمر في سدس الجدة لما قال لها لا أجد لك في
~~كتاب الله شيئا خبر المغيرة، وهو قوله إن النبي، صلى الله عليه وسلم،
~~أطعمها السدس، وصار ذلك إجماعا.
# وأما المعقول، فمن وجهين: PageV02P112
# الأول أن الراوي عدل ثقة، وهو جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه، وذلك
~~يغلب على الظن صدقه، فوجب تصديقه كخبره فيما لا تعم به البلوى.
# الثاني أنه يغلب على الظن، فكان واجب الاتباع، كالقياس، والمسألة ظنية،
~~فكان الظن فيها حجة.
# وأما الالزام فهو أن الوتر وحكم الفصد والحجامة والقهقهة في الصلاة ووجوب
~~الغسل من غسل الميت وإفراد الإقامة وتثنيتها فمن قبيل ما تعم به البلوى،
~~ومع ذلك فقد أثبتها الخصوم بأخبار الآحاد فإن قيل لا نسلم إجماع الصحابة
~~على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، فإن أبا بكر رد خبر المغيرة في
~~الجدة وما ذكرتموه من المعقول فمبني على أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى
~~مظنون، وليس كذلك. وبيانه من وجهين.
# الأول: أن ما تعم به البلوى، كخروج الخارج من السبيلين، ومس الذكر، مما
~~يتكرر في كل وقت. فلو كانت الطهارة مما تنتقض به، لوجب على النبي صلى الله
~~عليه وسلم، إشاعته وأن لا يقتصر على مخاطبة الآحاد به، بل يلقيه على عدد
~~التواتر مبالغة في إشاعته، حتى لا يفضي ذلك إلى إبطال صلاة أكثر الخلق، وهم
~~لا يشعرون، فحيث لم ينقله سوى الواحد دل على كذبه.
# الثاني: أن ذلك مما يكثر السؤال عنه، والجواب والدواعي متوفرة على نقله.
# فحيث انفرد به الواحد دل على كذبه، كانفراد الواحد بنقل قتل أمير ms317 البلد
~~في السوق بمشهد من الخلق وطروء حادثة منعت الناس من صلاة الجمعة، وإن
~~الخطيب سب الله ورسوله على رأس المنبر، إلى غير ذلك من الوقائع. ولهذا،
~~فإنه لما كان القرآن مما تعم به البلوى بمعرفته امتنع إثباته بخبر الواحد.
# وأما ما ذكرتموه من الالزامات فغير مساوية في عموم البلوى لمس الذكر، فلا
~~تكون في معناه.
# والجواب: عن رد أبي بكر بخبر المغيرة في الجدة أنه لم يكن مطلقا. ولهذا
~~عمل به لما تابعه على ذلك محمد بن مسلمة، وخبرهما غير خارج عن الآحاد.
~~PageV02P113
# وما ذكروه في الوجه الأول من التكذيب فإنما يصح أن لو كان النبي، صلى
~~الله عليه وسلم، مكلفا بالإشاعة على لسان أهل التواتر، وهو غير مسلم.
# قولهم إنه يلزم من عدم ذلك إبطال صلاة أكثر الخلق، لا نسلم فإن من لم
~~يبلغه ذلك، فالنقض غير ثابت في حقه. ولا تكليف بمعرفة ما يقم عليه دليل.
# وما ذكروه في الوجه الثاني فإنما يلزم توفر الدواعي على نقله إن لو كان
~~لا طريق إلى إثباته سوى النقل المتواتر. وأما إذا كان طريق معرفة ذلك إنما
~~هو الظن، فخبر الواحد كاف فيه. ولهذا، جاز إثباته بالقياس إجماعا، وما
~~استشهدوا به من الوقائع فغير مناظرة لما نحن فيه، إذ الطباع مما تتوفر على
~~نقلها وإشاعتها عادة، فانفراد الواحد يدل على كذبه.
# ثم ما ذكروه من الوجهين منتقض عليهم، حيث عملوا بأخبار الآحاد فيما
~~ذكرناه من صور الالزام، ومس الذكر وإن كان أعم في الوقوع من تلك الصور،
~~فذلك لا يخرج تلك الصورة عن كونها واقعة في عموم البلوى.
# وأما القرآن فإنما امتنع إثباته بخبر الواحد، لا لأنه مما تعم به البلوى،
~~بل لأنه المعجز في إثبات نبوة النبي، صلى الله عليه وسلم، وطريق معرفته
~~متوقف على القطع. ولذلك وجب على النبي إشاعته وإلقاؤه على عدد التواتر. ولا
~~كذلك ما نحن فيه. فإن الظن كاف فيه. ولذلك، يجوز إثباته بالقياس، وما عدا
~~القرآن مما أشيع إشاعة اشترك فيها الخاص والعام، كالعبادات ms318 الخمس، وأصول
~~المعاملات كالبيع والنكاح والطلاق والعتاق، وغير ذلك من الاحكام مما كان
~~يجوز أن لا يشيع، فذلك إما بحكم الاتفاق، وإما لأنه، صلى الله عليه وسلم،
~~كان متعبدا بإشاعته. والله أعلم. PageV02P114
# المسألة السادسة إذا روى الصحابي خبرا، فلا يخلو إما أن يكون مجملا، أو
~~ظاهرا، أو نصا قاطعا في متنه.
# فإن كان مجملا مشتركا بين محامل على السوية، كلفظ القروء ونحوه، فإن حمله
~~الراوي على بعض محامله، فإن قلنا إن اللفظ المشترك ظاهر العموم في جميع
~~محامله، كما سيأتي تقريره، فهو القسم الثاني، وسيأتي الكلام فيه. وإن قلنا
~~بامتناع حمله على جميع محامله، فلا نعرف خلافا في وجوب حمل الخبر على ما
~~حمله الراوي عليه، لان الظاهر من حال النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه لا
~~ينطق باللفظ المجمل، لقصد التشريع وتعريف الاحكام، ويخليه عن قرينة حالية
~~أو مقالية تعين المقصود من الكلام. والصحابي الراوي المشاهد للحال أعرف
~~بذلك من غيره، فوجب الحمل عليه. ولا يبعد أن يقال بأن تعيينه لا يكون حجة
~~على غيره من المجتهدين، حتى ينظر، فإن انقدح له وجه يوجب تعيين غير ذلك
~~الاحتمال، وجب عليه اتباعه، وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح، فيجب اتباعه.
# وأما إن كان اللفظ ظاهرا في معنى، وحمله الراوي على غيره، فمذهب الشافعي
~~وأبي الحسين الكرخي وأكثر الفقهاء أنه يجب الحمل على ظاهر الخبر دون، تأويل
~~الراوي:
# ولهذا، قال الشافعي كيف أترك الخبر لأقوال أقوام، لو عاصرتهم لحاججتهم
~~بالحديث؟
# وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة وغيرهم إلى وجوب العمل بمذهب الراوي.
# وقال القاضي عبد الجبار إن لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه، سوى علمه
~~بقصد النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك التأويل، وجب المصير إليه. وإن لم
~~يعلم ذلك بل جوز أن يكون قد صار إليه لدليل ظهر له، من نص أو قياس وجب
~~النظر إلى ذلك الدليل، فإن كان مقتضيا لما ذهب إليه، وجب المصير إليه، وإلا
~~فلا. وهذا اختيار أبي الحسين البصري.
# والمختار أنه إن علم مأخذه في المخالفة، وكان ms319 ذلك مما يوجب حمل الخبر على
~~ما ذهب إليه الراوي، وجب اتباع ذلك الدليل، لا لان الراوي عمل به، فإنه ليس
~~عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر. PageV02P115
# وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر اللفظ، وذلك لان الراوي عدل، وقد جزم
~~بالرواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو الأصل في وجوب العمل بالخبر،
~~ومخالفة الراوي له، فيحتمل أنه كان لنسيان طرأ عليه، ويحتمل أنه كان لدليل
~~اجتهد فيه، وهو مخطئ فيه، أو هو مما يقول به دون غيره من المجتهدين، كما
~~عرف من مخالفة مالك، لخبر خيار المجلس، بما رآه من إجماع أهل المدينة على
~~خلافه. ويحتمل أنه علم ذلك علما لا مراء فيه، من قصد النبي له.
# وإذا تردد بين هذه الاحتمالات، فالظاهر لا يترك بالشك والاحتمال. وعلى كل
~~تقدير فبمخالفته للخبر، لا يكون فاسقا، حتى يمتنع العمل بروايته. وبهذا،
~~يندفع قول الخصم إنه إن أحسن الظن بالراوي وجب حمل الخبر على ما حمله عليه،
~~وإن أسيئ به الظن امتنع العمل بروايته.
# وأما إن كان الخبر نصا في دلالته، غير محتمل للتأويل والمخالفة، فلا وجه
~~لمخالفة الراوي له، سوى احتمال اطلاعه على ناسخ، ولعله يكون ناسخا في نظره،
~~ولا يكون ناسخا عند غيره من المجتهدين. وما ظهر في نظره لا يكون حجة على
~~غيره.
# وإذا كان ذلك محتملا، فلا يترك النص الذي لا احتمال فيه، لأمر يحتمل.
# المسألة السابعة خبر الواحد العدل، إذا ثبت أن النبي، صلى الله عليه
~~وسلم، عمل بخلافه، فلا يرد له الخبر،، إن لم يكن النبي، صلى الله عليه
~~وسلم، داخلا تحت عمومه، أو كان داخلا تحت عمومه، لكنه قام الدليل على أن ما
~~فعله من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد وإن لم يكن من خواصه فيجب العمل
~~بالراجح من الفعل أو الخبر، إن تعذر تخصيص أحدهما بالآخر. وإن عمل بخلافه
~~أكثر الأمة، فهم بعض الأمة، فلا يرد الخبر بذلك إجماعا، وإن خالف باقي
~~الحفاظ للراوي فيما نقله. فالمختار الوقف في ذلك نظرا إلى ms320 أن تطرق السهو
~~والخطأ إلى الجماعة، وإن كان أبعد من تطرقه إلى الواحد، غير أن تطرق السهو
~~إلى ما لم يسمع أنه سمع أبعد من تطرق السهو إلى ما سمع أنه لم يسمع.
~~PageV02P116
# المسألة الثامنة اتفقت الشافعية والحنابلة وأبو يوسف وأبو بكر الرازي من
~~أصحاب أبي حنيفة، وأكثر الناس على قبول خبر الواحد فيما يوجب الحد، وفي كل
~~ما يسقط بالشبهة، خلافا لأبي عبد الله البصري والكرخي. ودليل ذلك أنه يغلب
~~على الظن، فوجب قبوله لقوله، صلى الله عليه وسلم: نحن نحكم بالظاهر، والله
~~يتولى السرائر ولأنه حكم يجوز إثباته بالظن، بدليل ثبوته بالشهادة، وبظاهر
~~الكتاب، فجاز إثباته بخبر الواحد كسائر الاحكام الظنية، والمسألة ظنية،
~~فكان الظن كافيا فيها. وسقوطه بالشبهة لو كان، لكان مانعا من الأعمال،
~~والأصل عدم ذلك، وعلى من يدعيه بيانه.
# فإن قيل: خبر الواحد مما يدخله احتمال الكذب، فكان ذلك شبهة في درء الحد،
~~لقوله، صلى الله عليه وسلم ادرؤوا الحدود بالشبهات فهو باطل بإثباته
~~بالشهادة، فإنها محتملة للكذب، ومع ذلك يثبت بها. PageV02P117
# المسألة التاسعة خبر الواحد، إذا خالف القياس، فإما أن يتعارضا من كل وجه
~~بأن يكون أحدهما مثبتا لما نفاه الآخر، أو من وجه دون وجه، بأن يكون أحدهما
~~مخصصا للآخر.
# فإن كان الأول، فقد قال الشافعي، رضي الله عنه، وأحمد بن حنبل، والكرخي،
~~وكثير من الفقهاء أن الخبر مقدم على القياس.
# وقال أصحاب مالك: يقدم القياس. وقال عيسى بن أبان: إن كان الراوي ضابطا
~~عالما غير متساهل فيما يرويه، قدم خبره على القياس، وإلا فهو موضع اجتهاد.
# وفضل أبو الحسين البصري، فقال: علة القياس الجامعة أن تكون منصوصة أو
~~مستنبطة: فإن كانت منصوصة، فالنص عليها إما أن يكون مقطوعا به، أو غير
~~مقطوع: فإن كان مقطوعا به، وتعذر الجمع بينهما، وجب العمل بالعلة، لان النص
~~على العلة كالنص على حكمها، وهو مقطوع به،، وخبر الواحد مظنون، فكانت
~~مقدمة.
# وإن لم يكن النص على العلة مقطوعا به، ولا حكمها في الأصل مقطوعا به،
~~فيجب ms321 الرجوع إلى خبر الواحد لاستواء النصين في الظن، واختصاص خبر الواحد
~~بالدلالة على الحكم بصريحه من غير واسطة، بخلاف النص الدال على العلة فإنه
~~إنما يدل على الحكم بواسطة العلة، وإن كان حكمها ثابتا قطعا فذلك موضع
~~الاجتهاد.
# وإن كانت العلة مستنبطة فحكم الأصل إما أن يكون ثابتا بخبر واحد أو بدليل
~~مقطوع به: فإن كان ثابتا بخبر واحد فالأخذ بالخبر أولى، وإن كان ثابتا
~~قطعا، قال فينبغي أن يكون هذا موضع الاختلاف بين الناس. ومختاره أنه مجتهد
~~فيه وقال القاضي أبو بكر بالوقف.
# والمختار في ذلك أن يقال: إما أن يكون متن خبر الواحد قطعيا، أو ظنيا:
# فإن كان متنه قطعيا، فعلة القياس إما أن تكون منصوصة، أو مستنبطة فإن
~~كانت منصوصة وقلنا إن التنصيص على علة القياس لا يخرجه عن القياس - فالنص
~~PageV02P118
# الدال عليها إما أن يكون مساويا في الدلالة لخبر الواحد، أو راجحا عليه،
~~أو مرجوحا:
# فإن كان مساويا فخبر الواحد أولى لدلالته على الحكم من غير واسطة، ودلالة
~~نص العلة على حكمها بواسطة.
# وإن كان مرجوحا، فخبر الواحد أولى مع دلالته على الحكم من غير واسطة وإن
~~كان راجحا على خبر الواحد، فوجود العلة في الفزع إما أن يكون مقطوعا به أو
~~مظنونا: فإن كان مقطوعا، فالمصير إلى القياس أولى، وإن كان وجودها فيه
~~مظنونا، فالظاهر الوقف، لان نص العلة، وإن كان في دلالته على العلة راجحا،
~~غير أنه إنما يدل على الحكم بواسطة العلة، وخبر الواحد لا بواسطة، فاعتدلا.
# وأما إن كانت العلة مستنبطة، فالخبر مقدم على القياس مطلقا.
# ودليله النص، والاجماع، والمعقول.
# أما النص فما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال لمعاذ، حيث بعثه
~~إلى اليمن قاضيا بم تحكم؟ - قال: بكتاب الله - قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة
~~رسول الله - قال: فإن لم تجد؟
# قال أجتهد رأيي، ولا آلو، أخر العمل بالقياس عن السنة من غير تفصيل بين
~~المتواتر والآحاد. والنبي صلى الله عليه وسلم، أقره على ذلك، وقال: الحمد
~~لله ms322 الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه الله ورسوله.
# وإما الاجماع، فهو أن عمر، رضي الله عنه ترك القياس في الجنين لخبر حمل
~~بن مالك، وقال: لولا هذا، لقضينا فيه برأينا وأيضا ما روي عنه أنه ترك
~~القياس، في تفريق دية الأصابع على قدر منافعها، بخبر الواحد الذي روى فكل
~~إصبع عشر من الإبل، وترك اجتهاده.
# وأيضا، فإنه ترك اجتهاده في منع ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الواحد،
~~وقال:
# أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وكان ذلك مشهورا
~~فيما بين الصحابة، ولم ينكر عليه منكر، فصار إجماعا. PageV02P119
# وأما المعقول، فهو أن خبر الواحد راجح على القياس، وأغلب على الظن، فكان
~~مقدما عليه. وبيان ذلك أن الاجتهاد في الخبر واحتمال الخطأ فيه أقل من
~~القياس، لان خبر الواحد لا يخرج الاجتهاد فيه عن عدالة الراوي، وعن دلالته
~~على الحكم، وعن كونه حجة معمولا بها، فهذه ثلاثة أمور.
# وأما القياس فإنه إن كان حكم أصله ثابتا بخبر الواحد، فهو مفتقر إلى
~~الاجتهاد في الأمور الثلاثة. وبتقدير أن يكون ثابتا بدليل مقطوع به، فيفتقر
~~إلى الاجتهاد في كون الحكم في الأصل مما يمكن تعليله أو لا. وبتقدير إمكان
~~تعليله، فيفتقر إلى الاجتهاد في إظهار وصف صالح للتعليل. وبتقدير ظهور وصف
~~صالح يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض له في الأصل. وبتقدير سلامته عن
~~ذلك، يفتقر إلى الاجتهاد في وجوده في الفرع. وبتقدير وجوده فيه، يفتقر إلى
~~الاجتهاد في نفي المعارض في الفرع من وجود مانع أو فوات شرط. وبتقدير
~~انتفاء ذلك، يحتاج إلى النظر في كونه حجة.
# فهذه سبعة أمور لا بد من النظر فيها. وما يفتقر في دلالته إلى بيان ثلاثة
~~أمور لا غير، فاحتمال الخطأ فيه يكون أقل احتمالا من احتمال الخطأ فيما
~~يفتقر في بيانه إلى سبعة أمور. فكان خبر الواحد أولى.
# وربما قيل في ترجيح خبر الواحد هاهنا وجوه أخر واهية آثرنا الاعراض عن
~~ذكرها، لظهور فسادها بأول نظر.
# فإن قيل: أما ما ذكرتموه من خبر ms323 معاذ، فقد خالفتموه فيما إذا كانت العلة
~~الجامعة في القياس مقطوعا بعليتها وبوجودها في الفرع، كما تقدم.
# وما ذكرتموه من الاجماع على تقديم خبر الواحد على القياس، فغير مسلم. فإن
~~ابن عباس قد خالف في ذلك حيث إنه لم يقبل خبر أبي هريرة فيما رواه عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم من قوله: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في
~~الاناء حتى يغسلها ثلاثا لكونه مخالفا للقياس.
# وأيضا فإنه رد خبر أبي هريرة في التوضي مما مست النار بالقياس وقال:
~~ألسنا نتوضأ بماء الحميم، فكيف نتوضأ بما عنه نتوضأ؟. PageV02P120
# وأما ما ذكرتموه من الترجيح، فهو معارض لما يتطرق إلى الخبر من احتمال
~~كذب الراوي، وأن يكون في نفسه كافرا أو فاسقا أو مخطئا. واحتمال الاجمال في
~~دلالة الخبر والتجوز والاضمار والنسخ، وكل ذلك غير متطرق إلى القياس.
# وأيضا، فإن القياس يجوز به تخصيص عموم الكتاب، وهو أقوى من خبر الواحد،
~~فكان ترك خبر الواحد بالقياس أولى، وأيضا، فإن الظن بالقياس يحصل للمجتهد
~~من جهة نفسه واجتهاده، والظن الحاصل من خبر الواحد يحصل له من جهة غيره.
~~وثقة الانسان بنفسه أتم من ثقته بغيره.
# وأيضا، فإن خبر الواحد، بتقدير إكذاب المخبر لنفسه، يخرج الخبر عن كونه
~~شرعيا، ولا كذلك القياس.
# والجواب: قولهم إنكم خالفتم خبر معاذ، قلنا: غايته أنا خصصناه في صورة
~~لمعنى لم يوجد فيما نحن فيه، فبقينا عاملين بعمومه فيما عدا تلك الصورة.
# قولهم إن ابن عباس قد رد خبر أبي هريرة بالقياس فيما ذكروه، ليس كذلك.
# أما رده لخبر غسل اليدين، فإنما يمكن الاحتجاج به، أن لو كان قد رده
~~لمخالفة القياس المقتضي لجواز غسل اليدين من ذلك الاناء، وليس كذلك.
# أما أولا، فلانا لا نسلم وجود القياس المقتضي لذلك. وبتقدير تسليمه، فهو
~~إنما رده لا للقياس، بل لأنه لا يمكن الاخذ به. ولهذا قال ابن عباس: فماذا
~~تصنع بالمهراس. والمهراس كان حجرا عظيما يصب فيه الماء لأجل الوضوء.
~~فاستبعد الاخذ بالخبر لاستبعاده صب الماء من ms324 المهراس على اليد. وقد وافق
~~ابن عباس على ما تخيله من الاستبعاد عائشة حيث قالت: رحم الله أبا هريرة
~~لقد كان رجلا مهذارا، فماذا يصنع بالمهراس؟.
# وأما تركه لخبر التوضي مما مست النار، فلم يكن بالقياس، بل بما روي عن
~~النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه أكل كتف شاة مصلية، وصلى، ولم يتوضأ. ثم
~~ذكر القياس بعد معارضته بالخبر. PageV02P121
# وأما ما ذكروه من ترجيحات القياس على خبر الواحد فمندفعة.
# أما تطرق احتمال الكذب والكفر والفسق والخطأ إلى الراوي، وإن كان منقدحا،
~~فمثله متطرق إلى دليل حكم الأصل، إذا كان ثابتا بخبر الواحد. وهو من جملة
~~صور النزاع. وبتقدير ثبوته بدليل مقطوع به، فلا يخفى أن تطرق ذلك إلى من
~~ظهرت عدالته وإسلامه أبعد من تطرق الخطأ إلى القياس في اجتهاده فيما ذكرناه
~~من احتمالات الخطأ في القياس، لكونه معاقبا على الكذب والكفر والفسق، بخلاف
~~الخطأ في الاجتهاد، فإنه غير معاقب عليه، بل مثاب.
# وما ذكروه من تطرق التجوز والاشتراك والنسخ إلى خبر الواحد، فذلك مما لا
~~يوجب ترجيح القياس عليه، بدليل الظاهر من الكتاب والسنة المتواترة. فإن
~~جميع ذلك متطرق إليه، وهو مقدم على القياس.
# قولهم إن القياس يجوز تخصيص عموم الكتاب به، قلنا: وكذلك خبر الواحد، فلا
~~ترجيح من هذه الجهة. كيف وإنه لا يلزم من تخصيص الكتاب بالقياس، مع أنه غير
~~معطل للكتاب، أن يكون معطلا لخبر الواحد بالكلية، إذ الكلام مفروض فيما إذا
~~تعارضا وتعذر الجمع بينهما وقولهم إن الظن من القياس يحصل له من جهة نفسه،
~~بخلاف خبر الواحد، قلنا:
# إلا أن تطرق الخطأ إليه أقرب من تطرقه إلى خبر الواحد لما سبق تقريره.
# وقولهم إن الخبر يخرج عن كونه شرعيا بإكذاب المخبر لنفسه بخلاف القياس.
# قلنا: وبتقدير الخطأ في القياس يخرج عن كونه قياسيا شرعيا، فاستويا. كيف
~~وإن الترجيح للخبر من جهات أخرى غير ما ذكرناها أولا، وهو أنه مستند إلى
~~كلام المعصوم، بخلاف القياس، فإنه مستند إلى اجتهاد المجتهد، وهو غير
~~معصوم.
# وأيضا، فإن ms325 القياس مفتقر إلى جنس النص في إثبات حكم الأصل، وفي كونه حجة،
~~وخبر الواحد غير مفتقر إلى شرف القياس. وأيضا فان خبر الواحد يصير قطعيا
~~بما يعتضد بمن جنسه حتى يصير متواترا.
# ولا كذلك القياس، فإنه لا ينتهي إلى القطع بما يعتضد به من جنس الأقيسة
~~أصلا، فكان أولى. PageV02P122
# هذا كله فيما إذا تعارضا، وتعذر الجمع بينهما.
# وأما إن كان أحدهما أعم من الآخر، فإن كان الخبر هو الأعم، جاز أن يكون
~~القياس مخصصا له، على ما سيأتي في تخصيص العموم. وإن كان القياس أعم من خبر
~~الواحد، فإن قلنا: إن العلة لا تبطل بتقدير تخصيصها، وجب العمل بخبر الواحد
~~فيما دل عليه، وبالقياس فيما عدا ذلك جمعا بينهما. وإن قلنا بأن العلة تبطل
~~بتقدير تخصيصها، فالحكم فيها على ما عرف فيما إذا تعذر الجمع بين القياس
~~وخبر الواحد.
# المسألة العاشرة.
# اختلفوا في قبول الخبر المرسل، وصورته، ما إذا قال من لم يلق النبي، صلى
~~الله عليه وسلم، وكان عدلا قال رسول الله فقبله أبو حنيفة، ومالك، وأحمد بن
~~حنبل في أشهر الروايتين عنه، وجماهير المعتزلة، كأبي هاشم.
# وفصل عيسى بن أبان، فقبل مراسيل الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين،
~~ومن هو من أئمة النقل مطلقا، دون من عدا هؤلاء.
# وأما الشافعي، رضي الله عنه، فإنه قال: إن كان المرسل من مراسيل الصحابة
~~أو مرسلا قد أسنده غير مرسله أو أرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول، أو
~~عضده قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم، أو أن يكون المرسل قد عرف من حاله
~~أنه لا يرسل عمن فيه علة من جهالة أو غيرها، كمراسيل ابن المسيب، فهو
~~مقبول، وإلا فلا. ووافقه على ذلك أكثر أصحابه، والقاضي أبو بكر وجماعة من
~~الفقهاء.
# والمختار قبول مراسيل العدل مطلقا. ودليله الاجماع، والمعقول.
# أما الاجماع فهو أن الصحابة والتابعين أجمعوا على قبول المراسيل من
~~العدل: PageV02P123
# أما الصحابة فإنهم قبلوا أخبار عبد الله بن عباس، مع كثرة روايته. وقد
~~قيل إنه لم يسمع من رسول ms326 الله صلى الله عليه وسلم. سوى أربعة أحاديث، لصغر
~~سنه. ولما روى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، إنما الربا في النسيئة، وأن
~~النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يزل يلبي حتى رمى حجر العقبة. قال في الخبر
~~الأول، لما روجع فيه: أخبرني به أسامة بن زيد. وقال في الخبر الثاني:
~~أخبرني به أخي الفضل بن عباس.
# وأيضا ما روى ابن عمر، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من صلى
~~على جنازة، فله قيراط وأسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة. وأيضا ما روى أبو
~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم
~~له وقال: ما أنا قلته، ورب الكعبة ولكن محمد قاله فلما روجع فيه، قال:
~~حدثني به الفضل بن عباس.
# وأيضا ما روي عن البراء بن عازب أنه قال: ما كل ما نحدثكم به سمعناه من
~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولكن سمعنا بعضه، وحدثنا أصحابنا ببعضه.
# وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الاخبار. ويدل على ذلك ما روي عن
~~الأعمش أنه قال: قلت لإبراهيم النخعي إذا حدثتني فأسند. فقال: إذا قلت لك
~~حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك: حدثني عبد الله، فقد
~~حدثني جماعة عنه.
# وأيضا ما روي عن الحسن أنه روى حديثا، فلما روجع فيه قال أخبرني به سبعون
~~بدريا، ويدل على ذلك ما اشتهر من إرسال ابن المسيب والشعبي وغيرهما. ولم
~~يزل ذلك مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير. فكان إجماعا.
~~PageV02P124
# وأما المعقول فهو أن العدل الثقة إذا قال: قال رسول الله، صلى الله عليه
~~وسلم، كذا، مظهرا للجزم بذلك، فالظاهر من حاله أنه لا يستجيز ذلك إلا وهو
~~عالم أو ظان أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ذلك. فإنه لو كان ظانا أن
~~النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يقله، أو كان شاكا فيه، لما استجاز في دينه
~~النقل الجازم عنه، لما فيه من الكذب ms327 والتدليس على المستمعين. وذلك يستلزم
~~تعديل من روى عنه. وإلا لما كان عالما ولا ظانا بصدقه في خبره.
# فإن قيل: لا نسلم الاجماع، ودليله من جهة الاجمال والتفصيل:
# أما الاجمال فهو أن المسألة اجتهادية، والاجماع قاطع، فلا يساعد في مسائل
~~الاجتهاد.
# وأما من جهة التفصيل فهو أن غاية ما ذكر مصير بعض الصحابة أو التابعين
~~إلى الارسال، وليس في ذلك ما يدل على إجماع الكل.
# قولكم: لم ينكر ذلك منكر لا نسلم ذلك. ولهذا، باحثوا ابن عباس وابن عمر
~~وأبا هريرة في ذلك، حتى أسند كل واحد ما أخبر به. وقال ابن سيرين: لا نأخذ
~~بمراسيل الحسن وأبي العالية. وإن سلمنا عدم النكير فغايته أنهم سكتوا.
~~والسكوت لا يدل على الموافقة، لما سبق تقريره في مسائل الاجماع. سلمنا
~~الموافقة، غير أن الارسال المحتج بوقوعه، إنما وقع من الصحابة والتابعين.
~~ونحن نقول بذلك، لان الصحابي والتابعي إنما يروي عن الصحابي، والصحابة عدول
~~على ما سبق تحقيقه. PageV02P125
# وأما ما ذكرتموه من المعقول فلا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل
~~للمروي عنه، وذلك لأنه قد يروي الشخص عمن لو سئل عنه، لجرحه، أو توقف فيه،
~~فالراوي ساكت عن التعديل والجرح، والسكوت عن الجرح لا يكون تعديلا، وإلا
~~كان السكوت عن التعديل جرحا. ولهذا، فإن شاهد الفرع لو أرسل شهادة الأصل،
~~فإنه لا يكون تعديلا لشاهد الأصل لما ذكرناه.
# قولكم: لو لم يكن ظانا لعدالة المروي عنه، أو عالما بها، لما جاز له أن
~~يجزم بالرواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قلنا: قد بينا إمكان الرواية
~~عن الكاذب والجزم بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع تجويز كذب
~~الراوي، وذلك قادح في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
# وإذا تعذر الجزم، فليس حمل قوله (قال) على معنى (أظن أنه قال) أولى من
~~حمله على (أني سمعت أنه قال) ولو حمل على (أني سمعت أنه قال) لم يكن ذلك
~~تعديلا، وعلى هذا فلا يكون بروايته مدلسا ولا ملبسا.
# سلمنا أن ms328 الارسال تعديل للمروي عنه، ولكن لا نسلم أن مطلق التعديل مع قطع
~~النظر عن ذكر أسباب العدالة كاف في التعديل، كما سبق.
# سلمنا أن مطلق التعديل كاف، لكن إذا عين المروي عنه ولم يعرف بفسق. وأما
~~إذا لم يعينه، فلعله اعتقده عدلا في نظره، ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم
~~يطلع المعدل عليه.
# ولهذا لم يقبل تعديل شاهد الفرع لشاهد الأصل مع عدم تعيينه.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التعديل، لكنه معارض بما يدل على عدم
~~التعديل، وبيانه من ستة أوجه.
# الأول: أن الجهالة بعين الراوي آكد من الجهل بصفته وذلك لان من جهلت ذاته
~~فقد جهلت صفته، ولا كذلك بالعكس. ولو كان معلوم العين، مجهول الصفة، لم يكن
~~خبره مقبولا، فإذا كان مجهول العين والصفة، أولى أن لا يكون خبره مقبولا.
# الثاني: أن من شرط قبول الرواية المعرفة بعدالة الراوي، والمرسل لا يعرف
~~عدالة الراوي له،، فلا يكون خبره مقبولا لفوات الشرط.
# الثالث: هو أن الخبر كالشهادة في اعتبار العدالة. وقد ثبت أن الارسال في
~~الشهادة مانع من قبولها، فكذلك الخبر. PageV02P126
# الرابع: أنه لو جاز العمل بالمراسيل، لم يكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن
~~عدالتهم معنى.
# الخامس: أنه لو وجب العمل بالمراسيل لزم في عصرنا هذا أن يعمل بقول
~~الانسان:
# قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كذا وإن لم يذكر الرواة، وهو ممتنع.
# السادس: أن الخبر خبران، تواتر وآحاد. ولو قال الراوي أخبرني من لا
~~أحصيهم عددا لا يقبل قوله في التواتر. فكذلك في الآحاد.
# والجواب قولهم: الاجماع لا يساعد في مسائل الاجتهاد، قلنا: الذي لا يساعد
~~إنما هو الاجماع القاطع في متنه وسنده، وما ذكرناه من الاجماع السكوتي
~~فظني، فلا يمتنع التمسك به في مسائل الاجتهاد، كالظاهر من الكتاب والسنة.
# قولهم: لا نسلم عدم الانكار، قلنا: الأصل عدمه.
# قولهم: إنهم باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة، قلنا: المراجعة في ذلك
~~لا تدل على إنكار الارسال، بل غايته طلب زيادة علم لم تكن حاصلة بالارسال،
~~وقول ابن ms329 سيرين ليس إنكارا للارسال مطلقا، بل إرسال الحسن وأبي العالية لا
~~غير لظنه أنهما لم يلتزما في ذلك تعديل المروي عنه. ولهذا قال فإنهما لا
~~يباليان عمن أخذا الحديث منه، لا على الارسال.
# قولهم: السكوت لا يدل على الموافقة، قلنا: وإن لم يدل عليها قطعا، فهو
~~دليل عليها ظنا، كما سبق تقريره في الاجماع.
# قولهم: نحن لا ننكر أن إرسال الصحابة والتابعين حجة، قلنا: إنما يصح ذلك،
~~أن لو كانوا لا يروون إلا عن الصحابي العدل، وليس كذلك. ولهذا قال الزهري
~~بعد الارسال: حدثني به رجل على باب عبد الملك. وقال عروة بن الزبير فيما
~~أرسله:
# حدثني به بعض الحرسية. PageV02P127
# قولهم: لا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل للمروي عنه، قلنا:
~~دليله ما سبق.
# قولهم إن الراوي قد يروي عمن لو سئل عنه لجرحه أو عدله، قلنا: ذلك إنما
~~يكون فيما إذا كان قد عين الراوي ووكل النظر فيه إلى المجتهدين، ولم يجزم
~~بأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال كذا، بل غايته أنه قال: قال فلان إن
~~النبي، صلى الله عليه وسلم قال كذا، وأما إذا لم يعين، فالظاهر أنه لا يجزم
~~بقوله: قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد علم أو ظن عدالة الراوي على
~~ما سبق.
# وأما إرسال الشهادة فلا يلزم من عدم قبولها عدم قبول الارسال في الرواية،
~~لان الشهادة قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر في الرواية، كما سبق
~~تقريره.
# قولهم: إن الجزم مع تجويز كذب من روي عنه كذب، قلنا: إنما يكون كذبا، إن
~~لو ظن أو علم أنه كاذب. وأما إذا قال ذلك مع ظن الصدق، فلا يكون كاذبا، وإن
~~احتمل في نفس الامر أن يكون المروي عنه كاذبا، كما لو قال: قال رسول الله،
~~ص)، مع العنعنة.
# قولهم: سلمنا أن الارسال من الراوي تعديل للمروي عنه، لكنه تعديل مطلق،
~~فلا يكون حجة موجبة للعمل به على الغير، قلنا: قد بينا أن التعديل المطلق
~~دون تعيين سببه، كاف ms330 فيما تقدم.
# قولهم: لعله اعتقده عدلا، ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم يعرفه المعدل،
~~قلنا: وإن كان ذلك محتملا، غير أن الظاهر عدمه، ولا سيما مع تعديل العدل
~~العالم بأحوال الجرح والتعديل، وعدم الظفر بما يوجب الجرح.
# وأما اعتبار الرواية بالشهادة، فقد عرف وجه الفارق فيهما.
# وما ذكروه من المعارضة الأولى، فإنما يصح أن لو كان يلزم من الجهل بعين
~~الراوي، الجهل بصفته مطلقا، وليس كذلك مما بيناه من أن الارسال يدل على
~~تعديله من جهة الجملة، وإن جهلت عينه PageV02P128
# وبهذا يبطل ما ذكروه من المعارضة الثانية.
# وأما المعارضة الثالثة، فقد عرف جوابها بالفرق بين الرواية والشهادة.
# وأما المعارضة الرابعة فجوابها ببيان فائدة ذكر الراوي، وذلك من وجهين:
# الأول: أن الراوي قد يشتبه عليه حال المروي عنه فيعينه ليكل النظر في
~~أمره إلى المجتهد، بخلاف ما إذا أرسل.
# الثاني: أنه إذا عين الراوي، فالظن الحاصل للمجتهد بفحصه بنفسه عن حاله
~~يكون أقوى من الظن الحاصل له بفحص غيره.
# وأما المعارضة الخامسة فمندفعة أيضا، فإنه مهما كان المرسل للخبر في
~~زماننا عدلا، ولم يكذبه الحفاظ، فهو حجة.
# وأما المعارضة السادسة، فإنما لم يصر الخبر بقول الواحد متواترا، لان
~~المتواتر يشترط فيه استواء طرفيه ووسطه، والواحد ليس كذلك، فلا يحصل بخبره
~~التواتر.
# وإذا عرف أن المرسل مقبول من العدل، فمن لم يقل به كالشافعي، فقد قيل إنه
~~لا معنى لقوله إنه يكون مقبولا إذا أسنده غير المرسل، أو أسنده المرسل مرة،
~~لان الاعتماد في ذلك إنما هو على الاسناد، لا على الارسال، ولا معنى لقوله:
~~إنه يكون مقبولا إذا أرسله اثنان، وكانت مشايخهما مختلفة، لان ضم الباطل
~~إلى الباطل غير موجب للقبول، وليس بحق، لان الظن الحاصل بصدق الراوي من
~~الارسال مع هذه الأمور أقوى منه عند عدمها وعلى هذا، فلا يلزم من عدم
~~الاحتجاج بأضعف الظنين عدم الاحتجاج بأقواهما.
# وإذا عرف الخبر المقبول، وغير المقبول فإذا تعارض خبران مقبولان، فالعمل
~~بأحدهما متوقف على الترجيح، وسيأتي في قاعدة الترجيحات، بأقصى الممكن إن ms331
~~شاء الله تعالى. PageV02P129
# النوع الثاني - فيما يتعلق بالنظر في المتن وفيه بابان أولهما: فيما
~~يشترك فيه الكتاب، والسنة والاجماع.
# وثانيهما فيما يشترك فيه الكتاب والسنة، دون ما عداهما من الأدلة.
# الباب الأول فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع وكل واحد من هذه
~~الأصول الثلاثة إما أن يدل على المطلوب بمنظومه، أو لا بمنظومه. فلنفرض في
~~كل واحد منهما قسما.
# القسم الأول في دلالات المنظوم، وهي تسعة أصناف الصنف الأول - في الامر
~~وفيه أربعة أبحاث أولهما فيما يدل اسم الامر عليه حقيقة.
# وثانيهما في حد الامر الحقيقي.
# وثالثها في صيغة الامر الدالة عليه. ورابعها في مقتضاه.
# البحث الأول: فيما يطلق عليه اسم الامر حقيقة.
# فنقول اتفق الأصوليون على أن اسم الامر، حقيقة في القول المخصوص، وهو قسم
~~من أقسام الكلام. ولذلك قسمت العرب الكلام إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار،
~~ووعد ووعيد ونداء. وسواء قلنا إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، أو
~~العبارة الدالة بالوضع والاصطلاح، على اختلاف المذاهب، والكلام القديم
~~النفساني عندنا، وإن كان صفة واحدة لا تعدد فيه في ذاته، غير أنه يسمى أمرا
~~PageV02P130
# ونهيا وخبرا إلى غير ذلك من أقسام الكلام، بسبب اختلاف تعلقاته،
~~ومتعلقاته، كما سبق تقريره في أبكار الأفكار فلا يمتنع أن يكون الامر قسما
~~من أقسامه بهذا التفسير.
# وإنما وقع الخلاف بينهم في إطلاق اسم الامر على الفعل: هل هو حقيقة أو
~~لا؟
# والأكثرون على أنه مجاز. واختيار أبي الحسين البصري أنه مشترك بين الشئ
~~والصفة، وبين جملة الشأن والطرائق، ووافق على أنه ليس حقيقة في نفس الفعل،
~~من حيث هو فعل، بل من حيث هو شئ.
# وها نحن نذكر حجج كل فريق وننبه على ما فيها، ونذكر بعد ذلك ما هو
~~المختار.
# أما حجة أبي الحسين البصري، على ما ذهب إليه، أن الانسان إذا قال هذا أمر
~~لم يدر السامع مراده من قوله إلا بقرينة وهو غير صحيح، لكونه مصادرا بدعوى
~~التردد في إطلاق اسم الامر. ولا يخفى ظهور المنع من مدعي الحقيقة في القول ms332
~~المخصوص، وأنه مهما أطلق اسم الامر عنده، كان المتبادر إلى فهمه القول
~~المخصوص، وأنه لا ينصرف إلى غيره إلا بقرينة ولا يخفى امتناع تقرير التردد
~~مع هذا المنع.
# وأما حجج القائلين بكونه مجازا في الفعل فكثيرة.
# الأولى: منها، أنه لو كان حقيقة في الفعل مع كونه حقيقة في القول لزم منه
~~الاشتراك في اللفظ، وهو خلاف الأصل، لكونه مخلا بالتفاهم لاحتياجه في فهم
~~المدلول المعين منه إلى قرينة. وعلى تقدير خفائها، لا يحصل المقصود من
~~الكلام.
# الثانية: أنه لو كان حقيقة في الفعل لا طرد في كل فعل، إذ هو لازم
~~الحقيقة.
# ولهذا، فإنه لما كان إطلاق اسم العالم على من قام به العلم حقيقة، اطرد
~~في كل من قام به العلم، ولما كان قوله: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82)
~~مجازا عن أهلها، لما بينهما من المجاورة، لم يصح التجوز بلفظ السؤال للبساط
~~والكوز عن صاحبه، وإن كانت الملازمة بينهما أشد، وهو غير مطرد، إذ لا يقال
~~للاكل والشرب أمر.
# الثالثة: أنه لو كان حقيقة في الفعل، لاشتق لمن قام به منه اسم الامر،
~~كما في القول المخصوص، إذ هو الأصل، إلا أن يمنع مانع من جهة أهل اللغة،
~~PageV02P131
# كما اشتقوا اسم القارورة للزجاجة المخصوصة، من قرار المائع فيها، ومنعوا
~~من ذلك في الجرة والكوز ولم يرد مثله فيما نحن فيه.
# الرابعة: أن جمع الامر الحقيقي في القول المخصوص بأوامر، وهو لازم له
~~لنفس الامر لا للمسمى، وهو غير متحقق في الفعل، بل إن جمع فإنما يجمع
~~بأمور.
# الخامسة: أن الامر الحقيقي له متعلق وهو المأمور، وهو غير متحقق في
~~الفعل، فإنه، وإن سمي أمرا، فلا يقال له مأمور. ويلزم من انتفاء اللازم
~~انتفاء الملزوم.
# السادسة: أن من لوازم الامر الحقيقي وصفه بكونه مطاعا أو مخالفا، ولا
~~كذلك الفعل. وفي هذه الحجج نظر:
# أما الأولى فلقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من كونه حقيقة في الفعل، أن
~~يكون مشتركا إذا أمكن أن يكون حقيقة فيهما، باعتبار معنى مشترك بين القول
~~المخصوص، ms333 والفعل، فيكون متواطئا.
# فإن قيل: الأصل عدم ذلك المسمى المشترك، فلا تواطؤ، قيل: لاخفاء
~~باشتراكهما في صفات، وافتراقهما في صفات فأمكن أن يكون بعض الصفات المشتركة
~~هو المسمى كيف وإن الأصل أن لا يكون اللفظ مشتركا ولا مجازا، لما فيه من
~~الافتقار إلى القرينة المخلة بالتفاهم. وليس أحد الامرين أولى من الآخر.
# فإن قيل: ما وقع به الاشتراك لا يخرج عن الموجود والصفة والشيئية وغير
~~ذلك، وأي أمر قدر الاشتراك فيه، فهو متحقق في النهي وسائر أقسام الكلام،
~~ولا يسمى أمرا والقول بأنه متواطئ ممتنع. كيف وإن القائل قائلان:
# قائل إنه مشترك وقائل إنه مجاز في الفعل. فإحداث قول ثالث يكون خرقا
~~للاجماع، وهو ممتنع. PageV02P132
# قلنا: أما الأول، فغير صحيح، وذلك أن مسمى اسم الامر إنما هو الشأن
~~والصفة، وكل ما صدق عليه ذلك، كان نهيا أو غيره؟ فإنه يسمى أمرا حقيقة.
~~وعلى هذا فقد اندفع ما ذكروه من خرق الاجماع فإن ما ذكرناه من جعل الشأن
~~والصفة مدلولا لاسم الامر، فمن جملة ما قيل وإن سلمنا أن ذلك يفضي إلى
~~الاشتراك، ولكن لم قيل بامتناعه. والقول بأنه مجاز مخل بالتفاهم، لافتقاره
~~إلى القرينة، وإنما يصح أن لو لم يكن اللفظ المشترك عند إطلاقه محمولا على
~~جميع محامله، وليس كذلك على ما سيأتي تقديره في مذهب الشافعي والقاضي أبي
~~بكر، سلمنا أنه خلاف الأصل، غير أن التجوز أيضا خلاف الأصل، وليس أحد
~~الامرين أولى من الآخر.
# فإن قيل: إلا أن محذور الاشتراك أعظم من محذور التجوز، فكان المجاز أولى،
~~وبيانه من جهة الاجمال، والتفصيل:
# أما الاجمال فهو أن المجاز أغلب في لغة العرب من الاشتراك، ولولا أنه
~~أوفى بتحصيل مقصود الوضع، لما كان كذلك وأما التفصيل فمن وجهين:
# الأول: أن المحذور اللازم من الاشتراك بافتقاره إلى القرينة لازم له
~~أبدا، بخلاف المجاز، فإن المحذور إنما يلزمه بتقدير إرادة جهة المجاز، وهو
~~احتمال نادر، إذ الغالب إنما هو إرادة جهة الحقيقة.
# الثاني: أن المحذور لازم في المشترك في كل محمل من ms334 محامله، لافتقاره إلى
~~القرينة في كل واحد منها، بخلاف المجاز، فإنه إنما يفتقر إلى القرينة
~~بتقدير إرادة جهة المجاز، لا بتقدير إرادة جهة الحقيقة. قيل هذا معارض من
~~عشرة أوجه: PageV02P133
# الأول: أن المشترك، لكونه حقيقة في كل واحد من مسمياته مما يطرد، بخلاف
~~المجاز كما سبق، وما يطرد أولى لقلة اضطرابه.
# الثاني: أنه يصح منه الاشتقاق، لكونه حقيقة بخلاف المجاز، فكان أوسع في
~~اللغة، وأكثر فائدة.
# الثالث: أنه لكونه حقيقيا، مما يصح التجوز به في غير محله الحقيقي، بخلاف
~~المجاز، فكان أولى لكثرة فائدته.
# الرابع: أنه، وإن افتقر إلى قرينة، لكن يكفي أن يكون أدنى ما يغلب على
~~الظن، بخلاف المجاز، لافتقاره إلى قرينة مغلبة على الظن، وأن تكون راجحة
~~على جهة ظهور اللفظ في حقيقته، فكان تمكن الخلل منه لذلك أكثر.
# الخامس: أن المجاز لا بد فيه من علاقة بينه وبين محل الحقيقة تكون مصححة
~~للتجوز باللفظ، على ما سلف، بخلاف المشترك.
# السادس: أن المجاز لا يتم فهمه دون فهم محل الحقيقة، ضرورة كونه مستعارا
~~منه. وفهم كل واحد من مدلولات اللفظ المشترك غير متوقف على فهم غيره، فكان
~~أولى.
# السابع: أن المجاز متوقف على تصرف من قبلنا في تحقيق العلاقة التي هي شرط
~~في التجوز، وربما وقع الخطأ فيه، بخلاف اللفظ المشترك.
# الثامن: أنه يلزم من العمل باللفظ في جهة المجاز مخالفة الظهور في جهة
~~الحقيقة، بخلاف اللفظ المشترك إذ لا يلزم من العمل به في أحد مدلوليه
~~مخالفة ظاهر أصلا.
# التاسع: أن المجاز تابع للحقيقة ولا عكس، فكان المشترك أولى.
# العاشر: أن السامع للمجاز بتقدير عدم معرفته بالقرينة الصارفة إلى
~~المجاز، إذا كان هو مراد المتكلم فقد يبادر إلى العمل بالحقيقة، ويلزم منه
~~ترك المراد وفعل ما ليس بمراد، بخلاف المشترك، فإنه بتقدير عدم ظهور
~~القرينة مطلقا، لا يفعل شيئا، فلا يلزم سوى عدم المقصود.
# فإن قيل إلا أن المجاز يتعلق به فوائد، فإنه ربما كان أبلغ وأوجز وأوقف
~~في بديع الكلام ونظمه ونثره للسجع والمطابقة والمجانسة ms335 واتحاد الروي في
~~الشعر، إلى غير ذلك. PageV02P134
# قلنا: ومثل هذا الاحتمال أيضا منقدح في اللفظ المشترك مع كونه حقيقة،
~~فكان اللفظ المشترك أولى. وإن لم يكن أولى فلا أقل من المساواة، وهي كافية
~~في مقام المعارضة.
# وأما الحجة الثانية: فلا نسلم امتناع إطلاق الامر على الأكل والشرب، وإن
~~سلم ذلك، فعدم اطراده في كل فعل ان كان مما يمنع من كونه حقيقة في بعض
~~الأفعال فعدم اطراده في كل قول مما يمنع من كونه حقيقة في القول المخصوص،
~~وهو غير مطرد في كل قول على ما لا يخفى. وإن كان لا يمنع من ذلك في القول
~~فكذلك في الفعل.
# فإن قيل: إنما يجب اطراد الاسم في المعنى الذي كان الاسم حقيقة فيه، لا
~~في غيره، والامر إنما كان حقيقة في القول المخصوص، في مطلق قول، وذلك مطرد
~~في ذلك القول، فمثله لازم في الافعال إذ للخصم أن يقول: إنما هو حقيقة في
~~بعض الأفعال، لا في كل فعل.
# وأما الحجة الثالثة أنه لو كان الأصل في الحقائق الاشتقاق لكان المنع من
~~اشتقاق اسم القارورة للجرة والكوز من قرار المائع فيها على خلاف الأصل.
# فإن قيل: ولو لم يكن على وفق الأصل لكان الاشتقاق في صور الاشتقاق على
~~خلاف الأصل، والمحذور اللازم منه أكثر لان صور الاشتقاق أغلب وأكثر من صور
~~عدم الاشتقاق. قيل: لا يلزم من عدم الأصالة في الاشتقاق أن يكون الاشتقاق
~~على خلاف الأصل لجواز أن يكون الاشتقاق وعدمه لا على وفق أصل فيقتضيه، بل
~~هما تابعان للنقل والوضع.
# كيف وإنه إذا جاز أن يكون الاشتقاق من توابع الحقيقة جاز أن يكون من
~~توابع بعض المسميات، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. وعلى هذا، فلا يلزم
~~من الاشتقاق في بعض المسميات الاشتقاق في غيره، لعدم الاشتراك في ذلك
~~المسمى. PageV02P135
# وبهذا يندفع ما ذكروه من الحجة الرابعة والخامسة والسادسة.
# كيف وقد قيل في الحجة الرابعة إن (أوامر) ليست جمع (أمر) بل جمع (إمرة)
~~وأما القائلون بكونه مشتركا بين القول ms336 المخصوص والفعل فقد احتجوا بثلاث
~~حجج.
# الأولى: أن المسمى في نفسه مختلف، وكما قد أطلق اسم الامر على القول
~~المخصوص، فقد أطلق على الفعل. والأصل في الاطلاق الحقيقة. ويدل على الاطلاق
~~قول العرب: أمر فلان مستقيم، أي عمله. وإليه الإشارة بقوله تعالى: * (وما
~~أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) أي فعلنا * (وما أمر فرعون برشيد) *
~~(11) هود: 97).
# الحجة الثانية: أن اسم الامر في الفعل قد جمع بأمور، والجمع علامة
~~الحقيقة.
# الحجة الثالثة: أنه لو كان اسم الامر في الفعل مجازا لم يخل إما أن يكون
~~مجازا بالزيادة أو بالنقصان، أو لمشابهته لمحل الحقيقة أو لمجاور له، أو
~~لأنه كان عليه، أو سيؤول إليه، ولم يتحقق شئ من ذلك في الفعل. وإذا لم يكن
~~مجازا كان حقيقة.
# وهذه الحجج ضعيفة أيضا.
# أما الحجة الأولى فلقائل أن يقول لا نسلم صحة إطلاق اسم الامر على الفعل.
# وقولهم: أمر فلان مستقيم ليس مسماه الفعل، بل شأنه وصفته وهو المراد من
~~قوله تعالى: * (وما أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) ومن قوله: * (وما
~~أمر فرعون برشيد) * (11) هود: 97) وأما الحجة الثانية، فلا نسلم أن الجمع
~~دليل الحقيقة، بدليل قولهم في جمع من سمي (حمارا) لبلادته (حمر) وهو مجاز.
~~وإن سلمنا بأن الجمع يدل على الحقيقة، ولكن لا نسلم أن (أمور) جمع (أمر) بل
~~الامر والأمور كل واحد منهما يقع موقع الآخر وليس أحدهما جمعا للآخر. ولهذا
~~يقال أمر فلان مستقيم فيفهم منه ما يفهم من قولهم أمور فلان مستقيمة.
# وأما الحجة الثالثة: فهو أنه لا يلزم من كون الامر ليس مجازا في الفعل أن
~~يكون حقيقة فيه، من حيث هو فعل وإنما هو حقيقة فيه من جهة ما اشتمل عليه من
~~معنى الشأن والصفة كما سبق. PageV02P136
# وعلى هذا، فالمختار إنما هو كون الاسم اسم الامر متواطئا في القول
~~المخصوص والفعل، لا أنه مشترك، ولا مجاز في أحدهما.
# البحث الثاني: في حد الامر.
# وقد اختلفت المعتزلة فيه بناء على إنكارهم لكلام النفس:
# فذهب البلخي وأكثر المعتزلة إلى أن الامر هو قول ms337 القائل لمن دونه افعل أو
~~ما يقوم مقامه. وأراد بقوله (يقوم مقامه) أي في الدلالة على مدلوله، وقصد
~~بذلك إدراج صيغة الامر من غير العربي في الحد. وهو فاسد من ثلاثة أوجه:
# الأول: أن مثل ذلك قد يوجد فيما ليس بأمر بالاتفاق، كالتهديد في قوله
~~تعالى:
# * (اعملوا ما شئتم) * (41) فصلت: 40) والإباحة في قوله: * (وإذا حللتم
~~فاصطادوا) * (5) المائدة: 2) والارشاد في قوله:
# * (فاستشهدوا) * (6) النساء: 15) والامتنان كقوله: * (كلوا مما رزقكم
~~الله) * (6) الانعام: 142) والاكرام كقوله * (ادخلوها بسلام آمنين) * (15)
~~الحجر: 46) والتسخير، والتعجيز، إلى غير ذلك من المحامل التي يأتي ذكرها.
# الثاني: أنه يلزم من ذلك أن تكون صيغة افعل الواردة من النبي صلى الله
~~عليه وسلم، نحونا، أمرا حقيقة لتحقق ما ذكروه من شروط الامر فيها. ويلزم من
~~ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها، ويخرج بذلك عن كونه رسولا، لأنه لا معنى
~~للرسول غير المبلغ لكلام المرسل، لا أن يكون هو الآمر والناهي، كالسيد إذا
~~أمر عبده وسواء كانت صيغته مخلوقة له، كما هو مذهبهم، أو لله تعالى، كما هو
~~مذهبنا.
# الثالث: أنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الأعلى نحو الأدنى ولا يكون أمرا،
~~بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع وقد يرد من الأدنى نحو الاعلى، ويكون
~~أمرا، إذا كانت على سبيل الاستعلاء، لا على سبيل الخضوع والتذلل، ولذلك
~~يوصف قائلها بالجهل والحمق بأمره لمن هو أعلى رتبة منه.
# ومنهم من قال: الامر صيغة افعل على تجردها من القرائن الصارفة لها عن جهة
~~الامر إلى التهديد، وما عداه من المحامل. PageV02P137
# وهو أيضا فاسد من حيث إنه أخذ الامر في تعريف الامر وتعريف الشئ بنفسه
~~محال. وإن اقتصروا في التحديد على القول بأن الامر صيغة افعل المجردة عن
~~القرائن لا غير، وزعموا أن صيغة افعل فيما ليس بأمر لا تكون مجردة عن
~~القرائن، فليس ما ذكروه أولى من قول القائل: التهديد عبارة عن صيغة افعل
~~المجردة عن القرائن، إلا أن يدل عليه دليل من جهة السمع، وهو غير متحقق.
# ومنهم من قال: الامر ms338 صيغة افعل بشرط إرادات ثلاث إرادة إحداث الصيغة،
~~وإرادة الدلالة بها على الامر، وإرادة الامتثال: فإرادة إحداث الصيغة،
~~احتراز عن النائم إذا وجدت هذه الصيغة منه، وإرادة الدلالة بها على الامر
~~احتراز عما إذا أريد بها التهديد أو ما سواه من المحامل، وإرادة الامتثال
~~احتراز عن الرسول الحاكي المبلغ، فإنه، وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها
~~على الامر، فقد لا يريد بها الامتثال.
# وهو أيضا فاسد من وجهين:
# الأول: أنه أخذ الامر في حد الامر، وتعريف الشئ بنفسه محال ممتنع الثاني:
~~هو أن الامر الذي هو مدلول الصيغة إما أن يكون هو الصيغة، أو غير الصيغة:
~~فإن كان هو نفس الصيغة، كان الكلام متهافتا من حيث إن حاصله يرجع إلى أن
~~الصيغة، دالة على الصيغة، والدال غير المدلول. وإن كان هو غير الصيغة،
~~فيمتنع أن يكون الامر هو الصيغة، وقد قال بأن الامر هو صيغة افعل بشرط
~~الدلالة على الامر، فإن الشرط غير المشروط. وإذا كان الامر غير الصيغة، فلا
~~بد من تعريفه والكشف عنه، إذ هو المقصود في هذا المقام.
# ولما انحسمت عليهم طرق التعريف، قال قائلون منهم: الامر هو إرادة الفعل،
~~وقد احتج الأصحاب على إبطاله بأن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب
~~عبده، إذا اعتذر عن ذلك قصد إظهار أمره وأمره بين يدي السلطان قصدا لاظهار
~~مخالفته، لبسط عذره والخلاص من عقاب السلطان له، فإنه يعد آمرا، والعبد
~~مأمورا، ومطيعا بتقدير الامتثال، وعاصيا بتقدير المخالفة، مع علمنا بأنه لا
~~يريد منه الامتثال لما فيه من ظهور كذبه وتحقيق عقاب السلطان له، والعاقل
~~لا يقصد ذلك. غير أن مثل هذا لازم على أصحابنا PageV02P138
# إن كان صحيحا في تفسيرهم الامر، بطلب الفعل، من جهة أن السيد أيضا آمر في
~~مثل الصورة لعبده مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده، لما فيه من
~~تحقيق عقابه وكذبه، والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه. وعند ذلك
~~فما هو جواب أصحابنا في تفسير الامر بالطلب يكون جوابا للخصم ms339 في تفسيره
~~بالإرادة.
# وإن زعم بعض أصحابنا أن الامر ليس هو الطلب، بل الاخبار باستحقاق الثواب
~~على الفعل، فيلزمه أن يكون الآمر لعبده مما يصح تصديقه وتكذيبه في أمره
~~لعبده ضرورة كون الامر خبرا وهو ممتنع.
# كيف وإنه على خلاف تقسيم أهل اللغة الكلام، إلى أمر وخبر.
# والحق في ذلك أن يقال. أجمع المسلمون، من غير مخالفة من الخصوم، على أن
~~من علم الله تعالى أنه يموت على كفره أنه مأمور بالايمان، وليس الايمان منه
~~مرادا لله تعالى، لأنه لا معنى لكونه مرادا لله تعالى سوى تعلق الإرادة به،
~~ولا معنى لتعلق الإرادة بالفعل سوى تخصيصها له بحالة حدوثه، فلا يعقل
~~تعلقها به دون تخصيصها له بحالة حدوثه، وما لم يوجد لم تكن الإرادة مخصصة
~~له بحالة حدوثه، فلا تكون متعلقة به.
# وليقنع بهذا هاهنا عما استقصيناه من الوجوه الكثيرة في علم الكلام.
# وأما أصحابنا، فمنهم من قال: الامر عبارة عن الخبر على الثواب على الفعل
~~تارة، والعقاب على الترك تارة، وهو فاسد، لما سبق من امتناع تصديق الآمر
~~وتكذيبه، ولأنه يلزم منه لزوم الثواب على فعل ما أمر به، والعقاب على تركه،
~~من جهة الشارع حذرا من الخلف في خبر الصادق، وليس كذلك بالاجماع. أما
~~الثواب فلجواز إحباط العمل بالردة، وأما العقاب فلجواز العفو والشفاعة.
~~ويمكن أن يحترز عن هذا الاشكال بأن يقال: هو الاخبار باستحقاق الثواب
~~والعقاب غير أنه يبقى عليه الاشكال الأول من غير دافع. PageV02P139
# ومنهم من قال، وهم الأكثرون، كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي
~~وغيرهم: الامر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. فقولهم
~~(القول) كالجنس للامر وغيره من أقسام الكلام. وقولهم (المقتضي طاعة المأمور
~~بفعل المأمور به) للفصل بين الامر وغيره من أقسام الكلام، ولفصل الامر عن
~~الدعاء والسؤال.
# ومنهم من زاد في الحد (بنفسه) احترازا عن الصيغة، فإنها لا تقتضي الطاعة
~~بنفسها، بل بالتوقيف والاصطلاح وعلى كل تقدير فهو باطل لما فيه من تعريف
~~الامر بالمأمور والمأمور به، وهما مشتقان من الامر، ms340 والمشتق من الشئ أخفى
~~من ذلك الشئ، وتعريف الشئ بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشئ محال.
# ومنهم من قال: الامر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعا. وهو أيضا
~~باطل لما فيه من تعريف الامر بالطاعة المتعلقة بالفعل، والطاعة المتعلقة
~~بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الامر، وهو دور ممتنع. كيف وإن فعل الرب تعالى
~~لما طلبه العبد منه بالسؤال يقال له باعتبار موافقة طلب للعبد مطيعا، بدليل
~~قوله عليه السلام إن أطعت الله أطاعك أي إن فعلت ما أراد فعل ما تريد. وليس
~~طلب العبد من الله تعالى بجهة السؤال لله أمرا، إذ الامر لله قبيح شرعا،
~~بخلاف السؤال. ويمكن الاحتراز عنه بما يعد فاعله مطيعا في العرف العام،
~~والباري تعالى ليس كذلك.
# والأقرب في ذلك إنما هو القول الجاري على قاعدة الأصحاب، وهو أن يقال:
# الامر طلب الفعل على جهة الاستعلاء.
# فقولنا (طلب الفعل) احتراز عن النهي وغيره من أقسام الكلام، وقولنا (على
~~جهة الاستعلاء) احتراز عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس.
# فإن قيل: قولكم (الامر هو طلب الفعل) إن أردتم به الإرادة، فهو مذهب
~~المعتزلة، وليس مذهبا لكم، وإن أردتم غيره، فلا بد من تصويره، وإلا كان فيه
~~تعريف الامر بما هو أخفى من الامر. PageV02P140
# قلنا: إجماع العقلاء منعقد على أن الامر قسم من أقسام الكلام وأنه واقع
~~موجود لا ريب فيه، وقد بينا امتناع تفسيره بالصيغة والإرادة بما سبق، فما
~~وراء ذلك هو المعني بالطلب، والنزاع في تسميته بالطلب بعد الموافقة على
~~وجوده، فآيل إلى خلاف لفظي.
# البحث الثالث: في الصيغة الدالة على الامر.
# وقد اختلف القائلون بكلام النفس: هل للامر صيغة تخصه وتدل عليه دون غيره
~~في اللغة، أم لا؟
# فذهب الشيخ أبو الحسن، رحمه الله، ومن تابعه إلى النفي وذهب من عداهم إلى
~~الاثبات.
# قال إمام الحرمين والغزالي: والذي نراه أن هذه الترجمة عن الأشعري خطأ.
~~فإن قول القائل لغيره أمرتك، وأنت مأمور صيغة خاصة بالامر من غير منازعة.
# وإنما الخلاف في أن ms341 صيغة افعل هل هي خاصة بالامر أو لا، لكونها مترددة في
~~اللغة بين محامل كثيرة يأتي ذكرها.
# واعلم أنه لا وجه لاستبعاد هذا الخلاف. وقول القائل أمرتك، وأنت مأمور لا
~~يرفع هذا الخلاف إذ الخلاف إنما هو في صيغة الامر الموضوعة للانشاء، وما
~~مثل هذه الصيغ أمكن أن يقال إنها إخبارات عن الامر لا إنشاءات. وإن كان
~~الظاهر صحة استعمالها للانشاء، فإنه لا مانع من استعمال صيغة الخبر
~~للانشاء، كما في قوله: طلقت وبعت واشتريت ونحوه. PageV02P141
# وبيانه أنه إذا قال لزوجته (طلقتك) فإن الطلاق يقع عليه إجماعا، ولو كان
~~إخبارا، لكان إخبارا عن الماضي أو الحال، لعدم صلاحية هذه الصيغة
~~للاستقبال. ولو كان كذلك، لم يخل إما أن يكون قد وجد منه الطلاق، أو لم
~~يوجد: فإن كان الأول، امتنع تعليقه بالشرط في قوله إن دخلت الدار لان تعليق
~~وجود ما وجد على وجود ما لم يوجد محال، وإن كان الثاني، وجب أن يعد كاذبا،
~~وأن لا يقع الطلاق عليه، وهو خلاف الاجماع.
# وإن قدر أنه إخبار عن المستقبل مع الإحالة، فيجب أيضا أن لا يقع به
~~الطلاق، كما لو صرح بذلك، وقال لها ستصيرين طالقا في المستقبل فإنه لا يقع
~~به الطلاق مع أنه صريح إخبار عن وقوع الطلاق في المستقبل، فما ليس بصريح
~~أولى.
# وإذا بطل كونه إخبارا تعين أن يكون إنشاء إذ الاجماع منعقد على امتناع
~~الخلو منهما. فإذا بطل أحدهما تعين الآخر.
# البحث الرابع: في مقتضى صيغة الامر وفيه اثنتا عشرة مسألة.
# المسألة الأولى فيما ذا صيغة الامر حقيقة فيه إذا وردت مطلقة عرية عن
~~القرائن وقد اتفق الأصوليون على إطلاقها بإزاء خمسة عشر اعتبار الوجوب
~~كقوله: * (أقم الصلاة) * (31 لقمان: 17) والندب كقوله: * (فكاتبوهم) * (24
~~النور: 33) والارشاد كقوله تعالى: * (فاستشهدوا) * (4 النساء: 15) وهو قريب
~~من الندب لاشتراكهما في طلب تحصيل المصلحة، غير أن الندب لمصلحة أخروية،
~~والارشاد لمصلحة دنيوية.
# والإباحة كقوله: * (فاصطادوا) * (5 المائدة: 2) والتأديب، وهو داخل في
~~الندب، كقوله: كل مما يليك PageV02P142
# والامتنان كقوله: * (كلوا ms342 مما رزقكم الله) * (6 الانعام: 142) والاكرام
~~كقوله: * (ادخلوها بسلام) * (15 الحجر: 46) والتهديد كقوله: * (اعملوا ما
~~شئتم) * (41 فصلت: 40) والانذار كقوله: * (تمتعوا) * (14 إبراهيم: 30) وهو
~~في معنى التهديد.
# والتسخير كقوله: * (كونوا قردة خاسئين) * (2 البقرة: 65) والتعجيز كقوله:
~~* (كونوا حجارة) * (17 الاسراء: 50) والإهانة كقوله تعالى: * (ذق إنك أنت
~~العزيز) * (44 الدخان: 49) والتسوية كقوله: * (فاصبروا أو لا تصبروا) * (52
~~الطور: 16) والدعاء كقوله: * (اغفر لي) * (14 إبراهيم: 41) والتمني كقول
~~الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي وكمال القدرة كقوله: * (كن فيكون)
~~* (16 النحل: 40).
# وقد اتفقوا على أنها مجاز فيما سوى الطلب والتهديد والإباحة غير أنهم
~~اختلفوا: فمنهم من قال إنها مشتركة، كاشتراك لفظ القرء بين الطلب للفعل،
~~وبين للتهديد المستدعي لترك الفعل، وبين الإباحة المخيرة بين الفعل والترك.
# ومنهم من قال إنها حقيقة في الإباحة، مجاز فيما سواها ومنهم من قال إنها
~~حقيقة في الطلب ومجاز فيما سواه. وهذا هو الأصح، وذلك لأنا إذا سمعنا أن
~~أحدا قال لغيره افعل كذا وتجرد ذلك عن جميع القرائن، وفرضناه كذلك، فإنه
~~يسبق إلى الافهام منه طلب الفعل واقتضاؤه من غير توقف على أمر خارج دون
~~التهديد المستدعي لترك الفعل، والإباحة المخيرة بين الفعل والترك. ولو كان
~~مشتركا أو ظاهرا في الإباحة، لما كان كذلك. وإذا كان الطلب هو السابق إلى
~~الفهم عند عدم القرائن مطلقا، دل ذلك على كون صيغة (افعل) ظاهرة فيه.
# فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك بناء عل عرف طارئ على الوضع اللغوي، كما في
~~لفظ الغائط والدابة وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على الظهور في الطلب،
~~PageV02P143
# غير أنه معارض بما يدل على ظهوره في الإباحة، لكونها أقل الدرجات، فكانت
~~مستيقنة.
# قلنا جواب الأول أن الأصل عدم العرف الطارئ، وبقاء الوضع الأصلي بحاله.
# وجواب الثاني لا نسلم أن الإباحة متيقنة، إذ هي مقابلة للطلب والتهديد،
~~لكونها غير مستدعية للفعل ولا للترك، والطلب مستدع للفعل، والتهديد مستدع
~~لترك الفعل، فلا تيقن لواحد منهما.
# المسألة الثانية إذا ثبت أن صيغة افعل ظاهرة في الطلب والاقتضاء ms343 فالفعل
~~المطلوب لا بد وأن يكون فعله راجحا على تركه، فإن كان ممتنع الترك، كان
~~واجبا، وإن لم يكن ممتنع الترك، فإما أن يكون ترجحه لمصلحة أخروية، فهو
~~المندوب، وإما لمصلحة دنيوية، فهو الارشاد.
# وقد اختلف الأصوليون:
# فمنهم من قال إنه مشترك بين الكل، وهو مذهب الشيعة، ومنهم من قال إنه لا
~~دلالة له على الوجوب والندب بخصوصه، وإنما هو حقيقة في القدر المشترك
~~بينهما، وهو ترجيح الفعل على الترك، ومنهم من قال إنه حقيقة في الوجوب،
~~مجاز فيما عداه، وهذا هو مذهب الشافعي، رضي الله عنه، والفقهاء وجماعة من
~~المتكلمين، كأبي الحسين البصري، وهو قول الجبائي في أحد قوليه، ومنهم من
~~قال إنه حقيقة من الندب، وهو مذهب أبي هاشم وكثير من المتكلمين من المعتزلة
~~وغيرهم وجماعة من الفقهاء، وهو أيضا منقول عن الشافعي رحمه الله تعالى.
~~PageV02P144
# ومنهم من توقف، وهو مذهب الأشعري، رحمه الله، ومن تابعه من أصحابه،
~~كالقاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما، وهو الأصح. وذلك لان وضعه مشتركا، أو
~~حقيقة في البعض، مجازا في البعض، إما أن يكون مدركه عقليا أو نقليا:
# الأول محال، إذ العقول لا مدخل لها في المنقول، لا ضرورة ولا نظرا
~~والثاني فإما أن يكون قطعيا أو ظنيا: والقطعي غير متحقق فيما نحن فيه،
~~والظني إنما ينفع أن لو كان إثبات مثل هذه المسألة مما يقنع فيه بالظن، وهو
~~غير مسلم، فلم يبق غير التوقف.
# فإن قيل: ما ذكرتموه مبني على أن مدار مثل هذه المسألة على القطع، وهو
~~غير مسلم ولا في شئ من اللغات، وإن سلمنا ذلك، لكن ما المانع أن يكون
~~المدرك لا عقليا محضا ولا نقليا محضا، بل هو مركب منهما، كما يأتي تحقيقه،
~~وإن سلمنا الحصر فيما ذكرتموه، غير أنه لازم عليكم في القول بالوقف أيضا،
~~فإن العقل لا يقتضيه، والنقل القطعي غير متحقق فيه، والظن إنما يكتفى به أن
~~لو كانت المسألة ظنية، فما هو جوابكم عنه في القول بالوقف يكون جوابا
~~لخصومكم فيما ذهبوا إليه على ms344 اختلاف فذاهبهم.
# قلنا: أما إنكار القطع في اللغات على الاطلاق فمما يفضي إلى إنكار القطع
~~في جميع الأحكام الشرعية، لان مبناها على الخطاب بالألفاظ اللغوية
~~ومعقولها، وذلك كفر صراح، والقول بأن ما ذكرتموه مبني على أن مدار ما نحن
~~فيه على القطع.
# قلنا: نحن في هذه المسألة غير متعرضين لنفي ولا إثبات بل نحن متوقفون،
~~فمن رام إثبات اللغة فيما نحن فيه بطريق ظني أمكن أن يقال له متى يكتفى
~~بذلك فيما نحن فيه أإذا كان شرط إثباته القطع أم لا؟ ولا بد عند توجه
~~التقسيم، من تنزيل الكلام على الممنوع أو المسلم، وكل واحد منهما متعذر لما
~~سبق. PageV02P145
# قولهم: ما المانع من كونه مركبا من العقل والنقل؟
# قلنا: لان ما ذكرناه من التقسيم في النقلي، ثابت هاهنا كان مستقلا أو غير
~~مستقل، والقطع لا سبيل إليه، وإن كان ظنيا فالمركب منه ومن العقلي يكون
~~ظنيا، سواء كان العقلي ظنيا أو قطعيا.
# قولهم: ما ذكرتموه لازم عليكم في الوقف، قلنا: ليس كذلك، لان الواقف غير
~~حاكم، بل هو ساكت عن الحكم والساكت عن الحكم، لا يفتقر إلى دليل، فلا يكون
~~ما ذكروه لازما علينا شبه القائلين بالوجوب.
# وقد ذكر أبو الحسين البصري في ذلك ما يناهز ثلاثين شبهة دائرة بين غث
~~وثمين، وها نحن نلخص حاصلها، ونأتي على المعتمد من جملتها، مع حذف الزيادات
~~العرية عن الفائدة، ونشير إلى جهة الانفصال عنها، ثم نذكر بعد ذلك شبه
~~القائلين بالندب، وطرق تخريجها إن شاء الله تعالى.
# إما شبه القائلين بالوجوب فشرعية، ولغوية، وعقلية.
# أما الشرعية فمنها ما يرجع إلى الكتاب، ومنها ما يرجع إلى السنة، ومنها
~~ما يرجع إلى الاجماع.
# أما الكتاب فقوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24 النور:
~~54) ثم هدد عليه بقوله:
# * (فإن توليتم، فإنما عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم) * (24 النور: 54)
~~والتهديد على المخالفة دليل الوجوب.
# وأيضا قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو
~~يصيبهم عذاب أليم) * (24 النور: 63) ووجه الاستدلال به ما ms345 سبق في الآية
~~التي قبلها.
# وأيضا قوله تعالى لإبليس * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) * (7 الأعراف:
~~12) أو رد ذلك في معرض الذم بالمخالفة، لا في معرض الاستفهام، اتفاقا، وهو
~~دليل الوجوب. PageV02P146
# وأيضا قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) * (77 المرسلات:
~~48) ذمهم على المخالفة وهو دليل الوجوب وأيضا قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن
~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) * (33
~~الأحزاب: 36) والمراد من قوله (قضى) أي ألزم، ومن قوله (أمرا) أي مأمورا،
~~وما لا خيرة فيه من المأمورات لا يكون إلا واجبا.
# وأيضا قوله تعالى: * (أفعصيت أمري) * (220 طه: 93) وقوله: * (لا يعصون
~~الله ما أمرهم) * (66 التحريم: 6) وقوله:
# * (لا أعصي لك أمرا) * (18 الكهف: 69) وصف مخالف الامر بالعصيان، وهو اسم
~~ذم، وذلك لا يكون في غير الوجوب.
# وأيضا قوله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم
~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * (4 النساء: 65) أي أمرت، ولولا أن
~~الامر للوجوب لما كان كذلك.
# وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته لو
~~راجعته - فقالت: بأمرك يا رسول الله فقال: لا، إنما أنا شافع - فقالت: لا
~~حاجة لي فيه فقد عقلت أنه لو كان أمرا، لكان واجبا، والنبي، صلى الله عليه
~~وسلم، قررها عليه.
# وأيضا قوله، صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي، لامرتهم بالسواك
~~عند كل صلاة وهو دليل الوجوب، وإلا فلو كان الامر للندب، فالسواك مندوب.
# وأيضا قوله لأبي سعيد الخدري حيث لم يجب دعاءه وهو في الصلاة أما سمعت
~~الله تعالى يقول: * (استجيبوا لله، وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) * (8
~~الأنفال: 24) وبخه على مخالفة أمره، وهو دليل الوجوب وأيضا، فإنه لما سأله
~~الأقرع بن حابس أحجنا هذا لعامنا أم للأبد قال صلى الله عليه وسلم:
# بل للأبد ولو قلت نعم لوجب. وذلك دليل على أن أوامره للوجوب. PageV02P147
# وأما الاجماع فهو أن الأمة في كل عصر لم ms346 تزل راجعة في إيجاب العبادات إلى
~~الأوامر من قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43)
~~إلى غير ذلك، من غير توقف. وما كانوا يعدلون إلى غير الوجوب إلا لمعارض.
# وأيضا، فإن أبا بكر، رضي الله عنه، استدل على وجوب الزكاة على أهل الردة
~~بقوله: * (وآتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة،
~~فكان ذلك إجماعا.
# وأما من جهة اللغة فمن وجوه:
# الأول وصف أهل اللغة من خالف الامر بكونه عاصيا ومنه قولهم:
# أمرتك، فعصيتني وقوله تعالى: * (أفعصيت أمري) * (20 طه: 93) وقول الشاعر:
# أمرتك أمرا حازما فعصيتني والعصيان اسم ذم، وذلك في غير الوجوب ممتنع.
~~وأيضا فإن السيد إذا أمر عبده بأمر، فخالفه، حسن الحكم من أهل اللغة بذمه
~~واستحقاقه للعقاب، ولولا أن الامر للوجوب لما كان كذلك.
# أما من جهة العقل فمن وجوه:
# الأول أن الايجاب من المهمات في مخاطبة أهل اللغة، فلو لم يكن الامر
~~للوجوب لخلا الوجوب عن لفظ يدل عليه، وهو ممتنع مع دعو الحاجة إليه.
# وأيضا فإنه قد ثبت أن الطلب لا يخرج عن الوجوب والندب، ويمتنع أن يكون
~~حقيقة في الندب، لا بجهة الاشتراك ولا التعيين ولا بطريق التخيير،
~~PageV02P148
# لان حمل الطلب على الندب معناه: افعل إن شئت. وهذا الشرط غير مذكور في
~~الطلب فيمتنع حمل الطلب عليه بوجه من هذه الوجوه. ويلزم من ذلك أن يكون
~~حقيقة في الوجوب وأيضا فإن الامر مقابل للنهي، والنهي يقتضي ترك الفعل
~~والامتناع من الفعل جزما، فالامر يجب أن يكون مقتضيا للفعل ومانعا من الترك
~~جزما.
# وأيضا فإن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداده مما يمنع من
~~فعلها وذلك غير متصور دون فعل المأمور به، فكان واجبا.
# وأيضا فإن حمل الامر على الوجوب أحوط للمكلف، لأنه إن كان للوجوب فقد حصل
~~المقصود الراجح، وأمنا من ضرر تركه. وإن كان للندب فحمله على الوجوب يكون
~~أيضا نافعا غير مضر. ولو حملناه على الندب، لم نأمن من الضرر، بتقدير كونه
~~واجبا لفوات المقصود الراجح. ms347
# وأيضا فإن المندوب داخل في الواجب من غير عكس فحمل الامر على الوجوب لا
~~يفوت معه المقصود من الندب بخلاف الحمل على الندب فكان حمله على الوجوب
~~أولى.
# وأيضا فإن الامر موضوع لإفادة معنى، وهو إيجاد الفعل، فكان مانعا من
~~نقيضه كالخبر.
# وأيضا فإن الامر بالفعل يفيد رجحان وجود الفعل على عدمه، وإلا كان مرجوحا
~~أو مساويا. ولو كان مرجوحا لما أمر به لما فيه من الاخلال بالمصلحة الزائدة
~~في الترك والتزام المفسدة الراجحة في الفعل، وهو قبيح. ولو كان مساويا، لم
~~يكن الامر به أولى من النهي عنه، وذلك أيضا قبيح. وإذا كان راجحا، فلو جاز
~~تركه، لزم منه الاخلال بأرجح المقصودين، وهو قبيح، فلا يرد به الشرع فتعين
~~الامتناع من الترك، وهو معنى الوجوب.
# والجواب من جهة الاجمال، والتفصيل.
# أما الاجمال فهو أن جميع ما ذكروه لا خروج له عن الظن، وإنما يكون مفيدا
~~فيما يطلب فيه الظن فقط، وهو غير مسلم فيما نحن فيه. وقوله، صلى الله عليه
~~وسلم: نحن نحكم بالظاهر فظني، والكلام في صحة الاحتجاج به فيما نحن فيه،
~~فعلى ما تقدم. PageV02P149
# وأما من جهة التفصيل، فإنا نخص كل شبهة بجواب.
# أما قوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24 النور: 54) فهو
~~أمر والخلاف في اقتضائه للوجوب، بحاله وقوله: * (فإن توليتم، فإنما عليه ما
~~حمل، وعليكم ما حملتم) * (24 النور: 54) فإما أن لا يكون للتهديد بل
~~للاخبار بأن الرسول عليه ما حمل من التبليغ، وعليكم ما حملتم من القبول،
~~وليس في ذلك ما يدل على كون الامر للوجوب، وإن كان للتهديد فهو دليل على
~~الوجوب فيما هدد على تركه ومخالفته من الأوامر، وليس فيه ما يدل على أن كل
~~أمر مهدد بمخالفته، بدليل أمر الندب، فإن المندوب مأمور به، على ما سيأتي،
~~وليس مهددا على مخالفته. وإذا انقسم الامر إلى مهدد عليه، وغير مهدد، وجب
~~اعتقاد الوجوب فيما هدد عليه، دون غيره، وبه يخرج الجواب عن كل صيغة أمر
~~هدد على مخالفتها وحذر منها، ووصف مخالفها ms348 بكونه عاصيا، وبه دفع أكثر ما
~~ذكروه من الآيات.
# ويخص قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24 النور: 63)
~~بأنه غير عام في كل أمر بصيغته. وإن قيل بالتعميم بالنظر إلى معقوله، من
~~جهة أنه مناسب، رتب التحذير على مخالفته، فإنما يصح أن لو لم يتخلف الحكم
~~عنه في أمر الندب، وقد تخلف فلا يكون حجة، وأيضا، فإن غايته أنه حذر من
~~مخالفة أمره ومخالفة أمره أن لا يعتقد موجبه، وأن لا يفعل على ما هو عليه
~~من إيجاب أو ندب، ونحن نقول به، وليس فيه ما يدل على أن كل أمر للوجوب.
# ويخص قوله لإبليس * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) * (7 الأعراف: 12)
~~بأنه غير عام في كل أمر. PageV02P150
# ويخص قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) * (33 الأحزاب: 36) الآية،
~~بأن المراد من قوله أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، أي في اعتقاد وجوب
~~المأمور به أو ندبه، وفعله على ما هو عليه، إن كان واجبا فواجب، وإن كان
~~ندبا فندب.
# ويخص قوله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) * (4 النساء: 65)
~~الآية بأنه لا حجة فيها.
# وقوله: * (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * (4 النساء: 65) أي
~~حكمت به من الوجوب والندب والإباحة والتحريم ونحوه، وليس فيه ما يدل على أن
~~كل ما يقضي به يكون واجبا.
# وأما حديث بريرة فلا حجة فيه، فإنها إنما سألت عن الامر، طلبا للثواب
~~بطاعته، والثواب والطاعة قد يكون بفعل المندوب، وليس في ذلك ما يدل على
~~أنها فهمت من الامر الوجوب، فحيث لم يكن أمرا لمصلحة أخروية لا بجهة
~~الوجوب، ولا بجهة الندب، قالت: لا حاجة لي فيه.
# فإن قيل: فإجابة شفاعة النبي، صلى الله عليه وسلم مندوب إليها، فإذا لم
~~يكن مأمورا بها، تعين أن يكون الامر للوجوب.
# قلنا: إذا سلم أن الشفاعة في صورة بريرة غير مأمور بإجابتها، فلا نسلم
~~أنها كانت في تلك الصورة مندوبة، ضرورة أن المندوب عندنا لا بد وأن يكون
~~مأمورا به.
# وأما ms349 السواك ففيه ما يدل على أنه أراد بالامر أمر الوجوب، بدليل أنه قرن
~~به المشقة، والمشقة لا تكون إلا في فعل الواجب، لكونه متحتما، بخلاف
~~المندوب، لكونه في محل الخيرة بين الفعل والترك، ولا يمتنع صرف الامر إلى
~~الوجوب بقرينة، ودخول حرف (لولا) على مطلق الامر لا يمنع من هذا التأويل.
~~PageV02P151
# وأما خبر أبي سعيد الخدري فلا حجة فيه أيضا، فإن قوله تعالى: * (استجيبوا
~~لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) * (8 الأنفال: 24) إنما كان محمولا على
~~وجوب إجابة النداء، تعظيما لله تعالى، ولرسوله في إجابة دعائه، ونفيا
~~للإهانة عنه، والتحقير له، بالاعراض عن إجابة دعائه، لما فيه من هضمه في
~~النفوس، وإفضاء ذلك إلى الاخلال بمقصود البعثة، ولا يمتنع صرف الامر إلى
~~الوجوب بقرينة.
# وأما خبر الحج، فلا دلالة فيه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ولو قلت
~~نعم لوجب ليس أمرا ليكون للوجوب، بل لأنه يكون بيانا لقوله تعالى: * (ولله
~~على الناس حج البيت) * (3 آل عمران: 97) فإنه مقتض للوجوب، غير أنه متردد
~~بين التكرار والمرة الواحدة، فقوله: لو قلت نعم لوجب أي تكرره لأنه يكون
~~بيانا لما أوجبه الله تعالى، لا أنه يكون موجبا.
# وأما ما ذكروه من الاجماع، فإن أريد به أن الأمة كانت ترجع في الوجوب إلى
~~مطلق الأوامر فهو غير مسلم، وليس هو أولى من قول القائل: إنهم كانوا يرجعون
~~في الندب إلى مطلق الأوامر، مع أن أكثر الأوامر للمندوبات، وإن أريد به
~~أنهم كانوا يرجعون في الوجوب إلى الأوامر المقترنة بالقرائن، فلا حجة فيه.
# وأما قصة أبي بكر، فلا حجة في احتجاجه بقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة
~~وأتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) على أن الامر بمطلقه للوجوب، وذلك لأنهم لم
~~يكونوا منكرين لأصل الوجوب، حتى يستدل على الوجوب بالآية، بل إنما أنكروا
~~التكرار، والاستدلال على تكرار ما وجب، لا يكون استدلالا على نفس اقتضاء
~~الامر بمطلقه للوجوب.
# وأما قولهم: إن أهل اللغة يصفون من خالف الامر المطلق بالعصيان، ويحكمون
~~عليه باستحقاق الذم والتوبيخ، ليس كذلك فإنه ms350 ليس القول بملازمة هذه الأمور
~~للامر المطلق، وملازمة انتفائها للامر المقيد بالقرينة في المندوبات، أولى
~~من العكس. PageV02P152
# فإن قيل: بل تقييد المندوب بالقرينة، أولى من تقييد الواجب بها فإنها
~~بتقدير خفائها تحمل على الوجوب، وهو نافع غير مضر. وبتقدير تقييد الواجب
~~بها يلزم الاضرار بترك الواجب بتقدير خفائها، لفوات المقصود الأعظم منه،
~~فهو معارض بأن الأوامر الواردة في المندوبات، أكثر منها في الواجبات، فإنه
~~ما من واجب إلا ويتبعه مندوبات، والواجب غير لازم للمندوب ولا يخفى أن
~~المحذور في تقييد الأعم بالقرينة لاحتمال خفائها، أعظم من محذور ذلك في
~~الأخص.
# وأما الشبه العقلية قولهم: إن الوجوب من المهمات.
# قلنا: والندب من المهمات، وليس إخلاء أحد الامرين من لفظ يدل عليه، أولى
~~من الآخر. وإن قيل بأن المندوب له لفظ يدل عليه، وهو قول القائل ندبت ورغبت
~~فللوجوب أيضا لفظ يدل عليه، وهو قوله أوجبت وألزمت وحتمت.
# قولهم أنه يمتنع أن يكون الامر حقيقة في الندب لما ذكروه، فهو مقابل
~~بمثله، فإن حمل الطلب على الوجوب معناه: افعل وأنت ممنوع من الترك وهو غير
~~مذكور في الطلب، فلا يكون حمله على أحدهما أولى من الآخر.
# قولهم إن النهي يقتضي المنع من الفعل فيجب أن يكون الامر مقتضيا للمنع من
~~الترك.
# قلنا: لا نسلم أن مطلق النهي يقتضي المنع من الفعل، إلا أن يدل عليه
~~دليل، كما ذكرناه في الامر. وإن صح ذلك في النهي فحاصل ما ذكروه راجع إلى
~~القياس في اللغة، وهو باطل بما سبق.
# قولهم إن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده غير مسلم كما يأتي، وإن سلم،
~~ولكن إنما يمكن القول بأن النهي عن أضداد المأمور به مما يمنع من فعلها، إن
~~لو كان الامر للوجوب، وإلا فبتقدير أن يكون للندب، فالنهي عن أضداده يكون
~~نهي تنزيه، فلا يمنع من فعلها، وعند ذلك فيلزم منه توقف الوجوب على كون
~~النهي عن أضداده، مانعا من فعلها، وذلك متوقف على كون الامر للوجوب، وهو
~~دور ممتنع.
# قولهم إن حمل الطلب ms351 على الوجوب أحوط للمكلف على ما ذكروه، فهو معارض بما
~~يلزم من حمله على الوجوب من الاضرار اللازم من الفعل الشاق بتقدير
~~PageV02P153
# فعله، والعقاب بتقدير تركه، ولما فيه من مخالفة النفي الأصلي بما اختص به
~~الوجوب من زيادة الذم والوصف بالعصيان، بخلاف المندوب كيف وإن المكلف إذا
~~نظر وظهر له أن الامر للندب فقد أمن من الضرر، وحصل مقصود الامر.
# قولهم إن المندوب داخل في الواجب ليس كذلك على ما سبق تقريره.
# قولهم إن الامر موضوع لمعنى، فكان مانعا من نقيضه، دعوى محل النزاع،
~~والقياس على الخبر من باب القياس في اللغات، وهو باطل بما سبق. ثم إنه
~~منقوض بالامر بالمندوب، فإنه مأمور به على ما سبق.
# فإن قيل: لا يلزم من مخالفة الدليل في المندوب المخالفة مطلقا.
# قلنا: يجب أن نعتقد أن ما ذكروه ليس بدليل حتى لا يلزم منه المخالفة في
~~المندوب.
# وما ذكروه من الشبهة الأخيرة فهي منتقضة بالمندوب وأما شبه القائلين
~~بالندب، فمنها نقلية وعقلية.
# أما النقلية فقوله، صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
~~استطعتم، وإذ نهيتكم عن شئ فانتهوا فوض الامر إلى استطاعتنا ومشيئتنا، وهو
~~دليل الندبية.
# وأما العقلية فهو أن المندوب ما فعله خير من تركه، وهو داخل في الواجب،
~~فكل واجب مندوب، وليس كل مندوب واجبا، لان الواجب ما يلام على تركه،
~~والمندوب ليس كذلك، فوجب جعل الامر حقيقة فيه لكونه متيقنا.
# وجوابهما من جهة الاجمال، فما سبق في جواب شبه القائلين بالوجوب.
# ومن جهة التفصيل: عن الأولى أنه لا يلزم من قوله: ما استطعتم تفويض الامر
~~إلى مشيئتنا، فإنه لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال: ما استطعتم وليس ذلك
~~خاصية للندب، فإن كل واجب كذلك.
# وعن الثانية ما سبق من امتناع وجود المندوب في الواجب، ثم لو كان تنزيل
~~لفظ الامر على المتيقن لازما، لكان جعله حقيقة في رفع الحرج عن الفعل أولى،
~~لكونه متيقنا، بخلاف المندوب، فإنه متميز بكون الفعل مترجحا على الترك، وهو
~~غير متيقن. ms352 PageV02P154
# المسألة الثالثة اختلف الأصوليون في الامر العري عن القرائن: فذهب
~~الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه مقتض
~~للتكرار المستوعب لزمان العمر مع الامكان، وذهب آخرون إلى أنه للمرة
~~الواحدة، ومحتمل للتكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي
~~الحسين البصري وكثير من الأصوليين، ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها
~~بنفي ولا إثبات، وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية.
# والمختار أن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال، وهو معلوم قطعا،
~~والتكرار محتمل، فإن اقترن به قرينة أشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل
~~عليه، وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافيا. والدليل على ذلك أنه إذا
~~قال له صل أو صم فقد أمره بإيقاع فعل الصلاة والصوم، وهو مصدر (افعل)،
~~والمصدر محتمل للاستغراق والعدد: ولهذا يصح تفسيره به، فإنه لو قال لزوجته
~~أنت طالق ثلاثا وقع به لما كان تفسيرا للمصدر، وهو الطلاق، ولو اقتصر على
~~قوله أنت طالق لم يقع سوى طلقة واحدة، مع احتمال اللفظ للثلاث، فإذا قال صل
~~فقد أمره بإيقاع المصدر، وهو الصلاة، والمصدر محتمل للعدد، فإن اقترن به
~~قرينة مشعرة بإرادة العدد حمل عليه، وإلا فالمرة الواحدة تكون كافية. ولهذا
~~فإنه لو أمر عبده أن يتصدق صدقة، أو يشتري خبزا أو لحما، فإنه يكتفى منه
~~بصدقة واحدة وشراء واحد، ولو زاد على ذلك، فإنه يستحق اللوم والتوبيخ لعدم
~~القرينة الصارفة إليه، وإن كان اللفظ محتملا له، وإنما كان كذلك لان حال
~~الآمر متردد بين إرادة العدد وعدم إرادته، وإنما يجب العدد مع ظهور
~~الإرادة، ولا ظهور، إذ الفرض فيما إذا عدمت القرائن المشعرة به. فقد بطل
~~القول بعدم إشعار اللفظ بالعدد مطلقا، وبطل القول بظهوره فيه وبالوقف أيضا.
~~والاعتراض هاهنا يختلف باختلاف مذاهب الخصوم: فمن اعتقد ظهوره في التكرار
~~اعترض بشبه. الأولى: منها أن أوامر الشارع في الصوم والصلاة محمولة على
~~التكرار، فدل على إشعار الامر به. PageV02P155
# الثانية: أن قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * يعم كل مشرك فقوله صم وصل
~~ينبغي أن ms353 يعم جميع الأزمان، لان نسبة اللفظ إلى الأزمان كنسبته إلى
~~الأشخاص.
# الثالثة: أن قوله صم كقوله لا تصم ومقتضى النهي الترك أبدا، فوجب أن يكون
~~الامر مقتضيا للفعل أبدا لاشتراكهما في الاقتضاء والطلب.
# الرابعة: أن الامر اقتضى فعل الصوم، واقتضى اعتقاد وجوبه والعزم عليه
~~أبدا، فكذلك الموجب الآخر.
# الخامسة: أن الامر لا اختصاص له بزمان دون زمان، فليس حمله على البعض ولى
~~من البعض، فوجب التعميم.
# السادسة: أنه لو لم يكن الامر للتكرار لما صح الاستثناء منه، لاستحالة
~~الاستثناء من المرة الواحدة، ولا تطرق النسخ إليه لان ذلك يدل على البدا،
~~وهو محال على الله تعالى، ولا حسن الاستفهام من الآمر أنك أردت المرة
~~الواحدة أو التكرار. ولكان قول الآمر لغيره صل مرة واحدة غير مفيد، وكان
~~قوله صل مرارا تناقضا، ولكان إذا لم يفعل المأمور ما أمر به في أول الوقت،
~~محتاجا في فعله ثانيا إلى دليل، وهو ممتنع.
# السابعة: أن الحمل على التكرار أحوط للمكلف، لأنه إن كان للتكرار، فقد
~~حصل المقصود، ولا ضرر، وإن لم يكن للتكرار لم يكن فعله مضرا.
# الثامنة: إن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداده يقتضي
~~استغراق الزمان، وذلك يستلزم استدامة فعل المأمور به.
# التاسعة: قوله، صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
~~استطعتم أي فأتوا بما أمرتكم به ما استطعتم، وذلك يقتضي وجوب التكرار.
# العاشرة: أن عمر بن الخطاب سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، لما رآه قد
~~جمع بطهارة واحدة بين صلوات عام الفتح، وقال: أعمدا فعلت هذا يا رسول الله؟
~~فقال: نعم ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من قوله تعالى: * (إذا قمتم إلى
~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * (5 المائدة: 6) لما كان للسؤال معنى.
# الحادية عشرة: أنه إذا قال الرجل لغيره: أحسن عشرة فلان، فإنه يفهم منه
~~التكرار والدوام. PageV02P156
# وأما شبه القائلين بامتناع احتمال التكرار، فأولها أن من قال لغيره ادخل
~~الدار يعد ممتثلا بالدخول مرة واحدة، كما أنه يصير ممتثلا لقوله اضرب رجلا
~~بضرب رجل ms354 واحد. ولذلك، فإنه لا يلام بترك التكرار، بل يلام من لامه عليه.
# وثانيها: أنه لو قال القائل صام زيد صدق على المرة الواحدة من غير إدامة،
~~فليكن مثله في الامر.
# وثالثها: أنه لو حلف أنه ليصلين أو ليصومن، برت يمينه بصلاة واحدة وصوم
~~يوم واحد، وعد آتيا بما التزمه، فكذلك في الالتزام بالامر.
# ورابعها: أنه لو قال الرجل لوكيله طلق زوجتي لم يملك أكثر من تطليقة
~~واحدة.
# وخامسها: أنه لو كان الامر للتكرار، لكان قوله صل مرارا غير مفيد، وكان
~~قوله صل مرة واحدة نقصا، وليس كذلك.
# وسادسها: أنه لو كان مطلق الامر للتكرار، لكان الامر بعبادتين مختلفتين
~~لا يمكن الجمع بينهما إما تكليفا بما لا يطاق، أو أن يكون الامر بكل واحدة
~~مناقضا للامر بالأخرى، وهو ممتنع.
# وأما شبه القائلين بالوقف، فأولها أن الامر بمطلقه غير ظاهر في المرة
~~الواحدة ولا في التكرار، ولهذا، فإنه يحسن أن يستفهم من الآمر عند قوله
~~اضرب ويقال له مرة واحدة أو مرارا. ولو كان ظاهرا في أحد الامرين لما حسن
~~الاستفهام.
# وثانيها أنه لو كان ظاهرا في المرة الواحدة لكان قول الآمر اضرب مرة
~~واحدة تكرارا أو مرارا تناقضا، وكذلك لو كان ظاهرا في التكرار.
# والجواب: عن الشبهة الأولى للقائلين بالتكرار هو أن حمل بعض الأوامر، وإن
~~كانت متكررة، على التكرار، لا يدل على استفادة ذلك من ظاهرها، وإلا كان ما
~~حمل من الأوامر على المرة الواحدة، كالحج ونحوه، مستفادا من ظاهر الامر،
~~ويلزم من ذلك إما التناقض أو اعتقاد الظهور في أحد الامرين دون الآخر من
~~غير أولوية وهو محال. PageV02P157
# فإن قيل: اعتقاد الظهور في التكرار أولى، لان ما حمل من الأوامر على
~~التكرار أكثر من المحمول على المرة الواحدة، وعند ذلك فلو جعلناه ظاهرا في
~~المرة الواحدة لكان المحذور اللازم من مخالفته في الحمل على التكرار أقل من
~~المحذور اللازم من جعله ظاهرا في التكرار عند حمله على المرة الواحدة.
# قلنا: هذا إنما يلزم أن لو قلنا إن الامر ظاهر ms355 في أحد الامرين، وليس
~~كذلك، بل الامر عندنا إنما يقتضي إيقاع مصدر الفعل والمرة الواحدة من
~~ضروراته، لأن الامر ظاهر فيها، وكذلك في التكرار، فحمل الامر على أحدهما
~~بالقرينة لا يوجب مخالفة الظاهر في الآخر، لعدم تحققه فيه.
# وعن الثانية: وإن سلمنا أن العموم في قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) *
~~(9 التوبة: 5) أنه يتناول كل مشرك فليس ذلك إلا لعموم اللفظ، ولا يلزم مثله
~~فيما نحن فيه لعدم العموم في قوله صم بالنسبة إلى جميع الأزمان، بل لو قال
~~صم في جميع الأزمان كان نظيرا لقوله اقتلوا المشركين.
# وعن الثالثة: لا نسلم أن النهي المطلق للدوام، وإنما يقتضيه عند التصريح
~~بالدوام أو ظهور قرينة تدل عليه، كما في الامر، وإن سلمنا اقتضاءه للدوام،
~~لكن ما ذكروه من إلحاق الامر بالنهي بواسطة الاشتراك بينهما في الاقتضاء
~~فرع صحة القياس في اللغات، وقد أبطلناه. وإن سلمنا صحة ذلك، غير أنا نفرق،
~~وبيانه من وجهين: الأول أن من أمر غيره أن يضرب فقد أمره بإيقاع مصدره وهو
~~الضرب، فإذا ضرب مرة واحدة يصح أن يقال: لم يعدم الضرب.
# الثاني إن حمل الامر على التكرار مما يفضي إلى تعطيل الحوائج المهمة،
~~وامتناع الاتيان بالمأمورات التي لا يمكن اجتماعها بخلاف الانتهاء عن
~~المنهي مطلقا. PageV02P158
# وعن الرابعة: أنها غير متجهة، وذلك لان دوام اعتقاد الوجوب عند قيام دليل
~~الوجوب ليس مستفادا من نفس الامر، وإنما هو من أحكام الايمان، فتركه يكون
~~كفرا، والكفر منهي عنه دائما، ولهذا، كان اعتقاد الوجوب دائما في الأوامر
~~المقيدة.
# وأما العزم فلا نسلم وجوبه، ولهذا فإن من دخل عليه الوقت، وهو نائم، لا
~~يجب على من حضره إنباهه، ولو كان العزم واجبا في ذلك الوقت، لوجب عليه، كما
~~لو ضاق وقت العبادة، وهو نائم. وإن سلمنا وجوب العزم، لكن لا نسلم وجوبه
~~دائما، بل هو تبع لوجوب المأمور به، وإن سلمنا وجوبه دائما، فلا نسلم كونه
~~مستفادا من نفس الامر، ليلزم ما قيل، بل إنما هو مستفاد من دليل اقتضى
~~دوامه غير ms356 الامر الوارد بالعبادة، ولهذا، وجب في الأوامر بالفعل مرة واحدة.
# وعن الخامسة: أنها باطلة من جهة أن الامر غير مشعر بالزمان، وإنما الزمان
~~من ضرورات وقوع الفعل المأمور به، ولا يلزم من عدم اختصاصه ببعض الأزمنة
~~دون البعض التعميم كالمكان.
# وعن السادسة: وهي قولهم لو كان الامر للمرة الواحدة لما دخله النسخ ليس
~~كذلك عندنا، فإنه لو أمر بالحج في السنة المستقبلة، جاز نسخه عندنا قبل
~~التمكن من الامتثال، على ما يأتي. وإنما ذلك لازم على المعتزلة. وأما دخول
~~الاستثناء فمن أوجب الفعل على الفور، يمنع منه، ومن أوجبه على التراخي، فلا
~~يمنع من استثناء بعض الأوقات التي المكلف مخير في إيقاع الواجب فيها. وأما
~~حسن الاستفهام، فإنما كان لتحصيل اليقين فيما اللفظ محتمل له، تأكيدا، فإنه
~~محتمل لإرادة التكرار وإرادة المرة الواحدة، وبه يخرج الجواب عن قوله صل
~~مرة وحدة وقوله: صل مرارا غير متناقض، بل غايته دلالة الدليل على إرادة
~~التكرار المحتمل. وإذا لم يفعل ما أمر به في أول الوقت، فمن قال بالتراخي،
~~لا يحتاج إلى دليل آخر، لان مقتضى الامر المطلق عنده تخيير المأمور في
~~إيقاع الفعل في أي وقت شاء من ذلك الوقت، ومن قال بالفور، فلا بد له من
~~دليل في ثاني الحال. PageV02P159
# وعن السابعة ما سبق في الواجب والمندوب.
# وعن الثامنة لا نسلم أن الامر بالشئ نهي عن أضداده، وإن سلم ذلك، ولكن
~~اقتضاء النهي للاضداد بصفة الدوام، فرع كون الامر مقتضيا للفعل على الدوام،
~~وهو محل النزاع.
# وأما قوله، صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر الحديث، إنما يلزم أن لو
~~كان ما زاد على المرة الواحدة مأمورا به، وليس كذلك.
# وأما حديث عمر فلا يدل على أنه فهم أن الامر بالطهارة يقتضي تكرارها
~~بتكرر الصلاة، بل لعله أشكل عليه أنه للتكرار، فسأل النبي عن عمده وسهوه في
~~ذلك، لإزاحة الاشكال، بمعرفة كونه للتكرار، إن كان فعل النبي، صلى الله
~~عليه وسلم، سهوا أو لا للتكرار، إن كان فعله عمدا. كيف وإن ms357 فهم عمر لذلك
~~مقابل بإعراض النبي، صلى الله عليه وسلم، عن التكرار، ولو كان للتكرار لما
~~أعرض عنه، وله الترجيح.
# وأما الشبهة الأخيرة فإنما عم الامر فيها بالاكرام وحسن العشرة للأزمان،
~~لان ذلك إنما يقصد به التعظيم، وذلك يستدعي استحقاق المأمور بإكرامه
~~للاكرام، وهو سبب الامر، فمهما لم يعلم زوال ذلك السبب وجب دوام المسبب،
~~فكان الدوام مستفادا من هذه القرينة، لا من مطلق الامر.
# والجواب عن الشبهة الأولى للقائلين بامتناع احتمال الامر المطلق للتكرار،
~~أن ذلك يدل على أن الامر غير ظاهر في التكرار، ولا يلزم منه امتناع احتماله
~~له.
# ولهذا، فإنه لو قال: ادخل الدار مرارا، بطريق التفسير، فإنه يصح ويلزم،
~~ولو عدم الاحتمال لما صح التفسير.
# وعن الثانية أن ذلك قياس في اللغات، فلا يصح، وبه دفع الشبهة الثالثة.
# وإذا قال لوكيله طلق زوجتي إنما لم يملك ما زاد على الطلقة الواحدة، لعدم
~~ظهور الامر فيها، لا لعدم الاحتمال لغة. ولهذا لو قال طلقها ثلاثا على
~~التفسير، صح.
# وعن الخامسة ما سبق. PageV02P160
# وعن السادسة أنها باطلة، وذلك لان زيادة المشقة من حمل الامر على
~~التكرار، إما أن لا يكون منافيا له، أو يكون منافيا: فإن كان الأول، فلا
~~اتجاه لما ذكروه، وإن كان الثاني فغايته تعذر العمل بالامر في التكرار، عند
~~لزوم الحرج، فيلون ذلك قرينة مانعة من صرف الامر إليه، ولا يلزم من ذلك
~~امتناع احتماله له لغة.
# وجواب شبهة القائلين بالوقف ما سبق في جواب من تقدم، والله أعلم.
# المسألة الرابعة الامر المعلق بشرط، كقوله: إذا زالت الشمس فصلوا أو صفة
~~كقوله: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24 النور:
~~2) هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرر الشرط والصفة، أم لا؟
# فمن قال إن الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هاهنا أولى. ومن قال إن الامر
~~المطلق لا يقتضي التكرار اختلفوا هاهنا: فمنهم من أوجبه، ومنهم من نفاه.
# وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع، فنقول: ما علق به
~~المأمور من الشرط ms358 أو الصفة، إما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس الامر
~~لوجوب الفعل المأمور به، كالزنى، أو لا يكون كذلك، بل الحكم متوقف عليه من
~~غير تأثير له فيه، كالاحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنى، فإن كان
~~الأول، فالاتفاق واقع على تكرر الفعل بتكرره نظرا إلى تكرر العلة، ووقوع
~~الاتفاق على التعبد باتباع العلة، مهم وجدت، فالتكرار مستند إلى تكرار
~~العلة، لا إلى الامر، وإن كان الثاني، فهو محل الخلاف. والمختار أنه لا
~~تكرار.
# وقد احتج القائلون بهذا المذهب بحجج واهية، لا بد من التنبيه عليها، وعلى
~~ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. الحجة الأولى أنهم قالوا: أجمعنا
~~على أن الخبر المعلق بالشرط أو الصفة لا يقتضي تكرار المخبر عنه كما لو قال
~~إن جاء زيد جاء عمرو فإنه لا يلزم تكرر مجئ عمرو في تكرر مجئ زيد، فكذلك في
~~الامر، وهي باطلة، فإن حاصلها يرجع إلى القياس في اللغة، وقد أبطلناه.
~~PageV02P161
# الثانية أنه لو قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنه لا يتكرر
~~الطلاق بتكرار الدخول، فكذلك في قوله إذا زالت الشمس فصلوا وهو أيضا من جنس
~~ما تقدم، لما فيه من قياس الامر على إنشاء الطلاق الذي ليس بأمر.
# الثالثة أن اللفظ لا دلالة فيه إلا على تعليق شئ بشئ، وهو أعم من تعليقه
~~عليه في كل صورة، أو في صورة واحدة، والمشعر بالأعم لا يلزم أن يكون مشعرا
~~بالأخص.
# وحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى محض الدعوى، بأن الامر المضاف إلى الشرط
~~أو الصفة لا يفهم منه اقتضاء التكرار بتكرر الشرط أو الصفة، وهو عين محل
~~النزاع.
# وإنما الواجب أن يقال إنه مشعر بالأعم. والأصل عدم إشعاره، بالأخص.
# والمعتمد في ذلك أن يقال: لو وجب التكرار لم يخل، إما أن يكون المقتضي له
~~نفس الامر، أو الشرط، أو مجموع الامرين: لا جائز أن يقال بالأول لما سبق في
~~المسألة المتقدمة، ولا بالثاني لان الشرط غير مؤثر في المشروط، بحيث يلزم
~~من ms359 وجوده وجوده، بل إنما تأثيره في انتفاء المشروط عند انتفائه وحيث قيل
~~بملازمة المشروط لوجود الشرط في قوله لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق إنما
~~كان لضرورة وجود الموجب، وهو قوله أنت طالق لا لنفس دخول الدار، وإلا كان
~~دخول الدار موجبا للطلاق مطلقا، وهو محال، ولا جائز أن يقال بالثالث، لأنا
~~أجمعنا على أنه لو قال لعبده إذا دخلت السوق فاشتر لحما أنه لا يقتضي
~~التكرار، وذلك إما أن يكون مع تحقق الموجب للتكرار، أو لا مع تحققه: لا
~~جائز أن يقال بالأول، وإلا فانتفاء التكرار إما لمعارض، أو لا لمعارض:
~~والأول ممتنع لما فيه من المعارضة وتعطيل الدليل عن أعماله، وهو خلاف
~~الأصل، والثاني أيضا باطل لما فيه من مخالفة الدليل من غير معارض، فلم يبق
~~سوى الثاني، وهو المطلوب فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من وجوه.
# الأول: أنه قد وجد في كتاب الله تعالى أوامر متعلقة بشروط وصفات، وهي
~~متكررة بتكررها، كقوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة، فاغسلوا) * (5
~~المائدة: 6) الآية، وقوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) *
~~(5 المائدة: 38) * (والزانية والزاني) * (24 النور: 2) الآية ولو لم يكن
~~ذلك مقتضيا للتكرار لما كان متكررا. PageV02P162
# الثاني: أن العلة يتكرر الحكم بتكررها إجماعا، والشرط أقوى من العلة
~~لانتفاء الحكم بانتفائه بخلاف العلة، فكان اقتضاؤه للتكرار أولى.
# الثالث: أن نسبة الحكم إلى إعداد الشرط المعلق عليه نسبة واحدة، ولا
~~اختصاص له بالموجود الأول منها، دون ما بعده، وعند ذلك فإما أن يلزم من
~~انتفاء الحكم مع وجود الشرط ثانيا وثالثا انتفاؤه مع وجود الشرط الأول، أو
~~من وجوده مع الأول الوجود مع الثاني، وما بعده، ضرورة التسوية: والأول خلاف
~~الاجماع، والثاني هو المطلوب.
# الرابع: أنه لو لم يكن الامر مقتضيا لتعليق الحكم بجميع الشروط، بل
~~بالأول منها، فليزم أن يكون فعل العبادة مع الشرط الثاني، دون الأول، قضاء،
~~وكانت مفتقرة إلى دليل آخر وهو ممتنع.
# الخامس: أن النهي المعلق بالشرط مفيد للتكرار، كما إذا قال إن دخل زيد
~~الدار، فلا تعطه ms360 درهما والامر ضد النهي، فكان مشاركا له في حكمه، ضرورة
~~اشتراكهما في الطلب والاقتضاء.
# السادس: أن تعليق الامر على الشرط الدائم، موجب لدوام المأمور به بدوامه،
~~كما لو قال إذا وجد شهر رمضان فصمه فإن الصوم يكون دائما بدوام الشهر،
~~وتعليق الامر على الشرط المتكرر في معناه فكان دائما.
# والجواب عن الأول أنه إذا ثبت بما ذكرناه أن الامر المعلق بالشرط والضفة
~~غير مقتض للتكرار، فحيث قضي بالتكرار إما أن يكون الشرط والصفة علة للحكم
~~المكرر في نفس الامر، كما في الزنى والسرقة، أو لا يكون علة له: فإن كان
~~الأول، فالتكرار إنما كان لتكرر العلة الموجبة للحكم، ولا كلام فيه، وإن
~~كان الثاني، فيجب اعتقاد كونه متكررا لدليل اقتضاه غير الامر المعلق بالشرط
~~والصفة، لما ذكرناه من عدم اقتضائه. كيف وإنه كما قد يتكرر الفعل المأمور
~~به بتكرر الشرط، فقد لا يتكرر كالأمر بالحج، فإنه مشروط بالاستطاعة وهو غير
~~متكرر بتكررها. PageV02P163
# وعن الثاني: أنه لا يلزم من تكرر الحكم بتكرر العلة لكونها موجبة للحكم،
~~تكرره بتكرر الشرط، مع أنه غير موجب للحكم، كما تقرر.
# وعن الثالث: أنه إنما يلزم القائلين بالوجوب على الفور، وليس كذلك عندنا،
~~بل الامر مقتض للامتثال مع استواء التقديم والتأخير فيه، إذا علم تجدد
~~الشرط، وغلب على الظن بقاء المأمور، ويكون الامر قد اقتضى تعلق المأمور به
~~على الشروط كلها على طريق البدل من غير اختصاص له ببعضها دون بعض. وأما إن
~~لم يغلب على الظن تجدد الشرط، ولا بقاء المأمور إلى حالة وجود الشرط
~~الثاني، فقد تعين اختصاص المأمور بالشرط الأول، لعدم تحقق ما سواه.
# وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الرابع أيضا.
# وعن الخامس أن حاصله يرجع إلى قياس الامر على النهي في اللغة، وهو باطل
~~بما سبق.
# كيف وإنا لا نسلم أن النهي المضاف إلى الشرط يتكرر بتكرر الشرط، بل ما
~~اقتضاه النهي إنما هو دوام المنع عند تحقق الشرط الأول، سواء تجدد الشرط
~~ثانيا، أو لم يتجدد.
# وعن السادس أن الشرط ms361 المستشهد به، وإن كان له دوام في زمان معين، والحكم
~~موجود معه، فهو واحد والمشروط به غير متكرر بتكرره. وعند ذلك فلا يلزم من
~~لزوم وجود المشروط عند تحقق شرطه من غير تكرر، لزوم التكرر بتكرر الشرط في
~~محل النزاع. PageV02P164
# المسألة الخامسة اختلفوا في الامر المطلق: هل يقتضي تعجيل فعل المأمور
~~به؟
# فذهبت الحنفية والحنابلة وكل من قال بحمل الامر على التكرار، إلى وجوب
~~التعجيل. وذهبت الشافعية والقاضي أبو بكر وجماعة من الأشاعرة والجبائي
~~وابنه وأبو الحسين البصري إلى التراخي، وجواز التأخير عن أول وقت الامكان.
# وأما الواقفية فقد توقفوا، لكن منهم من قال: التوقف إنما هو في المؤخر هل
~~هو ممتثل أو لا؟ وأما المبادر فإنه ممتثل قطعا، لكن هل يأثم بالتأخير؟
~~اختلفوا فيه:
# فمنهم من قال بالتأثيم، وهو اختيار إمام الحرمين، ومنهم من لم يؤثمه،
~~ومنهم من توقف في المبادر أيضا، وخالف في ذلك إجماع السلف.
# والمختار أنه مهما فعل، كان مقدما أو مؤخرا، كان ممتثلا للامر، ولا إثم
~~عليه بالتأخير.
# والدليل على ذلك أن الامر حقيقة في طلب الفعل لا غير، فمهما أتى بالفعل
~~في أي زمان كان، مقدما أو مؤخرا كان آتيا بمدلول الامر، فيكون ممتثلا
~~للامر، ولا إثم عليه بالتأخير، لكونه آتيا بما أمر به على الوجه الذي أمر
~~به، وبيان أن مدلول الامر طلب الفعل لا غير، وجهان.
# الأول: أنه دليل على طلب الفعل بالاجماع، والأصل عدم دلالته على أمر
~~خارج، والزمان وإن كان لا بد منه من ضرورة وقوع الفعل المأمور به، ولا يلزم
~~أن يكون داخلا في مدلول الامر، فإن اللازم من الشئ أعم من الداخل في معناه،
~~ولا أن يكون متعينا، كما لا تتعين الآلة في الضرب، ولا الشخص المضروب، وإن
~~كان ذلك من ضرورات امتثال الامر بالضرب.
# الوجه الثاني: أنه يجوز ورود الامر بالفعل على الفور وعلى التراخي، ويصح
~~مع ذلك أن يقال بوجود الامر في الصورتين. والأصل في الاطلاق الحقيقة، ولا
~~مشترك بين الصورتين سوى طلب الفعل، لان الأصل ms362 عدم ما سواه، فيجب أن يكون هو
~~مدلول الامر في الصورتين، دون ما به الاقتران من الزمان وغيره، نفيا للتجوز
~~والاشتراك عن اللفظ. PageV02P165
# فإن قيل: ما ذكرتموه في بيان امتناع خروج الوقت عن الدخول في مقتضى الامر
~~معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من خمسة وجوه:
# الأول: أنه إذا قال السيد لعبده اسقني ماء فإنه يفهم منه تعجيل السقي،
~~حتى أنه يحسن لوم العبد وذمه في نظر العقلاء بتقدير التأخير، ولولا أنه من
~~مقتضيات الامر لما كان كذلك. إذ الأصل عدم القرينة.
# الثاني: هو أن مدلول الامر، وهو الفعل المأمور به، لا يقع إلا في وقت
~~وزمان، فوجب أن يكون الامر مقتضيا للفعل في أقرب زمان كالمكان، وكما لو قال
~~لزوجته أنت طالق ولعبده أنت حر فإن مدلول لفظه يقع على الفور في أقرب زمان.
# الثالث: أن الامر مشارك للنهي في مطلق الطلب، والنهي مقتض للامتثال على
~~الفور، فوجب أن يكون الامر كذلك.
# الرابع: أن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداد المأمور به
~~مقتض للانتهاء عنها على الفور، وذلك متوقف على فعل المأمور به على الفور،
~~فكان الامر مقتضيا له على الفور.
# الخامس: أنه تعالى عاتب إبليس ووبخه على مخالفة الامر بالسجود لآدم في
~~الحال بقوله: * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك؟) * (7 الأعراف: 12) ولو لم
~~يكن الامر بالسجود مقتضيا له في الحال، لما حسن توبيخه عليه، ولكان تلك
~~عذرا لإبليس في تأخيره.
# سلمنا عدم دلالة الامر على وجوب الفعل على الفور لفظا لكن لم قلتم إنه لا
~~يكون مستلزما له بواسطة دلالته على أصل الوجوب؟ وبيان ذلك من وجوه أربعة:
# الأول: أن الامر إذا دل على وجوب الفعل، فقد أجمعنا على وجوب اعتقاده على
~~الفور، مع أن ذلك لم يكن مقتضى للامر، بل هو من لوازم مقتضاه فكان مقتضاه
~~على الفور أولى لأصالته.
# الثاني: أن إجماع السلف منعقد على أن المبادر يخرج عن عهدة الامر، ولا
~~إجماع في المؤخر، فكان القول بالتعجيل أحوط وأولى. PageV02P166
# الثالث: ms363 أن الفعل واجب بالاتفاق، فلو جاز تأخيره إما أن يجوز إلى غاية
~~معينة، أو لا إلى غاية.
# فإن جاز تأخيره إلى غاية معينة، فإما أن تكون معلومة للمأمور، أو لا تكون
~~معلومة له: فإن كانت معلومة له، فإما أن تكون مذكورة بأن يقال له إلى عشرة
~~أيام مثلا، أو موصوفة. الأول خلاف الفرض، إذ الفرض فيما إذا كان أمرا مطلقا
~~غير مقيد بوقت في الذكر. وإن كان الثاني فالوقت الموصوف لا يخرج بالاجماع
~~عن الوقت الذي إذا انتهى إليه غلب على ظنه أنه لو أخر المأمور به عنه،
~~لفات، وذلك لا يكون إلا بأمارة تدل عليه، وهي الاجماع غير خارجة عن المرض
~~المرجو وعلو السن، وكل واحد من الامرين مضطرب مختلف، فإنه قد يموت قبل ذلك،
~~أو يعيش بعده فلا يعتمد عليه. وإن كانت الغاية غير معلومة له مع أنه لا
~~يجوز له التأخير عنها، كان ذلك تكليفا بما لا يطاق، وهو ممتنع، وهذا كله
~~فيما إذا جاز التأخير إلى غاية.
# وإن كان التأخير لا إلى غاية، فإما أن يجوز ذلك ببدل، أو لا ببدل: فإن
~~كان ببدل، فذلك البدل إما أن يكون واجبا أو غير واجب: لا جائز أن لا يكون
~~واجبا، وإلا لما كان بدلا عن الواجب بالاجماع. وإن كان واجبا فهو ممتنع
~~لوجوه أربعة.
# الأول أنه لو كان واجبا لوجب إنباه المأمور حالة ورود الامر نحوه على من
~~حضره حذرا من فوات الواجب الذي هو البدل، كما لو ضاق عليه الوقت وكان
~~نائما، الثاني هو أن الامر لا تعرض فيه لوجوب البدل، والأصل عدم دليل آخر،
~~ويمتنع القول بوجوب مالا دليل عليه، الثالث: أن البدل لو كان واجبا، لكان
~~قائما مقام المبدل ومحصلا لمقصوده، وإلا لما كان بدلا، لما فيه من فوات
~~مقصود الأصل، ويلزم من ذلك سقوط المأمور به بالكلية بتقدير الاتيان بالبدل
~~ضرورة حصول مقصوده، وهو محال، الرابع: أنه لو كان البدل واجبا لم يخل إما
~~أن يجوز تأخيره عن الوقت الثاني من ورود الامر، ms364 أو لا يجوز: فإن كان الأول
~~فالكلام فيه كالكلام في أصل المأمور به، وهو تسلسل ممتنع، PageV02P167
# وإن كان الثاني، فهو أيضا ممتنع، لان البدل لا يزيد على نفس المبدل، ووقت
~~المبدل غير معين، فكذلك البدل، وإن جاز التأخير أبدا لا ببدل، ففيه إخراج
~~الواجب عن حقيقته، وهو محال.
# الرابع من الوجوه الأول أن امتثال المأمور به من الخيرات وهو سبب الثواب
~~فوجب تعجيله، لقوله تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) * (2 البقرات: 148) وقوله
~~تعالى: * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، وجنة عرضها السماوات والأرض) * (3 آل
~~عمران: 133) أمر بالمسارعة والمسابقة، وهي التعجيل، والامر للوجوب.
# والجواب عن الوجه الأول أنه إنما فهم التعجيل من أمر السيد بسقي الماء من
~~الظن الحاصل بحاجة السيد إليه في الحال، إذ الظاهر أنه لا يطلب سقي الماء
~~من غير حاجة إليه، حتى أنه لو لم يعلم أو يظن أن حاجته إليه داعية في
~~الحال، لما فهم من أمره التعجيل، ولا حسن ذم العبد بالتأخير.
# فإن قيل: أهل العرف إنما يذمون العبد بمخالفة مطلق الامر، ويقولون في
~~معرض الذم خالف أمر سيده وذلك يدل على أن مطلق الامر هو المقتضي للتعجيل
~~دون غيره.
# قلنا: إنما نسلم صحة ذلك في الامر المقيد بالقرينة دون المطلق، والامر
~~فيما نحن فيه مقيد، ثم هو معارض عند مطلق الامر بصحة عذر العبد بقوله إنما
~~أخرت لعدم علمي وظني بدعو حاجته إليه في الحال وليس أحد الامرين أولى من
~~الآخر.
# وعن الثاني من وجهين:
# الأول: لا نسلم تعين أقرب الأماكن، ولا نسلم أن قوله أنت طالق، وأنت حر
~~يفيد صحة الطلاق والعتق بوضعه له لغة، بل ذلك لسبب جعل الشرع له علامة على
~~ذلك الحكم الخالي، ولا يلزم من ذلك أن يكون الامر موضوعا للفور.
# الثاني: أن حاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وهو ممتنع كما سبق.
# وعن الثالث والرابع: ما سبق في المسألة المتقدمة.
# وعن الخامس: أن توبيخه لإبليس إنما كان ذلك لابائه واستكباره، ويدل عليه
~~قوله تعالى * (إلا إبليس أبى واستكبر) * (2 البقرة: ms365 34) ولتخيره على آدم
~~بقوله: * (أنا خير منه، PageV02P168
# خلقتني من نار وخلقته من طين) * (7 الأعراف: 12) ولا يمكن إضافة التوبيخ
~~إلى مطلق الامر من هو حيث هو أمر، لأنه منقسم إلى أمر إيجاب واستحباب، كما
~~سبق تقريره، ولا توبيخ على مخالفة أمر الاستحباب إجماعا. ولو كان التوبيخ
~~على مطلق الامر، لكان أمر الاستحباب موبخا على مخالفته، فلم يبق إلا أن
~~يكون التوبيخ على أمر الايجاب، وهو منقسم إلى أمر إيجاب على الفور، وأمر
~~إيجاب على التراخي، كما إذا قال أوجبت عليك متراخيا ولا يلزم منه أن يكون
~~مطلق الامر للايجاب حالا.
# وإن سلمنا أنه وبخه على مخالفة الامر في الحال، ولكن لا نسلم أن الامر
~~بالسجود كان مطلقا، بل هو مقترن بقرينة لفظية موجبة لحمله على الفور، وهي
~~قوله تعالى:
# * (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين) * (15 الحجر: 29) رتب
~~السجود على هذه الأوصاف بفاء التعقيب، وهي مقتضية للسجود عقبها على الفور
~~من غير مهلة.
# قولهم: لم قلتم بأنه لا يكون مستلزما للفور بواسطة دلالته على وجوب
~~الفعل؟
# قلنا: الأصل عدم ذلك.
# قولهم إنه يجب تعجيل اعتقاد وجوب الفعل، قلنا: ولم يلزم منه تعجيل وجوب
~~الفعل.
# قولهم إنه من لوازم وجوب الفعل، قلنا من لوازم وجوب تقديم الفعل، أو من
~~لوازم وجوب الفعل؟
# الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لا يلزم منه وجوب تقديم الفعل، بدليل ما
~~لو أوجب الفعل مصرحا بتأخيره، فإنه يجب تعجيل اعتقاد وجوبه، وإن لم يكن
~~وجوب الفعل على الفور.
# قولهم: القول بالتعجيل أحوط للمكلف، قلنا الاحتياط إنما هو باتباع المكلف
~~ما أوجبه ظنه: فإن ظن الفور، وجب عليه اتباعه، وإن ظن التراخي، وجب عليه
~~اتباعه، وإلا فبتقدير أن يكون قد غلب على ظنه التراخي، فالقول بوجوب
~~التعجيل على خلاف ظنه، يكون حراما وارتكاب المحرم يكون إضرارا، فلا يكون
~~احتياطا.
# قولهم: لو جاز التأخير، إما أن يكون إلى غاية، أو لا إلى غاية إلى آخره،
~~PageV02P169
# فهو منقوض بما لو صرح الآمر بجواز التأخير، فإن كل ما ms366 ذكروه من الأقسام
~~متحقق فيه، مع جواز تأخيره، وما ذكروه من الآيتين الأخيرتين فهو غير دال
~~على وجوب تعجيل الفعل المأمور به، فإنهما بمنطوقهما يدلان على المسارعة إلى
~~الخيرات والمغفرة. والمراد به إنما هو المسارعة إلى سبب ذلك، ودلالتهما على
~~السبب إنما هي بجهة الاقتضاء، والاقتضاء لا عموم له، على ما يأتي تقريره،
~~فلا دلالة لهما على المسارعة إلى كل سبب للخيرات والمغفرة، فيختص ذلك بما
~~اتفق على وجوب تعجيله من الافعال المأمور بها، ولا يعم كل فعل مأمور به.
# المسألة السادسة الامر بالشئ على التعيين، هل هو نهي عن أضداده؟ اختلفوا
~~فيه:
# وتفصيل المذاهب: أما أصحابنا فالامر عندهم هو الطلب القائم بالنفس، وقد
~~اختلفوا: فمنهم من قال: الامر بالشئ بعينه نهي عن أضداده، وإن طلب الفعل
~~بعينه، طلب ترك أضداده، وهو قول القاضي أبي بكر في أول أقواله.
# ومنهم من قال: هو نهي عن أضداده، بمعنى أنه يستلزم النهي عن الأضداد، لا
~~أن الامر هو عين المنهي، وهو آخر ما اختاره القاضي في أخر أقواله.
~~PageV02P170
# ومنهم من منع من ذلك مطلقا، وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي.
# وأما المعتزلة فالامر عندهم نفس صيغة: افعل وقد اتفقوا على أن عين صيغة
~~افعل لا تكون نهيا، لان صيغة النهي لا تفعل وليس إحداهما عين الأخرى، وإنما
~~اختلفوا في أن الآمر بالشئ هل يكون نهيا عن أضداده من جهة المعنى: فذهب
~~القدماء من مشايخ المعتزلة إلى منعه ومن المعتزلة من صار إليه، كالعارضي
~~وأبي الحسين البصري وغيرهما من المعتبرين منهم.
# ومعنى كونه نهيا عن الأضداد من جهة المعنى عندهم، أن صيغة الامر تقتضي
~~إيجاد الفعل والمنع من كل ما يمنع منه.
# ومنهم من فصل بين أمر الايجاب، والندب، وحكم بأن أمر الايجاب يكون نهيا
~~عن أضداده ومقبحا لها، لكونها مانعة من فعل الواجب، بخلاف المندوب. ولهذا،
~~فإن أضداد المندوب من الافعال المباحة غير منهي عنها، لا نهي تحريم ولا نهي
~~تنزيه.
# والمختار إنما هو التفصيل، وهو إما أن نقول بجواز التكليف بما لا ms367 يطاق،
~~أو لا يقول به:
# فإن قلنا بجوازه، على ما هو مذهب الشيخ أبي الحسن، رحمة الله عليه، كما
~~سبق تقريره، فالامر بالفعل لا يكون بعينه نهيا عن أضداده، ولا مستلزما
~~للنهي عنها، بل جائز أن نؤمر بالفعل وبضده، في الحالة الواحدة، فضلا عن
~~كونه لا يكون منهيا عنه. PageV02P171
# وإن منعنا ذلك فالمختار أن الامر بالشئ يكون مستلزما للنهي عن أضداده، لا
~~أن يكون عين الامر هو عين النهي عن الضد، وسواء كان الامر أمر إيجاب أو
~~ندب.
# أما أنه مستلزم للنهي عن الأضداد، فلان فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك
~~أضداده. وما لا يتم فعل المأمور به دون تركه، فهو واجب الترك، إن كان الامر
~~للايجاب ومندوب إلى تركه، إن كان الامر للندب، على ما سبق تقريره، وهو معنى
~~كونه منهيا عنه، غير أن النهي عن أضداد الواجب يكون نهي تحريم، وعن أضداد
~~المندوب، نهي كراهة وتنزيه، وأما أنه لا يكون عين الامر هو عين النهي.
# فإذا قلنا إن الامر هو صيغة افعل فظاهر، على ما سبق، وأما على قولنا إن
~~الامر هو الطلب القائم بالنفس، فلانا إذا فرضنا الكلام في الطلب النفساني
~~القديم، فهو وإن اتحد على أصلنا، فإنما يكون أمرا بسبب تعلقه بإيجاد الفعل،
~~وهو من هذه الجهة لا يكون نهيا، لأنه إنما يكون نهيا بسبب تعلقه بترك الفعل
~~وهما، بسبب التغاير في التعلق والمتعلق، متغايران. وإن فرضنا الكلام في
~~الطلب القائم بالمخلوق، فهو وإن تعدد، فالامر منه أيضا، إنما هو الطلب
~~المتعلق بإيجاد الفعل، وهما غيران.
# فإن قيل: لو كان الامر بالفعل مستلزما للنهي عن أضداده لكان الامر
~~بالعبادة مستلزما للنهي عن جميع المباحات المضادة لها، ويلزم من ذلك أن
~~تكون حراما إن كان النهي نهي تحريم أو مكروهة إن كان النهي نهي تنزيه، وخرج
~~المباح عن كونه مباحا، كما ذهب إليه الكعبي من المعتزلة، PageV02P172
# بل ويلزم منه أن يكون ما عدا العبادة المأمور بها من العبادات المضادة
~~لها منهيا عنها، ومحرمة أو مكروهة، وهو ms368 محال.
# كيف وإن الآمر بالفعل قد يكون غافلا عن أضداده، والغافل عن الشئ لا يكون
~~ناهيا عنه، لان النهي عن الشئ يستدعي العلم به، والعلم بالشئ مع الذهول عنه
~~محال.
# سلمنا أنه مستلزم للنهي عن أضداده، لكن يمتنع أن يكون النهي عن الأضداد
~~غير الامر، بل يجب أن يكون هو هو بعينه، كما قاله القاضي أبو بكر في أحد
~~قوليه ومأخذه أنه إذا وقع الاتفاق على أنه يلزم من الامر بالفعل النهي عن
~~أضداده، فذلك النهي إن كان هو غير الامر، فإما أن يكون ضدا له، أو مثلا، أو
~~خلافا:
# لا جائز أن يقال بالمضادة، وإلا لما اجتمعا، وقد اجتمعا.
# ولا جائز أن يكون مثلا لان المتماثلات أضداد على ما عرف في الكلاميات.
# ولا جائز أن يكون خلافا، وإلا جاز وجود أحدهما دون الآخر، كما في العلم
~~والإرادة ونحوهما، ولجاز أن يوجد أحدهما مع ضد الآخر، كما يوجد العلم بالشئ
~~مع الكراهة المضادة لإرادته، ويلزم من ذلك، أنه إذا أمر بالحركة المضادة
~~للسكون إذا كان النهي عن السكون مخالفا للامر بالحركة أن يجتمع الامر
~~بالحركة والامر بالسكون المضاد المنهي عنه وفيه الامر بالضدين معا، وهو
~~ممتنع على ما وقع به الفرض. وإذا بطلت المغايرة تعين الاتحاد. وعلى هذا،
~~فالحركة عين ترك PageV02P173
# السكون، وشغل الجوهر بحيز هو عين تفريغه لغيره، وعين القرب من المشرق
~~بالفعل الواحد هو عين البعد من المغرب، فطلب أحدهما بعينه طلب الآخر لاتحاد
~~المطلوب.
# والجواب: عن السؤال الأول أنا لا نمنع من كون المباحات بل الواجبات
~~المضادة المأمور بها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به، لا
~~في ذاتها، كما نقول في فعل الصلاة في الدار المغصوبة، فإنه في ذاته غير
~~منهي عنه، وإن كان منهيا عنه من جهة ما يتعلق به من شغل ملك الغير، كما سبق
~~ذكره.
# والالتفات إلى ما يهول به من خروج المباحات عن كونها مباحة، فإن ذلك إنما
~~يلزم إن لو قيل بكونها منهيا عنها في ذواتها.
# وأما إذا ms369 قيل بكونها منهيا مانعة من فعل المأمور به، فلا.
# قولهم إنه قد يأمر بالفعل من هو غافل عن أضداده، قلنا لا نسلم أن الآمر
~~بالشئ عند كونه آمرا به يتصور أن يكون غافلا عن طلب ترك ما يمنع من فعل
~~المأمور به من جهة الجملة، وإن كان غافلا عن تفصيله.
# ونحن إنما نريد بقولنا إن الامر بالشئ يستلزم النهي عن الأضداد من جهة
~~الجملة، لا من جهة التفصيل قولهم إنه يمتنع أن يكون النهي عن الأضداد غير
~~الامر، قلنا: دليله ما سبق.
# وما ذكره القاضي أبو بكر من الدليل، فالمختار منه إنما هو قسم التخالف،
~~ولا يلزم من ذلك جواز انفكاك أحدهما عن الآخر لجواز أن يكونا من قبيل
~~المختلفات المتلازمة، كما في المتضايفات، وكل متلازمين من الطرفين، وبه
~~PageV02P174
# يمتنع الجمع بين وجود أحدهما وضد الآخر، ولا يلزم من جواز ذلك في بعض
~~المختلفات جوازه في الباقي. وإذا بطل ما ذكره من دليل الاتحاد بطل ما هو
~~مبني عليه.
# المسألة السابعة مذهب أصحابنا والفقهاء وأكثر المعتزلة، أن الاتيان
~~بالمأمور به يدل على الاجزاء، خلافا للقاضي عبد الجبار من المعتزلة ومتبعيه
~~فإنه قال: لا يدل على الاجزاء.
# وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تحقيق معنى الاجزاء ليكون التوارد بالنفي
~~والاثبات على محز واحد، فنقول: كون الفعل مجزئا قد يطلق بمعنى أنه امتثل به
~~الامر عندما إذا أتي به على الوجه الذي أمر به، وقد يطلق بمعنى أنه مسقط
~~للقضاء، وإذا علم معنى كون الفعل مجزئا فقد اتفق الكل على أن الاتيان
~~بالمأمور به على الوجه الذي أمر به، يكون مجزئا، بمعنى كونه امتثالا للامر،
~~وذلك مما لا خلاف فيه.
# وإنما خالف القاضي عبد الجبار في كونه مجزئا، بالاعتبار الآخر، وهو أنه
~~لا يسقط القضاء، ولا يمتنع مع فعله من الامر بالقضاء وهو مصرح به في عمده.
# وعلى هذا، فكل من استدل من أصحابنا كإمام الحرمين وغيره من القائلين
~~بالاجزاء على كون الفعل امتثالا وخروجا عن عهدة الامر الأول، فقد استدل ms370 على
~~محل الوفاق، وحاد عن موضع النزاع. لكن قد أورد أبو الحسين البصري إشكالا
~~على تفسير إجزاء الفعل بكونه مسقطا للقضاء، وقال: لو أمر بالصلاة مع
~~الطهارة، فأتى بها من غير طهارة، ومات عقيب الصلاة، فإنه لا يكون فعله
~~مجزئا، وإن كان القضاء ساقطا. وربما زاد عليه بعض الأصحاب، وقال: يمتنع
~~تفسير الاجزاء بسقوط القضاء، لأنا نعلل وجوب القضاء بكون الفعل الأول لم
~~يكن مجزئا، والعلة لا بد وأن تكون مغايرة للمعلول. PageV02P175
# والوجه في إبطالهما أن يقال: أما الأول فلان الاجزاء ليس هو نفس سقوط
~~القضاء مطلقا، ليلزم ما قيل، بل سقوط القضاء بالفعل في حق من يتصور في حقه
~~وجوب القضاء، وذلك غير متصور في حق الميت.
# وأما الثاني: فلان علة صحة وجوب القضاء إنما هو استدراك ما فات من مصلحة
~~أصل العبادة، أو صفتها، أو مصلحة ما انعقد سبب وجوبه. ولم يجب لمانع، لا ما
~~قيل.
# وإذا تنقح محل النزاع فنعود إلى المقصود فنقول: الفعل المأمور به لا
~~يخلو:
# إما أن يكون قد أتى به المأمور على نحو ما أمر به من غير خلل ولا نقص في
~~صفته وشرطه، أو أتى به على نوع من الخلل.
# والقسم الثاني: أنه لا نزاع في كونه غير مجزئ ولا مسقط للقضاء، وإنما
~~النزاع في القسم الأول، وليس النزاع فيه أيضا من جهة أنه يمتنع ورود أمر
~~مجدد بعد خروج الوقت بفعل مثل ما أمر به أولا، وإنما النزاع في ورود الامر
~~بالفعل متصفا بصفة القضاء، والحق نفيه، لان القضاء عبارة عن استدراك ما فات
~~من مصلحة الأداء أو مصلحة صفته، أو شرطه. وإذا كان المأمور به قد فعل على
~~جهة الكمال والتمام، من غير نقص ولا خلل، فوجوب القضاء استدراكا لما قد
~~حصل، تحصيل للحاصل، وهو محال. ومن ينفي القضاء إنما ينفيه بهذا التفسير،
~~وهذا مما يتعذر مع تحقيقه المنازعة فيه، وإن كان لا ينكر إمكان ورود الامر
~~خارج الوقت، بمثل ما فعل أولا، غير أنه لا يسميه قضاء. ومن سماه ms371 قضاء،
~~فحاصل النزاع معه آيل، إلى اللفظ دون المعنى. PageV02P176
# شبه الخصوم: الأولى أن من صلى، وهو يظن أنه متطهر، ولم يكن متطهرا مأمور
~~بالصلاة، فإن كان مأمورا بها مع الطهارة حقيقة، فهو عاص آثم بصلاته، حيث لم
~~يكن متطهرا، وإن كان مأمورا بالصلاة على حسب حاله، فقد أتى بما أمر به على
~~الوجه الذي أمر به، ومع ذلك يجب عليه القضاء، إذ لم يكن متطهرا.
# وكذلك المفسد للحج مأمور بمضيه في حجة الفاسد، ويجب عليه القضاء.
# الثانية: أن الامر لا يدل على غير طلب الفعل، ولا دلالة له على امتناع
~~التكليف بمثل فعل ما أمر به، فلا يكون مقتضيا له.
# الثالثة: أن الامر، مثل النهي في الطلب، والنهي لا دلالة فيه على فساد
~~المنهي عنه، فالامر لا يدل على كون المأمور به مجزئا.
# وجواب الأولى أنا لا نسلم وجوب القضاء فيما إذا صلى على ظن الطهارة، ثم
~~علم أنه لم يكن متطهرا، على قول لنا، وإن سلمنا وجوب القضاء، لكنه ليس
~~واجبا عما أمر به من الصلاة المظنون طهارتها، ولا عما أمر به من المضي في
~~الحج الفاسد، لأنه قد أتى بما أمر به على النحو الذي أمر به، وإنما القضاء
~~استدراك لمصلحة ما أمر به أولا، من الصلاة مع الطهارة، والحج العري عن
~~الفساد.
# وعن الثانية: أنا لا نمنع من ورود أمر يدل على مثل ما فعل أولا، وإنما
~~المدعى أنه إذا أتى المأمور بفعل المأمور به على نحو ما أمر به، امتنع وجوب
~~القضاء بما ذكرناه من التفسير.
# وعن الثالثة أنه قياس في اللغة وقد أبطلناه، وإن سلم صحته، غير أنا لا
~~نقول بأن الامر يدل على الاجزاء بمعنى امتناع وجوب القضاء، بل امتثال الامر
~~هو المانع من وجوب القضاء على ما تقرر وفرق بين الامرين. PageV02P177
# المسألة الثامنة إذا وردت صيغة افعل بعد الحظر، فمن قال إنها للوجوب قبل
~~الحظر، اختلفوا، فمنهم من أجراها على الوجوب، ولم يجعل لسبق الحظر تأثيرا
~~كالمعتزلة، ومنهم من قال بأنها للإباحة ورفع ms372 الحجر لا غير، وهم أكثر
~~الفقهاء، ومنهم من توقف كإمام الحرمين وغيره.
# والمختار أنها، وإن كانت ظاهرة في الطلب والاقتضاء، وموقوفة بالنسبة إلى
~~الوجوب والندب، على ما سبق تقرير كل واحد من الامرين، إلا أنها محتملة
~~للإباحة والاذن في الفعل، كما تقدم. فإذا وردت بعد الحظر، احتمل أن تكون
~~مصروفة إلى الإباحة ورفع الحجر، كما في قوله تعالى: * (وإذا حللتم
~~فاصطادوا) * (5) المائدة: 2) * (وإذا طعمتم فانتشروا) * (33) الأحزاب: 53)
~~* (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا) * (62) الجمعة: 10) وقوله صلى الله عليه
~~وسلم: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا واحتمل أن تكون مصروفة إلى
~~الوجوب، كما لو قيل للحائض والنفساء: إذا زال عنك الحيض فصلي وصومي.
# وعند هذا، فإما أن يقال بتساوي الاحتمالين، أو بترجيح أحدهما على الآخر.
# فإن قيل بالتساوي، امتنع الجزم بأحدهما، ووجب التوقف. وإن قيل بوجوب
~~الترجيح وامتناع التعارض من كل وجه، فليس اختصاص الوجوب به، أولى من
~~الإباحة، إلا أن يقوم الدليل على التخصيص، والأصل عدمه. وعلى هذا أيضا،
~~فيجب التوقف كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح، نظرا إلى غلبة ورود
~~مثل ذلك للإباحة، دون الوجوب. وعلى كل تقدير، فيمتنع الصرف إلى الوجوب.
# وبالجملة، فهذه المسألة مستمدة من مسألة أن صيغة افعل إذا وردت مطلقة، هل
~~هي ظاهرة في الوجوب، أو الندب، أو موقوفة. وقد تقرر مأخذ كل فريق، وما هو
~~المختار فيه، والله أعلم. PageV02P178
# المسألة التاسعة إذا ورد الامر بعبادة في وقت مقدر، فلم تفعل فيه لعذر،
~~أو لغير عذر، أو فعلت فيه على نوع من الخلل، اختلفوا في وجوب قضائها بعد
~~ذلك الوقت، هل هو بالامر الأول، أو بأمر مجدد:
# الأول هو مذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء، والثاني هو مذهب المحققين من
~~أصحابنا والمعتزلة.
# ونقل عن أبي زيد الدبوسي أنه قال بوجوب القضاء بقياس الشرع.
# وإن ورد مطلقا غير مقيد بوقت، فمن قال بحمله على الفور، اختلفوا فيما إذا
~~وقع الاخلال به في أول وقت الامكان هل يجب قضاؤه بنفس ذلك الامر، أو بأمر
~~مجدد.
# والمختار أنه، مهما قيد ms373 الامر بوقت، فالقضاء بعده لا يكون إلا بأمر مجدد.
# وبيانه من وجوه.
# الأول: أنه لو كان الامر الأول مقتضيا للقضاء، لكان مشعرا به، وهو غير
~~مشعر به، فإنه إذا قال: صم في يوم الخميس، أو صل في وقت الزوال فإنه لا
~~إشعار له بإيقاع الفعل في غير ذلك الوقت لغة.
# الثاني: أنه إذا علق الفعل بوقت معين، فلا بد وأن يكون ذلك لحكمة ترجع
~~إلى المكلف، إذ هو الأصل في شرع الاحكام.
# وسواء ظهرت الحكمة، أم لم تظهر، وتلك الحكمة إما أن تكون حاصلة من الفعل
~~في غير ذلك الوقت، أو غير حاصلة، وليست حاصلة لثلاثة أوجه:
# الأول: أنه يحتمل أن يكون ويحتمل أن لا يكون، والأصل العدم.
# الثاني: أنها لو كانت حاصلة، فإما أن تكون مثلا لها في الوقت الأول أو
~~أزيد، لا جائز أن تكون أزيد، وإلا كان الحث على إيجاد الفعل بعد فوات وقته
~~أولى من فعله في الوقت، وهو محال. وإن كانت مثلا، فهو ممتنع، وإلا لما كان
~~تخصيص أحد الوقتين بالذكر أولى من الآخر. PageV02P179
# الثالث: أن الفعل في الوقت موصوف بكونه أداء، وقد قال عليه السلام:
# لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم.
# وإذا لم تكن حاصلة في الوقت الثاني حسب حصولها في الوقت الأول، فلا يلزم
~~من اقتضاء الامر للفعل في الوقت الأول أن يكون مقتضيا له فيما بعده. وصار
~~هذا كما لو أمر الطبيب بشرب الدواء في وقت، فإنه لا يكون متناولا لغير ذلك
~~الوقت.
# وكذلك إذا علق الامر بشرط معين كاستقبال جهة معينة، أو بمكان معين،
~~كالأمر بالوقوف بعرفة، فإنه لا يكون متناولا لغيره.
# الوجه الثالث من الوجوه الأول أن العبادات المأمور بها منقسمة إلى ما يجب
~~قضاؤه كالصوم والصلاة، وإلى ما لا يجب، كالجمعة والجهاد. فلو كان الامر
~~الأول مقتضيا للقضاء لكان القول بعدم القضاء فيما فرض من الصور على خلاف
~~الدليل، وهو ممتنع.
# الرابع قوله صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا
~~ذكرها ms374 أمر بالقضاء، ولو كان مأمورا به بالامر الأول، لكانت فائدة الخبر
~~التأكيد، ولو لم يكن مأمورا به، لكانت فائدته التأسيس، وهو أولى لعظم
~~فائدته.
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من خمسة أوجه.
# الأول: قوله، صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم
~~ومن فاته الوقت الأول فهو مستطيع للفعل في الوقت الثاني.
# الثاني: أن الامر إنما يدل على طلب الفعل، وهو مقتضاه لا غير، وأما
~~الزمان فلا يكون مطلوبا بالامر، إذ ليس هو من فعل المكلف، وإنما وقع ذلك
~~ضرورة كونه ظرفا للفعل، فاختلاله لا يؤثر في مقتضى الامر، وهو الفعل.
# الثالث: أن الغالب من المأمورات في الشرع إنما هو القضاء بتقدير فوات
~~أوقاتها المعينة، ولا بد لذلك من مقتض، والأصل عدم كل ما سوى الامر السابق،
~~فكان هو المقتضي. PageV02P180
# الرابع: أنه لو وجب القضاء بأمر مجدد لكان أداء كما في الامر الأول، ولما
~~كان لتسميته قضاء معنى.
# الخامس: أن العبادة حق لله تعالى، والوقت المفروض كالأجل لها، ففوات
~~أجلها لا يوجب سقوطها، كما في الدين للآدمي، ولأنه لو سقط وجوب الفعل بفوات
~~الوقت لسقط المأثم لأنه من أحكام وجوب الفعل، ولأن الأصل بقاء الوجوب.
~~فالقول بالسقوط بفوات الاجل على خلاف مقتضى الأصل.
# والجواب: عن المعارضة الأولى أن الخبر دليل وجوب الاتيان بما أستطيع من
~~المأمور به، وإنما يفيد أن لو كان الفعل في الوقت الثاني داخلا تحت الامر
~~الأول، وهو محل النزاع.
# وعن الثاني أن الامر اقتضى مطلق الفعل، أو فعلا مخصوصا بصفة وقوعه، في
~~وقت معين؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم.
# وعن الثالث أن القضاء فيما قيل بقضائه، إنما كان بناء على أدلة أخرى، لا
~~بالامر الأول.
# قولهم، الأصل عدم ما سوى الامر الأول، قلنا: والأصل عدم دلالة الامر
~~الأول عليه، كيف وقد بينا عدم دلالته.
# وعن الرابع أنه إنما سمي قضاء لكونه مستدركا لما فات من مصلحة الفعل
~~المأمور به أولا، أو مصلحة وصفه، كما تقدم تحقيقه.
# وعن الخامس بمنع كون الوقت أجلا للفعل المأمور ms375 به، إذ الاجل عبارة عن وقت
~~مهلة وتأخير المطالبة بالواجب من أوله إلى آخره، كما في الحول بالنسبة إلى
~~وجوب الزكاة. ولذلك لا يأثم بإخراج وقت الاجل عن قضاء الدين، وإخراج الحول
~~عن أداء الزكاة فيه، ولا كذلك الوقت المقدر للصلاة، بل هو صفة الفعل
~~الواجب. ومن وجب عليه فعل بصفة لا يكون مؤديا له دون تلك الصفة.
# وعلى هذا، فلا يخفى الكلام في الامر المطلق إذا كان محمولا على الفور،
~~ولم يؤت بالمأمور به في أول وقت الامكان. PageV02P181
# المسألة العاشرة الامر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الافعال لا
~~يكون أمرا لذلك الغير بذلك الفعل.
# وبيانه من وجهين:
# الأول: أنه لو كان أمرا لذلك الغير لكان ذلك مقتضاه لغة، ولو كان كذلك
~~لكان أمره، صلى الله عليه وسلم، لأولياء الصبيان قوله: مروهم بالصلاة وهم
~~أبناء سبع أمرا للصبيان بالصلاة من الشارع، وليس كذلك، لوجهين، الأول أن
~~الامر الموجه نحو الأولياء أمر تكليف، ولذلك يذم الولي بتركه شرعا، فلو كان
~~ذلك أيضا أمرا للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع، وخاصة ذلك لحوق الذم
~~بالمخالفة شرعا، وهو غير متصور في حق الصبيان، لعدم فهمهم لخطاب الشارع،
~~ويدل عليه قوله، صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى
~~يبلغ الخبر، ويمكن أن يقال فيه: الامر للولي والصبي، وإن كان واحدا، غير أن
~~نسبته إليهما مختلفة، فلا يمتنع اختلافهما في الذم بسبب ذلك.
# الثاني: أنه لو كان أمرا للصبي لم يخل إما أن يكون أهلا لفهم خطاب
~~الشارع، أو لا يكون أهلا له. فإن كان الأول، فلا حاجة إلى أمر الولي له، أو
~~أن يكون أحد الامرين تأكيدا، والأصل في إفادة الألفاظ لمعانيها إنما هو
~~التأسيس، وإذا لم يكن أمر الولي بأمر الصبيان أمرا للصبيان، فإما أن يكون
~~ذلك لعدم اقتضائه لذلك لغة، أو لمعارض، والمعارضة يلزم منها تعطيل أحد
~~الدليلين عن إعماله، وهو خلاف الأصل، فلم يبق إلا أن يكون ذلك لعدم اقتضائه
~~له لغة وهو المطلوب.
# الثاني: من الوجهين ms376 الأولين أنه يحسن أن يقول السيد لعبده سالم مر غانما
~~بكذا ويقول لغانم لا تطعه ولا يعد ذلك مناقضة في كلامه، ولو كان ذلك أمرا
~~لغانم، لكان كأنه قال أوجبت عليك طاعتي، ولا تطعني وهو تناقض.
# وعلى هذا، لو أوجب الآمر على المأمور أن يأخذ من غيره مالا، لا يكون ذلك
~~إيجابا للاعطاء على ذلك الغير، كما في قوله تعالى لنبيه: * (خذ من أموالهم
~~صدقة) * (9) التوبة: 103) فإن ذلك لا يدل على إيجاب إعطاء الصدقة على الأمة
~~بنفس ذلك الايجاب، بل إن PageV02P182
# وجب فإنما يجب بدليل آخر، موجب لطاعة الرسول فيما يحكم به، تعظيما له،
~~ونفيا لما يلزم من مخالفته، من تحقيره وهضمه في أعين الناس المبعوث إليهم،
~~المفضي إلى الاخلال بمقصود البعثة، وإلا، فلا يبعد أن يقول السيد لاحد
~~عبديه أوجبت عليك أن تأخذ من العبد الآخر كذا ويقول الآخر حرمت عليك
~~موافقته من غير مناقضة فيما أوجبه، ولو كان إيجاب ذلك على أحد العبدين
~~إيجابا على العبد الآخر لكان تناقضا.
# فإن قيل: وجوب الاخذ إنما يتم بالاعطاء، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو
~~واجب.
# قلنا: إن كان الوجوب متعلقا بنفس الطلب، فهو غير متوقف على الاعطاء.
# وإن كان متعلقا بنفس الاخذ، (وإن كان لا يتم ذلك دون الاعطاء) فليس كل ما
~~يتوقف عليه الواجب يكون واجبا، إلا أن يكون ذلك مقدورا لمن وجب عليه الاخذ،
~~وإعطاء الغير غير مقدور لمن وجب عليه الاخذ، فلا يكون واجبا.
# المسألة الحادية عشرة إذا أمر بفعل من الافعال مطلقا غير مقيد في اللفظ
~~بقيد خاص، قال بعض أصحابنا: الامر إنما تعلق بالماهية الكلية المشتركة، ولا
~~تعلق له بشئ من جزئياتها، وذلك كالأمر بالبيع، فإنه لا يكون أمرا بالبيع
~~بالغبن الفاحش، ولا بثمن المثل، إذ هما متفقان في مسمى البيع، ومختلفان
~~بصفتهما. والامر إنما تعلق بالقدر المشترك، وهو غير مستلزم لما تخصص به كل
~~واحد من الامرين، فلا يكون الامر المتعلق بالأعم متعلقا بالأخص، اللهم إلا
~~أن تدل القرينة على إرادة أحد الامرين. ms377
# قال: ولذلك قلنا إن الوكيل في البيع المطلق لا يملك البيع بالغبن الفاحش،
~~وهو غير صحيح. وذلك لان ما به الاشتراك بين الجزئيات معنى كلي لا تصور
~~لوجوده في الأعيان، وإلا كان موجودا في جزئياته. ويلزم من ذلك انحصار ما
~~يصلح اشتراك كثيرين فيه فيما لا يصلح لذلك وهو محال. PageV02P183
# وعلى هذا، فليس معنى اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي هو أن الحد المطابق
~~للطبيعة الموصوفة بالكلية مطابق للطبيعة الجزئية بل إن تصور وجوده، فليس في
~~غير الأذهان. وإذا كان كذلك، فالامر: طلب إيقاع الفعل على ما تقدم، وطلب
~~الشئ يستدعي كونه متصورا في نفس الطالب، على ما تقدم تقريره. وإيقاع المعنى
~~الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه فلا يكون متصورا في نفس الطالب، فلا
~~يكون أمرا به، ولأنه يلزم منه التكليف بما لا يطاق، ومن أمر بالفعل مطلقا
~~لا يقال إنه مكلف بما لا يطاق، فإذا الامر لا يكون بغير الجزئيات الواقعة
~~في الأعيان، لا بالمعنى الكلي، وبطل ما ذكره.
# ثم وإن سلم أن الامر متعلق بالمعنى الكلي المشترك، وهو المسمى بالبيع،
~~فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات، كالبيع بالغبن الفاحش، فقد أتى بما هو
~~مسمى البيع المأمور به، الموكل فيه، فوجب أن يصح، نظرا إلى مقتضى صيغة
~~الامر المطلق بالبيع.
# وإن قيل بالبطلان، فلا يكون ذلك لعدم دلالة الامر به، بل لدليل معارض.
# المسألة الثانية عشرة الأمران المتعاقبان إما أن لا يكون الثاني معطوفا
~~على الأول أو يكون معطوفا، فإن كان الأول، فإما أن يختلف المأمور به أو
~~يتماثل: فإن اختلف، فلا خلاف في اقتضاء المأمورين على اختلاف المذاهب في
~~الوجوب والندب والوقف، وسواء أمكن الجمع بينهما، كالصلاة مع الصوم، أم لا
~~يمكن الجمع، كالصلاة في مكانين، أو الصلاة مع أداء الزكاة، وإن تماثل، فإما
~~أن يكون المأمور به قابلا للتكرار، أو لا يكون قابلا له: فإن لم يكن قابلا
~~له كقوله صم يوم الجمعة، صم يوم الجمعة فإنه للتأكيد المحض، وإن كان قابلا
~~للتكرار، فإن كانت العادة مما ms378 تمنع من تكرره كقول السيد لعبده اسقني ماء،
~~اسقني ماء أو كان الثاني منهما PageV02P184
# معرفا كقوله أعط زيدا درهما، أعط زيدا الدرهم فلا خلاف أيضا في كون
~~الثاني مؤكدا للأول.
# وإنما الخلاف فيما لم تكن العادة مانعة من التكرار، والثاني غير معرف،
~~كقوله:
# صل ركعتين، صل ركعتين. فقال القاضي عبد الجبار: إن الثاني يفيد غير ما
~~أفاده الأول، ويلزم الاتيان بأربع ركعات، مصيرا منه إلى أن الامر الثاني،
~~لو انفرد أفاد اقتضاء الركعتين، فكذلك إذا تقدمه أمر آخر، لان الاقتضاء لا
~~يختلف.
# وخالفه أبو الحسين البصري بالذهاب إلى الوقف والتردد بين حمل الامر
~~الثاني على الوجوب، أو التأكيد للأول والأظهر أنه إذا لم تكون العادة مانعة
~~من التكرار، ولا الثاني معرف، أن مقتضى الثاني غير مقتضى الأول.
# وسواء قلنا إن مقتضى الامر الوجوب أم الندب، أم هو موقوف بين الوجوب
~~والندب، كما سبق، لأنه لو كان مقتضيا عين ما اقتضاه الأول، لكانت فائدته
~~التأكيد، ولو كان مقتضيا غير ما اقتضاه الأول، لكانت فائدته التأسيس،
~~والتأسيس أصل، والتأكيد فرع، وحمل اللفظ على الفائدة الأصلية أولى.
# فإن قيل إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة النفي الأصلي، ودليل براءة الذمة
~~من القدر الزائد، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، فهو معارض بما يلزم من
~~التأكيد من مخالفة ظاهر الامر فإنه إما أن يكون ظاهرا في الوجوب أو الندب،
~~أو هو متردد بينهما، على وجه لا خروج له عنهما، على اختلاف المذاهب، وحمله
~~على التأكيد خلاف ما هو الظاهر من الامر. وإذا تعارض الترجيحان، سلم لنا ما
~~ذكرناه أولا.
# كيف وإنه يحتمل أن يكون للوجوب في نفس الامر، وفي تركه محذور فوات
~~المقصود من الواجب، وتحصيل مقصود التأكيد، ولا يخفى أن تفويت مقصود التأكيد
~~وتحصيل مقصود الواجب أولى.
# وأما إن كان الامر الثاني معطوفا على الأول، فإن كان المأمور به مختلفا،
~~فلا نزاع أيضا في اقتضائهما للمأمورين، أمكن الجمع بينهما أو لم يمكن. وإن
~~تماثلا فالمأمور به إن لم يقبل التكرار، فالامر الثاني للتأكيد ms379 من غير
~~خلاف، كقوله: صم يوم الجمعة، وصم يوم الجمعة وإن كان قابلا للتكرار فإن لم
~~تكن العادة مانعة PageV02P185
# من التكرار، ولا الثاني معرف، فالحكم على ما تقدم فيما إذا لم يكن حرف
~~عطف، ويزيد ترجيح آخر، وهو موافقة الظاهر من حروف العطف، وذلك كقوله: صل
~~ركعتين، وصل ركعتين.
# وأما إن كانت العادة تمنع من التكرار، أو كان الثاني معرفا، كقوله: اسقني
~~ماء، واسقني ماء وكقوله: صل ركعتين، وصل ركعتين فقد تعارض الظاهر من حروف
~~العطف مع اللام المعرف، أو مع منع العادة من التكرار، ويبقى الامر على ما
~~ذكرناه فيما إذا لم يكن حرف عطف، ولا ثم تعريف ولا عادة مانعة من التكرار.
~~وقد عرف ما فيه.
# وأما إن اجتمع التعريف والعادة المانعة من التكرار في معارضة حرف العطف،
~~كقوله: اسقني ماء واسقني الماء فالظاهر الوقف لان حرف العطف مع ما ذكرناه
~~من الترجيح السابق الموجب لحمل الامر الثاني على التأسيس واقع في مقابلة
~~العادة المانعة من التكرار، ولام التعريف، ولا يبعد ترجيح أحد الامرين بما
~~يقترن به من ترجيحات أخر. PageV02P186
# (الصنف الثاني في - النهي) أعلم أنه لما كان النهي مقابلا للامر، فكل ما
~~قيل في حد الامر على أصولنا وأصول المعتزلة من المزيف والمختار، فقد قيل
~~مقابله في حد النهي، ولا يخفى وجه الكلام فيه.
# والكلام في أن النهي على أصول أصحابنا هل له صيغة تخصه وتدل عليه؟ فعلى
~~ما سبق في الامر أيضا، وأن صيغة لا تفعل وإن ترددت بين سبعة محامل، وهي
~~التحريم، والكراهة، والتحقير كقوله تعالى: * (ولا تمدن عينيك) * (55)
~~الحجر: 88) وبيان العاقبة كقوله: * (ولا تحسبن الله غافلا) * (14) إبراهيم:
~~42) والدعاء كقوله: لا تكلنا إلى أنفسنا واليأس كقوله: * (لا تعتذروا
~~اليوم) * (66) التحريم: 7) والارشاد كقوله: * (لا تسألوا عن أشياء) * فهي
~~حقيقة في طلب الترك واقتضائه، ومجاز فيما عداه. وأنها هل هي حقية في
~~التحريم أو الكراهة، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة؟ فعلى ما سبق في الامر من
~~المزيف والمختار. والخلاف في أكثر مسائله، فعلى وزان الخلاف في مقابلاتها ms380
~~من مسائل الامر، ومأخذها كمأخذها، فعلى الناظر بالنقل والاعتبار.
# غير أنه لا بد من الإشارة إلى ما تدعو الحاجة إلى معرفته من المسائل
~~الخاصة بالنهي، لاختصاصها بمأخذ لا تحقق له في مقابلاتها من مسائل الامر،
~~وهي ثلاث مسائل. PageV02P187
# المسألة الأولى اختلفوا في أن النهي عن التصرفات والعقود المفيدة
~~لأحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما، هل يقتضي فسادها أو لا؟
# فذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع
~~أهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى فسادها، لكن اختلفوا في جهة الفساد:
# فمنهم من قال إن ذلك من جهة اللغة، ومنهم من قال إنه من جهة الشرع دون
~~اللغة، ومنهم من لم يقل بالفساد، وهو اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال
~~وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية، وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي
~~عبد الله البصري وأبي الحسين الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري
~~وكثير من مشايخهم.
# ولا نعرف خلافا في أن ما نهى عنه لغيره أنه لا يفسد كالنهي عن البيع في
~~وقت النداء يوم الجمعة، إلا ما نقل عن مذهب مالك وأحمد بن حنبل في إحدى
~~الروايتين عنه.
# والمختار أن ما نهي عنه لعينه، فالنهي لا يدل على فساده من جهة اللغة، بل
~~من جهة المعنى.
# أما أنه لا يدل على الفساد من جهة اللغة، فلانه لا معنى لكون التصرف
~~فاسدا سوى انتفاء أحكامه وثمراته المقصودة منه، وخروجه عن كونه سببا مفيدا
~~لها، والنهي هو طلب ترك الفعل، ولا إشعار له بسلب أحكامه وثمراته وإخراجه
~~عن كونه سببا مفيدا لها.
# ولهذا، فإنه لو قال: نهيتك عن ذبح شاة الغير بغير إذنه لعينه، ولكن إن
~~فعلت حلت الذبيحة، وكان ذلك سببا للحل، ونهيتك عن استيلاد جارية الابن
~~لعينه، وإن فعلت ملكتها، ونهيتك عن بيع مال الربا بجنسه متفاضلا لعينه، وإن
~~فعلت PageV02P188
# ثبت الملك، وكان البيع سببا له فإنه لا يكون متناقضا. ولو كان النهي عن
~~التصرف لعينه مقتضيا لفساده، لكان ذلك متناقضا.
# وأما أنه يدل على الفساد من جهة المعنى، فذلك ms381 لان النهي طلب ترك الفعل،
~~وهو إما أن يكون لمقصود دعا الشارع إلى طلب ترك الفعل، أو لا لمقصود:
# لا جائز أن يقال إنه لا لمقصود.
# أما على أصول المعتزلة، فلانه عبث، والعبث قبيح، والقبيح لا يصدر من
~~الشارع.
# وأما على أصولنا، فإنا، وإن جوزنا خلو أفعال الله تعالى عن الحكم
~~والمقاصد، غير أنا نعتقد أن الاحكام المشروعة لا تخلو عن حكمة ومقصود راجع
~~إلى العبد، لكن لا بطريق الوجوب، بل بحكم الوقوع. فالاجماع إذا منعقد على
~~امتناع خلو الأحكام الشرعية عن الحكم، وسواء ظهرت لنا، أم لم تظهر. وبتقدير
~~تسليم خلو بعض الأحكام عن الحكمة إلا أنه نادر والغالب عدم الخلو. وعند
~~ذلك، فإدراج ما وقع فيه النزاع تحت الغالب يكون أغلب.
# وإذا بطل أن يكون ذلك لا لمقصود تعين أن يكون لمقصود، وإذا كان لمقصود،
~~فلو صح التصرف وكان سببا لحكمه المطلوب منه، فإما أن يكون مقصود النهي
~~راجحا على مقصود الصحة أو مساويا، أو مرجوحا:
# لا جائز أن يكون مرجوحا إذ المرجوح لا يكون مقصودا مطلوبا في نظر
~~العقلاء.
# والغالب من الشارع إنما هو التقرير لا التغيير.
# وما لا يكون مقصودا فلا يرد طلب الترك لأجله، وإلا كان الطلب خليا عن
~~الحكمة، وهو ممتنع لما سبق. PageV02P189
# وبمثل ذلك يتبين أنه لا يكون مساويا، فلم يبق إلا أن يكون راجحا على
~~مقصود الصحة، ويلزم من ذلك امتناع الصحة وامتناع انعقاد التصرف لإفادة
~~أحكامه، وإلا كان الحكم بالصحة خليا عن حكمة ومقصود، ضرورة كون مقصودها
~~مرجوحا على ما تقدم تقريره، وإثبات الحكم خليا عن الحكمة في نفس الامر
~~ممتنع لما فيه من مخالفة الاجماع، وهو المطلوب.
# فإن: قيل: ما ذكرتموه من كون النهي لا يدل على الفساد لغة معارض بما يدل
~~عليه.
# وبيانه من جهة النص، والاجماع والمعنى.
# أما من جهة النص فقوله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا،
~~فهو رد وفي رواية أدخل في ديننا ما ليس منه، فهو رد والمردود ما ليس بصحيح ms382
~~ولا مقبول.
# ولا يخفى أن المنهي ليس بمأمور، ولا هو من الدين، فكان مردودا.
# وأما الاجماع فهو أن الصحابة استدلوا على فساد العقود بالنهي، فمن ذلك
~~احتجاج ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: * (ولا تنكحوا
~~المشركات) * (2) البقرة: 221) ولم ينكر عليه منكر، فكان إجماعا.
# ومنها احتجاج الصحابة على فساد عقود الربا بقوله تعالى: * (وذروا ما بقي
~~من الربا) * (2) البقرة: 278) وبقوله صلى الله عليه وسلم: لا تبيعوا الذهب
~~بالذهب، ولا الورق بالورق الحديث إلى آخره.
# وأما المعنى فمن وجهين:
# الأول: أنا أجمعنا على حمل بعض المناهي على الفساد، كالنهي عن بيع الجزء
~~المجهول، ولو لم يكن ذلك مقتضى النهي، لكان لأمر خارج، والأصل عدمه فكان
~~ذلك مقتضى النهي ويلزم منه الفساد حيث وجد، وإلا كان فيه نفي المدلول مع
~~تحقق دليله، وهو ممتنع مخالف للأصل.
# الثاني: النهي مشارك للامر في الطلب والاقتضاء، ومخالف له في طلب الترك،
~~والامر دليل الصحة، فليكن النهي دليل الفساد المقابل للصحة، ضرورة كون
~~النهي مقابلا للامر، وأنه يجب أن يكون حكم أحد المتقابلين مقابلا لحكم
~~الآخر. PageV02P190
# ثم ما ذكرتموه منقوض بالنهي عن العبادة لعينها، فإنا أجمعنا على أنها لا
~~تصح، ولو صرح الناهي بالصحة، لكان متناقضا. وإن سلمنا أن النهي لا يدل على
~~الفساد لغة، ولكن لا نسلم دلالته على الفساد من جهة المعنى.
# وما ذكرتموه من وجوب ترجيح مقصود النهي على مقصود الصحة فغايته أنه يناسب
~~نفي الصحة، وليس يلزم من ذلك نفي الصحة، إلا أن يتبين له شاهد بالاعتبار.
~~ولو بينتم له شاهدا بالاعتبار كان الفساد لازما من القياس، لا من نفس النهي
~~ولا من معناه.
# والجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد
~~من ثلاثة أوجه:
# الأول: لا نسلم أن الفعل المأتي به من حيث إنه سبب لترتب أحكامه عليه ليس
~~من الدين حتى يكون مرودا.
# الثاني: أنه أراد به الفاعل، وتقديره: من أدخل في ديننا ما ليس منه،
~~فالفاعل رد، أي مردود، ومعنى ms383 كونه مردودا أنه غير مثاب عليه، ونحن نقول به.
# فإن قيل: عود الضمير إلى الفعل أولى، إذ هو أقرب مذكور، قلنا: إلا أنه
~~يلزم منه المعارضة بينه وبين ما ذكرناه من الدليل، ولا كذلك فيما إذا عاد
~~إلى نفس الفاعل، فكان عوده إلى الفاعل أولى.
# الثالث: أنه، وإن عاد إلى نفس الفعل المنهي عنه، إلا أن معنى كونه ردا
~~أنه مردود بمعنى أنه غير مقبول، وما لا يكون مقبولا هو الذي لا يكون مثابا
~~عليه، ولا يلزم من كونه غير مثاب عليه أن لا يكون سببا لترتب أحكامه الخاصة
~~به عليه، وهو عين محل النزاع.
# وعن الحديث الآخر ما ذكرناه من الوجه الثاني والثالث. ثم وإن سلمنا
~~دلالتهما على الفساد فليس في ذلك ما يدل على أن الفساد من مقتضيات النهي،
~~بل من دليل آخر، وهو قوله فهو رد ونحن لا ننكر ذلك. PageV02P191
# وعن الاجماع لا نسلم صحة احتجاجهم بدلالة النهي لغة على الفساد، بل إن صح
~~ذلك فإنما يصح بالنظر إلى دلالة الالتزام على ما قررنا، ويجب الحمل عليه
~~جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل، وبه يخرج الجواب عن الوجه الأول من
~~المعنى.
# وعن الثاني من المعنى أن النهي وإن كان مقابلا للامر، فلا نسلم أن الامر
~~مقتض للصحة، حتى يكون النهي مقتضيا للفساد. وإن سلمنا اقتضاء الامر للصحة،
~~وأن النهي مقابل له، فلا نسلم لزوم اختلاف حكميهما لجواز اشتراك المتقابلات
~~في لازم واحد.
# وإن سلم أنه يلزم من ذلك تقابل حكميهما، فيلزم أن لا يكون النهي مقتضيا
~~للصحة.
# أما أن يكون مقتضيا للفساد، فلا، وأما النقض بالنهي عن العبادة فمندفع،
~~لأنه مهما كان النهي عن الفعل لعينه، فلا يتصور أن يكون عبادة مأمورا بها،
~~وما لم يكن عبادة فلا يتصور صحته عبادة، وإن قيل بفساده من جهة خروجه عن
~~كونه سببا لترتيب الاحكام الخاصة به عليه، فهو محل النزاع.
# وعن الاعتراض الأخير أنا لا نقضي بالفساد لوجود مناسب الفساد ليفتقر إلى
~~شاهد بالاعتبار، وإنما قضينا بالفساد لعدم ms384 المناسب المعتبر بما بيناه من
~~استلزام النهي لذلك.
# المسألة الثانية اتفق أصحابنا على أن النهي عن الفعل لا يدل على صحته
~~ونقل أبو زيد عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنهما قالا: يدل على صحته.
# والمختار مذهب أصحابنا لوجهين:
# الأول: أن النهي لو دل على الصحة، فإما أن يدل عليها بلفظه أو بمعناه، إذ
~~الأصل عدم ما سوى ذلك، واللازم ممتنع، وبيان امتناع دلالته على الصحة بلفظه
~~أن صحة الفعل لا معنى لها سوى ترتب أحكامه الخاصة به عليه، والنهي لغة لا
~~يزيد على طلب ترك الفعل، ولا إشعار له بغير ذلك نفيا ولا إثباتا.
~~PageV02P192
# وبيان امتناع دلالته على الصحة بمعناه ما بيناه من أن النهي بمعناه يدل
~~على الفساد في المسألة المتقدمة، فلا يكون ذلك مفيدا لنقيضه، وهو الصحة.
# الوجه الثاني: أنا أجمعنا على وجود النهي حيث لا صحة، كالنهي عن بيع
~~الملاقيح والمضامين، وبيع حبل الحبلة، وكالنهي عن الصلاة في أيام الحيض،
~~بقوله، صلى الله عليه وسلم: دعي الصلاة أيام إقرائك والنهي عن نكاح ما نكح
~~الاباء بقوله تعالى:
# * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (4) النساء: 22) ولو كان النهي
~~مقتضيا للصحة، لكان تخلف الصحة مع وجود النهي على خلاف الدليل وهو خلاف
~~الأصل، وسواء كان لمعارض أو لا لمعارض.
# فإن قيل: إذا نهى الشرع عن صوم يوم النحر وعن الصلاة في الأوقات والأماكن
~~المكروهة، وعن بيع الربا، فالأصل تنزيل لفظ الصلاة والصوم والبيع على عرف
~~الشارع، وعرف الشارع في ذلك إنما هو الفعل المعتبر في حكمه شرعا، فلو لم
~~يكن التصرف المنهي عنه كذلك، لما كان هو التصرف الشرعي وهو ممتنع.
# قلنا: أولا لا نسلم وجود عرف الشرع في هذه الأسماء، لما سبق، وإن سلمنا
~~أن له عرفا، لكن في طرف الأوامر أو النواهي؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع.
# وعلى هذا، فالنهي إنما هو عن التصرف اللغوي دون الشرعي، وإن سلمنا عرف
~~الشارع في هذه الأسماء، ولكن لا نسلم أن عرفه فيها ما ذكروه، بل ما هو بحال ms385
~~يصح ويمكن صحته، ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الأدلة، ولا يلزم من كون
~~التصرف ممكن الصحة، وقوع الصحة كيف وإن ما ذكروه منتقض بما ذكرناه من
~~المناهي مع انتفاء الصحة عن منهياتها. PageV02P193
# المسألة الثالثة اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه
~~دائما، خلافا لبعض الشاذين. ودليل ذلك، أنه لو قال السيد لعبده لا تفعل كذا
~~وقدرنا نهيه مجردا عن جميع القرائن، فإن العبد لو فعل ذلك في أي وقت قدر،
~~يعد مخالفا لنهي سيده، ومستحقا للذم في عرف العقلاء وأهل اللغة. ولو لم يكن
~~النهي مقتضيا للتكرار والدوام، لما كان كذلك.
# فإن قيل: لا خفاء بأن النهي قد يرد ويراد به الدوام، كما في النهي عن
~~الربا وشرب الخمر ونحوه، وقد يرد ولا يراد به الدوام، كما في نهي الحائض عن
~~الصوم والصلاة ونحوه، والصورتان مشتركتان في طلب ترك الفعل لا غير،
~~ومفترقتان في دوامه في إحدى الصورتين، وعدم دوامه في الأخرى. والأصل أن
~~يكون اللفظ حقيقة فيهما من غير اشتراك ولا تجوز، والدال على القدر المشترك
~~لا يكون دالا على ما اختص بكل واحد من الطرفين المختلفين، وأيضا فإنه لو
~~كان النهي مقتضيا للدوام، لكان عدم الدوام في بعض صور النهي على خلاف
~~الدليل، وهو ممتنع.
# قلنا: النهي حيث ورد غير مراد به الدوام، يجب أن يكون ذلك لقرينة، نظرا
~~إلى ما ذكرناه من الدليل. وما قيل: إن ذلك يلزم منه الاشتراك أو التجوز.
# قلنا: وإن لزم منه التجوز، وهو على خلاف الدليل، لافتقاره إلى القرينة
~~الصارفة، غير أن جعله حقيقة في المرة الواحدة، مما يوجب جعله مجازا في
~~الدوام والتكرار لاختلاف حقيقيتهما. وليس القول بجعله مجازا في التكرار
~~وحقيقة في المرة الواحدة أولى من العكس، بل جعله حقيقة في التكرار أولى،
~~لامكان التجوز به عن البعض، لكونه مستلزما له. ولو جعلناه حقيقة في البعض
~~لما أمكن التجوز به عن التكرار لعدم استلزامه له، وبه يندفع ما ذكروه من
~~الوجه الثاني أيضا. PageV02P194
# الصنف الثالث - في ms386 معنى العام والخاص ويشتمل على مقدمة ومسائل.
# أما المقدمة: ففي بيان معنى العام والخاص وصيغ العموم.
# أما العام: فقد قال أبو الحسين البصري: العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما
~~يصلح له، ووافقه على ذلك بعض أصحابنا، وهو فاسد من وجهين:
# الأول: أنه عرف العام بالمستغرق، وهما لفظان مترادفان، وليس المقصود
~~هاهنا من التحديد شرح اسم العام، حتى يكون الحد لفظيا، بل شرح المسمى إما
~~بالحد الحقيقي أو الرسمي، وما ذكره خارج عن القسمين.
# الثاني: أنه غير مانع، لأنه يدخل فيه قول القائل ضرب زيد عمرا فإنه لفظ
~~مستغرق لجميع ما هو صالح له، وليس بعام.
# وقال الغزالي إنه اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا، وهو
~~غير جامع، فإن لفظ المعدوم، والمستحيل من الألفاظ العامة، ولا دلالة له على
~~شيئين فصاعدا، إذ المعدوم ليس بشئ عنده وعند أهل الحق من أصحابنا،
~~والمستحيل بالاجماع، وإن كان جامعا، إلا أنه غير مانع. فإن قولنا: عشرة،
~~PageV02P195
# ومائة ليس من الألفاظ العامة، وإن كان مع اتحاده دالا على شيئين فصاعدا
~~وهي الآحاد الداخلة فيها، والحق في ذلك أن يقال العام: هو اللفظ الواحد
~~الدال على مسميين فصاعدا مطلقا معا.
# فقولنا: (اللفظ) وإن كان كالجنس للعام والخاص، ففيه فائدة تقييد العموم
~~بالألفاظ، لكونه من العوارض الحقيقية لها دون غيرها عند أصحابنا وجمهور
~~الأئمة، كما يأتي تعريفه.
# وقولنا (الواحد) احتراز عن قولنا ضرب زيد عمرا وقولنا: (الدال على
~~مسميين) ليندرج فيه الموجود والمعدوم، وفيه أيضا احتراز عن الألفاظ المطلقة
~~كقولنا: رجل ودرهم وإن كانت صالحة لكل واحد من آحاد الرجال وآحاد الدراهم
~~فلا يتناولها مقابل على سبيل البدل.
# وقولنا: (فصاعدا) احتراز عن لفظ اثنين وقولنا: (مطلقا) احتراز عن قولنا
~~عشرة ومائة ونحوه من الاعداد المقيدة ولا حاجة بنا إلى قولنا من جهة واحدة
~~احتراز عن الألفاظ المشتركة والمجازية.
# أما عند من يعتقد كونها من الألفاظ العامة، كما يأتي تحقيقه، فالحد لا
~~يكون مع أخذ هذا القيد جامعا.
# وأما عند من لا يقول بالتعميم، فلا ms387 حاجة به إلى هذا القيد أيضا، إذ اللفظ
~~المشترك غير دال على مسمياته معا، بل على طريق البدل وكذلك الحكم في اللفظ
~~الدال على جهة الحقيقة والمجاز. وفي الحد المذكور ما يدرأ النقض بذلك، وهو
~~قولنا:
# (الدال على مسميين معا).
# وأما الخاص، فقد قيل فيه: هو كل ما ليس بعام، وهو غير مانع لدخول الألفاظ
~~المهملة فيه، فإنها، لعدم دلالتها، لا توصف بعموم ولا بخصوص.
# ثم فيه تعريف الخاص بسلب العام عنه، ولا يخلو إما أن يكون بينهما واسطة،
~~أو لا:
# فإن كان الأول، فلا يلزم من سلب العام تعين الخاص، PageV02P196
# وإن كان الثاني، فليس تعريف أحدهما بسلب حقيقة الآخر عنه أولى من العكس،
~~وأيضا فإن اللفظ قد يكون خاصا كلفظ الانسان، فإنه خاص بالنسبة إلى لفظ
~~الحيوان وما خرج عن كونه عاما بالنسبة إلى ما تحته.
# وإن قيل إنه ليس بعام من جهة ما هو خاص، ففيه تعريف الخاص بالخاص، وهو
~~ممتنع.
# والحق في ذلك أن يقال: الخاص قد يطلق باعتبارين:
# الأول: وهو اللفظ الواحد الذي لا يصلح مدلوله لاشتراك كثيرين فيه، كأسماء
~~الاعلام من زيد وعمرو ونحوه، الثاني: ما خصوصيته بالنسبة إلى ما هو أعم منه
~~وحده أنه اللفظ الذي يقال على مدلوله، وعلى غير مدلوله، لفظ آخر من جهة
~~واحدة، كلفظ الانسان، فإنه خاص، ويقال على مدلوله وعلى غيره، كالفرس
~~والحمار، لفظ الحيوان من جهة واحدة.
# وإذا تحقق معنى العام والخاص فاعلم أن اللفظ الدال ينقسم إلى عام لا أعم
~~منه، كالمذكور، فإنه يتناول الموجود والمعدوم، والمعلوم والمجهول، وإلى خاص
~~لا أخص منه، كأسماء الاعلام، وإلى ما هو عام بالنسبة، وخاص بالنسبة، كلفظ
~~الحيوان، فإنه عام بالنسبة إلى ما تحته من الانسان والفرس، وخاص بالنسبة
~~إلى ما فوقه، كلفظ الجوهر والجسم.
# وأما صيغ العموم عند القائلين بها فهي:
# إما أن تكون عامة فيمن يعقل وما لا يعقل جمعا وأفرادا مثل (أي) في الجزاء
~~والاستفهام، وأسماء الجموع المعرفة إذا لم يكن عهد، سواء كان جمع سلامة أو
~~جمع ms388 تكسير (كالمسلمين والرجال) والمنكرة (كرجال ومسلمين)، والأسماء المؤكدة
~~لها، مثل (كل وجميع) واسم الجنس إذا دخله الألف واللام من غير عهد (كالرجل
~~والدرهم) والنكرة المنفية كقولك: (لا رجل في الدار) و (ما في الدار من رجل)
~~والإضافة كقولك: (ضربت عبيدي) و (أنفقت دراهمي).
# وإما عامة فيمن يعقل دون غيره (كمن) في الجزاء والاستفهام، تقول: من
~~عندك؟ ومن جاءني أكرمته. PageV02P197
# وإما عامة فيما لا يعقل، إما مطلقا من غير اختصاص بجنس مثل ما) في
~~الجزاء، كقوله، على اليد ما أخذت حتى ترد، والاستفهام تقول: ماذا صنعت؟
# وإما لا مطلقا، بل مختصة ببعض أجناس ما لا يعقل مثل (متى) في الزمان جزاء
~~واستفهاما، و (أين) و (حيث) في المكان جزاء واستفهاما، تقول: متى جاء
~~القوم، ومتى جئتني أكرمتك، وأين كنت، وأينما كنت أكرمتك.
# وإذ أتينا على ما أردناه من بيان المقدمة، فلنشرع الآن في المسائل، وهي
~~خمس وعشرون مسألة:
# المسألة الأولى اتفق العلماء على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة،
~~واختلفوا في عروضه، حقيقة للمعاني: فنفاه الجمهور،، وأثبته الأقلون.
# وقد احتج المثبتون بقولهم: الاطلاق شائع ذائع في لسان أهل اللغة بقولهم:
# عم الملك الناس بالعطاء والانعام، وعمهم المطر والخصب والخير، وعمهم
~~القحط.
# وهذه الأمور من المعاني، لا من الألفاظ. والأصل في الاطلاق الحقيقة.
# أجاب النافون بأن الاطلاق في مثل هذه المعاني مجاز لوجهين:
# الأول: أنه لو كان حقيقة في المعاني، لاطرد في كل معنى، إذ هو لازم
~~الحقيقة، وهو غير مطرد. ولهذا، فإنه لا يوصف شئ من الخاصة الواقعة في
~~امتداد الإشارة إليها، كزيد وعمرو، بكونه عاما لا حقيقة ولا مجازا.
# الثاني: أن من لوازم العام أن يكون متحدا، ومع اتحاده متناولا لأمور
~~متعددة من جهة واحدة. والعطاء والانعام الخاص بكل واحد من الناس غير الخاص
~~بالآخر، وكذلك المطر فإن كل جزء اختص منه بجزء من الأرض، لا وجود له
~~بالنسبة إلى الجزء الآخر منها، وكذلك الكلام في الخصب والقحط، فلم يوجد من
~~PageV02P198
# ذلك ما هو مع اتحاده يتناول أشياء من جهة ms389 واحدة، فلم يكن عاما حقيقة،
~~بخلاف اللفظ الواحد، كلفظ الانسان والفرس.
# أجاب المثبتون عن الأول. بأن العموم، وإن لم يكن مطردا في كل معنى، فهو
~~غير مطرد في كل لفظ، فإن أسماء الاعلام، كزيد وعمرو ونحوه، لا يتصور عروض
~~العموم لها، لا حقيقة ولا مجازا، فإن كان عدم اطراده في المعاني مما يبطل
~~عروضه للمعاني حقيقة، فكذلك في الألفاظ، وإن كان ذلك لا يمنع في الألفاظ،
~~فكذلك في المعاني، ضرورة عدم الفرق.
# وعن الوجه الثاني أنه، وإن تعذر عروض العموم للمعاني الجزئية الواقعة في
~~امتداد الإشارة إليها حقيقة، فليس في ذلك ما يدل على امتناع عروضه للمعاني
~~الكلية المتصورة في الأذهان، كالمتصور من معنى الانسان المجرد عن الأمور
~~الموجبة لتشخيصه وتعيينه، فإنه مع اتحاده، فمطابق لمعناه وطبيعته لمعاني
~~الجزئيات الداخلة تحته من زيد وعمرو من جهة واحدة، كمطابقة اللفظ الواحد
~~العام لمدلولاته.
# وإذا كان عروض العموم للفظ حقيقة، إنما كان لمطابقته مع اتحاده للمعاني
~~الداخلة تحته من جهة واحدة. فهذا المعنى بعينه متحقق في المعاني الكلية
~~بالنسبة إلى جزئياتها، فكان العموم من عوارضها حقيقة. PageV02P199
# المسألة الثانية اختلف العلماء في معنى العموم: هل له في اللغة صيغة
~~موضوعة له خاصة به تدل عليه، أو لا؟ فذهبت المرجئة إلى أن العموم لا صيغة
~~له في لغة العرب.
# وذهب الشافعي وجماهير المعتزلة وكثير من الفقهاء إلى أن ما سبق ذكره من
~~الصيغ حقيقة في العموم، مجاز فيما عداه ومنهم من خالف في الجميع المنكر
~~والمعروف واسم الجنس إذا دخله الألف واللام، كما يأتي تعريفه، وهو مذهب أبي
~~هاشم.
# وذهب أرباب الخصوص إلى أن هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجاز فيما عداه وقد
~~نقل عن الأشعري قولان:
# أحدهما: القول بالاشتراك بين العموم والخصوص، والآخر: الوقف وهو عدم
~~الحكم بشئ مما قيل في الحقيقة في العموم، والخصوص، أو الاشتراك، ووافقه على
~~الوقف القاضي أبو بكر، وعلى كل واحد من القولين جماعة من الأصوليين.
~~PageV02P200
# ومن الواقفية من فصل بين الاخبار، والوعد، والوعيد، والامر، والنهي، فقال
~~بالوقف ms390 في الاخبار والوعد والوعيد، دون الأمر والنهي.
# والمختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الألفاظ في الخصوص لكونه مرادا من
~~اللفظ يقينا سواء أريد به الكل أو البعض، والوقف فيما زاد على ذلك. ومنهاج
~~الكلام فعلى ما عرف في التوقف في الامر بين الوجوب والندب فعليك بنقله إلى
~~هاهنا، وإنما يتحقق هذا المقصود بذكر شبه المخالفين والانفصال عنها.
# ولنبدأ من ذلك بشبه أرباب العموم، وهي نصية، وإجماعية، ومعنوية.
# أما النصية، فمنها قول الله تعالى: * (ونادى نوح ربه، فقال: رب، إن ابني
~~من أهلي، وإن وعدك الحق) * (11) هود: 45) تمسكا منه بقوله تعالى: * (إنا
~~منجوك وأهلك) * (2) العنكبوت: 33) وأقره الباري تعالى على ذلك، وأجابه بما
~~دل على أنه ليس من أهله، ولولا أن إضافة الأهل إلى نوح للعموم، لما صح ذلك.
# ومنها أنه لما نزل قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)
~~* (21) الأنبياء: 98) قال ابن الزبعرى لأخصمن محمدا ثم جاء إلى النبي، صلى
~~الله عليه وسلم، فقال له:
# وقد عبدت الملائكة والمسيح، أفتراهم يدخلون النار واستدل بعموم (ما) ولم
~~ينكر عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، ذلك، بل نزل قوله تعالى غير منكر
~~لقوله، بل مخصصا له بقوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك
~~عنها مبعدون) * (21) الأنبياء: 101) PageV02P201
# ومنها قوله تعالى: * (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا: إنا مهلكو
~~أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين - قال: إن فيها لوطا - قالوا: نحن
~~أعلم بمن فيها لننجينه وأهله، إلا امرأته كانت من الغابرين) * (29)
~~العنكبوت: 31 - 32) ووجه الاحتجاج بذلك أن إبراهيم فهم من أهل هذه القرية
~~العموم، حيث ذكر لوطا، والملائكة أقروه على ذلك، وأجابوه بتخصيص لوط وأهله
~~بالاستثناء واستثناء امرأته من الناجين. وذلك كله يدل على العموم.
# وأما الاجماعية، فمنها احتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة
~~بقوله:
# كيف تقاتلهم، وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس
~~حتى يقولوا:
# لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم ولم ينكر عليه
~~أحد من الصحابة ms391 احتجاجه بذلك، بل عدل أبو بكر إلى التعليق بالاستثناء وهو
~~قوله، صلى الله عليه وسلم إلا بحقها فدل على أن لفظ الجمع المعرف للعموم.
# ومنها احتجاج فاطمة على أبي بكر في توريثها من أبيها، فدك والعوالي بقوله
~~تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) * (4) النساء:
~~11) ولم ينكر عليها أحد من الصحابة، بل عدل أبو بكر، رضي الله عنه، إلى ما
~~رواه عن النبي، صلى الله عليه وسلم إلى دليل التخصيص، وهو قوله، عليه
~~السلام: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ومنها احتجاج عثمان
~~على علي، رضي الله عنه، في جواز الجمع بين الأختين بقوله تعالى:، * (إلا
~~على أزواجهم) * (3) المؤمنون: 6) واحتجاج علي بقوله تعالى: * (وأن تجمعوا
~~بين الأختين) * (4) النساء: 23) ولم ينكر على أحد منهما صحة ما احتج به.
~~وإنما يصح ذلك، أن لو كانت الأزواج المضافة، والأختان على العموم.
# ومنها أن عثمان، لما سمع قول الشاعر:
# ألا كل شئ، ما خلا الله، باطل وكل نعيم، لا محالة، زائل قال له كذبت، فإن
~~نعيم أهل الجنة لا يزول ولم ينكر عليه منكر، ولولا أن (كل) للعموم، لما كان
~~كذلك. PageV02P202
# ومنها احتجاج أبي بكر على الأنصار بقوله، صلى الله عليه وسلم الأئمة من
~~قريش ووافقه الكل على صحة هذا الاحتجاج من غير نكير، ولو لم يكن لفظ
~~(الأئمة) عاما، لما صح الاحتجاج.
# ومنها إجماع الصحابة على إجراء قوله تعالى: * (الزانية والزاني) * (24)
~~النور: 2)، * (والسارق والسارقة) * (5) المائدة: 38)، * (ومن قتل مظلوما) *
~~(17) الاسراء: 33)، * (وذروا ما بقي من الربا) * (2) البقرة: 278)، * (ولا
~~تقتلوا نفسكم) * (4) النساء: 29)، * (ولا تقتلوا الصيد، وأنتم حرم) * (5)
~~المائدة: 95) وقوله صلى الله عليه وسلم: لا وصية لوارث، ولا تنكح المرأة
~~على عمتها ولا خالتها، ومن ألقى سلاحه فهو آمن إلى غير ذلك على العموم.
# وأما الشبه المعنوية، فمنها أن العموم من الأمور الظاهرة الجلية، والحاجة
~~مشتدة إلى معرفته في التخاطب، وذلك مما تحيل العادة مع توالي الاعصار على
~~أهل اللغة إهماله، وعدم تواضعهم على لفظ يدل عليه، مع أنه لا يتقاصر في دعو ms392
~~الحاجة إلى معرفته، عن معرفة الواحد والاثنين، وسائر الاعداد، والخبر،
~~والاستخبار، والترجي، والتمني، والنداء، وغير ذلك من المعاني التي وضعت لها
~~الأسماء، وربما وضعوا لكثير من المسميات ألفاظا مترادفة مع الاستغناء عنها،
~~ومنها ما يخص كل واحد واحد من الألفاظ المذكورة من قبل.
# أما (من) الاستفهامية: كقول القائل من جاءك؟ فلا يخلو إما أن تكون حقيقة
~~في الخصوص، أو العموم، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة، أو ليست موضوعة لاحد
~~الامرين، لا حقيقة ولا تجوزا: والأول محال، وإلا لما حسن أن يجاب بجملة
~~العقلاء، لكونه جوابا عن غير ما سأل عنه، ولا جائز أن تكون مشتركة أو
~~موقوفة، وإلا لما حسن الجواب بشئ إلا بعد PageV02P203
# الاستفهام عن مراد المسائل، وليس كذلك، ولا جائز أن يقال بالأخير للاتفاق
~~على إبطاله، فلم يبق إلا أن تكون حقيقة في العموم.
# وأما الشرطية: وهي عندما إذا قال السيد لعبده من دخل داري، فأكرمه فإنه
~~إذا أكرم كل داخل لا يحسن من السيد الاعتراض عليه، ولو أخل بإكرام بعض
~~الداخلين، فإنه يحسن لومه وتوبيخه في العرف.
# وأيضا فإنه يحسن الاستثناء من ذلك بقوله إلا أن يكون فاسقا والاستثناء
~~يخرج من الكلام ما لولاه لكان داخلا فيه، ولولا أن (من) للعموم، لما صح
~~ذلك.
# وعلى هذا يكون الكلام في جميع الحروف المستعملة للشرط، والاستفهام، مثل:
# ما، وأي، ومتى، وأين، وكم، وكيف ونحوه، ومؤكداتها مثل: كل، وجميع، فإنها
~~للعموم. وبيانه من وجوه:
# الأول: أنه إذا قال القائل لعبده أكرم كل من رأيته فإنه يسقط عنه اللوم
~~بإكرام كل واحد، ولا يسقط بتقدير إخلاله بإكرام البعض، وأنه يحسن الاستثناء
~~بقوله: إلا الفساق، وذلك دليل العموم كما سبق.
# الثاني: أنه لو قال رأيت كل من في البلد فإنه يعد كاذبا بتقدير عدم رؤيته
~~لبعضهم.
# الثالث: أنه إذا قال القائل: كل الناس علماء كذبه قول القائل كل الناس
~~ليسوا علماء. ولو لم يكن اسم (كل) للعموم، لما كان كل واحد مكذبا للآخر،
~~لجواز أن يتناول كل واحد غير ما تناوله الآخر. ms393
# الرابع: أنا ندرك التفرقة بين (كل) و (بعض) ولو كان كل غير مفيد للعموم
~~لما تحقق الفرق، لكونه مساويا في الإفادة للبعض.
# الخامس: أنه لو كان قول القائل: كل الناس يفيد العموم، ولكنه يعبر عنه
~~تارة عن البعض، وتارة عن العموم حقيقة، لكان قول القائل كلهم بيانا لاحد
~~الامرين فيما دخل عليه، لا تأكيدا له، كما لو قال رأيت عينا باصرة.
~~PageV02P204
# وأما الجمع المعرف فهو للعموم لوجهين الأول: أن كثرة الجمع المعرف تزيد
~~على كثرة الجمع المنكر، ولهذا يقال رجال من الرجال، ولا عكس، وعند ذلك،
~~فالجمع المعرف إما أن يكون مفيدا للاستغراق، أو للعدد غير مستغرق، لا جائز
~~أن يقال بالثاني، لان ما من عدد يفرض من ذلك إلا ويصح نسبته إلى المعرفة
~~بأنه منه، والأول هو المطلوب.
# الثاني: أنه يصح تأكيد بما هو مفيد للاستغراق، والتأكيد إنما يفيد تقوية
~~المؤكد، لا أمرا جديدا، فلو لم يكن المؤكد يفيد الاستغراق، لما كان المؤكد
~~مفيدا له، أو كان مفيدا لأمر جديد، وهو ممتنع.
# وأما النكرة المنفية، كقوله لا رجل في الدار أو في سياق النفي كقوله ما
~~في الدار من رجل فإن القائل لذلك يعد كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما، وأنه
~~يحسن الاستثناء بقوله إلا زيد وأنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا، كما ورد
~~قوله تعالى: * (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) * تكذيبا لمن قال ما
~~أنزل الله على بشر من شئ وكل ذلك يدل على كونها للعموم، ولأنها لو لم تكن
~~للعموم، لما كان قولنا لا إله إلا الله توحيدا، لعدم دلالته على نفي كل إله
~~سوى الله تعالى.
# وأما الإضافة، كقوله: أعتقت عبيدي وإمائي فإنه يدل على العموم، بدليل
~~لزوم العتق في الكل، وأنه يجوز لمن سمعه أن يزوج من أي العبيد شاء، وأن
~~يتزوج من الإماء من شاء، دون رضى الورثة، وكذلك لو قال العبيد الذين هم في
~~يدي لفلان صح الاقرار بالنسبة إلى الجميع، ولولا أن ذلك للعموم، لما كان
~~كذلك.
# وأما الجنس إذا ms394 دخله الألف واللام، ولا عهد فإنه للعموم لأربعة أوجه:
# الأول: أنه إذا قال القائل رأيت إنسانا أفاد رؤية واحد معين، فإذا دخلت
~~عليه الألف واللام، فلو لم تكن الألف واللام مفيدة للاستغراق، لكانت معطلة
~~لتعذر حملها على تعريف الجنس، لكونه معلوما دونها، وهو ممتنع. PageV02P205
# الثاني: أنه يصح نعته بالجمع المعرف، وقد ثبت أن الجمع المعرف للعموم،
~~فكذلك المنعوت به، وذلك في قولهم أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض
~~وأنه يصح الاستثناء منه، كما في قوله تعالى: * (إن الانسان لفي خسر، إلا
~~الذين آمنوا) * وهو دليل العموم.
# الثالث: أن القائل قائلان: قائل يقول إن الألف واللام الداخلة على الاسم
~~المفرد والجمع تفيد العموم، وقائل بالنفي مطلقا. وقد ثبت أنها مفيد ة
~~للعموم في الجمع، فالتفرقة تكون قولا بتفصيل لم يقل به قائل.
# الرابع: أنه إذا كانت الألف واللام لتعريف المعهود عائدة إلى جميعه لعدم
~~أولوية عودها إلى البعض منه دون البعض، فكذلك إذا كانت لتعريف الجنس.
# وأما الجمع المنكر فيدل على أنه للعموم ثلاثة أوجه.
# الأول: أن قول القائل رجال يطلق على كل جمع على الحقيقة، حتى الجمع
~~المستغرق، فإذا حمل الاستغراق كان حملا له على جميع حقائقه، فكان أولى.
# الثاني: أنه لو أراد المتكلم بلفظ الجمع المنكر البعض لعينه، وإلا كان
~~مراده مبهما، فحيث لم يعينه دل على أنه للاستغراق.
# الثالث: أنه يصح دخول الاستثناء عليه بكل واحد واحد من آحاد الجنس، فكان
~~للعموم.
# ومن شبههم أن العرب فرقت بين تأكيد العموم والخصوص في أصل الوضع، فقالوا
~~في الخصوص رأيت زيدا عينه نفسه ولا يقولون رأيت زيدا كلهم أجمعين وقالوا في
~~العموم رأيت الرجال كلهم أجمعين ولا يقولون رأيت لرجال عينه نفسه واختلاف
~~التأكيد يدل على اختلاف المؤكد، لان التأكيد مطابق للمؤكد.
# ومنها: أنهم قالوا: وقع الاجماع على أن الباري تعالى قد كلفنا أحكاما تعم
~~جميع المكلفين، فلو لم يكن للعموم صيغة تفيده، لما وقع التكليف به لعدم ما
~~يدل عليه، أو كان التكليف به تكليفا بما لا يطاق، وهو ms395 محال. PageV02P206
# وأما شبه أرباب الخصوص، فأولها: أن تناول اللفظ للخصوص متيقن، وتناوله
~~للعموم محتمل، فجعله حقيقة في المتيقن أولى.
# وثانيها: أن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص دون العموم، ومنه يقال:
# جمع السلطان التجار والصناع وكل صاحب حرفة، وأنفقت دراهمي، وصرمت نخيلي
~~ونحوه، فكان جعلها حقيقة فيما استعمالها فيه أغلب، أولى.
# وثالثها: أنه إذا قال السيد لعبده أكرم الرجال، ومن دخل داري فأعطه
~~درهما، ومتى جاءك فقير فتصدق عليه، ومتى جاء زيد فأكرمه وأين كان وحيث حل
~~فإنه لا يحسن الاستفسار عن إرادة البعض ويحسن الاستفسار عما وراء ذلك، فكان
~~جعل هذه الصيغ حقيقة فيما لا يحسن الاستفسار عنه دون ما يحسن.
# ورابعها: أنه لو كان قول القائل رأيت الرجال للعموم، لكان إذا أريد به
~~الخصوص كان المخبر كاذبا، كما لو قال رأيت عشرين ولم ير غير عشرة، بخلاف ما
~~إذا كانت للخصوص، وأريد به العموم.
# وخامسها: لو كانت للعموم، لكان تأكيدها غير مفيد لغير ما أفادته، فكان
~~عبثا، وكان الاستثناء منها نقضا.
# وسادسها: (ويخص من) أنها لو كانت للعموم، لما جمعت، لان الجمع لا بد وأن
~~يفيد ما لا يفيده المجموع، وليس بعد العموم والاستغراق كثرة، فلا يجمع، وقد
~~جمعت في باب حكاية النكرات عند الاستفهام، فإنه إذا قال القائل جاءني رجال
~~قلت: منون؟ في حالة الوقف دون الوصل، ومنه قول الشاعر:
# أتوا ناري، فقلت: منون أنتم؟ فقالوا: الجن. قلت: عموا ظلاما فقد قال
~~سيبويه أنه شاذ غير معمول به. PageV02P207
# وأما شبه أرباب الاشتراك، فأولها: أن هذه الألفاظ والصيغ قد تطلق للعموم
~~تارة، وللخصوص تارة، والأصل في الاطلاق الحقيقة، وحقيقة الخصوص غير حقيقة
~~العموم فكان اللفظ المتحد الدال عليهما حقيقة، مشتركا، كلفظ العين والقرء
~~ونحوه.
# وثانيها: أنه يحسن عند إطلاق هذه الصيغ الاستفهام من مطلقها أنك أردت
~~البعض أو الكل، وحسن الاستفهام عن كل واحد منهما دليل الاشتراك، فإنه لو
~~كان حقيقة في أحد الامرين دون الآخر لما حسن الاستفهام عن جهة الحقيقة.
# وأما شبه من قال بالتعميم في ms396 الأوامر والنواهي دون الاخبار، فهو أن
~~الاجماع منعقد على التكاليف بأوامر عامة لجميع المكلفين وبنواه عامة لهم،
~~فلو لم يكن الأمر والنهي للعموم، لما كان التكليف عاما، أو كان تكليفا بما
~~لا يطاق، وهو محال. وهذا بخلاف الاخبار، فإنه ليس بتكليف، ولأن الخبر يجوز
~~وروده بالمجهول، ولا بيان له أصلا كقوله تعالى: * (وكم أهلكنا قبلهم من
~~قرن) * (19) مريم: 74)، * (وقرونا بين ذلك كثير) * (25) الفرقان: 38) بخلاف
~~الامر، فإنه، وإن ورد بالمجمل، كقوله: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (6)
~~الانعام: 141) وقوله: * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43)
~~فإنه لا يخلو عن بيان متقدم أو متأخر أو مقارن.
# والجواب من جهة الاجمال عن جملة هذه الشبه ما أسلفناه في مسألة أن الامر
~~للوجوب أو الندب، فعليك بنقله إلى هاهنا.
# وأما من جهة التفصيل، أما ما ذكره أرباب العموم من الآيات، أما قصة نوح
~~فلا حجة فيها، وذلك لان إضافة الأهل قد تطلق تارة للعموم، وتارة للخصوص،
~~كما في قولهم جمع السلطان أهل البلد وإن كان لم يجمع النساء والصبيان
~~والمرضى. وعند ذلك، فليس القول PageV02P208
# بحمل ذلك على الخصوص بقرينة أولى من القول بحمله على العموم بقرينة ونحن
~~لا ننكر صحة الحمل على العموم بالقرينة، وإنما الخلاف في كونه حقيقة أم لا.
# وأما قصة ابن الزبعرى، فلا حجة فيها أيضا، لان سؤاله وقع فاسدا حيث ظن أن
~~(ما) عامة فيمن يعقل، وليس كذلك. ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم
~~منكرا عليه ما أجهلك بلغة قومك أما علمت أن (ما) لما لا يعقل وهي وإن أطلقت
~~على من يعقل كما في قوله تعالى: * (والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها،
~~ونفس وما سواها) * (91) الشمس: 5 - 7) فليس حقيقة، بل مجازا. ويجب القول
~~بذلك، جمعا بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن (ما) لما لا
~~يعقل ولما فيه من موافقة المنقول عن أهل اللغة في ذلك.
# وأما قصة إبراهيم، فجوابها بما سبق في قصة نوح.
# وأما الاحتجاج بقصة عمر مع أبي بكر، فلا حجة فيها أيضا، لأنه ms397 إنما فهم
~~العصمة من العلة الموجبة لها في الأموال والدماء، وهي قول: لا إله إلا الله
~~فإنها مناسبة لذلك، والحكم مرتب عليها في كلام النبي صلى الله عليه وسلم،
~~فكان ذلك إيماء إليها بالتعليل.
# أما أن يكون ذلك مأخوذا من عموم دمائهم وأموالهم، فلا. ومعارضة أبي بكر
~~إنما كانت لما فهمه عمر من التعليل المقتضي للتعميم، لا لغيره. PageV02P209
# وأما قصة فاطمة مع أبي بكر، فالكلام في اعتقاد العموم في قوله تعالى: *
~~(يوصيكم الله في أولادكم) * (4) النساء: 11) ما سبق في قصة نوح وهو الجواب
~~أيضا عن احتجاج عثمان على جواز الجمع بين الأختين، ثم قد أمكن أن يضاف ذلك
~~إلى ما فهم من العلة الموجبة لرفع الحرج، وهي الزوجية، لا إلى عموم اللفظ.
~~وكذلك احتجاج علي بقوله: * (وأن تجمعوا بين الأختين) * (4) النساء: 23) لم
~~يكن لعموم اللفظ، بل بما أومى إليه اللفظ من العلة المانعة من الجمع، وهي
~~الاخوة، فإنها مناسبة لذلك، دفعا للاضرار الواقع بين الأختين من المزاحمة
~~على الزوج الواحد، وإنما يصح الاحتجاج باللفظ بمجرده، إن لو كان للعموم،
~~وهو محل النزاع. وإن صح الاحتجاج في هذه الصور بنفس اللفظ، فلا يمتنع أن
~~يكون ذلك بما اقترن به من قرينة العلة الرافعة للحرج في احتجاج عثمان،
~~والعلة المانعة من الجمع في احتجاج علي، رضي الله عنه.
# وأما تكذيب عثمان للشاعر في قوله وكل نعيم لا محالة زائل فإنما كان لما
~~فهمه من قرينة حال الشاعر الدالة على قصد تعظيم الرب ببقائه وبطلان كل ما
~~سواه.
# أما أن يكون ذلك مستفادا من ذلك مستفادا من مجرد قوله (كل) فلا.
~~PageV02P210
# وأما استدلال أبي بكر بقوله، صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش إنما فهم
~~منه التعميم لما ظهر له من قصد النبي صلى الله عليه وسلم، لتعظيم قريش
~~وميزتهم على غيرهم من القبائل، فلو لم يكن ذلك يدل على الخصوص فيهم
~~والاستغراق، لما حصلت هذه الفائدة.
# وأما إجماع الصحابة على إجراء ما ذكروه من الآيات والاخبار على التعميم
~~في كل سارق وزان ms398 وغير ذلك، فإنما كان ذلك بناء على ما اقترن بها من العلل
~~المومى إليها الموجبة للتعميم، وهي السرقة والزنى وقتل الظالم إلى غير ذلك،
~~أما أن يكون اعتقاد تعميم تلك الأحكام مستندا إلى عموم تلك الألفاظ، فلا.
# وأما ما ذكر من الشبهة الأولى المعنوية، فالجواب عنها: أنا وإن سلمنا أن
~~العموم ظاهر، وأن الحاجة داعية إلى وضع لفظ يدل عليه، ولكن لا نسلم إحالة
~~الاخلال به على الواضعين. ولهذا قد أخلوا بالألفاظ الدالة على كثير من
~~المعاني الظاهرة التي تدعو الحاجة إلى تعريفها بوضع اللفظ عليها، وذلك
~~كالفعل الحالي، ورائحة المسك والعود، وغير ذلك من أنواع الروائح والطعوم
~~الخاصة بمحالها.
# فإن قيل لا نسلم أنهم أخلوا بشئ من ذلك، فإنهم يقولون: رائحة المسك،
~~ورائحة العود، وطعم العسل، وطعم السكر إلى غير ذلك. والإضافة من جملة
~~الأوضاع المعرفة، ولهذا، فإن الباري تعالى قد عرف نفسه بالإضافة في قوله:
# * (ذو العرش) * (85) البروج: 15)، * (ذو الطول) * (40) غافر: 3) إلى غير
~~ذلك.
# قلنا: وعلى هذا، لا نسلم أن العرب أخلت بما يعرف العموم، فإن الأسماء
~~المجازية والمشتركة أيضا من الأسماء المعرفة، كما سيأتي بيانه. وما وقع فيه
~~الخلاف من ألفاظ العموم، فهي غير خارجة في نفس الامر عن كونها حقيقة في
~~العموم دون غيره، أو مجازا فيه وحقيقة فيه وفي غيره، فتكون مشتركة.
# وعلى كل تقدير، فما خلا العموم في وضعهم عن معر ف، ولا خلاف في ذلك،
~~وإنما الخلاف في جهة دلالته عليه، هل هي حقيقة أو مجاز؟ وخفاء جهة الدلالة
~~والوقوف في تعيينها لا يبطل أصل الوضع والتعريف. PageV02P211
# وأما الشبهة الثانية وقولهم إن (من) إذا كانت استفهامية، لا تخلو عن
~~الأقسام المذكورة في نفس الامر، مسلم. ولكن لم قالوا بوجوب تعيين بعضها مع
~~عدم الدليل القاطع على ذلك.
# قولهم: لو كانت للخصوص لما حسن الجواب بكل العقلاء.
# قلنا: ولو كانت للعموم، لما حسن الجواب بالبعض الخاص لما قرروه، وليس أحد
~~الامرين أولى من الآخر، كيف وإن الجواب بالكل بتقدير أن يكون للخصوص يكون
~~جوابا ms399 عن المسؤول عنه وزيادة، والجواب بالخصوص، بتقدير أن يكون للعموم، لا
~~يكون جوابا عن المسؤول عنه. ولذلك، كان الجواب بالكل مستحسنا.
# ثم ما المانع أن تكون مشتركة؟
# قولهم: لأنه لا يحسن الجواب إلا بعد الاستفهام.
# قلنا: إذا كانت مشتركة، وهي استفهامية، فالاستفهام إنما هو عن مدلولها،
~~ومدلولها عند الاستفهام إنما هو أحد المدلولين، لا بعينه، فإذا أجاب بأحد
~~الامرين فقد أجاب عما سئل عنه، فلا حاجة بالمسؤول إلى الاستفهام.
# قولهم في الشرطية إن المفهوم من قول السيد لعبده من دخل داري فأكرمه
~~العموم، لما قرروه.
# قلنا: ليس ذلك مفهوما من نفس اللفظ، بل من قرينة إكرام الزائر، حتى أنا
~~لو قدرنا أنه لا قرينة أصلا، ولا تحقق لما سوى اللفظ المذكور، فإنا لا نسلم
~~فهم العموم منه، ولا جواز التعميم دون الاستفهام أو ظهور دليل يدل عليه
~~بناء على قولنا بالوقف. ويدل على ذلك أنه يحسن الاستفهام من العبد، ولو كان
~~على أي صفة قدر، وحسن ذلك يدل على الترديد، ولولا الترديد لما حسن
~~الاستفهام.
# قولهم إنه يحسن الاستثناء منه مسلم، ولكن لا نسلم أنه لا بد من دخول ما
~~استثني تحت المستثنى منه، فإن الاستثناء من غير الجنس صحيح، وإن لم يكن
~~المستثنى داخلا تحت المستثنى منه، ولا له عليه دلالة. ويدل على صحة ذلك
~~قوله تعالى: * (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) * (4) النساء: 157) والظن
~~هاهنا غير داخل تحت لفظ العلم، وقول الشاعر: PageV02P212
# وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري
~~لأيا ما أبينها * والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد فإن قيل: نحن إنما ندعي
~~ذلك فيما كان من الجنس، لا في غيره.
# قلنا: وإذا كان من الجنس، فالاستثناء يدل على وجوب دخول ما استثني تحت
~~المستثنى منه، أو على صلاحيته للدخول تحته: الأول ممنوع، والثاني مسلم.
# ويدل على ذلك صحة استثناء كل واحد من آحاد الجنس من جموع القلة، وهي ما
~~يتناول العشرة فما دونها، وهي: أفعل نحو أفلس، وأفعال نحو أصنام، وأفعلة ms400
~~نحو أرغفة، وفعلة نحو صبية، مع أن آحاد الجنس غير واجبة الدخول تحت
~~المستثنى منه، والاستثناء من جمع السلامة، إذا لم تدخله الألف واللام، فإنه
~~من جموع القلة بنص سيبويه.
# فإن قيل: نحن إنما ندعي ذلك فيما يصح استثناء العدد الكثير والقليل منه،
~~واستثناء العدد الكثير، وهو ما زاد على العشرة، لا يصح من جمع القلة.
# قلنا: فيلزم عليه استثناء ما لا يصح من جمع القلة. قلنا فيلزم عليه
~~استثناء ما زاد على العشرة من الجمع المنكر، فإنه يصح، وإن كان كل واحد من
~~المستثنيات غير واجب الدخول تحت الجمع المنكر، بل ممكن الدخول.
# فإن قيل: لو صح الاستثناء لاخراج ما يصح دخوله، لا ما يجب دخوله، لصح أن
~~يقول القائل: رأيت رجلا إلا زيدا، لصلاحية دخوله تحت لفظ رجل، وهو غير
~~صحيح.
# وأيضا، فإن الاستثناء يدخل في الاعداد كقول القائل له علي عشرة دراهم إلا
~~درهما وهو واجب الدخول. وأيضا فإن أهل اللغة قالوا بأن الاستثناء إخراج جزء
~~من كل، والجزء واجب الدخول في كله.
# قلنا: أما الأول فلان قوله رأيت رجلا لا يكون إلا معينا في نفس الامر
~~ضرورة وقوع الرؤية عليه، وإن لم يكن معينا عند المستمع، والمعين لا يصح
~~الاستثناء منه إجماعا.
# وأما الثاني فبعيد عن التحقيق من حيث إن وجوب دخول الواحد في العشرة لا
~~يمنع من صحة دخوله فيها، بمعنى أنه لا يمتنع دخوله فيها، وما ليس بممتنع
~~أعم من PageV02P213
# الواجب، وعند ذلك، فلا يلزم أن يكون الاستثناء لوجوب الدخول، بل لصحة
~~الدخول، وهو الجواب عن الوجه الثالث أيضا.
# كيف وإن استثناء واجب الدخول لا يمنع من استثناء ممكن الدخول، وعلى ما
~~قررناه في إبطا الاستدلال على عموم (من) استفهامية وجزائية يكون بعينه
~~جوابا عما ذكروه من الوجه الأول في عموم (كل) و (جميع).
# قولهم في الوجه الثاني إنه لو قال: رأيت كل من في البلد يعد كاذبا،
~~بتقدير عدم رؤية بعضهم، لا نسلم لزوم ذلك مطلقا. فإنه لو قال القائل جمع
~~السلطان كل ms401 التجار وكل الصناع، وجاء كل العسكر فإنه لا يعد في العرف كاذبا
~~بتقدير تخلف آحاد الناس. والعرف بذلك شائع ذائع، وليس حوالة ذلك على
~~القرينة أولى من حوالة صورة التكذيب على القرينة.
# قولهم في الوجه الثالث إن قول القائل كل الناس علماء يكذبه قول الآخر كل
~~الناس ليس علماء ليس كذلك مطلقا فإنه لو فسر كلامه بالغالب عنده، كان
~~تفسيره صحيحا مقبولا. ومهما أمكن حمل كلامه على ذلك، فلا تكاذب.
# نعم إنما يصح التكاذب بتقدير ظهور الدليل الدال على إرادة الكل، بحيث لا
~~يشذ منهم واحد، وذلك مما لا ينكر، وإنما النزاع في اقتضاء اللفظ لذلك
~~بمطلقه.
# قولهم في الوجه الرابع إنا ندرك التفرقة بين (بعض) و (كل) مسلم، لكن من
~~جهة أن بعضا لا يصلح للاستغراق وكلا صالح له ولما دونه، ولا يلزم من ذلك
~~ظهور (كل) في العموم.
# قولهم في الوجه الخامس إنه يلزم أن يكون قوله (كلهم) بيانا لا تأكيدا،
~~PageV02P214
# قلنا: وإن بين به مراده من لفظه لا يخرجه ذلك عن كونه تأكيدا لما أراده
~~من العموم، فإن لفظه صالح له.
# قولهم في الجمع المعرف إن كثرة الجمع المعرف تزيد على كثرة المنكر، قلنا:
~~متى إذا أريد به الاستغراق، أو إذا لم يرد به ذلك؟ الأول مسلم، والثاني
~~ممنوع، ولا يلزم من كونه صالحا للاستغراق أن يكون متعينا له، بل غايته أنه
~~إذا قال رأيت رجالا من الرجال كان ذلك قرينة صارفة للجمع المعرف إلى
~~الاستغراق.
# قولهم إنه يصح تأكيده بما يفيد الاستغراق، قلنا: ذلك يستدعي كون المؤكد
~~صالحا للعموم، والدلالة على العموم عند التأكيد، ولا يدل على كونه بوضعه
~~للعموم. قولهم في تعميم النكرة المنفية: لو قال لا رجل في الدار فإنه يعد
~~كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما، قلنا: إنما عد كاذبا بذلك، لان قوله لا رجل في
~~الدار إنما ينفي حقيقة رجل في الدار، فإذا وجد رجل في الدار، كان كاذبا ولا
~~يلزم من ذلك العموم، في طرف النفي، إذ هو نفي ما ليس بعام. ms402
# قولهم إنه يحسن الاستثناء، سبق جوابه.
# قولهم: إنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا، قلنا سبق جوابه أيضا. PageV02P215
# قولهم: لو لم يكن للعموم، لما كان قول القائل لا إله إلا الله توحيدا،
~~قلنا وإن لم يكن حقيقة في العموم، فلا يمتنع إرادة العموم بها. وعلى هذا،
~~فمهما لم ير المتكلم بها العموم، فلا يكون قوله توحيدا، وإن أراد ذلك كان
~~توحيدا، لكن لا يكون العموم من مقتضيات اللفظ، بل من قرينة حال المتكلم
~~الدالة على إرادة التوحيد، وعلى هذا، يكون الحكم أيضا فيما إذا قال ما في
~~الدار من رجل وقول أهل الأدب إنها للعموم يمكن حمله على عموم الصلاحية دون
~~الوجوب.
# قولهم في الإضافة إذا قال: أعتقت عبيدي وإمائي ثم مات، جاز لمن سمعه أن
~~يزوج من شاء من العبيد، دون رضى الورثة. قلنا: ولو قال أنفقت دراهمي، وصرمت
~~نخيلي، وضرب عبيدي فإنه لا يعد كاذبا بتقدير عدم إنفاق بعض دراهمه، وعدم
~~صرم بعض نخيله، وعدم ضرب بعض عبيده، ولو كان ذلك للعموم، لكان كاذبا، وليس
~~صرف ذلك إلى القرينة أولى من صرف ما ذكروه إلى القرينة، وهو الجواب عن
~~قوله: العبيد الذين في يدي لفلان.
# وما ذكروه في الدلالة على تعميم اسم الجنس، إذا دخله الألف واللام.
# أما الوجه الأول منه قولهم إنه لا بد للألف واللام من فائدة، قلنا: يمكن
~~أن تكون فائدتها تعريف المعهود، وإن لم يكن ثم معهود، فالتردد بين العموم
~~والخصوص على السوية، بخلاف ما قبل دخولها. PageV02P216
# وأما الوجه الثاني فقد قيل إنه من النقل الشاذ الذي لا اعتماد عليه، وهو
~~مع ذلك مجاز. ولهذا فإنه لم يطرد في كل اسم فرد، فإنه لا يقال جاءني الرجل
~~العلماء، والرجل المسلمون ثم وإن أمكن نعته بالجمع، فإنما كان كذلك لان
~~المراد من قولهم إنما هو جنس الدينار، وجنس الدرهم، لا جملة الدنانير،
~~وجملة الدراهم. وحيث كان الهلاك بجنس الدينار والدرهم لأمر متحقق في كل
~~واحد من ذلك الجنس، جاز نعته بالجمع، نظرا إلى اقتضاء المعنى للجمع، ms403 لا
~~نظرا إلى اقتضاء لفظ الدينار.
# وأما الاستثناء في الآية، فهو مجاز. ولهذا، لم يطرد، فإنه لا يحسن أن
~~يقال رأيت الرجل إلا العلماء، وعلى هذا النحو. ثم لو كان ذلك صالحا
~~للاستغراق، لأمكن مع اتحاده أن يؤكد (بكل) و (جميع) كما في (من) في قولك من
~~دخل داري أكرمته وهو غير جائز، فإنه يحسن أن يقال جاءني الرجل كلهم أجمعون
~~ويمكن أن يقال: إن مثل هذا قياس في اللغة، وهو غير جائز.
# وأما الوجه الثالث فدفعه بمنع الحصر فيما قيل، بل القائل ثلاثة، والثالث
~~هو القائل بالتفصيل.
# وأما الوجه الرابع فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وقد أبطلناه.
# وأما ما ذكروه في تعميم الجمع المنكر، أما الوجه الأول منه، فعنه جوابان:
# الأول: أن قول القائل رجال حقيقة في كل عدد على خصوصه، ممنوع، وإن أراد
~~به أنه حقيقة في الجمع المشترك بين جميع الاعداد فمسلم. ولكن لا يلزم من
~~ذلك أن يكون دالا على ما هو الأخص، لا حقيقة ولا مجازا. وعلى هذا، فقد بطل
~~القول بإنا إذا حملناه على الاستغراق، كان حملا له على جميع حقائقه، ضرورة
~~اتحاد مدلوله.
# الثاني: وإن سلمنا أنه حقيقة في كل عدد بخصوصه، غير أنه ليس حمله على
~~الاستغراق، مع احتمال عدم الإرادة، أولى من حمله على الأقل، مع كونه
~~مستيقنا.
# وأما الوجه الثاني فإنما يلزم المتكلم به بيان إرادة البعض عينا، أن لو
~~كان اللفظ موضوعا له. PageV02P217
# وأما إذا كان موضوعا لبعض مطلق فلا. وأما الاستثناء فقد عرف جوابه، كيف
~~وإن أهل اللغة اتفقوا على تسميته نكرة، ولو كان للاستغراق، لكان معروفا
~~كله، فلا يكون منكرا مختلطا بغيره.
# قولهم: إن العرب فرقت بين تأكيد الواحد والعموم بما ذكروه، إنما يصح إن
~~لو كان (كلهم أجمعون تأكيدا للعموم، وليس كذلك، بل هو تأكيد للفظ الذي يجوز
~~أن يراد به العموم وغير العموم.
# قولهم: لو لم يكن للعموم صيغة تدل عليه، لكان التكليف بالأمور العامة
~~تكليفا بما لا يطاق.
# قلنا: إنما يكون كذلك، إن ms404 لو لم يكن ثم ما يدل على التعميم، وليس كذلك،
~~ولا يلزم من عدم صيغة تدل عليه بوضعها دون قرينة، التكليف بالمحال مع وجود
~~صيغة تدل عليه مع القرينة.
# وأما شبه أرباب الخصوص: قولهم في الشبهة الأولى أن الخصوص متيقن، قلنا:
~~ذلك لا يدل على كونه مجازا في الزيادة، فإن الثلاثة مستيقنة في العشرة، ولا
~~يدل على كونه لفظ العشرة. حقيقة في الثلاثة مجازا في الزيادة.
# فإن قيل: إلا أن الزيادة في العشرة على الثلاثة أيضا مستيقنة، قيل ليس
~~كذلك، وإلا لما صح استثناؤها بقوله: علي عشرة إلا ثلاثة كيف وإن ما ذكروه
~~من الترجيح معارض بما يدل على كونه حقيقة في العموم، وذلك لأنه من المحتمل
~~أن يكون مراد المتكلم العموم، فلو حمل لفظه على الخصوص لم يحصل مراده،
~~وبتقدير أن يكون مراده الخصوص لا يمتنع حصول مقصوده منه بتقدير الحمل على
~~العموم، بل المقصود حاصل وزيادة، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.
# قولهم في الشبهة الثانية إن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص، لا نسلم
~~ذلك، وإن سلم إلا أن ذلك لا يدل على كون هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجازا
~~في العموم، ويدل عليه أن استعمال لفظ الغائط والعذرة غالب في الخارج
~~المستقذر PageV02P218
# من الانسان، وإن كان مجازا فيه، وحقيقة في الموضع المطمئن من الأرض،
~~وفناء الدار. وكذلك لفظ الشجاع حقيقة في الحية المخصوصة، وإن كان غالب
~~الاستعمال في الرجل المقدام.
# قولهم في الثالثة إنه لا يحسن الاستفهام عن إرادة البعض بخلاف العموم.
# قلنا: حسن الاستفهام عن إرادة العموم لا يخرج الصيغة عن كونها حقيقة في
~~العموم، ودليل ذلك أنه لو قال القائل دخل السلطان البلد، ولقيت بحرا،
~~وناطحت جبلا، ورأيت حمارا فإنه يحسن استفهامه هل أردت بالسلطان نفسه أو
~~عسكره؟
# وهل أردت بالجبل الجبل الحقيقي أو الرجل العظيم وهل أردت بالحمار الحمار
~~الحقيقي أو البليد؟ وأردت بالبحر البحر الحقيقي أو رجلا كريما؟ وعدم حسن
~~الاستفهام عن البعض لتيقنه لا يوجب كون الصيغة حقيقية فيه بدليل الثلاثة ms405 من
~~العشرة.
# قولهم في الرابعة: لو كان قوله رأيت الرجال للعموم، لكان كاذبا بتقدير
~~إرادة الخصوص، قلنا: إنما يكون كاذبا مع كون لفظه حقيقة في العموم، إن لو
~~لم يكن لفظه صالحا لإرادة البعض تجوزا، ولهذا، فإنه لو قال: رأيت أسدا
~~وحمارا أو بحرا وكان قد رأى إنسانا شجاعا وإنسانا بليدا وإنسانا كريما، لم
~~يكن كاذبا، وإن كان لفظه حقيقة في غيره، وهذا بخلاف ما إذا قال: رأيت عشرة
~~رجال ولم يكن رأى غير خمسة، فإن لفظ العشرة مما لا يصلح للخمسة، لا حقيقة
~~ولا تجوزا.
# قولهم في الخامسة إنه لو كانت هذه الصيغ للعموم، لكان تأكيدها عبثا، ليس
~~كذلك، فإنه يكون أبعد عن مجازفة المتكلم، وأبعد عن قبول التخصيص، وأغلب على
~~الظن.
# كيف وإنه يلزم على ما ذكروه صحة تأكيد الخاص بقولهم جاء زيد عينه نفسه
~~وتأكيد عقود الاعداد كقوله تعالى: * (تلك عشرة كاملة) * (2) البقرة: 196)
~~وما هو الجواب ههنا عن التأكيد يكون جوابا في العموم. PageV02P219
# قولهم: وكان الاستثناء منها نقضا يلزم عليه الاستثناء من الاعداد المقيدة
~~كقوله له علي عشرة إلا خمسة فإنه صحيح بالاتفاق، مع أن لفظ العشرة صريح
~~فيها، وجوابه في الاعداد جوابه في العموم.
# قولهم في السادسة إن (من) لو كانت للعموم، لما جمعت، قلنا: قد قيل إن ذلك
~~ليس بجمع وإنما هو الحاق زيادة الواو وإشباع الحركة، وبتقدير أن يكون جمعا،
~~فقد قال سيبويه إنه لا عمل عليه، لما فيه من جمع (من) حالة الوصل، وإنما
~~تجمع عندما إذا حكى بها الجمع المنكر حالة الوقف.
# وإذ ذاك فلا تكون العموم.
# وأما شبه أرباب الاشتراك: قولهم في الشبهة الأولى إن هذه الصيغ قد تطلق
~~تارة للعموم، وتارة للخصوص، والأصل في الاطلاق الحقيقة.
# قلنا: الأصل في الاطلاق الحقيقة بصفة الاشتراك، أو لا بصفة الاشتراك؟
# الأول ممنوع، والثاني مسلم وذلك لأنه إذا كان مشتركا افتقر في فهم كل
~~واحد من مدلولاته إلى قرينة تعينه ضرورة تساوي نسبة اللفظ فيه إلى الكل،
~~والقرينة قد تظهر، وقد تخفى. وذلك يفضي ms406 إلى الاخلال بمقصود الوضع، وهو
~~التفاهم، وهذا بخلاف ما إذا كان اللفظ حقيقة في مدلول واحد، فإنه يحمل عليه
~~عند إطلاقه من غير افتقار إلى قرينة مخلة بالفهم.
# قولهم في الثانية إنه يحسن الاستفهام. قلنا: ذلك لا يدل على كون اللفظ
~~مشتركا، فإنه يحسن مع كون اللفظ متحد المدلول، كما لو قال القائل خاصمت
~~السلطان فيقال أخاصمته؟ مع كون اللفظ حقيقة في شئ ومجازا في غيره، كما سبق
~~تمثيله من قول القائل صدمت جبلا، ورأيت بحرا، ولقيت حمارا فإنه يحسن
~~استفهامه، أنك أردت بذلك المدلولات الحقيقية أو المجازية من الرجل العظيم،
~~والكريم، والبليد. وذلك لفائدة زيادة الامن من المجازفة في الكلام، وزيادة
~~غلبة الظن وتأكده بما اللفظ ظاهر فيه، وللمبالغة في دفع المعارض، كما سبق
~~في التأكيد.
# وأما طريق الرد على من فرق من الواقفية بين الأوامر والاخبار، فهو أن كل
~~ما يذكرونه في الدلالة على وجوب التوقف في الاخبار، فهو بعينه مطرد في
~~الأوامر. PageV02P220
# قولهم أولا إن الامر تكليف. قلنا: ومن الاخبار العامة ما كلفنا بمعرفتها،
~~كقوله تعالى: * (الله خالق كل شئ، وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3)
~~وكذلك عمومات الوعد والوعيد، فإنا مكلفون بمعرفتها، لان بذلك يتحقق
~~الانزجار عن المعاصي، والانقياد إلى الطاعات، ومع التساوي في التكليف، فلا
~~معنى للوقوف. وإن سلمنا أن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، فهو غير
~~ممتنع عندنا على ما سبق تقريره.
# قولهم ثانيا إن من الاخبار ما يرد بالمجهول من غير بيان، بخلاف الامر.
# قلنا: لا نسلم امتناع ورود الامر بالمجهول، كيف وإن هذا الفرق، وإن دل
~~على عدم الحاجة فيما كان من الاخبار لم نكلف بمعرفتها إلى وضع اللفظ العام
~~بإزائه فغير مطرد فيما كلفنا بمعرفته كما سبق، وهم غير قائلين بالتفصيل بين
~~خبر وخبر. PageV02P221
# المسألة الثالثة اختلف العلماء في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة؟ وليس
~~محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شئ إلى شئ، فإن ذلك في
~~الاثنين والثلاثة، وما زاد من غير ms407 خلاف، وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى
~~بالجمع في اللغة.
# مثل قولهم رجال ومسلمون.
# وإذ تنقح محل النزاع فنقول مذهب عمر وزيد بن ثابت ومالك وداود والقاضي
~~أبي بكر والأستاذ أبي إسحاق وجماعة من أصحاب الشافعي، رضي الله عنه،
~~كالغزالي وغيره أنه اثنان، ومذهب ابن عباس والشافعي وأبي حنيفة ومشايخ
~~المعتزلة وجماعة من أصحاب الشافعي أنه ثلاثة، وذهب إمام الحرمين إلى أنه لا
~~يمتنع رد لفظ الجمع إلى الواحد.
# احتج الأولون بحجج من جهة الكتاب، والسنة، وإشعار اللغة، والاطلاق.
# أما من جهة الكتاب، فقوله تعالى: * (إنا معكم مستمعون) * (26) الشعراء:
~~15) وأراد به موسى وهرون، وقوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين
~~اقتتلوا) * (49) الحجرات: 9)، وقوله تعالى: * (وهل أتاك نبؤ الخصم إذ
~~تسوروا المحراب، إذ دخلوا على داود ففزع منهم، قالوا:
# لا تخف، خصمان بغي بعضنا على بعض) * (38) ص: 21) وقوله تعالى: * (فإن كان
~~له إخوة، فلأمه السدس ) * (4) النساء: 11) وأراد به الأخوين، وقوله تعالى:
~~* (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * (12) يوسف: 83) وأراد به يوسف وأخاه،
~~وقوله تعالى: * (وكنا لحكمهم شاهدين) * (21) الأنبياء: 78) وأراد به داود
~~وسليمان، وقوله تعالى: * (هذان خصمان اختصموا) * (22) الحج: 19) وقوله
~~تعالى: * (إن تتوبا إلى الله، فقد صغت قلوبكما) * (66) التحريم: 4).
~~PageV02P222
# وأما من جهة السنة ما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم أنه قال: الاثنان
~~فما فوقهما جماعة.
# وأما من جهة الاشعار اللغوي فهو أن اسم الجماعة مشتق من الاجتماع، وهو ضم
~~شئ إلى شئ، وهو متحقق في الاثنين حسب تحققه في الثلاثة وما زاد عليها،
~~ولذلك تتصرف العرب وتقول: جمعت بين زيد وعمرو، فاجتمعا، وهما مجتمعان، كما
~~يقال ذلك في الثلاثة، فكان إطلاق اسم الجماعة على الاثنين حقيقة وأما من
~~جهة الاطلاق فمن وجهين:
# الأول: أن الاثنين يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع، فيقولان: قمنا، وقعدنا،
~~وأكلنا، وشربنا، كما تقول الثلاثة.
# الثاني: أنه يصح أن يقول القائل إذا أقبل عليه رجلان في مخافة: أقبل
~~الرجال.
# وذلك كله يدل على أن لفظ الجمع حقيقة في الاثنين، إذ الأصل في الاطلاق
~~الحقيقة.
# قال النافون لذلك:
# أما ms408 قوله تعالى: * (إنا معكم مستمعون) * (26) الشعراء: 15) فالمراد به
~~موسى وهرون وفرعون وقومه، وهم جمع، وقوله تعالى: * (وإن طائفتان من
~~المؤمنين اقتتلوا) * (49) الحجرات: 9) فكل طائفة جمع.
# وأما قصة داود فلا حجة فيها، فإن الخصم قد يطلق على الواحد وعلى الجماعة،
~~فيقال هذا خصمي، وهؤلاء خصمي، وليس في الآية ما يدل على أن كل واحد من
~~الخصمين كان واحدا، وقوله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) * (4)
~~النساء: 11) فالمراد به الثلاثة، وحيث ورثناها السدس مع الأخوين لم يكن ذلك
~~مخالفا لمنطوق اللفظ، بل لمفهومه، بدليل آخر، وهو انعقاد الاجماع على ذلك.
~~والمراد من قوله تعالى: * (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * (12) يوسف: 83)
~~يوسف وأخوه وشمعون الذي قال: * (لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي) * (12)
~~يوسف: 80) والمراد من قوله تعالى: * (وكنا لحكمهم شاهدين) * (21) الأنبياء:
~~78) PageV02P223
# داود وسليمان والمحكوم له، وهم جماعة، وقوله تعالى: * (هذان خصمان
~~اختصموا) * (22) الحج: 19) فالجواب عنه ما تقدم في قصة داود، وقوله تعالى:
~~* (إن تتوبا إلى الله، فقد صغت قلوبكما) * (66) التحريم: 4) فهو أشبه مما
~~يحتج به هاهنا، ويمكن أن يجاب عنه بأن الخطاب، وإن كان مع اثنين، وأنه ليس
~~لكل واحد منهما في الحقيقة سوى قلب واحد، غير أنه قد يطلق اسم القلوب على
~~ما يوجد للقلب الواحد من الترددات المختلفة إلى الجهات المختلفة، مجازا،
~~ومن ذلك قولهم لمن مال قلبه إلى جهتين أو تردد بينهما: إنه ذو قلبين، وعند
~~ذلك، فيجب حمل قوله قلوبكما على جهة التجوز دون الحقيقة، جمعا بينه وبين ما
~~سنذكره من الأدلة الدالة على امتناع إطلاق لفظ الجمع على الاثنين حقيقة.
~~ويمكن أن يقال إنما قال قلوبكما تجوزا حذرا من استثقال الجمع بين تثنيتين.
~~وقوله صلى الله عليه وسلم، الاثنان فما فوقهما جماعة إنما أراد به أن
~~حكمهما حكم الجماعة في انعقاد صلاة الجماعة بهما وإدراك فضيلة الجماعة،
~~ويجب الحمل عليه، لان الغالب من النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يعرفنا
~~الأحكام الشرعية، لا الأمور اللغوية، لكونها معلومة للمخاطب ولما سيأتي من
~~الأدلة.
# وأما ما ذكروه ms409 من الاشعار اللغوي فجوابه أن يقال: وإن كان ما منه اشتقاق
~~لفظ الجماعة في الثلاثة موجودا في الاثنين، فلا يلزم إطلاق اسم الجماعة
~~عليهما، إذ هو من باب القياس في اللغة وقد أبطلناه، ولهذا فإن المعنى الذي
~~صح منه اشتقاق اسم القارورة للزجاجة المخصوصة، وهو قرار المائع فيها، متحقق
~~في الجرة والكوز، ولا يصح تسميتهما قارورة. كيف وإن ذلك لا يطرد في اسم
~~الرجال والمؤمنين وغيرهما من أسماء الجموع، إذ هو غير مشتق من الجمع،
~~والخلاف واقع في إطلاقه على الاثنين حقيقة. PageV02P224
# وجواب الاطلاق الأول أن ذلك لا يدل على أن الاثنين جمع، بدليل صحة قول
~~الواحد لذلك، مع أنه ليس بجماعة. ولهذا، فإنه لا يصح إخبار غيرهما عنهما
~~بذلك، فلا يقال عن الاثنين قاموا وقعدوا بل قاما وقعدا.
# وجواب الاطلاق الثاني أن ذلك أيضا لا يدل على أن الاثنين جماعة، بدليل
~~صحة قوله: جاء الرجال عند ما إذا أقبل عليه الواحد في حال المخافة، والواحد
~~ليس بجمع بالاتفاق.
# وأما حجج القائلين بأن أقل الجمع ثلاثة فست.
# الأولى: ما روي عن ابن عباس أنه قال لعثمان حين رد الام من الثلث إلى
~~السدس بأخوين. قال الله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) * (4)
~~النساء: 11) وليس الاخوان إخوة في لسان قومك فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض
~~أمرا كان قبلي وتوارثه الناس ولولا أن ذلك مقتضى اللغة لما احتج به ابن
~~عباس على عثمان، وأقره عليه عثمان، وهما من أهل اللغة وفصحاء العرب.
# الثانية: أن أهل اللغة فرقوا بين رجلين ورجال، فإطلاق اسم الرجال على
~~الرجلين رفع لهذا الفرق.
# الثالثة: أنه لو صح إطلاق الرجال على الرجلين، لصح نعتهما بما ينعت به
~~الرجال، ولا يصح أن يقال: جاءني رجلان ثلاثة، كما يقال: جاءني رجال ثلاثة،
~~ولصح أن يقال، رأيت اثنين رجالا، كما يقال: رأيت ثلاثة رجال.
# الرابعة: أن أهل اللغة فرقوا بين ضمير التثنية والجمع، فقالوا في
~~الاثنين: فعلا، وفي الجميع: فعلوا.
# الخامسة: أنه يصح أن يقال: ما رأيت رجالا بل ms410 رجلين. ولو كان اسم الرجال
~~للرجلين حقيقة، لما صح نفيه. PageV02P225
# السادسة: أنه لو قال: لفلان علي دراهم، فإنه لا يقبل تفسيره بأقل من
~~ثلاثة.
# وكذلك في النذر والوصية.
# وهذه الحجج ضعيفة: أما الحجة الأولى، فهي معارضة بما روي عن زيد بن ثابت
~~أنه قال: الاخوان أخوة. وروي عنه أنه قال: أقل الجمع اثنان، وليس العمل
~~بأحدهما أولى من الآخر.
# وأما الثانية، فهو أن التفرقة بين الرجلين والرجال أن اسم الرجلين جمع
~~خاص بالاثنين، والرجال جمع عام للاثنين وما زاد عليهما.
# وأما الثالثة، فهو أن الثلاثة نعت للجمع العام، وهو الرجال، ولا يلزم أن
~~يكون نعتا للجمع الخاص، وهو رجلان وبه يعرف الجواب عن امتناع قولهم:
# رأيت اثنين رجالا، من حيث إن رجالا اسم للجمع العام، وهو الثلاثة وما زاد
~~عليها، فلا يلزم أن يكون اسما لما دون ذلك، وبه يخرج الجواب عن الفرق بين
~~ضمير التثنية وضمير الجمع: فإن ضمير (فعلا) لجمع خاص وهو الاثنان، و
~~(فعلوا) ضمير ما زاد على ذلك.
# وأما الخامسة فإنه إذا رأى رجلين، لا نسلم أنه يصح قوله: ما رأيت رجالا،
~~إلا أن يريد به ما زاد على الاثنين.
# وأما الاحكام فممنوعة على أصل من يرى أن أقل الجمع اثنين.
# وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح وإلا
~~فالوقف لازم. PageV02P226
# المسألة الرابعة اختلف القائلون بالعموم، في العام بعد التخصيص، هل هو
~~حقيقة في الباقي أو مجاز، على ثمانية مذاهب.
# فمنهم من قال إنه يبقى حقيقة مطلقا على أي وجه كان المخصص، وهو مذهب
~~الحنابلة وكثير من أصحابنا.
# ومنهم من قال إنه يبقى مجازا كيف ما كان المخصص، وهو مذهب كثير من
~~أصحابنا، وإليه ميل الغزالي وكثير من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة، كعيسى بن
~~أبان وغيره.
# ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن كان الباقي جمعا، فهو حقيقة، وإلا فلا.
# وهو اختيار أبي بكر الرازي.
# ومنهم من قال إن خص بدليل لفظي فهو حقيقة، كيف ما كان المخصص، متصلا أو
~~منفصلا، وإلا ms411 فهو مجاز.
# ومنهم من قال إن خص بدليل متصل من شرط، كقوله من دخل داري وأكرمني أكرمته
~~أو استثناء، كقوله من دخل داري أكرمته سوى بني تميم فحقيقة، وإلا فمجاز،
~~وهو اختيار القاضي أبي بكر.
# وقال القاضي عبد الجبار من المعتزلة: إن كان مخصصه شرطا، كما سبق تمثيله،
~~أو تقييدا بصفة، كقوله من دخل داري عالما أكرمته فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز،
~~حتى في الاستثناء.
# وقال أبو الحسين البصري: إن كانت القرينة المخصصة مستقلة بنفسها، وسواء
~~كانت عقلية، كالدلالة الدالة على أن غير القادر غير مراد بالخطاب في
~~العبادات، أو لفظية، كقول المتكلم بالعموم: أردت به البعض الفلاني، فهو
~~مجاز، وإلا فهو حقيقة وسواء كانت القرينة شرطا، أو صفة مقيدة، أو استثناء.
# ومن الناس من قال إنه حقيقة في تناول اللفظ له، مجاز في الاقتصار عليه.
~~PageV02P227
# والمختار تفريعا على القول بالعموم، أنه يكون مجازا في المستبقى، واحدا
~~كان أو جماعة، وسواء كان المخصص متصلا أو منفصلا، عقليا أو لفظيا، باستثناء
~~أو شرط أو تقييد بصفة.
# ودليل ذلك أنه إذا كان اللفظ حقيقة في الاستغراق والهيئة الاجتماعية من
~~كل الجنس، فصرفه إلى البعض بالقرينة، كيف ما كانت القرينة. إما أن يكون
~~لدلالة اللفظ عليه حقيقة أو مجازا، لا جائز أن يقال بكونه حقيقة فيه، وإلا
~~كان اللفظ مشتركا بينه وبين الاستغراق، ضرورة اختلاف معنييهما بالبعضية
~~والكلية، وعدم اشتراكهما في معنى جامع يكون مدلولا للفظ، والمشترك لا يكون
~~ظاهرا بلفظه في بعض مدلولاته دون البعض، وهو خلاف مذهب القائلين بالعموم،
~~فلم يبق إلا أن يكون مجازا.
# فإن قيل: ما المانع أن يكون حقيقة فيهما، باعتبار اشتراكهما في الجنسية،
~~على وجه لا يكون مشتركا ولا مجازا في أحدهما، والذي يدل على كونه حقيقة في
~~البعض المستبقى أن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، فخروج غيره عن
~~عموم اللفظ لا يكون مؤثرا فيه، سلمنا أنه ليس حقيقة في الجنس المشترك، ولكن
~~ما المانع من كون اللفظ بمطلقه، حقيقة في الاستغراق ومع القرينة يكون ms412 حقيقة
~~في البعض، سلمنا امتناع بقائه حقيقة فيه، ولكن متى إذا كان دليل التخصيص
~~لفظيا متصلا، أو منفصلا.
# الأول ممنوع، والثاني مسلم. وذلك لأنه إذا كان الدليل المخصص لفظيا
~~متصلا، وسواء كان شرطا أو تقييدا بصفة أو استثناء، فإن الكلام يصير بسبب
~~الزيادة المتصلة به كلاما آخر مستقلا موضوعا للبعض، فإنه إذا قال من دخل
~~داري أكرمته كان له معنى، فإذا زاد شرطا أو صفة أو استثناء، كقوله من دخل
~~داري وأكرمني أكرمته، ومن دخل داري عالما أكرمته، أو من دخل داري أكرمته
~~PageV02P228
# إلا بني تميم تغير ذلك المعنى الأول، وصار معنى الشرط الداخل المكرم،
~~ومعنى الصفة الداخل العالم، ومعنى الاستثناء الداخل ممن ليس من بني تميم
~~فكان اللفظ والمعنى مختلفا، وكل واحد من اللفظين حقيقة في معناه، وصار هذا
~~بمنزلة قول القائل مسلم فإنه له معنى، فإذا زاد فيه الألف واللام فقال
~~المسلم أو زاد فيه الواو والنون فقال مسلمون فإن اللفظ بإلحاق الزيادة فيه
~~صار دالا على معنى زائد بجهة الحقيقة، لا بجهة التجوز، فكذلك فيما نحن فيه.
# وعلى هذا نقول إن قوله تعالى: * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) *
~~(29) العنكبوت: 14) إن مجموع هذا القول دل على المستبقى بجهة الحقيقة، وهو
~~قائم مقام قوله فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما.
# هذا كله فيما إذا كان الاستثناء والمستثنى في كلام متكلم واحد، وأما لو
~~قال الله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) فقال الرسول عقيبه
~~إلا زيدا فهذا مما اختلف فيه أنه كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا،
~~أم لا. فمن قال بكونه متصلا، نظر إلى أن كلام النبي، صلى الله عليه وسلم،
~~لا يكون في تشريع الاحكام يغير الوحي، فكان في البيان كما لو كان ذلك بكلام
~~الله تعالى.
# ومنهم من أجراه مجرى الدليل المنفصل، دون المتصل، ولهذا، فإنه لو قال
~~الباري تعالى زيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم قام لا يكون خبرا صادرا من
~~الله تعالى، لان نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد، ولعل هذا هو ms413 الأظهر.
# سلمنا أنه يكون مجازا في جميع الصور إلا في الشرط، وذلك لأنه إذا قال
~~أكرم بني تميم إن دخلوا داري فإن الشرط لم يخرج شيئا مما تناوله اللفظ من
~~أعيان الأشخاص، بل هو باق بحاله. وإنما أخرج حالا من الأحوال، وهي حالة عدم
~~دخول الدار، بخلاف الاستثناء وغيره، فلا يكون مجازا.
# سلمنا التجوز مطلقا، لكن متى إذا كان المستبقى جمعا غير منحصر، أو إذا لم
~~يكن؟
# الأول ممنوع، والثاني مسلم. PageV02P229
# والجواب عن السؤال الأول أن البعض، وإن كان من جنس الكل، إلا أن اللفظ
~~العام حقيقة في استغراق الجنس من حيث هو كذلك، لا في الجنس مطلقا، ولهذا،
~~تعذر حمله على البعض، وإن كان من الجنس، إلا بقرينة، باتفاق القائلين
~~بالعموم، ومعنى الاستغراق غير متحقق في المستبقى، فلا يكون حقيقة فيه.
# قولهم إن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، قلنا بانفراده أو مع
~~المخصص الخارج؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. وعلى هذا، فلا يلزم مع التخصيص
~~أن يبقى حقيقة فيه، كيف ويلزم عليه الواحد، فإن اللفظ كان متناولا له
~~حقيقة، قبل التخصيص، وبعد التخصيص، فهو مجاز فيه بالاتفاق.
# وعن السؤال الثاني جوابان: الأول أن ذلك مما يرفع جميع المجازات عن
~~الكلام، فإنه ما من مجاز إلا ويمكن أن يقال أنه مع القرينة حقيقة في
~~مدلوله، وبدون القرينة حقيقة في غيره.
# الثاني أنه لو كان كما ذكروه لكان استعمال ذلك اللفظ في الاستغراق مع
~~اقترانه بالقرينة المخصصة له بالبعض استعمالا له في غير الحقيقة، وصارفا له
~~عن الحقيقة، وهو خلاف إجماع القائلين بالعموم.
# وعن السؤال الثالث أن دلالة اللفظ عند اقترانه بالدليل اللفظي المتصل لا
~~يخرج عن حقيقته وصورته بما اقترن به، وإلا كان كل مقترن بشئ خارجا عن
~~حقيقته. ويلزم من ذلك خروج الجسم عن حقيقته من حيث هو جسم عند اتصافه
~~بالبياض أو السواد، وكذلك في كل موصوف بصفة، وهو محال. وإذا كان باقيا على
~~حقيقته، فمعناه لا يكون مختلفا، بل غايته أن يصير مصروفا عن معناه بالقرينة ms414
~~المقترنة به، وهو التجوز بعينه. وعلى هذا، فألفاظ الآية المذكورة في قصة
~~نوح الألف للألف، والخمسون للخمسين، وإلا للرفع، ومعرفة ما بقي حاصلة
~~بالحساب. وخرج عن هذا زيادة الألف واللام في المسلم، والواو والنون في
~~PageV02P230
# المسلمين، فإنها لا معنى لها في نفسها دون المزيد عليه، ولا سبيل إلى
~~إهمالها. فلذلك، كانت موجبة للتعيين في الوضع.
# فإن قيل: لو قال لا إله فإنه بمطلقه يكون كفرا، ولو اقترن به الاستثناء
~~وهو قوله إلا الله كان إيمانا، وكذلك لو قال لزوجته أنت طالق كان بمطلقه
~~تنجيزا للطلاق، ولو اقترن به الشرط، وهو قوله إن دخلت الدار كان تعليقا، مع
~~أن الاستثناء والشرط له معنى، ولولا تغير الدلالة والوضع، لما كان كذلك.
# قلنا: لا نسلم التغير في الوضع، بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه في جهة
~~إطلاقه إلى غيره بالقرينة كيف وإنه لو صح ما ذكروه، لم يكن ذلك من باب
~~تخصيص العموم الذي نحن فيه وعن السؤال الرابع من وجهين:
# الأول: أنه مهما أخرج الشرط بعض الأحوال، فيلزم منه إخراج بعض الأعيان،
~~وذلك أنه إذا قال أكرم بني تميم إن دخلوا داري فقد أخرج من لم يدخل الدار،
~~الثاني أنه، وإن لم يخرج شيئا من الأعيان، ولكن لا نسلم انحصار التجوز في
~~إخراج الأعيان، وما المانع من القول بالتجوز في إخراج بعض الأحوال مع عموم
~~اللفظ بالنسبة إليها؟
# وعن السؤال الخامس، لا نسلم أن المستبقى، وإن كان جمعا غير منحصر، أنه
~~يكون عاما إذا لم يكن مستغرقا للجنس وإن سلمنا عمومه، غير أنه بعض مدلول
~~اللفظ العام المخصص، وإذا كان بعضا منه لزم أن يكون صرف اللفظ إليه مجازا
~~لما ذكرناه من الدليل. PageV02P231
# المسألة الخامسة اختلف القائلون بالعموم في صحة الاحتجاج به بعد التخصيص
~~فيما بقي، فأثبته الفقهاء مطلقا، وأنكره عيسى بن أبان وأبو ثور مطلقا،
~~ومنهم من فصل:
# ثم اختلف القائلون بالتفصيل: فقال البلخي إن خص بدليل متصل كالشرط والصفة
~~والاستثناء، فهو حجة، وإن خص بدليل منفصل، فليس بحجة.
# وقال أبو ms415 عبد الله البصري: إن كان المخصص قد منع من تعلق الحكم بالاسم
~~العام، وأوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر، لم يجز التعلق به، كما في
~~قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) فإن
~~قيام الدلالة على اعتبار الحرز ومقدار المسروق مانع من تعلق الحكم بعموم
~~اسم السارق، وموجب لتعلقه بشرط لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ.
# وإن كان المخصص لم يمنع من تعلق الحكم الاسم العام، فهو حجة، كقوله
~~تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) فإن قيام الدلالة على المنع
~~من قتل الذمي غير مانع من تعلق الحكم باسم المشركين.
# وقال القاضي عبد الجبار: إن كان العام المخصوص، لو تركنا وظاهره من دون
~~التخصيص، كنا نمتثل ما أريد منا، ونضم إليه ما لم يرد منا، صح الاحتجاج به،
~~وذلك كقوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * المخصص بأهل الذمة، وإن كان العام
~~بحيث لو تركنا وظاهره من غير تخصيص، لم يمكنا امتثال ما أريد منا دون بيان،
~~فلا يكون حجة، وذلك كقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: 43) فإنا
~~لو تركنا والآية، لم يمكنا امتثاله ما أريد منا من الصلاة الشرعية قبل
~~تخصيصه بالحائض، فكذلك بعد التخصيص. PageV02P232
# ومن الناس من قال إنه يكون حجة في أقل الجمع، ولا يكون حجة فيما زاد على
~~ذلك. واتفق الكل على أن العام، لو خص تخصيصا مجملا، فإنه لا يبقى حجة، كما
~~لو قال اقتلوا المشركين إلا بعضهم.
# والمختار صحة الاحتجاج به فيما وراء صور التخصيص وقد احتج بعض الأصحاب
~~على ذلك بأن قال: اللفظ العام كان متناولا للكل بالاجماع، فكونه حجة في كل
~~قسم من أقسام ذلك الكل إما أن يكون موقوفا على كونه حجة في القسم الآخر، أو
~~على كونه حجة في الكل، أو لا يتوقف على واحد منهما:
# فإن كان الأول، فهو باطل، لأنه إن كان كونه حجة في كل واحد من الأقسام
~~مشروطا بكونه حجة في القسم الآخر فهو دور ممتنع، وإن كان كونه حجة في بعض
~~الأقسام مشروطا بكونه حجة في قسم آخر، ولا عكس، فكونه ms416 حجة في ذلك القسم
~~الآخر يبقى بدون كونه حجة في القسم المشروط وليس بعض الأقسام بذلك أولى من
~~البعض مع تساوي نسبة اللفظ العام إلى كل أقسامه.
# وإن كان الثاني، فهو أيضا باطل لان كونه حجة في الكل يتوقف على كونه حجة
~~في كل واحد من تلك الأقسام، لان الكل لا يتحقق إلا عند تحقق جميع الافراد،
~~وذلك أيضا دور ممتنع. وإذا بطل القسمان، ثبت كونه حجة في كل واحد من
~~الأقسام من غير توقف على كونه حجة في القسم الآخر، ولا على الكل، ثبت كونه
~~حجة في البعض المستبقى، وإن لم يبق حجة في غيره. وهذه الحجة مع طولها ضعيفة
~~جدا، إذ لقائل أن يقول: ما المانع من صحة توقف الاحتجاج به في كل واحد من
~~الأقسام على الآخر، أو على الكل مع التعاكس.
# قوله: إنه دور ممتنع متى يكون ذلك ممتنعا إذا كان التوقف توقف معية أو
~~توقف تقدم؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. ولكن لم قلت بأن التوقف هاهنا بجهة
~~التقدم. ولا يخفى أن بيان ذلك مما لا سبيل إليه. PageV02P233
# والمعتمد في ذلك الاجماع، والمعقول.
# أما الاجماع فهو أن فاطمة، رضي الله عنها، احتجت على أبي بكر في ميراثها
~~من أبيها بعموم قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم) * (4) النساء: 11)
~~الآية، مع أنه مخصص بالكافر والقاتل، ولم ينكر أحد من الصحابة صحة احتجاجها
~~مع ظهوره وشهرته، بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله، صلى الله
~~عليه وسلم: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة.
# وأيضا فإن عليا، عليه السلام، احتج على جواز الجمع بين الأختين في الملك
~~بقوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانكم) * (4) النساء: 3) مع كونه مخصصا
~~بالأخوات والبنات، وكان ذلك مشهورا فيما بين الصحابة ولم يوجد له نكير،
~~فكان إجماعا.
# وأيضا، فإن ابن عباس احتج على تحريم نكاح المرضعة بعموم قوله تعالى:
# * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) * (4) النساء: 23) وقال: قضاء الله أولى من
~~قضاء ابن الزبير، مع أنه مخصوص لكون الرضاع المحرم متوقفا على شروط وقيود،
~~فليس ms417 كل مرضعة محرمة، ولم ينكر عليه منكر صحة احتجاجه به، فكان إجماعا.
~~PageV02P234
# وأما المعقول فهو أن العام قبل التخصيص حجة في كل واحد من أقسامه إجماعا.
~~والأصل بقاء ما كان قبل التخصيص بعده إلا أن يوجد له معارض. والأصل عدمه.
# فإن قيل: لو كان حجة في الباقي بعد التخصيص، لم يخل إما أن يدل عليه
~~حقيقة أو تجوزا، لا جائز أن يقال بالأول، إذ يلزم منه أن يكون اللفظ مشتركا
~~بينه وبين الاستغراق ضرورة اتفاق القائلين بالعموم على كونه حقيقة في
~~الاستغراق، والاشتراك على خلاف الأصل. وإن كان مجازا، فيمتنع الاحتجاج به
~~لثلاثة أوجه.
# الأول: أن المجاز فيما وراء صورة التخصيص متردد بين أقل الجمع وما عدا
~~صورة التخصيص، ويمتنع الحمل على الكل لما فيه من تكثير جهات التجوز، وليس
~~حمله على أحد المجازين أولى من الآخر، لعدم دلالة اللفظ عليه، فكان مجملا.
# الثاني: أن المجاز ليس بظاهر، وما لا يكون ظاهرا لا يكون حجة.
# الثالث: أن العام بعد التخصيص ينزل منزلة قوله: اقتلوا المشركين إلا
~~بعضهم والمشبه به ليس بحجة، فكذلك المشبه سلمنا أنه حجة، لكن في أقل الجمع،
~~أو فيما عدا صورة التخصيص؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. وذلك لان الحمل على
~~أقل الجمع متيقن، بخلاف الحمل على ما زاد عليه، فإنه مشكوك فيه، فكان حجة
~~في المتيقن.
# والجواب عن السؤال الأول من جهة الاجمال، والتفصيل:
# أما الاجمال، فهو أن اللفظ العام حجة في كل واحد من أقسامه، قبل التخصيص
~~إجماعا، وهو إما أن يكون دالا عليه حقيقة، أو مجازا، ضرورة، وكل ما ذكروه
~~من الاشكالات تكون لازمة، ومع ذلك فهو حجة، والعذر يكون متحدا.
# وأما التفصيل، فنقول: ما المانع أن يكون مشتركا؟
# قولهم: الاشتراك على خلاف الأصل، قلنا إنما يكون خلاف الأصل، أن لو لم
~~يكن من قبيل الأسماء العامة، وليس كذلك على ما يأتي عن قرب إن شاء الله
~~تعالى.
# وإن سلمنا أنه ليس مشتركا، فما المانع من التجوز؟ PageV02P235
# قولهم إنه مجمل لتردده بين جهات التجوز. قلنا: ms418 يجب اعتقاد ظهوره في بعضها
~~نفيا للاجمال عن الكلام، إذ هو خلاف الأصل، ثم متى يكون كذلك إذا كان حمله
~~على ما عدا صورة التخصيص مشهورا، أو إذا لم يكن؟ الأول ممنوع، والثاني
~~مسلم.
# وبيان اشتهاره ما نقل عن الصحابة من علمهم بالعمومات المخصصة فيما وراء
~~صورة التخصيص نقلا شائعا ذائعا سلمنا أنه غير مشهور فيه، ولكن يجب حمل
~~اللفظ بعد التخصيص عليه، لأنه أولى من حمله على أقل الجمع لثلاثة أوجه.
# الأول: لكونه معينا، وكون أقل الجمع مبهما في الجنس.
# والثاني: إن حمله عليه بتقدير أن يكون المراد من اللفظ أقل الجمع غير مخل
~~بمراد المتكلم، وحمله على أقل الجميع بتقدير أن يكون المراد من اللفظ ما
~~عدا صورة التخصيص مخل بمراد المتكلم، فكان الحمل عليه أولى.
# والثالث: إنه أقرب إلى الحقيقة، فكان أولى.
# قولهم: المجاز ليس بظاهر إن أرادوا به أنه ليس حقيقة فمسلم، ولكن لا يدل
~~ذلك على أنه لا يكون حجة، إلا أن تكون الحجة منحصرة في الحقيقة، وهو محل
~~النزاع وإن أرادوا به أنه لا يكون حجة، فهو محل النزاع.
# قولهم إنه ينزل منزلة قوله: اقتلوا المشركين إلا بعضهم ليس كذلك فإن
~~الخارج عن العموم، إذا كان مجهولا، تعذر العمل بالعموم مطلقا، لان العمل به
~~في أي واحد قدر لا يؤمن معه أن يكون هو المستثنى، بخلاف ما إذا كان الخارج
~~معينا.
# وعن السؤال الثاني بما ذكرناه من الترجيحات السابقة. PageV02P236
# المسألة السادسة إذا ورد خطاب جوابا لسؤال سائل داع إلى الجواب، فالجواب
~~إما أن يكون غير مستقل بنفسه دون السؤال، أو هو مستقل:
# فإن كان الأول، فهو تابع للسؤال في عمومه وخصوصه:
# أما في عمومه، فمن غير خلاف، وذلك كما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم،
~~أنه سئل عن بيع الرطب التمر، فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال:
~~فلا إذا.
# وأما في خصوصه فكما لو سأله سائل، وقال: توضأت بماء البحر. فقال له:
# يجزئك فهذا وأمثاله، وإن ترك فيه الاستفصال مع تعارض ms419 الأحوال، لا يدل على
~~التعميم في حق الغير، كما قاله الشافعي، رضي الله عنه، إذ اللفظ لا عموم
~~له.
# ولعل الحكم على ذلك الشخص كان لمعنى يختص به، كتخصيص أبي بردة في الأضحية
~~بجذعة من المعز، وقوله له تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك، وتخصيصه خزيمة بقبول
~~شهادته وحده، وبتقدير تعميم المعنى الجالب للحكم، فالحكم في حق غيره إن ثبت
~~فبالعلة المتعدية، لا بالنص.
# وأما إن كان الجواب مستقلا بنفسه دون السؤال، فإما أن يكون مساويا
~~للسؤال، أو أعم منه، أو أخص. PageV02P237
# فإن كان مساويا له، فالحكم في عمومه وخصوصه عند كون السؤال عاما أو خاصا،
~~فكما لو لم يكن مستقلا ومثاله عند كون السؤال خاصا سؤال الأعرابي عن وطئه
~~في نهار رمضان وقوله صلى الله عليه وسلم: أعتق رقبة ومثاله عند كون السؤال
~~عاما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سئل، فقيل له إنا نركب البحر
~~على أرماث لنا، وليس معنا من الماء العذب ما يكفينا، أفنتوضأ بما البحر؟
~~فقال صلى الله عليه وسلم: البحر هو الطهور.
# وأما إن كان الجواب أخص من السؤال، فالجواب يكون خاصا، ولا يجوز تعديه
~~الحكم من محل التنصيص إلى غيره إلا بدليل خارج عن اللفظ، إذ اللفظ لا عموم
~~له، كما سبق تقريره، بل وفي هذه الصورة الحكم بالخصوص أولى من القول به،
~~فيما إذا كان السؤال خاصا، والجواب مساويا له، حيث إنه هاهنا عدل عن مطابقة
~~سؤال السائل بالجواب مع دعوى الحاجة إليه، بخلاف تلك الصورة، فإنه طابق
~~بجوابه سؤال السائل.
# وأما إن كان الجواب أعم من السؤال، فإما أن يكون أعم من السؤال في ذلك
~~الحكم لا غير، كسؤاله، صلى الله عليه وسلم، عن ماء بئر بضاعة، فقال: خلق
~~الماء طهورا، لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه أو أنه أعم من
~~السؤال في غير ذلك الحكم، كسؤاله، صلى الله عليه وسلم، عن التوضئ بماء
~~البحر، فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته PageV02P238
# فإن كان من القسم ms420 الثاني، فلا خلاف في عمومه في حل ميتته، لأنه عام مبتدأ
~~به، لا في معرض الجواب، إذ هو غير مسؤول عنه، وكل عام ورد مبتدأ بطريق
~~الاستقلال، فلا خلاف في عمومه عند القائلين بالعموم.
# وأما إن كان من القسم الأول، فمذهب أبي حنيفة والجم الغفير أنه عام، وأنه
~~لا يسقط عمومه بالسبب الذي ورد عليه، والمنقول عن الشافعي، رضي الله عنه،
~~ومالك والمزني وأبي ثور خلافه.
# وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا ورد العام على سبب خاص لا تعلق له بالسؤال،
~~كما روي عنه، صلى الله عليه وسلم أنه مر بشاة ميمونة، وهي ميتة، فقال، صلى
~~الله عليه وسلم: أيما إهاب دبغ فقد طهر.
# والمختار إنما هو القول بالتعميم إلى أن يدل الدليل على التخصيص.
# ودليله أنه لو عري اللفظ الوارد عن السبب كان عاما، وليس ذلك إلا
~~لاقتضائه للعموم بلفظه، لا لعدم السبب، فإن عدم السبب لا مدخل له في
~~الدلالات اللفظية، ودلالة العموم لفظية، وإذا كانت دلالته على العموم
~~مستفادة من لفظه، فاللفظ وارد مع وجوب السبب، حسب وروده مع عدم السبب، فكان
~~مقتضيا للعموم، ووجود السبب لو كان، لكان مانعا من اقتضائه للعموم، وهو
~~ممتنع لثلاثة أوجه:
# الأول: أن الأصل عدم المانعية، فمدعيها يحتاج إلى البيان.
# الثاني: أنه لو كان مانعا من الاقتضاء للعموم، لكان تصريح الشارع بوجوب
~~العمل بعمومه، مع وجود السبب، إما إثبات حكم العموم مع انتفاء العموم، أو
~~إبطال الدليل المخصص، وهو خلاف الأصل.
# الثالث: أن أكثر العمومات وردت على أسباب خاصة، فآية السرقة نزلت في سرقة
~~المجن أو رداء صفوان، وآية الظهار نزلت في حق سلمة بن صخر، وآية اللعان
~~نزلت في حق هلال بن أمية، إلى غير ذلك. والصحابة عمموا أحكام هذه
~~PageV02P239
# الآيات من غير نكير، فدل على أن السبب غير مسقط للعموم، ولو كان مسقطا
~~للعموم لكان إجماع الأمة على التعميم خلاف الدليل ولم يقل أحد بذلك.
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على اختصاص العموم بالسبب، وبيانه من
~~ستة ms421 أوجه:
# الأول: أنه لو لم يكن المراد بيان حكم السبب لا غير، بل بيان القاعدة
~~العامة، لما أخر البيان إلى حالة وقوع تلك الواقعة، واللازم ممتنع. وإذا
~~كان المقصود إنما هو بيان حكم السبب الخاص، وجب الاقتصار عليه.
# الثاني: أنه لو كان الخطاب عاما، لكان جوابا وابتداء، وقصد الجواب
~~والابتداء متنافيان.
# الثالث: أنه لو كان الخطاب مع السبب عاما، لجاز إخراج السبب عن العموم
~~بالاجتهاد، كما في غيره من الصور الداخلة تحت العموم ضرورة تساوي نسبة
~~العموم إلى الكل، وهو خلاف الاجماع.
# الرابع: أنه لو لم يكن للسبب مدخل في التأثير، لما نقله الراوي لعدم
~~فائدته.
# الخامس: أنه لو قال القائل لغيره تغدى عندي فقال لا والله لا تغديت فإنه،
~~وإن كان جوابا عاما، فمقصور على سببه، حتى إنه لا يحنث بغدائه عند غيره،
~~ولولا أن السبب يقتضي التخصيص، لما كان كذلك.
# السادس: أنه إذا كان السؤال خاصا، فلو كان الجواب عاما، لم يكن مطابقا
~~للسؤال، والأصل المطابقة لكون الزيادة عديمة التأثير فيما تعلق به غرض
~~السائل.
# والجواب عن المعارضة الأولى أنها مبنية على وجوب رعاية الغرض والحكمة في
~~أفعال الله، وهو غير مسلم، وإن كان ذلك مسلما، لكن لا مانع من اختصاص إظهار
~~الحكم عند وجود السبب لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها دون غيره،
~~PageV02P240
# ثم يلزم مما ذكروه أن تكون العمومات الواردة على الأسباب الخاصة مما
~~ذكرناه مختصة بأسبابها، وهو خلاف الاجماع.
# وعن الثانية أنه إن أريد بالتنافي بين الجواب والابتداء امتناع ذكره،
~~لحكم السبب مع غيره، فهو محل النزاع، وإن أرادوا غير ذلك، فلا بد من
~~تصويره.
# وعن الثالثة أنه لا خلاف في كون الخطاب ورد بيانا لحكم السبب، فكان
~~مقطوعا به فيه، فلذلك امتنع تخصيصه بالاجتهاد، بخلاف غيره، فإن تناوله له
~~ظني، وهو ظاهر فيه، فلذلك جاز إخراجه عن عموم اللفظ بالاجتهاد، وما نقل عن
~~أبي حنيفة من أنه كان يجوز إخراج السبب عن عموم اللفظ بالاجتهاد، حتى أنه
~~أخرج الأمة المستفرشة عن عموم قوله عليه ms422 السلام: الولد للفراش ولم يلحق
~~ولدها بمولاها، مع وروده في وليد زمعة. وقد قال عبد الله بن زمعة: هو أخي
~~وابن وليدة أبي ولد على فراشه. فلعله فعل ذلك لعدم اطلاعه على ورود الخبر
~~على ذلك السبب.
# وعن الرابعة أن فائدة نقل السبب امتناع إخراجه عن العموم بطريق الاجتهاد
~~ومعرفة أسباب التنزيل.
# وعن الخامسة أن الموجب للتخصيص بالسبب في الصورة المستشهد بها عادة أهل
~~العرف بعضهم مع بعض، ولا كذلك في الأسباب الخاصة بالنسبة إلى خطاب الشارع
~~بالأحكام الشرعية.
# وعن السادسة إن أرادوا بمطابقة الجواب للسؤال الكشف عنه وبيان حكمه، فقد
~~وجد، وإن أرادوا بذلك أن لا يكون بيانا لغير ما سئل عنه، فلا نسلم أنه
~~الأصل.
# ويدل على ذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما سئل عن التوضؤ بماء
~~البحر فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته، تعرض لحل الميتة ولم يكن مسؤولا
~~عنها. ولو كان الاقتصار على نفس المسؤول عنه هو الأصل، لكان بيان النبي،
~~صلى الله عليه وسلم، لحل الميتة على خلاف الأصل، وهو بعيد. PageV02P241
# المسألة السابعة اختلف العلماء في اللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت
~~واحد إذا كان مشتركا بين معنيين، كالقرء للطهر، والحيض، أو حقيقة في
~~أحدهما، مجازا في الآخر، كالنكاح المطلق على العقد، والوطئ ولم تكن الفائدة
~~فيهما واحدة، هل يجوز أن يراد به كلا المعنيين معا، أو لا؟
# فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا وجماعة من مشايخ
~~المعتزلة، كالجبائي والقاضي عبد الجبار وغيرهم، إلى جوازه، بشرط أن لا
~~يمتنع الجمع بينهما، وذلك كاستعمال صيغة (افعل) في الامر بالشئ والتهديد
~~عليه، غير أن مذهب الشافعي أنه مهما تجرد ذلك اللفظ عن القرينة الصارفة له
~~إلى أحد معنييه، وجب حمله على المعنيين، ولا كذلك عند من جوز ذلك من مشايخ
~~المعتزلة.
# وذهب جماعة من أصحابنا وجماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي عبد الله
~~البصري وغيرهما، إلى المنع من جواز ذلك مطلقا.
# وفصل أبو الحسين البصري والغزالي، فقالا: يجوز ذلك بالنظر إلى الإرادة ms423
~~دون اللغة.
# وعلى هذا النحو من الخلاف في اللفظ المفرد، اختلفوا في جمعه، كالأقراء
~~التي هي جمع قرء، هل يجوز حمله على الحيض والأطهار معا، وسواء كان إثباتا،
~~كما لو قيل للمرأة: اعتدي بالاقراء أو نفيا كما لو قيل لها: لا تعتدى
~~بالاقراء. وذلك لان جمع الاسم يفيد جمع ما اقتضاه الاسم، فإن كان الاسم
~~متناولا لمعنييه، كان الجمع كذلك، وإن كان لا يفيد سوى أحد المعنيين، فكذلك
~~أيضا جمعه.
# والحجاج فيه متفرع على الحجاج في المفرد. وربما قال بالتعميم في طرف
~~النفي، كان فردا أو جمعا، بعض من قال بنفيه في طرف الاثبات، ولهذا قال أبو
~~الحسين البصري: وفيه بعض الاشتباه، إذ يجوز أن يقال بنفي الاعتداد بالحيض
~~والطهر معا.
# والحق أن النفي لما اقتضاه الاثبات، فإن كان مقتضى الاثبات الجمع، فكذلك
~~النفي، وإن كان مقتضاه أحد الامرين، فكذلك النفي. وإذ أتينا على بيان
~~اختلاف المذاهب بالتفصيل، فلنعد إلى طرف الحجاج. وقد احتج القائلون بجواز
~~التعميم. PageV02P242
# أما في إمكان إرادة الامرين باللفظ الواحد، فهو أنا لو قدرنا عدم التكلم
~~بلفظ القرء، لم يمنع الجمع بين إرادة الاعتداد بالحيض وإرادة الاعتداد
~~بالطهر، فوجود اللفظ لا يحيل ما كان جائزا وكذلك الكلام في إرادة الجمع بين
~~الحقيقة والمجاز.
# وأما بالنظر عند الوقوع لغة، فقوله تعالى: * (إن الله وملائكته يصلون على
~~النبي) * (33) الأحزاب: 56) والصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء
~~والاستغفار، وهما معنيان مختلفان، وقد أريدا بلفظ واحد. وأيضا قوله تعالى:
~~* (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات، ومن في الأرض، والشمس والقمر) *
~~(22) الحج: 18:) إلى آخر الآية، وسجود الناس غير سجود غير الناس، وقد أريدا
~~بلفظ واحد.
# واحتجوا أيضا بأن سيبويه قال: قول القائل لغيره الويل لك خبر ودعاء، فقد
~~جعله مع اتحاده مفيدا لكلا الامرين.
# اعترض النافون، أما على إرادة إنكار الجمع بين المسميين فهو أن المتكلم
~~إذا استعمل الكلمة الواحدة في حقيقتها ومجازها معا، كان مريدا لاستعمالها
~~فيما وضعت له ومريدا للعدول بها عما وضعت له، وهو محال. ms424 وأيضا فإن المستعمل
~~للكلمة فيما هي مجاز فيه، لا بد وأن يضمر فيها كاف التشبيه، والمستعمل لها
~~في حقيقتها لا بد وأن لا يضمر فيها ذلك: والجمع بين الاضمار وعدمه في
~~الكلمة الواحدة محال.
# هذا ما يخص الاسم المجازي، وأما ما يخص الاسم المشترك فهو أن اللفظ
~~المشترك موضوع في اللغة لاحد أمرين مختلفين على سبيل البدل، ولا يلزم من
~~ذلك أن يكون موضوعا لهما على الجمع، إذ المغايرة بين المجموع وبين كل واحد
~~من أفراده واقعة بالضرورة، والمساواة بينهما في جميع الأحكام، غير لازمة
~~وعلى هذا، فلا يلزم من كون كل واحد من المفردين مسمى باسم تسمية المجموع
~~به، وعند ذلك فالواضع إذا وضع لفظا لاحد مفهومين على سبيل البدل، فإن لم
~~يكن قد وضعه لمجموعهما، فاستعماله في المجموع استعمال اللفظ في غير ما وضع
~~له، وهو ممتنع. وإن كان قد وضعه له، فإما أن يستعمل اللفظ لإفادة المجموع
~~وحده، أو لافادته مع إفادة الافراد.
# فإن كان الأول لم يكن اللفظ مفيدا لاحد مفهوماته، لان الواضع إن كان
~~PageV02P243
# قد وضعه بإزاء أمور ثلاثة على البدل، واحدها ذلك المجموع، فاستعمال اللفظ
~~فيه وحده لا يكون استعمالا للفظ في جميع مفهوماته. وإن استعمله في إفادة
~~المجموع والافراد على الجمع، فهو محال لان إفادة الجموع معناها أن الاكتفاء
~~لا يحصل إلا به، وإفادته للمفرد معناها أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منها،
~~وهو جمع بين النقيضين، وهو محال، فلا يكون اللفظ المشترك من حيث هو مشترك
~~ممكن الاستعمال في إفادة مفهوماته جملة.
# وأما على دليل الوقوع لغة، أما النص الأول، فقد قال الغزالي فيه إن لفظ
~~الصلاة المطلق على صلاة الله تعالى والملائكة إنما هو باعتبار اشتراكهما في
~~معنى العناية بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، إظهارا لشرفه وحرمته، فهو
~~لفظ متواطئ لا مشترك، وكذلك لفظ السجود في الآية الأخرى، فإن مسماه إنما هو
~~القدر المشترك من معنى الخضوع لله تعالى، والدخول تحت تسخيره وإرادته.
# وقال أبو هاشم: وإن سلم اختلاف المسمى وإرادتهما ms425 بلفظ واحد، فلا يبعد أن
~~يقال إن ذلك من قبيل ما نقلته الشريعة من الأسماء اللغوية إلى غير معانيها
~~في اللغة.
# فأما قول سيبويه، فإنه وإن دل على أن العرب وضعت قوله الويل لك للخبر
~~والدعاء معا، فليس فيه ما يدل على أن كل الألفاظ المشتركة، أو الألفاظ التي
~~هي حقيقة في شئ ومجاز في شئ، موضوعة للجمع. كيف وإن قول سيبويه لا يدل على
~~كون ذلك القول مستعملا في الخبر والدعاء معا، بل جاز أن يكون موضوعا للخبر،
~~وهو مستعمل في الدعاء مجازا، معا.
# أجاب المثبتون عن الاعتراض الأول على الامكان بمنع أن المستعمل للفظة في
~~حقيقتها ومجازها مريد لاستعمالها فيما وضعت له، ومريد للعدول بها عما وضعت
~~له، بل هو مريد لما وضعت له حقيقة، ولما لم توضع له حقيقة.
# وعن الثاني أن إضمار التشبيه وعدمه في الكلمة الواحدة إنما يمتنع بالنسبة
~~إلى شئ واحد، وأما بالنسبة إلى شيئين فلا، كيف وإن ذلك لا يطرد في كل مجاز.
~~PageV02P244
# وعن الثالث أنه مبني على أن الاسم المشترك موضوع لاحد مسمياته على سبيل
~~البدل حقيقة، وليس كذلك عند الشافعي والقاضي أبي بكر، بل هو حقيقة في
~~المجموع، كسائر الألفاظ العامة، ولهذا فإنه إذا تجرد عن القرينة عندهما،
~~وجب حمله على الجميع، وإنما فارق باقي الألفاظ العامة من جهة تناوله لأشياء
~~لا تشترك في معنى واحد يصلح أن يكون مدلولا للفظ، بخلاف باقي العمومات،
~~فنسبه اللفظ المشترك في دلالته إلى جملة مدلولاتها وإلى أفرادها، كنسبة
~~غيره من الألفاظ العامة إلى مدلولاتها جملة وإفرادا.
# وعلى هذا، فقد بطل كل ما قيل من التقسيم المبني على أن اللفظ المشترك
~~موضوع لاحد مسمياته على طريق البدل حقيقة، ضرورة كونه مبنيا عليه، وإنما هو
~~لازم على مشايخ المعتزلة المعتقدين كون اللفظ المشترك موضوعا لاحد مسمياته
~~حقيقة على طريق البدل.
# فإن قيل: وإن كان اللفظ المشترك حقيقة في الجمع، فلا خفاء بجواز استعماله
~~في آحاد مدلولاته عند ظهور القرينة عند الشافعي والقاضي أبي بكر، وسواء كان ms426
~~ذلك حقيقة أو مجازا. وعند ذلك فاستعماله في المجموع، وإن كان على وجه لا
~~يدخل فيه الافراد، فإن كان اللفظ حقيقة في الافراد، فاللفظ يكون مشتركا،
~~ولم يدخل فيه جميع مسمياته، وإن كان مجازا، فلم تدخل فيه الحقيقة والمجاز
~~معا، وهو خلاف مذهبكم، وإن كان على وجه يدخل فيه الافراد، فهو محال، لان
~~إفادته للمجموع معناها أن الاكتفاء لا يحصل إلا به، وإفادته للافراد معناها
~~أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منها، وهو جمع بين النقيضين كما سبق.
# قلنا: استعماله في الافراد متى يكون معناه الاكتفاء بها إذا كانت داخلة
~~في المجموع، أو إذا لم تكن داخلة فيه؟ والأول ممنوع، بل معنى استعماله فيها
~~أنه لا بد منها. والثاني مسلم، ولا يلزم منه التناقض على كلا التقديرين،
~~أما على تقدير العمل باللفظ في آحاد أفراده مع الاقتصار عند ظهور القرينة،
~~فلان الجملة غير مشترطة في PageV02P245
# الاكتفاء، وأما عند كون الافراد داخلة في مسمى الجملة، فلأنها لا بد
~~منها، لا بمعنى أنه يكتفى بها.
# فإن قيل: وإذا كانت الافراد داخلة في مسمى الجملة، فليس للفظ عليها دلالة
~~بجهة الحقيقة، ولا بجهة التجوز، بل بطريق الملازمة الذهنية، وليست دلالة
~~لفظية ليلزم ما قيل.
# قلنا: لا خفاء بدخول الافراد في الجملة، فتكون مفهومة من اللفظ الدال على
~~الجملة، فله عليها دلالة، وهي إما أن تكون بجهة الحقيقة، أو التجوز، لما
~~سبق.
# وعن الاعتراض الأول على النصوص، أنه لو كان مسمى الصلاة هو القدر المشترك
~~من الاعتناء، ومسمى السجود القدر المشترك من الخضوع، والانقياد، لاطرد
~~الاسم باطرادهما، وليس كذلك، فإنه لا يسمى كل اعتناء بأمر صلاة، ولا كل
~~خضوع وانقياد سجودا. وإن كان المسمى باسم الصلاة اعتناء خاصا، وبالسجود
~~خضوعا خاصا فلا بد من تصويره وبيان الاشتراك فيه.
# فإن قيل: يجب اعتقاده، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ، فهو مبني على أن
~~التجوز والاشتراك على خلاف الأصل، وإنما يكون كذلك إن لو تعذر الجمع، وهو
~~محل النزاع.
# وعن اعتراض أبي هاشم أنه مبني على تحقيق الأسماء ms427 الشرعية ونقلها من
~~موضوعاتها في اللغة، وهو باطل، على ما سبق من مذهب القاضي أبي بكر.
# وعن الاعتراض على قول سيبويه: أما الأول فلانه إنما يلزم أن لو كان
~~الاستدلال بقول سيبويه على أن كل لفظ مشترك أو مجاز يجب أن يكون موضوعا
~~لمجموع مسمياته، وليس كذلك، بل إنما قصد به بيان الوقوع لا غير.
# وأما الثاني فلانه لا انفكاك في قوله الويل لك عن الخبر والدعاء، واللفظ
~~واحد، ولا معنى لاستعماله فيهما، سوى فهمهما منه عند إطلاقه. PageV02P246
# المسألة الثامنة نفي المساواة بين الشيئين، كما في قوله تعالى: * (لا
~~يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) * (59) الحشر: 20) يقتضي نفي الاستواء في
~~جميع الأمور عند أصحابنا القائلين بالعموم، خلافا لأبي حنيفة، فإنه قال:
~~إذا وقع التفاوت، ولو من وجه واحد، فقد وفى بالعمل بدلالة اللفظ.
# حجة أصحابنا أنه إذا قال القائل لا مساواة بين زيد وعمرو فالنفي داخل على
~~مسمى المساواة، فلو وجدت المساواة من وجه، لما كان مسمى المساواة منتفيا،
~~وهو خلاف مقتضى اللفظ.
# فإن قيل الاستواء ينقسم إلى الاستواء من كل وجه، وإلى الاستواء من بعض
~~الوجوه، ولهذا يصدق قول القائل استوى زيد وعمرو عند تحقق كل واحد من
~~الامرين. والاستواء مطلقا أعم من الاستواء من كل وجه، ومن وجه دون وجه،
~~والنفي إنما دخل على الاستواء الأعم، فلا يكون مشعرا بأحد القسمين الخاصين.
# وأيضا فإنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه، وإلا
~~لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء لأنه ما من شيئين إلا ولا بد
~~من استوائهما في أمر ما، ولو في نفي ما سواهما عنهما. ولو صدق ذلك وجب أن
~~يكذب عليه غير المساوي لتناقضهما عرفا. ولهذا، فإن من قال هذا مساو لهذا
~~فمن أراد تكذيبه قال لا يساويه والمتناقضان لا يصدقان معا، ويلزم من ذلك أن
~~لا يصدق على شيئين أنهما غير متساويين، وذلك باطل، فعلم أنه لا بد في
~~اعتبار المساواة من التساوي من كل وجه. وعند ذلك، فيكفي في نفي المساواة ms428
~~نفي الاستواء من بعض الوجوه، لان نقيض الكلي الموجب، جزئي سالب، فثبت أن
~~نفي المساواة لا يقتضي نفي المساواة من كل وجه.
# وأيضا فإنه لو كان نفي المساواة يقتضي نفي المساواة من كل وجه، لما صدق
~~نفي المساواة حقيقة على شيئين أصلا، لأنه ما من شيئين إلا وقد استويا في
~~أمر ما كما سبق. وهو على خلاف الأصل، إذ الأصل في الاطلاق الحقيقة دون
~~المجاز. PageV02P247
# والجواب عن الأول أن ذكر الأعم متى لا يكون مشعرا بالأخص، إذا كان ذلك في
~~طرف الاثبات أو النفي؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع.
# ولهذا، فإنه لو قال القائل ما رأيت حيوانا وكان قد رأى إنسانا أو غيره من
~~أنواع الحيوان، فإنه يعد كاذبا.
# وعن الثاني، لا نسلم أنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة التساوي من بعض
~~الوجوه.
# قولهم: لو كفى ذلك، لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء لما قرر،
~~مسلم.
# قولهم: يلزم من ذلك أن يكذب عليه غير المساوي، وهو باطل بما قرر. فهو
~~مقابل بمثله، وهو أن يقال: لا يكفي في إطلاق نفي المساواة نفي المساواة من
~~بعض الوجوه، وإلا لوجب إطلاق نفي المساواة على كل شيئين، لأنه ما من شيئين
~~إلا وقد تفاوتا من وجه، ضرورة تعينهما، ولو صدق ذلك لوجب أن يكذب عليه
~~المساوي لتناقضهما عرفا. ولهذا، فإن من قال هذا غير مساو لهذا فمن أراد
~~تكذيبه قال إنه مساو له والمتناقضان لا يصدقان معا. ويلزم من ذلك أن لا
~~يصدق على شيئين أنهما متساويان، وذلك باطل، فإنه ما من شيئين إلا ولا بد من
~~استوائهما، ولو في نفي ما سواهما عنهما، فعلم أنه لا بد في اعتبار نفي
~~المساواة من نفي المساواة من كل وجه. وعند ذلك فيكفي في إثبات المساواة
~~المساواة من بعض الوجوه، لان نقيض الكلي السالب جزئي موجب. وفيه إبطال ما
~~ذكر من عدم الاكتفاء في إطلاق لفظ المساواة بالمساواة من وجه. وإذا تقابل
~~الأمران سلم لنا ما ذكرناه أولا.
# وعن الثالث، لا نسلم صدق نفي ms429 المساواة مطلقا على ما وقع التساوي بينهما
~~من وجه.
# قولهم: الأصل في الاطلاق الحقيقة، قلنا: إلا أن يدل الدليل على مخالفته.
~~ودليله ما ذكرناه. وفي معنى نفي المساواة قوله تعالى: * (ولن يجعل الله
~~للكافرين على المؤمنين سبيلا) *. PageV02P248
# المسألة التاسعة المقتضي، وهو ما أضمر ضرورة صدق المتكلم، لا عموم له،
~~وذلك كما في قوله، صلى الله عليه وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
~~استكرهوا عليه فإنه أخبر عن رفع الخطأ والنسيان، ويتعذر حمله على حقيقته،
~~لافضائه إلى الكذب في كلام الرسول، ضرورة تحقق الخطأ والنسيان في حق الأمة،
~~فلا بد من إضمار حكم يمكن نفيه، من الاحكام الدنيوية أو الأخروية، ضرورة
~~صدقه في كلامه. وإذا كانت أحكام الخطأ والنسيان متعددة، فيمتنع إضمار
~~الجميع، إذ الاضمار على خلاف الأصل، والمقصود حاصل بإضمار البعض، فوجب
~~الاكتفاء به، ضرورة تقليل مخالفة الأصل.
# فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم يكن لفظ الرفع دالا على رفع جميع
~~أحكام الخطأ والنسيان، وليس كذلك، وبيانه أن قوله: رفع عن أمتي الخطأ
~~والنسيان يدل على رفعهما، مستلزما لرفع أحكامها. فإذا تعذر العمل به في نفي
~~الحقيقة، تعين العمل به في نفي الاحكام.
# سلمنا أنه لا دلالة عليها وضعا، ولكن لم قلتم بأنه لا يدل عليها بعرف
~~الاستعمال؟
# ولهذا يقال ليس للبلد سلطان، وليس له ناظر ولا مدبر. والمراد به نفي
~~الصفات.
# سلمنا أنه لا يدل عليها بعرف الاستعمال، غير أن اللفظ دال على رفع الخطأ
~~والنسيان.
# فإذا تعذر ذلك، وجب إضمار جميع الأحكام لوجهين:
# الأول أنه يجعل وجود الخطأ والنسيان كعدمه، والثاني أنه لا يخلو إما أن
~~يقال بإضمار الكل أو البعض أو لا بإضمار شئ أصلا.
# والقول بعدم الاضمار خلاف الاجماع، وليس إضمار البعض أولى من البعض،
~~ضرورة تساوي نسبة اللفظ إلى الكل، فلم يبق سوى إضمار الجميع.
# والجواب: عن الأول أن اللفظ إنما يستلزم نفي الاحكام بواسطة نفي حقيقة
~~الخطأ والنسيان، فإذا لم يكن الخطأ والنسيان متيقنا، فلا يكون مستلزما لنفي
~~الاحكام. PageV02P249
# وعن ms430 الثاني أن الأصل إنما هو العمل بالوضع الأصلي وعدم العرف الطارئ، فمن
~~ادعاه يحتاج إلى بيانه. وما ذكروه من الاستشهاد بالصور، فلا نسلم صحة حملها
~~على جميع الصفات وإلا لما كان السلطان موجودا ولا عالما ولا قادرا، ونحو
~~ذلك من الصفات، وهو محال.
# وعن الثالث قولهم: إضمار جميع الأحكام يكون أقرب إلى المقصود من نفي
~~الحقيقة.
# قلنا إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة الدليل المقتضي للأحكام، وهو وجود
~~الخطأ والنسيان.
# قولهم ليس إضمار البعض أولى من البعض، إنما يصح أن لو قلنا بإضمار حكم
~~معين، وليس كذلك، بل بإضمار حكم ما، والتعيين إلى الشارع.
# فإن قيل فيلزم من ذلك الاجمال في مراد الشارع، وهو على خلاف الأصل.
# قلنا: لو قيل بإضمار الكل لزم منه زيادة الاضمار وتكثير مخالفة الدليل
~~كما سبق، وكل واحد منهم على خلاف الأصل.
# ثم ما ذكرناه من الأصول إما أن تكون راجحة على ما ذكروه، أو مساوية له،
~~أو مرجوحة. فإن كانت راجحة، لزم العمل بها.
# وإن كانت مساوية، فهو كاف لنا في هذا المقام في نفي زيادة الاضمار، وهما
~~تقديران، وما ذكروه إنما يمكن التمسك به على تقدير كونه راجحا، ولا يخفى أن
~~ما يتم التمسك به على تقديرين أرجح مما لا يمكن التمسك به إلا على تقدير
~~واحد. PageV02P250
# المسألة العاشرة الفعل المتعدي إلى مفعول كقوله والله لا آكل، أو إن أكلت
~~فأنت طالق هل يجري مجرى العموم بالنسبة إلى مفعولاته أم لا؟
# اختلفوا فيه: فأثبته أصحابنا والقاضي أبو يوسف، ونفاه أبو حنيفة.
# وتظهر فائدة الخلاف في أنه لو نوى به مأكولا معينا، قبل عند أصحابنا حتى
~~إنه لا يحنث بأكل غيره، بناء على عموم لفظه له وقبول العام للتخصيص ببعض
~~مدلولاته، ولا يقبل عند أبي حنيفة تخصيصه به، لان التخصيص من توابع العموم،
~~ولا عموم.
# حجة أصحابنا، أما في طرف النفي، وذلك عند ما إذا قال والله لا أكلت أن
~~قوله أكلت فعل يتعدى إلى المأكول ويدل عليه بوضعه وصيغته، فإذا قال لا أكلت ms431
~~فهو ناف لحقيقة الاكل من حيث هو أكل، ويلزم من ذلك نفيه بالنسبة إلى كل
~~مأكول، وإلا لما كان نافيا لحقيقة الاكل من حيث هو أكل وهو خلاف دلالة
~~لفظه. وإذا كان لفظه دالا على نفي حقيقة الاكل بالنسبة إلى كل مأكول، فقد
~~ثبت عموم لفظه بالنسبة إلى كل مأكول، فكان قابلا للتخصيص.
# وأما في طرف الاثبات، وهو ما إذا قال إن أكلت فأنت طالق فلا يخفى أن وقوع
~~الاكل المطلق يستدعي مأكولا مطلقا، لكونه متعديا إليه، والمطلق ما كان
~~شائعا في جنس المقيدات الداخلة تحته، فكان صالحا لتفسيره وتقييده بأي منها
~~كان، ولهذا لو قال الشارع أعتق رقبة صح تقييدها بالرقبة المؤمنة، ولو لم
~~يكن للمطلق على المقيد دلالة، لما صح تفسيره به.
# فإن قيل: يلزم على ما ذكرتموه الزمان والمكان، فإن حقيقة الاكل لا تتم
~~نفيا، ولا إثباتا، إلا بالنسبة إليهما، ومع ذلك، لو نوى بلفظه مكانا معينا،
~~أو زمانا معينا، فإنه لا يقبل.
# قلنا: لا نسلم ذلك وإن سلمنا فالفرق حاصل. وذلك لان الفعل، وهو قوله
~~(أكلت) غير متعد إلى الزمان والمكان، بل هو من ضرورات الفعل، فلم يكن اللفظ
~~PageV02P251
# دالا عليه بوضعه فلذلك لم يقبل تخصيص لفظه به، لان التخصيص عبارة عن حمل
~~اللفظ على بعض مدلولاته، لا على غير مدلولاته، بخلاف المأكول على ما سبق.
# فإن قيل؟ إذا قال إن أكلت فأنت طالق فالاكل الذي هو مدلول لفظه كلي مطلق،
~~والمطلق لا إشعار له بالمخصص، فلا يصح تفسيره به.
# قلنا: المحلوف عليه ليس هو المفهوم من الاكل الكلي الذي لا وجود له إلا
~~في الأذهان، وإلا لما حنث بالاكل الخاص، إذ هو غير المحلوف عليه، وهو خلاف
~~الاجماع، فلم يبق إلا أن يكون المراد به أكلا مقيدا من جملة الأكلات
~~المقيدة التي يمكن وقوعها في الأعيان أيا منها كان، وإذا كان لفظه لا إشعار
~~له بغير المقيد صح تفسيره به، كما إذا قال أعتق رقبة وفسره بالرقبة
~~المؤمنة، كما سبق.
# المسألة الحادية عشرة الفعل، وإن ms432 انقسم إلى أقسام وجهات، فالواقع منه لا
~~يقع إلا على وجه واحد منها، فلا يكون عاما لجميعها، بحيث يحمل وقوعه على
~~جميع جهاته، وذلك كما روي عنه، عليه السلام، أنه صلى داخل الكعبة، فصلاته
~~الواقعة يحتمل أنها كانت فرضا، ويحتمل أنها كانت نفلا، ولا يتصور وقوعها
~~فرضا نفلا، فيمتنع الاستدلال بذلك على جواز الفرض والنفل في داخل الكعبة
~~جميعا، إذ لا عموم للفعل الواقع بالنسبة إليهما، ولا يمكن تعيين أحد
~~القسمين إلا بدليل.
# وأما ما روي عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه صلى بعد غيبوبة الشفق، فالشفق
~~اسم مشترك بين الحمرة والبياض، فصلاته يحتمل أنها وقعت بعد الحمرة، ويحتمل
~~أنها وقعت بعد البياض، فلا يمكن حمل ذلك على وقوع فعل الصلاة بعدهما، على
~~رأي من لا يرى حمل اللفظ المشترك على جميع محامله، وإنما يمكن ذلك على رأي
~~من يرى ذلك كما سبق تحقيقه. فإن قول الراوي، صلى بعد غيبوبة الشفق، ينزل
~~منزلة قوله، صلى بعد الشفقين. PageV02P252
# وفي هذا المعنى أيضا قول الراوي كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يجمع بين
~~الصلاتين في السفر فإنه يحتمل وقوع ذلك في وقت الأولى، ويحتمل وقوعه في وقت
~~الثانية: وليس في نفس وقوع الفعل ما يدل على وقوعه فيهما، بل في أحدهما.
~~والتعين متوقف على الدليل. وأما وقوع ذلك منه، صلى الله عليه وسلم، متكررا
~~على وجه يعم سفر النسك وغيره، فليس أيضا في نفس وقوع الفعل ما يدل عليه، بل
~~إن كان ولا بد، فاستفادة ذلك إنما هي من قول الراوي: كان يجمع بين
~~الصلاتين. ولهذا، فإنه إذا قيل كان فلان يكرم الضيف يفهم منه التكرار دون
~~القصور على المرة الواحدة.
# وعلى هذا أيضا، يجب أن يعلم أن ما فعله النبي، صلى الله عليه وسلم، واجبا
~~كان عليه أو جائزا له، لا عموم له بالإضافة إلى غيره، بل هو خاص في حقه،
~~إلا أن يدل دليل من خارج على المساواة بينه وبين غيره في ذلك الفعل، كما لو
~~صلى وقال صلوا كما ms433 رأيتموني أصلي أو غير ذلك.
# فإن قيل: فقد أجمعت الأمة على تعميم سجود السهو في كل سهو، بما روي عنه،
~~صلى الله عليه وسلم، أنه سها في الصلاة، فسجد، وكذلك اتفقوا على تعميم ما
~~نقل عن عائشة أنها قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله، صلى الله عليه
~~وسلم، وهو في الصلاة في حق كل أحد، حتى إن الشافعي استدل بذلك على طهارة
~~مني الآدمي، واستدل به أبو حنيفة على جواز الاقتصار على الفرك في حق غير
~~النبي، مع حكمه بنجاسته. PageV02P253
# وكذلك إجماعهم على وجوب الغسل من التقاء الختانين بقول عائشة: فعلته أنا
~~ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، واغتسلنا وأيضا فإن النبي، صلى الله عليه
~~وسلم، كان إذا سئل عن حكم، أجاب بما يخصه، وأحال معرفة ذلك على فعل نفسه.
# فمن ذلك لما سألته أم سلمة عن الاغتسال قال: أما أنا فأفيض الماء على
~~رأسي ومن ذلك أنه لما سئل عن قبلة الصائم قال أنا أفعل ذلك ولولا أن للفعل
~~عموما لما كان كذلك.
# قلنا: أما تعميم سجود السهو فإنه إنما كان لعموم العلة، وهي السهو، من
~~حيث إنه رتب السجود على السهو بفاء التعقيب، وهو دليل العلة، كما يأتي
~~ذكره، لا لعموم الفعل. وكذلك الحكم في قوله زنى ماعز فرجم وفي قوله رضخ
~~يهودي رأس جارية، فرضخ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأسه.
# وأما العمل بخبر عائشة في فرك المني، ووجوب الغسل من التقاء الختانين،
~~وإفاضة الماء على الرأس، وقبلة الصائم، فكل ذلك مستند إلى القياس، لا إلى
~~عموم الفعل لتعذره، كما سبق، والله أعلم. PageV02P254
# المسألة الثانية عشرة قول الصحابي: نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
~~عن بيع الغرر، وقوله: قضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالشفعة للجار،
~~ونحوه، اختلفوا في تعميمه لكل غرر، وكل جار.
# والذي عليه معول أكثر الأصوليين أنه لا عموم له، لأنه حكاية الراوي،
~~ولعله رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، قد نهى عن فعل خاص لا عموم له، فيه ms434
~~غرر، وقضى لجار مخصوص بالشفعة فنقل صيغة العموم لظنه عموم الحكم.
# ويحتمل أنه سمع صيغة ظنها عامة، وليست عامة، ويحتمل أنه سمع صيغة عامة.
~~وإذا تعارضت الاحتمالات، لم يثبت العموم، والاحتجاج إنما هو بالمحكي لا
~~بنفس الحكاية.
# ولقائل أن يقول: وإن كانت هذه الاحتمالات منقدحة، غير أن الصحابي الراوي
~~من أهل العدالة والمعرفة باللغة، فالظاهر أنه لم ينقل صيغة العموم، إلا وقد
~~سمع صيغة لا يشك في عمومها، لما هو مشتمل عليه من الداعي الديني والعقلي
~~المانع له من إيقاع الناس في ورطة الالتباس، واتباع ما لا يجوز اتباعه
~~وبتقدير أن لا يكون قاطعا بالعموم، فلا يكون نقله للعموم إلا وقد ظهر له
~~العموم، والغالب إصابته فيما ظنه ظاهرا فكان صدقه فيما نقله غالبا على
~~الظن، ومهما ظن صدق الراوي فيما نقله عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وجب
~~اتباعه. PageV02P255
# المسألة الثالثة عشرة مذهب الشافعي، رضي الله عنه، أنه، إذا حكم النبي
~~صلى الله عليه وسلم، بحكم في واقعة خاصة، وذكر علته، أنه يعم من وجدت في
~~حقه تلك العلة، خلافا للقاضي أبي بكر.
# وذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم، في حق أعرابي محرم وقصت به ناقته لا
~~تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا وكقوله، صلى
~~الله عليه وسلم في قتلى أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم
~~القيامة، وأوداجهم تشخب دما وكما لو قال الشارع حرمت المسكر لكونه حلوا عم
~~التحريم كل حلو.
# والحق في ذلك أنه إن ادعى عموم الحكم نظرا إلى الصيغة الواردة، فهو باطل
~~قطعا، كيف وإنه لو كان التنصيص على إثبات الحكم المعلل يقتضي بعمومه الحكم
~~في كل محل وجدت فيه العلة، لكان للوكيل إذا قال له الموكل أعتق عبدي سالما
~~لكونه أسود أن يعتق كل عبد أسود له، كما لو قال أعتق عبيدي السودان وليس
~~كذلك بالاجماع.
# وإن قيل بالعموم، نظرا إلى الاشتراك في العلة، فهو الحق، ولا يلزم من
~~التعميم في الحكم بالعلة المشتركة شرعا، مثله فيما إذا قال ms435 لوكيله أعتق
~~عبدي سالما لكونه أسود إذ الوكيل إنما يتصرف بأمر الموكل لا بالقياس على ما
~~أمره به. وعلى هذا، فالفائدة في ذكر العلة معرفة كون الحكم معللا، إلا أن
~~يكون اللفظ الدال على الحكم عاما لغير محل التنصيص.
# وما يقوله القاضي أبو بكر من أنه يحتمل أن يكون النبي، صلى الله عليه
~~وسلم، علل ذلك في حق الأعرابي بما علمه من موته مسلما مخلصا في عبادته
~~محشورا ملبيا وقصت به ناقته، لا بمجرد إحرامه. وفي قتلى أحد بعلو درجتهم في
~~الجهاد، وتحقق شهادتهم، لا بمجرد الجهاد. وفي تحريم المسكر لكونه حلوا
~~مسكرا، وذلك كله غير معلوم في حق الغير.
# وإن كان ما ذكروه منقدحا، غير أنه على خلاف ما ظهر من تعليله، عليه
~~السلام بمجرد الاحرام والجهاد، وترك ما ظهر من التعليل لمجرد الاحتمال
~~ممتنع. PageV02P256
# المسألة الرابعة عشرة اختلفوا في دلالة المفهوم تفريعا على القول به: هل
~~لها عموم أو لا؟.
# وكشف الغطاء عن ذلك أن نقول: المفهوم ينقسم إلى مفهوم الموافقة، وهو ما
~~كان حكم السكوت عنه موافقا لحكم المنطوق كما يأتي تحقيقه.
# فإن كان من قبيل مفهوم الموافقة، كما في تحريم ضرب الوالدين من تنصيصه
~~على تحريم التأفيف لهما، فحكم التحريم، وإن كان شاملا للصورتين، لكن مع
~~اختلاف جهة الدلالة، فثبوته في صورة النطق بالمنطوق، وفي صورة السكوت
~~بالمفهوم، فلا المنطوق عام بالنسبة إلى الصورتين، ولا المفهوم من غير خلاف.
~~وإنما الخلاف في عموم المفهوم، بالنسبة إلى صورة السكوت، ولا شك أن حاصل
~~النزاع فيه آيل إلى اللفظ.
# فإن من قال بكونه عاما بالنسبة إليهما، إنما يريد به ثبوت الحكم به في
~~جميعها، لا بالدلالة اللفظية، وذلك مما لا خلاف فيه بين القائلين بالمفهوم.
# ومن نفى العموم، كالغزالي، فلم يرد به أن الحكم لم يثبت به في جميع صور
~~السكوت، إذ هو خلاف الفرض، وإنما أراد نفي ثبوته، مستندا إلى الدلالة
~~اللفظية، وذلك مما لا يخالف فيه القائل بعموم المفهوم.
# وأما مفهوم المخالفة، كما في نفي الزكاة ms436 عن المعلوفة من تنصيصه، صلى الله
~~عليه وسلم، على وجوب الزكاة في الغنم السائمة، فلا شك أيضا بأن اللفظ فيه
~~غير عام بمنطوقه للصورتين، ولا بمفهومه، وإنما النزاع في عمومه بالنسبة إلى
~~جميع صور السكوت وحاصل النزاع أيضا فيه آيل إلى اللفظ، كما سبق في مفهوم
~~الموافقة. PageV02P257
# المسألة الخامسة عشرة العطف على العام هل يوجب العموم في المعطوف؟
~~اختلفوا فيه، فمنع أصحابنا من ذلك، وأوجبه أصحاب أبي حنيفة رحمه الله.
# ومثاله استدلال أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله، صلى الله
~~عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر وهو عام بالنسبة إلى كل كافر، حربيا كان أو
~~ذميا.
# فقال أصحاب أبي حنيفة: لو كان ذلك عاما للذمي، لكان المعطوف عليه كذلك،
~~وهو قوله ولا ذو عهد في عهده ضرورة الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في
~~الحكم وصفته، وليس كذلك، فإن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إنما هو
~~الكافر الحربي دون الذمي.
# احتج أصحابنا بثلاثة أمور:
# الأول: أن المعطوف لا يستقل بنفسه في إفادة حكمه، واللفظ الدال على حكم
~~المعطوف عليه لا دلالة له على حكم المعطوف بصريحه، وإنما أضمر حكم المعطوف
~~عليه في المعطوف، ضرورة الإفادة، وحذرا من التعطيل. والاضمار على خلاف
~~الأصل، فيجب الاقتصار فيه على ما تندفع به الضرورة، وهو التشريك في أصل
~~الحكم دون تفصيله من صفة العموم وغيره، تقليلا لمخالفة الدليل.
# الثاني: أنه قد ورد عطف الخاص على العام في قوله تعالى: * (والمطلقات
~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * (2) البقرة: 228) فإنه عام في الرجعية
~~والبائن، وقوله: * (وبعولتهن أحق بردهن) * (2) البقرة: 228) خاص. وورد عطف
~~الواجب على المندوب في قوله تعالى: * (فكاتبوهم) * (24) النور: 33) فإنه
~~للندب، وقوله: * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * (24) النور: 33)
~~للايجاب، وورد عطف الواجب على المباح في قوله تعالى: * (كلوا من ثمره إذا
~~أثمر) * (6) الانعام: 141) فإنه للإباحة وقوله:
# * (وآتوا حقه) * (6) الانعام: 141) للايجاب. ولو كان الأصل هو الاشتراك
~~في أصل الحكم وتفصيله، لكان العطف في جميع هذه المواضع على خلاف الأصل، وهو
~~ممتنع.
# الثالث: أن الاشتراك في ms437 أصل الحكم متيقن، وفي صفته محتمل، فجعل العطف
~~أصلا في المتيقن دون المحتمل أولى. PageV02P258
# فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على وجوب التشريك بينهما في أصل الحكم
~~وتفصيله: وبيانه من وجهين.
# الأول: أن حرف العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة واحدة،
~~فالحكم على أحدهما يكون حكما على الاخر.
# الثاني: أن المعطوف إذا لم يكن مستقلا بنفسه، فلا بد من إضمار حكم
~~المعطوف عليه فيه، لتحقق الإفادة. وعند ذلك لا يخلو.
# إما أن يقال بإضمار كل ما ثبت للمعطوف عليه للمعطوف، أو بعضه، لا جائز أن
~~يقال بالثاني لان الاضمار إما لبعض معين أو غير معين، القول بالتعيين
~~ممتنع، إذ هو غير واقع من نفس العطف.
# كيف وإنه ليس البعض أولى من البعض الآخر،، والقول بعدم التعيين موجب
~~للابهام والاجمال في الكلام، وهو خلاف الأصل، فلم يبق سوى القسم الأول، وهو
~~المطلوب.
# قلنا: جواب الأول أن العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة
~~واحدة، فيما فيه العطف أو في غيره؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، فلم قلتم إن
~~ما زاد على أصل الحكم معتبر في العطف إذ هو محل النزاع.
# وجواب الثاني أن نقول بالتشريك في أصل الحكم المذكور دون صفته، وهو مدلول
~~اللفظ من غير إبهام ولا إجمال. PageV02P259
# المسألة السادسة عشرة إذا ورد خطاب خاص بالنبي، صلى الله عليه وسلم،
~~كقوله تعالى: * (يا أيها المزمل قم الليل) * (73) المزمل: 1) * (يا أيها
~~المدثر قم فأنذر) * (74) المدثر: 1) * (يا أيها النبي اتق الله) * (33)
~~الأحزاب: 1) * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * (39) الزمر: 65) لا يعم الأمة ذلك
~~الخطاب عند أصحابنا، خلافا لأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأصحابهما في قولهم
~~إنه يكون خطابا للأمة، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق.
# ودليلنا في ذلك أن الخطاب الوارد نحو الواحد موضوع في أصل اللغة لذلك
~~الواحد فلا يكون متناولا لغيره بوضعه. ولهذا فإن السيد إذا أمر بعض عبيده
~~بخطاب يخصه لا يكون أمرا للباقين.
# وكذلك في النهي والاخبار وسائر أنواع الخطاب.
# كيف وإنه من المحتمل ms438 أن يكون الامر للواحد المعين مصلحة له، وهو مفسدة في
~~حق غيره، وذلك كما في أمر الطبيب لبعض الناس بشرب بعض الأدوية، فإنه لا
~~يكون ذلك أمرا لغيره لاحتمال التفاوت بين الناس في الأمزجة الأحوال
~~المقتضية لذلك الامر. ولهذا خص النبي، صلى الله عليه وسلم، بأحكام لم
~~يشاركه فيها أحد من أمته، من الواجبات والمندوبات، والمحظورات والمباحات،
~~ومع امتناع اتحاد الخطاب، وجواز الاختلاف في الحكمة والمقصود يمتنع التشريك
~~في الحكم، اللهم إلا أن يقوم دليل من خارج يدل على الاشتراك في العلة
~~الداعية إلى ذلك الحكم، فالاشتراك في الحكم يكون مستندا إلى نفس القياس، لا
~~إلى نفس الخطاب الخاص بمحل التنصيص، أو دليل آخر. PageV02P260
# فإن قيل: نحن لا ننكر أن الخطاب الخاص بالواحد لا يكون خطابا لغيره
~~مطلقا، بل المدعى أن من كان مقدما على قوم، وقد عقدت له الولاية والامارة
~~عليهم، وجعل له منصب الاقتداء به، فإنه إذا قيل له اركب لمناجزة العدو، وشن
~~الغارة عليه وعلى بلاده فإن أهل اللغة يعدون ذلك أمرا لاتباعه وأصحابه.
# وكذلك إذا أخبر عنه بأنه قد فتح البلد الفلاني، وكسر العدو، فإنه يكون
~~إخبارا عن أتباعه أيضا. والنبي، صلى الله عليه وسلم، ممن قد ثبت كونه قدوة
~~للأمة ومتبعا لهم، فأمره ونهيه يكون أمرا ونهيا لامته، إلا ما دل الدليل
~~فيه على الفرق. ويدل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: * (يا أيها النبي إذا
~~طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) * (65) الطلاق: 1) ولم يقل إذا طلقت النساء
~~فطلقهن وذلك يدل على أن خطابه خطاب لامته وأيضا قوله تعالى: * (فلما قضى
~~زيد منها وطرا، زوجناكها، لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم
~~إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الأحزاب: 37) أخبره أنه إنما أباحه ذلك ليكون
~~ذلك مباحا للأمة، ولو كانت الإباحة خاصة به، لما انتفى الحرج عن الأمة.
# وأيضا فإنه قد ورد الخطاب بتخصيصه، عليه السلام، بأحكام دون أمته كقوله
~~تعالى: * (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) * (33) الأحزاب: 50) إلى
~~قوله: * (خالصة لك من دون المؤمنين) * (33) الأحزاب: 50) وكقوله تعالى: ms439 *
~~(ومن الليل فتهجد به نافلة لك) * (17) الاسراء: 79) ولو لم يكن الخطاب
~~المطلق له خطابا لامته، بل خاصا به، لما احتيج إلى بيان التخصيص به هاهنا.
# وما ذكرتموه من احتمال التفاوت في المصلحة والمفسدة، فغير قادح مع ظهور
~~المشاركة في الخطاب، كما تقرر. ولهذا، جاز تكليف الكل مع هذا الاحتمال،
~~لظهور الخطاب، وجاز تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع عند ظن الاشتراك في
~~الداعي مع احتمال التفاوت بين الأصل والفرع في المصلحة والمفسدة.
~~PageV02P261
# والجواب: لا نسلم أن أمر المقدم يكون أمرا لاتباعه لغة، ولهذا فإنه يصح
~~أن يقال: أمر المقدم، ولم يأمر الاتباع، وأنه لو حلف أنه لم يأمر الاتباع
~~لم يحنث بالاجماع. ولو كان أمره للمقدم أمرا لاتباعه لحنث، نعم غايته أنه
~~يفهم عند أمر المقدم بالركوب وشن الغار لزوم توقف مقصود الامر على اتباع
~~أصحابه له، فكان ذلك من باب الاستلزام، لا من باب دلالة اللفظ مطابقة ولا
~~ضمنا، ولا يلزم مثله في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، بشئ من العبادات،
~~أو بتحريم شئ من الافعال، أو إباحتها، من حيث إنه لا يتوقف المقصود من ذلك
~~على مشاركة الأمة له في ذلك.
# وقوله تعالى: * (إذا طلقتم النساء) * (65) الطلاق: 1) فخطاب عام مع الكل
~~على وجه يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره من الأمة، وتخصيص النبي
~~في أول الآية بالنداء جرى مجرى التشريف والتكريم له.
# كيف وإن في الآية ما يدل على أن خطاب النبي لا يكون خطابا للأمة، فإنه لو
~~كان كذلك، لما احتيج إلى قوله * (طلقتم النساء فطلقوهن) * (65) الطلاق: 1)
~~لان قوله * (إذا طلقت النساء فطلقهن) * كاف في خطاب الأمة مع اتساقه مع أول
~~الآية.
# وقوله تعالى * (فلما قضى زيد منها وطرا) * (33) الأحزاب: 37) لا حجة فيه
~~على المقصود.
# وقوله: * (لكي لا يكون على المؤمنين حرج) * (33) الأحزاب: 37) ليس فيه ما
~~يدل على أن نفي الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم مدلول لقوله زوجناكها
~~بل غايته أن رفع الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان لمقصود رفع الحرج ms440
~~عن المؤمنين وذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة دفع الحاجة وحصول المصلحة،
~~وعموم الخطاب غير متعين لذلك. PageV02P262
# وما ذكروه من الآيات الدالة على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم، بما
~~ذكروه لا يدل على أن مطلق الخطاب له عام لامته، بل إنما كان ذلك لقطع إلحاق
~~غيره به في تلك الأحكام بطريق القياس، ولو لم يرد التخصيص، لأمكن الالحاق
~~بطريق القياس.
# المسألة السابعة عشرة اختلفوا في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، لاحد من
~~أمته: هل هو خطاب للباقين أم لا؟
# فنفاه أصحابنا، وأثبته الحنابلة وجماعة من الناس. ودليلنا ما سبق في
~~المسألة التي قبلها.
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص، والاجماع، والمعنى.
# أما النص فقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: 28)
~~وقوله صلى الله عليه وسلم: بعثت إلى الناس كافة، وبعثت إلى الأحمر والأسود
~~وقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.
# وأما الاجماع فاتفاق الصحابة على رجوعهم في أحكام الحوادث إلى ما حكم به
~~النبي عليه السلام. على آحاد الأمة.
# فمن ذلك رجوعهم في حد الزنى إلى ما حكم به على (ماعز)، ورجوعهم في
~~المفوضة إلى قصة (بروع بنت واشق)، ورجوعهم في ضرب الجزية على المجوس إلى
~~ضربه، عليه السلام، الجزية على مجوس هجر. ولولا أن حكمه على الواحد حكم على
~~الجماعة، لما كان كذلك.
# وأما المعنى فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم، خصص بعض الصحابة بأحكام
~~دون غيره، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم، لأبي بردة في التضحية بعناق
~~تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك وقوله لأبي بكرة لما دخل الصف راكعا زادك الله
~~حرصا ولا تعد وقوله لاعرابي زوجه بما معه من القرآن هذا لك وليس لاحد بعدك
~~PageV02P263
# وتخصيصه لخزيمة بقبول شهادته وحده وتخصيصه لعبد الرحمن بن عوف بلبس
~~الحرير. ولولا أن الحكم بإطلاقه على الواحد حكم على الأمة، لما احتاج إلى
~~التنصيص بالتخصيص.
# والجواب عن الآية وعن قوله بعثت إلى الناس كافة وإلى الأحمر والأسود أنه
~~وإن كان مبعوثا إلى الناس كافة، فبمعنى أنه يعرف ms441 كل واحد ما يختص به من
~~الاحكام، كأحكام المريض والصحيح والمقيم والمسافر، والحر والعبد والحائض
~~والطاهر وغير ذلك، ولا يلزم من ذلك اشتراك الكل فيما أثبت للبعض منهم.
# وعن قوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أنه يجب تأويله على أن
~~المراد به أنه حكم على الجماعة من جهة المعنى والقياس، لا من جهة اللفظ،
~~لثلاثة أوجه.
# الأول: أن الحكم هو الخطاب، وقد بينا في المسألة المتقدمة أن خطاب الواحد
~~ليس هو بعينه خطابا للباقين.
# الثاني: أنه لو كان بعينه خطابا للباقين، لزم منه التخصيص بإخراج من لم
~~يكن موافقا لذلك الواحد في السبب الموجب للحكم عليه. PageV02P264
# الثالث: أنه لو كان خطابه المطلق للواحد خطابا للجماعة، لما احتاج إلى
~~قوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو كانت فائدته التأكيد، والأصل في
~~الدلالات اللفظية إنما هو التأسيس. ثم وإن كان حكمه على الواحد، حكما على
~~الجماعة، فلا يلزم اطراده في حكمه للواحد أن يكون حكما للجماعة، فإنه فرق
~~بين حكمه للواحد وحكمه عليه، والخلاف واقع في الكل.
# وأما ما ذكروه من رجوع الصحابة في أحكام الوقائع إلى حكمه على الآحاد،
~~فلا يخلو إما أن يقال بذلك مع معرفتهم بالتساوي في السبب الموجب، أو لا مع
~~معرفتهم بذلك: الثاني خلاف الاجماع، وإن كان الأول، فمستند التشريك في
~~الحكم إنما كان الاشتراك في السبب لا في الخطاب.
# وأما المعنى، فقد سبق الجواب عنه في المسألة المتقدمة.
# المسألة الثامنة عشرة اتفق العلماء على أن كل واحد من المذكر والمؤنث لا
~~يدخل في الجمع الخاص بالآخر، كالرجال والنساء، وعلى دخولهما في الجمع الذي
~~لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث، كالناس. وإنما وقع الخلاف بينهم في
~~الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير، كالمسلمين والمؤمنين، هل هو ظاهر في
~~دخول الإناث فيه أو لا؟
# فذهبت الشافعية والأشاعرة والجمع الكثير من الحنفية والمعتزلة إلى نفيه.
# وذهبت الحنابلة وابن داود وشذوذ من الناس إلى إثباته. PageV02P265
# احتج النافون بالكتاب، والسنة، والمعقول:
# أما الكتاب فقوله تعالى: * (إن المسلمين والمسلمات، ms442 والمؤمنين والمؤمنات)
~~* (33) الأحزاب: 35) عطف جمع التأنيث على جمع المسلمين والمؤمنين، ولو كان
~~داخلا فيه، لما حسن عطفه عليه، لعدم فائدته.
# وأما السنة فما روي عن أم سلمة أنها قالت يا رسول الله، إن النساء قلن:
~~ما نرى الله ذكر إلا الرجال فأنزل الله: * (إن المسلمين والمسلمات) * (33)
~~الأحزاب: 35) الآية. ولو كن قد دخلن في جمع التذكير، لكن مذكورات، وامتنعت
~~صحة السؤال والتقرير عليه.
# وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ويل للذين يمسون
~~فروجهم، ثم يصلون، ولا يتوضؤون فقالت عائشة هذا للرجال فما للنساء؟ ولولا
~~خروجهن من جمع الذكور، لما صح السؤال ولا التقرير من النبي صلى الله عليه
~~وسلم.
# وأما المعقول، فهو أن الجمع تضعيف الواحد، فقولنا قام لا يتناول المؤنث
~~بالاجماع. فالجمع الذي هو تضعيفه، كقولنا قاموا لا يكون متناولا له.
# فإن قيل: أما الآية فالعطف فيها لا يدل على عدم دخول الإناث في جمع
~~التذكير، قولكم: لا فائدة فيه، ليس كذلك، إذ المقصود منه إنما هو الاتيان
~~بلفظ يخصهن تأكيدا، فلا يكون عريا عن الفائدة.
# وأما سؤال أم سلمة وعائشة، فلم يكن لعدم دخول النساء في جمع الذكور، بل
~~لعدم تخصيصهن بلفظ صريح فيهن، كما ورد في المذكر.
# وأما قولكم إن الجمع تضعيف الواحد فمسلم، ولكن لم قلتم بامتناع دخول
~~المؤنث فيه مع أنه محل النزاع.
# والذي يدل على دخول المؤنث في جمع التذكير ثلاثة أمور: PageV02P266
# الأول: أن المألوف من عادة العرب أنه إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلبوا
~~جانب التذكير. ولهذا فإنه يقال للنساء إذا تمحضن: أدخلن، وإن كان معهن رجل،
~~قيل: ادخلوا. قال الله تعالى لآدم وحواء وإبليس * (قلنا اهبطوا منها جميعا)
~~* (2) البقرة: 38) كما ألف منهم تغليب جمع من يعقل إذا كان معه من لا يعقل.
# ومنه قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه)
~~* (24) النور: 45) بل أبلغ من ذلك أنهم إذا وصفوا ما لا يعقل بصفة من يعقل
~~غلبوا فيه من يعقل.
# ومنه قوله تعالى: * (أحد عشر ms443 كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) *
~~(12) يوسف: 4) جمعهم جمع من يعقل لوصفهم بالسجود الذي هو صفة من يعقل.
~~وكتغليبهم الكثرة على القلة حتى إنهم يصفون بالكرم والبخل جمعا أكثرهم متصف
~~بالكرم أو البخل.
# وكتغليبهم في التثنية أحد الاسمين على الآخر، كقولهم الأسودان للتمر
~~والماء، والعمران لأبي بكر وعمر، والقمران للشمس والقمر.
# الثاني: أنه يستهجن من العربي أن يقول لأهل حلة أو قرية أنتم آمنون،
~~ونساؤكم آمنات لحصول الامن للنساء بقوله أنتم آمنون ولولا دخولهن في قوله
~~أنتم آمنون لما كان كذلك. وكذلك لا يحسن منه أن يقول لجماعة فيهم رجال
~~ونساء قوموا وقمن بل لو قال قوموا كان ذلك كافيا في الامر للنساء بالقيام.
~~ولولا دخولهن في جمع التذكير، لما كان كذلك.
# الثالث: أن أكثر أوامر الشرع بخطاب المذكر مع انعقاد الاجماع على أن
~~النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر، ولو لم يدخلن في ذلك الخطاب،
~~لما كان كذلك.
# والجواب: قولهم في الآية: فائدة التخصيص بلفظ يخصهن التأكيد.
# قلنا: لو اعتقدنا عدم دخولهن في جمع التذكير، كانت فائدة تخصيصهن بالذكر
~~التأسيس، ولا يخفى أن فائدة التأسيس أولى في كلام الشارع.
# قولهم: سؤال أم سلمة وعائشة إنما كان لعدم تخصيص النساء بلفظ يخصهن، لا
~~لعدم دخول النساء في جمع التذكير، ليس كذلك: أما سؤال أم سلمة فهو صريح في
~~عدم الذكر مطلقا، لا في عدم ذكر ما يخصهن، بحيث قالت ما نرى الله ذكر إلا
~~الرجال ولو ذكر النساء، ولو بطريق الضمن، لما صح هذا الاخبار PageV02P267
# على إطلاقه. وأما حديث عائشة، فلأنها قالت هذا للرجال ولو كان الحكم
~~عاما، لما صح منها تخصيص ذلك بالرجال.
# قولهم: المألوف من عادة العرب تغليب جانب التذكير، مسلم، ونحن لا ننازع
~~في أن العربي إذا أراد أن يعبر عن جمع، فيهم ذكور وإناث، أنه يغلب جانب
~~التذكير، ويعبر بلفظ التذكير، ويكون ذلك من باب التجوز، وإنما النزاع في أن
~~جمع التذكير إذا أطلق، هل يكون ظاهرا في دخول المؤنث ومستلزما له أو لا؟
# وليس ms444 فيما قيل ما يدل على ذلك. وهذا كما أنه يصح التجوز بلفظ الأسد عن
~~الانسان، ولا يلزم أن يكون ظاهرا فيه، مهما أطلق.
# فإن قيل: إذا صح دخول المؤنث في جمع المذكر، فالأصل أن يكون مشعرا به
~~حقيقة، لا تجوزا.
# قلنا: ولو كان جمع التذكير حقيقة للذكور والإناث، مع انعقاد الاجماع على
~~أنه حقيقة في تمحض الذكور، كان اللفظ مشتركا، وهو خلاف الأصل.
# فإن قيل: ولو كان مجازا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لدخول
~~المسمى الحقيقي فيه، وهم الذكور، وهو ممتنع.
# قلنا: ليس كذلك، فإنه لا يكون حقيقة في الذكور، إلا مع الاقتصار.
# وأما إذا كان جزءا من المذكور، لا مع الاقتصار فلا.
# كيف وإنا لا نسلم امتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز، كما سبق تقريره.
# وأما الوجه الثاني: فإنما استهجن من العربي أن يقول أنتم آمنون، ونساؤكم
~~آمنات لان تأمين الرجال يستلزم الامن من جميع المخاوف المتعلقة بأنفسهم
~~وأموالهم ونسائهم، فلو لم تكن النساء آمنات، لما حصل أمن الرجال مطلقا، وهو
~~تناقض. أما أن ذلك يدل على ظهور دخول النساء في الخطاب فلا، وبه يظهر لزوم
~~أمن النساء من الاقتصار على قوله للرجال أنتم آمنون.
# وأما الوجه الثالث: فغير لازم، وذلك أن النساء وإن شاركن الرجال في كثير
~~من أحكام التذكير، فيفارقن للرجال في كثير من الاحكام الثابتة بخطاب
~~التذكير، كأحكام الجهاد في قوله تعالى: * (وجاهدوا في الله حق جهاده) *
~~(22) الحج: 78) وأحكام الجمعة في قوله تعالى: PageV02P268
# * (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع) *
~~(62) الجمعة: 9) إلى غير ذلك من الاحكام. ولو كان جمع التذكير مقتضيا لدخول
~~الإناث فيه، لكان خروجهن عن هذه الأوامر على خلاف الدليل، وهو ممتنع، فحيث
~~وقع الاشتراك تارة، والافتراق تارة، علم أن ذلك إنما هو مستند إلى دليل
~~خارج، لا إلى نفس اقتضاء اللفظ لذلك.
# المسألة التاسعة عشرة إذا ورد لفظ عام لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث
~~سوى لفظ الجمع، مثل (من) في الشرط والجزاء، هل يعم ms445 المذكر والمؤنث؟
# اختلفوا فيه: فأثبته الأكثرون، ونفاه الأقلون.
# والمختار تفريعا على القول بالعموم دخول المؤنث فيه.
# ودليله أنه لو قال القائل لعبده من دخل داري فأكرمه فإن العبد يلام
~~بإخراج الداخل من المؤنثات عن الاكرام، ويلام السيد بلوم العبد بإكرامهن.
# وكذلك الحكم في النذر والوصية. والأصل في كل ما فهم من اللفظ أن يكون
~~حقيقة فيه لا مجازا.
# فإن قيل: التعميم فيما ذكرتموه إنما فهم من قرينة الحال، وهي ما جرت به
~~العادة من مقابلة الداخل إلى دار الانسان والحلول في منزله بالاكرام، فكان
~~ذلك من باب المجاز، لا أنه من مقتضيات اللفظ حقيقة.
# قلنا: هذا باطل بما لو قال: من دخل داري فأهنه فإنه يفهم منه العموم، وإن
~~كان على خلاف القرينة المذكورة. وكذا لو قال له من قال لك ألف، فقل له (ب)
~~فإنه لا قرينة أصلا، والعموم مفهوم منه، فدل على كونه حقيقة فيه.
~~PageV02P269
# المسألة العشرون اختلفوا في دخول العبد تحت خطاب التكاليف بالألفاظ
~~العامة المطلقة، كلفظ الناس والمؤمنين، فأثبته الأكثرون، ونفاه الأقلون،
~~إلا بقرينة ودليل يخصه.
# ومنهم من قال بدخوله في العمومات المثبتة لحقوق الله دون حقوق الآدميين،
~~وهو منسوب إلى أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة.
# والمختار إنما هو الدخول، وذلك لان الخطاب إذا كان بلفظ الناس أو
~~المؤمنين، فهو خطاب لكل من هو من الناس والمؤمنين، والعبد من الناس
~~والمؤمنين حقيقة، فكان داخلا في عمومات الخطاب بوضعه لغة، إلا أن يدل دليل
~~على إخراجه منه. فإن قيل: العبد، من حيث هو عبد، مال لسيده، ولذلك يتمكن من
~~التصرف فيه حسب تصرفه في سائر الأموال، وإذا كان مالا، كان بمنزلة البهائم،
~~فلا يكون داخلا تحت عموم خطاب الشارع.
# سلمنا أنه ليس كالبهائم، إلا أن أفعاله التي يتعلق بها التكليف، ويحصل
~~بها الامتثال، مملوكة لسيده، ويجب صرفها إلى منافعه بخطاب الشرع، فلا يكون
~~الخطاب متعلقا بصرفها إلى غير منافع السيد، لما فيه من التناقض.
# سلمنا عدم التناقض، غير أن الاجماع منعقد على إخراج العبد عن ms446 مطلق الخطاب
~~العام بالجهاد والحج والعمرة والجمعة والعمومات الواردة بصحة التبرع
~~والاقرار بالحقوق البدنية والمالية، ولو كان داخلا تحت عموم الخطاب بمطلقه،
~~لكان خروجه عنها في هذه الصور على خلاف الدليل. PageV02P270
# سلمنا إمكان دخوله تحت مطلق الخطاب لغة، إلا أن الرق مقتض لاخراجه عن
~~عمومات الخطاب بطريق التخصيص، وبيانه أنه صالح لذلك من حيث إنه مكلف بشغل
~~جميع أوقاته بخدمة سيده بخطاب الشرع، وحق السيد مقدم على حق الله تعالى
~~لوجهين:
# الأول: أن السيد متمكن من منع العبد من التطوع بالنوافل، مع أنها حق لله
~~تعالى، ولولا أن حق السيد مرجح، لما كان كذلك.
# الثاني: أن حق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، لأنه لا يتضرر
~~بفوات حقوقه، ولا ينتفع بحصولها، وحق الآدمي مبني على الشح والمضايقة، لأنه
~~ينتفع بحصوله ويتضرر بفواته.
# والجواب عن السؤال الأول: أن كون العبد مالا مملوكا لا يخرجه عن جنس
~~المكلفين، إلى جنس البهائم، وإلا لما توجه نحوه التكليف بالخطاب الخاص
~~بالصلاة والصوم ونحوه، وهو خلاف الاجماع.
# وعن السؤال الثاني: لا نسلم أن السيد مالك لصرف منافع العبد إليه في جميع
~~الأوقات، حتى في وقت تضايق وقت العبادة المأمور بها، بل في غيره. وعلى هذا،
~~فلا تناقض،.
# وعن الثالث: أن ذلك لا يدل على إخراج العبد عن كون العمومات متناولة له
~~لغة، لما بيناه، بل غايته أنه خص بدليل، والتخصيص غير مانع من العموم لغة.
# ولا يخفى أن القول بالتخصيص، أولى من القول برفع العموم لغة مع تحققه،
~~وصار كما في تخصيص المريض والحائض والمسافر عن العمومات الواردة بالصوم
~~والصلاة والجمعة والجهاد.
# وعن الرابع بمنع تعلق حق السيد بمنافعه المصروفة إلى العبادات المأمور
~~بها عند ضيق أوقاتها، كما سبق، والرق، وإن اقتضى ذلك لمناسبته واعتباره،
~~فلا يقع في مقابلة الدلالة النصية على العبادة في ذلك الوقت، لقوة دلالة
~~النصوص على دلالة ما الحجة به مستندة إليها. والنصوص، وإن كانت متناولة
~~للعبد بعمومها، إلا أنها متناولة للعبادة في وقتها المعين بخصوصها. والرق
~~وإن كان مقتضيا لحق ms447 السيد PageV02P271
# بخصوصه، إلا أن اقتضاءه لذلك الحق في وقت العبادة بعمومه، فيتقابلان،
~~ويسلم الترجيح بالتنصيص، كما سبق. قولهم: حق الآدمي مرجح على حق الله
~~تعالى، لا نسلم ذلك مطلقا. ولهذا، فإن حق الله تعالى مرجح على حق السيد
~~فيما وجب على العبد بالخطاب الخاص به إجماعا، وبه يندفع ما ذكروه من
~~الترجيح الأول.
# قولهم في الترجيح الثاني: إن السيد يتمكن من منع العبد من التنفل.
# قلنا، وإن أوجب ذلك ترجح جانب حق السيد على حقوق الله تعالى في النوافل،
~~فغير موجب لترجحه عليه في الفرائض.
# المسألة الحادية والعشرون ورود الخطاب على لسان الرسول صلى الله عليه
~~وسلم بقوله: * (يا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) * (يا أيها الناس)
~~* (2) البقرة: 21)، * (يا عبادي) * (29) العنكبوت: 56) يدخل الرسول في
~~عمومه عندنا، وعند أكثر العلماء، خلافا لطائفة من الفقهاء والمتكلمين.
# ومنهم من قال: كل خطاب ورد مطلقا، ولم يكن الرسول مأمورا، في أوله بأمر
~~الأمة به، كهذه الآيات، فهو داخل فيه، وإليه ذهب أبو بكر الصيرفي والحليمي
~~من أصحاب الشافعي.
# حجة من قال: يدخل في العموم، وهو المختار، حجتان.
# الأولى: أن هذه الصيغ عامة لكل إنسان، وكل مؤمن، وكل عبد، والنبي صلى
~~الله عليه وسلم، سيد الناس والمؤمنين والعبادة، والنبوة غير مخرجة له عن
~~إطلاق هذه الأسماء عليه، فلا تكون مخرجة له عن هذه العمومات. PageV02P272
# الحجة الثانية، أنه صلى الله عليه وسلم، كان إذا أمر الصحابة بأمر، وتخلف
~~عنه ولم يفعله، فإنهم كانوا يسألونه ما بالك لم تفعله؟ ولو لم يعقلوا دخوله
~~فيما أمرهم به، لما سألوه عن ذلك. وذلك، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم،
~~أنه أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ، فقالوا له أمرتنا بالفسخ،
~~ولم تفسخ ولم ينكر عليهم ما فهموه من دخوله في ذلك الامر، بل عدل إلى
~~الاعتذار، وهو قوله إني قلدت هديا وروي عنه أنه قال لو استقبلت من أمري ما
~~استدبرت، لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة.
# فإن قيل: يمنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم، داخلا ms448 تحت عموم هذه
~~الأوامر ثلاثة أوجه:
# الأول: أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، آمرا لامته بهذه الأوامر،
~~فلو كان مأمورا بها، لزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد آمرا ومأمورا، وهو
~~ممتنع، ولأنه يلزم أن يكون آمرا لنفسه، وأمر الانسان لنفسه ممتنع لوجهين:
# الأول: أن الامر طلب الاعلى من الأدنى، والواحد لا يكون أعلى من نفسه
~~وأدنى منها.
# الثاني: أنه وقع الاتفاق على أن أمر الانسان لنفسه على الخصوص ممتنع،
~~فكذلك أمره لنفسه على العموم.
# الثاني من الوجوه الثلاثة أنه يلزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد مبلغا
~~ومبلغا إليه، وهو محال.
# الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد اختص بأحكام لم تشاركه فيها
~~الأمة كوجوب ركعتي الفجر والضحى والأضحى وتحريم الزكاة عليه وأبيح له
~~النكاح بغير ولي ولا مهر ولا شهود، والصفي من المغنم، ونحوه من الخصائص،
~~وذلك يدل على مزيته وانفراده عن الأمة في الأحكام التكليفية، فلا يكون
~~داخلا تحت الخطاب المتناول لهم. PageV02P273
# قلنا: جواب الأول أن ما ذكروه مبني على كون الرسول آمرا، وليس كذلك، بل
~~هو مبلغ لأمر الله وفرق بين الآمر والمبلغ للامر. ولهذا، أعاد صيغ الأوامر
~~له بالتبليغ، كقوله: * (قل أوحي إلي) * (72) الجن: 1) * (واتل ما أوحي
~~إليك) * (18) الكهف: 27) ونحوه.
# وجواب الثاني أنه مبلغ للأمة بما ورد على لسانه، وليس مبلغا لنفسه بذلك
~~الخطاب، بل بما سمعه من جبريل، عليه السلام.
# وجواب الثالث أن اختصاصه ببعض الاحكام غير موجب لخروجه عن عمومات الخطاب.
~~ولهذا، فإن الحائض والمريض والمسافر والمرأة، كل واحد قد اختص بأحكام لا
~~يشاركه غيره فيها، ولم يخرج بذلك عن الدخول في عمومات الخطاب، والله أعلم
~~بالصواب.
# المسألة الثانية والعشرون الخطاب الوارد شفاها في زمن النبي صلى الله
~~عليه وسلم، والأوامر العامة، كقوله تعالى: * (يا أيها الناس) * (2) البقرة:
~~21) * (ويا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) ونحوه، هل يخص الموجود ين
~~في زمنه، أو هو عام لهم، ولمن بعدهم؟
# اختلفوا فيه: فذهب أكثر أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والمعتزلة إلى اختصاصه
~~بالموجودين في زمن ms449 رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت حكمه في حق من
~~بعدهم إلا بدليل آخر.
# وذهبت الحنابلة وطائفة من السالفين والفقهاء إلى تناول ذلك لمن وجد بعد
~~عصر النبي صلى الله عليه وسلم. حجة النافين من وجهين:
# الأول: أن المخاطبة شفاها بقوله تعالى: * (يا أيها الناس) * (2) البقرة:
~~21) * (ويا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) تستدعي كون المخاطب
~~موجودا أهلا للخطاب إنسانا مؤمنا، ومن لم يكن موجودا في وقت الخطاب لم يكن
~~متصفا بشئ من هذه الصفات، فلا يكون الخطاب متناولا له. PageV02P274
# الثاني: أن خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز ممتنع، حتى إن من شافهه
~~بالخطاب استهجن كلامه، وسفه في رأيه، مع أن حالهما لوجودهما واتصافهما بصفة
~~الانسانية وأصل الفهم، وقبولهما للتأديب بالضرب وغيره، أقرب إلى الخطاب
~~لهما، ممن لا وجود له.
# احتج الخصوم بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والمعقول:
# أما الكتاب فقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: 28)
~~وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: بعثت إلى الأحمر والأسود ولو لم يكن
~~خطابه متناولا لمن بعده، لم يكن رسولا إليه، ولا مبلغا إليه شرع الله
~~تعالى، وهو خلاف الاجماع.
# وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ولفظ
~~(الجماعة) يستغرق كل من بعده. فلو لم يكن حكمه على من في زمانه حكما على
~~غيرهم، كان على خلاف الظاهر. PageV02P275
# وأما الاجماع فهو أن الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وإلى زماننا هذا،
~~ما زالوا يحتجون في المسائل الشرعية على من وجد بعد النبي صلى الله عليه
~~وسلم، بالآيات والأخبار الواردة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ولولا
~~عموم تلك الدلائل اللفظية لمن وجد بعد ذلك، لما كان التمسك بها صحيحا، وكان
~~الاسترواح إليها خطأ، وهو بعيد عن أهل الاجماع.
# وأما المعقول فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا أراد التخصيص
~~ببعض الأمة نص عليه، كما ذكرناه في مسألة خطاب النبي صلى الله عليه وسلم،
~~للواحد هل هو خطاب للباقين؟
# ولولا أن الخطاب المطلق العام يكون خطابا ms450 للكل لما احتاج إلى التخصيص.
# والجواب على النصوص الدالة على كون النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم،
~~مبعوثا إلى الناس كافة، أنها إنما تلزم أن لو توقف مفهوم الرسالة والبعثة
~~إلى كل الناس، على المخاطبة للكل بالأحكام الشرعية شفاها، وليس كذلك، بل
~~ذلك يتحقق بتعريف البعض بالمشافهة، وتعريف البعض بنصب الدلائل والامارات،
~~وقياس بعض الوقائع على بعض. ويدل على ذلك أن أكثر الأحكام الشرعية لم يثبت
~~بالخطاب شفاها لقلة النصوص وندرتها، وكثرة الوقائع، وما لزم من ذلك أن لا
~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم، رسولا ولا مبلغا بالنسبة إلى الاحكام التي
~~لم تثبت بالخطاب شفاها.
# فإن قيل: والدلائل التي يمكن الاحتجاج بها في الأحكام الشرعية على من وجد
~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم، غير الخطاب، فيما ذكرتموه. إنما يعلم كونها
~~حجة بالدلائل الخطابية فإذا كان الخطاب الموجود في زمن النبي صلى الله عليه
~~وسلم، لا يتناول من بعده، فقد تعذر الاحتجاج به عليه. PageV02P276
# قلنا: أمكن معرفة كونها حجة بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه حكم
~~بكونها حجة على من بعده، أو بالاجماع المنقول عن الصحابة على ذلك.
# وأما قوله صلى الله عليه وسلم: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة فالكلام
~~في اختصاصه بالموجودين في زمنه، كالكلام في الأول.
# وأما انعقاد الاجماع على صحة الاستدلال بالآيات والأخبار الواردة على
~~لسانه صلى الله عليه وسلم، على من وجد بعده، وهو أشبه حجج الخصوم، فجوابه
~~أنا بينا امتناع المخاطبة لمن ليس بموجود بما لا مراء فيه. وعند ذلك، فيجب
~~اعتقاد استناد أهل الاجماع إلى النصوص من جهة معقولها، لا من جهة ألفاظها،
~~جمعا بين الأدلة.
# وأما ما ذكروه من المعنى، فقد سبق جوابه في مسألة خطاب النبي للواحد من
~~الأمة. PageV02P277
# المسألة الثالثة والعشرون اختلفوا في المخاطب: هل يمكن دخوله في عموم
~~خطابه لغة، أو لا؟
# والمختار دخوله، وعليه اعتماد الأكثرين، وسواء كان خطابه العام، أمرا، أو
~~نهيا، أو خبرا.
# أما الخبر فكما في قوله تعالى: * (وهو بكل شئ ms451 عليم) * (57) الحديد: 3)
~~فإن اللفظ بعمومه يقتضي كون كل شئ معلوما لله تعالى، وذاته وصفاته أشياء،
~~فكانت داخلة تحت عموم الخطاب.
# والامر فكما لو قال السيد لعبده من أحسن إليك فأكرمه فإن خطابه لغة يقتضي
~~إكرام كل من أحسن إلى العبد. فإذا أحسن السيد إليه، صدق عليه أنه من جملة
~~المحسنين إلى العبد فكان إكرامه على العبد لازما بمقتضى عموم خطاب السيد.
# وكذلك في النهي كما إذا قال له من أحسن إليك فلا تسئ إليه وهذا في الوضوح
~~غير محتاج إلى الاطناب فيه.
# فإن قيل: ما ذكرتموه يمتنع العمل به للنص، والمعنى:
# أما النص، فقوله تعالى: * (الله خالق كل شئ) * (13) الرعد: 16) وذاته
~~وصفاته أشياء، وهو غير خالق لها، ولو كان داخلا في عموم خبره، لكان خالقا
~~لها، وهو محال.
# وأما المعنى، فإن السيد إذا قال لعبده من دخل داري، فتصدق عليه بدرهم ولو
~~دخل السيد، فإنه يصد عليه أنه من الداخلين إلى الدار، ومع ذلك لا يحسن أن
~~يتصدق عليه العبد بدرهم ولو كان داخلا تحت عموم أمره، لكان ذلك حسنا.
# قلنا: أما الآية، فإنها بالنظر إلى عموم اللفظ تقتضي كون الرب تعالى
~~خالقا لذاته وصفاته، غير أنه لما كان ممتنعا في نفس الامر عقلا، كان مخصصا
~~لعموم الآية، ولا منافاة بين دخوله في العموم بمقتضى اللفظ، وخروجه عنه
~~بالتخصيص. وكذلك الحكم فيما ذكروه من المثال، فإنه بعمومه مقتض للتصدق على
~~السيد عند دخوله، غير أنه بالنظر إلى القرينة الحالية، والدليل المخصص،
~~امتنع ثبوت حكم العموم في حقه، ولا منافاة كما سبق. PageV02P278
# المسألة الرابعة والعشرون اختلف العلماء في قوله تعالى: * (خذ من أموالهم
~~صدقة) * (9) التوبة: 103) هل يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل
~~مالك، أو أخذ صدقة واحدة من نوع واحد؟
# والأول مذهب الأكثرين، والثاني مذهب الكرخي.
# احتج القائلون بتعميم كل نوع، بأنه تعالى أضاف الصدقة إلى جميع الأموال،
~~بقوله: * (من أموالهم) * (9) التوبة: 103) والجمع المضاف من ألفاظ العموم،
~~على ما عرف من مذهب أربابه، فنزل ذلك منزلة قوله ms452 خذ من كل نوع من أموالهم
~~صدقة فكانت الصدقة متعددة بتعدد أنواع الأموال.
# وللنافي أن يقول: المأمور به صدقة منكرة مضافة إلى جملة الأموال، فمهما
~~أخذ من نوع واحد منها من المالك صدقة، صدق قول القائل أخذ من أمواله صدقة
~~لان المال الواحد جزء من جملة الأموال. فإذا أخذت الصدقة من جزء المال، صدق
~~أخذها من المال.
# ولهذا، وقع الاجماع على أن كل درهم ودينار من دراهم المالك ودنانيره،
~~موصوف بأنه من ماله. ومع ذلك فإنه لا يجب أخذ الصدقة من خصوص كل ودرهم
~~ودينار له، والأصل أن يكون ذلك لعدم دلالة اللفظ عليه، لا للمعارض.
# وبالجملة فالمسألة محتملة. ومأخذ الكرخي دقيق. PageV02P279
# المسألة الخامسة والعشرون اللفظ العام إذا قصد به المخاطب الذم أو المدح،
~~كقوله تعالى: * (إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم) * (82)
~~الانفطار: 13) وكقوله: * (والذين يكنزون الذهب والفضة.
# ولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم) * (9) التوبة: 34).
# نقل عن الشافعي، رضي الله عنه، أنه منع من عمومه، حتى أنه منع من التمسك
~~به في وجوب زكاة الحلي مصيرا منه إلى أن العموم لم يقع مقصودا في الكلام،
~~وإنما سيق لقصد الذم والمدح مبالغة في الحث على الفعل أو الزجر عنه.
# وخالفه الأكثرون، وهو الحق من حيث إن قصد الذم أو المدح، وإن كان مطلوبا
~~للمتكلم، فلا يمنع ذلك من قصد العموم معه، إذ لا منافاة بين الامرين، وقد
~~أتى بالصيغة الدالة على العموم، فكان الجمع بين المقصودين أولى، ومن العمل
~~بأحدهما وتعطيل الآخر، والله أعلم. PageV02P280
# الصنف الرابع في تخصيص العموم ويشتمل على مقدمة ومسألتين.
# أما المقدمة، ففي بيان معنى التخصيص، وما يجوز تخصيصه، وما لا يجوز.
# أما التخصيص، فقد قال أبو الحسين البصري: هو إخراج بعض ما تناوله الخطاب
~~عنه وذلك مما لا يمكن حمله على ظاهره على كل مذهب.
# أما على مذهب أرباب الخصوص، فلان الخطاب عندهم منزل على أقل ما يحتمله
~~اللفظ، فلا يتصور إخراج شئ منه.
# وأما على مذهب أرباب الاشتراك، فمن جهة أن العمل ms453 باللفظ المشترك في بعض
~~محامله، لا يكون إخراجا لبعض ما تناوله الخطاب عنه، بل غايته استعمال اللفظ
~~في بعض محامله، دون البعض.
# وأما على مذهب أرباب الوقف فظاهر، إذ اللفظ عندهم موقوف لا يعلم كونه
~~للخصوص أو للعموم، وهو صالح لاستعماله في كل واحد منهما. فإن قام الدليل
~~على أنه أريد به العموم، وجب حمله عليه، وامتنع إخراج شئ منه. وإن قام
~~الدليل على أنه للخصوص، لم يكن اللفظ إذ ذاك دليلا على العموم، ولا متناولا
~~له:
# فلا يتحقق بالحمل على الخاص، إخراج بعض ما تناوله اللفظ على بعض محامله
~~الصالح لها.
# وأما على مذهب أرباب العموم، فغايته أن اللفظ عندهم حقيقة في الاستغراق،
~~ومجاز في الخصوص. وعلى هذا، فإن لم يقم الدليل على مخالفة الحقيقة، وجب
~~إجراء اللفظ على جميع محامله، من غير إخراج شئ منها. وإن قام الدليل على
~~مخالفة الحقيقة، وامتناع العمل باللفظ في الاستغراق، وجب صرفه إلى محمله
~~المجازي، وهو الخصوص.
# وعند حمل اللفظ على المجاز لا يكون اللفظ متناولا للحقيقة، وهي
~~الاستغراق، فلا تحقق لاخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه، إذ هو، حالة كونه
~~مستعملا في المجاز، لا يكون مستعملا في الحقيقة. وعلى هذا، فإطلاق القول
~~بتخصيص العام، وأن هذا عام مخصص، لا يكون حقيقة. PageV02P281
# وإذا عرف ذلك، فالتخصيص على ما يناسب مذهب أرباب العموم، هو تعريف أن
~~المراد باللفظ الموضوع للعموم حقيقة، إنما هو الخصوص، وعلى ما يناسب مذهب
~~أرباب الاشتراك، تعريف أن المراد باللفظ الصالح للعموم والخصوص، إنما هو
~~الخصوص. والمعرف لذلك، بأي طريق كان، يسمى مخصصا، واللفظ المصروف عن جهة
~~العموم إلى الخصوص، مخصصا.
# وإذا عرف معنى تخصيص العموم، فاعلم أن كل خطاب لا يتصور فيه معنى الشمول،
~~كقوله صلى الله عليه وسلم، لأبي بردة: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك فلا يتصور
~~تخصيصه لان التخصيص على ما عرف، صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص،
~~وما لا عموم له، لا يتصور فيه هذا الصرف. وأما ما يتصور فيه الشمول
~~والعموم، فتصور ms454 فيه التخصيص، وسواء كان خطابا أو لم يكن خطابا، كالعلة
~~الشاملة، لامكان صرفه عن جهة عمومه إلى جهة خصوصه. هذا إتمام المقدمة.
# وأما المسائل، فمسألتان المسألة الأولى اتفق القائلون بالعموم على جواز
~~تخصيصه على أي حال كان، من الاخبار، والامر وغيره، خلافا لشذوذ لا يؤبه لهم
~~في تخصيص الخبر.
# ويدل على جواز ذلك، الشرع والمعقول:
# أما الشرع، فوقوع ذلك في كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: * (الله خالق كل
~~شئ) * (13) الرعد: 16) * (وهو على كل شئ قدير) * (5) المائدة: 120) وليس
~~خالقا لذاته، ولا قادرا عليها، وهي شئ.
# وقوله تعالى: * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) * (51)
~~الذاريات: 42) وقد أتت على الأرض والجبال، ولم تجعلها رميما. وقوله تعالى:
~~* (تدمر كل شئ) * (الأحقاف: 25) * (وأوتيت من كل شئ) * (27) النمل: 23) إلى
~~غير ذلك من الآيات الخبرية المخصصة، حتى إنه قد قيل لم يرد عام إلا وهو
~~مخصص، إلا في قوله تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) ولو لم
~~يكن ذلك جائزا، لما وقع في الكتاب. PageV02P282
# وأما المعقول فهو أنه لا معنى لتخصص العموم سوى صرف اللفظ عن جهة العموم
~~الذي هو حقيقة فيه، إلى جهة الخصوص بطريق المجاز، كما سبق تقريره، والتجوز
~~غير ممتنع في ذاته. ولهذا. لو قدرنا وقوعه، لم يلزم المحال عنه لذاته، ولا
~~بالنظر إلى وضع اللغة. ولهذا يصح من اللغوي أن يقول جاءني كل أهل البلد وإن
~~تخلف عنه بعضهم، ولا بالنظر إلى الداعي إلى ذلك والأصل عدم كل مانع سوى
~~ذلك، ويدل على جواز تخصيص الأوامر العامة، وإن لم نعرف فيها خلافا، قوله
~~تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) مع خروج أهل الذمة عنه، وقوله
~~تعالى: * (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38 * (والزانية
~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24) النور: 2) مع أنه ليس كل
~~سارق يقطع، ولا كل زان يجلد، وقوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر
~~مثل حظ الأنثيين) * (4) النساء: 11) مع خروج الكافر والرقيق والقاتل عنه.
# فإن قيل: القول بجواز تخصيص الخبر مما يوجب الكذب في الخبر، لما فيه من ms455
~~مخالفة المخبر للخبر، وهو غير جائز على الشارع، كما في نسخ الخبر.
# قلنا: لا نسلم لزوم الكذب، ولا وهم الكذب، بتقدير إرادة جهة المجاز،
~~وقيام الدليل على ذلك. وإلا كان القائل إذا قال: رأيت أسدا وأراد به
~~الانسان، أن يكون كاذبا، إذا تبينا أنه لم يرد الأسد الحقيقي، وليس كذلك
~~بالاجماع.
# وعلى هذا، فلا نسلم امتناع نسخ الخبر، كما سيأتي تقريره.
# المسألة الثانية اختلف القائلون بالعموم وتخصيصه، في الغاية التي يقع
~~انتهاء التخصيص إليها:
# فمنهم من قال بجواز انتهاء التخصيص في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد.
# ومنهم من أجاز ذلك في (من) خاصة دون ما عداها من أسماء الجموع، كالرجال
~~والمسلمين، وجعل نهاية التخصيص فيها أن يبقى تحتها ثلاثة. وهذا هو مذهب
~~القفال من أصحاب الشافعي، ومنهم من جعل نهاية التخصيص في جميع الألفاظ
~~العامة، جمعا كثيرا يعرف PageV02P283
# من مدلول اللفظ، وإن لم يكن محدودا، وهو مذهب أبي الحسين البصري، وإليه
~~ميل إمام الحرمين وأكثر أصحابنا.
# احتج من جوز الانتهاء في التخصيص إلى الواحد بالنص، والاطلاق، والمعنى.
# أما النص فقوله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون) * (15)
~~الحجر: 9) وأراد به نفسه وحده.
# وأما الاطلاق فقول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لسعد بن أبي وقاص، وقد
~~أنفذ إليه القعقاع مع ألف فارس قد أنفذت إليك ألفي رجل أطلق اسم الألف
~~الأخرى، وأراد بها القعقاع.
# وأما المعنى فمن وجهين:
# الأول: أنه لو امتنع الانتهاء في التخصيص إلى الواحد، فإما أن يكون لان
~~الخطاب صار مجازا، أو لأنه إذا استعمل اللفظ فيه، لم يكن مستعملا فيما هو
~~حقيقة فيه من الاستغراق، وكل واحد من الامرين لو قيل بكونه مانعا، لزم
~~امتناع تخصيص العام مطلقا، ولا بعدد ما، لأنه يكون مجازا في ذلك العدد وغير
~~مستعمل فيما هو حقيقة فيه. وذلك خلاف الاجماع.
# الثاني: أن استعمال اللفظ في الواحد من حيث إنه بعض من الكل، يكون مجازا،
~~كما في استعماله في الكثرة، فإذا جاز التجوز باللفظ العام عن الكثرة، فكذا
~~في الواحد. ms456
# ولقائل أن يقول: أما الآية فهي محمولة على تعظيم المتكلم وهو بمعزل عن
~~التخصيص بالواحد.
# وأما الاطلاق العمري فمحمول على قصد بيان أن ذلك الواحد قائم مقام الألف،
~~وهو غير معنى التخصيص. PageV02P284
# وأما المعنى الأول، فلا نسلم الحصر فيما قيل من القسمين، بل المنع من ذلك
~~إنما كان لعدم استعماله لغة. وأما المعنى الثاني فمبني على جواز إطلاق
~~اللفظ العام، وإرادة الواحد مجازا، وهو محل النزاع.
# وأما حجة أبي الحسين البصري فإنه قال: لو قال القائل قتلت كل من في
~~البلد، وأكلت كل رمانة في الدار وكان فيها تقدير ألف رمانة، وكان قد قتل
~~شخصا واحدا، أو ثلاثة. وأكل رمانة واحدة، أو ثلاث رمانات، فإن كلامه يعد
~~مستقبحا مستهجنا عند أهل اللغة. وكذلك إذا قال لعبده من دخل داري فأكرمه أو
~~قال لغيره من عندك وقال: أردت به زيدا وحده أو ثلاثة أشخاص معينة، أو غير
~~معينة، كان قبيحا مستهجنا، ولا كذلك فيما إذا حمل على الكثرة القريبة من
~~مدلول اللفظ، فإنه يعد موافقا مطابقا لوضع أهل اللغة.
# وهذه الحجة وإن كانت قريبة من السداد، وقد قلده فيها جماعة كثيرة، إلا أن
~~لقائل أن يقول: متى يكون ذلك مستهجنا منه، إذا كان مريدا للواحد من جنس ذلك
~~العدد الذي هو مدلول اللفظ، وقد اقترن به قرينة، أو إذا لم يكن؟
# الأول ممنوع، والثاني مسلم. وبيان ذلك، النص وصحة الاطلاق.
# أما النص فقوله تعالى: * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) *
~~(3) آل عمران: 173) وأراد بالناس القائلين، نعيم بن مسعود الأشجعي بعينه،
~~ولم يعد ذلك مستهجنا لاقترانه بالدليل.
# وأما الاطلاق فصحة قول القائل أكلت الخبز واللحم، وشربت الماء والمراد به
~~واحد من جنس مدلولات اللفظ العام، ولم يكن ذلك مستقبحا، لاقترانه بالدليل.
# نعم إذا أطلق اللفظ العام، وكان الظاهر منه إرادة الكل، وما يقاربه في
~~الكثرة، وهو مريد للواحد البعيد من ظاهر اللفظ، من غير اقتران دليل به يدل
~~عليه، فإنه يكون مستهجنا.
# وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فعليك ms457 بالاجتهاد في الترجيح.
~~PageV02P285
# الصنف الخامس - في أدلة تخصيص العموم وهي قسمان: متصلة ومنفصلة القسم
~~الأول في الأدلة المتصلة وهي أربعة أنواع: الاستثناء، والشرط، والصفة،
~~والغاية النوع الأول الاستثناء وفيه مقدمة ومسائل أما المقدمة، ففي معنى
~~الاستثناء، وصيغه، وأقسامه.
# أما الاستثناء، فقال الغزالي: هو قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن
~~المذكور به لم يرد بالقول الأول. وهو باطل من وجهين:
# الأول: أنه ينتقض بآحاد الاستثناءات، كقولنا: جاء القوم إلا زيدا فإنه
~~استثناء حقيقة، وليس بذي صيغ، بل صيغة واحدة، وهي: إلا زيدا.
# الثاني: أنه يبطل بالأقوال الموجبة لتخصيص العموم الخارجة عن الاستثناء،
~~فإنها صيغ مخصوصة، وهي محصورة لاستحالة القول بعدم النهاية في الألفاظ
~~الدالة، وهي دالة على أن المذكور بها لم يرد بالقول الأول، وليست من
~~الاستثناء في شئ، وذلك كما لو قال القائل رأيت أهل البلد، ولم أر زيدا،
~~واقتلوا المشركين، ولا تقتلوا أهل الذمة، ومن دخل داري فأكرمه، والفاسق
~~منهم أهنه، وأهل البلد كلهم علماء، وزيد جاهل إلى غير ذلك.
# وقال بعض المتبحرين من النحاة: الاستثناء إخراج بعض الجملة عن الجملة
~~بلفظ (إلا) أو ما يقوم مقامه، وهو منتقض بقول القائل رأيت أهل البلد، ولم
~~أر زيدا فإنه قائم مقام قوله: إلا زيدا، في إخراج بعض الجملة عن الجملة،
~~وليس باستثناء. PageV02P286
# وقيل: إنه عبارة عما لا يدخل في الكلام، إلا لاخراج بعضه بلفظ (إلا)، ولا
~~يستقل بنفسه، وهو أيضا مدخول من وجهين:
# الأول: أن الاستثناء لا لاخراج بعض الكلام، وإنما يكون إخراجا لبعض ما دل
~~عليه الكلام الأول، وفرق بين الامرين.
# الثاني: أنه لو قال القائل جاء القوم غير زيد فإنه استثناء مع أن لفظة
~~(غير) قد وجد فيها جميع ما ذكروه من القيود، سوى قوله: لا يدخل في الكلام
~~إلا لاخراج بعضه. فإن (غير) قد يدخل في الكلام لغرض النعتية، إذا لم يجز في
~~موضعها (إلا) كقولك: عندي درهم غير جيد فإنه لا يحسن أن تقول في موضعها
~~عندي درهم إلا جيدا فلا جرم كانت نعتا ms458 للدرهم، وتابعة له في إعرابه. وهذا
~~بخلاف ما إذا قلت عندي درهم غير قيراط فإن (غير) تكون استثنائية منصوبة
~~لامكان دخول إلا في موضعها. ويمكن أن يقال هاهنا إن النعتية ليست
~~استثنائية، فلا ترد على الحد.
# والمختار في ذلك أن يقال:
# الاستثناء عبارة عن لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه دال بحرف (إلا) أو
~~أخواتها على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به، ليس بشرط، ولا صفة، ولا غاية.
# فقولنا: (لفظ) احتراز عن الدلالات العقلية والحسية الموجبة للتخصيص.
# وقولنا: (متصل بجملة) احتراز عن الدلائل المنفصلة.
# وقولنا: (ولا يستقل بنفسه) احتراز عن مثل قولنا: قام القوم، وزيد لم يقم
~~وقولنا: (دال) احتراز عن الصيغ المهملة.
# وقولنا: (على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به) احتراز عن الأسماء المؤكدة
~~والنعتية.
# كقول القائل جاءني القوم العلماء كلهم. وقولنا: (بحرف إلا أو أخواتها)
~~احتراز عن قولنا قام القوم دون زيد. وفيه احتراز عن أكثر الالزامات السابق
~~ذكرها وقولنا: (ليس بشرط) احتراز عن قول القائل لعبده من دخل داري فأكرمه
~~إن كان مسلما وقولنا: (ليس بصفة) احتراز من قول القائل جاءني بنو تميم
~~الطوال PageV02P287
# وقولنا: (ليس بغاية) احتراز عن قول القائل لعبده (أكرم بني تميم أبدا إلى
~~أن يدخلوا الدار وهذا الحد مطرد منعكس لا غبار عليه.
# وإذا عرف معنى الاستثناء فصيغه كثيرة، وهي: إلا، وغير، وسوى، وخلا،
~~وحاشا، وعدا، وما عدا، وما خلا، وليس، ولا يكون، ونحوه. وأم الباب في هذه
~~الصيغ (إلا) لكونها حرفا مطلقا، ولوقوعها في جميع أبواب الاستثناء لا غير.
~~ولها أحكام مختلفة في الاعراب مستقصاة في كتب أهل الأدب، لا مناسبة لذكرها
~~فيما نحن فيه، كما قد فعله من غلب عليه حب العربية.
# وهو منقسم إلى الاستثناء من الجنس، ومن غير الجنس، كما يأتي تحقيقه عن
~~قريب إن شاء الله تعالى. ويجوز أن يكون متأخرا عن المستثنى منه، كما ذكرناه
~~من الأمثلة، وأن يكون متقدما عليه مع الاتصال، كقولك خرج إلا زيدا القوم
~~ومنه قول الكميت.
# فما لي إلا آل ms459 أحمد شيعة وما لي إلا مذهب الحق مذهب ويجوز الاستثناء من
~~الاستثناء من غير خلاف، كقول القائل له علي عشرة دراهم إلا أربعة، إلا
~~اثنين، ويدل عليه قوله تعالى: * (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) * (51)
~~الذاريات: 32) إلى قوله: * (إلا آل لوط، إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته) *
~~(15) الحجر: 59) استثنى إلى لوط من أهل القرية، واستثنى المرأة من الآل
~~المنجين من الهلاك. وهذا ما أردنا ذكره من المقدمة.
# وأما المسائل فخمس: PageV02P288
# المسألة الأولى شرط صحة الاستثناء عند أصحابنا، وعند الأكثرين أن يكون
~~متصلا بالمستثنى منه حقيقة، من غير تخلل فاصل بينهما، أو في حكم المتصل،
~~وهو ما لا يعد المتكلم به آتيا به بعد فراغه من كلامه الأول عرفا، وإن تخلل
~~بينهما فاصل بانقطاع النفس أو سعال مانع من الاتصال حقيقة.
# ونقل عن ابن عباس أنه كان يقول بصحة الاستثناء المنفصل، وإن طال الزمان
~~شهرا.
# وذهب بعض أصحاب مالك إلى جواز تأخير الاستثناء لفظا لكن مع إضمار
~~الاستثناء متصلا بالمستثنى منه، ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين
~~الله تعالى.
# ولعله مذهب ابن عباس.
# وذهب بعض الفقهاء إلى صحة الاستثناء المنفصل في كتاب الله تعالى دون
~~غيره.
# حجة القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه:
# الأول: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من حلف على شئ فرأى
~~غيره خيرا منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه وروي فليكفر عن يمينه
~~وليأت الذي هو خير ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحا لأرشد النبي صلى الله
~~عليه وسلم، إليه لكونه طريقا مخلصا للحالف عند تأمل الخير، في البر وعدم
~~الحنث، لان النبي صلى الله عليه وسلم إنما يقصد التيسير والتسهيل، ولا يخفى
~~أن الاستثناء أيسر وأسهل من التكفير، فحيث لم يرشد إليه دل على عدم صحته.
# الثاني: أن أهل اللغة لا يعدون ذلك كلاما منتظما، ولا معدودا من كلام
~~العرب، ولهذا فإنه لو قال: لفلان علي عشرة دراهم ثم قال بعد شهر أو سنة إلا
~~درهما وقال رأيت بني تميم ثم قال بعد ms460 شهر إلا زيدا فإنه لا يعد استثناء ولا
~~كلاما صحيحا، كما لو قال رأيت زيدا ثم قال بعد شهر قائما فإنهم لا يعدونه
~~بذلك مخبرا عن زيد بشئ، وكذلك لو قال السيد لعبده أكرم زيدا ثم قال بعد شهر
~~إن دخل داري فإنهم لا يعدون ذلك شرطا. PageV02P289
# الثالث: أنه لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل، لما علم صدق صادق، ولا كذب
~~كاذب، ولا حصل وثوق بيمين، ولا وعد ولا وعيد، ولا حصل الجزم بصحة عقد نكاح،
~~وبيع وإجارة ولا لزوم معاملة أصلا، لامكان الاستثناء المنفصل، ولو بعد حين
~~ولا يخفى ما في ذلك من التلاعب وإبطال التصرفات الشرعية، وهو محال.
# احتج الخصوم بأربعة أمور:
# الأول: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: والله لأغزون
~~قريشا. ثم سكت، وقال بعده: إن شاء الله ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت،
~~لما فعله، لكونه مقتدى به.
# وأيضا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم، أنه سألته اليهود عن عدة أهل الكهف
~~وعن مدة لبثهم فيه، فقال: غدا أجيبكم ولم يقل إن شاء الله فتأخر عنه الوحي
~~مدة بضعة عشر يوما، ثم نزل عليه * (ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا
~~مراء ظاهرا) * (28) الكهف: 22)، إلى قوله * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك
~~غدا، إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت) * (28) الكهف: 23، 24).
# فقال: إن شاء الله بطريق الالحاق بخبره الأول. ولو لم يكن ذلك صحيحا، لما
~~فعله.
# الثاني: أن ابن عباس ترجمان القرآن، ومن أفصح فصحاء العرب، وقد قال بصحة
~~الاستثناء المنفصل. وذلك يدل على صحته.
# الثالث: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول، فجاز تأخيره، كالنسخ
~~والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم.
# الرابع: أن الاستثناء رافع لحكم اليمين، فجاز تأخيره، كالكفارة.
~~PageV02P290
# والجواب عن الخبر الأول أن سكوته قبل الاستثناء يحتمل أنه من السكوت الذي
~~لا يخل بالاتصال الحكمي، كما أسلفناه، ويجب الحمل عليه موافقة لما ذكرناه
~~من الأدلة.
# وعن الخبر الثاني أن قوله صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله، ليس عائدا
~~إلى خبر ms461 الأول، بل إلى ذكر ربه، إذا نسي، تقديره أذكر ربي إذا نسيت إن شاء
~~الله. وذلك كما إذا قال القائل لغيره افعل كذا فقال: إن شاء الله، أي أفعل
~~إن شاء الله.
# وعن المنقول عن ابن عباس، إن صح ذلك. فلعله كان يعتقد صحة إضمار
~~الاستثناء، ويدين المكلف بذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وإن تأخر
~~الاستثناء لفظا، وهو غير ما نحن فيه، وإن لم يكن كذلك فهو أيضا مخصوم بما
~~ذكرناه من الأدلة واتفاق أهل اللغة على إبطاله ممن سواه.
# وعن الوجه الثالث: أنه قياس في اللغة، فلا يصح لما سبق. ثم هو منقوض
~~بالخبر والشرط، كما سبق. كيف والفرق بين التخصيص والاستثناء واقع من جهة
~~الجملة من حيث إن التخصيص قد يكون بدليل العقل والحس، ولا كذلك الاستثناء
~~وبينه وبين النسخ، أن النسخ مما يمتنع اتصاله بالمنسوخ، بخلاف الاستثناء.
# وعن الوجه الرابع بالفرق، وهو أن الكفارة رافعة لاثم الحنث، لا لنفس
~~الحنث، والاستثناء مانع من الحنث، فما التقيا في الحكم حتى يصح قياس أحدهما
~~على الآخر. كيف وإن الخلاف إنما وقع في صحة الاستثناء المنفصل من جهة
~~اللغة، لا من جهة الشرع، ولا قياس في اللغة على ما سبق.
# المسألة الثانية اختلف العلماء في صحة الاستثناء من غير الجنس: فجوزه
~~أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين والنحاة،
~~ومنع منه الأكثرون.
# وأما أصحابنا، فمنهم من قال بالنفي، ومنهم من قال بالاثبات. PageV02P291
# احتج من قال بالبطلان بأن الاستثناء استفعال مأخوذ من الثني، ومنه تقول:
# ثنيت الشئ إذا عطفت بعضه على بعض، وثنيت فلانا عن رأيه، وثنيت عنان
~~الفرس.
# وحقيقته أنه استخراج بعض ما تناوله اللفظ، وذلك غير متحقق في مثل قول
~~القائل رأيت الناس إلا الحمر لان الحمر المستثناة غير داخلة في مدلول
~~المستثنى منه، حتى يقال بإخراجها وثنيها عنه، بل الجملة الأولى باقية
~~بحالها، لم تتغير، ولا تعلق للثاني بالأول أصلا. ومع ذلك فلا تحقق
~~للاستثناء من اللفظ، ولا يمكن أن يقال بصحة الاستثناء بناء ms462 على ما وقع به
~~الاشتراك من المعنى، بين والمستثنى منه، وإلا لصح استثناء كل شئ من كل شئ،
~~ضرورة أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في معنى عام لهما، وليس كذلك. كيف
~~وأنه لو قال القائل جاء العلماء إلا الكلاب، وقدم الحاج إلا الحمير كان
~~مستهجنا لغة وعقلا، وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافا إلى أهل اللغة.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الاستثناء مأخوذ من الثني، بل من التثنية،
~~وكأن الكلام كان واحدا فثنى، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.
# فإن قيل: لو كان الاستثناء مأخوذا من التثنية، لكان كل ما وجد فيه معنى
~~التثنية من الكلام استثناء، وليس كذلك.
# قلنا: ولو كان مأخوذا من الثني، لكان كل ما وجد فيه الثني والعطف
~~استثناء، وليس كذلك. ولهذا لا يقال لمن عطف الثوب بعضه على بعض، أو عطف
~~عنان الفرس إنه استثناء.
# قولكم إن الاستثناء استخراج بعض ما تناوله اللفظ دعوى في محل النزاع،
~~وكيف يدعى ذلك مع قول الخصم بصحة الاستثناء من غير الجنس، ولا دخول
~~للمستثنى تحت المستثنى منه. وما ذكرتموه من الاستقباح لا يدل على امتناع
~~صحته في اللغة. ولهذا فإنه لو قال القائل في دعائه يا رب الكلاب والحمير
~~وخالقهم، ارزقني وأعطني كان مستهجنا، وإن كان صحيحا من جهة اللغة والمعنى.
# ثم وإن سلمنا امتناع صحة الاستثناء من نفس الملفوظ به مطابقة، فما المانع
~~من صحته، نظرا إلى ما وقع به الاشتراك بين المستثنى والمستثنى منه في
~~المعنى اللازم PageV02P292
# المدلول للفظ مطابقه، كما قال الشافعي إنه لو قال القائل: لفلان علي مائة
~~درهم إلا ثوبا فإنه يصح، ويكون معناه إلا قيمة ثوب، لاشتراكهما في ثبوت صفة
~~القيمة لهما، وكما قاله أبو حنيفة في استثناء المكيل من الموزون، وبالعكس،
~~لاشتراكهما في علة الربا.
# قولكم: لو صح ذلك لصح استثناء كل شئ من كل شئ، ليس كذلك.
# وما المانع أن تكون صحة الاستثناء مشروطة بمناسبة بين المستثنى والمستثنى
~~منه، كما إذا قال القائل ليس لي نخل ms463 إلا شجر، ولا إبل إلا بقر، ولا بنت إلا
~~ذكر ولا كذلك فيما إذا قال ليس لفلان بنت إلا أنه باع داره.
# وأما القائلون بالصحة، فقد احتجوا بالمنقول والمعقول:
# أما المنقول، فمن جهة القرآن، والشعر، والنثر.
# أما القرآن، فقوله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا
~~إبليس لم يكن من الساجدين) * (7) الأعراف: 11) وإبليس لم يكن من جنس
~~الملائكة، لقوله تعالى في آية أخرى * (إلا إبليس كان من الجن، ففسق عن أمر
~~ربه) * (18) الكهف: 50) والجن ليسوا من جنس الملائكة، ولأنه كان مخلوقا من
~~نار على ما قال * (خلقتني من نار) * (7) الأعراف: 12) والملائكة من نور،
~~ولأن إبليس له ذرية على ما قال تعالى * (أفتتخذونه وذريته أولياء) * (18)
~~الكهف: 50) ولا ذرية للملائكة، فلا يكون من جنسهم، وهو مستثنى منهم. وقوله
~~تعالى: * (أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي،
~~إلا رب العالمين) * (26) الشعراء: 75، 77) استثنى الباري تعالى من جملة ما
~~كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها، والباري تعالى ليس من جنس شئ من
~~المخلوقات. وقوله تعالى: * (وما لهم به من علم إلا اتباع الظن) * (4)
~~النساء: 157) استثنى الظن من العلم، وليس من جنسه. وقوله تعالى * (لا
~~يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما) * (56) الواقعة: 25)
~~استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه، وقوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم
~~بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (4) النساء: 29)
~~والتجارة ليست من جنس الباطل، وقد استثناها منه. وقوله تعالى:
# * (فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون، إلا رحمة منا) * (36) يس: 43) استثنى
~~الرحمة من نفي الصريخ والانقاذ، وليست من جنسه. وقوله تعالى: * (لا عاصم
~~اليوم من أمر الله إلا من رحم) * (11) هود: 43) ومن رحم ليس بعاصم، بل
~~معصوم، وليس المعصوم من جنس العاصم. PageV02P293
# وقوله تعالى: * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ) * (4) النساء:
~~92) استثنى الخطأ من القتل، وليس من جنسه.
# وأما الشعر فمن ذلك قول القائل منهم:
# وبلدة ليس بها أنيس * * إلا اليعافير وإلا العيس والعيس ليست من جنس
~~الأنيس.
# وقال النابغة الذبياني:
# وقفت فيها أصيلا ms464 لا أسائلها * * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري
~~لأيا ما أبينها * * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد والأواري ليست من جنس
~~الأحد.
# وقال:
# ولا عيب فينا غير أن سيوفنا * * بهن فلول من قراع الكتائب وليس فلول
~~السيوف عيبا لأربابها، بل فخرا لهم، وقد استثناها من العيوب وليست من
~~جنسها.
# وأما النثر فقول العرب: ما زاد إلا ما نقص، وما بالدار أحد إلا الوتد،
~~وما جاءني زيد إلا عمرو. استثنوا النقص من الزيادة، والوتد من أحد، وعمرا
~~من زيد، وليس من جنسه. PageV02P294
# وأما المعقول فهو أن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه، فصح، كاستثناء
~~الدراهم من الدنانير، وبالعكس.
# ولقائل أن يقول: أما الآية الأولى، فلا نسلم أن إبليس لم يكن من جنس
~~الملائكة. قولكم إنه كان من الجن، قلنا: لا منافاة بين الامرين: فإنه قد
~~قال ابن عباس وغيره من المفسرين إن إبليس كان من الملائكة من قبيل يقال لهم
~~الجن، لأنهم كانوا خزان الجنان، وكان إبليس رئيسهم، وتسميته جنيا لنسبته
~~إلى الجنة، كما يقال بغدادي ومكي. ويحتمل أنه سمي بذلك لاجتنانه واختفائه،
~~ويدل على كونه من الملائكة أمران: الأول: أن الله تعالى استثناه من
~~الملائكة، والأصل أن يكون من جنسهم للاتفاق على صحة الاستثناء من الجنس
~~ووقع الخلاف في غيره.
# الثاني: أن الامر بالسجود لآدم إنما كان للملائكة بدليل قوله تعالى: *
~~(وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم) * (2) البقرة: 34) ولو لم يكن، إبليس من
~~الملائكة، لما كان عاصيا للامر المتوجه إلى الملائكة، لكونه ليس منهم، إذ
~~الأصل عدم أمر وراء ذلك الامر.
# ودليل عصيانه قوله تعالى: * (إلا إبليس أبى واستكبر، وكان من الكافرين) *
~~(2) البقرة: 34).
# قولكم إن إبليس له ذرية، ليس في ذلك ما ينافي كونه من جنس الملائكة.
# فلئن قلتم بأن التوالد لا يكون إلا من ذكر وأنثى والملائكة لا إناث فيهم،
~~بدليل قوله تعالى: * (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) * (43)
~~الزخرف: 19) ذكر ذلك في معرض الانكار والتوعد على قول ذلك.
# قلنا: إنما يلزم من ذلك الإناث في الملائكة أن لو ms465 امتنع حصول الذرية إلا
~~من جنسين، وهو غير مسلم.
# قولكم: إن إبليس مخلوق من نار، والملائكة من نور، لا منافاة أيضا بين ذلك
~~وبين كونه من الملائكة.
# وأما الآية الثانية، فاستثناء الرب تعالى فيها من المعبودين، وذلك قوله:
# * (ما كنتم تعبدون) * (26) الشعراء: 75) وهم كانوا ممن يعبد الله مع
~~الأصنام، لأنهم كانوا مشركين، لا جاحدين لله تعالى، فلا يكون الاستثناء من
~~غير الجنس. PageV02P295
# وأما الآية الثالثة، فجوابها من وجهين: الأول: أن قوله تعالى: * (وما لهم
~~به من علم إلا اتباع الظن) * (4) النساء: 157) عام في كل ما يسمى علما،
~~والظن يسمى علما، ودليله قوله تعالى * (فإن علمتموهن مؤمنات) * (60)
~~الممتحنة: 10) وأراد إن ظننتموهن لاستحالة اليقين بذلك، وذلك إن كان من
~~الأسماء المتواطئة، فلا يكون الاستثناء من غير الجنس، وإن كان من الأسماء
~~المشتركة أو المجازية، فهو من جملة الأسماء العامة كما سبق.
# الثاني: أن (إلا) فيها ليست للاستثناء، بل هي بمعنى (لكن) وكذلك الحكم
~~فيما بعدها من الآيات.
# وأما استثناء (اليعافير والعيس) من (الأنيس)، فليس استثناء من غير الجنس،
~~لأنها مما يؤنس بها، فهي من جنس الأنيس، وإن لم تكن من جنس الانس، بل وقد
~~يحصل الانس بالآثار والأبنية والأشجار، فضلا عن الحيوان.
# وأما استثناء (الأواري) من (أحد) فإنما كان لأنه كما يطلق الأحد على
~~الآدمي، فقد يطلق على غيره من الحيوانات والجمادات ولذلك يقال: رأيت أحد
~~الحمارين، وركبت أحد الفرسين، ورميت أحد الحجرين وأحد السهمين، فلم يكن
~~الاستثناء من غير الجنس من حيث إن الأواري مما يصدق عليها لفظة (أحد)
~~وبتقدير أن لا يكون من الجنس، فإلا ليست استثنائية حقيقة، بل بمعنى (لكن)
~~كما سبق.
# وأما (فلول السيوف) فهو عيب في السيوف، وإن كان يسبب فلولها فخرا ومدحة
~~لأربابها، فهو في الجملة استثناء من الجنس.
# وقول العرب: (ما زاد إلا ما نقص) تقديره: ما زاد شئ إلا الذي نقص أي
~~ينقص، وهو استثناء من الجنس.
# وقولهم: (ما في الدار أحد إلا الوتد) فجوابه كما سبق في (الأواري) من
~~(أحد).
# وقوله: (ما جاءني ms466 زيد إلا عمرو) فإلا بمعنى (لكن).
# وما ذكروه من المعقول، قولهم: إن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه،
~~فشئ لا إشعار له بصحة الاستثناء من غير الجنس. PageV02P296
# وأما استثناء (الدراهم) من (الدنانير) وبالعكس، فهو أيضا محل النزاع عند
~~القائلين بعدم صحة الاستثناء من غير الجنس، وإن تكلف بيان صحة الاستثناء من
~~جهة اشتراكهما في النقدية وجوهرية الثمنية فآيل إلى الاستثناء من الجنس.
# المسألة الثالثة اتفقوا على امتناع الاستثناء المستغرق كقوله: له علي
~~عشرة إلا عشرة وإنما اختلفوا في استثناء النصف والأكثر، فذهب أصحابنا وأكثر
~~الفقهاء والمتكلمين إلى صحة استثناء الأكثر حتى إنه لو قال له علي عشرة إلا
~~تسعة لم يلزمه سوى درهم واحد.
# القاضي أبو بكر في آخر أقواله، والحنابلة وابن درستويه النحوي إلى المنع
~~من ذلك، وزاد القاضي أبو بكر والحنابلة القول بالمنع من استثناء المساوي.
# وقد نقل عن بعض أهل اللغة استقباح استثناء عقد صحيح، فلا يقول: له علي
~~مائة إلا عشرة، بل خمسة، أو غير ذلك.
# احتج من قال بصحة استثناء الأكثر والمساوي بالمنقول، والمعقول، والحكم.
# أما المنقول، فمن جهة القرآن، والشعر.
# أما القرآن فقوله تعالى: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من
~~الغاوين) * (15) الحجر: 42) وقال * (لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم
~~المخلصين) * (38) ص: 83) فإن استووا، فقد استثنى المساوي، وإن تفاوتوا،
~~فأيهما كان أكثر، فقد استثناه.
# كيف وإن الغاوين أكثر، بدليل قوله تعالى * (وقليل من عبادي الشكور) *
~~(34) سبأ: 13) وقوله تعالى: * (ولا تجد أكثرهم شاكرين) * (7) الأعراف: 17)
~~وقوله تعالى: * (وما أكثر الناس، ولو حرصت، بمؤمنين) * (12) يوسف: 103)
~~ولكن أكثرهم لا يعقلون، ولا يؤمنون.
# وأما الشعر فقوله:
# أدوا التي نقصت تسعين من مائة * * ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا
~~PageV02P297
# وأما المعقول فهو أن الاستثناء لفظ يخرج من الجملة ما لولاه لدخل فيها،
~~فجاز إخراج الأكثر به، كالتخصيص بالدليل المنفصل، كاستثناء الأقل.
# هذا ما يخص الأكثر، وأما المساوي فدليله قوله تعالى: * (يا أيها المزمل
~~قم الليل إلا قليلا نصفه) * (73) المزمل: 1) استثنى النصف، وليس بأقل.
# وأما الحكم فعام للأكثر والمساوي، وهو ms467 أنه لو قال له علي عشرة واستثنى
~~منها خمسة، أو تسعة، فإنه يلزمه في الأول خمسة، وفي الثاني درهم، باتفاق
~~الفقهاء.
# ولولا صحة الاستثناء لما كان كذلك.
# وفي هذه الحجج ضعف، إذ لقائل أن يقول: أما الآية فالغاوون فيها، وإن
~~كانوا أكثر من العباد المخلصين، بدليل النصوص المذكورة، فلا نسلم أن (إلا)
~~في قوله إلا من اتبعك من الغاوين للاستثناء، بل هي بمعنى (لكن). وإن سلمنا
~~أنها للاستثناء، ولكن نحن إنما نمنع من استثناء الأكثر، إذا كان عدد
~~المستثنى والمستثنى منه مصرحا به، كما إذا قال له علي مائة إلا تسعة وتسعين
~~درهما وأما إذا لم يكن العدد مصرحا به، كما إذا قال له خذ ما في الكيس من
~~الدراهم سوى الزيوف منها فإنه يصح، وإن كانت الزيوف في نفس الامر أكثر في
~~العدد، وكما إذا قال جاءني بنو تميم سوى الأوباش منهم فإنه يصح من غير
~~استقباح وإن كان عدد الأوباش منهم أكثر.
# وأما الشعر، فلا استثناء فيه، بل معناه: أدوا المائة التي سقط منها
~~تسعون، ولا يلزم أن يكون سقوطها بطريق الاستثناء.
# وما ذكروه من المعقول فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وهو فاسد، كما
~~سبق.
# كيف والفرق بين الأصل والفرع واقع من جهة الاجمال. PageV02P298
# أما التخصيص فمن جهة أنه قد يكون بدليل منفصل، وبغير دليل لفظي، كما
~~يأتي.
# وأما استثناء الأقل، فلكونه غير مستقبح، كما إذا قال له علي عشرة إلا
~~درهما ولا كذلك قوله له علي مائة إلا تسعة وتسعين.
# وأما قوله تعالى: * (يا أيها المزمل) * (73) المزمل: 1) فلا دلالة فيه
~~على جواز استثناء النصف، إذ النصف غير مستثنى، وإنما هو ظرف للقيام فيه،
~~وتقديره: قم الليل ونصفه إلا قليلا.
# وأما الحكم فدعوى الاتفاق عليه خطأ، فإن من لا يرى صحة استثناء الأكثر
~~والمساوي، فهو عنده بمنزلة الاستثناء المستغرق. ولو قال له علي عشرة إلا
~~عشرة لزمه العشرة، وإنما ذهب إلى ذلك الفقهاء القائلون بصحة استثناء الأكثر
~~والمساوي.
# وأما من قال بامتناع صحة استثناء الأكثر والمساوي، فقد ms468 احتج بأن
~~الاستثناء على خلاف الأصل، لكونه إنكارا بعد إقرار، وجحدا بعد اعتراف. غير
~~أنا خالفناه في استثناء الأقل لمعنى لم يوجد في المساوي والأكثر، فوجب أن
~~لا يقال بصحته فيه.
# وبيان ذلك من وجهين:
# الأول: أن المقر ربما أقر بمال، وقد وفى بعضه، غير أنه نسيه لقلته، وعند
~~إقراره ربما تذكره فاستثناه. فلو لم يصح استثناؤه لتضرر، ولا كذلك في
~~الأكثر والنصف، لأنه قلما يتفق الذهول عنه.
# والثاني: أنه إذا قال له علي مائة إلا درهما لم يكن مستقبحا وإذا قال له
~~علي مائة إلا تسعة وتسعين كان مستقبحا والمستقبح في لغة العرب لا يكون من
~~لغتهم.
# وهذه الحجة ضعيفة أيضا، إذ لقائل أن يقول: لا نسلم أن الاستثناء على خلاف
~~الأصل، والقول بأنه إنكار بعد إقرار أنما يصح ذلك أن لو لم يكن المستثنى
~~والمستثنى منه جملة واحدة وإلا فلا. وإن سلمنا عدم الاتحاد، ولكن لا نسلم
~~مخالفة ذلك الأصل، بل الأصل قبوله لامكان صدق المتكلم به، ودفعا للضرر عنه،
~~ويجب اعتقاد ذلك حتى لا يكون قبول ذلك في استثناء الأقل على خلاف الأصل.
~~والقول بأن ذلك مستقبح ركيك في لغة العرب ليس فيه ما يمنع مع ذلك من
~~استعماله.
# ولهذا، فإنه لو قال له علي عشرة إلا درهما كان مستحسنا ولو قال له علي
~~عشرة إلا دانقا ودانقا... إلى تمام عشرين مرة، كان في غاية الاستقباح، وما
~~منع ذلك من صحته واستعماله لغة. PageV02P299
# المسألة الرابعة الجمل المتعاقبة بالواو، إذا تعقبها الاستثناء رجع إلى
~~جميعها عند أصحاب الشافعي رضي الله عنه، وإلى الجملة الأخيرة عند أصحاب أبي
~~حنيفة.
# وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة: إن كان
~~الشروع في الجملة الثانية إضرابا عن الأولى،، ولا يضمر فيها شئ مما في
~~الأولى، فالاستثناء مختص بالجملة الأخيرة، لان الظاهر أنه لم ينتقل عن
~~الجملة الأولى، مع استقلالها بنفسها إلى غيرها، إلا وقد تم مقصوده منها.
# وذلك على أقسام أربعة:
# الأول: أن تختلف الجملتان نوعا، كما لو قال ms469 أكرم بني تميم، والنحاة
~~البصريون إلا البغاددة إذ الجملة الأولى أمر، والثانية خبر.
# القسم الثاني: أن تتحدا نوعا وتختلفا اسما وحكما، كما لو قال أكرم بني
~~تميم، واضرب ربيعة إلا الطوال إذ هما أمران.
# الثالث: أن تتحدا نوعا، وتشتركا حكما، لا اسما كما لو قال سلم على بني
~~تميم، وسلم على بني ربيعة إلا الطوال.
# الرابع: أن تتحدا نوعا، وتشتركا اسما لا حكما، ولا يشترك الحكمان في غرض
~~من الاغراض، كما لو قال سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال.
# وأقوى هذه الأقسام في اقتضاء اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة القسم
~~الأول، ثم الثاني، ثم الثالث والرابع.
# وأما إن لم تكن الجملة الأخيرة مضربة عن الأولى، بل لها بها نوع تعلق،
~~فالاستثناء راجع إلى الكل. وذلك أربعة أقسام.
# القسم الأول: أن تتحد الجملتان نوعا واسما، لا حكما غير أن الحكمين قد
~~اشتركا في غرض واحد، كما لو قال أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا
~~الطوال لاشتراكهما في غرض الاعظام. PageV02P300
# الثاني: أن تتحد الجملتان نوعا، وتختلفا حكما، واسم الأولى مضمر في
~~الثانية، كما لو قال أكرم بني تميم، واستأجرهم إلا الطوال.
# القسم الثالث: بالعكس من الذي قبله، كما لو قال أكرم بني تميم وربيعة إلا
~~الطوال.
# القسم الرابع: أن يختلف نوع الجمل المتعاقبة، إلا أنه قد أضمر في الجملة
~~الأخيرة ما تقدم، أو كان غرض الاحكام المختلفة فيها واحدا، كما في آية
~~القذف، فإن جملها مختلفة النوع من حيث إن قوله تعالى * (فاجلدوهم ثمانين
~~جلدة) * (24) النور: 4) أمر، وقوله * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * (24)
~~النور: 4) نهي، وقوله * (وأولئك هم الفاسقون) * (24) النور: 4) خبر. غير
~~أنها داخلة تحت القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة، لاشتراك أحكام هذه
~~الجمل في غرض الانتقام والإهانة، وداخلة تحت القسم الثاني، من جهة إضمار
~~الاسم المتقدم فيها.
# وذهب المرتضى من الشيعة إلى القول بالاشتراك، وذهب القاضي أبو بكر
~~والغزالي وجماعة من الأصحاب إلى الوقف.
# والمختار انه، مهما ظهر كون (الواو) للابتداء فالاستثناء يكون مختصا
~~بالجملة الأخيرة، ms470 كما في القسم الأول من الأقسام الثانية المذكورة لعدم
~~تعلق إحدى الجملتين بالأخرى، وهو ظاهر. وحيث أمكن أن تكون (الواو) للعطف أو
~~الابتداء، كما في باقي الأقسام السبعة فالواجب إنما هو الوقف.
# وتحقيق ذلك متوقف على ذكر حجج المخالفين وإبطالها، ولنبدأ من ذلك بحجج
~~القائلين بالعود إلى الجميع:
# الحجة الأولى: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة،
~~ولهذا فإنه لا فرق في اللغة بين قوله اضرب الجماعة التي منها قتلة وسراق
~~وزناة، إلا من تاب وبين قوله اضرب من قتل وسرق وزنى، إلا من تاب فوجب
~~اشتراكهما في عود الاستثناء إلى الجميع، وهي غير صحيحة. وذلك لأنه إن قيل
~~إنه لا فارق بين الجملة والجملتين في أمر ما، لزم أن يكون المتكثر واحدا
~~والواحد متكثرا، وهو محال. وإن قيل بالفرق فلا بد من جامع موجب للاشتراك في
~~الحكم. ومع ذلك، فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، ولا سبيل إليه، لما
~~تقدم. PageV02P301
# الحجة الثانية: أن الاجماع منعقد على أنه لو قال والله لا أكلت الطعام،
~~ولا دخلت الدار، ولا كلمت زيدا واستثنى بقوله: إن شاء الله أنه يعود إلى
~~الجميع.
# وهذه الحجة أيضا باطلة، فإن العلماء، وإن أطلقوا لفظ الاستثناء على
~~التعليق على المشيئة، فمجاز، وليس باستثناء حقيقة، بل ذلك شرط، كما في قوله
~~إن دخلت الدار ويدل على كونه شرطا لا استثناء أنه يجوز دخوله على الواحد،
~~مع أن الواحد لا يدخله الاستثناء، وذلك كقوله أنت طالق إن شاء الله ولو قال
~~أنت طالق طلقة إلا طلقة لم يصح، ووقع به طلقة. وكذلك إذا قال له علي درهم
~~إلا درهما وإذا كان شرطا، فلا يلزم من عوده إلى الجميع عود الاستثناء، إلا
~~بطريق القياس، ولا بد من جامع مؤثر. ومع ذلك، يكون قياسا في اللغة، وهو
~~باطل بما سبق. وبهذا يبطل إلحاقهم الاستثناء بالشرط، وهو قولهم: الاستثناء
~~غير مستقل بنفسه، فكان عائدا إلى الكل، كالشرط، وهو ما إذا قال أكرم بني
~~تميم، وبني ربيعة إن دخلوا الدار في ms471 معنى قوله ان دخل بنو تميم وينو ربيعة
~~الدار فأكرمهم ولو صرح بذلك كان صحيحا، ولا كذلك في الاستثناء. ولهذا فإنه
~~لو قال إلا أن يتوبوا، اضرب بني تميم وبني ربيعة لا يكون صحيحا.
# الحجة الثالثة: أن الحاجة قد تدعو إلى الاستثناء من جميع الجمل، وأهل
~~اللغة مطبقون على أن تكرار الاستثناء في كل جملة مستقبح ركيك مستثقل، وذلك
~~كما لو قال إن دخل زيد الدار فاضربه، إلا أن يتوب، وإن زنى فاضربه إلا أن
~~يتوب فلم يبق سوى تعقب الاستثناء للجملة الأخيرة.
# ولقائل أن يقول: وإن كان ذلك مطولا، غير أنه يعرف شمول الاستثناء للكل
~~بيقين، فلا يكون مستقبحا، وإن كان مستقبحا، فإنما يمتنع أن لو كان وضع
~~اللغة مشروطا بالمستحسن وهو غير مسلم. ودليله أنه لو وقع الاستثناء كذلك،
~~فإنه يصح لغة ويثبت حكمه: ولولا أنه من وضع اللغة، لما كان كذلك.
~~PageV02P302
# الحجة الرابعة: إن الاستثناء صالح أن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس
~~البعض أولى من البعض، فوجب العود إلى الجميع، كالعام.
# ولقائل أن يقول: كونه صالحا للعود إلى الجميع غير موجب لذلك، ولهذا فإن
~~اللفظ إذا كان حقيقة في شئ ومجازا في شئ، فهو صالح للحمل على المجاز، ولا
~~يجب حمله على المجاز.
# وما ذكروه من الالحاق بالعموم فغير صحيح، لما علم مرارا.
# الحجة الخامسة: أنه لو قال علي خمسة وخمسة إلا ستة فإنه يصح. ولو كان
~~مختصا بالجملة الأخيرة لما صح، لكونه مستغرقا لها.
# قلنا: لا نسلم صحة الاستثناء على رأي لنا. وإن سلمنا فإنما عاد إلى
~~الجميع، لقيام الدليل عليه، وذلك لأنه لا بد من إعمال لفظه مع الامكان، وقد
~~تعذر استثناء الستة من الجملة الأخيرة، لكونه مستغرقا لها، وهو صالح للعود
~~إلى الجميع فحمل عليه: ومع قيام الدليل على ذلك، فلا نزاع، وإنما النزاع
~~فيما إذا ورد الاستثناء مقارنا للجملة الأخيرة من غير دليل يوجب عوده إلى
~~ما تقدم.
# الحجة السادسة: أنه لو قال القائل بنو تميم وربيعة أكرموهم إلا الطوال
~~فإن ms472 الاستثناء يعود إلى الجميع، فكذلك إذا تقدم الامر بالاكرام، ضرورة
~~اتحاد المعنى.
# ولقائل أن يقول: حاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة، وهو باطل لما
~~علم، كيف والفرق ظاهر، لأنه إذا تأخر الامر عن الجمل، فقد اقترن باسم
~~الجميع، وهو قوله أكرموهم بخلاف الامر المتقدم، فإنه لم يتصل باسم
~~الفريقين، بل باسم الفريق الأول.
# الحجة السابعة: أنه إذا قال القائل اضربوا بني تميم وبني ربيعة إلا من
~~دخل الدار فمعناه من دخل من الفريقين. ولقائل أن يقول: ليس تقدير هذا
~~المعنى أولى من تقدير إلا من دخل من ربيعة.
# وأما حجج القائلين بعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، فمن جهة النص
~~والمعقول. PageV02P303
# أما النص فقوله تعالى * (والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة
~~شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم
~~الفاسقون إلا الذين تابوا) * (24) النور: 4 - 5) فإنه راجع إلى قوله وأولئك
~~هم الفاسقون ولم يرجع إلى الجلد بالاتفاق.
# وأيضا قوله تعالى * (فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله) * (4)
~~النساء: 92) وقوله * (إلا أن يصدقوا) * (4) النساء: 92) راجع إلى الدية دون
~~الاعتاق بالاتفاق.
# قلنا: أما الآية الأولى، فلا نسلم اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة
~~منها، بل هو عائد إلى جميع الجمل عدا الجلد، لدليل دل عليه، وهو المحافظة
~~على حق الآدمي.
# أما الآية الأخرى، فإنما امتنع عود الاستثناء إلى الاعتاق، لأنه حق الله
~~تعالى، وتصدق الولي لا يكون مسقطا لحق الله تعالى.
# وأما من جهة المعقول فحجج:
# الحجة الأولى أن الاستثناء من الجملة إذا تعقبه استثناء كان الاستثناء
~~الثاني عائدا إلى الجملة الاستثنائية، لا إلى الجملة الأولى، فدل على
~~اختصاص الاستثناء بالجملة المقارنة دون المتقدمة، وإلا كان عدم عوده إلى
~~المتقدمة على خلاف الأصل، وذلك كما لو قال له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين
~~فإن الاستثناء الثاني يختص بالأربعة دون العشرة.
# ولقائل أن يقول: الاستثناء الثاني إما أن يكون بحرف عطف أو لا بحرف عطف.
~~فإن كان الأول، فهو راجع إلى الجملة المستثنى منها كقوله له علي عشرة إلا ms473
~~ثلاثة، وإلا اثنين فيكون المقر به خمسة. وإن كان الثاني، كقوله له علي عشرة
~~إلا أربعة إلا اثنين فإنما امتنع عوده إلى الجملة المستثنى منها لدليل، لا
~~لعدم اقتضائه لذلك لغة، وذلك، أن الاستثناء الثاني لو عاد إلى الجملة
~~المستثنى منها فإما أن يعود إليها لا غير، أو إليها وإلى الاستثناء: الأول
~~ممتنع، لان الاجماع منعقد على دخول الاستثناء الأول تحت الاستثناء الثاني،
~~فقطعه عنه ورده إلى الجملة المستثنى منها لا غير، يكون على خلاف الاجماع
~~وإن كان عائدا إلى الاستثناء والمستثنى والمستثنى منه فالمستثنى منه إثبات
~~فالاستثناء منه يكون نفيا، لان الاستثناء من الاثبات نفي، والاستثناء من
~~الاستثناء يكون إثباتا، لان الاستثناء من النفي إثبات PageV02P304
# على ما يأتي تقريره عن قريب، وذلك ممتنع لوجهين:
# الأول: أنه يلزم منه أن يكون قد أثبت لعوده إلى أحدهما مثل ما نفاه عن
~~الآخر، ويكون جابرا للنفي بالاثبات، ويبقى ما كان متحققا قبل الاستثناء
~~الثاني بحاله وفيه إلغاء الاستثناء الثاني وخروجه عن التأثير، وهو خلاف
~~الاجماع.
# الوجه الثاني: أنه يلزم منه أن يكون بعوده إلى الجملة الأولى قد نفى عنها
~~مثل ما أثبته لها بعوده إلى الاستثناء الثاني، فيكون الاستثناء الواحد
~~مقتضيا لنفي شئ وإثباته بالنسبة إلى شئ واحد، وهو محال.
# الحجة الثانية: أن الجملة الأخيرة حائلة بين الاستثناء والجملة الأولى،
~~فكان ذلك مانعا من العود إليها كالسكوت.
# ولقائل أن يقول: إنما يصح ذلك أن لو لم يكون الكلام كله بمنزلة جملة
~~واحدة.
# وأما إذا كان كالجملة الواحدة، فلا.
# الحجة الثالثة: أنه استثناء تعقب جملتين، فلا يكون بظاهره عائدا إليهما،
~~كما لو قال أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعة فأنه لا يعود إلى الجميع وإلا
~~لوقع به طلقتان لا ثلاث طلقات.
# قلنا: لا نسلم امتناع عوده إلى الجميع، بل هو عائد إلى الجميع، والواقع
~~طلقتان على رأي لنا. وإن سلمنا امتناع عوده إلى الجميع، فلان المعتبر من
~~قوله ثلاثا وثلاثا إنما هو الجملة الأولى دون الثانية. فلو عاد الاستثناء
~~إليها لكان مستغرقا وهو ms474 باطل.
# الحجة الرابعة: أن دخول الجملة الأولى تحت لفظه معلوم، ودخولها تحت
~~الاستثناء مشكوك فيه، والشك لا يرفع اليقين.
# قلنا: لا نسلم تيقن دخوله مع اتصال الاستثناء بالكلام، ثم وإن كان ذلك
~~مما يمنع من عود الاستثناء إلى الجمل المتقدمة، فهو مانع من اختصاصه
~~بالجملة الأخيرة لجواز عوده بالدليل إلى الجملة المتقدمة دون المتأخرة، ثم
~~يلزم منه أن لا يعود الشرط والصفة على باقي الجمل لما ذكروه، وهو عائد عند
~~أكثر القائلين باختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة. PageV02P305
# الحجة الخامسة: أنه لما كان الاستثناء مما تدعو الحاجة إليه، ولا يستقل
~~بنفسه دعت الحاجة إلى عوده إلى غيره، وهذه الحاجة والضرورة مندفعة بعوده
~~إلى ما يليه، فلا حاجة إلى عوده إلى غيره، إذ هو خارج عن محل الحاجة، وإنما
~~وجب اختصاصه بما يليه دون غيره لوجهين.
# الأول: أنه إذا ثبت اختصاصه بجملة واحدة وجب عوده إلى ما يليه لامتناع
~~عوده إلى غيره بالاجماع.
# الثاني: أنه قريب منه، والقرب مرجح، ولهذا وجب عود الضمير في قولهم جاء
~~زيد وعمرو أبوه منطلق إلى عمرو، لكونه أقرب مذكور، فكان ما يلي الفعل من
~~الاسمين اللذين لا يظهر فيهما الاعراب بالفاعلية أولى كقولهم ضربت سلمى
~~سعدى.
# وهذه الحجة أيضا مدخولة، إذ لقائل أن يقول ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم
~~تكن الحاجة ماسة إلى عود الاستثناء إلى كل ما تقدم، وذلك غير مسلم، وإذا
~~كانت الحاجة ماسة إلى عوده إلى كل ما تقدم، فلا تكون الحاجة مندفعة بعوده
~~إلى ما يليه فقط.
# ثم ما ذكرتموه منتقض بالشرط والصفة. وإن سلمنا أنه لا ضرورة، ولكن لم
~~قلتم بامتناع عوده إلى ما تقدم وإن لم تكن ثم ضرورة، ولهذا فإنه لو قام
~~دليل على إرادة عوده إلى الجميع فإنه يكون عائدا إليه إجماعا. وإنما الخلاف
~~في كونه حقيقة في الكلام أم لا.
# الحجة السادسة: ذكرها القلانسي، وهي أن قال: نصب ما بعد الاستثناء في
~~الاثبات إنما كان بالفعل المتقدم بإعانة (إلا) على ما هو مذهب أكابر
~~البصريين، فلو ms475 قيل إن الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل، لكان ما بعد (إلا)
~~منتصبا بالافعال المقدرة في كل جملة، ويلزم منه اجتماع عاملين على معمول
~~واحد، وذلك لا يجوز، لأنه بتقدير مضادة أحد العاملين في عمله للعامل الآخر
~~يلزم منه أن يكون المعمول الواحد مرفوعا منصوبا معا، وذلك كما لو قلت: ما
~~زيد بذاهب، ولا قام عمرو وهو PageV02P306
# محال، ولأنه إما أن يكون كل واحد مستقلا بالاعمال أو لا كل واحد منهما
~~مستقل، أو المستقل البعض دون البعض. فإن كان الأول، لزم من ذلك عدم استقلال
~~كل واحد، ضرورة أنه لا معنى لكون كل واحد مستقلا، إلا أن الحكم ثبت به دون
~~غيره.
# وإن كان الثاني، فهو خلاف الفرض، وإن كان الثالث، فليس البعض أولى من
~~البعض.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا قال قام القوم إلا زيدا أن زيدا منصوب
~~بقام، وإن سلمنا أنه منصوب بقام، لكن بالفعل المحقق أو المقدر في كل جملة.
# الأول مسلم، والثاني ممنوع. والفعل المحقق غير زائد على واحد.
# وأما حجج القائلين بالاشتراك فثلاث:
# الحجة الأولى: أنه يحسن الاستفهام من المتكلم عن إرادة عود الاستثناء إلى
~~ما يليه أو إلى الكل، ولو كان حقيقة في أحد هذه المحامل دون غيره، لما حسن
~~ذلك، وذلك يدل على الاشتراك وهذه الحجة مدخولة، لجواز أن يكون الاستفهام
~~لعدم المعرفة بالمدلول الحقيقي والمجازي أصلا، كما تقوله الواقفية، أو لأنه
~~حقيقة في البعض، مجاز في البعض، والاستفهام للحصول على اليقين ودفع
~~الاحتمال البعيد، كما بيناه فيما تقدم.
# الحجة الثانية: أنه يصح إطلاق الاستثناء، وإرادة عوده إلى ما يليه، وإلى
~~الجمل كلها، وإلى بعض الجمل المتقدمة دون البعض، بإجماع أهل اللغة، والأصل
~~في الاطلاق الحقيقة، والمعاني مختلفة، فكان مشتركا.
# ولقائل أن يقول: متى يكون الأصل في الاطلاق الحقيقة إذا أفضى إلى
~~الاشتراك المخل بمقصود أهل الوضع من وضعهم أو إذا لم يفض؟
# الأول ممنوع، والثاني مسلم. ثم وإن كان ذلك هو الأصل مطلقا، غير أنه أمر
~~ظني، ولم قلتم بإمكان التمسك ms476 به فيما نحن فيه، على ما هو معلوم من قاعدة
~~الواقفية.
# الحجة الثالثة: أن الاستثناء فضلة لا تستقل بنفسها، فكان احتمال عوده إلى
~~ما يليه، وإلى جميع الجمل مساويا، كالحال وظرف الزمان والمكان في قوله ضربت
~~زيدا وعمرا قائما في الدار يوم الجمعة.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة ما ذكره في الحال والظرف بل هو عائد إلى
~~الكل أو ما يليه على اختلاف المذهبين، وإن سلم ذلك، غير أنه آئل إلى القياس
~~في اللغة، وهو باطل كما سبق. PageV02P307
# المسألة الخامسة مذهب أصحابنا أن الاستثناء من الاثبات نفي، ومن النفي
~~إثبات، خلافا لأبي حنيفة.
# ودليلنا في ذلك أن القائل إذا قال لا إله إلا الله كان موحدا مثبتا
~~للألوهية لله سبحانه وتعالى، ونافيا لها عما سواه. ولو كان نافيا للألوهية
~~عما سوى الرب تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى الرب تعالى، لما كان ذلك
~~توحيدا لله تعالى، لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله تعالى، وذلك خلاف
~~الاجماع.
# وأيضا فإنه إذا قال القائل: لا عالم في البلد إلا زيد كان ذلك من أدل
~~الألفاظ على علم زيد وفضيلته، وكان ذلك متبادرا إلى فهم كل سامع لغوي، ولو
~~كان نافيا للعلم عما سوى زيد، غير مثبت للعلم لزيد، لما كان كذلك. وعلى هذا
~~النحو في كل ما هو من هذا القبيل.
# فإن قيل: لو كان الاستثناء من النفي إثباتا، لكان قوله، صلى الله عليه
~~وسلم لا صلاة إلا بطهور، ولا نكاح إلا بولي، ولا تبيعوا البر بالبر إلا
~~سواء بسواء مقتضيا تحقق الصلاة عند وجود الطهور، والنكاح عند وجود الولي،
~~والبيع عند المساواة ولما لم يكن كذلك، علم أن المراد بالاستثناء إخراج
~~المستثنى عن دخوله في المستثنى منه، وأنه غير متعرض لنفيه ولا إثباته.
# قلنا: الطهور والولي والمساواة لا يصدق عليه اسم ما استثني منه، فكان
~~استثناء من غير الجنس، وهو باطل بما تقدم، وإنما سبق ذلك لبيان اشتراط
~~الطهور في الصلاة، والولي في النكاح، والمساواة في صحة بيع البر بالبر.
~~والشرط ms477 وإن لزم من فواته فوات المشروط، فلا يلزم من وجوده وجود المشروط
~~لجواز انتفاء المقتضي أو فوات شرط آخر، أو وجود مانع، والله أعلم.
~~PageV02P308
# النوع الثاني التخصيص بالشرط والنظر في حده وأقسامه وصيغ الشرط اللغوي
~~وأحكامه أما حده، قال الغزالي: هو ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن
~~يوجد عند وجوده. وهو فاسد من وجهين:
# الأول: أن فيه تعريف الشرط بالمشروط، والمشروط مشتق من الشرط، فكان أخفى
~~من الشرط، وتعريف الشئ بما هو أخفى منه ممتنع.
# الثاني: أنه يلزم عليه جزء السبب إذا اتحد، فإنه لا يوجد الحكم دونه، ولا
~~يلزم من وجود الحكم عند وجوده، وليس بشرط.
# وقال بعض أصحابنا: الشرط هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر في تأثيره، لا
~~في ذاته.
# وهو فاسد أيضا فإن الحياة القديمة شرط في وجود علم الباري تعالى وكونه
~~عالما، ولا تأثير ولا مؤثر.
# والحق في ذلك أن يقال: الشرط هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا
~~يكون سببا لوجوده، ولا داخلا في السبب.
# ويدخل في هذا الحد شرط الحكم، وهو ظاهر، وشرط السبب، من حيث إنه يلزم من
~~نفي شرط السبب انتفاء السبب وليس هو سبب السبب، ولا جزؤه، وفيه احتراز عن
~~انتفاء الحكم لانتفاء مداركه، وعن انتفاء المدرك المعين وجزئه.
# وهو منقسم إلى شرط عقلي، كالحياة للعلم والإرادة، وإلى شرعي، كالطهارة
~~للصلاة، والاحصان للرجم، وإلى لغوي. وصيغه كثيرة، وهي: إن الخفيفة، وإذا،
~~ومن، ومهما، وحيثما، وأينما، وإذ ما. PageV02P309
# وأم هذه الصيغ (إن) الشرطية، لأنها حرف، وما عداها من أدوات الشرط أسماء.
~~والأصل في إفادة المعاني للأسماء إنما هو الحروف، ولأنها تستعمل في جميع
~~صور الشرط، بخلاف أخواتها، فإن كل واحدة منها تختص بمعنى لا تجري في غيره:
~~(فمن) لمن يعقل، و (ما) لما لا يعقل، و (إذا) لما لا بد من وقوعه كقولك:
# إذا احمر البسر فأتنا ونحو ذلك.
# وأما أحكامه: فمنها أنه يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، وذلك ضربان:
# الأول: أن يخرج منه ms478 ما علمنا خروجه بدليل آخر، كقوله أكرم بني تميم إن
~~استطعت فإنه يخرج من الكلام حالة عدم الاستطاعة، وإن كان ذلك معلوما دون
~~قوله، فيكون قوله مؤكدا.
# الثاني: أنه يخرج منه ما لا يعلم خروجه دونه، كقوله أكرم بني تميم إن
~~دخلوا الدار فإنه يخرج منه حالة عدم دخول الدار، ولولا الشرط لعم الاكرام
~~جميع الأحوال، ولم يكن العلم بعدم الاكرام حالة عدم دخول الدار حاصلا لنا،
~~فكان مخصصا للعموم.
# وعلى كل تقدير، لا يخلو إما أن يتحد الشرط والمشروط، أو يتحد الشرط،
~~ويتعدد المشروط، أو بالعكس، أو يتعددان معا.
# فإن اتحد الشرط والمشروط، فمثاله ما سبق.
# وأما إن اتحد الشرط، وتعدد المشروط، فإما أن تكون المشروطات على الجمع،
~~وعلى البدل: فإن كانت على الجمع، كقوله إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا
~~ودرهما وإن كانت على البدل، كقوله إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا أو درهما
~~فالحكم كما لو اتحد المشروط. PageV02P310
# وأما إن تعدد الشرط، واتحد المشروط، فإما أن تكون الشروط على الجمع أو
~~البدل:
# فإن كان الأول، فكقوله أكرم بني تميم أبدا إن دخلوا الدار والسوق فمقتضى
~~ذلك توقف الاكرام على اجتماع الشرطين، واختلاله باختلال أحدهما.
# وإن كان على البدل كقوله أكرم بني تميم إن دخلوا السوق أو الدار فمقتضى
~~ذلك توقف الاكرام على تحقق أحد الشرطين، واختلاله عند اختلالهما جميعا.
# وأما إن تعدد الشرط والمشروط، فإما أن يكون الشرط والمشروط على الجمع أو
~~البدل، أو الشرط على الجمع، والمشروطات على البدل، أو بالعكس:
# فإن كان القسم الأول كقوله إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما ودينارا
~~فالاعطاء متوقف على اجتماع الشرطين، ومختل باختلالهما، أو باختلال أحدهما.
# وإن كان القسم الثاني فكقوله إن دخل زيد الدار أو السوق فأعطه درهما أو
~~دينارا فإعطاء أحد الامرين متوقف على تحقق أحد الشرطين، واختلاله باختلال
~~مجموع الامرين.
# وإن كان القسم الثالث كقوله إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما أو
~~دينارا فإعطاء أحد الامرين متوقف على اجتماع الشرطين، واختلاله باختلال
~~أحدهما.
# وإن ms479 كان الرابع كقوله إن دخل زيد الدار أو السوق، فأعطه درهما ودينارا
~~فإعطاء الامرين متوقف على أحد الشرطين، ومختل باختلالهما معا، وسواء كان
~~حصول الشرط دفعة، أو لا دفعة، بل شيئا فشيئا.
# ومن أحكامه أنه لا بد من اتصاله بالمشروط لما تقدم في الاستثناء، وأنه
~~يجوز تقديمه على المشروط وتأخيره، وإن كان الوضع الطبيعي له إنما هو صدر
~~الكلام والتقدم على المشروط لفظا، لكونه متقدما عليه في الوجود طبعا. ولو
~~تعقب الشرط للجمل المتعاقبة، فقد اتفق الشافعي وأبو حنيفة على عوده إلى
~~جميعها خلافا لبعض النحاة في اعتقاده اختصاصه بالجملة التي تليه كانت
~~متقدمة أو متأخرة.
# والكلام في الطرفين فعلى ما سبق في الاستثناء.
# والمختار كالمختار، ولا يخفى وجهه. PageV02P311
# النوع الثالث تخصيص العام بالصفة وهي لا تخلو إما أن تكون مذكورة عقب
~~جملة واحدة أو جمل:
# فإن كان الأول، كقوله أكرم بني تميم الطوال فإنه يقتضي اختصاص الاكرام
~~بالطوال منهم، ولولا ذلك لعم الطوال والقصار، فكانت الصفة مخرجة لبعض ما
~~كان داخلا تحت اللفظ لولا الصفة.
# وإن كان الثاني كقوله أكرم بني تميم وبني ربيعة الطوال فالكلام في عود
~~الصفة إلى ما يليها، أو إلى الجميع، كالكلام في الاستثناء. PageV02P312
# النوع الرابع التخصيص بالغاية وصيغها إلى، وحتى، ولا بد وأن يكون حكم ما
~~بعدها مخالفا لما قبلها، وإلا كانت الغاية وسطا، وخرجت عن كونها غاية، ولزم
~~من ذلك إلغاء دلالة إلى، وحتى، وهي لا تخلو أيضا إما أن تكون مذكورة عقب
~~جملة واحدة أو جمل متعددة.
# فإن كان الأول، فإما أن تكون الغاية واحدة، أو متعددة.
# فإن كانت واحدة كقوله أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار فإن دخول
~~الدار يقتضي اختصاص الاكرام بما قبل الدخول، وإخراج ما بعد الدخول عن عموم
~~اللفظ. ولولا ذلك، لعم الاكرام حالة ما بعد الدخول.
# وإن كانت متعددة فلا يخلو إما أن تكون على الجمع، أو على البدل:
# فالأول كقوله أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار، ويأكلوا الطعام
~~فمقتضى ذلك استمرار الاكرام ms480 إلى تمام الغايتين، دون ما بعدهما.
# والثاني كقوله أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار أو السوق فمقتضى ذلك
~~استمرار الاكرام إلى انتهاء إحدى الغايتين، أيهما كانت، دون ما بعدها.
# وأما إن كانت الغاية مذكورة عقب جمل متعددة، فالكلام في اختصاصها بما
~~يليها. وفي عودها إلى جميع الجمل، كالكلام في الاستثناء، وسواء كانت الغاية
~~واحدة أو متعددة، على الجمع أو البدل. ولا تخفى أمثلتها، ووجه الكلام فيها،
~~وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في وقتها، كقوله إلى أن تطلع الشمس أو غير
~~معلومة الوقت، كقوله إلى دخول الدار. PageV02P313
# القسم الثاني في التخصيص بالأدلة المنفصلة وفيه أربع عشرة مسألة المسألة
~~الأولى مذهب الجمهور من العلماء جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي، خلافا
~~لطائفة شاذة من المتكلمين.
# ودليل ذلك أن قوله تعالى * (الله خالق كل شئ) * (39) الزمر: 62) وقوله *
~~(وهو على كل شئ قدير) * (5) المائدة: 120) متناول بعموم لفظه لغة، كل شئ،
~~مع أن ذاته وصفاته أشياء حقيقة، وليس خالقا لها، ولا هي مقدورة له،
~~لاستحالة خلق القديم الواجب لذاته، واستحالة كونه مقدورا بضرورة العقل، فقد
~~خرجت ذاته وصفاته بدلالة ضرورة العقل عن عموم اللفظ، وذلك مما لا خلاف فيه
~~بين العقلاء، ولا نعني بالتخصيص سوى ذلك، فمن خالف في كون دليل العقل مخصصا
~~مع ذلك، فهو موافق على معنى التخصيص، ومخالف في التسمية.
# وكذلك قوله تعالى * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) *
~~(3) آل عمران: 97) فإن الصبي والمجنون من الناس حقيقة، وهما غير مرادين من
~~العموم، بدلالة نظر العقل على امتناع تكليف من لا يفهم ولا معنى للتخصيص
~~سوى ذلك.
# فإن قيل نحن لا ننكر أن ذات الباري تعالى وصفاته وأن الصبي والمجنون مما
~~لم يرد باللفظ، وإنما ننكر كون دليل العقل مخصصا لثلاثة أوجه. PageV02P314
# الأول: أن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، وهو غير متصور فيما
~~ذكرتموه وبيانه، أن دلالات الألفاظ على المعاني ليست لذواتها، وإلا كانت
~~دالة عليها قبل المواضعة، وإنما دلالتها تابعة لمقصد المتكلم وإرادته، ونحن
~~نعلم بالضرورة أن ms481 المتكلم لا يريد بلفظه الدلالة على ما هو مخالف لصريح
~~العقل فلا يكون لفظه دالا عليه لغة، ومع عدم الدلالة اللغوية على الصورة
~~المخرجة، لا يكون تخصيصا.
# الثاني: أن التخصيص بيان، والمخصص مبين. والبيان إنما يكون بعد سابقة
~~الاشكال، فيجب أن يكون البيان متأخرا عن المبين، ودليل العقل سابق فلا يكون
~~مبينا ولا مخصصا كالاستثناء المقدم.
# الثالث: أن التخصيص بيان، فلا يجوز بالعقل، كالنسخ. ثم وإن سلمنا دلالة
~~اللفظ لغة على ما ذكرتموه، وجواز كون المخصص متقدا، ولكن ما المانع أن تكون
~~صحة الاحتجاج بالدليل العقلي مشروطة بعدم معارضة عموم الكتاب له، وبتقدير
~~الاشتراط بذلك لا يكون حجة في التمسك به، على الكتاب. وإن سلمنا صحة
~~التخصيص في الآيتين المذكورتين أولا، ولكن لا نسلم صحة تخصيص الصبي
~~والمجنون عن عموم آية الحج، فإن ما ذكرتموه مبني على امتناع خطابهما، وكيف
~~يمكن دعوى ذلك مع دخولهما تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم المتلفات. وإجماع
~~الفقهاء على صحة صلاة الصبي، واختلافهم في صحة إسلامه، ولولا إمكان دخوله
~~تحت الخطاب، لما كان كذلك.
# والجواب عن الأول: قولهم، إن دلالات الألفاظ ليست لذواتها مسلم، وأنه لا
~~بد في دلالتها من قصد الواضع لها دالة على المعنى.
# قولهم: العاقل لا يقصد بلفظة الدلالة على ما هو ممتنع بصريح العقل.
# قلنا: ذلك ممتنع بالنظر إلى ما وضع اللفظ عليه لغة، أو بالنظر إلى إرادته
~~من اللفظ؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. وعند ذلك، فلا منافاة بين كون اللفظ
~~دالا على المعنى لغة، وبين كونه غير مراد من اللفظ. PageV02P315
# قولهم إن حق المخصص أن يكون متأخرا عما خصصه. قلنا: يجب أن يكون متأخرا
~~بالنظر إلى ذاته، أو بالنظر إلى صفته، وهو كونه مبينا ومخصصا؟ الأول ممنوع،
~~والثاني مسلم. وذلك لان دليل العقل، وإن كان متقدما في ذاته على الخطاب
~~المفروض، غير أنه لا يوصف قبل ذلك بكونه مخصصا لما يوجد، وإنما يصير مخصصا
~~ومبينا بعد وجود الخطاب. وأما الاستثناء فإنما لم يجز تقديمه، لان المتكلم
~~به لا يعد متكلما ms482 بكلام أهل اللغة، كما إذا قال إلا زيدا ثم قال بعد ذلك
~~قام القوم. وهذا بخلاف التخصيص، فإنه إذا قال * (الله خالق كل شئ) * (39)
~~الزمر: 62) وقام الدليل العقلي على أنه لم يرد بكلامه ذات الباري تعالى،
~~فإنه لا يخرج بذلك الكلام عن كونه متكلما بكلام العرب.
# وأما امتناع النسخ بالعقل،، فإنما كان من جهة أن الناسخ معرف لبيان مدة
~~الحكم المقصودة في نظر الشارع، وذلك ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه بمجرد
~~قولهم: العقل، بخلاف معرفة استحالة كون ذات الرب تعالى مخلوقة مقدورة قولهم
~~ما المانع أن يكون التمسك بدليل العقل مشروطا بعدم معارضة الكتاب له. قلنا:
~~إذ وقع التعارض بينهما، وأحدهما مقتض للاثبات، والآخر للنفي، فلا سبيل إلى
~~الجمع بين موجبيهما، لما فيه من التناقض، ولا إلى نفيهما، لما فيه من وجود
~~واسطة بين النفي والاثبات، فلم يبق إلا العمل بأحدهما والعمل بعموم اللفظ
~~مما يبطل دلالة صريح العقل بالكلية، وهو محال، والعمل بدليل العقل لا يبطل
~~عموم الكتاب بالكلية، بل غايته إخراج بعض ما تناوله اللفظ من جهة اللغة، عن
~~كونه مرادا للمتكلم، وهو غير ممتنع، فكان العمل بدليل العقل متعينا.
~~PageV02P316
# قولهم إن الصبي والمجنون داخلان تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم المتلفات
~~ليس كذلك. فإنا إن نظرنا إلى تعلق الحق بمالهما، فهو ثابت بخطاب الوضع
~~والاخبار، وهو غير متعلق بالصبي والمجنون، وإن نظرنا إلى وجوب الأداء
~~الثابت بخطاب التكليف، فهو متعلق بفعل وليهما، لا بفعلهما.
# وأما صحة صلاة الصبي واختلاف الناس في صحة إسلامه، فلا يدل ذلك على كونه
~~داخلا تحت خطاب التكليف بالصلاة والاسلام.
# أما صحة الصلاة، فمعناها انعقادها سببا لثوابه، وسقوط الخطاب عنه بها إذا
~~صلى في أول الوقت، وبلغ في آخره، لا بمعنى أنه امتثل أمر الشارع، حتى يكون
~~داخلا تحت خطاب التكليف من الشارع، بل إن كان ولا بد، فهو داخل تحت خطاب
~~الولي لفهمه بخطابه، دون خطاب الشرع. وعلى هذا، يكون الجواب عن صحة إسلامه
~~عند من يقول بذلك، وبتقدير امتناع تخصيص الصبي ms483 بدليل العقل مع تسليم جواز
~~التخصيص به في الجملة، كما تقدم بيانه، فغير مضر ولا قادح، فإنه ليس
~~المقصود تحقيق ذلك في آحاد الصور.
# وكما أن دليل العقل قد يكون مخصصا للعموم، فكذلك دليل الحس، وذلك كما في
~~قوله تعالى * (تدمر كل شئ) * (46) الأحقاف: 25) مع خروج السماوات والأرض عن
~~ذلك حسا، وكذلك قوله تعالى * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) *
~~(51) الذاريات: 42) وقد أتت على الأرض والجبال، ولم تجعلها رميما، بدلالة
~~الحس، فكان الحس هو الدال على أن ما خرج عن عموم اللفظ لم يكن مرادا
~~للمتكلم، فكان مخصصا. PageV02P317
# المسألة الثانية اتفق العلماء على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب، خلافا لبعض
~~الطوائف.
# ودليله المنقول، والمعقول.
# وأما المنقول فهو أن قوله * (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (65)
~~الطلاق: 4) ورد مخصصا لقوله تعالى * (والذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجا،
~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) * (2) البقرة: 234) وقوله تعالى *
~~(والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) * (5) المائدة: 5) ورد مخصصا
~~لقوله تعالى * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * (2) البقرة: 221) والوقوع
~~دليل الجواز.
# وأما المعقول فهو أنه إذا اجتمع نصان من الكتاب، أحدهما عام، والآخر خاص،
~~وتعذر الجمع بين حكميهما، فإما أن يعمل بالعام أو الخاص: فإن عمل بالعام
~~لزم منه إبطال الدليل الخاص مطلقا، ولو عمل بالخاص لا يلزم منه إبطال العام
~~مطلقا، لامكان العمل به فيما خرج عنه، كما سبق، فكان العمل بالخاص أولى،
~~ولأن الخاص أقوى في دلالته، وأغلب على الظن لبعده عن احتمال التخصيص، بخلاف
~~العام، فكان أولى بالعمل.
# وعند ذلك، فإما أن يكون الدليل الخاص المعمول به ناسخا لحكم العام في
~~الصورة الخارجة عنه، أو مخصصا له. والتخصيص أولى من النسخ لثلاثة أوجه:
# الأول: أن النسخ يستدعي ثبوت أصل الحكم في الصورة الخاصة ورفعه بعد
~~ثبوته، والتخصيص ليس فيه سوى دلالته على عدم إرادة المتكلم للصور المفروضة
~~بلفظ العام، فكان ما يتوقف عليه النسخ أكثر مما يتوقف عليه التخصيص، فكان
~~التخصيص أولى.
# الثاني: أن النسخ رفع بعد الاثبات، والتخصيص منع من الاثبات، ms484 والدفع أسهل
~~من الرفع.
# الثالث: أن وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ، فكان الحمل على التخصيص
~~أولى، إدراجا له تحت الأغلب، وسواء جهل التاريخ أو علم، وسواء كان الخاص
~~متقدما أو متأخرا. PageV02P318
# فإن قيل: لو كان الكتاب مبينا للكتاب، لخرج النبي، صلى الله عليه وسلم،
~~عن كونه مبينا للكتاب، وهو خلاف قوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) *
~~(16) النحل: 44) وهو ممتنع.
# قلنا: إضافة البيان إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ليس فيه ما يمنع من
~~كونه مبينا للكتاب بالكتاب، إذ الكل وارد على لسانه، فذكره الآية المخصصة
~~يكون بيانا منه، ويجب حمل وصفه بكونه مبينا على أن البيان وارد على لسانه،
~~كان الوارد على لسانه الكتاب أو السنة، لما فيه من موافقة عموم قوله تعالى
~~* (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) فإن مقتضاه أن
~~يكون الكتاب مبينا لكل ما هو من الكتاب، لكونه شيئا، غير أنا خالفناه في
~~البعض، فيجب بالبعض الآخر تقليلا لمخالفة الدليل العام.
# فإن قيل: ما ذكرتموه، وإن صح فيما إذا كان الخاص متأخرا، ولا يصح فيما
~~اما جهل التاريخ، وذلك لأنه يحتمل أن يكون الخاص مقدما، فيكون العام بعده
~~ناسخا له، ويحتمل أن يكون العام متقدما، فيكون الخاص مخصصا له، ولم يترجح
~~أحدهما على الآخر، فوجب التعارض والتساقط، والرجوع إلى دليل آخر، كما ذهب
~~إليه أبو حنيفة والقاضي أبو بكر والامام أبو المعالي.
# وإن سلمنا كون الخاص مخصصا، مع الجهل بالتاريخ، فلا يصح فيما إذا كان
~~العام متأخرا عن الخاص، فإنه يتعين أن يكون ناسخا لمدلول الخاص، لا أن يكون
~~الخاص مخصصا للعام، على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة.
# وبيانه من أربعة أوجه:
# الأول: أنه إذا قال اقتلوا المشركين فهو جار مجرى قوله اقتلوا زيدا
~~المشرك، وعمرا المشرك وخالدا وهلم جرا. فإذا الخاص كقوله اقتلوا زيدا
~~المشرك إذا ورد العام بعده بنفي القتل عن الجميع، فهو ناص على زيد، ولو قال
~~اقتلوا زيدا لا تقتلوا زيدا كان نسخا.
# الثاني: أن الخاص ms485 المتقدم يمكن نسخه والعام الوارد بعده مما يمكن أن يكون
~~ناسخا، فكان ناسخا. PageV02P319
# الثالث: هو أن الخاص المتقدم متردد بين كونه منسوخا، ومخصصا لما بعده،
~~وذلك مما يمنع من كونه مخصصا، لان البيان لا يكون ملتبسا.
# الرابع: قول ابن عباس كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث والعام المتأخر أحدث،
~~فوجب الاخذ به.
# قلنا: أما الجواب عن التعارض عند الجهل بالتاريخ، فيما ذكرناه من الأدلة
~~السابقة على الترجيح.
# وأما الجواب عن حجج أصحاب أبي حنيفة أما عن الأول فيمتنع كون العام في
~~تناوله لما تحته من الأشخاص جار مجرى الألفاظ الخاصة، إذ الألفاظ الخاصة
~~بكل واحد واحد، غير قابلة للتخصيص، بخلاف اللفظ العام.
# وعن الثاني أنه لا يلزم من إمكان نسخه للخاص الوقوع، ولو لزم من الامكان
~~الوقوع، للزم أن يكون الخاص مخصصا للعام لامكان كونه مخصصا له، ويلزم من
~~ذلك أن يكون الخاص منسوخا، ومخصصا لناسخه وهو محال.
# وعن الثالث أنهم إن أرادوا بتردد الخاص بين كونه منسوخا ومخصصا، أن
~~احتمال التخصيص مساو لاحتمال النسخ، فهو ممنوع لما تقدم. وإن أرادوا بذلك
~~تطرق الاحتمالين إليه في الجملة، فذلك لا يمنع من كونه مخصصا. ولو منع ذلك
~~من كونه مخصصا، لمنع تطرق احتمال كون العام مخصصا بالخاص إليه، من كونه
~~ناسخا.
# وعن الرابع أنه قول واحد من الصحابة، فيجب حمله على ما إذا كان الا حدث
~~هو الخاص، جمعا بين الأدلة. PageV02P320
# المسألة الثالثة تخصيص السنة بالسنة جائز عند الأكثرين، ودليله المعقول،
~~والمنقول.
# أما المعقول، فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب وأما المنقول فهو أن
~~قوله، صلى الله عليه وسلم، لا زكاة فيما دون خمسة أوسق ورد مخصصا لعموم
~~قوله، صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر فإنه عام في النصاب وما
~~دونه، وقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) مما لا
~~يمنع من كونه مبينا لما ورد على لسانه من السنة، بسنة أخرى، كما ذكرناه في
~~تخصيص الكتاب بالكتاب.
# المسألة الرابعة يجوز تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن عندنا، وعند أكثر
~~الفقهاء ms486 والمتكلمين. ومنهم من منع من ذلك ودليله العقل، والعقل.
# أما النقل فقوله تعالى * (وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16)
~~النحل: 89) وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الأشياء، فكانت داخلة
~~تحت العموم، إلا أنه قد خص في البعض، فيلزم العمل به في الباقي.
# وأما المعقول، فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب.
# فإن قيل: الآية معارضة بقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16)
~~النحل: 44) ووجه الاحتجاج به أنه جعل النبي، صلى الله عليه وسلم، مبينا
~~للكتاب المنزل، وذلك إنما يكون بسنته. فلو كان الكتاب مبينا للسنة، لكان
~~المبين بالسنة مبينا لها، وهو ممتنع.
# وأيضا فإن المبين أصل، والبيان تبع له، ومقصود من أجله، فلو كان القرآن
~~مبينا للسنة، لكانت السنة أصلا، والقرآن تبعا، وهو محال.
# وجواب الآية أنه لا يلزم من وصف النبي، صلى الله عليه وسلم، بكونه مبينا
~~لما أنزل امتناع كونه مبينا للسنة بما يرد على لسانه من القرآن، إذ السنة
~~أيضا منزلة على ما قال تعالى * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) *
~~(53) النجم: 3) غير أن الوحي، منه ما يتلى فيسمى كتابا، ومنه ما لا يتلى
~~فيسمى سنة، وبيان أحد المنزلين بالآخر غير ممتنع. PageV02P321
# وما ذكروه من المعنى فغير صحيح، فإن القرآن لا بد وأن يكون مبينا لشئ
~~ضرورة قوله تعالى * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وأي شئ قدر كون
~~القرآن مبينا له، فليس القرآن تبعا له، ولا ذلك الشئ متبوعا.
# وأيضا، فإن الدليل القطعي قد يبين به مراد الدليل الظني، وليس منحطا عن
~~رتبة الظني.
# المسألة الخامسة يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة.
# أما إذا كانت السنة متواترة، فلم أعرف فيه خلافا، ويدل على جواز ذلك ما
~~مر من الدليل العقلي.
# وأما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد، فمذهب الأئمة الأربعة جوازه.
# ومن الناس من منع ذلك مطلقا، ومنهم من فصل، وهؤلاء اختلفوا:
# فذهب عيسى بن أبان إلى أنه إن كان قد خص بدليل مقطوع به، جاز تخصيصه بخبر
~~الواحد، وإلا فلا.
# وذهب الكرخي إلى أنه ms487 إن كان قد خص بدليل منفصل لا متصل جاز تخصيصه بخبر
~~الواحد، وإلا فلا.
# وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف.
# والمختار مذهب الأئمة، ودليله العقل، والنقل.
# أما النقل فهو أن الصحابة خصوا قوله تعالى * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) *
~~(4) النساء: 24) بما رواه أبو هريرة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم من قوله
~~لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها وخصوا قوله تعالى * (يوصيكم الله في
~~أولادكم) * (4) النساء: 11) الآية، بقوله صلى الله عليه وسلم لا يرث
~~القاتل، ولا يرث الكافر من المسلم، ولا المسلم من الكافر PageV02P322
# وبما رواه أبو بكر من قوله، صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء لا
~~نورث ما تركناه صدقة وخصوا قوله تعالى * (فإن كن نساء فوق اثنتين، فلهن
~~ثلثا ما ترك) * (4) النساء: 11) بما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه
~~جعل للجدة السدس، وخصوا قوله تعالى * (وأحل الله البيع) * (2) البقرة: 275)
~~بما روي عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين، وخصوا
~~قوله تعالى: * (والسارق والسارقة) * (5) المائدة: 38) وأخرجوا منه ما دون
~~النصاب بقوله صلى الله عليه وسلم لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا، وخصوا
~~قوله تعالى * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) بإخراج المجوس منه بما
~~روي عنه، عليه السلام، أنه قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلى غير ذلك من
~~الصور المتعددة، ولم يوجد لما فعلوه نكير، فكان ذلك إجماعا. والوقوع دليل
~~الجواز وزيادة.
# وأما المعقول فما ذكرناه فيما تقدم في تخصيص الكتاب بالكتاب.
# فإن قيل: ما ذكرتموه من التخصيص في الصور المذكورة لا نسلم أن تخصيصها
~~كان بخبر الواحد، ويدل عليه قوله، صلى الله عليه وسلم إذا روي عني حديث،
~~فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فاقبلوه، وما خالفه فردوه والخبر فيما
~~نحن فيه مخالف للكتاب، فكان مردودا. PageV02P323
# قولهم إن الصحابة أجمعوا على ذلك، إن لم يصح، فليس بحجة، وإن صح فالتخصيص
~~بإجماعهم عليه، لا بخبر الواحد. كيف وأنه لا إجماع على ذلك، PageV02P324
# ويدل عليه ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كذب ms488 فاطمة بنت قيس فيما روته عن
~~النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، لما كان ذلك
~~مخصصا لعموم قوله تعالى * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * (65) الطلاق:
~~6) وقال كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة.
# وإن سلمنا الاجماع على أن التخصيص كان بخبر الواحد، لكن ليس في ذلك ما
~~يدل على أن قول الواحد بمجرده مخصص، بل ربما قامت الحجة عندهم على صدقه،
~~وصحة قوله بقرائن وأدلة اقترنت بقوله، فلا يكون مجرد إخباره حجة.
# وأما ما ذكرتموه من المعقول، فنقول: خبر الواحد، وإن كان نصا في مدلوله،
~~نظرا إلى متنه، غير أن سنده مظنون محتمل للكذب، بخلاف القرآن المتواتر،
~~فإنه قطعي السند، وقطعي في دلالته على كل واحد من الآحاد الداخلة فيه لما
~~بيناه في المسألة المتقدمة، ولا يكون خبر الواحد واقعا في معارضته، كما في
~~النسخ.
# وإن سلمنا أن العموم ظني الدلالة بالنسبة إلى آحاده، لكن متى، إذا خص
~~بدليل مقطوع، على ما قاله عيسى بن إبان، أو بدليل منفصل، على ما قاله
~~الكرخي، أو قبل التخصيص؟ الأول مسلم، لكونه صار مجازا ظنيا، والثاني ممنوع،
~~لبقائه على حقيقته، وعند ذلك، فيمتنع التخصيص بخبر الواحد مطلقا لترجيح
~~العام عليه قبل التخصيص، بكونه قاطعا في متنه وسنده. PageV02P325
# وإن سلمنا أن دلالة العام بالنظر إلى متنه ظنية مطلقا، غير أنه قطعي
~~السند، والخبر وإن كان قاطعا في متنه، فظني في سنده، فقد تقابلا وتعارضا،
~~ووجب التوقف على دليل خارج لعدم أولوية أحدهما، كما قال القاضي أبو بكر.
# والجواب: قد بينا أن الصحابة أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد،
~~حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير، فكان إجماعا.
# وما ذكروه من الخبر، فإنما يمنع من تخصيص عموم القرآن بالخبر، أن لو كان
~~الخبر المخصص مخالفا للقرآن، وهو غير مسلم بل هو مبين للمراد منه، فكان
~~مقررا لا مخالفا، ويجب اعتقاد ذلك، حتى لا يفضي إلى تخصيص ما ذكروه من
~~الخبر، بالخبر المتواتر من السنة، فإنه مخصص ms489 للقرآن من غير خلاف.
# قولهم إن صح إجماع الصحابة، فالتخصيص بإجماعهم، لا بالخبر، ليس كذلك، فإن
~~إجماعهم لم يكن على تخصيص تلك العمومات مطلقا، بل على تخصيصها بأخبار
~~الآحاد، ومهما كان التخصيص بأخبار الآحاد مجمعا عليه، فهو المطلوب.
# وأما ما ذكروه من تكذيب عمر لفاطمة بنت قيس فلم يكن ذلك لان خبر الواحد
~~في تخصيص العموم مردود عنده، بل لتردده في صدقها، ولهذا قال كيف نترك كتاب
~~ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ولو كان خبر الواحد في
~~ذلك مردودا مطلقا، لما احتاج إلى هذا التعليل.
# قولهم: لم يكن إجماعهم على ذلك لمجرد خبر الواحد.
# قلنا: ونحن لا نقول بأن مجرد خبر الواحد يكون مقبولا، بل إنما يقبل إذا
~~كان مغلبا على الظن صدقه، ومع ذلك فالأصل عدم اعتبار ما سواه في القول.
# قولهم إن سند الخبر ظني، مسلم، ولكن، لا نسلم أن دلالة العموم على الآحاد
~~الداخلة فيه، قطعية، لاحتماله للتخصيص بالنسبة إلى أي واحد منها قدر، وسواء
~~كان قد خص، أو لم يكن، على ما سبق بيانه. PageV02P326
# وأما النسخ، فلا نسلم امتناعه بخبر الواحد، وبتقدير التسليم فلان النسخ
~~رفع الحكم بعد إثباته، بخلاف التخصيص، لأنه بيان لا رفع، فلا يلزم مع ذلك
~~من امتناع النسخ به، امتناع التخصيص.
# وما ذكروه من السؤال الأخير في جهة التعارض، فجوابه أن احتمال الضعف في
~~خبر الواحد من جهة كذبه، وفي العام من جهة جواز تخصيصه، ولا يخفى أن احتمال
~~الكذب في حق من ظهرت عدالته أبعد من احتمال التخصيص العام.
# ولهذا، كانت أكثر العمومات مخصصة، وليس أكثر أخبار العدول كاذبة، فكان
~~العمل بالخبر أولى، ولأنه لو عمل بعموم العام، لزم إبطال العمل بالخبر
~~مطلقا، ولو عمل بالخبر لم يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقا، لامكان العمل
~~به فيما سوى صورة التخصيص، والجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من تعطيل
~~أحدهما، ولأن العمل بالعام إبطال للخاص، والعمل بالخاص بيان للعام، لا
~~إبطال له.
# ولا يخفى أن البيان ms490 أولى من الابطال.
# المسألة السادسة لا أعرف خلافا في تخصيص القرآن والسنة بالاجماع. ودليله
~~المنقول، والمعقول:
# أما المنقول: فهو أن إجماع الأمة خصص آية القذف بتنصيف الجلد في حق
~~العبد، كالأمة.
# وأما المعقول: فهو أن الاجماع دليل قاطع، والعام غير قاطع في آحاد
~~مسمياته، كما سبق تعريفه. فإذا رأينا أهل الاجماع قاضين بما يخالف العموم
~~في بعض الصور، علمنا أنهم ما قضوا به إلا وقد اطلعوا على دليل مخصص له،
~~نفيا للخطأ عنهم. وعلى هذا، فمعنى إطلاقنا أن الاجماع مخصص للنص أنه معرف
~~للدليل المخصص، لا أنه في نفسه هو المخصص.
# وبالنظر إلى هذا المعنى أيضا، نقول: إنا إذا رأينا عمل الصحابة وأهل
~~الاجماع بما يخالف النص الخاص، لا يكون ذلك إلا لاطلاعهم على ناسخ للنص،
~~فيكون الاجماع معرفا للناسخ، لا أنه ناسخ.
# وإنما قلنا إن الاجماع نفسه لا يكون ناسخا لان النسخ لا يكون بغير خطاب
~~الشارع، والاجماع ليس خطابا للشرع، وإن كان دليلا على الخطاب الناسخ.
~~PageV02P327
# المسألة السابعة لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم. والمفهوم، أنه يجوز
~~تخصيص العموم بالمفهوم، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة، أو من قبيل
~~مفهوم المخالفة، حتى إنه لو قال السيد لعبده كل من دخل داري فاضربه ثم قال
~~إن دخل زيد داري، فلا تقل له: أف فإن ذلك يدل على تحريم ضرب زيد وإخراجه عن
~~العموم، نظرا إلى مفهوم الموافقة، وما سيق له الكلام من كف الأذى عن زيد،
~~وسواء قيل إن تحريم الضرب مستفاد من دلالة اللفظ، أو من القياس الجلي على
~~اختلاف المذاهب في ذلك، كما يأتي.
# وكذا، لو ورد نص عام يدل على وجوب الزكاة في الانعام كلها، ثم ورد قوله،
~~صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة زكاة فإنه يكون مخصصا للعموم بإخراج
~~معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهومه.
# وإنما كان كذلك، لان كل واحد من المفهومين دليل شرعي، وهو خاص في مورده،
~~فوجب أن يكون مخصصا للعموم، لترجح دلالة الخاص على دلالة العام، كما سبق
~~تقريره.
# فإن ms491 قيل: المفهوم، وإن كان خاصا وأقوى في الدلالة من العموم، إلا أن
~~العام منطوق به، والمنطوق أقوى في دلالته من المفهوم، لافتقار المفهوم في
~~دلالته إلى المنطوق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم قلنا: إلا
~~أن العمل بالمفهوم لا يلزم منه إبطال العمل بالعموم مطلقا، ولا كذلك
~~بالعكس. ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من العمل بظاهر
~~أحدهما، وإبطال أصل الآخر. PageV02P328
# المسألة الثامنة في تخصيص العموم بفعل الرسول، صلى الله عليه وسلم.
# وقد اختلف القائلون بكون فعل الرسول حجة على غيره هل يجوز تخصيصه للعموم
~~أم لا؟
# فأثبته الأكثرون، كالشافعية، والحنفية والحنابلة، ونفاه الأقلون،
~~كالكرخي.
# وتحقيق الحق من ذلك يتوقف على التفصيل، وهو أن نقول: العام الوارد، إما
~~أن يكون عاما للأمة والرسول، كما لو قال، صلى الله عليه وسلم الوصال، أو
~~استقبال القبلة في قضاء الحاجة، أو كشف الفخذ، حرام على كل مسلم.
# وإما أن يكون عاما للأمة دون الرسول، كما لو قال صلى الله عليه وسلم:
~~نهيتكم عن الوصال، أو استقبال القبلة في قضاء الحاجة، أو كشف الفخذ، فإن
~~كان الأول فإذا رأيناه قد واصل أو استقبل القبلة في قضاء الحاجة أو كشف
~~فخذه، فلا خلاف في أن فعله يدل على إباحة ذلك الفعل في حقه، ويكون مخرجا له
~~عن العموم ومخصصا.
# وأما بالنسبة إلى غيره، فإما أن نقول بأن اتباعه في فعله والتأسي به واجب
~~على كل من سواه، أو لا نقول ذلك.
# فإن قيل بالأول، فيلزم منه رفع حكم العموم مطلقا في حقه بفعله، وفي حق
~~غيره بوجوب التأسي به، فلا يكون ذلك تخصيصا، بل نسخا لحكم العموم مطلقا،
~~بالنسبة إليه وإلى غيره.
# وإن قيل بالثاني، كان ذلك تخصيصا له عن العموم، دون أمته.
# وأما إن كان عاما للأمة دون الرسول، ففعله لا يكون مخصصا لنفسه عن
~~العموم، لعدم دخوله فيه. وأما بالنسبة إلى الأمة، فإن قيل أيضا بوجوب اتباع
~~الأمة له في فعله، كان ذلك أيضا نسخا عنهم لا تخصيصا، ms492 كما سبق. وإن لم يكن
~~ذلك واجبا عليهم، فلا يكون فعله مخصصا للعموم أصلا، لا بالنسبة إليه، لعدم
~~دخوله في العموم، ولا بالنسبة إلى الأمة. وعلى هذا التفصيل، فلا أرى للخلاف
~~على هذا التخصيص بفعل النبي وجها: PageV02P329
# أما إذا كان هو المخصص عن العموم وحده، فلعدم الخلاف فيه، وأما في باقي
~~الأقسام، فلعدم تحقق التخصيص. بل إن وقع الخلاف في باقي الأقسام، هل فعله
~~يكون ناسخا لحكم العموم فيها، فخارج عن الخوض في باب التخصيص، والأظهر في
~~ذلك إنما هو الوقف، من جهة أن دليل وجوب التأسي، واتباع النبي، صلى الله
~~عليه وسلم، إنما هو بدليل عام للأمة، وهو مساو للعموم الآخر في عمومه، وليس
~~العمل بأحدهما، وإبطال الآخر، أولى من العكس.
# فإن قيل: بل العمل بالفعل أولى، لأنه خاص، والخاص مقدم على العام، قلنا:
~~الفعل لم يكن دليلا على لزوم الحكم في حق باقي الأمة بنفسه، بل لأدلة عامة
~~موجبة على الأمة لزوم الاتباع. PageV02P330
# فإن قيل: إلا أن الفعل الخاص مع العمومات الموجبة للتأسي أخص من اللفظ
~~العام مطلقا، ولأنه متأخر عن العام، والمتأخر أولى بالعمل.
# قلنا: أما الفعل، فلا نسلم أن له دلالة على وجوب تأسي الأمة بالنبي بوجه
~~من الوجوه، بل الموجب شئ آخر، وهو مساو للعام الآخر في عمومه، وسواء كان
~~الفعل خاصا أو عاما. وذلك الموجب للتأسي غير متأخر عن العام، بل محتمل
~~للتقدم والتأخر من غير ترجيح، حتى إنه لو علم التاريخ وجب العمل بالمتأخر
~~منهما.
# كيف وإن القول بوجوب التأسي متوقف على وجود الفعل، وعلى الدليل الدال على
~~التأسي، ولا كذلك العام الآخر، وما يتوقف العمل به على أمرين يكون أبعد مما
~~لا يتوقف العمل به إلا على شئ واحد.
# المسألة التاسعة تقرير النبي، صلى الله عليه وسلم، لما يفعله الواحد من
~~أمته بين يديه مخالفا للعموم، وعدم إنكاره عليه، مع علمه به، وعدم الغفلة
~~والذهول عنه، مخصص لذلك العام عند الأكثرين، خلافا لطائفة شاذة.
# ودليل ذلك أن تقريره له عليه، دليل على ms493 جواز ذلك الفعل له، وإلا كان فعله
~~منكرا، ولو كان كذلك، لاستحال من النبي صلى الله عليه وسلم، السكوت عنه
~~وعدم PageV02P331
# النكير عليه. وإذا كان التقرير دليل الجواز، وإن أمكن نسخ ذلك الحكم
~~مطلقا أو نسخه عن ذلك الواحد بعينه، لكنه بعيد، واحتمال تخصيصه من العموم
~~أولى وأقرب، لما قررناه فيما تقدم. وعند ذلك، فإن أمكن تعقل معنى أوجب جواز
~~مخالفة ذلك الواحد للعموم، فكل من كان مشاركا له في ذلك المعنى، فهو مشارك
~~له في تخصيصه عن ذلك العام بالقياس عليه، عند من يرى جواز تخصيص العام
~~بالقياس على محل التخصيص. وأما إن لم يظهر المعنى الجامع، فلا.
# فإن قيل: التقرير لا صيغة له، فلا يقع في مقابلة ما له صيغة، فلا يكون
~~مخصصا للعموم، وبتقدير أن يكون مخصصا فلا بد وأن يكون غير ذلك الواحد
~~مشاركا له في حكمه، وإلا فلو لم يكن غير ذلك الواحد مشاركا له في حكمه،
~~لصرح النبي، صلى الله عليه وسلم، بتخصيصه بذلك الحكم، دون غيره، دفعا
~~لمحذور التلبيس على الأمة، باعتقادهم المشاركة لذلك الواحد في حكمه، لقوله،
~~صلى الله عليه وسلم حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.
# قلنا: وإن كان التقرير لا صيغة له، غير أنه حجة قاطعة في جواز الفعل،
~~نفيا للخطأ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بخلاف العام، فإنه ظني محتمل
~~للتخصيص، فكان موجبا لتخصيصه.
# وما ذكروه من وجوب المشاركة فبعيد. وذلك، لان حكم ذلك الواحد لا يخلو:
# إما أن يكون له أو عليه. فإن كان له، فقوله: حكمي على الواحد حكمي على
~~الجماعة لا يكون مرتبطا به، وإن كان عليه، فقوله حكمي على الواحد حكمي على
~~الجماعة إنما يكون حجة موهمة لمشاركة الجماعة لذلك الواحد، إن لو كان قوله:
~~(حكمي) عاما في كل حكم، وهو غير مسلم.
# وإذا لم يكن ذلك حجة عامة، فلا تدليس ولا تلبيس. وبتقدير مشاركة الأمة
~~لذلك الواحد في ذلك الحكم، يكون نسخا، ولا يكون تخصيصا، كما ظن بعضهم.
~~PageV02P332
# المسألة العاشرة مذهب الشافعي في ms494 القول الجديد، ومذهب أكثر الفقهاء
~~والأصوليين، أن مذهب الصحابي إذا كان على خلاف ظاهر العموم، وسواء كان هو
~~الراوي، أو لم يكن، لا يكون مخصصا للعموم، خلافا لأصحاب أبي حنيفة
~~والحنابلة وعيسى ابن أبان وجماعة من الفقهاء.
# ودليله أن ظاهر العموم حجة شرعية يجب العمل بها باتفاق القائلين بالعموم.
# ومذهب الصحابي ليس بحجة على ما سنبينه، فلا يجوز ترك العموم به.
# فإن قيل: إذا خالف مذهب الصحابي العموم، فلا يخلو، إما أن يكون ذلك
~~لدليل، أو لا لدليل، لا جائز أن يكون لا لدليل وإلا وجب تفسيقه، والحكم
~~بخروجه عن العدالة، وهو خلاف الاجماع.
# وإن كان ذلك لدليل، وجب تخصيص العموم به، جمعا بين الدليلين، إذ هو أولى
~~من تعطيل أحدهما، كما علم غير مرة.
# قلنا: مخالفة الصحابي للعموم إنما كانت لدليل عن له في نظره، وسواء كان
~~في نفس الامر مخطئا فيه، أو مصيبا. فلذلك لم نقض بتفسيقه، لكونه مأخوذا
~~باتباع اجتهاده وما أوجبه ظنه ومع ذلك، فلا يكون ما عن له في نظره حجة
~~متبعة بالنسبة إلى غيره، بدليل جواز مخالفة صحابي آخر له من غير تفسيق، ولا
~~تبديع.
# وإذا لم يكن ما صار إليه حجة واجبة الاتباع بالنسبة إلى الغير، فلا يكون
~~مخصصا لظاهر العموم المتفق على صحة الاحتجاج به مطلقا. PageV02P333
# المسألة الحادية عشرة إذا كان من عادة المخاطبين تناول طعام خاص، فورد
~~خطاب عام بتحريم الطعام، كقوله حرمت عليكم الطعام فقد اتفق الجمهور من
~~العلماء على إجراء اللفظ على عمومه في تحريم كل طعام، على وجه يدخل فيه
~~المعتاد وغيره، وأن العادة لا تكون منزلة للعموم على تحريم المعتاد دون
~~غيره، خلافا لأبي حنيفة، وذلك لان الحجة إنما هي في اللفظ الوارد، وهو
~~مستغرق لكل مطعوم بلفظه، ولا ارتباط له بالعوائد، وهو حاكم على العوائد،
~~فلا تكون العوائد حاكمة عليه.
# فإن قيل: إذا منعتم من تجويز تخصيص العموم بالعادة وتنزيل لفظ الطعام على
~~ما هو المعتاد المتعارف عند المخاطبين، فما الفرق بينه وبين تخصيص اللفظ
~~ببعض ms495 مسمياته في اللغة، بالعادة، وذلك كتخصيص اسم الدابة بذوات الأربع، وإن
~~كان لفظ الدابة عاما في كل ما يدب، وكتخصيص اسم الثمن في البيع بالنقد
~~الغالب في البلد، حتى إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة والثمن غير ذوات
~~الأربع والنقد الغالب في البلد.
# قلنا: الفرق بين الامرين أن العادة في محل النزاع إنما هي مطردة في
~~اعتياد أكل ذلك الطعام المخصوص، لا في تخصيص اسم الطعام بذلك الطعام الخاص،
~~فلا يكون ذلك قاضيا على ما اقتضاه عموم لفظ الطعام مع بقائه على الوضع
~~الأصلي، وهذا بخلاف لفظ الدابة، فإنه صار بعرف الاستعمال ظاهرا في ذوات
~~الأربع وضعا، حتى إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة غير ذوات الأربع، فكان
~~قاضيا على الاستعمال الأصلي، حتى إنه لو كانت العادة في الطعام المعتاد
~~أكله قد خصصت بعرف الاستعمال اسم الطعام بذلك الطعام، لكان لفظ الطعام
~~منزلا عليه دون غيره ضرورة تنزيل مخاطبة الشارع للعرب، على ما هو المفهوم
~~لهم من لغتهم، وفيه دقة مع وضوحه. PageV02P334
# المسألة الثانية عشرة اتفق الجمهور على أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص يدل
~~على بعض ما يدل عليه العام، لا يكون الخاص مخصصا للعام بجنس مدلول الخاص
~~ومخرجا عنه ما سواه، خلافا لأبي ثور من أصحاب الشافعي. وذلك كقوله صلى الله
~~عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر فإنه عام في كل إهاب، وقوله صلى الله عليه
~~وسلم في شاة ميمونة دباغها طهورها وإنما لم يكن مخصصا له، لأنه لا تنافي
~~بين العمل بالخاص وإجراء العام على عمومه، ومع إمكان إجراء كل واحد على
~~ظاهره لا حاجة إلى العمل بأحدهما ومخالفة الآخر.
# فإن قيل: فقد اخترتم أن المفهوم يكون مخصصا للعموم عند القائل به، وتخصيص
~~جلد الشاة بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما سوى الشاة من جلود باقي
~~الحيوانات، فكان مخصصا للعموم الوارد بتطهيرها.
# قلنا: أما من نفى كون المفهوم حجة، وأبطل دلالته كما يأتي تحقيقه، فلا
~~أثر لالزامه به هاهنا.
# ومن قال بالمفهوم ms496 المخصص للعموم إنما قال به في مفهوم الموافقة ومفهوم
~~الصفة المشتقة، كما سبق في المسألة المتقدمة، لا في مفهوم اللقب، وتخصيص
~~جلد الشاة بالذكر لا يدل على نفي الطهارة بالدباغ عن باقي جلود الحيوانات،
~~كالإبل والبقرة وغيرها، إلا بطريق مفهوم اللقب، وليس بحجة، على ما يأتي
~~تحقيقه.
# ولهذا، فإنه لو قال: عيسى رسول الله، فإنه لا يدل على أن محمدا ليس برسول
~~الله.
# وكذلك إذا قال الحادث موجود لا يدل على أن القديم ليس بموجود، وإلا كان
~~ذلك كفرا. PageV02P335
# المسألة الثالثة عشرة اللفظ العام إذا عقب بما فيه ضمير عائد إلى بعض
~~العام المتقدم لا إلى كله. هل يكون خصوص المتأخر مخصصا للعام المتقدم بما
~~الضمير عائد إليه أو لا؟ اختلفوا فيه:
# فذهب بعض أصحابنا وبعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار وغيره إلى امتناع
~~التخصيص بذلك، ومنهم من جوزه، ومنهم من توقف، كإمام الحرمين وأبي الحسين
~~البصري.
# وذلك كما في قوله تعالى * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * (2)
~~البقرة: 228) فإنه عام في كل الحرائر المطلقات بوائن كن أو رجعيات. ثم قال:
~~* (وبعولتهن أحق بردهن) * (2) البقرة: 228) فإن الضمير فيه إنما يرجع إلى
~~الرجعيات دون البوائن، وعلى هذا النحو.
# والمختار بقاء اللفظ الأول على عمومه، وامتناع تخصيصه بما تعقبه. وذلك،
~~لان مقتضى اللفظ إجراؤه على ظاهره من العموم، ومقتضى اللفظ الثاني عود
~~الضمير إلى جميع ما دل عليه اللفظ المتقدم، إذ لا أولوية لاختصاص بعض
~~المذكور السابق به دون البعض، فإذا قام الدليل على تخصيص الضمير ببعض
~~المذكور السابق وخولف ظاهره، لم يلزم منه مخالفة الظاهر الأخير، بل يجب
~~إجراؤه على ظاهره، إلى أن يقوم الدليل على تخصيصه.
# فإن قيل إنما يلزم مخالفة ظاهر ما اقتضاه الضمير، من العود إلى كل
~~المذكور السابق، إذا أجرينا اللفظ السابق على عمومه، وليس القول بإجرائه
~~على عمومه، ومخالفة ظاهر الضمير، أولى من إجراء ظاهر الضمير على مقتضاه،
~~وتخصيص المذكور السابق، وإذا لم يترجح أحدهما وجب الوقف.
# قلنا: بل إجراء اللفظ المتقدم على عمومه، وتخصيص المتأخر أولى من ms497 العكس،
~~لان دلالة الأول ظاهرة، ودلالة الثاني غير ظاهرة، ولا يخفى أن دلالة
~~المظهر، أقوى من دلالة المضمر، فكان راجحا. PageV02P336
# المسألة الرابعة عشرة القائلون بكون العموم والقياس حجة، اختلفوا في جواز
~~تخصيص العموم بالقياس:
# فذهب الأئمة الأربعة والأشعري وجماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي الحسين
~~البصري إلى جوازه مطلقا، وذهب الجبائي وجماعة من المعتزلة إلى تقديم العام
~~على القياس، وذهب ابن سريج وغيره من أصحاب الشافعي إلى جواز التخصيص بجلي
~~القياس دون خفيه، وذهب عيسى بن أبان والكرخي إلى جواز التخصيص بالقياس
~~للعام المخصص دون غيره، غير أن الكرخي اشترط أن يكون العام مخصصا بدليل
~~منفصل، وأطلق عيسى بن أبان، ومنهم من جوز التخصيص بالقياس، إذا كان أصل
~~القياس من الصور التي خصت عن العموم دون غيره، وذهب القاضي أبو بكر وإمام
~~الحرمين إلى الوقف.
# والمختار أنه إذا كانت العلة الجامعة في القياس ثابتة بالتأثير، أي بنص
~~أو إجماع، جاز تخصيص العموم به، وإلا فلا.
# أما إذا كانت العلة مؤثرة، فلأنها نازلة منزلة النص الخاص، فكانت مخصصة
~~للعموم، كتخصيصه بالنص، كما سبق تعريفه وأما إذا كانت العلة مستنبطة غير
~~مؤثرة، فإنما قلنا بامتناع التخصيص بها للاجمال والتفصيل:
# أما الاجمال: فهو أن العام في محل التخصيص: إما أن يكون راجحا على القياس
~~المخالف له، أو مرجوحا أو مساويا:
# فإن كان راجحا، امتنع تخصيصه بالمرجوح وإن كان مساويا، فليس العمل
~~بأحدهما أولى من الآخر. وإنما يمكن التخصيص بتقدير أن يكون القياس في محل
~~المعارضة راجحا. ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال
~~واحد بعينه. PageV02P337
# وأما التفصيل: فهو أن العموم ظاهر في كل صورة من آحاد الصور الداخلة
~~تحته، وجهة ضعفه غير خارجة عن احتمال تخصيصه أو كذب الراوي، إن كان العام
~~من أخبار الآحاد.
# وأما احتمالات ضعف القياس فكثيرة جدا، وذلك، لأنه، وإن كان متناولا، لمحل
~~المعارضة بخصوصه، إلا أنه يحتمل أن يكون دليل حكم الأصل من أخبار الآحاد
~~التي يتطرق إليها الكذب.
# وبتقدير أن يكون طريق إثباته ms498 قطعيا، فيحتمل أن يكون المستنبط القياس ليس
~~أهلا له.
# وبتقدير أن يكون أهلا، فيحتمل أن لا يكون الحكم في نفس الامر معللا بعلة
~~ظاهرة.
# وبتقدير أن يكون معللا بعلة ظاهرة، فلعلها غير ما ظنه القائس علة، ولم
~~يظهر عليها، أو أنه أخطأ في طريق إثبات العلة، فأثبتها بما لا يصلح
~~للاثبات.
# وبتقدير أن تكون موجودة فيه، يحتمل أن يكون قد وجد في الفرع مانع السبب
~~أو مانع الحكم، أو فات شرط السبب فيه أو شرط الحكم، فكان العموم لذلك
~~راجحا.
# كيف وأن العموم من جنس النصوص، والنص غير مفتقر في العمل به في جنسه إلى
~~القياس، والقياس متوقف في العمل به على النص، لأنه إن ثبت كونه حجة بالنص
~~فظاهر، وإن كان بالاجماع، فالاجماع متوقف على النص، فكان القياس متوقفا على
~~النص، فكان جنس النص لذلك راجحا.
# ولذلك وقع القياس مؤخرا في حديث معاذ في العمل به عن العمل بالكتاب
~~والسنة حيث قال له النبي، صلى الله عليه وسلم، حين بعثه إلى اليمن قاضيا بم
~~تحكم؟ قال:
# بكتاب الله قال: فإن لم تجد؟ - قال: بسنة رسول الله - قال: فإن لم تجد؟ -
~~قال: أجتهد رأيي - فقال، صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسول
~~الله لما يحبه الله ورسوله.
# ومقتضى ذلك أن لا تتقدم السنة على الكتاب غير أنا خالفناه في تقديم خاص
~~السنة على عام الكتاب، فوجب العمل به فيما عداه. PageV02P338
# وهذه الاحتمالات كلها إن لم توجب الترجيح، فلا أقل من المساواة.
# وعلى كلا التقديرين، فيمتنع تخصيص العام بالقياس.
# فإن قيل: القول بالوقف خلاف الاجماع قبل وجود الواقفية، إذ الأمة مجمعة
~~على تقديم أحدهما، وإن اختلفوا في التعيين، ولأن القول بالوقف مما يفضي إلى
~~تعطيل الدليلين عن العمل بهما، والمحذور فيه فوق المحذور في العمل بأحدهما،
~~فالعمل بالقياس أولى، لأنا لو عملنا بالعموم لزم منه إبطال العمل بالقياس
~~مطلقا. ولو عملنا بالقياس، لم يلزم منه إبطال العموم مطلقا، لامكان العمل
~~به فيما عدا صورة التخصيص.
# ولا يخفى أن ms499 الجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من العمل بأحدهما
~~وتعطيل الآخر.
# قلنا: نحن لا نقول بالوقف لما بيناه من ترجيح العمل بالعموم على العمل
~~بالقياس. وبتقدير القول بالوقف، لا نسلم إجماعهم على إبطال الوقف، إلا أن
~~يوجد منهم التصريح بذلك، وهو غير مسلم. ولهذا فإن كل واحد من المجتهدين لا
~~يقطع بإبطال مذهب مخالفه، مع مصيره إلى نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه
~~فلان لا يكون قاطعا بإبطاله عند توقفه في نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه،
~~أولى.
# قولهم إن العمل بالقياس غير مبطل للعمل بالعموم، قلنا في محل المعارضة أو
~~في غيرها؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. والنزاع إنما وقع في الترجيح في محل
~~المعارضة دون غيره.
# وبالجملة، فلا يمتنع على المجتهد في هذه المسألة الحكم بالوقف أو
~~الترجيح، على حسب ما يظهر في نظره في آحاد الوقائع من القرائن والترجيحات
~~الموجبة التفاوت أو التساوي من غير تخطئة إذ الأدلة فيها نفيا وإثباتا،
~~ظنية، غير قطعية، فكانت ملحقة بالمسائل الاجتهادية دون القطعية، خلافا
~~للقاضي أبي بكر. PageV02P339
# ويجب أن نختم الكلام في أدلة التخصيص بالفرق بين التخصيص والاستثناء.
# أما على رأي من يزعم أن الاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة،، كما
~~سبق، فلا خفاء بأن الاستثناء لا يكون تخصيصا بل هو مباين له.
# وأما من يرى أن الاستثناء تخصيص، فهو نوع من التخصيص عنده، فكل استثناء
~~تخصيص، وليس كل تخصيص استثناء، وذلك لان الاستثناء لا بد وأن يكون متصلا
~~بالمستثنى منه، على ما تقدم تقريره، وأنه لا يثبت بقرائن الأحوال، بخلاف
~~غيره من أنواع التخصيص. وعلى هذا، يكون الحكم في التخصيص بذكر الشرط
~~والغاية أيضا.
# تم الجزء الثاني بتاريخ 20 / 1 / 1389 ه من كتاب الأحكام للآمدي ويليه
~~الجزء الثالث وأوله الصنف السادس في المطلق والمقيد نرجو من الله المعونة
~~والسداد PageV02P340
# تنبيه هام الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن اهتدى بهداه
~~وبعد: فنحب تنبيه القارئ الكريم لما يلي:
# أولا: - كل منا يعلم أن جودة الطبع وحسن ms500 التنسيق وتحقيق الأصول والدقة في
~~التصحيح مما يساعد القارئ على الفهم بسرعة دون عناء وزيادة تفكير وهذا ما
~~قصدناه في طبعنا لهذا الكتاب الذي تتلقفه الأيدي من طبقات القراء من الطلاب
~~والشيوخ والمحامين وغيرهم من رواد العلم.
# ثانيا: - أنت تعلم أن ما ذكرناه يتوقف على احضار الأصول وقد حاولنا فيسر
~~الله لنا مخطوطة تاريخها بعد فراغ المؤلف منه بسنة. وكنا نود أن نطلعك على
~~صور منها لكن لم يكن فيه سهولة علينا ولعل الله ان ييسر ذلك.
# هذه المخطوطة تحصلنا فيها على بغيتنا. ووجودها بمنزلة الغيث من السماء
~~على الأرض العطشى.
# ذلك اننا قابلنا عليها النسخ المطبوعة فوجدنا في جميع الطبقات سقطا
~~وتحريفا فوق ما تتصوره. وكنا نظن أن طبعة دار الكتب خيرة الطبعات وخالية من
~~السقط والتحريف، فتبين ان فيها كغيرها أو أقل، فجعلنا اعتمادنا على
~~المخطوطة، ورأينا ان نثبت الأصل الصحيح مما اختلفت في النسخ كما رأينا
~~اثبات السقط في طبعتنا دون تنبيه عليه تحصيلا للقصد واختصارا في العمل،
~~ولأن الذي صادفنا من السقط والتحريف شئ كثير. والتنبيه عليه يكون مشغلا
~~للقارئ وصارفا له عن تفهم هدفه من المعاني. PageV02P341
# ثالثا: - وجدنا هذه الطبعة بالتعليقات القيمة التي قام بها شيخنا (عبد
~~الرزاق العفيفي) من مناقشة للمؤلف في بعض آرائه. ومن تخريج لبعض الأحاديث
~~التي أوردها. والابيات الشعرية التي استشهد بها، ومن تصحيح للمعاني التي
~~استعصت على المؤلف أو التوت عبارته فيها. ومن تصحيح لما لم تف النسخ كلها
~~بصحته. وغير ذلك مما ستقف عليه.
# وقديما قيل: (اعط القوس باريها).
# ونحن بحسب استطاعتنا حاولنا الدقة في التصحيح وحسن التنسيق والتحقيق، الا
~~اننا وان لم نصل إلى كمال رغبتك نرجو ان نصل إليها انشاء الله بتشجيعك
~~وتوجيهك.
# فما وجدت من حسن فباركه. وما وجدت بخلافه فأغمض عينيك واعتقد انه فوت لم
~~نتمكن من ادراكه. والصفح الجميل من شيم الكرام مثلك، وجل من لا عيب فيه.
# بهذه المحاولة: نقدم لك هذا المورد العذب المصفى دون ان يخطر على بالك
~~مكدر من خوف ms501 سقط أو غيره.
# ولما ذكرنا فاعتبر طبعتنا هي المرجع لهذا الكتاب لما فيها من الميزات
~~الحسنة في الحس والمعنى.
# وليس أمامنا الا ان نشكر الله على تيسيره وفضله ومنه وعونه.
# ثم نشكر لكل الاخوان الذين ساندونا في مهمتنا التي قصدناها في الرياض
~~والمدينة وغيرها.
# وخاصة شيخنا (عبد الرزاق العفيفي) فله شكرنا على جهده وتحامله على نفسه
~~في ظروفه المتعبة، وحيا الله كل عامل مخلص لدينه وأمته والله المستعان،
~~وحسبنا الله ونعم الوكيل.
# الناشر علي الحمد الصالحي PageV02P342
# الاحكام في أصول الاحكام تأليف الامام العلامة على بن محمد الآمدي علق
~~عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الثالث المكتب الاسلامي
~~PageV03P001
# طبع باذن فضيلة الشيخ المحقق الطبعة الا. لي 1387 ه الرياض PageV03P002
# بسم الله الرحمن الرحيم الصنف السادس في المطلق والمقيد أما المطلق:
~~فعبارة عن النكرة في سياق الاثبات فقولنا: (نكرة) احتراز عن أسماء المعارف
~~وما مدلوله واحد معين أو عام مستغرق وقولنا: (في سياق الاثبات) احتراز عن
~~النكرة في سياق النفي، فإنها تعم جميع ما هو من جنسها، وتخرج بذلك عن
~~التنكير لدلالة اللفظ على الاستغراق وذلك كقولك في معرض الامر أعتق رقبة أو
~~مصدر الامر كقوله * (فتحرير رقبة) * (4) النساء: 92) أو الاخبار عن
~~المستقبل كقوله (سأعتق رقبة) ولا يتصور الاطلاق في معرض الخبر المتعلق
~~بالماضي، كقوله رأيت رجلا ضرورة تعينه من إسناد الرؤية إليه (2) . وإن شئت
~~قلت هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه (3) . فقولنا: (لفظ) كالجنس
~~للمطلق وغيره وقولنا: (دال) احتراز عن الألفاظ المهملة وقولنا: (على مدلول)
~~ليعم الوجود والعدم
# PageV03P003
# وقولنا: (شائع في جنسه) احتراز عن أسماء الاعلام، وما مدلوله معين أو
~~مستغرق.
# وأما المقيد فإنه يطلق باعتبارين.
# الأول: ما كان من الألفاظ الدالة على مدلول معين، كزيد وعمرو وهذا الرجل
~~ونحوه الثاني: ما كان من الألفاظ دالا على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة
~~عليه كقولك دينار مصري، ودرهم مكي وهذا النوع من المقيد، وإن كان مطلقا في
~~جنسه من حيث هو دينار مصري ودرهم مكي، غير أنه مقيد بالنسبة ms502 إلى مطلق
~~الدينار والدرهم، فهو مطلق من وجه، ومقيد من وجه وإذا عرف معنى المطلق
~~والمقيد، فكل ما ذكرناه في مخصصات العموم من المتفق عليه، والمختلف فيه،
~~والمزيف، والمختار، فهو بعينه جار في تقييد المطلق، فعليك باعتباره ونقله
~~إلى ههنا.
# ونزيد مسألة أخرى، وهي أنه إذا ورد مطلق ومقيد، فلا يخلو.
# إما أن يختلف حكمهما، أو لا يختلف: فإن اختلف حكمهما. فلا خلاف في امتناع
~~حمل أحدهما على الآخر، وسواء كانا مأمورين أو منهيين، أو أحدهما مأمورا
~~والآخر منهيا، وسواء اتحد سببهما أو اختلف، لعدم المنافاة في الجمع بينهما
~~إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا قال مثلا في كفار ة الظهار أعتقوا رقبة ثم
~~قال لا تعتقوا رقبة كافرة فإنه لا خلاف في مثل هذه الصورة أن المقيد يوجب
~~تقييد الرقبة المطلقة بالرقبة المسلمة. وعليك باعتبار أمثلة هذه الأقسام،
~~فإنها سهلة وأما إن لم يختلف حكمهما، فلا يخلو إما أن يتحد سببهما، أو لا
~~يتحد: فإن اتحد سببهما، فإما أن يكون اللفظ دالا على إثباتهما أو نفيهما،
~~فإن كان الأول كما لو قال في الظهار أعتقوا رقبة ثم قال أعتقوا رقبة مسلمة
~~فلا نعرف خلافا في حمل المطلق على المقيد ههنا، وإنما كان كذلك، لان من عمل
~~بالمقيد فقد وفى بالعمل بدلالة المطلق، ومن عمل بالمطلق لم يف بالعمل
~~بدلالة المقيد، فكان الجمع هو الواجب والأولى. PageV03P004
# فإن قيل بطريقه الشبهة إذا كان حكم المطلق إمكان الخروج عن عهدته بما شاء
~~المكلف من ذلك الجنس، فالعمل بالمقيد مما ينافي مقتضى المطلق، وليس مخالفة
~~المطلق، وإجراء المقيد على ظاهره أولى من تأويل المقيد بحمله على الندب
~~وإجراء المطلق على إطلاقه قلنا: بل التقييد أولى من التأويل لثلاثة أوجه
~~الأول: أنه يلزم منه الخروج عن العهدة بيقين، ولا كذلك في التأويل الثاني:
~~أن المطلق إذا حمل على المقيد، فالعمل به فيه لا يخرج عن كونه موفيا للعمل
~~باللفظ المطلق في حقيقته، ولهذا لو أداه قبل ورود التقييد، كان قد عمل
~~باللفظ في ms503 حقيقته، ولا كذلك في تأويل المقيد وصرفه عن جهة حقيقته إلى مجازه
~~الثالث: أن الخروج عن العهدة بفعل أي واحد كان من الآحاد الداخلة تحت اللفظ
~~المطلق لم يكن اللفظ دالا عليه بوضعه لغة، بخلاف ما دل عليه المقيد من صفة
~~التقييد. ولا يخفى أن المحذور في صرف اللفظ عما دل عليه اللفظ لغة أعظم من
~~صرفه عما لم يدل عليه بلفظه لغة وأما إن كان دالا على نفيهما أو نهى عنهما،
~~كما لو قال مثلا في كفارة الظهار لا تعتق مكاتبا كافرا فهذا أيضا مما لا
~~خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما في النفي، إذ لا تعذر فيه وأما إن
~~كان سببهما مختلفا، كقوله تعالى في كفارة الظهار * (والذين يظاهرون من
~~نسائهم، ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة) * (4) النساء: 92) وقوله تعالى
~~في القتل الخطأ * (ومن قتل مؤمنا خطأ، فتحرير رقبة مؤمنة) * فهذا مما اختلف
~~فيه فنقل عن الشافعي، (رضي الله عنه) تنزيل المطلق على المقيد في هذه
~~الصورة لكن اختلف الأصحاب في تأويله فمنهم من حمله على التقييد مطلقا من
~~غير حاجة إلى دليل آخر ومنهم من حمله على ما إذا وجد بينهما علة جامعة
~~مقتضية للالحاق وهو الأظهر من مذهبه وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم منعوا من
~~ذلك مطلقا PageV03P005
# ولنذكر حجة كل فريق، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار أما حجة من قال
~~بالتقييد من غير دليل، فهي أن كلام الله تعالى متحد في ذاته لا تعدد فيه،
~~فإذا نص على اشتراط الايمان في كفارة القتل، كان ذلك تنصيصا على اشتراطه في
~~كفارة الظهار، ولهذا حمل قوله تعالى: * (والذاكرات) * (33) الأحزاب: 35)
~~على قوله في أول الآية: * (والذاكرين الله كثيرا) * (33) الأحزاب: 35) من
~~غير دليل خارج . وهذا مما لا اتجاه له، فإن كلام الله تعالى إما أن يراد به
~~المعنى القائم بالنفس، أو العبارات الدالة عليه. والأول وإن كان واحدا لا
~~تعدد فيه، غير أن تعلقه بالمتعلقات مختلف باختلاف المتعلق ولا يلزم من
~~تعلقه بأحد المختلفين بالاطلاق والتقييد، أو العموم ms504 والخصوص، أو غير ذلك،
~~أن يكون متعلقا بالآخر، وإلا كان أمره ونهيه ببعض المختلفات أمرا ونهيا
~~بباقي المختلفات، وهو محال متناقض، بل وكان يلزم من تعلقه بالصوم المقيد في
~~الحج بالتفريق، حيث قال تعالى: * (فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا
~~رجعتم) * (2) البقرة: (196) وبالتتابع في الظهار حيث قال * (فصيام شهرين
~~متتابعين) * (4) النساء (92) أن يتقيد الصوم المطلق في اليمين، إما
~~بالتتابع أو التفريق، وهو محال أو بأحدهما دون الآخر، ولا أولوية كيف وإنه
~~يلزم من تقييده بأحدهما دون الآخر، إبطال ما ذكروه من أن التنصيص على أحد
~~المختلفين يكون تنصيصا على الآخر وإن أريد به العبارة الدالة، فهي متعددة
~~غير متحدة، ولا يلزم من دلالة بعضها على بعض الأشياء المختلفة، دلالته على
~~غيره، وإلا لزم من ذلك المحال الذي قدمنا لزومه في الكلام النفساني (1)
~~وأما ما ذكروه من حمل الذاكرات على الذاكرين الله كثيرا فلا نسلم أن ذلك من
~~غير دليل ودليله أن قوله تعالى * (والذاكرات) * (33) الأحزاب: 35) معطوف
~~على قوله: * (والذاكرين الله كثيرا) * (33) الأحزاب: 35)
# PageV03P006
# ولا استقلال له بنفسه، فوجب رده إلى ما هو معطوف عليه ومشارك له في حكمه
~~وأما حجة أصحاب أبي حنيفة، فإنهم قالوا: إذا امتنع التقييد من غير دليل لما
~~سبق، فلا بد من دليل، ولا نص من كتاب أو سنة يدل على ذلك، والقياس يلزم منه
~~رفع ما اقتضاه المطلق من الخروج عن العهدة بأي شئ كان، مما هو داخل تحت
~~اللفظ المطلق، كما سبق تقريره، فيكون نسخا، ونسخ النص لا يكون بالقياس
~~ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من القياس نسخ النص المطلق، بل تقييده
~~ببعض مسمياته، وذلك لا يزيد على تخصيص العام بالقياس عندكم، فكذلك التقييد
~~كيف وإن لفظ (الرقبة) مطلق بالنسبة إلى السليمة والمعيبة، وقد كان مقتضى
~~ذلك أيضا الخروج عن العهدة بالمعيبة، وقد شرطتم صفة السلامة، ولم يدل عليه
~~نص من كتاب أو سنة وإن كان بالقياس، فإما أن يكون نسخا، أو لا يكون نسخا:
~~فإن كان الأول فقد بطل قولكم إن ms505 النسخ لا يكون بالقياس، وإن لم يكن نسخا،
~~فقد بطل قولكم إن رفع حكم المطلق بالقياس يكون نسخا وأما حجة من قال
~~بالتقييد، بناء على القياس، فالوجه في ضعفه ما سبق في تخصيص العام بالقياس،
~~فعليك بنقله إلى ههنا والمختار أنه إن كان الوصف الجامع بين المطلق والمقيد
~~مؤثرا أي ثابتا بنص أو إجماع، وجب القضاء بالتقييد، بناء عليه، وإن كان
~~مستنبطا من الحكم المقيد، فلا، كما ذكرناه في تخصيص العموم PageV03P007
# الصنف السابع في المجمل ويشتمل على مقدمة ومسائل أما المقدمة: ففي معنى
~~المجمل. وهو في اللغة مأخوذ من الجمع ومنه يقال أجمل الحساب إذا جمعه ورفع
~~تفاصيله وقيل هو المحصل، ومنه يقال جملت الشئ إذا حصلته هكذا ذكره صاحب
~~المجمل في اللغة وأما في اصطلاح الأصوليين، فقال بعض أصحابنا: هو اللفظ
~~الذي لا يفهم منه عند الاطلاق شئ، وهو فاسد، فإنه ليس يمانع ولا جامع أما
~~أنه ليس بمانع: فلانه يدخل فيه اللفظ المهمل، فإنه لا يفهم منه شئ عند
~~إطلاقه، وليس بمجمل، لان الاجمال والبيان من صفات الألفاظ الدالة، والمهمل
~~لا دلالة له، ويدخل فيه قولنا مستحيل، فإنه ليس بمجمل مع أنه لا يفهم منه
~~شئ عند إطلاقه، لان مدلوله ليس بشئ بالاتفاق وأما أنه ليس بجامع: فلان
~~اللفظ المجمل المتردد بين محامل، قد يفهم منه شئ وهو انحصار المراد منه في
~~بعضها، وإن لم يكن معينا. وكذلك ما هو مجمل من وجه، ومبين من وجه، كقوله
~~تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (6) الانعام: 141) فإنه مجمل وإن كان
~~يفهم منه شئ فإن قيل: المراد منه أنه الذي لا يفهم منه شئ عند إطلاقه من
~~جهة ما هو مجمل ففيه تعريف المجمل بالمجمل، وتعريف الشئ بنفسه ممتنع كيف
~~وإن الاجمال كما أنه قد يكون في دلالة الألفاظ، فقد يكون في دلالة الافعال،
~~وذلك كما لو قام النبي (ص)، من الركعة الثانية، ولم يجلس جلسة التشهد
~~الوسط، فإنه متردد بين السهو الذي لا دلالة له على جواز ترك الجلسة، وبين
~~التعمد ms506 الدال على جواز تركها. وإذا كان الاجمال قد يعم الأقوال والافعال،
~~PageV03P008
# فتقييد حد المجمل باللفظ يخرجه عن كونه جامعا، وبهذا يبطل ما ذكره
~~الغزالي في حد المجمل من أنه اللفظ الصالح لاحد معنيين الذي لا يتعين معناه
~~لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال وذكر أبو الحسين البصري فيه حدين آخرين
~~الأول: أنه (الذي لا يمكن معرفة المراد منه) ويبطل بالألفاظ المهملة،
~~وباللفظ الذي هو حقيقة في شئ، فإنه إذا أريد به جهة مجازه، فإنه لا يفهم
~~المراد منه وليس بمجمل الثاني قال (هو ما أفاد شيئا من جملة أشياء هو متعين
~~في نفسه، واللفظ لا بعينه)، قال وهذا بخلاف قولك (اضرب رجلا) فإن مدلوله
~~واحد غير معين في نفسه، وأي رجل ضربته جاز، ولا كذلك لفظ القرء فإن مدلوله
~~واحد متعين في نفسه من الطهر أو الحيض، وفيه إشعار بتقييد الحد باللفظ حيث
~~قال (واللفظ لا بعينه) فلا يكون جامعا بخروج الاجمال في دلالة الفعل عنه،
~~كما حققناه، وإنما يصح التقييد باللفظ، لو أريد تحديد المجمل اللفظي خاصة.
# والحق في ذلك أن يقال: (المجمل هو ماله دلالة على أحد أمرين لا مزية
~~لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه) فقولنا: (ما له دلالة) ليعم الأقوال
~~والافعال وغير ذلك من الأدلة المجملة وقولنا: (على أحد أمرين) احتراز عما
~~لا دلالة له إلا على معنى واحد.
# وقولنا: (لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه) احتراز عن اللفظ الذي
~~هو ظاهر في معنى وبعيد في غيره، كاللفظ الذي هو حقيقة في شئ ومجاز في شئ
~~على ما عرف فيما تقدم.
# وقد يكون ذلك في لفظ مفرد مشترك عند القائلين بامتناع تعميمه، وذلك إما
~~بين مختلفين، كالعين، للذهب والشمس، والمختار للفاعل والمفعول، أو ضدين
~~كالقرء، للطهر والحيض (1).
# PageV03P009
# وقد يكون في لفظ مركب، كقوله تعالى: * (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) *
~~(2) البقرة: 237) فإن هذه مترددة بين الزوج والولي وقد يكون ذلك بسبب
~~التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه كقولك: كل ما علمه الفقيه فهو كما علمه ms507
~~فإن الضمير في (هو) متردد بين العود إلى الفقيه وإلى معلوم الفقيه، والمعنى
~~يكون مختلفا، حتى أنه إذا قيل بعوده إلى الفقيه كان معناه في الفقيه
~~كمعلومه، وإن عاد إلى معلومه، كان معناه: فمعلومه على الوجه الذي علم.
# وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين جمع الاجزاء وجمع الصفات، كقولك
~~(الخمسة زوج وفرد) والمعنى مختلف، حتى أنه إن أريد به جمع الاجزاء، كان
~~صادقا، وإن أريد به جمع الصفات، كان كاذبا.
# وقد يكون ذلك بسبب الوقف والابتداء، كما في قوله تعالى: * (وما يعلم
~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (3) آل عمران: 7) فالواو في قوله
~~(والراسخون) مترددة بين العطف والابتداء، والمعنى يكون مختلفا (1) . وقد
~~يكون ذلك بسبب تردد الصفة (2) وذلك كما لو كان زيد طبيبا غير ماهر
# PageV03P010
# في الطب وهو ماهر في غيره، فقلت (زيد طبيب ماهر) فإن قولك (ماهر) متردد
~~بين أن يراد به كونه ماهرا في الطب فيكون كاذبا، وبين أن يراد به غيره،
~~فيكون صادقا.
# وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين مجازاته المتعددة عند تعذر حمله على
~~حقيقته، وقد يكون بسببه تخصيص العموم بصور مجهولة، كما لو قال اقتلوا
~~المشركين ثم قال بعد ذلك بعضهم غير مراد لي من لفظي (1) فإن قوله (اقتلوا
~~المشركين) بعد ذلك يكون مجملا غير معلوم، أو بصفة مجهولة كقوله تعالى *
~~(وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين) * (4) النساء: 24) فإن
~~تقييد الحل بالاحصان ، مع الجهل بما هو الاحصان، يوجب الاجمال فيما أحل (2)
~~أو باستثناء مجهول كقوله: * (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم)
~~(3) * (5) المائدة: 1) فإنه مهما كان المستثنى مجملا، فالمستثنى منه كذلك،
~~وكذلك الكلام في تقييد المطلق وقد يكون ذلك بسبب إخراج اللفظ في عرف الشرع
~~عما وضع له في اللغة عند القائلين بذلك، قبل بيانه لنا، كقوله: * (أقيموا
~~الصلاة، وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) * (ولله على الناس حج البيت من
~~استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) فإنه يكون مجملا لعدم إشعار اللفظ
~~بما هو المراد منه بعينه من الافعال المخصوصة، لأنه (4) مجمل ms508 بالنسبة إلى
~~الوجوب
# PageV03P011
# هذا كله في الأقوال وقد يكون ذلك في الافعال، كما ذكرناه أولا وتمام كشف
~~الغطاء عن ذلك بمسائل، وهي ثمان المسألة الأولى الذي صار إليه أصحابنا
~~وجماعة من المعتزلة، كالقاضي عبد الجبار والجبائي وأبي هاشم وأبي الحسين
~~البصري، أن التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان كقوله تعالى: * (حرمت
~~عليكم أمهاتكم) * (4) النساء: 23) * (وحرمت عليكم الميتة) * (المائدة: 3)
~~لا إجمال فيه، خلافا للكرخي وأبي عبد الله البصري.
# احتج القائلون بالاجمال بأن التحليل والتحريم إنما يتعلق بالافعال
~~المقدورة، والأعيان التي أضيف إليها التحليل والتحريم غير مقدورة لنا، فلا
~~تكون هي متعلق التحليل والتحريم، فلا بد من إضمار فعل يكون هو متعلق ذلك،
~~حذرا من إهمال الخطاب بالكلية، ويجب أن يكون ذلك بقدر ما تندفع به الضرورة
~~تقليلا للاضمار المخالف للأصل. وعلى هذا، فيمتنع إضمار كل ما يمكن تعلقه
~~بالعين، من الافعال وليس إضمار البعض أولى من البعض، لعدم دلالة الدليل على
~~تعيينه، ولأنه لو دل على تعيين بعض الأفعال، لكان ذلك متعينا من تعلق
~~التحريم بأي عين كانت، وهو محال قال النافون: وإن سلمنا امتناع تعلق
~~التحليل والتحريم بنفس العين، ولكن متى يحتاج إلى الاضمار، إذا كان اللفظ
~~ظاهرا بعرف الاستعمال في الفعل المقصود من تلك العين، أو إذا لم يكن؟ الأول
~~ممنوع، والثاني مسلم.
# وبيانه: أن كل من اطلع على عرف أهل اللغة، ومارس ألفاظ العرب لا يتبادر
~~إلى فهمه عند قول القائل لغيره (حرمت عليك الطعام والشراب، وحرمت عليك
~~النساء (سوى تحريم الأكل والشرب من الطعام والشراب، وتحريم وطئ النساء.
# والأصل في كل ما يتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة، إما بالوضع الأصلي، أو
~~بعرف الاستعمال، والاجمال منتف بكل واحد منهما ولهذا، كان الاجمال منتفيا
~~عند قول القائل (رأيت دابة) لما كان المتبادر إلى الفهم ذوات الأربع بعرف
~~الاستعمال، وإن كان على خلاف الوضع الأصلي. وعلى هذا، فقد خرج الجواب عما
~~ذكروه من الوجه الثاني أيضا. PageV03P012
# سلمنا أنه لا بد من الاضمار، ولكن ما المانع من إضمار جميع التصرفات
~~المتعلقة ms509 بالعين، المضاف إليها التحليل والتحريم.
# قولهم: إن زيادة الاضمار على خلاف الأصل.
# . قلنا: فإضمار البعض إما أن يفضي إلى الاجمال، أو لا يفضي إليه، فإن كان
~~الثاني، فقد بطل مذهبكم، وإن كان يفضي إلى الاجمال، فلا بد من إضمار الكل،
~~حذرا من تعطيل دلالة اللفظ.
# فلئن قالوا: إضمار البعض، وإن أفضى إلى الاجمال، فليس في ذلك ما يفضي إلى
~~تعطيل دلالة اللفظ مطلقا، لامكان معرفة تعيين مدلوله بدليل آخر وأما محذور
~~إضمار كل التصرفات فلازم مطلقا. ولا يخفى أن التزام المحذور الدائم أعظم من
~~التزام المحذور الذي لا يدوم.
# قلنا: بل التزام محذور إضمار جميع الأفعال أولى من التزام محذور الاجمال
~~في اللفظ لثلاثة أوجه.
# الأول: أن الاضمار في اللغة أكثر استعمالا من استعمال الألفاظ المجملة،
~~ولولا أن المحذور في الاضمار أقل، لما كان استعماله أكثر.
# الثاني: أنه انعقد الاجماع على وجود الاضمار في اللغة والقرآن واختلف في
~~وجود الاجمال فيهما، وذلك يدل على أن محذور الاضمار أقل.
# الثالث: أنه قال (ص): لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها
~~وباعوها (وكانوا أثمانها) (1) وذلك يدل على إضمار جميع التصرفات المتعلقة
~~بالشحوم وإلا، لما لحقهم اللعن ببيعها. ولو كان الاجمال أولى من إضمار
~~الكل، لكان ذلك على خلاف الأولى.
# PageV03P013
# المسألة الثانية ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم)
~~* (5) المائدة: 6) مجمل لأنه يحتمل مسح جميع الرأس، ويحتمل مسح بعضه، وليس
~~أحدهما أولى من الآخر، فكان مجملا قالوا: وما روي عنه (ص)، أنه مسح
~~بناصيته، فهو بيان لمجمل الآية واتفق النافون على نفي الاجمال، لكن منهم من
~~قال إنه بحكم وضع اللغة ظاهر في مسح جميع الرأس، وهو مذهب مالك والقاضي عبد
~~الجبار وابن جني مصيرا منهم إلى أن (الباء) في اللغة أصل في الالصاق، كما
~~سبق تعريفه، وقد دخلت على المسح وقرنته بالرأس، واسم الرأس حقيقة في كله لا
~~بعضه، ولهذا، لا يقال لبعض الرأس رأس، فكان ذلك مقتضيا لمسح جميعه لغة،
~~وهذا، وإن كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع ms510 اللغة، غير أن عرف استعمال أهل
~~اللغة الطارئ على الوضع الأصلي حاكم عليه، والعرف من أهل اللغة في اطراد
~~الاعتبار جار باقتضاء إلصاق المسح بالرأس فقط، مع قطع النظر عن الكل
~~والبعض، ولهذا، فإنه إذا قال القائل لغيره امسح يدك بالمنديل لا يفهم منه
~~أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل، بل إن شاء بكله،
~~وإن شاء ببعضه. ولهذا، فإنه يخرج عن العهدة بكل واحد منهما.
# وكذلك إذا قال: مسحت يدي بالمنديل فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله وببعضه،
~~غير فاهمين لزوم وقوع المسح بالكل أو البعض، بل بالقدر المشترك بين الكل
~~والبعض، وهو مطلق مسح (1) ويجب أن يكون كذلك، نفيا للتجوز والاشتراك في
~~العرف. وهذا هو مذهب الشافعي، رضي الله عنه، واختيار القاضي عبد الجبار
~~وأبي الحسين البصري.
# وعلى كل تقدير، فلا وجه للقول بالاجمال، لا بالنظر إلى الوضع اللغوي
~~الأصلي، ولا بالنظر إلى عرف الاستعمال.
# PageV03P014
# المسألة الثالثة مذهب الجمهور أنه لا إجمال في قوله (ص): رفع عن أمتي
~~الخطأ والنسيان (1) وقال أبو الحسين البصري وأبو عبد الله البصري وغيرهما
~~إنه مجمل، مصيرا منهم إلى أن اللفظ بوضعه لغة يقتضي رفع الخطأ والنسيان في
~~نفسه، وهو محال مع فرض وقوعه فيجل منصب النبي عن نفيه.
# وعند ذلك، فإما أن يضمر نفي جميع أحكامه أو بعضها، لا سبيل إلى الأول،
~~لان الاضمار على خلاف الأصل، وإنما يصار إليه لدفع الضرورة اللازمة من
~~تعطيل العمل باللفظ، فيجب الاقتصار فيه على أقل ما تندفع به الضرورة، وهو
~~بعض الأحكام.
# كيف وأنه يمتنع إضمار نفي جميع الأحكام، لان من جملتها لزوم الضمان وقضاء
~~العبادة، وهو غير منفي بالاجماع. ثم ذلك الحكم المضمر لا يمكن القول بتعينه
~~لعدم دلالة اللفظ عليه، فلم يبق إلا أن يكون غير معين، ويلزم منه الاجمال.
# قال النافون للاجمال: وإن تعذر حمل اللفظ على رفع عين الخطأ والنسيان،
~~فإنما يلزم الاضمار إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللغة في
~~نفي المؤاخذة والعقاب قبل ms511 ورود الشرع، وليس كذلك. ولهذا فإن كل من عرف عرف
~~أهل اللغة لا يتشكك ولا يتردد عند سماعه قول السيد لعبده رفعت عنك الخطأ
~~والنسيان في أن مراده من ذلك رفع المؤاخذة والعقاب.
# والأصل أن كل ما يتبادر إلى الفهم من اللفظ أن يكون حقيقة فيه، إما
~~بالوضع الأصلي، أو العرف الاستعمالي. وذلك لا إجمال فيه ولا تردد.
# PageV03P015
# فإن قيل: لو كان عرف الاستعمال كما ذكرتموه لارتفع عنه الضمان لكونه من
~~جملة المؤاخذات والعقوبات. قلنا: عنه جوابان الأول: أنا نسلم أن الضمان، من
~~حيث هو ضمان، عقوبة ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون، وليسا أهلا للعقوبة،
~~وكذلك يجب على المضطر في المخمصة إذا أكل مال غيره، مع أن الاكل واجب عليه
~~حفظا لنفسه، والواجب لا عقوبة على فعله، وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى
~~صف الكفار فأصاب مسلما، مع أنه مأمور بالرمي، وهو مثاب عليه.
# الثاني: وإن سلمنا أنه عقاب، لكن غايته لزوم تخصيص عموم اللفظ الدال على
~~نفي كل عقاب، وذلك أسهل من القول بالاجمال.
# المسألة الرابعة اختلفوا في قوله (ص): لا صلاة إلا بطهور، (1) ولا صلاة
~~إلا بفاتحة الكتاب، (2) ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (3)، ولا
~~نكاح إلا بولي وشاهدي عدل (4) ونحوه.
# PageV03P016
# فمذهب الكل أنه لا إجمال فيه، خلافا للقاضي أبي بكر وأبي عبد الله
~~البصري، فإنهما قالا بإجماله، لان حرف النفي دخل على هذه المسميات مع
~~تحققها، فلا بد من إضمار حكم يلحق، وتمام تقريره كما مر في المسألة
~~المتقدمة.
# والمختار: أنه لا إجمال في هذه الصور، لأنه لا يخلو إما أن يقال بأن
~~الشارع له في هذه الأسماء عرف، أو لا عرف له فيها، بل هي منزلة على الوضع
~~اللغوي.
# فإن قيل بالأول، فيجب تنزيل كلام الشارع على عرفه، إذ الغالب منه أنه
~~إنما يناطقنا فيما له فيه عرف بعرفه، فيكون لفظه منزلا على نفي الحقيقة
~~الشرعية من هذه الأمور، ونفي الحقيقة الشرعية ممكن.
# والأصل حمل الكلام على ما هو حقيقة فيه. وعلى ms512 هذا، فلا إجمال، وإن كان
~~مسمى هذه الأمور بالوضع اللغوي غير منفي.
# وإن قيل بالثاني، فالاجمال أيضا إنما يتحقق إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا
~~بعرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع في مثل هذه الألفاظ في نفي الفائدة
~~والجدوى وليس كذلك.
# وبيانه أن المتبادر إلى الفهم من نفي كل فعل كان متحقق الوجود إنما هو
~~نفي فائدته وجدواه.
# ومنه قولهم لاعلم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا حكم إلا لله،
~~ولا طاعة إلا له، ولا بلد إلا بسلطان إلى غير ذلك. وإذا كان النفي محمولا
~~على نفي الفائدة والجدوى، فلا إجمال فيه. وإن سلمنا أنه لا عرف للشارع، ولا
~~لأهل اللغة في ذلك، وأنه لا بد من الاضمار غير أن الاتفاق واقع على أنه لا
~~خروج للمضمر ها هنا عن الصحة. والكمال وعند ذلك، فيجب اعتقاد ظهوره في نفي
~~الصحة والكمال لوجهين: الأول: أنه أقرب إلى موافقة دلالة اللفظ على النفي،
~~لأنه إذا قال: لا صلاة، لا صوم إلا بكذا فقد دل على نفي أصل الفعل بدلالة
~~المطابقة، وعلى صفاته بدلالة الالتزام، فإذا تعذر العمل بدلالة المطابقة،
~~تعين العمل بدلالة الالتزام تقليلا لمخالفة الدليل. PageV03P017
# الثاني: أنه إذا كان اللفظ قد دل على نفي العمل وعدمه، فيجب عند تعذر حمل
~~اللفظ على حقيقته، حمله على أقرب المجازات الشبيهة به، ولا يخفى أن مشابهة
~~الفعل الذي ليس بصحيح ولا كامل للفعل المعدوم أكثر من مشابهة الفعل الذي
~~نفي عنه أحد الامرين دون الآخر، فكان الحمل عليه أولى . فإن قيل ما ذكرتموه
~~معارض من وجهين:
# الأول: أنه يلزم منه الزيادة في الاضمار والتجوز المخالف للأصل، الثاني:
~~أن حمله على نفي الكمال دون الصحة مستيقن، من حيث إنه يلزم من نفي الصحة
~~نفي الكمال، ولا عكس، وإذا تقابلت الاحتمالات لزم الاجمال . قلنا: بل
~~الترجيح لما ذكرناه، لأنه لا يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ، بخلاف ما
~~ذكرتموه، ولأنه على وفق النفي الأصلي، وما ذكرتموه على خلافه، فكان ما
~~ذكرناه أولى . وعلى ms513 هذا، فقوله (ص): لا عمل إلا بنية، وإنما الأعمال
~~بالنيات وإن لم يكن للشارع فيه عرف، كما في الصلاة والصوم ونحوهما، فعرف
~~أهل اللغة في نفيه نفي الفائدة والجدوى، كما قررناه فيما تقدم، فلا إجمال
~~فيه أيضا، خلافا لأبي الحسين البصري وأبي عبد الله البصري وغيرهما من
~~المعتزلة. PageV03P018
# المسألة الخامسة اختلفوا في قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا
~~أيديهما) * (5) المائدة: 38) فقال بعض الأصوليين إن لفظ القطع واليد مجمل.
# أما الاجمال في القطع، فلانه يصدق إطلاقه على بينونة العضو من العضو،
~~وعلى شق الجلد الظاهر من العضو بالجرح، من غير إبانة للعضو. ولذلك يقال
~~عندما إذا جرح يده في بعض الأعمال، كبرى القلم وغيره قطع يده وأما الاجمال
~~في اليد، فلان لفظ اليد يطلق على جملتها إلى المنكب، وعليها إلى المرفق،
~~وعليها إلى الكوع، وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر، فكان لفظ اليد
~~والقطع، مجملا.
# وذهب الباقون إلى خلافه متمسكين في ذلك بالاجمال والتفصيل:
# أما الاجمال: فهو أن إطلاق لفظ اليد على ما ذكر من المحامل، وكذلك إطلاق
~~لفظ القطع، إما أن يكون حقيقة في الكل أو هو حقيقة في البعض مجاز في البعض،
~~فإن كان حقيقة في الكل، فإما أن يكون مشتركا، أو متواطئا : القول بالاشتراك
~~يلزم منه الاجمال في الكلام، وهو على خلاف الأصل.
# وإن كان الثاني والثالث، فليس بمجمل.
# كيف وإنه وإن كان الاشتراك على وفق الأصل إلا أن الاحتمالات ثلاثة كما
~~ذكرناه، ولا إجمال فيه على تقديرين منها، وهما حالة التواطؤ والتجوز في
~~أحدهما، وإنما يتحقق الاجمال على تقدير الاشتراك، وهو متحد، ووقوع احتمال
~~من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه. وإذا كان حقيقة في أحدهما دون
~~الآخر، فيجب اعتقاد كونه ظاهرا في كل العضو ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره
~~فيما سواه ، أما عند الخصم، فلدعواه الاجمال، وأما عندنا فلمصيرنا إلى نفي
~~الظهور عنه وانحصاره في جملة مسمى العضو PageV03P019
# . وأما التفصيل: فهو أن لفظ اليد، وإن أطلق على ما ذكروه من الاحتمالات
~~إلا أنه حقيقة في ms514 جملة العضو إلى المنكب، ومجاز فيما عداه. ودليله أنه يصح
~~أن يقال، إذا أبينت اليد من المرفق أو من الكوع: هذا بعض اليد لا كلها.
~~وذلك يدل على أنه ليس حقيقة من وجهين:
# الأول: أن مسمى اليد حقيقة لا يصدق عليه أنه بعض اليد والثاني: صحة القول
~~بأنه ليس كل اليد، ولو كان مسمى اليد حقيقة، لما صح نفيه وأما لفظ القطع
~~فحقيقة في إبانة الشئ عما كان متصلا به. فإذا أضيف القطع إلى اليد، وكان
~~مسمى اليد حقيقة في جملتها إلى الكوع، وجب حمله على إبانة مسمى اليد، وهو
~~جملتها، وحيث أطلق قطع اليد عند إبانة بعض أجزائها عن بعض لا يكون حقيقة،
~~بل تجوزا.
# فإن قيل: لو كان الامر على ما ذكرتموه لما وجب الاقتصار في قطع يد السارق
~~على قطعه من الكوع، لما فيه من مخالفة الظاهر.
# قلنا: وإن لزم منه مخالفة الظاهر إلا إنه أولى من القول بالاجمال في كلام
~~الشارع، فكان إدراج ما نحن فيه تحت الأغلب أغلب.
# الثاني أن القول بالاجمال: مما يفضي إلى تعطيل اللفظ عن الأعمال في
~~الحال، إلى حين قيام الدليل المرجح، ولا كذلك في الحمل على المجاز: فإنه إن
~~لم يظهر دليل التجوز عمل باللفظ في حقيقته، وإن ظهر عمل به في مجازه، من
~~غير تعطيل اللفظ في الحال ولا في ثاني الحال. PageV03P020
# المسألة السادسة اللفظ الوارد إذا أمكن حمله على ما يفيد معنى واحدا،
~~وعلى ما يفيد معنيين، قال الغزالي وجماعة من الأصوليين: هو مجمل لتردده بين
~~هذين الاحتمالين.
# والذي عليه الأكثر أنه ليس بمجمل، بل هو ظاهر فيما يفيد معنيين. وهذا هو
~~المختار وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع فنقول: اللفظ
~~الوارد إما أن يظهر كونه حقيقة فيما قيل من المحملين مع اختلافهما أو كونه
~~حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، أو لم يظهر أحد الامرين: فإن كان من
~~القسم الأول أو الثاني، فلا معنى للخلاف فيه أما الأول فلتحقق إجماله وأما
~~الثاني فلتحقق ms515 الظهور في أحد المحملين: وإنما النزاع في القسم الثالث ويجب
~~اعتقاد نفي الاجمال فيه للاجمال والتفصيل:
# أما الاجمال فما تقدم في المسألة المتقدمة.
# وأما التفصيل فهو أن الكلام إنما وضع للإفادة، ولا سيما كلام الشارع.
# ولا يخفى أن ما يفيد معنيين أكثر في الفائدة، فيجب اعتقاد كون اللفظ
~~ظاهرا فيه . فإن قيل: هذا الترجيح معارض بترجيح آخر، وهو إن الغالب من
~~الألفاظ الواردة هي المفيدة لمعنى واحد، بخلاف المفيد لمعنيين. وعند ذلك
~~فاعتقاد أدراج ما نحن فيه تحت الأعم الأغلب أغلب.
# قلنا: يجب اعتقاد الترجيح فيما ذكرناه، وذلك لأنه لا يخلو إما أن يقال
~~بالتساوي بين الاحتمالين أو التفاوت.
# القول بالتساوي يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ وامتناع العمل به مطلقا، إلى
~~حين قيام الدليل، وذلك على خلاف الأصل.
# وإن قبل بالتفاوت والترجيح، فإما أن يكون فيما يفيد معنى واحدا، أو فيما
~~يفيد معنيين: لا سبيل إلى الأول، إذ القائل قائلان: قائل يقول بالاجمال،
~~ففيه نفي الترجيح عن المعنيين، وقائل يقول بأنه ظاهر راجح فيما يفيد معنيين
~~دون ما يفيد معنى واحدا، فقد وقع الاتفاق على نفي الترجيح فيما يفيد معنى
~~واحدا، فتعين الترجيح لما يفيد معنيين. PageV03P021
# المسألة السابعة اللفظ الوارد من جهة الشارع إذا أمكن حمله على حكم شرعي
~~مجدد، وأمكن حمله على الموضوع اللغوي: اختلفوا فيه.
# فذهب الغزالي إلى أنه مجمل لتردده بين الاحتمالين من غير مزية، وذهب غيره
~~إلى أنه ظاهر في الحكم الشرعي، وهو المختار.
# وذلك مثل قوله (ص): الطواف بالبيت صلاة (1) فإنه يحتمل أنه أراد به أنه
~~كالصلاة حكما، في الافتقار إلى الطهارة.
# ويحتمل أنه أراد به أنه مشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة.
# وكقوله (ص): الاثنان فما فوقهما جماعة (2) فإنه يحتمل أنه أراد به أنهما
~~جماعة حقيقة.
# ويحتمل أنه أراد به انعقاد الجماعة بهما وحصول فضيلتها، وإنما قلنا بكونه
~~ظاهرا في الحكم الشرعي للاجمال والتفصيل:
# أما الاجمال فما ذكرناه فيما تقدم.
# وأما التفصيل: فهو أنه (ص)، إنما بعث لتعريف الأحكام الشرعية، التي لا
~~تعرف ms516 إلا من جهته لا لتعريف ما هو معروف لأهل اللغة، فوجب حمل اللفظ عليه
~~لما فيه من موافقة مقصود البعثة.
# PageV03P022
# فإن قيل: ما ذكرتموه من الترجيح مقابل بمثله، وبيانه أن حمل اللفظ على
~~الحكم الشرعي، المجدد مخالف للنفي الأصلي، بخلاف الحمل على الموضوع الأصلي.
# قلنا: إلا أنا لو حملناه على تعريف الموضوع اللغوي، كانت فائدة لفظ
~~الشارع التأكيد بتعريف ما هو معروف لنا ولو حملناه على تعريف الحكم الشرعي.
~~كانت فائدته التأسيس وتعريف ما ليس معروفا لنا، وفائدة التأسيس أصل، وفائدة
~~التأكيد تبع، فكان حمله على التأسيس أولى.
# المسألة الثامنة إذا ورد لفظ الشارع، وله مسمى لغوي، ومسمى شرعي عند
~~المعترف بالأسماء الشرعية، قال القاضي أبو بكر تفريعا على القول بالأسماء
~~الشرعية إنه مجمل.
# وقال بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة إنه محمول على المسمى الشرعي.
# وفصل الغزالي، وقال: ما ورد في الاثبات، فهو للحكم الشرعي، وما ورد في
~~النهي، فهو مجمل، ومثال ذلك في طرف الاثبات قوله (ص)، حين دخل على عائشة،
~~فقال لها: أعندك شئ؟ - فقالت: لا - قال: إني إذا أصوم (1) فهو إن حمل على
~~الصوم الشرعي دل على صحة الصوم بنية من النهار بخلاف حمله على الصوم
~~اللغوي، ومثاله في طرف النهي نهيه عليه السلام عن صوم يوم النحر، (2) فإنه
~~إن حمل على الصوم الشرعي، دل على تصور وقوعه لاستحالة النهي عما لا تصور
~~لوقوعه، بخلاف ما إذا حمل على الصوم اللغوي.
# والمختار ظهوره في المسمى الشرعي في طرف الاثبات، وظهوره في المسمى
~~اللغوي في طرف الترك (3).
# PageV03P023
# أما الأول: فبيانه بما تقدم في المسألة التي قبلها، ويزيد ها هنا وجه آخر
~~في الترجيح، وهو أن الشارع، مهما ثبت له عرف، وإن كانت مناطقته لنا بالأمور
~~اللغوية غالبا، غير أن مناطقته لنا بعرفه، في موضع له فيه عرف، أغلب:
# وأما إذا ورد في طرف الترك، كقوله (ص): دعي الصلاة أيام أقرائك (1)
~~وكنهيه عن بيع الحر والخمر وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين، فإنه لو كان
~~اللفظ ظاهرا في الصلاة الشرعية والبيع ms517 الشرعي، لزم أن يكون ذلك متصورا
~~لاستحالة النهي عما لا تصور له، وهو خلاف الاجماع، وأن يكون الشارع (2) قد
~~نهى عن التصرف الشرعي، وذلك ممتنع لما فيه من إهمال المصلحة المعتبرة
~~المرعية في التصرف الشرعي (3)، أو أن يقال مع ظهوره في المسمى الشرعي
~~بتأويله وصرفه إلى المسمى اللغوي، وهو على خلاف الأصل، ولا يلزم من اطراده
~~عرف الشرع في هذه المسميات في طرف الاثبات، مثله في طرف النهي أو النفي،
~~وعلى ما حققناه من تقديم عرف الشرع في خطابه، على وضع اللغة، فيقدم ما
~~اشتهر من المجاز الذي صار لا يفهم من اللفظ غيره، على الوضع الأصلي
~~الحقيقي، وسواء كان ذلك التجوز بطريق نقل الكلام من محل الحقيقة إلى ما هو
~~خارج عنه كلفظ الغائط، أو بطريق تخصيصه ببعض مسمياته في الحقيقة، كلفظ
~~الدابة لان العرف الطارئ غالب للوضع الأصلي، ولا إجمال فيه.
# PageV03P024
# الصنف الثامن في البيان والمبين ويشتمل على مقدمة ومسائل أما المقدمة،
~~ففي تحقيق معنى البيان والمبين واختلاف الناس في العبارات الدالة عليهما،
~~وما هو المختار في ذلك.
# أما البيان: فاعلم أنه لما كان متعلقا بالتعريف والاعلام بما ليس بمعروف
~~ولا معلوم، وكان ذلك مما يتوقف على الدليل، والدليل مرشد إلى المطلوب، وهو
~~العلم أو الظن الحاصل عن الدليل، ولم يخرج البيان عن التعريف والدليل،
~~والمطلوب الحاصل من الدليل، لعدم معنى رابع يفسر به البيان، فلا جرم اختلف
~~الناس.
# فقال أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي وغيره، إن البيان هو التعريف وعبر
~~عنه بأنه إخراج الشئ من حيز الاشكال إلى حيز الوضوح والتجلي.
# وذهب أبو عبد الله البصري وغيره إلى أن البيان هو العلم الحاصل من
~~الدليل.
# وذهب القاضي أبو بكر والغزالي وأكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة، كالجبائي
~~وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وغيرهم، إلى أن البيان هو الدليل، وهو
~~المختار.
# ويدل على صحة تفسيره بذلك أن من ذكر دليلا لغيره، وأوضحه غاية الايضاح
~~يصح لغة وعرفا أن يقال، تم بيانه، وهو بيان حسن، إشارة إلى الدليل المذكور.
# وإن ms518 لم يحصل منه المعرفة بالمطلوب للسامع، ولا حصل به تعريفه، ولا إخراج
~~المطلوب من حيز الاشكال إلى حيز الوضوح والتجلي. والأصل في الاطلاق
~~الحقيقة، والذي يخص كل واحد من التعريفين الآخرين.
# أما الأول: فلانه غير جامع، لان ما يدل على الحكم بديا من غير سابقة
~~إجمال بيان، وهو غير داخل في الحد، وشرط الحد أن يكون جامعا مانعا. كيف
~~وفيه تجوز وزيادة. أما التجوز ففي لفظ الحيز، فإنه حقيقة في الجوهر دون
~~غيره.
# وأما الزيادة فما فيه من الجمع بين الوضوح والتجلي، وأحدهما كاف عن
~~الآخر، والحد مما يجب صيانته عن التجوز والزيادة. PageV03P025
# وأما التعريف الثاني: فلان حصول العلم عن الدليل يسمى تبينا، والأصل في
~~الاطلاق الحقيقة. فلو كان هو البيان أيضا حقيقة، لزم منه الترادف. والأصل
~~عند تعدد الأسماء، تعدد المسميات، تكثيرا للفائدة، ولأن الحاصل عن الدليل
~~قد يكون علما، وقد يكون ظنا. وعند ذلك فتخصيص اسم البيان بالعلم، دون الظن
~~لا معنى له، مع أن اسم البيان يعم الحالتين، وإذا كان النزاع إنما هو في
~~إطلاق أمر لفظي، فأولى ما اتبع، ما كان موافقا للاطلاق اللغوي، وأبعد عن
~~الاضطراب ومخالفة الأصول وإذا عرف أن البيان هو الدليل المذكور فحد البيان
~~ما هو حد الدليل، على ما سبق في تحريره (1) ويعم ذلك كل ما يقال له دليل،
~~كان مفيدا للقطع أو الظن وسواه كان عقليا أو حسيا، أو شرعيا أو عرفيا، أو
~~قولا أو سكوتا، أو فعلا أو ترك فعل إلى غير ذلك.
# وأما المبين: فقد يطلق، ويراد به ما كان من الخطاب المبتدأ المستغنى
~~بنفسه عن بيان، وقد يراد به ما كان محتاجا إلى البيان، وقد ورد عليه بيانه،
~~وذلك كاللفظ المجمل إذا بين المراد منه، والعام بعد التخصيص، والمطلق بعد
~~التقييد، والفعل إذا اقترن به ما يدل على الوجه الذي قصد منه إلى غير ذلك.
# وأما المسائل فثمان.
# PageV03P026
# المسألة الأولى مذهب الأكثرين أن الفعل يكون بيانا، خلافا لطائفة شاذة.
# ويدل على ذلك النقل والعقل.
# أما النقل: فما ms519 روي عنه (ص)، أنه عرف الصلاة والحج بفعله حيث قال:
# صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم.
# وأما العقل: فهو أن الاجماع منعقد على كون القول بيانا، والآتيان بأفعال
~~الصلاة والحج، لكونها مشاهدة، أدل على معرفة تفصيلها من الاخبار عنها
~~بالقول فإنه ليس الخبر كالمعاينة (1) ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار أدل
~~على معرفة كونه فيها من الاخبار عنه بذلك. وإذا كان القول بيانا، مع قصوره
~~في الدلالة عن الفعل المشاهد، فكون الفعل بيانا أولى. فإن قيل: أما النقل
~~فالبيان فيه إنما وقع بالقول لا بالفعل، وهو قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي،
~~وخذوا عني مناسككم وأما المعقول فهو أن الفعل، وإن كان مشاهدا، غير أن زمان
~~البيان به مما يطول، ويلزم من ذلك تأخير البيان مع إمكانه بما هو أفضى
~~إليه، وهو القول، وذلك ممتنع.
# قلنا: أما القول بأن البيان إنما حصل بالقول ليس كذلك فإنه لم يتضمن
~~تعريف شئ من أفعال الصلاة والحج، بل غايته تعريف أن الفعل هو البيان لذلك.
# وأما القول بأن البيان بالفعل مما يفضي إلى تأخير البيان مع إمكان تقدمه
~~بالقول فهو غير مسلم، بل التعريف بالقول، وذكر كل فعل بصفته وهيئته وما
~~يتعلق به أبعد عن التشبث بالذهن من الفعل المشاهد، وربما احتيج في ذلك إلى
~~تكرير في أزمنة تزيد على زمان وقوع الفعل بأزمنة كثيرة، على ما يشهد به
~~العرف والعادة.
# وإن سلمنا أن زمان التعريف بالفعل يكون أطول، فليس في ذلك ما يدل على
~~كونه غير صالح للبيان والتعريف والخلاف إنما هو في ذلك، وقد بينا أنه مع
~~صلاحيته للتعريف أدل من القول.
# PageV03P027
# قولهم إنه يفضي إلى تأخير البيان، مع إمكان تقديمه بالقول.
# قلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة قد دعت إلى البيان في الحال، أودعت
~~إليه:
# فإن كان الأول، فلا محذور في التأخير مع حصول البيان بما هو أدل من القول
~~وإن كان الثاني، فلا نسلم امتناع التأخير على قولنا بجواز التكليف بما لا
~~يطاق على ما قررناه.
# وبتقدير ms520 امتناعه، فإنما نسلم ذلك فيما إذا كان التأخير لا لفائدة وأما
~~إذا كان لفائدة، فلا.
# وقد بينا الفائدة في البيان بالفعل من جهة كونه أدل على المقصود.
# المسألة الثانية إذا ورد بعد اللفظ المجمل قول وفعل، وكل واحد منهما صالح
~~للبيان، فالبيان بماذا منهما؟
# والحق في ذلك أنه لا يخلو إما أن يتوافقا في البيان أو يختلفا: فإن
~~توافقا فإن علم تقدم أحدهما فهو البيان لحصول المقصود به، والثاني يكون
~~تأكيدا، إلا إذا كان دون الأول في الدلالة، لاستحالة تأكيد الشئ بما هو
~~دونه في الدلالة.
# وإن جهل ذلك، فلا يخلو إما أن يكونا متساويين في الدلالة، أو أحدهما أرجح
~~من الآخر على حسب اختلاف الوقائع والأقوال والافعال:
# فإن كان الأول فأحدهما هو البيان، والآخر مؤكد من غير تعيين وإن كان
~~الثاني، فالأشبه أن المرجوح هو المتقدم لأنا فرضنا تأخر المرجوح امتنع أن
~~يكون مؤكدا للراجح، إذ الشئ لا يؤكد بما هو دونه في الدلالة، والبيان حاصل
~~دونه، فكان الاتيان به غير مفيد، ومنصب الشارع منزه عن الاتيان بما لا يفيد
~~ولا كذلك فيما إذا جعلنا المرجوح مقدما، فإن الاتيان بالراجح بعده يكون
~~مفيدا للتأكيد، ولا يكون معطلا.
# وأما إن لم يتوافقا في البيان، كما روي عنه (ص)، أنه بعد آية الحج قال:
# من قرن حجا إلى عمرة فليطف طوافا واحدا، ويسعى سعيا واحدا (1)
# PageV03P028
# وروى عنه (ص) أنه قرن فطاف طوافين، وسعى سعيين (1) فلا يخلو إما أن يعرف
~~تقدم أحدهما، أو يجهل. فإن علم التقدم قال أبو الحسين البصري: المتقدم هو
~~البيان. فإن تقدم الفعل كان الطواف الثاني واجبا. وإن تقدم القول كان
~~الطواف الثاني غير واجب، وليس بحق، بل الحق أن يقال:
# إن كان القول متقدما، فالطواف الثاني غير واجب، وفعل النبي (ص) له يجب أن
~~يحمل على كونه مندوبا، وإلا فلو كان فعله له، دليل الوجوب، كان ناسخا لما
~~دل عليه القول. ولا يخفى أن الجمع أولى من التعطيل، وفعله للطواف الأول
~~يكون تأكيدا للقول، وإن كان الفعل ms521 متقدما، فهو، وإن دل على وجوب الطواف
~~الثاني: إلا أن القول بعده يدل على عدم وجوبه، والقول بإهمال دلالة القول
~~ممتنع، فلم يبق إلا أن يكون ناسخا لوجوب الطواف الثاني الذي دل عليه الفعل
~~أو أن يحمل فعله على بيان وجوب الطواف الثاني في حقه دون أمته، وأن يحمل
~~قوله على بيان وجوب الأول دون الثاني في حق أمته دونه، والأشبه إنما هو
~~الاحتمال الثاني دون الأول، لما فيه من الجمع بين البيانين من غير نسخ ولا
~~تعطيل (2).
# وأما إن جهل المتقدم منهما، فالأولى إنما هو تقدير تقدم القول وجعله
~~بيانا لوجهين
# PageV03P029
# الأول: أنه مستقل بنفسه في الدلالة بخلاف الفعل، فإنه لا يتم كونه بيانا
~~دون اقتران العلم الضروري بقصد النبي (ص)، البيان به، أو قول منه يدل على
~~ذلك وذلك مما لا ضرورة تدعو إليه (1).
# الثاني: أنا إذا قدرنا تقدم القول أمكن حمل الفعل بعده على ندبية الطواف
~~الثاني كما تقدم تعريفه. ولو قدرنا تقدم الفعل يلزم منه إما إهمال دلالة
~~القول، أو كونه ناسخا لحكم الفعل، أو أن يكون الفعل بيانا لوجوب الطواف
~~الثاني في حق النبي (ص) دون أمته، والقول دليل عدم وجوبه في حق أمته دونه،
~~والاهمال والنسخ على خلاف الأصل، والافتراق بين النبي (ص) والأمة في وجوب
~~الطواف الثاني مرجوح بالنظر إلى ما ذكرناه من التشريك، لكون التشريك هو
~~الغالب دون الافتراق (2).
# PageV03P030
# المسألة الثالثة هل يجب أن يكون البيان مساويا للمبين في القوة، أو يجوز
~~أن يكون أدنى منه.
# قال الكرخي: لا بد من المساواة، وقال أبو الحسين البصري: يجوز أن يكون
~~أدنى منه.
# وهل يجب أن يكون مساويا للمبين في الحكم؟
# فمنهم من قال به، ومنهم من نفاه.
# والمختار في ذلك أن يقال: أما المساواة في القوة، فالواجب أن يقال: إن
~~كان المبين مجملا، كفى في تعيين أحده احتماليه أدنى ما يفيد الترجيح، وإن
~~كان عاما أو مطلقا، فلا بد وأن يكون المخصص والمقيد في دلالته أقوى من
~~دلالة العام على صورة التخصيص، ودلالة ms522 المطلق على صورة التقييد، وإلا فلو
~~كان مساويا لزم الوقف (1) ولو كان مرجوحا لزم منه إلغاء الراجح بالمرجوح،
~~وهو ممتنع.
# وأما المساواة بينهما في الحكم فغير واجب، وذلك لأنه لو كان ما دل عليه
~~البيان من الحكم هو ما دل عليه المبين، لم يكن أحدهما بيانا للآخر. وإنما
~~يكون أحد الامرين بيانا للآخر إذا كان دالا على صفة مدلول الآخر، لا على
~~مدلوله ومع ذلك، فلا اتحاد في الحكم.
# فإن قيل: المراد من الاتحاد في الحكم أنه إن كان حكم المبين واجبا، كان
~~بيانه واجبا، وإن لم يكن واجبا، لم يكن البيان واجبا.
# قلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة داعية إلى البيان في الحال، أو هي
~~داعية فإن كان الأول فالبيان غير واجب، على ما سيأتي، وسواء كان حكم المبين
~~واجبا أو لم يكن. وإن كان الثاني، فعلى قولنا بجواز التكليف بما لا يطاق
~~على ما تقرر (2) فالبيان أيضا لا يكون واجبا، وإن كان الحكم المبين واجبا.
# PageV03P031
# وأما إذا قلنا بامتناع التكليف بما لا يطاق، فالحق ما قالوه، وذلك لأنه
~~إذا كان المبين واجبا، فلو لم يكن البيان واجبا، لجاز تركه، ويلزم من ذلك
~~التكليف بما لا يطاق، وهو خلاف الفرض.
# وإذا كان المبين غير واجب، فالقول بعدم إيجاب البيان لا يفضي إلى التكليف
~~بما لا يطاق، إذ لا تكليف فيما ليس بواجب، لان ما لا يكون واجب الفعل، ولا
~~واجب الترك، فهو إما مندوب، أو مباح، أو مكروه. وكل واحد من هذه الأقسام
~~الثلاثة لا تكليف فيه على ما تقدم (1) ولا يلزم من القول بالوجوب حذرا من
~~تكليف ما لا يطاق الوجوب مع عدم التكليف أصلا، اللهم إلا أن ينظر إلى
~~التكليف بوجوب اعتقاده، على ما هو عليه من إباحة أو ندب أو كراهة، فيكون من
~~القسم الأول.
# المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان: أما عن وقت الحاجة، فقد اتفق الكل
~~على امتناعه سوى القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق، ومدار الكلام من
~~الجانبين فقد عرف فيما ms523 تقدم.
# وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، ففيه مذاهب:
# فذهب أكثر أصحابنا وجماعة من أصحاب أبي حنيفة إلى جوازه، وذهب بعض
~~أصحابنا، كأبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي، وبعض أصحاب أبي حنيفة
~~والظاهرية، إلى امتناعه، وذهب الكرخي وجماعة من الفقهاء إلى جواز تأخير
~~بيان المجمل دون غيره، وذهب بعضهم إلى جواز تأخير بيان الامر دون الخبر (2)
~~وذهب الجبائي وابنه والقاضي عبد الجبار إلى جواز تأخير بيان النسخ دون غيره
~~وذهب أبو الحسين البصري إلى جواز تأخير بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل، وأما
~~ماله ظاهر وقد استعمل في غير ظاهره، كالعام والمطلق والمنسوخ ونحوه، فقال
~~يجوز تأخير بيانه التفصيلي، ولا يجوز تأخير بيانه الاجمالي، وهو أن يقول
~~وقت الخطاب:
# هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد، وهذا الحكم سينسخ.
# PageV03P032
# (1) وإذا عرف تفصيل المذاهب فقد احتج أصحابنا القائلون بجواز التأخير
~~مطلقا بحجج نقلية، وعقلية.
# إما النقلية: فالحجة الأولى منها قوله تعالى: * (إن علينا جمعه وقرآنه،
~~فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه) * (75) القيامة: 17 - 19)
~~ووجه الاحتجاج به أنه قال * (فإذا قرأناه) * معناه أنزلناه، ويدل على ذلك
~~قوله تعالى: * (فاتبع قرآنه) * أمر النبي (ص)، بالاتباع بفاء التعقيب،
~~لقوله: * (فإذا قرأناه) * ولا يتصور ذلك قبل الانزال لعدم معرفته به وإنما
~~يكون بعد الانزال. وإذا كان المراد بقوله * (قرأناه) * الانزال، فقوله: *
~~(ثم إن علينا بيانه) * يدل على تأخير البيان عن وقت الانزال، لان * (ثم) *
~~للمهلة والتراخي على ما سبق تقريره (2).
# ولقائل أن يقول: وإن كان المراد من قوله تعالى: * (فإذا قرأناه) *
~~الانزال، ولكن لا نسلم أن المراد من قوله * (ثم إن علينا بيانه) * بيان
~~مجمله وخصوصه وتقييده ومنسوخه، بل المراد منه إظهاره وإشهاره، وهو على وفق
~~الظاهر، لان البيان هو الاظهار في اللغة، ومنه يقال: بان لنا الكوكب
~~الفلاني، وبان لنا سور المدينة إذا ظهر، ويقال: بين فلان الامر الفلاني إذا
~~أظهره وعند ذلك، فليس حمله على ما ذكر من بيان المراد من المجمل والعام
~~والمطلق أولى مما ذكرناه (3). كيف وإن الترجيح ms524 لهذا المعنى من جهة أن
~~المراد من قوله تعالى: * (إن علينا جمعه وقرآنه) * (75) القيامة: 17) إنما
~~هو جميع القرآن فإنه ليس اختصاص بعضه بذلك أولى من بعض
# PageV03P033
# وأيضا فإنه أمر النبي (ص)، بالاتباع بقوله: * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه)
~~* (75) القيامة: 18) والامر بذلك غير خاص ببعض القرآن دون البعض إجماعا،
~~ولأنه لا أولوية للبعض دون البعض ولأنه لو حمل ذلك على البعض دون البعض، مع
~~كونه غير معين في اللفظ، كان مجملا وتكليفا له بما ليس بمعلوم له، وهو خلاف
~~الأصل. وإذا ثبت أن المراد من قوله من أول الآية إنما هو جميع القرآن
~~فالظاهر أن يكون الضمير في قوله تعالى:
# * (ثم إن علينا بيانه) * (75) القيامة: 19) عائد إلى جميع المذكور
~~السابق، وهو جملة القرآن، لا إلى بعضه، لعدم الأولوية. وإنما يمكن ذلك بحمل
~~البيان على ما ذكرناه، لا على ما ذكروه لاستحالة افتقار كل القرآن إلى
~~البيان بالمعنى الذي ذكروه، فإنه ليس كل القرآن مجملا ولا ظاهرا في معنى
~~وقد استعمل في غيره، فكان ما ذكرناه أولى.
# وهذا إشكال مشكل، وفي تحريره وتقريره على هذا الوجه يتبين للناظر المتبحر
~~فيه إبطال كل ما يخبط به بعض المخبطين (1).
# وإن سلمنا أن المراد به إنما هو بيان المراد من الظاهر الذي استعمل في
~~غير ما هو الظاهر منه، لكن ما المانع أن يكون المراد به البيان التفصيلي،
~~كما قاله أبو الحسين البصري؟
# PageV03P034
# فإن قيل: لا يمكن ذلك، لان لفظ البيان مطلق (1) فحمله على البيان
~~التفصيلي يكون تقييدا له، وتقييد المطلق من غير دليل ممتنع.
# قلنا: وإذا كان مطلقا، فالمطلق لا يمكن حمله على جميع صوره، وإلا كان
~~عاما لا مطلقا، بل غايته أنه إذا عمل به في صورة، فقد وفى بالعمل بدلالته.
# وعند ذلك، فلا يخفى أن تنزيل البيان في الآية على الاجمالي دون التفصيلي
~~يكون تقييدا للمطلق، وهو ممتنع من غير دليل. وإن لم يقل بتنزيله عليه، فلا
~~حجة فيه.
# وإن سلمنا أن المراد به البيان الاجمالي والتفصيلي، غير أنه قد تعذر
~~العمل بظاهر ms525 (ثم) من حيث إنها تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن ضرورة عود
~~الضمير إلى الكل (2) على ما سبق. وذلك خلاف الاجماع. وإذا تعذر العمل
~~بظاهرها وجب العمل بها في مجازها، وهو حملها على معنى (الواو) كما في قوله
~~تعالى: * (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) * (10) يونس: 46) فإن
~~* (ثم) * ها هنا بمعنى (الواو) ولاستحالة كون الرب شاهدا، بعد أن لم يكن
~~شاهدا.
# الحجة الثانية: قوله تعالى: * (الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) * (11)
~~هود: 1) و (ثم) للتأخير ولقائل أن يقول: لا نسلم أن المراد من التفصيل بيان
~~المراد من المجمل والظاهر والمستعمل في غير ما هو ظاهر فيه، بل المراد من
~~قوله: أحكمت أي في اللوح المحفوظ وفصلت في الانزال.
# الحجة الثالثة: قوله تعالى: * (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك
~~وحيه) * (20) طه: 114) وأراد به بيانه للناس.
# PageV03P035
# ولقائل أن يقول: ظاهر ذلك للمنع من تعجيل نفس القرآن، لا بيان ما هو
~~المراد منه، لما فيه من الاضمار المخالف للأصل، وإنما منعه من تعجيل القرآن
~~أي من تعجيل أدائه عقيب سماعه، حتى لا يختلط عليه السماع بالأداء، وإلا فلو
~~أراد به البيان، لما منعه عنه بالنهي للاتفاق على أن تعجيل البيان بعد
~~الأداء غير منهي عنه.
# الحجة الرابعة: أنه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة معينة غير منكرة
~~بقوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * (2) البقرة: 67) ولم
~~يعينها إلا بعد سؤالهم. ودليل كون المأمور به معينا أمران: الأول أنهم
~~سألوا تعيينها بقولهم له: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي (2) البقرة: 68) *
~~(وما لونها) * (2) البقرة: 69) ولو كانت منكرة، لما احتيج إلى ذلك للخروج
~~عن العهدة بأي بقرة كانت الثاني أن قوله تعالى: * (إنه يقول إنها بقرة لا
~~فارض ولا بكر) * (2) البقرة: 68)، و * (إنها بقرة صفراء) * (2) البقرة:
~~69)، و * (إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث) * (2) البقرة: 71)
~~والضمير في هذه جميع الكنايات (1) يجب صرفه إلى ما أمروا به أولا.
# وبيانه من وجهين: الأول أنه لو لم يكن كذلك، لكان ms526 تكليفا بأمور مجددة غير
~~ما أمروا به أولا، ولو كان كذلك لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا
~~دون ما ذكر أولا، وهو خلاف الاجماع على أن المأمور به كان متصفا بجميع
~~الصفات المذكورة.
# الثاني أنه لو لم يكن كذلك للزم منه أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال،
~~وهو خلاف الأصل.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم أن البقرة المأمور بها كانت معينة في نفس الامر،
~~بل منكرة مطلقا، فلا تكون محتاجة إلى البيان لامكان الخروج عن العهدة بذبح
~~أي بقرة اتفقت، ولا يكون ذلك من صور النزاع.
# قولهم إنهم سألوا عن تعيينها، ولو أمروا بمنكر، لما سألوا عن تعيينه.
# PageV03P036
# قلنا: ظاهر الامر يدل على التنكير، حيث قال: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا
~~بقرة) * (2) البقرة: 67). والقول بالتعيين مخالف للتنكير المفهوم من اللفظ،
~~وليس الحمل على التعيين ضرورة تصحيح سؤالهم ومخالفة ظاهر النص أولى من
~~العكس، بل موافقة ظاهر لنص أولى.
# قولكم في الوجه الثاني إن الضمير في جميع الكنايات عائد إلى المأمور به
~~أولا، لا نسلم ذلك.
# قولهم لو لم يكن كذلك، لكان ذلك تكليفا بأمور مجددة مسلم، وما المانع
~~منه؟
# قولكم: لو كان كذلك، لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا دون ما ذكر
~~أولا، لا نسلم ذلك. وما المانع أن يكون قد أوجب عليهم بعد السؤال الأول ذبح
~~بقرة متصفة بالصفات المذكورة أولا، ثم أوجب بعد ذلك اعتبار الصفات المذكورة
~~ثانيا، ولا منافاة بين الحالتين.
# قولكم: لو كان كذلك، لما كان الجواب مطابقا للسؤال، وهو خلاف الأصل فهو
~~معارض بما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال: لو ذبحوا أية بقرة
~~أرادوا لأجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم (1).
# وهذا يدل على أن ذلك كان ابتداء إيجاب لا بيانا، لان البيان ليس بتشديد
~~بل تعيين ما هو الواجب. ولا يخفى أن موافقة ظاهر النص الدال على تنكير
~~البقرة وظاهر قول ابن عباس أولى من موافقة ما ذكروه من لزوم مطابقة الجواب
~~للسؤال، لما فيه من موافقة ms527 الأصلين، ومخالفة أصل واحد، وما ذكروه بالعكس.
# ثم وإن سلمنا أن المأمور به كان بقرة معينة في نفس الامر، غير أنهم سألوا
~~البيان الاجمالي أو التفصيلي؟
# الأول ممنوع، والثاني مسلم. ولا يلزم من جواز تأخير البيان التفصيلي،
~~تأخير البيان الاجمالي، كما هو مذهب أبي الحسين البصري. وليس تقييد سؤالهم
~~بطلب البيان مع إطلاقه، بالاجمالي، أولى من التفصيلي، ولا محيص عنه. وربما
~~أورد على هذا الاحتجاج ما لا اتجاه له، كقولهم: ما المانع أن يكون البيان
~~مقارنا للمبين غير أنهم لم يتبينوا أن الامر بالذبح كان ناجزا، وتأخير
~~البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
# PageV03P037
# أما أولا فلانه لو كان البيان حاصلا، لفهموه ظاهرا، ولما سألوا عنه وأما
~~ثانيا فلان الامر بالذبح كان مطلقا، والامر المطلق على التراخي عند صاحب
~~هذه الحجة على ما سبق تقريره. ولو كان على الفور فتأخير بيانه عنه أيضا غير
~~ممتنع على أصله، لكونه قائلا بجواز التكليف بما لا يطاق، كما سبق تحقيقه.
# الحجة الخامسة: أنه لما نزل قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله
~~حصب جهنم، أنتم لها واردون) * (21) الأنبياء: 98) قال عبد الله بن الزبعرى
~~فقد عبد ت الملائكة والمسيح أفتراهم يعذبون والنبي (ص)، لم ينكر عليه، بل
~~سكت إلى حين ما نزل عليه بيان ذلك بعد حين، وهو قوله: * (إن الذين سبقت لهم
~~منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * (الأنبياء: 101) (1) وذلك يدل على جواز
~~التأخير.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الآية لم تكن بينة حتى أنها تحتاج إلى بيان،
~~فإن الملائكة والمسيح إنما يمكن القول بدخولهم في عموم الآية، إذ لو كانت
~~(ما) تتناول من يعلم ويعقل، وهو غير مسلم، وإذا لم تكن متناولة لهم، فلا
~~حاجة إلى إخراج ما لا دخول له في الآية عنها.
# فإن قيل: دليل تناول (ما) لمن يعلم ويعقل النص والاطلاق والمعنى.
# أما النص فقوله تعالى: * (وما خلق الذكر والأنثى) * (92) الليل: 3)،
~~وقوله تعالى: * (والسماء وما بناها) * (91) الشمس: 5) وقوله تعالى: * (ولا
~~أنتم عابدون ما أعبد) * (109) الكافرون: 3) وأما الاطلاق فمن وجهين:
# الأول ms528 أن (ما) قد تطلق بمعنى (الذي) باتفاق أهل اللغة، و (الذي) يصح
~~إطلاقها على من يعقل بدليل قولهم: الذي جاء زيد فما كذلك.
# الثاني أنه يصح أن يقال: ما في داري من العبيد أحرار.
# وأما المعنى فمن وجهين:
# الأول هو أن ابن الزبعرى كان من فصحاء العرب، وقد فهم تناول (ما) لمن
~~يعقل، والنبي (ص)، لم ينكر عليه ذلك. PageV03P038
# الثاني أن (ما) لو كانت مختصة بمن لا يعلم، لما احتيج إلى قوله من دون
~~الله وحيث كانت بعمومها متناولة لله تعالى احتاج إلى التقييد بقوله: من دون
~~الله.
# قلنا: أما ما ذكروه من النصوص والاطلاقات فغايتها جواز إطلاق (ما) على من
~~يعقل ويعلم، ولا يلزم من ذلك أن تكون ظاهرة فيه، بل هي ظاهرة فيمن لا يعقل.
# ودليل ذلك قول النبي (ص)، لابن الزبعرى لما ذكر ما ذكر (1) رادا عليه
~~بقوله: ما أجهلك بلغة قومك، أما علمت أن (ما) لما لا يعقل و (من) لمن يعقل.
~~ولا يخفى أن الجمع بين الامرين والتوفيق بين الأدلة أولى من تعطيل قول
~~النبي (ص) والعمل بما ذكروه.
# وإذا كانت * (ما) * ظاهرة في من لا يعقل دون من يعقل، وجب تنزيلها على ما
~~هي ظاهرة فيه.
# وما ذكروه من الوجه الأول في المعنى فهو باطل بما ذكرناه من إنكار النبي
~~(ص) ولا يخفى أن اتباع قول النبي أولى من اتباع ما ظنه ابن الزبعرى.
# وما ذكروه في الوجه الثاني من عدم الاحتياج إلى قوله * (من دون الله) *
~~(2) البقرة: 23) إنما يصح أن لو لم يكن فيه فائدة، وفائدته التأكيد، وحمل
~~الكلام على فائدة التأسيس، وإن كان هو الأصل، غير أنه يلزم من حمله على
~~فائدة التأسيس مخالفة ظاهر قول النبي (ص) والجمع أولى من التعطيل. وإن
~~سلمنا أن * (ما) * حقيقة في من يعقل، غير أنا لا نسلم أن بيان التخصيص لم
~~يكن مقارنا للآية.
# وبيان المقارنة أن دليل العقل صالح للتخصيص على ما سبق. والعقل قد دل على
~~امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره، ms529 اللهم إلا أن يكون راضيا بجرم ذلك
~~الغير، واحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا الملائكة والمسيح بعبادة من عبد
~~هم و * (ما) * مثل هذا الدليل العقلي، فلا نسلم عدم مقارنته للآية.
# وأما نزول قوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) * (21)
~~الأنبياء: 101) الآية، فإنما ورد تأكيدا بضم الدليل الشرعي، إلى الدليل
~~العقلي، مع الاستغناء عن أصله، أما أن يكون هو المستقل بالبيان، فلا.
# الحجة السادسة: قول الملائكة لإبراهيم * (إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن
~~أهلها كانوا ظالمين) * (29) العنكبوت: 31) ولم يبينوا إخراج لوط ومن معه من
~~المؤمنين عن الهلاك بقولهم * (نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله) * (29)
~~العنكبوت: 32) إلا بعد سؤال إبراهيم وقوله: * (إن فيها لوطا) * (29)
~~العنكبوت: 32)
# PageV03P039
# ولقائل أن يقول: لا نسلم تأخر البيان عن هذه الآية، بل هو مقترن بها.
# ودليله قول الملائكة في تعليل الهلاك، إن أهلها كانوا ظالمين، وذلك لا
~~يدخل فيها إلا من كان ظالما كيف وإنه لم يتخلل بين قول الملائكة غير سؤال
~~إبراهيم، وهو قوله: * (إن فيها لوطا) * (29) العنكبوت: 32) وما مثل هذا لا
~~يعد تأخيرا للبيان، فإن مثل ذلك قد يجري إما بسبب انقطاع نفسه أو سعال فيما
~~بين البيان والمبين، ولا يعد ذلك من المبين تأخيرا.
# ومبادرة إبراهيم إلى السؤال، ومنعهم (1) من اقتران البيان بالمبين نازل
~~منزلة انقطاع النفس والسعال، حتى أنه لو لم يبادر بالسؤال، لبادروا
~~بالبيان.
# الحجة السابعة: أن النبي (ص)، أنفذ معاذا إلى اليمن ليعلمهم الزكاة
~~وغيرها فسألوه عن الوقص، فقال: ما سمعت فيه شيئا من رسول الله (ص)، حتى
~~أرجع إليه فاسأله (2) وذلك دليل على أن بيانه لم يتقدم.
# ولقائل أن يقول كون معاذ لم يسمع البيان ولم يعرفه لا يدل على عدم مقارنة
~~البيان للمبين، كيف ويمكن أن يقال الأصل عدم وجوب الزكاة في الأوقاص
~~وغيرها.
# غير أن الشارع أوجب فيما أوجب، وبقي الباقي على حكم العقل، وذلك صالح
~~للبيان والتخصيص. هذا ما يتعلق بالمنقول، وأما الحجج العقلية.
# فأولها: أنه لو كان تأخير البيان ممتنعا، فإما أن يكون امتناعه ms530 لذاته، أو
~~لغيره، وذلك إما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره، وكل واحد من الامرين منتف،
~~فلا امتناع.
# ولقائل أن يقول: ولو كان جائزا، فإما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره وكل
~~واحد من الامرين منتف، فلا جواز، وليس أحد الامرين أولى من الآخر وكل ما هو
~~جواب له ها هنا فهو جوابه فيما ذكر.
# الحجة الثانية: أنه لو امتنع تأخير البيان، لامتنع تأخيره في الزمن
~~القصير وامتنع عطف الجمل المتعددة إذا كان بيان الأولى متأخرا عن الجمل
~~المعطوف عليها، ولما جاز البيان بالكلام الطويل، واللازم ممتنع.
# PageV03P040
# ولقائل أن يقول: إنما يجوز تأخير البيان في الزمان القصير إذا كان مع
~~قصره لا يعد المتكلم معرضا عن كلامه الأول، فإن كلامه الثاني مع الأول
~~معدود كالجملة الواحدة، وذلك لا يعد تأخيرا للبيان. وهذا بخلاف ما إذا
~~تطاول الزمان تطاولا يعد به المتكلم بالكلام الأول معرضا عن كلامه، ولهذا
~~فإنه يجوز لغة وعرفا أن يتكلم الانسان بكلام يقصر فهم السامع عنه، ويبينه
~~بعد الزمان القصير من غير استهجان بخلاف ما إذا بينه بعد الزمان المتطاول،
~~فلا يلزم من التأخير ثم، التأخير ها هنا وأما الجمل المعطوفة فنازلة منزلة
~~الجملة الواحدة، فالبيان المتعقب للجمل المعطوفة ينزله منزلة تعقبه للجملة
~~الواحدة.
# وأما البيان بالكلام الطويل فإنما يجوزه الخصم إذا لم يكن (1) حصول
~~البيان إلا به، أو كانت المصلحة فيه أتم من الكلام القصير، وإلا فلا.
# الحجة الثالثة: أنه لو قبح تأخير البيان، لكان ذلك لعدم تبين المكلف،
~~وذلك يقتضي قبح الخطاب إذا بين له، ولم يتبين، فإنه لا فرق في ذلك بين ما
~~امتنع بأمر يرجع إلى نفسه أو إلى غيره. ولهذا يسقط تكليف الانسان إذا مات،
~~سواء قتل هو نفسه، أو قتله غيره واللازم ممتنع.
# ولقائل أن يقول نسلم أن قبح تأخير البيان لما فيه من فقد التبين المنسوب
~~إلى المخاطب، ولا يلزم من ذلك قبحه عند عدم تبين المكلف إذا بين له، لكونه
~~منسوبا إلى تقصير المكلف، لا إلى المخاطب، وسقوط التكليف ms531 عن الميت إنما كان
~~لعدم تمكنه المشروط في التكليف، وذلك لا يفترق بأن يكون قد فات بفعله أو
~~بفعل غيره.
# والمختار في ذلك: أما من جهة النقل فقوله تعالى: * (واعلموا أن ما غنمتم
~~من شئ فأن لله خمسه) * (8) الأنفال: 41) إلى قوله: * (ولذي القربى) * (8)
~~الأنفال: 41) ثم بين بعد ذلك أن السلب للقاتل وأن المراد بذوي القربى بنو
~~هاشم وبنو المطلب دون بني أمية وبني نوفل، بمنعه لهم من ذلك حتى أنه لما
~~سئل عن ذلك قال: إنا وبنو هاشم والمطلب لم نفترق في
# PageV03P041
# جاهلية ولا إسلام، ولم نزل هكذا، وشبك بين أصابعه (1).
# فإن قيل: المتأخر إنما هو البيان المفصل، ونحن لا نمنع من ذلك، وإنما
~~نمنع من تأخير البيان المجمل (2)، ولا دلالة لما ذكرتموه على تأخيره.
# قلنا: إذا سلم عدم اقتران البيان التفصيلي بهذه الآية، فهو حجة على من
~~نازع فيه، وهي حجة على من نازع في تأخير البيان الاجمالي، حيث إنها ظاهرة
~~في العموم لكل ذوي القربى ولم ينقل أحد من أهل النقل وأرباب الاخبار ما
~~يشير إلى البيان الاجمالي أيضا، مع أن الأصل عدمه، ولو كان، لما أهمل نقله
~~غالبا وأيضا ما روي أن جبريل، عليه السلام، قال للنبي (ص): أقرأ - قال: وما
~~أقرأ؟ كرر عليه ذلك ثلاث مرات ثم قال له: * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) *
~~(96) العلق: 1) (3) أخر بيان ما أمره به أولا من إجماله إلى ما بعد ثلاث
~~مرات من أمر جبريل، وسؤال النبي، مع إمكان بيانه أولا. وذلك دليل جواز
~~التأخير.
# فإن قيل: أمره له بالقراءة مطلق، وذلك إما أن يكون مقتضاه الوجوب على
~~الفور، أو التراخي: فإن كان الأول، فقد أخر البيان عن وقت الحاجة، وإن كان
~~الثاني، فلا شك في إفادته جواز الفعل في الزمن الثاني من وقت الامر، وتأخير
~~البيان عنه تأخير له عن وقت الحاجة، وذلك ممتنع بالاجماع.
# فترك الظاهر لازم لنا ولكم، والخلاف إنما وقع في تأخير البيان إلى وقت
~~الحاجة، وليس فيما ذكرتموه دلالة عليه.
# قلنا: أما أن الامر ليس ms532 مقتضاه الوجوب على الفور، فقد تقدم، وإذا كان على
~~التراخي، فلا نسلم لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
# قولكم إنه يفيد جواز الفعل في الزمان الثاني من وقت الامر.
# PageV03P042
# قلنا: متى، إذا كان الفعل المأمور به مبينا، أو إذا لم يكن مبينا؟ الأول
~~مسلم والثاني ممنوع. وإن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أن الحاجة داعية إلى
~~معرفته مع قطع النظر عن وجوبه وعدم المؤاخذة بتركه، بدليل ما قبل الامر.
# وأيضا فإنه لما نزل قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * مع أنه لم يرد بها
~~مطلق الدعاء إجماعا لم يقترن بها الدعاء اجماعا لم يقترن بها البيان، بل
~~أخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها إلى أن بين ذلك جبريل للنبي (ص)، بعد ذلك،
~~وبين النبي (ص)، ذلك لغيره بعد بيان جبريل له.
# وكذلك نزل قوله تعالى * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) مطلقا، ثم بين
~~النبي (ص)، بعد ذلك مقدار الواجب وصفته في النقود والمواشي وغيرها من أموال
~~الزكاة شيئا فشيئا.
# وكذلك نزل قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5)
~~المائدة: 38) ثم بين بعد ذلك ما يجب القطع بسرقته في مقداره وصفته على
~~التدريج. وكذلك نزل قوله تعالى:
# * (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) * (9) التوبة: 41) ثم نزل تخصيصه بقوله
~~تعالى: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) * (9) التوبة: 91) إلى غير ذلك
~~من الأوامر العامة التي لم تبين تفاصيلها إلا بعد مدد.
# فإن قيل: المؤخر في جميع هذه الأوامر إنما هو البيان التفصيلي، وليس فيها
~~ما يدل على تأخير البيان الاجمالي. كيف وإن الامر إما أن يكون على الفور،
~~أو التراخي، وتمام الاشكال ما سبق.
# قلنا: وجواب الاشكالين أيضا ما سبق. وأيضا فإن العمومات الواردة في البيع
~~والنكاح والإرث وردت مطلقة، والنبي (ص)، بين بعد ذلك على التدريج ما يصح
~~بيعه وما لا يصح، ومن يحل نكاحها ومن لا يحل، وصفات العقود وشروطها، ومن
~~يرث ومن لا يرث، ومقادير المواريث شيئا فشيئا. ومن نظر في جميع عمومات
~~القرآن والسنة وجدها كذلك.
# وأيضا فإنه لما نهى النبي (ص)، عن المزابنة، وشكا الأنصار إليه بعد ms533 ذلك،
~~رخص لهم في العرايا، وهي نوع من المزابنة، مع أنه لم ينقل أنه اقترن بنهيه
~~عن ذلك بيان مجمل ولا مفصل، وهو لا يخلو إما أن يكون ذلك نسخا أو تخصيصا
~~وعلى كلا التقديرين فهو حجة على المخالف فيه. PageV03P043
# وأما من جهة المعقول فهو أنه لو امتنع تأخير البيان، لم يخل إما أن يكون
~~ذلك ممتنعا لذاته أو لأمر من خارج.
# لا جائز أن يكون لذاته، فإنا لو فرضناه واقعا، لا يلزم عنه المحال لذاته
~~وإن كان لأمر خارج، فلا يخفى أنه لا فارق بين حالة وجود البيان وعدمه سوى
~~علم المكلف بالمراد من الكلام، حالة وجود البيان، وجهله به حالة عدمه.
# فلو امتنع تأخير البيان، لكان لما قارنه من جهل المكلف بالمراد، ولو كان
~~كذلك لامتنع تأخير بيان النسخ، لما فيه من الجهل بمراد الكلام الدال بوضعه
~~على تكرر الفعل على الدوام، واللازم ممتنع فالملزوم ممتنع.
# وهذه الطريقة لازمة على كل من منع من تأخير بيان المجمل والعام والمقيد
~~وكل ما أريد به غير ما هو ظاهر فيه. وجوزه في النسخ، كالجبائي وأبي هاشم
~~والقاضي عبد الجبار وغيرهم.
# اعترض القاضي عبد الجبار، وقال الفرق بين تأخير بيان النسخ وتأخير بيان
~~المجمل هو أن تأخير بيان النسخ مما لا يخل بالتمكن من الفعل في وقته، بخلاف
~~بيان صفة العبادة، فإنه لا يتأتى معه فعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها
~~والفرق بين تأخير بيان تخصيص العموم وتأخير بيان النسخ من وجهين.
# الأول: أن الخطاب المطلق الذي أريد نسخه معلوم أن حكمه، مرتفع لعلمنا
~~بانقطاع التكليف، ولا كذلك المخصوص.
# الثاني: أن تأخير بيان تخصيص العموم، مع تجويز إخراج بعض الأشخاص منه من
~~غير تعيين، مما يوجب الشك في كل واحد من أشخاص المكلفين، هل هو مراد
~~بالخطاب أم لا. ولا كذلك في تأخير بيان النسخ.
# وجواب الفرق بين الاجمال والنسخ أن وقت العبادة إنما هو وقت دعو الحاجة
~~إليها، لا قبل ذلك، ووقت الحاجة إليها فالبيان لا يكون متأخرا عنه، فلا ms534
~~يلزم من تأخير بيان صفة العبادة عنها في غير وقتها، ووجوده في وقتها تعذر
~~الاتيان بالعبادة في وقتها.
# وجواب الفرق الأول: بين العموم والنسخ هو أن حكم الخطاب المطلق، وإن علم
~~ارتفاعه بانقطاع التكليف، فذلك مما يعم التخصيص والنسخ، لعلمنا بانقطاع
~~PageV03P044
# التكليف بالموت في الحالتين. وإنما الخلاف فيما قبل حالة الموت، مع وجود
~~الدليل الظاهر المتناول لكل الأشخاص واللفظ الظاهر المتناول لجميع أوقات
~~الحياة. وعند ذلك، إذا جاز رفع حكم الخطاب الظاهر المتناول لجميع الأوقات،
~~مع فرض الحياة والتمكن منه من غير دليل مبين في الحال، جاز تخصيص بعض من
~~تناوله اللفظ بظهوره مع التمكن من غير دليل مبين في الحال أيضا، لتعذر
~~الفرق بين الحالتين.
# وجواب الفرق الثاني: أن تأخير بيان التخصيص، وإن أوجب التردد في كل واحد
~~من أشخاص المكلفين أنه داخل تحت الخطاب أم لا، فتأخير بيان النسخ عندما إذا
~~أمر بعبادة متكررة في كل يوم مما يوجب التردد في أن العبادة في كل يوم عدا
~~اليوم الأول، هل هي داخلة تحت الخطاب العام لجميع الأيام أم لا. وإذا جاز
~~ذلك في أحد الطرفين، جاز في الطرف الآخر ضرورة تعذر الفرق.
# وكذلك أيضا فإنه إذا أمر بعبادة في وقت مستقبل أمرا عاما، فإن من شخص إلا
~~ويحتمل احترامه قبل دخول ذلك الوقت، ويخرج بذلك عن دخوله تحت الخطاب العام.
~~وذلك مما يوجب التردد في كل واحد واحد من الأشخاص هل هو داخل تحت ذلك
~~الخطاب إذا لم يرد البيان به، ومع ذلك فإنه غير ممتنع إجماعا.
# شبه المخالفين، منها ما يختص بتأخير بيان المجمل، ومنها ما يختص بتأخير
~~بيان ماله ظاهر أريد به غير ما هو ظاهر فيه.
# أما الشبه الخاصة بالمجمل فشبهتان:
# الأولى: أنه لا فرق بين الخطاب باللفظ المجمل الذي لا يعرف له مدلول من
~~غير بيان، وبين الخطاب بلغة يضعها المخاطب مع نفسه من غير بيان. وعند ذلك
~~فإما أن يقال بحسن المخاطبة بهما، أو بأحدهما دون الآخر، أو لا بواحد
~~منهما:
# الأول يلزم ms535 منه حسن المخاطبة بما وضعه مع نفسه من غير بيان، وهو في غاية
~~الجهالة والثاني أيضا ممتنع لعدم الأولوية، والثالث هو المطلوب.
# الشبهة الثانية: أن المقصود من الخطاب إنما هو التفاهم والمجمل الذي لا
~~يعرف مدلوله من غير بيان له في الحال لا يحصل منه التفاهم، فلا يكون مفيدا،
~~وما لا فائدة فيه لا تحسن المخاطبة به، لكونه لغوا، وهو قبيح من الشارع،
~~كما لو خاطب بكلمات مهملة لم توضع في لغة من اللغات لمعنى على أن يبين
~~المراد منها بعد ذلك. PageV03P045
# وأما الشبه الخاصة بما استعمل من الظواهر في غير ما هو ظاهر فيه، فثلاث
~~شبه:
# الأولى: إنه إن جاز الخطاب بمثل ذلك من غير بيان له في الحال، فإما أن
~~يقال بجواز تأخير بيانه إلى مدة معينة، فهو تحكم لم يقل به قائل. وإن كان
~~ذلك إلى غير نهاية، فيلزم منه بقاء المكلف عاملا أبدا بعموم قد أريد به
~~الخصوص، وهو في غاية التجهيل.
# الثانية: أنه إذا خاطب الشارع بما يريد به غير ظاهره، فإما أن لا يكون
~~مخاطبا لنا في الحال، أو يكون مخاطبا لنا به حالا:
# الأول خلاف الاجماع، وإن كان الثاني، فلا بد وأن يكون قاصدا لتفهيمنا
~~بخطابه حالا، وإلا خرج عن كونه مخاطبا لنا حالا، وهو خلاف الفرض وبيان لزوم
~~ذلك أن المعقول من قول القائل خاطب فلان فلانا أنه قصد تفهيمه كلامه له.
~~وإذا كان قاصدا للتفهيم في الحال، فإن قصد تفهيم ما هو الظاهر من كلامه،
~~فقد قصد تجهيلنا، وهو قبيح، وإن قصد تفهيم ما هو المراد منه، فقد قصد ما لا
~~سبيل لنا إليه دون البيان، وهو أيضا قبيح.
# الثالثة: أنه لو جاز أن يخاطبنا بالعموم ويريد به الخصوص من غير بيان له
~~في الحال، لتعذر معرفة المراد من كلامه مطلقا، وذلك لان ما من لفظ يبين به
~~المراد إلا ويجوز أن يكون قد أراد به غير ما هو الظاهر منه ولم يبينه لنا،
~~وذلك مما يخل بمقصود الخطاب مطلقا، وهو ms536 ممتنع.
# والجواب عن الشبهة الأولى بالفرق، وهو أن اللفظ المجمل، وإن لم يعلم منه
~~المراد بعينه، فقد علم المكلف أنه مخاطب بأحد مدلولاته المعينة المفهومة له
~~وبذلك يتحقق اعتقاده للوجوب والعزم على الفعل بتقدير البيان والتعيين، فكان
~~مفيدا بخلاف الخطاب، بما لا يفهم منه شئ أصلا كما فرضوه.
# وبهذا يكون جواب الشبهة الثانية.
# وعن الشبهة الثالثة: أن تأخير البيان إنما يجوز إلى الوقت الذي تدعو
~~الحاجة فيه إلى البيان، وذلك لا يكون إلا معينا في علم الله تعالى: ويجوز
~~أن يكون معلوما للرسول بإعلام الله تعالى له. وعند ذلك، فأي وقت وجب على
~~المكلف العمل PageV03P046
# بمدلول اللفظ فيه، فذلك هو وقت الحاجة إلى البيان، والبيان لا يكون إذ
~~ذاك متأخرا لما فيه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقبل وقت الوجوب، فلا
~~عمل للمكلف، حتى يقال بأنه عامل بعموم أريد به الخصوص، بل غايته أنه يعتقد
~~ذلك ولا امتناع فيه، كما لو أمر بعبادة متكررة كل يوم، فإنه لا يمتنع
~~اعتقاده لعموم ذلك في جميع الأيام، مع جواز نسخها في المستقبل وإن لم يرد
~~بذلك بيان، وكل ما يعتذر به في النسخ فهو عذر لنا ها هنا.
# وعن الشبهة الرابعة من وجهين:
# الأول: أنه، وإن لزم من كونه مخاطبا لنا أن يكون قاصدا لتفهيمنا في
~~الحال، لكن لا لنفس ما هو الظاهر من كلامه فقط، ولا لنفس مراده من كلامه
~~فقط، بل يفهم ما هو الظاهر من كلامه مع تجويز تخصيصه، وليس في ذلك تجهيل
~~ولا إحالة وذلك مما لا يمنع ورود المخصص بعد ذلك، وإلا لما كان مجوز
~~التخصيص، وهو خلاف الفرض.
# الثاني: أنه يلزم على ما ذكروه، الخطاب مما علم الله أنه سينسخه، فإن
~~جميع ما ذكر من الأقسام بعينها متحققة فيه، ومع ذلك جاز الخطاب به مع تأخير
~~بيانه.
# وعن الخامسة من وجهين:
# الأول: أنه لا يمتنع أن يكون البيان: إما بدليل قاطع لا يسوغ فيه احتمال
~~التأويل أو ظني اقترن به من القرائن ما أوجب العلم ms537 بمدلول كلامه.
# الثاني: أنه يلزم على ما ذكروه، الخطاب الوارد الذي علم الله نسخ حكمه مع
~~تأخير البيان عنه، والجواب يكون متحدا. PageV03P047
# المسألة الخامسة الذين منعوا من تأخير بيان المراد من الخطاب عن وقت
~~الخطاب اختلفوا في جواز تأخير تبليغ ما أوحي به إلى النبي (ص)، من الاحكام
~~والعبادات إلى وقت الحاجة إليه وأكثر المحققين على جوازه، وهو الحق لأنه لو
~~امتنع، لم يخل.
# إما أن يمتنع لذاته، أو لمعنى من خارج: الأول محال، فإنه لا يلزمه من فرض
~~وقوعه لذاته محال، وإن كان ذلك لأمر من خارج، فالأصل عدمه كيف وإن تأخيره
~~يحتمل أن يكون فيه مصلحة في علم الله تقتضي التأخير.
# ولهذا لو صرح الشارع بذلك، لما كان ممتنعا ويحتمل أن يكون فيه مفسدة
~~مانعة من التأخير، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.
# فإن قيل: الامتناع من التأخير إنما هو لمعنى خارج عن ذاته، وهو قوله
~~تعالى:
# * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) * (5) المائدة: 67) وظاهر الامر
~~للوجوب.
# قولكم: يحتمل وجود مفسدة في التقديم، ومصلحة في التأخير، وليس أحد
~~الامرين أولى من الآخر.
# قلنا: فهذا كما لا يمكن معه الجزم بامتناع التأخير، فلا يمكن معه الجزم
~~بجواز التأخير الذي هو مذهبكم.
# وجواب الأول: أنا، وإن سلمنا أن قوله تعالى * (بلغ) * أمر، ولكن لا نسلم
~~أنه للوجوب (1) وإن سلمنا أنه للوجوب، ولكن لا نسلم أن مطلق الامر يقتضي
~~الفور، على ما تقدم تقريره. وإن سلمنا أنه على الفور، غير أنا لا نسلم أنه
~~يتناول تبليغ الاحكام التي وقع الخلاف فيها، وإنما هو دال على تبليغ ما
~~أنزل من لفظ القرآن، إذ هو المفهوم من لفظ المنزل.
# وجواب الثاني: أنه إذا وقع التردد بين المصلحة والمفسدة، تساقطا، وبقينا
~~على أصل الجواز العقلي.
# PageV03P048
# المسألة السادسة الذين اتفقوا على امتناع تأخير البيان إلى وقت الحاجة،
~~اختلفوا في جواز إسماع الله تعالى للمكلف العام دون إسماعه للدليل المخصص
~~له (1).
# فذهب الجبائي وأبو الهذيل (2) إلى امتناع ذلك في الدليل المخصص السمعي،
~~وأجازا أن يسمعه ms538 العام المخصص بدليل العقل، وإن لم يعلم السامع دلالته على
~~التخصيص.
# وذهب أبو هاشم والنظام وأبو الحسين البصري إلى جواز إسماع العام من لم
~~يعرف الدليل المخصص له، وسواء كان المخصص سمعيا أو عقليا. وهو الحق لوجهين:
# الأول: إنا قد بينا جواز تأخير المخصص عن الخطاب، إذا كان سمعيا، مع أن
~~عدم سماعه لعدمه في نفسه، أتم من عدم سماعه مع وجوده في نفسه. فإذا جاز
~~تأخير المخصص، فجواز تأخير إسماعه مع وجوده أولى.
# الثاني: هو أن وقوع ذلك يدل على جوازه، ودليله إسماع فاطمة قوله تعالى:
# * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) * (4) النساء: 11) مع
~~أنها لم تسمع بقوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة إلا بعد
~~حين. وكذلك أسمعت الصحابة قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة:
~~5) ولم يسمع أكثرهم الدليل المخصص للمجوس، وهو قوله (ص):
# سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلا بعد حين، إلى وقائع كثيرة غير محصورة.
# وكل ما يتشبث به الخصوم في المنع من ذلك فغير خارج عما ذكرناه لهم من
~~الشبه في المسألة المتقدمة، وجوابها ما سبق مع أنه منتقض بجواز إسماعه
~~العام مع عدم معرفته بالدليل المخصص، إذا كان عقليا.
# المسألة السابعة اختلف المجوزون لتأخير البيان عن وقت الخطاب العام في
~~جواز التدريج في البيان:
# فمنع منه قوم، مصيرا منهم إلى أن تخصيص البعض بالتنصيص على إخراجه دون
~~غيره يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي، وامتناع التخصيص بشئ آخر وهو
# PageV03P049
# تجهيل للمكلف، وإنما ينتفي هذا التجهيل بالتنصيص على كل ما هو خارج عن
~~العموم.
# ومذهب المحققين منهم خلاف ذلك. ودليل جوازه، وقوعه وبيان وقوعه، قوله
~~تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) فإنه عام
~~في كل سارق. ومع ذلك فإن تخصيصه بما خصص به من ذكر نصاب السرقة أولا، وعدم
~~الشبهة ثانيا، وقع على التدريج وكذلك قوله تعالى: * (ولله على الناس حج
~~البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) خصص أولا بتفسير
~~الاستطاعة بذكر الزاد والراحلة، ثم بذكر الامن في الطريق والسلامة من ms539 طلب
~~الخفارة ثانيا.
# وكذلك قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) أخرج منه أهل
~~الذمة أولا، ثم العسيف والمرأة ثانيا.
# وكذلك آية الميراث أخرج منها ميراث النبي (ص)، والقاتل والكافر، وكل ذلك
~~على التدريج، إلى غير ذلك من العمومات المخصصة. ولولا جوازه لما وقع.
# والقول بأن تخصيص البعض بالذكر يوهم نفي تخصيصه بشئ آخر ليس كذلك فإن
~~الاقتصار على الخطاب العام دون ذكر المخصص، مع كونه ظاهرا في التعميم
~~بلفظه، إذا لم يوهم المنع من التخصيص، فإخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، مع
~~أنه لا دلالة له على إثبات غير ذلك البعض بلفظه، أولى أن لا يكون موهما
~~لمنع التخصيص.
# المسألة الثامنة إذا ورد لفظ عام بعبادة أو غيرها، قبل دخول وقت العمل به
~~قال أبو بكر الصيرفي: يجب اعتقاد عمومه جزما قبل ظهور المخصص، وإذا ظهر
~~المخصص، تغير ذلك الاعتقاد، وهو خطأ: فإن احتمال إرادة الخصوص به قائم،
~~ولهذا، لو ظهر المخصص، لما كان ذلك ممتنعا، ووجب اعتقاد الخصوص. وما هذا
~~شأنه فاعتقاد عمومه جزما قبل الاستقصاء في البحث عن مخصصه وعدم الظفر به
~~على وجه تركن النفس إلى عدمه، يكون ممتنعا، فإذا لا بد في الجزم باعتقاد
~~عمومه من اعتقاد انتفاء مخصصه بطريقه، ومع ذلك لا نعرف خلافا بين الأصوليين
~~في امتناع العمل بموجب اللفظ العام قبل البحث عن المخصص، وعدم الظفر به،
~~لكن اختلفوا:
# فذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين إلى امتناع العمل به واعتقاد
~~PageV03P050
# عمومه إلا بعد القطع بانتفاء المخصص، وإلا فالجزم بعمومه، والعمل به مع
~~احتمال وجود المعارض ممتنع. قال: ومعرفة انتفاء المخصص بطريق القطع ممكن،
~~وذلك بأن تكون المسألة المتمسك بالعموم فيها مما كثر الخلاف فيها بين
~~العلماء، وطال النزاع فيما بينهم فيها، ولم يطلع أحد منهم على موجب
~~للتخصيص، مع كثرة بحثهم واستقصائهم. ولو كان ثم شئ، لاستحال أن لا يعرف
~~عادة، ولأنه لو كان المراد بالعموم الخصوص، لاستحال أن لا ينصب الله تعالى
~~عليه دليلا، ويبلغه للكلفين.
# وذهب ابن سريج وإمام الحرمين والغزالي ms540 وأكثر الأصوليين إلى امتناع اشتراط
~~القطع في ذلك، وهو المختار.
# وذلك، لأنه لا طريق إلى معرفة ذلك بغير البحث والسبر، وهو غير يقيني،
~~والقول بأنه لو كان ثم مخصص لأطلع عليه العلماء غير يقيني، لجواز وجوده مع
~~عدم اطلاع أحد من العلماء عليه (1) وبتقدير اطلاع بعضهم عليه، فنقله له
~~أيضا غير قاطع، بل غايته أن يكون ظنيا.
# كيف وإنه ليس كل ما ورد فيه العام مما كثر خوض العلماء فيه وبحثهم عنه
~~ليصح ما قيل.
# والقول بأنه لو كان المراد بالعام الخصوص، لنصب الله تعالى عليه دليلا،
~~غير مسلم (2) وبتقدير نصبه للدليل، لا نسلم لزوم اطلاع المكلفين عليه.
~~وبتقدير ذلك، لا نسلم لزوم نقلهم له، (3) وإذا لم يكن إلى القطع بذلك طريق،
~~فلو شرط ذلك في العمل بالعموم لتعطلت العمومات بأسرها وإذا عرف، أنه لا بد
~~من الظن بانتفاء المخصص، فالحد الذي يجب العمل بالعموم عنده أن يبحث عن
~~المخصص بحثا يغلب على ظنه عدمه، وأنه لو بحث عنه ثانيا وثالثا، كان بحثه
~~غير مفيد.
# وعلى هذا، يكون الكلام في العمل بكل دليل مع معارضه.
# PageV03P051
# الصنف التاسع - في الظاهر وتأويله ويشتمل على مقدمة ومسائل.
# أما المقدمة، ففي تحقيق معنى الظاهر والتأويل.
# أما الظاهر: فهو في اللغة عبارة عن الواضح المنكشف ومنه يقال: ظهر الامر
~~الفلاني، إذا اتضح وانكشف، وفي لسان المتشرعة، قال الغزالي: اللفظ الظاهر
~~هو الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع، وهو غير جامع مع اشتماله
~~على زيادة مستغنى عنها. أما أنه غير جامع، فلانه يخرج منه ما فيه أصل الظن
~~دون غلبة الظن مع كونه ظاهرا. ولهذا، يفرق بين قول القائل: ظن، وغلبة ظن،
~~ولأن غلبة الظن ما فيه أصل الظن وزيادة.
# وأما اشتماله على الزيادة المستغنى عنها فهي قوله: من غير قطع فإن من
~~ضرورة كونه مفيدا للظن أن لا يكون قطعيا.
# والحق في ذلك أن يقال: اللفظ الظاهر ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو
~~العرفي ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا . وإنما قلنا: ms541 (ما دل على معنى بالوضع
~~الأصلي أو العرفي) احترازا عن دلالته على المعنى الثاني، إذا لم يصر عرفيا،
~~كلفظ الأسد في الانسان وغيره.
# وقولنا: (ويحتمل غيره) احتراز عن القاطع الذي لا يحتمل التأويل.
# وقولنا: (احتمالا مرجوحا) احتراز عن الألفاظ المشتركة.
# وهو منقسم إلى ما هو ظاهر بحكم الوضع الأصلي، كإطلاق لفظ الأسد بإزاء
~~الحيوان المخصوص، وإلى ما هو ظاهر بحكم عرف الاستعمال، كإطلاق لفظ الغائط
~~بإزاء الخارج المخصوص من الانسان.
# وأما التأويل: ففي اللغة مأخوذ من آل يؤل، أي رجع، ومنه قوله تعالى:
# * (ابتغاء تأويله) * (3) آل عمران: 7) أي ما يؤول إليه، ومنه يقال: تأول
~~فلان الآية الفلانية، أي نظر إلى ما يؤول إليه معناها.
# وأما في اصطلاح المتشرعة، قال الغزالي: التأويل عبارة عن احتمال يعضده
~~دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر، وهو غير صحيح
~~PageV03P052
# أما أولا، فلان التأويل ليس هو نفس الاحتمال الذي حمل اللفظ عليه بل هو
~~نفس حمل اللفظ عليه، وفرق بين الامرين وأما ثانيا، فلانه غير جامع، فإنه
~~يخرج منه التأويل بصرف اللفظ عما هو ظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع غير ظني،
~~حيث قال: يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر
~~وأما ثالثا، فلانه أخذ في حد التأويل من حيث هو تأويل، وهو أعم من التأويل
~~بدليل، ولهذا يقال: تأويل بدليل، وتأويل من غير دليل. فتعريف التأويل على
~~وجه يوجد معه الاعتضاد بالدليل لا يكون تعريفا للتأويل المطلق، اللهم إلا
~~أن يقال:
# إنما أراد تعريف التأويل الصحيح دون غيره.
# والحق في ذلك أن يقال، أما التأويل، من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن
~~الصحة والبطلان، هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتماله له.
# وأما التأويل المقبول الصحيح فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع
~~احتماله له بدليل يعضده.
# وإنما قلنا: (حمل اللفظ على غير مدلوله) احترازا عن حمله على نفس مدلوله.
# وقولنا: (الظاهر منه) احتراز عن صرف اللفظ ms542 المشترك من أحد مدلوليه إلى
~~الآخر، فإنه لا يسمى تأويلا.
# وقولنا: (مع احتماله له) احتراز عما إذا صرف اللفظ عن مدلوله الظاهر إلى
~~ما لا يحتمله أصلا، فإنه لا يكون تأويلا صحيحا.
# وقولنا: (بدليل يعضده) احترازا عن التأويل من غير دليل، فإنه لا يكون
~~تأويلا صحيحا أيضا.
# وقولنا: (بدليل يعم القاطع والظني) وعلى هذا فالتأويل لا يتطرق إلى النص
~~ولا إلى المجمل، وإنما يتطرق إلى ما كان ظاهرا لا غير (1).
# وإذا عرف معنى التأويل فهو مقبول معمول به، إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل
~~علماء الأمصار في كل عصر من عهد الصحابة إلى زمننا عاملين به من غير نكير.
# PageV03P053
# وشروطه أن يكون الناظر المتأول أهلا لذلك، وأن يكون اللفظ قابلا للتأويل
~~بأن يكون اللفظ ظاهرا فيما صرف عنه محتملا لما صرف إليه، وأن يكون الدليل
~~الصارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله، ليتحقق صرفه
~~عنه إلى غيره، وإلا فبتقدير أن يكون مرجوحا، لا يكون صارفا ولا معمولا به
~~اتفاقا وإن كان مساويا لظهور اللفظ في الدلالة من غير ترجيح، فغايته إيجاب
~~التردد بين الاحتمالين على السوية، ولا يكون ذلك تأويلا، غير أنه يكتفى
~~بذلك من المعترض إذا كان قصده إيقاف دلالة المستدل، ولا يكتفى به من
~~المستدل دون ظهوره، وعلى حسب قوة الظهور وضعفه وتوسطه، يجب أن يكون التأويل
~~وتمام كشف ذلك بمسائل ثمان:
# المسألة الأولى قوله (ص) لغيلان، وقد أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا،
~~وفارق سائرهن (1) وقوله لفيروز الديلمي، وقد أسلم على أختين: أمسك أيتهما
~~شئت، وفارق الأخرى (2) أمر بالامساك، وهو ظاهر في استصحاب النكاح، وقد
~~تأوله أصحاب أبي حنيفة بثلاث تأويلات:
# الأول: أنهم قالوا: يحتمل أنه أراد بالامساك ابتداء النكاح، ويكون معنى
~~قوله: أمسك أربعا أي انكح منهن أربعا وأراد بقوله: وفارق سائرهن لا تنكحهن.
# PageV03P054
# الثاني: أنهم قالوا: يحتمل أن النكاح في الصورتين كان واقعا في ابتداء
~~الاسلام قبل حصر عدد النساء في أربع وتحريم نكاح الأختين، فكان ذلك واقعا
~~على وجه الصحة، ms543 والباطل من أنكحة الكفار ليس إلا ما كان مخالفا لما ورد به
~~الشرع حال وقوعها.
# الثالث: أنهم قالوا: يحتمل أنه أمر الزوج باختيار أوائل النساء وهذه
~~التأويلات، وإن كانت منقدحة عقلا، غير أن ما اقترن بلفظ الامساك من القرائن
~~دارئة لها. أما التأويل الأول فمن وجوه:
# الأول: أن المتبادر إلى الفهم من لفظ (الامساك) إنما هو الاستدامة دون
~~التجديد.
# الثاني أنه فوض الامساك والفراق إلى خيرة الزوج، وهما غير واقعين بخيرته
~~عندهم، لوقوع الفراق بنفس الاسلام وتوقف النكاح على رضا الزوجة.
# الثالث: أنه لم يذكر شروط النكاح مع دعو الحاجة إلى معرفة ذلك لقرب عهدهم
~~بالاسلام.
# الرابع: أنه أمر الزوج بإمساك أربع من العشر، وواحدة من الأختين،
~~وبمفارقة الباقي، والامر إما للوجوب، أو الندب ظاهرا على ما تقدم، وحصر
~~التزويج في العشرة وفي الأختين ليس واجبا ولا مندوبا، والمفارقة ليست من
~~فعل الزوج، حتى يكون الامر متعلقا بها.
# الخامس: هو أن الظاهر من الزوج المأمور إنما هو امتثال أمر النبي (ص)،
~~بالامساك، ولم ينقل أحد من الرواة تجديد النكاح في الصور المذكورة.
# السادس: هو أن الزوج إنما سأل عن الامساك بمنى الاستدامة، لا بمعنى تجديد
~~النكاح وعن الفراق بمعنى انقطاع النكاح. والأصل في جواب الرسول (ص) أن يكون
~~مطابقا للسؤال.
# وأما التأويل الثاني فبعيد أيضا، لأنه لو لم يكن الحصر ثابتا في ابتداء
~~الاسلام لما خلا ابتداء الاسلام عن الزيادة على الأربع عادة، وعن الجمع بين
~~الأختين، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ذلك في ابتداء الاسلام، ولو وقع،
~~لنقل.
# وقوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) * (4) النساء:
~~23) قال أهل التفسير: المراد به ما سلف في الجاهلية قبل بعثة النبي (ص).
~~ولهذا قال: * (إنه كان فاحشة ومقتا، وساء سبيلا) * (4) النساء: 22).
~~PageV03P055
# وأما التأويل الثالث فيدرؤه قوله (ص)، لزوج الأختين: أمسك أيتهما شئت،
~~وفارق الأخرى وقوله لواحد كان قد أسلم على خمس نسوة: اختر منهن أربعا وفارق
~~واحدة (1) قال المأمور بذلك: فعمدت إلى أقدمهن عندي، ففارقتها.
# المسألة الثانية ومن ms544 جملة التأويلات البعيدة ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في
~~قوله (ص): في أربعين شاة شاة (2) من أن المراد به مقدار قيمة الشاة، وذلك
~~لان قوله: في أربعين شاة شاة قوي الظهور في وجوب الشاة عينا، حيث إنه خصصها
~~بالذكر، ولا بد في ذلك من إضمار حكم، وهو إما الندب أو الوجوب، وإضمار
~~الندب ممتنع لعدم اختصاص الشاة الواحدة من النصاب به، فلم يبق غير الواجب.
# ولا يخفى أنه يلزم من تأويل ذلك بالحمل على وجوب مقدار قيمة الشاة بناء
~~على أن المقصود إنما هو دفع حاجات الفقراء وسد خلاتهم جواز دفع القيمة،
~~وفيه رفع الحكم، وهو وجوب الشاة بما استنبط منه من العلة، وهي دفع حاجات
~~الفقراء واستنباط العلة من الحكم (3) إذا كانت موجبة لرفعه، كانت باطلة.
# ومما يلتحق من التأويلات بهذا التأويل (4) ما يقوله بعض الناس في قوله
~~تعالى:
# * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * (9) التوبة: 60) الآية، من جواز
~~الاقتصار على البعض نظرا إلى أن المقصود من الآية إنما هو دفع الحاجة في
~~جهة من الجهات المذكورة، لا دفع
# PageV03P056
# الحاجة عن الكل، لان الآية (1) ظاهرة في استحقاق جميع الأصناف المذكورة
~~للصدقة، حيث إنه أضافها إليهم بلام التمليك في عطف البعض على البعض بواو
~~التشريك، وما استنبط من هذا الحكم من العلة يكون رافعا لحكم المستنبط من
~~هذا الحكم من العلة يكون رافعا لحكم المستنبط من، فلا يكون صحيحا.
# وما يقال من أن مقصود الآية إنما هو بيان مصارف الزكاة وشروط الاستحقاق،
~~فنحن، وإن سلمنا كون ذلك مقصودا من الآية، فلا نسلم أنه لا مقصود منها
~~سواه، ولا منافاة بين كون ذلك مقصودا، وكون الاستحقاق بصفة التشريك مقصودا
~~وهو الأولى موافقة لظاهر الإضافة بلام التمليك، والعطف بواو التشريك. ويقرب
~~من هذا التأويل أيضا ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في قوله تعالى:
# * (فإطعام ستين مسكينا) * (58) المجادلة: 4) من أن المراد به إطعام طعام
~~ستين مسكينا، مصيرا منهم إلى أن المقصود إنما هو دفع الحاجة، ولا فرق في
~~ذلك بين دفع حاجة ستين مسكينا ودفع ms545 حاجة مسكين واحد في ستين يوما، وهو بعيد
~~أيضا، وذلك لان قوله تعالى:
# * (فإطعام) * (58) المجادلة: 4) فعل لا بد له من مفعول يتعدى إليه.
~~وقوله: * (ستين مسكينا) * (58) المجادلة: 4) صالح أن يكون مفعول الاطعام،
~~وهو مما يمكن الاستغناء به مع ظهوره، والطعام، وإن كان صالحا أن يكون هو
~~مفعول الاطعام، إلا أنه غير ظاهر ومسكوت عنه، فتقدير حذف المظهر، وإظهار
~~المفعول المسكوت عنه بعيد في اللغة، والواجب عكسه.
# وإذا كان ذلك ظاهرا في وجوب رعاية العدد فيما استنبط منه يكون موجبا
~~لرفعه فكان ممتنعا، كيف وانه لا يبعد ان يقصد الشارع مع ذلك رعاية العدد
~~دفعا لحاجة ستين مسكينا، نظرا للمكفر بما يناله من دعائهم له، واغتنامه
~~لبركتهم (2).
# وقلما يخلو جمع من المسلمين عن ولي من أولياء الله تعالى يكون مستجاب
~~الدعوة، مغتنم الهمة. وذلك في الواحد المعين مما يندر.
# PageV03P057
# المسألة الثالثة قوله (ص): أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها،
~~فنكاحها باطل باطل باطل (1)، صدر الكلام (بأي وما) في معرض الشرط والجزاء
~~وذلك من أبلغ أدوات العموم عند القائلين به، وأكده بالبطلان مرة بعد مرة
~~ثلاث مرات، وهو من أبلغ ما يدل به الفصيح المصقع على التعميم والبطلان.
# وقد طرق إليه أصحاب أبي حنيفة ثلاث تأويلات الأول: أنه يحتمل أنه أراد
~~بالمرأة، الصغيرة.
# الثاني: أنه وإن أراد بها الكبيرة، فيحتمل أنه أراد بها الأمة والمكاتبة.
# الثالث: أنه يحتمل أنه أراد ببطلان النكاح، مصيره إلى البطلان غالبا،
~~بتقدير اعتراض الأولياء عليها، إذا زوجت نفسها من غير كفوء.
# وهذه التأويلات مما لا يمكن المصير إليها في صرف هذا العموم القوي
~~المقارب للقطع، عن ظاهره.
# أما الحمل على الصغيرة فمن جهة أنها لا تسمى امرأة في وضع اللسان، ولأن
~~النبي (ص)، حكم بالبطلان ونكاح الصغيرة لنفسها دون إذن وليها، صحيح عندهم،
~~موقوف على إجازة الولي.
# وأما الحمل على الأمة، فيدرأه قوله (ص): فإن مسها فلها المهر بما استحل
~~من فرجها ومهر الأمة ليس لها بل لسيدها.
# وأما الحمل على المكاتبة فبعيد أيضا من جهة ms546 أنها بالنسبة إلى جنس النساء
~~نادرة، واللفظ المذكور من أقوى مراتب العموم وليس من الكلام العربي إطلاق
~~ما هذا شأنه، وإرادة ما هو في غاية الندرة والشذوذ، ولهذا فإنه لو قال
~~السيد لعبده:
# أيما امرأة لقيتها اليوم فأعطها درهما وقال: إنما أردت به المكاتبة كان
~~منسوبا إلى الألغاز في القول وهجر الكلام. وعلى هذا، فلا نسلم صحة
~~الاستثناء بحيث لا يبقى غير الأقل النادر من المستثنى منه، كما سبق تقريره،
~~ولا فرق بين البابين.
# PageV03P058
# وأما حمل بطلان النكاح على مصيره إلى البطلان، فبعيد من وجهين:
# الأول أن مصير العقد إلى البطلان، من أندر ما يقع، والتعبير باسم الشئ
~~عما يؤول إليه، إنما يصح فيما إذا كان المآل إليه قطعا، كما في قوله تعالى:
~~* (إنك ميت، وإنهم ميتون) * (39) الزمر: 30) أو غالبا كما فتسمية العصير
~~خمرا في قوله تعالى: * (أراني أعصر خمرا) * (12) يوسف: 36) الثاني قوله:
~~فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها ولو كان العقد واقعا صحيحا، لكان
~~المهر لها بالعقد لا بالاستحلال.
# المسألة الرابعة ومن التأويلات البعيدة قول أصحاب أبي حنيفة في قوله (ص):
~~لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل إن المراد به صوم القضاء والنذر، من
~~حيث (1) إن الصوم نكرة، وقد دخل عليه حرف النفي، فكان ظاهره العموم في كل
~~صوم. والمتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنما هو الصوم الأصلي المتخاطب به
~~في اللغات، وهو الفرض والتطوع (2) دون ما وجوبه بعارض، ووقوعه نادر، وهو
~~القضاء والنذر.
# ولا يخفى أن إطلاق ما هو قوي في العموم، وإرادة ما هو العارض البعيد
~~النادر وإخراج الأصل الغالب منه، إلغاز في القول.
# ولهذا، فإنه لو قال السيد لعبده من دخل داري من أقاربي أكرمه وقال:
# إنما أردت قرابة السبب دون النسب، أو ذوات الأرحام البعيدة، دون العصبات
~~القريبة، كان قوله منكرا مستبعدا، لكنه مع ذلك لا ينتهض في البعد إلى بعد
~~التأويل في حمل الخبر السابق على الأمة والمكاتبة.
# PageV03P059
# المسألة الخامسة ومن التأويلات البعيدة أيضا تأويل قوله (ص): من ملك ms547 ذا
~~رحم محرم عتق عليه (1) فإن ظهور وروده لتأسيس قاعدة، وتمهيد أصل، في سياق
~~الشرط والجزاء، والتنبيه على حرمة الرحم المحرم، وصلته، قوي الظهور في قصد
~~التعميم لكل ذي رحم محرم، وذلك مما يمتنع معه التأويل بالحمل على الأصول
~~والفصول، دون غيرهم، لأنهم قد امتازوا بكونهم على عمود النسب عن غيرهم ممن
~~هو على حواشيه من الأرحام، وذلك موجب لاختصاصهم بالتنصيص عليهم، إظهارا
~~لشرف قربهم ونسابتهم، فلو كان القصد متعلقا بهم دون غيرهم بالذكر، لما عدل
~~عن التنصيص عليهم إلى ما يعم، لما فيه من إسقاط حرمتهم، وإهمال خاصيتهم،
~~ولذلك، فإنه لو قال السيد لعبده: أكرم الناس قاصدا لاكرام أبويه لا غير،
~~كان ذلك من الأقوال المهجورة المستبعدة.
# المسألة السادسة ومن التأويلات البعيدة تأويل أبي حنيفة في قوله تعالى: *
~~(واعلموا أنما غنمتم من شئ، فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * (8)
~~الأنفال: 41) حيث إنه قال باعتبار الحاجة مع القرابة وحرمان من ليس بمحتاج
~~من ذوي القربى، وهو بعيد جدا، لان الآية ظاهرة في إضافة الخمس إلى كل ذوي
~~القربى، بلام التمليك والاستحقاق مومئة إلى أن مناط الاستحقاق هو القرابة
~~(2) فإنها مناسبة للاستحقاق، إظهارا لشرفها وإبانة لخطرها، وحيث رتب
~~الاستحقاق على ذكرها في الآية، كان ذلك إيماء إلى التعليل بها، فالمصير بعد
~~ذلك إلى اعتبار الحاجة يكون تخصيصا للعموم، وتركا لما ظهر كونه علة مومى
~~إليها في الآية، وهو صفة القرابة، وتعليلا بالحاجة المسكوت عنها، وهو في
~~غاية البعد.
# PageV03P060
# فإن قيل: ما ذكرتموه بعينه لازم على قول الشافعي، باعتبار الحاجة مع
~~اليتم في سياق الآية.
# قلنا: المختار من قول الشافعي إنما هو عدم اعتبار الحاجة مع اليتم،
~~وبتقدير القول بذلك، فاعتبار الحاجة إنما كان لان لفظ اليتم مع قرينة إعطاء
~~المال مشعر بها، فاعتبارها يكون اعتبارا لما دل عليه لفظ الآية، لأنه إلغاء
~~له واليتم بمجرده عن اقتران الحاجة به، غير صالح للتعليل، بخلاف القرابة،
~~فإن القرابة بمجردها مناسبة للاكرام باستحقاق خمس الخمس (1) كما ذكرناه،
~~فاعتبار الحاجة معها يكون تركا للعمل بما ms548 ظهر كونه علة وعمل بغيره، وهو
~~مناقضة لا تأويل.
# المسألة السابعة ومن التأويلات البعيدة أيضا مصير قوم إلى أن قوله (ص):
~~فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر (2) ليس بحجة في
~~إيجاب العشر ونصف العشر في الخضروات، لان المقصود الذي سيق الكلام لأجله
~~إنما هو الفرق بين العشر ونصف العشر، لا بيان ما يجب فيه العشر ونصف العشر،
~~وهو بعيد أيضا، لان اللفظ عام في كل ما سقت السماء، وسقي بنضح أو دالية
~~بوضع اللغة عند القائلين به، وكون ذلك مما يقصد به الفرق بين العشر ونصف
~~العشر غير مانع من قصد التعميم، إذ لا منافاة بينهما، اللهم إلا أن يبين أن
~~الخبر لم يرد إلا لقصد الفرق وذلك مما لا سبيل إليه.
# PageV03P061
# المسألة الثامنة ومن أبعد التأويلات ما يقوله القائلون بوجوب غسل الرجلين
~~في الوضوء في قوله تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * (5)
~~المائدة: 6) من أن المراد به الغسل، وهو في غاية البعد (1) لما فيه من ترك
~~العمل بما اقتضاه ظاهر العطف من التشريك بين الرؤوس والأرجل في المسح من
~~غير ضرورة.
# فإن قيل: العطف إنما هو على الوجوه واليدين في أول الآية، وذلك موجب
~~للتشريك في الغسل، وبيان ذلك من وجهين:
# الأول: قوله تعالى: * (إلى الكعبين) * قدر المأمور به إلى الكعبين كما
~~قدر غسل اليدين إلى المرفقين، ولو كان الواجب هو المسح لما كان مقدرا كمسح
~~الرأس.
# الثاني: ما ورد من القراءة بالنصب من قوله تعالى: * (وأرجلكم) * (5)
~~المائدة: 6) وذلك يدل على العطف على الأيدي دون الرؤوس.
# وأما الكسر فإنما كان بسبب المجاورة، فإنها موجبة لاستتباع المجاور، ومنه
~~قول امرئ القيس:
# كأن ثبيرا في عرانين ويله * كبير أناس في بجاد مزمل كسر (مزمل) استتباعا
~~لما قبله، وإلا فحقه أن يكون مرفوعا لكونه وصف (كبير) إن سلمنا أن الأرجل
~~معطوفة على الرؤوس غير أنه ليس من شرط العطف الاشتراك بين المعطوف والمعطوف
~~عليه في تفاصيل حكم المعطوف عليه، بل في أصله، كما سبق تقريره، وذلك مما ms549 قد
~~وقع الاشتراك فيه، فإن الغسل والمسح قد اشتركا في أن كل واحد منهما فيه
~~إمساس العضو بالماء، وإن افترقا في خصوص المسح والغسل وذلك كاف في صحة
~~العطف، ودليله قول الشاعر:
# ولقد رأيتك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا عطف الرمح على التقلد بالسيف،
~~وإن كان الرمح لا يتقلد وإنما يعتقل به، لاشتراكهما في أصل الحمل.
# PageV03P062
# وكذلك عطف الشاعر الماء على التبن في قوله: (وعلفتها تبنا وماء باردا)
~~(1) والماء لا يعلف لاشتراكهما في أصل التناول.
# والجواب، قولهم إن العطف إنما هو على الأيدي، فأبعد من كل بعيد، لما فيه
~~من ترك العطف على ما يلي المعطوف إلى ما لا يليه. وأما التقدير بالكعبين
~~فمما لا يمنع من العطف على الرؤوس الممسوحة، وإن لم يكن مسح الرؤوس مقدرا
~~في الآية كما عطف الأيدي على الوجوه في حكم الغسل، وإن كان غسل اليدين
~~مقدرا وغسل الوجوه غير مقدر.
# وأما القراءة بالنصب، فإنما كان ذلك عطفا على الموضع، وذلك لان الرؤوس في
~~موضع النصب، بوقوع الفعل عليها، غير أنه لما دخل الخافض على الرؤوس، أوجب
~~الكسر، ومنه قول الشاعر:
# معاوي إننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا عطف (الحديد) على موضع
~~(الجبال) إذ هي في موضع نصب، غير أنها خفضت بدخول الجار عليها.
# قولهم إن الكسر بسبب المجاورة إنما يصح إذا لم يكن بين المتجاورين فاصل
~~كما ذكروه من الشعر، وأما إذا فصل بينهما حرف العطف فلا. وإن سلمنا جوازه
~~غير أنه مما لا يتحمل إلا لضرورة الشعر، فلا ينتهض موجبا لاتباعه، وترك ما
~~أوجبه العطف. ومثل ذلك، وإن ورد في النثر، كما في قولهم جحر ضب خرب وماء شن
~~بارد فمن النوادر الشاذة التي لا يقاس عليها.
# قولهم: إن العطف وإن وقع على الرؤوس، فذلك غير موجب للاشتراك في تفاصيل
~~حكم المعطوف عليه. قلنا: هذا هو الأصل، وإنما يصار إلى خلافه لدليل، ولا
~~دليل، وإنما ذكرنا هذه النبذة من مسائل التأويلات لتدرب المبتدئين بالنظر
~~في أمثالها.
# وبالجملة، فالمتبع في ذلك إنما هو ms550 نظر المجتهد في كل مسألة فعليه اتباع
~~ما أوجبه ظنه.
# PageV03P063
# القسم الثاني في دلالة غير المنظوم وهو ما دلالته لا بصريح صيغته ووضعه،
~~وذلك لا يخلو إما أن يكون مدلوله مقصودا للمتكلم، أو غير مقصود:
# فإن كان مقصودا، فلا يخلو إما أن يتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به
~~عليه، أو لا يتوقف:
# فإن توقف، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة الاقتضاء، وإن لم يتوقف فلا يخلو
~~إما أن يكون مفهوما في محل تناوله اللفظ نطقا، أو لا فيه.
# فإن كان الأول، فتسمى دلالته دلالة التنبيه والايماء، وإن كان الثاني:
~~فتسمى دلالته دلالة المفهوم.
# وأما إن كان مدلوله غير مقصود للمتكلم، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة
~~الإشارة.
# فهذه أربعة أنواع:
# النوع الأول - دلالة الاقتضاء وهي ما كان المدلول فيه مضمرا، إما لضرورة
~~صدق المتكلم، وإما لصحة وقوع الملفوظ به.
# فإن كان الأول، فهو كقوله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
~~عليه وقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل وقوله عليه
~~السلام:
# لا عمل إلا بنية (1) فإن رفع الصوم والخطأ والعمل مع تحققه ممتنع، فلا بد
~~من إضمار نفي حكم يمكن نفيه، كنفي المؤاخذة والعقاب في الخبر الأول، ونفي
~~الصحة أو الكمال في الخبر الثاني، ونفي الفائدة والجدوى في الخبر الثالث
~~ضرورة صدق الخبر.
# PageV03P064
# وإما إن كان لصحة الملفوظ به فإما ان تتوقف صحته عليه عقلا أو شرعا.
# فإن كان الأول، فكقوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) فإنه لا
~~بد من إضمار أهل القرية لصحة الملفوظ به عقلا (1).
# وإن كان الثاني، فكقول القائل لغيره: أعتق عبد ك عني على ألف فإنه يستدعي
~~تقدير سابقة انتقال الملك إليه ضرورة توقف العتق الشرعي عليه.
# النوع الثاني - دلالة التنبيه والايماء وهي خمسة أصناف، وسيأتي ذكرها في
~~القياس.
# النوع الثالث - دلالة الإشارة وذلك كما في قوله (ص)، في حق النساء النساء
~~ناقصات عقل ودين فقيل له:
# يا رسول الله، ما نقصان دينهن؟ - قال: تمكث إحداهن في قعر بيتها شطر
~~دهرها لا ms551 تصلي، ولا تصوم (2) فهذا الخبر إنما سيق لبيان نقصان دينهن، لا
~~لبيان أكثر الحيض وأقل الطهر، ومع ذلك لزم منه أن يكون أكثر الحيض خمسة عشر
~~يوما، وأقل الطهر كذلك، لأنه ذكر شطر الدهر مبالغة في بيان نقصان دينهن،
~~ولو كان الحيض يزيد على خمسة عشر يوما لذكره وكذلك دلالة مجموع قوله تعالى:
~~* (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (46) الأحقاف: 15) وقوله تعالى: * (وفصاله
~~في عامين) * (31) لقمان: 14) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وإن لم يكن ذلك
~~مقصودا من اللفظ.
# وكذلك قوله تعالى: * (فالآن باشروهن) * (2) البقرة: 187) أباح المباشرة
~~ممتدة إلى طلوع الفجر بقوله: * (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
~~الأسود) * (2) البقرة: 187) وكان بيان ذلك هو المقصود، ومع ذلك لزم منه أن
~~من جامع في ليل رمضان، وأصبح جنبا لم يفسد صومه، لان من جامع في آخر الليل،
~~لا بد من تأخر غسله إلى النهار، فلو كان ذلك مما يفسد الصوم لما أبيح
~~الجماع في آخر جزء من الليل. ومع ذلك فإنه لم يقع مقصودا من الكلام، إلى
~~نظائره.
# PageV03P065
# النوع الرابع المفهوم ولا بد من النظر في معناه وأصنافه قبل الحجاج في
~~نفيه وإثباته أما معناه، فاعلم أن المفهوم مقابل للمنطوق، والمنطوق أصل
~~للمفهوم، فلا بد من تحقيقه أولا، ثم العود إلى تحقيق، معنى المفهوم ثانيا.
# فنقول أما المنطوق، فقد قال بعضهم هو ما فهم من اللفظ في محل النطق، وليس
~~بصحيح، فإن الاحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء مفهومة من اللفظ في محل
~~النطق، ولا يقال لشئ من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: المنطوق ما فهم
~~من دلالة اللفظ قطعا في محل النطق وذلك كما في وجوب الزكاة المفهوم من قوله
~~(ص): في الغنم السائمة زكاة وكتحريم التأفيف للوالدين من قوله تعالى: *
~~(ولا تقل لهما أف) * (17) الاسراء: 23) إلى نظائره.
# وأما المفهوم فهو ما فهم من اللفظ في غيره محل النطق، والمنطوق، وإن كان
~~مفهوما من اللفظ، غير أنه لما كان مفهوما من دلالة اللفظ نطقا، خص باسم
~~المنطوق، وبقي ما عداه ms552 معرفا بالمعنى العام المشترك، تمييزا بين الامرين.
# وإذا عرف معنى المفهوم، فهو ينقسم إلى ما يسمى مفهوم الموافقة وإلى ما
~~يسمى مفهوم المخالفة.
# أما مفهوم الموافقة فما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقا لمدلوله
~~في محل النطق، ويسمى أيضا فحوى الخطاب ولحن الخطاب، والمراد به معنى الخطاب
~~ومنه قوله تعالى: * (ولتعرفنهم في لحن القول) * (47) محمد: 30) أي في
~~معناه.
# وقد يطلق اللحن ويراد به اللغة، ومنه يقال: لحن فلان بلحنه إذا تكلم
~~بلغته وقد يطلق ويراد به الفطنة، ومنه قوله (ص): (ولعل بعضكم ألحن بحجته من
~~بعض) أي أفطن.
# وقد يطلق ويراد به الخروج عن ناحية الصواب، ويدخل فيه إزالة الاعراب عن
~~جهة الصواب. PageV03P066
# ومثاله تحريم شتم الوالدين وضربهما من دلالة قوله تعالى: * (ولا تقل لهما
~~أف) * (17) الاسراء: 23) فإن الحكم المفهوم من اللفظ في محل في محل السكوت
~~موافق للحكم المفهوم في محل النطق.
# وكذلك دلالة قوله تعالى: * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) * (4)
~~النساء: 10) على تحريم إتلاف أموالهم، وكدلالة قوله تعالى: * (فمن يعمل
~~مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (99) الزلزلة: 7 - 8)
~~على المقابلة فيما زاد على ذلك وكدلالة قوله تعالى: * (ومنهم من إن تأمنه
~~بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (3) آل عمران:
~~75) على تأدية ما دون القنطار، وعدم تأدية ما فوق الدينار، إلى غير ذلك من
~~النظائر.
# والدلالة في جميع هذه الأقسام لا تخرج من قبيل التنبيه بالأدنى على
~~الاعلى، وبالأعلى على الأدنى، ويكون الحكم في محل السكوت أولى منه في محل
~~النطق، وإنما يكون كذلك إن لو عرف المقصود من الحكم في محل النطق من سياق
~~الكلام وعرف أنه أشد مناسبة واقتضاء للحكم في محل السكوت من اقتضائه له في
~~محل النطق، وذلك كما عرفنا من سياق الآية المحرمة للتأفيف أن المقصود إنما
~~هو كف الأذى عن الوالدين، وأن الأذى في الشتم والضرب أشد من التأفيف، فكان
~~بالتحريم أولى. وإلا فلو قطعنا النظر عن ذلك، لما لزم من تحريم ms553 التأفيف
~~تحريم الضرب العنيف، ولهذا فإنه ينتظم من الملك أن يأمر الجلاد بقتل والده
~~إذا استيقن منازعته له في ملكه، وينهاه عن التأفيف، حيث كان المقصود من
~~الامر بالقتل إنما هو دفع محذور المنازعة في الملك، وإن كان القتل أشد في
~~دفعه من التأفيف، ولذلك لم يلزم من إباحة أعلى المحذورين إباحة أدناهما،
~~ولا من تحريم أدناهما تحريم أعلاهما.
# وهذا مما اتفق أهل العلم على صحة الاحتجاج به إلا ما نقل عن داود الظاهري
~~أنه قال إنه ليس بحجة، ودليل كونه حجة أنه إذا قال السيد لعبده، لا تعط
~~زيدا حبة، ولا تقل له أف، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه فإنه يتبادر
~~إلى الفهم من ذلك امتناع إعطاء ما فوق الحبة، وامتناع الشتم والضرب،
~~وامتناع الظلم بالدينار PageV03P067
# وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق التعبيس من هجر الكلام وغيره، ولذلك كان
~~المفهوم من قول النبي (ص): احفظ عفاصها ووكاءها حفظ ما التقط من الدنانير
~~ومن قوله (ص)، في الغنيمة: أدوا الخيط والمخيط أداء الرحال والنقود وغيرها،
~~ومن قوله: من سرق عصا مسلم، فعليه ردها رد ما زاد على ذلك. وكذلك لو حلف
~~أنه لا يأكل لفلان لقمة، ولا يشرب من مائه جرعة، كان ذلك موجبا لامتناعه من
~~أكل ما زاد على اللقمة كالرغيف وشرب ما زاد على الجرعة، إلى نظائره.
# غير أن الخلاف واقع في أن مستند الحكم في محل السكوت، هل هو فحوى الدلالة
~~اللفظية، أو الدلالة القياسية.
# وقد احتج القائلون بالفحوى بأن العرب إنما وضعت هذه الألفاظ للمبالغة في
~~التأكيد للحكم في محل السكوت. وأنها أفصح من التصريح بالحكم في محل السكوت.
# ولهذا، فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقا للآخر، قالوا
~~هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم هذا الفرس
~~سابق لهذا الفرس وكذلك إذا قالوا فلان يأسف بشم رائحة مطبخه فإنه أفصح
~~عندهم وأبلغ من قولهم فلان لا يطعم ولا يسقي.
# واحتج القائلون بكونه قياسا أنا لو ms554 قطعنا النظر عن المعنى الذي سيق له
~~الكلام من كف الأذى عن الوالدين، وعن كونه في الشتم والضرب، أشد منه في
~~التأفيف، لما قضى بتحريم الشتم والضرب إجماعا، ولما سبق من جواز أمر الملك
~~للجلاد بقتل والده، والنهي عن التأفيف له، فالتأفيف أصل، والشتم والضرب
~~فرع، ودفع الأذى علة، والتحريم حكم، ولا معنى للقياس إلا هذا. وسموا ذلك
~~قياسا جليا نظرا إلى أن الوصف الجامع بين الأصل والفرع ثابت بالتأثير.
# والأشبه إنما هو المذهب الأول، وهو الاسناد إلى فحوى الدلالة اللفظية.
# وما قيل من أنه لا بد من فهم المعنى، وكونه في محل السكوت أولى بالحكم في
~~محل النطق. فهو شرط تحقق الفحوى، ولا مناقضة بينه وبين الفحوى، ويدل على
~~أنه ثابت بالفحوى لا بالقياس أمران PageV03P068
# : الأول: أن القياس لا يشترط فيه أن يكون المعنى المناسب للحكم في الفرع
~~أشد مناسبة له من حكم الأصل إجماعا، وهذا النوع من الاستدلال لا يتم دونه،
~~فلا يكون قياسا.
# الثاني: أن الأصل في القياس لا يكون مندرجا في الفرع وجزءا منه إجماعا.
~~وهذا النوع من الاستدلال قد يكون ما تخيل أصلا فيه جزءا مما تخيل فرعا،
~~وذلك كما لو قال السيد لعبده لا تعط لفلان حبة فإنه يدل على امتناع إعطاء
~~الدينار وما زاد عليه، والحبة المنصوصة تكون داخلة فيه. وكذلك قوله تعالى:
~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (99) الزلزلة: 7
~~- 8) فإنه يدل على روية ما زاد على الذرة، والذرة تكون داخلة فيه، إلى
~~نظائره.
# ولهذا، فإن كل من خالف في القياس مطلقا وافق على هذا النوع، من الدلالة،
~~سوى أهل الظاهر، ولو كان قياسا، لما كان كذلك.
# وعلى كل تقدير، فهو منقسم إلى قطعي وظني.
# أما القطعي: فكما ذكرناه من آية التأفيف حيث إنا علمنا من سياق الآية أن
~~حكمة تحريم التأفيف إنما هو دفع الأذى عن الوالدين، وأن الأذى في الشتم
~~والضرب أشد.
# وأما الظني: فكما في قوله تعالى: * (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ms555
~~مؤمنة) * (4) النساء: 92) فإنه وإن دل على وجوب الكفارة في القتل العمد،
~~لكونه أولى بالمؤاخذة، كما يقوله الشافعي، غير أنه ليس بقطعي لامكان أن لا
~~تكون الكفارة في القتل الخطأ موجبة بطريق المؤاخذة لقوله (ص): رفع عن أمتي
~~الخطأ والنسيان والمراد به رفع المؤاخذة، بل نظرا للخاطئ بإيجاب ما يكفر
~~ذنبه في تقصيره، ومن ذلك سميت كفارة، وجناية المتعمد فوق جناية الخاطئ.
~~وعند ذلك، فلا يلزم من كون الكفارة رافعة لاثم أدنى الجنايتين أن تكون
~~رافعة لاثم أعلاهما.
# وأما مفهوم المخالفة فهو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفا
~~لمدلوله في محل النطق، ويسمى دليل الخطاب أيضا، وهو عند القائلين به منقسم
~~إلى عشرة أصناف متفاوتة في القوة والضعف. PageV03P069
# الصنف الأول: منها ذكر الاسم العام مقترنا بصفة خاصة، كقوله (ص): في
~~الغنم السائمة زكاة.
# الصنف الثاني: مفهوم الشرط والجزاء كقوله تعالى: * وإن كن أولات حمل
~~فأنفقوا عليهن) * (65) الطلاق: 6) وقوله (ص): إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه
~~(1).
# الصنف الثالث: مفهوم الغاية كقوله تعالى: * (فلا تحل له من بعد، حتى تنكح
~~زوجا غيره) * (2) البقرة: 230) وقوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) *
~~(2) البقرة: 222) * (وحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * (9) التوبة: 29
~~). الصنف الرابع: مفهوم إنما كقوله (ص): إنما الأعمال بالنيات. وإنما الربا
~~في النسيئة. وإنما الولاء لمن أعتق. وإنما الشفعة فيما لم يقسم إلى نظائره.
# الصنف الخامس: التخصيص بالأوصاف التي تطرأ وتزول بالذكر كقوله (ص):
# الثيب أحق بنفسها من وليها. وقوله عليه الصلاة والسلام: (في السائمة
~~زكاة).
# الصنف السادس: مفهوم اللقب، وذلك كتخصيص الأشياء الستة في الذكر بتحريم
~~الربا (2).
# الصنف السابع: مفهوم الاسم المشتق الدال على الجنس، كقوله (ص)، لا تبيعوا
~~الطعام بالطعام وهو قريب من مفهوم اللقب لكون الطعام لقبا لجنس.
# الصنف الثامن: مفهوم الاستثناء، كقوله تعالى: * (لا إله إلا الله) * (37)
~~الصافات: 35) وقول القائل (لا عالم في البلد إلا زيد).
# الصنف التاسع: تعليق الحكم بعدد خاص، كتخصيص حد القذف بثمانين.
# الصنف العاشر: مفهوم حصر المبتدأ في الخبر كقوله (العالم زيد وصديقي
~~عمرو) (3).
# PageV03P070
# وإذا ms556 عرف المفهوم بحده وأصنافه فيجب أن تعلم قبل الخوض في الحجاج في هذه
~~الأصناف أن مستند فهم الحكم في محل السكوت عند القائلين به إنما هو النظر
~~إلى فائدة تخصيص محل النطق بالذكر دون غيره، وسواء كان ذلك من قبيل مفهوم
~~الموافقة أو المخالفة، وإن افترقا من جهة أن فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم
~~الموافقة إنما هو تأكيد مثل حكم المنطوق في محل المسكوت عنه وفائدة التخصيص
~~بالذكر في مفهوم المخالفة إنما هو نفي مثل حكم المنطوق في محل السكوت وذلك
~~مما لا يعلم من مجرد تخصيص محل النطق بالذكر دون نظر عقلي يتحقق به أن
~~التخصيص للتأكيد أو النفي، وذلك بأن ينظر إلى حكمة الحكم المنطوق به فإن
~~عرفت وعرف تحققها في المحل المسكوت عنه وأنها أولى باقتضائها الحكم فيه من
~~الحكم في محل النطق، علم أن فائدة التخصيص التأكيد وأن المفهوم مفهوم
~~الموافقة (1) وإن لم يعلم حكمة الحكم المنطوق به، أو علمت غير أنها لم تكن
~~متحققة في محل السكوت أو كانت متحققة فيه لكنها ليست أولى باقتضاء الحكم
~~فيه (2) علم أن فائدة التخصيص إنما هي النفي (3) وأن المفهوم مفهوم
~~المخالفة.
# وإذا أتينا على تحقيق المفهوم وأصنافه، فلنرجع إلى المقصود من الحجاج في
~~نفيه وإثباته، وما هو المختار في كل واحد من أصنافه، فنقول:
# أما مفهوم الموافقة فقد اتفق الكل على صحة الاحتجاج به سوى الظاهرية، وإن
~~اختلفوا في دلالته، هل هي لفظية أو قياسية، على ما سبق. والمتفقون على صحة
~~مفهوم الموافقة اختلفوا في صحة الاحتجاج بمفهوم المخالفة، فيجب الخوض فيما
~~يتعلق به من المسائل، وهي تسع مسائل
# PageV03P071
# المسألة الأولى اختلفوا في الخطاب الدال على حكم مرتبط باسم عام مقيد
~~بصفة خاصة كقوله (ص): في الغنم السائمة زكاة (1) هل يدل على نفي الزكاة عن
~~غير السائمة، أو لا؟
# فأثبته الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والأشعري وجماعة من الفقهاء
~~والمتكلمين وأبو عبيد (2) وجماعة من أهل العربية ونفاه أبو حنيفة وأصحابه
~~والقاضي أبو بكر وابن سريج والقفال والشاشي وجماهير ms557 المعتزلة.
# وفرق أبو عبد الله البصري من المعتزلة، وقال: الخطاب المتعلق بالصفة دال
~~على النفي عما عداها في أحد أحوال ثلاث، وهي:
# أن يكون الخطاب قد ورد للبيان، كما في قوله (ص): في الغنم السائمة زكاة
~~أو التعليم، كما في خبر التحالف عند التخالف والسلعة قائمة (3) أو يكون ما
~~عدا الصفة داخلا تحتها، كالحكم بالشاهدين، فإنه يدل على نفيه عن الشاهد
~~الواحد لدخوله في الشاهدين، ولا يدل على النفي فيما سوى ذلك.
# PageV03P072
# وإذ أتينا على تفصيل المذاهب من الجانبين، فلا بد من ذكر حجج الفريقين
~~والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.
# أما القائلون بالاثبات فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية أما الحجج النقلية
~~فست حجج.
# الحجة الأولى: أنهم قالوا إن أبا عبيد القاسم بن سلام من أهل اللغة، وقد
~~قال بدليل الخطاب في قوله (ص): لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (1) حيث قال إنه
~~أراد به أن من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته والواجد هو الغني وليه مطله
~~ومعنى إحلال عرضه مطالبته، وعقوبته حبسه. وقال في قوله (ص): مطل الغنى ظلم،
~~مطل غير الغنى ليس بظلم، وقال عليه السلام (لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير
~~له من أن يمتلئ شعرا) (2) وقد قيل له إن: النبي (ص)، إنما أراد الهجاء من
~~الشعراء أو هجاء الرسول، فقال: لو كان ذلك هو المراد، لم يكن لتعليق ذلك
~~بالكثرة وامتلاء الجوف منه معنى لان ما دون ملء الجوف من ذلك ككثيره.
# ووجه الاحتجاج به أنه فهم أن تعليق الذم على امتلاء الجوف من ذلك مخالف
~~لما دونه.
# ولقائل أن يقول: حكم أبي عبيد بذلك إن ادعيتم أنه كان نقلا عن العرب، فهو
~~غير مسلم، وليس في لفظه ما يدل على النقل. وإن قلتم إن ذلك كان بناء على
~~مذهبه واجتهاده، فغايته أنه مجتهد فيه، فلا يكون ذلك حجة على غيره من
~~المجتهدين المخالفين له في ذلك كيف وإنه لو ذكر ذلك نقلا، فلا نسلم كونه
~~حجة في مثل هذه القاعدة ms558 اللغوية لكونه من أخبار الآحاد، ثم هو معارض بمذهب
~~الأخفش (3)
# PageV03P073
# فإنه من أهل اللغة، ولم يقل بدليل الخطاب على ما نقل عنه، على أنه يمكن
~~أن يكون حكمه بذلك مستندا إلى النفي الأصلي وعدم دلالة الدليل على مخالفته،
~~وهو أولى جمعا بين المذاهب.
# الحجة الثانية: ما روى قتادة أنه قال: لما نزل قوله تعالى: * (استغفر لهم
~~أو لا تستغفر لم، إن تستغفر لهم سبعين مرة، فلن يغفر الله لهم) * (9)
~~التوبة: 80) قال النبي (ص):
# قد خيرني ربي، فوالله لأزيدن على السبعين فعقل أن ما زاد على السبعين
~~بخلافه لقائل أن يقول: ما ذكرتموه من أخبار الآحاد، لا نسلم كونه حجة في
~~مثل هذه القاعدة.
# وإن سلمنا أنه حجة، ولكن يمتنع التمسك به لوجهين:
# الأول: أن زيادة النبي (ص)، على السبعين في الاستغفار ليس فيه ما يدل على
~~فهمه وقوع المغفرة لهم باستغفاره زيادة على السبعين، وليس في لفظه ما يدل
~~عليه، فيحتمل أنه قصد بذلك استمالة قلوب الاحياء منهم ترغيبا لهم في الدين،
~~لا لوقوع المغفرة، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل ربما كان احتمال
~~الاستمالة أولى من فهمه وقوع المغفرة بالزيادة على السبعين في الاستغفار من
~~الآية، لما فيه من دفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: * (سواء
~~عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم) * (9) التوبة: 80).
# الوجه الثاني: أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين يدل على انتفاء المغفرة
~~بالسبعين قطعا ضرورة صدق الله تعالى في خبره. ومن قال بدليل الخطاب فهو
~~قائل بأنه يدل على نقيض حكم المنطوق في محل السكوت، وعند ذلك فلو دل اختصاص
~~السبعين بنفي المغفرة قطعا، على نقيضه في محل السكوت، لكان دالا على وقوع
~~المغفرة بعد السبعين، وذلك إما أن يكون قطعا أو ظنا:
# الأول: خلاف الاجماع وخلاف ما ذكرناه من الآية الدالة على امتناع المغفرة
~~بعد السبعين والثاني: فليس نقيضا لنفي المغفرة قطعا، بل هو مقابل، والمقابل
~~أعم من النقيض، فلا يكون ذلك من باب دليل الخطاب، وفيه دقة ms559 فليتأمل.
~~PageV03P074
# الحجة الثالثة: مصير ابن عباس، رضي الله عنهما، إلى منع توريث الأخت مع
~~البنت، استدلالا بقوله تعالى: * (إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله أخت، فلها
~~نصف ما ترك) * (4) النساء: 176) حيث إنه فهم من توريث الأخت مع عدم الولد
~~امتناع توريثها مع البنت لأنها ولد، وهو من فصحاء العرب وترجمان القرآن.
# وجواب هذه الحجة ما سبق في دفع الحجة التي قبلها كيف وإنه يحتمل أنه ورث
~~الأخت عند عدم الولد بالآية، وعند وجود البنت لم يورثها بناء على استصحاب
~~النفي الأصلي، لا بناء على دليل الخطاب، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.
# الحجة الرابعة: أن الصحابة اتفقوا على أن قوله (ص): إذا التقى الختانان،
~~فقد وجب الغسل (1) ناسخ لقوله (ص): الماء من الماء (2) ولولا أن قوله:
# الماء من الماء يدل على نفي الغسل من غير إنزال لما كان نسخا له.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد في اللغات، وإن سلمنا،
~~ولكن لا نسلم أن جلة الصحابة اتفقوا على ذلك. وقول البعض لا يكون حجة على
~~غيره، وإن سلمنا اتفاق الصحابة على ذلك، ولكن إنما حكموا بكونه ناسخا لا
~~لمدلول دليل الخطاب، بل يحتمل أنهم فهموا من قوله (ص) الماء من الماء كل
~~غسل من إنزال الماء، ويدل على تأكد هذا الاحتمال قوله (ص): لا ماء إلا من
~~الماء فكان قوله:
# إذا التقى الختانان، وجب الغسل ناسخا لمدلول عموم الأول، لا لمدلول دليل
~~الخطاب وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل حمله على ما ذكرناه أولى، لكونه
~~متفقا عليه، ومختلفا فيما ذكروه.
# PageV03P075
# الحجة الخامسة: ما روي أن يعلى بن أمية قال لعمر: ما بالنا نقصر، وقد
~~أمنا وقد قال الله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم)
~~* (4) النساء: 101) ووجه الاحتجاج به أنه فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف
~~عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل قال: لقد عجبت مما عجبت
~~منه، فسألت النبي (ص) عن ذلك، فقال لي: هي صدقة تصدق ms560 الله بها عليكم،
~~فاقبلوا صدقته ويعلى بن أمية وعمر من فصحاء العرب، وقد فهما ذلك. والنبي
~~(ص)، أقرهما عليه.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد ها هنا، وإن سلمنا لكن
~~يحتمل أن يعلى وعمر بنيا عدم القصر على استصحاب الحال في حالة الامن، لا
~~على دليل الخطاب، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل البناء على الاستصحاب
~~أولى، دفعا للتعارض بين الدليل المجوز للقصر حالة الامن، والدليل النافي
~~له.
# الحجة السادسة: أنه إذا قال العربي لوكيله اشتر لي عبد ا أسود فهم منه
~~عدم الشراء للأبيض، حتى إنه لو اشترى أبيض لم يكن ممتثلا، وكذلك إذا قال
~~الرجل لزوجته أنت طالق إن دخلت الدار فهم منه انتفاء الطلاق عند عدم
~~الدخول.
# ولقائل أن يقول: ليس ذلك مفهوما من دليل الخطاب بل عدم شراء الأبيض وعدم
~~وقوع الطلاق قبل دخول الدار إنما كان مستندا إلى النفي الأصلي ولهذا فإنه
~~لو قال له لا تشتر لي عبد ا أسود وقال لزوجته إن دخلت الدار، فلست طالقة
~~فإنه لا يصح شراؤه لعبد غير أسود، ولا يقع بالزوجة الطلاق بتقدير عدم دخول
~~الدار لبقاء ذلك على النفي الأصلي، ولو كان نفي الحكم في محل السكوت مما
~~يدل عليه ذكر الحكم في محل النطق، لصح شراء عبد ليس بأسود، وطلقت الزوجة
~~بتقدير عدم دخول الدار. وعلى هذا فكل خطاب ورد في الشرع أو اللغة بحكم مخصص
~~بصفة، وهو منفى عما عدا تلك الصفة، فهو مبني على استصحاب الحال، لا على
~~دليل الخطاب.
# وأما الحجج العقلية فخمس حجج. PageV03P076
# الحجة الأولى: أنه لو كان حكم السائمة والمعلوفة، سواء في وجوب الزكاة
~~لما كان لتخصيص السائمة بالذكر فائدة، بل كان ملغزا بذكر ما يوهم في الزكاة
~~في المعلوفة، ومقصرا في البيان مع دعو الحاجة إليه. وذلك على خلاف الأصل.
# وحيث امتنع ذلك دل على أن فائدة التخصيص بذكر السائمة نفي الزكاة عن
~~المعلوفة.
# ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه في إثبات دليل الخطاب يرجع إلى إثبات ms561 الوضع
~~بما فيه من الفائدة، ولا نسلم إمكان إثبات الوضع بذلك (1) سلمنا إمكان ذلك
~~ولكن لا نسلم أنه لا فائدة في تخصيص الصفة بالذكر سوى نفي الحكم المعلق بها
~~عند عدمها. وبيانه من وجهين: الأول أنه لو لم يكن له فائدة سوى نفي الحكم
~~في محل السكوت لامتنع ورود نص خاص يدل على إثبات الحكم في محل السكوت لما
~~فيه من إبطال فائدة التخصيص بالذكر لمحل النطق لما يلزم من اللغو في كلام
~~الحكيم، وهو ممتنع.
# فإن قيل: فإذا ثبت مثل ذلك الحكم في محل السكوت لم يكن مخصصا للصفة
~~بالحكم، حتى يقال بأن التخصيص يكون لغوا.
# قلنا: فإذا مجرد تخصيص الصفة بالذكر لا يكون دليلا على نفي الحكم عند
~~عدمها دون البحث عما يدل على إثبات الحكم في محل السكوت مع عدم الظفر به،
~~وليس كذلك عندكم، لكن نفس التخصيص دليل، ووجود ما يدل على ثبات الحكم في
~~صورة السكوت يكون معارضا له، بل أمكن (2) وجود فائدة أخرى دعت إلى التخصيص
~~بالذكر، وهي إما عموم وقوع المذكور، كما في قوله تعالى: * (وربائبكم اللاتي
~~في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * (4) النساء: 23) وإما لسؤال سائل
~~سأل عن ذلك، أو لحدوث واقعة وقعت كذلك. وإن لم يكن شئ من ذلك فأمكن أن يكون
~~ذلك لرفع وهم من توهم أن حكم الصفة بتقدير تعميم اللفظ يكون مخالفا لحكم
~~العموم
# PageV03P077
# ويكون بذلك منبها على إثبات الحكم فيما عدا الصفة بطريق الأولى، وذلك كما
~~لو قال: ضحوا بشاة فإنه قد يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بشاة عوراء،
~~فإذا قال: ضحوا بشاة عوراء كان ذلك أدل على التضحية بما ليست عوراء، وكذلك
~~لو قال: ولا تقتلوا أولادكم (17) الاسراء: 31) على العموم فقد يتوهم أنه لم
~~يرد النهي عن قتلهم عند خشية الاملاق، فإذا قال: * (ولا تقتلوا أولادكم
~~خشية إملاق) * (17) الاسراء: 31) كان أدل على النهي في غير حالة الخشية،
~~وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون لفائدة تعريف حكم المنطوق والمسكوت بنصين
~~مختلفين، إذ هو أدل ms562 على المقصود من التعميم لوقوع الخلاف فيه، وإمكان تطرق
~~التخصيص بالاجتهاد إلى محل الصفة وغيرها، وليس مرادا للتخصيص، وإن لم يكن
~~كذلك، أمكن أن يكون ذلك لفائدة التوصل إلى معرفة الحكم في المسكوت عنه
~~بطريق الاجتهاد، لينال المكلف ثواب الاجتهاد، حين توفر دواعي المجتهدين على
~~النظر والاستدلال والبحث عن الأحكام الشرعية، فتبقى غضة طرية، كما هي في
~~سائر الأصول المنصوص عليها مع وقوعها في الأقيسة وإن لم يكن كذلك أمكن أن
~~يكون حكم الصفة جاريا على حكم العقل الأصلي، وتكون المصلحة في نظر الشارع
~~تعريف ذلك الحكم عند وجود الصفة بالنص، وعند عدمها بالبقاء على الحكم
~~الأصلي، كما لو قال: لا زكاة في الغنم السائمة وإن لم يكن كذلك، وكان الحكم
~~في محل السكوت مخالفا للحكم في محل النطق، فأمكن أن يكون ثبوت الحكم على
~~خلاف حكم العقل، كما في إيجاب الزكاة، وتكون فائدة التنصيص على محل الصفة
~~اختصاصه بالحكم، فإنه لولا النص، لما ثبت، ويكون الحكم في محل السكوت،
~~منتفيا بناء على حكم العقل الأصلي.
# فإن قيل: فإذا سلمتم انتفاء الحكم في محل السكوت، فقد وافقتم على
~~المطلوب.
# قلنا: ليس كذلك، فإن النزاع إنما وقع في إسناد النفي في محل السكوت إلى
~~دليل الخطاب لا إلى النفي الأصلي، PageV03P078
# وإن سلمنا أنه لا فائدة في التخصيص سوى ما ذكرتموه، لكن يلزم على ما
~~ذكرتموه مفهوم اللقب الذي لم يقل به محصل على ما يأتي تقريره، فكل ما هو
~~جواب لكم ثم فهو جواب لنا ها هنا.
# الحجة الثانية: إن أهل اللغة فرقوا بين الخطاب المطلق والمقيد بالصفة،
~~كما فرقوا بين الخطاب المرسل وبين المقيد بالاستثناء، والاستثناء يدل على
~~أن حكم المستثنى على خلاف حكم المستثنى منه، فكذلك الصفة ولقائل أن يقول:
~~نحن لا ننكر الفرق بين حكم الخطاب المطلق، وبين حكم الخطاب المقيد بالصفة،
~~فإن حكم المطلق العلم أو الظن بثبوت حكمه مطلقا، وحكم الخطاب المقيد بالصفة
~~ثبوته في محل التنصيص، قطعا أو ظنا وفي غير محل الصفة مشكوك في ms563 إثباته
~~ونفيه، فقد افترقا، كما وقع الافتراق بين الخطاب المطلق والخطاب المستثنى
~~منه، غير أن المطلق يقتضي إثبات الحكم أو نفيه مطلقا والخطاب المستثنى منه
~~يقتضي نفي الحكم في صورة الاستثناء جزما.
# وعلى هذا، فإن قيل بأن العرب سوت من كل وجه، فهو ممتنع. وإن قيل بوجوب
~~التسوية بينهما من جهة أنه لا بد من الافتراق بين المطلق والمقيد بالصفة في
~~الجملة كما وقع الافتراق بين المطلق والمستثنى منه في الجملة، فهو واقع لا
~~محالة.
# الحجة الثالثة: أنه إذا كان التخصيص بذكر الصفة يدل على الحكم في محل
~~التنصيص، وعلى نفيه في محل السكوت، كانت الفائدة فيه أكثر مما إذا لم يدل،
~~فوجب جعله دليلا عليه.
# ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه وإن كان من جملة الفوائد، غير أن إثبات الحكم
~~أو نفيه مأخوذا من دليله، فرع دلالة ذلك الدليل عليه.
# فلو قيل بكونه دليلا عليه لكون الحكم يكون داخلا فيه كان دورا.
# كيف وإنه ليس القول بكون التخصيص دالا على نفي الحكم في محل السكوت،
~~تكثيرا للفائدة، وإبطال ما ذكرناه من الفوائد التي سبقت، أولى من العكس.
~~PageV03P079
# الحجة الرابعة: أن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة، والتعليق بالعلة يوجب
~~نفي الحكم لانتفاء العلة، فكذلك الصفة.
# ولقائل أن يقول لا نسلم لزوم انتفاء الحكم مع انتفاء العلة، حتى يقال
~~مثله في الصفة اللهم إلا أن يقال باتحاد العلة فإنه يلزم من نفيها نفي
~~الحكم، ولكن لا نسلم أنه يلزم مثله في الصفة ضرورة أنه يلزم من تعدد أصناف
~~النوع وأشخاصه تعدد صفاته وإلا لما تعدد، بل كان متحدا من كل وجه.
# الحجة الخامسة: أنه قال (ص) طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله
~~سبعا فلو لم يدل على عدم الطهارة فيما دون السبع، وإلا لما طهر بالسبع، لان
~~السابعة تكون واردة على محل طاهر، فلا يكون طهوره بالسبع، ويلزم من ذلك
~~إبطال دلالة المنطوق.
# وكذلك إذا قال يحرم من الرضاع خمس رضعات لو لم يدل على أن ما دون ذلك لا ms564
~~يحرم لما كانت الخمس رضعات محرمة لما عرف في الغسلات.
# ولقائل أن يقول لا يلزم من كون الغسلات السبع غير دالة على نفي الطهارة
~~فيما دون السبع، ومن كون الرضعات الخمس غير دالة على نفي الحرمة فيما دونها
~~أن يكون المحل قبل السابعة طاهرا ولا أن يكون ما دون الخمس من الرضاع محرما
~~لجواز ثبوت النجاسة قبل السبع بدليل آخر غير دليل الخطاب.
# وكذلك جاز أن يكون ما دون الرضعات الخمس غير محرمة بدليل غير دليل
~~الخطاب.
# وإذ أتينا على حجج القائلين بدليل الخطاب وتتبع ما فيها فلا بد من ذكر
~~حجج عول عليها القائلون بإبطال دليل الخطاب والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر
~~بعد ذلك ما هو المختار.
# الحجة الأولى: أن تقييد الحكم بالصفة، لو دل على نفيه عند نفيها، إما أن
~~يعرف ذلك بالعقل أو النقل، والعقل لا مجال له في اللغات، والنقل إما متواتر
~~وآحاد ولا سبيل إلى التواتر والآحاد لا تفيد غير الظن، وهو غير معتبر في
~~إثبات اللغات لان الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى ورسوله (ص)،
~~بقول الآحاد مع جواز الخطأ والغلط عليه يكون ممتنعا. PageV03P080
# ولقائل أن يقول: إن سلمنا أن ذلك لا يعرف إلا بالنقل ولكن لا نسلم امتناع
~~إثبات ذلك بالآحاد إذ المسألة عندنا غير قطعية، بل ظنية مجتهد فيها بنفي أو
~~إثبات، بل غلبة ظن تجري فيها التخطئة الظنية، دون القطعية، كما في سائر
~~مسائل الفروع الاجتهادية كيف وإن اشتراط التواتر في إثبات اللغات إما أن
~~يكون في كل كلمة ترد عن أهل اللغة أو في البعض دون البعض، القول بالتفصيل
~~تحكم غير معقول كيف وأنه لا قائل به وإن كان ذلك شرطا في الكل فذلك مما
~~يفضي إلى تعطيل التمسك بأكثر اللغة لتعذر التواتر فيها، ويلزم من ذلك تعطيل
~~العمل بأكثر ألفاظ الكتاب والسنة والأحكام الشرعية، والمحذور في ذلك فوق
~~المحذور في قبول خبر الواحد المعروف بالعدالة والضبط والمعرفة، وهو تطرق
~~الكذب أو الخطأ عليه مع أن الغالب ms565 صدقه وصحة نقله. ولهذا كان العلماء في كل
~~عصر وإلى زمننا هذا يكتفون في إثبات الأحكام الشرعية المستندة إلى الألفاظ
~~اللغوية بنقل الآحاد المعروفين بالثقة والمعرفة، كالأصمعي والخليل وأبي
~~عبيدة وأمثالهم (1).
# الحجة الثانية: أنه لو كان تقييد الحكم بالصفة يدل على نفيه عند عدمها
~~لما حسن الاستفهام عن الحكم في حال نفيها لا عن نفيه ولا عن إثباته، لكونه
~~استفهاما عما دل عليه اللفظ، كما لو قال له: لا تقل لزيد أف فإنه دل على
~~امتناع ضربه فإنه لا يحسن أن يقال فهل أضربه ولا شك في حسنه، لو قال أد
~~الزكاة عن غنمك السائمة فإنه يحسن أن يقال وهل أؤديها عن المعلوفة؟
# ولقائل أن يقول: حسن الاستفهام إنما كان لطلب الأجلى والأوضح لكون دلالة
~~الخطاب ظاهرة ظنية غير قطعية، ولهذا فإنهم لم يستقبحوا الاستفهام ممن
# PageV03P081
# قال رأيت أسدا أو بحرا، أو دخل السلطان البلد بأن يقال هل رأيت الحيوان
~~المخصوص أو إنسانا شجاعا؟ وهل رأيت البحر الذي هو الماء المخصوص أو إنسانا
~~كريما؟ وهل رأيت السلطان نفسه أو عسكره؟ مع أن لفظه ظاهر في أحد المعنيين
~~دون الآخر.
# الحجة الثالثة: لو كان تعليق الحكم على الصفة يدل على نفيه عن غير المتصف
~~بها لكان في الخبر كذلك ضرورة اشتراك الامر والخبر في التخصيص بالصفة،
~~واللازم ممتنع. ولهذا، فإنه لو قال رأيت الغنم السائمة ترعى فإنه لا يدل
~~على عدم رؤية المعلوفة منها.
# ولقائل أن يقول. الاستشهاد بالخبر، وإن كان كثيرا ما يستروح إليه
~~المنكرون لدليل الخطاب، إلا أنه ممنوع عند القائلين بدليل الخطاب، ولا فرق
~~عندهم في تعليق الحكم بالصفة بين الامر والخبر.
# ولهذا، فإنه لو قال القائل الفقهاء الشافعية فضلاء أئمة فإن سامعه من
~~فقهاء الحنفية وغيرهم تشمئز نفسه من ذلك، وتكبر عن سماعه، لا لوصفه لهم
~~بذلك، بل لما فيه من الاشعار بسلب ذلك عمن ليس بشافعي. وهذا الشعور مما لا
~~يختلف فيه الامر والخبر عندهم، وإن سلم امتناع ذلك في الخبر، فحاصل ما
~~ذكروه يرجع إلى ms566 القياس في اللغة وهو ممتنع لما سبق. وبتقدير صحة القياس في
~~اللغة فالفرق بين الخبر والامر ظاهر، وذلك أنه إذا أخبر وقال رأيت خبزا
~~سميذا، ولحما طريا، ورطبا جنيا إنما يخبر عما شاهده وعلمه، ولا يلزم من
~~مشاهدته لذلك أن لا يكون قد شاهد ما ليس على هذه الصفة. وإذا قال لعبده
~~اشتر خبزا سميذا، ولحما طريا ورطبا جنيا مع علمه بأن الخبز الخشكار، واللحم
~~والرطب البايت، مما يباع في السوق، فقوله ذلك إنما يقصد به البيان، وتمييز
~~ما يشترى عما لا يشترى، فكان النفي ملازما للاثبات.
# الحجة الرابعة: أن أهل اللغة فرقوا بين العطف والنقض فقالوا: قول القائل:
# اضرب الرجال الطوال والقصار فالقصار عطف، وليس بنقض للأول، ولو كان قوله
~~اضرب الرجال الطوال مقتضيا لنفي الضرب عن القصار، لكان نقضا لا عطفا.
~~PageV03P082
# وهي بعيدة عن التحقيق. وذلك أن قول القائل اضرب الرجال الطوال إنما يدل
~~على امتناع ضرب القصار بتقدير اختصاص الطوال بالذكر، وإذا عطف عليه القصار،
~~فلا يكون مخصصا للطوال بالذكر، فلا يدل على نفي الضرب عن القصار، ثم هو
~~منتقض بالتخصيص بالغاية، كما لو قال القائل لغيره صم إلى غروب الشمس فإنه
~~يدل على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، ومع ذلك فإنه لو قال له صم
~~إلى غروب الشمس وإلى نصف الليل فإنه لا يكون نقضا.
# الحجة الخامسة: أنه لو كان تعليق الحكم بالصفة دالا على نفيه عن غير
~~الموصوف بها لما حسن الجمع بين قوله أد زكاة السائمة وبين قوله والمعلوفة
~~لما بينهما من التناقض، كما لا يحسن أن يقول له لا تقل لزيد أف، واضربه.
# ولقائل أن يقول: إنما لا يحسن ذلك أن لو قيل بالمناقضة، وليس كذلك على ما
~~سبق في الحجة التي قبلها. هذا إذا كان بطريق العطف، وأما إن قال بعد ذلك أد
~~زكاة المعلوفة فإنما لم يمتنع، لان غايته أن صريح قوله: أد زكاة الغنم
~~المعلوفة وقع معارضا لدليل الخطاب والمعارضة غير ممتنعة. ولا يلزم من عدم
~~جواز ms567 مثل ذلك في فحوى الخطاب امتناعه في دليل الخطاب، إذ هو قياس في اللغة
~~وهو ممتنع لما سبق. وبتقدير صحة القياس في اللغة، فالفرق ظاهر، وذلك لان
~~امتناع ذلك في فحوى الخطاب إنما كان فيما علم، لا فيما ظن على ما سبق.
~~ودليل الخطاب مظنون، ولا يلزم من امتناع معارضه المقطوع امتناع معارضة
~~المظنون.
# ثم يلزم عليه التخصيص بالغاية كما سبق.
# الحجة السادسة: ذكرها أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، وهي أن
~~المقصود من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عما سواه. وكذلك المقصود من
~~الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره، وتعليق الحكم بالاسم، كما لو قال: زيد
~~عالم لا يدل على نفي العلم عمن لم يسم باسم زيد فكذلك تعليق الحكم بالصفة.
# ولقائل أن يقول: قياس التخصيص بالصفة على التخصيص بالاسم قياس في اللغة،
~~فلا يصح، وإن صح، فلا نسلم أن تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفي الحكم عما
~~سواه، كما يأتي. وإن سلم عدم دلالته على ذلك، فإنما يلزم مشاركة التعليق
~~PageV03P083
# بالصفة له في ذلك، أن لو بين أن مناط عدم دلالة التعليق بالاسم كونه
~~موضوعا للتمييز، وهو غير مسلم.
# ثم الفرق بينهما أن شعور المتكلم بالاسم العام المقيد بالصفة الخاصة بما
~~ليس له تلك الصفة (1) أتم من شعور المتكلم باسم أحد الجنسين بالجنس الآخر.
~~وعند ذلك، فلا يلزم من عدم دلالة التخصيص بالاسم مثله في الصفة.
# كيف وهو منقوض بالتخصيص بالغاية، فإنها مقصودة للتمييز. ومع ذلك، فهو دال
~~على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها.
# الحجة السابعة: أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على نفيه عن غير الموصوف
~~بها، لأنه يصح أن يقال: في الغنم السائمة زكاة، ولا زكاة في المعلوفة منها.
~~ولو كان قوله: في الغنم السائمة زكاة يدل على نفيها عن المعلوفة، لما احتيج
~~إلى العبارة الأخرى لعدم فائدتها.
# ولقائل أن يقول: كون الحكم في محل السكوت مستفادا من دليل الخطاب لا يمنع
~~من وضع عبارة خاصة إذ هو أبلغ ms568 في الدلالة وأقرب إلى حصول المقصود كما لا
~~يمتنع ذلك في التقييد بالغاية كما تقدم ذكره.
# الحجة الثامنة: أن القول في الغنم السائمة زكاة له دلالة بمنطوقه على
~~وجوب زكاة السائمة، فلو كان له دلالة مفهوم، لجاز أن يبطل حكم المنطوق،
~~ويبقى حكم دلالة المفهوم، كما يجوز أن يبطل حكم دليل الخطاب، ويبقى حكم
~~صريح الخطاب وهو ممتنع.
# ولقائل أن يقول: دليل الخطاب إنما هو متفرع من تخصيص الحكم بالصفة فإذا
~~بطل حكم الصفة، فلا تخصيص، ومع عدم التخصيص، فلا دلالة لدليل الخطاب، ثم هو
~~منقوض بالتخصيص بالغاية.
# الحجة التاسعة: أنه ليس في لغة العرب كلمة تدل على المتضادين معا. فلو
~~كان قوله في الغنم السائمة زكاة دالا على نفي الزكاة عن المعلوفة، لكان
~~اللفظ الواحد دالا على الضدين معا، وهو ممتنع.
# PageV03P084
# ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه ليس في اللغة لفظ يدل على المتضادين معا
~~بدليل ما ذكرناه من دلالة الأسماء المشتركة على المسميات المتعددة معا،
~~كانت أضدادا أو لم تكن.
# سلمنا امتناع ذلك، ولكن إنما يمتنع ذلك بالنظر إلى جهة واحدة من دلالة
~~اللفظ. وأما من جهتين فلا نسلم ذلك، وها هنا الدال على وجوب الزكاة في
~~السائمة صريح الخطاب، والدال على نفي الزكاة عن المعلوفة دليل الخطاب، وهما
~~غيران، ثم ما ذكرتموه منتقض بالتخصيص بالغاية.
# الحجة العاشرة: أن صورة الغنم السائمة خالفة لصورة الغنم التي ليست
~~بسائمة، وعند اختلاف الصورتين، لا يلزم من ثبوت الحكم في أحديهما ثبوته في
~~الأخرى ولا عدمه، لجواز اشتراك الصور المختلفة في أحكام وافتراقها في
~~أحكام.
# وإذا لم يكن ذلك لازما، لم يلزم من الاخبار عن حكم في إحدى الصورتين
~~الاخبار عنه في الصورة الأخرى، لا وجودا ولا عدما.
# ولقائل أن يقول: متى لا يلزم من ثبوت الحكم في إحدى الصورتين نفيه في
~~الصورة الأخرى إذا كان ذلك الحكم قد علق ثبوته بالاسم العام الموصوف بصفة
~~خاصة، أو إذا لم يكن؟ الأول ممنوع، ودعواه دعوى محل النزاع، والثاني مسلم.
# وعلى هذا، فالقول ms569 بأنه لا يلزم من الاخبار عن حكم إحدى الصورتين
~~المختلفتين الاخبار عن الصورة الأخرى مطلقا لا يكون صحيحا، ثم إنه منتقض
~~بفحوى الخطاب، فإن صورة المنطوق بالحكم فيها مخالفة للصورة المسكوت عنها،
~~ومع ذلك فإن الحكم الثابت في صورة النطق لازم ثبوته في صورة السكوت،
~~والاخبار عنه في إحداهما إخبار عنه في الصورة الأخرى.
# وإذ أتينا على ما أردناه من التنبيه على إبطال الحجج الواهية، فلا بد من
~~الإشارة إلى ما هو المختار في ذلك، وأقرب ما يقال فيه مسلكان:
# المسلك الأول: إنه لو كان تعليق الحكم على الصفة موجبا لنفيه عند عدمها
~~لما كان ثابتا عند عدمها، لما يلزمه من مخالفة الدليل. وهو على خلاف الأصل،
~~لكنه ثابت مع عدمها. ودليله قوله تعالى: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق)
~~* (17) الاسراء: 31) فإن النهي عن قتل الأولاد وقع معلقا بخشية الاملاق،
~~وهو منهي عنه أيضا في حالة عدم خشية الاملاق. PageV03P085
# فإن قيل: تعليق الحكم بالصفة عندنا إنما يكون دليلا على نفيه حالة عدم
~~الصفة إذا لم يكن حالة عدم الصفة أولى بإثبات حكم الصفة، كما ذكرناه من حكم
~~زكاة السائمة والمعلوفة.
# وأما إذا كان الحكم في حالة عدم الصفة أولى بالاثبات من حالة وجود الصفة
~~فلا وها هنا تحريم القتل حالة عدم خشية الاملاق أولى من التحريم حالة خشية
~~الاملاق.
# فكان التنصيص على تحريم القتل حالة خشية الاملاق محرما له حالة عدم
~~الخشية بطريق الأولى، وكان ذلك من باب فحوى الخطاب، لا من باب دليل الخطاب.
# قلنا: هذا، وإن استمر لكم في هذه الصورة، فلا يستمر في قوله تعالى:
# * (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) * (3) آل عمران: 130) وفي قوله * (ولا
~~تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا) * (4) النساء: 6) وفي قوله تعالى: * (ولا
~~تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) * (24) النور: 33) فإن النهي في
~~جميع هذه الصور ليس هو أولى من صور السكوت (1)، فإن النهي.
# عن أكل قليل الربا ليس أولى من كثيره، ولا النهي عن أكل مال اليتيم من
~~غير إسراف أولى من الاسراف، ولا ms570 النهي عن الاكراه على الزنا حالة إرادة
~~التحصن أولى من حالة إرادة الزنا (2) ومع ذلك، فالحكم في الكل مشترك.
# فإن قيل مخالفة دليل الخطاب في هذه الصور إنما كانت لمعارض، ولا يلزم
~~مخالفته عند عدم المعارض.
# قلنا: وإن كان ثبوت الحكم في صورة السكوت على نحو ثبوته في صورة النطق
~~لدليل، ولكن يجب أن يعتقد أنه من غير مخالفة دليل لما فيه من دفع محذور
~~المعارضة. ولو كان دليل الخطاب دليلا، لزم من ذلك التعارض، وهو خلاف الأصل.
# المسلك الثاني: إن تعليق الحكم بالصفة، لو كان مما يستفاد منه نفي الحكم
~~عند عدم الصفة، لم يخل
# PageV03P086
# إما أن يكون ذلك مستفادا من صريح الخطاب أو من جهة أن تعليق الحكم بالصفة
~~يستدعي فائدة، ولا فائدة سوى نفي الحكم عند عدم الصفة.
# أو من جهة أخرى: الأول محال، فإن صريح الخطاب بوجوب الزكاة في السائمة
~~غير صريح بوجوبها في المعلوفة كيف وإن ذلك مما لا قائل به.
# والثاني أيضا ممتنع لما ذكرناه من الوجوه الكثيرة في إبطال الحجة الأولى
~~من المعقول للقائلين بدليل الخطاب.
# والثالث فالأصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه، ويلتحق بهذه المسألة تخصيص
~~الأوصاف التي تطرأ وتزول كقوله السائمة تجب فيها الزكاة والحكم كالحكم نفيا
~~وإثباتا، والمأخذ من الطرفين، فعلى ما عرف، والمختار فيها كالمختار ثم.
~~PageV03P087
# المسألة الثانية اختلفوا في الحكم المعلق على شئ بكلمة (إن) هل الحكم على
~~العدم عند عدم ذلك الشئ أولا:
# فذهب ابن سريج والهراسي من أصحاب الشافعي والكرخي وأبو الحسين البصري إلى
~~أن الحكم على العدم مع عدم ذلك الشرط، وذهب القاضي عبد الجبار وأبو عبد
~~الله البصري إلى أن الحكم لا يكون على العدم عند عدم الشرط، وهو المختار.
# وبيانه أن ما علق عليه الحكم بكلمة (إن) إما أن لا يكون شرطا للحكم أو
~~يكون شرطا:
# فإن كان الأول، فلا يلزم من نفيه نفي الحكم، وإن كان شرطا فلا يخلو إما
~~أن يكون من لوازم الشرط انتفاء الحكم المعلق عليه مطلقا عند انتفائه، ولا ms571
~~يكون لازما له: الأول محال، وإلا لامتنع وجود القصر المعلق على الخوف بكلمة
~~(إن) في قوله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن
~~يفتنكم الذين كفروا) * (4) النساء: 101) وهو خلاف الاجماع، وإن كان الثاني
~~فهو المطلوب.
# فإن قيل: هو من لوازمه بتقدير عدم المعارض وليس من لوازمه بتقدير المعارض
~~ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه أن كلمة (إن) مسماة في
~~اصطلاح أهل اللغة بالشرط، والأصل في الاطلاق الحقيقة، ولأن قول القائل
~~لغيره إن دخل زيد الدار فأكرمه في معنى قوله دخول زيد الدار شرط في إكرامه،
~~فكان ما دخلت عليه كلمة (إن) شرطا في الحكم، وإذا كان شرطا لزم من عدمه عدم
~~المشروط. ويدل عليه ثلاثة أمور:
# الأول: أن يعلي بن أمية فهم من تعليق القصر على الخوف بكلمة * (ان) * عدم
~~القصر عند عدم الخوف حيث سأل عمر قال: ما بالنا نقصر وقد أمنا، وقد قال
~~تعالى:
# * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * (4) النساء: 101)
~~وأقره عمر على ذلك، وقال له: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي (ص) عن
~~ذلك فقال: صدقة
# PageV03P088
# تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته (1). وفهم عمر ويعلي ذلك مع تقرير
~~النبي (ص) لهما على ما فهماه دليل ظاهر على العدم عند العدم.
# الثاني: أن الأمة متفقة على أن الحياة شرط لوجود العلم والقدرة والإرادة
~~ونحو ذلك، وإن الحول شرط لوجوب الزكاة، وحكموا بانتفاء العلم والقدرة عند
~~عدم الحياة، وبانتفاء وجوب الزكاة عند عدم الحول، ولولا أن ذلك مقتضى الشرط
~~لما كان كذلك.
# الثالث: أنه إذا كان الشرط مما يثبت الحكم مع عدمه على كل حال، وهو لا
~~يلزم من وجوده وجود الحكم، فيلزم أن يكون كل أمرين مختلفين لا يلزم من وجود
~~أحدهما وجود الآخر، ولا من عدمه عدمه شرطا، وهو محال متفق عليه.
# والجواب: قولهم انه من لوازمه بتقدير عدم المعارض.
# قلنا: يجب أن لا يكون مقتضيا لذلك، حذرا من التعارض بتقدير وجود المعارض.
# وما ذكروه ms572 ثانيا، إنا وإن سلمنا أن ما دخلت عليه كلمة (إن) شرط ولكن لا
~~نسلم أنه يلزم من عدمه عدم المشروط.
# وأما الاستدلال بقضية يعلي بن أمية فليس فيه ما يدل على أن عدم الخوف
~~مانع من ثبوت القصر دونه، بل لعله فهم أن الأصل عدم القصر، وحيث ورد القصر
~~حالة الخوف بقوله * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * ولم
~~يوجد ما يدل على القصر حالة عدم الخوف، فيبقى على حكم الأصل فإن قيل: ما
~~ذكرتموه من الاحتمال إنما يصح أن لو كان الأصل في الصلاة الاتمام، وليس
~~كذلك، بل الأصل في الصلاة عدم الاتمام، ودليله ما روي عن عائشة رضي الله
~~عنها، أنها قالت: كانت الصلاة في السفر والحضر ركعتين ، فأقرت في السفر
~~وزيدت في الحضر (2) فلم يبق للتعجب وجه سوى دلالة اشتراط الخوف وعدم القصر
~~عند عدمه.
# قلنا: الصلاة المشروعة بديا ركعتين لا تسمى مقصورة، كصلاة الصبح، ولا
~~فعلها قصرا، وإنما المقصورة اسم لما جوز الاقتصار عليه من ركعتين في
~~الرباعية
# PageV03P089
# ولفظ القصر لنفس الاقتصار على الركعتين من الرباعية، فإطلاق لفظ القصر في
~~الآية مشعر بسابقة وجوب الاتمام لا محالة.
# وإذا كان الاتمام هو الأصل السابق على القصر، فقد بطل ما ذكروه، كيف وإن
~~ما ذكرناه من الاحتمال هو الأولى، وإلا، فلو كان اشتراط الخوف في القصر
~~مانعا من القصر مع عدمه، لما جاز القصر مع عدم الخوف، أو كان القصر على
~~خلاف الدليل، وهو ممتنع من غير ضرورة وأما (1) عدم العلم والقدرة، وعدم
~~وجوب الزكاة عند عدم الحياة وعدم الحول، فليس في ذلك ما يدل على أن عدم
~~الشرط مانع من وجود الحكم مع عدمه ولا بد، بل غايته أن الحكم قد ينتفي في
~~بعض صور نفي الشرط، ولا نزاع فيه وإنما النزاع في لزوم انتفائه من انتفاء
~~شرطه ولا بد.
# وأما الوجه الثالث فالوجه في جوابه أن يقال: لا يلزم من كونه الشرط لا
~~يلزم من ثبوته ثبوت الحكم، ولا من نفيه نفيه، إذا ms573 كان غير الشرط مشاركا له
~~في هذه الصفة، أن يكون شرطا، لأنه لا يمتنع اشتراك المختلفات في عارض عام
~~لها كيف وإن معنى كون الشئ شرطا لغيره أنه مؤكد لحال المشروط، بمعنى أنه
~~إذا تحقق الشرط لا يجوز نفي المشروط عند تحقق مقتضيه دفعا لوهم من توهم أن
~~الخطاب لو ورد مطلقا لجاز أن لا يكون المشروط بذلك الشرط مرادا وذلك كما لو
~~قال القائل ضح بالشاة وإن كانت عوراء فإنه لو قال ضحوا بالشاة مطلقا لجاز
~~أن يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بالعوراء، فكان ذكر الشرط لدفع هذا
~~الوهم.
# وعلى هذا فلا يلزم أن يكون كل شئ شرطا لكل شئ، كما قالوه، إلا أن يكون
~~الشرط على هذا النحو الذي ذكرناه، وليس كذلك.
# وإن سلمنا أن الشرط يمنع من وجود المشروط دونه، ولكن متى إذا أمكن قيام
~~شرط مقام ذلك الشرط، أو إذا لم يقم مقامه شرط آخر؟ الأول ممنوع، والثاني
~~مسلم. وهذا هو مذهب القاضي عبد الجبار وأبي عبد الله البصري. وعلى
# PageV03P090
# هذا، فكونه شرطا يتحقق بانتفاء الحكم عند انتفائه، إذا لم يقم غيره مقامه
~~وإن لم يثبت إذا قام غيره مقامه، فلم قلتم إن غيره لم يقم مقامه في الشرطية
~~مع أن لفظ الاشتراط لا يدل على وجود شرط آخر، ولا على عدمه.
# فإن قيل: إذا قال القائل لغيره إن دخل زيد الدار فأعطه درهما معناه أن
~~الشرط هو دخول الدار في عطيتك له، وذلك يقتضي أن يكون كمال الشرط هو دخول
~~الدار، لان لام الجنس تقتضي العموم، ولأن قوله إن دخل الدار فأعطه درهما
~~يقتضي عدم الاعطاء عند عدم الدخول، فلو قام شرط آخر مقامه لزم منه جواز
~~الاعطاء مع عدم الدخول، فيقتضي الشرط الأول امتناع وجود شرط آخر يقوم
~~مقامه، لما فيه من إخراج الشرط الأول عن كونه شرطا.
# قلنا: جواب الأول أنا لا نسلم أن معنى قوله: (إن دخل الدار) هو شرط، بل
~~هو شرط، وذلك لا يمنع من شرط آخر. وتقدير لام ms574 الجنس ها هنا، زيادة لم يدل
~~عليها دليل، فلا يصار إليها.
# وجواب الثاني أنا نسلم أن قوله: إن دخل الدار يقتضي عدم الاعطاء عند عدم
~~الدخول مطلقا، بل إذا لم يقم غيره مقامه، لكن قد يمكن أن يقال ههنا إذا سلم
~~أنه إذا لم يقم غيره مقامه إن عدمه يقتضي العدم، فالأصل عدم قيام غيره
~~مقامه، فاقتضى عدمه العدم. وربما احتج القاضي عبد الجبار وأبو عبد الله
~~البصري بأنه لو منع الشرط من ثبوت الحكم عند عدمه، لكان قوله تعالى: * (ولا
~~تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) * (24) النور: 33) يمنع من تحريم
~~الاكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن، وهو محال مخالف للاجماع.
# ولقائل أن يقول: ذكر إرادة التحصن إنما كان لكونه شرطا في الاكراه
~~لاستحالة تحقق الاكراه على الزنا في حق من هو مريد له غير مريد للتحصن.
# لا لأنه شرط في تحريم الاكراه على الزنا: والله أعلم. PageV03P091
# المسألة الثالثة اختلفوا في الخطاب إذا قيد الحكم بغاية، كما في قوله
~~تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) وقوله تعالى: *
~~(ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (2) البقرة: 222) وقوله: * (فلا تحل له من بعد،
~~حتى تنكح زوجا غيره) * (2) البقرة: 230) وقوله: * (حتى يعطوا الجزية) *
~~فذهب أكثر الفقهاء وجماعة من المتكلمين، كالقاضي أبي بكر والقاضي عبد
~~الجبار وأبي الحسين البصري وغيرهم، إلى أن ذلك يدل على نفي الحكم فيما بعد
~~الغاية وخالف في ذلك أصحاب أبي حنيفة وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وهو
~~المختار وذلك لأنه لو دل تقييد الحكم بالغاية المحدودة على نفي الحكم فيما
~~بعد الغاية لم يخل إما أن يدل عليه بصريح لفظه أو بأنه لو لم يكن دالا على
~~نفي الحكم فيما بعد الغاية، لما كان التقييد بالغاية مفيدا أو من جهة أخرى
~~الأول محال، لان اللفظ بصريحه لم يدل على نفي الحكم بعد الغاية، والثاني
~~إنما يلزم أن لو لم يكن للتقييد فائدة سوى ما ذكروه، وليس كذلك، بل جاز أن
~~تكون فائدة التقييد تعريف بقاء ما بعد الغاية على ما ms575 كان قبل الخطاب أي أنه
~~متعرض فيه لاثبات الحكم ولا نفيه. وإن كان الثالث، فالأصل عدمه، وعلى مدعيه
~~بيانه.
# وأيضا فإنه لا مانع من ورود الخطاب فيما بعد الغاية بمثل الحكم السابق
~~قبل الغاية بالاجماع.
# وعند ذلك، إما أن يكون تقييد الحكم بالغاية نافيا للحكم فيما بعدها، أو
~~لا يكون: والأول يلزم منه إثبات الحكم مع تحقق ما ينفيه، وهو خلاف الأصل.
~~وإن كان الثاني، فهو المطلوب.
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه وبيانه أن كلمة (حتى) و
~~(إلى) لانتهاء الغاية، وهي جارية مجرى قوله صوموا صوما أخره الليل ولو قال
~~ذلك لمنع من وجوب الصوم بعد مجئ PageV03P092
# الليل، لأنه لو وجب الصوم بعد ذلك لصارت الغاية وسطا، وهو محال. ولهذا
~~فإنه لو قال القائل لعبده لا تعط زيدا درهما حتى يقوم، واضرب عمرا حتى يتوب
~~فإنه لا يحسن الاستفهام بعد ذلك، وأن يقال فهل أعطيه إذا قام، وهل أضربه
~~إذا تاب؟ ولولا أن التقييد بالغاية يدل على عدم الحكم بعدها لما كان كذلك.
# قلنا: لا ننكر أن (حتى) و (إلى) لانتهاء الغاية وأنها جارية مجرى قوله
~~صوموا صياما آخره الليل غير أن الخلاف إنما هو في أن تقييد الحكم بالغاية
~~هل يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية، وذلك غير لازم من التقييد بالغاية،
~~بل غايته أن دلالة التقييد بالغاية، على أن ما بعدها غير متعرض فيه بالخطاب
~~الأول لا بنفي ولا إثبات، ولا يلزم من وجود صوم بعد الغاية أن تصير الغاية
~~وسطا، بل هي غاية للصوم المأمور به أولا، وإنما تصير وسطا أن لو كان الصوم
~~فيما بعد الغاية مستندا إلى الخطاب الذي قبل الغاية، وليس كذلك.
# وأما أنه لا يحسن الاستفهام عند قوله لا تعط زيدا درهما حتى يقوم، واضرب
~~عمرا حتى يتوب لان ما بعد الغاية مسكوت عنه غير متعرض له بنفي ولا إثبات
~~فلا يحسن الاستفهام فيما لا دلالة للفظ عليه، كما قبل الامر بالاعطاء
~~والضرب. PageV03P093
# المسألة الرابعة اختلفوا في تقييد ms576 الحكم بعدد مخصوص هل يدل على أن ما عدا
~~ذلك العدد بخلافه أو لا؟
# والحق في ذلك إنما هو التفصيل، وهو أن الحكم إذا قيد بعدد مخصوص.
# فمنه ما يدل على ثبوت ذلك الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق الأولى،
~~وذلك كما لو حرم الله جلد الزاني مائة، وقال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل
~~خبثا، فإنه يدل على تحريم ما زاد على القلتين لا يحمل خبثا بطريق الأولى
~~(7) ولأن ما زاد على المائة وعلى القلتين ففيه المائة والقلتان وزيادة.
# وهل يدل ذلك على أن الحكم فيما دون المائة ودون القلتين على خلاف الحكم
~~في المائة، والقلتين؟ هذا موضع الخلاف.
# ومنه ما لا يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على العدد المخصوص بطريق الأولى.
# وذلك كما إذا أوجب جلد الزاني مائة أو أباحه، فإنه لا يدل على الوجوب
~~والإباحة فيما زاد على ذلك بطريق الأولى، بل هو مسكوت عنه ومختلف في دلالته
~~على نفي الوجوب والإباحة فيما زاد ومتفق على أن حكم ما نقص كحكم المائة
~~لدخوله تحتها، لكن لا يمنع من الاقتصار عليه (1).
# والمختار فيما كان مسكوتا عنه، ولم يكن الحكم فيه ثابتا بطريق الأولى من
~~هذه الصور أن تخصيص الحكم بالعدد لا يدل على انتفاء الحكم فيه لما ذكرناه
~~في المسائل المتقدمة. ومن نازع في ذلك فلا يخرج في احتجاجه على مذهبه عما
~~ذكرناه فيما تقدم، وقد عرف ما فيه.
# PageV03P094
# المسألة الخامسة اتفق الكل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة خلافا للدقاق
~~وأصحاب الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله.
# وصورته أن يعلن الحكم إما باسم جنس، كالتنصيص على الأشياء الستة بتحريم
~~الربا، أو باسم علم، كقول القائل: زيد قائم أو قام.
# والمختار إنما هو مذهب الجمهور، لكن قد احتج بعض القائلين بإبطاله بحجج
~~لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو
~~المختار.
# الحجة الأولى: لو كان مفهوم اللقب حجة، لبطل القياس، وذلك ممتنع.
# وبيان لزوم ذلك أن القياس لا بد ms577 فيه من أصل، وحكم الأصل إما أن يكون
~~منصوصا أو مجمعا عليه: فلو كان النص على الحكم في الأصل أو الاجماع عليه
~~يدل على نفي الحكم عن الفرع، فالحكم في الفرع إن ثبت بالنص أو الاجماع، فلا
~~قياس.
# وإن ثبت بالقياس على الأصل، فهو ممتنع لما فيه من مخالفة النص أو الاجماع
~~الدال على نفي الحكم في الفرع.
# ولقائل أن يقول: النص الوارد في الأصل، وإن دل على نفي الحكم في الفرع
~~فليس بصريحه، بل بمفهومه، وذلك مما لا يمنع عند القائلين به من إثبات الحكم
~~بمعقول النص، وهو القياس، فلا يفضي إلى إبطال القياس، وغايته التعارض، لا
~~الابطال.
# الحجة الثانية: أنه لو كان مفهوم اللقب حجة ودليلا، لكان القائل إذا قال
~~عيسى رسول الله فكأنه قال محمد ليس برسول الله وكذلك إذا قال زيد موجود
~~فكأنه قال الاله ليس بموجود وهو كفر صراح، ولم يقل بذلك قائل ولقائل أن
~~يقول من الخصوم إنما لا يكون المتكلم بذلك كافرا إذا لم يكن متنبها لدلالة
~~اللفظ، أو كان متنبها لها، غير أنه لم يرد بلفظه ما دل عليه مفهومه، وأما
~~إذا كان متنبها لدلالة لفظه وهو مريد لمدلولها، فإنه يكون كافرا.
~~PageV03P095
# الحجة الثالثة: أنهم قالوا: إذا قال القائل زيد يأكل لا يفهم منه أن عمرا
~~لا يأكل ولقائل أن يقول: لا يفهم منه ذلك من يعتقد دلالة مفهوم اللقب، أو
~~من لا يعتقده الأول ممنوع، والثاني مسلم. وعدم فهم ذلك بالنسبة إلى من لا
~~يعتقد دلالته لا يدل على عدم دلالته في نفسه.
# الحجة الرابعة: أنه لو كان مفهوم اللقب دليلا، لما حسن من الانسان أن
~~يخبر أن زيدا يأكل، إلا بعد علمه أن غيره لم يأكل، وإلا كان مخبرا بما يعلم
~~أنه كاذب فيه، أو بما لا يأمن فيه من الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع
~~عدم علمه بذلك، دل على عدم دلالته على نفي الاكل عن غير زيد.
# ولقائل أن يقول: إذا أخبر بذلك، فلا يخلو إما أن يكون ms578 عالما بأن غير زيد
~~يأكل، أو غير عالم بذلك. وعلى كلا التقديرين إنما لم يستقبح منه ذلك لظهور
~~القرينة الدالة على أنه لم يرد سوى مدلول صريح لفظه دون مفهومه، لعدم علمه
~~بذلك في إحدى الحالتين، وعلمه بوقوع الاكل من غير زيد في الحالة الأخرى،
~~فإن الظاهر من حال العاقل أنه لا يخبر عن نفي ما لم يعلمه ولا نفي ما علم
~~وقوعه حتى إنه لو ظهر منه ما يدل على إرادته لنفي ما دل عليه لفظه عند
~~القائلين به لكان مستقبحا.
# والمختار في إبطال ما سبق في المسائل المتقدمة.
# وأما حجج الخصوم وجوابها، فعلى ما سبق في مفهوم التقييد بالصفة.
# وربما احتجوا في خصوص هذه المسألة بحجج أخرى، وهو أنه لو تخاصم شخصان،
~~فقال أحدهما للآخر. أما أنا فليس لي أم ولا أخت ولا امرأة زانية فإنه
~~يتبادر إلى الفهم نسبة الزنا منه إلى زوجة خصمه وأمه وأخته. ولهذا قال
~~أصحاب أحمد بن حنبل ومالك بوجوب حد القذف عليه.
# وجوابه أن ذلك إن فهم منه، فإنما يفهم من قرينة حاله لا من دلالة مقاله،
~~بدليل ما أسلفناه. ولذلك لم يكن حد القذف عندنا واجبا بذلك، وعلى هذا يكون
~~الحكم في مفهوم الاسم العام المشتق، كقوله: لا تبيعوا الطعام بالطعام.
~~PageV03P096
# المسألة السادسة اختلفوا في تقييد الحكم بإنما كقوله (ص): إنما الشفعة
~~فيما لم يقسم، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما الولاء لمن أعتق، وإنما الربا
~~في النسيئة هل يدل على الحصر أو لا؟
# فذهب القاضي أبو بكر والغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه ظاهر
~~في الحصر، محتمل للتأكيد.
# وذهب أصحاب أبي حنيفة وجماعة ممن أنكر دليل الخطاب إلى أنه لتأكيد
~~الاثبات، ولا دلالة له على الحصر وهو المختار.
# وذلك لان كلمة * (إنما) * قد ترد ولا حصر كقوله: إنما الربا في النسيئة
~~وهو غير منحصر في النسيئة لانعقاد الاجماع على تحريم ربا الفضل، فإنه لم
~~يخالف فيه سوى ابن عباس، ثم رجع عنه.
# وقد ترد والمراد بها الحصر كقوله تعالى: * (إنما أنا ms579 بشر مثلكم) * (18)
~~الكهف: 110) (1) وعند ذلك فيجب اعتقاد كونها حقيقة في القدر المشترك بين
~~الصورتين، وهو تأكيد إثبات الخبر للمبتدأ، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ
~~لكونه (2) على خلاف الأصل، ولأن كلمة (إنما) لو كانت للحصر لكان ورودها في
~~غير الحصر على خلاف الأصل.
# فإن قيل: ولو لم تكن للحصر، لكان فهم الحصر في صورة الحصر من غير دليل،
~~وهو خلاف الأصل:
# قلنا إنما يكون فهم ذلك من غير دليل أن لو كان دليل الحصر منحصرا في كلمة
~~(إنما) وليس كذلك.
# PageV03P097
# المسألة السابعة اختلفوا في قوله (ص): الأعمال بالنيات وفي قول القائل:
~~العالم زيد: وصديقي زيد هل يدل على حصر الأعمال فيما كان منويا، وعلى حصر
~~العالم والصديق في زيد.
# فذهبت الحنيفة والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين إلى أنه لا يدل على
~~الحصر وذهب الغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه يدل على الحصر.
# والمختار أنه لا يدل لما سبق في المسائل المتقدمة.
# فإن قيل: لو لم يكن ذلك دالا على حصر الأعمال في المنوي، والعالم والصديق
~~في زيد، لكان المبتدأ أعم من خبره، وكان ذلك كذبا، كما لو قال: الحيوان
~~إنسان، والانسان زيد.
# قلنا: إنما يلزم الكذب أن لو كانت (الألف واللام) في الأعمال للعموم
~~فإنها تنزل منزلة قوله: كل عمل منوى وهو كاذب، كما في قوله كل حيوان إنسان
~~وليس كذلك، بل هي ظاهرة في البعض، فكأنه قال بعض الأعمال بالنيات وذلك صادق
~~غير كاذب.
# وكذلك الحكم في قوله العالم زيد وكذلك قوله صديقي زيد ليس عاما في كل
~~صديق، بل كأنه قال بعض أصدقائي زيد حتى إنه لو ثبت أن (الألف واللام) إذا
~~دخلت على اسم الجنس تكون عامة، وكان المتكلم مريدا للتعميم، فإنه يكون
~~كاذبا بتقدير ظهور عالم آخر وصديق آخر له، وكان قوله دالا على الحصر لا
~~محالة (1) وربما قيل في إبطال القول بالحصر إنه لو كان قوله العالم زيد
~~وصديقي زيد يدل على حصر العالم والصديق في زيد، لكان إذا قال العالم زيد
~~وعمرو، وصديقي ms580 زيد وعمرو متناقضا، وليس كذلك باتفاق أهل اللغة، وليس بحق،
~~فإن للخصم أن يقول إنما يكون ذلك مناقضا بشرط أن يتجرد قوله الأول عما
~~يغيره
# PageV03P098
# وأما إذ عطف عليه قوله وعمرو صار الكل كالجملة الواحدة، وكان قوله العالم
~~زيد مع الانفراد مغايرا في دلالته لقوله العالم زيد وعمرو وهذا كما لو قال
~~له علي عشرة ثم بعد حين قال: إلا خمسة فإنه لا يقبل لما فيه من مناقضة لفظه
~~الأول: ولو قال له علي عشرة إلا خمسة على الاتصال كان مقبولا لعدم تناقضه
~~ولولا اختلاف الدلالة لما اختلف الحال، بل كان الواجب أن لا يقبل استثناؤه
~~في الصورتين، أو يقبل فيهما، وهو محال.
# المسألة الثامنة اختلفوا في قوله لا عالم في البلد إلا زيد فالذي عليه
~~الجمهور وأكثر منكري المفهوم أنه يدل على نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون
~~زيد عالما.
# وذهب بعض منكري المفهوم إلى أن ذلك لا يدل على كون زيد عالما، بل هو نطق
~~بالمستثنى منه، وسكوت عن المستثنى. ومعنى خروج المستثنى عن المستثنى منه
~~أنه لم يدخل في عموم المستثنى منه، وأنه لم يتعرض فيه لكون زيد عالما، لا
~~نفيا ولا إثباتا.
# والحق إنما هو المذهب الجمهوري ودليله ما بيناه فيما تقدم من أن
~~الاستثناء من النفي إثبات، وأن قول القائل لا إله إلا الله ناف للألوهية عن
~~غير الله تعالى ومثبت لصفة الألوهية لله تعالى، وقررناه أحسن تقرير، وحققنا
~~وجه الانفصال عن كل ما ورد عليه من الاشكالات، فعليك بالالتفات إليه ونقله
~~إلى هاهنا. PageV03P099
# المسألة التاسعة اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق
~~بالذكر لخروجه مخرج الأعم بالأغلب، لا مفهوم له، وذلك كقوله تعالى: *
~~(وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * (4) النساء: 23)
~~وقوله: * (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) *
~~(4) النساء: 35) (1) وقوله (ص): أيما امرأة نكحت نفسها بغير أذن وليها،
~~فنكاحها باطل وقوله (ص): فليستنج بثلاثة أحجار فإن تخصيصه بالذكر لمحل
~~النطق في جميع هذه ms581 الصور إنما كان لأنه الغالب إذ الغالب أن الربيبة إنما
~~تكون في الحجر وإن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق، وإن المرأة لا تزوج نفسها
~~إلا عند عدم إذن الولي لها وإبائه من تزويجها، وإن الاستنجاء لا يكون إلا
~~بالحجارة، وكذلك الحكم في كل ما ظهر سبب تخصيصه بالذكر، كسؤال سائل أو حدوث
~~حادثة أو غير ذلك مما سبق ذكره من أسباب التخصيص.
# وعلى هذا فلو لم يظهر سبب يوجب تخصيص محل النطق بالذكر دون محل السكوت،
~~بل كانت الحاجة إليهما وإلى ذكرهما مع العلم بهما مستوية، ولم يكن الحكم في
~~محل السكوت أولى بالثبوت، وبالجملة لو لم يظهر سبب من الأسباب الموجبة
~~للتخصيص سوى نفي الحكم في محل السكوت، فهل يجب القول بنفي الحكم في محل
~~السكوت تحقيقا لفائدة التخصيص، أو لا يجب:
# إن قلنا إنه لا يجب، كان التخصيص بالذكر عبثا خليا عن الفائدة، وذلك مما
~~ينزه عنه منصب آحاد البلغاء، فضلا عن كلام الله تعالى ورسوله.
# وإن قلنا بوجوب نفي الحكم، لزم القول بدلالة المفهوم في هذه الصورة.
# PageV03P100
# والوجه في حله أن يقال: إذا لم يظهر السبب المخصص، فلا يخلو إما أن يكون
~~مع عدم ظهوره محتمل الوجود والعدم على السواء، أو أن عدمه أظهر من وجوده:
# فإن كان الأول، فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات، وعلى هذا فلا
~~مفهوم، وإن كان الثاني، فإنما يلزم من ذلك نفي الحكم في محل السكوت، أن لو
~~كان نفي الحكم فيه من جملة الفوائد الموجبة لتخصيص محل النطق بالذكر، وليس
~~كذلك.
# وذلك لان نفي الحكم في محل السكوت عند القائلين بمفهوم المخالفة إنما هو
~~فرع دلالة اللفظ في محل النطق عليه، فلو كانت دلالة اللفظ في محل النطق عل
~~نفي الحكم في محل السكوت متوقفة عليه بوجه من الوجوه كان دورا ممتنعا (1).
# وإلى ها هنا تم الكلام في أصناف دلالة غير المنظوم.
# هذا ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع.
# وأما ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه ms582 الكتاب والسنة دون غيرهما من
~~الأدلة، فهو النظر في النسخ، ويشتمل على مقدمة ومسائل.
# أما المقدمة فتشتمل على أربعة فصول
# PageV03P101
# الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ أما النسخ فهو في اللغة قد
~~يطلق بمعنى الإزالة، ومنه يقال نسخت الشمس الظل، أي أزالته، ونسخت الريح
~~أثر المشي، أي أزالته. ونسخ الشيب الشباب، إذا أزاله، ومنه تناسخ القرون
~~والأزمنة. والإزالة هي الاعدام، ولهذا يقال:
# زال عنه المرض والألم وزالت النعمة عن فلان، ويراد به الانعدام في هذه
~~الأشياء كلها.
# وقد يطلق بمعنى نقل الشئ وتحويله من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه.
# قال السجستاني من أهل اللغة: والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل
~~والعسل إلى أخرى ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم، وتناسخ
~~الأنفس بانتقالها من بدن إلى غيره عند القائلين بذلك. ومنه نسخ الكتاب بما
~~فيه من مشابهة النقل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: * (إنا كنا نستنسخ ما
~~كنتم تعملون) * (45) الجاثية: 29) والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف، أو من
~~الصحف إلى غيرها.
# اختلف الأصوليون: فذهب القاضي أبو بكر ومن تابعه، كالغزالي وغيره إلى أن
~~اسم النسخ مشترك بين هذين المعنيين.
# وذهب أبو الحسين البصري وغيره إلى أنه حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل.
# وذهب القفال من أصحاب الشافعي إلى أنه حقيقة في النقل والتحويل.
# وقد احتج أبو الحسين البصري بأن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم نسخت
~~الكتاب مجاز، لان ما في الكتاب لم ينقل حقيقة. وإذا كان اسم النسخ مجاز في
~~النقل، لزم أن يكون حقيقة في الإزالة، لأنه غير مستعمل فيما سواهما.
# وإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في الآخر.
# وقد قرر ذلك بعضهم من وجه آخر، فقال: إطلاق اسم النسخ بمعنى الإزالة
~~والاعدام واقع كما سبق، والأصل في الاطلاق الحقيقة، ويلزم أن لا يكون حقيقة
~~في النقل، دفعا للاشتراك عن اللفظ. PageV03P102
# ولقائل أن يقول على الوجه الأول إن إطلاق اسم النسخ على الكتاب إما أن
~~يكون حقيقة، أو ms583 تجوزا: فإن كان حقيقة فهو المطلوب، وبطل ما ذكروه، وإن كان
~~مجازا، ضرورة أن ما في الكتاب لم ينقل على الحقيقة، فيمتنع أن يكون التجوز
~~به مستعارا من الإزالة، فإنه غير مزال، ولا يشبه الإزالة، فلا بد من
~~استعارته من معنى آخر، والاجماع منعقد على امتناع إطلاق اسم النسخ حقيقة في
~~الإزالة والنقل، فإذا تعذرت استعارته من الإزالة، تعين أن يكون مستعارا من
~~النقل.
# ووجه استعارته منه أن تحصيل ما في أحد الكتابين في الآخر، تجري مجرى نقله
~~وتحويله إليه، فكان، منه بسبب من أسباب التجوز. وإذا كان مستعارا من النقل
~~وجب أن يكون اسم النسخ حقيقة في النقل إذ المجاز لا يتجوز به في غيره
~~بإجماع أهل اللغة.
# ثم وإن كان ذلك مجازا في نسخ الكتاب، فما الاعتذار عن اطلاق اسم التناسخ
~~في المواريث، مع كونها منتقلة حقيقة، وإطلاق اسم النسخ على تحويل النحل
~~والعسل من خلية إلى أخرى. فإن ما ذكروه في تقرير التجوز في نسخ الكتاب غير
~~متصور ها هنا.
# وأما الوجه الثاني فمقابل بمثله، وهو أن يقال: اسم النسخ قد أطلق بمعنى
~~النقل على ما سبق. والأصل في الاطلاق الحقيقة، ويلزم من كونه حقيقة فيه أن
~~لا يكون حقيقة في الإزالة، دفعا للاشتراك عن اللفظ، وليس أحد الامرين أولى
~~من الآخر، فإن قبل الترجيح لكونه حقيقة في الإزالة، وذلك لان الإزالة مطلق
~~إعدام، والنقل أخص من الإزالة، لأنه يستلزم إعدام الصفة وحدوث أخرى،
~~والاعدام المستلزم حدوث شئ آخر، أخص من الاعدام الذي لا يستلزم ذلك، وإذا
~~كانت الإزالة أعم، فجعل النسخ حقيقة فيها أولى، نفيا للتجوز والاشتراك عن
~~اللفظ.
# قلنا: لا نسلم أن الإزالة أعم من النقل والتحويل وإن كان يستلزم إعدام
~~صفة وتجدد أخرى، فكل إزالة هكذا، لان الإزالة على ما قيل هي الاعدام،
~~والاعدام يستلزم زوال الصفة، وهي الوجود وتجدد أخرى، وهي صفة العدم، وهما
~~صفتان متقابلتان، مهما انتفت إحداهما تحققت الأخرى، وإذا تساويا عموما
~~وخصوصا PageV03P103
# فليس جعل اسم النسخ حقيقة في أحدهما أولى ms584 من الآخر.
# وإذا تعذر ترجيح أحد الامرين مع صحة الاطلاق فيهما، كان القول بالاشتراك
~~أشبه، اللهم إلا أن يوجد في حقيقة النقل خصوص تبدل الصفة الوجودية بصفة
~~وجودية، فيكون النقل أخص.
# ومع هذا كله، فالنزاع في هذا لفظي لا معنوي.
# وأما معناه في اصطلاح الأصوليين، فقد اختلف فيه فقال أبو الحسين البصري:
~~هو إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله تعالى أو عن رسوله، مع
~~تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا وهو فاسد من وجهين:
# الأول: هو أن إزالة المثل إما أن تكون قبل وجود ذلك المثل أو بعد عدمه،
~~أو في حالة وجوده:
# الأول محال، فإن ما لم يوجد، لا يقال إنه أزيل والثاني أيضا محال، فإن
~~إزالة ما عدم بعد وجوده ممتنع.
# والثالث أيضا محال، لان الإزالة هي الاعدام، وإعدام الشئ حال وجوده محال
~~(1) الوجه الثاني: أنه غير مانع إذ يدخل فيه إزالة مثل ما كان ثابتا من
~~الاحكام العقلية قبل ورود الشرع بخطاب الشارع المتراخي على وجه لولا خطاب
~~الشارع المغير لكان ذلك الحكم مستمرا، وليس بنسخ في مصطلح المتشرعين
~~إجماعا.
# ومنهم من قال: هو إزالة الحكم بعد استقراره، ويبطل بالوجهين السابقين،
~~وبما لو زال الحكم بعد استقراره بمرض أو جنون أو موت، فإنه داخل فيما قيل،
~~وليس بنسخ إجماعا.
# ومنهم من قال: هو نقل الحكم إلى خلافه، ويبطل بما بطل به الحد الذي قبله
~~وبما لو نقل الحكم إلى خلافه بالغاية، كما في قوله تعالى: * (ثم أتموا
~~الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) فإن الحكم فيما قبل الغاية قد قلب
~~إلى خلافه فيما بعد الغاية، وليس بنسخ، وبه يبطل قول من قال في حده إنه
~~بيان مدة الحكم.
# PageV03P104
# وقال القاضي أبو بكر: إنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب
~~المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا، مع تراخيه عنه، وهو اختيار الغزالي
~~أيضا، وقصد بالقيد الأول تعميم كل خطاب كان من باب المنظوم أو غيره،
~~والاحتراز عن الموت والمرض والجنون وجميع الاعذار الدالة على ارتفاع
~~الاحكام ms585 الزائلة بها مع تراخيها، ولولاها لكانت الاحكام الزائلة بها
~~مستمرة، وبالقيد الثاني، وهو الخطاب المتقدم، الاحتراز عن الخطاب الدال على
~~ارتفاع الاحكام العقلية قبل ورود الشرع، وبالقيد الثالث، وهو على وجه لولاه
~~لكان مستمرا، الاحتراز عما إذا ورد الخطاب بحكم موقت، ثم ورد الخطاب عند
~~تصرم ذلك الوقت بحكم مناقض للأول، كما لو ورد قوله عند غروب الشمس كلوا بعد
~~قوله: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) فإنه لا يكون نسخا
~~لحكم الخطاب الأول، حيث إنه لو قدرنا عدم الخطاب الثاني، لم يكن حكم الخطاب
~~الأول مستمرا، بل منتهيا بالغروب، وبالقيد الرابع الاحتراز عن الخطاب
~~المتصل، كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية، فإنه يكون بيانا لا نسخا ويرد
~~عليه إشكالات:
# الاشكال الأول: أن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت هو الناسخ
~~والنسخ هو نفس الارتفاع، فلا يكون الناسخ هو النسخ.
# الثاني: وهو ما أورده أبو الحسين البصري أنه قال إنه ليس بجامع ولا مانع:
# أما أنه ليس بجامع، فلانه يخرج منه النسخ بفعل الرسول، مع أنه ليس بخطاب،
~~ويخرج منه نسخ ما ثبت بفعل الرسول وليس فيه ارتفاع حكم ثبت بالخطاب.
# وأما أنه ليس بمانع، فلانه لو اختلفت الأمة في الواقعة على قولين،
~~وأجمعوا بخطابهم على تسويغ الاخذ بكل واحد من القولين للمقلد، ثم أجمعوا
~~بأقوالهم على أحد القولين، فإن حكم خطاب الاجماع الثاني دل على ارتفاع حكم
~~خطاب الاجماع الأول، وليس بنسخ إذ الاجماع لا ينسخ به PageV03P105
# الثالث: هو أن تحديد النسخ بارتفاع الحكم الثاني تحديد له، بما ليس
~~بمتصور، لوجوه يأتي ذكرها في مسألة إثبات النسخ.
# الرابع: أن فيه زيادة لا حاجة إليها، وهي قوله (متراخ عنه) وقوله (على
~~وجه لولاه لكان مستمرا ثابتا) فإن ذكر التراخي إنما وقع احترازا عن الخطاب
~~المتصل كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية، وفي الحد ما يدرأ النقض بذلك،
~~وهو ارتفاع الحكم، والخطاب المتصل بالخطاب الأول في هذه الصور، ليس رافعا
~~لحكم الخطاب المتقدم في الذكر، بل هو مبين أن الخطاب المتقدم لم يرد الحكم
~~فيما ms586 استثنى، وفيما خرج عن الشرط والغاية، وبالتقييد بالرفع يدرأ النقض
~~بالخطاب الوارد بما يخالف حكم الخطاب المتقدم إذا كان حكمه، موقتا من حيث
~~إن الخطاب الثاني لا يدل على ارتفاع حكم الخطاب الأول لانتهائه بانتهاء
~~وقته.
# والجواب عن الاشكال الأول: لا نسلم أن النسخ هو ارتفاع الحكم، بل النسخ
~~نفس الرفع المستلزم للارتفاع، والرفع هو الخطاب الدال على الارتفاع، وذلك
~~لان النسخ يستدعى ناسخا ومنسوخا، والناسخ هو الرافع أي الفاعل، والمنسوخ هو
~~المرفوع أي المفعول، والرافع والمرفوع، أي الفاعل والمفعول، يستدعي رفعا
~~وارتفاعا، أي فعلا وانفعالا، والرافع هو الله تعالى على الحقيقة، وإن سمي
~~الخطاب ناسخا، فإنما هو بطريق التجوز، كما يأتي تحقيقه، والمرفوع هو الحكم،
~~والرفع الذي هو الفعل صفة الرافع، وذلك هو الخطاب، والارتفاع الذي هو نفس
~~الانفعال صفة المرفوع المفعول. وذلك على نحو فسخ العقد، فإن الفاسخ هو
~~العاقد، والمفسوخ هو العقد، والفسخ صفة العاقد، وهو قوله فسخت والانفساخ
~~صفة العقد، وهو انحلاله بعد انبرامه.
# وأما النسخ بفعل الرسول، فلا نسلم أن فعل الرسول ناسخ حقيقة، إذ ليس
~~للرسول ولاية إثبات الأحكام الشرعية، ورفعها من تلقاء نفسه، وإنما هو رسول
~~ومبلغ عن الله تعالى ما يشرعه من الاحكام، ويرفعه، ففعله، إن كان ولا بد،
~~فإنما هو PageV03P106
# دليل على الخطاب الدال على ارتفاع الحكم، لا أن نفس الفعل هو الدال على
~~الارتفاع.
# وأما الاشكال بالاجماع ففيه جوابان الأول: أنه مهما اجتمعت الأمة على
~~تسويغ الخلاف في حكم مسألة معينة، وكان إجماعهم قاطعا، فلا نسلم تصور
~~إجماعهم على مناقضة ما أجمعوا عليه أولا ليصح ما قيل الثاني: أنه، وإن صح
~~ذلك، فلا نسلم أن الحكم نفيا وإثباتا مستند إلى قول أهل الاجماع، وإنما هو
~~مستند إلى الدليل السمعي الموجب لاجماعهم على ذلك الحكم وعلى هذا، فيكون
~~إجماعهم دليلا على وجود الخطاب الذي هو النسخ، لا أن خطابهم نسخ.
# وما وعدوا به في الوجه الثالث فسيأتي الجواب عنه أيضا.
# وأما ما ذكروه من الزيادات، فهي غير مخلة بصحة الحد، وفائدتها ms587 الميز بين
~~النسخ والصور المذكورة، مبالغة في تحصيل الفائدة.
# ومع ذلك، فالمختار في تحديده أن يقال: النسخ عبارة عن خطاب الشارع المانع
~~من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق. ولا يخفى ما فيه من الاحتراز من
~~غير حاجة إلى التقييد بالتراخي، ولا بقولنا (لولاه لكان مستمرا ثابتا) لما
~~سبق تقريره
# PageV03P107
# وأما الناسخ، فإنه قد يطلق على الله تعالى، فيقال: نسخ فهو ناسخ.
# ومنه قوله تعالى * (ما ننسخ من آية) * (2) البقرة: 106) وقوله تعالى *
~~(فينسخ الله ما يلقى الشيطان) * (22) الحج: 52) وقد يطلق على الآية أنها
~~ناسخة، فيقال: آية السيف نسخت كذا فهي ناسخة.
# وكذلك على طريق يعرف به نسخ الحكم من خبر الرسول وفعله وتقريره وإجماع
~~الأمة وعلى الحكم فيقال وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء، فهو ناسخ،
~~وعلى المعتقد لنسخ الحكم، فيقال: فلان ينسخ القرآن بالسنة، أي يعتقد ذلك،
~~فهو ناسخ.
# غير أن الاجماع منعقد على أن إطلاق اسم ناسخ على الحكم وعلى المعتقد
~~للنسخ مجاز، وإنما الخلاف بيننا وبين المعتزلة في أنه حقيقة في الله تعالى
~~أو في الطريق المعرف لارتفاع الحكم.
# فعندهم الناسخ في الحقيقة هو الطريق، حتى قالوا في حده: إن الناسخ هو قول
~~صادر عن الله تعالى أو عن رسوله أو فعل منقول عن رسوله، يفيد إزالة مثل
~~الحكم الثابت بنص صادر عن الله تعالى أو بنص أو فعل منقول عن رسوله، مع
~~تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا.
# وأما نحن فمعتقدنا أن الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى، وأن خطابه
~~الدال على ارتفاع الحكم هو النسخ، وإن سمي ناسخا، فمجاز.
# وحاصل النزاع في ذلك آيل إلى اللفظ.
# وأما المنسوخ فهو الحكم المرتفع كالمرتفع من وجوب تقديم الصدقة بين يدي
~~مناجاة النبي (ص)، وحكم الوصية للوالدين والأقربين، وحكم التربص حولا كاملا
~~عن المتوفى عنها زوجها إلى غير ذلك. PageV03P108
# الفصل الثاني في الفرق بين النسخ والبداء واعلم أن البداء عبارة عن
~~الظهور بعد الخفاء.
# ومنه يقال: بدا لنا سور المدينة بعد خفائه، وبدا ms588 لنا الامر الفلاني، أي
~~ظهر بعد خفائه.
# وإليه الإشارة بقوله تعالى: * (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) *
~~(39) الزمر: 47) * (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) * (6) الانعام: 28)
~~* (وبدا لهم سيئات ما عملوا) * (45) الجاثية: 33) وحيث كان فإن النسخ يتضمن
~~الامر بما نهى عنه، والنهي عما أمر به على حده وظن أن الفعل لا يخرج عن
~~كونه مستلزما لمصلحة أو مفسدة فإن كان مستلزما لمصلحة، فالامر به بعد النهي
~~عنه على الحد الذي نهى عنه إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المصلحة.
# وإن كان مستلزما لمفسدة، فالنهي عنه بعد الامر به على الحد الذي أمر به،
~~إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المفسدة، وذلك عين البداء.
# ولما خفي الفرق بين البداء والنسخ على اليهود والرافضة، منعت اليهود من
~~النسخ في حق الله تعالى وجوزت الروافض البداء عليه لاعتقادهم جواز النسخ
~~على الله تعالى مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء (1) واعتضدوا في ذلك
~~بما نقلوه
# PageV03P109
# عن علي رضي الله عنه، أنه قال: لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم
~~القيامة.
# ونقلوا عن جعفر الصادق، رضي الله عنه، أنه قال: ما بدا لله تعالى في شئ
~~كما بدا له في إسماعيل، أي في أمره بذبحه. ونقلوا عن موسى (1) بن جعفر أنه
~~قال: البداء ديننا ودين آبائنا في الجاهلية. وتمسكوا أيضا بقوله تعالى: *
~~(يمحو الله ما يشاء، ويثبت) * (13) الرعد: 39) وفي ذلك قال شاعرهم:
# ولولا البداء سميته غير هائب * وذكر البدا نعت لمن يتقلب - ولولا البدا
~~ما كان فيه تصرف * وكان كنار دهره يتلهب - وكان كضوء مشرق بطبيعة * وبالله
~~عن ذكر الطبائع يرغب فلزم اليهود على ذلك إنكار تبدل الشرائع، ولزم الروافض
~~على ذلك وصف الباري تعالى بالجهل مع النصوص القطعية والأدلة العقلية الدالة
~~على استحالة ذلك في حقه.
# وانه لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء.
# أما النصوص الكتابية، فكقوله تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد:
~~3) وقوله تعالى: * (عالم الغيب والشهادة) * (13) الرعد: 9) وقوله: * (وما
~~تسقط ms589 من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في
~~كتاب مبين) * (6) الانعام: 59) وقوله: * (ما أصاب من مصيبة في الأرض، ولا
~~في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) * (57) الحديد: 22) إلى غير ذلك
~~من الآيات.
# وأما الأدلة العقلية، فما استقصيناه في كتبنا الكلامية وما نقلوه عن علي
~~وعن أهل بيته، فمن الأحاديث التي انتحلها الكذاب الثقفي (2)
# PageV03P110
# على أهل البيت، فإنه كان يدعي العصمة لنفسه، ويخبر بأشياء، فإذا ظهر كذبه
~~فيها، قال إن الله وعدني بذلك، غير أنه بدا له منه، وأسند ذلك إلى أهل
~~البيت مبالغة في ترويج أكاذيبه.
# وأما الآية فالمراد بها إنما هو محو المنسوخ وإثبات الناسخ ومحو السيئات
~~بالحسنات، كما قال تعالى: * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * (11) هود: 114)
~~ومحو الحسنات بالردة على ما قال تعالى: * (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو
~~كافر، فأولئك حبطت أعمالهم) * (2) البقرة: 217) أو محو المباحات وإثبات
~~الطاعات، على ما قاله أهل التفسير، أو محو ما يشاء من الآجال أو الأرزاق،
~~وإثبات غيرها. ويجب الحمل على ذلك جمعا بينه وبين الأدلة القاطعة الدالة
~~على امتناع الجهل في حق الله تعالى (1).
# وكشف الغطاء عن ذلك يتحقق بالفرق بين النسخ والبداء فنقول:
# إذا عرف معنى البداء، وأنه مستلزم للعلم بعد الجهل والظهور بعد الخفاء،
~~وأن ذلك مستحيل في حق الله تعالى على ما بيناه، في كتبنا الكلامية، فالنسخ
~~ليس كذلك، فإنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى في الأزل استلزام الامر بفعل من
~~الافعال للمصلحة في وقت معين، واستلزام نسخه للمصلحة في وقت آخر، فإذا نسخه
~~في الوقت الذي علم نسخه فيه فلا يلزم من ذلك أن يكون قد ظهر له ما كان خفيا
~~عنه، ولا أن يكون قد أمر بما فيه مفسدة، ولا نهى عما فيه مصلحة، وذلك
~~كإباحته الاكل في الليل من رمضان، وتحريمه في نهاره.
# PageV03P111
# فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون الباري تعالى قد علم استمرار أمره بالفعل
~~المعين أبدا، أو إلى وقت معين، وعلم أنه ms590 لا يكون مأمورا بعد ذلك الوقت فإن
~~كان الأول، استحال نسخه لما فيه من انقلاب علمه جهلا وإن كان الثاني،
~~فالحكم يكون منتهيا بنفسه في ذلك الوقت، فلا يتصور بقاؤه بعده، وإلا لانقلب
~~علم الباري جهلا، وإذا كان منتهيا بنفسه فالنسخ لا يكون مؤثرا فيه لا في
~~حالة علم الله تعالى أنه يكون الفعل مأمورا فيها، ولا في حالة علم الله أنه
~~لا يكون مأمورا فيها، لما فيه من انقلاب علمه إلى الجهل، وإذا لم يكن
~~الناسخ مؤثرا فيه، فلا يتصور نسخه.
# قلنا: الامر مطلق، والباري علم أن الامر بالفعل ينتهي بالناسخ في الوقت
~~الذي علم أن النسخ يقع فيه، لا أنه علم انتهاءه إلى ذلك الوقت مطلقا، بل
~~علم انتهاءه بالنسخ، فلو لم يكن منتهيا بالنسخ لانقلب علمه جهلا. وعلى هذا،
~~فلا يلزم من انتهاء الامر في ذلك الوقت بالنسخ، أن لا يكون الامر منسوخا.
~~PageV03P112
# الفصل الثالث في الفرق بين التخصيص والنسخ نقول إن التخصيص والنسخ وإن
~~اشتركا من جهة أن كل واحد منهما قد يوجب تخصيص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ
~~لغة، غير أنهما يفترقان من عشرة أوجه:
# الأول: أن التخصيص يبين أن ما خرج عن العموم لم يكن المتكلم قد أراد
~~بلفظه الدلالة عليه، والنسخ يبين أن ما خرج لم يرد التكليف به، وإن كان قد
~~أراد بلفظه الدلالة عليه.
# الثاني: أن التخصيص لا يرد على الامر بمأمور واحد، والنسخ قد يرد على
~~الامر بمأمور واحد.
# الثالث: أن النسخ لا يكون في نفس الامر إلا بخطاب من الشارع، بخلاف
~~التخصيص، فإنه يجوز بالقياس وبغيره من الأدلة العقلية والسمعية.
# الرابع: أن الناسخ لا بد وأن يكون متراخيا عن المنسوخ، بخلاف المخصص فإنه
~~يجوز أن يكون متقدما على المخصص ومتأخرا عنه، كما سبق تحقيقه.
# الخامس: أن التخصيص لا يخرج العام عن الاحتجاج به مطلقا في مستقبل الزمان
~~فإنه يبقى معمولا به فيما عدا صورة التخصيص، بخلاف النسخ، فإنه قد يخرج
~~الدليل المنسوخ حكمه عن العمل به في مستقبل الزمان ms591 بالكلية، وذلك عند ما
~~إذا ورد النسخ على الامر بمأمور واحد.
# السادس: أنه يجوز التخصيص بالقياس، ولا يجوز به النسخ.
# السابع: أن النسخ رفع الحكم بعد أن ثبت، بخلاف التخصيص.
# الثامن: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة، ولا يجوز تخصيص شريعة بأخرى.
# التاسع: أن العام يجوز نسخ حكمه حتى لا يبقى منه شئ، بخلاف التخصيص.
# العاشر: وهو ما ذكره بعض المعتزلة، أن التخصيص أعم من النسخ، وأن كل نسخ
~~تخصيص، وليس كل تخصيص نسخا، إذ النسخ لا يكون إلا بتخصيص الحكم ببعض
~~الأزمان، والتخصيص يعم تخصيص الحكم ببعض الأشخاص وبعض الأحوال وبعض
~~الأزمان، وفيه نظر، PageV03P113
# وذلك أنه إن ثبت أن ما ذكر من صفات التخصيص الفارقة بينه وبين النسخ
~~داخلة في مفهوم التخصيص، أو ملازمة خارجة، فلا وجود لها في النسخ، فلا يكون
~~التخصيص أعم من النسخ، لان الأعم لا بد وأن يصدق الحكم به مع جميع صفاته
~~اللازمة لذاته، على الأخص، وذلك مما لا يصدق على النسخ، فلا يكون النسخ
~~تخصيصا.
# وإلا فلقائل (1) أن يقول: ما ذكر من الصفات الفارقة بين التخصيص والنسخ
~~إنما هي فروق بين أنواع التخصيص، وليست من لوازم مفهوم التخصيص بل التخصيص
~~أعم من النسخ، ومن جميع الصور المذكورة، وهو قادح لا غبار عليه اللهم إلا
~~أن يرجع إلى الاصطلاح، وإطلاق اسم التخصيص على بعض هذه الأنواع، والنسخ على
~~البعض الآخر فحاصل النزاع يرجع إلى الاطلاق اللفظي، ولا منازعة فيه بعد فهم
~~عوز المعنى.
# الفصل الرابع في شروط النسخ الشرعي وهي منقسمة إلى متفق عليه ومختلف فيه.
# أما المتفق عليه: فأن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، وأن يكون الدليل الدال
~~على ارتفاع الحكم شرعيا متراخيا عن الخطاب المنسوخ حكمه، وأن لا يكون
~~الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت معين.
# وأما الشروط المختلف فيها، فأن يكون قد ورد الخطاب الدال على ارتفاع
~~الحكم بعد دخول وقت التمكن من الامتثال، وأن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما
~~لا يدخله الاستثناء والتخصيص، وأن يكون نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة،
~~وأن يكون الناسخ ms592 والمنسوخ نصين قاطعين، وأن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ
~~مقابلة الامر بالنهي، والمضيق بالموسع، وأن يكون النسخ ببدل. فإن ذلك كله
~~مختلف فيه.
# والحق أن هذه الأمور غير معتبرة كما يأتي، وإذ أتينا على ما أردناه من
~~المقدمة فلا بد من العود إلى المسائل المتشعبة عن النسخ، وهي عشرون مسألة.
# PageV03P114
# المسألة الأولى في إثبات النسخ على منكريه وقد اتفق أهل الشرائع على جواز
~~النسخ عقلا، وعلى وقوعه شرعا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم
~~الأصفهاني (1) فإنه منع من ذلك شرعا، وجوزه عقلا، ومن أرباب الشرائع سوى
~~اليهود، فإنهم انقسموا ثلاث فرق:
# فذهبت الشمعنية إلى امتناعه عقلا وسمعا وذهبت العنانية منهم إلى امتناعه
~~سمعا لا عقلا وذهبت العيسوية إلى جوازه عقلا، ووقوعه سمعا، واعترفوا بنبوة
~~محمد (ص) لكن إلى العرب خاصة لا إلى الأمم كافة.
# والدليل على الجواز العقلي العقل والسمع (2).
# أما العقل: فهو أن المخالف لا يخلو إما أن يكون ممن يوافق على أن الله
~~تعالى له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض، وإما أن يكون
~~ممن يعتبر الحكمة والغرض في أفعاله تعالى: فإن كان الأول، فلا يمتنع عليه
~~تعالى أن يأمر بالفعل في وقت، وينهى عنه في وقت، كما أمر بالصيام في نهار
~~رمضان، ونهى عنه في يوم العيد، وإن كان الثاني، فمع بطلانه (3) على ما
~~عرفناه في كتب الكلام، فلا يمتنع أن يعلم الله استلزام الامر بالفعل في وقت
~~معين للمصلحة واستلزام
# PageV03P115
# النهي عنه للمصلحة في وقت آخر، فإن المصالح مما يختلف باختلاف الأشخاص
~~والأحوال حتى إن مصلحة بعض الأشخاص في الغنى أو الصحة أو التكليف، ومصلحة
~~الآخر في نقيضه، فكذلك جاز أن تختلف المصلحة باختلاف الأزمان حتى أن مصلحة
~~بعض أهل الأزمان في المداراة والمساهلة، ومصلحة أهل زمان آخر في الشدة
~~والغلظة عليهم، إلى غير ذلك من الأحوال.
# وإذا عرف جواز اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان، فلا يمتنع أن يأمر الله
~~تعالى المكلف بالفعل في زمان لعلمه بمصلحته فيه، وينهاه ms593 عنه في زمن آخر
~~لعلمه بمصلحته فيه، كما يفعل الطبيب بالمريض، حيث يأمره باستعمال دواء خاص
~~في بعض الأزمنة وينهاه عنه في زمن آخر بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف
~~مزاجه، وكما يفعل الوالد بولده من التأديب له وضربه في زمان، واللين له
~~والرفق به في زمان آخر على حسب ما يتراءى له من المصلحة. ولهذا خص الشارع
~~كل زمان بعبادة غير عبادة الزمن الآخر، كأوقات الصلوات والحج والصيام،
~~ولولا اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لما كان كذلك.
# ومع جواز اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لا يكون النسخ ممتنعا.
# هذا ما يدل على الجواز العقلي من جهة العقل.
# وأما من جهة السمع: فقوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير
~~منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) فهذه
~~الآية تدل على جواز النسخ على الله تعالى شرعا.
# أما بالنسبة إلى من خالف في ذلك من المسلمين فظاهر لموافقته على أن الآية
~~من كلام الله تعالى، وأن كلامه صدق.
# وأما بالنسبة إلى اليهود، فلانه إذا ثبت أن محمدا رسول الله بما أثبتناه
~~من الأدلة القاطعة في علم الكلام، وأنه صادق فيما يدعيه من الوحي إليه من
~~الله تعالى، فقد ادعى كون هذه الآية من كلام الله، فكان صادقا في ذلك،
~~وكانت الآية حجة على جواز النسخ. PageV03P116
# وأما ما يدل على وقوع النسخ في الشرع إما بالنسبة إلى من خالف من
~~المسلمين في ذلك فهو أن الصحابة والسلف أجمعوا على أن شريعة محمد (ص)،
~~ناسخة لجميع الشرائع السالفة، وأجمعوا على نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس
~~باستقبال الكعبة، وعلى نسخ الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث، ونسخ
~~صوم عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)،
~~ووجوب التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها، ووجوب ثبات الواحد للعشرة،
~~المستفاد من قوله تعالى: * (إن يكن منكم عشرون صابرون) * (8) الأنفال: 65)
~~الآية، بقوله: * (الآن خفف الله عنكم) * (8) الأنفال: 66) الآية، إلى غير
~~ذلك من الاحكام المتعددة (1).
# وأما بالنسبة إلى ms594 منكر ذلك من اليهود فيدل عليه أنه ورد في التورية أن
~~الله تعالى أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك في شريعة من بعده،
~~وأيضا فإن الله تعالى قال لنوح عند خروجه من الفلك إني جعلت لك كل دابة
~~مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه وقد
~~حرم كثيرا من الدواب على ما بعده من أرباب الشرائع، وهو عين النسخ (2).
# فإن قيل: يحتمل أن أمر آدم والإباحة لنوح وذريته كان مقيدا بظهور شريعة
~~من بعده، فتحريم ذلك على من بعده لا يكون نسخا لانتهاء مدة الحكم الأول
~~لكونه كان مقيدا بظهور شريعة من بعده.
# قلنا: الامر لآدم والإباحة لنوح كان مطلقا. والأصل عدم التقييد.
# وإن قيل إنه كان ذلك مقيدا في علم الله تعالى بظهور شريعة أخرى.
# قلنا: فهذا هو عين النسخ، فإن الله تعالى إذا أمر بالفعل مطلقا، فهو عالم
~~بأنه سينسخه، ويعلم وقت نسخه، فتقييده في علمه لا يخرجه عن حقيقة النسخ.
# PageV03P117
# وقد احتج عليهم بإلزامات أخر.
# منها أن العمل كان مباحا في يوم السبت، ثم حرم على موسى وقومه.
# ومنها أن الختان كان في شرع إبراهيم جائزا بعد الكبر، وقد أوجبه موسى يوم
~~ولادة الطفل ومنها أن الجمع بين الأختين كان مباحا في شريعة يعقوب، وقد حرم
~~ذلك في شريعة من بعده.
# ولقائل أن يقول: العمل في يوم السبت، وكذلك الختان في حالة الكبر، وكذلك
~~الجمع بين الأختين كان مباحا بحكم الأصل، ورفع ما كان ثابتا بحكم الأصل
~~العقلي لا يكون نسخا كما علم فيما تقدم.
# فإن قيل: لو كان النسخ جائزا عقلا، لم يخل نسخ ما أمر به إما أن يكون
~~لحكمة ظهرت لم تكن ظاهرة حالة الامر، أو لا يكون كذلك:
# فإن لم يكن لحكمة ظهرت له، كان عابثا، والعبث على الحكيم محال.
# وإن كان الأول: فقد بدا له ما لم يكن، والبداء على الله تعالى محال.
# وأيضا فإنه لو جاز نسخ الأحكام الشرعية لكون التكليف ms595 بها مصلحة في وقت،
~~ومفسدة في وقت، لجاز نسخ ما وجب من الاعتقادات في التوحيد وما يجوز على
~~الله تعالى وما لا يجوز، وهو محال.
# وأيضا فإن الخطاب المنسوخ حكمه.
# إما أن يكون موقتا بوقت، أو هو دال على التأبيد.
# فإن كان الأول، فهو غير قابل للنسخ لانتهائه بانتهاء ذلك الوقت.
# وإن كان الثاني، فهو محال من أربعة أوجه:
# الأول: إنه من ذلك اعتقاد المكلف دوام الحكم وتأييده، وهو جهل قبيح، وما
~~لزم منه القبيح فهو قبيح.
# الثاني: أنه يلزم منه أن لا يبقى لنا طريق إلى معرفة التأبيد بتقدير
~~إرادة التأبيد وذلك مما يوجب إعجاز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد، وهو
~~محال. PageV03P118
# الثالث: أنه لو جاز النسخ مع أن اللفظ للتأبيد، لما بقي لنا وثوق بوعد
~~الله تعالى ووعيده، ولا بشئ من الظواهر اللفظية، ولا يخفى ما في ذلك من
~~اختلال الشرائع واتجاه قول الباطنية.
# الرابع: أنه يلزمكم على هذا جواز نسخ شريعتكم، ولم تقولوا به وأيضا فإنه
~~لو جاز رفع الحكم بعد وقوعه، فإما أن يكون رفعه قبل وجوده أو بعد عدمه، أو
~~في حال وجوده:
# الأول محال، لان رفع ما لم يوجد غير متصور.
# والثاني محال، لان رفع المعدوم ممتنع.
# والثالث يلزم منه أن يكون الشئ حالة وجوده مرتفعا، وذلك أيضا ممتنع.
# وأيضا فإن الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا أو قبيحا: فإن كان الأول
~~فقد نهى عن الحسن، وإن كان الثاني، فقد أمر بالقبيح.
# وأيضا فإنه إما أن يكون طاعة أو معصية: فإن كان طاعة، فقد نهى عن الطاعة،
~~وإن كان معصية، فقد أمر بالمعصية.
# وأيضا فإما أن يكون مرادا أو مكروها: فإن كان مرادا، فقد صار بالنهي
~~مكروها، وإن كان مكروها، فقد صار بالامر مرادا.
# وأما ما ذكرتموه من الدليل السمعي على الجواز العقلي، فلا وجه له.
# أما قوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) * (2) البقرة:
~~106) فالمراد بالنسخ الإزالة، ونسخ الآية بإزالتها عن اللوح المحفوظ.
# وأما ما ذكرتموه على الوقوع ms596 الشرعي، فلا نسلم أن شريعة محمد ناسخة لشرائع
~~من تقدم على ما يأتي تقريره.
# وأما وجوب استقبال بيت المقدس، فإنه لم يزل بالكلية، لجواز التوجه إليه
~~عند الاشكال ومع العذر، فكان ذلك تخصيصا لا نسخا.
# وأما تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)، فإنما زالت لزوال سببها،
~~وهو امتياز المنافقين من حيث إنهم لا يتصدقون على المؤمنين. PageV03P119
# ووجوب التربص حولا كاملا لم يزل بالكلية لبقائه عندما إذا كانت مدة حملها
~~سنة فكان ذلك أيضا من باب التخصيص، لا من باب النسخ.
# سلمنا الجواز العقلي، ولكن لا نسلم الجواز الشرعي، وبيانه من وجهين:
# الأول: قوله تعالى في صفة القرآن * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
~~خلفه) * (41) فصلت: 42) فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل، وهذه حجة من منع جواز
~~نسخ القرآن مطلقا.
# الثاني: أن موسى الكليم كان نبيا حقا بالاجماع منا ومنكم وبالدلائل
~~الدالة على صدقه في رسالته، وقد نقل عنه نقلا متواترا أنه قال هذه الشريعة
~~مؤبدة عليكم ما دامت السماوات والأرض وروي عنه أنه قال الزموا يوم السبت
~~أبدا فقد كذب بذلك من ادعى نسخ شريعته، فلو قيل بجواز نسخ شريعته لزم منه
~~أن يكون كاذبا، وهو محال.
# والجواب عن الاشكال الأول: أن النسخ لم يكن لحكمة ظهرت له بعد أن لم تكن
~~ظاهرة بل إن قلنا برعاية الحكمة لحكمة، كان عالما بها على ما سبق في الفرق
~~بين النسخ والبداء.
# وعن الاشكال الثاني: أن اعتقاد التوحيد وكل ما مستند معرفته دليل العقل
~~لا يخلو إما أن يقال بأن وجوبه (1) ثابت بالعقل، كما قاله المعتزلة، أو
~~بالشرع كما نقوله نحن:
# فإن كان الأول، فلا يخفى إحالة نسخ ما ثبت وجوبه عقلا، لان الشارع لا
~~يأتي بما يخالف العقل.
# وإن كان الثاني، فالعقل يجوز أن لا يرد الشرع بوجوبه ابتداء، فضلا عن
~~نسخه بعد وجوبه.
# وعن الثالث: قولهم إن الخطاب إن كان موقتا، فلا يكون قابلا للنسخ، لا
~~نسلم ذلك، فإنه لو قال في رمضان حجوا في هذه السنة، ms597 ثم قال قبل يوم عرفة لا
~~تحجوا، فإنه يكون جائزا عندنا، على ما يأتي في جواز نسخ الامر قبل التمكن
~~من الامتثال.
# قولهم: وإن كان دالا على التأبيد فهو محال، لا نسلم ذلك.
# PageV03P120
# قولهم في الوجه الأول إنه يلزم منه جهل المكلف باعتقاد التأبيد.
# فقد أجاب عنه أبو الحسين البصري بأنه إنما يفضي إلى ذلك إن لو لم يكن قد
~~اقترن بالخطاب المنسوخ ما يشعر بنسخه، وليس كذلك.
# وقد بينا إبطال ما ذهب إليه في تأخير البيان إلى وقت الحاجة (1).
# والوجه في الجواب أن نقول: دلالة الخطاب على التأبيد لا يلزمها التأبيد
~~مع القول بجواز النسخ، فإذا اعتقد المكلف التأبيد فالجهل إنما جاءه من قبل
~~نفسه، لا من قبل ما اقتضاه الخطاب، بل الواجب أن يعتقد التأبيد بشرط عدم
~~الناسخ ثم، وان أفضى ذلك إلى الجهل في حق العبد، فالقول بقبح ذلك من الله
~~تعالى مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه فيما تقدم (2).
# ثم متى يكون ذلك قبيحا إذا استلزم مصلحة تربو على مفسدة جهله، أو إذا لم
~~يكن كذلك، الأول ممنوع، والثاني مسلم.
# وبيان لزوم المصلحة الزائدة هنا ما فيه من زيادة الثواب باعتقاده دوام ما
~~أمر به والعزم على فعله والانقياد لقضاء الله وحكمه في الأمر والنهي.
# كيف وإن ما ذكروه منتقض بما يحدثه الله تعالى للعبد من الغنى والصحة، فإن
~~ذلك مما يوجب اعتقاد دوامه له مع جواز إزالته بالفقر والمرض. قولهم في
~~الوجه الثاني إنه يفضي إلى تعجيز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد، ليس
~~كذلك، لجواز أن يخلق لنا العلم الضروري بذلك.
# وما ذكروه في الوجه الثالث فمندفع، فإنه إن كان اللفظ الوارد في الخطاب
~~مما لا يحتمل التأويل، فالوثوق به حاصل لا محالة، وإن كان مما يحتمل
~~التأويل، فيجب أن يكون الوثوق به على حسب ما اقتضاه الظاهر لا قطعا وذلك
~~غير مستحيل.
# وما ذكروه في الوجه الرابع فغير صحيح، فإنا لا نمنع من جواز نسخ شرعنا
# PageV03P121
# عقلا، وإنما نمنع منه شرعا لورود خبر ms598 الصادق بذلك عندنا، وهو قوله تعالى:
~~* (وخاتم النبيين) * (33) الأحزاب: 40) وقوله (ص) الا انه لا نبي بعدي (1)
~~والخلف خبر الصادق محال.
# ومع ذلك فإنا لا نحمل عقلا أن يكون ذلك الخبر مشروطا بقيد.
# قولهم: لو جاز رفع الحكم، ينظر الأصل ان يكون قبل وقوعه، فمندفع. فإنا
~~وإن أطلقنا لفظة الرفع في النسخ إنما نريد به امتناع استمرار المنسوخ، وأنه
~~لولا الخطاب الدال على الانقطاع لاستمر، وذلك لا يلزم عليه شئ مما قيل (2).
# قولهم: الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا، أو قبيحا، فهو مبني على
~~التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه.
# قولهم: إما أن يكون طاعة أو معصية، قلنا هو طاعة حالة كونه مأمورا،
~~ومعصية حالة كونه منهيا، فالطاعة والمعصية ليست من صفات الافعال، بل تابعة
~~للامر والنهي.
# قولهم: إما أن يكون مرادا أو مكروها، لا نسلم الحصر لجواز أن لا يكون
~~مرادا ولا مكروها، إذ الإرادة والكراهة عندنا غير لازمة للامر والنهي (3).
# PageV03P122
# وبتقدير أن يكون ما أمر به مرادا، جاز أن يكون مرادا حالة الامر دون حالة
~~النهي.
# قولهم: المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ، ليس كذلك.
# فإنه قال تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) *
~~(2) البقرة: 106) والقرآن خير كله من غير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ
~~الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ وكتابة أخرى بدلها، لما تحقق هذا الوصف،
~~وإنما يتحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى أحكام الآيات المرفوعة
~~عنا والموضوعة علينا، من حيث إن البعض قد يكون أخف من البعض فيما يرجع إلى
~~تحمل المشقة، أو أن ثواب البعض أجزل من ثواب البعض على اختلاف المذاهب،
~~فوجب حمل النسخ على نسخ أحكام الآيات لا على ما ذكروه (1).
# وأما منع كون شريعة محمد (ص) ناسخة لشرع من تقدم فمخالف لاجماع السلف
~~قاطبة.
# والكلام في هذا المقام إنما هو مع منكر النسخ من الاسلاميين.
# وما يذكرونه في تقدير ذلك فسيأتي الجواب عنه أيضا.
# وأما ما ذكروه على باقي صور النسخ فهو أيضا ms599 خلاف إجماع السلف.
# كيف وإن ما ذكروه من التخريج لا وجه له.
# قولهم إن التوجه إلى بيت المقدس لم يزل بالكلية.
# قلنا: لا خلاف أنه كان يجب التوجه إليه حالة عدم الاشكال والعذر، وقد زال
~~ذلك بالكلية، فكان نسخا.
# قولهم إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال لزوال سببه.
# قلنا: الأصل بقاء السبب، وما ذكروه من السبب يلزم منه أن كل من لم يتصدق
~~من الصحابة أن يكون منافقا، ولم يتصدق أحد منهم سوى علي عليه السلام، على
~~ما نقله الرواة، وذلك ممتنع.
# PageV03P123
# قولهم إن وجوب التربص لم يزل بالكلية.
# قلنا لا خلاف بين أهل الملة في أنه كان التربص حولا كاملا واجبا، سواء
~~كانت مدة الحمل سنة، أو لم تكن، وذلك مما رفع بالكلية.
# وما ذكروه من امتناع نسخ القرآن بقوله * (لا يأتيه الباطل) * (41) فصلت:
~~42) الآية، فليس فيه ما يدل على امتناع النسخ، إلا أن يكون النسخ إبطالا
~~له، وليس كذلك.
# وبيانه أن النسخ لا معنى له سوى قطع الحكم الذي دل عليه اللفظ، مع كون
~~المخاطب مريدا لقطعة على ما سبق، وذلك لا يكون إبطالا له بل تحقيقا
~~لمقصوده.
# وما ذكروه من قول موسى، فمختلق لم تثبت صحته عن موسى عليه السلام.
# وقد قيل إن أول من وضع ذلك لهم ابن الراوندي (1) ليعارض به دعوى الرسالة
~~من محمد (ص)، لما ظهر من تسمحه في الدين. ويدل على ذلك أن أحبارهم ككعب
~~الأحبار، وابن سلام، ووهب ابن منبه (2) وغيرهم كانوا أعرف من غيرهم بما في
~~التوراة، وقد أسلموا ولم يذكروا شيئا من ذلك: ولو كان ذلك صحيحا لكان من
~~أقوى ما يتمسك به اليهود في زمن النبي (ص)، في معارضته، ولم ينقل عنهم شئ
~~من ذلك ثم أنهم مختلفون في نفس متن الحديث، فإن منهم من قال الحديث إن
~~أطعتموني لما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، ثبت ملككم، كما ثبتت السماوات
~~والأرض، وليس في ذلك ما يدل على إحالة النسخ.
# وإن سلمنا صحة ما نقلوه، فيحتمل أنه أراد بالشريعة، التوحيد ويحتمل ms600 أنه
~~أراد بقوله مؤبدة ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر.
# PageV03P124
# ومع احتمال هذه التأويلات، فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبي (ص)، من
~~المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم.
# كيف وإن لفظ التأبيد قد ورد في التوراة، ولم يرد به الدوام، كقوله إن
~~العبد يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبي العتق، فلتثقب أذنه
~~ويستخدم أبدا وكقوله في البقرة التي أمروا بذبحها هذه سنة لكم أبدا وكقوله
~~قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما.
# وأما العيسوية، فيمتنع عليهم بعد التسليم بصحة رسالته وصدقه في دعواه بما
~~اقترن بها من المعجزة القاطعة تكذيبه فيما ورد به التواتر القاطع عنه بدعوى
~~البعثة إلى الأمم كافة ونزول القرآن بذلك.
# وهو قوله تعالى: * (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) * (7)
~~الأعراف: 158) وقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ:
~~28) وقال في وصف ما أنزل عليه هذا هدى للناس ومن ذلك قوله (ص): بعثت إلى
~~الأحمر والأسود وقوله: بعثت إلى الناس كافة (1) وقوله: لو كان أخي موسى حيا
~~لما وسعه إلا اتباعي ويدل على ذلك ما اشتهر عنه، وتواتر من دعائه لطوائف
~~الجبابرة والأكاسرة.
# وتنفيذه إلى أقاصي البلاد، وطلب الدخول في ملته والقتال لمن جاحده من
~~العرب وغيرهم في نبوته، والله أعلم.
# PageV03P125
# المسألة الثانية اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد
~~خروج وقته واختلفوا في جواز ذلك قبل دخول الوقت.
# وذلك كما لو قال الشارع في رمضان حجوا في هذه السنة، ثم قال قبل يوم عرفة
~~لا تحجوا.
# فذهبت الأشاعرة وأكثر أصحاب الشافعي، وأكثر الفقهاء إلى جوازه.
# ومنع من ذلك جماهير المعتزلة وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وبعض
~~أصحاب الإمام أحمد بن حنبل.
# والمختار جوازه. وقد احتج الأصحاب بحجج ضعيفة.
# الحجة الأولى قوله تعالى: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * (13) الرعد: 39)
~~دل على أنه يمحو كل ما يشاء محوه على كل وجه، فيدخل فيه محو العبادة قبل
~~دخول وقتها، ولا دلالة فيه، لان ms601 الآية إنما تدل على محو كل ما يشاء محوه،
~~وليس فيها ما يدل على أنه يشاء محو العبادة قبل دخول وقتها، مع كون ذلك
~~ممتنعا عند الخصم، وإن بين إمكان مشيئة ذلك بغير الآية، ففيه ترك الاستدلال
~~بالآية كيف وإنه قد أمكن حمل المحو على ما هو حقيقة فيه، وهو محو الكتابة
~~مما يكتبه الملكان من المباحات، وتبقيه المعاصي والطاعات.
# ومنهم من احتج بقصة إبراهيم، عليه السلام، وأمر الله له بذبح ولده، ونسخه
~~عنه بذبح الفداء، ودليل أمره بذلك انه قد روي أنه تعالى قال لإبراهيم *
~~(اذبح ولدك) * وروي * (واحدك) * والقرآن دل عليه بقوله * (يا بني إني أرى
~~في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى. قال يا أبت افعل ما تؤمر) *
~~(الصافات: 102) وانه نسخ بذبح الفدا بقوله * (وفديناه بذبح عظيم) * (37)
~~الصافات: 107) وهذا أيضا مما يضعف الاحتجاج به جدا.
# غير أنه قد وجه الخصوم على هذه الحجة اعتراضات واهية لا بد من ذكرها
~~والإشارة إلى الانفصال عنها تكثيرا للفائدة PageV03P126
# ثم نذكر بعد ذلك وجه الضعيف في الآية المذكورة (1).
# أما الأسئلة فأولها أنهم قالوا إن ذلك إنما كان مناما لا أصل له، فلا
~~يثبت به الامر، ولهذا قال: إني أرى في المنام.
# سلمنا أن منامه أصل يعتمد عليه، ولكن لا نسلم أنه كان قد أمر. وقول ولده
~~افعل ما تؤمر، ليس فيه دلالة على أنه كان قد أمر ولهذا علقه على المستقبل.
~~ومعناه:
# افعل ما يتحقق من الامر في المستقبل.
# سلمنا أنه كان مأمورا. لكن لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة، بل
~~بالعزم على الذبح امتحانا له بالصبر على العزم، وذلك بلاء عظيم، والفداء
~~إنما كان عما يتوقعه من الامر بالذبح لا عن نفس وقوع الامر بالذبح أو
~~بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء وأخذ المدية والحبل وتله للجبين،
~~فاستشعر إبراهيم أنه مأمور بالذبح، ولذلك قال تعالى: * (قد صدقت الرؤيا) *
~~(37) الصافات: 105) سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة، إلا أنه قد وجد
~~منه، فإن قد روي أنه كان كلما قطع جزءا عاد ms602 ملتحما إلى آخر الذبح، ولهذا
~~قال الله تعالى: * (قد صدقت الرؤيا) * (37) الصافات: 105) وإذا كان ما أمر
~~به من الذبح قد وقع، فالفداء لا يكون نسخا.
# سلمنا أن الذبح حقيقة لم يوجد، لكن قد روي أن الله تعالى منعه من الذبح
~~بأن جعل على عنق ولده صفيحة من نحاس أو حديد مانعة من الذبح، لا أن ذلك كان
~~بطريق النسخ.
# والجواب عن الأول أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والناهي، وحي
~~معمول به، وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام، وقد روي عن النبي (ص) أن
~~وحيه كان ستة أشهر بالمنام ولهذا قال عليه السلام: الرؤيا الصالحة جزء من
~~ستة وأربعين جزأ من النبوة (2) فكانت نسبة الستة أشهر من ثلاثة وعشرين سنة
~~من نبوته،
# PageV03P127
# كذلك، ويدل على ذلك قوله (ص): ما احتلم نبي قط (1) يعني ما تشكل له
~~الشيطان في المنام على الوجه الذي يتشكل لأهل الاحتلام.
# كيف وإنه لو كان ذلك خيالا، لا وحيا، لما جاز لإبراهيم العزم على الذبح
~~المحرم بمنام لا أصل له، ولما سماه بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء.
# وعن الثاني أن قوله * (افعل ما تؤمر) * (37) الصافات: 102) وإن لم يكن
~~ظاهرا في الماضي، لكنه قد يرد ويراد به الماضي. ولهذا فإنه لو قال القائل
~~قد أمرني السلطان بكذا فإنه يصح أن يقال له افعل ما تؤمر أي ما أمرت به،
~~وأنت مأمور. ويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد على إخراجه إلى الصحراء وأخذ
~~آلات الذبح وترويع الولد، فإن ذلك كله، مما يحرم من غير أمر ولا إذن في
~~ذلك.
# وعن الثالث أن حمل الامر على العزم أو على مقدمات الذبح على خلاف قوله *
~~(إني أرى في المنام أني أذبحك) * (37) الصافات: 102) ثم لو كان مأمورا
~~بالعزم على الذبح ومقدمات الذبح لا غير لما سماه بلاء مبينا، ولما احتاج
~~إلى الفداء، لكون المأمور به مما وقع، ولما قال الذبيح * (ستجدني إن شاء
~~الله من الصابرين) * (37) الصافات: 102) فإن ذلك مما لا ضرر عليه فيه.
~~وقوله: * (قد صدقت الرؤيا) * (37) الصافات: 105) معناه ms603 أنك عملت في
~~المقدمات عمل مصدق للرؤيا بقلبه.
# لكن لقائل أن يقول: إذا كان قد أمر بإخراج الولد إلى الصحراء وأخذ المدية
~~والحبل وتله للجبين، مع إبهام عاقبة الامر عليه وعلى ولده، فإنه يظهر من
~~ذلك لهما أن عاقبة الامر إنما هي الذبح، وذلك عين البلاء، به يتحقق قول
~~الذبيح * (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * (37) الصافات: 102) وأما
~~تسمية الكبش فداء، فإنما كان عن الامر المتوقع، لا عن الامر الواقع، غير أن
~~هذا مما لا يستقيم على أصل أبي الحسين البصري (2) لما فيه من توريط المكلف
~~في الجهل، حيث أوجب عليه ما يظهر منه الامر بالذبح، ولا أمر.
# PageV03P128
# وعن الرابع: أنه لو كان قد أتى بما أمر به من الذبح، لما احتاج إلى
~~الفداء ولا اشتهر ذلك وظهر، لأنه من أكبر الآيات الباهرات، وحيث لم ينقله
~~سوى بعض الخصوم دل على ضعفه.
# وعن الخامس: أن ذلك من المعتزلة لا يصح لأنهم لا يرون التكليف بما لا
~~يطاق.
# وهذا تكليف بما لا يطاق، كيف وإنه لو كان كما ذكروه لنقل أيضا واشتهر،
~~لكونه من المعجزات العظيمة. هذا ما في هذه الأسئلة والأجوبة.
# وأما وجه الضعف في الاحتجاج بقصة إبراهيم فمن جهة أن لقائل أن يقول:
# وإن سلمنا أنه نسخ عنه الامر بالذبح، لكن لا نسلم أنه نسخ قبل التمكن من
~~الامتثال. بل إنما كان ذلك بعد التمكن من الامتثال، والخلاف إنما هو فيما
~~قبل التمكن لا بعده. ولا سبيل إلى بيان أنه نسخ قبل التمكن من الامتثال إلا
~~بعد بيان أن مطلق الامر يقتضي الوجوب على الفور، أو أن وقت الامر كان مضيقا
~~لا يجوز التأخير عنه للنبي عليه السلام، وأن النبي عليه السلام، لا يجوز
~~عليه صغائر المعاصي، والكل ممنوع على ما عرف.
# الحجة الثانية أن الله تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)،
~~قبل فعلها.
# وأيضا فإن النبي (ص)، صالح قريشا يوم الحديبية على رد من هاجر إليه، ثم
~~نسخ ذلك قبل الرد بقوله تعالى: * (فإن علمتموهن ms604 مؤمنات فلا ترجعوهن إلى
~~الكفار) * (60) الممتحنة: 10) وأيضا فإن الاجماع من الخصوم واقع على أن
~~الله تعالى لو أمرنا بالمواصلة في الصوم سنة، جاز أن ينسخه عنا بعد شهر
~~منها، وذلك نسخ للصوم فيما بقي من السنة قبل حضور وقته.
# وأيضا فإن النبي (ص)، قال: أحلت لي مكة ساعة من نهار ومع ذلك منع من
~~القتال فيها، وهو نسخ قبل وقت الفعل. وهذه الحجج أيضا ضعيفة.
# أما الأولى، فلان لقائل أن يقول: لا نسلم أن نسخ تقديم الصدقة كان قبل
~~التمكن من الوقت، ويدل عليه أمران:
# الأول عتاب الله لهم بقوله * (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقة،
~~فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم) * الآية ولو لم يكن وقت الفعل قد حضر لما
~~حسن ذلك. PageV03P129
# الثاني أن عليا رضي الله عنه، ناجى بعد تقديم الصدقة (1) وذلك يدل على
~~حضور وقت الفعل.
# وأما الثانية فلانه لا يمتنع أن يكون ذلك بعد مضي وقت تمكن المهاجرة فيه
~~إليه مع ردهن، ولا دليل على وقوع نسخ ذلك قبل دخول وقت الفعل، فلا يكون
~~حجة.
# وأما الثالثة، فلان النسخ ورد على بعض ما تناوله اللفظ، فكان بيانا أن
~~مراده من اللفظ إنما هو بعض السنة، ويكون النهي متناولا لغير ما تناوله
~~الامر، وذلك غير ممتنع، وهذا بخلاف ما إذا نسخ قبل دخول شئ من الوقت، لان
~~النهي يكون متناولا لغير ما تناوله الامر، ولا يلزم من جواز ذلك ثم جوازه
~~هاهنا.
# وأما الرابعة فلان إباحة القتال في تلك الساعة لا يقتضي وقوع القتال ولا
~~بد وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون النهي عن القتال بعد مضي تلك الساعة، ولا
~~دليل يدل على وقوع النسخ قبل دخول الوقت.
# كيف وأنه لا دلالة في قوله أحلت لي مكة ساعة على إباحة القتال، بل لعله
~~أراد بذلك إباحة قتل أناس معينين، كابن خطل وغيره، فالنهي عن القتال لا
~~يكون نسخا لإباحة القتال. والأقرب في ذلك حجتان:
# الحجة الأولى التمسك بقصة الاسراء، وهو ما صح بالرواية أن الله تعالى ms605 فرض
~~ليلة الاسراء على نبيه وعلى أمته خمسين صلاة، فأشار عليه موسى بالرجوع،
~~وقال له أمتك ضعفاء لا يطيقون ذلك، فاستنقص الله ينقصك وأنه قبل ما أشار
~~عليه، وسأل الله في ذلك، فنسخ الخمسين إلى أن بقي خمس صلوات. وذلك نسخ لحكم
~~الفعل قبل دخول وقته.
# الحجة الثانية أنه يجوز أن يأمر الله تعالى زيدا بفعل في الغد، ويمنعه
~~منه بمانع عائق له عنه قبل الغد، فيكون مأمورا بالفعل في الغد بشرط انتفاء
~~المانع. وإذا جاز الامر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ مع تعقيبه بالنسخ، إذ
~~الفعل لا يفرق بين الحالتين، وهو إلزام ملزم.
# PageV03P130
# فإن قيل أما قصة الاسراء فهي خبر واحد، فلا يمكن إثبات مثل هذه المسألة
~~به.
# وإن كان حجة، إلا أنه يقتضي نسخ حكم الفعل قبل التمكن، وقبل تمكن المكلف
~~من العلم به لنسخه قبل الانزال، وذلك مما لا يحصل معه الثواب بالعزم على
~~الادواء والاعتقاد لوجوبه، ولم يقولوا به.
# وأما الحجة الثانية فلا نسلم أنه يجوز أن يأمر زيدا في الغد ويمنعه منه
~~قبل الغد لأنه لا يخلو إما أن يأمره مطلقا ويريد منه الفعل، أو بشرط زوال
~~المانع.
# فإن كان الأول، فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفا بما لا يطاق، وهو محال.
# وإن كان الثاني، فالامر بالشرط مما لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب
~~الأمور على ما سبق تقريره في الأوامر، وهذا بخلاف ما إذا أمر جماعة بفعل في
~~الغد فإنه يجوز أن يمنع بعضهم من الفعل، لان ذلك يدل على أنه لم يرد بخطابه
~~من علم منعه، وإذا لم يجز في المنع، فكذلك في النسخ.
# ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من وجوه:
# الأول أنه إذا نهى المكلف عن الفعل الذي أمر به قبل دخول وقته، فالامر
~~والنهي قد تواردا على شئ واحد من جهة واحدة في وقت واحد، وهو محال وذلك لان
~~الفعل في نفسه في ذلك الوقت إما أن يكون حسنا أو قبيحا. وعند ذلك، فلا يخلو
~~الباري تعالى عند ms606 الامر بالفعل إما أن يكون عالما بما هو عليه الفعل من
~~الحسن والقبح، وكذلك في حالة النهي، أو لا يكون عالما به أصلا، أو هو عالم
~~به في حالة النهي، دون حالة الامر، أو في حالة الامر، دون حالة النهي:
# فإن كان الأول، فإن كان الفعل حسنا، فقد نهى عن الحسن مع علمه به، وإن
~~كان قبيحا، فقد أمر بالقبيح مع علمه به، وهو قبيح، وإن كان الثاني فهو
~~محال.
# لما يلزمه من الجهل في حق الله تعالى، وكذلك إن كان الثالث أو الرابع.
# كيف وإنه إذا ظهر له في حالة النهي ما لم يكن قد ظهر له في حالة الامر
~~فهو عين البداء، والبداء على الله محال. PageV03P131
# الوجه الثاني أنه إذا أمر بالفعل في وقت معين، ثم نهى عنه، فقد بان أنه
~~لم يرد إيقاعه، ويكون قد أمر بما لم يرده، ولو جاز ذلك، لما بقي لنا وثوق
~~بقول من أقوال الشارع لجواز أن يكون المراد بذلك القول ضد ما هو دال على
~~إرادته، وذلك محال.
# الثالث أن ذلك مما يفضي إلى أن يكون الفعل الواحد مأمورا منهيا، والامر
~~والنهي عندكم كلام الله، وكلامه صفة واحدة، فيكون الكلام الواحد أمرا نهيا
~~بشئ واحد في وقت واحد، وذلك محال.
# والجواب: قولهم في قصة الاسراء إنها خبر واحد.
# قلنا: والمسألة عندنا من مسائل الاجتهاد، ولذلك لا يكفر المخالف فيها،
~~ولا يبدع.
# قولهم إنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به. قلنا: فقد نسخ عن النبي (ص) بعد
~~علمه، وإن سلمنا أنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به، ولكن لم قالوا
~~بامتناعه.
# قولهم إنه لا يتعلق به فائدة الثواب باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل،
~~فهو مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو ممنوع على ما عرف من
~~أصلنا.
# قولهم على الحجة الثانية إنا لا نسلم الامر مع المنع.
# قلنا: قد سبق تقريره في الأوامر.
# قولهم: إن أراد منه الفعل، فهو تكليف بما لا يطاق.
# قلنا: وإن كان كذلك، فهو جائز عندنا ms607 على ما تقرر قبل.
# قولهم: وإن لم يكن مريدا له، فهو أمر بشرط عدم المنع من العالم بعواقب
~~الأمور، وذلك محال لما سبق.
# قلنا: وقد سبق أيضا في الأوامر جواز ذلك، وإبطال كل ما تخيلوه مانعا.
# قولهم في المعارضة الأولى إنه يلزم من ذلك أن يكون الرب تعالى آمرا
~~وناهيا عن فعل واحد في وقت واحد، وهو محال، لا نسلم إحالته.
# قولهم: إما أن يكون حسنا أو قبيحا، فهو مبني على الحسن والقبح العقلي،
~~وهو باطل لما سبق. فلئن قالوا: وإن لم يكن حسنا ولا قبيحا، فلا يخلو إما أن
~~يكون مشتملا على مصلحة أو مفسدة.
# فإن كان الأول، فقد نهى عما فيه مصلحة، وإن كان الثاني، فقد أمر بما فيه
~~مفسدة. PageV03P132
# قلنا: وهذا أيضا مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو باطل،
~~لما عرف من أصلنا، بل جاز أن يكون الأمر والنهي، لا لمصلحة ولا لمفسدة. وإن
~~سلم عدم خلوه عن المصلحة والمفسدة، ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الامر
~~بالمفسدة والنهي عن المصلحة، بل جاز أن يقال إنه مشتمل على المصلحة حالة
~~الامر، ومشتمل على المفسدة حالة النهي، ولا مفسدة حالة الامر، ولا مصلحة
~~حالة النهي، على ما تقرر قبل. ولا يلزم من ذلك الجهل في حق الله تعالى ولا
~~البداء، لعلمه حالة الامر بما الفعل مشتمل عليه من المصلحة، وانه سينسخه في
~~ثاني الحال، لما يلازمه من المفسدة المقتضية للنسخ حالة النسخ، كما علم.
# قولهم في المعارضة الثانية: إذا أمر بالفعل، ثم نهى عنه، فتبين أنه أمر
~~بما لم يرد، مسلم. وعندنا ليس من شرط الامر إرادة المأمور به كما سبق
~~تعريفه.
# قولهم يلزم من ذلك عدم الوثوق بجميع أقوال الشارع، إن أرادوا بذلك أنه
~~إذا خاطب بما يحتمل التأويل أنا لا نقطع بإرادته لما هو الظاهر من كلامه،
~~فمسلم ولكن لا نسلم امتناع ذلك، وهذا هو أول المسألة، وإن أرادوا به أنه لا
~~يمكن الاعتماد على ظاهره مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات ms608 البعيدة، فغير
~~مسلم وإن أرادوا غير ذلك، فلا نسلم تصوره.
# قولهم في المعارضة الثالثة إنه يلزم منه أن يكون الفعل الواحد في وقت
~~واحد مأمورا منهيا.
# قلنا: مأمور منهي معا، أو لا معا؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم.
# قولهم إن كلام الله عندكم صفة واحدة لا نسلم ذلك، إن سلكنا مذهب عبد الله
~~بن سعد من أصحابنا، وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن فلم قالوا بالإحالة.
# قولهم يلزم منه أن تكون الصفة الواحدة أمرا نهيا.
# قلنا: إنما تسمى الصفة الواحدة بهذه الأسماء بسبب اختلاف تعلقاتها
~~ومتعلقاتها فإن تعلقت بالفعل سميت أمرا، وإن تعلقت بالترك سميت نهيا، وذلك
~~إنما يمتنع أن لو اتحد زمان التعلق بالفعل والترك.
# وأما إذا كان زمان التعلق مختلفا، فلا. والمأمور والمنهي، وإن كان زمانه
~~متحدا لكن تعلق الامر به غير زمان تعلق النهي به، ومع التغاير فلا امتناع.
~~PageV03P133
# المسألة الثالثة اتفق الجمهور على جواز نسخ حكم الخطاب إذا كان بلفظ
~~التأبيد، كقوله صوموا أبدا خلافا لشذوذ من الأصوليين.
# ودليل جوازه أن الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد غايته أن يكون دالا على ثبوت
~~الحكم في جميع الأزمان بعمومه، ولا يمتنع مع ذلك أن يكون المخاطب مريدا
~~لثبوت الحكم في بعض الأزمان دون البعض، كما في الألفاظ العامة لجميع
~~الأشخاص.
# وإذا يكن ذلك ممتنعا، فلا يمتنع ورود الناسخ المعرف لإرادة المخاطب لذلك.
# ولو فرضنا ذلك، لما لزم عنه المحال، وكان جائزا.
# فإن قيل: لفظ التأبيد جار مجرى التنصيص على كل وقت من أوقات الزمان
~~بخصوصه، والتنصيص على وجوب الفعل في الوقت المعين بخصوص لا يجوز نسخه،
~~فكذلك هذا.
# وأيضا فإنا لو أمرنا بالعبادة بلفظ يقتضي الاستمرار، جاز النسخ، فلو جاز
~~ذلك مع التقييد بلفظ التأبيد، لم يكن للتقييد معنى.
# وأيضا فإنه لو جاز نسخ ما ورد بلفظ التأبيد، لما بقي لنا طريق إلى العلم
~~بدوام العبادة في زمان إرادة التكليف.
# وأيضا، فإن المخاطب إذا أخبر بلفظ التأبيد لم يجز نسخه، فكذلك في غير
~~الخبر.
# والجواب عن الأول: لا نسلم ms609 أن لفظ التأبيد ينزل منزلة التنصيص على كل وقت
~~بعينه، بل هو في العرف قد يطلق للمبالغة، كما في قول القائل: لازم فلانا
~~أبدا وفلان أبدا يكرم الضيف، وأدام الله ملك الأمير أبدا.
# وإن سلمنا أنه ينزل منزلة التنصيص على الأوقات المعينة، فعندنا لا يمتنع
~~نسخ حكم الخطاب، إذا كان مقيدا بوقت معين، كما إذا قال صل وقت زوال الشمس
~~ركعتين فإنه يجوز نسخه بعد دخول الوقت وقبله على ما عرف من أصلنا.
# وعن الثاني أن فائدة التأبيد تأكيد الاستمرار، فإذا ورد النسخ، كانت
~~فائدة تأكيد المبالغة في الاستمرار، لا نفس الاستمرار. ثم يلزمهم على ما
~~ذكروه PageV03P134
# ما إذا أتى بلفظ عام، كما لو قال كل من دخل داري فأكرمه فإنه يجوز تخصيصه
~~مع تأكيده بكل وجميع، فما هو جوابهم في التخصيص فهو جواب لنا في النسخ.
# وعن الثالث أن ما ذكروه إنما يصح إن لو كان لفظ التأبيد يفيد العلم، ولا
~~طريق يفيده سواه، والأمران ممنوعان: أما الأول، فلما سبق، وأما الثاني
~~فلجواز أن يخلق الله تعالى العلم الضروري بذلك أو بما يقترن باللفظ من
~~القرائن المفيدة لليقين، كما في القرائن المقترنة بخبر التواتر، ثم ما
~~ذكروه لازم عليهم في تخصيص العام المؤكد، فإنه جائز مع توجه ما ذكروه في
~~النسخ بعينه عليه.
# والجواب أن ذلك يكون متحدا. وعن الرابع بمنع ذلك في الخبر أيضا.
# المسألة الرابعة مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل، خلافا لبعض
~~الشذوذ ودليله أمران:
# الأول ما يدل على الجواز العقلي، وهو أنا لو فرضنا وقوع ذلك لم يلزم عنه
~~لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز عقلا سوى هذا، ولأنه لا يحلو إما أن
~~لا يقال برعاية الحكمة في أفعال الله تعالى (1) أو يقال بذلك : فإن كان
~~الأول، فرفع حكم الخطاب بعد ثبوته لا يكون ممتنعا، لان الله تعالى له أن
~~يفعل ما يشاء.
# وإن كان الثاني، فلا يمتنع في العقل أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون
~~بدله.
# الثاني ما يدل ms610 على الجواز الشرعي، وهو أن ذلك مما وقع في الشرعي كنسخ
~~تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص) (2) ونسخ الاعتداد بحول كامل في حق
~~المتوفى عنها زوجها، ونسخ وجوب ثبات الرجل لعشرة، ونسخ وجوب الامساك بعد
# PageV03P135
# الفطر في الليل (1) ونسخ تحريم ادخار لحوم الأضاحي (2) وكل ذلك من غير
~~بدل إلى غير ذلك من الاحكام التي نسخت لا إلى بدل. والوقوع في الشرع أدل
~~الدلائل على الجواز الشرعي.
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وهو قوله تعالى: * (ما
~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * أخبر أنه لا ينسخ إلا
~~ببدل، والخلف في خبر الصادق محال.
# قلنا: ما ذكروه إنما هو دليل لزوم البدل في نسخ لفظ الآية، وليس فيه
~~دلالة على نسخ حكمها، وذلك هو موضع الخلاف سلمنا دلالة ما ذكروه على نسخ
~~الحكم، لكن لا نسلم العموم في كل حكم وإن سلمنا، ولكنه مخصص بما ذكرناه من
~~الصور.
# سلمنا أنه غير مخصص، لكن ما المانع أن يكون رفع الحكم بدل إثباته، وهو
~~خير منه في الوقت الذي نسخ فيه، لكون المصلحة في الرفع دون الاثبات، وإن
~~سلم امتناع وقوع ذلك شرعا، لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي.
# PageV03P136
# المسألة الخامسة وكما يجوز نسخ حكم الخطاب من غير بدل كما بيناه، يجوز
~~نسخه إلى بدل أخف منه كنسخ تحريم الاكل بعد النوم في ليل رمضان إلى حله
~~وإلى بدل مماثل، كنسخ وجوب التوجه إلى القدس، بالتوجه إلى الكعبة وهذان مما
~~لا خلاف فيهما عند القائلين بالنسخ.
# وإنما الخلاف في نسخ الحكم إلى بدل أثقل منه.
# ومذهب أكثر أصحابنا وجمهور المتكلمين والفقهاء جوازه، خلافا لبعض أصحاب
~~الشافعي وبعض أهل الظاهر ومنهم من أجازه عقلا، ومنع منه سمعا.
# ودليل جوازه عقلا ما سبق في المسألة المتقدمة.
# ودليل الجواز الشرعي وقوع ذلك في الشرع.
# فمن ذلك أن الله تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الاسلام، مخيرا بينه
~~وبين الفداء بالمال، ونسخه بتحتم الصوم، وهو أثقل من الأول ms611 (1).
# ومن ذلك أن الله تعالى أوجب في ابتداء الاسلام الحبس في البيوت والتعنيف
~~حدا على الزنا، ونسخه بالضرب بالسياط والتغريب عن الوطن في حق البكر،
~~وبالرجم بالحجارة في حق الثيب، (2) ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان (3).
# وكل ذلك أثقل من الأول.
# PageV03P137
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه. وبيانه من جهة العقل،
~~والسمع أما من جهة العقل، فهو أن النسخ إما أن يكون لا لمصلحة أو لمصلحة:
# فإن كان الأول، فهو عبث وقبيح، فلا يكون جائزا على الشارع.
# وإن كان لمصلحة: فإما أن تكون أدنى من مصلحة المنسوخ، أو مساوية لها، أو
~~راجحة عليها:
# فإن كان الأول فهو أيضا ممتنع، لما فيه من إهمال أرجح المصلحتين واعتبار
~~أدناهما وإن كان الثاني، فليس الناسخ أولى من المنسوخ، فلم يبق غير الثالث.
# وإذا كان النسخ إنما يكون للأصلح والأنفع والأقرب إلى حصول الطاعة، وذلك
~~(1) إنما يكون بنقل المكلفين من الأشد إلى الأخف، ومن الأصعب إلى الأسهل،
~~لكونه أقرب إلى حصول الطاعة، وأسهل في الانقياد، وإذا كان بالعكس، كان
~~إضرارا بالمكلفين، لأنهم إن فعلوا، التزموا المشقة الزائدة.
# وإن تركوا استضروا بالعقوبة والمؤاخذة، وذلك غير لائق بحكمة الشارع.
# وأما من جهة السمع، فنصوص:
# أولها قوله تعالى: * (يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الانسان ضعيفا) * (4)
~~النساء: 28) ولا تخفيف في نسخ الأخف إلى الأثقل.
# وثانيها قوله تعالى: * (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) * (2)
~~البقرة: 185) وفي نسخ الأخف إلى الأثقل إرادة العسر، وفيه تكذيب خبر
~~الصادق.
# وثالثها قوله تعالى: * (ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم) * (7)
~~الأعراف: 157) والإصر هو الثقل، أخبر أنه يضع عنهم الثقل الذي حمله للأمم
~~قبلهم، فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه كان تكذيبا لخبره تعالى، وهو محال.
# ورابعها قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)
~~* (2) البقرة: 106)
# PageV03P138
# وليس المراد منه أنه يأتي بخير من الآية في نفسها، إذ القرآن كله خير، لا
~~تفاضل فيه، وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا، وذلك هو ms612 الأخف
~~والأسهل في الاحكام (1).
# والجواب عن المعقول أن ما ذكروه لازم عليهم في ابتداء التكليف، ونقل
~~الخلق من الإباحة والاطلاق إلى مشقة التكليف، وكذلك في نقلهم من الصحة إلى
~~السقم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن الجدة إلى العدم، وإعدام القوي والحواس
~~بعد وجودها، فإن ما نقلهم إليه أشق عليهم مما نقلهم عنه. وكل ما ذكروه فهو
~~بعينه لازم ها هنا، وما هو الجواب في صورة الالزام فهو جوابنا في محل
~~النزاع.
# وعن الآية الأولى أنه لا عموم فيها حتى يلزم من ذلك إرادة التخفيف في كل
~~شئ، وبتقدير العموم، فليس فيه ما يدل على إرادة التخفيف على الفور، بل جاز
~~أن يكون المراد من ذلك التخفيف في المآل برفع أثقال الآخرة، والعقاب على
~~المعاصي، بما يحصل لنا من الثواب الجزيل على الأعمال الشاقة علينا في
~~الدنيا وعلى طباعنا، تسمية للشئ بعاقبته (2) ومنه قوله تعالى: * (فما
~~أصبرهم على النار) * (2) البقرة: 175) وقوله تعالى: * (إنما يأكلون في
~~بطونهم نارا) * (4) النساء: 10) ومنه يقال (لدوا للموت وابنوا للخراب) (3)
~~وبتقدير إرادة الفور، فلا يمتنع التخصيص، كما خص بأثقال تكاليفه المبتدأة
~~وابتلائه في الأبدان والأموال، كما سبق تقريره. وما ذكرناه من الأدلة
~~الدالة على وقوع ذلك صالح لتخصيص هذه الآية.
# وعن الآية الثانية أنه يجب حملها على ما فيه اليسر والعسر بالنظر إلى
~~المآل حتى لا يلزم منه كثرة التخصيص بابتداء التكاليف، وما وقع به الابتلاء
~~في الدنيا في الأبدان والأموال.
# PageV03P139
# ولا يخفى أن التكليف بما هو أشق في الدنيا إذا كان ثوابه المآل أكثر
~~وأدفع للعقاب المجتلب بالمعاصي أنه يسر لا عسر. وإن سلمنا أن المراد به
~~إرادة اليسر وعدم إرادة العسر العاجل، لكنه يجب تخصيصه بما ذكرناه جمعا بين
~~الأدلة.
# وعن الآية الثالثة أنه لا يلزم من وضع الإصر والثقل الذي كان على من
~~قبلنا عنا، امتناع ورود نسخ الأخف بالأثقل في شرعنا.
# وعن الآية الرابعة: أنه لو كان ذلك عائدا إلى نسخ التلاوة، فلا حجة فيه
~~إذ النزاع إنما هو في نسخ الحكم الأخف ms613 بالأثقل وإن كان عائدا إلى نسخ حكم
~~الآية، فالخير في الأمور الدينية يرجع إلى ما هو أكثر في الثواب.
# ومنه يقال الفرض خير من النفل، بمعنى أنه أكثر في الثواب، وإن كان أشق من
~~النفل على النفس، وفي الأمور الدنيوية يرجع إلى ما هو خير في العاجل وأصلح
~~ولا يختص ذلك بالأسهل. ولهذا يحسن أن يقول الطبيب للمريض الجوع والعطش
~~أصلح، لك وخير من الشبع والري وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون التكليف بالأشق
~~أكثر ثوابا وأصلح في المآل، على ما قال تعالى: * (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ
~~ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله) * (9) التوبة: 120) إلى قوله: * (إلا كتب
~~لهم به عمل صالح) * (9) التوبة: 120) وقال تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة
~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (99) الزلزلة: 7 - 8) وقال تعالى:
~~* (جزاء بما كانوا يعملون) * (46) الأحقاف: 14) وقال (ص) لعائشة، رضي الله
~~عنها: ثوابك على قدر نصبك (1) فكان التكليف بالأشق خيرا من الأخف.
# PageV03P140
# المسألة السادسة اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم، وبالعكس،
~~ونسخهما معا خلافا لطائفة شاذة من المعتزلة. ويدل على ذلك العقل، والنقل.
# أما العقل فهو أن جواز تلاوة الآية حكم، ولهذا يثاب عليها بالاجماع.
# وقد قال (ص): من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات (1) وما
~~يترتب عليها من الوجوب والتحريم وغير ذلك حكم، وإذا كانا حكمين جاز أن يكون
~~إثباتهما مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت، وأن لا يكون إثبات أحدهما مصلحة
~~مطلقا وإثبات أحدهما مصلحة في وقت دون وقت، وإذا كان كذلك جاز رفعهما معا،
~~ورفع أحدهما دون الآخر، كما سبق تقريره.
# وأما النقل، أما نسخ التلاوة، والحكم فيدل عليه ما روت عائشة أنها قالت:
# كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات، فنسخت بخمس (2) وليس في المصحف عشر
~~رضعات محرمات، ولا حكمها، فهما منسوخان. وأما نسخ الحكم دون التلاوة، فكنسخ
~~حكم آية الاعتداد بالحول (3) ونسخ حكم آية الوصية للوالدين
# PageV03P141
# وأما نسخ التلاوة دون الحكم، فما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله ms614 عنه أنه
~~قال: كان فيما أنزل الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله
~~ورسوله فإنه منسوخ التلاوة دون الحكم.
# وهل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المحدث ويتلوها الجنب. فذلك مما
~~تردد الأصوليون فيه. والأشبه المنع من ذلك.
# فإن قيل: الحكم مع التلاوة ينزل منزلة العلم مع العالمية، والحركة مع
~~المتحركية والمنطوق مع المفهوم، وكما لا يمكن الانفكاك بين العلم والعالمية
~~والمنطوق مع المفهوم، فكذلك التلاوة مع حكمها.
# وأما ما يخص نسخ الحكم دون التلاوة، فهو أن الحكم إذا نسخ وبقيت التلاوة
~~كانت موهمة بقاء الحكم، وذلك مما يعرض المكلف إلى اعتقاد الجهل، والحكيم
~~يقبح منه ذلك.
# وأيضا إذا بقيت التلاوة دون حكمها، تبقى عرية عن الفائدة، ويمتنع خلو
~~القرآن عن الفائدة.
# وأما ما يخص نسخ التلاوة دون الحكم، فوجهان:
# الأول أن الآية ذريعة إلى معرفة الحكم، فإذا نسخت الآية دون الحكم، أشعر
~~ذلك بارتفاع الحكم، وفيه تعريض المكلف لاعتقاد الجهل، وهو قبيح من الشارع.
# الثاني أن نسخ التلاوة دون حكمها يكون عريا عن الفائدة، حيث إنه لم يلزم
~~من ذلك إثبات حكم ولا رفعه، وما عرى من التصرفات عن الفائدة كان عبثا
~~والعبث على الله محال.
# والجواب عن الأول: لا نسلم أولا أن العالمية مغايرة لقيام العلم بالذات،
~~ولا المتحركية مغايرة لقيام الحركة بالذات، ولا الملازمة بين المنطوق
~~والمفهوم، ليصح التمثيل. وإن سلمنا جميع ذلك، ولكن لا نسلم أن التلاوة مع
~~الحكم نازلة منزلة ما ذكروه، بل هي نازلة منزلة الامارة والعلامة على الحكم
~~في ابتداء ثبوته دون حالة دوامه. PageV03P142
# وعلى هذا فلا يلزم من انتفاء الامارة في طرف الدوام انتفاء ما دلت عليه.
# وذلك لا يلزم من انتفاء الحكم لدليل انتفاء الامارة الدالة عليه.
# وعن قولهم إن التلاوة إذا ثبتت بعد نسخ الحكم عرضت المكلف لاعتقاد الجهل
~~متى إذا نصب الله تعالى دليلا على نسخ الحكم، أو إذا لم ينصب؟ الأول ممنوع
~~والثاني مسلم. وذلك، لان الناظر إذا كان مجتهدا، عرف دليل النسخ، وإن كان ms615
~~مقلدا فغرضه تقليد المجتهد العارف بدليل النسخ. ثم وإن كان كما ذكروه، فلا
~~نسلم أن ذلك ممتنع في حق الله تعالى إلا على فاسد أصل من يقول بالتحسين
~~والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه (1).
# وعن قولهم إنه ليس في بقاء التلاوة فائدة بعد نسخ الحكم أن ذلك مبني على
~~رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو غير مسلم (2).
# وإن سلما ذلك، فلا يمتنع أن يكون الباري تعالى قد علم في ذلك حكمة استأثر
~~بها، ونحن لا نشعر بذلك وعن قولهم إن الآية إذا نسخت عرضت المكلف لاعتقاد
~~الجهل، إنما يلزم ذلك أن لو كان يلزم من انتفاء الدلالة على الحكم في
~~الدوام انتفاء الحكم، وهو غير مسلم، ولا يلزم من الدليل الدال على نسخ
~~التلاوة أن يكون دالا على نسخ الحكم.
# وعن قولهم إنه لا فائدة في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ما سبق في قولهم إن
~~بقاء التلاوة غير مفيد مع نسخ الحكم.
# PageV03P143
# المسألة السابعة فيما يتعلق بنسخ الاخبار.
# والنسخ إما أن يكون لنسخ الخبر أو لمدلوله وثمرته:
# فإن كان الأول فإما أن تنسخ تلاوته أو تكليفنا به بأن نكون قد كلفنا أن
~~نخبر بشئ فينسخ عنا التكليف بذلك الاخبار، وكل واحد من الامرين جائز من غير
~~خلاف بين القائلين بجواز النسخ، وسواء كان ما نسخت تلاوته ماضيا أو
~~مستقبلا، وسواء كان ما نسخ تكليف الاخبار به مما لا يتغير مدلوله، كالاخبار
~~بوجود الله تعالى وحدوث العالم.
# أو يتغير كالاخبار بكفر زيد وإيمانه، لان كل ذلك حكم من الأحكام الشرعية
~~فجاز أن يكون مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت آخر.
# لكن هل يجوز أن ينسخ تكليفنا بالاخبار عما لا يتغير، بتكليفنا بالاخبار
~~بنقيضه؟
# قالت المعتزلة: لا يجوز، لأنه كذب، والتكليف بالكذب قبيح، وهو غير متصور
~~من الشارع، وهو مبني على أصولهم في التحسين والتقبيح العقلي ووجوب رعاية
~~المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه. وعلى هذا، فلا مانع من نسخ
~~التكليف بالخبر، بنقيض الخبر.
# وأما إن كان النسخ لمدلول الخبر وفائدته، ms616 فذلك المدلول.
# إما أن يكون مما لا يتغير، كمدلول الخبر بوجود الاله سبحانه وحدوث
~~العالم، أو مما يتغير:
# فإن كان الأول فنسخه محال بالاجماع.
# وأما إن كان مدلوله مما يتغير، وسواء كان ماضيا، كالاخبار بما وجد من
~~إيمان زيد وكفره، أو مستقبلا، وسواء كان وعدا أو وعيدا، أو حكما شرعيا.
# فقد اختلف في رفعه ونسخه.
# فذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من المتكلمين والفقهاء
~~إلى امتناع رفعه.
# وذهب أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري إلى
~~جوازه.
# ومنهم من فصل بين الخبر الماضي والمستقبل، فمنعه في الماضي، وجوزه في
~~المستقبل. PageV03P144
# والمختار جوازه، ماضيا كان أو مستقبلا. وذلك لأنه إذا ما دل عليه، كان
~~الاخبار متكررا، والخبر عام فيه، فأمكن أن يكون الناسخ مبينا لاخراج بعض ما
~~تناوله اللفظ، وإن المراد بعض ذلك المذكور، كما في الأوامر والنواهي.
# قيل: الفرق بين الخبر وبين الأمر والنهي أن نسخ الخبر يؤذن بكونه كذبا
~~ولهذا فإنه لو قال أهلك الله زيدا ثم قال ما أهلك الله زيدا كان كذبا،
~~بخلاف الأمر والنهي. وإن سلمنا إمكان نسخ مدلول الخبر، لكن إذا كان مدلوله
~~حكما شرعيا تكليفا. أما إذا لم يكن كذلك، فلا. وذلك لأنه إذا كان حكمه
~~تكليفا كان الخبر في معنى الأمر والنهي. والامر يجوز نسخ حكمه، كما لو قال
~~أمرتكم ونهيتكم وأوجبت عليكم بخلاف ما إذا لم يكن كذلك.
# والجواب عن الأول أن ذلك إنما يفضي إلى الكذب، إن لو لم يمكن حمل الناسخ
~~على غير ما أريد من الخبر، وليس الامر كذلك على ما حققناه وأما إذا قال
~~أهلك الله زيدا فإهلاكه إنما لم يدخله النسخ، لأنه لا يتكرر حتى يمكن رفع
~~بعضه وتبقية البعض، بل إنما يقع دفعة واحدة، فلو أخبر عن عدمه مع اتحاده،
~~كان كذبا، لاتحاد المثبت والمنفي.
# وعن الثاني أنهم إن أرادوا بقولهم إن الخبر بالحكم الشرعي في معنى الامر
~~أن صيغته كصيغته، فهو خلاف الحسن: (1) وإن أرادوا به أنه يفيد إيجاب الفعل ms617
~~كما في الامر، فمسلم ولكن لا يلزم أن يكون هو هو، فإنه لا يلزم من اشتراك
~~شيئين مختلفين في لازم واحد عام لهما اتحادهما، وغايته، تسليم نسخ مدلول
~~بعض الاخبار، وليس فيه ما يدل على امتناع نسخ غيره مما قد بينا.
# PageV03P145
# المسألة الثامنة اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ القرآن بالقرآن،
~~لتساويه في العلم به ووجوب العمل، وذلك كما بيناه من نسخ الاعتداد بالحول
~~بأربعة أشهر وعشر، ونسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول بقوله *
~~(أأشفقتم) *. الآية (58) المجادلة: 13) ونسخ وجوب ثبوت الواحد للعشرة،
~~بقوله تعالى: * (الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا) * (8) الأنفال:
~~66) واتفقوا أيضا على جواز نسخ السنة المتواترة بالمتواترة منها، ونسخ
~~الآحاد منها بالمتواتر.
# ونسخ الآحاد بالآحاد كما روي أنه (ص)، حرم زيارة القبور بنهيه عنها ثم
~~نسخ ذلك بقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها (1) وكما روي عنه
~~(ص) أنه قال في شارب الخمر فإن شربها الرابعة فاقتلوه (2) فنسخ ذلك بما روي
~~عنه أنه حمل إليه من شربها الرابعة فلم يقتله.
# وأما نسخ المتواتر منها بالآحاد، فقد اتفقوا على جوازه عقلا، واختلفوا في
~~وقوعه سمعا. فأثبته داود وأهل الظاهر، ونفاه الباقون.
# وقد احتج النافون لذلك بالاجماع، والمعنى:
# PageV03P146
# أما الاجماع: فما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لا ندع كتاب
~~ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت (1).
# وأيضا ما روي عن علي رضي الله عنه، أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا
~~بقول أعرابي بوال على عقبيه (2).
# ووجه الاحتجاج به أنهما لم يعملا بخبر الواحد، ولم يحكما به على القرآن،
~~وما ثبت من السنة تواترا، وكان ذلك مشتهرا فيما بين الصحابة ولم ينكر
~~عليهما منكر، فكان ذلك إجماعا.
# وأما المعنى: فهو أن الآحاد ضعيف، والمتواتر أقوى منه، فلا يقع الأضعف في
~~مقابلة الأقوى (3).
# ولقائل أن يقول: عدم قبول خبر الواحد فيما ذكر لا يمنع من قبول خبر
~~الواحد مطلقا، وذلك لأنه لا مانع أن يكون امتناع قبوله لعدم ms618 حصول الظن
~~بصدقه.
# ولهذا قال عمر لا ندري أصدقت أم كذبت وقال علي في الأعرابي ما قال وإلا
~~فكيف يمكن القول بعدم قبول خبر الواحد مع ما بينا من كون خبر الواحد حجة،
~~ومع ما بيناه من جواز تخصيص التواتر بالآحاد (4).
# وما ذكروه من المعنى فهو باطل بالتخصيص على ما سبق.
# PageV03P147
# كيف، وإنه وإن كان أضعف من المتواتر من جهة كونه آحادا إلا أنه أقوى من
~~المتواتر من جهة كونه خاصا، والمتواتر عاما. والظن الحاصل من الخاص إذا كان
~~آحادا أقوى من الظن الحاصل من العام المتواتر، لان تطرق الضعف إلى الواحد
~~من جهة كذبه واحتمال غلطه، وتطرق الضعف إلى العام من جهة تخصيصه، واحتمال
~~إرادة بعض ما دل عليه دون البعض، واحتمال تطرق التخصيص إلى العام أكثر من
~~تطرق الخطأ والكذب إلى العدل، فكان الظن المستفاد من خبر الواحد أقوى.
# وأما المثبتون فقد احتجوا بالنقل، والمعنى.
# أما النقل فمن وجهين:
# الأول: أن وجوب التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة المتواترة، لأنه
~~لم يوجد في الكتاب ما يدل عليه، وإن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس،
~~بناء على السنة المتواترة، فلما نسخ جاءهم منادي رسول الله (ص) فقال لهم:
# (إن القبلة قد حولت) (1) فاستداروا بخبره والنبي (ص)، لم ينكر عليهم، فدل
~~على الجواز.
# الثاني: أن النبي (ص) كان ينفذ الآحاد إلى أطراف البلاد لتبليغ الناسخ
~~والمنسوخ ولولا قبول خبر الواحد في ذلك، لما كان قبوله واجبا. وأما المعنى
~~فمن وجهين:
# الأول أن النسخ أحد البيانين، فكان جائزا بخبر الواحد كالتخصيص.
# الثاني: أن نسخ القرآن بخبر الواحد جائز على ما سيأتي بيانه، فنسخ السنة
~~المتواترة به أولى (2).
# PageV03P148
# ولقائل أن يقول: أما قصة أهل قبا فمن أخبار الآحاد، ولا نسلم ثبوت مثل
~~هذه القاعدة به. كيف وإنه يحتمل أن يكون قد اقترن بقوله قرائن أوجبت العلم
~~بصدقه من قربهم من مسجد رسول الله (ص)، وسماعهم لضجة الخلق في ذلك فكان
~~نازلا منزلة الخبر المتواتر (1).
# وأما تنفيذ الآحاد للتبليغ فإنما يجوز ms619 فيما يجوز فيه خبر الواحد وما لا
~~فلا (2).
# وما ذكروه من المعنى الأول فحاصله يرجع إلى قياس النسخ على التخصيص، وهو
~~إنما يفيد في الأمور الظنية، فلم قالوا إنما نحن فيه من هذا القبيل (3).
# كيف والفرق حاصل، وذلك أن النسخ رفع لما ثبت بخلاف التخصيص على ما سبق
~~معرفته (4) فلم قالوا بأنه إذا قبل: خبر الواحد فيما لا يقتضي الرفع لما
~~ثبت يقبل في رفع ما ثبت.
# وأما المعنى الثاني، فلا نسلم صحة نسخ القرآن بخبر الواحد على ما يأتي.
# PageV03P149
# المسألة التاسعة المنقول عن الشافعي رضي الله عنه، في أحد قوليه إنه لا
~~يجوز نسخ السنة بالقرآن.
# ومذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء جوازه عقلا، ووقوعه شرعا.
# احتج المثبتون على الجواز العقلي والوقوع الشرعي.
# أما الجواز العقلي: فهو أن الكتاب والسنة وحي من الله تعالى، على ما قال
~~تعالى * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * غير أن الكتاب متلو،
~~والسنة غير متلوة، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلا. ولهذا،
~~فإنا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل القرآن ناسخا للسنة لما لزم عنه لذاته محال
~~عقلا.
# وأما الوقوع الشرعي فيدل عليه أمور الأول: أن النبي (ص)، صالح أهل مكة
~~عام الحديبية على أن من جاءه مسلما رده، حتى إنه رد أبا جندل وجماعة من
~~الرجال فجاءت امرأة فأنزل الله تعالى * (فإن علمتموهن مؤمنات، فلا ترجعوهن
~~إلى الكفار) * (60) الممتحنة: 10) وهذا قرآن نسخ ما صالح عليه رسول الله
~~(ص)، وهو من السنة.
# الثاني: أن التوجه إلى بيت المقدس لم يعرف إلا من السنة (1) وقد نسخ
~~بقوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * (2) البقرة: 144) ولا يمكن
~~أن يقال بأن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما بالقرآن، وهو قوله: * (فثم
~~وجه الله) * (2) البقرة: 115) لان قوله (فثم وجه الله) تخيير بين القدس
~~وغيره من الجهات. والمنسوخ إنما هو وجوب التوجه إليه عينا:
# وذلك غير معلوم من القرآن.
# الثالث: أن المباشرة في الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة، وقد نسخ ذلك
~~بقوله تعالى: ms620 * (فالآن باشروهن) * (2) البقرة: 187).
# الرابع: أن صوم عاشوراء كان واجبا بالسنة، ونسخ بصوم رمضان في قوله تعالى
~~* (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (2) البقرة: 185).
# الخامس: أن تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال كان جائزا بالسنة. ولهذا قال
# PageV03P150
# يوم الخندق، وقد أخر الصلاة حشا الله قبورهم نارا، لحبسهم له عن الصلاة
~~(1) وقد نسخ ذلك الجواز بصلاة الخوف الواردة في القرآن.
# فإن قيل: ما ذكرتموه من صور نسخ السنة بالقرآن، ما المانع أن يكون الحكم
~~في جميع ما ذكرتموه ثابتا بقرآن نسخ رسمه، وبقي حكمه؟ وإن سلمنا أنه ثابت
~~بالسنة، ولكن ما المانع أن يكون النسخ وقع بالسنة، ودلالة ما ذكرتموه من
~~الآيات على أحكامها ليس فيه ما يدل على عدم ارتفاع الاحكام السابقة بالسنة.
# ويدل على أن الامر على ما ذكرناه أن الشافعي كان من أعلم الناس بالناسخ
~~والمنسوخ وأحكام التنزيل، وقد أنكر نسخ السنة بالقرآن، ولولا أن الامر على
~~ما ذكرناه لما كان إنكاره صحيحا. ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على نسخ
~~السنة بالقرآن غير أنه معارض بالنص والمعقول.
# أما النص: فقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44)
~~جعل السنة بيانا، فلو نسخت لخرجت عن كونها بيانا، وذلك غير جائز.
# وأما المعقول فمن وجهين: الأول أنه لو نسخت السنة بالقرآن، لزم تنفير
~~الناس عن النبي (ص)، وعن طاعته لايهامهم أن الله تعالى لم يرض ما سنه
~~الرسول، وذلك مناقض لمقصود البعثة ولقوله تعالى * (وما أرسلنا من رسول إلا
~~ليطاع بإذن الله) *.
# الثاني: أن السنة ليست من جنس القرآن لان القرآن معجزة ومتلو ومحرم
~~تلاوته على الجنب، ولا كذلك السنة، وإذا لم يكن القرآن من جنس السنة امتنع
~~نسخه لها كما يمتنع نسخ القرآن بحكم دليل العقل، وبالعكس.
# PageV03P151
# والجواب عن السؤال الأول أن إسناد إثبات ما ذكرناه من الاحكام المنسوخة
~~إلى ما وجد من السنة من أفعال النبي (ص)، وأقواله وتقريراته صالح لاثباتها،
~~وقد اقترن بها الاثبات، فكان الاثبات مستندا إليها، وكذلك الكلام في إسناد
~~نسخها إلى ما وجد من الآيات الصالحة ms621 للنسخ من ترتب النسخ عليها، فبتقدير
~~(1) وجود خطاب آخر يكون إسناد الأحكام المذكورة إليه بتقدير نسخه وكذلك
~~تقدير وجود سنة ناسخة لها مع عدم الاطلاع عليها وإمكان إسناد نسخها إلى ما
~~وجد من الآيات الصالحة لنسخها من غير ضرورة يكون ممتنعا.
# ولو فتح هذا الباب، لما استقر لاحد قدم في إثبات ناسخ ولا منسوخ، لان ما
~~من ناسخ يقدر إلا ويحتمل أن يكون الناسخ غيره، وما من منسوخ حكمه يقدر إلا
~~ويحتمل أن يكون إسناد ذلك الحكم إلى غيره، وهو خلاف إجماع الأمة في
~~الاكتفاء بالحكم على كون ما وجد من الخطاب الصالح لنسخ الحكم هو الناسخ وأن
~~ما وجد من الدليل الصالح لاثبات الحكم هو المثبت، وإن احتمل إضافة الحكم
~~والنسخ إلى غير ما ظهر، مع عدم الظفر به بعد البحث التام عنه. وعن المعارضة
~~بالنص من وجهين:
# الأول: أن المراد بقوله * (لتبين للناس) * (16) النحل: 44) إنما هو
~~التبليغ وذلك يعم تبليغ الناس من القرآن وغيره، وليس فيه ما يدل على امتناع
~~كون القرآن ناسخا للسنة.
# الثاني: وإن سلمنا أن المراد بقوله (لتبين للناس) إنما هو بيان المجمل
~~والعام والمطلق والمنسوخ، لكن لا نسلم دلالة ذلك على انحصار ما ينطق به في
~~البيان بل جاز مع كونه مبينا أن ينطق بغير البيان، ويكون محتاجا إلى بيان.
# وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه.
# الأول: أن ذلك إنما يصح أن لو كانت السنة من عند الرسول من تلقاء نفسه
~~وليس كذلك، بل إنما هي من الوحي على ما قال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن
~~هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3).
# الثاني: أنه لو امتنع نسخ السنة بالقرآن لدلالته على أن ما شرعه أولا غير
~~مرضي لامتنع نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وهو خلاف إجماع القائلين
~~بالنسخ.
# PageV03P152
# الثالث: أن ما ذكروه إنما يدل على أن المشروع أولا غير مرضي أن لو كان
~~النسخ رفع ما ثبت أولا، وليس كذلك، بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على أن
~~الشارع لم يرد ms622 بخطابه الأول ثبوت الحكم في وقت النسخ دون ما قبله.
# وعن المعارضة الثانية: أنه لا يلزم من اختلاف جنس السنة والقرآن بعد
~~اشتراكهما في الوحي بما اختص بكل واحد منهما امتناع نسخ أحدهما بالآخر.
# وعلى هذا، فنقول القرآن يكون رافعا لحكم الدليل العقلي، وإن لم يسم
~~ناسخا.
# المسألة العاشرة: قطع الشافعي وأكثر أصحابه وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ
~~الكتاب بالسنة المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.
# وأجاز ذلك جمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة، ومن الفقهاء مالك
~~وأصحاب أبي حنيفة وابن سريج، واختلف هؤلاء في الوقوع.
# والمختار جوازه عقلا، لما ذكرناه في المسألة المتقدمة.
# وأما الوقوع فقد احتج القائلون به بأن الوصية للوالدين والأقربين نسخت
~~بقوله (ص) (ألا لا وصية لوارث (1)).
# قالوا: ولا يمكن أن يقال بأن الناسخ للوصية آية الميراث، لان الجمع ممكن
~~من حيث إن الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب، وهو ضعيف لما فيه من نسخ حكم
~~القرآن المتواتر بخبر الآحاد، وهو ممتنع على ما يأتي (2) ولأنه لا يلزم من
~~كون الميراث مانعا من الوصية للوارث أن يكون مانعا من الوصية لغير الوارث.
# واحتجوا أيضا بأن جلد الزاني الثابت بقوله تعالى: * (الزانية والزاني
~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24) النور: 2) نسخ بالرجم الثابت
~~بالسنة، وهو ضعيف لما فيه من نسخ القرآن بآحاد السنة، وهو ممتنع على ما
~~يأتي (3)، وفي حق الشيخ والشيخة من جهة أنه أمكن
# PageV03P153
# أن يقال إن نسخ الجلد بالرجم إنما كان بقرآن نسخ رسمه، وهو ما روي عن عمر
~~أنه قال (كان فيما أنزل الله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة
~~نكالا من الله ورسوله (1).
# ولا يمكن أن يقال إن ذلك لم يكن قرآنا بما روي عن عمر أنه قال (لولا أنني
~~أخشى أن يقال: زاد عمر في القرآن ما ليس منه لكتبت: الشيخ والشيخة إذا زنيا
~~على حاشية المصحف (2) وذلك يدل على أنه لم يكن قرآنا لأنا نقول: غاية قول
~~عمر الدلالة على إخراج ذلك عن المصحف والقرآن لنسخ تلاوته، ms623 وليس فيه دلالة
~~على أنه لم يكن قرآنا.
# فإن قيل (الشيخ والشيخة) لم يثبت بالتواتر، بل بقول عمر، ونسخ المتواتر
~~بالآحاد ممتنع على ما يأتي، وسواء كان ذلك قرآنا أو سنة.
# PageV03P154
# قلنا: والسنة وهو رجم النبي (ص)، للزاني لم يثبت بالتواتر، بل بطريق
~~الآحاد.
# وغايته أن الأمة مجمعة على الرجم، والاجماع ليس بناسخ، بل هو دليل وجود
~~الناسخ المتواتر، وليس إحالته على سنة متواترة لم تظهر لنا أولى من إحالته
~~على قرآن متواتر لم يظهر لنا تواتره بسبب نسخ تلاوته (1).
# وأما النافون لذلك فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية:
# أما النقلية فمن خمسة أوجه.
# الأول: قوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) وصف
~~نبيه بكونه مبينا، والناسخ رافع، والرافع غير البيان.
# الثاني: قوله تعالى: * (وإذا بدلنا آية مكان آية) * (16) النمل: 101)
~~أخبر أنه إنما يبدل الآية بالآية، لا بالسنة.
# PageV03P155
# الثالث: أن المشركين عند تبديل الآية مكان آية، قالوا (إنما أنت مفتر)
~~فأزال الله تعالى وهمهم بقوله * (قل نزله روح القدس من ربك بالحق) * (16)
~~النحل: 102) وذلك يدل على أن التبديل لا يكون إلا بما نزله روح القدس
~~الرابع: قوله تعالى: * (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو
~~بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) *
~~(10) يونس: 15) وهو دليل على أن القرآن لا ينسخ بغير القرآن.
# الخامس قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها،
~~ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) وذلك يدل على أن
~~الآية لا تنسخ إلا بآية.
# وبيانه من وجوه الأول: أنه قال: * (نأت بخير منها أو مثلها) * (2)
~~البقرة: 106) والسنة ليست خيرا من القرآن، ولا مثله.
# الثاني: أن الله تعالى وصف نفسه بأنه الذي يأتي بخير منها، وذلك لا يكون
~~إلا والناسخ قرآن لا سنة.
# الثالث: وصف البدل بأنه خير، أو مثل وكل واحد من الوصفين يدل على أن
~~البدل من جنس المبدل أما المثل فظاهر وأما ما هو خير. فلانه ms624 لو قال القائل
~~لغيره (لا آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه) فإنه يفيد أنه يأتيه بدرهم
~~خير من الأول.
# الرابع: قوله * (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) دل
~~على أن الذي يأتي به هو المختص بالقدرة عليه وذلك هو القرآن دون غيره.
# وأما من جهة المعقول فمن وجهين:
# الأول: أن السنة إنما وجب اتباعها بالقرآن، في قوله تعالى: * (وما أتاكم
~~الرسول فخذوه) * (59) الحشر: 7) وقوله (فاتبعوه) وذلك يدل على أن السنة فرع
~~القرآن، والفرع لا يرجع إلى أصله بالابطال والاسقاط، كما لا ينسخ القرآن
~~والسنة بالفرع المستنبط منهما وهو القياس الثاني: أن القرآن أقوى من السنة،
~~ودليله من ثلاثة أوجه.
# الأول: قول النبي (ص)، لمعاذ بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟
# قال: بسنة رسول الله قدمه في العمل به على السنة، والنبي (ص)، أقره على
~~ذلك.
# وذلك دليل قوته.
# الثاني: أنه أقوى من جهة لفظه، لأنه معجز، والسنة ليست معجزة.
~~PageV03P156
# الثالث: أنه أقوى من جهة حكمه حيث اعتبرت الطهارة في تلاوته عن الجنابة
~~والحيض، وفى مس مسطوره مطلقا، والأقوى لا يجوز رفعه بالأضعف.
# والجواب عن الآية الأولى من ثلاثة أوجه الأول: أنه يجب حمل قوله (لتبين
~~للناس) على معنى لتظهر للناس لكونه أعم من بيان المجمل، والعموم، لأنه
~~يتناول إظهار كل شئ حتى المنسوخ، وإظهار المنسوخ أعم من إظهاره بالقرآن.
# الثاني: أن نسخ حكم الآية بيان لها فيدخل في قوله * (لتبين للناس) *
~~وتبين القرآن أعم من تبيينه بالقرآن.
# الثالث: أنه وإن لم يكن النسخ بيانا غير أن وصف النبي (ص)، بكونه مبينا
~~لا يخرجه عن اتصافه بكونه ناسخا. وعن الآية الثانية من وجهين:
# الأول: أنها ظاهرة في تبديل رسم آية بآية، النزاع إنما هو في تبديل حكم
~~الآية، وليس فيه ما يدل على تبديل حكمها بآية أخرى.
# الثاني: أن الله تعالى أخبر أنه إذا بدل آية مكان آية قالوا إنما أنت
~~مفتر، وليس في ذلك ما يدل على أن تبديل الآية لا يكون إلا ms625 بآية. وذلك كما
~~لو قال القائل لغيره (إذا أكلت في السوق سقطت عدالتك) فإن ذلك لا يدل على
~~أنه لا يأكل في السوق.
# وعن قوله * (قل نزله روح القدس) * (16) النحل: 102) أن ذلك لا يدل عل
~~امتناع نسخ القرآن بالسنة إلا أن تكون السنة لم ينزل بها روح القدس. وليس
~~كذلك، إذ السنة من الوحي، وإن كانت لا تتلى على ما سبق تقريره.
# وعن الآية الرابعة من وجهين: الأول: أن قوله * (إن أتبع إلا ما يوحى إلي)
~~* (6) الانعام: 50) أي في تبديل آية مكان آية وليس فيه ما يدل على امتناع
~~تبديل حكم الآية.
# الثاني: أن النسخ، وإن كان بالسنة، فهي من الوحي على ما تقدم، فلم يكن
~~متبعا، إلا ما يوحى إليه به. وعن الآية الأخيرة من ثلاثة أوجه:
# الأول لا نسلم دلالتها على امتناع نسخ حكم الآية بغير الآية.
# قولهم: في الوجه الأول إن السنة ليست خيرا من القرآن ولا مثله.
~~PageV03P157
# قلنا: قوله * (ما ننسخ من آية) * (2) البقرة: 106) إما ان يراد به نسخ
~~رسمها، أو نسخ حكمها.
# فإن كان الأول فهو ممتنع، فإنه وصف البدل بكونه خيرا منها، والقرآن خير
~~كله ولا يفضل بعضه على بعض (1). وإن كان الثاني فذلك يدل على أن الحكم
~~الناسخ يكون خيرا من الحكم المنسوخ أو مثله.
# ونحن نقول إنه لا يمتنع أن يكون الحكم الناسخ، أصلح في التكليف وأنفع
~~للمكلف.
# وأما الوجه الثاني فلا دلالة فيه لان السنة إذا كانت ناسخة فالآتي بما هو
~~خير إنما هو الله تعالى، والرسول مبلغ، ولا يدل ذلك على أن الناسخ لا يكون
~~إلا قرآنا بل الاتيان بما هو خير أعم من ذلك.
# وأما الوجه الثالث، فلا دلالة فيه على لزوم المجانسة بين الآية المنسوخ
~~حكمها وبين ناسخه، لأنه وصفه بكونه خيرا، والقرآن لا تفاوت فيه، على ما
~~سبق، فعلم أن المفاضلة والمماثلة إنما هي راجعة إلى الحكم المنسوخ والحكم
~~الناسخ على ما سبق.
# وعلى هذا، فلا نسلم أنه إذا قال له ما آخذ منك درهما إلا وآتيك ms626 بخير منه
~~أنه يدل على المجانسة، فإن ما هو خير أعم من الجنس، فكأنه قال آتيك بشئ هو
~~خير مما أخذت منك والمذكور أولا. وإن كان هو الآية والضمير في قوله بخير
~~منها، وإن كان عائدا إليها فلا يلزم منه المجانسة بين المضمر والمظهر.
# وأما الوجه الرابع، فنحن قائلون بموجبه، فإن المتمكن من إزالة الحكم بما
~~هو خير منه إنما هو الله عز وجل.
# الوجه الثاني أن الآية تدل على أنه لا بد في نسخ كل آية من الاتيان بآية
~~هي خير منها أو مثلها ضرورة الاخبار، ولكن ليس في ذلك دلالة على أن الآية
~~المأتي بها هي الناسخة لامكان أن يكون بدلا عن الآية الأولى وإن كان الناسخ
~~غيرها.
# PageV03P158
# الثالث: أن ظاهر الآية يتناول نسخ رسم الآية، والأصل تنزيل اللفظ على
~~حقيقته، وفي حمله على نسخ الحكم، صرفه إلى جهة المجاز، وهو خلاف الأصل
~~والنزاع إنما وقع في نسخ الحكم، لا في نسخ الرسم.
# وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه.
# الأول أن ذلك إنما يمتنع إن لو كانت السنة رافعة لما هي فرع عليه من
~~القرآن وليس كذلك بل ما هي فرع عليه غير مرفوع بها، وما هو مرفوع بها ليست
~~فرعا عليه.
# الثاني: أن ما ذكروه حجة عليهم، فإن القرآن قد دل على وجوب الاخذ بما
~~يأتي به الرسول ووجوب اتباعه، فإذا أتى بنسخ حكم الآية، ولم يتبع، كان على
~~خلاف ما ذكروه.
# الثالث: أن السنة ليست رافعة للقرآن، وإنما هي رافعة لحكمه، وحكمه ليس
~~أصلا لها، فإذا المرتفع ليس هو الأصل وما هو الأصل غير مرتفع.
# وعن المعارضة الثانية أن القرآن، وإن كان معجزا في نظمه وبلاغته، ومتلوا
~~ومحترما، فليس فيه ما يدل على أن دلالة كل آية منه أقوى من دلالة غيره من
~~الأدلة، ولهذا، فإنه لو تعارض عام من الكتاب وخاص من السنة المتواترة، كانت
~~السنة مقدمة عليه وكذلك أيضا لو تعارضت آية ودليل عقلي، فإن الدليل العقلي
~~يكون حاكما عليها وكذلك ms627 الاجماع وكثير من الأدلة على ما يأتي في الترجيحات.
# وعلى هذا، فلا يمتنع رفع حكم الآية بدليل السنة.
# كيف وإن السنة الناسخة ليست معارضة ولا نافية لمقتضى الآية، بل مبينة
~~ومخصصة على ما سبق (1).
# PageV03P159
# المسألة الحادية عشرة اختلفوا في جواز نسخ الحكم الثابت بالاجماع: فنفاه
~~الأكثرون، وأثبته الأقلون.
# والمختار مذهب الجمهور، ودليله أن ما وجد من الاجماع بعد رسول الله (ص)
~~وانقراض زمن الوحي لو نسخ حكمه فإما أن يكون بنص من كتاب أو سنة، أو بإجماع
~~آخر، أو قياس:
# لا جائز أن يكون بنص، لان ذلك النص لا بد وأن يكون موجودا في زمن النبي
~~(ص) سابقا على هذا الاجماع، لاستحالة حدوث نص بعد وفاة رسول الله (ص) ولو
~~كان ذلك النص متقدما على الاجماع، لكان إجماعهم على خلاف مقتضاه خطأ، وهو
~~غير متصور من الأمة ولا جائز أن يكون بإجماع آخر لان الاجماع الثاني إما أن
~~يكون بناء على دليل رافع لحكم الاجماع الأول، أو لا بناء على دليل، فإن لم
~~يكن مبينا على دليل، كان خطأ والأمة مصونة عنه، وإن كان ذلك بدليل، فذلك
~~الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا لا جائز أن يكون نصا لأنه لا بد وأن يكون
~~متقدما على الاجماعين متحققا في زمن النبي (ص)، ويلزم من ذلك الخطأ في
~~الاجماع الأول، وهو محال.
# ولا جائز أن يكون قياسا، لأنه لا بد له من أصل، والحكم في ذلك الأصل إما
~~أن يكون بدليل متجدد بعد الاجماع الأول، أو سابق عليه: فإن كان بدليل متجدد
~~فهو إما إجماع أو قياس، لاستحالة تجدد النص، فإن كان إجماعا فلا بد له من
~~دليل، وذلك الدليل لا بد وأن يكون نصا أو قياسا على أصل آخر، فإن كان قياسا
~~على أصل آخر، فالكلام في ذلك الأصل كالكلام في الأول، فإما أن يتسلسل أو
~~ينتهي إلى أصل ثابت بالنص، والتسلسل محال، والثاني يلزم منه أن يكون النص
~~على أصل القياس سابقا على الاجماع الأول. وعند ذلك فصحة القياس ms628 عليه مشروطة
~~بعد الاجماع الأول على مناقضته، ونسخ الاجماع الأول به متوقف على صحته، وهو
~~دور ممتنع.
# هذا كله، إن كان دليل أصل القياس الذي هو مستند الاجماع متجددا. وإن كان
~~سابقا على الاجماع الأول، فعدول أهل الاجماع عنه دليل على عدم صحة القياس
~~عليه وإلا كان إجماعهم خطأ، وهو محال. PageV03P160
# وأما إن كان الناسخ لحكم الاجماع الأول هو القياس، فلا بد وأن يكون
~~مستندا إلى أصل ثابت بالنص، والكلام في نسخ النص به مما يفضي إلى الدور،
~~كما قررناه قبل.
# فإن قيل: فلو اختلفت الأمة في المسألة على قولين، فقد أجمعت على أن
~~المقلد له الاخذ بأي القولين شاء. ولو أجمعت بعد ذلك على أحد القولين، فقد
~~أجمعت على حصر (1) ما أجمعت أولا عل تجويزه، وهو نسخ حكم الاجماع بالاجماع.
# قلنا: نحن لا نسلم تصور انعقاد الاجماع الثاني على ما سبق في مسائل
~~الاجماع.
# المسألة الثانية عشرة مذهب الجمهور أن الاجماع لا ينسخ به، خلافا لبعض
~~المعتزلة وعيسى بن أبان (2).
# ودليل الامتناع أن المنسوخ به إما أن يكون حكم نص أو إجماع أو قياس:
# الأول محال، لان الاجماع إما أن يكون مستندا إلى دليل أو ليس مستندا إلى
~~دليل فإن لم يكن مستندا إلى دليل فهو خطأ.
# وإن كان مستندا إلى دليل، فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا لا جائز
~~أن يكون قياسا لما سنبينه بعد. وإن كان نصا فالناسخ ذلك النص، لا الاجماع
~~وإن قيل إن الاجماع ناسخ، فليس إلا بمعنى أنه يدل على الناسخ، وإن كان
~~ناسخا لحكم إجماع سابق، فهو باطل بما في المسألة التي قبلها. وإن كان ناسخا
~~لحكم قياس، فالقياس إما أن يكون صحيحا أو لا يكون صحيحا: فإن كان صحيحا،
~~فإجماع الأمة على خلاف مقتضاه، إن كان لا لدليل فهو خطأ، وإن كان لدليل،
~~فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا: فإن كان نصا فالرافع لحكم ذلك
~~القياس هو النص، وإن كان قياسا، فإما أن يكون راجحا على القياس الأول، ms629 أو
~~مرجوحا، أو مساويا: فإن كان راجحا، فالأول لا يكون مقتضاه ثابتا لان شرط
~~ثبوت الحكم رجحان مقتضيه، وكذلك إن كان مساويا، وإن كان القياس الأول
~~راجحا، فالاجماع على القياس الثاني خطأ، وهو ممتنع.
# PageV03P161
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنقل والمعنى.
# أما النقل فهو أن ابن عباس حين قال لعثمان كيف تحجب الام عن الثلث
~~بالأخوين والله تعالى يقول * (فإن كان له إخوة، فلأمه السدس) * (4) النساء:
~~11) والاخوان ليسا بإخوة؟ قال عثمان حجبها قومك يا غلام (1) وذلك دليل
~~النسخ بالاجماع.
# وأما المعنى، فهو أن الاجماع دليل من أدلة الشرع القطعية فجاز النسخ به
~~كالقرآن والسنة المتواترة.
# قلنا: أما قصة ابن عباس مع عثمان إنما يصح الاستدلال بها إن لو كان حكم
~~الام مع الأخوين منسوخا، وليس كذلك، إلا أن يكون الاخوان ليسا بإخوة، وليس
~~كذلك على ما سبق بيانه في مسائل العموم.
# وما ذكروه من المعنى فحاصله يرجع إلى إثبات كونه ناسخا بالقياس على النص،
~~وهو غير مسلم الصحة في مثل هذه المسائل، وإن كان صحيحا، غير أنه مما يمتنع
~~التمسك به لما بيناه.
# PageV03P162
# المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في نسخ حكم القياس:
# فمنهم من منع من ذلك مطلقا، كالحنابلة والقاضي عبد الجبار في بعض أقواله
~~مصيرا منهم إلى أن القياس إذا كان مستنبطا من أصل، فالقياس باق ببقاء الأصل
~~فلا يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله.
# ومنهم من جوز ذلك مطلقا، كأبي الحسين البصري، لكنه فصل بين القياس
~~الموجود في زمن النبي (ص)، والقياس الموجود بعده، فقال. إن كان القياس
~~موجودا في زمن النبي (ص)، بأن يكون قد نص على أصل كتنصيصه على تحريم بيع
~~البر، بالبر متفاضلا وتعبد الناس بقياس غير البر على البر بواسطة الكيل
~~مثلا بإمارة تدل عليه، فإذا قضى بتحريم بيع الأرز بناء على القياس على
~~البر، فلا يمتنع نسخه بالنص وبالقياس.
# أما النص: فبأن ينص بعد ذلك على إباحة بيع الأرز وينسخ تحريمه.
# وأما القياس، فبأن ينص على إباحة بيع بعض المأكولات ويتعبد بالقياس عليه
~~بواسطة ms630 كونه مأكولا بأمارة هي أقوى من الامارة الدالة على أن علة تحريم
~~البر هي الكيل.
# وإن كان القياس موجودا بعد النبي (ص)، بأن يكون قد اجتهد بعض المجتهدين
~~فأداه القياس إلى تحريم شئ بعد البحث عن الأدلة المعارضة وعدم الظفر بها ثم
~~اطلع بعد ذلك على نص أو إجماع متقدم، أو قياس أرجح من قياسه، فإنه يلزم من
~~ذلك رفع حكم قياسه الأول، وإن كان ذلك لا يسمى نسخا.
# قال، وهذا كله إنما يتم على القول بأن كل مجتهد مصيب، حيث إنه تعبد
~~بالقياس الأول، ثم رفع.
# وأما من لا يقول بأن كل مجتهد مصيب، فإنه لا يقول بتعبده بالقياس الأول
~~فرفعه لا يكون متحققا. وهذا جملة ما ذكره أبو الحسين.
# وأما نحن فنقول: العلة الجامعة في القياس إما أن تكون منصوصة، أو مستنبطة
~~بنظر المجتهد. PageV03P163
# فإن كانت منصوصة، فهي في معنى النص، وما مثل هذا القياس فليكن نسخ حكمه
~~بنص أو بقياس في معناه، ولو ذهب إليه ذاهب بعد النبي (ص) لعدم اطلاعه على
~~ناسخه بعد البحث عنه، فإنه وإن كان متعبدا باتباع ما أوجبه ظنه، فرفع حكمه
~~في حقه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخا متحددا، بل تبين أنه كان
~~منسوخا، وفرق بين الامرين.
# وأما إن كانت العلة الجامعة مستنبطة بنظر المجتهد، فحكمها في حقه غير
~~ثابت بالخطاب، فرفعه في حقه عند الظفر بدليل يعارضه، ويترجح عليه لا يكون
~~نسخا على قولنا إن النسخ رفع حكم خطاب، على ما قررناه، وإن كانت مشاركا
~~للنسخ في رفع الحكم وقطع استمراره، وسواء قلنا إن كل مجتهد مصيب أو لم نقل
~~بذلك.
# المسألة الرابعة عشرة اختلفوا في النسخ بالقياس على ثلاثة أقوال.
# ثالثها الفرق بين القياس الجلي والخفي، وهو قول أبي القاسم الأنماطي (1)
~~من أصحاب الشافعي.
# والمختار أنه إن كانت العلة الجامعة في القياس منصوصة، فهي في معنى النص
~~فيصح النسخ به.
# وإن كانت غير منصوصة، فإما أن يكون القياس قطعيا أو ظنيا بأن تكون العلة
~~فيه مستنبطة بنظر المجتهد. ms631
# فإن كان قطعيا، كقياس الأمة على العبد في تقويم الصيب على السيد المعتق
~~فإنه وإن كان مانعا من إثبات حكم دليل آخر كان نصا أو قياسا، فلا يكون ذلك
~~نسخا، وإن كان في معنى النسخ، لكونه ليس بخطاب، عل ما بيناه من أن النسخ
~~إنما هو الخطاب الدال على ارتفاع حكم خطاب آخر.
# وإن كان القياس ظنيا، فيمنع أن يكون ناسخا، لان المنسوخ حكمه:
# إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا: الأول والثاني محال، إن كان النص
~~والاجماع
# PageV03P164
# خاصا، لكون النص الخاص والاجماع مقدما على القياس الظني بالاتفاق، وإن
~~كان عاما، فلا نسخ، لان القياس ليس بخطاب على ما سبق. وإن كان قياسا، فلا
~~بد وأن يكون القياس الثاني راجحا على الأول.
# وعند ذلك، فتارة نقول إن القياس الأول لا يكون قياسا لعدم ترجحه، وإن
~~الترجح شرط في الاقتضاء، وتارة نقول إنه وإن لزم منه رفع حكمه، فهو في معنى
~~النسخ، ولكنه ليس بنسخ، لما بيناه من أن النسخ هو الخطاب الدال على ارتفاع
~~حكم خطاب. وهو غير متحقق فيما نحن فيه. وللمخالف شبهتان:
# الأولى قوله تعالى * (الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن
~~منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله)
~~* (8) الأنفال: 66) أوجب نسخ ثبات الواحد للعشرة، وليس مصرحا به، وإنما هو
~~منبه عليه، وذلك هو نفس نسخ حكم النص بالقياس.
# الثاني أنهم قالوا: النسخ أحد البيانين، فجاز بالقياس كالتخصيص.
# والجواب عن الأولى أنها إنما تصح إن لو كان ثبوت الواحد للاثنين الرافع
~~ثبوت الواحد للعشرة مستفادا من القياس، وليس كذلك، بل استفادته إنما هي من
~~نفس مفهوم اللفظ.
# وعن الثانية أنها منقوضة بالاجماع وبدليل العقل وبخبر الواحد، فإنه يخصص
~~به، ولا ينسخ به.
# المسألة الخامسة عشرة اتفق الكل على جواز النسخ بفحوى الخطاب، كدلالة
~~قوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * (17) الاسراء: 23) على تحريم الضرب
~~وغيره من أنواع الأذى، وعلى جواز نسخ حكمه.
# وإنما اختلفوا في جواز نسخ الأصل دون ms632 الفحوى، والفحوى دون الأصل.
# غير أن الأكثر على أن نسخ الأصل يفيد نسخ الفحوى، لان الفحوى تابع للأصل،
~~ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع.
# وأما نسخ الفحوى دون الأصل، فقد تردد فيه قول القاضي عبد الجبار، فجوزه
~~تارة نظر إلى أن ذلك جار مجرى التنصيص على تحريم التأفيف وتحريم
~~PageV03P165
# الضرب العنيف، فكأنه قال لا تقل لهما أف ولا تضربهما فرفع حكم أحدهما
~~يفيد رفع حكم الآخر، ومنع منه تارة، ووافقه على المنع أبو الحسين البصري
~~مصيرا منهما إلى أن تحريم التأفيف إنما كان إعظاما للوالدين. فإذا أبيح
~~ضربهما كان ذلك نقضا للغرض من تحريم التأفيف.
# والمختار في ذلك أن يقال: إثبات تحريم الضرب في محل السكوت إما أن يقال
~~إنه ثابت بالقياس على تحريم التأفيف في محل النطق، أو أنه ثابت بدلالة
~~اللفظ لغة على اختلاف المذاهب فيه.
# فإن كان الأول: فيجب أن يقال بأن نسخ حكم الأصل يوجب رفع حكم الفرع،
~~لاستحالة بقاء الفرع دون أصله، وإن لم يسم ذلك نسخا، لما سبق. وإن رفع حكم
~~الفرع لا يوجب رفع حكم الأصل، إذ لا يلزم من رفع التابع رفع المتبوع وإن
~~كان الثاني، فلا يخفى أن دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح اللفظ،
~~وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى، وهما دلالتان مختلفتان، غير أن دلالة الفحوى
~~تابعة لدلالة المنطوق. وعند ذلك، أمكن أن يقال بأن رفع حكم إحدى الدلالتين
~~لا يلزم منه رفع حكم الدلالة الأخرى.
# فإن قيل: فإذا كانت دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق، فرفع الأصل مما
~~يمتنع معه بقاء التابع.
# وأيضا فإن الغرض من دلالة المنطوق إعظام الوالدين، فرفع حكم الفحوى مما
~~يخل بالغرض من دلالة المنطوق، فيمتنع معه بقاء حكم المنطوق.
# قلنا: أما الأول فمندفع، وذلك لان دلالة الفحوى، وإن كانت تابعة لدلالة
~~المنطوق، فنسخ حكم المنطوق ليس نسخا لدلالته، بل نسخا لحكمه، ودلالة الفحوى
~~تابعة لدلالة المنطوق على حكمه، لا أنها تابعة لحكمه، ودلالته باقية بعد
~~نسخ حكمه كما كانت قبل نسخه، فما هو ms633 أصل لدلالة الفحوى غير مرتفع، وما هو
~~المرتفع ليس أصلا للفحوى.
# وأما الثاني، فغاية ما يلزم من نسخ حكم الفحوى إبطال الغرض من أصل إثبات
~~الحكم فيه، ولا يخفى أن غرض إثبات التحريم للتأفيف مغاير لغرض تخصيصه
~~بالذكر، تنبيها بالأدنى على الاعلى، ولا يلزم من إبطال أحد الغرضين إبطال
~~الغرض الآخر. PageV03P166
# المسألة السادسة عشرة اختلفوا في نسخ حكم أصل القياس، هل يبقى معه حكم
~~الفرع أو لا؟
# فذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى بقائه، والباقون إلى امتناعه، وهو المختار،
~~لان ثبوت الحكم في الفرع تابع لاعتبار علته بحكم الأصل، فإذا نسخ حكم الأصل
~~خرجت العلة المستنبطة منه عن أن تكون معتبرة في نظر الشارع، فبطل ما كان
~~تابعا لاعتبارها.
# فإن قيل: يلزم مما ذكرتموه نسخ حكم الفرع بالقياس على حكم الأصل، حيث
~~جعلتم رفع حكم الفرع تابعا لرفع حكم الأصل، والنسخ بالقياس غير جائز على ما
~~قررتموه، ثم ما ذكرتموه من انتفاء التابع لانتفاء المتبوع، متى يلزم ذلك،
~~إذا كان الحكم يفتقر في دوامه إلى دوام سببه، أو إذا لم يفتقر؟
# الأول مسلم، والثاني ممنوع، فلم قلتم بافتقاره إليه؟ وإن سلمنا ذلك، ولكن
~~ما ذكرتموه منتقض بالأب، فإنه يتبعه ولده الطفل في الاسلام والكفر، ولو زال
~~إسلام الأب بالردة، لم يلزم منه زوال ما كان ثابتا للولد من الاسلام تبعا
~~له.
# قلنا: جواب الأول أنا لا نسلم أن رفع الحكم في الفرع كان بالقياس على رفع
~~حكم الأصل، وإلا لافتقر إلى علة جامعة نافية لهما، وليس كذلك. وإنما قيل
~~برفعه لانتفاء علته، وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء موجبه وبين انتفائه
~~بالقياس.
# وجواب الثاني أنه إن قيل بافتقار الحكم في دوامه إلى دوام علته فهو
~~المطلوب، وإن لم يقل بذلك، فلا خلاف بين أئمة الفقه أنه وإن لم يفتقر الحكم
~~في دوامه إلى دوام ضابط حكمة الحكم المعرف للحكم في الفرع في ابتدائه انه
~~لا بد من دوام احتمال الحكمة، حتى إنه لو انتهت حكمة الحكم قطعا، امتنع
~~بقاؤه بعدها، وإذا ms634 لم يكن بد من دوام احتمال الحكمة، فلا بد من أن تكون
~~معتبرة لاستحالة بقاء الحكم لحكمة غير معتبرة، وبنسخ حكم الأصل زال
~~اعتبارها، وانتفاء ما لا بد منه في دوام الحكم يوجب رفع الحكم.
# وعلى هذا فقد اندفع النقض، فإنا لا نسلم أن إسلام الأب علة موجبة لاسلام
~~الابن، حتى يلزم من انتفاء إسلامه انتفاء إسلام الابن، ولا أن دوام إسلام
~~الأب معتبر في دوام إسلام الابن، ليلزم من انتفاؤه PageV03P167
# المسألة السابعة عشرة لا نعرف خلافا بين الأمة في أن الناسخ إذا كان مع
~~جبريل عليه السلام، لم ينزل به إلى النبي (ص)، لم يثبت له حكم في حق
~~المكلفين، بل هم في التكليف بالحكم الأول على ما كانوا عليه قبل إلقاء
~~الناسخ إلى جبريل. وإنما الخلاف فيما إذا ورد النسخ إلى النبي (ص)، ولم
~~يبلغ الأمة، هل يتحقق بذلك النسخ في حقهم، أو لا؟
# فذهب بعض أصحاب الشافعي إلى الاثبات، وبعضهم إلى النفي، وبه قال أصحاب
~~أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل، وهو المختار.
# وبيانه أن النسخ له لازم وهو ارتفاع حكم الخطاب السابق وامتناع الخروج
~~بالفعل الواجب أولا عن العهدة، ولزوم الاتيان بالفعل الواجب الناسخ والاثم
~~بتركه، والثواب على فعله. وهذه اللوازم منتفية، ويلزم من انتفاء اللازم
~~انتفاء الملزوم. أما أن الحكم السابق لم يرتفع، فهو أن المكلف يثاب على
~~فعله (1) ويخرج به عن العهدة، ويأثم بتركه له قبل بلوغ النسخ إليه (2)
~~بالاجماع.
# ولهذا، فإن أهل قبا لما بلغهم نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى
~~الكعبة استداروا، والنبي (ص)، اعتد لهم بالركعات التي أتوا بها بعد نزول
~~النسخ، قبل علمهم بالنسخ، ولم ينكر عليهم.
# وأما ان الخطاب بالنسخ غير لازم للمكلف قبل البلوغ فبيانه بالنص والحكم.
# أما النص فقوله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (17)
~~الاسراء: 15) وقوله تعالى: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) *
~~(4) النساء: 165) وقوله تعالى: * (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها
~~رسولا) * (28) القصص: 59).
# وأما الحكم فهو أن المكلف، ms635 لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها
~~كان آثما عاصيا غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة، قبل بلوغ
~~النسخ إليه، ولو كان مخاطبا بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيا بفعل
~~ما خوطب به
# PageV03P168
# وللمخالفين خمس شبه.
# الشبهة الأولى أن المكلف متصرف بالاذن من الشارع، فلزم رفعه برفع الشرع
~~له، وإن لم يعلم المكلف بالرفع كما لو عزل الموكل الوكيل عن التصرف فإنه لا
~~ينعقد تصرفه بعد ذلك، وإن لم يعلم يعزله.
# الثانية أن النسخ إسقاط حق لا يعتبر فيه رضي من يسقط عنه، فلا يعتبر فيه
~~علمه، كالطلاق والعتق والابراء.
# الثالثة أن النسخ إباحة ترك الفعل بعد إيجابه، أو إباحة فعله بعد خطره،
~~فلا يتوقف ذلك على علم من أبيح له، كما لو قال لزوجته إن خرجت بغير إذني،
~~فأنت طالق، ثم أذن لها من حيث لا تعلم، فإنه يثبت حكم الإباحة في حق الزوجة
~~ولا يقع الطلاق بخروجها.
# الرابعة أن نسخ الحكم إباحة ترك المنسوخ الذي هو حق الشارع، فوجب أن يثبت
~~قبل علم المباح له، كما لو قال القائل أبحت ثمرة بستاني لكل من دخله فإنه
~~يباح لكل داخل، وإن لم يعلم بذلك.
# الخامسة أن رفع الحكم يتحقق بعد علم المكلف بالنسخ، فرفعه إما أن يكون
~~بعلمه أو بالنسخ، والعلم غير مؤثر في الرفع، فكان الرفع بالنسخ، ولزم رفعه
~~عند تحقق النسخ.
# والجواب عن الأول بمنع عزل الوكيل قبل علمه بالعزل.
# وعن الثانية لم قالوا بأن النسخ إذا لم يتوقف على رضى المنسوخ عنه، لا
~~يتوقف على علم. ولا يلزم من عدم اعتبار العلم في صورة الاستشهاد عدم
~~اعتباره في النسخ فإنه لا مانع أن يكون عدم اعتبار العلم، ثم لعدم تضمنه
~~رفع حكم خطاب سابق بخلاف ما نحن فيه، فكان العلم مشترطا فيه، لما ذكرناه.
# وعن الثالثة والرابعة بمنع الحكم فيما ذكروه من صوره الاستشهاد.
# وعن الخامسة أن رفع الحكم بالنسخ مشروط بالعلم، ولا تحقق للمشروط دون
~~شرطه. PageV03P169
# المسألة ms636 الثامنة عشرة الزيادة على النص هل تكون نسخا؟ وقد اتفق العلماء
~~على أن الزيادة إذا كانت عبادة منفردة بنفسها عن العبادة المزيد عليها أنها
~~لا تكون نسخا لحكم المزيد عليه وذلك كزيادة صلاة على صلوات أو صوم أو حجة
~~أو زكاة، إلا ما نقل عن بعض العراقيين أنهم قالوا: إن زيادة صلاة سادسة على
~~الصلوات الخمس يكون نسخا من جهة أن الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها
~~في قوله تعالى: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * (2) البقرة: 238)
~~تخرج عن كونها وسطى، وهو غير صحيح لوجهين:
# الأول أن النسخ إنما يكون لحكم شرعي على ما تقدم، وكون العبادة وسطى أمر
~~حقيقي ليس بحكم شرعي.
# الثاني أنه يلزم عليه، أن لو أوجب الشارع أربع صلوات، ثم أوجب صلاة
~~خامسة، أو زكاة أو صوما، أن يكون ذلك نسخا لاخراج العبادة الأخيرة عن كونها
~~أخيرة، وإخراج العبادات السابقة عن كونها أربعا وهو خلاف الاجماع.
# وإنما اختلفوا في غير هذه الزيادة كزيادة ركعة على ركعات صلاة واحدة،
~~وزيادة جلدات على جلدات حد واحد، وزيادة صفة في رقبة الكفارة، كالايمان إلى
~~غير ذلك من الزيادات:
# فذهبت الشافعية والحنابلة وجماعة من المعتزلة، كالجبائي وأبي هاشم، إلى
~~أنها لا تكون نسخا.
# وقالت الحنفية تكون نسخا ومنهم من فصل.
# ثم القائلون بالتفصيل، منهم من قال إن كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما
~~أفاده مفهوم المخالفة والشرط، كانت الزيادة نسخا، كإيجاب الزكاة في معلوفة
~~الغنم فإنه خلاف ما أفاده قوله (ص) في الغنم السائمة زكاة من نفي الزكاة عن
~~المعلوفة، وإلا فلا.
# ومنهم من قال إن كانت الزيادة مغيرة لحكم المزيد عليه في المستقبل،
~~كزيادة التغريب في المستقبل، على الحد، وزيادة عشرين جلدة على حد القذف،
~~كانت نسخا. PageV03P170
# وإن لم تغير حكمه في المستقبل، فإنها لا تكون نسخا، وسواء كانت الزيادة
~~لا تنفك عن المزيد عليه، كما لو وجب علينا ستر الفخذ، فإنه يجب ستر بعض
~~الركبة.
# ضرورة أن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، أو كانت الزيادة عند تعذر ms637
~~المزيد عليه، وذلك كإيجاب قطع رجل السارق، بعد قطع يديه وهذا هو مذهب
~~الكرخي وأبي عبد الله البصري من المعتزلة.
# ومنهم من قال إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا بحيث صار
~~المزيد عليه، لو فعل بعد الزيادة على حسب ما كان يفعل قبلها، كان وجوده
~~كعدمه، ووجب استئنافه، كزيادة ركعة على ركعتي الفجر، كان ذلك نسخا.
# أو كان قد خير بين فعلين، فزيد فعل ثالث، فإنه يكون نسخا لتحريم ترك
~~الفعلين السابقين، وإلا فلا، وذلك كزيادة التغريب على الحد، وزيادة عشرين
~~جلدة على حد القذف، وزيادة شرط منفصل في شرائط الصلاة. كزيادة الوضوء، وهذا
~~هو مذهب القاضي عبد الجبار.
# ومنهم من قال إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع
~~للتعدد والانفصال، كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح، فهو نسخ، وإن لم تكن
~~الزيادة كذلك، كزيادة عشرين جلدة على حد القذف، فلا تكون نسخا. وهذا هو
~~الذي اختاره الغزالي والمختار أنه إن كانت الزيادة متأخرة عن المزيد عليه،
~~وكانت رافعة لحكم شرعي كان ذلك نسخا، ووجب النظر في دليل الزيادة، فإن كان
~~مما يجوز بمثله نسخ حكم النص، فهو نسخ، وإلا فلا. وإن لم تكن الزيادة
~~متأخرة عن المزيد عليه أو كانت رافعة لحكم العقل الأصلي لا غير، لم يكن ذلك
~~نسخا شرعيا، وإن كان نسخا لغويا، وجاز بكل ما يصلح أن يكون دليلا في موضعه،
~~وإن لم يجز به النسخ، كالقياس وخبر الواحد ونحوه، وهذا هو اختيار أبي
~~الحسين البصري.
# وإذ أتينا على شرح المذاهب بالتفصيل، فلا بد من النظر فيما يتفرع على هذه
~~المذاهب من المسائل الفرعية، والكشف عن وجه الحق في كل واحدة منها، تتمة
~~للمقصود، وهي عشرة فروع: PageV03P171
# الفرع الأول إذا وجبت الزكاة في معلوفة الغنم، لا يكون ذلك نسخا لحكم
~~قوله (ص): في الغنم السائمة زكاة لأنه لا يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة كما
~~سبق في إبطال دليل الخطاب، وإنما يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة، بناء على
~~حكم العقل الأصلي، فرفعه لا ms638 يكون نسخا لما تقدم وإن سلمنا أن دليل الخطاب
~~حجة، وأنه يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة فلا يخفى أن وجوب الزكاة فيها
~~يكون رافعا لما اقتضاه دليل الخطاب، فيكون نسخا.
# الفرع الثاني إذا زيدت ركعة على ركعتي الصبح بحيث صارت صلاة الصبح ثلاث
~~ركعات.
# قال أبو الحسين البصري هذا ليس بنسخ لحكم الدليل الدال على وجوب صلاة
~~الصبح، لان زيادة الركعة، إما أن تكون نسخا للركعتين، أو نسخا لاجزائها
~~ووجوبها، أو نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين:
# لا جائز أن يكون نسخا للركعتين، لان النسخ لا يتعلق بالافعال كيف وإن
~~الركعتين قارتان لم يرتفعا.
# ولا جائز أن يكون نسخا لأجزائها، وإلا كان زيادة غسل عضو آخر في طهارة
~~الصلاة ناسخا لأجزائها ووجوبها، الذي كان قبل إيجاب غسل العضو الزائد، ولم
~~يقل به من قال بهذا المذهب، كالقاضي عبد الجبار، كما عرف من مذهبه ولا جائز
~~أن يكون نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين، لأنه إنما كان واجبا آخر الصلاة،
~~وذلك غير مرتفع، ولا متغير، وإنما المتغير آخر الصلاة، فإن آخرها كان بآخر
~~الركعتين، والآن صار آخر الثلاث.
# وقد قيل في إبطاله لا نسلم الحصر، فإنه كان يحرم الزيادة على الركعتين،
~~والتحريم حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة، وليس بحق إذ لقائل أن يقول: إنما
~~يصح ذلك أن لو كان الامر بالركعتين مقتضيا للنهي عن الزيادة عليهما، وليس
~~كذلك، بل أمكن أن يكون ذلك مستفادا من دليل آخر، فزيادة الركعة على
~~الركعتين لا يكون نسخا لحكم الدليل الدال على وجوب الركعتين. PageV03P172
# وقد قيل في إبطاله أيضا، إن النسخ إنما هو لاجزاء الركعتين بتقدير
~~انفرادهما وهو حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة، وفيه نظر، إذ يمكن أن يقال:
~~معنى كون الركعتين مجزية أنه يخرج بها عن عهدة الامر ومعنى الخروج بها عن
~~العهدة أنه لا يجب مع فعلها شئ آخر، وليس ذلك حكما شرعيا ليكون رفعه نسخا
~~شرعيا، بل هو من مقتضيات النفي الأصلي.
# وإنما طريق الرد عليه أن يقال: ما ذكره من الالزام باشتراط ms639 غسل العضو
~~الزائد.
# وإن كان لازما على القاضي عبد الجبار فغير لازم لغيره، كالغزالي ونحوه من
~~القائلين بكون ذلك نسخا، فلا بد من الدلالة عليه، ولم يتعرض لذلك، وإن قدر
~~لزوم ذلك، فلا يخفى أن وجوب التشهد بعد الركعتين حكم شرعي، وقد ارتفع
~~بزيادة الركعة. والقول بأن المغير إنما هو آخر الصلاة ليس كذلك.
# فإن التشهد كان واجبا عقيب الركعتين، وبالزيادة صار غير واجب.
# الفرع الثالث زيادة التغريب على الحد، وزيادة عشرين جلدة على الثمانين
~~ليس بنسخ لان النسخ يستدعي رفع ما ثبت للثمانين من الحكم الشرعي، ولا تحقق
~~له، إذا الأصل بقاء ما كان لها من الحكم قبل الزيادة بعدها.
# فإن قيل: بيان ارتفاع حكم الثمانين من خمسة أوجه: الأول: أن الثمانين قبل
~~الزيادة كانت كل الحد الواجب، وقد صارت بعد الزيادة بعض الحد.
# الثاني: أن الثمانين كانت مجزئة قبل الزيادة، وقد ارتفع إجزاؤها
~~بالزيادة.
# الثالث: الثمانون وحدها كان يتعلق بها التفسيق. ورد الشهادة، وبعد
~~الزيادة زال تعلق ذلك بالثمانين.
# الرابع: أن الثمانين قبل الزيادة كان يجب الاقتصار عليها، وبعد الزيادة
~~زال هذا الوجوب.
# الخامس: أن قيل الزيادة كانت الزيادة غير واجبة (1) وقد زال هذا الحكم
~~بإيجاب الزيادة.
# والجواب عن الأول: أنه لا معنى لكون الثمانين قبل الزيادة كل الواجب إلا.
# PageV03P173
# أنها واجبة، وغيرها ليس بواجب، ووجوبها لم يرتفع، وإنما المرتفع بالزيادة
~~عدم وجوب الزيادة، وذلك معلوم بالبراءة الأصلية، فلا يكون رفعه نسخا شرعيا.
# وعن الثاني ما سبق في الفرع الذي قبله.
# وعن الثالث لا نسلم أن التفسيق ورد الشهادة متعلق بالثمانين، بل بالقذف
~~وإن سلمنا تعلق ذلك بالثمانين، إلا أن معنى التفسيق يرجع إلى عدم موافقة
~~أمر الشارع، ورد الشهادة إلى عدم قبولها، وذلك معلوم بالنفي الأصلي، ورد
~~الشهادة وإن كان معلوما من قوله تعالى: * (ولا تقبلوا لهم شهادة) * فليس من
~~مقتضيات دليل إيجاب الثمانين، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا.
# وعن الرابع أن معنى وجوب الاقتصار على الثمانين قبل الزيادة أنها واجبة
~~ولا تجوز الزيادة عليها، ووجوبها لم ms640 يرتفع، وإنما المرتفع عدم الجواز
~~المستند إلى البراءة الأصلية، وذلك ليس بنسخ على ما تقدم.
# وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الالزام الخامس أيضا.
# الفرع الرابع إذا أوجب الله تعالى غسل الرجلين على التعيين، ثم خيرنا بين
~~ذلك وبين المسح على الخفين، أو خيرنا في الكفارة بين الاطعام والصيام، ثم
~~زاد ثالثا، وهو الاعتاق، هل يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الرجلين على التعيين
~~ووجوب التخيير بين الاطعام والصيام على التعيين؟ الحق إنه ليس بنسخ (1) لان
~~معنى كون العمل واجبا على التعيين انه واجب وان غيره لا يقوم مقامه وكونه.
# PageV03P174
# واجبا لم يرتفع وإنما المرتفع كون غيره لا يقوم مقامه وذلك ثابت بمقتضى
~~النفي الأصلي، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا وكذلك لتخيير بين الاطعام والصيام
~~على التعيين معناه ان الواجب منهما، وان غيرهما لا يقوم مقامهما ووجوب
~~أحدهما لا يعنيه مرتفع، وانما المرتفع كون غيرهما لا يقوم مقامهما، وذلك
~~ثابت بمقتضى النفي الأصلي، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا.
# الفرع الخامس إذا وقف الله تعالى الحكم على شاهدين بقوله * (فاستشهدوا
~~شهيدين) * (2) البقرة: 282) فإذا جوز الحكم بشاهد ويمين بخبر الواحد، فهل
~~يكون ذلك نسخا للحكم بالشاهدين على التعيين؟ الحق أنه ليس بنسخ، وذلك لان
~~مقتضى الآية جواز الحكم بالشاهدين، وأن شهادتهما حجة، وليس فيه ما يدل على
~~امتناع الحكم بحجة أخرى إلا بالنظر إلى المفهوم، ولا حجة فيه على ما تقدم.
~~وإن كان حجة فرفعه يكون نسخا، ولا يجوز بخبر الواحد (1).
# الفرع السادس: إذا أوجب الله تعالى عتق رقبة مطلقة في كفارة الظهار،
~~فتقييدها بعد ذلك بالايمان إن ثبت أن الله تعالى أراد بكلامه الدلالة على
~~أجزاء الرقبة الكافرة وغيرها، كان التقييد بالايمان نسخا، ولا يجوز بدليل
~~العقل والقياس وخبر الواحد، وإلا كان تقييدا للمطلق لا نسخا (2).
# الفرع السابع: إذا أوجب الله تعالى قطع يد السارق ورجله على التعيين،
~~فإباحة قطع رجله الأخرى بعد ذلك، إن كان رافعا لعدم الإباحة الثابتة بحكم
~~العقل الأصلي، فلا يكون نسخا شرعيا وإن كان رافعا للتحريم، وإن ms641 جاز أن
# PageV03P175
# يكون نسخا، فليس نسخا لمقتضى النص الأول لعدم دلالته عليه.
# الفرع الثامن: إذا زيد في الطهارة اشتراط غسل عضو زائد على الأعضاء
~~الستة، فلا يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الأعضاء الستة، إذ هي واجبة مع وجوب
~~غسل العضو الزائد، ولا لأجزائها عند الاقتصار عليها، لان معنى كونها مجزئة
~~أن امتثال الامر بفعلها غير متوقف على أمر آخر، وامتثال الامر بفعلها غير
~~مرتفع وإنما المرتفع عدم التوقف على شرط آخر، وذلك المرتفع وهو عدم اشتراط
~~أمر آخر إنما كان مستندا إلى حكم العقل الأصلي، فلا يكون رفعه نسخا شرعيا.
# وعلى هذا، يكون الحكم فيما إذا زيد في الصلاة شرط آخر.
# الفرع التاسع: قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة:
~~187) دال على جعل أول الليل غاية للصوم، فإيجاب صوم أول الليل بعد ذلك هل
~~يكون نسخا لما دلت عليه الآية من كون أول الليل غاية للصوم وظرفا له؟
# والحق في ذلك أن يقال: إن قلنا إن مفهوم الغاية ليس بحجة وأنه لا يدل على
~~مد الحكم إلى غاية أن يكون الحكم فيما بعد الغاية على خلاف ما قبلها،
~~فإيجاب صوم أول الليل لا يكون نسخا لمدلول الآية، وإلا كان نسخا، وامتنع
~~ذلك بدليل العقل وخبر الواحد (1).
# الفرع العاشر: إذا قال الله تعالى (صلوا إن كنتم متطهرين) فاشتراط شرط
~~آخر لا يكون نسخا، لأنه إما أن يكون نسخا لوجوب الصلاة مع الطهارة، أو
~~لأجزائها، أو لما فيه من رفع عدم اشتراط شرط آخر، أو لشئ آخر:
# لا سبيل إلى الأول لان الوجوب مع الطهارة لم يرتفع.
# والثاني لا سبيل إليه، لما سبق في الفرع الثامن.
# ولا سبيل إلى الثالث، لأنه رفع حكم العقل الأصلي، فلا يكون نسخا شرعيا
~~والرابع لا بد من تصويره لان الأصل عدمه.
# وعلى هذا أيضا قوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (22) الحج: 29)
~~موجب للطواف مطلقا مع الطهارة، ومن غير طهارة، فاشتراط الطهارة بقوله (ص):
~~الطواف بالبيت
# PageV03P176
# صلاة لا يكون نسخا لوجوب الطواف لبقاء وجوبه، ولا لاجزائه، ولا ms642 لعدم
~~اشتراط الطهارة لما بيناه.
# ولذلك، منع الشافعي من الاجزاء بقوله: الطواف بالبيت صلاة (1).
# وأبو حنيفة لما لم يسعه مخالفة الخبر قال بوجوب الطهارة مع بقاء الطواف
~~مجزئا من غير طهارة، حيث اعتقد أن رفع الاجزاء يكون نسخا لحكم الكتاب بخبر
~~الواحد.
# PageV03P177
# المسألة التاسعة عشرة اتفقوا على أن نسخ سنة من سنن العبادة لا يكون نسخا
~~لتلك العبادة، كنسخ ستر الرأس، والوقوف على يمين الامام في الصلاة واختلفوا
~~في أن نسخ ما تتوقف عليه صحة العبادة، هل يكون نسخا لتلك العبادة فذهب
~~الكرخي وأبو الحسين البصري إلى أن ذلك لا يكون نسخا للعبادة.
# وسواء كان المنسوخ جزءا من مفهوم العبادة كالركعة من صلاة الظهر مثلا، أو
~~شرطا خارجا عن مفهوم الصلاة، كالوضوء.
# ومن المتكلمين من قال: إنه نسخ للعبادة مطلقا. وإليه ميل الغزالي.
# ومنهم من فصل بين الجزء والشرط وأوجب نسخ العبادة بنسخ جزئها دون شرطها،
~~كالقاضي عبد الجبار.
# والمختار أنه لا يكون ذلك نسخا للعبادة مطلقا. أما إذا كانت الصلاة أربع
~~ركعات، فكل ركعتين منها واجبة، فنسخ أحد الواجبين لا يوجب نسخ الواجب
~~الآخر، وكذلك إذا كانت الصلاة واجبة، والطهارة شرط فيها. فنسخ اشتراط
~~الطهارة لا يكون موجبا لنسخ وجوب الصلاة، بل الوجوب باق بحاله، فلا نسخ.
# فإن قيل: إذا أوجب الشارع أربع ركعات، ثم نسخ منها وجوب ركعتين، فقد نسخ
~~وجوب أصل العبادة، لا أنه نسخ للبعض، وتبقية للبعض، فإن الركعتين الباقيتين
~~ليست بعض الأربع، بل هي عبادة أخرى، وإلا فلو كانت بعضا منها، لكان من صلى
~~الصبح أربع ركعات آتيا بالواجب وزيادة، كما لو أوجب عليه التصدق بدرهم،
~~فتصدق بدرهمين.
# وإن سلمنا أن وجوب الركعتين باق بحاله، غير أنها كانت قبل نسخ الركعتين
~~لا تجزي، وقد ارتفع ذلك بنسخ الركعتين الزائدتين حيث صارت تجزئ، وكان يجب
~~تأخير التشهد إلى ما بعد الأربع، وقد ارتفع ذلك، وهو عين النسخ.
# وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا نسخ شرط العبادة، فإنها كانت قبل النسخ لا
~~تجزئ، وقد ارتفع ذلك بنسخ ms643 الشرط.
# والجواب: قولهم إن نسخ الركعتين نسخ لوجوب أصل العبادة ليس كذلك بدليل
~~بقاء وجوب الركعتين: PageV03P178
# قولهم الركعتان عبادة أخرى غير العبادة الأولى، إن أرادوا بالغيرية أنها
~~بعض منها، والبعض غير الكل فمسلم، ولكن لا يكون نسخا للركعتين، وإن كان
~~نسخا لوجوب الكل، وإن أرادوا به أنها ليست بعضا من الأربع، فهو غير مسلم.
# قولهم لو كانت بعضا من الأربع، لكان من صلى الصبح أربعا، قد أتى بالواجب
~~وزيادة. قلنا ولو لم تكن بعضا من الواجب الأول، بل عبادة أخرى، لافتقرت في
~~وجوبها إلى ورود أمر يدل على وجوبها، وهو خلاف الاجماع، وحيث لم تصح صلاة
~~الصبح عند الاتيان بأربع ركعات فإنما كان لادخال ما ليس من الصلاة فيها.
# قولهم إنها كانت قبل نسخ الركعتين لا تجزئ.
# قلنا: إن أريد به عدم امتثال الامر والثواب عليها، فذلك مستند إلى النفي
~~الأصلي، فرفعه لا يكون نسخا، وإن أريد به وجوب القضاء، فهو نسخ، لكن لا
~~لنفس العبادة.
# قولهم إنه كان يجب تأخير التشهد إلى ما بعد الأربع ليس كذلك، فإن التشهد
~~بعد الركعتين جائز.
# نعم غايته أنه لم يكن واجبا وعدم وجوبه فلبقائه على النفي الأصلي، فرفعه
~~لا يكون نسخا شرعيا على ما عرف.
# نعم لو قيل برفع جوازه بحكم الشرع، كان ذلك نسخا.
# وعلى هذا، عرف الجواب عن قولهم إن العبادة كانت لا تجزئ دون الطهارة، ثم
~~صارت مجزئة. PageV03P179
# المسألة العشرون: اتفق العلماء على جواز نسخ جميع التكاليف بإعدام العقل
~~الذي هو شرط في التكليف، وأنه يستحيل أن يكلف الله أحدا بالنهي عن معرفته
~~إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق. وذلك لان تكليفه بالنهي عن
~~معرفته يستدعي العلم بنهيه، والعلم بنهيه يستدعي العلم بذاته، فإن من لا
~~يعرف الباري تعالى يمتنع عليه أن يكون عالما بنهيه. فإذا تحريم معرفته
~~متوقف على معرفته، وهو دور ممتنع. وإنما الخلاف في أمرين:
# الأول: أنه هل يتصور نسخ وجوب معرفة الله تعالى وشكر المنعم ونسخ تحريم
~~الكفر والظلم والكذب، وكذلك كل ms644 ما قيل بوجوبه لحسنه وتحريمه لقبحه في ذاته:
# فذهبت المعتزلة بناء على فاسد أصولهم في اعتقاد الحسن والقبح الذاتي
~~ورعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، إلى امتناع نسخ هذه الأحكام لاعتقادهم
~~أن المقتضى لوجوبها وتحريمها إنما هو صفات ذاتية لا يجوز تبديلها ولا
~~تغييرها، ونحن قد أبطلنا هذه الأصول، ونبهنا على فسادها فيما تقدم.
# الثاني: أنه وإن جاز نسخ هذه الأحكام، فبعد أن كلف الله العبد هل يجوز أن
~~ينسخ عنه جميع التكاليف أو لا؟
# اختلفوا فيه نفيا وإثباتا واختار الغزالي المنع من ذلك مصيرا منه إلى أن
~~المنسوخ عنه يجب عليه معرفة النسخ والناسخ والدليل المنصوب عليه. فهذا
~~النوع من التكليف لا يمكن نسخه، بل هو باق بالضرورة، وليس بحق، فإنا وإن
~~قلنا بأن النسخ لا يحصل في حق المكلف دون علمه بنزول النسخ، فلا يمتنع تحقق
~~النسخ لجميع التكاليف في حقه عند علمه بالنسخ، وإن لم يكن مكلفا بمعرفة
~~النسخ. PageV03P180
# خاتمة في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ فنقول: النصان إذا تعارضا وتنافيا
~~إما أن يتعارضا من كل وجه أو من وجه دون وجه:
# فإن تنافيا من كل وجه، فإما أن يكونا معلومين أو مظنونين، أو أحدهما
~~معلوما والآخر مظنونا: فإن كانا معلومين أو مظنونين، فإما أن يعلم تأخر
~~أحدهما عن الآخر فهو ناسخ، والمتقدم منسوخ.
# وذلك قد يعرف إما بلفظ النسخ والمنسوخ، كما لو قال النبي (ص): هذا ناسخ
~~وهذا منسوخ (1) أو أجمعت الأمة على ذلك.
# وإما بالتاريخ، وذلك قد يعلم إما بأن يكون في اللفظ ما يدل على التقدم
~~والتأخر كقوله (ص): كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها وإما بإسناد
~~الراوي أحدهما إلى شئ متقدم، كقوله، كان هذا في السنة الفلانية، وهذا في
~~السنة الفلانية وإحداهما معلومة التقدم على الأخرى هذا كله إذا كان سند
~~الناسخ والمنسوخ مستويا.
# وليس من الطرق الصحيحة في معرفة النسخ أن يقول الصحابي كان الحكم كذا، ثم
~~نسخ فإنه ربما قال ذلك عن اجتهاد، ولا أن يقول في أحد المتواترين إنه كان
~~قبل ms645 الآخر، لأنه يتضمن نسخ المتواتر بقول الواحد ولا يلزم ثبوت نسب الولد
~~من صاحب الفراش ضمنا من قبول قول القابلة في الولد إنه من إحدى المرأتين،
~~وأن النسب لا يثبت بقولها ابتدأ، مثل ذلك ها هنا، كما قاله القاضي عبد
~~الجبار، فإن غاية ذلك الجواز، ولا يلزم منه الوقوع.
# ولا أن يكون أحدهما مثبتا في المصحف بعد الآخر، لأنه ليس ترتيب الآيات في
~~المصحف على ترتيبها في النزول، ولا أن يكون راوي أحدهما من أحداث.
# PageV03P181
# الصحابة، لأنه قد ينقل عمن تقدمت صحبته. وإن روى عن النبي (ص)، من غير
~~واسطة، فلجواز أن تكون رواية متقدم الصحبة متأخرة.
# ولا أن يكون إسلام أحد الراويين بعد إسلام الآخر، لما ذكرناه في رواية
~~الحدث ولا أن يكون أحد الراويين متجدد الصحبة بعد انقطاع صحبة الراوي
~~الآخر، لجواز سماعه عمن تقدمت صحبته، ولا أن يكون أحد النصين على وفق قضية
~~العقل والبراءة الأصلية، والآخر على خلافه فإنه ليس تقدم الموافق لذلك أولى
~~من المخالف.
# وأما إن علم اقترانهما مع تعذر الجمع بينهما، فعندي أن ذلك غير متصور
~~الوقوع، إن جوزه قوم، وبتقدير وقوعه، فالواجب إما الوقف عن العمل بأحدهما
~~(1) أو التخيير بينهما إن أمكن. وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شئ من ذلك.
# وأما إن كان أحدهما معلوما، والآخر مظنونا، فالعمل بالمعلوم واجب، سواء
~~تقدم أو تأخر (2) أو جهل الحال في ذلك لكنه إن كان متأخرا عن المظنون كان
~~ناسخا، وإلا كان مع وجوب العمل به غير ناسخ. هذا كله فيما إذا تنافيا من كل
~~وجه وأما إن تنافيا من وجه دون وجه، بأن يكون كل واحد منهما أعم من الآخر
~~من وجه دون وجه كما في قوله (ص): من بدل دينه فاقتلوه (3) فإنه خاص
~~بالمبدل، وعام في النساء والرجال، وقوله: نهيت عن قتل النسوان (4) فإنه خاص
~~في النساء، وعام بالنسبة إلى المبدل، فالحكم فيهما كما لو تنافيا من كل
~~وجه، فعليك بالاعتبار، والله أعلم.
# PageV03P182
# الأصل الخامس في القياس ويشتمل على مقدمة وخمسة أبو ms646 أب.
# أما المقدمة ففي تحقيق معنى القياس وبيان أركانه.
# أما القياس فهو في اللغة عبارة عن التقدير، ومنه يقال: قست الأرض بالقصبة
~~وقست الثوب بالذراع، أي قدرته بذلك وهو يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر
~~بالمساواة، فهو نسبة وإضافة بين شيئين ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا
~~يقاس بفلان أي يساويه، ولا يساويه.
# وأما في اصطلاح الأصوليين فهو منقسم إلى قياس العكس، وقياس الطراد.
# أما قياس العكس، فعبارة عن تحصيل نقيض حكم معلوم ما في غيره، لافتراقهما
~~(1) في علة الحكم، وذلك كما لو قيل: لو لو يكن الصوم شرطا في الاعتكاف، لما
~~كان شرطا له عند نذره أن يعتكف صائما، كالصلاة فإن الصلاة لما لم تكن شرطا
~~في الاعتكاف لم تكن من شرطه إذا نذر أن يعتكف مصليا، فالأصل هو الصلاة،
~~والفرع هو الصوم، وحكم الصلاة أنها ليست شرطا في الاعتكاف، والثابت في
~~الصوم نقيضه، وهو أنه شرط في الاعتكاف، وقد افترقا في العلة (2) لان العلة
~~التي لأجلها لم تكن الصلاة شرطا في الاعتكاف أنها لم تكن شرطا فيه حالة
~~النذر، وهذه العلة غير موجودة في الصوم، لأنه شرط في الاعتكاف حالة النذر
~~إجماعا (3).
# PageV03P183
# وأما قياس الطرد، فقد قيل فيه عبارات غير مرضية، لا بد من الإشارة إليها
~~وإلى إبطالها.
# ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار فيه.
# فمنها قول بعضهم إنه عبارة عن إصابة الحق، وهو منتقض بإصابة الحق بالنص
~~والاجماع، فإنه على ما قيل وليس بقياس كيف وإن إصابة الحق فرع للقياس وحكم
~~له، وحكم القياس لا يكون هو القياس.
# ومنها قول بعضهم إنه بذل الجهد في استخراج الحق، وهو أيضا باطل بما
~~أبطلنا به الحد الذي قبله.
# كيف وإن بذل الجهد إنما هو منبئ عن حال القائس، لا عن نفس القياس.
# وقد قيل في إبطاله إنه غير منعكس لوجود المحدود، دون الحد، وذلك أن من
~~رأى حكما منصوصا عليه وعلى علته، وكانت علته مما يشهد الحس بها في الفرع
~~فإن ذلك مقتضى تعدية الحكم من الأصل إلى ms647 الفرع بطريق القياس، وإن لم يوجد
~~فيه بذل جهد في استخراج الحق فقد وجد المحدود دون حده، وليس بحق، فإنه وإن
~~لم يلحق المكلف بذل جهد في معرفة الحكم وعلته، لكونهما منصوصين ولا في
~~معرفة وجود العلة في الفرع لكونها محسة فيه، فلا بد من الاجتهاد في معرفة
~~صحة النص إن كان آحادا، وإن كان متواترا، ولا بد من البحث عن كونه منسوخا
~~أم لا، وإن لم يكن منسوخا، فلا بد من النظر في الأصل هل للعلة فيه معارض أو
~~لا وإن لم يكن لها معارض في الأصل فلا بد من النظر في الفرع هل وجد فيه
~~مانع أو فات شرط أو لا، ثم وإن قدر انتفاء الاجتهاد مطلقا في الصورة
~~المفروضة فلا نسلم تحقق القياس فيها، بل الحكم إنما يثبت في الفرع على هذا
~~التقدير بالاستدلال، لا بالقياس، على ما يأتي تحقيقه.
# ومنها قول بعضهم إن القياس هو التشبيه، ويلزم عليه أن يكون تشبيه أحد
~~الشيئين بالآخر، في المقدار، وفي بعض صفات الكيفيات كالألوان والطعوم
~~ونحوها. PageV03P184
# قياسا شرعيا، إذ الكلام إنما هو في حد القياس في اصطلاح المتشرعين، وليس
~~كذلك.
# ومنها قول بعضهم: القياس هو الدليل الموصل إلى الحق، وهو باطل بالنص
~~والاجماع.
# ومنهم من قال: هو العلم الواقع بالمعلوم عن نظر، وهو أيضا باطل بالعلم
~~الحاصل بالنظر في دلالة النص والاجماع كيف وإن العلم غير حاصل من القياس،
~~فإنه لا يفيد غير الظن، وإن كان حاصلا منه، فهو ثمرة القياس، فلا يكون هو
~~القياس.
# وقال أبو هاشم إنه عبارة عن حمل الشئ على غيره وإجراء حكمه عليه وهو باطل
~~من وجهين:
# الأول أنه غير جامع لأنه يخرج منه القياس الذي فرعه معدوم ممتنع لذاته
~~فإنه ليس بشئ الثاني: أن حمل الشئ على غيره وإجراء حكمه عليه قد يكون من
~~غير جامع.
# فلا يكون قياسا، وإن كان بجامع، فيكون قياسا، وليس في لفظه ما يدل على
~~الجامع، فكان لفظه عاما للقياس ولما ليس بقياس.
# وقال القاضي عبد الجبار: إنه ms648 حمل الشئ على الشئ في بعض أحكامه بضرب من
~~الشبه، وهو باطل بما أبطلنا به حد أبي هاشم في الوجه الأول.
# وقال أبو الحسين البصري: القياس تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في
~~علة الحكم عند المجتهد.
# وقد أورد على نفسه في ذلك إشكالا وأجاب عنه. أما الاشكال فهو أن الفقهاء
~~يسمون قياس العكس قياسا، وليس هو تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في
~~علة الحكم، بل هو تحصيل نقيض حكم الشئ في غيره لافتراقهما في علة الحكم،
~~كما سبق تحقيقه.
# وأما الجواب فحاصله أن تسمية قياس العكس قياسا إنما كان بطريق المجاز
~~لفوات خاصية القياس فيه، وهو إلحاق الفرع بالأصل في حكمه لما بينهما من
~~المشابهة.
# ويمكن أن يقال في جوابه أيضا إنه وإن كان قياس العكس قياسا حقيقة.
# غير أن اسم القياس مشترك بين قياس الطرد وقياس العكس، فتحديد أحدهما
~~PageV03P185
# بخاصيته لا ينتقض بالمسمى الآخر المخالف له في خاصيته، وإن كان مسمى
~~باسمه.
# ولهذا، فإنه لو حدت العين بحد يخصها لا ينتقض بالعين الجارية المخالفة
~~لها في حدها وإن اشتركا في الاسم، والمحدود ها هنا إنما هو قياس الطرد
~~المخالف في حقيقته لقياس العكس، غير أن ما ذكره من الحد مدخول من وجهين.
# الأول أن قوله تحصيل حكم الأصل في الفرع مشعر بتحصيل عين حكم الأصل في
~~الفرع، وهو ممتنع، فكان من حقه أن يقول: مثل حكم الأصل في الفرع.
# الثاني أن تحصيل حكم الأصل في الفرع هو حكم الفرع ونتيجة القياس.
# ونتيجة الشئ لا تكون هي نفس ذلك الشئ، فكان الأولى أن يقول:
# القياس هو اشتباه الفرع والأصل في علة حكم الأصل في نظر المجتهد على وجه
~~يستلزم تحصيل الحكم في الفرع.
# وقال القاضي أبو بكر (1): القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما.
# أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما من اثبات حكم أو صفة لها أو نفيهما
~~عنهما. وقد وافقه عليه أكثر أصحابنا، وهو مشتمل على خمسة قيود:
# الأول قوله: حمل معلوم على معلوم.
# الثاني ms649 قوله: في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما.
# الثالث قوله: بناء على جامع بينهما.
# الرابع قوله: من إثبات حكم أو صفة لهما.
# الخامس قوله: أو نفيه عنهما.
# أما القيد الأول يستدعي بيان معنى الحمل، وبيان فائدة إطلاق لفظ المعلوم
~~وفائدة حمل المعلوم على المعلوم.
# أما الحمل فمعناه مشاركة أحد المعلومين للآخر في حكمه، وإنما أطلق لفظ
~~المعلوم، لأنه ربما كانت صورة المحمول والمحمول عليه عدمية، وربما كانت
~~وجودية فلفظ المعلوم يكون شاملا لهما، فإنه لو أطلق لفظ الموجود، لخرج منه
~~المعدوم، ولو أطلق لفظ الشئ لاختص أيضا بالموجود على رأي أهل الحق.
# PageV03P186
# ولو قال: حمل فرع على أصل، ربما أوهم اختصاصه بالموجود من جهة أن وصف
~~أحدهما بكونه فرعا، والآخر بكونه أصلا، قد يظن أنه صفة وجودية والصفات
~~الوجودية لا تكون صفة للمعدوم، وإن لم يكن حقا، فكان استعمال لفظ المعلوم
~~أجمع وأمنع وأبعد عن الوهم الفاسد، وإنما قال: حمل معلوم على معلوم لان
~~القياس يستدعي المقايسة، وذلك لا يكون إلا بين شيئين، ولأنه لولاه لكان
~~إثبات الحكم أو نفيه في الفرع غير مستفاد من القياس، أو كان معللا بعلة غير
~~معتبرة، فيكون بمجرد الرأي، والتحكم، وهو ممتنع.
# وأما القيد الثاني: فإنما ذكره، لان حمل الفرع على الأصل قد بان أن معناه
~~التشريك في الحكم، وحكم الأصل، وهو المحمول عليه قد يكون إثباتا، وقد يكون
~~نفيا وكانت عبارته بذلك أجمع للنفي والاثبات.
# وأما القيد الثالث: فإنما ذكره لان القياس لا يتم إلا بالجامع بين الأصل
~~والفرع وإلا كان حمل الفرع على الأصل في حكمه من غير دليل، وهو ممتنع.
# وأما القيد الرابع: فإنما ذكره، لان الجامع بين الأصل والفرع قد يكون
~~تارة حكما شرعيا، كما لو قال في تحريم بيع الكلب، نجس فلا يجوز بيعه
~~كالخنزير وقد يكون وصفا حقيقيا، كما لو قال في النبيذ مسكر فكان حراما
~~كالخمر.
# وأما القيد الخامس: فإنما ذكره لان الجامع من الحكم أو الصفة قد يكون
~~إثباتا كما ذكرناه من المثالين. وقد يكون نفيا. ms650
# أما في الحكم فكما لو قال في الثوب النجس إذا غسل بالخل، غير طاهر، فلا
~~تصح الصلاة فيه، كما لو غسله باللبن والمرق.
# وأما في الصفة، فكما لو قال في الصبي، غير عاقل، فلا يكلف كالمجنون.
# وقد أورد عليه تشكيكات لا بد في ذكرها والإشارة إلى دفعها.
# الاشكال الأول أن القول بحمل المعلوم على المعلوم إما أن يراد به إثبات
~~مثل حكم أحدهما للآخر، أو شئ آخر فإن كان الأول: فالقول ثانيا في إثبات حكم
~~لهما أو نفيه عنهما يكون تكرارا من غير فائدة. PageV03P187
# وإن كان الثاني فلا بد من بيانه، كيف وإنه بتقدير أن يراد به شئ آخر، فلا
~~يجوز ذكره في تعريف القياس، لان ماهية القياس تتم بإثبات مثل حكم أحد
~~المعلومين للآخر بأمر جامع، فكان ذكر ذلك الشئ زائدا عما يحتاج إليه.
# الثاني: أن قوله في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما مشعر بأن الحكم في
~~الأصل والفرع مثبت بالقياس، وهو محال من جهة أن القياس فرع على ثبوت الحكم
~~في الأصل، فلو كان ثبوت الحكم في الأصل فرعا على القياس كان دورا.
# الثالث: أنه كما يثبت الحكم بالقياس، فقد ثبتت الصفة أيضا بالقياس،
~~كقولنا في الباري تعالى (عالم) فكان له علم كالشاهد. فالقياس أعم من القياس
~~الشرعي والعقلي. وعند ذلك إما أن تكون الصفة مندرجة في الحكم، أو لا تكون.
# فإن كان الأول: كان القول بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما
~~تكرارا لكون الصفة أحد أقسام الحكم. وإن كان الثاني: كان التعريف ناقصا.
# الرابع: أن المعتبر في ماهية القياس، الجامع من حيث هو جامع لا أقسام
~~الجامع وذلك إن ماهية القياس قد تنفك عن كل واحد من أقسامه بعينه وما تنفك
~~عنه الماهية لا يكون داخلا في حدها، وأيضا فإنه لو وجب في ذكر ماهية القياس
~~ذكر أقسام الجامع، فالحكم والصفة الجامعة أيضا كل واحد منهما منقسم إلى
~~أقسام كثيرة لا تحصى، فكان يجب استقصاؤها في الذكر، وإلا كان الحد ناقصا،
~~وهو محال. ms651
# الخامس: أن كلمة (أو) للترديد والشك، والتحديد إنما هو للتعيين، والترديد
~~ينافي التعيين.
# السادس: أن القياس الفاسد قياس، وهو غير داخل في هذا الحد، وذلك لان هذا
~~القائل قد اعتبر في حده حصول الجامع، ومهما حصل الجامع كان صحيحا فالفاسد
~~الذي لم يحصل الجامع فيه في نفس الامر، لا يكون داخلا فيه، فكان يجب أن
~~يقال بأمر جامع في ظن المجتهد، فإنه يعم القياس الفاسد الذي لم يحصل الجامع
~~فيه في نفس الامر.
# والجواب عن الاشكال الأول أن المراد بحمل المعلوم على المعلوم إنما هو
~~التشريك بينهما في حكم أحدهما مطلقا.
# وقوله بعد ذلك (في إثبات حكم أو نفيه) إشارة إلى ذكرها تفاصل ذلك الحكم
~~وأقسامه، PageV03P188
# وهي زائدة على نفس التسوية في مفهوم الحكم، فذكرها ثانيا لا يكون تكرارا.
# وعن الثاني: وإن كان هو أقوى الاشكالات الواردة ها هنا أن يقال: لا نسلم
~~أن قول القائل (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) مشعر
~~بإثبات حكم الأصل بالقياس، حتى يلزم منه الدور، لان القياس، على ما علم
~~مركب من الأصل والفرع، وحكم الأصل والوصف الجامع بين الأصل والفرع والحكم
~~في الأصل غير مستند في ثبوته ولا نفيه إلى مجموع هذه الأمور، إذ هو غير
~~متوقف على الفرع، ولا على نفسه، وإنما هو متوقف في ثبوته على الوصف الجامع
~~وهو العلة حيث إن الشرع لم يثبت الحكم في الأصل إلا بناء عليه، ولهذا قال
~~الحاد في هذه (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما) والوصف
~~الجامع ركن القياس، وليس هو نفس القياس، فلا يكون ثبوت الحكم في الأصل ولا
~~نفيه بالقياس، بل بالعلة، وليست هي نفس القياس، وإنما الثابت والمنفي
~~بالقياس إنما هو حكم الفرع لا غير (1).
# وعن الثالث من وجهين: الأول أنه مبني على تصور القياس، في غير الشرعيات
~~وهو غير مسلم، على ما يأتي بيانه (2) وما ذكروه من المثال، فقد أبطلنا صحة
~~القياس فيه في أبكار الأفكار. الثاني وإن سلمنا تصور القياس ms652 في غير
~~الشرعيات، غير أن الكلام إنما وقع في تحديد القياس الشرعي في مصطلح أهل
~~الشرع، وذلك لا يكون إلا فيما كان حكم الأصل فيه شرعيا، والصفة ليست حكما
~~شرعيا، فلا.
# PageV03P189
# تكون مندرجة فيه. وعلى هذا، فخروج القياس العقلي عن الحد المذكور للقياس
~~الشرعي لا يكون موجبا لنقصانه وقصوره.
# وعن الرابع: أنه، وإن كان ذكر أقسام الجامع من الحكم والصفة وتعيين كل
~~واحد غير داخل في مفهوم القياس، فذكره لم يكن لتوقف مفهوم القياس عليه، حتى
~~يقال بقصور التعريف بل للمبالغة في الكشف والايضاح بذكر الأقسام وذلك مما
~~لا يخل بالحد، ولا يلزم من ذلك الاستقصاء بذكر باقي أقسام الحكم والصفة
~~لعدم وجوبه.
# وعن الخامس: أن التحديد والتعريف قد تم بقولنا (حمل معلوم على معلوم بأمر
~~جامع بينهما) وما وقع فيه الترديد بحرف (أو)، فقد بان التحديد (1) والتعريف
~~غير متوقف عليه، وإنما ذكر لزيادة البيان والايضاح، فلا يكون ذلك مانعا من
~~تعريف المحدود، كيف وإنه لا معنى للترديد سوى بيان صحة انقسام الحكم
~~والجامع إلى ما قيل، وصحة الانقسام من الصفات اللازمة التي لا ترديد فيها.
# وعن السادس: أن المطلوب إنما هو تحديد القياس الصحيح الشرعي، والفاسد ليس
~~من هذا القبيل، فخروجه عن الحد لا يكون مبطلا له، لكنه يرد عليه إشكال مشكل
~~لا محيص عنه، وهو أن الحكم في الفرع نفيا وإثباتا متفرع على القياس إجماعا،
~~وليس هو ركنا في القياس، لان نتيجة الدليل لا تكون ركنا في الدليل، لما فيه
~~من الدور الممتنع، وعند ذلك فيلزم من أخذ إثبات الحكم ونفيه في الفرع في حد
~~القياس أن يكون ركنا في القياس، وهو دور ممتنع. وقد أخذه في حد القياس حيث
~~قال (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) إشارة إلى الفرع والأصل.
# والمختار في حد القياس أن يقال إنه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل
~~في العلة المستنبطة من حكم الأصل. وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض
~~عرية عما يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها على ما تقدم (2).
# PageV03P190
# وإذا ms653 عرف معنى القياس، فهو يشتمل على أربعة أركان: الأصل، والفرع، وحكم
~~الأصل، والوصف الجامع.
# أما الأصل فقد يطلق على أمرين: الأول ما بني عليه غيره، كقولنا:
# إن معرفة الله أصل في معرفة رسالة الرسول، من حيث إن معرفة الرسول تنبني
~~على معرفة المرسل الثاني ما عرف بنفسه من غير افتقار إلى غيره، وإن لم يبن
~~عليه غيره، وذلك كما تقوله في تحريم الربا في النقدين، فإنه أصل، وإن لم
~~يبن عليه غيره.
# وعلى هذا، اختلف العلماء في الأصل في القياس، وذلك كما إذا قسنا النبيذ
~~على الخمر المنصوص عليه بقوله عليه السلام حرمت الخمرة لعينها (1) في تحريم
~~الشراب، هل الأصل هو النص أو الخمر أو الحكم الثابت في الخمر، وهو التحريم
~~مع اتفاق الكل على أن العلة في الخمر، وهي الشدة المطربة ليست هي الأصل.
# فقال بعض المتكلمين: الأصل هو النص الدال على تحريم الخمر، لأنه الذي بني
~~عليه التحريم، والأصل ما بني عليه.
# PageV03P191
# وقالت الفقهاء: الأصل إنما هو الخمر الثابتة حرمته، لان الأصل ما كان حكم
~~الفرع مقتبسا منه ومردودا إليه. وهذا إنما يتحقق في نفس الخمر.
# وقال بعضهم: الأصل إنما هو الحكم الثابت في الخمر، لان الأصل ما انبنى
~~عليه غيره، وكان العلم به موصلا إلى العلم بغيره أو الظن. وهذه الخاصية
~~موجودة في حكم الخمر، فكان هو الأصل.
# قالوا: وليس الأصل هو النص، لان النص هو الطريق إلى العلم بالحكم، ولو
~~تصور العلم بالحكم في الخمر دون النص، كان القياس ممكنا، ولأنه لو كان النص
~~هو الأصل، لكونه طريقا إلى معرفة الحكم، باتفاق لكان قول الراوي هو أصل
~~القياس بطريق الأولى، لكونه طريقا إلى معرفة النص، وليس كذلك بالاتفاق.
# وليس الأصل أيضا هو الخمر، لأنه قد يعلم الخمر، ولا يعلم أن الحرمة جارية
~~فيه، ولا في الفرع، بخلاف ما إذا علم الحكم، فكان هو الأصل.
# واعلم أن النزاع في هذه المسألة لفظي، وذلك لأنه إذا كان معنى الأصل ما
~~يبنى عليه غيره فالحكم أمكن أن يكون أصلا ms654 لبناء الحكم في الفرع عليه، على
~~ما تقرر. وإذا كان الحكم في الخمر أصلا، فالنص الذي به. معرفة الحكم يكون
~~أصلا للأصل. وعلى هذا، أي طريق عرف به حكم الخمر من إجماع أو غيره أمكن أن
~~يكون أصلا، وكذلك الخمر، فإنه إذا كان محلا للفعل الموصوف بالحرمة، فهو
~~أيضا أصل للأصل، فكان أصلا.
# والأشبه أن يكون الأصل هو المحل، على ما قاله الفقهاء، لافتقار الحكم
~~والنص إليه ضرورة من غير عكس، فإن المحل غير مفتقر إلى النص ولا إلى الحكم.
# وأما الفرع: فهل هو نفس الحكم المتنازع فيه أو محله؟ اختلفوا فيه:
# فمن قال بأن الأصل هو الحكم في الخمر، قال الفرع هو الحكم في النبيذ.
# ومن قال بأن الأصل هو المحل، قال الفرع هو المحل، وهو النبيذ، وإن كان
~~الأولى أن يكون الفرع هو الحكم المتفرع على القياس، والمحل أصل الحكم
~~المفرع على القياس.
# فتسمية الخمر أصلا أولى من تسمية النبيذ فرعا، من حيث إن الخمر أصل
~~للتحريم الذي هو الأصل، بخلاف النبيذ فإنه أصل للفرع، لا أنه فرع له.
~~PageV03P192
# وأما الوصف الجامع فهو فرع في الحكم لكونه مستنبطا من محل حكم المنصوص
~~عليه، فهو تبع للنص والحكم ومحله، وهو أصل في الفرع، لكون الحكم المتنازع
~~فيه في النبيذ مبنيا عليه. وتسمية الوصف الجامع في الفرع أصلا، أولى من
~~تسمية النص في الخمر والتحريم ومحله أصلا، للاختلاف في ذلك والاتفاق على
~~كون الوصف في ذلك أصلا.
# وإذا عرف معنى القياس وأركانه، فلنشرع في بيان أبوابه:
# الباب الأول في شرائط القياس ويشتمل على مقدمة وأقسام.
# أما المقدمة، فاعلم أن القياس، على ما سبق تعريفه، يستدعي أركانا لا يتم
~~دونها، وثمرة هي نتيجته.
# فأما الأركان، فهي أربعة:
# الفرع المسمى بصورة محل النزاع، وهي الواقعة المتنازع عليها نفيا
~~واثباتا.
# والأصل: وهو الواقعة التي يقصد تعدية حكمها إلى الفرع.
# والحكم: الشرعي الخاص بالأصل.
# والعلة الجامعة بين الأصل والفرع.
# وأما ثمرته: فحكم الفرع، فإنه إذا تم القياس أنتج حكم الفرع، وليس حكم
~~الفرع من ms655 أركان القياس، إذ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس، فلو كان
~~ركنا منه، لتوقف على نفسه، وهو محال.
# وعلى هذا، فشروط القياس لا تخرج عن شروط هذه الأركان، فمنها ما يعود إلى
~~الأصل، ومنها ما يعود إلى الفرع: وما يعود إلى الأصل فمنها ما يعود إلى
~~حكمه، ومنها ما يعود إلى علته. فلنرسم في كل واحد منهما قسما (1).
# PageV03P193
# القسم الأول في شرائط حكم الأصل وهي ثمانية الشرط الأول: أن يكون حكما
~~شرعيا، لان الغرض من القياس الشرعي إنما هو تعريف الحكم الشرعي في الفرع
~~نفيا وإثباتا. فإذا لم يكن الحكم في الأصل شرعيا بأن كان قضية لغوية أو
~~عقلية فالحكم المتعدي إلى الفرع لا يكون شرعيا فلا فلا يكون الغرض من
~~القياس الشرعي حاصلا، كيف وإنه إذا كان قضية لغوية فقد بينا امتناع جريان
~~القياس فيه، في اللغات. الشرط الثاني: يكون ثابتا غير منسوخ، حتى يمكن بناء
~~الفرع عليه وإلا فبتقدير أن لا يكون ثابتا، فلا ينتفع به ناظر ولا مناظر،
~~لأنه إنما تعدى الحكم من الأصل إلى الفرع بناء على الوصف الجامع، وذلك
~~متوقف على اعتبار الشارع له. فإذا لم يكن الحكم المرتب على وصفه ثابتا في
~~الشرع، فلا يكون معتبرا.
# الشرط الثالث: أن يكون دليل ثبوته شرعيا، لان ما لا يكون دليله شرعيا لا
~~يكون حكما شرعيا.
# الشرط الرابع: أن لا يكون حكم الأصل متفرعا عن أصل آخر، وهذا ما ذهب إليه
~~أكثر أصحابنا والكرخي، خلافا للحنابلة (1) وأبي عبد الله البصري، وذلك لان
~~العلة الجامعة بينه وبين أصله إما أن تكون هي العلة الجامعة بينه وبين
~~فرعه، أو هي غيرها: فإن كان الأول، فالأصل الذي به الشهادة بالاعتبار إنما
~~هو الأصل الأخير لا الأصل الأول، فليقع الرد إليه، وإلا فهو تطويل من غير
~~فائدة، وذلك كما لو قال
# PageV03P194
# الشافعي مثلا في السفرجل مطعوم، فجرى فيه الربا، قياسا على التفاح، ثم
~~قاس التفاح في تحريم الربا على البر بواسطة الطعم أيضا.
# وإن كان الثاني، وهو أن تكون العلة ms656 في القياسين مختلفة، فلا تخلو إما أن
~~تكون العلة التي عدى بها الحكم من الأصل الممنوع حكمه إلى فرعه مؤثرة، أي
~~ثابتة بنص أو إجماع أو مستنبطة: فإن كان الأول، فقد أمكن إثبات الحكم في
~~الفرع الأول بالعلة المؤثرة، ولم يبق للقياس على الأصل الممنوع حكمه وقياسه
~~على الأصل الأخير حاجة، بل هو تطويل غير مفيد. وإن كان الثاني، وذلك كما لو
~~قال الشافعي في مسألة فسخ النكاح بالجذام عيب يثبت به الفسخ في البيع،
~~فيثبت به الفسخ في النكاح، قياسا على الرتق والقرن، ثم قاس الرتق والقرن
~~عند توجيه منعه على الجب والعنة بواسطة فوات غرض الاستمتاع به، فلا يصح
~~القياس فيه، وذلك لان الحكم في الفرع المتنازع فيه أولا إنما يثبت بما يثبت
~~به حكم أصله، فإذا كان حكم أصله ثابتا بعلة أخرى، وهي ما استنبطت من الأصل
~~الآخر، فيمتنع تعدية الحكم بغيرها، لان غيرها لم يثبت اعتبار الشارع له
~~ضرورة أن الحكم الثابت معه ثابت بغيره بالاتفاق، فلو ثبت الحكم به في الفرع
~~الأول مع عدم اعتباره، كان ذلك إثباتا للحكم بالمعنى المرسل الخلي عن
~~الاعتبار، وذلك ممتنع.
# وعلى هذا، فإن قلنا بجواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مع كونه ممتنعا، كما
~~يأتي تقريره (1) فهو ممتنع ها هنا، حيث إنا قطعنا بأن العلة المستنبطة من
~~الأصل الممنوع مما لم يلتفت إليها الشارع في إثبات الحكم في أصلها للاتفاق
~~على ثبوته بغيرها. والجمع بين العلل إنما يكون حيث يمكن الظن باعتبار
~~الشارع لها من إثبات الحكم على وفقها.
# هذا كله إن كان حكم الأصل مقولا به من جهة المستدل، ممنوعا من جهة
~~المعترض، وأما إن كان مقولا به من جهة المعترض، ممنوعا من جهة المستدل.
# وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة تعيين النية عندما إذا نوى النفل أتى
~~بما أمر به، فوجب أن يصح، كما إذا كان عليه فريضة الحج، ونوى النفل، فإن
~~الحكم.
# PageV03P195
# في الأصل مما لا يقول به الحنفي، بل الشافعي، فلا يصح من المستدل بناء ms657
~~الفرع عليه، لأنه إما أن يذكر ذلك في معرض التقرير لمأخذ من هو منتم إليه،
~~أو في معرض الالزام للخصم:
# فإن كان الأول فهو ممتنع، لأنه إنما يعرف كون الوصف الجامع مأخذا لامامه
~~بإثباته للحكم على وفقه، وبالقياس على الأصل الذي لا يقول به إمامه لا يعرف
~~ذلك.
# وإن كان الثاني، وذلك بأن يقول هذا هو عندك علة الحكم في الأصل المقيس
~~عليه، وهو موجود في محل النزاع، فيلزمك الاعتراف بحكمه، وإلا فيلزم منه
~~إبطال المعنى وانتقاضه لتخلف الحكم عنه من غير معارض، ويلزم من إبطال
~~التعليل به امتناع إثبات الحكم به في الأصل، فهو أيضا ممتنع، لوجهين:
# الأول أن للمعترض أن يقول: الحكم في الأصل لم يكن عندي ثابتا على هذا
~~الوصف، بل بناء على غيره، ويجب تصديقه فيه، لكونه عدلا، والظاهر من حاله
~~الصدق، وهو أعرف بمأخذ مذهبه. الثاني أنه، وإن كان الحكم في الأصل معللا
~~بالوصف المذكور، غير أن حاصل الالزام يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في
~~الفرع بإثبات خلاف حكمه، ضرورة تصويبه في اعتقاد كون الوصف الجامع علة
~~للحكم في الأصل المقيس عليه وهو غير لازم، إذ ليس تخطئته في الفرع ضرورة
~~تصويبه في تعليل حكم الأصل بالوصف المذكور، أولى من تخطئته في تعليل حكم
~~الأصل بالوصف المذكور وتصويبه في حكم الفرع.
# الشرط الخامس: أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن سنن القياس، والمعدول
~~به عن سنن القياس على قسمين.
# الأول ما لا يعقل معناه، وهو على ضربين: إما مستثنى من قاعدة عامة أو
~~مبتدأ به: فالأول كقبول شهادة خزيمة وحده، فإنه مع كونه غير معقول المعنى،
~~مستثنى من قاعدة الشهادة. والثاني كأعداد الركعات، وتقدير نصب الزكوات،
~~ومقادير الحدود، PageV03P196
# والكفارات، فإنه مع كونه غير معقول المعنى، غير مستثنى من قاعدة سابقة
~~عامة.
# وعلى كلا التقديرين يمتنع فيه القياس.
# القسم الثاني: ما شرع ابتداء، ولا نظير له، ولا يجري فيه القياس لعدم
~~النظير وسواء كان معقول المعنى، كرخص السفر والمسح على الخفين لعلة دفع
~~المشقة، أو ms658 هو غير معقول المعنى، كاليمين في القسامة وضرب الدية على
~~العاقلة ونحوه.
# الشرط السادس: إذا كان حكم الأصل متفقا عليه، فقد اختلفوا في كيفية
~~الاتفاق:
# فمنهم من قال بأنه يكفي أن يكون ذلك متفقا عليه بين الفريقين لا غير.
# ومنهم من قال: لا يكفي ذلك، بل لا بد وأن يكون متفقا عليه بين الأمة،
~~وإلا فإن كان متفقا عليه بين الفريقين فقط، فلا يصح القياس عليه، وسموه
~~قياسا مركبا.
# وقبل النظر في مأخذ الحجاج، فلابد من النظر في معنى القياس المركب
~~وأقسامه.
# أما القياس المركب فهو أن يكون الحكم في الأصل غير منصوص عليه، ولا مجمع
~~عليه من الأمة (1) وهو قسمان:
# الأول مركب الأصل، والثاني مركب الوصف.
# أما التركيب في الأصل فهو أن يعين المستدل علة في الأصل المذكور، ويجمع
~~بها بينه وبين فرعه، فيعين المعترض فيه علة أخرى، ويقول: الحكم عندي ثابت
~~بهذه العلة، وذلك كما إذا قال في مسألة الحر بالعبد مثلا، عبد فلا يقتل به
~~الحر كالمكاتب، فإن المكاتب غير منصوص عليه، ولا مجمعا عليه بين الأمة،
~~لاختلاف الناس في وجوب القصاص على قاتله، وإنما هو متفق عليه بين الشافعي
~~وأبي حنيفة، وعند ذلك فللحنفي أن يقول العلة في المكاتب (2) المتفق عليه
~~المانعة من جريان القصاص فيه عندي إنما هو جهالة (3) المستحق من السيد أو
~~الورثة. فإن سلم ذلك امتنعت التعدية إلى الفرع لخلو الفرع عن العلة، وإن
~~أبطل التعليل بها فأنا أمنع الحكم في الأصل لأنه إنما ثبت عندي بهذه العلة،
~~وهي مدرك إثباته، ولا محذور في نفي الحكم.
# PageV03P197
# لانتفاء مدركه إذ لم يلزم منه مخالفة نص ولا إجماع، وعلى كلا التقديرين،
~~فالقياس يكون ممتنعا إما لمنع حكم الأصل، وإما لعدم علة الأصل في الفرع.
# قال بعض الأصوليين: وإنما سمي هذا النوع قياسا مركبا، لاختلاف الخصمين في
~~علة الأصل، وليس بحق. وإلا كان كل قياس اختلف في علة أصله، وإن كان منصوصا
~~أو متفقا عليه بين الأمة، مركبا، وليس كذلك.
# والأشبه أنه إنما سمي بذلك لاختلاف ms659 الخصمين في تركيب الحكم على العلة في
~~الأصل فإن المستدل يزعم أن العلة الجامعة مستنبطة من حكم الأصل، وهي فرع
~~له.
# والمعترض يزعم أن الحكم في الأصل فرع على العلة وهي المثبتة له، وأنه لا
~~طريق إلى إثباته سواها، وأنها غير مستنبطة منه، ولا هي فرع عليه، ولذلك منع
~~ثبوت الحكم عند إبطالها، وإنما سمي مركب الأصل لأنه نظير في علة حكم الأصل
~~(1).
# وأما مركب الوصف فهو ما وقع الاختلاف فيه في وصف المستدل، هل له وجود في
~~الأصل أو لا؟
# وذلك كما لو قال المستدل في مسألة تعليق الطلاق بالنكاح، تعليق، فلا يصح
~~قبل النكاح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق، فللخصم أن يقول: لا نسلم
~~وجود التعليق في الأصل، بل هو تنجيز، فإن ثبت أنه تعليق، فأنا أمنع الحكم
~~وأقول بصحته، كما في الفرع، ولا يلزمني من المنع محذور، لعدم النص عليه
~~وإجماع الأمة، وإنما سمي مركب الوصف، لأنه خلاف في تعيين الوصف الجامع.
# وإذ أتينا على بيان معنى القياس المركب وأقسامه.
# فنقول: لا يخلو إما أن ينظر في ذلك إلى الناظر المجتهد، أو المناظر: فإن
~~كان الأول، فإن كان له مدرك في ثبوت حكم الأصل سوى النص والاجماع، فالقياس
~~صحيح لأنه إذا غلب على ظنه صحة القياس فلا يكابر نفسه فيما أوجبه ظنه، وإن
# PageV03P198
# لم يكن له مدرك سوى النص والاجماع فالقياس متعذر لتعذر إثبات حكم الأصل
~~وإن كان الثاني، فالمختار بعد إبطال ما يعارض به الخصم في القسم الأول من
~~التركيب وتحقيق وجود ما يدعيه في الأصل في القسم الثاني منه، إنما هو
~~التفصيل وهو أن الخصم إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا.
# فإن كان مجتهدا وظهر في نظره إبطال المدرك الذي بني عليه حكم الأصل، فله
~~منع حكم الأصل. وعند ذلك فالقياس لا يكون منتفعا به بالنسبة إلى الخصم.
# وإن كان مقلدا فليس له منع الحكم في الأصل وتخطئة إمامه فيه بناء على
~~عجزه هو عن تمشية الكلام مع المستدل، وذلك لاحتمال أن لا ms660 يكون ما عينه
~~المعترض هو المأخذ في نظر إمامه، وبتقدير أن يكون هو المأخذ في نظر إمامه،
~~فلا يلزم من عجز المقلد عن تقريره عجز إمامه عنه لكونه أكمل حالا منه وأعرف
~~بوجه ما ذهب إليه وتقريره.
# وقد قيل إنه وإن كان لا بد من تخطئة إمام المعترض إما في حكم الأصل أو
~~الفرع، فليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع، وليس بحق، فإنه كما
~~أنه ليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع، فليس للمستدل تخطئة
~~إمام المعترض في الفرع دون الأصل، ولا أولوية.
# فإن قيل: بل تخطئته في الفرع أولى لوقوع الخلاف فيه بين إمام المستدل
~~وإمام المعترض، بخلاف حكم الأصل، فيقال كما أن الخلاف واقع في الفرع بين
~~الامامين فالخلاف في الأصل أيضا واقع بين الأئمة، إذ هو غير مجمع عليه.
~~وليس موافقة إمام المستدل في الفرع أولى من موافقة المخالف في الأصل.
# الشرط السابع: أن لا يكون الدليل الدال على إثبات حكم الأصل دالا على
~~إثبات حكم الفرع، وإلا فليس جعل أحدهما أصلا للآخر أولى من العكس.
# الشرط الثامن: اختلف الأصوليون في اشتراط قيام الدليل على تعليل حكم
~~الأصل وجواز القياس عليه نفيا وإثباتا.
# والمختار أنه إن أريد بالدليل الدال على ذلك أن يكون دليلا خاصا بذلك
~~الأصل من كتاب أو سنة أو إجماع، فهو باطل. PageV03P199
# وإن أريد به أنه لا بد من قيام دليل على ذلك بجهة العموم والشمول، فهو
~~حق:
# وذلك لأنا سنبين أن كل أصل أمكن تعليل حكمه فإنه يجب تعليله، وإنه يجوز
~~القياس عليه، وذلك لان مدرك كون القياس حجة إنما هو إجماع الصحابة على ما
~~يأتي (1) وقد علمنا من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم أنهم كانوا يقيسون
~~الفرع على الأصل عند وجود ما يظن كونه علة لحكم الأصل في الأصل فظن وجوده
~~في الفرع وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل وجواز القياس
~~عليه، حتى قال عمر لأبي موسى الأشعري: اعرف الأشباه والأمثال، ثم ms661 قس الأمور
~~برأيك (2) ولم يفصل.
# وكذلك اختلفوا في قوله أنت علي حرام حتى قاسه بعضهم على الطلاق، وبعضهم
~~على الظهار، وبعضهم على اليمين. ولم ينقل نص خاص ولا إجماع، على القياس على
~~تلك الأصول ولا على جواز تعليلها.
# PageV03P200
# القسم الثاني في شروط علة الأصل وقد اتفق الكل على جواز تعليل حكم الأصل
~~بالأوصاف الظاهرة الجلية العرية عن الاضطراب. وسواء أكان الوصف معقولا،
~~كالرضى والسخط، أم محسا كالقتل والسرقة، أم عرفيا كالحسن والقبح. وسواء
~~أكان موجودا في محل الحكم كما ذكر من الأمثلة أم ملازما له غير موجود فيه،
~~كتحريم نكاح الأمة لعلة رق الولد، لكن اختلفوا في شروط. فلنفرض في كل واحد
~~منها مسألة.
# المسألة الأولى ذهب الأكثرون إلى أن شرط علة الأصل (1) أن لا يكون محل
~~حكم الأصل ولا جزأ من محله. وذهب آخرون إلى جوازه. والمختار إنما هو
~~التفصيل، وهو امتناع ذلك في المحل دون الجزء، وذلك لان الكلام إنما هو واقع
~~في علة أصل القياس فلو كانت العلة فيه هي محل حكم الأصل بخصوصه، لكانت
~~العلة قاصرة لاستحالة كون محل حكم الأصل بخصوصه متحققا في الفرع، وإلا كان
~~الأصل والفرع متحدا، وهو محال.
# نعم إنما يمكن ذلك فيما إذا لم تكن علة حكم الأصل متعدية، لأنه لا يعد في
~~استلزام محل الحكم لحكمة داعية إلى ذلك الحكم، كاستلزام الأوصاف العامة
~~لمحل الأصل والفرع.
# وأما الجزء، فلا يمتنع التعليل به لاحتمال عمومه الأصل والفرع.
# PageV03P201
# المسألة الثانية اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الامارة
~~المجردة. والمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث أي
~~مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وإلا فلو كانت
~~وصفا طرديا لا حكمة فيه.
# بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين:
# الأول: أنه لا فائدة في الامارة، سوى تعريف الحكم، والحكم في الأصل معروف
~~بالخطاب لا بالعلة المستنبطة منه.
# الثاني: أن علة الأصل مستنبطة من حكم الأصل، ومتفرعة عنه، فلو كانت معرفة
~~لحكم ms662 الأصل، لكان متوقفا عليها، ومتفرعا عنها، وهو دور ممتنع.
# المسألة الثالثة ذهب الأكثرون إلى امتناع تعليل الحكم بالحكمة المجردة عن
~~الضابط (2). وجوزه الأقلون. ومنهم من فصل بين الحكمة الظاهرة المنضبطة
~~بنفسها والحكمة الخفية المضطربة فجوز التعليل بالأولى دون الثانية، وهذا هو
~~المختار.
# PageV03P202
# أما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة غير مضطربة، فلانا أجمعنا على أن الحكم
~~إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح
~~التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من
~~الحكمة الخفية. فإذا كانت الحكمة، وهي المقصود من شرع الحكم، مساوية للوصف
~~في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها.
# وأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة فيمتنع التعليل بها لثلاثة
~~أوجه:
# الأول: أنها إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور والأشخاص
~~والأزمان والأحوال، فلا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم منها والوقوف عليه إلا
~~بعسر وحرج، ودأب الشارع فيما هذا شأنه على ما ألفناه منه، إنما هو رد الناس
~~فيه إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الاحكام.
~~ولهذا فإنا نعلم أن الشارع إنما قضى بالترخص في السفر، دفعا للمشقة
~~المضبوطة بالسفر الطويل إلى مقصد معين، ولم يعلقها بنفس المشقة، لما كانت
~~مما يضطرب ويختلف. ولهذا فإنه لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر، وإن
~~ظن أن مشقته تزيد على مشقة المسافر في كل يوم فرسخ، وإن كان في غاية
~~الرفاهية والدعة، لما كان ذلك مما يختلف ويضطرب. الثاني: أن الاجماع منعقد
~~على صحة تعليل الاحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال
~~الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لحكمة الزجر أو الجبر،
~~وتعليل صحة البيع بالتصرف الصادر من الأهل في المحل لحكمة الانتفاع، وتعليل
~~تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه ونحوه، ولو
~~كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لم احتيج إلى التعليل بضوابط هذه الحكم
~~والنظر إليها، لعدم الحاجة إليها، ولما فيه من زيادة الحرج بالبحث عن ms663
~~الحكمة، وعن ضابطها مع الاستغناء بأحدهما.
# الثالث: أن التعليل بالحكمة المجردة إذا كانت خفية مضطربة، مما يفضي إلى
~~العسر والحرج في حق المكلف بالبحث عنها والاطلاع عليها، والحرج منفي بقوله
~~تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (22) الحج: 78) غير أنا خالفناه
~~في التعليل بالوصف PageV03P203
# الظاهر المنضبط، لكون المشقة فيه أدنى، فبقينا عاملين بعموم النص فيما
~~عداه.
# فإن قيل: ما ذكرتموه في جواز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة فهو فرع
~~إمكان ذلك، وهو غير مسلم في الحكمة، فإنها راجعة إلى الحاجات إلى المصالح
~~ودفع المفاسد، والحاجات مما تخفى وتزيد وتنقص، فلا تكون ظاهرة ولا منضبطة
~~وإن سلمنا إمكان ذلك نادرا.
# غير أنه يلزم من التوسل إلى معرفتها في آحاد الصور لتعيين القليل منها،
~~نوع عسر وحرج لا يلزم في التوسل إلى معرفة الضوابط الجلية والمظان الظاهرة
~~المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم في الغالب، وذلك مدفوع بقوله تعالى: *
~~(ما جعل عليكم في الدين من حرج) *.
# وما ذكرتموه في امتناع التعليل بالحكمة الخفية:
# أما الوجه الأول، فالبحث عن الحكمة الخفية، وإن كان فيه نوع حرج ومشقة،
~~غير أنه لا بد منه عند التعليل بالوصف الظاهر المشتمل عليها ضرورة أنها علة
~~لكون الوصف علة، ولولا اشتمال الوصف عليها لما كان علة للحكم وإذا لم يكن
~~بد من معرفتها في جعل الوصف علة للحكم وقد جعلت علة للعلة أمكن أن تجعل علة
~~للحكم من غير حاجة إلى ضابطها. وحيث لم تقض بالترخص في حق الحمال في الحضر
~~دفعا للمشقة عنه، فغايته امتناع تعليل الرخصة بمطلق المشقة، بل بالمشقة
~~الخاصة بالسفر، ولا يلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة مطلقا.
# وأما الوجه الثاني: فغاية ما فيه جواز التعليل بالضابط المشتمل على
~~الحكمة.
# وليس فيه ما يدل على امتناع التعليل بالحكمة. قولكم: إنه لا حاجة إليه،
~~لا نسلم ذلك، فإن الاطلاع عليه أسهل من الاطلاع على الحكمة.
# وأما الوجه الثالث: فهو أن الحرج اللازم عن البحث عن الحكمة الخفية وإن
~~كان شاقا، غير أنه لا يزيد على البحث ms664 عنها عند التعليل بضابطها، بل المشقة
~~في تعرفها، مع تعرف ضابطها، أشق من تعرفها دون ضابطها. وقد أجمعنا على
~~مخالفة النص المذكور عند التعليل بالضابط، وكانت مخالفته عند التعليل
~~بالحكمة، لا غير أقل مشقة وحرجا، فكان أولى بالمخالفة. PageV03P204
# والجواب عن الاعتراض الأول: أن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كانت
~~الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها في بعض الصور لا فيما لم يكن ، قولهم إن
~~الاطلاع عليها والبحث عنها أشق من البحث عن الضابط ليس كذلك. فإنها إذا
~~كانت ظاهرة منضبطة، كالوصف، فلا تفاوت.
# وعن الاعتراض الأول: على الوجه الثاني (1) أن البحث عن الحكمة عند تجردها
~~عن الضابط لا بد فيه من معرفة كميتها وخصوصيتها، حتى نأمن من الاختلاف بين
~~الأصل والفرع فيها وذلك غير ممكن في الحكمة الخفية المضطربة، ولا يكفي فيه
~~مجرد معرفة احتمالها بخلاف ما إذا كانت مضبوطة بضابط، فإنا نكتفي بمعرفة
~~الضابط ومعرفة أصل احتمال الحكمة لا غير. ويدل على ذلك ما ذكرناه من
~~الاستشهاد، وما ذكروه عليه، فهو اعتراف بامتناع التعليل بمجرد الحكمة، وهو
~~المطلوب.
# وعن الاعتراض على الوجه الثاني أنه لو أمكن التعليل بالحكمة لما احتيج
~~إلى التعليل بالضابط.
# قولهم إن الوقوف عليه أسهل من الوقوف على الحكمة بمجردها.
# قلنا: فيلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة لما فيه من تأخير إثبات الحكم
~~الشرعي إلى زمان إمكان الاطلاع على الحكمة، مع إمكان إثباته بالضابط في
~~أقرب زمان، وذلك ممتنع.
# وعن الاعتراض على الوجه الثالث أنا لا نسلم التساوي في الحرج والمشقة في
~~البحث عن الحكمة مع ضابطها، ومع خلوها عن الضابط. وذلك لأنا نفتقر في البحث
~~عنها عند خلوها عن الضابط إلى معرفة خصوصيتها وكميتها، حتى نأمن من التفاوت
~~فيها بين الأصل والفرع، كما سبق، ولا كذلك في البحث عنها مع ضابطها، فإنا
~~لا نفتقر في البحث عنها إلى أكثر من معرفة أصل احتمالها. ولا يخفى أن الحرج
~~في تعرفها على جهة التفصيل أتم من تعرفها لا بجهة التفصيل.
# PageV03P205
# المسألة الرابعة اختلفوا في جواز تعليل الحكم الثبوتي ms665 بالعدم: فجوزه قوم.
# ومنع منه آخرون، وشرطوا أن تكون العلة للحكم الثبوتي أمرا وجوديا، وهو
~~المختار.
# وبيانه من ثلاثة أوجه:
# الأول: أن الحكم بكون الوصف علة صفة وجودية، لان نقيض العلة (لا علة)، و
~~(لا علة) أمكن أن يكون صفة لبعض الاعدام، ولو كان المفهوم (من لا علة)
~~وجوديا، لكان الوجود صفة للعدم، وهو محال. وإذا كان (لا علة) عدما،
~~فالمفهوم من نقيضها وجودي.
# الوجه الثاني: أنه يصح قول القائل أي شئ وجد حتى حدث هذا الامر؟
# ولو لم يكن الحدوث متوقفا على وجود شئ، لما صح هذا الكلام. كما لو قال:
# أي رجل مات، حتى حدث لفلان هذا المال؟ حيث لم يكن حدوث المال لفلان
~~متوقفا على ما قيل.
# الثالث: وهو خاص بما إذا كان الحكم ثابتا بخطاب التكليف، كالوجوب والحظر
~~ونحوه، وهو أن يقال قد ثبت أن العلة المستنبطة من الحكم لا بد وأن تكون
~~بمعنى الباعث لا بمعنى الامارة. والباعث ما اشتمل على تحصيل مصلحة أو
~~تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، كما يأتي بيانه. فإذا كان الحكم ثابتا
~~بخطاب التكليف لمثل هذا الغرض، فلا بد وأن يكون ضابط ذلك الغرض مقدورا
~~للمكلف في إيجاده وإعدامه، وإلا لما كان شرع ذلك الحكم مفيدا لمثل ذلك
~~الغرض، لعدم إفضائه إلى الغرض المطلوب، والعدم المحض لا انتساب له إلى قدرة
~~المكلف لا بإيجاد ولا إعدام، فجعل ضابطا لغرض الحكم، ومقصوده لا يكون مفضيا
~~إلى مقصود شرع الحكم، فيمتنع التعليل به.
# فإن قيل: ما ذكرتموه من الوجه الأول معارض بما يدل على أن المفهوم من صفة
~~العلة عدم، وبيانه من وجهين: PageV03P206
# الأول أنه لو كانت صفة العلة أمرا وجوديا، لم يخل إما أن تكون واجبة
~~لذاتها، أو ممكنة: الأول محال، وإلا لما افتقرت إلى الموصوف بها.
# والثاني يوجب افتقارها إلى علة مرجحة لها. والكلام في صفة تلك العلة
~~كالكلام في الأولى، وهو تسلسل ممتنع.
# الوجه الثاني: أنه يصح وصف الامر العدمي بكونه علة للامر العدمي، ولهذا
~~يصح أن يقال: إنما ms666 لم أسلم على فلان، لأني لم أره وإنما لم أفعل كذا، لعدم
~~الداعي إليه.
# وأما الوجه الثاني، فليس فيه دلالة على توقف حدوث ذلك الامر على تجدد
~~وجود أمر آخر. ولهذا، فإنه يصح أن يقال أي شئ صنع هذا، حتى حدث له هذا
~~المال؟ وإن لم يكن حصول المال له موقوفا على صنع من جهته، لجواز حدوثه له
~~عن إرث أو وصية.
# وإن سلمنا دلالته على التوقف على الامر الوجودي، غير أنه معارض بما يدل
~~على صحة تعليل الامر الوجودي بالامر العدمي.
# وبيانه أنه يصح أن يقال ضرب فلان عبد ه لأنه لم يمتثل أمره وشتم فلان
~~فلانا لأنه لم يسلم عليه، وهو تعليل للامر الوجودي بالامر العدمي.
# وأما الوجه الثالث: فهو وإن سلمنا أن العلة لا بد وأن تكون بمعنى الباعث،
~~وأن الباعث عبارة عما ذكرتموه، ولكن لا نسلم امتناع كون الوصف العدمي باعثا
~~وذلك لأنا أجمعنا على جواز التعليل بالوصف الوجودي الظاهر المنضبط، إذا كان
~~يلزم من ترتيب الحكم على وفقه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة ظاهرا، فالعدم
~~المقابل له يكون أيضا ظاهرا منضبطا، ويكون مشتملا على نقيض ما اشتمل عليه
~~الوصف الوجودي، وهو لا يخرج عن المصلحة أو المفسدة، لأنه إن كان ما اشتمل
~~عليه الوصف الوجودي مصلحة، فعدمه يلزمه عدم تلك المصلحة، وعدم المصلحة
~~مفسدة، وإن كان ما اشتمل عليه الوصف الوجودي مفسدة، فعدمه يلزمه عدم تلك
~~المفسدة وعدم المفسدة مصلحة وهو مقدور للمكلف، لأنه إذا كان مقابله، وهو
~~الوصف الوجودي، مقدورا، فلا معنى لكونه مقدورا، إلا أنه مقدور على إيجاده
~~وإعدامه، فإذا العدم المقابل للوجود مقدور، وإذا كان مقدورا وهو ظاهر
~~PageV03P207
# منضبط مشتمل على مصلحة أو مفسدة، فقد أمكن التعليل به كما أمكن التعليل
~~بالوصف الوجودي.
# والجواب عن الأول أن ما ذكروه من لزوم التسلسل بتقدير كون العلية صفة
~~وجودية لزم بتقدير كونها عدمية، وذلك، لان المفهوم من صفة العلية، إذا كان
~~أمرا عدميا، فإما أن يكون واجبا لنفسه ومفهومه، أو ممكنا لا جائز أن ms667 يكون
~~واجبا لذاته، والا لما افتقر في تحقيقه إلى نسبته إلى ذات العلة وكونه وصفا
~~لها، وإن كان ممكنا، فلا بد له من علة مرجحة. والتسلسل لازم له وعند ذلك،
~~فالجواب يكون متحدا. وما ذكروه من الاحتجاج ثانيا، فلا يصح. وذلك، لان وجود
~~الداعي إلى الفعل شرط وجود الفعل. وكذلك الرؤية لزيد شرط في السلام عليه،
~~لا أن ذلك علة له، وإنما أضيف عدم الأثر إليه بلام التعليل بجهة التجوز
~~لمشابهته للعلة في افتقار الأثر إلى كل واحد منهما. ولذلك، يقال في صورة
~~تعليق الطلاق والعتق بدخول الدار إنما طلقت الزوجة، وعتق العبد لدخول الدار
~~ويجب حمل ذلك على جهة التجوز جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل.
# قولهم على الوجه الثاني: ليس فيه دلالة على توقف الحدوث عل تجدد الوجود
~~قلنا: دليله ما ذكرناه، وما ذكروه من الاستشهاد. فإنما صح بناءا على الظاهر
~~من جهة أن الغالب في حدوث المال لبعض الأشخاص أن يكون مستندا إلى صنعة لا
~~إلى ما ذكروه. ونحن إنما نتمسك في هذا الوجه بالظاهر، لا بالقطع.
# وما ذكروه من المعارضة الدالة على تعليل الامر الوجودي بالامر العدمي غير
~~صحيح. فإن المعلل به ليس هو العدم المحض، فإنه غير منتسب إلى فعل الشخص فلا
~~يحسن جعله علة للعقاب، لا عقلا ولا شرعا، وإنما التعليل بالامتناع عن ذلك
~~وكف النفس عنه، وهو أمر وجودي لا عدمي.
# وما ذكروه على الوجه الثالث فحاصله راجع إلى التعليل بالاعدام المقدور،
~~وهو أمر وجودي لا بالعدم المحض الذي لا قدرة للمكلف عليه. وذلك غير ما وقع
~~فيه النزاع. PageV03P208
# وإذا عرف امتناع تعليل الوجود بالعدم المحض مما ذكرناه، فبمثله يعلم أن
~~العدم لا يكون جزأ من العلة المقتضية للامر الوجودي، ولا داخلا فيها.
~~والوجه في الاعتراض على ذلك والانفصال، فعلى ما تقدم.
# ويخصه اعتراض آخر وهو أن انتفاء معارضة المعجزة بمثلها جزء من المعرف
~~لكونها معجزة. وكذلك الدوران فإنه معرف لعلية المدار وأحد أجزاء الدوران
~~العدم مع العدم.
# وجوابه أنا لا نسلم ms668 أن العدم فيما ذكروه من صور الاستشهاد جزء من المعرف
~~بل شرط، والشرط غير الجزء.
# وإذا عرف امتناع تعليل الحكم الثبوتي بالعدم المحض، وامتناع جعله جزأ من
~~العلة لزم امتناع التعليل بالصفات الإضافية (1) وذلك لان المفهوم من الصفة
~~الإضافية إما أن يكون وجودا أو عدما لا جائز أن يكون وجودا، لان الصفة
~~الإضافية لا بد وأن تكون صفة للمضاف، ويلزم من ذلك قيام الصفة الوجودية
~~بالمعدوم المحض وهو محال.
# وبيان لزوم ذلك أن الإضافة الواقعة بين المتناقضين وبين المتقدم والمتأخر
~~قائمة بكل واحد من الامرين وأحد المتقابلين مما ذكرناه لا بد وأن يكون
~~معدوما. وإذا بطل أن يكون المفهوم من الإضافة وجودا، تعين أن يكون عدما.
# PageV03P209
# المسألة الخامسة اختلفوا في جواز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي:
~~فجوزه قوم.
# ومنع منه آخرون. وشرطوا في العلة أن لا تكون حكما شرعيا.
# ونحن نشير إلى مأخذ الفريقين، وننبه على ما فيه، ثم نذكر بعد ذلك ما هو
~~المختار.
# فأما من قال بأن الحكم يجوز أن يكون علة للحكم، فقد احتجوا عليه بأن أحد
~~الحكمين قد يكون دائرا مع الحكم الآخر وجودا وعدما. والدوران دليل كون
~~المدار عليه للدائر (1) وسنبين أن الدوران لا يدل على التعليل فيما بعد.
# وأما القائلون بامتناع التعليل بالحكم، فقد احتجوا بأن الحكم إذا كان علة
~~لحكم آخر، فإما أن يكون متقدما عليه، أو متأخرا عنه، أو مقارنا له لا جائز
~~أن يقال بالأول، وإلا لزم منه وجود العلة مع تخلف حكمها عنها وهو نقض
~~للعلة.
# ولا جائز أن يقال بالثاني، لان المتأخر لا يكون علة للمتقدم.
# وإن كان الثالث: فليس جعل أحدهما علة للآخر أولى من العكس. وأيضا فإنه
~~يحتمل أن لا يكون لحكم الأصل علة، ويحتمل أن يكون. وإذا كان معللا، احتمل
~~أن لا يكون الحكم به هو العلة، واحتمل أن يكون، وعلى هذا فلا يكون علة على
~~تقديرين، وإنما يكون علة على تقدير واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من
~~احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد.
# وأيضا ms669 فإنه لو كان الحكم علة للحكم، فإما أن يكون علة بمعنى الامارة
~~المعرفة أو بمعنى الباعث.
# لا جائز أن يقال بالأول لما سبق (2) ولا جائز أن يقال بالثاني، لان القول
~~بكون الحكم داعيا وباعثا على الحكم محال خارق للاجماع.
# PageV03P210
# ولقائل أن يقول: أما الحجة الأولى، فلا نسلم امتناع التقدم.
# قولهم: يلزم منه نقض العلة - ليس كذلك، فإن الحكم لم يكن علة لنفسه
~~وذاته، بل إنما يصير علة باعتبار الشرع له بقران الحكم الآخر به، وذلك كما
~~في تعليل تحريم شرب الخمر بالشدة المطربة، فإن الشدة المطربة، وإن كانت
~~متقدمة على التحريم، فلا يقال إنها علة قبل اعتبارها من الشرع بقران
~~التحريم بها، فلا تكون منتقضة بتخلف التحريم عنها قبل ورود الشرع. وإن
~~سلمنا امتناع التقدم فما المانع أن يكون مقارنا؟
# قولهم: ليس جعل أحد المقترنين علة للآخر أولى من العكس ليس كذلك، فإن
~~الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كان أحد الحكمين مناسبا للحكم الآخر من غير
~~عكس، وإلا فمع قطع النظر عن جهة البعث في أحد الحكمين، فلا يكون علة.
# وما ذكروه من الترجيح، فهو لازم عليهم في التعليل بالأوصاف الحقيقة، وما
~~هو جواب ثم، فهو الجواب فيما نحن فيه.
# وأما الحجة الثانية، فالمختار من قسميها أنه علة بمعنى الباعث.
# قولهم: إنه ممتنع، خارق للاجماع، دعوى مجردة، لا دليل عليها.
# وعند هذا، فنقول: المختار أنه يجوز أن يكون الحكم علة للحكم، بمعنى
~~الامارة المعرفة لكن لا في أصل القياس، بل في غيره، فقد حرمت كذا فإنه لا
~~يمتنع أن يقول الشارع: مهما رأيتم أنني حرمت كذا، فقد حرمت كذا، ومهما أبحت
~~كذا كما لو قال: مهما زالت الشمس فصلوا، ومهما طلع هلال رمضان فصوموا.
# وأما في أصل القياس فقد بينا أنه لا يجوز أن تكون العلة فيه بمعنى
~~الامارة المعرفة، بل بمعنى الباعث، فإذا كان الحكم علة لحكم أصل القياس،
~~فلا بد وأن يكون باعثا عليه.
# وعلى هذا، فحكم الأصل إما أن يكون حكما تكليفيا أو ثابتا بخطاب الوضع ms670
~~والاخبار. PageV03P211
# فإن كان ثابتا بخطاب التكليف، امتنع أن يكون الحكم الشرعي علة له، لأنه
~~غير مقدور للمكلف لا في إيجاده، ولا في إعدامه، فلا يصلح أن يكون علة له
~~لما ذكرناه في امتناع التعليل بالوصف العدمي، وبما ذكرناه أيضا يمتنع
~~تعليله بالوصف العرفي والتقديري والوصف الوجودي الذي لا قدرة للمكلف على
~~تحصله، كالشدة المطربة والطعم والنقدية والصغر ونحوه.
# وأما إن كان حكم الأصل ثابتا بخطاب الوضع والاخبار، فلا بد وأن يكون
~~الحكم المعلل به باعثا على حكم الأصل إما لدفع مفسدة لزمت من شرع الحكم.
# المعلل به، واما لتحصيل مصلحة تلزم منه: فإن كان الأول، فيمتنع أن يكون
~~الحكم علة، لان المفسدة اللازمة من الحكم المعلل به كانت مطلوبة الانتفاء
~~بشرع حكم الأصل، لما شرع الحكم المعلل به، لما يلزم من شرعه من وجوه مفسدة
~~مطلوبة الانتفاء للشارع: وإن كان الثاني، فلا يمتنع تعليل الحكم بالحكم،
~~فإنه لا يمتنع أن يكون ترتيب أحد الحكمين على الآخر يستلزم حصول مصلحة لا
~~يستقل بها أحدهما، فقد ينحل من هذه الجملة أن إطلاق القول بامتناع التعليل
~~بالحكم الشرعي وجوازه ممتنع، بل لا بد من النظر إلى ما ذكرناه، لما ذكرناه
~~من التفصيل.
# المسألة السادسة اشترط قوم أن تكون العلة ذات وصف واحد، لا تركيب فيه،
~~كتعليل تحريم الخمر بالاسكار ونحوه. ومنع من ذلك الأكثرون، وهو المختار
~~وذلك كتعليل وجوب القصاص بالمحدد بالقتل العمد العدوان.
# ودليله أنه لا يمتنع أن تكون الهيئة الاجتماعية من الأوصاف المتعددة مما
~~يقوم الدليل على ظن التعليل بها إما بمناسبة أو شبه، أو سبر وتقسيم، أو غير
~~ذلك من طرق الاستنباط والتخريج مع اقتران الحكم بها حسب دلالته على علية
~~الوصف الواحد، وكان علة.
# فإن قيل: ما ذكرتموه، وإن دل على جواز التعليل بعلة ذات أوصاف، غير أنه
~~معارض بما يدل على امتناعه. PageV03P212
# وبيانه من أربعة أوجه:
# المعارضة الأولى: أن مجموع الأوصاف إذا كان علة للحكم، فالعلية صفة زائدة
~~على مجموع تلك الأوصاف. ودليله أمران:
# الأول أنا نعقل الهيئة ms671 الاجتماعية من الأوصاف، ونجهل كونها علة والمعلوم
~~غير المجهول.
# الثاني أنه يحسن أن يقال: الهيئة الاجتماعية من الأوصاف علة، فنصفها بها،
~~والصفة يجب أن تكون غير الموصوف. وعند ذلك فإما أن تكون صفة العلية بتمامها
~~قائمة بكل واحد من الأوصاف، أو بواحد منها، أو أنها مع اتحادها قائمة
~~بالمجموع، كل بعض منها قائم بوصف:
# لا جائز أن يقال بالأول، وإلا كان كل وصف علة مستقلة، لان العلة مجموع
~~الأوصاف، وهو خلاف الفرض. كيف وإن ذلك محال كما يأتي.
# وإن قيل بالثاني: فالعلة ذلك الوصف الذي قامت به صفة العلية، لا مجموع
~~الأوصاف، وهو أيضا خلاف الفرض.
# ولا جائز أن يقال بالثالث، لان صفة العلية متحدة، فيلزم من ذلك تعدد
~~المتحد لقيامه بالمتعدد، أو اتحاد المتعدد، وهو محال.
# المعارضة الثانية أنه لو كانت العلية صفة لأوصاف متعددة، فهي متوقفة على
~~كل واحد من تلك الأوصاف، ويلزم من ذلك أن يكون عدم كل وصف منها علة مستقلة
~~لعدم صفة العلية ضرورة انتفائها عند عدمه، وذلك محال لوجهين:
# الأول أنه إذا انتفت جميع الأوصاف، فإما أن يكون عدم كل وصف علة مستقلة
~~لعدم العلية أو البعض دون البعض، أو أنه لا واحد منها مستقل بل المستقل
~~الجميع.
# لا جائز أن يقال بالأول، لان معنى استقلال عدم كل واحد من الأوصاف بعدم
~~العلية، لا معنى له سوى أنه المفيد لذلك دون غيره، ويلزم من ذلك امتناع
~~استقلال كل واحد منها.
# ولا جائز أن يقال بالثاني لأنه لا أولوية لاختصاص البعض بذلك دون البعض.
~~PageV03P213
# ولا جائز أن يقال بالثالث لما فيه من إخراج كل واحد من تلك الأوصاف عن
~~الاستقلال بالعلية، وقد قيل إنه مستقل.
# الوجه الثاني: أنه إذا كان عدم كل وصف منها يستقل عند انفراده بعدم
~~العلية، فبتقدير انتفاء العلية عند انتفاء بعض الأوصاف، يلزم منه أنه إذا
~~انتفى بعد ذلك وصف آخر من تلك الأوصاف أن لا يكون موجبا لعدم العلية لكونها
~~معدومة ويلزم من ذلك نقض العلة العقلية، وهو محال.
# المعارضة ms672 الثالثة أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد من تلك الأوصاف مناسبا
~~للحكم، أو لا واحد منها مناسب له، أو المناسب البعض دون البعض.
# فإن كان الأول، فيلزم من مناسبة كل واحد للحكم مع اقتران الحكم به أن
~~يكون مستقلا بالتعليل، وعند ذلك، فالحكم إما أن يضاف إلى كل واحد على سبيل
~~الاستقلال، أو إلى البعض دون البعض، أو إلى الجملة، والكل محال لما تقدم في
~~المعارضة السابقة.
# وإن كان الثاني فضم ما لا يصلح للتعليل إلى ما يصلح له لا يكون مفيدا
~~للتعليل.
# وإن كان الثالث: فذلك هو العلة المستقلة لمناسبته وقران الحكم به، ولا
~~مدخل لغيره في التعليل.
# المعارضة الرابعة: أن كل واحد من الأوصاف إذا لم يكن علة عند انفراده،
~~فعند انضمامه، إن تجددت صفة العلية له، فلا بد من تجدد أمر يقتضي العلية.
# وذلك الامر المتجدد لا بد له من علة متجددة توجبه: والكلام في ذلك
~~المتجدد كالكلام في الأول، وهو تسلسل ممتنع.
# الجواب عن المعارضة الأولى من ثلاثة أوجه:
# الأول: أنه لا معنى لكون مجموع الأوصاف علة سوى أن الشارع قضى بالحكم
~~رعاية لما اشتملت عليه الأوصاف من الحكمة. وليس ذلك صفة لها فلا يلزم ما
~~ذكروه، الا ان هذا يناقض ما ذكر من الوجه الأول في امتناع التعليل بالعدم
~~الثاني الثاني: أنه إن كانت العلية صفة للأوصاف غير أنه يمتنع ان تكون صفة
~~وجودية وبيانه من وجهين: PageV03P214
# الأول: أنها لو كانت صفة وجودية، لكانت عرضا، والصفات المعلل بها أعراض،
~~والعرض لا يقوم بالعرض كما بيناه في أبكار الأفكار وغيره.
# الثاني: أنها صفة إضافية وقد بينا فيما تقدم أن المفهوم من الصفة
~~الإضافية غير وجودي، وما ذكروه من المحال، إنما يلزم بتقدير كونها صفة
~~وجودية، وليس كذلك غير أن هذين الجوابين يناقضان ما ذكر من الوجه الأول في
~~امتناع التعليل بالعدم.
# الثالث: أن ما ذكروه منتقض بكون القول المخصوص خبرا أو استخبارا أو وعدا
~~أو وعيدا أو غير ذلك، مع تعدد ألفاظه وحروفه، فإن ms673 كل ما ذكروه من الأقسام
~~بعينه متحقق فيه. ومع ذلك، لم يمتنع وصفه بما وصف به. فما هو الجواب ها هنا
~~يكون جوابا في محل النزاع.
# وعن الثانية: أنها مبنية على كون عدم الأوصاف علة لعدم العلية. وليس كذلك
~~لوجهين:
# الأول: أن العدم لا يصلح أن يكون علة لما تقدم.
# الثاني: أن وجود كل واحد من الأوصاف شرط في تحقق العلية، فانتفاء العلية
~~عند انتفاء بعض الأوصاف أو كلها إنما هو لانتفاء الشرط لا لعلة علم العلية.
# وعن الثالثة: أنه وإن لم يكن كل واحد من الأوصاف مناسبا للحكم مناسبة
~~استقلال فلا يمتنع أن تكون مناسبة الاستقلال ناشئة أو ملازمة للهيئة
~~الاجتماعية من الأوصاف، كما في القتل العمد العدوان بالنسبة إلى وجوب
~~القصاص ونحوه.
# وعن الرابعة: أن المتجدد والمستلزم للعلية إنما هو الانضمام الحادث
~~بالفاعل المختار، فلا تسلسل ثم يلزم على ما ذكروه تجدد الهيئة الاجتماعية
~~من الأوصاف المتعددة، فإنها غير متحققة في كل واحد واحد من الأوصاف مع لزوم
~~ما ذكروه.
# فما هو الجواب عن تجدد الهيئة الاجتماعية يكون جوابا عن تجدد صفة العلية.
~~PageV03P215
# المسألة السابعة اتفق الكل على أن تعدية العلة شرط في صحة القياس وعلى
~~صحة العلة القاصرة كانت منصوصة أو مجمعا عليها.
# وإنما اختلفوا في صحة العلة القاصرة إذا لم تكن منصوصة ولا مجمعا عليها.
# وذلك كتعليل أصحاب الشافعي حرمة الربا في النقدين بجوهرية الثمينة.
# فذهب الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل والقاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار
~~وأبو الحسين البصري وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى صحتها وذهب أبو حنيفة
~~وأصحابه وأبو عبد الله البصري والكرخي إلى إبطالها.
# والمختار صحتها. وقد احتج القائلون بذلك بمسالك:
# المسلك الأول أنهم قالوا: تعدية العلة إلى الفرع موقوف على صحتها في
~~نفسها فلو كانت صحتها متوقفة على تعديتها كان دورا ممتنعا.
# ولقائل أن يقول إن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة ثبوت الحكم بها
~~في الفرع، فهو مسلم وإن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة وجودها في
~~الفرع لاغير، فهو غير مسلم. ms674
# وعلى هذا فنحن لا نقول بان التعدية بالاعتبار الأول شرط في صحة العلة
~~ليكون دورا، وإنما نقول بأن شرط صحة العلة التعدية بالاعتبار الثاني، وهو
~~غير مفض إلى الدور، فإن صحة العلة، وإن كانت مشروطة بوجودها في غير محل
~~النص، فوجودها غير متوقف على صحتها في نفسها، فلا دور، وإن سلمنا توقف
~~التعدية على الصحة وتوقف الصحة على التعدية، فإنما يلزم الدوران لو كان ذلك
~~التوقف مشروطا بتقدم كل واحد من الامرين على الاخر وأما إذا كان ذلك بجهة
~~المعية كما في توقف كل واحد من المضافين على الآخر فلا دور.
# المسلك الثاني أنهم قالوا إذا دار الحكم مع الوصف القاصر وجودا وعدما دل
~~على كونه علة كالمتعدي، وهو غير صحيح لما سنبينه من إبطال التمسك بالدوران.
~~PageV03P216
# المسلك الثالث: أنهم قالوا إذا جاز أن تكون علة عند دلالة النص عليها جاز
~~أن تكون علة بالاستنباط، وهو غير صحيح أيضا. وذلك لان عليتها عند دلالة
~~النص مستفادة من النص، ودلالة النص عليها غير متحققة حالة استنباطها، فلا
~~يلزم أن تكون علة.
# فإن قيل: إذا دل النص على علية الوصف القاصر، وجب الحكم بعلية المستنبط
~~لما بينهما من الاشتراك في الحكمة قلنا: هذا قياس في الأسباب، وسيأتي
~~إبطاله.
# والمعتمد في ذلك أن يقال إذا كان الوصف القاصر مناسبا للحكم، والحكم ثابت
~~على وفقه، غلب على الظن كونه علة للحكم بمعنى كونه باعثا عليه، ولا معنى
~~لصحة العلة سوى ذلك.
# فإن قيل القضاء بصحة العلة يستدعي فائدة، فإن ما لا فائدة فيه لا يمكن
~~القضاء بصحته، وفائدة العلة إنما هي في إثبات الحكم بها، والعلة القاصرة
~~غير مثبتة للحكم في الأصل لكونه ثابتا بالنص أو الاجماع، ولأنها مستنبطة
~~منه، فتكون فرعا عليه فلو كانت مثبتة له، لكان فرعا عليها، وهو دور، ولا هي
~~مثبتة للحكم في الفرع لعدم تعديتها. فقد تعرت عن الفائدة بالكلية، فلا تكون
~~صحيحة.
# قلنا: وإن سلمنا امتناع إثبات الحكم بالعلية القاصرة، وأن إثبات الحكم
~~بها فائدة لها، ولكن لا ms675 نسلم انحصار فائدتها في ذلك، بل لها ثلاث فوائد
~~أخر.
# الأولى معرفة كونها باعثة على الحكم بما اشتملت عليه من المناسبة أو
~~الشبه وإذا كانت باعثة على الحكم، كان الحكم معقول المعنى، وكان أدعى إلى
~~الانقياد وأسرع في القبول له مما لم يظهر فيه الباعث، وكان تعبدا، وإذا كان
~~كذلك، كان أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع من شرع الحكم، فكان التعليل بها
~~مفيدا.
# الثانية: أن العلة إذا كانت قاصرة، فبتقدير ظهور وصف آخر متعد في محلها
~~يمتنع تعدية الحكم به دون ترجيحه على العلة القاصرة، وذلك من أجل الفوائد.
# الثالثة: أنه إذا كانت القاصرة علة، وعرفناها، فقد امتنع بسببها تعدية
~~الحكم إلى الفرع، وذلك أيضا من أتم الفوائد. PageV03P217
# فإن قيل: وإن كان ما ذكرتموه من جملة الفوائد، وأن ذلك مما يغلب على الظن
~~الصحة، غير أن العمل بالظن على خلاف قوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من
~~الحق شيئا) * وحيث خالفناه في العلة المتعدية لاشتمالها على ما ذكرتموه من
~~الفوائد وزيادة فائدة التعدية، فلا يلزم منه المخالفة فيها (1) دون ذلك.
# قلنا: يجب حمل الآية على ما المطلوب فيه القطع، جمعا بينه وبين ما ذكرناه
~~من الدليل.
# سلمنا أنه لا فائدة في العلة القاصرة، ولكن لا يلزم من ذلك امتناع القضاء
~~بصحتها بدليل ما لو كانت منصوصة.
# المسألة الثامنة اختلفوا في جواز تخصيص العلة المستنبطة:
# فجوزه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل ومنع من ذلك أكثر أصحاب
~~الشافعي. وقد قيل إنه منقول عن الشافعي.
# PageV03P218
# ثم القائلون بجواز تخصيصها اتفقوا على جواز تخصيص العلة المنصوصة.
# واختلفوا: في جواز تخصيص المستنبطة إذا لم يوجد في محل التخلف مانع ولا
~~فوات شرط، فمنع منه الأكثرون وجوزه الأقلون.
# والقائلون بالمنع في تخصيص العلة المستنبطة اختلفوا في جواز تخصيص العلة
~~المنصوصة.
# والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن يقال: العلة الشرعية لا تخلو إما أن
~~تكون قطعية أو ظنية:
# فإن كانت قطعية، فتخلف الحكم عنها لا يخلو إما أن يكون لا بدليل أو
~~بدليل. لا ms676 جائز أن يقال بالأول، لأنه محال.
# وان كان الثاني: فالدليل اما ظني أو قطعي، والظني لا يعارض القطعي،
~~وتعارض قاطعين أيضا محال، الا ان يكون أحدهما ناسخا للآخر وإن كانت ظنية،
~~فتخلف الحكم عنها إما في معرض الاستثناء أولا في معرض الاستثناء:
# فإن كان الأول كتخلف إيجاب المثل في لبن المصراة عن العلة الموجبة له وهي
~~تماثل الاجزاء، بالعدول إلى إيجاب صاع من التمر، وتخلف وجوب الغرامة عمن
~~صدرت عنه الجناية في باب ضرب الدية على العاقلة، وتخلف حكم الربا مع وجود
~~الطعم في العرايا ونحوه، فذلك مما لا يدل على بطلان العلة، بل تبقي حجة
~~فيما وراء صورة الاستثناء، وسواء كانت العلة المخصوصة منصوصة أو مستنبطة،
~~وذلك لان الدليل من النص أو الاستنباط قد دل على كونها علة، وتخلف الحكم
~~حيث ورد بطريق الاستثناء عن قاعدة القياس كان مقررا لصحة العلة لا ملغيا
~~لها.
# وأما إن كان تخلف الحكم عنها لا بطريق الاستثناء فلا يخلو إما أن تكون
~~العلة منصوصة أو مستنبطة: فإن كانت منصوصة فلا يخلو إما أن يمكن حمل النص
~~على أن الوصف المنصوص عليه بعض العلة، وذلك PageV03P219
# كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين مأخوذا (1) من قوله عليه
~~السلام الوضوء مما خرج (2) فإنه إذا تخلف عنه الوضوء في الحجامة أمكن أخذ
~~قيد الخارج من السبيلين في العلة، وتأويل النص بصرفه عن عموم الخارج النجس
~~إلى الخارج من المخرج المعتاد أو حمله على تعليل حكم آخر غير الحكم المصرح
~~به في النص، وذلك قوله (3) تعالى: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي
~~المؤمنين) * (59) الحشر: 2) معللا بقوله تعالى * (ذلك بأنهم شاقوا الله
~~ورسوله) * (59) الحشر: 4) فإن الحكم المعلل المصرح به إنما هو خراب البيت،
~~وليس كل من شاق الله ورسوله يخرب بيته، فأمكن حمل الخراب على استحقاق
~~الخراب، وجد الخراب أو لم يوجد. أو أنه لا يمكن ذلك، فإن أمكن تأويل النص
~~بالحمل على معنى خاص أو حكم آخر خاص وجب التأويل لما فيه من الجمع بين دليل
~~التعليل بتأويله، ودليل إبطال ms677 العلة المذكورة. وإن لم يمكن تأويله بغير
~~الوصف المذكور والحكم المرتب عليه، فغايته امتناع إثبات حكم العلية، لما
~~عارضها من النص النافي لحكمها و العلة المنصوصة في معنى النص وتخلف حكم
~~النص عنه في صوره (4)، لما عارضه لا يوجب إبطال العمل به في غير صورة
~~المعارضة، فكذلك العلة المنصوصة.
# و أما إن كانت العلة مستنبطة، فتخلف الحكم عنها إما أن يكون لمانع أو
~~فوات شرط أو لا يكون.
# فإن كان الأول: وذلك كما في تعليل إيجاب القصاص على القاتل بالقتل العمد
~~العدوان، وتخلف الحكم عنه في الأب والسيد بمانع الأبوة والسيادة، فلا يكون
# PageV03P220
# ذلك مبطلا للعلية فيما وراء صورة المخالفة، لان دليل الاستنباط قد دل على
~~العلية بالمناسبة والاعتبار، وقد أمكن إحالة نفي الحكم على ما ظهر من
~~المانع لا على إلغاء العلة فيجب الحمل عليه جمعا بين الدليل الدال على
~~العلة والدليل الدال عل مانعية الوصف النافي للحكم، فإن الجمع بين الأدلة
~~أولى من إبطالها.
# ولا يخفى: أن القول بإبطال العلة بتخلف الحكم عنها مما يلزم منه إبطال
~~الدليل الدال على العلة والدليل الدال على مانعية المانع، فكان القول
~~بإحالة نفي الحكم على المانع أولى.
# فإن قيل: لا نسلم أن المناسبة وقران الحكم بها فقط دليل العلية، بل مع
~~الاطراد، وإن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم إمكان تعليل انتفاء الحكم بالمانع
~~لوجهين:
# الأول أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلف يتوقف
~~على وجود المقتضي للحكم فيها، فإنه لو لم يكن المقتضي للحكم موجودا فيها،
~~لكان الحكم منتفيا لانتفاء المقتضي لا للمانع ولا لفوات الشرط، والقول بكون
~~الوصف المذكور علة يتوقف في صورة التخلف على وجود المانع أو فوات الشرط،
~~فإنا إذا لم نتبين وجود المانع ولا فوات الشرط، فالحكم يجب أن يكون منتفيا
~~لانتفاء ما يقتضيه، وعند ذلك نتبين أن الوصف المذكور ليس بعلة، وإذا توقف
~~كل واحد من المقتضي والمانع على الآخر، كان دورا ممتنعا وهذا الامتناع إنما
~~لزم من التعليل بالمانع أو فوات ms678 الشرط في صورة التخلف، فكان ممتنعا.
# الوجه الثاني أن انتفاء الحكم في صورة التخلف كان متحققا قبل وجود
~~المانع، وفي تعليله بالمانع تعليل المتقدم بالمتأخر وهو محال، وسواء كان
~~المانع بمعنى الامارة أو الباعث.
# قلنا: جواب الأول أنا إذا رأينا الوصف مناسبا والحكم مقترنا به، غلب على
~~الظن تأول النظر (1) إليه أنه علة مع قطع النظر عن البحث في جميع مجاري
~~العلة، هل الحكم مقارن لها أو لا.
# PageV03P221
# وأما الاطراد فحاصله يرجع إلى السلامة عن النقص المعارض لدليل العلية
~~وعدم المعارض عن داخل في دليل العلية وعن الدور من ثلاثة أوجه:
# الأول لا نسلم أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع يستدعي وجود المقتضي.
# ودليله أنه يصح انتفاؤه بالمانع مع وجود المقتضي، ومع كون المقتضي معارضا
~~للمانع، فلان يصح تعليل النفي به مع عدم المقتضي كان أولى (1).
# الثاني وإن سلمنا توقف التعليل بالمانع على وجود المقتضي، ولكن لا نسلم
~~توقف وجود المقتضي على وجود المانع، فإن كون المقتضي مقتضيا إنما يعرف
~~بدليله من المناسبة والاعتبار، أو غير ذلك من الطرق، وذلك متحقق فيما نحن
~~فيه. فيجب القضاء بكونه مقتضيا. والمانع إنما هو من قبيل المعارض، فإن وجد
~~انتفى الحكم المقتضي مع بقاء المقتضي بحاله مقتضيا، وإن لم يوجد، عمل
~~المقتضي عمله.
# الثالث سلمنا توقف كل واحد منهما على الآخر، لكن توقف معية أو توقف تقدم:
~~الأول مسلم، والثاني ممنوع. وعلى هذا، فلا دور.
# وعن قولهم: فيه تعليل المتقدم بالمتأخر أن المعلل نفيه بالمانع إنما هو
~~انتفاء الحكم الذي صار بسبب وجود المقتضي بعرضية الثبوت عرضية لازمة لا
~~مطلق حكم، وذلك مما لا يسلم تقدمه على المانع المفروض وأما إن لم يظهر في
~~صورة التخلف مانع ولا فوات شرط، فالحق بطلان العلة، وذلك لان العلة
~~المستنبطة إنما عرف كونها علة باعتبار الشارع لها بثبوت الحكم على وفقها،
~~وذلك إن دل على اعتبارها. فتخلف الحكم عنها مع ظهور ما يكون مستندا لنفيه
~~يدل على إلغائها، وليس أحد الدليلين أولى من الآخر، فيتقاومان ويبقى الوصف ms679
~~على ما كان قبل الاعتبار، ولم يكن قبل ذلك علة، فكذلك بعده.
# فإن قيل: مناسبة الوصف وقران الحكم به دليل ظاهر على كونه علة، وكذلك
~~سائر طرق الاستنباط، وهذا الدليل قائم، وإن وجد النقص، وتخلف الحكم
# PageV03P222
# عن الوصف، غايته أنه يوجب الشك في فساد العلة، وتقاوم احتمال انتفاء
~~الحكم لانتفاء العلة، أو وجود المعارض على السواء، وإذا كان دليل العلة
~~ظاهرا ودليل الفساد مشكوكا فيه، فالمشكوك فيه لا يقع في مقابلة الظاهر.
~~ودليل وقوع الشك في فساد العلة في صورة النقض وتقاوم الاحتمال فيها، أنه
~~يحتمل أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض، من وجود مانع أو فوات
~~شرط، ويحتمل أنه لفساد العلة، وهما متقاومان. وبيان التقاوم أن احتمال
~~الانتفاء لانتفاء العلة، وإن كان على وفق الأصل بالنسبة إلى احتمال انتفائه
~~للمعارض، دفعا لمحذور المعارضة، غير أنه على خلاف الأصل بالنظر إلى إبطال
~~العلة مع قيام الدليل الدال على كون الوصف علة، واحتمال انتفاء الحكم
~~للمعارض وإن كان على خلاف الأصل لما فيه من نفي الحكم مع قيام دليله، غير
~~أنه على وفق الأصل من جهة موافقة الدليل الدال على كون الوصف علة، فإذا
~~احتمال انتفاء الحكم لانتفاء العلة موافق للأصل من وجه، ومخالف له من وجه،
~~فيتقاوم الاحتمالان على السواء وذلك مما يوجب الشك في فساد العلة. والشك لا
~~يعارض الظاهر بوجه.
# قلنا: إذا اعترف بالشك في دليل فساد العلة، فيلزم منه الشك في فساد
~~العلة، ويلزم من الشك في فساد العلة انتفاء الظن بكونها علة، لان الصحة
~~والفساد متقابلان، فمهما وقع الشك في أحد المتقابلين، وقع الشك في الآخر،
~~وإن كان أحدهما ظاهرا، والآخر بعيدا، فالقول بوقوع الشك في أحد المتقابلين
~~مع ظهور الآخر ممتنع، كما يمتنع الشك في الغيم مع ظن الصحو، والشك في موت
~~زيد مع ظن حياته.
# وهذا بخلاف ما إذا شككنا في الطهارة، وحكمنا بالنجاسة، نظرا إلى النجاسة
~~السابقة، فإن الشك في هذه الصور لا يجامع النظر إلى الأصل، بل عند النظر
~~إلى ms680 الأصل يترجح أحد احتمالي الشك على الآخر، فلا يبقى الشك متحققا، حتى
~~إنه لو وقع الشك في النجاسة أو الطهارة مع النظر إلى الأصل، لبقي الشك
~~معمولا به. وهذا، بخلاف ما نحن فيه، فإن الشك انما وقع في فساد العلة في
~~صورة النقض مع النظر إلى دليل العلة، ولولا النظر إلى دليل العلة، لكان
~~الظاهر انتفاء الحكم لا انتفاء العلة.
# ومهما كان كذلك، فلا يمكن القضاء بظهور العلة، مع أن تقاوم الاحتمال إنما
~~كان بالنظر إلى دليل العلة. PageV03P223
# كيف وإنه قد يمكن أن يقال: انتفاء الحكم مع وجود الوصف دليل ظاهر على أنه
~~ليس بعلة، وثبوت الحكم على وفقه مع مناسبته، مما يوجب الشك في صحة التعليل
~~به في محل الاعتبار والمشكوك فيه لا يعارض الظاهر، وبيان وقوع الشك في صحة
~~التعليل في الأصل المستروح إليه أنه وإن كان ثبوت الحكم به على وفق الأصل
~~غير أنه على خلاف الأصل بالنظر إلى دليل الفساد. وثبوت الحكم لغيره، وإن
~~كان على خلاف الأصل مع عدم الظفر به إلا أنه على وفق الأصل بالنظر إلى دليل
~~الفساد ويلزم من ذلك تقاوم الاحتمالات في صحة العلة. وكان الظاهر قد دل على
~~فسادها، فلا يترك بالمشكوك فيه.
# فإن قيل: ما ذكرتموه من دلائل عدم الانتقاض في الصور المذكورة معارض من
~~ثمانية أوجه: (1) الأول وهو اختيار أبي الحسين البصري، أن تخصيص العلة مما
~~يمنع من كونها أمارة على الحكم في شئ من الفروع، سواء ظن بها أنها جهة
~~للمصلحة، أو لم يظن بها ذلك.
# وبيان ذلك أنا إذا علمنا أن علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا هي كونه
~~موزونا، ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا مع أنه موزون، لم يخل
~~إما أن يعلم ذلك بعلة أخرى تقتضي إباحته، أو بنص فإن علمنا إباحته بعلة
~~أخرى يقايس بها الرصاص على أصل مباح لكونه أبيض مثلا، فإنا عند ذلك لا نعلم
~~تحريم بيع الحديد بالحديد متفاضلا إلا بكونه موزونا غير أبيض، فإنا لو
~~شككنا في كونه ms681 أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلا كما لو شككنا في كونه موزونا،
~~فبان أنا لا نعلم بعد التخصيص تحريم شئ لكونه موزونا فقط، فبطل أن يكون
~~الموزون
# PageV03P224
# وحده علة، بل الموزون مع كونه غير أبيض. وعلى هذا، يكون الكلام فيما إذا
~~دل على إباحة بيع الرصاص نص، وسواء علمت علة الإباحة أو لم تعلم.
# الثاني قال بعض أصحابنا: اقتضاء العلة للحكم إما أن يعتبر فيه انتفاء
~~المعارض، أو لا يعتبر: فإن اعتبر لم تكن العلة علة الا عند انتفاء المعارض،
~~وذلك يقتضي أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ليس هو تمام العلة، بل بعضها. وإن
~~لم يعتبر، فسواء حصل المعارض أو لم يحصل يكون الحكم حاصلا، وذلك يقدح في
~~كون المعارض معارضا.
# الثالث: أنه لابد وأن يكون بين كون المقتضي مقتضيا اقتضاء حقيقيا بالفعل
~~وبين كون المانع مانعا حقيقيا بالفعل منافاة بالذات، وشرط طريان أحد
~~المتنافيين بالذات انتفاء الأول وليس انتفاء الأول لطريان اللاحق، وإلا لزم
~~الدور وحيث كان شرط كون المانع مانعا خروج المقتضي عن كونه مقتضيا بالفعل
~~لم يجز أن يكون خروجه عن كونه مقتضيا بالفعل لأجل تحقق والا لزم الدور فإذا
~~المقتضي إنما خرج عن كونه مقتضيا لا بالمانع، بل بذاته، وقد انعقد الاجماع
~~على أن ما يكون كذلك لا يصلح للعلية.
# الرابع أن الوصف وإن وجد مع الحكم في الأصل، فقد وجد مع الحكم في صورة
~~النقض مع عدم الحكم. ووجوده مع الحكم لا يقتضي القطع بكونه علة لذلك الحكم
~~ووجوده مع عدم الحكم في صورة النقض يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم
~~في تلك الصورة. والوصف الحاصل في الفرع، كما إنه مثل الوصف الحاصل في
~~الأصل، فهو مثل الوصف الحاصل في صورة النقض، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من
~~الآخر، فلم يجز الحكم عليه بكونه علة.
# الخامس قالوا: لا طريق إلى صحة العلة الشرعية سوى جريانها مع معلولها،
~~فإذا لم تجر معه، لم يكن إلى صحتها طريق.
# السادس قالوا: العلة الشرعية إذا دل الدليل على تعلق ms682 الحكم بها، امتنع
~~تخصيصها، كالعلة العقلية. PageV03P225
# السابع قالوا: العلة في القياس طريق إلى إثبات الحكم في الفرع، فإذا وجدت
~~العلة في فرعين، امتنع أن تكون طريقا إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر، كما
~~في الادراكات والأدلة العقلية.
# الثامن قالوا: لو جاز وجود العلة الشرعية في فروع يثبت الحكم معها في
~~البعض دون البعض لم يكن البعض بالاثبات أولى من البعض الآخر.
# وما ذكرتموه من دليل الانتقاض في الصورة الأخيرة معارض من أربعة أوجه:
~~(1) الأول إجماع الصحابة على ذلك. ودليله ما روي عن ابن مسعود أنه كان يقول
~~هذا حكم معدول به عن سنن القياس (2) واشتهر ذلك فيما بين الصحابة من غير
~~نكير، فصار إجماعا.
# الثاني: أن العلة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع، ووجودها في موضع من
~~غير حكم لا يخرجها عن كونها أمارة، فإنه ليس من شرط كون الامارة أمارة على
~~شئ أن يكون ذلك الشئ ملازما لها دائما بدليل وجود جميع الامارات الشرعية
~~على إثبات الاحكام، وإن لم تكن الاحكام ملازمة لها قبل ورود الشرع وبدليل
~~الغيم الرطب، فإنه أمارة على وجود المطر، وإن لم يكن المطر ملازما له
~~ولذلك، فإن وقوف مركوب القاضي على باب الملك أمارة على كونه في دار الملك
~~ولا يخرج في ذلك أمارة، لوجوده (3) في بعض الأوقات والقاضي غير موجود
# PageV03P226
# في دار الملك، بأن يكون مركوبه مستعارا، وكذلك خبر الواحد فإنه أمارة على
~~وجود الحكم، وتخلف حكمه عند وجود النص الراجح المخالف له لا يخرجه عن كونه
~~أمارة، عليه عند عدم ذلك النص.
# الثالث أن العلة المستنبطة أمارة، فجاز تخصيصها كالمنصوصة.
# الرابع أن كون الوصف أمارة على الحكم في محل إما أن يتوقف على كونه إمارة
~~على ذلك الحكم في محل آخر، أو لا يتوقف: فإن توقف فإما أن لا يتعاكس الحال
~~في ذلك، أو يتعاكس (2): الأول محال، لما فيه من الدور.
# والثاني أيضا محال لعدم الأولوية. ولم يتوقف فهو المطلوب.
# والجواب عن المعارضة الأولى من المعارضات الدالة على امتناع التخصيص:
# أنا، وإن ms683 سلمنا أن علة القياس أمارة على حكم الفرع معرفة له، وأنه إذا
~~تخلف الحكم عنها في صورة أخرى للمعارض لا يمكن إثبات الحكم بها في فرع من
~~الفروع دون العلم بانتفاء ذلك المعارض لها المتفق عليه، ولكن لا يلزم أن
~~يكون انتفاء ذلك لمعارض من جملة المعرف للحكم، بل المعرف للحكم إنما هو ما
~~كان باعثا عليه في الأصل، وانتفاء المعارض انما توقف إثبات حكم الامارة
~~عليه ضرورة أن الحكم لا يثبت مع تحقق المعارض النافي له، فكان نفيه شرطا في
~~إثبات حكم الامارة لا أنه داخل في مفهوم الامارة.
# وعن الثانية أنه، وإن سلم أن اقتضاء العلة للحكم لا يتوقف على عدم
~~المعارض، فما المانع منه؟
# قولهم إنه يكون الحكم حاصلا. وإن حصل المعارض، لا نسلم ذلك، فإن العلة،
~~وان كانت مقتضية للحكم فإنما يلزم وجود الحكم، أن لو انتفى المعارض الراجح
~~أو المساوي.
# PageV03P227
# وعلى هذا فلا يلزم من النفي القدح في المعارض ولا في العلة.
# وعن الثالثة لا نسلم المنافاة بين اقتضاء المقتضي واقتضاء المانع، ولا
~~استحالة الجمع بينهما، وإن استحال الجمع بين حكميهما.
# وعلى هذا، فلا يلزم من تحقق المانع خروج المقتضي عن جهة اقتضائه، لا
~~بذاته، ولا بغيره، بخلاف المتنافيات بالذات.
# وعن الرابعة أنه، وإن كان وجود الوصف مع الحكم في الأصل لا يوجب القطع
~~بكونه علة، لكنه يغلب على الظن كونه علة، ووجوده مع عدم الحكم في صورة
~~النقض، لا نسلم أنه يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم، بل الظن بالعلية
~~باق بحاله، وانتفاء الحكم إنما كان لوجود المعارض النافي للحكم على ما هو
~~معلوم من قاعدة القائلين بتخصيص العلة.
# وعن الخامسة: لا نسلم أن اطراد العلة طريق إلى صحتها، كما يأتي مفصلا من
~~كونه (1) لا طريق سواه وعن السادسة: لا نسلم أن العلة العقلية يمتنع تخلف
~~الحكم عنها، بل ذلك جائز عند فوات القابل لحكمها، كما بيناه في الكلاميات.
~~وإن سلمنا امتناع تخلف حكمها عنها، فليس ذلك لدلالة الدليل على تعلق الحكم
~~بها، ms684 ولا لكونها علة، بل إنما كان ذلك بكونها مقتضية للحكم لذاتها، وذلك
~~غير متحقق في العلة الشرعية فإنها ليست مقتضية للحكم لذاتها وإنما هي علة
~~بوضع الشارع لها أمارة على الحكم في الفرع.
# وعن السابعة: أنه ليست العلة في امتناع الافتراق في الدليل العقلي
~~المتعلق بمدلولين، وامتناع الافتراق في الادراك المتعلق بمدركين، كونه
~~طريقا لا دليلا بل لكون الدليل العقلي موجبا لذاته، ولكون الادراك مما يجب
~~العلم بالمدرك عنده عادة (2) بخلاف العلل الشرعية، على ما سبق.
# PageV03P228
# وعن الثامنة: أنه إنما اختص البعض بتخلف الحكم دون البعض، لاختصاصه
~~بمعارض لا تحقق له فيما كان الحكم ثابتا فيه.
# وعن المعارضة الأولى: من المعارضات الدالة على التخصيص أنه لا دلالة لقول
~~ابن مسعود على أن القياس الذي كان الحكم ثابتا على خلافه أنه حجة، فالاجماع
~~على ذلك لا يكون مفيدا.
# وإن كان حجة، لكن يمكن حمله على ما إذا كان تخلف الحكم عنه بطريق
~~الاستثناء. ويجب الحمل عليه، جمعا بين الأدلة.
# وعن الثانية: لا نسلم أن تخلف الحكم عن الامارة من غير معارض لا يخرجها
~~عن كونها أمارة، وذلك، لأنه إما أن يكون كل ما توقف عليه التعريف في صورة
~~كانت الامارة أمارة فيه قد تحقق في صورة تخلف الحكم أو لم يتحقق.
# فإن كان الأول: فتخلف الحكم عنه ممتنع.
# وإن كان الثاني: فالموجود في صورة التخلف ليس هو الامارة التي توقف عليها
~~التعريف، بل البعض منها.
# وعلى هذا، يكون تخريج كل ما ذكروه من الصور (1).
# وعن الثالثة: بمنع كون المستنبطة مع تخلف الحكم عنها من غير معارض أمارة.
~~وعلى هذا، فلم يوجد الجامع بين الأصل والفرع. وإن دلوا على كونها أمارة مع
~~التخصيص بطريق آخر، فهو كاف في المطلوب، وخروج عن خصوص هذه الدلالة.
# وعن الرابعة: أن المختار مما ذكروه من الأقسام قسم التوقف من الطرفين.
# قولهم: إن ذلك يفضي إلى الدور - إنما يلزم إن لو توقف كون الامارة في كل
~~واحدة من الصورتين على كونها أمارة في الصورة الأخرى توقف تقدم ms685 أما إذا كان
~~ذلك بطريق المعية فلا، كما عرف ذلك فيما تقدم والله أعلم.
# PageV03P229
# المسألة التاسعة اختلفوا في الكسر: وهو تخلف الحكم المعلل عن معنى العلة
~~وهو الحكمة المقصودة من الحكم، هل هو مبطل للعلة أو لا؟
# وصورته: ما لو قال الحنفي في مسألة العاصي بسفره مسافر، فوجب أن يترخص في
~~سفره كغير العاصي في سفره وبين مسافة السفر، بما فيه من المشقة.
# فقال المعترض: ما ذكرته من الحكمة، وهي المشقة، منتقضة،، فإنها موجودة في
~~حق الحمال وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر، ومع ذلك فإنه لا رخصة.
# والأكثرون على أن ذلك غير مبطل للعلة.
# والوجه فيه أن الكلام إنما هو مفروض في الحكمة التي ليست منضبطة بنفسها
~~بل بضابطها وعند ذلك فلا يخفى أن مقدارها مما لا ينضبط، بل هو مختلف
~~باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس
~~إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الاحكام، على
~~ما قال تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وعلى هذا، فيمتنع
~~التعليل بها دون ضابطها. وإذا لم تكن علة، فلا معنى لا يراد النقض عليها.
# فإن قيل: المقصود من شرع الحكم إنما هو الحكمة دون ضابطها، وعند ذلك
~~فيحتمل أن يكون مقدار الحكمة في صورة النقض مساويا لمقدارها في صورة
~~التعليل، ويحتمل أن يكون أزيد، ويحتمل أن يكون أنقص. وعلى تقدير المساواة
~~والزيادة، فقد وجد في صورة النقص ما كان موجودا في صورة التعليل، وإنما لا
~~يكون موجودا بتقدير أن يكون أنقض.
# ولا يخفى أن ما يتم على تقديرين أغلب على الظن مما لا يتم إلا على تقدير
~~واحد.
# ومع ذلك، فيظهر إلغاء ما ظن أن الحكم معلل به.
# قلنا: الحكمة، وإن كانت هي المقصودة من شرع الحكم، لكن على وجه تكون
~~مضبوطة إما بنفسها، أو بضابطها، لما ذكرناه. وما فرض من الحكمة في صورة
~~النقض مجردة عن ضابطها، فامتنع كونها مقصودة، وبتقدير كونها PageV03P230
# مقصودة، فالنقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل كونها ms686 معللا بها. وعلى هذا
~~فانتفاء الحكم، مع وجود الحكمة، في دلالته على إبطال التعليل بالحكمة مرجوح
~~بالنظر إلى دليل التعليل بها، وذلك لأنه من المحتمل أن يكون انتفاء الحكم
~~في صورة النقص لمعارض. ومع هذا الاحتمال، فتخلف الحكم عنها لا يدل على
~~إبطالها.
# فإن قيل: بحثنا وسبرنا فلم نطلع على ما يصلح معارضا في صورة النقص (1)،
~~فيظهر أن انتفاءه لانتفاء العلة، فهو معارض بقول المستدل، بحثت في محل
~~التعليل فلم أطلع على ما يصلح للتعليل سوى ما ذكرته فدل على التعليل به فإن
~~قيل: بحثنا راجح، لما فيه من موافقة انتفاء الحكم لانتفاء علته إذ هو
~~الأصل، نفيا للتعارض، فهو معارض بما بحث المستدل من موافقة ما ظهر من دليل
~~العلة من المناسبة والاعتبار، فيتقاومان، ويترجح كلام المستدل بأن مقدار
~~الحكمة في صورة التعليل، وإن كان مظنون الوجود في صورة النقض، فيحتمل أن لا
~~يكون موجودا فيها، وإلا كان مقطوعا، لا مظنونا، وهو موجود في صورة التعليل
~~قطعا مع قران الحكم به قطعا، وهو دليل العلية، وما هو دليل البطلان موجودها
~~(2) في صورة النقض ظنا، مع انتفاء الحكم قطعا، والمقطوع به من وجهين راجح
~~على ما هو مقطوع من وجه، ومظنون من وجه.
# ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح مما لا يتجه على النقض على المظنة. فلذلك،
~~كان النقض لازما على المظنة دون الحكمة.
# فإن قيل: فلو فرض وجود الحكمة في صورة النقض قطعا، فما المختار فيه؟
# قلنا: ذلك مما يمتنع وقوعه. وبتقدير وقوعه، فقد قال بعض أصحابنا:
# إنه لا الفتات إليه، مصيرا منه إلى أن التوسل إلى معرفة ذلك في آحاد
~~الصور بخفائه وندرته مما يلزم منه نوع عسر وحرج، ولا يلزم مثله في التوسل
~~إلى معرفة الضوابط الجلية. فكان من المناسب حط هذه الكلفة عن المجتهد، ورد
~~الناس إلى الضوابط الجلية المشتملة على احتمال الحكم في الغالب.
# PageV03P231
# ولقائل أن يقول: البحث عن الحكمة في آحاد الصور، هل هي موجودة قطعا وإن
~~كان يفضي إلى العسر والحرج، إلا أنا ms687 نعلم أن المقصود الأصلي من إثبات
~~الاحكام ونفيها إنما هو الحكم والمقاصد. فعلى تقدير وجود الحكمة في بعض
~~الصور مماثلة لها في محل التعليل قطعا، لو لم نقل بوجوب التعليل بها في غير
~~محل التعليل. لزم منه انتفاء الحكم مع وجود حكمته قطعا، وذلك ممتنع، كما
~~يمتنع إثبات الحكم مع انتفاء حكمته قطعا فيما عدا الصورة النادرة، وكذلك لو
~~لم نقل بإلغائها عند تخلف الحكم عنها فيصح مع تيقنها، فيلزم منه (1) إثبات
~~الحكم بها مع الضابط مع كونها ملغاة قطعا.
# ولا يخفى أن محذور إثبات الحكم لحكمة ألغاها الشارع أو نفي الحكم مع وجود
~~حكمته يقينا أعظم من المحذور اللازم للمجتهد من البحث عن الحكمة في آحاد
~~الصور، على ما لا يخفى.
# وعلى هذا، يكون الكلام فيما إذا فرض وجود الحكمة في صورة النقض أزيد منها
~~في محل التعليل يقينا. لكن إن كان قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو أليق
~~بها بأن يكون وافيا بتحصيل أصل الحكمة وزيادة ولو رتب عليها في تلك الصورة
~~الحكم المعلل كان فيه الاخلال بتلك الزيادة في صورة النقض، فلا يكون ذلك
~~نقضا للحكمة، ولا إلغاء لها، بل الواجب تخلف الحكم المعلل عنها وإثبات
~~الحكم اللائق بها، الوافي بتحصيل الزيادة لما فيه من رعاية أصل المصلحة
~~وزيادتها فإنه أولى من رعاية أصل المصلحة وإلغاء الزيادة. فإذا انتفاء
~~الحكم في هذه الصورة لا يدل على إلغاء الحكمة بل على اعتبارها بأصلها
~~وصفتها.
# ومثال ذلك ما إذا علل المستدل وجوب القطع قصاصا بحكمة الزجر فقال
~~المعترض: مقصود الزجر في القتل العمد العدوان أعظم. ومع ذلك فإنه لا يجب به
~~القطع، فللمستدل أن يقول: الحكمة في صورة النقض، وإن كانت أزيد منها في محل
~~التعليل، غير أنه قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو أليق بها، وهو وجوب
~~القتل.
# PageV03P232
# المسألة العاشرة اختلفوا في النقض المكسور، وهو النقض على بعض أوصاف
~~العلة (1).
# وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة عند
~~العاقد ms688 حال العقد، فلا يصح بيعه، كما لو قال بعتك عبد ا فقال المعترض هذا
~~ينتقض بما لو تزوج امرأة لم يرها، فإنها مجهولة الصفة عند العاقد لدى
~~العقد، ومع ذلك فإن النكاح يصح، والأكثرون على رده وإبطاله.
# وذلك، لان التعليل إنما وقع بكونه مبيعا مجهول الصفة، لا بكونه مجهول
~~الصفة فقط، والمنكوحة ليست مبيعة، وإن كانت مجهولة الصفة. وإبطال التعليل
~~ببعض أوصاف العلة لا يكون إبطالا بجملة العلة.
# نعم. إن بين المعترض أنه لا تأثير للوصف الذي وقع به الاحتراز عن النقص
~~في الحكم لا بانفراده ولا مع ضميمة إلى الوصف الآخر، فالمستدل بين أمرين
~~بين أن يبقى مصرا على التعليل بمجموع الوصفين، وبين أن يترك الكلام على
~~التعليل بالوصف المنقوض:
# فإن كان الأول: فقد بطل التعليل بما علل به لعدم التأثير لا بالنقض.
# وإن كان الثاني: فقد بطل التعليل بالنقض لكونه واردا على كل العلة.
# فإن قيل: الوصف المحذوف وإن لم يكن مناسبا، ولا له تأثير في إثبات الحكم
~~المعلل لا بانفراده، ولا مع ضميمة إلى غيره، فلا يمتنع أخذه في التعليل
~~لفائدة الاحتراز عن النقض، وإنما يخرج عن التعليل، إن لو تعرى عن الفائدة
~~بالكلية، وليست الفائدة منحصرة في المناسبة على ما تقدم.
# قلنا: فائدة الاحتراز به عن النقض متوقفة على كونه من أجزاء العلة، حتى
~~إنه لو لم يكن من أجزاء العلة، لكانت العلة ما وراءه، والنقض إذ ذاك يكون
~~واردا عليها. وكونه من أجزاء العلة يتوقف على إمكان الاحتراز به عن النقض
~~وهو دور ممتنع.
# PageV03P233
# المسألة الحادية عشرة اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية: فأثبته
~~قوم: ونفاه أصحابنا والمعتزلة.
# وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من بيان أقسام العكس، واختلاف الاصطلاحات
~~فيه، وتعيين محل النزاع منها فنقول: أما العكس في اللغة فمأخوذ من رد أول
~~الامر إلى آخره، وآخره إلى أوله، وأصله شد رأس البعير بخطامه إلى ذراعه.
# وأما في اصطلاح الحكماء فهو عبارة عن جعل اللازم ملزوما، والملزوم لازما
~~مع بقاء كيفية القضية بحالها ms689 من السلب والايجاب (1) وذلك كقول القائل في
~~عكس القضية الحملية إذا كانت موجبة كلية، كقولنا كل إنسان حيوان أو جزئية
~~كقولنا بعض الانسان حيوان بعض الحيوان إنسان أو كلية سالبة، كقولنا لا شئ
~~من الانسان بحجر لا شئ من الحجر بإنسان وعلى قياسه عكس القضية الشرطية.
# وأما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين، فقد يطلق العكس باعتبارين:
# الأول: منهما مثل قول الحنفي: لما لم يجب القتل بصغير المثقل، لم يجب
~~بكبيره بدليل عكسه في المحدد، وهو أنه لما وجب بكبير الجارح، وجب بصغيرة
~~وهو باطل.
# PageV03P234
# فإنه لا مانع من ورود الشارع بوجوب القصاص بكل جارح، وإن تخصص وجوبه في
~~المثقل بالكبير منه.
# وأما الثاني: فهو انتفاء الحكم عند انتفاء العلة (1) والعكس بهذا
~~الاعتبار هو المقصود بالخلاف ها هنا.
# والمختار فيه إنما هو التفصيل وهو أن جنس الحكم المعلل، إما أن لا يكون
~~له سوى علة واحدة، أو أنه معلل بعلل، في كل صورة بعلة.
# فإن كان الأول، وذلك كتعليل جنس وجوب القصاص في النفس بالقتل العمد
~~العدوان، فإنه لا علة له سواه، فلا شك في لزوم انتفائه عند انتفاء علته، لا
~~لأنه يلزم من نفي العلة الواحدة نفي الحكم، بل لان الحكم لا بد له من دليل،
~~ولا دليل.
# وإن كان الثاني: كما في تعليل إباحة الدم بالقتل العمد العدوان، والردة
~~عن الاسلام والزنا في الاحصان، وقطع الطريق، وتعليل نقض الوضوء بالمس
~~واللمس والبول والغائط فلا شك أنه لا يلزم من انتفاء بعض هذه العلل نفي جنس
~~الحكم لجواز وجود علة أخرى: وإنما يلزم نفيه بتقدير انتفاء جميع العلل.
# هذا في جنس الحكم المعلل وأما آحاد أشخاص الحكم في آحاد الصور، فإنه
~~يمتنع تعليله بعلتين، على ما يأتي تقريره. وإنما يكون معللا بعلة واحدة على
~~طريق البدل، فلا يلزم من نفي العلة المعينة نفيه لجواز وجود بدلها، لما
~~سبق.
# فإن قيل: وإن كان الحكم معللا بعلة واحدة، ولا علة له سواها، في دليل
~~عليه، فكانت مشابهة للدليل العقلي في العقليات، ولا يلزم ms690 من نفي الدليل في
~~العقليات نفي المدلول، ولهذا فإن الصنعة دليل وجود الرب تعالى. ولو قدر
~~انتفاؤها لم يلزم منه انتفاء وجود الرب تعالى فكذلك العلة الشرعية.
# قلنا: العلة، وإن كانت دليل الحكم، فلا نعني بانتفاء الحكم عند انتفائها
~~انتفاءه في نفسه بل انتفاء العلم أو الظن به ضرورة توقف ذلك على النظر
~~الصحيح في الدليل، ولا دليل. وكذلك الحكم في الصنعة مع الصانع.
# PageV03P235
# المسألة الثانية عشرة (1) اتفقوا على جواز تعليل الحكم بعلل، في كل صورة
~~بعلة.
# واختلفوا: في جواز تعليل الحكم الواحد (2) في صورة واحدة بعلتين معا
~~فمنهم من منع ذلك مطلقا كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين ومن تابعهما.
# ومنهم من جوز ذلك مطلقا.
# ومنهم من فصل بين العلل المنصوصة والمستنبطة، فجوزه في المنصوصة، ومنع
~~منه في المستنبطة، كالغزالي ومن تابعه.
# والمختار: إنما هو المذهب الأول. وذلك، لأنه لو كان معللا بعلتين، لم يخل
~~إما أن تستقل كل واحدة بالتعليل، أو أن المستقل بالتعليل إحداهما دون
~~الأخرى أو أنه لا استقلال لواحدة منهما، بل التعليل لا يتم إلا باجتماعهما.
# لا جائز أن يقال بالأول، لان معنى كون الوصف مستقلا بالتعليل أنه علة
~~الحكم دون غيره، ويلزم من استقلال كل واحدة منهما بهذا التفسير امتناع
~~استقلال كل واحدة منهما، وهو محال.
# وإن كان الثاني: أو الثالث، فالعلة ليست إلا واحدة. وعلى هذا فلا فرق بين
~~أن تكون العلة في محل التعليل بمعنى الباعث أو بمعنى الامارة.
# فإن قيل: نحن لا نفسر استقلال العلة بأن الحكم ثبت بها لا غير، ليلزمنا
~~ما قيل، بل معنى استقلالها أنها لو انفردت لكان الحكم ثابتا لها، ولا أثر
~~لانتفاء غيرها.
# ولا يخفى وجه الفرق بينه وبين القسمين الآخرين.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع تعليل الحكم بعلتين على وجه تكون كل
~~واحدة مستقلة بالحكم، لكنه معارض بما يدل على جوازه، بالنظر إلى ما هو
~~الواقع من أحكام الشرع.
# وذلك أنا قد اتفقنا على ثبوت الحكم الواحد عقيب علل مختلفة، كل واحدة قد
~~ثبت استقلالها ms691 بالتعليل في صورة.
# PageV03P236
# وعند ذلك، فإما أن يقال: العلة منها واحدة، أو الكل علة واحدة ذات أوصاف،
~~أو أن كل واحدة علة مستقلة لا جائز أن يقال بالأول، وإلا فهي معينة أو
~~مبهمة: القول بالتعيين ممتنع لعدم الأولوية، ولما فيه من خروج الباقي عن
~~التعليل مع استقلال كل واحدة به، وبهذا يبطل الابهام.
# والقسم الثاني أيضا، فلم يبق سوى القسم الثالث وهو الاستقلال.
# ودليل ثبوت مثل هذه الأحكام، الاجماع على إباحة قتل من قتل مسلما قتلا
~~عمدا عدوانا، وارتد عن الاسلام، وزنا محصنا، وقطع الطريق معا، وعلى ثبوت
~~الولاية على الصغير المجنون، وعلى امتناع نكاح من أولدته وأرضعته، وعلى
~~تحريم وطئ الحائض المعتدة المحرمة، وعلى انتقاض الوضوء بالمس واللمس والبول
~~والغائط معا.
# والجواب عن الاشكال الأول أن الكلام إنما هو مفروض في حالة الاجتماع.
# لا في حالة الانفراد، والتقسيم في حالة الاجتماع، فعلى ما سبق.
# وأما الاحكام فالوجه في دفعها أن نقول أما إباحة قتل من قتل، وارتد، وزنا
~~محصنا، وقطع الطريق، فالعلل وإن كانت فيه متعددة: فالحكم أيضا متعدد شخصا،
~~وإن اتحد نوعا. ولذلك، فإنه لا يلزم من انتفاء إباحة القتل بعد العود عن
~~الردة إلى الاسلام انتفاؤها بباقي الأسباب الاخر، ولا من انتفاء الإباحة
~~بسبب إسقاط القصاص انتفاؤها بباقي الأسباب.
# ويدل على تعدد الحكم أيضا أن الإباحة بجهة القتل العمد العدوان حق للآدمي
~~بجهة الخلوص. ولذلك، يتمكن من إسقاطه مطلقا، والإباحة بجهة الزنا والردة حق
~~الله تعالى بجهة الخلوص دون الآدمي، وذلك غير متصور في شئ واحد، وعلى تقدير
~~الاستيفاء، فالمقدم حق الآدمي، وهو الإباحة بجهة القصاص، لان حقه مبني على
~~الشح والمضايقة، وحق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، من حيث إن
~~الآدمي يتضرر بفوات حقه دون الباري تعالى.
# وأما ثبوت الولاية على الصغير المجنون فمستندة إلى الصغر لسبقه على
~~الجنون لكون الجنون لا يعرف إلا بعد حين. وكذلك امتناع نكاح الوالدة
~~المرضعة.
# فإنه مستند إلى الولادة دون الرضاع لسبقها عليه. PageV03P237
# وأما الوطئ في حق الحائض المعتدة ms692 المحرمة فغير محرم على التحقيق، وإنما
~~المحرم في حق الحائض ملابسة الأذى، وفي حق المعتدة تطويل العدة، وفي حق
~~المحرمة إفساد العبادة، وهي أحكام متعددة، لا أنها حكم واحد.
# وأما المس واللمس وباقي الأسباب فالأحداث المرتبة عليها متعددة على رأي
~~لنا.
# وعلى هذا فلو نوى رفع حدث واحد منها لا يرتفع الباقي، فأحكامها أيضا
~~متعددة، لا أنها حكم واحد، والنزاع إنما هو في تعليل الحكم الواحد بالشخص
~~بعلتين، لا في تعليل حكمين.
# وعلى هذا فلا يخفى وجه التخريج لكل ما يرد من هذا القبيل.
# المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في العلة الواحدة الشرعية هل تكون علة
~~لحكمين شرعيين أو لا؟
# والمختار جوازه. وذلك، لان العلة إما بمعنى الامارة أو الباعث.
# فإن كانت بمعنى الامارة فغير ممتنع لا عقلا ولا شرعا نصب أمارة واحدة على
~~حكمين مختلفين. وذلك مما لا نعرف فيه خلافا كما لو قال الشارع: جعلت طلوع
~~الهلال أمارة على وجوب الصوم والصلاة ونحوه (1).
# وأما إن كانت بمعنى الباعث، فلا يمتنع أيضا أن يكون الوصف الواحد باعثا
~~للشرع على حكمين مختلفين، أي مناسبا لهما. وذلك كمناسبة شرب الخمر للتحريم
~~ووجوب الحد، وكذلك التصرف بالبيع من الأهل في المحل المرئي، فإنه مناسب
~~لصحة البيع ولزومه.
# فإن قيل: إذا كان الوصف مناسبا لاحد الحكمين، فمعنى كونه مناسبا له أنه
~~لو رتب ذلك الحكم عليه لحصل مقصوده.
# وعلى هذا، فيمتنع أن يكون مناسبا للحكم الآخر، لأنه لو ناسبه لكان بمعنى
~~أن ترتيبه عليه محصل للمقصود منه، وفي ذلك تحصيل الحاصل لكونه حاصلا بالحكم
~~الآخر.
# PageV03P238
# وأيضا فإنه إذا كان الوصف الواحد مناسبا لحكمين مختلفين:
# فإما أن يناسبهما من جهة واحدة، أو من جهتين مختلفتين:
# فإن كان الأول، فهو ممتنع، إذ الشئ الواحد لا يكون مناسبا لشئ من جهة ما
~~يناسب مخالفه.
# وإن كان الثاني فعلة الحكمين مختلفة لا أنها متحدة.
# والجواب عن الأول أن معنى المناسب للحكم أعم مما ذكروه.
# وذلك لان المناسب ينقسم إلى ما ترتيب الحكم الواحد عليه يستقل بتحصيل
~~مقصوده، وذلك ms693 مما يمنع كونه مناسبا لحكمين بهذا التفسير وإلى ما يتوقف حصول
~~مقصوده على ترتيب الحكم عليه.
# وإن لم يكن ذلك الحكم وافيا بتحصيل المقصود دون الحكم الآخر.
# وعلى هذا، فامتناع مناسبة الوصف الواحد للحكمين بالتفسير الأول وإن كان
~~لازما فلا يمتنع أن يكون مناسبا للحكمين بالتفسير الثاني.
# وعن الاشكال الثاني: أنه إذا عرف أن معنى مناسبة الوصف للحكمين توقف حصول
~~المقصود منه على شرع الحكمين، فلا يمتنع أن يكون الوصف مناسبا لهما من جهة
~~واحدة.
# المسألة الرابعة عشرة إذا كانت العلة في أصل القياس بمعنى الباعث، كما
~~قررناه، فشرطها أن تكون ضابط الحكمة المقصودة للشرع من إثبات الحكم أو
~~نفيه، بحيث لا يلزم منه (1) إثبات الحكم مع تيقن انتفاء الحكمة في صورة،
~~وإلا كان فيه إثبات الحكم مع انتفاء الحكمة المطلوبة منه يقينا، وهو ممتنع،
~~ومثاله ما لو قيل بأن حكمة القصاص إنما هي صيانة النفس المعصومة عن الفوات،
~~فمن ضبط صيانة النفس عن الفوات بالجرح لا غير، كما يقوله أبو حنيفة، فيلزمه
~~شرع القصاص في حق من جرح ميتا ضرورة وجود الضابط مع تيقن انتفاء الحكمة أو
~~نفي الحكم مع وجود علته، وهو ممتنع.
# فإن قيل: وإن لزم من ذلك إثبات الحكم في صورة بدون حكمة واحدة.
# PageV03P239
# وذلك الضابط (1) في الأصل المذكور إنما يمتنع الضبط به إن لو لم يكن له
~~سوى حكمة واحدة.
# وأما إذا جاز أن يكون الوصف الواحد ضابطا في كل صورة لحكمة، فانتفاء حكمة
~~إحدى الصورتين عن الأخرى لا يوجب أن يكون ثبوت الحكم في الصورة التي انتفت
~~عنها تلك الحكمة عريا عن الفائدة، بل يكون ثبوته بالحكمة الخاصة بتلك
~~الصورة والضابط لها، ولحكمة الحكم في الصورة الأخرى شئ واحد.
# قلنا: إذا اتحد الضابط فاختصاصه في كل صورة بحكمة مخالفة للحكمة المختصة
~~به في الصورة الأخرى، إما أن يكون ذلك لذاته أو لمخصص مختص بتلك الصورة دون
~~الصورة الأخرى.
# لا جائز أن يقال بالأول: وإلا لزم الاشتراك بين الصورتين في الحكمتين
~~ضرورة اتحاد المستلزم لها. ms694
# وإن قيل بالثاني: فما به التخصيص في كل واحدة من الصورتين، ولا وجود له
~~في الصورة الأخرى يكون من جملة الضابط، فالضابط للحكمتين يكون مختلفا وإن
~~كان مركبا من الوصف المشترك وما به تخصصت كل صورة من المخصص الزائد (2).
# المسألة الخامسة عشرة ذهب جماعة إلى إن شرط ضابط الحكمة أن يكون جامعا
~~بحيث لا توجد الحكمة يقينا في صورة دونه، مصيرا منهم إلى أنه لو كان كذلك
~~فلا يخلو إما أن يثبت الحكم في الصورة التي وجدت فيها الحكمة دون ذلك
~~الضابط أو لا يثبت فإن كان الأول، فيلزم مه إدارة الحكم على الحكمة دون
~~ضابطها، وهو ممتنع، لما فيه من الاستغناء عن الضابط لامكان إثبات الحكم
~~بالحكمة دونه.
# وإن كان الثاني فيلزم منه إهمال الحكمة مع العلم بأن الحكم لم يثبت إلا
~~بها، وهو ممتنع.
# وصورة ذلك ضبط الحنفي العمدية باستعمال الجارح، حيث إنه يلزم منه إهمال
~~العمدية مع تيقن وجودها فيما إذا أدار حجر البزارة على رأسه، أو ألقاه في
~~بحر مغرق أو نار محرقة.
# PageV03P240
# ولقائل أن يقول: ما ذكر من المحذور إنما يلزم إن لو امتنع تعليل الحكم في
~~صورتين بعلتين، وهو باطل لما سبق.
# ومع جواز تعليل الحكم في صورتين بعلتين، لا يمتنع أن تكون حكمة الحكم في
~~الصورتين واحدة، ولها في كل صورة ضابط بحسب تلك الصورة، وذلك لا يجر إلى
~~إهمال الحكمة ولا إلى إلغاء الضابط.
# المسألة السادسة عشرة اختلفوا في جواز تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عن
~~ذلك الحكم في الوجود وذلك كتعليل إثبات الولاية للأب على الصغير الذي عرض
~~له الجنون بالجنون، فإن الولاية ثابتة قبل عروض الجنون.
# والمختار امتناعه. وذلك، لأن علة حكم الأصل إما أن تكون بمعنى الباعث أو
~~بمعنى الامارة المعرفة له.
# فإن كان الأول، فيلزم من تأخر العلة عن الحكم في الوجود أن يكون الحكم
~~ثابتا قبل ذلك: إما لا بباعث أو بباعث غير العلة المتأخرة عنه لاستحالة
~~ثبوت الحكم بباعث لا تحقق له مع الحكم.
# وإن كان ms695 الثاني، فهو ممتنع لوجهين:
# الأول: ما بيناه من امتناع كون العلة في الأصل بمعنى الامارة.
# الثاني: أنها وإن كانت بمعنى الامارة فإنما هو في تعريف الحكم، وقد عرف
~~قبلها ضرورة سبقه في الوجود عليها، وتعريف المعروف محال.
# فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يستقيم بتقدير امتناع تعليل الحكم الواحد
~~بعلتين وإلا فبتقدير تعليله بعلتين، فلا يمتنع تعليله بعلة موجودة معه وعلة
~~متأخرة عنه.
# قلنا: أما أولا فقد بينا امتناع تعليل الحكم بعلتين في صورة واحدة
~~وبتقدير جواز ذلك فإنما يجوز لتقدير أن لا تكون إحدى العلتين متقدمة على
~~الأخرى لما بيناه فيما تقدم. PageV03P241
# المسألة السابعة عشرة إذا كان الحكم في الأصل نفيا، والعلة له وجود مانع
~~أو فوات شرط، فقد اختلفوا في اشتراط وجود المقتضي لاثباته.
# والمختار اشتراطه. وذلك، لان الاحكام إنما شرعت لمصالح الخلق، فما لا
~~فائدة في إثباته، فلا يشرع. فانتفاؤه يكون لانتفاء فائدته، وسواء وجدت ثم
~~حكمة تقتضي نفيه أو لم توجد. وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء فائدته، وبين
~~انتفائه لوجود فائدة نافية له. وإذا كان كذلك، فما لم يوجد المقتضي
~~للاثبات، كان نفي الحكم للمانع أو لفوات الشرط ممتنعا.
# فإن قيل: لا خفاء بأن وجود المقتضى من قبيل المعارض لوجود المانع وفوات
~~الشرط، فإذا استقل المانع وفوات الشرط بنفي الحكم مع وجود ما يعارضه ويكسر
~~سورته، فلان يستقل بالنفي مع انتفاء المعارض كان أولى (1) وأيضا فإنا لو
~~اشترطنا وجود المقتضي، فيلزم منه التعارض بينه وبين المانع أو فوات الشرط
~~والتعارض على خلاف الأصل لما فيه من إهمال أحد الدليلين. وعند انتفاء
~~المقتضي، لو أحلنا نفي الحكم على نفي المقتضى مع تحقق ما يناسب نفي الحكم
~~من المانع أو فوات الشرط، لزم منه إهمال مناسبة المانع وفوات الشرط مع
~~اقتران نفي الحكم به، وهو خلاف الأصل.
# قلنا: جواب الاشكال الأول أنه لا يلزم من انتفاء الحكم بالمانع وفوات
~~الشرط مع وجود المقتضي المشترط في إعماله لما بيناه انتفاؤه له مع فوات شرط
~~إعماله.
# وجواب الثاني: أنه وإن لزم ms696 من وجود المقتضي التعارض بينه وبين المانع أو
~~فوات الشرط، فهو أهون من نفيه لوجود المانع مع فوات شرط إعماله على ما
~~حققناه.
# PageV03P242
# ولهذا كان نفي الحكم بالمانع وفوات الشرط مع وجود المقتضي متفقا عليه بين
~~القائلين بتخصيص العلة، ومختلفا فيه مع انتفاء المقتضي.
# وبتقدير انتفاء المقتضي فنفي الحكم له دون ما ظهر من المانع وفوات الشرط
~~وإن أفضى إلى إلغاء مناسبة المانع وفوات الشرط مع اعتباره إلا أنه أولى من
~~انتفائه للمانع أو فوات الشرط.
# ولهذا، وقع الاتفاق من الكل على استقلاله بالنفي عند عدم المعارض ووقع
~~الخلاف في استقلال المانع وفوات الشرط بالنفي مع القائلين بامتناع تخصيص
~~العلة، فكان النفي له أولى (1).
# ولا يمكن أن يقال بإحالة النفي على نفي المقتضي والمانع معا لأنه معا
~~لأنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد مستقلا بالنفي أو أن المقتضي للنفي
~~الهيئة الاجتماعية منهما وهما بمنزلة أجزاء العلة النافية: لا سبيل إلى
~~الأول لما بيناه من امتناع تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين
~~مستقلتين، ولا سبيل إلى الثاني لان نفي المقتضي بتقدير انتفاء معارضه مستقل
~~بالنفي إجماعا، وفيه إخراج المستقل عن الاستقلال وهو ممتنع. وإذا ثبت أنه
~~لا بد في التعليل بالمانع وفوات الشرط من وجود المقتضي فلا بد من بيانه
~~بطريق تفصيلي يدل على وجوده وعليته بما يساعد من الأدلة وإن اتفق أن كان
~~الشارع قد نص على نفي الحكم، فهو دليل ظاهر على وجود المقتضى، لأنه لو لم
~~يكن المقتضي موجودا، كانت فائدة التنصيص على النفي التأكيد لاستقلال نفي
~~المقتضي بالنفي.
# والأصل أن يحمل كلام الشارع على فائدة التأسيس، لكونها أصلا.
# وإنما يتم ذلك بالنظر إلى وجود المقتضي.
# فإن قيل: اعتقاد وجود المقتضي حملا للكلام على فائدة التأسيس يلزم منه
~~نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه، وهو خلاف الأصل، وليس مخالفة محذور مخالفة
~~المقتضى مع كونه خلاف الأصل دفعا لمحذور حمل الكلام على فائدة التأكيد أولى
~~من العكس.
# PageV03P243
# قلنا: بل المحذور اللازم من نفي الحكم مع وجود ms697 ما يقتضيه مخالفة المقتضي
~~لا غير وهو غالب في الشرع، ومحذور التأكيد مع كونه نادرا فيه مخالفة ما ظهر
~~من مناسبة المانع واعتباره، مع أن الغالب من حال الشارع اعتبار المناسبات،
~~لا إلغاؤها.
# ولا يخفى أن التزام محذور عهد التزامه في الشرع غالبا وليس فيه التزام
~~محذور آخر، أولى من التزام محذور لم يعهد التزامه في الشرع غالبا وفيه
~~التزام محذور آ خر.
# المسألة الثامنة عشرة يجب أن لا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل
~~بها مما ترجع على الحكم الذي استنبطت منه بالابطال.
# وذلك كتعليل وجوب الشاة في باب الزكاة بدفع حاجة الفقراء، لما فيه من رفع
~~وجوب الشاة (1) وأن ارتفاع الأصل المستنبط منه يوجب إبطال العلة المستنبطة
~~منه ضرورة توقف عليتها على اعتبارها به.
# وأن لا تكون طردية محضة كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه.
# لما بيناه من أن العلة في الأصل لا تكون إلا بمعنى الباعث، والوصف الطردي
~~(2) لا يكون باعثا، ولأن الحكم في الفرع إنما يثبت بما غلب على الظن أن
~~الحكم في الأصل ثابت له، وذلك غير متصور في الوصف الطردي.
# وأن لا يكون لها في الأصل معارض لا تحقق له في الفرع لما يأتي تقريره،
~~وأن لا تكون مخالفة للنص الخاص أو للاجماع. وهذا كله من الشروط المتفق
~~عليها.
# وقد اشترط فيها أن لا تكون مخصصة لعموم القرآن، وقد أبطلناه فيما تقدم
~~(3) وأن لا تعارضها علة أخرى تقتضي نقيض حكمها.
# PageV03P244
# وإنما يصح ذلك أن لو كانت العلة المعارضة لها راجحة عليها، وممتنعة
~~التخصيص وقد عرف ما في ذلك (1).
# وأن لا تتضمن زيادة على النص، وإنما يصح ذلك أن لو كانت الزيادة منافية
~~لمقتضى النص (2).
# وأن تكون منتزعة من أصل مقطوع بحكمه، وليس كذلك لما بيناه من جواز القياس
~~على أصل حكمه ثابت بدليل مظنون، وأن لا تكون مخالفة لمذهب الصحابي، وليس
~~كذلك، لجواز أن يكون مذهب الصحابي مستندا إلى علة مستنبطة من أصل آخر، إلا
~~أن تكون علته مع ظهورها راجحة، وأن يكون وجودها في ms698 الفرع مقطوعا به، وليس
~~كذلك، لان وجودها أحد ما يتوقف عليه الحكم في الفرع، فكان الظن كافيا فيه،
~~كما في وجودها في الأصل وفي كونها علة، وفي نفي المعارض عنها في الأصل
~~والفرع.
# وبالجملة فهذه الشروط في محل الاجتهاد.
# المسألة التاسعة عشرة اتفقوا على أن نصب الوصف سببا وعلة من الشارع، وأن
~~دليله لا بد وأن يكون شرعيا وسواء كان كونه سببا وعلة وحكما شرعيا، أو لم
~~يكن، كما سبق وجه الكلام فيه، وإنما اختلفوا في الدليل الدال على العلة
~~الجامعة في القياس:
# فذهب بعض أصحابنا إلى أن شرطه أن لا يكون متناولا لاثبات الحكم في الفرع
~~وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة الفواكه مطعوم فجرى فيه الربا قياسا على
~~البر، ثم دل على كون الطعم علة بقوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام
# PageV03P245
# إلا مثلا بمثل (1) فإنه وإن كان دليلا على كون الطعم علة بالايماء فهو
~~دليل على تحريم الربا في الفواكه بعمومه.
# وربما كان الدليل الدال على العلة متناولا لحكم الفرع بخصوصه، دون حكم
~~الأصل وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة الخارج من غير السبيلين خارج نجس
~~فينفض الوضوء كالخارج من السبيلين. ثم دل على كون الخارج النجس علة للنقض
~~بقوله، عليه السلام من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة (2) فإن
~~القئ والرعاف والمذي من حيث هو خارج، نجس مناسب لنقض الوضوء، فترتيب الحكم
~~عليه في كلام الشارع يدل على التعليل به، كما يأتي في طرق إثبات العلة،
~~ولكنه مع ذلك متناول لاثبات حكم الفرع بخصوصه دون حكم الأصل، وإنما شرطوا
~~امتناع ذلك مصيرا منهم إلى أنه إذا كان دليل العلة يستقل بالدلالة على
~~الحكم المتنازع فيه، فالاستدلال بالعلة على الحكم على وجه لا بد من إثباتها
~~بدليل يستقل بإثبات الحكم المتنازع فيه، يكون تطويلا بلا فائدة، فليعدل
~~إليه أولا.
# ولقائل أن يقول: الاستدلال بالعلة المثبتة بالنص المتناول لحكم الفرع وإن
~~أفضى إلى التطويل، فحاصله يرجع إلى مناقشة جدلية، وليس ذلك مما يقدح في ms699 صحة
~~القياس المذكور، ولا يكون قادحا في المقصود، وقد ينقدح عنه جواب آخر في بعض
~~الصور، وهو عندما إذا كان العام الدال على حكم الفرع قد خص في صورة، وكان
~~المستدل ممن يرى أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجة إلا في أقل الجمع، فله
~~أن يقول: إنما لم أتمسك بعموم النص في إثبات حكم الفرع، لعدم مساعدة الدليل
~~على إدراج الفرع فيه، وذلك لا يمنع من التمسك به في إثبات العلة ولو في
~~صورة واحدة، ومهما كان كذلك، لزم إثبات الحكم بتلك العلة في أي صورة وجدت،
~~ولذلك وقع التمسك به في إثبات العلة دون الحكم.
# PageV03P246
# المسألة العشرون اختلف الشافعية والحنفية في حكم أصل القياس المنصوص
~~عليه، هل هو ثابت بالعلة، أو النص.
# فقالت: الشافعية إنه ثابت بالعلة وقالت: الحنفية إنه ثابت بالنص، محتجين
~~على ذلك بأمور ثلاثة:
# الأول: أن الحكم في الأصل مقطوع به، والعلة المستنبطة منه مظنونة.
~~والمقطوع به لا يكون ثابتا بالمظنون.
# الثاني: أن العلة مستنبطة من حكم الأصل، ومتفرعة عليه، وتابعة له في
~~الوجود فلو كان الحكم ثابتا بها، لكان الأصل ثابتا بما لا ثبوت له دون
~~ثبوته، وهو دور.
# الثالث: أنه قد يثبت الحكم تعبدا من غير علة، فلو كان ثابتا بالعلة، لما
~~ثبت مع عدمها.
# واعلم أن الخلاف في هذه المسألة آيل إلى اختلاف في اللفظ.
# وذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعلة، لا يريدون به أن العلة معرفة
~~له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه، وأنها لا تعرف دون معرفته وإنما
~~يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الأصل.
# وأنها التي لأجلها أثبت الشارع الحكم، وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك
~~وحيث قالت الحنفية: إن العلة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست
~~باعثة وإنما أرادوا بذلك أنها غير معرفة لحكم الأصل بالنسبة إلينا وأصحابنا
~~غير منكرين لذلك فلا خلاف في المعنى، بل في اللفظ. PageV03P247
# القسم الثالث في شروط الفرع وهي خمسة الشرط الأول: أن يكون خاليا عن ms700
~~معارض راجح يقتضي نقيض ما اقتضته علة القياس، على رأي القائلين بجواز تخصيص
~~العلة، ليكون القياس مفيدا.
# الشرط الثاني: أن تكون العلة الموجودة فيه مشاركة لعلة الأصل، إما في
~~عينها كتعليل تحريم شرب النبيذ بالشدة المطربة المشتركة بينه وبين الخمر،
~~أو في جنسها كتعليل وجوب القصاص في الأطراف بجامع الجناية المشتركة بين
~~القطع والقتل، لان القياس على ما تقدم إنما هو تعدية حكم الأصل إلى الفرع،
~~بواسطة علة الأصل.
# فإذا لم تكن علة الفرع مشاركة لها في صفة عمومها ولا خصوصها، فلم تكن (1)
~~علة الأصل في الفرع، فلا يمكن تعدية حكم الأصل إلى الفرع. الشرط الثالث: أن
~~يكون الحكم في الفرع مماثلا لحكم الأصل في عينه، كوجوب القصاص في النفس
~~المشترك بين المثقل والمحدد، أو جنسه كإثبات الولاية على الصغيرة في
~~نكاحها، قياسا على إثبات الولاية في مالها، فإن المشترك بينهما إنما هو جنس
~~الولاية لا عينها، ولو لم يكن كذلك لكان القياس باطلا. وذلك، لان شرع
~~الاحكام لم يكن مطلوبا لذاته، بل لما يفضي إليه من مقاصد العباد، وسواء ظهر
~~المقصود أم لم يظهر. فان كان حكم الفرع مماثلا لحكم الأصل، علمنا أن ما
~~يحصل به من المقصود مثل ما يحصل من حكم الأصل ضرورة اتحاد الوسيلة، فيجب
~~إثباته.
# وأما إذا كان حكم الفرع مخالفا لحكم الأصل مع أنه الوسيلة إلى تحصيل
~~المقصود، فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفا لافضاء حكم الأصل
~~إليها. والمخالفة بينهما من الافضاء إما أن تكون بزيادة في إفضاء حكم الأصل
~~إليها أو في إفضاء حكم الفرع.
# فإن كان الأول، فلا يلزم من شرع الحكم في الأصل رعاية لأصل المقصود
~~وزيادة الافضاء إليه، شرع حكم الفرع تحصيلا لأصل المقصود دون زيادة الافضاء
~~إليه لان زيادة الافضاء إلى المقصود مقصودة في نظر العقلاء وأهل العرف.
# PageV03P248
# وإن كان الثاني: فهو ممتنع، لأنا أجمعنا على امتناع ثبوت مثل حكم الفرع
~~في الأصل. وعند ذلك، فتنصيص الشارع على حكم الأصل دون حكم الفرع يدل على أن
~~حكم ms701 الأصل أفضى إلى المقصود من حكم الفرع وإلا فلو كان حكم الفرع أفضى إلى
~~المقصود من حكم الأصل، لكان أولى بالتنصيص عليه فإن قيل ما ذكرتموه فرع
~~تصور الاختلاف في الأحكام الشرعية، وليس كذلك.
# وذلك لان حكم الله هو كلامه وخطابه، وذلك مما لا اختلاف فيه، وإنما
~~الاختلاف في تعلقاته ومتعلقاته. وحكم الشارع بالوجوب لا يخالف حكمه
~~بالتحريم من حيث هو حكم الله وكلامه. وإن وقع الاختلاف في أمر خارج، كالذم
~~على الفعل، والذم على الترك، بسبب اختلاف محل الخطاب.
# ولا يخفى أن اختلاف محل الخطاب غير موجود لاختلاف الحكم في نفسه، بدليل
~~اشتراك الصوم والصلاة في حكم الوجوب، والقتل والزنا في التحريم (1).
# PageV03P249
# وإن سلمنا تصور الاختلاف في نفس الحكم الشرعي، ولكن ما المانع أن يكون
~~إفضاء حكم الفرع إلى المقصود أتم من إفضاء حكم الأصل إليه.
# قولكم: لو كان كذلك، لكان التنصيص عليه في الأصل أولى، إنما يلزم أن لو
~~لم تكن فائدة التنصيص على حكم الأصل لقصد التنبيه بالأدنى على الاعلى.
# وبتقدير أن لا يكون ذلك مقصودا للشارع، فإنما لم ينص عليه لاحتمال أن
~~يكون ذلك لمانع مختص به، لا وجود له في حكم الأصل. والجواب عن السؤل الأول
~~أنه ليس حكم الشارع عبارة عن مطلق كلامه وخطابه، ليصح ما قيل، بل الخطاب
~~المقيد بتعلق خاص، كما بيناه في حد الحكم.
# وإذا كان التعلق داخلا في مفهوم الحكم فالتعلقات مختلفة، ويلزم من
~~اختلافها اختلاف الاحكام.
# وعن الثاني أنه لو كانت فائدة تخصيص حكم الأصل بالتنصيص عليه التنبيه به
~~على حكم الفرع، لكان حكم الفرع ثابتا بمفهوم الموافقة، لا بالقياس، ولجاز
~~إثباته في الأصل، وهو ممتنع.
# قولهم: إنما لم ينص عليه لاحتمال اختصاصه بمانع.
# قلنا: المانع إما أن يكون من لوازم صورة الأصل، أو من لوازم مثل حكم
~~الفرع أو من لوازم اجتماع الامرين.
# فإن كان الأول: فيلزم منه امتناع إثبات حكم الأصل في الأصل بطريق الأولى
~~ضرورة كون مقصوده أدنى من مقصود حكم الفرع، على ما وقع به ms702 الفرض.
# وإن كان الثاني: فيلزم منه امتناع ثبوته في الفرع أيضا ضرورة أن ما هو
~~المانع من إثباته في الأصل من لوازم نفس ذلك الحكم.
# وإن كان الثالث، فالأصل عدمه.
# الشرط الرابع: أن لا يكون حكم الفرع منصوصا عليه، وإلا ففيه قياس
~~PageV03P250
# المنصوص على المنصوص، وليس أحدهما بالقياس على الآخر أولى من العكس.
# وهذا مما لا نعرف خلافا بين الأصوليين في اشتراطه.
# الشرط الخامس: أن لا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل، وذلك كما لو
~~قالوا قاس للشافعي الوضوء على التيمم في الافتقار إلى النية، لأنه يلزم منه
~~أن يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل كون العلة الجامعة في قياسه علة، ضرورة
~~كونها مستنبطة من حكم متأخر عنه، اللهم إلا أن يذكر ذلك بطريق الالزام
~~للخصم، لا بطريق مأخذ القياس.
# وقد شرط قوم أن يكون الحكم في الفرع ثابتا بالنص جملة لا تفصيلا، وهو
~~باطل. فإن الصحابة قاسوا قوله أنت علي حرام على الطلاق واليمين والظهار،
~~ولم يوجد في الفرع نص، لا جملة ولا تفصيلا.
# الباب الثاني في مسالك إثبات العلة الجامعة في القياس المسلك الأول:
~~الاجماع وهو أن يذكر ما يدل على إجماع الأمة في عصر من الاعصار على كون
~~الوصف الجامع علة لحكم الأصل، إما قطعا، أو ظنا، فإنه كاف في المقصود.
# وذلك كإجماعهم على كون الصغر علة لثبوت الولاية على الصغير، في قياس
~~ولاية النكاح على ولاية المال.
# فإن قيل: فإذا كانت العلة مجمعا عليها قطعا، فكيف يسوغ الخلاف معها في
~~مسائل الاجتهاد؟
# قلنا: بأن يكون وجودها ظنيا في الأصل أو الفرع. وأما إن كان وجودها قطعيا
~~فيهما مع كونها مقطوعا بعليتهما، فلا. PageV03P251
# المسلك الثاني: النص الصريح وهو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على
~~التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة، من غير احتياج فيه إلى نظر
~~واستدلال. وهو قسمان:
# الأول: ما صرح فيه بكون الوصف علة أو سببا للحكم الفلاني، وذلك، كما لو
~~قال: العلة كذا، أو السبب كذا (1).
# القسم الثاني: ما ورد ms703 فيه حرف من حروف التعليل كاللام وكي ومن وإن
~~والباء.
# أما (اللام) فكقوله تعالى * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) * (الاسراء: 78) أي
~~زوال الشمس.
# وكقوله تعالى * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * (الذاريات: 56)
~~وكقوله عليه السلام كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة (2) أي
~~القوافل السيارة.
# وذلك يدل على التعليل بالوصف الذي دخلت عليه (اللام) لتصريح أهل اللغة
~~بأنها للتعليل.
# وأما (الكاف) فكقوله تعالى * (كيلا يكون دولة بين الأغنياء) * (الحشر: 7)
~~أي كي لا تبقى الدولة بين الأغنياء، بل تنتقل إلى غيرهم.
# وأما (من) فكقوله تعالى * (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) *
~~(المائدة: 32).
# وأما (إن) فكقوله عليه السلام في قتلى أحد زملوهم بكلومهم فإنهم يحشرون
~~يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك (3)
~~وكقوله عليه السلام في حق محرم وقصت به ناقته، لا تخمروا
# PageV03P252
# رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا (1).
# وأما (الباء) فكقوله تعالى * (جزاء بما كانوا يعملون) * (الأحقاف: 14).
# فهذه هي الصيغ الصريحة في التعليل، وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل.
# إلا أن يدل الدليل على أنها لم يقصد بها التعليل فتكون مجازا فيما قصد
~~بها وذلك في (اللام) كما لو قيل: لم فعلت كذا؟ فقال لأني قصدت أن أفعل وكما
~~في قول القائل أصلي لله وقول الشاعر لدوا للموت وابنوا للخراب (2) فقصد
~~الفعل لا يصلح أن يكون علة للفعل وغرضا له وكذلك ذات الله تعالى لا تصلح أن
~~تكون علة للصلاة، ولا الموت علة للولادة ولا الخراب علة للبناء، بل علة
~~الفعل ما يكون باعثا على الفعل، وهي الأشياء التي تصلح أن تكون بواعث. وكما
~~في قوله تعالى * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (الحشر: 2) *
~~(ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) * (الحشر: 4) وليس كل من شاق الله ورسوله
~~يخرب بيته، فليست المشاقة علة لخراب البيت، اللهم إلا أن يحمل لفظ الخراب
~~على استحقاق الخراب، أو على استحقاق العذاب، فإنه يكون معللا بالمشاقة.
# PageV03P253
# المسلك الثالث: ما يدل على العلية بالتنبيه والايماء.
# وذلك بأن يكون التعليل لازما من مدلول ms704 اللفظ وضعا لا أن يكون اللفظ دالا
~~بوضعه على التعليل، وهو ستة أقسام.
# القسم الأول - ترتيب الحكم على الموصف بفاء التعقيب والتسبيب في كلام
~~الله أو رسوله أو الراوي عن الرسول.
# أما في كلام الله تعالى فكما في قوله تعالى * (والسارق والسارقة فاقطعوا
~~أيديهما) * (المائدة: 38) * (وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) *
~~(المائدة: 6).
# وأما في كلام رسوله فكقوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة، فهي له (1)
~~وقوله ملكت نفسك فاختاري.
# وأما في كلام الراوي فكما في قوله: سها رسول الله صلى الله عليه وسلم في
~~الصلاة فسجد.
# وزنا ماعز، فرجمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
# وذلك في جميع هذه الصور يدل على أن ما رتب عليه الحكم (بالفاء) يكون علة
~~للحكم لكون (الفاء) في اللغة ظاهرة في التعقيب ولهذا فإنه لو قيل جاء زيد
~~فعمرو فإن ذلك يدل على مجئ عمرو عقيب مجئ زيد من غير مهلة، ويلزم من ذلك
~~السببية لأنه لا معنى لكون الوصف سببا، إلا ما ثبت الحكم عقيبه، وليس ذلك
~~قطعا، بل ظاهرا
# PageV03P254
# لان (الفاء) في اللغة قد ترد بمعنى الواو في إرادة الجمع المطلق.
# وقد ترد بمعنى (ثم) في إرادة التأخير مع المهلة، كما سبق تعريفه. غير
~~أنها ظاهرة في التعقيب، بعيدة فيما سواه.
# وهذه الرتب متفاوتة، فأعلاها ما ورد في كلام الله تعالى، ثم ما ورد في
~~كلام رسوله، ثم ما ورد في كلام الراوي.
# وسواء كان فقهيا أو لم يكن، لكنه إن كان فقيها كان الظن بقوله أظهر، وإذا
~~لم يكن فقيها، وإن كان في أدنى الرتب، غير أنه مغلب على الظن، لأنه إذا قال
~~سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد، فالظاهر من حاله مع كونه متدينا
~~عالما بكون (الفاء) موضوعة للتعقيب، أنه لو لم يفهم أن السهو سبب للسجود،
~~وإلا لما رتب السجود بالفاء، لما فيه من التلبيس بنقل ما يفهم منه السببية،
~~ولا يكون سببا، بل ولما كان تعليقه للسجود بالسهو أولى من غيره. القسم
~~الثاني: ما لو حدثت ms705 واقعة، فرفعت إلى النبي عليه السلام، فحكم عقيبها بحكم،
~~فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم.
# وذلك كما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له:
~~هلكت وأهلكت.
# فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا صنعت؟ فقال واقعت أهلي في نهار
~~رمضان عامدا. فقال له، عليه السلام: أعتق رقبة (1). فإنه يدل على كون
~~الوقاع علة للعتق.
# وذلك لأنا نعلم أن الأعرابي إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن
~~واقعته لبيان حكمها شرعا، وأن النبي عليه السلام، إنما ذكر ذلك الحكم في
~~معرض الجواب له،
# PageV03P255
# لا أنه ذكره ابتداء منه لما فيه من إخلاء السؤال عن الجواب وتأخير البيان
~~عن وقت الحاجة، وكل ذلك وإن كان ممكنا، إلا أنه على خلاف الظاهر. وإذا كان
~~ذلك جوابا عن سؤاله، فالسؤال الذي عنه الجواب يكون ذكره مقدرا في الجواب في
~~كلام المجيب، فيصير كأنه قال: واقعت فكفر.
# وقد عرف أن الوصف إذا رتب الحكم عليه في كلام الشارع بفاء التعقيب
~~تحقيقا، فإنه يكون علة، فكذلك إذا كان الحكم مرتبا عليه بفاء التعقيب
~~تقديرا.
# ولهذا كان هذا القسم ملحقا بالقسم الذي قبله، وإن كان دونه في الظهور
~~والدلالة، لكون (الفاء) فيه مقدرة، وفي الأول محققة، ولاحتمال أن يكون قد
~~بدأ به لا عن قصد الجواب، وذلك، كما لو قال العبد لسيده: قد طلعت الشمس أو
~~غربت. فقال له: اسقني ماء فإنه لا يفهم منه الجواب لسؤاله، ولا التعليل، بل
~~هو أمر له ابتداء بسقي الماء وعدول عن السؤال بالكلية إما لذهوله عن السؤال
~~أو لعدم الالتفات إليه لعدم تعلق الغرض به، غير أن هذا الاحتمال، وإن كان
~~منقدحا ها هنا، فهو بعيد في حق النبي، عليه السلام، فيما فرض السؤال عنه إذ
~~الغالب عدم الذهول، وأنه إنما قصد الجواب حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت
~~الحاجة، مع كونه خلاف الظاهر.
# القسم الثالث: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدر التعليل به لما
~~كان ms706 لذكره فائدة، ومنصب الشارع مما ينزه عنه: وذلك، لان الوصف المذكور إما
~~أن يكون مذكورا مع الحكم في كلام الله تعالى، أو كلام رسوله.
# فإن كان في كلام الله تعالى، وقدرنا أنه لو لم يقدر التعليل به، فذكره لا
~~يكون مفيدا، ولا يخفى أن ذلك غير جائز في كلام الله تعالى إجماعا، نفيا لما
~~لا يليق بكلامه عنه.
# وإن كان ذلك في كلام رسوله، فلا يخفى أن الأصل إنما هو انتفاء العبث عن
~~العاقل في فعله وكلامه، ونسبة ما لا فائدة فيه إليه، لكونه عارفا بوجوه
~~المصالح والمفاسد فلا يقدم في الغالب على ما لا فائدة فيه. وإذا كان ذلك هو
~~الظاهر PageV03P256
# من آحاد العقلاء فمن هو أهل للرسالة عن الله تعالى ونزول الوحي عليه
~~وتشريع الاحكام، أولى . وإذا عرف ذلك، فيجب اعتقاد كون الوصف المذكور في
~~كلامه مع الحكم علة له.
# وهذا القسم على أصناف. وذلك، لان الشارع إما أن يذكر ذلك ابتداء من غير
~~سؤال أو بعد السؤال. فإن كان من غير سؤال، فهو الصنف الأول، وذلك كما في
~~حديث ابن مسعود ليلة الجن، حيث توضأ، عليه السلام، بماء كان قد نبذ فيه
~~تميرات لاجتناب ملوحته، فقال ثمرة طيبة وماء طهور (1) فإنه يدل على جواز
~~الوضوء به. وإلا كان ذكره ضائعا. لكون ما ذكر ظاهرا غير محتاج إلى بيان.
# وان كان مع السؤال، فلا يخلو إما أن يذكر ذلك الوصف في محل السؤال أو في
~~غيره فإن كان في محل السؤال، فهو الصنف الثاني، وذلك كما روي عنه عليه
~~السلام، أنه سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
~~أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا إذا (2) فهذا وإن فهم منه أن
~~النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر من ترتيبه الحكم على الوصف بالفاء
~~واقترانه بحرف (إذا) وهي من صيغ التعليل، غير أنا لو قدرنا انتفاء هذين
~~لبقي فهم التعليل بالنقصان بحاله نظرا إلى أنه لو لم يقدر التعليل به، لكان
~~ذكره والاستفسار ms707 عنه غير مفيد.
# وإن كان في غير محل السؤال، وهو أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر نظير لمحل
~~السؤال، فهو الصنف الثالث. وذلك كما روي عنه، عليه السلام، أنه لما
# PageV03P257
# سألته الجارية الخثعمية، وقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته الوفاة،
~~وعليه فريضة الحج فإن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال، عليه السلام: أرأيت لو
~~كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك؟ فقالت: نعم. قال: فدين الله أحق
~~بالقضاء (1).
# فالخثعمية إنما سألت عن الحج، والنبي، عليه السلام، ذكر دين الآدمي والحج
~~من حيث هو دين، نظير لدين الآدمي، فذكره لنظير المسؤول عنه، مع ترتيب الحكم
~~عليه يدل على التعليل به، وإلا كان ذكره عبثا.
# ويلزم من كون نظير الواقعة علة للحكم المرتب عليها، أن يكون المسؤول عنه
~~أيضا علة لمثل ذلك الحكم، ضرورة المماثلة.
# وما مثل هذا يسميه الأصوليون التنبيه على أصل القياس. فكأنه نبه على
~~الأصل، وعلى علة حكمه، وعلى صحة إلحاق المسؤول عنه بواسطة العلة المومي
~~إليها.
# وليس من هذا القبيل ما مثل به بعض الأصوليين، وذلك كما روي عن عمر أنه
~~سأل النبي، عليه السلام عن قبلة الصائم: هل تفسد الصوم؟ فقال عليه السلام:
# أرأيت لو تمضمضت، أكان ذلك يفسد الصوم؟ فقال: لا وذلك لان النبي، عليه
~~السلام، إنما ذكر ذلك بطريق النقض، لما توهمه عمر من كون القبلة مفسدة
~~للصوم، لكونها مقدمة للوقاع المفسد للصوم، فنقض النبي، عليه السلام ذلك
~~بالمضمضة، فإنها مقدمة للشرب المفسد للصوم، وليست مفسدة للصوم.
# أما أن يكون ذلك تنبيها على تعليل عدم الافساد بكون المضمضة مقدمة للفساد
~~فلا.
# وذلك لان كون القبلة والمضمضة مقدمة لافساد الصوم، ليس فيه ما يتخيل أن
~~يكون مانعا من الافطار، بل غايته أن لا يكون مفطرا، فكان الأشبه بما ذكره
~~النبي، عليه السلام، أن يكون نقضا، لا تعليلا.
# وأيضا فإن الأصل أن يكون الجواب مطابقا للسؤال، لا زائدا عليه ولا ناقصا
~~عنه
# PageV03P258
# أما الزيادة فلعدم تعلق الغرض بها.
# وأما النقصان فلما فيه من الاخلال بمقصود ms708 السائل.
# وعمر إنما سأل عن كون القبلة مفسدة للصوم أم لا؟ فالجواب المطابق له إنما
~~يكون بما يدل على الافساد أو عدمه وكون القبلة علة لنفي الفساد غير مسؤول
~~عنه فلا يكون اللفظ الدال على ذلك جوابا مطابقا للسؤال، بخلاف النقض، فإنه
~~يتحقق به أن القبلة غير مفسدة، فكان جوابا مطابقا للسؤال.
# القسم الرابع: أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم بذكر صفة، فإن ذلك يشعر
~~بان تلك الصفة هي علة التفرقة في الحكم، حيث خصصها بالذكر دون غيرها فلو لم
~~تكن علة، لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ، وهو تلبيس يصان منصب الشارع
~~عنه.
# وذلك منقسم إلى ما يكون حكم أحد الامرين مذكورا في ذلك الخطاب دون ذكر
~~الآخر.
# وإلى ما لا يكون مذكورا فيه: (1) الأول: كما في قوله، عليه السلام:
~~القاتل لا يرث فإنه خصص القاتل بعدم الميراث، بعد سابقة إرث من يرث.
# والثاني، فمنه ما تكون التفرقة فيه بلفظ الشرط والجزاء، كقوله لا تبيعوا
~~البر بالبر إلى قوله فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدا بيد ومنه ما
~~يكون بالغاية، كقوله تعالى * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (البقرة: 222) ومنه
~~ما يكون بالاستثناء كقوله تعالى * (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) * (البقرة:
~~237) ومنه ما يكون بلفظ الاستدراك كقوله تعالى * (لا يؤاخذكم الله باللغو
~~في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) * (المائدة: 89) ومنه أن
~~يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، كقوله عليه السلام
~~للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم.
# PageV03P259
# القسم الخامس - أن يكون الشارع قد أنشأ الكلام لبيان مقصود، وتحقيق
~~مطلوب، ثم يذكر في أثنائه شيئا آخر، لو لم يقدر كونه علة لذلك الحكم
~~المطلوب لم يكن له تعلق بالكلام، لا بأوله ولا بآخره، فإنه يعد خبطا في
~~اللغة واضطرابا في الكلام، وذلك مما تبعد نسبته إلى الشارع، وذلك كقوله
~~تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى
~~ذكر الله وذروا البيع) * فالآية إنما سيقت لبيان أحكام الجمعة لا لبيان ms709
~~أحكام البيع. فلو لم يعتقد كون النهي عن البيع علة للمنع عن السعي الواجب
~~إلى الجمعة، لما كان مرتبطا بأحكام الجمعة، وما سيق له الكلام، ولا تعلق
~~به، وذلك ممتنع، لما سبق.
# وقوله تعالى * (وذروا البيع) * وإن كانت صيغته صيغة أمر، إلا أنه في معنى
~~النهي إذا النهي طلب ترك الفعل. وقوله تعالى * (وذروا البيع) * طلب لترك
~~البيع، فكان نهيا.
# القسم السادس - أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا كقوله، عليه السلام
~~لا يقضي القاضي، وهو غضبان فإنه يشعر بكون الغضب علة مانعة من القضاء لما
~~فيه من تشويش الفكر واضطراب الحال، وكذلك إذا قال: أكرم العالم، وأهن
~~الجاهل، فإنه يسبق إلى الفهم منه أن العلم علة للاكرام والجهل علة للإهانة
~~وذلك لوجهين.
# الأول: ما ألف من عادة الشارع من اعتبار المناسبات دون إلغائها، فإذا قرن
~~بالحكم في لفظه وصفا مناسبا غلب على الظن اعتباره له.
# الثاني: ما علمنا من حال الشارع أنه لا يرد بالحكم خليا عن الحكمة إذ
~~الاحكام إنما شرعت لمصالح العبيد، وليس ذلك بطريق الوجوب، بل بالنظر إلى
~~جري العادة المألوفة من شرع الاحكام (1) فإذا ذكر مع الحكم وصفا مناسبا،
~~غلب
# PageV03P260
# على الظن أنه علة له إلا أن يدل الدليل على أنه لم يرد به ما هو الظاهر
~~منه، فيجوز تركه.
# وذلك، كما في قوله لا يقضي القاضي وهو غضبان فإنه وإن دل بظاهره على أن
~~مطلق الغضب علة، فجواز القضاء مع الغضب اليسير يدل على أن مطلق الغضب ليس
~~بعلة، بل الغضب المانع من استيفاء النظر.
# وإذا عرفت أقسام الوصف المومي إليه، ترتب عليه النظر في مسألتين.
# المسألة الأولى اختلف الأصوليون في اشتراط مناسبة الوصف المومي إليه.
# فأثبته قوم، ونفاه آخرون، كالغزالي وأتباعه. حجة من قال باشتراط المناسبة
~~أن الغالب من تصرفات الشارع أن تكون على وفق تصرفات العقلاء وأهل العرف (1)
~~ولو قال الواحد من أهل العرف لغيره أكرم الجاهل، وأهن العالم قضى كل عاقل
~~أنه لم يأمر بإكرام الجاهل لجهلة، ولا أن أمره بإهانة ms710 العالم لعلمه، وإن
~~ذلك لا يصلح للتعليل، نظرا إلى أن تصرفات العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة
~~وقضايا العقل.
# وأيضا فإن الاتفاق من الفقهاء واقع على امتناع خلو الأحكام الشرعية عن
~~الحكم إما بطريق الوجوب على رأي المعتزلة، وإما بحكم الاتفاق على رأي
~~أصحابنا (2) وسواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر.
# وما يعلم قطعا أنه لا مناسبة فيه، ولا وهم المناسبة يعلم امتناع التعليل
~~به.
# والمختار: أن تقول: أما ما كان من القسم السادس الذي فهم التعليل فيه
~~مستندا إلى ذكر الحكم مع الوصف المناسب، فلا يتصور فهم التعليل فيه دون فهم
~~المناسبة، لان عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه يكون تناقضا. وأما ما
~~سواه من
# PageV03P261
# الأقسام فلا يمتنع التعليل فيها بما لا مناسبة فيه، إلا أن تكون العلة
~~بمعنى الباعث، وأما بمعنى الامارة والعلامة فلا.
# وعلى هذا، فما ذكروه من الحجة على امتناع التعليل بالوصف الطردي إنما يصح
~~إن لو قيل إن التعليل بالوصف الطردي بمعنى الباعث، ولا اتجاه لها في
~~التعليل بمعنى الامارة والعلامة.
# وعلى هذا، فلا امتناع في جعل الجهل علامة على الاكرام، والعلم علامة على
~~الإهانة، إذا لم يكن هو الباعث بل الباعث غيره.
# المسألة الثانية اتفقوا على صحة الايماء فيما إذا كان حكم الوصف المومي
~~إليه مدلولا عليه بصريح اللفظ، كالأمثلة السابق ذكرها.
# وأما إذا كان اللفظ يدل على الوصف بصريحه، والحكم مستنبط منه، غير مصرح
~~به، كما في قوله تعالى * (وأحل الله البيع وحرم الربا) * فإن اللفظ بصريحة
~~يدل على الحل، والصحة مستنبطة منه.
# ووجه استنباط الصحة منه أنه لو لم يكن البيع صحيحا، لم يكن مثمرا، إذ هو
~~معنى نفي الصحة وإذا لم يكن مثمرا مفيدا، كان تعاطيه عبثا، والعبث مكروه،
~~والمكروه لا يحل. وعند ذلك، فيلزم من الحل الصحة لتعذر الحل مع انتفاء
~~الصحة.
# وهذا (1) مما اختلف في كونه مومى إليه.
# فذهب قوم إلى امتناع الايماء تمسكا منهم بأن الايماء إنما يتحقق إذا دل
~~اللفظ بوضعه على الوصف والحكم، كما سبق من الأمثلة.
# وأما ms711 إذا دل على الوصف بالوضع، وكان الحكم مستنبطا منه، فلا يدل ذلك على
~~كونه مومي إليه، كما إذا دل اللفظ على الحكم بوضعه، وكان الوصف مستنبطا
~~منه، فإنه لا يدل على الايماء إلى الوصف، وذلك كما في قوله، عليه السلام
~~حرمت الخمرة لعينها (2) فإنه يدل على الحكم، وهو التحريم وضعا، والشدة
~~المطربة علة مستنبطة منه، وليست مومي إليها.
# PageV03P262
# وذهب المحققون إلى كونه مومي إليه، وهو الحق.
# وذلك، لأنه إذا كان اللفظ بصريحه يدل على الوصف، وهو الحل، والصحة لازمة
~~له لما تقرر، فإثبات الحل وضعا يدل على إرادة ثبوت الصحة ضرورة كونها لازمة
~~للحل، فيكون ثابتا بإثبات الشارع له مع وصف الحل وإثبات الشارع للحكم
~~مقترنا بذكر وصف مناسب دليل الايماء إلى الوصف، كما لو ذكر معه الحكم بلفظ
~~يدل عليه وضعا، ضرورة تساويهما في الثبوت، وإن اختلفا في طريق الثبوت، بأن
~~كان أحدهما ثابتا بدلالة اللفظ وضعا، والآخر مستنبطا من مدلول اللفظ وضعا،
~~لان الايماء إنما كان مستفادا عند ذكر الحكم والوصف بطريق الوضع من جهة
~~اقتران الحكم بالوصف، لا من جهة كون الحكم ثابتا بطريق الوضع. وهذا بخلاف
~~ما إذا كان الحكم مدلولا عليه وضعا، والوصف مستنبط منه. وذلك لان الوصف
~~المستنبط من الحكم المصرح به، كما في المثال المذكور، لم يكن وجوده لازما
~~من الحكم المصرح به، ولا مناسبته لتحققه قبل شرع الحكم بخلاف الصحة مع
~~الحل، كما تقدم تحقيقه.
# والمعتبر في الايماء أن يكون الوصف المومي إليه مذكورا في كلام الشارع مع
~~الحكم، أو لازما من مدلول كلامه (1) والأمران مفقودان في الوصف المستنبط
~~بخلاف الحل مع الصحة (2).
# PageV03P263
# المسلك الرابع: في إثبات العلة بالسير والتقسيم (1) وذلك أن يقال: الحكم
~~الثابت في الأصل إما أن يكون ثابتا لعلة، أو لا لعلة لا جائز أن يقال
~~بالثاني، إذا هو خلاف إجماع الفقهاء. على أن الحكم لا يخلو عن علة إما بجهة
~~الوجوب، كما قالت المعتزلة.
# أولا بجهة الوجوب، كقول أصحابنا (2) وبتقدير جواز خلوه عن العلة فالخلو
~~عنها على خلاف ms712 الغالب المألوف من شرع الاحكام، وذلك يدل ظاهرا على استلزام
~~الحكم فيما نحن فيه للعلة.
# وإذا كان لا بد له من علة فإما بأن تكون ظاهرة أو غير ظاهرة.
# لا جائز أن تكون غير ظاهرة، وإلا كان الحكم تعبدا، وهو خلاف الأصل لوجوه
~~ثلاثة.
# الأول أن إثبات الحكم بجهة التعقل أغلب من إثباته بجهة التعبد، وإدراج ما
~~نحن فيه تحت الغالب أغلب على الظن.
# الثاني أنه إذا كان الحكم معقول المعنى، كان على وفق المألوف من تصرفات
~~العقلاء وأهل العرف، والأصل تنزيل التصرفات الشرعية على وزان التصرفات
~~العرفية.
# PageV03P264
# الثالث أنه إذا كان معقول المعنى، كان أقرب إلى الانقياد، وأسرع في
~~القبول، فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم فكان أولى وإذا كان
~~لا بد من علة ظاهرة. فإذا قال المناظر، الموجود في محل الحكم لا يخرج عن
~~وصفين أو ثلاثة مثلا، لأني بحثت وسبرت، فلم أطلع على ما سواه، وكان أهلا
~~للنظر بأن كانت مدارك المعرفة بذلك لديه متحققة من الحس والعقل وكان عدلا
~~ثقة فيما يقول. والغالب من حاله الصدق، غلب على الظن انتفاء ما سوى المذكور
~~من الأوصاف أو قال (1) الأصل عدم كل موجود سوى ما وجد من الأوصاف المذكورة.
~~إلا أن يدل الدليل عليه. والأصل عدم ذلك الدليل، فإنه يغلب على الظن الحصر
~~فيما عينه.
# وإذا ثبت حصر الأوصاف فيما عينه فإذا بين بعد ذلك حذف البعض عن درجة
~~الاعتبار في التعليل بدليل صالح مساعد له عليه، بحيث يغلب على الظن ذلك،
~~فيلزم من مجموع الامرين (2) انحصار التعليل فيما استبقاه ضرورة امتناع خلو
~~محل الحكم عن علة ظاهرة، وامتناع، وجود ما وراء الأوصاف المذكورة وامتناع
~~إدراج المحذوف في التعليل لما دل عليه الدليل.
# فإن قيل: لعله لم يبحث ولم يسبر، وإن بحث وسبر، فلعله وجد وصفا وراء ما
~~أدعى الحصر فيه، ولم يذكره ترويجا لكلامه وإن لم يجد شيئا وراء المذكور فلا
~~يدل ذلك على عدمه فإن عدم العلم بالوصف جهل به والجهل بوجود الوصف ms713 لا يدل
~~على عدمه وإن دل على عدمه بالنسبة إلى الباحث، فلا يدل على عدمه بالنسبة
~~إلى الخصم، فإنه ربما كان عالما بوجود وصف آخر وراء المذكور. وعند ذلك فلا
~~ينتهض بحث المستدل دليلا في نظر خصمه على العدم لعلمه بمناقضته. ثم وإن دل
~~ذلك على حصر الأوصاف فيما ذكره، فحذف بعض الأوصاف عن درجة الاعتبار في
~~التعليل إنما يلزم منه انحصار التعليل في المستبقى أن لو كان الحكم في
# PageV03P265
# التعليل معقول المعنى. وإما على تقدير كونه غير معقول المعنى فلا، لأنه
~~جاز أن يشترك المحذوف والمستبقي في انتفاء الاعتبار وإن كان الحكم معقول
~~المعنى، فغاية ما في حذف الوصف المحذوف إبطال معارض العلة. ولا يلزم من ذلك
~~صحة كون المستبقى علة، لان صحة العلة إنما تكون بالنظر إلى وجود مصححها، لا
~~بالنظر إلى انتفاء معارضها (1).
# قلنا: إذا كان الباحث مسلما عدلا، فالظاهر أنه صادق فيما أخبر به من
~~البحث وعدم الاطلاع على وصف آخر. وعند ذلك فالقضاء بنفي الوصف لا يكون
~~مستندا إلى عدم العلم به، بل بناء على الظن بعدمه، فإن الظن بعدم الشئ
~~ملازم للبحث عن ذلك الشئ ممن هو أهله، مع عدم الاطلاع عليه. وعند ذلك،
~~فالظاهر أنه لو كان الخصم يعلم وجود وصف آخر لأبرزه، وأظهره إفحاما لخصمه،
~~وإظهارا لعلم مست الحاجة إلى اظهاره، فدعوى العلم منه بوجود وصف آخر من غير
~~بيان مع إمكان البيان، لا يكون مقبولا لظهور العناد فيه، ولو بين الخصم
~~وجود وصف آخر، فإنا وإن تبينا انخرام حصر المستدل به. غير أنه إذا أدرجه في
~~الابطال مع ما أبطل، فإنه لا يعد منقطعا فيما يقصده من التعليل بالوصف
~~المستبقي. وإذا ثبت انحصار الأوصاف في القدر المذكور، فلا يخفى أنه إذا
~~أخرج البعض عن درجة الاعتبار، تعين انحصار التعليل في المستبقي، فإنه وإن
~~جاز أن يكون الحكم تعبدا غير أنه بعيد لما سبق تقريره. وليس القضاء بكون
~~المستبقي علة بناء على إبطال المعارض بل على أن الحكم في محل التعليل لا ms714 بد
~~له من علة ظاهرا. وعند ذلك، يغلب على الظن انحصارها في الأوصاف المذكورة.
~~فإذا قام الدليل على إبطال البعض غلب على الظن التعليل بالمستبقي، ويكون
~~ذلك الظن مستفادا من جملة القواعد الممهدة، لا من نفس إبطال المعارض.
# هذا كله في حق المناظر. (2)
# PageV03P266
# وأما الناظر المجتهد فإنه، مهما غلب على ظنه شئ من ذلك، فلا يكابر نفسه،
~~وكان مؤاخذا بما أوجبه ظنه.
# وعند ذلك، فلا بد من بيان طرق الحذف.
# الأول: منها أن يبين المستدل أن الوصف الذي استبقاه قد ثبت به الحكم في
~~صورة بدون الوصف المحذوف، وهو ملقب بالالغاء، وهو شديد الشبه بنفي العكس
~~الذي ليس بمقبول، وسيأتي الفرق بينهما. ولا بد من بيان ثبوت الحكم مع الوصف
~~المستبقي فإنه لو ثبت دونه كما ثبت المحذوف (1) كان ذلك إلغاء للمستبقي
~~أيضا وعند ذلك (2) فيتبين استقلال المستبقي بالتعليل، ومع ظهور ذلك، فيمتنع
~~إدخال الوصف المحذوف في التعليل في محل التعليل، لأنه يلزم منه إلغاء وصف
~~المستدل في الفرع مع استقلاله ضرورة تخلف ما لم يثبت كونه مستقلا، وهو
~~ممتنع.
# ويمتنع أيضا إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف المحذوف لا غير، لما
~~فيه من إثبات الحكم بما لم يثبت استقلاله وإلغاء ما ثبت استقلاله، وهو
~~ممتنع.
# لكن لقائل أن يقول: دعوى استقلال الوصف المستبقي في صورة الالغاء
~~بالتعليل من مجرد إثبات الحكم مع وجوده وانتفاء الوصف المحذوف، غير صحيحة
~~فإنه لو كان مجرد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الالغاء كافيا في التعليل
~~بدون ضميمة ما يدل على استقلاله بطريق من طرق إثبات العلة لكان ذلك كافيا
~~في أصل القياس، ولم يكن إلى البحث والسبر حاجة. وكذا غيره من الطرق فإذا لا
~~بد من بيان الاستقلال بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلة، وعند ذلك إن شرع
~~المستدل في بيان الاستقلال ببعض طرق إثبات العلة، فإن بين الاستقلال في
~~صورة الالغاء
# PageV03P267
# بالبحث والبر، كما أثبت ذلك في الأصل الأول، فقد استقلت صورة الالغاء
~~بالاعتبار، وأمكن أن تكون أصلا لعلته، وتبينا أن ms715 الأصل الأول لا حاجة إليه،
~~فإن المصير إلى أصل لا يمكن التمسك به في الاعتبار إلا بذكر صورة أخرى
~~مستقلة بالاعتبار، يكون تطويلا بلا فائدة وإن بين الاستقلال بطريق آخر،
~~فيلزمه مع هذا المحذور محذور آخر، وهو الانتقال في إثبات كون الوصف. علة من
~~طريق إلى طريق آخر، وهو شنيع في مقام النظر.
# الطريق الثاني - أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع عدم
~~الالتفات إليه في إثبات الاحكام كالطول والقصر، والسواد والبياض، ونحوه.
# الطريق الثالث - أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع إلغاءه في
~~جنس ذلك الحكم المعلل، فيجب إلغاؤه، وإن كان مناسبا. وذلك، كما في قوله
~~عليه السلام من أعتق شركا له من عبد قوم عليه نصيب شريكه (1) فإنه وإن أمكن
~~تقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق، غير أنا لما عهدنا من الشارع
~~التسوية بين الذكر والأنثى في أحكام العتق، ألغينا صفة الذكورة في السراية،
~~بخلاف ما عداه من الاحكام.
# الطريق الرابع - إذا قال: بحثت في الوصف المحذوف، فلم أجد فيه مناسبة،
~~ولا ما يوهم المناسبة، وكان أهلا للنظر والبحث عدلا، فالظاهر صدقه، وأن
~~الوصف غير مناسب، ويلزم من ذلك حذفه، ضرورة كون العلة في الأصل بمعنى
~~الباعث على ما تقرر قبل وامتناع اعتبار ما لا يكون مناسبا.
# PageV03P268
# فإن قيل: البحث والسبر وإن دل على عدم المناسبة في الوصف المحذوف
~~فللمعترض أن يقول: بحثت في الوصف المستبقي، فلم أجد فيه مناسبة.
# وعند ذلك، فإن بين المستدل المناسبة فيه، فقد انتقل في إثبات العلة من
~~طريق السبر إلى المناسبة. وإن لم يبين ذلك، لم يكن وصف المعترض بالحذف أولى
~~من وصف المستدل.
# قلنا: إن كان قد سبق من المعترض تسليم مناسبة كل واحد من الوصفين، فلا
~~يسمع منه بعد بيان المستدل نفي المناسبة في الوصف المحذوف، منع المناسبة في
~~المستبقي، لكون مانعا لما سلمه، ولا يجب على المستدل بيان المناسبة في
~~الوصف المستبقي. وإن لم يسبق من المعترض تسليم ذلك، فللمستدل طريق صالح ms716 في
~~دفع السؤال من غير حاجة إلى بيان المناسبة في الوصف المستبقي، وهو ترجيح
~~سبره على سبر المعترض بموافقته للتعدية، وموافقة سبر المعترض للقصور،
~~والتعدية أولى من القصور، على ما يأتي تقريره في الترجيحات. PageV03P269
# المسلك الخامس - في إثبات العلة المناسبة والإحالة (1).
# ويشتمل على ثمانية فصول الفصل الأول في تحقيق معنى المناسب قال أبو زيد:
~~(2) المناسب عبارة عما لو عرض على العقول تلقته بالقبول.
# وما ذكروه، وإن كان موافقا للوضع اللغوي حيث يقال هذا الشئ مناسب لهذا
~~الشئ، أي ملائم له، غير أن تفسير المناسب بهذا المعنى وإن أمكن أن يتحققه
~~الناظر مع نفسه، فلا طريق للمناظر إلى إثباته على خصمه في مقام النظر
~~لامكان أن يقول الخصم: هذا مما لم يتلقه عقلي بالقبول، فلا يكون مناسبا
~~بالنسبة إلي، وإن تلقاه عقل غيري بالقبول. فإنه ليس الاحتجاج علي بتلقي عقل
~~غيري له بالقبول، أولى من الاحتجاج على غيري بعدم تلقي عقلي له بالقبول.
# وعلى هذا بني أبو زيد امتناع التمسك في إثبات العلة في مقام النظر
~~بالمناسبة وقران الحكم بها، وإن لم يمتنع التمسك بذلك في حق الناظر، لأنه
~~لا يكابر نفسه فيما يقضي به عقله.
# والحق في ذلك أن يقال: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب
~~الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم.
# وسواء كان ذلك الحكم نفيا أو إثباتا. وسواء كان ذلك المقصود جلب مصلحة أو
~~دفع مفسدة. وهو أيضا غير خارج عن وضع اللغة لما بينه وبين الحكم من التعلق
~~والارتباط. وكل ما له تعلق بغيره وارتباط فإنه يصح لغة أن يقال إنه مناسب
~~له. ولا يخفى إمكان إثبات مثل ذلك في مقام النظر على الخصم، بما لو أعرض
~~عنه الخصم وأصر معه على المنع، كان معاندا.
# PageV03P270
# الفصل الثاني في تحقيق معنى المقصود المطلوب من شرع الحكم المقصود من شرع
~~الحكم إما جلب مصلحة، أو دفع مضرة، أو مجموع الامرين بالنسبة إلى العبد،
~~لتعالي الرب تعالى عن الضرر والانتفاع. ms717 وربما كان ذلك مقصودا للعبد لأنه
~~ملائم له، وموافق لنفسه.
# ولذلك، إذا خير العاقل بين وجود ذلك وعدمه، اختار وجوده على عدمه.
# وإذا عرف أن المقصود من شرع الحكم إنما هو تحصيل المصلحة أو دفع المضرة ،
~~فذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة.
# فإن كان في الدنيا، فشرع الحكم إما أن يكون مفضيا إلى تحصيل أصل المقصود
~~ابتداء، أو دواما، أو تكميلا.
# فالأول: مثل القضاء بصحة التصرف الصادر من الأهل في المحل تحصيلا لأصل
~~المقصود المتعلق به من الملك أو المنفعة، كما في البيع والإجارة ونحوهما.
# وأما الثاني: فكالقضاء بتحريم القتل، وإيجاب القصاص على من قتل عمدا
~~عدوانا، لافضائه إلى دوام المصلحة المعلقة بالنفس الانسانية المعصومة.
# وأما الثالث، فكالحكم باشتراط الشهادة ومهر المثل في النكاح، فإن مكمل
~~لمصلحة النكاح، لا أنه محصل لأصلها لحصولها بنفس اعتبار التصرف وصحته.
# وأما في الأخرى فالمقصود العائد إليها من شرع الحكم لا يخرج عن جلب
~~الثواب، ودفع العقاب.
# فالأول كالحكم بإيجاب الطاعات وأفعال العبادات، لافضائه إلى نيل الثواب
~~ورفع الدرجات.
# والثاني فكالحكم بتحريم أفعال المعاصي، وشرع الزواجر عليها دفعا لمحذور
~~العقاب المرتب عليها. PageV03P271
# الفصل الثالث في بيان مراتب إفضاء الحكم إلى المقصود من شرع الحكم،
~~واختلافها المقصود إما أن يكون حاصلا من شرع الحكم يقينا أو ظنا، أو أن
~~الحصول وعدمه متساويان، أو أن عدم الحصول راجح على الحصول.
# أما الأول: فمثاله إفضاء الحكم بصحة التصرف بالبيع إلى إثبات الملك.
# وأما الثاني: فكشرع القصاص المرتب على القتل العمد العدوان صيانة للنفس
~~المعصومة عن الفوات، فإنه مظنون الحصول راجح الوقوع، إذ الغالب من حال
~~العاقل أنه إذا علم أنه إذا قتل قتل، أنه لا يقدم على القتل، فتبقى نفس
~~المجني عليه، إلى نظائره من الزواجر، وليس ذلك مقطوعا به لتحقق الاقدام على
~~القتل، مع شرع القصاص كثيرا.
# وأما القسم الثالث: فقلما يتفق له في الشرع مثال على التحقيق، بل على
~~طريق التقريب، وذلك، كشرع الحد على شرب الخمر، لحفظ العقل، فإن إفضاءه إلى ms718
~~ذلك متردد، حيث إنا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه، لا
~~على وجه الترجيح والغلبة لاحد الفريقين على الآخر في العادة.
# ومثال القسم الرابع إفضاء الحكم بصحة نكاح الآيسة إلى مقصود التوالد
~~والتناسل، فإنه، وإن كان ممكنا عقلا، غير أنه بعيد عادة، فكان الافضاء إليه
~~مرجوحا.
# فهذه الأقسام الأربعة وإن كانت مناسبة نظرا إلى أنها موافقة للنفس، غير
~~أن أعلاها القسم الأول لتيقنه، ويليه الثاني لكونه مظنونا راجحا. ويليه
~~الثالث لتردده، ويليه الرابع لكونه مرجوحا. والقسمان الأولان متفق على صحة
~~التعليل بهما عند القائلين بالمناسبة.
# وأما القسم الثالث والرابع، فلكون المقصود فيهما غير ظاهر، للمساواة في
~~الثالث، والمرجوحية في الرابع. فالاتفاق واقع على صحة التعليل بهما إذا كان
~~ذلك في آحاد الصور الشاذة، وكان المقصود ظاهرا من الوصف في غالب صور الجنس،
~~وإلا فلا. وذلك، كما ذكرناه من مثال صحة نكاح الآيسة لمقصود التوالد، فإنه
~~وإن PageV03P272
# كان غير ظاهر بالنسبة إلى الآيسة، إلا أنه ظاهر فيما عداها (1).
# وعلى هذا، فلو خلا الوصف الذي رتب عليه الحكم عن المقصود الموافق للنفس
~~قطعا، وإن كان ظاهرا في غالب صور الجنس، كما في لحوق النسب في نكاح المشرقي
~~للمغربية، وشرع الاستبراء في شراء الجارية لمعرفة فراغ الرحم، فيما إذا
~~اشترى الجارية ممن باعها منه في مجلس البيع الأول لعلمنا بفراغ رحمها من
~~غيره قطعا، وإن كان ذلك ظاهرا في غالب صور الجنس فيما عدا هذه الصور، فلا
~~يكون مناسبا، ولا يصح التعليل به لان المقصود من شرع الاحكام الحكم (2)
~~فشرع الاحكام مع انتفاء الحكمة يقينا لا يكون مفيدا، فلا يرد به الشرع
~~خلافا لأصحاب أبي حنيفة.
# PageV03P273
# الفصل الرابع في أقسام المقصود من شرع الحكم واختلاف مراتبه في نفسه
~~وذاته (1) وهو لا يخلو إما أن يكون من قبيل المقاصد الضرورية، أو لا يكون
~~من قبيل المقاصد الضرورية.
# فإن كان من قبيل المقاصد الضرورية فإما أن يكون أصلا، أو لا يكون أصلا.
# فإن كان أصلا، فهو الراجع إلى المقاصد الخمسة التي لم تخل ms719 من رعايتها ملة
~~من الملل، ولا شريعة من الشرائع، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل،
~~والمال فإن حفظ هذه المقاصد الخمسة من الضروريات، وهي أعلى مراتب
~~المناسبات.
# والحصر في هذه الخمسة الأنواع إنما كان نظرا إلى الوقوع والعلم بانتفاء
~~مقصد ضروري خارج عنها في العادة.
# أما حفظ الدين فبشرع قتل الكافر المضل وعقوبة الداعي إلى البدع.
# وأما حفظ النفوس فبشرع القصاص.
# وأما حفظ العقول فبشرع الحد على شرب المسكر.
# وأما حفظ الأموال التي بها معاش الخلق، فبشرع الزواجر للغصاب والسراق
~~(2).
# وأما إن لم يكن أصلا فهو التابع المكمل للمقصود الضروري.
# وذلك كالمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب القليل من المسكر، الداعي إلى
~~الكثير وإن لم يكن مسكرا. فإن أصل المقصود من حفظ العقل حاصل بتحريم شرب
~~المسكر، لا بتحريم قليله، وإنما يحرم القليل للتكميل والتتميم.
# وأما إن لم يكن المقصود من المقاصد الضرورية.
# فإما أن يكون من قبيل ما تدعو حاجة الناس إليه، أو لا تدعو إليه الحاجة.
# فإن كان من قبيل ما تدعو إليه الحاجة، فإما أن يكون أصلا أو لا يكون
~~أصلا.
# PageV03P274
# فإن كان أصلا، فهو القسم الثاني: الراجع إلى الحاجات الزائدة.
# وذلك كتسليط الولي على تزويج الصغيرة، لا لضرورة ألجأت إليه، بل لحاجة
~~تقييد الكفوء الراغب، خيفة فواته عند دعو الحاجة إليه، بعد البلوغ لا إلى
~~خلف.
# وأما تسليط الولي على تربية الصغير وإرضاعه وشراء المطعوم والملبوس له،
~~فليس من هذا القبيل، بل من قبيل الضروريات الأصلية التي لا تخلو شريعة عن
~~رعايتها.
# وهذا القسم في الرتبة دون القسم الأول: ولهذا جاز اختلاف الشرائع فيه،
~~دون القسم الأول، وهو في محل المعارضة، مع ما كان من قبيل التكملة والتتمة
~~للقسم الأول. ولهذا، اشتركا في جواز اختلاف الشرائع فيهما.
# وإن لم يكن أصلا، فهو التابع الجاري مجرى التتمة والتكملة للقسم الثاني:
# وذلك كرعاية الكفاءة ومهر المثل في تزويج الصغيرة، فإنه أفضى إلى دوام
~~النكاح وتكميل مقاصده، وإن كان أصل المقصود حاصلا دون ذلك. وهذا النوع في
~~الرتبة دون ms720 ما تقدم، أما بالنظر إلى المقصود الذي هو من باب الضرورات
~~والحاجات فظاهر، وأما بالنظر إلى ما هو من قبيل التكملة للمقصود الضروري
~~فلكونه مكملا لما ليس بضروري.
# وأما إن كان المقصود ليس من قبيل الحاجات الزائدة، فهو القسم الثالث وهو
~~ما يقع موقع التحسين والتزيين ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات
~~وذلك كسلب العبيد أهلية الشهادة، من حيث إن العبد نازل القدر والمنزلة،
~~لكونه مستسخرا للمالك مشغولا بخدمته، فلا يليق به منصب الشهادة لشرفها وعظم
~~خطرها، جريا للناس على ما ألفوه وعدوه من محاسن العادات، وإن كان لا تتعلق
~~به حاجة ضرورية ولا زائدة ولا هو من قبيل التكملة لأحدهما، وليس هذا من
~~قبيل سلب ولايته على الطفل، فإن سلب ولايته من قبيل الحاجات، لان الولاية
~~على الطفل تستدعي الخلو والفراغ والنظر في أحواله، واستغراق العبد بما هو
~~الواجب عليه من خدمة مالكه مانع له من ذلك. ولا كذلك في الشهادة لاتفاقها
~~في بعض الأحيان. PageV03P275
# الفصل الخامس (1) اختلفوا في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه
~~وجود مفسدة مساوية له أو راجحة عليه، هل تنخرم مناسبته أو لا؟ فأثبته قوم:
~~ونفاه آخرون.
# وقد احتج من قال ببقاء المناسبة من وجوه أربعة.
# الأول: أن مناسبة الوصف تنبني على ما فيه من المصلحة، والمصلحة أمر حقيقي
~~لا تختل (2) بمعارضة المفسدة. ودليله (3) أن المصلحة والمفسدة المتعارضتان
~~إما أن يتساويا، أو تترجح إحداهما على الأخرى. فإن كان الأول، فإما أن تبطل
~~كل واحدة منهما بالأخرى أو أن تبطل إحداهما بالأخرى من غير عكس، أو لا تبطل
~~واحدة منها، بالأخرى الأول محال، لان عدم كل واحدة منهما إنما هو بوجود
~~الأخرى، وذلك يجر إلى وجودهما مع عدمهما ضرورة أن العلة لا بد وأن تكون
~~متحققة مع المعلول، والثاني محال (4) لعدم الأولوية، والثالث (5) هو
~~المطلوب، وإن كانت إحداهما أرجح من الأخرى، فلا يلزم منه إبطال المرجوحة
~~إلا أن تكون بينهما منافاة، ولا منافاة، لما بيناه من جواز اجتماعهما في
~~القسم الأول ولأن الراجحة ms721 منهما إذا كانت معارضة بالمرجوحة فإما أن ينتفي
~~شئ من الراجحة لأجل المرجوحة، أو لا ينتفي منها شئ فإن كان الأول، فهو محال
~~أن تتساويا لما سبق في القسم الأول، ولأنه ليس انتفاء بعض الراجح وبقاء
~~بعضه أولى من العكس ضرورة التساوي في الحقيقة، وإن تفاوتا، فالكلام في
~~الراجح كالكلام في
# PageV03P276
# الأول، وهو تسلسل ممتنع. وإذا كانت المصلحة لا تختل بمعارضة المفسدة،
~~فالعقل يقضي بمناسبتها للحكم، وبالنظر إلى المعارض يقضي بانتفاء الحكم لأجل
~~المعارض. ولهذا، يحسن من العاقل أن يقول الداعي إلى إثبات الحكم موجود غير
~~أنه يمنعني منه مانع، ولو اختلت مناسبة الوصف، لما حسن من العاقل هذه
~~المقالة.
# الوجه الثاني: أنه قد يتعارض في نظر الملك عند الظفر بجاسوس عدوه المنازع
~~له في ملكه، قتله وعقوبته، زجرا له ولأمثاله عن الحبس (1) المضر به
~~والاحسان إليه وإكرامه إما للاستهانة بعدوه، أو لقصد كشف أسراره. وأي
~~الامرين سلك فإنه لا يعد خارجا عن مذاق الحكمة، ومقتضى المناسبة، وإن لزم
~~منه فوات المقصود الحاصل من سلوك مقابله، وسواء تساويا، أو كان أحدهما
~~راجحا.
# الثالث: أنه إذا اجتمع الأخ من الأبوين مع الأخ من الأب في الميراث، فإنه
~~قد يتعارض في نظر الناظر تقديم الأخ من الأبوين لاختصاصه بقرابة الأمومة،
~~والتسوية بينهما لاشتراكهما في جهة العصوبة، وإلغاء قرابة الأمومة، وتفضيل
~~الأخ من الأبوين لاختصاصه بمزيد القرابة. ومع ذلك، فالعقل يقضي بتأدي النظر
~~(2) من غير احتياج إلى ترجيح بأن ورود الشرع بالاحتمال الأول مناسب غير
~~خارج عن مذاق العقول، ولو كان ترجيح الوصف المصلحي معتبرا في مناسبته لما
~~كان كذلك.
# الرابع: أن الشارع قد ورد بصحة الصلاة في الدار المغصوبة نظرا إلى ما
~~فيها من المصلحة، وبتحريمها نظرا إلى ما فيها من مفسدة الغصب. فلو اشترط
~~الترجيح في المناسبة، لما ثبت الصحة، ولا التحريم، بتقدير التساوي بين
~~مصلحة الصحة ومفسدة التحريم، ولا حكم الصحة بتقدير رجحان مفسدة الغصب، ولا
~~التحريم بتقدير رجحان مصلحة الصحة لعدم المناسبة.
# وهذه الحجج ضعيفة:
# PageV03P277
# أما الحجة الأولى فلقائل ms722 أن يقول: إن أردت أن مناسبة الوصف تنبني على أنه
~~لا بد في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة، فمسلم. ولكن، لا
~~يلزم من وجود بعض ما لا بد منه في المناسبة، تحقق المناسبة. وإن أردت أنها
~~مستقلة بتحقيق المناسبة، فممنوع. وذلك، لان المصلحة وإن كانت متحققة في
~~نفسها فالمناسبة أمر عرفي، وأهل العرف لا يعدون المصلحة العارضة بالمفسدة
~~المساوية أو الراجحة مناسبة. ولهذا، إن من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت
~~عليه عشرة، يعد سفيها خارجا في تصرفه عن تصرفات العقلاء. ولو كان ذلك
~~مناسبا، لما كان كذلك، وعلى هذا، فلا يلزم من اجتماع المصلحة والمفسدة تحقق
~~المناسبة.
# وقوله: غير أنه يمنعني منه مانع. وإن كان صحيحا في العرف، فليس ذلك إلا
~~لا خلال المانع المفسدي بمناسبة المصلحة، لا بمعنى أن الانتفاء محال على
~~المفسدة (1) مع وجود المناسب للحكم.
# وعلى هذا، نقول بأن مناسبة كل واحدة من المصلحة والمفسدة تختل بتقدير
~~التساوي وبتقدير مرجوحية إحداهما فالمختل مناسبتها دون مناسبة الراجحة
~~ضرورة فوات شرط المناسبة، لا لان كل واحدة علة للاخلال بمناسبة الأخرى أو
~~إحداهما، ليلزم في ذلك ما قيل.
# وأما الحجة الثانية: فلقائل أن يقول أيضا: مهما لم يترجح في نظر الملك
~~وأهل العرف مصلحة ما عينه من أحد الطريقين من الاحسان أو الإساءة بمقتضى
~~الحالة الراهنة، فإن فعله لا يكون مناسبا، ويكون بتصرفه خارجا عن تصرفات
~~العقلاء.
# وأما الحجة الثالثة فلقائل أن يقول: لا نسلم جواز الجزم بمناسبة ما عين
~~دون ظهور الترجيح في نظر الناظر، وبعد ظهور الترجيح، فليس الجزم بمناسبة
~~الوصف في نفس الامر قطعا، لجواز أن يكون في نفسه مرجوحا، وإن لم يطلع عليه.
# PageV03P278
# وأما الحجة الرابعة، فبعيدة عن التحقيق، وذلك، لان الكلام إنما هو مفروض
~~في إثبات حكم لمصلحة يلزم من إثباته تحصيلا للمصلحة مفسدة مساوية، أو
~~راجحة، وما ذكر من مفسدة تحريم الغصب، وهي شغل ملك الغير غير لازمة من
~~ترتيب حكم المصلحة عليها، وهو صحة الصلاة، فإنا وإن لم نقض ms723 بصحة الصلاة
~~فالمفسدة اللازمة من الغضب لا تختل بل هي باقية بحالها، ولو كانت لازمة من
~~حكم المصلحة لا غير، لانتفت المفسدة المفروضة بانتفاء حكم المصلحة، وليس
~~كذلك. وحيث لم تكن مفسدة تحريم الغضب لازمة عن حكم المصلحة، كان من المناسب
~~اعتبار كل واحدة منهما في حكمها، وهي المصلحة والمفسدة، إذ لا معارضة
~~بينهما على ما تقرر.
# وإذا تقرر توقف المناسبة على الترجيح، فللمعلل ترجيح وصفه بطرق تفصيلية
~~تختلف باختلاف المسائل، وله الترجيح بطريق إجمالي يطرد في جميع المسائل.
# وحاصله أن يقول المعلل لو لم يقدر ترجيح المصلحة على ما عارضها من
~~المفسدة مع البحث وعدم الاطلاع على ما يمكن إضافة الحكم إليه في محل
~~التعليل سوى ما ذكرته، لزم أن يكون الحكم قد ثبت تعبدا، وهو خلاف الأصل
~~لوجهين.
# الأول: أن الغالب من الاحكام التعقل دون التعبد، فإدراج ما نحن فيه تحته
~~أولى.
# الثاني: أنه إذا كان معقول المعنى، كان الحكم أقرب إلى الانقياد، وأدعى
~~إلى القبول، فإن الانقياد إلى المعقول المألوف أقرب مما ليس كذلك، فكان
~~أفضى إلى المقصود من شرع الحكم.
# لكن لقائل أن يقول: ما ذكرتموه من البحث عن وصف آخر تمكن إضافة الحكم
~~إليه مع عدم الظفر به، وإن دل على ترجيح جهة المصلحة فهو معارض بما يدل على
~~عدم ترجيحها، وهو عدم الاطلاع على ما به تكون راجحة على معارضها مع البحث
~~عنه، وعدم الظفر به، وليس أحد البحثين أولى من الآخر.
# فإن قلتم: بل ما ذكرناه أولى من جهة أن بحثنا عن وصف صالح للتعليل وذلك
~~لا يتعدى محل الحكم فمحله متحد وبحثكم إنما هو عما به الترجيح، وهو غير
~~منحصر في محل الحكم، فإن ما به الترجيح قد يكون بما يعود إلى ذات العلة،
~~وقد يكون بأمر خارج عنها، كما يأتي تقريره. فكان ما ذكرناه أولى.
~~PageV03P279
# قلنا: ما به الترجيح، إن كان خارجا عن محل الحكم، فلا يتحقق به الترجيح
~~في محل الحكم، وإن كان في محل الحكم فقد استوى البحثان في ms724 اتحاد محلهما،
~~ولا ترجيح بهذه الجهة، وبتقدير تسليم اتحاد محل بحث المستدل والتعدد في محل
~~بحث المعترض. غير أن الظن الحاصل من البحثين، إما أن يكون متساويا أو
~~متفاوتا:
# وبتقدير المساواة ورجحان ظن المعترض، فلا ترجيح في جانب المستدل.
# وإنما يترجح بتقدير أن يكون ظنه راجحا.
# ولا يخفى أن ما يقع على تقدير من تقديرين، يكون أغلب مما لا يقع إلا على
~~تقدير واحد.
# وينبغي أن يعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة إنما يتحقق على رأي
~~من لا يرى تخصيص العلة.
# وأما من يرى جواز تخصيصها، وجواز إحالة انتفاء الحكم على تحقق المعارض مع
~~وجود المقتضي، فلا بد له من الاعتراف بالمناسبة، وإن كانت المصلحة مرجوحة
~~أو مساوية. فإن انتفاء الحكم بالمانع، مع وجود المقتضي، إما أن يكون لمقصود
~~راجح على مقصود المقتضي للاثبات، أو مساو له أو مرجوح بالنسبة إليه، فإن
~~كان راجحا فقد قيل بمناسبة المقتضي للاثبات مع كون مقصوده مرجوحا وإلا فلو
~~لم يكن مناسبا كان الحكم منتفيا لانتفاء المناسب لا لوجود المانع وإن كان
~~مساويا. فكذلك أيضا وإن كانت مفسدة المانع مرجوحة، فقد قيل بانتفاء الحكم
~~له، ولولا مناسبته للانتفاء لما انتفى الحكم به، فإنه لو جاز أن ينتفي
~~الحكم بما ليس بمناسب، لجاز أن يثبت بما ليس بمناسب. PageV03P280
# الفصل السادس في كيفية ملازمة الحكمة لضابطها وبيان أقسامها فنقول:
~~الحكمة اللازمة لضابطها إما أن تكون ناشئة عنه.
# وإما أن لا تكون ناشئة عنه.
# والتي لا تكون ناشئة عنه، إما أن تكون للوصف دلالة على الحاجة إليها، أو
~~لا تكون كذلك.
# فالأول: كشرع الرخصة في السفر لدفع المشقة الناشئة من السفر.
# والثاني: كالحكم بصحة البيع بإفضائه، إلى الانتفاع بالعوض. فإن الانتفاع
~~لازم لصحة البيع ظاهرا وليس ناشئا عن البيع، ولكن للبيع، وهو التصرف الصادر
~~من الأهل في المحل، وهو الايجاب والقبول، دلالة على الحاجة إليه.
# والثالث: كما في ملك نصاب الزكاة فإنه يناسب إيجاب الزكاة من حيث إنه
~~نعمة، والنعمة تناسب الشكر لافضاء الشكر إلى زيادة ms725 النعمة، على ما قال
~~تعالى * (ولئن شكرتم لأزيدنكم) *. والزكاة صالحة لان تكون شكرا لما فيها من
~~إظهار النعمة، وإظهار النعمة في العرف يعد شكرا.
# ولا يخفى أن ما مثل هذا المقصود (1) وهو زيادة النعمة، ملازم لترتيب
~~إيجاب الزكاة على ذلك النصاب وليس زيادة النعمة ناشئة عن نفس ملك النصاب،
~~كما كانت المشقة ناشئة عن السفر، ولا لملك النصاب، دلالة على الحاجة إلى
~~زيادة النعمة، كدلالة البيع على الحاجة إلى الانتفاع.
# PageV03P281
# الفصل السابع في أقسام المناسب بالنظر إلى اعتباره، وعدم اعتباره فنقول:
~~الوصف المناسب إما أن يكون معتبرا في نظر الشارع، أو لا يكون معتبرا:
# فإن كان معتبرا، فاعتباره إما أن يكون بنص، أو إجماع، أو بترتيب الحكم
~~على وفقه في صورة بنص أو إجماع.
# فإن كان معتبرا بنص أو إجماع، فيسمى المؤثر، على ما سبق تحقيقه في
~~المسائل المتقدمة، وإذا كان معتبرا بترتيب الحكم على وفقه في صورة، فالذي
~~تقتضيه القسمة العقلية تسعة أقسام.
# وذلك، لأنه إما أن يكون معتبرا بخصوص وصفه، أو بعموم وصفه، أو بخصوصه
~~وعمومه، وإن كان معتبرا بخصوص وصفه دون عموم وصفه.
# فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم المعلل أو في جنسه، أو في عينه وجنسه.
# وإن كان معتبرا بعموم وصفه فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم أو جنسه أو
~~في عينه وجنسه وإن كان معتبرا بعموم وصفه وخصوصه فإما أن يكون معتبرا في
~~عين الحكم أو جنسه أو في عينه وجنسه. وأما إن لم يكن الوصف معتبرا، فلا
~~يخلو إما أن يظهر مع ذلك إلغاؤه أو لم يظهر منه ذلك.
# فهذه جملة الأقسام المذكورة غير أن الواقع منها في الشرع لا يزيد على
~~خمسة.
# القسم الأول: أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في الحكم وعموم الوصف
~~في عموم الحكم في أصل آخر، وذلك كما في إلحاق القتل بالمثقل، بالمحدد لجامع
~~القتل العمد العدوان، فإنه قد ظهر تأثير عين القتل العمد العدوان في عين
~~الحكم وهو وجوب القتل في المحدد وظهر تأثير جنس ms726 القتل من حيث هو جناية على
~~المحل المعصوم بالقود في جنس القتل من حيث هو قصاص في الأيدي، وهذا القسم
~~هو المعبر عنه بالملائم، وهو متفق عليه بين القياسين، ومختلف فيما عداه.
# القسم الثاني: أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في خصوص PageV03P282
# الحكم من غير أن يظهر اعتبار عينه في جنس ذلك الحكم في أصل آخر متفق عليه
~~ولا جنسه في عين ذلك الحكم ولا جنسه في جنسه، ولا دل على كونه علة نص.
# ولا إجماع، لا بصريحه ولا إيمائه، وذلك كمعنى الاسكار، فإنه يناسب تحريم
~~تناول النبيذ، وقد ثبت اعتبار عينه في عين التحريم في الخمر، ولم يظهر
~~تأثير عينه في جنس ذلك الحكم، ولا جنسه في عينه ولا جنسه في جنسه، ولا
~~إجماع عليه، فلو قدرنا انتفاء النصوص الدالة على كون الاسكار علة فلا يكون
~~معتبرا بنص أيضا، وهذا هو المناسب الغريب، وهو مختلف فيه بين القياسين، وقد
~~أنكره بعضهم، وإنكاره غير متجه لأنه يفيد الظن بالتعليل.
# ولهذا فإنا إذا رأينا شخصا قابل الاحسان بالاحسان، والإساءة بالإساءة، مع
~~أنه لم يعهد من حاله قبل ذلك شئ فيما يرجع إلى المكافأة وعدمها، غلب على
~~الظن ما رتب الحكم عليه.
# والذي يؤيد ذلك أنه لا يخلو إما أن يكون الحكم قد ثبت لعلة، أو لا لعلة.
# فإن كان لا لعلة، فهو بعيد لما سبق تقريره من امتناع خلو الاحكام عن
~~العلل.
# وإن كان لعلة، فإما أن يكون لما لم يظهر، أو لما ظهر: الأول ويلزم منه
~~التعبد، وهو بعيد، على ما عرف، والثاني هو المطلوب.
# فإن قيل: الفرق بين ما نحن فيه، وبين صورة الاستشهاد إنا قد ألفنا من
~~تصرفات العقلاء مقابلة الاحسان بالاحسان، والإساءة بالإساءة، فكان ذلك من
~~قبيل القسم الأول، وهو الملائم المتفق عليه، لا من قبيل القسم الثاني، وهو
~~الغريب المختلف فيه.
# قلنا: نحن إنما نفرض الكلام في شخص لم يعهد من حاله قبل ذلك الفعل موافقة
~~ولا مخالفة، فلا يكون من الملائم المتفق عليه، ولا ms727 من الملغى. ومع ذلك فإن
~~التعليل يظهر من فعله لكل عاقل، نظرا إلى أن الغالب إنما هو غلبة طبيعة
~~المكافأة بالانتقام، والاحسان، في حق العاقل، كما أن الغالب من الشارع
~~اعتبار المناسبات دون إلغائها. وليس هذا من القسم الأول في شئ، لان القسم
~~الأول مفروض فيما علم من الشارع اعتبار العين في العين فيه، والجنس في
~~الجنس، والفرق بين الامرين ظاهر.
# القسم الثالث: أن يكون الشارع قد اعتبر جنس الوصف في جنس الحكم لا غير،
~~أي أنه لم يعتبر مع ذلك عينه في عينه، ولا عينه في جنسه، ولا جنسه في عينه،
~~PageV03P283
# ولا دل عليه نص ولا إجماع. وهذا أيضا من جنس المناسب الغريب المختلف فيه
~~بين القياسين إلا أنه دون القسم الثاني، وذلك لان الظن الحاصل باعتبار
~~الخصوص في الخصوص لكثرة ما به الاشتراك أقوى من الظن الحاصل من اعتبار
~~العموم في العموم، وذلك كاعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر،
~~في جنس التخفيف. فإن عين مشقة الحائض ليست عين مشقة المسافر، بل من جنسها،
~~وعين التخفيف عن المسافر بإسقاط الركعتين الزائدتين ليس عين التخفيف عن
~~الحائض بإسقاط أصل الصلاة بل من جنسها.
# واعلم أن الوصف المعلل به، وكذلك الحكم المعلل له أجناس:
# منها ما هو عال ليس فوقه ما هو أعلى منه.
# ومنها ما هو قريب إليه، ليس بينه وبينه واسطة، ومنها ما هو متوسط بين
~~الطرفين، إما على السواء، أو أنه إلى أحد الطرفين أقرب من الآخر.
# فأما الجنس العالي للحكم الخاص، فكونه حكما، وأخص منه كونه وجوبا أو
~~تحريما أو غير ذلك من الاحكام.
# وأخص من الوجوب العبادة وغير العبادة. وأخص من العبادة الصلاة، وغير
~~الصلاة وأخص من الصلاة الفرض والنفل.
# وأما الجنس العالي للوصف الخاص فكونه وصفا تناط الاحكام به، وأخص منه
~~كونه مناسبا بحيث يخرج منه الشبهي، وأخص منه المصلحة الضرورية.
# وأخص منه حفظ النفس والعقل، وعلى هذا النحو فالظن في هذا القسم مما يزيد
~~وينقص بسبب التفاوت فيما به الاشتراك، من الجنس العالي ms728 والسافل والمتوسط
~~فيما كان الاشتراك فيه بالجنس السافل، فهو أغلب على الظن، وما كان الاشتراك
~~فيه بالأعم، فهو أبعد، وما كان بالمتوسط، فمتوسط على الترتيب في الصعود
~~والنزول.
# القسم الرابع: المناسب الذي لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار
~~بطريق من الطرق المذكورة، ولا ظهر إلغاؤه في صورة، ويعبر عنه بالمناسب
~~المرسل (1) وسيأتي الكلام عنه فيما بعد.
# PageV03P284
# القسم الخامس: المناسب الذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه،
~~وظهر مع ذلك إلغاؤه وإعراض الشارع عنه في صوره، فهذا مما اتفق على إبطاله،
~~وامتناع التمسك به. وذلك كقول بعض العلماء، لبعض الملوك، لما جامع في نهار
~~رمضان وهو صائم يجب عليك صوم شهرين متتابعين. فلما أنكر عليه، حيث لم يأمره
~~بإعتاق رقبة مع اتساع ماله، قال لو أمرته بذلك لسهل عليه ذلك واستحقر إعتاق
~~رقبة في قضاء شهوة فرجه، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم، مبالغة في زجره.
~~فهذا وإن كان مناسبا، غير أنه لم يشهد له شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت
~~الغاية بنص الكتاب.
# الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف
~~علة وذلك، لان الاحكام إنما شرعت لمقاصد العباد. أما أنها مشروعة لمقاصد
~~وحكم فيدل عليه الاجماع والمعقول.
# أما الاجماع: فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو
~~عن حكمة ومقصود، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب، كما قالت المعتزلة،
~~أو بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كقول أصحابنا (1) وأما المعقول فهو أن
~~الله تعالى حكيم في صنعه، فرعاية الغرض في صنعه، إما أن يكون واجبا، أو لا
~~يكون واجبا:
# فإن كان واجبا، فلم يخل عن المقصود، وإن لم يكن واجبا، ففعله للمقصود
~~يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود، فكان المقصود لازما من
~~فعله ظنا. وإذا كان المقصود لازما في صنعه فالاحكام من صنعه (2) فكانت لغرض
~~ومقصود. والغرض إما أن يكون عائدا إلى
# PageV03P285
# الله تعالى، أو إلى العباد. ولا سبيل إلى الأول لتعاليه عن الضرر ms729
~~والانتفاع، ولأنه على خلاف الاجماع، فلم يبق سوى الثاني.
# وأيضا فإن الاحكام مما جاء بها الرسول، فكانت رحمة للعالمين، لقوله
~~تعالى:
# * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) * (الأنبياء: 107). فلو خلت الاحكام
~~عن حكمة عائدة إلى العالمين ما كانت رحمة، بل نقمة، لكون التكليف بها محض
~~تعب ونصب.
# وأيضا قوله تعالى: * (ورحمتي وسعت كل شئ) * (الأعراف: 156) فلو كان شرع
~~الاحكام في حق العباد لا لحكمة، لكانت نقمة لا رحمة، لما سبق، وأيضا قوله
~~عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام (1) فلو كان التكليف بالأحكام لا
~~لحكمة عائدة إلى العباد، لكان شرعها ضررا محضا، وكان ذلك بسبب الاسلام، وهو
~~خلاف النص.
# وإذا ثبت أن الاحكام إنما شرعت لمصالح العباد، فإذا رأينا حكما مشروعا
~~مستلزما لأمر مصلحي، فلا يخلو إما أن يكون ذلك هو الغرض من شرع الحكم أو ما
~~لم يظهر لنا، لا يمكن أن الغرض ما لم يظهر لنا، وإلا كان شرع الحكم تعبدا
~~وهو خلاف الأصل، لما سبق تقريره. فلم يبق إلا أن يكون مشروعا لما ظهر،
# PageV03P286
# ، وإذا كان ذلك مظنونا، فيجب العمل به، لان الظن واجب الاتباع في الشرع،
~~ويدل على ذلك إجماع الصحابة على العمل بالظن ووجوب اتباعه في الأحكام
~~الشرعية.
# فمن ذلك ما اشتهر عنهم في زمن عمر من تقدير حد شارب الخمر بثمانين جلدة
~~بسبب ظن وقع لهم من قول علي، رضي الله عنه أرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر
~~هذي وإذا هذي افترى، فأرى أن يقام عليه حد المفترين (1) إقامة للشرب الذي
~~هو مظنة الافتراء مقام الافتراء في حكمه.
# ومن ذلك حكمهم في إمامة أبي بكر بالرأي والظن، وقياسهم العهد على العقد
~~في الإمامة، ورجوعهم إلى اجتهاد أبي بكر في قتال بني حنيفة حيث امتنعوا من
~~أداء الزكاة، واتفاقهم على كتبة المصحف وجمع القرآن بين الدفتين بالرأي
~~والظن واتفاقهم على الاجتهاد في مسألة الجد والاخوة على وجوه مختلفة.
# ومن ذلك ما اشتهر عن آحاد الصحابة من العمل بالظن والرأي من غير نكير
~~عليه.
# فمن ms730 ذلك قول أبي بكر أقول في الكلالة برأيي وحكمه. بالرأي في التسوية في
~~العطاء.
# ومن ذلك قول عمر أقول في الجد برأيي، وأقضي فيه برأيي وقضى فيه بآراء
~~مختلفة.
# وقوله في حديث الجنين لولا هذا، لقضينا فيه برأينا.
# وتشريكه في المسألة الحمارية، لما قيل له هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا
~~من أم واحدة؟
# ومن ذلك ما نقل عن عثمان إنه قال لعمر في بعض الأحكام إن اتبعت رأيك
~~فرأيك أسد، وإن تتبع من قبلك، فنعم ذلك الرأي. إلى غير ذلك من الوقائع التي
~~لا تحصى ولأن عملهم بالرأي مع الاختلاف، اما ان يكون مع وجود دليل قاطع
# PageV03P287
# فيما اختلفوا فيه، أو لا مع وجود دليل قاطع، لا جائز ان يقال بالأول وإلا
~~كان المخالف فاسقا والموافق بالسكوت عن الانكار فاسقا، ويلزم من ذلك تعميم
~~الفسق بجميع الصحابة، وهو ممتنع لما سبق من الدلالة على عصمتهم فلم يبق سوى
~~الثاني وهو المطلوب فإن قيل: لا نسلم استلزام شرع الاحكام للحكم والمقاصد،
~~وذلك لان شرع الاحكام من صنع الله تعالى (1) وصنعه إما أن يستلزم الحكمة
~~والمقصود، أو لا يستلزم، والأول ممتنع لسبعة عشر وجها:
# الأول: أن القائل قائلان: قائل يقول بأن أفعال العبيد مخلوقة لله تعالى،
~~وقائل إنها مخلوقة للعبيد فمن قال إنها مخلوقة لله تعالى فيلزمه من ذلك أن
~~يكون خالقا للكفر والمعاصي وأنواع الشرور، مع أنه لا حكمة ولا مقصود في خلق
~~هذه الأشياء، ومن قال إنها مخلوقة للعبيد فإنما كانت مخلوقة لهم بواسطة خلق
~~الله تعالى القدرة لهم على ذلك، فخلقه للقدرة الموجبة لهذه الأمور لا يكون
~~أيضا لحكمة.
# الثاني: أنه لو استلزم فعله للحكمة، ما أمات الأنبياء، وأنظر إبليس، وما
~~أوجب تخليد أهل النار في النار، لعدم الحكمة في ذلك.
# الثالث: أنه لو كان لحكمة ومقصود، فعند تحقق الحكمة، لا يخلو إما أن يجب
~~الفعل، بحيث لا يمكن عدمه، أو لا يجب: فإن كان الأول، فيلزم منه أن يصير
~~الباري تعالى مضطرا غير مختار، وإن لم يجب ms731 الفعل فقد أمكن وجوده تارة وعدمه
~~تارة وعند ذلك إما أن يترجح أحد الممكنين على الآخر لمقصود، أو لا لمقصود
~~فإن كان الأول، فالكلام فيه كالكلام في الأول، وهو تسلسل ممتنع.
# وإن كان الثاني، فهو المطلوب.
# الرابع: أنه لو كان صنع الرب تعالى يستلزم الغرض والمقصود، فذلك المقصود
~~إما أن يكون حادثا أو قديما: فإن كان قديما، فيلزم منه قدم الصنع والمصنوع،
~~وهو محال.
# وإن كان حادثا، فإما أن يتوقف حدوثه على مقصود آخر، أو لا يتوقف، فالأول
~~يلزم منه التسلسل، والثاني هو المطلوب.
# PageV03P288
# الخامس: أنه تعالى قد كلف بالايمان من علم أنه لا يؤمن، كأبي جهل وغيره،
~~وذلك مما يستحيل معه الايمان، وإلا كان علمه جهلا. والتكليف بما لا يمكن
~~وقوعه على وجه يعاقب المكلف على عدم فعله، مجرد عن الغرض والحكمة.
# السادس: أن حكم الله هو كلامه وخطابه. وكلامه وخطابه قديم، والمقصود لا
~~جائز أن يكون قديما، وإلا لزم منه موجود قديم غير الباري تعالى وصفاته، وهو
~~محال. وإن كان حادثا، فيلزم منه تعليل القديم بالحادث، وهو ممتنع.
# السابع: أن خلق الباري تعالى للعالم في وقته المعلوم المحدود، مع جواز
~~خلقه قبله أو بعده، وتقديره بشكله المقدر، مع جواز أن يكون أصغر أو أكبر،
~~مما لا يوقف منه على غرض ومقصود.
# الثامن: أنه لو كان له في فعله غرض ومقصود، لم يخل إما أن يكون فعله لذلك
~~الغرض أولى من تركه، أو لا يكون أولى:
# فإن كان الأول، فيلزمه منه أن يكون الرب تعالى مستكملا بذلك الصنع،
~~وناقصا قبله، وهو محال، وإن لم يكن فعله أولى من الترك، امتنع الفعل لعدم
~~الأولوية.
# التاسع: أن الحكم والمقاصد خفية، وفي ربط الأحكام الشرعية بها ما يوجب
~~الحرج في حق المكلف باطلاعه عليها بالبحث عنها. والحرج منفي بقوله تعالى:
# * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) *.
# العاشر: أن وجود الحكمة مما يجب تأخره عن وجود شرع الحكم، وما يكون
~~متأخرا في الوجود يمتنع أن يكون علة لما هو متقدم عليه.
# الحادي ms732 عشر: أنه لو كان شرع الاحكام للحكم، لكانت مفيدة لها قطعا، وذلك
~~لان الله تعالى قادر على تحصيل تلك الحكمة قطعا. فلو فعل ما فعله قصدا
~~لتحصيل تلك الحكمة، لكان الظاهر منه أنه فعله على وجه تحصل الحكمة به قطعا،
~~وأكثر الاحكام من الزواجر وغيرها غير مفيدة لما ظن أنها حكم لها قطعا.
# الثاني عشر: أنه لا يخلو إما أن يكون الرب تعالى قادرا على تحصيل تلك
~~الحكمة الحاصلة من شرع الحكم دون شرع الحكم أو لا يكون قادرا عليه:
# لا جائز أن لا يكون قادرا إذ هو صفة نقص، والنقص على الله محال، وإن كان
~~قادرا على ذلك، فشرع الحكم وتوسطه في البين لا يكون مفيدا، بل هو محض عناء
~~وتعب. PageV03P289
# الثالث عشر: أن خلق الكافر شقيا في الدنيا مخلدا في العذاب في الأخرى،
~~مما لا حكمة فيه ولا مقصود.
# الرابع عشر: أن الله تعالى قد أوجب على المكلف معرفته، وذلك إما أن لا
~~يكون على العارف به أو على غير العارف:
# الأول فيه تحصيل الحاصل، والثاني يلزم منه المحال، حيث أوجب معرفته على
~~من لا يعرفه مع توقف معرفة إيجابه على معرفة ذاته، وهو دور، ولا مصلحة في
~~شئ من ذلك.
# الخامس عشر: أن الله تعالى قد أقدر العباد على المعاصي وتركهم يرتكبون
~~الفواحش، وهو مطلع عليهم، وقادر على منعهم من ذلك، ولم يفعل شيئا من ذلك،
~~وذلك مما لا حكمة فيه.
# السادس عشر: أن الحكمة إنما تطلب في حق من تميل نفسه في صنعه إلى جلب نفع
~~أو دفع ضرر، والرب تعالى منزه عن ذلك.
# السابع عشر: أن الحكمة إنما تطلب في فعل من لو خلا فعله عن الحكمة، لحقه
~~الذم، وكان عابثا، والرب يتعالى عن ذلك، لكونه متصرفا في ملكه بحسب ما يشاء
~~ويختار من غير سؤال عما يفعل، على ما قال تعالى: * (لا يسأل عما يفعل وهم
~~يسألون) * (الأنبياء: 23) وإن لم يكن فعله مستلزما للحكمة فهو المطلوب.
# سلمنا استلزام شرع الحكم للحكمة، ولكن لا يلزم ms733 أن يكون ما ظهر من المناسب
~~علة، ولو كان يدل المناسب على كونه علة، لكانت أجزاء العلة المناسبة عللا،
~~بل غايته أن تكون جزء علة. ولا يلزم من وجود جزء العلة في الفرع وجود
~~الحكم.
# سلمنا غلبة الظن بكون ما ظهر من المناسب علة، ولكن لا نسلم وجوب العمل
~~بالظن مطلقا لما سنبينه في مسألة كون القياس حجة، وما ذكرتموه من الدلائل
~~فسيأتي الكلام عليها أيضا في مسألة كون القياس حجة.
# والجواب عما ذكروه من المنع ما سبق تقريره (1)، وعن الشبهة الأولى من
~~ثلاثة أوجه:
# الأول: أن القدرة إنما تتعلق بالحدوث والوجود لا غير، والكفر وأنواع
~~المعاصي والشرور راجعة إلى مخالفة نهي الشارع، وليس ذلك من متعلق القدرة في
~~شئ. (2)
# PageV03P290
# الثاني: وإن سلمنا أن جميع ذلك مخلوق لله تعالى، فنحن لا ندعي ملازمة
~~الحكمة لا فعاله مطلقا، حتى يطرد ذلك في كل مخلوق، بل إنما ندعي ذلك فيما
~~يمكن مراعاة الحكمة فيه، وذلك ممكن فيما عدا أنواع الشرور والمعاصي (1)،
~~ولا ندعي ذلك قطعا بل ظاهرا.
# الثالث: وإن سلمنا لزوم الحكمة لأفعاله مطلقا، ولكن لا نسلم امتناع ذلك
~~فيما ذكروه من الصور قطعا، لجواز أن يكون لازمها حكم لا يعلمها سوى الرب
~~تعالى.
# وبهذين الجوابين الأخيرين يكون جواب الشبهة الثانية.
# وعن الثالثة أن وجود الفعل وإن قدر تحقق الحكمة، غير واجب، بل هو تبع
~~لتعلق القدرة والإرادة به، ومع ذلك فالباري لا يكون مضطرا بل مختارا.
# وعن الرابعة: أن المقصود حادث، ولكن لا يفتقر إلى مقصود آخر، فإنا إنما
~~ندعي ذلك فيما هو ممكن، وافتقار المقصود إلى مقصود آخر غير ممكن لافضائه
~~إلى التسلسل الممتنع، وإن كان مفتقرا إلى مقصود، فذلك المقصود هو نفسه لا
~~غيره، فلا تسلسل.
# PageV03P291
# وعن الخامسة: أنا لا ندعي لزوم المقصود في كل فعل ليلزمنا ما قيل، وإن
~~كان ذلك لازما، فلا يمتنع أن يكون ذلك لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها،
~~كما بيناه في التكليف بما لا يطاق.
# وعن السادسة: أن الحكم ليس هو نفس الكلام ms734 القديم كما سبق تقريره، بل
~~الكلام بصفة التعلق، فكان حادثا (1)، وإن كان الحكم قديما. والمقصود حادثا
~~فإنما يمتنع تعليله به أن لو كان موجبا للحكم، وليس كذلك، (2) بل إما بمعنى
~~الامارة والعلامة عند من يقول بذلك، والحادث لا يمتنع أن يكون أمارة على
~~القديم، وإما بمعنى الباعث فلا يمتنع أيضا أن يكون متأخرا، ويكون حكم الله
~~القديم بما حكم به لأجل ما سيوجد من المقصود الحادث.
# وعن السابعة: بمنع انتفاء الحكمة فيما قيل، وإن لم تكن معلومة لنا.
# وعن الثامنة: أن فعله لذلك الغرض أولى من تركه، لكن بالنظر إلى المخلوق
~~دون الخالق.
# وعن التاسعة: أنه لا حرج في ربط الاحكام بالحكم، إذا كانت منضبطة بأنفسها
~~أو بأوصاف ظاهرة ضابطة لها لعدم العسر في معرفتها، وإن كان في ذلك نوع عسر
~~وحرج يكد العقل في الاجتهاد فيها، فلا نسلم خلو ذلك عن المقصود، وهو زيادة
~~الثواب على ما قال عليه السلام " ثوابك على قدر نصبك " (3)
# PageV03P292
# وعن العاشرة: أن الحكمة، وإن كانت متأخرة في الوجود عن شرع الحكم، فإنما
~~يمتنع أن تكون علة بمعنى المؤثر لا بمعنى الباعث. (1) وعن الحادية عشرة:
~~أنه لا يمتنع أن تكون الحكمة المقصودة من شرع الحكم إنما هو حصول الحكمة
~~ظاهرا لا قطعا.
# وعن الثانية عشرة: أنه لا يمتنع على بعض آراء المعتزلة أن يقال بأن الرب
~~تعالى غير قادر على تحصيل ذلك الغرض الخاص من شرع ذلك الحكم دون شرعه، ولا
~~يلزم منه العجز، ضرورة كونه غير ممكن، وإن قدر أنه قادر على ذلك وهو الحق،
~~فلا يلزم أن يكون شرع الحكم غير مفيد مع حصول الفائدة به، وإن قدر إمكان
~~حصول الفائدة بطريق آخر.
# وعن الثالثة عشرة: أن الحكمة فيما ذكروه إما أن تكون ممتنعة أو جائزة.
# فإن كان الأول، فلا يلزم امتناعها فيما هي ممكنة فيه، وإن كان الثاني،
~~فلا مانع من وجودها، وإن لم نطلع نحن عليها.
# وهو الجواب عن الرابعة عشرة، كيف وأنه إنما يلزم الدور الممتنع، أن لو
~~قيل بتوقف ms735 الوجوب على معرفة المكلف للوجوب، وليس كذلك على ما سبق تقريره في
~~شكر المنعم.
# وعن الخامسة عشرة: ما هو جواب الشبهتين قبلها.
# وعن السادسة عشرة بمنع ما ذكروه في رعاية الحكمة، بل الحكمة إنما تطلب في
~~فعل من لو وجدت الحكمة في فعله لما كان ممتنعا، بل واقعا في الغالب.
# وعن السابعة عشرة: أن ما ذكروه إنما يلزم في حق من تجب مراعاة الحكمة في
~~فعله، والباري تعالى ليس كذلك (2)، على ما حققناه في كتبنا الكلامية.
# PageV03P293
# قولهم: لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب علة.
# قلنا لا يلزم أن يكون علة قطعا، وإنما يلزم أن يكون علة ظاهرا، ضرورة أنه
~~لا بد للحكم من علة ظاهرة، على ما سبق تقريره، ولا ظاهر سواه.
# وأما أجزاء العلة، وإن كانت مناسبة، فإنما يمتنع التعليل بكل واحد منها،
~~لما سبق من امتناع تعليل الحكم الواحد في محل واحد بعلل، بخلاف ما إذا اتحد
~~الوصف، أو تعدد، وكانت العلة مجموع الأوصاف.
# قولهم: لا نسلم وجوب العمل بذلك، وإن كان مظنونا.
# قلنا: دليله ما ذكرناه وما سيأتي في مسألة إثبات القياس على منكريه.
# وما يذكرونه على ذلك فسيأتي جوابه ثم أيضا المسلك السادس - إثبات العلة
~~بالشبه ويشتمل على ثلاثة فصول الفصل الأول في حقيقة الشبه واختلاف الناس
~~فيه، وما هو المختار فيه نقول: اعلم أن اسم الشبه، وإن أطلق على كل قياس،
~~ألحق الفرع فيه بالأصل لجامع يشبهه فيه، غير أن آراء الأصوليين مختلفة فيه:
~~(1) فمنهم من فسره بما تردد فيه الفرع بين أصلين، ووجد فيه المناط الموجود
~~في كل واحد من الأصلين، إلا أنه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الأوصاف
~~التي بها مشابهته للأصل الآخر، فإلحاقه بما هو أكثر مشابهة هو الشبه. وذلك
~~كالعبد المقتول خطأ إذا زادت قيمته على دية الحر، فإنه قد اجتمع فيه مناطان
~~متعارضان،
# PageV03P294
# أحدهما النفسية، وهو مشابه للحر فيها، ومقتضى ذلك أن لا يزاد فيه على
~~الدية، والثاني المالية وهو مشابه للفرس فيها، ومقتضى ذلك الزيادة. ms736
# إلا أن مشابهته للحر في كونه آدميا مثابا معاقبا، ومشابهته للفرس في كونه
~~مملوكا مقوما في الأسواق، فكان إلحاقه بالحر أولى لكثرة مشابهته له، وليس
~~هذا من الشبه في شئ. فإن كل واحد من المناطين مناسب، وما ذكر من كثرة
~~المشابهة إن كانت مؤثرة، فليست إلا من باب الترجيح لاحد المناطين على
~~الآخر، وذلك لا يخرجه عن المناسب، وإن كان يفتقر إلى نوع ترجيح.
# ومنهم من فسره بما عرف المناط فيه قطعا، غير أنه يفتقر في آحاد الصور إلى
~~تحقيقه، وذلك كما في طلب المثل في جزاء الصيد بعد أن عرف أن المثل واجب
~~بقوله تعالى: * (فجزاء مثل ما قتل من النعم) * (المائدة: 95) وليس هذا أيضا
~~من الشبه، إذ الكلام إنما هو مفروض في العلة الشبهية، والنظر ههنا إنما هو
~~في تحقيق الحكم الواجب، وهو الأشبه لا في تحقيق المناط، وهو معلوم بدلالة
~~النص.
# ودليل أن الواجب هو الأشبه، أنه أوجب المثل، ونعلم أن الصيد لا يماثله شئ
~~من النعم، فكان ذلك محمولا على الأشبه، كيف وهو مجزوم مقطوع به، والشبه
~~مختلف فيه، وكيف يكون المتفق عليه هو نفس المختلف فيه.
# ومنهم من فسره بما اجتمع فيه مناطان مختلفان، لا على سبيل الكمال، إلا أن
~~أحدهما أغلب من الآخر، فالحكم بالأغلب حكم بالأشبه، وذلك كاللعان، فإنه قد
~~وجد فيه لفظ الشهادة واليمين، وليسا بمتمحضين، لان الملاعن مدع، والمدعي لا
~~تقبل شهادته لنفسه ولا يمينه، وهذا وإن كان أقرب من المذاهب المتقدمة إلا
~~أنه مهما غلبت إحدى الشائبتين، فقد ظهرت المصلحة الملازمة لها في نظرنا،
~~فيجب الحكم بها، ولكنه غير خارج عن التعليل بالمناسب.
# وقد ذهب القاضي أبو بكر إلى تفسيره بقياس الدلالة، وهو الجمع بين الأصل
~~والفرع بما لا يناسب الحكم، ولكن يستلزم ما يناسب الحكم، وسيأتي تحقيقه في
~~موضعه بعد. PageV03P295
# ومنهم من فسره بما يوهم المناسبة من غير اطلاع عليها، وذلك أن الوصف
~~المعلل به لا يخلو إما أن تظهر فيه المناسبة، أو لا تظهر فيه المناسبة (1)،
~~بوقوف من ms737 هو أهل معرفة المناسبة عليها، وذلك بأن يكون ترتيب الحكم على وفقه
~~مما يفضي إلى تحصيل مقصود من المقاصد المبينة من قبل، فهو المناسب.
# وإن لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام ممن هو أهله، فإما أن يكون مع
~~ذلك مما لم يؤلف من الشارع الالتفات إليه في شئ من الاحكام، أو هو مما ألف
~~من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام.
# فإن كان من الأول فهو الطردي الذي لا التفات إليه. ومثاله ما لو قال
~~الشافعي مثلا في إزالة النجاسة بمائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تجوز
~~إزالة النجاسة به كالدهن، وكما لو علل في مسألة من المسائل بالطول والقصر
~~والسواد والبياض ونحوهما وإن كان الثاني فهو الشبهي وذلك لأنه بالنظر إلى
~~عدم الوقوف على المناسبة فيه بعد البحث، يجزم المجتهد بانتفاء مناسبته،
~~وبالنظر إلى اعتباره في بعض الأحكام يوجب إيقاف المجتهد عن الجزم بانتفاء
~~المناسبة فيه، فهو مشابه للمناسب في أنه غير مجزوم بنفي المناسبة عنه،
~~ومشابه للطردي في أنه غير مجزوم بظهور المناسبة فيه.
# فهو دون المناسب وفوق الطردي. ولعل المستند في تسميته شبهيا إنما هو هذا
~~المعنى ومثاله قول الشافعي في مسألة إزالة النجاسة، طهارة تراد لأجل
~~الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فإن الجامع هو الطهارة،
~~ومناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة. وبالنظر إلى كون
~~الشارع اعتبرها في بعض الأحكام كمس المصحف والصلاة والطواف، يوهم اشتمالها
~~على المناسبة كما تقرر.
# واعلم أن إطلاق اسم الشبه، وإن كان حاصله في هذه الصورة راجعا إلى
~~الاصطلاحات اللفظية، غير أن أقربها إلى قواعد الأصول، الاصطلاح الأخير، وهو
~~الذي ذهب إليه أكثر المحققين، ويليه في القرب مذهب القاضي أبي بكر.
# PageV03P296
# الفصل الثاني في أن الشبه مع قران الحكم به دليل على كون الوصف علة
~~وبيانه أنا إذا رأينا حكما ثابتا عقيب وصفين، وأحد الوصفين شبهي بالتفسير
~~الأخير، والآخر طردي، فلا يخلو:
# إما أن يكون الحكم ثابتا لمصلحة، أو لا لمصلحة، لا جائز أن يقال ms738 بالثاني
~~إذ الحكم الشرعي لا يخلو عن مصلحة، وإن لم يكن ذلك بطريق الوجوب كما تقرر
~~قبل (1)، فلم يبق غير الأول، وهو أنه ثابت لمصلحة وتلك المصلحة لا تخلو:
# إما أن تكون في ضمن الوصف الشبهي، أو الطردي لعدم ما سواهما، ولا يخفى أن
~~اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة، أغلب على الظن من اشتمال الطردي عليها،
~~لان الطردي مجزوم بنفي مناسبته، والشبهي متردد فيه على ما تقرر.
# وإذا كان ذلك هو الغالب على الظن فالظن معمول به في الشرعيات على ما تقدم
~~تقريره.
# الفصل الثالث زعم بعض أصحابنا أن الشبهي إذا اعتبر جنسه في جنس الحكم دون
~~اعتبار عينه في عينه، لا يكون حجة بخلاف الوصف المناسب، مصيرا منه إلى أن
~~الشبهي إذا ظهر تأثير عينه في عين الحكم، فالظن المستفاد منه في أدنى درجات
~~الظن، فإذا انحط عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في الجنس، فقد اضمحل
~~الظن بالكلية، لأنه ليس تحت أدنى درجات الظن درجة سوى ما ليس بظن، وما ليس
~~بمظنون، لا يكون حجة، وهذا بخلاف المناسب، فإن الظن المستفاد منه باعتبار
~~العين في العين قوي جدا، فنزوله عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في
~~الجنس، وإن فات معه ذلك الظن الغالب، فقد بقي له أصل الظن، فكان حجة.
# PageV03P297
# وأيضا فإن الوصف الشبهي إنما صار شبهيا باعتبار الشارع له في جنس الحكم
~~المعلل، وذلك في إفادة الظن دون المناسب المرسل، والمناسب المرسل ليس بحجة،
~~لما سيأتي تقريره (1)، فما هو دونه أولى أن لا يكون حجة، وهذا بخلاف
~~المناسب المتأيد بشهادة الجنس في الجنس، فإنه فوق المناسب المرسل. فلا يلزم
~~من كون المرسل ليس بحجة، أن يكون ذلك ليس بحجة.
# ولقائل أن يقول: أما الأول فهو مبني على أن الشبهي المتأيد بشهادة العين
~~في العين، في أدنى درجات الظنون، وهو غير مسلم، بل للخصم أن يقول: ما هو في
~~أدنى درجات الظنون إنما هو الشبهي المتأيد بشهادة الجنس في الجنس، والنزول
~~عن تلك الدرجة إلى ما ms739 دونها (2) لا يوجب انمحاق الظن بالكلية كما قيل.
# وأما الثاني: فهو وإن سلم أن الشبهي إنما صار شبهيا بالتفات الشارع إليه
~~في بعض الأحكام ، وأنه أدنى من المناسب المرسل من حيث إن مناسبة المرسل
~~ظاهرة، ومناسبة الشبهي غير ظاهرة، بل موهمة متردد فيها. غير أن الشبهي بعد
~~أن ثبت كونه شبيها بالتفات الشارع إليه في بعض الأحكام إذا رأينا الشارع قد
~~اعتبر جنسه في جنس الحكم المعلل، فقد صار معتبرا، ولا كذلك المرسل فإنه غير
~~معتبر، ولا يلزم من عدم الاحتجاج بما ليس معتبرا عدم الاحتجاج بالمعتبر.
# PageV03P298
# المسلك السابع - إثبات العلة بالطرد والعكس وقد اختلف فيه: فذهب جماعة من
~~الأصوليين إلى أنه يدل على كون الوصف علة.
# لكن اختلف هؤلاء: فمنهم من قال إنه يدل على العلية قطعا، كبعض المعتزلة،
~~ومنهم من قال يدل عليها ظنا، كالقاضي أبي بكر وبعض الأصوليين، وهو مذهب
~~أكثر أبناء زماننا.
# والذي عليه المحققون من أصحابنا وغيرهم أنه لا يفيد العلية لا قطعا ولا
~~ظنا، وهو المختار، وصورته ما إذا قيل في مسألة النبيذ مثلا (مسكر) فكان
~~حراما كالخمر، وأثبت كون المسكر علة للتحريم، بدورانه مع التحريم وجودا
~~وعدما في الخمر، فإنه إذا صار مسكرا حرم، وإن زال الاسكار عنه بأن صار خلا
~~فإنه لا يحرم، وقد احتج القائلون إنه ليس بحجة بأمرين:
# الأول ما ذكره الغزالي وهو أن قال حاصل الاطراد يرجع إلى سلامة العلة عن
~~النقض، وسلامة العلة عن مفسد واحد لا يوجب سلامتها عن كل مفسد، وعلى تقدير
~~السلامة عن كل مفسد، فصحة الشئ لا تكون بسلامته عن المفسدات، بل لوجود
~~المصحح، والعكس ليس شرطا في العلل، فلا يؤثر. وهذه الحجة ضعيفة، فإنه وإن
~~سلم أن كل واحد من الامرين على انفراده لا دلالة له على العلية، فلا يلزم
~~منه عدم التأثير بتقدير الاجتماع، ودليله إجزاء العلة، فإن كل واحد منها لا
~~يستقل بإثبات الحكم، ولم يلزم من ذلك عدم استقلال المجموع.
# الحجة الثانية لبعض أصحابنا: قال إن الصور التي دار الحكم ms740 فيها مع الوصف
~~وجودا وعدما لا بد أن تكون متمايزة بصفات خاصة بها، وإلا كانت متحدة لا
~~متعددة.
# وعند ذلك، فللخصم أن يأخذ الوصف الخاص بكل صورة من صور الطرد والعكس في
~~العلة في تلك الصورة، ويجعل العلة في كل صورة مجموع الوصفين وهما الوصف
~~المشترك والوصف الخاص بها وهي من النمط الأول، إذ لقائل أن يقول: الترجيح
~~للتعليل بالوصف المشترك لكونه مطردا في جميع مجاري الحكم، فيكون أغلب على
~~الظن، بخلاف التعليل بالمركب من الوصف الخاص والمشترك. PageV03P299
# فإن قيل: بل التعليل بالمركب أولى لما فيه من تعدد مدارك الحكم، فإنه
~~أولى من اتحاده لكونه أقرب إلى تحصيل مقصود الشارع من الحكم، فهو مقابل بأن
~~التعليل بالوصف المشترك يكون منعكسا بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في
~~كل صورة، ولا يخفى أن التعليل بالمطرد المنعكس، أولى من التعليل بالمطرد
~~الذي لا ينعكس، للاتفاق عليه، ولأن التعليل بالوصف المشترك يكون متعديا،
~~بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في كل صورة، فإنه يكون قاصرا، والتعليل
~~بالمتعدية أولى للاتفاق عليها والاختلاف في القاصرة.
# والحق في ذلك أن يقال: مجرد الدوران لا يدل على التعليل بالوصف لوجهين:
# الأول: أنه يجوز أن يكون الوصف وصفا ملازما للعلة، وليس هو العلة، وذلك
~~كالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة، ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا
~~بالتعرض لانتفاء وصف غيره بدلالة البحث والسبر، أو بأن الأصل عدمه. ويلزم
~~من ذلك الانتقال من طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم، وهو كاف في
~~الاستدلال على العلية.
# الثاني: أن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية، كدوران أحد
~~المتلازمين المتعاكسين، كالمتضايفين، وليس أحدهما علة للآخر، وكذلك فإن
~~الدوران كما وجد في جانب الحكم مع الوصف، فقد وجد في جانب الوصف مع الحكم،
~~وليس الحكم علة للوصف.
# فإن قيل: نحن لا ندعي أن مطلق الدوران دليل على علية الوصف ليلزم ما قيل،
~~بل بقيود ثلاثة وهي أن يكون حدوث ذلك الأثر مرتبا على وجود ذلك الوصف ترتبا
~~عقليا، بحيث يصدق قول القائل: وجد ms741 هذا الشئ فحدث ذلك الأثر.
# وأن لا يقطع بخروج هذا الوصف عن أن يكون علة وموجبا لحدوث ذلك الأثر.
# وأن لا يقطع بوجود علة أخرى لهذا الحكم سوى هذا الوصف. ومهما وجد الدوران
~~على هذه القيود كان دليلا على العلية. وذلك كما إذا دعي الانسان باسم فغضب
~~منه، وإذا لم يدع به لم يغضب، ورأينا ذلك منه مرارا، مرة بعد مرة، وجودا
~~وعدما، فإنه يغلب على الظن أن ذلك الاسم هو سبب الغضب، حتى إن الصبيان
~~يعلمون ذلك منه، ويتبعونه في الدروب، داعين له بذلك الاسم المغضب له،
~~PageV03P300
# والدوران بهذه القيود متحقق في السكر مع التحريم، فكان دليلا على كونه
~~علة وخرج عليه ما ذكر من الرائحة الفائحة، حيث قطعنا أنها ليست علة، وكذلك
~~الحكم في كل واحد من المتضايفين بالنسبة إلى الآخر، ولأنه يمتنع ترتيب كل
~~واحد على الآخر في الوجود بالتفسير المذكور، وكذلك الكلام في نسبة الحكم
~~إلى الوصف. وخرج عليه أيضا ما إذا ظهر ثم علة مغايرة للمدار.
# قلنا: إذا كان من جملة قيود صحة دلالة الدوران ان يكون حدوث ذلك الامر
~~مرتبا على وجود ذلك الوصف بالتفسير المذكور، فاما ان يراد به أن وجود الحكم
~~يتعقب وجود الوصف أو أنه امارة عليه أو باعث عليه، أو معنى آخر والأول
~~ممتنع إذ الكلام انما هو في شرعية الحكم ولا يخفى ان شرعيته تكون سابقة في
~~الوجود على وجود سببها والثاني أيضا ممتنع إذ الكلام انما هو في العلة
~~المستنبطة من حكم الأصل وهي فلا تكون الا بمعنى الباعث على ما سبق تقريره،
~~وعند ذلك فاما ان يظهر فيه معنى يقتضي كونه باعثا على الحكم من مناسبة أو
~~شبه أو لا يظهر ذلك، فان كان الأول فلا يكون باعثا، وان كان الثاني
~~فالمناسبة مع قرآن الحكم بها كاف في التعليل ولا حاجة إلى الدوران، وان كان
~~بمعنى آخر فلا بد من تصويره والدلالة عليه، وقد ترد عليه أسئلة قلنا: ما
~~ذكروه من دوران غضب الانسان مع دعائه ببعض ms742 الأسماء بالقيود المذكورة، لا
~~نسلم غلبة الظن بكون ذلك الاسم علة، بل به أو بملازمه، وإنما يظهر كونه علة
~~مع ظهور انتفاء الملازم. والطريق في ذلك إنما هو التمسك بالعدم الأصلي أو
~~بعدم الاطلاع عليه بعد البحث والسبر والتقسيم، ويلزم منه الانتقال من طريقة
~~الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم، وهي كافية في التعليل.
# وقد ترد عليه أسئلة أخرى مشهورة الجواب، آثرنا الاعراض عن ذكرها، اكتفاء
~~في إبطال الدوران بما ذكرناه، فإنه في غاية القوة والدقة.
# وإذا عرف أن الطرد والعكس لا يصلح دليلا على العلية، فالاطراد بانفراده
~~أولى أن لا يكون دليلا، نظرا إلى أن الاطراد عبارة عن السلامة عن النقض
~~المفسد، والسلامة عن مفسد واحد غير موجبة للتصحيح. PageV03P301
# (خاتمة) في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحكم، وهو العلة (1).
# ولما كانت العلة متعلق الحكم ومناطه، فالنظر والاجتهاد فيه إما في تحقيق
~~المناط أو تنقيحه أو تخريجه، أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود
~~العلة في آحاد الصور، بعد معرفتها في نفسها (2)، وسواء كانت معروفة بنص أو
~~إجماع أو استنباط، أما إذا كانت معروفة بالنص، فكما في جهة القبلة فإنها
~~مناط وجوب استقبالها، وهي معروفة بإيماء النص، وهو قوله تعالى: * (وحيثما
~~كنتم فولوا وجوهكم شطره) * (البقرة: 144). وكون هذه الجهة هي جهة القبلة في
~~حالة الاشتباه، فمظنون بالاجتهاد والنظر في الامارات.
# وأما إذا كانت معلومة بالاجماع فكالعدالة، فإنها مناط وجوب قبول الشهادة،
~~وهي معلومة بالاجماع، وأما كون هذا الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد.
# وأما إذا كانت مظنونة بالاستنباط، فكالشدة المطربة، فإنها مناط تحريم
~~الشرب في الخمر (3)، فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط، ولا
~~نعرف خلافا في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العلة فيه معلومة بنص
~~أو إجماع (4)، وإنما الخلاف فيه فيما إذا كان مدرك معرفتها الاستنباط.
# PageV03P302
# وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه
~~علة، من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من
~~الأوصاف، كل واحد بطريقة (1)، كما ms743 علم فيما تقدم، مما ذكرناه من التعليل
~~بالوقاع في قصة الأعرابي، فإنه وإن كان مومى إليه بالنص، غير أنه يفتقر في
~~معرفته عينا إلى حذف كل ما اقترن به من الأوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي
~~والاجتهاد، وذلك بأن يبين أن كونه أعرابيا، وكونه شخصا معينا، وأن كون ذلك
~~الزمان وذلك الشهر بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجة وامرأة
~~معينة، لا مدخل له في التأثير، بما يساعد من الأدلة في ذلك حتى يتعدى إلى
~~كل من وطئ في نهار رمضان عامدا، وهو مكلف صائم. وهذا النوع، وإن أقر به
~~أكثر منكري القياس، فهو دون الأول. وأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد
~~في إثبات علة الحكم الذي دل النص أو الاجماع عليه دون عليته.
# وذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر، وكون
~~القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في المحدد (2)، وكون الطعم علة ربا
~~الفضل في البر ونحوه، حتى يقاس عليه كل ما ساواه في علته، وهذا في الرتبة
~~دون النوعين الأولين، ولذلك أنكره أهل الظاهر والشيعة وطائفة من المعتزلة
~~البغداديين.
# تم الجزء الثالث - ويليه الجزء الرابع - وأوله.
# الباب الثالث في أقسام القياس - وأنواعه.
# أعان الله على اتمامه بمنه وكرمه.
# PageV03P303
# الاحكام في أصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الآمدي علق
~~عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الرابع PageV04P001
# طبع باذن فضيلة الشيخ المحقق الطبعة الأولى 1387 ه الرياض PageV04P002
# بسم الله الرحمن الرحيم الباب الثالث في أقسام القياس وأنواعه وهي خمس
~~قسم: القسمة الأولى: القياس ينقسم إلى ما المعنى الجامع فيه باقتضاء الحكم
~~في الفرع أولى منه في الأصل، وإلى ما هو مساو، وإلى ما هو أدنى فالأول،
~~كتحريم ضرب الوالدين بالنسبة إلى تحريم التأفيف لهما وما في معناه، وسواء
~~كان قطعيا أو ظنيا، كما سبق تقريره في مسائل المفهوم.
# وإن كان الثاني فكما في إلحاق الأمة بالعبد في تقويم نصيب الشريك على
~~المعتق، وكما في إلحاق نجاسة الماء بصب البول فيه من كوز، بنجاسته بالبول ms744
~~فيه ونحوه.
# وإن كان الثالث، فكما في إلحاق النبيذ بالخمر في تحريم الشرب وإيجاب الحد
~~ونحوه.
# غير أن هذا النوع الثالث متفق على كونه قياسا، ومختلف في النوعين الأولين
~~كما سبق.
# القسمة الثانية: القياس ينقسم إلى جلي وخفي فالجلي: ما كانت العلة فيه
~~منصوصة، أو غير منصوصة، غير أن الفارق بين الأصل والفرع مقطوع بنفي تأثيره.
# فالأول كإلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما، بعلة كف الأذى
~~عنهما.
# والثاني كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم النصيب حيث عرفنا أنه لا فارق
~~بينهما سوى الذكورة في الأصل والأنوثة في الفرع وعلمنا عدم التفات الشارع
~~إلى ذلك في أحكام العتق خاصة.
# وأما الخفي: فما كانت العلة فيه مستنبطة من حكم الأصل، كقياس القتل
~~بالمثقل على المحدد ونحوه.
# القسمة الثالثة: القياس ينقسم إلى مؤثر وملائم. أما المؤثر فإنه يطلق
~~باعتبارين:
# الأول ما كانت العلة الجامعة فيه منصوصة بالصريح أو الايماء أو مجمعا
~~عليها.
# والثاني ما أثر عين الوصف الجامع في عين الحكم، أو عينه في جنس الحكم، أو
~~جنسه، في عين الحكم. PageV04P003
# وأما الملائم: فما أثر جنسه في جنس الحكم كما سبق تحقيقه. ومن الناس من
~~جعل المؤثر من هذه الأقسام ما أثر عينه في عين الحكم لا غير، والملائم ما
~~بعده من الأقسام.
# القسمة الرابعة: القياس ينقسم إلى قياس علة، ودلالة، والقياس في معنى
~~الأصل وذلك لأنه لا يخلو إما أن يكون الوصف الجامع بين الأصل والفرع، قد
~~صرح به أو لم يصرح به، فإن صرح به فلا يخلو إما أن يكون هو العلة الباعثة
~~على الحكم في الأصل، أو لا يكون هو العلة، بل هو دليل عليها.
# فإن كان الأول فيسمى قياس العلة، وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر في تحريم
~~الشرب بواسطة الشدة المطربة، ونحوه. وإنما سمي قياس العلة للتصريح فيه
~~بالعلة.
# وإن كان الثاني فيسمى قياس الدلالة، وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر
~~بالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة، أو الجمع بين الأصل والفرع بأحد
~~موجبي العلة في الأصل استدلالا به على الموجب ms745 الآخر، كما في الجمع بين قطع
~~الجماعة ليد الواحد، وقتل الجماعة للواحد، في وجوب القصاص بواسطة الاشتراك
~~في وجوب الدية عليهم بتقدير إيجابها.
# وأما إن كان الوصف الجامع لم يصرح به في القياس، كما في إلحاق الأمة
~~بالعبد في تقويم نصيب الشريك على المعتق بواسطة نفي الفارق بينهما، فيسمى
~~القياس في معنى الأصل.
# القسمة الخامسة: القياس لا يخلو إما أن يكون طريق إثبات العلة المستنبطة
~~فيه، المناسبة، أو الشبه، أو السبر والتقسيم، أو الطرد والعكس، كما سبق
~~تحقيقه.
# فإن كان الأول، فيسمى قياس الإحالة.
# وإن كان الثاني، فيسمى قياس الشبه.
# وإن كان الثالث، فيسمى قياس السبر.
# وإن كان الرابع، فيسمى قياس الاطراد. PageV04P004
# الباب الرابع في مواقع الخلاف في القياس وإثباته على منكريه وفيه ست
~~مسائل.
# المسألة الأولى يجوز التعبد بالقياس في الشرعيات عقلا.
# وبه قال السلف من الصحابة والتابعين، والشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن
~~حنبل وأكثر الفقهاء والمتكلمين، وقالت الشيعة والنظام وجماعة من معتزلة
~~بغداد، كيحيى الإسكافي وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب بإحالة ورود التعبد به
~~عقلا، وإن اختلفوا في مأخذ الإحالة العقلية كما سنبينه.
# وقال القفال من أصحاب الشافعي وأبو الحسين البصري: بأن العقل موجب لورود
~~التعبد بالقياس. PageV04P005
# والمختار إنما هو الجواز، ويدل على ذلك الاجمال والتفصيل:
# أما الاجمال: فهو أنه لا خلاف بين العقلاء أنه يحسن من الشارع أن ينص
~~ويقول:
# لا يقضي القاضي وهو غضبان، لان الغضب مم يوجب اضطراب رأيه وفهمه، فقيسوا
~~على الغضب ما كان في معناه، كالجوع والعطش والاعياء المفرط، وأن يقول: حرمت
~~عليكم شرب الخمر، ومهما غلب على ظنونكم أن علة التحريم الشدة المطربة
~~الصادة عن ذكر الله المفضية إلى وقوع الفتن والعداوة والبغضاء لتغطيتها على
~~العقل، فقيسوا عليها كل ما في معناه من النبيذ وغيره، ولو كان ذلك ممتنعا
~~عقلا لما حسن ورود الشرع بذلك.
# وأما من جهة التفصيل: فمن وجهين الأول: هو أن العاقل إذا صح نظره
~~واستدلاله، أدرك بالامارات الحاضرة المدلولات الغائبة، وذلك كمن رأى جدارا
~~مائلا منشقا، ms746 فإنه يحكم بهبوطه، أو رأى غيما رطبا وهواء باردا، حكم بنزول
~~المطر، أو رأى إنسانا خارجا من بيت فيه قتيل، وبيده سكين مخضبة بالدم، حكم
~~بكونه قاتلا، فإذا رأى الشارع قد أثبت حكما في صورة من الصور، ورأى ثم معنى
~~يصلح أن يكون داعيا إلى إثبات ذلك الحكم، ولم يظهر له ما يبطله بعد البحث
~~التام، والسبر الكامل، فإنه يغلب على ظنه أن الحكم ثبت له، وإذا وجد ذلك
~~الوصف في صورة أخرى غير الصورة المنصوص عليها، ولم يظهر له أيضا ما يعارضه،
~~فإنه يغلب على ظنه ثبوت الحكم به في حقنا، وقد علمنا أن مخالفة حكم الله
~~تعالى سبب للعقاب، فالعقل يرجح فعل ما ظن فيه المصلحة ودفع المضرة على
~~تركه، ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك.
# الثاني: أن التعبد بالقياس فيه مصلحة لا تحصل دونه، وهي ثواب المجتهد على
~~اجتهاده وإعمال فكره وبحثه في استخراج علة الحكم المنصوص عليه لتعديته إلى
~~محل آخر، على ما قال، عليه السلام: ثوابك على قدر نصبك وما كان طريقا إلى
~~تحصيل مصلحة المكلف، فالعقل لا يحيله بل يجوزه. PageV04P006
# فإن قيل: ما ذكرتموه من جواز التعبد بالقياس بناء على ظن حصول المصلحة
~~ودفع المضرة، إنما يحسن إذا لم يكن الوصول إلى ذلك بطريق يقيني، وأما إذا
~~أمكن فلا، وذلك لأنه مهما أمكن الوصول إلى المطلوب بطريق يؤمن فيه من
~~الخطأ، فالعقل يمنع من سلوك طريق لا يؤمن فيه الخطأ، فما لم تثبتوا أنه لم
~~يوجد دليل شرعي قاطع يدل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع أمة، فاتباع الظن
~~يكون ممتنعا عقلا.
# سلمنا أنه لم يوجد دليل قطعي على ذلك، لكن إنما يسوغ العقل التمسك بالظن
~~إذا لم يوجد دليل ظني راجع على ظن القياس مفض إلى حكم القياس، وإلا كان
~~العمل بما الخطأ فيه أقرب مما ترك وهو ممتنع عقلا.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تجويز العقل لذلك، غير أنه منقوض ومعارض.
# أما النقض فبصور: منها أن قول الشاهد الواحد، بل ms747 العبيد والنساء
~~المتمحضات، في الحقوق المالية والدماء والفروج، بل الفساق، مغلب على ظن
~~القاضي الصدق، ومع ذلك لا يجوز له العمل به، ومنها أن مدعى النبوة، إذا غلب
~~على الظن صدقه من غير دلالة المعجزة عليه لا يجوز اتباعه والعمل بقوله،
~~ومنها أن المصالح المرسلة وإن غلبت على الظن لا يجوز العمل بها، ومنها أنه
~~لو اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات، أو ميتة بعشر مذكيات، لم يجز مد اليد إلى
~~واحدة منها، وإن وجدت علامات مغلبة على الظن.
# وأما المعارضة فمن خمسة وعشرين وجها:
# الأول: قال النظام إن العقل يقتضي التسوية بين المتماثلات في أحكامها،
~~والاختلاف بين المختلفات في أحكامها، والشارع قد رأيناه فرق بين
~~المتماثلات، وجمع بين المختلفات، وهو على خلاف قضية العقل، وذلك يدل على أن
~~القياس الشرعي غير وارد على مذاق العقل، فلا يكون العقل مجوزا له.
~~PageV04P007
# أما تفرقته بين المتماثلات، فإنه فرض الغسل من المني، وأبطل الصوم
~~بإنزاله عمدا دون البول والمذي، وأوجب غسل الثوب من بول الصبية، والرش عليه
~~من بول الغلام، ونقص من عدد الرباعية في حق المسافر الشطر دون الثنائية،
~~وأوجب الصوم على الحائض دون الصلاة، مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها،
~~وحرم النظر إلى العجوز القبيحة المنظر، وأباحه في حق الأمة الحسناء، وقطع
~~سارق القليل، دون غاصب الكثير، وأوجب الجلد بالقذف بالزنى دون القذف
~~بالكفر، وقبل في القتل شاهدين دون الزنى، وجلد قاذف الحر الفاسق دون العبد
~~العفيف، وفرق في العدة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما، وجعل
~~استبراء الرحم بحيضة واحدة في حق الأمة، والحرة المطلقة بثلاث حيضات، وأوجب
~~تطهير غير الموضع الذي خرجت منه الريح، مع أن القياس كان مقتضيا للتسوية في
~~جميع هذه الصور بل ربما كان بعض الصور التي لم يثبت فيها الحكم أولى به مما
~~ثبت فيها.
# وأما تسويته بين المختلفات فإنه سوى بين قتل الصيد عمدا وخطأ في إيجاب
~~الضمان، وسوى في إيجاب القتل بين الردة والزنى، وسوى في إيجاب الكفارة بين
~~قتل النفس والوطئ ms748 في رمضان والظهار، مع الاختلاف، وذلك مما يبطل الاعتبار
~~بالأمثال ويوجب امتناع العمل بالقياس.
# الثاني: قالت الشيعة: إن القول بالتعبد بالقياس يفضي إلى الاختلاف، وذلك
~~عند ما إذا ظهر لكل واحد من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر،
~~والاختلاف ليس من الدين لقوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا
~~فيه اختلافا كثيرا) * (النساء: 82) وقوله تعالى: * (وأن أقيموا الدين ولا
~~تتفرقوا فيه) * (الشورى: 13) وقوله * (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) *
~~(الأنفال: 46) وقوله: * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) * (الانعام:
~~159) وقوله تعالى: * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * (آل عمران:
~~105) ذكر ذلك في معرض الذم، ولا ذم على ما يكون من الدين، وقد ذم الصحابة
~~الاختلاف حتى قال عمر لا تختلفوا، فإنكم إن اختلفتم، كان من بعدكم أشد
~~اختلافا PageV04P008
# وأنه لما سمع ابن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب
~~الواحد أو الثوبين، صعد المنبر وقال: رجلان من أصحاب رسول الله (ص)،
~~اختلفا، فعن أي فتياكم يصدر المسلمون؟ لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا
~~إلا فعلت وصنعت وقال جرير بن كليب: رأيت عمر ينهى عن المتعة وعليا يأمر
~~بها، فقلت إن بينكما لشرا.
# وكتب علي إلى قضاته أيام خلافته أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره
~~الخلاف وأرجو أن أموت كما مات أصحابي.
# الثالث: أنه إذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين، فإما أن يقال بأن كل
~~مجتهد مصيب، فيلزم منه أن يكون الشئ ونقيضه حقا، وهو محال، وإما أن يقال
~~بأن المصيب واحد، وهو أيضا محال فإنه ليس تصويب أحد الظنين، مع استوائهما،
~~دون الآخر أولى من العكس.
# الرابع: قال النبي (ص): أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا فلو
~~كان التنصيص منه على الأشياء الستة الربوية قصدا لقياس ما عداها من
~~المطعومات عليها، مع أنه كان قادرا على ما هو أصرح منه، وللخلاف والجهل
~~أدفع، وهو أن يقول: حرمت الربا في كل مطعوم لكان عدولا منه عن الظاهر
~~المفهوم، إلى الخفي الموهوم، وهو غير لائق بفصاحته وحكمته، ms749 وهو خلاف نصه.
~~PageV04P009
# الخامس: أن الحكم في أصل القياس، إن كان ثابتا بالنص امتنع إثباته في
~~الفرع، لعدم وجود النص في الفرع وامتناع ثبوته فيه بغير طريق حكم الأصل،
~~وإلا لما كان تابعا للأصل ولا فرعا له وإن كان ثابتا بالعلة فهو ممتنع
~~لوجهين:
# الأول أن الحكم في الأصل مقطوع، والعلة مظنونة، والمقطوع به لا يثبت
~~بالمظنون.
# الثاني أن العلة في الأصل مستنبطة من حكم الأصل، ومتفرعة عليه، والمتفرع
~~على الشئ لا يكون مثبتا لذلك الشئ، وإلا كان دورا ممتنعا.
# السادس: أنه لو كانت العلة منصوصة، كما لو قال: حرمت الربا في البر لكونه
~~مطعوما فإنه لا يقتضي التحريم في غير البر فالمستنبطة أولى بعدم التعدية،
~~وبيان أن المنصوصة لا تقتضي التحريم في غير محل النص، قصور دلالة اللفظ عن
~~ذلك، ولهذا فإنه لو قال: أعتقت كل عبد لي أسود عتق كل السودان من عبيده،
~~ولو قال: أعتقت عبدي سالما لسواده، أو لسوء خلقه فإنه لا يعتق غانم، وإن
~~كان أشد سوادا من سالم، وأسوأ خلقا.
# السابع: أن حكم القياس إما أن يكون موافقا للبراءة الأصلية، أو مخالفا
~~لها: PageV04P010
# فإن كان الأول، لم يكن القياس مفيدا، لأنه لو قدر عدمه كان مقتضاه متحققا
~~بالبراءة الأصلية، وإن كان الثاني فهو ممتنع، لان البراءة الأصلية متيقنة،
~~والقياس مظنون، واليقين تمتنع مخالفته بالظن.
# الثامن: أنه لو جاز التعبد بالقياس عقلا في الفروع لظن المصلحة، لجاز مثل
~~ذلك في أصول الأقيسة، وهو محال لما فيه من التسلسل.
# التاسع: أن الشرعيات مصالح، فلو جاز إثباتها بالقياس، لجاز أن يتعبد
~~بالاخبار عن كون زيد في الدار عند غلبة الظن بكونه فيها بالامارات، وهو
~~ممتنع.
# العاشر: أن الرجم بالظن جهل، ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل، حتى
~~يتخبطوا فيه، ويحكموا بما يجوز أن يكون مخالفا لحكم الله تعالى.
# الحادي عشر: أنه لا يستقيم قياس إلا بعلة، والعلة ما توجب الحكم بذاتها،
~~وعلل الشرع ليس كذلك، فلا قياس.
# الثاني عشر: أن حكم الله تعالى خبره، وذلك إنما ms750 يعرف بالتوقيف، لا
~~بالقياس، لان القياس من فعلنا، لا من توقيف الشارع.
# الثالث عشر: أن جلي الأحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص، فكذلك خفيها،
~~كالمدركات، فإن جليها وخفيها لا يدرك بغير الحس.
# الرابع عشر: أنه لو كان للشرعيات علل لاستحال انفكاكها عن أحكامها، كما
~~في العلل العقلية، فإنه يستحيل انفكاك الحركة القائمة بالجسم عن كونه
~~متحركا PageV04P011
# لما كانت الحركة علة لكونه متحركا، وذلك يوجب ثبوت الأحكام الشرعية قبل
~~ورود الشرع لتقدم العلل عليها، وهو محال.
# الخامس عشر: أنه لو كان القياس صحيحا لكان حجة مع النص وذلك ممتنع
~~بالاجماع.
# السادس عشر: أن نظر القائس لا بد وأن يقع في منظور فيه، والمنظور فيه ليس
~~سوى النص والحكم، وهو الواجب والحرام مثلا، وليس المنظور فيه هو النص، إذ
~~هو غير متناول للفرع والحكم، فهو فعل المكلف.
# ويلزم من ذلك أنه إذا لم يوجد فعل المكلف أن لا يصح القياس: ويلزم من
~~فساد الامرين فساد القياس الشرعي.
# السابع عشر: أنه لو جاز التعبد بتحريم شئ أو وجوبه عند ظننا أنه مشابه
~~لأصل محرم أو واجب بناء على أمارة، لجاز أن يتعبد بذلك عند ظننا المشابهة
~~من غير أمارة، وهو محال.
# الثامن عشر: أنه لو جاز التعبد بالقياس الشرعي، لكان على عليته دلالة،
~~والدلالة عليها إما النص، والعلة المستنبطة التي فيها الخلاف غير منصوصة،
~~وإما العادات، والعادات تكون مثبتة للأحكام الشرعية، فلا تكون مثبتة
~~لأماراتها.
# التاسع عشر: لو كانت المعاني المشروعة من الأصول أدلة على ثبوت الاحكام
~~في الفروع، لم يقف كونها أدلة على شئ سواها، كما في النصوص، والاتفاق واقع
~~على احتياج المستنبطة إلى دليل، والمحتاج إلى الدليل لا يكون دليلا كما في
~~الاحكام.
# العشرون: أنه إذا غلب على الظن تحريم ربا الفضل في البر، إما لكونه مطعوم
~~جنس أو مكيل جنس أو قوتا أو مالا، فلا بد من رعاية المصلحة في ذلك، وأي
~~مصلحة في تحريم بيع ما هذه صفته. PageV04P012
# الحادي والعشرون: أنه لو صح معرفة الحكم الشرعي، مع كونه غيبيا ms751 بالقياس،
~~لصح معرفة الأمور الغيبية بالقياس، وهو محال.
# الثاني والعشرون: أن القياس فعل القائس، وذلك مما لا يجوز أن يتوصل به
~~إلى معرفة المصالح.
# الثالث والعشرون: أن القياس لا بد فيه من علة مستنبطة من حكم الأصل،
~~والحكم في الأصل جاز أن يكون معللا، وجاز أن لا يكون معللا:
# وبتقدير كونه معللا، يحتمل أن يكون الحكم ثابتا بغير ما استنبط، وبتقدير
~~أن يكون ثابتا بما استنبط، يحتمل أن لا يكون متحققا في الفرع إذا كان وجوده
~~فيه ظنيا. وما هذا شأنه لا يصلح للدلالة.
# الرابع والعشرون: أنه لو جاز التعبد بالقياس لأفضى ذلك إلى تقابل الأدلة
~~وتكافئها، وأن يكون الرب تعالى موجبا للشئ ومحرما له، وهو محال على الله
~~تعالى.
# وبيان ذلك أنه قد يتردد الفرع بين أصلين حكم أحدهما الحل، والآخر الحرمة.
# فإذا ظهر في نظر المجتهد شبه الفرع بكل واحد منهما، لزم الحكم بالحل
~~والحرمة في شئ واحد، وذلك محال.
# الخامس والعشرون: أن القياس لا بد فيه من علة جامعة، والعلل الشرعية لا
~~بد وأن تكون على وزان العلل العقلية، والعلة الشرعية يجوز عند القائلين
~~بالقياس أن تكون ذات أوصاف، والعلة العقلية ليست كذلك، فإنها تستقل بحكمها
~~كاستقلال الحركة بكون المحل الذي قامت به متحركا، واستقلال السواد بكون
~~محله أسود، ونحوه.
# وأما من زعم أن العقل موجب للتعبد بالقياس الشرعي، فقد احتج بثلاث شبه:
# الأولى: أن الأنبياء، عليهم السلام، مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة،
~~والصور لا نهاية لها، فلا تمكن إحاطة النصوص بها، فاقتضى العقل وجوب التعبد
~~بالقياس.
# الثانية: أنه إذا غلب على الظن أن المصلحة في إثبات الحكم بالقياس، وأنه
~~أنفى للضرر، فيجب اتباعه عقلا، تحصيلا للمصلحة ودفعا للمضرة، كما يجب
~~القيام من تحت حائط ظن سقوطه لفرط ميله، وإن جاز أن تكون السلامة في القعود
~~والهلاك في النهوض. PageV04P013
# الثالثة: أن العلل الشرعية ومناسبتها للأحكام مدركة بالعقل، فكان العقل
~~موجبا لورود التعبد بها، كما توجب أحكام العلل العقلية.
# والجواب: عن السؤال الأول أنه، إذا سلم أن ms752 القياس مغلب على الظن وجود
~~المصلحة، فهو بيان، وهو وإن كان البيان فيه مرجوحا بالنسبة إلى البيان
~~القاطع، فليس ذلك مما يمنع من التعبد به مع عدم الظفر بالبيان القاطع، وإن
~~كان ممكن الوجود، وإلا لما جاز التعبد بالنصوص الظنية، وأخبار الآحاد مع
~~إمكان أن يخلق الله تعالى لنا العلم الضروري بالأحكام، وإمكان وجود النصوص
~~القاطعة الجلية.
# وعلى هذا، يخرج الجواب عن السؤال الثاني أيضا.
# وعن النقض بما ذكروه من الصور أن العقل يجوز ورود التعبد بكل ما هو مغلب
~~عن الظن، غير أنه لما ورد التعبد من الشارع بامتناع العمل به، كان ذلك
~~لمانع الشرع لا لعدم الجواز العقلي.
# وعن المعارضة الأولى: أن كل ما ظن فيه الجامع بين الأصل والفرع، وظهرت
~~صلاحيته للتعليل، فالعقل لا يمنع من ورود التعبد من الشارع فيه بالالحاق،
~~وحيث فرق الشارع في الصور المذكورة، فلم يكن ذلك لاستحالة ورود التعبد
~~بالقياس، بل إنما كان ذلك إما لعدم صلاحية ما وقع جامعا، أو لمعارض له في
~~الأصل، أو في الفرع، وحيث جمع بين مختلفات الصفات فإنما كان لاشتراكها في
~~معنى جامع صالح للتعليل، أو لاختصاص كل صورة بعلة صالحة للتعليل، فإنه لا
~~مانع، عند اختلاف الصورة، وإن اتحد نوع الحكم، أن تعلل بعلل مختلفة لا أن
~~الحكم ثبت في الكل بالقياس.
# وعلى هذا نقول: ما لم يظهر تعليله وصحة القياس عليه إما لعدم صلاحية
~~الجامع، أو لتحقق الفارق، أو لظهور دليل التعبد، فلا قياس فيه أصلا، وإنما
~~القياس فيما ظهر كون الحكم في الأصل معللا فيه، وظهر الاشتراك في العلة
~~وانتفى الفارق.
# وعن الثانية: أن ذلك وإن أفضى إلى الاختلاف بين المجتهدين، فإن ذلك غير
~~محذور مطلقا، فإن جميع الشرائع والملل كلها من عند الله، وهي مختلفة، ولا
~~محذور فيها، وإلا لما كانت مشروعة من عند الله، PageV04P014
# كيف وإن الأمة الاسلامية معصومة عن الخطأ، على ما عرف. فلو كان الاختلاف
~~مذموما ومحذورا على الاطلاق، لكانت الصحابة مع اشتهار اختلافهم وتباين
~~أقوالهم في المسائل الفقهية، ms753 مخطئة، بل الأمة قاطبة، وذلك ممتنع.
# وعلى هذا، فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه، على الاختلاف في
~~التوحيد والايمان بالله ورسوله والقيام بنصرته، وفيما المطلوب فيه القطع
~~دون الظن، والاختلاف بعد الوفاق، واختلاف العامة ومن ليس له أهلية النظر
~~والاجتهاد، وبالجملة كل ما لا يجوز فيه الاختلاف جمعا بين الأدلة بأقصى
~~الامكان وقوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا
~~كثيرا) * (النساء: 82) إنما المراد به نفي التناقض والاضطراب والاختلاف
~~المناقض للبلاغة عن القرآن، لا نفي الاختلاف في الأحكام الشرعية.
# وأما إنكار عمر على ابن مسعود وأبي بن كعب، فيجب أيضا حمله على اختلافهما
~~فيما سبق فيه الاجماع، أو على اختلافهما بالنظر إلى مستفت واحد حذرا من
~~تحيره.
# وأما قول جرير لعلي وعمر عند اختلافهما في مسألة المتعة، فيجب حمله على
~~ما ظنه من إفضاء ذلك إلى فتنة وثوران أمر.
# وأما ما كتبه علي إلى قضاته، فيجب حمله أيضا على خوفه من انفتاق فتق بسبب
~~نسبته إلى تعصب لمخالفة من سبق.
# وعن الثالثة: باختيار تصويب كل مجتهد بناء على أن الحكم عند الله تعالى
~~في حق كل واحد ما أدى إليه اجتهاده وذلك مما لا يمنع من كون الشئ ونقيضه
~~حقا PageV04P015
# بالنسبة إلى شخصين مختلفين، كما في الصلاة وتركها بالنسبة إلى الحائض
~~والطاهر، وكالجهات المختلفة في القبلة حال اشتباهها بالنسبة إلى شخصين،
~~وبالنسبة إلى شخص واحد في حالتين مختلفتين، وكجواز ركوب البحر في حق من غلب
~~على ظنه السلامة، وتحريمه في حق من غلب على ظن الهلاك. وهذا بخلاف القضايا
~~العقلية، وما الحق فيه في نفس الامر لا يكون إلا واحدا معينا، كحدوث العالم
~~وقدمه، ووجود الصانع وعدمه.
# وعن الرابعة من وجهين: الأول: أنه لو كان العدول من أصرح الطريقين
~~وأبينهما إلى أدناهما مما يمتنع ويخل بالبلاغة، لما ساغ ورود الكتاب
~~بالألفاظ المجملة وإرادة المعين، والعامة وإرادة الخاص، والمطلقة وإرادة
~~المقيد، والألفاظ المحتملة، ولما ساغ أيضا مثل ذلك من الرسول مع إمكان
~~الاتيان بألفاظ صريحة ms754 ناصة على الغرض المطلوب، وهو ممتنع خلاف الواقع.
# الوجه الثاني: أنه غير بعيد أن يكون الله تعالى ورسوله قد علما أن في
~~التعبد بالقياس والاجتهاد مصلحة للمكلفين لا تحصل من التنصيص. وذلك بسبب
~~بعث دواعيهم على الاجتهاد طلبا لزيادة الثواب الحاصل به، على ما نطق به
~~النص في حق عائشة، حتى تبقى الشريعة مستمرة غضة طرية.
# وعن الخامسة: أن الحكم في الأصل، وإن كان ثابتا بالنص أو الاجماع لا
~~بالعلة، وأن ذلك غير متحقق في الفرع، فلا نسلم وجوب ثبوت الحكم في الفرع
~~بمثل طريق إثبات حكم الأصل، بل يمكن أن يكون إثبات الحكم في الأصل مع كونه
~~مقطوعا PageV04P016
# به بدليل مقطوع به، وفي الفرع بوجود ما كان قد ظهر كونه باعثا على الحكم
~~في الأصل، ولا يلزم من كون الفرع تابعا في حكمه للأصل اتحاد الطريق المثبت
~~للحكم فيهما، وإلا لما كان أحدهما تابعا للآخر، بل التبعية متحققة بمجرد
~~إثبات الحكم في الفرع بما عرف كونه باعثا على الحكم في الأصل.
# وعن السادسة من وجهين:
# الأول، قال بعضهم: إن علم قطعا قصده للسواد عتق كل عبد أسود له.
# وقال بعضهم: لا يكفي مجرد القصد، بل لا بد مع ذلك من أن ينوي بهذا اللفظ
~~عتق جميع السودان، فإنه كاف في عتق كل عبد له أسود، وغايته إطلاق اللفظ
~~الخاص، وإرادة العام، وهو سائغ لغة، كما حمل قوله تعالى: * (ولا تأكلوا
~~أموالهم) * على النهي عن الاتلاف العام، وكما حمل قول القائل والله لا أكلت
~~لفلان خبزا، ولا شربت من مائه جرعة إذا قصد به دفع المنة على أخذ الدراهم
~~وغيرها من العروض، حتى إنه يحنث بكل ذلك.
# وقال بعضهم: لا يكفي ذلك لان مجرد النية والإرادة لذلك غير كافية في
~~العتق، بل إن قال مع ذلك وقيسوا عليه كل أسود عتق كل عبد له أسود. وهذا هو
~~اختيار الصيرفي من أصحاب الشافعي، وهو أقرب من الذي قبله.
# الثاني: أنه لا يلزم من امتناع التعدية هاهنا امتناع التعدية في العلل
~~المستنبطة ms755 الشرعية، وذلك، لان العتق من باب التصرف في أملاك العبيد
~~بالزوال، ولا كذلك في الأحكام الشرعية ، وعند ذلك فلا يلزم من امتناع
~~التعدية هاهنا، مبالغة في صيانة ملك العبيد مثله في الأحكام الشرعية.
~~PageV04P017
# ولهذا فإنه لو اجتمع في المحل الواحد حقان لله وللآدمي، وتضايق المحل عن
~~استيفائهما، كما لو وجب القتل على شخص بالردة وبالقتل الموجب للقصاص، فإنه
~~يقدم حق الآدمي على حق الله تعالى، ويقتل قصاصا، لا بالردة ولهذا طرد أهل
~~اللغة مثل ذلك وعدوه فيما لا يقتضي زوال ملك الآدمي، فإنه لو قال القائل
~~لغيره لا تأكل هذا الطعام، فأنه مسموم، ولا تشرب هذا الشراب، فأنه مسهل،
~~ولا تجالس فلانا لسواده فإن أهل اللغة يعدونه إلى كل ما هو من جنسه مشارك
~~له في العلة. وعلى هذا نقول إنه لو قال لوكيله بع هذا العبد لسواده أو لسوء
~~خلقه، وكان قد قال له مهما ظهر لك رضائي بشئ من التصرفات بقرائن الأحوال
~~دون صريح الأقوال، فافعله. وعلم أن العلة في إطلاق البيع السواد وسوء الخلق
~~خاصة، فله بيع كل ما شاركه في تلك العلة على وزان ذلك في الشرع.
# وعن السابعة: أنها منقوضة بمخالفة البراءة الأصلية بالنصوص الظنية
~~وبالاقرار والشهادة والفتوى وغير ذلك.
# وعن الثامنة أنه لو لم يرد النص بالحكم في أصول الأقيسة، وإلا كان التعبد
~~بإثبات أحكامها بالقياس على أصل آخر جائزا، وإن امتنع ذلك لما فيه من
~~التسلسل، فلا يرد به التعبد لاستحالته في نفسه.
# وعن التاسعة: أنه لا يمتنع في العقل أيضا ورود التعبد بإخبارنا عن كون
~~زيد في الدار عن ظن، إذا ظهرت أمارة كونه في الدار.
# وعن العاشرة: أنها مبينة على فاسد أصول الخصوم في وجوب رعاية الصلاح
~~والأصلح، وهو باطل على ما عرف من أصلنا. وإن سلمنا وجوب رعاية المصلحة ،
~~فلا يمتنع، أن يكون في التعبد بالقياس مصلحة، وقد استأثر الرب تعالى بالعلم
~~بها كيف وإن ما ذكروه منقوض بورود التعبد بالنصوص الظنية وقبول الشهادة
~~والاجتهاد في القبلة حالة الاشتباه، وبقبول ms756 قول العدول في قيم المتلفات
~~وأرش الجنايات وتقدير النفقات. PageV04P018
# وعن الحادية عشرة: أن العلة في القياس إنما هي بمعنى الامارة والعلامة
~~على الحكم في الفرع، وذلك مما لا يمتنع التعبد باتباعه. ولهذا فإنه لو قال
~~الشارع: مهما رأيتم وصف الشدة المطربة، فاعلموا أني قضيت بتحريم ذلك المشتد
~~المطرب كان واجب الاتباع.
# وعن الثانية عشرة: أنه مهما لم يقم دليل يدل على وجوب التعبد بالقياس من
~~نص أو إجماع، فإنا لا نثبت به الحكم، ولا ننفيه. وإن كان يجوز ورود التعبد
~~به عقلا. فإذا قال الشارع قد تعبدتكم بالقياس، فمهما رأيتم الحكم قد ثبت في
~~صورة وغلب على ظنونكم أنه ثبت لعلة، وأنها، وأنها متحققة في صورة أخرى،.
~~فقيسوها كان ذلك إخبارا عن إثبات الحكم في الفرع. وإن لم يرد مثل هذا النص،
~~فانعقاد الاجماع على ذلك يكون كافيا.
# وعن الثالثة عشرة: أنها قياس تمثيلي من غير جامع، فلا يصح وقد أجاب بعضهم
~~بأن كثير الزعفران الواقع في الماء يعلم بالادراك، وخفيه إنما يعلم بإخبار
~~من شاهده لا بنفس الادراك، وليس بحق، فإن الخبر مستند إلى المشاهدة.
# فإن قيل: الحكم في الفرع أيضا مستند إلى الحكم الثابت بالنص، فكان جلي
~~الاحكام وخفيها مستندا إلى النص.
# قيل النص الوارد في الأصل لم يكن واردا في الفرع، ولو ورد في الفرع، لما
~~احتيج إلى القياس.
# وعن الرابعة عشرة: أنا لا نسلم أن كون المتحرك متحركا يزيد على قيام
~~الحركة بالمحل، فلا علة ولا معلول، وإن سلمنا أن المتحركية معللة بالحركة،
~~ولكن ما ذكروه تمثيل من غير جامع، وذلك لان اسم العلة مشترك بين العلة
~~العقلية والعلة الشرعية لان العلة العقلية مقتضية للحكم بذاتها، لا بوضع،
~~بخلاف العلة الشرعية، فإنها بمعنى الامارة والعلامة، أو بمعنى الباعث، ولا
~~يمتنع أن يكون الوصف علامة على الحكم في بعض الأزمان دون البعض، اتباعا
~~لوضع الشارع، ولا يمتنع أن يكون الوصف باعثا لما يختص به من المصلحة في بعض
~~الأزمان دون البعض، كما أبيحت الخمرة في زمان، وحرمت ms757 PageV04P019
# في زمان، وجوز الصوم في زمان، وحرم في زمان. ويكون مناط معرفة ذلك اعتبار
~~الشارع للوصف في وقت وإلغاءه في وقت آخر.
# وعن الخامسة عشرة: أن القياس عندنا حجة مع النص الموافق ولا يلزم أن يكون
~~حجة مع النص المخالف الراجح، بدليل خبر الواحد، فإنه حجة، وإن لم يكن حجة
~~مع النص المخالف الراجح.
# وعن السادسة عشرة: أن نظر القائس في الفرع، وإن لم يكن في دلالة النص،
~~فهو ناظر في المعنى الجامع والدلالة على عليته وفي الحكم في الفرع، وليس
~~الحكم هو فعل المكلف، بل الحكم إنما هو الوجوب أو التحريم المتعلق بفعله.
# وعن السابعة عشرة: أنه إن غلب على الظن مشابهة شئ لشئ محرم، وأمكن ذلك من
~~غير أمارة، فالعقل يجوز ورود الشرع بالتعبد بتحريمه، وإن لم يرد الشرع به.
# وعن الثامنة عشرة: بمنع الحصر فيما ذكروه، وما المانع من طريق آخر يعرف
~~كون الوصف الجامع علة، من الايماء أو غيره من طرق التخريج، كما عرف.
# وعن التاسعة عشرة: أن العلل المستنبطة من الأصول، وإن كانت أدلة على
~~الاحكام في الفروع، فليست أدلة لذواتها وصفات أنفسها الذاتية، كما في العلل
~~العقلية، بل إنما كانت أدلة بالوضع والتوقيف وجعل الشارع لها أدلة، فلذلك
~~افتقرت في جعلها أدلة إلى غيرها.
# وعن العشرين: أن الكلام في هذه المسألة غير مختص بتصحيح القياس في آحاد
~~الصور، بل إنما هو في جواز ورود التعبد بالقياس في الجملة، كيف وإن الوجه
~~في ظهور المصلحة في التعليل بمطعوم جنس، أو مكيل جنس، أو غير ذلك مما قد
~~تكلف بيانه في مسائل الفروع فعلى الناظر في ذلك بالاعتبار، حتى إن كل ما لم
~~يظهر فيه وجه المصلحة، ولا دفع المفسدة من الأوصاف المستنبطة بدليله،
~~فالقياس فيه غير جائز. PageV04P020
# وعن الحادية والعشرين: أن كل ما هو غيب عنا، لو جعل الله عليه أمارة تدل
~~عليه، كما جعل ذلك في الأحكام الشرعية، كان الحكم في معرفته، كما في
~~الاحكام، وحيث لم يجعل له أمارة تدل عليه لم يكن ms758 معلوما.
# وعن الثانية والعشرين: لا نسلم أن التوصل إلى معرفة المصالح بفعل القائس،
~~وإنما فعل القائس، وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع، تبع لمعرفة المصلحة
~~المأخوذة من حكم الأصل.
# وعن الثالثة والعشرين: أنه متى غلب على ظن القائس كون الحكم معللا، وظهرت
~~له علة في نظره مجردة عن المعارض، وتحقق وجودها في الفرع، كان له القياس،
~~وإلا فلا.
# وعن الرابعة والعشرين: أنه مهما تقابل في نظر القائس قياسان على التحليل
~~والتحريم مثلا، فكل واحدة من العلتين غير موجبة لحكمها لذاتها، فلا يلزم من
~~ذلك اجتماع الحكمين، وعلى هذا، إن ترجحت إحداهما على الأخرى، كان العمل
~~بها، وإن تعارضا من كل وجه، أمكن أن يقال بالوقف إلى حين ظهور الترجيح،
~~وأمكن أن يقال بتخيير المجتهد في العمل بأي القياسين شاء، على ما عرف من
~~مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل.
# وعن الخامسة والعشرين: لا نسلم أن العلل الشرعية على وزان العلل العقلية،
~~وإنما هي بمعنى الامارات والعلامات، وما كان بمعنى الامارة والعلامة لا
~~يمتنع أن يكون الظن الحاصل منه، من مجموع أوصاف لا يستقل البعض بها، وذلك
~~PageV04P021
# كالظن الحاصل بنزول المطر، عند طلوع الغيم وتكاثفه ودنوه من الأرض وهبوب
~~الهواء البارد. وكذلك ظن سقوط الجدار بميله وانشقاقه وتخلخل أجزائه إلى غير
~~ذلك.
# والجواب عن الشبهة الأولى للقائلين بكون العقل موجبا لورود التعبد
~~بالقياس، أن الذي لا يتناهى إنما هو الجزئيات الداخلة تحت الأجناس الكلية.
~~أما الأجناس الكلية، فلا نسلم أنها غير متناهية.
# وعلى هذا، فقد أمكن التنصيص على كل واحد من الأجناس بأن يقول الشارع كل
~~مطعوم ربوي، وكل مسكر حرام، وكل قاتل عمدا عدوانا مقتول، وكل سارق من حرز
~~مثله لا شبهة له فيه مقطوع، إلى نظائره، والحكم في كل صورة من جزئيات ذلك
~~الجنس يكون ثابتا بالنص. وإن افتقرنا فيه إلى الاجتهاد في إدراج كل واحد
~~تحت جنسه ليتم إثبات الحكم فيه بالنص، فذلك إنما هو من باب تحقيق متعلق
~~الحكم، لا أنه قياس. وعلى هذا، فلا حاجة إلى ms759 القياس. وإن سلمنا امتناع
~~التعميم بغير القياس، فإنما يجب التعبد به أن لو كان النبي عليه السلام
~~مكلفا بالتعميم، وهو غير مسلم، بل يمكن أن يقال بأنه إنما كلف بما يقدر على
~~تبليغه بطريق المخاطبة.
# وما ذكروه مبني على وجوب رعاية الصلاح والأصلح، وهو غير مسلم، على ما
~~عرفناه في الكلاميات.
# وعن الثانية أنها مبنية على كون العقل موجبا، وعلى وجوب رعاية المصلحة،
~~وهو باطل، على ما عرفناه. PageV04P022
# وإن سلمنا أن العقل موجب عند ظهور المصلحة في نظر العاقل، لكن متى إذا
~~كان علم الله تعالى متعلقا بما ظنه العبد على وفق ما ظنه العبد، أو على
~~خلافه؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. وعند ذلك، فمن الجائز أن يكون الرب
~~تعالى قد علم أنه لا مصلحة للمكلفين في القياس، وأنه مضر في حقهم على خلاف
~~مظنون العبد. ومع ذلك، فلا يكون العقل موجبا للقياس. وإن سلمنا إيجاب ذلك
~~مطلقا، لكن إذا أمكن إثبات الحكم في الفرع بطريق غير القياس، أو إذا لم
~~يمكن؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. وقد بينا إمكان ذلك في دفع الشبهة التي
~~قبلها.
# وعن الثالثة أنها مبينة على كون العقل موجبا، وعلى وجوب رعاية المصلحة،
~~وعلى أنه لا طريق إلى معرفة الحكم في الفرع سوى القياس، وعلى أن الله تعالى
~~عالم بأن المصلحة في القياس، كما ظنه العبد، وكل ذلك ممنوع، وأيضا فإن
~~العلة الجامعة قد لا يكون طريق إثباتها المناسبة، كما سبق تعريفه.
# وبتقدير أن يكون لا طريق سوى المناسبة، وأنه لا طريق إلى معرفتها إلا
~~بالعقل، فلا نسلم أنه يلزم من ذلك وجوب التعبد بها عقلا.
# وما ذكروه من العلل العقلية مبني على العلة والمعلول العقليين، وهو غير
~~مسلم.
# وبتقدير تحقق ذلك، فالعقل إنما يقضي بملازمة معلول العلة العقلية لها،
~~لكونها مقتضية لمعلولها بذاتها، ولا كذلك العلل الشرعية، فإنها إنما كانت
~~عللا بمعنى الامارات والعلامات، فلا يصح القياس. PageV04P023
# المسألة الثانية الذين اتفقوا على جواز التعبد بالقياس عقلا، اختلفوا:
# فمنهم من قال: لم يرد التعبد الشرعي به، ms760 بل ورد بحظره، كداود بن علي
~~الأصفهاني وابنه القاشاني والنهرواني، ولم يقضوا بوقوع ذلك إلا فيما كانت
~~علته منصوصة أو مومى إليها.
# وذهب الباقون إلى أن التعبد الشرعي به، واقع بدليل السمع، واختلفوا في
~~وقوعه بدليل العقل، كما بيناه في المسألة المتقدمة، وأومأنا إلى إبطاله.
# ثم الدليل السمعي هل هو قاطع أو ظني؟ اختلفوا فيه:
# فقال الكل إنه قطعي سوى أبي الحسين البصري، فإنه قال إنه ظني، وهو
~~المختار.
# وقد احتج على ذلك بحجج ضعيفة لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ضعفها،
~~ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. فمنها كتابية، وإجماعية، ومعنوية:
# أما الكتابية، فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
~~الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) *
~~(النساء: 59) ووجه الاحتجاج به أنه أمر بطاعة الله والرسول. والمراد من ذلك
~~إنما هو امتثال أمرهما ونهيهما، فقوله ثانيا: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه
~~إلى الله والرسول) * (النساء: 59) والظاهر من الرد هو القياس، ولأنه لو
~~أراد به اتباع أوامرهما ونواهيهما، لكان ذلك تكرارا، فلم يبق إلا أن يكون
~~المراد به الرد إلى ما استنبط من الأمر والنهي.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم أن المراد من قوله تعالى: * (فردوه) * القياس
~~على ما أمر الله ورسوله بل يمكن أن يكون المراد البحث عن كون المتنازع فيه
~~مأمورا أو منهيا، حتى يدخل تحت قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فالامر
~~الأول بالطاعة للامر والنهي، والثاني بالبحث عن المتنازع فيه، هل هو مأمور
~~أو منهي أو لا، فلا تكرار. PageV04P024
# وإنما يمكن حمل الرد على القياس مع كونه مختلفا في الاحتجاج به أن لو
~~تعذر حمل لفظ الرد على غيره، وليس بمتعذر.
# وإن سلمنا امتناع حمله على البحث عن كون المتنازع فيه مأمورا أو منهيا،
~~أمكن أن يكون المراد بقوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما أمركم به
~~ونهاكم عنه، والمراد من قوله: فإن تنازعتم في شئ أي فيما لم يسبق فيه أمر
~~ولا نهي، فردوه إلى الله والرسول بالسؤال ms761 للرسول لينبئكم عن مقتضى ذلك في
~~كتاب الله وسنة رسوله.
# فإن قيل: هذا يوجب اختصاص الآية بمن وجد في زمن النبي عليه السلام، لتعذر
~~ذلك بالنسبة إلى من بعدهم، والاجماع منعقد على تعميم وجوب الطاعة والرد إلى
~~الله والرسول في كل زمان. فلو كان معنى الرد السؤال للرسول، لما تصور ذلك
~~في حق من وجد بعد النبي، عليه السلام.
# قلنا: وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان، ولكن لا نسلم أن
~~وجوب الرد ثابت في كل زمان، لأنه إن حمل الرد على القياس، فهو محل النزاع،
~~وإن حمل على السؤال للنبي عليه السلام، فظاهر أنه غير واجب على من لم يره.
# فإن قيل: الضمير في المخاطب بالرد عائد إلى المخاطب بالطاعة، فإذا كان
~~الخطاب بالطاعة عاما، فكذلك الخطاب بالرد، وإذا تعذر حمل الرد على السؤال
~~في حق الكل، تعين أن يكون المراد به القياس.
# قلنا: وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان، ولكن لا نسلم أنها
~~واجبة بقوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول لأنها خطاب مشافهة، على ما سبق
~~PageV04P025
# تقريره في الأوامر. وإن سلمنا عموم خطاب الامر بالطاعة، فغايته أن يكون
~~الضمير في قوله فردوه إلى الله والرسول ظاهرا في العود إلى كل من أمر
~~بالطاعة، فعوده إلى البعض، وهو من كان في زمن النبي، عليه السلام، لضرورة
~~حمل الرد على السؤال للنبي، عليه السلام، غايته أن يكون تخصيصا للعموم، وهو
~~مقابل بمثله في حمل الرد على القياس، وذلك لان الآية عامة في حق كل مجتهد
~~وعامي، ويلزم من حمل لفظ الرد على القياس تخصيص الآية بالمجتهدين دون
~~غيرهم، وليس مخالفة أحد العمومين والتمسك بالآخر أولى من العكس، وأيضا قوله
~~تعالى: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه
~~منهم) * (النساء: 83) والاستنباط هو القياس، وهو ضعيف أيضا. ولك، لأنه إنما
~~يجب حمل الاستنباط في الآية على القياس أن لو تعذر حمله على غيره، وليس
~~كذلك، إذ أمكن أن يراد به استخراج الحكم من دليله، ms762 وهو أعم من القياس.
~~ولهذا يصح أن يقال لمستخرج الحكم من دلالة النص إنه مستنبط، كيف وإن
~~المذكور في صدر الآية إنما هو الامن والخوف بقوله تعالى * (وإذا جاءهم أمر
~~من الامن أو الخوف) * فيجب أن يكون الضمير في قوله أذاعوا به وفي قوله ولو
~~ردوه وفي قوله لعلمه وفي قوله يستنبطونه عائدا إليه، لأنه المذكور لا إلى
~~غيره لكونه غير مذكور. وليس ذلك من القياس في شئ.
# وأيضا قوله تعالى * (إن أنتم إلا بشر مثلنا) * (إبراهيم: 10) ووجه
~~الاحتجاج به أنهم أوردوا ذلك في معرض صدهم عما كان يعبد آباؤهم، لما بينهم
~~من المشابهة في البشرية، ولم ينكر عليهم ذلك، وهو عين القياس، فكان حجة،
~~وهو ضعيف أيضا لوجهين: PageV04P026
# الأول: لا نسلم عدم النكير عليهم، فإن الآية إنما خرجت مخرج الانكار
~~لقولهم ذلك، ولذلك قال تعالى: * (إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على
~~من يشاء من عباده) * (إبراهيم: 11).
# الثاني: أنه وإن كان قياسا وتشبيها في الأمور الحقيقية، فلا يلزم مثله في
~~الأحكام الشرعية إلا بطريق القياس أيضا، وهو محل النزاع.
# وأما الاجماعية، فمنها أنهم قالوا: الأمة قد علقت من قوله تعالى: * (ولا
~~تقل لهما أف) * (الاسراء: 23) تحريم الشتم والضرب بطريق القياس، وهو غير
~~صحيح لامكان قول الخصم إن ذلك إنما عقل من دلالة اللفظ وفحوى الخطاب، على
~~ما سبق، وإن كان ذلك بطريق القياس، غير أن العلة فيه معلومة بدلالة النص،
~~وهي كف الأذى عن الوالدين، ولا يلزم مثله فيما كانت العلة فيه مستنبطة
~~مظنونة، كما قاله النظام.
# ومنها أن الأمة مجمعة على رجم الزاني المحصن قياسا على رجم النبي (ص)
~~(لماعز) وهو ضعيف، وأيضا لامكان أن يقال بل إنما حكموا بذلك بناء على قوله
~~(ص):
# حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ومنها أن الأمة مجمعة على أن الله
~~تعالى تعبدنا بالاستدلال بالامارات على جهة القبلة عند اشتباهها، وذلك أيضا
~~مما لا يمكن التمسك به، لان الخصم لا يمنع من التمسك بالامارات مطلقا، بل
~~يجوز ذلك في القبلة ms763 وفي تقويم أروش الجنايات، وقيم المتلفات وتقدير
~~النفقات، وفيما كانت الامارات فيه خفية، ولا يلزم مثله في الامارات الشرعية
~~والأقيسة كيف وإن من الخصوم من يمنع من صحة الاجتهاد عند اشتباه القبلة،
~~ويوجب التوجه إلى الجهات الأربع، حتى يخرج عن العهدة بيقين.
# وأما الحجة المعنوية فهي أن النص والاجماع مما يقل في الحوادث ويندر.
# فلو لم يكن القياس حجة أفضى ذلك إلى خلو أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية
~~وهو خلاف المقصود من بعثة الرسل، وذلك ممتنع، وهي ضعيفة أيضا PageV04P027
# وذلك لان الوقائع التي خلت عن النصوص والاجماع، إنما يلزم خلوها عن
~~الأحكام الشرعية أن لو لم يكن نفي الحكم الشرعي بعد ورود الشرع حكما شرعيا
~~وأما إذا كان حكما شرعيا، وكان مدركه شرعيا، وهو استصحاب الحال وانتفاء
~~المدارك الشرعية المقتضية للأحكام الاثباتية، فلا.
# وإن سلمنا أن انتفاء الحكم عند انتفاء النص والاجماع ليس حكما شرعيا،
~~ولكن إنما يمتنع ذلك أن لو كنا مكلفين بإثبات الأحكام الشرعية في كل قضية،
~~وهو غير مسلم وذلك لان الشارع كما يورد إثبات الاحكام في بعض الوقائع قد
~~يورد نفيها في بعض آخر، على حسب اختلاف المصالح ثم يلزم على ما ذكروه أن
~~تكون المصالح المرسلة الخلية عن الاعتبار حججا في الشريعة، وهو محال، وذلك
~~لأنه ليس كل واقعة يمكن وجود النص أو الاجماع أو القياس فيها. فلو لم تكن
~~المصلحة المرسلة حجة، أفضى ذلك أيضا إلى خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية،
~~لعدم وجود النص أو الاجماع أو القياس فيها والعذر إذ ذاك يكون مشتركا
~~PageV04P028
# والمعتمد في المسألة الكتاب والسنة والاجماع.
# أما الكتاب فقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر
~~بالاعتبار، والاعتبار هو الانتقال من الشئ إلى غيره، وذلك متحقق في القياس
~~حيث إن فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع. ولهذا، قال ابن عباس في الأسنان
~~اعتبر حكمها بالأصابع، في أن ديتها متساوية، أطلق الاعتبار، وأراد به نقل
~~حكم الأصابع إلى الأسنان، والأصل في الاطلاق الحقيقة وإذا ثبت أن القياس
~~مأمور به، فالامر ms764 إما أن يكون للوجوب، أو للندب على ما سبق في الأوامر.
~~وعلى كلا التقديرين، فالعمل بالقياس يكون مشروعا.
# فإن قيل لا نسلم أنه أمر بالاعتبار، وصيغة افعلوا مترددة بين الامر
~~وغيره، كما سبق في الأوامر، وليس جعلها ظاهرة في البعض أولى من البعض،
~~سلمنا أنها للامر، ولكن لا نسلم أن الاعتبار ما ذكرتموه، بل هو عبارة عن
~~الاتعاظ، ويدل عليه أمران: الأول قوله تعالى: * (إن في ذلك لعبرة لأولي
~~الابصار) * (آل عمران: 13) وقوله: * (وإن لكم في الانعام لعبرة) * (النحل:
~~66) والمراد به الاتعاظ، إذ هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ.
# الثاني أن القائس في الفروع إذا أقدم على المعاصي، ولم يتفكر في أمر
~~آخرته ، يقال إنه غير معتبر، ولو كان القياس هو الاعتبار، لما صح سلب ذلك
~~عنه.
# سلمنا أن الاعتبار ظاهر في القياس، لكنه قد وجد في الآية ما يمنع من
~~الحمل عليه ويصرفه إلى الاعتبار بمعنى الاتعاظ، وذلك قوله تعالى: * (يخربون
~~بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (الحشر: 2) ولو كان الاعتبار بمعنى
~~القياس لما حسن ترتيبه على ذلك، وإنما يحسن ذلك عند إرادة الاتعاظ.
# سلمنا أن المراد به القياس، غير أنه ليس في الآية صيغة عموم تقتضي العمل
~~بكل قياس، فكانت الآية مطلقة، والمطلق إذا عمل به في صورة أو صور لا يبقى
~~حجة فيما عداها، ضرورة الوفاء بالعمل بدلالته، وقد عملنا بذلك في القياس
~~العقلي PageV04P029
# والقياس الذي علته منصوصة أو مومى إليها، وبقياس الفروع على الأصول في
~~امتناع إثباتها بالقياس.
# سلمنا العموم لكنه قد خص بما كلفنا فيه باليقين وبما كان منصوصا عليه
~~وبما لم نعلم له أصلا، ولا وصفا جامعا، فإن القياس غير مأمور به في ذلك
~~كله.
# وكذلك إذا قال لوكيله أعتق غانما لسواده فإنه لا يجوز تعدية ذلك إلى سالم
~~وإن كان مسودا. والعام بعد التخصيص لا يبقى حجة، وإن بقي حجة ففي أقل ما
~~يتناوله الاسم العام، على ما سبق في العموم.
# وإن سلمنا أنه يبقى حجة فيما عدا محل التخصيص، غير أن الآية ms765 خطاب مع
~~الموجودين، فيختص ذلك بمن كان موجودا في وقت نزول الوحي بالآية، وإن عم
~~جميع الأزمان ولكنه أمر مطلق، فلا يكون مفيدا للفور، ولا للتكرار، وإن كان
~~مفيدا لذلك، لكن بطريق ظني لا قطعي والمسألة قطعية لا ظنية.
# والجواب عن السؤال الأول أنا قد بينا أن صيغة (افعل) ظاهرة في الطلب، وأن
~~الطلب لا يخرج عن اقتضاء الوجوب أو الندب في الأوامر، وأي الامرين قدر، كان
~~دليلا على شرع القياس.
# قولهم: لا نسلم أن الاعتبار عبارة عما ذكرتموه. قلنا: دليله ما ذكرناه.
# قولهم: يطلق بمعنى الاتعاظ. قلنا عنه جوابان:
# الأول المنع، ويدل عليه قولهم: اعتبر فلان فاتعظ ولو كان الاعتبار هو
~~الاتعاظ لما حسن هذا الكلام والترتيب، ولأن ترتيب الشئ على نفسه ممتنع.
# الثاني أن الاعتبار بمعنى الانتقال من الشئ إلى غيره، هو مشترك بين
~~القياس الاتعاظ اما ان الانتقال متحقق في القياس فقد سبق بيانه واما انه
~~متحقق في الاتعاظ فذلك لان المتعظ بغيره منتقل من العلم بحال ذلك الغير إلى
~~العلم بحال نفسه ويجب ان يكون لفظ الاعتبار حقيقة فيما وقع فيه الاشتراك
~~نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ وإذا كان كذلك فالامر اعتبار امر القدر
~~المشترك بين القياس والاتعاظ PageV04P030
# وهو اما ان يكون متناولا لواحد من الاعتبارات على سبيل الشيوع أو لكل
~~اعتبار على جهة العموم فان كان الأول فتعلق الامر به انما كان لما يتعلق به
~~من المصلحة وتلك المصلحة فكما تحصل من الواحد الفرد تحصل من كل واحد من
~~الافراد ضرورة الاشتراك في ملزومها فالفظ وان لم يكن عاما بلفظه فيكون عاما
~~بمعناه وان كان الثاني فهو المطلوب فكان مأمورا به من جهة ما فيه من
~~الانتقال، وذلك هو القياس. وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الآيتين.
# قولهم: القائس إذا كان معرضا عن أمر آخرته، يقال إنه غير معتبر.
# قلنا لا يصح ذلك بالنظر إلى كونه قائسا، وإنما صح ذلك بالنظر إلى أمر
~~الآخرة، وإنما أطلق النفي بطريق المجاز نظرا إلى إخلاله بأعظم المقاصد، وهو ms766
~~أمر المعاد.
# وعن الثالث أنه إذا كان الانتقال متحققا في الاتعاظ على ما قدمناه، وذلك
~~هو القياس، فلا نسلم امتناع ترتيب القياس على ما ذكروه.
# وعن الرابع أن اللفظ إن كان عاما فهو المطلوب، وإن كان مطلقا، فيجب حمله
~~على القياس الشرعي، نظرا إلى أن الغالب من الشارع أنه إنما يخاطبنا بالأمور
~~الشرعية دون غيرها، وهو إما أن تكون العلة فيه منصوصة أو مستنبطة، والأول
~~ليس بقياس على ما حققناه قبل. وإن كانت مستنبطة فقد سلم صحة الاحتجاج ببعض
~~الأقيسة المختلف فيها، ويلزم من ذلك تسليم الباقي ضرورة أن لا قائل بالفرق.
# وعن الخامس أن العام بعد التخصيص يكون حجة فيما وراء صور التخصيص، على ما
~~سبق في العموم.
# وعن قولهم إنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي، عليه السلام، فلا يعم.
# قلنا: لا نسلم أنه لا يعم بتقدير الوجود والفهم. وإن سلمنا أنه لا يعم
~~بلفظه، فهو عام بمعناه نظرا إلى انعقاد الاجماع عل أن أحكام الخطاب الثابت
~~في زمن النبي، عليه السلام، عامة في حق من بعد النبي (ص). فإذا لم يكن
~~الخطاب عاما بلفظه، PageV04P031
# وجب أن يكون عاما بمعناه، ضرورة انعقاد الاجماع على ذلك.
# وبتقدير أن لا يكون عاما لا بلفظه ولا بمعناه، فهو حجة على الخصوم في بعض
~~صور النزاع، ويلزم من ذلك الحكم في الباقي، ضرورة أن لا قائل بالتفصيل.
# وبهذا الجواب، يكون الجواب عن قولهم: إن الامر المطلق لا يقتضي الفور ولا
~~التكرار.
# وعن السؤال الأخير، أن المسألة ظنية غير قطعية.
# وأما من جهة السنة فما روي عن النبي (ص)، أنه قال لمعاذ، حين بعثه إلى
~~اليمن قاضيا بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد، قال: فبسنة رسول
~~الله. قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي والنبي (ص)، أقره على ذلك. وقال:
# الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله واجتهاد الرأي
~~لا بد وأن يكون مردودا إلى أصل، وإلا كان مرسلا، والرأي المرسل غير معتبر،
~~وذلك هو القياس. ms767 PageV04P032
# وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري، وقد
~~أنفذهما إلى اليمن بم تقضيان؟ فقالا: إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا السنة،
~~قسنا الامر بالامر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به صرحوا بالعمل بالقياس
~~والنبي (ص) أقرهما عليه، فكان حجة.
# وأيضا ما روي عنه عليه السلام، أنه قال لابن مسعود اقض بالكتاب والسنة،
~~إذا وجدتهما، فإذا لم تجد الحكم فيهما، اجتهد رأيك ووجه الاحتجاج به كما
~~تقدم في الخبر الأول.
# وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه لما سألته الجارية الخثعمية وقالت يا
~~رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج. إن حججت
~~عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه
~~ذلك؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء ووجه الاحتجاج به أنه ألحق دين
~~الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس. وما مثل هذا يميه
~~الأصوليون التنبيه على أصل القياس، كما سبق تحقيقه. PageV04P033
# وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال لام سلمة، وقد سئلت عن قبلة
~~الصائم:
# هل أخبرته أني أقبل وأنا صائم وإنما ذكر ذلك تنبيها على قياس غيره عليه.
# وأيضا ما روي عنه أنه أمر سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة برأيه،
~~وأمرهم بالنزول على حكمه، فأمر بقتلهم، وسبي نسائهم، فقال عليه السلام:
# لقد وافق حكمه حكم الله.
# وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم
~~الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها حكم بتحريم ثمنها، باعتبار تحريم
~~أكلها.
# وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه علل كثيرا من الاحكام، والتعليل موجب
~~لاتباع العلة أين كانت، وذلك هو نفس القياس.
# فمن ذلك قوله عليه السلام: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل
~~الدافة، فادخروها. وقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها
~~تذكركم بالآخرة.
# ومنا قوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا:
# نعم. فقال: فلا ms768 إذا.
# ومنها قوله (كي لا يكون دولة بين الأغنياء معكم).
# ومنها قوله في حق محرم وقصت به ناقته: لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا،
~~فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا.
# ومنها قوله في حق شهداء أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم
~~القيامة، وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.
~~PageV04P034
# ومنها قوله في الهرة: إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم
~~والطوافات.
# وقوله: إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل، فلا يغمس يده في الاناء حتى
~~يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده.
# وقوله في الصيد: فإن وقع في الماء فلا تأكل منه، لعل الماء أعان على
~~قتله.
# وأيضا قوله: أنا أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي والرأي إنما هو
~~تشبيه شئ بشئ، وذلك هو القياس، إلى غير ذلك من الاخبار المختلف لفظها،
~~المتحد معناها، النازل جملتها منزلة التواتر، وإن كانت آحادها آحادا.
# فإن قيل: أما حيث معاذ فإنه مرسل، وخبر واحد ورد في إثبات كون القياس
~~حجة، وهو مما تعم به البلوى، والمرسل ليس بحجة عند الشافعي، وخبر الواحد،
~~فيما تعم به البلوى ليس بحجة عند أبي حنيفة، فالاجماع من الفريقين على أنه
~~ليس بحجة.
# والذي يدل على ضعفه أن النبي عليه السلام، كان قد ولاه القضاء، وذلك لا
~~يكون إلا بعد معرفة اشتمال معاذ على معرفه ما به يقضي. فالسؤال عما علم لا
~~معنى له.
# وأيضا فإنه وقف العمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة، ووقف العمل
~~بالسنة على عدم وجدان الكتاب. والأول على خلاف قوله تعالى: * (ما فرطنا في
~~الكتاب من شئ) * (الانعام: 38). وعلى خلاف قوله: * (ولا رطب ولا يابس إلا
~~في كتاب مبين) * (الانعام: 59) والثاني على خلاف الدليل الدال على جواز نسخ
~~الكتاب وتخصيصه بالسنة. PageV04P035
# سلمنا صحته وأنه حجة، غير أن اجتهاد الرأي أعم من القياس، وذلك لان
~~اجتهاد الرأي، كما يكون بالقياس، قد يكون بالاجتهاد في الاستدلال بخفي
~~النصوص من الكتاب والسنة، وطلب الحكم فيهما، على التمسك بالبراءة الأصلية،
~~ولفظه غير عام ms769 في كل رأي، فلا يكون حمله على اجتهاد الرأي بالقياس أولى من
~~غيره.
# سلمنا أن المراد به اجتهاد الرأي بالقياس، غير أن القياس ينقسم إلى ما
~~علته منصوصة أو مومى إليها، وإلى ما علته مستنبطة بالرأي، واللفظ أيضا
~~مطلق، وقد عملنا به في القياس الذي علته منصوصة على ما قاله النظام.
# سلمنا أنه حجة مطلقا في كل قياس، ولكن قبل إكمال الدين أو بعده؟ على ما
~~قال تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * (المائدة: 3) الأول مسلم، والثاني
~~ممنوع. وذلك أن إكمال الدين إنما يكون باشتمال الكتاب والسنة على تعريف كل
~~ما لا بد من معرفته وعلى هذا فالقياس لا حاجة إليه بعد ذلك. وبتقدير كونه
~~حجة مطلقا، لكن فيما تعبد في إثباته بالظن لا باليقين. والقياس ليس من هذا
~~الباب.
# وبهذا يكون الاعتراض على حديث ابن مسعود أيضا.
# وأما حديث الجارية الخثعمية، فالورود عليه من جملة الأسئلة الواردة على
~~حديث معاذ، أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى، وأنه ظني فلا يتمسك به في
~~مسائل الأصول، وهما عامان في جميع ما ذكر من الاخبار ويخصه أن النبي (ص)،
~~إنما ذكر دين الآدمي بطريق التقريب إلى فهم الجارية في حصول نفع القضاء.
~~أما أن يكون ذلك بطريق القياس، فلا.
# وأما حديث أم سلمة فيدل على أن فعل النبي (ص) حجة متبعة، أما أن يكون ذلك
~~بطريق القياس على فعل النبي (ص)، فلا.
# وأما حديث سعد بن معاذ، فليس فيه أيضا ما يدل على صحة القياس فإن أمره له
~~بأن يحكم في بني قريظة برأيه لا يخص القياس، لما تقدم من أن اجتهاد الرأي
~~أعم من القياس، فلعله أمره أن يحكم باجتهاد رأيه في الاستدلال بخفي النصوص
~~PageV04P036
# من الكتاب والسنة، ولذلك، قال، عليه السلام: لقد وافق حكمه حكم الله
~~ورسوله.
# وأما خبر تحريم الشحوم على اليهود فليس فيه ما يدل على تحريم البيع،
~~بالقياس على تحريم الاكل، فإن تحريم الشئ أعم من تحريم أكله، فإن تحريم
~~الشئ تحريم للتصرف فيه مطلقا. وبتقدير أن ms770 يكون تحريم الاكل مصرحا به،
~~فالمراد به تحريم التصرف مطلقا، بدليل قوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم
~~بينكم بالباطل) * (البقرة: 188) وقوله: * (ولا تأكلوا مال اليتيم) *.
# وقوله: * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (النساء: 2) والمراد به
~~المنع من التصرف في ذلك بغير حق.
# وأما الأخبار الدالة على تعليل الاحكام، فليس يلزم من تعليل الحكم
~~المنصوص عليه بعلة، إلحاق غير المنصوص، به لاشتراكهما في تلك العلة، إذ هو
~~محل النزاع وليس في الاخبار ما يدل على الالحاق، بل التعليل إنما كان
~~لتعريف الباعث على الحكم، ليكون أقرب إلى الانقياد، وادعى إلى القبول.
~~ولهذا أمكن التنصيص على العلة القاصرة، ولا قياس عنها.
# وبتقدير دلالتها على الالحاق. فالعلل فيها منصوصة ومومى إليها. ونحن نقول
~~بهذا النوع من القياس، كما قاله النظام، وقوله عليه السلام: إني أحكم بينكم
~~بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي فهو على خلاف قوله تعالى: * (وما ينطق عن
~~الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3) وبتقدير أن يكون حكمه بالرأي، فلا
~~يلزم أن يكون ذلك بالقياس لما تقدم.
# وبتقدير أن يكون بالقياس، فلا يلزم من جواز التمسك بالقياس للنبي عليه
~~السلام، مع كونه معصوما عن الخطأ، مسددا في أحكامه، جواز ذلك لغيره.
# والجواب عن السؤال الأول على خبر معاذ أنا قد بينا أن المرسل وخبر الواحد
~~فيما تعم به البلوى حجة.
# وأما سؤال معاذ عما به يقضي، فإنما كان قبل توليه القضاء، ليعلم صلاحيته
~~لذلك وإن كان ذلك بعد توليه القضاء، فإنما كان ذلك بطريق التأكيد، أو
~~بأعلام الغير بأهليته للقضاء، PageV04P037
# وأما توقيفه للعمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة فغير مخالف لقوله
~~تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38) إذ المراد منه إنما
~~هو عدم التفريط فيما ورد من الكتاب، لا أن المراد به بيان كل شئ، فإنا نعلم
~~عدم اشتماله على بيان العلوم العقلية من الهندسية والحسابية وكثير من
~~الأحكام الشرعية، وبتقدير أن يكون المراد به بيان كل شئ، لكن لا بطريق
~~الصريح، بل بمعنى أنه أصل لبيان كل شئ. ms771 فإنه أصل لبيان صدق الرسول في قوله،
~~وقوله بيان للقياس وغيره: وبه يخرج الجواب عن الآية الأخرى، وأما توقيفه
~~العمل بالسنة على عدم الكتاب، فالمراد به الكتاب الذي لا معارض له ولا
~~ناسخ، ويجب تنزيله على ذلك، ضرورة الجمع بين تقرير النبي عليه السلام، له
~~على ذلك، وبين الدليل الدال على نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة.
# وعن السؤال الثاني أنه يمتنع حمل اجتهاد الرأي على الاجتهاد في الاستدلال
~~بخفي نصوص الكتاب والسنة، لان قوله فإن لم تجد عام في الجلي والخفي، بدليل
~~صحة الاستثناء وورود الاستفهام. فتخصيص ذلك بالجلي دون الخفي من غير دليل
~~ممتنع، والتمسك بالبراءة الأصلية في نفي الأحكام الشرعية، ليس بحجة على ما
~~يأتي. فلا يكون اجتهاد الرأي فيه مستندا للحكم.
# وبتقدير أن يكون حجة، فذلك معلوم لكل عاقل، فلا يكون مفتقرا إلى اجتهاد
~~الرأي.
# وعن السؤال الثالث أنا لا نسلم أن ما كانت علته منصوصة يكون قياس على ما
~~سيأتي.
# وإن سلمنا أنه قياس فما ذكرناه، وإن لم يكن حجة على النظام، فهو حجة على
~~غيره.
# وعن الرابع أن إكمال الدين، إنما يكون ببيان كل شئ، إما بلا واسطة، أو
~~PageV04P038
# بواسطة، على ما بيناه. وعلى هذا فلا يمتنع العمل بالقياس بعد إكمال
~~الدين، لكونه من جملة الوسائط.
# وعن الخامس ما سبق من أن المسألة ظنية غير قطعية. وعلى هذا فلا يخفى
~~الجواب عما يعترض به على خبر ابن مسعود.
# وكذلك جواب كل ما يعترض به من هذه الأسئلة على باقي الاخبار.
# وما ذكروه على خبر الجارية الخثعمية فبعيد أيضا، فإنه لو لم يكن مدرك
~~الحكم فيما سألت عنه القياس على دين الآدمي، لما كان التعرض لذكره مفيدا،
~~بل كان يجب الاقتصار على قوله نعم.
# وما ذكروه على حديث أم سلمة، فغير صحيح. وذلك، لأنه لو لم يكن اتباعنا له
~~في فعله، بطريق التأسي به، لما كان حكم فعله ثابتا في حقنا، ولا معنى
~~للقياس سوى ذلك.
# وما ذكروه على حديث سعد بن معاذ، باطل أيضا، لان حكمه ms772 لو كان مستندا إلى
~~الكتاب أو السنة، لما كان ذلك برأيه، وقد قال: أحكم فيهم برأيك وقوله عليه
~~السلام: لقد وافق حكمه حكم الله ورسوله لا منافاة بينه وبين الحكم بالقياس
~~فإنه إذا كان القياس من طرق الشرع، فالحكم المستند إليه يكون حكما لله
~~ولرسوله.
# وما ذكروه على خبر الشحوم، مندفع من حيث إن الظاهر من إضافة التحريم إلى
~~المأكول إنما هو تحريم الاكل.
# وكذلك التحريم المضاف إلى النساء إما هو تحريم الوطئ، وإلى الدابة تحريم
~~الركوب، وإلى الدار تحريم السكنى.
# وكذلك في كل شئ على حسبه، وهو المتبادر إلى الفهم عند إطلاقه. فتحريم
~~PageV04P039
# البيع لا يكون مأخوذا من مطلق التحريم المضاف إلى أكل الشحوم، فلم يبق
~~إلا أن يكون بطريق الالحاق به، وهو معنى القياس.
# وما ذكروه على الأخبار الدالة على التعليل بالعلل المذكورة من أن ذلك لا
~~يدل على التعدية، فحق. غير أن ما ذكروه بتقدير تسليم التعدية على مذهب
~~النظام، فقد سبق جوابه.
# وأما الاجماع، وهو أقوى الحجج في هذه المسألة، فهو أن الصحابة اتفقوا على
~~استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد منهم فمن
~~ذلك رجوع الصحابة إلى اجتهاد أبي بكر رضي الله عنه في أخذ الزكاة من بني
~~حنيفة وقتالهم على ذلك، PageV04P040
# وقياس خليفة رسول الله على الرسول في ذلك بوساطة أخذ الزكاة للفقراء
~~وأرباب المصارف.
# ومن ذلك قول أبي بكر لما سئل عن الكلالة أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن
~~صوابا، فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد
~~والولد.
# ومن ذلك أن أبا بكر ورث أم الام دون أم الأب، فقال له بعض الأنصار لقد
~~ورثت امرأة من ميت، لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة، لو كانت هي
~~الميتة ورث جميع ما تركت فرجع إلى التشريك بينهما في السدس.
# ومن ذلك حكم أبي بكر بالرأي في التسوية في العطاء حتى قال له عمر كيف
~~تجعل من ترك دياره وأمواله، وهاجر إلى ms773 رسول الله، كمن دخل في الاسلام كرها
~~، فقال أبو بكر: إنما أسلموا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ
~~وحيث انتهت PageV04P041
# النوبة إلى عمر فرق بينهم.
# ومن ذلك قياس أبي بكر تعيين الامام بالعهد على تعيينه بعقد البيعة، حتى
~~إنه عهد إلى عمر بالخلافة، ووافقه على ذلك الصحابة.
# ومن ذلك ما روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري اعرف الأشباه
~~والأمثال، ثم قس الأمور برأيك.
# ومن ذلك قول عمر أقضي في الجد برائي، وأقول فيه برائي وقضى فيه بآراء
~~مختلفة.
# ومن ذلك قوله لما سمع حديث الجنين لولا هذا لقضينا فيه برأينا.
~~PageV04P042
# ومن ذلك أنه لما قيل له في مسألة المشركة هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا
~~من أم واحدة فشرك بينهم.
# ومن ذلك أنه لما قيل لعمر إن سمرة قد أخذ الخمر من تجار اليهود في
~~العشور، وخللها وباعها، قال: قاتل الله سمرة أما علم أن رسول الله، (ص)،
~~قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها
~~قاس الخمر على الشحم، وأن تحريمها تحريم لثمنها. ومن ذلك أنه جلد أبا بكرة
~~حيث لم يكمل نصاب الشهادة، بالقياس على القاذف، وإن كان شاهدا لا قاذفا.
# ومن ذلك قول عثمان لعمر في واقعة إن تتبع رأيك، فرأيك أسد، وإن تتبع رأي
~~من قبلك، فنعم ذلك الرأي كان ولو كان فيه دليل قاطع على أحدهما لم يجز
~~تصويبهما.
# ومن ذلك أنه ورث المبتوتة بالرأي.
# ومن ذلك قول علي عليه السلام في حد شارب الخمر: إنه إذا شرب سكر، وإذا
~~سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفترين قاس حد الشارب على القاذف.
# ومن ذلك أن عمر كان يشك في قود القتيل الذي اشترك في قتله سبعة، فقال له
~~علي يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة، أكنت تقطعهم؟
# قال: نعم. قال: فكذلك وهو قياس للقتل على السرقة.
# ومن ذلك ما روي عن علي أنه قال في أمهات الأولاد اتفق رأيي ورأي عمر على
~~أن ms774 لا يبعن، وقد رأيت الآن بيعهن حتى قال له عبيدة السلماني: رأيك مع
~~الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. PageV04P043
# ومن ذلك قول علي في المرأة التي أجهضت بفزعها، بإرسال عمر إليها، أم
~~المأثم فأرجو أن يكون منحطا عنك، ورأى عليك الدية، فقال له: عزمت عليك أن
~~لا تبرح حتى تضربها على بني عدي، يعني قومه، وألحقه عثمان و عبد الرحمن بن
~~عوف بالمؤدب وقالا: إنما أنت مؤدب، ولا شئ عليك.
# ومن ذلك قول ابن عباس، لما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين، أين
~~وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال له زيد: أقول برأيي، وتقول برأيك.
# ومن ذلك قوله في مسألة الجد ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا
~~يجعل أبا الأب أبا.
# ومن ذلك قول ابن مسعود في المفوضة، برأيه بعد أن استمهل شهرا، وأنه كان
~~يوصي من يلي القضاء بالرأي ويقول لا ضير في القضاء بالكتاب والسنة وقضايا
~~الصالحين، فإن لم تجد شيئا من ذلك، فاجتهد رأيك.
# ومن ذلك اختلاف الصحابة في الجد حتى ألحقه بعضهم بالأب في إسقاط الاخوة،
~~وألحقه بعضهم بالاخوة. PageV04P044
# ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لزوجته أنت علي حرام حتى قال أبو بكر
~~وعمر: هو يمين.
# وقال علي وزيد: هو طلاق ثلاث.
# وقال ابن مسعود: هو طلقة واحدة.
# وقال ابن عباس هو ظهار، إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى، وذلك يدل
~~على أن الصحابة مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها وردوا بعضها إلى
~~بعض في أحكامها، وأنه ما من واحد من أهل النظر والاجتهاد منهم، إلا وقد قال
~~بالرأي والقياس. ومن لم يوجد منه الحكم بذلك، فلم يوجد منه في ذلك إنكار،
~~فكان إجماعا سكوتيا، وهو حجة مغلبة على الظن، لما سبق تقريره في مسائل
~~الاجماع.
# وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور، وذلك لا بد لهم
~~فيها من مستند، وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي والتحكم في دين الله من غير
~~دليل، وهو ممتنع، ms775 وذلك المستند يمتنع أن يكون نصا، وإلا لأظهر كل واحد ما
~~اعتمد عليه من النص، إقامة لعذره وردا لغيره عن الخطأ بمخالفته على ما
~~اقتضته العادة الجارية بين النظار، ولأن العادة تحيل على الجمع الكثير
~~كتمان نص دعت الحاجة إلى إظهاره في محل الخلاف. وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا
~~على حكم في واقعة بناء على نص، فإنه لا يمتنع اتفاقهم على عدم نقله، بناء
~~على الاكتفاء في ذلك الحكم بإجماعهم، ولو أظهروا تلك النصوص، واحتجوا بها،
~~لكانت العادة تحيل عدم نقلها، فحيث لم تنقل، دل على عدمها، وإذا لم يكن
~~نصا، تعين أن يكون قياسا واستنباطا.
# فإن قيل: لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس، وما نقل عنهم من
~~الاجتهاد في الوقائع المذكورة والعمل بالرأي، فلعلهم إنما استندوا فيه إلى
~~الاجتهاد في دلالات النصوص الخفية من الكتاب والسنة، كحمل المطلق على
~~المقيد، والعام على الخاص، وترجيح أحد النصين على الآخر، والنظر في تقرير
~~النفي الأصلي، ودلالة الاقتضاء، والإشارة، والتنبيه، والايماء، وأدلة
~~الخطاب، وتحقيق المناط، وغير ذلك من الاجتهادات المتعلقة بالأدلة النصية.
~~PageV04P045
# قولكم: لو كان ثم نص لظهر - قلنا: ولو كانوا قائسين لتلك الصور على
~~غيرها، لأظهروا العلل الجامعة فيها، وصرحوا بها كما في النصوص، ولو أظهروها
~~واحتجوا بها، لنقلت أيضا، فعدم نقلها يدل على عدمها. وإذا لم يكن قياس
~~واستنباط، تعين أن يكون المستند إنما هو النص، وليس أحد الامرين أولى من
~~الآخر.
# وما نقل عن الصحابة من التصريح بالعمل بالرأي في الوقائع المذكورة، لا
~~يلزم أن يكون قياسا، فإن اجتهاد الرأي أعم من اجتهاد الرأي بالقياس، على ما
~~تقرر، ولا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص.
# سلمنا أنهم عملوا بالقياس، غير أنا لا نسلم عمل الكل به، فإنه لم ينقل
~~ذلك إلا عن جماعة يسيرة لا تقوم الحجة بقولهم.
# قولكم إنه لم يوجد من غيرهم نكير عليهم - لا نسلم ذلك.
# وبيان وجود الانكار ما روي عن أبي بكر أنه لما سئل عن الكلالة قال: أي
~~سماء تظلني، وأي ms776 أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي وأيضا ما روي عن
~~عمر أنه قال إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء الدين، أعيتهم الأحاديث أن
~~يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا وقال إياكم والمكايلة فسئل عن ذلك،
~~فقال المقايسة وروي عن شريح أنه قال كتب إلي عمر اقض بما في كتاب الله، فإن
~~جاءك ما ليس في كتاب الله، فاقض بما في سنة رسول الله، فإن جاءك ما ليس في
~~سنة رسول الله فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد، فلا عليك أن لا
~~تقضي وأيضا ما روي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال لعمر في مسألة الجنين إن
~~اجتهدوا فقد أخطؤوا، وإن لم يجتهدوا، فقد غشوك PageV04P046
# وروي عن عثمان وعلي أنهما قالا لو كان الدين بالقياس، لكان المسح على
~~باطن الخف أولى من ظاهره وروي عن ابن عباس أنه قال إن الله تعالى قال لنبيه
~~(ص) * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) ولم يقل بما رأيت
~~ولو جعل لاحد أن يحكم برأيه، لجعل ذلك لرسول الله وقال إياكم والمقاييس،
~~فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وقال إن الله لم يجعل لاحد أن يحكم في
~~دينه برأيه وروي عن ابن عمر أنه قال: السنة ما سنة رسول الله، لا تجعلوا
~~الرأي سنة وقال أيضا إن قوما يفتون بآرائهم، لو نزل القرآن، لنزل بخلاف ما
~~يفتون وقال أيضا اتهموا الرأي على الدين، فإنه منا تكلف وظن، وإن الظن لا
~~يغني من الحق شيئا وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا قلتم في دينكم بالقياس،
~~أحللتم كثيرا مما حرم الله، وحرمتم كثيرا مما حلل الله، وقال أيضا: قراؤكم
~~صلحاؤكم، يذهبون ويتخذ الناس رؤوسا جهالا، يقيسون ما لم يكن بما كان وقالت
~~عائشة أخبروا زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله بفتواه بالرأي في
~~مسألة العينة وقد أنكر التابعون ذلك أيضا، حتى قال الشعبي: ما أخبروك عن
~~أصحاب محمد، فاقبله، وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الحش وقال مسروق لا ms777 أقيس
~~شيئا بشئ، أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها وكان ابن سيرين يذم المقاييس ويقول
~~أول من قاس إبليس.
# ومع هذه الانكارات من الصحابة والتابعين فلا إجماع.
# سلمنا أنه لم يظهر النكير في ذلك، لكن لا يلزم منه أن يكون سكوت الباقين
~~عن موافقة، لما ذكر في الاجماع. PageV04P047
# سلمنا أنه عن موافقة، لكنه لا حجة في إجماع الصحابة. وكيف يقال بذلك وقد
~~عدلوا عما أمروا به، ونهوا عنه، وتجبروا وتآمروا وجعلوا الخلاف طريقا إلى
~~أغراضهم الفاسدة. حتى جرى بينهم ما جرى من الفتن والحروب، وتألبوا على أهل
~~البيت، وكتموا النص على علي، رضي الله عنه، غصبوه الخلافة، ومنعوا فاطمة
~~إرثها من أبيها، المنصوص عليه في كتاب الله، برواية انفرد بها أبو بكر،
~~وعدلوا عن طاعة الامام المعصوم، المحيط بجميع النصوص الدالة على جميع
~~الأحكام الشرعية، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يجوز معها الاحتجاج
~~بأقوالهم. وهذا السؤال مما أورده الرافضة.
# سلمنا أن قول البعض بالقياس، وسكوت الباقين حجة، لكنها حجة ظنية، على ما
~~سبق في الاجماع. وكون القياس حجة أمر قد تعبدنا فيه بالعلم، فلا يكون
~~مستفادا من الدليل الظني.
# سلمنا صحة الاحتجاج به، ولكن ما المانع أن يكون عملهم بالقياس المنصوص
~~على علته، ونحن نقول به، كما قاله النظام والقاشاني والنهرواني.
# سلمنا عملهم بكل قياس، لكن لم قلتم إنه إذا جاز العمل بالقياس للصحابة،
~~جاز ذلك لمن بعدهم، وذلك لان الصحابة، لما كانوا عليه من شدة اليقين،
~~والصلابة في الدين ومشاهدة الوحي والتنزيل، وكثرة التحفظ في أمور دينهم،
~~حتى نقل عنهم قتل الاباء والأبناء، وبذل الأنفس والأموال، ومهاجرة الأهل
~~والأوطان في نصرة الدين، حتى ورد في حقهم من التفضيل والتعظيم في الكتاب
~~والسنة ما لم يرد مثله في حق غيرهم، على ما ذكر في الاجماع. وعند ذلك، فلا
~~يلزم من جواز عملهم بالقياس، جوازه لغيرهم.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على صحة القياس، وأنا متعبدون به، لكنه معارض
~~بالكتاب والسنة.
# أما الكتاب فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا ms778 تقدموا بين يدي الله
~~ورسوله) * (الحجرات: 1) والحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله، لأنه حكم
~~بغير قوليهما.
# وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (البقرة: 169)
~~وقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (الاسراء: 36) والحكم بالقياس
~~قول بما لا يعلم. PageV04P048
# وقوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (النجم: 28) وقوله
~~تعالى: * (إن بعض الظن إثم) * (الحجرات: 12) وقوله تعالى: * (وأن احكم
~~بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل
~~الله.
# وقوله تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10)
~~وقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59)
~~والحكم بالقياس لا يكون حكما لله، ولا مردودا إليه.
# وقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38) وقوله تعالى:
~~* (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (الانعام: 59) وذلك يدل على أنه
~~لا حاجة إلى القياس.
# وأما من جهة السنة فما روى عمر عن النبي (ص)، قال ستفترق أمتي فرقا
~~أعظمها فتنة، الذين يقيسون الأمور بالرأي وأيضا ما روى أبو هريرة، رضي الله
~~عنه، عن النبي (ص). أنه قال: تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، وبرهة بسنة
~~رسول الله، وبرهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك ضلوا وأضلوا وذلك يدل على أن
~~القياس والعمل بالرأي غير صحيح.
# والجواب: قولهم لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس قلنا: دليله ما
~~ذكرناه.
# قولهم: يحتمل أن يكون عملهم بدلالات النصوص الخفية قلنا: لو كان كذلك
~~لظهر المستند واشتهر، على ما قررناه.
# قولهم: ولو كان ذلك لمحض القياس، لأظهروا العلل الجامعة، وصرحوا بها كما
~~في النصوص - قلنا: منهم من صرح، كتصريح أبي بكر في التسوية في العطاء بين
~~المهاجرين وغيرهم، وهو قوله إنما الدنيا بلاغ وتصريح علي في قياسه حد شارب
~~الخمر على حد القاذف، بواسطة الاشتراك في الافتراء، وتصريح عثمان و عبد
~~الرحمن بن عوف في إلحاقهم عمر في صورة المرأة التي أجهضت الجنين بالمؤدب،
~~بواسطة التأديب.
# ومنهم من اعتمد في التنبيه عليها بفتواه، وجري ms779 العادة بفهم المستمع وجه
~~المأخذ والشبه بين محل النزاع ومحل الاجماع. ولهذا فإن العادة جارية من بعض
~~PageV04P049
# الملوك بقتل الجاسوس إذا ظفر به، زجرا له ولغيره عن التجسس عليه، وعادة
~~البعض الاحسان إليه، لاستمالته له، حتى يدله على أحوال عدوه، فإذا رأينا
~~ملكا قد قتل جاسوسا، أو أحسن إليه، ولم نعهد من عادته قبل ذلك شيئا، كان
~~ذلك كافيا في التنبيه على رعاية العلة الموجبة للقتل، أو الاحسان، في محل
~~الوفاق، ولا كذلك النصوص، فإن الأذهان غير مستقلة بمعرفتها، فدعت الحاجة
~~إلى التصريح بها.
# وعلى هذا، فمن قال منهم في قوله: أنت علي حرام، إنه طلاق ثلاث، نبه على
~~أن مطلق التحريم يقتضي نهاية التحريم، وذلك مشترك بينه وبين الطلاق الثلاث،
~~فلذلك عدى الطلاق الثلاث إليه.
# ومن جعله طلقة واحدة، نبه على أنه اعتبر فيه أقل ما يثبت معه التحريم،
~~فلذلك ألحقه بالطلقة الواحدة، ومن جعله ظهارا، ألحقه بالظهار، من حيث إنه
~~يفيد التحريم بلفظ ليس هو لفظ الطلاق، ولا لفظ الايلاء.
# ومن شرك بين الجد وابن الابن نبه على أن العلة في ذلك استواؤهما في
~~الادلاء إلى الميت في طرفي العلو والسفل، ولهذا شبههما بغصني شجرة، وجدولي
~~نهر ومن ذلك تنبيه عمر في قياسه الخمور على الشحوم، على أن العلة في تحريم
~~أثمانها تحريمها.
# ومن ذلك التنبيه في التشريك بين الاخوة من الأب والام والاخوة من الام،
~~على أن العلة الاشتراك في جهة الأمومة إلى غير ذلك من التنبيهات.
# ويدل على ما ذكرناه تصريح أكثر الصحابة فيما عملوا به بالرأي.
# قولهم: اجتهاد الرأي أعم من القياس - قلنا: وإن كان الامر على ما قيل،
~~غير أنا قد بينا أنه لم يكن ذلك مستندا إلى النصوص، فتعين استناده إلى
~~القياس والاستنباط.
# قولهم: لا نسلم عمل الكل بالقياس - PageV04P050
# قلنا: وإن عمل به البعض، فقد بينا أنه لم يوجد من الباقين في ذلك نكير،
~~فكان إجماعا.
# قولهم: قد وجد الانكار - لا نسلم ذلك. وما ذكروه من صور الانكار، فهي
~~منقولة عمن نقلنا عنهم ms780 القول بالرأي والقياس، فلا بد من التوفيق بين
~~النقلين لاستحالة الجمع بينهما والعمل بأحدهما من غير أولوية، وعند ذلك،
~~فيجب حمل ما نقل عنهم من إنكار العمل بالرأي والقياس على ما كان من ذلك
~~صادرا عن الجهال، ومن ليس له رتبة الاجتهاد، وما كان مخالفا للنص، وما ليس
~~له أصل يشهد له بالاعتبار، وما كان على خلاف القواعد الشرعية، وما استعمل
~~من ذلك فيما تعبدنا فيه بالعلم دون الظن جمعا بين النقلين. هذا من جهة
~~الاجمال، وأما من جهة التفصيل: أما قول أبي بكر أي سماء تظلني، وأي أرض
~~تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي فإنما أراد به قوله في تفسير القرآن،
~~ولا شك أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، لكونه مستندا إلى محض السمع عن النبي
~~(ص)، وأهل اللغة، بخلاف الفروع الشرعية.
# وأما قول عمر إياكم وأصحاب الرأي الخبر إلى آخره - فإنما قصد به ذم من
~~ترك الأحاديث، وحفظ ما وجد منها، وعدل إلى الرأي، مع أن العمل مشروط بعدم
~~النصوص.
# وقوله إياكم والمكايلة أي المقايسة فالمراد به المقايسة الباطلة لما
~~ذكرناه.
# وأما قوله لأبي موسى الأشعري فإنما يفيد أن لو لم يكن القياس مما أجمع
~~عليه أهل العلم، وإلا فبتقدير أن يكون واجدا له، فلا. PageV04P051
# وقول علي لعمر في مسألة الجنين، لا يدل على أن كل اجتهاد خطأ، ونحن لا
~~ننكر الخطأ في بعض الاجتهادات، كما سبق تعريفه.
# وأما قول عثمان وعلي لو كان الدين بالقياس... الخبر. فيجب حمله على أنه
~~لو كان جميع الدين بالقياس، لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره، ويكون
~~المقصود منه أنه ليس كل ما أتت به السنن على ما يقتضيه القياس.
# وأما قول ابن عباس إن الله قال لنبيه، الخبر، ليس فيه ما يدل على عدم
~~الحكم بالقياس إلا بمفهومه، وليس بحجة على ما سبق بيانه.
# وقوله: إياكم والمقاييس يجب حمله على المقاييس الفاسدة، كالمقاييس التي
~~عبدت بها الشمس والقمر، وغير ذلك مما بيناه لما سلف من الجمع بين ms781 النقلين.
# وقوله: إن الله لم يجعل لاحد أن يحكم في دينه برأيه يجب حمله على الرأي
~~المجرد عن اعتبار الشارع له، لما سبق.
# وأما قول ابن عمر السنة ما سنه رسول الله (ص) فإنما ينفع، أن لو كان
~~القياس ليس مما سنه الرسول.
# وقوله لا تجعلوا الرأي سنة أراد به الرأي الذي لا اعتبار له، وإلا فالرأي
~~المعتبر من السنة، لا يكون خارجا عن السنة.
# وقوله: إن قوما يفتون بآرائهم... الخبر. ليس فيه ما يدل على أن كل من
~~أفتى برأيه يكون كذلك. ونحن لا ننكر أن بعض الآراء باطل.
# وقوله: اتهموا الرأي على الدين غايته الدلالة على احتمال الخطأ فيه، وليس
~~فيه ما يدل على إبطاله.
# وقوله: وإن الظن لا يغني من الحق شيئا المراد به استعمال الظن في مواضع
~~اليقين، لا أن المراد به إبطال الظن بدليل صحة العمل بظواهر الكتاب والسنة.
# وأما قول ابن مسعود إذا قلتم في دينكم بالقياس... الخبر، يجب حمله على
~~القياس الفاسد لما سبق. وقوله: ويتخذ الناس رؤوسا جهالا... إلى آخره،
~~فالمراد PageV04P052
# به أيضا القياس الباطل، ولهذا وصفهم بكونهم جهالا. وعلى ذلك يجب حمل قول
~~عائشة في حق زيد بن أرقم، وكذلك قول الشعبي ومسروق وابن سيرين، جميعا بين
~~النقلين، كما سبق تقريره.
# قولهم: لا نسلم أن السكوت يدل على الموافقة - قلنا: دليله ما سبق في
~~مسائل الاجماع.
# قولهم: لا نسلم أن إجماع الصحابة حجة - قد دللنا عليه في مسائل الاجماع
~~أيضا.
# وما ذكروه من القوادح في الصحابة فمن أقوال المبتدعة الزائغين كالنظام
~~ومن تابعه من الرافضة. الضلال، وقد أبطلنا ذلك كله في كتاب أبكار الأفكار
~~في المواضع اللائقة بذلك.
# قولهم: إنه حجة ظنية - قلنا: والمسألة أيضا عندنا ظنية.
# قولهم: ما المانع أن يكون عملهم بالأقيسة المنصوص على عللها - عنه أجوبة
~~ثلاثة:
# الأول: أنه لو كان ثم نص لنقل، كما ذكرناه في النصوص الدالة على الاحكام.
# الثاني: أنه إذا كانت العلة منصوصة، فإن لم يرد التعبد بإثبات الحكم بها
~~في غير محل النص، ms782 فيمتنع إثباته، لما يأتي في المسألة التي بعدها، وإن ورد
~~الشرع بذلك، فالحكم يكون في الفرع ثابتا بالاستدلال، أي بعلة منصوصة، لا
~~بالقياس، على ما يأتي تقريره. وعلى هذا فلا يكونون عاملين بالقياس.
# الثالث: أن ذلك يكون حجة على من أنكر القياس مطلقا، وإن لم يكن حجة على
~~النظام والقائلين بقوله.
# قولهم: لا يلزم أن يكون القياس حجة بالنسبة إلى غير الصحابة - قلنا:
~~القائل قائلان: قائل يقول بالقياس مطلقا بالنسبة إلى الكل وقائل بنفيه
~~مطلقا بالنسبة إلى الكل. وقد اتفق الفريقان على نفي التفصيل، كيف وإنه حجة
~~على من قال بنفيه مطلقا. PageV04P053
# وما ذكروه من المعارضة، أما الآية الأولى، فإنما تفيد أن لو لم يكن
~~القياس مما عرف التعبد به من الله تعالى ورسوله، وعند ذلك فيتوقف كون العمل
~~بالقياس تقدما بين يدي الله ورسوله على كون الحكم به غير مستفاد من الله
~~ورسوله، وذلك متوقف على كون الحكم به تقدما بين يدي الله ورسوله، فلا يكون
~~حجة.
# وأما الآية الثانية والثالثة فجوابهما من ثلاثة أوجه:
# الأول: أنا نقول بموجب الآيتين، وذلك لأنا إذا حكمنا بمقتضى القياس عند
~~ظننا به، فحكمنا به يكون معلوم الوجوب لنا بالاجماع، لا أنه غير معلوم.
# الثاني: أنه يجب حمل الآيتين على النهي عن القول بما ليس بمعلوم على ما
~~تعبدنا فيه بالعلم، جمعا بينهما، وبين ما ذكرناه من الأدلة.
# الثالث: أن الآيتين حجة على الخصوم في القول بإبطال القياس، إذا هو غير
~~معلوم لهم لكون المسألة غير علمية، فكانت مشتركة الدلالة.
# وبمثل هذه الأجوبة يكون الجواب عن قوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من
~~الحق شيئا) * (يونس: 36) وقوله: * (إن بعض الظن إثم) * (الحجرات: 12).
# وأما قوله تعالى: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) فنحن
~~نقول بموجبه، فإن من حكم بما هو مستنبط من المنزل، فقد حكم بالمنزل، كيف
~~وأن ذلك خطاب مع الرسول، ولا يلزم من امتناع ذلك في حق الرسول، لامكان
~~تعرفه أحكام الوقائع بالوحي، امتناع ذلك في حق غيره.
# وقوله تعالى: * (وما ms783 اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10)
~~وقوله: * (فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) غير مانع من القياس، لان
~~العمل بالمستنبط من قول الله وقول الرسول حكم من الله ورد إليه وإلى
~~الرسول.
# وأما من قال بإبطال القياس، فلم يعمل بقول الله وقول الرسول، ولا بما
~~استنبط منهما، فكان ذلك حجة عليه لا له.
# وقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38) PageV04P054
# وقوله: * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (الانعام: 38) فالمراد
~~به أن الكتاب بيان لكل شئ، إما بدلائل ألفاظه من غير واسطة، وإما بواسطة
~~الاستنباط منه، أو دلالته على السنة والاجماع الدالين على اعتبار القياس،
~~فالعمل بالقياس يكون عملا بما بينه الكتاب لا أنه خارج عنه، كيف وإنه مخصوص
~~بالاجماع، فإنا نعلم عدم اشتماله على تعريف العلوم الرياضية من الهندسية
~~والحسابية، بل وكثير من الأحكام الشرعية، كمسائل الجد والاخوة، وأنت علي
~~حرام، والمفوضة، ومسائل العول ونحوه. وعند ذلك فيجب حمله على أن ما اشتمل
~~عليه الكتاب من الاحكام المبينة به لا تفريط فيها، حذرا من مخالفة عموم
~~اللفظ.
# وأما ما ذكروه من السنة في ذم الرأي فيجب حمله على الرأي الباطل، كما
~~ذكرناه، جمعا بين الأدلة.
# المسألة الثالثة إذا نص الشارع على علة الحكم، هل يكفي ذلك في تعدية
~~الحكم بها إلى غير محل الحكم المنصوص، دون ورود التعبد بالقياس بها؟
~~اختلفوا فيه:
# فقال أبو إسحاق الأسفرايني وأكثر أصحاب الشافعي وجعفر بن مبشر وجعفر بن
~~حرب وبعض أهل الظاهر: لا يكفي ذلك.
# وقال أحمد بن حنبل والنظام والقاشاني والنهرواني وأبو بكر الرازي من
~~أصحاب أبي حنيفة والكرخي: يكفي ذلك في إثبات الحكم بها أين وجدت، وإن لم
~~يتعبد بالقياس بها.
# وقال أبو عبد الله البصري: إن كانت العلة المنصوص عليها علة للتحريم وترك
~~الفعل كان التنصيص عليها كافيا في تحريم الفعل بها أين وجدت، وإن كانت علة
~~لوجوب الفعل أو ندبه، لم يكن ذلك كافيا في إيجاب الفعل بها ولا في ندبه أين
~~وجدت دون ورود ms784 التعبد بالقياس، لان من تصدق على فقير لفقره بدرهم، لا يجب
~~أن يتصدق على كل فقير، ومن أكل شيئا من السكر، لأنه حلو PageV04P055
# لا يجب عليه أن يأكل كل سكر، وهذا بخلاف من ترك أكل رمانة لحموضتها، فإنه
~~يجب عليه أن يترك كل رمانة حامضة.
# والمختار هو القول الأول لأنه إذا قال الشارع: حرمت الخمر، لأنه مسكر،
~~ولم يرد التعبد بإثبات التحريم بالمسكر في غير الخمر، فالقضاء بالتحريم في
~~غير الخمر كالنبيذ، إما أن يكون ذلك لان اللفظ اقتضى بعمومه تحريم كل مسكر،
~~وأن قوله:
# حرمت الخمر لأنه مسكر، نازل منزلة قوله: حرمت كل مسكر، كما قاله النظام
~~ومن قال بمقالته، وإما لوجود العلة في غير الخمر لعدم إمكان قسم ثالث.
# فإن كان الأول، فهو ممتنع من حيث إن قوله: حرمت الخمر لاسكاره، لا دلالة
~~له من جهة اللغة على تحريم كل مسكر، كدلالة قوله: حرمت كل مسكر، ولهذا فإنه
~~لو قال: أعتقت عبيدي السودان، عتق كل عبد أسود له، ولو قال: أعتقت سالما
~~لسواده، فإنه لا يعتق كل عبد له أسود، وإن كان أشد سوادا من سالم ، وكذلك
~~إذا قال لوكيله: بع سالما لسوء خلقه، لم يكن له التصرف في غيره من العبيد
~~بالبيع، وإن كان أسوأ خلقا من سالم.
# وإن كان الثاني فهو ممتنع لوجهين:
# الأول أنه لو كان وجود ما نص على عليته كافيا في إثبات الحكم أينما وجدت
~~العلة دون التعبد بالقياس، للزم من قوله: أعتقت سالما لسواده، عتق غانم،
~~إذا كان مشاركا له في السواد، وهو ممتنع.
# الثاني أنه من الجائز أن يكون ما وقع التنصيص، عليه هو عموم الاسكار، ومن
~~الجائز أن يكون خصوص إسكار الخمر، لما علم الله فيه من المفسدة الخاصة به،
~~التي لا وجود لها في غير الخمر. وإذا احتمل واحتمل فالتعدية به تكون
~~ممتنعة، إلا أن يرد التعبد بالتعدية.
# فإن قيل: لم قلتم إن اللفظ لا يقتضي بعمومه تحريم كل مسكر، وقوله:
# أعتقت عبدي سالما لسواده، دال على عتق غانم ms785 أيضا، إذا كان أسود ولهذا فإن
~~أهل اللسان وكل عاقل يناقضه في ذلك عند عدم إعتاقه، ويقول له: فغانم أيضا
~~أسود، فلم خصصت سالما بالعتق؟ PageV04P056
# وكذلك القول في قوله لوكيله: بع سالما لسواده.
# هذا بالنظر إلى المفهوم من اللفظة لغة، وحيث لم يقع العتق بغير سالم، ولا
~~جاز بيعه شرعا، فإنما كان لان اللفظ وإن كان له على ذلك دلالة، لكنها غير
~~صريحة، فالشارع قيد التصرف في أملاك العبيد بصريح القول، نظرا لهم في عاقبة
~~الامر، لجواز طرو الندم والبداء عليهم، بخلاف تصرف الشارع في الأحكام
~~الشرعية.
# ولهذا، فإنه لو قال الشارع: حرمت الخمر لاسكاره، وقيسوا عليه كل مسكر،
~~لزم منه تحريم كل مسكر. ولو قال لوكيله: بع سالما لسواده، وقس عليه كل
~~أسود، فإنه لا ينفذ تصرفه بذلك.
# وإن سلمنا أنه لا عموم في اللفظ، ولكن لم قلتم إنه يمتنع إثبات الحكم
~~لوجود العلة؟
# وما ذكرتموه من الوجه الأول، فالعذر عنه ما ذكرناه من تقييد الشارع
~~التصرف في أملاك العبيد بصريح القول دون غيره وما ذكرتموه من الوجه الثاني،
~~فغير صحيح لستة أوجه:
# الأول: أن العرف شاهد بأن الأب إذا قال لولده: لا تأكل هذا، فإنه مسموم،
~~وكل هذا، لأنه غذاء نافع، فإنه يفهم منه المنع من أكل كل طعام مسموم، وجواز
~~أكل كل غذاء نافع، ولو أمكن أن يكون لخصوص الإضافة تأثير، أو احتمل أن تكون
~~داخلة في التعليل، لما تبادر إلى الفهم التعميم من ذلك، والأصل تنزيل
~~التصرفات الشرعية على وفق التصرفات العرفية.
# الثاني: أن الغالب من العلة المنصوص عليها أن تكون مناسبة للحكم حتى تخرج
~~عن التعبد، ولا مناسبة في خصوص إضافة الاسكار إلى الخمر، بل المناسبة في
~~كونه مسكرا لا غير.
# الثالث: أنه لو لم يكن الوصف المنصوص عليه علة بعمومه، بحيث يثبت به
~~الحكم في موضع آخر، بل العلة خصوص إضافة ذلك الوصف إلى محله، لم يكن
~~للتنصيص عليه فائدة، وذلك لان اختصاص الخمر بوصف الاسكار ملازم له غير
~~مفارق، فكان يكفيه أن يقول: ms786 حرمت الخمر، لا غير.
# الرابع: أن أخذ خصوص إضافة الوصف المنصوص على عليته في التعليل، على خلاف
~~الظاهر في جميع التعاليل، ولهذا فإن عقلاء العرب ما نطقوا بعلة إلا وطردوها
~~PageV04P057
# في غير المحل الذي أضافوها إليه، ولهذا فإنهم إذا قالوا: اضرب هذا الأسود
~~لكونه سارقا، فإنهم يلغون خصوص إضافة السرقة إلى الأسود، حتى إن السرقة لو
~~وجدت من أبيض كانت مقتضية لضربه.
# الخامس: أنه لو أمكن أخذ خصوص إضافة الصفة إلى محلها في التعليل، لما صح
~~قياس أصلا. وذلك ممتنع.
# السادس: أنه إذا قال الشارع: حرمت التأفيف للوالدين، فإنه يفهم منه كل
~~عاقل تحريم ضربهما لما كان الشارع موميا إلى العلة، وهي كف الأذى عنهما،
~~فإذا صرح بالعلة ونص عليها، كان ذلك أولى بالتعدية، ولو كان لخصوص الأذى
~~بالتأفيف مدخل في التعليل، لما فهم تحريم الضرب.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع التعدية فيما إذا قال: حرمت الخمر
~~لكونها مسكرة، لكنه غير مطرد، فيما إذا قال: علة تحريم الخمر الاسكار، حيث
~~إنه لا إضافة.
# والجواب: قولهم: لم قلتم إن اللفظ بعمومه لا يقتضي ذلك قلنا: لما ذكرناه.
# قولهم: إن قوله: أعتقت سالما لسواده، مقتض بلفظه عتق غيره من العبيد
~~السودان، غير صحيح، فإن اللفظ الدال على العتق إنما هو قوله: أعتقت سالما،
~~وذلك لا دلالة له على غيره. وإن قيل إنه يدل عليه من جهة التعليل، فهو عود
~~إلى الوجه الثاني.
# قولهم إن العقلاء يناقضونه في ذلك بغانم.
# قلنا: ليس ذلك بناء على عموم لفظ العتق لهما، وإنما ذلك منهم طلبا لفائدة
~~التخصيص لسالم بالعتق، مع ظنهم عموم العلة التي علل بها. وإذا بطل القول
~~بتعميم اللفظ، فالعتق يكون منتفيا في غانم لعدم دلالة اللفظ على عتقه، لا
~~لما ذكروه، PageV04P058
# كيف وإنه يجب اعتقاد ذلك حتى لا يلزم منه نفي العتق مع وجود دليله في حق
~~غانم، لأنه لو دل اللفظ عليه، لكان الأصل اعتبار لفظه في مدلوله نظرا إلى
~~تحصيل مصلحة العاقل، التي دل لفظه عليها.
# قولهم إنه لو ms787 قال لوكيله: بع سالما لسواده، وقس عليه كل أسود من عبيدي،
~~لا ينفذ تصرفه في غير سالم. لا نسلم ذلك، فإنه لو قال له: مهما ظهر لك من
~~إرادتي ورضائي بشئ بالاستدلال دون صريح المقال، فافعله، فله فعله. فإذا قال
~~له:
# أعتق سالما لسواده، وقس عليه غيره، فإذا ظهر أن العلة السواد الجامع بين
~~سالم وغانم، وأنه لا فارق بينهما، فقد ظهر له إرادته لعتق غانم، فكان له
~~عتقه.
# قولهم: لم قلتم بامتناع الحكم لوجود العلة؟
# قلنا: لما ذكرناه من الوجهين، وما ذكروه على الوجه الأول، فإنما يصح أن
~~لو كان ما ذكروه من العلة موجبا للحكم في غير محل النص، ويجب اعتقاد انتفاء
~~الحكم لانتفاء العلة، حذرا من التعارض، فإنه على خلاف الأصل.
# والجواب عما ذكروه على الوجه الثاني من الاشكال الأول، أنا إنما قضينا
~~فيما ذكروه، بالتعميم، نظرا إلى قرينة حال الآباء مع الأبناء، وأنهم لا
~~يفرقون في حقهم بين سم وسم، وغذاء نافع وما في معناه من الأغذية النافعة،
~~وهذا بخلاف ما إذا حرم الله شيئا أو أوجبه، فإن العادة الشرعية مطردة
~~بإباحة مثل ما حرم، وتحريم مثل ما أوجب، حتى أنه يوجب الصوم في نهار رمضان،
~~ويحرمه في يوم العيد، ويبيح شرب الخمر في زمان، ويحرمه في زمان، ويوجب
~~الغسل من بول الصبية والرش من بول الغلام، ويوجب الغسل من المني دون البول
~~والمذي، مع اتحاد مخرجهما، ويوجب الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، ويبيح
~~النظر إلى وجه الرقيقة الحسناء، دون الحرة العجوز الشوهاء، إلى غير ذلك،
~~مما ذكرناه فيما تقدم من التفرقة بين المتماثلات، وعلى عكسه الجمع بين
~~المختلفات، PageV04P059
# وذلك لما علمه الله تعالى من اختصاص أحد المثلين بمصلحة مقارنة لزمانه،
~~لا وجود لها في مثله، إذ ليست المصالح والمفاسد من الأمور التابعة لذوات
~~الأوصاف وطباعها، حتى تكون لازمة لها، بل ذلك مختلف باختلاف الأوقات. هذا
~~كله إن قلنا بوجوب رعاية المصالح، وإلا فلله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما
~~يريد.
# وعن الاشكال الثاني، أن النظر ms788 في التعليل إلى مناسبة القدر المشترك،
~~وإلغاء ما به الافتراق من الخصوصية، إما أن يكون دالا على وجوب الاشتراك
~~بين الأصل والفرع، أو لا يكون موجبا له: فإن كان موجبا فهو دليل التعبد
~~بالقياس، والتنصيص على العلة دونه لا يكون كافيا في تعدية الحكم، وهو
~~المطلوب، وإن لم يكن موجبا للتعدية، فلا أثر لايراده.
# وعن الاشكال الثالث: بأن فائدة التنصيص على العلة أن تعلم، حتى يكون
~~الحكم معقول المعنى، إن كان الوصف مناسبا للحكم، فإنه يكون أسرع في
~~الانقياد PageV04P060
# وأدعى إلى القبول، وأن ينتفي الحكم في محل التنصيص عند انتفائها، ولمثل
~~هذه الفائدة يكون التنصيص على الوصف، وإن لم يكن مناسبا للحكم.
# وعن الاشكال الرابع: ما ذكرناه في حل الاشكال الأول.
# وعن الاشكال الخامس: أنه لا يلزم من إمكان أخذ خصوص المحل في التعليل
~~إبطال القياس، لجواز أن يقوم الدليل على إبطال أخذه في التعليل في آحاد
~~الصور ومهما لم يقم الدليل على ذلك، فالقياس يكون متعذرا.
# وعن السادس: أنه إنما فهم تحريم ضرب الوالدين من تحريم التأفيف لهما،
~~نظرا إلى القرينة الدالة على ذلك من إنشاء الكلام وسياقه، لقصد إكرام
~~الوالدين، ودفع الأذى عنهما.
# ولا يخفى أن اقتضاء ذلك لتحريم الضرب أشد منه لتحريم التأفيف، ولذلك كان
~~سابقا إلى الفهم من تحريم التأفيف، والتنبيه بالأدنى على الاعلى.
# أما أن يكون ذلك مستفادا من نفس اللفظ والتنصيص على العلة بمجرده، فلا.
# وعن الاشكال الأخير أنه مهما قال: جعلت شرب المسكر علة للتحريم، فالحكم
~~يكون ثابتا في كل صورة وجد فيها شرب المسكر بالعلة المنصوص عليها بجهة
~~العموم، حتى في الخمر، وذلك من باب الاستدلال، لا من باب القياس، فإنه ليس
~~قياس بعض المسكر هاهنا على البعض، أولى من العكس، لتساوي نسبة العلة
~~المنصوصة إلى الكل، ولا كذلك فيما نحن فيه . وعلى هذا فلا معنى لما ذكره
~~أبو عبد الله البصري من التفصيل بين الفعل والترك، وذلك لأنه لا مانع ولا
~~بعد في تحريم الخمر لشدة الخمر خاصة، دون غيره من ms789 المسكرات، ولعلم الله
~~باختصاصه بالحكمة الداعية إلى التحريم، وأن يشرك بين المتماثلات في إيجاب
~~الفعل، أو تركه، أو ندبه، لعلمه باشتراكها في الحكمة الداعية إلى الايجاب
~~والندب.
# وأما من أكل سكرا، فلم يأكله لمجرد حلاوته، بل لحلاوته وصدق شهوته عند
~~فراغ معدته، فإذا زالت الشهوة بالاكل، وامتلأت المعدة، وتبدلت الحالة
~~الأولى إلى مقابلها، امتنع لزوم الاكل لكل سكر مرة بعد مرة، حتى إنه لو لم
~~تتبدل الحال، لعم ذلك كل سكر وحلو. PageV04P061
# المسألة الرابعة مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر الناس جواز إثبات
~~الحدود والكفارات بالقياس، خلافا لأصحاب أبي حنيفة.
# ودليل ذلك النص، والاجماع، والمعقول.
# أما النص فتقرير النبي (ص)، لمعاذ في قوله اجتهد رأيي مطلقا من غير تفصيل
~~وهو دليل الجواز، وإلا لوجب التفصيل، لأنه في مظنة الحاجة إليه، وتأخير
~~البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
# وأما الاجماع فهو أن الصحابة لما اشتوروا في حد شارب الخمر، قال علي رضي
~~الله عنه: (إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد
~~المفتري).
# قاسه على حد المفتري، ولم ينقل عن أحد من الصحابة في ذلك نكير، فكان
~~إجماعا.
# وأما المعقول، فهو أنه مغلب على الظن، فجاز إثبات الحد والكفارة به
~~لقوله، عليه السلام: نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر وقياسا على خبر
~~الواحد.
# فإن قيل: ما ذكرتموه من الدلائل ظنية، والمسألة أصولية قطعية، فلا يسوغ
~~التمسك بالظن فيها - سلمنا دلالة ما ذكرتموه على المطلوب، ولكنه معارض بما
~~يدل على عدمه، وذلك من ثلاثة أوجه:
# الأول: أن الحدود والكفارات من الأمور المقدرة التي لا يمكن تعقل المعنى
~~الموجب تقديرها، والقياس فرع تعقل علة حكم الأصل، فما لا تعقل له من
~~الاحكام علة، فالقياس فيه متعذر، كما في أعداد الركعات وأنصبة الزكاة
~~ونحوها.
# الثاني: أن الحدود عقوبات، وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، والقياس
~~PageV04P062
# مما يدخله احتمال الخطأ، وذلك شبهة، والعقوبات مما تدرأ بالشبهات، لقوله،
~~عليه السلام ادرؤوا الحدود بالشبهات.
# الثالث: أن الشارع قد أوجب حد القطع بالسرقة، ولم يوجبه بمكاتبة ms790 الكفار،
~~مع أنه أولى بالقطع، وأوجب الكفارة بالظهار لكونه منكرا وزورا ولم يوجبها
~~في الردة، مع أنها أشد في المنكر وقول الزور، فحيث لم يوجب ذلك فيما هو
~~أولى، دل على امتناع جريان القياس فيه.
# والجواب عن الأول: لا نسلم أن المسألة قطعية.
# وعن المعارضة الأولى أن الحكم المعدى من الأصل إلى الفرع إنما هو وجوب
~~الحد والكفارة من حيث هو وجوب، وذلك معقول بما علم في مسائل الخلاف، لا أنه
~~مجهول.
# وعن الثانية: لا نسلم احتمال الخطأ في القياس على قولنا إن كل مجتهد
~~مصيب، وإن سلمنا احتمال الخطأ فيه، لكن لا نسلم أن ذلك يكون شبهة مع ظهور
~~الظن الغالب، بدليل جواز إثبات الحدود والكفارات بخبر الواحد، مع احتمال
~~الخطأ فيه لما كان الظن فيه غالبا.
# وعن الثالثة من وجهين:
# الأول أن غاية ما يقدر أن الشارع قد منع من إجراء القياس في بعض صور وجوب
~~الحد والكفارة، وذلك لا يدل على المنع مطلقا، بل يجب اعتقاد اختصاص تلك
~~الصور بمعنى لا وجود له في غيرها، تقليلا لمخالفة ما ذكرناه من الأدلة.
~~PageV04P063
# الثاني، الفرق. وذلك: أما بين السرقة ومكاتبة الكفار فلان داعية الأراذل،
~~وهم الأكثرون، متحققة بالنسبة إليها، فلولا شرع القطع، لكانت مفسدة السرقة،
~~مما تقع غالبا، ولا كذلك في مكاتبة الكفار.
# وأما بين الظهار والردة، فهو أن الحاجة إلى شرع الكفارة في الردة دون
~~الحاجة إلى شرعها في الظهار، وذلك لما ترتب على الردة من شرع القتل الوازع
~~عنها بخلاف الظهار، وربما أورد الأصحاب مناقضة على أصحاب أبي حنيفة في
~~منعهم من إيجاب الكفارة بالقياس، بإيجاب الكفارة بالاكل والشر ب في نهار
~~رمضان، بالقياس على المجامع، وهو غير لازم على من قال منهم بذلك، وذلك لان
~~العلة عندهم في حق المجامع لايجاب الكفارة مومى إليها في قصة الأعرابي، وهي
~~عموم الافساد، فالحكم في الأكل والشرب يكون ثابتا بالاستدلال، أي بعلة مومى
~~إليها، لا بالقياس، وذلك لان القياس لا بد فيه من النظر إلى حكم الأصل، إذ
~~هو ms791 أحد أركان القياس، لضرورة اعتبار العلة الجامعة والعلة إذا كانت منصوصة
~~أو مومى إليها، فقد ثبت اعتبارها بالنص، لا بحكم الأصل، ومهما كان الحكم في
~~الأصل غير ملتفت إليه في اعتبار العلة، لاستقلال النص باعتبارها، فلا يكون
~~الحكم في الفرع ثابتا بالقياس، لان العمل بالقياس لا بد فيه من النظر إلى
~~حكم لأصل. وقد قيل إنه لا نظر إليه، بل غايته أن النص قد دل في الوقاع على
~~الحكم وعلى العلة، فالحكم في الفرع إذا كان ثابتا بالعلة المنصوصة، لا يكون
~~حكما بالقياس ولا بالنص، لعدم دلالة النص عليه، وإن دل على العلة ولا
~~إجماع، لوقوع الخلاف فيه، وما كان ثابتا لا بنص ولا إجماع ولا قياس، فالذي
~~ثبت به هو المعبر عنه بالاستدلال. PageV04P064
# المسألة الخامسة ذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى جواز إجراء القياس في
~~الأسباب، ومنع من ذلك أبو زيد الدبوسي وأصحاب أبي حنيفة، وهو المختار.
# وصورته إثبات كون اللواط سببا للحد، بالقياس على الزنا . ودليل ذلك أن
~~الحكمة وهي كونه إيلاج فرج في فرج محرم مشتهى طبعا التي يكون الوصف سببا
~~بها، وهي الحكمة التي لأجلها يكون الحكم المرتب على الوصف ثابتا، وعند ذلك
~~فقياس أحد الوصفين على الآخر في حكم السببية لا بد وأن يكون لاشتراكهما في
~~حكمة الحكم بالسببية.
# وتلك الحكمة إما أن تكون منضبطة بنفسها ظاهرة جلية غير مضطربة، وإما أن
~~تكون خفية مضطربة.
# فإن كان الأول، فلا يخلو إما أن يقال بأن الحكمة إذا كانت منضبطة بنفسها
~~يصح تعليل الحكم بها أو لا يصح؟ إذ الاختلاف في ذلك واقع: فإن قيل بالأول
~~كانت مستقلة بإثبات الحكم (وهو الحد) المرتب على الوصف، ولا حاجة إلى الوصف
~~المحكوم عليه بكونه سببا، للاستغناء عنه وإن كان الثاني، فقد امتنع التعليل
~~والجمع بين الأصل والفرع بها.
# وأما إن كانت خفية مضطربة، فإما أن تكون مضبوطة بضابط أو لا، فإن كانت
~~مضبوطة بضابط فذلك الضابط لها، هو السبب، وهو القدر المشترك بين الأصل
~~والفرع، ولا حاجة إلى النظر إلى ms792 خصوص كل واحد من الوصفين المختلفين، وهما
~~الزنى واللواط هنا المقتضي على أحدهما بالأصالة، والآخر بالفرعية.
# وإن لم تكن مضبوطة بضابط، فالجمع بها يكون ممتنعا إجماعا، لاحتمال
~~التفاوت فيها بين الأصل والفرع، فإن الحكم مما يختلف باختلاف الصور
~~والأشخاص والأزمان والأحوال.
# فإن قيل: ما المانع أن يكون الوصف الجامع بينهما هو الحكمة؟ وما ذكرتموه
~~من كون الحكمة إذا كانت خفية مضطربة يمتنع الجمع بها، لاحتمال التفاوت
~~فيها. PageV04P065
# قلنا: احتمال التفاوت وإن كان قائما، غير أن احتمال التساوي راجح، وذلك
~~لأنه يحتمل أن تكون الحكمة التي في الفرع مساوية لما في الأصل، ويحتمل أن
~~تكون راجحة، ويحتمل أن تكون مرجوحة وعلى التقديرين الأولين، فالمساواة
~~حاصلة، وزيادة على التقدير الثاني منهما وإنما تكون مرجوحة على التقدير
~~الثالث، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب وقوعا
~~من احتمال واحد بعينه، فكان الجمع أولى، ثم كيف وقد جعلتم القتل بالمثقل
~~سببا لوجوب القصاص، بالقياس على القتل بالمحدد، وجعلتم اللواط سببا للحد،
~~بالقياس على الزنى، وجعلتم النية في الوضوء شرطا لصحة الصلاة، بالقياس على
~~نية التيمم.
# والجواب: أما ما ذكروه من دليل ظهور التساوي في الحكمة، فلا يخلو إما أن
~~يكون ذلك كافيا في الجمع، أو لا يكون كافيا:
# فإن كان كافيا، فليجمع بين الأصل والفرع في الحكم المرتب على السبب، ولا
~~حاجة إلى الجمع بالسبب، وإن لم يكن ذلك كافيا، فهو المطلوب.
# وما ذكروه من الالزامات، فلا وجه لها.
# أما قياس القتل بالثقل على المحدد، فلم يكن ذلك في السببية، وإنما ذلك في
~~إيجاب القصاص بجامع القتل العمد العدوان، وهو السبب لا غير.
# وأما قياس اللواط على الزنى، فإنما كان ذلك في وجوب الحد بجامع إيلاج فرج
~~في فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا، وذلك هو السبب، مع قطع النظر عن خصوصية
~~الزنى واللواط.
# وأما قياس الضوء على التيمم فإنما هو في اعتبار النية بجامع الطهارة
~~المقصودة للصلاة، وذلك هو السبب، لا أن القياس في الاشتراط.
# وعلى هذا النحو كل ما ms793 يرد من هذا القبيل. PageV04P066
# المسألة السادسة اختلفوا في جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية:
# فأثبته بعض الشذوذ، مصيرا منه إلى أن جميع الأحكام الشرعية من جنس واحد،
~~ولهذا تدخل جميعها تحت حد واحد، وهو حد الحكم الشرعي، وتشترك فيه، وقد جاز
~~على بعضها أن يكون ثابتا بالقياس، وما جاز على بعض المتماثلات، كان جائزا
~~على الباقي، وهو غير صحيح. وذلك أنه وإن دخلت جميع الأحكام الشرعية تحت حد
~~الحكم الشرعي، وكان الحكم الشرعي من حيث هو حكم شرعي جنسا لها، غير أنها
~~متنوعة ومتمايزة بأمور موجبة لتنوعها.
# وعلى هذا، فلا مانع أن يكون ما جاز على بعضها وثبت له، أن يكون ذلك له
~~باعتبار خصوصيته وتعينه، لا باعتبار ما به الاشتراك وهو عام لها.
# كيف وإن ذلك مما يمتنع لثلاثة أوجه.
# الأول: أنا قد بينا امتناع إجراء القياس في الأسباب والشروط، وبينا أن
~~حكم الشارع على الوصف بكونه سببا وشرطا حكم شرعي.
# الثاني: أن ذلك مما يفضي إلى أمر ممتنع، فكان ممتنعا، وبيان لزوم ذلك أن
~~كل قياس لا بد له من أصل يستند إليه، على ما علم، فلو كان كل حكم يثبت
~~بالقياس، لكان حكم أصل القياس ثابتا بالقياس، وكذلك حكم أصل أصله، فإن
~~تسلسل الامر إلى غير النهاية امتنع وجود قياس ما، لتوقفه على أصول لا نهاية
~~لها، وإن انتهى إلى أصل لا يتوقف على القياس على أصل آخر، فهو خلاف الفرض.
# الثالث: أن من الاحكام ما ثبت غير معقول المعنى، كضرب الدية على العاقلة
~~ونحوه، وما كان كذلك، فإجراء القياس فيه متعذر، وذلك لان القياس فرع تعقل
~~علة حكم الأصل وتعديتها إلى الفرع، فما لا يعقل له علة، فإثباته بالقياس
~~يكون ممتنعا. PageV04P067
# خاتمة لهذا الباب القياس مأمور به لقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي
~~الابصار) * (الحشر: 2) كما سبق تقريره وهو منقسم إلى واجب، ومندوب.
# والواجب: منه منقسم إلى ما هو واجب على بعض الأعيان، وذلك في حق كل من
~~نزلت به نازلة من القضاة والمجتهدين، ولا يقوم ms794 غيره فيها مقامه مع ضيق
~~الوقت، وإلى ما هو واجب على الكفاية، وذلك بأن يكون كل واحد من المجتهدين
~~يقوم مقام غيره في تعريف حكم ما حدث من الواقعة بالقياس.
# وأما المندوب، وهو القياس فيما يجوز حدوثه من الوقائع، ولم يحدث بعد، فإن
~~المكلف قد يندب إليه ليكون حكمه معدا لوقت الحاجة، وهل يوصف القياس بكونه
~~دينا لله تعالى، فذلك مما وصفه به القاضي عبد الجبار مطلقا، ومنع منه أبو
~~الهذيل، وفصل الجبائي بين الواجب والمندوب منه فوصف الواجب بذلك دون
~~المندوب.
# والمختار أن يقال: إن عني بالدين ما كان من الاحكام المقصودة بحكم
~~الأصالة، كوجوب الفعل وحرمته ونحوه، فالقياس واعتباره ليس بدين، فإنه غير
~~مقصود لنفسه، بل لغيره. وإن عني بالدين ما تعبدنا به، كان مقصودا أصليا أو
~~تابعا، فالقياس من الدين لأنا متعبدون به على ما سبق. وبالجملة فالمسألة
~~لفظية PageV04P068
# الباب الخامس في الاعتراضات الواردة على القياس وجهات الانفصال عنها.
# أما الاعتراضات الواردة على قياس العلة فخمسة وعشرون اعتراضا.
# الاعتراض الأول - الاستفسار وهو طلب شرح دلالة اللفظ المذكور، وإنما يحسن
~~ذلك إذا كان اللفظ مجمل مترددا بين محامل على السوية، أو غريبا لا يعرفه
~~السامع المخاطب، فعلى السائل بيان كونه مجملا أو غريبا لان الاستفسار عن
~~الواضح عناد أو جهل.
# ولهذا قال القاضي أبو بكر: ما ثبت فيه الاستبهام، صح عنه الاستفهام،
~~ولذلك وجب أن يكون سؤال الاستفسار أولا، وما سواه متأخرا عنه، لكونه فرعا
~~على فهم معنى اللفظ: وصيغه متعددة: PageV04P069
# فمنها (الهمزة)، كقوله أعندك زيد؟ وهي الأصل في الاستفسار، إذ لا ترد
~~لغيره، بخلاف غيرها من الأسئلة، فإنها قد ترد لغير الاستفهام.
# فمن ذلك (هل) وهي تلي الهمزة في الرتبة، إذ هي أصل في الاستفهام، كقولك
~~هل زيد موجود؟ ولكنها قد ترد نادرا للتأكيد، كقوله تعالى:
# * (هل أتى على الانسان حين من الدهر) * (الانسان: 1) والمراد به: قد أتى.
# ومن ذلك (ما) فإنها قد ترد بمعنى الاستفهام، كقولك ما عندك؟
# ولكنها قد ترد للنفي، كقولك ما رأيت أحدا ms795 وللتعجب، كقولك ما أحسن زيدا
~~إلى معان أخر، ولذلك، كانت متأخرة في الرتبة عن (هل).
# ومن ذلك (من) وهي قد ترد بمعنى الاستفهام، كقولك من عندك؟
# وقد ترد بمعنى الشرط والجزاء، كقوله عليه السلام من دخل دار أبي سفيان،
~~فهو آمن وقد ترد بمعنى الخبر، كقولك جاءني من أحبه وهي مختصة بمن يعقل، دون
~~ما لا يعقل، وهي متأخرة في الرتبة عن (ما) لان (ما) قد ترد لما لا يعقل
~~ولمن يعقل كقوله تعالى: * (والسماء وما بناها) * أي: ومن بناها.
# ومن ذلك (أين) وهي سؤال عن المكان. و (متى) عن الزمان.
# و (كيف) عن الكيفية. و (كم) عن الكمية. و (أي) عن التمييز.
# والهمزة تقوم مقام الكل في السؤال.
# وإذا ثبت أن شرط قبول الاستفسار كون اللفظ مجملا أو غريبا، فيجب على
~~السائل بيان ذلك لصحة سؤاله.
# فإن قيل: لا خفاء بأن ظهور الدليل شرط في صحة الدليل، كما سبق، وإنما يتم
~~الظهور، أن لو لم يكن اللفظ مجملا، فنفي الاجمال إذا شرط في الدليل، وبيان
~~شرط الدليل على المستدل لا على المعترض.
# قلنا: ظهور الدليل، وإن كان متوقفا على نفي الاجمال، غير أن الأصل عدم
~~الاجمال. PageV04P070
# وسؤال الاستفسار يستدعي الاجمال المخالف للأصل، فكان بيانه على المستفهم،
~~ولا تقبل منه دعوى الاجمال بجهة الاشتراك أو الغرابة، بناء على أنه لم يفهم
~~منه شيئا فيما كان ظاهرا مشهورا في ألسنة أهل اللغة والشرع، لانتسابه إلى
~~العناد، لعدم خفائه عليه في الغالب، لكن إن بين الاجمال بجهة الغرابة
~~بطريقة أو بجهة الاشتراك بسبب تردده بين احتمالين، كفاه ذلك من غير احتياج
~~إلى بيان التسوية بينهما، لان الأصل عدم الترجيح، ولعدم قدرته على بيان
~~التسوية وقدرة المستدل على الترجيح، وطريق المستدل في جواب دفع الاجمال
~~بجهة الغرابة، التفسير إن عجز عن إبطال غرابته، وفي جواب دفع الاجمال بجهة
~~الاشتراك، منع تعدد محامل اللفظ إن أمكن، أو بيان الظهور في أحد
~~الاحتمالين، وله فيه طريق تفصيلي بالنقل عن أهل الوضع أو الشرع أو ببيان ms796
~~أنه مشهور فيه، والشهرة دليل الظهور والحقيقة غالبا، وطريق إجمالي، وهو أن
~~يقول: الاجمال على خلاف الأصل لاخلاله بالتفاهم، فيجب اعتقاد ظهوره في أحد
~~الاحتمالين نفيا للاجمال عن الكلام، وهو وإن لزم منه التجوز في أحدهما، وهو
~~خلاف الأصل أيضا، غير أن محذور الاشتراك أعظم من محذور التجوز، كما سبق
~~تقريره.
# وإن تعذر عليه بيان ذلك فقد يقدر على دفع الاجمال أيضا بدعوى كون اللفظ
~~متواطئا فيهما لموافقته لنفي الاجمال والتجوز، أو أن يفسر لفظه بما أراد
~~منهما. PageV04P071
# الاعتراض الثاني فساد الاعتبار ومعناه أن ما ذكرته من القياس لا يمكن
~~اعتباره في بناء الحكم عليه، لا لفساد في وضع القياس وتركيبه، وذلك كما إذا
~~كان القياس مخالفا للنص، فهو فاسد الاعتبار لعدم صحة الاحتجاج به مع النص
~~المخالف له. وقد مثل ذلك أيضا بقياس الكافر على المسلم في صحة الظهارة،
~~وبقياس الحي على الميت في المضمضة وقياس الصبي على البالغ في إيجاب الزكاة،
~~من جهة الظهور الفرق بين الأصل والفرع. وعلى هذا النحو كل قياس ظهر الفارق
~~في بين الأصل والفرع. وأقرب هذه الأمثلة إنما هو المثال الأول: لأنه مهما
~~ثبت أن القياس مخالف للنص، كان باطلا لما سبق تقريره.
# وأما باقي الأمثلة، فحاصلها يرجع إلى إبداء الفرق بين الأصل والفرع، وهو
~~سؤال آخر غير سؤال فساد الاعتبار، وسيأتي الكلام عليه.
# وجوابه إما بالطعن في سند النص إن أمكن، أو بمنع الظهور أو التأويل أو
~~القول بالموجب أو المعارضة بنص آخر، ليسلم له القياس، أو أن يبين أن القياس
~~من قبيل ما يجب ترجيحه على النص المعارض له بوجه من وجوه الترجيحات
~~المساعدة له PageV04P072
# . الاعتراض الثالث فساد الوضع واعلم أن صحة وضع القياس أن يكون على هيئة
~~صالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه وفساد الوضع لا يكون على الهيئة
~~الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه. وقد مثله الفقهاء بما تلقي الحكم
~~فيه من مقابله، كتلقي التضييق من التوسيع، والتخفيف من التغليظ، والاثبات
~~من النفي، وبالعكس وأن يكون ما جعله علة ms797 للحكم مشعرا بنقيض الحكم المرتب
~~عليه، وذلك كقولهم في النكاح بلفظ الهبة: لفظ ينعقد به غير النكاح، فلا
~~ينعقد به فإنه من حيث إنه ينعقد به غير النكاح يقتضي انعقاد النكاح به، لا
~~عدم الانعقاد، لأن الاعتبار يقتضي الاعتبار، لا عدم الاعتبار.
# ومن هذا فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار وليس كل فاسد الاعتبار يكون فاسد
~~الوضع، لان القياس قد يكون صحيح الوضع، وإن كان اعتباره فاسدا بالنظر إلى
~~أمر خارج، كما سبق تقريره.
# ولهذا، وجب تقديم سؤال فساد الاعتبار على سؤال فساد الوضع، لان النظر في
~~الأعم يجب أن يتقدم على النظر في الأخص، لكون الأخص مشتملا على ما اشتمل
~~عليه الأعم وزيادة.
# وإذا عرف ما قررناه في سؤال فساد الوضع، فلقائل أن يقول: اقتضاء الوصف
~~لنقيض الحكم المرتب عليه:
# اما يدعي انه يراد به اقتضاؤه له مناسب نقيض الحكم على ما هو اشعار اللفظ
~~واما اعتبار الوصف في نقض الحكم في صوره كما قاله بعض المتأخرين فان كان
~~الأول فاما أن يدعي أنه مناسب لنقيض الحكم من الجهة التي تمسك بها المستدل،
~~أو من جهة أخرى، PageV04P073
# فإن كان ذلك من الجهة التي تمسك بها المستدل فيلزم منه أن يكون وصف
~~المستدل غير مناسب لحكمه، ضرورة أن الوصف الواحد لا يناسب حكمين متقابلين
~~من جهة واحدة، ولكن يرجع حاصله إلى القدح في المناسبة وعدم التأثير، لا أنه
~~سؤال آخر.
# وإن كان ذلك من جهة أخرى، فلا يمتنع مناسبة وصف المستدل لحكمه من الجهة
~~التي تمسك بها، ويرجع حاصله إلى سؤال الاشتراك في الدلالة وهو حقيقة
~~العارضة لأنه سؤال آخر وان أريد باقتضائه لنقيض الحكم اعتباره في نقيض
~~الحكم فلا يخلوا اما ان يكون معتبرا في نقيض الحكم من الجهة التي تمسك بها
~~المستدل من جهة أخرى فان كان من جهة أخرى فلا يقدح في اعتباره في حكم
~~المستدل من جهته فإنه جاز ان يعتبر الوصف الواحد في حكمين متقابلين يكون من
~~جهتين كالصلاة في الدار المغصوبة وان كان معتبرا في ms798 نقيض الحكم من الجهة
~~التي تمسك بها المستدل فإنه وان منع اعتباره في حكم المستدل ضرورة امتناع
~~اعتباره من جهة واحدة في حمين متقابيلن، غير أن حاصله يرجع إلى سؤال القلب
~~كما يأتي تحقيقه وسواء كان اعتباره في نقيض الحكم متفقا عليه أو ثابتا
~~بالدليل لأنه سؤال آخر وقد يشبه بسؤال النقض من وجه آخر من حيث انا وجدنا
~~العلة في صورة مع انتفاء الحكم لكن مع مزيد وهو كون العلة في صورة النقض هو
~~علة النقض وجوابه من وجهين الأول مع اقتضاء الوصف لنقض الحكم والقدح فيما
~~أبداه المعترض الثاني ان نسلم ذلك ونبين انه يقتضي الحكم الذي قصده من جهة
~~أخرى ثم لا يخلو: إما أن تكون جهة المناسبة لنقيض الحكم معتبرة في صوره، أو
~~غير معتبرة، فإن لم تكن معتبرة، كان ما يبديه المستدل من جهة المناسبة
~~كافيا في دفع السؤال، ضرورة كونها معتبرة، ومناسبة المعترض غير معتبرة. وإن
~~كانت مناسبة المعترض معتبرة، فإن أورد المعترض ما ذكره في معرض المعارضة،
~~فقد انتقل عن سؤاله الأول إلى سؤال المعارضة، ووجب على المستدل الترجيح لما
~~ذكره، ضرورة التساوي في المناسبة والاعتبار، وإن لم يورد ذلك في معرض
~~المعارضة وبقي مصرا على السؤال الأول فلا يحتاج المستدل إلى الترجيح لكونه
~~خاصا بالمعارضة. وهذا من مستحسنات صناعة الجدل، فليتأمل. PageV04P074
# الاعتراض الرابع منع حكم الأصل ولما كان منع حكم الأصل من قبيل النظر في
~~تفصيل القياس، كان متأخرا عما قبله، لكون ما قبله نظرا في القياس من جهة
~~الجملة، لا من جهة التفصيل.
# والنظر في الجملة يتقدم على النظر في التفصيل.
# ومثاله ما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة مثلا: مائع لا يرفع الحدث،
~~فلا يزيل حكم النجاسة، كالدهن. فقال الحنفي: لا أسلم الحكم في الأصل، فإن
~~الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة.
# وقد اختلف الفقهاء في انقطاع المستدل بتوجيه منع حكم الأصل عليه:
# فمنهم من قال بانقطاعه، لأنه أنشأ الكلام للدلالة على حكم الفرع، لا على
~~حكم الأصل، فإذا منع حكم ms799 الأصل، فإما أن يشرع في الدلالة عليه، أو لا يشرع:
# فإن لم يشرع في الدلالة عليه لم يتم دليله على مقصوده، وهو انقطاع، وإن
~~شرع في الدلالة عليه، فقد ترك ما كان بصدد الدلالة عليه أولا، وعدل عما
~~أنشأه من الدليل على حكم الفرع إلى الدلالة على حكم الأصل، ولا معنى
~~للانقطاع سوى هذا.
# ومنهم من قال: لا يكون منقطعا، لأنه إنما أنشأ الدليل على حكم الفرع
~~إنشاء من يحاول تمشيته وتقريره، وبالدلالة على حكم الأصل يحصل هذا المقصود،
~~لا أنه تارك لما شرع فيه أولا، ولا منع من ذلك، فإن الحكم في الفرع، كما
~~يتوقف على وجود علة الأصل في الأصل، وكونها علة فيه، وعلى وجودها في الفرع،
~~يتوقف علي ثبوت حكم الأصل، وكل ذلك من أركان القياس، ولم يمنع أحد من
~~محاولة تقرير القياس عند منع وجود علة الأصل ومنع كونها علة فيه، ومنع
~~وجودها في الفرع من الدلالة على محل المنع، فكذلك حكم الأصل، ضرورة التساوي
~~بين الكل في افتقار صحة القياس إليه.
# ومنهم من فصل بين أن يكون المنع خفيا، وبين أن يكون ظاهرا، فحكم بانقطاعه
~~عند ظهور المنع، وبعدم انقطاعه عند خفائه، لظهور عذره. PageV04P075
# وهذا هو اختيار الأستاذ أبي إسحاق الأسفرائيني.
# ومنهم من قال: يجب اتباع عرف المكان الذي هو فيه ومصطلح أهله في ذلك.
# وهذا هو اختيار الغزالي.
# والمختار أنه لا يعد منقطعا إذا دل على موقع المنع، لما قررناه فيما
~~تقدم.
# وقد بينا شرط الدلالة على حكم الأصل، في أركان القياس.
# وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: لا يفتقر إلى الدلالة على محل المنع،
~~بل له أن يقول: إنما قست على أصلي ولا وجه لذلك، فإنه إن قصد إثبات الحكم
~~على أصل نفسه، فالخصم غير منازع له في ثبوت حكم الفرع على أصله، ولا وجه
~~للمناظرة بينهما في ذلك. وإن قصد إثبات الحكم في الفرع بالنسبة إلى الخصم
~~بحيث يوجب الانقياد إليه، فذلك متعذر مع منع حكم الأصل، وعدم ثبوته
~~بالدلالة.
# وإنما يتصور ms800 الاستغناء عن الدلالة على حكم الأصل، إذا كان اللفظ الدال
~~على حكم الأصل عاما، وهو منقسم إلى ممنوع وغير ممنوع، كالدهن، فإنه وإن منع
~~الحكم في الطاهر منه، فهو غير ممنوع في الدهن النجس، وعند ذلك فله أن يقول:
~~إنما قست على الدهن النجس دون الطاهر، وإن كان قياسي عليهما، فغايته القياس
~~على أصلين وقد بطل التمسك بأحدهما، فيبقى التمسك بالآخر. وإذا ذكر الدليل
~~على موقع المنع، فمنهم من حكم بانقطاع المعترض لتبين فساد المنع وتعذر
~~الاعتراض منه على دليل المستدل لافضائه إلى التطويل فيما هو خارج عن
~~المقصود الأصلي في أول النظر.
# ومنهم من قال: لا يعد منقطعا، ولا يمنع من الاعتراض على دليل المنع، ولا
~~يكتفي من المستدل بما يدعيه دليلا، وإلا لما كان لقبول المنع معنى، بل
~~الانقطاع إنما يتحقق في حق كل واحد بعجزه عما يحاوله نفيا وإثباتا، وهذا هو
~~المختار. PageV04P076
# الاعتراض الخامس التقسيم وهو في عرف الفقهاء: عبارة عن ترديد اللفظ بين
~~احتمالين، أحدهما ممنوع، والآخر مسلم، غير أن المطالبة متوجهة ببناء الغرض
~~عليه، إما أنه لا بد من ترديده بين احتمالين، لأنه لو لم يكن محتملا
~~لامرين، لم يكن للترديد والتقسيم معنى، بل كان يجب حمل اللفظ على ما هو
~~دليل عليه، وإما أنه لا بد وأن يكون احتمال اللفظ لهما على السوية، لأنه لو
~~كان ظاهرا في أحدهما، لم يكن للتقسيم أيضا وجه، بل كان يجب تنزيل اللفظ على
~~ما هو ظاهر فيه، كان ممنوعا أو مسلما. وذلك كما لو قال المستدل في البيع
~~بشرط الخيار، وجد سبب ثبوت الملك للمشتري، فوجب أن يثبت، وبين وجود السبب
~~بالبيع الصادر من الأهل من المحل، فقال المعترض: السبب هو مطلق بيع أو
~~البيع المطلق، أي الذي لا شرط فيه: الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لم قلت
~~بوجوده.
# ولقائل أن يقول: التقسيم وإن كان من شرطه تردد اللفظ بين احتمالين على
~~السوية، فليس من شرطه أن يكون أحد الاحتمالين ممنوعا، والآخر مسلما، بل كما
~~يجوز أن ms801 يكون كذلك، يجوز أن يشترك الاحتمالان في التسليم، ولكن بشرط أن
~~يختلفا باعتبار ما يرد على كل واحد منهما من الاعتراضات القادحة فيه، وإلا
~~فلو اتحدا فيما يرد عليهما من الاعتراضات، مع التساوي في التسليم، لم يكن
~~للتقسيم معنى، بل كان يجب تسليم المدلول وإيراد ما يختص به. ولا خلاف أنهما
~~لو اشتركا في المنع أن التقسيم لا يكون مفيدا. PageV04P077
# وعلى هذا فلو أراد المعترض تصحيح تقسيمه، فيكفيه بيان إطلاق اللفظ بإزاء
~~الاحتمالين من غير تكليف ببيان التساوي بينهما في دلالة اللفظ عليهما بجهة
~~التفصيل، لان ذلك مما يعسر من جهة أن ما من وجه يبين التساوي فيه إلا
~~وللمستدل أن يقول: ولم قلت بعدم التفاوت من وجه آخر؟ بلى لو قيل إنه يكلف
~~التساوي بينهما من جهة الاجمال، وهو أن يقول: التفاوت يستدعي ترجح أحدهما
~~على الآخر وزيادته عليه، والأصل عدم تلك الزيادة، لم يكن ذلك شاقا، وكان
~~وافيا بالدلالة على شرط التقسيم. ولو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ
~~المستدل عليهما، وأورد الاعتراض عليهما، كما لو قال المستدل في مسألة
~~الالتجاء إلى الحرم:
# وجد سبب استيفاء القصاص، فيجب استيفاؤه. وبين وجود السبب بالقتل العمل
~~العدوان، فقال المعترض: متى يمكن القول بالاستيفاء إذا وجد المانع، أو إذا
~~لم يوجد؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. ولكن، لم قلت إنه لم يوجد، وبيان
~~وجوده أن الحرم مانع، وبينه بطريقة لم يخل إما أن يورد ذلك بناء على أن لفظ
~~المستدل متردد بين الاحتمالين المذكورين، أو على دعواه الملازمة بين الحكم
~~ودليله:
# فإن كان الأول فهو باطل لعدم تردد لفظ السبب بين ما ذكر من الاحتمالين،
~~وإن كان الثاني، فإن اقتصر على المطالبة ببيان انتفاء المانع، فهو غير
~~مقبول، لما تقرر في الاصطلاح من حط مؤنة ذلك عن المناظر في الموانع
~~والمعارضات المختلف فيها، وإن أضاف إلى ذلك الدلالة على وجود المعارض،
~~فحاصل السؤال يرجع إلى المعارضة، ولا حاجة إلى التقسيم وإذا اتجه سؤال
~~التقسيم على التفسير الأول. فجوابه من جهة الجدل من ms802 ستة أوجه:
# الأول: أن يعين المستدل بعض محامل لفظه، ويبين أن اللفظ موضوع بإزائه
~~حقيقة في لغة العرب، إما بالنفل عن أهل الوضع، أو الشارع الصادق،
~~PageV04P078
# أو ببيان كونه مشهورا به في الاستعمال، فيكون حقيقة، لأنه الغالب، وبما
~~يساعد من الأدلة، ومع بيان ذلك، فالتقسيم يكون مردودا، لتبين فوات شرطه من
~~التساوي في الدلالة.
# الثاني: أن يقول إنه، وإن لم يكن ظاهرا بحكم الوضع فيما عينته من
~~الاحتمال، غير أنه ظاهر بعرف الاستعمال، كما في لفظ الغائط ونحوه.
# الثالث: أنه، وإن لم يكن ظاهرا بالامرين، إلا أنه ظاهر في عرف الشرع،
~~كلفظ الصلاة والصوم ونحوه.
# الرابع: أنه، وإن تعذر كونه ظاهرا بأحد الأنحاء المذكورة، لكنه ظاهر بحكم
~~ما اقترن به من القرائن المساعدة له في كل مسألة.
# الخامس: أنه، وإن تعذر بيان الظهورية بأحد الطرق المفصلة، فله دفع
~~التقسيم بوجه إجمالي، وهو أن يقول: الاجمال على خلاف الأصل، فيجب اعتقاد
~~ظهور اللفظ في بعض احتمالاته، ضرورة نفي الاجمال عن اللفظ. ومع ذلك
~~فالتقسيم لا يكون واردا. وقد يقدر على بيان كون اللفظ ظاهرا فيما عينه بهذا
~~الطريق الاجمالي، وهو أن يقول: إذا ثبت أنه لا بد وأن يكون اللفظ ظاهرا في
~~بعض محامله، نفيا للاجمال عن الكلام، فيجب اعتقاد ظهوره فيما عينه المستدل،
~~ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره فيما عداه، أما عند المعترض، فلضرورة دعواه
~~الاجمال في اللفظ.
# وأما عند المستدل، فلضرورة دعواه أنه ظاهر فيما ادعاه دون غيره.
# السادس: أن يبين أن اللفظ له احتمال آخر غير ما تعرض له المعترض بالمنع
~~والتسليم، وأنه مراده، إلا أن يحترز المعترض عن ذلك بأن يعين مجملا، ويقول:
~~إن أردت هذا، فمسلم. ولكن لم قلت ببناء الغرض عليه. وإن أردت ما عداه،
~~فممنوع.
# فما مثل هذا الجواب لا يكون متجها، وإن أراد المستدل الجواب الفقهي، فإن
~~كان قادرا على تنزيل كلامه على أحد القسمين، فالأولى في الاصطلاح تنزيله
~~على أحدهما، حذرا من التطويل، وليكن منزلا على أسهلهما في التمشية والقرب
~~إلى المقصود ms803 إن أمكن، وإن كان الجمع جائزا شرعا. وإن لم يقدر على شئ من
~~ذلك، كان منقطعا. PageV04P079
# وأما موقع سؤال التقسيم، فيجب أن يكون بعد منع حكم الأصل، لكونه متعلقا
~~بالوصف المتفرع عن حكم الأصل، وأن يكون مقدما على منع وجود الوصف لدلالة
~~منع الوجود على تعيين الوصف والتقسيم على الترديد وإن يكون مقدما على سؤال
~~المطالبة بتأثير الوصف المدعي علة لكونه مشعرا بترديد لفظ المستدل بين
~~أمرين والمطالبة بتأثير الوصف مشعرة بتسليم كونه مدلولا للفظ لا غير، ضرورة
~~تخصيصه بالكلام عليه، وإلا كان التخصيص به غير مفيد، وإيراد ما يشعر
~~بالترديد بعد ما يشعر بتسليم اتحاد المدلول يكون متناقضا.
# وقد علل ذلك بعض أرباب الاصطلاح بأن المطالبة بتأثير الوصف تستدعي تسليم
~~وجود الوصف. والتقسيم مشتمل على منع الوجود، ومنع الوجود بعد تسليم الوجود
~~لا يكون مقبولا، لما فيه من التناقض، وهو غير صحيح لوجهين:
# الأول أن ما ذكره إنما هو مبني على أن أحد القسمين لا بد وأن يكون ممنوع
~~الوجود، وليس كذلك لما سبق في مبدأ السؤال وبتقدير أن يكون أحد القسمين
~~ممنوع الوجود فإنما يلزم التناقض والمنع بعد التسليم، أن لو كان ما أورد
~~عليه سؤال المطالبة أو لا هو نفس القسم الذي منع وجوده في التقسيم، وبتقدير
~~أن يكون غيره، فلا.
# وبالجملة فيمتنع أيضا قبول سؤال التقسيم بعد سؤال الاستفسار لان المسؤول
~~إن كان قد دفع سؤال الاستفسار جدلا بنفي الاجمال فالتقسيم بعده لا يرد،
~~ضرورة توقفه على الاجمال، وقد انتفى. وإن أجاب عنه بتعيين ما قصده بكلامه،
~~فبعد التعيين لا حاجة إلى التقسيم، بل يجب ورود الاعتراض على عينه دون
~~غيره. PageV04P080
# الاعتراض السادس منع وجود العلة في الأصل ولكون النظر في علة الأصل
~~متفرعا عن حكم الأصل، وجب تأخيره عن النظر في حكم الأصل، وعن التقسيم، لما
~~ذكرناه في السؤال الذي قبله.
# ومثاله ما لو قال الشافعي في مسألة جلد الكلب مثلا: حيوان يغسل الاناء من
~~ولوغه سبعا، فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير، فيقول الخصم: لا ms804 أسلم وجوب
~~غسل الاناء من ولوغ الخنزير سبعا.
# وجوابه بذكر ما يدل على وجوده من العقل أو الحس أو الشرع، على حسب حال
~~الوصف في كل مسألة، أو أن يفسر لفظه بما لا يمكن الخصم منعه، وإن كان
~~احتمال اللفظ له بعيدا. وذلك كما لو قال في المثال المذكور أعني به ما إذا
~~لم يغلب على ظنه الطهارة وإن فسر لفظه بما له وجود في الأصل، غير أن لفظه
~~لا يحتمله لغة فالمختار أنه لا يقبل، وإن ذهب إلى قبوله بعض المتأخرين،
~~وذلك، لان وضع اللفظ إنما كان لقصد تحصيل المعنى منه وأن يعرف كل أحد ما في
~~ضميره لغيره بواسطة اللفظ المستعمل، وذلك مشروط بضبط الوضع ضبطا يمتنع معه
~~دخول الزيادة والنقصان. وإذا قبل من كل أحد تفسير لفظه بما لا يحتمله لغة،
~~حالة عجزه عن تقرير كلامه، أفضى ذلك إلى اضطراب اللغة وإبطال فائدة وضعها،
~~كيف وإن إطلاقه لذلك اللفظ دليل ظاهر على إرادة مدلوله، وعدوله عند المنع
~~مشعر بالانقطاع في تقريره. PageV04P081
# الاعتراض السابع منع كون الوصف المدعى علة ولما كانت العلية صفة للوصف
~~المذكور ومتوقفة على وجوده، وجب أن يكون النظر فيها نفيا وإثباتا، متأخرا
~~عن النظر في وجود الوصف.
# وهذا هو أعظم الأسئلة الواردة على القياس، لعموم وروده على كل ما يدعى
~~كونه علة، واتساع طرق إثباته، وتشعب مسالكه، كما تقدم تقريره.
# وقد اختلف العلماء في قبوله نفيا وإثباتا والمختار لزوم قبوله.
# وذلك، لان إثبات الحكم في الفرع مما لا يمكن إسناده إلى مجرد إثبات حكم
~~الأصل دون جامع بينهما.
# والجامع يجب أن يكون في الأصل بمعنى الباعث، لا بمعنى الامارة، على ما
~~سبق تقريره.
# والوصف الطردي لا يصلح أن يكون باعثا، فيمتنع التمسك به في القياس، فلو
~~لم يقبل منع تأثير الوصف والمطالبة بتأثيره، أفضى ذلك إلى التمسك بالأوصاف
~~الطردية، ثقة من المتكلم بامتناع مطالبته بالتأثير. ولا يخفى وجه فساده.
# وأيضا، فإن الأصل عدم الدليل الدال على جواز التمسك بالقياس، غير أنا
~~استثنينا منه ما ms805 كانت علة القياس فيه مخيلة، أو شبهية لاجماع الصحابة عليه،
~~ولم ينقل عنهم أنهم تمسكوا بقياس علته طردية، فبقينا فيه على حكم الأصل.
# فلذلك وجب قبول سؤال منع التأثير وبيان كون الوصف مؤثرا.
# وعند هذا، فلا بد من ذكر شبه الرادين له وتحقيق جوابها. وقد احتجوا بشبه.
# الأولى: أنه لو قبل سؤال منع التأثير، فما من دليل يذكره المستدل على كون
~~الوصف علة إلا وهذا السؤال وارد عليه، إلى ما لا يتناهى، فيجب رده حفظا
~~للكلام عن الخبط والنشر. PageV04P082
# الثانية: أنه لا معنى للقياس سوى رد الفرع إلى الأصل بجامع، وقد أتى به
~~المستدل، وخرج عن وظيفته، فعلى المعترض القدح فيه.
# الثالثة: أن الأصل أن كل ما ثبت الحكم عقيبه في الأصل أن يكون علة، فمن
~~ادعى أن الوصف الجامع ليس بعلة، احتاج إلى بيانه.
# الرابعة: أنا بحثنا فلم نجد سوى هذه العلة، فعلى المعترض القدح فيها، أو
~~إبداء غيرها.
# الخامسة: أنهم قالوا: عجز المعترض عن الاعتراض على الوصف المذكور دليل
~~صحته كالمعجزة، فالمنع من الصحة مع وجود دليل الصحة لا يكون مقبولا.
# السادسة: قولهم حاصل هذا السؤال يرجع إلى المنازعة في علة الأصل، ويجب أن
~~يكون متنازعا فيها، ليتصور الخلاف في الفرع.
# السابعة: أن حاصل القياس يرجع إلى تشبيه الفرع بالأصل، والشبه حجة.
# وقد تحقق ذلك بما ذكر من الوصف الجامع، فلا حاجة إلى إبداء غيره.
# الثامنة: قولهم: هذا الوصف مطرد لم يتخلف حكمه عنه في صورة، فكان صحيحا.
# والجواب عن الأولى: أن التسلسل منقطع بذكر ما يفيد أدنى ظن بالتعليل من
~~الطرق التي بيناها قبل، فإن المطالبة بعلية ما غلب على الظن كونه علة بعد
~~ذلك يكون عنادا، وهو مردود إجماعا.
# وعن الثانية: بمنع تحقق القياس بجامع لا يغلب على الظن كونه علة.
# وعن الثالثة: بمنع أن الأصل علية كل ما ثبت الحكم معه من الأوصاف.
# وعن الرابعة: أن البحث مع عدم الاطلاع على غير الوصف المذكور طريق من طرق
~~إثبات العلة، كما سبق، فكان ذلك جوابا عن ms806 سؤال المطالبة وقبولا له، لا أنه
~~رد له. PageV04P083
# وعن الخامسة: أنه لو كان عجز المعترض عن الاعتراض دليل صحة العلة، لكان
~~عجز المستدل عن تصحيح العلة دليل فسادها، ولا أولوية، ولكان عجز المعترض عن
~~الاعتراض على إبطال ما ادعى من الحكم في الفتوى دليلا على ثبوت الحكم، ولم
~~يقل به قائل.
# وعن السادسة: أن علة الأصل، وإن كانت متنازعا فيها، فلا بد من دليل ظني
~~يدل على كونها علة كما في الحكم المختلف فيه.
# وعن السابعة: أن إثبات الحكم في الفرع متوقف على ظن إثباته، ولا نسلم أن
~~مطلق المشابهة بين الأصل والفرع في مطلق وصف، مفيد للظن.
# وعن الثامنة: أن حاصلها يرجع إلى الاكتفاء بالوصف الطردي، لكونه غير
~~منتقض، وهو باطل بما سبق في طرق إثبات العلة.
# وإذا علم أنه لا بد من قبول سؤال المطالبة بالتأثير، وأنه لا بد من
~~الدلالة على كون الوصف علة، وطريق إثبات ذلك ما يساعد من الأدلة التي
~~قررناها قبل. PageV04P084
# الاعتراض الثامن سؤال عدم التأثير وهو إبداء وصف في الدليل مستغنى عنه في
~~إثبات الحكم أو نفيه.
# وقد قسمه الجدليون أربعة أقسام:
# الأول: عدم التأثير في الوصف، وذلك بأن يكون الوصف المأخوذ في الدليل
~~طرديا، لا مناسبة فيه ولا شبه، وذلك كما يقال في صلاة الصبح صلاة لا يجوز
~~قصرها، فلا تقدم في الأداء على وقتها كالمغرب، فإن عدم القصر وصف طردي
~~بالنسبة إلى الحكم المذكور.
# الثاني: عدم التأثير في الأصل، وهو أن يكون الوصف قد استغني عنه في إثبات
~~الحكم في الأصل المقيس عليه بغيره، وذلك كما إذا قال المستدل في بيع
~~الغائب، مبيع غير مرئي، فلا يصح بيعه، كالطير في الهواء، والسمك في الماء،
~~فإن ما وجد في الأصل من العجز عن التسليم مستقل بالحكم.
# وهذا النوع مما اختلف فيه، فرده الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني ومن
~~تابعه، مصيرا منهم إلى أنه إشارة إلى علة أخرى في الأصل، ولا يمتنع تعليل
~~الحكم الواحد في محل واحد بعلتين.
# ومنهم من قبله، مصيرا منهم ms807 إلى امتناع تعليل الحكم بعلتين، وقد سبق تقرير
~~كل واحد من المأخذين، وما هو المختار منهما.
# الثالث: عدم التأثير في الحكم، وهو أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له
~~في الحكم المعلل، وذلك، كما لو قال المستدل في مسألة المرتدين إذا أتلفوا
~~أموالنا:
# طائفة مشركة، فلا يجب عليهم الضمان بتلف أموالنا في دار الحرب كأهل
~~الحرب، فإن الاتلاف في دار الحرب لا تأثير له في نفي الضمان، ضرورة
~~الاستواء في الحكم عندهم بين الاتلاف في دار الحرب ودار الاسلام.
~~PageV04P085
# وحاصل هذا القسم يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم
~~المذكور إن كان طرديا، أو إلى سؤال الالغاء إن كان مؤثرا.
# الرابع: عدم التأثير في محل النزاع، وهو أن يكون الوصف المذكور في الدليل
~~لا يطرد في جميع صور النزاع، وإن كان مناسبا.
# وذلك كما لو قال المستدل في مسألة ولاية المرأة: زوجت نفسها من غير كف،
~~فلا يصح نكاحها. وذلك من حيث إن النزاع واقع فيما إذا زوجت نفسها من الكفء
~~وغير الكفء.
# وهذا أيضا مما اختلف في قبوله، فرده قوم، مصيرا منهم إلى منع جواز الفرض
~~في الدليل، وقبله من لم يمنع من ذلك، وهو المختار على ما عرفناه في كتاب
~~الجدل.
# وإذا بطل القسم الرابع، وهو عدم التأثير في محل النزاع، ورجع حاصل القسم
~~الثالث، وهو عدم التأثير في الحكم، إلى عدم التأثير في الوصف أو الالغاء،
~~فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف وعدم التأثير في الأصل. وعدم التأثير في
~~الوصف راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف، وسؤال المطالبة يغني عنه، وجوابه
~~جوابه فلا يجتمعان، وعدم التأثير في الأصل، فحاصله يرجع إلى المعارضة في
~~الأصل، لا أنه غيره. وجوابه جوابه كما يأتي. ومع ذلك كله، فقد يكون أخذ
~~الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مفيدا بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع
~~الموجود في صورة النقض، أو وجود الشرط الفائت فيها، لقصد دفع النقض، أو
~~مشيرا إلى قصد الفرض في الدليل في بعض صور ms808 النزاع، كما ذكر من مثال أخذ
~~الاتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، ولا يكون عديم التأثير، إذ هو غير
~~مستغنى عنه في إثبات الحكم، إما لقصد دفع النقض، أو لقصد الفرض.
~~PageV04P086
# الاعتراض التاسع القدح في مناسبة الوصف المعلل به وذلك بما يلزم من ترتيب
~~الحكم على وفقه لتحصيل المصلحة المطلوبة منه وجود مفسدة مساوية لها، أو
~~راجحة عليها. وقد بينا وجه الاختلاف فيه، وأن المختار إبطاله، لا أن يبين
~~ترجيح المصلحة على المفسدة، إما بطريق إجمالي أو تفصيلي، كما بيناه فيما
~~سبق.
# الاعتراض العاشر القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى ما علل به من المقصود
~~وذلك كما لو عللت حرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى
~~ارتفاع الحجاب بين الرجال والنساء إلى سد باب الفجور بالحرمة المؤبدة، وعلم
~~الرجل بامتناع وصوله إلى الأنثى على الوجه المشروع حتى ينسد عليه باب الطمع
~~في مقدمات الهم بها والنظر إليها، فإن للمعترض أن يقول: هذا الحكم غير صالح
~~لافضائه إلى هذا المقصود من حيث إن سد باب النكاح أدعى إلى محذور الوقوع في
~~الزنى.
# وجوابه أن الحرمة المؤبدة، مما تمنع من النظر إلى المرأة بشهوة عادة،
~~والامتناع العادي على مر الزمان يلتحق بالامتناع الطبعي، وبه يتحقق انسداد
~~باب الفجور. PageV04P087
# الاعتراض الحادي عشر أن يكون الوصف المعلل به باطنا خفيا وذلك لو علل
~~بالرضا أو القصد، فإنه قد يقال القصد والرضا من الأوصاف الباطنة الخفية
~~التي لا يطلع عليها بأنفسها فلا تكون علة للحكم الشرعي الخفي، ولا معرفة
~~له.
# وجوابه أن يبين ضبط الرضا بما يدل عليه من الصيغ الظاهرة وضبط القصد بما
~~يدل عليه من الافعال الظاهرة. وكل ذلك معلوم في الخلافيات.
# الاعتراض الثاني عشر أن يكون الوصف المعلل به مضطربا، غير منضبط كالتعليل
~~بالحكم والمقاصد، مثل التعليل بالحرج والمشقة والزجر والردع ونحوه.
# فإنه قد يقال: مثل هذه الأوصاف مما تضطرب وتختلف باختلاف الأشخاص
~~والأزمان والأحوال. وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان
~~الظاهرة الجلية، دفعا للعسر ms809 والحرج عن الناس في البحث عنها، ومنعا للاضطراب
~~في الاحكام عند اختلاف الصور بسبب الاختلاف في هذه الأوصاف بالزيادة
~~والنقصان.
# وجوابه إما ببيان كون ما علل به مضبوطا بنفسه أو بضابطه، كضبط الحرج
~~والمشقة بالسفر ونحوه. PageV04P088
# الاعتراض الثالث عشر - النقض وهو عبارة عن تخلف الحكم مع وجود ما ادعى
~~كونه علة له، وقد أومأنا في مسألة تخصيص العلة إلى وجه دلالة ذلك على
~~إبطالها ووجه الانفصال عنه فيما إذا كانت العلة منصوصة، أو مجمعا عليها، أو
~~مستنبطة، وفي صورة النقض مانع أو فوات شرط، بالاستقصاء التام المفصل، والذي
~~يختص بما نحن فيه هاهنا وجوه أخر في الجواب الأول منع وجود العلة في صورة
~~النقض، إن أمكن.
# وذلك، كما لو قال الشافعي في مسألة زكاة الحلي مال غير نام، فلا تجب فيه
~~الزكاة كثياب البذلة.
# فقال المعترض: هذا ينتقض بالحلي المحظور، فإنه غير نام، ومع ذلك فإن
~~الزكاة تجب فيه. فقال المستدل: لا أسلم أن الحلي المحظور غير نام، وإنما
~~كان منع وجود العلة في صورة النقض، دافعا للنقض لان النقض وجود العلة ولا
~~حكم فإذا لم توجد العلة في صورة النقض فلا نقض، لكن اختلفوا في المعترض، هل
~~له الدلالة على وجود العلة في صورة النقض، عند منع المستدل لوجودها؟
# فمنهم من قال: له ذلك، إذ به يتحقق انتقاضها وهدم كلا المستدل، فكان له
~~ذلك كغيره من الاعتراضات.
# ومنهم من منع من ذلك، لما فيه من قلب القاعدة بانقلاب المستدل معترضا،
~~والمعترض مستدلا. والواجب إنما هو التفصيل، وهو أنه إن تعين ذلك طريقا
~~للمعترض في هدم كلام المستدل، وجب قبوله منه، تحققا لفائدة المناظرة، وإن
~~أمكنه القدح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا، نعم لو كان المستدل قد دل
~~على وجود العلة في محل التعليل بدليل هو موجود في صورة النقض، فإذا منع
~~وجود العلة، PageV04P089
# فإن قال المعترض فقد انتقض الدليل الذي دللت به على وجود العلة، لا يكون
~~مسموعا لكونه انتقالا من النقض على نفس العلة إلى النقض ms810 على دليلها.
# وذلك، كما لو قال الحنفي في مسألة تبييت النية وتعيينها، أي بمسمى الصوم،
~~فوجب أن يصح كما في محل الوفاق، ودل على وجود الصوم، بقوله: إن الصوم عبارة
~~في الامساك مع النية، وهو موجود فيما نحن فيه.
# فقال المعترض: هذا منتقض بما إذا نوى بعد الزوال.
# وإن قال المعترض للمستدل: ابتداء أمرك لا يخلو من حالين، إما أن تعتقد
~~وجود الصوم في صورة النقض، أو لا تعتقده.
# فإن كان الأول، فقد انتقضت علتك، وإن كان الثاني فقد انتقض ما ذكرته من
~~الدليل على وجود العلة، كان متجها.
# وإن أورد ذلك، لا في معرض نقض دليل وجود العلة، بل في معرض الدلالة به
~~على وجود العلة ي صورة النقض، فالحكم فيه على ما سبق في الدلالة على نفي
~~الحكم في صورة النقض، فهو غير مسموع على ما يأتي:
# الثاني: منع تخلف الحكم وإنما كان ذلك دافعا للنقض لما ذكرناه في منع
~~وجود العلة، وذلك، كما لو قال الشافعي في مسألة الثيب الصغيرة ثيب فلا يجوز
~~إخبارها كالثيب البالغ، فقال المعترض: هذا منقوض بالثيب المجنونة، فإنه
~~يجوز إجبارها.
# فقال المستدل: لا نسلم صحة إجبار الثيب المجنونة. والكلام في تمكين
~~المعترض من الاستدلال على تخلف الحكم في صورة النقض، كالكلام في دلالته على
~~وجود العلة، وقد عرف ما فيه.
# الثالث: أن يكون النقض على أصل المستدل خاصة، وذلك كما لو قال الشافعي في
~~مسألة الرطب بالتمر: باع مال الربا بجنسه متفاضلا، فلا يصح كما لو باع صاعا
~~بصاعين، PageV04P090
# فقال الحنفي: هذا منتقض على أصلك بالعرايا، فإنه يصح، وإن باع مال الربا
~~بجنسه متفاضلا.
# وجوابه من ثلاثة أوجه:
# الأول: أن يبين في صورة النقض مناسبا يقتضي النفي، من مانع أو فوات شرط،
~~مع قران الحكم به على أصله.
# الثاني: أن يقول: النقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل العلة، فتخلف
~~الحكم عن العلة إنما هو على مذهب أحد الفريقين، وثبوت الحكم على وفق العلة
~~المعلل بها بالاتفاق، ولا مساواة بين المتفق عليه ms811 والمختلف فيه، فلا يقع في
~~معارضة دليل العلة.
# الثالث: أن يبين أن تخلف الحكم عن العلة في معرض الاستثناء، والمستثنى لا
~~يقاس عليه ولا يناقض به، كما في صورة العرايا المذكورة.
# الرابع: أن يكون إبداء النقض على أصل المعترض لا غير، وتوجيهه أن يقول
~~المعترض: هذا الوصف مما لم يطرد على أصلي، فلا يلزمني الانقياد إليه.
# وجوابه أن يقول المستدل: ما ذكرته حجة عليك في الصورتين، إذ هي محل
~~النزاع، ومذهبك في صورة النقض لا يكون حجة في درء الاحتجاج، وإلا كان حجة
~~في محل النزاع، وهو محال.
# وهل يجب على المستدل الاحتراز في دليله عن النقض؟ اختلفوا:
# فمنهم من قال بوجوبه، لقربه من الضبط، وبعده عن النشر والخبط، ولأن ما
~~أشار إليه المستدل من الوصف المعلل به إذا كان منتقضا، فإما أن يكون انتفاء
~~الحكم في صورة النقض لا لمعارض، أو لمعارض:
# فإن كان الأول، فلا يكون الوصف علة، لما سبق تقريره في مسألة تخصيص
~~العلة.
# وإن كان الثاني، فقد ثبت أن للعلة معارضا متفقا عليه، فلا بد من نفيه في
~~الدليل، لان المناظر تلو الناظر، وليس للناظر الجزم بالحكم عند ظهور سببه
~~دون ظهور انتفاء معارضه، فكذلك المناظر، غير أنا أسقطنا عنه كلفة نفي
~~المعارض المختلف فيه لعسر نفيه فبقينا فيما عداه على حكم الأصل.
# ومنهم من لم يوجبه، تمسكا منه بأن ما يقع به الاحتراز عن النقض إما أن
~~يكون من جملة أجزاء العلة، أو خارجا عنها: PageV04P091
# فإن كان الأول، فالعلة لا تكون علة دونه، وما مثل هذا لا خلاف في وجوب
~~ذكره في العلة، لعدم تمام العلة دونه، ومن نازع فيه فقد نازع في أنه:
# هل يجب على المستدل ذكر العلة أو لا، وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن
~~يكون مشيرا إلى نفي المعارض أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول. فقد تعرض لما
~~لم يسأل عنه، لكونه مسؤولا بعد الفتوى عن الدليل المقتضي للحكم، وانتفاء
~~المعارض ليس من الدليل، ولو قيل إنه من الدليل ms812 كان خلاف الغرض في هذا
~~القسم.
# وإن كان الثاني، فالنقض غير مندفع به، لان النقض عبارة عن وجود العلة،
~~ولا حكم، فإذا كان المذكور خارجا عن العلة، ولا فيه إشارة إلى نفي المعارض،
~~فالعلة ما دونه، وقد وجدت في صورة النقض، ولا معارض فكان النقض متجها.
# وإن قيل إن الوصف المأخوذ للاحتراز من جملة العلة لتعلق فائدة دفع النقض
~~به، وإن لم يكن مناسبا، فقد سبق إبطاله في تخصيص العلة.
# الاعتراض الرابع عشر الكسر وهو النقض على المعنى. وقد ذكرنا طريق إيراده
~~ووجه الانفصال عنه، في شروط العلة. ويخصه من الأجوبة هاهنا منع وجود المعنى
~~المشار إليه في صورة النقض، ومنع تخلف الحكم عنه، وباقي الأجوبة التي
~~أوردناها في سؤال النقض قبله. PageV04P092
# الاعتراض الخامس عشر المعارضة في الأصل بمعنى وراء ما علل به المستدل،
~~وسواء كان مستقلا بالتعليل، كمعارضة من علل تحريم ربا الفضل في البر بالطعم
~~أو بالكيل أو بالقوت، أو غير مستقل بالتعليل على وجه يكون داخلا في التعليل
~~وجزءا من العلة، وذلك كمعارضة من علل وجوب القصاص في القتل بالمثقل بالقتل
~~العمد العدوان بالجارح، في الأصل ونحوه.
# وقد اختلف الجدليون في قبوله فمنهم من رده بناء منه على أنه لا يمتنع
~~تعليل الحكم الواحد بعلتين، كما سبق تقريره، ولهذا، فإنا لو قدرنا انفراد
~~ما ذكر المستدل مجردا عن المعارض، صح التعليل به إجماعا، وإنما صح التعليل
~~به، لصلاحية فيه، لا لعدم المعارض، فإن العدم لا يكون علة، ولا داخلا فيها
~~لما سبق تقريره. فإذا صح التعليل به مع عدم المعارض، صح مع وجوده، ولأنه لا
~~معنى للعلة إلا ما يثبت الحكم عقيبها، وهذا المعنى موجود في الوصفين، فكان
~~كل واحد علة.
# ومنهم من قبله وأوجب جوابه على المستدل، وهو المختار.
# وذلك لأنه إذا وجد في الأصل وصفان.
# فإما أن يكون كل واحد علة مستقلة، أو لا يكون كذلك لا جائز أن يكون كل
~~واحد علة مستقلة، لما سبق تقريره في امتناع ذلك، سواء كانت العلة بمعنى
~~الامارة ms813 أو الباعث. PageV04P093
# وإن كان القسم الثاني، فإما أن يكون الحكم ثابتا لما ذكره المستدل لا
~~غير، أو لما ذكره المعترض لا غير، أو لهما جميعا بحيث تكون العلة مجموع
~~الوصفين، وكل واحد منهما جزؤها. لا جائز أن يقال بالأول، ولا بالثاني. فإنه
~~ليس تعيين أحدهما للتعليل وإلغاء الآخر مع تساويهما في الاقتضاء أولى من
~~الآخر، فلم يبق غير الثالث. ويلزم منه امتناع تعدية الحكم من الأصل إلى
~~الفرع.
# وبتقدير تساوي الاحتمالات الثلاثة، فلا يخفى أن التعدية تمتنع بتقدير أن
~~تكون العلة ما ذكره المعترض.
# وبتقدير أن تكون العلة هي الهيئة الاجتماعية من الوصفين. وإنما يصح
~~بتقدير التعليل بما ذكره المستدل لا غير.
# ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.
~~ومع ذلك فالتعدية تكون ممتنعة، لكن بشرط أن يكون ما أبداه المعترض صالحا
~~للتعليل، أو لدخوله فيه عند كون ما أبداه المستدل صالحا، وإلا فلا معارضة
~~وهل يجب على المعترض نفي ما أبداه معارضا في الأصل في الفرع؟ اختفوا فيه:
# فمنهم من قال: لا يجب عليه ذلك، فإنه إن كان موجودا في الفرع، فيفتقر
~~المستدل إلى بيان وجوده فيه ليصح الالحاق. وإن لم يبين ذلك، فقد انقطع
~~الجمع.
# ومنهم من قال: لا بد له من نفيه عن الفرع، لان مقصوده الفرق. وذلك لا يتم
~~دون نفيه عن الفرع.
# والمختار أنه إن قصد المعترض الفرق، فلا بد له من نفيه، وإن لم يقصد
~~الفرق بأن يقول: هذا الوصف قد ثبت أنه لا بد من إدراجه في التعليل لما دل
~~عليه من الدليل، فإن كان غير موجود في الفرع، فقد ثبت الفرق، وإن كان
~~موجودا في الفرع، فالحكم يكون ثابتا في الفرع بمجموع الوصفين، ونتبين أن
~~المستدل لم يكن ذاكرا للعلة في الابتداء، بل لبعضها وأي الامرين قدر،
~~فالاشكال لازم. PageV04P094
# هذا كله فيما إذا كان المقيس عليه أصلا واحدا.
# وإن كان المقيس عليه أصولا متعددة، فمنهم من منع من ذلك لافضائه إلى
~~النشر مع إمكان حصول المقصود ms814 بالواحد منها، ومنهم من جوز ذلك لكونه أقوى في
~~إفادة الظن.
# ومن جوز ذلك، اختلفوا في جواز الاقتصار في المعارضة في الأصل على أصل
~~واحد:
# فمنهم من جوزه، لان المستدل قصد إلحاق الفرع بجميع الأصول، فإذا وقع
~~الفرق بين الفرع وبعض الأصول، فقد تم مقصود المعترض من إبطال غرض المستدل،
~~ومنهم من قال: لا بد من المعارضة في كل أصل، لأنه إذا عارض في البعض دون
~~البعض، فقد بقي قياس المستدل صحيحا على الأصل الذي لم يعارض فيه، وبه يتم
~~المقصود من إثبات الحكم أو نفيه والذين أوجبوا المعارضة في جميع الأصول.
# منهم من أوجب اتحاد المعارض في الكل، دفعا لانتشار الكلام ولأن يكون
~~مقابلا في اتحاده لاتحاد وصف المستدل، ومنهم من جوز المعارضة في كل أصل
~~بغير ما في الأصل الآخر، لجواز أن لا يساعده في الكل علة واحدة.
# ثم اختلف هؤلاء: فمنهم من قال يجوز للمستدل الاقتصار في الجواب على أصل
~~واحد، إذ به يتم مقصوده، ومنهم من لم يجوز ذلك، حيث إن المستدل التزم صحة
~~القياس على الكل، وعلى هذا يقع الخلاف فيما لو عارض في بعض الأصول، هل يجب
~~على المستدل الجواب أو لا؟
# والوجه في الجواب من ستة أوجه:
# الأول: منع وجود الوصف المعارض به في الأصل.
# الثاني: المطالبة بتأثير الوصف، إن كان طريق إثبات العلة من جانب
~~المستدل، المناسبة أو الشبه، دون السبر والتقسيم. PageV04P095
# الثالث: أن يبين كونه ملغى في جنس الاحكام كالطول والقصر ونحوه.
# الرابع: أن يبين أنه ملغى في جنس الحكم المعلل، وإن كان مناسبا، وذلك
~~كالذكورة في باب العتق.
# الخامس: أن يبين أنه قد استقل بالحكم في صورة دون الوصف المعارض به، وعند
~~ذلك، فيمتنع أن يكون علة مستقلة في محل التعليل، لما فيه من إلغاء المستقل
~~واعتبار غير المستقل، ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما
~~علل به المستدل في الفرع مع استقلاله لفوات ما لم يثبت استقلاله، وهو
~~ممتنع. فإن عارض المعترض في صورة الالغاء ms815 بوصف آخر غير ما عارض به في
~~الأصل، فلا بد من إبطاله، وإلا فالقياس متعذر، ولا يمكن أن يقال في جوابه
~~إن كل وصف اختص بصورة، فهو ملغى بالصورة الأخرى.
# وهذا هو المسمى في الاصطلاح بتعدد الوضع.
# فإن للمعترض أن يقول: العكس غير لازم في العلل الشرعية لجواز ثبوت الحكم
~~في كل صورة بعلة غير علة الصورة الأخرى، وإذا جاز ثبوت الحكم في صورتين
~~بعلتين مختلفتين، فلا يلزم من إثبات الحكم في كل صورة بعلة مع عدم علة
~~الصورة الأخرى فيها، إلغاء ما وجد في تلك الصورة.
# السادس: أن يبين رجحان ما ذكره على ما عارض به المعترض بوجه من وجوه
~~الترجيحات التي يأتي ذكرها.
# وعند ذلك فيمتنع جعل ما عارض به المعترض علة مستقلة في محل التعليل، لما
~~فيه من إهمال الراجح واعتبار المرجوح، PageV04P096
# ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما علل به المستدل في
~~الفرع بتخلف الحكم عنه مع رجحانه، ضرورة انتفاء الوصف المرجوح.
# وها هنا ترجيح آخر، وهو أن يكون أحد الوصفين في الأصل المستنبط منه
~~متعديا، والآخر قاصرا، وذلك لا يخلو إما أن يكون في طرف الاثبات، أو النفي:
# فإن كان في طرف الاثبات، فلا يخلو إما أن يكون الوصف المتعدي جزءا من
~~العلة، أو خارجا عنها، بأن يكون المعارض في الأصل بالوصف القاصر لا غير:
# فإن كان خارجا عنها، فلا يخلو إما أن يكون الوصف المتعدي مساويا للقاصر
~~في جهة اقتضائه، أو أن الترجيح لأحدهما، فإن كان مساويا للقاصر من جهة
~~الاقتضاء، فالتعليل بالمتعدي أولى، وبيانه من جهة الاجمال والتفصيل.
# أما الاجمال: فهو أن التعليل بالمتعدي متفق عليه، بخلاف التعليل بالقاصر،
~~والتعليل، بالمتفق عليه أولى.
# وأما التفصيل: فهو أن فائدة المتعدي أكثر من القاصر، لان فائدة القاصر
~~إنما هي في ظهور الحكمة الباعثة في الأصل لسرعة الانقياد، وسهولة القبول،
~~والمتعدي مشارك للقاصر في هذا المعنى وزيادة التعريف للحكم في الفرع، وهو
~~أعظم فوائد العلة عند الأكثرين، وهو وإن لزم من التعليل ms816 به إهمال المناسب
~~القاصر فمقابل بمثله، حيث إنه يلزم من التعليل بالقاصر إهمال المناسب
~~المتعدي، مع كونه راجحا.
# والتعليل بالقاصر وإن كان على وفق النفي الأصلي في الفرع، والتعليل
~~بالمتعدي على خلافه، إلا أنه مخالفة لما وقعت مخالفته في الأصل بما لم تظهر
~~مخالفته، ولو عملنا بالقاصر لموافقة النفي الأصلي، لكان فيه العمل بموافقة
~~ما وقع الاتفاق على مخالفته، ومخالفة ما لم يقع الاتفاق على مخالفته، وهو
~~الوصف المتعدي، فكان مرجوحا.
# فإن قيل: إلا أن التعليل بالوصف المتعدي يلزم منه مخالفة ما لم يتفق على
~~مخالفته من الوصف القاصر، وما اتفق على مخالفته من النفي الأصلي، فكان فيه
~~مخالفة ظاهرين: PageV04P097
# أحدهما متفق على مخالفته، والآخر عير متفق على مخالفته، والتعليل بالوصف
~~القاصر يلزم منه العمل بهذين الظاهرين، ومخالفة ظاهر واحد، وهو الوصف
~~المعتدي.
# قلنا: هذا مقابل بمثله، فإنه بعد أن ثبت الحكم في الأصل لمعنى، وإن كان
~~قاصرا، فالأصل أن يثبت في الفرع بما وجد مساويا لوصف الأصل في الاقتضاء،
~~نظرا إلى تماثل مقصود الشارع، والمحافظة على هذا الأصل أولى من المحافظة
~~على النفي الأصلي، لكون النفي الأصلي مخالفا في الأصل بمثل ما قيل باقتضائه
~~للحكم في الفرع.
# وعند ذلك فيترجح ما ذكرناه من جهة أن العمل بالوصف المتعدي عمل به وبأصل
~~مترجح على النفي الأصلي، والعمل بالقاصر عمل به وبأصل مرجوح بالنظر إلى
~~الأصل المعمول به من جانبنا، فكان ما ذكرناه أولى.
# فإن قيل ربما كان المانع للحكم قائما مطلقا، وعند ذلك فالتعليل بالقاصر
~~أولى، لما فيه من موافقة الدليل الشرعي النافي، وموافقة النفي الأصل، بخلاف
~~المتعدي.
# قلنا: المانع في الفرع يستدعي وجود المقتضي، وإلا فالحكم يكون فيه
~~منتفيا، لانتفاء ما يقتضيه، لا لوجود منافيه، فدعوى وجود المانع في الفرع
~~مع وجوب قصور العلة المقتضية للاثبات على الأصل، تناقض لا حاصل له، كيف وإن
~~ما مثل هذا المانع مرجوح عند الخصم بالنسبة إلى الوصف القاصر، والمتعدي على
~~ما وقع به الفرض في ابتداء الكلام مساو للقاصر في المقصود، فكان ms817 مرجوحا
~~بالنسبة إلى المتعدي أيضا، فكان المتعدي أولى كما بيناه في النفي الأصلي.
# فإن قيل: كما أن المتعدية قد تعرف إثبات الحكم في الفرع، فالقاصرة تعرف
~~نفيه عن الفرع، وكما أن معرفة ثبوت الحكم في الفرع مقصود للشارع، فمعرفة
~~انتفائه أيضا عنه مقصود له.
# قلنا:: هذا إنما يستقيم أن لو لم يوجد في الفرع ما هو مساو للعلة القاصرة
~~في الأصل، فيما يرجع إلى جهة الاقتضاء. والمقصود المطلوب للشارع من إثبات
~~الحكم، لان تعريف العلة القاصرة لنفي الحكم في الفرع، إنما هو بناء على
~~انتفاء مقصود الحكم، ولن يتصور ذلك مع وجود ما هو مساو في الطلب والاقتضاء
~~لما هو المقصود في الأصل، فلا ينتهض الوصف القاصر في الأصل علامة على
~~انتفاء الحكم في الفرع، مع وجود الوصف المتعدى فيه، ومساواته للقاصر في
~~الاقتضاء على ما وقع به الفرض، PageV04P098
# كيف وإن العلة القاصرة غير مستقلة بتعريف انتفاء الحكم في الفرع، إلا مع
~~ضميمة انتفاء علة غيرها، وانتفاء النص والاجماع بخلاف العلة المتعدية في
~~طرف الاثبات، فما استقل بالتعريف يكون أولى مما لا يستقل.
# نعم قد يتوقف العمل بالعلة المثبتة على انتفاء المعارض، لا أن انتفاء
~~المعارض من جملة المعرف، ولا الداعي، بخلاف ما تتوقف عليه العلة القاصرة في
~~تعريفها نفي الحكم في الفرع. والعمل بما هو معرف بنفسه من غير توقف في
~~تعريفه على غيره أولى.
# وعلى هذا يكون الحكم إن كان الوصف المتعدي راجحا في جهة اقتضائه أولى،
~~والوصف المتعدي وإن توقف استقلاله على إخراج القاصر عن التعليل، فليس إخراج
~~القاصر موقوفا على استقلال المتعدي، ليلزم الدور، لجواز اتفاقهما في
~~إخراجهما عن التعليل، كيف وإنه مقابل بدور آخر حيث إنه يتوقف إدخال القاصر
~~في التعليل على عدم استقلال المتعدي، وكذلك بالعكس.
# وأما إن كان المتعدي مرجوحا في جهة اقتضائه بالنسبة إلى الوصف القاصر،
~~فالوصف القاصر أولى، نظرا إلى المحافظة على زيادة المناسبة المعتبرة بثبوت
~~الحكم على وفقها، والنظر إليها، وإن أوجب إهمال فائدة المتعدية، أولى، لما
~~فيه من زيادة ms818 المصلحة وصلاح المكلف وما يتعلق به من زيادة التعقل وسرعة
~~الانقياد في ابتداء ثبوت الحكم، لأنه الأصل في كون الحكم معللا.
# وفائدة التعدية إنما تعرف بعد تعرف تعليل الحكم بما علل به، بنظر ثان
~~متأخر عن النظر فيما علل به الحكم في الأصل، ولا شك أن ما هو أشد مناسبة
~~للحكم يكون أسبق إلى الفهم بالتعليل للحكم الثابت في الأصل، فكان التعليل
~~به أولى.
# وإن كانت جهة التساوي والأرجحية غير معلومة ولا ظاهرة، فالتعليل بالمتعدي
~~أولى، نظرا إلى أن العمل به أولى على تقدير أن يكون مساويا، وعلى تقدير أن
~~يكون راجحا.
# وإنما يمتنع العمل به على تقدير أن يكون مرجوحا في نفس الامر.
# ولا يخفى أن العمل بما العمل به يتم على تقدير من التقديرين أولى مما لا
~~يتم العمل به إلا على تقدير واحد بعينه. PageV04P099
# وعلى ما فصلناه في طرف الاثبات يكون الحكم في طرف النفي هذا كله إن كان
~~الوصف المتعدي خارجا عن العلة القاصرة وأما إن كان داخلا فيها بأن كان
~~المعارض معللا بمجموع الوصفين: الوصف القاصر والمتعدي معا، فالقاصر أولى،
~~وسواء كان ذلك في طرف الاثبات أو النفي، وسواء كان المتعدي راجحا على
~~القاصر، أو مرجوحا، أو مساويا.
# أما في طرف الاثبات، فلان التعليل بالعلة المتعدية يلزم منه إهمال الوصف
~~القاصر وتعطيله، ولا كذلك بالعكس. ولا يخفى أن الجمع أولى من التعطيل.
# فإن قيل: إلا أنه على تقدير أن يكون الوصف المتعدي راجحا، لو جعلنا الوصف
~~القاصر داخلا في التعليل، فيلزم منه أن يتخلف الحكم في الفرع عن الوصف
~~المتعدي الراجح، رعاية لما فات من الوصف المرجوح، وهو ممتنع.
# قلنا: هذا إنما يستقيم علي تقدير أن يكون رجحانه ظاهرا ولا يستقيم على
~~تقدير أن يكون مرجوحا، أو مساويا. ولا يخفى أن احتمال وقوع العمل بما يتم
~~على تقدير من تقديرين أولى من العمل بما لا يتم العمل به إلا على تقدير
~~واحد بعينه.
# كيف وإن العمل بالقاصر، وإن كان يفضي إلى إهمال الوصف المتعدي في ms819 الفرع،
~~إلا إنه لا يلزم منه إهماله مطلقا، إذ هو داخل في العلة، ولو عملنا بالوصف
~~المتعدي فقط يلزم منه إهمال القاصر وتعطيله مطلقا، فالعمل بالقاصر يكون
~~أولى، وعلى هذا يكون الحكم، إن كان ذلك في طرف النفي أيضا، بل أولى لما فيه
~~من تقليل مخالفة المقتضي للاثبات.
# هذا إن ظهر الترجيح، وأما إن تحققت المعارضة من غير ترجيح بعد البحث
~~التام، فعلى مقتضى ما أسلفناه من القول بالتخيير عند التعارض مع التنافي،
~~فلا مانع من الجري على تلك القاعدة هاهنا.
# الاعتراض السادس عشر سؤال التركيب وهو الوارد على القياس المركب. وقد
~~بينا معنى القياس المركب وأقسامه ووجه تسميته بذلك، والسؤال الوارد عليه
~~وجوابه في شرط حكم الأصل. PageV04P100
# الاعتراض السابع عشر سؤال التعدية وهو أن يعين المعترض في الأصل معنى
~~ويعارض به، ثم يقول للمستدل: ما عللت به وإن تعدى إلى فرع مختلف فيه، فالذي
~~عللت به أيضا قد تعدى إلى فرع مختلف فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر.
# وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة إجبار البكر البالغ: بكر، فجاز إجبارها
~~كالبكر الصغيرة، فعارضه الحنفي بالصغر، وقال: البكارة، وإن تعدت إلى البكر
~~البالغة، فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة. وهذا أيضا مما اختلف فيه والحق
~~أنه لا يخرج عن سؤال المعارضة في الأصل مع زيادة التسوية في التعدية.
# وجوابه بإبطال ما عارض به المعترض وحذفه عن درجة الاعتبار بما أسلفناه في
~~سؤال المعارضة في الأصل. ومهما حقق شئ من تلك الطرق فقد اندفع، ولا أثر لما
~~أشير إليه من التسوية، خلافا للداركي.
# الاعتراض الثامن عشر منع وجود الوصف المعلل به في الفرع وجوابه كجواب منع
~~وجوده في الأصل، وقد عرف.
# الاعتراض التاسع عشر المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض حكم المستدل، إما
~~بنص، أو إجماع ظاهر، أو بوجود مانع الحكم، أو بفوات شرط الحكم. ولا بد من
~~بيان تحققه وطريق كونه مانعا أو شرطا على نحو طريق إثبات المستدل كون الوصف
~~الذي علل به من التأثير أو الاستنباط.
# وقد اختلف ms820 في قبوله فمنع منه قوم تمسكا منهم بأن المعارضة استدلال وبناء،
~~وحق المعترض أن يكون هادما، لا بانيا. PageV04P101
# وقبله الأكثرون، وهو المختار، إذ يلزم منه هدم ما بناه المستدل، لمقاومة
~~دليله لدليله، ولا حجر عليه في سلوك طرق الهدم، ولا سيما إذا تعين ذلك
~~طريقا في الهدم، بأن لم يكن له هادم سواه، فلو لم يقبل منه، لبطل مقصود
~~المناظرة، واختلت فائدة البحث والاجتهاد.
# والوجه في جوابه عند توجهه أن يقدح فيه المستدل بكل ما للمعترض أن يقدح
~~به فيه، أن لو كان المستدل متمسكا به وإن عجز عن جميع ذلك، فقد اختلفوا في
~~جواز دفعه بالترجيح:
# فمنهم من لم يجوز ذلك، اعتمادا منهم على أن ما ذكره المعترض، وإن كان
~~مرجوحا بالنسبة إلى ما ذكره المستدل، فلا يخرج بذلك عن كونه اعتراضا.
# ومنهم من جوزه، وهو المختار، لأنه مهما ترجح ما ذكره المستدل بوجه من
~~وجوه الترجيحات الآتية، كان العمل به متعينا.
# وهل يجب على المستدل أن يذكر في دليله ما يومئ إلى الترجيح؟
# منهم من أوجبه، لتوقف العمل بالدليل عليه فكان من الدليل، فلو لم يذكره،
~~لم يكن ذاكرا للدليل أولا، بل لبعضه، ومنهم من لم يوجبه، لما في التكليف به
~~من الحرج والمشقة.
# والمختار أن يقال: إما أن يكون ما به الترجيح يرجع إلى العلة بأن يكون
~~وصفا من أوصافها، أو لا يكون كذلك:
# فإن كان الأول، فلا بد من ذكره في الدليل أولا، ليكون ذاكرا للدليل.
# وإن كان الثاني، فلا، لأنه مسؤول عن الدليل وقد أتى بمسماه حقيقة،
~~والترجيح بأمر خارج عن الدليل إنما هو من توابع ورود المعارضة، فذكره بعد
~~المعارضة، وإن توقف عليه إعمال الدليل بدفع المعارض، لا يوجب أن يكون داخلا
~~في مسمى الدليل، حتى يقال إنه لم يكن ذاكرا للدليل أولا. PageV04P102
# الاعتراض العشرون الفرق واعلم أن سؤال الفرق عند أبناء زماننا لا يخرج عن
~~المعارضة في الأصل أو الفرع، إلا أنه عند بعض المتقدمين عبارة عن مجموع
~~الامرين، حتى إنه لو اقتصر ms821 على أحدهما لا يكون فرقا.
# ولهذا اختلفوا فمنهم من قال: إنه غير مقبول، لما فيه من الجمع بين أسئلة
~~مختلفة، وهي المعارضة في الأصل والمعارضة في الفرع.
# ومنهم من قال بقبوله، واختلفوا مع ذلك في كونه سؤالين أو سؤالا واحدا.
# فقال ابن سريج إنه سؤالان، جوز الجمع بينهما لكونه أدل على الفرق.
# وقال غيره: بل هو سؤال واحد لاتحاد مقصوده، وهو الفرق، وإن اختلفت صيغته.
# ومن المتقدمين من قال: ليس سؤال الفرق هو هذا، وإنما هو عبارة عن بيان
~~معنى في الأصل له مدخل في التعليل، ولا وجود له في الفرع، فيرجع حاصله إلى
~~بيان انتفاء علة الأصل في الفرع، وبه ينقطع الجمع.
# وجوابه على كل تقدير لا يخرج عما ذكرناه في جواب المعارضة في الأصل
~~والفرع.
# الاعتراض الحادي والعشرون إذا اختلف الضابط بين الأصل والفرع، واتحدت
~~الحكمة كما لو قيل في شهود القصاص: تسببوا في القتل عمدا عدوانا، فلزمهم
~~القصاص، زجرا لهم عن التسبب، كالمكره.
# فللمعترض أن يقول: ضابط الحكمة في الأصل إنما هو الاكراه، وفي الفرع
~~الشهادة، والمقصود منهما، وإن كان متحدا وهو الزجر، فلا يمكن تعدية الحكم
~~به وحده، وما جعل ضابطا له في الأصل غير موجود في الفرع، والضابط في الفرع
~~يحتمل أن لا يكون مساويا لضابط الأصل في الافضاء إلى المقصود، فامتنع
~~الالحاق.
# وجوابه إما بأن يبين أن التعليل إنما هو بعموم ما اشترك فيه الضابط من
~~التسبب المضبوط عرفا، أو بأن يبين أن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود
~~أكثر من إفضاء ضابط الأصل، فكان أولى بالثبوت. PageV04P103
# وذلك كما لو كان أصله في مثل هذه المسألة (المغرى للحيوان) من حيث إن
~~انبعاث الولي للتشفي والانتقام في الفرع لغلبة إقدام المكره بالاكراه على
~~القتل، طلبا لخلاص نفسه، أغلب من إقدام الحيوان بالاغراء على الآدمي بسبب
~~غلبة نفرته عنه.
# وبالجملة، فيبين الغلبة بما يساعد في آحاد المسائل.
# الاعتراض الثاني والعشرون إذا اتحد الضابط بين الأصل والفرع، واختلف جنس
~~المصلحة كما لو قال الشافعي في مسألة اللواط: ms822 أولج فرجا في فرج مشتهى طبعا،
~~محرم شرعا، فوجب به الحد كالزنى.
# فللمعترض أن يقول: الضابط وإن كان متحدا، غير أن الحكمة التي في الفرع،
~~وهي صيانة النفس عن رذيلة اللياطة، مخالفة لحكمة الأصل، وهي دفع محذور
~~اختلاط المياه واشتباه الأنساب المفضي إلى تضييع المولود وانقطاع نسل جنس
~~الانسان.
# وعند ذلك فلا يلزم من اعتبار الضابط في الأصل لما لزمه من الحكمة،
~~اعتباره في الفرع لغير تلك الحكمة، لجواز أن لا تكون قائمة مقامها في نظر
~~الشارع.
# وجوابه أن يقال: التعليل إنما وقع بالضابط المشترك المستلزم لدفع المحذور
~~اللازم من عموم الجماع، والتعرض لحذف خصوص ما اختص به الأصل من الزنى
~~ومقصوده اللازم عنه وحذفه بطريق من طرق الحذف التي سبق بيانها في السبر
~~والتقسيم الاعتراض الثالث والعشرون أن يقال: حكم الفرع مخالف الأصل، فلا
~~قياس، لان القياس عبارة عن تعدية حكم الأصل إلى الفرع بواسطة الجامع
~~بينهما، ومع اختلاف الحكم، فحكم الأصل لا يكون متعديا إلى الفرع، فلا قياس.
# وجوابه ببيان اتحاد الحكم، إما عينا، وذلك كما في قياس وجوب الصوم على
~~وجوب الصلاة، وقياس صحة البيع على صحة النكاح، وأن الاختلاف إنما هو عائد
~~إلى المحل، وهو غير قادح PageV04P104
# في صحة القياس لكونه شرطا فيه، وإما جنسا، كما في قياس وجوب قطع الأيدي
~~باليد الواحدة، على وجوب قتل الأنفس بالنفس الواحدة، وأن الاختلاف إنما هو
~~في عين الحكم، فكان، إما ملائما، إن كان الاشتراك في جنس العلة، أو مؤثرا
~~إن كان الاشتراك في عينها، على ما سبق تحقيقه. وذلك غير مبطل للقياس عند
~~القائلين به.
# وأما إن كان الحكم مختلفا جنسا ونوعا، كما في إلحاق الاثبات بالنفي، أو
~~الوجوب بالتحريم، وبالعكس، فقد بينا وجه الاختلاف في صحته، وأن المختار
~~إبطاله.
# الاعتراض الرابع والعشرون سؤال القلب وهو قسمان: الأول قلب الدعوى،
~~والآخر قلب الدليل.
# أما قلب الدعوى: فضربان، وذلك لان الدعوى إما أن يكون الدليل مضمرا فيها،
~~أو لا يكون كذلك:
# فإن كان الأول، فهو كما لو قال الأشعري: ms823 أعلم بالضرورة أن كل موجود مرئي.
~~فهذه دعوى فيها إضمار الدليل، وتقديره، لأنه موجود، إذ الوجود هو المصحح
~~للرؤية عنده.
# فقال المعتزلي: أعلم بالضرورة أن كل ما ليس في جهة لا يكون مرئيا. فهذه
~~الدعوى مقابلة للأولى، من جهة أن الموجود ينقسم إلى ما هو في جهة، وإلى ما
~~ليس PageV04P105
# فالقول بأن ما ليس في جهة لا يكون مرئيا، يقابل قول القائل: كل موجود
~~مرئي. ودليلها مضمر فيها، وتقديره أن انتفاء الجهة مانع من الرؤية.
# وأما إن لم يكن الدليل مضمرا فيها، فكما لو قال القائل في مسألة إفضاء
~~النظر إلى العلم، أو في مسألة التحسين والتقبيح مثلا:
# أعلم بالضرورة أن النظر لا يفضي إلى العلم، وأن الكفر قبيح لعينه، والشكر
~~حسن لعينه.
# فقال المعترض أعلم بالضرورة أن النظر يفضي إلى العلم، وأن الكفر ليس
~~قبيحا لعينه، ولا الشكر حسنا لعينه. وهذا هو عين مقابلة بالفاسد، والمقصود
~~منه استنطاق المدعي باستحالة دعوى الضرورة من خصمه في محل الخلاف، فيقال:
# وهذا لازم لك أيضا.
# وقد أورد الجدليون في هذا الباب قلب الاستبعاد في الدعوى، وذلك كما لو
~~قال الشافعي في مسألة إلحاق الولد بأحد الأبوين المدعيين، تحكيم الولد في
~~ذلك تحكم بلا دليل، فقال الحنفي: وتحكيم القائف في ذلك أيضا تحكم بلا دليل.
~~PageV04P106
# قالوا والمقصود منه أيضا استنطاق المدعي بأن ما ذكره ليس بتحكم، بل له
~~مأخذ صحيح، فيقول المعترض: وكذلك ما ذكرته. وهو في غاية البعد، فإنه إما أن
~~يعترف المدعى بأن ما ذهب إليه تحكم، أو أن يبين مأخذه فيه، فإن كان تحكما
~~فلا تغني معارضته بتحكمه في مذهبه في إبطال دعواه التحكم في مذهب خصمه، وإن
~~بين له مأخذا، فلا يلزم منه أن يكون ما استبعده من مذهب خصمه كذلك.
# وإن تعرض المعترض لبيان المأخذ فيما استبعده المدعي، فهو الجواب، ولا
~~حاجة إلى القلب.
# وأما قلب الدليل، وهو عبارة عن بيان كون ما ذكره المستدل يدل عليه، ثم لا
~~يخلو إما أن يسلم المعترض أن ما ذكره المستدل ms824 من الدليل يدل له من وجه، أو
~~يبين أنه لا دلالة له على مذهب المستدل ولا من وجه، فإن بين أن ما ذكره لا
~~يدل له، وهو دليل عليه، فهذا قلما يوجد له مثال في غير النصوص وذلك كما لو
~~استدل في توريث الخال بقوله عليه السلام الخال وارث من لا وارث له فقال
~~المعترض: المراد به نفي توريث الخال بطريق المبالغة، كما يقال: الجوع زاد
~~من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة له، معناه نفي كون الجوع زادا،
~~والصبر حيلة.
# ويدل على إرادة هذا الاحتمال أنه لا يخلو: إما أن يكون المراد من قوله:
~~لا وارث له نفي كل وارث، فتوريث الخال لا يتوقف عند من يراه وارثا على نفي
~~جميع الوراث، لإرثه مع الزوج والزوجة، وإما نفي من عداه من الوراث بجهة
~~العصوبة فتخصيص الخال بالذكر لا يكون مفيدا، لان من عداه من ذوي الأرحام
~~كذلك. PageV04P107
# وهذا النوع من القلب، وإن دل على مذهب المعترض، فهو شبيه بفساد الوضع، من
~~حيث إنه لا يدل على مذهب المستدل.
# وإن سلم أن ما ذكره المستدل يدل له من وجه فهذا النوع من القلب ثلاثة
~~أقسام، وذلك لان المعترض إما أن يتعرض في القلب لتصحيح مذهبه، أو لابطال
~~مذهب المستدل: وإن تعرض لابطال مذهب المستدل، فإما أن يتعرض له صريحا بأن
~~يجعله حكما للدليل بلا واسطة، أو لا بصريحه، بل بطريق الالتزام، بأن يرتب
~~على الدليل حكما يلزم منه إبطال مذهب المستدل.
# فإن كان من القسم الأول، فهو كما لو قال الحنفي مثلا في مسألة الاعتكاف:
# لبث محض، فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة، فقال المعترض: لبث محض،
~~فلا يشترط الصوم في صحته، كالوقوف بعرفة، فكل واحد منهما قد تعرض في دليله
~~لتصحيح مذهبه، غير أن المستدل أشار بعلته إلى اشتراط الصوم بطريق الالتزام،
~~والمعترض أشار إلى نفي اشتراطه صريحا.
# وعند التحقيق، فتعليل المستدل في هذا المثال لنفي القربة ليس تعليلا
~~بمناسب يقتضي نفي القربة، بل بانتفاء المناسب من ms825 حيث إن اللبث المحض لا
~~يناسب ولا يشم منه رائحة المناسبة للقرابة. وتعليل المعترض بأمر طردي، فإنه
~~لا مناسبة في اللبث المحض لنفي اشتراط الصوم.
# وقد يتفق أن يكون المستدل قد تعرض لتصحيح مذهبه صريحا، والمعترض كذلك،
~~كما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة: طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز
~~بغير الماء كطهارة الحدث، فقال المعترض: طهارة تراد لأجل الصلاة فتصبح بغير
~~الماء كطهارة الحدث، فكل واحد منهما متعرض في الدليل لتصحيح مذهبه صريحا،
~~والعلة في الطرفين شبهية.
# وإن كان من القسم الثاني، وهو أن يتعرض المعترض في القلب لابطال مذهب
~~المستدل صريحا ، فمثاله ما لو قال الحنفي في مسألة مسح الرأس: عضو من أعضاء
~~الوضوء. فلا يكتفي فيه بأقل ما ينطلق عليه الاسم كسائر الأعضاء.
~~PageV04P108
# فقال الشافعي: عضو من أعضاء الوضوء، فلا يتقدر بالربع كسائر الأعضاء، فكل
~~واحد منهما قد صرح في دليله بإبطال مذهب خصمه، وليس في ذلك ما يدل على
~~تصحيح مذهب أحدهما، فإنه ليس يلزم من إبطال مذهب كل واحد منهما تصحيح مذهب
~~الآخر، لجواز أن يكون الصحيح هو مذهب مالك، وهو وجوب الاستيعاب.
# نعم لو كان القائل في المسألة قائلان، والاتفاق منهما واقع على نفي قول
~~ثالث، فإنه يلزم من تعرض كل واحد منهما لابطال مذهب الآخر تصحيح مذهبه،
~~ضرورة الاجتماع على إبطال قول ثالث. وذلك كالحكم بالأولوية في مسألة التخلي
~~للعبادة.
# وإن كان من القسم الثالث، فهو كما لو قال الحنفي في مسألة بيع الغائب:
~~عقد معارضة، فيصح مع الجهل بالمعوض، كالنكاح، فقال الشافعي: عقد معاوضة فلا
~~يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح.
# فإن المعترض في هذا المثال لم يتعرض لابطال مذهب المستدل في القول بالصحة
~~صريحا، بل بطريق الالتزام. وذلك أن من قال بالصحة، فقد قال بخيار الرؤية.
# فخيار الرؤية لازم الصحة. فإذا بطل خيار الرؤية، فقد انتفى اللازم، ويلزم
~~من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. ويلتحق بأذيال هذا القسم الثالث قلب
~~التسوية، ومثاله قول الحنفي في مسألة إزالة النجاسة بالخل: مائع طاهر مزيل
~~للعين ms826 والأثر، فتحصل به الطهارة كالماء، فيقول الشافعي: مائع طاهر مزيل
~~للعين والأثر فتستوي فيه طهارة الحدث والخبث كالماء، فإنه يلزم من القول
~~بالتسوية في الخل بين طهارة الحدث والخبث عدم حصول الطهارة بالخل في الخبث
~~لعدم حصولها به في الحدث، والحكم بالتسوية.
# واعلم أن أعلى مراتب أنواع القلب ما بين فيه أنه يدل على المستدل، ولا
~~يدل له، ثم يليه النوع الثاني، وهو ما بين فيه أنه يدل له وعليه، وأعلى
~~مراتب هذا النوع ما صرح فيه بإثبات مذهب المعترض، وهو القسم الأول منه، ثم
~~ما صرح فيه بإبطال مذهب المستدل فإنه دون ما قبله من حيث إنه لا يلزم منه
~~تصحيح مذهبه على ما تقدم، وهو القسم الثاني منه، ثم القسم الثالث، فإنه وإن
~~شارك ما قبله من القسم الثاني في إبطال مذهب المستدل، إلا أنه يدل عليه
~~بطريق الالتزام، وما قبله بصريحه، PageV04P109
# وهذا النوع من القلب لا تعرض فيه لدلالة المستدل بالقدح، بل غايته بيان
~~دلالة أخرى منه تدل على نقيض مطلوبه، فكان شبيها بالمعارضة، وإن فارقها من
~~جهة أنه معارضة نشأت من نفس دليل المستدل.
# وإذا أتينا على ما أردناه من تحقيق معنى القلب، وأقسامه، فقد اختلف في
~~قبوله:
# فقبله قوم من حيث إنه يشير إلى ضعف الدليل، لدلالته على نقيض مذهب
~~المستدل، ورده آخرون من حيث إن المعترض إما أن يتعرض في دليله لنقيض حكم
~~المستدل، أو إلى غيره:
# فإن كان الأول، فقد تعذر عليه القياس على أصل المستدل، لاستحالة اجتماع
~~حكمين متقابلين مجمع عليهما في صورة واحدة.
# وإن كان الثاني، فلا يكون ذلك اعتراضا على الدليل.
# والحق في ذلك أنه وإن تعرض في الدليل لحكم يقابل حكم المستدل صريحا، فقد
~~لا يمتنع الجمع بينهما في أصل واحد، كما ذكرناه من مثال إزالة النجاسة في
~~القسم الأول.
# وإن تعرض لغيره، فيصح القلب إذا كان ذلك لازما عما ذكره المعترض، كما
~~ذكرناه المعترض كما ذكرناه من المثال في القسم الثاني من النوع الثاني من
~~التمثيل في مسألة ms827 بيع الغائب، ومن التمثيل بقلب التسوية في إزالة النجاسة.
# وإنما يمتنع قبوله لان ما ذكره المستدل إما أن يكون مقصود الشارع من
~~الحكم المرتب عليه ملازما له، أو لا يكون فإن كان الأول فتعليل المعترض به
~~لمقابل حكم المستدل إما أن يكون بحيث يلزمه مقصود من مقابل الحكم، أو لا
~~يكون كذلك:
# فإن كان الأول، فإما أن يكون ذلك من جهة ما علل به المستدل، أو من غيرها:
# فإن كان الأول فمحال أن يكون الوصف الواحد من جهة واحدة يناسب الحكم
~~ومقابله، وإن كان الثاني، فما ذكره ليس بقلب، إذ القلب لا بد فيه من اتحاد
~~العلة في القياسين، بل هو معارضة بدليل آخر، وإن كان بحيث لا يلازمه
~~المقصود، فهو بالنسبة إلى حكم المعترض طردي، ووصف المستدل مناسب أو شبهي،
~~فلا يكون قادحا وإن كان ما ذكره المستدل طرديا بالنسبة إلى ما رتبه عليه،
~~فهو باطل في نفسه، لتعذر التعليل بالطردي المحض، ولا حاجة إلى شئ من
~~الاعتراضات. PageV04P110
# الاعتراض الخامس والعشرون - سؤال القول بالموجب وحاصله يرجع إلى تسليم ما
~~اتخذه المستدل حكما لدليله على وجه لا يلزم منه تسليم الحكم المتنازع فيه.
# ومهما توجه على هذا الوجه، كان المستدل منقطعا، لتبين أن ما نصه من
~~الدليل لم يكن متعلقا بمحل النزاع، وهو منحصر في قسمين. وذلك لان المستدل
~~إما أن ينصب دليل على تحقيق مذهبه، وما نقل عن إمامه من الحكم، أو على
~~إبطال ما يظنه مدركا لمذهب خصمه.
# فإن كان الأول، فهو كما لو قال الشافعي في الملتجئ إلى الحرم وجد سبب
~~جواز استيفاء القصاص، فكان استيفاؤه جائزا. فقال الخصم: أقول بموجب هذا
~~الدليل، فإن استيفاء القصاص عندي جائز. وإنما النزاع في جواز هتك حرمة
~~الحرم.
# وإن كان الثاني، فهو كما لو قال الشافعي في مسألة استيلاد الأب جارية
~~ابنه:
# وجوب القيمة لا يمنع من إيجاب المهر كاستيلاد أحد الشريكين، أو قال في
~~مسألة القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في
~~المتوسل إليه.
# فقال ms828 الخصم: أقول بموجب هذا الدليل، وأن وجوب القيمة لا يمنع من وجوب
~~المهر، والتفاوت في الوسيلة لا يمنع من التفاوت في المتوسل إليه. والنزاع
~~إنما هو في وجوب المهر ووجوب القصاص، ولا يلزم من إبطال ما ذكر من الموانع
~~إثبات وجوب المهر والقصاص، لجواز انتفاء المقتضي لذلك أو وجود مانع آخر، أو
~~فوات شرط.
# وورود هذا النوع من القول بالموجب أغلب في المناظرات من ورود النوع
~~الأول، من جهة أن خفاء المدارك أغلب من خفاء الاحكام، لكثرة المدارك
~~وتشعبها وعدم الوقوف على ما هو معتمد الخصم من جملتها، بخلاف الاحكام، فإنه
~~قلما يتفق الذهول عنها.
# ولهذا قد يشترك في معرفة الحكم المنقول عن الامام الخواص والعوام، دون
~~معرفة المدارك، فكان احتمال الخطأ في اعتقاد كون المدرك المعين هو مدرك
~~الامام أقرب من احتمال الخطأ فيما ينسب إلى الامام من الحكم المدلول عليه.
~~PageV04P111
# وقد اختلف الجدليون في وجوب تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب في
~~هذا النوع.
# فقال بعضهم: لا بد من تكليفه بذلك لاحتمال أن يكون هذا هو المأخذ عنده،
~~فإذا علم أنه لا يكلف بإبداء المأخذ عند إيراد القول بالموجب، فقد يقول
~~بذلك عنادا، قصدا لايقاف كلام خصمه، ولا كذلك إذا وظف عليه بيان المأخذ
~~فكان أفضى إلى صيانة الكلام عن الخبط والعناد، فكان أولى.
# وقال آخرون: لا وجه لتكليفه بذلك بعد وفائه بشرط القول بالموجب، وهو
~~استبقاء محل النزاع، وهو الأظهر، لأنه عاقل متدين، وهو أعرف بمأخذ إمامه،
~~فكان الظاهر من حاله الصدق فيما ادعاه، فوجب تصديقه، كيف وإنا لو أوجبنا
~~عليه إبداء المأخذ، فإن مكنا المستدل من إبطاله والاعتراض عليه، يلزم منه
~~قلب المستدل معترضا، والمعترض مستدلا، ولا يخفى ما فيه من الخبط. وإن لم
~~يمكن من ذلك، فلا فائدة في إبداء المأخذ، لامكان ادعائه ما يصلح للتعليل
~~ترويحا لكلامه، ثقة منه بامتناع ورود الاعتراض عليه.
# وللمستدل في دفع القول بالموجب بالاعتبار الأول طرق.
# الأول:: أن يقول: المسألة مشهورة بالخلاف فيما فرض فيه الكلام إن أمكن،
~~والشهرة ms829 بذلك دليل وقوع الخلاف فيه.
# الثاني: أن يبين أن محل النزاع لازم فيما فرض الكلام فيه، وذلك كما لو
~~كان حكم دليله أنه لا يجوز قتل المسلم بالذمي، فقال المعترض: هو عندي غير
~~جائز، بل واجب.
# فيقول المستدل المعنى بعدم الجواز لزوم التبعة بفعله، ويلزم من ذلك نفي
~~الوجوب لاستحالة لزوم التبعة بفعل الواجب.
# الثالث: أن يقول المستدل القول بالموجب فيه تغيير كلامي عن ظاهره، فلا
~~يكون قولا بموجبه، PageV04P112
# وذلك كما لو كان المستدل قد قال في زكاة الخيل: حيوان تجوز المسابقة
~~عليه، فوجبت فيه الزكاة قياسا على الإبل.
# فقال المعترض: عندي تجب فيه زكاة التجارة. والنزاع إنما هو في زكاة
~~العين.
# فيقول المستدل: إذ كان النزاع في زكاة العين. فظاهر كلامي منصرف إليها
~~لقرينة الحال، ولظهور عود الألف واللام في الزكاة إلى المعهود، وأيضا فإن
~~لفظ الزكاة يعم زكاة العين والتجارة، فالقول به في زكاة التجارة قول
~~بالموجب في صورة واحدة، وهو غير متجه، لان موجب الدليل التعميم، فالقول
~~ببعض الموجب لا يكون قولا بالموجب، بل ببعضه.
# وكذلك إذا قال في مسألة إزالة النجاسة: مائع لا يزيل الحدث، فلا يزيل
~~الخبث، كالمرقة، فقال المعترض: أقول به، فإن الخل النجس لا يزيل الحدث ولا
~~الخبث، فيقول المستدل: ظاهر كلامي إنما هو الخل الطاهر، ضرورة وقوع النزاع
~~فيه، وإيراد القول بالموجب على وجه يلزم منه تغيير كلام المستدل عن ظاهره،
~~لا يكون قولا بمدلوله وموجبه، بل بغيره، فلا يكون مقبولا، وله في دفع القول
~~بالموجب بالاعتبار الثاني أيضا طرق:
# الأول: أن يكون المستدل قد أفتى بما وقع مدلولا لدليله وفرض المعترض
~~الكلام معه فيه، وطالبه بالدليل عليه، فإذا قال بالموجب بعد ذلك، فقد سلم
~~ما وقع النزاع فيه، وأفسد على نفسه القول بالموجب، بالمطالبة بالدليل عليه
~~أولا.
# وبمثل هذا يمكن أن يجاب عن القول بالاعتبار الأول أيضا.
# الثاني: أن يبين لقب المسألة مشهور بذلك بين النظار كما سبق تقريره أولا.
# الثالث: أن يبين أن محل النزاع لازم من مدلول دليله، إن ms830 أمكن،
~~PageV04P113
# وذلك بأن يكون المعترض قد ساعد على وجود المقتضي لوجوب القصاص، وكانت
~~الموانع التي يوافق المستدل عليها منتفية، والشروط متحققة. فإذا أبطل كون
~~المانع المذكور مانعا، فيلزم منه الحكم المتنازع فيه ظاهرا.
# وأما قياس الدلالة، والقياس في معنى الأصل، فيرد عليهما كل ما كان واردا
~~على قياس العلة، سوى الأسئلة المتعلقة بمناسبة الوصف الجامع. فإنها لا ترد
~~عليهما، أما قياس الدلالة، فلان الوصف الجامع فيه ليس بعلة، وأما القياس في
~~معنى الأصل فلعدم ذكر الجامع فيه.
# والأسئلة الواردة على نفس الوصف الجامع لا ترد على القياس في معنى الأصل،
~~لعدم ذكر الجامع فيه.
# ويختص قياس الدلالة بسؤال آخر، وهو عند ما إذا كان الجامع بين الأصل
~~والفرع أحد موجبي الأصل، كما إذا قال القائل في مسألة الأيدي باليد الواحدة
~~أحد موجبي الأصل، فالطرف المعصوم يساوي النفس فيه دليله الموجب الثاني،
~~وقرره بأن الدية أحد الموجبين في الأصل، وهي واجبة في الفرع على الكل،
~~ويلزم من وجود أحد الموجبين في الفرع وجود الموجب الآخر وذلك لأن علة
~~الموجبين في الأصل إما أن تكون واحدة، أو متعددة: فإن كانت واحدة، فيلزم من
~~وجود أحد موجبيها في الفرع وجودها فيه، ومن وجودها فيه وجود الموجب الآخر
~~وهو القصاص، على الكل.
# وإن كانت متعددة، فتلازم الحكمين في الأصل دليل تلازم العلتين، وعند ذلك
~~فيلزم من وجود أحد الحكمين في الفرع وجود علته التي وجد بها في الأصل،
~~ويلزم من وجود علته وجود علة الحكم الآخر.
# والسؤال الوارد عليه أن يقال: لا يلزم من وجود أحد حكمي الأصل في الفرع
~~وجود الحكم الآخر، سواء اتحدت علتهما في الأصل، أو تعددت. PageV04P114
# أما إذا اتحدت، فلانه لا يمتنع عند تعدد المحال وإن اتحد نوع الحكم، أن
~~يكون الحكم الثابت في الفرع ثابتا بغير علة الأصل، وهو الأولى، لما فيه من
~~تكثير مدارك الحكم، فإنه أفضى إلى اقتناص مقصود الشارع من الحكم، مما إذا
~~اتحد المدرك، وإذا كان كذلك، فلا يلزم منه وجود الحكم الآخر، لجواز أن ms831 لا
~~تكون علة الفرع مستقلة بإثبات الحكم الآخر، كاستقلال علة الأصل.
# وأما إذا تعددت العلة، فإن وقع التلازم بينهما، فلجواز أن تكون علة الحكم
~~الثابت في الفرع غير علته في الأصل، لما ذكرناه، وعند ذلك، فلا يلزم منها
~~وجود العلة الأخرى في الفرع، فإنه لا يلزم من التلازم بين علة ذلك الحكم
~~وعلة الحكم الآخر في الأصل التلازم بين علته في الفرع، وعلة الحكم الآخر.
# وعلى هذا، لا يكون الحكم الآخر لازما في الفرع. وجوابه أن يقال: ثبوت أحد
~~الحكمين في الفرع يدل ظاهرا على وجود علته التي ثبت بها في الأصل، وإن جاز
~~ثبوته في الفرع بغيرها، لان الأصل عدم وجود علة أخرى غير علته في الأصل.
# والقول بأن تعدد المدارك أولى معارض بأن الاتحاد أولى لما فيه من التعليل
~~بعلة مطردة منعكسة، وما ذكروه، وإن كانت العلة فيه مطردة، إلا أنها غير
~~منعكسة.
# والتعليل بالعلة المطردة المنعكسة متفق عليه، بخلاف غير المنعكسة، فكانت
~~أولى.
# فإن قيل: وكما أن الأصل عدم علة أخرى في الفرع غير علة الأصل، فالأصل عدم
~~علة الأصل في الفرع، وليس العمل بأحد الأصلين أولى من الآخر.
# قلنا: بل العمل بما ذكرناه أولى، لان العلة فيه تكون متعدية، وهي متفق
~~على صحة التعليل بها. وما ذكروه يلزم منه أن تكون العلة في الأصل قاصرة،
~~لان الأصل عدم وجودها في صورة أخرى، وهي مختلف في صحة التعليل بها، فكان ما
~~ذكرناه أولى. PageV04P115
# خاتمة لهذا الباب في ترتيب الأسئلة الواردة على القياس والاعتراضات
~~الواردة على القياس أما أن تكون من جنس واحد، كالنقوض، أو المعارضات في
~~الأصل أو في الفرع، وإما أن تكون من أجناس مختلفة، كالمنع والمطالبة،
~~والنقض، والمعارضة ونحوها.
# فإن كان الأول، فقد اتفق الجدليون على جواز إيرادها معا، إذ لا يلزم منها
~~تناقض، ولا نزول عن سؤال إلى سؤال.
# وإن كان الثاني، فلا يخلو: إما أن تكون الأسئلة غير مرتبة أو مرتبة:
# فإن كانت غير مرتبة، فقد أجمع الجدليون على جواز الجمع بينهما، سوى ms832 أهل
~~سمرقند، فإنهم أوجبوا الاقتصار على سؤال واحد، لقربه إلى الضبط، وبعده عن
~~الخبط.
# ويلزمهم على ذلك ما كان من الأسئلة المتعددة من جنس واحد، فإنها، وإن
~~أفضت إلى النشر، فالجمع بينها مقبول من غير خلاف بين الجدليين.
# وإن كانت مرتبة، فقد منع منه أكثر الجدليين من حيث إن المطالبة بتأثير
~~الوصف بعد منع وجوده نزول عن المنع، ومشعر بتسليم وجوده، لأنه لو بقي مصرا
~~على منع وجود الوصف، فالمطالبة بتأثير ما لا وجود له محال. وعند ذلك فلا
~~يستحق المعترض غير جواب الأخير من الأسئلة.
# ومنهم من لم يمنع منه، وذلك بأن يورد المطالبة بتأثير الوصف، بعد منع
~~وجود الوصف مقدرا لتسليم وجود الوصف. وذلك بأن يقول: وإن سلم عن المنع
~~تقديرا، فلا يسلم عن المطالبة وغيرها، ولا شك أنه أولى، لعدم إشعاره
~~بالمناقضة والعود إلى منع ما سلم وجوده أولا، كمنع وجود الوصف بعد المطالبة
~~بتأثيره المشعر بتسليم وجوده. وهذا هو اختيار الأستاذ أبي إسحاق، وهو
~~المختار.
# وإذا كان لا بد من رعاية الترتيب في الأسئلة، فأول ما تجب البداية به
~~سؤال الاستفسار، لان من لا يعرف مدلول اللفظ، لا يعرف ما يتجه عليه.
~~PageV04P116
# ثم بعده سؤال فساد الاعتبار، لأنه نظر في فساده من جهة الجملة قبل النظر
~~في تفصيله، ثم سؤال فساد الوضع لأنه أخص من سؤال فساد الاعتبار كما سبق
~~تقريره، والنظر في الأعم يجب أن يكون قبل النظر في الأخص.
# ثم بعده منع الحكم في الأصل، ويجب أن يكون مقدما على ما يتعلق بالنظر في
~~العلة، لان العلة مستنبطة من حكم الأصل فهي فرع عليه، والكلام في الفرع يجب
~~تأخيره عن الكلام في أصله، ثم بعده منع وجود العلة في الأصل.
# ثم بعده النظر فيما يتعلق بعلية الوصف، كالمطالبة، وعدم التأثير، والقدح
~~في المناسبة، والتقسيم، وكون الوصف غير ظاهر ولا منضبط، وكون الحكم غير
~~صالح لافضائه إلى المقصود منه.
# ثم بعده النقض والكسر، لكونه معارضا لدليل العلية، ثم بعده المعارضة في
~~الأصل، لأنه معارضة لنفس ms833 العلة، فكان متأخرا عن المعارض لدليل العلية،
~~والتعدية والتركيب، لان حاصلهما يرجع إلى المعارضة في الأصل، كما سبق
~~تقريره، ثم بعده ما يتعلق بالفرع كمنع وجود العلة في الفرع، ومخالفة حكمه
~~لحكم الأصل، ومخالفته للأصل في الضابط والحكمة والمعارضة في الفرع وسؤال
~~القلب، ثم بعد ذلك القول بالموجب، لتضمنه تسليم كل ما يتعلق بالدليل المثمر
~~له من تحقيق شروطه وانتفاء القوادح فيه. وهذا آخر الأصل الخامس.
~~PageV04P117
# الأصل السادس في معنى الاستدلال، وأنواعه أما معناه في اللغة فهو استفعال
~~من طلب الدليل والطريق المرشد إلى المطلوب.
# وأما في اصطلاح الفقهاء، فإنه يطلق تارة بمعنى ذكر الدليل، وسواء كان
~~الدليل نصا أو إجماعا أو قياسا أو غيره، ويطلق تارة على نوع خاص من أنواع
~~الأدلة، وهذا هو المطلوب بيانه هاهنا.
# وهي عبارة عن دليل لا يكون نصا ولا إجماعا ولا قياسا فإن قيل: تعريف
~~الاستدلال بسلب غيره من الأدلة عنه ليس أولى من تعريف غيره من الأدلة بسب
~~حقيقة الاستدلال عنه.
# قلنا: إنما كان تعريف الاستدلال بما ذكرناه أولى، بسبب سبق التعريف
~~لحقيقة ما عداه من الأدلة دون تعريف الاستدلال كما سبق. وتعريف الأخفى
~~بالأظهر جائز دون العكس.
# وإذا عرف معنى الاستدلال، فهو على أنواع، منها قولهم: وجد السبب، فثبت
~~الحكم، ووجد المانع وفات الشرط فينتفي الحكم فإنه دليل من حيث إن الدليل ما
~~يلزم من ثبوته لزوم المطلوب قطعا، أو ظاهرا، ولا يخفى لزوم المطلوب من ثبوت
~~ما ذكرناه، فكان دليلا، وليس هو نصا ولا إجماعا ولا قياسا فكان استدلالا.
# فإن قيل: تعريف الدليل بما يلزم من إثباته الحكم المطلوب، تعريف للدليل
~~بالمدلول، والمدلول لا يعرف إلا بدليله، فكان دورا ممتنعا. وإن سلمنا صحة
~~الحد، ولكن لا نسلم أن المذكور ليس بقياس، فإنه إذا آل الامر إلى إثبات
~~المدعى، كان مفتقرا إلى المناسبة والاعتبار، ولا معنى للقياس سوى هذا.
# قلنا: أما الدور فإنما يلزم أن لو اتحدت جهة التوقف، وليس كذلك، وذلك لان
~~المطلوب إنما يتوقف على الدليل من جهة وجوده ms834 في آحاد الصور، لا من جهة
~~حقيقته، لأنا نعرف حقيقة الحكم من حيث هو حكم، وإن جهلنا دليل وجوده.
~~والدليل إنما يتوقف على لزوم المطلوب له من جهة حقيقته لا من جهة وجوده في
~~آحاد الصور. وإذا اختلفت الجهة فلا دور. وما ذكروه في تحقيق PageV04P118
# كونه قياسا، فإنما يلزم أن لو كان تقرير السببية والمانعية والشرطية لا
~~يكون إلا بما ذكروه، وليس ذلك بلازم لامكان تقريره بنص يدل عليه أو إجماع.
# والثابت بالنص أو الاجماع لا يكون نصا ولا إجماعا، كما تقرر قبل
~~والاعتراضات الواردة على طريق تقريره، ووجوه الانفصال عنها غير خافية.
# ومنها نفي الحكم لانتفاء مداركه، كقولهم: الحكم يستدعي دليلا، ولا دليل،
~~فلا حكم. أما أنه يستدعي دليلا، فبالضرورة، وأما أنه لا دليل، فلا يدل عليه
~~سوى البحث والسبر، وإن الأصل في الأشياء كلها العدم، وطريق الاعتراض،
~~بإبداء ما يصلح دليلا من نص أو إجماع أو قياس أو استدلال.
# وجوابه بالقدح في الدليل المذكور بما يساعد في موضع على حسبه، ولا يخفى.
# وقد ترد عليه أسئلة كثيرة أوردناها في كتاب المؤاخذات وقررناها اعتراضا
~~وانفصالا، فعليك بالالتفات إليها.
# ومنها الدليل المؤلف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها تسليم قول آخر.
~~وذلك القول اللازم إما أن لا يكون ولا نقيضه مذكورا فيما لزم عنه بالفعل،
~~أو هو مذكور فيه.
# فإن كان الأول، فيسمى اقترانيا، وأقل ما يتركب من مقدمتين، ولا يزيد
~~عليهما.
# وكل مقدمة تشتمل على مفردين، الواحد منهما مكرر في المقدمتين، ويسمى حدا
~~أوسط، والمفردان الآخران اللذان بهما افتراق المقدمتين، منهما يكون المطلوب
~~اللازم، ويسمى أحدهما، وهو ما كان محكوم به في المطلوب، حدا أكبر، وما كان
~~منهما محكوما عليه في المطلوب يسمى حدا أصغر والمقدمة التي فيها الحد
~~الأكبر كبرى والتي فيها الحد الأصغر صغرى.
# ثم هيئة الحد الأوسط في نسبته إلى الحدين المختلفين تسمى شكلا
~~PageV04P119
# وهيئته في النسبة إما بكونه محمولا على الحد الأصغر، وموضوعا للحد الأكبر
~~ويسمى الشكل الأول، وإما بكونه محمولا عليهما ويسمى الشكل الثاني، ms835 وإما
~~بكونه موضوعا لهما ويسمى الشكل الثالث وإما بكونه موضوعا للأصغر ومحمولا
~~على الأكبر، ويسمى الشكل الرابع. وهو بعيد عن الطباع ومستغنى عنه بباقي
~~الاشكال فلنقتصر على ذكر ما قبله من الاشكال الثلاثة.
# أما الشكل الأول منها، فهو أبينها، وما بعده فمتوقف في معرفة ضروبه عليه،
~~وهو منتج للمطالب الأربعة: الكلي موجبا وسالبا، والجزئي موجبا وسالبا.
# وشرطه في الانتاج إيجاب صغراه، وأن تكون في حكم الموجبة، وكلية كبراه.
# وضروبه المنتجة أربعة:
# الضرب الأول: من كليتين موجبتين، كقولنا: كل وضوء. عبادة، وكل عبادة
~~تفتقر إلى النية، واللازم كل وضوء يفتقر إلى النية.
# الضرب الثاني: من كلية صغرى موجبة، كلية كبرى سالبة، كقولنا: كل وضوء
~~عبادة، ولا شئ من العبادة يصح بدون النية، واللازم لا شئ من الوضوء يصح
~~بدون النية. PageV04P120
# الضرب الثالث: بعض الوضوء عبادة، وكل عبادة تفتقر إلى النية، واللازم بعض
~~الوضوء يفتقر إلى النية.
# الضرب الرابع: بعض الوضوء عبادة، ولا شئ من العبادة يصح بدون النية
~~واللازم بعض الوضوء لا يصح بدون النية.
# الشكل الثاني: وشروطه في الانتاج اختلاف مقدمتيه في الكيفية، وكلية
~~كبراه.
# وضروبه المنتجة أربعة:
# الضرب الأول: من كليتين، الصغرى موجبة، والكبرى سالبة، كقولنا: كل بيع
~~غائب فصفات المبيع فيه مجهولة، ولا شئ مما يصح بيعه صفات المبيع فيه
~~مجهولة، واللازم لا شئ من بيع الغائب صحيح.
# الضرب الثاني: من كلية صغرى سالبة، وكلية كبرى موجبة، كقولنا: لا شئ من
~~بيع الغائب معلوم الصفات، وكل بيع صحيح فمعلوم الصفات، واللازم كالذي قبله.
# الضرب الثالث: من جزئية صغرى موجبة، وكلية كبرى سالبة كقولنا:
# بعض بيع الغائب مجهول الصفات، ولا شئ مما يصح بيعه مجهول الصفات، ولازمه
~~بعض بيع الغائب لا يصح.
# الضرب الرابع: من جزئية صغرى سالبة، وكلية كبرى موجبة، كقولنا: ليس
~~PageV04P121
# كل بيع غائب معلوم الصفات، وكل بيع صحيح معلوم الصفات، ولازمه كلازم الذي
~~قبله.
# والانتاج في هذا الشكل غير بين بنفسه، بل هو مفتقر إلى بيان، وذلك بأن
~~تعكس الكبرى من الأول، وتبقيها كبرى بحالها، فإنه ms836 يعود إلى الضرب الثاني من
~~الشكل الأول ناتجا عين المطلوب، وتعكس الصغرى من الثاني فتجعلها كبرى ثم
~~تستنتج وتعكس النتيجة فيعود إلى عين المطلوب وأن تعكس الكبرى من الثالث
~~وتبقيها كبرى بحالها فأنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الأول ناتجا عين
~~المطلوب والضرب الرابع منه لا يتبين بالعكس، لأنك إن عكست PageV04P122
# الكبرى منه، عادت جزئية، ولا قياس عن جزئيتين، والصغرى فلا عكس لها وإن
~~شئت بينت الانتاج بالخلف، وهو أن تأخذ نقيض النتيجة من كل ضرب منه، وتجعله
~~صغرى للمقدمة الكبرى من ذلك الضرب، فإنه ينتج نقيض المقدمة الصغرى الصادقة
~~وهو محال، وليس لزوم المحال عن نفس الصورة القياسية لتحقق شروطها، ولا عن
~~نفس المقدمة الكبرى، لكونها صادقة فكان لازما عن نقيض المطلوب، فكان محالا،
~~وإلا لما لزم عنه المحال. وإذا كان نقيض المطلوب محالا، كان المطلوب الأول
~~هو الصادق. PageV04P123
# الشكل الثالث: وشرط إنتاجه إيجاب صغراه، أو أن تكون في حكم الموجبة،
~~وكلية إحدى مقدميته، ولا ينتج غير الجزئي الموجب والسالب. وضروبه المنتجة
~~ستة:
# الضرب الأول: من كليتين موجبتين، كقولنا: كل بر مطعوم، وكل بر ربوي،
~~ولازمه بعض المطعوم ربوي.
# الضرب الثاني: من جزئية صغرى موجبة، وكلية موجبة كبرى، كقولنا:
# بعض البر مطعوم، وكل بر ربوي، ولازمه كلازم ما قبله.
# الضرب الثالث: من كلية موجبة صغرى، وجزئية موجبة كبرى، كقولنا:
# كل بر مطعوم، وبعض البر ربوي ولازمه كلازم ما قبله.
# الضرب الرابع: من كلية موجبة صغرى، وكلية سالبة كبرى، كقولنا: كل بر
~~مطعوم، ولا شئ من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه لا شئ من المطعوم
~~يصح بيعه بجنسه متفاضلا.
# الضرب الخامس: من جزئية موجبة صغرى، وكلية سالبة كبرى، كقولنا بعض البر
~~ربوي، ولا شئ من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه كلازم ما قبله.
# الضرب السادس: من كلية موجبة صغرى، وجزئية سالبة كبرى، كقولنا:
# كل بر مطعوم، وبعض البر لا يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه كلازم ما
~~قبله.
# وإنتاج هذا الشكل غير بين بنفسه دون بيان، وهو أن ms837 تعكس الصغرى من الأول
~~والثاني، وتبقيها صغرى بحالها، فإنه يعود إلى الضرب الثالث من الشكل الأول
~~ناتجا عين المطلوب، وتعكس الصغرى من الرابع والخامس، وتبقيها صغرى بحالها
~~فإنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الأول، ناتجا عين المطلوب وتعكس
~~الكبرى من الثالث وتجعلها صغرى للصغرى، ثم تعكس النتيجة، فتعود إلى عين
~~المطلوب. وأما السادس منه فلا يتبين بالعكس، لأنك إن عكست الصغرى، عادت
~~جزئية، ولا قياس عن جزئيتين، والكبرى فلا عكس لها.
# وإن شئت بينت بالخلف، وهو أن تأخذ نقيض النتيجة، وتجعله كبرى للصغرى في
~~جميع ضروبه، فإنه ينتج نقيض المقدمة الكبرى الصادقة، ويلزم من PageV04P124
# ذلك كذب النقيض، لما بيناه في الشكل الثاني. ويلزمه صدق المطلوب الأول.
# وأما إن كان القسم الثاني، وهو أن يكون اللازم أو نقيضه مذكورا فيما لزم
~~عنه بالفعل، فيسمى استثنائيا. ولا بد فيه من قضيتين إحداهما استثنائية لعين
~~أحد جزئي القضية الأخرى أو نقيضه، ثم القضية المستثنى منها لا بد فيها من
~~جزئين بينهما نسبة بإيجاب أو سلب. والنسبة الايجابية بينهما إما أن تكون
~~باللزوم والاتصال، وفي حالة السلب برفعه، أو بالعناد والانفصال، وفي حالة
~~السلب برفعه.
# فإن كان الأول، فتسمى تلك القضية شرطية متصلة، وأحد جزئيها، وهو ما دخل
~~عليه حرف الشرط (مقدما) والثاني، وهو ما دخل عليه حرف الجزاء (تاليا) وما
~~هي مقدمة فيه يسمى قياسا شرطيا متصلا.
# وإن كان الثاني، فتسمى منفصلة وما هي مقدمة فيه يسمى قياسا منفصلا.
# أما الشرطي: المتصل، فشرط إنتاجه أن تكون النسبة بين المقدم والتالي
~~كلية، أي دائمة، وأن يكون الاستثناء إما بعين المقدم منها، أو نقيض التالي،
~~وذلك لان التالي إما أن يكون أعم من المقدم، أو مساويا له. ولا يجوز أن
~~يكون أخص منه، وإلا كانت القضية كاذبة. وعند ذلك، فاستثناء عين المقدم يلزم
~~منه عين التالي، سواء كان التالي أعم من المقدم أو مساويا له. واستثناء
~~نقيض التالي يلزم منه نقيض المقدم. وأما استثناء نقيض المقدم وعين التالي،
~~فلا يلزم منه شئ، لجواز أن ms838 يكون التالي أعم من المقدم، فلا يلزم من نفي
~~الأخص نفي الأعم، ولا من وجود الأعم وجود الأخص. وإن لزم ذلك، فإنما يكون
~~عند التساوي بينهما، فلا يكون الانتاج لازما لنفس صورة الدليل، بل لخصوص
~~المادة، وذلك كما في قولنا: دائما إن كان هذا الشئ إنسانا، فهو حيوان، لكنه
~~إنسان، فيلزمه أنه حيوان، أو لكنه ليس بحيوان فيلزمه أنه ليس إنسانا.
# وأما المنفصل: فالمنفصلة منه إما أن تكون مانعة الجمع بين الجزأين والخلو
~~معا، أو مانعة الجمع دون الخلو، أو مانعة الخلو دون الجمع:
# فإن كان الأول، فيلزم من استثناء عين كل واحد من الجزئين نقيض الآخر، ومن
~~استثناء نقيضه عين الآخر، وذلك كما في قولنا: دائما إما أن يكون العدد
~~PageV04P125
# زوجا، وإما أن يكون فردا، لكنه زوج فليس بفرد أو لكنه فرد ليس بزوج أو
~~لكنه ليس بزوج فهو فرد أو لكنه ليس بفرد فهو زوج.
# وإن كان الثاني، فاستثناء عين أحدهما يلزمه نقيض الجزء الآخر، ولا يلزم
~~من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه وذلك كقولنا: دائما إما أن
~~يكون الجسم جمادا وإما حيوانا لكنه حيوان فليس بجماد أو لكنه جماد فليس
~~بحيوان ولا يلزم من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه.
# وإن كان الثالث، فاستثناء نقيض كل واحد منهما يلزم منه عين الآخر، ولا
~~يلزم من استثناء عين أحدهما عين الآخر، ولا نقيضه، وذلك كما إذا قلنا:
# دائما إما أن يكون المحل لا أسود، وإما لا أبيض. فاستثناء نقيض أحدهما
~~يلزمه عين الآخر، ولا يلزم من استثناء عين أحدهما عين الآخر ولا نقيضه.
# فهذه جملة ضروب هذا النوع من الاستدلال لخصناها في أوجز عبارة. ومن أراد
~~الاطلاع على ذلك بطريق الكمال والتمام فعليه بمراجعة كتبنا المخصوصة بهذا
~~الفن. ولا يخفى ما يرد عليها من الاعتراضات من منع المقدمات والقوادح في
~~الأدلة الدالة عليها، على اختلاف أنواعها، وكذلك الجواب عنها.
# ومن أنواع الاستدلال استصحاب الحال وفيه مسألتان: PageV04P126
# المسألة الأولى في الاستدلال باستصحاب الحال وقد اختلف فيه: ms839 فذهب أكثر
~~الحنفية وجماعة من المتكلمين، كأبي الحسين البصري وغيره، إلى بطلانه. ومن
~~هؤلاء من جوز به الترجيح لا غير.
# وذهب جماعة من أصحاب الشافعي، كالمزني والصيرفي والغزالي وغيرهم من
~~المحققين، إلى صحة الاحتجاج به، وهو المختار، وسواء كان ذلك الاستصحاب لأمر
~~وجودي أو عدمي، أو عقلي أو شرعي، وذلك لان ما تحقق وجوده أو عدمه في حالة
~~من الأحوال، فإنه يستلزم ظن بقائه، والظن حجة متبعة في الشرعيات، على ما
~~سبق تحقيقه. وإنما قلنا إنه يستلزم ظن بقائه لأربعة أوجه.
# الأول أن الاجماع منعقد على أن الانسان لو شك في وجود الطهارة ابتداء، لا
~~تجوز له الصلاة، ولو شك في بقائها جازت له الصلاة، ولو لم يكن الأصل في كل
~~متحققا دوامه، للزم إما جواز الصلاة في الصورة الأولى، أو عدم الجواز في
~~الصورة الثانية، وهو خلاف الاجماع. PageV04P127
# وإنما قلنا ذلك، لأنه لو لم يكن الراجح هو الاستصحاب، لم يخل:
# إما أن يكون الراجح عدم الاستصحاب، أو أن الاستصحاب، وعدمه سيان:
# فإن كان الأول فيلزم منه امتناع جواز الصلاة في الصورة الثانية لظن فوات
~~الطهارة، وإن كان الثاني، فلا يخلو:
# إما أن يكون استواء الطرفين مما تجوز معه الصلاة أو لا تجوز فإن كان
~~الأول فيلزم منه جواز الصلاة في الصورة الأولى، وإن كان الثاني فيلزمه عدم
~~جواز الصلاة في الصورة الثانية. وكل ذلك ممتنع.
# الوجه الثاني أن العقلاء وأهل العرف إذا تحققوا وجود شئ أو عدمه وله
~~أحكام خاصة به، فإنهم يسوغون القضاء والحكم بها في المستقبل من زمان ذلك
~~الوجود أو العدم، حتى إنهم يجيزون مراسلة من عرفوا وجوده قبل ذلك بمدد
~~متطاولة، وإنفاذ الودائع إليه، ويشهدون في الحالة الراهنة بالدين على من
~~أقر به قبل تلك الحالة. ولولا أن الأصل بقاء ما كان على على ما كان، لما
~~ساغ لهم ذلك الثالث أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، وذلك لان الباقي لا
~~يتوقف على أكثر من وجود الزمان المستقبل ومقابل ذلك الباقي له كان وجودا ms840 أو
~~عدما.
# وأما التغير فمتوقف على ثلاثة أمور: وجود الزمان المستقبل، وتبدل الوجود
~~بالعدم أو العدم بالوجود، ومقارنة ذلك الوجود أو العدم لذلك الزمان. ولا
~~يخفى أن تحقق ما يتوقف على أمرين لا غير أغلب مما يتوقف على ذينك الامرين
~~وثالث غيرهما.
# الوجه الرابع إذا وقع العرض فيما هو باق بنفسه، الجوهر، فقد يقال:
# غلبة الظن بدوامه أكثر من تغيره، فكان دوامه أولى. وذلك لان بقاءه مستغن
~~عن المؤثر حالة بقائه، لأنه لو افتقر إلى المؤثر، فإما أن يصدر عن ذلك
~~المؤثر أثر، أو لا يصدر عنه أثر: فإن صدر عنه أثر، فإما أن يكون هو عين ما
~~كان ثابتا أو شيئا متجددا: الأول محال، لما فيه من تحصيل الحاصل، والثاني
~~فعلى خلاف الفرض. وإن لم يصدر عنه أثر، فلا معنى لكونه مؤثرا وإذا كان
~~مستغنيا في بقائه PageV04P128
# عن المؤثر فتغيره لا بد وأن يكون بمؤثر وإلا كان منعدما بنفسه، وهو محال
~~وإلا لما بقي، وإذا كان البقاء غير مفتقر إلى مؤثر، وتغيره مفتقر إلى
~~المؤثر فعدم الباقي لا يكون إلا بمانع يمنع منه.
# وأما المتجدد سواء كان عدما أو وجودا، فإنه قد ينتفي تارة لعدم مقتضيه،
~~وتارة لمانعه، وما يكون عدمه بأمرين يكون أغلب مما عدمه بأمر واحد.
# وعلى هذا فالأصل في جميع الأحكام الشرعية إنما هو العدم وبقاء ما كان على
~~ما كان، إلا ما ورد الشارع. بمخالفته، فإنا نحكم به ونبقى فيما عداه عاملين
~~بقضية النفي الأصلي، كوجوب صوم شوال، وصلاة سادسة ونحوه.
# فإن قيل: لا نسلم أن كل ما تحقق وجوده في حالة من الأحوال، أو عدمه، فهو
~~مظنون البقاء وما ذكرتموه من الوجه الأول، فالاعتراض عليه من وجوه.
# الأول أنا نسلم انعقاد الاجماع على الفرق في الحكم فيما ذكرتموه من
~~الصورتين، فإن مذهب مالك وجماعة من الفقهاء إنما هو التسوية بينهما في عدم
~~الصحة، وإن سلمنا ذلك وسلمنا أنه لو لم يكن الأصل البقاء في كل متحقق، للزم
~~رجحان الطهارة أو المساواة في الصورة الأولى، ms841 ورجحان الحدث أو المساواة في
~~الصورة الثانية.
# ولكن لا يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الأولى جوز الصلاة، بدليل
~~امتناع الصلاة بعد النوم والاغماء والمس، على الطهارة، وإن كان وجود
~~الطهارة راجحا.
# ولامتناع الصلاة مع ظن الحدث في الصورة الثانية، حيث قلتم بأن ظن الحدث
~~لا يلحق بتيقن الحدث.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل في الطهارة والحدث البقاء، ولكن لا
~~نسلم أنه يلزم من ذلك الطهارة والحدث أن يكون الأصل في كل متحقق سواهما
~~البقاء، لا بد لهذا من دليل. PageV04P129
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل البقاء في كل شئ. لكنه منقوض
~~بالزمان والحركات من حيث إن الأصل فيهما التقضي دون البقاء والاستمرار.
# وما ذكرتموه من الوجه الثاني فليس فيه ما يدل على ظن البقاء بل إنما كان
~~ذلك مجوزا منهم لاحتمال إصابة الغرض فيما فعلوه، وذلك كاستحسان الرمي إلى
~~الغرض لقصد الإصابة، لاحتمال وقوعها، وإن لم تكن الإصابة ظاهرة، بل مرجوحة
~~أو مساوية.
# وما ذكرتموه من الوجه الثالث لا نسلم أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير.
# وما ذكرتموه من زيادة توقف التغير على تبدل الوجود بالعدم أو بالعكس،
~~معارض بما يتوقف عليه البقاء من تجدد مثل السابق وإن سلمنا أن ما يتوقف
~~عليه التغير أكثر، لكن لا نسلم أنه يدل على غلبة البقاء على التغير، لجواز
~~أن تكون الأشياء المتعددة التي يتوقف عليها التغير أغلب في الوجود من
~~الاعداد القليلة التي يتوقف عليها البقاء، أو مساوية لها. وإن سلمنا أن
~~البقاء أغلب من التغير، ولكن لا نسلم كونه غالبا على الظن، لجواز أن يكون
~~الشئ أغلب من غيره، وإن غلب على الظن عدمه في نفسه. سلمنا دلالة ذلك على
~~الأغلبية، لكن فيما هو قابل للبقاء أو فيما ليس قابلا له؟ الأول مسلم،
~~والثاني ممنوع. فلم قلتم بأن الاعراض التي وقع النزاع في بقائها قابلة
~~للبقاء؟ كيف وإنها غير قابلة، لما علم في الكلاميات.
# وما ذكرتموه من الوجه الرابع لا نسلم أن الباقي لا يفتقر إلى ms842 مؤثر.
# وما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وذلك لان الباقي في حالة بقائه إما
~~أن يكون واجبا لذاته، أو ممكنا لذاته: الأول محال، وإلا لما تصور عليه
~~العدم، وإن كان ممكنا، فلا بد له من مؤثر، وإلا لا نسد علينا باب إثبات
~~واجب الوجود.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل في كل متحقق دوامه، لكنه معارض بما
~~يدل على عدمه، وبيانه من ثلاثة أوجه.
# الأول: أنه لو كان الأصل في كل شئ استمراره ودوامه، لكان حدوث جميع
~~الحوادث على خلاف الدليل المقتضي لاستمرار عدمها، وهو خلاف الأصل.
~~PageV04P130
# الثاني: أن الاجماع منعقد على أن بينة الاثبات تقدم على بينة النفي، ولو
~~كان الأصل في كل متحقق دوامه، لكانت بينة النفي لاعتضادها بهذا الأصل أولى
~~بالتقدم.
# الثالث: أن مذهب الشافعي أنه لا يجزي عتق العبد الذي انقطع خبره، عن
~~الكفارة، ولو كان الأصل بقاءه لأجزأ.
# سلمنا الأصل هو البقاء والاستمرار، ولكن متى يمكن التمسك به في الأحكام
~~الشرعية ، إذا كان محصلا لأصل الظن، أو غلبة الظن؟ الأول ممتنع، وإلا كانت
~~شهادة العبيد والنساء المتمحضات، والفساق مقبولة، لحصول أصل الظن بها.
# والثاني مسلم، ولكن لا نسلم أن مثل هذا الأصل يفيد غلبة الظن، وذلك لان
~~الأصل عدم هذه الزيادة بنفس ما ذكرتم. سلمنا كون ذلك مغلبا على الظن، لكن
~~قبل ورود الشرع، أو بعده؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع.
# وبيانه أن قبل ورود الشرع قد أمنا الدليل المغير، فكان الاستصحاب لذلك
~~مغلبا، على الظن وبعد ورود الشرع لم نأمن التغير وورود الدليل المغير، فلا
~~يبقى مغلبا، على الظن.
# والجواب عن منع الاجماع على التفرقة فيما ذكرناه من الصورتين، أن المراد
~~به إنما هو الاجماع بين الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الأئمة، فكان ما ذكرناه
~~حجة على الموافق دون المخالف.
# وعن السؤال الأول على الوجه الأول، أنه يلزم من رجحان الطهارة في الصورة
~~الأولى صحة الصلاة، تحصيلا لمصلحة الصلاة مع ظن الطهارة، كالصورة الثانية.
~~وأما النوم فإنما امتنعت معه الصلاة لكونه سببا ظاهرا لوجود ms843 الخارج الناقض
~~للطهارة، لتيسر خروج الخارج معه باسترخاء المفاصل، على ما قال عليه السلام:
~~العينان وكاء الستة. PageV04P131
# وقال: إذا نامت العينان، انطلق الوكاء وإذا كان النوم مظنة الخارج
~~المحتمل، وجب إدارة الحكم عليه، كما هو الغالب من تصرفات الشارع، لا على
~~حقيقة الخروج، دفعا للعسر والحرج عن المكلفين. وبه يقع الجواب عن الاغماء
~~والمس.
# ويلزم من رجحان الحدث في الصورة الثانية امتناع صحة الصلاة، زجرا له عن
~~التقرب إلى الله تعالى والوقوف بين يديه، مع ظن الحدث، فإنه قبيح عقلا
~~وشرعا، ولذلك نهي عنه. والشاهد له بالاعتبار الصورة الأولى.
# قولهم إنه لا تأثير للحدث المظنون عندكم - قلنا: إنما لا يكون مؤثرا
~~بتقدير أن لا نقول باستصحاب الحال، كالتقدير الذي نحن فيه، وإلا فلا.
# وعن السؤال الثاني أنه لو لم يكن الاستصحاب والاستمرار مقتضى الدليل في
~~كل متحقق، لكان الاستمرار في هاتين الصورتين على خلاف حكم الأعم أغلب، إن
~~كان عدم الاستمرار هو الأغلب، وهو على خلاف الأصل أو أن يكون عدم الاستمرار
~~على خلاف الغالب إن كان الاستمرار هو الأغلب، وإن تساوى الطرفان، فهو
~~احتمال من ثلاثة احتمالات، ووقوع احتمال من احتمالين أغلب من احتمال واحد
~~بعينه.
# وعن السؤال الثالث أنا إنما ندعي أن الأصل البقاء فيما يمكن بقاؤه، إما
~~بنفسه، كالجواهر، أو بتجدد أمثاله كالاعراض، وعليه بناء الأدلة المذكورة،
~~وعلى هذا، فالأصل في الزمان بقاؤه بتجدد أمثاله.
# وأما الحركات فإما أن تكون من قبيل ما يمكن بقاؤه واستمراره، أو لا من
~~هذا القبيل: فإن كان الأول، فهو من جملة صور النزاع، وإن كان الثاني،
~~فالنقض به يكون مندفعا PageV04P132
# وعما ذكروه على الوجه الثاني أن الاقدام على الفعل لغرض موهوم غير ظاهر
~~إنما يكون فيما لا خطر في فعله ولا مشقة كما ذكروه من المثال.
# وأما ما يلزم الخطر والمشقة في فعله، فلا بد وأن يكون لغرض ظاهر راجح على
~~خطر ذلك الفعل ومشقته، على ما تشهد به تصرفات العقلاء وأهل العرف، من ركوب
~~البحار ومعاناة المشاق من الاسفار، فإنهم ms844 لا يرتكبون ذلك إلا مع ظهور
~~المصلحة لهم في ذلك ومن فعل ذلك لا مع ظهور المصلحة في نظره عد سفيها مخبطا
~~في عقله، وما وقع به الاستشهاد من تنفيذ الودائع وإرسال الرسل إلى من بعدت
~~مدة غيبته، والشهادة بالدين على من تقدم إفراره، من هذا القبيل، فكان
~~الاستصحاب فيه ظاهرا.
# وعما ذكروه على الوجه الثالث أولا فجوابه بزيادة افتقار التغير إلى تجدد
~~علة موجبة للتغير بخلاف البقاء، لامكان اتحاد علة المتجددات.
# وما ذكروه ثانيا فجوابه من وجهين.
# الأول أن الشئ إذا كان موقوفا على شئ واحد، والآخر على شيئين، فما يتوقف
~~على شئ واحد لا يتحقق عدمه إلا بتقدير عدم ذلك الشئ، وما يتوقف تحققه على
~~أمرين يتم عدمه بعدم كل واحد من ذينك الامرين.
# ولا يخفى أن ما يقع عدمه على تقديرين يكون عدمه أغلب من عدم ما لا يتحقق
~~عدمه إلا بتقدير واحد. وما كان عدمه أغلب، كان تحققه أندر، وبالعكس مقابله.
# فإن قيل: عدم الواحد المعين إما أن يكون مساويا في الوقوع لعدم الواحد من
~~الشيئين، أو غالبا، أو مغلوبا، ولا تتحقق غلبة الظن فيما ذكرتموه بتقدير
~~غلبة الواحد المعين ومساواته وإنما يتحقق ذلك بتقدير كونه مغلوبا.
# ولا يخفى أن وقوع أحد أمرين لا بعينه أغلب من وقوع الواحد المعين كما
~~ذكرتموه.
# قلنا: إذا نسبنا أحد الشيئين لا بعينه إلى ذلك الواحد المعين فإما أن
~~يكون عدمه أغلب من ذلك المعين، أو مساويا له، أو مغلوبا، فإن كان الأول لزم
~~ما ذكرناه، وإن كان الثاني، فكذلك أيضا، لترجحه بضم عدم الوصف الآخر إليه،
~~وإن كان PageV04P133
# مغلوبا فنسبة الوصف الآخر إليه لا تخلو من الأقسام الثلاثة، ويترجح ما
~~ذكرناه بتقديرين آخرين منها، وإنما لا يترجح ما ذكرناه بتقدير أن يكون كل
~~واحد من الوصفين مرجوحا، فإذا ما ذكرناه يتم على تقديرات أربعة، ولا يتم
~~على تقدير واحد، وفيه دقة، فليتأمل.
# الوجه الثاني أن العاقل إذا عن له مقصودان متساويان، وكانت المقدمات
~~الموصلة إلى أحدهما أكثر من مقدمات ms845 الآخر، فإنه يبادر إلى مقدماته أقل،
~~ولولا أن ذلك أفضى إلى مقصوده وأغلب، لما كان إقدامه عليه أغلب، لخلوه عن
~~الفائدة المطلوبة من تصرفات العقلاء.
# قولهم: وإن كان البقاء أغلب من التغير فلا يلزم أن يكون غالبا على الظن،
~~قلنا: إذا كان البقاء أغلب من مقابله فهو أغلب على الظن منه، ويجب المصير
~~إليه، نظرا إلى أن المجتهد مؤاخذ بما هو الأظهر عنده.
# قولهم: إنما يدل ما ذكرتموه على غلبة الظن فيما هو قابل للبقاء.
# قلنا: الاعراض إن كانت باقية، فلا إشكال، وإن لم تكن باقية بأنفسها،
~~فممكنة البقاء بطريق التجدد، كسواد الغراب وبياض الثلج. وعلى كل تقدير
~~فالكلام إنما هو واقع فيما هو ممكن التجدد من الاعراض، لا فيما هو غير
~~ممكن.
# وعما ذكروه على الوجه الرابع أن يقال: مجرد الامكان غير محوج إلى المؤثر،
~~بل المحوج إليه إنما هو الامكان المشروط بالحدوث أو الحدوث المشروط
~~بالامكان.
# وعن المعارضات، أما الحوادث فإنما خالفنا فيها الأصل، لوجود السبب الموجب
~~للحدوث ونفي حكم الدليل مع وجوده لمعارض، أولى من إخراجه عن الدلالة
~~وإبطاله بالكلية، مع ظهور دلالته.
# وأما تقديم الشهادة المثبتة على النافية، وإن كانت معتضدة بأصل براءة
~~الذمة، فإنما كان لاطلاع المثبت على السبب الموجب لمخالفة براءة الذمة وعدم
~~اطلاع النافي عليه، لامكان حدوثه حالة غيبة النافي عن المنكر، وتعذر صحبته
~~له واطلاعه PageV04P134
# على أحواله في سائر الأوقات.
# وأما مسألة العبد فهي ممنوعة، وبتقدير تسليمها، فلان الذمة مشغولة
~~بالكفارة يقينا، ولا تحصل البراءة منها إلا بيقين وجود العبد، ولا يقين.
~~فمن ادعى وجود مثل ذلك فيما نحن فيه فعليه الدليل.
# قولهم: إنما يمكن التمسك به في الأحكام الشرعية، إذا كان مفيدا لغلبة
~~الظن - لا نسلم ذلك، بل أصل الظن كاف، وبه يظهر الشئ على مقابله وأما رد
~~الشهادة في الصور المذكورة، فلم يكن لعدم صلاحيتها، بل لعدم اعتبارها في
~~الشرع، بخلاف ما نحن فيه من استصحاب الحال، فإنه معتبر، بدليل ما ذكرناه من
~~صورة الشاك في الطهارة والحدث.
# قولهم إنه ms846 مغلب على الظن قبل ورود الشرع لا بعده، ليس كذلك، فإنا بعد
~~ورود الشرع، إذا لم نظفر بدليل يخالف الأصل بقي ذلك الأصل مغلبا على الظن.
# نعم غايته أنه قبل ورود الشرع أغلب على الظن لتيقن عدم المعارض منه بعد
~~ورود الشرع لظن عدم المعارض. PageV04P135
# المسألة الثانية اختلفوا في جواز استصحاب حكم الاجماع في محل الخلاف:
# فنفاه جماعة من الأصوليين، كالغزالي وغيره، وأثبته آخرون وهو المختار.
# وصورته ما لو قال الشافعي مثلا في مسألة الخارج النجس من غير السبيلين:
# إذا تطهر، ثم خرج منه خارج من غير السبيلين فهو بعد الخروج متطهر ولو صلى
~~فصلاته صحيحة، لان الاجماع منعقد على هذين الحكمين قبل الخارج، والأصل في
~~كل متحقق دوامه لما تحقق في المسألة التي قبلها، إلا أن يوجد المعارض
~~النافي، والأصل عدمه، فمن ادعاه يحتاج إلى الدليل.
# فإن قيل القول بثبوت الطهارة وصحة الصلاة في محل النزاع إما أن يكون
~~لدليل، أو لا لدليل: لا جائز أن يكون لا لدليل، فإنه خلاف الاجماع، وإن كان
~~لدليل، فإما نص أو قياس أو إجماع: فإن كان بنص أو قياس، فلا بد من إظهاره،
~~ولو ظهر لم يكن إثبات الحكم في محل الخلاف بناء على الاستصحاب، بل بناء على
~~ما ظهر من النص أو القياس. وإن كان بالاجماع، فلا إجماع في محل الخلاف، وإن
~~كان الاجماع قبل خروج الخارج ثابتا.
# قلنا: متى يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل، إذا قيل بنزوله منزلة الجواهر،
~~أو الاعراض؟ الأول ممنوع، بل هو باق بعد ثبوته بالاجماع لا بدليل، لما سبق
~~تقريره في المسألة المتقدمة، والثاني مسلم، ولكن لم قلتم إنه نازل منزلة
~~الاعراض؟
# سلمنا أنه نازل منزلة الاعراض، وأنه لا بد له من دليل، ولكن لا نسلم
~~انحصار الدليل المبقى فيما ذكروه من النص والاجماع والقياس، إلا أن يبينوا
~~أن الاستصحاب ليس بدليل، وهو موضوع النزاع.
# سلمنا أن الاستصحاب بنفسه لا يكون دليلا على الحكم الباقي بنفسه، ولكنه
~~دليل الدليل على الحكم، وذلك لأنا بينا في ms847 المسألة المتقدمة وجود غلبة الظن
~~ببقاء كل ما كان متحققا على حاله، وذلك يدل من جهة الاجمال على دليل موجب
~~لذلك الظن. PageV04P136
# القسم الثاني فيما ظن أنه دليل صحيح، وليس كذلك وهو أربعة أنواع.
# النوع الأول - شرع من قبلنا. وفيه مسألتان.
# المسألة الأولى اختلفوا في النبي عليه السلام قبل بعثته، هل كان متعبدا
~~بشرع أحد من الأنبياء قبله؟
# فمنهم من نفى ذلك، كأبي الحسين البصري وغيره، ومنهم من أثبته، ثم اختلف
~~المثبتون: فمنهم من نسبه إلى شرع نوح، ومنهم من نسبه إلى شرع إبراهيم،
~~ومنهم من نسبه إلى موسى، ومنهم من نسبه إلى عيسى.
# ومن الأصوليين. من قضى بالجواز، وتوقف في الوقوع، كالغزالي والقاضي عبد
~~الجبار وغيرهما من المحققين، وهو المختار.
# أما الجواز فثابت، وذلك لأنه لو امتنع، إما أن يمتنع لذاته، أو لعدم
~~المصلحة في ذلك، أو لمعنى آخر:
# الأول ممتنع، فإنا لو فرضنا وقوعه، لم يلزم عنه لذاته في العقل محال.
# والثاني فمبني على وجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه
~~في كتبنا الكلامية، وبتقدير رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى فغير بعيد
~~أن يعلم الله تعالى أن مصلحة الشخص قبل نبوته في تكليفه بشريعة من قبله.
# والثالث فلا بد من إثباته، إذ الأصل عدمه. PageV04P137
# وأما الوقوع فيستدعي دليلا، والأصل عدمه، وما يتخيل من الأدلة الدالة على
~~الوقوع وعدمه، فمع عدم دلالتها في أنفسها، متعارضة كما يأتي، وليس التمسك
~~بالبعض منها أولى من البعض.
# فإن قيل: الدليل على أنه لم يكن قبل البعثة متعبدا بشريعة أحد قبله أنه
~~لو كان متعبدا بشريعة من الشرائع السالفة، لنقل عنه فعل ما تعبد به واشتهر
~~تلبسه بتلك الشريعة ومخالطة أهلها، كما هو الجاري من عادة كل متشرع بشريعة،
~~وقد عرفت أحواله قبل البعثة، ولم ينقل عنه شئ من ذلك.
# وأيضا فإنه لو كان متعبدا ببعض الشرائع السالفة، لافتخر أهل تلك الشريعة
~~بعد بعثته واشتهاره وعلو شأنه بنسبته إليهم وإلى شرعهم. ولم ينقل شئ من
~~ذلك.
# سلمنا أنه لا دليل ms848 يدل على عدم تعبده بشرع من قبله، ولكن لا نسلم عدم
~~الدليل الدال على تعبده بشرع من قبله. ويدل على ذلك أمران.
# الأول: أن كل من سبق من المرسلين كان داعيا إلى اتباع شرعه كل المكلفين،
~~وكان النبي عليه السلام، داخلا في ذلك العموم.
# الثاني: أنه، عليه السلام، قبل البعثة كان يصلي، ويحج، ويعتمر ويطوف
~~بالبيت ويعظمه، ويذكي، ويأكل اللحم، ويركب البهائم ويستسخرها، ويتجنب
~~الميتة، وذلك كله مما لا يرشد إليه العقل، ولا يحسن بغير الشرع.
# والجواب عن الاعتراض الأول أنه مقابل، بأنه لو لم يكن على شريعة من
~~الشرائع، ولا متعبدا بشئ منها، لظهر منه التلبس بخلاف ما أهل تلك الشرائع
~~متلبسون به. واشتهرت مخالفته لهم في ذلك وكانت الدواعي متوفرة على نقله،
~~ولم ينقل عنه شئ من ذلك، وليس أحد الامرين أولى من الآخر. PageV04P138
# وعن الاعتراض الأول للمذهب الثاني بمنع دعوة من سبق من الأنبياء لكافة
~~المكلفين إلى اتباعه، فإنه لم ينقل في ذلك لفظ يدل على التعميم، ليحكم به.
# وبتقدير نقله فيحتمل أن يكون زمان نبينا، عليه السلام، زمان اندراس
~~الشرائع المتقدمة وتعذر التكليف بها، لعدم نقلها وتفصيلها، ولذلك بعث في
~~ذلك الزمان.
# وعن الاعتراض الثاني أنا لا نسلم ثبوت شئ مما ذكروه بنقل يوثق به،
~~وبتقدير ثبوته لا يدل ذلك على أنه كان متعبدا به شرعا، لاحتمال أن تكون
~~صلاته وحجته وعمرته وتعظيمه للبيت بطريق التبرك بفعل مثل ما نقل جملته عن
~~أفعال الأنبياء المتقدمين، واندرس تفصيله.
# وأما أكل اللحم وذبح الحيوان واستسخاره للبهائم، فإنما كان بناء منه على
~~أنه لا تحريم قبل ورود الشرع.
# وأما تركه للميتة بناء على عيافة نفسه لها، كعيافته لحم الضب، أما أن
~~يكون متعبدا بذلك شرعا، فلا. PageV04P139
# المسألة الثانية اختلفوا في النبي، عليه السلام وأمته، بعد البعث، هل هم
~~متعبدون بشرع من تقدم؟
# فنقل عن أصحاب أبي حنيفة، وعن أحمد في إحدى الروايتين عنه، وعن بعض أصحاب
~~الشافعي أن النبي عليه السلام، كان متعبدا بما صح من شرائع من قبله ms849 بطريق
~~الوحي إليه، لا من جهة كتبهم المبدلة ونقل أربابها.
# ومذهب الأشاعرة والمعتزلة المنع من ذلك، وهو المختار ويدل على ذلك أمور
~~أربعة.
# الأول: أن النبي، عليه السلام، لما بعث معاذا إلى اليمن قاضيا قال له بم
~~تحكم؟
# قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم
~~تجد؟
# قال: أجتهد رأيي ولم يذكر شيئا من كتب الأنبياء الأولين وسننهم، والنبي،
~~عليه السلام، أقره على ذلك، ودعا له، وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول
~~الله لما يحبه الله ورسوله ولو كانت من مدارك الأحكام الشرعية لجرت مجرى
~~الكتاب والسنة في وجوب الرجوع إليها، ولم يجز العدول عنها إلى اجتهاد الرأي
~~إلا بعد البحث عنها واليأس من معرفتها.
# الثاني: أنه لو كان النبي عليه السلام متعبدا بشريعة من قبله، وكذلك
~~أمته، لكان تعلمها من فروض الكفايات، كالقرآن والاخبار، ولوجب على النبي
~~عليه السلام، مراجعتها، وأن لا يتوقف على نزول الوحي في أحكام الوقائع التي
~~لا خلو للشرائع الماضية عنها، ولوجب أيضا على الصحابة بعد النبي، عليه
~~السلام، مراجعتها والبحث عنها والسؤال لناقليها عند حدوث الوقائع المختلف
~~فيها فيما بينهم، كمسألة الجد والعول وبيع أم الولد والمفوضة وحد الشرب
~~وغير ذلك، على نحو بحثهم عن الاخبار النبوية في ذلك، وحيث لم ينقل شئ من
~~ذلك، علم أن شريعة من تقدم غير متعبد بها لهم. PageV04P140
# الثالث: أنه لو كان متعبدا باتباع شرع من قبله إما في الكل أو البعض، لما
~~نسب شئ من شرعنا إليه، على التقدير الأول، ولا كل الشرع إليه، على التقدير
~~الثاني، كما لا ينسب شرعه، عليه السلام، إلى من هو متعبد بشرعه من أمته،
~~وهو خلاف الاجماع من المسلمين.
# الرابع: أن إجماع المسلمين على أن شريعة النبي، عليه السلام، ناسخة
~~لشريعة من تقدم، فلو كان متعبدا بها، لكان مقررا لها ومخبرا عنها، لا ناسخا
~~لها، ولا مشرعا، وهو محال.
# فإن قيل على الحجة الأولى: إنما لم يتعرض معاذ لذكر التوراة والإنجيل،
~~اكتفاء منه بآيات ms850 في الكتاب تدل على اتباعهما، على ما يأتي، ولأن اسم
~~الكتاب يدخل تحته التوراة والإنجيل، لكونهما من الكتب المنزلة.
# وأما الحجة الثانية، لا نسلم أن تعلم ما قيل بالتعبد به من الشرائع ليس
~~من فروض الكفايات، ولا نسلم عدم مراجعة النبي، عليه السلام، لها. ولهذا نقل
~~عنه مراجعة التوارة في مسألة الرجم، وما لم يراجع فيه شرع من تقدم، إما لان
~~تلك الشرائع لم تكن مبينة له، أو لأنه ما كان متعبدا باتباع الشريعة
~~السالفة الا بطريق الوحي، ولم يوح إليه به.
# وأما عدم بحث الصحابة عنها، فإنما كان لان ما تواتر منها كان معلوما لهم
~~وغير محتاج إلى بحث عنه، وما كان منها منقولا على لسان الآحاد من الكفار لم
~~يكونوا متعبدين به.
# وأما الحجة الثالثة فإنما ينسب إليه ما كان متعبدا به من الشرائع بأنه من
~~شرعه بطريق التجوز، لكونه معلوما لنا بواسطته وإن لم يكن هو الشارع له.
# وأما الحجة الرابعة فنحن نقول بها، وأن ما كان من شرعه مخالفا لشرع من
~~تقدم فهو ناسخ له، وما لم يكن من شرعه بل هو متعبد فيه باتباع شرع من تقدم،
~~فلا.
# 1 - الاحتمال الثاني هو الذي يتفق مع تحرير محل النزاع ومع ما قال به
~~أصحاب المذهب الأول 2 - الظاهر لهم لم يتركوا ذلك الا لا نهم لم يكلفوا
~~بالبحث عن شئ من شرائعهم في غير ما ثبت لديهم في الكتاب والسنة كما تقدم
~~PageV04P141
# ولهذا فإنه لا يوصف شرعه بأنه ناسخ لبعض ما كان مشروعا قبله، كوجوب
~~الايمان، وتحريم الكفران، والزنى، والقتل، والسرقة، وغير ذلك مما شرعنا فيه
~~موافق لشرع من تقدم.
# سلمنا دلالة ما ذكرتموه على مطلوبكم، لكنه معارض بما يدل على نقيضه،
~~وبيانه من جهة الكتاب والسنة.
# أما من جهة الكتاب فآيات.
# الأولى قوله تعالى في حق الأنبياء * (أولئك الذين هدى الله فبهداهم
~~اقتده) * (الانعام: 90) أمره باقتدائه بهداهم، وشرعهم من هداهم، فوجب عليه
~~اتباعه.
# الثانية قوله تعالى * (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) * (النساء:
~~163) وقوله ms851 تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) * (الشورى: 13) فدل
~~على وجوب اتباعه لشريعة نوح.
# الثالثة قوله تعالى * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) * (النحل:
~~123) أمره باتباع ملة إبراهيم، والامر للوجوب.
# الرابعة قوله تعالى * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها
~~النبيون) * (المائدة: 44) والنبي عليه السلام، من جملة النبيين، فوجب عليه
~~الحكم بها.
# وأما السنة، فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه رجع إلى التوراة
~~في رجم اليهودي.
# وأيضا ما روي عنه عندما طلب منه القصاص في سن كسرت، فقال كتاب الله
~~PageV04P142
# يقضي بالقصاص وليس في الكتب ما يقضي بالقصاص في السن سوى التوراة، وهو
~~قوله تعالى فيها * (السن بالسن) * (المائدة: 45) وأيضا ما روي عنه أنه قال
~~من نام عن صلاة أو أنسيها، فليصلها إذا ذكرها وتلا قوله تعالى * (أقم
~~الصلاة لذكري) * (طه: 14) وهو خطاب مع موسى، عليه السلام.
# والجواب قولهم (إنما لم يذكر معاذ التوراة والإنجيل، لدلالة القرآن
~~عليهما) لا نسلم ذلك، وما يذكرونه في ذلك، فسيأتي الكلام عليه. وإن سلمنا
~~ذلك، لكن لا يكون ذلك كافيا عن ذكرهما، كما لو لم يكن ما في القرآن من ذكر
~~السنة والقياس على ما بيناه، كافيا عن ذكرهما، أو أن لا يكون إلى ذكر السنة
~~والقياس في خبر معاذ حاجة، وكل واحد من الامرين على خلاف الأصل.
# قولهم (إن الكتب السالفة مندرجة في لفظ الكتاب) ليس كذلك، لان المتبادر
~~من إطلاق لفظ الكتاب في شرعنا عند قول القائل قرأت كتاب الله، وحكمت بكتاب
~~الله ليس غير القرآن. وذلك لما علم من معاناة المسلمين لحفظ القرآن ودراسته
~~والعمل بموجباته، دون غيره من الكتب السالفة.
# قولهم: لا نسلم أن تعلم ما تعبد به من الشرائع الماضية ليس فرضا على
~~الكفاية - قلنا: لان إجماع المسلمين قبل ظهور المخالفين، على أنه لا تأثيم
~~بترك النظر على كافة المجتهدين في ذلك. PageV04P143
# وأما مراجعة النبي عليه السلام، التوراة فإنما كان لاظهار صدقه فيما كان
~~قد أخبر به من أن الرجم مذكور في ms852 التوراة وإنكاره اليهود ذلك، لا لان
~~يستفيد حكم الرجم منها، ولذلك فإنه لم يرجع إليها فيما سوى ذلك.
# وما ذكروه في امتناع بحث الصحابة عن ذلك فغير صحيح، لان ما نقل من ذلك
~~متواترا، إنما يعرفه من خالط النقلة له، وكان فاحصا عنه، ولم ينقل عن أحد
~~من الصحابة شئ من ذلك، كيف وإنه قد كان يمكن معرفة ذلك ممن أسلم من أحبار
~~اليهود، وهو ثقة مأمون، كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهما، ولم ينقل
~~عن النبي عليه السلام، ولا عن أحد من الأمة السؤال لهم عن ذلك. وما ذكروه
~~على الحجة الثالثة فترك للظاهر المشهور المتبادر إلى الفهم من غير دليل،
~~فلا يسمع.
# وما ذكروه على الحجة الرابعة فمندفع، وذلك لان إطلاق الأمة أن شرع النبي
~~عليه السلام، ناسخ للشرائع السالفة بينهم، يفهم منه أمران: أحدهما رفع
~~أحكامها، والثاني أنه غير متعبد بها. فما لم يثبت رفعه من تلك الأحكام
~~بشرعه ضرورة استمراره، فلا يكون ناسخا له، فيبقى المفهوم الآخر، وهو عدم
~~تعبده به. ولا يلزم من مخالفة دلالة الدليل على أحد مدلوليه مخالفته بالنظر
~~إلى المدلول الآخر.
# والجواب عن المعارضة بالآية الأولى أنه إنما أمره باتباع هدى مضاف إلى
~~جميعهم، مشترك بينهم، دون ما وقع به الخلاف فيما بينهم، والناسخ والمنسوخ
~~منه، لاستحالة اتباعه وامتثاله، والهدى المشترك فيما بينهم، إنما هو
~~التوحيد، والأدلة PageV04P144
# العقلية، الهادية إليه، وليس ذلك من شرعهم في شئ. ولهذا قال فبهداهم
~~اقتده ولم يقل بهم وبتقدير أن يكون المراد من الهدي المشترك، ما اتفقوا فيه
~~من الشرائع دون ما اختلفوا فيه، فاتباعه له إنما كان بوحي إليه وأمر مجدد،
~~لا أنه بطريق الاقتداء بهم.
# وعن قوله تعالى * (إنا أوحينا إليك، كما أوحينا إلى نوح) * (النساء: 163)
~~أنه لا دلالة له على أنه موحى إليه بعين ما أوحي به إلى نوح والنبيين من
~~بعده، حتى يقال باتباعه لشريعتهم، بل غايته أنه أوحى إليه، كما أوحى إلى
~~غيره من النبيين، قطعا لاستبعاد ذلك، وإنكاره. وبتقدير أن ms853 يكون المراد به
~~أنه أوحى إليه بما أوحى به إلى غيره من النبيين، فغايته أنه أوحى إليه بمثل
~~شريعة من قبله بوحي مبتدأ، لا بطريق الاتباع لغيره.
# وعن قوله تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) * (الشورى: 13) أن
~~المراد من الدين إنما هو أصل التوحيد، لا ما اندرس من شريعته. ولهذا لم
~~ينقل عن النبي عليه السلام، البحث عن شريعة نوح، وذلك مع التعبد بها في حقه
~~ممتنع، وحيث خصص PageV04P145
# نوحا بالذكر، مع اشتراك جميع الأنبياء في الوصية بالتوحيد، كان تشريفا له
~~وتكريما، كما خصص روح عيسى بالإضافة إليه، والمؤمنين بلفظ العباد، وعن قوله
~~تعالى: * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) * (النحل: 123) أن المراد
~~بلفظ الملة، إنما هو أصول التوحيد وإجلال الله تعالى بالعبادة دون الفروع
~~الشرعية، ويدل على ذلك أربعة أوجه، الأول أن لفظ الملة لا يطلق على الفروع
~~الشرعية، بدليل أنه لا يقال ملة الشافعي وملة أبي حنيفة، لمذهبيهما في
~~الفروع الشرعية.
# الثاني: أنه قال عقيب ذلك * (وما كان من المشركين) * (النحل: 123)، ذكر
~~ذلك في مقابلة الدين، ومقابل الشرك إنما هو التوحيد.
# الثالث: أنه قال * (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) * (البقرة:
~~130) ولو كان المراد من الدين الاحكام الفرعية، لكان من خالفه فيها من
~~الأنبياء سفيها، وهو محال.
# الرابع: أنه لو كان المراد من الدين فروع الشريعة، لوجب على النبي عليه
~~السلام، البحث عنها لكونه مأمورا بها، وذلك مع اندراسها ممتنع. ثم وإن
~~سلمنا أن المراد بالملة الفروع الشرعية، غير أنه إنما وجب عليه اتباعها بما
~~أوحى. ولهذا قال: ثم أوحينا إليك.
# وعن قوله تعالى * (إنا أنزلنا التوراة) * (المائدة: 44) الآية، أن قوله *
~~(يحكم بها النبيون) * (المائدة: 44) صيغة إخبار، لا صيغة أمر، وذلك لا يدل
~~على وجوب اتباعها. وبتقدير أن يكون ذلك أمرا، فيجب حمله على ما هو مشترك
~~الوجوب بين جميع الأنبياء، وهو التوحيد، PageV04P146
# دون الفروع الشرعية المختلف فيها فيما بينهم، لامكان تنزيل لفظ النبيين
~~على عمومه، بخلاف التنزيل على الفروع الشرعية. ms854 كيف وإن هذه الآيات متعارضة،
~~والعمل بجميعها ممتنع، وليس العمل بالبعض أولى من البعض.
# وعن الخبر الأول، وهو رجوع النبي عليه السلام، إلى التوراة في رجم
~~اليهودي ما سبق.
# وعن الخبر الثاني، لا نسلم أن كتابنا غير مشتمل على قصاص السن بالسن،
~~ودليله قوله تعالى * (فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)
~~* (البقرة: 194) وهو عام في السن وغيره.
# وعن الخبر الثالث أنه لم يذكر الخطاب مع موسى، لكونه موجبا لقضاء الصلاة
~~عند النوم والنسيان، وإنما أوجب ذلك بما أوحى إليه، ونبه على أن أمته
~~مأمورة بذلك، كما أمر موسى عليه السلام.
# ثم ما ذكرتموه من النقل معارض بقوله عليه السلام بعثت إلى الأحمر والأسود
~~وكل نبي بعث إلى قومه، والنبي عليه السلام، لم يكن من أقوام الأنبياء
~~المتقدمين، فلا يكون متعبدا بشرعهم وبما روي عنه عليه السلام، أنه رأى مع
~~عمر بن الخطاب PageV04P147
# قطعة من التوراة ينظر فيها، فغضب وقال ألم آت بها بيضاء نقية، لو أدركني
~~أخي موسى لما وسعه إلا اتباعي أخبر بأن موسى، لو كان حيا، لما وسعه إلا
~~اتباعه، فلان لا يكون النبي، عليه السلام، متبعا لموسى بعد موته أولى.
~~وربما عورض أيضا بقوله تعالى * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * (المائدة:
~~48) والشرعة، الشريعة والمنهاج الطريق، وذلك يدل على عدم اتباع الأخير لمن
~~تقدم من الأنبياء، لان الشريعة لا تضاف إلا إلى من اختص بها، دون التابع
~~لها، ولا حجة فيه، فإن الشرائع، وإن اشتركت في شئ، فمختلفة في أشياء.
~~وباعتبار ما به الاختلاف بينها كانت شرائع مختلفة، وذلك كما يقال: لكل إمام
~~مذهب، باعتبار اختلاف الأئمة في بعض الأحكام، وإن وقع الاتفاق بينهم في
~~كثير منها.
# وربما أورد النفاة في ذلك طرقا أخرى شتى ضعيفة، آثرنا الاعراض عن ذكرها.
# وكما أن النبي عليه السلام، لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم إلا بوحي مجدد،
~~لم يكن قبل بعثته على ما كان قومه عليه، بل كان متجنبا لأصنامهم، معرضا عن
~~أزلامهم، ولا يأكل من ذبائحهم على ms855 النصب. هذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأئمة
~~المسلمين.
# ومن الأصوليين من قال بالوقف، وهو بعيد. PageV04P148
# النوع الثاني مذهب الصحابي، وفيه مسألتان:
# المسألة الأولى اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون
~~حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماما كان أو حاكما أو مفتيا.
# واختلفوا في كونه حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين:
# فذهبت الأشاعرة والمعتزلة والشافعي في أحد قوليه وأحمد بن حنبل في إحدى
~~الروايتين عنه، والكرخي إلى أنه ليس بحجة، وذهب مالك بن انس والرازي
~~والبرذعي من أصحاب أبي حنيفة والشافعي في قول له وأحمد بن حنبل في رواية له
~~إلى أنه حجة مقدمة على القياس، وذهب قوم إلى أنه إن خالف القياس، فهو حجة،
~~وإلا، فلا، وذهب قوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر دون غيرهما.
# والمختار أنه ليس بحجة مطلقا. وقد احتج النافون بحجج ضعيفة، لا بد من
~~ذكرها والإشارة إلى وجه ضعفها، قبل ذكر ما هو المختار في ذلك.
# الحجة الأولى قوله تعالى * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) *
~~(النساء: 59) أوجب الرد عند الاختلاف إلى الله والرسول، فالرد إلى مذهب
~~الصحابي يكون تركا للواجب، وهو ممتنع.
# ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله تعالى * (فردوه إلى الله والرسول) *
~~(النساء: 59) يدل على الوجوب، على ما سبق تقريره. فالرد إلى مذهب الصحابي
~~لا يكون تركا للواجب. وإن سلمنا أنه للوجوب، ولكن عند إمكان الرد، وهو أن
~~يكون حكم المختلف فيه مبينا في الكتاب أو السنة، وأما بتقدير أن لا يكون
~~مبينا فيهما، فلا. PageV04P149
# ونحن إنما نقول باتباع مذهب الصحابي مع عدم الظفر بما يدل على حكم
~~الواقعة من الكتاب والسنة.
# الحجة الثانية قالوا: أجمعت الصحابة على جواز مخالفة كل واحد من آحاد
~~الصحابة المجتهدين للآخر. ولو كان مذهب الصحابي حجة لما كان كذلك، وكان يجب
~~على كل واحد منهم اتباع الآخر، وهو محال.
# ولقائل أن يقول: الخلاف إنما هو في كون مذهب الصحابي حجة على من بعده من
~~مجتهدة التابعين ms856 ومن بعدهم، لا مجتهدة الصحابة، فلم يكن الاجماع دليلا على
~~محل النزاع.
# الحجة الثالثة أن الصحابي من أهل الاجتهاد، والخطأ ممكن عليه، فلا يجب
~~على التابع المجتهد العمل بمذهبه كالصحابيين والتابعيين.
# ولقائل أن يقول: لا يلزم من امتناع وجوب العمل بمذهب الصحابي على صحابي
~~مثله، وامتناع وجوب العمل بمذهب التابعي على تابعي مثله، امتناع وجوب عمل
~~التابعي بمذهب الصحابي مع تفاوتهما، على ما قال عليه السلام خير القرون
~~القرن الذي أنا فيه وقال عليه السلام أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم
~~اهتديتم ولم يرد مثل ذلك في حق غيرهم. PageV04P150
# الحجة الرابعة: أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل، وذهب كل واحد إلى خلاف
~~مذهب الآخر، كما في مسائل الجد مع الاخوة وقوله أنت علي حرام كما سبق
~~تعريفه، فلو كان مذهب الصحابي حجة على غيره من التابعين، لكانت حجج الله
~~تعالى مختلفة متناقضة، ولم يكن اتباع التابعي للبعض أولى من البعض.
# ولقائل أن يقول: اختلاف مذاهب الصحابة لا يخرجها عن كونها حججا في
~~أنفسها، كأخبار الآحاد، والنصوص الظاهرة، ويكون العمل بالواحد منها متوقفا
~~على الترجيح، ومع عدم الوقوف على الترجيح، فالواجب الوقف، أو التخيير، كما
~~عرف فيما تقدم.
# الحجة الخامسة: أن قول الصحابي عن اجتهاد مما يجوز عليه الخطأ، فلا يقدم
~~على القياس، كالتابعي.
# ولقائل أن يقول: اجتهاد الصحابي، وإن جاز عليه الخطأ فلا يمنع ذلك من
~~تقديمه على القياس، كخبر الواحد، ولا يلزم من امتناع تقديم مذهب التابعي
~~على القياس، امتناع ذلك في مذهب الصحابي، لما بيناه من الفرق بينهما.
~~PageV04P151
# الحجة السادسة: أن التابعي المجتهد متمكن من تحصيل الحكم بطريقه، فلا
~~يجوز له التقليد فيه، كالأصول.
# ولقائل أن يقول: اتباع مذهب الصحابي إنما يكون تقليدا له إن لو لم يكن
~~قوله حجة متبعة، وهو محل النزاع، وخرج عليه الأصول، فإن القطع واليقين
~~معتبر فيها، ومذهب الغير من أهل الاجتهاد فيها ليس بحجة قاطعة، فكان اتباعه
~~في مذهبه تقليدا من غير دليل، وذلك لا يجوز.
# والمعتمد في ذلك الاحتجاج بقوله تعالى * (فاعتبروا يا ms857 أولي الابصار) *
~~(الحشر: 2) أوجب الاعتبار، وأراد به القياس، كما سبق تقريره في إثبات كون
~~القياس حجة.
# وذلك ينافي وجوب اتباع مذهب الصحابي وتقديمه على القياس.
# فإن قيل: لا نسلم دلالة على وجوب اتباع القياس، وقد سبق تقريره من وجوه،
~~سلمنا دلالته على ذلك، لكنه معارض من جهة الكتاب، والسنة، والاجماع،
~~والمعقول.
# أما الكتاب، فقوله تعالى * (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف)
~~* (آل عمران: 110) وهو خطاب مع الصحابة بأن ما يأمرون به معروف، والامر
~~بالمعروف واجب القبول.
# وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم
~~وقوله عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ولا يمكن
~~PageV04P152
# حمل ذلك على مخاطبة العامة والمقلدين لهم، لما فيه من تخصيص العموم من
~~غير دليل، ولما فيه من إبطال فائدة تخصيص الصحابة بذلك، من جهة وقوع
~~الاتفاق على جواز تقليد العامة لغير الصحابة من المجتهدين، فلم يبق إلا أن
~~يكون المراد به وجوب اتباع مذاهبهم.
# وأما الاجماع فهو أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا، رضي الله عنه، الخلافة
~~بشرط الاقتداء بالشيخين، فأبى، وولى عثمان، فقبل، ولم ينكر عليه منكر ،
~~فصار إجماعا.
# وأما المعقول فمن وجوه.
# الأول: أن الصحابي إذا قال قولا يخالف القياس، فإما أن لا يكون له فيما
~~قال PageV04P153
# مستند، أو يكون: لا جائز أن يقال بالأول، وإلا كان قائلا في الشريعة بحكم
~~لا دليل عليه، وهو محرم، وحال الصحابي العدل ينافي ذلك.
# وإن كان الثاني فلا مستند وراء القياس سوى النقل، فكان حجة متبعة الثاني:
~~أن قول الصحابي إذا انتشر، ولم ينكر عليه منكر، كان حجة، فكان حجة مع عدم
~~الانتشار، كقول النبي عليه السلام.
# الثالث: أن مذهب الصحابي إما أن يكون عن نقل أو اجتهاد: فإن كان الأول،
~~كان حجة، وإن كان الثاني، فاجتهاد الصحابي مرجح على اجتهاد التابعي ومن
~~بعده، لترجحه بمشاهدة التنزيل، ومعرفة التأويل، ووقوفه من أحوال النبي عليه
~~السلام، ومراده من كلامه، على ما لم يقف عليه غيره، فكان حال التابعي إليه
~~كحال العامي ms858 بالنسبة إلى المجتهد التابعي، فوجب اتباعه له.
# والجواب عن منع دلالة الآية ما ذكرناه. وعن القوادح ما سبق.
# وعن المعارضة بالكتاب، أنه لا دلالة فيه، لما سبق في إثبات الاجماع. وإن
~~كان دالا فهو خطاب مع جملة الصحابة، ولا يلزم من كون ما أجمعوا عليه حجة أن
~~يكون قول الواحد والاثنين حجة.
# وعن السنة أنه لا دلالة فيها أيضا، لما سبق في الاجماع، ولأن الخبر الأول
~~وإن كان عاما في أشخاص الصحابة، فلا دلالة فيه على عموم الاقتداء في كل ما
~~يقتدى فيه. وعند ذلك، فقد أمكن حمله على الاقتداء بهم فيما يرونه عن النبي
~~صلى الله عليه وسلم، وليس الحمل على غيره أولى من الحمل عليه، وبه يظهر
~~فساد التمسك بالخبر الثاني.
# وعن الاجماع، أنه إنما لم ينكر أحد من الصحابة على عبد الرحمن وعثمان
~~ذلك، لأنهم حملوا لفظ الاقتداء على المتابعة في السيرة والسياسة، دون
~~المتابعة في المذهب، بدليل الاجماع على أن مذهب الصحابي ليس حجة على غيره
~~من الصحابي المجتهدين، كيف وإنه لو كان المراد بشرط الاقتداء بهما المتابعة
~~في مذهبهما فالقائل بأن مذهب الصحابي حجة قائل بوجوب اتباعه، والقائل أنه
~~ليس بحجة قائل بتحريم اتباعه على غيره من المجتهدين، ويلزم من ذلك الخطأ
~~بسكوت الصحابة عن الانكار PageV04P154
# إما على علي حيث امتنع من الاقتداء، إن كان ذلك واجبا، وإما على عثمان و
~~عبد الرحمن بن عوف، إن كان الاقتداء بالشيخين محرما. وذلك ممتنع وعن
~~المعارضة الأولى من المعقول أنها منتقضة بمذهب التابعي، فإن ما ذكروه بعينه
~~ثابت فيه، وليس بحجة بالاتفاق.
# وعن الثانية أنه لا يخلو إما أن يقول بأن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر
~~عليه منكر، أيكون ذلك إجماعا، أم لا يكون إجماعا؟ فإن كان الأول، فالحجة في
~~الاجماع، لا في مذهب الصحابي، وذلك غير متحقق فيما إذا لم ينتشر، وإن كان
~~الثاني، فلا حجة فيه مطلقا، كيف وإن ما ذكروه منتقض بمذهب التابعي، فإنه
~~إذا انتشر في عصره، ولم يوجد له نكير كان ms859 حجة، ولا يكون حجة بتقدير عدم
~~انتشاره إجماعا.
# وعن الثالثة: لا نسلم أن مستنده النقل، لأنه لو كان معه نقل لأبداه
~~ورواه، لأنه من العلوم النافعة. وقد قال عليه السلام من كتم علما نافعا
~~ألجمه الله بلجام من نار وذلك خلاف الظاهر من حال الصحابي، فلم يبق إلا أن
~~يكون عن رأي واجتهاد، وعند ذلك فلا يكون حجة على غيره من المجتهدين بعده،
~~لجواز أن يكون دون غيره في الاجتهاد، وإن كان متميزا بما ذكروه من الصحبة
~~ولوازمها.
# ولهذا قال عليه السلام فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثم هو منتقض
~~بمذهب التابعي فإنه ليس بحجة على من بعده من تابعي التابعين، وإن كانت
~~نسبته إلى تابعي التابعين كنسبة الصحابي إليه. PageV04P155
# المسألة الثانية إذا ثبت أن مذهب الصحابي ليس بحجة واجبة الاتباع، فهل
~~يجوز لغيره تقليده؟
# أما العامي فيجوز له ذلك من غير خلاف، وأما المجتهد من التابعين ومن
~~بعدهم، فيجوز له تقليده إن جوزنا تقليد العالم للعالم، وإن لم نجوز ذلك فقد
~~اختلف قول الشافعي في جواز تقليد العالم من التابعين للعالم من الصحابة
~~فمنع من ذلك في الجديد، وجوزه في القديم. غير أنه اشترط انتشار مذهبه تارة،
~~ولم يشترطه تارة. والمختار امتناع ذلك مطلقا، لما يأتي في قاعدة الاجتهاد
~~إن شاء الله تعالى.
# النوع الثالث الاستحسان وقد اختلف فيه فقال به أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن
~~حنبل، وأنكره الباقون، حتى نقل عن الشافعي أنه قال من استحسن، فقد شرع.
# ولا بد قبل النظر في الحجاج من تلخيص محل النزاع، ليكون التوارد بالنفي
~~والاثبات على محز واحد، فنقول.
# الخلاف ليس في نفس إطلاق لفظ الاستحسان جوازا وامتناعا، لوروده في الكتاب
~~والسنة وإطلاق أهل اللغة.
# أما الكتاب فقوله تعالى * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * (الزمر:
~~18) وقوله تعالى * (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) * (الأعراف: 145).
# وأما السنة فقوله عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
~~PageV04P156
# وأما الاطلاق فما نقل عن الأئمة من استحسان دخول الحمام من غير تقدير ms860 عوض
~~للماء المستعمل، ولا تقدير مدة السكون فيها، وتقدير أجرته، واستحسان شرب
~~الماء من أيدي السقائين من غير تقدير في الماء وعوضه. وقد نقل عن الشافعي
~~أنه قال: أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما، وأستحسن ثبوت الشفعة
~~للشفيع إلى ثلاثة أيام، وأستحسن ترك شئ للمكاتب من نجوم الكتابة. وقال في
~~السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى، فقطعت: القياس أن تقطع يمناه،
~~والاستحسان أن لا تقطع.
# فلم يبق الخلاف إلا في معنى الاستحسان وحقيقته، ولا شك أن الاستحسان قد
~~يطلق على ما يميل إليه الانسان ويهواه من الصور والمعاني، وإن كان مستقبحا
~~عند غيره، وهو في اللغة استفعال من الحسن، وليس ذلك هو محز الخلاف لاتفاق
~~الأمة قبل ظهور المخالفين على امتناع حكم المجتهد في شرع الله تعالى
~~بشهواته وهواه، من غير دليل شرعي، وأنه لا فرق في ذلك بين المجتهد والعامي،
~~وإنما محز الخلاف فيما وراء ذلك.
# وقد اختلف أصحاب أبي حنيفة في تعريفه بحده: فمنهم من قال إنه عبارة عن
~~دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه.
# والوجه في الكلام عليه أنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلا محققا، ووهما
~~فاسدا، فلا خلاف في امتناع التمسك به وإن تحقق أنه دليل من الأدلة الشرعية
~~فلا نزاع في جواز التمسك به أيضا، وإن كان ذلك في غاية البعد، وإنما النزاع
~~في تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عند دون حالة إمكان التعبير
~~عنه، ولا حاصل للنزاع اللفظي.
# ومنهم من قال إنه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، ويخرج
~~منه الاستحسان عندهم بالعدول عن موجب القياس إلى النص من الكتاب أو السنة
~~أو العادة. PageV04P157
# أما الكتاب فكما في قول القائل: مالي صدقة، فإن القياس لزوم التصدق بكل
~~مال له، وقد استحسن تخصيص ذلك بمال الزكاة كما في قوله تعالى * (خذ من
~~أموالهم صدقة) * (التوبة: 9) ولم يرد به سوى مال الزكاة.
# وأما السنة فكاستحسانهم أن لا قضاء على ms861 من أكل ناسيا في نهار رمضان،
~~والعدول عن حكم القياس إلى قوله، عليه السلام، لمن أكل ناسيا (الله أطعمك
~~وسقاك).
# وأما العادة فكالعدول عن موجب الاجارات في ترك تقدير الماء المستعمل في
~~الحمام، وتقدير السكنى فيها، ومقدار الأجرة، كما ذكرناه فيما تقدم، للعادة
~~في ترك المضايقة في ذلك.
# ومنهم من قال إنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه، وحاصله يرجع
~~إلى تخصيص العلة، وقد عرف ما فيه.
# وقال الكرخي: الاستحسان هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها
~~إلى خلافه، لوجه هو أقوى، ويدخل فيه العدول عن حكم العموم إلى مقابله
~~للدليل المخصص، والعدول عن حكم الدليل المنسوخ إلى مقابله للدليل الناسخ،
~~وليس باستحسان عندهم.
# وقال أبو الحسين البصري: هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول
~~الألفاظ، لوجه هو أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول، وقصد بقوله (غير
~~شامل شمول الألفاظ) الاحتراز عن العدول عن العموم إلى القياس، لكونه لفظا
~~شاملا، وبقوله (وهو في حكم الطارئ) الاحتراز عن قولهم: تركنا الاستحسان
~~بالقياس، فإنه ليس استحسانا، من حيث إن القياس الذي ترك له الاستحسان ليس
~~في حكم الطارئ، بل هو الأصل، وذلك كما لو قرأ أية سجدة في آخر سورة،
~~فالاستحسان أن يسجد لها، ولا يجتزئ بالركوع، ومقتضى القياس أن يجتزئ
~~بالركوع، فإنهم قالوا بالعدول ها هنا عن الاستحسان إلى القياس.
# وهذا الحد وإن كان أقرب مما تقدم لكونه جامعا مانعا، غير أن حاصله يرجع
~~إلى تفسير الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابله بدليل طارئ
~~PageV04P158
# عليه أقوى منه، من نص أو إجماع أو غيره، ولا نزاع في صحة الاحتجاج به.
~~وإن نوزع في تلقيبه بالاستحسان، فحاصل النزاع راجع فيه إلى الاطلاقات
~~اللفظية، ولا حاصل له، وإنما النزاع في إطلاقهم الاستحسان على العدول عن
~~حكم الدليل إلى العادة، وهو أن يقال: إن أردتم بالعادة ما اتفق عليه الأمة
~~من أهل الحل والعقد، فهو حق، وحاصله راجع إلى الاستدلال بالاجماع. وإن أريد ms862
~~به عادة من لا يحتج بعادته، كالعادات المستحدثة للعامة فيما بينهم، فذلك
~~مما يمتنع ترك الدليل الشرعي به.
# وإذا تحقق المطلوب في هذه المسألة، فلا بد من الإشارة إلى شبه تمسك بها
~~القائلون بالاستحسان في بيان كون المفهوم منه حجة مع قطع النظر عن تفصيل
~~القول فيه، والإشارة إلى جهة ضعفها. وقد تمسكوا في ذلك بالكتاب، والسنة،
~~وإجماع الأمة.
# أما الكتاب فقوله تعالى * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * (الزمر:
~~18) وقوله تعالى * (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) * (الزمر: 55).
# ووجه الاحتجاج بالآية الأولى ورودها في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن
~~القول، وبالآية الثانية من جهة أنه أمر باتباع أحسن ما أنزل، ولولا أنه حجة
~~لما كان كذلك.
# وأما السنة فقوله، عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن
~~ولولا أنه حجة لما كان عند الله حسنا.
# وأما إجماع الأمة فما ذكر من استحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من أيدي
~~السقائين من غير تقدير لزمان السكون وتقدير الماء والأجرة.
# والجواب عن الآية الأولى أنه لا دلالة له فيها على وجوب اتباع أحسن
~~القول، وهو محل النزاع.
# وعن الآية الثانية أنه لا دلالة أيضا فيها على أن ما صاروا إليه دليل
~~منزل، فضلا عن كونه أحسن ما أنزل.
# وعن الخبر كذلك أيضا، فإن قوله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن
~~إشارة إلى إجماع المسلمين، والاجماع حجة ولا يكون الا عن دليل، وليس فيه
~~PageV04P159
# دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين حسنا أنه حسن عند الله، وإلا كان ما
~~رآه آحاد العوام من المسلمين حسنا أن يكون حسنا عند الله، وهو ممتنع.
# وعن الاجماع على استحسان ما ذكروه، لا نسلم أن استحسانهم لذلك هو الدليل
~~على صحته، بل الدليل ما دل على استحسانهم له، وهو جريان ذلك في زمن النبي
~~عليه السلام، مع علمه به وتقريره لهم عليه أو غير ذلك النوع الرابع -
~~المصالح المرسلة وقد بينا في القياس حقيقة المصلحة وأقسامها في ذاتها
~~وانقسامها باعتبار شهادة الشارع لها ms863 إلى معتبرة وملغاة، وإلى ما لم يشهد
~~الشرع لها باعتبار ولا إلغاء، وبينا ما يتعلق بالقسمين الأولين، ولم يبق
~~غير القسم الثالث، وهو المعبر عنه بالمناسب المرسل، وهذا أوان النظر فيه.
# وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به، وهو
~~الحق، إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به، مع إنكار أصحابه لذلك عنه، ولعل
~~النقل إن صح عنه فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة، بل فيما كان من
~~المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعا، لا فيما كان من المصالح غير ضروري،
~~ولا كلي، ولا وقوعه قطعي، وذلك كما لو تترس الكفار بجماعة من المسلمين،
~~بحيث لو كففنا عنهم، لغلب الكفار على دار الاسلام، واستأصلوا شأفة
~~المسلمين، ولو رمينا الترس وقتلناهم، اندفعت المفسدة عن كافة المسلمين
~~قطعا، غير أنه يلزم منه قتل مسلم لا جريمة له.
# فهذا القتل وإن كان مناسبا في هذه الصورة، والمصلحة ضرورية كلية قطعية،
~~غير أنه لم يظهر من الشارع اعتبارها ولا إلغاؤها في صورة. PageV04P160
# وإذا عرف ذلك، فالمصالح على ما بينا منقسمة إلى ما عهد من الشارع
~~اعتبارها، وإلى ما عهد منه إلغاؤها. وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين،
~~وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد
~~بالاعتبار، يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى.
# فإن قيل: ما ذكرتموه فرع تصور وجود المناسب المرسل، وهو غير متصور، وذلك
~~لأنا أجمعنا على أن ثم مصالح معتبرة في نظر الشارع في بعض الأحكام، وأي وصف
~~قدر من الأوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر وكان من قبيل الملائم الذي
~~أثر جنسه في جنس الحكم، وقد قلتم به، قلنا وكما أنه من جنس المصالح
~~المعتبرة فهو من جنس المصالح الملغاة، فإن كان يلزم من كونه من جنس ما
~~اعتبر من المصالح أن يكون معتبرا، فيلزم أن يكون ملغى ضرورة كونه من جنس
~~المصالح الملغاة، وذلك يؤدي إلى أن يكون الوصف الواحد معتبرا ملغى بالنظر
~~إلى حكم واحد، وهو محال.
# وإذا كان ms864 كذلك، فلا بد من بيان كونه معتبرا بالجنس القريب منه لنأمن
~~إلغاءه، والكلام فيما إذا لم يكن كذلك. PageV04P161
# القاعدة الثالثة في المجتهدين وأحوال المفتين والمستفتين وتشتمل على
~~بابين الباب الأول في المجتهدين ويشتمل على مقدمة ومسائل.
# أما المقدمة ففي تعريف معنى الاجتهاد والمجتهد، والمجتهد فيه.
# أما (الاجتهاد) فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من
~~الأمور مستلزم للكلفة والمشقة. ولهذا يقال اجتهد فلان في حمل حجر البزارة،
~~ولا يقال اجتهد في حمل خردلة.
# وأما في اصطلاح الأصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشئ من
~~الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه فقولنا (استفراغ
~~الوسع) كالجنس للمعنى اللغوي والأصولي، وما وراءه خواص مميزة للاجتهاد
~~بالمعنى الأصولي.
# وقولنا (في طلب الظن) احتراز عن الاحكام القطعية وقولنا (بشئ من الأحكام
~~الشرعية) ليخرج عنه الاجتهاد في المعقولات والمحسات وغيرها.
# وقولنا (بحيث يحس من النفس العجز عن المزيد فيه) ليخرج عنه اجتهاد المقصر
~~في اجتهاده مع إمكان الزيادة عليه، فإنه لا يعد في اصطلاح الأصوليين
~~اجتهادا معتبرا.
# وأما (المجتهد) فكل من اتصف بصفة الاجتهاد، وله شرطان:
# الشرط الأول أن يعلم وجود الرب تعالى، وما يجب له من الصفات، ويستحقه من
~~الكمالات، وأنه واجب الوجود لذاته، حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، حتى يتصور
~~منه التكليف، وأن يكون مصدقا بالرسول، وما جاء به من الشرع PageV04P162
# المنقول، بما ظهر على يده من المعجزات، والآيات الباهرات، ليكون فيما
~~يسنده إليه من الأقوال والاحكام محققا.
# ولا يشترط أن يكون عارفا بدقائق علم الكلام، متبحرا فيه، كالمشاهير من
~~المتكلمين، بل أن يكون عارفا بما يتوقف عليه الايمان، مما ذكرناه، ولا
~~يشترط أن يكون مستند علمه في ذلك الدليل المفصل، بحيث يكون قادرا على
~~تقريره وتحريره ودفع الشبه عنه، كالجاري من عادة الفحول، من أهل الأصول، بل
~~أن يكون عالما بأدلة هذه الأمور من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل.
# الشرط الثاني أن يكون عالما عارفا بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها، وطرق
~~إثباتها، ووجوه دلالاتها ms865 على مدلولاتها، واختلاف مراتبها، والشروط المعتبرة
~~فيها، على ما بيناه، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها، وكيفية استثمار
~~الاحكام منها، قادرا على تحريرها وتقريرها، والانفصال عن الاعتراضات
~~الواردة عليها.
# وإنما يتم ذلك بأن يكون عارفا بالرواة وطرق الجرح والتعديل، والصحيح
~~والسقيم، كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأن يكون عارفا بأسباب النزول،
~~والناسخ والمنسوخ في النصوص الاحكامية، عالما باللغة والنحو، ولا يشترط أن
~~يكون في اللغة كالأصمعي، وفي النحو كسيبويه والخليل، بل أن يكون قد حصل من
~~ذلك على ما يعرف به أوضاع العرب والجاري من عاداتهم في المخاطبات، بحيث
~~يميز بين دلالات الألفاظ من المطابقة، والتضمين، والالتزام، والمفرد
~~والمركب، والكلي منها والجزئي، والحقيقة والمجاز، والتواطئ والاشتراك،
~~والترادف والتباين، والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد،
~~والمنطوق PageV04P163
# والمفهوم، والاقتضاء والإشارة، والتنبيه والايماء، ونحو ذلك مما فصلناه.
~~ويتوقف عليه استثمار الحكم من دليله.
# وذلك كله أيضا إنما يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في
~~جميع مسائل الفقه.
# وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل، فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق
~~بتلك المسألة، وما لا بد منه فيها ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له
~~بها، مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية، كما أن المجتهد المطلق قد يكون
~~مجتهدا في المسائل المتكثرة، بالغا رتبة الاجتهاد فيها وإن كان جاهلا ببعض
~~المسائل الخارجة عنها، فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام
~~المسائل ومداركها. فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر ولهذا نقل عن مالك
~~أنه سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها لا أدري.
# وأما ما فيه الاجتهاد: فما كان من الأحكام الشرعية دليله ظني.
# فقولنا (من الأحكام الشرعية) تمييز له عما كان من القضايا العقلية،
~~واللغوية، وغيرها.
# وقولنا (دليله ظني) تمييز له عما كان دليله منها قطعيا، كالعبادات الخمس،
~~ونحوها، فإنها ليست محلا للاجتهاد فيها، لان المخطئ فيها يعد آثما والمسائل
~~الاجتهادية، ما لا يعد المخطئ فيها باجتهاده آثما.
# هذا ما أردناه من بيان ms866 المقدمة. وأما المسائل فاثنتا عشرة مسألة.
~~PageV04P164
# المسألة الأولى اختلفوا في أن النبي عليه السلام، هل كان متعبدا
~~بالاجتهاد فيما لا نص فيه؟
# فقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف إنه كان متعبدا به وقال أبو علي
~~الجبائي وابنه أبو هاشم إنه لم يكن متعبدا به.
# وجوز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع، وبه قال بعض أصحاب الشافعي
~~والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري.
# ومن الناس من قال إنه كان له الاجتهاد في أمور الحروب، دون الأحكام
~~الشرعية.
# والمختار جواز ذلك عقلا ووقوعه سمعا.
# أما الجواز العقلي، فلانا لو فرضنا أن الله تعالى تعبده بذلك، وقال له
~~حكمي عليك أن تجتهد وتقيس لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، ولا معنى للجواز
~~العقلي سوى ذلك.
# وأما الوقوع السمعي فيدل عليه الكتاب، والسنة، والمعقول أما الكتاب فقوله
~~تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر بالاعتبار على العموم
~~لأهل البصائر، والنبي عليه السلام، أجلهم في ذلك، فكان داخلا في العموم،
~~وهو دليل التعبد بالاجتهاد والقياس، على ما سبق تقريره في إثبات القياس على
~~منكريه وأيضا قوله تعالى * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس
~~بما أراك الله) * (النساء: 15) PageV04P165
# وما أراه يعم الحكم بالنص، والاستنباط من النصوص، وأيضا قوله تعالى *
~~(وشاورهم في الامر) * (آل عمران: 159) والمشاورة إنما تكون فيما يحكم فيه
~~بطريق الاجتهاد لا فيما يحكم فيه بطريق الوحي.
# وأيضا قوله تعالى بطريق العتاب للنبي عليه السلام، في أسارى بدر، وقد
~~أطلقهم * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) * (الأنفال: 67)
~~فقال عليه السلام لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب، ما نجا منه إلا عمر
~~لأنه كان قد أشار بقتلهم، وذلك يدل على أن ذلك كان بالاجتهاد، لا بالوحي.
# وأيضا قوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم) * (التوبة: 43) عاتبه على
~~ذلك ونسبه إلى الخطأ، وذلك لا يكون فيما حكم فيه بالوحي، فلم يبق سوى
~~الاجتهاد، وليس ذلك خاصا بالنبي عليه السلام، بل كان غيره أيضا من الأنبياء
~~متعبدا ms867 بذلك.
# ويدل عليه قوله تعالى * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) * (الأنبياء:
~~78) الآية، وقوله * (ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما) * (الأنبياء:
~~79) وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد لا بطريق الوحي.
# وأما السنة فما روى الشعبي أنه كان رسول الله، (ص)، يقضي القضية وينزل
~~القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به، فيترك ما قضى به على حاله، ويستقبل ما
~~نزل به PageV04P166
# القرآن، والحكم بغير القرآن لا يكون إلا باجتهاد.
# وأيضا ما روي عنه أنه قال في مكة لا يختلا خلاها، ولا يعضد شجرها.
# فقال العباس: إلا الإذخر. فقال عليه السلام إلا الإذخر ومعلوم أن الوحي
~~لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الاستثناء بالاجتهاد.
# وأيضا ما روى عنه عليه السلام أنه قال العلماء ورثة الأنبياء وذلك يدل
~~على أنه كان متعبدا بالاجتهاد، والا لما كانت علماء أمته وارثة لذلك عنه،
~~وهو خلاف الخبر.
# وأما المعقول فمن وجهين:
# الأول: أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بدلالة النص لظهوره، وزيادة
~~المشقة سبب لزيادة الثواب، لقوله عليه السلام، لعائشة ثوابك على قدر نصبك
~~وقوله عليه السلام، أفضل العبادات أحمدها أي أشقها، فلو لم يكن النبي عليه
~~السلام عاملا بالاجتهاد مع عمل أمته به. لزم اختصاصهم بفضيلة لم توجد له،
~~وهو ممتنع، فإن آحاد أمة النبي (ص) لا يكون أفضل من النبي في شئ أصلا.
~~PageV04P167
# الثاني: أن القياس هو النظر في ملاحظة المعنى المستنبط من الحكم المنصوص
~~عليه، وإلحاق نظير المنصوص به، بواسطة المعنى المستنبط، والنبي عليه
~~السلام، أولى بمعرفة ذلك من غيره لسلامة نظره، وبعده عن الخطأ، والاقرار
~~عليه.
# وإذا عرف ذلك فقد ترجح في نظره إثبات الحكم في الفرع ضرورة، فلو لم يقض
~~به، لكان تاركا لما ظنه حكما لله تعالى على بصيرة منه، وهو حرام بالاجماع.
# فإن قيل: ما ذكرتموه في بيان الجواز العقلي، فالاعتراض عليه يأتي فيما
~~نذكره من المعقول.
# وأما الآية الأولى، فقد سبق الاعتراض عليها فيما تقدم.
# وأما قوله تعالى * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس ms868 بما
~~أراك الله) * (النساء: 105) أي بما أنزل إليك.
# وأما الآية الثالثة، فالمراد منها المشاورة في أمور الحروب والدنيا،
~~وكذلك العتاب في قوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم) * (التوبة: 43).
# وأما عتابه في أسارى بدر فلعله كان مخيرا بالوحي بين قتل الكل، أو إطلاق
~~الكل، أو فداء الكل، فأشار بعض الأصحاب بإطلاق البعض دون البعض، فنزل
~~العتاب للذين عينوا، لا لرسول الله (ص) غير أنه ورد بصيغة الجمع في قوله
~~تريدون عرض الدنيا والمراد به أولئك خاصة.
# وأما الخبر الأول: فهو مرسل ولا حجة في المراسيل، كما سبق. وإن كان حجة،
~~غير أنه يحتمل أنه كان يقضي بالوحي، والوحي الثاني يكون ناسخا للأول.
# وأما الخبر الثاني: فيحتمل أن النبي (ص)، كان مريدا لاستثناء الإذخر،
~~فسبقه به العباس.
# وأما الخبر الثالث، فيدل على أن العلماء ورثة الأنبياء فيما كان
~~للأنبياء. ولا نسلم أن الاجتهاد كان للأنبياء حتى يكون موروثا عنهم،
~~PageV04P168
# كيف ويحتمل أنه أراد به الإرث في تبليغ أحكام الشرع إلى العامة، كما كان
~~الأنبياء مبلغين للمبعوث إليهم، ويحتمل أنه أراد به الإرث فيما كان
~~للأنبياء في حفظ قواعد الشريعة.
# وأما الوجه الأول من المعقول، فالثواب فيما عظمت مشقته وإن كان أكثر،
~~ولكن لا يلزم منه ثبوته للنبي عليه السلام، وإلا لما ساغ له الحكم إلا
~~بالاجتهاد، تحصيلا لزيادة الثواب، وهو ممتنع، واختصاص علماء الأمة بذلك دون
~~النبي عليه السلام، لا يوجب كونهم أفضل من النبي (ص) مع اختصاصه بمنصب
~~الرسالة، ورتبة النبؤة، وتشريفه بالبعثة، وهداية الخلق بعد الضلالة على جهة
~~العموم.
# وأما الوجه الثاني، وإن كان النبي عليه السلام، أشد علما من غيره بمعرفة
~~القياس، وجهات الاستنباط، إلا أن وجوب العمل به في حقه مشروط بعدم معرفة
~~الحكم بالوحي. وهذا الشرط مما لم يتبين في حقه، عليه السلام، فلا مشروط،
~~وهذا بخلاف علماء أمته، فافترقا.
# وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تعبده بالقياس والاجتهاد، غير أنه معارض
~~بما يدل على عدمه.
# وبيانه من جهة الكتاب والمعقول، أما الكتاب فقوله تعالى ms869 * (وما ينطق عن
~~الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3 - 4) وقوله تعالى * (ما يكون لي أن
~~أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (يونس: 15) وذلك ينفي أن
~~يكون الحكم الصادر عنه بالاجتهاد.
# وأما المعقول فمن عشرة أوجه:
# الأول أن النبي عليه السلام، نزل منزلا، فقيل له إن كان ذلك عن وحي،
~~فالسمع والطاعة، وإن كان ذلك عن رأي، فليس ذلك منزل مكيدة. فقال: بل هو
~~بالرأي فدل على أنه تجوز مراجعته في الرأي، وقد علم أنه لا تجوز مراجعته
~~PageV04P169
# في الأحكام الشرعية، فلا تكون عن رأي.
# الثاني: أنه لو كان في الاحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاد لجاز أن لا
~~يجعل أصلا لغيره، وأن يخالف فيه، وأن لا يكفر مخالفه، لان جميع ذلك من
~~لوازم الاحكام الثابتة بالاجتهاد.
# الثالث: لو كان متعبدا بالاجتهاد لأظهره، ولما توقف على الوحي فيما كان
~~يتوفق فيه في بعض الوقائع، لما فيه من ترك ما وجب عليه من الاجتهاد،
~~واللازم ممتنع.
# الرابع: أن الاجتهاد لا يفيد سوى الظن، والنبي عليه السلام كان قادرا على
~~تلقي الاحكام من الوحي القاطع، والقادر على تحصيل اليقين لا يجوز له المصير
~~إلى الظن، كالمعاين للقبلة لا يجوز له الاجتهاد فيها.
# الخامس: أن الأمور الشرعية مبنية على المصالح التي لا علم للخلق بها. فلو
~~قيل للنبي عليه السلام، احكم بما ترى كان ذلك تفويضا إلى من لا علم له
~~بالأصلح، وذلك مما يوجب اختلال المصالح الدينية والأحكام الشرعية.
# السادس: أن لنا صوابا في الرأي وصدقا في الخبر، وقد أجمعنا على أن النبي
~~عليه السلام، ليس له أن يخبر بما لا يعلم كونه صدقا، فكذلك لا يجوز له
~~الحكم بما لا علم له بصوابه.
# السابع: أنه لو جاز أن يكون متعبدا بالاجتهاد لجاز أن يرسل الله رسولا،
~~ويجعل له أن يشرع شريعة برأيه، وأن ينسخ ما تقدمه من الشرائع المنزلة من
~~الله تعالى، وأن ينسخ أحكاما أنزلها الله تعالى عليه برأيه، وذلك ممتنع.
# الثامن: أنه لو ms870 جاز صدور الأحكام الشرعية عن رأيه واجتهاده فربما أورث
~~ذلك تهمة في حقه، وأنه هو الواضع للشريعة من تلقاء نفسه، وذلك مما يخل
~~بمقصود البعثة، وهو ممتنع.
# التاسع: أن الاجتهاد عرضة للخطأ فوجب صيانة النبي عليه السلام، عنه.
# العاشر: أن الاجتهاد مشروط بعدم النص، وهذا الشرط غير متحقق في حق النبي
~~عليه السلام، لان الوحي متوقع في حقه في كل حالة.
# والجواب عما ذكروه على الآية الأولى، قد سبق فيما تقدم أيضا وعما ذكروه
~~على الآية الثانية من وجهين. PageV04P170
# الأول: أن الحكم بما استنبط من المنزل يكون حكما بالمنزل لأنه حكم
~~بمعناه.
# ولهذا قال في آخر الآية * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2).
# الثاني: أن حكمه بالاجتهاد. حكم بما أراه الله، فتقييده بالمنزل خلاف
~~الاطلاق.
# وعما ذكروه على الآية الثالثة، أنه إنما أمر بالمشاورة في أمر الفداء وهو
~~من أحكام الدين لتعلقه بأعظم مصالح العبادات، وبتقدير أن يكون كما ذكروه،
~~فهو حجة على من خالف فيه وبه دفع ما ذكروا على الآية الرابعة.
# وعما ذكروه على العتاب في أسارى بدر، فهو على خلاف عموم الخطاب الوارد في
~~الآية، وتخصيص من غير دليل، فلا يصح.
# وعما ذكروه على الخبر الأول من السنة بما بيناه فيما سبق من أن المرسل
~~حجة.
# وقولهم: يحتمل أنه كان يحكم بالوحي، والوحي الثاني ناسخ له.
# قلنا: النسخ خلاف الأصل، لما فيه من تعطيل الدليل المنسوخ، وذلك وإن كان
~~نسخا لما حكم به النبي عليه السلام، غير أن تعطيل دليل الاجتهاد بنسخ حكمه
~~أولى من تعطيل القرآن.
# وعما ذكروه على الخبر الثاني أنه لو كان الإذخر مستثنى فيما نزل إليه،
~~لكان تأخيره إلى ما بعد قول العباس تأخيرا للاستثناء عن المستثنى منه مع
~~دعو الحاجة إلى اتصاله به حذرا من التلبيس خلاف الأصل.
# وعما ذكروه على الخبر الثالث أن الظاهر من قوله العلماء ورثة الأنبياء
~~فيما اختصوا به من العلم مطلقا، فلو لم تكن علومهم الاجتهادية موروثة عن
~~الأنبياء، لكان ذلك تقييدا للمطلق، وتخصيصا للعام، من غير ضرورة، ms871 وهو
~~ممتنع. وبه يبطل ما ذكروه من التأويلات. PageV04P171
# وعما ذكروه على الوجه الأول من المعقول إنما يصح أن لو كان ذلك ممكنا في
~~جميع الأحكام، وليس كذلك، فان الاجتهاد بالقياس يستدعي أصلا ثابتا لا
~~بالاجتهاد، قطعا للتسلسل.
# قولهم: إنه قد اختص بمنصب الرسالة، فلا يكون أحد أفضل منه قلنا: وإن كان
~~كذلك، غير أن زيادة الثواب بزيادة المشقة نوع فضيلة، فيبعد اختصاص أحد من
~~أمته بفضيلة لا تكون موجودة في حق النبي عليه السلام، وإلا كان أفضل منه من
~~تلك الجهة، وهو بعيد.
# وعما ذكروه على الثاني من المعقول أنه باطل باجتهاد أهل عصره، فإنه كان
~~واقعا، بدليل تقريره لمعاذ على قوله أجتهد رأيي ولم يكن احتمال معرفة الحكم
~~بورود الوحي إلى النبي عليه السلام، مانعا من الاجتهاد في حقه، وإنما
~~المانع وجود النص، لاحتمال وجوده.
# وعن المعارضة بالآية الأولى أنها إنما تتناول ما ينطق به، واجتهاده من
~~فعله لا من نطقه، والخلاف إنما هو في الاجتهاد لا في النطق.
# فإن قيل فإذا اجتهد فلا بد وأن ينطق بحكم اجتهاده والاخبار عما ظنه من
~~الحكم، فتكون الآية متناولة له ومن المعلوم أن ما ينطق به إذا كان مستنده
~~الاجتهاد، فليس عن وحي، وإن لم يكن عن هوى.
# قلنا: إذا كان متعبدا بالاجتهاد من قبل الشارع، وقيل له: مهما ظننت
~~باجتهادك حكما، فهو حكم الشرع، فنطقه بذلك يكون عن وحي لا عن هوى.
~~PageV04P172
# وعن الآية الثانية أنها إنما تدل على أن تبديله للقرآن ليس من تلقاء
~~نفسه، وإنما هو بالوحي، والنزاع إنما وقع في الاجتهاد، والاجتهاد وإن وقع
~~في دلالة القرآن، فذلك تأويل لا تبديل.
# وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول أن المراجعة إنما كانت في أمر دنيوي
~~متعلق بالحروب، وليس ذلك من المراجعة في أحكام الشرع في شئ.
# وعن الثانية، لا نسلم أن ما ذكروه من لوازم الاحكام الثابتة بالاجتهاد،
~~بدليل إجماع الأمة على الاجتهاد، واجتهاد النبي عليه السلام، لا يتقاصر عن
~~اجتهاد الأمة الذين ثبتت عصمتهم بقول الرسول، إن ms872 لم يكن مترجحا عليه وعن
~~الثالثة: أنه لا مانع أن يكون متعبدا بالاجتهاد، وإن لم يظهره صريحا،
~~لمعرفة ذلك لما ذكرناه من الأدلة.
# وأما تأخره عن جواب بعض ما كان يسأل عنه فلاحتمال انتظار النص الذي لا
~~يجوز معه الاجتهاد إلى حين اليأس منه، أو لأنه كان في مهلة النظر في
~~الاجتهاد فيما سئل عنه، فأن زمان الاجتهاد في الأحكام الشرعية غير مقدر.
# وعن الرابعة: النقض بما وقع الاجماع عليه من تعبد النبي عليه السلام،
~~بالحكم بقول الشهود حتى قال إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من
~~بعض مع إمكان انتظاره في ذلك لنزول الوحي الذي لا ريب فيه. PageV04P173
# وعن الخامسة: أنها مبنية على وجوب اعتبار المصالح، وهو غير مسلم، على ما
~~عرفناه في علم الكلام. وإن سلمنا ذلك فلا مانع من إلهام الله تعالى له
~~بالصواب فيما يجتهد فيه من الحوادث كيف وإن ما ذكروه منتقض بتعبد غيره
~~بالاجتهاد.
# وعن السادسة: من ثلاثة أوجه.
# الأول: أنها تمثيل من غير جامع صحيح، فلا تكون حجة.
# الثاني: الفرق، وهو أن الاخبار بما لا يعلم كونه صادقا قد لا نأمن فيه
~~الكذب، وهو الاخبار عن الشئ على خلاف ما هو عليه، وذلك مما لا يجوز لاحد
~~الاقدام عليه.
# وأما الاجتهاد فعلى قولنا بأن كل مجتهد مصيب، فالنبي أولى أن يكون مصيبا
~~في اجتهاده، والخطأ في الاجتهاد مبني على أن الحكم عند الله تعالى واحد في
~~كل واقعة في نفس الامر، وليس كذلك، بل الحكم عند الله في كل واقعة ما أدى
~~إليه نظر المجتهد، على ما يأتي تقريره.
# الثالث: أن ما ذكروه منتقض بإجماع الأمة، إذ كان عن اجتهاد.
# وعن السابعة: أنها أيضا تمثيل من غير جامع صحيح كيف وإنا لا نمنع من
~~إرسال رسول بما وصفوه، لا عقلا ولا شرعا، فإن لله تعالى أن يفعل ما يشاء،
~~ويحكم بما يريد، ولا سيما إذا قلنا بأن المصالح غير معتبرة في أفعاله
~~تعالى.
# وإن قلنا إنها معتبرة فلا يبعد أن يعلم الله ms873 تعالى المصلحة للمكلفين في
~~إرسال رسول بهذه المثابة، ويعصمه عن الخطأ في اجتهاده، كما في إجماع الأمة.
# وعن الثامنة أن التهمة منفية عنه في وضع الشريعة برأيه بما دل على صدقه
~~فيما يدعيه من تبليغ الاحكام بجهة الرسالة، من المعجزة القاطعة.
# وعن التاسعة: أنا لا نسلم أن كل اجتهاد في الأحكام الشرعية عرضة للخطأ،
~~PageV04P174
# بدليل إجماع الصحابة على الاجتهاد. واجتهاد النبي عليه السلام، غير
~~متقاصر عن اجتهاد أهل الاجماع، فكان معصوما فيه عن الخطأ.
# وعن العاشرة: أن المانع من الاجتهاد دائما هو وجود النص لا إمكان وجود
~~النص، ثم ما ذكروه منتقض باجتهاد الصحابة في زمن النبي عليه السلام.
# المسألة الثانية اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد النبي عليه السلام،
~~واختلفوا في جواز الاجتهاد لمن عاصره.
# فذهب الأكثرون إلى جوازه عقلا، ومنع منه الأقلون ثم اختلف القائلون
~~بالجواز في ثلاثة أمور:
# الأول: منهم من جوز ذلك للقضاة والولاة في غيبته، دون حضوره، ومنهم من
~~جوزه مطلقا.
# الثاني: أن منهم من قال بجواز ذلك مطلقا إذا لم يوجد من ذلك منع، ومنهم
~~من قال: لا يكتفي في ذلك بمجرد عدم المنع، بل لا بد من الاذن في ذلك، ومنهم
~~من قال: السكوت عنه مع العلم بوقوعه كاف.
# الثالث: اختلفوا في وقوع التعبد به سمعا: فمنهم من قال إنه كان متعبدا
~~به، ومنهم من توقف في ذلك مطلقا، كالجبائي، ومنهم من توقف في حق من حضر،
~~دون من غاب، كالقاضي عبد الجبار.
# والمختار جواز ذلك مطلقا وأن ذلك مما وقع مع حضوره وغيبته ظنا لا قطعا.
~~PageV04P175
# أما الجواز العقلي فيدل عليه ما دللنا به على جواز ذلك في حق النبي عليه
~~السلام، في المسألة المتقدمة.
# وأما بيان الوقوع: أما في حضرته فيدل عليه قول أبي بكر رضي الله عنه في
~~حق أبي قتادة حيث قتل رجلا من المشركين، فأخذ سلبه غيره لا نقصد إلى أسد من
~~أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه. فقال النبي عليه السلام صدق
~~وصدق في فتواه ولم ms874 يكن قال ذلك بغير الرأي والاجتهاد.
# وأيضا ما روي عن النبي عليه السلام، أنه حكم سعد بن معاذ في بني قريظة،
~~فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم، بالرأي، فقال عليه السلام لقد حكمت بحكم الله من
~~فوق سبعة أرقعة.
# وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه أمر عمرو بن العاص وعقبة بن عامر
~~الجهني أن يحكما بين خصمين، وقال لهما إن أصبتما، فلكما عشر حسنات، وإن
~~أخطأتما، فلكما حسنة واحدة.
# وأما في غيبته، فيدل عليه قصة معاذ وعتاب بن أسيد حين بعثهما قاضيين إلى
~~اليمن. PageV04P176
# فإن قيل: الموجود في عصر النبي عليه السلام قادر على معرفة الحكم بالنص
~~وبالرسول عليه السلام. والقادر على التوصل إلى الحكم على وجه يؤمن فيه
~~الخطأ، إذا عدل إلى الاجتهاد الذي لا يؤمن فيه الخطأ، كان قبيحا، والقبيح
~~لا يكون جائزا.
# وأيضا فإن الحكم بالرأي في حضرة النبي عليه السلام، من باب التعاطي
~~والافتيات على النبي عليه السلام، وهو قبيح، فلا يكون جائزا. وهذا بخلاف ما
~~بعد النبي عليه السلام.
# وأيضا فإن الصحابة كانوا يرجعون عند وقوع الحوادث إلى النبي عليه السلام،
~~ولو كان الاجتهاد جائزا لهم لم يرجعوا إليه.
# وأما ما ذكرتموه من أدلة الوقوع فهي أخبار آحاد لا تقوم الحجة بها في
~~المسائل القطعية، وبتقدير أن تكون حجة، فلعلها خاصة بمن وردت في حقه غير
~~عامة.
# والجواب عن السؤال الأول ما مر في جواز اجتهاد النبي عليه السلام وعن
~~الثاني أن ذلك، إذا كان بأمر رسول الله وإذنه، فيكون ذلك من باب امتثال
~~أمره، لا من باب التعاطي والافتيات عليه.
# وعن قولهم (إن الصحابة كانوا يرجعون في أحكام الوقائع إلى النبي عليه
~~السلام) يمكن أن يكون ذلك فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد، وإن ظهر، غير
~~أن القادر على التوصل إلى مقصوده بأحد طريقين لا يمتنع عليه العدول عن
~~أحدهما إلى الآخر، ولا يخفى أنه إذا كان الاجتهاد طريقا يتوصل به إلى
~~الحكم، فالرجوع إلى النبي عليه السلام، أيضا طريق آخر.
# وما ذكروه من ms875 أن الأخبار المذكورة في ذلك أخبار آحاد، فهو كذلك، غير أن
~~المدعي إنما هو حصول الظن بذلك دون القطع.
# قولهم يحتمل أن يكون ذلك خاصا بمن وردت تلك الأخبار في حقه - قلنا:
~~المقصود من الأخبار المذكورة إنما هو الدلالة على وقوع الاجتهاد في زمن
~~النبي عليه السلام، ممن عاصره لا بيان وقوع الاجتهاد من كل من عاصره.
~~PageV04P177
# المسألة الثالثة مذهب الجمهور من المسلمين أنه ليس كل مجتهد في العقليات
~~مصيبا، وأن الاثم غير محطوط عن مخالف ملة الاسلام، سواء نظر وعجز عن معرفة
~~الحق، أم لم ينظر.
# وقال الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري من المعتزلة بحط الاثم عن مخالف
~~ملة الاسلام إذا نظر واجتهد فأداه اجتهاده إلى معتقده، وأنه معذور، بخلاف
~~المعاند.
# وزاد عبيد الله بن الحسن العنبري بأن قال: كل مجتهد في العقليات مصيب،
~~وهو إن أراد بالإصابة موافقة الاعتقاد للمعتقد، فقد أحال، وخرج عن المعقول،
~~وإلا كان يلزم من ذلك أن يكون حدوث العالم وقدمه في نفس الامر حقا عند
~~اختلاف الاجتهاد، وكذلك في كل قضية عقلية اعتقد فيها النفي والاثبات، بناء
~~على ما أدى إليه من الاجتهاد، وهو من أمحل المحالات، وما أظن عاقلا يذهب
~~إلى ذلك. وإن أراد بالإصابة أنه أتى بما كلف به مما هو داخل تحت وسعه
~~وقدرته من الاجتهاد، وأنه معذور في المخالفة، غير آثم، فهو ما ذهب إليه
~~الجاحظ، وهو أبعد عن الأول في القبح. ولا شك أنه غير محال عقلا، وإنما
~~النزاع في إحالة ذلك وجوازه شرعا.
# وقد احتج الجمهور على مذهبهم بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
# أما الكتاب فقوله تعالى * (ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من
~~النار) * (ص: 27) وقوله * (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) * (فصلت:
~~23) وقوله تعالى * (ويحسبون أنهم على شئ، ألا إنهم هم الكاذبون) *
~~(المجادلة: 18).
# ووجه الاحتجاج بهذه الآيات أنه ذمهم على معتقدهم وتوعدهم بالعقاب عليه
~~ولو كانوا معذورين فيه لما كان كذلك.
# وأما السنة فما علم منه عليه السلام، علما لا مراء فيه تكليفه للكفار ms876 من
~~اليهود والنصارى بتصديقه واعتقاد رسالته وذمهم على معتقداتهم وقتله لمن ظفر
~~به منهم PageV04P178
# وتعذيبه على ذلك منهم مع العلم الضروري بأن كل من قاتله وقتله لم يكن
~~معاندا بعد ظهور الحق له بدليله، فان ذلك مما تحيله العادة. ولو كانوا
~~معذورين في اعتقاداتهم، وقد أتوا بما كلفوا به، لما ساغ ذلك منه.
# وأما الاجماع فهو أن الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين اتفقوا أيضا على
~~قتال الكفار وذمهم ومهاجرتهم على اعتقاداتهم، ولو كانوا معذورين في ذلك،
~~لما ساغ ذلك من الأمة المعصومة عن الخطأ.
# فإن قيل: أما الآية الأولى فغاية ما فيها ذم الكفار، وذلك غير متحقق في
~~محل النزاع، لان الكفر في اللغة مأخوذ من الستر والتغطية، ومنه يقال: لليل
~~كافر، لأنه ساتر للحوادث، وللحارث كافر، لسترة الحب، وذلك غير متصور إلا في
~~حق المعاند العارف بالدليل، مع إنكاره لمقتضاه، كيف وإنه يجب حمل هذه
~~الآية، والآيتين بعدها على المعاند دون غيره، جمعا بينه وبين ما سنذكره من
~~الدليل.
# وأما ما ذكرتموه من قتل النبي عليه السلام الكفار، فلا نسلم أنه كان على
~~ما اعتقدوه عن اجتهادهم، بل على إصرارهم على ذلك، وإهمالهم لترك البحث عما
~~دعوا إليه والكشف عنه مع إمكانه.
# وأما الاجماع فلا يمكن الاستدلال به في محل الخلاف، كيف وإنه يمكن حمل
~~فعل أهل الاجماع على ما حمل عليه فعل النبي عليه السلام.
# ودليل هذه التأويلات أن تكليفهم باعتقاد نقيض معتقدهم الذي أدى إليه
~~اجتهادهم، واستفرغوا الوسع فيه، تكليف بما لا يطاق، وهو ممتنع، للنص
~~والمعقول.
# أما النص، فقوله تعالى * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (البقرة: 286).
~~PageV04P179
# وأما المعقول فهو أن الله تعالى رؤوف بعباده، رحيم لهم، فلا يليق به
~~تعذيبهم على ما لا قدرة لهم عليه.
# ولهذا كان الاثم مرتفعا عن المجتهدين في الأحكام الشرعية مع اختلاف
~~اعتقاداتهم فيها، بناء على اجتهاداتهم المؤدية إليها، كيف وقد نقل عن بعض
~~المعتزلة أنهم أولوا قول الجاحظ وابن العنبري، بالحمل على المسائل الكلامية
~~المختلف فيها بين المسلمين، ms877 ولا تكفير فيها، كمسألة الرؤية، وخلق الأعمال،
~~وخلق القرآن، ونحو ذلك، لان الأدلة فيها ظنية متعارضة.
# الجواب عما ذكروه على الآية أنه خلاف الاجماع في صحة إطلاق اسم الكافر
~~على من اعتقد نقيض الحق، وإن كان عن اجتهاد.
# وقولهم إن الكفر في اللغة مأخوذ من التغطية مسلم، ولكن لا نسلم انتفاء
~~التغطية فيما نحن فيه: وذلك لأنه باعتقاده لنقيض الحق بناء على اجتهاده،
~~مغط للحق، وهو غير متوقف على علمه بذلك.
# وما ذكروه من التأويل، ففيه ترك الظاهر من غير دليل، وما يذكرونه من
~~الدليل، فسيأتي الكلام عليه.
# وما ذكروه على السنة، فبعيد أيضا، وذلك لأنه إن تعذر قتلهم وذمهم على ما
~~كانوا قد اعتقدوه عن اجتهاد هم واستفراغ وسعهم، فهو لازم أيضا على تعذر
~~قتلهم وذمهم، على عدم تصديقه فيما دعاهم إليه، لان الكلام إنما هو مفروض
~~فيمن أفرغ وسعه وبذل جهده في التوصل إلى معرفة ما دعاه النبي (ص)، إليه،
~~وتعذر عليه الوصول إليه.
# وما ذكروه في امتناع التمسك بالاجماع في محل الخلاف، إنما يصح فيما كان
~~من الاجماع بعد الخلاف، أو حالة الخلاف.
# وأما الاجماع السابق على الخلاف، فهو حجة على المخالف وقد بينا سبقه.
# وما ذكروه من التأويل، فجوابه كما تقدم.
# قولهم إن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، لا نسلم ذلك، فإن الوصول
~~PageV04P180
# إلى معرفة الحق ممكن بالأدلة المنصوبة عليه، ووجود العقل الهادي، وغايته
~~امتناع الوقوع باعتبار أمر خارج، وذلك لا يمنع من التكليف به، وإنما يمتنع
~~التكليف بما لا يكون ممكنا في نفسه، كما سبق تقريره في موضعه.
# وما ذكروه فقد سبق تخريجه أيضا في مسألة تكليف ما لا يطاق.
# وأما رفع الاثم في المجتهدات الفقهية، فإنما كان لان المقصود منها إنما
~~هو الظن بها، وقد حصل، بخلاف ما نحن فيه، فإن المطلوب فيها ليس هو الظن، بل
~~العلم، ولم يحصل.
# وما ذكروه من التأويل إن صح أنه المراد من كلام الجاحظ وابن العنبري،
~~ففيه رفع الخلاف، والعود إلى الحق، ولا نزاع فيه. ms878 PageV04P181
# المسألة الرابعة اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الاثم محطوط عن
~~المجتهدين في الأحكام الشرعية، وذهب بشر المريسي وابن علية وأبو بكر الأصم
~~ونفاة القياس، كالظاهرية والامامية، إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها
~~متعين، وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه، فهو آثم غير كافر، ولا فاسق.
# وحجة أهل الحق في ذلك، ما نقل نقلا متواترا لا يدخله ريبة ولا شك، وعلم
~~علما ضروريا من اختلاف الصحابة فيما بينهم في المسائل الفقهية، كما بيناه
~~فيما تقدم مع استمرارهم على الاختلاف إلى انقراض عصرهم، ولم يصدر من أحد
~~منهم نكير، ولا تأثيم لاحد، لا على سبيل الابهام ولا التعيين، مع علمنا
~~بأنه لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس وتحريم الزنى والقتل، لبادروا إلى
~~تخطئته وتأثيمه.
# فلو كانت المسائل الاجتهادية نازلة منزلة هذه المسائل في كونها قطعية
~~ومأثوما على المخالفة فيها، لبالغوا في الانكار والتأثيم، حسب مبالغتهم في
~~الانكار على من خالف في وجوب العبادات الخمس وفي تأثيمه، لاستحالة تواطئهم
~~على الخطأ، ودلالة النصوص النازلة منزلة التواتر على عصمتهم عنه، كما سبق
~~تقريره في مسائل الاجماع.
# فإن قيل: فقد وقع الانكار من بعضهم على بعض في العمل بالرأي والاجتهاد في
~~المسائل الفقهية، كما ذكرناه في إثبات القياس على منكريه، ومع الانكار فلا
~~إجماع.
# وإن سلمنا عدم نقل إنكارهم لذلك، فيحتمل أنهم أنكروا و لم ينقل إلينا.
~~وبتقدير عدم صدور الانكار منهم ظاهرا، فيحتمل أنهم أضمروا الانكار والتأثيم
~~تقية وخوفا من ثوران فتنة وهجوم آفة.
# قلنا: أما السؤال الأول فقد أجبنا عنه فيما تقدم.
# وأما الثاني فهو خلاف مقتضى العادة، فإنه لو وجد الانكار، لتوفرت الدواعي
~~على نقله، واستحال في العادة كتمانه، كما نقل عنهم الانكار على الخوارج
~~ومانعي الزكاة وغير ذلك. وبمثل هذا يندفع أيضا ما ذكروه من السؤال الثالث.
~~PageV04P182
# المسألة الخامسة المسألة الظنية من الفقهيات إما أن يكون فيها نص، أو لا
~~يكون:
# فإن لم يكن فيها نص فقد اختلفوا فيها:
# فقال قوم: كل مجتهد فيها مصيب، وإن حكم ms879 الله فيها لا يكون واحدا بل هو
~~تابع لظن المجتهد، فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده، وغلب على
~~ظنه، وهو قول القاضي أبي بكر وأبي الهذيل والجبائي وابنه.
# وقال آخرون: المصيب فيها واحد، ومن عداه مخطئ، لان الحكم في كل واقعة لا
~~يكون إلا معينا، لان الطالب يستدعي مطلوبا، وذلك المطلوب هو الأشبه عند
~~الله في نفس الامر بحيث لو نزل نص، لكان نصا عليه.
# لكن منهم من قال بأنه لا دليل عليه، وإنما هو مثل دفين يظفر به حالة
~~الاجتهاد بحكم الاتفاق، فمن ظفر به، فهو مصيب ومن لم يصبه فهو مخطئ.
# ومنهم من قال: عليه دليل، لكن اختلف هؤلاء،:
# فمنهم من قال إنه قطعي، ثم اختلف هؤلاء:
# فمنهم من قال بتأثيم المجتهد بتقدير عدم الظفر به ونقض حكمه، كأبي بكر
~~الأصم وابن علية وبشر المريسي، ومنهم من قال بعدم التأثيم لخفاء الدليل
~~وغموضه، فكان معذورا، ومنهم من قال إنه ظني، فمن ظفر به، فهو مصيب، وله
~~أجران، ومن لم يصبه، فهو مخطئ، وله أجر واحد. وهذا هو مذهب ابن فورك
~~والأستاذ أبي إسحاق الأسفرائيني. PageV04P183
# ومنهم من نقل عنه القولان التخطئة والتصويب، كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد
~~بن حنبل والأشعري.
# وأما إن كان في المسألة نص، فإن قصر في طلبه، فهو مخطئ آثم لتقصيره فيما
~~كلف به من الطلب. وإن لم يقصر فيه، وأفرغ الوسع في طلبه، لكن تعذر عليه
~~الوصول إليه، إما لبعد المسافة، أو لاخفاء الراوي له وعدم تبليغه، فلا إثم،
~~لعدم تقصيره، وهل هو مخطئ أو مصيب؟ ففيه من الخلاف ما سبق.
# والمختار إنما هو امتناع التصويب لكل مجتهد، غير أن القائلين بذلك قد
~~احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر
~~بعد ذلك ما هو المختار.
# الحجة الأولى من جهة الكتاب قوله تعالى * (وداود وسليمان إذ يحكمان في
~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان) *
~~(الأنبياء: 78) ووجه الاحتجاج به أنه خصص سليمان ms880 بفهم الحق في الواقعة،
~~وذلك يدل على عدم فهم (داود) له، وإلا لما كان التخصيص مفيدا، وهو دليل
~~اتحاد حكم الله في الواقعة، وأن المصيب واحد.
# وأيضا قوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) وقوله
~~تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7)
~~ولولا أن في محل الاستنباط حكما معينا، لما كان كذلك وأيضا قوله تعالى *
~~(ولا تفرقوا فيه) * (الشورى: 13) * (ولا تنازعوا فتفشلوا) * (الأنفال: 46)
~~* (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * (آل عمران: 105) وذلك أيضا يدل
~~على اتحاد الحق في كل واقعة.
# ولقائل أن يقول على الآية الأولى: غاية ما فيها تخصيص سليمان بالفهم، ولا
~~دلالة له على عدم ذلك في حق (داود) إلا بطريق المفهوم، وليس بحجة، على ما
~~تقرر في مسائل المفهوم. وان سلمنا أنه حجة، غير أنه قد روي أنهما حكما في
~~تلك PageV04P184
# القضية بالنص حكما واحدا، ثم نسخ الله الحكم في مثل تلك القضية في
~~المستقبل، وعلم (سليمان) بالنص الناسخ دون (داود) فكان هذا هو الفهم الذي
~~أضيف إليه.
# والذي يدل على هذا قوله تعالى * (وكلا آتينا حكما وعلما) * () ولو كان
~~أحدهما مخطئا لما كان قد أتي في تلك الواقعة حكما وعلما. وإن سلمنا أن
~~حكمهما كان مختلفا، لكن يحتمل أنهما حكما بالاجتهاد مع الاذن فيه، وكانا
~~محقين في الحكم، إلا أنه نزل الوحي على وفق ما حكم به سليمان، فصار ما حكم
~~به حقا متعينا بنزول الوحي به، ونسب التفهيم إلى سليمان بسبب ذلك. وإن
~~سلمنا أن داود كان مخطئا في تلك الواقعة، غير أنه يحتمل أنه كان فيها نص
~~اطلع عليه سليمان دون داود، ونحن نسلم الخطأ في مثل هذه الصورة، وإنما
~~النزاع فيما إذا حكما بالاجتهاد، وليس في الواقعة نص.
# وعلى الآية الثانية والثالثة أنه يجب حملهما على الأمور القطعية دون
~~الاجتهادية.
# ودليله قوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) وقوله
~~تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7)
~~والقضايا الاجتهادية لا علم فيها، وإن سلمنا أن المراد بهما ms881 القضايا
~~الاجتهادية، فقوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83)
~~وقوله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران:
~~7) يدل على تصويب المستنبطين والراسخين في العلم، وليس فيه ما يدل على
~~تصويب البعض منهم دون البعض، بل غايته الدلالة بمفهومه على عدم ذلك في حق
~~العوام ومن ليس من أهل الاستنباط والرسوخ في العلم.
# وعلى الآيات الدالة على النهي عن التفرق، أن المراد منها إنما هو التفرق
~~في أصل الدين والتوحيد، وما يطلب فيه القطع دون الظن.
# ويدل على ذلك أن القائلين بجواز الاجتهاد، مجمعون على أن كل واحد من
~~المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، ومنهي عن مخالفته، وهو أمر
~~بالاختلاف، PageV04P185
# ونهي عن الاتفاق في المجتهدات.
# الحجة الثانية: من جهة السنة قوله عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأصاب،
~~فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر واحد وذلك صريح في انقسام الاجتهاد إلى خطأ
~~وصواب.
# ولقائل أن يقول: نحن نقول بموجب الخبر، وأن الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده،
~~فله أجر واحد، غير أن الخطأ عندنا في ذلك إنما يتصور فيما إذا كان في
~~المسألة نص، أو إجماع، أو قياس جلى، وخفي عليه بعل لبحث التام عنه، وذلك
~~غير متحقق في محل النزاع، أو فيما إذا أخطأ في مطلوب من رد المال إلى
~~مستحقه بسبب ظنه صدق الشهود، وهم كاذبون، أو مغالطة الخصم، لكونه أخصم من
~~خصمه، وألحن بحجته، لا فيما وجب عليه من حكم الله تعالى. ولهذا قال عليه
~~السلام إنما أحكم بالظاهر، وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بحجته من
~~صاحبه فمن حكمت له بشئ من مال أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من
~~النار.
# الحجة الثالثة: من جهة الاجماع أن الصحابة أجمعوا على إطلاق لفظ الخطأ في
~~الاجتهاد: PageV04P186
# فمن ذلك ما روى عن أبي بكر أنه قال أقول في ا لكلالة برأيي، فإن يكن
~~صوابا، فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان
~~ومن ذلك ما روي عن عمر أنه حكم بحكم، ms882 فقال رجل حضره هذا، والله الحق. فقال
~~عمر: أن عمر لا يدري أنه أصاب الحق، لكنه لم يأل جهدا وروي عنه أنه قال
~~لكاتبه اكتب هذا ما رأى عمر، فإن يكن خطأ فمنه، وإن يكن صوابا، فمن الله
~~وأيضا قوله في جواب المرأة التي ردت عليه النهي عن المبالغة في المهر أصابت
~~امرأة، وأخطأ عمر ومن ذلك ما روي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال في المرأة
~~التي استحضرها عمر فأجهضت ما في بطنها، وقد قال له عثمان و عبد الرحمن بن
~~عوف: إنما أنت مؤدب، لا نرى عليك شيئا، إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم
~~يجتهدا، فقد غشاك، أرى عليك الدية ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال في
~~المفوضة أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا، فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ،
~~فمني ومن الشيطان PageV04P187
# ومن ذلك ما روي أن عليا وابن مسعود وزيدا، رضي الله عنهم، خطؤوا ابن عباس
~~في ترك القول بالعول، وأنكر عليهم ابن عباس قولهم بالعول بقوله من شاء أن
~~يباهلني باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددا، لم يجعل في مال واحد نصفا
~~ونصفا وثلثا، هذان نصفان ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟
# ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن
~~الابن ابنا، ولا يجعل أبا الأب أبا إلى غير ذلك من الوقائع، ولم ينكر بعضهم
~~على بعض في التخطئة، فكان ذلك إجماعا على أن الحق من أقاويلهم ليس إلا
~~واحدا.
# ولقائل أن يقول: نحن لا ننكر وقوع الخطأ في الاجتهاد، لكن فيما إذا لم
~~يكن المجتهد أهلا للاجتهاد، أو كان أهلا، لكنه قصر في اجتهاده، أو إن لم
~~يقصر لكنه خالف النص أو الاجماع أو القياس الجلي، أو في مطلوبه دون ما وجب
~~عليه من حكم الله، كما سبق تقريره في جواب السنة.
# وأما ما تم فيه الاجتهاد من أهله، ولم يوجد له معارض مبطل، فليس فيما
~~ذكروه من قضايا ms883 الصحابة ما يدل على وقوع الخطأ فيه. PageV04P188
# الحجة الرابعة:
# من جهة المعقول من ستة أوجه.
# الأول أن الاجتهاد مكلف به بالاجماع، فعند اختلاف المجتهدين في حكم
~~الحادثة، ومصير كل واحد إلى مناقضة الآخر إما أن يكون اجتهاد كل واحد منهما
~~مستندا إلى دليل، أو لا دليل لواحد منهما، أو أن الدليل مستند أحدهما دون
~~الآخر فإن كان الأول، فالدليلان المتقابلان إما أن يكون أحدهما راجحا على
~~الآخر، أو هما متساويان: فإن كان أحدهما راجحا، فالذاهب إليه مصيب، ومخالفه
~~مخطئ. وإن كان الثاني، فمقتضاهما التخيير أو الوقف، فالجازم بالنفي أو
~~الاثبات يكون مخطئا. وإن كان لا دليل لواحد منهما، فهما مخطئان. وإن كان
~~الدليل لأحدهما دون الآخر فأحدهما مصيب، والآخر مخطئ لا محالة.
# الثاني: أن القول بتصويب المجتهدين يفضي عند اختلاف المجتهدين بالنفي
~~والاثبات، أو الحل والحرمة، في مسألة واحدة، إلى الجمع بين النقيضين، وهو
~~محال، وما أفضى إلى المحال يكون محالا.
# الثالث: أن الأمة مجمعة على تجويز المناظرة بين المجتهدين، ولو كان كل
~~واحد مصيبا فيما ذهب إليه، لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة، وذلك لان كل
~~واحد يعتقد أن ما صار إليه مخالفه حق، وأنه مصيب فيه والمناظرة إما لمعرفة
~~أن ما صار إليه خصمه صواب، أو لرده عنه:
# فإن كان الأول، ففيه تحصيل الحاصل.
# وإن كان الثاني، فقصد كل واحد لرد صاحبه عما هو عليه، مع اعتقاده أنه
~~صواب يكون حراما.
# الرابع: أن المجتهد في حال اجتهاده، إما أن يكون له مطلوب، أو يكون:
# فإن كان الأول، فهو محال، إذ المجتهد طالب، وطالب لا مطلوب له محال.
# وإن كان الثاني، فمطلوبه متقدم على اجتهاده ونظره، وذلك مع عدم تعين
~~المطلوب في نفسه محال.
# الخامس: أنه لو صح تصويب كل واحد من المجتهدين، لوجب عند الاختلاف
~~PageV04P189
# في الآنية بالطهارة والنجاسة أن يقضى بصحة اقتداء كل واحد من المجتهدين،
~~بالآخر، لاعتقاد المأموم صحة صلاة إمامه.
# السادس: أن القول بتصويب المجتهدين يلزم منه أمور ممتنعة فيمتنع.
# الأول: أنه إذا تزوج شافعي ms884 بحنفية، وكانا مجتهدين، وقال لها أنت بائن
~~فإنه بالنظر إلى ما يعتقده الزوج من جواز الرجعة تجوز له المراجعة، والمرأة
~~بالنظر إلى ما تعتقده من امتناع الرجعة يحرم عليها تسليم نفسها إليه، وذلك
~~مما يفضي إلى منازعة بينهما لا سبيل إلى رفعها شرعا، وهو محال.
# الثاني: أنه إذا نكح واحد امرأة بغير ولي، ونكحها آخر بعده بولي، فيلزم
~~من صحة المذهبين حل الزوجة للزوجين، وهو محال.
# الثالث: أن العامي إذا استفتى مجتهدين، واختلفا في الحكم، فإما أن يعمل
~~بقوليهما، وهو محال، أو بقول أحدهما، ولا أولوية، وإما لا بقول واحد منهما،
~~فيكون متحيرا، وهو ممتنع ولقائل أن يقول على الوجه الأول: إن المختار إنما
~~هو القسم الأول من أقسامه.
# قولهم: الدليلان إما أن يتساويا، أو يترجح أحدهما على الآخر - قلنا: في
~~نفس الامر أو في نظر الناظر؟
# الأول ممنوع، وذلك لان الأدلة في مسائل الظنون ليست أدلة لذواتها وصفات
~~أنفسها، حتى تكون في نفس الامر متساوية في جهة دلالتها، أو متفاوتة، وإن
~~كان في نظر الناظر، فلا نسلم صحة هذه القسمة، بل كل واحد منهما راجح في نظر
~~الناظر الذي صار إليه، وذلك لان الأدلة الظنية مما تختلف باختلاف الظنون،
~~فهي أمور إضافية غير حقيقية، كما أن ما وافق غرض زيد، فهو حسن بالنسبة
~~إليه، وإن كان قبيحا بالنسبة إلى من خالف غرضه.
# وعلى هذا، فلا تخطئة على ما ذكروه وإن سلمنا أن الدليلين في نفسيهما لا
~~يخرجان عن المساواة أو الترجيح لأحدهما على الآخر، غير أن النزاع إنما هو
~~في الخطأ بمعنى عدم الإصابة لحكم الله في الواقعة، لا بمعنى عدم الظفر
~~بالدليل الراجح، ولا يلزم من عدم الظفر بالدليل الراجح عدم PageV04P190
# الظفر بحكم الله في الواقعة، لان حكم الله تعالى عندنا عبارة عما أدى
~~إليه نظر المجتهد وظنه، لا ما أدى إليه الدليل الراجح في نفس الامر.
# وعلى الوجه الثاني: أن التناقض إنما يلزم أن لو اجتمع النفي والاثبات،
~~والحل والحرمة، في حق شخص واحد، من جهة واحدة، ms885 أما بالنظر إلى شخصين، فلا
~~ولهذا، فإن الميتة تحل للمضطر، وتحرم على غيره، وإفطار رمضان مباح للمريض
~~والمسافر، ومن له عذر، دون غيره. وفيما نحن فيه كذلك: فأن من وجب عليه
~~الحكم بالحل الذي أداه نظره إليه، غير من وجب عليه الحكم بالتحريم الذي
~~أداه نظره إليه. ثم لو كان ذلك ممتنعا، لما وجب على كل واحد من المجتهدين
~~في القبلة، إذا أدى اجتهاده إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر، التوجه إلى
~~الجهة التي غلب على ظنه أنها جهة القبلة، كتحريم التوجه إليها بالنسبة إلى
~~الآخر، ولما حرم على كل واحد ما وجب على الآخر، وهو ممتنع.
# وعلى الثالث أن فائدة المناظرة غير منحصرة فيما ذكروه، بل لها فوائد أخر
~~تجب المناظرة لها، أو تستحب.
# فالأولى كالمناظرة لتعرف انتفاء الدليل القاطع الذي لا يجوز معه الاجتهاد
~~، أو لطلب تعرف الترجيح عند تساوي الدليلين في نظر المجتهد، حتى يجزم
~~بالنفي أو الاثبات، أو يحل له الوقف أو التخيير لكونه مشروطا بعدم الترجيح.
# والثانية، كالمناظرة التي يطلب بها تذليل طرق الاجتهاد والقوة على
~~استثمار الاحكام من الأدلة واستنباطها منها، وشحذ الخاطر وتنبيه المستمعين
~~على مدارك الأحكام ومآخذها، لتحريك دواعيهم إلى طلب رتبة الاجتهاد، لنيل
~~الثواب الجزيل وحفظ قواعد الشريعة.
# وعلى الرابع أن مطلوب المجتهد ما يؤدي إليه نظره واجتهاده لا غير. وذلك
~~غير معين، لا عنده ولا عند الله تعالى.
# وعلى الخامس أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كان القضاء بصحة صلاة المأموم
~~مطلقا، وليس كذلك. وإنما هي صحيحة بالنسبة إليه، غير صحيحة بالنسبة إلى
~~مخالفه. وشرط صحة اقتداء المأموم بالامام اعتقاد صحة صلاة إمامه بالنسبة
~~إليه. PageV04P191
# وعلى السادس أما الالزام الأول، فلا نسلم إفضاء ذلك إلى منازعة لا ترتفع،
~~لأنه يمكن رفعها فيما فرضوه من الصورة برفع الامر إلى حاكم من حكام
~~المسلمين، أو محكم منهم، فما حكم به وجب اتباعه، كيف وإن ما ذكروه لم يكن
~~لازما من القول بتصويب المجتهدين، بل إنما كان لازما من القول بأنه ms886 يجب على
~~كل مجتهد اتباع ما أوجبه ظنه، وسواء كان مخطئا أو مصيبا، لان المصيب غير
~~معين، وذلك متفق عليه، فما هو جواب لهم ها هنا فهو جواب الخصم في قوله
~~بالتصويب.
# وإما الالزام الثاني فنقول أي النكاحين وجد من معتقد صحته أولا فهو صحيح،
~~والنكاح الثاني باطل، لكونه نكاحا لزوجة الغير، وإن صدر الأول ممن لا يعتقد
~~صحته، كالنكاح بلا ولي من الشافعي فهو باطل، والثاني صحيح.
# وأما الالزام الثالث، فنقول: حكم العامي عند تعارض الفتاوى في حقه حكم
~~تعارض الدليلين في حق المجتهد من غير ترجيح. وحكم المجتهد في ذلك إما
~~التوقف أو التخيير، على ما يأتي والأقرب في ذلك أن يقال الأصل عدم التصويب،
~~والأصل في كل متحقق دوامه، إلا ما دل الدليل على مخالفته. والأصل عدم
~~الدليل المخالف فيما نحن فيه، فيبقى فيه على حكم الأصل. غير أنا خالفناه في
~~تصويب واحد غير معين للاجماع، ولا إجماع يما نحن فيه، فوجب القضاء بنفيه.
# فإن قيل: وإن كان الأصل عدم الدليل المخالف للنفي الأصلي إلا أنه قد وجد،
~~ودليله من جهة الكتاب، والسنة،، والاجماع، والمعقول.
# أما الكتاب فقوله تعالى في حق داود وسليمان * (وكلا آتينا حكما وعلما) *
~~(الأنبياء: 79) ولو كان أحدهما مخطئا لما كان ما صار إليه حكما لله، ولا
~~علما. PageV04P192
# وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ووجه
~~الاحتجاج به أنه عليه السلام، جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى، مع
~~اختلافهم في الاحكام نفيا وإثباتا، كما بيناه قبل. فلو كان فيهم مخطئ، لما
~~كان الاقتداء به هدى، بل ضلالة.
# وأما الاجماع فهو أن الصحابة اتفقوا على تسويغ خلاف بعضهم لبعض، من غير
~~نكير منهم على ذلك، بل ونعلم أن الخلفاء منهم كانوا يولون القضاة والحكام
~~مع علمهم بمخالفتهم لهم في الاحكام، ولم ينكر عليهم منكر. ولو تصور الخطأ
~~في الاجتهاد، لما ساغ ذلك من الصحابة، كما لم يسوغوا ترك الانكار على مانعي
~~الزكاة، وكل منكر أنكروه.
# وأما من جهة المعقول، فمن سبعة ms887 أوجه.
# الأول أنه لو كان الحق متعينا في باب الاجتهاد في كل مسألة لنصب الله
~~تعالى عليه دليلا قاطعا، دفعا للاشكال، وقطعا لحجة المحتج، كما هو المألوف
~~من عادة الشارع في كل ما دعا إليه، ومنه قوله تعالى * (رسلا مبشرين
~~ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (النساء: 165) وقوله
~~تعالى * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) * (إبراهيم: 4)
~~وقوله تعالى * (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا: ربنا لولا أرسلت
~~إلينا رسولا) * (طه: 134) ولو كان عليه دليل قاطع، لوجب الحكم على مخالفه
~~بالفسق والتأثيم، كالمخالف في العقليات.
# الثاني: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لما ساغ لاحد من العامة تقليد أحد
~~من العلماء، إلا بعد الاجتهاد والتحري فيمن يقلده، وليس كذلك. وحيث خير في
~~التقليد دل على التساوي بين المجتهدين، فإن الشرع لا يخير إلا في حالة
~~التساوي.
# الثالث: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لوجب نقض كل حكم خالفه، كما قاله
~~بشر المريسي والأصم. وحيث لم ينقض دل على التساوي. PageV04P193
# الرابع: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لما وجب على كل واحد من المجتهدين
~~اتباع ما أوجبه ظنه، ولا كان مأمورا به، لان الشارع لا يأمر بالخطإ، وحيث
~~كان مأمورا باتباعه، دل. على كونه صوابا.
# الخامس: أنه لا خلاف في ترجيح الأدلة المتقابلة في المجتهدات بما لا
~~يستقل بإثبات أصل الحكم ولا نفيه، فدل على أن الدليل من الجانبين ما هو
~~خارج عن الترجيح، فالدليل على كل واحد من الحكمين قائم، فكان حقا.
# السادس: أن حصر الحق في جهة واحدة مما يفضي إلى الضيق والحرج، وهو منفي
~~بقوله تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (الحج: 78) وقوله تعالى *
~~(يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) * (البقرة: 185).
# السابع: أنه لو كان المجتهد مخطئا، لما علم كونه مغفورا له، واللازم
~~ممتنع.
# وبيان الملازمة أنه لو كان مخطئا، فلا يخلو:
# إما أن لا يجوز كونه مخطئا، أو يجوز كونه مخطئا:
# الأول محال، فإن ms888 من قال بالتخطئة لم يعين الخطأ في واحد، بل أمكن أن يكون
~~قائلا بالنفي أو الاثبات.
# والثاني فلا يخلو: إما أن يعلم مع تجويز كونه مخطئا، أنه قد انتهى في
~~النظر إلى الرتبة التي يغفر له بترك ما بعدها، أو لا يعلم ذلك:
# الأول محال، فإن المجتهد لا يميز ما بين الرتبتين.
# وإن كان الثاني، فهو مجوز لترك النظر الذي إذا أخل به بعد النظر الذي
~~انتهى إليه لا يكون مغفورا له، وذلك ممتنع مخالف لاجماع الأمة على ثواب كل
~~مجتهد وغفران ما أخل به من النظر.
# والجواب عن الآية أن غايتها الدلالة على أن كل واحد منهما أوتي حكما
~~وعلما، وهو نكرة في سياق الاثبات، فيخص، وليس فيه ما يدل على أنه أوتي حكما
~~وعلما فيما حكم به. وقد أمكن حمل ذلك على أنه أوتي حكما وعلما بمعرفة
~~دلالات الأدلة على مدلولاتها، وطرق الاستنباط، فلا يبقى حجة في غيره.
~~PageV04P194
# وعن السنة أن الخبر، وإن كان عاما في الأصحاب والمقتدين بهم، غير أن ما
~~فيه الاقتداء غير عام، ولا يلزم من العموم في الأشخاص، العموم في الأحوال.
# وعلى هذا، فقد أمكن حمله على الاقتداء في الرواية عن النبي عليه السلام،
~~لا في الرأي والاجتهاد. وقد عمل به فيه، فلا يبقى حجة فيما عداه، ضرورة
~~إطلاقه.
# وعن الاجماع أنه إنما لم ينكر بعض الصحابة على بعض المخالفة، لان المخطئ
~~غير معين، ومع ذلك، فهو مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، ومثاب عليه. والذي يجب
~~إنكاره من الخطأ ما كان مخطئه معينا، وهو منهي عنه. وما نحن فيه ليس كذلك.
# وعن الشبهة الأولى من المعقول: لا نسلم أنه لو كان الحكم في الواقعة
~~معينا لنصب الله عليه دليلا قاطعا، إذ هو مبني على وجوب رعاية الحكمة في
~~أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في كتبنا الكلامية. وإن سلمنا وجوب رعاية
~~الحكمة، ولكن لا مانع أن تكون الحكمة طلب الظن بذلك الحكم، بناء على الأدلة
~~الظنية، لا طلب العلم به لنيل ثواب النظر والاجتهاد. فإن ms889 ثوابه لزيادة
~~المشقة فيه أزيد، على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك وإن لم تظهر
~~فيه حكمة، فلا مانع من اختصاصه بحكمة لا يعلمها سوى الرب تعالى.
# وعن الثانية أنه إنما خير العامي في التقليد لمن شاء، لكونه لا يقدر على
~~معرفة الا علم دون معرفة مأخذ المجتهدين، ووجه الترجيح فيه. وذلك مما يخرجه
~~عن العامية، ويمنعه من جواز الاستفتاء، بل غاية ما يقدر على معرفته كون كل
~~واحد منهما عالما أهلا للاجتهاد، ومن هذه الجهة قد استويا في نظره، فلذلك
~~كان مخيرا حتى إنه لو قدر على معرفة الأعلم ولو بإخبار العلماء بذلك، لم
~~يجز له تقليد غيره.
# وعن الثالثة أنه إنما امتنع نقض ما خالف الصواب لعدم معرفة الصواب من
~~الخطأ.
# وعن الرابعة أنها منقوضة بما إذا كان في المسألة نص أو إجماع ولم يعلم به
~~المجتهد بعد البحث التام فان الحكم فيها معين، ومع ذلك فالمجتهد مأمور
~~باتباع ما أوجبه ظنه. PageV04P195
# وعن الخامسة: أنا وإن سلمنا أن الترجيح قد يكون بما لا يستقل بالحكم، فلا
~~يمنع ذلك من اعتباره جزءا من الدليل.
# وعلى هذا فالمرجوح لا يكون دليلا، وإن كان دليلا، لكن لا نسلم جواز ترتب
~~الحكم على المرجوح مع وجود الراجح في نفس الامر. وعن السادسة: أن الحرج
~~إنما يلزم من تعيين الحق أن لو وجب على المجتهدين اتباعه قطعا.
# أما إذا كان ذلك مفوضا إلى ظنونهم واجتهاداتهم، فلا.
# كيف ويلزم على ما ذكروه ما إذا كان في المسألة نص أو إجماع، فإن الحكم
~~فيها يكون معينا، وإن لزم منه الحرج.
# وعن السابعة: بمنع ما ذكروه من الملازمة، وذلك لان الكلام إنما هو مفروض
~~فيما إذا علم المجتهد من نفسه انتهاءه في الاجتهاد واستفراغ الوسع إلى حد
~~يقطع بانتفاء قدرته على المزيد عليه، وذلك هو ضابط العلم بكونه مغفورا له
~~ما وراءه. PageV04P196
# المسألة السادسة اتفقوا في الأدلة العقلية المتقابلة بالنفي والاثبات،
~~على استحالة التعادل بينها.
# وذلك، لان دلالة الدليل العقلي يجب أن يكون مدلولها ms890 حاصلا، فلو تعادل
~~الدليلان في نفسيهما لزم من ذلك حصول مدلوليهما، كالدليل الدال على حدوث
~~العالم، والدال على قدمه، ويلزم من ذلك اجتماع النقيضين، وهو محال.
# واختلفوا في تعادل الأمارات الظنية.
# فذهب أحمد بن حنبل والكرخي إلى المنع من ذلك، وذهب القاضي أبو بكر
~~والجبائي وابنه وأكثر الفقهاء إلى جوازه، وهو المختار. وذلك، لأنه لو
~~استحال تعادل الامارتين في نفسيهما، فإما أن يكون ذلك محالا في ذاته، أو
~~لدليل خارج: الأول ممتنع، فإنا لو قدرنا ذلك، لم يلزم عنه لذاته محال عقلا،
~~وإن كان الدليل من خارج، عقليا كان أو شرعيا، فالأصل عدمه.
# وعلى مدعيه بيانه PageV04P197
# . فإن قيل: إذا قيل بتعادل الامارتين، فإما أن يعمل بكل واحدة منهما، أو
~~بأحديهما دون الأخرى، أو لا يعمل ولا بواحدة منهما:
# الأول محال، لما فيه من الجمع بين النقيضين، والثاني محال، لأنه إما أن
~~يعمل بواحدة منهما على طريق التعيين أو الابهام: فإن كان على طريق التعيين،
~~فلا أولوية مع التساوي وإن كان على سبيل التخيير، فهو ممتنع لوجوه ثلاثة:
# الأول: أن الأمة مجمعة على امتناع تخيير المكلفين في مسائل الاجتهاد.
# الثاني: أن التخيير إباحة للفعل والترك، وهو عمل بأمارة الإباحة، وهو
~~ممتنع. لما سبق.
# الثالث: أنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للمتخاصمين، وكذلك المفتي
~~للعامي، بين الحكم ونقيضه، وأن يحكم لزيد بحكم، ولعمرو بنقيضه، وأن يحكم في
~~يوم بحكم، وفي الغد بنقيضه، وذلك محال، والثالث أيضا محال، لما فيه من
~~الجمع بين النقيضين، ولأن وضع الامارتين يكون عبثا، والعبث في تصرفات
~~الشارع ممتنع.
# وأيضا فإن الحكم عند الله تعالى في الواقعة لا يكون إلا واحدا، على ما
~~سبق تقريره في المسألة المتقدمة، وهو الذي وقع عليه اختياركم، فلو تعادلت
~~الامارتان، لزم من ذلك التضليل والحيرة في إصابة الحق، وهو ممتنع على
~~الشارع الحكيم.
# والجواب عن الشبهة الأولى بمنع الحصر فيما ذكروه، إذ قد أمكن قسم ثالث،
~~وهو العمل بمجموعهما، بأن يكونا كالدليل الواحد، ومقتضاهما الوقف أو
~~التخيير. PageV04P198
# وإن سلمنا امتناع ذلك، فما ms891 المانع من العمل بإحداهما على طريق التخيير
~~بأن يعمل المكلف بما شاء منهما، إن شاء أثبت، وإن شاء نفي.
# قولهم: إن الأمة مجمعة على امتناع تخيير المكلف في مسائل الاجتهاد.
# قلنا: متى إذا ترجح في نظره إحدى الامارتين، أو إذا تعادلتا؟
# الأول مسلم، والثاني ممنوع، ولا بعد في التخيير عند التعارض مع التساوي،
~~نازلا منزلة ورود التخيير من الشارع بلفظ التخيير، كما في خصال الكفارة، أو
~~كما في التخيير بين إخراج الحقاق، وبنات اللبون، عندما إذا اجتمع في ماله
~~مائتان من الإبل بقوله عليه السلام في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حق
~~فإنه إن أخرج أربع حقاق، فقد عمل بالنص، وإن أخرج خمس بنات لبون، فقد عمل
~~بالنص.
# قولهم: إن التخيير إباحة للفعل والترك، وهو عمل بأمارة الإباحة، وترك
~~للامارة الوجوب - قلنا: إنما يلزم ذلك أن لو كان التخيير بين الفعل والترك
~~مطلقا، وليس كذلك.
# وإنما هو تخيير في العمل بأحد الحكمين، مشروطا بقصد العمل بدليله، كما في
~~التخيير بين القصر في السفر والاتمام، بشرط قصد العمل بدليل الرخصة، أو
~~دليل الاتمام.
# قولهم إنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للخصمين، والمفتي للعامي، بين
~~الحكمين المتناقضين، ليس كذلك، بل التخيير إنما هو للحاكم والمفتي في العمل
~~بإحدى الامارتين عند الحكم والفتوى، فلا بد من تعين ما اختاره، دفعا للنزاع
~~بين الخصوم، وللتحير عن المستفتى.
# وأما حكمه لزيد بحكم ولعمرو بنقيضه، فغير ممتنع، كما لو تغير اجتهاده.
# وكذلك الحكم في يوم وبنقيضه في الغد، وإنما يمتنع ذلك أن لو كان المحكوم
~~عليه واحدا، لما فيه من إضرار المحكوم عليه بالحكم له بحل النكاح و
~~الانتفاع بالملك في وقت، وتحريمه عليه في وقت آخر. وإن سلمنا امتناع
~~التخيير، فما المانع من ترك العمل بهما، والقول بتساقطهما.
# قولهم إنه يلزم منه الجمع بين النقيضين. إنما يلزم ذلك أن لو اعتقد نفي
~~الحل والإباحة. وأما إذا لم يعتقد شيئا من ذلك، فلا. PageV04P199
# قولهم إن وضع الامارتين يكون عبثا، فهو مبني على وجوب رعاية ms892 الحكمة في
~~أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في مواضعه. وبتقدير التسليم، فلا يمتنع
~~استلزام ذلك لحكمة استأثر الله تعالى بالعلم بها دون المخلوقين.
# كيف وقد أمكن أن تكون الحكمة فيه إيقاف المجتهد عن الجزم بالنفي أو
~~الاثبات.
# وعن الشبهة الثانية أنا وإن سلمنا أن الحكم في المسألة لا يكون إلا
~~واحدا، ولكن ما المانع من تعادل الامارات.
# قولهم: يلزم منه التحير والتضليل، إنما يلزم ذلك أن لو كان مكلفا بإصابة
~~ما هو الحكم عند الله تعالى، وليس كذلك. وإنما هو مكلف بما أوجبه ظنه، على
~~ما سبق. فإن لم يغلب على ظنه شئ، ضرورة التعادل، كان الواجب التخيير أو
~~التوقف أو التساقط.
# المسألة السابعة فيما يصح نسبته من الأقوال إلى المجتهد، وما لا يصح ولا
~~خلاف في صحة اعتقاد الوجوب والتحريم، أو النفي والاثبات معا، في مسألتين
~~مختلفتين، كوجوب الصلاة وتحريم الزنى، وفي اعتقاد الجمع بين الاحكام
~~المختلفة التي لا تقابل بينها في شئ واحد، كالتحريم ووجوب الحد، ونحوه، وفي
~~اعتقاد وجوب فعلين متضادين على البدل، كالاعتداد بالأطهار والحيض أو فعلين
~~غير متضادين كخصال الكفارة.
# وأما اعتقاد حكمين متقابلين في شئ واحد على سبيل البدل، فقد اختلفوا فيه،
~~وبينا مأخذ القولين في المسألة المتقدمة، وما هو المختار في ذلك
~~PageV04P200
# وأما ما يقال في هذه المسألة: للمجتهد الفلاني قولان، فلا يخلو إما أن
~~يكونا منصوصين في تلك المسألة، أو أحدهما منصوص عليه والآخر منقول، فإن كان
~~الأول فلا يخلو إما أن يكون التنصيص عليهما في وقتين، أو في وقت واحد فإن
~~كان ذلك في وقتين، فلا يخلو إما أن يكون التاريخ معلوما أو غير معلوم:
# فإن كان الأول، فالقول الثاني ناسخ للأول، وهو الذي يجب إسناده إليه، دون
~~الأول، لكونه مرجوعا عنه. وإن قيل إن الأول قوله، فليس إلا بمعنى أنه كان
~~قولا له، لا بمعنى انه الآن قوله ومعتقده، وإن كان الثاني، فيجب اعتقاد
~~نسبة أحدهما إليه والرجوع عن الآخر، وإن لم يكن ذلك معلوما ولا معينا.
# وعلى هذا، فيمتنع ms893 العمل بأحدهما قبل التبيين، لاحتمال أن يكون ما عمل به
~~هو المرجوع عنه.
# وهذا، كما إذا وجدنا نصين، وعلمنا أن أحدهما ناسخ للآخر، ولم يتبين لنا
~~الناسخ من المنسوخ، فإنه يمتنع العمل بكل واحد منهما، لاحتمال أن يكون ما
~~عمل به هو المنسوخ. وكذلك الراوي، فإنه إذا سمع كتابا من الاخبار سوى خبر
~~واحد منه، وأشكل عليه ما سمعه عن غيره، فإنه لا يجوز له رواية شئ منه،
~~لاحتمال أن يكون ذلك ما لم يروه.
# وأما إن كان التنصيص عليهما في وقت واحد، فإما أن ينص على الراجح منهما
~~بأن يقول: وهذا القول أولى، أو يفرع عليه دون الآخر، فيظهر من ذلك أن قوله
~~وما يجب أن يكون معتقدا له هو الراجح دون المرجوح.
# وأما أن لا يوجد منه ما يدل على الترجيح، كما نقل عن الشافعي ذلك في سبع
~~عشرة مسألة، فلا يخلو إما أنه ذكر ذلك بطريق الحكاية لأقوال من تقدم، فلا
~~تكون أقوالا له.
# وإما أن يكون ذلك بمعنى اعتقاده للقولين، وهو محال. وذلك لان دليلي
~~القولين إما أن يكون أحدهما راجحا على الآخر في نظره، أو هما متساويان.
~~PageV04P201
# فإن كان الأول فاعتقاده لحكم الدليل المرجوح ممتنع. وإن كان الثاني،
~~فاعتقاده للتحريم والإباحة معا، في شئ واحد من جهة واحدة محال.
# وإن كان معنى القولين التخيير بين الحكمين أو التردد والشك، كتردد
~~الشافعي في التسمية، هل هي آية من أول كل سورة؟ فذلك مما لا يصح معه نسبة
~~القولين إليه.
# ولهذا فإن من قال بالتخيير بين خصال الكفارة لا يقال إن له في الكفارة
~~أقوالا.
# وكذلك من شك في شئ وتردد فيه، لا يقال: له فيه أقوال، وإنما يمكن تصحيح
~~ذلك بأن يحمل قوله (في المسألة قولان) على أنه قد وجد فيها دليلين
~~متعارضين، ولا موجود سواهما، إما نصان، أو استصحابان، كما إذا أعتق عن
~~كفارته عبدا غائبا منقطع الخبر. فإن الأصل بقاء حياته، والأصل بقاء اشتغال
~~الذمة، أو أصلان مختلفان، والمسألة مشابهة لكل واحد من الأصلين ms894 على السوية،
~~ويمكن أن يقول بكل واحد منهما قائل، فقوله بوجود هذا الاحتمال، وهذا
~~الاحتمال، قولان، لكنه ليس قولا بحكم شرعي.
# وأما إن كان منصوصا عليه والآخر منقولا، فذلك إنما يتصور في صورتين
~~متناظرتين، وعند ذلك، فلا يخلو إما أن يظهر بين الصورتين فارق، أو لا يظهر:
~~فإن ظهر بينهما فارق، فالنقل يكون ممتنعا.
# وإن لم يظهر بينهما فارق، وكان الامام قد نص على حكم الصورتين، فلا يخلو
~~إما أن يكون قد نص عليهما في وقتين، أو في وقت واحد.
# فإن كان في وقتين: فإما أن يكون التاريخ معلوما، أو غير معلوم، فإن كان
~~معلوما، فتنصيصه على الحكم الأخير، يستلزم ثبوت مثله في الصورة المنصوص
~~عليها، أولا، ضرورة عدم الفرق، ويلزم من ذلك رجوعه عن الحكم المنصوص عليه
~~أولا. وإن لم يكن التاريخ معلوما، فيجب اعتقاد اشتراك الصورتين في أحد
~~الحكمين، وهو ما نص عليه آخرا، وإن لم يكن معلوما بعينه. وعلى هذا، فلا
~~يمكن العمل بأحدهما على سبيل التعيين، لجواز أن يكون هو المرجوع عنه، كما
~~أسلفناه، وأما إن نص على حكمي الصورتين في وقت واحد، فهو كما لو نص عليهما
~~في صورة واحدة، وقد عرف ما فيه. PageV04P202
# المسألة الثامنة اتفقوا على أن حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل
~~الاجتهادية لمصلحة الحكم، فإنه لو جاز نقض حكمه إما بتغيير اجتهاده، أو
~~بحكم حاكم آخر، لأمكن نقض الحكم بالنقض، ونقض نقض النقض، إلى غير النهاية.
~~ويلزم من ذلك اضطراب الاحكام، وعدم الوثوق بحكم الحاكم، وهو خلاف المصلحة
~~التي نصب الحاكم لها.
# وإنما يمكن نقضه بأن يكون حكمه مخالفا لدليل قاطع، من نص أو إجماع أو
~~قياس جلي، وهو ما كانت العلة فيه منصوصة، أو كان قد قطع فيه بنفي الفارق
~~بين الأصل والفرع، كما سبق تحقيقه. ولو كان حكمه مخالفا لدليل طني من نص أو
~~غيره، فلا ينقض ما حكم به بالظن، لتساويهما في الرتبة ولو حكم على خلاف
~~اجتهاده، مقلدا لمجتهد آخر، فقد اتفقوا على امتناعه، وإبطال حكمه، ms895 ولو كان
~~الحاكم مقلدا لامام، وحكم بحكم يخالف مذهب إمامه، فإن قضينا بصحة حكم
~~المقلد ضرورة عدم المجتهد في زماننا، فنقض حكمه مبني على الخلاف في أنه هل
~~يجوز له تقليد غير إمامه؟ فإن منعنا من ذلك، نقض، وإلا فلا.
# وأما المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى حكم في حق نفسه، كتجويز نكاح المرأة
~~بلا ولي. ثم تغير اجتهاده، فإما أن يتصل بذلك حكم حاكم آخر، أو لا يتصل:
# فإن كان الأول لم ينقض الاجتهاد السابق، نظرا إلى المحافظة على حكم
~~الحاكم ومصلحته.
# وإن كان الثاني، لزمه مفارقة الزوجة، وإلا كان مستديما لحل الاستمتاع بها
~~على خلاف معتقده، وهو خلاف الاجماع.
# وأما إن كان قد أفتى بذلك لغيره، وعمل ذلك الغى بفتواه. ثم تغير اجتهاده،
~~فقد اختلفوا في أن المقلد هل يجب عليه مفارقة الزوجة، لتغير اجتهاد مفتيه.
# والحق وجوبه، كما لو قلد من ليس له أهلية الاجتهاد في القبلة، من هو من
~~أهل الاجتهاد فيها، ثم تغير اجتهاده إلى جهة أخرى في أثناء صلاة المقلد له،
~~فإنه يجب عليه التحول إلى الجهة الأخرى، كما لو تغير اجتهاد ه هو في نفسه.
~~PageV04P203
# المسألة التاسعة المكلف إذا كان قد حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في
~~مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها، وأداه اجتهاده إلى حكم فيها، فقد اتفق
~~الكل على أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين، في خلاف ما أوجبه ظنه،
~~وترك ظنه.
# وإن لم يكن قد اجتهد فيها، فقد اختلفوا فيه.
# فقال أبو علي الجبائي: الأولى له أن يجتهد، وإن لم يجتهد وترك الأولى،
~~جاز له تقليد الواحد من الصحابة، إذا كان مترجحا في نظره على غيره ممن
~~خالفه، وإن استووا في نظره يخير في تقليد من شاء منهم، ولا يجوز له تقليد
~~من عداهم.
# وبه قال الشافعي في رسالته القديمة.
# ومن الناس من قال: يجوز له تقليد الواحد من الصحابة أو التابعين، دون من
~~عداهم، قال محمد بن الحسن: يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه، ولا يقلد ms896 من
~~هو مثله أو دونه، وسواء كان من الصحابة أو غيرهم، وقال ابن سريج: يجوز
~~تقليد العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد.
# وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري يجوز تقليد العالم
~~للعالم مطلقا.
# وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان. وقال بعض أهل العراق: يجوز تقليد العالم
~~فيما يفتي به، وفيما يخصه. ومنهم من قال بجواز ذلك فيما يخصه دون ما يفتى
~~به.
# ومن هؤلاء من خصص ذلك بما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد.
# وذهب القاضي أبو بكر وأكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم للعالم، سواء
~~كان أعلم منه، أو لم يكن. وهو المختار.
# إلا أن القائلين بذلك قد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها والتنبيه على
~~ضعفها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.
# الحجة الأولى: أن من له أهلية الاجتهاد متمكن من الاجتهاد، فلا يجوز مع
~~ذلك مصيره إلى قول غيره، كما في العقليات. PageV04P204
# الثانية: أنه لو كان قد اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام، لم يجز
~~له تقليد غيره، وترك ما أدى إليه اجتهاده، فكذا لا يجوز له تقليده قبل
~~الاجتهاد لامكان أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف رأي من قلده.
# الثالثة: أنه لو جاز لغير الصحابة تقليد الصحابة مع تمكنه من الاجتهاد
~~لجاز لبعض الصحابة من المجتهدين تقليد البعض، ولو جاز ذلك، لما كان
~~لمناظراتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى.
# الرابعة: أن الصحابة كانت تترك ما رأته باجتهادها لما تسمعه من الخبر عن
~~النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عمل غيرهم بالخبر وترك العمل برأيهم، أولى.
# ولقائل أن يقول على الحجة الأولى: إنما لم يجز التقليد العقليات، ضرورة
~~أن المطلوب فيها هو العلم، وهذا غير حاصل بالتقليد، بخلاف مسائل الاجتهاد،
~~فإن المطلوب فيها هو الظن، وهو حاصل بالتقليد فافترقا.
# وعلى الثانية أنه إذا اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام، فوثوقه به
~~أتم من وثوقه بما يقلد فيه الغير، لأنه مع مساواة اجتهاده لاجتهاد الغير،
~~يحتمل أن ms897 لا يكون الغير صادقا فيما أخبر به عن اجتهاده والمجتهد لا يكابر
~~نفسه فيما أدى إليه اجتهاده.
# وقبل أن يجتهد لم يحصل له الوثوق بحكم ما، فلا يلزم من امتناع التقليد مع
~~الاجتهاد امتناعه مع عدمه.
# وعلى الثالثة أن من المخالفين في هذه المسألة من يجوز تقليد الصحابة
~~بعضهم لبعض، إذا كان المقلد أعلم، كما سبق في تفصيل المذاهب في أول
~~المسألة.
# وبتقدير التسليم، فلا يخفى أن الوثوق باجتهاد الصحابي لمشاهدة الوحي
~~والتنزيل، ومعرفة التأويل، والاطلاع على أحوال النبي، (ص) وزيادة اختصاص
~~الصحابة بالتشدد في البحث عن قواعد الدين، وتأسيس الشريعة، وعدم تسامحهم
~~فيها، PageV04P205
# أشد من غيرهم، على ما قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه أتم
~~من الوثوق باجتهاد غير الصحابي. وما مثل هذا التفاوت فغير واقع بين
~~الصحابة.
# وعلى هذا، فلا يلزم من جواز تقليد غير الصحابي للصحابي، تقليد الصحابي
~~للصحابي . وعن الرابعة أن الخبر لا يخلو إما أن يكون صريحا في مناقضة مذهب
~~الصحابي، أو لا يكون صريحا، بل دلالته على ذلك ظنية اجتهادية:
# فإن كان الأول، فلا خفاء في امتناع تقليد الصحابي معه، كما يمتنع على
~~الصحابي العمل برأيه مع ذلك الخبر. وإن كان الثاني، فلا نسلم أنه يجب على
~~الصحابي الرجوع إليه مع استمراره على اعتقاد ما رآه أولا وترجيح ما أداه
~~إليه اجتهاده على ذلك الخبر. وعلى ذلك، فلا يمتنع تقليد الصحابي مع وجود
~~ذلك الخبر.
# والمعتمد في المسألة أن يقال: القول بجواز التقليد حكم شرعي، ولا بد له
~~من دليل، والأصل عدم ذلك الدليل، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه، ولا يلزم من
~~جواز ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم، جواز
~~ذلك في حق من له أهلية التوصل إلى الحكم، وهو قادر عليه، ووثوقه به أتم مما
~~هو مقلد فيه، لما سبق.
# فإن قيل: دليل جواز التقليد في حق من لم يجتهد، وإن كانت له أهلية
~~الاجتهاد، الكتاب والسنة، والاجماع، والمعقول.
# أما الكتاب فقوله تعالى * (فاسألوا ms898 أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) *
~~(النحل: 43) أمر بالسؤال، وأدنى درجاته جواز اتباع المسؤول واعتقاد قوله،
~~وليس المراد به من لم يعلم شيئا أصلا، بل من لم يعلم تلك المسألة، ومن لم
~~يجتهد في المسألة، وإن كانت له أهلية الاجتهاد فيها، غير عالم بها، فكان
~~داخلا تحت عموم الآية وأيضا قوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
~~وأولي الامر منكم) * () والمراد (بأولي الامر) العلماء، أمر غير العالم
~~بطاعة العالم، وأدنى درجاته جواز اتباعه فيما هو مذهبه.
# وأما السنة، فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم
~~PageV04P206
# وقوله (ص) عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وقوله عليه السلام
~~اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.
# وأما الاجماع، فهو أن عمر رجع إلى قول علي، رضي الله عنه، وإلى قول معاذ،
~~وبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان على اتباع سنة الشيخين أبي بكر وعمر، ولم
~~ينكر ذلك أحد من الصحابة، مع أن المقلد كان أهلا للاجتهاد، فصار ذلك
~~إجماعا. و أما المعقول، فهو أنه لا يقدر باجتهاده على غير الظن واتباع
~~المجتهد فيما ذهب إليه، مفيد للظن، والظن معمول به في الشرعيات، على ما سبق
~~تقريره، فكان اتباعه فيه جائزا.
# والجواب عن الآية الأولى أن المراد بأهل الذكر أهل العلم، أي المتمكن من
~~تحصيل العلم بأهليته فيما يسأل عنه، لا من العلم بالمسألة المسؤول عنها
~~حاضر عتيد لديه. فإن أهل الشئ. من هو متأهل لذلك الشئ، لا من حصل له ذلك
~~الشئ.
# والأصل تنزيل اللفظ على ما هو حقيقة فيه. وعلى هذا، فتخص الآية بسؤال من
~~ليس من أهل العلم، كالعامي، لمن هو أهل له. وما نحن فيه فهو من أهل العلم
~~بالتفسير المذكور، فلا يكون داخلا تحت الآية، لان الآية لا دلالة لها على
~~PageV04P207
# أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم، فإنه ليس السائل أولى بذلك من المسؤول.
# وعن الآية الثانية أن المراد (بأولي الامر) الولاة بالنسبة إلى الرعية،
~~والمجتهد ين بالنسبة إلى العوام، بدليل أنه أوجب الطاعة لهم. واتباع
~~المجتهد للمجتهد، ms899 وإن جاز عند الخصوم، فغير واجب بالاجماع، فلا يكون داخلا
~~تحت عموم الآية.
# وعن السنة ما سبق في مسألة مذهب الصحابي هل هو حجة أو لا؟
# وعن الاجماع: أما عمر فإنه لم يكن مقلدا لعلي ولمعاذ فيما ذهبا إليه، بل
~~لأنه اطلع من قوليهما على دليل أوجب رجوعه إليه وأما قصة عبد الرحمن بن
~~عوف، فقد سبق جوابها في المسائل المتقدمة.
# وعن المعقول أنه لو اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم، لم يجز له تقليد غيره
~~في خلاف ما أدى إليه اجتهاده، إجماعا، فلو جاز له التقليد مع عدم الاجتهاد،
~~لكان ذلك بدلا عن اجتهاده، والبدل دون المبدل، والأصل أن لا يجوز العدول
~~إلى البدل مع إمكان تحصيل المبدل، مبالغة في تحصيل الزيادة من مقصوده،
~~اللهم إلا أن يرد نص بالتخيير يوجب إلغاء الزيادة من مقصود المبدل، أو نص
~~بأنه بدل عند العدم لا عند الوجود، كما في بنت مخاض وابن لبون عن خمس
~~وعشرين من الإبل، فإن وجود بنت مخاض يمنع من أداء ابن لبون، ولا يمتنع ذلك
~~عند عدمها. والأصل عدم ذلك النص، كيف وإن ما ذكروه معارض بقوله تعالى *
~~(فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) وقوله تعالى * (وما اختلفتم فيه
~~من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10) وقوله تعالى * (واتبعوا ما أنزل
~~إليكم من ربكم) * (الأعراف: 3) وقوله تعالى * (ولا تقف ما ليس لك به علم) *
~~(الاسراء: 36) PageV04P208
# وبقوله عليه السلام اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له وتقليد العالم للعالم
~~يلزم منه ترك الاعتبار، وترك العمل بحكم الله ورسوله، وترك ما أنزل،
~~واقتفاء ما ليس له به علم، وترك الاجتهاد المأمور به، وهو خلاف ظاهر النص.
~~وإذا تعارضت الأدلة، سلم لنا ما ذكرناه أولا.
# المسألة العاشرة اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقال للمجتهد: احكم، فإنك لا
~~تحكم إلا بالصواب.
# فأجاز ذلك قوم، لكن اختلفوا: فقال موسى بن عمران بجواز ذلك مطلقا ، للنبي
~~وغيره من العلماء.
# وقال أبو علي الجبائي بجواز ذلك للنبي خاصة، في أحد قوليه.
# وقد نقل عن الشافعي في ms900 كتاب الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنع
~~ومنع من ذلك الباقون.
# والمختار جوازه دون وقوعه، لكن لا بد من الإشارة إلى حجج عول عليها
~~المجوزون، بعضها يدل على الجواز، وبعضها يدل على الوقوع، والتنبيه على
~~ضعفها كالجاري من PageV04P209
# عادتنا، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المعتمد في هذه المسألة.
# وقد احتجوا بالنص، والاجماع، والمعقول.
# أما النص فمن جهة الكتاب والسنة.
# أما الكتاب فقوله تعالى * (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم
~~إسرائيل على نفسه) * (آل عمران: 93) أضاف التحريم إليه، فدل على كونه مفوضا
~~إليه، وأما السنة فمن وجوه.
# منها ما روي عن النبي عليه السلام، أنه لما قال في مكة لا يختلي خلاها
~~ولا يعضد شجرها قال له العباس: إلا الإذخر فقال النبي عليه السلام إلا
~~الإذخر ومعلوم أن ذلك لم يكن إلا من تلقاء نفسه، لعلمنا بأن الوحي لم ينزل
~~عليه في تلك الحالة ولولا أن الحكم مفوض إليه، لما ساغ ذلك.
# ومنها قوله عليه السلام لولا أن أشق على أمتي، لامرتهم بالسواك عند كل
~~صلاة.
# ومنها قوله عليه السلام عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق.
# ومنها ما روي أنه لما قيل له: أحجنا هذا لعامنا، أم للأبد؟ فقال بل للأبد
~~ولو قلت نعم لوجب أضاف الوجوب والعفو إلى أمره وفعله، ولولا أنه مفوض إلى
~~اختياره، لما جاز. PageV04P210
# ومنها ما روي عنه، عليه السلام، أنه أمر مناديا يوم فتح مكة أن اقتلوا
~~ابن حبابة وابن أبي سرح، ولو كانا متعلقين بأستار الكعبة ثم عفا عن ابن أبي
~~سرح بشفاعة عثمان، ولو كان قد أمر بقتله بوحي، لما خالفه بشفاعة عثمان.
# ومنها ما روي عنه عليه السلام، أنه لما قتل النضر بن الحارث، جاءته بنت
~~النضر، فأنشدته.
# ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق فقال عليه السلام
~~أما إني لو كنت سمعت شعرها ما قتلته ولو كان قتله بأمر من الله، لما خالفه،
~~وإن سمع شعرها.
# ومنها ما روي عنه عليه السلام، ms901 أنه لما قيل له إن ماعزا رجم، فقال لو
~~كنتم تركتموه حتى أنظر في أمره وذلك يدل على أن حكم الرجم كان مفوضا إلى
~~رأيه.
# ومنها قوله عليه السلام كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها،
~~PageV04P211
# وعن لحوم الأضاحي، ألا فانتفعوا بها وذلك يدل على تفويض الحل والحرمة في
~~ذلك إليه.
# وأما الاجماع فما نقل عن آحاد الصحابة فيما حكم به إن كان صوابا فمن الله
~~ورسوله، وإن كان خطأ، فمني ومن الشيطان أضاف الحكم إلى نفسه، ولم ينكر عليه
~~منكر، فصار ذلك إجماعا ومن ذلك ما شاع وذاع من رجوع آحاد الصحابة عما حكم
~~به أولا، من غير نكير عليه، ولو لم يكن ذلك من تلقاء نفسه، بل عن دليل من
~~الشارع، لما شاع ذلك منه، ولما جاز تطابق الصحابة على عدم الانكار عليه.
# وأما المعقول فمن وجوه.
# الأول: أنه إذا جاز تفويض الشارع إلى المكلف اختيار واحدة من خصال
~~الكفارة، جاز مثله في الاحكام.
# الثاني: أنه إذا جاز أن يفوض إلى العامي العمل بما شاء من فتوى أي
~~المجتهدين شاء من غير دليل، جاز مثله في الأحكام الشرعية بالنسبة إلى
~~المجتهدين الثالث: أنه إذا جاز الحكم بالامارة الظنية مع جواز الخطأ فيها
~~عن الصواب، جاز الحكم بما يختاره المجتهد من غير دليل، وإن جاز عدو له عن
~~جهة الصواب.
# ولقائل أن يجيب عن الآية: بأن إسرائيل لم يكن من جملة بنيه حتى يكون
~~داخلا في عموم الآية، وعند ذلك فيحتمل أن إسرائيل حرم ما حرم على نفسه،
~~بالاجتهاد، مستندا إلى دليل ظني، لا أنه عن غير دليل.
# وعن الخبر الأول أنه قد قيل إن الإذخر ليس من الخلا، فلا يكون داخلا فيما
~~حرم.
# وعلى هذا، فإباحته تكون بناء على استصحاب الحال، والاستثناء من العباس
~~والنبي عليه السلام، كان تأكيدا. PageV04P212
# وبتقدير أن يكون مستثنى حقيقة مما حرم بطريق التأسيس، لكن من المحتمل أن
~~يكون ذلك بوحي سابق، وهو الأولى لقوله تعالى في حق رسوله * (وما ينطق عن
~~الهوى إن ms902 هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3) أما أن يكون ذلك من تلقاء نفسه من
~~غير دليل، فلا.
# وعن الخبر الثاني أنه من الجائز أن الوحي نزل بتخييره في أمرهم بالسواك
~~الشاق عند كل صلاة، وعدم أمرهم بذلك، لا أن أمره لهم بالسواك يكون من تلقاء
~~نفسه، ويجب اعتقاد ذلك، لما سبق في الآية.
# وعن الخبر الثالث أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه، بمعنى أنه لم يأخذ صدقة
~~الخيل والرقيق منهم، لا بمعنى أنه المسقط لها. ودليله ما سبق في الآية.
# وعن الخبر الرابع أن قوله ولو قلت نعم لوجب لا يدل على أن الوجوب مستند
~~إلى قوله نعم من تلقاء نفسه، بل لأنه لا يقول ما يقول إلا بوحي، لما سبق في
~~الآية.
# وعن الخامس أنه يجوز أن يكون قد أبيح القتل وتركه بالوحي بدليل ما سبق في
~~الآية. وهو الجواب عن قصة النضر بن الحارث وماعز.
# وعن الخبر الأخير أنه إنما نهى، وأباح بعد النهي، بطريق الوحي، لا أن ذلك
~~من تلقاء نفسه.
# وعن الاجماع. أما إضافة الخطأ إلى أنفسهم، فلا يدل على أن من حكم منهم
~~أنه حكم من غير دليل، بل يمكن أن يكون حكمه بناء على ما ظنه دليلا، وهو
~~مخطئ فيه، ولو كان ذلك عن اختيار قد أبيح لهم العمل به، لما شكوا في كونه
~~صوابا.
# وأما رجوع آحاد الصحابة عما حكم به إلى غيره، فإنما كان ذلك لظهور الخطأ
~~له فيما ظنه دليلا على الحكم أولا، وقد سوغ له الحكم به. أما أن يكون ذلك
~~من غير دليل، فلا.
# وعن الوجه الأول من المعقول أنه لا يلزم من التخيير في خصال الكفارة من
~~غير اجتهاد، جواز ذلك في الأحكام الشرعية، بدليل أن العامي له أن يتخير في
~~خصال الكفارة. ومن قال بجواز التخيير في الأحكام الشرعية، لم يقض بجوازه
~~لغير المجتهد، ولو وقع التساوي بين الصورتين، لجاز ذلك للعامي، وهو ممتنع
~~بالاجماع.
# وبمثله يخرج الجواب عن الوجه الثاني.
# وعن الوجه الثالث أنه لا يلزم من ms903 جواز العمل بالامارة مع كونها مفيدة
~~PageV04P213
# للظن العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم.
# والمعتمد في المسألة أن يقال: لو امتنع ذلك، إما أن يمتنع لذاته، أو
~~لمانع من خارج، الأول محال فأنا إذا قدرناه لم يلزم عنه لذاته محال في
~~العقل وإن كان لمانع من خارج فالأصل عدمه، وعلى من يدعيه بيانه.
# فإن قيل: يمتنع ذلك لان الباري تعالى إنما شرع الشرائع لمصالح العباد،
~~فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد، فاختيار العبد متردد بين أن يكون مصلحة،
~~وبين أن يكون مفسدة، فلا نأمن من اختياره للمفسدة، وذلك خلاف ما وضعت له
~~الشريعة.
# والجواب عن هذا الاشكال أنه مبني على رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى،
~~وقد أبطلناه في موضعه، وإن سلمنا اعتبار ذلك في أفعاله تعالى، ولكن قد أمنا
~~في ذلك من اختيار المفسدة لقول الله اختر، فإنك لا تختار إلا الصواب.
# فإن قيل: يمتنع على الشارع قول ذلك، لاستحالة استمرار المكلف على اختيار
~~الصلاح دون الفساد، كما لا يجوز اتفاق الافعال الكثيرة المحكمة من غير علم،
~~ثم لو جاز ذلك في حق المجتهد، لجاز مثله في حق العامي، وليس كذلك.
# قلنا: دليل جواز ذلك من الشارع، أنا لو قدرنا وروده منه، لم يلزم عنه
~~لذاته محال.
# قولهم: إنه لا يتفق اختيار الصلاح في الافعال الكثيرة - قلنا: متى إذا
~~أخبر الصادق بذلك، أو إذا لم يخبر؟ الأول ممنوع. والثاني مسلم. وعلى هذا،
~~فلو قال للعامي مثل ذلك، كان جائزا عقلا. ثم وإن سلمنا أنه لا يتفق اختيار
~~المصلحة في الافعال الكثيرة، لكن متى إذا كانت المصلحة خارجة عن الفعل
~~المختار، أو إذا كانت المصلحة هي نفس الفعل المختار؟ الأول مسلم، والثاني
~~ممنوع. PageV04P214
# فإن قيل: فيلزم من ذلك الإباحة وإسقاط التكليف - قلنا:
# ليس كذلك، بل هو إيجاب التخيير، وإيجاب التخيير تكليف، لا أنه إباحة
~~وإسقاط للتكليف.
# فإن قيل إنما يحسن إيجاب ما يمكن الخلو منه، ويمتنع الخلو من الفعل
~~والترك، فلا يحسن إيجابه، قلنا هذا وإن استمر في إيجاب الفعل ms904 وتركه، فلا
~~يستمر في التخيير بين الاحكام التي يتصور الخلو منها، كالتخيير بين أن يكون
~~الفعل محرما أو واجبا. وذلك بأن يقال له: اختر إما التحريم وإما الوجوب،
~~وأيهما اخترت، فلا تختر إلا ما المصلحة فيه.
# ولا يخفى جواز الخلو منهما بالإباحة. وإن سلمنا أن المصلحة خارجة عن نفس
~~الفعل المختار، وأنه يمتنع اختيار المصلحة في الافعال الكثيرة، ولكن ما
~~المانع من ذلك في الافعال القليلة.
# فإن قيل: إنه إما أن يكون قد أوجب عليه اختيار ما المصلحة فيه، أو خيره
~~بين المصلحة والمفسدة، فإن كان الأول، فقد كلفه ما لا يطاق، حيث أوجب عليه
~~اختيار المصلحة من غير دليل، وإن كان الثاني، فهو محال على الشارع، لما فيه
~~من الاذن منه في فعل المفسدة، وهو خارج عن العدل.
# قلنا: إن أوجب عليه اختيار المصلحة، وإن كان تكليفا بما لا يطاق، فهو
~~جائز على ما سبق تقريره. وإن خيره بين أمرين، فلا يمتنع ذلك، كما أنه يوجب
~~عليه الحكم بما أوجبه ظنه من الامارة الظنية، وإن كان مخطئا مرتكبا
~~للمفسدة، كما تقرر قبل.
# وإذا جاز إيجاب فعل ما هو مفسدة مع عدم علم المكلف به جاز التخيير بين
~~المصلحة والمفسدة، مع عدم علم المكلف بذلك. PageV04P215
# المسألة الحادية عشرة القائلون بجواز الاجتهاد للنبي عليه السلام:
~~اختلفوا في جواز الخطأ عليه في اجتهاده.
# فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك وذهب أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب
~~الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة إلى جوازه، لكن بشرط أن لا يقر عليه،
~~وهو المختار، ودليله المنقول والمعقول.
# أما المنقول فمن جهة الكتاب والسنة.
# أما الكتاب فقوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين
~~صدقوا وتعلم الكاذبين) * (التوبة: 43) وذلك يدل على خطئه في إذنه لهم.
# وقوله تعالى في المفاداة في يوم بدر * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى
~~يثخن في الأرض) * (الأنفال: 67) إلى قوله تعالى * (لولا كتاب من الله سبق
~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) * (الأنفال: 68) حتى قال النبي عليه السلام ms905 لو
~~نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر لأنه كان قد أشار بقتلهم ونهى عن
~~المفاداة، وذلك دليل على خطئه في المفاداة.
# وقوله تعالى * (إنما أنا بشر مثلكم) * (الكهف: 110) أثبت المماثلة بينه
~~وبين غيره، وقد جاز الخطأ على غيره، فكان جائزا عليه، لان ما جاز على أحد
~~المثلين يكون جائزا على الآخر.
# وأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام، أنه قال إنما أحكم بالظاهر،
~~وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشئ من
~~PageV04P216
# مال أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار وذلك يدل على أنه قد
~~يقضي بما لا يكون حقا في نفس الامر.
# وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما
~~تنسون، فإذا نسيت فذكروني.
# وأيضا ما اشتهر عنه عليه السلام، من نسيانه في الصلاة وتحلله عن ركعتين
~~في الرباعية في قصة ذي اليدين، وقول ذي اليدين أقصرت الصلاة أم سهوت؟ فقال
~~النبي عليه السلام: أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم.
# وأما المعقول فإنه لو امتنع وقوع الخطأ منه في اجتهاده، فإما أن يكون ذلك
~~لذاته، أو لأمر من خارج: لا جائز أن يقال بالأول، فإنا لو فرضناه، لم يلزم
~~عنه المحال لذاته عقلا. وإن كان لأمر خارج، فالأصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه
~~فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من ثلاثة أوجه.
# الأول: أنا قد أمرنا باتباع حكمه، على ما قال تعالى * (فلا وربك لا
~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت،
~~ويسلموا تسليما) * (النساء: 65) فلو جاز عليه الخطأ في حكمه، لكنا، قد
~~أمرنا باتباع الخطأ، والشارع لا يأمر بالخطإ.
# الثاني: أن الأمة إذا أجمعت على حكم مجتهد فيه، كان إجماعهم معصوما عن
~~الخطأ، كما سبق بيانه. ولو جاز على النبي الخطأ في اجتهاده، لكانت الأمة
~~أعلى رتبة منه، وذلك محال. PageV04P217
# الثالث: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة اتباع النبي عليه السلام،
~~في الأحكام الشرعية ، إقامة ms906 لمصالح الخلق، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه،
~~لأوجب ذلك التردد في قوله والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهو
~~محال.
# والجواب عن الاشكال الأول أنه يلزم على ما ذكروه أمر الشارع للعامي
~~باتباع قول المفتي مع جواز خطئه. فما هو جواب لهم في صور الالزام، فهو جواب
~~لنا في محل النزاع.
# وعن الاشكال الثاني أن من الناس من منع من تصور انعقاد الاجماع عن
~~الاجتهاد، فضلا عن وقوعه وامتناع الخطأ فيه.
# ومنهم من جوزه، وجوز مع ذلك مخالفته لامكان الخطأ فيه، كما سبق ذكره في
~~مسائل الاجماع.
# وبتقدير التسليم لانعقاد الاجماع عن الاجتهاد، وامتناع الخطأ فيه، فلا
~~مانع منه، ولا يلزم من ذلك علو رتبة الأمة على رتبة النبي عليه السلام، مع
~~اختصاصه بالرسالة، وكون عصمة الاجماع مستفادة من قوله، وأنه الشارع المتبع،
~~وأهل الاجماع متبعون له، ومأمورون بأوامره، ومنهيون بنواهيه. ولا كذلك
~~بالعكس.
# وعن الثالث: أن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن الله تعالى أو امره
~~ونواهيه.
# والمقصود من إظهار المعجزات إظهار صدقه فيما يدعيه من الرسالة والتبليغ
~~عن الله تعالى، وذلك مما لا يتصور خطؤه فيه بالاجماع. ولا كذلك ما يحكم به
~~عن اجتهاده، فإنه لا يقول ما يقوله فيه عن وحي، ولا بطريق التبليغ، بل حكمه
~~فيه حكم غيره من المجتهدين، فتطرق الخطأ إليه في ذلك لا يوجب الاخلال بمعنى
~~البعثة والرسالة. PageV04P218
# المسألة الثانية عشرة اختلفوا في النافي، هل عليه دليل أو لا؟
# منهم من قال: لا دليل عليه، وسواء كان ذلك من القضايا العقلية أو
~~الشرعية.
# ومنهم من أوجب ذلك عليه في الموضعين، ومنهم من أوجبه عليه في القضايا
~~العقلية، دون الشرعية والمختار إنما هو التفصيل. وهو أن النافي إما أن يكون
~~نافيا بمعنى ادعائه عدم علمه بذلك وظنه، أو مدعيا للعمل، أو الظن بالنفي:
# فإن كان الأول، فالجاهل لا يطالب بالدليل على جهله، ولا يلزمه ذلك، كما
~~لا يطالب على دعواه: أني لست أجد ألما، ولا جوعا، ولا حرا، ولا بردا، ms907 إلى
~~غير ذلك.
# وإن كان الثاني، فلا يخلو إما أن يدعي العلم بنفي ما نفاه ضرورة، أو لا
~~بطريق الضرورة:
# فإن كان الأول، فلا دليل عليه أيضا، لأنه إن كان صادقا في دعوى الضرورة،
~~فالضروري لا يطالب بالدليل عليه. وإن لم يكن صادقا في دعواه الضرورة، فلا
~~يطالب بالدليل عليه أيضا، فإنه ما ادعى حصوله له عن نظر. ويكفي المنع في
~~انقطاعه، حيث إنه لا يقدر على تحقيق الضرورة في ذلك، والنظر غير مدعى له،
~~وإن ادعى العلم بنفيه لا بطريق الضرورة، فلا يخلو إما أن لا يكون قد حصل له
~~بطريق مفض إليه، أو يكون بطريق مفض إليه: لا جائز أن يقال بالأول، لان حصول
~~علم غير ضروري من غير طريق يفضي إليه، محال.
# وإن كان الثاني، فلا بد عند الدعوى والمطالبة بدليلها من ذكره وكشفه
~~لينظر فيه. وإلا كان قد كتم علما نافعا مست الحاجة إلى إظهاره، ودخل تحت
~~قوله، عليه السلام من كتم علما نافعا فقد تبوأ مقعده من النار ولأنه لا فرق
~~في ذلك في دعوى الاثبات والنفي، وقد وجب على مدعي الاثبات ذكر الدليل،
~~فكذلك في دعوى النفي، كيف وإن الاجماع منعقد على أن من ادعى الوحدانية لله
~~تعالى وقدمه PageV04P219
# أنه يجب عليه إقامة الدليل، وإن كان حاصل دعوى الوحدانية نفي الشريك،
~~وحاصل دعوى القدم نفي الحدوث والأولية. ولهذا، نبه الله تعالى على نفي آلهة
~~غير الله على الدليل في قوله تعالى * (لو كان فيهما آلهة إلا الله، لفسدتا)
~~* الآية.
# فإن قيل: فماذا تقولون فيما إذا ادعى رجل أنه نبي، ولم تقم على دعواه
~~بينة؟
# هل يلزم المنكرين لنبوته إقامة الدليل على أنه ليس بنبي، أو لا يلزم؟
# وكذلك من أنكر وجوب صلاة سادسة أو صوم شوال، أو المدعى عليه بحق، إذا
~~أنكر ما ادعي عليه به، هل يلزمه إقامة الدليل على ما نفاه أو لا؟ إن قلتم
~~بالأول، فهو خلاف الاجماع، وإن قلتم بالثاني مع كونه نافيا في قضية غير
~~ضرورية، فقد سلمتم محل ms908 النزاع.
# قلنا: النفي في جميع هذه الصور لم يخل عن دليل يدل على النفي. غير أنه قد
~~يكتفي بظهوره عن ذكره، وهو البقاء على النفي الأصلي، واستصحاب الحال مع عدم
~~القاطع له، وهو ما يدل على النبوة، وما يدل على وجوب صلاة سادسة، وعلى وجوب
~~صوم شوال، وشغل الذمة.
# وإذا قيل إن النافي عليه دليل، فالدليل المساعد في ذلك إما نص وارد من
~~الشارع يدل على النفي، أو إجماع من الأمة، وإما التمسك باستصحاب النفي
~~الأصلي، وعدم الدليل المغير القاطع، وإما الاستدلال بانتفاء اللازم على
~~انتفاء الملزوم.
# وهل يمكن الاستدلال على النفي بالقياس الشرعي؟ اختلفوا فيه، بناء على
~~الاختلاف في جواز تخصيص العلة، ولا فرق في ذلك بين قياس العلة، والدلالة،
~~والقياس في معنى الأصل. PageV04P220
# الباب الثاني في التقليد، والمفتي، والمستفتي، وما فيه الاستفتاء. وما
~~يتشعب عن ذلك من المسائل أما (التقليد) فعبارة عن العمل بقول الغير من غير
~~حجة ملزمة، وهو مأخوذ من تقليده بالقلادة وجعلها في عنقه، وذلك كالاخذ بقول
~~العامي، وأخذ المجتهد بقول من هو مثله. وعلى هذا، فالرجوع إلى قول النبي
~~عليه السلام، وإلى ما أجمع عليه أهل العصر من المجتهدين، ورجوع العامي إلى
~~قول المفتي، وكذلك عمل القاضي بقول العدول، لا يكون تقليدا، لعدم عروة عن
~~الحجة الملزمة.
# أما في قبول قول الرسول، فما دل على وجوب تصديقه من المعجزة، ووجوب قبول
~~قول الاجماع قول الرسول، ووجوب قبول قول المفتي والشاهدين، الاجماع على
~~ذلك، وإن سمي ذلك تقليدا بعرف الاستعمال، فلا مشاحة في اللفظ. PageV04P221
# وأما (المفتي) فلا بد وأن يكون من أهل الاجتهاد، وإنما يكون كذلك بأن
~~يكون عارفا بالأدلة العقلية، كأدلة حدوث العالم، وأن له صانعا، وأنه واحد
~~متصف بما يجب له من صفات الكمال والجلال، منزه عن صفات النقص والخلل، وأنه
~~أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وأيده بالمعجزات الدالة على صدقه في رسالته،
~~وتبليغه للأحكام الشرعية ، وأن يكون مع ذلك عارفا بالأدلة السمعية
~~وأنواعها، واختلاف مراتبها في جهات دلالاتها، والناسخ والمنسوخ منها، ms909
~~والمتعارضات، وجهات الترجيح فيها، وكيفية استثمار الاحكام منها، على ما سبق
~~تعريفه، وأن يكون عدلا ثقة حتى يوثق به فيما يخبر عنه من الأحكام الشرعية،
~~ويستحب له أن يكون قاصدا للارشاد وهداية العامة إلى معرفة الأحكام الشرعية،
~~لا بجهة الرياء والسمعة، متصفا بالسكينة والوقار، ليرغب المستمع في قبول ما
~~يقول، كافا نفسه عما في أيدي الناس، حذرا من التنفير عنه . وأما (المستفتي)
~~فلا يخلو إما أن يكون عالما قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو لم يكن كذلك:
# فإن كان الأول قد اجتهد في المسألة وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام ،
~~فلا خلاف في امتناع اتباعه لغيره في خلاف ما أداه إليه اجتهاده، وإن لم يكن
~~قد اجتهد فيها فقد اختلفوا في جواز اتباعه لغيره من المجتهدين فيما أدى
~~إليه اجتهاده وقد سبق الكلام فيه بجهة التفصيل، وما هو المختار.
# وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يخلو إما أن يكون عاميا صرفا، لم يحصل له
~~شئ من العلوم التي يترقى بها إلى رتبة الاجتهاد، أو أنه قد ترقى عن رتبة
~~العامة بتحصيل بعض العلوم المعتبرة في رتبة الاجتهاد:
# فإن كان الأول، فقد اختلف في جواز اتباعه لقول المفتي، والصحيح أن وظيفته
~~اتباع قول المفتي على ما يأتي. وإن كان الثاني، فقد تردد أيضا فيه، والصحيح
~~أن حكمه حكم العامي.
# وأما ما فيه (الاستفتاء) فلا يخلو إما أن يكون من القضايا العلمية، أو
~~الظنية الاجتهادية: فإن كان الأول، فقد اختلف أيضا في جواز اتباع قول الغير
~~فيه، والحق امتناعه، كما يأتي. وإن كان الثاني، فهو المخصوص بجواز
~~الاستفتاء عنه ووجوب اتباع قول المفتي.
# وإذ أتينا على ما حققناه فلنرجع إلى المسائل المتشعبة عنه وهي ثمان.
~~PageV04P222
# المسألة الأولى اختلفوا في جواز التقليد في المسائل الأصولية المتعلقة
~~بالاعتقاد في وجود الله تعالى، وما يجوز عليه، وما لا يجوز عليه، وما يجب
~~له، وما يستحيل عليه.
# فذهب عبيد الله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية إلى جوازه.
# وربما قال بعضهم إنه الواجب على المكلف، وإن النظر ms910 في ذلك والاجتهاد فيه
~~حرام.
# وذهب الباقون إلى المنع منه، وهو المختار لوجوه.
# الأول أن النظر واجب، وفي التقليد ترك الواجب، فلا يجوز. ودليل وجوبه أنه
~~لما نزل قوله تعالى * (إن في خلق السماوات والأرض) * (البقرة: 164) الآية،
~~قال عليه السلام ويل لمن لاكها بين لحييه، ولم يتفكر فيها توعد على ترك
~~النظر والتفكر فيها، فدل على وجوبه.
# الثاني أن الاجماع من السلف منعقد على وجوب معرفة الله تعالى، وما يجوز
~~عليه، وما لا يجوز، فالتقليد إما أن يقال إنه محصل للمعرفة، أو غير محصل
~~لها:
# القول بأنه محصل للمعرفة ممتنع لوجوه:
# الأول أن المفتي بذلك غير معصوم، ومن لا يكون معصوما، ولا يكون خبره واجب
~~الصدق، وما لا يكون واجب الصدق، فخبره لا يفيد العلم.
# الثاني أنه لو كان التقليد يفيد العلم، لكان العلم حاصلا لمن قلد في حدوث
~~PageV04P223
# العالم، ولمن قلد في قدمه، وهو محال، لافضائه إلى الجمع بين كون العالم
~~حادثا وقديما.
# الثالث أنه لو كان التقليد مفيدا للعمل، فالعلم بذلك إما أن يكون ضروريا،
~~أو نظريا: لا جائز أن يكون ضروريا، وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء، ولأنه
~~لو خلا الانسان ودواعي نفسه من مبدأ نشئة لم يجد ذلك من نفسه أصلا، والأصل
~~عدم الدليل المفضي إليه، فمن ادعاه لا بد له من بيانه.
# الوجه الثالث من الوجوه الأول أن التقليد مذموم شرعا، فلا يكون جائزا،
~~غير أنا خالفنا ذلك في وجوب اتباع العامي المجتهد، وفيما ذكرناه من الصور
~~فيما سبق، لقيام الدليل على ذلك، والأصل عدم الدليل الموجب للاتباع فيما
~~نحن فيه، فنبقي على مقتضي الأصل. وبيان ذم التقليد قوله تعالى حكاية عن قوم
~~* (إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون) * () ذكر ذلك في
~~معرض الذم لهم.
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من وجوه:
# الأول أن النظر غير واجب لوجوه. الأول أنه منهي عنه، ودليل النهي عنه
~~الكتاب والسنة:
# أما الكتاب فقوله تعالى * (وما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) *
~~(غافر: 4) والنظر يفضي ms911 إلى فتح باب الجدال، فكان منهيا عنه.
# وأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام، أنه نهى الصحابة لما رآهم
~~يتكلمون في مسألة القدر، وقال إنما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا وقال
~~عليه السلام عليكم بدين العجائز وهو ترك النظر، ولو كان النظر واجبا لما
~~كان منهيا عنه. PageV04P224
# الثاني أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض والنظر في المسائل الكلامية
~~مطلقا، ولو وجد ذلك منهم، لنقل، كما نقل عنهم النظر في المسائل الفقهية،
~~ولو كان النظر في ذلك واجبا، لكانوا أولى بالمحافظة عليه.
# الثالث أنه لم ينقل عن النبي عليه السلام، ولا عن أحد من الصحابة
~~والتابعين إلى زمننا هذا الانكار على من كان في زمانهم من العوام، ومن ليس
~~له أهلية النظر على ترك النظر، مع أنهم أكثر الخلق، بل كانوا حاكمين
~~بإسلامهم، مقرين لهم على ما هم عليه.
# الرابع لو كان النظر في معرفة الله تعالى واجبا، فإما أن يجب على العارف،
~~أو على غير العارف: الأول محال، لما فيه من تحصيل الحاصل، والثاني يلزم منه
~~أن يكون الجهل بالله تعالى واجبا ضرورة توقف النظر الواجب عليه، وأن ما لا
~~يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأنه يلزم منه توقف معرفة إيجاب الله تعالى
~~على معرفة ذاته، ومعرفة ذاته على النظر المتوقف على إيجابه، وهو دور.
# المعارضة الثانية أن النظر مظنة الوقوع في الشبهات واضطراب الآراء
~~والخروج إلى الضلال، بخلاف التقليد، فكان سلوك ما هو أقرب إلى السلامة
~~أولى. ولهذا، صادفنا أكثر الخلق على ذلك، فكان أولى بالاتباع.
# الثالثة أن أدلة الأصول فيما يرجع إلى الغموض والخفاء أشد من أدلة
~~الفروع، فإذا جاز التقليد في الفروع مع سهولة أدلتها، دفعا للحرج، فلان
~~يجوز ذلك في الأصول أولى.
# الرابعة أن الأصول والفروع قد استويا في التكليف بهما، وقد جاز التقليد
~~في الفروع، فكذلك في الأصول.
# والجواب عن المعارضة الأولى بمنع النهي عن النظر، وأما الآية، فالمراد
~~بهما إنما هو الجدال بالباطل على ما قال تعالى * (وجادلوا ms912 بالباطل ليدحضوا
~~به الحق) * (غافر: 5) دون الجدال بالحق، ودليله قوله تعالى * (وجادلهم
~~بالتي هي أحسن) * (النحل: 125) وقوله تعالى * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا
~~بالتي هي أحسن) * (العنكبوت: 46) PageV04P225
# ولو كان الجدال بالحق منهيا عنه، لما كان مأمورا به، ثم كيف يكون النظر
~~منهيا عنه، وقد أثنى الله تعالى على الناظرين بقوله تعالى * (ويتفكرون في
~~خلق السماوات والأرض) * (آل عمران: 191) أورد ذلك في معرض الثناء والمدح،
~~والمنهي عنه لا يكون ممدوحا عليه. وبه يخرج الجواب عن نهيه عن النظر في
~~القدر.
# وقوله عليه السلام عليكم بدين العجائز لم يثبت ولم يصح. وإن صح، فيجب
~~حمله على التفويض إلى الله تعالى فيما قضاه وأمضاه، جمعا بينه وبين ما
~~ذكرناه من الأدلة.
# قولهم (لم ينقل عن أحد من الصحابة النظر في ذلك) يلزم منه نسبة الصحابة
~~إلى الجهل بمعرفة الله تعالى، مع كون الواحد منا عالما بذلك، وهو محال.
~~وإذا كانوا عالمين بذلك، فليس العلم بذلك من الضروريات، فتعين إسناده إلى
~~النظر والدليل، وإنما لم تنقل عنهم المناظرة في ذلك لصفاء أذهانهم، وصحة
~~عقائدهم، وعدم من يحوجهم إلى ذلك. وحيث نقل عنهم ذلك في مسائل الفروع،
~~فلكونها اجتهادية، والظنون فيها متفاوتة، بخلاف المسائل القطعية.
# قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم ينكروا على العامة ترك
~~النظر. PageV04P226
# قلنا: إنما لم ينكروا ذلك لان المعرفة الواجبة كانت حاصلة لهم، وهي
~~المعرفة بالدليل من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل.
# قولهم (إن وجوب النظر يلزم منه وجوب الجهل بالله تعالى) إنما يلزم ذلك أن
~~لو كان الجهل مقدورا للعبد، وهو غير مسلم.
# قولهم (يلزم منه الدور) لا نسلم ذلك، فإن الواجب الشرعي عندنا غير متوقف
~~على النظر، كما سبق في مسألة شكر المنعم.
# قولهم (إن النظر مظنة الوقوع في الشبهات والتردي في الضلالات) قلنا:
~~فاعتقاد من يقلده إما أن يكون عن تقليد، أو نظر، ضرورة امتناع كونه ضروريا:
# فإن كان الأول، فالكلام فيمن قلده كالكلام فيه، وهو تسلسل ممتنع، وإن كان
~~الثاني فالمحذور اللازم من ms913 النظر لازم في التقليد مع زيادة، وهو احتمال كذب
~~من قلده فيما أخبره به، بخلاف الناظر مع نفسه، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى
~~إليه نظره.
# قولهم إن التقليد عليه الأكثر والسواد الأعظم.
# قلنا: ذلك لا يدل على أنه أقرب إلى السلامة، لان التقليد في العقائد
~~المضلة أكثر من الصحيحة، على ما قال تعالى * (وإن تطع أكثر من في الأرض
~~يضلوك عن سبيل الله) * (الانعام: 116) وقال تعالى * (وقليل ما هم) * (ص:
~~24) وقال عليه السلام تفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة:
# واحدة ناجية، والباقي في النار وإنما كان ذلك، لان أدلة الحق دقيقة
~~غامضة، لا يطلع عليها سوى أصحاب الأذهان الصافية والعقول الراجحة، مع
~~المبالغة في الجد والاجتهاد، وذلك مما يندر ويقل وقوعه. PageV04P227
# قولهم (ان أدلة الأصول أخفى، فكان التقليد فيها أولى من الفروع) ليس كذلك
~~فإن المطلوب في الأصول القطع واليقين، بخلاف الفروع فإن المطلوب فيها الظن،
~~وهو حاصل من التقليد، فلا يلزم من جواز التقليد في الفروع جوازه في الأصول.
# وبه يكون الجواب عن المعارضة الأخيرة أيضا.
# المسألة الثانية العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد، وان كان محصلا لبعض
~~العلوم المعتبرة في الاجتهاد، يلزمه اتباع قول المجتهدين والاخذ بفتواه،
~~عند المحققين من الأصوليين.
# ومنع من ذلك بعض معتزل البغداديين وقالوا: لا يجوز ذلك الا بعد أن يتبين
~~له صحة اجتهاده بدليله.
# ونقل عن الجبائي أنه أباح ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها، كالعبادات
~~الخمس.
# والمختار إنما هو المذهب الأول. ويدل عليه النص، والاجماع، والمعقول.
# أما النص فقوله تعالى * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (النحل:
~~43) وهو عام لكل المخاطبين، ويجب أن يكون عاما في السؤال عن كل ما لا يعلم،
~~بحيث يدخل فيه محل النزاع، وإلا كان متناولا لبعض ما لا يعلم بعينه، أو لا
~~بعينه: والأول غير مأخوذ من دلالة اللفظ، والثاني يلزم منه تخصيص ما فهم من
~~معنى الامر بالسؤال، وهو طلب الفائدة ببعض الصور، دون البعض، وهو خلاف
~~الأصل. وإذا كان عاما في الأشخاص وفي كل ms914 ما ليس بمعلوم، فأدنى درجات قوله
~~(فاسألوا) الجواز، وهو خلاف مذهب الخصوم. PageV04P228
# وأما الاجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث
~~المخالفين يستفتون المجتهدين، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء منهم
~~يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك
~~من غير نكير، فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا.
# وأما المعقول فهو أن من ليس له أهلية الاجتهاد، إذا حدثت به حادثة فرعية،
~~إما أن لا يكون متعبدا بشئ، وهو خلاف الاجماع من الفريقين، وإن كان متعبدا
~~بشئ فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم، أو بالتقليد: الأول ممتنع، لان
~~ذلك مما يفضي في حقه وفي حق الخلق أجمع إلى النظر في أدلة الحوادث،
~~والاشتغال عن المعايش، وتعطيل الصنائع والحرف، وخراب الدنيا، وتعطيل الحرث
~~والنسل، ورفع الاجتهاد والتقليد رأسا، وهو من الحرج والاضرار المنفي بقوله
~~تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وبقوله عليه السلام لا ضرر ولا
~~ضرار في الاسلام وهو عام في كل حرج وضرار، ضرورة كونه نكرة في سياق النفي.
# غير أنا خالفناه في امتناع التقليد، في أصول الدين لما بيناه من الفرق في
~~مسألة امتناع التقليد في أصول الدين، ولأن الوقائع الحادثة الفقهية أكثر
~~بأضعاف كثيرة من المسائل الأصولية التي قيل فيها بامتناع التقليد فكان
~~الحرج في إيجاب الاجتهاد فيها أكثر، فبقينا فيما عدا ذلك عاملين بقضية
~~الدليل، وهو عام في المسائل الاجتهادية وغيرها.
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالكتاب، والسنة، والمعقول:
# أما الكتاب، فقوله تعالى * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) *
~~(البقرة: 169) والقول بالتقليد قول بما ليس بمعلوم، فكان منهيا عنه.
~~PageV04P229
# وأيضا. قوله تعالى حكاية عن قوم * (إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على
~~آثارهم مقتدون) * (الزخرف: 23) ذكر ذلك في معرض الذم للتقليد، والمذموم لا
~~يكون جائزا.
# وأما السنة فقوله عليه السلام طلب العلم فريضة على كل مسلم وقوله عليه
~~السلام اجتهدوا، فكل ميسر لما خلق له والنصان عامان في الأشخاص وفي كل علم، ms915
~~وهما يدلان على وجوب النظر.
# وأما المعقول فمن وجهين:
# الأول: أن العامي لو كان مأمورا بالتقليد، فلا يأمن أن يكون من قلده
~~مخطئا في اجتهاده، وأنه كاذب فيما أخبره به، فيكون العامي مأمورا باتباع
~~الخطأ والكذب، وذلك على الشارع ممتنع.
# الثاني: أن الفروع والأصول مشتركة في التكليف بها، فلو جاز التقليد في
~~الفروع لمن ظهر صدقه فيما أخبر به، لجاز ذلك في الأصول.
# والجواب عن الآية الأولى أنها مشتركة الدلالة، فإن النظر أيضا والاجتهاد
~~في المسائل الاجتهادية قول بما ليس بمعلوم ولا بد من سلوك أحد الامرين.
~~وليس في الآية دليل على تعيين امتناع أحدهما كيف ويجب حملها على ما لا يعلم
~~فيما يشترط فيه العلم تقليلا لتخصيص العموم، ولما فيه من موافقة ما ذكرناه
~~من الأدلة. PageV04P230
# وعن الآية الثانية بوجوب حملها على ذم التقليد فيما يطلب فيه العلم، جمعا
~~بينها وبين ما ذكرناه من الأدلة.
# وعن الخبر الأول أنه متروك بالاجماع، في محل النزاع، فإن القائل فيه
~~قائلان:
# قائل بأن الواجب التقليد، وقائل إن الواجب إنما هو النظر، والعلم غير
~~مطلوب فيهما إجماعا.
# وعن الثاني لا نسلم دلالته على الوجوب، على ما سبق تعريفه، وإن دل على
~~وجوب الاجتهاد، لكنه لا عموم له بالنسبة إلى كل مطلوب، حتى يدخل فيه محل
~~النزاع، وإن كان عاما بلفظه، لكن يجب حمله على من له أهلية الاجتهاد، جمعا
~~بينه وبين ما ذكرناه من الأدلة.
# وعن الوجه الأول من المعقول أنه، وإن اجتهد العامي، فلا نأمن من وقوع
~~الخطأ منه، بل هو أقرب إلى الخطأ، لعدم أهليته، والمحذور يكون مشتركا.
# وعن الوجه الثاني ما سبق من الفرق. PageV04P231
# المسألة الثالثة القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي، اتفقوا على جواز
~~استفتائه لمن عرفه بالعلم، وأهلية الاجتهاد، والعدالة، بأن يراه منتصبا
~~للفتوى، والناس متفقون على سؤاله والاعتقاد فيه، وعلى امتناعه فيمن عرفه
~~بالضد من ذلك.
# واختلفوا في جواز استفتاء من لم يعرفه بعلم ولا جهالة.
# والحق امتناعه على مذهب الجمهور، وذلك لأنه لا نأمن أن يكون حال ms916 المسؤول
~~كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول.
# ولا يخفى أن احتمال العامية قائم، بل هو أرجح من احتمال صفة العلم
~~والاجتهاد، نظرا إلى أن الأصل عدم ذلك، وإلى أن الغالب إنما هو العوام، وأن
~~اندراج من جهلنا حالة تحت الأغلب، أغلب على الظن. ولهذا، امتنع قبول قول
~~مدعي الرسالة وقبول قول الراوي والشاهد إذا لم يقم دليل على صدقه.
# فإن قيل إذا لم يعرف العامي السائل عدالة المفتي، فلا يخلو:
# إما أن يقال إنه يجب عليه البحث عن عدالته، أو لا يجب:
# فإن قيل بالأول، فهو خلاف ما الناس عليه في العادة من غير نكير.
# وإن قيل بالثاني، فلا يخفى أن احتمال عدم العدالة مقاوم لاحتمال العدالة،
~~وعند ذلك، فاحتمال صدقه فيما يخبر به مقاوم لاحتمال كذبه.
# وعند ذلك إما أن يلزم من جواز الاستفتاء مع الجهل بالعدالة جوازه مع
~~الجهل بالعلم، أو لا يلزم:
# فإن لم يلزم، فما الفرق؟ وإن لزم فهو المطلوب.
# قلنا: لا نسلم جريان العادة بما ذكروه عند إرادة الاستفتاء وعلى هذا، فلا
~~بد من السؤال عن العدالة بما يغلب على الظن من قول عدل أو عدلين.
# وإن سلمنا أنه لا يحتاج إلى البحث عن ذلك، فالفرق ظاهر، وذلك لان الغالب
~~من حال المسلم، ولا سيما المشهور بالعلم والاجتهاد، إنما هو العدالة، وهو
~~كاف في إفادة الظن، ولا كذلك في العلم، لأنه ليس الأصل في كل إنسان أن يكون
~~عالما مجتهدا، ولا الغالب ذلك. PageV04P232
# المسألة الرابعة إذا استفتى العامي عالما في مسألة، فأفتاه، ثم حدث مثل
~~تلك الواقعة، فهل يجب على المفتي أن يجتهد لها ثانيا، ولا يعتمد على
~~الاجتهاد الأول اختلفوا فيه: فمنهم من قال: لا بد من الاجتهاد ثانيا،
~~لاحتمال أن يتغير اجتهاده، ويطلع على ما لم يكن اطلع عليه أولا.
# ومنهم من قال: لا حاجة إلى اجتهاد آخر، لان الأصل عدم اطلاعه على ما لم
~~يطلع عليه أولا.
# والمختار إنما هو التفصيل، وهو أنه إما أن يكون ذاكرا للاجتهاد الأول، أو ms917
~~غير ذاكر له، فإن كان الأول، فلا حاجة إلى اجتهاد آخر، كما لو اجتهد في
~~الحال.
# وإن كان الثاني، فلا بد من الاجتهاد لأنه في حكم من لم يجتهد.
# المسألة الخامسة اختلفوا في أنه هل يجوز خلو عصر من الاعصار عن مجتهد
~~يمكن تفويض الفتاوى إليه؟
# فمنع منه قوم، كالحنابلة وغيرهم، وجوزه آخرون وهو المختار.
# وذلك، لأنه لو امتنع، لامتنع إما لذاته، أو لأمر من خارج:
# الأول محال، فإنا لو فرضنا وقوعه لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، وإن كان
~~الثاني، فالأصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه. PageV04P233
# فإن قيل: دليل امتناعه النص، والمعقول.
# أما النص فقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق، حتى يأتي
~~أمر الله، وحتى يظهر الدجال وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال وا
~~شوقاه إلى إخواني قالوا يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ فقال: أنتم أصحابي،
~~إخواني قوم يأتون بعدي، يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد
~~الناس وأيضا قوله عليه السلام العلماء ورثة الأنبياء وأحق الأمم بالوراثة
~~هذه الأمة، وأحق الأنبياء بإرث العلم عنه. نبي هذه الأمة.
# وأما المعقول فمن وجهين:
# الأول: أن التفقه في الدين والاجتهاد فيه، فرض على الكفاية، بحيث إذا
~~اتفق الكل على تركه أثموا. فلو جاز خلو العصر عمن يقوم به، لزم منه اتفاق
~~أهل العصر على الخطأ والضلالة، وهو ممتنع لما سبق.
# الثاني: أن طريق معرفة الأحكام الشرعية إنما هو الاجتهاد فلو خلا العصر
~~عن مجتهد يمكن الاستناد إليه في معرفة الاحكام أفضى إلى تعطيل الشريعة
~~واندراس الاحكام، وذلك ممتنع، لأنه على خلاف عموم ما سبق من النصوص.
~~PageV04P234
# والجواب عما ذكروه من النصوص أنها معارضة بما يدل على نقيضها، فمن ذلك
~~قوله عليه السلام بدئ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ وقوله عليه السلام إن
~~الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ
~~الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا وقوله عليه
~~السلام تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإنها أول ms918 ما ينسى وقوله عليه السلام
~~لتركبن سنن من كان قبلكم، حذوا القذة بالقذة وقوله (ص) خير القرون القرن
~~الذي أنا فيه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر لا
~~يعبأ الله بهم وإذا تعارضت النصوص سلم لنا ما ذكرناه من الدليل أولا.
# وما ذكروه من الوجه الأول من المعقول، فجوابه أن يقال: متى يكون التفقه
~~PageV04P235
# في الدين والتأهل للاجتهاد فرضا على الكفاية في كل عصر؟ إذا أمكن اعتماد
~~العوام على الاحكام المنقولة إليهم في كل عصر عمن سبق من المجتهدين في
~~العصر الأول بالنقل المغلب على الظن، أو إذا لم يمكن؟ الأول ممنوع، والثاني
~~مسلم، ولكن لا نسلم امتناع ذلك.
# وهذا هو الجواب عن الوجه الثاني من المعقول أيضا.
# المسألة السادسة من ليس بمجتهد، هل تجوز له الفتوى بمذهب غيره من
~~المجتهدين، كما هو المعتاد في زمننا هذا؟
# اختلفوا فيه: فذهب أبو الحسين البصري وجماعة من الأصوليين إلى المنع من
~~ذلك، لأنه إنما يسأل عما عنده لا عما عند غيره، ولأنه لو جازت الفتوى بطريق
~~الحكاية عن مذهب الغير، لجاز ذلك للعامي، وهو محال، مخالف للاجماع.
# ومنهم من جوزه إذ ثبت ذلك عنده بنقل من يوثق بقوله.
# والمختار أنه إذا كان مجتهدا في المذهب بحيث يكون مطلعا على مأخذ المجتهد
~~المطلق الذي يقلده، وهو قادر على التفريع على قواعد إمامه وأقواله، متمكن
~~من من الفرق والجمع، والنظر والمناظرة في ذلك، كان له الفتوى. تمييزا له عن
~~العامي، ودليله انقطاع الاجماع من أهل كل عصر على قبول مثل هذا النوع من
~~الفتوى وإن لم يكن كذلك، فلا. PageV04P236
# المسألة السابعة إذا حدثت للعامي حادثة، وأراد الاستفتاء عن حكمها، فإما
~~أن يكون في البلد مفت واحد، أو أكثر:
# فإن كان الأول، وجب عليه الرجوع إليه، والاخذ بقوله، وإن كان الثاني، فقد
~~اختلف الأصوليون:
# فمنهم من قال لا يتخير بينهم، حتى يأخذ بقول من شاء منهم، بل يلزمه
~~الاجتهاد في أعيان المفتين من الأورع والأدين والأعلم، وهو مذهب أحمد بن ms919
~~حنبل وابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي وجماعة من الفقهاء والأصوليين،
~~مصيرا منهم إلى أن قول المفتيين في حق العامي ينزل منزلة الدليلين
~~المتعارضين في حق المجتهد، وكما يجب على المجتهد الترجيح بين الدليلين،
~~فيجب على العامي الترجيح بين المفتيين، إما بأن يتحفظ من كل باب من الفقه
~~مسائل، ويتعرف أجوبتها ويسأل عنها، فمن أجابه، أو كان أكثر إصابة، اتبعه،
~~أو بأن يظهر له ذلك بالشهرة والتسامع، ولأن طريق معرفة هذه الأحكام إنما هو
~~الظن، والظن في تقليد الأعلم والأدين أقوى، فكان المصير إليه أولى.
# وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين والفقهاء إلى التخيير والسؤال
~~لمن شاء من العلماء، وسواء تساووا أو تفاضلوا، وهو المختار.
# ويدل على ذلك أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين. فإن
~~الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال عليه
~~السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ
~~وقال عليه السلام: أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ
~~بن جبل وكان فيهم العوام ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والاخذ بقولهم
~~PageV04P237
# لا غير. ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد
~~في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له، مع
~~وجود الأفضل، ولو كان ذلك غير جائز، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم
~~إنكاره والمنع منه ويتأيد ذلك، بقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم
~~اقتديتم اهتديتم ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم
~~أولى.
# المسألة الثامنة إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث،
~~وعمل بقوله فيها، اتفقوا على أنه ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك
~~إلى غيره.
# وهل له اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر؟ اختلفوا فيه:
# فمنهم من منع منه، ومنهم من أجازه، وهو الحق نظرا إلى ما وقع عليه إجماع
~~الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد
~~من السلف الحجر على العامة في ms920 ذلك، ولو كان ذلك ممتنعا، لما جاز من الصحابة
~~إهماله، والسكوت عن الانكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها، فكما لم
~~يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة
~~الأخرى.
# وأما إذا عين العامي مذهبا معينا، كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره،
~~وقال: أنا على مذهبه، وملتزم له، فهل له الرجوع إلى الاخذ بقول غيره في
~~مسألة من المسائل؟
# اختلفوا فيه: فجوزه قوم نظرا إلى أن التزامه لمذهب معين غير ملزم له،
~~ومنع من ذلك آخرون، لأنه بالتزامه المذهب صار لازما له، كما لو التزم مذهبه
~~في حكم حادثة معينة. والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن كل مسألة من مذهب
~~الأول اتصل عمله بها، فليس له تقليد الغير فيها، وما لم يتصل عمله بها، فلا
~~مانع من اتباع غيره فيها PageV04P238
# القاعدة الرابعة في الترجيحات وتشتمل على مقدمة وبابين.
# أما المقدمة ففي بيان معنى الترجيح، ووجوب العمل بالراجح، وما فيه
~~الترجيح.
# أما الترجيح فعبارة عن اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب، مع
~~تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر.
# فقولنا (اقتران أحد الصالحين) احتراز عما ليسا بصالحين للدلالة، أو
~~أحدهما صالح، والآخر ليس بصالح، فإن الترجيح إنما يكون مع تحقق التعارض،
~~ولا تعارض مع عدم الصلاحية للامرين أو أحدهما.
# وقولنا (مع تعارضهما) احتراز عن الصالحين اللذين لا تعارض بينهما، فإن
~~الترجيح إنما يطلب عند التعارض، لا مع عدمه، وهو عام للمتعارضين مع التوافق
~~في الاقتضاء كالعلل المتعارضة في أصل القياس، كما يأتي، وللمتعارضين مع
~~التنافي في الاقتضاء، كالأدلة المتعارضة في الصور المختلف فيها نفيا
~~وإثباتا.
# وقولنا (بما يوجب العمل بأحدهما وإهمال الآخر). احتراز عما اختص به أحد
~~الدليلين عن الآخر من الصفات الذاتية أو العرضية، ولا مدخل له في التقوية
~~والترجيح.
# وأما أن العمل بالدليل الراجح واجب، فيدل عليه ما نقل وعلم من إجماع
~~الصحابة والسلف في الوقائع المختلفة على وجوب تقديم الراجح من الظنين، وذلك
~~كتقديمهم خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين ms921 على خبر أبي هريرة
~~PageV04P239
# في قوله إنما الماء من الماء وما روت عن النبي عليه السلام، أنه كان يصبح
~~جنبا، وهو صائم، على ما رواه أبو هريرة من قوله عليه السلام من أصبح جنبا،
~~فلا صوم له لكونها أعرف بحال النبي عليه السلام. وكانوا لا يعدلون إلى
~~الآراء والأقيسة إلا بعد البحث عن النصوص واليأس منها، ومن فتش عن أحوالهم
~~ونظر في وقائع اجتهاداتهم علم علما لا يشوبه ريب، أنهم كانوا يوجبون العمل
~~بالراجح من الظنين، دون أضعفهما.
# ويدل على ذلك أيضا تقرير النبي عليه السلام، لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن
~~قاضيا، على ترتيب الأدلة وتقديم بعضها على بعض، كما سبق تقريره غير مرة.
~~ولأنه إذا كان أحد الدليلين راجحا، فالعقلاء يوجبون بعقولهم العمل بالراجح.
# والأصل تنزيل التصرفات الشرعية منزلة التصرفات العرفية.
# ولهذا قال عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
# فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول.
# أما النص فقوله تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر
~~بالاعتبار مطلقا من غير تفصيل. PageV04P240
# وأيضا قوله عليه السلام نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر والدليل
~~المرجوح ظاهر، فجاز العمل به.
# وأما المعقول فهو أن الأمارات الظنية المتعارضة لا تزيد على البينات
~~المتعارضة، والترجيح غير معتبر في البينات، حتى إنه لا تقدم شهادة الأربعة
~~على شهادة الاثنين.
# قلنا: أما الآية فغايتها الامر بالنظر والاعتبار، وليس فيها ما ينافي
~~القول بوجوب العمل بالترجيح، فإن إيجاب أحد الامرين لا ينافي إيجاب غيره.
# وأما الخبر فيدل على جواز العمل بالظاهر، والظاهر هو ما ترجح أحد طرفيه
~~على الآخر، ومع وجود الدليل الراجح فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحا من
~~جهة مخالفته للراجح، فلا يكون ظاهرا فيه.
# وأما المعقول فلا نسلم امتناع الترجيح في باب الشهادة، بل عندنا يقدم قول
~~الأربعة على قول الاثنين، على رأي لنا.
# وإن سلمنا أنه لا اعتبار بالترجيح في باب الشهادة، فإنما كان لان المتبع
~~في ذلك إنما هو إجماع الصحابة. وقد ألف منهم اعتبار ذلك في باب ms922 تعارض
~~الأدلة، دون باب الشهادة.
# وأما ما فيه الترجيح فهي الطرق الموصلة إلى المطلوبات. وهي تنقسم إلى
~~قطعي وظني.
# أما القطعي فلا ترجيح فيه، لان الترجيح لا بد وأن يكون موجبا لتقوية أحد
~~الطريقين المتعارضين على الآخر. والمعلوم المقطوع به غير قابل للزيادة
~~والنقصان، فلا يطلب فيه الترجيح، ولأن الترجيح إنما يكون بين متعارضين،
~~وذلك غير متصور في القطعي، لأنه إما أن يعارضه قطعي أو ظني:
# الأول محال، لأنه يلزم منه إما العمل بهما، وهو جمع بين النقيضين في
~~الاثبات، أو امتناع العمل بهما، وهو جمع بين النقيضين في النفي، أو العمل
~~بأحدهما دون الآخر، ولا أولوية مع التساوي.
# والثاني أيضا محال لامتناع ترجح الظني على القاطع، وامتناع طلب الترجيح
~~في القاطع.
# كيف وإن الدليل القاطع لا يكون في مقابلته دليل صحيح، فلم يبق سوى الطرق
~~الظنية. PageV04P241
# والطرق الظنية منقسمة إلى شرعية وعقلية، وليس من غرضنا بيان العقلية، بل
~~الشرعية.
# وهي إما أن تكون موصلة إلى الظن بأمر مفرد، وهي الحدود، أو الظن بأمر
~~مركب، وهي الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والاجماع والقياس والاستدلال
~~كما سبق تحقيقه. فلنرسم في ترجيحات كل واجد من الطريقين بابا:
# الباب الأول في ترجيحات الطرق الموصلة إلى التصديقات الشرعية. والتعارض
~~إما أن يكون بين منقولين، أو معقولين، أو منقول ومعقول. فلنرسم في كل واحد
~~قسما.
# القسم الأول في التعارض الواقع بين منقولين والترجيح بينهما منه ما يعود
~~إلى السند، ومنه ما يعود إلى المتن، ومنه ما يعود إلى المدلول، ومنه ما
~~يعود إلى أمر من خارج.
# فأما ما يعود إلى السند، فمنه ما يعود إلى الراوي ومنه ما يعود إلى نفس
~~الرواية، ومنه ما يعود إلى المروي، ومنه ما يعود إلى المروي عنه.
# فأما ما يعود إلى الراوي فمنه ما يعود إلى نفسه، ومنه ما يعود إلى
~~تزكيته.
# فأما ما يعود إلى نفس الراوي فترجيحات.
# الأول: أن تكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر، فما رواته أكثر يكون
~~مرجحا، خلافا للكرخي، لأنه يكون أغلب على ms923 الظن، من جهة أن احتمال وقوع
~~الغلط والكذب على العدد الأكثر أبعد من احتمال وقوعه في العدد الأقل، ولأن
~~خبر كل واحد من الجماعة يفيد الظن.
# ولا يخفى أن الظنون المجتمعة كلما كانت أكثر كانت أغلب على الظن حتى
~~ينتهي إلى القطع.
# ولهذا فإنه لما كان الحد الواجب بالزنى من أكبر الحدود وآكدها جعلت
~~الشهادة عليه أكثر عددا من غيره، وأن النبي، عليه السلام، لم يعمل بقول ذي
~~اليدين قصرت الصلاة أم نسيت حتى أخبره بذلك أبو بكر وعمر. ولم يعمل أبو بكر
~~بخبر المغيرة PageV04P242
# أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أطعم الجدة السدس، حتى اعتضد بخبر محمد بن
~~مسلمة.
# ولم يعمل عمر بخبر أبي موسى، حتى اعتضد بخبر أبي سعيد الخدري.
# الثاني: أن يكون راوي أحد الحديثين مشهورا بالعدالة والثقة، بخلاف الآخر،
~~أو أنه أشهر بذلك، فروايته مرجحة، لان سكون النفس إليه أشد، والظن بقوله
~~أقوى.
# الثالث: أن يكون أحد الراويين أعلم وأضبط من الآخر، أو أورع وأتقى،
~~فروايته أرجح، لأنها أغلب على الظن.
# الرابع: أن يكون أحد الراويين، حالة روايته، ذاكرا للرواية عن شيخه غير
~~معتمد في ذلك على نسخة سماعه أو خط نفسه، بخلاف الآخر، فهو أرجح، لأنه يكون
~~أبعد من السهو والغلط.
# الخامس: أن يكون أحد الراويين قد عمل بما روى، والآخر خالف ما روى، فمن
~~لم يخالف روايته أولى، لكونه أبعد عن الكذب، بل هو أولى من رواية من لم
~~يظهر منه العمل بروايته.
# السادس: أن يكونا مرسلين، وقد عرف من حال أحد الراويين أنه لا يروي عن
~~غير العدل، كابن المسيب ونحوه، بخلاف الآخر، فرواية الأول تكون أولى.
# السابع: أن يكون راوي أحد الخبرين مباشرا لما رواه، والآخر غير مباشر،
~~فرواية المباشر تكون أولى، لكونه أعرف بما روى، وذلك كرواية أبي رافع أن
~~النبي عليه السلام، نكح ميمونة، وهو حلال، فإنه يرجح على رواية ابن عباس
~~أنه نكحها وهو حرام، لان أبا رافع كان هو السفير بينهما والقابل لنكاحها عن
~~رسول الله.
# الثامن: أن ms924 يكون أحد الراويين هو صاحب القصة، كما روت ميمونة أنها قالت
~~تزوجني رسول الله ونحن حلالان فإنها تقدم على رواية ابن عباس، لكونها
~~PageV04P243
# أعرف بحال العقد من غيرها، لشدة اهتمامها، خلافا للجرجاني من أصحاب أبي
~~حنيفة.
# التاسع: أن يكون أحد الراويين أقرب إلى النبي عليه السلام حال سماعه من
~~الآخر، فروايته تكون أولى، وذلك كرواية ابن عمر إفراد النبي عليه السلام،
~~فإنها مقدمة على من روى أنه قرن لأنه ذكر أنه كان تحت ناقته حين لبى النبي
~~عليه السلام، وأنه سمع إحرامه بالافراد العاشر: إذا كان أحد الراويين من
~~كبار الصحابة، والآخر من صغارهم، فرواية الأكبر أرجح لان الغالب أنه يكون
~~أقرب إلى النبي عليه السلام، حالة السماع لقوله عليه السلام ليليني منكم
~~أولوا الأحلام والنهى ولأن محافظته على منصبه مما يوجب التحرز عن الكذب
~~أكثر من الصغير.
# الحادي عشر: إذا كان أحد الراويين متقدم الاسلام على الراوي الآخر،
~~فروايته أولى، إذ هي أغلب على الظن، لزيادة أصالته في الاسلام وتحريره فيه.
# الثاني عشر: أن يكون أحد الراويين فقيها والآخر غير فقيه، أو هو أفقه
~~وأعلم بالعربية، فخبره يكون مرجحا، لكونه أعرف بما يرويه لتمييزه بين ما
~~يجوز وما لا يجوز.
# الثالث عشر: أن يكون أحد الراويين أفطن وأذكى وأكثر تيقظا من الآخر،
~~فروايته أولى لكثرة ضبطه.
# الرابع عشر: أن يكون أحد الراويين روايته عن حفظ، والآخر عن كتاب،
~~فالراوي عن الحفظ أولى لكثرة ضبطه.
# الخامس عشر: إن كان أحد الراويين مشهور النسب بخلاف الآخر، فروايته أولى،
~~لان احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة يكون أكثر.
# السادس عشر: إذا كان في رواة أحد الخبرين من يلتبس اسمه باسم بعض الضعفاء
~~بخلاف الآخر، فالذي لا يلتبس اسمه أولى لأنه أغلب على الظن. PageV04P244
# السابع عشر: أن يكون أحد الراويين قد تحمل الرواية في زمن الصبي، والآخر
~~في زمن بلوغه، فرواية البالغ أولى لكثرة ضبطه.
# وأما ما يعود إلى التزكية، فترجيحات.
# الأول: أن يكون المزكي لاحد الراويين أكثر من الآخر، أو أن يكون ms925 المزكى
~~له أعدل وأوثق، فروايته مرجحة، لأنها أغلب على الظن.
# الثاني: أن تكون تزكية أحدهما بصريح المقال، والآخر بالرواية عنه، أو
~~بالعمل بروايته، أو الحكم بشهادته، فرواية من تزكيته بصريح المقال مرجحة
~~على غيرها، لان الرواية قد تكون عمن ليس بعدل، وكذلك العمل بما يوافق
~~الرواية، والشهادة قد تكون بغيرها وهو موافق لها، ولا يكون ذلك بهما، ولا
~~كذلك التزكية بصريح المقال.
# الثالث: تزكية أحد الراويين بالحكم بشهادته، والآخر بالرواية عنه فرواية
~~المعمول بشهادته أولى، لان الاحتياط في الشهادة فيما يرجع إلى أحكام الجرح
~~والتعديل أكثر منه في الرواية والعمل بها. ولهذا قبلت رواية الواحد
~~والمرأة، دون شهادتهما، وقبلت رواية الفرع مع إنكار الأصل لها، على بعض
~~الآراء، ومن غير ذكر الأصل، بخلاف الشهادة الرابع: أن تكون تزكية أحدهما
~~بالعمل بروايته، والآخر بالرواية عنه، فالأول أرجح، لان الغالب من العدل
~~أنه لا يعمل برواية غير العدل، ولا كذلك في الرواية لان كثيرا ما يروي
~~العدل عمن لو سئل عنه لجرحه أو توقف في حاله.
# وبالجملة فاحتمال العمل برواية غير العدل أقل من احتمال الرواية عن غير
~~العدل.
# واحتمال العمل بدليل غيره، وإن كان قائما إلا أنه بعيد عن البحث التام مع
~~عدم الاطلاع عليه.
# وأما ما يعود إلى نفس الرواية فترجيحات.
# الأول: أن يكون أحد الخبرين متواترا، والآخر آحادا، فالمتواتر لتيقنه
~~أرجح من الآحاد، لكون مظنونا.
# الثاني: أن يكون أحد الخبرين مسندا، والآخر مرسلا، فالمسند أولى لتحقق
~~PageV04P245
# المعرفة برواية، والجهالة براوي الآخر. ولهذا، تقبل شهادة الفرع إذا عرف
~~شاهد الأصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلا.
# فإن قيل: الراوي إذا كان عدلا ثقة وأرسل الخبر، فالغالب أن لا يكون إلا
~~مع الجزم بتعديل من روي عنه، وإلا كان ذلك تلبيسا على المسلمين، وهو بعيد
~~في حقه، وهذا بخلاف ما إذا ذكر المروي عنه، فإنه غير جازم بتعديله، فكان
~~المرسل أولى قلنا: التلبيس إنما يلزم بروايته عمن لم يذكره إذا لم يكن لي
~~نفس الامر عدلا، أن لو وجب اتباعه في قوله. ms926 وإنما يجب اتباعه في قوله، أن
~~لو ظهرت عدالة الأصل وهو دور، كيف وإنه لو كان ذلك تعديلا منه فهو غير
~~مقبول، لكونه تعديلا مطلقا، وإن كان مقبولا، فإنما يقبل إذا كان مضافا إلى
~~شخص معين لم يعرف بفسق.
# وأما إذا كان غير معين فلا، لاحتمال أن يكون بحيث لو عينه، لاطلعنا من
~~حاله على فسق قد جهله الراوي. ثم ولو كان تعديلا مقبولا، إلا أنه إذا كان
~~مذكورا مشهور الحال، وقد عدل بمثل ذلك التعديل أو أعلى منه، كان قبول قوله
~~أولى وأغلب على الظن، وعدم جزم الراوي بعدالة المروي عنه إذا كان مصرحا به،
~~وجزمه بعدالة من سكت عن ذكره، بعد أن ظهر تعديل المذكور بتعديل غيره، لا
~~يكون موجبا للترجيح، بل من ظهرت عدالته بطريق متفق عليه يكون أولى ممن ظهرت
~~عدالته بطريق مختلف فيه.
# الثالث: أن يكون أحد الخبرين من مراسيل التابعين، والآخر من مراسيل تابعي
~~التابعين، فما هو من مراسيل التابعين أولى، لان الظاهر من التابعي أنه لا
~~يروي عن غير الصحابي، وعدالة الصحابة، بما ثبت من ثناء النبي عليه السلام،
~~وتزكيته لهم في ظواهر الكتاب والسنة، أغلب على الظن من العدالة في حق غيرهم
~~من المتأخرين. ولهذا قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه وقال
~~عليه السلام أصحابي كالنجوم PageV04P246
# بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يرو مثل ذلك في حق غيرهم.
# الرابع: أن يكون أحدهما معنعنا، وطريق ثبوت الآخر الشهرة مع عدم النكير،
~~أو الاسناد إلى كتاب من كتب المحدثين، فالمعنعن أولى، لأنه أغلب على الظن،
~~أما بالنسبة إلى الطريق الأول فلمساواته له في عدم النكير وزيادته عليه
~~برواية العدل عن العدل، وأما بالنسبة إلى الطريق الثاني، فلانه أسلم من
~~الغلط والتلبيس، وأبعد عن التبديل والتصحيف.
# الخامس: أن يكون أحدهما ثابتا بطريق الشهرة، والآخر بالاسناد إلى كتاب من
~~كتب المحدثين، فالمسند إلى كتب المحدثين أولى، من جهة أن احتمال تطرق الكذب
~~إلى ما دخل في صنعة المحدثين وإن لم يكن من كتبهم المشهورة بهم، ms927 والمنسوبة
~~إليهم، أبعد من احتمال تطرقه إلى ما اشتهر، وهو غير منسوب إليهم. ولهذا،
~~فإن كثيرا ما اشتهر مع كذبه ورد المحدثين له.
# السادس: أن يكون أحدهما مسندا إلى كتاب موثوق بصحته، كمسلم والبخاري،
~~والآخر مسندا إلى كتاب غير مشهور بالصحة ولا بالسقم، كسنن أبي داود ونحوها،
~~فالمسند إلى الكتاب المشهور بالصحة أولى.
# السابع: أن تكون رواية أحدهما بقراءة الشيخ عليه، والآخر بقراءته هو على
~~الشيخ، أو بإجازته، أو مناولته له، أو بخط رآه في كتاب. فما الرواية فيه
~~بقراءة الشيخ أرجح، لأنه أبعد عن غفلة الشيخ عما يرويه.
# الثامن: أن تكون رواية أحدهما بالمناولة، والآخر بالإجازة، فالمناولة
~~أولى، لان الإجازة غير كافية، وهو أن يقول خذ هذا الكتاب وحدث به عني، فقد
~~سمعته من فلان، وعند ذلك، فتكون إجازة وزيادة. والإجازة تكون راجحة على
~~رؤية الخط في الكتاب، لان الخطوط مما تشتبه، ولا احتمال في نسبة لفظه إليه
~~بالإجازة.
# وكذلك لو قال الشيخ هذا خطي، فالإجازة تكون أولى، لان دلالة لفظ الشيخ
~~على الرواية عمن روى عن أظهر من دلالة خطه عليها. PageV04P247
# وإذا كانت الإجازة أولى من الرواية عن الخط، والمناولة أولى من الإجازة،
~~كانت المناولة أولى من الرواية عن الخط.
# التاسع: أن يكون أحد الخبرين أعلى إسنادا من الآخر، فيكون أولى، لأنه
~~كلما قلت الرواة كان أبعد عن احتمال الغلط والكذب.
# العاشر: أن يكون أحد الخبرين قد اختلف في كونه موقوفا على الراوي، والآخر
~~متفق على رفعه إلى النبي عليه السلام، فالمتفق على رفعه أولى، لأنه أغلب
~~على الظن.
# الحادي عشر: أن تكون رواية أحد الخبرين بلفظ النبي، والآخر بمعناه،
~~فرواية اللفظ أولى، لكونها أضبط وأغلب على الظن بقول الرسول.
# الثاني عشر: أن تكون إحدى الروايتين بسماع من غير حجاب، والأخرى مع
~~الحجاب، وذلك كرواية القاسم بن محمد عن عائشة من غير حجاب، لكونها عمة له،
~~أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدا، فإنها تقدم على رواية أسود عنها أن زوجها
~~كان حرا، لسماعه عنها مع الحجاب، لان الرواية ms928 من غير حجاب شاركت الرواية مع
~~الحجاب في السماع، وزادت تيقن عين المسموع منه.
# الثالث عشر: إذا كانت إحدى الروايتين قد اختلفت دون الأخرى، فالتي لا
~~اختلاف فيها أولى، لبعدها عن الاضطراب.
# وأما ما يعود إلى المروي فترجيحات.
# الأول: أن تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبي عليه السلام،
~~والرواية الأخرى عن كتاب فرواية السماع أولى، لبعدها عن تطرق التصحيف
~~والغلط.
# الثاني: أن تكون إحدى الروايتين عن سماع من النبي عليه السلام، والأخرى
~~عما جرى في مجلسه أو زمانه، وسكت عنه، فرواية السماع أولى، لكونها أبعد عن
~~غفلة النبي عليه السلام، وذهوله، بخلاف الرواية عما جرى في مجلسه، وسكت
~~عنه، فرواية السماع أولى مما جرى في زمانه خارجا عن مجلسه. PageV04P248
# الثالث: أن تكون إحدى الروايتين عما خطره مع السكوت عنه أعظم من خطر
~~المسكوت عنه في الرواية الأخرى، فما خطره أعظم يكون أرجح، لكون السكوت عنه
~~أغلب على الظن في تقريره.
# الرابع: أن تكون إحدى الروايتين عن صيغة النبي عليه السلام، والأخرى عن
~~فعله، فرواية الصيغة تكون راجحة لقوة دلالتها وضعف الفعل. ولهذا أن من خالف
~~في دلالة الفعل وجواز الاحتجاج به، لم يخالف في الصيغ، لان ما يفعله النبي
~~عليه السلام، إلى الاختصاص به أقرب من اختصاصه بمدلول الصيغة، ولأن تطرق
~~الغفلة إلى الانسان في فعله أكثر منها في كلامه، ولهذا قلما يتكلم الانسان
~~غافلا، بخلاف الفعل.
# الخامس: أن يكون أحدهما خبر واحد ورد فيما تعم به البلوى، بخلاف الآخر
~~فما لا تعم به البلوى أولى، لكونه أبعد عن الكذب، من جهة أن تفرد الواحد
~~بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله قريب من الكذب، وذلك كمن
~~تفرد بنقل قتل الملك في وسط السوق بمشهد من الخلق. ولهذا كان مختلفا فيه،
~~ومتفقا على مقابله.
# وأما ما يعود إلى المروي عنه، فترجيحات.
# الأول: أن يكون أحد الراويين قد روى عمن أنكر روايته عنه، كما في حديث
~~الزهري، بخلاف الراوي الآخر، فما لم يقع فيه إنكار المروي ms929 عنه يكون أرجح
~~لكونه أغلب على الظن.
# الثاني: أن يكون الأصل في أحد الخبرين قد أنكر رواية الفرع عنه إنكار
~~نسيان ووقوف، والآخر إنكار تكذيب وجحود، فالأول أولى، لان غلبة الظن
~~بالرواية عنه أكثر من غلبة الظن بالثاني.
# وأما الترجيحات العائدة إلى المتن. PageV04P249
# الأول: منها أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا، فالنهي من حيث هو نهي مرجح
~~على الامر لثلاثة أوجه. الأول أن الطلب فيه الترك أشد. ولهذا لو قدر كون كل
~~واحد منهما مطلقا، فإن أكثر من قال بالخروج عن عهدة الامر بالفعل مرة
~~واحدة، نازع في النهي.
# الثاني: أن محامل النهي، وهي تردده بين التحريم والكراهة لا غير، أقل من
~~محامل الامر لتردده بين الوجوب والندب والإباحة على بعض الآراء.
# الثالث: أن الغالب من النهي طلب دفع المفسدة، ومن الامر طلب تحصيل
~~المصلحة، واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح.
# الترجيح الثاني: أن يكون أحدهما آمرا، والآخر مبيحا، فالآمر وإن ترجح على
~~المبيح، نظرا إلى أنه إن عمل به لا يصير مخالفا للمبيح، ولا كذلك بالعكس،
~~لاستواء طرفي المباح وترجح جانب المأمور به، إلا أن المبيح يترجح على الآمر
~~من أربعة أوجه:
# الأول: أن مدلول المبيح متحد، ومدلول الآخر متعدد، كما سبق تعريفه، فكان
~~أولى.
# الثاني: أن غاية ما يلزم من العمل بالمبيح تأويل الآخر بصرفه عن محمله
~~الظاهر إلى المحمل البعيد، والعمل بالآمر يلزم منه تعطيل المبيح، بالكلية،
~~والتأويل أولى من التعطيل.
# الثالث: أن المبيح قد يمكن العمل بمقتضاه على تقديرين على تقدير مساواته
~~للآمر ورجحانه والعمل بمقتضى الآمر متوقف على الترجيح وما يتم العمل به على
~~تقديرين يكون أولى مما لا يتم العمل به الا على تقدير واحد.
# الرابع: أن العمل بالمبيح بتقدير أن يكون الفعل مقصودا للمكلف لا يختل
~~لكونه مقدورا له، والعمل بالآخر يوجب الاخلال بمقصود الترك، بتقدير كون
~~الترك مقصودا الترجيح الثالث: أن يكون أحدهما أمرا، والآخر خبرا، فالخبر
~~يكون راجحا لثلاثة أوجه.
# الأول: أن مدلول الخبر متحد بخلاف الامر على ms930 ما سبق، فكان أولى لبعده عن
~~الاضطراب.
# الثاني: أن الخبر أقوى في الدلالة، ولهذا امتنع نسخه على بعض الآراء،
~~بخلاف الامر. PageV04P250
# الثالث: أن العمل يلزمه محذور الكذب في الخبر من كلام الشارع، وهو فوق
~~المحذور اللازم من فوات مقصود الامر، فكان الخبر أولى.
# الترجيح الرابع: أن يكون أحدهما ناهيا، والآخر مبيحا، فالمبيح يكون مقدما
~~على ما عرف في الامر.
# الخامس: أن يكون أحدهما نهيا، والآخر خبرا، فالخبر مقدم على النهي على ما
~~عرف في الامر أيضا.
# السادس: أن يكون أحدهما مبيحا، والآخر خبرا، فالخبر مقدم لما سبق في
~~الوجه الثاني والثالث في الامر إذا عارض الخبر.
# السابع: أن يكون أحدهما مشتركا، والآخر غير مشترك، بل متحد المدلول، فما
~~اتحد مدلوله أولى، لبعده عن الخلل.
# الثامن: أن يكون مدلول أحدهما حقيقيا، والآخر مجازيا، فالحقيقي أولى لعدم
~~افتقاره إلى القرنية المخلة بالتفاهم.
# التاسع: أن يكونا مشتركين، إلا أن مدلولات أحدهما أقل من مدلولات الآخر،
~~فالأول أولى لقلة اضطرابه وقرب استعماله فيما هو المقصود منه.
# العاشر: أن يكونا مجازين، إلا أن أحدهما منقول مشهور في محل التجوز، كلفظ
~~الغائط، بخلاف الآخر، فالمنقول أولى لعدم افتقاره إلى القرنية.
# الحادي عشر: أن يكون المصحح للتجوز في أحدهما أظهر وأشهر من الآخر، فهو
~~أولى.
# الثاني عشر: أن يكون لفظ أحدهما مشتركا، والآخر مجازا غير منقول. وقد
~~ذكرنا ما يستحقه كل واحد منهما من الترجيح في الامر بطريق الاستقصاء، فعليك
~~باعتباره والالتفات إليه.
# الثالث عشر: أن يكونا حقيقيين، الا أن أحدهما أظهر وأشهر، فالأظهر مرجح.
# الرابع عشر: أن تكون إحدى الحقيقتين متفقا عليها، والأخرى مختلفا فيها
~~فالمتفق عليه أولى، لأنه أغلب على الظن. PageV04P251
# الخامس عشر: أن تكون دلالة أحدهما غير محتاجة إلى إضمار ولا حذف، بخلاف
~~الأخرى، فالذي لا يحتاج إلى ذلك أولى لقلة اضطرابه.
# السادس عشر: أن يكون أحدهما يدل على مدلوله بالوضع الشرعي، والآخر بالوضع
~~اللغوي، وكل واحد منهما مستعمل في الشرع، فها هنا يظهر أن العمل باللفظ
~~اللغوي يكون أولى، لأنه من لسان الشارع ms931 مع كونه مقررا لوضع اللغة، وما هو
~~عرفه ومصطلحه، وإن كان من لسانه، إلا أنه مغير للوضع اللغوي، ولا يخفى أن
~~العمل بما هو من لسان الشارع من غير تغيير أولى من العمل بما هو من لسانه
~~مع التغيير، ولأنه أبعد عن الخلاف، وهذا بخلاف ما إذا أطلق لفظا واحدا،
~~وكان له مدلول لغوي، وقد استعاره الشارع في معنى آخر، وصار عرفا له، فإنه
~~مهما أطلق الشارع ذلك اللفظ، فيجب تنزيله على عرفه الشرعي دون اللغوي، لان
~~الغالب من الشارع أنه إذا أطلق لفظا، وله موضوع في عرفه، أنه لا يريد به
~~غيره.
# السابع عشر: أن يكون العمل بأحدهما يلزم منه الجمع بين مجازين، والآخر لا
~~يلزم منه غير مجاز واحد، فالذي فيه مجاز واحد أولى، لأنه أبعد عن الاضطراب،
~~وأقرب إلى الأصل.
# الثامن عشر: أن يكون أحدهما دالا على مطلوبه من وجهين أو أكثر، والآخر لا
~~يدل إلا من جهة واحدة، فالذي كثرت جهة دلالته أولى لأنه أغلب على الظن.
# التاسع عشر: أن تكون دلالة أحدهما مؤكدة دون الأخرى فالمؤكدة أولى، لأنه
~~أقوى دلالة، وأغلب على الظن، وذلك كما في قوله عليه السلام فنكاحها باطل
~~باطل باطل. PageV04P252
# العشرون: أن تكون دلالة أحدهما على مدلوله بطريق المطابقة، والآخر بدلالة
~~الالتزام، فدلالة المطابقة أولى لأنها أضبط.
# الحادي والعشرون: أن يكونا دالين بجهة الاقتضاء، إلا أن العمل بأحدهما في
~~مدلوله، ضرورة صدق المتكلم، أو لضرورة وقوع الملفوظ به عقلا، والآخر لضرورة
~~وقوع الملفوظ به شرعا، كما سبق تعريفه، فما يتوقف عليه صدق المتكلم، فوقوع
~~الملفوظ به عقلا أولى، نظرا إلى بعد الخلف في كلام الشارع، وامتناع مخالفة
~~المعقول، وقرب المخالفة في المشروع.
# الثاني والعشرون: أن يكونا دالين بجهة التنبيه والايماء إلى أن أحدهما لو
~~لم يقدر كون المذكور فيه علة للحكم المذكور معه كان ذكره عبثا وحشوا،
~~والآخر من قبيل ما رتب فيه الحكم على الوصف بفاء التعقيب، فالذي لو لم يقدر
~~فيه التعليل كان ذكره عبثا، أولى من الآخر، نظرا إلى ms932 محذور العبث في كلام
~~الشارع، وإلغاؤه أتم من محذور المخالفة الدلالة حرف الفاء على التعليل،
~~وإمكان تأويلها بغير السببية، بل وهو أولى من سائر أنواع التنبيه والايماء
~~لما ذكرناه من زيادة المحذور، وما دل على العلية بفاء التعقيب لظهورها،
~~مقدم على ما عداه من باقي أقسام التنبيه والايماء.
# الثالث والعشرون أن يكونا دالين بجهة المفهوم، إلا أن أحدهما من قبيل
~~مفهوم المخالفة، والآخر من قبيل مفهوم الموافقة، فقد يمكن ترجيح مفهوم
~~الموافقة على مفهوم المخالفة من جهة أنه متفق عليه، ومختلف في مقابله، وقد
~~يمكن ترجيح مفهوم المخالفة عليه من وجهين:
# الأول: أن فائدة مفهوم المخالفة التأسيس، وفائدة مفهوم الموافقة التأكيد،
~~والتأسيس أصل، والتأكيد فرع، فكان مفهوم المخالفة أولى، الثاني: أن مفهوم
~~الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم المقصود من الحكم في محل النطق، وبيان
~~وجوده في محل السكوت، وأن اقتضاءه للحكم في محل السكوت أشد. PageV04P253
# وأما مفهوم المخالفة فإنه يتم بتقدير عدم فهم المقصود من الحكم في محل
~~النطق، وبتقدير كونه غير متحقق في محل السكوت، وبتقدير أن يكون له معارض في
~~محل السكوت وبتقدير ان يكون له معارض في محل السكوت ولا يخفى أن ما يتم على
~~تقديرات أربعة أولى مما لا يتم إلا على تقدير واحد.
# الرابع والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، ودلالة
~~الآخر من قبيل دلالة الإشارة، فدلالة الاقتضاء أولى لترجحها بقصد المتكلم
~~لها، بخلاف دلالة الإشارة.
# الخامس والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، والآخر
~~من قبيل دلالة التنبيه والايماء، فدلالة الاقتضاء أولى، لتوقف صدق المتكلم
~~أو مدلول منطوقه عليه، بخلاف دلالة التنبيه والايماء.
# السادس والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، والآخر
~~من قبيل دلالة المفهوم، فدلالة الاقتضاء أولى لوقوع الاتفاق عليها، ووقوع
~~الخلاف في مقابلها، ولأن ما يعترض دلالة الاقتضاء من المبطلات، أقل مما
~~يعترض المفهوم، وبهذا كان ما كان من قبيل دلالة التنبيه والايماء مقدما على
~~دلالة المفهوم.
# السابع والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما ms933 من قبيل المنطوق، والآخر من قبيل
~~دلالة غير المنطوق، فالمنطوق أولى، لظهور دلالته وبعده عن الالتباس، بخلاف
~~مقابله.
# الثامن والعشرون: أن يكون أحدهما عاما، والآخر خاصا، فالخاص مقدم مقدم
~~على العام لثلاثة أوجه:
# الأول أنه أقوى في الدلالة وأخص بالمطلوب، الثاني أن العمل بالعام يلزم
~~منه إبطال دلالة الخاص وتعطيله، ولا يلزم من العمل بالخاص تعطيل العام، بل
~~تأويله وتخصيصه، ولا يخفى أن محذور التعطيل فوق محذور التأويل.
# الثالث: أن ضعف العموم بسبب تطرق التخصيص إليه وضعف الخصوص بسبب تأويله
~~وصرفه عن ظاهره إلى مجازه، ولا يخفى أن تطرق التخصيص إلى PageV04P254
# العمومات أكثر من تطرق التأويل، إلى الخاص، ولهذا كانت أكثر العمومات
~~مخصصة، وأكثر الظواهر الخاصة مقررة، وبهذا يكون المطلق الدال على واحد لا
~~بعينه مرجحا على العام.
# التاسع والعشرون: أن يكون أحدهما عاما مخصصا، والآخر غير مخصص، فالذي لم
~~يدخله التخصيص أولى لعدم تطرق الضعف إليه:
# وعلى هذا، فما كان عاما من وجه وخاصا من وجه يكون مرجحا على ما هو عام من
~~كل وجه، وكذلك المطلق من وجه، والمقيد من وجه مرجح على ما هو مطلق من كل
~~وجه، وما هو منطوق من كل وجه مقدم على ما هو حقيقي من وجه دون وجه.
# الثلاثون: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما من قبيل الشرط والجزاء، والآخر
~~من قبيل النكرة المنفية، فقد يمكن ترجح دلالة الشرط والجزاء، لكون الحكم
~~فيه معللا بخلاف النكرة المنفية، والمعلل أولى من غير المعلل، وقد يمكن
~~ترجح دلالة نفي النكرة بأن دلالته أقوى. ولهذا كان خروج الواحد منه يعد
~~خلفا في الكلام، عند ما إذا قال لا رجل في الدار وكان فيها رجل، بخلاف
~~مقابله، وبهذا تكون دلالة النكرة المنفية أولى من جميع أقسام العموم.
# الحادي والثلاثون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الشرط والجزاء،
~~والآخر من قبيل أسماء الجموع، فالأول أولى لان أكثر من خالف في صيغ العموم
~~وافق على صيغة الشرط والجزاء، ولأن الدلالة فيه مشيرة إلى الحكم والعلة،
~~بخلاف مقابله، ms934 وبهذا يكون أولى من باقي أقسام العموم.
# الثاني والثلاثون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل الجمع المعرف، والآخر
~~جمع منكر، فالمعرف أولى لوجهين: الأول أن بعض من وافق على عموم الجمع
~~المعرف خالف في المنكر، فكان أقوى لقربه إلى الوفاق. الثاني أنه لا يدخله
~~الابهام بخلاف المنكر، فكان أولى، وربما رجح المنكر بكونه دالا على عدد أقل
~~من الجمع المعرف، فكان أقرب إلى الخصوص، فكان أولى. PageV04P255
# الثالث والثلاثون: أن يكون أحدهما اسم جمع معرف، والآخر اسم جنس دخله
~~الألف واللام، فاسم الجمع أولى، لامكان حمل اسم الجنس على الواحد المعهود،
~~بخلاف الجمع المعرف، فكان أقوى عموما، يكون مقدما على (من) و (ما) الرابع
~~والثلاثون: إذا كان أحدهما من قبيل الاسم الجنس المعرف واخر من قبيل من وما
~~فمن وما أولى لعدم احتمالهما للعهد واحتمال ما قابلهما له.
# الخامس والثلاثون: ان يكون أحد الطاهرين مضطربا في لفظه بخلاف الخر فغير
~~المطرب أولى لأنه أدل على الحفظ والضبط السادس والثلاثون: أن يكون أحدهما
~~قد دل على الحكم وعلته، والآخر دل على الحكم دون علته فالدال على العلة
~~أولى، لأنه أقرب إلى الايضاح والبيان.
# السابع والثلاثون: أن يكون أحدهما قولا، والآخر فعلا، فالقول أولى لأنه
~~أبلغ في البيان من الفعل، وإن كان أحدهما قولا وفعلا، والآخر قول فقط،
~~فالقول والفعل أولى، لأنه أقوى في البيان.
# الثامن والثلاثون: أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لم يتعرض الآخر لها،
~~كرواية من روى أنه عليه السلام كبر في صلاة العيد سبعا، فإنها مقدمة على
~~رواية من روى أربعا، لاشتمالها على زيادة علم خفي على الآخر. PageV04P256
# التاسع والثلاثون: أن يكون أحد المنقولين الظاهرين إجماعا والآخر نصا،
~~وسواء كان من الكتاب أو السنة، فالاجماع مرجح، لان النسخ مأمون فيه بخلاف
~~النص.
# الأربعون: أن يكونا إجماعين ظاهرين إلا أن أحدهما قد دخل فيه جميع أهل
~~العصر، والآخر لم يدخل فيه سوى أهل الحل والعقد: فالذي دخل فيه الجميع
~~أولى، لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف فيه.
# الحادي والأربعون: ms935 أن يكون أحدهما قد دخل فيه مع أهل الحل والعقد الفقهاء
~~الذين ليسوا أصوليين، والأصوليون الذين ليسوا فقهاء، وخرج عنه العوام،
~~والآخر بالعكس، فالأول أولى لقربهم من المعرفة والإحاطة بأحكام الشرع
~~واستنباطها من مداركها، وبهذا المعنى يكون أيضا ما دخل فيه الأصولي الذي
~~ليس بفقيه، ولم يدخل فيه الفقيه، أولى مما هو بالعكس، لان الأصولي أعرف
~~بمدارك الاحكام وكيفية تلقي الاحكام من المنطوق والمفهوم والامر والنهي
~~وغيره.
# الثاني والأربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع الذي ليس
~~بكافر، بخلاف الآخر، فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى، لان الظاهر من حاله
~~الصدق، ولأنه أبعد عن الخلاف.
# الثالث والأربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع، دون
~~العوام والفروعيين الذين ليسوا أصوليين، والأصوليون الذين ليسوا فروعيين،
~~والآخر بعكسه، فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى، إذ الخلل في قوله إنما هو
~~من جهة كذبه فيما يقول، والخلل في قول من عداه من المذكورين إنما هو من
~~جهله وعدم إحاطته وعدم كماله. ولا يخفى أن احتمال وقوع الخلل بجهة الكذب من
~~الفاسق لحرمته وتعلق الاثم به أنذر من الخلل الناشئ بسبب الجهل وعدم
~~الإحاطة. PageV04P257
# الرابع والأربعون: أن يكون أحد الاجماعين من الصحابة، والآخر من
~~التابعين، فإجماع الصحابة أولى للثقة بعدالتهم وبعد تقاعدهم عن تحقيق الحق
~~وإبطال الباطل وغلبة جدهم وكثرة اجتهادهم في تمهيد أحكام الشريعة، ولأنه
~~أبعد عن خلاف من خالف في إجماع غير الصحابة. وعلى هذا فإجماع التابعين يكون
~~مقدما على إجماع من بعدهم لقربهم من العصر الأول، ولقوله عليه السلام: خير
~~القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه فإجماعهم يكون أغلب على الظن.
# الخامس والأربعون: أن يكون أحد الاجماعين قد انقرض عصره، بخلاف الآخر،
~~فما انقرض عصره يكون أولى لاستقراره وبعده عن الخلاف.
# السادس والأربعون: أن يكون أحدهما مأخوذا عن انقسام الأمة في مسألة من
~~المسائل على قولين في أنه إجماع على نفي قول ثالث، والاجماع الآخر على
~~إثبات القول الثالث، فالاجماع على إثباته أولى، لأنه أبعد عن ms936 اللبس وعما
~~يقوله المنازع في الأول من وجوه القدح، ويبديه من الاحتمالات.
# السابع والأربعون: أن يكون أحدهما مسبوقا بالمخالفة، بخلاف الآخر، فالذي
~~لم يسبق بالمخالفة أولى لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف.
# الثامن والأربعون: أن يكون أحدهما قد رجع بعض المجتهدين فيه عما حكم به،
~~موافقا للباقين لدليل ظهر له، بخلاف الآخر، فما لم يرجع فيه بعض المجتهدين
~~أولى، لبعده عن المناقضة والخلاف فيه.
# التاسع والأربعون: أن كون أحدهما إجماع الصحابة، إلا أنه لم يدخل فيه غير
~~المجتهدين، والآخر من إجماع التابعين إلا أنه قد دخل فيه جميع أهل عصرهم،
~~فإجماع الصحابة أولى للوثوق بعدالتهم وزيادة جدهم، كما سبق تقريره، وفي
~~معنى هذا يكون قد رجع واحد من الصحابة عن الواقعة، بخلاف التابعين.
# الخمسون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه جميع أهل العصر إلا أنه لم ينقرض
~~عصرهم، والآخر بالعكس، فما دخل فيه جميع أهل العصر أولى، لان غلبة الظن فيه
~~متيقنة، واحتمال الرجوع بسبب عدم انقراض العصر موهوم، وفي معناه أن يكون
~~PageV04P258
# ما لم ينقرض عصره قد دخل فيه المجتهد المبتدع، أو الأصولي الذي ليس
~~فروعيا، أو الفروعي الذي ليس بأصولي، والآخر بخلافه.
# الحادي والخمسون: أن يكون أحدهما غير مأخوذ من انقسام الأمة على قولين،
~~كما سبق، إلا أنه ينقرض عصره، والآخر بعكسه، فالأول أولى، نظرا إلى أن جهة
~~الاجماع فيه أقوى بيقين، أو رجوع الواحد عنه قبل انقراض العصر موهوم، وفي
~~معناه ما إذا كان أحد الاجماعين قد انقرض عصره إلا أنه مسبوق بالمخالفة،
~~والآخر بعكسه.
# الثاني والخمسون: أن يكون أحد الاجماعين مأخوذا من انقسام الأمة على
~~قولين إلا أنه غير مسبوق بمخالفة بعض المتقدمين، والآخر بعكسه، فالذي لم
~~يكن مأخوذا من انقسام الأمة على قولين أولى، لقوة الاجماع فيه.
# وأما الترجيحات العائدة إلى المدلول.
# الأول: منها أن يكون حكم أحدهما الحظر، والآخر الإباحة، وهذا مما اختلف
~~فيه: فذهب الأكثر كأصحابنا وأحمد بن حنبل والكرخي والرازي من أصحاب أبي
~~حنيفة إلى أن الحاظر أولى، وذهب أبو هاشم ms937 وعيسى بن أبان، إلى التساوي
~~والتساقط. والوجه في ترجيح ما مقتضاه الحظر أن ملابسة الحرام موجبة للمأثم
~~بخلاف المباح، فكان أولى بالاحتياط.
# ولهذا فإنه لو اجتمع في العين الواحدة حظر وإباحة، كالمتولد بين ما يؤكل
~~وما لا يؤكل، قدم التحريم على الإباحة، وكذلك إذا طلق بعض نسائه بعينها، ثم
~~أنسيها، حرم وطئ الجميع، تقديما للحرمة على الإباحة وإليه الإشارة بقوله
~~عليه السلام ما اجتمع الحلال والحرام، إلا غلب الحرام الحلال وقال عليه
~~السلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك غير أنه قد يمكن ترجيح ما مقتضاه
~~PageV04P259
# الإباحة من جهة أخرى، وهي أنا لو عملنا بما مقتضاه التحريم لزم منه فوات
~~مقصود الإباحة من الترك مطلقا. ولو عملنا بما مقتضاه الإباحة، فقد لا يلزم
~~منه فوات مقصود الحظر لان الغالب أنه إذا كان حراما فلا بد وأن تكون
~~المفسدة ظاهرة، وعند ذلك، فالغالب أن المكلف يكون عالما بها، وقادرا على
~~دفعها، لعلمه بعدم لزوم المحذور من ترك المباح، ولأن المباح مستفاد من
~~التخيير قطعا، بخلاف استفادة الحرمة من النهي لتردده بين الحرمة والكراهة
~~فكان أولى، وعلى هذا فلا يخفى وجه الترجيح بين ما مقتضاه الحرمة، وما
~~مقتضاه الندب.
# الثاني: أن يكون مدلول أحدهما الحظر، والآخر الوجوب، فما مقتضاه التحريم
~~أولى لوجهين:
# الأول هو أن الغالب من الحرمة إنما هو دفع مفسدة ملازمة للفعل أو
~~تقليلها، وفي الوجوب تحصيل مصلحة ملازمة للفعل أو تكميلها، واهتمام الشارع
~~والعقلاء بدفع المفاسد أتم من اهتمامهم بتحصيل المصالح. ولهذا فإن من أراد
~~فعلا لتحصيل مصلحة ينفر عنه إذا عارضه في نظرة لزوم مفسدة مساوية للمصلحة،
~~كمن رام تحصيل درهم على وجه يلزم منه فوات مثله، وإذا كان ما هو المقصود من
~~التحريم أشد وآكد منه في الواجب كانت المحافظة عليه أولى. ولهذا كان ما
~~شرعت العقوبات فيه من فعل المحرمات أكثر من ترك الواجبات وأشد، كالرجم
~~المشروع في زنى المحصن.
# الوجه الثاني أن إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتم من إفضاء الوجوب إلى
~~مقصوده، فكانت المحافظة ms938 عليه أولى. وذلك، لان مقصود الحرمة يتأتى بالترك،
~~وذلك كاف مع القصد له أو مع الغفلة عنه ولا كذلك فعل الواجب.
# وأيضا فإن ترك الواجب وفعل المحرم إذا تساويا في داعية الطبع إليهما،
~~فالترك يكون أيسر وأسهل من الفعل لتضمن الفعل مشقة الحركة وعدم المشقة في
~~الترك.
# وما يكون حصول مقصوده أوقع، يكون أولى بالمحافظة عليه.
# الثالث: أن يكون حكم أحدهما الحرمة، والآخر الكراهة، فالحظر أولى،
~~لمساواته الكراهة في طلب الترك وزيادته عليه بما يدل على اللوم عند الفعل،
~~ولأن المقصود PageV04P260
# منهما إنما هو الترك لما يلزمه من دفع المفسدة الملازمة للفعل، والحرمة
~~أوفى لتحصيل ذلك المقصود، فكانت أولى بالمحافظة.
# وأيضا فإن العمل بالمحرم لا يلزم منه إبطال دلالة المقتضي للكراهة وهو
~~طلب الترك العمل بالمقتضي للكراهة مما يجوز معه الفعل، وفيه إبطال دلالة
~~المحرم.
# ولا يخفى أن العمل بما لا يفضي إلى الابطال يكون أولى، وبما حققناه في
~~ترجيح المحرم على المقتضي للكراهة يكون ترجيح الموجب على المقتضي للندب.
# الرابع: أن يكون حكم أحدهما إثباتا، والآخر نفيا، وذلك كخبر بلال بأن
~~النبي عليه السلام، دخل البيت وصلى، وخبر أسامة أنه دخل ولم يصل فالنافي
~~مرجح على المثبت، خلافا للقاضي عبد الجبار في قوله إنهما سواء. والمثبت،
~~وإن كان مترجحا على النافي لاشتماله على زيادة علم، غير أن النافي لو قدرنا
~~تقدمه على المثبت، كانت فائدته التأكيد، ولو قدرنا تأخره، كانت فائدته
~~التأسيس، وفائدة التأسيس أولى، لما سبق تقريره، فكان القضاء بتأخيره أولى.
# فإن قيل: إلا أنه يلزم من تأخره مخالفة الدليل المثبت ورفع حكمه دون
~~تقدمه.
# قلنا: هو معارض بمثله، فإنا لو قدرنا تقدم النافي، فالمثبت بعده يكون
~~نافيا لحكمه ورافعا له.
# فإن قيل: المثبت، وإن كان رافعا لحكم النافي على تقدير تأخره عنه، فرافع
~~لما فائدته التأكيد، ولو قدرنا تأخر النافي كان مبطلا لما فائدته التأسيس،
~~فكان فرض تأخر المثبت أولى. PageV04P261
# قلنا: إلا أنه وإن كانت فائدة النافي التأكيد على تقدير تقدمه، فالمثبت
~~يكون رافعا لحكم تأسيسي، وهو ms939 الباقي على الحال الأصلي وزيادة ما حصل من
~~النافي من التأكيد ولا كذلك ما لو كان النافي متأخرا، فإنه لا يرفع غير
~~التأسيس، وما لا يفضي إلى رفع التأسيس مع التأكيد يكون أولى مما يفضي إلى
~~رفع الامرين معا، وما يقال من أن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق،
~~والنافي غير مجمع على إفادته لحكم شرعي. والغالب من الشارع أنه لا يتولى
~~بيان غير الشرعي، فمع أنه غير سديد من جهة أن الحكم الشرعي غير مقصود
~~لذاته، وإنما هو مقصود لحكمته، لكونه وسيلة إليها وحكمة الاثبات، وإن كانت
~~مقصودة، فكذلك حكمة النفي، فهو معارض من جهة أن الغالب من الشارع على ما هو
~~المألوف منه إنما هو التقرير لا التغيير، وعلى هذا، فالحكم للنفي الأصلي
~~يكون أولى من المغير.
# الخامس: أن يكون حكم أحدهما معقولا، والآخر غير معقول، فما حكمه غير
~~معقول، وإن كان الثواب بتلقيه أكثر لزيادة مشقته كما نطق به الحديث، إلا أن
~~مقصود الشارع بشرع ما هو معقول أتم مما ليس بمعقول، نظرا إلى سهولة
~~الانقياد وسرعة القبول، وما شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى.
~~ولهذا، كان شرع المعقول أغلب من شرع غير المعقول، حتى إنه قد قيل إنه لا
~~حكم إلا وهو معقول، حتى في ضرب الدية على العاقلة ونحوه مما ظن أنه غير
~~معقول، ولأن ما يتعلق بالمعقول من الفائدة بالنظر إلى محل النص بالتعدية
~~والالحاق أكثر منه في غير المعقول، فكان أولى وما كانت جهة تعقله أقوى كما
~~يأتي وجه التفصيل فيه في العلل، فهو أولى.
# السادس: أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لا وجود لها في الآخر، كموجب
~~الجلد مع الموجب للجلد والتغريب، فالموجب للزيادة يكون أولى، لان العمل
~~بالزيادة غير موجب لابطال منطوق الآخر فيما دل عليه من وجوب الجلد وإجزائه
~~عن نفسه والعمل بالموجب للجلد فقط موجب لابطال المنطوق في الدلالة على وجوب
~~الزيادة، وما لا يفضي إلى إبطال حكم الدليل، أولى مما يفضي إلى الابطال،
~~ولأن دلالة ms940 الموجب للجلد على نفي الزيادة غير مأخوذة من منطوق اللفظ، ووجوب
~~PageV04P262
# الزيادة مأخوذ من منطوق اللفظ، ومخالفة ما ليس بمنطوق بالمنطوق أولى من
~~العكس لما تقدم.
# السابع: أن يكون موجب أحدهما الجلد، والآخر الدرء، فالدارئ يكون أولى،
~~نظرا إلى ما حققناه في ترجيح ما حكمه النفي على ما حكمه الاثبات، ولأن
~~الخطأ في نفي العقوبة أولى من الخطأ في تحقيقها، على ما قال عليه السلام
~~لان يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ولأن ما يعترض الحد من
~~المبطلات أكثر مما يعترض الدرء، فكان أولى لبعده عن الخلل وقربه إلى
~~المقصود، ولأنه على خلاف الدليل النافي للحد والعقوبة.
# الثامن: أن يكون حكم أحدهما وقوع الطلاق أو العتق، وحكم الآخر نفيه، قال
~~الكرخي: ما حكمه الوقوع أولى، لأنه على وفق الدليل النافي لملك البضع وملك
~~اليمين، والنافي لهما على خلافه، ويمكن أن يقال بل النافي لهما أولى، لأنه
~~على وفق الدليل المقتضي لصحة النكاح وإثبات ملك اليمين المترجح على النفي
~~له.
# التاسع: أن يكون حكم أحدهما تكليفيا، وحكم الآخر وضعيا، فالتكليفي، وإن
~~اشتمل على زيادة الثواب المرتبط بالتكليف، وكان لأجله راجحا، فالوضعي من
~~جهة أنه لا يتوقف على ما يتوقف عليه الحكم التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه
~~وتمكنه من الفعل يكون مترجحا.
# العاشر: أن يكون حكم أحدهما أخف من الآخر، فقد قيل إن الأخف أولى، لان
~~الشريعة مبناها على التخفيف على ما قال الله تعالى * (يريد الله بكم اليسر،
~~ولا يريد بكم العسر) * (البقرة: 185) وقال تعالى * (ما جعل عليكم في الدين
~~من حرج) * (الحج: 78) وقال عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وقيل إن
~~الأثقل أولى، نظرا إلى الشرعية، PageV04P263
# إنما يقصد بها مصالح المكلفين، والمصلحة في الفعل الأشق أعظم منها في
~~الفعل الأخف، على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك ولأن الغالب على
~~الظن إنما هو تأخره عن الأخف، نظرا إلى المألوف من أحوال العقلاء، فإن من
~~قصد تحصيل مقصود بفعل من الافعال ولم يحصل به ms941 لا يقصد تحصيله بما هو أخف
~~منه بل بما هو أعلى منه، فبتقدير تقدم الأخف على الأثقل يكون موافقا لنظر
~~أهل العرف، فكان أولى، ولأن زيادة ثقله تدل على تأكد المقصود منه على مقصود
~~الأخف، فالمحافظة عليه تكون أولى.
# الحادي عشر: أن يكون كل واحد من الخبرين خبرا واحدا إلا أن حكم أحدهما
~~مما تعم به البلوى بخلاف حكم الآخر فما لا تعم به البلوى أولى، لكونه أبعد
~~عن الكذب من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على
~~نقله أقرب إلى الكذب كما تقرر قبل، ولهذا كان مختلفا فيه، ومتفقا على
~~مقابله.
# وأما الترجيحات العائدة إلى أمر خارج.
# الأول: منها أن يكون أحد الدليلين موافقا لدليل آخر، من كتاب أو سنة أو
~~إجماع أو قياس أو عقل أو حس، والآخر على خلافه، فما هو على وفق الدليل
~~الخارج أولى، لتأكد غلبة الظن بقصد مدلوله، ولأن العمل به، وإن أفضى إلى
~~مخالفة مقابله وهو دليل واحد، فالعمل بمقابله يلزم منه مخالفة دليلين
~~والعمل بما يلزم معه مخالفة دليل واحد أولى مما يلزم منه مخالفة دليلين.
# الثاني: أن يكون أحدهما قد عمل بمقتضاه علماء المدينة، أو الأئمة الأربعة
~~أو بعض الأمة بخلاف الآخر، فما عمل به يكون أولى، أما ما عمل به أهل
~~المدينة فلأنهم أعرف بالتنزيل وأخبر بمواقع الوحي والتأويل، وكذلك الأئمة
~~والخلفاء الراشدون، لحث النبي عليه السلام على متابعتهم والاقتداء بهم على
~~ما سبق تعريفه وذلك يغلب على الظن قوته في الدلالة وسلامته عن المعارض،
~~وعلى هذا أيضا ما عمل بمقتضاه بعض الأمة يكون أغلب على الظن، فكان أولى
~~PageV04P264
# وفي معنى هذا أن يعتضد كل واحد منهما بدليل، غير أن ما عضد أحدهما راجح
~~على الآخر ما عضد الآخر، أو أن يعمل بكل واحد منهما بعض الأمة، غير أن من
~~عمل بأحدهما أعرف بمواقع الوحي والتنزيل، فيكون أولى.
# الثالث: أن يكون كل واحد منهما مؤولا، إلا أن دليل التأويل في أحدهما
~~أرجح من دليل ms942 التأويل في الآخر، فهو أولى، لكونه أغلب على الظن.
# الرابع: أن يكون أحدهما دالا على الحكم والعلة، والآخر على الحكم دون
~~العلة، فما يدل على العلة يكون أولى، لقربه إلى المقصود بسبب سرعة الانقياد
~~وسهولة القبول، ولدلالته على الحكم من جهة لفظه ومن جهة دلالته عليه بواسطة
~~دلالته على العلة، وما دل على الحكم بجهتين يكون أولى، ولأن العمل به يلزمه
~~مخالفة ما قابله من جهة واحدة، والعمل بالمقابل يلزم منه مخالفة الدليل
~~الآخر على الحكم من جهتين، فكان أولى، وربما رجح ما لم يدل على العلة من
~~جهة أن المشقة في قبوله أشد والثواب عليه أعظم، إلا أنه مرجوح بالنظر إلى
~~مقصود التعقل، ولذلك كان هو الأغلب.
# الخامس: أن يدل كل واحد منهما على الحكم والعلة، إلا أن دلالة أحدهما على
~~العلية أقوى من دلالة الآخر عليها كما بيناه فيما تقدم، فالأقوى يكون أولى،
~~لكونه أغلب على الظن.
# السادس: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما ورد على سبب خاص بخلاف الآخر،
~~وعند ذلك فتعارضهما إما أن يكون بالنسبة إلى ذلك السبب الخاص، أو بالنسبة
~~إلى غير ه: فإن كان الأول، فالوارد على ذلك السبب يكون أولى، لكونه أمر به،
~~ولأن محذور المخالفة فيه، نظرا إلى أن تأخير البيان عما دعت الحاجة إليه
~~يكون أتم من المحذور اللازم من المخالفة في الآخر، لكونه غير وارد فيها.
# وإن كان الثاني، فالعام المطلق يكون أولى لان عمومه أقوى من عموم مقابله
~~لاستوائهما في صيغة العموم وغلبة الظن بتخصيص ما ورد على الواقعة بها، نظرا
~~إلى بيان ما دعت الحاجة إليه، وإلى أن الأصل إنما هو مطابقة ما ورد في معرض
~~البيان لما مست إليه الحاجة، ولأن ما ورد على السبب الخاص مختلف في تعميمه
~~عند القائلين بالعموم، بخلاف مقابله، وعلى هذا فمحذور المخالفة في العام
~~المطلق يكون أشد. PageV04P265
# السابع: أن يكون أحدهما قد وردت به المخاطبة على سبيل الاخبار بالوجوب أو
~~التحريم أو غيره، كما في قوله تعالى * (والذين يظاهرون منكم من ms943 نسائهم) *
~~(المجادلة: 2) أو في معرض الشرط والجزاء، كما في قوله تعالى * (ومن دخله
~~كان آمنا) * (آل عمران: 97) والآخر وردت المخاطبة به شفاها، كما في قوله
~~تعالى * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) * (البقرة: 183) فإن
~~تقابلا في حق من وردت المخاطبة إليه شفاها، فخطاب المشافهة أولى، وإن كان
~~ذلك بالنظر إلى غير من وردت المخاطبة إليه شفاها، كان الآخر أولى، لما
~~حققناه في معارضة العام المطلق والوارد على السبب المعين، ولأن الخطاب
~~شفاها إنما يكون للحاضر من الموجودين، وتعميمه بالنسبة إلى غيرهم إنما يكون
~~بالنظر إلى دليل آخر: إما من إجماع الأمة على أنه لا تفرقة، أو من قوله
~~عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.
# الثامن: أن يكون أحدهما مما يجوز تطرق النسخ إليه أو قد اختلف في تطرق
~~النسخ إليه، بخلاف الآخر، فالذي لا يقبل النسخ يكون أولى لقلة تطرق الأسباب
~~الموهية إليه.
# التاسع: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما قد اتفق على العمل به في صورة،
~~بخلاف الآخر، فما اتفق على العمل به، وإن كان قد يغلب على الظن زيادة
~~اعتباره، إلا أن العمل بما لم يعمل به في صورة متفق عليها أولى، إذ العمل
~~به مما لا يفضي إلى تعطيل الآخر، لكونه قد عمل به في الجملة، والعمل بما
~~عمل به يفضي إلى تعطيل ما لم يعمل به، وما يفضي إلى التأويل أولى مما يفضي
~~إلى التعطيل. وما عمل به في الصورة المتفق عليها، وإن لزم أن يكون فيها
~~راجحا على العام المقابل، إلا أنه يحتمل أن يكون الترجيح له لأمر خارج لا
~~وجود له في محل النزاع، وهو وإن كان المرجح الخارج بعيد الوجود، لكن يجب
~~اعتقاد وجوده، نفيا لاهمال العام الآخر. فإن قيل: لو كان له مرجح من خارج
~~لوقفنا عليه بعد البحث التام، وقد بحثنا فلم نجد شيئا من ذلك، واحتمال
~~مخالفة السبر أيضا بعيد، فهو معارض بمثله، فإنه لو كان رجحانه لمعنى يعود
~~إلى نفسه، لوقفنا عليه بعد البحث، وقد بحثنا ms944 فلم نجده. وعند ذلك، فيتقاوم
~~الكلامان، وقد يسلم لنا ما ذكرناه أو لا.
# العاشر: أن يكون أحدهما قد قصد به بيان الحكم المختلف فيه، بخلاف الآخر،
~~فالذي قصد به البيان للحكم يكون أولى، لأنه يكون أمس بالمقصود، PageV04P266
# وكما في قوله تعالى * (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) * (النساء:
~~23) فإنه قصد به بيان تحريم الجمع بين الأختين في الوطئ بملك اليمين، فإنه
~~مقدم على قوله تعالى * (أو ما ملكت أيمانكم) * (النساء: 3) حيث لم يقصد به
~~بيان الجمع.
# الحادي عشر: أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمة، بخلاف
~~الآخر، الأقرب إلى الاحتياط يكون مقدما لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع
~~المضرة.
# الثاني عشر: أن يكون أحدهما يستلزم نقص الصحابي، كحديث القهقهة في
~~الصلاة، بخلاف الآخر، فالذي لا يستلزم ذلك أولى لكونه أقرب إلى الظاهر
~~الموافق لحال الصحابي ووصف الله له بالعدالة، على ما قال تعالى * (وكذلك
~~جعلناكم أمة وسطا) * (البقرة: 143) أي عدولا.
# الثالث عشر: أن يقترن بأحد الخبرين تفسير الراوي بفعله أو قوله، فإنه
~~يكون مرجحا على ما ليس كذلك، لان الراوي للخبر يكون أعرف وأعلم بما رواه
~~الرابع عشر: أن يذكر أحد الراويين سبب ورود ذلك النص بخلاف الآخر، فالذاكر
~~للسبب أولى، لان ذلك يدل على زيادة اهتمامه بما رواه.
# الخامس عشر: أن يكون قد اقترن بأحد الخبرين ما يدل على تأخيره عن الآخر،
~~كالخبر الذي ظهر بعد استظهار النبي عليه السلام وقوة شوكته بخلاف الآخر،
~~فالظاهر بعد قوة شوكة النبي عليه السلام أولى، لان احتمال ظهور مقابله قبل
~~قوة الشوكة أكثر من احتمال وقوع ما ظهر بعد قوة الشوكة، فكان تأخيره أغلب
~~على الظن فكان أولى.
# وفي معناه أن يكون أحد الراويين متأخر الاسلام عن الآخر، فالغالب أن ما
~~رواه عن النبي عليه السلام بعد إسلامه، فروايته أولى، لان رواية الآخر
~~يحتمل أن تكون قبل إسلام المتأخر، ويحتمل أن تكون بعد إسلامه، فكان تأخير
~~ما رواه متأخر الاسلام أغلب على الظن وفي معناه أن يعلم أن موت ms945 متقدم
~~الاسلام كان متقدما على إسلام المتأخر، وكذلك إذا علمنا أن غالب رواية أحد
~~الراويين قبل الغالب من رواية الآخر، فروايته تكون مرجوحة، لان الغالب تقدم
~~ما رواه، PageV04P267
# وكذلك إذا كانت رواية أحدهما مؤرخة بتاريخ مضيق دون الآخر، فاحتمال تقدم
~~غير المؤرخة يكون أغلب، وكذلك إذا كان أحد الخبرين يدل على التخفيف، والآخر
~~على التشديد، فاحتمال تأخر التشديد أظهر لان الغالب منه عليه السلام أنه ما
~~كان يشدد إلا بحسب علو شأنه واستيلائه وقهره، ولهذا أوجب العبادات شيئا
~~فشيئا، وحرم المحرمات شيئا فشيئا.
# القسم الثاني في التعارض الواقع بين معقولين والمعقولان، إما قياسان، أو
~~استدلالان، أو قياس واستدلال فإن كان التعارض بين قياسين، فالترجيح بينهما
~~قد يكون بما يعود إلى أصل القياس، وقد يكون بما يعود إلى فرعه، وقد يكون
~~بما يعود إلى مدلوله، وقد يكون بما يعود إلى أمر خارج. فأما ما يعود إلى
~~الأصل فمنه ما يعود إلى حكمه، ومنه ما يعود إلى علته، فأما ما يعود إلى حكم
~~الأصل فترجيحات.
# الأول: أن يكون الحكم في أصل أحدهما قطعيا، وفي الآخر ظنيا، فما حكم أصله
~~قطعي أولى، لان ما يتطرق إليه من الخلل بسبب حكم الأصل منفي، ولا كذلك
~~الآخر، فكان أغلب على الظن. وفي معنى هذا ما يكون الحكم في أصل أحدهما
~~ممنوعا ، وفي الآخر غير ممنوع، فغير الممنوع يكون أولى.
# الثاني: أن يكون حكم الأصل فيهما ظنيا، غير أن الدليل المثبت لأحدهما
~~أرجح من المثبت للآخر، فيكون أولى الثالث: أن يكون حكم الأصل في أحدهما مما
~~اختلف في نسخه، بخلاف الآخر فالذي لم يختلف في نسخه أولى، لبعده عن الخلل.
# الرابع: أن يكون الحكم في أصل أحدهما غير معدول به عن سنن القياس كما
~~ذكرناه فيما تقدم، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن سنن القياس أولى، لكونه
~~أبعد عن التعبد وأقرب إلى المعقول وموافقة الدليل. PageV04P268
# الخامس: أن يكون حكم الأصل في أحدهما قد قام دليل خاص على وجوب تعليله،
~~وجواز القياس عليه، ولا كذلك الآخر، ms946 فما قام الدليل فيه على وجوب تعليله
~~وجواز القياس عليه أولى، وإن لم يكون ذلك شرطا في صحته كما سبق ، لما فيه
~~من الامن من غائلة التعبد والقصور على الأصل ولبعده عن الخلاف.
# السادس: أن يكون حكم أحد الأصلين مما اتفق القياسيون على تعليله، والآخر
~~مختلف فيه، فما اتفق على تعليله أولى، إذ هو أبعد عن الالتباس، وأغلب على
~~الظن.
# السابع: أن يكون حكم أحد الأصلين قطعيا، لكنه معدول به عن سنن القياس،
~~والآخر ظني، لكنه غير معدول به عن سنن القياس، فالظني الموافق لسنن القياس
~~أولى، لكونه موافقا للدليل وأبعد عن التعبد.
# الثامن: أن يكون حكم أحدهما في الأصل قطعيا، إلا أنه لم يقم دليل خاص على
~~وجوب تعليله، وعلى جواز القياس عليه، وحكم الآخر ظني إلا أنه قد قام الدليل
~~على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه، فما حكمه قطعي أولى، لان ما يتطرق
~~إليه من الخلل إنما هو بسبب قربه من احتمال التعبد والقصور على الأصل
~~المعين، وما يتطرق إلى الظني من الخلل، فمن جهة أن يكون الامر في نفسه خلاف
~~ما ظهر، واحتمال التعبد والقصور على ما ورد الشرع فيه بالحكم أبعد من
~~احتمال ظن الظهور لما ليس بظاهر والترك للعمل بما هو ظاهر.
# التاسع: أن يكون حكم أصل أحدهما قطعيا، إلا أنه لم يتفق على تعليله، وحكم
~~الآخر ظني إلا أنه متفق على تعليله، فالظني المتفق على تعليله أولى، لان
~~تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع إنما هو فرع تعقل العلة في الأصل، وتحقق
~~وجودها في الفرع، واحتمال معرفة ذلك فيما هو متفق عليه أغلب، واحتمال الخلل
~~بالنظر إلى الحكم الظني، وإن كان قائما ومأمونا في جانب الحكم القطعي، إلا
~~أن احتمال قطع القياس فيما لم يتفق على تعليله لعدم الاطلاع على ما هو
~~المقصود من حكم الأصل، أغلب من احتمال انقطاع القياس لخلل ملتحق بالظاهر
~~الدال على حكم الأصل، مع ظهور دليله وعدم الاطلاع عليه بعد البحث التام
~~فيه.
# العاشر: أن يكون دليل ثبوت ms947 الحكم في أصل أحدهما أرجح من الآخر، إلا أنه
~~مختلف في نسخه بخلاف الآخر، فما دليله راجح أولى، لان الأصل عدم النسخ،
~~وقول النسخ معارض بقول عدم النسخ، فكان احتمال عدم النسخ أرجح. PageV04P269
# الحادي عشر: أن يكون دليل ثبوت الحكم في أحدهما راجحا على دليل حكم أصل
~~الآخر، إلا أنه معدول به عن سنن القياس والقاعدة العامة، بخلاف الآخر ، فما
~~لم يعدل به عن القاعدة أولى، لأنه يلزم من العمل به الجري على وفق القاعدة
~~العامة التي ورد الحكم في القياس الآخر على خلافها، غير أنه يلزم منه إهمال
~~جانب الترجيح في الآخر، وما يلزم من العمل بالآخر، فإنما هو اعتبار ظهور
~~الترجيح، لكن مع مخالفة القاعدة المتفق عليها، واحتمال مخالفة القواعد
~~العامة المتفق عليها أبعد من احتمال مخالفة الشذوذ من ظواهر الأدلة، كيف
~~وإن العمل بما دليل ثبوت حكم أصله ظني، محافظة على أصل الدليل الظني
~~والقاعدة العامة، والعمل بما ظهر الترجيح في دليل ثبوت حكمه فيه الموافقة،
~~لما ظهر من الترجيح ومخالفة القاعدة وأصل الدليل الآخر. ولا يخفى أن العمل
~~بما يلزم منه موافقة ظاهرين ومخالفة ظاهر واحد، أولى من العكس.
# الثاني عشر: أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما راجحا على دليل الآخر، إلا
~~أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه، بخلاف الآخر،
~~فما ظهر الترجيح في دليله أولى، لما ذكرناه فيما إذا كان الحكم قطعيا.
# الثالث عشر: أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما أرجح من دليل الآخر إلا
~~أنه غير متفق على تعليله، بخلاف الآخر، فما اتفق على تعليله أولى، لما
~~ذكرناه فيما إذا كان حكم الأصل في أحدهما قطعيا، والآخر ظنيا.
# الرابع عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما مما اتفق على عدم نسخه، إلا أنه
~~معدول به عن القاعدة العامة، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن القاعدة أولى
~~، لما سبق تحقيقه.
# الخامس عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة، إلا
~~أنه لم يقم ms948 دليل خاص على وجوب تعليله وجواز القياس عليه، بخلاف الآخر،
~~PageV04P270
# فما هو على وفق القاعدة العامة أولى، لان العمل به عمل بأغلب ما يرد به
~~الشرع، والعمل بمقابله بالعكس، ولأن أكثر من قال باشتراط كون الحكم في
~~الأصل غير معدول به عن القاعدة العامة، خالف في اشتراط قيام الدليل على
~~وجوب تعليل الحكم وجواز القياس عليه، ولم يشترط غير الشذوذ، فكونه غير
~~معدول به عن القاعدة العامة أمس بالقياس.
# السادس عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة، إلا
~~أنه لم يتفق على تعليله، والآخر بعكسه، فما اتفق على تعليه أولى، لان كل
~~واحد من القياسين، وإن كان مختلفا فيه، إلا أن احتمال وقوع التعبد في
~~القياس يبطله قطعا، ومخالفة القاعدة العامة غير مبطلة للقياس قطعا، وما
~~يبطل القياس قطعا بتقدير وقوعه يكون مرجوحا بالنسبة إلى ما لا يبطله قطعا.
# وأما الترجيحات العائدة إلى علة حكم الأصل، فمنها ما يرجع إلى طريق
~~إثباتها، ومنها ما يرجع إلى صفتها.
# أما الترجيحات العائدة إلى طرق إثباتها.
# فالأول منها أن يكون وجود علة أحد القياسين مقطوعا به في أصله، بخلاف علة
~~الآخر، فما وجود علته في أصله قطعي أولى، وسواء كان وجودها معقولا أو محسا،
~~مدلولا عليه أو غير مدلول، لكونه أغلب على الظن. وفي معنى هذا أن يكون وجود
~~العلتين مظنونا، غير أن ظن وجود إحداهما أرجح من الأخرى، فقياسها أولى،
~~لأنها أغلب على الظن.
# الثاني: أن يكون دليل علية الوصف في أحد القياسين قطعيا، وفي الآخر ظنيا،
~~فيكون أولى، لأنه أغلب على الظن.
# الثالث: أن يكون دليل العلتين ظنيا، غير أن دليل إحدى العلتين أرجح من
~~دليل الأخرى، فما دليلها أرجح فقياسها أولى، لأنه أغلب على الظن.
~~PageV04P271
# الرابع: أن يكون طريق علية الوصف فيهما الاستنباط، إلا أن دليل إحدى
~~العلتين السبر والتقسيم، والأخرى المناسبة، فما طريق ثبوت العلية فيه السبر
~~والتقسيم يكون أولى، لان الحكم في الفرع، كما يتوقف على تحقق مقتضيه في
~~الأصل يتوقف على انتفاء ms949 معارضه في الأصل، والسبر والتقسيم فيه التعرض لبيان
~~المقتضي وإبطال المعارض، بخلاف إثبات العلة بالإحالة، فكان السبر والتقسيم
~~أولى.
# فإن قيل: وصف العلة لا بد وأن يكون مناسبا في نفس الامر أو شبهيا لامتناع
~~التعليل بالوصف الطروي، ولا يخفى أن احتمال عدم المناسبة بعد إظهارها
~~بالطريق التفصيلي أبعد من احتمال عدمها في السبر والتقسيم، حيث لم يتعرض
~~فيه لبيانها تفصيلا، فكان طريق المناسبة أولى قلنا: إلا أن التعرض لمناسبة
~~الوصف لا دلالة له بوجه على نفي المعارض في الأصل، فإنه لامتناع من اجتماع
~~مناسبين في محل واحد على حكم واحد، ودلالة البحث والسير على مناسب في الأصل
~~غير الوصف المشترك، مع أن الأصل أن يكون الحكم معقول المعنى وأن يدل على أن
~~الوصف المشترك مناسب، ولا يخفى أن ما يدل على مناسبة العلة وعلى انتفاء
~~معارضها أولى مما يدل على مناسبتها ولا يدل على انتفاء معارضها.
# فإن قيل: إلا أن طريق إثبات العلة بالمناسبة أو الشبه أدل على مناسبة
~~الوصف بعد إظهارها من دلالة السبر والتقسيم على انتفاء وصف آخر، لاحتمال أن
~~يصدق الناظر في قوله، وأن يكذب، وبتقدير صدقه فظهور ذلك مختص به دون غيره،
~~بخلاف طريق المناسبة، فإنه ظاهر بالنظر إلى الخصمين.
# قلنا: بل العكس أولى، وذلك لان الخلل العائد إلى دليل نفي المعارض إنما
~~هو بالكذب أو الغلط، لعدم الظفر بالوصف، ولا يخفى أن وقوع الغلط مع كون
~~الوصف المبحوث عنه ظاهرا جليا، ووقوع الكذب مع كون الباحث عدلا، أبعد من
~~احتمال وقوع الغلط فيما أبدى من المناسبة مع كونها خفية مضطربة.
~~PageV04P272
# الخامس: أن يكون نفي الفارق في أصل أحد القياسين مقطوعا به، وفي الآخر
~~مظنونا، فما قطع فيه بنفي الفارق يكون أولى، لكونه أغلب على الظن.
# السادس: أن يكون طريق ثبوت إحدى العلتين السبر والتقسيم، والأخرى الطرد
~~والعكس، فما طريق ثبوته السبر والتقسيم أولى، إذ هو دليل ظاهر على كون
~~الوصف علة، وما دار الحكم معه وجودا وعدما غير ظاهر العلية، لان الحكم قد
~~يدور مع ms950 الأوصاف الطردية، كما في الرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة
~~الدائرة مع تحريم الشرب وجودا وعدما، مع أنها ليست علة، لان العلة لا بد
~~وأن تكون في الأصل بمعنى الباعث، لا بمعنى الامارة، كما سبق تقريره.
~~والرائحة الفائحة ليست باعثة، إذ لا يشم منها رائحة المناسبة، وكما أنه غير
~~ظاهر في الدلالة على علية الوصف، فلا دلالة له على ملازمة العلة، لما
~~قدمناه في إبطال الطرد والعكس. وبهذا يكون القياس الذي طريق إثبات العلية
~~فيه المناسبة أولى مما طريق إثباتها فيه الطرد والعكس.
# وأما الترجيحات العائدة إلى صفة العلة.
# فالأول: منها أنه إذا كانت علة الأصل في أحد القياسين حكما شرعيا، وفي
~~الآخر وصفا حقيقيا، فما علته وصف حقيقي أولى، لوقوع الاتفاق عليه، ووقوع
~~الخلاف في مقابله، فكانت أغلب على الظن.
# الثاني: أن تكون علة الحكم الثبوتي في أحدهما وصفا وجوديا، وفي الآخر
~~وصفا عدميا، فما علته ثبوتية أولى للاتفاق عليه ووقوع الخلاف في مقابله.
# الثالث: أن تكون علة أحدهما بمعنى الباعث، وفي الآخر بمعنى الامارة، فما
~~علته باعثة أولى، للاتفاق عليه.
# الرابع: أن تكون علة أحدهما وصفا ظاهرا منضبطا، وفي الآخر بخلافه، فما
~~علته مضبوطة أولى، لأنه أغلب على الظن لظهوره، ولبعده عن الخلاف. ا الخامس:
~~أن تكون علة أحدهما وصفا متحدا، وفي الآخر ذات أوصاف، فما علته ذات وصف
~~واحد أولى، لأنه أقرب إلى الضبط، وأبعد عن الخلاف.
# السادس: أن تكون علة أحدهما أكثر تعدية من علة الآخر، فهو أولى لكثرة
~~فائدته. PageV04P273
# السابع: أن تكون علة أحدهما مطردة بخلاف الآخر، فما علته مطردة أولى،
~~لسلامتها عن المفسد وبعدها عن الخلاف. وفي معنى هذا أن تكون علة أحدهما غير
~~منكسرة، بخلاف علة الآخر، فما علته غير منكسرة أولى، لبعدها عن الخلاف.
# الثامن: أن تكون علة أحدهما منعكسة بخلاف علة الآخر فما علته منعكسة
~~أولى، لأنها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف.
# التاسع: أن تكون علة أحدهما غير متأخرة عن الحكم بخلاف الآخر، فما علته
~~غير متأخرة أولى، لبعده عن الخلاف. ms951
# العاشر: أن تكون علة أحدهما مطردة غير منعكسة، وعلة الآخر منعكسة غير
~~مطردة، فالمطردة أولى، لما بيناه من اشتراط الاطراد، وعدم اشتراط الانعكاس،
~~ولهذا فإن من سلم اشتراط الاطراد خالف في اشتراط الانعكاس.
# الحادي عشر: أن يكون ضابط الحكمة في علة أحد القياسين جامعا للحكمة مانعا
~~لها، بخلاف ضابط حكمة العلة في القياس الآخر، كما بيناه، فالجامع المانع
~~أولى، لزيادة ضبطه وبعده عن الخلاف.
# الثاني عشر: أن تكون العلة في أحدهما غير راجعة على الحكم الذي استنبطت
~~منه برفعه، أو رفع بعضه، بخلاف الآخر، فهو أولى لسلامة علته عما يوهيها،
~~وبعدها عن الخلاف.
# الثالث عشر: أن تكون علة أحد القياسين مناسبة، وعلة الآخر شبهية، فما
~~علته مناسبة أولى، لزيادة غلبة الظن بها، وزيادة مصلحتها، وبعدها عن
~~الخلاف.
# الرابع عشر: أن يكون المقصود من إحدى العلتين من المقاصد الضرورية كما
~~بيناه من قبل، والمقصود من العلة الأخرى غير ضروري، فما مقصوده من الحاجات
~~الضرورية أولى، لزيادة مصلحته وغلبة الظن به، ولهذا فإنه لم تخل شريعة عن
~~مراعاته، وبولغ في حفظه، بشرع أبلغ العقوبات.
# الخامس عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين من الحاجات الزائدة، ومقصود
~~الأخرى من باب التحسينات والتزيينات، فما مقصوده من باب الحاجات الزائدة
~~أولى، لتعلق الحاجة به دون مقابله. PageV04P274
# السادس عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين من مكملات المصالح الضرورية،
~~ومقصود الأخرى من أصول الحاجات الزائدة، فما مقصوده من مكملات الضروريات،
~~وإن كان تابعا لها ومقابله أصل في نفسه، يكون أولى، ولهذا أعطى حكم أصله
~~حتى شرع في شرب قليل الخمر ما شرع في كثيره.
# السابع عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين حفظ أصل الدين، ومقصود الأخرى ما
~~سواه من المقاصد الضرورية، فما مقصوده حفظ أصل الدين يكون أولى، نظرا إلى
~~مقصوده وثمرته، من نيل السعادة الأبدية في جوار رب العالمين، وما سواه من
~~حفظ الأنفس والعقل والمال وغيره، فإنما كان مقصودا من أجله، على ما قال
~~تعالى * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * ().
# فإن قيل: بل ما يفضي ms952 إلى حفظ مقصود النفس أولى وأرجح، وذلك لان مقصود
~~الدين حق الله تعالى، ومقصود غيره حق للآدمي، وحق الآدمي مرجح على حقوق
~~الله تعالى مبني على الشح والمضايقة، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة
~~والمساهلة، من جهة أن الله تعالى لا يتضرر بفوات حقه، فالمحافظة عليه أولى
~~من المحافظة على حق لا يتضرر مستحقه بفواته، ولهذا رجحنا حقوق الآدمي على
~~حق الله تعالى، بدليل أنه لو ازدحم حق الله تعالى وحق الآدمي في محل واحد،
~~وضاق عن استيفائهما بأن يكون قد كفر وقتل عمدا عدوانا، فإنا نقتله قصاصا لا
~~بكفره.
# وأيضا فإنا قد رجحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين، حيث خففنا عن المسافر
~~بإسقاط الركعتين، وأداء الصوم، وعن المريض بترك الصلاة قائما وترك أداء
~~الصوم، وقدمنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في صورة إنجاء الغريق وأبلغ من
~~ذلك أنا رجحنا مصلحة المال على مصلحة الدين، حيث جوزنا ترك الجمعة
~~والجماعة، ضرورة حفظ أدنى شئ من المال، ورجحنا مصالح المسلمين المتعلقة
~~ببقاء الذمي بين أظهرهم على مصلحة الدين، حتى عصمنا دمه وماله مع وجود
~~الكفر المبيح.
# قلنا: أما النفس فكما هي متعلق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الأحكام، فهي
~~متعلق حق الله تعالى بالنظر إلى أحكام أخر، ولهذا يحرم عليه قتل نفسه
~~والتصرف PageV04P275
# بما يفضي إلى تفويتها، فالتقديم إنما هو لمتعلق الحقين، ولا يمتنع تقديم
~~حق الله وحق الآدمي على ما تمحض حقا لله، كيف وإن مقصود الدين متحقق بأصل
~~شرعية القتل، وقد تحقق، والقتل انما هو لتحقيق الوعيد به، والمقصود بالقصاص
~~إنما هو التشفي والانتقام، ولا يحصل ذلك للوارث بشرع القتل، دون القتل
~~بالفعل، على ما يشهد به العرف، فكان الجمع بين الحقين أولى من تضييع
~~أحدهما، كيف وإن تقديم حق الآدمي ها هنا لا يفضي إلى تفويت حق الله فيما
~~يتعلق بالعقوبة البدنية مطلقا، لبقاء العقوبة الأخروية، وتقديم حق الله مما
~~يفضي إلى فوات حق الآدمي من العقوبة البدنية مطلقا، فكان ذلك أولى.
# وأما التخفيف عن المسافر والمريض فليس ms953 تقديما لمقصود النفس على مقصود أصل
~~الدين، بل على فروعه، وفروع الشئ غير أصل الشئ، ثم وإن كان، فمشقة الركعتين
~~في السفر تقوم مقام مشقة الأربع في الحضر، وكذلك صلاة المريض قاعدا بالنسبة
~~إلى صلاته قائما وهو صحيح، فالمقصود لا يختلف.
# وأما أداء الصوم، فلانه لا يفوت مطلقا، بل يفوت إلى خلف، وهو القضاء، وبه
~~يندفع ما ذكروه من صورة إنقاذ الغريق وترك الجمعة والجماعة لحفظ المال
~~أيضا، وبقاء الذمي بين أظهر المسلمين معصوم الدم والمال ليس لمصلحة
~~المسلمين، بل لأجل اطلاعه على محاسن الشريعة وقواعد الدين، ليسهل انقياده
~~ويتيسر استرشاده، وذلك من مصلحة الدين، لا من مصلحة غيره، وكما أن مقصود
~~الدين مقدم على غيره من مقاصد الضروريات، فكذلك ما يتعلق من مقصود النفس
~~يكون مقدما على غيره من المقاصد الضرورية، أما بالنظر إلى حفظ النسب، فلان
~~حفظ النسب إنما كان مقصودا لأجل حفظ الولد، حتى لا يبقى ضائعا لا مربي له،
~~فلم يكن مطلوبا لعينه بل لافضائه إلى بقاء النفس واما بالنظر إلى المال
~~فلهذا المعنى أيضا فإنه لم يكن بقاؤه مطلوبا لعينه وذاته، بل لأجل بقاء
~~النفس مرفهة منعمة، حتى تأتي بوظائف التكاليف وأعباء العبادات.
# وأما بالنظر إلى حفظ العقل، فمن جهة أن النفس أصل، والعقل تبع، فالمحافظة
~~على الأصل أولى، ولأن ما يفضي إلى فوات النفس على تقدير أفضليته يفوتها
~~مطلقا، وما يفضي إلى تفويت العقل كشرب المسكر لا يفضي إلى فواته مطلقا،
~~PageV04P276
# فالمحافظة بالمنع مما يفضي إلى الفوات مطلقا أولى. وعلى هذا أيضا يكون
~~المقصود في حفظ النسب أولى من المقصود في حفظ العقل والمال ولكونه عائدا
~~إلى حفظ النفس وما يفضي إلى حفظ العقل ومقدم على ما يفضي إلى حفظ المال،
~~لكونه مركب الأمانة وملاك التكليف ومطلوبا للعبادة بنفسه من غير واسطة، ولا
~~كذلك المال، ولهذا كانت هذه الرتب مختلفة في العقوبات المرتبة عليها، على
~~نحو اختلافها في أنفسها. وبمثل تفاوت هذه الرتب يكون التفاوت بين مكملاتها.
# الثامن عشر: أن يكون الوصف الجامع في ms954 أحد القياسين نفس علة حكم الأصل،
~~والآخر دليل علة الأصل وملازمها، فالذي فيه الجامع نفس العلة أولى، لظهورها
~~وركون النفس إليها.
# التاسع عشر: أن تكون علة الأصل في أحد القياسين ملائمة، وعلة الآخر
~~غريبة، فما علته ملائمة أولى، لأنها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف.
# العشرون: أن تكون علة الأصلين منقوضة، إلا أنه قد ظهر في صورة النقض في
~~أحدهما ما يمكن إحالة النقض عليه، من وجود مانع أو فوات شرط، بخلاف الأخرى،
~~فهي أولى لأنها أغلب على الظن.
# الحادي والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين قد يتخلف عنها مدلولها في
~~صورة بطريق الاستثناء على خلاف القاعدة العامة، والأخرى يتخلف عنها حكمها
~~لا على جهة الاستثناء، فالتي يتخلف عنها حكمها بجهة الاستثناء تكون أولى،
~~لقربها إلى الصحة وبعدها عن الخلاف.
# الثاني والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين قد خلفها في صورة النقض ما هو
~~أليق بها لكون مناسبتها فيها أشد، كما ذكرناه فيما تقدم، بخلاف الأخرى فهي
~~أولى لتبين عدم إلغائها بخلاف الأخرى.
# الثالث والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين لا مزاحم لها في أصلها، بخلاف
~~الأخرى، فالتي لا مزاحم لها أولى، لأنها أغلب على الظن وأقرب إلى التعدية.
~~وعلى هذا، يكون ما رجحانها على مزاحمها أكثر مقدمة أيضا. PageV04P277
# الرابع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين مقتضية للاثبات، والأخرى
~~مقتضية للنفي، فالنافية تكون أولى، لان مقتضاها يتم على تقدير رجحانها،
~~وعلى تقدير مساواتها، ومقتضى المثبتة لا يتم إلا على تقدير رجحانها، وما
~~يتم مطلوبه على تقدير من تقديرين يكون أغلب على الظن مما لا يتم مطلوبه إلا
~~على تقدير واحد معين.
# فإن قيل: الا أن العلة المثبتة مقتضاها حكم شرعي بالاتفاق، بخلاف
~~النافية، وما فائدتها شرعية بالاتفاق تكون أولى، وأيضا فإنه يجب اعتقاد
~~اختصاص أصل النافية بمعنى لا وجود له في الفرع، تقليلا لمخالفة الدليل، كيف
~~وإن ما ذكرتموه من الترجيح للنافية غير مستقيم على رأي من يعتقد التخيير
~~عند تساوي الدليلين المتعارضين، وعلى هذا فيتساوى القدمان.
# قلنا: أما كون ms955 حكم إحدى العلتين شرعي، فلا يرجح به، لان الحكم إنما كان
~~مطلوبا لا لنفسه، بل لما يفضي إليه من الحكم به، والشارع كما يود تحصيل
~~الحكمة بواسطة ثبوت الحكم، يود تحصيلها بواسطة نفيه، كيف وإن العلة النافية
~~متأيدة بالنفي الأصلي، والمثبتة على خلافه، فكانت أولى.
# وما قيل من وجوب اعتقاد اختصاص النافية بمعنى في الأصل لا وجود له في
~~الفرع، فهو معارض بمثله في المثبتة، وأنه يجب اعتقاد اختصاص أصلها بمعنى لا
~~وجود له في الفرع، تقليلا لمخالفة الدليل النافي، وليس أحدهما أولى من
~~الآخر، والتخيير وإن كان مقولا به عند تعارض الدليلين مع التساوي من كل
~~وجه، فليس إلا على بعض الآراء الشاذة بالنسبة إلى ما قابله، كيف وإن الحكم
~~إنما يثبت لما يصلح أو يكون مقصودا، وإثبات الحكم عند التعارض من كل وجه
~~لتحصيل مصلحة على وجه يلزم منه مفسدة مساويه لا يصلح أن يكون مقصودا،
~~فالحكم يكون منتفيا لانتفاء مقصوده. PageV04P278
# الخامس والعشرون: أن تكون حكمة إحدى العلتين قد اختلت، احتمالا لمانع أخل
~~بها دون الأخرى، فالتي لا يختل حكمها احتمالا، أولى، لقربها إلى الظن
~~وبعدها عن الخلل والخلاف.
# السادس والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين أفضى إلى تحصيل مقصودها من
~~الأخرى، فتكون أولى، لزيادة مناسبتها بسبب ذلك.
# السابع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين مشيرة إلى نقيض المطلوب
~~ومناسبة له من وجه، بخلاف الأخرى، فما لا تكون مناسبة لنقيض المطلوب تكون
~~أولى، لكونها أظهر في إفضائها إلى حكمها، وأغلب على الظن، وأبعد عن
~~الاضطراب.
# الثامن والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين متضمنة لمقصود يعم جميع
~~المكلفين، والأخرى متضمنة لمقصود يرجع إلى آحادهم، فالأولى أولى، لعموم
~~فائدتها.
# التاسع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين أكثر شمولا لمواقع الخلاف من
~~الأخرى، فتكون أولى لعموم فائدتها.
# وأما الترجيحات العائدة إلى الفرع فأربعة:
# الأول: أن يكون فرع أحد القياسين مشاركا لاصله في عين الحكم وعين العلة،
~~وفرع الآخر مشاركا لاصله في جنس الحكم وجنس العلة، أو جنس الحكم وعين
~~العلة، أو ms956 بالعكس، فما المشاركة فيه في عين العلة وعين الحكم أولى، لان
~~التعدية باعتبار الاشتراك في المعنى الأخص والأعم، أغلب على الظن من
~~الاشتراك في المعنى الأعم. وعلى هذا، فما المشاركة فيه بين الأصل والفرع
~~عين أحد الامرين: إما الحكم أو العلة، تكون أولى، مما المشاركة فيه بين
~~أصله وفرعه في جنس الامرين، وإن كان فرع أحدهما مشاركا لاصله في عين العلة
~~وجنس الحكم، والآخر بعكسه، فما المشاركة فيه في عين العلة وجنس الحكم أولى،
~~لان تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع إنما هي فرع تعدية العلة، فهي الأصل في
~~التعدية وعليها المدار.
# الثاني: أن يكون الفرع في أحد القياسين متأخرا عن أصله، وفي الآخر
~~متقدما، فما الفرع فيه متأخر أولى، لسلامته عن الاضطراب، وبعده عن الخلاف،
~~وعلمنا بثبوت الحكم فيه بما استنبط من الأصل. PageV04P279
# الثالث: أن يكون وجود العلة في أحد الفرعين قطعيا، وفي الآخر ظنيا، فما
~~وجود العلة فيه قطعي أولى، لان أغلب على الظن، وأبعد عن احتمال القادح فيه.
# الرابع: أن يكون حكم الفرع في أحدهما قد ثبت بالنص جملة لا تفصيلا، بخلاف
~~الآخر، فإنه يكون أولى، لأنه أغلب على الظن، وأبعد عن الخلاف.
# وأما الترجيحات العائدة إلى حكم الفرع وإلى أمر خارج، فعلى ما أسلفناه في
~~المنقولات.
# وقد يتركب مما ذكرناه من الترجيحات ومقابلات بعضها لبعض ترجيحات أخر
~~خارجة عن الحصر لا يخفى إيجادها في مواضعها على من أخذت الفطانة بيده.
# وقد أشرنا إلى جملة منها في كتابنا الموسوم بمنتهى المسالك في رتب السالك
~~فعليك بمراجعته.
# وعلى هذا فلا يخفى الترجيح المتعلق بالاستدلالات المتعارضة بالنظر إلى
~~ذواتها وطرق إثباتها.
# وأما التعارض الواقع بين المنقول والمعقول، فالمنقول إما أن يكون خاصا،
~~وإما عاما.
# فإن كان خاصا، فإما أن يكون دالا بمنظومه، أو لا بمنظومه.
# فإن كان الأول، فهو أولى، لكونه أصلا بالنسبة إلى الرأي، وقلة تطرق الخلل
~~إليه.
# وإن كان الثاني فمنه ما هو ضعيف جدا، ومنه ما هو قوي جدا، ومنه ما هو
~~متوسط بين الرتبتين. والترجيح ms957 إذ ذاك يكون على حسب ما يقع في نفس المجتهد
~~من قوة الدلالة وضعفها، وذلك مما لا ينضبط ولا حاصر له، بحيث تمكن الإشارة
~~إليه في هذا الكتاب، وإنما هو موكول إلى الناظرين في آحاد الصور التي لا
~~حصر لها.
# وأما إن كان المنقول عاما، فقد قيل بتقدم القياس عليه، وقيل بتقدم
~~العموم، وقيل بالتوقف، وقيل يتقدم على جلي القياس دون خفيه، وقيل يتقدم
~~القياس على ما دخله التخصيص دون ما لم يدخله.
# والمختار إنما هو تقديم القياس، وسواء كان جليا أو خفيا، لأنه يلزم من
~~العمل بعموم العام إبطال دلالة القياس مطلقا، ولا يلزم من العمل بالقياس
~~إبطال العام مطلقا، بل غاية ما يلزم منه تخصيصه وتأويله. PageV04P280
# ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين على وجه يلزم منه تأويل أحدهما أولى من
~~العمل بأحدهما وإبطال الآخر، ولأن القياس يتناول المتنازع فيه بخصوصه ،
~~والمنقول يتناوله بعمومه، والخاص أقوى من العام.
# فإن قيل: إلا أن العموم أصل، والقياس فرع، والأصل مقدم على الفرع، وأيضا
~~فإن تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى القياس على ما سبق تقريره،
~~فكان أولى.
# قلنا: أما الأول فإنما يلزم أن لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو أصل
~~ذلك القياس، وليس كذلك، بل جاز أن يكون فرعا لغيره.
# فإن قيل: وإن لم يكن فرعا لذلك العام بعينه، فهو فرع بالنسبة إلى ما هو
~~من جنسه.
# قلنا: إلا أن ذلك لا يمنع من تخصيص العموم بالقياس، وإلا لما جاز تخصيص
~~عموم الكتاب بخبر الواحد لكونه فرعا بالنسبة إلى ما هو من جنسه، وهو ممتنع
~~على ما سبق.
# وما ذكروه من الترجيح الثاني، فهو معارض بمثله، فإن العام، يحتمل ان يكون
~~غير ظاهر في العموم، وإن كان ظاهرا، فيحتمل الخصوص، واحتمال ذلك في الشرع
~~أغلب من احتمال الغلط من المجتهد المتبحر، على ما لا يخفى.
# ولهذا، قيل إنه ما من عام، إلا وهو مخصوص إلا في قوله تعالى * (والله بكل
~~شئ عليم) * ولا كذلك القياس. PageV04P281
# الباب الثاني ms958 في الترجيحات الواقعة بين الحدود الموصلة إلى المعاني
~~المفردة التصورية واعلم أن الحدود على اختلاف أنواعها منقسمة إلى عقلية
~~وسمعية كانقسام الحجج.
# غير أن ما هو متعلق غرضنا ها هنا إنما هو السمعية، ومن السمعية ما كان
~~ظنيا. وعند تعارض الحدين السمعيين، فقد يقع الترجيح بينهما من وجوه.
# الأول: أن يكون أحدهما مشتملا على ألفاظ صريحة ناصة على الغرض المطلوب من
~~غير تجوز ولا استعادة ولا اشتراك ولا غرابة ولا اضطراب ولا ملازمة، بل
~~بطريق المطابقة أو التضمن، بخلاف الآخر، فهو أولى لكونه أقرب إلى الفهم،
~~وأبعد عن الخلل والاضطراب.
# الثاني: أن يكون المعرف في أحدهما أعرف من المعرف في الآخر، فهو أولى
~~لكونه أفضى إلى التعريف.
# الثالث: أن يكون أحدهما معرفا بالأمور الذاتية، والآخر بالأمور العرضية،
~~فالمعرف بالأمور الذاتية أولى، لأنه مشارك للمعرف بالأمور العرضية في
~~التمييز، ومرجح عليه بتصوير معنى المحدود.
# الرابع: أن يكون أحد الحدين أعم من الآخر، فقد يمكن أن يقال الأعم أولى،
~~لتناوله محدود الآخر وزيادة، وما كان أكثر فائدة فقد يمكن أن يقال بأن
~~الأخص أولى، نظرا إلى أن مدلوله متفق عليه، ومدلول الآخر من الزيادة مختلف
~~فيه، وما مدلوله متفق عليه أولى. PageV04P282
# الخامس: أن يكون أحدهما قد أتي فيه بجميع ذاتياته، والآخر ببعضها مع
~~التمييز، فالأول يكون أولى لأنه أشد تعريفا.
# السادس: أن يكون أحدهما على وفق النقل السمعي، والآخر على خلافه،
~~فالموافق يكون أولى لبعده عن الخلل، ولأنه أغلب على الظن.
# السابع: أن يكون طريق اكتساب أحدهما أرجح من طريق اكتساب الآخر فهو أولى،
~~لأنه أغلب على الظن.
# الثامن: أن يكون أحدهما موافقا للوضع اللغوي، والآخر على خلافه، أو أنه
~~أقرب إلى موافقته، والآخر أبعد، فالموافق، أو ما هو أكثر موافقة للوضع
~~اللغوي، يكون أولى، لان الأصل إنما هو التقرير دون التغيير، لكونه أقرب إلى
~~الفهم، وأسرع إلى الانقياد. ولهذا، كان التقرير هو الغالب، وكان متفقا
~~عليه، بخلاف التغيير، فكان أولى.
# التاسع: أن يكون أحدهما مما قد ذهب إلى العمل به أهل ms959 المدينة، أو الخلفاء
~~الراشدون، أو جماعة من الأمة، أو واحد من المشاهير، بالاجتهاد والعدالة
~~والثقة بما يقول، بخلاف الآخر، فهو أولى، لكونه أغلب على الظن وأقرب إلى
~~الانقياد.
# العاشر: أن يلزم من العمل بأحدهما تقرير حكم الحظر، والآخر تقرير الوجوب،
~~أو الكراهة، أو الندب، فما يلزم منه تقرير الحظر أولى لما قدمناه في الحجج.
# الحادي عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم النفي، والآخر الاثبات، فالمقرر
~~للنفي أولى، لما سبق في الحجج.
# الثاني عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم معقول، ومن الآخر حكم غير
~~معقول، فما يلزم منه تقرير حكم معقول أولى لما سبق في الحجج.
# الثالث عشر: أن يلزم من أحدهما درء الحد والعقوبة، ومن الآخر إثباته،
~~فالدارئ للحد أولى، لما سبق أيضا. PageV04P283
# الرابع عشر: أن يكون أحدهما يلازمه الحرية أو الطلاق، والآخر يلازمه الرق
~~أو إبقاء النكاح، فالحكم فيه ما سبق في الحجج.
# وقد يتشعب من تقابل هذه الترجيحات ترجيحات أخرى كثيرة خارجة عن الحصر، لا
~~تخفى على متأملها.
# وهذا آخر ما أردناه، ونهاية ما رتبناه. اللهم! فكما ألهمت بإنشائه، وأعنت
~~على إنهائه، فاجعله نافعا في الدنيا، وذخيرة صالحة في الأخرى، واختم
~~بالسعادة آجالنا، وحقق بالزيادة آمالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا،
~~واجعل إلى حصنك مصيرنا ومآلنا، وتقبل بفضلك أعمالنا، إنك مجيب الدعوات.
~~ومفيض الخيرات، والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، خاتم
~~النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم، إلى يوم الدين# PageV04P284
#####ENDNOTES#
1 - هل الامر بمطلق الماهية امر بجزئي من جزئياتها، ضرورة انها كلي ولا
~~وجود للكي خارج الأذهان الا في الجزئيات، أو امر بكل جزئي من جزئياتها،
~~لاشعار عدم التقييد بالتعميم، أو اذن وتخيير في فعل كل جزئي من جزئيات
~~الماهية ويخرج المكلف بفعل واحد منها كالواجب المخير، في ذلك خلاف.
# 2 - انظر تقيد صاحب جميع الجوامع وشارحه للتعريفين ورد العطار في حاشيته
~~عليهما وما نقله عن العلامة طاش كبري مما يوضح هذا الموضوع.
# 3 - وقيل: المطلق ما دل على الماهية بلا قيد أي ms960 من غير اعتبار قيد سواء
~~وجد ولم يعتبر أم لم يوجد فعلى التعريفين الأول والثاني لا يسمى اللفظ
~~باعتبار دلالته على الماهية دون نظر إلى القيد مطلقا وعلى الثالث مطلقا.
1 - انظر التعليق ص 153 ج 1
1 - انظر الفرق بين المختلفين والضدين في التعليق ص 173 - 174 ج 2.
1 - الاختلاف بالوقف والابتداء في الآية فرع الاختلاف في المراد بالمتشابه
~~وبتأويله، والجميع من اختلاف التنوع لا التضاد، فان أريد بالمتشابه حقيقة
~~الله وكنه صفاته وكنه الروح ونعيم الجنة، إلى أمثال ذلك مم اختص الله
~~بعلمه، كان تأويله بمعنى مآله وحقيقته التي لا يعلمها الا الله، وعليه يكون
~~الوقوف على لفظ الجلالة، وتكون الواو للاستئناف والجملة بعدها اسمية.
# وان أريد بالمتشابه ما اشتبه معناه وخفي على بعض الناس، كان تأويله بمعنى
~~تفسيره. وعليه يكون الوقف على لفظ العلم، وتكون الواو عاطفة وجملة يقولون
~~حال من قوله والراسخون والتقدير: وما يعلم المعنى المراد من الآيات
~~المتشابهة الا من أنزلها والا الراسخون في العلم قائلين آمنا به كل من
~~المحكم والمتشابه من عند ربنا فليس في الآية تردد يوجب الاجمال ويمنع من
~~اعتقاد ما دلت عليه، والعمل به كما هو الشأن في الاجمال، بل التخيير بين
~~قراءتين لكل منهما معنى صحيح.
# 2 - معناه تردد اللفظ بين ان يكون نعتا وخبرا كما في المثال.
١ - هذا مثال فرضي لا يقع مثله في التكليف.
# ٢ - الاحصان والسفاح وان كان كل منهما يطلق على معان في اللغة الا ان
~~الاحصان هنا بمعنى العفة، والسفاح بمعنى الزنا. فمعنى محصنين غير مسافحين
~~أعفاء بنكاح ما أحل الله لكم غير زناه، كما يدل على ذلك سياق الكلام وعرف
~~الاستعمال، فلا خفاء في المعنى ولا اجمال في الآية.
# ٣ - (الا ما يتلى عليكم) قد بين الله المستثنى في آية (حرمت عليكم
~~الميتة). من سورة المائدة، وآية (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)
~~وغيرها من سورة الأنعام ، وآية (انما حرم عليكم الميتة) من سورة النحل وهما
~~قبل سورة المائدة ms961 نزولا. وبذلك لم يكون المستثنى مجهولا منه مجملا. ضرورة
~~ان ما ينلى من المحرمات قد سبق بيانه في القرآن قبل نزول هذه الآية.
# 4 - لأنه - فيه تحريف. والصواب: لأنه، بحرف النفي لا بحرف التعليل.
الحديث رواه احمد وأبو داود بلفظ (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم
~~فباعوها وأكلوا أثمانها، (وان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم
~~ثمنها) وقد رواه الستة ضمن حديث طويل. وفيه (قاتل الله اليهود ان الله لما
~~حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه
1 - يظهر لي فرق بين قوله تعالى (وامسحوا برؤسكم) وقول القائل:
# امسح يدك بالمنديل، ومسحت يدي بالمنديل، فان عرف الاستعمال يدل على أن
~~القصد بالخطاب في الآية إلى مسح الرأس، والعضو الماسح وسيلة وان القصد في
~~طلب مسح اليد بالمنديل والاخبار بذلك إلى مسح اليد، والمنديل وسيلة
~~فالمنديل نظير العضو الماسح، كلاهما آلة للمسح لم تقصد به لنفسها واليد في
~~المثالين نظير الرأس في الآية وكلاهما مقصود بالمسح، وكل من وضع اللغة وعرف
~~الاستعمال يدل ظاهرا على تعميمهما به.
1 - رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان بلفظ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان
~~وما ستكرهوا عليه) ورمز له السيوطي في الجامع الصغير براموز الصحة.
1 - رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر بلفظ (لا صلاة لمن لا طهور
~~له) وفي معناه ما رواه مسلم بلفظ (لا يقبل صلاة بغير طهور).
# 2 - رواه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت بلفظ (لا صلاة لمن لم
~~يقرأ فيها بفاتحة الكتاب).
# 3 - رواه الخمسة من طريق ابن عمر عن حفصة (من لم يجمع الصيام قبل الفجر
~~فلا صيام له) وقد اختلف في وقفه ورفعه: فقال أبو داود: لا يصح رفعه وقال
~~الترمذي الموقوف أصح ونقل في العلل عن البخاري أنه قال: هو خطأ:
# وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف، وقال النسائي:
# الصواب عندي أنه موقوف ولا يصح رفعه.
# 4 - رواه ابن حبان من حديث عائشة مرفوعا ورجح الترمذي وقفه. ms962
1 - رواه الترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس بلفظ الطواف بالبيت
~~صلاة الا أن الله أباح فيه الكلام وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان،
~~وقال الترمذي: رواه مرفوعا وموقوفا ولا نعرفه مرفوعا الامن حديث عطاء بن
~~السائب، ورجح النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري وقفه (عطاء بن السائب
~~اختلط بآخرة).
# 2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 223 ج 2.
1 - جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه من طريق عائشة قالت دخل على النبي (ص)
~~ذات يوم فقال هل عندكم شئ فقلنا لا (قال فاني إذا صائم) الحديث 2 - روي
~~مسلم في صحيحه من طريق أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن صيام يومين (يوم
~~الأضحى ويوم الفطر) ورواه أيضا من طريق عمر وأبي سعيد وعائشة بمعناه.
# 3 - الترك يعني به النفي والنهي.
1 - هذا معنى جزء من حديث رواه أبو داود والنسائي من حديث فاطمة بنت أبي
~~حبيش أنها شكت إلى رسول الله (ص) فقال لها انما ذلك عرق فانتظري، إذا أتى
~~قرؤك تصلي فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء، وقريب منه
~~ما ذكرت عائشة ان النبي (ص) أم رام حبيبة ان تدع الصلاة أيام أقرائها.
# 2 - وأن يكون - معطوف على فاعل لزم.
# 3 - أجيب بأنه ليس المراد بالشرعي الصحيح شرعا حتى ما قيل، بل المراد ما
~~يسميه الشرع بذلك الاسم من الهيئات المخصوصة حيث يقول هذه صلاة صحيحة وهذه
~~صلاة فاسده، وإلا لزم في قوله (ودعي الصلاة أيام أقرائك) ان يكون مجملا بين
~~الصلاة في عرف الشرع والدعاء، أو يكون ظاهرا في الدعاء، واللازم باطل،
~~لظهوره في المعنى الشرعي انظر المسألة في مختصر ابن الحاجب وشرحه.
1 - سبق شرح الدليل في المبادئ الكلامية.
1 - جزء من حديث انظر طرقه ومن خرجه والكلام على متنه وأسانيده في كشف
~~الخفاء
1 - الحديث في مسند أحمد من طريق، بن عمر بلفظ (من قرن بين حجة وعمرته
~~أجزاه لهما طواف واحد) ورمز له السيوطي في الجامع ms963 الصغير براموز الحسن.
١ - ذكر ابن حجر في كتاب الدراية في تخريج أحاديث الهداية ان عليا جمع بين الحج والعمرة فطاف
~~طوافين وسعى سعيين وحدث ان النبي (ص) فعل ذلك رواه النسائي في مسند على
~~ورواته موثوقون، وأخرجه محمد بن الحسن من قول على موقوفا بلفظ الامر وفي
~~اسناده راو مجهول.
# 2 - قد يقال الأشبه انما هو الاحتمال الأول لما سيجئ له بعد قليل من أن
~~التشريك بين النبي (ص) وأمته في التشريع هو الغالب فلا يعدل عنه إلى
~~التفريق بينهما في الحكم الا لدليل، ولا دليل، ودعوى أن الأول يلزمه اما
~~اهمال دلال القول وهو ممتنع، واما نسخ الفعل بالقول غير صحيحة إذ يمكن ان
~~يقال ان القول بعد الفعل المعارض له بين حمل الفعل على الندب من أول الامر
~~فلا نسخ للفعل ولا تعطيل للقول.
1 - الأصل في فعله (ص) التشريع لنفسه ولأمته حتى يصرفه عن ذلك دليل فهو
~~دليل مستقل بنفسه كالقول.
# 2 - تقدم أنه يمكن بحمل الفعل السابق على الندب والقول المعارض له على
~~نفي الوجوب فلا اهمال للقول ولا نسخ للفعل ولا افتراق بينه وبين الأمة.
1 - ان تخصيص العام وتقييد حال المساواة في قوة لدلالة أولى، لما في ذلك من
~~اعمال الدليلين، بخلاف القول بالوقف فإنه تعطيل للدليلين، وبخلاف القول
~~بالغاء البيان فان فيه العمل بأحد الدليلين دون الآخر.
# 2 - أنظر المسألة الأولى من مسائل الأصل الثالث في المحكوم فيه - ج 1.
1 - تقدم في مسائل المندوب والمكروه والمباح آخر الكلام على اقسام الحكم
~~الشرعي - ج 1.
# 2 - وذهب بعضهم أيضا إلى جواز تأخير بيان الخبر دون الأمر والنهي كالأمر
~~في الرأيين.
١ - هذا الكلام مجرد فرض وخيال ليس له واقع في التشريع.
# ٢ - فسرت القراءة في الآية بالانزال وبتلاوة جبريل على الرسول (ص) وفسر
~~الاتباع فيها بالاستماع للتلاوة، وبالاتباع عقيدة وعملا، وهذا من اختلاف
~~التنوع فالقرآن منزل مقروء على النبي (ص)
~~وهو مأمور بالاستماع له، واعتقاده، والعمل به، فلا يضر هذا الاختلاف في ms964
~~الاستدلال بالآية على المظلوم.
# ٣ - قيل معنى بيان القرآن اظهاره واشهاره،
~~وقيل اظهاره على لسان النبي (ص) تلاوة بعد جمعه في صدره وتثبيته في قلبه،
~~وعليها لا يتم للمستدل الاحتجاج بالآية على مطلوبه، وقيل معنى بيانه ايضاح
~~مجمله وتحديد المراد ن عامه ومطلقه والدلالة على منسوخه وعليه يتم
~~الاستدلال بالآية على المطلوب، والذي يظهر لي أن البيان عام لأنه اسم جنس
~~مضاف فيشمل كل ما ذكر، فالله تكفل لرسوله (ص) بحفظ القرآن ونشره واشهاره وتيسير تلاوته، وتكفل
~~بايضاح متشابه بمحكمه والدلالة على المراد بعامه ومطلقه وبذلك يتم
~~الاستدلال بالآية على المطلوب.
١ - استحالة افتقار كل القرآن إلى بيان
~~بالمعنى الذي ذكره المستدل ضرورة انه منه المجمل وغير المجمل قرينة على
~~إرادة البيان لما يحتاج إلى البيان، كما أن استحالة ابلاغ القرآن واحكام الشريعة لكل فرد من بني آدم
~~ضرورة ان فيهم من ليس اهلا للتكليف قرينة على إرادة البيان بالمعنى الذي
~~ذكره المعترض لمن هو أهل للتكليف دون غيره. فعموم البيان لجميع القرآن محمول على الخصوص على التفسيرين فلا
~~أولوية لتفسير المعترض ولا المستدل، والاختلاف بينهما اختلاف تنوع فيجب حمل
~~الآية على الجميع كما تقدم وعليه فلا اشكال.
١ - تقدم لفظ البيان في الآية عام لا مطلق، لأنه اسم حنس مضاف، وعليه فلا
~~يصح ما ذكره الآمدي في الجواب لبنائه على لفظ البيان في الآية مطلق.
# ٢ - القرآن نزل منجما وكلما نزل منه نجم
~~بينه الله بعد نزوله انجازا لوعده وهذا ما دلت عليه ثم من الترتيب. ولم تدل
~~على وجوب تأخير بيان كل القرآن حتى يتم
~~نزوله، وبذلك يتعذر حملها على ظاهرها كما قال الآمدي.
1 - في هذه جميع - فيه تحريف والصواب في جميع هذه.
1 - انظر تعليق ابن جرير في تفسيره على الأثر وما روى بمعناه.
1 - انظر التعليق ص 201 ج 2.
1 - ومنعهم من إضافة المصدر للمفعول والمعنى ومنع إبراهيم إياهم.
# 2 - حديث معاذ روى مني رق لم تخل من ms965 مقال فارجع إلى تخليص الحبير لتعرف
~~طرق الحديث وما كل منها من المقال.
لم يكن - لعلة لم يكن.
1 - هذا جزء من حديث رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي من طريق جبير
~~بن مطعم مطولا بألفاظ مختلفة فاقتصر الآمدي منه على موضع الشاهد وتصرف في
~~العبارة فأرجع إليه في دواوين السنة المذكورة.
# 2 - انظر التعليق 1 - ص 33 - (3).
# 3 - الحديث معروف وقد رواه البخاري في باب بدء الوحي عن عائشة مطولا
~~فاقتصر المؤلف منه على موضع الشاهد في العبارة.
1 - الامر في هذه الآية للوجوب قطعا وليس من النزاع فيما تقتضيه صيغة الامر
~~إذ محله الامر المجرد من القرائن وهو في الآية قد اقترن بالتهديد على الترك
~~في قوله (وان لم تفعل فما بلغت رسالته).
1 - خلافهم في جواز اسماع الله للمكلف العام دون اسماع، الدليل المخصص له
~~خلاف لا جدوى له بعد انقطاع الوحي فلا ينبغي الاشتغال بمثله.
# 2 - أبو الهذيل هو محمد بن الهذيل بن عبد الله المعروف بالعلاف رأس في
~~الاعتزال مات 235 أو 236 أو 237.
- 1 جواز وجود المخصص للعام مع عدم اطلاع أحد من الأمة عليه ينافي عصمة
~~الأمة في اجماعها ويرده أيضا حديث: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق)
~~الحديث 2 - يجاب عن منع الملازمة بأن نصب الأدلة على المراد مما أريد به
~~غير ظاهره هو مقتضى الحكمة فان اراده الخصوص من الفظ العام دون دليل تلبيس
~~ينافي حكمة الله وعدله ورحمته بعباده.
# 3 - لزوم الاطلاع على المخصص ونقله ولو من أحد آحاد المكلفين هو مقتضى
~~عصمة الأمة والأحاديث الدالة على العصمة.
1 - ذكر ابن تيمية للتأويل ثلاثة معان، وأوضح كلا منه بالأمثلة فانظرها في
~~التدمرية والحموية وغيرهما من كتبه
1 - رواه احمد والترمذي وابن ماجة من ي ريق عبد الله بن عمر بلفظ (أسلم
~~غيلان الثقفي وتحته عشرة نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي (ص) أن
~~يختار منهن أربعا. قال البخاري هذا الحديث غير محفوظ وحكم أبو حاتم وأبو
~~زرعة ms966 بأن المرسل أصح وصححه الحاكم وابن حبان. انظر الكلام عليه في تخليص
~~الحبير 2 - رواه الشافعي وأحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي من طريق
~~الضحاك ابن فيروز الديلمي عن أبيه، أنه قال أسلمت وعندي امرأتان أختان
~~فأمرني النبي (ص) إن أطلق أحدهما. وفي لفظ للترمذي اختر أيتهما شئت) صححه
~~ابن حبان والدارقطني والبيهقي وحسنه الترمذي واعله البخاري والعقيلي. انظر
~~تلخيص الحبير
1 - الحديث عند الشافعي عن نوفل بن معاوية أنه أسلم وتحته خمس نسوة فقال له
~~النبي (ص) أمسك أربعا وفارق الأخرى وفي سنده رجل مجهول.
# 2 - هذا معنى جزء من حديث رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي من طريق
~~أنس أن أبا بكر كتب لهم ان هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله (ص)
~~الحديث.
# 3 - واستنباط العلة من الحكم - هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف والتقدير
~~والعلة المستنبطة من الحكم - ولو عبر بهذا لكان انسب لما ذكر بعد.
# 4 - إي في البعد.
1 - لان الآية - الخ تعليل لبعد هذا التأويل.
# 2 - واغتنامه لبركتهم، أي لبركة دعائهم له من أجل مواساته لهم.
1 - جزء من حديث رواه داود الطيالسي وأبو عوانه وابن حبان والحاكم وحسنه
~~الترمذي، وأعل بالارسال، وقول ابن جريح ثم ألقيت الزهري فسألته عنه فأنكره.
1 - من حيث. الخ تعليل لبعد ما تقدم من تأويل أصحاب أبي حنيفة للحديث.
# 2 - لكن دل حديث عائشة الذي رواه الجماعة الا البخاري على استثناء صيام
~~التطوع فلا يجب تبييت النية.
1 - رواه احمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من طريق الحسن عن سمرة، وطعن
~~فيه بما في سماع الحسن من سمرة من الخلاف، وبان شعبة رواه عن قتادة عن
~~الحسن مرسلا وحماد هو الذي رواه عن قتادة عن الحسن عن سمرة متصلا وشعبة
~~احفظ من حماد، وأيضا بقول ابن المديني فيه انه حديث منكر وقول البخاري فيه
~~لا يصح.
# 2 - لكن خصها الحديث ببني هاشم وبني المطلب دون بني نوفل وبني عبد شمس.
١ - اما ان القرابة مناسبة بمجردها للعطاء ms967 من الخمس فمسلم، واما ان قدر الاستحقاق خمس الخمس فيحتاج إلى دليل آخر سوى مجرد القرابة.
# 2 - رواه الجماعة الا مسلما من طريق ابن عمر بلفظ (فيما سقت السماء
~~والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر) ورواه احمد ومسلم.
# والنسائي وأبو داود من طريق جابر بمعناه
1 - انظر ما ذكره ابن جرير وابن كثير في تفسيريهما لقوله تعالى (وامسحوا
~~برؤسكم وأرجلكم) وكلام شارع الطحاوية عند ذكر الأدلة مشروعية المسح على
~~الخفين.
1 - تمامه (حتى شتتت همالة عيناها) انظر هذا البيت وما معه من الأبيات في
~~باب الحذف والاختصار من تأويل مشكل القران لابن قتيبة.
1 - الحديث معناه صحيح وقد روى بألفاظ عدة منه انما الأعمال بالنيات:
# (والأعمال بالنيات) (والأعمال بالنية) وقد ذكر كثيرا منها ابن حجر في فتح
~~الباري وليس من بينها (لا عمل الا بنية)
1 - واسال القرية - انظر 45 ج 1.
# 2 - الحديث مثل به الأصول لما يدل على معان ثانوية،. استدل به الفقهاء
~~على أكثر مدة الحيض وأقل مدة الطهر، وقد أنكره غير واحد وقال لا أصل له
~~انظر تلخيص الحبير، وكشف الخفا.
1 - حديث (إذ اتاكم كريم قوم فأكرموه) روى من عدة طرق كلها ضعيفة بل حكم
~~بعض العلماء بوضعه ولكن عابه في ذلك ابن حجر وشيخه العراقي لكثرة طرقه التي
~~يقوى بعضها بعضا.
# 2 - في الذكر بتحريم الربا، لعله بالذكر في تحريم الربا.
# 3 - الظاهر أن الحصر في قوله العالم زيد من حصر الخبر في المبتدأ فان
~~المعنى على الحكم بالعلم لزيد والمحكوم له أو عليه هو المبتدأ والمتضمن
~~للحكم هو الخبر.
# وكذلك القول في جملة صديقي عمرو فهو من قصر صداقة المتكلم المفهومة من
~~الخبر على عمرو المحكوم عليه.
1 - ومثل ذلك ما إذا علم أن اقتضاءها للحكم في المسكوت مساو لاقتضائها إياه
~~في محل النطق فيسمى أيضا مفهوم الموافقة، أو القياس الجلي.
# 2 - وليست مساوية أيضا كما تقدم.
# 3 - انما هي النفي، يعني ان التخصيص في المنطوق فيما يسمى ms968 مفهوم الموافقة
~~يدل على أنه لا يحكم في المسكوت بمثل ما حكم به في المنطوق، اما ان يدل على
~~ثبوت حكم في المسكوت مخالف لحكم المنطوق فهذا محل نظر واختلاف بين العلماء
~~على ما سيجئ: وقالت الظاهرية ان التخصيص في المنطوق لا دلالة له على اثبات
~~حكم ما في المسكوت ولا نفيه.
1 - هذا معنى جزء من حديث رواه البخاري من طريق انس بن مالك بلفظ في صدقة
~~الغنم أربعين إلى عشرين ومائة شاة فاقتصر المؤلف على موضع الشاهد وتصرف في
~~العبارة.
# 2 - أبو عبيد هو القاسم بن سلام، البغدادي مات بمكة عام 224 ه عن 76 سنة
~~3 - يشير إلى ما رواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من طريق القاسم بن
~~عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن جده بلفظ (إذا اختلف المتبايعان
~~والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا)، وقد روي الحديث عن عبد الله بن
~~مسعود من طرق بألفاظ مختلفة كل منها لم يخل من مقال، قد جزم الشافعي بأن
~~طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شئ موصول.
(1) - رواه احمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم من طريق الشريد بن
~~سويد.
# (2) - رواه الجماعة.
# (3) - الأخفش - الأخافش في النحو ثلاثة 1 - أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد
~~المجيد مولى قيس بن ثعلبة توفي عام 177 ه المعروف بالأخفش الأكبر.
# 2 - أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء البلخي ثم البصري المعروف
~~بالأخفش الأوسط توفي عام 215 ه 3 - أبو المحاسن علي بن سلمان بن الفضل
~~المعروف بالأخفش الأصغر توفي ببغداد عام 315 ه عن ثمانين سنة.
1 - رواه الشافعي في الام وابن ماجة من طريق عائشة وصححه ابن حبان واعله
~~البخاري بأن الأوزاعي أخطأ فيه ورواه غيره عن عبد الرحمن ابن القاسم مرسلا
~~ورواه الترمذي بلفظ (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل) وصححه.
# 2 - جزء من حديث رواه احمد وأبو داود والترمذي وصححه.
1 - وذلك لان مدار اثبات الوضع النقل لا التعليل والعقل، إذا العقل ms969 لا مدخل
~~له في اثبات اللغات.
# 2 - لم يتميز بدء (الوجه الثاني) ولعله يبدأ بقوله بل أمكن وجود فوائد
~~أخرى دعت إلى التخصيص بالذكر الخ.
1 - هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع الباهلي
~~الأصمعي البصري مات بالبصرة عام 213 - 217 عن 88 سنة.
# والخليل هو ابن احمد الأزدي الفراهيدي أبو عبد الرحمن البصري صاحب العروض
~~وكتاب العين في اللغة مات عام 170 - 175 ه وأبو عبيدة النحوي معمر بن
~~المثنى التيمي بالولاء البصري من أئمة العلم والأدب واللغة ولد عام 110 ه
~~وتوفي عام 209 ه فان كان المذكور أبا عبيد بلا تاء فقد سبقت ترجمه في ص 72
1 - بما ليس له تلك الصفة متعلق بشعور.
1 - من صور السكوت - فيه تحريف والصواب في صور السكوت.
# 2 - ولا النهي عن الاكراه على الزنا حالة إرادة التحصن أولى من حالة
~~إرادة الزنا في العبارة قلب والصواب - ولا النهي عن الاكراه على الزنا حالة
~~إرادة الزنا أولى من حالة التحصن.
1 - الهراسي على بن محمد بن علي أبو الحسن الطبري الشافعي الملقب بعماد
~~الدين المعروف بالكيا الهراسي ولد عام 450 وتوفي 504 ه.
1 - حديث يعلى بن أمية رواه الجماعة الا البخاري.
# 2 - رواه البخاري ومسلم.
1 - جواب عن الدليل الثاني من الأدلة التي ذكرت لتأييد المعارضة.
1 - لكن لا يمنع من الاقتصار عليه فيه تحريف والصواب لكن الاقتصار عليهما.
1 - المعنى انا بشر لا ملك فالحصر في الجملة إضافي لا حقيقي، إذ للرسول (ص)
~~صفات أخرى سوى البشرية.
# 2 - لكونه - الصواب - لكونهما أي التجوز والاشتراك.
1 - الظاهر قصر الأعمال المعتبرة شرعا على ما صحبته النية، وقصر العلم
~~والصداقة.
# في المثالين الآخرين على زيد قصرا حقيقيا ان لم يكن ثم عالم من الخلق وقت
~~التكلم سوى زيد ولا صديق للمتكلم في الواقع سواه والا فالقصر ادعائي ولا
~~كذب في الحالين.
1 - المناسب لذكر الخلع ان يمثل بقوله تعالى (فان خفتم ان لا يقيما ms970 حدود
~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فان آية بعث الحكمين ليس فيها اشعار
~~بخلع.
1 - انظر مختصر المنتهى لابن الحاجب وشرحه للعضد فإنه أجاب عن الكثير من
~~أدلة الآمدي واعتراضاته في هذه المسألة.
1 - سيأتي مثل هذا الترديد في أدلة المانعين للنسخ عقلا وجواب الآمدي عنه.
# وبذلك تعرف لونا من جدل الآمدي في نقاشه ودفاعه.
1 - هذا تعاريف للنسخ في اصطلاح المتأخرين، وأما النسخ عند المتقدمين فيشمل
~~مع ما ذكر تقييد المطلق، وتخصيص العام، وبيان المجمل، ورفع ما توهم المكلف
~~ارادته من النصوص وهو غير مراد منها - انظر تفسير قوله تعالى: (وان تبدوا
~~ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) الآيات في مجموع الفتاوى لابن
~~تيمية ج 14 وص 397 ج 20 من مجموع الفتاوى، والمسألة الثالثة من مسائل النسخ
~~في الموقوفات للشاطبي وأعلام الموقعين لابن القيم
١ - اعتذر الآمدي عن اليهود والرافضة في انتقاصهم لله وطعنهم في أفعاله
~~وشرائعه بخفاء الفرق بين النسخ والبداء، وتعذر الفصل بينهما عليهم، فمنعت
~~اليهود النسخ حماية لجناب الله في زعمهم، وجهلت الرافضة ربها فحكمت بأن
~~الله يبدو له من المصالح والمفاسد ما كان خفيا عليه فينقض ما أبرمه (تعالى
~~الله عن ذلك علوا كبيرا) ومن تبين امر اليهود وحسدهم لم بعد موسى من
~~الأنبياء وكيدهم لشرائع الاسلام وتبين حال الرافضة ووقف على فساد دخيلتهم
~~وزندقتهم بإبطان الكفر وإظهار الاسلام وانهم ورثوا مبادئهم عن اليهود
~~ونهجوا في الكيد للاسلام منهجهم علم أن ما قالوه من الزور والبهتان أنما
~~كان عن قصد سئ وحسد للحق وأهله وعصبية ممقوتة دفعتهم إلى الدس والخداع
~~واعمال معاول الهدم سرا وعلنا للشرائع ودولها القائمة عليها، ومن قرأ آيات
~~القرآن وتاريخ الفريقين ظهر له ما هم عليه
~~من الدخل والمكر السئ.
1 - هو موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن
~~الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي.
# 2 - الكذاب الثقفي - هو المختار بن أبي عبيد، كان خارجيا ثم زبيريا ثم ms971
~~شيعيا وكيسانيا واليه تنسب المختارية من فرق الشيعة، ومن مذهبه جواز البداء
~~على الله تعالى، انظر ترجمته في الملل للشهرستاني، والفرق بين الفرق لعبد
~~القاهر البغدادي قتل في موقعة بينه وبين مصعب بن الزبير بح وراء عام 67 ه.
1 - بين (تعالى في آخر الآية أن كل ما يكون منه من محو واثبات وتبديل
~~وتغيير واقع فعلا كونيا أو تشريعا ومسطور عنده بي أم الكتاب، جرى به القلم
~~فكتب ما هو كائن من ناسخ ومنسوخ وسعادة وشقاوة وسائر ما يكون من التغيير
~~والتبديل كل منها في وقته الذي حدد له في عمله (تعالى) وكتابه ورهين
~~بأسبابه حسب ما تقتضيه الحكمة، وبذلك يتبين أنه لا يلزم من المحو والاثبات
~~عموما ان يكون بدا لله أمر كان خفيا عليه، بل ما كان وما سيكون من فعل أو
~~تشريع تفسير عملي وتطبيق واقعي دقيق موافق لسابق علمه وما جرى به قلمه في
~~كتابه.
1 - وإلا فلقائل - كان فيه تحريفا ولعل الأصل ولقائل ويكون جوابا عن النظر
~~المتقدم
1 - أبو مسلم الأصفهاني: هو محمد بن بحر المعتزلي من كتبه: (جامع التأويل).
# ولد عام 254 ه ومات عام 322 ه.
# 2 - العنانية فرقة من اليهود تنسب إلى رجل يقال له عنان بن داود ومن
~~مذهبهم الاعتراف بولاية عيسى عليه السلام وانكار نبوته والعيسوية فرقة من
~~اليهود تنتسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني ادعى النبوة وبدأ
~~دعوته زمن مروان بن محمد الحمار، وحارب أصحاب المنصور بالري - انظر تراجمهم
~~ومذاهبهم في كتاب الملل للشهرستاني، والفصل لابن حزم.
# 3 - انظر ما سبق تعليقا ص 91 - 94 - 104.
١ - سيأتي الكلام على هذه النصوص في مواضعها (من مسائل النسخ) إن شاء الله
~~تعالى ٢ - الاحتجاج على اليهود بما في كتبهم من باب الالزام فقط فإنها قد
~~دخلها التحريف والتبديل فلا يصلح ما فيها حجة لاثبات حق الا ما ذكر منه في
~~القرآن أو روي من طريق صحيح عن الرسول (ص)،
~~مع تقريره أو السكوت عنه.
1 - اي ms972 وجوب اعتقاد التوحيد وما في حكمه على المكلف.
1 - انظر رأي أبي الحسين البصري والرد عليه في المسألة الرابعة من مسائل
~~البيان والمبين.
# 2 - تقدم أيضا ما فيه تعليقا على المسألة الأولى من الأصل الأول في
~~الحاكم.
١ - في معناه ما رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق أنس، قال (ص)
~~ان الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول
~~بعدي ولا نبي، الحديث وفي آخر عند احمد بلفظ لا نبوة بعدي الا المبشرات)
~~الحديث وقد صح في ذلك المعنى أحاديث بلغت درجة التواتر، وفيها الرد على
~~القاديانية ومن ذهب مذهبهم في عدم ختم النبوة انظر تفسير ابن كثير لقوله
~~تعالى (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (الأحزاب) 2 - انظر ما تقدم - ص 104
~~ج 3.
# 3 - ان قصد المستدل بالإرادة، الإرادة الكونية وبالأمر الامر الشرعي فلا
~~تلازم بينهما، وكذلك ان قصد بالكراهة الكراهة الكونية فلا تلازم بينها وبين
~~النهي كما قال الآمدي، فان الله قد أراد كونا كفر بعض المكلفين كأبي لهب
~~وأمره بالايمان وكره كراهة كونية قدرية ايمان أبي جهل ولم ينهه عنه بل امره
~~به، وان قصد المستدل بالإرادة في دليله الإرادة الشرعية وبالكراهة الكراهة
~~الشرعية فالتلازم بين الإرادة والامر الشرعيين حق، وكذلك التلازم بين
~~الكراهة والنهي الشرعيين، والجواب هو ما ذكره الآمدي بعد قوله (وبتقدير إلى
~~آخره) وقد مر نظيره في الإجابة عن الدليل الذي قبله.
١ - انظر الكلام على هذه الآية في كتاب، جواب أهل العلم والايمان في أن قل
~~هو الله أحد تعدل ثلث القرآن
1 - ابن الراوندي هو أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق كان من المعتزلة
~~اشتهر بالزندقة والالحاد واليه تنسب الراوندية إحدى فرق المعتزلة توفي عام
~~798 ه 2 - كعب الأحبار بن ماتع أبو إسحاق الحميري أسلم أيام أبي بكر أو
~~عمر وتوفي في خلافة عثمان عام 32 ه عن 104 سنة وابن الاسلام هو عبد الله
~~بن سلام أبو يوسف الإسرائيلي صحابي جليل مات بالمدينة عام 43 ه ووهب هو
~~ابن ms973 منبه بن كامل اليماني الصنعاني أبو عبد الله الا بناوي ولد عام 34 ه
~~ومات عام 110 أو 116
1 - انظر ما تقدم تعليقا ص 275 ج 2
1 - إي وجه الضعف في الاستدلال بالآية.
# 2 - رواه البخاري من طريق أبي سعيد الخدري ومسلم من طريق ابن عمر وأبي
~~هريرة واحمد وابن ماجة من طريق أبي رزين
1 - ذكره السيوطي في الخصائص الكبرى من قول ابن عباس بلفظ ما احتلم نبي قط
~~وانما الاحتلام من الشيطان ونسبه إلى الطبراني والدينوري في المجالسة.
# 2 - انظر رأيه والرد عليه في المسألة الرابعة من مسائل البيان المبين.
1 - ذكر ابن كثير في تفسيره مناجاة علي رسول الله بعد تقديمه الصدقة من
~~طريق ابن أبي نجيح وليث ابن أبي سليم عن مجاهد فارجع إلى تفصيل القصة فيه
~~وفي تفسير ابن جرير.
1 - سبق تعليقا الرد على القول بعدم رعاية الحكمة في أفعال الله وتشريعه
~~فتعين الشق الثاني من الترديد المذكور.
# 2 - انظر ما تقدم تعليقا ص 130 ج 3.
1 - يعني وجوب الامساك عن الجماع بعد الفطر ليلية الصيام.
# 2 - يشير إلى ما رواه أحمد والبخاري ومسلم، من طريق عائشة قالت: دف أهل
~~أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمان رسول الله (ص) فقال ادخروا ثلاثا ثم
~~تصدقوا بما بقى: فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله ان الناس يتخذون
~~الأسقية من ضحاياهم ويجملون فيها الودك: فقال: وما ذاك قالوا: نهيت ان تؤكل
~~لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فقال: انما نهيتكم من اجل الدافة، فكلوا وادخروا
~~وتصدقوا، وقد روى الحديث من طرق بألفاظ مختلفة يفسر بعضها بعضا وفي بعضها
~~زيادات.
# . يرى بعض العلماء ان الحكم اختلف في الحالين لاختلاف مقتضيه وليس من
~~النسخ فلو دعت الحاجة إلى منع ولى الامر رعيته من ادخار لحوم ضحاياهم كان
~~له ذلك دفعا للحاجة ثم يعود الحل بعد ذهابها ويكون ذلك من التصرفات التي
~~لولى الامر في رعيته.
1 - يشير إلى ما دلت عليه آية الصيام وما رواه مسلم ms974 من طريق سلمة بين
~~الأكوع انه قال: كنا في رمضان على عهد رسول الله (ص) من شاء صام ومن شاء
~~أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)
~~2 - يشير إلى ما رواه الجماعة الا البخاري والنسائي من طريق عبادة بن
~~الصامت انه قال: قال رسول الله (ص): خذوا عنى خذوا عنى، قد جعل الله لهن
~~سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.
# 3 - يشير إلى ما رواه احمد والبخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: كان يوم
~~عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله (ص) يصومه، فلما قدم
~~المدينة صامه وامر الناس بصيامه قال من شاء صامه ومن شاء تركه " وقد رووه
~~أيضا من طريق عبد الله بن عمر.
1 - وذلك - فيه تحريف والصواب فذلك لأنه جواب قوله وإذا كان.
١ - انظر ما ذكره ابن تيمية من وجوه التفاضل بين سور القرآن وآياته في تفسيره لهذه الآية في كتابه
~~جواب أهل العلم والايمان في أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن 2 - تسمية للشئ مفعول لأجله وقع علة
~~لقوله المراد من ذلك التخفيف.
# 3 - جزء من حديث رواه البيهقي في الشعب من ي ريق أبي هريرة والزبير
~~مرفوعا ان الله ملكا (الحديث) ونقل القاري عن الإمام أحمد انه قال هو مما
~~يدور في الأسواق والأصل له انظر تفصيل الكلام عليه في كشف الخفاء والالباس
~~للعجلوني
1 - ذكر البخاري في ي باب (أجر العمرة على قدر النصب) عن عائشة قالت:
# (يا رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك فقيل لها: انتظري فإذا طهرت
~~فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثم أتينا بمكان كذا ولكنها على قدر نفقتك أو
~~نصبك) وذكر مسلم مثله في باب (وجوه الاحرام)... الخ.
# وفي المستدرك للحاكم عن عائشة أن النبي (ص) قال لها في عمرتها إن لك من
~~الاجر على قدر نصبك وذكر الحاكم في المستدرك أيضا شاهدا له ان النبي (ص)
~~قال لها ms975 في عمرتها (إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك)
١ - رواه البيهقي من حديث ابن عمر بلفظ (من قرأ القرآن فأعرب في قرائته كان له بكل حرف عشرون
~~حسنة ومن قرأه بغير اعراب كان له بكل حرف عشر حسنات) انظر كتاب البرهان -
~~مسألة في استحباب قراءة القرآن بالتفخيم ٢ -
~~في صحيح مسلم من طريق عمرة عن عائشة قالت: كان فيما انزل من القران عشر
~~رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس رضعات فتوفي رسول الله (ص) وهن فيما يقرأ
~~من القرآن وفي رواية عنها (نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نزل خمس معلومات)
~~3 - هذا مبني على ما رآه جمهور العلماء من أن آية (والذين يتوفون منكم
~~ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج) نزلت في بيان حكم
~~العدة والسكنى، اما على رأي من قال إنها نزلت في بيان حق، السكنى دون مدة
~~العدة فليست منسوخة لأنه لا تعارض بينها وبين آية اعتداد المتوفي عنها
~~زوجها بأربعة أشهر وعشرة لاختلاف موضوع الآيتين.
1 - انظر مسألة الحسن والقبح العقليين مع التعليق عليها في الجزء الأول.
# 2 - تقدم ما فيه مرارا في التعليق.
1 - الحسن - الصواب بالسين المشددة
1 - جزء من حديث رواه ابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري والحاكم من طريق
~~انس.
# 2 - يشير إلى ما رواه الخمسة الا النسائي من حديث معاوية ان النبي (ص)
~~قال:
# إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا الرابعة
~~فاقتلوهم) قال الترمذي انما كان هذا في أول الامر ثم نسخ، هكذا روى محمد بن
~~إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي (ص) قال إن شرب الخمر فاجلدوه
~~فان عاد الرابعة فاقتلوه قال: ثم اتى النبي (ص) بعد ذلك برجل قد شرب في
~~الرابعة فضربه ولم يقتله. وذهب إلى قتله منهم ابن حزم وأنكر الاجماع على
~~النسخ.
١ - ثبوت السكنى للمبتولة من المسائل الاجتهادية، وقد رأى عمر الحكم بها
~~لدلالة القرآن عليها ms976 في نظره وخالفته في ذلك
~~فاطمة بنت قيس وغيرها وهي صاحبة الواقعة، وأنكرت على عمر فهمه في آية،
~~(تخرجوهن من بيوتهن)، وآية، (اسكنوهن من حيث سكنتم)، ورأت ان حديث حرمان
~~المبتوتة من حق السكنى لا يعارض الآية فلا نسخ. انظر ص ٧٩ ج.
# ٢ - قيل إن ما روي عن علي من رد حديث معقل بن سنان الأشجعي في المفوضة لم
~~يثبت.
# ٣ - انظر جوابه الثالث عن المعارضة الأولى في مسألة نسخ السنة بالقرآن والتعليق ص 151 - ج 3.
# 4 - تخصيص التواتر بالآحاد - الصواب تخصيص المتواتر بالآحاد.
1 - يشير إلى ما رواه احمد ومسلم وغيرهما من حديث انس ان رسول (ص) كان يصلي
~~نحو بيت المقدس فنزلت (قد نرى تقلب وجهلك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها)
~~قول وجهك شطر المسجد الحرام) فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر
~~وقد صلوا ركعة فنادى الا ان القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة 2 -
~~هذه القاعدة اجتهادية للنظر فيها مجال، ومن اجل ذلك كانت موضع نزاع بين
~~المجتهدين فتثبت بخبر الواحد كأمثالها من مسائل الأصول، ولا ينبغي ان يتكلم
~~بمثل هذا الاعتراض من يستدل في مسائل الأصول بالأحاديث الضعيفة والموضوعة
١ - حديث تحول الصحابة وهم في الصلاة إلى الكعبة ظاهرا في إضافة تحولهم إلى
~~خبر المنادي فلا يعدل عن ذلك إلى الإضافة للقرائن، إذ الأصل عدمها.
# ٢ - ثبت ان النبي (ص) كان ينفذ الآحاد لتبليغ أصول الدين وفروعه وتحفيظ
~~ما نزل من القرآن فخبر الواحد معمول به في
~~جميع مسائل الدين.
# 3 - تقدم غير مرة أم كثيرا من مسائل أصول الفقه ظنية بل فيها ما خرج منه
~~المؤلف بالشك والحيرة واذن فما نحن فيه من قبيل ما يستدل عليه بما يفيد
~~غلبة الظن.
# 4 - قد يقال ان النسخ بيان لأمد انتهاء الحكم وتعريف بمراد المتكلم من
~~خطابه وانه لم يرد من اطلاق خطابه الأول الاستمرار فهو تخصيص للحكم ببعض
~~الأزمان انظر قوله في ص 122 - ج 3 (فانا ms977 وان أطلقنا لفظة الرفع في النسخ
~~انما نريد به امتناع استمرار المنسوخ، إلى الخ) وقوله آخر لمسألة التاسعة
~~(بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على أن الشرع لم يرد بخطابه الأول ثبوت الحكم
~~في وقت النسخ) لتعرف طريقة الجدلية في نقاشه ودفاعه.
1 - تقدم تعليقا ص 149 ج 3.
1 - يشير إلى ما رواه احمد والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال حبسنا يوم
~~الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل كفينا، وذلك قول الله
~~عز وجل (وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا) قال: فدعا رسول
~~الله (ص) بلا لا فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها
~~ثم امره فأقام العصر وصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام
~~المغرب فصلاها كذلك، قال: وذلك قبل ان ينزل الله عز وجل في صلاة الخوف (فان
~~خفتم فرجلا أو ركبانا)
1 - فبتقدير - فيه تحريف والصواب فتقدير، الخ.
1 - جزء من حديث رواه الخمسة إلا أبا داود من طريق عمرو بن خارجة عن النبي
~~(ص) بلفظ ان الله قد اعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) وقد رواه أيضا
~~الخمسة الا النسائي من طريق أبي امامة.
# 2 - 3 - سيأتي أيضا الكلام على ذلك تعليقا إن شاء الله.
١ - يتلخص الكلام على رجم المحصن في ثلاثة أمور، الأول نقله عمليا نقلا
~~متواترا عن النبي (ص) والخلفاء الراشدين ومن بعدهم إلى يومنا فلم يخل عهد
~~من إقامة حد الزنا جلدا للبكر ورجما للثيب، ونقله أيضا بالقول من عدة طرق
~~نقلا مستفيضا ان لم يكن متوترا وكل من النقلين يفيد وحده العلم بثبوت حد
~~الرجم وباجتماعهما يتأكد العلم بمشروعيته ولا مدخل بعد هذا لشبهة والا موضع
~~لريبة الثاني ان حكم مما نزل في كتاب الله ودلت عليه آية من آيات القرآن قراها الصحابة وحفظوها وعمل بها النبي
~~(ص) حياته والصحابة بعده وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة من ذلك ما رواه
~~مالك في الموطأ والبخاري ms978 ومسلم في صحيحيهما من طريق ابن عباس عن عمر في
~~خطبة طويلة ان الله بعث محمدا (ص) بالحق وانزل عليه الكتاب فكان فيما انزل
~~عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده
~~فأخشى ان طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا
~~بترك فريضة أنزلها الله الحديث، الا ان الأحاديث الصحيحة لم تذكر نص الآية
~~ولم تعين موضعها من سور القرآن وقد ذكرها
~~النسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجة بلفظ (الشيخ والشيخة إذا زنيا
~~فارجموهما البتة) وذكر النسائي انها من سورة الأحزاب.
# الثالث قول عمر: ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب
~~الله لأثبتها كما نزلت). وهذه المقالة فيها نظر من جهتين:
# الأولى أن عمر لم يكن ليمنعه قول الناس أو الخوف من كلامهم ان يكتب في القرآن ما هو منه في عقيدته وقد عرف بالصراحة
~~في القول والصلابة في الحق لا يخشى في ذلك لومة لائم ولو كان معتذرا في ذلك
~~بما يقال من أنها نسخت تلاوتها وبقي حكمها.
# الثانية: أن في أسانيد تلك المقالة ضعفا ففي أحد أسانيدها عند أحمد هشيم
~~ابن بشير السلمي عن الزهري عن علي بن زيد بن جدعان. وعلى ضعيف. وعلى كل حال
~~في هذه المقالة ريبة وفتح لباب الظنة في الصحابة والقرآن فيجب ان تبحث وتحقق كما ينبغي والله
~~العالم.
1 - الأمة مجمعة على رجم الزاني المحصن وهي مستندة في اجماعها عليه إلى
~~نقله عمليا نقلا متوترا عن النبي (ص) ومن بعده إلى يومنا هذا في الدول التي
~~تقام فيها الحدود، والى نقله بالقول نقلا صحيحا ان لم يبلغ درجة التواتر
~~المصطلح عليه فلا أقل من أن يكون مستفيضا استفاضة يفيد معها العلم لكثرة
~~طرقه وعدالة رواته.
1 - الخيرية قد تكون في تأثير التالين والسامعين وقد تكون فيما تضمنته
~~الآيات من الاحكام أصولا وفروعا، ضروريات ومكملات وقد تكون باختلاف أحوال
~~الناس وأطوارهم فيكون حكم في حال ms979 وظروف أصلح وأنفع للناس من غيره في تلك
~~الحال، انظر ما كتبه ابن تيمية على الآية في كتاب جواب أهل اعلم والايمان.
1 - انظر ما ذكره المؤلف في الجواب الثالث عن لمعارضة الأولى من جهة العقل
~~آخر المسألة التاسعة.
1 - حصر - الصواب حظر بالظاء.
# 2 - هو عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى الكوفي الحنفي القاضي مات عام 221
~~ه
- مناظرة ابن عباس لعثمان رضي الله عنهم في رد الام للسدس بالأخوين خرجها
~~الحاكم، وذكر ابن كثير في تفسيره لآيات المواريث ما رواه البيهقي من طريق
~~شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس انه دخل على عثمان، فقال إن الأخوين لا
~~يردان الام عن الثلث قال الله تعالى (فان كان له اخوة فلأمه الثلث)
~~والاخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان الا أستطيع تغيير ما كان قبلي
~~ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. ثم قال ابن كثير: وفي صحة هذا الأثر نظر:
# فان شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس: ولو كان هذا صحيحا عن ابن عباس لذهب
~~إليه أصحابه الاخصاء.
1 - أبو القاسم الأنماطي هو عثمان بن سعيد.
1 - يثاب على فعله - أي بتقدير وجوبه أو ندبه. 2 - ويأثم بتركه له قبل بلوغ
~~النسخ إليه - أي بتقدير وجوبه
1 - ان قيل الزيادة كانت الزيادة غير واجبة - فيه تحريف ولعل الأصل ان
~~الزيادة كانت قبل الزيادة غير واجبة.
١ - حكى الأسنوي في كتابه نهاية السول في شرح منهاج الوصول للبيضاوي عن
~~الآمدي انه اختلف قوله في المسألتين فقال في الاحكام ان الحق أنه ليس بنسخ
~~في المسألتين، وقال في منتهى السول انه نسخ في الأولى وليس بنسخ في
~~الثانية، وقد وجدت بمخطوطة المدينة التي هي العمدة في هذه الطبعة قول الآمدي انه لانسخ
~~في المسألتين فآثرت أن أجعل ما فيها في أصل هذه الطبعة واجعل في التعليق
~~قول الآمدي الآخر الذي ذكر الأسنوي أنه قوله في منتهى السؤال لا في الاحكام
~~وهذا نصه: (الحق انه نسخ لغسل الرجلين وليس ms980 نسخا للتخيير بين الاطعام
~~والصيام، لان التخيير بين الاطعام والصيام على التعيين)
1 - متى صح خبر القضاء بالشاهد واليمين، وجب العمل به مطلقا، اما لعدم
~~اعتبار مفهوم المخالفة في قوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) واما
~~الرجحان الخبر عليه وان قلنا ان المفهوم حجة وجهل التاريخ لأنه منطوق متفق
~~على العمل به عند المختلفين في حجية مفهوم المخالفة، واما لأنه ناسخ له ان
~~علم التاريخ وكان متأخرا.
# 2 - يجب العمل بخبر الواحد في ذلك تقييدا أو نسخا فإنه على تقدير إفادته
~~لغلبة الظن فقط فإفادة المتواتر لاستمرار حكمه ظنية ما دام الوحي ينزل فلا
~~بعد في أن يقطع الاستمرار بخبر الواحد، إذ كلاهما ظني - انظر التعليق 4 ص
~~149 ج 3.
1 - انظر التعليق ص 175 ج 3.
1 - (الطواف بالبيت) رواه ابن حبان في صحيحة من حديث فضيل بن عياض والحاكم
~~في المستدرك من حديث سفيان كلاهما عن عطاء بن السائب عن طاووس عن بن عباس
~~قال: قال رسول الله (ص) (الطواف بالبيت صلاة الا أن الله قد أدحل فيه النطق
~~فمن نطق فيه فلا ينطق الا بخير. وأخرجه الترمذي في كتابه عن جرير عن عطاء
~~بن السائب به، بلفظ) الطواف حول البيت مثل الصلاة) قال وقد روي هذا الحديث
~~عن ابن طاووس وغيره موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا الا من حديث عطاء ابن السائب،
~~انظر تفصيل الكلام على متنه وطرقه في نصب الراية وتلخيص الحبير.
1 - هذا مجرد فرض وتقدير لم يعهد مثل هذا في عبارات الكتاب والسنة، فهو غير
~~علمي في التمييز بين الناسخ والمنسوخ.
1 - عن العمل بأحدهما - لعله عن العمل بكل منهما.
# 2 - بل العمل بالمتأخر منهما واجب فان المتواتر وان كان معلوم الثبوت
~~لكنه ظني الاستمرار ما دام الوحي ينزل فيجوز قطع استمراره بالآحاد وليس في
~~ذلك أكثر من تخصيص متواتر ظاهره العموم في الزمان بآحاد يبين اختصاصه ببعض
~~الزمان وتخصيص المتواتر العام بالآحاد لا غرابة فيه، انظر التعليق 4 - ص
~~149 ج 3 3 - من بدل، ms981 رواه احمد والبخاري والأربعة من طريق ابن عباس.
# 4 - روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر نهى النبي (ص): عن قتل النساء
~~والصبيان.
1 - لافتراقهما - الصواب لتنافيهما فان مجرد الافتراق في العلة والاختلاف
~~فيها لا يوجب التناقض في الحكم.
# 2 - افترقا في العلة - اي تنافيا وتقابلا بالسلب والايجاب.
# 3 - ومن أمثلته أيضا ما تضمنه قوله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق) فقد
~~أثبت الله تعالى لنفسه التفرد باستحقاق الألوهية وأنكر ان يكون غيره مستحقا
~~لذلك استقلالها أو اشتراكا لتنافيهما في الموجب وهو الخلق فلله الخلق
~~والامر وحده وغيره ليس إليه شئ من ذلك ومن ذلك قوله تعالى (ضرب الله مثلا
~~عبد ا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا) الآيتين من سورة
~~النحل، ومنه قوله (ص) (وفي أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا
~~شهوته ويكون فيها اجر قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك
~~إذا وضعها في الحلال كان له اجر).
1 - وهو محمد بن الطيب الباقلاني.
1 - انما الأولى زائدة وتقدير الكلام، والثابت والمنفي بالقياس انما هو حكم
~~الفرع لا غير.
# 2 - قياس التعليل والتمثيل كما يجري في الأحكام الشرعية يجرى في طبائع
~~الأشياء وخواصها وفي العقليات صفات وأفعالا بعد معرفة العلة - انظر الكلام
~~على ذلك في ص 366 - من مسودة آل تيمية، واللمع لأبي إسحاق الشيرازي، وروضة
~~الناظر لابن قدامة، والكوكب المنير للفتوحي.
١ - بان التحديد - تم وانتهى.
# ٢ - هذه التعاريف دخلتها الصناعة المنطقية المتكلفة فصارت خفية غامضة،
~~واحتاجت إلى شرح وبيان، ومع ذلك لم تسلم من النقد والاخذ والرد، وسلكوا في
~~البيان طريقة القرآن وسنة الرسول عليه
~~الصلاة والسلام، ومعهود العرب ومألوفهم من الايضاح بضرب الأمثال لسهل الامر
~~وهان الخطب.
1 - حديث حرمت الخمر لعينها، ويروي بعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل
~~شراب رواه العقيلي في ترجمة محمد بن الفرات عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث
~~عن علي مرفوعا واعله بمحمد بن الفرات ورواه العقيلي من طريق عبد ms982 الرحمن بن
~~مجهول في الرواية والنسب وحديثه غير محفوظ، وانما يروى هذا عن ابن عباس من
~~قوله. وقد رواه موقوفا على ابن عباس النسائي في سننه من طرق، والبزار في
~~مسنده والطبراني في معجمه والدارقطني في سننه مع اختلاف في العبارة، ومن
~~أراد تفصيل القول في ذلك فليرجع إلى كتاب نصب الراية للزيلعي، والى ترجمة
~~أبي إسحاق السبيعي والحارث الأعور في تهذيب التهذيب لابن حجر فان أبا إسحاق
~~يدلس وقد عنعن، والحارث الأعور كذاب. ومع ذلك فلغة أهل الجدل واصطلاح علماء
~~الفقه وأصوله بعد استحكام الخلاف بينهم ظاهرة في صناعة الحديث ووضعه لنصرة
~~المذهب.
1 - منهما - الصواب منها
1 - ظاهر الاطلاق في قوله: خلافا للحنابلة جواز بناء القياس على القياس.
# وليس كذلك، فان منهم من منع ذلك، ومنهم من اجازه، بل منهم من روي عنه
~~قولان في ذلك، المنع، والجواز، كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب - انظر روضة
~~الناظر لابن قدامة، والكوكب المنير لأبي العباس الفتوحي واللمع لأبي إسحاق
~~الشيرازي وانظر خلاف الحنابلة في حكم بناء القياس على القياس في ص 394 و
~~395 من مسودة آل تيمية طبعة المدني
1 - سيأتي الكلام على ذلك تعليقا في المسألة الثانية عشرة من مسائل شروط
~~العلة إن شاء الله تعالى.
1 - ولكنه متفق عليه من الخصمين المستدل والمعترض.
# 2 - العلة في المكاتب - أي علة الحكم بترك القصاص للمكاتب من قاتله الحر.
# 3 - انما هو جهالة - الصواب انما هي جهالة، لان كلا من مرجع الضمير وخبره
~~مؤنث.
1 - قارن بين خلاف الحنفية والأئمة الثلاثة هنا فيما ثبت حكم الأصل، وبيان
~~الآمدي علة تسمية هذا النوع من القياس المركب مركب الأصل، وبين خلاف
~~الحنفية والشافعية فيما ثبت به حكم الأصل في المسألة العشرين من مسائل شروط
~~العلة مع مراعاة أن العلة هنا مستنبطة، وفي المسألة الآتية منصوصة.
١ - سيأتي في أدلة التعبد بالقياس ان العمدة في ثبوت ذلك إجماع الصحابة، فحصره
~~مدرك التعبد بالقياس هنا على الاجماع حصر ادعائي يقصد به بيان ان الاجماع ms983
~~هو المعول في اثباته لا نفي المدارك الأخرى التي استدل بها على التعبد
~~بالقياس.
# 2 - سيأتي الكلام عليه تعليقا عند الكلام على أدلة التعبد بالقياس إن شاء
~~الله تعالى.
1 - علة الأصل - اي علة حكم الأصل.
1 - اختار ان تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث لا لامارة وهذا وان كان
~~بالنسبة للمكلف مناسبا فان المعنى الذي ثبت الحكم من اجله يبعث المكلف على
~~العمل بمقتضاه، لكنه ينبغي ان يغبر عنه في حق الله بالمقصود من شرع الحكم
~~أدبا مع الله قال في مسودة آل تيمية قد أطلق غير واحد من أصحابنا القاضي
~~وأبو الخطاب وابن عقيل والحلواني وغيرهم في غير موضع من علل الشرع انما هي
~~امارات وعلامات نصبها الله أدلة على الاحكام فهي تجري مجرى الأسماء، ثم قال
~~وهذا الكلام غير صحيح على الاطلاق، ثم قال: ذكر ابن عقيل وغيره انها وان
~~كانت امارات فإنها موجبة لمصالح ودافعة لمفاسد ليست من جنس الامارات
~~الساذجة العاطلة عن الايجاب.
# 2 - المراد بالضابط هنا الوصف الظاهر المشتمل على لحكمة المقصودة للشارع
~~من شرع الحكم.
1 - وعن الاعتراض الأول على الوجه الثاني - فيه تحريف والصواب وعن الاعتراض
~~على الوجه الأول.
1 - انظر تعريف الصفة الإضافية في التعليق ص 174 ج 2.
1 - عليه - الصواب علة للدائر.
# 2 - لما سبق، يعني لما تقدم أول المسألة الثانية من الأدلة على انها
~~بمعنى الباعث.
1 - فيها - فيه تحريف والصواب فيما - بالميم.
# 2 - ذكر في روضة الناظر أن أبا حفص البرمكي حكى وجهين في اشتراط الاطراد
~~لصحة العلة، الأول أن الاطراد - وهو ان يوجد الحكم كلما وجدت العلة - شرط
~~صحتها، فمتى تخلف الحكم عنها استدللنا على انها ليست بعلة ان كانت مستنبطة،
~~وعلى أنها بعض العلة ان كانت منصوصا عليها، ونصره القاضي أبو يعلى وبه قال
~~بعض الشافعية - ويسمى تخلف الحكم عن العلة نقضا.
# الثاني: أن الاطراد ليس بشرط في صحتها فتبقى حجة فيما عدا المحل المخصوص
~~كالعموم إذا خص واختاره أبو الخطاب. الخ.
# وفي المنهاج للبيضاوي خمسة ms984 أقوال في المسألة - الجواز مطلقا، المنع
~~مطلقا، الجواز في المنصوصة دون المستنبطة - الجواز في المستنبطة بمانع أو
~~فوات شرط، الجواز في المستنبطة ولو بلا مانع أو فوات شرط دون المنصوصة
~~فارجع إلى الكتابين تجد ذلك مع الأمثلة.
1 - كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين مأخوذا - الخ، فيه سقط
~~وتقدير الكلام: كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين بالخارج
~~النجس مأخوذا - وبالخارج الأول متعلق بانتقاض، والثاني متعلق بتعليل.
~~وسيأتي للمؤلف مثل هذا في المسألة التاسعة عشرة من مسائل شروط العلة.
# 2 - رواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس بلفظ (الوضوء مما يخرج
~~وليس مما يدخل) وفي اسناده الفضل بن المختار وشعبة مولى ابن عباس وكلاهما
~~ضعيف - انظر تلخيص الحبير.
# 3 - وذلك قوله تعالى - الصواب وذلك كقوله.
# 4 - في صوره - الصواب في صورة.
1 - تأول - الصواب بأول.
1 - كان أولى - المناسب حذف كان وقد استعمل المؤلف هذا الأسلوب أكثر من
~~مرة.
1 - هذه معارضات ممن يقول بمنع تخصيص العلة مطلقا لأدلة من يقولون بجواز
~~تخصيصها في الصورة الآتية - العلة القطعية مطلقا، والظنية في معرض
~~الاستثناء، والمنصوصة الظنية في غير الاستثناء والمستنبطة إذا كان لها
~~معارض من مانع أو فقد شرط.
1 - الصورة الأخيرة هي ما إذا كانت العلة مستنبطة وتخلف الحكم عنها على غير
~~طريق الاستثناء، وبدون معارض لها من وجود مانع أو فقد شرط، وقد اختار
~~الآمدي بطلان العلة بتخلف حكمها عنها في في هذه الصورة، واستدل على ذلك بما
~~تقدم، فعارضه من يقول بجواز تخصيص العلة مطلقا بأربعة أوجه ذكرها الآمدي
~~وأجاب عنها 2 - هذا حكم معدول به عن سنن القياس لم أجد هذه الكلمة عن ابن
~~مسعود وليست مما يشبه لغة عند الصحابة - لكنها شبيهة بلغة علماء الفقه
~~وأصوله في نقاشهم وجدالهم عند الاستدلال واشتداد الخلاف بينهم ومع ذلك فقد
~~ذكر ابن تيمية في ص 504 وما بعدها من ج 20 كثيرا من المسائل التي ادعى فيها
~~علماء الفقه وأصوله انهما على خلاف القياس وبين انها لم تخرج ms985 عن قاعدة
~~القياس فارجع إليه.
# 3 - لوجوده - في العبارة تحريف والصواب بوجوده - والباء سببية، وجملة
~~(والقاضي غير موجود في دار الملك) حالية.
1 - اي عند عدم ذلك النص الراجح المعارض لخبر الواحد.
# 2 - فاما ان لا يتعاكس الحال في ذلك أو يتعاكس هكذا في المخطوطة والنسخ
~~المطبوعة وفي جميعها تحريف، والصواب فاما أن يتعاكس الحال في ذلك أولا
~~يتعاكس.
# وبذلك يتفق مع تعليل رد الأول بما فيه من الدور، ورد الثاني بعدم
~~الأولوية.
1 - مفصلا من كونه - هكذا في المطبوعة والمخطوطة والصواب فصلا عن كونه الخ
~~2 - جرى في التعبير بلفظ عنده على طريقة الأشعرية فإنهم يقولون المسببات
~~توجد عند وجود الأسباب لا بها والنتائج توجد عند وجود الأدلة بها، ومذهب
~~أهل السنة والجماعة انها توجد بها لكن لا بذاتها بل بجعل الله لها أسبابا
~~لمسبباتها ودلائل على نتائجها.
1 - يعني صور الاستدلال بالغيم الرطب على المطر بوجود مركوب القاضي في مكان
~~على وجوده فيه. والاستدلال بخبر الواحد عند عدم المعارض وان تخلف مع وجود
~~المعارض الراجح.
1 - في صورة النقص - الصواب في صورة النقض بالضاد المعجمة.
# 2 - في المخطوطة فوجودها وفي المطبوعات موجودها وكلها محرفة والصواب
~~فموجود.
1 - فيلزم منه - المناسب للزم منه لأنه جواب لو
1 - النقض المكسور كما عرفه المؤلف الخ. اما النقض فهو تخلف الحكم عن العلة
1 - الخلاف في اشتراط العكس متفرع على الخلاف في جواز تعدد العلل، فكان
~~المناسب ان تجعل هذه المسألة بعد مسألة تعدد العلل.
# 2 - في المخطوطة بجعل الخبر مبتدأ والمبتدأ خبرا مع بقاء الخ، وتعريف
~~المطبوعة خاص بعكس القضية وتعريف المخطوطة خاص بعكس القضية الحملية. وقد
~~عرفه صاحب متن المسلم بتعريف يشملهما فقال:
# العكس قلب جزأي القضية * مع بقاء الكم والكيفية - والصدق الا الموجب
~~الكلية * فعوضوها الموجب الجزئية فهذا أجمع من كل من التعريفين وأنسب لما
~~ذكر بعد من التمثيل لعكس كل منهما والقضية: الجملة الخبرية، والكم العدد
~~الذي يعبر عنه بكل وبعض وما في معناهما والكيفية السلب والايجاب، اي ms986 النفي
~~والاثبات.
1 - ويقابل العكس بهذا المعنى الطرد وهو عندهم كلما وجدت العلة وجد الحكم.
1 - انظر ص 167 ج 20 وص 273 - 274 ج 18 من مجموع الفتاوي.
# 2 - الواحد اي بالشخص.
1 - هذا مثال فرضي ومثاله من واقع التشريع جعل غروب شمس يوم من رمضان امارة
~~على مشروعية الفطر للصائم ووجوب صلاة المغرب.
1 - اي الوصف الذي جعل ضابطا للحكمة.
1 - وذلك الأولى فذلك.
# 2 - من المخصص الزائد - بيان لكلمة ما في قوله وما به تخصصت كل صورة.
1 - كان أولى - الظاهر أن كان زائدة، وأولى خبر للمصدر المؤول من أن والفعل
~~وقد تقدم للمؤلف استعمال مثل هذا التركيب في ص 222 ج 3
1 - فكان النفي له أولى - يعني فكان النفي لأجله أولى، فاللام للتعليل.
1 - بيانه ان وجوب الشاة زكاة عن أربعين شاة إذا كان المقصود منه مجرد دفع
~~حاجة الفقراء، ولو ببذل القيمة ارتفع وجوب الشاة على التعيين في الزكاة.
# 2 - العلة الطردية، أو الوصف الطردي هو الذي لم يشتمل على معنى مناسب
~~يقتضي بناء الحكم على ذلك الوصف كالأمثلة المذكورة.
# 3 - تقدم له ذلك في المسألة الرابعة عشرة من مسائل تخصيص العموم بالأدلة
~~المنفصلة.
1 - تقدم في المسألة الثامنة في الكلام على خلاف العلماء في جواز تخصيص
~~العلة.
# 2 - انظر ذلك مع ما تقدم في المسألة الثامنة عشرة من خلاف العلماء في
~~الزيادة على النص، هل هي نسخ أو لا.
1 - رواه أحمد ومسلم من طريق معمر بن عبد الله القرشي أنه قال كنت اسمع
~~النبي (ص) يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير.
# 2 - رواه ابن ماجة في سننه من طريق عائشة بلفظ من اصابه قئ أو رعاف أو
~~قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم) وفي
~~سند إسماعيل بن عياش عن ابن جريح، وهو ضعيف فيما رواه عن الحجازيين وأيضا
~~الصحيح فيه أنه مرسل، وقد رواه الدارقطني من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ ms987 إذا
~~قاء أحدكم أو رعف وهو في الصلاة أو أحدث فلينصرف فليتوضأ ثم ليجي فليبن على
~~ما مضى، وفي سنده أبو بكر الداهري وهو كذاب.
1 - فلم تكن علة - الصواب لم تكن علة.
1 - هذا مبني على مذهب الأشعرية من أن كلام الله صفة نفسية قديمة ليس بحرف،
~~ولا صوت، وانه شئ واحد لا تعدد فيه من حيث ذاته، فأمره عين نهيه وخيره عين
~~استخباره، ووعده عين وعيده، وانما يتنوع عندهم إلى هذه الأنواع ويختلف
~~باعتبار تعلقاته ومتعلقاته وهذا مخالف لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة،
~~فان كلام الله يطلق عندهم على اللفظ والمعنى حقيقة، وقد ينصرف إلى أحدهما
~~بقرينة ويتنوع في نفسه إلى أمر ونهى ووعد ووعيد وخبر وانشاء وقد تكلم
~~سبحانه فيما مضى ولا يزال يتكلم وسيتكلم في الموقف يوم القيامة مع المؤمنين
~~والكافرين، ومع أهل الجنة والنار، فيكلم كلا بما يناسبه، كما دلت على ذلك
~~آيات القران والأحاديث الصحيحة، واذن فالاعتراض ساقط من أصله، وما ذكر بعد
~~من اشتراك حكم الصوم والصلاة في حكم الوجوب فمسلم، لكنه اشتراك في جنس
~~الوجوب لا في عينه وشخصه فوجوب الصلاة ثبت بأمر يخصه تكلم الله به وقت فرضه
~~الصلاة، ووجوب الصيام ثبت بأمر يخصه تكلم الله به بعد فرضه الصلاة بسنوات،
~~والقصد ان وجوب كل منهما يختلف عن الآخر في شخصه وفيما وجب به من الامر،
~~وفي درجته وآثاره، وكذلك القول في تحريم القتل والربا وغيرهما من المحرمات،
~~فهي مندرجة تحت جنس واحد ولكنها مختلفة في أعيانها وفيما وجبت به من كلامه
~~تعالى، وفي الزمن الذي تكلم الله بتحريم كل منها.
1 - هذا التعبير لم يرد في الكتاب ولا في السنة، فهو مجرد فرض وتقدير.
# 2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 136 - ج 3.
# 3 - رواه النسائي في سننه من حديث عبد الله بن ثعلبة قال قال رسول الله
~~(ص) زملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يكلم في سبيل الله الا يأتي يوم القيامة
~~يدمي لونه لون الدم، والريح ريح المسك - ورواه ms988 الواقدي في مغازيه، قريبا من
~~هذا ورواه غيرهما من طرق بألفاظ مختلفة، انظر نصب الراية.
1 - رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال كان رجل مع النبي (ص) فوقصته
~~ناقة وهو محرم فمات فقال النبي (ص) اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا
~~تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه فأنه يبعث يوم القيامة ملبيا) وقد روى من عدة
~~طرق بألفاظ مختلفه - انظر تلخيص الحبير ونصب الراية.
# 2 - جزء من حديث رواه البيهقي في الشعب عن أبي هريرة والزبير مرفوعا بلفظ
~~ان ملكا بباب من أبو أب السماء الحديث، وهو غير صحيح - انظر كشف الحفا
~~والالباس للمجلوني لتعرف طرقه وما فيها من المطاعن.
1 - رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده وأبو داود الطيالسي في مسنده
~~والدارقطني في سننه من طريق عائشة، ورواه البخاري أيضا في المزارعة في
~~صحيحه من طريق عائشة بلفظ (من أعمر أرضا ليست لاحد فهو أحق) وترجم له بباب
~~من أحيا أرضا مواتا، وقد رواه أبو داود والنسائي والترمذي من عدة طرق
~~بألفاظ متقاربة 2 - يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث
~~عائشة انها قالت كان في بريرة ثلاث سنن أعتقت فخيرت، وقال رسول الله (ص)
~~الولاء لمن أعتق، ودخل رسول الله (ص) وبرمة على النار فقرب إليه خبز وإدام
~~من ادم البيت، فقال ألم أر البرمة، فقيل لحم تصدق به على بريرة وأنت لا
~~تأكل الصدقة قال: هو لها صدقة ولنا هدية.
1 - يشير إلى ما رواه الجماعة من طريق أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي (ص)
~~فقال هلكت يا رسول الله قال، وما أهلكك قال: وقعت على امرأتي في رمضان قال
~~هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع ان تصوم شهرين متتابعين قال قال
~~فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا، قال ثم جلس قال فأتى النبي (ص) بعرق
~~فيه تمر قال تصدق بهذا، قال فهل على أفقر منا فما بين لابتيها أهل بيت أحوج
~~إليه منا، فضحك ms989 النبي (ص) حتى بدت نواجذه وقال اذهب فأطعمه أهلك، وقد روى
~~الحديث من طريق بألفاظ متقاربة.
1 - جزء من حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة في السنن من طريق عبد
~~الله بن مسعود ان النبي (ص) قال له ليلة الجن، عندك طهور، قال لا، إلا شئ
~~من نبيذ في إداوة قال (ص) تمرة طيبة وماء طهور) زاد الترمذي فتوضأ منه وفي
~~سنده أبو زيد مولى عمرو بن حريث وهو مجهول، وفي سنده أيضا أبو فزارة ولا
~~يدرى من هو، واعل أيضا بالاختلاف في حضور ابن مسعود ليلة الجن.
# 2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 237 ج 2 / انظر تفصيل الكلام عليه في نصب
~~الراية.
1 - يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن امرأة من خثعم
~~قالت يا رسول الله ان فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا
~~لا يستطيع ان يستمسك على الراحلة (أفأحج عنه قال نعم. الخ انظر تلخيص
~~الحبير
1 - والى مالا يكون مذكورا فيه - فيه تحريف والصواب والى ما يكون كل من
~~الامرين مذكورا فيه.
1 - رعاية المصلحة في شرع الاحكام لم يوجبها أحد سوى الله عليه وإنما
~~أوجبها سبحانه على نفسه رحمة منه بعباده، ويقال أيضا إن رعاية المصلحة في
~~التصرفات هو مقتضى الحكمة وموجب الرحمة فكان احكم الحاكمين، وارحم
~~الراحمين، أولى بذلك في فعله وشرعه.
1 - لو قال تصرفات العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة وقضايا العقل، فاحكم
~~الحاكمين أولى بذلك لكان انسب في حق الله ومغنيا عن قوله الغالب من تصرفات
~~الشارع ان تكون على وفق تصرفات العقلاء فان فيها ما فيها.
# 2 - أصحابنا يعني الأشعرية - وقد تقدم ما في ذلك تعليقا ص 260 ج 3 الخ.
1 - وهذا - فيه تحريف، والصواب فهذا لأنه جواب قوله وأما إذا كان اللفظ.
# 2 - تقدم تعليقا ص 191 ج 3 ان هذا الحديث غير صحيح. فما بنى عليه من
~~التمثيل به لما حكمه منصوص وعلته مستنبط غير صحيح أيضا، والصحيح ms990 ان كلا من
~~تحريم الخمر وعلته الموجبة له منصوص في الكتاب والسنة قال تعالى: يا أيها
~~الذين آمنوا) - إلى قوله - (فهل أنتم منتهون) وقوله (ص).
1 - أو لازما من مدلول كلامه - فيه سقط والأصل أو الحكم لازما من مدلول
~~كلامه 2 - الحاصل ان الأقسام العقلية في هذا المقام أربعة.
# الأول ذكر الوصف والحكم في النص، كما في حديث لا يقضى القاضي وهو غضبان،
~~وهذا متفق فيه على أن الوصف مومى إليه.
# الثاني ذكر الوصف والحكم مستنبط منه لازم له كما قوله تعالى (وأحل الله
~~البيع وحرم الربا) فحل البيع هنا وصف مستلزم للصحة والا لما كان للحل فائدة
~~ولارتفع بارتفاع الصحة، وكذا القول في تحريم الربا فإنه مستلزم لبطلان
~~العقد، وهذا القسم مختلف في كون الوصف مومى إليه.
# والثالث ذكر الحكم في النص والوصف لازم له مستنبط منه كحل البيع للحاجة
~~إلى تبادل المنافع فالحاصل منصوص والحاجة مستنبطة منه. وهذا متفق على أنه
~~ليس مومى إليه.
# الرابع وهو الا يذكر الحكم ولا الوصف فهذا لا وجود له.
1 - التقسيم لغة التجزئة، والمراد به هنا ترديد المستدل بين ما جمعه من
~~الأوصاف التي يحتمل ان يكون كل منها علة الحكم، والسبر لغة الاختبار،
~~والمراد منه هنا اختبار كل وصف من الأوصاف التي انحصر التعليل فيها بطريق
~~من الطرق الآتية ليتميز ما يصلح منها للتعليل فيضاف إليه الحكم ويلغي منها
~~ما لا يصلح للتعليل 2 - تقدم ما في ذلك تعليقا.
1 - أو قال - عطف على قوله قال الناظر.
# 2 - الأمران هما حصر ما يحتمل ان يكون علة للحكم من الأوصاف والغاء ما لا
~~يصلح منها للتعليل بطريق من طرق الالغاء الآتية ليتمحض ما بقي منها
~~للتعليل.
1 - هذه ستة اعتراضات واردة على ما استدل به الناظر من قوله لأني بحثت الخ
~~وقد أجاب عنها المستدل بستة أجوبة مرتبة ترتيبها.
# 2 - الناظر من بحث لنفسه فما غلب على ظنه وجب عليه العمل به والمناظر به
~~بحث مع خصم يناقشه في دليله فان اقنع ms991 المستدل خصمه أو ألزمه الحجة كان
~~افحاما، وان عجز المستدل عن اتمام دليله أو انتقل إلى دليل آخر كان منقطعا
1 - وعند ذلك - يعني عند ثبوت الحكم دون الوصف المحذوف، وثبوته مع الوصف
~~المستبقى في كل صورة فتبين.. الخ.
1 - جزء من حديث أخرجه السنة من طريق أبي هريرة قال قال رسول الله (ص) من
~~أعتق شقصا له في عبد، فخلاصه في ماله ان كان له مال، فان لم يكن مال استعى
~~العبد غير مشفوق عليه ورواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر قال قال رسول
~~الله (ص) من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة
~~عدل فاعطي شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد والا فقد عتق منه ما عتق.
1 - والإحالة - الصواب والإخالة بالخاء المعجمة.
# 2 - أبو زيد - وهو عبيد الله بن عمر الدبوسي القاضي مات 430 ه.
1 - إذا كان التساوي والرجوحية في آحاد الصور الشاذة عاد الثالث والرابع
~~إلى الثاني، ثم للنكاح مقاصد كثيرة، منها التناسل وعفة الفرج وإتراف النفس
~~والتعاون على متاعب الحياة، وبعض مقاصده أهم من بعض، وإذن فبعد التناسل في
~~نكاح الآيسة لا يفضي إلى عدم الحكمة أو المقصود مطلقا، وان أفضى إلى ظن عدم
~~مقصود من مقاصد النكاح.
# 2 - الحكم بكسر الحاء جمع حكمة.
1 - ارجع إلى كتاب المقاصد من كتاب الموافقات للشاطي فإنه قسمها إلى
~~ضروريات وحاجيات وتحسينيات وذكر مكملات كل منها، وأوضحها بالتعاريف
~~والأمثلة.
# 2 - فيه سقط - تقديره واما حفظ النسل فبشرع النكاح وحد الجلد والرجم.
1 - انظر ص 290 - 206 ج 19 من مجموع الفتاوي لابن تيمية. والجزء الثاني من
~~الموافقات ومبحث الأوامر والنواهي من الجزء الثالث منها.
# 2 - لا تختل - الجملة خبر ثان للمصلحة.
# 3 - ودليله - دليل قوله (المصلحة امر حقيقي لا تختل الخ.
# 4 - والثاني محال - تحته صورتان الأولى بطلان المصلحة بالمفسدة دون العكس
~~والثاني بطلان المفسدة بالمصلحة دون العكس، وعلة البطلان فيهما واحدة هي
~~عدم الأولوية.
# 5 - هو في الحقيقة رابع ms992 لما تقدم من أن الثاني تحته صورتان
1 - لحبس - فيه تحريف والصواب التجسس.
# 2 - بتأدي النظر - لعله ببادئ النظر - بباءين.
1 - محال على المفسدة - اي راجع إليها، ناشئ منها، وليس المراد بالمحال ما
~~يقابل الواجب والجائز العقليين.
1 - ولا يخفى ان ما مثل هذا المقصود - تكرر من الآمدي استعمال هذا التركيب
~~وعبارته قلقة وقد تقدم الكلام على ذلك تعليقا ص 141 ج 2. وأقول لو حذفت ما،
~~أو بقيت وزيد بعدها كان لسهلت العبارة ووضح معناها.
1 - يعبر عنه أيضا بالمصلحة المرسلة. وسيأتي الكلام عليها في الأدلة
~~المختلف فيها.
1 - تقدم ما فيه تعليقا غير مرة.
# 2 - لو قال المعتزلي: أحكام الله من صنعه لقلنا انه بنى تعبيره على مذهبه
~~من أن كلام الله مخلوق لفظه ومعناه، لكن الآمدي أشعري يرى احكام الله خطابه
~~وانها قديمة غير مخلوقة، وانها شئ واحد في نفسه، وان تعددت باعتبار
~~متعلقاتها وتعلقاتها كما تقدم ذلك ص 249 ج 3 فكيف يقول هنا ان احكام الله
~~من صنعه:
# فكان ينبغي أن يقول احكام الله من شرعه، إحقاقا للحق وتأدبا مع الله في
~~نسبة صفاته إليه وليسلم من التناقض.
1 - رواه احمد في مسنده، وعبد الرزاق في مصنفه، وابن ماجة في سننه من طريق
~~ابن عباس بلفظ (لا ضرر ولا ضرار) وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي وهو رافضي
~~مدلس، وقد ضعفه جماعة ورماه آخرون بالكذب، مات سنة عام 128 أو 132 ه وقد
~~رواه الطبراني في معجمه الوسط من حديث جابر بن عبد الله قال:
# قال رسول الله (ص) (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) وفي اسناده محمد بن
~~إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وللحديث طرق أخرى لا يخلو بعضها من مطعن، ولكن
~~معناه صحيح يشهد له استقراء نصوص الشريعة والأصول العامة في الكتاب والسنة.
1 - روى القصة مالك في الموطأ من طريق ثور بن يزيد الديلي عن عمر، وأخرجها
~~الحاكم في المستدرك من طريق ثور عن عكرمة عن ابن عباس، ورواها عبد الرزاق
~~في مصنفه ms993 من طريق عكرمة عن عمر بن الخطاب، وقد روى مسلم القصة في صحيحه من
~~طريق انس بن مالك، وفيها ان الذي أشار على عمر هو عبد الرحمن بن عوف، فيجوز
~~ان يكون كل من علي وعبد الرحمن أشار على عمر ان يجلد الشارب ثمانين جلدة.
1 - تقدم ما فيه تعليقا ص 285 ج 3، وقد يقال هنا إن شرع الاحكام غير
~~الاحكام.
1 - يعني دليل الاجماع وأدلة العقل والنقل التي ذكرها أول الفصل الثامن ص
~~285 ج 3 2 - هذا الجواب غير صحيح لوجهين الأول ان الأول ان الأمور المنهى
~~عنها من الكفر والربا والزنا ونحوها من المعاصي، والشرور، أفعال تتعلق بها
~~القدرة فمخالف الأمور المنهي عنها تتعلق قدرته باحداثها وايجادها واما
~~موافقة النهى بترك المنهي عنه فمن باب التروك، والتروك قد يدعى فيها انها
~~ليست بأفعال، فلا تتعلق بها قدرة ولا يكون فيها تكليف. وقد يفسر ترك المنهى
~~بالكف عنه والكف فعل تتعلق به القدرة والتكليف والثاني ان مخالفة نهي
~~الشارع بالكفر ونحوه لو لم تتعلق به القدرة لم يكن العبد مكلفا به ولم يكن
~~من كسبه فلا يعاقب عليه، وذلك باطل.
1 - الجواب الثاني: أيضا غير صحيح. فان ما ذكر من الاجماع وأدلة العقل
~~والنقل أول الفصل الثامن دل على أن جميع فعال الله وأحكام شرعه مبنية على
~~الحكمة دون فرق بين أنواعها من خير وشر وأمر ونهي، فالجواب الصحيح أن
~~الافعال مخلوقة، لله وهي باعتبار صدورها عنه مقتضى الحكمة وموجب العدالة.
~~وان تألم منها العباد وكانت في ظاهرها شرا فقد تكون ابتلاء وامتحانا لرفع
~~الدرجات وتمييز الطيب من الخبيث، وقد تكون تمحيصا للذنوب وتكفيرا للسيئات،
~~وقد تكون عقوبة وجزاءا عادلا على ذنب سابق، وقد تكون لغير ذلك مما لا يعلمه
~~الا الله وقريب من ذلك ما ذكره الآمدي في الوجه الثالث من الجواب.
1 - تقدم ما فيه تعليقا ص 249 ج 3 والتعلق امر اعتباري لا ينفعه التعلل به
~~2 - بل الحكم مقتضية للأحكام موجبة لها لكن لا ms994 بنفسها بل باعتبار الشرع لها
~~فلا يتخلف عنها حكمها الا لمعارض معتبر شرعا من فقد شرط أو وجود مانع،
~~والجواب الصحيح عن الشبهة السادسة ان آحاد كلام الله وخطابه وآحاد احكام
~~شريعته حادثة وقت نزول الوحي بشرعها، وانها لحكم ومقاصد اقتضت شرعها وخطاب
~~المكلفين بها في ذلك الوقت دون ما قبله ولم يكن لشئ من ذلك وجود في نفسه
~~قبل زمنه الذي على الله وجوده فيه. وعلى ذلك فلا مانع من تعليل الاحكام
~~بالحكم والمقاصد 3 - تقدم الكلام على الحديث تعليقا ص 140 ج 3.
1 - لحكمة الحكم جهتان، الأولى رعايتها والقصد إلى تحصيلها فشرع الحكم
~~لأجلها، والثانية تحققها في الخارج ثمرة لتنفيذ الحكم وتطبيقه، وهي باعتبار
~~الجهة الأولى علمية متقدمة على الحكم علما وقصدا باعتبار الجهة الثانية
~~متحققة في الخارج متأخرة عن الحكم وعن تطبيقه، وقد تكون مقارنة لتطبيقه،
~~وقديما قيل: أول الفكرة آخر العمل.
# 2 - الحق ان من كمال الله وجوب مراعاته الحكمة في فعله وشرعه فذلك مقتضى
~~كما له وموجب عدله واحسانه وان قيل ذلك واجب عليه فهو سبحانه الذي أوجبه
~~على نفسه رحمة منه بعباده (كتب ربكم على نفسه الرحمة).
1 - لو قال غير أنه أطلق في الاصطلاح على نوع من الأقيسة معين، وقد اختلفت
~~آراء الأصوليين في تعريفه لكان انسب، فإنه لا يريد في هذا الفصل تعريف كل
~~قياس ولا تعريف القياس من حيث هو وإنما يريد نوعا معينا يسمى بهذا الاسم
~~بدليل بنائه على جامع معين، واختياره آخر المسألة تعريفا له لا يشاركه فيه
~~غيره من الأقيسة وجعله أثناء المسألة قسيما للقياس المناسب والقياس الطردي.
1 - فيه سقط حرف الشرط وفعله، والتقدير فان ظهرت فيه المناسبة بوقوف الخ
~~وجواب الشرط قوله بعد فهو المناسب
1 - تقدم ما فيه تعليقا غير مرة.
1 - سيأتي ذلك في النوع الرابع من أنواع الأدلة المختلف في حجيتها تحت
~~عنوان (المصلحة المرسلة) 2 - يعني والنزول عن رتبة تأثير العين في العين
~~إلى رتبة تأثر الجنس في الجنس لا يوجب... الخ. ms995
1 - مناط الحكم متعلقة كما يكون علة منصوصة أو مستنبطة يكون قاعدة كلية
~~منصوصة، أو مجمعا عليها، فتفسير المناط بالعلة تفسير له ببعض أنواعه.
# 2 - تحقيق المناط قد يكون بتطبيق القاعدة الكلية المنصوصة أو المجمع
~~عليها في آحاد الصور، وقد يكون بالنظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور
~~فتعريف الآمدي له بما ذكر تعريف بالأخص.
# 3 - مناط تحريم الخمر منصوص لا مستنبط لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا
~~انما الخمر والميسر) إلى قوله (فهل أنتم منتهون) وقوله (ص) " كل مسكر خمر
~~وكل مسكر حرام " رواه الجماعة الا البخاري، وفي رواية مسلم (كل مسكر خمر
~~وكل خمر حرام) 4 - وكذا لا خلاف في تحقيق القاعدة الكلية الثابتة بنص أو
~~اجماع.
1 - بطريقة - الصواب بطريقه الهاء، فإنه ليس بلازم ان يكون الغاء كل وصف
~~بطريقة خاصة، بل قد تجتمع أوصاف في الحذف بطريق واحد من الطرق التي سبق
~~ذكرها في السبر والتقسيم.
# 2 - تحريم الخمر منصوص العلة كما تقدم وكذا وجوب القصاص لقوله تعالى (ومن
~~قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) وللأحاديث الكثيرة في ذلك ولكن بطريق
~~الايماء. ms996