######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009276 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن شداد #META# 010.AuthorNAME :: بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم المشهور بابن شدار #META# 011.AuthorBORN :: 539هـ #META# 011.AuthorDIED :: 632 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التراجم الفردية :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية #META# 030.LibURI :: JK_009276 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: جمال الدين الشيال #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: لا يوجد #META# 044.EdPLACE :: لا يوجد #META# 045.EdYEAR :: 1964 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي من علينا بالإسلام وهدانا ~~بالإيمان الجاري على أحسن نظام وأنعم علينا بشفاعة نبينا عليه أفضل الصلاة ~~والسلام وجعل سير الأولين عبرة لأولي الأفهام وتقلبات الأحوال قاضية على كل ~~أمر حادث بالإنصرام كيلا يغتر ذو جمال حسن ولا ييأس من لعبت بأحواله أكف ~~السقام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشفي القلوب من لظى ~~الأوام وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي فتح للهداية أبوابا يلج ~~المستفتحون لها بمفاتيح الانقياد والاستسلام صلى الله عليه وعلى آله صلاة ~~دائمة ببقاء الأيام وبعد فإني لما رأيت أيام مولانا السلطان الملك الناصر ~~جامع كلمة الإيمان وقامع عبدة الصلبان رافع علم العدل والإحسان صلاح الدنيا ~~والدين سلطان الإسلام والمسلمين منقذ بيت المقدس من أيدي المشركين خادم ~~الحرمين الشريفين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي سقى الله ضريحه صوب ~~الرضوان وأذاقه في مقر رحمته حلاوة نتيجة الإيمان قد صدقت من أخبار الأولين ~~ما كذبه الاستعباد ، وشهدت بالصحة لما روى من نوادر الكرام الأجواد ، وحققت ~~وقعات شجعان مالكها ما قدحت فيه الشكوك من أخبار الشجعان ، ورأت العيان من ~~الصبر على المكاره في ذات الله ما قوى بها الإيمان ، وعظمت عجائبها عن أن ~~يحويها خاطر أو يجنبها جنان ، وجلت نوادرها عن أن تحد ببيان لسان ، أو تسطر ~~في طرس ببنان. وكانت - مع ذلك - من قبيل لا يمكن الخبير بها إخفاؤها ، ~~ولا يسع المطلع عليها إلا أن PageV01P003 تروي عنه أخبارها وأنباؤها ، ~~ومسنى من رق نعمتها ، وحق صحبتها وواجب خدمتها ، ماتعين على به إبداء ما ~~تحققته من حسناتها ، ورواية ما علمته من محاسن صفاتها: رأيتث أن أختصر ~~من ذلك على ما أملاه على العيان ، أو الخبر الذي يقارب مظنونه درجة الإيقان ~~، وذلك جزء من كل ، وقل من جل ، ليستدل بالقليل على الكثير ، وبالشعاع على ~~المستطيل بعد المستطير . وأسميت هذا المختصر من تاريخها: ' النوادر ~~السلطانية والمحاسن اليوسفية ' | وجعلته قسمين: أحدهما : في مولده - ~~رحمه الله - ومنشئه ، وخصائصهن وأوصافه ms001 ، وأخلاقه المرضية ، وشمائله ~~الراجحة في نظر الشرع الوفية . والقسم الثاني : في تقلبات الأحوال به ، ~~ووقائعه ، وفتوحه ، وتواريخ ذلك إلى آخر حياته ، قدس الله روحه. والله ~~المستعان في الصيانة عن هفوات اللسان والقلم ، وجريان الخاطر بما فيه مزلة ~~القلم ، وهو حسبي ونعم الوكيل . PageV01P004 ### | القسم الأول في ذكر مولده وخصائصه وأوصافه وشمائله وخلاله رحمة الله عليه PageV01P005 ### || ذكر مولده رحمة الله عليه # كان مولده رحمه الله على ما بلغنا من ألسنة الثقات الذين تتبعوه حتى ~~بنوا عليه تسيير مولده على ما تقتضيه صناعة التنجيم في شهور سنة اثنين ~~وثلاثين وخمسمائة وذلك بقلعة تكريت وكان والده أيوب بن شاذي رحمه الله ~~تعالى واليا بها وكان كريما أريحيا حليما حسن الأخلاق مولده ببدوين ثم اتفق ~~له الانتقال من تكريت إلى الموصل المحروسة وانتقل ولده المذكور معه وأقام ~~بها إلى أن ترعرع وكان والده محترما هو وأخوه أسد الدين شيركوه عند أتابك ~~زنكي واتفق لوالده الانتقال إلى الشام وأعطي بعلبك وأقام بها مدة فنقل ولده ~~المذكور إلى بعلبك المحروسة وأقام بها في خدمة والده يتربى تحت حجره ويرتضع ~~ثدي محاسن أخلاقه حتى بدت منه أمارات السعادة ولاحت عليه لوائح التقدم ~~والسيادة فقدمه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى وعول ~~عليه ونظر إليه وقربه وخصصه ولم يزل كلما تقدم قدما تبدو منه أسباب تقتضي ~~تقديمه إلى ما هو أعلى منه حتى بدا لعمه أسد الدين رحمه الله الحركة إلى ~~مصر المحروسة وذهابه إليها. وسيأتي بيان ذلك مفصلا مبينا في موضعه إن ~~شاء الله تعالى . PageV01P006 | ### || ذكر ما شاهدناه من مواظبته على القواعد الدينية وملاحظته للأمورالشرعية رحمه الله # ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : بني ~~الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم ~~رمضان والحج إلى بيت الله الحرام. وكان رحمة الله عليه حسن العقيدة كثير ~~الذكر لله تعالى قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم ~~وأكابر الفقهاء وفهم ms002 من ذلك ما يحتاج إلى تفهمه بحيث كان إذا جرى الكلام ~~بين يديه يقول فيه قولا حسنا وإن لم يكن بعبارة الفقهاء فتحصل من ذلك سلامة ~~عقيدته عن كدر التشبيه غير مارق سهم النظر إلى التعطيل والتمويه جارية على ~~نمط الاستقامة موافقة لقانون النظر الصحيح مرضية عند أكابر العلماء وكان قد ~~جمع له الشيخ قطب الدين النيسابوري عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه في هذا ~~الباب. وكان شدة حرصه عليها يعلمها الصغار من أولاده حتى ترسخ في ~~أذهانهم في الصغر ورأيته وهو يأخذها عليهم وهم يلقونها من حفظهم بين يديه . ### ||| وأما الصلاة # فإنه كان رحمه الله تعالى شديد المواظبة عليها بالجماعة حتى ~~أنه ذكر يوما أن له سنين ما صلي إلا جماعة. وكان إن مرض يستدعي الإمام ~~وحده ويكلف نفسه القيام ويصلي جماعة. وكان يواظب على السنن الرواتب ~~PageV01P007 وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل وإلا أتى بها قبل ~~صلاة الصبح ولم يكن يترك الصلاة ما دام عقله عليه. ولقد رأيته قدس الله ~~روحه يصلي في مرضه الذي مات فيه قائما وما ترك الصلاة إلا في الأيام ~~الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه. وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلى ### ||| وأما الزكاة # فإنه مات رحمه الله تعالى ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة ~~وأما صدقة النفل فإنها استرقت جميع ما ملكه من الأموال فإنه ملك ما ملك ولم ~~يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية وجرما واحدا ~~ذهبا ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة ولا ~~شيئا من أنواع الأملاك. وأما صوم رمضان فإنه كان عليه منه فوائت بسبب ~~أمراض تواترت عليه في رمضانات متعددة وكان القاضي الفاضل قد تولى ثبت تلك ~~الأيام وشرع رحمه الله في قضاء تلك الفوائت بالقدس الشريف في السنة التي ~~توفي فيها وقد واظب على الصوم مدة حتى بقيت عليه فوائت رمضانين شغلته ~~الأمراض وملازمة الجهاد عن قضائها ومع كون الصوم لا يوافق ms003 مزاجه ألهمه الله ~~تعالى الصوم وأقدره على ما قضاه من تلك الفوائت فكان يصوم وأنا أثبت الأيام ~~التي يصومها لأن القاضي كان غائبا وكان الطبيب يلوم وهو لا يسمع ويقول لا ~~أعلم ما يكون فكأنه كان ملهما ببراءة ذمته ، رحمة الله عليه ، ولم يزل حتى ~~قضى ما كان عليه . PageV01P008 ### ||| وأما الحج # فإنه كان لم يزل عازما عليه ~~وناويا له سيما في العام الذي توفي فيه فإنه صمم العزم عليه وأمر بالتأهب ~~وعملنا الرفادة ولم يبق إلا المسير فاعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وخلو اليد ~~عما يليق بأمثاله فأخر إلى العام المستقبل فقضى الله ما قضى وهذا شيء اشترك ~~في العلم به الخاص والعام. وكان رحمه الله تعالى يحب سماع القرآن العظيم ~~ويستجيد إمامه ويشترط أن يكون عالما بعلم القرآن العظيم متقنا لحفظه. ~~وكان يستقرئ من يحرسه في الليل وهو في برجه الجزءين والثلاثة والأربعة وهو ~~يسمع. وكان يستقرئ وهو في مجلسه العام من جرت عادته بذلك الآية والعشرين ~~والزائد على ذلك ولقد اجتاز على صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن فاستحسن ~~قراءته فقربه وجعل له حظا من خاص طعامه ووقف عليه وعلى أبيه جزأ من مزرعة . # وكان رحمه الله تعالى خاشع القلب رقيقه غزير الدمعة إذا سمع القرآن يخشع ~~قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته. وكان رحمه الله شديد الرغبة في سماع ~~الحديث ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده ~~استحضره وسمع عليه فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه ~~المختصين به وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالا له. وإن ~~كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم ~~سعى إليه وسمع عليه. تردد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية حرسها الله ~~تعالى وروى عنه أحاديث كثيرة . PageV01P009 | وكان رحمه الله تعالى يحب أن ~~يقرأ الحديث بنفسه وكان يستحضرني في خلوته ويحضر شيئا من كتب الحديث ~~ويقرؤها هو فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ودمعت ms004 عينه. وكان رحمة الله ~~عليه كثير التعظيم لشعائر الدين يقول ببعث الأجسام ونشورها ومجازاة المحسن ~~بالجنة والمسيء بالنار مصدقا بجميع ما وردت به الشرائع منشرحا بذلك صدره ~~مبغضا للفلاسفة والمعطلة ومن يعاند الشريعة ولقد أمر ولده صاحب حلب الملك ~~الظاهر أعز الله أنصاره بقتل شاب نشأ يقال له السهروردي قيل عنه أنه كان ~~معاندا للشرائع مبطلا وكان قبض عليه ولده المذكور لما بلغه من خبره وعرف ~~السلطان به فأمره بقتله فطلبه أياما فقتله. كان قدس الله روحه حسن الظن ~~بالله كثير الاعتماد عليه عظيم الإنابة إليه. ولقد شاهدت من آثار ذلك ما ~~أحكيه. وذلك أن الفرنج خذلهم الله كانوا نازلين ببيت نوبة وهو موضع قريب ~~من القدس الشريف حرسها الله تعالى بينهما بعض مرحلة وكان السلطان بالقدس ~~وقد أقام يزكا على العدو محيطا به وقد سير إليهم الجواسيس والمخبرين ~~فتواصلت الأخبار بقوة عزمهم على الصعود إلى القدس ومحاصرته PageV01P010 ~~وتركيب القنابل عليه واشتدت مخافة المسلمين بسبب ذلك فاستحضر الأمراء ~~وعرفهم ما قد دهم المسلمين من الشدة وشاورهم في الإقامة بالقدس فأتوا ~~بمجاملة باطنها غير ظاهرها وأصر الجميع على أن لا مصلحة في إقامته بنفسه ~~فإنها مخاطرة بالإسلام وذكروا أنهم يقصدونهم ويخرج هو رحمه الله بطائفة من ~~العسكر يكون حول العدو كما كان الحال بعكا ويكون هو ومن معه بصدر منع ~~ميرتهم أو التضييق عليهم ويكونون هم بصدد حفظ البلد والدفع عنه وانفصل مجلس ~~المشورة على ذلك وهو مصر على أن يقيم بنفسه علما منه أنه إن لم يقم لم يقم ~~أحد فلما انصرف الأمراء إلى بيوتهم جاء من عندهم خبر أنهم لا يقيمون إلا أن ~~يقيم أخوه الملك العادل أو أحد أولاده حتى يكون هو الحاكم عليهم والذي ~~يأتمرون بأمره فعلم أن هذه إشارة منهم إلى عدم الإقامة وضاق صدره وتقسم ~~فكره واشتدت فكرته ولقد جلست في خدمته في تلك الليلة وكانت ليلة الجمعة من ~~أول الليل إلى أن قارب الصبح وكان الزمان شتاء وليس معنا ثالث إلا الله ~~تعالى ونحن ms005 نقسم أقساما ونرتب على كل قسم بمقتضاه حتى أخذني الإشفاق عليه ~~والخوف على مزاحه فإنه كان يغلب عليه اليبس فشفعت إليه حتى يأخذ مضجعه لعله ~~ينام ساعة فقال رحمه الله لعلك جاءك النوم ثم نهض فما وصلت إلى بيتي وأخذت ~~لبعض شأني إلا وأذن المؤذن وطلع الصبح وكنت أصلي معه الصبح في معظم الأوقات ~~فدخلت عليه وهو يمر الماء على أطرافه فقال ما أخذني النوم أصلا فقلت قد ~~علمت فقال من أين فقلت لأني ما نمت وما بقي وقت للنوم PageV01P011 ثم ~~اشتغلنا بالصلاة وجلسنا على ما كنا عليه فقلت له قد وقع لي واقع وأظنه ~~مفيدا إن شاء الله تعالى فقال وما هو فقلت له الإخلاد إلى الله تعالى ~~والإنابة إليه. والاعتماد في كشف الغمة عليه. فقال : وكيف نصنع فقلت ~~اليوم الجمعة يغتسل المولى عند الرواح ويصلي على العادة بالأقصى موضع مسرى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويقدم المولى التصدق بشيء خفية على يد من يثق به ~~ويصلي المولى ركعتين بين الآذان والإقامة ويدعو الله في سجوده فقد ورد فيه ~~حديث صحيح وتقول في باطنك : إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ~~ولم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك أنت حسبي ~~ونعم الوكيل. فإن الله أكرم من أن يخيب قصدك ففعل ذلك كله وصليت إلى ~~جانبه على العادة وصلى الركعتين بين الآذان والإقامة ورأيته ساجدا ودموعه ~~تتقاطر على شيبته ثم على سجادته ولا أسمع ما يقول فلم ينقض ذلك اليوم حتى ~~وصلت رقعة من عز الدين جرديك وكان على اليزك يخبر فيها أن الفرنج مختبطون ~~وقد ركب اليوم عسكرهم بأسره إلى الصحراء ووقفوا إلى قائم الظهيرة ثم عادوا ~~إلى خيامهم وفي بكرة السبت جاءت رقعة ثانية تخبر عنهم بمثل ذلك. ووصل في ~~أثناء النهار جاسوس أخبر أنهم اختلفوا فذهبت الفرنسيسية إلى أنهم لا بد لهم ~~من محاصرة القدس وذهب الأنكتار وأتباعه إلى أنه لا يخاطر بدين النصرانية ~~ويرميهم في الجبل مع عدم المياه فإن السلطان كان ms006 قد أفسد جميع ما حول القدس ~~من المياه أنهم خرجوا للمشورة ومن عادتهم أنهم يتشاورون للحرب على ظهور ~~الخيل وأنهم قد نصوا على عشرة أنفس منهم وحكموهم فأي شيء أشاروا به لا ~~يخالفونهم PageV01P012 ولما كانت بكرة الاثنين جاء المبشر يخبر أنهم رحلوا ~~عائدين إلى جهة الرملة فهذا ما شهدته من آثار استنباطه وإخلاده إلى الله ~~تعالى رحمه الله. ### || ذكر عدله رحمه الله تعالى # روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~الوالي العادل ظل الله في أرضه فمن نصحه في نفسه أو في عباده أظله الله تحت ~~عرشه يوم لا ظل إلا ظله ومن خانه في نفسه أو في عباده خذله الله يوم ~~القيامة يرفع للوالي العادل في كل يوم عمل ستين صديقا كلهم عابد مجتهد ~~لنفسه. ولقد كان رحمه الله عادلا رؤوفا رحيما ناصرا للضعيف على القوي . # وكان يجلس للعدل كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة ~~والعلماء ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز ~~هرمة وشيخ كبير وكان يفعل ذلك سفرا وحضرا. على أنه كان في جميع زمانه ~~قابلا لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم ويفتح باب العدل ولم يرد ~~قاصدا للحوادث والحكومات. وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل أو في ~~النهار ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه ولم يرد قاصدا أبدا أو ~~منتحلا ولا طالب حاجة وهو مع ذلك دائم الذكر والمواظبة على التلاوة رحمة ~~الله عليه. ولقد كان رؤوفا بالرعية ناصرا للدين مواظبا على تلاوة القرآن ~~العزيز عالما بما فيه عاملا به لا يعدوه أبدا رحمة الله عليه . PageV01P013 # وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته وكشف ظلامته واعتنى بقصته. ~~ولقد رأيته واستغاث إليه إنسان من أهل دمشق يقال له ابن زهير على تقي الدين ~~ابن أخيه فأنفذ إليه ليحضر إلى مجلس الحكم وكان تقي الدين من أعز الناس ~~عليه وأعظمهم عنده ولكنه لم ms007 يحابه في الحق. وأعظم من هذه الحكاية مما ~~يدل على عدله قضية جرت له مع إنسان تاجر يدعى عمر الخلاطي وذلك أني كنت ~~يوما في مجلس الحكم بالقدس الشريف إذ دخل على شيخ حسن تاجر معروف يسمى عمر ~~الخلاطي معه كتاب حكمي يسأل فتحه فسألته من خصمك فقال خصمي السلطان وهذا ~~بساط العدل وقد سمعنا أنك لا تحابي أحد قلت وفي أي قضية هو خصمك فقال إن ~~سنقر الخلاطي كان مملوكي ولم يزل على ملكي إلى أن مات PageV01P014 وكان في ~~يده أموال عظيمة كلها لي ومات عنها واستولى عليها السلطان وأنا مطالبه بها ~~فقلت له يا شيخ وما أقعدك إلى هذه الغاية فقال الحقوق لا تبطل بالتأخر وهذا ~~الكتاب الحكمي ينطق بأنه لم يزل في ملكي إلى أن مات فأخذت الكتاب منه ~~وتصفحت مضمونه فوجدته يتضمن حلية سنقر الخلاطي وأنه قد اشتراه من فلان ~~التاجر بأرجيش اليوم الفلاني من شهر كذا من سنة كذا وأنه لم يزل في ملكه ~~إلى أن شذ عن يده في سنة كذا وما عرف شهود هذا الكتاب خروجه عن ملكه بوجه ~~ما وتم الشرط إلى آخره فتعجبت من هذه القضية وقلت للرجل لا ينبغي سماع هذا ~~بلا وجود الخصم وأنا أعرفه وأعرفك ما عنده فرضي الرجل بذلك واندفع فلما ~~اتفق المثول بين يديه في بقية ذلك اليوم عرفته القضية فاستبعد ذلك استبعادا ~~عظيما وقال كنت نظرت في الكتاب فقلت نظرت فيه ورأيته متصل الورود والقبول ~~إلى دمشق وقد كتب عليه كتاب حكمي من دمشق وشهد به على يد قاضي دمشق شهود ~~معروفون فقال مبارك نحن نحضر الرجل ونحاكمه ونعمل في القضية ما يقضيه الشرع ~~. | ثم اتفق بعد ذلك جلوسه معي خلوة فقلت له هذا الخصم يتردد ولا بد أن ~~نسمع دعواه فقال أقم عني وكيلا يسمع الدعوى ثم يقيم الشهود شهادتهم وأخر ~~فتح الكتاب إلى حين حضور الرجل ها هنا ففعلت ذلك ثم أحضر الرجل واستدناه ~~حتى جلس بين يديه وكنت إلى جانبه ثم نزل ms008 من طراحته حتى ساواه وقال ~~PageV01P015 إن كان لك دعوى فاذكرها فحرر الرجل الدعوى على معنى ما شرح ~~أولا فأجابه السلطان أن سنقر هذا كان مملوكي ولم يزل على ملكي حتى أعتقته ~~وتوفي وخلف ما خلفه لورثته فقال الرجل لي بينة تشهد بما ادعيته ثم سأل فتح ~~كتابه ففتحه فوجدته كما شرحه فلما سمع السلطان التاريخ قال عندي من يشهد أن ~~سنقر هذا في هذا التاريخ كان في ملكي وفي يدي بمصر وأني اشتريته مع ثمانية ~~أنفس في تاريخ متقدم على هذا التاريخ بسنة وأنه لم يزل في يدي وملكي إلى أن ~~أعتقته ثم استحضر جماعة من أعيان الأمراء والمجاهدين فشهدوا بذلك وذكروا ~~القصة كما ذكرها والتاريخ كما ادعاه فأبأس الرجل فقلت له يا مولاي هذا ~~الرجل ما فعل ذلك إلا طلبا لمراحم السلطان وقد حضر بين يدي المولى ولا يحسن ~~أن يرجع خائبا للقصد فقال هذا باب آخر وتقدم له بخلعة ونفقة بالغة قد شذ ~~عني مقدارها. فانظر إلى ما في طي هذه القضية من المعاني الغريبة العجيبة ~~والتواضع والانقياد إلى الحق وإرغام النفس والكرم في موضع المؤاخذة مع ~~القدرة التامة رحمه الله تعالى رحمة واسعة . PageV01P016 | ### || ذكر طرف من كرمه رحمه الله # قال صلى الله عليه وسلم إذا عثر الكريم فإن الله آخذ بيده وفي الكرم ~~أحاديث وكرمه قدس الله روحه كان أظهر من أن يسطر وأشهر من أن يذكر لكن نبهت ~~عليه جملة وذلك أنه ملك ما ملك ومات ولم يوجد في خزانته من الفضة إلا سبعة ~~وأربعون درهما ناصرية ومن الذهب إلا جرم واحد صوري ما علمت وزنه وكان رحمه ~~الله يهب الأقاليم وفتح آمد وطلبها منه ابن قره أرسلان فأعطاه إياه. ~~ورأيته قد اجتمع عنده جمع من الوفود بالقدس الشريف وكان قد عزم على التوجه ~~إلى دمشق ولم يكن في الخزانة ما يعطى للوفود فلم أزل أخاطبه في معناهم حتى ~~باع أشياء من بيت المال وفضضنا ثمنها عليهم ولم يفضل منه درهم واحد. ~~وكان رحمه الله يعطي ms009 في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة. وكان نواب ~~خزائنه يخفون عنه شيئا من المال حذرا أن يفاجئهم معهم لعلمهم بأنه متى علم ~~به أخرجه PageV01P017 وسمعته يقول في معرض حديث جرى : يمكن أن يكون في ~~الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب فكأنه بذلك أراد نفسه رحمه ~~الله تعالى. وكان يعطي فوق ما يؤمل الطالب فما سمعته قط يقول أعطينا ~~لفلان. وكان يعطي الكثير ويبسط وجهه للعطاء بسطه لمن لم يعطه شيئا. ~~وكان رحمه الله يعطي ويكرم أكثر مما يعطى وكان قد عرفه الناس فكانوا ~~يستزيدونه في كل وقت وما سمعته قط يقول وأكثر الرسائل كانت تكون في ذلك على ~~لساني ويدي وكنت أخجل منه من كثرة ما يطلبون ولا أخجل منه من كثرة ما أطلبه ~~لهم لعلمي بعدم مؤاخذته في ذلك وما خدمه أحد إلا وأغناه عن سؤال غيره. ~~وأما تعداد عطاياه وتعداد صنوفها فلا تطمع فيها حقيقة أصلا وقد سمعت من ~~صاحب ديوانه يقول لي قد تجاربنا عطاياه فحصرنا عدد ما وهب من الخيل بمرج ~~عكا فكان عشرة آلاف فرس. ومن شاهد مواهبه يستقل هذا القدر. اللهم إنك ~~ألهمته الكرم وأنت أكرم منه فتكرم عليه برحمتك ورضوانك يا أرحم الراحمين . ~~PageV01P018 | ### || ذكر شجاعته قدس الله روحه # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله يحب الشجاعة ولو على ~~قتل حية. ولقد كان رحمه الله تعالى من عظماء الشجعان قوي النفس شديد ~~البأس عظيم الثبات لا يهوله أمر ولقد رأيته يعطي دستورا في أوائل الشتاء ~~ويبقى في شرذمة يسيرة في مقابلة عددهم الكثير وقد سألت باليان بن بارزان ~~وهو من كبار ملوك الساحل وهو جالس بين يديه رحمه الله يوم انعقاد الصلح عن ~~عدتهم فقال الترجمال عنه أنه يقول كنت أنا وصاحب صيدا وكان أيضا من ملوكهم ~~وعقلائهم قاصدين عسكرنا من صور فلما أشرفنا عليه تحازرناه فحزرهم هو خمس ~~مائة ألف وحزرتهم أنا بستمائة ألف أو قال عكس ذلك قلت فكم هلك منهم فقال ms010 ~~أما بالقتل فقريب من مائة ألف وأما بالموت والغرق فلا نعلم وما رجع من هذا ~~العالم إلا الأقل. وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو في كل يوم مرة أو ~~مرتين إذا كنا قريبا منهم. ولقد وصل في ليلة واحدة منهم نيف وسبعون ~~مركبا على عكا وأنا أعدها من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وهو لا يزداد ~~إلا قوة نفس. وكان رحمه الله تعالى إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ومعه ~~صبي واحد على يده جنيب ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة ويرتب الأطلاب ~~ويأمرهم بالتقدم والوقوف في مواضع يراها. وكان يشارف العدو ويجاوره رحمه ~~الله . PageV01P019 ولقد قرئ عليه جزآن من الحديث بين الصفين وذلك أني ~~قلت له قد سمع الحديث في جميع المواطن الشريفة ولم ينقل أنه سمع بين الصفين ~~فإن رأى المولى أن يؤثر عنه ذلك كان حسنا فأذن في ذلك فأحضر جزءه كما أحضر ~~من له به سماع فقرأ عليه ونحن على ظهور الدواب بين الصفين نمشي تارة ونقف ~~أخرى. وما رأيته استكثر العدو أصلا ولا استعظم أمرهم قط وكان مع ذلك في ~~حال التفكر والتدبير تذكر بين يديه الأقسام كلها ويرتب على كل قسم بمقتضاه ~~من غبر حدة ولا غضب يعتريه. ولقد انهزم المسلمون في يوم المصاف الأكبر ~~بمرج عكا حتى القلب ورجاله ووقع الكؤس والعلم وهو رضي الله عنه ثابت القدم ~~في نفر يسير حتى انحاز إلى الجبل بجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى يرجعوا ولم ~~يزل كذلك حتى نصر عسكر المسلمين على العدو في ذلك اليوم وقتل منهم زهاء ~~سبعة آلاف ما بين راجل وفارس ولم يزل رحمه الله مصابرا لهم وهم في العدة ~~الوافرة إلى أن ظهر له ضعف المسلمين فصالح وهو مسؤول من جانبهم فإن الضعف ~~والهلاك كان فيهم أكثر ولكنهم كانوا يتوقعون النجدة ونحن لا نتوقعها وكانت ~~المصلحة في الصلح وظهر ذلك لما أبدت الأقضية الإلهية والأقدار ما في ~~مكنونها. وكان رحمه الله يمرض ويصح وتعتريه أحوال مهولة وهو ms011 مصابر مرابط ~~وتتراءى الناران ونسمع منهم صوت الناقوس ويسمعون منا صوت الأذان إلى أن ~~انقضت الوقعة على أحسن حال وأيسره قدس الله روحه ونور ضريحه . PageV01P020 ### || ذكر اهتمامه بأمر الجهاد # قال الله تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين } ونصوص الجهاد كثيرة. ولقد كان رحمه الله شديد المواظبة عليه ~~عظيم الاهتمام به ولو حلف حالف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد دينارا ~~ولا درهما إلا في الجهاد أو في الأرفاد لصدق وبر في يمينه. ولقد كان حبه ~~للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاء عظيما بحيث ما ~~كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا في آلته ولا كان له اهتمام إلا برجاله ولا ~~ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه. ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله ~~أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر بلاده وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة ~~تهب بها الرياح ميمنة وميسرة. ولقد وقعت عليه الخيمة في ليلة ريحية على ~~مرج عكا فلو لم يكن في البرج لقتلته ولا يزيده ذلك إلا رغبة ومصابرة ~~واهتماما. وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد وأنا ممن ~~جمع له فيه كتابا جمعت فيه آدابه وكل آية وردت فيه وكل حديث روي في فضله ~~وشرحت غريبها. وكان رحمه الله كثيرا ما يطالعه حتى أخذه منه ولده الملك ~~الأفضل عز نصره PageV01P021 ولأحكين عنه ما سمعته منه وذلك أنه كان قد أخذ ~~كوكب في ذي القعدة سنة أربع وثمانين وخمسمائة وأعطى العسكر دستورا وأخذ ~~عسكر مصر في العود إلى مصر وكان مقدمها أخاه الملك العادل عز نصره فسار معه ~~ليودعه ويحظى بصلاة العيد في القدس الشريف حرسه الله تعالى وسرنا في خدمته ~~. | ولما صلى العيد في القدس وقع له أن يمضي إلى عسقلان ويودعهم بعسقلان ثم ~~يعود على طريق الساحل يتفقد البلاد الساحلية إلى عكا ويرتب أحوالها فأشاروا ~~عليه أن يفعل فإن العساكر إذا فارقتنا نبقى في عدة يسيرة والفرنج كلهم بصور ms012 ~~وهذه مخاطرة عظيمة فلم يلتفت رحمه الله وودع أخاه والعسكر بعسقلان ثم سرنا ~~في خدمته إلى الساحل طالبي عكا. وكان الزمان شتاء والبحر هائجا شديدا ~~وموجه كالجبال كما قال تعالى وكنت حديث عهد برؤية البحر فعظم أمر البحر ~~عندي حتى خيل لي أني لو قال لي إن جزت في البحر ميلا واحدا ملكتك الدنيا ~~لما كنت أفعل واستسخفت رأي من ركب البحر رجاء دينار أو درهم واستحسنت رأي ~~من لا يقبل شهادة راكب بحر هذا كله خطر لي لعظم الهول الذي شاهدته من حركة ~~البحر فبينا أنا في ذلك إذ التفت إلي رحمه الله. وقال أما أحكي لك شيئا ~~في نفسي أنه متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت ~~وركبت هذا البحر إلى جزائره واتبعتهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من ~~يكفر بالله أو أموت فعظم وقع هذا الكلام عندي حيث ناقض ما كان خطر لي وقلت ~~له : PageV01P022 ليس في الأرض أشجع نفسا من المولى ولا أقوى منه نية في ~~نصرة دين الله تعالى فقال فكيف فقلت أما الشجاعة فلأن مولانا ما يهوله أمر ~~هذا البحر وهوله. وأما نصرة دين الله فهو أن المولى ما يقنع بقلع أعداء ~~الله من موضع مخصوص في الأرض حتى تطهر جميع الأرض منهم واستأذنت أن أحكي له ~~ما كان خطر لي فحكيت له ثم قلت ما هذه إلا نية جميلة ولكن المولى يسير في ~~البحر العساكر وهو سور الإسلام ومنعته فلا ينبغي له أن يخاطر بنفسه فقال ~~أنا أستفتيك ما أشرف الميتتين فقلت الموت في سبيل الله فقال غاية ما في ~~الباب أن أموت أشرف الميتتين فانظر إلى هذه الطوية ما أطهرها وإلى هذه ~~النفس ما أشجعها وأجرأها رحمة الله عليه. اللهم إنك تعلم أنه بذل جهده ~~في نصرة دينك وجاهد رجاء رحمتك فارحمه . PageV01P023 | ### || ذكر طرف من صبره واحتسابه رحمة الله عليه # قال الله سبحانه وتعالى : ( ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ~~). ولقد رأيته رحمه ms013 الله بمرج عكا وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة ~~دماميل كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبتيه بحيث لا يستطيع الجلوس وإنما ~~يكون منكبا على جانبه إن كان بالخيمة وامتنع من مد الطعام بين يديه لعجزه ~~عن الجلوس وكان يأمر أن يفرق على الناس وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب ~~قريبا من العدو وقد رتب الناس ميمنة وميسرة وقلبا تعبية القتال وكان مع ذلك ~~كله يركب من بكرة النهار إلى صلاة المغرب يطوف على الأطلاب صابرا على شدة ~~الألم وقوة ضربان الدمامل وأنا أتعجب من ذلك فيقول إذا ركبت يزول عني ألمها ~~حتى أنزل وهذه عناية ربانية. ولقد مرض رحمه الله ونحن على الخرنوبة وكان ~~قد تأخر عن تل الحجل بسبب مرضه فبلغ الإفرنج فخرجوا طمعا في أن ينالوا شيئا ~~من المسلمين وهي نوبة النهر فخرجوا في مرحلة الآبار التي تحت التل فأمر ~~رحمه الله بالثقل حتى يتجهز بالرحيل والتأخر عن جهة الناصرة. وكان عماد ~~الدين صاحب سنجار PageV01P024 متمرضا أيضا فأذن له أن يتأخر مع الثقل وأقام ~~هو ثم رحل العدو في اليوم الثاني بطلبنا فركب على مضض ورتب العسكر للقاء ~~القوم تعبية الحرب وجعل طرف الميمنة الملك العادل وطرف الميسرة تقي الدين ~~وجعل ولده الملك الظاهر والملك الأفضل عز نصرهما في القلب ونزل هو وراء ~~القوم يطلبهم وأول ما نزل من التل أحضر بين يديه أفرنجي قد أسر من القوم ~~فأمر بضرب عنقه بين يديه بعد عرض الإسلام عليه وإبائه عنه وكلما سار العدو ~~يطلب رأس النهر سار هو مستديرا إلى ورائهم حتى يقطع بينهم وبين خيامهم وهو ~~يسير ساعة ثم ينزل يستريح ويتظلل بمنديل على رأسه من شدة وقع الشمس ولا ~~ينصب له خيمة حتى لا يرى العدو ضعفا ولم يزل كذلك حتى نزل العدو برأس النهر ~~ونزل هو قبالتهم على تل مطل عليهم إلى أن دخل الليل ثم أمر العساكر ~~المنصورة إن عادت إلى محل المصابرة وأن يبيتوا تحت السلاح وتأخر هو ونحن في ms014 ~~خدمته إلى قمة الجبل فضربت له خيمة لطيفة وبتنا تلك الليلة أجمع أنا ~~والطبيب نمرضه ونشاغله وهو ينام تارة ويستيقظ أخرى حتى لاح الصباح ثم ضرب ~~البوق وركب هو وركبت العساكر وأحدقت بالعدو ورحل العدو عائدا إلى خيامهم من ~~الجانب الغربي من النهر وضايقهم المسلمون في ذلك اليوم مضايقة شنيعة وفي ~~ذلك اليوم قدم أولاده بين يديه احتسابا وجميع من حضر منهم ولم يزل يبعث من ~~عنده حتى لم يبق عنده إلا أنا والطبيب وعارض الجيش والغلمان بأيديهم ~~الأعلام والبيارق لا غير فيظن الرائي لها عن بعد أن تحتها خلقا عظيما ولم ~~يزل العدو سائرا والقتل يعمل فيهم وكلما قتل منهم شخص دفنوه وكلما جرح منهم ~~رجل حملوه حتى لا يبقى بعدهم من يعلم قتله وجرحه وهم سائرون ونحن نشاهدهم ~~حتى اشتد بهم الأمر ونزلوا عند الجسر وكان الإفرنج متى نزلوا إلى الأرض آيس ~~المسلمون من بلوغ غرض منهم لأنهم يجتمعون في حالة النزول جماعة عظيمة وبقي ~~رحمه الله في موضعه العساكر على ظهور الخيل قبالة العدو إلى آخر النهار ثم ~~أمرهم أن يبيتوا PageV01P025 على مثل ما باتوا عليه بارحتهم وعدنا إلى ~~منزلنا في الليلة الماضية وعاد العسكر في الصباح إلى ما كان عليه بالأمس من ~~مضايقة العدو ورحل العدو وسار على ما مضى من القتل والقتال حتى دنا إلى ~~خيامه وخرج إليه منها من أنجده حتى وصلوا إلى خيامهم. فانظر إلى هذا ~~الصبر والاحتساب وإلى أي غاية بلغ هذا الرجل. اللهم إنك ألهمته الصبر ~~والاحتساب ووفقته فلا تحرمه ثوابه يا أرحم الراحمين. ولقد رأيته رحمه ~~الله تعالى وقد جاءه خبر وفاة ولد له بالغ يسمى إسماعيل فوقف على الكتاب ~~ولم يعرف أحدا ولم نعرف حتى سمعناه من غيره ولم يظهر عليه شيء من ذلك سوى ~~أنه لما قرأ الكتاب دمعت عينه. ولقد رأيته ليلة على صفد وهو يحاصرها وقد ~~قال لا ننام الليلة حتى تنصب لنا خمس مناجيق ورتب لكل منجنيق قوما يتولون ~~نصبه وكنا طول الليل في خدمته ms015 قدس الله روحه في ألذ مفاكهة وأرغد عيش ~~والرسل تتواصل تخبره بأن قد نصب من المنجنيق الفلاني كذا ومن المنجنيق ~~الفلاني كذا حتى أتى PageV01P026 الصباح وقد فرغ منها ولم يبق إلا تركيب ~~خنازيرها عليها وكانت من أطول الليالي وأشدها بردا ومطرا. ورأيته وقد ~~وصل إليه خبر وفاة تقي الدين ابن أخيه ونحن في مقابلة الإفرنج جريدة على ~~الرملة وبيننا وبينهم شوط فرس لا غير فأحضر الملك العادل وعلم الدين سليمان ~~وسابق الدين وعز الدين وأمر بالناس فطردوا من قريب الخيمة بحيث لم يبق ~~حولها أحد زيادة عن غلوة سهم ثم أظهر الكتاب ووقف عليه وبكى بكاء شديدا حتى ~~أبكانا من غير أن نعلم السبب ثم قال رحمه الله والعبرة تحنقه توفي تقي ~~الدين فاشتد بكاؤه وبكاء الجماعة ثم عدت إلى نفسي فقلت استغفروا الله تعالى ~~من هذه الحالة وانظروا أين وفيم أنتم وأعرضوا عما سواه فقال رحمه الله نعم ~~أستغفر الله وأخذ يكررها ثم قال لا يعلم أحد واستدعى بشيء من الماورد فغسل ~~عينيه ثم أشخص الطعام وحضر الناس ولم يعلم بذلك أحد حتى عاد العدو إلى يافا ~~وعدنا نحن إلى النطرون وهو مقر ثقلنا. وكان رحمه الله شديد الشغف ~~والشفقة بأولاده الصغار وهو صابر على مفارقتهم راض ببعدهم وكان صابرا على ~~مر العيش وخشونته مع القدرة التامة على غير ذلك احتسابا لله تعالى. ~~اللهم إن ترك ذلك ابتغاء مرضاتك فارض عنه وارحمه . PageV01P027 | ### || ذكر نبذ من حلمه وعفوه رحمه الله # قال الله سبحانه وتعالى : ( والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) ~~لقد كان متجاوزا قليل الغضب ولقد كنت في خدمته بمرج عيون قبل خروج الإفرنج ~~إلى عكا يسر الله فتحها وكان من عادته أن يركب في وقت الركوب ثم ينزل فيمد ~~الطعام ويأكل مع الناس ثم ينهض إلى خيمة خاصة له ينام فيها ثم يستيقظ من ~~منامه ويصلي ويجلس خلوة وأنا في خدمته نقرأ شيئا من الحديث أو شيئا من ~~الفقه ولقد قرأ علي كتابا مختصرا تصنيف الرازي يشتمل على الأرباع ms016 الأربعة ~~من الفقه ونزل يوما على عادته ومد الطعام بين يديه ثم عزم على النهوض فقيل ~~له أن وقت الصلاة قد قرب فعاد إلى الجلوس وقال نصلي وننام ثم جلس يتحدث ~~حديث متضجر وقد أخلا المكان إلا ممن لزم فتقدم إليه مملوك كبير محترم عنده ~~وعرض عليه قصة لبعض المجاهدين فقال هل أنا الآن ضجران أخرها ساعة فلم يفعل ~~وقدم القصة إلى قريب من وجهه الكريم بيده وفتحها بحيث يقرأها فوقف على ~~الاسم المكتوب في رأسها فعرفه فقال رجل مستحق فقال يوقع المولى له فقال ~~ليست الدواة حاضرة الآن وكان رحمه الله جالسا في باب الخركاه بحيث لا ~~يستطيع أحد الدخول إليها والدواة في صدرها والخركاه كبيرة فقال له المخاطب ~~هذه الدواة في صدر الخركاه وليس لهذا معنى إلا أمره إياه بإحضار الدواة لا ~~غير فالتفت رحمه الله فرأى الدواة فقال والله لقد صدق PageV01P028 ثم امتد ~~على يده اليسرى ومد يده اليمنى فأحضرها ووقع له فقلت قال الله تعالى في حق ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وإنك لعلى خلق عظيم. وما أرى المولى إلا قد ~~شاركه في هذا الخلق فقال ما ضرنا شيئا قضينا حاجته وحصل الثواب ولو وقعت ~~هذه المواقعة لآحاد الناس وأفرادهم لقام وقعد ومن الذي يقدر أن يخاطب أحدا ~~هو تحت حكمه بمثل ذلك وهذا غاية الإحسان والحلم والله لا يضيع أجر المحسنين ~~. | ولقد كانت طراحته تداس عند التزاحم عليه لعرض القصص وهو لا يتأثر لذلك ~~ولقد نفرت يوما بلغتي من الجمال وأنا راكب في خدمته فزحمت وركه حتى آلمته ~~وهو يتبسم رحمه الله. ولقد دخلت بين يديه في يوم ريح مطير إلى القدس ~~الشريف وهو كثير الوحل فنضحت البغلة عليه من الطين حتى أتلفت جميع ما كان ~~عليه وهو يتبسم وأردت التأخر عنه بسبب ذلك فما تركني. ولقد كان يسمع من ~~المستغيثين والمتظلمين أغلظ ما يمكن أن يسمع ويلقى ذلك بالنشر والقبول. ~~وهذه حكاية يندر أن يسطر وذلك أنه كان قد اتجه أخو ملك الإفرنج خذلهم ms017 الله ~~إلى يافا فإن العسكر كان قد رحل عنهم وبعد وتراجع إلى النطرون وهو مكان ~~بينه وبين يافا للعسكر مرحلتان للمجد وثلاث معتادة وجمع رحمه الله العسكر ~~ومضى إلى قيسارية يلتقي نجدتهم عساه يبلغ منهم غرضا وعلم الإفرنج الذين ~~كانوا بيافا ذلك وكان بها الأنكتار ومعه جماعة فجهز معظم من كان عنده في ~~المراكب إلى قيسارية خشية على النجدة أن يتم عليها أمر وبقى الأنكتار في ~~نفر يسير لعلمهم ببعده رحمه الله عنهم وبعد العسكر ولما وصل رحمه الله إلى ~~قيسارية ورأى النجدة قد وصلت إلى البلد واحتمت به وعلم أنه لا ينال منهم ~~غرضه سرى من ليلته في أول الليل إلى آخره حتى أتى يافا صباحا والأنكتار في ~~سبعة عشر فارسا وثلاثمائة راجل نازلا خارج البلد في خيمة له فصبحه العسكر ~~صباحا فركب الملعون وكان شجاعا باسلا صاحب رأي في الحرب وثبت بين يدي ~~العسكر ولم يدخل البلد فاستدار العسكر الإسلامي بهم إلا من PageV01P029 جهة ~~البحر وتعبى العسكر تعبية القتال وأمر السلطان العسكر بالحملة انتهازا ~~للفرصة فأجابه بعض الأكراد بكلام فيه خشونة تعتب لعدم التوفير في إقطاعه ~~فعطف رحمه الله عنان فرسه كالمغضب لعلمه أنهم لا يعملون في ذلك اليوم شيئا ~~وتركهم وانصرف راجعا وأمر بخيمته التي كانت منصوبة أن قلعت وانفضوا متيقنين ~~أن السلطان في ذلك اليوم ربما صلب جماعة ولقد حكى لي ولده الملك الظاهر أعز ~~الله أنصاره أنه خاف منه في ذلك اليوم حتى أنه لم يتجاسر أن يقع في عينيه ~~مع أنه حمل في ذلك اليوم وأوغل ولم يزل سائرا حتى نزل بسازور وما من ~~الأمراء إلا من يرعد خفية ومن يعتقد أنه مأخوذ مسخوط عليه قال ولم تحدثني ~~نفسي بالدخول عليه خفية منه حتى استدعاني قال فدخلت عليه وقد وصله من دمشق ~~المحروسة فاكهة كثيرة فقال اطلبوا الأمراء حتى يأكلوا شيئا قال فسرى عني ما ~~كنت أجده وطلبت الأمراء فحضروا وهم خائفون فوجدوا من بشره وانبساطه ما أحدث ~~لهم الطمأنينة والأمن والسرور وانصرفوا على ms018 عزم الرحيل كأن لم يجر شيء أصلا ~~فانظر إلى هذا الحلم الذي لا يتأتى في مثل هذا الزمان ولا يحكى عمن تقدم من ~~أمثاله رحمة الله عليه . PageV01P030 | ### || ذكر محافظته على أسباب المروءة قدس الله روحه # قال النبي صلى الله عليه وسلم : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل لا يترك يده حتى يكون الرجل هو التارك الذي ~~يبدأ بذلك. ولقد كان السلطان كثير المروءة ندي اليد كثير الحياء مبسوط ~~الوجه لمن يرد عليه من الضيوف حتى يطعم لا يرى أن يفارقه الضيف حتى يطعم ~~عنده ولا يخاطبه بشيء إلا وينجزه وكان يكرم الوافد عليه وإن كان كافرا. ~~ولقد وفد عليه البرنس صاحب إنطاكية فما أحس به إلا وهو واقف على باب خيمته ~~بعد وقوع الصلح في شهر شوال سنة ثمان وثمانين وخمس مائة عند منصرفه من ~~القدس إلى دمشق عرض له في الطريق وطلب منه شيئا فأعطاه العمق وهي بلاد كان ~~أخذها منه عام فتح الساحل وهو سنة أربع وثمانين. ولقد رأيته وقد دخل ~~عليه صاحب صيدا بالناصرة فاحترمه وأكرمه وأكل معه الطعام ومع ذلك عرض عليه ~~الإسلام فذكر له طرفا من محاسنه وحثه عليه. وكان يكرم من يرد عليه من ~~المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار وكان يوصينا بأن لا نغفل عمن ~~يجتاز بالخيم من المشايخ المعروفين حتى يحضرهم عنده وينالهم من إحسانه. ~~ولقد مر بنا سنة أربع وثمانين وخمس مائة رجل جمع بين العلم والتصوف وكان من ~~ذوي الأقدار وأبوه صاحب توريز فأعرض هو عن فن أبيه واشتغل بالعلم والعمل ~~وحج ووصل زائرا لبيت الله المقدس ولما قضى لبانته منه ورأى آثار السلطان ~~رحمه الله فيه وقع له زيارته فوصل إلينا إلى المعسكر المنصور فما أحسست به ~~إلا وقد دخل علي في الخيمة فلقيته ورحبت به وسألته عن سبب ذلك ووصوله ~~فأخبرني بذلك وأنه يؤثر زيارة السلطان لما رأى له من الآثار الحميدة ~~الجميلة فعرفت السلطان - رحمة الله عليه - تلك PageV01P031 الليلة وصول هذا ms019 ~~الرجل فاستحضره وروى عنه حديثا ثم انصرفنا وبات عندي في الخيمة فلما صليت ~~الصبح أخذ يودعني فقبحت له المسير بدون وداع السلطان فلم يلتفت ولم يلو على ~~ذلك وقال قد قضيت حاجتي منه ولا عرض لي فيما عدا رؤيته وزيارته وانصرف من ~~ساعته ومضى على ذلك ليال فسأل السلطان عنه فأخبرته بفعله فظهر عليه آثار ~~الغضب كيف لم أخبره برواحه وقال كيف يطرقنا مثل هذا الرجل وينصرف عنا من ~~غير إحسان يمسه منا وشدد النكير علي في ذلك فما وجدت بدا من أن أكتب كتابا ~~إلى محيي الدين قاضي دمشق كلفته فيه السؤال عن حال الرجل وإيصال رقعة ~~كتبتها إليه طي كتابي أخبره فيها بإنكار السلطان رواحه من غير اجتماعه به ~~وحسنت له فيها العود وكان بيني وبينه صداقة تقتضي مثل ذلك فما أحسست به إلا ~~وقد عاد إلي فرحب به السلطان وانبسط معه وأمسكه أياما ثم خلع عليه خلعة ~~حسنة وأعطاه مركبا لائقا وثيابا كثيرة يحملها إلى بنيه وأتباعه وجيرانه ~~وانصرف عنه وهو أشكر الناس وأخلصهم دعاء لأيامه. ولقد رأيته وقد مثل بين ~~يديه أسير إفرنجي قد أصابه كرب بحيث أنه ظهرت عليه أمارات الخوف والجزع ~~فقال للترجمان من أي شيء يخاف فأجرى الله على لسانه أن قال كنت أخاف قبل أن ~~أرى هذا الوجه فبعد رؤيتي له وحضوري بين يديه أيقنت أنه ما أرى إلا الخير . # فرق له ومن عليه وأطلقه ولقد كنت راكبا في خدمته في بعض الأيام قبالة ~~الإفرنج وقد وصل بعض اليزكية ومعه امرأة شديدة التخوف كثيرة البكاء متواترة ~~الدق على صدرها قال اليزكي إن هذه خرجت من عند الإفرنج فسألت الحضور بين ~~يديك وقد أتينا بها فأمر الترجمان أن يسألها عن قصتها فقالت اللصوص ~~المسلمون PageV01P032 دخلوا البارحة إلى خيمتي وسرقوا ابنتي وبت البارحة ~~أستغيث إلى بكرة النهار فقال لي المملوك السلطان هو أرحم ونحن نخرجك إليه ~~تطلبين ابنتك منه فأخرجوني إليك وما أعرف ابنتي إلا منك. فرق لها ودمعت ~~عينه وحركته مروءته وأمر من ms020 ذهب إلى سوق العسكر يسأل عن الصغيرة من اشتراها ~~ويدفع له ثمنها ويحضرها وكان قد عرف قضيتها من بكرة يومه فما مضت ساعة حتى ~~وصل الفارس والصغيرة على كتفه فما كان إلا أن وقع نظرها عليها فخرت إلى ~~الأرض تعفر وجهها في التراب والناس يبكون على ما نالها وهي ترفع طرفها إلى ~~السماء ولا نعلم ما تقول فسلمت ابنتها إليها وحملت حتى أعيدت إلى عسكرهم . # وكان لا يرى الإساءة إلى من صحبه وإن أفرط في الخيانة ولقد أبدل في ~~خزائنه كيسان من ولقد دخل البرنس أرناط صاحب الكرك مع ملك الإفرنج بالساحل ~~لما أسرهما في وقعة حطين في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة والواقعة ~~مشهورة تجيء مشروحة في موضعها إن شاء الله تعالى وكان قد أمر بإحضارهما ~~وكان أرناط هذا اللعين كافرا عظيما جبارا شديدا وكانت قد اجتازت به قافلة ~~من مصر حين كان بين المسلمين وبينهم هدنة فغدرها وأخذها ونكل بهم وعذبهم ~~وأسكنهم المطامير والحبوس الحرجة وذكروا له حديث الهدنة فقال قولوا لمحمدكم ~~يخلصكم فلما بلغه رحمه الله ذلك عنه نذر أنه متى أظفره الله به قتله بنفسه ~~فلما أمكنه الله منه في ذلك اليوم قوى عزمه على قتله وفاء بنذره فأحضره مع ~~الملك فشكا الملك العطش فأحضر له قدحا من شراب فشرب منه ثم ناوله أرناط ~~فقال السلطان للترجمان قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا فما أسقيه من ~~شرابي ولا أطعمه من طعامي فقصد رحمه الله أن من أكل من طعامي فالمروءة ~~تقتضي أن لا أؤذيه ثم ضرب عنقه بيده وفاء بنذره وأخذ عكا وأخرج الأسرى كلهم ~~من ضيق الأسر وكانوا زهاء PageV01P033 أربعة آلاف أسير وأعطى كل واحد منهم ~~نفقة يصل بها إلى بلده وأهله. هكذا بلغني على ألسنة جماعة لأني لم أحضر ~~هذه الواقعة. وكان حسن العشرة لطيف الأخلاق طيب الفكاهة حافظا لأنساب ~~العرب ووقائعهم عارفا بسيرهم وأحوالهم حافظا لأنساب خيلهم عالما بعجائب ~~الدنيا ونوادرها بحيث كان يستفيد وكان حسن الخلق يسأل الواحد منا عن مرضه ms021 ~~ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أحواله. وكان طاهر المجلس لا يذكر بين ~~يديه أحد إلا بخير السمع فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا الخير وطاهر اللسان ~~فما رأيته ولع بشتم قط وكان حسن العهد والوفاء فما أحضر بين يديه يتيم إلا ~~وترحم على مخلفيه وجبر قلبه وأعطاه وجبر مصابه وإن كان له من أهله كبير ~~يعتمد عليه سلمه إياه وإلا أبقى له من الخير ما يكف حاجته وسلمه إلى من ~~يعتني بتربيته ويكفلها. وكان لا يرى شيخا إلا ويرق له ويعطيه ويحسن إليه ~~ولم يزل على هذه الأخلاق إلى أن توفاه الله إلى مقر رحمته ومكان رضوانه. ~~فهذه نبذ من محاسن أخلاقه ومكارم شيمه اقتصرت عليها خوف الإطالة والسآمة ~~وما سطرت إلا ما شاهدته أو أخبرني الثقة به وحققته وهذا بعض ما اطلعت عليه ~~في زمان خدمتي له وهو يسير فيما اطلع عليه غيري ممن طالت صحبته وتقدمت ~~خدمته ولكن هذا القدر يكفي الأديب في الاستدلال على طهارة تلك الأخلاق ~~والخلال وحيث نجز هذا القسم فنشرع الآن في القسم الثاني من الكتاب في بيان ~~تقلبات أحواله ووقائعه وفتوحاته في تواريخها قدس الله روحه. ونور بنور ~~رحمته ضريحه . PageV01P034 | ### | القسم الثاني في بيات تقلبات أحواله ووقائعه وفتوحاته في تواريخها قدس الله روحه ، ونور ضريحه PageV01P035 ### || ذكر حركته إلى مصر في الدفعة الأولى صحبة عمه أسد الدين # سبب ذلك أن شاور وزير المصريين كان قد خرج عليه إنسان يقال له الضرغام ~~وكان يروم منصبه ومكانه فجمع له جموعا كثيرة لم يكن له بها قبل وغلب عليه ~~وأخرجه من القاهرة وقتل ولده واستولى على المكان وولي الوزارة. وكانت ~~عادة المصريين أنه إذا غلب شخص صاحب المنصب وعجز عن دفعه وعرفوا عجزه وقعوا ~~للقاهر منهم ورتبوه ومكنوه فإن قوتهم إنما كانت بعسكر وزيرهم وهو ملقب ~~عندهم بالسلطان وما كانوا يرون المكاشفة وقواعدهم مستقرة من أول زمانهم على ~~هذا المثال فلما قهر شاور وأخرج من القاهرة اشتد في طلب الشام قاصدا خدمة ~~نور الدين ابن زنكي مستصرخا ms022 به مستنصرا على أعدائه بعسكره فتقدم نور الدين ~~إلى أسد الدين شيركوه بالخروج إلى مصر المحروسة قضاء لحق الوافد المستصرخ ~~وحفظا للبلاد وتطلعا إلى أحوالها وذلك في شهور سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ~~فتأهب أسد الدين شيركوه وسار إلى مصر فاستصحبه معه رحمه الله عن كراهية منه ~~لمكان افتقاره إليه وجعله مقدم عسكره وصاحب رأيه وساروا حتى وصلوا إلى مصر ~~وشاور معهم في الثاني من جمادى الآخر سنة ثمان المذكورة. وكان لوصولهم ~~إلى مصر وقع عظيم وخافه أهل مصر ونصر شاور على خصمه وأعاده إلى منصبه ~~ومرتبته وقرر قواعده واستقر أمره وشاهد البلاد وعرف أحوالها وعاد منها وقد ~~غرس في قلبه الطمع في البلاد وعرف أنها بلاد بغير رجال تمشي الأمور فيها ~~بمجرد الإيهام والمحال PageV01P036 وكان ابتداء رحلته عنها متوجها إلى ~~الشام في السابع من ذي الحجة سنة ثمان المذكورة. وكان لا يفصل أمرا ولا ~~يقرر رحالا إلا بمشورته ورأيه لما لاح له من آثار الإقبال والسعادة والفكرة ~~الصحيحة واقتران النصر بحركاته وسكناته فأقام بالشام مدبرا لأمره مفكرا في ~~كيفية رجوعه إلى البلاد المصرية محدثا بذلك نفسه مقررا قواعد ذلك مع الملك ~~العادل نور الدين زنكي إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة. ### || ذكر عودته إلى مصر في الوقعة الثانية وهي معروفة بوقعة البابين # ولم يزل أسد الدين يتحدث بذلك بين الناس حتى بلغ شاور فداخله الخوف على ~~البلاد من الأتراك وعلم أن أسد الدين قد طمع في البلاد وأنه لا بد له من ~~قصدها فكاتب الإفرنج وقرر معهم أنهم يجيئون البلاد ويمكنهم تمكينا كليا ~~ويعينوه على استئصال أعدائه بحيث يستقر قلبه فيها وبلغ ذلك أسد الدين ~~والملك العادل نور الدين فاشتد خوفهم على مصر إن ملكها الكفار واستولوا على ~~البلاد كلها فتجهز أسد الدين وأنفذ نور الدين معه العساكر وألزم السلطان ~~رحمه الله المسير معه على كراهية منه لذلك. وكان توجههم في اثني عشر ~~ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة وكان وصولهم إلى البلاد المصرية ~~مقارنا لوصول الإفرنج إليها PageV01P037 واتفق شاور مع ms023 الإفرنج على أسد ~~الدين والمصريون بأسرهم وجرت بينهم حروب كثيرة ووقعات شديدة وانفصل الإفرنج ~~عن الديار المصرية وانفصل أسد الدين وكان سبب عود الإفرنج أن نور الدين جرد ~~العساكر إلى بلاد الإفرنج وأخذ المنيظرة وعلم الإفرنج بذلك فخافوا على ~~بلادهم وعادوا. وكان سبب عود أسد الدين ضعف عسكره بسبب مواقعة الإفرنج ~~والمصريين وما عانوه من الشدائد وعاينوه من الأهوال. وما عاد حتى صالح ~~الإفرنج على أن ينصرفوا كلهم من مصر وعاد إلى الشام في بقية السنة وقد انضم ~~إلى قوة الطمع في البلاد شدة الخوف عليها من الإفرنج لعلمه أنهم قد كشفوها ~~كما كشفها وعرفوها من الوجه الذي عرفها فأقام على مضض وقلبه مقلقل والقضاء ~~يجره إلى شيء قد قدر لغيره وهو لا يشعر بذلك وهي التي ملكوها فيها وجرى ما ~~جرى في شهور سنة أربع وستين وخمسمائة ملك نور الدين قلعة المنيظرة بعد سير ~~أسد الدين في رجب وخرب قلعة أكاف بالبرية. وفي رمضان منها اجتمع نور ~~الدين وأخواه قطب الدين وزين الدين بحماة للغزاة وساروا إلى بلاد الإفرنج ~~فخربوا هونين في شوال منها وفي ذي القعدة كان عود أسد الدين من مصر ، وفيه ~~مات قرا أرسلان بديار بكر . ### || ذكر عودهم إلى مصر في الدفعة الثالثة وهي التي ملكوها فيها وجرى ما جرى في شهور سنة أربع وستين وخمسمائة # وكان سبب ذلك أن الإفرنج خذلهم الله جمعوا راجلهم وفارسهم وخرجوا ~~يريدون الديار المصرية ناكثين لجميع ما استقر مع المصريين وأسد الدين من ~~الصلح والقواعد طمعا في البلاد فلما بلغ ذلك نور الدين وأسد الدين لم ~~يسعهما الصبر دون أن يسارعا إلى قصد البلاد أما نور الدين فبالمال والرجال ~~ولم يسر بنفسه خوفا على البلاد من الإفرنج ولأنه قد حدث نظره PageV01P038 ~~إلى جانب الموصل بسبب وفاة زين الدين ابن يكتكين فإنه توفي في ذي الحجة سنة ~~ثلاث وستين وخمسمائة وتسلم ما كان في يده من الحصون إلى قطب الدين ما عدا ~~إربل فإنها كلها كانت له من أتابك زنكي رحمه ms024 الله فحدث لنور الدين إلى ذلك ~~الجانب الطمع بهذا السبب فسير العسكر. وأما أسد الدين فبسيفه وملكه ~~وأهله ورجاله ولقد قال لي السلطان قدس الله روحه كنت أكره الناس للخروج في ~~هذه الواقعة وما خرجت مع عمي باختياري وهذا معنى قوله تعالى وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم. وكان شاور لما أحس بخروج الإفرنج إلى مصر على تلك ~~القاعدة أنفذ إلى أسد الدين يستصرخه ويستنجده فخرج مسرعا. وكان وصولهم ~~إلى مصر في أثناء ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة ولما علم الإفرنج ~~وصول أسد الدين إلى مصر عن اتفاق بينه وبين أهلها رحلوا راجعين وعلى ~~أعقابهم ناكصين. وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان. ~~وكان وعدهم بمال مقابلة ما خسروه من النفقة فلم يوصل إليهم شيئا وعلقت ~~مخاليب أسد الدين في البلاد وعلم أن الإفرنج متى وجدوا فرصة أخذوا البلاد ~~وترددهم إليها في كل وقت لا يفيد وإن شاور يلعب بهم تارة وبالإفرنج تارة ~~أخرى وعلموا أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور فأجمعوا ~~أمرهم على قبضه إن خرج إليهم وكانوا هم يترددون إلى خدمته دون أسد الدين ~~وهو يخرج في بعض الأحيان إلى أسد الدين يجتمع به . PageV01P039 | وكان يركب ~~على قاعدة وزرائهم بالطبل والبوق والعلم فلم يتجاسر على قبضه من الجماعة ~~إلا السلطان بنفسه. وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكبا وسار إلى جانبه ~~أخذ بتلابيبه وأمر العسكر أن أخذوا على أصحابه ففروا ونهبهم العسكر وقبض ~~على شاور وأنزل إلى خيمة مفردة وفي الحال جاءه التوقيع من المصريين على يد ~~خادم خاص لا بد من رأسه جريا على عادتهم في وزرائهم في تقرير قاعدة فيمن ~~قوي منهم على صاحبه فحزت رقبته وأنفذ رأسه إليهم وأنفذ إلى أسد الدين خلعة ~~الوزارة فلبسها وسار ودخل القصر ورتب وزيرا وذلك في سابع عشر ربيع الآخر ~~سنة أربع وستين وخمسمائة ودام آمرا ناهيا والسلطان رحمه الله مباشر الأمور ~~مقرر لها وزمام الأمر والنهي مفوض إليه لمكان كفايته ms025 ودرايته وحسن رأيه ~~وسياسته إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة. ### || ذكر وفاة أسد الدين ومصير الأمر إلى السلطان # وذلك أن أسد الدين كان كثير الأكل شديد المواظبة على تناول اللحوم ~~الغليظة وتتواتر عليه التخم والخوانيق وينجو منها بعد مقاساة شدة عظيمة ~~فأخذه مرض شديد واعتراه خانوق عظيم فقتله في الثاني والعشرين من جمادى ~~الآخرة وفوض الأمر بعده إلى السلطان واستقرت القواعد واستتبت الأحوال على ~~أحسن نظام وبذل المال وملك الرجال وهانت عنده الدنيا فملكها وشكر نعمة الله ~~عليه فتاب من الخمر وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص بلباس الجد والاجتهاد وما ~~عاد عنه ولا ازداد إلا جدا إلى أن توفاه الله إلى رحمته PageV01P040 ولقد ~~سمعت منه يقول لما يسر الله لي الديار المصرية علمت أنه أراد فتح الساحل ~~لأنه أوقع ذلك في نفسي ومن حين استتب له الأمر ما زال يشن الغارات على ~~الإفرنج إلى الكرك والشوبك وبلادها وغشي الناس من سحائب الأفضال والنعم ما ~~لم يؤرخ عن غير تلك الأيام هذا كله وهو وزير متابع للقوم ولكنه مقو لمذهب ~~السنة غارس في أهل البلاد العلم والفقه والتصوف والدين والناس يهرعون إليه ~~من كل صوب ويفدون عليه من كل جانب وهو لا يخيب قاصدا ولا يعدم وافدا ولما ~~عرف نور الدين استقرار السلطان بمصر أخذ حمص من نواب أسد الدين وذلك في رجب ~~من سنة أربع وستين. ### || ذكر قصد الإفرنج دمياط حرسها الله تعالى # ولما علم الإفرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم وما تم للسلطان من استقامة ~~في الديار المصرية خافوا أن يملك بلادهم ويخرب ديارهم ويقلع آثارهم لما حدث ~~له من القوة والملك فاجتمع الإفرنج والروم جميعا وحدثوا أنفسهم بقصد الديار ~~المصرية والاستيلاء عليها وملكها ورأوا قصد دمياط لتمكن القاصد لها من البر ~~والبحر ولعلمهم أنها إن حصلت لهم حصل لهم مغرس قدم فاستصحبوا المنجنيقات ~~PageV01P041 والدبابات والجروخ وآلات الحصار وغير ذلك ولما سمع إفرنج الشام ~~بذلك اشتد أمرهم فسرقوا حصن عكا من المسلمين وأسروا صاحبها وكان مملوكا ms026 ~~لنور الدين يسمى خلطخ العلم دار وذلك في ربيع الآخر منها ولما رأى نور ~~الدين ظهور أمر الإفرنج وبلغه نزولهم على دمياط قصد شغل قلوبهم فنزل على ~~الكرك PageV01P042 محاصرا لها في شعبان من هذه السنة فقصده إفرنج الساحل ~~فرحل عنها وقصد لقاءهم فلم يقف لهم على أثر ثم بلغه وفاة مجد الدين بن ~~الداية بحلب وكانت وفاته في شهر رمضان سنة خمس وستين فاشتغل قلبه لأنه كان ~~صاحب أمره فعاد يطلب الشام فبلغه خبر الزلزلة بحلب التي أخربت كثيرا من ~~البلاد المذكورة فسار يطلب حلب فبلغه موت قطب الدين أخيه بالموصل وكانت ~~وفاته في الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة وبلغه الخبر وهو ~~بتل باشر فسار من ليلته طالبا بلاد الموصل ولما علم السلطان شدة قصد العدو ~~دمياط أنفذ إلى البلد وأودعه من الرجال وأبطال الفرسان والميرة وآلات ~~السلاح ما أمن معه عليه ووعد المقيمين فيه بإمدادهم بالعساكر والآلات ~~وإبعاد العدو عنهم إن نزل عليهم ثم نزل الإفرنج في التاريخ المذكور واشتد ~~زحفهم عليها وقتالهم وهو يشن الغارات عليهم من خارج والعساكر تقاتلهم من ~~داخل ونصر الله المسلمين وأيدهم وحسن قصدهم في نصر دين الله وأسعدهم ~~وأنجدهم حتى بان للإفرنج الخسران وظهر على الكفر الإيمان. ورأوا أنهم ~~ينجون برؤوسهم ويسلمون بنفوسهم. فرحلوا خائبين خاسرين فحرقت مناجيقهم ~~ونهبت آلاتهم وقتل منهم خلق عظيم وسلم البلد بحمد الله ومنه عن قصدهم وظهر ~~بتوفيق الله فل حدهم ، واستقرت قواعد السلطان . PageV01P043 ### || ذكر طلبه والده # ثم أنفذ في طلب والده ليكمل السرور به ويتم الحبور وتجري القصة مشاكلة ~~لما جرى للنبي يوسف صلاة إلى الله وصلاة عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين ~~فوصل والده نجم الدين إليه في أثناء جمادى الآخرى من سنة خمس وستين ويملك ~~معه من الأدب ما كان عادته وألبسه الأمر كله فأبى أن يلبسه وقال يا ولدي ما ~~اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفؤ له ولا ينبغي أن يغير موقع السعادة ~~فحكمه في الخزائن بأسرها ولم يزل السلطان وزيرا ms027 محكما حتى مات العاضد أبو ~~محمد عبد الله وبه ختم أمر المصريين. وأما نور الدين فإنه أخذ الرقة في ~~المحرم سنة ست وستين وسار منها إلى نصيبين فأخذها في بقية الشهر وأخذ سنجار ~~في ربيع الآخر منها ثم قصد الموصل وقصد أن لا يقاتلها فعبر بعسكره من مخاضة ~~بلد وسار حتى خيم قبالة الموصل على تل يقال له الحصن وراسل ابن أخيه عز ~~الدين غازي صاحب الموصل وعرفه صحة قصده فصالحه ودخل الموصل في ثالث جمادى ~~الأولى وقرر صاحبها فيها وزوجه ابنته وأعطى عماد الدين ابن أخيه سنجار وخرج ~~من الموصل قاصدا نحو الشام فدخل حلب في شعبان من هذه السنة . PageV01P044 | ### || ذكر موت العاضد ( 29 ب ) # وكان موته في يوم الاثنين العاشر من المحرم سنة سبع وستين واستقر الملك ~~للسلطان وكان خطب لبني العباس في أواخر أمر العاضد وهو حي وكانت الخطبة ~~ابتداؤها للمستضيء بأمر الله واستمرت القواعد على الاستقامة وهو كلما ~~استولى على خزانة من المال وهبها وكلما فتح له خزائن ملك أنهبها ولا يبقي ~~لنفسه شيئا وشرع السلطان في التأهب للغزاة وقصد بلاد العدو وتعبية الأمر ~~لذلك وتقرير قواعده وأما نور الدين فإنه عزم على الغزاة واستدعى صاحب ~~الموصل ابن أخيه فوصل بالعساكر إلى خدمته وكانت غزاته عرفا وأخذها في ~~المحرم سنة سبع وستين. ### || ذكر أول غزوة غزاها من الديار المصرية # ولم يزل على قدم بسط العدل ونشر الإحسان وإقامة الإحسان على الناس إلى ~~سنة ثمان وستين فعند ذلك خرج بالعساكر يريد بلاد الكرك والشوبك وإنما بدأ ~~بها لأنها كانت أقرب إليه وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية ~~وكان لا يمكن أن تصل قافلة حتى يخرج هو بنفسه يعبرها بلاد العدو فأراد ~~توسيع الطريق وتسهيله لتتصل البلاد بعضها ببعض وتسهل على السابلة فخرج ~~قاصدا لها فحاصرها وجرى بينه وبين الإفرنج وقعات وعاد عنها ولم يظفر منها ~~بشيء في تلك الواقعة وحصل ثواب القصد. وأما نور الدين فإنه فتح مرعش في ~~ذي القعدة من هذه السنة وأخذ ms028 بهسنا في ذي الحجة منها . PageV01P045 | ### || ذكر وفاة والده نجم الدين # ولما عاد السلطان من غزاته بلغه قبل وصوله إلى مصر وفاة أبيه نجم الدين ~~فشق عليه ذلك حيث لم يحضر وفاته. وكان سبب وفاته وقوعه عن الفرس وكان ~~رحمه الله شديد الركض ولعا بلعب الكرة بحيث من رآه يلعب بها يقول ما يموت ~~إلا من وقوعه عن ظهر الفرس وكانت وفاته رحمه الله بمصر في شهور سنة ثمان ~~وستين وخمسمائة ### || ذكر فتح اليمن # ولما كانت سنة تسع وستين ورأى السلطان قوة عسكره وكثرة عدد أخوته وقوة ~~بأسهم وكان بلغه أن باليمن إنسانا استولى عليها وملك حصونها وهو يخطب لنفسه ~~يسمى بعبد النبي بن مهدي ويزعم أن ينتشر ملكه في الأرض كلها ويستتب الأمر ~~له فرأى أن يسير إليه أخاه الأكبر شمس الدولة الملك المعظم تورانشاه وكان ~~كريما أريحيا حسن الأخلاق سمعت منه رحمه الله الثناء على كرمه وحسن أخلاقه ~~وترجيحه على نفسه. وكان توجهه إليها في أثناء رجب سنة تسع وستين فمضى ~~إليها وفتح الله على يديه وقتل الخارجي الذي كان بها واستولى على معظمها ~~وأعطى وأعنى خلقا كثيرا . PageV01P046 | ### || ذكر وفاة نور الدين محمود بن زنكي رحمه # الله وكانت وفاته بسبب حوانيق اعترته أيضا عجز الأطباء عن علاجها وتوفي ~~يوم الأربعاء في الحادي والعشرين من شوال سنة تسع وستين وذلك في قلعة دمشق ~~وأقام مقامه ولده الملك الصالح إسماعيل. ولقد حكى لي السلطان قال : كان ~~بلغنا عن نور الدين أنه قصدنا بالدار المصرية وكانت جماعة أصحابنا يشيرون ~~بأن نكاشف ونخالف ونشق عصاه ونلقى عسكره بمصاف نرده إذا تحقق قصده وكنت ~~وحدي أخالفهم وأقول : لا يجوز أن يقال شيء من ذلك ولم يزل النزاع بيننا حتى ~~وصل الخبر بوفاته. ### || ذكر منافقة الكند بأسوان وذلك في شهور سنة سبعين وخمسمائة # والكنز إنسان مقدم من المصريين كان قد نزح إلى أسوان فأقام بها ولم يزل ~~يدبر أمره ويجمع السودان عليه ويخيل إليهم أنه يملك البلاد ويعيد الدولة ~~مصرية وكان في قلوب القوم من ms029 مهاواة المصريين PageV01P047 ما تستصغر هذه ~~الأفعال عنده فاجتمع عليه خلق كثير وجمع وافر وقصدوا قوس وأعمالها وانتهى ~~خبره إلى السلطان فجرد له عسكرا عظيما شاكي السلاح من الذين ذاقوا حلاوة ~~المصرية وخافوا على فوت ذلك منهم وقدم عليهم أخاه الملك العادل سيف الدين ~~وسار بهم حتى أتى القوم فلقيهم بمصاف فكسرهم وقتل منهم خلقا عظيما واستأصل ~~شأفتهم وأخمد ثائرتهم وذلك في السابع من صفر سنة سبعين واستقرت قواعد الملك ~~واستوت أموره ولله الحمد والمنة. ### || ذكر قصد الإفرنج ثغر الإسكندرية حرسها الله تعالى # وذلك أن الإفرنج لما علموا تغيرات الأحوال بالديار المصرية وتقلبات الدول ~~بها داخلهم الطمع في البلاد وجردوا عساكرهم في البحر وكانوا في ستمائة قطعة ~~ما بين شاتي وطرادة PageV01P048 وبطسة وغير ذلك. وكانوا في ثلاثين ألفا ~~على ما ذكر ونازلوا الثغر وذلك في أثناء صفر في السابع منه من هذه السنة ~~وهي سنة سبعين فأمده السلطان بالعساكر المنصورة وتحرك وادخل الله في قلوبهم ~~من الخوف والرعب ما لم يمكنهم الصبر معه وعادوا خائبين خاسرين بعد أن ~~ضايقوا الثغر وزحفوا عليه ثلاثة أيام وقاتلوا قتالا شديدا وعصمه الله منهم ~~. | ولما أحسوا بحركة السلطان نحوهم ما لبثوا أن خلفوا مناجيقهم وراءهم ~~وآلتهم فخرج أهل البلد إلى نهبها وإحراقها وكان أمرا عظيما ومن أعظم النعم ~~على المسلمين وأمارة كل سعادة. وأما نور الدين فإنه خلف ولده الملك ~~الصالح إسماعيل وكان بدمشق. وكان بقلعة حلب ابن الداية شمس الدين علي ~~وشاذ بخت. وكان قد حدث نفسه بأمور فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب ~~فوصل ظاهرها ثاني المحرم ومعه سابق الدين فخرج بدر الدين للقائه فقبض على ~~سابق الدين. ولما دخل الملك الصالح القلعة قبض على شمس الدين وأخيه حسن ~~وأودع الثلاثة السجن. وفي ذلك اليوم قتل ابن الخشاب أبو الفضل لفتنة جرت ~~بحلب ذكروا أنه قتل قبل إمساك أولاد الداية بيوم لأنهم تولوا ذلك . ~~PageV01P049 ### || ذكر خروج السلطان رحمة الله عليه إلى الشام ، وأخذه لدمشق المحروسة # ( 32 ب ) ولم تحقق السلطان وفاة نور ms030 الدين وكان ولده طفلا لا ينهض بأعباء ~~الملك ولا يستقل بدفع عدو الله عن البلاد تجهز للخروج إلى الشام إذ هو أصل ~~بلاد الإسلام فتجهز بجمع كثير من العساكر وخلف في الديار المصرية من يستقل ~~بحفظها وحراستها ونظم أمورها وسياستها وخرج هو سائرا مع جمع من أهله ~~وأقاربه وهو يكاتب أهل البلاد وأمراءها واختلفت كلمة أصحاب الملك الصالح ~~واختلت تدابيرها وخاف بعضهم من بعض وقبض على جماعة منهم وكان ذلك سبب خوف ~~الباقين من فعل ذلك وسببا لتغيير قلوب الناس عن الصبي فافتقر الحال أن كاتب ~~شمس الدين بن المقدم السلطان ووصل البلاد مطالبا بالملك الصالح ليكون هو ~~الذي يتولى أمره ويرقب حاله فيقوم له ما اعوج من أمره فوصل دمشق ولم يشق ~~عليه عصا ودخلها بالتسليم في يوم الثلاثاء سلخ ربيع الآخر سنة سبعين وتسلم ~~قلعتها. وكان أول دخوله إلى دار أبيه واجتمع الناس إليه وفي جوابه وأنفق ~~في ذلك اليوم في الناس مالا طويلا وأظهر الفرح والسرور بالدمشقيين وأظهروا ~~الفرح به وصعد القلعة واستقر قدمه في ملكها فلم يلبث أن طلب حلب فنازل حمص ~~فأخذ مدينتها في جمادى الأولى سنة سبعين ولم يشتغل بقلعتها وسار حتى أتى ~~حلب ونازلها في يوم الجمعة سلخ الشهر المذكور وهي الوقعة الأولى. ### || ذكر تسيير سيف الدين أخاه عز الدين إلى لقائه # ولما أحس سيف الدين صاحب الموصل بما جرى علم أن الرجل قد استفحل أمره ~~وعظم شأنه وعلت كلمته وخاف أنه إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقر قدمه ~~في الملك وتعدى الأمر إليه فجهز عسكرا وافرا وجيشا عظيما وقدم عليه أخاه عز ~~الدين مسعودا وساروا يريدون لقاء السلطان وضرب المصاف معه ووده عن البلاد . # ولما بلغ السلطان ذلك رحل عن حلب مستهل رجب من السنة المذكورة عائدا إلى ~~حماة وسار إلى حمص فاشتغل بأخذ قلعتها فأخذها ثم وصل عز الدين إلى حلب ~~وانضم إليه من كان بها من العسكر وخرجوا بجمع عظيم . PageV01P050 ولما ~~عرف هو بسيرهم سار حتى وافاهم في قرون ms031 حماة وراسلهم وراسلوه واجتهد أن ~~يصالحوه فما صالحوه ورأوا أن المصاف ربما نالوا به الغرض الأكبر والمقصود ~~الأوفر. والقضاء يجر إلى أمور هم بها لا يشعرون. وقام المصاف بين ~~العسكرين بقضاء الله فانكسروا بين يديه وأسر جماعة منهم ومن عليهم وأطلقهم ~~وذلك في تاسع عشر رمضان سنة سبعين أيضا. ثم سار عقيب انكسارهم ونزل على ~~حلب وهي الدفعة الثانية وصالحوه على أن أخذ المعرة وكفر طاب وأخذ بارين ~~وذلك في أواخر هذه السنة. ### || ذكر مسير سيف الدين بنفسه # ولما وقعت هذه الواقعة كان سيف الدين على سنجار يحاصر أخاه عماد الدين ~~بقصد أخذها منه ودخوله في طاعته وكان قد أظهر أخوه الانتماء إلى السلطان ~~واعتصم بذلك واشتد سيف الدين في حصار المكان وضربه بالمنجنيق حتى انهدم من ~~سوره ثلم كثيرة وأشرف على الأخذ فبلغه وقوع هذه الوقعة فخاف أن يبلغ ذلك ~~أخاه فيشتد أمره فراسله إلى الصلح فصالحه ثم سار من وقته إلى نصيبين واهتم ~~بجمع العساكر والإنفاق فيها وسار حتى أتى الفرات وعبر بالبيرة وخيم على ~~جانب الفرات الشامي وراسل كمشتكين والملك الصالح حتى تستقر قاعدة يصل عليها ~~إليهم ووصل كمشتكين إليه وجرت مراجعات كثيرة وعزم فيها إلى العود مرارا حتى ~~استقر اجتماعه بالملك الصالح وسمحوا به وسار ووصل حلب وخرج الملك الصالح ~~إلى لقائه بنفسه فالتقاه قريب القلعة واعتنقه وضمه إليه وبكى ثم أمره ~~بالعود إلى القلعة فعاد إليها وسار هو حتى نزل بعين المباركة وأقام بها مدة ~~وعسكر حلب يخرج إلى خدمته في كل يوم وصعد القلعة جريدة وأكل فيها خبزا ونزل ~~وسار راحلا إلى تل السلطان ومعه الديار البكرية وجمع كثير والسلطان قد أنفد ~~في طلب العساكر من مصر وهو يترقب وصولها وهؤلاء يتأخرون في أمورهم وتدبيرهم ~~وهم لا يشعرون أن في التأخير تدبيرا حتى وصل عسكر مصر فسار رحمه الله حتى ~~أتى PageV01P051 قرون حماة فبلغهم أنه قارب عسكره فأخرجوا اليزك وجهزوا من ~~يكشف الأخبار فوجدوه قد وصل جريدة إلى جناب التركمان وتفرق عسكره يسقي فلو ms032 ~~أراد الله نصرتهم لقصدوه في تلك الساعة ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ~~فصبروا عليه حتى سقى خيله هو وعسكره واجتمعوا وتعبوا تعبية القتال وأصبح ~~القوم على مصاف وذلك في بكرة الخميس العاشر من شوال سنة إحدى وسبعين فالتقى ~~العسكران وتصادما وجرى قتال عظيم وانكسرت ميسرة السلطان بابن زين الدين ~~مظفر الدين فإنه كان في ميمنة سيف الدين وحمل السلطان عليه بنفسه فانكسر ~~القوم واسر منهم جمعا عظيما من كبار الأمراء منهم فخر الدين عبد المسيح فمن ~~عليهم وأطلقهم وعاد سيف الدين إلى حلب المحروسة فأخذ منها خزانة وسار حتى ~~عبر الفرات وعاد إلى بلاده وأمسك هو رحمه الله عن تتبع العسكر ونزل في بقية ~~ذلك اليوم في خيام القوم فإنهم كانوا قد أبقوا الثقل على ما كان عليه ~~والمطابخ قد عملت ففرق الإصطبلات ووهب الخزائن وأعطى خيمة سيف الدين عز ~~الدين فخر وشاه وسار إلى منبج وتسلمها في بقية الشهر المذكور. وسار حتى ~~نزل قلعة إعزاز يحاصرها وذلك في رابع ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وعليها وثب ~~الإسماعيلية عليه فنجاه الله من كيدهم وظفر بهم ولم يفل ذلك عزمه وأقام ~~عليها حتى أخذها وذلك في رابع عشر ذي القعدة من السنة وسار حتى نزل على حلب ~~في سادس عشر منه فأقام مدة ثم سار عنها فأخرجوا إليه ابنة لنور الدين صغيرة ~~وسألت منه إعزاز فوهبها إياها. وفي بقية الشهر أيضا وصل شمس الدولة أخوه ~~من اليمن إلى دمشق وأقام بها مدة ثم عاد إلى الديار المصرية وتوفي ~~بإسكندرية مستهل صفر سنة ست وسبعون. ثم إن السلطان عاد إلى الديار ~~المصرية ليتفقد أحوالها ويقرر قواعدها وكان مسيره إليها في ربيع الأول من ~~شهور سنة اثنتين وسبعين واستخلف أخاه شمس الدولة بدمشق فأقام رحمه الله بها ~~يقرر قواعدها ويسد خللها وأراح العسكر ثم تأهب للغزاة وخرج يطلب الساحل حتى ~~وافى الإفرنج على الرملة وذلك في أوائل جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ~~وخمسمائة . PageV01P052 | ### || ذكر كسرة الرملة # وكان مقدم الإفرنج البرنس أرناط وكان ms033 قد بيع بحلب فإنه كان أسيرا بها زمن ~~نور الدين وجرى خلل في ذلك اليوم على المسلمين. ولقد حكى السلطان صورة ~~الكسرة في ذلك اليوم وذلك أن المسلمين كانوا قد تعبوا تعبية القتال ولما ~~قرب العدو رأى بعض الجماعة أن تعبر الميمنة إلى جهة الميسرة والميسرة إلى ~~جهة الميمنة ليكونوا حالة اللقاء وراء ظهورهم تل معروف بأرض الرملة فبينما ~~اشتغلوا بهذه التعبية هجم الإفرنج وقدر الله كسرتهم فانكسروا كسرة عظيمة ~~ولم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه فطلبوا جهة الديار المصرية وضلوا في ~~الطريق وتبددوا وأسر منهم جماعة منهم الفقيه عيسى وكان موهنا عظيما جبره ~~الله بوقعة حطين المشهورة ولله الحمد. وأما الملك الصالح فإنه تخبط أمره ~~وقبض على كمشتكين صاحب دولته وطلب منه تسليم حارم إليه فلم يفعل فقتله. ~~ولما سمع الإفرنج بقتله نزلوا على حارم طمعا فيها وذلك في جمادى الأخرى سنة ~~ثلاث وسبعين وقابل عسكر الملك الصالح العساكر الإفرنجية. ولما رأى أهل ~~القلعة خطرها من جانب الإفرنج سلموها إلى الملك الصالح في العشر الأواخر من ~~شهر رمضان من السنة المذكورة. ولما علم الإفرنج ذلك رحلوا عن حارم ~~طالبين بلادهم ثم عاد الملك الصالح إلى حلب ولم يزل أصحابه على اختلاف يميل ~~بعضهم إلى جانب السلطان حتى بلغه عصيان عز الدين قليج بتل خالد فأخرج إليه ~~العسكر وذلك في عاشر المحرم سنة ست وسبعين وخمسمائة . PageV01P053 ثم بلغه ~~وفاة ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل وكانت وفاته في ثالث صفر من هذه ~~السنة وولى مكانه أخوه عز الدين مسعود في الخامس منه وكانت وفاة شمس الدولة ~~بالإسكندرية. ### || ذكر عود السلطان - رحمه الله - إلى الشام # ولما عاد السلطان بعد الكسرة إلى الديار المصرية وأقام بها ريثما لم ~~الناس شعثهم وعلم بتخبط الشام عزم على العود إليه وكان عوده للغزاة فوصله ~~رسول قليج أرسلان يلتمس من السلطان الموافقة ويستغيث إليه من الأرمن فاستقل ~~نحو ابن لاون لنصرة قليج أرسلان ونزل يقره حصار وأخذ عسكر حلب في خدمته ~~لأنه قد اشترط ms034 في الصلح فاجتمعوا على النهر الأزرق بين بهنسة وحصن منصور ~~وعبر منه إلى النهر الأسود وطرف بلاد ابن لاون وأخذ منهم حصنا وأخربه ~~وبذلوا له أسارى والتمسوا منه الصلح وعاد عنه ثم راسله قليج أرسلان في صلح ~~الشرقيين بأسرهم واستقر الصلح وحلف السلطان في عاشر جمادى الأولى سنة ست ~~وسبعين ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة وديار بكرية وكان ذلك على نهر ~~شنجة وهو يرمي إلى الفرات ، وسارالسلطان نحو دمشق المحروسة . PageV01P054 ### || ذكر وفاة الملك الصالح # ووصول عز الدين إلى حلب وفي سنة سبع وسبعين مرض الملك الصالح بالقولنج ~~وكان أول مرضه في تاسع رجب وثالث عشر منه غلق باب القلعة لشدة مرضه واستدعى ~~الأمراء واحدا واحدا وحلفوا لعز الدين صاحب الموصل وفي الخامس والعشرين منه ~~توفي رحمه الله وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس . ### || ذكر وصول عز الدين إلى حلب # ولما توفي سارعوا إلى إعلام عز الدين مسعود بن قطب الدين بذلك وإعلامه ~~بما جرى له من الوصية إليه وتحليف الناس له فسارع سائرا إلى حلب مبادرا ~~خوفا من السلطان وكان أول قادم من أمرائه إلى حلب مظفر الدين بن زين الدين ~~وصاحب سروج ووصل معهما من حلف جميع الأمراء له وكان وصولهم في ثالث شعبان ~~من السنة المذكورة وفي العشرين منه وصل عز الدين إلى حلب وصعد القلعة ~~واستولى على خزائنها وذخائرها وتزوج أم الملك الصالح خامس شوال من السنة ~~المذكورة. ### || ذكر مقايضة عز الدين أخاه عماد الدين بالبلاد # ثم أقام عز الدين بقلعة حلب إلى سادس عشر شوال وعلم أنه لا يمكنه حفظ ~~الشام مع الموصل لحاجته إلى ملازمة الشام لأجل السلطان وألح عليه الأمراء ~~في طلب الزيادات ورأوا أنفسهم أنهم قد اختاروه وضاق عطنه وكان صاحب أمره ~~مجاهد الدين قايماز وكان ضيق العطن لم يعتد بمقاساة PageV01P055 أمراء ~~الشام فرحل من قلعة حلب طالبا للرقة وخلف ولده ومظفر الدين بها وسار حتى ~~أتى الرقة ولقيه أخوه عماد الدين عن قرار بيتهم واستقر مقايضة حلب بسنجار ~~وحلف عز ms035 الدين لأخيه على ذلك في الحادي والعشرين من شوال وسار من جانب عماد ~~الدين من تسلم حلب ومن جانب عز الدين من تسلم سنجار وفي ثالث عشر محرم سنة ~~ثمان وسبعين صعد عماد الدين إلى قلعة حلب. ### || ذكر عود السلطان من مصر # وأما السلطان فإنه لما وقع الصلح على قليج أرسلان صعد إلى الديار المصرية ~~واستخلف ابن أخيه عز الدين فخروشاه واليا ولما بلغه وفاة الملك الصالح عزم ~~على العود إلى الشام خوفا على البلاد من الإفرنج وبلغه أيضا وفاة فخروشاه ~~فاشتد عزمه. وكان وصوله إلى دمشق في سابع عشر صفر سنة ثمان وسبعين ثم ~~أنشأ التأهب لغزاة بيروت فإنه عبر على الإفرنج في عوده من مصر مكابرة من ~~غير صلح فقصد بيروت ونزلها ولم ينل منها غرضا واجتمع الإفرنج فرحلوه عنها ~~ودخل إلى دمشق وبلغه أن رسل الموصل وصلوا إلى الإفرنج يحثونهم على قتال ~~المسلمين فعلم أنهم نكثوا اليمين وأنشأ العزم على قصدهم لجمع كلمة العساكر ~~الإسلامية على عدو الله فأخذ في التأهب لذلك فلما بلغ ذلك عماد الدين سير ~~إلى الموصل يشعره بالخبر ويستحث العساكر وسار السلطان حتى نزل على حلب في ~~ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة وأقام ثلاثة أيام ورحل في الحادي ~~والعشرين يطلب الغزاة واستقر الحال بينه وبين مظفر الدين وكان صاحب حران ، ~~PageV01P056 وكان قد استوحش من جانب الموصل وخاف من مجاهد الدين فالتجأ إلى ~~السلطان وعبر إلى قاطع الفرات وقوى عزمه على البلاد وسهل أمرها عنده ودخل ~~الرها والرقة ونصيبين وسروج ثم شحن على الخابور وأقطعه. ### || ذكر نزوله على الموصل # وكان نزوله عليه في هذه الوقعة في يوم الخميس حادي عشر شهر رجب وكنت إذ ~~ذاك في الموصل فسيرت رسولا إلى بغداد قبيلا بأيام قلائل فسرت مسرعا في ~~الدجلة وأتيت بغداد في يومين وساعتين من اليوم الثالث مستنجدا بهم فلم يحصل ~~منهم سوى الإنفاذ إلى شيخ الشيوخ وكان في صحبته رسول من جانبهم يأمرونه ~~بالحديث معه ويتلطف الحال معه ويسير إلى بهلوان رسولا ms036 من الموصل يستنجدونه ~~فلم يحصل من جانبه سوى شرط كان الدخول تحته أخطر من حرب السلطان ثم أقام ~~السلطان على الموصل أياما وعلم أنه بلد عظيم لا يتحصل منه شيء بالمحاصرة ~~على هذا الوجه ورأى أن طريق أخذه أخذ قلاعه وما حوله من البلاد وإضعافه ~~بطول الزمان فرحل عنها ونزل على سنجار في سادس عشر شعبان سنة ثمان وسبعين ~~وخمسمائة ### || ذكر أخذه سنجار # وأقام يحاصرها وكان فيها شرف الدين بن قطب الدين وجماعة ويشتد عليه الأمر ~~حتى كان ثاني شهر رمضان فأخذها عنوة وخرج شرف الدين وجماعته محترمين ~~محفوظين إلى الموصل وأعطاها ابن أخيه تقي الدين ورحل عنها إلى نصيبين . ~~PageV01P057 ### || ذكر قصة شاه أرمن صاحب خلاط # وذلك أن أصحاب الموصل أنفذوا إليه واستنجدوا به وطرحوا أنفسهم عليه فخرج ~~من خلاط لنصرتهم ونزل بحرزم وسير إلى عز الدين صاحب الموصل أعلمه فخرج إليه ~~وذلك في الخامس عشر من شوال فسار حتى اجتمع به صاحب ماردين ووصل جماعة من ~~عسكر حلب كل ذلك للقاء السلطان وأرسل شاه أرمن بكتمر إلى السلطان يخاطبه في ~~الصلح بتوسط شيخ الشيوخ فلم ينتظم بينهم حال ورحل السلطان إلى عسكر شاه ~~أرمن فلما سمع شاه أرمن بوصول السلطان ولى راجعا إلى بلاده وعاد عز الدين ~~إلى بلاده وتفرقوا وسار السلطان يطلب بلد آمد فنزل عليها وقاتلها وأخذها في ~~ثمانية أيام وذلك في أول محرم سنة تسع وسبعين وأعطاها نور الدين بن قره ~~أرسلان. ومن على ابن نيسان بجميع ما كان فيها من الأموال وغيرها ثم سار ~~يطلب الشام لقصد حلب. وفي هذه المدة خرج عماد الدين وخرب قلعة إعزاز ~~وخرب حصن كفر لاثا وأخذها من بكمش فإنه كان قد صار مع السلطان في الثاني ~~والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة وقاتل باشر وكان صاحبها ولد رم ~~الباروقي قد صار مع السلطان فلم يقدر عليها وجرت غارات من الإفرنج في ~~البلاد بحكم اختلاف العساكر ودفعهم الله تعالى وتسلم الكرزين ثم عاد إلى ~~حلب . PageV01P058 ### || ذكر عود السلطان إلى ms037 الشام # ولما عاد إلى الشام بدأ بتل خالد فنزل عليها وقاتلها وأخذها في الثاني ~~والعشرين من محرم سنة تسع وسبعين ثم سار طالبا حلب فنزل عليها في السادس ~~والعشرين. وكان أول نزوله بالميدان الأخضر وسير المقاتلة يقاتلون ، ~~فيباسطون عسكر حلب بباننوسا وباب الجنان غدوة وعشية ، وفي يوم نزوله جرح ~~أخوه تاج الملوك ، رحمه الله . ### || ذكر أخذه حلب قدس الله روحه # ولما نزل على حلب واستدعى العساكر من الجوانب واجتمع خلق عظيم وقاتلها ~~قتالا شديدا وتحقق عماد الدين أنه ليس له قبل وكان قد ضرس من اقتراح ~~الأمراء وجبههم فأشار إلى حسام الدين طمان أن يسفر له مع السلطان في إعادة ~~بلاده وتسلم حلب إليه واستقرت القاعدة ولم يشعر أحد من الرعية ولا من ~~العسكر حتى تم الأمر واستحكمت القاعدة واستفاض ذلك واستعلم العسكر منه ذلك ~~فأعلمهم وأذن في تدبير أنفسهم وأنفذوا عنهم وعن الرعية عز الدين جرديك ~~النوري وزين الدين فقعدوا عنده إلى الليل واستحلفوه على العسكر وعلى أهل ~~البلد وذلك في السابع عشر من صفر وخرجت العساكر إلى خدمته إلى الميدان ~~الأخضر ومقدمو حلب وخلع عليهم وطيب قلوبهم وأقام عماد الدين بالقلعة يقضي ~~أشغاله وينقل أقمشته وخزائنه والسلطان مقيم بالميدان الأخضر إلى يوم الخميس ~~الثالث والعشرين من صفر . PageV01P059 وفيه توفي تاج الملوك أخوه من جرح ~~كان أصابه وشق عليه أمر موته وجلس للعزاء وفي ذلك اليوم نزل عماد الدين إلى ~~خدمته وعزاه وتقررت بينهما قواعد وأنزله السلطان في الخيمة وقدم له تقدمة ~~سنية وخيلا جميلة وخلع على جماعة من أصحابه. وسار عماد الدين من يومه ~~إلى قرار حصار سائرا إلى سنجاب وصعد السلطان قلعة حلب مسرورا منصورا. ~~وعمل له حسام الدين طمان دعوة سنية وكان قد تخلف لأخذ ما تخلف لعماد الدين ~~من قماش وغيره | ### || ذكر أخذه حارم # وكان قد أنفذ إلى حارم من يستلمها ودافعهم الموالي وانفذ الأجناد الذين ~~بها يستحلفونه فخلف لهم وسار من وقته إلى حارم فوصلها في التاسع والعشرين ~~من صفر وتسلمها وبات بها ليلتين ms038 وقرر قواعدها وولى فيها إبراهيم بن شرده ~~وعاد إلى حلب ودخلها في ثالث ربيع الأول سنة تسع وسبعين | ثم أعطىالعساكر ~~دستورا ، وسار كلم منهم إلى بلاده ، وأقام يقرر قواعد حلب ويدبر أمورها . ~~PageV01P060 ### || ذكر غزات عين جالوت # ولم يقم في حلب إلا إلى الثاني والعشرين من ربيع الآخر وأنشأ عزما إلى ~~الغزاة فخرج في ذلك اليوم مبرزا نحو دمشق واستنهض العساكر فخرجوا يتبعونه ~~ولم يزل يواصل بين المنازل حتى دخل دمشق في ثالث جمادى الأولى فأقام بها ~~متأهبا إلى السابع والعشرين منه ثم برز في ذلك اليوم ونزل على جسر الخشب ~~وتبعته العساكر مبرزة فأقام به تسعة أيام ثم رحل في ثامن جمادى الآخرة وسار ~~حتى أتى الفؤاد وتعبى فيه للحرب وسار حتى نزل القصير فبات به وأصبح على ~~المخاض وعبر وسار حتى أتى بيسان فوجد أهلها قد رحلوا عنها وتركوا ما كان من ~~ثقيل الأقمشة والغلال والأمتعة بها فنهبها العسكر وغنموا وحرقوا ما لم يمكن ~~أخذه وسار حتى أتى الجالوت وهي قرية عامرة وعندها عين جارية فخيم بها وكان ~~قد عزم عز الدين جرديك وجماعة من المماليك النورية وجاولي مملوك أسد الدين ~~حتى يكشفوا خبر الإفرنج فاتفق أنهم صادفوا عسكر الكرك والشوبك سائرين نجدة ~~للإفرنج فوقع أصحابنا عليهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا منهم زهاء مائة ~~نفر وعادوا ولم يفقد من المسلمين سوى شخص واحد يدعى بهرام PageV01P061 ~~الشاووش فوصل إليه في بقية يوم الكسرة وهو العاشر من جمادى الآخرة فاستبشر ~~المسلمون بالنصر والظفر. ولما كان السبت حادي عشر وصل الخبر إليه أن ~~الإفرنج قد اجتمعوا في صفورية فرحلوا إلى الفولة وهي قرية معروفة وكان غرضه ~~المصاف فلما سمع بذلك تعبى للقاء ورتب الأطلاب يمنة ويسرة وقلبا وسار للقاء ~~العدة وسار الإفرنج طالبين المسلمين ووقعت العين في العين وأخرج السلطان ~~الجاليش خمسمائة رجل معروفة فواقعوا الإفرنج وجرى قتال عظيم وقتل من العدة ~~جماعة وهم ينضم بعضهم إلى بعض يحمي راجلهم فارسهم ولم يخرجوا للمصاف ولم ~~يزالوا سائرين حتى أتوا العين ونزلوا ms039 عليها ونزل السلطان حولهم والقتل ~~والجرح يعمل فيهم ليخرجوا إلى المصاف وهم لا يخرجون لخوفهم من المسلمين ~~فإنهم في كسرة عظيمة ولما رأى أنهم لم يخرجوا رأى الانتزاح عنهم لعلهم ~~يرحلون فيضرب معهم مصاف فرجل نحو الطور وذلك في السابع عشر من هذا الشهر ~~فنزل تحت الجبل مترقبا رحيلهم ليأخذ منهم فرصة PageV01P062 وأصبح الإفرنج ~~في الثامن عشر راحلين راجعين على أعقابهم ناكصين فرحل رحمه الله نحوهم وجرى ~~من رمي النشاب واستنهاضهم للمصاف أمور عظيمة فلم يخرجوا ولم يزل المسلمون ~~حولهم حتى نزلوا الفولة المقدم ذكرها راجعين إلى بلادهم فلما رأى المسلمون ~~ذلك اجتمعوا على السلطان وأشاروا بالعود لفراغ زادهم وكان قد نال منهم ~~بالقتل والأسر وخربت عفربلا وقلعة بيسان وزرعين وهي من حصونهم المذكورة ~~وخربت عليهم قرى عديدة فعاد منصورا مظفرا مسرورا حتى نزل الغوار وأعطى ~~الناس دستورا من أثير المسير ثم سار هو حتى أتى دمشق فدخلها فرحا مسرورا في ~~يوم الخميس الرابع والعشرين من هذا الشهر. فانظر إلى هذه الهمة التي لم ~~يشغلها عن الغزاة أخذ حلب ولا الظفر بها بل كان غرضه الاستعانة بالبلاد على ~~الجهاد فالله يحسن جزاءه في الآخرة كما وفقه الأعمال المرضية في الدنيا. ### || ذكر غزاة أنشأها إلى الكرك # ثم إنه أقام بدمشق إلى ثالث رجب سنة تسع وسبعين وخرج مرارا نحو الكرك ~~وكان قد سير إلى الملك العادل وهو بمصر يتقدم إليه بالاجتماع به على الكرك ~~فبلغه خبر حركته من مصر فخرج للقائه وسار حتى أتى الكرك ووافاه الملك ~~العادل عليها وقد خرج معه خلق عظيم من تاجر وغير تاجر وذلك في رابع شعبان ~~من هذه السنة وكان قد بلغ الإفرنج خبر خروجه فساروا براجلهم وفارسهم نحو ~~الكرك للدفع عنه ولما انتهى ذلك إليه سير الملك المظفر تقي الدين إلى مصر ~~وذلك في خامس عشر شعبان وفي السادس عشر منه نزلت الإفرنج على الكرك وتزحزح ~~السلطان عنه بعد أن قاتله قتالا عظيما وعليه قتل شرف الدين برغش النور ~~شهيدا - رحمه الله - في ثامن ms040 عشرين رجب . PageV01P063 ### || ذكر إعطائه أخاه الملك العادل حلب # ثم رحل السلطان مستصحبا أخاه الملك العادل معه إلى دمشق لا يلسه عن الكرك ~~بعد نزول الإفرنج عليها فدخل دمشق في الرابع والعشرين من شعبان وأعطى أخاه ~~الملك العادل حلب بعد مقامه بدمشق إلى ثاني يوم من شهر رمضان وكان بها ولده ~~الملك الظاهر ومعه سيف الدين يازكج يدبر أمره وابن العميد في البلد وكان ~~الملك الظاهر من أحب الأولاد إلى قلبه لما خصه الله به من الشهامة والفطنة ~~والعقل وحسن السمت والشغف بالملك وظهور ذلك كله وكان أبر الناس بوالده ~~وأطوعهم له ولكن أخذ منه حلب لمصلحة رآها فخرج من حلب لما دخل الملك العادل ~~هو ويازكج سائرين إلى خدمة السلطان فدفع دمشق الثامن عشر من شوال فأقام في ~~خدمة أبيه لا يظهر له إلا الطاعة والانقياد مع انكسار في باطنه لا يخفى عن ~~نظر والده وفي ذلك الشهر وردنا على السلطان رسلا من جانب الموصل وكنا قد ~~توسلنا إلى الخليفة الناصر لدين الله في إنفاذ شيخ الشيوخ بدر الدين رسولا ~~وشعيعا إلى السلطان فسيره معنا من بغداد وكان غزير المروءة عظيم الحرمة في ~~دولة الخليفة وفي سائر البلاد وكانت مكانته عند السلطان بحيث يتردد إليه ~~إذا كان عنده في معظم الأيام . PageV01P064 ### || ذكر وصولنا إلى خدمة رسلا # وكان الشيخ قد وصل إلى الموصل وسار منها في صحبة القاضي محيي الدين بن ~~كمال الدين وكان بينهم صحبة من الصبا وكنت مع القوم وسرنا حتى أتينا دمشق ~~وخرج السلطان إلى لقاء الشيخ ونحن في خدمته فلقيه عن بعد وكان دخولنا إلى ~~دمشق يوم السبت حادي عشر ذي القعدة من هذه السنة ولقينا من السلطان كل جميل ~~فيما يرجع إلى الإكرام والاحترام وأقمنا أياما نراجع في فصل حال فلم يتفق ~~صلح في تلك الوقعة وخرجنا راجعين إلى الموصل وخرج السلطان إلى وداع الشيخ ~~إلى القصر واجتهد في ذلك اليوم أن ينقضي شغل فلم يتفق وكان الوقوف من جانب ~~محيي الدين فإن السلطان اشترط أن ms041 يكون صاحب إربل والجزيرة على خيرتهما في ~~الانتماء إليه أو إلى الموصل فقال محيي الدين لا بد من ذكرهما في النسخة ~~فوقف الحال وكان مسيرنا سابع ذي الحجة وفي تلك الدفعة ثبت في نفسه الشريفة ~~مني أمر لم أعرفه إلا بعد خدمتي له وأقام السلطان بدمشق ترد عليه الرسل من ~~الجوانب فوصل رسول سنجر شاه صاحب الجزيرة فاستحتفه لنفسه في الانتماء إليه ~~ورسول إربل وحلف لهما وسارا ووصل إليه أخوه الملك العادل رابع ذي الحجة ~~فأقام عنده وعيد وتوجه وعاد إلى حلب المحروسة . PageV01P065 ### || ذكر غزاة أخرى إلى الكرك # وصل ابن قره أرسلان نور الدين إلى حلب ثامن عشر صفر سنة ثمانين فأكرمه ~~الملك العادل إكراما عظيما وأصعده إلى القلعة وباسطه ورحل معه طالبا دمشق ~~في السادس والعشرين منه. وكان السلطان قد مرض أياما ثم شفاه الله ولما ~~بلغه وصول قره أرسلان خرج إلى لقائه وكان السلطان يكارم الناس مكارمة عظيمة ~~فالتقاه على عين الجسر بالبقاع وذلك في تاسع ربيع الأول ثم عاد إلى دمشق ~~وخلف نور الدين واصلا مع الملك العادل فتأهب للغزاة وخرج مبرزا إلى جسر ~~الخشب في منتصف ربيع الأول وفي الرابع والعشرين منه وصل الملك العادل ومعه ~~ابن قره أرسلان إلى دمشق فأقاما فيها أياما ثم رحلا يلتحقان بالسلطان من ~~رأس الماء طالبا للكرك فأقام قريبا منها أياما ينتظر وصول الملك المظفر من ~~مصر إلى تاسع عشر ربيع الآخر فوصل إلى خدمته ومعه بيت الملك العادل وخزانته ~~فسيرهم إلى الملك العادل وتقدم إليه وإلى بقية العساكر بالوصول إليه إلى ~~الكرك فتتابعت العساكر إلى خدمته حتى أحدقوا بالكرك وذلك في رابع جمادى ~~الأولى وركب المناجيق على المكان وقد التقت العساكر المصرية والشامية ~~والجزرية أيضا مع قره أرسلان ولما بلغ الإفرنج ذلك خرجوا براجلهم وفارسهم ~~إلى الذب عن الكرك وكان على المسلمين منه ضرر عظيم فإنه كان يقطع عن قصد ~~مصر بحيث كانت القوافل لا يمكنها الخروج إلا مع العساكر الجمة الغفيرة ~~فاهتم السلطان بأمره ليكون الطريق سابلة إلى ms042 مصر. ولما بلغ السلطان - ~~قدس الله - روحه خبر خروج الإفرنج تعبى للقائهم وأمر العساكر أن خرجت إلى ~~ظاهر الكرك وسير الثقل نحو البلاد وبقي العسكر جريدة ثم سار السلطان يقصد ~~العدو . PageV01P066 | وكان الإفرنج قد نزلوا بموضع يقال له الواله وسار ~~حتى نزل على قرية يقال لها حسبان قبالة الإفرنج ورحل منها إلى موضع يقال له ~~ماء عين والإفرنج مقيمون بالواله إلى السادس والعشرين من جمادى الأولى ثم ~~رحلوا قاصدين الكرك فسار بعض العساكر وراءهم فقاتلهم إلى آخر النهار ولما ~~رأى قدس الله روحه تصميم الإفرنج على الكرك أمر العساكر أن دخلوا الساحل ~~لخلوه عن العساكر فهجموا نابلس ونهبوها وغنموا ما فيها ولم يبق فيها إلا ~~حصناها وأخذوا جانين والتحقوا بالسلطان برأس الماء وقد نهبوا وأسروا وحرقوا ~~وخربوا واتفق دخول السلطان دمشق يوم السبت سابع جمادى الآخرى ومعه الملك ~~العادل ونور الدين ابن قره أرسلان فرحا مسرورا وأكرمه واحترمه وأحسن إليه . # وفي هذا الشهر وصل رسول الخليفة ومعه الخلع فلبسها السلطان وألبس أخاه ~~الملك العادل وابن أسد الدين خلفا جاءت لهم وفي الرابع عشر من هذا الشهر ~~خلع السلطان خلعة الخليفة على ابن قره أرسلان وأعطاه دستورا وأعطاه للعساكر ~~وفي ذلك التاريخ وصلت رسل ابن زين الدين مستصرخا إلى السلطان يخبر أن عسكر ~~الموصل وعسكر قزل نزلوا مع مجاهد الدين قايماز وأنهم نهبوا وأحرقوا وأنه ~~نصر عليهم وكسرهم . ### || ذكر خروج السلطان إلى جهة الموصل الدفعة الثانية # ولما سمع السلطان ذلك رحل من دمشق يطلب البلاد وتقدم إلى العساكر ~~فتبعته وسار حتى أتى حران على طريق البيرة والتقى مع مظفر الدين بالبيرة في ~~الثاني عشر من محرم سنة إحدى وثمانين PageV01P067 وكان قد وصل إلى السلطان ~~عز الدين بن عبد السلام روسولا ، فلقيه بحماة يعتذر مما جرى ، وأعطاه ~~دستورا بعد أن أكرمه ، وسار من غير غرض وتقدم السلطان إلى سيف الدين ~~المشطوب أن يسير في مقدمة العسكر إلى رأس العين ووصل السلطان حران الثاني ~~والعشرين من صفر . ### || ذكر قبض مظفر الدين وإطلاقه # وفي ms043 سادس والعشرين منه قبض على مظفر الدين بن زين الدين لشيء كان قد ~~جرى منه وحديث كان بلغه رسول فلم يقف عليه وأنكره فأخذ منه قلعة حران ~~والرها ثم أقام في الاعتقال تأديبا إلى مستهل ربيع الأول ثم خلع عليه وطيب ~~قلبه وأعاد إليه قلعة حران وبلاده التي كانت بيده إلى قانونه في الإكرام ~~والاحترام ولم يتخلف له سوى قلعة الرها ووعده بها ثم رحل السلطان ثاني ربيع ~~الأول إلى رأس العين ووصله في ذلك رسول قليج أرسلان يخبره أن ملوك الشرق ~~بأسرهم قد اتفقت كلمتهم على قصد السلطان إن لم يعد عن الموصل وماردين وأنهم ~~على عزم ضرب المصاف معه إن أصر على ذلك فرحل السلطان يطلب دنيسر فوصله ثامن ~~ربيع الأول عماد الدين بن قره أرسلان ومعه عسكر نور الدين صاحب ماردين ~~فالتقاهم واحترمهم ثم رحل من دنيسر حادي عشر نحو الموصل حتى نزل موضعا يعرف ~~بالإسماعيلان قريب الموصل يصل من العسكر كل يوم نوبة جديدة يحاصر الموصل ~~فبلغ عماد الدين بن قره أرسلان موت أخيه نور الدين فطلب من السلطان دستورا ~~، طمعا في ملك أخيه ، فأعطاه دستورا . PageV01P068 ### || ذكر موت شاه أرمن صاحب خلاط # ولما كان ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين توفي شاه أرمن صاحب خلاط وولي بعده ~~غلامه بكتمر وهو الذي وصل رسولا إلى خدمة السلطان بسنجار فعدل وأحسن إلى ~~أهل خلاط وكان متصونا في طريقته فأطاعه الناس ومالوا إليه ولما ملك خلاط ~~امتدت نحوه الأطماع لموت شاه أرمن فسار نحوه بهلوان بن الدكز. فلما بلغه ~~ذلك سير إلى خدمة السلطان من يقرر معه تسليم خلاط إليه واندراجه في جملته ~~وإعطائه ما يرضيه فطمع السلطان في خلاط وارتحل عن الموصل متوجها نحوها وسير ~~إلى بكتمر الفقيه عيسى وغرس الدين قليج لتقرير القاعدة وتحريرها فوصلت ~~الرسل وبهلوان قد قارب البلاد جدا فتخوف بهلوان من السلطان فطلب بهلوان ~~إصلاحه وزوجه ابنة له وولاه وأعاد البلاد إليه واعتذر إلى رسل السلطان ~~وعادوا من غير زبدة وكان السلطان قد نزل على ms044 ميافارقين يحاصرها . ### || ذكر أخذه ميافارقين # ثم نزل على ميافارقين بعد عوده من الموصل وقاتلها قتالا ونصب عليها ~~مجانيق وكان بها إنسان يقال له الأسد وما قصر في حفظها لكن الأقدار لا ~~تغالب فملكها السلطان عن صلح في التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة إحدى ~~وثمانين . PageV01P069 ### || ذكر ( 49 أ ) عود السلطان إلى الموصل # ولما أيس من أمر خلاط عاد إلى الموصل فنزل بعيدا عنها وهي الوقعة الثالثة ~~بموضع يقال له كفر زمار وكان الحر شديدا فأقام مدة. وفي هذه المنزلة ~~أتاه سنجر شاه من الجزيرة واجتمع به فأعاده إلى بلده ومرض رحمه الله بكفر ~~زمار مرضا شديدا خاف من غائلته فرحل طالبا حران وهو مريض وكان يتجلد ولا ~~يركب محفة فوصل وهو شديد المرض وبلغ إلى غاية الضعف وأيس منه ورجف بموته ~~فوصل إليه أخوه من حلب ومعه أطباؤه. ### || ذكر صلح المواصلة معه # وكان سبب ذلك أن عز الدين أتابك صاحب الموصل سيرني إلى الخليفة يستنجد ~~فلم يحصل منه زبدة فلما وصلت من بغداد ورددت جواب الرسالة أيس من نجدة فلما ~~بلغهم مرض السلطان رأوا بذلك فرصة وعلموا سرعة انقياده ورقة قلبه في ذلك ~~الوقت فندبوني لهذا الأمر وبهاء الدين الربيب وفوض إلي أمر النسخة التي حلف ~~بها وقالوا امضيا ما يصل إليه جهدكما وطاقتكما فسرنا حتى أتينا العسكر ~~والناس كلهم آيسون من السلطان وكان وصولنا في أوائل ذي الحجة فاحترمنا ~~احتراما عظيما وجلس لنا وكان أول جلوسه من مرضه وحلف في يوم عرفة وأخذنا ~~منه بين النهرين وكان أخذها من سنجر شاه فأعطاها المواصلة وحلفته يمينا ~~تامة وحلفت أخاه الملك العادل ومات قدس الله روحه وهو على ذلك الصلح لم ~~يتغير عنه PageV01P070 وسرنا معه وهو بحران وقد تماثل ووصله خبر موت ابن ~~أسد الدين صاحب حمص وكانت وفاته يوم عرفة وجلس الملك العادل للعزاء وفي تلك ~~الأيام كانت وقعة التركمان مع الأكراد وقتل بينهم خلق عظيم وفي هذا الشهر ~~وصل خبر وفاة بهلوان ابن الدكز وكانت وفاته في سلخ ذي ms045 الحجة. ### || ذكر عود السلطان إلى الشام # ولما وجد السلطان نشاطا من مرضه رحل يطلب جهة حلب وكان وصوله إليها رابع ~~عشر محرم سنة اثنتين وثمانين وكان يوما مشهود الشدة فرح الناس بعافيته ~~ولقائه فأقام فيها أربعة أيام ثم رحل نحو دمشق ولقيه أسد الدين شيركوه بن ~~محمد شيركوه بتل السلطان ومعه أخته وقد صحبه خدمة عظيمة فمن عليه بحمص ~~وأقام أياما يعتبر تركة أبيه ثم سار يطلب لجهة دمشق وكان دخوله إليها في ~~ثاني ربيع الأول وكان يوما لم ير مثله فرحا وسرورا ووقعت في هذا الشهر ~~وقعات كثيرة بين الترك والأكراد بأرض نصيبين وغيرها وقتل من الفئتين خلق ~~عظيم وبلغ السلطان أن معين الدين قد عصا بالراوند فكتب إلى عسكر حلب أن ~~حاصروه وفي ثاني جمادى الأولى وصل معين الدين من الراوند وقد سلمها إلى علم ~~الدين سليمان ثم مضى إلى خدمة السلطان وفي سابع عشر وصل الملك الأفضل إلى ~~دمشق ولم يكن قد رأى قبل ذلك الشام . PageV01P071 | ### || ذكر مسير السلطان العادل إلى مصر وعودة الملك الظاهر إلى محروسة حلب # وذلك أن السلطان رأى ذهاب الملك العادل إلى مصر فإنه كان آنس بأحوالها من ~~الملك المظفر ليزيل تقاويضها بذلك وهو على حران مريض وقد حصل ذلك في نفس ~~الملك العادل فإنه كان يحب الديار المصرية فلما عاد السلطان إلى دمشق ومن ~~الله بعافيته سير يطلب الملك العادل إلى دمشق فخرج من حلب جريدة في الرابع ~~والعشرين من ربيع الأول وسار حتى أتى دمشق فأقام بها في خدمة السلطان فجرت ~~بينهما أحاديث ومراجعات في قواعد تقرير إلى جمادى الآخرة واستقرت القاعدة ~~على عود الملك العادل إلى مصر وتسليم حلب وسير الصنيعة لإحضار أهله من حلب ~~. ### || ذكر عود الملك الظاهر إلى محروسة حلب # وكان الملك الظاهر أيده الله والملك العزيز بدمشق في خرمة والدهما ~~فلما استقرت القاعدة على عود الملك العادل إلى مصر استقرت على أن يكون ~~أتابك الملك العزيز وسلمه والده إليه يربي أمره وسلم الملك العادل حلب إلى ~~الملك ms046 الظاهر ولقد قال لي الملك العادل أنه لما استقرت عليه هذه القاعدة ~~واجتمعت بخدمة الملك العزيز والملك الظاهر وجلست بينهما قلت للملك العزيز ~~يا مولاي إن السلطان قد أمرني أن أسير في خدمتك PageV01P072 إلى مصر وأنا ~~أعلم أن المفسدين كثير وغدا لا يخلون ممن يقول عني مالا يجوز ويخوفونك مني ~~فإن كان لك أذن تسمع فقل لي حتى لا أجيء فقال لا أسمع وكيف يكون ذلك ثم ~~التفت وقلت للملك الظاهر أنا أعرف أن أخاك ربما يسمع في أقوال المفسدين ~~وأنا فمالي إلا أنت متى ضاق صدري من جانبه فقال مبارك وذكر كل خير ثم إن ~~الملك الظاهر سيره والده إلى حلب ليعلمه أن حلب هي أصل الملك وجرثومته ~~وقاعدته ولهذا دأبت في طلبها ذلك الدأب ولما حصلت أعرض عما عداها من بلاد ~~المشرق وقنع منهم بالطاعة والمعونة على الجهاد فسلمها إليه علما منه ~~بحذاقته وحزمه وثباته وعلو همته فسار إليها حتى العين المباركة وسير في ~~خدمته الشحنة حسام الدين بشاره وواليا عيسى بن بلاشوا فنزل بعين المباركة ~~وخرج الناس إلى لقائه في بكرة تاسع جمادى الآخرى وصعد القلعة ضحوة نهار ~~وفرح الناس به فرحا شديدا ومد على الناس من جناح عدله. وأفاض عليه وابل ~~فضله وأما الملك العزيز والملك العادل فإن السلطان قرر حالتهما وكتب إلى ~~الملك المظفر يخبره بمسير الملك العزيز وهو صحبة عمه ويأمره بالوصول إلى ~~الشام وشق ذلك عليه حتى أظهر للناس وعزم PageV01P073 على المسير إلى ديار ~~الغرب إلى برقا فقبح ذلك عليه جماعة من أكابر الدولة وعرفوه أن عمه السلطان ~~يخرج من يده في الحال والله أعلم ما يكون بعد ذلك فرأى الحق بعين البصيرة ~~وأجاب بالسمع والطاعة وسلم البلاد ورحل واصلا إلى خدمة السلطان فسار ~~السلطان إلى لقائه وفرح بوصوله فرحا شديدا وذلك في الثالث والعشرين من ~~شعبان وأعطاه حماة وسار إليها وكان قد عقد بين الملك الظاهر وبعض بنات ~~الملك العادل عقد نكاح فتمم ذلك ودخل بها في السادس والعشرين من شهر رمضان ms047 ~~ودخل الملك الأفضل على زوجته بنت ناصر الدين بن أسد الدين في شوال من السنة ~~المذكورة المباركة ### || ذكر غزاة أنشأها إلى الكرك # ولما كان محرم سنة ثلاث وثمانين عزم على قصد الكرك فسير إلى حلب من ~~يستحضر العسكر وبرز من دمشق في منتصف محرم فسار حتى نزل بأرض نيطرة منتظرا ~~اجتماع العساكر المصرية والشامية وأمر العساكر المتواصلة إليه بشن الغارات ~~على ما في طريقهم من البلاد الساحلية ففعلوا ذلك وأقام بأرض الكرك حتى وصل ~~الحاج الشامي إلى الشام وأمنوا غائلة العدو ووصل قفل مصر الشتوي ووصل معه ~~بيت الملك المظفر وما كان له بالديار المصرية وتأخرت عنه العساكر الحلبية ~~بسبب اشتغالها بالإفرنج بأرض انطاكية من بلاد ابن لاون وذلك أنه قد مات ~~ووصى لابن أخيه - الملعون - بالملك وكان الملك المظفر بحماه وبلغ السلطان ~~الخبر ( 53 أ ) فأمرهم بالدخول إلى بلاد العدو وإخماد ثائرتهم وكان وصول ~~تقي الدين إلى محروسة حلب في سابع عشر المحرم سنة ثلاث وثمانين ، فنزل في ~~دار عفيف الدين بن زريق ، فأقام بها إلى ثالث صفرن وانتقل إلى دار كلمان ~~PageV01P074 وفي تاسع صفر وسار الملك المظفر بعسكر حلب إلى حارم فأقام بها ~~ليعلم العدو أن هذا الجانب ليس بمهمل فعاد السلطان إلى الشام ونزل بعشترا ~~في السابع عشر من ربيع الأول ولقيه ولده الملك الأفضل ومظفر الدين بن زين ~~الدين وجميع العساكر. وكان قد تقدم إلى الملك المظفر بمصالحة الجانب ~~الحلبي مع الإفرنج ليتفرغ البال من العدو في جانب واحد فصالحهم في العشر ~~الأواخر من ربيع الأول وتوجه إلى حماة يطلب خدمة السلطان للغزاة التي عزم ~~عليها فسار ومن اجتمع به من العساكر الشرقية في خدمته وهم عسكر الموصل ~~مقدمتهم مسعود بن الزعفراني وعسكر ماردين فلقيهم السلطان في العشر الأوسط ~~من ربيع الآخر فأقرهم وأكرمهم في منتصف هذا الشهر عرض السلطان العسكر لأمر ~~قد عزم عليه على تل يعرف بتل تسيل تيسل وتقدم في أصحاب الميمنة بحفظ موضعهم ~~وإلى أصحاب الميسرة بذلك وإلى القلب بمثله. ### || ذكر وقعة ms048 حطين المباركة على المؤمنين # وذلك أن السلطان رأى أن نعمة الله عليه باستقرار قدمه في الملك وتمكين ~~الله إياه في البلاد وانقياد الناس لطاعته ولزومهم قانون خدمته ليس لها شكر ~~سوى الاشتغال ببذل الجهد والاجتهاد إلى إقامة قانون الجهاد فسير إلى سائر ~~العساكر واستحضرها واجتمعوا إليه بعشترا في التاريخ المذكور وعرضهم ورتبهم ~~واندفع قاصدا نحو بلاد العدو المخذول في نهار الجمعة سابع عشر ربيع الآخر ~~وكان أبدا يقصد بوقعاته الجمع سيما أوقات صلاة الجمعة تبركا بدعاء الخطباء ~~على المنابر فربما كانت أقرب إلى الإجابة فسار في ذلك الوقت على تعبية ~~الحركة وكان بلغه أن العدو لما بلغهم أنه قد جمع العساكر اجتمعوا بأسرهم في ~~مرج صفورية بأرض عكا وقصدوا نحو المصاف معهم فسار ونزل من يومه على بحيرة ~~طبرية عند قرية تسمى PageV01P075 الصنبرة ورحل من هناك ونزل غربي طبرية على ~~سطح الجبل بتعبية الحرب منتظرا أن الإفرنج إذا بلغهم ذلك قصدوه فلم يتحركوا ~~من منزلهم وكان نزوله في هذه المنزلة يوم الأربعاء الحادي والعشرين فلما ~~رآهم لا يتحركون نزل جريدة على طبرية وترك الأطلاب بحالها قبالة وجه العدو ~~ونازل طبرية وزحف عليها فهجمها وأخذها في ساعة من نهار وامتدت الأيدي إليها ~~بالنهب والأسر والحريق والقتل واحتمت القلعة وحدها. ولما بلغ العدو ما ~~جرى على طبرية لم يأخذهم الصبر دون إجابة الحمية فرحلوا من وقتهم وساعتهم ~~وقصدوا طبرية للدفع عنها فأخبرت الطلائع الإسلامية الأمراء بحركة الإفرنج ~~فسيروا إلى السلطان من عرفه ذلك فترك على طبرية من يحفظ قلعتها ولحق العسكر ~~هو ومن معه فالتقى العسكران على سطح جبل طبرية الغربي منها وذلك في أواخر ~~الخميس الثاني والعشرين وحال الليل بين الفئتين فتبايتا على مصاف شاكي ~~السلاح إلى صبيحة الجمعة في الثالث والعشرين فركب العسكران وتصادما وعملت ~~الجاليشية وتحركت الأطلاب والتحم القتال واشتد الأمر وذلك بأرض قرية تسمى ~~اللوبيا وضاق الخناق بالقوم هذا وهم سائرون كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون. وقد أيقنوا بالويل والثبور. وأحست أنفسهم أنهم في غد زوار ~~القبور. ms049 ولم يزل الحرب يلتحم. والفارس مع قرنه يصطدم. حتى لم يبق ~~إلا الظفر. ووقع الوبال على من كفر. فحال بينهما الليل وظلامه وجرى ~~في ذلك اليوم من الوقائع العظيمة والأمور الجسيمة ما لم يحك عمن تقدم وبات ~~كل فريق في سلاحه ينتظر خصمه في كل ساعة وقد أقعده التعب عن النهوض. ~~وشغله النصب عن الحبو فضلا عن الركوض. حتى كان صباح السبت الذي بورك فيه ~~فطلب كل من الفريقين مقامه وعلمت كل طائفة أن المكسورة بينهما مدحورة الجنس ~~معدومة النفس. وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد ~~القوم وأن لا ينجيهم إلا الله تعالى . PageV01P076 وكان الله قدر نصر ~~المؤمنين ويسره. وأجراه على وفق ما قدره. فحملت الأطلاب الإسلامية من ~~الجوانب وحمل القلب وصاحوا صيحة الرجل الواحد فألقى الله الرعب في قلوب ~~الكافرين. وكان حقا علينا نصر المؤمنين. وكان القومص ذكي القوم ~~وأطغاهم فرأى أمارات الخذلان قد نزلت بأهل دينه ولم يشغله ظن محاسنة حبسه ~~عن تعبية فهرب في أوائل الأمر قبل اشتداده وأخذ طريقه نحو صور وتبعه جماعة ~~من المسلمين فنجا وحده. وأمن الإسلام كيده واحتاط أهل الإسلام بأهل ~~الكفر والطغيان من كل جانب وأطلقوا عليهم السهام وعاملوهم بالصفاح وانهزمت ~~منهم طائفة فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها واحد واعتصمت الطائفة ~~الأخرى بتل يقال له تل حطين وهي قرية عنده وعندها قبر شعيب عليه الصلاة ~~والسلام وعلى سائر الأنبياء فضايقهم المسلمون على التل وأشعلوا حواليهم ~~النيران وقتلهم العطش وضاق بهم الأمر حتى كانوا يستسلمون للأسر خوفا من ~~القتل فأسر مقدموهم وقتل الباقون وأسروا وكان فيمن سلم وأسر من مقدميهم : ~~الملك جفري والبرنس أرناط وأخو الملك والبرنس هو صاحب الشوبك وابن الهنغري ~~وابن صاحب طبرية ومقدم الداوية وصاحب حبيل ومقدم الأسبتار وأما الباقون من ~~المقدمين فإنهم قتلوا وأما الأذوان فإنهم قسموا إلى قتيل وأسير ولم يسلم ~~منهم إلا من أسر وكان الواحد العظيم منهم يخلد إلى الأسر خوفا على نفسه ~~ولقد حكى لي من أثق به أنه لقي ms050 بحوران شخصا واحدا معه طنب خيمة فيه نيف ~~وثلاثون أسيرا أخذهم وحده لخذلان وقع عليهم. فأما الذين بقوا من مقدميهم ~~فنذكر حديثهم. أما القومص الذي هرب فإنه وصل إلى طرابلس وأصابته ذات ~~الجنب فأهلكه الله بها. وأما مقدم الأسبتار والداوية فإن السلطان اختار ~~قتلهم فقتلوا عن بكرة أبيهم . PageV01P077 | وأما البرنس أرناط فكان ~~السلطان قد نذر أنه إذا ظفر به قتله وذلك أنه كان عبر به بالشوبك قافلة من ~~الديار المصرية في حالة الصلح فنزلوا عنده بالأمان فغدر بهم وقتلهم فناشدوه ~~الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وبلغ ذلك السلطان فحمله الدين والحمية على أنه نذر إن ظفر ~~به قتله. ولما فتح الله بالنصر والظفر جلس السلطان في دهليز الخيمة ~~فإنها لم تكن نصبت والناس يتقربون إليه بالأسرى ومن وجدوه من المقدمين ~~ونصبت الخيمة وجلس فرحا مسرورا لما أنعم الله به عليه ثم استحضر الملك جفري ~~وأخاه والبرنس أرناط وناول الملك جفري شربة من حلاب بثلج فشرب منها وكان ~~على أشد حال من العطش ثم ناول بعضها البرنس أرناط فقال السلطان للترجمان : ~~قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا فما سقيته وكان على عادة جميل العرب ~~وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل وشرب من ماء لمن أسره أمن بذلك جريا على ~~مكارم الأخلاق ثم أمرهم بمسيرهم إلى موضع عين لنزولهم فمضوا وأكلوا شيئا ثم ~~عادوا فاستحضرهم ولم يبق عنده سوى بعض الخدم وأقعد الملك في الدهليز ~~واستحضر البرنس أرناط وأوقفه على ما قال وقال له : ها أنا أنتصر لمحمد عليه ~~الصلاة والسلام ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل PageV01P078 ثم سل النمجاة ~~وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه من حضر وعجل الله بروحه إلى النار فأخذ ورمي ~~على باب الخيمة . فلما رآه الملك قد خرج به على تلك الصورة لم يشك أنه يشي ~~به فاستحضره وطيب قلبه وقال : لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك. ~~وأما هذا فإنه تجاوز حده فجرى ما جرى. ms051 وبات الناس في تلك الليلة على أتم ~~سرور وأكمل حبور ترتفع أصواتهم بالحمد لله والشكر له والتكبير والتهليل حتى ~~طلع الصبح في يوم الأحد . ### || ذكر أخذ قلعة طبرية # ولما كان يوم الأحد الخامس والعشرين من ربيع الآخر نزل - قدس الله روحه - ~~على طبرية وتسلم في بقية ذلك اليوم قلعة طبرية وأقام بها إلى يوم الثلاثاء ~~. ### || ذكر أخذ عكا # ثم رحل طالبا عكا وكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر ~~وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى فأخذ واستنقذ من كان فيها من ~~الأسارى وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر واستولى على ما فيها من الأموال ~~والذخائر والبضائع والتجائر فإنها كانت مظنة التجار وتفرقت العساكر في بلاد ~~الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة وأخذوا نابلس وحيفا ~~وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلوها عن الرجل بالفتك والأسر ولما ( ~~57 ب ) استقرت قواعد عكا واقتسم الغانمون أموالها وأساراها سار السلطان ~~يطلب تبتين PageV01P079 ### || ذكر أخذ تبنين # فنزل عليها يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى وهي قلعة منيعة فنصب عليها ~~المناجيق وضيق عليها بالزحف الخناق وكان بها رجال أبطال شديدون في دينهم ~~فاحتاجوا إلى معاناة شديدة ونصره الله عليهم وتسلمها ثامن عشر عنوة وأسر من ~~بقي بها بعد القتل ثم رحل منها إلى صيدا فنزل عليها ومن الغد تسلمها وأقام ~~عليها بحيث قرر قاعدتها . ### || ذكر أخذ بيروت # ثم سار [ السلطان ] حتى أتى بيروت فنازلها في الثاني والعشرين فركب ~~عليها القتال والزحف وضيق عليهم الأمر حتى أخذها في التاسع والعشرين وتسلم ~~أصحابه حبيلا وهو على بيروت. ولما فرغ باله من هذا الجانب رأى قصد ~~عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها ومارسها لأن العسكر كان قد ~~تفرق في الساحل وذهب كل إنسان يأخذ لنفسه شيئا وكانوا قد ضرسوا من القتال ~~وملازمة الحرب وكان قد اجتمع في صور كل إفرنجي بقي في الساحل فرأى قصد ~~عسقلان لأن أمرها كان أيسر . ### || ذكر أخذ عسقلان # ونازلها في السادس والعشرين من جمادى الآخرة وتسلم في طريقه مواضع ~~كثيرة كالرملة ms052 وبينا والدارون وأقام عليها المنجنيقات وقاتلها قتالا شديدا ~~وتسلمها سلخ هذا الشهر وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبرين ~~والنطرون بغير قتال PageV01P080 وكان بين فتوح عسقلان وأخذ الإفرنج لها من ~~المسلمين خمسة وثلاثون سنة فإن العدو ملكها في سبعة وعشرين من جمادى الأخرى ~~سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ### || ذكر فتوح القدس الشريف حرسها الله تعالى # ولما تسلم عسقلان والأماكن المحيطة بالقدس شمر عن ساق الجد والاجتهاد في ~~قصده واجتمعت عليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل بعد انقضاء لبانها ~~من النهب والغارة فسار نحوه معتمدا على الله معوضا أمره إليه منتهزا فرصة ~~فتح باب الخير الذي حث عليه صلى الله عليه وسلم بقوله : من فتح باب خير ~~فلينتهز بأنه لا يدري متى يغلق دونه وكان نزوله عليها في الخامس عشر من رجب ~~سنة ثلاثة وثمانين المباركة فنزل في الجانب الغربي وكان مشحونا بالمقاتلة ~~والخيانة والرجالة. ولقد تحازر أهل الخبرة عدة من كان فيه من المقاتلة ~~بما يزيد على ستين ما عدا النساء والصبيان. ثم انتقل رحمه الله لمصلحة ~~رآها إلى الجانب الشمالي ونصب عليه المناجيق وضايقه بالزحف والقتال وكثرة ~~الرماة حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم في قرنة شمالية. ولما ~~رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا يندفع عنهم وظهرت لهم أمارات ~~نصرة الحق على الباطل وكان قد ألقى في قلوبهم الرعب مما جرى على أبطالهم ~~ورجالهم من السبي والقتل والأسر وما جرى على حصونهم من الاستيلاء والأخذ ~~علموا أنهم إلى ما صاروا إليه صائرون. وبالسيف الذي قتل به إخوانهم ~~مقتولون فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان واستقرت القاعدة بالمراسلة بين ~~الطائفتين . PageV01P081 وكان تسلمه القدس قدس الله روحه في يوم الجمعة ~~السابع والعشرين من رجب وليلة كانت المعراج المنصوص عليها في القرآن المجيد ~~. | فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف يسر الله عوده إلى أيدي المسلمين في ~~مثل زمان الإسراء بنبيهم صلى الله عليه وسلم وهذه علامة قبول هذه الطاعة من ~~الله تعالى وكان فتوحا ms053 عظيما شهده من أهل العلم خلق عظيم ومن أرباب الحرف ~~والطرق وذلك أن الناس لما بلغهم ما يسر الله على يده من فتوح الساحل وشاع ~~قصده القدس قصده العلماء من مصر ومن الشام بحيث لم يتخلف معروف من الحضور ~~وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير وخطب فيه وصليت فيه ~~الجمعة يوم فتحه. وحط الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما ~~ونصر الله الإسلام نصر عزيز مقتدر. وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على ~~أنفسهم عن كل رجل عشرة دنانير وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية وعن كل صغير ~~ذكر أو أنثى دينارا واحدا فمن أحضر القطيعة سلم نفسه وإلا أخذ أسيرا أو فرج ~~الله عمن كان أسيرا من المسلمين وكان خلقا عظيما زهاء ثلاثة آلاف أسير ~~وأقام رحمه الله يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والعلماء وإيصال من دفع ~~قطيعته منهم إلى مأمنه وهو صور. ولقد بلغني أنه رحل عن القدس ولم يبق له ~~من ذلك الملك شيء وكان مائتي ألف دينار وكان رحيله يوم الجمعة الخامس ~~والعشرين من شعبان سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة . PageV01P082 | ### || ذكر قصده صور يسر الله فتحها # ولما ثبت قدم السلطان بملك القدس والساحل قويت نفسه على قصد صور وعلم أنه ~~إن أخر أمرها ربما اشتد فرحل سائرا إليها حتى عكا فنزل عليها ونظر في ~~أحوالها ثم رحل متوجها إلى صور يوم الجمعة خامس شهر رمضان وسار حتى أشرف ~~عليها ونزل قريبا منها ينتظر وصول آلات القتال . ### || ذكر وصول ولده الظاهر إليه # وكان لما تحرر عزمه على قصد صور سير إلى ولده الملك الظاهر يستحضره ~~وكان قد تركه بحلب ليسد ذلك الجانب لاشتغاله هو بأمر الساحل فقدم عليه في ~~الثامن عشر على تلك المنزلة وسر بوصوله سرورا عظيما . ### || ذكر نزوله على صور # ولما تكاملت عنده آلات القتال من المناجيق والدبابات والسنائر وغير ذلك ~~نزل عليها في الثامن والعشرين وضايقها وقاتلها قتالا عظيما واستدعى أسطول ~~مصر وكان يحاصرها من البحر والعسكر من البر وكان قد خلف أخاه الملك ms054 العادل ~~بالقدس يقرر قواعده فاستدعاه فوصل إليه في خامس شوال وسير من حاصر هونين ~~فسلمت بأمان في الثالث والعشرين من شوال سنة ثلاث وثمانين . PageV01P083 | ### || ذكر كسرة الأسطول # ( 60 ب ) وذلك أنه قدم على الأسطول إنسان يقال له الفارس بدران وكان ~~ناهضا جلدا في البحر وكان رئيس البحريين يقال له عبد المحسن وكان قد أكد ~~عليهم الوصية وأخذ حذرهم وتيقظهم لئلا تنتهز منهم فرصة فخالفوه وغفلوا عن ~~أنفسهم في الليل فخرج أسطول الكفار من صور وكبسوهم وأخذوا المقدمين مع خمسة ~~قطع وقتلوا خلقا عظيما من الأسطول الإسلامي وذلك في السابع والعشرين من ~~شوال فلما علم السلطان ما تم على المسلمين ضاق عطنه وكان قد هجم الشتاء ~~وتراكمت الأمطار وامتنع الناس من القتال من شدة المطر فجمع الأمراء ~~واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بالرحيل ليأخذ العسكر جزأ من الراحة ~~ويستعدوا لهذا الأمر استعدادا جديدا فرأى ذلك رأيا ورحل عنها بعد أن رمى ~~المنجنيقات وسيرها وأحرق مالا يمكن ثقله وكان رحيله ثاني ذي القعدة من هذه ~~السنة ففرق العساكر وأعطاها دستورا وسار كل قوم إلى بلادهم وأقام هو مع ~~جماعة من خواصه بعكا حتى دخلت سنة أربع وثمانين. ### || ذكر نزوله على كوكب # ولما دخلت عليه هذه السنة المباركة رأى الاشتغال بالحصون الباقية لهم مما ~~يضعف قلوب من في صور وينهي أمرها به فاشتغل بذلك ونزل على كوكب في أوائل ~~محرم وكان سبب بداءته بكوكب أنه قد جعل حولها جماعة يحفظونها من أن تدخل ~~إليهم قوة فخرج الإفرنج ليلا وأخذوا غرتهم وكبسوهم بعفربلا وقتلوا مقدمهم ~~وكان من الأمراء ويعرف بسيف الدين أخي الجاولي وأخذوا أسلحتهم فسار رحمه ~~الله من عكا ونزل عليها بمن بقي معه من خواصه فإنه كان PageV01P084 قد أعطى ~~العساكر دستورا وعاد أخوه إلى مصر وولده إلى حلب ولقي في طريقه شدة من ~~الثلج والبرد فحملته مع ذلك الحمية على النزول عليها وأقام يقاتلها مدة. ~~وفي تلك المنزلة وصلت إلى خدمته فإني كنت قد حججت سنة ثلاث وثمانين وكانت ~~وقعة ابن المقدم ms055 وجرح يوم عرفة على عرفة لخلف جرى بينه وبين أمير الحاج ~~طستكين على ضرب الكؤوس والدبدبة فإن أمير الحاج نهاه عن ذلك فلم ينته ابن ~~المقدم وكان من أكبر أمراء الشام وكان كثير الغزاة فقدر الله أن جرح بعرفة ~~يوم عرفة ثم حمل إلى منى مجروحا ومات بمنى يوم الخميس يوم عيد الله الأكبر ~~وصلي عليه في مسجد الخيف في بقية ذلك اليوم ودفن بالمعلا وهذا من أتم ~~السعادات وبلغ ذلك السلطان فشق عليه ثم اتفق لي العود من الحج إلى الشام ~~لقصد القدس وزيارته والجمع بين زيارة النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام فوصلت إلى دمشق ثم خرجت إلى القدس فبلغه خبر ~~وصولي فظن أني وصلت من جانب الموصل في حديث فاستحضرني عنده وبالغ في ~~الإكرام والاحترام. ولما ودعته ذاهبا إلى القدس خرج لي بعض خواصه ~~وأبلغني تقدمه إلي بأن أعود أتمثل في خدمته عند العود من القدس فظننت أنه ~~يوصيني بمهم إلى الموصل وانصرفت إلى القدس يوم رحيله عن كوكب ورحل لأنه علم ~~أن هذا الحصن لا يؤخذ إلا بجمع العساكر عليه وكان حصنا قويا وفيه رجال شداد ~~من بقايا السيف وميرة عظيمة فرحل إلى دمشق وكان دخوله إليها في سادس ربيع ~~الأول. وفي ذلك اليوم اتفق دخولي إليها عائدا من القدس وأقام بها خمسة ~~أيام فكان له عنها ستة عشر شهرا وفي اليوم الخامس بلغه خبر الإفرنج أنهم ~~بحبيلا واغتالوها فخرج مسرعا ساعة بلوغ الخبر وكان PageV01P085 قد سير إلى ~~العساكر يستدعيها من سائر الجوانب وسار يطلب حبيلا فلما عرف الإفرنج بخروجه ~~كفوا عن ذلك. وكان بلغه وصول عماد الدين وعسكر الموصل ومظفر الدين إلى ~~حلب قاصدين الخدمة للغزاة فسار نحو حصن الأكراد في طلب الساحل الفوقاني. ### || ذكر دخوله الساحل الأعلى وأخذه اللاذقية وجبلة وغيرهما # ولما كان مستهل ربيع الآخر نزل على تل قبالة حصن الأكراد ثم سير إلى ~~الملك الظاهر والملك المظفر أن يجتمعا وينزلا بتبرين قبالة أنطاكية ليحفظ ~~ذلك الجانب وسارت عساكر ms056 الشرق حتى اجتمعت لخدمة السلطان في هذه المنزلة ~~ووصلت إليه بها على عزم المسير إلى الموصل متجهزا لذلك فلما حضرت عنده فرح ~~بي وأكرمني وكنت قد جمعت له كتابا في الجهاد بدمشق مدة مقامي فيها يجمع ~~أحكامه وآدابه فقدمته بين يديه فأعجبه وكان يلازم مطالعته وما زلت أطلب ~~دستورا في كل وقت وهو يدافعني عن ذلك ويستدعيني للحضور في خدمته في كل وقت ~~ويبلغني على ألسنة الحاضرين ثناءه علي وذكره إياي بالجميل فأقام في منزلته ~~ربيعا الآخر جميعه وصعد في أثناءه إلى حصن الأكراد وحاصرها يوم مجيئه بها ~~فما رأى الوقت يحمل حصاره واجتمعت العساكر من الجوانب وأغار على بلد طرابلس ~~في الشهر دفعتين ودخل البلاد مغيرا ومختبرا لمن بها من العساكر ويقويه ~~العساكر بالغنائم ثم نادى في الناس في أواخر الشهر إنا داخلون الساحل وهو ~~قليل الأزواد والعدو يحيط بنا في بلاده من سائر الجوانب فاحملوا زاد شهر . ~~PageV01P086 ثم سير إلي مع الفقيه عيسى وكشف إلي أنه ليس في عزمه أن يمكنني ~~من العود إلى بلادي وكان الله قد أوقع في قلبي محبته منذ رأيته وحبه الجهاد ~~فأحببته لذلك وخدمته من تاريخ مستهل جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وهو يوم ~~دخوله الساحل وجميع ما حكيته قبل إنما هو روايتي عمن أثق به ممن شاهده ومن ~~هذا التاريخ ما سطرت إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق به خبرا يقارب ~~العيان والله الموفق . ### || ذكر دخوله - رحمه الله عليه - إلى الساحل # ( 63 ب ) ولما كان يوم الجمعة رابع جمادى الأولى رحل السلطان على تعبية ~~لقاء العدو ورتب الأطلاب وسارت الميمنة أولا ومقدمها عماد الدين زنكي ~~والقلب في الوسط والميسرة في الآخر ومقدمها مظفر الدين وسار الثقل في وسط ~~العسكر حتى أتى المنزل فبتنا تلك الليلة في بلد العدو ثم رحل في صبيحة ~~السبت ونزل على العزيمة فلم يقاتلها ولم يتعرض لها ، ولكن أقام عليها بقية ~~يوم السبت ورحل عنها يوم الأحد . ### || ذكر فتح أنطرطوس # ووصل في السادس إلى أنطرسوس فوقف ms057 قبالتها ينظر إليها وكان في عزمه ~~الاجتياز فإنه كان له عمل بجبلة فاستهان بأمرها فعزم على قتالها فسير من رد ~~الميمنة وأمرها بالنزول على جانب البحر ولها برجان كالقلعتين حصينان وركب ~~هو وقارب البلد وأمر الناس PageV01P087 بالزحف والقتال فلبسوا لامة الحرب ~~والقتال والزحف وضايقهم فما استتم نصب الخيم واشتغلوا بالنهب والكسب ووفى ~~بقوله نتغدى بأنطرسوس إن شاء الله وعاد إلى خيمته فرحا مسرورا. وحضرنا ~~عنده للهناء بما جرى ومد الطعام وحضر الناس وأكلوا على عادتهم ورتب على ~~البرجين الباقيين الحصار فسلم أحدهما مظفر الدين فما زال يحاصره حتى أخرجه ~~وأخذ من كان فيه وأمر السلطان بإخراب سور البلد وقسمه على الأمراء وشرعوا ~~في إخرابه وأخذوا يحاصرون الآخر. وكان حصنا منيعا مبنيا بالحجر النحيت ~~وقد اجتمع من كان فيها من الخيالة والبصارقة والمقاتلة وخندقه يدور فيه ~~الماء وفيه فروج كثيرة يخرج الناس منها عن بعد وليس له قدر يخرج عليه مسلم ~~فرأى السلطان تأخير أمره والاشتغال بما هو أهم منه فاشتد في إخراب السور ~~حتى أتى عليه وخرب البيعة وهي بيعة عظيمة عندهم محجوج إليها من أقطار ~~بلادهم وأمر بوضع النار في البلد فأحرق جميعه حتى كان تتأجج النار في إرزه ~~وبيوته والأصوات مرتفعة بالتهليل والتكبير فأقام عليها يخربها إلى الرابع ~~عشر وسار يريد جبلة وكان عرض له ولده الملك الظاهر في أثناء طريق جبلة فإنه ~~طلبه وأمره أن يحضر معه جميع العساكر التي كانت بتبزين ، فحصرهم في خدمته . ~~PageV01P088 | ### || ذكر فتوحه جبلة # وكان وصوله - قدس الله روحه - إليها في ثامن عشر ( 65 أ ) في يوم الجمعة ~~، وما استتم نزول العساكر حتى أتى البلد وكان فيه مسلمون مقيمون فيه وفاض ~~يحكم بينهم وكان قد عمل على البلد فلم يمتنع وبقيت القلعة ممتنعة فاشتغل ~~بقتالها فقاتلت قتالا يقيم عذرا لمن كان فيها وسلمت بالأمان في التاسع عشر ~~وأقام عليها إلى الثالث والعشرين وسار عنها يطلب اللاذقية . ### || ذكر فتوح اللاذقية # وكان نزوله عليها يوم الخميس الرابع والعشرين وهي بلد مليح خفيف على ~~القلب غير ms058 مستور. وله ميناء مشهورة وله قلعتان متصلتان على تل مشرف على ~~البلد فنزل محدقا بالبلد وأخذ العسكر منازلهم مستديرين على القلعتين من ~~جميع نواحيها إلا من ناحية البلد واشتد القتال وعظم الزحف وارتفعت الأصوات ~~وقوي الضجيج إلى آخر اليوم المذكور. وأخذ البلد دون القلعتين وغنم الناس ~~منه غنيمة عظيمة فإنه كان بلد التجار ففرق بين الناس الليل وهجومه وأصبح ~~يوم الجمعة مقاتلا مجتهدا في أخذ النقوب وأخذت النقوب من شمالي القلاع ~~وتمكن منها النقب حتى بلغ طوله على ما حكي لي من ذرعه ستين ذراعا وعرضه ~~أربعة أذرع واشتد الزحف عليهم حتى صعد الناس الجبل وقاربوا السور وتواصل ~~القتال حتى صاروا يتحاذفون بالحجارة باليد فلما رأى عدو الله ما حل بهم من ~~الصغار والبوار استغاثوا بطلب الأمان عشية الجمعة الخامس والعشرين من الشهر ~~وطلبوا قاضي جبلة يدخل إليهم ليقرر لهم الأمان فأجيبوا إلى ذلك . ~~PageV01P089 وكان رحمه الله متى طلب منه الأمان لا يبخل به رفقا فعاد الناس ~~عنهم إلى خيامهم واستقر الحال معهم على أنهم يطلقون بنفوسهم وذراريهم ~~وأموالهم خلا الغلال والذخائر وآلات السلاح والدواب وأطلق لهم دواب ~~يركبونها إلى مأمنهم وأجيبوا إلى ( 66 أ ) ذلك ، ورقي عليها العلم الإسلامي ~~المنصور في بقية يوم السبت المذكور المبارك ، وأقمنا عليها إلى يوم الأحد ~~السابع والعشرين . ### || ذكر فتوح صهيون # ورحل عن اللاذقية طالبا صهيون واستدارت العساكر بها من سائر نواحيها في ~~التاسع والعشرين ونصب عليها ستة مناجيق وهي قلعة حصينة منيعة في طرف جبل ~~خنادقها أودية هائلة واسعة عظيمة وليس لها خندق محفور إلا من جانب واحد ~~مقدار طوله ستون ذراعا أو أكثر وهو نقر في حجر ولها ثلاثة أسوار سور دون ~~ربضها وسور دون القلعة وكان على قلعتها علم طويل منصوب فحين أقبل العسكر ~~الإسلامي شاهدته قد وقع فاستبشر المسلمون بذلك وعلموا أنه النصر والفتح ~~واشتد القتال عليها من سائر الجوانب فضربها بمنجنيق الملك الظاهر صاحب حلب ~~وكان نصب منجنيقا قريبا من سورها فقطع الوادي وكان صائب الحجر فلم يزل ~~يضربها ms059 حتى هدم من السور قطعة عظيمة يمكن الصاعد في السور الترقي إليه منها ~~. PageV01P090 ولما كان بكرة الجمعة ثاني جمادى الآخرة عزم السلطان وتقدم ~~وأمر المنجنيقات أن تتوالى بالضرب وارتفعت الأصوات وعظم الضجيج بالتكبير ~~والتهليل وما كان إلا ساعة حتى رقي المسلمون على الأسوار التي للربض واشتد ~~الزحف وعظم الأمر وهجم المسلمون الربض ولقد كنت أشاهد الناس وهم يأخذون ~~القدور وقد استوى فيها الطعام فيأكلونها وهم يقاتلون وانضم من كان في الربض ~~إلى القلعة ويحملون ما أمكنهم أن يحملوا من أموالهم ونهب الباقي واستدارت ~~المقاتلة حول أسوار القلعة ولما عاينوا الهلاك استغاثوا بطلب الأمان ووصل ~~خبرهم إلى السلطان فبذل الأمان وأنعم عليهم على أن يسلموا بأنفسهم وأموالهم ~~ويؤخذ من الرجل منهم عشرة دنانير ومن المرأة خمسة وعن الصغير ديناران وسلمت ~~القلعة وأقام السلطان عليها حتى سلم عدة قلاع كالعبد وفيحه وبلاطنيس وغيرها ~~من القلاع والحصون تسلمها النواب ، فإنها كانت تتعلق بصهيون . ### || ذكر فتوح بكاس # ثم رحل وسرنا حتى أتينا سادس جمادى الآخرى بكاس وهي قلعة حصينة على جانب ~~العاصي ولها نهر يخرج من تحتها وكان المنزل على شاطئ العاصي وصعد السلطان ~~جريدة إلى القلعة وهي على جبل يطل على العاصي فأحدق بها من كل جانب وقاتلها ~~قتالا شديدا بالمنجنيقات والزحف المضايق إلى تاسع الشهر ويسر الله فتحها ~~عنوة وأسر من فيها بعد قتل من قتل منهم وغنم جميع ما كان فيها وكان لها ~~قليعة تسمى الشفر قريبة منها يعبر إليها منها بجسر وهي في غاية المنعة ليس ~~إليها طريق فسلطت عليها المنجنيقات من الجوانب ورأوا أنهم لا ناصر لهم ~~فطلبوا الأمان في الثالث عشر وسألوا أن يؤخروا ثلاثة أيام لاستئذان من ~~بإنطاكية فأذن في ذلك وكان تمام فتحها وصعود العلم السلطاني عليها يوم ~~الجمعة سادس عشر . PageV01P091 ثم عاد السلطان إلى الثقل وسير ولده الملك ~~الظاهر إلى قلعة سرمانية فقاتلها قتالا شديدا وضايقها مضايقة عظيمة وتسلمها ~~يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر فاتفقت فتوحات الساحل من جبلة إلى ~~سرمانية في أيام الجمع ms060 وهي علامة قبول دعاء الخطباء المسلمين وسعادة ~~السلطان حيث يسر لنا الله الفتوح في اليوم الذي يضاعف فيه ثواب الحسنات ~~وهذا من نوادر الفتوحات في الجمع المتوالية ولم يتفق مثلها في تاريخ. ### || ذكر فتوح برزية # ثم سير السلطان جريدة إلى قلعة برزية وهي قلعة حصينة في غاية القوة ~~والمنعة على سن جبل شاهق يضرب بها المثل في جميع بلاد الإفرنج والمسلمين ~~يحيط بها أودية من سائر جوانبها وذرع علوها كان خمسمائة ذراع ونيفا وسبعين ~~ذراعا ثم جدد عزمه على حصارها بعد رؤيتها واستدعى الثقل وكان نزول الثقل ~~وبقية العسكر تحت جبلها في الرابع والعشرين من الشهر وفي بكرة الخامس ~~والعشرين منه صعد السلطان جريدة مع المقاتلة والمنجنيقات وآلات الحصار إلى ~~الجبل فأحدقت بالقلعة من سائر نواحيها وركب القتال من كل جانب وضرب أسوارها ~~بالمنجنيقات المتواترة الضرب ليلا ونهارا وفي السابع والعشرين قسم العساكر ~~ثلاثة أقسام ورتب كل قسم يقاتل شطرا من النهار ثم يستريح ويسلم القتال ~~للقسم الآخر بحيث لا يفتر عنها القتال عنها أصلا وكان صاحب النوبة الأولى ~~عماد الدين صاحب سنجار فقاتلها قتالا شديدا حتى استوفى نوبته وضرس الناس من ~~القتال وتراجعوا واستلم النوبة الثانية السلطان بنفسه وركب وتحرك خطوات عدة ~~وصاح في الناس فحملوا عليها حملة الرجل الواحد وقصدوا السور من كل جانب فلم ~~يكن إلا بعض ساعة حتى رقي الناس على الأسوار وهجموا القلعة وأخذت القلعة ~~عنوة فاستغاثوا بالأمان وقد تمكنت الأيدي منهم PageV01P092 فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا ونهب جميع ما فيها وأسر جميع من كان فيها وكان قد ~~أوي إليها خلق عظيم وكانت من قلاعهم المذكورة وكان يوما عظيما وعاد الناس ~~إلى خيامهم غانمين وعاد السلطان إلى الثقل فرحا مسرورا وأحضر بين يديه صاحب ~~القلعة وكان رجلا كبيرا منهم وكان هو ومن أخذ من أهله سبعة عشر نفسا فمن ~~عليهم ورق لهم وأنفذهم إلى صاحب أنطاكية استمالة له فإنهم كانوا يتعلقون به ~~ومن أهله. ### || ذكر فتوحات دربساك # ثم رحل حتى أتى جسر الحديد ms061 وأقام عليه أياما وسار حتى نزل على دربساك يوم ~~الجمعة ثامن عشر رجب وهي قلعة منيعة قريبة من أنطاكية فنزل عليها وقاتلها ~~قتالا شديدا بالمنجنيقات وضايقها مضايقة عظيمة وأخذ النقب تحت برج منها ~~وتمكن النقب منه حتى وقع وحموه بالرجال والمقاتلة ووقف في الثغرة رجال ~~يحمونها ممن يصعد فيها ولقد شاهدتهم وكلما قتل منهم رجل قام غيره مقامه وهم ~~قيام في عرض الجدار مكشفون فاشتد بهم الأمر حتى طلبوا الأمان واشترطوا ~~مراجعة أنطاكية وكانت القاعدة أن ينزلوا بأنفسهم وثياب أبدانهم لا غير ورقي ~~العلم الإسلامي في الثاني والعشرين من رجب وأعطاها علم الدين سليمان بن ~~جندر وسار عنها في الثالث والعشرين منه. ### || ذكر فتوح بغراس # وهي قلعة منيعة أقرب إلى أنطاكية من دربساك وكانت كثيرة العدة والرجال ~~فنزل العسكر في مرج لها وأحدق العسكر بها جريدة مع أنا احتجنا إلى يزك في ~~تلك المنزلة يحفظ جانب أنطاكية لئلا يخرج منها من يهاجم العسكر فضرب يزك ~~الإسلام على باب أنطاكية بحيث لا يشذ عنه من يخرج منها وأنا ممن كان في ~~اليزك بعض الأيام لرؤية البلد وزيارة حبيب النجار المدفون فيها ولم يزل ~~يقاتل بغراس مقاتلة شديدة حتى PageV01P093 طلبوا الأمان على استئذان ~~أنطاكية ورقي العلم الإسلامي عليها في ثاني شعبان وفي بقية ذلك اليوم عاد ~~رحمه الله إلى المخيم الأكبر وراسله أهل أنطاكية في طلب الصلح فصالحهم لشدة ~~ضجر العسكر وقوة قلق عماد الدين صاحب سنجار في طلب الدستور وعقد الصلح ~~بيننا وبين أنطاكية من بلاد الإفرنج لا غير على أن يطلقوا جميع أسارى ~~المسلمين الذين عندهم وكان إلى سبعة أشهر فإن جاءهم من ينصرهم وإلا سلموا ~~البلد إلى السلطان. ورحل يطلب دمشق فسأله ولده الملك الظاهر أن يجتاز به ~~فأجابه وسار حتى أتى حلب حادي عشر شعبان وأقام بقلعتها ثلاثة أيام وولده ~~يقوم بالضيافة حق القيام ولم يبق من العسكر إلا من ناله من نعمته منال ~~وأكثر ظني أنه أشفق عليه والده وسار من حلب يريد دمشق فاعترضه ابن أخيه ms062 ~~الملك المظفر تقي الدين وأصعده إلى قلعة حماة واصطنع له طعاما حسنا وأحضر ~~له سماع الصوفية وبات فيها ليلة واحدة وأعطاه جبلة واللاذقية وسار على طريق ~~بعلبك حتى أتاها وأقام بمرجها يوما ودخل إلى حمامها وسار منها حتى دخل ~~رمضان وما كان يرى تخلية وقته عن الجهاد مهما أمكنه وكان قد بقي له القلاع ~~القريبة من حوران التي يخاف عليها من جانبها كصفد وكوكب فرأى أن يشغل الوقت ~~بفتح المكانين في الصوم . PageV01P094 | ### || ذكر فتح صفد # ثم سار في أوائل رمضان من دمشق يريد صفد ولم يلتفت إلى مفارقة الأهل ~~والأولاد والوطن في هذا الشهر الذي يسافر الإنسان أين كان فيجتمع فيه بأهله. ~~اللهم إنه احتمل ذلك ابتغاء مرضاتك فآته أجرا عظيما. فسار حتى أتى ~~صفد وهي قلعة منيعة قد تقاطعت حولها أودية من سائر جوانبها فأحدق العسكر ~~بها ونصب عليها المناجيق في أثناء شهر رمضان المبارك وكانت الأمطار شديدة ~~والوحول عظيمة ولم يمنعه ذلك عن جده ولقد كنت عنده في خدمته ليلة وقد عين ~~مواضع خمس مناجيق فقال ما ننام حتى تنصب الخمسة وسلم كل منجنيق إلى قوم ~~ورسله تتواتر إليهم يعرفونهم كيف يصنعون حتى أظله الصبح وقد فرغت ~~المنجنيقات ولم يبق إلا تركيب خنازيرها فيها فرويت له الحديث المشهور في ~~الصحاح وبشرته بمقتضاه وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( عينان لا تمسهما ~~النار عين باتت تحرس في سبيل الله وعين بكت من خشية الله ) وفي أثناء شهر ~~رمضان سلمت الكرك من جانب نواب صاحبها وخلصوه بها من الأسر وكان قد أسر في ~~وقعة حطين المباركة ثم لم يزل القتال على صفد متواصلا بالنوب مع الصوم حتى ~~سلمت بالأمان في رابع عشر شوال من السنة المذكورة . PageV01P095 ### || ذكر فتوح كوكب # ثم سار يريد كوكب فنزل على الجبل وجرد العسكر وأحدق بالقلعة وضايقها ~~بالكلية بحيث اتخذ له موضعا يتجاوز نشاب العدو ونباله حائطا من حجر وطين ~~يستتر وراءه حتى لا يقدر أحد يقف على باب خيمة إلا إن كان ملبسا وكانت ~~الأمطار ms063 متواترة والوحول عظيمة وعانى شدائد وأهوالا من شدة الرياح وتراكم ~~الأمطار وكون العدو مسلطا عليهم بعلو مكانه وقتل وجرح جماعة ولم يزل راكبا ~~مركب الجد حتى تمكن من النقب من سورها ولما أحس العدو المخذول أنه مأخوذ ~~طلب الأمان فأجابهم إلى ذلك وأمنهم وتسلمها في منتصف ذي القعدة ونزل على ~~الفور إلى الثقل وكان قد أنزله من شدة الوحل والريح في سطح الجبل فأقام ~~بقية الشهر يراجعه أخوه الملك العادل في أشغال شخصية حتى هل هلال ذي الحجة ~~وأعطى الجماعة دستورا وسار مع أخيه يريد القدس لزيارته ووداع أخيه فإنه ~~عائدا إلى مصر فوصلا إليه يوم الجمعة ثامن ذي الحجة وصلينا الجمعة في قبة ~~الصخرة الشريفة وصلينا صلاة العيد الأعظم بها أيضا يوم الأحد وسار حادي عشر ~~طالبا عسقلان لينظر في حالها فأقام بها أياما يلم شعثها ويصلح أحوالها فودع ~~أخاه وأعطاه الكرك وأخذ منه عسقلان وعاد يطلب عكا على طريق الساحل ويمر على ~~البلاد يتفقد أحوالها ويودعها الرجال والعدد حتى أتى عكا فأقام بها معظم ~~محرم سنة خمسة وثمانين ورتب بها بهاء الدين قراقوش واليا وأمره بعمارة ~~السور والإطناب فيه ومعه حسام الدين بشارة وسار يريد دمشق بعد وصول طائفة ~~من عسكر مصر أودعهم في عكا بصدد حفظها ، وسار حتى دخل محروسة دمشق مستهل ~~صفر سنة خمس وثمانين وخمسمائة . PageV01P096 | ### || ذكر توجهه إلى شقيف أرنون وهي السفرة المتواصلة بواقعة عكا # وأقام بدمشق حتى دخل ربيع الأول ثلاثة أيام ووصله في أثناء ربيع الأول ~~رسل الخليفة الناصر لدين الله يأمره بالخطبة لولده ولي العهد فخطب له وجدد ~~عزمه على قصد شقيف أرنون وهو موضع حصين قريب من بانياس وكان تبريزه في ~~الثالث فسار حتى نزل مرج برغوث وأقام به ينتظر العساكر إلى حادي عشرة ورحل ~~حتى أتى بانياس ثم رحل منها حتى أتى مرج عيون في السابع عشر فخيم به وهو ~~قريب من شقيف أرنون بحيث يركب كل يوم بشارفه والعساكر تجتمع وتطلبه من كل ~~صوب وأوب فأقمنا أياما نشرف كل ms064 يوم على الشقيف والعساكر الإسلامية في كل ~~يوم تصبح متزايدة العدد والعدد وصاحب الشقيف يرى ما يتيقن معه عدم السلامية ~~فرأى أن إصلاح حاله معه قد تعين طريقا إلى سلامته فنزل بنفسه وما أحسسنا به ~~إلا وهو قائم على باب خيمة السلطان فأذن له فدخل فاحترمه وأكرمه وكان من ~~كبار الإفرنجية وعقلائها وكان يعرف بالعربية وعنده إطلاع على شيء من ~~التواريخ وبلغني أنه كان عنده مسلم يقرأ له ويفهمه وكان عنده ثاني فحضر بين ~~يدي السلطان وأكل معه الطعام ثم خلا به وذكر له أنه مملوك وأنه تحت طاعته ~~وأنه يسلم المكان إليه من غير تعب واشترط أن يعطى موضعا يسكنه بدمشق فإنه ~~بعد ذلك لا يقدر على مساكنة الإفرنج وإقطاعا بدمشق يقوم به وبأهله وأن يمكن ~~من الإقامة بموضعه وهو يتردد إلى الخدمة ثلاثة أشهر من تاريخ اليوم الذي ~~كان فيه حتى يتمكن من تخليص أهله وجماعته من صور ويأخذ مغل هذه السنة فأجيب ~~PageV01P097 إلى ذلك كله وأقام يتردد إلى خدمة السلطان في كل وقت ويناظره ~~في دينه ونناظره في بطلانه وكان حسن المحاورة ومتأدبا في كلامه وفي أثناء ~~ربيع الأول وصل الخبر بتسليم الشوبك وكان قد أقام السلطان عليه جمعا عظيما ~~يحاصرونه مدة سنة حتى فرغ زادهم وسلموه بالأمان. ### || ذكر اجتماع الإفرنج لقصد عكا # وكان السلطان اشترط على نفسه حين تسلم عسقلان أنه إن أمر الملك بتسليمها ~~أطلقه فأمرهم بتسليمها وسلموها فطالبه الملك بإطلاقه فأطلقه وفاء بالشرط ~~ونحن على حصن الأكراد من أنطرسوس واشترط عليه أن لا يشهر في وجهه سيفا أبدا ~~ويكون غلامه ومملوكه وطليقه أبدا فنكث لعنه الله فجمع جموعا وأتى صور يطلب ~~الدخول إليها فخيم على بابها يراجع المركيس الذي كان بها في ذلك الوقت وكان ~~المركيس اللعين رجلا عظيما ذا رأي وبأس شديد في دينه وصرامة عظيمة فقال إني ~~نائب للملوك الذين وراء البحر وما أذنوا لي في تسليمها إليك وطالت المراجعة ~~واستقرت القاعدة بينهما على أن يتفقوا جميعا على المسلمين وتجمع العساكر ~~بصور ms065 وغيرها من الإفرنجية على المسلمين وعسكروا على باب صور. ### || ذكر الواقعة التي استشهد فيها أيبك الأخرش # وذلك أنه لما كان يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأول من السنة المذكورة ~~بلغ السلطان من اليزك أن الإفرنج قد قطعوا الجسر الفاصل بين أرض صور وأرض ~~صيدا وبقيت الأرض التي نحن عليها فركب السلطان وصاح الجاووش فركب العسكر ~~يريدون نحو اليزك فوصل العسكر وقد انفصلت الوقعة وذلك أن الإفرنج عبر منهم ~~جماعة الجسر فنهض لهم اليزك الإسلامي وكانوا في قوة وعدة فقاتلوهم قتالا ~~شديدا وقتلوا منهم خلقا كثيرا وجرحوا أضعاف ما قتلوا ورموا في النهر جماعة ~~فغرقوا ونصر الله الإسلام PageV01P098 وأهله ولم يقتل من المسلمين إلا ~~مملوك للسلطان يعرف بأيبك الأخرش فإنه استشهد في ذلك اليوم وكان شجاعا ~~باسلا مجربا في الحرب فارسا تقنطر به فرسه فلجأ إلى صخرة فقاتل بالنشاب حتى ~~فني ثم بالسيف حتى قتل جماعة ثم تكاثروا عليه فقتلوه ووجد السلطان عليه ~~لمكان شجاعته وعاد السلطان إلى خيم كانت قد ضربت له قريب المكان جريدة . ### || ذكر وقعة ثانية استشهد فيها جمع من رجالة المسلمين # وأقام في تلك الخيم إلى التاسع عشر وركب يشرف على القوم على عادة فتبع ~~العسكر خلق عظيم من الرجالة والغزاة والسوقة وحرص في ردهم فلم يفعلوا ولقد ~~أمر من ضربهم فلم يفعلوا وخاف عليهم فإن المكان كان حرجا ليس للراجل فيه ~~ملجأ ثم هجم الرجالة إلى الجسر وناوشوا العدو وعبر منهم جماعة إليهم وجرى ~~بينهم قتال شديد واجتمع بهم من الإفرنج خلق عظيم وهم لا يشعرون وكشفوهم ~~بحيث علموا أن ليس وراءهم كمين فحملوا عليهم حملة واحدة على غرة من السلطان ~~فإنه كان بعيدا عنهم ولم يكن معه عسكر فإنه لم يخرج بتعبية قتال وإنما ركب ~~مستشرفا عليهم على العادة من كل يوم ولما بان له الوقعة وظهر له غبارها بعث ~~إليهم من كان معه ليردوهم فوجدوا الأمر قد فرط والإفرنج قد تكاثروا حتى ~~خافت منهم السرية التي بعثها السلطان وظفروا بالرجالة ظفرة عظيمة وجرى ~~بينهم ms066 وبين السرية قتال شديد وأسر جماعة من الرجالة وقتلوا جماعة وكان عدد ~~الشهداء مائة وثمانين نفرا وقتل أيضا من الإفرنج عدة عظيمة وغرق أيضا منهم ~~عدة وكان ممن قتل منهم مقدم الألمانية وكان عندهم عظيما محترما واستشهد من ~~المعروفين من المسلمين ابن البصاروا وكان شابا حسنا شجاعا واحتسبه والده في ~~سبيل الله ، PageV01P099 ولم تقطر من عينه عليه دمعة على ما ذكر جماعة ~~لازموه وهذه الوقعة لم يتفق للإفرنج مثلها في هذه الوقائع التي حضرتها ~~وشاهدتها ولم ينالوا من المسلمين مثل هذه العدة في هذه المدة. ### || ذكر مسيرة جريدة إلى عكا وسبب ذلك # ولما رأى السلطان ما حل بالمسلمين في تلك الوقعة النادرة جمع أصحابه ~~وشاورهم وقدر معهم أنه يهجم على الإفرنج ويعبر الجسر ويقتلهم ويستأصل ~~شأفتهم وكان الإفرنج قد رحلوا من صور ونزلوا قريب الجسر وبين الجسر وصور ~~مقدار فرسخ وزائد على فرسخ فلما صمم العزم على ذلك أصبح يوم الخميس سابع ~~عشر وركب وسار وتبعه الناس والمقاتلة والعساكر ولما وصل أواخر الناس إلى ~~أوائلهم وجدوا اليزك عائدا وخيامهم قد قلعت فسئلوا عن سبب ذلك فذكروا أن ~~الإفرنج رحلوا راجعين إلى صور ملتجئين إلى سورها معتصمين بقربها وأنهم لما ~~بلغهم ذلك عادوا ولما رأى السلطان ذلك منهم رأى أن يسير إلى عكا ليلحظ ما ~~بني من سورها ويحث على الباقي فمضى إلى عكا ورتب أحوالها وأمر بتتمة عمارة ~~سورها وإتقانه وإحكامه وأمرهم بالاحتياط والاحتراز وعاد إلى العسكر المنصور ~~إلى مرج عيون منتظرا مهلة صاحب الشقيف لعنه الله . ### || ذكر وقعة أخرى # ولما كان يوم السبت سادس جمادى الآخرى بلغه أن جماعة من رجالة العدو ~~يسطون ويصلون إلى جبل تبنين يحتطبون وفي قلبه من رجالة المسلمين وما جرى ~~عليهم أمر عظيم فرأى أن يقرر قاعدة وكمينا يرتبه لهم ويأخذهم فيه وبلغه أنه ~~يخرج وراءهم أيضا خيلا تحفظهم فعمل كمينا يصلح للقاء الجميع ثم أنفذ إلى ~~عسكر تبنين وتقدم إليهم أن يخرجوا في نفر يسير غائرين على تلك الرجالة وأن ~~خيل العدو إذا ms067 تبعتهم ينهزمون PageV01P100 إلى جهة عينها لهم وأن يكون ذلك ~~صبيحة الاثنين ثامن جمادى الآخرى وأرسل إلى عسكر عكا أن يسير حتى يكون وراء ~~عسكر العدو حتى إذا تحركوا في نصرة أصحابهم قصدوا خيمهم وركب هو وجحفله فجر ~~يوم الاثنين شاكي السلاح متجردين ليس معهم خيمة إلى الجهة التي عينها ~~لهزيمة عسكر تبنين ورتب العسكر ثمانية أطلاب واستخرج من كل طلب عشرين فارسا ~~من الشجعان الجياد الخيل وأمرهم أن يتراأوا للعدو حتى يظهر واليهم ~~ويناوشوهم وينهزموا بين أيديهم حتى يصلوا إلى الكمين ففعلوا ذلك وظهر لهم ~~من الإفرنج معظم عسكرهم يقدمهم الملك وكان قد بلغهم الخبر وتعبوا تعبية ~~القتال وجرى بينهم وبين هذه السرية اليسير قتال شديد والتزمت السرية القتال ~~وأنفوا عن الانهزام بين أيديهم وحملتهم الحمية على مخالفة السلطان ولقائهم ~~العدو الكثير بذلك الجمع اليسير واتصل الحرب بينهم إلى أواخر نهار الاثنين ~~ولم يرجع منهم أحد إلى العسكر ليخبرهم بما جرى واتصل الخبر بالسلطان في ~~أواخر الأمر وقد هجم الليل فبعث إليهم بعوثا كثيرة حين علم ضيق الوقت عن ~~المصاف وفوات الأمر ولما بصر الإفرنج بأوائل المدد قد لحق السرية عادوا ~~منهزمين ناكصين على أعقابهم بعد أن جرت مقتلة عظيمة من الجانبين وكانت ~~القتلى من الإفرنج على ما ذكر من حضر فإني لم أكن حاضرها زهاء عشرة أنفس ~~ومن المسلمين ستة أنفار اثنان من اليزك وأربعة من العرب منهم الأمير رامل ~~وكان شابا تاما حسن الشباب مقدم عشيرته. وكان سبب قتله أنه تقنطرت به ~~فرسه ففداه ابن عمه بفرسه فتقنطرت به أيضا وأسر هو وثلاثة من أهله. ولما ~~بصر الإفرنج بالمدد للعسكر قتلوهم خشية الاستنقاذ وجرح خلق كثير من ~~الطائفتين وخيل كثيرة. ومن نوادر هذه الوقعة أن مملوك السلطان أثخن ~~بالجراح حتى وقع بين القتلى وجراحاته تشخب دما وبات ليلته أجمع على تلك ~~الحالة إلى صبيحة يوم الثلاثاء فتفقده أصحابه فلم يجدوه فعرفوا السلطان ~~فقده فأنفذ من يكشف خبره فوجدوه بين القتلى على مثال هذه الحالة فحملوه ~~ونقلوه إلى المخيم ms068 على تلك الحال وعافاه الله وعاد السلطان إلى المخيم يوم ~~الأربعاء عاشر الشهر منصورا فرحا مسرورا . PageV01P101 | ### || ذكر أخذ أصحاب الشقيف وسبب ذلك # ثم استفاض بين الناس أن صاحب الشقيف فعل ما فعله من المهلة غيلة لا أنه ~~صادق في ذلك وإنما قصد فيه تدفع الزمان وظهر لذلك مخائل كثيرة من الحرص في ~~تحصيل الميرة وإتقان الأبواب وغير ذلك فرأى السلطان أن يصعد إلى سطح الجبل ~~ليقرب من المكان ويرسل سرا من يمنع من دخول النجدة والميرة إليه وأظهر أن ~~سبب ذلك شدة حر الزمان والفرار من وخم المرج. وكان انتقاله إلى سطح ~~الجبل ليلة الثاني عشر من الشهر وقد مضى من الليل ربعه فما أصبح صاحب ~~الشقيف إلا والخيمة مضروبة وبقي بعض العساكر بالمرج على حاله فلما رأى ~~أصحاب الشقيف قرب العسكر منه وعلم أنه بقي من المدة بقية جمادى الآخرى ~~حدثته نفسه أنه ينزل إلى خدمة السلطان ويستعطفه ويستزيده في المدة وتخيل له ~~بما رأى من أخلاق السلطان ولطافته أن ذلك يتم فنزل إلى الخدمة وعرض المكان ~~وقال المدة لم يبق منها إلا اليسير وأي فرق بين التسليم اليوم أو غدا وأظهر ~~أنه بقي من أهله جماعة بصور وأنهم على الخروج منها في هذه الأيام وأقام في ~~الخدمة ذلك اليوم إلى الليل وصعد القلعة ولم يظهر له السلطان شيئا وأجراه ~~على عادته وتقضى مدته ثم عاد ونزل أيام وقد قرب انتهاء المدة والفراغ منها ~~وطلب الخلوة بالسلطان وسأل منه أن يمهله تمام السنة تسعة أشهر فأحس السلطان ~~منه الغدر فماطله وما أيسه وقال نتفكر في ذلك ونجمع الجماعة ونأخذ رأيهم ~~وما ينفصل الحال عليه نعرفك وضرب له خيمة قريبة من خيمته وأقام عليها حرسا ~~لا يشعر بهم وهو على غاية من الإكرام والاحترام له والمراجعة والمراسلة ~~بينهم في ذلك الفن مستمرة حتى انقضت الأيام وطولب بتسليم المكان فكشف له ~~أنك أضمرت الغدر وجددت في المكان عمائر وحملت إليه ذخائر فأنكر ذلك واستقرت ~~القاعدة على أن ينفذ من عنده ثقته ms069 وينفذ السلطان ثقة يتسلم المكان وينظر هل ~~تجدد فيه شيء من البناء أم لا فمضوا إليه فلم يلتفت أصحابه المقيمون إليهم ~~ووجدوه قد جدد بابا للسور لم يكن فأقيم الحرس الشديد عليه وأظهر ذلك ومنع ~~من الدخول إلى PageV01P102 الخدمة وقيل له قد انقضت المدة ولا بد من ~~التسليم وهو يغالط عن ذلك ويدافع عن الجواب عنه ولما كان الثامن عشر من ~~جمادى الآخرة وفيه اعترف بانتهاء المدة قال أنا أمضي وأسلم المكان وسار معه ~~جمع كثير من الأمراء والأجناد حتى أتى الشقيف وأمرهم بالتسليم فأبوا فخرج ~~إليه قسيس وحدثه بلسانه ثم عاد واشتد امتناعهم بعد عود القسيس إليهم فظن ~~أنه أكد الوصية على القسيس في الامتناع وأقام ذلك اليوم والحديث يتردد فلم ~~يتلفتوا وأعيد إلى المخيم المنصور وسير من ليلته إلى بانياس وأحيط عليه ~~بقلعتها فأحدق العسكر بالشقيف مقاتلين ومحاصرين وأقام صاحب الشقيف ببانياس ~~إلى سادس رجب واشتد حنق السلطان على صاحب الشقيف بسبب تضييع ثلاثة أشهر ~~عليه وعلى عسكره ولم يعملوا فيها شيئا فأحضر إلى المخيم وهدد ليلة وصوله ~~بأمور عظيمة فلم يفعل وأصبح السلطان ثامن رجب ورقي إلى سنام الجبل مخيمه ~~وهو موضع مشرف على الشقيف من المكان الذي كان فيه أولى وأبعد من الوخم وكان ~~قد تغير مزاجه ثم بلغنا بعد ذلك أن الإفرنج بصور مع الملك قد ساروا نحو ~~النواقير يريدون جهة عكا وإن بعضهم نزل بالإسكندرية وجرى بينهم وبين رجالة ~~المسلمين مناوشة وقتل منهم المسلمون نفرا يسيرا وأقاموا هناك. ### || ذكر وقعة عكا - يسر الله فتحها - وسبب ذلك # وذلك أنه لما بلغ السلطان حركة الإفرنج إلى تلك الجهة عظم عليه ولم ير ~~المسارعة خوفا من أن يكون قصدهم ترحيله عن الشقيف لا قصد المكان فأقام ~~مستكشفا للحال إلى ثاني عشر رجب فوصل قاصد PageV01P103 وأخبر أن الإفرنج في ~~بقية ذلك اليوم رحلوا ونزلوا عين بصة ووصل أوائلهم إلى الزيت فعظم ذلك عنده ~~وكتب إلى سائر أرباب الأطراف يتقدمون بالعساكر الإسلامية بالمسير إلى ~~المخيم المحروس وعاد فجدد الكتب ms070 والحث وتقدم إلى الثقل أن سار الليل وأصبح ~~هو صبيحة الثالث عشر سائرا إلى عكا على طريق طبرية إذ لم يكن ثم طريق يسع ~~العساكر إلا هو وسير جماعة على طريق تبنين يستطلعون العدو ويواصلون بإخباره ~~وسرنا حتى أتينا الحولة منتصف النهار فنزل بها ساعة ثم رحل وسار طول الليل ~~حتى أتينا موضعا يقال له المنية صباح اليوم الرابع عشر وفيه بلغنا نزول ~~الإفرنج على عكا يوم الاثنين الثالث عشر وسير صاحب الشقيف إلى دمشق بعد ~~الإهانة الشديدة على سوء صنيعه وسار هو جريدة من المنية حتى اجتمع ببقية ~~العسكر الذي كان أنفذه على طريق تبنين بمرج صفورية فإن كان واعدهم إليه ~~وتقدم إلى الثقل أن يلحقه إلى مرج صفورية ولم يزل حتى شارف العدو من ~~الخروبة وبعث بعض العسكر ودخل عكا على غرة من العدو تقوية لمن فيها ولم يزل ~~يبعث إليها بعثا بعد بعث حتى حصل فيها خلق كثير وعدد وافر ورتب العسكر ~~ميمنة وميسرة وقلبا وسار من الخروبة وكان قد نزل عليها خامس عشر الشهر فسار ~~منها حتى أتى تل كيسان في أوائل مرج عكا وأمر الناس أن ينزلوا به على تلك ~~التعبية وكان آخر الميسرة على طرف النهر الحلو وآخر الميمنة مقارب تل ~~العياضية فاحتاط العسكر الإسلامي المنصور بالعدو المخذول وأخذ عليهم الطرف ~~من الجوانب وتلاحقت العساكر الإسلامية واجتمعت ورتب اليزك الدائم والجاليش ~~في كل يوم مع العدو وحصر العدو في خيامه من كل جانب بحيث لا يقدر أن يخرج ~~منها واحد إلا ويجرح أو يقتل وكان معسكر العدو على شطر من عكا وخيمة ملكهم ~~على تل المصلبين قريبا من باب PageV01P104 البلد وكان عدد راكبهم ألفي فارس ~~وعدد راجلهم ثلاثين ألفا وما رأيت من أنقصهم عن ذلك ورأيت من حزرهم بزيادة ~~على ذلك ومددهم من البحر لا ينقطع وجرى بينهم وبين اليزك مقاتلات عظيمة ~~متواترة والمسلمون يتهافتون على قتالهم والسلطان يمنعهم من ذلك إلى وقته ~~والبعوث من العساكر الإسلامية تتواصل والملوك والأمراء من الأقطار تتابع ~~فأول ms071 من وصل الأمير الكبير مظفر الدين بن زين الدين ثم قدم بعده الملك ~~المظفر صاحب حماة وفي أثناء هذا الحال توفي حسام الدين سنقر الأخلاطي وأسف ~~المسلمون عليه أسفا شديدا فإنه كان شجاعا دينا ثم إن الإفرنج لما تكاثروا ~~واستفحل أمرهم استداروا بعكا حيث منعوا من الدخول والخروج وذلك في يوم ~~الخميس سلخ رجب ولما رأى السلطان ذلك عظم لديه وضاق صدره وثارت همته العلية ~~وفتح الطريق إلى عكا لتستمر السابلة إليها بالميرة والنجدة وغير ذلك فأحضر ~~أمراءه وأصحاب الرأي من دولته وشاورهم في مضايقة القوم وانفصل لحمال على ~~أنه يضايقهم مضايقة شديدة بحيث ينفصل أمرهم بالكلية ويفتح وباب والطريق إلى ~~عكا فباكرهم صبيحة الجمعة مستهل شعبان وسار مع العسكر القد رتبه للقتال ~~ميمنة وميسرة وقلبا وضايقهم مضايقة شديدة وكانت الحملة بعد صلاة الجمعة ~~اغتناما لدعاء الخطباء على المنابر وجرت حملات عظيمة وقلبات كثيرة واتصل ~~الحرب إلى أن حال بين الفئتين هجوم الليل وبات الناس على حالهم من الجانبين ~~شاكي السلاح تحرس كل طائفة نفسها من الطائفة الأخرى إلى أن أصبح صباح السبت ~~ثاني شعبان . PageV01P105 | ### || ذكر فتح الطريق إلى عكا # ولما كانت صبيحة السبت أصبح الناس على القتال وأنفذ السلطان طائفة من ~~شجعان المسلمين إلى البحر من شمالي عكا ولم يكن هناك للعدو خيم لكن العسكر ~~كان قد امتد جريدة إلى البحر فحملوا عليهم فانكسروا بين أيديهم كسرة عظيمة ~~وقتلوا منهم جمعا كثيرا وانكف السالمون منهم إلى خيامهم وهجم المسلمون ~~خلفهم إلى أوائل خيامهم وانفتح الطريق إلى عكا من باب القلعة المسماة بقلعة ~~الملك إلى باب قراقوش الذي جدده وصار الطريق مهيعا يمر فيه السوقي ومعه ~~الحوائج ويمر به الرجل الواحد والمرأة واليزك بين الطريق وبين العدو مانعا ~~من يخرج من عسكرهم أو يدخل ودخل السلطان في ذلك اليوم إلى عكا ورقي على ~~السور ونظر إلى عسكر العدو تحت السور وفرح المسلمون بنصر الله وخرج العسكر ~~الذي كان في خدمة السلطان واستدار العسكر الإسلامي حول المعسكر الإفرنجي ~~وأحدقوا بهم من ms072 كل جانب ولما استقر به ذلك تراجع الناس عن القتال وذلك بعد ~~الظهر لسقي الدواب وأخذ الراحة وكان نزولهم على أنهم إذا أخذوا حظا من ~~الراحة عادوا إلى القتال لمناجزة القوم وضاق الوقت وأخذ الضجر والتعب من ~~الناس فلم يرجعوا إلى القتال في ذلك اليوم وبات الناس على أنهم يصبحونهم ~~بكرة الأحد إلى القتال رجاء المناجزة بالكلية واختفى العدو في خيامهم بحيث ~~لم يظهر منهم أحد. ولما كانت بكرة الأحد ثالث شعبان تعبى الناس للقتال ~~وأحدقوا بالعدو وعزموا على مهاجمة القوم وعلى أن يترجل الأمراء ومعظم ~~العسكر ويقاتلوا العدو في خيامه فلما تهيئوا لذلك رأى بعض الأمراء تأخير ~~ذلك PageV01P106 إلى بكرة الاثنين رابع شعبان وأن يدخل الراجل كله إلى داخل ~~عكا ويخرجوا مع العسكر المقيم بالبلد من أبواب البلد على العدو من ورائه ~~وتركب العساكر الإسلامية من خارج من سائر الجوانب ويحملوا حملة الرجل ~~الواحد والسلطان يوالي هذه الأمور بنفسه ويكافحها بذاته لا يتخلف عن مقام ~~من هذه المقامات وهو من شدة حرصه ووفور همته كالوالدة الثكلى ولقد أخبرني ~~بعض أطبائه أنه بقي من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لم يتناول من الغذاء إلا ~~شيئا يسيرا لفرط اهتمامه وفعلوا ما كان عزم عليه واشتدت منعة العدو وحمى ~~نفسه في خيامه ولم تزل سوق الحرب قائمة تباع فيها النفوس بالنفائس وتمطر ~~سماء حربها الرؤوس من كل رئيس ومترائس حتى كان يوم الجمعة ثامن شعبان. ### || ذكر ( 28 أ ) تأخر الناس إلى تل العياضية # ولما كان الثامن عزم العدو على الخروج بجموعهم فخرج راجلهم وفارسهم ~~وامتدوا على التلول وساروا الهوينا غير مفرطين في أنفسهم ولا خارجين من ~~راجلهم حيث كانت الرجالة حولهم كالسور المبني يتلو بعضه بعضا حتى قاربوا ~~خيام اليزك ولما رأى المسلمون ذلك وإقدام العدو عليهم شدوا وتنازعت الشجعان ~~وتنازلت الكماة إلى الأقران وصاح السلطان بالعساكر الإسلامية يا للإسلام ~~فركب الناس بأجمعهم ووافق فارسهم راجلهم وشابهم وشيخهم وحملوا حملة الرجل ~~الواحد على العدو المخذول فعاد ناكصا على عقبيه والسيف يعمل فيهم ms073 والسالم ~~منهم جريح. والعاطب طريح مشتدون هزيمة يعبر جريحهم بقتيلهم ولا تلوي ~~الجماعة منهم على قتيلهم حتى لقي الخيام من سلم منهم وانكفوا عن القتال ~~أياما وكان رأيهم أن يحفظوا نفوسهم ويحرسوا رؤوسهم PageV01P107 واستمر فتح ~~طريق عكا والمسلمون يترددون إليها وكنت ممن دخل ورقي على السور ورمى العدو ~~بما يسر الله تعالى من فوق السور ودام القتال بين الفئتين متصلا الليل ~~والنهار حتى كان الحادي عشر من شعبان ورأى السلطان توسيع الدائرة عليهم ~~لعلهم يخرجون إلى مصارعهم فنقل الثقل إلى تل العياضية وهو تل قبالة تل ~~المصليين مشرف على عكا وخيام العدو وفي هذه المنزلة توفي حسام الدين طمان ~~وكان من الشجعان ودفن في سفح هذا التل وصليت عليه مع جماعة من الفقهاء ليلة ~~نصف شعبان وقد مضى من الليل هزيع رحمه الله. ### || ذكر وقعة جرت للعرب مع العدو # وكان سبب ذلك أنه بلغنا أن جمعا من العدو يخرجون للاحتشاش من طرف النهر ~~مما ينبت عليه فأكمن السلطان لهم جماعة من العرب وقصد العرب لخفتهم على ~~خيلهم وأمنه عليهم فخرجوا ولم يشعروا بهم فهجموا عليهم وقتلوا منهم خلقا ~~عظيما وأسروا جماعة وأحضروا رؤوسا عديدة بين يديه فخلع عليهم وأحسن إليهم ~~وكان ذلك في السادس عشر وفي عشية ذلك اليوم وقع بين العدو وبين أهل البلد ~~حرب عظيم قتل فيه جمع عظيم من الطائفتين فطال الأمر بين الفئتين وما يخلوا ~~يوما من قتل وجرح وسبي ونهب وأنس البعض بالبعض بحيث أن الطائفتين كانا ~~يتحدثان ويتركان القتال وربما غنى البعض ورقص البعض لطول المعاشرة ثم ~~يرجعون إلى القتال بعد ساعة . ### || نادرة في هذه الواقعة # وكان الرجال يوما من الطائفتين قد سئموا من القتال فقالوا إلى كم نقاتل ~~الكبار وليس للصغار حظ نريد أن يتصارع صبيان : صبي منا وصبي منكم . ~~PageV01P108 فأخرج صبيان من البلد إلى صبيين من الإفرنج واشتد الحرب بينهم ~~فوثب أحد الصبيين المسلمين إلى أحد الكافرين فاختطفه وضرب به الأرض وقبضه ~~أسيرا فاشتراه بعض الإفرنج بدينارين وقالوا هو أسيرك حقا فخذ ms074 الدينارين ~~وأطلقه. وهذه نادرة غريبة ووصل للفرنج مركب فيه خيل فهرب منها فرس ووقع ~~في البحر وما زال يسبح وهم حوله يردونه حتى دخل ميناء عكا وأخذه المسلمون . ### || ذكر المصاف الأعظم على عكا يسر الله فتحها # وذلك أنه لما كان يوم الأربعاء الحادي والعشرون تحركت عساكر الإفرنج حركة ~~لم تكن لهم بمثلها عادة فارسهم وراجلهم وكبيرهم وصغيرهم فاصطفوا خارج خيمهم ~~قلبا وميمنة وميسرة وفي القلب الملك وبين يديه الإنجيل محمولا مستورا بثوب ~~أطلس مغطى يمسكه أربعة أنفس بأربعة أطراف وهم يسيرون بين يدي الملك وامتدت ~~الميمنة في مقابلة الميسرة التي لعسكر الإسلام من أولها إلى آخرها وكذلك ~~ميسرة العدو في مقابلة ميمنتنا إلى آخرها وملكوا رؤوس التلال وكان طرف ~~ميمنتهم إلى النهر وطرف ميسرتهم إلى البحر. وأما العسكر الإسلامي ~~المنصور فإن السلطان لما بصر بالقوم أمر الجاويش أن ينادي في الناس # يا للإسلام وعساكر الموحدين # فركب الناس وقد باعوا أنفسهم بالجنة ووقفوا بين أيدي خيامهم وامتدت ~~الميمنة إلى البحر والميسرة إلى النهر كذلك أيضا PageV01P109 وكان رحمه ~~الله قد أنزل الناس في الخيم ميمنة وميسرة وقلبا تعبية الحرب حتى إذا وقعت ~~صيحة لا يحتاجون إلى تجديد ترتيب وكان هو في القلب وفي ميمنة القلب ولده ~~الملك الأفضل ثم عسكر المواصلة يقدمهم ظهر الدين بن البلنكري ثم عسكر ديار ~~بكر في خدمة قطب الدين بن نور الدين صاحب الحصن ثم حسام الدين بن لاجين ~~صاحب نابلس ثم الطواشي قايماز النجمي وجموع عظيمة متصلين بطرف الميمنة وكان ~~في طرفها الملك المظفر تقي الدين بجحفله وعسكره وهو مطل على البحر وأما ~~أوائل الميسرة فكان مما يلي القلب سيف الدين علي المشطوب وعلي بن أحمد من ~~كبار ملوك الأكراد ومقدميهم والأمير علي وجماعة المهرانية والهكارية ومجاهد ~~الدين برتقش مقدم عسكر سنجار وجماعة من المماليك ثم مظفر الدين بن زين ~~الدين بجحفله وعسكره وأواخر الميسرة كبار المماليك الأسدية كسيف الدين ~~يازكج ورسلان بغا وجماعة الأسدية الذين يضرب بهم المثل ومقدم القلب الفقيه ~~عيسى وجمعه هذا والسلطان ms075 يطوف على الأطلاب بنفسه يحثهم على القتال ويدعوهم ~~إلى النزال ويرغبهم في نصر دين الله ولم يزل القوم يتقدمون والمسلمون ~~يقدمون حتى علا النهار ومضى فيه مقدار أربع ساعات وعند ذلك تحركت ميسرة ~~العدو على ميمنة المسلمين فأخرج لهم الملك المظفر الجاليش وجرى بينهم قلبات ~~كثيرة وتكاثروا على الملك المظفر وكان في طرف الميمنة على البحر فتراجع ~~عنهم شيئا إطماعا لهم لعلهم يبعدون عن أصحابهم فينال منهم غرضا فلما رأى ~~السلطان ذلك ظن به ضعفا وأمد بأطلاب عدة من القلب حتى قوي جانبه وتراجعت ~~ميسرة العدو واجتمعت على تل مشرف على البحر . PageV01P110 ولما رأى الذين ~~في مقابلة القلب ضعف القلب ومن خرج منه من الأطلاب داخلهم الطمع وتحركوا ~~نحو ميمنة القلب وحملوا حملة الرجل الواحد راجلهم وفارسهم ولقد رأيت ~~الرجالة تسير سير الخيالة وهم يسبقون حينا وجاءت الحملة على الديار البكرية ~~كما شاء الله تعالى وكان بهم غرة عن الحرب فتحركوا بين العدو وانكسروا كسرة ~~عظيمة وسرى الأمر حتى انكسر معظم الميمنة واتبع العدو المنهزمين إلى ~~العياضية فإنهم استداروا حول التل وصعد طائفة من العدو إلى خيمة السلطان ~~فقتلوا طشت دار كان هناك وفي ذلك اليوم استشهد إسماعيل المكبس وابن رواحة ~~رحمهما الله وأما الميسرة فإنها ثبتت لأن الحملة لم تصادفها وأما السلطان ~~فأخذ يطوف على الأطلاب فينهضهم ويعدهم الوعود الجميلة ويحثهم على الجهاد ~~وينادي فيهم يا للإسلام ولم يبق معه إلا خمسة أنفس وهو يطوف على الأطلاب ~~ويخرق الصفوف ويأوي إلى تحت التل الذي كان عليه الخيام وأما المنهزمون من ~~العسكر فإنهم بلغتهم هزيمتهم إلى الفخوانة قاطع جسر طبرية وأم منهم قوم ~~محروسة دمشق فأما المتبعون لهم فإنهم اتبعوهم إلى العياضية فلما رأوهم قد ~~صعدوا إلى الجبل رجعوا عنهم وجاءوا عائدين إلى عسكرهم فلقيهم جماعة من ~~الغلمان والخزيندية والساسة منهزمين على بغال الحمل فقتلوا منهم جماعة ثم ~~جاءوا على رأس السوق فقتلوا جماعة وقتل منهم جماعة فإن السوق كان عظيما ~~ولهم سلاح وأما الذين صعدوا إلى الخيام السلطانية فإنهم ms076 لم يلتمسوا فيها ~~شيئا أصلا سوى أنهم قتلوا من ذكرنا وهم ثلاثة نفر رأوا ميسرة الإسلام ثابتة ~~فعلموا أن الكسرة لا تتم فعادوا منحدرين من التل يطلبون عسكرهم PageV01P111 ~~وأما السلطان فإن كان واقفا تحت التل ومعه نفر يسير وهو يجمع الناس ليعودوا ~~إلى المحلة على العدو فلما رأوا الإفرنج نازلين من التل أرادوا لقاءهم ~~فأمرهم بالصبر إلى أن ولوا ظهورهم واشتدوا يطلبون أصحابهم فصاح في الناس ~~فحملوا عليهم فطرحوا منهم جماعة فاشتد الطمع فيهم وتكاثر الناس وراءهم حتى ~~لقوا أصحابهم والطرد وراءهم فلما رأوهم منهزمين والمسلمون وراءهم في عدد ~~كثير ظنوا أن من حمل منهم قد قتل وإنهم إنما نجا منهم هذا النفر فقط وأن ~~الهزيمة قد عادت عليهم فاشتدوا في الهرب والهزيمة وتحركت الميسرة عليهم ~~وعاد الملك المظفر بجمعه من الميمنة وتجمعت الرجال وتداعت وتراجع الناس من ~~كل جانب وكذب الله الشيطان ونصر الإيمان وظل الناس في قتل وطرح وضرب وجرح ~~إلى أن اتصل المنهزمون السالمون إلى عسكرهم فهجم عليهم في الخيام فخرج منهم ~~أطلاب كانوا أعدوها خشية من مثل هذا الأمر مستريحة فردوا المسلمين وكان ~~التعب قد أخذ من الناس والعرق قد ألجمهم فرجع الناس عنهم بعد صلاة العصر ~~يخوضون في القتلى ودمائهم إلى خيامهم فرحين مسرورين وجلسوا في خيمته ~~يتداركون من فقد الغلمان وكان مقدار من فقد من الغلمان المجهولين مائة ~~وخمسين نفرا ومن المعروفين استشهد ظهر الدين أخو الفقيه عيسى ولقد رأيته ~~وهو جالس يضحك والناس يعزونه وهو ينكر عليهم ويقول هذا يوم الهناء لا يوم ~~العزاء وكان هو قد وقع عن فرسه وركبه فرأيته وقتل عليه جماعة من أقاربه ~~وقتل في ذلك اليوم الأمير مجلئ هذا الذي قتل من المسلمين وأما من العدو ~~المخذول فحزر قتلاهم بسبعة آلاف نفر ورأيتهم وقد حملوهم إلى شاطئ النهر ~~ليلقوا فيه فحزرتهم بدون سبعة آلاف ولما تم على المسلمين من الهزيمة ما تم ~~ورأى الغلمان خلو الخيام عمن يعترض عليهم فإن العسكر انقسم PageV01P112 إلى ~~قسمين منهزمين ومقاتلين فلم يبق ms077 في الخيام أحد وراءنا فظنوا أن الكسرة تتم ~~وأن العدو ينهب جميع ما في الخيام فوضعوا أيديهم في الخيام ونهبوا جميع ما ~~كان فيها وذهب من الناس أموال عظيمة وكان ذلك أعظم من الكسرة وقعا. ولما ~~عاد السلطان إلى الخيم ورأى ما قد تم على الناس من نهب الأموال والهزيمة ~~سارع إلى الكتب والرسل في رد المنهزمين وتتبع من شذ من العسكر والرسل تتابع ~~في هذا المعنى حتى بلغت عقبة فيتق وأخذوهم بالكرة إلى عسكر المسلمين فعادوا ~~وأمر بجمع الأقمشة من أكف الغلمان إلى خيمته جلالات الخيل والمخالي بين ~~يديه في خيمته وهو جالس ونحن حوله وهو يتقدم إلى كل من عرف شيئا وحلف عليه ~~يسلم إليه وهو يلقى هذه الأحوال بقلب صلب. وصدر رحب. ووجه منبسط ورأى ~~مستقيم غير مختبط. واحتساب لله تعالى وقوة عزم في نصرة دين الله وأما ~~العدو المخذول فإنه عاد إلى خيمة وقد قتل شجعانهم وطرحت مقدموهم وفقدت ~~ملوكهم فأمر السلطان أن خرج من عكا عجل يسحبون عليه القتلى منهم إلى طرف ~~النهر ليلقوا فيه ولقد حكى لي بعض من ولي أمر العجل أنه أخذ خيطا وكان كلما ~~أخذ قتيلا عقد عقدة فبلغ عدد قتلى الميسرة أربعة آلاف ومائة وكسور وبقي ~~قتلى الميمنة وقتلى القلب لم يعدهم فإنه ولي أمرهم غيره وبقي من العدو بعد ~~ذلك من حمى نفسه وأقاموا في مخيمهم لم يكترثوا بجحافل المسلمين وعساكرهم ~~وتشتت من عساكر المسلمين خلق كثير بسبب الهزيمة فإنه ما رجع منها إلا رجل ~~معروف يخاف على نفسه والباقون وهربوا في حال سبيلهم وأخذ السلطان في جمع ~~الأموال المنهوبة وإعادتها إلى أصحابها وأقام المناداة في العساكر وقرن ~~النداء بالوعيد والتهديد وهو يتولى تفرقتها بين يديه واجتمع من PageV01P113 ~~الأقمشة عدد كثير في خدمته حتى أن الجالس في أحد الطرفين لا يرى الجالس في ~~الطرف الآخر وأقام من ينادي على من ضاع منه شيء فحضر الخلق وسار من عرف ~~شيئا وأعطى علامته حلف وأخذه من الحبل والمخازة إلى الهميان والجوهر ms078 ولقي ~~من ذلك مشقة عظيمة ولا يرى ذلك إلا نعمة من الله تعالى يشكر عليها. ~~ويسابق بيد القبول إليها. ولقد حضرت يوم تفرقت الأقمشة على أربابها ~~فرأيت سوقا للعدل قائمة لم ير في الدنيا أعظم منها وكان ذلك في يوم الجمعة ~~الثالث والعشرين من شعبان وعند انقضاء هذه الواقعة وسكون ثأرتها أمر ~~السلطان بالثقل حتى تراجع إلى موضع يقال له الخروبة خشية على العسكر من ~~روائح القتلى وآثار الوخم من الوقعة وهو موضع قريب من مكان الوقعة إلا أنه ~~أبعد عنها من المكان الذي كان نازلا فيه بقليل وضربت له خيمة عند الثقل ~~وأمر اليزك أن يكون مقيما في المكان الذي كان نازلا فيه وذلك في التاسع ~~والعشرين واستحضر الأمراء وأرباب المشورة في سلخ الشهر ثم أمرهم بالإصغاء ~~إلى كلامه وكنت من جملة الحاضرين ثم قال بسم الله والحمد لله والصلاة على ~~رسول الله. اعلموا أن هذا عدو الله وعدونا قد نزل في بلدنا وقد وطء أرض ~~الإسلام. وقد لاحت لوائح النصر عليه وإن شاء الله تعالى وقد بقي في هذا ~~الجمع اليسير ولا بد من الاهتمام بقلعه والله قد أوجب علينا ذلك وأنتم ~~تعلمون أن هذه عساكرنا ليس وراءنا نجدة ننتظرها سوى الملك العادل وهو واصل ~~وهذا العدو إن بقي وطال أمره إلى أن يفتح البحر جاءه مدد عظيم والرأي كل ~~الرأي عندي مناجزتهم فلينجزنا كل منكم ما عنده في ذلك وكان ذلك في ثالث عشر ~~تشرين من الشهور الشمسية وامتخضت الآراء وجرى تجاذب في أطراف الكلام ~~وانفصلت آراؤهم على أن المصلحة تأخير العسكر إلى الخروبة وأن يبقى العسكر ~~أياما حتى يستجم من حمل السلاح وترجع النفوس إليهم فقد أخذ التعب منهم ~~واستولى على نفوسهم الضجر وتكليفهم أمرا على خلاف ما تحمله القوي لا تؤمن ~~غائلته والناس لهم خمسون يوما تحت السلاح وفوق الخيل والخيل قد ضجرت من عرك ~~اللجم وسئمت نفوسها ذلك. وعند أخذ حظ من الراحة ترجع نفوسها إليها ويصل ~~الملك العادل ويشاركنا في الرأي والعمل وسنعيد ms079 من شذ من العساكر ونجمع ~~الرجالة ليقفوا في مقابلة الرجالة وكان بالسلطان التياث مزاجي قد عراه من ~~كثرة ما حمل على قلبه وما عاناه من التعب يحمل السلاح والفكر في تلك الأيام ~~فوقع ما قالوه ورأوه مصلحة. وكان انتقال العسكر إلى الثقل يوم ( 88 أ ) ~~الاثنين ثالث رمضان PageV01P114 وانتقال السلطان تلك الليلة وأقام يصلح ~~مزاجه ويجمع العساكر وينتظر أخاه إلى عاشر رمضان. ### || ذكر وصول خبر الألمان لعنه الله # ولما دخل رمضان من شهور سنة خمس وثمانين وخمسمائة وصل من جانب حلب كتب من ~~ولده الملك الظاهر عن نصرة يخبر فيها أنه قد صح أن ملك الألمان قد خرج إلى ~~القسطنطينية في عدة عظيمة قبل مائتا ألف وقيل مائتان وستون ألفا يريد ~~البلاد الإسلامية فاشتد ذلك على السلطان وعظم عليه ورأى استشيار الناس ~~للجهاد وإعلام خليفة الوقت بهذه الحادثة فاستدعاني لذلك وأمرني بالمسير إلى ~~صاحب الجزيرة وصاحب الموصل وصاحب إربل واستدعاهم إلى الجهاد بأنفسهم ~~وعساكرهم وأمرني بالمسير إلى بغداد لإعلام خليفة الزمان بذلك وتحريك عزمه ~~على المعاونة وكان الخليفة إذ ذاك الناصر لدين الله أبا العباس أحمد بن ~~المستضيء بأمر الله وكان مسيري في ذلك المعنى في حادي عشر رمضان ويسر الله ~~تعالى الوصول إلى الجماعة وإبلاغ الرسالة إليهم فأجابوا بنفوسهم وسار عماد ~~الدين زنكي صاحب سنجار بعسكره وجمعه تلك السنة وسار ابن أخيه صاحب الجزيرة ~~سنجر شاه بنفسه يجر عسكره وسير صاحب الموصل ابنه علاء الدين خرم شاه بمعظم ~~عسكره وحضرت الديوان السعيد ببغداد وأنهيت الحال كما رسم ووعد بكل جميل ~~وعدت إلى خدمته رحمة الله عليه وكان وصولي إليه في يوم الخميس خامس ربيع ~~الأول من شهور سنة ست وثمانين وكنت قد سبقت العساكر وأخبرته بإجابتهم ~~بالسمع والطاعة وباهتمامهم بالمسير فسر بذلك وفرح فرحا شديدا . PageV01P115 ### || ذكر وقعة الرمل الذي على جانب نهر عكا # التي على جانب نهر عكا ولما كان صفر من تلك السنة خرج السلطان يتصيد ~~مطمئن النفس ببعد المنزلة عن العدو فأوغل في الصيد وبلغ ذلك العدو ms080 فاخذوا ~~غرة العسكر واجتمعوا وخرجوا يريدون الهجوم على العسكر الإسلامي فأحس بهم ~~الملك العادل فصاح بالناس وركبت العساكر من كل جانب وحمل على القوم وجرت ~~مقتلة عظيمة قتل وجرح بينهما منهم خلق عظيم ولم يقتل من معروفي المسلمين ~~إلا مملوك للسلطان يقال له أرغش وكان رجلا صالحا استشهد في ذلك اليوم وبلغ ~~الخبر إلى السلطان فعاد منزعجا فوجد الحرب قد انفصل وعاد كل فريق إلى حزبه ~~وعاد العدو خائبا خاسرا ولله الحمد والمنة. وما مضى من الوقعات شاهدت ~~منها ما يشاهده مثلي وعرفت الباقي معرفة خاصة في هذه الأمور ومن نوادر هذه ~~الواقعة أن مملوكا كان للسلطان يدعى قره سنقر وكان شجاعا قد قتل من أعداء ~~الله خلقا عظيما وفتك فيهم فأخذوا في قلوبهم من نكايته فيهم وتجمعوا له ~~وكمنوا له وخرج إليه بعضهم وتراأوا له فحمل عليهم حتى صار بينهم فوثبوا ~~عليه من سائر جوانبه فأمسك واحدا منهم بشعره وضرب الآخر رقبته بسيفه فإنه ~~كان قتل له أقرباء فوقعت الضربة في يد الممسك بشعره فقطعت يده وخلي سبيله ~~فاشتد هاربا حتى عاد إلى أصحابه وأعداء الله يشتدون عدوا خلفه ولم يلحقه ~~منهم أحد وعاد سالما ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا. ### || ذكر وفاة الفقيه عيسى رحمه الله # وهي مما بلغني ولم أكن حاضرها وذلك أنه مرض مرضا يتعاهده وهو ضعيف النفس ~~وعرض له إسهال أضعفه فلم تقطع صلابته ولم يغب ذهنه عنه إلى أن مات وكان ~~رحمه الله كريما شجاعا حسن المقصد كبير الغرام بقضاء حوائج المسلمين توفي ~~رحمه الله طلوع فجر الثلاثاء تاسع ذي القعدة من شهور سنة خمسة وثمانين ~~وخمسمائة ، رحمه الله . PageV01P116 | ### || نادرة # ومن نوادر هذه الوقعة أن مملوكا كان للسلطان يدعى سراسنقر ، وكان شجاعا ~~قد قتل من أعداء الله خلقا عظيما ، وفتك فيهم ، فأخذوا في قلوبهم من نكايته ~~فيهم ، فمكروا به ، وتجمعوا له ، وكمنوا له ، وخرج إليه بعضهم ، وتراءوا له ~~، فحمل عليهم حتى صار بينهم ، ووثبوا عليه من سائر جوانبه ، فأمسكوا ( 89 ب ~~) وأخذ ms081 واحد بشعره وضرب الآخر رقبته بسيفه ، فإنه كان قتل له قريبا فوقعت ~~الضربة في يد الماسك بشعره فقطعت يده ، وخلى عن شعره ، فاشتد هاربا حتى عاد ~~إلى أصحابه ، وأعداء الله يشتدون عدوا خلفه ، فلم يلحقه منهم أحد ، وعاد ~~سالما ، ولله الحمد ، ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم * لم ينالوا خيرا ) ### || ذكر تسليم الشقيف سنة ست وثمانين وخمسمائة # ولما كان يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول علم الإفرنج المستحفظون ~~بالشقيف أنهم لا عاصم لهم من أمر الله وأنهم إن أخذوا عنوة ضربت رقابهم ~~فطلبوا الأمان وجرت مراجعات كثيرة في قاعدة الأوان وكانوا قد علموا من حال ~~صاحبهم أنه قد عذب أشد العذاب فاستقرت القاعدة على أن الشقيف يسلم ويطلق ~~صاحبه وجميع من فيه من الإفرنج ويترك ما فيه من أنواع الأموال والذخائر ~~وعاد صاحب صيدا والإفرنج الذين كانوا بالشقيف إلى صور ولما رأى السلطان من ~~اهتما الإفرنج من أقطار بلادهم بالمكان وتصويب عزائمهم نحوه اغتنم الشتاء ~~وانقطاع البحر وجعل في عكا من الميرة والذخائر والعدد والرجال ما أمن معه ~~عليها مع تقدير الله تعالى وتقدم إلى النواب بمصر أن عمروا لها أسطولا ~~عظيما يحمل خلقا كثيرا وسار PageV01P117 حتى دخل عكا مكابرة للعدو ومراغمة ~~له وأعطى العساكر دستورا طول الشتاء يستجمعون ويستريحون وأقام هو مع نفر ~~يسير قبالة العدو وقد حال بين العسكرين شدة الوحول وتعذر بذلك وصول بعضهم ~~إلى بعض . ### || طريفة # كان لما بلغ خبر العدو وقصده عكا جمع الأمراء وأصحاب الرأي بمرج عيون ~~وشاورهم فيما يصنع وكان رأيه أن قال المصلحة مناجزة القوم ومنعهم من النزول ~~إلى البلد وإلا فإن نزلوا جعلوا الرجالة سورا لهم وحفروا الخنادق وصعب ~~علينا الوصول إليهم وخيف على البلد منهم وكانت إشارة الجماعة أنهم إذا ~~نزلوا واجتمعت العساكر قلعناهم في يوم واحد وكان الأمر كما قال السلطان ~~والله لقد سمعت هذا القول وشاهدت الفعل كما قال السلطان وهو يوافق معنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم إن من أمتي لمحدثين ومكلمين وإن عمر لمنهم. ### || ذكر وصول رسول ms082 الخليفة # ولم يزل السلطان مجدا في الإنفاذ إلى عكا بالميرة والعدد والأسلحة ~~والرجال حتى انقضى الشتاء وانفتح البحر وحان زمان القتال كتب إلى العسكر ~~يستدعيها من الأطراف ولما تواصل أوائل العساكر وقوي جيش الإسلام رحل ~~السلطان نحو العدو ونزل على تل كيسان وذلك في ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة ~~ست وثمانين ورتب العسكر قلبا وميمنة وميسرة وأخذت العساكر في التواصل ~~والنجدة في التواتر فوصل رسول الخليفة وهو شاب شريف ووصل معه حملان من ~~النفط وجماعة من النفاطين والزراقين ووصل معه من الديوان العزيز النبوي ~~مجده الله تعالى رقعة تتضمن الأذن للسلطان أن يقترض عشرين ألف دينار ~~PageV01P118 من التجار ينفقها في الجهاد ويحيل بها على الديوان العزيز فقبل ~~جميع ما وصل مع الرسول واستغنى عن الرقعة والتثقيل بها وفي ذلك اليوم بلغ ~~السلطان أن الإفرنج قد زحفوا على البلد وضايقوه فركب إليهم لشغلهم بالقتال ~~عن البلد وقاتلهم قتالا شديدا إلى أن فصل بين الطائفتين الليل وعاد كل فريق ~~إلى أصحابه ورأى السلطان قوة العساكر الإسلامية وبعد المكان عن العدو فخاف ~~أن لا يهجم البلد ويتم عليه أمر فرأى الانتقال إلى تل العجول بالكلية ~~فانتقل بالعسكر والثقل في الخامس والعشرين وفي صبيحة هذا اليوم وصلت كتب أن ~~قد طم العدو بعض الخندق وقوي عزمه على منازلة البلد ومضايقته فجدد الكتب ~~إلى العساكر بالحث على الوصول وعبى العسكر تعبية القتال وزحف إلى العدو ~~ليشغله عن ذلك . ### || ذكر وصول الملك الظاهر ولده رحمة الله # ولما كانت سحرة ليلة الجمعة سابع عشرى ربيع الأول من سنة ست وثمانين ~~وخمسمائة وصل ولده الملك الظاهر غياث الدين غازي صاحب حلب جريدة إلى خدمته ~~معاجلة البر وترك عسكره في المنزلة وخدم والده وبل شوقه منه وعاد إلى عسكره ~~في الثامن والعشرين وسار حتى وصل في ذلك اليوم بجحفله وقد أظهروا الزينة ~~ولبسوا لامة الحرب وكثرت الأعلام والبيارق وضربت الكؤوسات ونعقت البوقات ~~وعرض بين يدي والده وكان قد ركب إلى لقائه في المرج وسار بهم حتى وقف بهم ms083 ~~على العدو وشاهدوا من جند الله ما أزعجهم PageV01P119 وأقلقهم وفي أواخر ~~ذلك اليوم قدم مظفر الدين بن زين الدين جريدة أيضا مسارعة للخدمة ثم عاد ~~إلى عسكره في لامة الحرب فعرضهم السلطان حتى وقف بهم على العدو وكان ما ~~تقدم عسكر إلا يعرضهم ويسيرهم إلى العدو وينزل بهم في خيمته يمد لهم الطعام ~~وينعم عليهم بما يطيب به قلوبهم إذا كانوا أجانب ثم تضرب خيامهم حيث يأمر ~~وينزلون بها مكرمين. ### || لطيفة تدل على سعادة ولده الملك الظاهر رحمه الله وقدس روحه والده # وذلك أن العدو كان قد اصطنع ثلاثة أبراج من خشب وحديد وألبسها الجلود ~~المسقاة بالخل على ما ذكر بحيث لا تنفذ فيها النيران وكانت هذه الأبراج ~~كأنها الجبال نشاهدها من مواضعنا عالية على سور البلد وهي مركبة على عجل ~~يسع الواحد منها من المقاتلة ما يزيد على خمسمائة نفر على ما قيل ويتسع ~~سطحها لأن ينصب عليه منجنيق وكان ذلك قد عمل في قلوب المسلمين وأودعها من ~~الخوف ما لا يمكن شرحه وأيس الناس من البلد بالكلية وتقطعت قلوب المقاتلة ~~فيه وكان فرغ من عملها ولم يبق إلا جرها إلى قريب السور وكان السلطان قد ~~أعمل فكره في إحراقها وإهلاكها وجمع الصناع من الزراقين والنفاطين وحثهم ~~على الاجتهاد في إحراقها ووعدهم عليه بالأموال الطائلة والعطايا الجزيلة ~~وضاقت حيلهم عن ذلك وكان من جملة من حضر شاب نحاس دمشقي ذكر بين يديه أن له ~~صناعة في إحراقها وأنه إن مكن من الدخول إلى عكا وحصلت له الأدوية التي ~~يعرفها أحرقها فحصل له جميع ما طلبه ودخل إلى عكا وطبخ الأدوية مع النفط في ~~قدور نحاس حتى صار الجميع كأنه جمرة نار ولما كان يوم وصول الملك الظاهر ~~ضرب واحدا بقدر فلم يكن إلا أن وقعت فيه فاشتعل من ساعته ووقته وصار كالجبل ~~العظيم من النار طالعة ذؤابته نحو السماء واستغاث المسلمون PageV01P120 ~~بالتهليل ( 92 ب ) وعلاهم الفرح حتى كادت عقولهم تذهب وبينما الناس ينظرون ~~ويتعجبون إذ رمى البرج بالقدر الثانية ms084 فما كان إلا أن وصلت إليه واشتعلت ~~كالتي قبلها فاشتد ضجيج الفئتين وانعقدت الأصوات إلى السماء وما كان إلا ~~ساعة حتى ضرب الثالث فالتهب وغشي الناس من الفرح والسرور ما حرك ذوي ~~الأحلام والنهي منهم حركة الشباب الرعنا وركب السلطان وركبت العساكر ميمنة ~~وميسرة وقلبا وكان أواخر النهار وسار حتى أتى عسكر القوم وانتظر أن يخرجوا ~~فيناجزهم عملا بقوله صلى الله عليه وسلم من فتح له باب من الخير فلينتهزه . # فلم يظهر العدو من خيامهم وحال بين الطائفتين الليل وعاد كل فريق إلى ~~حزبه ورأى الناس ذلك ببركة قدوم الملك الظاهر واستبشر والده بغرته وعلم أن ~~ذلك بيمن صلاح سريرته واستمر ركوب السلطان إليهم في كل يوم وطلب نزالهم ~~وقاتلهم وهم لا يخرجون من خيامهم لعلمهم ببشائر النصر والظفر بهم والعساكر ~~الإسلامية تتواتر وتتواصل . ### || ذكر وصول عماد الدين زنكي صاحب سنجار # ولما كان الثاني والعشرون من ربيع الآخر وصل عماد الدين زنكي بن مودود ~~صاحب سنجار يجر عسكره ووصل بتجمل حسن وعسكر تام ولقيه السلطان بالاحترام ~~والتعظيم ورتب له العسكر في لقائه وكان أول من لقيه من العسكر المنصور ~~قضاته وكتابه ثم لقيه أولاده بعد ذلك ثم لقيه السلطان ثم سار به حتى أوقفه ~~على العدو وعاد معه إلى خيمته وأنزله عنده وكان صنع له طعاما لائقا بذلك ~~اليوم فحضر هو وجميع أصحابه وقدم له من التحف واللطائف ما لا يقدر غيره ~~عليه وكان قد أكرمه بحيث طرح له طراحة مستقلة إلى جانبه وبسط له ثوب أطلس ~~عند دخوله وضرب له خيمة على طرف الميسرة على جانب النهر . ### || ذكر وصول معز الدين سنجره شاه صاحب الجزيرة # فلما كان سابع جمادى الأولى من هذه السنة وصل سنجر شاه بن سيف الدين ~~غازي بن مودود بن زنكي صاحب الجزيرة ووصل في عسكر حسن فلقيه السلطان - قدس ~~الله روحه - PageV01P121 واحترمه وأكرمه وأنزله في خيمته وأمر أن ضربت ~~خيمته إلى جانب عماد الدين . ### || ذكر وصول علاء الدين ابن صاحب الموصل # ( 93 ب ) وكان وصوله ms085 في تاسع جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وخمسمائة ~~وهو علاء الدين خرمشاه ابن مسعود بن مودود بن زنكى ، وصل نائبا عن أبيه عز ~~الدين مسعود - صاحب الموصل على عسكره ففرح السلطان بقدومه فرحا شديدا ~~وتلقاه عن بعد هو وأهله واستحسن أدبه وأنزله عنده في الخيمة وكارمه مكارمة ~~عظيمة وقدم له تحفا حسنة وأمر بضرب خيمته بين ولديه الملك الأفضل والملك ~~الظاهر ، وما من أهله إلا من بسط له من ضيافته وجها مضيئا . ### || ذكر وصول الأصطول ودخوله إلى عكا # ولما كانت ظهيرة نهار ذلك اليوم ظهرت في البحر قلوع كثيرة وكان رحمه الله ~~في نظرة وصول الأسطول من مصر فإنه كان قد أمر بتعميره ووصوله فعلما أنه هو ~~فركب السلطان وركب الناس في خدمته وتعبى تعبية القتال وقصد مضايقة العدو ~~لينسله عن قصد الأسطول ولما علم العدو وصول الأسطول استعدوا له وعمروا ~~أسطولا لقتاله ومنعه من دخول عكا وخرج أسطول العدو واشتد السلطان في قتاله ~~من خارج وسار الناس على جانب البحر تقوية للأسطول وإيناسا لرجاله والتقى ~~الأسطولان في البحر والعسكران في البر واضطرمت نيران الحرب واستعرت وباع كل ~~فريق روحه براحته الأخروية ورجح حياته الأبدية على حياته الدنيوية وجرى بين ~~الأسطولين قتال شديد تقشع عن نصرة الأسطول الإسلامي وأخذ من العدو الشوابي ~~وقتل من به ونهب جميع ما فيه وظفر من العدو بمركب أيضا كان واصلا من ~~قسطنطينية ودخل الأسطول المنصور إلى عكا وكان قد صحبه مراكب من الساحل فيها ~~مير وذخائر وطابت قلوب أهل البلد وانشرحت صدورهم فإن الضائقة PageV01P122 ~~كانت قد أخذت منهم واتصل القتال بين العسكرين من خارج البلد إلى أن فصل ~~بينهما الليل وعاد كل فريق إلى خيامه وقد قتل من عدو الله وجرح خلق كثير ~~عظيم فإنهم قاتلوا في ثلاثة مواضع فإن أهل البلد اشتدوا في قتالهم ليشغلوهم ~~عن الأسطول أيضا والأسطولان يتقاتلان والعسكر يقاتلهم من البر وكان النصر ~~للمسلمين في الأماكن كلها . ### || ذكر ( 94 ب ) وصول زين الدين صاحب إربل # ثم كان وصول زين الدين ms086 صاحب إربل في العشر الأواخر من جمادى الأولى وهو ~~زين الدين يوسف بن علي بن بكتكين قدم بعسكر حسن وتجمل جميل فاحترمه السلطان ~~وأكرمه وأنزله في خيمته وأكرم ضيافته وأمر بضرب خيمته إلى جاني خيمة أخيه ~~مظفر الدين . ### || ذكر خبر ملك الألمان # ثم تواصلت الأخبار بوصول ملك الألمان إلى بلاد قليج أرسلان وأنه نهض ~~للقائه جمع عظيم من التركمان وقصدوا منعه من عبور النهر وأنه أعجزهم لكثرة ~~خلقه وعدم مقدم لهم يجمع كلمتهم وكان قليج أرسلان أظهر شقاقه وهو في الباطن ~~قد أضمر وفاقه ثم لما عبر إلى البلاد أظهر ما كان أضمر ووافقه وأعطاه رهائن ~~منه على أن ينفذ معه من يوصله إلى بلاد ابن لاون وأنفذ معه أدلاء. ~~وعراهم في الطريق جوع عظيم حتى ألقوا بعض أقمشتهم ولقد بلغنا والله أعلم ~~أنهم جمعوا عددا كثيرة من زرديات وخوذ وآلات سلاح عجزوا عن حملها وجعلوها ~~سدرا واحدا وأضرموا فيها النار لتتلف ولا ينتفع بها أحد وأنها بقيت بعد ذلك ~~تلا من حديد وساروا على ذلك الحال حتى أتوا إلى بلد يقال لها طرسوس فأقاموا ~~على نهر ليعبر. وأما ملكهم فعن له أن يسبح فيه وكان ماؤه شديد ~~PageV01P123 البرودة ، وكان ذلك عقيب ما ناله من التعب والنصب والمشقة ~~والخوف وأنه عرض له بسبب ذلك مرض عظيم اشتد به إلى أن قتله ولما رأى ما حل ~~به أوصى إلى ابنه الذي كان في صحبته ولما مات أجمعوا رأيهم إلى أن سلقوه في ~~خل وجمعوا عظامه في كيس على أن يحملوه إلى القدس الشريف حرسه الله ويدفنوه ~~في القدس وترتب ابنه مكانه على خلف من أصحابه فإن ولده الأكبر كان قد خلفه ~~في بلاده وكان جماعة من أصحابه يميلون إليه واستقر قدم ولده الحاضر في ~~تقدمة العسكر ولما أحس ابن لاون بما جرى عليهم من الخلل وما حل بهم من ~~الجوع والموت والضعف بسبب موت ملكهم ما رأى أن يلقي بنفسه بينهم فإنه لا ~~يعلم كيف يكون الأمر وهم إفرنج وهو أرمني ms087 فاعتصم هو عنهم في بعض قلاعه ~~المنيعة. ### || صورة كتاب الكايفكوس الأرمني # ولقد وصل إلى السلطان كتاب من الكايفكوس وهو مقدم الأرمن وهو صاحب قلعة ~~الروم التي على طرف الفرات ### ||| نسخة # هذه ترجمته : ( 95 ب ) ' كتاب الداعي المخلص الكايفكوس ما أطالع به علم ~~مولانا ومالكنا السلطان الناصر جامع كلمة الإيمان. رافع علم العدل ~~والإحسان صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أدام الله إقباله ~~وضاعف جلاله. وصان مهجته وكمل نهاية آماله. بعظمته وجلاله. من أمر ~~ملك الألمان وما جرى له عند ظهوره وذلك أنه أول ما خرج من دياره ودخل بلاد ~~الهنكر غصبا غصب ملك الهنكر بالإذعان والدخول تحت طاعته وأخذ من ماله ~~ورجاله ما اختار ثم إنه دخل أرض مقد الروم وفتح البلاد ونهبها وأقام بها ~~وأخرج ملك الروم إلى أن أطاعه وأخذ رهائنه ولده وأخاه وأربعين نفرا من ~~خلصائه وأخذ منه خمسين قنطارا ذهبا وخمسين قنطارا فضة وثياب أطلس بمبلغ ~~عظيم واغتصب المراكب وعاد بها إلى هذا الجنب وصحبته PageV01P124 الرهائن ~~إلى أن دخل حدود بلاد الملك قليج أرسلان ورد الرهائن وبقي سائرا ثلاثة أيام ~~وتركمان الأوج يلقونه بالأغنام والبقر والخيل والبضائع فداخلهم الطمع ~~وجمعوا جموعا من جميع البلاد ووقع القتل بين التركمان وبينه وضايقوه ثلاثة ~~وثلاثين يوما وهو سائر ولما قرب من قونية جمع قطب الدين ولد قليج أرسلان ~~العساكر وقصده وضرب منه مصافا عظيما فظفر به ملك الألمان وكسره كسرة عظيمة ~~وسار حتى أشرف على قونية فخرج إليه جموع عظيمة من المسلمين فردهم مكسورين ~~وهجم على قونية بالسيف وقتل منهم عالما عظيما من المسلمين والفرس وأقام بها ~~خمسة أيام فطلب منه قليج أرسلان منه الأمان فأمنه الملك واستقر بينهم قاعدة ~~أكيدة وأخذ الملك منه رهائن عشرين من أكابر دولته وأشار على الملك أن يجعل ~~على طرسوس والمصيصة ففعل وقبل منه وقبل وصوله إلى هذه الديار اختيارا أو ~~كرها اقتضى الحال إنفاذ المملوك حلتم وصحبته ما سأل ومعه من الخواص جماعة ~~للقاء الملك وجواب كتابه وكانت الوصية أن يمروا به ms088 على بلاد قليج أرسلان إن ~~أمكن فلما اجتمعوا بالملك الكبير وأمادوا عليه الجواب عرفوه الأحوال ~~بالانحراف ثم كثرت عليه العساكر والجموع ونزل على شط بعض الأنهار وأكل خبزا ~~ونام وانتبه فتاقت نفسه إلى الاستحمام في الماء البارد ففعل ذلك وكان من ~~أمر الله أن تحرك عليه مرض عظيم من الماء البارد فمكث أياما قلائل ومات ~~وأما ابن لاون فإنه كان سائرا يلقى الملك فلما جرى هيرا المجرى هرب الرسل ~~من العسكر وتقدموا إليه وأخبروه في الحال فدخل في بعض حصونه واحتمى هناك . # وأما ابن الملك فكان أبوه منذ توجه إلى قصد هذه الديار نصب ولده الذي معه ~~عوضه واستقرت القاعدة وبلغه هرب رسل ابن لاون فأنفذ واستعطفهم وأحضرهم وقال ~~إن أبي كان شيخا كبيرا وما قصد هذه الديار إلا لأجل حج بيت المقدس وأنا ~~الذي دبرت الملك وعاينت المشاق في هذه الطريق فمن أطاعني وإلا قصدت دياره ~~واستعطب ابن لاون واقتضى الحال الاجتماع ضرورة وبالجملة فهو في عدد كثير . ~~PageV01P125 ولقد عرض عسكره فكان اثنين وأربعين مجفجفا وأما الرجالة فما ~~يحصى عددهم وهم أجناس متفاوتة على قصد عظيم وحد في أمرهم وسياسة هائلة حتى ~~أن من جنى منهم جناية فليس له جزاء إلا أن يذبح مثل الشاة ولقد بلغهم عن ~~بعض أكابرهم أنه جنى على غلام له وجاوز الحد في ضربه فاجتمعت القسوس للحكم ~~فاقتضى الحال والحكم العام ذبحه وشفع إلى الملك منهم خلق عظيم فلم يلتفت ~~إلى ذلك وذبحه وقد حرموا الملاذ على أنفسهم حتى أن من بلغه عنه بلوغ لذة ~~هجروه وعزروه كل ذلك كان حزنا على البيت المقدس. ولقد صح عن جمع منهم ~~أنهم هجروا الثياب مدة طويلة وحرموا ما حل ولم يلبسوا إلا الحديد حتى أنكر ~~عليهم الأكابر ذلك وهم من الصبر على الشقاء والذل والتعب في حال عظيم. ~~طالع المملوك بالحال وما يتجدد بعد ذلك يطالع به إن شاء الله تعالى هذا ~~كتاب الكايفكوس ومعنى هذا اللفظ الخليفة واسمه بر كرى كور بن باسيل. ### || ذكر مسير ms089 العساكر إلى أطراف البلاد في طريق ملك الألمان # ولما تحقق السلطان وصول ملك الروم إلى بلاد ابن لاون وقربه إلى البلاد ~~الإسلامية جمع أمراء دولته وأرباب الآراء وشاورهم فيما يصنع فاتفق الرأي ~~على أن العسكر بعضه يسير إلى البلاد المتاخمة لطريق عسكر العدو الواصل وأن ~~يقيم على منازلة العدو بباقي العسكر المنصور وكان أول من سار صاحب منبج وهو ~~ناصر الدين بن تقي الدين ثم عز الدين بن المقدم صاحب كفر طاب وبارين ~~وغيرهما ثم مجد الدين صاحب بعلبك ثم صاحب شيزر سابق الدين ثم الباروقية من ~~جملة عسكر حلب ثم عسكر حماة. وسار ولده الملك الأفضل مع مرض عرض له ثم ~~بدر الدين شحنة دمشق مع مرض عرض له أيضا وسار بعد ذلك ولده الملك الظاهر ~~إلى حلب لإبانة الطريق وكشفا لأخباره وحفظا لما يليه من البلاد وسار بعده ~~الملك المظفر لحفظ ما يليه من البلاد وتدبير أمر العدو المجتاز . وكان آخر ~~من سافر في ليلة السبت التاسع PageV01P126 من جمادى من شهور سنة ست وثمانين ~~وخمسمائة . ولما سارت هذه العساكر خفت الميمنة فإن معظم من سار منها فأمر ~~رحمه الله الملك العادل أن ينتقل إلى منزلة تقي الدين في طرف الميمنة وكان ~~عماد الدين زنكي في طرف الميسرة. ووقع في العسكر مرض عظيم فمرض مظفر ~~الدين صاحب حران وشفي ومرض بعده الملك الظافر وشفي ومرض خلق كثير من ~~الأكابر وغيرهم إلا أن المرض كان سليما بحمد الله وكان المرض عند العدو ~~أكثر وأعظم وكان مقرونا بموتان عظيم وأقام السلطان مصابرا على ذلك مرابطا ~~للعدو. ### || ذكر تمام خبر ملك الألمان # وذلك أن ولده الذي قام مقامه مرض مرضا عظيما أقام بسببه بموضع من بلاد ~~ابن لاون وأقام معه خمسة وعشرون فارسا وأربعون داويا وجهز عسكره نحو ~~أنطاكية حتى يقطعوا الطريق ورتبهم ثلاث فرق لكثرتهم ثم إن الفرقة الأولى ~~اجتازت تحت قلعة بغراس بقدمها كند عظيم عندهم وأن عسكر بغراس مع قلته أخذ ~~منهم مائتي رجل قهرا ونهبا وكبت جزء منهم ms090 بالضعف العظيم والمرض الشديد وقلة ~~الخيل والظهر والعدد والآلات ولما تصل هذا الخبر بالنوال في البلاد الشامية ~~أنفذوا إليهم عسكرا يكشف أخبارهم فوقع العسكر على جمع عظيم قد خرجوا لطلب ~~العلوفة فأغاروا عليهم غارة عظيمة وقتلوا وأسروا وكان مقدار ما أخذوه ~~وقتلوه على ما ذكره المخبرون في الكتب زهاء خمسمائة نفس ولقد حضرت رسالة ~~رسول ثان من كبغا الفرس بين يدي السلطان وهو يذكر خبرهم ويقول عدد كثير ~~لكنهم ضعاف قليلو الخيل والعدة وأكثر ثقلهم على حمر وخيل ضعيفة قال ولقد ~~وقفت على جسر يعبرون عليه لأعتبرهم فعبر منهم جمع عظيم ما وجدت مع واحد ~~منهم طارقة ولا رمحا إلا النادر فسألتهم عن ذلك فقالوا PageV01P127 أقمنا ~~بمرج وخم أياما فقل زادنا وأحطابنا وأوفدنا معظم عدننا ومات منا خلق عظيم ~~واحتجنا إلى ا لخيل فذبحناها وأكلناها وأوقدنا الرماح والعدد لإعواز الحطب ~~. | وأما الكند الذي وصل إلى أنطاكية في مقدمة العسكر فإنه مات وذكر أن ابن ~~لاون لما أحس منهم بذلك الضعف طمع فيهم حتى أنه عزم على أخذ مال الملك ~~لمرضه وضعفه وقلة جمعه الذي تخلف معه وأن البرنس صاحب أنطاكية لما أحس منهم ~~بذلك أرسل إلى ملك الألمان التقطه إلى أنطاكية طمعا في أن يموت عنده ويأخذ ~~ماله ولم تزل أخبارهم تتواتر بالضعف والمرض إلى أن وقعت وقعة العادل - رحمه ~~الله - على طرف البحر . PageV01P128 | ### || ذكر الواقعة العادلية # ولما كان يوم الأربعاء العشرون من جمادى الآخرة علم عدو الله أن ~~العساكر قد تفرقت وأن الميمنة قد خفت لأن معظم من سافر كان منها يحكم قرب ~~بلادهم من طريق العدو فأجمعوا رأيهم واتفقت كلمتهم على أنهم يخرجون بغتة ~~ويهجمون على طرف الميمنة فجأة وتلاعبت بهم آمالهم فخرجوا ظهيرة النهار ~~وامتدوا ميمنة وميسرة وقلبا وانبثوا في الأرض وكانوا عددا عظيما واستخفوا ~~طرف الميمنة وكان فيها مخيم الملك العادل فلما بصر الناس بهم قد خرجوا في ~~تعبية القتال صاح صائحهم وخرجوا من خيامهم كالأسود من آجامها وركب السلطان ~~ونادى مناديه يا للإسلام وركبت الجيوش ms091 وطلبت الأطلاب ولقد رأيته رحمه الله ~~قد ركب من خيمته وحوله نفر يسير من خواصه والناس لم يستتم ركوبهم وهو ~~كالفاقدة ولدها. الثاكلة واحدها. ثم ضرب الكؤس وأجابته كؤسات الأمراء ~~من أماكنها وركب الناس وأما الإفرنج فإنهم سارعوا في القصد إلى الميمنة حتى ~~وصلوا إلى خيمة الملك العادل ودخلوا في راقة وامتدت أيديهم في السوق وأطراف ~~الخيم بالنهب والغارة وقيل وصلوا إلى خيمة الخاص وأخذوا من شراب خاناتها ~~شيئا وأما الملك العادل فإنه لما علم بذلك ركب وخرج من خيمته واستركب من ~~يليه بالميمنة كالطواشي قايماز النجمي ومن يجراه من أسود الإسلام ووقف وقوف ~~مخادع حتى يوغل بهم طمعهم في الخيم ويشتغلوا في النهب وكان كما ظن فإنهم ~~عاثت أيديهم في الخيام والأقمشة والفواكه والمطاعم فلما علم اشتغالهم بذلك ~~صاح بالناس وحمل بنفسه وحمل حملته من كان يليه عن الميمنة واتصل الأمر ~~بجميع الميمنة حتى وصل الصائح إلى عسكر الموصل وهجموا على العدو هجمة ~~الأسود على فريستها وأمكنهم الله منهم ووقعت الكسرة فعادوا يشتدون نحو ~~خيامهم هاربين. وعلى أعقابهم ناكصين. وسيف الله فيهم يلتقط الأرواح ~~من الأشباح ويفصل بين الأجساد PageV01P129 والرؤوس. ويفرق بين الأبدان ~~والنفوس. ولما بصر السلطان باصطلاء الحرب قد ارتفع مما يلي خيام أخيه ~~ثارت في قلبه نار الإشفاق وحركت الحمية أخوته. وأنهضت لرغبة في نصرة دين ~~الله والخوف على أوليائه عزيمته وصاح صائحه في الناس يا للإسلام وأبطال ~~الموحدين هذا عدو الله قد أمكن الله منه وقد داخله الطمع حتى غشي خيامكم ~~بنفسه فكان من المبادرين إلى إجابة دعوته جماعة من مماليكه وخاصته وخلقته ~~ثم طلب عسكر الموصل يقدمهم علاء الدين ثم عسكر مصر يقدمهم سنقر الحلبي ~~وتتابعت العساكر وتجاوبت الأبطال ووقف رحمه الله في القلب خشية أن يستضعف ~~العدو القلب بحكم ما أنفذ منه من العساكر فينال غرضا فتواصلت العساكر واتصل ~~الضرب وقامت سوق الحرب فلم يكن إلا ساعة حتى رأيت القوم صرعى كأنهم أعجاز ~~نخل خاوية وامتدوا مطروحين من خيام الملك العادل إلى خيامهم أولهم ms092 في الخيم ~~الإسلامية وآخرهم في خيم العدو صرعى على التلول والوهاد وسرت السيوف من ~~دمائهم حتى رويت وأكلت أسد الوغى بأسنان الظفر منهم حتى شبعت. وأظهر ~~الله كلمته. وحقق لعبد نصرته. وكان مقدار ما امتد فيه القتلى فيما ~~بين الخيامين فرسخا وربما زاد على ذلك ولم ينج من القوم إلا النادر. ~~ولقد خضت في تلك الدماء بدابتي واجتهدت في أن أعدهم فما قدرت على ذلك ~~لكثرتهم وتفرقهم وشاهدت فيهم امرأتين مقتولتين وحكى لي من شاهد أربعة نسوة ~~يقاتلن وأسر منهن اثنتان وأسر من الرجال في ذلك اليوم نفر يسير فإن السلطان ~~كان أمر الناس أن لا يستبقوا أحدا هذا كله في الميمنة وبعض القلب وأما ~~الميسرة فما اتصل الصائح بهم إلا وقد تجز الأمر وقضى القضاء على العدو ما ~~بين الظهر والعصر فإن العدو ظهر في قائم الظهيرة وانفصلت الحرب بعد صلاة ~~العصر وانكسر القوم حتى دخلت طائفة من المسلمين وراءهم إلى مخيمهم على ما ~~قيل ولم يفقد من المسلمين أحد في ذلك اليوم سوى عشرة أنفس غير معروفين. ~~ولما أحس جند الله بعكا بما جرى من الوقعة فإنهم كانوا يشاهدون الوقعة من ~~أعالي السور خرجوا إلى مخيم العدو وجرت بينهم مقتلة عظيمة وكانت النصرة ~~للمسلمين بحيث هجموا على خيام العدو ونهبوا منها جمعا من النسوان والأقمشة ~~حتى القدور فيها الطعام ووصل كتاب من المدينة يخبر بذلك وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا واختلف الناس في عدد القتلى منهم فذكر قوام أنهم ثمانية ~~آلاف ، وقال آخرون : سبعة آلاف ، ولم ينقصهم حازر بأقل من خمسة آلاف . ~~PageV01P130 | ولق شاهدت منهم خمسة صفوف أولها في خيم العادل وآخرها في خيم ~~العدو لقد لقيت إنسانا جنديا عاقلا جنديا يسعى بين صفوف القتلى ويعدهم فقلت ~~له كم عددت فقال لي ها هنا أربعة آلاف ونيف وستون قتيلا وكان قد عد صفين ~~وهو في الصف الثالث لكن ما مضى من الصفوف كان أكثر عددا من الباقي وانجلى ~~يوم الأربعاء المذكور بأحسن ما ينجلي عنه الإسلام ولما كان ms093 يوم الخميس ~~الحادي والعشرون من جمادى المذكورة ورد في عصره نجاب من حلب له خمسة أيام ~~يتضمن كتابه أن جماعة عظيمة من العدو الشمالي خرجوا لنهب أطراف البلاد ~~الإسلامية ونهض العسكر الإسلامي من حلب إليهم وأخذ عليهم الطريق ولم ينج ~~منهم إلا من شاء الله وكان وقع هذه الواقعة المباركة واقعا عظيما وضربت ~~البشائر ولم ير صبيحة لتلك العروس أحسن من هذه الصبيحة. وجاءنا بقية ذلك ~~اليوم من اليزك قايماز الحراني وذكر أن العدو قد سأل من جانب السلطان من ~~يصل إليهم ليسمع منه حديثا في سؤال الصلح لضعف حل بهم ولم يزل عدو الله من ~~حينه مكسور الجناح من الجانبين حتى وصلهم كند يقال له كندهري . ### || ذكر وصول الكندهري # وهذا المذكور من ملوكهم وأعيانهم وصل في البحر في مراكب عدة ومعه من ~~الأموال والذخائر والمسيرة والأسلحة والرجال عدد عظيم فقوي بوصوله عزمهم ~~واشتد أزرهم وحدثتهم نفوسهم بطلب العسكر الإسلامي المنصور ليلا وكثر ذلك ~~الحديث على ألسنة المستأمنين والجواسيس فجمع السلطان الأمراء وأرباب الرأي ~~واستشارهم فيما يفعل فكان آخر الرأي أنهم يوسعون الحلقة ويتأخرون عن العدو ~~رجاء أن يخرج العدو ويبعد عن خيمه فيمكن الله منهم ووافقهم السلطان على ذلك ~~وأوقعه الله في قلبه فرحل إلى جبل الخروبة بالعساكر بأسرها وذلك في السابع ~~والعشرين من جمادى الآخرى وترك نقية من العسكر في تلك المنزلة كاليزك مقدار ~~ألف فارس يتناوبون لحفظ النوبة. هذا والكتب متواصلة من عكا ومنا إليها ~~على أجنحة الطيور وأيدي السياح والمراكب اللطاف تخرج ليلا وتدخل سرقة من ~~العدو . PageV01P131 | هذا وأخبار العدو الواصل من الشمال متواصلة بقلة ~~خيله وعدده وما قد عراهم من الموت والمرض وأنهم قد اجتمعوا بأنطاكية وأنهم ~~قد بقوا رجالة وأن أصحابنا عسكر حلب يتخطفون حشاشتهم وعلاقتهم ومن يخرج ~~منهم. ### || ذكر ( 102 أ ) كتاب وصل من قسطنطينية يسر الله فتحها # وكان بين السلطان وملك قسطنطينية مراسلة ومكاتبة وكان وصل منه رسول إلى ~~باب السلطاني بمرج عيون هم رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة في جواب رسول ms094 كان ~~أنفذه السلطان إليه بعد تقرير القواعد وإقامة قانون الخطبة في جامع ~~قسطنطينية فمضى الرسول وأقام الخطبة ولقي احتراما عظيما وإكراما زائدا وكان ~~قد أنفذ معه في المراكب الخطيب والمنبر وجمعا من المؤذنين والقراء وكان يوم ~~دخولهم القسطنطينية يوما عظيما من أيام الإسلام شاهده جمع كثير من التجار ~~ورقي الخطيب المنبر واجتمع إليه المسلمون المقيمون بها والتجار أقام الدعوة ~~الإسلامية العباسية ثم عاد فعاد معه هذا الرسول يخبرنا بانتظار الحال في ~~ذلك فأقام مدة. ولقد شاهدته يبلغ الرسالة ومعه ترجمان يترجم عنه وهو شيخ ~~أحسن ما يفرض أن يكون من صور المشايخ وعليه زيهم الذي يختص بهم ومعه كتاب ~~وتذكرة مختوم والكتاب بذهب ولما مات وصل إلى ملك قسطنطينية خبر وفاته فأنفذ ~~هذا الرسول في تتمة ذلك ووصل معه الكتاب في جواب ذلك. وصورة ما فسر من ~~الكتاب الواصل معه ووصفه أنه كان كتابا مدرجا عرضا وهو دون عرض كتاب بغداد ~~مترجما ظاهره وبلطنه بسطرين بينهما فرجة وضع فيها الختم والختم من ذهب ~~مطبوع كما يطبع الخاتم في الشمع على ختمه صورة ملك وزن الذهب خمسة عشر ~~دينارا مضمون السطرين المكتوبين ما هذا صورته : من إيساكيوس الملك المؤمن ~~بالمسيح الإله المتوج من الله المنصور العالي أبدا أففقوس المدبر من الله ~~القاهر الذي لا يغلب ضابط الروم بذاته أنكلوس إلى النسيب سلطان مصر صلاح ~~الدين والحمية والمودة. قد وصل خط نسبتك الذي أنفذت إلى PageV01P132 ~~ملكي وقرأناه وعلمناه من أن رسولنا توفي وحزنا عليه حيث أنه توفي في بلد ~~وريب وما قدر أن يتم كل ما رسم له ملكي وأمره أن يتحدث به مع نسبتك ويقول ~~في حضرتك ولا بد لنسبتك أن تهتم بإنفاذ رسول إلى ملكي مع رسول المتوفى ~~والقماش الذي خلقه ويوجد بعد موته لنعطيه أولاده وأقاربه وما أظن أنه يسمع ~~من نسبتك أخبارا ودية وأنه قد سافر في بلادي الألمان ولا عجب فإن الأعداء ~~يرجفون بأشياء مكذوبة على قدر أغراضهم ولو تشتهي أن تسمع الحق فإنهم قد ~~تأذوا وتعبوا ms095 كثيرا أكثر مما أوذي فلاحو بلادك وقد خسروا كثيرا من المال ~~والدواب والرجال ومات منهم وقتلوا وبالشدة قد تخلصوا من أيدي أجناد بلادي ~~وقد ضعفوا بحيث أنهم لا يصلون إلى بلادك فإن وصلوا كانوا ضعافا بعد شدة ~~كبيرة لا ينفعون جنسهم ولا يضرون نسبتك. وبعد ذلك كيف نسيت الذي بيني ~~وبينك وكيف ما عرفت لملكي شيئا من المقاصد والمهمات. ما ربح ملكي من ~~محبتك إلا عداوة الإفرنج وجنسهم فوقف رحمه الله على هذه الترجمة وأكرم ~~الرسول وأحسن مثواه. وكان شيخا حسن الخلق نبيها عارفا بالعربية والرومية ~~والإفرنجية ثم إن الإفرنج شدوا في حصار البلد وضايقوه لما قد حدث لهم من ~~القوة بوصول الكندهري فإنه وصل على ما ذكر والله أعلم في عشرة آلاف مقاتل ~~ووصلتهم نجدة أخرى في البحر قويت بها قلوبهم ونازلوا البلد بالقتال . ~~PageV01P133 | ### || ذكر حريق المنجنيقات التي للعدو المخذول # وذلك أن العدو لما أحس في نفسه بقوته بسبب توالي النجدات عليهم اشتد ~~طمعهم في البلد وركبوا عليه المنجنيقات من كل جانب وتناوبوا عليها بحيث لا ~~يتعطل رميها ليلا ولا نهارا وذلك في أثناء رجب. ولما رأى أهل البلد ما ~~نزل بهم من مضايقة العدو وتعلق طمعهم بهم حركتهم النخوة الإسلامية وكان ~~مقدموه حينئذ أما والي البلد وحارسه فالأمير الكبير بهاء الدين قراقوش وأما ~~مقدم العسكر فالأمير الكبير الاسفهسلان حسام الدين أبو الهيجاء وكان رجلا ~~ذا كرم وشجاعة وتقدم في عشيرته ومضاء في عزيمته فاجتمع رأيهم على أنهم ~~يخرجون إلى العدو فارسهم وراجلهم على غرة وغفلة منهم ففعلوا ذلك وفتحت ~~الأبواب وخرجوا دفعة واحدة من كل جانب ولم يشعر العدو إلا والسيف فيهم حاكم ~~عادل وسهم قدر الله وقضائه فيهم نافذ نازل وهجم الإسلام على الكفر في ~~منازله وأخذ بناصية مناضله ورأس مقاتلة ولما ولج المسلمون لخيام العدو ~~ذهلوا عن المنجنيقات وحياطتها وحراستها. وحفظها وسياستها. فوصلت شهب ~~الزراقين المقذوفة. وجاءت عوائد الله في نصرة دينه المألوفة. فلم تكن ~~ساعة حتى اضطرمت فيها النيران. وتحرقت منها بيدها ما شيدها الأعداء ms096 في ~~المدة الطويلة في أقرب آن. وقتل من العدو سبعون فارسا وأسر خلق عظيم ~~وكان من جملة الأسرى رجل مذكور منهم ظفر به واحد من آحاد الناس ولم يعلم ~~بمكانته. ولما انفصل الحرب سأل الإفرنج عنه هل هو حي أم لا فعرف الذي هو ~~عنده عند سؤالهم أنه رجل كبير فيهم وخاف أن يغلب عليه ويرد بنوع مصانعة أو ~~على وجه من الوجوه فسارع وقتله وبذل الإفرنج فيه أموالا كثيرة ولم يزالوا ~~يشتدون في طلبه ويحرصون عليه حتى ريئت لهم جثته فضربوا بنفوسهم الأرض وحثوا ~~على رؤوسهم التراب ووقعت عليهم بسبب ذلك خمدة عظيمة وكتموا أمره ولم يظهروا ~~من كان واستصغر المسلمون بعد ذلك أمرهم وهجم عليهم العرب من كل جانب يسرقون ~~وينهبون ويقتلون ويأسرون إلى ليلة نصف شعبان وكان الكندهري قد أنفق على ~~منجنيق كبير عظيم الشكل على ما نقل الجواسيس والمستأمنون ألفا وخمسمائة ~~دينار وأعده ليقدمه إلى البلد ومنع من حريقه في ذلك اليوم كونه بعيدا عن ~~البلد لم يقدم بعد إليه. ولما كانت الليلة المباركة المذكورة خرج ~~الزراقون والمقاتلة تحفظهم من كل جانب والله يكلأهم ، PageV01P134 فساروا ~~من تحت ستر الله حتى أتوا المنجنيق المذكور وأضرموا فيه النار فاحترق من ~~ساعته ووقع الصياح من الطائفتين وذهل العدو فإنه كان بعيدا من البلد وخافوا ~~أن يكونوا قد أحيط بهم من الجوانب وكان نصرا من عند الله وأحرق بلهيبه ~~منجنيقا لطيفا إلى جانبه. ### || ذكر الحيلة في إدخال بطسة بيروت إلى البلد # وذلك أنه - رحمة الله عليه - كان قد أعد بيروت بطسة ، وعمرها وأودعها ~~أربعمائة غرارة من القمح ووضع فيها الجبن والبصل والغنم وغير ذلك من الميرة ~~وكان الإفرنج خذلهم الله قد أداروا مراكبهم حول عكا حراسة لها من أن يدخلها ~~مراكب المسلمين وكانت قد اشتدت حاجة من فيها إلى الطعام والميرة فركب في ~~بطسة بيروت جماعة من المسلمين وتزيوا بزي الإفرنج حتى حلقوا لحاهم ووضعوا ~~الخنازير على سطح البطسة بحيث ترى من بعد وعلقوا الصلبان وجاءوا قاصدين ~~البلد من البعد ms097 حتى خالطوا مراكب العدو فخرجوا إليهم واعترضوهم في الحراقات ~~والشواني وقالوا لهم نراكم قاصدين البلد واعتقدوا أنهم منهم فقالوا أولم ~~تكونوا قد أخذتم البلد فقالوا لم نأخذ البلد بعد فقالوا نحن نرد القلوع إلى ~~العسكر وقد أتي بطسة أخرى في هوائنا فأنذروهم حتى يدخلوا البلد وكان وراءهم ~~بطسة إفرنجية قد اتفقت معهم في البحر قاصدة العسكر فنظروا فرأوها فقصدوها ~~ينذرونها فاشتدت البطسة الإسلامية في السير واستقامت لها الريح حتى دخلت ~~ميناء البلد وسلبت ولله الحمد. وكان فرحا عظيما فإن الحاجة كانت قد أخذت ~~من أهل البلد وكان ذلك في العشر الأواخر من رجب. ### || ذكر قصة العوام عيسى رحمه الله # ومن نوادر هذه الوقعة ومحاسنها أن عواما مسلما يقال له عيسى وصل إلى ~~البلد بالكتب والنفقات على وسطه ليلا على غرة من العدو وكان يغوص ويخرج من ~~الجانب الآخر من مراكب العدو ، PageV01P135 وكان ذات ليلة شد على وسطه ~~ثلاثة أكياس فيها ألف دينار وكتب للعسكر وعام في البحر فجرى عليه أمر أهلكه ~~وأبطأ خبره عنا. وكانت عادته إذا دخل البلد أطار طيرا عرفنا بوصوله ~~فأبطأ الطير فاستشعرنا هلاكه. ولما كان بعد أيام بينا الناس على طرف ~~البحر في البلد إذا هو قد قذف شيئا غريقا فتفقدوه فوجدوه عيسى العوام ~~ووجدوا على وسطه الذهب وشمع الكتب وكان الذهب نفقة للمجاهدين فما رؤي من ~~أدى الأمانة في حال حياته وقد ردها في مماته إلا هذا الرجل وكان ذلك في ~~العشر الأواخر من رجب أيضا. ### || ذكر حريق المنجنيقات # وذلك أن العدو كان نصب على البلد منجنيقات هائلة حاكمة على السور وإن ~~حجارتها تواترت حتى أثرت في السور أثرا بينا وخيف من غائلاتها فأخذ سهمان ~~من سهام الجرخ العظيم فأحرق نصلاهما حتى بقيا كالشعلة من النار ثم رميا في ~~المنجنيق الواحد فعلقا فيه واجتهد العدو في إطفائهما فلم يقدر على ذلك وهبت ~~ريح شديدة فاشتعل اشتعالا عظيما واتصلت لهبته بالآخر فأحرقته واشتد ناراهما ~~بحيث لم يقدر أحد أن يقرب من مكانهما ليحتال في إطفائهما وكان ms098 يوما عظيما ~~اشتد فيه فرح المسلمين وساءت عاقبة الكافرين. ### || ذكر ( 106 أ ) تمام حديث الألماني # والحيلة التي عملها المركيس ولما استقر قدم ملك الألمان في أنطاكية أخذها ~~من صاحبها وحكم فيها وكان بين يديه فيها ينفذ أوامره فأخذها منه غيلة ~~وخديعة وأودعها خزائنه وسار عنها في الخامس والعشرين من رجب متوجها نحو عكا ~~في جيوشه وجموعه على طريق اللاذقية حتى إلى طرابلس وكان قد سار إليه من ~~معسكر الإفرنج يلتقيه المركيس صاحب صور وكان من أعظمهم حيلة وأشدهم بأسا ~~وهو الأصل في تهييج الجموع من وراء البحر . ### || ذكر الحيلة التي عملها المركيس في جمع الفرنج من وراء البحر # وذلك أنه صور القدس في ورقة وصور فيه صورة القمامة التي يحجون إليها ~~ويعظمون شأنها وفيه قبة قبر المسيح الذي دفن فيه بعد صلبه بزعمهم وذلك ~~القبر هو أصل حجهم وهو الذي يعتقدون نزول النور PageV01P136 عليه في كل سنة ~~في كل عيد من أعيادهم وصور على القبر فرسا عليه فارس مسلم راكب عليه وقد ~~وطئ قبر المسيح وبال الفرس على القبر وأبدى هذه الصورة وراء البحر في ~~الأسواق والمجامع والقسوس يحملونها ورؤوسهم مكشوفة وعليهم المسوح وينادون ~~بالويل والثبور وللصور عمل في قلوبهم فإنها أصل دينهم فهاج بذلك خلق لا ~~يحصي عددهم إلا الله وكان من جملتهم ملك الألمان وجنوده فلقيهم المركيس ~~لكونه أصلا في استدعائهم إلى هذه الواقعة فلما اتصل به قوى قلبه ونصره ~~بالطرق وسلك به الساحل خوفا من أنه إذا أتى على بلاد حلب وحماة ثار لهم ~~المسلمون من كل جانب وقامت عليهم كلمة الحق من كل صوب. ومع ذلك لم ~~يسلموا من شن الغارات عليهم فإن الملك المظفر قصدهم بعساكره وجمع لهم جموعا ~~وهجم عليهم هجوما عظيما أخذ فيه من أطراف عساكره وكان قد لحقهم بأوائل ~~عسكره ولو لحقهم الملك الظاهر بعساكره لقضى عليهم ولن لكل أجل كتاب واختلف ~~حزر الناس لهم. ولقد وقفت على كتب بعض المخبرين بالحرب فقد حرز فارسهم ~~وراجلهم بخمسة آلاف بعد أن كانوا قد ms099 خرجوا على ما ذكر فانظر إلى صنع الله ~~مع أعدائه. ولقد وقفت على بعض الكتب فذكر فيه أنهم لما ساروا من ~~اللاذقية يريدون جبلة وجدوا في أعقابهم نيفا وستين فرسا قد عطبت وانتزع ~~لحمها ولم يبق فيها إلا العظام من شدة الجوع ولم يزالوا سائرين وأيدي ~~المسلمين تخطفهم من حولهم نهبا وقتلا وأسرا حتى أتوا طرابلس ووصل خبر وصوله ~~بكرة الثلاثاء ثامن شعبان سنة ست وثمانين وخمسمائة هذا والسلطان ثابت الجأش ~~راسخ القدم لا يرده ذلك عن حراسة عكا والحماية لها ومراصدة العسكر النازل ~~بها وشن الغارات عليها والهجوم عليهم في كل وقت مفوضا أمره إلى الله معتمدا ~~عليه منبسط الوجه لقضاء حوائج الناس مواصلا يسره من يفد إليه من الفقراء ~~والفقهاء والمشايخ والأدباء. ولقد كنت إذا بلغني هذا الخبر تأثرت حتى ~~دخلت عليه وأجد منه من قوة الله وشدة البأس ما يشرح صدري وأتيقن معه نصرة ~~الإسلام وأهله . PageV01P137 | ### || ذكر وصول البطس من محروسة مصر # ولما كان العشر الأوسط من شعبان كتب بهاء الدين قراقواش وهو والي البلد ~~والمقدم على الأسطول والحاجب لؤلؤ يذكران السلطان أنه لم يبق بالبلدة ميرة ~~إلا قدر يكفي إلى ليلة النصف من شعبان لا غير فأسرها يوسف في نفسه ولم ~~يبدها لخاص ولا لعام خشية الشيوع والبلوغ إلى العدو فتضعف به قلوب المسلمين ~~وكان قد كتب إلى مصر بتجهيز ثلاث بطس مشحونة بالأقوات والأدم والمير وجميع ~~ما يحتاج إليه في الحصار بحيث يكفيهم ذلك طول الشتاء وأقلعت البطس الثلاث ~~من الديار المصرية ولججت في البحر تتوقى النوتية بها الريح حتى ساروا ~~بالريح التي تحملها إلى نحو عكا ولم يزالوا كذلك حتى وصلوا إلى عكا ليلة ~~النصف من شعبان المذكور وقد فني الزاد ولم يبق عندهم ما يطعمون الناس في ~~ذلك اليوم وخرج عليها أسطول العدو يقاتلها والعساكر الإسلامية تشهد ذلك من ~~الساحل والناس في تهليل وتكبير وقد كشف المسلمون رؤوسهم يبتهلون إلى الله ~~تعالى في القضاء بتسليمها إلى البلد والسلطان على الساحل كالوالدة الثكلى ~~يشاهد ms100 القتال ويدعو ربه بنصره وقد علم من شدة القوم ما لم يعلمه غيره وفي ~~قلبه ما في قلبه والله يثبته ولم يزل القتال يعمل حول البطس من كل جانب ~~والله يدفع عنها والريح يشتد والأصوات قد ارتفعت من الطائفتين والدعاء يخرق ~~الحجب حتى وصلوا سالمين إلى ميناء البلد وتلقاهم أهل عكا تلقي الأمطار عن ~~جدب وامتاروا ما فيها وكانت ليلة بليال. ### || ذكر محاصرة برج الذبان # ولما كان الثاني والعشرون من شعبان جهز العدو بطسا متعددة لمحاصرة برج ~~الذباب وهو برج في وسط البحر مبني على الصخر على باب ميناء يحرس به الميناء ~~ومتى عبره المراكب أمن غائلة العدو فأراد العدو أخذه ليبقى الميناء بحكمه ~~ويمنع الدخول إليه بشيء من البطس إليه فتنقطع PageV01P138 الميرة عن البلد ~~فجعلوا على صواري البطس برجا وملأوه حطبا على أنهم يسيرون البطس فإذا قاربت ~~برج الذباب ولاصقته أحرقوا البرج الذي على الصاري وألصقوه ببرج الذباب ~~ليلقوه على سطحه ويقتل من عليه من المقاتلة ويأخذوه وجعلوا في البطسة وقودا ~~كثيرا حتى يلقى في البرج إذا اشتعلت النار فيه وعبوا بطسة ثانية وملؤوها ~~حطبا ووقودا على أنهم يدفعون بها إلى أن تدخل بين البطس الإسلامية ثم ~~يلهبونها فتحرق البطس الإسلامية ويهلك ما فيها من الميرة وجعلوا في بطسة ~~ثالثة مقاتلة تحت قبو بحيث لا يحصل لهم نشاب ولا شيء من آلات السلاح حتى ~~إذا أحرقوا ما أرادوا إحراقه دخلوا تحت ذلك القبو فأمنوا وقدموا البطسة نحو ~~البرج المذكور وكان طمعهم يشتد بحيث كان الهواء مصعدا لهم فلما أحرقوا ~~البطسة التي أرادوا أن يحرقوا بطس المسلمين بها والبرج الذي أرادوا أن ~~يحرقوا به من على برج الذباب فأوقدوا النار وضربوا فيها النفط انعكس الهواء ~~عليهم كما شاء الله تعالى وأراد واشتعلت البطسة التي كان فيها بأسرها ~~واجتهدوا في إطفائها فما قدروا وهلك من كان فيها من المقاتلة إلا من شاء ~~الله واحترقت البطسة التي كانت معدة لإحراق بطسنا ووثبت أصحابنا عليها ~~فأخذوها إليهم. وأما البطسة التي كانت فيها القبو ms101 فإنهم انزعجوا وخافوا ~~وهموا بالرجوع واختلفوا واضطربوا اضطرابا عظيما فانقلبت وهلك جميع من كان ~~بها لأنهم كانوا في قبو لم يستطيعوا الخروج منها وكان ذلك من أعظم آيات ~~الله وأندر العجائب في نصرة دين الله. وكان يوما مشهودا. ### || ذكر وصول الألمان إلى عسكرهم المخذول # عدنا إلى حديث ملك الألمان وذلك أنه أقام بطرابلس حتى استجم عسكره وأرسل ~~إلى النازلين على عكا يخبرهم بقدومه إليهم وقد حموا من ذلك لأن المركيس ~~صاحب صور هو رب مشورته وصاحب دولته وكان الملك جفري وهو ملك الساحل بالعسكر ~~هو الذي يرجع إليه في الأمور فعلم أنه مع قدوم الألماني لا يبقى له حكم. ~~ولما كان العشر الأخير من شعبان أزمع رأيه على المسير في البحر لعلمه أنه ~~إن لم يركب البحر نكب وأخذت عليه الطريق والمضايق فأعدوا المراكب وأنفذت ~~إليه من كل جانب ونزل فيها هو و عسكره وخيلهم وعدتهم وساروا يريدون العسكر ~~فلم تمض إلا ساعة من نهار PageV01P139 حتى قامت عليهم ريح عاصف وثار عليهم ~~الموج من كل مكان وأشرفوا على الهلاك وهلك منهم ثلاثة مراكب حمالة وعاد ~~الباقون يرصدون هواء طيبا فأقاموا أياما حتى طابت لهم الريح وساروا حتى ~~أتوا صور فأقام المركيس والألماني بها وأنفذوا بقية العساكر إلى المعسكر ~~النازل عكا وأقاما بصور إلى ليلة السادس من رمضان وسار الألماني وحده في ~~البحر حتى وصل معسكرهم غروب الشمس من ذلك اليوم في نفر يسير. هكذا تخبر ~~الجواسيس والمستأمنون عنهم. وقد كان لقدمه وقع عظيم من الطائفتين وأقام ~~أياما وأراد أن يظهر لمجيئه أثر فرنج القوم على طول مقامهم وحسن في رأيه أن ~~تضرب مصاف مع المسلمين فخوفوه من الإقدام على هذا الأمر وعاقبته فقال لابد ~~من الخروج على اليزك ليذوق قتال القوم ويعرف مراسهم ويتبصر بأمرهم فليس ~~الخبر كالعيان فخرج على اليزك الإسلامي واتبعه معظم الإفرنج راجلهم وفارسهم ~~وخرجوا حتى قطعوا الوهاد التي بين تلهم وتل العياضية وعلى تل العياضية خيم ~~اليزك وهي نوبة الحلقة السلطانية المنصورة في ذلك اليوم فوقفوا ms102 على وجوههم ~~وقاتلوهم وأذاقوهم طعم الموت وعرف السلطان ذلك فركب من خيمته بحفلة وسار ~~حتى أتى تل كيسان فلما رأى العدو العساكر الإسلامية صوبت نحوه سهام قصدها ~~وأتته من كل جانب كقطع من الليل المظلم عاد ناكصا على عقبه وقتل منهم وجرح ~~خلق كثير والسيف يعمل فيهم من أقفيتهم وهم هاربون حتى وصلوا المخيم غروب ~~الشمس وهو لا يعتقد سلامة نفسه من شدة خوفه وفصل الليل بين الطائفتين وقتل ~~من المسلمين اثنان وجرح جماعة كثيرة وكانت الكثرة على أعداء الله. ولما ~~عرف ملك الألمان ما جرى عليه وعلى أصحابه من اليزك الذي هو شرذمة من العسكر ~~وهو جزء من كل رأى أن يرجع إلى قتال البلد ويشتغل بمضايقته فاتخذ من الآلات ~~العجيبة والصنائع الغريبة ما هال الناظر إليه من شدة الخوف على البلد ~~واستشعر اخذ البلد من تلك الآلات وخيف منها عليه فأحدثوا آلة عظيمة تسمى ~~دبابة يدخل تحتها من المقاتلة خلق عظيم ملبسة بصفائح الحديد ولها من تحتها ~~عجل تحرك بها PageV01P140 من داخل وفيها المقاتلة حتى ينطح بها الصور ولها ~~رأس عظيم برقية شديدة من جديد وهي تسمى كبشا ينطح بها الصور بشدة عظيمة ~~لأنه يجرها خلق عظيم فتهدمه بتكرار نطحها. وآلة أخرى وهي قبو فيه رجال ~~السحب لذلك إلا أن رأسها محدد على شكل السكة التي يحرث بها ورأس البرج مدور ~~وهذا يهدم بثقله وتلك تهدم بحدتها وثقلها وهي تسمى سنورا ومن الستائر ~~والسلالم الكبار الهائلة. وأعدوا في البحر بطسة هائلة وضعوا فيها برجا ~~بخرطوم إذا أرادوا قلبه في السور انقلب بالحركات ويبقي طريقا إلى المكان ~~الذي ينقلب عليه تمشي عليه المقاتلة وعزموا على تقريبه إلى برج الذباب ~~ليأخذوه به . ### || ( 111 ب ) ذكر حريق الكبش وغيره من الآلات # وذلك أن العدو لما رأى آلاته قد تمت واستكملت شرع في الزحف على البلد ~~ومقاتلته من كل جانب وأهل البلد كلما رأوا ذلك اشتدت عزائمهم في نصرة دين ~~الله وقويت قلوبهم على المصابرة. ولما كان يوم الإثنين ثالث شهر رمضان ms103 ~~من السنة المذكورة وهي التي قدمت فيه عساكر الشام . ### || ذكر قدوم الملك الظاهر رحمه الله # فقدم الملك الظاهر ولده - صاحب حلب المحروسة - مجحفلة وعسكره وهو من ~~كبار أولاده ومقدميهم ومهذبيهم ، وهو يعتمد عليه في كثير من أموره ، قدم في ~~عشية ذلك اليوم وحده مثابرة على خدمة والده ، ومعاجلة في بره ، ثم بكر وعاد ~~حتى لقى عسكره ، وقدم معهم بكرة الثلاثء يرتب أطلابه ويهذبها ، ففرح والده ~~وسره به سرورا عظيما ، رضاء عنه بما رتب وجمع من العساكر والجحافل ، وقدم ~~في ذلك اليوم سابق الدين - صاحب شيزر - ، وعز الدين بن المقدم ، ومجد الدين ~~- صاحب بعلبك - وخلق عظيم من عساكر المسلمين ، قدموا في أحسن زى ، وأجمل ~~ترتيب ، وأكمل عدة ، في ذلك اليوم وكان السلطان - رحمة الله عليه - قد ~~PageV01P141 التاث مزاجه الكريم بحمى صفراوية فركب في ذلك اليوم وكان عيدا ~~من وجوه متعددة وفي ذلك اليوم زحف العدو على البلد في خلق لا يحصي عددهم ~~إلا الله فأهملهم أهل البلد وشجعان المقاتلة الذين فيه وذوو الآراء المثقفة ~~من مقدمي المسلمين حتى نشبت مخاليب أطماعهم في البلد وسحبوا آلاتهم ~~المذكورة حتى قاربوا أن يلصقوها بالسور وتحصن منهم في الخندق جماعة عظيمة ~~وأطلقوا عليهم سهام الجروح وأحجار المنجنيق وأقواس الرمي والنيران وصاحوا ~~عليهم صيحة الرجل الواحد وفتحوا الأبواب وباعوا نفوسهم لخالقها وبارئها. ~~ورضوا بالصفقة الموعود بها وهجموا على العدو من كل جانب وكبسوهم في الخنادق ~~وأوقع الله الرعب في قلب العدو وأعطه ظهره الهزيمة وأخذوا مشتدين هاربين . # على أعقابهم ناكصين. يطلبون خيامهم والاحتماء بأسوارهم لكثرة ما ~~شاهدوا وذاقوا من الجرح والقتل وبقي في الخندق خلق عظيم وقع فيهم السيف ~~وعجل الله بأرواحهم إلى النار ولما رأى المسلمون ما نزل بالعدو من الخذلان ~~والهزيمة هجموا على كبشهم فألقوا فيه النار والنفط وتمكنوا من حريقه ~~فأحرقوه حريقا شنيعا وظهرت له لهبة عظيمة نحو السماء وارتفعت الأصوات ~~بالتكبير والتهليل. والشكر للقوي الجليل. وسرت نار الكبش بقوتها إلى ~~السنور فاحترق وعلق المسلمون في الكبش الكلاليب الحديدية المصنوعة في ~~السلاسل فسحبوه ms104 وهو يشتعل حتى حصلوه عندهم في البلد وكان مركبا من آلات ~~هائلة عظيمة ألقى الماء عليه حتى برد حديده بعد أيام. وبلغنا من اليزك ~~أن وزن ما كان عليه من الحديد يبلغ مائة قنطار بالشامي والقنطار مائة رطل ~~والرطل الشامي بالبغدادي أربعة أرطال وربع رطل. ولقد أنفذ رأسه إلى ~~السلطان ومثل بين يديه وشاهدته وقلبته وشكله على مثل السفود الذي يكون بحجر ~~المدار قيل أنه ينطح به فيهدم ما يلاقيه. وكان ذلك من أحسن أيام الإسلام ~~ووقع على العدو خذلان عظيم ورفعوا ما سلم من آلاتهم وسكنت حركاتهم التي ~~ضيعوا فيها نفقاتهم وتحيرت أبصار حيلهم واستبشر السلطان بغرة ولده واستبارك ~~بها حيث وجد النصر مقرونا بقدومه مرة بعد أخرى وثانية بعد أولى . ~~PageV01P142 ### || ذكر حريق البطسة المعدة لأخذ برج الذبان # ولما كان يوم الأربعاء الخامس عشر رمضان خرج أصحابنا من الثغر المحروس ~~في شوان على بغتة من العدو وضربوا البطسة المعدة لأخذ برج الذباب بقوارير ~~نفط فاحترقت وارتفع لهبها في البحر ارتفاعا عظيما وحزن الألمان لذلك حزنا ~~شديدا وغشيته كآبة عظيمة ووقع عليهم خذلان عميم . ### || ذكر خروج البرنس إلى الغارة على البلاد الشامية التي تليه # ولما كان يوم الخميس السادس عشر الشهر وصل كتاب طائر في طي كتاب وصل من ~~حماة قد طار به الطائر من حلب يذكر فيه أن البرنس صاحب أنطاكية خرج بعسكر ~~نحو القرى الإسلامية التي تليه لشن الغارات عليها فبصرت به العساكر ونواب ~~الملك الظاهر فكمنت له الكمينات فلم يشعر بهم إلا والسيف قد وقع فيهم فقتل ~~منهم خمسة وسبعون نفرا وأسر خلق عظيم واستعصم لنفسه في موضع يسمى شيحا حتى ~~اندفعوا وسار إلى بلده يسر الله فتحها . ### || ذكر أخذ البطستين من العدو # وفي أثناء العشر الأوسط ألقت الريح بطستين فيهما رجال وصبيان ونساء ~~وميرة عظيمة وغنم كثيرة قاصدين نحو العدو فغنمها المسلمون. وكان العدو ~~قد ظفر منا بزورق فيه نفقة ورجال أرادوا الدخول إلى PageV01P143 البلد ~~فأخذوه فوقع الظفر بهاتين الطستين ماحيا لذلك وجابرا له ولم تزل ms105 الأخبار ~~بعد ذلك تتواصل على ألسنة الجواسيس والمستأمنين أن العدو قد عزم على الخروج ~~إلى العسكر الإسلامي خروج مصاف ومنافسه والتاث مزاج السلطان بحمى صفراوية ~~فاقتضى الحال تأخر العسكر إلى جبل شغرعم . ### || ذكر انتقال العسكر إلى شغرعم # وكان انتقاله تاسع عشر رمضان فنزل السلطان على أعلى الجبل ونزل الناس ~~على رؤوس التلال للاستعداد للشتاء والاستراحة من الوحل. وفي ذلك اليوم ~~مرض زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب إربل مرضا شديدا بحميين مختلفي ~~الأوقات واستأذن في الرواح فلم يؤذن له فاستأذن في الانتقال إلى الناصرة ~~فأذن له في ذلك . ### || ذكر وفاته ، رحمه الله # وأقام الناصرة أياما عديدة بمرض نفسه فاشتد به المرض إلى ليلة الثلاثاء ~~ثامن عشر رمضان وتوفي رحمه الله وعنده أخوه مظفر الدين يشاهده وحزن الناس ~~عليه لمكان شبابه وغربته وأنعم السلطان على أخيه مظفر الدين ببلده واستنزله ~~عن بلاده التي كانت في يده وهي حران PageV01P144 والرها وما يتبعهما من ~~البلاد والأعمال وضم إليه بلد شهر زور أيضا واستدعى الملك المظفر تقي الدين ~~عمر ابن أخيه شاهنشاه ليكون نازلا مكانه جابرا لخلل غيبته وأقام مظفر الدين ~~في نظرة قدوم تقي الدين. ولما كان ضحاء نهار ثالث شوال قدم وقد عاد صحبة ~~معز الدين. ### || ذكر قصة معز الدين # وهذا معز الدين هو سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي وهو صاحب ~~الجزيرة إذ ذاك وكان من قصته أنه حضر للجهاد وقد ذكرت تاريخ وصوله وأنه أخذ ~~منه الضجر والسآمة والقلق بحيث ترددت رسله ورقاعه إلى السلطان في طلب ~~الدستور والسلطان يعتذر إليه بأن رسل العدو متكررة في معنى الصلح ولا يجوز ~~أن تنفض العساكر حتى تتميز على ماذا ينفصل الحال من سلم أو حرب وهو لا يألو ~~جهدا في طلب الدستور إلى أن كان يوم عيد الفطر من سنة ست وثمانين وحضر سحر ~~ذلك اليوم في باب الخيمة السلطانية فاستأذن في الدخول فاعتذر إليه بالتياث ~~حتى قد عري مزاج السلطان فلم يقبل العذر وكرر الاستئذان فأذن ms106 له في الدخول ~~فلما مثل بالخدمة استأذن في الرواح شفاها فذكر له السلطان العذر بذلك وقال ~~: هذا وقت تقدم العساكر وتجمعها لا وقت تفرقها. فانكب على يده وقبلها ~~كالمودع له ونهض من ساعته وسار وأمر أصحابه أن ألقوا القدور فيها الطعام ~~وقلعوا الخيم وتبعوه فلما بلغ السلطان صنيعه أمر بإنشاء مكاتبة إليه يقول ~~فيها : إنك أنت قصدت الانتماء إلى ابتداء وراجعتني في ذلك مرارا وأظهرت ~~الخيفة على نفسك وقلبك وبلدك من أهلك فقبلتك وآويتك ونصرتك وبسطت يدك في ~~أموال الناس ودمائهم وأعراضهم فأنفدت إليك ونهيتك عن ذلك مرارا فلم تنته ~~واتفق وقوع هذه الواقعة للإسلام فدعوناك فأتيت بعسكر قد عرفته وعرفه الناس ~~وأقمت هذه المدة المديدة وقلقت هذا القلق وتحركت هذه الحركة وانصرفت عن غير ~~طيب نفس وغير فصل حال مع العدو. فانظر لنفسك وأبصر من تنتمي إليه غيري ~~واحفظ نفسك ممن يقصدك فما بقي إلى PageV01P145 جانبك التفات. وسلم ~~الكتاب إلى نجاب فلحقه قريبا من طبرية فقرأ الكتاب ولم يلتفت وسار على وجهه ~~. | وكان الملك المظفر تقي الدين قد استدعى إلى الغزاة بسبب حركة مظفر ~~الدين على ما سبق شرحه فلقيه في الطريق في موضع يسمى عقبة ميق فرآه محثا ~~ولم ير عليه أمارات حسنة وسأله عن حاله فأخبره بأمره وتعتب على السلطان كيف ~~لم يخلع عليه ولم يأذن له ففهم الملك المظفر انفصاله من غير دستور من ~~السلطان وأنه على خلاف اختياره فقال له المصلحة لك أن ترجع إلى الخدمة ~~وتلازم إلى أن يأذن لك وأنت صبي ولم تعلم غائلة هذا الأمر فقال ما يمكنني ~~الرجوع فقال : ترجع عن غير يد فليس في الرواح على هذا الوجه لك راحة أصلا . # فأصر على الرواح فخشي عليه وقال : ترجع من غير اختيارك. وكان تقي ~~الدين شديد البأس مقداما على الأمور ليس في عينه من أحد شي فلما علم أنه ~~قابضه إن لم يرجع باختياره رجع معه حتى أتى العسكر وخرج الملك العادل ونحن ~~في خدمته إلى لقاء الملك المظفر فوجدنا معه ms107 فدخلا به على السلطان وسألاه ~~الصفح عنه وطلب أن يقيم في جوار تقي الدين خشية على نفسه فأذن له فأقام في ~~جواره إلى حين ذهابه. ### || ذكر طلب عماد الدين الدستور # وذلك أن عماد الدين زنكي عم المذكور ألح في طلب الدستور وشكا هجوم الشتاء ~~عليه مع عدم الاستعداد له والسلطان يعتذر إليه بأن الرسل متواترة بيننا ~~وبين العدو في الصلح وربما انتظم فينبغي أن يكون انتظامه بحضوركم فالرأي ~~مشترك واستأذن في أن يحمل إليه خيام الشتاء فلم يفعل وأن يحمل إليه نفق فلم ~~يفعل وتكررت منه الرسل إلى السلطان في المعنى والسلطان يكرر الاعتذار. ~~ولقد كنت بينهم في شيء من ذلك وكان عند عماد الدين من على العزم الرواح ما ~~يجاوز كل وصف وعند السلطان من إمساكه إلى أن يفصل أمر بيننا وبينهم ما لا ~~يحد وآل الأمر إلى أن يكتب عماد الدين بخطه رقعة يطلب فيها الإذن في الرواح ~~و يلين فيها ويخشن فأخذها السلطان - رحمة الله عليه - وكتب في ظهرها بيده ~~الكريمة : من ضاع مثلي من يديه فليت شعري ما استفادا. فوقف عماد الدين ~~عليها وانقطعت مراجعة بالكلية . وتواصلت الأخبار بضعف العدو ووقوع الغلاء ~~في بلادهم وعسكرهم حتى أن الغرارة من القمح بلغت في أنطاكية ستة وتسعين ~~دياوا صورية ولا يزيدهم ذلك إلا صبرا وإصرارا وعنادا . PageV01P146 | ### || ذكر خروجهم إلى رأس الماء # ولما ضاق بهم الأمر وعظم الغلاء وخرج منهم خلق عظيم مستأمنين من شدة ~~الجوع عزموا على الخروج إلينا وكان طمعهم بسبب مرض السلطان فظنوا أنه لا ~~يستطيع النهوض وكان خروجهم يوم الإثنين حادي عشر شوال بخيلهم ورجلهم حاملين ~~أزوادا وخياما إلى الآبار التي استحدثها المسلمون تحت تل الحجل لما كانوا ~~نزولا عليه وأخذوا عليق أربعة أيام فأخبر رحمه الله بخروجهم على هذا الوجه ~~فأمر اليزك أن يتراجع من بين أيديهم إلى تل كيسان وكان اليزك على العياضية ~~وكان نزول العدو على الآبار بعد صلاة العصر من اليوم المذكور وباتوا تلك ~~الليلة واليزك حولهم جميع الليل فلما طلع ms108 الصبح جاء من اليزك من أخبره ~~بأنهم قد تحركوا للركوب وكان قد أمر الثقل في أول الليل أن يسيروا إلى ~~الناصرة والقيمون فرحل الثقل وبقي الناس وكنت في جملة من أقام في خدمته ~~وأمر العسكر أن يركب يمنة ويسرة وقلبا تعبية القتال وركب هو وصاح الجاويش ~~بالناس فركبوا وسار حتى وقف على تل من جبال الخروبة وابتدأت الميمنة ~~بالمسير فسارت حتى بلغ آخرها الجبل وسارت الميسرة حتى بلغ آخرها النهر بقرب ~~البحر فكان في الميمنة ولده الملك الأفضل صاحب دمشق وولده الملك الظاهر ~~صاحب حلب وولده الملك الظافر صاحب بصرى وولد عز الدين صاحب الموصل علاء ~~الدين خرم شاه ثم أخوه في طرفها ويليه قريبا منه حسام الدين لاجين والطواشي ~~قايماز النجمي وعز الدين جرديك النوري وحسام الدين بشاره صاحب بانياس وبدر ~~الدين دلدرم وجمع كثير من الأمراء وكان في الميسرة عماد الدين زنكي صاحب ~~سنجار وابن أخيه معز الدين صاحب الجزيرة وفي طرفها الملك المظفر تقي الدين ~~ابن أخيه وكان عماد الدين زنكي غائبا مع الثقل لمرض كان ألم به وبقي عسكره ~~وكان في الميسرة على المشطوب وجميع المهرانية والهكارية وخشترين وغيرهم من ~~الأمراء الأكراد وفي القلب الحلقة السلطانية. وتقدم السلطان أن يخرج من ~~كل عسكر جمع من الجاليش وأن يدوروا حول العدو واليزك PageV01P147 معهم ~~وأخفى بعض الأطلاب وراء التلال عساهم أن يجدوا عزة من العدو. ولم يزل ~~عدو الله يسير والناس من جميع جوانبه وهو سائر على شاطئ النهر من الجانب ~~الشرقي حتى رأس العين وداروا حوله حتى عبروا الجانب الغربي ونزلوا والقتال ~~يتلقف منهم الأبطال. ويصرع منهم الرجال. وكان نزولهم على تل هناك ~~وضربوا خيامهم هناك ممتدة منه إلى النهر. وجرح منهم في ذلك اليوم خلق ~~عظيم وقتل منهم أيضا جماعة وكانوا إذا جرح واحد منهم حملوه أو قتل دفنوه ~~وهم سائرون حتى لا يبين قتيل ولا جريح وكان نزولهم يوم الثلاثاء بعد الظهر ~~وتراجعت العساكر إلى مواطن المصابرة ومواقف الحراسة وتقدم السلطان إلى ~~الميسرة أن تستدير ms109 بهم بحيث يقع آخرها على البحر والميمنة يستدير بالنهر من ~~الجانب الشرقي والجاليش يقاتلهم بقربهم ويرميهم بالنشاب بحيث لا يقطع ~~النشاب عنهم أصلا وبات الناس تلك الليلة على هذا المثال وسار هو رحمه الله ~~ونحن في خدمته إلى رأس جبل الخروبة فنزل في خيمة لطيفة والناس حوله في خيم ~~لطاف بمرأى من العدو واجتاز العدو يتواصل ساعة فساعة إلى الصبح. ولما ~~كان يوم الأربعاء وصل من أخبر أنهم تحركوا للركوب فركب هو ورتب الأطلاب ~~وسار حتى أتى أقرب جبال الخروبة إليهم بحيث يشاهد أحوالهم. ملتاث المزاج ~~ضعيف القوى قوي القلب ثم بعث إلى العساكر وأمرها بالمقاتلة والمضايقة ~~والحملة عليهم من كل جانب وأمر الأطلاب أن تحيط بهم بحيث لا تكون قريبة ولا ~~بعيدة لتكون وراء المقاتلة إلى أن تضاحي النهار وسار العدو إلى شاطئ النهر ~~من الجانب الغربي يطلب جهة جهة والقتال يشتد عليهم من كل جانب إلا من جانب ~~النهر والتحم القتال فصرع منهم خلق عظيم وهم يدفنون قتلاهم ويحملون جرحاهم ~~وقد جعلوا رجالتهم سورا لهم تضرب الناس بالزنبورك والنشاب حتى لا يترك أحد ~~يصل إليهم إلا بالنشاب فإنه ، PageV01P148 كان يطير عليهم كالجراد ، ~~وخيالتهم يسيرون في وسطهم بحيث لم يظهر منهم أحد في ذلك اليوم أصلا ~~والكؤسات تخفق والبوقات تنعر والأصوات بالتهليل والتكبير تعلو هذا والسلطان ~~يمد الجاليش بالأطلاب والعساكر التي عنده حتى لم يبق معه إلا نفر يسير ونحن ~~نشاهد الأحوال وعلم العدو مرتفع على عجلة هو مغروس فيها وهي تسحب بالبغال ~~وهم يذبون عن العلم وهو عال جدا كالمنارة خرقته بياض ملمع بأحمر على شكل ~~الصلبان ولم يزالوا سائرين على هذا الوجه حتى وصلوا وقت الظهر قبالة جسر ~~دعوق وقد ألجمهم العطش وأخذ منهم التعب وأثخنهم الجراح واشتد الأمر بهم من ~~شدة الحر. ولقد قاتل المسلمون في ذلك اليوم قتالا شديدا وأعطوا الجهاد ~~حقه وهجموا عليهم هجوما عظيما واستداروا بهم كالحلقة وهم لا يظهرون من ~~رجالتهم ولا يحملون فكان الفعل معظمه للحلقة في ذلك اليوم فإنهم أذاقوهم ms110 ~~طعم الموت وجرح منهم جماعة كأبار الطويل فإنه قام في تلك الحرب العظيمة ~~أعظم مقام وجرح جراحات متعددة وهو مستمر على القتال وجراح سيف الدين يازكوج ~~جراحات متعددة وهو من فرسان الإسلام وشجعانه وله مقامات متعددة وجرح خلق ~~كثير ولم تزل الناس حولهم حتى نزلوا ظهر نهار ذلك اليوم عند جسر دعوق ~~وقطعوا الجسر وأخربوه خوفا من عبور الناس إليهم ورجع السلطان إلى تل ~~الخروبة وأقام عليه يزكا يحرسهم وأخبارهم تتواتر حتى الصباح وعزم في تلك ~~الليلة على كبس بقيتهم وكتب إلى البلد يعرفهم ذلك حتى يخرجوهم من ذلك ~~الجانب فلم يصل من أهل البلد كتاب فرجع عن ذلك العزم بسبب تأخر الكتاب ولما ~~كان صباح يوم الخميس رابع عشر الشهر وصل من أخبر أن العدو على حركة الرحيل ~~فركب السلطان ورتب الأطلاب وكف الناس عن القتال خشية أن يغتالوا فإن العدو ~~كان قد قرب من خيمه وأداروا الأطلاب في الجانب الشرقي من النهر تسير قبالة ~~العدو حتى وصلوا إلى خيمه وكان ممن خرج من مقدميهم في هذه السرية الكندهري ~~والمركيس وتخلف ابن ملك PageV01P149 الألمان في الخيم مع جمع كثير منهم ~~ولما دخل العدو إلى خيمهم كان لهم فيها أطلاب مستريحة فخرجت إلى اليزك ~~الإسلامي وحملت عليه ونشب القتال بين اليزك وبينهم وجرى قتال عظيم قتل فيه ~~من العدو وجرح خلق عظيم وقتل من المسلمين ثلاثة نفر وقتل من العدو شخص كبير ~~فيهم مقدم عليهم وكان على حصان عظيم ملبس بالزرد إلى حافره وكان عليه لباس ~~لم ير مثله وطلبوه من السلطان بعد انفصال الحرب فدفع إليهم جثته وطلب رأسه ~~فلم يوجد وعاد السلطان إلى مخيمه وأعاد الثقل إلى مكانه وعاد كل قوم إلى ~~منزلتهم وعاد عماد الدين وقد أقلعت حماة وبقي الثبات مزاج السلطان وقد كان ~~سبب سلامة هذه الطائفة مع كونه لا يقدر على مباشرة الأمر بنفسه ولقد رأيته ~~وهو يبكي في حال الحرب كيف لم يقدر على مخالطته ورأيته وهو يأمر أولاده ~~واحد بعد واحد بمكافحة الأمر ms111 ومخالطة الحرب ولقد سمعت منه وقائل يقول إن ~~الوخم قد عظم في مرج عكا بحيث أن الموت قد كثر في الطائفتين ينشد متمثلا : ~~قتلاني ومالكا واقتلا مالكا معي يريد بذلك التي قد رضيت أن أتلف أنا إذا ~~تلف أعداء الله وحدث بذلك قوة عظيمة في نفوس العسكر الإسلامي. ### || ذكر وقعة الكمين # وفي الثاني والعشرين من شوال رأى السلطان أن يضع للعدو كمينا وقوي عزمه ~~على ذلك فأخرج جمعا من كماة العسكر وشجعانه وأبطاله وفرسانه وانتخبهم من ~~خلق كثير وأمرهم أن يسيروا في الليل ويكمنوا في سفح تل هو شمالي عكا يعيد ~~من عسكر العدو عنده كانت منزلة الملك العادل حين وقعت الوقعة المنسوبة إليه ~~وأن يظهر منهم للعدو نفر يسير وأن يقصدوه في خيامه ويحركوه حتى إذا خرج ~~انهزموا بين يديه نحو المسلمين ففعلوا ذلك وساروا حتى أتوا التل المذكور ~~ليلا فكمنوا فيه. ولما تجلى نهار الثالث والعشرين خرج منهم يسير على ~~جياد من الخيل وساروا حتى أتوا مخيم العدو ورموهم بالنشاب وحركوا حميتهم ~~بالضرب المتواتر فانتحى PageV01P150 لهم مقدار مائتي فارس وخرجوا إليهم ~~شاكي السلاح على خيل جياد بعدة تامة وأسلحة كاملة وقصدوهم وليس معهم أحد ~~راجل وداخلهم الطمع فيهم لقلة عدتهم فانهزموا بين أيديهم وهم يقاتلون ~~ويقتلوا حتى أتوا الكمين فثارت عند وصولهم الأبطال وصاحوا صيحة الرجل ~~الواحد وهجموا عليه هجمة الأسود على فرائسها فثبتوا وصبروا وقاتلوا قتالا ~~شديدا ثم ولوا منهزمين فتمكن أولياء الله منهم وأوقعوا فيهم ضربا بالسيف ~~حتى أفنوا منهم جمعا عظيما واستسلم الباقون للأسر فأسروهم وأخذوا خيلهم ~~وعددهم وجاء البشير إلى العسكر الإسلامي فارتفعت الأصوات بالتهليل وركب ~~السلطان يتلقى المجاهدين وسار وكنت في خدمته حتى أتى تل كيسان فلقينا أوائل ~~القوم فوقف هناك يتلقى العائدين من المجاهدين والناس يتبركون بهم ويشكونهم ~~على حسن صنيعهم وهو يعتر الأسرى ويتصفح أحوالهم. وكان ممن أسر مقدم عسكر ~~الإفرنسيس فإنه كان قد أنفذ نجدة قبل وصوله وأسر خازن الملك أيضا وعاد ~~السلطان بعد تكامل الجماعة إلى مخيمه فرحا مسرورا ms112 وأحضر الأسرى عنده وأمر ~~مناديا ينادي من أسر أسيرا فليحضر الناس أسراهم وكنت حاضرا ذلك المجلس. ~~ولقد أكرم المقدمين منهم وخلع عليهم وعلى مقدم عسكر الإفرنسيس فروة خاصة ~~وأمر لكل واحد من الباقين بفروة جرخية فإن البرد كان شديدا وكان قد أخذ ~~منهم وأحضر لهم طعاما فأكلوه وأمر لهم بخيمة تضرب قريبا من خيمته وكان ~~يكارمهم في كل وقت ويحضر المقدم على الخوان في بعض الأوقات وأمن بتنفيذهم ~~وحملهم إلى دمشق حملوا مكرمين وأذن لهم في أن يراسلوا صاحبهم وأن يحضر لهم ~~من عسكرهم ما يحتاجون إليه من الثياب وغيرها ففعلوا ذلك وساروا إلى دمشق . ### || ذكر ( 120 ب ) عود العساكر من الجهاد # ولما هجم الشتاء وهاج البحر وأمن العدو أن يضرب مصاف وطلب البلد وحصاره ~~من شدة الأمطار وتوترها أذن السلطان للعساكر في العود إلى بلادهم ليأخذوا ~~نصيبا من الراحة وتجم خيولهم إلى وقت العمل. وكان أول من سار عماد الدين ~~صاحب سنجار لما كان عنده من القلق PageV01P151 في طلب الدستور. وكان ~~مسيره خامس عشر شوال وسار عقيبه في ذلك اليوم ابن أخيه سنجر شاه صاحب ~~الجزيرة هذا بعد أن أفيض عليه من التشريف والإنعام والتحف ما لم ينعم به ~~على غيرهما. وسار علاء الدين ابن صاحب الموصل في مستهل ذي القعدة مشرفا ~~مكرما معه التحف والطرائف وتأخر الملك المظفر إلى أن دخلت سنة سبع وثمانين ~~وتأخر أيضا الملك الظاهر وسار تاسع المحرم سنة سبع وثمانين وسار الملك ~~المظفر في ثالث صفر ولم يبق عند السلطان إلا نفر يسير من الأمراء والحلقة ~~الخاص . ### || ذكر ( 121 أ ) وفود زلفندار عليه رحمة الله عليه # وفي أثناء ذي القعدة سنة ست وثمانين وفد عليه زلفتدار فالتقاه وأكرم ~~مثواه ووضع له طعاما يوم قدومه وباسطه مباسطة عظيمة. وكانت حاجته أن ~~يوقع له بإعادة أملاك كانت في يده ثم انتزعت من أعمال نصيبين والخابور فوقع ~~بإعادتها إلى يده وإجراء الأمر فيها بعد ذلك على وفق الشريعة المطهرة وخلع ~~عليه وشرفه وسار فرحا مسرورا شاكرا لأياديه. ms113 ### || ذكر اشتغال السلطان بإدخال البدل إلى البلد # ولما هاج البحر وأمنت غائلة مراكب العدو ورفع ما كان له من الشواني في ~~البحر إلى البر اشتغل السلطان في إدخال البدل إلى عكا وحمل البر والذخائر ~~والنفقات والعدو منها وإخراج من كان بها من الأمراء لعظم شكايتهم من طول ~~المقام بها ومعاناة التعب والسهر وملازمة القتال ليلا ونهارا وكان مقدم ~~البلد من البدل الداخل الأمير سيف الدين علي المشطوب دخل سادس عشر المحرم ~~من شهور سنة سبع وثمانين وفي ذلك اليوم خرج المقدم الذي كان بها وهو الأمير ~~حسام الدين أبو الهيجاء ، PageV01P152 وأصحابه ومن كان بها من الأمراء ~~وأعيان الخلق وتقدم إلى كل من دخل أن يصحب ميرة السنة وانتقل الملك العادل ~~بعسكره إلى حيفا على شاطئ النهر وهو الموضع الذي تحمل منه المراكب فتدخل ~~إلى البلد وإذا خرجت تخرج إليه فأقام يحث الناس على الدخول ويحرس المير ~~والذخائر لئلا يتطرق إليها العدو من يعترضها وكان مما دخل إليها سبع بطس ~~مملوءة ميرة وذخائر ونفقات كانت وصلت من مصر محملة وتقدم السلطان بتعبيتها ~~من مدة مديدة وكان دخولها ثاني ذي الحجة من السنة الخالية فانكسر منها مركب ~~على الصخر الذي هو قريب من الميناء فانقلب كل من في البلد من المقاتلة ~~ليلقى البطس. ولما علم العدو ذلك أخذوا غرتهم وزحفوا إلى البلد في جانب ~~البر زحفة عظيمة وقاربوا الأسوار وصعدوا في سلم واحد فاندق بهم السلم كما ~~شاء الله تعالى وتداركهم أهل البلد فقتلوا منهم خلقا عظيما وعادوا خائبين ~~خاسرين وأما البطس فإن البحر هاج هياجا عظيما وضرب بعضها على الصخر فهلكت ~~وهلك جميع من كان فيها قيل كان عددهم ستين نفرا وكان فيها ميرة عظيمة لو ~~سلمت كفت البلد سنة كاملة وذلك بتقدير العزيز العليم ودخل على المسلمين ~~بذلك وهن عظيم وأحرج السلطان بذلك حرجا عظيما فاستخلف ذلك في سبيل الله ~~تعالى وما عند الله خير وأبقى وكان ذلك أول علامات أخذ البلد والظفر به . ### || ذكر وقوع قطعة من السور فهي ms114 العلامة الثانية # ولما كانت ليلة السبت سابع ذي الحجة من السنة الحالية قضى الله وقدر أن ~~وقع من السور قطعة عظيمة ونقلها على الباشورة فهدمت أيضا منها قطعة عظيمة ~~وهي العلامة الثانية وقد أخذ العدو الطمع وهاج الزحف هياجا عظيما وجاءوا ~~إلى البلد كقطع الليل المدلهم من كل جانب وثارت همم الناس في البلد وقاتلوا ~~العدو قتالا سديدا حتى ضرسوا وأيسوا من أن ينالوا خيرا فوقفوا على سد موضع ~~القطعة الواقعة وجمعوا من في البلد من البنائين والصناع ووضعوهم في ذلك ~~الموضع وحموهم بالنشاب والمناجيق فما مرت إلا ليال يسيرة حتى انتظمت وعاد ~~بناؤها أحسن مما كان أقوى وأتقن . والحمد لله . PageV01P153 | ### || ذكر الظفر بمراكب العدو # وكان قد استأمن من الفرنج خلق عظيم أخرجهم الجوع إلينا وقالوا للسلطان ~~نحن نخوض البحر في براكيس وبطس إلى العدو ويكون الكسب بيننا وبين المسلمين ~~فأذن لهم في ذلك وأعطاهم بركوسا وهو المركب الصغير فركبوا فيه وظفروا ~~بمراكب للتجار من العدو وهي قاصدة إلى عسكرهم وبضائعهم معظمها فضة مصوغة ~~وغير مصوغة فوقع عليها البركوس وقابلوهم حتى أخذوهم واكتسبوا منهم مالا ~~عظيما وأسروهم وأحضروهم بين يدي السلطان وذلك في ثالث عشر ذي الحجة من ~~السنة المذكورة ولقد كنت حاضرا ذلك المجلس وكان من جملة ما أحضروه مائدة ~~فضة وعليها مكبة مخرمة من فضة فأعطاهم السلطان الجميع ولم يأخذ منهم شيئا ~~وفرح المسلمون بنصر الله عليهم بأيديهم. ### || ذكر موت ابن ملك الألمان لعنة الله عليه # وذلك أن العدو لما دخل الشتاء عليهم وتواترت الأنداء واختلفت الأهواء وخم ~~المرج وخما عظيما وقع معه موتا عظيما وانضم إلى ذلك الغلاء الزائد وانسد ~~عليهم البحر الذي كان يجيئهم منه الميرة من كل جانب وكان يموت منهم كل يوم ~~المائة والمائتان على ما قيل وقيل أكثر من ذلك ومرض ابن ملك الألمان مرضا ~~عظيما وعرض له مع ذلك مرض الجوف فهلك به في الثاني والعشرين من ذي الحجة ~~سنة ست وثمانين وحزن الإفرنج عليه حزنا عظيما وأشعلت له نيران هائلة بحيث ms115 ~~لم يبق له خيمة إلا وأشعلت فيها الناران والثلاثة بحيث بقي عسكرهم كله نار ~~وفرح المسلمون بذلك بمثل ما حزن الكفار بفقده وهلك منهم كبير يقال له ~~الكندبالياط ومرض الكندهري وأشرف على الهلاك وفي الرابع والعشرين منه أخذ ~~منهم بركوسان فيها نيف وخمسون نفرا وفي الخامس والعشرين منه أخذ منهم أيضا ~~بركوس وجميع ما فيه وكان من جملة ما فيه ملوطة مكللة باللؤلؤ وهي من تفاصيل ~~الملك وقيل كان في البركوس ابن أخته وأخذ أيضا ، ولله الحمد . PageV01P154 ### || ذكر غارة أسد الدين # وهذا أسد الدين هو شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير ~~وهو صاحب حمص. وكان من حديثه أن السلطان كان قد رسم له أن يأخذ حذره من ~~الإفرنج بطرابلس ويأخذ نفسه بحراسة المسلمين والفلاحين في تلك الناحية وأنه ~~قيل له إن إفرنج طرابلس قد أخرجوا جشارهم وخيلهم إلى مرج هناك وأبقارهم ~~ودوابهم وأنه قد قرر مع عسكره قصدهم فخرج على غرة منهم وهجم على جشارهم ~~فأخذ منهم الخيل أربعمائة رأس ومائة من البقر فهلك من الخيل أربعون وسلم ~~الباقي وعاد إلى البلد ولم يفقد من أصحابه أحد ووصل الكتاب بذلك في رابع ~~صفر من سنة سبع وثمانين وخمسمائة . وفي ( 123 ب ) ليلة هذا اليوم ألقت ~~الريح مركبا للعدو على الذيب فكسرته ، وكان فيه خلق عظيم ، فبصر بهم ~~أصحابنا ، فوثبوا عليهم ، وأخذوهم عن آخرهم ، ولقد حضرت وقد عرض منهم على ~~السلطان - رحمة الله عليه - خمسة عشر نفرا ، وليلة هلال ربيع الأول من هذه ~~السنة خرج أصحابنا من البلد ، وهجموا على العدو وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، ~~وأخذوا منهم من خيمهم جمعا عظيما ، منهم اثنا عشرة امرأة على ما قيل . ### || ذكر وقائع عدة في سنة سبع # وفي ثالث ربيع الأول كان اليزك للحقة السلطانية وخرج من العدو إليهم ~~خلق عظيم وجرى بينهم وقعة شنيعة وقتل فيها من العدو جماعة وقتل منهم رجل ~~كبير على ما قيل ولم يفقد من المسلمين إلا خادم للسلطان يسمى قراقوش وكان ~~شجاعا عظيما له ms116 وقعات عظيمة كثيرة استشهد في ذلك اليوم وفي تاسع الشهر بلغ ~~السلطان أن العدو يخرج منه طائفة يتفسحون لبعدنا عنهم فاقتضى رأيه أن أنفذ ~~أخاه الملك العادل وفي خدمته خلق عظيم من العساكر الإسلامية وأمره أن يكمن ~~للعدو وراء التل الذي كانت فيه الواقعة المعروفة به فسار هو وجمع كان من ~~كبراء أهله وأصحابه فكمن وراء تل العاضية وكان ممن كان معه من كبار أهله ~~الملك المظفر تقي الدين وابنه ناصر الدين محمد والملك الأفضل ولده ومعه ~~صغار أولاد الملك الأشرف محمد والملك المعظم طورانشاه والملك الصالح ~~إسماعيل وكان من المعممين الفاضل والديون وكنت في الصحبة في ذلك ~~PageV01P155 اليوم . وركب جماعة من الشجعان على الخيول الجياد وناوشوا ~~العدو فلم يخرج في ذلك اليوم وكان قد وشي إليهم بحلية الأمراء إلا أن ذلك ~~اليوم لم ينفك إلا بنوع نصر فإنه وصل في أثنائه خمسة وأربعون نفرا من ~~الإفرنج كانوا قد أخذوا في بيروت وسيروا إلى السلطان ووصلوا في ذلك اليوم ~~إلى ذلك المكان. ولقد شاهدت منه رقة قلب لم ير أعظم منها وذلك أنه كان ~~فيهم شيخ كبير طاعن في السن لم يبق في فمه ضرس ولم تبق له قوة إلا مقدار ~~تحرك لا غير فقال للترجمال قل له ما الذي حملك على المجيء وأنت في هذا السن ~~وكم من ههنا إلى بلادك فقال بلادي بيني وبينها عدة أشهر. وأما مجيئي ~~فإنما كان للحج إلى القمامة فرق له السلطان ومن عليه وأطلقه وأعاده راكبا ~~على فرس إلى عسكر العدو. ولقد طلب أولاده الصغار أن يأذن لهم في قتل ~~أسير فلم يفعل فسألته عن سبب المنع وكنت حاجبهم بما طلبوه فقال لئلا ~~يعتادوا من الصغر على سفك الدماء ويهون عليهم ذلك وهم الآن لا يفرقون بين ~~المسلم والكافر. ولما أيس من خروج العدو عاد المخيم في عشية ذلك اليوم . ### || ذكر وصول العساكر الإسلامية والملك الافرنسيس # ومن ذلك الوقت انفتح الباب وطال الزمان وجاء أوان عود العساكر إلى الجهاد ~~من الطائفتين فكان أول ms117 من قدم علم الدين سليمان بن جندر من أمراء الملك ~~الظاهر وكان شيخا كبيرا مذكورا له وقائع ذا رأي حسن والسلطان يحترمه ويكرمه ~~وله قدم صحبة ثم قدم بعده مجد الدين بن عز الدين فخرشاه وهو صاحب بعلبك ~~وتتابعت بعد ذلك العساكر الإسلامية من كل صوب وأما عسكر العدو فإنهم كانوا ~~يتواعدون اليزك ومن يقاربهم بقدوم الملك الفرنسيس وكان عظيما عندهم ، ~~PageV01P156 مقدما محترما من كبار ملوكهم تنقاد إليه العساكر بأسرها بحيث ~~إذا حضر حكم على الجميع ولم يزالوا يتواعدون بقدومه حتى قدم في ست بطس ~~تحمله وميرته وما يحتاج إليه من الخيل وخواص أصحابه وكان قدومه يوم السبت ~~الثالث والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة. ### || نادرة وبشارة # وكان قد صحبه من بلاده باز عظيم هائل الخلق أبيض اللون نادر الجنس ما ~~رأيت بازيا أحسن منه وكان يعزه ويحبه حبا عظيما فشذ الباز من يده وطار وهو ~~يستجيئه ولا يجيئه حتى سقط على سور عكا فاصطاده أصحابنا وأنفذوه إلى ~~السلطان وقد كان لقدومه روعة عظيمة واستشار عظيم بالظفر به فتفاءل المسلمون ~~بذلك وبذل الإفرنج فيه ألف دينار فلم يجابوا وقدم بعد ذلك كندفرند وكان ~~مقدما عظيما عندهم مذكورا فذكروا أنه حاضر حماة وحارم في عام الرملة . ### || واقعة ونادرة # ولما كان الثاني عشر من ربيع الآخر وصل كتاب من اللاذقية أن كان جماعة من ~~المستأمنين قد أعطوا براكيس ليكبسوا عليها في البحر من العدو فأخذوها ~~ونزلوا في جزيرة قبرص في عيد لهم وقد اجتمع جمع كثير من أهل الجزيرة في ~~بيعة قريبة من البحر وأنهم صلوا معهم صلاة العيد وأنهم لما فرغوا من الصلاة ~~ضربوا على كل من البيعة من الرجال والنساء وأخذوهم عن آخرهم حتى القس ~~وحملوهم وألقوهم في مراكبهم وساروا بهم حتى أتوا اللاذقية وكان من جملة ما ~~كان فيها سبعة وعشرون امرأة وأموال عظيمة فقسموها فوصل إلى كل واحد على ما ~~قيل أربعة آلاف درهم من الفضة النقرة وقدم بعد ذلك بدر الدين شحنة دمشق في ~~سابع عشر ms118 ربيع الآخر وهجم أصحابنا على غنم العدو فأخذوها وكان عددها مائة ~~وعشرين رأسا فركب في طلبها الراجل والفارس فلم يظفروا منها بشيء. ### || ذكر خبر ملك الأنكتار لعنه الله # وهذا ملك الأنكتار شديد البأس بينهم عظيم الشجاعة قوي الهمة له وقعات ~~عظيمة وله جسارة على الحرب وهو دون الفرنسيس عندهم في الملك والمنزلة لكنه ~~أكثر مالا منه وأشهر في الحرب والشجاعة PageV01P157 وكان من خبره أنه وصل ~~إلى جزيرة قبرص ولم ير أن يتجاوزها إلا وأن تكون له وفي حكمه فنازلها ~~وقاتلها فخرج إليه صاحبها وجمع له خلقا عظيما وقاتلهم قتالا شديدا فأنفذ ~~الأنكتار إلى عكا يستنجد إليه الملك جفري أخاه ومعه مائة وستون فارسا ~~ليعينوه على مقصوده وبقيت الإفرنج على عكا ينتظرون ما يكون من الطائفتين ~~وفي سلخ ربيع الآخر وصلت كتب من بيروت أنه قد أخذ من مراكب الأنكتار ~~القاصدة نحو عسكر العدو خمس مراكب وطرادة فيها خلق عظيم رجال ونساء وميرة ~~وأخشاب وآلات وغير ذلك وفيها أربعون فارسا وكان ذلك فتحا عظيما استبشر به ~~المسلمون وفي رابع جمادى الأولى زحف العدو إلى البلد ونصبوا عليه مناجيق ~~سبعة ووصلت كتب عكا بالاستنفار العظيم والتماس شغل العدو عنهم فأعلم ~~السلطان العساكر بالعزم على الرحيل إلى مضايقة العدو ومقاربته وأصبح على ~~أهبة المسير إلى العدو ورتب العساكر ثم أنفذ من كشف حال العدو وحال خنادقهم ~~هل فيها كمين أم لا فعادوا وأخبروا بخلوها عن الكمين فسار بنفسه في نفر ~~يسير من ممالكيه إلى خنادقهم وصعد جبلا كان يعرف بتل الفضول قريبا من العدو ~~مشرفا على خيمهم وشاهد المنجنيقات وما يعمل منها وما هو يطال ثم عاد إلى ~~مخيمه وأنا في خدمته وفي صبيحة هذه الليلة أتاه اللصوص برضيع له ثلاثة أشهر ~~قط أخذ من أمه سرقة. ### || ذكر قصة الرضيع # وذلك أنه كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام العدو فيسرقون منهم الرجال ~~وكان من قصتهم أنهم أخذوا ذات ليلة طفلا رضيعا له ثلاثة أشهر وساروا به حتى ~~أتوا إلى خيمة السلطان وعرضوه عليه ms119 وكان كل ما يأخذونه يعرضونه عليه ~~ويعطيهم ما أخذوه ولما فقدته أمه باتت مستغيثة بالويل والثبور طول الليل ~~حتى وصل خبرها إلى ملوكهم فقالوا إنه رحيم القلب وقد أذنا لك بالخروج ~~فاخرجي واطلبيه منه فإنه يرده عليك فخرجت تستغيث PageV01P158 إلى اليزك ~~الإسلامي ، فأخبرتهم بواقعتها فأطلقوها وأنفذوها إلى السلطان فلقيته وهو ~~راكب وأنا في خدمته وفي خدمته خلق عظيم فبكت بكاء شديدا ومرغت وجهها في ~~التراب فسأل عن قصتها فأخبروه فرق لها ودمعت عينه وأمر بإحضار الرضيع ~~فوجدوه قد بيع في السوق فارتده وأمر بدفع ثمنه إلى المشتري وأخذه منه ولم ~~يزل واقفا حتى أحضر الطفل وسلم إليها فأخذته وبكت بكاء شديدا وضمته إلى ~~صدرها والناس ينظرون إليها ويبكون وأنا واقف في جملتهم فأرضعته ساعة ثم أمر ~~بها فحملت على فرس وألحقت بعسكرهم مع طفلها فانظر إلى هذه الرحمة الشاملة ~~لجنس البشر اللهم إنك خلقته رحيما فارحمه رحمة واسعة من عندك يا ذا الجلال ~~والإكرام وانظر إلى شهادة الأعداء له بالرأفة والكرم. شعر: ومليحة ~~شهدت لها ضراتها * * والحسين ليس لحقه من منكر | وفي ذلك اليوم وصل ظهر ~~الدين بن البلنكري وكان مقدما عظيما من أمراء الموصل وصل مفارقا لهم يطلب ~~خدمة السلطان ولما عاد السلطان إلى مخيمه لم يلبث إلا ساعة حتى وصله الخبر ~~بتجديد الزحف فعاد وركب من ساعته نحو البلد وقد انفصل الحرب بدخول الليل ~~بين الطائفتين . ### || ذكر انتقال السلطان - رحمه الله - إلى تل العياضة # ولما كانت صبيحة الثلاثاء تاسع جمادى الأولى بلغ السلطان أن الإفرنج قد ~~ضايقوا البلد وركبوا المناجيق فأمر الجاويش أن صاح بالناس وركب لركوبه ~~العسكر راجلهم وفارسهم حتى أتى الخروبة وقوي اليزك بتسيير جماعة من العسكر ~~إليهم فلم يخرج العدو واشتد زحفهم على البلد فضايقهم رحمه الله مضايقة ~~عظيمة وهجم عليهم في خنادقهم ولم يزل كذلك حتى عادوا من الزحف ظهر نهار ~~وعاد العدو إلى خيمه وقد أيس من أمر البلد وعاد السلطان إلى خيمة لطيفة ~~ضربت له هناك يستظل فيها من الشمس فنزل بها ms120 لصلاة الظهر والاستراحة ساعة ~~وقوي اليزك وأمر الناس بالعود إلى المخيخ لأخذ جزء من الراحة وكنت في خدمته ~~فبينما هو كذلك إذ وصل من اليزك من أخبر أن القوم عادوا إلى الزحف لما أحس ~~بانصرافه عنهم أشد PageV01P159 ما كانوا أولا فأمر من نبه الناس وأمر ~~بالعود فتراجعت العساكر إلى جهة العدو أطلابا أطلابا وأمر بالمبيت على أخذ ~~لامة الحرب وأقام هو هناك على عزم المبيت وفارقت خدمته أخر نهار الثلاثاء ~~وعدت إلى الخيم وبات هو وجميع العسكر على تعبية القتال طول الليل وأصر ~~طائفة منهم على مضايقة العدو ثم سار العسكر أواخر ليلة الأربعاء عاشر الشهر ~~إلى تل العياضية قبالة العدو وضربت له عليه خيمة لطيفة ونازل العدو في ذلك ~~اليوم جمع بالقتال الشديد والضرب المبرح المتواتر الذي لا يفتر شغلا لهم عن ~~الزحف وهو يدور بين الأطلاب ويحثهم على الجهاد ويرغبهم فيه. ولما رأى ~~العدو تلك المنازلة الهائلة خافوا من الهجوم عليهم في خيمهم فرجعوا عن ~~الزحف واشتغلوا بحفظ الخنادق وحراسة الخيم. ولما رأى فتورهم عن الزحف ~~عاد إلى العياضة ورتب على خنادقهم من يخبره بحالهم ساعة فساعة إذا رجعوا ~~إلى الزحف كل ذلك دفعا للعدو عن مضايقة البلد والزحف عليه. ### || ذكر الشروع في مضايقة البلد # وقد بلغ من مضايقتهم البلد ومبالغتهم في طم خندقه أنهم كانوا يلقون فيه ~~موتى دوابهم بأسرها وآل الأمر إلى أن كانوا يلقون فيه موتاهم وكانوا إذا ~~جرح منهم أحد جراحة مؤلمة مثخنة ألقوه فيه بهذا جميعه توالت كتب أصحابنا من ~~البلد وأما أهل البلد فإنهم انقسموا أقساما : قسم ينزلون في الخندق يقطعون ~~الموتى والدواب التي يفوتها فيه قطعا ليسهل نقلها. وقسم ينقلون ما يقطعه ~~ذلك القسم ويلقونه في البحر وقسم يذبون عنهم ويدافعون حتى يتمكنوا من ذلك ~~وقسم في المنجنيقات وحراسة الأسوار وأخذ منهم التعب والنصب وتواترت شكايتهم ~~من ذلك وهذا ابتلاء لم يبل بمثله أحد ولا يصبر عليه جلد. وكانوا يصبرون ~~والله مع الصابرين. هذا والسلطان لا يقطع الزحف على خنادقهم بنفسه ms121 ~~وخواصه وأولاده ليلا ونهارا حتى أثرت فيه الأثر البين وكلما ازدادوا في ~~قتال البلد ازداد السلطان PageV01P160 في قتالهم وكبس خنادقهم والهجوم ~~عليهم حتى خرج منهم شخص يطلب من يتحدث معه فلما أخبر السلطان بذلك قال إن ~~كان لكم حاجة فليخرج منكم واحد فأما نحن فليس لنا إليكم حاجة ولا شغل ودام ~~على ذلك متصلا الليل مع النهار حتى وصل الأنكتار . ### || ذكر وصول الأنكتار # ولما كان يوم السبت ثالث عشر الشهر قدم ملك الأنكتار بعد مصالحته لصاحب ~~جزيرة قبرص والاستيلاء عليها وكان قدومه روعة عظيمة ووصل في خمس وعشرين ~~شانية مملوءة بالرجال والسلاح والعدد وأظهر الإفرنج سرورا عظيما حتى أنهم ~~أوقدوا تلك الليلة نيرانا عظيمة كبيرة وكان ملوكهم يتواعدوننا به فكان ~~المستأمنون منهم يخبروننا عنهم أنهم متوقفون فيما يريدون فيما يفعلوه من ~~مضايقة البلد حتى قدومه فإنه ذو رأي في الحرب مجرب وأثر قدومه في قلوب ~~المسلمين خشية ورهبة هذا والسلطان يتلقى ذلك كله بالصبر والاحتساب والاتكال ~~على الله. ### || ذكر غرق البطسة الإسلامية # وهي العلامة الثالثة على أخذ البلد ولما كان السادس عشر وصلت بطسة من ~~بيروت عظيمة هائلة مشحونة بالآلات والأسلحة والمسير والرجال والأبطال ~~المقاتلة وكان السلطان قد أمر بتعبيتها وتسييرها من بيروت ووضع فيها من ~~المقاتلة خلقا عظيما حتى تدخل البلد مراغمة للعدو وكان عدة رجالها المقاتلة ~~ستمائة وخمسين رجلا فأغرقها الأنكتار في عدة شوان قيل كان فيها أربعون قلعا ~~فاحتاطوا بها من جميع جوانبها واشتدوا في قتالها وجرى القضاء بأن وقف ~~الهواء فقاتلوها قتالا عظيما وقتل من العدو عليها خلق عظيم وأحرقوا للعدو ~~شانيا كبيرا فيه خلق عظيم فهلكوا عن آخرهم وتكاثروا على أهل البطسة وكان ~~مقدمهم رجلا جيدا شجاعا مجربا في الحرب فلما رأى أمارات الغلبة عليهم وأنهم ~~لا بد وأن يقتلوا قال والله لا نقتل إلا عن عزم ولا نسلم إليهم من هذه ~~البطسة شيئا فوقعوا في البطسة من جوانبها بالمعاول فهدموها ولم يزاولوا ~~كذلك حتى فتحوها عن جانب أبوابا فامتلأت ماء فغرق جميع ما فيها ms122 وما فيها من ~~الآلات والمير وغير ذلك ولم يظفر العدو منها بشيء وكان اسم المقدم المذكور ~~يعقوب من رجال حلب وتلقف العدو بعض من كان PageV01P161 فيها فأخذوه إلى ~~الشواني من البحر وخلصوه من الغرق وأنفذوه إلى البلد ليخبرهم بالواقعة وحزن ~~الناس لذلك حزنا شديدا والسلطان يتلقى ذلك بيد الاحتساب في سبيل الله ~~والصبر على بلائه والله لا يضيع أجر المحسنين. ### || ذكر حريق الدبابة # وذلك أن العدو كان قد اصطنع دبابة عظيمة هائلة أربع طبقات الطبقة الأولى ~~من الخشب والثانية من الرصاص والثالثة من الحديد والرابعة من النحاس وكانت ~~تعلو على السور وكان يركب فيها المقاتلة وخاف أهل البلد منها خوفا عظيما ~~وحدثتهم نفوسهم بطلب الأمان من العدو وكانوا قد قربوها من السور بحيث لم ~~يبق بينها وبين السور إلا مقدار خمسة أذرع على ما يشاهد برأي العين وأخذ ~~أهل البلد في تولية ضربها بالنفط ليلا ونهارا حتى قدر الله تعالى حرقها ~~واشتعال النار فيها وظهر له ذؤابة نار نحو السماء فاشتدت الأصوات بالتهليل ~~والتكبير ورأوا الناس فيها لما ظهرت لها تلك النيران ولقوا جبرا من ذلك ~~الوهن ومحوا لذلك الأثر ونعمة بعد نقمة وإيناسا بعد يأس وكان ذلك يوم غرق ~~البطسة فوقع من المسلمين موقعا عظيما وكان مسليا لحزنهم وكآبتهم . ### || ذكر ( 130 أ ) وقعات عدة # ولما كان يوم الجمعة تاسع عشر الشهر زحف العدو على البلد زحفا عظيما ~~وضايقوه مضايقة شنيعة وكان قد استقر بيننا وبينهم أنهم متى زحف العدو عليهم ~~ذقوا كؤوسهم فضربوا بكؤوسهم فأجابت كؤوس السلطان وركبت العساكر وضايقهم ~~السلطان من خارج وزحف عليهم حتى هجم المسلمون عليهم في خيامهم فجازوا ~~خنادقهم وأخذوا القدور وما فيها وحضر من الغنيمة المأخوذة من خيامهم شيء ~~عند السلطان وأنا حاضر ولم يزل القتل يعمل حتى أيقن العدو أنه قد هجم عليه ~~فأخذوا يتراجعون عن قتال البلد وشرعوا في قتال العساكر وانتشب الحرب بينهم ~~ولم تزل ناشبة حتى قام قائم الظهيرة وغشي الناس من الحر أمر عظيم من ~~الجانبين وتراجعت الطائفات إلى ms123 خيامهم وقد أخذ منهم التعب والحر ، وانفض ~~القتال في ذلك اليوم . ### || وقعة أخرى # ولما كان يوم الاثنين الثالث والعشرون دق كؤوس البد فجاوبه كؤوس ~~السلطان وثار القتال بين الطائفتين ولج العدو في مضايقة البلد ثقة منهم أن ~~الناس لا يهجمون على خيمهم ، PageV01P162 وأنهم يهابونها فكذب العسكر ~~ظنونهم وهجموا على الخيام أيضا ونهبوا منها فتراجع العدو إلى قتالهم ووقع ~~الصياح فيهم فلحقوا من المسلمين جماعة عظيمة داخل خنادقهم وأسوارهم وجرى ~~بينهم وقعة عظيمة قتل فيها اثنان من المسلمين وجرح جماعة وقتل جماعة من ~~العدو. وأعجب ما في هذه الوقعة أنه كان وصل في هذا اليوم رجل كبير مذكور ~~من أهل مازندران يريد الغزاة فوصل والحرب قائمة فلقي السلطان فاستأذنه في ~~الجهاد وحمل حملة شديدة واستشهد في تلك الساعة. ولما رأى العدو دخول ~~المسلمين إلى خنادقهم وتوغلهم داخل أسوارهم داخلهم الحمية وبعثتهم النخوة ~~فركب فارسهم وصحبه راجلهم وخرجوا إلى ظاهر أسوارهم وحملوا على المسلمين ~~حملة الرجل الواحد فثبت المسلمون لهم ثبوتا عظيما لم يتحركوا من أماكنهم ~~والتحم القتال من الجانبين واشتد الضرب من الطائفتين وصبر المسلمون صبر ~~الكرام. ودخلوا في الحرب بالتحام فلما رأى العدو ذلك الصبر المعجب ~~والإقدام المزعج أنفذوا رسولا في غضون ذلك يستأذنون بالرسول في الوصول فأذن ~~له فوصل الرسول أولا إلى الملك العادل فاستصحبه ووصل به إلى الخدمة ~~السلطانية ومعه أيضا الملك الأفضل فأدى الرسالة وكان حاصلها أن ملك ~~الأنكتار يطلب الاجتماع بالسلطان فلما سمع السلطان الرسالة أجاب عنها في ~~الحال من غير تفكر ولا ترو بأن قال : إن الملوك لا يجتمعون إلا عن قاعدة ~~ولا يحسن منهم الحرب بعد الاجتماع والمواكلة وإذا أراد ذلك فلا بد من تقرير ~~قاعدة قبل هذه الحالة ولا بد من ترجمان نثق به في الوسط يفهم كل واحد منا ~~ما يقول الآخر فليكن بيننا ذلك الترجمان فإذا استقرت القاعدة وقع الاجتماع ~~بعد ذلك إن شاء الله تعالى . ### || وقعة أخرى # ولما كان يوم السبت الثامن والعشرون خرج العدو راجلهم وفارسهم من جانب ~~البحر ms124 شمالي البلد وعلم السلطان ذلك فركب وركب العسكر وانتشب القتال بين ~~الطائفتين وقتل من المسلمين بدوي وكردي وقتل من العدو جماعة وأسروا واحدا ~~بسلاحه وفرسه ومثل بين يد السلطان ولم يزل القتال يعمل حتى حال الليل بين ~~الطائفتين . ### || وقعة أخرى # ولما كان الأحد التاسع والعشرون خرج العدو برجالة كثيرة على شاطئ النهر ~~الحلو فلقيهم طائفة من اليزك وجرى بينهم قتال عظيم ووصلت رجالة من المسلمين ~~إلى الحرب فأسروا مسلما ، وقتلوه PageV01P163 وأحرقوه وأسر المسلمون منهم ~~واحدا فقتلوه وأحرقوه ولقد رأيت النارين تشتعلان في زمان واحد ولم تزل ~~الأخبار تتواصل من أهل البلد بالاحتفال بأمر العدو والشكوى من ملازمة ~~قتالهم ليلا ونهارا وذكر ما ينالهم من التعب العظيم من تواتر الأعمال ~~المختلفة عليهم من جريرة قدوم الأنكتار ثم مرض مرضا شديدا أشفى فيه على ~~الهلاك وخرج الفرنسيس ولم يزدهم ذلك إلا إصرارا وعتوا . ### || ذكر هرب خادمين للملك # وكان لأخت ملك الأنكتار خادمان مسلمان في الباطن كانا في خدمتها في صقلية ~~وكانت هي زوجة صاحب صقلية فلما مات ومر أخوها بالبلد أخذها وأصحابها معه ~~إلى العسكر وهرب الخادمان إلى العسكر الإسلامي فقبلهما السلطان وأنعم ~~عليهما إنعاما عظيما. ### || ذكر هرب المركيس إلى صور # ولما كان يوم الاثنين سلخ جمادى الأولى قوي استشعار المركيس أنه إن أقام ~~قبضوا عليه وأعطوا صور للملك القديم الذي كان قد أسره السلطان لما عاناه من ~~الأسر في نصرة دين المسح. ولما صح ذلك عنده هرب إلى صور فأنفذوا خلفه ~~قسوسا ليردوه فلم يفعل وسار في البحر حتى أتى صور وشق ذلك عليهم وعظم لديهم ~~فإنه كان ذا رأي وشجاعة وخبرة. ### || ذكر قدوم بقية عساكر المسلمين # ولما كان يوم الثلاثاء في سلخ جمادى الأولى قدم عسكر سنجار يقدمه مجاهد ~~الدين برتقش فلقيه السلطان واحترمه وكان دينا عاقلا محبا للغزو فأنزله ~~السلطان في الميسرة بعد أن أكرمه وأنزله في خيمته وفرح بقدومه فرحا شديدا ~~في ذلك الوقت ثم قدم بعد ذلك قطعة عظيمة من عسكر مصر كعلم الدين كرجي وسيف ~~الدين ms125 سنقر الداودار وجماعة عظيمة ثم قدم بعد ذلك علاء الدين صاحب الموصل ~~وعسكرهم فلقيه السلطان بالخروبة ونزلوا هناك إلى بكرة اليوم الثاني من ~~جمادى الآخرة وأصبح سائرا حتى أتى بجحفله قبالة العدو وعرض عسكره هناك ~~وأنزله السلطان في خيمته وحمل له من التحف ، PageV01P164 وقدم له من ~~اللطائف ما يليق بكرمه وأنزله في الميمنة وفي الثالث قدمت طائفة من عسكر ~~مصر أيضا واشتد مرض الأنكتار بحيث شغل الإفرنج شدته عن الزحف وكان ذلك خيرة ~~عظيمة من الله تعالى فإن البلد كان قد ضعف من فيه ضعفا عظيما وضاق بهم ~~الخناق وهدمت المنجنيقات من السور مقدار قامة الرجل هذا واللصوص يدخلون إلى ~~خيامهم ويسرقون أقمشتهم ويأخذون الرجال في غفلة بأن يجيئوا إلى الواحد وهو ~~نائم فيضعوا على حلقه السكين ويوقظوه ويقولوا له بالإشارة إن تكلمت ذبحناك ~~ويحملوه ويخرجوا به إلى العسكر وجرى ذلك مرارا وعساكر المسلمين تجتمع ~~وتتواتر من كل جانب حتى تكامل وصولها. ### || ذكر خروج رسولهم إلى السلطان رحمه الله # كنت ذكرت وصول رسول منهم يلتمس من جانب الأنكتار أن يجتمع بالسلطان وذكرت ~~عذر السلطان عن ذلك وانقطع الرسول وعاد معاودا في المعنى وكان في حديثه مع ~~الملك العادل ثم هو يلقيه إلى السلطان واستقر أنه رأى أن يأذن له في الخروج ~~ويكون الاجتماع في المرج والعساكر محيطة بهما ومعهما ترجمان فلما أذن في ~~ذلك تأخر الرسول أياما عنده بسبب مرضه واستفاض أن ملوكهم اجتمعوا عليه ~~وأنكروا عليه ذلك وقالوا هذه مخاطرة بدين النصرانية ثم بعد ذلك وصل رسوله ~~يقول لا تظن تأخري بسبب ما قيل فإن زمام قيادي مفوض إلي وأنا أحكم ولا يحكم ~~علي غير أن في هذه الأيام اعترى مزاجي التياث منعني من الحركة فهذا كان ~~العذر في التأخير لا غير وعادة الملوك إذا تقاربت منازلهم أن يتهادوا وعندي ~~ما يصلح للسلطان وأنا أستخرج الأذن من إيصاله إليه فقال له الملك العادل قد ~~أذن في ذلك بشرط قبول المجازاة على الهدية فرضي الرسول بذلك وقال : الهدية ~~شيء من ms126 الجوارح قد جلب من وراء البحر وقد ضعف فيحسن أن يحمل إلينا طير ~~ودجاج حتى نطعمها لتقوى ونحملها فداعبه الملك العادل وكان فقيها فيما ~~يحدثهم به فقال : الملك قد احتاج إلى فراريج ودجاج ويريد أن يأخذها منا ~~بهذه الحجة. ثم انفصل حديث الرسالة في الآخر على أن قال الرسول : ما ~~الذي أردتم منا ؟ | إن كان لكم حديث فتحدثوا به PageV01P165 حتى نسمع. ~~فقيل له عن ذلك : نحن ما طلبناكم أنتم طلبتمونا فإن كان لكم حديث فتحدثوا ~~به حتى نسمع. وانقطع حديث الرسالة إلى سادس جمادى الأخرى فخرج رسول ~~الأنكتار إلى السلطان ومعه إنسان مصري قد أسروه من مدة طويلة وهو مسلم قد ~~أهداه إلى السلطان فقبله وأحسن إليه وأعاد مشرفا مكرما إلى صاحبه وكان غرضه ~~بتكرار الرسائل تعرف قوة النفس وضعفها وكان غرضنا بقبول الرسائل تعرف ما ~~عنده من ذلك أيضا. ### || ذكر ( 0133 ب ) خبر قوة زحفهم على البلد ومضايقته # ولم يزالوا يوالون على الأسوار بالمناجيق المتواصلة والضرب وتنقلوا ~~أحجارها حتى خلخلوا سور البلد وأضعفوا بنيانه وأنهك التعب والسهر أهل البلد ~~لقلة عددهم وكثرة الأعمال حتى أن جماعة منهم بقوا ليالي لا ينامون أصلا لا ~~ليلا ولا نهارا والخلق الذين عليهم عدد كثير يتناوبون على قتالهم وهم نفر ~~يسير قد تقسموا على الأسوار والخنادق والمنجنيقات والسفن ولما أحس العدو ~~بذلك وظهر لهم تخلخل السور وتقلقل بنيانه شرعوا في الزحف من كل جانب ~~وانقسموا أقساما وتناوبوا فرقا كلما تعب قسم استراح وقام غيره مقامه وشرعوا ~~في ذلك شروعا عظيما براجلهم وفارسهم سابع الشهر هذا مع عمارتهم أسوارهم ~~الدائرة على خنادقهم بالرجالة والمقاتلة ليلا ونهارا ولما علم السلطان بذلك ~~بإخبار من يشاهده وإظهار العلامة التي بيننا وبينهم وهي دق الكؤوس ركب وركب ~~العسكر إليهم وجرى في ذلك اليوم قتال عظيم من الجانبين وهو كالوالدة الثكلى ~~يحول بفرسه من طلب إلى طلب ويحث الناس على الجهاد ولقد بلغنا أن الملك ~~العادل حمل بنفسه في ذلك اليوم مرتين والسلطان يطوف بين الأطلاب بنفسه ~~وينادي يا ms127 للإسلام وعيناه تذرفان بالدموع وكلما نظر إلى عكا وما حل بها من ~~البلاء وما يجري على ساكنيها من المصاب العظيم اشتد في الزحف والحث على ~~القتال ولم يطعم في ذلك اليوم طعاما البتة وإنما شرب أقداح مشروب كان يشير ~~بها الطبيب ، PageV01P166 وتأخرت عن حضور هذا الزحف لإلمام مرض شوش مزاجي ~~لما عراني فكنت في الخيمة في تل العياضية وأنا أشاهد الجميع ولما هجم الليل ~~عاد رحمه الله إلى الخيم بعد العشاء الآخرة وقد أخذ منه التعب والكآبة ~~والحزن فنام لا عن عفو. ولما كان سحر تلك الليلة أمر الكؤوس أن دقت وركب ~~العساكر من كل جانب وأصبحوا على ما أمسوا عليه وفي ذلك اليوم وصلت مطالعة ~~عن البلد يقولون فيها أنا قد بلغ منا العجز إلى غاية ما بعدها إلا التسليم ~~ونحن في الغد ثامن الشهر إن لم تعملوا شيئا نطلب الأمان ونسلم البلد ونشتري ~~مجرد رقابنا وكان هذا أعظم خبر ورد على المسلمين وأنكى في قلوبهم فإن عكا ~~كانت قد احتوت على جميع سلاح الساحل والقدس ودمشق وحلب ومصر وجميع البلاد ~~الإسلامية واحتوت على كبار من أمراء العسكر وشجعان الإسلام كسيف الدين ~~المشطوب وبهاء الدين قراقوش وغيرهما وكان قراقوش ملتزما بحراستها منذ نزل ~~العدو عليها وأصاب السلطان ما لم يصبه شيء مثله وخيف على مزاجه التشويش وهو ~~لا يقطع ذكر الله والرجوع إليه في جميع ذلك صابرا محتسبا ملازما مجتهدا ~~والله لا يضيع أجر المحسنين فرأى الدخول على القوم ومهاجمتهم فصاح في ~~العسكر الصائح وركبت الأبطال فاجتمع الراجل والفارس واشتد الزحف ولم يساعده ~~العسكر في ذلك اليوم على الهجوم على العدو فإن رجالته وقفوا كالسور المحكم ~~البناء بالسلاح والزنبورك والنشاب من وراء أسوارهم وهجم عليهم بعض الناس من ~~بعض أطرافهم فثبتوا وذبوا غاية الذب ولقد حكى بعض من دخل عليهم أسوارهم أنه ~~كان هناك راجل واحد إفرنجي صعد سور خندقهم واستدبر المسلمين وإلى جانبه ~~جماعة يناولونه الحجارة وهو يرميها على المسلمين الذين يلاصقون سور الخندق ~~وقال إنه وقع فيه ms128 زهاء خمسين سهما وحجرا ولا يمنعه ذلك عما هو بصدده من ~~الذب والقتال حتى ضربه زراق مسلم بقارورة فارقه. ولقد حكى لي شيخ عاقل ~~جندي أنه كان من جملة من دخل قال وكان داخل سورهم امرأة عظيمة عليها ملوطة ~~خضراء فما زالت ترمينا بقوس من خشب حتى خرجت منا جماعة وتكاثرنا عليها ~~وقتلناها وأخذنا قوسها وحملنا إلى السلطان فعجب من ذلك عجبا عظيما ولم يزل ~~الحرب يعمل بين الطائفتين إما قتلا وإما جرحا ، حتى فصل الليل بين ~~الطائفتين . PageV01P167 | ### || ذكر ما آل إليه أمر البلد من الضعف ووقوع المراسلة بين أهل البلد والإفرنج # ولما اشتد زحفهم على البلد وتكاثروا عليها من كل جانب وتناوب ضعف أهل ~~البلد لما رأوه من عين الهلاك واستشعروا العجز عن الدفع وتمكن العدو من ~~الخنادق فملكوها وتمكنوا من سور الباشورة فنقبوه وأشعلوا فيه النار بعد حشو ~~النقب ووقعت بدنة من الباشورة ودخل العدو الباشورة وقتل منهم فيها مائة ~~وخمسون نفرا وصاعدا وكان فيهم ستة من كبارهم فقال لهم واحد لا تقتلوني حتى ~~أرحل الفرنج عنكم بالكلية فبادر رجل من الأكراد فقتله وقتل الخمسة الأخرى ~~وفي الغد نادى الإفرنج احفظوا الستة فإنا نطلقكم كلكم بهم فقالوا قد ~~قتلناهم فحزن الإفرنج لذلك حزنا عظيما وطلبوا الزحف بعد ذلك أياما ثلاثة . # وبلغنا أن سيف الدين المشطوب خرج بنفسه إلى ملك الفرنسيس بالأمان وقال له ~~قد أخذنا منكم بلادا عدة وكنا نهجم البلد وندخل فيه ومع هذا إذا سألونا ~~الأمان أعطيناهم وحملناهم إلى مأمنهم وإكرامهم ونحن نسلم البلد وتعطينا ~~الأمان على أنفسنا فأجابه بأن هؤلاء الملوك الذين أخذتموهم منا وأنتم أيضا ~~مماليكي وعبيدي فأرى فيكم رأيي وبلغنا أن المشطوب بعد ذلك أغلظ له في القول ~~وقال أقاويل كثيرة في ذلك المقام منها أنا لا نسلم البلد حتى نقتل بأجمعنا ~~ولا يقتل منا واحد حتى يقتل خمسون نفسا من كباركم وانصرف عنه. ولما دخل ~~المشطوب البلد بهذا الخبر خاف جماعة ممن كانوا في البلد فأخذوا بركوسا ~~وركبوا فيه ليلا خارجين إلى ms129 العسكر الإسلامي منهم أرسل ولبن الجاولي وسنقر ~~الوشاقي فأما أرسل وسنقر فإنهما تغيبا في العسكر ولم يعلم لهما مكان خشية ~~من نقمة السلطان. وأما ابن الجاولي وفي سحر تلك الليلة ركب السلطان ~~مشعرا أنه يواصل كبس القوم ومعه المساحي وآلات طم الخنادق فما ساعده العسكر ~~على ذلك وتخاذلوا عن ذلك وقالوا نخاطر بالإسلام كله ولا مصلحة في ذلك. ~~وفي ذلك اليوم خرج من الأنكتار رسل ثلاثة طلبوا فاكهة وثلجا وذكروا أن مقدم ~~الأسبتار يخرج في الغد يتحدث في معنى الصلح غير أن السلطان - رحمة الله ~~عليه - أكرمهم ، PageV01P168 ودخلوا سوق العسكر وتفرجوا فيه وعادوا تلك ~~الليلة إلى عسكرهم. وفي ذلك اليوم تقدم إلى صارم الدين قايماز النجمي ~~حتى يدخل هو وأصحابه إلى أسوارهم وترحل جماعة من أمراء الأكراد كالجناح ~~وأصحابه وهو المشطوب وزحفوا حتى وصلوا أسوار الإفرنج ونصب قايماز بنفسه ~~علمه على سورهم وقاتل عن العلم قطعة من النهار ووصل في ذلك اليوم عز الدين ~~جرديك النوري وسوق الزحف قائم فترجل هو وجماعته وقاتل قتالا شديدا واجتهد ~~الناس اجتهادا عظيما. وفي العاشر أصبح القوم ساكتين عن الزحف والعساكر ~~الإسلامية محدقة بهم وقد باتوا ليلتهم شاكي السلاح راكبي ظهور خيلهم ~~منتظرين عسى أن تمكنهم مساعدة إخوانهم المقيمين بعكا ويهجموا على طرف من ~~الإفرنج فيكسروهم ويخرجوا يحمي بعضهم بعضا ويخرج العسكر يجاوبهم من هذا ~~الجانب فيسلم من سلم ويؤخذ من أخذ فلم يقدروا على الخروج وكان قد ثبت ذلك ~~معهم فلم يتهيأ لهم في تلك الليلة خروج بسبب أنه كان هرب منهم بعض الغلمان ~~فأخبر العدو بذلك فاحتاطوا بهم وحرسوهم حراسة عظيمة. ولما كان يوم ~~الجمعة العاشر خرج منهم رسل ثلاثة واجتمعوا بالملك العادل وتحادثوا معه ~~ساعة زمانية وعادوا ولم ينفصل الحال وانقضى النهار على مقام المسلمين ~~بالمرج في مقابلة العدو وباتوا على مثل ذلك. ولما كان السبت الحادي عشر ~~لبست الفرنج بأسرها لباس الحرب وتحركوا حركة عظيمة بحيث أنهم اعتقدوا ~~رجلكان صاف واصطفوا وخرج من الباب الذي تحته القبة زهاء أربعين نفسا ms130 ~~واستدعوا جماعة من المماليك وطلبوا منهم العدل الزيداني وذكروا أنه صاحب ~~صيدا طليق السلطان فحضر العدل وجرى مبادلة أحاديث في معنى إطلاق العسكر ~~الذي بعكا واشتطوا في ذلك اشتطاطا عظيما وتصرم نهار السبت ولم ينفصل حال . ### || ذكر كتب وصلت من البلد # ولما كان يوم الأحد ثاني عشر وصلت كتب يقولون فيها إنا قد تبايعنا على ~~الموت ولا نزال نقاتل حتى نقتل ولا نسلم هذا البلد ونحن أحياء فانظروا أنتم ~~كيف تصنعون PageV01P169 في شغل العدو عنا ودفعه عن قتالنا فهذه عزائمنا ~~وإياكم أن تخضعوا لهذا العدو وتلينوا لهم فإنا نحن قد فات أمرنا وذكر ~~العوام الواصل بهذه الكتب أنه لما وقع بالليل الصوت ظن الإفرنج أن عسكرا ~~عظيما عبر إلى عكا وسلم وسار فيها قال وجاء إنسان إفرنجي فوقف تحت السور ~~وصاح إلى بعض من على السور وقال له بحق دينك إلا ما أخبرتني كم عدد العسكر ~~الذي دخل إليكم البارحة يعني ليلة السبت وكان قد وقع بالليل صوت وانزعج ~~الطائفتان ولم يكن له حقيقة فقال له ألف فارس فقال لا لكنه دون ذلك أنا ~~رأيتهم لابسين ثيابا خضرا. ثم تتابعت العساكر الإسلامية واندفع كيد ~~العدو عن القوم في تلك الليلة بعد أن كان قد أشرف البلد على الأخذ وفي يوم ~~الخميس سادس عشر وصل أسد الدين شيركوه واشتد ضعف البلد وكثرت ثغور سوره ~~وجاهد المقيمون فيه وبنوا عوض الثلم سورا من داخلها حتى إذا تم بناؤه ~~اقتتلوا عليه واشتد ثبات الإفرنج على أنهم لا يصالحون ولا يعطون الذين في ~~البلد أمانا حتى يطلق جميع الأسارى الذين في أيدي المسلمين وتعاد البلاد ~~الساحلية إليهم وبذل لهم تسليم البلد وما فيه دون ما فيه فلم يفعلوا وبذل ~~لهم أيضا مع ذلك صليب الصلبوت فلم يفعلوا واشتد عتوهم واستفحل أمرهم وضاقت ~~الحبل عنهم ومكروا والله خير الماكرين . ### || ذكر حيدث مصالحة أهل البلد ومصانعتهم عن نفوسهم # ولما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة خرج العوام من الثغر ونطقت ~~الكتب عنهم أن أهل البلد ms131 ضاق بهم الأمر وكثرت الثغر وعجزوا عن الحفظ والدفع ~~ورأوا عين الهلاك وتيقنوا أنه متى أخذت البلد عنوة ضربت أعناقهم عن آخرهم ~~وأخذ جميع ما فيه من العدد والأسلحة والمراكب وغير ذلك فصالحهم على أن ~~يسلمون إليهم البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدد والمراكب ومائتي ألف ~~دينار وألف وخمسمائة أسير مجاهيل الأحوال ومائة أسير معينين من جانبهم ~~يختارونهم وصليب الصلبوت على أن يخرجوا PageV01P170 بأنفسهم سالمين وما ~~معهم من الأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونساؤهم وضمنوا للمركيس عشرة آلاف ~~دينار أنه كان واسطة ولأصحابه أربعة آلاف دينار واستقرت القاعدة على ذلك . ### || ذكر استيلاء العدو على عكا يسر الله فتحها # ولما وقف السلطان على كتبهم وعلى مضمونها أنكر ذلك إنكارا عظيما وعظم ~~عليه هذا الأمر وجمع أرباب المشورة وشاورهم فيما يصنع واضطرب الأمراء وتقسم ~~فكره وتشوش وعزم على أن يكتب في الليلة مع العوام وينكر عليهم المصالحة على ~~هذا الوجه وهو في مثل هذه الحال فما أحس المسلمون إلا وقد ارتفعت أعلام ~~الكفر وصلبانه وشعاره وناره على أسوار البلد وذلك في ظهر نهار الجمعة سابع ~~عشر جمادى الآخرى سنة سبع وثمانين وخمسمائة وصاح الإفرنج صيحة واحدة وعظمت ~~المصيبة على المسلمين واشتد حزن الموحدين وانحصر كلام العقلاء من الناس في ~~تلاوة إنا لله وإنا إليه راجعون. وغشي الناس بغتة عظيمة وحيرة شديدة ~~ووقع في العسكر الصياح والعويل والبكاء والنحيب وكان لكل قلب حظ في ذلك قدر ~~إيمانه ولكل إنسان نصيب من هذا الخطب على مقدار ديانته ونخوته وانقشعت ~~الحال على أنه قد استقرت القاعدة بين أهل البلد وبين الإفرنج على ذلك الحال ~~المتقدم وأن المركيس دخل البلد ومعه أعلام الملوك فنصب علما على القلعة ~~وعلما على مأذنة الجامع في يوم الجمعة وعلما على برج القتال عوضا عن علم ~~الإسلام وحيز المسلمون إلى بعض أطراف البلد وجرى على أهل الإسلام المشاهدين ~~لذلك الحال ما كثر التعجب من الحياة معه ومثلت في خدمة السلطان وهو أشد ~~حالة من الوالدة الثكلى والمولهة الحراء فسليته بما تيسر ms132 لي من التسلية ~~وأذكرته في الفكر فيما يستقبله من الأمر في معنى البلاد الساحلية والقدس ~~الشريف وكيفية الحال في ذلك وإعمال الفكر في خلاص المسلمين PageV01P171 ~~المأسورين في البلد وذلك في ليلة السبت الثامن عشر وانفصل الحل على أن رأى ~~التأخير عن تلك المنازلة مصلحة فإنه لم يبق في المضايقة معنى فتقدم بنقل ~~الأثقال ليلا إلى المنزلة التي كان عليها أولا بشفرعم وأقام هو جريدة في ~~مكانه لينظر ماذا يكون من أمر العدو وحال أهل البلد وأقام هو راضيا راجيا ~~من الله تعالى أنه ربما حملهم غرورهم بالخروج إليه والهجوم عليه فينال منهم ~~غرضا ويلقي نفسه عليهم ويعطي الله النصر لمن شاء فلم يفعل العدو شيئا من ~~ذلك واشتغلوا بالاستيلاء على البلد والتمكن منه فأقام إلى بكرة التاسع عشر ~~من الشهر وانتقل إلى الثقل وفي ذلك اليوم خرج منهم ثلاثة نفر مع الحاجب قوس ~~بهاء الدين قراقوش وكان رجلا عاقلا مستخبرين ما وقع عقد الصلح عليه من ~~المال والأسرى فأقاموا ليلة مكرمين وساروا إلى دمشق يبصرون الأسرى في ~~الحادي والعشرين وأنفذ السلطان رسولا إلى الفرنج يسألهم كيف جرت الحال ~~ويستعلم كم مدة تحصيل ما وقعت عليه المصالحة واستقرت عليه المهادنة. ### || ذكر وقعة جرت في أثناء ذلك # ولما كان سلخ الشهر خرج الإفرنج من جانب البحر شمالي البلد وانتشروا ~~انتشارا عظيما راجلهم وفارسهم وضربوا أطلابا للقتال فأخبر اليزك بذلك ~~السلطان فدق في الكؤوس وركب وأنفذ إلى اليزك وقواه برجال كثيرة وتوقف حتى ~~ركبت العساكر الإسلامية واجتمعوا فوقع بين اليزك وبين العدو وقعة عظيمة ~~وقتال شديد قبل اتصال العساكر باليزك وكان اليزك قد قوي بما أنفذ إليه ~~فحملوا على العدو حملة عظيمة فانكسر العدو من بين أيديهم وانهزمت الخيالة ~~وسلمت الرجالة وظنوا أن وراء اليزك كمينا فاشتدوا نحو خيامهم ووقع اليزك في ~~الرجالة فقتل منهم زهاء خمسين نفرا ولم يزل السيف يعمل فيهم حتى دخلوا ~~خنادقهم. وفي ذلك اليوم وصل رسل الإفرنج الذين ساروا إلى دمشق ليتفقدوا ~~حال أسراهم ووصل معهم من مميزي ms133 أسراهم أربعة نفر ووصل في عيشته أيضا رسل ~~السلطان في تحرير أمر الأسارى المسلمين الذين كانوا بعكا ولم تزل الرسل ~~تتردد بين الطرفين حتى كان تاسع رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة . ~~PageV01P172 ### || ذكر خروج ابن باريك # وفي ذلك اليوم خرج حسام الدين بن باريك المهراني ومعه اثنان من أصحاب ~~الأنكتار فأخبرني أن الملك افرنسيس سار إلى صور وذكروا في تحرير أمر ~~الأسارى وطلبوا أن يشاهدوا صليب الصلبوت وأنه في العسكر أو حمل إلى بغداد ~~فأحضر صليب الصلبوت وشاهدوه وعظموه ورموا نفوسهم إلى الأرض ومرغوا وجوههم ~~على التراب وخضعوا خضوعا عظيما لم ير مثله وذكروا أن الملوك قد أجابوا ~~السلطان أن يكون ما وقع عليه القرار تروم ثلاثة كل شهر ترم ثم أرسل السلطان ~~رسولا إلى الفرنسيس سار إليه إلى صور بهدايا سنية وطيب كثير وثياب جميلة . # وفي صبيحة العاشر من رجب انتقل السلطان بحلقته وخواصه إلى تل ملاصق ~~لشفرعم ونزلت العساكر في منازلها على حالهم قريبا من منزلته أولى ليس ~~بينهما إلا الوادي ولم تزل الرسل تتواتر في تحرير القاعدة وتنجيزها حتى حصل ~~لهم ما كانوا التمسوه من الأسرى والمال المختص بذلك الترم وهو الصليت ومائة ~~ألف دينار وستمائة أسير وأنفذوا ثقاتهم وشاهدوا الجميع ما عدا الأسارى ~~المعينين من جانبهم فإنهم لم يكونوا فرغوا من تعيينهم ولم يكملوهم حتى ~~يحصلوا ولم يزالوا يطاولون ويقصرون الزمان حتى انقضى الترم الأول في ثامن ~~عشر رجب ثم أنفذوا في ذلك اليوم يطلبون ذلك فقال لهم السلطان إما أن تنفذوا ~~إلينا أصحابنا وتستلموا الذي عين لكم من هذا الترم ونعطيكم رهائن على ~~الباقي تصل إليكم في ترومكم الباقية وإما أن تعطونا رهائن على ما نسلم ~~إليكم إلى أن يخرج إلينا أصحابنا فقالوا لا نفعل شيئا من ذلك بل تسلمون ~~إلينا ما يقضيه هذا الترم وتقنعون بإيماننا حتى نسلم إليكم أصحابكم فأبى ~~السلطان ذلك لعلمه أنهم إن تسلموا المال والصليب والأسرى وأصحابنا عندهم لا ~~يؤمن غدرهم ويكون وهن الإسلام عند ذلك وهنا عظيما لا يكاد ينجبر ms134 . ~~PageV01P173 ### || ذكر إخراج الفرنج خيامهم # ولما رأوه - رحمة الله عليه - وقد امتنع من ~~ذلك ، أخرجوا خيامهم إلى ظاهر خنادقهم مبرزين ، وذلك في نهار الأربعاء ~~الحادي والعشرين من رجب من شهور سنة وثمانين وخمسمائة ، وكان الذي برز ملك ~~الانكتار ومعه خلق عظيم من الخيالة والرجالة والتركيل. ### || ذكر قتل المسلمين الذين بعكا رحمة الله عليهم # ولما رأى الأنكتار الملعون توقف السلطان ببذل المال والأسرى والصليب ~~غدر بأسرى المسلمين وكان قد صالحهم وتسلم البلد منهم على أن يكونوا آمنين ~~على نفوسهم على كل حال وأنه إن دفع السلطان إليهم ما استقر أطلقهم بأموالهم ~~ونسائهم وإن امتنع من ذلك ضرب عليهم الرق وأخذهم أسرى فغدرهم الملعون وأظهر ~~ما كان أبطن وفعل ما أراد أن يفعله بعد أخذ المال والأسرى على ما أخبر به ~~عنه أهل ملته فيما بعد وركب هو وجميع العسكر الإفرنجية راجلهم وفارسهم ~~والتراكيل في وقت العصر من يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب وساروا حتى ~~أتوا الآبار التي تحت تل العياضية وقدموا خيامهم إليها وساروا حتى توسطوا ~~المرج بين تل كيسان وبين العياضية ثم أحضروا من أسارى المسلمين من كتب الله ~~شهادته في ذلك اليوم وكانوا زهاء ثلاثة آلاف في الحبال وجملوا عليهم جملة ~~الرجل الواحد فقتلوهم صبرا ضربا وطعنا بالسيف واليزك الإسلامي يشاهدون ولا ~~يعلمون ماذا يصنعون لبعدهم عنهم وكان اليزك قد أنفذ إلى السلطان وأعلموه ~~بركوب القوم ووقوفهم فأنفذ إلى اليزك من قواه وبعد أن فرغوا منهم حمل ~~المسلمون عليهم وجرت بينهم حرب قتل فيها وجرح من الجانبين ودام القتال إلى ~~أن فصل الليل بين الفريقين وأصبح المسلمون يكشفون الحال فوجدوا الشهداء في ~~مصارعهم وعرفوا من عرفوه منهم فغشي المسلمين من ذلك حزن عظيم وكآبة شديدة ~~ولم يبقوا إلا رجلا معروفا مقداما أو قوي يد لعمائرهم وذكر لقتلهم أسباب ~~منها : PageV01P174 أنهم قتلوهم في مقابلة من قتل منهم وقيل إن الأنكتار ~~كان قد عزم على السير إلى عسقلان للاستيلاء عليها فما رأى أن يخلف تلك ~~العدة في البلد وراءه والله أعلم. ms135 ### || ذكر انتقال العدو إلى طرف البحر من جانب الغرب # ولما كان يوم الخميس التاسع والعشرون من رجب الإفرنج بأسرهم وقلعوا ~~خيامهم وحملوها على دوابهم وساروا حتى قطعوا النهر إلى الجانب الغربي ~~وضربوا الخيام على طريق عسقلان وأظهروا العزم على المسير على شاطئ البحر ~~وأمر الأنكتار باقي الناس أن يدخلوا إلى البلد وكانوا قد سدوا ثغره وثلمه ~~أو أصلحوا ما انهدم منه وكان مقدم العسكر الخارج السائر الأنكتار وجمع عظيم ~~من الرجالة والخيالة . ### || ذكر مسيرهم إلى جهة عسقلان # ولما كان يوم الأحد مستهل شعبان اشتعلت نيران العدو في سحر ذلك اليوم ~~وعادتهم أنهم إذا أرادوا الرحيل أشعلوا نيرانهم وأخبر اليزك بحركاتهم فأمر ~~السلطان الثقل أن يرفع حتى يبقى الناس على ظهر ففعل الناس ذلك وهلك من ~~الناس قماش كثير وحوائج كثيرة من السوقة لم تكن معهم خيل ولا ظهر يحمل جميع ~~ما عندهم لأن كل إنسان كان يحصل ما يحتاج إليه في أشهر وكل واحد من السوقة ~~عنده ما ينفذ من منزل إلى منزل في مرار متعددة لكن هذا المنزل لم يمكن أن ~~يتخلف فيه أحد لقربه من الإفرنج الذين بعكا والخوف منهم ولما أن علا النهار ~~شرع العدو في السير على جانب البحر وتفرقوا قطعا كثيرة كل قطعة تحمي عن ~~نفسها وقوى السلطان اليزك وأنفذ معظم العساكر قبالتهم فمضوا وقاتلوهم قتالا ~~شديدا وأنفذ ولده الملك الأفضل يخبر أنه قطع طائفة منهم عن الموافقة ولقد ~~نازلناهم بالقتال ولو قوينا لأخذناهم فسير السلطان خلقا عظيما من العسكر ~~وسار هو بنفسه وأنا في خدمته حتى أتى أوائل الرمل فلقينا الملك العادل ~~فأخبر أخاه أن تلك الطائفة قد التجأت بالطائفة الأولى ، ومعظم PageV01P175 ~~القوم قد عبروا نهر حيفا وقد نزلوا والباقون قد لحقوا بهم وليس للمسير ~~وراءهم حاصل إلا إتعاب العسكر وضياع النشاب لا غير فتراجع السلطان عن القوم ~~لما تحقق ذلك وأمر طائفة من العسكر أن تسير وراء الثقل تلحق ضعيفهم بقويهم ~~وتكف عنهم أن يلحق بهم من العدو والطماعة وسار هو حتى وصل ms136 إلى القيمون عصر ~~ذلك النهار فنزل وضرب له الدهليز وشق دائرة حوله لا غير واستحضر الجماعة ~~فأكلوا شيئا واستشارهم فيما يفعل. ### ||| المنزل الثاني : # اتفق رأي جماعة على ~~أنهم يرحلون بكرة غد. هذا وقد رتب حول الإفرنج يزكا يبيتون حوله يرقبون ~~أمره. ولما كان صباح ثاني شعبان رحل السلطان الثقل وأقام هو يترصد أخبار ~~العدو فلم يصل منهم شيء إلى أن علا النهار فسار في أثر الثقل حتى أتى قرية ~~يقال لها الصباغين فجلس ساعة يترقب أخبار العدو وكان قد خلف جرديك قريب ~~العدو وتعقب خلق عظيم باتوا قريب العدو فلم يصله خبر أصلا فسار حتى أتى ~~الثقل في منزلة يقال لها عيون الأساود ولما بلغنا المنزل رأينا خياما فسأل ~~عنها فقيل إنها خيام الملك العادل فعدل لينزل عنده فأقام عنده ساعة ثم أتى ~~خيمته وفقد الخبز في هذه المنزلة بالكلية وغلا الشعير حتى بلغ درهما وبلغ ~~رطل البقسماط درهمين ثم أقام السلطان حتى عبر وقت الظهر وركب وسار إلى موضع ~~يسمى الملاحة يكون منزلا للعدو إذا رحلوا من حيفا وكان قد سبق ليفقد المكان ~~هل يصلح للمصاف أم لا ويتفقد أراضي قيسارية بأسرها إلى الشعرا وعاد إلى ~~المنزل بعد دخول وقت العشاء الآخرة وقد أخذ منه التعب وسألته عما بلغه من ~~خبر العدو فقال وصل إلينا من أخبرنا أنه ما رحل من حيفا إلى عصر يومنا هذا ~~يعني ثاني شعبان وها نحن مقيمون مرتقبون أخبارهم ويكون العمل بمقتضاها وبات ~~تلك الليلة وأصبح مقيما بتل الزلزلة ينتظر العدو نادى الجاويش بالعسكر ~~للعرض فركب الناس على ترتيب المصاف وأبهته. ولما علا النهار نزل السلطان ~~في خيمته وأخذ نصيبا من الراحة PageV01P176 بعد الغداء ومثول جماعة من ~~الأمراء إلى خدمته وأخذ رأيهم فيما يصنعون ثم صلى الظهر وجلس يطلق أثمان ~~الخيول المجروحة وغيرها إلى العشاء الآخرة من مائة دينار إلى مائة وخمسين ~~دينارا وزائد وناقص فما رأيت أسح صدرا منه ولا أبسط وجها في العطاء واتفق ~~الرأي على رحيل الثقل في عصر ذلك اليوم ms137 إلى مجدل يافا. ### ||| المنزل الثالث : # وأقام هو جريدة بالمنزل إلى الصباح رابع الشهر وركب وسار في رأس النهر ~~الجاري إلى قيسارية ونزل هناك وبلغ رطل البقسماط أربع دراهم وربع الشعير ~~درهمين ونصفا والخبز لم يوجد أصلا ونزل في خيمة وأكل خبزا وصلى الظهر وركب ~~إلى طريق العدو لتجديد إرشاده في ضرب المصاف ولم يعد إلى أن دخل وقت العصر ~~فجلس ساعة وأخذ جزءا من الراحة ثم عاد وركب وأمر الناس بالرحيل ورمى خيمته ~~ورمى الناس خيامهم في أواخر النهار. ### ||| المنزل الرابع : # وكان الرحيل إلى ~~رابية متأخرا عن تلك الرابية وفي ذلك المنزل أتي باثنين من الإفرنج قد ~~تخطفهم اليزك فأمر بضرب رقابهما فقتلا وتكاثر الناس عليهما بالسيوف تشفيا ~~ثم بات هناك وأصبح مقيما بالمنزل لأنه لم يصح عن العدو رحيل وأنفذ إلى ~~الثقل حتى يعود إليه في تلك الليلة مما طرأ على الناس من الضيق في المآكل ~~والقضم وركب في وقت عادته إلى جهة العدو وأشرف على قيسارية وعاد إلى الثقل ~~قريب الظهر وقد وصل الخبر أن العدو لم يرحل بعد من الملاحة وأحضر عنده ~~اثنان أيضا قد أخذ من أطراف العدو فقتلا شر قتلة وكان في حدة الضيقة لما ~~جرى على أسرى عكا ثم أخذ جزء من الراحة وجلس بعد صلاة الظهر وحضرت عنده وقد ~~أحضر بين يديه من العدو فارس مذكور قد PageV01P177 أخذ ، وهيئته تخبر عن ~~أنه متقدم فيهم فأحضر ترجمانا وبحث عن أحوال القوم وسأله كيف يسوى الطعام ~~عندكم فقال : أول يوم رحلنا من عكا كان الإنسان يشبع بستة قراطيس فلم يزل ~~السعر يغلو حتى صار يشبع بثمانية قراطيس. وسأل عن سبب تأخرهم في المنازل ~~. | فقال : لانتظار وصول المراكب بالرجال والميرة. فسأل عن القتلى ~~والجرحى في يوم رحيلهم فقال كثير. فسأل عن الخيل التي هلكت في ذلك اليوم ~~فقال مقدار أربعمائة فرس فأمر بضرب عنقه ونهى عن التمثيل به فسأل الترجمان ~~عما قال السلطان فأخبره بما قال فتغير تغيرا عظيما وقال أنا أخلص لكم أسيرا ~~من عكا. ms138 فقال رحمه الله : بل أميرا. فقال : لا أقدر على خلاص أمير ~~فشفع الطمع فيه وحسن خلقه فإني ما رأيت أتم خلقا منه مع ترف في الأطراف ~~ورفاهية فأمر أن يترك الآن ويؤخر أمره فصفده وعاتبه على ما بدا منهم من ~~الغدر وقتل الأسرى فاعترف بأنه قبيح ولم يجر إلا برضا الملك وحده وركب ~~السلطان بعد صلاة العصر على عادته وبعد أن نزل أمر بقتل الفارس المذكور ~~وأتي بعده باثنين فأمر بقتلهما وبات في ذلك المنزل المذكور وذكر له في ~~السحر أن العدو قد تحرك نحو قيسارية وقارب أوائلهم البلد فرأى أن يتأخر من ~~طريق العدو منزلا آخر. ### ||| المنزل الخامس : # فرحل ورحل الناس إلى قريب التل ~~الذي كنا عليه فنزل الناس وضربت الخيام ومضى هو يرتاد الأراضي الكائنة في ~~طريق العدو لينظر أيها أصلح للمصاف ونزل قريب الظهر واستدعى أخاه الملك ~~العادل وعلم الدين سليمان وأخذ رأيهما فيما يصنع وأخذ جزءا من الراحة وأذن ~~الظهر فصلى وركب ليشرف وليكشف عن العدو ويتنسم أخباره وأتاه اثنان من ~~الإفرنج قد نهبا فأمر بقتلهما ثم أتي باثنين آخرين فقتلا أيضا وجيء في ~~أواخر النهار باثنين فقتلا أيضا وعاد من الركوب وصلى صلاة المغرب وجلس على ~~عادته واستدعى أخاه وصرف الناس وخلا به إلى هزيع من الليل ثم بات وأصبح ~~ونادى الجاويش لعرض الحلقة لا غير وركب إلى جهة العدو ووقف على تلول مشرفة ~~على قيسارية وكان العدو قد وصل إليها نهار الجمعة سادس شعبان ولم يزل يعرض ~~هناك إلى أن علا النهار ثم نزل وأكل الطعام وركب إلى أخيه وعاد بعد صلاة ~~الظهر وأخذ جزءا من الراحة وجلس وأتي بأربعة من الإفرنج وامرأة إفرنجية ~~بينهم أسيرة وهي بنت PageV01P178 فارس مذكور ، ومعها أسيرة مسلمة قد أخذتها ~~فأطلقت المسلمة ودفع الباقون إلى الزردخانة وهؤلاء أتي بهم من بيروت أخذوا ~~في مراكب من جملة عدة كثيرة فقتلوا. كل ذلك في نهار السبت سابع الشهر ~~وهو في المنزلة ينتظر رحيل العدو مجمعا على لقائه إذا رحل. ### ||| المنزل السادس ms139 : # ولما كان صبيحة الثامن ركب السلطان على عادته ثم نزل ووصله من ~~أخيه أن العدو على حركة وكانت الأطلاب قد باتت حول قيسارية في مواضعها فأمر ~~بمد الطعام وأطعم الناس فوصل ثان وأخبر أن القوم قد ساروا فأمر بالكؤوس ~~فدقت وركب وركب الناس وسار وسرت في خدمته حتى أتى عسكر العدو وصف الأطلاب ~~حوله وأمرهم بقتالهم وأخرج الجاليش فكان النشاب بينهم كالمطر وكان عسكر ~~العدو قد رتب فكانت الرجالة حوله كالسور وعليهم اللبود الثخينة والزرديات ~~السابغة المحكمة بحيث يقع فيهم النشاب ولا يتأخرون وهم يرموننا بالزنبورك ~~فيجرح خيل المسلمين وخيالتهم ولقد شاهدتهم ويتغرز في ظهر الواحد منهم ~~الواحد والعشرة وهو يسر على هيئته من غير انزعاج. وثم قسم آخر من ~~الرجالة مستريح يمشون على جانب البحر ولا قتال عليهم فإذا تعبت هذه ~~المقاتلة أو أثخنتهم الجراح قام مقامهم المستريح واستراح القسم المقاتل. ~~هذا والخيالة في وسطهم لا يخرجون عن الرجالة إلا في وقت الحملة لا غير وقد ~~انقسموا أيضا ثلاثة أقسام. القسم الأول الملك العتيق جفري وجماعة ~~الساحلية معه في المقدمة والأنكتار والفرنسيس معه في الوسط. وأولاده ~~الست أصحاب طبرية وطائفة أخرى في الساقة وفي وسط القوم برج على عجلة على ما ~~وصفته من قبل أيضا كالمنارة العظيمة هذا ترتيب القوم على ما شاهدته وأخبر ~~به من خرج منهم من الأسرى والمستأمنين وساروا على هذا المثال وسوق الحرب ~~قائمة والمسلمون يرمونهم بالنشاب من جوانبهم ويحركون عزائمهم حتى يخرجوا ~~وهم يحفظون نفوسهم حفظا شديدا ويقطعون الطريق على هذا الوضع ويسيرون سيرا ~~رقيقا ومراكبهم تسير في مقابلتهم في البحر إلى أن أتوا المنزل وكانت ~~منازلهم قريبة PageV01P179 لأجل الرجالة فإن المستريحين منهم كانوا يحملون ~~أثقالهم وخيمهم لقلة الظهر عندهم فانظر إلى صبر هؤلاء القوم على الأعمال ~~الشاقة عن غير دين ولا نفع وكانت منزلتهم قاطع نهر قيسارية يسر الله فتحها ~~. ### ||| المنزل السابع : # ولما كانت صبيحة التاسع وصل من أخبر أن العدو قد ركب ~~سائرا فركب السلطان أول الصبح وطلب الأطلاب وأخرج من كل ms140 جانب جاليشا فسار ~~يطلب القوم فأتاهم وهم سائرون على عادتهم ثلاثة أقسام وطاف الجاليش حولهم ~~من كل جانب ورموهم بالنشاب وهم سائرون ثلاثة أقسام على المثال الذي حكيته ~~وكلما ضعف قسم عاونه الذي يليه وهو يحفظ بعضهم بعضا والمسلمون محدقون بهم ~~من ثلاثة جوانب والقتال بينهم شديد والسلطان يقرب الأطلاب ورأيته وهو يسير ~~بنفسه بين الجاليش ونشاب القوم يجاوزه وليس معه إلا صبيان بجنبيه لا غير ~~وهو يسير من طلب إلى طلب يحثهم على التقدم ويأمرهم بمضايقة القوم ومقاتلتهم ~~والكؤوس تخفق والبوقات تنعر والصياح بالتهليل والتكبير يعلو. هذا والقوم ~~على أتم ثبات على ترتيبهم لا يتغيرون ولا ينزعجون وجرت حالات كثيرة ~~ورجالتهم تجرح المسلمين وخيولهم بالزنبورك والنشاب ولم نزل حواليهم نقاتلهم ~~ونحمل عليهم وهم يكرون بين أيدينا ويفرون إلى أن أتوا نهرا يقال له نهر ~~القصب ونزلوا عليه وقد قامت الظهيرة وضربوا خيامهم وتراجع الناس عنهم فإنهم ~~كانوا إذا نزلوا أيس الناس منهم ورجعوا عن قتالهم وفي ذلك اليوم قتل من ~~فرسان الإسلام شجاع اسمه إياز الطويل بعض مماليك السلطان وكان قد فتك فيهم ~~وقتل خلقا من خيالتهم وشجاعتهم وكانت قد فاضت شجاعته بين العسكرين بحيث أنه ~~جرت له وقعات كثيرة صدقت أخبار الأوائل وسار بحيث إذا عرفه الإفرنج في موضع ~~يخافونه تقنطرت به فرسه واستشهد وحزن المسلمون عليه حزنا عظيما ودفن على تل ~~مشرف على البركة ونزل السلطان بالثقل على البركة وهي موضع يجتمع فيه مياه ~~كثيرة وأقام في تلك المنزلة إلى بعد صلاة العصر وأطعم الناس خبزا واستراحوا ~~ساعة ثم رحل وأتى نهر القصب ونزل عليه أيضا فشرب منه قليل من أعلاه والعدو ~~يشرب من أسفله ليس بيننا إلا مسافة يسيرة وبلغ ربع الشعير في هذه ~~PageV01P180 المنزلة الربع بأربعة دراهم والخبز موجود كثيرا وسعره الرطل ~~بنصف درهم وأقام ينتظر رحيل الإفرنج حتى يرحل في مقابلتهم فباتوا وبتنا ~~أيضا. ### ||| ذكر وقعة جرت # وذلك أن جماعة من العسكر الإسلامي كانوا مشرفين على العدو فصادفوا ~~جماعة منهم يشرفون على العسكر الإسلامي ms141 وظفروا بهم وهجموا عليهم وجرى بينهم ~~قتال عظيم فقتل من العدو جماعة وأحس بهم عسكر العدو فثار إليهم منهم جماعة ~~واتصل بالحرب وقتل أيضا من المسلمين نفران وأسر من العدو ثلاثة ومثلوا ~~بخدمة السلطان فسألهم عن الأحوال فأخبروه أن الملك الأنكتار قد حضر عنده ~~بعكا اثنان بدويان وأنهما أخبراه بقلة العسكر الإسلامي وذلك الذي أطمعه حتى ~~خرج وأنه لما كان بالأمس يعني يوم الاثنين رأى من المسلمين قتالا عظيما ~~واستكثر الأطلاب وأنه جرح زهاء ألف نفر وقتل جماعة وأن ذلك هو الذي أوجب ~~إقامته اليوم حتى يستريح عسكره وأنا لما رأى ما أصابهم من القتل العظيم ~~وكثرة المسلمين أحضر البدويين عنده وأوقفهما وضرب أعناقهما. وأقمنا في ~~ذلك اليوم في تلك المنزلة لإقامة العدو بها وهو الثلاثاء العاشر من شعبان . ### ||| المنزل الثامن : # ولما كان ظهر اليوم المذكور رأى السلطان الرحيل والتقدم ~~إلى قدام العدو فدق الكؤوس ورحل الناس ودخل في شعرا أرسوف حتى توسطها إلى ~~تل عند قرية تسمى دير الراهب فنزل هناك ودهم الناس الليل فتقطعوا في الشعر ~~وأصبح مقيما ينتظر بقية العساكر إلى صباح الأربعاء الحادي عشر وتلاحقت ~~العساكر وركب يرتاد موضعا يصلح للقتال ولقاء العدو وأقام ذلك اليوم أجمع ~~هناك. ومن أخبار العدو في تلك المنزلة أنه أقام على نهر القصب ذلك اليوم ~~أيضا وأنه لحقته نجدة من عكا في ثمان بطس كبار واليزك الإسلامي حوله ~~يواصلون الأخبار المستجدة بهم وجرى بين اليزك وبين حشاشة العدو قتال وجرح ~~من الطائفتين . PageV01P181 ### || ذكر مراسلة جرت في ذلك اليوم # وذلك أن العدو طلب من اليزك من يتحدث معه وكان مقدم اليزك علم الدين ~~سليمان فإنها كانت نوبته فلما مضى إليهم من سمع كلامهم كان كلامهم طلب ~~الملك العادل حتى يتحدثوا معه فاستأذن ومضى وبات تلك الليلة في اليزك ~~وتحدثوا معه وكان حاصل حديثهم أنا قد طال بيننا القتال وقد قتل من الجانبين ~~الرجال الأبطال وأنا نحن جئنا في نصرة إفرنج الساحل فاصطلحوا أنتم وهم وكل ~~منا يرجع إلى مكانه وكتب السلطان ms142 إلى أخيه في صبيحة يوم الخميس الثاني ~~والعشرين رقعة يقول له فيها : إن قدرت أن تطاول الإفرنج فلعلهم يقيمون ~~اليوم حتى يلحقنا التركمان فإنهم قد قربوا منا. ### || ذكر اجتماع الملك العادل والأنكتار # ولما علم الأنكتار وصول الملك العادل إلى اليزك طلب الاجتماع به ~~فأجابه إلى ذلك فاجتمعا بفرقة من أصحابهما وكان يترجم بينهما ابن الهنغري ~~وهو من إفرنج الساحل من كبارهم ورأيته يوم الصلح وهو ساب حسن إلا أنه محلوق ~~اللحية على ما هو شعارهم. وكان الحديث بينهما أن الأنكتار شرع في ذكر ~~الصلح وأن الملك العادل قال له أنتم تطلبون الصلح ولا تذكرون مطلوبكم فيه ~~حتى أتوسط أنا الحال مع السلطان. فقال له الأنكتار : القاعدة أن تعود ~~البلاد كلها إلينا وتنصرفوا إلى بلادكم. فأخشن له الجواب وجرت منافرة ~~اقتضت أنهم رحلوا بعد انفصالهم ولما أحس السلطان برحيلهم أمر الثقل الرحيل ~~ووقف هو وعبى الناس تعبية القتال وسار الثقل الصغير أيضا حتى قارب الثقل ~~الكبير ثم ورد أمر السلطان بعودهم إليه فعادوا ووصلوا وقد دخل الليل وتخبط ~~الناس تلك الليلة تخبطا عظيما واستدعى PageV01P182 أخاه الملك العادل ~~لتعريفه ما جرى بينه وبين الملك وخلا به لذلك وذلك في ليلة الجمعة ليلة ~~الثالث عشر وأما العدو فإنه سار ونزل على موضع يسمى البركة أيضا يشرف على ~~البحر وأصبح السلطان في يوم الجمعة متطلعا إلى أخبار العدو فأحضر عنده ~~اثنان من الإفرنج قد تخطفهما اليزك فأمر بضرب أعناقهما ووصل من أخبر أن ~~العدو لم يرحل اليوم من منزلته تلك فنزل السلطان واجتمع بأخيه يتحدثان في ~~هذا الأمر وما يصنع مع العدو وبات تلك الليلة في تلك المنزلة . ### || ذكر وقعة أرسوف وهي التي أنكت في قلوب المسلمين # ولما كان يوم السبت الرابع عشر بلغ السلطان أن العدو حرك الرحيل نحو ~~أرسوف فركب ورتب الأطلاب للقتال وعزم على مضايقتهم في ذلك اليوم ومصادمتهم ~~وأخرج الجاليش من كل طلب وسار العدو حتى قارب شعرا أرسوف وبساتينها فأطلق ~~عليهم الجاليش النشاب ولزمتهم الأطلاب من كل جانب والسلطان ms143 يقرب بعضها ~~ويوقف بعضها ليكون ردأ ويضايق العدو مضايقة عظيمة والتحم القتال واضطرمت ~~ناره من الجاليش وقتل منهم وجرح فاشتدوا في السير عساهم يبلغون المنزلة ~~فينزلوا واشتد بهم الأمر وضاق بهم الخناق والسلطان يطوف من الميمنة إلى ~~الميسرة يحث الناس على الجهاد ولقيته مرارا ليس معه إلا صبيان بجنبيه لا ~~غير ولقيت أخاه وهو على مثل هذه الحال والنشاب يتجاوزهما ولم يزل الأمر ~~يشتد بالطمع للعدو وطمع المسلمون فيهم طمعا عظيما حتى وصل أوائل راجلهم إلى ~~بساتين أرسوف ثم اجتمعت الخيالة وتواصلوا على الحملة خشية على القوم ورأوا ~~أنه لا ينجيهم إلا الحملة. ولقد رأيتهم وقد أجمعوا في وسط الرجالة ~~وأخذوا رماحهم وصاحوا صيحة الرجل الواحد وفرج لهم رجالتهم وحملوا حملة ~~واحدة من الجوانب كلها فحملت طائفة على الميمنة وطائفة على الميسرة وطائفة ~~على القلب فاندفع الناس بين أيديهم واتفق أني كنت في القلب ففر القلب فرارا ~~عظيما فنويت التحيز إلى الميسرة وكانت أقرب إلي ووصلتها وقد انكسرت كسرة ~~عظيمة وفرت أشد PageV01P183 فرار من الكل فنويت التحيز إلى طلب السلطان ~~وكان ردأ الأطلاب كلها كما جرت العادة ولم يبق للسلطان فيه إلا سبعة عشر ~~مقاتلا لا غير وأخذ الباقون إلى القتال لكن الأعلام كلها باقية ثابتة ~~والكؤوس تدق لا تفتر وأما السلطان لما رأى ما نزل بالمسلمين من هذه النازلة ~~سار حتى أتى إلى طلبه فوجد فيه هذا النفر القليل فوقف فيه والناس ينفرون من ~~الجوانب وهو يأمر أصحاب الكؤوس بالدق بحيث لا يفترون وكلما رأى فارا يأمر ~~من يحضره عنده وفي الجملة ما قصر الناس بفرارهم فإن العدو حمل حملة ففروا ~~ثم وقف خوفا من الكمين فوقفوا وقاتلوا ثم حمل حملة ثانية ففروا وهم يقاتلون ~~في فرارهم ثم وقف فوقفوا ثم حمل حملة ثالثة حتى بلغ إلى رؤوس رواب هناك ~~وأعالي تلول ففروا إلى أن وقف العدو ووقفوا وكان كل من رأى طلب السلطان ~~واقفا والكؤوس تدق يستحي أن يجاوزه ويخاف غائلة ذلك فيعود إلى الطلب فاجتمع ~~في القلب ms144 خلق عظيم ووقف العدو قبالتهم على رؤوس التلول والروابي والسلطان ~~واقف في طلبه والناس يجتمعون عليه حتى أتت العساكر بأسرها وخاف العدو أن ~~يكون في الشعرا كمين فتراجعوا يطلبون المنزلة وعاد السلطان إلى تل في أوائل ~~الشعرا ونزل عليه في خيمته. ولقد كنت في خدمته أسليه وهو لا يقبل السلو ~~وظل عليه بمنديل وسألناه أن يطعم شيئا فأحضر له شيء لطيف فتناول شيئا يسيرا ~~وبعث الناس للسقي فإن المكان كان بعيدا وجلس ينتظر الناس من العود من السقي ~~والجرحى يحضرون بين يديه وهو يتقدم بمداواتهم وحملهم وقتل في ذلك اليوم ~~رجالة كثيرة وجرح جماعة من الطائفتين. وكان ممن ثبت الملك العادل ~~والطواشي قايماز النجمي والملك الأفضل ولده وصدم في ذلك اليوم وانفتح دمل ~~كان في وجهه وسال منه دم كثير على وجهه وهو صابر محتسب في ذلك كله وثبت ~~أيضا طلب الموصل ومقدمة علاء الدين وشكره السلطان على ذلك وتفقد الناس ~~بعضهم بعضا فوجدوا أن قد استشهد جماعة من العسكر عرف منهم شخصان أمير كبير ~~مملوك وكان شجاعا معروفا وقايماز العادلي وكان مذكورا وليفوش وكان شجاعا ~~وجرح خلق كثير وخيول كثيرة وقتل من العدو جماعة وأسر واحد وأحضر فأمر بضرب ~~عنقه وأخذت منهم خيول أربعة وكان قد تقدم رحمه الله إلى الثقل أن يسير إلى ~~العوجاء PageV01P184 وذكر أن المنزل يكون على العوجاء فاستأذنته وقدمت إلى ~~المنزل وجلس هو ينتظر اجتماع العساكر وما يرد من أخبار العدو وكان العدو قد ~~نزل على أرسوف قبيلها. المنزل التاسع : وسرت بعد صلاة الظهر حتى أتيت ~~الثقل وقد نزل قاطع النهر المعروف بالعوجاء في منزلة خضراء طيبة على جانب ~~النهر ووصل السلطان إلى المنزلة أواخر النهار وازدحم الناس على القنطرة ~~فنزل على تل مشرف على النهر ولم يعد إلى الخيمة وأمر الجاويش أن ينادي في ~~العسكر بالعبور إليه وكان في قلبه من الوقعة أمر لا يعلمه إلا الله تعالى ~~والناس بين جريح الجسد وجريح القلب وأقام السلطان إلى سحر الخامس عشر ودق ~~الكؤوس وركب وركب ms145 الناس وسار راجعا إلى جهة العدو حتى وصل إلى قريب أرسوف ~~وصف الأطلاب للقتال رجاء خروج العدو ومسيره حتى يصاف فلم يرحل العدو في ذلك ~~اليوم لما نالهم من التعب والجراح وأقام قبالتهم إلى آخر النهار وعاد إلى ~~منزلته التي بات فيها. ولما كانت صبيحة السادس عشر دق الكؤوس وركب وركب ~~الناس وسار نحوهم ووصل خبر العدو أنه قد رحل طلبا جهة يافا فقاربهم مقاربة ~~عظيمة ورتب الأطلاب ترتيب القتال وأخرج الجاليش وأحدق العسكر الإسلامي ~~بالقوم وألقوا عليهم من النشاب ما كان يسد الأفق وقاتلت قلوبهم قتال الحنق ~~وقصد رحمه الله تحريك عزائمهم على الحملة حتى إذا حملوا ألقى الناس عليهم ~~وقصدوهم ويعطي الله النصر لمن يشاء فلم يحملوا وحفظوا نفوسهم وساروا مصطفين ~~على عادتهم حتى أتوا نهر العوجاء وهو النهر الذي منزلتنا أعلاه فنزل في ~~أسفله وعبر بعضهم إلى غربي النهر وأقام الباقون من الجانب الشرقي فلما علم ~~الناس بنزولهم تراجع الناس عنهم وعاد السلطان إلى الثقل ونزل في خيمته ~~وأطعم الطعام وأتى بأربعة من الإفرنج قد أخذتهم العرب ومعهم امرأة فرفعوا ~~إلى الزردخانات وأقام بقية ذلك اليوم يكتب الكتب إلى الأطراف باستحضار بقية ~~العساكر وحضر من أخبر أنه قتل من العدو يوم أرسوف خيول كثيرة وأنه تتبعها ~~العرب وعدوها فزادت على مائة وأمر السلطان أن رحلت الجمال وتقدمت إلى ~~الرملة وبات هو - رحمة الله عليه - في تلك المنزلة . PageV01P185 | المنزل ~~العاشر : ولما كان سابع عشر صلى الصبح ورحل ورحل معه الثقل الصغير وسار ~~يريد الرملة وأتى باثنين من الإفرنج فضرب أعناقهم ووصل من اليزك من أخبر أن ~~العدو رحل من يافا وسار السلطان إلى أن أتى الرملة وأتى باثنين من الإفرنج ~~أيضا فسألهم عن أحوالهم فذكروا أنهم ربما أقاموا بيافا أياما وفي أنفسهم ~~عمارتها وشحنها بالرجال والعدد فأحضر السلطان أرباب مشورته وشاورهم في أمر ~~عسقلان وأنها هل تخرب أو تبقى واتفق الرأي على أن يتخلف الملك العادل ومعه ~~طائفة من العسكر مقارب العدو ليعرف أحوالهم واتصالها وأن يسير هو ms146 ويخرب ~~عسقلان خشية أن يستولي عليها الإفرنج وهي عامرة فيقتلوا من بها من المسلمين ~~ويأخذوا بها القدس الشريف ويقطعوا بها طريق مصر وخشي السلطان من ذلك وعلم ~~عجز المسلمين عن حفظها لقرب عهدهم من عكا وما جرى على من كان مقيما بها ~~ويخيفوا الناس عن الدخول إلى عسقلان فادخرت القوة في عسكر الإسلام لحفظ ~~القدس المحروس فتعين لذلك خراب عسقلان فسار الثقل والجمال من أول الليل ~~وتقدم إلى ولده الملك الأفضل أن المنزل الحادي عشر : # وهو على عسقلان # ولما كان يوم الأربعاء ثامن عشر الشهر وصل السلطان إلى يبنا فنزل بها ~~ضحى وأخذ الناس راحة ثم رحل وسار حتى أتى أرض عسقلان وقد ضربت خيمته بعيدا ~~منها فبات هناك مهموما بسبب الخراب وما نام إلا قليلا. ولقد دعاني في ~~خدمت سحرا وكنت فارقت خدمته بعد مضي نصف الليل فحضرت وبدأ الحديث في معنى ~~خرابها وأحضر ولده الملك الفضل وشاوره في ذلك وطال الحديث في المعنى. ~~ولقد قال لي : والله لأن أفقد أولادي بأسرهم أحب إلي من أن أهدم منها حجرا ~~واحدا ولكن إذا قضى الله بذلك لحفظ مصلحة المسلمين طريقا فكيف أصنع ؟ ~~PageV01P186 ### || ذكر خراب عسقلان # ثم استخار الله تعالى فأوقع الله في نفسه أن المصلحة في خرابها لعجز ~~المسلمين عن حفظها فاستحضر الوالي قيصر بها وهو من كبار مماليكه وذوي ~~الآراء منهم فأمره بجمع العمال فيها ولقد رأيته وقد اجتاز بالسوق والوطاق ~~بنفسه مستقر الناس للخراب وقسم السور على الناس وجعل لكل أمير وطائفة من ~~الناس العسكر بدونه معلومة وبرجا معلوما يخربونه ودخل الناس البلد ووقع ~~الضجيج والبكاء وكان بلدا نضرا خفيفا على القلب محكم الأسوار عظيم البناء ~~مرغوبا في سكناه فلحق الناس عليه حزن عظيم وعظم عويل أهله على مفارقة ~~أوطانهم وشرعوا في بيع ما لا يمكن حمله فبيع ما يساوي عشرة دراهم بدرهم ~~واحد واختبط البلد وخرج أهله إلى العسكر بذراريهم ونسائهم خشية أن يهجم ~~الإفرنج وبذلوا في الكراء أضعاف ما يساوي قوم إلى مصر وقوم إلى الشام ms147 وقوم ~~يمشون إذا لم يقع لهم كراء وجرت أمور عظيمة وفتنة هائلة لعلها لم تختص ~~بالذين ظلموا وكان هو بنفسه وولده الملك الأفضل يستعملان الناس في الخراب ~~والحث عليه خشية أن يسمع العدو فيحضر ذكر خراب عسقلان | ثم استخار الله ~~تعالى ، فأوقع الله في نفسه أن المصلحة في خرابها لعجز المسلمين عن حفظها ~~عن الفرنج فاستحضر الوالي بها قيصير وهو من كبار ممالكيه وذوي الآراء منهم ~~، فأمره أن يضع فيها المعول ، وذلك في سحرة ليلة الخميس التاسع عشر من ~~شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة ، ولقد رأيته وقد اجتاز بالسوق والوطاق ~~بدنة معلومة وبرجا معلوما يخربونه ، ودخل الناس البلد ووقع فيه الضجيج ~~والبكاءن وكان بلدا نضرا خفيفا على القلب ، محكم الأسوار ، عظيم البناء ، ~~موغوبا في سكناه ، فلحق الناس عليه حزن عظيم ، وعظم عويل أهله وبكاؤهم على ~~مفارقة أوطانهم ، وشرعوا في بيع مالا يمكن حمله ، وبيع ما يساوي عشرة دراهم ~~بدرهم واحد ، ورمى الناس أقمشتهم بالثمن البخس حتى بيع اثنا عشر طيرا من ~~الدجاج بدرهم واحد واختبط البلد ، وخرج أهله إلى العسكر المنصور بذراريهم ~~ونسائهم ، خشية أن يهجم الفرنج البلد ، وبذلوا في الكرى أضعاف ما يساوي ، ~~قوم إلى مصر ، وقوم إلى الشام ، وقوم يلبثون إذا لم يقع لهم كرى ، وجرى ~~أمور عظيمة ، وفتنة هائلة ، لعلها لم تختص بالذين ظلموا ، وكان هو بنفسه ~~وولده الملك الأفضل يستعملان الناس في الخراب والحث عليه ، خشية إن سمع ~~العدو فيخضر ولا يمكن من خرابها وبات الناس في الخيم على أتم حال من التعب ~~والنصب وفي تلك الليلة وصل من جانب الملك العادل أن الإفرنج تحدثوا معه في ~~الصلح وأنه خرج إليه ابن الهنغري وتحدث معه وأنه طلب جميع البلاد الساحلية ~~فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما رأى في أنفس الناس من الضجر والسآمة من ~~القتال والمصابرة وكثرة ما علاهم من الديون وكتب إليه يسمح في الحديث في ~~ذلك وفوض أمر ذلك إلى رأيه وأصبح في العشرين على الإصرار على الخراب ~~واستعمال الناس فيه وحثهم عليه وأباحهم ms148 الهري الذي كان ذخيرة في البلد ~~للعجز عن نقله وضيق الوقت والخوف من هجوم الإفرنج وأمر بحرق البلد فأضرمت ~~النار في بيوته ودوره ورفض أهله بواقي الأقمشة للعجز عن نقلها والأخبار ~~تتواتر من جانب العدو بعمارة يافا وكتب الملك العادل يخبر أن القوم لم ~~يعلموا بخراب البلد وأن سوف القوم وطول PageV01P187 الحديث لعلنا نتمكن من ~~الخراب وأمر بحشو أبراج البلد بالأحطاب وأن تحرق وأصبح الحادي والعشرون ~~فركب يحث الناس ودام يستعملهم على التخريب ويطوف عليهم بنفسه حتى التاث ~~مزاجه التياثا قويا امتنع بسببه من الركوب والغذاء يومين وأخبار العدو ~~تتواصل إليه في كل وقت ويجري بينهم وبين اليزك والعسكر وقعات وهو يواظب على ~~الحث على الخراب ونقل الثقل إلى قريب البلد ليعاونوا الغلمان والحمالين ~~وغيرهم من ذلك فخرب من السور معظمه وكان عظيم البناء بحيث أنه كان عرضه في ~~مواضع تسعة أذرع وفي مواضع عشرة أذرع وذكر بعض الحجارين للسلطان وأنا حاضر ~~أن عرض السور الذي ينقبون فيه مقدار رمح ولم يزل التخريب و الحريق يعمل في ~~البلد وأسواره إلى سلخ شعبان وعند ذلك وصل من جرديك كتاب يذكر فيه أن القوم ~~يتفسحون وصاروا يخرجون من يافا يغيرون على البلاد القريبة منها فتحرك ~~السلطان لعله يبلغ منهم غرضا في غرتهم فعزم على الرحيل على أن يخلف في ~~عسقلان حجارين ومعهم خيل تحميهم ويستنهضونهم في الخراب ثم رأى أن يتأخر ~~بحيث يحرق البرج المعروف بالأسبتار وكان برجا عظيما مشرفا على البحر ~~كالقلعة المنيعة ولقد دخلته وطفته فرأيت بناءه أحكم بناه يقرب من أن لا ~~تعمل فيه المعاول وإنما أراد أن يحرقه حتى يبقى بالحريق قابلا للخراب ويعمل ~~الهدم فيه. وأصبح مستهل رمضان فأمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك ~~بنفسه وخواصه. ولقد رأيته يحمل الخشب ويحشونه في البرج حتى امتلأ ثم ~~أطلقت فيه النار فاشتعل الخشب وبقيت النار تشتعل فيه يومين بلياليهما ولم ~~يركب السلطان في ذلك اليوم تسكينا لمزاجه وعرض لي أيضا تشوش مزاج اقتضى ~~انقطاعي عنه في ذلك اليوم ms149 ولقد تردد إلى من سأل عن مزاجي من عنده ثلاث مرات ~~مع اشتغال قلبه بذلك المهم. فالله تعالى يرحمه لقد ماتت محاسن الأخلاق ~~بموته ، رحمه الله . PageV01P188 | ### || ذكر نزوله بيبنى # رحل تلك الليلة وهي ليلة الثلاثاء ثاني رمضان نصف الليل خشية على مزاجه ~~من الحر ووصل بنا ضحوة النهار ونزل في خيمة أخيه الملك العادل ، واستعلم ~~منه أخبارهم ساعة ، ثم ركب ونزل خيمتهن وبات في تلك المنزلة . ### || ذكر رحيله إلى الرملة # وأصبح في يوم الأربعاء ثالث رمضان من سنة سبع وثمانين وخمسمائة راحلا ~~إلى جهة الرملة فسار حتى أتاها ضحوة النهار ونزل بالثقل الكبير نزول إقامة ~~ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلبا وأطعم الناس الطعام وأخذ جزءا من الراحة ~~وركب بين صلاتي الظهر والعصر وسار إلى لد ورآها ورأى بيعتها وعظم بنائها ~~فأمر بخرابها وخراب قلعة الرملة فوقع الخراب في الموضعين في ذلك اليوم وفرق ~~الناس فرقا لتخريب المكانين وأرباح ما فيها من التبن و الشعير في الأهراء ~~السلطانية وأمر من كان فيها من المقيمين بالانتقال إلى المواضع العامرة وما ~~كان بقي في المكانين إلا نفر يسير وظل الناس يخربون إلى أن أمسى المساء ثم ~~عاد إلى خيمته وأصبح رابع رمضان فأقام الحجارين في المكانين ورتب عليهم من ~~يستنجزهم في ذلك وهو يتردد عليهم في الأصائل حتى جاء وقت المغرب فمد الطعام ~~وأفطر الناس وانفصلوا إلى خيمهم ووقع له أن يسير خفية في نفر يسير يشاهد ~~أحوال القدس. فسار من أول الليل حتى أتى بيت نوبة فبات فيها حتى أتى ~~الصباح وصلى ثم سار حتى أتى القدس في خامس الشهر وخلف أخاه في العسكر يحث ~~الناس على الخراب وأقام ذلك اليوم يتصفح أحوال القدس في عمارته وميرته ~~وعدته ورجاله وغير ذلك وظفر في ذلك غلمان الطواشي قايماظ بنفر من النصارى ~~ومعهم كتب قد كتبها الوالي إلى السلطان قريبة التاريخ يذكر فيها أعواز ~~البلد الغلة والعدة والرجال فوقف على الكتب وضربت رقاب كل من كان معهم وما ~~زال يتصفح أحوال المكان ويأمر بسد ms150 خلله إلى الثامن وخرج سائرا إلى العسكر ~~بعد صلاة الظهر فبات في بيت نوبة. وفي هذا اليوم وصل عز الدين قيسر شاه ~~PageV01P189 صاحب ملطية ابن قليج أرسلان وافدا عليه مستنصرا به على أخوته ~~وأبيه فإنهم كانوا يقصدون أخذ بلدة منه فلقيه الملك العادل قاطع لد فاحترمه ~~وأكرمه ثم لقيه الملك الأفضل وضربت خيمته قريبا من لد. وفي ذلك اليوم ~~خرج من العدو الحشاشة فحمل عليهم اليزك ووصل الخبر إلى عسكرهم فخرج إلى ~~نصرتهم خيالة وجرى بينهم وبين اليزك قتال وذكر بعض الأسرى أنه كان معهم ~~الأنكتار وأن مسلما قصد طعنه فحال بينه وبينه إفرنجي فقتل الإفرنج وجرح هو ~~هكذا ذكروا والله أعلم . ### || ذكر عوده إلى العسكر رحمه الله # ولما كان التاسع وصل رحمه الله إلى العسكر ولقيه الناس مستبشرين ~~بقدومه ولقيه ابن قليج أرسلان فنزل له واحترمه وأكرمه ونزل في خيمته وأقام ~~يحث الناس على التخريب وتتواصل أخبار العدو إليه ويقع بينهم وبين اليزك ~~وقعات ويسرق العرب من خيولهم ويقاتلهم رجالهم. ### || ذكر وصول رسول المركيس # وفي غضون ذلك وصل رسول المركيس يذكر أنه يصالح الإسلام بشرط أن يعطى ~~صيدا وبيروت على أن يجاهر الإفرنج بالعداوة ويقصد عكا ويحاصرها ويأخذها ~~منهم واشترط أن يبذل للسلطان اليمين على ذلك ابتداء قسير العدل النجيب ~~وحمله الإجابة إلى ملتمسه لقصد فصله عن الإفرنج فإنه كان خبيثا ملعونا وكان ~~قد استشعر منهم أخذ بلده وهي صور فانحاز عنهم واستعصم بصور وهي منيعة فقال ~~ذلك القول لهذا السبب وسار النجيب العدل مع رسوله في الثاني عشر واشترط ~~عليه أن يبدأ بمجاهرة القوم وحصار عكا أخذها وإطلاق من بها وبصور من الأسرى ~~وعند ذلك يسلم إليه الموضعان. وفي عشية ذلك اليوم خرج رسول ملك الأنكتار ~~إلى الملك العادل في تحريك سلسلة الحديث في الصلح . PageV01P190 ### || ذكر رحيل السلطان من الرملة رحمه الله # ولما كان الثالث عشر من رمضان رأى السلطان أن يتأخر العسكر الجميل ~~ليتمكن الناس من إنقاذ دوابهم إلى العلوفة فإنا كنا على الرملة قريبين من ~~العدو ms151 ولا يمكن التفريط في الدواب خشية المهاجمة فرحل ونزل على جبل متصل ~~بجبل النطرون بالثقل الكبير وجمع العساكر ما عدا اليزك على العادة وذلك بعد ~~خراب الرملة ولما نزل هناك في ذلك اليوم دار حول النطرون وأمر بتخريبها ~~وكانت قلعة منيعة حصينة من القلاع المذكورة فشرع في خرابه. وترددت الرسل ~~بين الملك العادل والأنكتار يذكرون أنه قد سلم أمر الصلح إلى الملك العادل ~~وأخلد إليه وخرج في عشرة أنفس إليه اليزك فأخبروه بأخبار طيبة وكتب بها إلى ~~السلطان - رحمه الله - في عشية الأربعاء سابع عشر من رمضان من سنة سبع ~~وثمانين وخمسمائة . ### || ذكر موت الافرنسيس # فكان مما اخبره به أخوه أن الملك افرنسيس مات وكان موته بأنطاكية عن ~~مرض عرض له وأن الأنكتار عاد إلى عكا وكان سبب عوده أنه صح عند مراسلة ~~المركيس للسلطان وبلغه أن المركيس قد انتظم الحال بيننا وبينه وأنه قد ~~استقرت القاعدة على عكا فعاد هو إلى عكا لفسخ هذه المصالحة واسترجاع ~~المركيس إليه فركب السلطان إلى اليزك واجتمع بأخيه في لد وسأله عن الأخبار ~~وعاد إلى المخيم وقت العصر وأتى باثنين من الإفرنج قد تخطفهم اليزك فأخبروا ~~بصحة موت الإفرنسيس وعود الأنكتار إلى عكا . PageV01P191 | ### || ذكر مسير الملك العادل إلى القدس الشريف يسر الله خلاصه ووصول خبر وفاة قزل بن إلد كز # ولما كان يوم الجمعة التاسع عشر اقتضى الحال تفقد القدس والنظر في ~~عمارته وكان الملك العادل قد عاد من اليزك وعلم بعد مسير مقدمي الإفرنج عنا ~~فرأى أن يكون هو الذي يسير فسار في هذا اليوم لهذا الغرض. وفي تاريخ هذا ~~اليوم وصل كتاب من تقي الدين يخبر فيه أن قزل صاحب ديار العجم ابن يلدكز ~~قفز عليه أصحابه فقتلوه وقيل أن ذلك كان من تحت يد زوجته تعصبا للسلطان ~~طغرل وجرى بسبب قتله خبط عظيم في بلاد العجم خبط عظيم ، وكان قتله - على ما ~~بلغنا - في أوائل شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة ، والله أعلم . ### || ذكر عود الملك العادل رحمه الله من القدس ms152 الشريف # ولما كان يوم الأحد حادي عشرى من رمضان قدم الملك العادل من القدس ~~وفي هذا التاريخ وصل كتاب من الديوان العزيز النبوي يذكر فيه قصد الملك ~~المظفر تقي الدين خلاط ويذكر فيه العناية التامة ببكتمر ويشفع في حسن بن ~~قفجاق والتقدم بإطلاقه وكان قد قبض عليه مظفر الدين بن زين الدين بإربل ~~ويتقدم بمسير القاضي الفاضل إلى الديوان لبث حال وفصل أمر وسير الكتاب إلى ~~الفاضل ليقف عليه ويكتب إلى تقي الدين. ### || ذكر أخبار يزك كان على عكا وقضية لصوص دخلوا في خيام العدو # ولما كان يوم الاثنين الثاني والعشرون أحضر لصوص فرسا وبغلة قد دخلوا ~~إلى خيم العدو وسرقوهما وكان قد رتب رحمه الله ثلاثمائة لص من شاوح العرب ~~PageV01P192 يدخلون ويسرقون منهم أموالهم وخيولهم ويسرقون الرجال أحيانا ~~وذلك أنه يكون الواحد منهم نائما فيوضع على حلقه الخنجر ثم يوقظ فيرى الشلح ~~وقد وضع الخنجر على نحره فيسكت ولا يتجاسر أن يتكلم فيحمل وهو على هذا ~~الوضع إلى أن يخرج من الخيم ويؤخذ أسيرا وتكلم منهم جماعة فنحروا فصار من ~~أصابه ذلك لا يتكلم واختاروا الأسر على القتل وداموا على ذلك مدة طويلة إلى ~~انتظام الصلح. وفي ذلك اليوم وصل من اليزك من أخبر أنهم خرجوا من عكا ~~يتفسحون وأن اليزك حمل عليهم فأسر منهم أحدا وعشرين نفسا وأن الأسرى ~~أخبروهم بصحة عود الأنكتار إلى عكا وأنه مريض بها وخبروا عن ضعف أهل عكا ~~وفقرهم وقلة الميرة عندهم. وفي هذا التاريخ وصل للعدو مراكب عدة قيل ~~أنها وصلت من عكا وأن فيها الأنكتار قد عاد بجماعة عظيمة ليقصد عسقلان ~~ويعمرها وقيل يقصد القدس والله اعلم . ### || ذكر خبر وصول الأسارى المذكورين # ولما كان يوم الأربعاء الرابع والعشرون وصل الأسرى المذكورون من ~~الزيب وكان وصولهم فرحا للمسلمين مبشرا بكل خير وفيه وصل رسول قزل وكان قد ~~سيره قبل وفاته ورسول ابن أخيه إيناج وفي عشيته وصل رسول من الأنكتار معه ~~حصان إلى الملك العادل في مقابلة هدية كان أنفذها إليه . ### || ذكر ms153 وفاة حسام الدين بن لاجين # فيه وصل خبر وفاة حسام الدين لاجين بدمشق لمرض كان اعتراه فصعب على ~~السلطان موته وشق عليه وفيه وصل كتاب من سامة يذكر فيه أن البرنس أغار على ~~جبلة واللاذقية وانه كسر كسرة عظيمة وقتل منه جماعة وعاد إلى أنطاكية. ### || ذكر رسول الملك العادل إلى الأنكتار # ولما كان السادس والعشرون كان اليزك للعادل فطلب الأنكتار رسوله فأنفذ ~~الصنيعة وهو كاتبه. وكان شابا حسنا فوصل إليه وهو في بازور قد خرج في ~~جمع كثير PageV01P193 من الرجالة وانبثوا في تلك الأرض فاجتمع به وسار معه ~~زمنا طويلا وحادثه في معنى الصلح وقال لا ارجع عن كلام أتحدث به من أخي ~~وصديقي يعني العادل وذكر له كلاما وعاد وأخبره به فكتبه الملك العادل في ~~رقعة وأنفذها إلى السلطان وكان يتضمن أنك تسلم عليه وتقول له إن المسلمين ~~والإفرنج قد هلكوا وخربت البلاد وخرجت من يد الفريقين بالكلية وقد تلفت ~~الأموال والأرواح من الطائفتين وقد أخذ هذا الأمر حقه وليس هناك حديث سوى ~~القدس والصليب والبلاد والقدس متعبدنا ما ننزل عنه ولو لم يبق منا إلا ~~واحدا. وأما البلاد فيعاد إلينا ما هو قاطع الأردن. وأما الصليب فهو ~~خشبة عندكم لا مقدار له وهو عندنا عظيم فيمن به السلطان علينا ونصطلح ~~ونستريح من هذا التعب. ولما وقف السلطان على هذه الرسالة استدعى أرباب ~~المشورة في دولته واستشارهم في الجواب والذي رآه السلطان أن قال القدس لنا ~~كما هو لكم وهو عندنا أعظم مما هو عندكم فإنه مسرى نبينا ومجتمع الملائكة ~~فلا تتصور أن ننزل عنه ولا نقدر على التفريط بذلك بين المسلمين وأما البلاد ~~فهي أيضا لنا في الأصل واستيلاؤكم عليها كان طارئا عليها لضعف من كان فيها ~~من المسلمين في ذلك الوقت وما يقدركم الله على عمارة حجر منها ما دام الحرب ~~قائما وما في أيدينا منها نأكل بحمد الله مغله وننتفع به. وأما الصليب ~~فهلاكه عندنا قربة عظيمة لا يجوز لنا أن نفرط فيها إلا لمصلحة راجعة ms154 إلى ~~الإسلام هي أوفى منها وسار هذا الجواب إليه مع الواصل منه. ### || ذكر هرب شيركوه بن باخل من عكا وكان أسيرا # ولما كان آواخر نهار الجمعة السادس والعشرين وصل شيركوه بن باخل وهو من ~~جملة الأمراء المأسورين بعكا وكان من قصته أنه هرب ليلة الحادي والعشرين ~~وذلك أنه كان ادخر له حبلا في مخدته وكان الأمير حسن بن باريك ادخر له حبلا ~~في بيت الطهارة واتفقا على الهرب ونزلا من طاقة كانت في بيت الطهارة ~~وانحدرا من السور الأول وعبر شيركوه من الباشورة وكان ابن باريك حالة نزوله ~~انقطع به الحبل ونزل شيركوه سليما فرآه وقد تغير من الوقعة فكلمه فلم يجبه ~~وحركه فلم يتحرك فهزه لعله ينشط فيسير معه فلم يقدر فعلم أنه إذا أقام عنده ~~أخذا جميعا فتركه وانصرف واشتد هربا في قيوده حتى أتى تل العياضية وقد طلع ~~الصبح فأكمن في الجبل PageV01P194 حتى علا النهار وكسر قيده وسار وستر الله ~~حتى أتى المعسكر ومثل بخدمة السلطان وكان من أخباره أن سيف الدين المشطوب ~~ضيق عليه وأنه قطع على نفسه قطيعة عظيمة من خيل وبغال وأنواع الأموال وأن ~~الملك الأنكتار أتى عكا وأخذ كل ما له بها من خدمه ومماليكه وأقمشته ولم ~~يبق له منها شيئا وأن فلاحي الجبل يمدونه بالميرة مددا عظيما وأن طغرل ~~السلحدار أخذ خواص مماليك السلطان وهربوا قبل هروبه. ### || ذكر رسالة سيرني فيها الملك العادل إلى السلطان - قدس الله روحه - مع جماعة من الأمراء # وذلك أنه لما كان التاسع والعشرون من رمضان استدعاني الملك العادل في ~~صحبته واحضر جماعة من الأمراء علم الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين بن ~~المقدم وحسام الدين بشارة وشرح لنا ما عاد به رسوله من الأنكتار من الرسالة ~~والكلام وذلك أنه ذكر أنه قد أراد أن يتزوج الملك العادل بأخت الأنكتار ~~وكان قد استصحبها معه من صقلية فإنها كانت زوجة صاحبها وقد مات فأخذها ~~أخوها لما اجتاز بصقلية فاستقرت القاعدة على أن يكون مستقر ملكها بالقدس ~~وأن أخاها يعطيها ms155 بلاد الساحل التي بيده من عكا إلى يافا وعسقلان إلى غير ~~ذلك ويجعلها ملكة الساحل ويجعله ملك الساحل ويكون ذلك مضافا إلى ما في يده ~~من البلاد والإقطاع وأنه يسلم إليه صليب الصلبوت وتكون القرى للداوية و ~~الأسبتار والحصون لهما وأسرانا تفك وكذلك أسراهم وأن الصلح يستقر على هذه ~~القاعدة ويرحل الأنكتار طالبا بلاده في البحر وينفصل الأمر هكذا ذكر رسول ~~العادل عن الأنكتار. ولما عرف ذلك العادل بنى عليه أن استحضرنا عنده ~~وحملنا هذه الرسالة إلى السلطان وجعلني المتكلم فيها ولجماعة يسمعون ونعرض ~~عليه هذا الحديث فإن استصوبه ورآه مصلحة للمسلمين شهدنا عليه بالإذن في ذلك ~~والرضا به وإن أباه شهدنا عليه أن الحال في الصلح قد انتهى إلى هذه الغاية ~~وأنه هو الذي رأى إبطاله فلما مثلنا بالخدمة السلطانية عرضت PageV01P195 ~~عليه الحديث وتلونا عليه الرسالة بمحضر من الجماعة المذكورين فبادر إلى ~~الرضا بهذه القاعدة معتقدا أن الأنكتار لا يوافق على ذلك أصلا فإن هذه منه ~~مكر وهزل فكررت عليه الرضا بذلك ثلاث مرات وهو يقول نعم ويفرح ويشهد على ~~نفسه به فلما تحققنا منه ذلك عدنا إلى الملك العادل فعرفناه بما قال وعرفه ~~الجماعة أني كررت عليه الحديث في تقييد الشهادة عليه وأنه أصر على الإذن في ~~ذلك واستقرت القاعدة عليه. ### || ذكر عودة الرسول إلى الأنكتار بالجواب عن هذه الرسالة # ولما كان يوم الأربعاء ثاني شوال سار ابن النحال رسولا من جانب السلطان ~~ومن جانب الملك العادل فلما وصل إلى مخيم العدو وأنفذ من عرف الملك بقدومه ~~أنفذ إليه من قال له أن الملكة عرض عليها أخوها النكاح فسقطت من ذلك وغضبت ~~بسببه وأنكرت ذلك إنكارا عظيما وحلفت بدينها المغلظ من يمينها أنها لا تفعل ~~ذلك وكيف تمكن مسلما من غشيانها ثم قال أخوها : إن الملك العادل يتنصر وأنا ~~أتمم ذلك وترك باب الكلام مفتوحا فكتب الملك العادل إلى السلطان - رحمة ~~الله عليه - وعرفه ذلك . ### || ذكر أخذ مركب مشهور للفرنج يسمى المسطح وكان عظيما عندهم # ولما كان السبت ms156 خامس شوال وصل الخبر أن الأسطول الإسلامي استولى على ~~مراكب الإفرنج وفيها مركب يعرف بالسطح قيل أنه كان فيه أنفر وزائد على ذلك ~~وأنه قتل منهم خلق عظيم واستبقى منهم أربعة مذكورون وسر المسلمون بذلك ~~وضربت بشائر النصر ونعق بوق الظفر ، ولله الحمد والمنة . ذكر اجتماع الرأى ~~من الأمراء بين يدي السلطان - قدس الله روحه - ولما كان يوم الأحد سادس ~~شوال جمع السلطان أكابر الأمراء وأرباب الآراء من دولته وشاورهم كيف يصنع ~~إن خرج العدو وكان قد تواصلت الأخبار عنهم أنهم قد اتفقوا على الخروج إلى ~~العسكر PageV01P196 الإسلامي فانفصل الرأي بين ذوي الآراء على أنهم يقيمون ~~بمنزلهم بعد تخفيف الأثقال فإن خرج الإفرنج كانوا على لقائهم. وفي عشية ~~ذلك اليوم استأمن من الإفرنج اثنان على فرسين وأخبرا أن العدو على عزم ~~الخروج وأنهم زهاء عشرة آلاف فارس وذكر أنهم لا يعرفون قصدهم وهرب أسير ~~مسلم من جانبهم وأخبر أنهم قد أظهر الخروج إلى الرملة ثم فيها يتعقون على ~~موضع يقصدونه. ولما تحقق السلطان أمر الجاويش أن ينادي في العسكر حتى ~~يتجهز جريدة وشدت الرايات واتفق على أنه يقف قبالة القوم إن خرجوا وسار في ~~السابع مؤيدا منصورا حتى أتى قبلي كنيسة الرملة ليلا فخيم هناك ليليه. # 1 ( ذكر خروج الإفرنج عن يافا # ولما كانت صبيحة الثامن رتب الأبطال للقتال وسلم اليزك للملك العادل ~~وتبعه من يريد من الغزاة وكان قد وصل وجماعة من الروم يريدون الغزاة فخرجوا ~~في جملة من خرج فلما وصلوا إلى خيام الإفرنج هجم عليهم المماليك السلطانية ~~لقوة جأشهم وأنسهم بقتالهم وثقتهم بمراكبهم ورموا عليهم النشاب فرآهم ~~الغزاة والواصلون من الروم فاغتروا بإقدامهم ووافقوهم في فعلهم وقاربوا ~~عسكر العدو فلما رأى الإفرنج تلك المضايقة والمنازلة ثارت هممهم وحركتهم ~~نخوتهم فركبوا من داخل الخيام وصاحوا صيحة الرجل الواحد وحملوا في جمع كثير ~~فنجا من سبق به جواده وقدر في القدم نجاته وظفروا بجماعة فقتل منهم ثلاثة ~~نفر ونقلوا خيامهم إلى بازور وأقام السلطان في تلك الليلة بمنزلته إلى ms157 ~~الصباح. ### || ذكر وفاة الملك المظفر رحمة الله عليه # ولما كان الحادي عشر ركب السلطان إلى جهة العدو فأسرف عليهم ثم عاد ~~وأمرني بالإشارة إلى أخيه بأن يحضر معه علم الدين سليمان وسابق الدين وعز ~~الدين بن المقدم فلما مثل الجماعة بين يديه أمر خادما أن يخلي المكان عن ~~غير الحاضرين وكنت في جملتهم وأمر بإبعاد الناس عن الخيمة ثم أخرج كتابا من ~~قباه وفضه ووقف عليه وبدت دموعه وغلبه البكاء PageV01P197 والنحيب حتى ~~وافقناه من غير أن نعلم السبب ما هو وفي أثناء ذلك ذكر أنه يتضمن وفاة ~~الملك المظفر فأخذ الجماعة في البكاء حتى أتوا بوظيفته ثم ذكرته لله تعالى ~~وانتهاء قضائه وقدره فقال أستغفر الله إنا لله وإنا إليه راجعون ثم قال : ~~المصلحة كتم ذلك وإخفاؤه لئلا يتصل بالعدو ونحن ننازله. ثم أحضر الطعام ~~فأكلوا الجماعة وانفصلوا وكان الكتاب الواصل المتضمن نعيه هو غير الكتاب ~~الواصل إلى حماة بنعيه في طي كتاب وصل من النائب بها وكانت وفاته بطريق ~~خلاط عائدا إلى ميافارقين فحمل ميتا إلى ميافارقين ثم عملت له تربة عليها ~~مدرسة مشهورة بأرض حماة وحمل إليها وزرت ضريحه وكانت وفاته تاسع عشر رمضان ~~سنة سبع وثمانين. ### || ذكر كتاب وصل من بغداد # ولما كان الثاني عشر من شوال وصل من دمشق كتاب من النواب بها في طيه ~~كتاب من بغداد من الديوان العزيز النبوي مجده الله يتضمن فصولا ثلاثة : | ~~الفصل الأول الإنكار على الملك المظفر في مسيره إلى بكتمر وبولغ فيه حتى ~~قيل إن الديوان العزيز لا يسلمه. والفصل الثاني يتضمن الإنكار على مظفر ~~الدين في إمساك حسن بن قفجاق والأمر بإعادته إلى الكرخاني وبولغ فيه حتى ~~قيل إن الديوان العزيز لم يأذن لغيره في سكناها. وكانت قصة حسن بن قفجاق ~~أنه قصد أرمية إلى السلطان طغريل فإنه كان قد نزل به في معونته لما هرب من ~~ديار العجم واستنصر به وتزوج أخته ووقع في ذهنه أنه يكون أتابكه ويملك به ~~البلاد فقصد أرمية فقتل أهلها على ما ms158 قيل وسبى نساءهم وذراريهم وتعرض ~~للقوافل وكان معقله الكرخاني فلما وجد السلطان طغريل قوته تركه وانصرف عنه ~~وعاد إلى بلاده وأظهر الفساد في الأرض والتعرض للقوافل على ما قيل فاستعطفه ~~مظفر الدين صاحب إربل حتى عاد إليه وانخرط في سلك أصحابه وقبض عليه وأنفذ ~~إلى الديوان العزيز ذلك وفي معناه استيلاء مظفر الدين على بلاده ولعله تشفع ~~إلى الديوان فاقتضت عاطفته ذلك في حقه. وأما الفصل الثالث فكان يتقدم ~~بإحضار القاضي الفاضل في الديوان رسولا لتقرر عليه قواعد ويسر إليه أسباب . # هكذا كان مضمون الكتاب وأما الجواب عنه فإن السلطان أجاب عن الفصل الأول ~~بأنا لم نأمره بشيء من ذلك وإنما عبر ليجمع PageV01P198 العساكر ويعود إلى ~~الجهاد فاتفقت أسباب اقتضت ذلك وقد أمرنا بالعود. وأما الفصل الثاني ~~فأجاب عنه بأن عرفهم حال بأن قفجاق وما تصدى له من الفساد في الأرض وأنه ~~تقدم إلى مظفر الدين حتى يحضره معه إلى الشام فيقطعه فيه ويكون ملازما ~~للجهاد. وأما الفصل الثالث فإنه اعتذر عن القاضي الفاضل بأنه كثير ~~الأمراض وقوته تضعف عن الحركة إلى العراق. فهذا اكن حاصل الجواب. ### || ذكر وصول صاحب صيدا رسولا من المركيس # ولما كان ثالث عشر شوال وصل من أخبر بوصول صاحب صيدا من جانب المركيس ~~صاحب صور وكان قد جرى بيننا وبينه أحاديث مترددة حاصلها أنهم ينقطعون عن ~~الإفرنج ونصرتهم ويصيرون معنا عليهم بناء على فتنة كانت جرت للمركيس مع ~~الملوك بسبب امرأة تزوجها كانت زوجة لأخي الملك جفري وقبح نكاحها بأمر ~~اقتضاه دينهم فاضطربت آراؤهم فيه فخاف المركيس على نفسه فأخذ زوجته وهرب ~~تحت الليل إلى صور وأخلد إلى السلطان والاعتضاد به وكان في ذلك مصلحة ~~للمسلمين لانقطاع المركيس عن الإفرنج فإنه كان أشدهم بأسا. وأعظمهم ~~للحرب مراسا. وأثبتهم في التدبير أساسا. وحين اتصل خبر وصول هذا ~~الرسول بالسلطان أمر بإجلاله واحترامه فضربت خيمة وضرب حولها شقة ووضع فيها ~~من الطرح والفرش ما يليق بعظمائهم وملوكهم وأمر بإنزاله في الثقل يستريح ثم ~~يجتمع به. ### || ذكر واقعة ms159 الكمين الذي استشهد فيه إياز المهراني - قدس الله روحه - ) 1 # ولما كان سادس عشر شوال أمر السلطان الحلقة أن كمنت للعدو في بطون ~~أودية هناك واستصحبوا جماعة من العرب فلما استقر الكمين في موضعه ظهرت ~~العرب PageV01P199 على جاري عادتها في مناوشتها العدو وكان العدو تخرج منه ~~جماعة للاحتشاش والاحتطاب قريبا من مخيمة تضرب العرب وتضرب العرب عليهم ~~فضربوا عليهم ووقع الحرب وثار الصياح وسمع العدو فركب منهم جمع من الخيالة ~~وطلبوا جهة العرب فانهزم العرب بين أيديهم إلى جهة الكمين والعدو يتبعهم ~~طمعا حتى قاربوا الكمين فخرج الكمين عليهم وصاحوا بهم صيحة الرجل الواحد ~~فانهزموا بين أيديهم نحو خيامهم واتصل الخبر بالعدو فركب منهم خلق عظيم ~~وقصدوا نحو الوقعة والتحم القتال واشتد الأمر وقتل جمع من الطائفتين وأسر ~~وجرح من العدو وأخذ منهم خيل كثيرة وكان سبب انفصال الحرب أن السلطان أحس ~~بهذه الوقعة فأنفذ أمراء أخر أسلم وسيف الدين يازكج ومن يجري مجراهما ردأ ~~للمسلمين وقال : إذا رأيتم الغلبة على الكمين فاظهروا. فلما رأوا الكثرة ~~من جانب العدو وخرجوا بخيلهم ورجلهم ولما رأى العدو الأطلاب الإسلامية قد ~~صوبت نحوه أعنة خيلها ولوا الأدبار نحو خيامهم والسيف يعمل في أقفيتهم حتى ~~دخلوا الخيام. وانفصل الحرب قبيل الظهر وكان السلطان قد ركب متشوفا ~~أخبار الكمين وكنت في خدمته وكان أول من دخل من الوقعة ووصل جماعة من العرب ~~ومعهم خمس رؤوس من الخيل قد أخذوها وانفصلوا قبل انفصال الحرب وما زالت ~~الطلائع تتواتر والبشائر تتواصل وقتل العدو زهاء ستين نفرا وجرح من ~~المسلمين جماعة منهم إياس المهراني وكان شجاعا معروفا واستأمن اثنان ~~بخيولهما وعدتهما وعاد السلطان إلى خيمته فرحا مسرورا معرضا من قتل وفي ~~بقية هذا اليوم وصل رسول الأنكتار إلى الملك العادل يعتبه على الكمين ويطلب ~~الاجتماع به . فاستأذن ، فأذن له ، فسار إليه . PageV01P200 | ### || ذكر ما جرى للملك العادل والأنكتار واجتماعهما # ولما كان الثامن عشر سار الملك العادل إلى اليزك وضربت له قبة عظيمة ~~وسار ومعه من الأطعمة والحلاوات والتجملات والتحف ms160 وما جرت العادة أن يحمل ~~من ملك إلى ملك وهو إذا تجمل في ذلك لا يغلب وسار الأنكتار إلى خيمته وحضر ~~عنده فاحترمه احتراما عظيما ووصل مع الأنكتار إلى خيمته وأحضر من طعامهم ~~الذي يختصون به ما أتحف به الملك العادل على وجه المطايبة فتناول منه الملك ~~العادل وتناول هو وأصحابه الواصلون معه من طعام الملك العادل وتحادثا معظم ~~ذلك النهار وتفاصلا على تواد ومحبة أكيدة. ### || ذكر الرسالة التي أنفذها الأنكتار إلى السلطان - قدس الله روحه - في معنى الاجتماع به وجوابها # وفي ذلك اليوم سأل الأنكتار الملك العادل أن يلتمس من السلطان الاجتماع ~~به والمثول بين يديه. ولما وصلت هذه الرسالة شاور السلطان الجماعة في ~~الجواب فما منهم من وقع له ما وقع للسلطان. وذلك أنه قال : الملوك إذا ~~اجتمعوا يقبح منهم المخاصمة بعد ذلك فإذا انقطع أمر حسن الاجتماع والاجتماع ~~لا يكون إلا لمفاضة في مهم وأنا لا أفهم بلسانك وأنت تفهم بلساني ولا بد من ~~ترجمان بيننا نثق أنا وأنت به فليكن ذلك الترجمان رسولا حتى يستقر أمر ~~وتستتب قاعدة وعند ذلك يكون الاجتماع الذي يعقبه الوداد والمحبة. قال ~~الرسول : ولما سمع الأنكتار هذا الجواب استعظمه وعلم أنه لا يقدر على بلوغ ~~غرض إلا بالدخول تحت المراضي السلطانية . PageV01P201 ### || ذكر حضور صاحب صيدا بين يدى السلطان - قدس الله روحه - وأداء الرسالة والحديث الذي وصل إليه # ولما كان يوم السبت التاسع عشر جلس السلطان واستحضر صاحب صيدا لسماع ~~رسالته وكلامه فحضر وحضر معه جماعة وصلوا معه وكنت حاضر المجلس فأكرمه ~~إكراما عظيما وحادثهم وقدم بين أيديهم ما جرت به العادة. ولما فرغ ~~الطعام خلا بهم وكان حديثهم في أن السلطان يصالح المركيس صاحب صور وكان قد ~~انضم إليه جماعة من أكابر الإفرنجية منهم صاحب صيدا وغيره من المعروفين وقد ~~سبقت قصته وكان من شروط الصلح معه إظهار عداوة الإفرنج البحرية وكان سبب ~~ذلك شدة خوفه منهم وواقعة وقعت له معهم بسبب الزوجة وبذل له السلطان ~~الموافقة على شروط قصد بها ms161 الإيقاع بينهم وأن يقتل بعضهم فلما سمع السلطان ~~حديثه وعد أن يرد عليه الجواب فيما بعد وانصرف عنه في ذلك اليوم. ### || ذكر وصول رسول الأنكتار # وهو ابن الهنغري وصل وفي صحبته شيخ كبير ذكروا أن عمره مائة وعشرون سنة ~~فأحضره السلطان عنده وسمع كلامه. وكانت رسالته أن الملك يقول إني أحب ~~صداقتك ومودتك وأنك ذكرت أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك فأريد أن ~~تكون حكما بيني وبينه ولا بد أن يكون لنا علقة بالقدس الشريف ومقصودي أن ~~نقسم بحيث لا يكون عليه لوم من المسلمين ولا علي لوم من الإفرنجية فأجابه ~~في الحال بوعد جميل ثم أذن له في العود في الحال وتأثر بذلك تأثرا عظيما ~~وأنفذ وراءهم من سألهم عن حديث الأسارى وكان منفصلا عن حديث الصلح ، فقالوا ~~: إن كان الصلح فعلى الجميع وإن لم يكن صلح فلا يكون من حديث الأسارى شيء ~~وكان غرضه - قدس الله روحه - أن يفسخ قاعدة الصلح PageV01P202 فإنه التفت ~~إلي في آخر المجلس بعد انفصالهم وقال متى ما صالحناهم لا تؤمن غائلتهم ~~فإنني لو حدث لي حادث الموت ما تكاد تجتمع هذه العساكر وتقوى الإفرنج ~~فالمصلحة أن لا نزال على الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو يأتينا الموت. ~~هذا كان رأيه قدس الله روحه وإنما غلب على الصلح. ### || ذكر مشورة ضربها في التخيير بين الصلحين صلح الملك الصالح وصلح المركيس صاحب صور # ولما كان يوم الاثنين حادي عشر شوال جمع السلطان الأمراء والأكابر ~~وأرباب المشورة وذكر لهم القاعدة التي التمسها المركيس واستقر الأمر من ~~جانبه عليها وهي أخذ صيدا وأن يكون معنا على الإفرنج ويقاتلهم ويجاهرهم ~~بالعدوان وذكر ما التمسه الملك من تقرير قاعدة الصلح وهي أن تكون لنا من ~~القرى الساحلية مواضع معينة وتكون لنا الجبليات بأسرها أو تكون القرى كلها ~~مناصفة وعلى هذين القسمين يكون لهم قسوس فيبيع القدس الشريف وكنائسه. ~~وكان الأنكتار قد خيرنا بين هذين القسمين فشرح قدس الله روحه الحال في ~~القاعدتين للأمراء واستنبط آراءهم في ترجيح أحد الحالين ms162 فرأى أرباب الرأي ~~أنه إن كان صلح فليكن مع الملك فإن مصافاة الإفرنج للمسلمين بحيث يخالطوهم ~~بعيدة غير مأمونة الغائلة. وانفض الناس وبقي الحديث مترددا في الصلح ~~والرسل تتواتر في تقرير قواعد الصلح. وأصل التقاعد أن الملك قد بذل أخته ~~للملك العادل بطريق النرويج وأن تكون البلاد الساحلية الإسلامية والإفرنجية ~~لهما فأما الإفرنجية فلها من جانب أخيها والإسلامية له من جانب السلطان ~~وكان آخر الرسائل من الملك في المعنى أن قال : إن معاشر دين النصرانية قد ~~أنكروا علي وضع أختي تحت مسلم بدون مشاورة البابا وهو كبير دين النصرانية ~~ومقدمه وها أنا أسير رسولا يعود في ستة أشهر فإن أذن فيها ونعمت وإلا زوجك ~~PageV01P203 ابنة أختي وما أحتاج إلى إذنه في ذلك. هذا كله وسوق الحرب ~~قائم والقتال عليهم ضربة لازم وصاحب صيدا يركب مع الملك العادل في الأحيان ~~ويشرف على الإفرنج وهم كلما رأوه تحركوا لطلب الصلح خوفا من أن ينضاف ~~المركيس إلى المسلمين وعند ذلك تنكسر شوكتهم ولم يزل الحال كذلك إلى خامس ~~عشر شوال من السنة المذكورة. ### || ذكر رحيله رحمه الله إلى تل الجزر قدس الله روحه # ولما كان يوم الجمعة أصبح السلطان - قدس الله روحه - على عزم الرحيل ~~وأحضر أرباب الرأي وشاورهم في جواب رسالة القوم وعرض عليهم حديثه وذكر ما ~~عندهم في ذلك وأحضر الرسل وكان ابن الهنغري يترجم بينه وبين البحرين ~~واستقرت القاعدة على أن ينفذ معهم رسولين : رسولا من جانبه ومن جانب العادل ~~الآخر لأن الحديث كان يتعلق به وكان من جملة من رسالتهم أن البابا إن أذن ~~في هذا العقد تم وإن لم يأذن زوجنا الملك العادل بابنة أخي الملك وهي بكر ~~وذكروا أن من ينهم أن البابا إنما يحتاج إلى إذنه في تزويج الثيب من بنات ~~الملوك وأما الأبكار فيزوجها أهلها. وانفصل الحال على ذلك وسارت الرسل ~~إلى خيم الملك العادل ليجهز رسول السلطان ويلحقه ثم وصل بعد ذلك من اليزك ~~من أخبر أن الفرنج قد انتشر منهم راجل كثير وخرجوا ms163 عن الأسوار التي لهم ولم ~~يظهر لخروجهم غائلة وسار رحمة الله عليه إلى تل الجزر لارتياد اليزك وتبعه ~~الناس في الرحيل فما كان الظهر إلا ورحل الناس إلى السلطان ونزلنا بتل ~~الجزر. ولما عرف الإفرنج بعود السلطان رحلوا عائدين وأقام السلطان بتل ~~الجزر ثم رحل إلى جهة القدس الشريف ورحل الإفرنج إلى جهة بلادهم واشتد ~~الشتاء واعظمت الأمطار وسار السلطان PageV01P204 إلى القدس الشريف وأعطى ~~العسكر دستورا وأقمنا بالقدس في ذلك الشتاء أجمع. وعاد العدو إلى بلادهم ~~ووصل الأنكتار عساكره إلى يافا وعاد إلى عكا ينظر في أحوالها فأقام مدة ثم ~~وصل منه رسول يقول إني أوثر الاجتماع بالملك العادل ففيه مصلحة تعود على ~~الطائفتين فقد بلغني أن السلطان فوض أمر الصلح إلى أخيه الملك العادل فاتفق ~~الرأي في مضي الملك العادل على أنه يمضي بحيث يجتمع بعساكرنا التي في الغور ~~وكوكب وتلك النواحي ويحدثه ويقول له أن الحديث جرى بيننا مرارا وما أسفر عن ~~مصلحة فإن كانت هذه الدفعة كتلك الدفعات فلا حاجة إلى الحديث وإن كان الغرض ~~بت حال فقارب الحال وأنا لا أجتمع بك إلا أن رأي ما يقارب فصل الحال وقرر ~~مع الملك العادل أن رأى ما يمكن معه فصل الحال وإلا طاوله وماطله إلى أن ~~تصل العساكر من الأطراف فالتمس الملك العادل تذكرة تتضمن إنهاء ما ينفصل ~~الحال عليه فكتب تذكرة فيها المناصفات وذكر فيها من أمر بيروت أنه أصر على ~~طلبها وأن نعطي صليب الصلبوت ويكون لهم في القمامة قس ويفتح لهم باب ~~زيارتها بشرط أن لا يحملوا السلاح وكان الحامل على ذلك ما أخذ الناس من تعب ~~مواظبة الغزاة وكثرة الديون والبعد عن الأوطان فإن من الناس من كان لا ~~يفارق السلطان ولا يمكنه طلب دستور منه. ### || ذكر مسير الملك العادل رحمة الله # وكان مسيره من القدس الشريف عصر الجمعة رابع ربيع الأول سنة ثمان ~~وثمانين وخمسمائة ثم وصل كتابه من كيسان يخبر أنه لقيه الهنغري مع الحاجب ~~أبي بكر رسولا من الأنكتار يقوا ms164 إنا قد وافقنا على قسمة البلاد وأن كل من ~~في يده شيء فهو له فإن كان ما في أيدينا زائدا أخذتم في مقابله ما يقابل ~~الزيادة مما يخصنا وإن كان ما في أيديكم أكثر فعلنا كذلك ويكون القدس لنا ~~ولكم فيه الصخرة. هكذا كان مضمون الكتاب. فأوقف السلطان عليه الأمراء ~~فاستصوب ذلك الأمير أبو الهيجاء ورأى من حال هذا المقال أن يوافق عليه ~~الملك العادل وهو مصلحة. وسار الجواب إلى الملك العادل في بذلك. ولما ~~PageV01P205 كان يوم الثلاثاء الخامس عشر من ربيع الأول وصل الحاجب أبو بكر ~~صاحب الملك العادل يخبر أن الأنكتار سار إلى يافا من عكا وأن الملك العادل ~~ما رأى أن يجتمع بخ إلا عن قاعدة منفصلة وأنه جرى بين هذا الحاجب وبين ~~الأنكتار مفاوضات كثيرة حاصلها أنه نزل على أن تكون الصخرة لنا والقلعة في ~~أيدينا والباقي مناصفة وأن لا يكون في البلد منهم مذكور وأن تكون قرى القدس ~~وباطنه مناصفة . ### || ذكر عود الملك العادل من الغور # ثم قدم الملك العادل في سادس عشر ربيع الأول من الغور ولقيه السلطان ~~وحكى ما سبق من الخبر . ### || ذكر غارة الفرنج خذلهم الله تعالى # وفي بقية ذلك اليوم وصل من أخبر أن الإفرنج أغاروا على حلة عرب قريبة ~~من الدارون وأنهم أخذوا منهم جماعة وأنهم أخذوا منهم زهاء ألف رأس غنم فعظم ~~ذلك على السلطان وشق عليه فسير جماعة فلم تلحقهم. ### || ذكر انفصال رسول المركيس # وكان قد وصل يوسف غلام صاحب صيدا رسولا من جانب المركيس يلتمس الصلح مع ~~المسلمين فاشترط رحمه الله عليه شروطا منها أن يقاتل جنسه ويباينهم. ~~ومنها أن ما يأخذه من البلاد الإفرنجية بعد الصلح بانفراده يكون له وما ~~نأخذه نحن بانفرادنا يكون لنا وما نتفق نحن وهو على أخذه تكون له نفس البلد ~~ويكون لنا ما فيه من أسرى المسلمين وغير ذلك من الأموال. ومنها أن يطلق ~~لنا كل أسير مسلم في مملكته. ومنها أن فوض الأنكتار إليه أمر البلاد أمر ~~يجري بينهم كان ms165 الصلح بيننا وبينه على ما استقر بيننا وبين الأنكتار ما عدا ~~عسقلان وما بعدها فلا يدخل في الصلح وتكون الساحليات له وما في أيدينا لنا ~~وما في الوسط مناصفة وسار رسوله على هذه القاعدة . PageV01P206 ### || ذكر وصول العساكر الإسلامية في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة # فأول من وصل أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه ، وكان وصوله يوم ~~الاثنين الثامن والعشرون من ربيع الأول وصل أسد الدين شيركوه بن محمد بن ~~شيركوه ووصل جريدة مقدما على عسكره. ### || ذكر خروج سيف الدين المشطوب من الأسر # وكان وصوله إلى القدس الشريف يوم الخميس مستهل جمادى الآخرى. دخل ~~على السلطان بغتة وعنده أخوه الملك العادل فنهض له وعانقه وسر به سرورا ~~عظيما وأخلى المكان وتحدث معه بطرف من أحاديث العدو وسأله عن حديث الصلح ~~فذكر أن الأنكتار سكت عنه. وفي هذا اليوم كتب السلطان إلى ولده الملك ~~الأفضل أن يسير إلى قاطع الغزاة ويستلم البلاد من الملك المنصور بن الملك ~~المظفر وكان قد أظهر العصيان بسبب الخوف من السلطان على نفسه وأظهر ذلك ~~ودخل في أمره الملك العادل وسير إلى الملك العادل حتى يتحدث في أمره. ~~وكان ذلك قد شق على السلطان وأثار منه غيظا عظيما كيف يكون هذا الأمر من ~~أهله ولم يكن أحد من أهله خاف منه ولا طلب يمينه وهذا كان السبب في توقف ~~الأنكتار في الصلح فإنه ظن أن خلافه يكدر للسلطان شرب الغزاة ويحوجه إلى ~~الموافقة على ما يرضاه فأنفذ إلى الملك الأفضل أن يسير إلى البلاد وكتب إلى ~~الملك الظاهر بحلب المحروسة أن أخاه إن احتاج إلى معونة عاونه وجهزه بحملة ~~كبيرة وسار باحترام عظيم حتى وصل إلى حلب وأكرمه أخوه الملك الظاهر إكراما ~~عظيما وعمل له ضيافة تامة وقدم بين يديه تقدمة سنية. وعدنا إلى حديث ~~العدو. ### || ذكر عودة رسول صور # ولما كان سادس ربيع الآخر من سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وصل يوسف من ~~جانب المركيس يجدد حديث الصلح ويقول قد انفصل الحال على شيء بينه وبين ~~الإفرنجية ms166 فإن نجز في هذه الأيام سارت الفرنسيسية PageV01P207 في البحر وإن ~~تأخر بطل الحديث في الصلح بالكلية فرأى السلطان الصلح مع المركيس مصلحة ~~لاشتغال قلبه من جانب الشرق وخاف أن يتصل ابن تقي الدين بكتمر فيحدث من ذلك ~~ما يشتغل الخاطر من الجهاد فأجاب إلى ملتمس المركيس وكتب مع صاحبه مواضعة ~~علة نعت ما تقدم وسار يوسف الرسول بالجواب تاسع ربيع الآخر من سنة ثمان ~~وثمانين. ### || ذكر قتل المركيس الملعون # ولما كان سادس عشر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وصل من الرسول المنفذ ~~إلى المركيس كتاب أن المركيس قتل وعجل الله بروحه إلى النار وكانت صورة ~~قتله أنه تقدم يوم الثلاثاء ثالث عشر عند الأسقف ثم خرج فقفز عليه اثنان من ~~أصحابه بالسكاكين وكان خفيفا من الرجال فما زالا يضربانه حتى عجل الله ~~بروحه إلى النار وأمسك الشخصان وسئلا عن هذا الأمر ومن حضهما عليه فقالا : ~~إن الأنكتار حملنا عليه وقام بالأمر اثنان فحفظا القلعة إلى أن اتصل الخبر ~~بالملوك وانعقد الأمر وتدبر المكان. ### || ذكر تتمة خبر الملك المنصور وما جرى له # وذلك أنه لما بلغه مؤاخذة السلطان أنفذ إلى الملك العادل رسولا يشفع به ~~ليطيب قلب السلطان ويقترح عليه أحد قسمين إما حران والرها وسميساط وإما ~~حماة ومنبج وسلمية والمعرة مع كفالة أخوته فراجع الملك العادل السلطان ~~مرارا فلم يجبه إلى شيء من ذلك فكثرت الشفاعة إليه من جميع الأمراء وهزت ~~شجر رأفة منه فرجع خلقه النبوي وحلف له على حران والرها وسميساط على أنه ~~إذا عبر الفرات أعطي المواضع أفرجها وتكفل أخوته ويتخلى عن تلك المواضع ~~التي في يده ودخلت تحت ضمان الملك العادل ثم التمس الملك العادل خط السلطان ~~ثانيا ولج عليه فمزق نسخة اليمين في التاسع والعشرين من ربيع الآخر وانفصل ~~الحال وانقطع الحديث وكنت المتردد بينهما في ذلكن وأخذ الغيظ السلطان كيف ~~يخاطب بمثل ذلك من جانب أولاد أولاده . PageV01P208 | ### || ذكر تقدم رسول الروم # ولما كان مستهل جمادى الأولى وصل رسول من قسطنطينية الكبرى والتقى ~~بالاحترام والإكرام ms167 ومثل بالخدمة السلطانية في ثالث الشهر وكانت رسالته ~~تشتمل على مطالب منها صليب الصلبوت ومنها أن تكون القمامة بيد قسوس من ~~جانبه وكذا سائر كنائس القدس ومنها أن يكون الاتفاق معه على أن يكون عدو من ~~عاداه وصديق من صادقه وأن يوافق على قصد جزيرة قبرص فأقام عنده يومين ثم ~~سير معه رسول يقال له ابن البزاز من الديار المصرية وأجيب بالمنع عن جميع ~~مقترحاته وقيل إن الصليب قد بذل فيه ملك الكرج مائتي ألف دينار فلم يجب إلى ~~ذلك. ### || ذكر ما جرى للملك العادل في البلاد التي هي قاطع الفرات # وذلك أنه لما سار الملك الأفضل رقق الملك العادل قلب السلطان على ابن ~~تقي الدين ، وكثر الحديث في معناه ، وأنفذني السلطان لمشاورة الأمراء في ~~خدمة الملك العادل في أمره فجمعهم في خدمته فذكرت لهم ما راسلني فيه إليهم ~~فانتدب الأمير حسام الدين أبو الهيجاء للجواب وقال نحن عبيده ومماليكه وذلك ~~صبي وربما حمله خوفه أن انضاف إلى جانب آخر ونحن لا نقدر على الجمع بين ~~قتال المسلمين والكفار فإن أراد أننا نقاتل المسلمين صالحنا الكفار وسرنا ~~إلى ذلك الجانب وقاتلنا بين يديه وإن أراد منا ملازمة الغزاة صالح المسلمين ~~وسامحهم. وهذا كان جواب الجميع فرق السلطان وجدد نسخة يمين لابن تقي ~~الدين وحلف له بها وأعطاه خطه بما استقر من القاعدة. ثم إن الملك العادل ~~التمس من السلطان البلاد التي كانت بيد ابن تقي الدين بعد استقلاله وجرت ~~مراجعات كثيرة في العوض عنها وكنت الرسول بينهما وكان آخر ما استقر أنه ~~يسلم تلك البلاد وينزل عن كل ما هو شامي الفرات ما عدا الكرك والشوبك ~~والصلت والبلقاء وحاصه بمصر بعد النزول عن الجيزة وعليه في كل سنة ستة آلاف ~~غرارة غلة تحمل للسلطان من الصلت والبلقاء إلى المقدس والمغل في السنة ~~المذكورة في مواضعه له ومغل قاطع الفرات في هذه السنة للسلطان أيضا وأخذ خط ~~السلطان بذلك وسار بنفسه يصلح أمر ابن تقي الدين ويطيب قلبه وكان مسيره في ms168 ~~ثامن جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة . PageV01P209 ### || ذكر استيلاء الفرنج على الداروم # وكان الإفرنج خذلهم الله تعالى لما رأوا أن السلطان قد أعطى العساكر ~~دستورا وتفرقت العساكر عنه نزلوا على الدارون طمعا فيه وكان بيد علم الدين ~~قيصر وفيه نوابه. ولما كان يوم تاسع جمادى الأولى اشتد زحف العدو على ~~المكان راجلا وفارسا وكان الأنكتار قد استنفذ من نوبة عكا نقابين جبليين ~~فتمكنوا من نقب المكان وأحرقوا النقب وطلب أهل الحصن مهلة بحيث يشاورون ~~السلطان فلم يمهلوهم واشتدوا في القتال عليه فأخذوه عنوة واستشهد فيه من ~~قدر الله له ذلك وأسر من قدر له ذلك وكان ذلك قدرا مقدورا. ### || ذكر قصدهم لمجدل يابا # ولما استولى الإفرنج على الدارون ساروا بعد أن قرروا أمره ووضعوا فيه ~~من اختاروا حتى نزلوا على منزلة يقال لها الحسي وهي قريب من جبل الخليل ~~عليه السلام وذلك رابع عشر جمادى الأولى فأقاموا عليه ثم تأهبوا بقصد حصن ~~يقال له مجدل يابا فأتوه جريدة وخلفوا خيامهم في منزلتهم وكان بها عسكر ~~إسلامي فلقيهم وجرى بينهم قتال عظيم وقتل من العدو كند مذكور واستشهد من ~~المسلمين فارس واحد كان سبب قتله أنه وقع رمحه فنزل ليأخذه فمنعه فرسه ~~الركوب فبادروه وقتلوه وعادوا إلى خيامهم بقية اليوم خائبين ، ولله الحمد . ### || ذكر وقعة جرت في صور # ولما كان سادس عشر جمادى وصل كتاب من حسام الدين بشارة يذكر فيه أنه ~~تخلف * ( 108 أ ) في صور مائة راكب ، وانضم إليهم من عكا مقدار خمسين ~~وطرحوا فخرجوا لشن الغارة على البلاد الإسلامية ، فوقع عليهم العسكر المرصد ~~لحفظ البلاد من ذلك الطرف ، وجرى بينهم قتال شديد ، قتل من العدو خمسة عشر ~~نفرا ، ولم يقتل من المسلمين أحد وعادوا خائبين خاسرين ، ولله الحمد . ~~PageV01P210 ### || ذكر قدوم العساكر الإسلامية إلى الجهاد # ولما رأى السلطان ما جرى من العدو من التنبط سير إلى العساكر من سائر ~~الأطراف أن يسابقوا إلى الحضور وكان أول قادم بدر الدين دلدرم مع خلق كثير ~~من التركمان ولقيه السلطان - قدس الله ms169 روحه - واحترمه . ### || ذكر قدوم ابن المقدم # ووصل بعده عز الدين بن المقدم في سابع عشر جمادى الأولى بعسكر حسن ~~وأطلاب جيدة ورحب به السلطان - رحمة الله عليه - واحترمه . ### || ذكر حركة العدو من الحسى # وأما العدو فإنه رحل من الحسي ونزل على مفرق طرق منها طريق عسقلان ~~وطريق إلى بيت جبرين وإلى غير ذلك من الحصون الإسلامية ولما بلغ السلطان ~~ذلك أمر العساكر أن سارت نحوه فخرج أبو الهيجاء السمين وبدر الدين دلدرم ~~وابن المقدم وتتابعت العسكر وتخلف هو في القدس لنوع التياث كان عرض له فلما ~~أحس العدو المخذول بظهور العساكر الإسلامية عاد خائبا خاسرا ناكصا على ~~عقبيه ووصلت الكتب من الأمراء مخبرين برحيل العدو إلى عسقلان خائبا خاسرا ، ~~ولله الحمد والمنة. ### || ذكر تعبية العدو لقصد القدس الشريف # ولما كان يوم السبت الثالث والعشرين من جمادى الأولى وصل قاصد من ~~العسكر يخبر أن العدو قد خرج في راجله وفارسه وسواد عظيم وخيم على تل ~~الصافية فسير السلطان إلى العساكر الإسلامية PageV01P211 ينذرها ويحذرها ~~واستدعى الأمراء جريدة إليه ليعقدوا رأيا فيما يقع العمل بمقتضاه فوصل ورحل ~~العدو من تل الصافية إلى جانب النطرون فنزل شماليه وذلك في السادس عشر من ~~جمادى الأولى وكانت قد سارت من عرب الإسلام جماعة للغزاة على يافا فوصلوا ~~بليل من غير علم بحركة العدو فنزلوا في بعض الطريق يقسمون فوقعت عليهم ~~عساكر العدو فأخذوهم وهرب منهم ستة نفر فوصلوا إلى السلطان وأخبروه الخبر ~~ووصلت الجواسيس وتواترت الأخبار من جانب العدو أنه مقيم بالنطرون لنقل ~~الأزواد والآلات التي تدعو الحاجة إليها في الحرب فإذا حصل عندهم ما ~~يحتاجون إليه قصدوا القدس الشريف حرسه الله تعالى. وفي يوم الأربعاء وصل ~~منهم رسول صحبته غلام كان للمشطوب عندهم تحدث في معنى قراقوش ، ويتحدثون في ~~معنى الصلح . ### || ذكر نزولهم في بيت نوبة وهو موضع وطأة بين جبال يبنا بينه وبين القدس مرحلة # رحل العدو من النطرون يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الأولى ~~ونزلوا بيت نوبة. ولما عرف السلطان ذلك استحضر ms170 الأمراء وضرب المشورة ~~فيما يفعل فكانت خلاصة الرأي أن يقسم الأسوار على الأمراء ويخرج ببقية ~~العسكر جريدة إلى جهة العدو فإذا عرف كل قوم موضعهم من السور استعدوا فإن ~~دعت الحاجة إليهم خرجوا وإن دعت الحاجة إلى ملازمة مواضعهم لازموها فكتبت ~~الرقاع وسيرت الأمراء . ### || ذكر وقعة جرت # وكان طريق يافا سابلة لمن ينقل الميرة إلى العدو فأمر السلطان من في ~~اليزك أن يعمل معهم ما يمكنه وكان في اليزك بدر الدين دلدرم فكمن حول ~~الطريق جماعة جيدة فمر بهم جمع من خيالة العدو ويحمون قافلة تحمل ميرة ~~فاستضعفوهم فحملوا عليهم وجرى قتال عظيم كانت الدائرة فيه على العدو وقتل ~~منهم ثلاثون نفرا وأسر جماعة ووصل الأسارى يوم السبت في التاسع والعشرين من ~~جمادى الأولى إلى القدس PageV01P212 الشريف ، وكان لدخولهم وقع عظيم وجرى ~~على العدو من ذلك وهن كبير وقويت قلوب اليزكية وانبعثت همومهم حتى حملوا ~~على العسكر ونزلوا إلى أطراف الخيم ولله الحمد . ### || ذكر وقعة أخرى # ولما علم المسلمون أن القوافل لا تنقطع خرج جماعة وأخذوا معهم عربا ~~كثيرا وكمنوا كمينا واجتازت القافلة ومعها جماعة كثيرة فخرجت العرب على ~~القافلة وتبعتهم الخيالة فدحروا بين أيديهم منهزمين نحو المسلمين فخرجت ~~الأتراك عليهم فأخذوا وقتلوا وجرح من الأتراك جماعة وذلك في ثالث جمادى ~~الآخرة. ### || ذكر أخذ قافلة مصر حرسها الله تعالى # وذلك أنه كان قد تقدم إلى عسكر مصر بالمسير وأوصاهم بالاحتراز ~~والاحتياط عند مقاربة العدو فأقاموا ببلبيس أياما حتى اجتمعت القوافل إليهم ~~واتصل خبرهم بالعدو ثم ساروا طالبين البلاد والعدو يترقب أخبارهم ويتوصل ~~إليها بالعرب المفسدين. ولما تحقق العدو خبر القوافل أمر عسكره ~~بالاحتياط والتحفظ وسار حتى أتى تل الصافية فبات ثم سار حتى أتى الصافية ثم ~~علق على خيله فئة وسار حتى أتى ماء يقابل حسي واتصل خبر نهضة العدو ~~بالسلطان فأنفذ بنذير للقافلة وكان المندوب لذلك الأمير أخر أسلم والطنبا ~~العادلي وجماعة من الفرسان المذكورين وأمرهم أن يبعدوا بالقافلة في البرية ~~ويتباعدوا عن العدو ما أمكن فاتفق أن العسكر ms171 وصل الحسي قبل وصول العدو عليه ~~فلم يقيموا عليه وساروا حتى وصلوا القفل والعسكر المصري فأتوا بالقفل على ~~ذلك الطريق ثقة منهم بأنهم لم يجدوا فيه ذاعرا ولا أحسوا فيه بمخوف فرغبوا ~~في قرب الطريق وسلكوا بالناس هذا الطريق حتى وصلوا إلى ماء الخويلفة وتفرق ~~الناس لأجل PageV01P213 الماء ، فأخبر العرب العدو بذلك وهو نازل برأس ~~الحسي فقام من وقته وسرى حتى أتاهم قبيل الصبح وكان مقدم العسكر فلك الدين ~~أخو الملك العادل لأمه فأشار أسلم بالمسير ليلا للطريق واستظهارا بالصعود ~~إلى الجبل فخاف فلك الدين أنه إن رحل بالليل جرى أمر على القافلة لتبددها ~~فنادى في الناس أن لا يرحلوا إلى الصباح. وأما الأنكتار فبلغنا أنه لما ~~بلغه الخبر لم يصدقه وركب مع العرب بجمع يسير وسار حتى أتى القفل فطاف حوله ~~في صورة عربي ورآهم ساكنين قد غشيهم النعاس فعاد واستركب عسكره وكانت ~~الكبسة قريب الصباح فبغت الناس ووقع عليهم بخيله ورجله وكان الشجاع هو الذي ~~ركب فرسه ونجا بنفسه وانهزم الناس إلى جهة القفل والعدو يتلوهم فلما رأوا ~~القفل أعرضوا عن قتال العسكر وطلبوا القفل فانقسم القفل ثلاثة أقسام قسم ~~قصدوا الكرك مع جماعة من العرب وعسكر الملك العادل وقسم أوغلوا في البرية ~~مع جماعة من العرب أيضا. وقسم استولى عليهم العدو فساقهم بجمالهم ~~وأحمالهم وجميع ما كان معهم وكانت وقعة شنعاء لم يصب الإسلام بمثلها من مدة ~~مديدة. وكان في العسكر المصري جماعة من المذكورين كحسين الجراحي وفلك ~~الدين وبني الجاولي وغيرهم من المذكورين. وقتل من العدو زهاء مائتي فارس ~~على رواية وعشرة انفس على رواية. ولم يقتل من المسلمين معروف سوى الحاجب ~~يوسف وابن الجاولي الصغير فإنهما استشهدا إلى رحمة الله تعالى وتبدد الناس ~~في البرية ورموا أموالهم وكان السعيد منهم من نجا بنفسه وجمع العدو ما ~~أمكنهم جمعه من الخيل والبغال والجمال والأقمشة وسائر أنواع الأموال وكلف ~~الجمالين خدمة الجمال والخربندية خدمة البغال والساسة خدمة الخيل وسار في ~~جحفل من الغنية يطلب عسكره فنزل على ms172 الخويلفة فاستقى منها ثم سار حتى أتى ~~الحسي. ولقد حكى لي من كان أسيرا معهم في تلك الليلة وقع فيهم الصوت أن ~~عسكر السلطان قد قصدهم فتركوا الغنيمة وانهزموا وبعدوا عنها زمانا ولما ~~انكشف لهم أن العسكر لم يلحقهم عادوا إلى الرحل وهرب في تلك الغيبة جمع من ~~أسارى المسلمين وكان الحاكي منهم فسألته بكم حزرتم الجمال والخيل فاخبر أن ~~الجمال تناهز ثلاثة آلاف والأسارى خمسمائة وتقرب من ذلك عدة الخيل. ~~وكانت هذه الوقعة صبيحة الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخرة ووصل الخبر إلى ~~السلطان في عشية ذلك اليوم بعد عشاء الآخرة PageV01P214 وكنت جالسا في ~~خدمتهن وأوصل الخبر شاب من الإصطبلية فما مر بالسلطان خبر أنكى منه في قلبه ~~ولا أكثر تشويشا لباطنه وأخذت في وكان أصل هذه القضية أن الأمير أسلم أشار ~~عليهم أن يصعدوا الجبل فلم يفعلوا فصعد هو وأصحابه فلما وقعت الكبسة كان هو ~~على الجبل فلم يصل إليه أحد من العدو ولم يشعروا به. ولما انهزم ~~المسلمون تبعتهم خيالة الإفرنج وأقام الرجالة منهم يستولون على ما تخلف من ~~المسلمين من الأقمشة ولما تحقق الأمير أسلم أن الخيالة قد بعدت عن الرجالة ~~نزل إليهم بمن معه من الخيالة وكبسهم من حيث لم يشعروا وقتلوا منهم جماعة ~~وغنموا منهم دواب من جملتها بغلة كانت تحت هذا القاصد. ثم سار العدو ~~يطلب خيامه فكان وصوله إلى المخيم يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة وكان ~~يوما عظيما عندهم أظهروا فيه من السرور وأسبابه ما لا يمكن وصفه وأعادوا ~~خيمهم إلى الوطأة على بيت نوبة وصح عزمهم على القدس وقويت نفوسهم بما حصلوا ~~عليه من الأموال والجمال التي كانت تحمل الميرة والزاد الواصلة من مصر مع ~~عسكرها ورتبوا جماعة على لد يحفظون الطريق على من ينقلون الميرة وأنفذوا ~~الكند هري إلى صور وطرابلس وعكا يستحضر من فيها من المقاتلة ليصعدوا إلى ~~القدس ولما عرف السلطان ذلك منهم عاد إلى الأسوار فقسمها على الأمراء وتقدم ~~إليهم بتهيئة أسباب الحصار واخذ في إفساد المياه ms173 بظاهر القدس وتخريب ~~الصهاريج والجباب بحيث لم يبق حول القدس ماء يشرب أصلا وأطنب في ذلك إطنابا ~~عظيما وأرض القدس لا يطمع في حفر بئر بها فيها ماء معين لأنها جبل عظيم ~~وحجر صلب وسير إلى العساكر يطلبها من الجوانب والبلاد . ### || ذكر قدوم الملك الأفضل # وكان لما استقرت القاعدة مع الملك العادل في عبوره إلى البلاد ~~الفراتية سير إلى الملك الأفضل يأمره بالعود عن تلك البلاد وكان قد وصل إلى ~~حلب المحروسة ولما وصل أمر السلطان غليه بالعود عاد مع انكسار في قلبه ~~وتشويش في باطنه فوصل إلى دمشق مستعتبا ولم يحضر إلى خدمة السلطان فلما ~~اشتد خبر الإفرنج سير غليه وطلبه فما وسعه التأخر فسار مع من كان قد وصل من ~~العساكر الشرقية إلى دمشق وكان وصله في يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة ~~ولقيه السلطان قريبا من العازرية فترجل له جبرا لقلبه وتعظيما لأمره وسار ~~وفي خدمته أخوه الملك الظافر وقطب الدين إلى ظاهر القدس من جهة العدو . ~~PageV01P215 | ### || ذكر عود العدو إلى بلادهم وسبب ذلك # ولما كانت ليلة الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة استحضر السلطان الأمراء ~~عنده فحضر الأمير أبو الهيجاء السمين بمشقة عظيمة وجلس على كرسي في خيمة ~~السلطان وحضر المشطوب والأسدية بأسرهم وجماعة الأمراء ثم مرني أن أكلمهم ~~وأحثهم على الجهاد فذكرت ما يسره الله من ذلك. وكان مما قلته أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما اشتد به الأمر بايعه الصحابة رضي الله عنهم على ~~الموت في لقاء العدو ونحن أولى من تأسى به صلى الله عليه وسلم والمصلحة ~~الاجتماع عند الصخرة والتحالف على الموت ولعل ببركة هذه النية يندفع هذا ~~العدو فاستحسن الجماعة ذلك ووافقوا عليه ثم شرع السلطان بعد أن سكت زمانا ~~في صورة مفكر والناس سكوت كأن على رؤوسهم الطير فقال : الحمد لله والصلاة ~~على رسول الله اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته وأنتم تعلمون أن دماء ~~المسلمين وأموالهم وذراريهم معلقة بذممكم وأن هذا العدو ليس له من المسلمين ~~من تلقاه إلا ms174 أنتم فإن وليتم بأنفسكم والعياذ بالله طوى البلاد طي السجل ~~للكتاب وكان ذلك في ذمتكم فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا وأكلتم مال بيت ~~المال فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام. فانتدب لجوابه سيف ~~الدين المشطوب وقال : يا مولانا نحن مماليكك وعبيدك وأنت أنعمت علينا ~~وكبرتنا وعظمتنا وأعطيتنا وليس لنا إلا رقابنا وهي بين يديك والله لا يرجع ~~أحد منا عن نصرتك إلى أن نموت. فقال الجماعة مثل ما قال. فانبسطت ~~نفسه بذلك المجلس وطاب قلبه وأطعمهم ثم انصرفوا وانقضى يوم الخميس على أشد ~~حال التأهب والاهتمام حتى كانت العشاء الآخرة وجميعنا في خدمته على العادة ~~وسهرنا حتى مضى من الليل هزيع وهو غير منبسط على عادته ثم صلينا العشاء ~~وكانت العشاء هي الدستور العام فصلينا وأخذنا في الانصراف فاستدعاني فلما ~~جلست في خدمته قال لي علمت ما الذي تجدد قلت : لا. قال : إن أبا الهيجاء ~~السمين أنفذ إلي اليوم وقال أنه اجتمع عنده جماعة من المماليك وأنكروا ~~علينا مواقفنا على الحصار وقالوا لا مصلحة في ذلك فإنا نخاف أن نحصر ويجري ~~علينا مثل ما جرى على عكا وحينئذ تؤخذ بلاد الإسلام أجمع والرأي أن نلقى ~~مصاف فإن قدر الله PageV01P216 تعالى أن نهزمهم ملكنا بقية بلادهم. وإن ~~تكن الأخرى يسلم العسكر ويمض القدس وقد حفظ الإسلام بعساكره مدة بغير القدس ~~وكان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال فشقت عليه هذه ~~الرسالة. وأقمت تلك الليلة في خدمته وهي من الليالي التي أحييتها في ~~سبيل الله. وكان مما قالوه في الرسالة إن أردت أن نقيم فتكون معنا أنت ~~أو بعض أهلك وإلا فالأكراد لا يدينون للأتراك والأتراك كذلك فانفصل الحال ~~على أن يقيم من أهله مجد الدين بن فخروشاه وصاحب بعلبك. وكان رحمه الله ~~يحدث نفسه بالمقام ثم صرف رأيه عنه لما فيه من الخطر على الإسلام فلما أن ~~قارب الصبح وأشفقت عليه خاطبته في أن يستريح ساعة وانصرفت عنه فما وصلت إلا ~~والمؤذن قد أذن فأخذت في ms175 أسباب الوضوء فما فرغت إلا والصبح قد طلع فعدت إلى ~~خدمته وهو يجدد الوضوء فصلينا ثم قلت له قد وقع لي واقع أعرضه قال وما هو ~~قلت : من كثر اهتمامه بما قد حمل على نفسه وقد عجزت أسبابه الأرضية ينبغي ~~له أن يرجع إلى الله وهذا يوم الجمعة وهو أبرك أيام الأسبوع فيه دعوة ~~مستجابة ونحن في أبر موضع فالسلطان يغتسل ويتصدق بصدقة خفية بحيث لا يشعر ~~أحد أنها منه ويصلي بين الأذان والإقامة ركعتين يناجي فيهماربه ويفوض ~~مقاليد أموره إليه ويعترف بالعجز عما تصدق له فلعل الله يرحمه ويستجيب ~~دعاءه. وكان حسن العقيدة تام الإيمان يتلقى الأمور الشرعية بأكمل انقياد. # ثم انفصلنا فلما جاء وقت الجمعة صليت إلى جانبه في الأقصى فصلى ركعتين ~~ورأيته ساجدا وهو يذكر كلمات ودموعه تتقاطر على مصلاه ثم انقضت الجمعة بخير ~~ولما كانت عشيتها ونحن في خدمته على العادة وصلت رقعة من جرديك وكان في ~~اليزك وكان جملة ما فيها أن القوم ركبوا بأسرهم ووقفوا في التل وقت الظهيرة ~~ثم عادوا إلى خيامهم وقد سيرنا جواسيس تكشف أخبارهم. ولما كانت صبيحة ~~السبت وصلت رقعة أخرى يخبر فيها أن الجواسيس رجعوا وأخبروا أن القوم ~~اختلفوا في الصعود إلى القدس وقالوا نحن إنما جئنا من بلادنا بسبب القدس ~~ولا نرجع دونه. وقال الأنكتار إن هذا الموقع قد أفسدت مياهه ولم يبق ~~حوله ماء أصلا فمن أين نشرب فقالوا له نشرب من نهر نقوع بينه وبين القدس ~~مقدار فرسخ فقال كيف PageV01P217 نذهب إلى السقي فقالوا ننقسم قسمين قسم ~~يركب إلى السقي وقسم يبقى على البلد في المنازلة ويكون الشرب في اليوم مرة ~~فقال الأنكتار : إذا يؤخذ العسكر البراني الذي يذهب مع الدواب ويخرج عسكر ~~البلد على الباقين ويذهب دين النصرانية فانفصل الحال على أنهم حكموا ~~ثلاثمائة من أعيانهم وحكم الثلاثمائة اثني عشر وحكم الإثنا عشر ثلاثة منهم ~~وقد بانوا على حكم الثلاثة فما أمروا به فعلوه فلما أصبحوا حكموا بالرحيل ~~فلم تمكنهم المخالفة وأصبحوا في بكرة الحادي ms176 والعشرين من جمادى الآخرة ~~راحلين نحو الرملة وعلى أعقابهم ناكصين ولله الحمد. ومضى عسكرهم شاكيا ~~السلاح ولم يبق في المنزلة إلا الآثار ثم نزلوا الرملة وتواترت الأخبار ~~بذلك فركب السلطان وركب الناس وكان يوم سرور وفرح. ### || ذكر رسالة الكندهري # ولما فرغ بال السلطان برحيل العدو حضر رسول الكندهري يقول أن الأنكتار ~~قد أعطاني البلاد الساحلية وهي الآن لي فأعد علي بلادي حتى أصالحك وأكون ~~أحد أولادك فغضب السلطان لذلك غضبا عظيما بحيث أنه كاد يبطش به فأقيم بين ~~يديه فسأل أن يمهل ليقول كلمة أخرى فأذن له في ذلك فقال يقول إن البلاد في ~~يدك فما الذي تعطيني منها فانتهزه وأقامه. ولما كان اليوم الثالث ~~والعشرين حضر الرسول وكان جوابه أن يكون الحديث بيننا في صور وعكا على ما ~~كان مع المركيس ثم وصل بعد ذلك الحاجب يوسف صاحب المشطوب من عند الإفرنج ~~وذكر أن الأنكتار أحضره وأحضر الكندهري وأخلى المجلس وقال له قيل لصاحبك ~~أنا قد هلكنا نحن وأنتم والأصلح حقن الدماء ولا ينبغي أن تعتقد أن ذلك لضعف ~~مني بل للمصلحة ولا تغتر بتأخري عن منزلي فالكبش يتأخر لينطح وأن يكون هو ~~الواسطة بينهم وبين السلطان وأنفذ مع الحاجب شخصين يسمعان الكلام من ~~المشطوب وكان ظاهر الحال الكلام في إطلاق بهاء الدين قراقوش وباطنه في معنى ~~آخر وأخبر الحاجب أنهم رحلوا عن الرملة قاصدين يافا وأنهم على غاية الضعف ~~والعجز عن قصد مكان ، PageV01P218 فاستحضر المشطوب من نابلس لسماع الرسالة ~~وكان الجواب إلى الكندهري أن نعطي عكا ونصالحه على مال ويتركنا والأنكتار ~~على بقية البلاد. وكان رحمه الله قد جعل في مقابلة عكا عسكرا خشية خروج ~~العدو إلى النواحي التي تليها فلما كان الثاني والعشرون خرج العدو من عكا ~~غائرين على ما يليها من البلاد والرساتيق فثارت عليهم الكمينات من الجوانب ~~وكان قد شعر العسكر الإسلامي بخروجهم فكمن لهم فأخذوا منهم جماعة وقتلوا ~~جماعة ولله الحمد. ### || ذكر عود رسولهم في معنى الصلح # ولما كان يوم الجمعة السادس والعشرين من ms177 الشهر عاد رسولهم صحبة الحاجب ~~يوسف وقد حمل رسالة يؤديها بحضور صاحبهم وهي أن الملك الأنكتار يقول إني ~~راغب في مودتك وصداقتك وأنه لا يريد أن يكون فرعون بملك الأرض ولا يطن ذلك ~~فيك ولا يجوز لك أن تهلك المسلمين كلهم ولا يجوز لي أن أهلك الإفرنج كلهم ~~وهذا ابن أختي الكندهري قد ملكته هذه الديار وسلمته إليك ليكون هو وعسكره ~~تحت حكمك ولو استدعيتهم إلى الشنق سمعوا وأطاعوا ويقول إن جماعة من الرهبان ~~المنقطعين قد طلبوا منك كنائس فما بخلت عليهم وأنا أطلب منك كنيسة وتلك ~~الأمور التي كانت تضيق صدرك مما كان يجري في المراسلة مع الملك العادل ~~تركتها وأعرضت عنها ولو أعطيتني مقرعة أو خربة قبلتها. فلما سمع السلطان ~~هذه الرسالة جمع أرباب الرأي وأصحاب مشورته وسألهم عما يكون الجواب لهذه ~~الرسالة فما منهم إلا من أشار بالمحاسنة وعقد الصلح لما كان قد أخذ ~~المسلمين من الضجر والتعب وعلاهم من الديون. واستقر الحال على هذا ~~الجواب. إذا دخلت معنا هذا الدخول فما جزاء الإحسان إلا الإحسان إن ابن ~~أختك يكون عندي كبعض أولادي وسيبلغك ما فعل معه وأنا أعطيك أكبر الكنائس ~~وهي القمامة وأما بقية البلاد فنقسمها فالساحلية التي بيدك تكون بيدك والذي ~~بأيدينا من القلاع الجبلية يكون لنا وما بين العملين يكون مناصفة ~~PageV01P219 وعسقلان وما وراءها يكون خرابا لا لنا ولا لكم وإن أردتم قراها ~~كانت وانفصل الرسول طيب النفس وذلك في ثاني يوم قدومه وهو الثامن والعشرون ~~واتصل الخبر بعد وصول الرسول إليهم أنهم راحلون إلى عسقلان طالبون جهة مصر ~~ووصل رسول من جانب قطب الدين بن قليج أرسلان يقول إن البابا قد وصل إلى ~~القسطنطينية في خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى وقال الرسول إني قتلت في ~~الطريق اثني عشر فارسا. ويقول تقدم إلى من يستلم بلادي مني فإني قد عجزت ~~عن حفظها فلم يصدق السلطان هذا الخبر ولم يكترث به. ### || ذكر عود رسول الفرنج ثالثا # ولما كان التاسع والعشرون وصل الحاجب صاحب ms178 المشطوب ومعه جفري رسول ~~الملك فقال إن الملك شكر إنعام السلطان وقال إن الذي أطلبه منك أن يكون لنا ~~في قلعة القدس عشرون رجلا وأن من سكن من النصارى والإفرنج لا يتعرض إليهم ~~وأما بقية البلاد فلنا منها الساحليات والوطاة والبلاد الجبلية لكم. ~~وأخبرنا الرسول من عند نفسه مناصحة أنه قد نزل عن حديث القدس ما عدا ~~الزيارة ولكن يقول ذلك تصنعا لضعفنا وأنهم راغبون في الصلح وأن الأنكتار لا ~~بد له من الرواح إلى بلده وأقام يوم الاثنين سلخ الشهر وكان معه في هذه ~~الدفعة بازيان هدية للسلطان فاستحضر الأمراء بأسرهم وشاورهم فيما يكون ~~الجواب لهذه الرسالة وانفصل الحال على هذا الجواب وهو أن القدس ليس لكم فيه ~~حديث سوى الزيارة فقال الرسول وليس على الزوار شيء يؤخذ منهم. فعلم من ~~هذا القول الموافقة وأما البلاد كعسقلان وما وراءها فلا بد من خرابه فقال ~~الرسول قد خسر الملك على سورها مالا جزيلا فقال المشطوب للسلطان المصلحة أن ~~نجعل مزارعها وقراها في مقابلة خسارتها فأجاب وأن الدارون وغيره تخرب وتكون ~~بلادها مناصفة. وأما باقي البلاد فتكون لهم من يافا إلى صور بأعمالها . # ومهما اختلفنا في قرية كانت مناصفة. هكذا كان جواب رسالته وسار في يوم ~~الثلاثاء مستهل رجب ومعه الحاجب يوسف وكان قد طلب رسولا مذكورا يحلفه إن ~~استقرت القاعدة فأخر السلطان تسيير الرسول إلى حين استقرار القاعدة وأنفذ ~~لهم هدية حسنة في مقابل هديتهم وما كان - رحمه الله - يغلب في الهدايا . ~~PageV01P220 ### || ذكر عود الرسول # كان عوده وقد مضى هزيع من ليلة ثالث رجب فحضر الحاجب ليلا وأخبر ~~السلطان الخبر وحضر الرسول في بكرة الخميس الثالث من رجب وأدى الرسالة وهي ~~أن الملك يسأل ويخضع لك أن تترك له هذه الأماكن الثلاثة العامرة وأي قدر ~~لها في ملكك وعظمتك وما من سبب لإصراره عليها إلا أن الإفرنج لم يسمحوا بها ~~وقد ترك القدس بالكلية فلا يطلب أن يكون فيه رهبان ولا قسوس إلا في القمامة ~~وحدها فأنت تترك له هذه ms179 البلاد ويكون الصلح عاما فيكون لهم كل ما في أيديهم ~~من الدارون إلى أنطاكية ولكم ما في أيديكم وينتظم الحال ويروج وإن لم ينتظم ~~الصلح فالإفرنج لا يمكنونه من الرواح ولا يمكنه مخالفتهم. فانظر إلى هذه ~~الصناعة في استخلاص الغرض باللين تارة والخشونة أخرى. وكان لعنه الله ~~مضطرا إلى الرواح وهذا عمله مع اضطراره والله الولي في أن يقي المسلمين شره ~~فما بلونا أعظم حيلة ولا أشد إقداما منه. ولما سمع السلطان هذه الرسالة ~~أحضر الأمراء وأرباب الرأي من دولته وسألهم عن الجواب ما يكون فكا خلاصة ~~الرأي هذا الجواب وهو : إن أهل أنطاكية لنا معهم حديث ورسلنا عندهم فإن ~~عادوا بما نريد أدخلناهم في الصلح وإلا فلا. وأما البلاد التي سألها فلا ~~يوافق المسلمون على دفعها إليه وإن كانت لا قدر لها. وأما سور عسقلان ~~فيأخذ في مقابلة ما خسر عليه لدافي الوطأة وسير الرسول صبيحة الجمعة رابع ~~رجب سنة ثمان وثمانين . ### || ذكر قدوم ولده الملك الظاهر صاحب حلب # ولما كان السبت الخامس من رجب وصل ولده الملك الظاهر وكان كثير ~~المحبة له والإيثار لجانبه لما يراه فيه من أمارات السعادة وصفات الكفاية ~~وتوسم الملك فخرج السلطان - قدس الله روحه - إلى لقائه ، فلقيه في قاطع ~~العازرية ، فإنه وصل على الغور ، ونزل له عند لقائه واحترمه ، وأكرمه ، ~~وضمه إليه وقبل بين عينيه ، ونزل في دار الاسبتار . ### || ذكر عود الرسول رابعا # ولما كان يوم الأحد السابع من رجب وصل الحاج يوسف وحده ، وذكر أن ~~الملك قال له : لا يمكننا أن نخرب من عسقلان حجرا واحدا ، ولا يسمع عنافى ~~البلاد مثل ذلك ، وأما البلاد فحدودها معروفة ولا مناكرة PageV01P221 فيها ~~وعند ذلك تأهب السلطان للخروج إلى جهة العدو وأظهر القوة وشدة العزم على ~~اللقاء. ### || ذكر تبريزه رحمة الله عليه # ولما كان العاشر من رجب بلغ السلطان أن الإفرنج رحلوا طالبين نحو بيروت ~~فبرز من القدس إلى منزلة يقال لها الجيب وكان قدوم الملك العادل من البلاد ~~الفراتية في بكرة الحادي عشر فدخل الصخرة ms180 وصلى عندها ثم توجه يتبع السلطان # ثم إن السلطان رحل من الجيب إلى بيت نوبة وبعث إلى العسكر في القدس ~~يحثهم على الخروج واللحاق به ولحقت السلطان في بيت نوبة فإني كنت تخلفت عنه ~~ليلة الاستعداد ثم رحل في يوم الأحد الثالث عشر إلى الرملة ضحوة نهاره على ~~تلال بين الرملة ولد فأقام بها بقية الأحد. ولما كانت صبيحة الاثنين ركب ~~جريدة حتى أتى بازور وبيت جبرين فأشرف على يافا ثم عاد إلى منزلته وأقام ~~بها بقية يومه وجمع أرباب مشورته وشاورهم في النزول على يافا واتفق الرأي ~~على ذلك . ### || ذكر حصار يافا # ولما كان صباح الثلاثاء خامس عشرة رحل طالبا جهة يافا فخيم عليها ~~ضحوة النهار ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلبا وكان طرف الميمنة على البحر ~~وطرف الميسرة أيضا على البحر والسلطان في الوسط وكان صاحب الميمنة الملك ~~الظاهر أعز الله نصره وصاحب الميسرة أخاه الملك العادل والعساكر فيما ~~بينهما. ولما كان السادس عشر من الشهر زحف الناس إليها واستحقروا أمرها ~~استحقارا عظيما ثم رتب السلطان الناس للقتال وأحضر المنجنيقات وركبها على ~~أضعف موضع في السور مما يلي الباب الشرقي وشرع النقابون في السور وارتفعت ~~الأصوات وعظم الضجيج واشتد الحزم والزحف فأخذ النقابون النقب من شمالي ~~الباب الشرقي إلى الزاوية بطول البدنة وكان قد هدم المسلمون ذلك المكان في ~~الحصار الأول وبناه الإفرنج وتمكن النقابون من النقب ودخلوا فلم يشك الناس ~~في أخذ البلد في هذا اليوم هذا وأمر العدو في ازدياد وكان الملك قد توجه من ~~عكا إلى بيروت وهذا الذي حمل PageV01P222 السلطان على نزوله على يافا ثم ~~انفصل ذلك اليوم عن قتال شديد قد ضرس العدو منه وظهر من العدو من الشدة ~~والحمية والذب والمنعة ما أضعف قلوب الناس هذا والنقابون قد تمكنوا من ~~النقب عليهم فما قارب الفراغ أخذ العدو في خسف النقب عليهم فخسفوه في مواضع ~~عدة وخاف النقابون وخرج منهم جماعة وفتر الناس عن القتال وعلموا أن أمر ~~البلد مشكل وأنه يحتاج إلى زيادة ms181 عمل في أخذه فعزم السلطان عزم مثله فأمر ~~النقابين أن يأخذوا النقب في بقية البدنة من الرج إلى الباب وأمر ~~المنجنيقات أن تضرب قبالة البدنة المنقوبة ففعلوا ذلك وأقام السلطان في تلك ~~الليلة هناك إلى أن مضى من الليل ثلثه وعاد إلى الثقل وكان الثقل بعيدا عن ~~البلد على تل قبالته وأصبحت المنجنيقات قد أقيم منها اثنان وأقيم الثالث في ~~بقية النهار وأصبح السلطان على القتال والزحف فلم يجد من الناس إلا الفتور ~~بسبب نصب المنجنيقات ظنا منهم أن المنجنيق لا يعمل إلا بعد أيام. ولما ~~علم السلطان من الناس الفتور والتواكل حملهم على الزحف فالتحم القتال وتشتد ~~الأمر وأذاقوا العدو مر الحرب فأشرف البلد على الأخذ واتفقت النفوس وطمعت ~~في ذلك طمعا شديدا وضعف العدو إلا أنه جرح من المسلمين جماعة من بالنشاب ~~والزنبورك من البلد. ولما رأى العدو المخذول ما حل به أرسل رسولين ~~نصرانيا وإفرنجيا يطلبان الصلح ويتحدثان فيه فطلب السلطان منهم قاعدة القدس ~~وقطيعته فأجابوا إلى ذلك واشترطوا أن ينظر إلى يوم السبت الذي هو تاسع عشر ~~رجب فإن جاءتهم النجدة وإلا تمت القاعدة على ما استقر فأبى السلطان الإنظار ~~فعاد الرسول ثم رجعوا يسألونه الإنظار فأبى ذلك وفتر الناس عن القتال بسبب ~~تواصل الرسل سكونا إلى الدعة على جاري العادة فأمر السلطان النقابين بحشو ~~النقب بعد انتهائه ففعلوا ذلك ووضعت النار فيه فوقع نصف البدنة وكان العدو ~~قد عرف وقوع النار في النقب وعلم أن ذلك المكان يقع فعمد إلى أخشاب عظيمة ~~وهيأها خلف ذلك المكان فلما وقع ذلك المكان التهبت النيران فمنعت من الدخول ~~إلى الثلمة ثم أمر السلطان الناس فزحفوا وضايقوا القوم مضايقة عظيمة فلله ~~درهم من رجال أقيال ما أشدهم وأعظم بأسهم فإنهم مع هذا كله لم يغلقوا لها ~~بابا ولم يزالوا يقاتلون خارج الأبواب أعظم قتال حتى فصل الليل بين ~~الطائفتين ولم نقدر على البلد في ذلك اليوم بعد حرق النقوب في باقي البدنة ~~وضاق صدر السلطان لهذا الأمر وتقسم فكره ms182 وندم طيق لم يجبهم إلى الصلح وبات ~~تلك الليلة PageV01P223 في المخيم وقد عزم على أن يقيم تمام خمسة مناجيق ~~تضرب بعضها البدنة الضعيفة بسبب النقوب والنيران والخسف من جانبهم. ### || ذكر فتح يافا وهي أول الفتح الثاني وما جرى عليها من الوقائع # ( 184 ب ) ولما كان يوم الجمعة ثامن عشر رجب أصبحت المنجنيقات وقد ~~نصبت وحجارتها قد جمعت من الأودية والأماكن البعيدة لعدم الحجر في ذلك ~~المكان وظلت ترمي البدنة المنقوبة وزحف السلطان وزحف ولده الملك الظاهر عز ~~نصره زحفا شديدا وزحف عسكر الملك العادل من الميسرة فإنه كان مريضا وارتفعت ~~الأصوات وضربت الكؤوسات وخفقت البوقات ورمت المنجنيقات وأحاط بهم الويل ~~واشتد عزم النقابين في إيقاد النار فما مضى من النهار ساعتان إلا ووقعت ~~البدنة وكان وقعها كوقع الواقعة ونادى الناس إلا أن البدنة قد وقعت فلم يبق ~~من له أدنى إيمان إلا وزحف. ولا قلب من العدو إلا أرعد ورجف هذا الزحف ~~وهم على القتال أشد وأحزم. وعلى الموت أعزم وأكرم. وذلك أنها لما ~~وقعت علا لها دخان وغبار. وأظلم الأفق وعميت عين النهار. وما تجاسر ~~أحد على الولوج خوفا من اقتحام النار. فلما انكشفت الظلمة ظهرت أسنة قد ~~نابت مناب الأسوار. ورماح قد سدت الثلمة حتى غيبت نفوز الأبصار. ولقد ~~رأيت رجلين على ممشى السور يمنعان المتسلق عليه من جهة الثلمة وقد أتى ~~أحدهما حجر المنجنيق فأخذه ونزل إلى داخل وقام رفيقه مقامه متصديا لمثل ما ~~لحق صاحبه في ساعة أسرع من لمح العيون بحيث لم يفرق بينهما فارق. ولما ~~رأى العدو ما آل الأمر إليه سيروا رسولين إلى السلطان يلتمسون الأمان فقال ~~رحمه الله الفارس بالفارس والتركبيلي بمثله والراجل بالراجل والعاجز على ~~قطيعة القدس فنظر الرسول فرأى القتال على الثلمة أشد من إضرام النار فسأل ~~السلطان أن يبطل القتال إلى أن يعود فقال لا أقدر على منع المسلمين من هذا ~~الأمر ولكن ادخل إلى أصحابك فقل لهم يتجاوزون إلى القلعة ويتركون الناس ~~يشتغلون بالبلد فما بقي دونه مانع ms183 فعاد الرسول بهذه الرسالة فانحاز العدو ~~إلى قلعة يافا بعد أن قتل منهم جماعة عظيمة ودخل الناس البلد عنوة ونهبوا ~~منه أقمشة عظيمة وغلالا كثيرة وأثاثا وبقايا قماش مما نهب من PageV01P224 ~~القافلة المصرية واستقرت القاعدة على الوجه الذي قرره السلطان. ولما كان ~~عصر الجمعة المباركة وصل السلطان كتاب من قايماز النجمي وكان في طرف العدو ~~لحمايته من عسكر العدو الذي كان في عكا يخبر فيه أن الأنكتار لما سمع خبر ~~يافا أعرض عن قصد بيروت وعاد إلى قصد يافا فاشتد عزم السلطان على تتمة ~~الأمر وتسلم القلعة ممن لا ير الأمان لأنه قد لاح أخذهم وكان الناس لهم مدة ~~لم يظفروا من العدو بمغنم ونوبتهم عليه فكان أخذهم عنوة مما بعث همم العسكر ~~غير أن الأمان وقع واتفق الصلح فكنت بعد ذلك ممن يحث على إخراج العدو من ~~القلعة وتسلمها خوفا من لحوق النجدة وكان السلطان يشتهي خروجه غير أن الناس ~~قد أقعدهم التعب عن إتمام الأمر وأخذ منهم الحديد وشدة الحر ودخان النار ~~بحيث لم تبق لهم استطاعة على الحركة وأقام السلطان يحثهم إلى أن هوى الليل ~~فلما رأى ما قد نزل بالناس من التعب ركب وسار إلى خيمتي وعندي من الخوف ما ~~أقلقني عن النوم. ولما كان سحر تلك الليلة سمعنا بوق الإفرنج قد نعق ~~فعلمنا بوصول النجدة قد وصلت من البحر فاستدعاني السلطان من وقته وقال لا ~~شك أن النجدة قد وصلت في البحر وعلى الساحل من عساكر الإسلام من يمنعهم من ~~النزول والمصلحة أن تسير إلى الملك الظاهر وتقول له أن يقف بظاهر الباب ~~القبلي وتدخل أنت ومن تراه إلى القلعة وتخرجون القوم وتستولون على ما فيها ~~من الأموال والأسلحة وتكتبها بخطك إلى الملك الظاهر خارج البلد وهو يسيرها ~~إلي ويسير معي لتقوية البلد مع ذلك عز الدين جرديك وعلم الدين قيصر ودرباس ~~المهراني فسرت من ساعتي ومعي شمس الدين عدل الخزانة حتى أتيت الملك الظاهر ~~وهو نائم على شليته على تل قريب البحر في اليزك ms184 وعليه كراغنده وهو بلأمة ~~حربه فلا ضيع الله صنعهم في نصرة الإسلام فأيقظته فقام والنوم في عينيه ~~وسرت في خدمته وهو يستفهم مني رسالة السلطان حتى وقف حيث أمره ودخلنا نحن ~~إلى يافا وأتينا القلعة وأمر الإفرنج بالخروج فأجابوا إلى ذلك وتهيأوا ~~للخروج . PageV01P225 ### || ذكر كيفية بقاء القلعة في يد العدو # ولما أجابوا إلى الخروج قال عز الدين جرديك لا ينبغي أن يخرج منهم أحد ~~حتى يخرج الناس من البلد خشية أن يتخطفهم الناس وكان الناس قد داخلهم الطمع ~~في البلد وأخذ عز الدين يشتد في ضرب الناس وإخراجهم وهم غير مضبوطين بعد ~~ولا محصورين في مكان فكيف يمكن إخراجهم وطال الأمر إلى أن علا النهار وأنا ~~ألومه وهو لا يرجع عن ذلك والزمان مضى ولما رأيت الوقت كاد يفوت قلت إن ~~النجدة قد وصلت والمصلحة المسارعة في إخراجهم والسلطان قد أوصاني بذلك فلما ~~عرف السبب في حرصي أجاب إلى إخراجهم ومضينا إلى باب القلعة القريب من الباب ~~الذي الملك العادل قائم عنده فأخرجنا تسعة وأربعين نفرا بخيولهم ونسائهم ~~وسيرناهم ولما خرج هؤلاء اشتد الباقون وحدثتهم نفوسهم بالعصيان وكان سبب ~~خروج من خرجوا أنهم استقلوا المراكب التي جاءتهم وظنوا أن لا نجدة لهم فيها ~~ولم يعلموا أن الأنكتار مع القوم ورأوهم قد تأخروا عن النزول إلى علو ~~النهار فخافوا أن يمتنعوا فيؤخذوا ويقتلوا فخرج من خرج ثم بعد ذلك قربت ~~النجدة حتى صاروا خمسة وثلاثين مركبا فقويت نفوس الباقين في الحصن وظهرت ~~عليهم أمارات العصيان ودلائله وخرج منهم من أجبرني بتشويش عزمهم وأخذا ~~الطارقيات والجنوبيات وعلوا على الأسوار وكانت القلعة جديدة لم تشرف بعد ~~فلما رأيت الأمر قد آل إلى ذلك نزلت من التل الذي كنت واقفا عليه وهو ملاصق ~~لباب القلعة وقلت لعز الدين جرديك وهو مع عسكره في الأسفل مع جمع من ~~الأجناد خذوا حذركم فقد تغيرت عزائم القوم فما كانت إلا ساعة بحيث صرت خارج ~~البلد في خدمة الملك الظاهر إلا وقد ركب القوم خيلهم وحملوا من القلعة ms185 حملة ~~الرجل الواحد وأخرجوا من كان في البلد من الأجناد ولقد ازدحم الناس في ~~الباب حتى كاد يتلف منهم جماعة وبقي في بعض الكنائس جماعة من أتباع العساكر ~~مشتغلين بما لا يجوز فهجموا عليهم وقتلوا منهم وأسوا وسيرني الملك الظاهر ~~إلى والده السلطان أعرفه بالحال فأمر الجاويش أن ينادي في العسكر وضرب ~~الكؤوس للقتال ونفر الناس من كل جانب للغزاة وهجموا البلد وحشر العدو في ~~القلعة فأيقنوا بالبوار واستبطأوا نزول النجدة إليهم وخافوا خوفا عظيما ~~فأرسلوا بطركهم والقسطلان وكان خلقة هائلة ، رسولين PageV01P226 إلى ~~السلطان يعتذران إليه مما جرى ويسألان القاعدة الأولى فخرجا إلى السلطان ~~والقتال يشتد عليهم وكان سبب انقطاع النجدة أنهم رأوا البلد مشحونا ببيارق ~~المسلمين ورجالهم فخافوا أن تكون القلعة قد أخذت وكان البحر يمنع من سماع ~~الصوت من كل جانب لكثرة الضجيج والتهليل. فلما رأى من في القلعة شدة ~~الزحف عليهم وامتناع النجدة من النزول مع كثرتها فإنها بلغت نيفا وخمسين ~~مركبا منها خمسة عشر شانيا فيها شاني الملك علموا أن النجدة ظنت أن البلد ~~قد أخذ ورهب واحد نفسه للمسيح وقفز من القلعة إلى الميناء وكانت رملا فلم ~~يصبه شيء واشتد عدوا حتى أتى البحر فخرج له شاني وأخذه إلى شاني الملك ~~فحدثه بالحديث فلما شعر الأنكتار أن القلعة مع أصحابه اندفع يطلب الساحل ~~وكان أول شاني ألقى من فيه بالبرشانية وكان أحمر ورقبته حمراء وبيرقه أحمر ~~فما كانت إلا ساعة حتى نزل كل من في الشواني إلى الميناء هذا كله وأنا ~~أشاهد ذلك ثم حملوا على المسلمين فاندفعوا بين أيديهم وأخرجوهم من الميناء ~~وكان تحتي فرس فسقته إلى السلطان وأخبرته الخبر وبين يديه الرسولان وقد أخذ ~~القلم بيده ليكتب لهم الأمان فعرفته في أذنه ما جرى فامتنع من الكتابة ~~وشغلهم بالحديث فما كان إلا ساعة حتى فر المسلمون نحو السلطان فصاح في ~~الناس فركبوا وقبض على الرسولين وأمر بترحيل الثقل والأسواق إلى بازور فرحل ~~الناس وتخلف لهم ثقل عظيم مما كانوا نهبوه من يافا لم ms186 يقدروا على نقله ورحل ~~الثقل وبقي السلطان جريدة في الليل وبات ليلته هناك وخرج الأنكتار إلى موضع ~~السلطان الذي كان فيه لضيق البلد وأمر من في القلعة أن يخرجوا إليه معظم ~~سواده فاجتمع به جماعة من المماليك وجرت بينهم أحاديث ومجاوبات كثيرة. ### || ذكر تجديد حديث الصلح # ثم طلب الحاجب أبا بكر العادلي وحضر عندهم أيبك العزيزي وسنقر المشطوبي ~~وغيرهم وكان قد صادق جماعة من خواص المماليك ودخل معهم دخولا عظيما بحيث ~~كانوا يجتمعون به في أوقات متعددة وكان قد صادق من الأمراء جماعة كبدر ~~الدين دلدرم وغيره فلما حضر هذا الجمع عنده جد وهزل ومن جملة ما قاله هذا ~~السلطان عظيم وما في هذه الأرض للإسلام أكبر ولا أعظم منه كيف رحل عن ~~المكان بمجرد وصولي والله ما لابست لأمة الحرب ولا تأهبت لأمر وليس في رجلي ~~إلا زربول PageV01P227 البحر ، فكيف تأخر ثم قال والله العظيم الكريم ما ~~ظننت أنه يأخذ يافا في شهرين فكيف أخذها في يومين. ثم قال لأبي بكر سلم ~~على السلطان وقل له بالله عليك أجب سؤالي في الصلح فهذا الأمر لا بد له من ~~آخر وقد هلكت بلادي وراء البحر وما في دوام هذا مصلحة لا لنا ولا لكم ثم ~~انفصلوا عنه وحضر أبو بكر عند السلطان وعرفه ما قال وكان ذلك في أواخر يوم ~~السبت تاسع عشر شهر رجب فلما سمع السلطان ذلك أحضر أرباب المشورة وانفصل ~~الحال على أن الجواب هو : أنك كنت طلبت الصلح أولا على قاعدة وكان الحديث ~~في يافا وعسقلان والآن قد خربت يافا فيكون لك من صور إلى قيسارية. فمضى ~~إليه وعرفه ما قال فرده إليه ومعه رسول إفرنجي وقال يقول الملك : إن قاعدة ~~الإفرنج أنه إذا أعطى واحد لواحد بلدا صار تبعه وغلامه وأنا أطلب منك هذين ~~البلدين يافا وعسقلان وتكون عساكرهما في خدمتك دائما وإذا احتجت إلي وصلت ~~إليك في أسرع وقت وخدمتك كما تعلم خدمتي. فكان جواب السلطان : حيث دخلت ~~هذا المدخل فأنا أجيبك بأن نجعل ms187 هذين البلدين قسمين أحدهما لك وهو يافا وما ~~وراءها والثاني لي وهو عسقلان وما وراءها. ثم سار الرسولان ورحل السلطان ~~إلى الثقل وكان المخيم ببازور ورتب النقابين لذلك واليزك عندهم وسار حتى ~~أتى الرملة فخيم بها يوم الأحد العشرين من رجب ووصل إليه الرسول مع الحاجب ~~أبي بكر فأمر بإكرامه والإحسان إليه وكانت رسالته الشكر من الملك على ~~إعطائه يافا وتجديد السؤال في عسقلان ويقول إنه إن وقع الصلح في هذه الأيام ~~سار إلى بلاده ولا يحتاج أن يشتي هاهنا فأجابه السلطان في الحال بقوله : ~~أما النزول عن عسقلان فلا سبيل إليه وأما تشتيته هاهنا فلا بد منه لأنه قد ~~استولى على هذه البلاد ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة كما تؤخذ أيضا ~~إذا أقام إن شاء الله تعالى. وإذا سهل عليه أن يشتي هاهنا ويبعد عن أهله ~~ووطنه مسيرة شهرين وهو شاب في عنفوان شبابه ووقت اقتناص لذاته أفلا يسهل ~~علي أن أشتي وأصيف وأنا في وسط بلادي وعندي أولادي وأهلي ويأتي إلى ما أريد ~~وأنا رجل شيخ قد كرهت لذات الدنيا وشبعت منها ورفضتها عني والعسكر الذي ~~يكون عندي في الشتاء غير العساكر الذي يكون عندي في الصيف وأنا أعتقد أني ~~في أعظم العبادات ولا أزال كذلك حتى يعطي الله النصر لمن يشاء. فلما سمع ~~الرسول ذلك طلب أن يجتمع بالملك العادل فأذن له في ذلك فسار إلى خيمته وكان ~~قد تأخر بسبب مرض اعتراه إلى موضع يقال له صمويل فسار الرسول إليه مع جماعة ~~ثم بلغ السلطان PageV01P228 أن عسكر العدو قد رحل من عكا قاصدا يافا ~~للإنجاد فجمع أرباب الرأي وعقد مشورة في قصدهم فاتفق الرأي على أنهم ~~يقصدونهم ويرحل بالثقل إلى الجبل ويقصدونهم جريدة فإن لاحت فرصة انتهزوها ~~وإلا رجعوا عنهم وهذا أولى من أن نصبر حتى تجتمع عساكر العدو ونرحل إلى ~~الجبل في صورة منهزمين وأما إذا وصلنا الآن ففي صورة طالبين فأمر السلطان ~~الثقل أن يسير إلى الجبل عشية الاثنين الحادي والعشرين من ms188 رجب وسار هو ~~جريدة في صبيحة يوم الثلاثاء حتى نزل على العوجاء ووصل إليه من أخبره أن ~~عسكر العدو قد وصل قيسارية ودخل عليها ولم يبق فيه طمع وبلغه أن الأنكتار ~~قد نزل خارج يافا في نفر يسير بخيم قليلة فوقع له أن ينتهز فيه الفرصة ~~ويكبس خيمه وينال منهم غرضا وعزم على ذلك وسار من أول الليل والأدلة من ~~العرب تتقدمه وهو يقطع الطريق إلى أن أتى في الصباح إلى خيام العدو فوجدها ~~تقريبا عشر خيم فداخله الطمع وحملوا حملة الرجل الواحد فثبتوا في أمكنتهم ~~وكشروا عن أنياب الحرب فوجموا من ثباتهم وسار العسكر حلقة واحدة. ولقد ~~حكى لي بعض الحاضرين فإني كنت تأخرت من الثقل ولم أحضر هذه الواقعة لالتياث ~~مزاجي أن عدة الخيل كان يحزرها المكثر سبعة عشر والمقل تسعة والرجال دون ~~الألف فمن قائل ثلاثمائة ومن قائل أكثر من ذلك فوجد السلطان من ذلك مغيظة ~~عظيمة ودار على الأطلاب يحثها فلم يجب دعاءه سوى ولده الملك الظاهر وقال له ~~الجناح أخو المشطوب قل لغلمانك الذين ضربوا الناس يوم فتح يافا وأخذوا منهم ~~الغنيمة وكان في قلوب العسكر من صلح يافا حيث فوتوهم الغنيمة ما كان وجرى ~~ما جرى ما أثر هذا الأثر. فلما رأى السلطان ذلك رأى أن وقوفه في مقابلة ~~هذه الشرذمة اليسيرة من غير عمل خسة في حقه وقد بلغني أن الأنكتار أخذ رمحه ~~ذلك اليوم وحمل من طرف الميمنة إلى طرف الميسرة فلم يتعرض له أحد فغضب ~~السلطان ثم أعرض عن القتال وسار حتى أتى بازور كالمغضب ونزل بها وذلك في ~~يوم الأربعاء PageV01P229 ثالث عشرى من رجب ، وبات العسكر باليزك ثم أصبح ~~يوم الخميس وساروا إلى النطرون ونزل به وأنفذ إلى العسكر فأحضر عنده فوصلنا ~~إليه آخر نهار الخميس الرابع والعشرين فبات به فأصبح يوم الجمعة فسار إلى ~~أخيه العادل يفتقده ودخل القدس وصلى الجمعة ونظر العمائر ورتبها ثم عاد من ~~يومه إلى الثقل وبات فيه على النطرون. ### || ذكر قدوم العساكر # كان أول ms189 ما وصل علاء الدين بن أتابك صاحب الموصل وكان وصوله ضحاء نهار ~~السبت السادس والعشرين من رجب فلقيه السلطان على بعد واحترمه وأكرمه وأنزله ~~عنده في الخيمة وعمل همة حسنة وقدم له تقدمة جميلة ثم سار إلى خيمته. ~~وأما رسول الملك فإنه عاد في ذلك اليوم فإن الملك العادل قد حمله رسالة ~~مشافهة إلى الملك وعاد مع الحاجب أبي بكر إلى يافا فعاد أبو بكر وحضر عند ~~السلطان في ذلك اليوم وأخبره أن الملك لم يتركني أدخل يافا وخرج إلي وكلمني ~~في ظاهرها وكان كلامه إلي كم أطرح نفسي على السلطان وهو لا يقبلني وأنا كنت ~~أحرص أن أعود إلى بلادي والآن قد هجم الشتاء وتغير الأنواء وقد عزمت على ~~الإقامة وما بقي بيننا حديث. هكذا كان جوابه خذله الله تعالى . ### || ذكر قدوم عسكر مصر المحروسة # وأقام السلطان - قدس الله روحه - بالنظرون . ولما كان يوم الخميس ~~تاسع شعبان قدم عسكر مصر فخرج السلطان إلى لقائهم وكان فيهم مجد الدين ~~هلدري وسيف الدين يازكج وجماعة الأسدية وكان في خدمته الملك المؤيد مسعود ~~وقد أظهروا الزينة ونشروا الأعلام والبيارق فكان يوما مشهودا ثم أنزلهم ~~عنده ومد الخوان ثم ساروا إلى منازلهم. ### || ذكر قدوم الملك المنصور ابن تقي الدين رحمه الله # وكان قد تسلم البلاد التي وعد بها وكان وصوله إلى خدمة الملك العادل في ~~يوم السبت حادي عشر شعبان فنزل عنده بماء صمويل وافتقده وكتب الملك العادل ~~في ذلك اليوم إلى السلطان يخبره بوصوله ، PageV01P230 وسأله في احترامه ~~وإكرامه وإطلاق الرحمة له. ولما تحقق الملك الظاهر وصول الملك المنصور ~~مخيما يبيت نوبة فنزل عنده وخرج إلى لقائه وأقام عنده إلى العصر وذلك في ~~يوم الأحد ثم أخذه وسار به جريدة حتى أتى خيمة السلطان ونحن في خدمته فدخل ~~عليه فاحترمه ونهض إليه واعتنقه وضمه إلى صدره ثم غشيه البكاء فصبر نفسه ~~حتى غلبه الأمر وغشيه من البكاء ما لم ير مثله فبكى الناس لبكائه ساعة ~~زمانية ثم باسطه وسأله عن الطريق ثم انفصل ms190 وبات في خيمة الملك الظاهر إلى ~~صبيحة الاثنين ثم ركب وعاد إلى عسكره ونشروا الأعلام والبيارق وكان معه ~~عسكر جليل فقرت عين السلطان ونزل في مقدمة العسكر مما يلي الرملة. ### || ذكر رحيله رحمه الله إلى الرملة # وذلك أنه لما رأى العساكر قد اجتمعت جمع أرباب الرأي وقال إن الأنكتار ~~قد مرض مرضا شديدا والافرنسيسية قد ساروا راجعين ليعبروا من البحر من غير ~~شك ونفقاتهم قد قلت وهذا العدو قد أمكن الله منه وأرى أن نسير إلى يافا فإن ~~وجدنا فيها مطمعا بلغناه وإلا عدنا تحت الليل إلى عسقلان فما تلحقنا النجدة ~~إلا وقد نلنا منها غرضا فرأوا ذلك رأيا. وتقدم إلى جماعة من الأمراء كعز ~~الدين جرديك وجمال الدين فرج وغيرهما بالمسير في ليلة الخميس سادس عشر ~~شعبان حتى يكونوا قريبا من يافا في صورة يزك يستطلعون كم فيها من الخيالة ~~والرجالة بالجواسيس ثم يعرفونه ذلك فساروا هذا ورسل الأنكتار لا تنقطع في ~~طلب الفاكهة والثلج ووقع عليه في مرضه شهوة الكمثرى والخوخ فكان السلطان ~~يمده بذلك ويقصد كشف الأخبار بتواتر الرسل والذي انكشف من الأخبار أن فيها ~~ثلاثمائة فارس على قول المكثر ومائتي فارس على قول المقل وإن الكندهري ~~يتردد بينه وبين الفرنسية في مقامهم وهم عازمون على عبور البحر قولا واحدا ~~وأنهم لا عناية بسور البلد وإنما عنايتهم بعمارة سور القلعة وكان الأنكتار ~~قد طلب الحاجب أبا بكر العادلي وكان له معه انبساط عظيم فلما تحقق السلطان ~~الأخبار أصبح يوم الخميس راحلا إلى جهة الرملة PageV01P231 فنزل بها ضاحي ~~نهار ووصل الخبر من المغيرين يقولون إنا أغرنا على يافا فلم يخرج إلا نحو ~~ثلاثمائة فارس معظمهم على بغال فأمرهم السلطان بمقامهم هناك ثم وصل الحاجب ~~أبو بكر ومعه رسول من عند الملك يشكر السلطان على إنعامه بالفواكه والثلج ~~وذكر أبو بكر أنه تفرد به وقال له قل لأخي الملك العادل يبصر كيف يتوصل إلى ~~السلطان في معنى الصلح ويستوهب لي منه عسقلان وأمضي أنا ويبقى هو في هذه ~~الشرذمة ms191 اليسيرة يأخذ البلاد منهم فليس لي غرض إلا إقامة جاهي بين الإفرنج ~~وإن لم ينزل السلطان عن عسقلان فيأخذ لي منه عوضا عن خسارتي على عمارة ~~سورها. فلما سمع السلطان سيرهم إلى الملك العادل وأسر إلى ثقة عنده أن ~~يمضي إلى الملك العادل ويقول له إن نزلوا عن عسقلان فصالحهم فإن العسكر قد ~~ضجروا من ملازمة البيكار والنفقات قد نفدت فسار ضحى الجمعة سابع عشر شعبان. ### || ذكر الإجابة إلى النزول عن عسقلان # ولما كان غروب الشمس من اليوم المذكور أنفذ بدر الدين دلدرم من اليزك ~~يقول أنه قد خرج إلينا خمسة أنفس منهم شخص مقدم عند الملك يسمى هوات وذكروا ~~أن لهم معنا حديثا فهل أسمع حديثهم أو لا فأذن له السلطان في ذلك ولما كانت ~~العشاء الآخرة حضر بدر الدين بنفسه وأخبر أن حديثهم كان أن الملك قد نزل عن ~~عسقلان وعن طلب العوض عنها وقد صح مقصوده في الصلح فأعاده السلطان ثانية ~~لينفذ إليه ثقة يأخذ يده على ذلك ويقول أن السلطان قد جمع العساكر وما ~~يمكنني أن أحدثه هذا الحديث إلا بأن أثق أنك لا ترجع وبعد ذلك أحدثه وسار ~~بدر الدين على هذه القاعدة وكتب إلى الملك العادل يخبره بما جرى. ولما ~~كان يوم السبت ثامن عشر شعبان أنفذ بدر الدين وذكر أنه أخذ يده على هذه ~~القاعدة بمن يثق به وأن حدود البلاد على ما استقر في الدفعة الأولى مع ~~الملك العادل فأحضر السلطان الديوان فذكروا يافا وأعمالها وأخرج الرملة ~~ويبنا ومجدل يابا ثم ذكر قيسارية وأعمالها وأرسوف وأعمالها وحيفا وأعمالها ~~وعكا وأعمالها وأخرج منها الناصرة وصفورية وأثبت الجميع في ورقة وكتب جواب ~~الكتاب وأنفذه PageV01P232 على يد الطرنطاي مع الرسول وكان قد وصل الرسول ~~لتحرير القاعدة مع بدر الدين في عصر السبت وقال للرسول هذه حدود البلاد ~~التي تبقى في أيديكم فإن صالحتم على ذلك فمبارك قد أعطيتم يدي ولينفذ الملك ~~من يحلف ويكون ذلك في غداة غد وإلا فيعلم أن هذا تدفيع ومماطلة ويكون ms192 الأمر ~~قد انفصل من بيننا وساروا في بكرة الأحد على هذه القاعدة. ولما كان ~~العشاء الآخرة يوم الأحد وصل من أخبر بوصول طرنطاي ومعه الرسول واستأذن في ~~حضورهما فأذن رحمه الله في حضور طرنطاي وحده فذكره أن الملك قد وقف على تلك ~~الرقعة وأنكر أنه نزل عن ذلك فقال : إذن أنا قتلته فلا أرجع عنه. قولوا ~~للسلطان مبارك رضيت بهذه القاعدة وقد رجعت إلى مروءتك فإن زدتني شيئا فمن ~~فضلك وإنعامك. ثم سار واحضر الرسل ليلا وأقاموا إلى بكرة وحضروا عند ~~السلطان بكرة الإثنين فذكروا ما استقر عن صاحبهم ثم انفصلوا إلى خيمهم وحضر ~~عند السلطان أرباب المشورة واستقر الأمر وانفصلت القاعدة وسار الأمير بدر ~~الدين دلدرم إلى الملك العادل وأخذ الرسل معه في صورة من يسأل في زيادة ~~الرملة وعاد في عشاء الآخرة ليلة الإثنين وكتبت المواضعة وذكر فيها شروط ~~الصلح ثلاث سنين من تاريخها وهو الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة ~~ثمانية وثمانين وخمسمائة ويراد فيها الرملة لهم و لد أيضا وسير العدل وقال ~~له إن قدرت أن ترضيهم بأحد الموضعين أو مناصفتها فافعل ولا يكون لهم حديث ~~في الجبليات ورأى السلطان ذلك مصلحة لما عرا الناس من الضعف وقلة النفقات ~~والشوق إلى الأوطان ولما شاهده من تقاعدهم عن يافا يوم أمرهم بالحملة فلم ~~يحملوا فخاف أن يحتاج إليهم فلم يجدهم فرأى أن يحييهم مدة حتى يستريحوا ~~ويتبعوا غير هذه الحالة التي صاروا غليها ويعمر البلاد ويشحن القدس بما ~~يقدر عليه من الآلة ويتفرغ لعمارتها. وكان من القاعدة أن عسقلان تكون ~~خرابا وأن يتفق أصحابنا وأصحابهم على خرابها خشية أن نأخذها عامرة فلا ~~نخربها فمضى العدل على هذه القاعدة واشترط دخول بلاد الاسماعيلية ~~PageV01P233 # واشترطوا هم دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في الصلح على قاعدة ~~آخر صلح صالحناهم عليه واستقر الحال على ذلك وسارت الرسل وحكم عليهم أن ~~لابد من فصل الحال إما الصلح وإما الخصومة خشية أن يكون هذا الحديث من قبيل ~~أحاديثه السابقة ومدافعاته المعروفة. ### || ذكر قدوم رسل ms193 من جهات متعددة # وفي ذلك اليوم وصل رسول سيف الدين بكتمر صاحب خلاط يبذل الطاعة ~~والموافقة وسير العساكر وحضر رسول الكرج وذكر فصلا في معنى الزيادات التي ~~لهم في القدس وعمارتها وشكوا أنها أخذت من أيديهم ويسأل عواطف السلطان أن ~~يردها إلى نوابهم ورسول صاحب أرزن الروم يبذل الطاعة والعبودية. ### || ذكر تمام الصلح # ولما وصل العدل إلى هناك أنزل خارج البلد في خيمة حتى أعلم الملك به ~~فلما علم به استحضره عنده مع بقية الجماعة وعرض العدل عليه النسخة وهو مريض ~~الجسم فقال : لا طاقة لي بالوقوف عليها وأنا قد صالحت وهذه يدي فاجتمعوا ~~بالكندهري والجماعة وأوقفوهم على النسخة ورضوا بلد والرملة مناصفة وبجميع ~~ما في النسخة واستقرت القاعدة أنهم يحلفون بكرة يوم الأربعاء بأنهم كانوا ~~قد أكلوا شيئا وليس من عادتهم الحلف بعد الأكل وأنفذ العدل إلى السلطان من ~~عرفه ذلك. ولما كان يوم الأربعاء الثاني والعشرون من شعبان حضر الجماعة ~~عند الملك وأخذوا يده وعاهدوه واعتذر أن الملوك لا يحلفون وقنع السلطان ~~بذلك ثم حلف الجماعة والمستحلف الكندهري ابن أخته المستخلف عنه في الساحل ~~وباليان بن بارزان صاحب طبرية ورضي الأسبتار والداوية وسائر مقدمي ~~الإفرنجية بذلك وساروا بقية يومهم عائدين إلى المخيم السلطاني فوصلوا ~~العشاء الآخرة وكان الواصلون من جانبهم ابن الهنغري وابن بارزان وجماعة من ~~مقدميهم فاحترموا وأكرموا وضربت لهم خيمة تليق بهم وحضر العدل وحكى ما جرى ~~. PageV01P234 | ولما كانت صبيحة الثالث والعشرين حضر الرسل في خدمة ~~السلطان وأخذوا بيده الكريمة وعاهدوه على الصلح على القاعدة المستقرة ~~واقترحوا حلف جماعة وهم الملك العادل والملك الأفضل والملك الظاهر عن نصرهم ~~والمشطوب وبدر الدين دلدرم والملك المنصور ومن كان مجاورا لبلادهم كابن ~~المقدم وصاحب شيزر وغيرهم فوعدهم السلطان أن يسير معهم رسلا إلى الجماعة ~~المجاورين ليحلفوهم لهم وحلف لصاحب أنطاكية وطرابلس وعلق اليمين بشرط حلفهم ~~للمسلمين فإن لم يحلفوا فلا يدخل في الصلح. ثم أمر المنادي أن ينادي في ~~الوطاقات والأسواق ألا أن الصلح قد انتظم في سائر بلادهم ms194 فمن شاء من بلادهم ~~أن يدخل إلى بلادنا فليفعل ومن شاء من بلادنا أن يدخل إلى بلادهم فيفعل ~~وأشار رحمة الله عليه أن طريق الحج قد فتح من الشام ووقع له عزم على الحج ~~في ذلك المجلس وكنت حاضرا ذلك جميعه وأمر السلطان أن تسير مائة نقاب لتخريب ~~سور عسقلان معهم أمير كبير ولإخراج الإفرنج منها ويكون معهم جماعة من ~~الإفرنج إلى حين وقوع الخراب في السور خشية استبقائه عامرا. وكان يوما ~~مشهودا غشي الناس من الطائفتين فيه من الفرح والسرور ما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى والله العظيم إن الصلح لم يكن من إيثاره فإنه قال لي في بعض محاوراته ~~في الصلح أخاف أن أصالح وما أدري أي شيء يكون مني فيقوى هذا العدو وقد بقيت ~~لهم هذه البلاد فيخرجوا لاسترداد بقية بلا دهم ونرى كل واحد من هؤلاء ~~الجماعة قد قعد في رأس قلعته يعني حصنه وقال لا أنزل فيهلك المسلمون. ~~هذا كلامه وكان كما قال لكنه رأى المصلحة في الصلح لسآمة العسكر وتظاهرهم ~~بالمخالفة وكانت مصلحة في علم الله تعالى فإنه اتفقت وفاته بعيد الصلح ولو ~~كان اتفق ذلك في أثناء الوقعات لكان الإسلام على خطر فما كان الصلح إلا ~~توفيقا وسعادة له. ### || ذكر خراب عسقلان # ولما كان الخامس والعشرون من شعبان ندب السلطان علم الدين قيصر إلى ~~خراب عسقلان وسير معه جماعة من النقابين والحجارين واستقر أن الملك ينفذ من ~~يافا من يسير معه ليقف على التخريب ويخرج الإفرنج منها فوصلوا إليها من ~~الغد فلما أرادوا التخريب اعتذر الأجناد الذين بها بأن لنا على الملك ~~جانكية لمدة فإما أن يدفعها إلينا ونخرج أو ادفعوها أنتم إلينا فوصل بعد ~~ذلك رسول الملك يأمرهم PageV01P235 بالخروج فخرجوا ووقع التخريب فيها في ~~السابع والعشرين من شعبان واستمر يخربها وكتب على الجماعة رقاعا بالمعاونة ~~على التخريب وأعطى كل واحد قطعة معلومة في السور وقيل له دستورك خرابها . ### || ذكر رحيل السلطان - قدس الله روحه - من الرملة # ولما كان يوم الأربعاء التاسع والعشرون ms195 رحل السلطان إلى النطرون ~~واختلط العسكران وذهب جماعة من المسلمين إلى يافا في طلب التجارة ووصل خلق ~~عظيم من العدو إلى القدس للحج وفتح لهم السلطان الباب وأنفذ معهم الخفراء ~~يحفظونهم حتى يردهم إلى يافا وكثر ذلك من الإفرنج وكان غرض السلطان بذلك أن ~~يقضوا غرضهم من الزيارة ويرجعوا إلى بلا دهم فيأمن المسلمون من شرهم. ~~ولما علم الملك كثرة من يزور منهم صعب عليه ذلك وسير إلى السلطان يسأله منع ~~الزوار واقترح أن لا يؤذن لهم إلا بعد حضور علامة من جانبه أو كتابة وعلمت ~~الإفرنج ذلك فعظم عليهم واهتموا في الحج فكان يرد منهم في كل يوم جموع ~~كثيرة مقدمون وأسباط وملوك متنكرون وشرع السلطان في إكرام من يرد ومد ~~الطعام ومباسطتهم ومحادثتهم وعرفهم إنكار الملك ذلك واعتذر إلى الملك بأن ~~قوما قد وصلوا من بعد ذلك لزيارة المكان الشريف فلا أستحل منعهم ثم اشتد ~~المرض بالملك فرحل في ليلة التاسع والعشرين وسار هو والكندهري وسائر ~~المقدمين إلى جانب عكا ، ولم يبق من يافا إلا مريض أو عاجز ( 196 ب ) ونفر ~~يسير . ### || ذكر عود العساكر الإسلامية إلى أوطانهم # ولما انقضى هذا الأمر واستقرت القواعد أعطى السلطان الناس دستورا ~~وكان أول من سار عسكر إربل فإنه سار في مستهل شهر رمضان المبارك ثم سار ~~بعده في ثانية عسكر الموصل وسنجار والحصن . وأشاع السلطان أمر PageV01P236 ~~الحج وقوى عزمه على براءة الذمة وكان هذا مما وقع لي وبدأت بالإشارة به ~~فوقع منه موقعا عظيما وأمر الديوان وكل من عزم على الحج من العسكر أن يثبت ~~اسمه حتى يحصر عدة من يدخل معنا في الطريق وكتب جرائد بما يحتاج إليه في ~~الطريق من الخلع والأزواد وغيرها وسيرها إلى البلاد ليعدوها . ### || ذكر رحيله - رحمة الله عليه # ولما أعطى الناس دستورا وعلم عود العدو رجع إلى ورائه رأى الدخول إلى ~~القدس الشريف لتهيئة أسباب عمارته والنظر في مصالحه والتأهب في المسير إلى ~~الحج فرحل من النطرون يوم الأحد رابع يوم شهر رمضان وسار حتى ms196 أتى ماء صمويل ~~يفتقد الملك العادل فوجده قد سار إلى القدس وقد كنت عنده رسولا من جانب ~~السلطان أنا والأمير بدر الدين دلدرم والعدل وكان قد انقطع عن أخيه بسبب ~~مرضه وكان قد تماثل فعرفناه مجيء السلطان إلى ماء صمويل لعيادته فحمل على ~~نفسه وسار معنا حتى لقيه في ذلك المكان وهو أول وصوله إلى ماء صمويل ولم ~~ينزل بعد فلقيه ونزل وقبل الأرض وعاد فركب فاستدناه وسأله عن مزاجه وسار ~~جميعا حتى أتيا القدس الشريف في بقية ذلك اليوم. ### || ذكر وصول رسول من بغداد # ولما كان يوم الجمعة الثالث والعشرون من شهر رمضان صلى الملك العادل ~~الجمعة وانصرف إلى الكرك عن دستور من السلطان لينظر في أحواله ويعود إلى ~~البلاد الشرقية يدبرها فإنه كان قد أخذها من السلطان وكان قد ودع السلطان ~~فلما وصل العازرية نزل بها مخيما فوصله من أخبر أن رسولا من بغداد واصل ~~إليك فأنفذ إلى السلطان وعرفه فذكر له أن يجتمع ويطالع ما وصل فيه فلما كان ~~السبت الرابع والعشرون دخل إلى الخدمة السلطانية وذكر أن الرسول قد وصل ~~إليه من جانب ابن النافذ بعد أن ولي نيابة الوزارة ببغداد ومقصود الكتاب ~~أنه يحثه على استعطاف قلب السلطان إلي لخدمة الشريفة والدخول بينه وبين ~~الديوان العزيز والإنكار عليه بتأخر رسله عن العتبة الشريفة واقتراح تسيير ~~القاضي الفاضل ليحضر الديوان العزيز في تقرير قاعدة تتحرر بينه وبين ~~السلطان لا بد منها وقد وعد الملك العادل من الديوان بوعود عظيمة ~~PageV01P237 إذا قرر ذلك ويكون له يد عند الديوان يستثمرها فيما بعد وما ~~يشبه هذا الفن فحدثت عند السلطان فكرة في إنفاذ رسول يسمع كلام الديوان ~~ويستعلم سبب دخول الملك العادل في البين وزاد الحديث ونقص وطال وقصر وقوي ~~العزم السلطاني على إنفاذ الضياء الشهرزوري وعاد الملك العادل إلى مخيمه ~~بالعازرية بعد تقرير هذه القاعدة وعرفه إجابة السلطان إلى إنفاذ رسول إلى ~~خدمة الديوان العزيز وسار يوم الاثنين طالبا جهة الكرك وسار الضياء متوجها ~~إلى بغداد يوم الثلاثاء ms197 السادس والعشرين من شهر رمضان. ### || ذكر توجه ولده الملك الظاهر إلى بلاده ووصية السلطان له # ووحشة السلطان له ولما كانت بكرة التاسع والعشرين توجه الملك الظاهر عز ~~نصره بعد أن ودعه ونزل إلى الصخرة فصلى عندها وسأل الله تعالى ما شاء ثم ~~ركب وركبت في خدمته فقال لي قد تذكرت أمرا أحتاج فيه إلى مراجعة السلطان ~~مشافية فأنفذ من استأذن له العود إلى خدمته فأذن له في ذلك فحضر واستحضرني ~~وأخلى المكان ثم قال له : أوصيك بتقوى الله تعالى فإنها رأس كل خير وآمرك ~~بما أمر الله به فإنه سبب نجاتك وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد بها ~~فإن الدم لا ينام وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم فأنت أميني ~~وأمين الله عليهم وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب الدولة والأكابر فما ~~بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس ولا تحقد على أحد فإن الموت لا يبقي على ~~أحد واحذر ما بينك وبين الناس فإنه لا يغفر إلا برضاهم وما بينك وبين الله ~~يغفره الله بتوبتك إليه فإنه كريم. وكان ذلك بعد انصرفنا من خدمته ومضى ~~من الليل ما شاء الله إن يمضي وهذا ما أمكنني حكايته وضبطه ولم يزل بين ~~يديه إلى قريب السحر ثم أذن له في الانصراف ونهض ليودعه فقبل وجهه ومسح ~~رأسه وانصرف في دعة الله ونام في برج الخشب الذي للسلطان وكنا نجلس عنده في ~~الأحياء إلى بكرة وانصرفت في خدمته إلى بعض الطريق وودعته وسار في حفظ الله ~~إن شاء الله . PageV01P238 ### || ذكر مسير الملك الأفضل رحمه الله # ثم سير الملك الأفضل ثقله وأقام يراجع السلطان على لساني في أشغال ~~كانت له حتى دخل في شوال أربعة أيام وسار في ليلة الخامس منه نصف الليل عن ~~تعتب عليه جريدة على طريق الغور. ### || ذكر مسيره - قدس الله روحه - من القدس # وأقام السلطان يقطع الناس ويعطيهم دستورا ويتأهب للمسير إلى الديار ~~المصرية وانقطع شوقه عن الحج وكان من أكبر المصالح التي فاتته ولم يزل كذلك ~~حتى صح عنده ms198 إقلاع مركب الأنكتار متوجها إلى بلاده مستهل شوال فعند ذلك حرر ~~السلطان عزمه على أن يدخل الساحل جريدة ويفتقد القلاع البحرية إلى بانياس ~~ويدخل دمشق المحروسة يقيم بها أياما قلائل ويعود إلى القدس الشريف سائرا ~~إلى الديار المصرية يتفقد أحوالها ويقرر قواعدها وينظر في مصالحها وأمرني ~~بالمقام في القدس الشريف لعمارة بيمارستان أنشأه فيه وإدارة المدرسة التي ~~أنشأها فيه إلى حين عوده وسار من القدس الشريف ضحوة نهار الخميس سادس شوال ~~وودعته إلى البيرة ونزل بها وأكل فيها طعاما ثم أتى بعض طريق نابلس فبات ~~فيه ثم أتى نابلس ضحوة نهار الجمعة سابع شوال فلقيه خلق عظيم يستغيثون من ~~المشطوب ويتضورون من سوء رعايته لهم فأقام يكشف عن أحوالهم إلى عصر يوم ~~السبت ثم رحل ونزل بسبصطية يتفقد أحوالها ثم أتى في طريقه إلى كوكب ونظر في ~~أحوالها وسد خللها وذلك في يوم الاثنين عاشره . ### || ذكر خروج بهاء الدين قراقوش من الأسر # وكان انفكاكه من ربقة الأسر يوم الثلاثاء حادي عشر شوال ومثل بالخدمة ~~الشريفة السلطانية ، ففرح به PageV01P239 فرحا شديدا وكانت له حقوق كثيرة ~~على السلطان وعلى الإسلام واستأذن السلطان في المسير إلى تحصيل القطيعة ~~فأذن له في ذلك وكانت القطيعة على ما بلغني ثمانين ألفا . ### || ذكر وصول البرنس إلى الخدمة السلطانية مسترفدا # ولما وصل السلطان إلى بيروت وصل إلى خدمته البرنس صاحب أنطاكية ~~مسترفدا فبالغ في احترامه وإكرامه ومباسطته وأنعم عليه بالعمق وزرعان ~~ومزارع تبلغ خمسة عشر ألف دينار . ### || ذكر موت المشطوب بالقدس # وكان قد خلف المشطوب في القدس من جملة العسكر المقيمين به ولم يكن ~~واليه وإنما كان واليه عز الدين جرديك وكان ولاه بعد الصلح حالة عوده إلى ~~القدس بعد أن شاور فيه الملك العادل والملك الأفضل والملك الظاهر على لساني ~~وأشار به أهل الدين والصلاح لأنه كان كثير الجد والخدمة والحفظ لأهل الخير ~~فأمرني السلطان أن أوليه ذلك في يوم الجمعة عند الصخرة ووليته إياه بعد ~~صلاة الجمعة واشترطت عليه الأمانة وعرفته موضع حسن اعتقاد السلطان ms199 فيه ~~وانعقد الأمر وقام به القيام المرضي. وأما المشطوب فإنه كان مقيما ~~بالقدس من جملة من كان مقيما بها وتوفي يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال ~~ودفن في داره بعد أن صلى عليه في المسجد الأقصى رحمه الله. ### || ذكر عود السلطان - قدس الله روحه - إلى محروسة دمشق # وكان عوده إليها بعد الفراغ من تصفح أحوال القلاع الساحلية بأسرها ~~والتقدم بسد خللها وإصلاح أمور أجنادها وإشحانها بالرجال والأجناد ، فدخل ~~دمشق بكرة الأربعاء سادس عشرى شوال وفيها أولاده : PageV01P240 الملك ~~الأفضل والملك الظاهر والملك الظافر وأولاده الصغار وكان يحب البلد ويؤثر ~~الإقامة فيه على سائر البلاد وجلس للناس في بكرة الخميس السابع والعشرين ~~منه وحضر الناس عنده وبلوا شوقهم من رؤيته وأنشده الشعراء وعم ذلك المجلس ~~الخاص والعام وأقام ينشر جناح عدله. ويهطل سحاب إنعامه وفضله ويكشف ~~مظالم الرعايا في الأوقات المعتادة حتى كان يوم الاثنين مستهل ذي القعدة ~~اتخذ الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر فإنه لما وصل إلى دمشق بلغه حركة ~~السلطان إليها فأقام حتى يتملى بالنظر إليه ثانيا وكأن نفسه الشريفة كانت ~~قد أحست بدنو أجل السلطان فودعه في تلك الليلة مرارا متعددة وهو يعود إليه ~~. # ولما اتخذ الملك الأفضل له دعوة أظهر فيها من بديع التجمل وغريهه ما ~~يليق بهمته وكأنه أراد مجازاته عما خدمه به حين وصوله إلى حلب وحضرها أرباب ~~الدنيا وأبناء الآخرة وسأل السلطان الحضور فحضر جبرا لقلبه. ### || ذكر قدوم الملك العادل أخيه # ولما تصفح الملك العادل أخبار الكرك وأمر بإصلاح ما قصد إصلاحه منه عاد ~~طالبا البلاد الفراتية فوصل أرض دمشق يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة وكان ~~السلطان قد خرج إلى لقائه وأقام يتصيد حوالي عباب إلى الكسوة حتى لقيه ~~وسارا جميعا وكان دخولهما دمشق آخر نهار الأحد الحادي والعشرين وأقام ~~السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده ويتفرجون في أرض الشام وموطن الظباء ~~وكأنه وجد راحة مما كان فيه من ملازمة التعب وسهر الليل ونصب النهار وما ~~كان ذلك إلا كالوداع لأولاده ومرابع تنزهه وهو ms200 لا يشعر ونسي عزمه المصري ~~وعرضت له أمور أخرى وعزمات غير ذلك ووصلني كتابه إلى القدس يستدعيني إلى ~~خدمته وكان شتاء شديدا ووحل عظيم فخرجت من القدس الشريف في يوم الجمعة ~~الثالث والعشرين من المحرم سنة تسع وثمانين وكان الوصول إلى دمشق يوم ~~الثلاثاء ثاني عشر صفر سنة تسع وكان وصل أوائل الحج على طريق دمشق واتفق ~~حضوري والملك الأفضل حاضر في الإيوان الشمالي وفي خدمته خلق من الأمراء ~~وأرباب المناصب ينتظرون جلوس السلطان لخدمته ، PageV01P241 فلما شعر بحضوري ~~استحضرني وهو وحده قبل أن يدخل إليه أحد فدخلت عليه فقام ولقيني لقاء ما ~~رأيت أشد من بشره بي فيه ولقد ضمني إليه ودمعت عينه رحمة الله عليه . ### || ذكر لقائه للحجاج رحمة الله عليه # ولما كان يوم الأربعاء ثالث عشر صفر طلبني فحضرت عنده فسألني عمن في ~~الإيوان فأخبرته أن الملك الأفضل جالس في الخدمة والأمراء والناس في خدمته ~~فاعتذر إليهم على لسان جمال الدولة إقبال. ولما كانت بكرة الخميس ~~استحضرني فحضرت عنده في صفة البستان وعنده أولاده الصغار فسأل عن الحاضرين ~~فقيل له رسل الإفرنج وجماعة الأمراء والأكابر فاستحضر رسل الإفرنج إلى ذلك ~~المكان فحضروا وكان له ولد صغير وكان كثيرا ما يميل إليه يسمى الأمير وكان ~~حاضرا وهو يداعبه فلما وقع بصره على الإفرنج ورأى أشكالهم وحلق لحاهم وقص ~~شعورهم وما عليهم من الثياب غير المألوفة خاف منهم وبكى فاعتذر إليهم ~~وصرفهم بعد أن حضروا ولم يسمع كلامهم وقال إن لي اليوم شغلا وكان عادته ~~المباسطة ثم قال أحضروا لنا ما تيسر فأحضروا أرزا بلبن وما شابه ذلك من ~~الأطعمة الخفيفة فأكل وكنت أظن أنه ما عنده شهوة وكان في هذه الأيام يعتذر ~~إلى الناس لثقل الحركة عليه وكان بدنه ملتاثا ممتلئا وعنده كسل فلما فرغنا ~~من الطعام قال ما الذي عندك من خبر الحاج فقلت اجتمعت بجماعة منهم في ~~الطريق ولولا كثرة الوحل لدخلوا اليوم ولكنهم غدا يدخلون. فقال نخرج إن ~~شاء الله إلى لقائهم وتقدم بتنظيف طرقاتهم من ms201 المياه فإنها سنة كثيرة ~~الأنداء وقد سالت المياه في الطرق والأنهار. وانفصلت من خدمته ولم أجد ~~عنده من النشاط ما كنت أعرفه ثم ركب في بكرة الجمعة وتأخرت عنه قليلا ثم ~~لقيته وقد لقي الحاج وكان فيهم سابق الدين وقرالا الياروقي وكان كثير ~~الاحترام للمشايخ فلقيهم ثم لحقه الملك الأفضل وأخذ يحدثني فنظرت إلى ~~السلطان فلم أجد عليه كزاغنده وما كان له عادة بركب بدونه وكان يوما عظيما ~~قد اجتمع فيه للقاء الحاج ، والتفرج على السلطان ، PageV01P242 معظم من في ~~البلد فلم أجد الصبر دون أن سرت إلى جانبه وحدثته في إهمال هذا فكأنه ~~استيقظ فطلب الكزاغند فلم يوجد الزرد كماش فوجدت لذلك أمرا عظيما وقلت في ~~نفسي السلطان يطلب ما لا بد منه في عادته ولا يجده ووقع في قلبي تطير بذلك ~~فقلت له أليس ثم طريق نسلكه ليس فيه خلق كثير فقال بلى ثم سار بين البساتين ~~فطلب جهة المنيع وسرنا في خدمته وقلبي يرعد لما قد وقع فيه من الخوف عليه ~~فسار حتى أتى القلعة فعبرا على الجسر إلى القلعة وهو طريقه المعتاد وكانت ~~آخر ركوبه. ### || ذكر مرضه ، رحمة الله عليه # ولما كانت ليلة السبت وجد كسلا عظيما فما انتصف الليل حتى غشيته حمى ~~صفراوية كانت في باطنه أكثر من ظاهره وأصبح في يوم السبت سادس عشر صفر سنة ~~تسع وثمانين متكسلا عليه أثر الحمى ولم يظهر ذلك للناس لكن حضرت أنا ~~والقاضي الفاضل ودخل ولده الملك الأفضل وطال جلوسنا عنده وأخذ يشكو من قلقه ~~في الليل وطال به الحديث إلى قريب الظهر ثم انصرفنا والقلوب عنده فتقدم ~~إلينا بالحضور على الطعام في خدمة الملك الأفضل ولم يكن القاضي عادته ذلك ~~فانصرف ودخلت أنا إلى الإيوان وقد مد الطعام والملك الأفضل قد جلس في موضعه ~~فانصرفت وما كان لي قوة على الجلوس استيحاشا وبكى جماعة تفاؤلا بجلوس ولده ~~في موضعه ثم أخذ المرض في تزايد من حينئذ ونحن نلازم التردد طرفي النهار ~~وندخل إليه أنا والقاضي الفاضل في ms202 النهار مرارا ويعطي الطريق في بعض الأيام ~~التي يجد فيها خفة وكان مرضه في رأسه وكان من أمارات انتهاء العمر إذ كان ~~قد ألف مزاجه سفرا وحضرا ورأى الأطباء قصده فقصدوه في الرابع فاشتد مرضه ~~وقلت رطوبات بدنه وكان يغلب عليه اليبس غلبة عظيمة ولم يزل المرض يتزايد ~~حتى انتهى إلى غاية الضعف. ولقد جلسنا في سادس مرضه وأسندنا ظهره إلى ~~مخدة وأحضر ماء فاترا ليشرب عقيب شرب دواء لتليين الطبيعة فشربه فوجده شديد ~~الحرارة فشكا من شدة حرارته وعرض عليه ماء ثان فشكا من برده ولم يغضب ولم ~~يصخب ولم يقل سوى هذه الكلمات : سبحان الله ألا يمكن أحدا تعديل الماء. ~~فخرجت أنا والقاضي الفاضل من عنده وقد اشتد بنا البكاء والقاضي الفاضل يقول ~~لي : أبصر هذه الأخلاق التي قد أشرف المسلمون على مفارقتها والله لو أن هذا ~~PageV01P243 بعض الناس لضرب بالقدح رأس من أحضره. واشتد مرضه في السادس ~~والسابع والثامن ولم يزل يتزايد ويغيب ذهنه. ولما كان التاسع حدثت عليه ~~غشية وامتنع من تناول المشروب فاشتد الخوف في البلد وخاف الناس ونقلوا ~~الأقمشة من الأسواق وغشي الناس من الكآبة والحزن ما لا يمكن حكايته. ~~ولقد كنت أنا والقاضي الفاضل نقعد في كل ليلة إلى أن يمضي من الليل ثلثه أو ~~قريب منه ثم نحضر في باب الدار فإن وجدنا طريقا دخلنا وشاهدناه وانصرفنا ~~وإلا عرفونا أحواله من وكنا نجد الناس يترقبون خروجنا إلى أن يلاقونا حتى ~~يعرفوا أحواله من صفحات وجوهنا. ولما كان العاشر من مرضه حقن دفعتين ~~وحصل من الحقن راحة وحصل بعض خفة وتناول من ماء الشعير مقدارا صالحا وفرح ~~الناس فرحا شديدا فأقمنا على العادة إلى أن مضى من الليل هزيع ثم أتينا إلى ~~الدار فوجدنا جمال الدولة إقبالا فالتمسنا منه تعريف الحال المستجد فدخل ~~وأنفذ إلينا مع الملك المعظم تورانشاه جبره الله تعالى أن العرق قد أخذ في ~~ساقيه فشكرنا الله تعالى على ذلك والتمسنا منه أن يمس بقية قدمه ويخبرنا ~~بحاله في العرق ms203 فتفقده ثم خرج إلينا وذكر أن العرق سابغ وانصرفنا طيبة ~~قلوبنا ثم أصبحنا في الحادي عشر من مرضه وهو السادس والعشرين من صفر فحضرنا ~~بالباب وسألنا عن الأحوال فاخبرنا بأن العرق أفرط حتى نفذ في الفراش ثم في ~~الحصر وتأثرت به الأرض وأن اليبس قد تزايد تزيدا عظيما وحارت في القوة ~~الأطباء. ### || ذكر تحليف الملك الأفضل الناس # ولما رأى الملك الأفضل ما حل بوالده وتحقق الناس من موته تسرع في تحنف ~~الناس في دار رضوان المعرفة بسكناه واستحضر القضاة وعمل له نسخة يمين ~~مختصرة محصلة للمقاصد تتضمن الحلف للسلطان مدة حياته وله بعد وفاته واعتذر ~~إلى الناس بأن المرض قد اشتد وما يعلم ما يكون وما يفعل هذا إلا احتياطا ~~على جاري عادة الملوك فأول من استحضر للحلف سعد الدين أخو بدر الدين مودود ~~PageV01P244 الشحنة فبادر إلى اليمن من غير شرط ثم حضر ناصر الدين صاحب ~~صهيون وذاد أن الحصن الذي في يده له وسابق الدين صاحب شيزر فحلف ولم يذكر ~~الطلاق واعتذر بأنه ما حلف به. ثم حضر خشتر بن حسين الهكاوي وحلف. ~~وحضر أنوشروان الزرزاري وحلف واشترط أن يكون له خبز يرضيه. وحضر علكان ~~وملكان وحلفا ثم مد الخوان وحضر الجماعة وأكلوا. ولما كان العصر أعيد ~~المجلس للتحلف وحضر ميمون القصري رحمه الله وشمس الدين الكبير وقالا نحلف ~~بشرط أن لا نسل في وجه أحد من أخوتك سيفا لكن رأسي دون بلادك. هذا قول ~~ميمون القصري. وأما سنقر فإنه امتنع ساعة ثم قال : كنت خلفتني على ~~النطرون وأنا عليها وحضر سامه وقال ليس لي خبز فقل لي على أي شيء أحلف. ~~فرجع وحلف وعلق يمينه بشرط أن يعطى خبزا يرضيه. وحضر سنقر المشطوب وحلف ~~واشترط أن يرضى. وحضر أيبك الأفطس رحمه الله واشترط رضاه. وحضر حسام ~~الدين بشارة وحلف وكان مقدما على هؤلاء ولم يحضر أحد من الأمراء المصريين ~~ولم يتعرض لهم بل حلف هؤلاء للتقرير. ونسخة اليمين المحلوف بها مضمونها ~~أني من وقتي هذا صفيت نيتي. وأخلصت ms204 طويتي. للملك الناصر مدة حياته ~~وأني لا أزال باذلا جهدي في الذب عن دولته بنفسي ومالي وسيفي ورجالي ممتثلا ~~أمره واقفا عند مراضيه. ثم من بعده لولده الأفضل علي ووريثه. ووالله ~~إنني في طاعته وأذب عن دولته وبلاده بنفسي ومالي وسيفي ورجالي وأمتثل أمره ~~ونهيه وباطني وظاهري في ذلك سواء والله على ما أقول وكيل . ثم فصل التخريج ~~، هذه نسخة اليمين المحلوف بها ، أعنى مقاصدها . PageV01P245 | ### || ذكر وفاته - رحمه الله عليه - وقدس الله روحه وأحسن خلفه للمسلمين # ولما كانت ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من صفر وهي الثانية عشرة من ~~مرضه اشتد مرضه وضعفت قوته ووقع من الأمر في أوله وحال بيننا وبينه النساء ~~واستحضرت أنا والقاضي الفاضل تلك الليلة وابن الزكي ولم يكن عادته الحضور ~~في ذلك الوقت وحضر بيننا الملك الأفضل وأمر أن نبيت عنده فلم ير القاضي ~~الفاضل ذلك رأيا فإن الناس كانوا ينتظرون نزولنا من القلعة فخاف إن لم ننزل ~~أن يقع الصوت في البلد وربما نهب الناس بعضهم بعضا فرأى المصلحة في نزولنا ~~واستحضار الشيخ أبي جعفر إمام الكلاسة وهو رجل صالح ليبيت بالقلعة حتى إذا ~~أحضر رحمه الله بالليل حضر عنده وحال بينه وبين النساء وذكره الشهادة وذكر ~~الله تعالى ففعل ذلك ونزلنا وكل منا يود فداءه بنفسه وبات في تلك الليلة ~~على حال المنتقلين إلى الله تعالى والشيخ أبو جعفر يقرأ عنده القرآن ويذكر ~~الله تعالى وكان ذهنه غائبا من ليلة التاسع لا يكاد يفيق إلا في أحيان. ~~وذكر الشيخ أبو جعفر أنه لما انتهى إلى قوله تعالى : هو الله الذي لا إله ~~إلا هو عالم الغيب والشهادة. سمعه وهو يقول رحمة الله عليه : صحيح. ~~وهذه يقظة في وقت الحاجة وعناية من الله تعالى به فلله الحمد على ذلك. ~~وكانت وفاته بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة ~~تسعة وثمانين وخمسمائة وبادر القاضي الفاضل بعد طلوع الصبح في وقت وفاته ~~ووصلت وقد مات وانتقل إلى رضوان الله ومحل كرمه وجزيل ثوابه ms205 ولقد حكي لي ~~أنه لما بلغ الشيخ أبو جعفر إلى قوله تعالى : لا إله إلا هو عليه توكلت. ~~تبسم وتهلل وجهه وسلمها إلى ربه وكان يوما لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله ~~منذ فقدوا الخلفاء الراشدين وغشي القلعة والبلد والدنيا من الوحشة ما لا ~~يعلمه إلا الله تعالى. وبالله لقد كنت أسمع من بعض الناس أنهم يتمنون ~~فداءه بنفوسهم وما سمعت هذا الحديث إلا على ضرب من التجوز والترخص إلا في ~~ذلك اليوم فإني علمت من ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء في الإيوان ~~الشمالي وحفظ باب القلعة إلا عن الخواص من الأمراء والمعممين وكان يوما ~~عظيما وقد شغل كل إنسان ما عنده من الحزن والأسف والبكاء والاستغاثة من أن ~~ينظر إلى غيره وحفظ المجلس عن أن ينشد فيه شاعر أو يتكلم فيه فاضل وواعظ . # وكان PageV01P246 أولاده يخرجون مستغيثين إلى الناس فتكاد النفوس تزهق ~~لهول منظرهم. ودام الحال على هذا إلى ما بعد صلاة الظهر. ثم اشتغل ~~بتغسيله وتكفينه فما أمكننا أن ندخل في تجهيزه ما قيمته حبة واحدة إلا ~~بالقرض حتى في ثمن التبن الذي بلت الطين وغسله الدولعي الفقيه ونهضت إلى ~~الوقوف على غسله فلم تكن لي قوة تحمل ذلك المنظر وأخرج بعد صلاة الظهر في ~~تابوت مسجى بثوب فوط. وكان ذلك وجميع ما احتاج إليه من الثياب في تكفينه ~~قد أحضره القاضي الفاضل من وجه حل عرفه وارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم ~~من الضجيج والعويل ما شغلهم عن الصلاة فصلى عليه الناس أرسالا وكان أول من ~~أم بالناس القاضي محيي الدين ابن الزكي ثم أعيد إلى الدار التي في البستان ~~وكان متمرضا بها ودفن في الصفة الغربية منها. وكان نزوله في حفرته قدس ~~الله روحه ونور ضريحه قريبا من صلاة العصر ثم نزل في أثناء النهار ولده ~~الملك الظافر وعزى الناس فيه وسكن قلوب الناس وكان الناس قد شغلهم البكاء ~~عن الإشغال بالنهب والفساد فما وجد قلب إلا حزين ولا عين إلا باكية إلا من ~~شاء الله. ثم ms206 رجع الناس إلى بيوتهم أقبح رجوع ولم يعد أحد منهم في تلك ~~الليلة إلا نحن حضرنا وقرأنا وجددنا حالا من الحزن. واشتغل في ذلك اليوم ~~الملك الأفضل بكتابة الكتب إلى عمه وأخواته يخبرهم بهذا الحادث. وفي ~~اليوم الثاني جلس للعزاء جلوسا عاما وأطلق باب القلعة للفقهاء والعلماء ~~وتكلم المتكلمون ولم ينشد شاعر ثم انفض المجلس في ظهر ذلك اليوم واستمر ~~الحال في حضور الناس بكرة وعشية وقراءة القرآن والدعاء له رحمة الله عليه ~~واشتغل الملك الأفضل بتدبير أمر ومراسلة أخوته وعمه. ثم انقضت تلك ~~السنون وأهلها * * فكأنها وكأنهم أحلام | وصلى الله على سيدنا محمد نبيه ~~وعلى آله . هذه أخبار الملك الناصر أبي المظفر يوسف بن أيوب - رحمة الله ~~عليه - فرغت من جمعها يوم وفاته - رحمة الله عليه - ، وقصدت بذلك وجه الله ~~تعالى في حث الناس على الترحم عليه ، وذكر محاسنه ، والله يحسن خلافته من ~~بعده ، ويجزيه ما هو أهله ، بمحمد وآله ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ~~PageV01P247 قال مولانا الصاحب المصنف ، أدام الله علوه : ### || ذكر المدن والحصون التي يسر الله فتحها على يديه - رحمة الله عليه - من ديار الفرنج - خذلهم الله تعالى - من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة ست وثمانين ~~$ | طبرية على بحر الأردن بالسيف . عكا على البحر الكبير بالأمان . حيفا ~~على البحر بالأمان . الناصرة التي تنسب إليها النصارى . الرملة . قيسارية ~~السيف . ( 207 أ ) أرسوف بالأمان . يافا بالسيف ' مدينتها ' عسقلان بالأمان ~~. غزة بالأمان . الداروم . صيدا على البحر . بيروت بالأمان . جبيل . هونين ~~، جبلية . تبنين . أنطرطوس ' دون أخذ برجها ' بالسيف . جبلة ' مدينتها ~~بالسيف ، وقلعتها بالأمان ' اللاذقية ، مدينتها بالسيف ، وقلعتها بالأمان . ~~السرفند . مدينة القدس الشريف ، خلصه الله تعالى . نابلس . البيرة بأرض ~~القدس . صفورية . الطور . حصن دبورية . الفوله . حصن عقربلا . حصن جنين . ~~سفسطية . كوكب . حصن عفرى ' شمال القدس ' . بيت لحم . حصن العازرية بأرض ~~القدس . البرج الأحمر ' قريبا منه ' . حصن الخليل ' عليه السلام ' بيت ~~جبرين . تل الصافية . حصن مجدل يابا . قلعة الجيب الفوقاني . ' الجيب ' . ~~التحتاني . النطرون . الحصن الأحمر . لد بأرض الرملة . قلنوسة ' قريبا منها ~~' . يبنى . القاقون والقيمون ms207 . قلعة الكرك ' بعد حصار سنة ونصف ' . قلعة ~~الشوبك ' بعد حصار سنتين ' . قلعة السلع . الوعيرة . قلعة الجمع . قلعة ~~الطفيلة . قلعة الهرمز . جميع ذلك في وادي موسى والسراة ( 207 ب ) . قلعة ~~صفد . حصن يازور . شقيف أرنوف . حصن اسكندرونة ' بين صور وعكا ' . قلعة أبي ~~الحسن ' بأرض صيدا ' . صيدا أيضا حصن بلدة بالساحل الأعلى . المرقية ' على ~~البحر ' . حصن يحمور بأرض عكا . بلنياس بين جبلة والمرقب . صهيون . بلاطنس ~~. حصن الجماهيرية . قلعة العيذد . بكاس . الشغر . بكسرائيل . السرمانية . ~~قلعة برزية . دربساك . بغراس ' قريبا من أنطاكية ' الدانور بأرض بيروت . ~~السوفند قريبا من صيدا. ### |PARATEXT| # آخره والحمد لله رب العالمين ، وصلواته على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه . ووافق الفراغ منه ثاني عشر رجب المبارك سنة ~~ست وعشرين وستمائة ، على يد العبد الفقير إلى رحمة ربه . وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل . PageV01P248 بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين | الحمد لله وحده ~~والصلاة والسلام على من لا نبي بعده اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم طالع فيه الفقير إلى الله تعالى . . .. . . . . . . . . . . ~~. 1276 . . . . . . . . . . . طالعته من أوله إلى آخره أفقر العباد داعيا ~~لمالكه بطول البقاء وعلو الارتقاء . . . . . . . . وملكته سنة . . . .. ~~. . . . . . . . . . . .. قوبلت بالأصل من أولها إلى آخرها . . . . . . ~~. | . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P249 | بسم الله الرحمن ~~الرحيم | الله صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم | # فهم في بطون الأرض بعد ظهورها %~% محاسنهم فيها بوال دوائر # خلت دورهم منهم وأقوت عراصها %~% وساقتهم نحو المنايا المقادر # وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها %~% وضمتهم تحت التراب الحفائر ~~للملك داود : # وإني إذا ما العز أبدى مودتي %~% خداعا وأخفى الغل بين الأضالع # لأظهر جهلا بالذي أنا عالم %~% بمكنونه فعل اللبيب المخادع # وأغدو إذا ما أمكنتنى فرصة %~% عليه بماضي الحد أبيض قاطع # بضربة مقدام ثبوت مجرب %~% يغيبه بين اللها والأخادع %~% هكذا الدنيا ~~تذل و . . . . . . . . PageV01P250 ms208