######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012716 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة الأسدي الموصلي، أبو المحاسن، بهاء الدين ابن شداد (المتوفى: 632هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 632 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (سيرة صلاح الدين الأيوبي) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012716 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12716 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12716 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور جمال الدين الشيال #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1415 هـ - 1994 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي من علينا بالإسلام وهدانا بالإيمان الجاري على أحسن نظام، ~~وأنعم علينا بشفاعة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، وجعل سير الأولين عبرة ~~لأولي الأفهام، وتقلبات الأحوال قاضية على كل أمر حادث بالإنصرام، كيلا ~~يغتر ذو جمال حسن ولا ييأس من لعبت بأحواله أكف السقام وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له شهادة تشفي القلوب من لظى الأوام وأشهد أن سيدنا محمد ~~عبده ورسوله الذي فتح للهداية أبوابا يلج المستفتحون لها بمفاتيح الانقياد ~~والاستسلام، صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة ببقاء الأيام وبعد فإني لما ~~رأيت أيام مولانا السلطان، الملك الناصر جامع كلمة الإيمان، وقامع عبدة ~~الصلبان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام ~~والمسلمين، منقذ بيت المقدس من أيدي المشركين خادم الحرمين الشريفين أبي ~~المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي سقى الله ضريحه صوب الرضوان، وأذاقه في مقر ~~رحمته حلاوة نتيجة الإيمان، قد صدقت من أخبار # PageV01P025 # الأولين ما كذبه الاستبعاد، وشهدت بالصحة لما روي من نوادر الكرام ~~الأجواد، وحققت وقعات شجعان مماليكها ما قدحت فيه الشكوك من أخبار الشجعان، ~~ورأيت بالعيان من الصبر على المكاره في ذات الله ما قوى به الإيمان، وعظمت ~~عجائبها عن أن يحيط بها خاطر أو يجنها جنان، وجلت نوادرها أن تحد ببيان ~~لسان، أو أن تسطر في طرس ببنان، وكانت مع ذلك من قبيل لا يمكن الخبير بها ~~إخفاؤها، ولا يسع المطلع عليها إلا أن تروي عنه أخبارها وأنباؤها، ومسني من ~~رق نعمتها، وحق محبتها وواجب خدمتها، ما يجب علي به إبداء ما حققت من ~~حسناتها، ورواية ما علمت من محاسن صفاتها. رأيت أن أختصر من ذلك على ما ~~أملاه علي العيان، أو الخبر الذي يقارب مظنونه درجة الإيقان، وذلك جزء من ~~كل، وقل من جل، ليستدل بالقليل على الكثير، وبالشعاع على المستطيل بعد ~~المستطير، وسميت هذا المختصر من تاريخها: النوادر السلطانية، والمحاسن ~~اليوسفية. # PageV01P026 # وجعلته قسمين أحدهما في مولده رحمه الله ومنشئه وخصائصه ms001 وأوصافه وأخلاقه ~~المرضية، وشمائله الراجحة في نظر الشرع الوفية، والقسم الثاني في تقلبات ~~الأحوال به ووقائعه وفتوحه، وتواريخ ذلك أيام حياته قدس الله روحه، والله ~~المستعان في الصيانة عن هفوات اللسان والقلم، وجريان الخاطر بما فيه مزلة ~~القدم، وهو حسبي ونعم الوكيل. # PageV01P027 ### | القسم الأول # في ذكر مولده وخصائصه وأوصافه وشمائله وخلاله # PageV01P028 # كان مولده رحمه الله على ما بلغنا من ألسنة الثقات الذين تتبعوه حتى بنوا ~~عليه تسيير مولده على ما تقتضيه صناعة التنجيم في شهور سنة اثنين وثلاثين ~~وخمسمائة وذلك بقلعة تكريت، وكان والده أيوب بن شاذي رحمه الله تعالى واليا ~~بها وكان كريما أريحيا حليما حسن الأخلاق مولده ببدوين ثم اتفق له الانتقال ~~من تكريت إلى الموصل المحروسة وانتقل ولده المذكور معه وأقام بها إلى أن ~~ترعرع وكان والده محترما هو وأخوه أسد الدين شيركوه عند أتابك زنكي واتفق ~~لوالده الانتقال إلى الشام وأعطي بعلبك وأقام بها مدة فنقل ولده المذكور ~~إلى بعلبك المحروسة وأقام بها في خدمة والده يتربى تحت حجره ويرتضع ثدي # PageV01P031 # محاسن أخلاقه حتى بدت منه أمارات السعادة، ولاحت عليه لوائح التقدم ~~والسيادة، فقدمه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى ~~وعول عليه ونظر إليه وقربه وخصصه، ولم يزل كلما تقدم قدما تبدو منه أسباب ~~تقتضي تقديمه إلى ما هو أعلى منه حتى بدا لعمه أسد الدين رحمه الله الحركة ~~إلى مصر المحروسة وذهابه إليها. وسيأتي بيان ذلك مفصلا مبينا إن شاء الله ~~تعالى. # PageV01P032 ### | ذكر ما شاهدناه من مواظبته على القواعد الدينية # وملاحظته للأمور الشرعية # ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بني الإسلام ~~على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان ~~والحج إلى بيت الله الحرام. وكان رحمة الله عليه حسن العقيدة كثير الذكر ~~لله تعالى قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم ~~وأكابر الفقهاء وفهم من ذلك ما يحتاج إلى تفهمه بحيث كان إذا جرى الكلام ms002 ~~بين يديه يقول فيه قولا حسنا وإن لم يكن بعبارة الفقهاء فتحصل من ذلك سلامة ~~عقيدته عن كدر التشبيه. غير مارق سهم النظر إلى التعطيل والتمويه جارية على ~~نمط الاستقامة موافقة لقانون النظر الصحيح مرضية عند أكابر العلماء، وكان ~~قد جمع له الشيخ قطب الدين النيسابوري عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه في ~~هذا الباب. وكان شدة حرصه عليها يعلمها الصغار من أولاده حتى ترسخ في ~~أذهانهم في الصغر ورأيته وهو يأخذها عليهم وهم يلقونها من حفظهم بين يديه. # PageV01P033 # وأما الصلاة فإنه كان رحمه الله تعالى شديد المواظبة عليها بالجماعة حتى ~~أنه ذكر يوما أن له سنين ما صلي إلا جماعة. وكان إن مرض يستدعي الإمام وحده ~~ويكلف نفسه القيام ويصلي جماعة. وكان يواظب على السنين الرواتب، وكان له ~~صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح ولم يكن ~~يترك الصلاة ما دام عقله عليه. ولقد رأيته قدس الله روحه يصلي في مرضه الذي ~~مات فيه قائما وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه. ~~وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلى. # وأما الزكاة فإنه مات رحمه الله تعالى ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة ~~وأما صدقة النفل فإنها استرقت جميع ما ملكه من الأموال فإنه ملك ما ملك ولم ~~يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية وجرما واحدا ~~ذهبا ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة ولا ~~شيئا من أنواع الأملاك. # PageV01P034 # وأما صوم رمضان فإنه كان عليه منه فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في ~~رمضانات متعددة وكان القاضي الفاضل قد تولى ثبت تلك الأيام وشرع رحمه الله ~~في قضاء تلك الفوائت بالقدس الشريف في السنة التي توفي فيها وقد واظب على ~~الصوم مدة حتى بقيت عليه فوائت رمضانين شغلته الأمراض وملازمة الجهاد عن ~~قضائها ومع كون الصوم لا يوافق مزاجه ألهمه الله تعالى الصوم وأقدره على ما ~~قضاه من تلك ms003 الفوائت فكان يصوم وأنا أثبت الأيام التي يصومها لأن القاضي ~~كان غائبا وكان الطبيب يلوم وهو لا يسمع ويقول لا أعلم ما يكون فكأنه كان ~~ملهما ما يراد به رحمه الله تعالى. # وأما الحج فإنه كان لم يزل عازما عليه وناويا له سيما في العام الذي توفي ~~فيه فإنه صمم العزم عليه وأمر بالتأهب وعملنا الرفادة ولم يبق إلا المسير ~~فاعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وخلو اليد عما يليق بأمثاله فأخر إلى العام ~~المستقبل فقضى الله ما قضى وهذا شيء اشترك في العلم به الخاص والعام. # PageV01P035 # وكان رحمه الله تعالى يحب سماع القرآن العظيم ويستجيد إمامه ويشترط أن ~~يكون عالما بعلم القرآن العظيم متقنا لحفظه. وكان يستقرئ من يحرسه في الليل ~~وهو في برجه الجزءين والثلاثة والأربعة وهو يسمع. وكان يستقرئ وهو في مجلسه ~~العام من جرت عادته بذلك الآية والعشرين والزائد على ذلك ولقد اجتاز على ~~صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن فاستحسن قراءته فقربه وجعل له حظا من ~~خاص طعامه ووقف عليه وعلى أبيه جزأ من مزرعة. # وكان رحمه الله تعالى خاشع القلب رقيقه غزير الدمعة إذا سمع القرآن يخشع ~~قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته. وكان رحمه الله شديد الرغبة في سماع ~~الحديث ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده ~~استحضره وسمع عليه فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه ~~المختصين به وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالا له. وإن كان ~~ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى ~~إليه وسمع عليه. تردد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية حرسها الله تعالى ~~وروى عنه أحاديث كثيرة. # PageV01P036 # وكان رحمه الله تعالى يحب أن يقرأ الحديث بنفسه وكان يستحضرني في خلوته ~~ويحضر شيئا من كتب الحديث ويقرؤها هو فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ودمعت ~~عينه. # وكان رحمة الله عليه كثير التعظيم لشعائر الدين يقول ببعث الأجسام ~~ونشورها ومجازاة المحسن بالجنة والمسيء ms004 بالنار مصدقا بجميع ما وردت به ~~الشرائع منشرحا بذلك صدره مبغضا للفلاسفة والمعطلة ومن يعاند الشريعة ولقد ~~أمر ولده صاحب حلب الملك الظاهر # PageV01P037 # أعز الله أنصاره بقتل شاب نشأ يقال له السهروردي قيل عنه أنه كان معاندا ~~للشرائع مبطلا وكان قبض عليه ولده المذكور لما بلغه من خبره وعرف السلطان ~~به فأمره بقتله فطلبه أياما فقتله. # كان قدس الله روحه حسن الظن بالله كثير الاعتماد عليه عظيم الإنابة إليه. ~~ولقد شاهدت من آثار ذلك ما أحكيه. وذلك أن الفرنج خذلهم الله كانوا نازلين ~~ببيت نوبة وهو موضع قريب من القدس الشريف حرسها الله تعالى بينهما بعض ~~مرحلة وكان السلطان بالقدس وقد أقام يزكا على العدو محيطا به وقد سير إليهم ~~الجواسيس والمخبرين فتواصلت الأخبار بقوة عزمهم على الصعود إلى القدس ~~ومحاصرته وتركيب القنابل عليه واشتدت مخافة المسلمين بسبب ذلك فاستحضر ~~الأمراء وعرفهم ما قد دهم المسلمين من الشدة وشاورهم في الإقامة بالقدس ~~فأتوا بمجاملة باطنها غير ظاهرها وأصر الجميع على أن لا مصلحة في إقامته ~~بنفسه فإنها مخاطرة بالإسلام وذكروا أنهم يقصدونهم ويخرج هو رحمه الله ~~بطائفة من العسكر يكون حول العدو كما كان الحال بعكا ويكون هو ومن معه بصدر ~~منع ميرتهم أو التضييق عليهم ويكونون هم بصدد حفظ البلد والدفع عنه وانفصل ~~مجلس المشورة على ذلك وهو مصر على أن يقيم بنفسه علما منه أنه إن لم يقم لم ~~يقم أحد فلما انصرف الأمراء إلى بيوتهم جاء من عندهم خبر أنهم لا يقيمون ~~إلا أن يقيم أخوه # PageV01P038 # الملك العادل أو أحد أولاده حتى يكون هو الحاكم عليهم والذي يأتمرون ~~بأمره فعلم أن هذه إشارة منهم إلى عدم الإقامة وضاق صدره وتقسم فكره واشتدت ~~فكرته، ولقد جلست في خدمته في تلك الليلة وكانت ليلة الجمعة من أول الليل ~~إلى أن قارب الصبح وكان الزمان شتاء وليس معنا ثالث إلا الله تعالى ونحن ~~نقسم أقساما ونرتب على كل قسم بمقتضاه حتى أخذني الإشفاق عليه والخوف على ~~مزاحه فإنه كان يغلب ms005 عليه اليبس فشفعت إليه حتى يأخذ مضجعه لعله ينام ساعة ~~فقال رحمه الله لعلك جاءك النوم ثم نهض فما وصلت إلى بيتي وأخذت لبعض شأني ~~إلا وأذن المؤذن وطلع الصبح وكنت أصلي معه الصبح في معظم الأوقات فدخلت ~~عليه وهو يمر الماء على أطرافه فقال ما أخذني النوم أصلا فقلت قد علمت فقال ~~من أين فقلت لأني ما نمت وما بقي وقت للنوم ثم اشتغلنا بالصلاة وجلسنا على ~~ما كنا عليه فقلت له قد وقع لي واقع وأظنه مفيدا إن شاء الله تعالى فقال ~~وما هو # PageV01P039 # فقلت له الإخلاد إلى الله تعالى والإنابة إليه. والاعتماد في كشف الغمة ~~عليه. فقال: وكيف نصنع فقلت اليوم الجمعة يغتسل المولى عند الرواح ويصلي ~~على العادة بالأقصى موضع مسرى النبي صلى الله عليه وسلم ويقدم المولى ~~التصدق بشيء خفية على يد من يثق به ويصلي المولى ركعتين بين الآذان ~~والإقامة ويدعو الله في سجوده فقد ورد فيه حديث صحيح وتقول في باطنك: إلهي ~~قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتصام ~~بحبلك والاعتماد على فضلك أنت حسبي ونعم الوكيل. فإن الله أكرم من أن يخيب ~~قصدك ففعل ذلك كله وصليت إلى جانبه على العادة وصلى الركعتين بين الآذان ~~والإقامة ورأيته ساجدا ودموعه تتقاطر على شيبته ثم على سجادته ولا أسمع ما ~~يقول فلم ينقض ذلك اليوم حتى وصلت رقعة من عز الدين جرديك وكان على اليزك ~~يخبر فيها أن الفرنج مختبطون وقد ركب اليوم عسكرهم بأسره إلى الصحراء ~~ووقفوا إلى قائم الظهيرة ثم عادوا إلى خيامهم وفي بكرة السبت جاءت رقعة ~~ثانية تخبر عنهم بمثل ذلك. ووصل في أثناء النهار جاسوس أخبر أنهم اختلفوا ~~فذهبت الفرنسيسية إلى أنهم لا بد لهم من محاصرة القدس وذهب الأنكتار ~~وأتباعه إلى أنه لا يخاطر بدين النصرانية ويرميهم في الجبل مع عدم المياه ~~فإن السلطان كان قد أفسد جميع ما حول القدس من المياه أنهم خرجوا للمشورة ~~ومن عادتهم # PageV01P040 # أنهم يتشاورون للحرب على ms006 ظهور الخيل وأنهم قد نصوا على عشرة أنفس منهم ~~وحكموهم فأي شيء أشاروا به لا يخالفونهم ولما كانت بكرة الاثنين جاء المبشر ~~يخبر أنهم رحلوا عائدين إلى جهة الرملة فهذا ما شهدته من آثار استنباطه ~~وإخلاده إلى الله تعالى رحمه الله. ### | ذكر عدله رحمه الله تعالى # روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~الوالي العادل ظل الله في أرضه فمن نصحه في نفسه أو في عباده أظله الله تحت ~~عرشه يوم لا ظل إلا ظله ومن خانه في نفسه أو في عباده خذله الله يوم ~~القيامة، يرفع للوالي العادل في كل يوم عمل ستين صديقا كلهم عابد مجتهد ~~لنفسه. # ولقد كان رحمه الله عادلا رؤوفا رحيما ناصرا للضعيف على القوي. وكان يجلس ~~للعدل كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ~~ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ ~~كبير وكان يفعل ذلك سفرا وحضرا. # PageV01P041 # على أنه كان في جميع زمانه قابلا لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم ~~ويفتح باب العدل ولم يرد قاصدا للحوادث والحكومات. وكان يجلس مع الكاتب ~~ساعة إما في الليل أو في النهار ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه ~~ولم يرد قاصدا أبدا أو منتحلا ولا طالب حاجة وهو مع ذلك دائم الذكر ~~والمواظبة على التلاوة رحمة الله عليه. ولقد كان رؤوفا بالرعية ناصرا للدين ~~مواظبا على تلاوة القرآن العزيز عالما بما فيه عاملا به لا يعدوه أبدا رحمة ~~الله عليه. وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته وكشف ظلامته واعتنى ~~بقصته. ولقد رأيته واستغاث إليه إنسان من أهل دمشق يقال له ابن زهير على ~~تقي الدين ابن أخيه فأنفذ إليه ليحضر إلى مجلس الحكم وكان تقي الدين من أعز ~~الناس عليه وأعظمهم عنده ولكنه لم يحابه في الحق. # PageV01P042 # وأعظم من هذه الحكاية مما يدل على عدله قضية جرت له مع إنسان تاجر ms007 يدعى ~~عمر الخلاطي وذلك أني كنت يوما في مجلس الحكم بالقدس الشريف إذ دخل على شيخ ~~حسن تاجر معروف يسمى عمر الخلاطي معه كتاب حكمي يسأل فتحه فسألته من خصمك ~~فقال خصمي السلطان وهذا بساط العدل وقد سمعنا أنك لا تحابي أحد قلت وفي أي ~~قضية هو خصمك فقال إن سنقر الخلاطي كان مملوكي ولم يزل على ملكي إلى أن مات ~~وكان في يده أموال عظيمة كلها لي ومات عنها واستولى عليها السلطان وأنا ~~مطالبه بها فقلت له يا شيخ وما أقعدك إلى هذه الغاية فقال الحقوق لا تبطل ~~بالتأخر وهذا الكتاب الحكمي ينطق بأنه لم يزل في ملكي إلى أن مات # PageV01P043 # فأخذت الكتاب منه وتصفحت مضمونه فوجدته يتضمن حلية سنقر الخلاطي وأنه قد ~~اشتراه من فلان التاجر بأرجيش اليوم الفلاني من شهر كذا من سنة كذا وأنه لم ~~يزل في ملكه إلى أن شذ عن يده في سنة كذا وما عرف شهود هذا الكتاب خروجه عن ~~ملكه بوجه ما وتم الشرط إلى آخره فتعجبت من هذه القضية وقلت للرجل لا ينبغي ~~سماع هذا بلا وجود الخصم وأنا أعرفه وأعرفك ما عنده فرضي الرجل بذلك واندفع ~~فلما اتفق المثول بين يديه في بقية ذلك اليوم عرفته القضية فاستبعد ذلك ~~استبعادا عظيما وقال كنت نظرت في الكتاب فقلت نظرت فيه ورأيته متصل الورود ~~والقبول إلى دمشق وقد كتب عليه كتاب حكمي من دمشق وشهد به على يد قاضي دمشق ~~شهود معروفون فقال مبارك نحن نحضر الرجل ونحاكمه ونعمل في القضية ما يقضيه ~~الشرع. ثم اتفق بعد ذلك جلوسه معي خلوة فقلت له # PageV01P044 # هذا الخصم يتردد ولا بد أن نسمع دعواه فقال أقم عني وكيلا يسمع الدعوى ثم ~~يقيم الشهود شهادتهم وأخر فتح الكتاب إلى حين حضور الرجل ها هنا ففعلت ذلك ~~ثم أحضر الرجل واستدناه حتى جلس بين يديه وكنت إلى جانبه ثم نزل من طراحته ~~حتى ساواه وقال إن كان لك دعوى فاذكرها فحرر الرجل الدعوى على معنى ما شرح ms008 ~~أولا فأجابه السلطان أن سنقر هذا كان مملوكي ولم يزل على ملكي حتى أعتقته ~~وتوفي وخلف ما خلفه لورثته فقال الرجل لي بينة تشهد بما ادعيته ثم سأل فتح ~~كتابه ففتحه فوجدته كما شرحه فلما سمع السلطان التاريخ قال عندي من يشهد أن ~~سنقر هذا في هذا التاريخ كان في ملكي وفي يدي بمصر وأني اشتريته مع ثمانية ~~أنفس في تاريخ متقدم على هذا التاريخ بسنة وأنه لم يزل في يدي وملكي إلى أن ~~أعتقته ثم استحضر جماعة من أعيان الأمراء والمجاهدين فشهدوا بذلك وذكروا ~~القصة كما ذكرها والتاريخ كما ادعاه فأبأس الرجل فقلت له يا مولاي هذا ~~الرجل ما فعل ذلك إلا طلبا لمراحم السلطان وقد حضر بين يدي المولى ولا يحسن ~~أن يرجع خائبا للقصد فقال # PageV01P045 # هذا باب آخر وتقدم له بخلعة ونفقة بالغة قد شذ عني مقدارها. فانظر إلى ما ~~في طي هذه القضية من المعاني الغريبة العجيبة والتواضع والانقياد إلى الحق ~~وإرغام النفس والكرم في موضع المؤاخذة مع القدرة التامة رحمه الله تعالى ~~رحمة واسعة. # PageV01P046 ### | ذكر طرف من كرمه رحمه الله # قال صلى الله عليه وسلم إذا عثر الكريم فإن الله آخذ بيده وفي الكرم ~~أحاديث، وكرمه قدس الله روحه كان أظهر من أن يسطر، وأشهر من أن يذكر لكن ~~نبهت عليه جملة، وذلك أنه ملك ما ملك ومات ولم يوجد في خزانته من الفضة إلا ~~سبعة وأربعون درهما ناصرية ومن الذهب إلا جرم واحد صوري ما علمت وزنه وكان ~~رحمه الله يهب الأقاليم وفتح آمد وطلبها منه ابن قره أرسلان فأعطاه إياه. # ورأيته قد اجتمع عنده جمع من الوفود بالقدس الشريف وكان قد # PageV01P047 # عزم على التوجه إلى دمشق ولم يكن في الخزانة ما يعطى للوفود فلم أزل ~~أخاطبه في معناهم حتى باع أشياء من بيت المال وفضضنا ثمنها عليهم ولم يفضل ~~منه درهم واحد. # وكان رحمه الله يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة. وكان نواب ~~خزائنه يخفون عنه شيئا من المال حذرا ms009 أن يفاجئهم معهم لعلمهم بأنه متى علم ~~به أخرجه وسمعته يقول في معرض حديث جرى: يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى ~~المال كما ينظر إلى التراب فكأنه بذلك أراد نفسه رحمه الله تعالى. # وكان يعطي فوق ما يؤمل الطالب فما سمعته قط يقول أعطينا لفلان. # وكان يعطي الكثير ويبسط وجهه للعطاء بسطه لمن لم يعطه شيئا. وكان رحمه ~~الله يعطي ويكرم أكثر مما يعطى وكان قد عرفه الناس فكانوا يستزيدونه في كل ~~وقت وما سمعته قط يقول قد زدت مرارا فكم أزيد. # وأكثر الرسائل كانت تكون في ذلك على لساني ويدي وكنت أخجل منه من كثرة ما ~~يطلبون ولا أخجل منه من كثرة ما أطلبه لهم لعلمي بعدم مؤاخذته في ذلك وما ~~خدمه أحد إلا وأغناه عن سؤال غيره. # PageV01P048 # وأما تعداد عطاياه وتعداد صنوفها فلا تطمع فيها حقيقة أصلا وقد سمعت من ~~صاحب ديوانه يقول لي قد تجاربنا عطاياه فحصرنا عدد ما وهب من الخيل بمرج ~~عكا فكان عشرة آلاف فرس. ومن شاهد مواهبه يستقل هذا القدر. اللهم إنك ~~ألهمته الكرم وأنت أكرم منه فتكرم عليه برحمتك ورضوانك يا أرحم الراحمين. # PageV01P049 ### | ذكر شجاعته قدس الله روحه # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله يحب الشجاعة ولو على ~~قتل حية. # ولقد كان رحمه الله تعالى من عظماء الشجعان قوي النفس شديد البأس عظيم ~~الثبات لا يهوله أمر ولقد رأيته يعطي دستورا في أوائل الشتاء ويبقى في ~~شرذمة يسيرة في مقابلة عددهم الكثير وقد سألت باليان بن بارزان وهو من كبار ~~ملوك الساحل وهو جالس بين يديه رحمه الله يوم انعقاد الصلح عن عدتهم فقال ~~الترجمال عنه أنه يقول كنت أنا وصاحب صيدا وكان أيضا من ملوكهم وعقلائهم ~~قاصدين عسكرنا من صور فلما أشرفنا عليه تحازرناه فحزرهم هو خمس مائة ألف # PageV01P050 # وحزرتهم أنا بستمائة ألف أو قال عكس ذلك قلت فكم هلك منهم فقال أما ~~بالقتل فقريب من مائة ألف وأما بالموت والغرق فلا نعلم وما ms010 رجع من هذا ~~العالم إلا الأقل. # وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو في كل يوم مرة أو مرتين إذا كنا ~~قريبا منهم. ولقد وصل في ليلة واحدة منهم نيف وسبعون مركبا على عكا وأنا ~~أعدها من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وهو لا يزداد إلا قوة نفس. # وكان رحمه الله تعالى إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ومعه صبي واحد على ~~يده جنيب ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة ويرتب الأطلاب ويأمرهم ~~بالتقدم والوقوف في مواضع يراها. وكان يشارف العدو ويجاوره رحمه الله. ولقد ~~قرئ عليه جزآن من الحديث بين الصفين وذلك أني قلت له قد سمع الحديث في جميع ~~المواطن الشريفة ولم ينقل أنه سمع بين الصفين فإن رأى المولى أن يؤثر عنه ~~ذلك كان حسنا فأذن في ذلك فأحضر جزءه كما أحضر من له به سماع فقرأ عليه ~~ونحن على ظهور الدواب بين الصفين نمشي تارة ونقف أخرى. # وما رأيته استكثر العدو أصلا ولا استعظم أمرهم قط وكان مع ذلك في حال ~~التفكر والتدبير تذكر بين يديه الأقسام كلها ويرتب على كل قسم بمقتضاه من ~~غبر حدة ولا غضب يعتريه. ولقد انهزم المسلمون في يوم المصاف الأكبر بمرج ~~عكا حتى القلب ورجاله ووقع الكؤس والعلم وهو رضي الله عنه ثابت القدم في ~~نفر # PageV01P051 # يسير حتى انحاز إلى الجبل بجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى يرجعوا ولم يزل ~~كذلك حتى نصر عسكر المسلمين على العدو في ذلك اليوم وقتل منهم زهاء سبعة ~~آلاف ما بين راجل وفارس ولم يزل رحمه الله مصابرا لهم وهم في العدة الوافرة ~~إلى أن ظهر له ضعف المسلمين فصالح وهو مسؤول من جانبهم فإن الضعف والهلاك ~~كان فيهم أكثر ولكنهم كانوا يتوقعون النجدة ونحن لا نتوقعها وكانت المصلحة ~~في الصلح وظهر ذلك لما أبدت الأقضية الإلهية والأقدار ما في مكنونها. وكان ~~رحمه الله يمرض ويصح وتعتريه أحوال مهولة وهو مصابر مرابط وتتراءى الناران ~~ونسمع منهم صوت الناقوس ويسمعون منا صوت الأذان ms011 إلى أن انقضت الوقعة على ~~أحسن حال وأيسره قدس الله روحه ونور ضريحه. # PageV01P052 ### | ذكر اهتمامه بأمر الجهاد # قال الله تعالى::والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ~~" ونصوص الجهاد كثيرة. ولقد كان رحمه الله شديد المواظبة عليه عظيم ~~الاهتمام به ولو حلف حالف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد دينارا ولا ~~درهما إلا في الجهاد أو في الأرفاد لصدق وبر في يمينه. # ولقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاء ~~عظيما بحيث ما كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا في آلته ولا كان له اهتمام ~~إلا برجاله ولا ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه. ولقد هجر في محبة الجهاد ~~في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر بلاده وقنع من الدنيا بالسكون ~~في ظل خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة. ولقد وقعت عليه الخيمة في ليلة ~~ريحية على مرج عكا فلو لم يكن في البرج لقتلته ولا يزيده ذلك إلا رغبة ~~ومصابرة واهتماما. # PageV01P053 # وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد وأنا ممن جمع له فيه ~~كتابا جمعت فيه آدابه وكل آية وردت فيه وكل حديث روي في فضله وشرحت غريبها. # وكان رحمه الله كثيرا ما يطالعه حتى أخذه منه ولده الملك الأفضل عز نصره ~~ولأحكين عنه ما سمعته منه وذلك أنه كان قد أخذ كوكب في ذي القعدة سنة أربع ~~وثمانين وخمسمائة وأعطى العسكر دستورا وأخذ عسكر مصر في العود إلى مصر وكان ~~مقدمها أخاه الملك العادل عز نصره فسار معه ليودعه ويحظى بصلاة العيد في ~~القدس الشريف حرسه الله تعالى وسرنا في خدمته. ولما صلى العيد في القدس وقع ~~له أن يمضي إلى عسقلان ويودعهم بعسقلان ثم يعود على طريق الساحل يتفقد ~~البلاد الساحلية إلى عكا ويرتب أحوالها فأشاروا عليه أن يفعل فإن العساكر ~~إذا فارقتنا نبقى في عدة يسيرة والفرنج كلهم بصور وهذه مخاطرة عظيمة فلم ~~يلتفت رحمه الله وودع أخاه والعسكر بعسقلان ثم سرنا ms012 في خدمته إلى الساحل ~~طالبي عكا. وكان الزمان شتاء والبحر هائجا شديدا وموجه كالجبال كما قال ~~تعالى وكنت حديث عهد برؤية البحر فعظم أمر البحر عندي حتى خيل لي أني # PageV01P054 # لو قال لي إن جزت في البحر ميلا واحدا ملكتك الدنيا لما كنت أفعل ~~واستسخفت رأي من ركب البحر رجاء دينار أو درهم واستحسنت رأي من لا يقبل ~~شهادة راكب بحر هذا كله خطر لي لعظم الهول الذي شاهدته من حركة البحر فبينا ~~أنا في ذلك إذ التفت إلي رحمه الله. وقال أما أحكي لك شيئا في نفسي أنه متى ~~يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر ~~إلى جزائره واتبعتهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت ~~فعظم وقع هذا الكلام عندي حيث ناقض ما كان خطر لي وقلت له ليس في الأرض ~~أشجع نفسا من المولى ولا أقوى منه نية في نصرة دين الله تعالى فقال فكيف ~~فقلت أما الشجاعة فلأن مولانا ما يهوله أمر هذا البحر وهوله. وأما نصرة دين ~~الله فهو أن المولى ما يقنع بقلع أعداء الله من موضع مخصوص في الأرض حتى ~~تطهر جميع الأرض منهم # PageV01P055 # واستأذنت أن أحكي له ما كان خطر لي فحكيت له ثم قلت ما هذه إلا نية جميلة ~~ولكن المولى يسير في البحر العساكر وهو سور الإسلام ومنعته فلا ينبغي له أن ~~يخاطر بنفسه فقال أنا أستفتيك ما أشرف الميتتين فقلت الموت في سبيل الله ~~فقال غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتتين فانظر إلى هذه الطوية ما ~~أطهرها وإلى هذه النفس ما أشجعها وأجرأها رحمة الله عليه. اللهم إنك تعلم ~~أنه بذل جهده في نصرة دينك وجاهد رجاء رحمتك فارحمه. # PageV01P056 ### | صبره واحتسابه رحمة الله عليه # قال الله سبحانه وتعالى: " ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ~~". ولقد رأيته رحمه الله بمرج عكا وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة ~~دماميل كانت ظهرت عليه من ms013 وسطه إلى ركبتيه بحيث لا يستطيع الجلوس وإنما ~~يكون منكبا على جانبه إن كان بالخيمة وامتنع من مد الطعام بين يديه لعجزه ~~عن الجلوس وكان يأمر أن يفرق على الناس وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب ~~قريبا من العدو وقد رتب الناس ميمنة وميسرة وقلبا تعبية القتال وكان مع ذلك ~~كله يركب من بكرة النهار إلى صلاة المغرب يطوف على الأطلاب صابرا على شدة ~~الألم وقوة ضربان الدمامل وأنا أتعجب من ذلك فيقول إذا ركبت يزول عني ألمها ~~حتى أنزل وهذه عناية ربانية. # PageV01P057 # ولقد مرض رحمه الله ونحن على الخرنوبة وكان قد تأخر عن تل الحجل بسبب ~~مرضه فبلغ الإفرنج فخرجوا طمعا في أن ينالوا شيئا من المسلمين وهي نوبة ~~النهر فخرجوا في مرحلة الآبار التي تحت التل فأمر رحمه الله بالثقل حتى ~~يتجهز بالرحيل والتأخر عن جهة الناصرة. وكان عماد الدين صاحب سنجار متمرضا ~~أيضا فأذن له أن يتأخر مع الثقل وأقام هو ثم رحل العدو في اليوم الثاني ~~بطلبنا فركب على مضض ورتب العسكر للقاء القوم تعبية الحرب وجعل طرف الميمنة ~~الملك العادل وطرف الميسرة تقي الدين وجعل ولده الملك الظاهر والملك الأفضل ~~عز نصرهما في القلب ونزل هو وراء القوم يطلبهم وأول ما نزل من التل أحضر ~~بين يديه أفرنجي قد أسر من القوم فأمر بضرب عنقه بين يديه بعد عرض الإسلام ~~عليه وإبائه عنه وكلما سار العدو يطلب رأس النهر سار هو مستديرا إلى ورائهم ~~حتى يقطع بينهم وبين خيامهم وهو يسير ساعة ثم ينزل يستريح ويتظلل بمنديل ~~على رأسه من شدة وقع الشمس ولا ينصب له خيمة حتى لا يرى العدو ضعفا ولم يزل ~~كذلك حتى نزل العدو برأس النهر ونزل هو قبالتهم على تل مطل عليهم إلى أن ~~دخل الليل ثم أمر العساكر المنصورة إن عادت إلى محل المصابرة وأن يبيتوا ~~تحت السلاح وتأخر هو ونحن في خدمته إلى قمة الجبل فضربت له خيمة لطيفة ~~وبتنا تلك الليلة أجمع أنا والطبيب نمرضه ونشاغله ms014 وهو ينام تارة ويستيقظ ~~أخرى حتى لاح الصباح ثم ضرب البوق وركب هو وركبت العساكر وأحدقت بالعدو ~~ورحل العدو عائدا إلى # PageV01P058 # خيامهم من الجانب الغربي من النهر وضايقهم المسلمون في ذلك اليوم مضايقة ~~شنيعة وفي ذلك اليوم قدم أولاده بين يديه احتسابا وجميع من حضر منهم ولم ~~يزل يبعث من عنده حتى لم يبق عنده إلا أنا والطبيب وعارض الجيش والغلمان ~~بأيديهم الأعلام والبيارق لا غير فيظن الرائي لها عن بعد أن تحتها خلقا ~~عظيما ولم يزل العدو سائرا والقتل يعمل فيهم وكلما قتل منهم شخص دفنوه ~~وكلما جرح منهم رجل حملوه حتى لا يبقى بعدهم من يعلم قتله وجرحه وهم سائرون ~~ونحن نشاهدهم حتى اشتد بهم الأمر ونزلوا عند الجسر وكان الإفرنج متى نزلوا ~~إلى الأرض آيس المسلمون من بلوغ غرض منهم لأنهم يجتمعون في حالة النزول ~~جماعة عظيمة وبقي رحمه الله في موضعه العساكر على ظهور الخيل قبالة العدو ~~إلى آخر النهار ثم أمرهم أن يبيتوا على مثل ما باتوا عليه بارحتهم وعدنا ~~إلى منزلنا في الليلة الماضية وعاد العسكر في الصباح إلى ما كان عليه ~~بالأمس من مضايقة العدو ورحل العدو وسار على ما مضى من القتل والقتال حتى ~~دنا إلى خيامه وخرج إليه منها من أنجده حتى وصلوا إلى خيامهم. # فانظر إلى هذا الصبر والاحتساب وإلى أي غاية بلغ هذا الرجل. اللهم إنك ~~ألهمته الصبر والاحتساب ووفقته فلا تحرمه ثوابه يا أرحم الراحمين. # PageV01P059 # ولقد رأيته رحمه الله تعالى وقد جاءه خبر وفاة ولد له بالغ يسمى إسماعيل ~~فوقف على الكتاب ولم يعرف أحدا ولم نعرف حتى سمعناه من غيره ولم يظهر عليه ~~شيء من ذلك سوى أنه لما قرأ الكتاب دمعت عينه. # ولقد رأيته ليلة على صفد وهو يحاصرها وقد قال لا ننام الليلة حتى تنصب ~~لنا خمس مناجيق ورتب لكل منجنيق قوما يتولون نصبه وكنا طول الليل في خدمته ~~قدس الله روحه في ألذ مفاكهة وأرغد عيش والرسل تتواصل تخبره بأن قد نصب من ~~المنجنيق ms015 الفلاني كذا ومن المنجنيق الفلاني كذا حتى أتى الصباح وقد فرغ ~~منها ولم يبق إلا تركيب خنازيرها عليها وكانت من أطول الليالي وأشدها بردا ~~ومطرا. # PageV01P060 # ورأيته وقد وصل إليه خبر وفاة تقي الدين ابن أخيه ونحن في مقابلة الإفرنج ~~جريدة على الرملة وبيننا وبينهم شوط فرس لا غير فأحضر الملك العادل وعلم ~~الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين وأمر بالناس فطردوا من قريب الخيمة ~~بحيث لم يبق حولها أحد زيادة عن غلوة سهم ثم أظهر الكتاب ووقف عليه وبكى ~~بكاء شديدا حتى أبكانا من غير أن نعلم السبب ثم قال رحمه الله والعبرة ~~تحنقه توفي تقي الدين فاشتد بكاؤه وبكاء الجماعة ثم عدت إلى نفسي فقلت ~~استغفروا الله تعالى من هذه الحالة وانظروا أين وفيم أنتم وأعرضوا عما سواه ~~فقال رحمه الله نعم أستغفر الله وأخذ يكررها ثم قال لا يعلم أحد واستدعى ~~بشيء من الماورد فغسل عينيه ثم أشخص الطعام وحضر الناس ولم يعلم بذلك أحد ~~حتى عاد العدو إلى يافا وعدنا نحن إلى النطرون وهو مقر ثقلنا. # وكان رحمه الله شديد الشغف والشفقة بأولاده الصغار وهو صابر على مفارقتهم ~~راض ببعدهم وكان صابرا على مر العيش وخشونته مع القدرة التامة على غير ذلك ~~احتسابا لله تعالى. اللهم إن ترك ذلك ابتغاء مرضاتك فارض عنه وارحمه. # PageV01P061 ### | ذكر نبذ من حلمه وعفوه رحمه الله # قال الله سبحانه وتعالى: " والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ". لقد ~~كان متجاوزا قليل الغضب ولقد كنت في خدمته بمرج عيون قبل خروج الإفرنج إلى ~~عكا يسر الله فتحها وكان من عادته أن يركب في وقت الركوب ثم ينزل فيمد ~~الطعام ويأكل مع الناس ثم ينهض إلى خيمة خاصة له ينام فيها ثم يستيقظ من ~~منامه ويصلي ويجلس خلوة وأنا في خدمته نقرأ شيئا من الحديث أو شيئا من ~~الفقه، ولقد قرأ علي كتابا مختصرا تصنيف الرازي يشتمل على الأرباع الأربعة ~~من الفقه ونزل يوما على عادته ومد الطعام بين يديه ثم عزم على النهوض فقيل ms016 ~~له أن وقت الصلاة قد قرب فعاد إلى الجلوس وقال نصلي وننام ثم جلس يتحدث ~~حديث متضجر وقد أخلا المكان إلا ممن لزم فتقدم إليه مملوك كبير محترم عنده ~~وعرض عليه قصة لبعض المجاهدين فقال هل أنا الآن ضجران أخرها ساعة فلم يفعل ~~وقدم القصة إلى قريب من وجهه الكريم بيده وفتحها بحيث يقرأها فوقف على ~~الاسم المكتوب في رأسها فعرفه فقال رجل مستحق فقال يوقع المولى له فقال ~~ليست الدواة حاضرة الآن # PageV01P062 # وكان رحمه الله جالسا في باب الخركاه بحيث لا يستطيع أحد الدخول إليها ~~والدواة في صدرها والخركاه كبيرة فقال له المخاطب هذه الدواة في صدر ~~الخركاه وليس لهذا معنى إلا أمره إياه بإحضار الدواة لا غير فالتفت رحمه ~~الله فرأى الدواة فقال والله لقد صدق ثم امتد على يده اليسرى ومد يده ~~اليمنى فأحضرها ووقع له فقلت قال الله تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وإنك لعلى خلق عظيم. وما أرى المولى إلا قد شاركه في هذا الخلق فقال ما ~~ضرنا شيئا قضينا حاجته وحصل الثواب ولو وقعت هذه المواقعة لآحاد الناس ~~وأفرادهم لقام وقعد ومن الذي يقدر أن يخاطب أحدا هو تحت حكمه بمثل ذلك وهذا ~~غاية الإحسان والحلم والله لا يضيع أجر المحسنين. # ولقد كانت طراحته تداس عند التزاحم عليه لعرض القصص وهو لا يتأثر لذلك ~~ولقد نفرت يوما بلغتي من الجمال وأنا راكب في خدمته فزحمت وركه حتى آلمته ~~وهو يتبسم رحمه الله. ولقد دخلت بين يديه في يوم ريح مطير إلى القدس الشريف ~~وهو كثير الوحل فنضحت البغلة عليه من الطين حتى أتلفت جميع ما كان عليه وهو ~~يتبسم وأردت التأخر عنه بسبب ذلك فما تركني. # PageV01P063 # ولقد كان يسمع من المستغيثين والمتظلمين أغلظ ما يمكن أن يسمع ويلقى ذلك ~~بالنشر والقبول. وهذه حكاية يندر أن يسطر وذلك أنه كان قد اتجه أخو ملك ~~الإفرنج خذلهم الله إلى يافا فإن العسكر كان قد رحل عنهم وبعد وتراجع إلى ~~النطرون وهو مكان بينه ms017 وبين يافا للعسكر مرحلتان للمجد وثلاث معتادة وجمع ~~رحمه الله العسكر ومضى إلى قيسارية يلتقي نجدتهم عساه يبلغ منهم غرضا وعلم ~~الإفرنج الذين كانوا بيافا ذلك وكان بها الأنكتار ومعه جماعة فجهز معظم من ~~كان عنده في المراكب إلى قيسارية خشية على النجدة أن يتم عليها أمر وبقى ~~الأنكتار في نفر يسير لعلمهم ببعده رحمه الله عنهم وبعد العسكر، ولما وصل ~~رحمه الله إلى قيسارية ورأى النجدة قد وصلت إلى البلد واحتمت به وعلم أنه ~~لا ينال منهم غرضه سرى من ليلته في أول الليل إلى آخره حتى أتى يافا صباحا ~~والأنكتار في سبعة عشر فارسا وثلاثمائة راجل نازلا خارج البلد في خيمة له ~~فصبحه العسكر صباحا فركب الملعون وكان شجاعا باسلا صاحب رأي في الحرب وثبت ~~بين يدي العسكر ولم يدخل البلد فاستدار العسكر الإسلامي بهم إلا من جهة ~~البحر وتعبى العسكر تعبية القتال وأمر السلطان العسكر بالحملة انتهازا ~~للفرصة فأجابه بعض الأكراد بكلام فيه خشونة تعتب لعدم التوفير في إقطاعه ~~فعطف رحمه الله عنان فرسه كالمغضب لعلمه أنهم # PageV01P064 # لا يعملون في ذلك اليوم شيئا وتركهم وانصرف راجعا وأمر بخيمته التي كانت ~~منصوبة أن قلعت وانفضوا متيقنين أن السلطان في ذلك اليوم ربما صلب جماعة، ~~ولقد حكى لي ولده الملك الظاهر أعز الله أنصاره أنه خاف منه في ذلك اليوم ~~حتى أنه لم يتجاسر أن يقع في عينيه مع أنه حمل في ذلك اليوم وأوغل ولم يزل ~~سائرا حتى نزل بسازور وما من الأمراء إلا من يرعد خفية ومن يعتقد أنه مأخوذ ~~مسخوط عليه قال ولم تحدثني نفسي بالدخول عليه خفية منه حتى استدعاني قال ~~فدخلت عليه وقد وصله من دمشق المحروسة فاكهة كثيرة فقال اطلبوا الأمراء حتى ~~يأكلوا شيئا قال فسرى عني ما كنت أجده وطلبت الأمراء فحضروا وهم خائفون ~~فوجدوا من بشره وانبساطه ما أحدث لهم الطمأنينة والأمن والسرور وانصرفوا ~~على عزم الرحيل كأن لم يجر شيء أصلا فانظر إلى هذا الحلم الذي لا يتأتى في ~~مثل ms018 هذا الزمان ولا يحكى عمن تقدم من أمثاله رحمة الله عليه. # PageV01P065 ### | ذكر محافظته على أسباب المروءة # قال النبي صلى الله عليه وسلم: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وكان صلى الله ~~عليه وسلم إذا صافحه الرجل لا يترك يده حتى يكون الرجل هو التارك الذي يبدأ ~~بذلك. ولقد كان السلطان كثير المروءة ندي اليد كثير الحياء مبسوط الوجه لمن ~~يرد عليه من الضيوف حتى يطعم لا يرى أن يفارقه الضيف حتى يطعم عنده ولا ~~يخاطبه بشيء إلا وينجزه وكان يكرم الوافد عليه وإن كان كافرا. ولقد وفد ~~عليه البرنس صاحب إنطاكية فما أحس به إلا وهو واقف على باب خيمته بعد وقوع ~~الصلح في شهر شوال سنة ثمان وثمانين وخمس مائة عند منصرفه من القدس إلى ~~دمشق عرض له في الطريق وطلب منه شيئا فأعطاه العمق وهي بلاد كان أخذها منه ~~عام فتح الساحل وهو سنة أربع وثمانين. # ولقد رأيته وقد دخل عليه صاحب صيدا بالناصرة فاحترمه وأكرمه وأكل معه ~~الطعام ومع ذلك عرض عليه الإسلام فذكر له طرفا من محاسنه وحثه عليه. # وكان يكرم من يرد عليه من المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار وكان ~~يوصينا بأن لا نغفل عمن يجتاز بالخيم من المشايخ المعروفين حتى يحضرهم عنده ~~وينالهم من إحسانه. # PageV01P066 # ولقد مر بنا سنة أربع وثمانين وخمس مائة رجل جمع بين العلم والتصوف وكان ~~من ذوي الأقدار وأبوه صاحب توريز فأعرض هو عن فن أبيه واشتغل بالعلم والعمل ~~وحج ووصل زائرا لبيت الله المقدس ولما قضى لبانته منه ورأى آثار السلطان ~~رحمه الله فيه وقع له زيارته فوصل إلينا إلى المعسكر المنصور فما أحسست به ~~إلا وقد دخل علي في الخيمة فلقيته ورحبت به وسألته عن سبب ذلك ووصوله ~~فأخبرني بذلك وأنه يؤثر زيارة السلطان لما رأى له من الآثار الحميدة ~~الجميلة فعرفت السلطان بذلك في ليلة وصول هذا الرجل فاستحضره وروى عنه ~~حديثا ثم انصرفنا وبات عندي في الخيمة فلما صليت الصبح أخذ يودعني فقبحت له ~~المسير بدون وداع ms019 السلطان فلم يلتفت ولم يلو على ذلك وقال قد قضيت حاجتي ~~منه ولا عرض لي فيما عدا رؤيته وزيارته وانصرف من ساعته ومضى على ذلك ليال ~~فسأل السلطان عنه فأخبرته بفعله فظهر عليه آثار الغضب كيف لم أخبره برواحه ~~وقال كيف يطرقنا مثل هذا الرجل وينصرف عنا من غير إحسان يمسه منا وشدد ~~النكير علي في ذلك فما وجدت بدا من أن أكتب كتابا إلى محيي الدين قاضي دمشق ~~كلفته فيه السؤال عن حال الرجل وإيصال رقعة كتبتها إليه طي كتابي أخبره ~~فيها بإنكار السلطان رواحه من غير اجتماعه به وحسنت له فيها العود وكان ~~بيني وبينه صداقة تقتضي مثل ذلك فما أحسست به إلا وقد عاد إلي فرحب به ~~السلطان وانبسط معه وأمسكه # PageV01P067 # أياما ثم خلع عليه خلعة حسنة وأعطاه مركبا لائقا وثيابا كثيرة يحملها إلى ~~بنيه وأتباعه وجيرانه وانصرف عنه وهو أشكر الناس وأخلصهم دعاء لأيامه. # ولقد رأيته وقد مثل بين يديه أسير إفرنجي قد أصابه كرب بحيث أنه ظهرت ~~عليه أمارات الخوف والجزع فقال للترجمان من أي شيء يخاف فأجرى الله على ~~لسانه أن قال كنت أخاف قبل أن أرى هذا الوجه فبعد رؤيتي له وحضوري بين يديه ~~أيقنت أنه ما أرى إلا الخير. فرق له ومن عليه وأطلقه ولقد كنت راكبا في ~~خدمته في بعض الأيام قبالة الإفرنج وقد وصل بعض اليزكية ومعه امرأة شديدة ~~التخوف كثيرة البكاء متواترة الدق على صدرها قال اليزكي إن هذه خرجت من عند ~~الإفرنج فسألت الحضور بين يديك وقد أتينا بها فأمر الترجمان أن يسألها عن ~~قصتها فقالت اللصوص المسلمون دخلوا البارحة إلى خيمتي وسرقوا ابنتي وبت ~~البارحة أستغيث إلى بكرة النهار فقال لي المملوك السلطان هو أرحم ونحن ~~نخرجك إليه تطلبين ابنتك منه فأخرجوني إليك وما أعرف ابنتي إلا منك. فرق ~~لها ودمعت عينه وحركته مروءته وأمر من ذهب إلى سوق # PageV01P068 # العسكر يسأل عن الصغيرة من اشتراها ويدفع له ثمنها ويحضرها وكان قد عرف ~~قضيتها من بكرة يومه فما ms020 مضت ساعة حتى وصل الفارس والصغيرة على كتفه فما ~~كان إلا أن وقع نظرها عليها فخرت إلى الأرض تعفر وجهها في التراب والناس ~~يبكون على ما نالها وهي ترفع طرفها إلى السماء ولا نعلم ما تقول فسلمت ~~ابنتها إليها وحملت حتى أعيدت إلى عسكرهم. # وكان لا يرى الإساءة إلى من صحبه وإن أفرط في الخيانة ولقد أبدل في ~~خزائنه كيسان من الذهب المصري بكيسين من الفلوس فما عمل بالنواب شيئا سوى ~~أن صرفهم من عملهم لا غير. # ولقد دخل البرنس أرناط صاحب الكرك مع ملك الإفرنج بالساحل لما أسرهما في ~~وقعة حطين في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة والواقعة مشهورة تجيء مشروحة ~~في موضعها إن شاء الله تعالى وكان قد أمر بإحضارهما وكان أرناط هذا اللعين ~~كافرا عظيما جبارا شديدا وكانت قد اجتازت به قافلة من مصر حين كان بين ~~المسلمين وبينهم هدنة فغدرها وأخذها ونكل بهم وعذبهم وأسكنهم المطامير ~~والحبوس الحرجة وذكروا له حديث الهدنة فقال قولوا لمحمدكم يخلصكم فلما بلغه ~~رحمه الله ذلك عنه نذر أنه متى أظفره الله به قتله بنفسه فلما أمكنه الله ~~منه في ذلك اليوم قوى عزمه على قتله وفاء بنذره فأحضره مع الملك فشكا الملك ~~العطش فأحضر له قدحا من شراب فشرب منه ثم ناوله أرناط فقال السلطان ~~للترجمان قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا فما أسقيه من شرابي ولا أطعمه ~~من طعامي # PageV01P069 # فقصد رحمه الله أن من أكل من طعامي فالمروءة تقتضي أن لا أؤذيه ثم ضرب ~~عنقه بيده وفاء بنذره وأخذ عكا وأخرج الأسرى كلهم من ضيق الأسر وكانوا زهاء ~~أربعة آلاف أسير وأعطى كل واحد منهم نفقة يصل بها إلى بلده وأهله. هكذا ~~بلغني على ألسنة جماعة لأني لم أحضر هذه الواقعة. # وكان حسن العشرة لطيف الأخلاق طيب الفكاهة حافظا لأنساب العرب ووقائعهم ~~عارفا بسيرهم وأحوالهم حافظا لأنساب خيلهم عالما بعجائب الدنيا ونوادرها ~~بحيث كان يستفيد محاضره منه ما لا يسمع من غيره. # وكان حسن الخلق يسأل الواحد منا ms021 عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات ~~أحواله. # وكان طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحد إلا بخير السمع فلا يحب أن يسمع ~~عن أحد إلا الخير وطاهر اللسان فما رأيته ولع بشتم قط، وكان حسن العهد ~~والوفاء فما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحم على مخلفيه وجبر قلبه وأعطاه ~~وجبر مصابه وإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه سلمه إياه وإلا أبقى له من ~~الخير ما يكف حاجته وسلمه إلى من يعتني بتربيته ويكفلها. # وكان لا يرى شيخا إلا ويرق له ويعطيه ويحسن إليه ولم يزل على هذه الأخلاق ~~إلى أن توفاه الله إلى مقر رحمته ومكان رضوانه. # PageV01P070 # فهذه نبذ من محاسن أخلاقه ومكارم شيمه اقتصرت عليها خوف الإطالة والسآمة ~~وما سطرت إلا ما شاهدته أو أخبرني الثقة به وحققته وهذا بعض ما اطلعت عليه ~~في زمان خدمتي له وهو يسير فيما اطلع عليه غيري ممن طالت صحبته وتقدمت ~~خدمته ولكن هذا القدر يكفي الأديب في الاستدلال على طهارة تلك الأخلاق ~~والخلال، وحيث نجز هذا القسم فنشرع الآن في القسم الثاني من الكتاب في بيان ~~تقلبات أحواله ووقائعه وفتوحاته في تواريخها قدس الله روحه. ونور بنور ~~رحمته ضريحه. # PageV01P071 ### | القسم الثاني في بيات تقلبات أحواله وفتوحاته في تواريخها # PageV01P072 # ذكر حركته إلى مصر في الدفعة الأولى صحبة عمه أسد الدين، سبب ذلك أن شاور ~~وزير المصريين كان قد خرج عليه إنسان يقال له الضرغام وكان يروم منصبه ~~ومكانه فجمع له جموعا كثيرة لم يكن له بها قبل وغلب عليه وأخرجه من القاهرة ~~وقتل ولده واستولى على المكان وولي الوزارة. وكانت عادة المصريين أنه إذا ~~غلب شخص صاحب المنصب وعجز عن دفعه وعرفوا عجزه وقعوا للقاهر منهم ورتبوه ~~ومكنوه فإن قوتهم إنما كانت بعسكر وزيرهم وهو ملقب عندهم بالسلطان وما ~~كانوا يرون المكاشفة وقواعدهم مستقرة من أول زمانهم على هذا المثال فلما ~~قهر شاور وأخرج من القاهرة اشتد في طلب الشام قاصدا خدمة نور الدين ابن ~~زنكي مستصرخا به مستنصرا على أعدائه ms022 بعسكره فتقدم نور الدين إلى أسد الدين ~~شيركوه بالخروج إلى مصر المحروسة قضاء لحق الوافد المستصرخ وحفظا للبلاد ~~وتطلعا إلى أحوالها وذلك في شهور سنة ثمان # PageV01P075 # وخمسين وخمسمائة فتأهب أسد الدين شيركوه وسار إلى مصر فاستصحبه معه رحمه ~~الله عن كراهية منه لمكان افتقاره إليه وجعله مقدم عسكره وصاحب رأيه وساروا ~~حتى وصلوا إلى مصر وشاور معهم في الثاني من جمادى الآخر سنة ثمان المذكورة. ~~وكان لوصولهم إلى مصر وقع عظيم وخافه أهل مصر ونصر شاور على خصمه وأعاده ~~إلى منصبه ومرتبته وقرر قواعده واستقر أمره وشاهد البلاد وعرف أحوالها وعاد ~~منها وقد غرس في قلبه الطمع في البلاد وعرف أنها بلاد بغير رجال، تمشي ~~الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال، وكان ابتداء رحلته عنها متوجها إلى ~~الشام في السابع من ذي الحجة سنة ثمان المذكورة. وكان لا يفصل أمرا ولا ~~يقرر رحالا إلا بمشورته ورأيه لما لاح له من آثار الإقبال والسعادة والفكرة ~~الصحيحة واقتران النصر بحركاته وسكناته فأقام بالشام مدبرا لأمره مفكرا في ~~كيفية رجوعه إلى البلاد المصرية محدثا بذلك نفسه مقررا قواعد ذلك مع الملك ~~العادل نور الدين زنكي إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة. ### | ذكر عودته إلى مصر في الوقعة الثانية # وهي معروفة بوقعة البابين # ولم يزل أسد الدين يتحدث بذلك بين الناس حتى بلغ شاور فداخله الخوف على ~~البلاد من الأتراك وعلم أن أسد الدين قد طمع في البلاد # PageV01P076 # وأنه لا بد له من قصدها فكاتب الإفرنج وقرر معهم أنهم يجيئون البلاد ~~ويمكنهم تمكينا كليا ويعينوه على استئصال أعدائه بحيث يستقر قلبه فيها وبلغ ~~ذلك أسد الدين والملك العادل نور الدين فاشتد خوفهم على مصر إن ملكها ~~الكفار واستولوا على البلاد كلها فتجهز أسد الدين وأنفذ نور الدين معه ~~العساكر وألزم السلطان رحمه الله المسير معه على كراهية منه لذلك. وكان ~~توجههم في اثني عشر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة وكان وصولهم إلى ~~البلاد المصرية مقارنا لوصول الإفرنج إليها واتفق شاور مع الإفرنج على أسد ~~الدين ms023 والمصريون بأسرهم وجرت بينهم حروب كثيرة ووقعات شديدة وانفصل الإفرنج ~~عن الديار المصرية وانفصل أسد الدين وكان سبب عود الإفرنج أن نور الدين جرد ~~العساكر إلى بلاد الإفرنج وأخذ المنيظرة وعلم الإفرنج بذلك فخافوا على ~~بلادهم وعادوا. وكان سبب عود أسد الدين ضعف عسكره بسبب مواقعة الإفرنج ~~والمصريين وما عانوه من الشدائد وعاينوه من الأهوال. وما عاد حتى صالح ~~الإفرنج على أن ينصرفوا كلهم من مصر وعاد إلى الشام في بقية السنة وقد انضم ~~إلى قوة الطمع في البلاد شدة الخوف عليها من الإفرنج لعلمه أنهم قد كشفوها ~~كما كشفها وعرفوها من الوجه الذي عرفها فأقام على مضض وقلبه مقلقل والقضاء ~~يجره إلى شيء قد قدر لغيره وهو لا يشعر بذلك # PageV01P077 # وفي أثناء سنة اثنتين وستين ملك نور الدين قلعة المنيطرة بعد مسير أسد ~~الدين في رجب، وخرب قلعة أكاف بالبرية. # وفي رمضان منها اجتمع نور الدين وأخوه قطب الدين وزين الدين -رحمهم الله- ~~بحماة للغزاة، وساروا إلى بلاد الفرنج، فخربوا هونين في شوال منها. # وفي ذي القعدة منها كان عود أسد الدين من مصر، وفيه مات قرا أرسلان بديار ~~بكر. ### | ذكر دعوه إلى مصر في الدفعة الثالثة # وهي التي ملكوها فيها وجرى ما جرى في شهور سنة أربع وستين وخمسمائة # ملك نور الدين قلعة المنيظرة بعد سير أسد الدين في رجب وخرب قلعة أكاف ~~بالبرية. وفي رمضان منها اجتمع نور الدين وأخواه قطب الدين وزين الدين ~~بحماة للغزاة وساروا إلى بلاد الإفرنج فخربوا هونين في شوال منها وفي ذي ~~القعدة كان عود أسد الدين من مصر. وكان سبب ذلك أن الإفرنج خذلهم الله ~~جمعوا راجلهم وفارسهم وخرجوا يريدون الديار المصرية ناكثين لجميع ما استقر ~~مع المصريين وأسد الدين من الصلح والقواعد طمعا في البلاد فلما بلغ ذلك نور ~~الدين وأسد الدين لم يسعهما الصبر دون أن يسارعا إلى قصد البلاد، أما نور ~~الدين فبالمال والرجال ولم يسر بنفسه خوفا على البلاد من الإفرنج ولأنه قد ~~حدث نظره إلى جانب الموصل ms024 بسبب وفاة زين الدين ابن يكتكين فإنه توفي في ذي ~~الحجة سنة ثلاث وستين وخمسمائة وتسلم ما كان في يده من الحصون إلى قطب ~~الدين ما عدا إربل فإنها كلها كانت له من أتابك زنكي رحمه الله فحدث لنور ~~الدين إلى ذلك الجانب الطمع بهذا السبب فسير العسكر. # PageV01P078 # وأما أسد الدين فبسيفه وملكه وأهله ورجاله ولقد قال لي السلطان قدس الله ~~روحه كنت أكره الناس للخروج في هذه الواقعة وما خرجت مع عمي باختياري وهذا ~~معنى قوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. وكان شاور لما أحس بخروج ~~الإفرنج إلى مصر على تلك القاعدة أنفذ إلى أسد الدين يستصرخه ويستنجده فخرج ~~مسرعا. وكان وصولهم إلى مصر في أثناء ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة، ~~ولما علم الإفرنج وصول أسد الدين إلى مصر عن اتفاق بينه وبين أهلها رحلوا ~~راجعين وعلى أعقابهم ناكصين. وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في ~~الأحيان. وكان وعدهم بمال مقابلة ما خسروه من النفقة فلم يوصل إليهم شيئا ~~وعلقت مخاليب أسد الدين في البلاد وعلم أن الإفرنج متى وجدوا فرصة أخذوا ~~البلاد وترددهم إليها في كل وقت لا يفيد وإن شاور يلعب بهم تارة وبالإفرنج ~~تارة أخرى وعلموا أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور ~~فأجمعوا أمرهم على قبضه إن خرج إليهم وكانوا هم يترددون إلى خدمته دون أسد ~~الدين وهو يخرج في بعض الأحيان إلى أسد الدين يجتمع به. # PageV01P079 # وكان يركب على قاعدة وزرائهم بالطبل والبوق والعلم فلم يتجاسر على قبضه ~~من الجماعة إلا السلطان بنفسه. وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكبا وسار ~~إلى جانبه أخذ بتلابيبه وأمر العسكر أن أخذوا على أصحابه ففروا ونهبهم ~~العسكر وقبض على شاور وأنزل إلى خيمة مفردة وفي الحال جاءه التوقيع من ~~المصريين على يد خادم خاص لا بد من رأسه جريا على عادتهم في وزرائهم في ~~تقرير قاعدة فيمن قوي منهم على صاحبه فحزت رقبته وأنفذ رأسه إليهم وأنفذ ~~إلى أسد ms025 الدين خلعة الوزارة فلبسها وسار ودخل القصر ورتب وزيرا وذلك في ~~سابع عشر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة ودام آمرا ناهيا والسلطان ~~رحمه الله مباشر الأمور مقرر لها وزمام الأمر والنهي مفوض إليه لمكان ~~كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من ~~السنة المذكورة ### | ذكر وفاء أسد الدين ومصير الأمر إلى السلطان # وذلك أن أسد الدين كان كثير الأكل شديد المواظبة على تناول اللحوم ~~الغليظة وتتواتر عليه التخم والخوانيق وينجو منها بعد مقاساة شدة # PageV01P080 # عظيمة فأخذه مرض شديد واعتراه خانوق عظيم فقتله في الثاني والعشرين من ~~جمادى الآخرة وفوض الأمر بعده إلى السلطان واستقرت القواعد واستتبت الأحوال ~~على أحسن نظام وبذل المال وملك الرجال وهانت عنده الدنيا فملكها وشكر نعمة ~~الله عليه فتاب من الخمر وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص بلباس الجد والاجتهاد ~~وما عاد عنه ولا ازداد إلا جدا إلى أن توفاه الله إلى رحمته، ولقد سمعت منه ~~يقول لما يسر الله لي الديار المصرية علمت أنه أراد فتح الساحل لأنه أوقع ~~ذلك في نفسي، ومن حين استتب له الأمر ما زال يشن الغارات على الإفرنج إلى ~~الكرك والشوبك وبلادها وغشي الناس من سحائب الأفضال والنعم ما لم يؤرخ عن ~~غير تلك الأيام هذا كله وهو وزير متابع للقوم ولكنه مقو لمذهب السنة غارس ~~في أهل البلاد العلم والفقه والتصوف والدين والناس يهرعون إليه من كل صوب ~~ويفدون عليه من كل جانب وهو لا يخيب قاصدا، ولا يعدم وافدا، ولما عرف نور ~~الدين استقرار السلطان بمصر أخذ حمص من نواب أسد الدين وذلك في رجب من سنة ~~أربع وستين. ### | ذكر قصد الإفرنج دمياط حرسها الله تعالى # ولما علم الإفرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم وما تم للسلطان من استقامة ~~في الديار المصرية خافوا أن يملك بلادهم ويخرب ديارهم # PageV01P081 # ويقلع آثارهم لما حدث له من القوة والملك فاجتمع الإفرنج والروم جميعا ~~وحدثوا أنفسهم بقصد الديار المصرية والاستيلاء عليها وملكها ورأوا قصد ~~دمياط لتمكن القاصد لها ms026 من البر والبحر ولعلمهم أنها إن حصلت لهم حصل لهم ~~مغرس قدم فاستصحبوا المنجنيقات والدبابات والجروخ وآلات الحصار وغير ذلك # PageV01P082 # ولما سمع إفرنج الشام بذلك اشتد أمرهم فسرقوا حصن عكا من المسلمين وأسروا ~~صاحبها وكان مملوكا لنور الدين يسمى خلطخ العلم دار وذلك في ربيع الآخر ~~منها، ولما رأى نور الدين ظهور أمر الإفرنج وبلغه نزولهم على دمياط قصد شغل ~~قلوبهم فنزل على الكرك محاصرا لها في شعبان من هذه السنة فقصده إفرنج ~~الساحل فرحل عنها وقصد لقاءهم فلم يقف لهم على أثر ثم بلغه وفاة مجد الدين ~~بن الداية بحلب وكانت وفاته في شهر رمضان سنة خمس وستين فاشتغل قلبه لأنه ~~كان صاحب أمره فعاد يطلب الشام فبلغه خبر الزلزلة بحلب التي أخربت كثيرا من ~~البلاد المذكورة فسار يطلب حلب فبلغه موت قطب الدين أخيه بالموصل وكانت ~~وفاته في الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة وبلغه الخبر وهو ~~بتل باشر فسار من ليلته طالبا بلاد الموصل # PageV01P083 # ولما علم السلطان شدة قصد العدو دمياط أنفذ إلى البلد وأودعه من الرجال ~~وأبطال الفرسان والميرة وآلات السلاح ما أمن معه عليه ووعد المقيمين فيه ~~بإمدادهم بالعساكر والآلات وإبعاد العدو عنهم إن نزل عليهم ثم نزل الإفرنج ~~في التاريخ المذكور واشتد زحفهم عليها وقتالهم وهو يشن الغارات عليهم من ~~خارج والعساكر تقاتلهم من داخل ونصر الله المسلمين وأيدهم وحسن قصدهم في ~~نصر دين الله وأسعدهم وأنجدهم حتى بان للإفرنج الخسران وظهر على الكفر ~~الإيمان. ورأوا أنهم ينجون برؤوسهم ويسلمون بنفوسهم. فرحلوا خائبين خاسرين ~~فحرقت مناجيقهم ونهبت وقتل منهم خلق كثير وسلم البلد بحمد الله ومنه عن ~~قصدهم وظهر بتوفيق الله فل حدهم، واستقرت قواعد السلطان. # PageV01P084 ### | ذكر طلبه والده # ثم أنفذ في طلب والده ليكمل السرور به ويتم الحبور وتجري القصة مشاكلة ~~لما جرى للنبي يوسف صلاة إلى الله وصلاة عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين، ~~فوصل والده نجم الدين إليه في أثناء جمادى الآخرى من سنة خمس وستين ويملك ~~معه من الأدب ms027 ما كان عادته وألبسه الأمر كله فأبى أن يلبسه وقال يا ولدي ما ~~اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفؤ له، ولا ينبغي أن يغير موقع السعادة ~~فحكمه في الخزائن بأسرها ولم يزل السلطان وزيرا محكما حتى مات العاضد أبو ~~محمد عبد الله وبه ختم أمر المصريين. # وأما نور الدين فإنه أخذ الرقة في المحرم سنة ست وستين وسار منها إلى ~~نصيبين فأخذها في بقية الشهر وأخذ سنجار في ربيع الآخر منها ثم قصد الموصل ~~وقصد أن لا يقاتلها فعبر بعسكره من مخاضة بلد وسار حتى خيم قبالة الموصل ~~على تل يقال له الحصن وراسل ابن أخيه عز الدين غازي صاحب الموصل وعرفه صحة ~~قصده فصالحه ودخل الموصل في ثالث جمادى الأولى وقرر صاحبها فيها وزوجه ~~ابنته وأعطى عماد الدين ابن أخيه سنجار وخرج من الموصل قاصدا نحو الشام ~~فدخل حلب في شعبان من هذه السنة. # PageV01P085 ### | ذكر موت العاضد # وكان موته في يوم الاثنين العاشر من المحرم سنة سبع وستين واستقر الملك ~~للسلطان وكان خطب لبني العباس في أواخر أمر العاضد وهو حي وكانت الخطبة ~~ابتداؤها للمستضيء بأمر الله واستمرت القواعد على الاستقامة وهو كلما ~~استولى على خزانة من المال وهبها وكلما فتح له خزائن ملك أنهبها ولا يبقي ~~لنفسه شيئا وشرع السلطان في التأهب للغزاة وقصد بلاد العدو وتعبية الأمر ~~لذلك وتقرير قواعده، وأما نور الدين فإنه عزم على الغزاة واستدعى صاحب ~~الموصل ابن أخيه فوصل بالعساكر إلى خدمته وكانت غزاته عرفا وأخذها في ~~المحرم سنة سبع وستين. ### | ذكر أول غزوة غزاها من الديار المصرية # ولم يزل على قدم بسط العدل ونشر الإحسان وإقامة الإحسان على الناس إلى ~~سنة ثمان وستين فعند ذلك خرج بالعساكر يريد بلاد الكرك والشوبك، وإنما بدأ ~~بها لأنها كانت أقرب إليه، وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية، ~~وكان لا يمكن أن تصل قافلة حتى يخرج هو بنفسه يعبرها بلاد العدو، فأراد ~~توسيع الطريق وتسهيله لتتصل البلاد بعضها ببعض وتسهل على السابلة، فخرج ms028 ~~قاصدا لها، # PageV01P086 # فحاصرها وجرى بينه وبين الإفرنج وقعات وعاد عنها ولم يظفر منها بشيء في ~~تلك الواقعة، وحصل ثواب القصد. وإما نور الدين فإنه فتح مرعش في ذي القعدة ~~من هذه السنة وأخذ بها في ذي الحجة. ### | ذكر وفاة والده نجم الدين # ولما عاد السلطان من غزاته بلغه قبل وصوله إلى مصر وفاة أبيه نجم الدين ~~فشق عليه ذلك حيث لم يحضر وفاته. وكان سبب وفاته وقوعه عن الفرس، وكان رحمه ~~الله شديد الركض ولعا بلعب الكرة بحيث من رآه يلعب بها يقول ما يموت إلا من ~~وقوعه عن ظهر الفرس، وكانت وفاته في شهور سنة تسع وستين، ورأى السلطان قوة ~~عسكره وكثرة عدد أخوته وقوة بأسهم، وكان بلغه أن باليمن إنسانا استولى ~~عليها وملك حصونها وهو يخطب لنفسه يسمى بعبد النبي بن مهدي، ويزعم أن ينتشر ~~ملكه في # PageV01P087 # الأرض كلها ويستتب الأمر له، فرأى أن يسير إليه أخاه الأكبر شمس الدولة ~~الملك المعظم تورانشاه، وكان كريما أريحيا حسن الأخلاق، سمعت منه رحمه الله ~~الثناء على كرمه وحسن أخلاقه وترجيحه على نفسه. وكان توجهه إليها في أثناء ~~رجب سنة تسع وستين، فمضى إليها وفتح الله على يديه، وقتل الخارجي الذي كان ~~بها، واستولى على معظمها وأعطى وأعنى خلقا كثيرا. ### | ذكر وفاة نور الدين محمود ابن زنكي رحمه الله # وكانت وفاته بسبب حوانيق اعترته أيضا، عجز الأطباء عن علاجها، وتوفي يوم ~~الأربعاء في الحادي والعشرين من شوال سنة تسع وستين، وذلك في قلعة دمشق، ~~وأقام مقامه ولده الملك الصالح إسماعيل. ولقد حكى لي السلطان قال: كان ~~بلغنا عن نور الدين أنه قصدنا بالدار المصرية، وكانت جماعة أصحابنا يشيرون ~~بأن نكاشف ونخالف ونشق عصاه ونلقى عسكره بمصاف نرده إذا تحقق قصده، وكنت ~~وحدي أخالفهم وأقول: لا يجوز أن يقال شيء من ذلك، ولم يزل النزاع بيننا حتى ~~وصل الخبر بوفاته. # PageV01P088 ### | ذكر منافقة الكند بأسوان # وذلك في شهور سنة تسع وستين # والكند إنسان مقدم من المصريين، كان قد نزح إلى أسوان، فأقام بها ms029 ولم يزل ~~يدبر أمره ويجمع السودان عليه، ويخيل إليهم أنه يملك البلاد ويعيد الدولة ~~مصرية، وكان في قلوب القوم من مهاواة المصريين ما تستصغر هذه الأفعال عنده ~~فاجتمع عليه خلق كثير وجمع وافر، وقصدوا قوس وأعمالها، وانتهى خبره إلى ~~السلطان فجرد له عسكرا عظيما شاكي السلاح من الذين ذاقوا حلاوة المصرية ~~وخافوا على فوت ذلك # PageV01P089 # منهم، وقدم عليهم أخاه الملك العادل سيف الدين، وسار بهم حتى أتى القوم ~~فلقيهم بمصاف، فكسرهم وقتل منهم خلقا عظيما، واستأصل شأفتهم وأخمد ثائرتهم، ~~وذلك في السابع من صفر سنة سبعين، واستقرت قواعد الملك واستوت أموره ولله ~~الحمد والمنة. ### | ذكر قصد الإفرنج ثغر الإسكندرية # حرسها الله تعالى # وذلك أن الإفرنج لما علموا تغيرات الأحوال بالديار المصرية وتقلبات الدول ~~بها داخلهم الطمع في البلاد وجردوا عساكرهم في البحر وكانوا في ستمائة قطعة ~~ما بين شاتي وطرادة وبطسة وغير # PageV01P090 # ذلك. وكانوا في ثلاثين ألفا على ما ذكر، ونازلوا الثغر وذلك في أثناء صفر ~~في السابع منه من هذه السنة، وهي سنة سبعين، فأمده السلطان بالعساكر ~~المنصورة وتحرك، وادخل الله في قلوبهم من الخوف والرعب ما لم يمكنهم الصبر ~~معه، وعادوا خائبين خاسرين بعد أن ضايقوا الثغر وزحفوا عليه ثلاثة أيام ~~وقاتلوا قتالا شديدا، وعصمه الله منهم. ولما أحسوا بحركة السلطان نحوهم ما ~~لبثوا أن خلفوا مناجيقهم وراءهم وآلتهم، فخرج أهل البلد إلى نهبها ~~وإحراقها، وكان أمرا عظيما ومن أعظم النعم على المسلمين وأمارة كل سعادة. ### | ذكر خروج السلطان إلى الشام وأخذه دمشق # وأما نور الدين فإنه خلف ولده الملك الصالح إسماعيل # PageV01P091 # وكان بدمشق. وكان بقلعة حلب ابن الداية شمس الدين علي وشاذ بخت. وكان قد ~~حدث نفسه بأمور، فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب، فوصل ظاهرها ثاني ~~المحرم ومعه سابق الدين، فخرج بدر الدين للقائه، فقبض على سابق الدين. ولما ~~دخل الملك الصالح القلعة قبض على شمس الدين وأخيه حسن وأودع الثلاثة السجن. ~~وفي ذلك اليوم قتل ابن الخشاب أبو الفضل لفتنة جرت بحلب، ذكروا أنه ms030 قتل قبل ~~إمساك أولاد الداية بيوم لأنهم تولوا ذلك. ولم تحقق السلطان وفاة نور الدين ~~وكان ولده طفلا لا ينهض بأعباء الملك ولا يستقل بدفع عدو الله عن البلاد، ~~تجهز للخروج إلى الشام، إذ هو أصل بلاد الإسلام، فتجهز بجمع كثير من ~~العساكر، وخلف في الديار المصرية من يستقل بحفظها وحراستها ونظم أمورها ~~وسياستها، وخرج هو سائرا مع جمع من أهله وأقاربه وهو يكاتب أهل البلاد ~~وأمراءها، واختلفت كلمة أصحاب الملك الصالح واختلت تدابيرها وخاف بعضهم من ~~بعض، وقبض على جماعة منهم، وكان ذلك سبب خوف الباقين من فعل ذلك وسببا ~~لتغيير قلوب الناس عن الصبي، فافتقر الحال أن كاتب شمس الدين بن المقدم ~~السلطان، ووصل البلاد مطالبا بالملك الصالح ليكون هو الذي يتولى أمره ويرقب ~~حاله فيقوم له ما اعوج من أمره، فوصل # PageV01P092 # دمشق ولم يشق عليه عصا، ودخلها بالتسليم في يوم الثلاثاء سلخ ربيع الآخر ~~سنة سبعين، وتسلم قلعتها. وكان أول دخوله إلى دار أبيه، واجتمع الناس إليه ~~وفي جوابه، وأنفق في ذلك اليوم في الناس مالا طويلا، وأظهر الفرح والسرور ~~بالدمشقيين، وأظهروا الفرح به، وصعد القلعة، واستقر قدمه في ملكها، فلم ~~يلبث أن طلب حلب، فنازل حمص فأخذ مدينتها في جمادى الأولى سنة سبعين، ولم ~~يشتغل بقلعتها، وسار حتى أتى حلب، ونازلها في يوم الجمعة سلخ الشهر المذكور ~~وهي الوقعة الأولى. ### | ذكر تسيير سيف الدين أخاه عز الدين إلى لقائه # ولما أحس سيف الدين صاحب الموصل بما جرى علم أن الرجل قد استفحل أمره ~~وعظم شأنه وعلت كلمته، وخاف أنه إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقر قدمه ~~في الملك وتعدى الأمر إليه، فجهز عسكرا وافرا وجيشا عظيما، وقدم عليه أخاه ~~عز الدين مسعودا، وساروا يريدون لقاء السلطان، وضرب المصاف معه ووده عن ~~البلاد. ولما بلغ السلطان ذلك رحل عن حلب مستهل رجب من السنة المذكورة ~~عائدا إلى حماة، وسار إلى حمص فاشتغل بأخذ قلعتها، فأخذها، ثم وصل عز الدين ~~إلى حلب، وانضم إليه من كان بها ms031 من العسكر وخرجوا بجمع عظيم. # PageV01P093 # ولما عرف هو بسيرهم سار حتى وافاهم في قرون حماة، وراسلهم وراسلوه واجتهد ~~أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أن المصاف ربما نالوا به الغرض الأكبر، ~~والمقصود الأوفر. والقضاء يجر إلى أمور هم بها لا يشعرون. وقام المصاف بين ~~العسكرين بقضاء الله فانكسروا بين يديه وأسر جماعة منهم، ومن عليهم ~~وأطلقهم، وذلك في تاسع عشر رمضان سنة سبعين أيضا. ثم سار عقيب انكسارهم ~~ونزل على حلب، وهي الدفعة الثانية، وصالحوه على أن أخذ المعرة وكفر طاب ~~وأخذ بارين، وذلك في أواخر هذه السنة. ### | ذكر مسير سيف الدين بنفسه # ولما وقعت هذه الواقعة كان سيف الدين على سنجار يحاصر أخاه عماد الدين ~~بقصد أخذها منه ودخوله في طاعته، وكان قد أظهر أخوه الانتماء إلى السلطان، ~~واعتصم بذلك، واشتد سيف الدين في حصار المكان، وضربه بالمنجنيق حتى انهدم ~~من سوره ثلم كثيرة، وأشرف على الأخذ، فبلغه وقوع هذه الوقعة فخاف أن يبلغ ~~ذلك أخاه فيشتد أمره، فراسله إلى الصلح، فصالحه، ثم سار من وقته إلى ~~نصيبين، واهتم بجمع العساكر والإنفاق فيها، وسار حتى أتى الفرات، وعبر ~~بالبيرة، وخيم على جانب الفرات الشامي، وراسل # PageV01P094 # كمشتكين والملك الصالح حتى تستقر قاعدة يصل عليها إليهم، ووصل كمشتكين ~~إليه، وجرت مراجعات كثيرة، وعزم فيها إلى العود مرارا حتى استقر اجتماعه ~~بالملك الصالح وسمحوا به، وسار ووصل حلب، وخرج الملك الصالح إلى لقائه ~~بنفسه، فالتقاه قريب القلعة واعتنقه وضمه إليه وبكى، ثم أمره بالعود إلى ~~القلعة، فعاد إليها وسار هو حتى نزل بعين المباركة، وأقام بها مدة، وعسكر ~~حلب يخرج إلى خدمته في كل يوم، وصعد القلعة جريدة وأكل فيها خبزا، ونزل ~~وسار راحلا إلى تل السلطان ومعه الديار البكرية وجمع كثير، والسلطان قد ~~أنفد في طلب العساكر من مصر وهو يترقب وصولها، وهؤلاء يتأخرون في أمورهم ~~وتدبيرهم وهم لا يشعرون أن في التأخير تدبيرا، حتى وصل عسكر مصر، فسار رحمه ~~الله حتى أتى قرون حماة، فبلغهم أنه قارب عسكره، فأخرجوا اليزك وجهزوا ms032 من ~~يكشف الأخبار، فوجدوه قد وصل جريدة إلى جناب التركمان، وتفرق عسكره يسقي، ~~فلو أراد الله نصرتهم لقصدوه في تلك الساعة، ولكن ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا، فصبروا عليه حتى سقى خيله هو وعسكره، واجتمعوا وتعبوا تعبية ~~القتال، وأصبح القوم على مصاف، وذلك في بكرة الخميس العاشر من شوال سنة ~~إحدى وسبعين، فالتقى العسكران، وتصادما، وجرى قتال عظيم، وانكسرت ميسرة ~~السلطان بابن زين الدين مظفر الدين فإنه كان في ميمنة سيف الدين، وحمل ~~السلطان عليه بنفسه، فانكسر القوم واسر منهم جمعا عظيما من كبار الأمراء ~~منهم فخر الدين عبد المسيح، فمن عليهم وأطلقهم، وعاد سيف الدين إلى حلب ~~المحروسة، فأخذ منها خزانة، وسار حتى عبر الفرات، وعاد إلى بلاده، # PageV01P095 # وأمسك هو رحمه الله عن تتبع العسكر، ونزل في بقية ذلك اليوم في خيام ~~القوم، فإنهم كانوا قد أبقوا الثقل على ما كان عليه والمطابخ قد عملت، ففرق ~~الإصطبلات ووهب الخزائن، وأعطى خيمة سيف الدين عز الدين فخر وشاه، وسار إلى ~~منبج، وتسلمها في بقية الشهر المذكور. وسار حتى نزل قلعة إعزاز يحاصرها، ~~وذلك في رابع ذي القعدة سنة إحدى وسبعين، وعليها وثب الإسماعيلية عليه، ~~فنجاه الله من كيدهم، وظفر بهم، ولم يفل ذلك عزمه، وأقام عليها حتى أخذها، ~~وذلك في رابع عشر ذي القعدة من السنة، وسار حتى نزل على حلب في سادس عشر ~~منه، فأقام مدة ثم سار عنها، فأخرجوا إليه ابنة لنور الدين صغيرة، وسألت ~~منه إعزاز، فوهبها إياها. وفي بقية الشهر أيضا وصل شمس الدولة أخوه من ~~اليمن إلى دمشق وأقام بها مدة ثم عاد إلى الديار المصرية، وتوفي بإسكندرية ~~مستهل صفر سنة ست وسبعون. ثم إن السلطان عاد إلى الديار المصرية ليتفقد ~~أحوالها ويقرر قواعدها، وكان مسيره إليها في ربيع الأول من شهور سنة اثنتين ~~وسبعين، واستخلف أخاه شمس الدولة بدمشق، فأقام رحمه الله بها يقرر قواعدها ~~ويسد خللها، وأراح العسكر ثم تأهب للغزاة، وخرج يطلب الساحل، حتى وافى ~~الإفرنج على الرملة، وذلك في أوائل جمادى ms033 الأولى سنة ثلاث وسبعين. # PageV01P096 ### | ذكر كسرة الرملة # وكان مقدم الإفرنج البرنس أرناط، وكان قد بيع بحلب، فإنه كان أسيرا بها ~~زمن نور الدين، وجرى خلل في ذلك اليوم على المسلمين. ولقد حكى السلطان صورة ~~الكسرة في ذلك اليوم، وذلك أن المسلمين كانوا قد تعبوا تعبية القتال، ولما ~~قرب العدو رأى بعض الجماعة أن تعبر الميمنة إلى جهة الميسرة، والميسرة إلى ~~جهة الميمنة ليكونوا حالة اللقاء وراء ظهورهم تل معروف بأرض الرملة، فبينما ~~اشتغلوا بهذه التعبية هجم الإفرنج وقدر الله كسرتهم فانكسروا كسرة عظيمة، ~~ولم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه فطلبوا جهة الديار المصرية، وضلوا في ~~الطريق وتبددوا، وأسر منهم جماعة منهم الفقيه عيسى وكان موهنا عظيما جبره ~~الله بوقعة حطين المشهورة ولله الحمد. # وأما الملك الصالح فإنه تخبط أمره وقبض على كمشتكين صاحب دولته وطلب منه ~~تسليم حارم إليه فلم يفعل فقتله. ولما سمع الإفرنج بقتله نزلوا على حارم ~~طمعا فيها، وذلك في جمادى الأخرى سنة ثلاث وسبعين، وقابل عسكر الملك الصالح ~~العساكر الإفرنجية. ولما رأى أهل القلعة خطرها من جانب الإفرنج سلموها إلى ~~الملك الصالح في العشر الأواخر من شهر رمضان من السنة المذكورة. # ولما علم الإفرنج ذلك رحلوا عن حارم طالبين بلادهم، ثم عاد الملك الصالح ~~إلى حلب، # PageV01P097 # ولم يزل أصحابه على اختلاف يميل بعضهم إلى جانب السلطان حتى بلغه عصيان ~~عز الدين قليج بتل خالد، فأخرج إليه العسكر، وذلك في عاشر المحرم سنة ست ~~وسبعين، ثم بلغه وفاة ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل، وكانت وفاته في ~~ثالث صفر من هذه السنة، وولى مكانه أخوه عز الدين مسعود في الخامس منه، ~~وكانت وفاة شمس الدولة بالإسكندرية. ### | ذكر عود السلطان إلى الشام # ولما عاد السلطان بعد الكسرة إلى الديار المصرية، وأقام بها ريثما لم ~~الناس شعثهم، وعلم بتخبط الشام، عزم على العود إليه، وكان عوده للغزاة، ~~فوصله رسول قليج أرسلان يلتمس من السلطان الموافقة ويستغيث إليه من الأرمن، ~~فاستقل نحو ابن لاون لنصرة قليج أرسلان ونزل ms034 يقره حصار وأخذ عسكر حلب في ~~خدمته لأنه قد اشترط في الصلح فاجتمعوا على النهر الأزرق بين بهنسة وحصن ~~منصور، وعبر منه إلى النهر الأسود وطرف بلاد ابن لاون وأخذ منهم حصنا ~~وأخربه، وبذلوا له أسارى، والتمسوا منه الصلح، وعاد عنه، # PageV01P098 # ثم راسله قليج أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم، واستقر الصلح وحلف السلطان ~~في عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين، ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة ~~وديار بكر، وكان ذلك على نهر سبخة سنخة وهو نهر يرمي إلى الفرات، وسار ~~السلطان نحو دمشق. ### | ذكر وفاة الملك الصالح ووصول عز الدين إلى حلب # وفي سنة سبع وسبعين مرض الملك الصالح بالقولنج، وكان أول مرضه في تاسع ~~رجب، وثالث عشر منه غلق باب القلعة لشدة مرضه، واستدعى الأمراء واحدا واحدا ~~وحلفوا لعز الدين صاحب الموصل، وفي الخامس والعشرين منه توفي رحمه الله، ~~وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس. ولما توفي سارعوا إلى إعلام عز الدين ~~مسعود بن قطب الدين بذلك وإعلامه بما جرى له من الوصية إليه وتحليف الناس ~~له، فسارع سائرا إلى حلب مبادرا خوفا من السلطان، # PageV01P099 # وكان أول قادم من أمرائه إلى حلب مظفر الدين بن زين الدين وصاحب سروج ~~ووصل معهما من حلف جميع الأمراء له، وكان وصولهم في ثالث شعبان من السنة ~~المذكورة، وفي العشرين منه وصل عز الدين إلى حلب وصعد القلعة واستولى على ~~خزائنها وذخائرها، وتزوج أم الملك الصالح خامس شوال من السنة المذكورة. ### | ذكر مقايضة عز الدين أخاه عماد الدين بالبلاد # ثم أقام عز الدين بقلعة حلب إلى سادس عشر شوال، وعلم أنه لا يمكنه حفظ ~~الشام مع الموصل لحاجته إلى ملازمة الشام لأجل السلطان، وألح عليه الأمراء ~~في طلب الزيادات، ورأوا أنفسهم أنهم قد اختاروه، وضاق عطنه، وكان صاحب أمره ~~مجاهد الدين قايماز وكان ضيق العطن لم يعتد بمقاساة أمراء الشام، فرحل من ~~قلعة حلب طالبا للرقة، وخلف ولده ومظفر الدين بها، وسار حتى أتى الرقة، ~~ولقيه أخوه عماد الدين عن قرار بيتهم، ms035 واستقر مقايضة حلب بسنجار، وحلف عز ~~الدين لأخيه على ذلك في الحادي والعشرين من شوال، وسار من جانب عماد الدين ~~من تسلم حلب ومن جانب عز الدين من تسلم سنجار، وفي ثالث عشر محرم سنة ثمان ~~وسبعين صعد عماد الدين إلى قلعة حلب. # PageV01P100 ### | ذكر عود السلطان من مصر # وأما السلطان فإنه لما وقع الصلح على قليج أرسلان صعد إلى الديار المصرية ~~واستخلف ابن أخيه عز الدين فخروشاه واليا، ولما بلغه وفاة الملك الصالح عزم ~~على العود إلى الشام خوفا على البلاد من الإفرنج، وبلغه أيضا وفاة فخروشاه ~~فاشتد عزمه. وكان وصوله إلى دمشق في سابع عشر صفر سنة ثمان وسبعين، ثم أنشأ ~~التأهب لغزاة بيروت، فإنه عبر على الإفرنج في عوده من مصر مكابرة من غير ~~صلح، فقصد بيروت ونزلها ولم ينل منها غرضا، واجتمع الإفرنج فرحلوه عنها ~~ودخل إلى دمشق، وبلغه أن رسل الموصل وصلوا إلى الإفرنج يحثونهم على قتال ~~المسلمين، فعلم أنهم نكثوا اليمين، وأنشأ العزم على قصدهم لجمع كلمة ~~العساكر الإسلامية على عدو الله، فأخذ في التأهب لذلك، فلما بلغ ذلك عماد ~~الدين سير إلى الموصل يشعره بالخبر ويستحث العساكر، وسار السلطان حتى نزل ~~على حلب في ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة، وأقام ثلاثة أيام، ورحل في ~~الحادي والعشرين يطلب الغزاة، واستقر الحال بينه وبين مظفر الدين وكان صاحب ~~حران، وكان قد استوحش # PageV01P101 # من جانب الموصل، وخاف من مجاهد الدين فالتجأ إلى السلطان، وعبر إلى قاطع ~~الفرات وقوى عزمه على البلاد وسهل أمرها عنده، ودخل الرها والرقة ونصيبين ~~وسروج، ثم شحن على الخابور وأقطعه. ### | ذكر نزوله على الموصل # وكان نزوله عليه في هذه الوقعة في يوم الخميس حادي عشر شهر رجب، وكنت إذ ~~ذاك في الموصل، فسيرت رسولا إلى بغداد قبيلا بأيام قلائل، فسرت مسرعا في ~~الدجلة، وأتيت بغداد في يومين وساعتين من اليوم الثالث مستنجدا بهم فلم ~~يحصل منهم سوى الإنفاذ إلى شيخ الشيوخ وكان في صحبته رسول من جانبهم ~~يأمرونه بالحديث معه ويتلطف ms036 الحال معه ويسير إلى بهلوان رسولا من الموصل ~~يستنجدونه، فلم يحصل من جانبه سوى شرط كان الدخول تحته أخطر من حرب ~~السلطان، ثم أقام السلطان على الموصل أياما، وعلم أنه بلد عظيم لا يتحصل ~~منه شيء بالمحاصرة على هذا الوجه، ورأى أن طريق أخذه أخذ قلاعه وما حوله من ~~البلاد، وإضعافه بطول الزمان، فرحل عنها ونزل على سنجار في سادس عشر شعبان، # PageV01P102 # وأقام يحاصرها، وكان فيها شرف الدين بن قطب الدين وجماعة، ويشتد عليه ~~الأمر حتى كان ثاني شهر رمضان فأخذها عنوة، وخرج شرف الدين وجماعته محترمين ~~محفوظين إلى الموصل وأعطاها ابن أخيه تقي الدين ورحل عنها إلى نصيبين. ### | ذكر قصة شاه أرمن صاحب خلاط # وذلك أن أصحاب الموصل أنفذوا إليه واستنجدوا به وطرحوا أنفسهم عليه، فخرج ~~من خلاط لنصرتهم، ونزل بحرزم، وسير إلى عز الدين صاحب الموصل أعلمه، فخرج ~~إليه، وذلك في الخامس عشر من شوال، فسار حتى اجتمع به صاحب ماردين، ووصل ~~جماعة من عسكر حلب، كل ذلك للقاء السلطان، وأرسل شاه أرمن بكتمر إلى ~~السلطان يخاطبه في الصلح بتوسط شيخ الشيوخ، فلم ينتظم بينهم حال، ورحل ~~السلطان إلى عسكر شاه أرمن، فلما سمع شاه أرمن بوصول السلطان ولى راجعا إلى ~~بلاده، وعاد عز الدين إلى بلاده، وتفرقوا، وسار السلطان يطلب بلد آمد، فنزل ~~عليها وقاتلها وأخذها في ثمانية أيام، وذلك في أول محرم سنة تسع وسبعين، ~~وأعطاها نور الدين بن قره أرسلان. # PageV01P103 # ومن على ابن نيسان بجميع ما كان فيها من الأموال وغيرها، ثم سار يطلب ~~الشام لقصد حلب. وفي هذه المدة خرج عماد الدين وخرب قلعة إعزاز وخرب حصن ~~كفر لاثا وأخذها من بكمش، فإنه كان قد صار مع السلطان في الثاني والعشرين ~~من جمادى الأولى من السنة المذكورة، وقاتل باشر وكان صاحبها ولد رم ~~الباروقي قد صار مع السلطان، فلم يقدر عليها، وجرت غارات من الإفرنج في ~~البلاد بحكم اختلاف العساكر ودفعهم الله تعالى وتسلم الكرزين ثم عاد إلى ~~حلب. ### | ذكر عود السلطان إلى الشام ms037 # ولما عاد إلى الشام بدأ بتل خالد، فنزل عليها وقاتلها، وأخذها في الثاني ~~والعشرين من محرم سنة تسع وسبعين، ثم سار طالبا حلب، فنزل عليها في السادس ~~والعشرين. وكان أول نزوله بالميدان الأخضر، # PageV01P104 # واستدعى العساكر من الجوانب واجتمع خلق عظيم، وقاتلها قتالا شديدا، وتحقق ~~عماد الدين أنه ليس له قبل، وكان قد ضرس من اقتراح الأمراء وجبههم، فأشار ~~إلى حسام الدين طمان أن يسفر له مع السلطان في إعادة بلاده وتسلم حلب إليه، ~~واستقرت القاعدة ولم يشعر أحد من الرعية ولا من العسكر حتى تم الأمر ~~واستحكمت القاعدة واستفاض ذلك، واستعلم العسكر منه ذلك، فأعلمهم، وأذن في ~~تدبير أنفسهم وأنفذوا عنهم وعن الرعية عز الدين جرديك النوري وزين الدين، ~~فقعدوا عنده إلى الليل، واستحلفوه على العسكر وعلى أهل البلد وذلك في ~~السابع عشر من صفر، وخرجت العساكر إلى خدمته إلى الميدان الأخضر ومقدمو ~~حلب، وخلع عليهم وطيب قلوبهم، وأقام عماد الدين بالقلعة يقضي أشغاله وينقل ~~أقمشته وخزائنه والسلطان مقيم بالميدان الأخضر إلى الثالث والعشرين من صفر، ~~وفيه توفي تاج الملوك أخوه من جرح كان أصابه، وشق عليه أمر موته، وجلس ~~للعزاء، # PageV01P105 # وفي ذلك اليوم نزل عماد الدين إلى خدمته وعزاه، وتقررت بينهما قواعد، ~~وأنزله السلطان في الخيمة وقدم له تقدمة سنية وخيلا جميلة وخلع على جماعة ~~من أصحابه. وسار عماد الدين من يومه إلى قرار حصار سائرا إلى سنجاب وصعد ~~السلطان قلعة حلب مسرورا منصورا. وعمل له حسام الدين طمان دعوة سنية، وكان ~~قد تخلف لأخذ ما تخلف لعماد الدين من قماش وغيره، وكان قد أنفذ إلى حارم من ~~يستلمها، ودافعهم الموالي، وانفذ الأجناد الذين بها يستحلفونه، فخلف لهم ~~وسار من وقته إلى حارم فوصلها في التاسع والعشرين من صفر وتسلمها وبات بها ~~ليلتين، وقرر قواعدها، وولى فيها إبراهيم بن شرده، وعاد إلى حلب ودخلها في ~~ثالث ربيع الأول، ثم أعطى العساكر دستورا وسار كل منهم إلى بلاده، وأقام ~~يقرر قواعد حلب ويدبر أمورها. # PageV01P106 ### | ذكر غزات عين جالوت # ولم يقم ms038 في حلب إلا إلى الثاني والعشرين من ربيع الآخر، وأنشأ عزما إلى ~~الغزاة، فخرج في ذلك اليوم مبرزا نحو دمشق، واستنهض العساكر، فخرجوا ~~يتبعونه، ولم يزل يواصل بين المنازل حتى دخل دمشق في ثالث جمادى الأولى، ~~فأقام بها متأهبا إلى السابع والعشرين منه، ثم برز في ذلك اليوم ونزل على ~~جسر الخشب وتبعته العساكر مبرزة فأقام به تسعة أيام، ثم رحل في ثامن جمادى ~~الآخرة وسار حتى أتى الفؤاد وتعبى فيه للحرب، وسار حتى نزل القصير، فبات ~~به، وأصبح على المخاض، وعبر وسار حتى أتى بيسان، فوجد أهلها قد رحلوا عنها ~~وتركوا ما كان من ثقيل الأقمشة والغلال والأمتعة بها، فنهبها العسكر وغنموا ~~وحرقوا ما لم يمكن أخذه، وسار حتى أتى الجالوت، وهي قرية عامرة وعندها عين ~~جارية، فخيم بها، وكان قد عزم عز الدين جرديك وجماعة من المماليك النورية # PageV01P107 # وجاولي مملوك أسد الدين حتى يكشفوا خبر الإفرنج، فاتفق أنهم صادفوا عسكر ~~الكرك والشوبك سائرين نجدة للإفرنج، فوقع أصحابنا عليهم وقتلوا منهم مقتلة ~~عظيمة، وأسروا منهم زهاء مائة نفر، وعادوا ولم يفقد من المسلمين سوى شخص ~~واحد يدعى بهرام الشاووش، فوصل إليه في بقية يوم الكسرة وهو العاشر من ~~جمادى الآخرة، فاستبشر المسلمون بالنصر والظفر. ولما كان السبت حادي عشر ~~وصل الخبر إليه أن الإفرنج قد اجتمعوا في صفورية، فرحلوا إلى الفولة وهي ~~قرية معروفة وكان غرضه المصاف، فلما سمع بذلك تعبى للقاء ورتب الأطلاب يمنة ~~ويسرة وقلبا، وسار للقاء العدة، وسار الإفرنج طالبين المسلمين ووقعت العين ~~في العين، وأخرج السلطان الجاليش خمسمائة رجل معروفة فواقعوا الإفرنج، وجرى ~~قتال عظيم، وقتل من العدة جماعة وهم ينضم بعضهم إلى بعض يحمي # PageV01P108 # راجلهم فارسهم، ولم يخرجوا للمصاف، ولم يزالوا سائرين حتى أتوا العين ~~ونزلوا عليها، ونزل السلطان حولهم والقتل والجرح يعمل فيهم ليخرجوا إلى ~~المصاف وهم لا يخرجون لخوفهم من المسلمين فإنهم في كسرة عظيمة، ولما رأى ~~أنهم لم يخرجوا رأى الانتزاح عنهم لعلهم يرحلون فيضرب معهم مصاف فرجل نحو ~~الطور وذلك ms039 في السابع عشر من هذا الشهر فنزل تحت الجبل مترقبا رحيلهم ليأخذ ~~منهم فرصة وأصبح الإفرنج في الثامن عشر راحلين راجعين على أعقابهم ناكصين ~~فرحل رحمه الله نحوهم وجرى من رمي النشاب واستنهاضهم للمصاف أمور عظيمة فلم ~~يخرجوا ولم يزل المسلمون حولهم حتى نزلوا الفولة المقدم ذكرها راجعين إلى ~~بلادهم فلما رأى المسلمون ذلك اجتمعوا على السلطان وأشاروا بالعود لفراغ ~~زادهم وكان قد نال منهم بالقتل والأسر وخربت عفربلا وقلعة بيسان وزرعين وهي ~~من حصونهم المذكورة وخربت عليهم قرى عديدة فعاد منصورا مظفرا مسرورا حتى ~~نزل الغوار وأعطى الناس دستورا من أثير المسير ثم سار هو حتى أتى دمشق ~~فدخلها فرحا مسرورا في يوم الخميس الرابع والعشرين من هذا الشهر. # PageV01P109 # فانظر إلى هذه الهمة التي لم يشغلها عن الغزاة أخذ حلب ولا الظفر بها بل ~~كان غرضه الاستعانة بالبلاد على الجهاد فالله يحسن جزاءه في الآخرة كما ~~وفقه الأعمال المرضية في الدنيا. ### | ذكر غزاة أنشأها إلى الكرك # ثم إنه أقام بدمشق إلى ثالث رجب سنة تسع وسبعين وخرج مرارا نحو الكرك ~~وكان قد سير إلى الملك العادل وهو بمصر يتقدم إليه بالاجتماع به على الكرك ~~فبلغه خبر حركته من مصر فخرج للقائه وسار حتى أتى الكرك ووافاه الملك ~~العادل عليها وقد خرج معه خلق عظيم من تاجر وغير تاجر وذلك في رابع شعبان ~~من هذه السنة وكان قد بلغ الإفرنج خبر خروجه فساروا براجلهم وفارسهم نحو ~~الكرك للدفع عنه ولما انتهى ذلك إليه سير الملك المظفر تقي الدين إلى مصر ~~وذلك في خامس عشر شعبان وفي السادس عشر منه نزلت الإفرنج على الكرك وتزحزح ~~السلطان عنه بعد أن قاتله قتالا عظيما وعليه قتل شرف الدين برغش النور ~~شهيدا. # PageV01P110 ### | ذكر إعطائه أخاه الملك العادل حلب # ثم رحل السلطان مستصحبا أخاه الملك العادل معه إلى دمشق لا يلسه عن الكرك ~~بعد نزول الإفرنج عليها فدخل دمشق في الرابع والعشرين من شعبان وأعطى أخاه ~~الملك العادل حلب بعد مقامه بدمشق إلى ثاني يوم ms040 من شهر رمضان وكان بها ولده ~~الملك الظاهر ومعه سيف الدين يازكج يدبر أمره وابن العميد في البلد وكان ~~الملك الظاهر من أحب الأولاد إلى قلبه لما خصه الله به من الشهامة والفطنة ~~والعقل وحسن السمت والشغف بالملك وظهور ذلك كله وكان أبر الناس بوالده ~~وأطوعهم له ولكن أخذ منه حلب لمصلحة رآها فخرج من حلب لما دخل الملك العادل ~~هو ويازكج سائرين إلى خدمة السلطان فدفع دمشق الثامن عشر من شوال فأقام في ~~خدمة أبيه لا يظهر له إلا الطاعة والانقياد مع انكسار في باطنه لا يخفى عن ~~نظر والده وفي ذلك الشهر وردنا على السلطان رسلا من جانب الموصل وكنا قد ~~توسلنا إلى الخليفة الناصر لدين الله في إنفاذ شيخ الشيوخ بدر الدين رسولا ~~وشعيعا إلى السلطان فسيره معنا من بغداد وكان غزير المروءة # PageV01P111 # عظيم الحرمة في دولة الخليفة وفي سائر البلاد وكانت مكانته عند السلطان ~~بحيث يتردد إليه إذا كان عنده في معظم الأيام. ### | ذكر وصولنا إلى خدمة رسلا # وكان الشيخ قد وصل إلى الموصل وسار منها في صحبة القاضي محيي الدين بن ~~كمال الدين وكان بينهم صحبة من الصبا وكنت مع القوم وسرنا حتى أتينا دمشق ~~وخرج السلطان إلى لقاء الشيخ ونحن في خدمته فلقيه عن بعد وكان دخولنا إلى ~~دمشق يوم السبت حادي عشر ذي القعدة من هذه السنة ولقينا من السلطان كل جميل ~~فيما يرجع إلى الإكرام والاحترام وأقمنا أياما نراجع في فصل حال فلم يتفق ~~صلح في تلك الوقعة وخرجنا راجعين إلى الموصل وخرج السلطان إلى وداع الشيخ ~~إلى القصر واجتهد في ذلك اليوم أن ينقضي شغل فلم يتفق وكان الوقوف من جانب ~~محيي الدين فإن السلطان اشترط أن يكون صاحب إربل والجزيرة على خيرتهما في ~~الانتماء إليه أو إلى الموصل فقال محيي الدين لا بد من ذكرهما في النسخة ~~فوقف الحال وكان مسيرنا سابع ذي الحجة وفي تلك الدفعة ثبت في نفسه الشريفة ~~مني أمر لم أعرفه إلا بعد خدمتي له # PageV01P112 # وأقام ms041 السلطان بدمشق ترد عليه الرسل من الجوانب فوصل رسول سنجر شاه صاحب ~~الجزيرة فاستحتفه لنفسه في الانتماء إليه ورسول إربل وحلف لهما وسارا ووصل ~~إليه أخوه الملك العادل رابع ذي الحجة فأقام عنده وعيد وتوجه إلى حلب ~~المحروسة. ### | ذكر غزواة أخرى إلى الكرك # وصل ابن قره أرسلان نور الدين إلى حلب ثامن عشر صفر سنة ثمانين فأكرمه ~~الملك العادل إكراما عظيما وأصعده إلى القلعة وباسطه ورحل معه طالبا دمشق ~~في السادس والعشرين منه. وكان السلطان قد مرض أياما ثم شفاه الله، ولما ~~بلغه وصول قره أرسلان خرج إلى لقائه وكان السلطان يكارم الناس مكارمة عظيمة ~~فالتقاه على عين الجسر بالبقاع وذلك في تاسع ربيع الأول ثم عاد إلى دمشق ~~وخلف نور الدين واصلا مع الملك العادل فتأهب للغزاة وخرج مبرزا إلى جسر ~~الخشب في منتصف ربيع الأول # PageV01P113 # وفي الرابع والعشرين منه وصل الملك العادل ومعه ابن قره أرسلان إلى دمشق ~~فأقاما فيها أياما ثم رحلا يلتحقان بالسلطان من رأس الماء طالبا للكرك ~~فأقام قريبا منها أياما ينتظر وصول الملك المظفر من مصر إلى تاسع عشر ربيع ~~الآخر فوصل إلى خدمته ومعه بيت الملك العادل وخزانته فسيرهم إلى الملك ~~العادل وتقدم إليه وإلى بقية العساكر بالوصول إليه إلى الكرك فتتابعت ~~العساكر إلى خدمته حتى أحدقوا بالكرك وذلك في رابع جمادى الأولى وركب ~~المناجيق على المكان وقد التقت العساكر المصرية والشامية والجزرية أيضا مع ~~قره أرسلان، ولما بلغ الإفرنج ذلك خرجوا براجلهم وفارسهم إلى الذب عن الكرك ~~وكان على المسلمين منه ضرر عظيم فإنه كان يقطع عن قصد مصر بحيث كانت ~~القوافل لا يمكنها الخروج إلا مع العساكر الجمة الغفيرة فاهتم السلطان ~~بأمره ليكون الطريق سابلة إلى مصر. ولما بلغ السلطان خروج الإفرنج تعبأ ~~للقاء وأمر العساكر أن خرجت ظاهر الكرك وسير الثقل نحو البلاد وبقي العسكر ~~جريدة ثم سار السلطان ينصد للعدو. وكان الإفرنج قد نزلوا بموضع يقال له ~~الواله وسار حتى نزل # PageV01P114 # على قرية يقال لها حسبان قبالة الإفرنج ورحل ms042 منها إلى موضع يقال له ماء ~~عين والإفرنج مقيمون بالواله إلى السادس والعشرين من جمادى الأولى ثم رحلوا ~~قاصدين الكرك فسار بعض العساكر وراءهم فقاتلهم إلى آخر النهار ولما رأى قدس ~~الله روحه تصميم الإفرنج على الكرك أمر العساكر أن دخلوا الساحل لخلوه عن ~~العساكر فهجموا نابلس ونهبوها وغنموا ما فيها ولم يبق فيها إلا حصناها ~~وأخذوا جانين والتحقوا بالسلطان برأس الماء وقد نهبوا وأسروا وحرقوا وخربوا ~~واتفق دخول السلطان دمشق يوم السبت سابع جمادى الآخرى ومعه الملك العادل ~~ونور الدين ابن قره أرسلان فرحا مسرورا وأكرمه واحترمه وأحسن إليه. وفي هذا ~~الشهر وصل رسول الخليفة ومعه الخلع فلبسها السلطان وألبس أخاه الملك العادل ~~وابن أسد الدين خلفا جاءت لهم وفي الرابع عشر من هذا الشهر خلع السلطان ~~خلعة الخليفة على ابن قره أرسلان وأعطاه دستورا وأعطاه للعساكر وفي ذلك ~~التاريخ وصلت رسل ابن زين الدين مستصرخا إلى السلطان يخبر أن عسكر الموصل ~~وعسكر قزل نزلوا مع مجاهد الدين قايماز وأنهم نهبوا وأحرقوا وأنه نصر عليهم ~~وكسرهم. # PageV01P115 ### | ذكر خروج السلطان إلى جهة الموصل في الوقعة الثانية # ولما سمع السلطان ذلك رحل من دمشق يطلب البلاد وتقدم إلى العساكر فتبعته ~~وسار حتى أتى حران على طريق البيرة والتقى مع مظفر الدين بالبيرة في الثاني ~~عشر من محرم سنة إحدى وثمانين وتقدم السلطان إلى سيف الدين المشطوب أن يسير ~~في مقدمة العسكر إلى رأس العين ووصل السلطان حران الثاني والعشرين من صفر. ~~وفي السادس والعشرين منه قبض على مظفر الدين بن زين الدين لشيء كان قد جرى ~~منه وحديث كان بلغه رسول فلم يقف عليه وأنكره فأخذ منه قلعة حران والرها ثم ~~أقام في الاعتقال تأديبا إلى مستهل ربيع الأول ثم خلع عليه وطيب قلبه وأعاد ~~إليه قلعة حران وبلاده التي كانت بيده إلى قانونه في الإكرام والاحترام ولم ~~يتخلف له سوى قلعة الرها ووعده بها ثم رحل السلطان ثاني ربيع الأول إلى رأس ~~العين ووصله في ذلك رسول قليج أرسلان يخبره ms043 أن ملوك الشرق بأسرهم قد اتفقت ~~كلمتهم على # PageV01P116 # قصد السلطان إن لم يعد عن الموصل وماردين وأنهم على عزم ضرب المصاف معه ~~إن أصر على ذلك فرحل السلطان يطلب دنيسر فوصله ثامن ربيع الأول عماد الدين ~~بن قره أرسلان ومعه عسكر نور الدين صاحب ماردين فالتقاهم واحترمهم ثم رحل ~~من دنيسر حادي عشر نحو الموصل حتى نزل موضعا يعرف بالإسماعيلان قريب الموصل ~~يصل من العسكر كل يوم نوبة جديدة يحاصر الموصل فبلغ عماد الدين بن قره ~~أرسلان موت أخيه نور الدين فطلب من السلطان دستورا طمعا في ملك أخيه فأعطاه ~~دستورا. ### | ذكر موت شاه أرمن صاحب خلاط # ولما كان ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين توفي شاه أرمن صاحب خلاط وولي بعده ~~غلامه بكتمر وهو الذي وصل رسولا إلى خدمة السلطان بسنجار فعدل وأحسن إلى ~~أهل خلاط وكان متصونا في طريقته فأطاعه الناس ومالوا إليه، ولما ملك خلاط ~~امتدت نحوه الأطماع لموت شاه أرمن فسار نحوه بهلوان بن الدكز. فلما بلغه ~~ذلك سير إلى خدمة السلطان من يقرر معه تسليم # PageV01P117 # خلاط إليه واندراجه في جملته وإعطائه ما يرضيه فطمع السلطان في خلاط ~~وارتحل عن الموصل متوجها نحوها وسير إلى بكتمر الفقيه عيسى وغرس الدين قليج ~~لتقرير القاعدة وتحريرها فوصلت الرسل وبهلوان قد قارب البلاد جدا فتخوف ~~بهلوان من السلطان فطلب بهلوان إصلاحه وزوجه ابنة له وولاه وأعاد البلاد ~~إليه واعتذر إلى رسل السلطان وعادوا من غير زبدة، وكان السلطان قد نزل على ~~ميا فارقين فحاصرها وقاتلها قتالا ونصب عليها مجانيق وكان بها رجل يقال له ~~الأسد وما قصر في حفظها لكن الأقدار لا تغلب فملكها السلطان في التاسع ~~والعشرين من جمادى، ولما أيس من أمر خلاط عاد إلى الموصل فنزل بعيدا عنها ~~وهي الوقعة الثالثة بموضع يقال له كفر زمار وكان الحر شديدا فأقام مدة. # PageV01P118 # وفي هذه المنزلة أتاه سنجر شاه من الجزيرة واجتمع به فأعاده إلى بلده ~~ومرض رحمه الله بكفر زمار مرضا شديدا خاف من غائلته فرحل طالبا حران ms044 وهو ~~مريض وكان يتجلد ولا يركب محفة فوصل وهو شديد المرض وبلغ إلى غاية الضعف ~~وأيس منه ورجف بموته فوصل إليه أخوه من حلب ومعه أطباؤه. ### | ذكر صلح المواصلة معه # وكان سبب ذلك أن عز الدين أتابك صاحب الموصل سيرني إلى الخليفة يستنجد ~~فلم يحصل منه زبدة فلما وصلت من بغداد ورددت جواب الرسالة أيس من نجدة فلما ~~بلغهم مرض السلطان رأوا بذلك فرصة وعلموا سرعة انقياده ورقة قلبه في ذلك ~~الوقت فندبوني لهذا الأمر وبهاء الدين الربيب وفوض إلي أمر النسخة التي حلف ~~بها وقالوا امضيا ما يصل إليه جهدكما وطاقتكما فسرنا حتى أتينا العسكر ~~والناس كلهم آيسون من السلطان وكان وصولنا في أوائل ذي الحجة فاحترمنا # PageV01P119 # احتراما عظيما وجلس لنا وكان أول جلوسه من مرضه وحلف في يوم عرفة وأخذنا ~~منه بين النهرين وكان أخذها من سنجر شاه فأعطاها المواصلة وحلفته يمينا ~~تامة وحلفت أخاه الملك العادل ومات قدس الله روحه وهو على ذلك الصلح لم ~~يتغير عنه وسرنا معه وهو بحران وقد تماثل ووصله خبر موت ابن أسد الدين صاحب ~~حمص وكانت وفاته يوم عرفة وجلس الملك العادل للعزاء، وفي تلك الأيام كانت ~~وقعة التركمان مع الأكراد وقتل بينهم خلق عظيم، وفي هذا الشهر وصل خبر وفاة ~~بهلوان ابن الدكز وكانت وفاته في سلخ ذي الحجة. ### | ذكر عود السلطان إلى الشام # ولما وجد السلطان نشاطا من مرضه رحل يطلب جهة حلب وكان وصوله إليها رابع ~~عشر محرم سنة اثنتين وثمانين وكان يوما مشهود الشدة فرح الناس بعافيته ~~ولقائه فأقام فيها أربعة أيام ثم رحل نحو دمشق ولقيه أسد الدين شيركوه بن ~~محمد شيركوه بتل السلطان ومعه أخته وقد صحبه خدمة عظيمة فمن عليه بحمص ~~وأقام أياما يعتبر تركة أبيه ثم سار يطلب لجهة دمشق وكان دخوله إليها في ~~ثاني ربيع الأول وكان يوما لم ير مثله فرحا وسرورا # PageV01P120 # ووقعت في هذا الشهر وقعات كثيرة بين الترك والأكراد بأرض نصيبين وغيرها ~~وقتل من الفئتين خلق عظيم وبلغ السلطان ms045 أن معين الدين قد عصا بالراوند فكتب ~~إلى عسكر حلب أن حاصروه، وفي ثاني جمادى الأولى وصل معين الدين من الراوند ~~وقد سلمها إلى علم الدين سليمان ثم مضى إلى خدمة السلطان، وفي سابع عشر وصل ~~الملك الأفضل إلى دمشق ولم يكن قد رأى قبل ذلك الشام. ### | ذكر مسير السلطان العادل إلى مصر # ووصول الملك الظاهر إلى حلب # وذلك أن السلطان رأى ذهاب الملك العادل إلى مصر فإنه كان آنس بأحوالها من ~~الملك المظفر ليزيل تقاويضها بذلك وهو على حران مريض وقد حصل ذلك في نفس ~~الملك العادل فإنه كان يحب الديار المصرية # PageV01P121 # فلما عاد السلطان إلى دمشق ومن الله بعافيته سير يطلب الملك العادل إلى ~~دمشق فخرج من حلب جريدة في الرابع والعشرين من ربيع الأول وسار حتى أتى ~~دمشق فأقام بها في خدمة السلطان فجرت بينهما أحاديث ومراجعات في قواعد ~~تقرير إلى جمادى الآخرة واستقرت القاعدة على عود الملك العادل إلى مصر ~~وتسليم حلب وسير الصنيعة لإحضار أهله من حلب وكان الملك الظاهر أيده الله ~~والملك العزيز بدمشق في خرمة والدهما فلما استقرت القاعدة على عود الملك ~~العادل إلى مصر استقرت على أن يكون أتابك الملك العزيز وسلمه والده إليه ~~يربي أمره وسلم الملك العادل حلب إلى الملك الظاهر، ولقد قال لي الملك ~~العادل أنه لما استقرت عليه هذه القاعدة واجتمعت بخدمة الملك العزيز والملك ~~الظاهر وجلست بينهما قلت للملك العزيز # PageV01P122 # يا مولاي إن السلطان قد أمرني أن أسير في خدمتك إلى مصر وأنا أعلم أن ~~المفسدين كثير وغدا لا يخلون ممن يقول عني مالا يجوز ويخوفونك مني فإن كان ~~لك أذن تسمع فقل لي حتى لا أجيء فقال لا أسمع وكيف يكون ذلك، ثم التفت وقلت ~~للملك الظاهر أنا أعرف أن أخاك ربما يسمع في أقوال المفسدين وأنا فمالي إلا ~~أنت متى ضاق صدري من جانبه فقال مبارك وذكر كل خير، ثم إن الملك الظاهر ~~سيره والده إلى حلب ليعلمه أن حلب هي أصل الملك وجرثومته وقاعدته ms046 ولهذا ~~دأبت في طلبها ذلك الدأب، ولما حصلت أعرض عما عداها من بلاد المشرق وقنع ~~منهم بالطاعة والمعونة على الجهاد فسلمها إليه علما منه بحذاقته وحزمه ~~وثباته وعلو همته فسار إليها حتى العين المباركة وسير في خدمته الشحنة حسام ~~الدين بشاره وواليا عيسى بن بلاشوا فنزل بعين المباركة وخرج الناس إلى ~~لقائه في بكرة تاسع جمادى الآخرى # PageV01P123 # وصعد القلعة ضحوة نهار وفرح الناس به فرحا شديدا ومد على الناس من جناح ~~عدله. وأفاض عليه وابل فضله، وأما الملك العزيز والملك العادل فإن السلطان ~~قرر حالتهما وكتب إلى الملك المظفر يخبره بمسير الملك العزيز وهو صحبة عمه ~~ويأمره بالوصول إلى الشام وشق ذلك عليه حتى أظهر للناس وعزم على المسير إلى ~~ديار الغرب إلى برقا فقبح ذلك عليه جماعة من أكابر الدولة وعرفوه أن عمه ~~السلطان يخرج من يده في الحال والله أعلم ما يكون بعد ذلك فرأى الحق بعين ~~البصيرة وأجاب بالسمع والطاعة وسلم البلاد ورحل واصلا إلى خدمة السلطان ~~فسار السلطان إلى لقائه وفرح بوصوله فرحا شديدا وذلك في الثالث والعشرين من ~~شعبان وأعطاه حماة وسار إليها وكان قد عقد بين الملك الظاهر وبعض بنات ~~الملك العادل عقد نكاح فتمم ذلك ودخل بها في السادس والعشرين من شهر رمضان ~~ودخل الملك الأفضل على زوجته بنت ناصر الدين بن أسد في شوال من السنة ~~المذكورة المباركة. # PageV01P124 ### | ذكر غزاة أنشأها إلى الكرك # ولما كان محرم سنة ثلاث وثمانين عزم على قصد الكرك فسير إلى حلب من ~~يستحضر العسكر وبرز من دمشق في منتصف محرم فسار حتى نزل بأرض نيطرة منتظرا ~~اجتماع العساكر المصرية والشامية وأمر العساكر المتواصلة إليه بشن الغارات ~~على ما في طريقهم من البلاد الساحلية ففعلوا ذلك وأقام بأرض الكرك حتى وصل ~~الحاج الشامي إلى الشام وأمنوا غائلة العدو ووصل قفل مصر الشتوي ووصل معه ~~بيت الملك المظفر وما كان له بالديار المصرية وتأخرت عنه العساكر الحلبية ~~بسبب اشتغالها بالإفرنج بأرض الأرمن من بلاد ابن لاون وذلك أنه قد ms047 مات ملك ~~الإفرنج ووصى لابن أخيه بالملك وكان الملك المظفر بحماه وبلغ السلطان الخبر ~~فأمرهم بالدخول إلى بلاد العدو وإخماد ثائرتهم وسار الملك المظفر بعسكر حلب ~~إلى حارم فأقام بها ليعلم العدو أن هذا الجانب ليس بمهمل فعاد السلطان إلى ~~الشام ونزل بعشترا في السابع عشر من ربيع الأول ولقيه ولده الملك الأفضل ~~ومظفر الدين بن زين الدين وجميع العساكر. # PageV01P125 # وكان قد تقدم إلى الملك المظفر بمصالحة الجانب الحلبي مع الإفرنج ليتفرغ ~~البال من العدو في جانب واحد فصالحهم في العشر الأواخر من ربيع الأول وتوجه ~~إلى حماة يطلب خدمة السلطان للغزاة التي عزم عليها فسار ومن اجتمع به من ~~العساكر الشرقية في خدمته وهم عسكر الموصل مقدمتهم مسعود بن الزعفراني ~~وعسكر ماردين فلقيهم السلطان في العشر الأوسط من ربيع الآخر فأقرهم وأكرمهم ~~في منتصف هذا الشهر عرض السلطان العسكر لأمر قد عزم عليه على تل يعرف بتل ~~تسيل تيسل وتقدم في أصحاب الميمنة بحفظ موضعهم وإلى أصحاب الميسرة بذلك ~~وإلى القلب بمثله. ### | ذكر واقعة حطين المباركة على المؤمنين # وذلك أن السلطان رأى أن نعمة الله عليه باستقرار قدمه في الملك وتمكين ~~الله إياه في البلاد وانقياد الناس لطاعته ولزومهم قانون خدمته ليس لها شكر ~~سوى الاشتغال ببذل الجهد والاجتهاد إلى إقامة قانون الجهاد، فسير إلى سائر ~~العساكر واستحضرها، واجتمعوا إليه بعشترا في التاريخ المذكور، وعرضهم ~~ورتبهم، واندفع قاصدا نحو بلاد العدو المخذول في نهار الجمعة سابع عشر ربيع ~~الآخر، وكان أبدا يقصد # PageV01P126 # بوقعاته الجمع سيما أوقات صلاة الجمعة تبركا بدعاء الخطباء على المنابر، ~~فربما كانت أقرب إلى الإجابة، فسار في ذلك الوقت على تعبية الحركة، وكان ~~بلغه أن العدو لما بلغهم أنه قد جمع العساكر اجتمعوا بأسرهم في مرج صفورية ~~بأرض عكا وقصدوا نحو المصاف معهم، فسار ونزل من يومه على بحيرة طبرية عند ~~قرية تسمى الصبيرة، ورحل من هناك ونزل غربي طبرية على سطح الجبل بتعبية ~~الحرب منتظرا أن الإفرنج إذا بلغهم ذلك قصدوه، فلم يتحركوا من منزلهم، ms048 وكان ~~نزوله في هذه المنزلة يوم الأربعاء الحادي والعشرين، فلما رآهم لا يتحركون ~~نزل جريدة على طبرية وترك الأطلاب بحالها قبالة وجه العدو، ونازل طبرية ~~وزحف عليها فهجمها وأخذها في ساعة من نهار، وامتدت الأيدي إليها بالنهب ~~والأسر والحريق والقتل، واحتمت القلعة وحدها. ولما بلغ العدو ما جرى على ~~طبرية لم يأخذهم الصبر دون إجابة الحمية فرحلوا من وقتهم وساعتهم، وقصدوا ~~طبرية للدفع عنها، فأخبرت الطلائع الإسلامية الأمراء بحركة الإفرنج، فسيروا ~~إلى السلطان من عرفه ذلك، فترك على طبرية من يحفظ قلعتها ولحق العسكر هو ~~ومن معه، فالتقى العسكران على سطح جبل طبرية الغربي منها، وذلك في أواخر ~~الخميس الثاني والعشرين، وحال الليل بين الفئتين، فتبايتا على مصاف شاكي ~~السلاح إلى صبيحة الجمعة في الثالث والعشرين، فركب العسكران وتصادما، وعملت ~~الجاليشية، # PageV01P127 # وتحركت الأطلاب، والتحم القتال، واشتد الأمر، وذلك بأرض قرية تسمى ~~اللوبيا، وضاق الخناق بالقوم هذا وهم سائرون كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون. وقد أيقنوا بالويل والثبور. وأحست أنفسهم أنهم في غد زوار القبور. ~~ولم يزل الحرب يلتحم. والفارس مع قرنه يصطدم. حتى لم يبق إلا الظفر. ووقع ~~الوبال على من كفر. فحال بينهما الليل وظلامه، وجرى في ذلك اليوم من ~~الوقائع العظيمة، والأمور الجسيمة، ما لم يحك عمن تقدم، وبات كل فريق في ~~سلاحه ينتظر خصمه في كل ساعة وقد أقعده التعب عن النهوض. وشغله النصب عن ~~الحبو فضلا عن الركوض. حتى كان صباح السبت الذي بورك فيه فطلب كل من ~~الفريقين مقامه، وعلمت كل طائفة أن المكسورة بينهما مدحورة الجنس معدومة ~~النفس. وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن، ومن بين أيديهم بلاد القوم وأن ~~لا ينجيهم إلا الله تعالى، وكان الله قدر نصر المؤمنين ويسره. وأجراه على ~~وفق ما قدره. فحملت الأطلاب الإسلامية من الجوانب وحمل القلب وصاحوا صيحة ~~الرجل الواحد، فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين. وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين. وكان القومص ذكي القوم وأطغاهم، فرأى أمارات الخذلان قد نزلت ~~بأهل دينه ولم يشغله ظن ms049 محاسنة حبسه عن تعبية، فهرب في أوائل الأمر قبل ~~اشتداده وأخذ طريقه نحو صور، وتبعه جماعة من المسلمين، فنجا وحده. وأمن ~~الإسلام كيده واحتاط أهل الإسلام بأهل الكفر والطغيان # PageV01P128 # من كل جانب وأطلقوا عليهم السهام وعاملوهم بالصفاح، وانهزمت منهم طائفة ~~فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها واحد، واعتصمت الطائفة الأخرى بتل يقال ~~له تل حطين، وهي قرية عنده وعندها قبر شعيب عليه الصلاة والسلام وعلى سائر ~~الأنبياء، فضايقهم المسلمون على التل، وأشعلوا حواليهم النيران، وقتلهم ~~العطش، وضاق بهم الأمر، حتى كانوا يستسلمون للأسر خوفا من القتل، فأسر ~~مقدموهم وقتل الباقون وأسروا، وكان فيمن سلم وأسر من مقدميهم: الملك جفري ~~والبرنس أرناط وأخو الملك، والبرنس هو صاحب الشوبك، وابن الهنغري وابن صاحب ~~طبرية ومقدم الداوية وصاحب حبيل ومقدم الأسبتار، وأما الباقون من المقدمين ~~فإنهم قتلوا، وأما الأذوان فإنهم قسموا إلى قتيل وأسير ولم يسلم منهم إلا ~~من أسر، وكان الواحد العظيم منهم يخلد إلى الأسر خوفا على نفسه، ولقد حكى ~~لي من أثق به أنه لقي بحوران شخصا واحدا معه طنب خيمة فيه نيف وثلاثون ~~أسيرا أخذهم وحده # لخذلان وقع عليهم. فأما الذين بقوا من مقدميهم فنذكر حديثهم. أما القومص ~~الذي هرب فإنه وصل إلى طرابلس وأصابته ذات الجنب فأهلكه الله بها. وأما ~~مقدم الأسبتار والداوية فإن السلطان اختار قتلهم فقتلوا عن بكرة أبيهم. ~~وأما البرنس أرناط فكان السلطان قد نذر أنه إذا ظفر به قتله، وذلك أنه كان ~~عبر به بالشوبك قافلة من الديار المصرية في حالة الصلح فنزلوا عنده ~~بالأمان، فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين، ~~فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبلغ ذلك السلطان، ~~فحمله الدين والحمية على أنه نذر إن ظفر به قتله. ولما فتح الله بالنصر ~~والظفر جلس السلطان في دهليز الخيمة فإنها لم تكن نصبت والناس يتقربون إليه ~~بالأسرى ومن وجدوه من المقدمين، ونصبت الخيمة، وجلس فرحا مسرورا لما أنعم ~~الله به عليه، ثم استحضر الملك جفري وأخاه ms050 والبرنس أرناط، وناول الملك جفري ~~شربة من حلاب بثلج، فشرب منها وكان على أشد حال من العطش، ثم ناول بعضها ~~البرنس أرناط، فقال السلطان للترجمان: قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا ~~فما سقيته، وكان على عادة جميل العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل وشرب ~~من ماء لمن أسره أمن بذلك، جريا على مكارم الأخلاق، ثم أمرهم بمسيرهم إلى ~~موضع عين لنزولهم، فمضوا وأكلوا شيئا ثم عادوا، فاستحضرهم ولم يبق عنده سوى ~~بعض الخدم، وأقعد الملك في الدهليز، واستحضر البرنس أرناط وأوقفه على ما ~~قال، وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد عليه الصلاة والسلام، ثم عرض عليه ~~الإسلام، فلم يفعل، ثم حمل النمجاة وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه من حضر، ~~وعجل الله بروحه إلى النار، فأخذ ورمي على باب الخيمة، فلما رآه الملك قد ~~خرج به على تلك الصورة لم يشك أنه يشي به، فاستحضره وطيب قلبه وقال: لم تجر ~~عادة الملوك أن يقتلوا الملوك. وأما هذا فإنه تجاوز حده فجرى ما جرى. وبات ~~الناس في تلك الليلة على أتم سرور، وأكمل حبور، ترتفع أصواتهم بالحمد لله ~~والشكر له والتكبير والتهليل حتى طلع الصبح في يوم الأحد، وتسلم قدس الله ~~روحه في بقية ذلك اليوم قلعة طبرية وأقام بها إلى يوم الثلاثاء. ثم رحل ~~طالبا عكا، وكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر، وقاتلها يوم ~~الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذ واستنقذ من كان فيها من الأسارى وكانوا ~~زهاء أربعة آلاف نفر، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع ~~والتجائر، فإنها كانت مظنة التجار، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون ~~الحصون والقلاع والأماكن المنيعة وأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية ~~والناصرة وكان ذلك لخلوها عن الرجل بالفتك والأسر، ولما استقرت قواعد عكا ~~واقتسم الغانمون أموالها وأساراها سار يطلب تبتين فنزل عليها يوم الأحد ~~ثاني عشر جمادى الأولى وهي قلعة منيعة فنصب عليها المناجيق وضيق عليها ~~بالزحف الخناق، وكان بها رجال أبطال شديدون في دينهم فاحتاجوا إلى معاناة ~~شديدة، ms051 ونصره الله عليهم، وتسلمها ثامن عشر عنوة، وأسر من بقي بها بعد ~~القتل، ثم رحل منها إلى صيدا فنزل عليها، ومن الغد تسلمها وأقام عليها بحيث ~~قرر قاعدتها. ثم سار حتى أتى بيروت، فنازلها في الثاني والعشرين، فركب ~~عليها القتال والزحف وضيق عليهم الأمر، حتى أخذها في التاسع والعشرين، ~~وتسلم أصحابه حبيلا وهو على بيروت. ولما فرغ باله من هذا الجانب رأى قصد ~~عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها ومارسها لأن العسكر كان قد ~~تفرق في الساحل وذهب كل إنسان يأخذ لنفسه شيئا وكانوا قد ضرسوا من القتال ~~وملازمة الحرب، وكان قد اجتمع في صور كل إفرنجي بقي في الساحل، فرأى قصد ~~عسقلان لأن أمرها كان أيسر، ونازلها في السادس والعشرين من جمادى الآخرة، ~~وتسلم في طريقه مواضع كثيرة كالرملة وبينا والدارون، وأقام عليها ~~المنجنيقات، وقاتلها قتالا شديدا، وتسلمها سلخ هذا الشهر وأقام عليها إلى ~~أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبرين والنطرون بغير قتال، وحمان بين فتوح عسقلان، ~~وأخذ الإفرنج لها من المسلمين خمسة وثلاثون سنة، فإن العدو ملكها في سبعة ~~وعشرين من جمادى الأخرى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. خذلان وقع عليهم. فأما ~~الذين بقوا من مقدميهم فنذكر حديثهم. أما القومص الذي هرب فإنه وصل إلى ~~طرابلس وأصابته ذات الجنب فأهلكه الله بها. وأما مقدم الأسبتار والداوية ~~فإن السلطان اختار قتلهم فقتلوا عن بكرة أبيهم. # PageV01P129 # وأما البرنس أرناط فكان السلطان قد نذر أنه إذا ظفر به قتله، وذلك أنه ~~كان عبر به بالشوبك قافلة من الديار المصرية في حالة الصلح فنزلوا عنده ~~بالأمان، فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين، ~~فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبلغ ذلك السلطان، ~~فحمله الدين والحمية على أنه نذر إن ظفر به قتله. ولما فتح الله بالنصر ~~والظفر جلس السلطان في دهليز الخيمة فإنها لم تكن نصبت والناس يتقربون إليه ~~بالأسرى ومن وجدوه من المقدمين، ونصبت الخيمة، وجلس فرحا مسرورا لما أنعم ~~الله به عليه، ms052 ثم استحضر الملك جفري وأخاه والبرنس أرناط، وناول الملك جفري ~~شربة من حلاب بثلج، فشرب منها وكان على أشد حال من العطش، ثم ناول بعضها ~~البرنس أرناط، فقال السلطان للترجمان: قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا ~~فما سقيته، وكان على عادة جميل العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل وشرب ~~من ماء لمن أسره أمن بذلك، جريا على مكارم الأخلاق، ثم أمرهم بمسيرهم إلى ~~موضع عين لنزولهم، فمضوا وأكلوا شيئا ثم عادوا، فاستحضرهم ولم يبق عنده سوى ~~بعض الخدم، وأقعد الملك في الدهليز، واستحضر البرنس أرناط وأوقفه على ما ~~قال، # PageV01P130 # وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد عليه الصلاة والسلام، ثم عرض عليه الإسلام، ~~فلم يفعل، ثم حمل النمجاة وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه من حضر، وعجل الله ~~بروحه إلى النار، فأخذ ورمي على باب الخيمة، فلما رآه الملك قد خرج به على ~~تلك الصورة لم يشك أنه يشي به، فاستحضره وطيب قلبه وقال: لم تجر عادة ~~الملوك أن يقتلوا الملوك. وأما هذا فإنه تجاوز حده فجرى ما جرى. وبات الناس ~~في تلك الليلة على أتم سرور، وأكمل حبور، ترتفع أصواتهم بالحمد لله والشكر ~~له والتكبير والتهليل حتى طلع الصبح في يوم الأحد، وتسلم قدس الله روحه في ~~بقية ذلك اليوم قلعة طبرية وأقام بها إلى يوم الثلاثاء. # PageV01P131 # ثم رحل طالبا عكا، وكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر، ~~وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذ واستنقذ من كان فيها من ~~الأسارى وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر، واستولى على ما فيها من الأموال ~~والذخائر والبضائع والتجائر، فإنها كانت مظنة التجار، وتفرقت العساكر في ~~بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة وأخذوا نابلس وحيفا ~~وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلوها عن الرجل بالفتك والأسر، ولما ~~استقرت قواعد عكا واقتسم الغانمون أموالها وأساراها سار يطلب تبتين فنزل ~~عليها يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى وهي قلعة منيعة فنصب عليها المناجيق ~~وضيق عليها بالزحف الخناق، وكان بها رجال أبطال شديدون في ms053 دينهم فاحتاجوا ~~إلى معاناة شديدة، ونصره الله عليهم، وتسلمها ثامن عشر عنوة، وأسر من بقي ~~بها بعد القتل، ثم رحل منها إلى صيدا فنزل عليها، ومن الغد تسلمها # PageV01P132 # وأقام عليها بحيث قرر قاعدتها. ثم سار حتى أتى بيروت، فنازلها في الثاني ~~والعشرين، فركب عليها القتال والزحف وضيق عليهم الأمر، حتى أخذها في التاسع ~~والعشرين، وتسلم أصحابه حبيلا وهو على بيروت. ولما فرغ باله من هذا الجانب ~~رأى قصد عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها ومارسها لأن العسكر ~~كان قد تفرق في الساحل وذهب كل إنسان يأخذ لنفسه شيئا وكانوا قد ضرسوا من ~~القتال وملازمة الحرب، وكان قد اجتمع في صور كل إفرنجي بقي في الساحل، فرأى ~~قصد عسقلان لأن أمرها كان أيسر، ونازلها في السادس والعشرين من جمادى ~~الآخرة، وتسلم في طريقه مواضع كثيرة كالرملة وبينا والدارون، وأقام عليها ~~المنجنيقات، وقاتلها قتالا شديدا، وتسلمها سلخ هذا الشهر وأقام عليها إلى ~~أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبرين والنطرون بغير قتال، # PageV01P133 # وحمان بين فتوح عسقلان، وأخذ الإفرنج لها من المسلمين خمسة وثلاثون سنة، ~~فإن العدو ملكها في سبعة وعشرين من جمادى الأخرى سنة ثمان وأربعين ~~وخمسمائة. ### | ذكر فتوح القدس الشريف حرسها الله تعالى # ولما تسلم عسقلان والأماكن المحيطة بالقدس شمر عن ساق الجد والاجتهاد في ~~قصده، واجتمعت عليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل بعد انقضاء لبانها ~~من النهب والغارة فسار نحوه معتمدا على الله معوضا أمره إليه منتهزا فرصة ~~فتح باب الخير الذي حث عليه صلى الله عليه وسلم بقوله: من فتح باب خير ~~فلينتهز بأنه لا يدري متى يغلق دونه، وكان نزوله عليها في الخامس عشر من ~~رجب سنة ثلاثة وثمانين المباركة، فنزل في الجانب الغربي، وكان مشحونا ~~بالمقاتلة والخيانة والرجالة. ولقد تحازر أهل الخبرة عدة من كان فيه من ~~المقاتلة بما يزيد على ستين ما عدا النساء والصبيان. ثم انتقل رحمه الله ~~لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي ونصب عليه المناجيق، وضايقه بالزحف # PageV01P134 # والقتال وكثرة الرماة حتى ms054 أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم في قرنة ~~شمالية. ولما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا يندفع عنهم وظهرت ~~لهم أمارات نصرة الحق على الباطل وكان قد ألقى في قلوبهم الرعب مما جرى على ~~أبطالهم ورجالهم من السبي والقتل والأسر، وما جرى على حصونهم من الاستيلاء ~~والأخذ علموا أنهم إلى ما صاروا إليه صائرون. وبالسيف الذي قتل به إخوانهم ~~مقتولون، فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان، واستقرت القاعدة بالمراسلة بين ~~الطائفتين، وكان تسلمه القدس قدس الله روحه في يوم الجمعة السابع والعشرين ~~من رجب وليلة كانت المعراج المنصوص عليها في القرآن المجيد. فانظر إلى هذا ~~الاتفاق العجيب كيف يسر الله عوده إلى أيدي المسلمين في مثل زمان الإسراء ~~بنبيهم صلى الله عليه وسلم وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى، وكان ~~فتوحا عظيما شهده من أهل العلم خلق عظيم ومن أرباب الحرف والطرق، وذلك أن ~~الناس لما بلغهم ما يسر الله على يده من فتوح الساحل، وشاع قصده القدس، ~~قصده العلماء من مصر ومن الشام بحيث لم يتخلف معروف من الحضور، وارتفعت ~~الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير، وخطب فيه، وصليت فيه الجمعة ~~يوم فتحه. وحط الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما، ونصر الله ~~الإسلام نصر عزيز مقتدر. وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على أنفسهم عن كل ~~رجل عشرة # PageV01P135 # دنانير وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية وعن كل صغير ذكر أو أنثى دينارا ~~واحدا فمن أحضر القطيعة سلم نفسه وإلا أخذ أسيرا أو فرج الله عمن كان أسيرا ~~من المسلمين وكان خلقا عظيما زهاء ثلاثة آلاف أسير وأقام رحمه الله يجمع ~~الأموال ويفرقها على الأمراء والعلماء وإيصال من دفع قطيعته منهم إلى مأمنه ~~وهو صور. ولقد بلغني أنه رحل عن القدس ولم يبق له من ذلك الملك شيء وكان ~~مائتي ألف دينار وكان رحيله يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان. ### | ذكر قصده صور # ولما ثبت قدم السلطان بملك القدس والساحل قويت نفسه ms055 على قصد صور وعلم أنه ~~إن أخر أمرها ربما اشتد فرحل سائرا إليها حتى عكا فنزل عليها ونظر في ~~أحوالها ثم رحل متوجها إلى صور يوم الجمعة خامس شهر رمضان وسار حتى أشرف ~~عليها ونزل قريبا منها ينتظر وصول آلات القتال # PageV01P136 # وكان لما تحرر عزمه على قصد صور سير إلى ولده الملك الظاهر يستحضره وكان ~~قد تركه بحلب ليسد ذلك الجانب لاشتغاله هو بأمر الساحل فقدم عليه في الثامن ~~عشر على تلك المنزلة وسر بوصوله سرورا عظيما، ولما تكاملت عنده آلات القتال ~~من المناجيق والدبابات والسنائر وغير ذلك نزل عليها في الثامن والعشرين ~~وضايقها وقاتلها قتالا عظيما واستدعى أسطول مصر وكان يحاصرها من البحر ~~والعسكر من البر وكان قد خلف أخاه الملك العادل بالقدس يقرر قواعده ~~فاستدعاه فوصل إليه في خامس شوال وسير من حاصر هونين فسلمت في الثالث ~~والعشرين من شوال. ### | ذكر كسرة الأسطول # وذلك أنه قدم على الأسطول إنسان يقال له الفارس بدران وكان # PageV01P137 # ناهضا جلدا في البحر وكان رئيس البحريين يقال له عبد المحسن وكان قد أكد ~~عليهم الوصية وأخذ حذرهم وتيقظهم لئلا تنتهز منهم فرصة فخالفوه وغفلوا عن ~~أنفسهم في الليل فخرج أسطول الكفار من صور وكبسوهم وأخذوا المقدمين مع خمسة ~~قطع وقتلوا خلقا عظيما من الأسطول الإسلامي وذلك في السابع والعشرين من ~~شوال فلما علم السلطان ما تم على المسلمين ضاق عطنه وكان قد هجم الشتاء ~~وتراكمت الأمطار وامتنع الناس من القتال من شدة المطر فجمع الأمراء ~~واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بالرحيل ليأخذ العسكر جزأ من الراحة ~~ويستعدوا لهذا الأمر استعدادا جديدا فرأى ذلك رأيا ورحل عنها بعد أن رمى ~~المنجنيقات وسيرها وأحرق مالا يمكن ثقله وكان رحيله ثاني ذي القعدة من هذه ~~السنة ففرق العساكر وأعطاها دستورا وسار كل قوم إلى بلادهم وأقام هو مع ~~جماعة من خواصه بعكا حتى دخلت سنة أربع وثمانين. ### | ذكر نزوله على كوكب # ولما دخلت عليه هذه السنة المباركة رأى الاشتغال بالحصون الباقية لهم مما ~~يضعف قلوب من ms056 في صور وينهي أمرها به فاشتغل بذلك ونزل على كوكب في أوائل ~~محرم وكان سبب بداءته بكوكب أنه قد جعل حولها جماعة يحفظونها من أن تدخل ~~إليهم قوة فخرج الإفرنج ليلا وأخذوا غرتهم وكبسوهم # PageV01P138 # بعفربلا وقتلوا مقدمهم وكان من الأمراء ويعرف بسيف الدين أخي الجاولي ~~وأخذوا أسلحتهم فسار رحمه الله من عكا ونزل عليها بمن معه من خواصه فإنه ~~كان قد أعطى العساكر دستورا وعاد أخوه إلى مصر وولده إلى حلب ولقي في طريقه ~~شدة من الثلج والبرد فحملته مع ذلك الحمية على النزول عليها وأقام يقاتلها ~~مدة. وفي تلك المنزلة وصلت إلى خدمته فإني كنت قد حججت سنة ثلاث وثمانين ~~وكانت وقعة ابن المقدم وجرح يوم عرفة على عرفة لخلف جرى بينه وبين أمير ~~الحاج طستكين على ضرب الكؤوس والدبدبة فإن أمير الحاج نهاه عن ذلك فلم ينته ~~ابن المقدم وكان من أكبر أمراء الشام وكان كثير الغزاة فقدر الله أن جرح ~~بعرفة يوم عرفة ثم حمل إلى منى مجروحا ومات بمنى يوم الخميس يوم عيد الله ~~الأكبر وصلي عليه في مسجد الخيف في بقية ذلك اليوم ودفن بالمعلا وهذا من ~~أتم السعادات وبلغ ذلك السلطان فشق عليه ثم اتفق لي العود من الحج إلى ~~الشام لقصد القدس وزيارته والجمع بين زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وزيارة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فوصلت إلى دمشق ثم خرجت إلى القدس ~~فبلغه خبر وصولي فظن أني وصلت من جانب الموصل في حديث فاستحضرني عنده وبالغ ~~في الإكرام والاحترام. ولما ودعته ذاهبا إلى القدس خرج لي بعض خواصه ~~وأبلغني تقدمه إلي بأن أعود أتمثل في خدمته عند العود من القدس فظننت أنه ~~يوصيني بمهم إلى الموصل وانصرفت إلى القدس # PageV01P139 # يوم رحيله عن كوكب ورحل لأنه علم أن هذا الحصن لا يؤخذ إلا بجمع العساكر ~~عليه وكان حصنا قويا وفيه رجال شداد من بقايا السيف وميرة عظيمة فرحل إلى ~~دمشق وكان دخوله إليها في سادس ربيع الأول. وفي ذلك اليوم اتفق دخولي إليها ms057 ~~عائدا من القدس وأقام بها خمسة أيام فكان له عنها ستة عشر شهرا وفي اليوم ~~الخامس بلغه خبر الإفرنج أنهم بحبيلا واغتالوها فخرج مسرعا ساعة بلوغ الخبر ~~وكان قد سير إلى العساكر يستدعيها من سائر الجوانب وسار يطلب حبيلا فلما ~~عرف الإفرنج بخروجه كفوا عن ذلك. وكان بلغه وصول عماد الدين وعسكر الموصل ~~ومظفر الدين إلى حلب قاصدين الخدمة للغزاة فسار نحو حصن الأكراد في طلب ~~الساحل الفوقاني. ### | ذكر دخوله الساحل الأعلى وأخذه اللاذقية وجبلة وغيرهما # ولما كان مستهل ربيع الآخر نزل على تل قبالة حصن الأكراد ثم سير إلى ~~الملك الظاهر والملك المظفر أن يجتمعا وينزلا بتبرين قبالة أنطاكية ليحفظ ~~ذلك الجانب وسارت عساكر # PageV01P140 # الشرق حتى اجتمعت لخدمة السلطان في هذه المنزلة ووصلت إليه بها على عزم ~~المسير إلى الموصل متجهزا لذلك فلما حضرت عنده فرح بي وأكرمني وكنت قد جمعت ~~له كتابا في الجهاد بدمشق مدة مقامي فيها يجمع أحكامه وآدابه فقدمته بين ~~يديه فأعجبه وكان يلازم مطالعته وما زلت أطلب دستورا في كل وقت وهو يدافعني ~~عن ذلك ويستدعيني للحضور في خدمته في كل وقت ويبلغني على ألسنة الحاضرين ~~ثناءه علي وذكره إياي بالجميل فأقام في منزلته ربيعا الآخر جميعه وصعد في ~~أثناءه إلى حصن الأكراد وحاصرها يوم مجيئه بها فما رأى الوقت يحمل حصاره ~~واجتمعت العساكر من الجوانب وأغار على بلد طرابلس في الشهر دفعتين ودخل ~~البلاد مغيرا ومختبرا لمن بها من العساكر ويقويه العساكر بالغنائم ثم نادى ~~في الناس في أواخر الشهر إنا داخلون الساحل وهو قليل الأزواد والعدو يحيط ~~بنا في بلاده من سائر الجوانب فاحملوا زاد شهر ثم سير إلي مع الفقيه عيسى ~~وكشف إلي أنه ليس في عزمه أن يمكنني من العود إلى بلادي وكان الله قد أوقع ~~في قلبي محبته منذ رأيته وحبه الجهاد فأحببته لذلك وخدمته من تاريخ مستهل ~~جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وهو يوم دخوله الساحل وجميع ما حكيته قبل ~~إنما هو روايتي عمن أثق به ممن شاهده، ms058 ومن هذا التاريخ ما سطرت إلا ما ~~شاهدته أو أخبرني به من أثق به خبرا يقارب العيان والله الموفق، # PageV01P141 # ولما كان يوم الجمعة رابع جمادى الأولى رحل السلطان على تعبية لقاء العدو ~~ورتب الأطلاب وسارت الميمنة أولا ومقدمها عماد الدين زنكي والقلب في الوسط ~~والميسرة في الآخر ومقدمها مظفر الدين وسار الثقل في وسط العسكر حتى أتى ~~المنزل فبتنا تلك الليلة في بلد العدو ثم رحل ونزل على العريمة فلم يقاتلها ~~ولم يتعرض لها ووصل في السادس إلى أنطرسوس فوقف قبالتها ينظر إليها وكان في ~~عزمه الاجتياز فإنه كان له عمل بجبلة فاستهان بأمرها فعزم على قتالها فسير ~~من رد الميمنة وأمرها بالنزول على جانب البحر ولها برجان كالقلعتين حصينان ~~وركب هو وقارب البلد وأمر # PageV01P142 # الناس بالزحف والقتال فلبسوا لامة الحرب والقتال والزحف وضايقهم فما ~~استتم نصب الخيم واشتغلوا بالنهب والكسب ووفى بقوله نتغدى بأنطرسوس إن شاء ~~الله وعاد إلى خيمته فرحا مسرورا. وحضرنا عنده للهناء بما جرى ومد الطعام ~~وحضر الناس وأكلوا على عادتهم ورتب على البرجين الباقيين الحصار فسلم ~~أحدهما مظفر الدين فما زال يحاصره حتى أخرجه وأخذ من كان فيه وأمر السلطان ~~بإخراب سور البلد وقسمه على الأمراء وشرعوا في إخرابه وأخذوا يحاصرون ~~الآخر. وكان حصنا منيعا مبنيا بالحجر النحيت وقد اجتمع من كان فيها من ~~الخيالة والبصارقة والمقاتلة وخندقه يدور فيه الماء وفيه فروج كثيرة يخرج ~~الناس منها عن بعد وليس له قدر يخرج عليه مسلم فرأى السلطان تأخير أمره ~~والاشتغال بما هو أهم منه فاشتد في إخراب السور حتى أتى عليه وخرب البيعة ~~وهي بيعة عظيمة عندهم محجوج إليها من أقطار بلادهم وأمر بوضع النار في ~~البلد فأحرق جميعه حتى كان # PageV01P143 # تتأجج النار في إرزه وبيوته والأصوات مرتفعة بالتهليل والتكبير فأقام ~~عليها يخربها إلى الرابع عشر وسار يريد جبلة وكان عرض له ولده الملك الظاهر ~~في أثناء طريق جبلة فإنه طلبه وأمره أن يحضر معه جميع العساكر التي كانت ~~بتبرين. ### | ذكر فتوحه جبلة واللاذقية # ووصل ms059 إلى جبلة في الثامن عشر وما استتم نزول العساكر حتى أتى البلد وكان ~~فيه مسلمون مقيمون فيه وفاض يحكم بينهم وكان قد عمل على البلد فلم يمتنع ~~وبقيت القلعة ممتنعة فاشتغل بقتالها فقاتلت قتالا يقيم عذرا لمن كان فيها ~~وسلمت بالأمان في التاسع عشر وأقام عليها إلى الثالث والعشرين وسار عنها ~~يطلب اللاذقية # PageV01P144 # وكان نزوله عليها في الرابع والعشرين وهي بلد مليح خفيف على القلب غير ~~مستور. وله ميناء مشهورة وله قلعتان متصلتان على تل مشرف على البلد فنزل ~~محدقا بالبلد وأخذ العسكر منازلهم مستديرين على القلعتين من جميع نواحيها ~~إلا من ناحية البلد واشتد القتال وعظم الزحف وارتفعت الأصوات وقوي الضجيج ~~إلى آخر اليوم المذكور. وأخذ البلد دون القلعتين وغنم الناس منه غنيمة ~~عظيمة فإنه كان بلد التجار ففرق بين الناس الليل وهجومه وأصبح يوم الجمعة ~~مقاتلا مجتهدا في أخذ النقوب وأخذت النقوب من شمالي القلاع وتمكن منها ~~النقب حتى بلغ طوله على ما حكي لي من ذرعه ستين ذراعا وعرضه أربعة أذرع ~~واشتد الزحف عليهم حتى صعد الناس الجبل وقاربوا السور وتواصل القتال حتى ~~صاروا يتحاذفون بالحجارة باليد فلما رأى عدو الله ما حل بهم من الصغار ~~والبوار استغاثوا بطلب الأمان عشية الجمعة الخامس والعشرين من الشهر وطلبوا ~~قاضي جبلة يدخل إليهم ليقرر لهم الأمان فأجيبوا إلى ذلك وكان رحمه الله متى ~~طلب منه الأمان لا يبخل به رفقا فعاد الناس عنهم إلى خيامهم واستقر الحال ~~معهم على أنهم يطلقون بنفوسهم وذراريهم وأموالهم خلا الغلال والذخائر وآلات ~~السلاح والدواب # PageV01P145 # وأطلق لهم دواب يركبونها إلى مأمنهم ورقي عليها العلم الإسلامي المنصور ~~في بقية ذلك اليوم وأقمنا عليها إلى السابع والعشرين. ### | ذكر فتوح صهيون # ورحل عن اللاذقية طالبا صهيون واستدارت العساكر بها من سائر نواحيها في ~~التاسع والعشرين ونصب عليها ستة مناجيق وهي قلعة حصينة منيعة في طرف جبل ~~خنادقها أودية هائلة واسعة عظيمة وليس لها خندق محفور إلا من جانب واحد ~~مقدار طوله ستون ذراعا أو أكثر وهو نقر ms060 في حجر ولها ثلاثة أسوار سور دون ~~ربضها وسور دون القلعة وكان على قلعتها علم طويل منصوب فحين أقبل العسكر ~~الإسلامي شاهدته قد وقع فاستبشر المسلمون بذلك وعلموا أنه النصر والفتح ~~واشتد القتال عليها من سائر الجوانب فضربها بمنجنيق الملك الظاهر صاحب حلب ~~وكان نصب منجنيقا قريبا من سورها فقطع الوادي وكان صائب الحجر فلم يزل ~~يضربها حتى هدم من السور قطعة عظيمة يمكن الصاعد في السور الترقي إليه منها # PageV01P146 # ولما كان بكرة الجمعة ثاني جمادى الآخرة عزم السلطان وتقدم وأمر ~~المنجنيقات أن تتوالى بالضرب وارتفعت الأصوات وعظم الضجيج بالتكبير ~~والتهليل وما كان إلا ساعة حتى رقي المسلمون على الأسوار التي للربض واشتد ~~الزحف وعظم الأمر وهجم المسلمون الربض، ولقد كنت أشاهد الناس وهم يأخذون ~~القدور وقد استوى فيها الطعام فيأكلونها وهم يقاتلون وانضم من كان في الربض ~~إلى القلعة ويحملون ما أمكنهم أن يحملوا من أموالهم ونهب الباقي واستدارت ~~المقاتلة حول أسوار القلعة ولما عاينوا الهلاك استغاثوا بطلب الأمان ووصل ~~خبرهم إلى السلطان فبذل الأمان وأنعم عليهم على أن يسلموا بأنفسهم وأموالهم ~~ويؤخذ من الرجل منهم عشرة دنانير ومن المرأة خمسة وعن الصغير ديناران وسلمت ~~القلعة وأقام السلطان عليها حتى سلم عدة قلاع كالعبد وفيحه وبلاطنيس وغيرها ~~من القلاع والحصون تسلمها النواب ### | ذكر فتوح بكاس # ثم رحل وسرنا حتى أتينا سادس جمادى الآخرى بكاس وهي قلعة حصينة على جانب ~~العاصي ولها نهر يخرج من # PageV01P147 # تحتها وكان المنزل على شاطئ العاصي وصعد السلطان جريدة إلى القلعة وهي ~~على جبل يطل على العاصي فأحدق بها من كل جانب وقاتلها قتالا شديدا ~~بالمنجنيقات والزحف المضايق إلى تاسع الشهر ويسر الله فتحها عنوة وأسر من ~~فيها بعد قتل من قتل منهم وغنم جميع ما كان فيها وكان لها قليعة تسمى الشفر ~~قريبة منها يعبر إليها منها بجسر وهي في غاية المنعة ليس إليها طريق فسلطت ~~عليها المنجنيقات من الجوانب ورأوا أنهم لا ناصر لهم فطلبوا الأمان في ~~الثالث عشر وسألوا أن يؤخروا ثلاثة ms061 أيام لاستئذان من بإنطاكية فأذن في ذلك ~~وكان تمام فتحها وصعود العلم السلطاني عليها يوم الجمعة سادس عشر ثم عاد ~~السلطان إلى الثقل وسير ولده الملك الظاهر إلى قلعة سرمانية فقاتلها قتالا ~~شديدا وضايقها مضايقة عظيمة وتسلمها يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر ~~فاتفقت فتوحات الساحل من جبلة إلى سرمانية في أيام الجمع وهي علامة قبول ~~دعاء الخطباء المسلمين وسعادة السلطان حيث يسر لنا الله الفتوح في اليوم ~~الذي يضاعف فيه ثواب الحسنات وهذا من نوادر الفتوحات في الجمع المتوالية ~~ولم يتفق مثلها في تاريخ. ### | ذكر فتوح برزية # ثم سير السلطان جريدة إلى قلعة برزية وهي قلعة حصينة في غاية القوة ~~والمنعة على سن جبل شاهق يضرب بها المثل في جميع بلاد الإفرنج والمسلمين ~~يحيط بها أودية من سائر جوانبها وذرع علوها كان خمسمائة ذراع # PageV01P148 # ونيفا وسبعين ذراعا ثم جدد عزمه على حصارها بعد رؤيتها واستدعى الثقل ~~وكان نزول الثقل وبقية العسكر تحت جبلها في الرابع والعشرين من الشهر وفي ~~بكرة الخامس والعشرين منه صعد السلطان جريدة مع المقاتلة والمنجنيقات وآلات ~~الحصار إلى الجبل فأحدقت بالقلعة من سائر نواحيها وركب القتال من كل جانب ~~وضرب أسوارها بالمنجنيقات المتواترة الضرب ليلا ونهارا وفي السابع والعشرين ~~قسم العساكر ثلاثة أقسام ورتب كل قسم يقاتل شطرا من النهار ثم يستريح ويسلم ~~القتال للقسم الآخر بحيث لا يفتر عنها القتال عنها أصلا وكان صاحب النوبة ~~الأولى عماد الدين صاحب سنجار فقاتلها قتالا شديدا حتى استوفى نوبته وضرس ~~الناس من القتال وتراجعوا واستلم النوبة الثانية السلطان بنفسه وركب وتحرك ~~خطوات عدة وصاح في الناس فحملوا عليها حملة الرجل الواحد وقصدوا السور من ~~كل جانب فلم يكن إلا بعض ساعة حتى رقي الناس على الأسوار وهجموا القلعة ~~وأخذت القلعة عنوة فاستغاثوا بالأمان وقد تمكنت الأيدي منهم فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا ونهب جميع ما فيها وأسر جميع من كان فيها وكان قد ~~أوي إليها خلق عظيم وكانت من قلاعهم المذكورة وكان يوما عظيما وعاد ms062 الناس ~~إلى خيامهم غانمين وعاد السلطان إلى الثقل فرحا مسرورا وأحضر بين يديه صاحب ~~القلعة وكان رجلا كبيرا منهم وكان هو ومن أخذ من أهله سبعة عشر نفسا فمن ~~عليهم ورق لهم وأنفذهم إلى صاحب أنطاكية استمالة له فإنهم كانوا يتعلقون به ~~ومن أهله. # PageV01P149 ### | ذكر فتوحات دربساك # ثم رحل حتى أتى جسر الحديد وأقام عليه أياما وسار حتى نزل على دربساك يوم ~~الجمعة ثامن عشر رجب وهي قلعة منيعة قريبة من أنطاكية فنزل عليها وقاتلها ~~قتالا شديدا بالمنجنيقات وضايقها مضايقة عظيمة وأخذ النقب تحت برج منها ~~وتمكن النقب منه حتى وقع وحموه بالرجال والمقاتلة ووقف في الثغرة رجال ~~يحمونها ممن يصعد فيها ولقد شاهدتهم وكلما قتل منهم رجل قام غيره مقامه وهم ~~قيام في عرض الجدار مكشفون فاشتد بهم الأمر حتى طلبوا الأمان واشترطوا ~~مراجعة أنطاكية وكانت القاعدة أن ينزلوا بأنفسهم وثياب أبدانهم لا غير ورقي ~~العلم الإسلامي في الثاني والعشرين من رجب وأعطاها علم الدين سليمان بن ~~جندر وسار عنها في الثالث والعشرين منه. ### | ذكر فتوح بغراس # وهي قلعة منيعة أقرب إلى أنطاكية من دربساك وكانت كثيرة العدة والرجال ~~فنزل العسكر في مرج لها وأحدق العسكر بها جريدة مع أنا احتجنا إلى يزك في ~~تلك المنزلة يحفظ جانب أنطاكية لئلا يخرج منها من يهاجم العسكر فضرب يزك ~~الإسلام على باب أنطاكية بحيث لا يشذ عنه من يخرج منها وأنا ممن كان في ~~اليزك بعض الأيام لرؤية البلد وزيارة حبيب النجار # PageV01P150 # المدفون فيها ولم يزل يقاتل بغراس مقاتلة شديدة حتى طلبوا الأمان على ~~استئذان أنطاكية ورقي العلم الإسلامي عليها في ثاني شعبان وفي بقية ذلك ~~اليوم عاد رحمه الله إلى المخيم الأكبر وراسله أهل أنطاكية في طلب الصلح ~~فصالحهم لشدة ضجر العسكر وقوة قلق عماد الدين صاحب سنجار في طلب الدستور ~~وعقد الصلح بيننا وبين أنطاكية من بلاد الإفرنج لا غير على أن يطلقوا جميع ~~أسارى المسلمين الذين عندهم وكان إلى سبعة أشهر فإن جاءهم من ينصرهم وإلا ~~سلموا البلد ms063 إلى السلطان. ورحل يطلب دمشق فسأله ولده الملك الظاهر أن يجتاز ~~به فأجابه وسار حتى أتى حلب حادي عشر شعبان وأقام بقلعتها ثلاثة أيام وولده ~~يقوم بالضيافة حق القيام ولم يبق من العسكر إلا من ناله من نعمته منال ~~وأكثر ظني أنه أشفق عليه والده وسار من حلب يريد دمشق فاعترضه ابن أخيه ~~الملك المظفر تقي الدين وأصعده إلى قلعة حماة واصطنع له طعاما حسنا وأحضر ~~له سماع الصوفية وبات فيها ليلة واحدة وأعطاه جبلة واللاذقية وسار على طريق ~~بعلبك حتى أتاها وأقام بمرجها يوما ودخل إلى حمامها وسار منها حتى دخل ~~رمضان وما كان يرى تخلية وقته عن الجهاد مهما أمكنه وكان قد بقي له القلاع ~~القريبة من حوران التي يخاف عليها من جانبها كصفد وكوكب فرأى أن يشغل الوقت ~~بفتح المكانين في الصوم. # PageV01P151 ### | ذكر فتح صفد # ثم سار في أوائل رمضان من دمشق يريد صفد ولم يلتفت إلى مفارقة الأهل ~~والأولاد والوطن في هذا الشهر الذي يسافر الإنسان أين كان فيجتمع فيه ~~بأهله. اللهم إنه احتمل ذلك ابتغاء مرضاتك فآته أجرا عظيما. فسار حتى أتى ~~صفد وهي قلعة منيعة قد تقاطعت حولها أودية من سائر جوانبها فأحدق العسكر ~~بها ونصب عليها المناجيق في أثناء شهر رمضان المبارك وكانت الأمطار شديدة ~~والوحول عظيمة ولم يمنعه ذلك عن جده، ولقد كنت عنده في خدمته ليلة وقد عين ~~مواضع خمس مناجيق فقال ما ننام حتى تنصب الخمسة وسلم كل منجنيق إلى قوم ~~ورسله تتواتر إليهم يعرفونهم كيف يصنعون حتى أظله الصبح وقد فرغت ~~المنجنيقات ولم يبق إلا تركيب خنازيرها فيها فرويت له الحديث المشهور في ~~الصحاح وبشرته بمقتضاه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " عينان لا تمسهما ~~النار، عين باتت تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله "، وفي أثناء ~~شهر رمضان سلمت الكرك من جانب نواب صاحبها وخلصوه بها من الأسر وكان قد أسر ~~في وقعة حطين المباركة ثم لم يزل القتال على صفد متواصلا بالبون مع الصوم ~~حتى ms064 سلمت بالأمان في رابع عشر شوال. # PageV01P152 ### | ذكر فتح كوكب # ثم سار يريد كوكب فنزل على الجبل وجرد العسكر وأحدق بالقلعة وضايقها ~~بالكلية بحيث اتخذ له موضعا يتجاوز نشاب العدو ونباله حائطا من حجر وطين ~~يستتر وراءه حتى لا يقدر أحد يقف على باب خيمة إلا إن كان ملبسا وكانت ~~الأمطار متواترة والوحول عظيمة وعانى شدائد وأهوالا من شدة الرياح وتراكم ~~الأمطار وكون العدو مسلطا عليهم بعلو مكانه وقتل وجرح جماعة ولم يزل راكبا ~~مركب الجد حتى تمكن من النقب من سورها، ولما أحس العدو المخذول أنه مأخوذ ~~طلب الأمان فأجابهم إلى ذلك وأمنهم وتسلمها في منتصف ذي القعدة ونزل على ~~الفور إلى الثقل وكان قد أنزله من شدة الوحل والريح في سطح الجبل فأقام ~~بقية الشهر يراجعه أخوه الملك العادل في أشغال شخصية حتى هل هلال ذي الحجة ~~وأعطى الجماعة دستورا وسار مع أخيه يريد القدس لزيارته ووداع أخيه فإنه ~~عائدا إلى مصر فوصلا إليه يوم الجمعة ثامن ذي الحجة وصلينا الجمعة في قبة ~~الصخرة الشريفة وصلينا صلاة العيد الأعظم بها أيضا يوم الأحد وسار حادي عشر ~~طالبا عسقلان لينظر في حالها فأقام بها أياما يلم شعثها ويصلح أحوالها فودع ~~أخاه وأعطاه الكرك وأخذ منه عسقلان وعاد يطلب عكا على طريق الساحل ويمر على ~~البلاد يتفقد أحوالها ويودعها الرجال والعدد حتى أتى عكا فأقام بها معظم ~~محرم سنة خمسة وثمانين ورتب بها بهاء الدين قراقوش واليا وأمره بعمارة ~~السور والإطناب فيه ومعه حسام الدين # PageV01P153 # بشارة وسار يريد دمشق مستهل صفر سنة خمسة وثمانين. ### | ذكر توجهه إلى شقيف أرنون # وهي السفرة المتواصلة بواقعة عكا # وأقام بدمشق حتى دخل ربيع الأول ثلاثة أيام ووصله في أثناء ربيع الأول ~~رسل الخليفة الناصر لدين الله يأمره بالخطبة لولده ولي العهد فخطب له وجدد ~~عزمه على قصد شقيف أرنون وهو موضع حصين قريب من بانياس وكان تبريزه في ~~الثالث فسار حتى نزل مرج برغوث وأقام به ينتظر العساكر إلى حادي عشرة ورحل ~~حتى أتى بانياس ms065 ثم رحل منها حتى أتى مرج عيون في السابع عشر فخيم به وهو ~~قريب من شقيف أرنون بحيث يركب كل يوم بشارفه والعساكر تجتمع وتطلبه من كل ~~صوب وأوب فأقمنا أياما نشرف كل يوم على الشقيف والعساكر الإسلامية في كل ~~يوم تصبح متزايدة العدد والعدد وصاحب الشقيف يرى ما يتيقن معه عدم السلامية ~~فرأى # PageV01P154 # أن إصلاح حاله معه قد تعين طريقا إلى سلامته فنزل بنفسه وما أحسسنا به ~~إلا وهو قائم على باب خيمة السلطان فأذن له فدخل فاحترمه وأكرمه وكان من ~~كبار الإفرنجية وعقلائها وكان يعرف بالعربية وعنده إطلاع على شيء من ~~التواريخ وبلغني أنه كان عنده مسلم يقرأ له ويفهمه وكان عنده ثاني فحضر بين ~~يدي السلطان وأكل معه الطعام ثم خلا به وذكر له أنه مملوك وأنه تحت طاعته ~~وأنه يسلم المكان إليه من غير تعب واشترط أن يعطى موضعا يسكنه بدمشق فإنه ~~بعد ذلك لا يقدر على مساكنة الإفرنج وإقطاعا بدمشق يقوم به وبأهله وأن يمكن ~~من الإقامة بموضعه وهو يتردد إلى الخدمة ثلاثة أشهر من تاريخ اليوم الذي ~~كان فيه حتى يتمكن من تخليص أهله وجماعته من صور فأجيب إلى ذلك كله وأقام ~~يتردد إلى خدمة السلطان في كل وقت ويناظره في دينه ونناظره في بطلانه وكان ~~حسن المحاورة ومتأدبا في كلامه وفي أثناء ربيع الأول وصل الخبر بتسليم ~~الشوبك وكان قد أقام السلطان عليه جمعا عظيما يحاصرونه مدة سنة حتى فرغ ~~زادهم وسلموه بالأمان. ### | ذكر اجتماع الإفرنج تقصد عكا # وكان السلطان اشترط على نفسه حين تسلم عسقلان أنه إن أمر الملك بتسليمها ~~أطلقه فأمرهم بتسليمها وسلموها فطالبه الملك بإطلاقه فأطلقه # PageV01P155 # وفاء بالشرط ونحن على حصن الأكراد من أنطرسوس واشترط عليه أن لا يشهر في ~~وجهه سيفا أبدا ويكون غلامه ومملوكه وطليقه أبدا فنكث لعنه الله فجمع جموعا ~~وأتى صور يطلب الدخول إليها فخيم على بابها يراجع المركيس الذي كان بها في ~~ذلك الوقت وكان المركيس اللعين رجلا عظيما ذا رأي وبأس شديد في دينه ms066 وصرامة ~~عظيمة فقال إني نائب للملوك الذين وراء البحر وما أذنوا لي في تسليمها إليك ~~وطالت المراجعة واستقرت القاعدة بينهما على أن يتفقوا جميعا على المسلمين ~~وتجمع العساكر بصور وغيرها من الإفرنجية على المسلمين وعسكروا على باب صور. ### | ذكر الواقعة التي استشهد فيها أيبك الأخرش # وذلك أنه لما كان يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأول من السنة المذكورة ~~بلغ السلطان من اليزك أن الإفرنج قد قطعوا الجسر الفاصل بين أرض صور وأرض ~~صيدا وبقيت الأرض التي نحن عليها فركب السلطان وصاح الجاووش فركب العسكر ~~يريدون نحو اليزك فوصل العسكر وقد انفصلت الوقعة وذلك أن الإفرنج عبر منهم ~~جماعة الجسر فنهض لهم اليزك الإسلامي وكانوا في قوة وعدة فقاتلوهم قتالا ~~شديدا وقتلوا منهم خلقا كثيرا وجرحوا أضعاف ما قتلوا ورموا في النهر جماعة ~~فغرقوا ونصر الله الإسلام وأهله ولم يقتل من المسلمين إلا مملوك للسلطان ~~يعرف بأيبك الأخرش فإنه استشهد في ذلك اليوم وكان شجاعا باسلا مجربا في ~~الحرب فارسا تقنطر به فرسه فلجأ إلى صخرة فقاتل بالنشاب حتى فني ثم بالسيف # PageV01P156 # حتى قتل جماعة ثم تكاثروا عليه فقتلوه ووجد السلطان عليه لمكان شجاعته ~~وعاد السلطان إلى خيم كانت قد ضربت له قريب المكان جريدة. ### | ذكر وقعة ثانية استشهد فيها جمع من رجاله المسلمين # وأقام في تلك الخيم إلى التاسع عشر وركب يشرف على القوم على عادة فتبع ~~العسكر خلق عظيم من الرجالة والغزاة والسوقة وحرص في ردهم فلم يفعلوا ولقد ~~أمر من ضربهم فلم يفعلوا وخاف عليهم فإن المكان كان حرجا ليس للراجل فيه ~~ملجأ ثم هجم الرجالة إلى الجسر وناوشوا العدو وعبر منهم جماعة إليهم وجرى ~~بينهم قتال شديد واجتمع بهم من الإفرنج خلق عظيم وهم لا يشعرون وكشفوهم ~~بحيث علموا أن ليس وراءهم كمين فحملوا عليهم حملة واحدة على غرة من السلطان ~~فإنه كان بعيدا عنهم ولم يكن معه عسكر فإنه لم يخرج بتعبية قتال وإنما ركب ~~مستشرفا عليهم على العادة من كل يوم ولما بان له الوقعة ms067 وظهر له غبارها بعث ~~إليهم من كان معه ليردوهم فوجدوا الأمر قد فرط والإفرنج قد تكاثروا حتى ~~خافت منهم السرية التي بعثها السلطان وظفروا بالرجالة ظفرة عظيمة وجرى ~~بينهم وبين السرية قتال شديد وأسر جماعة من الرجالة وقتلوا جماعة وكان عدد ~~الشهداء مائة وثمانين نفرا وقتل أيضا من الإفرنج عدة عظيمة وغرق أيضا منهم ~~عدة وكان ممن قتل منهم مقدم الألمانية وكان عندهم عظيما محترما # PageV01P157 # واستشهد من المعروفين من المسلمين ابن البصاروا وكان شابا حسنا شجاعا ~~واحتسبه والده في سبيل الله ولم تقطر من عينه عليه دمعة على ما ذكر جماعة ~~لازموه وهذه الوقعة لم يتفق للإفرنج مثلها في هذه الوقائع التي حضرتها ~~وشاهدتها ولم ينالوا من المسلمين مثل هذه العدة في هذه المدة. ### | ذكر مسيرة الجريدة إلى عكا وسبب ذلك # ولما رأى السلطان ما حل بالمسلمين في تلك الوقعة النادرة جمع أصحابه ~~وشاورهم وقدر معهم أنه يهجم على الإفرنج ويعبر الجسر ويقتلهم ويستأصل ~~شأفتهم وكان الإفرنج قد رحلوا من صور ونزلوا قريب الجسر وبين الجسر وصور ~~مقدار فرسخ وزائد على فرسخ فلما صمم العزم على ذلك أصبح يوم الخميس سابع ~~عشر وركب وسار وتبعه الناس والمقاتلة والعساكر ولما وصل أواخر الناس إلى ~~أوائلهم وجدوا اليزك عائدا وخيامهم قد قلعت فسئلوا عن سبب ذلك فذكروا أن ~~الإفرنج رحلوا راجعين إلى صور ملتجئين إلى سورها معتصمين بقربها وأنهم لما ~~بلغهم ذلك عادوا ولما رأى السلطان ذلك منهم رأى أن يسير إلى عكا ليلحظ ما ~~بني من سورها ويحث على الباقي فمضى إلى عكا ورتب أحوالها وأمر بتتمة عمارة ~~سورها وإتقانه وإحكامه وأمرهم بالاحتياط والاحتراز وعاد إلى العسكر المنصور ~~إلى مرج عيون منتظرا مهلة صاحب الشقيف لعنه الله. # PageV01P158 ### | ذكر وقعة أخرى # ولما كان يوم السبت سادس جمادى الآخرى بلغه أن جماعة من رجالة العدو ~~يسطون ويصلون إلى جبل تبنين يحتطبون وفي قلبه من رجالة المسلمين وما جرى ~~عليهم أمر عظيم فرأى أن يقرر قاعدة وكمينا يرتبه لهم ويأخذهم فيه وبلغه أنه ~~يخرج ms068 وراءهم أيضا خيلا تحفظهم فعمل كمينا يصلح للقاء الجميع ثم أنفذ إلى ~~عسكر تبنين وتقدم إليهم أن يخرجوا في نفر يسير غائرين على تلك الرجالة وأن ~~خيل العدو إذا تبعتهم ينهزمون إلى جهة عينها لهم وأن يكون ذلك صبيحة ~~الاثنين ثامن جمادى الآخرى وأرسل إلى عسكر عكا أن يسير حتى يكون وراء عسكر ~~العدو حتى إذا تحركوا في نصرة أصحابهم قصدوا خيمهم وركب هو وجحفله فجر يوم ~~الاثنين شاكي السلاح متجردين ليس معهم خيمة إلى الجهة التي عينها لهزيمة ~~عسكر تبنين ورتب العسكر ثمانية أطلاب واستخرج من كل طلب عشرين فارسا من ~~الشجعان الجياد الخيل وأمرهم أن يتراأوا للعدو حتى يظهر واليهم ويناوشوهم ~~وينهزموا بين أيديهم حتى يصلوا إلى الكمين ففعلوا ذلك وظهر لهم من الإفرنج ~~معظم عسكرهم يقدمهم الملك وكان قد بلغهم الخبر وتعبوا تعبية القتال وجرى ~~بينهم وبين هذه السرية اليسير قتال شديد والتزمت السرية القتال وأنفوا عن ~~الانهزام بين أيديهم وحملتهم الحمية على مخالفة السلطان ولقائهم العدو ~~الكثير بذلك الجمع اليسير واتصل الحرب بينهم إلى أواخر نهار الاثنين ولم ~~يرجع منهم أحد إلى العسكر ليخبرهم بما جرى واتصل الخبر بالسلطان في أواخر ~~الأمر وقد هجم الليل فبعث إليهم بعوثا كثيرة حين علم ضيق الوقت عن المصاف ~~وفوات الأمر # PageV01P159 # ولما بصر الإفرنج بأوائل المدد قد لحق السرية عادوا منهزمين ناكصين على ~~أعقابهم بعد أن جرت مقتلة عظيمة من الجانبين وكانت القتلى من الإفرنج على ~~ما ذكر من حضر فإني لم أكن حاضرها زهاء عشرة أنفس ومن المسلمين ستة أنفار ~~اثنان من اليزك وأربعة من العرب منهم الأمير رامل وكان شابا تاما حسن ~~الشباب مقدم عشيرته. وكان سبب قتله أنه تقنطرت به فرسه ففداه ابن عمه بفرسه ~~فتقنطرت به أيضا وأسر هو وثلاثة من أهله. ولما بصر الإفرنج بالمدد للعسكر ~~قتلوهم خشية الاستنقاذ وجرح خلق كثير من الطائفتين وخيل كثيرة. ومن نوادر ~~هذه الوقعة أن مملوك السلطان أثخن بالجراح حتى وقع بين القتلى وجراحاته ~~تشخب دما وبات ليلته أجمع ms069 على تلك الحالة إلى صبيحة يوم الثلاثاء فتفقده ~~أصحابه فلم يجدوه فعرفوا السلطان فقده فأنفذ من يكشف خبره فوجدوه بين ~~القتلى على مثال هذه الحالة فحملوه ونقلوه إلى المخيم على تلك الحال وعافاه ~~الله وعاد السلطان إلى المخيم يوم الأربعاء عاشر الشهر منصورا، فرحا ~~مسرورا. ### | ذكر أخذ أصحاب الشقيف وسبب ذلك # ثم استفاض بين الناس أن صاحب الشقيف فعل ما فعله من المهلة غيلة لا أنه ~~صادق في ذلك وإنما قصد فيه تدفع الزمان وظهر لذلك مخائل كثيرة من الحرص في ~~تحصيل الميرة وإتقان الأبواب وغير ذلك فرأى السلطان أن يصعد إلى سطح الجبل ~~ليقرب من المكان ويرسل سرا من يمنع من دخول النجدة والميرة إليه وأظهر أن ~~سبب ذلك شدة حر الزمان والفرار من وخم المرج. وكان انتقاله إلى سطح الجبل ~~ليلة الثاني عشر من الشهر وقد مضى من الليل ربعه فما أصبح صاحب الشقيف إلا ~~والخيمة مضروبة وبقي بعض # PageV01P160 # العساكر بالمرج على حاله فلما رأى أصحاب الشقيف قرب العسكر منه وعلم أنه ~~بقي من المدة بقية جمادى الآخرى حدثته نفسه أنه ينزل إلى خدمة السلطان ~~ويستعطفه ويستزيده في المدة وتخيل له بما رأى من أخلاق السلطان ولطافته أن ~~ذلك يتم فنزل إلى الخدمة وعرض المكان وقال المدة لم يبق منها إلا اليسير ~~وأي فرق بين التسليم اليوم أو غدا وأظهر أنه بقي من أهله جماعة بصور وأنهم ~~على الخروج منها في هذه الأيام وأقام في الخدمة ذلك اليوم إلى الليل وصعد ~~القلعة ولم يظهر له السلطان شيئا وأجراه على عادته وتقضى مدته ثم عاد ونزل ~~أيام وقد قرب انتهاء المدة والفراغ منها وطلب الخلوة بالسلطان وسأل منه أن ~~يمهله تمام السنة تسعة أشهر فأحس السلطان منه الغدر فماطله وما أيسه وقال ~~نتفكر في ذلك ونجمع الجماعة ونأخذ رأيهم وما ينفصل الحال عليه نعرفك وضرب ~~له خيمة قريبة من خيمته وأقام عليها حرسا لا يشعر بهم وهو على غاية من ~~الإكرام والاحترام له والمراجعة والمراسلة بينهم في ذلك الفن ms070 مستمرة حتى ~~انقضت الأيام وطولب بتسليم المكان فكشف له أنك أضمرت الغدر وجددت في المكان ~~عمائر، وحملت إليه ذخائر فأنكر ذلك واستقرت القاعدة على أن ينفذ من عنده ~~ثقته وينفذ السلطان ثقة يتسلم المكان وينظر هل تجدد فيه شيء من البناء أم ~~لا فمضوا إليه فلم يلتفت أصحابه المقيمون إليهم ووجدوه قد جدد بابا للسور ~~لم يكن فأقيم الحرس الشديد عليه وأظهر ذلك ومنع من الدخول إلى الخدمة وقيل ~~له قد انقضت المدة ولا بد # PageV01P161 # من التسليم وهو يغالط عن ذلك ويدافع عن الجواب عنه، ولما كان الثامن عشر ~~من جمادى الآخرة وفيه اعترف بانتهاء المدة قال أنا أمضي وأسلم المكان وسار ~~معه جمع كثير من الأمراء والأجناد حتى أتى الشقيف وأمرهم بالتسليم فأبوا ~~فخرج إليه قسيس وحدثه بلسانه ثم عاد واشتد امتناعهم بعد عود القسيس إليهم ~~فظن أنه أكد الوصية على القسيس في الامتناع وأقام ذلك اليوم والحديث يتردد ~~فلم يتلفتوا وأعيد إلى المخيم المنصور وسير من ليلته إلى بانياس وأحيط عليه ~~بقلعتها فأحدق العسكر بالشقيف مقاتلين ومحاصرين وأقام صاحب الشقيف ببانياس ~~إلى سادس رجب واشتد حنق السلطان على صاحب الشقيف بسبب تضييع ثلاثة أشهر ~~عليه وعلى عسكره ولم يعملوا فيها شيئا فأحضر إلى المخيم وهدد ليلة وصوله ~~بأمور عظيمة فلم يفعل وأصبح السلطان ثامن رجب ورقي إلى سنام الجبل مخيمه ~~وهو موضع مشرف على الشقيف من المكان الذي كان فيه أولى وأبعد من الوخم وكان ~~قد تغير مزاجه، ثم بلغنا بعد ذلك أن الإفرنج بصور مع الملك قد ساروا نحو # PageV01P162 # النواقير يريدون جهة عكا وإن بعضهم نزل بالإسكندرية وجرى بينهم وبين ~~رجالة المسلمين مناوشة وقتل منهم المسلمون نفرا يسيرا وأقاموا هناك. ### | ذكر وقعة عكا # وذلك أنه لما بلغ السلطان حركة الإفرنج إلى تلك الجهة عظم عليه ولم ير ~~المسارعة خوفا من أن يكون قصدهم ترحيله عن الشقيف لا قصد المكان فأقام ~~مستكشفا للحال إلى ثاني عشر رجب فوصل قاصدا آخر أن الإفرنج في بقية ذلك ~~اليوم رحلوا ونزلوا ms071 عين بصة ووصل أوائلهم إلى الزيت فعظم ذلك عنده وكتب إلى ~~سائر أرباب الأطراف يتقدمون بالعساكر الإسلامية بالمسير إلى المخيم المحروس ~~وعاد فجدد الكتب والحث وتقدم إلى الثقل أن سار الليل وأصبح هو صبيحة الثالث ~~عشر سائرا إلى عكا على طريق طبرية إذ لم يكن ثم طريق يسع العساكر إلا هو ~~وسير جماعة على طريق تبنين يستطلعون العدو ويواصلون بإخباره وسرنا حتى ~~أتينا الحولة منتصف النهار فنزل بها ساعة ثم رحل وسار طول الليل حتى أتينا ~~موضعا يقال له المنية صباح اليوم الرابع عشر وفيه بلغنا نزول الإفرنج على ~~عكا يوم الاثنين الثالث عشر وسير صاحب الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة ~~على سوء صنيعه # PageV01P163 # وسار هو جريدة من المنية حتى اجتمع ببقية العسكر الذي كان أنفذه على طريق ~~تبنين بمرج صفورية فإن كان واعدهم إليه وتقدم إلى الثقل أن يلحقه إلى مرج ~~صفورية ولم يزل حتى شارف العدو من الخروبة وبعث بعض العسكر ودخل عكا على ~~غرة من العدو تقوية لمن فيها ولم يزل يبعث إليها بعثا بعد بعث حتى حصل فيها ~~خلق كثير وعدد وافر ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلبا وسار من الخروبة وكان ~~قد نزل عليها خامس عشر الشهر فسار منها حتى أتى تل كيسان في أوائل مرج عكا ~~وأمر الناس أن ينزلوا به على تلك التعبية وكان آخر الميسرة على طرف النهر ~~الحلو وآخر الميمنة مقارب تل العياضية فاحتاط العسكر الإسلامي المنصور ~~بالعدو المخذول وأخذ عليهم الطرف من الجوانب وتلاحقت العساكر الإسلامية ~~واجتمعت ورتب اليزك الدائم والجاليش في كل يوم مع العدو وحصر العدو في ~~خيامه من كل جانب بحيث لا يقدر أن يخرج منها واحد إلا ويجرح أو يقتل وكان ~~معسكر العدو على شطر من عكا وخيمة ملكهم على تل المصليين قريبا من باب ~~البلد وكان عدد راكبهم ألفي فارس وعدد راجلهم ثلاثين ألفا وما رأيت من ~~أنقصهم عن ذلك ورأيت من حزرهم بزيادة على ذلك ومددهم من البحر لا ينقطع ~~وجرى بينهم وبين اليزك ms072 مقاتلات عظيمة متواترة والمسلمون يتهافتون على ~~قتالهم والسلطان يمنعهم من ذلك إلى وقته والبعوث من العساكر الإسلامية ~~تتواصل والملوك والأمراء من الأقطار تتابع فأول من وصل الأمير الكبير مظفر ~~الدين بن زين الدين، ثم قدم بعده الملك المظفر صاحب حماة # PageV01P164 # وفي أثناء هذا الحال توفي حسام الدين سنقر الأخلاطي وأسف المسلمون عليه ~~أسفا شديدا فإنه كان شجاعا دينا، ثم إن الإفرنج لما تكاثروا واستفحل أمرهم ~~استداروا بعكا حيث منعوا من الدخول والخروج وذلك في يوم الخميس سلخ رجب، ~~ولما رأى السلطان ذلك عظم لديه وضاق صدره وثارت همته العلية وفتح الطريق ~~إلى عكا لتستمر السابلة إليها بالميرة والنجدة وغير ذلك فأحضر أمراءه ~~وأصحاب الرأي من دولته وشاورهم في مضايقة القوم وانفصل لحمال على أنه ~~يضايقهم مضايقة شديدة بحيث ينفصل أمرهم بالكلية ويفتح وباب والطريق إلى عكا ~~فباكرهم صبيحة الجمعة مستهل شعبان وسار مع العسكر القد رتبه للقتال ميمنة ~~وميسرة وقلبا وضايقهم مضايقة شديدة وكانت الحملة بعد صلاة الجمعة اغتناما ~~لدعاء الخطباء على المنابر وجرت حملات عظيمة وقلبات كثيرة واتصل الحرب إلى ~~أن حال بين الفئتين هجوم الليل وبات الناس على حالهم من الجانبين شاكي ~~السلاح تحرس كل طائفة نفسها من الطائفة الأخرى. ### | ذكر فتح الطريق إلى عكا # PageV01P165 # ولما كانت صبيحة السبت أصبح الناس على القتال وأنفذ السلطان طائفة من ~~شجعان المسلمين إلى البحر من شمالي عكا ولم يكن هناك للعدو خيم لكن العسكر ~~كان قد امتد جريدة إلى البحر فحملوا عليهم فانكسروا بين أيديهم كسرة عظيمة ~~وقتلوا منهم جمعا كثيرا وانكف السالمون منهم إلى خيامهم وهجم المسلمون ~~خلفهم إلى أوائل خيامهم وانفتح الطريق إلى عكا من باب القلعة المسماة بقلعة ~~الملك إلى باب قراقوش الذي جدده وصار الطريق مهيعا يمر فيه السوقي ومعه ~~الحوائج ويمر به الرجل الواحد والمرأة واليزك بين الطريق وبين العدو مانعا ~~من يخرج من عسكرهم أو يدخل ودخل السلطان في ذلك اليوم إلى عكا ورقي على ~~السور ونظر إلى عسكر العدو تحت السور وفرح المسلمون بنصر ms073 الله وخرج العسكر ~~الذي كان في خدمة السلطان واستدار العسكر الإسلامي حول المعسكر الإفرنجي ~~وأحدقوا بهم من كل جانب، ولما استقر به ذلك تراجع الناس عن القتال وذلك بعد ~~الظهر لسقي الدواب وأخذ الراحة وكان نزولهم على أنهم إذا أخذوا حظا من ~~الراحة عادوا إلى القتال لمناجزة القوم وضاق # PageV01P166 # الوقت وأخذ الضجر والتعب من الناس فلم يرجعوا إلى القتال في ذلك اليوم ~~وبات الناس على أنهم يصبحونهم بكرة الأحد إلى القتال رجاء المناجزة بالكلية ~~واختفى العدو في خيامهم بحيث لم يظهر منهم أحد. ولما كانت بكرة الأحد ثالث ~~شعبان تعبى الناس للقتال وأحدقوا بالعدو وعزموا على مهاجمة القوم وعلى أن ~~يترجل الأمراء ومعظم العسكر ويقاتلوا العدو في خيامه فلما تهيئوا لذلك رأى ~~بعض الأمراء تأخير ذلك إلى بكرة الاثنين رابع شعبان وأن يدخل الراجل كله ~~إلى داخل عكا ويخرجوا مع العسكر المقيم بالبلد من أبواب البلد على العدو من ~~ورائه وتركب العساكر الإسلامية من خارج من سائر الجوانب ويحملوا حملة الرجل ~~الواحد والسلطان يوالي هذه الأمور بنفسه ويكافحها بذاته لا يتخلف عن مقام ~~من هذه المقامات وهو من شدة حرصه ووفور همته كالوالدة الثكلى، ولقد أخبرني ~~بعض أطبائه أنه بقي من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لم يتناول من الغذاء إلا ~~شيئا يسيرا لفرط اهتمامه وفعلوا ما كان عزم عليه واشتدت منعة العدو وحمى ~~نفسه في خيامه ولم تزل سوق الحرب قائمة تباع فيها النفوس بالنفائس، وتمطر ~~سماء حربها الرؤوس من كل رئيس ومترائس حتى كان يوم الجمعة ثامن شعبان. ### | ذكر تأخر الناس إلى تل العياضية # ولما كان الثامن عزم العدو على الخروج بجموعهم فخرج راجلهم وفارسهم ~~وامتدوا على التلول وساروا الهوينا غير مفرطين في # PageV01P167 # أنفسهم ولا خارجين من راجلهم حيث كانت الرجالة حولهم كالسور المبني يتلو ~~بعضه بعضا حتى قاربوا خيام اليزك ولما رأى المسلمون ذلك وإقدام العدو عليهم ~~شدوا وتنازعت الشجعان، وتنازلت الكماة إلى الأقران، وصاح السلطان بالعساكر ~~الإسلامية يا للإسلام فركب الناس بأجمعهم ووافق فارسهم راجلهم وشابهم ms074 ~~وشيخهم وحملوا حملة الرجل الواحد على العدو المخذول فعاد ناكصا على عقبيه ~~والسيف يعمل فيهم والسالم منهم جريح. والعاطب طريح مشتدون هزيمة يعبر ~~جريحهم بقتيلهم ولا تلوي الجماعة منهم على قتيلهم حتى لقي الخيام من سلم ~~منهم وانكفوا عن القتال أياما وكان رأيهم أن يحفظوا نفوسهم، ويحرسوا ~~رؤوسهم، واستقر فتح طريق عكا والمسلمون يترددون إليها وكنت ممن دخل ورقي ~~على السور ورمى العدو بما يسر الله تعالى من فوق السور ودام القتال بين ~~الفئتين متصلا الليل والنهار حتى كان الحادي عشر من شعبان ورأى السلطان ~~توسيع الدائرة عليهم لعلهم يخرجون إلى مصارعهم # PageV01P168 # فنقل الثقل إلى تل العياضية وهو تل قبالة تل المصليين مشرف على عكا وخيام ~~العدو، وفي هذه المنزلة توفي حسام الدين طمان وكان من الشجعان ودفن في سفح ~~هذا التل وصليت عليه مع جماعة من الفقهاء ليلة نصف شعبان وقد مضى من الليل ~~هزيع رحمه الله. ### | ذكر وقعة جرت للعرب مع العدو # وكان سبب ذلك أنه بلغنا أن جمعا من العدو يخرجون للاحتشاش من طرف النهر ~~مما ينبت عليه فأكمن السلطان لهم جماعة من العرب وقصد العرب لخفتهم على ~~خيلهم وأمنه عليهم فخرجوا ولم يشعروا بهم فهجموا عليهم وقتلوا منهم خلقا ~~عظيما وأسروا جماعة وأحضروا رؤوسا عديدة بين يديه فخلع عليهم وأحسن إليهم ~~وكان ذلك في السادس عشر، وفي عشية ذلك اليوم وقع بين العدو وبين أهل البلد ~~حرب عظيم قتل فيه جمع عظيم من الطائفتين فطال الأمر بين الفئتين وما يخلوا ~~يوما من قتل وجرح وسبي ونهب وأنس البعض بالبعض بحيث أن الطائفتين كانا ~~يتحدثان ويتركان القتال وربما غنى البعض ورقص البعض لطول المعاشرة ثم ~~يرجعون إلى القتال بعد ساعة، # PageV01P169 # وكان الرجال يوما من الطائفتين قد سئموا من القتال فقالوا إلى كم نقاتل ~~الكبار وليس للصغار حظ نريد أن يتصارع صبيان منا ومنكم فأخرج صبيان من ~~البلد إلى صبيين من الإفرنج واشتد الحرب بينهم فوثب أحد الصبيين المسلمين ~~إلى أحد الكافرين فاختطفه وضرب به الأرض وقبضه أسيرا ms075 فاشتراه بعض الإفرنج ~~بدينارين وقالوا هو أسيرك حقا فخذ الدينارين وأطلقه. وهذه نادرة غريبة ووصل ~~للفرنج مركب فيه خيل فهرب منها فرس ووقع في البحر وما زال يسبح وهم حوله ~~يردونه حتى دخل ميناء عكا وأخذه المسلمون. ### | ذكر المصاف الأعظم على عكا # وذلك أنه لما كان يوم الأربعاء الحادي والعشرون تحركت عساكر # PageV01P170 # الإفرنج حركة لم تكن لهم بمثلها عادة فارسهم وراجلهم وكبيرهم وصغيرهم ~~فاصطفوا خارج خيمهم قلبا وميمنة وميسرة وفي القلب الملك وبين يديه الإنجيل ~~محمولا مستورا بثوب أطلس مغطى يمسكه أربعة أنفس بأربعة أطراف وهم يسيرون ~~بين يدي الملك وامتدت الميمنة في مقابلة الميسرة التي لعسكر الإسلام من ~~أولها إلى آخرها وكذلك ميسرة العدو في مقابلة ميمنتنا إلى آخرها وملكوا ~~رؤوس التلال وكان طرف ميمنتهم إلى النهر وطرف ميسرتهم إلى البحر. وأما ~~العسكر الإسلامي المنصور فإن السلطان أمر الجاويش أن نادى في الناس يا ~~للإسلام وعساكر الموحدين فركب الناس وقد باعوا أنفسهم بالجنة ووقفوا بين ~~أيدي خيامهم وامتدت الميمنة إلى البحر والميسرة إلى النهر كذلك أيضا وكان ~~رحمه الله قد أنزل الناس في الخيم ميمنة وميسرة وقلبا تعبية الحرب حتى إذا ~~وقعت صيحة لا يحتاجون إلى تجديد ترتيب وكان هو في القلب وفي ميمنة القلب ~~ولده الملك الأفضل ثم عسكر المواصلة يقدمهم ظهر الدين بن البلنكري ثم # PageV01P171 # عسكر ديار بكر في خدمة قطب الدين بن نور الدين صاحب الحصن ثم حسام الدين ~~بن لاجين صاحب نابلس ثم الطواشي قايماز النجمي وجموع عظيمة متصلين بطرف ~~الميمنة وكان في طرفها الملك المظفر تقي الدين بجحفله وعسكره وهو مطل على ~~البحر، وأما أوائل الميسرة فكان مما يلي القلب سيف الدين علي المشطوب وعلي ~~بن أحمد من كبار ملوك الأكراد ومقدميهم والأمير علي وجماعة المهرانية ~~والهكارية ومجاهد الدين برتقش مقدم عسكر سنجار وجماعة من المماليك ثم مظفر ~~الدين بن زين الدين بجحفله وعسكره وأواخر الميسرة كبار المماليك الأسدية ~~كسيف الدين يازكج ورسلان بغا وجماعة الأسدية الذين يضرب بهم المثل ومقدم ~~القلب الفقيه عيسى ms076 وجمعه، هذا والسلطان يطوف على الأطلاب بنفسه يحثهم على ~~القتال، ويدعوهم إلى النزال، ويرغبهم في نصر دين الله ولم يزل القوم ~~يتقدمون، والمسلمون يقدمون حتى علا النهار ومضى فيه مقدار أربع ساعات وعند ~~ذلك تحركت ميسرة العدو على ميمنة المسلمين فأخرج لهم الملك المظفر الجاليش ~~وجرى بينهم قلبات كثيرة وتكاثروا على الملك المظفر وكان في طرف الميمنة على ~~البحر فتراجع عنهم شيئا إطماعا لهم لعلهم يبعدون عن أصحابهم فينال منهم ~~غرضا فلما رأى السلطان ذلك ظن به ضعفا وأمد بأطلاب عدة من القلب حتى قوي ~~جانبه وتراجعت ميسرة العدو واجتمعت على تل مشرف على البحر # PageV01P172 # ولما رأى الذين في مقابلة القلب ضعف القلب ومن خرج منه من الأطلاب داخلهم ~~الطمع وتحركوا نحو ميمنة القلب وحملوا حملة الرجل الواحد راجلهم وفارسهم ~~ولقد رأيت الرجالة تسير سير الخيالة وهم يسبقون حينا وجاءت الحملة على ~~الديار البكرية كما شاء الله تعالى وكان بهم غرة عن الحرب فتحركوا بين ~~العدو وانكسروا كسرة عظيمة وسرى الأمر حتى انكسر معظم الميمنة واتبع العدو ~~المنهزمين إلى العياضية فإنهم استداروا حول التل وصعد طائفة من العدو إلى ~~خيمة السلطان فقتلوا طشت دار كان هناك، وفي ذلك اليوم استشهد إسماعيل ~~المكبس وابن رواحة رحمهما الله، وأما الميسرة فإنها ثبتت لأن الحملة لم ~~تصادفها وأما السلطان فأخذ يطوف على الأطلاب فينهضهم ويعدهم الوعود الجميلة ~~ويحثهم على الجهاد وينادي فيهم يا للإسلام ولم يبق معه إلا خمسة أنفس وهو ~~يطوف على الأطلاب ويخرق الصفوف ويأوي إلى تحت التل الذي كان عليه الخيام، ~~وأما المنهزمون من العسكر فإنهم بلغتهم هزيمتهم إلى الفخوانة قاطع جسر # PageV01P173 # طبرية وأم منهم قوم محروسة دمشق فأما المتبعون لهم فإنهم اتبعوهم إلى ~~العياضية فلما رأوهم قد صعدوا إلى الجبل رجعوا عنهم وجاءوا عائدين إلى ~~عسكرهم فلقيهم جماعة من الغلمان والخزيندية والساسة منهزمين على بغال الحمل ~~فقتلوا منهم جماعة ثم جاءوا على رأس السوق فقتلوا جماعة وقتل منهم جماعة ~~فإن السوق كان عظيما ولهم سلاح، وأما الذين صعدوا إلى ms077 الخيام السلطانية ~~فإنهم لم يلتمسوا فيها شيئا أصلا سوى أنهم قتلوا من ذكرنا وهم ثلاثة نفر ~~رأوا ميسرة الإسلام ثابتة فعلموا أن الكسرة لا تتم فعادوا منحدرين من التل ~~يطلبون عسكرهم، وأما السلطان فإن كان واقفا تحت التل ومعه نفر يسير وهو ~~يجمع الناس ليعودوا إلى المحلة على العدو فلما رأوا الإفرنج نازلين من التل ~~أرادوا # لقاءهم فأمرهم بالصبر إلى أن ولوا ظهورهم واشتدوا يطلبون أصحابهم فصاح في ~~الناس فحملوا عليهم فطرحوا منهم جماعة فاشتد الطمع فيهم وتكاثر الناس ~~وراءهم حتى لقوا أصحابهم والطرد وراءهم فلما رأوهم منهزمين والمسلمون ~~وراءهم في عدد كثير ظنوا أن من حمل منهم قد قتل وإنهم إنما نجا منهم هذا ~~النفر فقط وأن الهزيمة قد عادت عليهم فاشتدوا في الهرب والهزيمة وتحركت ~~الميسرة عليهم وعاد الملك المظفر بجمعه من الميمنة وتجمعت الرجال وتداعت ~~وتراجع الناس من كل جانب وكذب الله الشيطان ونصر الإيمان وظل الناس في قتل ~~وطرح وضرب وجرح إلى أن اتصل المنهزمون السالمون إلى عسكرهم فهجم عليهم في ~~الخيام فخرج منهم أطلاب كانوا أعدوها خشية من # PageV01P174 # مثل هذا الأمر مستريحة فردوا المسلمين وكان التعب قد أخذ من الناس والعرق ~~قد ألجمهم فرجع الناس عنهم بعد صلاة العصر يخوضون في القتلى ودمائهم إلى ~~خيامهم فرحين مسرورين وجلسوا في خيمته يتداركون من فقد الغلمان وكان مقدار ~~من فقد من الغلمان المجهولين مائة وخمسين نفرا ومن المعروفين استشهد ظهر ~~الدين أخو الفقيه عيسى ولقد رأيته وهو جالس يضحك والناس يعزونه وهو ينكر ~~عليهم ويقول هذا يوم الهناء لا يوم العزاء وكان هو قد وقع عن فرسه وركبه ~~فرأيته وقتل عليه جماعة من أقاربه وقتل في ذلك اليوم الأمير مجلئ هذا الذي ~~قتل من المسلمين وأما من العدو المخذول فحزر قتلاهم بسبعة آلاف نفر ورأيتهم ~~وقد حملوهم إلى شاطئ النهر ليلقوا فيه فحزرتهم بدون سبعة آلاف، ولما تم على ~~المسلمين من الهزيمة ما تم ورأى الغلمان خلو الخيام عمن يعترض عليهم فإن ~~العسكر انقسم إلى قسمين منهزمين ms078 ومقاتلين فلم يبق في الخيام أحد وراءنا ~~فظنوا أن الكسرة تتم وأن العدو ينهب جميع ما في الخيام فوضعوا أيديهم في ~~الخيام ونهبوا جميع ما كان فيها وذهب من الناس أموال عظيمة وكان ذلك أعظم ~~من الكسرة وقعا. ولما عاد السلطان إلى الخيم ورأى ما قد تم على الناس من ~~نهب الأموال والهزيمة سارع إلى الكتب والرسل في رد المنهزمين وتتبع من شذ ~~من العسكر والرسل تتابع في هذا المعنى حتى بلغت عقبة فيتق وأخذوهم بالكرة ~~إلى عسكر المسلمين فعادوا # PageV01P175 # وأمر بجمع الأقمشة من أكف الغلمان إلى خيمته جلالات الخيل والمخالي بين ~~يديه في خيمته وهو جالس ونحن حوله وهو يتقدم إلى كل من عرف شيئا وحلف عليه ~~يسلم إليه وهو يلقى هذه الأحوال بقلب صلب. وصدر رحب. ووجه منبسط ورأى ~~مستقيم غير مختبط. واحتساب لله تعالى وقوة عزم في نصرة دين الله، وأما ~~العدو المخذول فإنه عاد إلى خيمة وقد قتل شجعانهم وطرحت مقدموهم وفقدت ~~ملوكهم فأمر السلطان أن خرج من عكا عجل يسحبون عليه القتلى منهم إلى طرف ~~النهر ليلقوا فيه، ولقد حكى لي بعض من ولي أمر العجل أنه أخذ خيطا وكان ~~كلما أخذ قتيلا عقد عقدة فبلغ عدد قتلى الميسرة أربعة آلاف ومائة وكسور ~~وبقي قتلى الميمنة وقتلى القلب لم يعدهم فإنه ولي أمرهم غيره وبقي من العدو ~~بعد ذلك من حمى نفسه وأقاموا في مخيمهم لم يكترثوا بجحافل المسلمين ~~وعساكرهم وتشتت من عساكر المسلمين خلق كثير بسبب الهزيمة فإنه ما رجع منها ~~إلا رجل معروف يخاف على نفسه والباقون وهربوا في حال سبيلهم وأخذ السلطان ~~في جمع الأموال المنهوبة وإعادتها إلى أصحابها وأقام المناداة في العساكر ~~وقرن النداء بالوعيد والتهديد وهو يتولى تفرقتها بين يديه واجتمع من ~~الأقمشة عدد كثير في خدمته حتى أن الجالس في أحد الطرفين لا يرى الجالس في ~~الطرف الآخر وأقام من ينادي على من ضاع منه شيء فحضر الخلق وسار من عرف ~~شيئا وأعطى علامته حلف # PageV01P176 # وأخذه من الحبل والمخازة ms079 إلى الهميان والجوهر ولقي من ذلك مشقة عظيمة ولا ~~يرى ذلك إلا نعمة من الله تعالى يشكر عليها. ويسابق بيد القبول إليها. ولقد ~~حضرت يوم تفرقت الأقمشة على أربابها فرأيت سوقا للعدل قائمة لم ير في ~~الدنيا أعظم منها وكان ذلك في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان وعند ~~انقضاء هذه الواقعة وسكون ثأرتها أمر السلطان بالثقل حتى تراجع إلى موضع ~~يقال له الخروبة خشية على العسكر من روائح القتلى وآثار الوخم من الوقعة ~~وهو موضع قريب من مكان الوقعة إلا أنه أبعد عنها من المكان الذي كان نازلا ~~فيه بقليل وضربت له خيمة عند الثقل وأمر اليزك أن يكون مقيما في المكان ~~الذي كان نازلا فيه وذلك في التاسع # والعشرين واستحضر الأمراء وأرباب المشورة في سلخ الشهر ثم أمرهم بالإصغاء ~~إلى كلامه وكنت من جملة الحاضرين ثم قال بسم الله والحمد لله والصلاة على ~~رسول الله. اعلموا أن هذا عدو الله وعدونا قد نزل في بلدنا وقد وطء أرض ~~الإسلام. وقد لاحت لوائح النصر عليه وإن شاء الله تعالى وقد بقي في هذا ~~الجمع اليسير ولا بد من الاهتمام بقلعه والله قد أوجب علينا ذلك وأنتم ~~تعلمون أن هذه عساكرنا ليس وراءنا نجدة ننتظرها سوى الملك العادل وهو واصل ~~وهذا العدو إن بقي وطال أمره إلى أن يفتح البحر جاءه مدد عظيم والرأي كل ~~الرأي عندي مناجزتهم فلينجزنا كل منكم ما عنده في ذلك، وكان ذلك في ثالث ~~عشر تشرين من الشهور الشمسية وامتخضت الآراء وجرى تجاذب في أطراف الكلام ~~وانفصلت آراؤهم على أن المصلحة تأخير العسكر إلى الخروبة وأن يبقى العسكر ~~أياما حتى يستجم من حمل السلاح وترجع النفوس إليهم فقد أخذ التعب منهم ~~واستولى على # PageV01P177 # نفوسهم الضجر وتكليفهم أمرا على خلاف ما تحمله القوي لا تؤمن غائلته ~~والناس لهم خمسون يوما تحت السلاح وفوق الخيل والخيل قد ضجرت من عرك اللجم ~~وسئمت نفوسها ذلك. وعند أخذ حظ من الراحة ترجع نفوسها إليها ويصل الملك ~~العادل ويشاركنا في ms080 الرأي والعمل وسنعيد من شذ من العساكر ونجمع الرجالة ~~ليقفوا في مقابلة الرجالة وكان بالسلطان التياث مزاجي قد عراه من كثرة ما ~~حمل على قلبه وما عاناه من التعب يحمل السلاح والفكر في تلك الأيام فوقع ما ~~قالوه ورأوه مصلحة. وكان انتقال العسكر إلى الثقل ثالث رمضان وانتقال ~~السلطان تلك الليلة وأقام يصلح مزاجه ويجمع العساكر وينتظر أخاه إلى عاشر ~~رمضان. ين واستحضر الأمراء وأرباب المشورة في سلخ الشهر ثم أمرهم بالإصغاء ~~إلى كلامه وكنت من جملة الحاضرين ثم قال بسم الله والحمد لله والصلاة على ~~رسول الله. اعلموا أن هذا عدو الله وعدونا قد نزل في بلدنا وقد وطء أرض ~~الإسلام. وقد لاحت لوائح النصر عليه وإن شاء الله تعالى وقد بقي في هذا ~~الجمع اليسير ولا بد من الاهتمام بقلعه والله قد أوجب علينا ذلك وأنتم ~~تعلمون أن هذه عساكرنا ليس وراءنا نجدة ننتظرها سوى الملك العادل وهو واصل ~~وهذا العدو إن بقي وطال أمره إلى أن يفتح البحر جاءه مدد عظيم والرأي كل ~~الرأي عندي مناجزتهم فلينجزنا كل منكم ما عنده في ذلك، وكان ذلك في ثالث ~~عشر تشرين من الشهور الشمسية وامتخضت الآراء وجرى تجاذب في أطراف الكلام ~~وانفصلت آراؤهم على أن المصلحة تأخير العسكر إلى الخروبة وأن يبقى العسكر ~~أياما حتى يستجم من حمل السلاح وترجع النفوس إليهم فقد أخذ التعب منهم ~~واستولى على نفوسهم الضجر وتكليفهم أمرا على خلاف ما تحمله القوي لا تؤمن ~~غائلته والناس لهم خمسون يوما تحت السلاح وفوق الخيل والخيل قد ضجرت من عرك ~~اللجم وسئمت نفوسها ذلك. وعند أخذ حظ من الراحة ترجع نفوسها إليها ويصل ~~الملك العادل ويشاركنا في الرأي والعمل وسنعيد من شذ من العساكر ونجمع ~~الرجالة ليقفوا في مقابلة الرجالة وكان بالسلطان التياث مزاجي قد عراه من ~~كثرة ما حمل على قلبه وما عاناه من التعب يحمل السلاح والفكر في تلك الأيام ~~فوقع ما قالوه ورأوه مصلحة. وكان انتقال العسكر إلى الثقل ثالث رمضان ~~وانتقال السلطان ms081 تلك الليلة وأقام يصلح مزاجه ويجمع العساكر وينتظر أخاه ~~إلى عاشر رمضان. ### | ذكر وصول خبر الألمان # ولما دخل رمضان من شهور سنة خمس وثمانين وخمسمائة وصل من جانب حلب كتب من ~~ولده الملك الظاهر عن نصرة يخبر فيها أنه قد صح أن ملك الألمان قد خرج إلى ~~القسطنطينية في عدة عظيمة قبل مائتا ألف وقيل مائتان وستون ألفا يريد ~~البلاد الإسلامية فاشتد ذلك على السلطان وعظم عليه ورأى استشيار الناس ~~للجهاد وإعلام خليفة الوقت بهذه الحادثة فاستدعاني لذلك وأمرني بالمسير إلى ~~صاحب الجزيرة وصاحب الموصل وصاحب إربل واستدعاهم إلى الجهاد # PageV01P178 # بأنفسهم وعساكرهم وأمرني بالمسير إلى بغداد لإعلام خليفة الزمان بذلك ~~وتحريك عزمه على المعاونة وكان الخليفة إذ ذاك الناصر لدين الله أبا العباس ~~أحمد بن المستضيء بأمر الله وكان مسيري في ذلك المعنى في حادي عشر رمضان ~~ويسر الله تعالى الوصول إلى الجماعة وإبلاغ الرسالة إليهم فأجابوا بنفوسهم ~~وسار عماد الدين زنكي صاحب سنجار بعسكره وجمعه تلك السنة وسار ابن أخيه ~~صاحب الجزيرة سنجر شاه بنفسه يجر عسكره وسير صاحب الموصل ابنه علاء الدين ~~خرم شاه بمعظم عسكره وحضرت الديوان السعيد ببغداد وأنهيت الحال كما رسم ~~ووعد بكل جميل وعدت إلى خدمته رحمة الله عليه وكان وصولي إليه في يوم ~~الخميس خامس ربيع الأول من شهور سنة ست وثمانين وكنت قد سبقت العساكر ~~وأخبرته بإجابتهم بالسمع والطاعة وباهتمامهم بالمسير فسر بذلك وفرح فرحا ~~شديدا. ### | ذكر وقعة الرمل التي على جانب نهر عكا # ولما كان صفر من تلك السنة خرج السلطان يتصيد مطمئن النفس ببعد المنزلة ~~عن العدو فأوغل في الصيد وبلغ ذلك العدو فاخذوا غرة العسكر واجتمعوا وخرجوا ~~يريدون الهجوم على العسكر الإسلامي فأحس بهم الملك العادل فصاح بالناس # PageV01P179 # وركبت العساكر من كل جانب وحمل على القوم وجرت مقتلة عظيمة قتل وجرح ~~بينهما منهم خلق عظيم ولم يقتل من معروفي المسلمين إلا مملوك للسلطان يقال ~~له أرغش وكان رجلا صالحا استشهد في ذلك اليوم وبلغ الخبر إلى السلطان فعاد ~~منزعجا ms082 فوجد الحرب قد انفصل وعاد كل فريق إلى حزبه وعاد العدو خائبا خاسرا ~~ولله الحمد والمنة. وما مضى من الوقعات شاهدت منها ما يشاهده مثلي وعرفت ~~الباقي معرفة خاصة في هذه الأمور، ومن نوادر هذه الواقعة أن مملوكا كان ~~للسلطان يدعى قره سنقر وكان شجاعا قد قتل من أعداء الله خلقا عظيما وفتك ~~فيهم فأخذوا في قلوبهم من نكايته فيهم وتجمعوا له وكمنوا له وخرج إليه ~~بعضهم وتراأوا له فحمل عليهم حتى صار بينهم فوثبوا عليه من سائر جوانبه ~~فأمسك واحدا منهم بشعره وضرب الآخر رقبته بسيفه فإنه كان قتل له أقرباء ~~فوقعت الضربة في يد الممسك بشعره فقطعت يده وخلي سبيله فاشتد هاربا حتى عاد ~~إلى أصحابه وأعداء الله يشتدون عدوا خلفه ولم يلحقه منهم أحد وعاد سالما ~~ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا. ### | ذكر وفاة الفقيه عيسى # وهي مما بلغني ولم أكن حاضرها وذلك أنه مرض مرضا يتعاهده وهو ضعيف النفس ~~وعرض له إسهال أضعفه فلم تقطع صلابته ولم يغب ذهنه عنه إلى أن مات وكان ~~رحمه الله كريما شجاعا حسن المقصد كبير الغرام بقضاء حوائج المسلمين توفي ~~رحمه الله طلوع فجر الثلاثاء تاسع ذي القعدة من شهور سنة خمسة وثمانين. # PageV01P180 ### | ذكر تسليم الشقيف سنة ستة وثمانين # ولما كان يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول علم الإفرنج المستحفظون بالشقيف ~~أنهم لا عاصم لهم من أمر الله وأنهم إن أخذوا عنوة ضربت رقابهم فطلبوا ~~الأمان وجرت مراجعات كثيرة في قاعدة الأوان وكانوا قد علموا من حال صاحبهم ~~أنه قد عذب أشد العذاب فاستقرت القاعدة على أن الشقيف يسلم ويطلق صاحبه ~~وجميع من فيه من الإفرنج ويترك ما فيه من أنواع الأموال والذخائر # PageV01P181 # وعاد صاحب صيدا والإفرنج الذين كانوا بالشقيف إلى صور ولما رأى السلطان ~~من اهتما الإفرنج من أقطار بلادهم بالمكان وتصويب عزائمهم نحوه اغتنم ~~الشتاء وانقطاع البحر وجعل في عكا من الميرة والذخائر والعدد والرجال ما ~~أمن معه عليها مع تقدير الله تعالى وتقدم إلى النواب ms083 بمصر أن عمروا لها ~~أسطولا عظيما يحمل خلقا كثيرا وسار حتى دخل عكا مكابرة للعدو ومراغمة له ~~وأعطى العساكر دستورا طول الشتاء يستجمعون ويستريحون وأقام هو مع نفر يسير ~~قبالة العدو وقد حال بين العسكرين شدة الوحول وتعذر بذلك وصول بعضهم إلى ~~بعض. ### | ظريفة # كان لما بلغ خبر العدو وقصده عكا جمع الأمراء وأصحاب الرأي بمرج عيون ~~وشاورهم فيما يصنع وكان رأيه أن قال المصلحة مناجزة القوم ومنعهم من النزول ~~إلى البلد وإلا فإن نزلوا جعلوا الرجالة سورا لهم وحفروا الخنادق وصعب ~~علينا الوصول إليهم وخيف على البلد منهم وكانت إشارة الجماعة أنهم إذا ~~نزلوا واجتمعت العساكر قلعناهم في يوم واحد وكان الأمر كما قال السلطان ~~والله لقد سمعت هذا القول وشاهدت الفعل كما قال السلطان، وهو يوافق معنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم # PageV01P182 # إن من أمتي لمحدثين ومكلمين وإن عمر لمنهم. ### | ذكر وصول رسول الخليفة # ولم يزل السلطان مجدا في الإنفاذ إلى عكا بالميرة والعدد والأسلحة ~~والرجال حتى انقضى الشتاء وانفتح البحر وحان زمان القتال كتب إلى العسكر ~~يستدعيها من الأطراف، ولما تواصل أوائل العساكر وقوي جيش الإسلام رحل ~~السلطان نحو العدو ونزل على تل كيسان وذلك في ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة ~~ست وثمانين ورتب العسكر قلبا وميمنة وميسرة وأخذت العساكر في التواصل ~~والنجدة في التواتر فوصل رسول الخليفة وهو شاب شريف ووصل معه حملان من ~~النفط وجماعة من النفاطين والزراقين ووصل معه من الديوان العزيز النبوي ~~مجده الله تعالى رقعة تتضمن الأذن للسلطان أن يقترض عشرين ألف دينار من ~~التجار ينفقها في الجهاد ويحيل بها على الديوان العزيز فقبل جميع ما وصل مع ~~الرسول واستغنى عن الرقعة والتثقيل بها، وفي ذلك اليوم بلغ السلطان أن # PageV01P183 # الإفرنج قد زحفوا على البلد وضايقوه فركب إليهم لشغلهم بالقتال عن البلد ~~وقاتلهم قتالا شديدا إلى أن فصل بين الطائفتين الليل وعاد كل فريق إلى ~~أصحابه ورأى السلطان قوة العساكر الإسلامية وبعد المكان عن العدو فخاف أن ~~لا يهجم البلد ويتم ms084 عليه أمر فرأى الانتقال إلى تل العجول بالكلية فانتقل ~~بالعسكر والثقل في الخامس والعشرين وفي صبيحة هذا اليوم وصلت كتب أن قد طم ~~العدو بعض الخندق وقوي عزمه على منازلة البلد ومضايقته فجدد الكتب إلى ~~العساكر بالحث على الوصول وعبى العسكر تعبية القتال وزحف إلى العدو ليشغله ~~عن ذلك، ولما كان سحر ليلة الجمعة السابع والعشرين وصل ولده الملك الظاهر ~~غياث الدين غازي صاحب حلب جريدة إلى خدمته معاجلة البر وترك عسكره في ~~المنزلة وخدم والده وبل شوقه منه وعاد إلى عسكره في الثامن والعشرين وسار ~~حتى وصل في ذلك اليوم بجحفله وقد أظهروا الزينة ولبسوا لامة الحرب وكثرت ~~الأعلام والبيارق وضربت الكؤوسات ونعقت البوقات وعرض بين يدي والده # PageV01P184 # وكان قد ركب إلى لقائه في المرج وسار بهم حتى وقف بهم على العدو وشاهدوا ~~من جند الله ما أزعجهم وأقلقهم، وفي أواخر ذلك اليوم قدم مظفر الدين بن زين ~~الدين جريدة أيضا مسارعة للخدمة ثم عاد إلى عسكره في لامة الحرب فعرضهم ~~السلطان حتى وقف بهم على العدو، وكان ما تقدم عسكر إلا يعرضهم ويسيرهم إلى ~~العدو وينزل بهم في خيمته يمد لهم الطعام وينعم عليهم بما يطيب به قلوبهم ~~إذا كانوا أجانب ثم تضرب خيامهم حيث يأمر وينزلون بها مكرمين. ### | لطيفة تدل على سعادة ولده الملك الظاهر عز نصره # وذلك أن العدو كان قد اصطنع ثلاثة أبراج من خشب وحديد وألبسها الجلود ~~المسقاة بالخل على ما ذكر بحيث لا تنفذ فيها النيران وكانت هذه الأبراج ~~كأنها الجبال نشاهدها من مواضعنا عالية على سور البلد وهي مركبة على عجل ~~يسع الواحد منها من المقاتلة ما يزيد على خمسمائة نفر على ما قيل ويتسع ~~سطحها لأن ينصب عليه منجنيق وكان ذلك قد عمل في قلوب المسلمين وأودعها من ~~الخوف ما لا يمكن شرحه وأيس الناس من البلد بالكلية وتقطعت قلوب المقاتلة ~~فيه وكان فرغ من عملها ولم يبق إلا جرها إلى قريب السور وكان السلطان قد ~~أعمل فكره في إحراقها وإهلاكها ms085 وجمع الصناع من الزراقين والنفاطين وحثهم ~~على الاجتهاد في إحراقها # PageV01P185 # ووعدهم عليه بالأموال الطائلة والعطايا الجزيلة وضاقت حيلهم عن ذلك وكان ~~من جملة من حضر شاب نحاس دمشقي ذكر بين يديه أن له صناعة في إحراقها وأنه ~~إن مكن من الدخول إلى عكا وحصلت له الأدوية التي يعرفها أحرقها فحصل له ~~جميع ما طلبه ودخل إلى عكا وطبخ الأدوية مع النفط في قدور نحاس حتى صار ~~الجميع كأنه جمرة نار، ولما كان يوم وصول الملك الظاهر ضرب واحدا بقدر فلم ~~يكن إلا أن وقعت فيه فاشتعل من ساعته ووقته وصار كالجبل العظيم من النار ~~طالعة ذؤابته نحو السماء واستغاث المسلمون بالتهليل وعلاهم الفرح حتى كادت ~~عقولهم تذهب وبينما الناس ينظرون ويتعجبون إذ رمى البرج بالقدر الثانية فما ~~كان إلا أن وصلت إليه واشتعلت كالتي قبلها فاشتد ضجيج الفئتين وانعقدت ~~الأصوات إلى السماء وما كان إلا ساعة حتى ضرب الثالث فالتهب وغشي الناس من ~~الفرح والسرور ما حرك ذوي الأحلام والنهي منهم حركة الشباب الرعنا وركب ~~السلطان وركبت العساكر ميمنة وميسرة وقلبا وكان أواخر النهار وسار حتى أتى ~~عسكر القوم وانتظر أن يخرجوا فيناجزهم عملا بقوله صلى الله عليه وسلم من ~~فتح له باب من الخير فلينتهزه. فلم يظهر العدو من خيامهم وحال بين ~~الطائفتين الليل وعاد كل فريق إلى حزبه ورأى الناس ذلك ببركة قدوم الملك ~~الظاهر واستبشر والده بغرته وعلم أن ذلك بيمن صلاح سريرته واستمر ركوب ~~السلطان إليهم في كل يوم وطلب نزالهم وقاتلهم وهم لا يخرجون من خيامهم ~~لعلمهم ببشائر النصر والظفر بهم والعساكر الإسلامية تتواتر وتتواصل. # PageV01P186 ### | ذكر وصول عماد الدين زنكي صاحب سنجار وغيره # ولما كان الثاني والعشرون من ربيع الآخر وصل عماد الدين زنكي بن مودود ~~صاحب سنجار يجر عسكره ووصل بتجمل حسن وعسكر تام ولقيه السلطان بالاحترام ~~والتعظيم ورتب له العسكر في لقائه وكان أول من لقيه من العسكر المنصور ~~قضاته وكتابه ثم لقيه أولاده بعد ذلك ثم لقيه السلطان ثم سار به حتى ms086 أوقفه ~~على العدو وعاد معه إلى خيمته وأنزله عنده وكان صنع له طعاما لائقا بذلك ~~اليوم فحضر هو وجميع أصحابه وقدم له من التحف واللطائف ما لا يقدر غيره ~~عليه وكان قد أكرمه بحيث طرح له طراحة مستقلة إلى جانبه وبسط له ثوب أطلس ~~عند دخوله وضرب له خيمة على طرف الميسرة على جانب النهر. فلما كان سابع ~~جمادى الأولى من هذه السنة وصل سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود بن ~~زنكي صاحب الجزيرة ووصل في عسكر حسن فلقيه السلطان واحترمه وأكرمه وأنزله ~~في خيمته وأمر أن ضربت خيمته إلى جانب عماد الدين. # PageV01P187 # وفي تاسع الشهر وصل علاء الدين بن مسعود صاحب الموصل مقدما على عسكره ~~ففرح السلطان بقدومه فرحا شديدا وتلقاه عن بعد هو وأهله واستحسن أدبه ~~وأنزله عنده في الخيمة وكارمه مكارمة عظيمة وقدم له تحفا حسنة وأمر بضرب ~~خيمته بين ولديه الملك الأفضل والملك الظاهر. وما من أهله إلا من بسط له من ~~ضيافته وجها مضيئا، ولما كانت ظهيرة نهار ذلك اليوم ظهرت في البحر قلوع ~~كثيرة وكان رحمه الله في نظرة وصول الأسطول من مصر فإنه كان قد أمر بتعميره ~~ووصوله فعلما أنه هو فركب السلطان وركب الناس في خدمته وتعبى تعبية القتال ~~وقصد مضايقة العدو لينسله عن قصد الأسطول، ولما علم العدو وصول الأسطول ~~استعدوا له وعمروا أسطولا لقتاله ومنعه من دخول عكا وخرج أسطول العدو واشتد ~~السلطان في قتاله من خارج وسار الناس على جانب # PageV01P188 # البحر تقوية للأسطول وإيناسا لرجاله والتقى الأسطولان في البحر والعسكران ~~في البر واضطرمت نيران الحرب واستعرت وباع كل فريق روحه براحته الأخروية، ~~ورجح حياته الأبدية على حياته الدنيوية، وجرى بين الأسطولين قتال شديد تقشع ~~عن نصرة الأسطول الإسلامي وأخذ من العدو الشوابي وقتل من به ونهب جميع ما ~~فيه وظفر من العدو بمركب أيضا كان واصلا من قسطنطينية ودخل الأسطول المنصور ~~إلى عكا وكان قد صحبه مراكب من الساحل فيها مير وذخائر وطابت قلوب أهل ~~البلد وانشرحت ms087 صدورهم فإن الضائقة كانت قد أخذت منهم واتصل القتال بين ~~العسكرين من خارج البلد إلى أن فصل بينهما الليل وعاد كل فريق إلى خيامه ~~وقد قتل من عدو الله وجرح خلق كثير عظيم فإنهم قاتلوا في ثلاثة مواضع فإن ~~أهل البلد اشتدوا في قتالهم ليشغلوهم عن الأسطول أيضا والأسطولان يتقاتلان ~~والعسكر يقاتلهم من البر وكان النصر للمسلمين في الأماكن كلها ثم كان وصول ~~زين الدين صاحب إربل في العشر الأواخر من جمادى الأولى وهو زين الدين يوسف ~~بن علي بن بكتكين قدم بعسكر حسن وتجمل جميل فاحترمه السلطان وأكرمه وأنزله ~~في خيمته وأكرم ضيافته وأمر بضرب خيمته إلى جاني خيمة أخيه مظفر الدين. # PageV01P189 ### | ذكر خبر ملك الألمان # ثم تواترت الأخبار بوصول ملك الألمان إلى بلاد قليج أرسلان وأنه نهض ~~للقائه جمع عظيم من التركمان وقصدوا منعه من عبور النهر وأنه أعجزهم لكثرة ~~خلقه وعدم مقدم لهم يجمع كلمتهم وكان قليج أرسلان أظهر شقاقه وهو في الباطن ~~قد أضمر وفاقه ثم لما عبر إلى البلاد أظهر ما كان أضمر ووافقه وأعطاه رهائن ~~منه على أن ينفذ معه من يوصله إلى بلاد ابن لاون وأنفذ معه أدلاء. وعراهم ~~في الطريق جوع عظيم حتى ألقوا بعض أقمشتهم، ولقد بلغنا والله أعلم أنهم ~~جمعوا عددا كثيرة من زرديات وخوذ وآلات سلاح عجزوا عن حملها وجعلوها سدرا ~~واحدا وأضرموا فيها النار لتتلف ولا ينتفع بها أحد وأنها بقيت بعد ذلك تلا ~~من حديد وساروا على ذلك الحال حتى أتوا إلى بلد يقال لها طرسوس فأقاموا على ~~نهر ليعبر. وأما ملكهم فعن له أن يسبح فيه وكان ماؤه شديد البرد وكان ذلك ~~عقيب ما ناله من التعب والنصب والمشقة والخوف وأنه عرض له بسبب ذلك مرض ~~عظيم اشتد به إلى أن قتله، ولما رأى ما حل به أوصى إلى ابنه الذي كان في ~~صحبته ولما مات أجمعوا رأيهم إلى أن سلقوه في خل وجمعوا عظامه في كيس على ~~أن يحملوه إلى القدس الشريف حرسه الله ويدفنوه ms088 في القدس وترتب ابنه مكانه ~~على خلف من أصحابه فإن ولده الأكبر كان قد خلفه في بلاده وكان جماعة من ~~أصحابه # PageV01P190 # يميلون إليه واستقر قدم ولده الحاضر في تقدمة العسكر، ولما أحس ابن لاون ~~بما جرى عليهم من الخلل وما حل بهم من الجوع والموت والضعف بسبب موت ملكهم ~~ما رأى أن يلقي بنفسه بينهم فإنه لا يعلم كيف يكون الأمر وهم إفرنج وهو ~~أرمني فاعتصم هو عنهم في بعض قلاعه المنيعة. ### | صورة كتاب الكايفكوس الأرمني # ولقد وصل إلى السلطان كتاب من الكايفكوس وهو مقدم الأرمن وهو صاحب قلعة ~~الروم التي على طرف الفرات نسخة هذه ترجمتها: كتاب الداعي المخلص الكايفكوس ~~ما أطالع به علم مولانا ومالكنا السلطان الناصر جامع كلمة الإيمان. رافع ~~علم العدل والإحسان صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين أدام الله ~~إقباله، وضاعف جلاله. وصان مهجته وكمل نهاية آماله. بعظمته وجلاله. من أمر ~~ملك الألمان وما جرى له عند ظهوره وذلك أنه أول ما خرج من دياره ودخل بلاد ~~الهنكر غصبا غصب ملك الهنكر بالإذعان والدخول تحت طاعته وأخذ من ماله ~~ورجاله ما اختار ثم إنه دخل أرض مقد الروم وفتح البلاد ونهبها وأقام بها ~~وأخرج ملك الروم إلى أن أطاعه وأخذ رهائنه ولده وأخاه وأربعين نفرا من ~~خلصائه وأخذ منه خمسين قنطارا ذهبا وخمسين قنطارا فضة وثياب # PageV01P191 # أطلس بمبلغ عظيم واغتصب المراكب وعاد بها إلى هذا الجنب وصحبته الرهائن ~~إلى أن دخل حدود بلاد الملك قليج أرسلان ورد الرهائن وبقي سائرا ثلاثة أيام ~~وتركمان الأوج يلقونه بالأغنام والبقر والخيل والبضائع فداخلهم الطمع ~~وجمعوا جموعا من جميع البلاد ووقع القتل بين التركمان وبينه وضايقوه ثلاثة ~~وثلاثين يوما وهو سائر ولما قرب من قونية جمع قطب الدين ولد قليج أرسلان ~~العساكر وقصده وضرب منه مصافا عظيما فظفر به ملك الألمان وكسره كسرة عظيمة ~~وسار حتى أشرف على قونية فخرج إليه جموع عظيمة من المسلمين فردهم مكسورين ~~وهجم على قونية بالسيف وقتل منهم عالما عظيما من المسلمين والفرس وأقام ms089 بها ~~خمسة أيام فطلب منه قليج أرسلان منه الأمان فأمنه الملك واستقر بينهم قاعدة ~~أكيدة وأخذ الملك منه رهائن عشرين من أكابر دولته وأشار على الملك أن يجعل ~~على طرسوس والمصيصة ففعل وقبل منه وقبل وصوله إلى هذه الديار اختيارا أو ~~كرها اقتضى الحال إنفاذ المملوك حلتم وصحبته ما سأل ومعه من الخواص جماعة ~~للقاء الملك وجواب كتابه وكانت الوصية أن يمروا به على بلاد قليج أرسلان إن ~~أمكن فلما اجتمعوا بالملك الكبير وأمادوا عليه الجواب عرفوه الأحوال ~~بالانحراف ثم كثرت عليه العساكر والجموع ونزل على شط بعض الأنهار وأكل خبزا ~~ونام وانتبه فتاقت نفسه إلى الاستحمام في الماء البارد ففعل ذلك وكان من ~~أمر الله أن تحرك عليه مرض عظيم من الماء البارد فمكث أياما قلائل ومات، ~~وأما ابن لاون فإنه كان سائرا يلقى الملك فلما جرى هيرا المجرى هرب الرسل ~~من العسكر وتقدموا إليه وأخبروه في الحال فدخل في بعض حصونه واحتمى هناك. # PageV01P192 # وأما ابن الملك فكان أبوه منذ توجه إلى قصد هذه الديار نصب ولده الذي معه ~~عوضه واستقرت القاعدة وبلغه هرب رسل ابن لاون فأنفذ واستعطفهم وأحضرهم وقال ~~إن أبي كان شيخا كبيرا وما قصد هذه الديار إلا لأجل حج بيت المقدس وأنا ~~الذي دبرت الملك وعاينت المشاق في هذه الطريق فمن أطاعني وإلا قصدت دياره ~~واستعطب ابن لاون واقتضى الحال الاجتماع ضرورة، وبالجملة فهو في عدد كثير، ~~ولقد عرض عسكره فكان اثنين وأربعين مجفجفا وأما الرجالة فما يحصى عددهم وهم ~~أجناس متفاوتة على قصد عظيم وحد في أمرهم وسياسة هائلة حتى أن من جنى منهم ~~جناية فليس له جزاء إلا أن يذبح مثل الشاة، ولقد بلغهم عن بعض أكابرهم أنه ~~جنى على غلام له وجاوز الحد في ضربه فاجتمعت القسوس للحكم فاقتضى الحال ~~والحكم العام ذبحه وشفع إلى الملك منهم خلق عظيم فلم يلتفت إلى ذلك وذبحه ~~وقد حرموا الملاذ على أنفسهم حتى أن من بلغه عنه بلوغ لذة هجروه وعزروه كل ~~ذلك كان حزنا ms090 على البيت المقدس. ولقد صح عن جمع منهم أنهم هجروا الثياب مدة ~~طويلة وحرموا ما حل ولم يلبسوا إلا الحديد حتى أنكر عليهم الأكابر ذلك وهم ~~من الصبر على الشقاء والذل والتعب في حال عظيم. طالع المملوك بالحال وما ~~يتجدد بعد ذلك يطالع به إن شاء الله تعالى، هذا كتاب الكايفكوس ومعنى هذا ~~اللفظ الخليفة واسمه بر كرى كور بن باسيل. # PageV01P193 ### | ذكر مسير العساكر إلى أطراف البلاد # في طريق ملك الألمان # ولما تحقق السلطان وصول ملك الروم إلى بلاد ابن لاون وقربه إلى البلاد ~~الإسلامية جمع أمراء دولته وأرباب الآراء وشاورهم فيما يصنع فاتفق الرأي ~~على أن العسكر بعضه يسير إلى البلاد المتاخمة لطريق عسكر العدو الواصل وأن ~~يقيم على منازلة العدو بباقي العسكر المنصور وكان أول من سار صاحب منبج وهو ~~ناصر الدين بن تقي الدين ثم عز الدين بن المقدم صاحب كفر طاب وبارين ~~وغيرهما ثم مجد الدين صاحب بعلبك ثم صاحب شيزر سابق الدين ثم الباروقية من ~~جملة عسكر حلب ثم عسكر حماة. وسار ولده الملك الأفضل مع مرض عرض له ثم بدر ~~الدين شحنة دمشق مع مرض عرض له أيضا وسار بعد ذلك ولده الملك الظاهر إلى ~~حلب لإبانة الطريق وكشفا لأخباره وحفظا لما يليه من البلاد وسار بعده الملك ~~المظفر لحفظ ما يليه من البلاد وتدبير أمر العدو المجتاز، ولما سارت هذه ~~العساكر خفت الميمنة فإن معظم من سار منها، فأمر رحمه الله الملك العادل أن ~~ينتقل إلى منزلة تقي الدين في طرف الميمنة وكان عماد الدين زنكي في طرف ~~الميسرة. ووقع في العسكر مرض عظيم فمرض مظفر الدين صاحب حران وشفي ومرض ~~بعده الملك الظافر وشفي ومرض خلق كثير من الأكابر وغيرهم إلا أن المرض كان ~~سليما بحمد الله وكان المرض عند العدو أكثر وأعظم وكان مقرونا بموتان عظيم ~~وأقام السلطان مصابرا على ذلك مرابطا للعدو. # PageV01P194 ### | ذكر تمام خبر ملك الألمان # وذلك أن ولده الذي قام مقامه مرض مرضا عظيما أقام بسببه بموضع من ms091 بلاد ~~ابن لاون وأقام معه خمسة وعشرون فارسا وأربعون داويا وجهز عسكره نحو ~~أنطاكية حتى يقطعوا الطريق ورتبهم ثلاث فرق لكثرتهم ثم إن الفرقة الأولى ~~اجتازت تحت قلعة بغراس بقدمها كند عظيم عندهم وأن عسكر بغراس مع قلته أخذ ~~منهم مائتي رجل قهرا ونهبا وكبت جزء منهم بالضعف العظيم والمرض الشديد وقلة ~~الخيل والظهر والعدد والآلات، ولما تصل هذا الخبر بالنوال في البلاد ~~الشامية أنفذوا إليهم عسكرا يكشف أخبارهم فوقع العسكر على جمع عظيم قد ~~خرجوا لطلب العلوفة فأغاروا عليهم غارة عظيمة وقتلوا وأسروا وكان مقدار ما ~~أخذوه وقتلوه على ما ذكره المخبرون في الكتب زهاء خمسمائة نفس، ولقد حضرت ~~رسالة رسول ثان من كبغا الفرس بين يدي السلطان وهو يذكر خبرهم ويقول عدد ~~كثير لكنهم ضعاف قليلو الخيل والعدة وأكثر ثقلهم على حمر وخيل ضعيفة قال ~~ولقد وقفت على جسر يعبرون عليه لأعتبرهم فعبر منهم جمع عظيم ما وجدت مع ~~واحد منهم طارقة ولا رمحا إلا النادر # PageV01P195 # فسألتهم عن ذلك فقالوا أقمنا بمرج وخم أياما فقل زادنا وأحطابنا وأوفدنا ~~معظم عدننا ومات منا خلق عظيم واحتجنا إلى الخيل فذبحناها وأكلناها وأوقدنا ~~الرماح والعدد لإعواز الحطب. وأما الكند الذي وصل إلى أنطاكية في مقدمة ~~العسكر فإنه مات وذكر أن ابن لاون لما أحس منهم بذلك الضعف طمع فيهم حتى ~~أنه عزم على أخذ مال الملك لمرضه وضعفه وقلة جمعه الذي تخلف معه وأن البرنس ~~صاحب أنطاكية لما أحس منهم بذلك أرسل إلى ملك الألمان التقطه إلى أنطاكية ~~طمعا في أن يموت عنده ويأخذ ماله ولم تزل أخبارهم تتواتر بالضعف والمرض إلى ~~أن وقعت وقعة العادل على طرف البحر. ### | ذكر الوقعة العادلية # ولما كان يوم الأربعاء العشرون من جمادى الآخرة علم عدو الله أن العساكر ~~قد تفرقت وأن الميمنة قد خفت لأن معظم من سافر كان منها يحكم قرب بلادهم من ~~طريق العدو فأجمعوا رأيهم واتفقت كلمتهم على أنهم يخرجون بغتة ويهجمون على ~~طرف الميمنة فجأة وتلاعبت بهم آمالهم فخرجوا ظهيرة ms092 النهار وامتدوا ميمنة ~~وميسرة وقلبا وانبثوا في الأرض وكانوا عددا عظيما واستخفوا طرف الميمنة ~~وكان فيها مخيم الملك العادل فلما بصر الناس بهم قد خرجوا في تعبية القتال ~~صاح صائحهم وخرجوا من خيامهم كالأسود من آجامها وركب السلطان ونادى مناديه ~~يا للإسلام وركبت الجيوش وطلبت الأطلاب ولقد رأيته رحمه الله قد ركب من ~~خيمته وحوله # PageV01P197 # نفر يسير من خواصه والناس لم يستتم ركوبهم وهو كالفاقدة ولدها. الثاكلة ~~واحدها. ثم ضرب الكؤس وأجابته كؤسات الأمراء من أماكنها وركب الناس، وأما ~~الإفرنج فإنهم سارعوا في القصد إلى الميمنة حتى وصلوا إلى خيمة الملك ~~العادل ودخلوا في راقة وامتدت أيديهم في السوق وأطراف الخيم بالنهب والغارة ~~وقيل وصلوا إلى خيمة الخاص وأخذوا من شراب خاناتها شيئا وأما الملك العادل ~~فإنه لما علم بذلك ركب وخرج من خيمته واستركب من يليه بالميمنة كالطواشي ~~قايماز النجمي ومن يجراه من أسود الإسلام ووقف وقوف مخادع حتى يوغل بهم ~~طمعهم في الخيم ويشتغلوا في النهب وكان كما ظن فإنهم عاثت أيديهم في الخيام ~~والأقمشة والفواكه والمطاعم فلما علم اشتغالهم بذلك صاح بالناس وحمل بنفسه ~~وحمل حملته من كان يليه عن الميمنة واتصل الأمر بجميع الميمنة حتى وصل ~~الصائح إلى عسكر الموصل وهجموا على العدو هجمة الأسود على فريستها وأمكنهم ~~الله منهم ووقعت الكسرة فعادوا يشتدون نحو خيامهم هاربين. وعلى أعقابهم ~~ناكصين. وسيف الله فيهم يلتقط الأرواح من الأشباح ويفصل بين الأجساد ~~والرؤوس. ويفرق بين الأبدان والنفوس. ولما بصر السلطان باصطلاء الحرب قد ~~ارتفع مما يلي خيام أخيه ثارت في قلبه نار الإشفاق وحركت الحمية أخوته. ~~وأنهضت لرغبة في نصرة دين الله والخوف على أوليائه عزيمته، وصاح صائحه في ~~الناس يا للإسلام وأبطال # PageV01P198 # الموحدين هذا عدو الله قد أمكن الله منه وقد داخله الطمع حتى غشي خيامكم ~~بنفسه فكان من المبادرين إلى إجابة دعوته جماعة من مماليكه وخاصته وخلقته ~~ثم طلب عسكر الموصل يقدمهم علاء الدين ثم عسكر مصر يقدمهم سنقر الحلبي ~~وتتابعت العساكر وتجاوبت الأبطال ووقف رحمه ms093 الله في القلب خشية أن يستضعف ~~العدو القلب بحكم ما أنفذ منه من العساكر فينال غرضا فتواصلت العساكر واتصل ~~الضرب وقامت سوق الحرب فلم يكن إلا ساعة حتى رأيت القوم صرعى كأنهم أعجاز ~~نخل خاوية وامتدوا مطروحين من خيام الملك العادل إلى خيامهم أولهم في الخيم ~~الإسلامية وآخرهم في خيم العدو صرعى على التلول والوهاد وسرت السيوف من ~~دمائهم حتى رويت، وأكلت أسد الوغى بأسنان الظفر منهم حتى شبعت. وأظهر الله ~~كلمته. وحقق لعبد نصرته. وكان مقدار ما امتد فيه القتلى فيما بين الخيامين ~~فرسخا وربما زاد على ذلك ولم ينج من القوم إلا النادر. ولقد خضت في تلك ~~الدماء بدابتي واجتهدت في أن أعدهم فما قدرت على ذلك لكثرتهم وتفرقهم ~~وشاهدت فيهم امرأتين مقتولتين وحكى لي من شاهد أربعة نسوة يقاتلن وأسر منهن ~~اثنتان وأسر من الرجال في ذلك اليوم نفر يسير فإن السلطان كان أمر الناس أن ~~لا يستبقوا أحدا هذا كله في الميمنة وبعض القلب وأما الميسرة فما اتصل ~~الصائح بهم إلا وقد تجز الأمر وقضى القضاء على العدو ما بين الظهر والعصر ~~فإن العدو ظهر في قائم الظهيرة وانفصلت الحرب بعد صلاة العصر وانكسر القوم ~~حتى دخلت طائفة من المسلمين وراءهم إلى مخيمهم على ما قيل ولم يفقد من # PageV01P199 # المسلمين أحد في ذلك اليوم سوى عشرة أنفس غير معروفين. ولما أحس جند الله ~~بعكا بما جرى من الوقعة فإنهم كانوا يشاهدون الوقعة من أعالي السور خرجوا ~~إلى مخيم العدو وجرت بينهم مقتلة عظيمة وكانت النصرة للمسلمين بحيث هجموا ~~على خيام العدو ونهبوا منها جمعا من النسوان والأقمشة حتى القدور فيها ~~الطعام ووصل كتاب من المدينة يخبر بذلك وكان يوما على الكافرين عسيرا ~~واختلف الناس في عدد القتلى منهم فذكر قوام أنهم ثمانية آلاف. ولق شاهدت ~~منهم خمسة صفوف أولها في خيم العادل وآخرها في خيم العدو لقد لقيت إنسانا # جنديا عاقلا جنديا يسعى بين صفوف القتلى ويعدهم فقلت له كم عددت فقال لي ~~ها هنا أربعة ms094 آلاف ونيف وستون قتيلا وكان قد عد صفين وهو في الصف الثالث ~~لكن ما مضى من الصفوف كان أكثر عددا من الباقي وانجلى يوم الأربعاء المذكور ~~بأحسن ما ينجلي عنه الإسلام ولما كان يوم الخميس الحادي والعشرون من جمادى ~~المذكورة ورد في عصره نجاب من حلب له خمسة أيام يتضمن كتابه أن جماعة عظيمة ~~من العدو الشمالي خرجوا لنهب أطراف البلاد الإسلامية ونهض العسكر الإسلامي ~~من حلب إليهم وأخذ عليهم الطريق ولم ينج منهم إلا من شاء الله وكان وقع هذه ~~الواقعة المباركة واقعا عظيما وضربت البشائر ولم ير صبيحة لتلك العروس أحسن ~~من هذه الصبيحة. وجاءنا بقية ذلك اليوم من اليزك قايماز الحراني وذكر أن ~~العدو قد سأل من جانب السلطان من يصل إليهم ليسمع منه حديثا في سؤال الصلح ~~لضعف حل بهم ولم يزل عدو الله من حينه مكسور الجناح من الجانبين حتى وصلهم ~~كند يقال له كندهري. نديا عاقلا جنديا يسعى بين صفوف القتلى ويعدهم فقلت له ~~كم عددت فقال لي ها هنا أربعة آلاف ونيف وستون قتيلا وكان قد عد صفين وهو ~~في الصف الثالث لكن ما مضى من الصفوف كان أكثر عددا من الباقي وانجلى يوم ~~الأربعاء المذكور بأحسن ما ينجلي عنه الإسلام ولما كان يوم الخميس الحادي ~~والعشرون من جمادى المذكورة ورد في عصره نجاب من حلب له خمسة أيام يتضمن ~~كتابه أن جماعة عظيمة من العدو الشمالي خرجوا لنهب أطراف البلاد الإسلامية ~~ونهض العسكر الإسلامي من حلب إليهم وأخذ عليهم الطريق ولم ينج منهم إلا من ~~شاء الله وكان وقع هذه الواقعة المباركة واقعا عظيما وضربت البشائر ولم ير ~~صبيحة لتلك العروس أحسن من هذه الصبيحة. وجاءنا بقية ذلك اليوم من اليزك ~~قايماز الحراني وذكر أن العدو قد سأل من جانب السلطان من يصل إليهم ليسمع ~~منه حديثا في سؤال الصلح لضعف حل بهم ولم يزل عدو الله من حينه مكسور ~~الجناح من الجانبين حتى وصلهم كند يقال له كندهري. # PageV01P200 ### | ذكر وصول الكندهري ms095 # وهذا المذكور من ملوكهم وأعيانهم وصل في البحر في مراكب عدة ومعه من ~~الأموال والذخائر والمسيرة والأسلحة والرجال عدد عظيم فقوي بوصوله عزمهم ~~واشتد أزرهم وحدثتهم نفوسهم بطلب العسكر الإسلامي المنصور ليلا وكثر ذلك ~~الحديث على ألسنة المستأمنين والجواسيس فجمع السلطان الأمراء وأرباب الرأي ~~واستشارهم فيما يفعل فكان آخر الرأي أنهم يوسعون الحلقة ويتأخرون عن العدو ~~رجاء أن يخرج العدو ويبعد عن خيمه فيمكن الله منهم ووافقهم السلطان على ذلك ~~وأوقعه الله في قلبه فرحل إلى جبل الخروبة بالعساكر بأسرها وذلك في السابع ~~والعشرين من جمادى الآخرى وترك نقية من العسكر في تلك المنزلة كاليزك مقدار ~~ألف فارس يتناوبون لحفظ النوبة. هذا والكتب متواصلة من عكا ومنا إليها على ~~أجنحة الطيور وأيدي السياح والمراكب اللطاف تخرج ليلا وتدخل سرقة من العدو. ~~هذا وأخبار العدو الواصل من الشمال متواصلة بقلة خيله وعدده وما قد عراهم ~~من الموت والمرض وأنهم قد اجتمعوا بأنطاكية وأنهم قد بقوا رجالة وأن ~~أصحابنا عسكر حلب يتخطفون حشاشتهم وعلاقتهم ومن يخرج منهم. # PageV01P201 ### | ذكر كتاب وصل من قسطنطينية يسر الله فتحها # وكان بين السلطان وملك قسطنطينية مراسلة ومكاتبة وكان وصل منه رسول إلى ~~باب السلطاني بمرج عيون هم رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة في جواب رسول كان ~~أنفذه السلطان إليه بعد تقرير القواعد وإقامة قانون الخطبة في جامع ~~قسطنطينية فمضى الرسول وأقام الخطبة ولقي احتراما عظيما وإكراما زائدا وكان ~~قد أنفذ معه في المراكب الخطيب والمنبر وجمعا من المؤذنين والقراء وكان يوم ~~دخولهم القسطنطينية يوما عظيما من أيام الإسلام شاهده جمع كثير من التجار ~~ورقي الخطيب المنبر واجتمع إليه المسلمون المقيمون بها والتجار أقام الدعوة ~~الإسلامية العباسية ثم عاد فعاد معه هذا الرسول يخبرنا بانتظار الحال في ~~ذلك فأقام مدة. ولقد شاهدته يبلغ الرسالة ومعه ترجمان يترجم عنه وهو شيخ ~~أحسن ما يفرض أن يكون من صور المشايخ وعليه زيهم الذي يختص بهم ومعه كتاب ~~وتذكرة مختوم والكتاب بذهب ولما مات وصل إلى ملك قسطنطينية خبر وفاته فأنفذ ms096 ~~هذا الرسول في تتمة ذلك ووصل معه الكتاب في جواب ذلك. وصورة ما فسر من ~~الكتاب الواصل معه ووصفه أنه كان كتابا مدرجا عرضا وهو دون عرض كتاب بغداد ~~مترجما ظاهره وبلطنه بسطرين بينهما فرجة وضع فيها الختم والختم من ذهب ~~مطبوع كما يطبع الخاتم في الشمع على ختمه صورة ملك وزن الذهب خمسة عشر ~~دينارا مضمون السطرين المكتوبين ما هذا صورته: من إيساكيوس الملك المؤمن ~~بالمسيح الإله المتوج من الله المنصور العالي أبدا أففقوس المدبر من الله # PageV01P202 # القاهر الذي لا يغلب ضابط الروم بذاته أنكلوس إلى النسيب سلطان مصر صلاح ~~الدين والحمية والمودة. قد وصل خط نسبتك الذي أنفذت إلى ملكي وقرأناه ~~وعلمناه من أن رسولنا توفي وحزنا عليه حيث أنه توفي في بلد وريب وما قدر أن ~~يتم كل ما رسم له ملكي وأمره أن يتحدث به مع نسبتك ويقول في حضرتك ولا بد ~~لنسبتك أن تهتم بإنفاذ رسول إلى ملكي مع رسول المتوفى والقماش الذي خلقه ~~ويوجد بعد موته لنعطيه أولاده وأقاربه وما أظن أنه يسمع من نسبتك أخبارا ~~ودية وأنه قد سافر في بلادي الألمان ولا عجب فإن الأعداء يرجفون بأشياء ~~مكذوبة على قدر أغراضهم ولو تشتهي أن تسمع الحق فإنهم قد تأذوا وتعبوا ~~كثيرا أكثر مما أوذي فلاحو بلادك وقد خسروا كثيرا من المال والدواب والرجال ~~ومات منهم وقتلوا وبالشدة قد تخلصوا من أيدي أجناد بلادي وقد ضعفوا بحيث ~~أنهم لا يصلون إلى بلادك فإن وصلوا كانوا ضعافا بعد شدة كبيرة لا ينفعون ~~جنسهم ولا يضرون نسبتك. وبعد ذلك كيف نسيت الذي بيني وبينك وكيف ما عرفت ~~لملكي شيئا من المقاصد والمهمات. ما ربح ملكي من محبتك إلا عداوة الإفرنج ~~وجنسهم، # PageV01P203 # فوقف رحمه الله على هذه الترجمة وأكرم الرسول وأحسن مثواه. وكان شيخا حسن ~~الخلق نبيها عارفا بالعربية والرومية والإفرنجية، ثم إن الإفرنج شدوا في ~~حصار البلد وضايقوه لما قد حدث لهم من القوة بوصول الكندهري فإنه وصل على ~~ما ذكر والله أعلم في عشرة ms097 آلاف مقاتل ووصلتهم نجدة أخرى في البحر قويت بها ~~قلوبهم ونازلوا البلد بالقتال. ### | ذكر حريق المنجنيقات # وذلك أن العدو لما أحس في نفسه بقوته بسبب توالي النجدات عليهم اشتد ~~طمعهم في البلد وركبوا عليه المنجنيقات من كل جانب وتناوبوا عليها بحيث لا ~~يتعطل رميها ليلا ولا نهارا وذلك في أثناء رجب. ولما رأى أهل البلد ما نزل ~~بهم من مضايقة العدو وتعلق طمعهم بهم حركتهم النخوة الإسلامية وكان مقدموه ~~حينئذ أما والي البلد وحارسه فالأمير الكبير بهاء الدين قراقوش، وأما مقدم ~~العسكر فالأمير الكبير الاسفهسلان حسام الدين أبو الهيجاء وكان رجلا ذا كرم ~~وشجاعة وتقدم في عشيرته، ومضاء # PageV01P204 # في عزيمته فاجتمع رأيهم على أنهم يخرجون إلى العدو فارسهم وراجلهم على ~~غرة وغفلة منهم ففعلوا ذلك وفتحت الأبواب وخرجوا دفعة واحدة من كل جانب ولم ~~يشعر العدو إلا والسيف فيهم حاكم عادل، وسهم قدر الله وقضائه فيهم نافذ ~~نازل، وهجم الإسلام على الكفر في منازله، وأخذ بناصية مناضله ورأس مقاتلة، ~~ولما ولج المسلمون لخيام العدو ذهلوا عن المنجنيقات وحياطتها وحراستها. ~~وحفظها وسياستها. فوصلت شهب الزراقين المقذوفة. وجاءت عوائد الله في نصرة ~~دينه المألوفة. فلم تكن ساعة حتى اضطرمت فيها النيران. وتحرقت منها بيدها ~~ما شيدها الأعداء في المدة الطويلة في أقرب آن. وقتل من العدو سبعون فارسا ~~وأسر خلق عظيم وكان من جملة الأسرى رجل مذكور منهم ظفر به واحد من آحاد ~~الناس ولم يعلم بمكانته. ولما انفصل الحرب سأل الإفرنج عنه هل هو حي أم لا ~~فعرف الذي هو عنده عند سؤالهم أنه رجل كبير فيهم وخاف أن يغلب عليه ويرد ~~بنوع مصانعة أو على وجه من الوجوه فسارع وقتله وبذل الإفرنج فيه أموالا ~~كثيرة ولم يزالوا يشتدون في طلبه ويحرصون عليه حتى ريئت لهم جثته فضربوا ~~بنفوسهم الأرض وحثوا على رؤوسهم التراب ووقعت عليهم بسبب ذلك خمدة عظيمة ~~وكتموا أمره ولم يظهروا من كان واستصغر المسلمون بعد ذلك أمرهم وهجم عليهم ~~العرب من كل جانب يسرقون وينهبون ويقتلون ويأسرون ms098 إلى ليلة نصف شعبان وكان ~~الكندهري قد أنفق على منجنيق كبير عظيم الشكل على ما نقل الجواسيس ~~والمستأمنون ألفا وخمسمائة دينار وأعده ليقدمه إلى البلد ومنع من حريقه في ~~ذلك اليوم كونه بعيدا عن البلد لم يقدم بعد إليه. ولما كانت الليلة ~~المباركة المذكورة خرج الزراقون والمقاتلة تحفظهم من كل جانب والله يكلأهم ~~فساروا من تحت ستر الله حتى أتوا المنجنيق المذكور وأضرموا فيه النار ~~فاحترق من ساعته ووقع الصياح من الطائفتين وذهل العدو فإنه كان بعيدا من ~~البلد وخافوا أن يكونوا قد أحيط بهم من الجوانب وكان نصرا من عند الله ~~وأحرق بلهيبه منجنيقا لطيفا إلى جانبه. # PageV01P205 ### | ذكر الحيلة وإدخال عكا بطسة عمرها # وأودعها أربعمائة غرارة من القمح ووضع فيها الجبن والبصل والغنم وغير ذلك # من الميرة # وكان الإفرنج خذلهم الله قد أداروا مراكبهم حول عكا حراسة لها من أن ~~يدخلها مراكب المسلمين وكانت قد اشتدت حاجة من فيها إلى الطعام والميرة ~~فركب في بطسة بيروت جماعة من المسلمين وتزيوا بزي الإفرنج حتى حلقوا لحاهم ~~ووضعوا الخنازير على سطح البطسة بحيث ترى من بعد وعلقوا الصلبان وجاءوا ~~قاصدين البلد من البعد حتى خالطوا مراكب العدو فخرجوا إليهم واعترضوهم في ~~الحراقات والشواني وقالوا لهم نراكم قاصدين البلد واعتقدوا أنهم منهم ~~فقالوا أولم تكونوا قد أخذتم البلد فقالوا لم نأخذ البلد بعد فقالوا نحن ~~نرد القلوع إلى العسكر وقد أتي بطسة أخرى في هوائنا فأنذروهم حتى يدخلوا ~~البلد وكان وراءهم بطسة إفرنجية قد اتفقت معهم في البحر قاصدة العسكر ~~فنظروا فرأوها فقصدوها ينذرونها فاشتدت البطسة الإسلامية في السير واستقامت ~~لها الريح حتى دخلت ميناء البلد وسلبت ولله الحمد. وكان فرحا عظيما فإن ~~الحاجة كانت قد أخذت من أهل البلد وكان ذلك في العشر الأواخر من رجب. ### | ذكر قصة العوام عيسى # ومن نوادر هذه الوقعة ومحاسنها أن عواما مسلما يقال له عيسى وصل إلى ~~البلد بالكتب والنفقات على وسطه ليلا على غرة من # PageV01P206 # العدو وكان يغوص ويخرج من الجانب الآخر من مراكب ms099 العدو وكان ذات ليلة شد ~~على وسطه ثلاثة أكياس فيها ألف دينار وكتب للعسكر وعام في البحر فجرى عليه ~~أمر أهلكه وأبطأ خبره عنا. وكانت عادته إذا دخل البلد أطار طيرا عرفنا ~~بوصوله فأبطأ الطير فاستشعرنا هلاكه. ولما كان بعد أيام بينا الناس على طرف ~~البحر في البلد إذا هو قد قذف شيئا غريقا فتفقدوه فوجدوه عيسى العوام ~~ووجدوا على وسطه الذهب وشمع الكتب وكان الذهب نفقة للمجاهدين فما رؤي من ~~أدى الأمانة في حال حياته وقد ردها في مماته إلا هذا الرجل وكان ذلك في ~~العشر الأواخر من رجب أيضا. ### | ذكر حريق المنجنيقات # وذلك أن العدو كان نصب على البلد منجنيقات هائلة حاكمة على السور وإن ~~حجارتها تواترت حتى أثرت في السور أثرا بينا وخيف من غائلاتها فأخذ سهمان ~~من سهام الجرخ العظيم فأحرق نصلاهما حتى بقيا كالشعلة من النار ثم رميا في ~~المنجنيق الواحد فعلقا فيه واجتهد العدو في إطفائهما فلم يقدر على ذلك وهبت ~~ريح شديدة فاشتعل اشتعالا عظيما واتصلت لهبته بالآخر فأحرقته واشتد ناراهما ~~بحيث لم يقدر أحد أن يقرب من مكانهما ليحتال في إطفائهما وكان يوما عظيما ~~اشتد فيه فرح المسلمين وساءت عاقبة الكافرين. ### | ذكر تمام حديث ملك الألمان # PageV01P207 ### | والحيلة التي عملها المركيس # ولما استقر قدم ملك الألمان في أنطاكية أخذها من صاحبها وحكم فيها، وكان ~~بين يديه فيها ينفذ أوامره، فأخذها منه غيلة وخديعة وأودعها خزائنه وسار ~~عنها في الخامس والعشرين من رجب متوجها نحو عكا في جيوشه وجموعه على طريق ~~اللاذقية حتى إلى طرابلس، وكان قد سار إليه من معسكر الإفرنج يلتقيه ~~المركيس صاحب صور، وكان من أعظمهم حيلة وأشدهم بأسا، وهو الأصل في تهييج ~~الجموع من وراء البحر. وذلك أنه صور القدس في ورقة، وصور فيه صورة القمامة ~~التي يحجون إليها ويعظمون شأنها وفيه قبة قبر المسيح الذي دفن فيه بعد صلبه ~~بزعمهم، وذلك القبر هو أصل حجهم، وهو الذي يعتقدون نزول النور عليه في كل ~~سنة في كل عيد من أعيادهم، ms100 وصور على القبر فرسا عليه فارس مسلم راكب عليه ~~وقد وطئ قبر المسيح وبال الفرس على القبر وأبدى هذه الصورة وراء البحر في ~~الأسواق والمجامع والقسوس يحملونها ورؤوسهم مكشوفة وعليهم المسوح وينادون ~~بالويل والثبور، وللصور عمل في قلوبهم، فإنها أصل دينهم، فهاج بذلك خلق لا ~~يحصي عددهم إلا الله، وكان من جملتهم ملك الألمان وجنوده فلقيهم المركيس ~~لكونه أصلا في استدعائهم إلى هذه الواقعة، فلما اتصل به قوى قلبه ونصره ~~بالطرق وسلك به الساحل خوفا من أنه إذا أتى على بلاد حلب وحماة ثار لهم ~~المسلمون # PageV01P208 # من كل جانب وقامت عليهم كلمة الحق من كل صوب. ومع ذلك لم يسلموا من شن ~~الغارات عليهم فإن الملك المظفر قصدهم بعساكره وجمع لهم جموعا وهجم عليهم ~~هجوما عظيما أخذ فيه من أطراف عساكره، وكان قد لحقهم بأوائل عسكره، ولو ~~لحقهم الملك الظاهر بعساكره لقضى عليهم، ولن لكل أجل كتاب، واختلف حزر ~~الناس لهم. ولقد وقفت على كتب بعض المخبرين بالحرب فقد حرز فارسهم وراجلهم ~~بخمسة آلاف بعد أن كانوا قد خرجوا على ما ذكر، فانظر إلى صنع الله مع ~~أعدائه. ولقد وقفت على بعض الكتب فذكر فيه أنهم لما ساروا من اللاذقية ~~يريدون جبلة وجدوا في أعقابهم نيفا وستين فرسا قد عطبت وانتزع لحمها ولم ~~يبق فيها إلا العظام من شدة الجوع، ولم يزالوا سائرين وأيدي المسلمين ~~تخطفهم من حولهم نهبا وقتلا وأسرا، حتى أتوا طرابلس، ووصل خبر وصوله بكرة ~~الثلاثاء ثامن شعبان سنة ست وثمانين وخمسمائة. # هذا والسلطان ثابت الجأش راسخ القدم لا يرده ذلك عن حراسة عكا والحماية ~~لها ومراصدة العسكر النازل بها وشن الغارات عليها والهجوم عليهم في كل وقت، ~~مفوضا أمره إلى الله معتمدا عليه منبسط الوجه لقضاء حوائج الناس مواصلا ~~يسره من يفد إليه من الفقراء والفقهاء والمشايخ والأدباء. ولقد كنت إذا ~~بلغني هذا الخبر تأثرت حتى دخلت عليه وأجد منه من قوة الله وشدة البأس ما ~~يشرح صدري وأتيقن معه نصرة الإسلام وأهله. ### | ذكر وصول البطس ms101 من مصر # ولما كان العشر الأوسط من شعبان # PageV01P209 # كتب بهاء الدين قراقواش وهو والي البلد والمقدم على الأسطول والحاجب لؤلؤ ~~يذكران السلطان أنه لم يبق بالبلدة ميرة إلا قدر يكفي إلى ليلة النصف من ~~شعبان لا غير، فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لخاص ولا لعام خشية الشيوع ~~والبلوغ إلى العدو فتضعف به قلوب المسلمين، وكان قد كتب إلى مصر بتجهيز ~~ثلاث بطس مشحونة بالأقوات والأدم والمير وجميع ما يحتاج إليه في الحصار ~~بحيث يكفيهم ذلك طول الشتاء، وأقلعت البطس الثلاث من الديار المصرية ولججت ~~في البحر تتوقى النوتية بها الريح حتى ساروا بالريح التي تحملها إلى نحو ~~عكا، ولم يزالوا كذلك حتى وصلوا إلى عكا ليلة النصف من شعبان المذكور وقد ~~فني الزاد، ولم يبق عندهم ما يطعمون الناس في ذلك اليوم، وخرج عليها أسطول ~~العدو يقاتلها، والعساكر الإسلامية تشهد ذلك من الساحل، والناس في تهليل ~~وتكبير، وقد كشف المسلمون رؤوسهم يبتهلون إلى الله تعالى في القضاء ~~بتسليمها إلى البلد والسلطان على الساحل كالوالدة الثكلى، يشاهد القتال ~~ويدعو ربه بنصره، وقد علم من شدة القوم ما لم يعلمه غيره وفي قلبه ما في ~~قلبه، والله يثبته، ولم يزل القتال يعمل حول البطس من كل جانب والله يدفع ~~عنها والريح يشتد والأصوات قد ارتفعت من الطائفتين والدعاء يخرق الحجب حتى ~~وصلوا سالمين إلى ميناء البلد وتلقاهم أهل عكا تلقي الأمطار عن جدب، ~~وامتاروا ما فيها، وكانت ليلة بليال. ### | ذكر محاصرة برج الذباب # ولما كان الثاني والعشرون من شعبان جهز # PageV01P210 # العدو بطسا متعددة لمحاصرة برج الذباب، وهو برج في وسط البحر مبني على ~~الصخر على باب ميناء يحرس به الميناء، ومتى عبره المراكب أمن غائلة العدو، ~~فأراد العدو أخذه ليبقى الميناء بحكمه ويمنع الدخول إليه بشيء من البطس ~~فتنقطع الميرة عن البلد، فجعلوا على صواري البطس برجا وملأوه حطبا على أنهم ~~يسيرون البطس، فإذا قاربت برج الذباب ولاصقته أحرقوا البرج الذي على الصاري ~~وألصقوه ببرج الذباب ليلقوه على سطحه ويقتل من ms102 عليه من المقاتلة ويأخذوه، ~~وجعلوا في البطسة وقودا كثيرا حتى يلقى في البرج إذا اشتعلت النار فيه، ~~وعبوا بطسة ثانية وملؤوها حطبا ووقودا على أنهم يدفعون بها إلى أن تدخل بين ~~البطس الإسلامية ثم يلهبونها فتحرق البطس الإسلامية ويهلك ما فيها من ~~الميرة، وجعلوا في بطسة ثالثة مقاتلة تحت قبو بحيث لا يحصل لهم نشاب ولا ~~شيء من آلات السلاح، حتى إذا أحرقوا ما أرادوا إحراقه دخلوا تحت ذلك القبو ~~فأمنوا وقدموا البطسة نحو البرج المذكور، وكان طمعهم يشتد بحيث كان الهواء ~~مصعدا لهم، فلما أحرقوا البطسة التي أرادوا أن يحرقوا بطس المسلمين بها ~~والبرج الذي أرادوا أن يحرقوا به من على برج الذباب فأوقدوا النار وضربوا ~~فيها النفط انعكس الهواء عليهم، كما شاء الله تعالى وأراد، واشتعلت البطسة ~~التي كان فيها بأسرها، واجتهدوا في إطفائها فما قدروا، وهلك من كان فيها من ~~المقاتلة إلا من شاء الله، واحترقت البطسة التي كانت معدة لإحراق بطسنا، ~~ووثبت أصحابنا عليها فأخذوها إليهم. وأما البطسة التي كانت فيها القبو ~~فإنهم انزعجوا وخافوا وهموا بالرجوع، واختلفوا واضطربوا اضطرابا # PageV01P211 # عظيما، فانقلبت وهلك جميع من كان بها، لأنهم كانوا في قبو لم يستطيعوا ~~الخروج منها، وكان ذلك من أعظم آيات الله وأندر العجائب في نصرة دين الله. ~~وكان يوما مشهودا. ### | ذكر وصول الألمان إلى عسكرهم المخول # عدنا إلى حديث ملك الألمان، وذلك أنه أقام بطرابلس حتى استجم عسكره، ~~وأرسل إلى النازلين على عكا يخبرهم بقدومه إليهم، وقد حموا من ذلك لأن ~~المركيس صاحب صور هو رب مشورته وصاحب دولته، وكان الملك جفري وهو ملك ~~الساحل بالعسكر هو الذي يرجع إليه في الأمور، فعلم أنه مع قدوم الألماني لا ~~يبقى له حكم. ولما كان العشر الأخير من شعبان أزمع رأيه على المسير في ~~البحر لعلمه أنه إن لم يركب البحر نكب وأخذت عليه الطريق والمضايق، فأعدوا ~~المراكب وأنفذت إليه من كل جانب، ونزل فيها هو وعسكره وخيلهم وعدتهم، ~~وساروا يريدون العسكر، فلم تمض إلا ساعة من النهار ms103 حتى قامت عليهم ريح عاصف ~~وثار عليهم الموج من كل مكان وأشرفوا على الهلاك، وهلك منهم ثلاثة مراكب ~~حمالة، وعاد الباقون يرصدون هواء طيبا، فأقاموا أياما حتى طابت لهم الريح، ~~وساروا حتى أتوا صور، فأقام المركيس # PageV01P212 # والألماني بها، وأنفذوا بقية العساكر إلى المعسكر النازل عكا، وأقاما ~~بصور إلى ليلة السادس من رمضان وسار الألماني وحده في البحر حتى وصل ~~معسكرهم غروب الشمس من ذلك اليوم في نفر يسير. هكذا تخبر الجواسيس ~~والمستأمنون عنهم. وقد كان لقدمه وقع عظيم من الطائفتين، وأقام أياما، ~~وأراد أن يظهر لمجيئه أثر فرنج القوم على طول مقامهم، وحسن في رأيه أن تضرب ~~مصاف مع المسلمين، فخوفوه من الإقدام على هذا الأمر وعاقبته، فقال لابد من ~~الخروج على اليزك ليذوق قتال القوم ويعرف مراسهم ويتبصر بأمرهم، فليس الخبر ~~كالعيان، فخرج على اليزك الإسلامي واتبعه معظم الإفرنج راجلهم وفارسهم، ~~وخرجوا حتى قطعوا الوهاد التي بين تلهم وتل العياضية، وعلى تل العياضية خيم ~~اليزك، وهي نوبة الحلقة السلطانية المنصورة في ذلك اليوم، فوقفوا على ~~وجوههم وقاتلوهم وأذاقوهم طعم الموت، وعرف السلطان ذلك، فركب من خيمته ~~بحفلة وسار حتى أتى تل كيسان، فلما رأى العدو العساكر الإسلامية صوبت نحوه ~~سهام قصدها وأتته من كل جانب كقطع من الليل المظلم عاد ناكصا على عقبه، ~~وقتل منهم وجرح خلق كثير والسيف يعمل فيهم من أقفيتهم وهم هاربون حتى وصلوا ~~المخيم غروب الشمس، وهو لا يعتقد سلامة نفسه من شدة خوفه، وفصل الليل بين ~~الطائفتين، وقتل من المسلمين اثنان، وجرح جماعة كثيرة، وكانت الكثرة على ~~أعداء الله. ولما عرف ملك الألمان ما جرى عليه وعلى أصحابه من اليزك الذي ~~هو شرذمة من العسكر وهو جزء من كل، رأى أن يرجع إلى قتال البلد ويشتغل ~~بمضايقته، فاتخذ من الآلات العجيبة والصنائع الغريبة ما هال الناظر إليه من ~~شدة الخوف على البلد، واستشعر اخذ البلد من تلك الآلات وخيف منها عليه، ~~فأحدثوا آلة عظيمة تسمى دبابة # PageV01P213 # يدخل تحتها من المقاتلة خلق عظيم ملبسة بصفائح ms104 الحديد ولها من تحتها عجا ~~تحرك به من داخل وفيها المقاتلة حتى ينطح بها الصور ولها رأس عظيم برقية ~~شديدة من جديد وهي تسمى كبشا ينطح بها الصور بشدة عظيمة، لأنه يجرها خلق ~~عظيم فتهدمه بتكرار نطحها. وآلة أخرى وهي قبو فيه رجال السحب لذلك، إلا أن ~~رأسها محدد على شكل السكة التي يحرث بها، ورأس البرج مدور، وهذا يهدم ~~بثقله، وتلك تهدم بحدتها وثقلها وهي تسمى سنورا، ومن الستائر والسلالم ~~الكبار الهائلة. وأعدوا في البحر بطسة هائلة وضعوا فيها برجا بخرطوم إذا ~~أرادوا قلبه في السور انقلب بالحركات ويبقي طريقا إلى المكان الذي ينقلب ~~عليه تمشي عليه المقاتلة، وعزموا على تقريبه إلى برج الذباب ليأخذوه به. ### | ذكر حريق برج الكبش وغيره من الآلات # وذلك أن العدو لما رأى آلاته قد تمت واستكملت شرع في الزحف على البلد ~~ومقاتلته من كل جانب، وأهل البلد كلما رأوا ذلك اشتدت عزائمهم في نصرة دين ~~الله وقويت قلوبهم على المصابرة. ولما كان يوم الإثنين ثالث شهر رمضان من ~~السنة المذكورة وهي التي قدمت به العساكر من الشام # PageV01P214 # في أحسن زي وأجمل ترتيب وأكمل عدة مع ولده صاحب حلب وسابق الدين صاحب ~~شيزر ومجد الدين صاحب بعلبك، وكان السلطان التاث مزاجه الكريم بحمى ~~صفراوية، فركب في ذلك اليوم وكان عيدا من وجوه متعددة، وفي ذلك اليوم زحف ~~العدو على البلد في خلق لا يحصي عددهم إلا الله، فأهملهم أهل البلد وشجعان ~~المقاتلة الذين فيه وذوو الآراء المثقفة من مقدمي المسلمين حتى نشبت مخاليب ~~أطماعهم في البلد وسحبوا آلاتهم المذكورة حتى قاربوا أن يلصقوها بالسور، ~~وتحصن منهم في الخندق جماعة عظيمة، وأطلقوا عليهم سهام الجروح وأحجار ~~المنجنيق وأقواس الرمي والنيران وصاحوا عليهم صيحة الرجل الواحد وفتحوا ~~الأبواب وباعوا نفوسهم لخالقها وبارئها. ورضوا بالصفقة الموعود بها، وهجموا ~~على العدو من كل جانب وكبسوهم في الخنادق، وأوقع الله الرعب في قلب العدو، ~~وأعطه ظهره الهزيمة وأخذوا مشتدين هاربين. على أعقابهم ناكصين. يطلبون ~~خيامهم والاحتماء بأسوارهم # PageV01P215 # لكثرة ما ms105 شاهدوا وذاقوا من الجرح والقتل، وبقي في الخندق خلق عظيم وقع ~~فيهم السيف وعجل الله بأرواحهم إلى النار، ولما رأى المسلمون ما نزل بالعدو ~~من الخذلان والهزيمة هجموا على كبشهم فألقوا فيه النار والنفط وتمكنوا من ~~حريقه فأحرقوه حريقا شنيعا، وظهرت له لهبة عظيمة نحو السماء، وارتفعت ~~الأصوات بالتكبير والتهليل. والشكر للقوي الجليل. وسرت نار الكبش بقوتها ~~إلى السنور فاحترق، وعلق المسلمون في الكبش الكلاليب الحديدية المصنوعة في ~~السلاسل فسحبوه وهو يشتعل حتى حصلوه عندهم في البلد وكان مركبا من آلات ~~هائلة عظيمة ألقى الماء عليه حتى برد حديده بعد أيام. وبلغنا من اليزك أن ~~وزن ما كان عليه من الحديد يبلغ مائة قنطار بالشامي، والقنطار مائة رطل، ~~والرطل الشامي بالبغدادي أربعة أرطال وربع رطل. ولقد أنفذ رأسه إلى السلطان ~~ومثل بين يديه، وشاهدته وقلبته، وشكله على مثل السفود الذي يكون بحجر ~~المدار، قيل أنه ينطح به فيهدم ما يلاقيه. وكان ذلك من أحسن أيام الإسلام، ~~ووقع على العدو خذلان عظيم، ورفعوا ما سلم من آلاتهم، وسكنت حركاتهم التي ~~ضيعوا فيها نفقاتهم وتحيرت أبصار حيلهم، واستبشر السلطان بغرة ولده ~~واستبارك بها حيث وجد النصر مقرونا بقدومه مرة بعد أخرى، وثانية بعد أولى. # PageV01P216 # ولما كان يوم الأربعاء الخامس عشر رمضان خرج أصحابنا من الثغر المحروس في ~~شوان على بغتة من العدو، وضربوا البطسة المعدة لأخذ برج الذباب بقوارير نفط ~~فاحترقت وارتفع لهبها في البحر ارتفاعا عظيما، وحزن الألمان لذلك حزنا ~~شديدا، وغشيته كآبة عظيمة ووقع عليهم خذلان عميم. ولما كان يوم الخميس ~~السادس عشر الشهر وصل كتاب طائر في طي كتاب وصل من حماة قد طار به الطائر ~~من حلب يذكر فيه أن البرنس صاحب أنطاكية خرج بعسكر نحو القرى الإسلامية ~~التي تليه لشن الغارات عليها، فبصرت به العساكر ونواب الملك الظاهر، فكمنت ~~له الكمينات، فلم يشعر بهم إلا والسيف قد وقع فيهم، فقتل منهم خمسة وسبعون ~~نفرا، وأسر خلق عظيم، واستعصم لنفسه في موضع يسمى شيحا، حتى اندفعوا وسار ~~إلى ms106 بلده. # PageV01P217 # وفي أثناء العشر الأوسط ألقت الريح بطستين فيهما رجال وصبيان ونساء وميرة ~~عظيمة وغنم كثيرة قاصدين نحو العدو فغنمها المسلمون. وكان العدو قد ظفر منا ~~بزورق فيه نفقة ورجال أرادوا الدخول إلى البلد فأخذوه، فوقع الظفر بهاتين ~~الطستين ماحيا لذلك وجابرا له، ولم تزل الأخبار بعد ذلك تتواصل على ألسنة ~~الجواسيس والمستأمنين أن العدو قد عزم على الخروج إلى العسكر الإسلامي خروج ~~مصاف ومنافسه، والتاث مزاج السلطان بحمى صفراوية فاقتضى الحال تأخر العسكر ~~إلى جبل سفرعم. # PageV01P218 # وكان انتقاله تاسع عشر رمضان، فنزل السلطان على أعلى الجبل، ونزل الناس ~~على رؤوس التلال للاستعداد للشتاء والاستراحة من الوحل. وفي ذلك اليوم مرض ~~زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب إربل مرضا شديدا بحميين مختلفي الأوقات، ~~واستأذن في الرواح فلم يؤذن له، فاستأذن في الانتقال إلى الناصرة، فأذن # له في ذلك اليوم وأقام الناصرة أياما عديدة بمرض نفسه، فاشتد به المرض ~~إلى ليلة الثلاثاء ثامن عشر رمضان، وتوفي رحمه الله وعنده أخوه مظفر الدين ~~يشاهده، وحزن الناس عليه لمكان شبابه وغربته، وأنعم السلطان على أخيه مظفر ~~الدين ببلده، واستنزله عن بلاده التي كانت في يده وهي حران والرها وما ~~يتبعهما من البلاد والأعمال، وضم إليه بلد # PageV01P219 # شهر زور أيضا، واستدعى الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه ~~ليكون نازلا مكانه جابرا لخلل غيبته، وأقام مظفر الدين في نظرة قدوم تقي ~~الدين. ولما كان ضحاء نهار ثالث شوال قدم وقد عاد صحبة معز الدين. في ذلك ~~اليوم وأقام الناصرة أياما عديدة بمرض نفسه، فاشتد به المرض إلى ليلة ~~الثلاثاء ثامن عشر رمضان، وتوفي رحمه الله وعنده أخوه مظفر الدين يشاهده، ~~وحزن الناس عليه لمكان شبابه وغربته، وأنعم السلطان على أخيه مظفر الدين ~~ببلده، واستنزله عن بلاده التي كانت في يده وهي حران والرها وما يتبعهما من ~~البلاد والأعمال، وضم إليه بلد شهر زور أيضا، واستدعى الملك المظفر تقي ~~الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه ليكون نازلا مكانه جابرا لخلل غيبته، وأقام ~~مظفر الدين ms107 في نظرة قدوم تقي الدين. ولما كان ضحاء نهار ثالث شوال قدم وقد ~~عاد صحبة معز الدين. ### | ذكر قصة معز الدين # وهذا معز الدين هو سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي، وهو ~~صاحب الجزيرة إذ ذاك، وكان من قصته أنه حضر للجهاد وقد ذكرت تاريخ وصوله ~~وأنه أخذ منه الضجر والسآمة والقلق بحيث ترددت رسله ورقاعه إلى السلطان في ~~طلب الدستور، والسلطان يعتذر إليه بأن رسل العدو متكررة في معنى الصلح ولا ~~يجوز أن تنفض العساكر حتى تتميز على ماذا ينفصل الحال من سلم أو حرب، وهو ~~لا يألو جهدا في طلب الدستور، إلى أن كان يوم عيد الفطر من سنة ست وثمانين، ~~وحضر سحر ذلك اليوم في باب الخيمة السلطانية فاستأذن في الدخول فاعتذر إليه ~~بالتياث حتى قد عري مزاج السلطان فلم يقبل العذر، وكرر الاستئذان، فأذن له ~~في الدخول، فلما مثل بالخدمة استأذن في الرواح شفاها، فذكر له السلطان ~~العذر بذلك وقال: هذا وقت تقدم العساكر وتجمعها # PageV01P220 # لا وقت تفرقها. فانكب على يده وقبلها كالمودع له ونهض من ساعته وسار، ~~وأمر أصحابه أن ألقوا القدور فيها الطعام وقلعوا الخيم وتبعوه، فلما بلغ ~~السلطان صنيعه، أمر بإنشاء مكاتبة إليه يقول فيها: إنك أنت قصدت الانتماء ~~إلى ابتداء وراجعتني في ذلك مرارا وأظهرت الخيفة على نفسك وقلبك وبلدك من ~~أهلك، فقبلتك وآويتك ونصرتك وبسطت يدك في أموال الناس ودمائهم وأعراضهم، ~~فأنفدت إليك ونهيتك عن ذلك مرارا فلم تنته، واتفق وقوع هذه الواقعة للإسلام ~~فدعوناك، فأتيت بعسكر قد عرفته وعرفه الناس وأقمت هذه المدة المديدة وقلقت ~~هذا القلق وتحركت هذه الحركة وانصرفت عن غير طيب نفس وغير فصل حال مع ~~العدو. فانظر لنفسك وأبصر من تنتمي إليه غيري، واحفظ نفسك ممن يقصدك فمالي ~~إلى جانبك التفات. وسلم الكتاب إلى نجاب فلحقه قريبا من طبرية، فقرأ الكتاب ~~ولم يلتفت، وسار على وجهه. وكان الملك المظفر تقي الدين قد استدعى إلى ~~الغزاة بسبب حركة مظفر الدين على ما سبق ms108 شرحه، فلقيه في الطريق في موضع ~~يسمى عقبة ميق، فرآه محثا ولم ير عليه أمارات حسنة، وسأله عن حاله، فأخبره ~~بأمره وتعتب على السلطان كيف لم يخلع عليه ولم يأذن له، ففهم الملك المظفر ~~انفصاله من غير دستور من السلطان وأنه على خلاف اختياره، فقال له المصلحة ~~لك أن ترجع إلى الخدمة وتلازم إلى أن يأذن لك وأنت صبي ولم تعلم غائلة هذا ~~الأمر، فقال ما يمكنني الرجوع، فقال: ترجع عن غير يد فليس في الرواح على ~~هذا الوجه لك راحة أصلا. فأصر على الرواح، فخشي عليه وقال: ترجع من غير ~~اختيارك. وكان تقي الدين شديد البأس مقداما على الأمور ليس في عينه من أحد ~~شي، فلما علم أنه قابضه إن لم يرجع باختياره رجع معه حتى أتى العسكر، وخرج ~~الملك العادل ونحن في خدمته إلى لقاء الملك المظفر، فوجدنا معه، فدخلا به ~~على السلطان وسألاه الصفح # PageV01P221 # عنه، وطلب أن يقيم في جوار تقي الدين خشية على نفسه، فأذن له، فأقام في ~~جواره إلى حين ذهابه. ### | ذكر طلب عماد الدين الدستور # وذلك أن عماد الدين زنكي عم المذكور ألح في طلب الدستور وشكا هجوم الشتاء ~~عليه مع عدم الاستعداد له، والسلطان يعتذر إليه بأن الرسل متواترة بيننا ~~وبين العدو في الصلح وربما انتظم فينبغي أن يكون انتظامه بحضوركم فالرأي ~~مشترك، واستأذن في أن يحمل إليه خيام الشتاء، فلم يفعل، وأن يحمل إليه نفق ~~فلم يفعل، وتكررت منه الرسل إلى السلطان في المعنى، والسلطان يكرر ~~الاعتذار. ولقد كنت بينهم في شيء من ذلك، وكان عند عماد الدين من على العزم ~~الرواح ما يجاوز كل وصف، وعند السلطان من إمساكه إلى أن يفصل أمر بيننا ~~وبينهم ما لا يحد، وآل الأمر إلى أن يكتب عماد الدين بخطه ويطلب فيه الإذن ~~في الرواح وتليذن فيها وتخشن، فأخذها السلطان وكتب في ظهرها بيده الكريمة: ~~من ضيع مثلي من يده، فليت شعري ما استفاد. فوقف عماد الدين عليها وانقطعت ~~مراجعة بالكلية. ### | ذكر خروج العدو إلى ms109 رأس الماء # وتواترت الأخبار بضعف العدو ووقوع الغلاء في بلادهم وعسكرهم حتى أن ~~الغرارة من القمح بلغت في أنطاكية ستة وتسعين دياوا صورية، ولا يزيدهم ذلك ~~إلا صبرا وإصرارا وعنادا. # PageV01P222 # ولما ضاق بهم الأمر وعظم الغلاء وخرج منهم خلق عظيم مستأمنين من شدة ~~الجوع عزموا على الخروج إلينا، وكان طمعهم بسبب مرض السلطان، فظنوا أنه لا ~~يستطيع النهوض، وكان خروجهم يوم الإثنين حادي عشر شوال بخيلهم ورجلهم ~~حاملين أزوادا وخياما إلى الآبار التي استحدثها المسلمون تحت تل الحجل لما ~~كانوا نزولا عليه وأخذوا عليق أربعة أيام، فأخبر رحمه الله بخروجهم على هذا ~~الوجه، فأمر اليزك أن يتراجع من بين أيديهم إلى تل كيسان وكان اليزك على ~~العياضية، وكان نزول العدو على الآبار بعد صلاة العصر من اليوم المذكور، ~~وباتوا تلك الليلة واليزك حولهم جميع الليل، فلما طلع الصبح جاء من اليزك ~~من أخبره بأنهم قد تحركوا للركوب، وكان قد أمر الثقل في أول الليل أن ~~يسيروا إلى الناصرة والقيمون، فرحل الثقل وبقي الناس، وكنت في جملة من أقام ~~في خدمته، وأمر العسكر أن يركب يمنة ويسرة وقلبا تعبية القتال، وركب هو، ~~وصاح الجاويش بالناس، فركبوا وسار حتى وقف على تل من جبال الخروبة، وابتدأت ~~الميمنة بالمسير، فسارت حتى بلغ آخرها الجبل، وسارت الميسرة حتى بلغ آخرها ~~النهر بقرب البحر، فكان في الميمنة ولده الملك الأفضل صاحب دمشق وولده ~~الملك الظاهر صاحب حلب وولده الملك الظافر صاحب بصرى وولد عز الدين صاحب ~~الموصل علاء الدين خرم شاه، ثم أخوه في طرفها، ويليه # PageV01P223 # قريبا منه حسام الدين لاجين والطواشي قايماز النجمي وعز الدين جرديك ~~النوري وحسام الدين بشاره صاحب بانياس وبدر الدين دلدرم، وجمع كثير من ~~الأمراء، وكان في الميسرة عماد الدين زنكي صاحب سنجار وابن أخيه معز الدين ~~صاحب الجزيرة، وفي طرفها الملك المظفر تقي الدين ابن أخيه، وكان عماد الدين ~~زنكي غائبا مع الثقل لمرض كان ألم به وبقي عسكره، وكان في الميسرة على ~~المشطوب وجميع المهرانية والهكارية وخشترين وغيرهم ms110 من الأمراء الأكراد، وفي ~~القلب الحلقة السلطانية. وتقدم السلطان أن يخرج من كل عسكر جمع من الجاليش ~~وأن يدوروا حول العسكر واليزك معهم وأخفى بعض الأطلاب وراء التلال عساهم أن ~~يجدوا عزة من العدو. ولم يزل عدو الله يسير والناس من جميع جوانبه وهو سائر ~~على شاطئ النهر من الجانب الشرقي حتى رأس العين وداروا حوله حتى عبروا ~~الجانب الغربي ونزلوا والقتال يتلقف منهم الأبطال. ويصرع منهم الرجال. وكان ~~نزولهم على تل هناك، وضربوا خيامهم هناك ممتدة منه إلى النهر. وجرح منهم في ~~ذلك اليوم خلق عظيم، وقتل منهم أيضا جماعة وكانوا إذا جرح واحد منهم حملوه ~~أو قتل دفنوه وهم سائرون حتى لا يبين قتيل ولا جريح، وكان نزولهم يوم ~~الثلاثاء بعد الظهر وتراجعت العساكر إلى مواطن المصابرة ومواقف الحراسة، ~~وتقدم السلطان إلى الميسرة أن تستدير بهم بحيث يقع آخرها على البحر ~~والميمنة يستدير بالنهر من الجانب الشرقي والجاليش يقاتلهم بقربهم ويرميهم ~~بالنشاب بحيث لا يقطع النشاب عنهم أصلا، وبات الناس تلك الليلة على هذا ~~المثال، وسار هو رحمه الله ونحن في خدمته إلى رأس جبل الخروبة، # PageV01P224 # فنزل في خيمة لطيفة والناس حوله في خيم لطاف بمرأى من العدو واجتاز العدو ~~يتواصل ساعة فساعة إلى الصبح. ولما كان يوم الأربعاء وصل من أخبر أنهم ~~تحركوا للركوب، فركب هو ورتب الأطلاب وسار حتى أتى أقرب جبال الخروبة إليهم ~~بحيث يشاهد أحوالهم. ملتاث المزاج ضعيف القوى قوي القلب ثم بعث إلى العساكر ~~وأمرها بالمقاتلة والمضايقة والحملة عليهم من كل جانب وأمر الأطلاب أن تحيط ~~بهم بحيث لا تكون قريبة ولا بعيدة لتكون وراء المقاتلة إلى أن تضاحي النهار ~~وسار العدو إلى شاطئ النهر من الجانب الغربي يطلب جهة جهة والقتال يشتد ~~عليهم من كل جانب إلا من جانب النهر والتحم القتال فصرع منهم خلق عظيم وهم ~~يدفنون قتلاهم ويحملون جرحاهم وقد جعلوا رجالتهم سورا لهم تضرب الناس ~~بالزنبورك # PageV01P225 # والنشاب حتى لا يترك أحد يصل إليهم إلا بالنشاب فإنه كان يظهر إليهم ms111 ~~كالجراد وخيالتهم يسيرون في وسطهم بحيث لم يظهر منهم أحد في ذلك اليوم أصلا ~~والكؤسات تخفق والبوقات تنعر والأصوات بالتهليل والتكبير تعلو، هذا ~~والسلطان يمد الجاليش بالأطلاب # والعساكر التي عنده حتى لم يبق معه إلا نفر يسير ونحن نشاهد الأحوال وعلم ~~العدو مرتفع على عجلة هو مغروس فيها وهي تسحب بالبغال وهم يذبون عن العلم ~~وهو عال جدا كالمنارة خرقته بياض ملمع بأحمر على شكل الصلبان ولم يزالوا ~~سائرين على هذا الوجه حتى وصلوا وقت الظهر قبالة جسر دعوق وقد ألجمهم العطش ~~وأخذ منهم التعب وأثخنهم الجراح واشتد الأمر بهم من شدة الحر. ولقد قاتل ~~المسلمون في ذلك اليوم قتالا شديدا وأعطوا الجهاد حقه وهجموا عليهم هجوما ~~عظيما واستداروا بهم كالحلقة وهم لا يظهرون من رجالتهم ولا يحملون فكان ~~الفعل معظمه للحلقة في ذلك اليوم فإنهم أذاقوهم طعم الموت وجرح منهم جماعة ~~كأبار الطويل فإنه قام في تلك الحرب العظيمة أعظم مقام وجرح جراحات متعددة ~~وهو مستمر على القتال وجراح سيف الدين يازكوج جراحات متعددة وهو من فرسان ~~الإسلام وشجعانه وله مقامات متعددة وجرح خلق كثير ولم تزل الناس حولهم حتى ~~نزلوا ظهر نهار ذلك اليوم عند جسر دعوق وقطعوا الجسر وأخربوه خوفا من عبور ~~الناس إليهم ورجع السلطان إلى تل الخروبة وأقام عليه يزكا يحرسهم وأخبارهم ~~تتواتر حتى الصباح وعزم في تلك الليلة على كبس بقيتهم وكتب إلى البلد ~~يعرفهم ذلك حتى يخرجوهم من ذلك الجانب فلم يصل من أهل البلد كتاب فرجع عن ~~ذلك العزم بسبب تأخر الكتاب، ولما كان صباح يوم الخميس رابع عشر الشهر وصل ~~من أخبر أن العدو على حركة الرحيل فركب السلطان ورتب الأطلاب وكف الناس عن ~~القتال خشية أن يغتالوا فإن العدو كان قد قرب من خيمه وأداروا الأطلاب في ~~الجانب الشرقي من النهر تسير قبالة العدو حتى وصلوا إلى خيمه، وكان ممن خرج ~~من مقدميهم في هذه السرية الكندهري والمركيس وتخلف ابن ملك الألمان في ~~الخيم مع جمع كثير منهم، ولما دخل ms112 العدو إلى خيمهم كان لهم فيها أطلاب ~~مستريحة فخرجت إلى اليزك الإسلامي وحملت عليه ونشب القتال بين اليزك وبينهم ~~وجرى قتال عظيم قتل فيه من العدو وجرح خلق عظيم وقتل من المسلمين ثلاثة نفر ~~وقتل من العدو شخص كبير فيهم مقدم عليهم وكان على حصان عظيم ملبس بالزرد ~~إلى حافره وكان عليه لباس لم ير مثله وطلبوه من السلطان بعد انفصال الحرب ~~فدفع إليهم جثته وطلب رأسه فلم يوجد وعاد السلطان إلى مخيمه وأعاد الثقل ~~إلى مكانه وعاد كل قوم إلى منزلتهم وعاد عماد الدين وقد أقلعت حماة وبقي ~~الثبات مزاج السلطان وقد كان سبب سلامة هذه الطائفة مع كونه لا يقدر على ~~مباشرة الأمر بنفسه ولقد رأيته وهو يبكي في حال الحرب كيف لم يقدر على ~~مخالطته ورأيته وهو يأمر أولاده واحد بعد واحد بمكافحة الأمر ومخالطة ~~الحرب، ولقد سمعت منه وقائل يقول إن الوخم قد عظم في مرج عكا بحيث أن الموت ~~قد كثر في الطائفتين ينشد متمثلا: كر التي عنده حتى لم يبق معه إلا نفر ~~يسير ونحن نشاهد الأحوال وعلم العدو مرتفع على عجلة هو مغروس فيها وهي تسحب ~~بالبغال وهم يذبون عن العلم وهو عال جدا كالمنارة خرقته بياض ملمع بأحمر ~~على شكل الصلبان ولم يزالوا سائرين على هذا الوجه حتى وصلوا وقت الظهر ~~قبالة جسر دعوق وقد ألجمهم العطش وأخذ منهم التعب وأثخنهم الجراح واشتد ~~الأمر بهم من شدة الحر. ولقد قاتل المسلمون في ذلك اليوم قتالا شديدا ~~وأعطوا الجهاد حقه وهجموا عليهم هجوما عظيما واستداروا بهم كالحلقة وهم لا ~~يظهرون من رجالتهم ولا يحملون فكان الفعل معظمه للحلقة في ذلك اليوم فإنهم ~~أذاقوهم طعم الموت وجرح منهم جماعة كأبار الطويل فإنه قام في تلك الحرب ~~العظيمة أعظم مقام وجرح جراحات متعددة وهو مستمر على القتال وجراح سيف ~~الدين يازكوج جراحات متعددة وهو من فرسان الإسلام وشجعانه وله مقامات ~~متعددة وجرح خلق كثير ولم تزل الناس حولهم حتى نزلوا ظهر نهار ذلك اليوم ~~عند ms113 جسر دعوق وقطعوا الجسر وأخربوه خوفا من عبور الناس إليهم ورجع السلطان ~~إلى تل الخروبة وأقام عليه يزكا يحرسهم وأخبارهم تتواتر حتى الصباح وعزم في ~~تلك الليلة على كبس بقيتهم # PageV01P226 # وكتب إلى البلد يعرفهم ذلك حتى يخرجوهم من ذلك الجانب فلم يصل من أهل ~~البلد كتاب فرجع عن ذلك العزم بسبب تأخر الكتاب، ولما كان صباح يوم الخميس ~~رابع عشر الشهر وصل من أخبر أن العدو على حركة الرحيل فركب السلطان ورتب ~~الأطلاب وكف الناس عن القتال خشية أن يغتالوا فإن العدو كان قد قرب من خيمه ~~وأداروا الأطلاب في الجانب الشرقي من النهر تسير قبالة العدو حتى وصلوا إلى ~~خيمه، وكان ممن خرج من مقدميهم في هذه السرية الكندهري والمركيس وتخلف ابن ~~ملك الألمان في الخيم مع جمع كثير منهم، ولما دخل العدو إلى خيمهم كان لهم ~~فيها أطلاب مستريحة فخرجت إلى اليزك الإسلامي وحملت عليه ونشب القتال بين ~~اليزك وبينهم وجرى قتال عظيم قتل فيه من العدو وجرح خلق عظيم وقتل من ~~المسلمين ثلاثة نفر وقتل من العدو شخص كبير فيهم مقدم عليهم وكان على حصان ~~عظيم ملبس بالزرد إلى حافره وكان عليه لباس لم ير مثله وطلبوه من السلطان ~~بعد انفصال الحرب فدفع إليهم جثته وطلب رأسه فلم يوجد وعاد السلطان إلى ~~مخيمه وأعاد الثقل إلى مكانه وعاد كل قوم إلى منزلتهم وعاد عماد الدين وقد ~~أقلعت حماة وبقي الثبات مزاج السلطان وقد كان سبب سلامة هذه الطائفة مع ~~كونه لا يقدر على مباشرة الأمر بنفسه ولقد رأيته وهو يبكي في حال الحرب كيف ~~لم يقدر على مخالطته ورأيته وهو يأمر أولاده واحد بعد واحد بمكافحة الأمر ~~ومخالطة الحرب، ولقد سمعت منه وقائل يقول إن الوخم قد عظم في مرج عكا بحيث ~~أن الموت قد كثر في الطائفتين ينشد متمثلا: # قتلاني ومالكا، واقتلا مالكا معي # PageV01P227 # يريد بذلك التي قد رضيت أن أتلف أنا إذا تلف أعداء الله وحدث بذلك قوة ~~عظيمة في نفوس العسكر الإسلامي. ### | ذكر وقعة ms114 الكمين # وفي الثاني والعشرين من شوال رأى السلطان أن يضع للعدو كمينا وقوي عزمه ~~على ذلك فأخرج جمعا من كماة العسكر وشجعانه وأبطاله وفرسانه وانتخبهم من ~~خلق كثير وأمرهم أن يسيروا في الليل ويكمنوا في سفح تل هو شمالي عكا يعيد ~~من عسكر العدو عنده كانت منزلة الملك العادل حين وقعت الوقعة المنسوبة إليه ~~وأن يظهر منهم للعدو نفر يسير وأن يقصدوه في خيامه ويحركوه حتى إذا خرج ~~انهزموا بين يديه نحو المسلمين ففعلوا ذلك وساروا حتى أتوا التل المذكور ~~ليلا فكمنوا فيه. ولما تجلى نهار الثالث والعشرين خرج منهم يسير على جياد ~~من الخيل وساروا حتى أتوا مخيم العدو ورموهم بالنشاب وحركوا حميتهم بالضرب ~~المتواتر فانتخى لهم مقدار مائتي فارس وخرجوا إليهم شاكي السلاح على خيل ~~جياد بعدة تامة وأسلحة كاملة وقصدوهم وليس معهم أحد راجل وداخلهم الطمع ~~فيهم لقلة عدتهم فانهزموا بين أيديهم وهم يقاتلون ويقتلوا حتى أتوا الكمين ~~فثارت عند وصولهم الأبطال وصاحوا # PageV01P228 # صيحة الرجل الواحد وهجموا عليه هجمة الأسود على فرائسها فثبتوا وصبروا ~~وقاتلوا قتالا شديدا ثم ولوا منهزمين فتمكن أولياء الله منهم وأوقعوا فيهم ~~ضربا بالسيف حتى أفنوا منهم جمعا عظيما واستسلم الباقون للأسر فأسروهم ~~وأخذوا خيلهم وعددهم وجاء البشير إلى العسكر الإسلامي فارتفعت الأصوات ~~بالتهليل وركب السلطان يتلقى المجاهدين وسار وكنت في خدمته حتى أتى تل ~~كيسان فلقينا أوائل القوم فوقف هناك يتلقى العائدين من المجاهدين والناس ~~يتبركون بهم ويشكونهم على حسن صنيعهم وهو يعتر الأسرى ويتصفح أحوالهم. وكان ~~ممن أسر مقدم عسكر الإفرنسيس فإنه كان قد أنفذ نجدة قبل وصوله وأسر خازن ~~الملك أيضا وعاد السلطان بعد تكامل الجماعة إلى مخيمه فرحا مسرورا وأحضر ~~الأسرى عنده وأمر مناديا ينادي من أسر أسيرا فليحضر الناس أسراهم وكنت ~~حاضرا ذلك المجلس. ولقد أكرم المقدمين منهم وخلع عليهم وعلى مقدم عسكر ~~الإفرنسيس فروة خاصة وأمر لكل واحد من الباقين بفروة جرخية فإن البرد كان ~~شديدا وكان قد أخذ منهم وأحضر لهم طعاما فأكلوه وأمر لهم بخيمة ms115 تضرب قريبا ~~من خيمته وكان يكارمهم في كل وقت ويحضر المقدم على الخوان في بعض الأوقات ~~وأمن بتنفيذهم وحملهم إلى دمشق، حملوا مكرمين وأذن لهم في أن يراسلوا ~~صاحبهم وأن يحضر لهم من عسكرهم ما يحتاجون إليه من الثياب وغيرها ففعلوا ~~ذلك وساروا إلى دمشق. ### | ذكر عود العسكر عن الجهاد # ولما هجم الشتاء وهاج البحر وأمن العدو أن يضرب مصاف # PageV01P229 # وطلب البلد وحصاره من شدة الأمطار وتوترها أذن السلطان للعساكر في العود ~~إلى بلادهم ليأخذوا نصيبا من الراحة وتجم خيولهم إلى وقت العمل. وكان أول ~~من سار عماد الدين صاحب سنجار لما كان عنده من القلق في طلب الدستور. وكان ~~مسيره خامس عشر شوال وسار عقيبه في ذلك اليوم ابن أخيه سنجر شاه صاحب ~~الجزيرة هذا بعد أن أفيض عليه من التشريف والإنعام والتحف ما لم ينعم به ~~على غيرهما. وسار علاء الدين ابن صاحب الموصل في مستهل ذي القعدة مشرفا ~~مكرما معه التحف والطرائف وتأخر الملك المظفر إلى أن دخلت سنة سبع وثمانين ~~وتأخر أيضا الملك الظاهر وسار تاسع المحرم سنة سبع وثمانين وسار الملك ~~المظفر في ثالث صفر ولم يبق عند السلطان إلا نفر يسير من الأمراء والحلقة ~~الخاصة. وفي أثناء ذي القعدة سنة ست وثمانين وفد عليه زلفتدار فالتقاه ~~وأكرم مثواه ووضع له طعاما يوم قدومه وباسطه مباسطة عظيمة. وكانت حاجته أن ~~يوقع له بإعادة أملاك كانت في يده ثم انتزعت من أعمال نصيبين والخابور فوقع ~~بإعادتها إلى يده وإجراء الأمر فيها بعد ذلك على وفق الشريعة المطهرة وخلع ~~عليه وشرفه وسار فرحا مسرورا شاكرا لأياديه. # PageV01P230 ### | ذكر ارتحال السلطان لإدخال البدل إلى البلد # ولما هاج البحر وأمنت غائلة مراكب العدو ورفع ما كان له من الشواني في ~~البحر إلى البر اشتغل السلطان في إدخال البدل إلى عكا وحمل البر والذخائر ~~والنفقات والعدو منها وإخراج من كان بها من الأمراء لعظم شكايتهم من طول ~~المقام بها ومعاناة التعب والسهر وملازمة القتال ليلا ونهارا وكان مقدم ~~البلد من البدل ms116 الداخل الأمير سيف الدين علي المشطوب دخل سادس عشر المحرم ~~من شهور سنة سبع وثمانين وفي ذلك اليوم خرج المقدم الذي كان بها وهو الأمير ~~حسام الدين أبو الهيجاء وأصحابه ومن كان بها من الأمراء وأعيان الخلق وتقدم ~~إلى كل من دخل أن يصحب ميرة السنة وانتقل الملك العادل بعسكره إلى حيفا على ~~شاطئ النهر وهو الموضع الذي تحمل منه المراكب فتدخل إلى البلد وإذا خرجت ~~تخرج إليه فأقام يحث الناس على الدخول ويحرس المير والذخائر لئلا يتطرق ~~إليها العدو من يعترضها وكان مما دخل إليها سبع بطس مملوءة ميرة وذخائر ~~ونفقات كانت وصلت من مصر محملة وتقدم السلطان بتعبيتها من مدة مديدة وكان ~~دخولها ثاني ذي الحجة من السنة الخالية فانكسر منها مركب على الصخر الذي هو ~~قريب من الميناء فانقلب كل من في البلد من المقاتلة ليلقى البطس. ولما علم ~~العدو ذلك أخذوا غرتهم وزحفوا إلى البلد في جانب البر زحفة عظيمة وقاربوا ~~الأسوار # PageV01P231 # وصعدوا في سلم واحد فاندق بهم السلم كما شاء الله تعالى وتداركهم أهل ~~البلد فقتلوا منهم خلقا عظيما وعادوا خائبين خاسرين، وأما البطس فإن البحر ~~هاج هياجا عظيما وضرب بعضها على الصخر فهلكت وهلك جميع من كان فيها، قيل ~~كان عددهم ستين نفرا وكان فيها ميرة عظيمة لو سلمت كفت البلد سنة كاملة ~~وذلك بتقدير العزيز العليم ودخل على المسلمين بذلك وهن عظيم وأحرج السلطان ~~بذلك حرجا عظيما فاستخلف ذلك في سبيل الله تعالى وما عند الله خير وأبقى، ~~وكان ذلك أول علامات أخذ البلد والظفر به، ولما كانت ليلة السبت سابع ذي ~~الحجة من السنة الحالية قضى الله وقدر أن وقع من السور قطعة عظيمة ونقلها ~~على الباشورة فهدمت أيضا منها قطعة عظيمة وهي العلامة الثانية وقد أخذ ~~العدو الطمع وهاج الزحف هياجا عظيما وجاءوا إلى البلد كقطع الليل المدلهم ~~من كل جانب وثارت همم الناس في البلد وقاتلوا العدو قتالا سديدا حتى ضرسوا ~~وأيسوا من أن ينالوا خيرا فوقفوا على سد موضع ms117 القطعة الواقعة وجمعوا من في ~~البلد من البنائين والصناع ووضعوهم في ذلك الموضع وحموهم بالنشاب والمناجيق ~~فما مرت إلا ليال يسيرة حتى انتظمت وعاد بناؤها أحسن مما كان أقوى وأتقن. # PageV01P232 ### | ذكر الظفر بمراكب العدو # وكان قد استأمن من الفرنج خلق عظيم أخرجهم الجوع إلينا وقالوا للسلطان ~~نحن نخوض البحر في براكيس وبطس إلى العدو ويكون الكسب بيننا وبين المسلمين ~~فأذن لهم في ذلك وأعطاهم بركوسا وهو المركب الصغير فركبوا فيه وظفروا ~~بمراكب للتجار من العدو وهي قاصدة إلى عسكرهم وبضائعهم معظمها فضة مصوغة ~~وغير مصوغة فوقع عليها البركوس وقابلوهم حتى أخذوهم واكتسبوا منهم مالا ~~عظيما وأسروهم وأحضروهم بين يدي السلطان وذلك في ثالث عشر ذي الحجة من ~~السنة المذكورة ولقد كنت حاضرا ذلك المجلس وكان من جملة ما أحضروه مائدة ~~فضة وعليها مكبة مخرمة من فضة فأعطاهم السلطان الجميع ولم يأخذ منهم شيئا ~~وفرح المسلمون بنصر الله عليهم بأيديهم. ### | ذكر موت ابن ملك الألمان # وذلك أن العدو لما دخل الشتاء عليهم وتواترت الأنداء واختلفت الأهواء وخم ~~المرج وخما عظيما وقع معه موتا عظيما وانضم إلى ذلك الغلاء الزائد وانسد ~~عليهم البحر الذي كان يجيئهم منه الميرة من كل جانب وكان يموت منهم كل يوم ~~المائة والمائتان على ما قيل وقيل أكثر من ذلك، ومرض ابن ملك الألمان مرضا ~~عظيما وعرض له مع ذلك مرض الجوف # PageV01P233 # فهلك به في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة ست وثمانين وحزن الإفرنج ~~عليه حزنا عظيما وأشعلت له نيران هائلة بحيث لم يبق له خيمة إلا وأشعلت ~~فيها الناران والثلاثة بحيث بقي عسكرهم كله نار وفرح المسلمون بذلك بمثل ما ~~حزن الكفار بفقده وهلك منهم كبير يقال له الكندبالياط ومرض الكندهري وأشرف ~~على الهلاك، وفي الرابع والعشرين منه أخذ منهم بركوسان فيها نيف وخمسون ~~نفرا وفي الخامس والعشرين منه أخذ منهم أيضا بركوس وجميع ما فيه وكان من ~~جملة ما فيه ملوطة مكللة باللؤلؤ وهي من تفاصيل الملك وقيل كلن في البركوس ~~ابن أخيه وأخذ ms118 أيضا. ### | ذكر غارة أسد الدين # وهذا أسد الدين هو شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير ~~وهو صاحب حمص. وكان من حديثه أن السلطان كان قد رسم له أن يأخذ حذره من ~~الإفرنج بطرابلس ويأخذ نفسه بحراسة المسلمين والفلاحين في تلك الناحية وأنه ~~قيل له إن إفرنج طرابلس قد أخرجوا جشارهم وخيلهم إلى مرج هناك وأبقارهم ~~ودوابهم وأنه قد قرر مع عسكره قصدهم فخرج على غرة منهم وهجم على جشارهم ~~فأخذ منهم الخيل أربعمائة رأس ومائة من البقر فهلك من الخيل أربعون وسلم ~~الباقي وعاد إلى البلد ولم يفقد من أصحابه أحد ووصل الكتاب # PageV01P234 # بذلك في رابع صفر من سنة سبع وثمانين. ### | ذكر وقائع عدة في هذه السنة # وفي ثالث ربيع الأول كان اليزك للحقة السلطانية وخرج من العدو إليهم خلق ~~عظيم وجرى بينهم وقعة شنيعة وقتل فيها من العدو جماعة وقتل منهم رجل كبير ~~على ما قيل ولم يفقد من المسلمين إلا خادم للسلطان يسمى قراقوش وكان شجاعا ~~عظيما له وقعات عظيمة كثيرة استشهد في ذلك اليوم، وفي تاسع الشهر بلغ ~~السلطان أن العدو يخرج منه طائفة يتفسحون لبعدنا عنهم فاقتضى رأيه أن أنفذ ~~أخاه الملك العادل وفي خدمته خلق عظيم من العساكر الإسلامية وأمره أن يكمن ~~للعدو وراء التل الذي كانت فيه الواقعة المعروفة به فسار هو وجمع كان من ~~كبراء أهله وأصحابه فكمن وراء تل العاضية وكان ممن كان معه من كبار أهله ~~الملك المظفر تقي الدين وابنه ناصر الدين محمد والملك الأفضل ولده ومعه ~~صغار أولاد الملك الأشرف محمد والملك المعظم طورانشاه والملك الصالح ~~إسماعيل وكان من # PageV01P235 # المعممين الفاضل والديون وكنت في الصحبة في ذلك اليوم وركب جماعة من ~~الشجعان على الخيول الجياد وناوشوا العدو فلم يخرج في ذلك اليوم وكان قد ~~وشي إليهم بحلية الأمراء إلا أن ذلك اليوم لم ينفك إلا بنوع نصر فإنه وصل ~~في أثنائه خمسة وأربعون نفرا من الإفرنج كانوا قد أخذوا في بيروت وسيروا ~~إلى السلطان ووصلوا ms119 في ذلك اليوم إلى ذلك المكان. ولقد شاهدت منه رقة قلب ~~لم ير أعظم منها وذلك أنه كان فيهم شيخ كبير طاعن في السن لم يبق في فمه ~~ضرس ولم تبق له قوة إلا مقدار تحرك لا غير فقال للترجمال قل له ما الذي ~~حملك على المجيء وأنت في هذا السن وكم من ههنا إلى بلادك فقال بلادي بيني ~~وبينها عدة أشهر. وأما مجيئي فإنما كان للحج إلى القمامة، فرق له السلطان ~~ومن عليه وأطلقه وأعاده راكبا على فرس إلى عسكر العدو. ولقد طلب أولاده ~~الصغار أن يأذن لهم في قتل أسير فلم يفعل فسألته عن سبب المنع وكنت حاجبهم ~~بما طلبوه فقال لئلا يعتادوا من الصغر على سفك الدماء ويهون عليهم ذلك وهم ~~الآن لا يفرقون بين المسلم والكافر. ولما أيس من خروج العدو عاد المخيم في ~~عشية ذلك اليوم. ### | ذكر وصول العساكر الإسلامية والملك افرنسيس # ومن ذلك الوقت انفتح الباب وطال الزمان وجاء أوان عود # PageV01P236 # العساكر إلى الجهاد من الطائفتين فكان أول من قدم علم الدين سليمان بن ~~جندر من أمراء الملك الظاهر وكان شيخا كبيرا مذكورا له وقائع ذا رأي حسن ~~والسلطان يحترمه ويكرمه وله قدم صحبة، ثم قدم بعده مجد الدين بن عز الدين ~~فخرشاه وهو صاحب بعلبك وتتابعت بعد ذلك العساكر الإسلامية من كل صوب، وأما ~~عسكر العدو فإنهم كانوا يتواعدون اليزك ومن يقاربهم بقدوم الملك الفرنسيس ~~وكان معظما عندهم مقدما محترما من كبار ملوكهم تنقاد إليه العساكر بأسرها ~~بحيث إذا حضر حكم على الجميع ولم يزالوا يتواعدون بقدومه حتى قدم في ست بطس ~~تحمله وميرته وما يحتاج إليه من الخيل وخواص أصحابه وكان قدومه يوم السبت ~~الثالث والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة. ### | نادرة وبشارة # وكان قد صحبه من بلاده باز عظيم هائل الخلق أبيض اللون نادر الجنس ما ~~رأيت بازيا أحسن منه وكان يعزه ويحبه حبا عظيما فشذ الباز من يده وطار وهو ~~يستجيئه ولا يجيئه حتى سقط على سور عكا فاصطاده ms120 أصحابنا وأنفذوه إلى ~~السلطان وقد كان لقدومه روعة عظيمة واستشار عظيم بالظفر به فتفاءل المسلمون ~~بذلك وبذل الإفرنج فيه ألف دينار فلم يجابوا، وقدم بعد ذلك كندفرند وكان ~~مقدما عظيما عندهم مذكورا فذكروا أنه حاضر حماة وحارم في عام الرملة، # PageV01P237 # ولما كان الثاني عشر من ربيع الآخر وصل كتاب من اللاذقية أن كان جماعة من ~~المستأمنين قد أعطوا براكيس ليكبسوا عليها في البحر من العدو فأخذوها ~~ونزلوا في جزيرة قبرص في عيد لهم وقد اجتمع جمع كثير من أهل الجزيرة في ~~بيعة قريبة من البحر وأنهم صلوا معهم صلاة العيد وأنهم لما فرغوا من الصلاة ~~ضربوا على كل من البيعة من الرجال والنساء وأخذوهم عن آخرهم حتى القس ~~وحملوهم وألقوهم في مراكبهم وساروا بهم حتى أتوا اللاذقية وكان من جملة ما ~~كان فيها سبعة وعشرون امرأة وأموال عظيمة فقسموها فوصل إلى كل واحد على ما ~~قيل أربعة آلاف درهم من الفضة النقرة وقدم بعد ذلك بدر الدين شحنة دمشق في ~~سابع عشر ربيع الآخر وهجم أصحابنا على غنم العدو فأخذوها وكان عددها مائة ~~وعشرين رأسا فركب في طلبها الراجل والفارس فلم يظفروا منها بشيء. ### | ذكر ملك الأنكتار # وهذا ملك الأنكتار شديد البأس بينهم عظيم الشجاعة قوي الهمة له وقعات ~~عظيمة وله جسارة على الحرب وهو دون الفرنسيس عندهم في الملك والمنزلة لكنه ~~أكثر مالا منه وأشهر في الحرب والشجاعة، وكان من خبره أنه وصل إلى جزيرة ~~قبرص ولم ير أن يتجاوزها إلا وأن تكون له وفي حكمه، فنازلها وقاتلها فخرج ~~إليه صاحبها وجمع له خلقا عظيما وقاتلهم # PageV01P238 # قتالا شديدا فأنفذ الأنكتار إلى عكا يستنجد إليه الملك جفري أخاه ومعه ~~مائة وستون فارسا ليعينوه على مقصوده وبقيت الإفرنج على عكا ينتظرون ما ~~يكون من الطائفتين، وفي سلخ ربيع الآخر وصلت كتب من بيروت أنه قد أخذ من ~~مراكب الأنكتار القاصدة نحو عسكر العدو خمس مراكب وطرادة فيها خلق عظيم ~~رجال ونساء وميرة وأخشاب وآلات وغير ذلك وفيها أربعون فارسا وكان ذلك ms121 فتحا ~~عظيما استبشر به المسلمون، وفي رابع جمادى الأولى زحف العدو إلى البلد ~~ونصبوا عليه مناجيق سبعة ووصلت كتب عكا بالاستنفار العظيم والتماس شغل ~~العدو عنهم فأعلم السلطان العساكر بالعزم على الرحيل إلى مضايقة العدو ~~ومقاربته وأصبح على أهبة المسير إلى العدو ورتب العساكر ثم أنفذ من كشف حال ~~العدو وحال خنادقهم هل فيها كمين أم لا فعادوا وأخبروا بخلوها عن الكمين ~~فسار بنفسه في نفر يسير من ممالكيه إلى خنادقهم وصعد جبلا كان يعرف بتل ~~الفضول قريبا من العدو مشرفا على خيمهم وشاهد المنجنيقات وما يعمل منها وما ~~هو يطال ثم عاد إلى مخيمه وأنا في خدمته وفي صبيحة هذه الليلة أتاه اللصوص ~~برضيع له ثلاثة أشهر قط أخذ من أمه سرقة. # PageV01P239 ### | ذكر قصة الرضيع # وذلك أنه كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام العدو فيسرقون منهم الرجال ~~وكان من قصتهم أنهم أخذوا ذات ليلة طفلا رضيعا له ثلاثة أشهر وساروا به حتى ~~أتوا إلى خيمة السلطان وعرضوه عليه وكان كل ما يأخذونه يعرضونه عليه ~~ويعطيهم ما أخذوه، ولما فقدته أمه باتت مستغيثة بالويل والثبور طول الليل ~~حتى وصل خبرها إلى ملوكهم فقالوا إنه رحيم القلب وقد أذنا لك بالخروج ~~فاخرجي واطلبيه منه فإنه يرده عليك فخرجت تستغيث إلى اليزك فأخبرتهم ~~بواقعتها فأطلقوها وأنفذوها إلى السلطان فلقيته وهو راكب وأنا في خدمته وفي ~~خدمته خلق عظيم فبكت بكاء شديدا ومرغت وجهها في التراب فسأل عن قصتها ~~فأخبروه فرق لها ودمعت عينه وأمر بإحضار الرضيع فوجدوه قد بيع في السوق ~~فارتده وأمر بدفع ثمنه إلى المشتري وأخذه منه ولم يزل واقفا حتى أحضر الطفل ~~وسلم إليها فأخذته وبكت بكاء شديدا وضمته إلى صدرها والناس ينظرون إليها ~~ويبكون وأنا واقف في جملتهم فأرضعته ساعة ثم أمر بها فحملت على فرس وألحقت ~~بعسكرهم مع طفلها فانظر إلى هذه الرحمة الشاملة لجنس البشر، اللهم إنك ~~خلقته رحيما فارحمه رجمة واسعة من عندك يا ذا الجلال والإكرام وانظر إلى ~~شهادة الأعداء له بالرأفة والكرم شعر: ms122 # ومليحة شهدت لها ضراتها ... والحسين ليس لحقه من منكر # وفي ذلك اليوم وصل ظهر الدين بن البلنكري وكان مقدما عظيما من # PageV01P240 # أمراء الموصل وصل مفارقا لهم يطلب خدمة السلطان ولما عاد السلطان إلى ~~مخيمه لم يلبث إلا ساعة حتى وصله الخبر بتجديد الزحف فعاد وركب من ساعته ~~نحو البلد وقد انفصل الحرب بدخول الليل من الطائفتين. ### | ذكر انتقال السلطان إلى تل العياضية # ولما كانت صبيحة الثلاثاء تاسع جمادى الأولى بلغ السلطان أن الإفرنج قد ~~ضايقوا البلد وركبوا المناجيق فأمر الجاويش أن صاح بالناس وركب لركوبه ~~العسكر راجلهم وفارسهم حتى أتى الخروبة وقوي اليزك بتسيير جماعة من العسكر ~~إليهم فلم يخرج العدو واشتد زحفهم على البلد فضايقهم رحمه الله مضايقة ~~عظيمة وهجم عليهم في خنادقهم ولم يزل كذلك حتى عادوا من الزحف ظهر نهار ~~وعاد العدو إلى خيمه وقد أيس من أمر البلد وعاد السلطان إلى خيمة لطيفة ~~ضربت له هناك يستظل فيها من الشمس فنزل بها لصلاة الظهر والاستراحة ساعة ~~وقوي اليزك وأمر الناس بالعود إلى المخيخ لأخذ جزء من الراحة وكنت في خدمته ~~فبينما هو كذلك إذ وصل من اليزك من أخبر أن القوم عادوا إلى الزحف لما أحس ~~بانصرافه عنهم أشد ما كانوا أولا فأمر من نبه الناس وأمر بالعود فتراجعت ~~العساكر إلى جهة العدو أطلابا أطلابا وأمر بالمبيت على أخذ لامة الحرب ~~وأقام هو هناك على عزم المبيت وفارقت # PageV01P241 # خدمته أخر نهار الثلاثاء وعدت إلى الخيم وبات هو وجميع العسكر على تعبية ~~القتال طول الليل وأصر طائفة منهم على مضايقة العدو ثم سار العسكر أواخر ~~ليلة الأربعاء عاشر الشهر إلى تل العياضية قبالة العدو وضربت له عليه خيمة ~~لطيفة ونازل العدو في ذلك اليوم جمع بالقتال الشديد والضرب المبرح المتواتر ~~الذي لا يفتر شغلا لهم عن الزحف وهو يدور بين الأطلاب ويحثهم على الجهاد ~~ويرغبهم فيه. ولما رأى العدو تلك المنازلة الهائلة خافوا من الهجوم عليهم ~~في خيمهم فرجعوا عن الزحف واشتغلوا بحفظ الخنادق وحراسة الخيم. ولما ms123 رأى ~~فتورهم عن الزحف عاد إلى العياضة ورتب على خنادقهم من يخبره بحالهم ساعة ~~فساعة إذا رجعوا إلى الزحف كل ذلك دفعا للعدو عن مضايقة البلد والزحف عليه. ### | ذكر الشروع في مضايقة البلد # ولقد بلغ من مضايقتهم البلد ومبالغتهم في طم خندقه أنهم كانوا يلقون فيه ~~موتى دوابهم بأسرها وآل الأمر إلى أن كانوا يلقون فيه موتاهم وكانوا إذا ~~جرح منهم أحد جراحة مؤلمة مثخنة ألقوه فيه بهذا جميعه توالت كتب أصحابنا من ~~البلد، وأما أهل البلد فإنهم انقسموا أقساما: قسم ينزلون # PageV01P242 # في الخندق يقطعون الموتى والدواب التي يفوتها فيه قطعا ليسهل نقلها. وقسم ~~ينقلون ما يقطعه ذلك القسم ويلقونه في البحر، وقسم يذبون عنهم ويدافعون حتى ~~يتمكنوا من ذلك وقسم في المنجنيقات وحراسة الأسوار وأخذ منهم التعب والنصب ~~وتواترت شكايتهم من ذلك، وهذا ابتلاء لم يبل بمثله أحد ولا يصبر عليه جلد. ~~وكانوا يصبرون والله مع الصابرين. هذا والسلطان لا يقطع الزحف على خنادقهم ~~بنفسه وخواصه وأولاده ليلا ونهارا حتى أثرت فيه الأثر البين وكلما ازدادوا ~~في قتال البلد ازداد هو في قتالهم وكبس خنادقهم والهجوم عليهم حتى خرج منهم ~~شخص يطلب من يتحدث معه فلما أخبر السلطان بذلك قال إن كان لكم حاجة فليخرج ~~منكم واحد فأما نحن فليس لنا إليكم حاجة ولا شغل ودام على ذلك متصلا الليل ~~مع النهار حتى وصل الأنكتار ### | ذكر وصول الأنكتار # ولما كان يوم السبت ثالث عشر الشهر قدم ملك الأنكتار بعد مصالحته لصاحب ~~جزيرة قبرص والاستيلاء عليها وكان قدومه روعة عظيمة ووصل في خمس وعشرين ~~شانية مملوءة بالرجال والسلاح والعدد وأظهر الإفرنج سرورا عظيما حتى أنهم ~~أوقدوا تلك الليلة نيرانا عظيمة كبيرة وكان ملوكهم يتواعدوننا به فكان ~~المستأمنون منهم يخبروننا عنهم أنهم متوقفون فيما يريدون فيما يفعلوه من ~~مضايقة البلد حتى قدومه فإنه ذو رأي في الحرب مجرب وأثر قدومه في قلوب ~~المسلمين خشية ورهبة، هذا والسلطان يتلقى ذلك كله بالصبر والاحتساب ~~والاتكال على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه. ms124 # PageV01P243 ### | ذكر غرق البطسة الإسلامية # وهي العلامة الثالثة على أخذ البلد # ولما كان السادس عشر وصلت بطسة من بيروت عظيمة هائلة مشحونة بالآلات ~~والأسلحة والمسير والرجال والأبطال المقاتلة وكان السلطان قد أمر بتعبيتها ~~وتسييرها من بيروت ووضع فيها من المقاتلة خلقا عظيما حتى تدخل البلد مراغمة ~~للعدو وكان عدة رجالها المقاتلة ستمائة وخمسين رجلا فأغرقها الأنكتار في ~~عدة شوان، قيل كان فيها أربعون قلعا فاحتاطوا بها من جميع جوانبها واشتدوا ~~في قتالها وجرى القضاء بأن وقف الهواء فقاتلوها قتالا عظيما وقتل من العدو ~~عليها خلق عظيم وأحرقوا للعدو شانيا كبيرا فيه خلق عظيم فهلكوا عن آخرهم ~~وتكاثروا على أهل البطسة وكان مقدمهم رجلا جيدا شجاعا مجربا في الحرب فلما ~~رأى أمارات الغلبة عليهم وأنهم لا بد وأن يقتلوا قال والله لا نقتل إلا عن ~~عزم ولا نسلم إليهم من هذه البطسة شيئا فوقعوا في البطسة من جوانبها ~~بالمعاول فهدموها ولم يزاولوا كذلك حتى فتحوها عن جانب أبوابا فامتلأت ماء ~~فغرق جميع ما فيها وما فيها من الآلات والمير وغير ذلك ولم يظفر العدو منها ~~بشيء وكان اسم المقدم المذكور يعقوب من رجال حلب وتلقف العدو بعض من كان ~~فيها فأخذوه إلى الشواني من البحر وخلصوه من الغرق وأنفذوه إلى البلد ~~ليخبرهم بالواقعة وحزن الناس لذلك حزنا شديدا والسلطان يتلقى ذلك بيد ~~الاحتساب في سبيل الله والصبر على بلائه والله لا يضيع أجر المحسنين. # PageV01P244 ### | ذكر حريق الدبابة # وذلك أن العدو كان قد اصطنع دبابة عظيمة هائلة أربع طبقات، الطبقة الأولى ~~من الخشب والثانية من الرصاص والثالثة من الحديد والرابعة من النحاس وكانت ~~تعلو على السور وكان يركب فيها المقاتلة وخاف أهل البلد منها خوفا عظيما ~~وحدثتهم نفوسهم بطلب الأمان من العدو وكانوا قد قربوها من السور بحيث لم ~~يبق بينها وبين السور إلا مقدار خمسة أذرع على ما يشاهد برأي العين وأخذ ~~أهل البلد في تولية ضربها بالنفط ليلا ونهارا حتى قدر الله تعالى حرقها ~~واشتعال النار فيها وظهر له ذؤابة نار ms125 نحو السماء فاشتدت الأصوات بالتهليل ~~والتكبير ورأوا الناس فيها لما ظهرت لها تلك النيران ولقوا جبرا من ذلك ~~الوهن ومحوا لذلك الأثر ونعمة بعد نقمة وإيناسا بعد يأس وكان ذلك يوم غرق ~~البطسة فوقع من المسلمين موقعا عظيما وكان مسليا لحزنهم. ### | ذكر وقعات عدة # ولما كان يوم الجمعة تاسع عشر الشهر زحف العدو على البلد زحفا عظيما ~~وضايقوه مضايقة شنيعة وكان قد استقر بيننا وبينهم أنهم متى زحف العدو عليهم ~~ذقوا كؤوسهم فضربوا بكؤوسهم فأجابت كؤوس السلطان وركبت العساكر وضايقهم ~~السلطان من خارج وزحف عليهم حتى هجم المسلمون عليهم في خيامهم فجازوا ~~خنادقهم وأخذوا القدور وما فيها وحضر من الغنيمة المأخوذة من خيامهم شيء ~~عند السلطان وأنا حاضر ولم يزل القتل يعمل حتى أيقن العدو أنه قد هجم عليه ~~فأخذوا يتراجعون عن قتال البلد وشرعوا في قتال العساكر وانتشب الحرب بينهم ~~ولم تزل ناشبة حتى قام قائم الظهيرة وغشي الناس من الحر أمر عظيم من ~~الجانبين وتراجعت الطائفات إلى خيامهم وقد أخذ منهم التعب والحر. # PageV01P245 # ولما كان يوم الاثنين الثالث والعشرون دق كؤوس البد فجاوبه كؤوس السلطان ~~وثار القتال بين الطائفتين ولج العدو في مضايقة البلد ثقة منهم أن الناس لا ~~يهجمون على خيمهم وأنهم يهابونها فكذب العسكر ظنونهم وهجموا على الخيام ~~أيضا ونهبوا منها فتراجع العدو إلى قتالهم ووقع الصياح فيهم فلحقوا من ~~المسلمين جماعة عظيمة داخل خنادقهم وأسوارهم وجرى بينهم وقعة عظيمة قتل ~~فيها اثنان من المسلمين وجرح جماعة وقتل جماعة من العدو. وأعجب ما في هذه ~~الوقعة أنه كان وصل في هذا اليوم رجل كبير مذكور من أهل مازندران يريد ~~الغزاة فوصل والحرب قائمة فلقي السلطان فاستأذنه في الجهاد وحمل حملة شديدة ~~واستشهد في تلك الساعة. ولما رأى العدو دخول المسلمين إلى خنادقهم وتوغلهم ~~داخل أسوارهم داخلهم الحمية وبعثتهم النخوة فركب فارسهم وصحبه راجلهم ~~وخرجوا إلى ظاهر أسوارهم وحملوا على المسلمين حملة الرجل الواحد فثبت ~~المسلمون لهم ثبوتا عظيما لم يتحركوا من أماكنهم والتحم القتال من الجانبين ms126 ~~واشتد الضرب من الطائفتين وصبر المسلمون صبر الكرام. ودخلوا في الحرب ~~بالتحام، فلما رأى العدو ذلك الصبر المعجب والإقدام المزعج أنفذوا رسولا في ~~غضون ذلك يستأذنون بالرسول في الوصول، فأذن له فوصل الرسول أولا إلى الملك ~~العادل فاستصحبه ووصل به إلى الخدمة السلطانية ومعه أيضا الملك الأفضل فأدى ~~الرسالة وكان حاصلها أن ملك الأنكتار يطلب الاجتماع بالسلطان فلما سمع ~~السلطان الرسالة أجاب عنها في الحال من غير تفكر ولا ترو بأن قال: إن ~~الملوك لا يجتمعون إلا عن قاعدة ولا يحسن منهم الحرب بعد الاجتماع ~~والمواكلة وإذا أراد ذلك # PageV01P246 # فلا بد من تقرير قاعدة قبل هذه الحالة ولا بد من ترجمان نثق به في الوسط ~~يفهم كل واحد منا ما يقول الآخر فليكن بيننا ذلك الترجمان فإذا استقرت ~~القاعدة وقع الاجتماع بعد ذلك إن شاء الله تعالى. ولما كان يوم السبت ~~الثامن والعشرون خرج العدو راجلهم وفارسهم من جانب البحر شمالي البلد وعلم ~~السلطان ذلك فركب وركب العسكر وانتشب القتال بين الطائفتين وقتل من ~~المسلمين بدوي وكردي وقتل من العدو جماعة وأسروا واحدا بسلاحه وفرسه ومثل ~~بين يد السلطان ولم يزل القتال يعمل حتى حال الليل بين الطائفتين، ولما كان ~~الأحد التاسع والعشرون خرج العدو برجالة كثيرة على شاطئ النهر الحلو فلقيهم ~~طائفة من اليزك وجرى بينهم قتال عظيم ووصلت رجالة من المسلمين إلى الحرب ~~فأسروا مسلما وقتلوه وأحرقوه وأسر المسلمون منهم واحدا فقتلوه وأحرقوه ولقد ~~رأيت النارين تشتعلان في زمان واحد، ولم تزل الأخبار تتواصل من أهل البلد ~~بالاحتفال بأمر العدو والشكوى من ملازمة قتالهم ليلا ونهارا وذكر ما ينالهم ~~من التعب العظيم من تواتر # PageV01P247 # الأعمال المختلفة عليهم من جريرة قدوم الأنكتار ثم مرض مرضا شديدا أشفى ~~فيه على الهلاك وخرج الفرنسيس ولم يزدهم ذلك إلا إصرارا وعتوا وكان لأخت ~~ملك الأنكتار خادمان مسلمان في الباطن كانا في خدمتها في صقلية وكانت هي ~~زوجة صاحب صقلية فلما مات ومر أخوها بالبلد أخذها وأصحابها معه إلى العسكر ~~وهرب الخادمان إلى ms127 العسكر الإسلامي فقبلهما السلطان وأنعم عليهما إنعاما ~~عظيما. ### | ذكر هرب المركيس إلى صور # ولما كان يوم الاثنين سلخ جمادى الأولى قوي استشعار المركيس أنه إن أقام ~~قبضوا عليه وأعطوا صور للملك القديم الذي كان قد أسره السلطان لما عاناه من ~~الأسر في نصرة دين المسح. ولما صح ذلك عنده هرب إلى صور فأنفذوا خلفه قسوسا ~~ليردوه فلم يفعل وسار في البحر حتى أتى صور وشق ذلك عليهم وعظم لديهم فإنه ~~كان ذا رأي وشجاعة وخبرة. # PageV01P248 ### | ذكر وصول بقية عساكر الإسلام # وفي سلخ جمادى الأولى قدم عسكر سنجار يقدمه مجاهد الدين برتقش فلقيه ~~السلطان واحترمه وكان دينا عاقلا محبا للغزو فأنزله السلطان في الميسرة بعد ~~أن أكرمه وأنزله في خيمته وفرح بقدومه فرحا شديدا في ذلك الوقت ثم قدم بعد ~~ذلك قطعة عظيمة من عسكر مصر كعلم الدين كرجي وسيف الدين سنقر الداودار ~~وجماعة عظيمة ثم قدم بعد ذلك علاء الدين صاحب الموصل وعسكرهم فلقيه السلطان ~~بالخروبة ونزلوا هناك إلى بكرة اليوم الثاني من جمادى الآخرة وأصبح سائرا ~~حتى أتى بجحفله قبالة العدو وعرض عسكره هناك وأنزله السلطان في خيمته وحمل ~~له من التحف وقدم له من اللطائف ما يليق بكرمه وأنزله في الميمنة، وفي ~~الثالث قدمت طائفة من عسكر مصر أيضا، واشتد مرض الأنكتار بحيث شغل الإفرنج ~~شدته عن الزحف وكان ذلك خيرة عظيمة من الله تعالى فإن البلد كان قد ضعف من ~~فيه ضعفا عظيما وضاق بهم الخناق وهدمت المنجنيقات من السور مقدار قامة ~~الرجل، هذا واللصوص يدخلون إلى خيامهم ويسرقون أقمشتهم ويأخذون الرجال في ~~غفلة بأن يجيئوا إلى الواحد وهو نائم فيضعوا على حلقه السكين ويوقظوه ~~ويقولوا له بالإشارة إن تكلمت ذبحناك ويحملوه ويخرجوا به إلى العسكر وجرى ~~ذلك مرارا وعساكر المسلمين تجتمع وتتواتر من كل جانب حتى تكامل وصولها. # PageV01P249 ### | ذكر وصول رسولهم إلى السلطان # كنت ذكرت وصول رسول منهم يلتمس من جانب الأنكتار أن يجتمع بالسلطان وذكرت ~~عذر السلطان عن ذلك وانقطع الرسول وعاد معاودا في المعنى ms128 وكان في حديثه مع ~~الملك العادل ثم هو يلقيه إلى السلطان واستقر أنه رأى أن يأذن له في الخروج ~~ويكون الاجتماع في المرج والعساكر محيطة بهما ومعهما ترجمان فلما أذن في ~~ذلك تأخر الرسول أياما عنده بسبب مرضه واستفاض أن ملوكهم اجتمعوا عليه ~~وأنكروا عليه ذلك وقالوا هذه مخاطرة بدين النصرانية ثم بعد ذلك وصل رسوله ~~يقول لا تظن تأخري بسبب ما قيل فإن زمام قيادي مفوض إلي وأنا أحكم ولا يحكم ~~علي غير أن في هذه الأيام اعترى مزاجي التياث منعني من الحركة فهذا كان ~~العذر في التأخير لا غير وعادة الملوك إذا تقاربت منازلهم أن يتهادوا وعندي ~~ما يصلح للسلطان وأنا أستخرج الأذن من إيصاله إليه، فقال له الملك العادل ~~قد أذن في ذلك بشرط قبول المجازاة على الهدية، فرضي الرسول بذلك وقال: ~~الهدية شيء من الجوارح قد جلب من وراء البحر وقد ضعف فيحسن أن يحمل إلينا ~~طير ودجاج حتى نطعمها لتقوى ونحملها، فداعبه الملك العادل وكان فقيها فيما ~~يحدثهم به فقال: الملك قد احتاج إلى فراريج ودجاج ويريد أن يأخذها منا بهذه ~~الحجة. ثم انفصل حديث الرسالة في الآخر على أن قال الرسول: ما الذي أردتم ~~منا. إن كان لكم حديث فتحدثوا به حتى نسمع. فقيل له عن ذلك: نحن ما ~~طلبناكم، أنتم طلبتمونا فإن كان لكم حديث فتحدثوا به حتى نسمع. وانقطع حديث ~~الرسالة إلى سادس # PageV01P250 # جمادى الأخرى فخرج رسول الأنكتار إلى السلطان ومعه إنسان مصري قد أسروه ~~من مدة طويلة وهو مسلم قد أهداه إلى السلطان فقبله وأحسن إليه وأعاد مشرفا ~~مكرما إلى صاحبه وكان غرضه بتكرار الرسائل تعرف قوة النفس وضعفها وكان ~~غرضنا بقبول الرسائل تعرف ما عنده من ذلك أيضا. ### | ذكر قوة زحفهم على البلد ومضايقته # ولم يزالوا يوالون على الأسوار بالمناجيق المتواصلة والضرب وتنقلوا ~~أحجارها حتى خلخلوا سور البلد وأضعفوا بنيانه وأنهك التعب والسهر أهل البلد ~~لقلة عددهم وكثرة الأعمال حتى أن جماعة منهم بقوا ليالي لا ينامون أصلا لا ~~ليلا ms129 ولا نهارا، والخلق الذين عليهم عدد كثير يتناوبون على قتالهم وهم نفر ~~يسير قد تقسموا على الأسوار والخنادق والمنجنيقات والسفن ولما أحس العدو ~~بذلك وظهر لهم تخلخل السور وتقلقل بنيانه شرعوا في الزحف من كل جانب ~~وانقسموا أقساما وتناوبوا فرقا كلما تعب قسم استراح وقام غيره مقامه وشرعوا ~~في ذلك شروعا عظيما براجلهم وفارسهم سابع الشهر، هذا مع عمارتهم أسوارهم ~~الدائرة على خنادقهم بالرجالة والمقاتلة ليلا ونهارا، ولما علم السلطان ~~بذلك بإخبار من يشاهده وإظهار العلامة التي بيننا وبينهم وهي دق الكؤوس ركب ~~وركب العسكر إليهم وجرى في ذلك اليوم # PageV01P251 # قتال عظيم من الجانبين وهو كالوالدة الثكلى يحول بفرسه من طلب إلى طلب ~~ويحث الناس على الجهاد، ولقد بلغنا أن الملك العادل حمل بنفسه في ذلك اليوم ~~مرتين والسلطان يطوف بين الأطلاب بنفسه وينادي يا للإسلام وعيناه تذرفان ~~بالدموع وكلما نظر إلى عكا وما حل بها من البلاء وما يجري على ساكنيها من ~~المصاب العظيم اشتد في الزحف والحث على القتال، ولم يطعم في ذلك اليوم ~~طعاما البتة وإنما شرب أقداح مشروب كان يشير بها الطبيب وتأخرت عن حضور هذا ~~الزحف لإلمام مرض شوش مزاجي لما عراني فكنت في الخيمة في تل العياضية وأنا ~~أشاهد الجميع، ولما هجم الليل عاد رحمه الله إلى الخيم بعد العشاء الآخرة ~~وقد أخذ منه التعب والكآبة والحزن فنام لا عن عفو. # ولما كان سحر تلك الليلة أمر الكؤوس أن دقت وركب العساكر من كل جانب ~~وأصبحوا على ما أمسوا عليه وفي ذلك اليوم وصلت مطالعة عن البلد يقولون فيها ~~أنا قد بلغ منا العجز إلى غاية ما بعدها إلا التسليم ونحن في الغد ثامن ~~الشهر إن لم تعملوا شيئا نطلب الأمان ونسلم البلد ونشتري مجرد رقابنا وكان ~~هذا أعظم خبر ورد على المسلمين وأنكى في قلوبهم فإن عكا كانت قد احتوت على ~~جميع سلاح الساحل والقدس ودمشق وحلب ومصر وجميع البلاد الإسلامية واحتوت ~~على كبار من أمراء العسكر وشجعان الإسلام كسيف الدين المشطوب وبهاء ms130 الدين ~~قراقوش وغيرهما وكان قراقوش ملتزما بحراستها منذ نزل العدو عليها وأصاب ~~السلطان ما لم يصبه شيء مثله وخيف على مزاجه التشويش وهو لا يقطع ذكر الله ~~والرجوع إليه في جميع ذلك صابرا محتسبا ملازما مجتهدا والله لا يضيع أجر ~~المحسنين، فرأى الدخول على القوم ومهاجمتهم فصاح في العسكر الصائح وركبت ~~الأبطال فاجتمع الراجل # PageV01P252 # والفارس واشتد الزحف ولم يساعده العسكر في ذلك اليوم على الهجوم على ~~العدو فإن رجالته وقفوا كالسور المحكم البناء بالسلاح والزنبورك والنشاب من ~~وراء أسوارهم وهجم عليهم بعض الناس من بعض أطرافهم فثبتوا وذبوا غاية الذب، ~~ولقد حكى بعض من دخل عليهم أسوارهم أنه كان هناك راجل واحد إفرنجي صعد سور ~~خندقهم واستدبر المسلمين وإلى جانبه جماعة يناولونه الحجارة وهو يرميها على ~~المسلمين الذين يلاصقون سور الخندق وقال إنه وقع فيه زهاء خمسين سهما وحجرا ~~ولا يمنعه ذلك عما هو بصدده من الذب والقتال حتى ضربه زراق مسلم بقارورة ~~فارقه. ولقد حكى لي شيخ عاقل جندي أنه كان من جملة من دخل قال وكان داخل ~~سورهم امرأة عظيمة عليها ملوطة خضراء فما زالت ترمينا بقوس من خشب حتى خرجت ~~منا جماعة وتكاثرنا عليها وقتلناها وأخذنا قوسها وحملنا إلى السلطان فعجب ~~من ذلك عجبا عظيما ولم يزل الحرب يعمل بين الطائفتين بالقتل والجرح حتى فصل ~~بينهم الليل. ### | ذكر ما آل إليه أمر البلد من الضعف # ووقوع المراسلة بين أهل البلد والإفرنج # ولما اشتد زحفهم على البلد وتكاثروا عليها من كل جانب وتناوب ضعف أهل ~~البلد لما رأوه من عين الهلاك واستشعروا العجز عن الدفع وتمكن العدو من ~~الخنادق فملكوها وتمكنوا من سور الباشورة فنقبوه وأشعلوا فيه النار بعد حشو ~~النقب ووقعت بدنة من الباشورة # PageV01P253 # ودخل العدو الباشورة وقتل منهم فيها مائة وخمسون نفرا وصاعدا وكان فيهم ~~ستة من كبارهم فقال لهم واحد لا تقتلوني حتى أرحل الفرنج عنكم بالكلية ~~فبادر رجل من الأكراد فقتله وقتل الخمسة الأخرى وفي الغد نادى الإفرنج ~~احفظوا الستة فإنا نطلقكم كلكم بهم ms131 فقالوا قد قتلناهم فحزن الإفرنج لذلك ~~حزنا عظيما وطلبوا الزحف بعد ذلك أياما ثلاثة. # وبلغنا أن سيف الدين المشطوب خرج بنفسه إلى ملك الفرنسيس بالأمان وقال له ~~قد أخذنا منكم بلادا عدة وكنا نهجم البلد وندخل فيه ومع هذا إذا سألونا ~~الأمان أعطيناهم وحملناهم إلى مأمنهم وإكرامهم ونحن نسلم البلد وتعطينا ~~الأمان على أنفسنا فأجابه بأن هؤلاء الملوك الذين أخذتموهم منا وأنتم أيضا ~~مماليكي وعبيدي فأرى فيكم رأيي وبلغنا أن المشطوب بعد ذلك أغلظ له في القول ~~وقال أقاويل كثيرة في ذلك المقام منها أنا لا نسلم البلد حتى نقتل بأجمعنا ~~ولا يقتل منا واحد حتى يقتل خمسون نفسا من كباركم وانصرف عنه. # ولما دخل المشطوب البلد بهذا الخبر خاف جماعة ممن كانوا في البلد فأخذوا ~~بركوسا وركبوا فيه ليلا خارجين إلى العسكر الإسلامي منهم أرسل ولبن الجاولي ~~وسنقر الوشاقي فأما أرسل وسنقر فإنهما تغيبا في العسكر ولم يعلم لهما مكان ~~خشية من نقمة السلطان. وأما ابن الجاولي فظفر به ورمي في الزردخانة. # وفي سحر تلك الليلة ركب السلطان مشعرا أنه يواصل كبس القوم ومعه المساحي ~~وآلات طم الخنادق فما ساعده العسكر على ذلك وتخاذلوا عن ذلك وقالوا نخاطر ~~بالإسلام كله ولا مصلحة في ذلك. # وفي ذلك اليوم خرج من الأنكتار رسل ثلاثة طلبوا فاكهة وثلجا وذكروا أن ~~مقدم الأسبتار يخرج في الغد # PageV01P254 # يتحدث في معنى الصلح غير أن السلطان أكرمهم سوق العسكر وتفرجوا فيه ~~وعادوا تلك الليلة إلى عسكرهم. # وفي ذلك اليوم تقدم إلى صارم الدين قايماز النجمي حتى يدخل هو وأصحابه ~~إلى أسوارهم وترحل جماعة من أمراء الأكراد كالجناح وأصحابه وهو المشطوب ~~وزحفوا حتى وصلوا أسوار الإفرنج ونصب قايماز بنفسه علمه على سورهم وقاتل عن ~~العلم قطعة من النهار ووصل في ذلك اليوم عز الدين جرديك النوري وسوق الزحف ~~قائم فترجل هو وجماعته وقاتل قتالا شديدا واجتهد الناس اجتهادا عظيما. # وفي العاشر أصبح القوم ساكتين عن الزحف والعساكر الإسلامية محدقة بهم وقد ~~باتوا ليلتهم شاكي السلاح راكبي ظهور ms132 خيلهم منتظرين عسى أن تمكنهم مساعدة ~~إخوانهم المقيمين بعكا ويهجموا على طرف من الإفرنج فيكسروهم ويخرجوا يحمي ~~بعضهم بعضا ويخرج العسكر يجاوبهم من هذا الجانب فيسلم من سلم ويؤخذ من أخذ ~~فلم يقدروا على الخروج وكان قد ثبت ذلك معهم فلم يتهيأ لهم في تلك الليلة ~~خروج بسبب أنه كان هرب منهم بعض الغلمان فأخبر العدو بذلك فاحتاطوا بهم ~~وحرسوهم حراسة عظيمة. # ولما كان يوم الجمعة العاشر خرج منهم رسل ثلاثة واجتمعوا بالملك العادل ~~وتحادثوا معه ساعة زمانية وعادوا ولم ينفصل الحال وانقضى النهار على مقام ~~المسلمين بالمرج في مقابلة العدو وباتوا على مثل ذلك. # ولما كان السبت الحادي عشر لبست الفرنج بأسرها لباس الحرب وتحركوا حركة ~~عظيمة بحيث أنهم اعتقدوا رجلكان صاف واصطفوا وخرج من الباب الذي تحته القبة ~~زهاء أربعين نفسا واستدعوا # PageV01P255 # جماعة من المماليك وطلبوا منهم العدل الزيداني وذكروا أنه صاحب صيدا طليق ~~السلطان فحضر العدل وجرى مبادلة أحاديث في معنى إطلاق العسكر الذي بعكا ~~واشتطوا في ذلك اشتطاطا عظيما وتصرم نهار السبت ولم ينفصل حال. ### | ذكر كتب وصلت من البلد # ولما كان يوم الأحد ثاني عشر وصلت كتب يقولون فيها إنا قد تبايعنا على ~~الموت ولا نزال نقاتل حتى نقتل ولا نسلم هذا البلد ونحن أحياء فانظروا أنتم ~~كيف تعملون في شغل العدو عنا ودفعه عن قتالنا فهذه عزائمنا وإياكم أن ~~تخضعوا لهذا العدو وتلينوا لهم فإنا نحن قد فات أمرنا وذكر العوام الواصل ~~بهذه الكتب أنه لما وقع بالليل الصوت ظن الإفرنج أن عسكرا عظيما عبر إلى ~~عكا وسلم وسار فيها قال وجاء إنسان إفرنجي فوقف تحت السور وصاح إلى بعض من ~~على السور وقال له بحق دينك إلا ما أخبرتني كم عدد العسكر الذي دخل إليكم ~~البارحة يعني ليلة السبت وكان قد وقع بالليل صوت وانزعج الطائفتان ولم يكن ~~له حقيقة فقال له ألف فارس فقال لا لكنه دون ذلك، أنا رأيتهم لابسين ثيابا ~~خضرا. # ثم تتابعت العساكر الإسلامية واندفع كيد العدو عن القوم ms133 في تلك الليلة ~~بعد أن كان قد أشرف البلد على الأخذ، وفي يوم الخميس سادس عشر وصل أسد # PageV01P256 # الدين شيركوه واشتد ضعف البلد وكثرت ثغور سوره وجاهد المقيمون فيه وبنوا ~~عوض الثلم سورا من داخلها حتى إذا تم بناؤه اقتتلوا عليه، واشتد ثبات ~~الإفرنج على أنهم لا يصالحون ولا يعطون الذين في البلد أمانا حتى يطلق جميع ~~الأسارى الذين في أيدي المسلمين وتعاد البلاد الساحلية إليهم وبذل لهم ~~تسليم البلد وما فيه دون ما فيه فلم يفعلوا وبذل لهم أيضا مع ذلك صليب ~~الصلبوت فلم يفعلوا واشتد عتوهم واستفحل أمرهم وضاقت الحبل عنهم ومكروا ~~والله خير الماكرين. ### | ذكر مصالحة أهل البلد ومصانعتهم على نفوسهم # ولما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة خرج العوام من الثغر ونطقت ~~الكتب عنهم أن أهل البلد ضاق بهم الأمر وكثرت الثغر وعجزوا عن الحفظ والدفع ~~ورأوا عين الهلاك وتيقنوا أنه متى أخذت البلد عنوة ضربت أعناقهم عن آخرهم ~~وأخذ جميع ما فيه من العدد والأسلحة والمراكب وغير ذلك فصالحهم على أن ~~يسلمون إليهم البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدد والمراكب ومائتي ألف ~~دينار وألف وخمسمائة فارس أسير مجاهيل الأحوال ومائة فارس معينين من جانبهم ~~يختارون وصليب الصلبوت ويخرجون بأنفسهم سالمين وما معهم من الأقمشة المختصة ~~بهم وذراريهم ونساؤهم وضمنوا للمركيس عشرة آلاف دينار # PageV01P257 # أنه كان واسطة ولأصحابه أربعة آلاف دينار واستقرت القاعدة على ذلك. ### | ذكر استيلاء العدو على عكا # ولما وقف السلطان على كتبهم وعلى مضمونها أنكر ذلك إنكارا عظيما وعظم ~~عليه هذا الأمر وجمع أرباب المشورة وشاورهم فيما يصنع واضطرب الأمراء وتقسم ~~فكره وتشوش وعزم على أن يكتب في الليلة مع العوام وينكر عليهم المصالحة على ~~هذا الوجه وهو في مثل هذه الحال فما أحس المسلمون إلا وقد ارتفعت أعلام ~~الكفر وصلبانه وشعاره وناره على أسوار البلد وذلك في ظهر نهار الجمعة سابع ~~عشر جمادى الآخرى سنة سبع وثمانين وخمسمائة وصاح الإفرنج صيحة واحدة وعظمت ~~المصيبة على المسلمين واشتد حزن الموحدين وانحصر ms134 كلام العقلاء من الناس في ~~تلاوة إنا لله وإنا إليه راجعون. وغشي الناس بغتة عظيمة وحيرة شديدة ووقع ~~في العسكر الصياح والعويل والبكاء والنحيب وكان لكل قلب حظ في ذلك قدر ~~إيمانه ولكل إنسان نصيب من هذا الخطب على مقدار ديانته ونخوته وانقشعت ~~الحال على أنه قد استقرت القاعدة بين أهل البلد وبين الإفرنج على ذلك الحال ~~المتقدم وأن المركيس دخل البلد ومعه أعلام الملوك فنصب علما على القلعة ~~وعلما على مأذنة الجامع في يوم الجمعة وعلما على برج # PageV01P258 # القتال عوضا عن علم الإسلام وحيز المسلمون إلى بعض أطراف البلد وجرى على ~~أهل الإسلام المشاهدين لذلك الحال ما كثر التعجب من الحياة معه ومثلت في ~~خدمة السلطان وهو أشد حالة من الوالدة الثكلى، والمولهة الحراء فسليته بما ~~تيسر لي من التسلية وأذكرته في الفكر فيما يستقبله من الأمر في معنى البلاد ~~الساحلية والقدس الشريف وكيفية الحال في ذلك وإعمال الفكر في خلاص المسلمين ~~المأسورين في البلد وذلك في ليلة السبت الثامن عشر وانفصل الحل على أن رأى ~~التأخير عن تلك المنازلة مصلحة فإنه لم يبق في المضايقة معنى فتقدم بنقل ~~الأثقال ليلا إلى المنزلة التي كان عليها أولا بشفرعم وأقام هو جريدة في ~~مكانه لينظر ماذا يكون من أمر العدو وحال أهل البلد وأقام هو راضيا راجيا ~~من الله تعالى أنه ربما حملهم غرورهم بالخروج إليه والهجوم عليه فينال منهم ~~غرضا ويلقي نفسه عليهم ويعطي الله النصر لمن شاء فلم يفعل العدو شيئا من ~~ذلك واشتغلوا بالاستيلاء على البلد والتمكن منه فأقام إلى بكرة التاسع عشر ~~من الشهر وانتقل إلى الثقل وفي ذلك اليوم خرج منهم ثلاثة نفر مع الحاجب قوس ~~بهاء الدين قراقوش وكان رجلا عاقلا مستخبرين ما وقع عقد الصلح عليه من ~~المال والأسرى فأقاموا ليلة مكرمين وساروا إلى دمشق يبصرون الأسرى في ~~الحادي والعشرين وأنفذ السلطان رسولا إلى الفرنج يسألهم كيف جرت الحال ~~ويستعلم كم مدة تحصيل ما وقعت عليه المصالحة واستقرت عليه المهادنة. # PageV01P259 ### | ذكر وقعة جرت ms135 في أثناء ذلك # ولما كان سلخ الشهر خرج الإفرنج من جانب البحر شمالي البلد وانتشروا ~~انتشارا عظيما راجلهم وفارسهم وضربوا أطلابا للقتال فأخبر اليزك بذلك ~~السلطان فدق في الكؤوس وركب وأنفذ إلى اليزك وقواه برجال كثيرة وتوقف حتى ~~ركبت العساكر الإسلامية واجتمعوا فوقع بين اليزك وبين العدو وقعة عظيمة ~~وقتال شديد قبل اتصال العساكر باليزك وكان اليزك قد قوي بما أنفذ إليه ~~فحملوا على العدو حملة عظيمة فانكسر العدو من بين أيديهم وانهزمت الخيالة ~~وسلمت الرجالة وظنوا أن وراء اليزك كمينا فاشتدوا نحو خيامهم ووقع اليزك في ~~الرجالة فقتل منهم زهاء خمسين نفرا ولم يزل السيف يعمل فيهم حتى دخلوا ~~خنادقهم. # وفي ذلك اليوم وصل رسل الإفرنج الذين ساروا إلى دمشق ليتفقدوا حال أسراهم ~~ووصل معهم من مميزي أسراهم أربعة نفر ووصل في عيشته أيضا رسل السلطان في ~~تحرير أمر الأسارى المسلمين الذين كانوا بعكا ولم تزل الرسل تتردد بين ~~الطرفين حتى كان تاسع رجب. ### | خروج ابن باريك # وفي ذلك اليوم خرج حسام الدين بن باريك المهراني ومعه اثنان من أصحاب ~~الأنكتار فأخبرني أن الملك افرنسيس سار إلى صور وذكروا في تحرير أمر ~~الأسارى وطلبوا أن يشاهدوا صليب الصلبوت وأنه في العسكر أو حمل إلى بغداد ~~فأحضر صليب الصلبوت وشاهدوه وعظموه ورموا نفوسهم إلى الأرض ومرغوا وجوههم ~~على التراب وخضعوا خضوعا عظيما لم ير مثله وذكروا أن الملوك قد أجابوا # PageV01P260 # السلطان أن يكون ما وقع عليه القرار تروم ثلاثة كل شهر ترم، ثم أرسل ~~السلطان رسولا إلى الفرنسيس سار إليه إلى صور بهدايا سنية وطيب كثير وثياب ~~جميلة. # وفي صبيحة العاشر من رجب انتقل السلطان بحلقته وخواصه إلى تل ملاصق ~~لشفرعم ونزلت العساكر في منازلها على حالهم قريبا من منزلته أولى ليس ~~بينهما إلا الوادي ولم تزل الرسل تتواتر في تحرير القاعدة وتنجيزها حتى حصل ~~لهم ما كانوا التمسوه من الأسرى والمال المختص بذلك الترم وهو الصليت ومائة ~~ألف دينار وستمائة أسير وأنفذوا ثقاتهم وشاهدوا الجميع ما عدا الأسارى ~~المعينين ms136 من جانبهم فإنهم لم يكونوا فرغوا من تعيينهم ولم يكملوهم حتى ~~يحصلوا ولم يزالوا يطاولون ويقصرون الزمان حتى انقضى الترم الأول في ثامن ~~عشر رجب ثم أنفذوا في ذلك اليوم يطلبون ذلك فقال لهم السلطان إما أن تنفذوا ~~إلينا أصحابنا وتستلموا الذي عين لكم من هذا الترم ونعطيكم رهائن على ~~الباقي تصل إليكم في ترومكم الباقية وإما أن تعطونا رهائن على ما نسلم ~~إليكم إلى أن يخرج إلينا أصحابنا فقالوا لا نفعل شيئا من ذلك بل تسلمون ~~إلينا ما يقضيه هذا الترم وتقنعون بإيماننا حتى نسلم إليكم أصحابكم فأبى ~~السلطان ذلك لعلمه أنهم إن تسلموا المال والصليب والأسرى وأصحابنا عندهم لا ~~يؤمن غدرهم ويكون وهن الإسلام عند ذلك وهنا عظيما لا يكاد ينجبر. # PageV01P261 ### | ذكر قتل المسلمين الذين كانوا بعكا رحمهم الله # ولما رأى الأنكتار الملعون توقف السلطان ببذل المال والأسرى والصليب غدر ~~بأسرى المسلمين وكان قد صالحهم وتسلم البلد منهم على أن يكونوا آمنين على ~~نفوسهم على كل حال وأنه إن دفع السلطان إليهم ما استقر أطلقهم بأموالهم ~~ونسائهم وإن امتنع من ذلك ضرب عليهم الرق وأخذهم أسرى فغدرهم الملعون وأظهر ~~ما كان أبطن وفعل ما أراد أن يفعله بعد أخذ المال والأسرى على ما أخبر به ~~عنه أهل ملته فيما بعد وركب هو وجميع العسكر الإفرنجية راجلهم وفارسهم ~~والتراكيل في وقت العصر من يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب وساروا حتى ~~أتوا الآبار التي تحت تل العياضية وقدموا خيامهم إليها وساروا حتى توسطوا ~~المرج بين تل كيسان وبين العياضية ثم أحضروا من أسارى المسلمين من كتب الله ~~شهادته في ذلك اليوم وكانوا زهاء ثلاثة آلاف في الحبال # PageV01P262 # وجملوا عليهم جملة الرجل الواحد فقتلوهم صبرا ضربا وطعنا بالسيف واليزك ~~الإسلامي يشاهدون ولا يعلمون ماذا يصنعون لبعدهم عنهم وكان اليزك قد أنفذ ~~إلى السلطان وأعلموه بركوب القوم ووقوفهم فأنفذ إلى اليزك من قواه وبعد أن ~~فرغوا منهم حمل المسلمون عليهم وجرت بينهم حرب قتل فيها وجرح من الجانبين ~~ودام القتال إلى ms137 أن فصل الليل بين الفريقين وأصبح المسلمون يكشفون الحال ~~فوجدوا الشهداء في مصارعهم وعرفوا من عرفوه منهم فغشي المسلمين من ذلك حزن ~~عظيم وكآبة شديدة ولم يبقوا إلا رجلا معروفا مقداما أو قوي يد لعمائرهم، ~~وذكر لقتلهم أسباب منها أنهم قتلوهم في مقابلة من قتل منهم وقيل إن ~~الأنكتار كان قد عزم على السير إلى عسقلان للاستيلاء عليها فما رأى أن يخلف ~~تلك العدة في البلد وراءه والله أعلم. ### | ذكر مسير العدو إلى عسقلان # وانتقاله إلى طرف البحر من جانب الغرب # ولما كان التاسع والعشرون من رجب الإفرنج بأسرهم وقلعوا خيامهم وحملوها ~~على دوابهم وساروا حتى قطعوا النهر إلى الجانب الغربي وضربوا الخيام على ~~طريق عسقلان وأظهروا العزم على المسير على شاطئ البحر وأمر الأنكتار باقي ~~الناس أن يدخلوا إلى البلد وكانوا قد سدوا ثغره وثلمه أو أصلحوا ما انهدم ~~منه وكان مقدم العسكر الخارج السائر الأنكتار وجمع عظيم من الرجالة ~~والخيالة، # PageV01P263 # ولما كان مستهل شعبان اشتعلت نيران العدو في سحر ذلك اليوم وعادتهم أنهم ~~إذا أرادوا الرحيل أشعلوا نيرانهم وأخبر اليزك بحركاتهم فأمر السلطان الثقل ~~أن يرفع حتى يبقى الناس على ظهر ففعل الناس ذلك وهلك من الناس قماش كثير ~~وحوائج كثيرة من السوقة لم تكن معهم خيل ولا ظهر يحمل جميع ما عندهم لأن كل ~~إنسان كان يحصل ما يحتاج إليه في أشهر وكل واحد من السوقة عنده ما ينفذ من ~~منزل إلى منزل في مرار متعددة لكن هذا المنزل لم يمكن أن يتخلف فيه أحد ~~لقربه من الإفرنج الذين بعكا والخوف منهم، ولما أن علا النهار شرع العدو في ~~السير على جانب البحر وتفرقوا قطعا كثيرة كل قطعة تحمي عن نفسها وقوى ~~السلطان اليزك وأنفذ معظم العساكر قبالتهم فمضوا وقاتلوهم قتالا شديدا ~~وأنفذ ولده الملك الأفضل يخبر أنه قطع طائفة منهم عن الموافقة ولقد ~~نازلناهم بالقتال ولو قوينا لأخذناهم فسير السلطان خلقا عظيما من العسكر ~~وسار هو بنفسه وأنا في خدمته حتى أتى أوائل الرمل فلقينا الملك ms138 العادل ~~فأخبر أخاه أن تلك الطائفة قد التجأت بالطائفة الأولى ومعظم القوم قد عبروا ~~نهر حيفا وقد نزلوا والباقون قد لحقوا بهم وليس للمسير وراءهم حاصل إلا ~~إتعاب العسكر وضياع النشاب لا غير فتراجع السلطان عن القوم لما تحقق ذلك ~~وأمر طائفة من العسكر أن تسير وراء الثقل تلحق ضعيفهم بقويهم وتكف عنهم أن ~~يلحق بهم من العدو والطماعة وسار هو حتى وصل إلى القيمون # PageV01P264 # عصر ذلك النهار فنزل وضرب له الدهليز وشق دائرة حوله لا غير واستحضر ~~الجماعة فأكلوا شيئا واستشارهم فيما يفعل. # المنزل الثاني: اتفق رأي جماعة على أنهم يرحلون بكرة غد. هذا وقد رتب حول ~~الإفرنج يزكا يبيتون حوله يرقبون أمره. ولما كان صباح ثاني شعبان رحل ~~السلطان الثقل وأقام هو يترصد أخبار العدو فلم يصل منهم شيء إلى أن علا ~~النهار فسار في أثر الثقل حتى أتى قرية يقال لها الصباغين فجلس ساعة يترقب ~~أخبار العدو وكان قد خلف جرديك قريب العدو وتعقب خلق عظيم باتوا قريب العدو ~~فلم يصله خبر أصلا فسار حتى أتى الثقل في منزلة يقال لها عيون الأساود ولما ~~بلغنا المنزل رأينا خياما فسأل عنها فقيل إنها خيام الملك العادل فعدل ~~لينزل عنده فأقام عنده ساعة ثم أتى خيمته وفقد الخبز في هذه المنزلة ~~بالكلية وغلا الشعير حتى بلغ درهما وبلغ رطل البقسماط درهمين ثم أقام ~~السلطان حتى عبر وقت الظهر وركب وسار إلى موضع يسمى الملاحة يكون منزلا ~~للعدو إذا رحلوا من حيفا وكان قد سبق ليفقد المكان هل يصلح للمصاف أم لا ~~ويتفقد أراضي قيسارية بأسرها إلى الشعرا وعاد إلى المنزل بعد دخول وقت ~~العشاء الآخرة وقد أخذ منه التعب وسألته عما بلغه من خبر العدو فقال وصل ~~إلينا من أخبرنا أنه ما رحل من حيفا إلى عصر يومنا # PageV01P265 # هذا يعني ثاني شعبان وها نحن مقيمون مرتقبون أخبارهم ويكون العمل ~~بمقتضاها وبات تلك الليلة وأصبح مقيما بتل الزلزلة ينتظر العدو نادى ~~الجاويش بالعسكر للعرض فركب الناس على ترتيب المصاف وأبهته. ms139 ولما علا ~~النهار نزل السلطان في خيمته وأخذ نصيبا من الراحة بعد الغداء ومثول جماعة ~~من الأمراء إلى خدمته وأخذ رأيهم فيما يصنعون ثم صلى الظهر وجلس يطلق أثمان ~~الخيول المجروحة وغيرها إلى العشاء الآخرة من مائة دينار إلى مائة وخمسين ~~دينارا وزائد وناقص فما رأيت أسح صدرا منه ولا أبسط وجها في العطاء واتفق ~~الرأي على رحيل الثقل في عصر ذلك اليوم إلى مجدل يافا. # المنزل الثالث: وأقام هو جريدة بالمنزل إلى الصباح رابع الشهر وركب وسار ~~في رأس النهر الجاري إلى قيسارية ونزل هناك وبلغ رطل البقسماط أربع دراهم ~~وربع الشعير درهمين ونصفا والخبز لم يوجد أصلا ونزل في خيمة وأكل خبزا وصلى ~~الظهر وركب إلى طريق العدو لتجديد إرشاده في ضرب المصاف ولم يعد إلى أن دخل ~~وقت # PageV01P266 # العصر فجلس ساعة وأخذ جزءا من الراحة ثم عاد وركب وأمر الناس بالرحيل ~~ورمى خيمته ورمى الناس خيامهم في أواخر النهار. # المنزل الرابع: وكان الرحيل إلى رابية متأخرا عن تلك الرابية وفي ذلك ~~المنزل أتي باثنين من الإفرنج قد تخطفهم اليزك فأمر بضرب رقابهما فقتلا ~~وتكاثر الناس عليهما بالسيوف تشفيا ثم بات هناك وأصبح مقيما بالمنزل لأنه ~~لم يصح عن العدو رحيل وأنفذ إلى الثقل حتى يعود إليه في تلك الليلة مما طرأ ~~على الناس من الضيق في المآكل والقضم وركب في وقت عادته إلى جهة العدو ~~وأشرف على قيسارية وعاد إلى الثقل قريب الظهر وقد وصل الخبر أن العدو لم ~~يرحل بعد من الملاحة وأحضر عنده اثنان أيضا قد أخذ من أطراف العدو فقتلا شر ~~قتلة وكان في حدة الضيقة لما جرى على أسرى عكا ثم أخذ جزء من الراحة وجلس ~~بعد صلاة الظهر وحضرت عنده وقد أحضر بين يديه من العدو فارس مذكور، هيئته ~~تخبر عن أنه متقدم فيهم فأحضر ترجمانا وبحث عن أحوال القوم وسأله كيف يسوى ~~الطعام عندكم؟ فقال: أول يوم رحلنا من عكا كان الإنسان يشبع بستة قراطيس ~~فلم يزل السعر يغلو حتى صار ms140 يشبع بثمانية قراطيس. وسأل عن سبب تأخرهم في ~~المنازل. فقال: لانتظار وصول المراكب بالرجال والميرة. فسأل عن القتلى ~~والجرحى في يوم رحيلهم فقال كثير. فسأل عن الخيل التي هلكت في ذلك اليوم، ~~فقال مقدار # PageV01P267 # أربعمائة فرس فأمر بضرب عنقه ونهى عن التمثيل به فسأل الترجمان عما قال ~~السلطان فأخبره بما قال فتغير تغيرا عظيما وقال أنا أخلص لكم أسيرا من عكا. ~~فقال رحمه الله: بل أميرا. فقال: لا أقدر على خلاص أمير فشفع الطمع فيه ~~وحسن خلقه فإني ما رأيت أتم خلقا منه مع ترف في الأطراف ورفاهية فأمر أن ~~يترك الآن ويؤخر أمره فصفده وعاتبه على ما بدا منهم من الغدر وقتل الأسرى ~~فاعترف بأنه قبيح ولم يجر إلا برضا الملك وحده وركب السلطان بعد صلاة العصر ~~على عادته وبعد أن نزل أمر بقتل الفارس المذكور وأتي بعده باثنين فأمر ~~بقتلهما وبات في ذلك المنزل المذكور، وذكر له في السحر أن العدو قد تحرك ~~نحو قيسارية وقارب أوائلهم البلد فرأى أن يتأخر من طريق العدو منزلا آخر. # المنزل الخامس: فرحل ورحل الناس إلى قريب التل الذي كنا عليه فنزل الناس ~~وضربت الخيام ومضى هو يرتاد الأراضي الكائنة في طريق العدو لينظر أيها أصلح ~~للمصاف ونزل قريب الظهر واستدعى أخاه الملك العادل وعلم الدين سليمان وأخذ ~~رأيهما فيما يصنع وأخذ جزءا من الراحة وأذن الظهر فصلى وركب ليشرف وليكشف ~~عن العدو ويتنسم أخباره وأتاه اثنان من الإفرنج قد نهبا فأمر بقتلهما ثم ~~أتي باثنين آخرين فقتلا أيضا وجيء في أواخر النهار باثنين فقتلا أيضا وعاد ~~من الركوب وصلى صلاة المغرب وجلس على عادته واستدعى أخاه وصرف الناس وخلا ~~به إلى هزيع من الليل ثم بات وأصبح ونادى الجاويش لعرض # PageV01P268 # الحلقة لا غير وركب إلى جهة العدو ووقف على تلول مشرفة على قيسارية وكان ~~العدو قد وصل إليها نهار الجمعة سادس شعبان ولم يزل يعرض هناك إلى أن علا ~~النهار ثم نزل وأكل الطعام وركب إلى أخيه وعاد بعد صلاة الظهر ms141 وأخذ جزءا من ~~الراحة وجلس وأتي بأربعة من الإفرنج وامرأة إفرنجية بينهم أسيرة وهي بنت ~~الفارس المذكور ومعها أسيرة مسلمة قد أخذتها فأطلقت المسلمة ودفع الباقون ~~إلى الزردخانة وهؤلاء أتي بهم من بيروت أخذوا في مراكب من جملة عدة كثيرة ~~فقتلوا. كل ذلك في نهار السبت سابع الشهر وهو في المنزلة ينتظر رحيل العدو ~~مجمعا على لقائه إذا رحل. # المنزل السادس: ولما كان صبيحة الثامن ركب السلطان على عادته ثم نزل ~~ووصله من أخيه أن العدو على حركة وكانت الأطلاب قد باتت حول قيسارية في ~~مواضعها فأمر بمد الطعام وأطعم الناس فوصل ثان وأخبر أن القوم قد ساروا ~~فأمر بالكؤوس فدقت وركب وركب الناس وسار وسرت في خدمته حتى أتى عسكر العدو ~~وصف الأطلاب حوله وأمرهم بقتالهم وأخرج الجاليش فكان النشاب بينهم كالمطر ~~وكان عسكر العدو قد رتب فكانت الرجالة حوله كالسور وعليهم اللبود الثخينة ~~والزرديات السابغة المحكمة بحيث يقع فيهم النشاب ولا يتأخرون وهم يرموننا ~~بالزنبورك فيجرح خيل المسلمين وخيالتهم ولقد شاهدتهم ويتغرز في ظهر الواحد ~~منهم الواحد والعشرة # PageV01P269 # وهو يسر على هيئته من غير انزعاج. وثم قسم آخر من الرجالة مستريح يمشون ~~على جانب البحر ولا قتال عليهم فإذا تعبت هذه المقاتلة أو أثخنتهم الجراح ~~قام مقامهم المستريح واستراح القسم المقاتل. هذا والخيالة في وسطهم لا ~~يخرجون عن الرجالة إلا في وقت الحملة لا غير وقد انقسموا أيضا ثلاثة أقسام. ~~القسم الأول الملك العتيق جفري وجماعة الساحلية معه في المقدمة، والأنكتار ~~والفرنسيس معه في الوسط. وأولاده الست أصحاب طبرية وطائفة أخرى في الساقة ~~وفي وسط القوم برج على عجلة على ما وصفته من قبل أيضا كالمنارة العظيمة هذا ~~ترتيب القوم على ما شاهدته وأخبر به من خرج منهم من الأسرى والمستأمنين ~~وساروا على هذا المثال وسوق الحرب قائمة والمسلمون يرمونهم بالنشاب من ~~جوانبهم ويحركون عزائمهم حتى يخرجوا وهم يحفظون نفوسهم حفظا شديدا ويقطعون ~~الطريق على هذا الوضع ويسيرون سيرا رقيقا ومراكبهم تسير في مقابلتهم في ~~البحر إلى أن ms142 أتوا المنزل وكانت منازلهم قريبة لأجل الرجالة فإن المستريحين ~~منهم كانوا يحملون أثقالهم وخيمهم لقلة الظهر عندهم فانظر إلى صبر هؤلاء ~~القوم على الأعمال الشاقة عن غير دين ولا نفع، وكانت منزلتهم قاطع نهر ~~قيسارية يسر الله فتحها. # المنزل السابع: ولما كانت صبيحة التاسع وصل من أخبر أن العدو قد ركب ~~سائرا فركب السلطان أول الصبح وطلب الأطلاب وأخرج من كل جانب جاليشا فسار ~~يطلب # PageV01P270 # القوم فأتاهم وهم سائرون على عادتهم ثلاثة أقسام وطاف الجاليش حولهم من ~~كل جانب ورموهم بالنشاب وهم سائرون ثلاثة أقسام على المثال الذي حكيته ~~وكلما ضعف قسم عاونه الذي يليه وهو يحفظ بعضهم بعضا والمسلمون محدقون بهم ~~من ثلاثة جوانب والقتال بينهم شديد والسلطان يقرب الأطلاب ورأيته وهو يسير ~~بنفسه بين الجاليش ونشاب القوم يجاوزه وليس معه إلا صبيان بجنبيه لا غير ~~وهو يسير من طلب إلى طلب يحثهم على التقدم ويأمرهم بمضايقة القوم ومقاتلتهم ~~والكؤوس تخفق والبوقات تنعر والصياح بالتهليل والتكبير يعلو. هذا والقوم ~~على أتم ثبات على ترتيبهم لا يتغيرون ولا ينزعجون وجرت حالات كثيرة ~~ورجالتهم تجرح المسلمين وخيولهم بالزنبورك والنشاب ولم نزل حواليهم نقاتلهم ~~ونحمل عليهم وهم يكرون بين أيدينا ويفرون إلى أن أتوا نهرا يقال له نهر ~~القصب ونزلوا عليه وقد قامت الظهيرة وضربوا خيامهم وتراجع الناس عنهم فإنهم ~~كانوا إذا نزلوا أيس الناس منهم ورجعوا عن قتالهم وفي ذلك اليوم قتل من ~~فرسان الإسلام شجاع اسمه إياز الطويل بعض مماليك السلطان وكان قد فتك فيهم ~~وقتل خلقا من خيالتهم وشجاعتهم وكانت قد فاضت شجاعته بين العسكرين بحيث أنه ~~جرت له وقعات كثيرة صدقت أخبار الأوائل وسار بحيث إذا عرفه الإفرنج في موضع ~~يخافونه تقنطرت به فرسه واستشهد وحزن المسلمون عليه حزنا عظيما ودفن على تل ~~مشرف على البركة ونزل السلطان بالثقل على البركة وهي موضع يجتمع فيه مياه ~~كثيرة وأقام في تلك المنزلة إلى بعد صلاة العصر وأطعم الناس # PageV01P271 # خبزا واستراحوا ساعة ثم رحل وأتى نهر القصب ونزل عليه أيضا ms143 فشرب منه قليل ~~من أعلاه والعدو يشرب من أسفله ليس بيننا إلا مسافة يسيرة وبلغ ربع الشعير ~~أربعة دراهم والخبز موجود كثيرا وسعره الرطل بنصف درهم وأقام ينتظر رحيل ~~الإفرنج حتى يرحل في مقابلتهم فباتوا وبتنا أيضا. ### | ذكر وقعة جرت # وذلك أن جماعة من العسكر الإسلامي كانوا مشرفين على العدو فصادفوا جماعة ~~منهم يشرفون على العسكر الإسلامي وظفروا بهم وهجموا عليهم وجرى بينهم قتال ~~عظيم فقتل من العدو جماعة وأحس بهم عسكر العدو فثار إليهم منهم جماعة واتصل ~~بالحرب وقتل أيضا من المسلمين نفران وأسر من العدو ثلاثة ومثلوا بخدمة ~~السلطان فسألهم عن الأحوال فأخبروه أن الملك الأنكتار قد حضر عنده بعكا ~~اثنان بدويان وأنهما أخبراه بقلة العسكر الإسلامي وذلك الذي أطمعه حتى خرج ~~وأنه لما كان بالأمس يعني يوم الاثنين رأى من المسلمين قتالا عظيما واستكثر ~~الأطلاب وأنه جرح زهاء ألف نفر وقتل جماعة وأن ذلك هو الذي أوجب إقامته ~~اليوم حتى يستريح عسكره وأنا لما رأى ما أصابهم من القتل العظيم وكثرة ~~المسلمين أحضر البدويين عنده وأوقفهما وضرب أعناقهما. وأقمنا في ذلك اليوم ~~في تلك المنزلة لإقامة العدو بها وهو الثلاثاء العاشر من شعبان. # المنزل الثامن: ولما كان ظهر اليوم المذكور رأى السلطان # PageV01P272 # الرحيل والتقدم إلى قدام العدو فدق الكؤوس ورحل الناس ودخل في شعرا أرسوف ~~حتى توسطها إلى تل عند قرية تسمى دير الراهب فنزل هناك ودهم الناس الليل ~~فتقطعوا في الشعر وأصبح مقيما ينتظر بقية العساكر إلى صباح الأربعاء الحادي ~~عشر وتلاحقت العساكر وركب يرتاد موضعا يصلح للقتال ولقاء العدو وأقام ذلك ~~اليوم أجمع هناك. ومن أخبار العدو في تلك المنزلة أنه أقام على نهر القصب ~~ذلك اليوم أيضا وأنه لحقته نجدة من عكا في ثمان بطس كبار واليزك الإسلامي ~~حوله يواصلون الأخبار المستجدة بهم وجرى بين اليزك وبين حشاشة العدو قتال ~~وجرح من الطائفتين. ### | ذكر مراسلة جرت في ذلك اليوم # وذلك أن العدو طلب من اليزك من يتحدث معه وكان مقدم اليزك علم الدين ~~سليمان ms144 فإنها كانت نوبته فلما مضى إليهم من سمع كلامهم كان كلامهم طلب ~~الملك العادل حتى يتحدثوا معه فاستأذن ومضى وبات تلك الليلة في اليزك ~~وتحدثوا معه وكان حاصل حديثهم أنا قد طال بيننا القتال وقد قتل من الجانبين ~~الرجال الأبطال وأنا نحن جئنا في نصرة إفرنج الساحل فاصطلحوا أنتم وهم وكل ~~منا يرجع إلى مكانه وكتب السلطان إلى أخيه في صبيحة يوم الخميس الثاني ~~والعشرين رقعة يقول له فيها: إن قدرت أن تطاول الإفرنج فلعلهم يقيمون اليوم ~~حتى يلحقنا التركمان فإنهم قد قربوا منا. # PageV01P273 ### | ذكر اجتماع الملك العادل والأنكتار # ولما علم الأنكتار وصول الملك العادل إلى اليزك طلب الاجتماع به فأجابه ~~إلى ذلك فاجتمعا بفرقة من أصحابهما وكان يترجم بينهما ابن الهنغري وهو من ~~إفرنج الساحل من كبارهم ورأيته يوم الصلح وهو ساب حسن إلا أنه محلوق اللحية ~~على ما هو شعارهم. وكان الحديث بينهما أن الأنكتار شرع في ذكر الصلح وأن ~~الملك العادل قال له أنتم تطلبون الصلح ولا تذكرون مطلوبكم فيه حتى أتوسط ~~أنا الحال مع السلطان. فقال له الأنكتار: القاعدة أن تعود البلاد كلها ~~إلينا وتنصرفوا إلى بلادكم. فأخشن له الجواب وجرت منافرة اقتضت أنهم رحلوا ~~بعد انفصالهم، ولما أحس السلطان برحيلهم أمر الثقل الرحيل ووقف هو وعبى ~~الناس تعبية القتال وسار الثقل الصغير أيضا حتى قارب الثقل الكبير ثم ورد ~~أمر السلطان بعودهم إليه فعادوا ووصلوا وقد دخل الليل وتخبط الناس تلك ~~الليلة تخبطا عظيما واستدعى أخاه ليعرفه ما جرى بينه وبين الملك وخلا به ~~لذلك وذلك في ليلة الجمعة ليلة الثالث عشر، وأما العدو فإنه سار ونزل على ~~موضع يسمى البركة أيضا يشرف على البحر وأصبح السلطان في يوم الجمعة # PageV01P274 # متطلعا إلى أخبار العدو فأحضر عنده اثنان من الإفرنج قد تخطفهما اليزك ~~فأمر بضرب أعناقهما ووصل من أخبر أن العدو لم يرحل اليوم من منزلته تلك ~~فنزل السلطان واجتمع بأخيه يتحدثان في هذا الأمر وما يصنع مع العدو وبات ~~تلك الليلة في تلك المنزلة. ### | ذكر ms145 وقعة أرمون وهي أنكت في قلوب المسلمين # ولما كان يوم السبت الرابع عشر بلغ السلطان أن العدو حرك الرحيل نحو ~~أرسوف، فركب ورتب الأطلاب للقتال وعزم على مضايقتهم في ذلك اليوم ~~ومصادمتهم، وأخرج الجاليش من كل طلب، وسار العدو حتى قارب شعرا أرسوف ~~وبساتينها، فأطلق عليهم الجاليش النشاب، ولزمتهم الأطلاب من كل جانب، ~~والسلطان يقرب بعضها ويوقف بعضها ليكون ردأ ويضايق العدو مضايقة عظيمة، ~~والتحم القتال واضطرمت ناره من الجاليش وقتل منهم وجرح، فاشتدوا في السير ~~عساهم يبلغون المنزلة فينزلوا، واشتد بهم الأمر وضاق بهم الخناق، والسلطان ~~يطوف من الميمنة إلى الميسرة يحث الناس على الجهاد، ولقيته مرارا ليس معه ~~إلا صبيان بجنبيه لا غير، ولقيت أخاه وهو على مثل هذه الحال والنشاب ~~يتجاوزهما، ولم يزل الأمر يشتد بالطمع للعدو، وطمع المسلمون فيهم طمعا ~~عظيما حتى وصل أوائل راجلهم إلى بساتين أرسوف، ثم اجتمعت الخيالة وتواصلوا ~~على الحملة خشية على القوم، ورأوا أنه لا ينجيهم إلا الحملة. ولقد رأيتهم ~~وقد أجمعوا # PageV01P275 # في وسط الرجالة وأخذوا رماحهم وصاحوا صيحة الرجل الواحد، وفرج لهم ~~رجالتهم وحملوا حملة واحدة من الجوانب كلها، فحملت طائفة على الميمنة ~~وطائفة على الميسرة وطائفة على القلب، فاندفع الناس بين أيديهم، واتفق أني ~~كنت في القلب ففر القلب فرارا عظيما، فنويت التحيز إلى الميسرة وكانت أقرب ~~إلي، ووصلتها وقد انكسرت كسرة عظيمة وفرت أشد فرار من الكل، فنويت التحيز ~~إلى طلب السلطان وكان ردأ الأطلاب كلها كما جرت العادة، ولم يبق للسلطان ~~فيه إلا سبعة عشر مقاتلا لا غير، وأخذ الباقون إلى القتال لكن الأعلام كلها ~~باقية ثابتة والكؤوس تدق لا تفتر، وأما السلطان لما رأى ما نزل بالمسلمين ~~من هذه النازلة سار حتى أتى إلى طلبه، فوجد فيه هذا النفر القليل، فوقف فيه ~~والناس ينفرون من الجوانب وهو يأمر أصحاب الكؤوس بالدق بحيث لا يفترون، ~~وكلما رأى فارا يأمر من يحضره عنده، وفي الجملة ما قصر الناس بفرارهم فإن ~~العدو حمل حملة ففروا ثم وقف خوفا من ms146 الكمين، فوقفوا وقاتلوا، ثم حمل حملة ~~ثانية ففروا وهم يقاتلون في فرارهم، ثم وقف فوقفوا، ثم حمل حملة ثالثة حتى ~~بلغ إلى رؤوس رواب هناك وأعالي تلول ففروا إلى أن وقف العدو ووقفوا، وكان ~~كل من رأى طلب السلطان واقفا والكؤوس تدق يستحي أن يجاوزه ويخاف غائلة ذلك ~~فيعود إلى الطلب، فاجتمع في القلب خلق عظيم، ووقف العدو قبالتهم على رؤوس ~~التلول والروابي والسلطان واقف في طلبه، والناس يجتمعون عليه حتى أتت ~~العساكر بأسرها، وخاف العدو أن يكون في الشعرا كمين، فتراجعوا يطلبون ~~المنزلة، وعاد السلطان إلى تل في أوائل الشعرا ونزل عليه في خيمته. ولقد ~~كنت في خدمته أسليه وهو لا يقبل # PageV01P276 # السلو وظل عليه بمنديل، وسألناه أن يطعم شيئا، فأحضر له شيء لطيف، فتناول ~~شيئا يسيرا، وبعث الناس للسقي، فإن المكان كان بعيدا، وجلس ينتظر الناس من ~~العود من السقي، والجرحى يحضرون بين يديه وهو يتقدم بمداواتهم وحملهم، وقتل ~~في ذلك اليوم رجالة كثيرة وجرح جماعة من الطائفتين. وكان ممن ثبت الملك ~~العادل والطواشي قايماز النجمي والملك الأفضل ولده وصدم في ذلك اليوم ~~وانفتح دمل كان في وجهه وسال منه دم كثير على وجهه وهو صابر محتسب في ذلك ~~كله، وثبت أيضا طلب الموصل ومقدمة علاء الدين، وشكره السلطان على ذلك، ~~وتفقد الناس بعضهم بعضا فوجدوا أن قد استشهد جماعة من العسكر عرف منهم ~~شخصان أمير كبير مملوك وكان شجاعا معروفا وقايماز العادلي وكان مذكورا ~~وليفوش وكان شجاعا، وجرح خلق كثير وخيول كثيرة، وقتل من العدو جماعة وأسر ~~واحد وأحضر فأمر بضرب عنقه، وأخذت منهم خيول أربعة، وكان قد تقدم رحمه الله ~~إلى الثقل أن يسير إلى العوجاء، وذكر أن المنزل يكون على العوجاء، ~~فاستأذنته وقدمت إلى المنزل، وجلس هو ينتظر اجتماع العساكر وما يرد من ~~أخبار العدو، وكان العدو قد نزل على أرسوف قبيلها. # المنزل التاسع: وسرت بعد صلاة الظهر حتى أتيت الثقل وقد نزل قاطع النهر ~~المعروف بالعوجاء في منزلة خضراء طيبة على جانب النهر، ووصل ms147 السلطان إلى ~~المنزلة أواخر النهار، وازدحم الناس على القنطرة، فنزل على تل مشرف # PageV01P277 # على النهر ولم يعد إلى الخيمة، وأمر الجاويش أن ينادي في العسكر بالعبور ~~إليه، وكان في قلبه من الوقعة أمر لا يعلمه إلا الله تعالى، والناس بين ~~جريح الجسد وجريح القلب، وأقام السلطان إلى سحر الخامس عشر ودق الكؤوس ~~وركب، وركب الناس، وسار راجعا إلى جهة العدو حتى وصل إلى قريب أرسوف وصف ~~الأطلاب للقتال رجاء خروج العدو ومسيره حتى يصاف، فلم يرحل العدو في ذلك ~~اليوم لما نالهم من التعب والجراح، وأقام قبالتهم إلى آخر النهار وعاد إلى ~~منزلته التي بات فيها. ولما كانت صبيحة السادس عشر دق الكؤوس وركب، وركب ~~الناس، وسار نحوهم، ووصل خبر العدو أنه قد رحل طلبا جهة يافا، فقاربهم ~~مقاربة عظيمة، ورتب الأطلاب ترتيب القتال، وأخرج الجاليش، وأحدق العسكر ~~الإسلامي بالقوم وألقوا عليهم من النشاب ما كان يسد الأفق، وقاتلت قلوبهم ~~قتال الحنق، وقصد رحمه الله تحريك عزائمهم على الحملة، حتى إذا حملوا ألقى ~~الناس عليهم وقصدوهم، ويعطي الله النصر لمن يشاء، فلم يحملوا وحفظوا نفوسهم ~~وساروا مصطفين على عادتهم حتى أتوا نهر العوجاء، وهو النهر الذي منزلتنا ~~أعلاه، فنزل في أسفله، وعبر بعضهم إلى غربي النهر، وأقام الباقون من الجانب ~~الشرقي، فلما علم الناس بنزولهم تراجع الناس عنهم، وعاد السلطان إلى الثقل ~~ونزل في خيمته وأطعم الطعام، وأتى بأربعة من الإفرنج قد أخذتهم العرب ومعهم ~~امرأة فرفعوا إلى الزردخانات، وأقام بقية ذلك اليوم يكتب الكتب إلى الأطراف ~~باستحضار بقية العساكر، وحضر من أخبر أنه قتل من العدو يوم أرسوف خيول ~~كثيرة وأنه تتبعها العرب # PageV01P278 # وعدوها فزادت على مائة، وأمر السلطان أن رحلت الجمال وتقدمت إلى الرملة، ~~وبات هو بتلك المنزلة. # المنزل العاشر: ولما كان سابع عشر صلى الصبح ورحل، ورحل معه الثقل ~~الصغير، وسار يريد الرملة، وأتى باثنين من الإفرنج فضرب أعناقهم، ووصل من ~~اليزك من أخبر أن العدو رحل من يافا، وسار السلطان إلى أن أتى الرملة، وأتى ~~باثنين ms148 من الإفرنج أيضا فسألهم عن أحوالهم، فذكروا أنهم ربما أقاموا بيافا ~~أياما وفي أنفسهم عمارتها وشحنها بالرجال والعدد، فأحضر السلطان أرباب ~~مشورته وشاورهم في أمر عسقلان وأنها هل تخرب أو تبقى، واتفق الرأي على أن ~~يتخلف الملك العادل ومعه طائفة من العسكر مقارب العدو ليعرف أحوالهم ~~واتصالها وأن يسير هو ويخرب عسقلان خشية أن يستولي عليها الإفرنج وهي عامرة ~~فيقتلوا من بها من المسلمين ويأخذوا بها القدس الشريف ويقطعوا بها طريق ~~مصر، وخشي السلطان من ذلك، وعلم عجز المسلمين عن حفظها لقرب عهدهم من عكا ~~وما جرى على من كان مقيما بها ويخيفوا الناس عن الدخول إلى عسقلان، فادخرت ~~القوة في عسكر الإسلام لحفظ القدس المحروس فتعين لذلك خراب عسقلان، فسار ~~الثقل والجمال من أول الليل، وتقدم إلى ولده الملك الأفضل أن سار عقيب ~~الثقل نصف الليل، وسار هو وأنا في خدمته سحر الأربعاء. # PageV01P279 # المنزل الحادي عشر: وهو على عسقلان. ولما كان يوم الأربعاء ثامن عشر ~~الشهر وصل السلطان إلى يبنا، فنزل بها ضحى، وأخذ الناس راحة، ثم رحل وسار ~~حتى أتى أرض عسقلان، وقد ضربت خيمته بعيدا منها، فبات هناك مهموما بسبب ~~الخراب، وما نام إلا قليلا. ولقد دعاني في خدمت سحرا، وكنت فارقت خدمته بعد ~~مضي نصف الليل، فحضرت وبدأ الحديث في معنى خرابها، وأحضر ولده الملك الفضل ~~وشاوره في ذلك، وطال الحديث في المعنى. ولقد قال لي: والله لأن أفقد أولادي ~~بأسرهم أحب إلي من أن أهدم منها حجرا واحدا، ولكن إذا قضى الله ذلك لحفظ ~~مصلحة المسلمين كان، ثم استخار الله تعالى، فأوقع الله في نفسه أن المصلحة ~~في خرابها لعجز المسلمين عن حفظها، فاستحضر الوالي قيصر بها وهو من كبار ~~مماليكه وذوي الآراء منهم، فأمره بجمع العمال فيها، ولقد رأيته وقد اجتاز ~~بالسوق والوطاق بنفسه مستقر الناس للخراب، وقسم السور على # PageV01P280 # الناس، وجعل لكل أمير وطائفة من الناس العسكر بدونه معلومة وبرجا معلوما ~~يخربونه، ودخل الناس البلد ووقع الضجيج والبكاء، وكان بلدا نضرا خفيفا على ms149 ~~القلب محكم الأسوار عظيم البناء مرغوبا في سكناه، فلحق الناس عليه حزن ~~عظيم، وعظم عويل أهله على مفارقة أوطانهم، وشرعوا في بيع ما لا يمكن حمله، ~~فبيع ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد، واختبط البلد، وخرج أهله إلى العسكر ~~بذراريهم ونسائهم خشية أن يهجم الإفرنج، وبذلوا في الكراء أضعاف ما يساوي ~~قوم إلى مصر وقوم إلى الشام وقوم يمشون إذا لم يقع لهم كراء، وجرت أمور ~~عظيمة وفتنة هائلة لعلها لم تختص بالذين ظلموا، وكان هو بنفسه وولده الملك ~~الأفضل يستعملان الناس في الخراب والحث عليه خشية أن يسمع العدو فيحضر ولا ~~يمكن خرابها، وبات الناس في الخيام على أتم حال من التعب والنصب، وفي تلك ~~الليلة وصل من جانب الملك العادل أن الإفرنج تحدثوا معه في الصلح، وأنه خرج ~~إليه ابن الهنغري وتحدث معه وأنه طلب جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطان ~~أن ذلك مصلحة لما رأى في أنفس الناس من الضجر والسآمة من القتال والمصابرة ~~وكثرة ما علاهم من الديون، وكتب إليه يسمح في الحديث في ذلك وفوض أمر ذلك ~~إلى رأيه، وأصبح في العشرين على الإصرار على الخراب واستعمال الناس فيه، ~~وحثهم عليه، وأباحهم الهري الذي كان ذخيرة في البلد للعجز عن نقله وضيق ~~الوقت والخوف من هجوم الإفرنج، وأمر بحرق البلد، فأضرمت النار في بيوته ~~ودوره، ورفض أهله بواقي الأقمشة للعجز عن نقلها، والأخبار تتواتر من جانب ~~العدو بعمارة يافا، وكتب الملك # PageV01P281 # العادل يخبر أن القوم لم يعلموا بخراب البلد وأن سوف القوم وطول الحديث ~~لعلنا نتمكن من الخراب، وأمر بحشو أبراج البلد بالأحطاب وأن تحرق، وأصبح ~~الحادي والعشرون فركب يحث الناس، ودام يستعملهم على التخريب ويطوف عليهم ~~بنفسه حتى التاث مزاجه التياثا قويا امتنع بسببه من الركوب والغذاء يومين، ~~وأخبار العدو تتواصل إليه في كل وقت ويجري بينهم وبين اليزك والعسكر وقعات ~~وهو يواظب على الحث على الخراب، ونقل الثقل إلى قريب البلد ليعاونوا ~~الغلمان والحمالين وغيرهم من ذلك، فخرب من السور معظمه، وكان عظيم البناء ms150 ~~بحيث أنه كان عرضه في مواضع تسعة أذرع وفي مواضع عشرة أذرع، وذكر بعض ~~الحجارين للسلطان وأنا حاضر أن عرض السور الذي ينقبون فيه مقدار رمح، ولم ~~يزل التخريب والحريق يعمل في البلد وأسواره إلى سلخ شعبان، وعند ذلك وصل من ~~جرديك كتاب يذكر فيه أن القوم يتفسحون وصاروا يخرجون من يافا يغيرون على ~~البلاد القريبة منها، فتحرك السلطان لعله يبلغ منهم غرضا في غرتهم، فعزم ~~على الرحيل على أن يخلف في عسقلان حجارين ومعهم خيل تحميهم ويستنهضونهم في ~~الخراب، ثم رأى أن يتأخر بحيث يحرق البرج المعروف بالأسبتار، وكان برجا ~~عظيما مشرفا على البحر كالقلعة المنيعة، ولقد دخلته وطفته فرأيت بناءه أحكم ~~بناه، يقرب من أن لا تعمل فيه المعاول، وإنما أراد أن يحرقه حتى يبقى ~~بالحريق قابلا للخراب ويعمل الهدم فيه. وأصبح مستهل رمضان فأمر ولده الملك ~~الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه. ولقد رأيته يحمل الخشب ويحشونه في البرج ~~حتى امتلأ، ثم أطلقت # PageV01P282 # فيه النار فاشتعل الخشب، وبقيت النار تشتعل فيه يومين بلياليهما، ولم ~~يركب السلطان في ذلك اليوم تسكينا لمزاجه، وعرض لي # أيضا تشوش مزاج اقتضى انقطاعي عنه في ذلك اليوم، ولقد تردد إلى من سأل عن ~~مزاجي من عنده ثلاث مرات مع اشتغال قلبه بذلك المهم. فالله تعالى يرحمه، ~~لقد ماتت محاسن الأخلاق بموته. تشوش مزاج اقتضى انقطاعي عنه في ذلك اليوم، ~~ولقد تردد إلى من سأل عن مزاجي من عنده ثلاث مرات مع اشتغال قلبه بذلك ~~المهم. فالله تعالى يرحمه، لقد ماتت محاسن الأخلاق بموته. ### | ذكر رحيله إلى الرملة # ثم رحل السلطان ثاني رمضان نصف الليل خشية على مزاجه من الحر، ووصل بنا ~~ضحوة النهار، ونزل في خيمة أخيه، وبات في تلك المنزلة، وأصبح ثالث الشهر ~~راحلا إلى جهة الرملة، فسار حتى أتاها ضحوة النهار، ونزل بالثقل الكبير ~~نزول إقامة، ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلبا، وأطعم الناس الطعام، وأخذ ~~جزءا من الراحة، وركب بين صلاتي الظهر والعصر وسار إلى لد ورآها ورأى ~~بيعتها وعظم ms151 بنائها، فأمر بخرابها وخراب قلعة الرملة، فوقع الخراب في ~~الموضعين في ذلك اليوم وفرق الناس فرقا لتخريب المكانين وأرباح ما فيها # PageV01P283 # من التبن والشعير في الأهراء السلطانية، وأمر من كان فيها من المقيمين ~~بالانتقال إلى المواضع العامرة، وما كان بقي في المكانين إلا نفر يسير، وظل ~~الناس يخربون إلى أن أمسى المساء، ثم عاد إلى خيمته وأصبح رابع رمضان فأقام ~~الحجارين في المكانين ورتب عليهم من يستنجزهم في ذلك، وهو يتردد عليهم في ~~الأصائل، حتى جاء وقت المغرب فمد الطعام وأفطر الناس وانفصلوا إلى خيمهم، ~~ووقع له أن يسير خفية في نفر يسير يشاهد أحوال القدس. فسار من أول الليل، ~~حتى أتى بيت نوبة، فبات فيها حتى أتى الصباح وصلى ثم سار حتى أتى القدس في ~~خامس الشهر، وخلف أخاه في العسكر يحث الناس على الخراب، وأقام ذلك اليوم ~~يتصفح أحوال القدس في عمارته وميرته وعدته ورجاله وغير ذلك، وظفر في ذلك ~~غلمان الطواشي قايماظ بنفر من النصارى ومعهم كتب قد كتبها الوالي إلى ~~السلطان قريبة التاريخ يذكر فيها أعواز البلد الغلة والعدة والرجال، فوقف ~~على الكتب وضربت رقاب كل من كان معهم، وما زال يتصفح أحوال المكان ويأمر ~~بسد خلله إلى الثامن وخرج سائرا إلى العسكر بعد صلاة الظهر فبات في بيت ~~نوبة. وفي هذا اليوم وصل عز الدين قيصر شاه صاحب ملطية ابن قليج أرسلان ~~وافدا عليه مستنصرا به على أخوته وأبيه، فإنهم كانوا يقصدون أخذ بلدة منه ~~فلقيه الملك العادل قاطع لد فاحترمه وأكرمه، ثم لقيه الملك الأفضل وضربت ~~خيمته قريبا من لد. وفي ذلك اليوم خرج من العدو الحشاشة فحمل عليهم اليزك، ~~ووصل الخبر إلى عسكرهم فخرج إلى نصرتهم خيالة وجرى بينهم وبين اليزك قتال، ~~وذكر بعض الأسرى أنه كان معهم الأنكتار وأن مسلما قصد طعنه فحال بينه وبينه ~~إفرنجي فقتل الإفرنج وجرح هو هكذا ذكروا والله أعلم. # PageV01P284 # ولما كان التاسع وصل رحمه الله إلى العسكر ولقيه الناس مستبشرين بقدومه، ~~ولقيه ابن قليج أرسلان فنزل له ms152 واحترمه وأكرمه، ونزل في خيمته، وأقام يحث ~~الناس على التخريب، وتتواصل أخبار العدو إليه، ويقع بينهم وبين اليزك ~~وقعات، ويسرق العرب من خيولهم ويقاتلهم رجالهم. ### | ذكر وصول رسول مركيس # وفي غضون ذلك وصل رسول المركيس يذكر أنه يصالح الإسلام بشرط أن يعطى صيدا ~~وبيروت، على أن يجاهر الإفرنج بالعداوة ويقصد عكا ويحاصرها ويأخذها منهم، ~~واشترط أن يبذل للسلطان اليمين على ذلك ابتداء قسير العدل النجيب وحمله ~~الإجابة إلى ملتمسه لقصد فصله عن الإفرنج فإنه كان خبيثا ملعونا، وكان قد ~~استشعر منهم أخذ بلده وهي صور فانحاز عنهم واستعصم بصور وهي منيعة فقال ذلك ~~القول لهذا السبب، وسار النجيب العدل مع رسوله في الثاني عشر واشترط عليه ~~أن يبدأ بمجاهرة القوم وحصار عكا أخذها # PageV01P285 # وإطلاق من بها وبصور من الأسرى، وعند ذلك يسلم إليه الموضعان. وفي عشية ~~ذلك اليوم خرج رسول ملك الأنكتار إلى الملك العادل في تحريك سلسلة الحديث ~~في الصلح. # ولما كان الثالث عشر من رمضان رأى السلطان أن يتأخر العسكر الجميل ليتمكن ~~الناس من إنقاذ دوابهم إلى العلوفة، فإنا كنا على الرملة قريبين من العدو، ~~ولا يمكن التفريط في الدواب خشية المهاجمة، فرحل ونزل على جبل متصل بجبل ~~النطرون بالثقل الكبير وجمع العساكر ما عدا اليزك على العادة، وذلك بعد ~~خراب الرملة ولد، ولما نزل هناك دار حول النطرون وأمر بخرابها، وكانت قلعة ~~منيعة حصينة من القلاع المذكورة فشرع في خرابها. # وترددت الرسل بين الملك العادل والأنكتار يذكرون أنه قد سلم أمر الصلح ~~إلى الملك العادل، وأخلد إليه، وخرج في عشرة أنفس إلى اليزك، فأخبروه ~~بأخبار طيبة وكتب بها إلى السلطان في السابع عشر، وكان مما اخبره به أخوه ~~أن الملك افرنسيس مات، وكان موته # PageV01P286 # بأنطاكية عن مرض عرض له، وأن الأنكتار عاد إلى عكا، وكان سبب عوده أنه صح ~~عند مراسلة المركيس للسلطان وبلغه أن المركيس قد انتظم الحال بيننا وبينه ~~وأنه قد استقرت القاعدة على عكا، فعاد هو إلى عكا لفسخ هذه المصالحة ~~واسترجاع المركيس إليه، ms153 فركب السلطان إلى اليزك واجتمع بأخيه في لد، وسأله ~~عن الأخبار، وعاد إلى المخيم وقت العصر، وأتى باثنين من الإفرنج قد تخطفهم ~~اليزك فأخبروا بصحة موت الإفرنسيس وعود الأنكتار إلى عكا. ### | ذكر مسير الملك العادل إلى القدس # ولما كان التاسع عشر اقتضى الحال تفقد القدس والنظر في عمارته، وكان ~~الملك العادل قد عاد من اليزك وعلم بعد مسير مقدمي الإفرنج عنا فرأى أن ~~يكون هو الذي يسير، فسار في هذا اليوم لهذا الغرض. وفي تاريخ هذا اليوم وصل ~~كتاب من تقي الدين يخبر فيه أن قزل صاحب ديار العجم ابن يلدكز قفز عليه ~~أصحابه فقتلوه، وقيل أن ذلك كان من تحت يد زوجته تعصبا للسلطان طغريل، وجرى ~~بسبب قتله خبط عظيم في بلاد العجم، وكان قتله في أوائل شعبان من هذه السنة. # PageV01P287 # ولما كان الحادي والعشرون من رمضان قدم الملك العادل من القدس، وفي هذا ~~التاريخ وصل كتاب من الديوان العزيز النبوي يذكر فيه قصد الملك المظفر تقي ~~الدين خلاط ويذكر فيه العناية التامة ببكتمر ويشفع في حسن بن قفجاق والتقدم ~~بإطلاقه، وكان قد قبض عليه مظفر الدين بن زين الدين بإربل ويتقدم بمسير ~~القاضي الفاضل إلى الديوان لبث حال وفصل أمر وسير الكتاب إلى الفاضل ليقف ~~عليه ويكتب إلى تقي الدين. ### | ذكر أخبار يزك كان على عكا # ولصوص دخلوا في خيام العدو # ولما كان الثاني والعشرون أحضر لصوص فرسا وبغلة قد دخلوا إلى خيم العدو ~~وسرقوهما، وكان قد رتب رحمه الله ثلاثمائة لص من شلوح العرب يدخلون ويسرقون ~~منهم أموالهم وخيولهم ويسرقون الرجال أحيانا، وذلك أنه يكون الواحد منهم ~~نائما فيوضع على حلقه الخنجر ثم يوقظ فيرى الشلح وقد وضع الخنجر على نحره ~~فيسكت ولا يتجاسر أن يتكلم فيحمل وهو على هذا الوضع إلى أن يخرج من الخيم ~~ويؤخذ أسيرا، وتكلم منهم جماعة # PageV01P288 # فنحروا، فصار من أصابه ذلك لا يتكلم، واختاروا الأسر على القتل، وداموا ~~على ذلك مدة طويلة إلى انتظام الصلح. # وفي ذلك اليوم وصل من اليزك من ms154 أخبر أنهم خرجوا من عكا يتفسحون وأن اليزك ~~حمل عليهم فأسر منهم أحدا وعشرين نفسا، وأن الأسرى أخبروهم بصحة عود ~~الأنكتار إلى عكا وأنه مريض بها، وخبروا عن ضعف أهل عكا وفقرهم وقلة الميرة ~~عندهم. وفي هذا التاريخ وصل للعدو مراكب عدة قيل أنها وصلت من عكا وأن فيها ~~الأنكتار قد عاد بجماعة عظيمة ليقصد عسقلان ويعمرها، وقيل يقصد القدس، ~~والله اعلم. # ولما كان الرابع والعشرون وصل الأسرى المذكورون من الزيب وكان وصولهم ~~فرحا للمسلمين مبشرا بكل خير وفيه وصل رسول قزل وكان قد سيره قبل وفاته، ~~ورسول ابن أخيه إيناج، وفي عشيته وصل رسول من الأنكتار معه حصان إلى الملك ~~العادل في مقابلة هدية كان أنفذها عليه، وفيه وصل خبر وفاة حسام الدين ~~لاجين بدمشق لمرض كان اعتراه فصعب على السلطان موته وشق عليه، وفيه وصل ~~كتاب من سامة يذكر فيه أن البرنس أغار على جبلة واللاذقية وانه كسر كسرة ~~عظيمة وقتل منه جماعة وعاد إلى أنطاكية. # PageV01P289 ### | ذكر رسول الملك العادل إلى الأنكتار # ولما كان السادس والعشرون كان اليزك للعادل فطلب الأنكتار رسوله فأنفذ ~~الصنيعة وهو كاتبه. وكان شابا حسنا، فوصل إليه وهو في بازور قد خرج في جمع ~~كثير من الرجالة وانبثوا في تلك الأرض فاجتمع به وسار معه زمنا طويلا ~~وحادثه في معنى الصلح وقال لا ارجع عن كلام أتحدث به من أخي وصديقي، يعني ~~العادل، وذكر له كلاما وعاد وأخبره به، فكتبه الملك العادل في رقعة وأنفذها ~~إلى السلطان وكان يتضمن أنك تسلم عليه وتقول له إن المسلمين والإفرنج قد ~~هلكوا وخربت البلاد وخرجت من يد الفريقين بالكلية، وقد تلفت الأموال ~~والأرواح من الطائفتين وقد أخذ هذا الأمر حقه وليس هناك حديث سوى القدس ~~والصليب والبلاد، والقدس متعبدنا ما ننزل عنه ولو لم يبق منا إلا واحدا. ~~وأما البلاد فيعاد إلينا ما هو قاطع الأردن. وأما الصليب فهو خشبة عندكم لا ~~مقدار له وهو عندنا عظيم فيمن به السلطان علينا ونصطلح ونستريح من هذا ~~التعب. ولما ms155 وقف السلطان على هذه الرسالة استدعى أرباب المشورة في دولته ~~واستشارهم في الجواب والذي رآه السلطان أن قال القدس لنا كما هو لكم، وهو ~~عندنا أعظم مما هو عندكم، فإنه مسرى نبينا ومجتمع الملائكة، فلا تتصور أن ~~ننزل عنه ولا نقدر على التفريط بذلك بين المسلمين، وأما البلاد فهي أيضا ~~لنا في الأصل واستيلاؤكم عليها كان طارئا عليها لضعف من كان فيها من ~~المسلمين في ذلك الوقت، وما يقدركم الله على عمارة حجر منها ما دام الحرب ~~قائما، وما في أيدينا منها نأكل بحمد الله مغله وننتفع به. وأما الصليب ~~فهلاكه عندنا قربة عظيمة لا يجوز لنا أن نفرط فيها إلا لمصلحة راجعة إلى ~~الإسلام هي أوفى منها، وسار هذا الجواب إليه مع الواصل منه. # PageV01P290 ### | ذكر هرب شيركوه بن باخل الكردي # من عكا وكان أسيرا # ولما كان آخر السادس والعشرين وصل شيركوه بن باخل وهو من جملة الأمراء ~~المأسورين بعكا وكان من قصته أنه هرب ليلة الحادي والعشرين، وذلك أنه كان ~~ادخر له حبلا في مخدته وكان الأمير حسن بن باريك ادخر له حبلا في بيت ~~الطهارة واتفقا على الهرب ونزلا من طاقة كانت في بيت الطهارة، وانحدرا من ~~السور الأول وعبر شيركوه من الباشورة وكان ابن باريك حالة نزوله انقطع به ~~الحبل ونزل شيركوه سليما، فرآه وقد تغير من الوقعة فكلمه فلم يجبه، وحركه ~~فلم يتحرك، فهزه لعله ينشط فيسير معه فلم يقدر، فعلم أنه إذا أقام عنده ~~أخذا جميعا، فتركه وانصرف واشتد هربا في قيوده حتى أتى تل العياضية وقد طلع ~~الصبح، فأكمن في الجبل حتى علا النهار، وكسر قيده وسار وستر الله حتى أتى ~~المعسكر ومثل بخدمة السلطان، وكان من أخباره أن سيف الدين المشطوب ضيق عليه ~~وأنه قطع على نفسه قطيعة عظيمة من خيل وبغال وأنواع الأموال وأن الملك ~~الأنكتار أتى عكا وأخذ كل ما له بها من خدمه ومماليكه وأقمشته ولم يبق له ~~منها شيئا، وأن فلاحي الجبل يمدونه بالميرة مددا عظيما، وأن طغرل السلحدار ms156 ~~أخذ خواص مماليك السلطان وهربوا قبل هروبه. # PageV01P291 ### | ذكر رسالة سيرني فيها الملك العادل إلى السلطان # مع جماعة من الأمراء # وذلك أنه لما كان التاسع والعشرون من رمضان استدعاني الملك العادل في ~~صحبته، واحضر جماعة من الأمراء علم الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين بن ~~المقدم وحسام الدين بشارة، وشرح لنا ما عاد به رسوله من الأنكتار من ~~الرسالة والكلام، وذلك أنه ذكر أنه قد أراد أن يتزوج الملك العادل بأخت ~~الأنكتار وكان قد استصحبها معه من صقلية، فإنها كانت زوجة صاحبها وقد مات ~~فأخذها أخوها لما اجتاز بصقلية، فاستقرت القاعدة على أن يكون مستقر ملكها ~~بالقدس، وأن أخاها يعطيها بلاد الساحل التي بيده من عكا إلى يافا وعسقلان ~~إلى غير ذلك ويجعلها ملكة الساحل ويجعله ملك الساحل ويكون ذلك مضافا إلى ما ~~في يده من البلاد والإقطاع وأنه يسلم إليه صليب الصلبوت وتكون القرى ~~للداوية والأسبتار والحصون لهما وأسرانا تفك وكذلك أسراهم وأن الصلح يستقر ~~على هذه القاعدة ويرحل الأنكتار طالبا بلاده في البحر وينفصل الأمر، هكذا ~~ذكر رسول العادل عن الأنكتار. ولما عرف ذلك العادل بنى عليه أن استحضرنا ~~عنده وحملنا هذه الرسالة إلى السلطان وجعلني المتكلم فيها ولجماعة يسمعون ~~ونعرض عليه هذا الحديث فإن استصوبه ورآه مصلحة للمسلمين شهدنا عليه بالإذن ~~في # PageV01P292 # ذلك والرضا به، وإن أباه شهدنا عليه أن الحال في الصلح قد انتهى إلى هذه ~~الغاية وأنه هو الذي رأى إبطاله، فلما مثلنا بالخدمة السلطانية عرضت عليه ~~الحديث وتلونا عليه الرسالة بمحضر من الجماعة المذكورين، فبادر إلى الرضا ~~بهذه القاعدة معتقدا أن الأنكتار لا يوافق على ذلك أصلا، فإن هذه منه مكر ~~وهزل، فكررت عليه الرضا بذلك ثلاث مرات وهو يقول نعم ويفرح ويشهد على نفسه ~~به، فلما تحققنا منه ذلك عدنا إلى الملك العادل فعرفناه بما قال، وعرفه ~~الجماعة أني كررت عليه الحديث في تقييد الشهادة عليه وأنه أصر على الإذن في ~~ذلك واستقرت القاعدة عليه. ### | ذكر عودة الرسول إلى الأنكتار # بالجواب عن هذه الرسالة ms157 # ولما كان ثاني شوال سار ابن النحال رسولا من جانب السلطان ومن جانب الملك ~~العادل، فلما وصل إلى مخيم العدو وأنفذ من عرف الملك بقدومه، أنفذ إليه من ~~قال له أن الملكة عرض عليها أخوها النكاح فسقطت من ذلك وغضبت بسببه وأنكرت ~~ذلك إنكارا عظيما وحلفت بدينها المغلظ من يمينها أنها لا تفعل ذلك وكيف ~~تمكن مسلما من غشيانها، ثم قال أخوها: إن الملك العادل يتنصر وأنا أتمم ~~ذلك، وترك باب الكلام مفتوحا. # PageV01P293 # ولما كان خامس شوال وصل الخبر أن الأسطول الإسلامي استولى على مراكب ~~الإفرنج وفيها مركب يعرف بالسطح، قيل أنه كان فيه أنفر وزائد على ذلك وأنه ~~قتل منهم خلق عظيم واستبقى منهم أربعة مذكورون، وسر المسلمون بذلك، وضربت ~~بشائر النصر، ونعق بوق الظفر، فلله الحمد والمنة. # ولما كان سادس شوال جمع السلطان أكابر الأمراء وأرباب الآراء من دولته ~~وشاورهم كيف يصنع إن خرج العدو، وكان قد تواصلت الأخبار عنهم أنهم قد ~~اتفقوا على الخروج إلى العسكر الإسلامي، فانفصل الرأي بين ذوي الآراء على ~~أنهم يقيمون بمنزلهم بعد تخفيف الأثقال، فإن خرج الإفرنج كانوا على لقائهم. # وفي عشية ذلك اليوم استأمن من الإفرنج اثنان على فرسين وأخبرا أن العدو ~~على عزم الخروج وأنهم زهاء عشرة آلاف فارس، وذكر أنهم لا يعرفون قصدهم، ~~وهرب أسير مسلم من جانبهم وأخبر أنهم قد أظهر الخروج إلى الرملة ثم فيها ~~يتعقون على موضع يقصدونه. ولما تحقق السلطان أمر الجاويش أن ينادي في ~~العسكر حتى يتجهز جريدة وشدت الرايات واتفق على أنه يقف قبالة القوم إن ~~خرجوا وسار في السابع مؤيدا منصورا حتى أتى قبلي كنيسة الرملة ليلا فخيم ~~هناك ليليه. # PageV01P294 ### | ذكر خروج الإفرنج من يافا # ولما كانت صبيحة الثامن رتب الأبطال للقتال وسلم اليزك للملك العادل ~~وتبعه من يريد من الغزاة وكان قد وصل وجماعة من الروم يريدون الغزاة فخرجوا ~~في جملة من خرج فلما وصلوا إلى خيام الإفرنج هجم عليهم المماليك السلطانية ~~لقوة جأشهم وأنسهم بقتالهم وثقتهم بمراكبهم ورموا عليهم النشاب ms158 فرآهم ~~الغزاة والواصلون من الروم فاغتروا بإقدامهم ووافقوهم في فعلهم وقاربوا ~~عسكر العدو فلما رأى الإفرنج تلك المضايقة والمنازلة ثارت هممهم وحركتهم ~~نخوتهم فركبوا من داخل الخيام وصاحوا صيحة الرجل الواحد وحملوا في جمع كثير ~~فنجا من سبق به جواده وقدر في القدم نجاته وظفروا بجماعة فقتل منهم ثلاثة ~~نفر ونقلوا خيامهم إلى بازور وأقام السلطان في تلك الليلة بمنزلته إلى ~~الصباح. ### | ذكر وفاة تقي الدين الملك المظفر # ولما كان الحادي عشر ركب السلطان إلى جهة العدو فأسرف عليهم ثم عاد ~~وأمرني بالإشارة إلى أخيه بأن يحضر معه علم الدين سليمان وسابق الدين وعز ~~الدين بن المقدم فلما مثل الجماعة بين يديه أمر خادما أن يخلي المكان عن ~~غير الحاضرين وكنت في جملتهم وأمر بإبعاد الناس عن الخيمة ثم أخرج # PageV01P295 # كتابا من قباه وفضه ووقف عليه وبدت دموعه وغلبه البكاء والنحيب حتى ~~وافقناه من غير أن نعلم السبب ما هو وفي أثناء ذلك ذكر أنه يتضمن وفاة ~~الملك المظفر فأخذ الجماعة في البكاء حتى أتوا بوظيفته ثم ذكرته لله تعالى ~~وانتهاء قضائه وقدره فقال أستغفر الله إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: ~~المصلحة كتم ذلك وإخفاؤه لئلا يتصل بالعدو ونحن ننازله. ثم أحضر الطعام، ~~فأكلوا الجماعة وانفصلوا، وكان الكتاب الواصل المتضمن نعيه هو غير الكتاب ~~الواصل إلى حماة بنعيه في طي كتاب وصل من النائب بها، وكانت وفاته بطريق ~~خلاط عائدا إلى ميافارقين فحمل ميتا إلى ميافارقين ثم عملت له تربة عليها ~~مدرسة مشهورة بأرض حماة وحمل إليها، وزرت ضريحه، وكانت وفاته تاسع عشر ~~رمضان سنة سبع وثمانين. ### | ذكر كتاب وصل من بغداد # ولما كان الثاني عشر من شوال وصل من دمشق كتاب من النواب بها في طيه كتاب ~~من بغداد من الديوان العزيز النبوي مجده الله يتضمن فصولا ثلاثة: الأول ~~الإنكار على الملك المظفر في مسيره إلى بكتمر وبولغ فيه حتى قيل إن الديوان ~~العزيز لا يسلمه. والفصل الثاني يتضمن الإنكار على مظفر الدين في إمساك حسن ~~بن ms159 قفجاق والأمر بإعادته إلى الكرخاني وبولغ فيه حتى قيل إن الديوان العزيز ~~لم يأذن لغيره في سكناها. وكانت قصة حسن بن قفجاق أنه قصد أرمية إلى ~~السلطان طغريل فإنه كان قد نزل به في معونته لما هرب من ديار العجم واستنصر # PageV01P296 # به وتزوج أخته ووقع في ذهنه أنه يكون أتابكه ويملك به البلاد فقصد أرمية ~~فقتل أهلها على ما قيل وسبى نساءهم وذراريهم وتعرض للقوافل وكان معقله ~~الكرخاني فلما وجد السلطان طغريل قوته تركه وانصرف عنه وعاد إلى بلاده ~~وأظهر الفساد في الأرض والتعرض للقوافل على ما قيل فاستعطفه مظفر الدين ~~صاحب إربل حتى عاد إليه وانخرط في سلك أصحابه وقبض عليه وأنفذ إلى الديوان ~~العزيز ذلك وفي معناه استيلاء مظفر الدين على بلاده ولعله تشفع إلى الديوان ~~فاقتضت عاطفته ذلك في حقه. وأما الفصل الثالث فكان يتقدم بإحضار القاضي ~~الفاضل في الديوان رسولا لتقرر عليه قواعد ويسر إليه أسباب. هكذا كان مضمون ~~الكتاب، وأما الجواب عنه فإن السلطان أجاب عن الفصل الأول بأنا لم نأمره ~~بشيء من ذلك وإنما عبر ليجمع العساكر ويعود إلى الجهاد فاتفقت أسباب اقتضت ~~ذلك وقد أمرنا بالعود. وأما الفصل الثاني فأجاب عنه بأن عرفهم حال بأن ~~قفجاق وما تصدى له من الفساد في الأرض وأنه تقدم إلى مظفر الدين حتى يحضره ~~معه إلى الشام فيقطعه فيه ويكون ملازما للجهاد. وأما الفصل الثالث فإنه ~~اعتذر عن القاضي الفاضل بأنه كثير الأمراض وقوته تضعف عن الحركة إلى ~~العراق. فهذا اكن حاصل الجواب. ### | ذكر وصول صاحب صيدا رسولا ### | من جانب المركيس # ولما كان ثالث عشر شوال وصل من # PageV01P297 # أخبر بوصول صاحب صيدا من جانب المركيس صاحب صور وكان قد جرى بيننا وبينه ~~أحاديث مترددة حاصلها أنهم ينقطعون عن الإفرنج ونصرتهم ويصيرون معنا عليهم ~~بناء على فتنة كانت جرت للمركيس مع الملوك بسبب امرأة تزوجها كانت زوجة ~~لأخي الملك جفري وقبح نكاحها بأمر اقتضاه دينهم فاضطربت آراؤهم فيه فخاف ~~المركيس على نفسه فأخذ زوجته وهرب تحت الليل إلى ms160 صور وأخلد إلى السلطان ~~والاعتضاد به وكان في ذلك مصلحة للمسلمين لانقطاع المركيس عن الإفرنج فإنه ~~كان أشدهم بأسا. وأعظمهم للحرب مراسا. وأثبتهم في التدبير أساسا. وحين اتصل ~~خبر وصول هذا الرسول بالسلطان أمر بإجلاله واحترامه فضربت خيمة وضرب حولها ~~شقة ووضع فيها من الطرح والفرش ما يليق بعظمائهم وملوكهم وأمر بإنزاله في ~~الثقل يستريح ثم يجتمع به. ### | ذكر واقعة الكمين الذي استشهد فيه إياس المهراني # ولما كان سادس عشر شوال أمر السلطان الحلقة أن كمنت للعدو في بطون أودية ~~هناك واستصحبوا جماعة من العرب فلما استقر الكمين في موضعه ظهرت العرب على ~~جاري عادتها في مناوشتها العدو وكان العدو تخرج منه جماعة للاحتشاش ~~والاحتطاب قريبا من مخيمة تضرب العرب وتضرب العرب عليهم فضربوا عليهم ووقع ~~الحرب وثار الصياح وسمع العدو فركب منهم جمع من الخيالة وطلبوا جهة العرب # PageV01P298 # فانهزم العرب بين أيديهم إلى جهة الكمين والعدو يتبعهم طمعا حتى قاربوا ~~الكمين فخرج الكمين عليهم وصاحوا بهم صيحة الرجل الواحد فانهزموا بين ~~أيديهم نحو خيامهم واتصل الخبر بالعدو فركب منهم خلق عظيم وقصدوا نحو ~~الوقعة والتحم القتال واشتد الأمر وقتل جمع من الطائفتين وأسر وجرح من ~~العدو وأخذ منهم خيل كثيرة وكان سبب انفصال الحرب أن السلطان أحس بهذه ~~الوقعة فأنفذ أمراء أخر أسلم وسيف الدين يازكج ومن يجري مجراهما ردأ ~~للمسلمين وقال: إذا رأيتم الغلبة على الكمين فاظهروا. فلما رأوا الكثرة من ~~جانب العدو وخرجوا بخيلهم ورجلهم ولما رأى العدو الأطلاب الإسلامية قد صوبت ~~نحوه أعنة خيلها ولوا الأدبار نحو خيامهم والسيف يعمل في أقفيتهم حتى دخلوا ~~الخيام. وانفصل الحرب قبيل الظهر وكان السلطان قد ركب متشوفا أخبار الكمين ~~وكنت في خدمته وكان أول من دخل من الوقعة ووصل جماعة من العرب ومعهم خمس ~~رؤوس من الخيل قد أخذوها وانفصلوا قبل انفصال الحرب وما زالت الطلائع ~~تتواتر والبشائر تتواصل، وقتل العدو زهاء ستين نفرا وجرح من المسلمين جماعة ~~منهم إياس المهراني وكان شجاعا معروفا واستأمن اثنان بخيولهما وعدتهما وعاد ms161 ~~السلطان إلى خيمته فرحا مسرورا معرضا من قتل فرسه، متلطفا بالجريح، مترجما ~~على # PageV01P299 # الشهيد. # وفي بقية هذا اليوم وصل رسول الأنكتار إلى الملك العادل يعتبه على الكمين ~~ويطلب الاجتماع به. ### | ذكر ما جرى للملك العادل والأنكتار واجتماعهما # ولما كان الثامن عشر سار الملك العادل إلى اليزك وضربت له قبة عظيمة وسار ~~ومعه من الأطعمة والحلاوات والتجملات والتحف وما جرت العادة أن يحمل من ملك ~~إلى ملك وهو إذا تجمل في ذلك لا يغلب، وسار الأنكتار إلى خيمته وحضر عنده ~~فاحترمه احتراما عظيما ووصل مع الأنكتار إلى خيمته وأحضر من طعامهم الذي ~~يختصون به ما أتحف به الملك العادل على وجه المطايبة فتناول منه الملك ~~العادل وتناول هو وأصحابه الواصلون معه من طعام الملك العادل وتحادثا معظم ~~ذلك النهار وتفاصلا على تواد ومحبة أكيدة. ### | ذكر الرسالة التي أنفذها الأنكتار إلى السلطان # وفي ذلك اليوم سأل الأنكتار الملك العادل أن يلتمس من السلطان الاجتماع ~~به والمثول بين يديه. ولما وصلت هذه الرسالة شاور # PageV01P300 # السلطان الجماعة في الجواب فما منهم من وقع له ما وقع للسلطان. وذلك أنه ~~قال: الملوك إذا اجتمعوا يقبح منهم المخاصمة بعد ذلك فإذا انقطع أمر حسن ~~الاجتماع والاجتماع لا يكون إلا لمفاضة في مهم، وأنا لا أفهم بلسانك وأنت ~~تفهم بلساني ولا بد من ترجمان بيننا نثق أنا وأنت به فليكن ذلك الترجمان ~~رسولا حتى يستقر أمر وتستتب قاعدة وعند ذلك يكون الاجتماع الذي يعقبه ~~الوداد والمحبة. قال الرسول: ولما سمع الأنكتار هذا الجواب استعظمه وعلم ~~أنه لا يقدر على بلوغ غرض إلا بالدخول تحت المراضي السلطانية # ولما كان التاسع عشر جلس السلطان واستحضر صاحب صيدا لسماع رسالته وكلامه ~~فحضر وحضر معه جماعة وصلوا معه وكنت حاضر المجلس فأكرمه إكراما عظيما ~~وحادثهم وقدم بين أيديهم ما جرت به العادة. ولما فرغ الطعام خلا بهم وكان ~~حديثهم في أن السلطان يصالح المركيس صاحب صور وكان قد انضم إليه جماعة من ~~أكابر الإفرنجية منهم صاحب صيدا وغيره من المعروفين وقد ms162 سبقت قصته وكان من ~~شروط الصلح معه إظهار عداوة الإفرنج البحرية وكان سبب ذلك شدة خوفه منهم ~~وواقعة وقعت له معهم بسبب الزوجة وبذل له السلطان الموافقة على شروط قصد ~~بها الإيقاع بينهم وأن يقتل بعضهم فلما سمع السلطان # PageV01P301 # حديثه وعد أن يرد عليه الجواب فيما بعد وانصرف عنه في ذلك اليوم. ### | ذكر وصول رسول الأنكتار وهو ابن الهنغري # وهو من أكابرهم وملوكهم ومن أولاد ملوكهم # وصل وفي صحبته شيخ كبير ذكروا أن عمره مائة وعشرون سنة فأحضره السلطان ~~عنده وسمع كلامه. وكانت رسالته أن الملك يقول إني أحب صداقتك ومودتك وأنك ~~ذكرت أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك فأريد أن تكون حكما بيني وبينه ~~ولا بد أن يكون لنا علقة بالقدس الشريف ومقصودي أن نقسم بحيث لا يكون عليه ~~لوم من المسلمين ولا علي لوم من الإفرنجية فأجابه في الحال بوعد جميل ثم ~~أذن له في العود في الحال وتأثر بذلك تأثرا عظيما وأنفذ وراءهم من سألهم عن ~~حديث الأسارى وكان منفصلا عن حديث الصلح. فقال: إن كان صلح فعلى الجميع وإن ~~لم يكن صلح فلا يكون من حديث الأسارى شيء وكان غرضه رحمه الله أن ينسخ ~~قاعدة الصلح فإنه التفت إلي في آخر المجلس بعد انفصالهم وقال متى ما ~~صالحناهم لا تؤمن غائلتهم فإنني لو حدث لي حادث الموت ما تكاد تجتمع هذه ~~العساكر وتقوى الإفرنج فالمصلحة أن لا نزال على الجهاد حتى نخرجهم من ~~الساحل أو يأتينا الموت. هذا كان رأيه قدس الله روحه وإنما غلب على الصلح. # PageV01P302 ### | ذكر مشورة ضربها في التخيير بين الصلح # بين الأنكتار والمركيس # ولما كان حادي عشر شوال جمع السلطان الأمراء والأكابر وأرباب المشورة ~~وذكر لهم القاعدة التي التمسها المركيس واستقر الأمر من جانبه عليها وهي ~~أخذ صيدا وأن يكون معنا على الإفرنج ويقاتلهم ويجاهرهم بالعدوان، وذكر ما ~~التمسه الملك من تقرير قاعدة الصلح وهي أن تكون لنا من القرى الساحلية ~~مواضع معينة وتكون لنا الجبليات بأسرها أو تكون القرى كلها مناصفة ms163 وعلى ~~هذين القسمين يكون لهم قسوس فيبيع القدس الشريف وكنائسه. وكان الأنكتار قد ~~خيرنا بين هذين القسمين فشرح قدس الله روحه الحال في القاعدتين للأمراء ~~واستنبط آراءهم في ترجيح أحد الحالين فرأى أرباب الرأي أنه إن كان صلح ~~فليكن مع الملك فإن مصافاة الإفرنج للمسلمين بحيث يخالطوهم بعيدة غير ~~مأمونة الغائلة. وانفض الناس وبقي الحديث مترددا في الصلح والرسل تتواتر في ~~تقرير قواعد الصلح. وأصل التقاعد أن الملك قد بذل أخته للملك العادل بطريق ~~النرويج وأن تكون البلاد الساحلية الإسلامية والإفرنجية لهما، فأما ~~الإفرنجية فلها من جانب أخيها والإسلامية له من جانب السلطان وكان آخر ~~الرسائل من الملك في المعنى أن قال: إن معاشر دين النصرانية قد أنكروا علي # PageV01P303 # وضع أختي تحت مسلم بدون مشاورة البابا وهو كبير دين النصرانية ومقدمه وها ~~أنا أسير رسولا يعود في ستة أشهر فإن أذنت فيها ونعمت وإلا زوجتك ابنة أخي ~~وما أحتاج إلى إذنه في ذلك. هذا كله وسوق الحرب قائم، والقتال عليهم ضربة ~~لازم، وصاحب صيدا يركب مع الملك العادل في الأحيان ويشرف على الإفرنج وهم ~~كلما رأوه تحركوا لطلب الصلح خوفا من أن ينضاف المركيس إلى المسلمين وعند ~~ذلك تنكسر شوكتهم ولم يزل الحال كذلك إلى خامس عشر شوال. ### | ذكر رحيله رحمه الله إلى تل الجزر # ولما كان ذلك اليوم أصبح الملك على عزم الرحيل وأحضر أرباب الرأي وشاورهم ~~في جواب رسالة القوم وعرض عليهم حديثه وذكر ما عندهم في ذلك وأحضر الرسل ~~وكان ابن الهنغري يترجم بينه وبين البحرين واستقرت القاعدة على أن ينفذ ~~معهم رسولين: رسولا من جانبه ومن جانب العادل الآخر لأن الحديث كان يتعلق ~~به وكان من جملة من رسالتهم أن البابا إن أذن في هذا العقد تم، وإن لم يأذن ~~زوجنا الملك العادل بابنة أخي الملك وهي بكر وذكروا أن من ينهم أن البابا ~~إنما يحتاج إلى إذنه في تزويج الثيب من بنات # PageV01P304 # الملوك وأما الأبكار فيزوجها أهلها. وانفصل الحال على ذلك وسارت الرسل ~~إلى خيم ms164 الملك العادل ليجهز رسول السلطان ويلحقه، ثم وصل بعد ذلك من اليزك ~~من أخبر أن الفرنج قد انتشر منهم راجل كثير وخرجوا عن الأسوار التي لهم ولم ~~يظهر لخروجهم غائلة، وسار رحمة الله عليه إلى تل الجزر لارتياد اليزك وتبعه ~~الناس في الرحيل فما كان الظهر إلا ورحل الناس إلى السلطان ونزلنا بتل ~~الجزر. ولما عرف الإفرنج بعود السلطان رحلوا عائدين وأقام السلطان بتل ~~الجزر ثم رحل إلى جهة القدس الشريف ورحل الإفرنج إلى جهة بلادهم واشتد ~~الشتاء واعظمت الأمطار وسار السلطان إلى القدس الشريف وأعطى العسكر دستورا ~~وأقمنا بالقدس في ذلك الشتاء أجمع. وعاد العدو إلى بلادهم ووصل الأنكتار ~~عساكره إلى يافا وعاد إلى عكا ينظر في أحوالها فأقام مدة ثم وصل منه رسول ~~يقول إني أوثر الاجتماع بالملك العادل ففيه مصلحة تعود على الطائفتين فقد ~~بلغني أن السلطان فوض أمر الصلح إلى أخيه الملك العادل فاتفق الرأي في مضي ~~الملك العادل على أنه يمضي بحيث يجتمع بعساكرنا التي في الغور وكوكب وتلك ~~النواحي ويحدثه ويقول له أن الحديث جرى بيننا مرارا وما أسفر عن مصلحة فإن ~~كانت هذه الدفعة كتلك الدفعات فلا حاجة إلى الحديث، وإن كان الغرض بت حال ~~فقارب الحال وأنا لا أجتمع # PageV01P305 # بك إلا أن رأي ما يقارب فصل الحال وقرر مع الملك العادل أن رأى ما يمكن ~~معه فصل الحال وإلا طاوله وماطله إلى أن تصل العساكر من الأطراف فالتمس ~~الملك العادل تذكرة تتضمن إنهاء ما ينفصل الحال عليه فكتب تذكرة فيها ~~المناصفات وذكر فيها من أمر بيروت أنه أصر على طلبها وأن نعطي صليب الصلبوت ~~ويكون لهم في القمامة قس ويفتح لهم باب زيارتها بشرط أن لا يحملوا السلاح ~~وكان الحامل على ذلك ما أخذ الناس من تعب مواظبة الغزاة وكثرة الديون ~~والبعد عن الأوطان فإن من الناس من كان لا يفارق السلطان ولا يمكنه طلب ~~دستور منه. ### | ذكر مسير الملك العادل # وكان مسيره من القدس الشريف عصر الجمعة رابع ربيع الأول سنة ms165 ثمان وثمانين ~~وخمسمائة ثم وصل كتابه من كيسان يخبر أنه لقيه الهنغري مع الحاجب أبي بكر ~~رسولا من الأنكتار يقوا إنا قد وافقنا على قسمة البلاد وأن كل من في يده ~~شيء فهو له، فإن كان ما في أيدينا زائدا أخذتم في مقابله ما يقابل الزيادة ~~مما يخصنا، وإن كان ما في أيديكم أكثر فعلنا كذلك ويكون القدس لنا ولكم فيه ~~الصخرة. هكذا كان مضمون الكتاب. فأوقف السلطان عليه الأمراء فاستصوب ذلك ~~الأمير أبو الهيجاء ورأى من حال هذا المقال أن يوافق عليه الملك العادل وهو ~~مصلحة. وسار الجواب إلى الملك العادل في ذلك. # ولما كان # PageV01P306 # حادي عشر ربيع الأول وصل الحاجب أبو بكر صاحب الملك العادل يخبر أن ~~الأنكتار سار إلى يافا من عكا وأن الملك العادل ما رأى أن يجتمع بخ إلا عن ~~قاعدة منفصلة وأنه جرى بين هذا الحاجب وبين الأنكتار مفاوضات كثيرة حاصلها ~~أنه نزل على أن تكون الصخرة لنا والقلعة في أيدينا والباقي مناصفة وأن لا ~~يكون في البلد منهم مذكور وأن تكون قرى القدس وباطنه مناصفة ثم قدم الملك ~~العادل في سادس عشر ربيع الأول من الغور ولقيه السلطان وحكى ما سبق من ~~الخبر. # وفي بقية ذلك اليوم وصل من أخبر أن الإفرنج أغاروا على حلة عرب قريبة من ~~الدارون وأنهم أخذوا منهم جماعة وأنهم أخذوا منهم زهاء ألف رأس غنم فعظم ~~ذلك على السلطان وشق عليه فسير جماعة فلم تلحقهم. # PageV01P307 ### | ذكر انفصال رسول المركيس # وكان قد وصل يوسف غلام صاحب صيدا رسولا من جانب المركيس يلتمس الصلح مع ~~المسلمين فاشترط رحمه الله عليه شروطا منها أن يقاتل جنسه ويباينهم. ومنها ~~أن ما يأخذه من البلاد الإفرنجية بعد الصلح بانفراده يكون له وما نأخذه نحن ~~بانفرادنا يكون لنا وما نتفق نحن وهو على أخذه تكون له نفس البلد ويكون لنا ~~ما فيه من أسرى المسلمين وغير ذلك من الأموال. ومنها أن يطلق لنا كل أسير ~~مسلم في مملكته. ومنها أن فوض الأنكتار إليه أمر ms166 البلاد أمر يجري بينهم كان ~~الصلح بيننا وبينه على ما استقر بيننا وبين الأنكتار ما عدا عسقلان وما ~~بعدها فلا يدخل في الصلح وتكون الساحليات له وما في أيدينا لنا وما في ~~الوسط مناصفة وسار رسوله على هذه القاعدة. # ولما كان يوم الاثنين الثامن والعشرون من ربيع الأول وصل أسد الدين ~~شيركوه بن محمد بن شيركوه ووصل جريدة مقدما على عسكره. ### | ذكر خروج سيف الدين المشطوب من الأسر # وكان وصوله إلى القدس الشريف يوم الخميس مستهل جمادى الآخرى. دخل على ~~السلطان بغتة وعنده أخوه الملك العادل # PageV01P308 # فنهض له وعانقه وسر به سرورا عظيما وأخلى المكان وتحدث معه بطرف من ~~أحاديث العدو وسأله عن حديث الصلح فذكر أن الأنكتار سكت عنه. # وفي هذا اليوم كتب السلطان إلى ولده الملك الأفضل أن يسير إلى قاطع ~~الغزاة ويستلم البلاد من الملك المنصور بن الملك المظفر وكان قد أظهر ~~العصيان بسبب الخوف من السلطان على نفسه وأظهر ذلك ودخل في أمره الملك ~~العادل وسير إلى الملك العادل حتى يتحدث في أمره. وكان ذلك قد شق على ~~السلطان وأثار منه غيظا عظيما كيف يكون هذا الأمر من أهله ولم يكن أحد من ~~أهله خاف منه ولا طلب يمينه وهذا كان السبب في توقف الأنكتار في الصلح فإنه ~~ظن أن خلافه يكدر للسلطان شرب الغزاة ويحوجه إلى الموافقة على ما يرضاه ~~فأنفذ إلى الملك الأفضل أن يسير إلى البلاد وكتب إلى الملك الظاهر بحلب ~~المحروسة أن أخاه إن احتاج إلى معونة عاونه وجهزه بحملة كبيرة وسار باحترام ~~عظيم حتى وصل إلى حلب وأكرمه أخوه الملك الظاهر إكراما عظيما وعمل له ضيافة ~~تامة وقدم بين يديه تقدمة سنية. وعدنا إلى حديث العدو. ### | ذكر عودة رسول صور # ولما كان سادس ربيع الآخر من سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وصل يوسف من جانب ~~المركيس يجدد حديث الصلح ويقول قد انفصل الحال على شيء بينه وبين الإفرنجية ~~فإن نجز في هذه الأيام سارت الفرنسيسية في البجر وإن تأخر # PageV01P309 # بطل الحديث في ms167 الصلح بالكلية فرأى السلطان الصلح مع المركيس مصلحة ~~لاشتغال قلبه من جانب الشرق وخاف أن يتصل ابن تقي الدين بكتمر فيحدث من ذلك ~~ما يشتغل الخاطر من الجهاد فأجاب إلى ملتمس المركيس وكتب مع صاحبه مواضعة ~~علة نعت ما تقدم، وسار يوسف الرسول بالجواب تاسع ربيع الآخر. ### | ذكر قتل المركيس # ولما كان السادس عشر من الشهر وصل من الرسول المنفذ إلى المركيس كتاب أن ~~المركيس قتل وعجل الله بروحه إلى النار، وكانت صورة قتله أنه تقدم يوم ~~الثلاثاء ثالث عشر عند الأسقف ثم خرج فقفز عليه اثنان من أصحابه بالسكاكين، ~~وكان خفيفا من الرجال، فما زالا يضربانه حتى عجل الله بروحه إلى النار، ~~وأمسك الشخصان وسئلا عن هذا الأمر ومن حضهما عليه، فقالا: إن الأنكتار ~~حملنا عليه، وقام بالأمر اثنان فحفظا القلعة إلى أن اتصل الخبر بالملوك ~~وانعقد الأمر وتدبر المكان. ### | ذكر تتمة خبر الملك المنصور وما جرى له # وذلك أنه لما بلغه مؤاخذة السلطان أنفذ إلى الملك العادل رسولا يشفع به ~~ليطيب قلب السلطان ويقترح عليه أحد # PageV01P310 # قسمين إما حران والرها وسميساط، وإما حماة ومنبج وسلمية والمعرة مع كفالة ~~أخوته، فراجع الملك العادل السلطان مرارا فلم يجبه إلى شيء من ذلك، فكثرت ~~الشفاعة إليه من جميع الأمراء، وهزت شجر رأفة منه، فرجع خلقه النبوي وحلف ~~له على حران والرها وسميساط على أنه إذا عبر الفرات أعطي المواضع أفرجها ~~وتكفل أخوته ويتخلى عن تلك المواضع التي في يده ودخلت تحت ضمان الملك ~~العادل، ثم التمس الملك العادل خط السلطان ثانيا ولج عليه فمزق نسخة اليمين ~~في التاسع والعشرين من ربيع الآخر، وانفصل الحال وانقطع الحديث، وكنت ~~المتردد بينهما في ذلكن وأخذ الغيظ السلطان كيف يخاطب بمثل ذلك من جانب ~~أولاد أولاده. ### | ذكر قدوم رسول ملك الروم # ولما كان مستهل جمادى الأولى وصل رسول من قسطنطينية الكبرى والتقى ~~بالاحترام والإكرام ومثل بالخدمة السلطانية في ثالث الشهر، وكانت رسالته ~~تشتمل على مطالب، منها صليب الصلبوت، ومنها أن تكون القمامة بيد قسوس من ms168 ~~جانبه وكذا سائر كنائس القدس، ومنها أن يكون الاتفاق معه على أن يكون عدو ~~من عاداه وصديق من صادقه، وأن يوافق على قصد جزيرة قبرص، فأقام عنده يومين، ~~ثم سير معه رسول يقال له ابن البزاز من الديار المصرية، وأجيب بالمنع عن ~~جميع مقترحاته، وقيل إن الصليب قد بذل فيه ملك الكرج مائتي ألف دينار فلم ~~يجب إلى ذلك. # PageV01P311 ### | ذكر ما جرى للملك العادل # في البلاد التي هي قاطع الفرات # وذلك أنه لما سار الملك الأفضل رقق الملك العادل قلب السلطان على ابن تقي ~~الدين، وقد كثر الحديث في معناه، وأنفذني السلطان لمشاورة الأمراء في خدمة ~~الملك العادل في أمره، فجمعهم في خدمته، فذكرت لهم ما راسلني فيه إليهم، ~~فانتدب الأمير حسام الدين أبو الهيجاء للجواب، وقال نحن عبيده ومماليكه ~~وذلك صبي وربما حمله خوفه أن انضاف إلى جانب آخر ونحن لا نقدر على الجمع ~~بين قتال المسلمين والكفار، فإن أراد أننا نقاتل المسلمين صالحنا الكفار ~~وسرنا إلى ذلك الجانب وقاتلنا بين يديه، وإن أراد منا ملازمة الغزاة صالح ~~المسلمين وسامحهم. وهذا كان جواب الجميع، فرق السلطان وجدد نسخة يمين لابن ~~تقي الدين وحلف له بها وأعطاه خطه بما استقر من القاعدة. ثم إن الملك ~~العادل التمس من السلطان البلاد التي كانت بيد ابن تقي الدين بعد استقلاله، ~~وجرت مراجعات كثيرة في العوض عنها، وكنت الرسول بينهما، وكان آخر ما استقر ~~أنه يسلم تلك البلاد وينزل عن كل ما هو شامي الفرات ما عدا الكرك والشوبك ~~والصلت والبلقاء، وحاصه بمصر بعد النزول عن الجيزة وعليه في كل سنة ستة ~~آلاف غرارة غلة تحمل للسلطان من الصلت والبلقاء إلى المقدس والمغل في السنة ~~المذكورة في مواضعه له ومغل قاطع الفرات في هذه السنة للسلطان أيضا، وأخذ ~~خط السلطان بذلك، وسار بنفسه يصلح أمر ابن تقي الدين ويطيب قلبه، وكان ~~مسيره في ثامن جمادى الأولى. # PageV01P312 ### | ذكر استيلاء الفرنج على الدارون # وكان الإفرنج خذلهم الله تعالى لما رأوا أن السلطان قد أعطى العساكر ms169 ~~دستورا وتفرقت العساكر عنه نزلوا على الدارون طمعا فيه وكان بيد علم الدين ~~قيصر وفيه نوابه. ولما كان يوم تاسع جمادى الأولى اشتد زحف العدو على ~~المكان راجلا وفارسا، وكان الأنكتار قد استنفذ من نوبة عكا نقابين جبليين ~~فتمكنوا من نقب المكان وأحرقوا النقب وطلب أهل الحصن مهلة بحيث يشاورون ~~السلطان فلم يمهلوهم، واشتدوا في القتال عليه فأخذوه عنوة، واستشهد فيه من ~~قدر الله له ذلك، وأسر من قدر له ذلك، وكان ذلك قدرا مقدرا. ### | ذكر قصدهم لمجدل يابا # ولما استولى الإفرنج على الدارون ساروا بعد أن قرروا أمره ووضعوا فيه من ~~اختاروا حتى نزلوا على منزلة يقال لها الحسي، وهي قريب من جبل الخليل عليه ~~السلام، وذلك رابع عشر جمادى الأولى، فأقاموا عليه ثم تأهبوا بقصد حصن يقال ~~له مجدل يابا، فأتوه جريدة وخلفوا خيامهم في منزلتهم، وكان بها عسكر إسلامي ~~فلقيهم وجرى بينهم قتال عظيم، وقتل من العدو كند مذكور واستشهد من المسلمين ~~فارس واحد كان سبب قتله أنه وقع رمحه فنزل ليأخذه فمنعه فرسه الركوب ~~فبادروه وقتلوه وعادوا إلى خيامهم بقية اليوم خائبين ولله الحمد. # PageV01P313 ### | ذكر وقعة جرت في صور # ولما كان سادس عشر جمادى وصل كتاب من حسام الدين بشارة يذكر أنه تخلف في ~~صور مائة راكب وانضم إليهم من عكا خمسون وطمعوا فخرجوا لشن الغارات على ~~البلاد الإسلامية، فوقع عليهم العسكر المرصد لحفظ البلاد من ذلك الطرف، ~~وجرى بينهم قتال شديد، وقتل من العدو خمسة عشر نفرا ولم يقتل من المسلمين ~~أحد، وعادوا خائبين ولله الحمد. ### | ذكر قدوم العساكر الإسلامية للجهاد # ولما رأى السلطان ما جرى من العدو من التنبط سير إلى العساكر من سائر ~~الأطراف أن يسابقوا إلى الحضور، وكان أول قادم بدر الدين دلدرم مع خلق كثير ~~من التركمان، فلقيه السلطان واحترمه، ووصل بعده عز الدين بن المقدم في سابع ~~عشر جمادى الأولى بعسكر حسن وآلات جميلة ففرح بها السلطان. # وأما العدو فإنه رحل من الحسي ونزل على مفرق طرق منها طريق # PageV01P314 # عسقلان ms170 وطريق إلى بيت جبرين وإلى غير ذلك من الحصون الإسلامية، ولما بلغ ~~السلطان ذلك أمر العساكر أن سارت نحوه، فخرج أبو الهيجاء السمين وبدر الدين ~~دلدرم وابن المقدم، وتتابعت العسكر وتخلف هو في القدس لنوع التياث كان عرض ~~له، فلما أحس العدو المخذول بظهور العساكر الإسلامية عاد خائبا خاسرا ناكصا ~~على عقبيه، ووصلت الكتب من الأمراء مخبرين برحيل العدو إلى عسقلان. ### | ذكر تعبية العدو لقصد القدس الشريف # ولما كان يوم السبت الثالث والعشرين من جمادى الأولى وصل قاصد من العسكر ~~يخبر أن العدو قد خرج في راجله وفارسه وسواد عظيم وخيم على تل الصافية، ~~فسير السلطان إلى العساكر الإسلامية ينذرها ويحذرها، واستدعى الأمراء جريدة ~~إليه ليعقدوا رأيا فيما يقع العمل بمقتضاه، فوصل، ورحل العدو من تل الصافية ~~إلى جانب النطرون فنزل شماليه، وذلك في السادس عشر من جمادى الأولى، وكانت ~~قد سارت من عرب الإسلام جماعة للغزاة على يافا فوصلوا بليل من غير علم ~~بحركة العدو، فنزلوا في بعض الطريق يقسمون، فوقعت عليهم عساكر العدو ~~فأخذوهم وهرب منهم ستة نفر فوصلوا إلى السلطان وأخبروه الخبر، ووصلت ~~الجواسيس وتواترت الأخبار من جانب العدو أنه مقيم بالنطرون لنقل الأزواد ~~والآلات التي تدعو الحاجة إليها في الحرب فإذا حصل عندهم ما يحتاجون إليه ~~قصدوا القدس الشريف حرسه الله تعالى. وفي يوم الأربعاء وصل منهم رسول صحبته ~~غلام كان للمشطوب عندهم يحدث في معنى قراقوش ويتحدث في معنى الصلح. # PageV01P315 ### | ذكر نزولهم في بيت نوبة # وهو موضع وطأة بين جبال يبنا بينه وبين القدس مرحلة # رحل العدو من النطرون يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الأولى ~~ونزلوا بيت نوبة. ولما عرف السلطان ذلك استحضر الأمراء وضرب المشورة فيما ~~يفعل، فكانت خلاصة الرأي أن يقسم الأسوار على الأمراء ويخرج ببقية العسكر ~~جريدة إلى جهة العدو فإذا عرف كل قوم موضعهم من السور استعدوا، فإن دعت ~~الحاجة إليهم خرجوا، وإن دعت الحاجة إلى ملازمة مواضعهم لازموها، فكتبت ~~الرقاع وسيرت الأمراء. وكانت طريق يافا سابلة لمن ينقل الميرة ms171 إلى العدو، ~~فأمر السلطان من في اليزك أن يعمل معهم ما يمكنه، وكان في اليزك بدر الدين ~~دلدرم، فكمن حول الطريق جماعة جيدة فمر بهم جمع من خيالة العدو ويحمون ~~قافلة تحمل ميرة، فاستضعفوهم، فحملوا عليهم، وجرى قتال عظيم كانت الدائرة ~~فيه على العدو، وقتل منهم ثلاثون نفرا وأسر جماعة ووصل الأسارى في التاسع ~~والعشرين من جمادى الأولى إلى القدس، وكان لدخولهم وقع عظيم، وجرى على ~~العدو من ذلك وهن كبير، وقويت قلوب اليزكية، وانبعثت همومهم حتى حملوا على ~~العسكر ونزلوا إلى أطراف الخيم ولله الحمد. # PageV01P316 # ولما علم المسلمون أن القوافل لا تنقطع خرج جماعة وأخذوا معهم عربا ~~كثيرا، وكمنوا كمينا واجتازت القافلة ومعها جماعة كثيرة فخرجت العرب على ~~القافلة وتبعتهم الخيالة فدحروا بين أيديهم منهزمين نحو المسلمين، فخرجت ~~الأتراك عليهم، فأخذوا وقتلوا، وجرح من الأتراك جماعة، وذلك في ثالث جمادى ~~الآخرة. ### | ذكر أخذ قافلة مصر حرسها الله تعالى # وذلك أنه كان قد تقدم إلى عسكر مصر بالمسير وأوصاهم بالاحتراز والاحتياط ~~عند مقاربة العدو فأقاموا ببلبيس أياما حتى اجتمعت القوافل إليهم، واتصل ~~خبرهم بالعدو، ثم ساروا طالبين البلاد والعدو يترقب أخبارهم ويتوصل إليها ~~بالعرب المفسدين. ولما تحقق العدو خبر القوافل أمر عسكره بالاحتياط ~~والتحفظ، وسار حتى أتى تل الصافية، فبات ثم سار حتى أتى الصافية، ثم علق ~~على خيله فئة وسار حتى أتى ماء يقابل حسي، واتصل خبر نهضة العدو بالسلطان، ~~فأنفذ بنذير للقافلة، وكان المندوب لذلك الأمير أخر أسلم والطنبا العادلي ~~وجماعة من الفرسان المذكورين، وأمرهم أن يبعدوا بالقافلة في البرية ~~ويتباعدوا عن العدو ما # PageV01P317 # أمكن، فاتفق أن العسكر وصل الحسي قبل وصول العدو عليه، فلم يقيموا عليه ~~وساروا حتى وصلوا القفل والعسكر المصري فأتوا بالقفل على ذلك الطريق ثقة ~~منهم بأنهم لم يجدوا فيه ذاعرا ولا أحسوا فيه بمخوف فرغبوا في قرب الطريق ~~وسلكوا بالناس هذا الطريق حتى وصلوا إلى ماء الخويلفة، وتفرق الناس لأجل ~~الماء، فأخبر العرب العدو بذلك وهو نازل برأس الحسي، فقام من وقته وسرى ms172 حتى ~~أتاهم قبيل الصبح، وكان مقدم العسكر فلك الدين أخو الملك العادل لأمه، ~~فأشار أسلم بالمسير ليلا للطريق واستظهارا بالصعود إلى الجبل، فخاف فلك ~~الدين أنه إن رحل بالليل جرى أمر على القافلة لتبددها فنادى في الناس أن لا ~~يرحلوا إلى الصباح. # وأما الأنكتار فبلغنا أنه لما بلغه الخبر لم يصدقه وركب مع العرب بجمع ~~يسير، وسار حتى أتى القفل فطاف حوله في صورة عربي ورآهم ساكنين قد غشيهم ~~النعاس فعاد واستركب عسكره، وكانت الكبسة قريب الصباح فبغت الناس ووقع ~~عليهم بخيله ورجله، وكان الشجاع هو الذي ركب فرسه ونجا بنفسه، وانهزم الناس ~~إلى جهة القفل والعدو يتلوهم، فلما رأوا القفل أعرضوا عن قتال العسكر ~~وطلبوا القفل فانقسم القفل ثلاثة أقسام قسم قصدوا الكرك مع جماعة من العرب ~~وعسكر الملك العادل وقسم أوغلوا في البرية مع جماعة من العرب أيضا. وقسم ~~استولى عليهم العدو فساقهم بجمالهم وأحمالهم وجميع ما كان معهم، وكانت وقعة ~~شنعاء لم يصب الإسلام بمثلها من مدة مديدة. وكان في العسكر المصري جماعة من ~~المذكورين كحسين الجراحي وفلك الدين وبني الجاولي وغيرهم من المذكورين. ~~وقتل من العدو زهاء مائتي فارس على رواية، وعشرة انفس على رواية. ولم يقتل ~~من المسلمين معروف سوى الحاجب يوسف وابن الجاولي الصغير فإنهما استشهدا إلى ~~رحمة الله تعالى، وتبدد الناس في البرية ورموا # PageV01P318 # أموالهم، وكان السعيد منهم من نجا بنفسه، وجمع العدو ما أمكنهم جمعه من ~~الخيل والبغال والجمال والأقمشة وسائر أنواع الأموال، وكلف الجمالين خدمة ~~الجمال والخربندية خدمة البغال والساسة خدمة الخيل وسار في جحفل من الغنية ~~يطلب عسكره، فنزل على الخويلفة فاستقى منها، ثم سار حتى أتى الحسي. ولقد ~~حكى لي من كان أسيرا معهم في تلك الليلة وقع فيهم الصوت أن عسكر السلطان قد ~~قصدهم فتركوا الغنيمة وانهزموا وبعدوا عنها زمانا ولما انكشف لهم أن العسكر ~~لم يلحقهم عادوا إلى الرحل وهرب في تلك الغيبة جمع من أسارى المسلمين وكان ~~الحاكي منهم فسألته بكم حزرتم الجمال والخيل؟ فاخبر أن ms173 الجمال تناهز ثلاثة ~~آلاف والأسارى خمسمائة وتقرب من ذلك عدة الخيل. # وكانت هذه الوقعة صبيحة الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخرة، ووصل الخبر إلى ~~السلطان في عشية ذلك اليوم بعد العشاء الآخرة، وكنت جالسا في خدمتهن وأوصل ~~الخبر شاب من الإصطبلية، فما مر بالسلطان خبر أنكى منه في قلبه ولا أكثر ~~تشويشا لباطنه، وأخذت في تسكينه وتسليته وهو لا يكاد يقبل التسلية. # وكان أصل هذه القضية أن الأمير أسلم أشار عليهم أن يصعدوا الجبل فلم ~~يفعلوا، فصعد هو وأصحابه، فلما وقعت الكبسة كان هو على الجبل فلم يصل إليه ~~أحد من العدو ولم يشعروا به. ولما انهزم المسلمون تبعتهم خيالة الإفرنج ~~وأقام الرجالة منهم يستولون على ما تخلف من المسلمين من الأقمشة، ولما تحقق ~~الأمير أسلم أن الخيالة قد بعدت عن الرجالة نزل إليهم بمن معه من الخيالة ~~وكبسهم من حيث لم يشعروا وقتلوا منهم جماعة وغنموا منهم دواب من جملتها ~~بغلة كانت تحت هذا القاصد. ثم سار العدو يطلب خيامه فكان وصوله إلى المخيم ~~يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة، وكان يوما عظيما عندهم أظهروا فيه من ~~السرور وأسبابه ما لا يمكن وصفه، # PageV01P319 # وأعادوا خيمهم إلى الوطأة على بيت نوبة، وصح عزمهم على القدس، وقويت ~~نفوسهم بما حصلوا عليه من الأموال والجمال التي كانت تحمل الميرة والزاد ~~الواصلة من مصر مع عسكرها ورتبوا جماعة على لد يحفظون الطريق على من ينقلون ~~الميرة، وأنفذوا الكند هري إلى صور وطرابلس وعكا يستحضر من فيها من ~~المقاتلة ليصعدوا إلى القدس، ولما عرف السلطان ذلك منهم عاد إلى الأسوار ~~فقسمها على الأمراء وتقدم إليهم بتهيئة أسباب الحصار، واخذ في إفساد المياه ~~بظاهر القدس وتخريب الصهاريج والجباب بحيث لم يبق حول القدس ماء يشرب أصلا، ~~وأطنب في ذلك إطنابا عظيما، وأرض القدس لا يطمع في حفر بئر بها فيها ماء ~~معين لأنها جبل عظيم وحجر صلب، وسير إلى العساكر يطلبها من النواحي ~~والبلاد. ### | ذكر قدوم الملك الأفضل # وأمره بالعود عن تلك البلاد وكان قد وصل ms174 إلى حلب المحروسة # ولما وصل أمر السلطان غليه بالعود عاد مع انكسار في قلبه وتشويش في ~~باطنه، فوصل إلى دمشق مستعتبا، ولم يحضر إلى خدمة السلطان، فلما اشتد خبر ~~الإفرنج سير غليه وطلبه، فما وسعه التأخر، فسار مع من كان قد وصل من ~~العساكر الشرقية إلى دمشق، وكان وصله في يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة، ~~ولقيه السلطان قريبا من العازرية، فترجل له جبرا لقلبه وتعظيما لأمره، وسار ~~وفي خدمته أخوه الملك الظافر وقطب الدين إلى ظاهر القدس. # PageV01P320 ### | ذكر عود العدو إلى بلادهم وسبب ذلك # ولما كانت ليلة الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة استحضر السلطان الأمراء ~~عنده، فحضر الأمير أبو الهيجاء السمين بمشقة عظيمة وجلس على كرسي في خيمة ~~السلطان، وحضر المشطوب والأسدية بأسرهم وجماعة الأمراء ثم مرني أن أكلمهم ~~وأحثهم على الجهاد، فذكرت ما يسره الله من ذلك. وكان مما قلته أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما اشتد به الأمر بايعه الصحابة رضي الله عنهم على الموت ~~في لقاء العدو، ونحن أولى من تأسى به صلى الله عليه وسلم، والمصلحة ~~الاجتماع عند الصخرة والتحالف على الموت، ولعل ببركة هذه النية يندفع هذا ~~العدو، فاستحسن الجماعة ذلك ووافقوا عليه، ثم شرع السلطان بعد أن سكت زمانا ~~في صورة مفكر والناس سكوت كأن على رؤوسهم الطير فقال: الحمد لله والصلاة ~~على رسول الله، اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته، وأنتم تعلمون أن ~~دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم معلقة بذممكم، وأن هذا العدو ليس له من ~~المسلمين من تلقاه إلا أنتم، فإن وليتم بأنفسكم والعياذ بالله طوى البلاد ~~طي السجل للكتاب وكان ذلك في ذمتكم فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا وأكلتم ~~مال بيت المال، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام. فانتدب ~~لجوابه سيف الدين المشطوب وقال: يا مولانا نحن مماليكك وعبيدك، وأنت أنعمت ~~علينا وكبرتنا وعظمتنا وأعطيتنا وليس لنا إلا رقابنا وهي بين يديك، والله ~~لا يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن نموت. فقال الجماعة مثل ما قال. فانبسطت ~~نفسه ms175 بذلك المجلس وطاب قلبه # PageV01P321 # وأطعمهم ثم انصرفوا وانقضى يوم الخميس على أشد حال التأهب والاهتمام حتى ~~كانت العشاء الآخرة وجميعنا في خدمته على العادة، وسهرنا حتى مضى من الليل ~~هزيع وهو غير منبسط على عادته ثم صلينا العشاء، وكانت العشاء هي الدستور ~~العام، فصلينا وأخذنا في الانصراف فاستدعاني، فلما جلست في خدمته قال لي ~~علمت ما الذي تجدد؟ قلت: لا. قال: إن أبا الهيجاء السمين أنفذ إلي اليوم ~~وقال أنه اجتمع عنده جماعة من المماليك وأنكروا علينا مواقفنا على الحصار ~~وقالوا لا مصلحة في ذلك فإنا نخاف أن نحصر ويجري علينا مثل ما جرى على عكا ~~وحينئذ تؤخذ بلاد الإسلام أجمع، والرأي أن نلقى مصاف فإن قدر الله تعالى أن ~~نهزمهم ملكنا بقية بلادهم. وإن تكن الأخرى يسلم العسكر ويمض القدس وقد حفظ ~~الإسلام بعساكره مدة بغير القدس، وكان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا ~~تحمله الجبال فشقت عليه هذه الرسالة. وأقمت تلك الليلة في خدمته وهي من ~~الليالي التي أحييتها في سبيل الله. وكان مما قالوه في الرسالة إن أردت أن ~~نقيم فتكون معنا أنت أو بعض أهلك وإلا فالأكراد لا يدينون للأتراك، ~~والأتراك كذلك، فانفصل الحال على أن يقيم من أهله مجد الدين بن فخروشاه ~~وصاحب بعلبك. وكان رحمه الله يحدث نفسه بالمقام ثم صرف رأيه عنه لما فيه من ~~الخطر على الإسلام، فلما أن قارب الصبح وأشفقت عليه خاطبته في أن يستريح ~~ساعة، وانصرفت عنه فما وصلت إلا والمؤذن قد أذن، فأخذت في أسباب الوضوء فما ~~فرغت إلا والصبح قد طلع، فعدت # PageV01P322 # إلى خدمته وهو يجدد الوضوء، فصلينا ثم قلت له قد وقع لي واقع أعرضه، قال ~~وما هو؟ قلت: من كثر اهتمامه بما قد حمل على نفسه وقد عجزت أسبابه الأرضية ~~ينبغي له أن يرجع إلى الله وهذا يوم الجمعة وهو أبرك أيام الأسبوع فيه دعوة ~~مستجابة ونحن في أبر موضع فالسلطان يغتسل ويتصدق بصدقة خفية بحيث لا يشعر ~~أحد أنها منه ويصلي بين ms176 الأذان والإقامة ركعتين يناجي فيهماربه ويفوض ~~مقاليد أموره إليه ويعترف بالعجز عما تصدق له فلعل الله يرحمه ويستجيب ~~دعاءه. وكان حسن العقيدة تام الإيمان يتلقى الأمور الشرعية بأكمل انقياد. ~~ثم انفصلنا، فلما جاء وقت الجمعة صليت إلى جانبه في الأقصى، فصلى ركعتين ~~ورأيته ساجدا وهو يذكر كلمات ودموعه تتقاطر على مصلاه، ثم انقضت الجمعة ~~بخير، ولما كانت عشيتها ونحن في خدمته على العادة وصلت رقعة من جرديك وكان ~~في اليزك وكان جملة ما فيها أن القوم ركبوا بأسرهم ووقفوا في التل وقت ~~الظهيرة، ثم عادوا إلى خيامهم وقد سيرنا جواسيس تكشف أخبارهم. ولما كانت ~~صبيحة السبت وصلت رقعة أخرى يخبر فيها أن الجواسيس رجعوا وأخبروا أن القوم ~~اختلفوا في الصعود إلى القدس، وقالوا نحن إنما جئنا من بلادنا بسبب القدس ~~ولا نرجع دونه. وقال الأنكتار إن هذا الموقع # قد أفسدت مياهه ولم يبق حوله ماء أصلا، فمن أين نشرب؟ فقالوا له نشرب من ~~نهر نقوع بينه وبين القدس مقدار فرسخ، فقال كيف نذهب إلى السقي؟ فقالوا ~~ننقسم قسمين قسم يركب إلى السقي وقسم يبقى على البلد في المنازلة ويكون ~~الشرب في اليوم مرة، فقال الأنكتار: إذا يؤخذ العسكر البراني الذي يذهب مع ~~الدواب ويخرج عسكر البلد على الباقين ويذهب دين النصرانية، فانفصل الحال ~~على أنهم حكموا ثلاثمائة من أعيانهم وحكم الثلاثمائة اثني عشر وحكم الإثنا ~~عشر ثلاثة منهم، وقد بانوا على حكم الثلاثة، فما أمروا به فعلوه، فلما ~~أصبحوا حكموا بالرحيل، فلم تمكنهم المخالفة وأصبحوا في بكرة الحادي ~~والعشرين من جمادى الآخرة راحلين نحو الرملة وعلى أعقابهم ناكصين ولله ~~الحمد. ومضى عسكرهم شاكيا السلاح، ولم يبق في المنزلة إلا الآثار، ثم نزلوا ~~الرملة وتواترت الأخبار بذلك، فركب السلطان وركب الناس وكان يوم سرور وفرح. ~~أفسدت مياهه ولم يبق حوله ماء أصلا، فمن أين نشرب؟ فقالوا له نشرب من نهر ~~نقوع بينه وبين القدس مقدار فرسخ، فقال كيف نذهب إلى السقي؟ فقالوا ننقسم ~~قسمين قسم يركب إلى السقي وقسم يبقى على ms177 البلد في المنازلة ويكون الشرب في ~~اليوم مرة، # PageV01P323 # فقال الأنكتار: إذا يؤخذ العسكر البراني الذي يذهب مع الدواب ويخرج عسكر ~~البلد على الباقين ويذهب دين النصرانية، فانفصل الحال على أنهم حكموا ~~ثلاثمائة من أعيانهم وحكم الثلاثمائة اثني عشر وحكم الإثنا عشر ثلاثة منهم، ~~وقد بانوا على حكم الثلاثة، فما أمروا به فعلوه، فلما أصبحوا حكموا ~~بالرحيل، فلم تمكنهم المخالفة وأصبحوا في بكرة الحادي والعشرين من جمادى ~~الآخرة راحلين نحو الرملة وعلى أعقابهم ناكصين ولله الحمد. ومضى عسكرهم ~~شاكيا السلاح، ولم يبق في المنزلة إلا الآثار، ثم نزلوا الرملة وتواترت ~~الأخبار بذلك، فركب السلطان وركب الناس وكان يوم سرور وفرح. ### | ذكر رسالة الكندهري # ولما فرغ بال السلطان برحيل العدو حضر رسول الكندهري يقول أن الأنكتار قد ~~أعطاني البلاد الساحلية وهي الآن لي فأعد علي بلادي حتى أصالحك وأكون أحد ~~أولادك فغضب السلطان لذلك غضبا عظيما بحيث أنه كاد يبطش به فأقيم بين يديه ~~فسأل أن يمهل ليقول كلمة أخرى فأذن له في ذلك فقال يقول إن البلاد في يدك ~~فما الذي تعطيني منها فانتهزه وأقامه. # ولما كان اليوم الثالث والعشرين حضر الرسول وكان جوابه أن يكون الحديث ~~بيننا في صور وعكا على ما كان مع المركيس، ثم وصل بعد ذلك الحاجب # PageV01P324 # يوسف صاحب المشطوب من عند الإفرنج وذكر أن الأنكتار أحضره وأحضر الكندهري ~~وأخلى المجلس وقال له قيل لصاحبك أنا قد هلكنا نحن وأنتم والأصلح حقن ~~الدماء ولا ينبغي أن تعتقد أن ذلك لضعف مني بل للمصلحة ولا تغتر بتأخري عن ~~منزلي فالكبش يتأخر لينطح وأن يكون هو الواسطة بينهم وبين السلطان وأنفذ مع ~~الحاجب شخصين يسمعان الكلام من المشطوب وكان ظاهر الحال الكلام في إطلاق ~~بهاء الدين قراقوش وباطنه في معنى آخر وأخبر الحاجب أنهم رحلوا عن الرملة ~~قاصدين يافا وأنهم على غاية الضعف والعجز عن قصد مكان آخر فاستحضر المشطوب ~~من نابلس لسماع الرسالة وكان الجواب إلى الكندهري أن نعطي عكا ونصالحه على ~~مال ويتركنا والأنكتار على بقية البلاد. ms178 # وكان رحمه الله قد جعل في مقابلة عكا عسكرا خشية خروج العدو إلى النواحي ~~التي تليها فلما كان الثاني والعشرون خرج العدو من عكا غائرين على ما يليها ~~من البلاد والرساتيق فثارت عليهم الكمينات من الجوانب وكان قد شعر العسكر ~~الإسلامي بخروجهم فكمن لهم فأخذوا منهم جماعة وقتلوا جماعة ولله الحمد. ### | ذكر عود رسولهم في معنى الصلح # ولما كان يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر عاد رسولهم صحبة الحاجب ~~يوسف وقد حمل رسالة يؤديها بحضور صاحبهم # PageV01P325 # وهي أن الملك الأنكتار يقول إني راغب في مودتك وصداقتك وأنه لا يريد أن ~~يكون فرعون بملك الأرض ولا يطن ذلك فيك ولا يجوز لك أن تهلك المسلمين كلهم ~~ولا يجوز لي أن أهلك الإفرنج كلهم وهذا ابن أختي الكندهري قد ملكته هذه ~~الديار وسلمته إليك ليكون هو وعسكره تحت حكمك ولو استدعيتهم إلى الشنق ~~سمعوا وأطاعوا ويقول إن جماعة من الرهبان المنقطعين قد طلبوا منك كنائس فما ~~بخلت عليهم وأنا أطلب منك كنيسة وتلك الأمور التي كانت تضيق صدرك مما كان ~~يجري في المراسلة مع الملك العادل تركتها وأعرضت عنها ولو أعطيتني مقرعة أو ~~خربة قبلتها. فلما سمع السلطان هذه الرسالة جمع أرباب الرأي وأصحاب مشورته ~~وسألهم عما يكون الجواب لهذه الرسالة فما منهم إلا من أشار بالمحاسنة وعقد ~~الصلح لما كان قد أخذ المسلمين من الضجر والتعب وعلاهم من الديون. واستقر ~~الحال على هذا الجواب. # إذا دخلت معنا هذا الدخول فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، إن ابن أختك ~~يكون عندي كبعض أولادي وسيبلغك ما فعل معه وأنا أعطيك أكبر الكنائس وهي ~~القمامة وأما بقية البلاد فنقسمها فالساحلية التي بيدك تكون بيدك والذي ~~بأيدينا من القلاع الجبلية يكون لنا وما بين العملين يكون مناصفة وعسقلان ~~وما وراءها يكون خرابا لا لنا ولا لكم وإن أردتم قراها كانت لكم والذي كنت ~~أكرهه حديث عسقلان. # وانفصل الرسول طيب النفس وذلك في ثاني يوم قدومه وهو الثامن والعشرون ~~واتصل الخبر بعد وصول الرسول إليهم أنهم راحلون ms179 إلى عسقلان طالبون جهة مصر ~~ووصل رسول من جانب قطب الدين بن قليج أرسلان يقول إن البابا قد وصل إلى ~~القسطنطينية في # PageV01P326 # خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى وقال الرسول إني قتلت في الطريق اثني ~~عشر فارسا. ويقول تقدم إلى من يستلم بلادي مني فإني قد عجزت عن حفظها فلم ~~يصدق السلطان هذا الخبر ولم يكترث به. ### | ذكر عود رسول الإفرنج ثالثا # ولما كان التاسع والعشرون وصل الحاجب صاحب المشطوب ومعه جفري رسول الملك ~~فقال إن الملك شكر إنعام السلطان وقال إن الذي أطلبه منك أن يكون لنا في ~~قلعة القدس عشرون رجلا وأن من سكن من النصارى والإفرنج لا يتعرض إليهم وأما ~~بقية البلاد فلنا منها الساحليات والوطاة والبلاد الجبلية لكم. وأخبرنا ~~الرسول من عند نفسه مناصحة أنه قد نزل عن حديث القدس ما عدا الزيارة ولكن ~~يقول ذلك تصنعا لضعفنا وأنهم راغبون في الصلح وأن الأنكتار لا بد له من ~~الرواح إلى بلده وأقام يوم الاثنين سلخ الشهر وكان معه في هذه الدفعة ~~بازيان هدية للسلطان فاستحضر الأمراء بأسرهم وشاورهم فيما يكون الجواب لهذه ~~الرسالة وانفصل الحال على هذا الجواب وهو أن القدس ليس لكم فيه حديث سوى ~~الزيارة فقال الرسول وليس على الزوار شيء يؤخذ منهم. فعلم من هذا القول ~~الموافقة وأما البلاد كعسقلان وما وراءها فلا بد من خرابه فقال الرسول قد ~~خسر الملك على سورها مالا جزيلا، فقال المشطوب للسلطان المصلحة أن نجعل ~~مزارعها وقراها في مقابلة خسارتها فأجاب وأن الدارون وغيره تخرب وتكون ~~بلادها مناصفة. وأما باقي البلاد فتكون لهم من يافا إلى صور بأعمالها. ~~ومهما اختلفنا في قرية كانت مناصفة. هكذا كان جواب رسالته وسار في يوم ~~الثلاثاء مستهل رجب ومعه الحاجب يوسف وكان قد طلب رسولا مذكورا يحلفه # PageV01P327 # إن استقرت القاعدة فأخر السلطان تسيير الرسول إلى حين استقرار القاعدة ~~وأنفذ لهم هدية حسنة في مقابل هديتهم وما كان يغلب في الهدايا. ### | ذكر عود الرسول # كان عوده وقد مضى هزيع من ليلة ms180 ثالث رجب فحضر الحاجب ليلا وأخبر السلطان ~~الخبر وحضر الرسول في بكرة الخميس الثالث من رجب وأدى الرسالة وهي أن الملك ~~يسأل ويخضع لك أن تترك له هذه الأماكن الثلاثة العامرة وأي قدر لها في ملكك ~~وعظمتك وما من سبب لإصراره عليها إلا أن الإفرنج لم يسمحوا بها وقد ترك ~~القدس بالكلية فلا يطلب أن يكون فيه رهبان ولا قسوس إلا في القمامة وحدها ~~فأنت تترك له هذه البلاد ويكون الصلح عاما فيكون لهم كل ما في أيديهم من ~~الدارون إلى أنطاكية ولكم ما في أيديكم وينتظم الحال ويروج وإن لم ينتظم ~~الصلح فالإفرنج لا يمكنونه من الرواح ولا يمكنه مخالفتهم. فانظر إلى هذه ~~الصناعة في استخلاص الغرض باللين تارة والخشونة أخرى. وكان لعنه الله مضطرا ~~إلى الرواح وهذا عمله مع اضطراره والله الولي في أن يقي المسلمين شره فما ~~بلونا أعظم حيلة ولا أشد إقداما منه. # ولما سمع السلطان هذه الرسالة أحضر الأمراء وأرباب الرأي من دولته وسألهم ~~عن الجواب ما يكون فكا خلاصة الرأي هذا الجواب وهو: إن أهل أنطاكية لنا ~~معهم حديث ورسلنا عندهم فإن عادوا بما نريد أدخلناهم في الصلح وإلا فلا. ~~وأما البلاد التي سألها فلا يوافق المسلمون على دفعها إليه وإن كانت لا قدر ~~لها. وأما سور عسقلان فيأخذ في مقابلة ما خسر عليه لدافي الوطأة وسير ~~الرسول صبيحة الجمعة رابع رجب. # PageV01P328 # ولما كان الخامس من رجب وصل ولده الملك الظاهر عز نصره وكان كثير المحبة ~~له والإيثار لجانبه لما يراه فيه من أمارات السعادة وصفات الكفاءة وتوسم ~~الملك فخرج السلطان إلى لقائه واحترمه وأكرمه وضمه إليه وقبله بين عينيه ~~ونزل في دار الأسبتار. # ولما كان السابع وصل الحاجب يوسف وحده وذكر أن الملك قال له لا يمكن أن ~~نخرب من عسقلان حجرا واحدا ولا يسمع عنا في البلاد مثل ذلك. وأما البلاد ~~فحدودها معروفة ولا مناكرة فيها وعند ذلك تأهب السلطان للخروج إلى جهة ~~العدو وأظهر القوة وشدة العزم على اللقاء. ### | ذكر تبريزه ms181 رحمة الله عليه # ولما كان العاشر من رجب بلغ السلطان أن الإفرنج رحلوا طالبين نحو بيروت ~~فبرز من القدس إلى منزلة يقال لها الجيب وكان قدوم الملك العادل من البلاد ~~الفراتية في بكرة # PageV01P329 # الحادي عشر فدخل الصخرة وصلى عندها ثم توجه يتبع السلطان. ثم إن السلطان ~~رحل من الجيب إلى بيت نوبة وبعث إلى العسكر في القدس يحثهم على الخروج ~~واللحاق به ولحقت السلطان في بيت نوبة فإني كنت تخلفت عنه ليلة الاستعداد ~~ثم رحل في يوم الأحد الثالث عشر إلى الرملة ضحوة نهاره على تلال بين الرملة ~~ولد فأقام بها بقية الأحد. ولما كانت صبيحة الاثنين ركب جريدة حتى أتى ~~بازور وبيت جبرين فأشرف على يافا ثم عاد إلى منزلته وأقام بها بقية يومه ~~وجمع أرباب مشورته وشاورهم في النزول على يافا واتفق الرأي على ذلك. ### | ذكر حصار يافا # ولما كان صباح الثلاثاء خامس عشرة رحل طالبا جهة يافا فخيم عليها ضحوة ~~النهار ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلبا وكان طرف الميمنة على البحر وطرف ~~الميسرة أيضا على البحر والسلطان في الوسط وكان صاحب الميمنة الملك الظاهر ~~أعز الله نصره وصاحب الميسرة أخاه الملك العادل والعساكر فيما بينهما. ولما ~~كان السادس عشر من الشهر زحف الناس إليها واستحقروا أمرها استحقارا عظيما ~~ثم رتب السلطان الناس للقتال وأحضر المنجنيقات وركبها على أضعف موضع في ~~السور مما يلي الباب الشرقي وشرع النقابون في السور وارتفعت الأصوات وعظم ~~الضجيج واشتد الحزم والزحف فأخذ النقابون النقب من شمالي الباب الشرقي إلى ~~الزاوية بطول البدنة وكان قد هدم المسلمون ذلك المكان في الحصار الأول ~~وبناه الإفرنج وتمكن النقابون من النقب ودخلوا # PageV01P330 # فلم يشك الناس في أخذ البلد في هذا اليوم، هذا وأمر العدو في ازدياد وكان ~~الملك قد توجه من عكا إلى بيروت وهذا الذي حمل السلطان على نزوله على يافا ~~ثم انفصل ذلك اليوم عن قتال شديد قد ضرس العدو منه وظهر من العدو من الشدة ~~والحمية والذب والمنعة ما أضعف قلوب الناس، هذا ms182 والنقابون قد تمكنوا من ~~النقب عليهم فما قارب الفراغ أخذ العدو في خسف النقب عليهم فخسفوه في مواضع ~~عدة وخاف النقابون وخرج منهم جماعة وفتر الناس عن القتال وعلموا أن أمر ~~البلد مشكل وأنه يحتاج إلى زيادة عمل في أخذه فعزم السلطان عزم مثله فأمر ~~النقابين أن يأخذوا النقب في بقية البدنة من الرج إلى الباب وأمر ~~المنجنيقات أن تضرب قبالة البدنة المنقوبة ففعلوا ذلك وأقام السلطان في تلك ~~الليلة هناك إلى أن مضى من الليل ثلثه وعاد إلى الثقل وكان الثقل بعيدا عن ~~البلد على تل قبالته وأصبحت المنجنيقات قد أقيم منها اثنان وأقيم الثالث في ~~بقية النهار وأصبح السلطان على القتال والزحف فلم يجد من الناس إلا الفتور ~~بسبب نصب المنجنيقات ظنا منهم أن المنجنيق لا يعمل إلا بعد أيام. ولما علم ~~السلطان من الناس الفتور والتواكل حملهم على الزحف فالتحم القتال وتشتد ~~الأمر وأذاقوا العدو مر الحرب فأشرف البلد على الأخذ واتفقت النفوس وطمعت ~~في ذلك طمعا شديدا وضعف العدو إلا أنه جرح من المسلمين جماعة من بالنشاب ~~والزنبورك من البلد. ولما رأى العدو المخذول ما حل به أرسل رسولين نصرانيا ~~وإفرنجيا يطلبان الصلح ويتحدثان فيه فطلب السلطان منهم قاعدة القدس وقطيعته # PageV01P331 # فأجابوا إلى ذلك واشترطوا أن ينظر إلى يوم السبت الذي هو تاسع عشر رجب ~~فإن جاءتهم النجدة وإلا تمت القاعدة على ما استقر فأبى السلطان الإنظار ~~فعاد الرسول ثم رجعوا يسألونه الإنظار فأبى ذلك وفتر الناس عن القتال بسبب ~~تواصل الرسل سكونا إلى الدعة على جاري العادة فأمر السلطان النقابين بحشو ~~النقب بعد انتهائه ففعلوا ذلك ووضعت النار فيه فوقع نصف البدنة وكان العدو ~~قد عرف وقوع النار في النقب وعلم أن ذلك المكان يقع فعمد إلى أخشاب عظيمة ~~وهيأها خلف ذلك المكان فلما وقع ذلك المكان التهبت النيران فمنعت من الدخول ~~إلى الثلمة ثم أمر السلطان الناس فزحفوا وضايقوا القوم مضايقة عظيمة فلله ~~درهم من رجال أقيال ما أشدهم وأعظم بأسهم فإنهم مع هذا ms183 كله لم يغلقوا لها ~~بابا ولم يزالوا يقاتلون خارج الأبواب أعظم قتال حتى فصل الليل بين ~~الطائفتين ولم نقدر على البلد في ذلك اليوم بعد حرق النقوب في باقي البدنة ~~وضاق صدر السلطان لهذا الأمر وتقسم فكره وندم طيق لم يجبهم إلى الصلح وبات ~~تلك الليلة في المخيم وقد عزم على أن يقيم تمام خمسة مناجيق تضرب بعضها ~~البدنة الضعيفة بسبب النقوب والنيران والخسف من جانبهم. ### | ذكر فتح يافا وما جرى فيه من الوقائع # ولما كان يوم الجمعة ثامن عشر رجب أصبحت المنجنيقات وقد نصبت وحجارتها قد ~~جمعت من الأودية والأماكن البعيدة لعدم الحجر في ذلك المكان وظلت ترمي ~~البدنة المنقوبة وزحف السلطان وزحف ولده الملك الظاهر عز نصره زحفا شديدا ~~وزحف عسكر الملك # PageV01P332 # العادل من الميسرة فإنه كان مريضا وارتفعت الأصوات وضربت الكؤوسات وخفقت ~~البوقات ورمت المنجنيقات وأحاط بهم الويل واشتد عزم النقابين في إيقاد ~~النار فما مضى من النهار ساعتان إلا ووقعت البدنة وكان وقعها كوقع الواقعة ~~ونادى الناس إلا أن البدنة قد وقعت فلم يبق من له أدنى إيمان إلا وزحف. ولا ~~قلب من العدو إلا أرعد ورجف، هذا الزحف وهم على القتال أشد وأحزم. وعلى ~~الموت أعزم وأكرم. وذلك أنها لما وقعت علا لها دخان وغبار. وأظلم الأفق ~~وعميت عين النهار. وما تجاسر أحد على الولوج خوفا من اقتحام النار. فلما ~~انكشفت الظلمة ظهرت أسنة قد نابت مناب الأسوار. ورماح قد سدت الثلمة حتى ~~غيبت نفوز الأبصار. ولقد رأيت رجلين على ممشى السور يمنعان المتسلق عليه من ~~جهة الثلمة وقد أتى أحدهما حجر المنجنيق فأخذه ونزل إلى داخل وقام رفيقه ~~مقامه متصديا لمثل ما لحق صاحبه في ساعة أسرع من لمح العيون بحيث لم يفرق ~~بينهما فارق. # ولما رأى العدو ما آل الأمر إليه سيروا رسولين إلى السلطان يلتمسون ~~الأمان فقال رحمه الله الفارس بالفارس والتركبيلي بمثله والراجل بالراجل ~~والعاجز على قطيعة القدس فنظر الرسول فرأى القتال على الثلمة أشد من إضرام ~~النار فسأل السلطان أن ms184 يبطل القتال إلى أن يعود فقال لا أقدر على منع ~~المسلمين من هذا الأمر ولكن ادخل إلى أصحابك فقل لهم يتجاوزون إلى القلعة ~~ويتركون الناس يشتغلون بالبلد فما بقي دونه مانع فعاد الرسول بهذه الرسالة ~~فانحاز العدو إلى قلعة يافا بعد أن قتل منهم جماعة عظيمة ودخل الناس البلد ~~عنوة ونهبوا منه أقمشة عظيمة وغلالا كثيرة وأثاثا وبقايا قماش مما نهب من ~~القافلة المصرية واستقرت القاعدة # PageV01P333 # على الوجه الذي قرره السلطان. # ولما كان عصر الجمعة المباركة وصل السلطان كتاب من قايماز النجمي وكان في ~~طرف العدو لحمايته من عسكر العدو الذي كان في عكا يخبر فيه أن الأنكتار لما ~~سمع خبر يافا أعرض عن قصد بيروت وعاد إلى قصد يافا فاشتد عزم السلطان على ~~تتمة الأمر وتسلم القلعة ممن لا ير الأمان لأنه قد لاح أخذهم وكان الناس ~~لهم مدة لم يظفروا من العدو بمغنم ونوبتهم عليه فكان أخذهم عنوة مما بعث ~~همم العسكر غير أن الأمان وقع واتفق الصلح فكنت بعد ذلك ممن يحث على إخراج ~~العدو من القلعة وتسلمها خوفا من لحوق النجدة وكان السلطان يشتهي خروجه غير ~~أن الناس قد أقعدهم التعب عن إتمام الأمر وأخذ منهم الحديد وشدة الحر ودخان ~~النار بحيث لم تبق لهم استطاعة على الحركة وأقام السلطان يحثهم إلى أن هوى ~~الليل فلما رأى ما قد نزل بالناس من التعب ركب وسار إلى خيمتي وعندي من ~~الخوف ما أقلقني عن النوم. # ولما كان سحر تلك الليلة سمعنا بوق الإفرنج قد نعق فعلمنا بوصول النجدة ~~قد وصلت من البحر فاستدعاني السلطان من وقته وقال لا شك أن النجدة قد وصلت ~~في البحر، وعلى الساحل من عساكر الإسلام من يمنعهم من النزول والمصلحة أن ~~تسير إلى الملك الظاهر وتقول له أن يقف بظاهر الباب القبلي وتدخل أنت ومن ~~تراه إلى القلعة وتخرجون القوم وتستولون على ما فيها من الأموال والأسلحة ~~وتكتبها بخطك إلى الملك الظاهر خارج البلد وهو يسيرها إلي ويسير معي لتقوية ~~البلد مع ms185 ذلك عز الدين جرديك وعلم الدين قيصر ودرباس المهراني فسرت من ~~ساعتي ومعي # PageV01P334 # شمس الدين عدل الخزانة حتى أتيت الملك الظاهر وهو نائم على شليته على تل ~~قريب البحر في اليزك وعليه كراغنده وهو بلأمة حربه فلا ضيع الله صنعهم في ~~نصرة الإسلام فأيقظته فقام والنوم في عينيه وسرت في خدمته وهو يستفهم مني ~~رسالة السلطان حتى وقف حيث أمره ودخلنا نحن إلى يافا وأتينا القلعة وأمر ~~الإفرنج بالخروج فأجابوا إلى ذلك وتهيئوا للخروج. ### | ذكر كيفية بقاء القلعة في يد العدو # ولما أجابوا إلى الخروج قال عز الدين جرديك لا ينبغي أن يخرج منهم أحد ~~حتى يخرج الناس من البلد خشية أن يتخطفهم الناس وكان الناس قد داخلهم الطمع ~~في البلد وأخذ عز الدين يشتد في ضرب الناس وإخراجهم وهم غير مضبوطين بعد ~~ولا محصورين في مكان فكيف يمكن إخراجهم وطال الأمر إلى أن علا النهار وأنا ~~ألومه وهو لا يرجع عن ذلك والزمان مضى ولما رأيت الوقت كاد يفوت قلت إن ~~النجدة قد وصلت والمصلحة المسارعة في إخراجهم والسلطان قد أوصاني بذلك فلما ~~عرف السبب في حرصي أجاب إلى إخراجهم ومضينا إلى باب القلعة القريب من الباب ~~الذي الملك العادل قائم عنده فأخرجنا تسعة وأربعين نفرا بخيولهم ونسائهم ~~وسيرناهم ولما خرج هؤلاء اشتد الباقون وحدثتهم نفوسهم بالعصيان وكان سبب ~~خروج من خرجوا أنهم استقلوا المراكب التي جاءتهم وظنوا أن لا نجدة لهم فيها ~~ولم يعلموا أن الأنكتار مع القوم ورأوهم قد تأخروا عن النزول إلى علو ~~النهار # PageV01P335 # فخافوا أن يمتنعوا فيؤخذوا ويقتلوا فخرج من خرج ثم بعد ذلك قربت النجدة ~~حتى صاروا خمسة وثلاثين مركبا فقويت نفوس الباقين في الحصن وظهرت عليهم ~~أمارات العصيان ودلائله وخرج منهم من أجبرني بتشويش عزمهم وأخذا الطارقيات ~~والجنوبيات وعلوا على الأسوار وكانت القلعة جديدة لم تشرف بعد فلما رأيت ~~الأمر قد آل إلى ذلك نزلت من التل الذي كنت واقفا عليه وهو ملاصق لباب ~~القلعة وقلت لعز الدين جرديك وهو مع عسكره في ms186 الأسفل مع جمع من الأجناد ~~خذوا حذركم فقد تغيرت عزائم القوم فما كانت إلا ساعة بحيث صرت خارج البلد ~~في خدمة الملك الظاهر إلا وقد ركب القوم خيلهم وحملوا من القلعة حملة الرجل ~~الواحد وأخرجوا من كان في البلد من الأجناد ولقد ازدحم الناس في الباب حتى ~~كاد يتلف منهم جماعة وبقي في بعض الكنائس جماعة من أتباع العساكر مشتغلين ~~بما لا يجوز فهجموا عليهم وقتلوا منهم وأسوا وسيرني الملك الظاهر إلى والده ~~السلطان أعرفه بالحال فأمر الجاويش أن ينادي في العسكر وضرب الكؤوس للقتال ~~ونفر الناس من كل جانب للغزاة وهجموا البلد وحشر العدو في القلعة فأيقنوا ~~بالبوار واستبطأوا نزول النجدة إليهم وخافوا خوفا عظيما فأرسلوا بطركهم ~~والقسطلان رسولان إلى السلطان يعتذران إليه مما جرى ويسألان القاعدة الأولى ~~فخرجا إلى السلطان والقتال يشتد عليهم وكان سبب انقطاع النجدة أنهم رأوا ~~البلد مشحونا ببيارق المسلمين ورجالهم فخافوا أن تكون القلعة قد أخذت وكان ~~البحر يمنع من سماع الصوت من كل جانب لكثرة الضجيج والتهليل. فلما رأى من ~~في القلعة شدة الزحف عليهم وامتناع النجدة من النزول مع كثرتها فإنها بلغت ~~نيفا وخمسين # PageV01P336 # مركبا منها خمسة عشر شانيا فيها شاني الملك علموا أن النجدة ظنت أن البلد ~~قد أخذ، ورهب واحد نفسه للمسيح وقفز من القلعة إلى الميناء وكانت رملا فلم ~~يصبه شيء واشتد عدوا حتى أتى البحر فخرج له شاني وأخذه إلى شاني الملك ~~فحدثه بالحديث فلما شعر الأنكتار أن القلعة مع أصحابه اندفع يطلب الساحل ~~وكان أول شاني ألقى من فيه بالبرشانية وكان أحمر ورقبته حمراء وبيرقه أحمر ~~فما كانت إلا ساعة حتى نزل كل من في الشواني إلى الميناء، هذا كله وأنا ~~أشاهد ذلك ثم حملوا على المسلمين فاندفعوا بين أيديهم وأخرجوهم من الميناء ~~وكان تحتي فرس فسقته إلى السلطان وأخبرته الخبر وبين يديه الرسولان وقد أخذ ~~القلم بيده ليكتب لهم الأمان فعرفته في أذنه ما جرى فامتنع من الكتابة ~~وشغلهم بالحديث فما كان إلا ساعة حتى فر ms187 المسلمون نحو السلطان فصاح في ~~الناس فركبوا وقبض على الرسولين وأمر بترحيل الثقل والأسواق إلى بازور فرحل ~~الناس وتخلف لهم ثقل عظيم مما كانوا نهبوه من يافا لم يقدروا على نقله ورحل ~~الثقل وبقي السلطان جريدة في الليل وبات ليلته هناك وخرج الأنكتار إلى موضع ~~السلطان الذي كان فيه لضيق البلد وأمر من في القلعة أن يخرجوا إليه معظم ~~سواده فاجتمع به جماعة من المماليك وجرت بينهم أحاديث ومجاوبات كثيرة. ### | ذكر حديث الصلح # ثم طلب الحاجب أبا بكر العادلي وحضر عندهم أيبك العزيزي وسنقر المشطوبي ~~وغيرهم وكان قد صادق جماعة من خواص المماليك ودخل معهم دخولا عظيما بحيث ~~كانوا يجتمعون به في أوقات # PageV01P337 # متعددة وكان قد صادق من الأمراء جماعة كبدر الدين دلدرم وغيره فلما حضر ~~هذا الجمع عنده جد وهزل ومن جملة ما قاله هذا السلطان عظيم وما في هذه ~~الأرض للإسلام أكبر ولا أعظم منه كيف رحل عن المكان بمجرد وصولي والله ما ~~لابست لأمة الحرب ولا تأهبت لأمر وليس في رجلي إلا رذول البحر فكيف تأخر، ~~ثم قال والله العظيم الكريم ما ظننت أنه يأخذ يافا في شهرين فكيف أخذها في ~~يومين. ثم قال لأبي بكر سلم على السلطان وقل له بالله عليك أجب سؤالي في ~~الصلح فهذا الأمر لا بد له من آخر وقد هلكت بلادي وراء البحر وما في دوام ~~هذا مصلحة لا لنا ولا لكم ثم انفصلوا عنه وحضر أبو بكر عند السلطان وعرفه ~~ما قال وكان ذلك في أواخر يوم السبت تاسع عشر شهر رجب فلما سمع السلطان ذلك ~~أحضر أرباب المشورة وانفصل الحال على أن الجواب هو: أنك كنت طلبت الصلح ~~أولا على قاعدة وكان الحديث في يافا وعسقلان والآن قد خربت يافا فيكون لك ~~من صور إلى قيسارية. # فمضى إليه وعرفه ما قال فرده إليه ومعه رسول إفرنجي وقال يقول الملك: إن ~~قاعدة الإفرنج أنه إذا أعطى واحد لواحد بلدا صار تبعه وغلامه وأنا أطلب منك ~~هذين البلدين يافا وعسقلان وتكون ms188 عساكرهما في خدمتك دائما وإذا احتجت إلي ~~وصلت إليك في أسرع وقت وخدمتك كما تعلم خدمتي. فكان جواب السلطان: حيث دخلت ~~هذا المدخل فأنا أجيبك بأن نجعل هذين البلدين قسمين أحدهما لك وهو يافا وما ~~وراءها والثاني لي وهو عسقلان وما وراءها. # ثم سار الرسولان ورحل السلطان إلى الثقل وكان المخيم ببازور ورتب ~~النقابين لذلك واليزك عندهم وسار حتى أتى الرملة فخيم بها يوم الأحد ~~العشرين من رجب ووصل إليه الرسول مع الحاجب أبي بكر فأمر بإكرامه والإحسان ~~إليه وكانت رسالته الشكر من الملك على إعطائه يافا وتجديد السؤال في عسقلان ~~ويقول إنه إن وقع الصلح في هذه الأيام سار إلى بلاده ولا يحتاج أن يشتي ~~هاهنا فأجابه السلطان في الحال بقوله: أما النزول عن عسقلان # PageV01P338 # فلا سبيل إليه وأما تشتيته هاهنا فلا بد منه لأنه قد استولى على هذه ~~البلاد ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة كما تؤخذ أيضا إذا أقام إن ~~شاء الله تعالى. وإذا سهل عليه أن يشتي هاهنا ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة ~~شهرين وهو شاب في عنفوان شبابه ووقت اقتناص لذاته أفلا يسهل علي أن أشتي ~~وأصيف وأنا في وسط بلادي وعندي أولادي وأهلي ويأتي إلى ما أريد وأنا رجل ~~شيخ قد كرهت لذات الدنيا وشبعت منها ورفضتها عني والعسكر الذي يكون عندي في ~~الشتاء غير العساكر الذي يكون عندي في الصيف وأنا أعتقد أني في أعظم ~~العبادات ولا أزال كذلك حتى يعطي الله النصر لمن يشاء. # فلما سمع الرسول ذلك طلب أن يجتمع بالملك العادل فأذن له في ذلك فسار إلى ~~خيمته وكان قد تأخر بسبب مرض اعتراه إلى موضع يقال له صمويل فسار الرسول ~~إليه مع جماعة ثم بلغ السلطان أن عسكر العدو قد رحل من عكا قاصدا يافا ~~للإنجاد فجمع أرباب الرأي وعقد مشورة في قصدهم فاتفق الرأي على أنهم ~~يقصدونهم ويرحل بالثقل إلى الجبل ويقصدونهم جريدة فإن لاحت فرصة انتهزوها ~~وإلا رجعوا عنهم وهذا أولى من أن نصبر حتى تجتمع ms189 عساكر العدو ونرحل إلى ~~الجبل في صورة منهزمين وأما إذا وصلنا الآن ففي صورة طالبين فأمر السلطان ~~الثقل أن يسير إلى الجبل عشية الاثنين الحادي والعشرين من رجب وسار هو ~~جريدة في صبيحة يوم الثلاثاء حتى نزل على العوجاء ووصل إليه من أخبره أن ~~عسكر العدو قد وصل قيسارية ودخل عليها ولم يبق فيه طمع وبلغه أن الأنكتار ~~قد نزل خارج يافا في نفر يسير بخيم قليلة فوقع له أن ينتهز فيه الفرصة ~~ويكبس خيمه وينال منهم غرضا وعزم على ذلك وسار من أول الليل والأدلة من ~~العرب تتقدمه وهو يقطع الطريق إلى أن أتى في الصباح إلى خيام العدو فوجدها ~~تقريبا عشر خيم فداخله الطمع وحملوا # PageV01P339 # حملة الرجل الواحد فثبتوا في أمكنتهم وكشروا عن أنياب الحرب فوجموا من ~~ثباتهم وسار العسكر حلقة واحدة. # ولقد حكى لي بعض الحاضرين فإني كنت تأخرت من الثقل ولم أحضر هذه الواقعة ~~لالتياث مزاجي أن عدة الخيل كان يحزرها المكثر سبعة عشر والمقل تسعة ~~والرجال دون الألف فمن قائل ثلاثمائة ومن قائل أكثر من ذلك فوجد السلطان من ~~ذلك مغيظة عظيمة ودار على الأطلاب يحثها فلم يجب دعاءه سوى ولده الملك ~~الظاهر وقال له الجناح أخو المشطوب قل لغلمانك الذين ضربوا الناس يوم فتح ~~يافا وأخذوا منهم الغنيمة وكان في قلوب العسكر من صلح يافا حيث فوتوهم ~~الغنيمة ما كان وجرى ما جرى ما أثر هذا الأثر. فلما رأى السلطان ذلك رأى أن ~~وقوفه في مقابلة هذه الشرذمة اليسيرة من غير عمل خسة في حقه وقد بلغني أن ~~الأنكتار أخذ رمحه ذلك اليوم وحمل من طرف الميمنة إلى طرف الميسرة فلم ~~يتعرض له أحد فغضب السلطان ثم أعرض عن القتال وسار حتى أتى بازور كالمغضب ~~ونزل بها وذلك في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من رجب وبات العسكر باليزك ~~ثم أصبح يوم الخميس وساروا إلى النطرون ونزل به وأنفذ إلى العسكر فأحضر ~~عنده فوصلنا إليه آخر نهار الخميس الرابع والعشرين فبات به فأصبح يوم # PageV01P340 # الجمعة ms190 فسار إلى أخيه العادل يفتقده ودخل القدس وصلى الجمعة ونظر العمائر ~~ورتبها ثم عاد من يومه إلى الثقل وبات فيه على النطرون. ### | ذكر قدوم العساكر # كان أول ما وصل علاء الدين بن أتابك صاحب الموصل وكان وصوله ضحاء نهار ~~السبت السادس والعشرين من رجب فلقيه السلطان على بعد واحترمه وأكرمه وأنزله ~~عنده في الخيمة وعمل همة حسنة وقدم له تقدمة جميلة ثم سار إلى خيمته. # وأما رسول الملك فإنه عاد في ذلك اليوم فإن الملك العادل قد حمله رسالة ~~مشافهة إلى الملك وعاد مع الحاجب أبي بكر إلى يافا فعاد أبو بكر وحضر عند ~~السلطان في ذلك اليوم وأخبره أن الملك لم يتركني أدخل يافا وخرج إلي وكلمني ~~في ظاهرها وكان كلامه إلي كم أطرح نفسي على السلطان وهو لا يقبلني وأنا كنت ~~أحرص أن أعود إلى بلادي والآن قد هجم الشتاء وتغير الأنواء وقد عزمت على ~~الإقامة وما بقي بيننا حديث. هكذا كان جوابه خذله الله تعالى. # ولما كان يوم الخميس تاسع شعبان قدم عسكر مصر فخرج السلطان إلى لقائهم ~~وكان فيهم مجد الدين هلدري وسيف الدين يازكج وجماعة الأسدية وكان في خدمته ~~الملك المؤيد مسعود وقد أظهروا الزينة ونشروا الأعلام والبيارق فكان يوما ~~مشهودا ثم أنزلهم عنده ومد الخوان ثم ساروا إلى منازلهم. # PageV01P341 ### | ذكر قدوم الملك المنصور ابن تقي الدين رحمه الله # وكان قد تسلم البلاد التي وعد بها وكان وصوله إلى خدمة الملك العادل في ~~يوم السبت حادي عشر شعبان فنزل عنده بماء صمويل وافتقده وكتب الملك العادل ~~في ذلك اليوم إلى السلطان يخبره بوصوله وسأله في احترامه وإكرامه وإطلاق ~~الرحمة له. ولما تحقق الملك الظاهر وصول الملك المنصور مخيما يبيت نوبة ~~فنزل عنده وخرج إلى لقائه وأقام عنده إلى العصر وذلك في يوم الأحد ثم أخذه ~~وسار به جريدة حتى أتى خيمة السلطان ونحن في خدمته فدخل عليه فاحترمه ونهض ~~إليه واعتنقه وضمه إلى صدره ثم غشيه البكاء فصبر نفسه حتى غلبه الأمر وغشيه ~~من البكاء ms191 ما لم ير مثله فبكى الناس لبكائه ساعة زمانية ثم باسطه وسأله عن ~~الطريق ثم انفصل وبات في خيمة الملك الظاهر إلى صبيحة الاثنين ثم ركب وعاد ~~إلى عسكره ونشروا الأعلام والبيارق وكان معه عسكر جليل فقرت عين السلطان ~~ونزل في مقدمة العسكر مما يلي الرملة. ### | ذكر رحيله رحمه الله إلى الرملة # وذلك أنه لما رأى العساكر قد اجتمعت جمع أرباب الرأي وقال إن الأنكتار قد ~~مرض مرضا شديدا والافرنسيسية قد ساروا راجعين ليعبروا من البحر # PageV01P342 # من غير شك ونفقاتهم قد قلت وهذا العدو قد أمكن الله منه وأرى أن نسير إلى ~~يافا فإن وجدنا فيها مطمعا بلغناه وإلا عدنا تحت الليل إلى عسقلان فما ~~تلحقنا النجدة إلا وقد نلنا منها غرضا فرأوا ذلك رأيا. وتقدم إلى جماعة من ~~الأمراء كعز الدين جرديك وجمال الدين فرج وغيرهما بالمسير في ليلة الخميس ~~سادس عشر شعبان حتى يكونوا قريبا من يافا في صورة يزك يستطلعون كم فيها من ~~الخيالة والرجالة بالجواسيس ثم يعرفونه ذلك فساروا، هذا ورسل الأنكتار لا ~~تنقطع في طلب الفاكهة والثلج ووقع عليه في مرضه شهوة الكمثرى والخوخ فكان ~~السلطان يمده بذلك ويقصد كشف الأخبار بتواتر الرسل والذي انكشف من الأخبار ~~أن فيها ثلاثمائة فارس على قول المكثر ومائتي فارس على قول المقل وإن ~~الكندهري يتردد بينه وبين الفرنسية في مقامهم وهم عازمون على عبور البحر # قولا واحدا وأنهم لا عناية بسور البلد وإنما عنايتهم بعمارة سور القلعة ~~وكان الأنكتار قد طلب الحاجب أبا بكر العادلي وكان له معه انبساط عظيم فلما ~~تحقق السلطان الأخبار أصبح يوم الخميس راحلا إلى جهة الرملة فنزل بها ضاحي ~~نهار ووصل الخبر من المغيرين يقولون إنا أغرنا على يافا فلم يخرج إلا نحو ~~ثلاثمائة فارس معظمهم على بغال فأمرهم السلطان بمقامهم هناك ثم وصل الحاجب ~~أبو بكر ومعه رسول من عند الملك يشكر السلطان على إنعامه بالفواكه والثلج ~~وذكر أبو بكر أنه تفرد به وقال له قل لأخي الملك العادل يبصر كيف يتوصل ms192 إلى ~~السلطان في معنى الصلح ويستوهب لي منه عسقلان وأمضي أنا ويبقى هو في هذه ~~الشرذمة اليسيرة يأخذ البلاد منهم # PageV01P343 # فليس لي غرض إلا إقامة جاهي بين الإفرنج وإن لم ينزل السلطان عن عسقلان ~~فيأخذ لي منه عوضا عن خسارتي على عمارة سورها. # فلما سمع السلطان سيرهم إلى الملك العادل وأسر إلى ثقة عنده أن يمضي إلى ~~الملك العادل ويقول له إن نزلوا عن عسقلان فصالحهم فإن العسكر قد ضجروا من ~~ملازمة البيكار والنفقات قد نفدت فسار ضحى الجمعة سابع عشر شعبان. ### | ذكر الإجابة إلى النزول عن عسقلان # ولما كان غروب الشمس من اليوم المذكور أنفذ بدر الدين دلدرم من اليزك ~~يقول أنه قد خرج إلينا خمسة أنفس منهم شخص مقدم عند الملك يسمى هوات، ~~وذكروا أن لهم معنا حديثا فهل أسمع حديثهم أو لا؟ فأذن له السلطان في ذلك، ~~ولما كانت العشاء الآخرة حضر بدر الدين بنفسه وأخبر أن حديثهم كان أن الملك ~~قد نزل عن عسقلان وعن طلب العوض عنها وقد صح مقصوده في الصلح، فأعاده ~~السلطان ثانية لينفذ إليه ثقة يأخذ يده على ذلك ويقول أن السلطان قد جمع ~~العساكر وما يمكنني أن أحدثه هذا الحديث إلا بأن أثق أنك لا ترجع وبعد ذلك ~~أحدثه، وسار بدر الدين على هذه القاعدة وكتب إلى الملك العادل يخبره بما ~~جرى. # ولما كان يوم السبت ثامن عشر شعبان أنفذ بدر الدين وذكر أنه أخذ يده على ~~هذه القاعدة بمن يثق به وأن حدود البلاد على ما استقر في الدفعة الأولى مع ~~الملك العادل فأحضر السلطان الديوان فذكروا يافا وأعمالها وأخرج الرملة ~~ويبنا ومجدل يابا، ثم ذكر قيسارية وأعمالها وأرسوف وأعمالها # PageV01P344 # وحيفا وأعمالها وعكا وأعمالها، وأخرج منها الناصرة وصفورية وأثبت الجميع ~~في ورقة وكتب جواب الكتاب وأنفذه على يد طرنطاي مع الرسول، وكان قد وصل ~~الرسول لتحرير القاعدة مع بدر الدين في عصر السبت وقال للرسول هذه حدود ~~البلاد التي تبقى في أيديكم فإن صالحتم على ذلك فمبارك قد أعطيتم يدي ms193 ~~ولينفذ الملك من يحلف ويكون ذلك في غداة غد، وإلا فيعلم أن هذا تدفيع ~~ومماطلة ويكون الأمر قد انفصل من بيننا، وساروا في بكرة الأحد على هذه ~~القاعدة. # ولما كان العشاء الآخرة يوم الأحد وصل من أخبر بوصول طرنطاي ومعه الرسول ~~واستأذن في حضورهما، فأذن رحمه الله في حضور طرنطاي وحده، فذكره أن الملك ~~قد وقف على تلك الرقعة وأنكر أنه نزل عن ذلك فقال: إذن أنا قتلته فلا أرجع ~~عنه. قولوا للسلطان مبارك رضيت بهذه القاعدة وقد رجعت إلى مروءتك، فإن ~~زدتني شيئا فمن فضلك وإنعامك. ثم سار واحضر الرسل ليلا، وأقاموا إلى بكرة ~~وحضروا عند السلطان بكرة الإثنين فذكروا ما استقر عن صاحبهم ثم انفصلوا إلى ~~خيمهم، وحضر عند السلطان أرباب المشورة واستقر الأمر وانفصلت القاعدة وسار ~~الأمير بدر الدين دلدرم إلى الملك العادل وأخذ الرسل معه في صورة من يسأل ~~في زيادة الرملة وعاد في عشاء الآخرة ليلة الإثنين وكتبت المواضعة وذكر ~~فيها شروط الصلح ثلاث سنين من تاريخها وهو الأربعاء الثاني والعشرين من ~~شعبان سنة ثمانية وثمانين # PageV01P345 # وخمسمائة ويراد فيها الرملة لهم ولد أيضا، وسير العدل وقال له إن قدرت أن ~~ترضيهم بأحد الموضعين أو مناصفتها فافعل ولا يكون لهم حديث في الجبليات، ~~ورأى السلطان ذلك مصلحة لما عرا الناس من الضعف وقلة النفقات والشوق إلى ~~الأوطان ولما شاهده من تقاعدهم عن يافا يوم أمرهم بالحملة فلم يحملوا فخاف ~~أن يحتاج إليهم فلم يجدهم، فرأى أن يحييهم مدة حتى يستريحوا ويتبعوا غير ~~هذه الحالة التي صاروا غليها ويعمر البلاد ويشحن القدس بما يقدر عليه من ~~الآلة ويتفرغ لعمارتها. # وكان من القاعدة أن عسقلان تكون خرابا وأن يتفق أصحابنا وأصحابهم على ~~خرابها خشية أن نأخذها عامرة فلا نخربها فمضى العدل على هذه القاعدة واشترط ~~دخول البلاد الإسلامية واشترطوا هم دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في الصلح على ~~قاعدة آخر صلح صالحناهم عليه، واستقر الحال على ذلك، وسارت الرسل وحكم ~~عليهم أن لابد من فصل الحال إما الصلح وإما ms194 الخصومة خشية أن يكون هذا ~~الحديث من قبيل أحاديثه السابقة ومدافعاته المعروفة. # وفي ذلك اليوم وصل رسول سيف الدين بكتمر صاحب خلاط يبذل # PageV01P346 # الطاعة والموافقة وسير العساكر وحضر رسول الكرج وذكر فصلا في معنى ~~الزيادات التي لهم في القدس وعمارتها وشكوا أنها أخذت من أيديهم ويسأل ~~عواطف السلطان أن يردها إلى نوابهم ورسول صاحب أرزن الروم يبذل الطاعة ~~والعبودية. ### | ذكر تمام الصلح # ولما وصل العدل إلى هناك أنزل خارج البلد في خيمة حتى أعلم الملك به، ~~فلما علم به استحضره عنده مع بقية الجماعة وعرض العدل عليه النسخة وهو مريض ~~الجسم، فقال: لا طاقة لي بالوقوف عليها وأنا قد صالحت وهذه يدي فاجتمعوا ~~بالكندهري والجماعة وأوقفوهم على النسخة ورضوا بلد والرملة مناصفة وبجميع ~~ما في النسخة واستقرت القاعدة أنهم يحلفون بكرة يوم الأربعاء بأنهم كانوا ~~قد أكلوا شيئا وليس من عادتهم الحلف بعد الأكل وأنفذ العدل إلى السلطان من ~~عرفه ذلك. # ولما كان يوم الأربعاء الثاني والعشرون من شعبان حضر الجماعة عند الملك ~~وأخذوا يده وعاهدوه، واعتذر أن الملوك لا يحلفون، وقنع السلطان بذلك ثم حلف ~~الجماعة والمستحلف الكندهري ابن أخته المستخلف عنه في الساحل وباليان بن ~~بارزان صاحب طبرية، ورضي الأسبتار والداوية وسائر مقدمي الإفرنجية بذلك ~~وساروا بقية يومهم عائدين إلى المخيم السلطاني فوصلوا العشاء الآخرة وكان ~~الواصلون من جانبهم ابن الهنغري وابن بارزان وجماعة من مقدميهم فاحترموا ~~وأكرموا وضربت لهم خيمة # PageV01P347 # تليق بهم، وحضر العدل وحكى ما جرى. # ولما كانت صبيحة الثالث والعشرين حضر الرسل في خدمة السلطان وأخذوا بيده ~~الكريمة وعاهدوه على الصلح على القاعدة المستقرة، واقترحوا حلف جماعة وهم ~~الملك العادل والملك الأفضل والملك الظاهر عن نصرهم والمشطوب وبدر الدين ~~دلدرم والملك المنصور ومن كان مجاورا لبلادهم كابن المقدم وصاحب شيزر ~~وغيرهم، فوعدهم السلطان أن يسير معهم رسلا إلى الجماعة المجاورين ليحلفوهم ~~لهم، وحلف لصاحب أنطاكية وطرابلس، وعلق اليمين بشرط حلفهم للمسلمين فإن لم ~~يحلفوا فلا يدخل في الصلح. # ثم أمر المنادي أن ينادي في الوطاقات ms195 والأسواق ألا أن الصلح قد انتظم في ~~سائر بلادهم فمن شاء من بلادهم أن يدخل إلى بلادنا فليفعل، ومن شاء من ~~بلادنا أن يدخل إلى بلادهم فيفعل، وأشار رحمة الله عليه أن طريق الحج قد ~~فتح من الشام ووقع له عزم على الحج في ذلك المجلس وكنت حاضرا ذلك جميعه، ~~وأمر السلطان أن تسير مائة نقاب لتخريب سور عسقلان معهم أمير كبير ولإخراج ~~الإفرنج منها ويكون معهم جماعة من الإفرنج إلى حين وقوع الخراب في السور ~~خشية استبقائه عامرا. وكان يوما مشهودا غشي الناس من الطائفتين فيه من ~~الفرح والسرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى، والله العظيم إن الصلح لم يكن ~~من إيثاره، فإنه قال لي في بعض محاوراته في الصلح أخاف أن أصالح وما أدري ~~أي شيء يكون مني فيقوى هذا العدو وقد بقيت لهم هذه البلاد فيخرجوا لاسترداد ~~بقية بلا دهم ونرى كل واحد من هؤلاء الجماعة قد قعد في رأس قلعته يعني حصنه ~~وقال لا أنزل فيهلك المسلمون. هذا كلامه وكان كما قال، لكنه رأى المصلحة في ~~الصلح لسآمة العسكر وتظاهرهم بالمخالفة وكانت مصلحة # PageV01P348 # في علم الله تعالى، فإنه اتفقت وفاته بعيد الصلح، ولو كان اتفق ذلك في ~~أثناء الوقعات لكان الإسلام على خطر، فما كان الصلح إلا توفيقا وسعادة له. ### | ذكر خراب عسقلان # ولما كان الخامس والعشرون من شعبان ندب السلطان علم الدين قيصر إلى خراب ~~عسقلان، وسير معه جماعة من النقابين والحجارين واستقر أن الملك ينفذ من ~~يافا من يسير معه ليقف على التخريب ويخرج الإفرنج منها فوصلوا إليها من ~~الغد فلما أرادوا التخريب اعتذر الأجناد الذين بها بأن لنا على الملك ~~جانكية لمدة فإما أن يدفعها إلينا ونخرج أو ادفعوها أنتم إلينا، فوصل بعد ~~ذلك رسول الملك يأمرهم بالخروج فخرجوا ووقع التخريب فيها في السابع ~~والعشرين من شعبان واستمر يخربها وكتب على الجماعة رقاعا بالمعاونة على ~~التخريب وأعطى كل واحد قطعة معلومة في السور وقيل له دستورك في تجريبها. # ولما كان التاسع والعشرون ms196 رحل السلطان إلى النطرون واختلط العسكران وذهب ~~جماعة من المسلمين إلى يافا في طلب التجارة ووصل خلق عظيم من العدو إلى ~~القدس للحج وفتح لهم السلطان # PageV01P349 # الباب وأنفذ معهم الخفراء يحفظونهم حتى يردهم إلى يافا، وكثر ذلك من ~~الإفرنج، وكان غرض السلطان بذلك أن يقضوا غرضهم من الزيارة ويرجعوا إلى بلا ~~دهم فيأمن المسلمون من شرهم. # ولما علم الملك كثرة من يزور منهم صعب عليه ذلك وسير إلى السلطان يسأله ~~منع الزوار واقترح أن لا يؤذن لهم إلا بعد حضور علامة من جانبه أو كتابة، ~~وعلمت الإفرنج ذلك فعظم عليهم واهتموا في الحج فكان يرد منهم في كل يوم ~~جموع كثيرة مقدمون وأسباط وملوك متنكرون، وشرع السلطان في إكرام من يرد ومد ~~الطعام ومباسطتهم ومحادثتهم وعرفهم إنكار الملك ذلك، واعتذر إلى الملك بأن ~~قوما قد وصلوا من بعد ذلك لزيارة المكان الشريف فلا أستحل منعهم، ثم اشتد ~~المرض بالملك فرحل في ليلة التاسع والعشرين وسار هو والكندهري وسائر العدو ~~إلى جانب عكا ولم يبق في يافا إلا مريض أو عاجز ونفر يسير. ### | ذكر عود العساكر الإسلامية إلى أوطانهم # ولما انقضى هذا الأمر واستقرت القواعد أعطى السلطان الناس دستورا وكان ~~أول من سار عسكر إربل، فإنه سار في مستهل شهر رمضان المبارك، ثم سار بعده ~~في ثانية عسكر الموصل وسنجار والحصن، أشاع أمر الحج وقوى عزمه على براءة ~~الذمة، وكان هذا مما وقع لي وبدأت # PageV01P350 # بالإشارة به، فوقع منه موقعا عظيما، وأمر الديوان وكل من عزم على الحج من ~~العسكر أن يثبت اسمه حتى يحصر عدة من يدخل معنا في الطريق وكتب جرائد بما ~~يحتاج إليه في الطريق من الخلع والأزواد وغيرها وسيرها إلى البلاد ليعدوها. # ولما أعطى الناس دستورا وعلم عود العدو رجع إلى ورائه رأى الدخول إلى ~~القدس الشريف لتهيئة أسباب عمارته والنظر في مصالحه والتأهب في المسير إلى ~~الحج، فرحل من النطرون يوم الأحد رابع يوم شهر رمضان وسار حتى أتى ماء ~~صمويل يفتقد الملك العادل فوجده قد ms197 سار إلى القدس، وقد كنت عنده رسولا من ~~جانب السلطان أنا والأمير بدر الدين دلدرم والعدل، وكان قد انقطع عن أخيه ~~بسبب مرضه، وكان قد تماثل فعرفناه مجيء السلطان إلى ماء صمويل لعيادته فحمل ~~على نفسه وسار معنا حتى لقيه في ذلك المكان وهو أول وصوله إلى ماء صمويل ~~ولم ينزل بعد فلقيه ونزل وقبل الأرض وعاد فركب فاستدناه وسأله عن مزاجه ~~وسار جميعا حتى أتيا القدس الشريف في بقية ذلك اليوم. ### | ذكر وصول رسول من بغداد # ولما كان يوم الجمعة الثالث والعشرون من شهر رمضان صلى الملك العادل ~~الجمعة وانصرف إلى الكرك عن دستور من السلطان لينظر في أحواله ويعود إلى ~~البلاد الشرقية يدبرها، فإنه كان قد # PageV01P351 # أخذها من السلطان وكان قد ودع السلطان، فلما وصل العازرية نزل بها مخيما ~~فوصله من أخبر أن رسولا من بغداد واصل إليك فأنفذ إلى السلطان وعرفه فذكر ~~له أن يجتمع ويطالع ما وصل فيه فلما كان السبت الرابع والعشرون دخل إلى ~~الخدمة السلطانية وذكر أن الرسول قد وصل إليه من جانب ابن النافذ بعد أن ~~ولي نيابة الوزارة ببغداد ومقصود الكتاب أنه يحثه على استعطاف قلب السلطان ~~إلي لخدمة الشريفة والدخول بينه وبين الديوان العزيز والإنكار عليه بتأخر ~~رسله عن العتبة الشريفة واقتراح تسيير القاضي الفاضل ليحضر الديوان العزيز ~~في تقرير قاعدة تتحرر بينه وبين السلطان لا بد منها وقد وعد الملك العادل ~~من الديوان بوعود عظيمة إذا قرر ذلك ويكون له يد عند الديوان يستثمرها فيما ~~بعد وما يشبه هذا الفن فحدثت عند السلطان فكرة في إنفاذ رسول يسمع كلام ~~الديوان ويستعلم سبب دخول الملك العادل في البين وزاد الحديث ونقص وطال ~~وقصر وقوي العزم السلطاني على إنفاذ الضياء الشهرزوري وعاد الملك العادل ~~إلى مخيمه بالعازرية بعد تقرير هذه القاعدة وعرفه إجابة السلطان إلى إنفاذ ~~رسول إلى خدمة الديوان العزيز وسار يوم الاثنين طالبا جهة الكرك وسار ~~الضياء متوجها إلى بغداد يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر رمضان. ### | ذكر توجه ولده ms198 الملك الظاهر إلى بلاده ووحشة السلطان له # ولما كانت بكرة التاسع والعشرين # PageV01P352 # توجه الملك الظاهر عز نصره بعد أن ودعه ونزل إلى الصخرة فصلى عندها وسأل ~~الله تعالى ما شاء ثم ركب وركبت في خدمته فقال لي قد تذكرت أمرا أحتاج فيه ~~إلى مراجعة السلطان مشافية فأنفذ من استأذن له العود إلى خدمته فأذن له في ~~ذلك فحضر واستحضرني وأخلى المكان ثم قال له: أوصيك بتقوى الله تعالى فإنها ~~رأس كل خير وآمرك بما أمر الله به فإنه سبب نجاتك وأحذرك من الدماء والدخول ~~فيها والتقلد بها فإن الدم لا ينام وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في ~~أحوالهم فأنت أميني وأمين الله عليهم وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب ~~الدولة والأكابر فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس ولا تحقد على أحد فإن ~~الموت لا يبقي على أحد واحذر ما بينك وبين الناس فإنه لا يغفر إلا برضاهم ~~وما بينك وبين الله يغفره الله بتوبتك إليه فإنه كريم. وكان ذلك بعد ~~انصرفنا من خدمته ومضى من الليل ما شاء الله إن يمضي وهذا ما أمكنني حكايته ~~وضبطه ولم يزل بين يديه إلى قريب السحر ثم أذن له في الانصراف ونهض ليودعه ~~فقبل وجهه ومسح رأسه وانصرف في دعة الله ونام في برج الخشب الذي للسلطان ~~وكنا نجلس عنده في الأحياء إلى بكرة وانصرفت في خدمته إلى بعض الطريق ~~وودعته وسار في حفظ الله. # ثم سير الملك الأفضل ثقله وأقام يراجع السلطان على لساني في أشغال كانت ~~له حتى دخل في شوال أربعة أيام وسار في ليلة الخامس منه نصف الليل عن تعتب ~~عليه جريدة على طريق الغور. # PageV01P353 ### | ذكر مسيره رحمه الله من القدس الشريف # وأقام السلطان يقطع الناس ويعطيهم دستورا ويتأهب للمسير إلى الديار ~~المصرية وانقطع شوقه عن الحج وكان من أكبر المصالح التي فاتته ولم يزل كذلك ~~حتى صح عنده إقلاع مركب الأنكتار متوجها إلى بلاده مستهل شوال فعند ذلك حرر ~~السلطان عزمه على أن يدخل الساحل جريدة ويفتقد القلاع ms199 البحرية إلى بانياس ~~ويدخل دمشق المحروسة يقيم بها أياما قلائل ويعود إلى القدس الشريف سائرا ~~إلى الديار المصرية يتفقد أحوالها ويقرر قواعدها وينظر في مصالحها وأمرني ~~بالمقام في القدس الشريف لعمارة بيمارستان أنشأه فيه وإدارة المدرسة التي ~~أنشأها فيه إلى حين عوده وسار من القدس الشريف ضحوة نهار الخميس سادس شوال ~~وودعته إلى البيرة ونزل بها وأكل فيها طعاما ثم أتى بعض طريق نابلس فبات ~~فيه ثم أتى نابلس ضحوة نهار الجمعة سابع شوال فلقيه خلق عظيم يستغيثون من ~~المشطوب ويتضورون من سوء رعايته لهم فأقام يكشف عن أحوالهم إلى عصر يوم ~~السبت ثم رحل ونزل بسبصطية يتفقد أحوالها ثم أتى في طريقه إلى كوكب ونظر في ~~أحوالها وسد خللها وذلك في يوم الاثنين عاشره. وكان فكاك بهاء الدين قراقوش ~~من ربقة الأسر يوم الثلاثاء حادي عشر شوال ومثل في الخدمة # PageV01P354 # السلطانية ففرح به فرحا شديدا وكانت له حقوق كثيرة على السلطان وعلى ~~الإسلام واستأذن السلطان في المسير إلى تحصيل القطيعة فأذن له في ذلك وكانت ~~القطيعة على ما بلغني ثمانين ألفا والله أعلم. # ولما وصل السلطان إلى بيروت وصل إلى خدمته البرنس صاحب أنطاكية مسترفدا ~~فبالغ في احترامه وإكرامه ومباسطته وأنعم عليه بالعمق وزرعان ومزارع تبلغ ~~خمسة عشر ألف دينار. وكان قد خلف المشطوب في القدس من جملة العسكر المقيمين ~~به ولم يكن واليه وإنما كان واليه عز الدين جرديك وكان ولاه بعد الصلح حالة ~~عوده إلى القدس بعد أن شاور فيه الملك العادل والملك الأفضل والملك الظاهر ~~على لساني وأشار به أهل الدين والصلاح لأنه كان كثير الجد والخدمة والحفظ ~~لأهل الخير فأمرني السلطان أن أوليه ذلك في يوم الجمعة عند الصخرة ووليته ~~إياه بعد صلاة الجمعة واشترطت عليه الأمانة وعرفته موضع حسن اعتقاد السلطان ~~فيه وانعقد الأمر وقام به القيام المرضي. وأما المشطوب فإنه كان مقيما ~~بالقدس من جملة من كان مقيما بها وتوفي يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال ~~ودفن في داره بعد أن صلى عليه ms200 في المسجد الأقصى رحمه الله. # PageV01P355 ### | ذكر عود السلطان إلى دمشق المحروسة # وكان عوده إليها بعد الفراغ من تصفح أحوال القلاع الساحلية بأسرها ~~والتقدم بسد خللها وإصلاح أمور أجنادها وشحنها بالأجناد والرجال ودخل دمشق ~~بكرة الأربعاء السادس والعشرين من شوال وفيها أولاد الملك الأفضل والملك ~~الظاهر والملك الظافر وأولاده الصغار وكان يحب البلد ويؤثر الإقامة فيه على ~~سائر البلاد وجلس للناس في بكرة الخميس السابع والعشرين منه وحضر الناس ~~عنده وبلوا شوقهم من رؤيته وأنشده الشعراء وعم ذلك المجلس الخاص والعام ~~وأقام ينشر جناح عدله. ويهطل سحاب إنعامه وفضله ويكشف مظالم الرعايا في ~~الأوقات المعتادة حتى كان يوم الاثنين مستهل ذي القعدة اتخذ الملك الأفضل ~~دعوة للملك الظاهر فإنه لما وصل إلى دمشق بلغه حركة السلطان إليها فأقام ~~حتى يتملى بالنظر إليه ثانيا وكأن نفسه الشريفة كانت قد أحست بدنو أجل ~~السلطان فودعه في تلك الليلة مرارا متعددة وهو يعود إليه. ولما اتخذ الملك ~~الأفضل له دعوة أظهر فيها من بديع التجمل وغريهه ما يليق بهمته وكأنه أراد ~~مجازاته عما خدمه به حين وصوله إلى حلب وحضرها أرباب الدنيا وأبناء الآخرة ~~وسأل السلطان الحضور فحضر جبرا لقلبه. ### | ذكر قدوم الملك العادل أخيه # ولما تصفح الملك العادل أخبار الكرك وأمر بإصلاح ما قصد إصلاحه منه عاد ~~طالبا البلاد الفراتية فوصل أرض دمشق يوم الأربعاء سابع عشر ذي # PageV01P356 # القعدة وكان السلطان قد خرج إلى لقائه وأقام يتصيد حوالي عباب إلى الكسوة ~~حتى لقيه وسارا جميعا وكان دخولهما دمشق آخر نهار الأحد الحادي والعشرين ~~وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده ويتفرجون في أرض الشام وموطن ~~الظباء وكأنه وجد راحة مما كان فيه من ملازمة التعب وسهر الليل ونصب النهار ~~وما كان ذلك إلا كالوداع لأولاده ومرابع تنزهه وهو لا يشعر ونسي عزمه ~~المصري وعرضت له أمور أخرى وعزمات غير ذلك ووصلني كتابه إلى القدس يستدعيني ~~إلى خدمته وكان شتاء شديدا ووحل عظيم فخرجت من القدس الشريف في يوم الجمعة ~~الثالث والعشرين من المحرم ms201 سنة تسع وثمانين وكان الوصول إلى دمشق يوم ~~الثلاثاء ثاني عشر صفر سنة تسع وكان وصل أوائل الحج على طريق دمشق واتفق ~~حضوري والملك الأفضل حاضر في الإيوان الشمالي وفي خدمته خلق من الأمراء ~~وأرباب المناصب ينتظرون جلوس السلطان لخدمته فلما شعر بحضوري استحضرني وهو ~~وحده قبل أن يدخل إليه أحد فدخلت عليه فقام ولقيني لقاء ما رأيت أشد من ~~بشره بي فيه ولقد ضمني إليه ودمعت عينه. ### | ذكر لقائه للحجاج # ولما كان يوم الأربعاء ثالث عشر صفر طلبني فحضرت عنده فسألني عمن في ~~الإيوان فأخبرته أن الملك الأفضل جالس في الخدمة والأمراء والناس # PageV01P357 # في خدمته فاعتذر إليهم على لسان جمال الدولة إقبال. ولما كانت بكرة ~~الخميس استحضرني فحضرت عنده في صفة البستان وعنده أولاده الصغار فسأل عن ~~الحاضرين فقيل له رسل الإفرنج وجماعة الأمراء والأكابر فاستحضر رسل الإفرنج ~~إلى ذلك المكان فحضروا وكان له ولد صغير وكان كثيرا ما يميل إليه يسمى ~~الأمير وكان حاضرا وهو يداعبه فلما وقع بصره على الإفرنج ورأى أشكالهم وحلق ~~لحاهم وقص شعورهم وما عليهم من الثياب غير المألوفة خاف منهم وبكى فاعتذر ~~إليهم وصرفهم بعد أن حضروا ولم يسمع كلامهم وقال إن لي اليوم شغلا وكان ~~عادته المباسطة ثم قال أحضروا لنا ما تيسر فأحضروا أرزا بلبن وما شابه ذلك ~~من الأطعمة الخفيفة فأكل وكنت أظن أنه ما عنده شهوة وكان في هذه الأيام ~~يعتذر إلى الناس لثقل الحركة عليه وكان بدنه ملتاثا ممتلئا وعنده كسل فلما ~~فرغنا من الطعام قال ما الذي عندك من خبر الحاج فقلت اجتمعت بجماعة منهم في ~~الطريق ولولا كثرة الوحل لدخلوا اليوم ولكنهم غدا يدخلون. فقال نخرج إن شاء ~~الله إلى لقائهم وتقدم بتنظيف طرقاتهم من المياه فإنها سنة كثيرة الأنداء ~~وقد سالت المياه في الطرق والأنهار. وانفصلت من خدمته ولم أجد عنده من ~~النشاط ما كنت أعرفه ثم ركب في بكرة الجمعة وتأخرت عنه قليلا ثم لقيته وقد ~~لقي الحاج وكان فيهم سابق الدين وقرالا الياروقي ms202 وكان كثير الاحترام ~~للمشايخ فلقيهم ثم لحقه الملك الأفضل وأخذ يحدثني فنظرت إلى السلطان فلم ~~أجد عليه كزاغنده وما كان له عادة بركب بدونه وكان يوما عظيما قد اجتمع فيه ~~للقاء # PageV01P358 # السلطان والتفرج عليه معظم من في البلد فلم أجد الصبر دون أن سرت إلى ~~جانبه وحدثته في إهمال هذا فكأنه استيقظ فطلب الكزاغند فلم يوجد الزرد كماش ~~فوجدت لذلك أمرا عظيما وقلت في نفسي السلطان يطلب ما لا بد منه في عادته ~~ولا يجده ووقع في قلبي تطير بذلك فقلت له أليس ثم طريق نسلكه ليس فيه خلق ~~كثير فقال بلى ثم سار بين البساتين فطلب جهة المنيع وسرنا في خدمته وقلبي ~~يرعد لما قد وقع فيه من الخوف عليه فسار حتى أتى القلعة فعبرا على الجسر ~~إلى القلعة وهو طريقه المعتاد وكانت آخر ركوبه. ### | مرضه رحمة الله عليه # ولما كانت ليلة السبت وجد كسلا عظيما فما انتصف الليل حتى غشيته حمى ~~صفراوية كانت في باطنه أكثر من ظاهره وأصبح في يوم السبت سادس عشر صفر سنة ~~تسع وثمانين متكسلا عليه أثر الحمى ولم يظهر ذلك للناس لكن حضرت أنا ~~والقاضي الفاضل ودخل ولده الملك الأفضل وطال جلوسنا عنده وأخذ يشكو من قلقه ~~في الليل وطال به الحديث إلى قريب الظهر ثم انصرفنا والقلوب عنده فتقدم ~~إلينا بالحضور على الطعام في خدمة الملك الأفضل ولم يكن القاضي عادته ذلك ~~فانصرف ودخلت أنا إلى الإيوان وقد مد الطعام والملك الأفضل قد جلس في موضعه ~~فانصرفت وما كان لي قوة على الجلوس استيحاشا وبكى جماعة تفاؤلا بجلوس ولده ~~في موضعه، ثم أخذ المرض في تزايد من حينئذ ونحن نلازم التردد طرفي النهار ~~وندخل إليه أنا والقاضي الفاضل في النهار مرارا # PageV01P359 # ويعطي الطريق في بعض الأيام التي يجد فيها خفة وكان مرضه في رأسه وكان من ~~أمارات انتهاء العمر إذ كان قد ألف مزاجه سفرا وحضرا ورأى الأطباء قصده ~~فقصدوه في الرابع فاشتد مرضه وقلت رطوبات بدنه وكان يغلب عليه اليبس غلبة ms203 ~~عظيمة ولم يزل المرض يتزايد حتى انتهى إلى غاية الضعف. ولقد جلسنا في سادس ~~مرضه وأسندنا ظهره إلى مخدة وأحضر ماء فاترا ليشرب عقيب شرب دواء لتليين ~~الطبيعة فشربه فوجده شديد الحرارة فشكا من شدة حرارته وعرض عليه ماء ثان ~~فشكا من برده ولم يغضب ولم يصخب ولم يقل سوى هذه الكلمات: سبحان الله ألا ~~يمكن أحدا تعديل الماء. فخرجت أنا والقاضي الفاضل من عنده وقد اشتد بنا ~~البكاء والقاضي الفاضل يقول لي: أبصر هذه الأخلاق التي قد أشرف المسلمون ~~على مفارقتها، والله لو أن هذا بعض الناس لضرب بالقدح رأس من أحضره. واشتد ~~مرضه في السادس والسابع والثامن ولم يزل يتزايد ويغيب ذهنه. # ولما كان التاسع حدثت عليه غشية وامتنع من تناول المشروب فاشتد الخوف في ~~البلد وخاف الناس ونقلوا الأقمشة من الأسواق وغشي الناس من الكآبة والحزن ~~ما لا يمكن حكايته. ولقد كنت أنا والقاضي الفاضل نقعد في كل ليلة إلى أن ~~يمضي من الليل ثلثه أو قريب منه ثم نحضر في باب الدار فإن وجدنا طريقا ~~دخلنا وشاهدناه وانصرفنا وإلا عرفونا أحواله من وكنا نجد الناس يترقبون ~~خروجنا إلى أن يلاقونا حتى يعرفوا أحواله من صفحات وجوهنا. # ولما كان العاشر من مرضه حقن دفعتين وحصل من الحقن راحة وحصل بعض خفة ~~وتناول من ماء الشعير مقدارا صالحا وفرح الناس فرحا شديدا فأقمنا على ~~العادة إلى أن مضى من الليل هزيع ثم أتينا إلى الدار فوجدنا جمال الدولة ~~إقبالا فالتمسنا منه تعريف الحال المستجد # PageV01P360 # فدخل وأنفذ إلينا مع الملك المعظم تورانشاه جبره الله تعالى أن العرق قد ~~أخذ في ساقيه فشكرنا الله تعالى على ذلك والتمسنا منه أن يمس بقية قدمه ~~ويخبرنا بحاله في العرق فتفقده ثم خرج إلينا وذكر أن العرق سابغ وانصرفنا ~~طيبة قلوبنا ثم أصبحنا في الحادي عشر من مرضه وهو السادس والعشرين من صفر ~~فحضرنا بالباب وسألنا عن الأحوال فاخبرنا بأن العرق أفرط حتى نفذ في الفراش ~~ثم في الحصر وتأثرت به الأرض وأن ms204 اليبس قد تزايد تزيدا عظيما وحارت في ~~القوة الأطباء. ### | ذكر تحليف الأفضل # ولما رأى الملك الأفضل ما حل بوالده وتحقق الناس من موته تسرع في تحنف ~~الناس في دار رضوان المعرفة بسكناه واستحضر القضاة وعمل له نسخة يمين ~~مختصرة محصلة للمقاصد تتضمن الحلف للسلطان مدة حياته وله بعد وفاته واعتذر ~~إلى الناس بأن المرض قد اشتد وما يعلم ما يكون، وما يفعل هذا إلا احتياطا ~~على جاري عادة الملوك فأول من استحضر للحلف سعد الدين أخو بدر الدين مودود ~~الشحنة فبادر إلى اليمن من غير شرط ثم حضر ناصر الدين صاحب صهيون وزاد # PageV01P361 # أن الحصن الذي في يده له وسابق الدين صاحب شيزر فحلف ولم يذكر الطلاق ~~واعتذر بأنه ما حلف به. ثم حضر خشتر بن حسين الهكاوي وحلف. وحضر أنوشروان ~~الزرزاري وحلف واشترط أن يكون له خبز يرضيه. وحضر علكان وملكان وحلفا ثم مد ~~الخوان وحضر الجماعة وأكلوا. # ولما كان العصر أعيد المجلس للتحلف وحضر ميمون القصري رحمه الله وشمس ~~الدين الكبير وقالا نحلف بشرط أن لا نسل في وجه أحد من أخوتك سيفا لكن رأسي ~~دون بلادك. هذا قول ميمون القصري. وأما سنقر فإنه امتنع ساعة ثم قال: كنت ~~خلفتني على النطرون وأنا عليها وحضر سامه وقال ليس لي خبز فقل لي على أي ~~شيء أحلف. فرجع وحلف وعلق يمينه بشرط أن يعطى خبزا يرضيه. وحضر سنقر ~~المشطوب وحلف واشترط أن يرضى. وحضر أيبك الأفطس رحمه الله واشترط رضاه. ~~وحضر حسام الدين بشارة وحلف وكان مقدما على هؤلاء ولم يحضر أحد من الأمراء ~~المصريين ولم يتعرض لهم بل حلف هؤلاء للتقرير. ونسخة اليمين المحلوف بها ~~مضمونها أني من وقتي هذا صفيت نيتي. وأخلصت طويتي. للملك الناصر مدة حياته ~~وأني لا أزال باذلا جهدي في الذب عن دولته بنفسي ومالي وسيفي ورجالي ممتثلا ~~أمره واقفا عند مراضيه. ثم من بعده # PageV01P362 # لولده الأفضل علي ووريثه. ووالله إنني في طاعته وأذب عن دولته وبلاده ~~بنفسي ومالي وسيفي ورجالي وأمتثل أمره ونهيه ms205 وباطني وظاهري في ذلك سواء ~~والله على ما أقول وكيل. ### | ذكر وفاته رحمه الله وقدس روحه # ولما كانت ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من صفر وهي الثانية عشرة من ~~مرضه اشتد مرضه وضعفت قوته ووقع من الأمر في أوله وحال بيننا وبينه النساء ~~واستحضرت أنا والقاضي الفاضل تلك الليلة وابن الزكي ولم يكن عادته الحضور ~~في ذلك الوقت وحضر بيننا الملك الأفضل وأمر أن نبيت عنده فلم ير القاضي ~~الفاضل ذلك رأيا فإن الناس كانوا ينتظرون نزولنا من القلعة فخاف إن لم ننزل ~~أن يقع الصوت في البلد وربما نهب الناس بعضهم بعضا فرأى المصلحة في نزولنا ~~واستحضار الشيخ أبي جعفر إمام الكلاسة وهو رجل صالح ليبيت بالقلعة حتى إذا ~~أحضر رحمه الله بالليل حضر عنده وحال بينه وبين النساء وذكره الشهادة وذكر ~~الله تعالى ففعل ذلك ونزلنا وكل منا يود فداءه بنفسه وبات في تلك الليلة ~~على حال المنتقلين إلى الله تعالى والشيخ أبو جعفر يقرأ عنده القرآن ويذكر ~~الله تعالى وكان ذهنه غائبا من ليلة التاسع لا يكاد يفيق إلا في أحيان. ~~وذكر # PageV01P363 # الشيخ أبو جعفر أنه لما انتهى إلى قوله تعالى: هو الله الذي لا إله إلا ~~هو عالم الغيب والشهادة. سمعه وهو يقول رحمة الله عليه: صحيح. وهذه يقظة في ~~وقت الحاجة وعناية من الله تعالى به فلله الحمد على ذلك. # وكانت وفاته بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة ~~تسعة وثمانين وخمسمائة وبادر القاضي الفاضل بعد طلوع الصبح في وقت وفاته ~~ووصلت وقد مات وانتقل إلى رضوان الله ومحل كرمه وجزيل ثوابه، ولقد حكي لي ~~أنه لما بلغ الشيخ أبو جعفر إلى قوله تعالى: لا إله إلا هو عليه توكلت. ~~تبسم وتهلل وجهه وسلمها إلى ربه، وكان يوما لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله ~~منذ فقدوا الخلفاء الراشدين وغشي القلعة والبلد والدنيا من الوحشة ما لا ~~يعلمه إلا الله تعالى. وبالله لقد كنت أسمع من بعض الناس أنهم يتمنون فداءه ~~بنفوسهم وما سمعت ms206 هذا الحديث إلا على ضرب من التجوز والترخص إلا في ذلك ~~اليوم فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدي بالنفس. # ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء في الإيوان الشمالي وحفظ باب القلعة إلا ~~عن الخواص من الأمراء والمعممين وكان يوما عظيما وقد شغل كل إنسان ما عنده ~~من الحزن والأسف والبكاء والاستغاثة من أن ينظر إلى غيره وحفظ المجلس عن أن ~~ينشد فيه شاعر أو يتكلم فيه فاضل وواعظ. وكان أولاده يخرجون مستغيثين إلى ~~الناس فتكاد النفوس تزهق لهول منظرهم. ودام الحال على هذا إلى ما بعد صلاة ~~الظهر. ثم اشتغل بتغسيله وتكفينه فما أمكننا أن ندخل في تجهيزه ما قيمته ~~حبة واحدة إلا بالقرض حتى في ثمن التبن الذي بلت الطين وغسله الدولعي ~~الفقيه ونهضت إلى الوقوف على غسله فلم تكن لي قوة تحمل ذلك المنظر وأخرج ~~بعد صلاة الظهر في تابوت مسجى بثوب فوط. وكان ذلك وجميع ما احتاج إليه من ~~الثياب في تكفينه قد أحضره القاضي الفاضل من وجه حل عرفه # PageV01P364 # وارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم من الضجيج والعويل ما شغلهم عن الصلاة ~~فصلى عليه الناس أرسالا وكان أول من أم بالناس القاضي محيي الدين ابن الزكي ~~ثم أعيد إلى الدار التي في البستان وكان متمرضا بها ودفن في الصفة الغربية ~~منها. وكان نزوله في حفرته قدس الله روحه ونور ضريحه قريبا من صلاة العصر ~~ثم نزل في أثناء النهار ولده الملك الظافر وعزى الناس فيه وسكن قلوب الناس ~~وكان الناس قد شغلهم البكاء عن الإشغال بالنهب والفساد فما وجد قلب إلا ~~حزين ولا عين إلا باكية إلا من شاء الله. ثم رجع الناس إلى بيوتهم أقبح ~~رجوع ولم يعد أحد منهم في تلك الليلة إلا نحن حضرنا وقرأنا وجددنا حالا من ~~الحزن. # واشتغل في ذلك اليوم الملك الأفضل بكتابة الكتب إلى عمه وأخواته يخبرهم ~~بهذا الحادث. وفي اليوم الثاني جلس للعزاء جلوسا عاما وأطلق باب القلعة ~~للفقهاء والعلماء وتكلم المتكلمون ولم ينشد ms207 شاعر ثم انفض المجلس في ظهر ذلك ~~اليوم واستمر الحال في حضور الناس بكرة وعشية وقراءة القرآن والدعاء له ~~رحمة الله عليه واشتغل الملك الأفضل بتدبير أمر ومراسلة أخوته وعمه. # ثم انقضت تلك السنون وأهلها، فكأنها وكأنهم أحلام تم بعون الله والحمد ~~لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلام ~~على المرسلين والحمد لله رب العالمين. # PageV01P365 ### | منتخبات # من كتاب التاريخ لصاحب حماه تأليف تاج الدين شاهنشاه بن أيوب رحمه الله ~~تتعلق بسيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله ### | بسم الله الرحمن الرحيم # ذكر قتل الصالح بن زربك # وفي سنة ست وخمسين وخمسمائة في رمضان قتل الملك الصالح أبو الغارات طلائع ~~بن رزبك الأرمني وزير العاضد العلو جهزت عليه عمة العضد من قتله وهو داخل ~~في القطر بالسكاكين، ولم يمت في تلك الساعة بل حمل إلى بيته، وأرسل يعتب ~~على العاضد، فأرسل العاضد إليه يحلف له أنه لم يرض ولا علم بذلك، وأمسك ~~العاضد عمته وأرسلها إلى طلائع فقتلها، وسأل العاضد أن يولي ابنه رزبك ~~الوزارة ولقب العادل، ومات طلائع واستقر ابنه رزبك في الوزارة. ### | ذكر ولاية شاور ثم الضرغام # وفي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في صفر وزر شاور للعاضد لدين الله العلوي، ~~وكان شاور يخدم الصالح طلائع بن رزبك فولاه الصعيد، وكانت ولاية الصعيد ~~أكبر المناصب بعد الوزارة. ولما جرح الصالح أوصى ابنه العادل أن لا يغير ~~على شاور شيئا لعلمه بقوة شاور، ولما تولى العادل بن الصالح الوزارة كتب ~~إلى شاور بالعزل، فجمع شاور جموعه وسار نحو العادل إلى القاهرة، فهرب ~~العادل وطرد وراءه شاور وأمسكه وقتله، وهو العادل رزبك ابن الصالح طلائع بن ~~رزبك، وانقرضت بقتله دولة بني رزبك، واستقر شاور في الوزارة وتقلب بأمير ~~الجيوش وأخذ أموال بني رزبك وودائعهم، ثم إن الضرغام جمع جمعا ونازع شاور ~~في الوزارة في شهر رمضان، فقوي على شاور فانهزم شاور إلى الشام مستنجدا ~~بنور الدين. ولما تمكن الضرغام من الوزارة قتل كثيرا من الأمراء المصريين ~~لتخلو ms208 له البلاد، فضعفت الدولة بهذا السبب حتى خرجت البلاد من أيديهم. ### | ثم دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة # PageV00P000 # وفي هذه السنة سير نور الدين محمود بن زنكي عسكرا مقدمهم أسد الدين ~~شيركوه بن شاذي إلى الديار المصرية ومعهم شاور وكان قد صار من مصر هاربا من ~~الضرغام الوزير، فلحق شاور بنور الدين واستنجده وبذل له ثلث أموال مصر بعد ~~رزق جندها إن أعاده إلى الوزارة، فأرسل نور الدين شيركوه إلى مصر فوصل ~~إليها وهزم عسكر ضرغام عند قبر السيدة نفيسة، وأعاد شاور إلى وزارة العاضد ~~العلوي، ثم غدر شاور بنور الدين ولم يف له بشيء مما شرط، فسار شيركوه ~~واستولى على بلبيس والشرقية، فأرسل شاور يستنجد الإفرنج على إخراج أسد ~~الدين شيركوه من البلاد، فسار الإفرنج واجتمع معهم شاور بعسكر مصر وحصروا ~~شيركوه ببلبيس، ودام الحصار ثلاثة أشهر، وبلغ الإفرنج حركة نور الدين وأخذه ~~حارم، فراسلوا شيركوه في الصلح وفتحوا له، فخرج من بلبيس بمن معه من العسكر ~~وسار بهم ووصلوا الشام سالمين. # وفي هذه السنة في رمضان فتح نور الدين محمود حارم، وأخذها من الإفرنج بعد ~~مصاف جرى بين نور الدين والإفرنج انتصر فيه نور الدين وقتل وأسر عالما ~~كثيرا، وكان من جملة الأسرى البرنس صاحب أنطاكية والقومص صاحب طرابلس وغنم ~~منهم المسلمون شيئا كثيرا. وفي هذه السنة أيضا في ذي الحجة سار نور الدين ~~إلى بانياس وفتحها وكانت بيد الإفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلى هذه ~~السنة. ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة وفيها فتح نور الدين محمود حصن ~~المنيظرة من الشام وكان بيد الإفرنج. # PageV00P000 # ثم دخلت سنة اثنين وستين وخمسمائة وفيها عاد أسد الدين شيركوه إلى الديار ~~المصرية وجهزه نور الدين بعسكر جيد عدتهم ألف فارس، فوصل إلى ديار مصر ~~واستولى على الجيزة، وأرسل شاور إلى الإفرنج استنجدهم وجمعهم وساروا في أثر ~~شيركوه إلى جهة الصعيد والتقوا على بلد يقال له الأبوان، فانهزم الإفرنج ~~والمصريون، واستولى شيركوه على بلاد الجيزة واستغلها، ثم سار إلى ~~الإسكندرية وملكها وجعل ms209 فيها ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وعاد ~~شيركوه إلى جهة الصعيد فاجتمع عسكر مصر والإفرنج وحصروا صلاح الدين ~~بالإسكندرية مدة ثلاثة أشهر، فسار شيركوه إليهم واتفقوا على الصلح على مال ~~يحملونه إلى شيركوه ويسلم إليهم الإسكندرية ويعود إلى الشام، فتسلم ~~المصريون الإسكندرية في منتصف شوال من هذه السنة، وسار شيركوه إلى الشام ~~فوصل إلى دمشق في ثامن عشر ذي القعدة واستقر الصلح بين الإفرنج والمصريين ~~على أن يكون للإفرنج بالقاهرة شحنة وتكون أبوابها بيد فرسانهم ويكون لهم من ~~دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار. # وفي هذه السنة فتح نور الدين صاميثا والعريبة وفيها عصى غازي بن حسان ~~صاحب منبج على نور الدين بمنبج فسير إليه عسكر أخذوا منه منبج، ثم أقطع نور ~~الدين منبج قطب الدين ينال بن حسان أخا غازي المذكور، فبقي فيها إلى أن ~~أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. # ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة وفيها ملك نور الدين قلعة جعبر وأخذها ~~من صاحبها شهاب الدين مالك بن علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران بن ~~المقلد بن المسيب العقيلي، وكانت بأيديهم من أيام السلطان ملكشاه ولم يقدر ~~نور الدين على أخذها إلا بعد أن أسر صاحبها وأحضروه إلى نور الدين واجتهد ~~به على تسليمها فلم يفعل فأرسل عسكرا مقدمهم فخر الدين مسعود بن أبي علي ~~الزعفراني وأردفه بعسكر آخر مع مجد الدين أبي بكر المعروف بابن الداية وكان ~~رضيع نور الدين، وحصروا قلعة جعبر فلم يظفروا منها بشيء، وما زالوا على ~~صاحبها مالك حتى سلمها وأخذ عنها عوضا مدينة سروج بأعمالها والملوح من بلد ~~حلب وعشرين ألف دينار معجلة وباب بزاغة. # ذكر ملك أسد الدين شيركوه مصر وقتل شاور # PageV00P000 # ثم ملك صلاح الدين وهو ابتداء الدولة الأيوبية # PageV00P000 # وفي هذه السنة أعني سنة أربع وستين وخمسمائة في ربيع الأول سار أسد الدين ~~شيركوه بن شاذي إلى ديار مصر ومعه العساكر النورية. وسبب ذلك تمكن الإفرنج ~~من البلاد ms210 المصرية وتحكمهم على المسلمين بها حتى ملكوا بلبيس قهرا في مستهل ~~صفر من هذه السنة ونهبوها وقتلوا أهلها وأسروهم ثم ساروا من بلبيس ونزلوا ~~على القاهرة عاشر صفر وحصروها، فأحرق شاور مدينة مصر خوفا من أن يملكها ~~الإفرنج، وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة، فبقيت النار تحرقها أربعة ~~وخمسين يوما، فأرسل العضد إلى نور الدين يستغيث به وصانع شاور الإفرنج على ~~ألف ألف دينار يحملها إليهم، فحمل إليهم مائة ألف دينار وسألهم أن يرحلوا ~~عن القاهرة ليقدر على جمع المال وتحصيله، فرحلوا وجهز نور الدين العسكر مع ~~شيركوه وأنفق فيهم المال وأعطى شيركوه مائتي ألف دينار سوى الثياب والدواب ~~والأسلحة، وأرسل معه عدة أمراء منهم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب على ~~كره منه. أحب نور الدين مسير صلاح الدين وفيه ذهاب الملك من بينه. وكره ~~صلاح الدين المسير وفيه سعادته وملكه. وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم. ولما قارب شيركوه مصر رحل الإفرنج من ديار ~~مصر على أعقابهم إلى بلادهم، فكان هذا لمصر فتحا جديدا، ووصل أسد الدين ~~شيركوه إلى القاهرة في رابع ربيع الآخر واجتمع بالعاضد وخلع عليه وعاد إلى ~~خيامه بالخلعة العاضدية، وأجرى عليه وعلى عسكره النفقة الوافرة، وشرع شاور ~~يماطل شيركوه فيما كان بذله لنور الدين من تقرير المال وإيراد ثلث البلاد، ~~ومع ذلك فكان شاور يركب كل يوم إلى أسد الدين شيركوه ويعده ويمنيه وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا. ثم إن شاور عزم على أن يعمل دعوة لشيركوه وأمرائه ~~ويقبض عليهم، فمنعه ابنه الكامل بن شاور من ذلك. ولما رأى عسكر نور الدين ~~من شاور ذلك عزموا على الفتك بشاور، واتفق على ذلك صلاح الدين يوسف وعز ~~الدين جرديك وغيرهما وعرفوا شيركوه بذلك، فنهاهم عنه، واتفق أن شاور قصد ~~شيركوه على عادته فلم يجده في المخيم، وكان قد مضى لزيارة قبر الشافعي رضي ~~الله عنه، فلقي صلاح الدين وجرديك شاور وأعلماه برواح شيركوه إلى زيارة ~~الشافعي، وساروا ms211 # PageV00P000 # جميعا إلى شيركوه، فوثب صلاح الدين وجرديك على شاور وألقياه إلى الأرض عن ~~فرسه وأمسكاه في سابع ربيع الآخر من هذه السنة، فهرب أصحابه عنه، وأرسلا ~~أعلما شيركوه بما فعلا، فحضر ولم يمكنه إلا إتمام ذلك. وسمع العاضد الخبر ~~فأرسل إلى شيركوه يطلب منه إنفاذ رأس شاور، فقتله وأرسل رأسه إلى العاضد، ~~ودخل بعد ذلك القصر عند العاضد، فخلع عليه العاضد خلعة الوزارة ولقبه الملك ~~المنصور أمير الجيوش، وسار بالخلع إلى دار الوزارة، وهي التي كان فيها ~~شاور، واستقر في الأمر، وكتب له منشورا أوله بعد البسملة: من عبد الله ~~ووليه أبي محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيد الأجل ~~الملك المنصور سلطان الجيوش ولي الأئمة مجير الأمة أسد الدين أبي الحارث ~~شيركوه العاضد عضد الله به الدين وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين وأدام ~~قدرته وأعلى كلمته. سلام عليك، إنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ~~ونسأله أن يصلي على محمد وآله الطاهرين والأئمة المهديين ويسلم تسليما. ثم ~~ذكر تفويض أمور الخلافة إليه ووصايا أضربنا عنها للاختصار. وكتب العاضد ~~بخطه على ظهر المنشور: هذا عهد لم يعهد لوزير بمثله فتقلد أمانة رآك أمير ~~المؤمنين أهلا لحملها، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة واسحب ذيل الافتخار بأن ~~اعتزت خدمتك إلى النبوة. ومدحت الشعراء أسد الدين ووصل إليه من الشام مديح ~~العماد الكاتب قصيدة أولها: # بالجد أدركت ما أدرجت لا اللعب ... كم راحة جنيت من دوحة التعب # يا شيركوه بن شاذي الملك دعوة من ... نادى فعرف خير ابن بخير أب # جرى الملوك وما حازوا بركضهم ... من المدى في العلا ما حزت بالخبب # ملكت من ملك مصر رتبة قصرت ... عنها الملوك فطالت سائر الرتب # قد أمكنت أسد الدين العزيمة من ... فتح البلاد فبادر نحوها وثب # وفي شيركوه وقتله شاور يقول عرقلة الدمشقي: # لقد فاز بالملك العظيم خليفة ... له شيركوه العاضدي وزير # هو الأسد الضاري الذي جل خطبه ... وشاور كلب للرجال عقور # بغى وطغى حتى لقد طال صحبه ... على مثلها كان ms212 اللعين يدور # فلا رحم الرحمن تربة قبره ... ولا زال فيه منكر ونكير # PageV00P000 # فأما الكامل بن شاور لما قتل أبوه فقد دخل القصر فكان آخر العهد به. ولما ~~لم يبق لأسد الدين شيركوه منازع أتاه أجله حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم ~~بغتة. وتوفي يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين ~~وخمسمائة، فكانت ولايته شهرين وخمسة أيام. وكان شيركوه وأيوب ابنا شاذي من ~~بلد دوين، قال ابن الأثير: وأصلهما من الأكراد الروادية فقصدا العراق وخدما ~~بهروز شحنة السلجوقية ببغداد، وكان أيوب أكبر من شيركوه فجعله بهروز ~~مستحفظا قلعة تكريت، ولما انكسر عماد الدين زنكي من عسكر الخليفة ومر على ~~تكريت خدمه أيوب وشيركوه، ثم إن شيركوه قتل إنسانا بتكريت فأخرجهما بهروز ~~من تكريت فلحقا بخدمة عماد الدين زنكي، فأحسن إليهما وأعطاهما إقطاعات ~~جميلة. ولما كان ملك قلعة بعلبك جعل أيوب مستحفظا لها، ولما حاصر عسكر دمشق ~~بعلبك بعد موت زنكي سلمها أيوب لهم على إقطاع كثيرة شرطوها له، وبقي أيوب ~~من أكبر أمراء عسكر دمشق، وبقي شيركوه مع نور الدين محمود بعد موت أبيه ~~زنكي وأقطعه نور الدين حمص والرحبة لما رأى من شجاعته وزاده عليها وجعله ~~مقدم عسكره، فلما أراد نور الدين ملك دمشق أمر شيركوه فكاتب أخاه أيوب ~~فساعد أيوب نور الدين على ملك دمشق، وبقي مع نور الدين إلى أن أرسل شيركوه ~~إلى مصر مرة بعد أخرى حتى ملكها وتوفي في هذه السنة على ما ذكرناه. # PageV00P000 # ولما توفي شيركوه كان معه صلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب بن شاذي وكان قد ~~سار معه على كره وكان قد قال شيركوه بحضرته يا يوسف تجهز للمسير فقلت والله ~~لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا أنساه أبدا، ~~فقال نور الدين لابد من مسيره معي فأمرني نور الدين وأنا استقيل، فقال نور ~~الدين لابد من مسيرك مع عمك، فشكوت الضائقة، فأعطاني ما تجهزت به فكأنما ~~أساق إلى الموت، ولما مات شيركوه طلب جماعة ms213 من الأمراء النورية التقدم على ~~العسكر وولاية الوزارة العاضدية منهم عين الدولة الياروقي وقطب الدين ينال ~~المنبجي وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب الهكاري وشهاب الدين محمود الحاوي ~~وهو خال صلاح الدين فأرسل العاضد أحضر صلاح الدين وولاه الوزارة ولقبه ~~بالملك الناصر فلم تطعه الأمراء المذكورون، وكان مع صلاح الدين الفقيه عيسى ~~الهكاوي فسعى إلى المشطوب حتى أماله إلى صلاح الدين، ثم قصد الحارمي وقال ~~هذا ابن أختك وعزه وملكه لك فمال إليه أيضا ثم فعل بالباقين كذلك فكلهم ~~أطاع غير عين الدولة الياروقي فإنه قال أنا لا أخدم يوسف وعاد إلى نور ~~الدين بالشام، وثبت قدم صلاح الدين على أنه نائب نور الدين، وكان نور الدين ~~يكاتب صلاح الدين بالأمير الإسفهسلا ويكتب علامته على رأس الكتاب تعظيما عن ~~أن يكتب اسمه وكان لا يفرده بكتاب بل إلى الأمير صلاح الدين وكافة الأمراء ~~بالديار المصرية يفعلون كذا وكذا، ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين ~~أباه أيوب وأهله، فأرسلهم إليه نور الدين، فأعطاهم صلاح الدين الإقطاعات ~~بمصر وتمكن من البلاد وضعف أمر العاضد. ولما فوض الأمر إلى صلاح الدين تاب ~~عن شرب الخمر وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص لباس الجد ودام على ذلك إلى أن ~~توفاه الله تعالى. قال ابن الأثير مؤلف كتاب الكامل: رأيت كثيرا ممن ابتدأ ~~الملك ينتقل إلى غير عقبه فإن معاوية تغلب وملك فانتقل الملك إلى بني ~~مروان، ثم بعده إلى ملك السفاح من بني العباس فانتقل الملك إلى عقب أخيه ~~المنصور ثم السامانية، أول من ابتدى بالملك نصر بن أحمد فانتقل الملك إلى ~~أخيه إسماعيل وعقبه ثم عماد الدولة بن بويه ملك فانتقل الملك إلى عقب أخيه ~~ثم شيركوه ملك فانتقل # PageV00P000 # الملك إلى أخيه. # ولما قام صلاح الدين بالملك لم يبق الملك في عقبه بل انتقل إلى أخيه ~~العادل ولم يبق لأولاد صلاح الدين غير حلب، وكان سبب ذلك كثرة قتل من يتولى ~~ذلك أولا، وأخذ الملوك وعيون أهله وقلوبهم متعلقة به فيحرم عقبه ms214 ذلك. # ولما استقر قدم صلاح الدين في الوزارة قتل مؤتمن الخلافة وكان مقدم ~~السودان فاجتمعت السودان فهم حفاظ القصر في عدد كثير وكان بينهم وبين صلاح ~~الدين وعسكره وقعة عظيمة بين القصرين انهزم فيها السودان وقتل منهم خلق ~~كثير، وتبعهم صلاح الدين فأخلاهم قتلا وتهجيجا وتهيجا وحكم صلاح الدين على ~~القصر وأقام فيه بهاء الدين قراقوش الأسدي وكان خصيا أبيض، وبقي لا يجري في ~~القصر صغيرة ولا كبيرة إلا بأمر صلاح الدين. # ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة فيها سارت الإفرنج إلى دمياط وحصروها، ~~وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح والذخائر، وأخرج على ذلك أموالا عظيمة، ~~فحصروها خمسين يوما، وخرج نور الدين فأغار على بلادهم بالشام فرحلوا عائدين ~~على أعقابهم ولم يظفروا بشيء منها. قال صلاح الدين: ما رأيت أكرم من العاضد ~~أرسل إلي مدة إقامة الإفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الثياب ~~وغيرها. # وفيها سار نور الدين وحاصر الكرك مرة ثم رحل عنه. وفيها كانت زلزلة عظيمة ~~خربت الشام فقام نور الدين في عمارة الأسوار وحفظ البلاد أتم قيام وكذلك ~~خرجت بلاد الإفرنج فخافوا من نور الدين واشتغل كل منهم عن قصد الآخر بعمارة ~~ما خرب من بلاده. # وفيها في ذي الحجة مات قطب الدين مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل ~~وكان مرضه حمى حادة. ولما مات صرف أرباب الدولة الملك عن ابنه الأكبر عماد ~~الدين زنكي بن مودود إلى أخيه الذي هو أصغر منه وهو سيف الدين غازي بن ~~مودود، فسار عماد الدين زنكي إلى عمه نور الدين مستنصرا به. وتوفي قطب ~~الدين وعمره أربعون سنة تقريبا وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ~~ونصفا وكان من أحسن الملوك سيرة. # PageV00P000 # وفي سنة ست وستين سار نور الدين محمود بن زنكي إلى الموصل وهي بيد أخيه ~~غازي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر فاستولى عليها نور الدين ~~وملكها. ولما ملك نور الدين الموصل قرر أمرها وأطلق المكؤس منها، ثم وهبها ~~لابن أخيه سيف الدين ms215 غازي وأعطى سنجار لعماد الدين وهو أكبر من أخيه، فقال ~~كمال الدين الشهورزوري: هذا طريق إلى أذى يحصل للبيت الأتابكي، لأن عماد ~~الدين كبير لا يرى طاعة أخيه سيف الدين وسيف الدين هو الملك لا يرى الإغضاء ~~لعماد الدين فيحصل الخلف وتطمع الأعداء. # وفي هذه السنة سار صلاح الدين عن مصر فغزا بلاد الإفرنج قرب عسقلان ~~والرملة وعاد إلى مصر ثم خرج إلى إيلة وحصرها وهي للإفرنج على ساحل البحر ~~الشرقي ونقل إليها المراكب وحصرها برا وبحرا وفتحها في العشر الأول من ربيع ~~الآخر واستباح أهلها وما فيها وعاد إلى مصر، ولما استقر صلاح الدين بمصر ~~كان دار الشحنة تسمى دار المعونة يحبس فيها فهدمها صلاح الدين وبناها مدرسة ~~للشافعية. وكذلك بنى دار العزل مدرسة للشافعية، وعزل قضاة المصريين وكانوا ~~شيعا ورتب قضاة شافعية وذلك في العشرين من جمادى الآخرة. وكذلك اشترى تقي ~~الدين عمر ابن أخي صلاح الدين منازل العز وبناها مدرسة للشافعية. ### | ذكر إقامة الخطبة العباسية بمصر # وانقراض الدولة العلوية # ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة وفيها ثاني جمعة من المحرم قطعت خطبة ~~العاضد لدين الله. وكان سبب الخطبة العباسية بمصر أنه لما تمكن صلاح الدين ~~بمصر وحكم على القصر وأقام فيه قراقوش الأسدي وكان خصيا أبيض وبلغ نور ~~الدين ذلك، أرسل إلى صلاح الدين حتما جزما بقطع الخطبة العلوية، وإقامة ~~الخطبة العباسية، فراجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة، فلم يلتفت نور ~~الدين إلى ذلك وأصر عليه، وكان العاضد قد مرض فأمر صلاح الدين الخطباء أن ~~يخطبوا للمستضيء ويقطعوا خطبة العاضد فامتثلوا ذلك ولم ينتطح فيها عنزان، ~~وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله بقطع خطبته، وتوفي العاضد ~~يوم عاشوراء ولم يعلم بقطع خطبته. # PageV00P000 # ولما توفي العاضد جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصر الخلافة وعلى ~~جميع ما فيه وكانت كثرته تخرج عن الإحصاء وكان فيه أشياء نفيسة من الأعلاق ~~الثمينة والكتب والتحف # فمن ذلك الجبل الياقوت وكان وزنه سبعة عشر درهما أو سبعة ms216 عشر مثقالا، قال ~~ابن الأثير مؤلف الكامل: أنا رأيته ووزنته. ومما حكي أنه كان بالقصر طبل ~~للقولنج إذا ضرب الإنسان به ضرط فكسر، ولم يعلموا به إلا بعد ذلك، ونقل ~~صلاح الدين أهل العاضد إلى موضع من القصر ووكل بهم من يحفظهم واخرج جميع من ~~فيه من عبد وأمة فباع البعض وأعتق البعض ووهب البعض، وخلا القصر من سكانه ~~وكأن لم تغن بالأمس. ولما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه فظن ~~ذلك خديعة ولم يمض إليه فلما توفي علم صدقه فندم لتخلفه عنه، وجميع من خطب ~~له منهم أربعة عشر خليفة: المهدي، والنائم، والمنصور، والمعز، والعزيز، ~~والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، ~~والفائز، والعاضد. وجميع مدة خلافتهم من حين ظهر المهدي بسلجماسة في ذي ~~الحجة سنة ست وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد في هذه السنة أعني سنة سبع ~~وستين وخمسمائة، مائتان واثنتان وسبعون سنة تقريبا وهذا دأب الدنيا لم تعط ~~إلا واستردت ولم تحل إلا وتمررت. ولم تصف إلا وتكدرت. بل صفوها لم يخل من ~~الكدر. # PageV00P000 # ولما وصل خبر الخطبة العباسية بمصر إلى بغداد ضربت لها البشائر عدة أيام ~~وسيرت الخلع مع عماد الدين صندل، وهو من خواص الخدم إلى نور الدين وصلاح ~~الدين والخطباء وسيرت الأعلام السود وكان العاضد المذكور قد رأى في منامه ~~أن عقربا خرجت من مسجد بمصر معروف ذلك المسجد للعاضد ولدغته فاستيقظ العاضد ~~مرعوبا واستدعى من يعبر الرؤيا وقص ما رآه عليه فعبر له بوصول أذى إليه من ~~شخص بذلك المسجد فتقدم العاضد إلى والي مصر بإحضار من بذلك المسجد فأحضر ~~إليه شخصا صوفيا يقال له نجم الدين الخوبشاني فاستخبره العاضد عن مقدمه ~~وسبب مقامه بالمسجد المذكور فأخبره بالصحيح في ذلك ورآه العاضد أضعف من أن ~~يناله بمكروه فوصله بمال وقال له ادع لنا يا شيخ وأمره بالانصراف فلما أراد ~~السلطان صلاح الدين إزالة الدولة العلوية والقبض عليهم استفتى في ذلك ~~فأفتاه بذلك جماعة من الفقهاء وكان نجم الدين الخوبشاني المذكور ms217 من جملتهم ~~فبالغ في الفتيا وصرح في خطه بتعديد مساويهم وسلب عنهم الإيمان وأطال ~~الكلام في ذلك فصح بذلك رؤيا العاضد. # وفي هذه السنة جرى بين نور الدين وصلاح الدين الوحشة في الباطن. كان صلاح ~~الدين سار ونازل الشوبك وهي للإفرنج ثم رحل عنها خوفا أن يأخذه فلا يبق ما ~~يعوق نور الدين عن قصد مصر فنزله ولم يفتحه لذلك وبلغ نور الدين ذلك فكتمه ~~وتوحش باطنه لصلاح الدين، ولما استقر صلاح الدين بمصر جمع أقاربه وكبراء ~~دولته وقال بلغني أن نور الدين يقصدنا فما الرأي؟ فقال تقي الدين عمر ابن ~~أخيه نقاتله ونصده وكان ذلك بحضرة أبيهم نجم الدين أيوب فأنكر على تقي ~~الدين ذلك وقال أنا والدكم لو رأيت نور الدين نزلت وقبلت الأرض بين يديه بل ~~اكتب وقل لنور الدين أنه لو جاءني من عندك إنسان واحد وربط المنديل في عنقي ~~وجرني إليك سارعت إلى ذلك وانفضوا على ذلك ثم اجتمع أيوب بابنه صلاح الدين ~~خلوة وقال له لو قصدنا نور الدين أنا كنت أول من يمنعه ويقاتله ولكن إن ~~أظهرنا ذلك يترك نور الدين جميع ما هو فيه ويقصدنا ولا ندري ما يكون من ذلك ~~وإذا أظهر ناله الطاعة تمادى الوقت بما حصل به الكفاية من عند الله فكان ~~كما قال. # PageV00P000 # ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة وفي هذه السنة سارت طائفة من الترك من ~~ديار مصر مع مملوك لتقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب اسمه قراقوش إلى ~~إفريقية ونزل على طرابلس الغرب فحاصرها مدة ثم فتحها واستولى عليها وملك ~~كثيرا من بلاد إفريقية. # وفيها سار نور الدين إلى بلاد قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان ~~واستولى على مرعش وبهسني ومرزيان وسيواس فأرسل إليه قليج أرسلان يستعطفه ~~ويطلب الصلح فقال نور الدين لا أرضى إلا بأن ترد ملطية على ذي النون بن ~~الراشمنذ وكان قليج أرسلان قد أخذها منه فبذل له سيواس فاصطلح معه نور ~~الدين فلما مات نور الدين عاد قليج أرسلان واستولى ms218 على سيواس وطرد ابن ~~الراشمنذ. # وفيها سار صلاح الدين من مصر إلى الكرك وحصرها وكان قد واعد نور الدين أن ~~يجتمعا على الكرك وسار نور الدين من دمشق حتى وصل إلى الرقيم وهو بالقرب من ~~الكرك فخاف صلاح الدين من الاجتماع بنور الدين فرحل عن الكرك عائدا إلى مصر ~~وأرسل تحفا إلى نور الدين واعتذر بأن أباه أيوب مريض وخشي أن يموت فتذهب ~~مصر فقبل نور الدين عذره في الظاهر وعلم المقصود. # ولما وصل صلاح الدين إلى مصر وجد أباه أيوب قد مات، وكان سبب موت نجم ~~الدين أيوب بن شاذي المذكور أنه ركب بمصر فنفرت به فرسه فوقع وحمل إلى قصره ~~وبقي أياما ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة وكان عاقلا ~~حسن السيرة. ### | ذكر ملك شمس الدين توران شاه بن أيوب اليمن # PageV00P000 # ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة وكان صلاح الدين وأهله خائفين من نور ~~الدين فاتفق رأيهم على تحصيل مملكة غير مصر بحيث إن قصدهم نور الدين قاتلوه ~~فإن هزمهم التجأوا إلى تلك المملكة فجهز صلاح الدين أخاه توران شاه إلى ~~النوبة فلم تعجبهم بلادها ثم سيره في هذه السنة بعسكر إلى اليمن وكان صاحب ~~اليمن حينئذ إنسانا يسمى عبد النبي المقدم الذكر في سنة أربع وخمسين ~~وخمسمائة فتجهز تورانشاه ووصل إلى اليمن وجرى بينه وبين عبد النبي قتال ~~فانتصر فيه توران شاه وهزم عبد النبي وهجم زبيد وملكها وأسر عبد النبي ثم ~~قصد عدن وكان صاحبها اسمه ياسر فخرج لقتال توران شاه فهزمه توران شاه فهجم ~~عدن وملكها وأسر ياسر أيضا واستولى توران شاه على بلاد اليمن واستقرت في ~~ملك صلاح الدين واستولى على أموال عظيمة لعبد النبي وكذلك من عدن. ### | ذكر قتل جماعة من المصريين وعمارة اليمني # في هذه السنة في رمضان صلب صلاح الدين جماعة من أعيان المصريين فإنهم ~~قصدوا الوثوب عليه وإعادة الدولة العلوية فعلم بهم وصلبهم عن آخرهم. فمنهم ~~عبد الصمد الكاتب. والقاضي العويرس. وداعي الدعاة وعمارة بن علي ms219 اليمني ~~الشاعر الفقيه. وله أشعار حسنة فمنها ما يتعلق بأحوال العلويين وانقراض ~~دولتهم قوله قصيدة منها: # رميت يا دهر كف المجد بالشلل ... وجيده بعد حسن الحلي بالعطل # جدعت مارنك إلا قفى فأنفك لا ... ينفك مأبون أهل الشين والخجل # مررت بالقصر والأركان خالية ... من الوفود وكانت قبلة القبل # PageV00P000 # وفي هذه السنة توفي الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن ~~اقسنقر صاحب الشام وديار الجزيرة وغير ذلك يوم الأربعاء حادي عشر شوال بعلة ~~الخوانيق بقلعة دمشق المحروسة وكان نور الدين شرع يتجهز للدخول إلى مصر ~~لأخذها من صلاح الدين وكان يريد أن يخلي ابن أخيه سيف الدين غازي بن مودود ~~في الشام قبالة الإفرنج ويسير هو بنفسه إلى مصر فأتاه أمر الله الذي لا مرد ~~له وكان نور الدين أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا في حنكه حسن الصورة ~~وكان قد اتسع ملكه جدا وخطب له بالحرمين واليمن لما ملكها توران شاه بن ~~أيوب وكذلك كان يخطب له بمصر وكان مولد نور الدين سنة إحدى عشر وخمسمائة ~~وطبق ذكره الأرض حسن سيرته وعدله، وكان من الزهد والعبادة على قدم عظيم ~~وكان يصلي كثيرا من الليل فكان كما قيل: # جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب # وكان عارفا بالفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وليس عنده فيه ~~تعصب وهو الذي بنى أسوار مدن الشام منها دمشق وحمص وحماه وحلب وشيزر وبعلبك ~~وغيرها لما تهدمت بالزلازل وبنى المدارس الكثيرة الحنفية والشافعية ولا ~~يحتمل هذا المختصر ذكر فضائله. # ولما توفي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين بالملك ~~بعده وعمره إحدى عشرة سنة وحلف له العسكر بدمشق وأقام بها وأطاعه صلاح ~~الدين بمصر وخطب له بها وضربت السكة باسمه وكان المتولي لتدبير الملك ~~الصالح وتدبير دولته الأمير شمس الدين محمد المعروف بابن المقدم. # ولما مات نور الدين وتولى ابنه الملك الصالح سار من الموصل سيف الدين ~~غازي بن قطب الدين مودود بن عماد ms220 الدين زنكي وملك جميع البلاد الحزرية. ### | ذكر خلاف الكنز بصعيد مصر # ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة وفي أول هذه السنة اجتمع على رجل من أهل ~~الصعيد يقال له الكنز جمع كثير وأظهروا الخلاف على صلاح الدين فأرسل صلاح ~~الدين إليه عسكرا فاقتتلوا وقتل الكنز جماعة معهم وانهزم الباقون. ### | ذكر ملك صلاح الدين دمشق وغيرها # PageV00P000 # في هذه السنة سلخ ربيع الأول ملك صلاح الدين بن أيوب دمشق وحمص وحماه، ~~وسببه أن شمس الدين ابن الداية المقيم بحلب أرسل سعد الدين كمشتكين يستدعي ~~الملك الصالح بن نور الدين من دمشق إلى حلب ليكون مقامه بها فسار الملك ~~الصالح إلى حلب مع سعد الدين كمشتكين ولما استقر بحلب وتمكن كمشتكين قبض ~~على شمس الدين ابن الداية وأخوته وقبض على الرئيس ابن الخشاب وأخوته وهو ~~رئيس حلب واستبعد سعد الدين بتدبير الملك الصالح فخافه ابن المقدم وغيره من ~~الأمراء الذين بدمشق فكاتبوا صلاح الدين واستدعوه ليملكوه عليهم فسار جريدة ~~في سبعمائة فارس ولم يلبث أن وصل دمشق فخرج كل من كان فيها من العساكر ~~والتقوه وخدموه ونزل بدار أبيه أيوب المعروفة بدار العقيقي وعصت عليه ~~القلعة وكان فيها من جهة الملك الصالح خادم اسمه ريحان فراسله صلاح الدين ~~واستماله فسلم القلعة إليه فصعد إليهم صلاح الدين وأخذ ما فيها من الأموال. # PageV00P000 # ولما ثبت قدمه وقرر أمر دمشق استخلف فيها أخاه سيف الإسلام طغتكين بن ~~أيوب وسار إلى حمص مستهل جمادى الأولى وكانت حمص وحماة وقلعة بارين وسلمية ~~وتل خالد والرها من بلاد الجزيرة في إقطاع فخر الدين بن الزعفراني فلما مات ~~نور الدين لم يمكث فخر الدين مسعود المقام بحمص وحماة لسوء سيرته مع الناس ~~وكانت هذه البلاد له بغير قلاعها فإن قلاعها فيها ولاة لنور الدين وليس ~~لفخر الدين معهم في القلاع حكم إلا بارين فإن قلعتها كانت له أيضا ونزل ~~صلاح الدين على حمص في حادي عشر جمادى الأولى وملك المدينة وعصت عليه ~~القلعة فترك عليها من يضيق عليها ورحل إلى حماة ms221 فملك مدينتها مستهل جمادى ~~الآخرة من هذه السنة وكان بقلعتها الأمير عز الدين جرديك أحد المماليك ~~النورية فامتنع في القلعة فذكر له صلاح الدين أنه ليس له غرض إلا حفظ بلاد ~~الملك الصالح عليه وإنما هو نائبه وقصده من جرديك المسير إلى حلب في رسالة ~~فاستحلفه جرديك على ذلك وسار جرديك إلى حلب برسالة صلاح الدين واستخلف في ~~قلعة حماة أخاه فلما وصل جرديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه فلما علم ~~أخوه بذلك سلم القلعة إلى صلاح الدين فملكها ثم سار صلاح الدين إلى حلب ~~وحصرها وبها الملك الصالح فجمع أهل حلب وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان ~~مقدم الإسماعيلية أموالا عظيمة ليقتلوا صلاح الدين فأرسل سنان جماعة فوثبوا ~~على صلاح الدين فقتلوا دونه واستمر صلاح الدين محاصر حلب إلى مستهل رجب ~~ورحل عنها بسبب نزول الإفرنج على حمص ونزول صلاح الدين على حماة ثامن رجب ~~وسار إلى حمص فرحل الإفرنج عنها ووصل صلاح الدين إلى حمص وحصر قلعتها ~~وملكها في الحادي والعشرين من شعبان من هذه السنة ثم سار إلى بعلبك فملكها، ~~ولما استقر ملك صلاح الدين لهذه البلاد أرسل الملك الصالح إلى ابن عمه سيف ~~الدين غازي صاحب الموصل يستنجده على صلاح الدين فجهز جيشه صحبة أخيه عز ~~الدين مسعود بن مودود بن زنكي وجعل مقدم الجيش أكبر أمرائه وهو عز الدين ~~محمود ولقبه سلفندار وطلب أخاه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار ~~ليسير في النجدة أيضا فامتنع مصانعة لصلاح الدين فسار سيف الدين غازي وحصره ~~بسنجار ووصل عسكر الموصل صحبة # PageV00P000 # مسعود بن مودود وسلفندار إلى حلب وانضم إليهم عسكر حلب وسار إلى صلاح ~~الدين فأرسل صلاح الدين يبذل حمص وحماة وأن يقر بيده دمشق ويكون فيها نائبا ~~للملك الصالح فلم يجيبوا إلى ذلك وساروا إلى قتاله واقتتلوا عند قرون حماة ~~فانهزم عسكر الموصل وحلب وغنم صلاح الدين وعسكره أموالهم وتبعهم صلاح الدين ~~حتى حصرهم في حلب وقطع حينئذ خطبة الملك الصالح بن نور الدين ms222 وأزال اسمه عن ~~السكة واستبد بالسلطنة فراسلوا صلاح الدين في الصلح على أن يكون له ما بيده ~~من الشام وللملك الصالح ما بقي بيده منهم فصالحهم على ذلك ورحل عن حلب في ~~العشر الأول من شوال من هذه السنة. # وفي العشر الأخير من شوال ملك السلطان صلاح الدين قلعة بارين وأخذها من ~~صاحبها فخر الدين مسعود ابن الزعفراني وكان فخر الدين المذكور من أكابر ~~الأمراء النورية. ### | ذكر انهزام سيف الدين غازي # صاحب الموصل من السلطان صلاح الدين # PageV00P000 # ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وفيها عاشر شوال كان المصاف بين ~~السلطان صلاح الدين وبين سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي بتل السلطان فهرب ~~سيف الدين والعساكر التي كانت معه فإنه كان قد استنجد بصاحب حصن كيفا وصاحب ~~ماردين وغيرهما وتمت على سيف الدين غازي الهزيمة حتى وصل إلى الموصل مرعوبا ~~وقصد الهروب منها إلى بعض القلاع فثبته وزيره وأقام بالموصل واستولى ~~السلطان صلاح الدين على أثقال عسكر الموصل وغيرهم ما فيها ثم سار إلى ترابه ~~وحصرها وتسلمها ثم سار إلى منبج فحصرها في آخر شوال وكان صاحبها قطب الدين ~~ينال بن حسان المنبجي شديد البغض لصلاح الدين وفتحها عنوة وأسر ينال وأخذ ~~جميع موجوده ثم أطلقه فسار ينال إلى الموصل فأقطعه سيف الدين غازي مدينة ~~الرقة ثم سار السلطان صلاح الدين إلى عزاز ونازلها ثالث ذي القعدة وتسلمها ~~حادي عشر ذي الحجة فوثب الإسماعيلي على صلاح الدين في حصاره عزاز فضربه ~~بسكين في رأسه فجرحه فأمسك صلاح الدين الإسماعيلي وبقي يضرب بالسكين فلا ~~يؤثر حتى قتل الإسماعيلي على تلك الحال ووثب عليه آخر فقتل وثالث فقتل أيضا ~~ونجا السلطان إلى خيمته مذعورا وعرض جنده وأبعد من أنكره منهم، ولما ملك ~~السلطان عزاز رحل عنها ونازل حلب في منتصف ذي الحجة وحصرها وبها الملك ~~الصالح وانقضت هذه السنة وهو محاصر لحلب فسألوه في الصلح فأجابهم إليه ~~وأخرجوا إلينا بنتا صغيرة لنور الدين فأكرمها وأعطاها شيئا كثيرا وقال لها ~~ما ترومين فقالت ms223 أريد قطعة عزاز وكانوا قد علموها ذلك فسلمها السلطان إليهم ~~واستقر الصلح ورحل السلطان من حلب في العشرين من محرم سنة اثنتين وسبعين. # وفي سنة إحدى وسبعين في رمضان قدم شمس الدولة توران شاه بن أيوب من اليمن ~~إلى الشام وأرسل إلى أخيه صلاح الدين يعلمه بوصوله. # PageV00P000 # ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وفيها قصد السلطان بلد الإسماعيلية في ~~قلعة مصياف فأرسل سنان مقدم الإسماعيلية إلى خال صلاح الدين وهو شهاب الدين ~~الحارمي صاحب حماة يسأله أن يسعى في الصلح فسأل الحارمي الصفح عنهم فأجابه ~~صلاح الدين إلى ذلك وصالحهم ورحل عنهم وأتم السلطان صلاح الدين مسيره ووصل ~~إلى مصر فإنه كان بعد عهده بها بعد أن استقر له ملك الشام، ولما وصل إلى ~~مصر في هذه السنة أمر ببناء السور الدائر على مصر والقاهرة والقلعة على جبل ~~المقطم ودور ذلك تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالذراع القاسمي ولم ~~يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين. # وفي هذه السنة أمر صلاح الدين ببناء المدرسة التي على قبر الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه بالقرافة وعمل بالقاهرة مارستان. # ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وفي جمادى الأولى منها سار السلطان من ~~مصر إلى الساحل لغزو الإفرنج فوصل إلى عسقلان في الرابع والعشرين من الشهر ~~فنهب وتفرق عسكره في الإغارات وبقي السلطان في بعض العسكر فلم يشعر إلا ~~بالإفرنج قد طلعت عليهم فقاتلتهم أشد قتال وكان لتقي الدين بن شاهنشاه ولد ~~اسمه أحمد من أحسن الشباب أول ما تكاملت لحيته فأمره أبوه تقي الدين ~~بالحملة فحمل عليهم وقاتلهم فأثر فيهم أثرا كبيرا وعاد سالما فأمره أبوه ~~بالعود إليهم ثانية فحمل عليهم فقتل شهيدا وتمت الهزيمة على المسلمين ~~وقاربت حملات الإفرنج السلطان فمضى منهزما إلى مصر على البرية ومعه من سلم ~~فلقوا في طريقهم مشقة وعطشا شديدا وهلك كثير من الدواب وأخذت الإفرنج ~~العسكر الذين كانوا يتفرقون في الإغارات أسرى وأسر الفقيه عيسى وكان من ~~أكبر أصحاب السلطان فافتداه السلطان من الأسر ms224 بعد سنتين بستين ألف دينار ~~ووصل السلطان إلى القاهرة نصف جمادى الآخرة. قال الشيخ عز الدين علي بن ~~الأثير مؤلف الكامل رأيت كتابا بخط يد صلاح الدين إلى أخيه توران شاه نائبه ~~بدمشق يذكر له الواقعة وفي أوله: # ذكرتك والخطى يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر # ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة وما نجانا إلا الله سبحانه إلا ~~لأمر يريده الله سبحانه وتعالى. # PageV00P000 # وفي هذه السنة سار الإفرنج وحصروا مدينة حماة في جمادى الأولى وطمع ~~الإفرنج بسبب السلطان بمصر وهزيمته من الإفرنج ولم يكن غير توران شاه بدمشق ~~ينوب عن أخيه وليس عنده كثير من العسكر وكان توران شاه أيضا كثير الانهماك ~~في اللذات. مائلا إلى الراحات. ولما حصروا حماة كان بها صاحبها شهاب الدين ~~الحارمي خال السلطان وهو مريض واشتد حصار الإفرنج لحماة وطال زحفهم عليها ~~حتى أنهم هجموا بعض أطراف المدينة وكادوا يملكون البلد قهرا قم جد المسلمون ~~في القتال وأخرجوا الإفرنج إلى ظاهر السور وأقام الإفرنج كذلك على حماة ~~أربعة أيام ثم رحلوا عنها إلى حارم وعقب رحيلهم عنها مات صاحبها شهاب الدين ~~الحارمي وكان له ابن من أحسن الناس شبابا مات قبله بثلاثة أيام. # وفي هذه السنة قبض الملك الصالح ابن نور الدين صاحب حلب على سعد الدين ~~كمشتكين وكان قد تغلب على الأمر وكانت حارم لكمشتكين فأرسل الملك الصالح ~~إليهم فلم يسلموها إليه فأمر كمشتكين أن يسلمها فأمرهم بذلك فلم يقبلوا منه ~~فأمر بتعذيب كمشتكين ليسلموا القلعة فعذب وأصحابه يرونه ولا يرحمونه فمات ~~من العذاب وأصر أصحابه على الامتناع ووصل الإفرنج إلى حارم بعد رحيلهم عن ~~حماة وحصروا حارم مدة أربعة أشهر فأرسل الملك الصالح مالا للإفرنج وصالحهم ~~فرحلوا عن حارم وقد بلغ أهله الجهد وبعد أن رحل الإفرنج عنها أرسل الملك ~~الصالح إليها واستناب بقلعة حارم مملوكا لأبيه اسمه سرخك. # ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة وفي هذه السنة طلب توران شاه من أخيه ~~السلطان بعلبك وكان السلطان قد أعطاها شمس ms225 الدين محمد بن عبد الملك المعروف ~~بالمقدم لما سلم دمشق إلى صلاح الدين ولم يمكن صلاح الدين منع أخيه عن ذلك ~~فأرسل إلى ابن المقدم ليسلم بعلبك فعصي بها ولم يسلمها فأرسل السلطان وحصره ~~ببعلبك وطال حصارها فأجاب ابن المقدم إلى تسليمها على عوض فعوض عنها ~~وتسلمها السلطان وأقطعها أخاه توران شاه. # وفيها كان بالبلاد غلاء وتبعه وباء شديد، وفيها سير السلطان ابن أخيه تقي ~~الدين عمر إلى حماة وابن عمه محمد بن شيركوه إلى حمص وأمرهما بحفظ بلادهما ~~فاستقر كل منهما ببلده. # PageV00P000 # ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة وفيها سار السلطان وفتح حصنا كان بناه ~~الإفرنج عند مخاضة الأجران بالقرب من بانياس عند بيت يعقوب، وفيها كان حرب ~~بين عسكر السلطان ومقدمهم تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب وبين عسكر قليج ~~أرسلان صاحب الروم. وسببها أن حصن رعبان كان بيد شمس الدين بن المقدم فطمع ~~فيه قليج وأرسل إليه عسكرا كثيرا ليحصروه وكانوا قريب عشرين ألفا وسار ~~إليهم تقي الدين في ألف فارس فهزمهم وكان تقي الدين يفتخر ويقول هزمت بألف ~~عشرين ألفا. ### | ذكر وفاة المستضيء وخلافة الإمام الناصر وهو رابع ثلاثينهم # في هذه السنة في ثاني ذي القعدة توفي المستضيء بأمر الله أبو محمد الحسن ~~وأمه أم ولد أرمينية وكانت خلافته تسع سنين وسبعة عشر يوما وكان حسن السيرة ~~وكان قد حكم في دولته ظهير الدين أبو بكر المنصور المعروف بابن العطار بعد ~~عضد الدولة الوزير فلما مات المستضيء قام ظهير الدين بن العطار وأخذ البيعة ~~لولده الإمام الناصر لدين الله ولما استقرت البيعة للإمام الناصر حكم أستاذ ~~الدار مجد الدين أبو الفضل وقبض في سابع ذي القعدة على ابن العطار ونقل إلى ~~التاج وأخرج ميتا على رأس حمال ليلة الأربعاء ثاني عشر ذي القعدة فثارت به ~~العلقة وألقوه من على رأس الحمال وشدوا في ذكره حبلا وسحبوه في البلد ~~وكانوا يضمون في يده مغرفة يعني أنها قلم وقد غمست تلك المغرفة في العذرة ~~ويقولون وقع لنا ms226 يا مولانا. هذا فعلهم به مع حسن سيرته فيهم وكفه عن ~~أموالهم ثم خلص منهم ودفن. # وفي هذه السنة في ذي القعدة نزل توران شاه أخو السلطان عن بعلبك فطلب ~~عوضها الإسكندرية فأجابه السلطان إلى ذلك وأقطع بعلبك لعز الدين فخرشاه بن ~~شاهنشاه بن أيوب فسار إليه فخر شاه وسار شمس الدولة توران شاه إلى ~~الإسكندرية وأقام بها إلى أن مات. ### | ذكر وفاة سيف الدين صاحب الموصل # PageV00P000 # ثم دخلت سنة ست وسبعين وخمسمائة وفي هذه السنة ثالث صفر توفي سيف الدين ~~غازي بن مودود بن زنكي بن اقسنقر صاحب الموصل والديار الجزرية وكان مرضه ~~السل وطال وكان عمره نحو ثلاثين سنة وكانت ولايته عشر سنين ونحو ثلاثة أشهر ~~وكان حسن الصورة مليح الشباب تام القامة أبيض اللون عاقلا عادلا عفيفا شديد ~~الغيرة لا يدخل بيته غير الخدم إذا كانوا صغارا فإذا كبر أحدهم منعه وكان ~~عفيفا عن أموال الرعية مع شح كان فيه وأوصى بالمملكة بعده إلى أخيه عز ~~الدين مسعود بن مودود وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجار شاه فاستقر ~~ذلك بعد موته حسبما قرره وكان مدبر الدولة والحاكم فيها مجاهد الدين قيماز. # وفي هذه السنة سار السلطان إلى جهة قليج أرسلان صاحب بلاد الروم ووصل إلى ~~رعبان ثم اصطلحوا فقصد صلاح الدين بلاد ابن ليون الأرمني وشن فيها الغارات ~~فصالحه ابن ليون على مال حمله وأسرى أطلقها. # وفيها توفي شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر ~~بالإسكندرية وكان له معها أكثر بلاد اليمن ونوابه هناك يحملون إليه الأموال ~~من زبيد وعدن وغيرهما وكان أجود الناس وأسخاهم كفا يخرج كل ما يحمل إليه من ~~أموال اليمن ودخل الإسكندرية، ومع هذا فلما مات كان عليه نحو مائتي ألف ~~دينار مصرية فوفاها أخوه صلاح الدين عنه لما وصل إلى مصر في هذه السنة من ~~شعبان واستخلف بالشام ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب ~~بعلبك. # ثم دخل سنة سبع وثمانين وخمسمائة وفيها عزم البرنس ms227 صاحب الكرك على المسير ~~إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم للاستيلاء على تلك النواحي الشرقية ~~وسمع ذلك عز الدين فرخشاه نائب عمه السلطان بدمشق فجمع جموعا وقصد بلاد ~~الكرك وأغار عليها وأقام في مقابلة البرنس ففرق البرنس جموعه وانقطع عزمه ~~عن الحركة. # وفيها وقع بين نواب توران شاه باليمن بعد موته اختلاف فخشي السلطان صلاح ~~الدين على اليمن فجهز إليه عسكرا مع جماعة من أمرائه فوصلوا إلى اليمن ~~واستولوا عليه وكان نواب توران شاه على عدن عز الدين عثمان وعلى زبيد حطان ~~بن كامل بن منقذ الكناني من بيت صاحب شيزر. ### | ذكر وفاة الملك الصالح صاحب حلب # PageV00P000 # في هذه السنة في رجب توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بن ~~زنكي بن اقسنقر صاحب حلب وعمره نحو تسعة عشر سنة ولما اشتد به مرض القولنج ~~وصف له الأطباء الخمر فمات ولم يستعمله وكان حليما عفيف اليد والفرج ~~واللسان ملازما لأمور الدين لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الشباب وأوصى بملك ~~حلب إلى ابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل فلما مات سار مسعود ومجاهد ~~الدين قيماز من الموصل إلى حلب واستقر في ملكها. ولما استقر مسعود في ملك ~~حلب كاتبه أخوه عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار في أن يعطيه حلب ويأخذ ~~منه سنجار فأشار قيماز بذلك فلم يمكن مسعود إلا موافقته فأجاب إلى ذلك فسار ~~عماد الدين إلى حلب وتسلمها سنجار إلى أخيه مسعود وعاد مسعود إلى الموصل. ### | ذكر مسير السلطان صلاح الدين إلى الشام # ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وفيها خامس محرم سار صلاح الدين من مصر ~~إلى الشام، من عجيب الاتفاق أنه لما برز من القاهرة وخرجت أعيان الناس ~~لوداعه أخذ كل منهم يقول شيئا في الوداع وفراقه وفي الحاضرين معلم لبعض ~~أولاد السلطان فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد: # تمتع من شيم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # فتطير صلاح الدين وانقبض بعد انبساطه وتكدر المجلس على الحاضرين فلم يعد ~~صلاح ms228 الدين بعدها إلى مصر مع طول المدة وسار السلطان وأغار في طريقه على ~~بلاد الإفرنج وغنم ووصل إلى دمشق في حادي عشر صفر من هذه السنة. ولما سار ~~صلاح الدين إلى الشام اجتمعت الإفرنج قريب الكرك ليكونوا على طريقه فانتهز ~~فرخشاه نائب السلطان الفرصة وسار إلى الشقيف بعساكر الشام وفتحه وأغار على ~~ما يجاوره من بلاد الإفرنج وأرسل إلى السلطان وبشره بذلك. ### | ذكر إرسال سيف الإسلام إلى اليمن # PageV00P000 # في هذه السنة سير السلطان أخاه سيف الإسلام طغتكين إلى بلاد اليمن ~~ليملكها ويقطع الفتن منها وكان بها حطان بن منقذ الكناني وعز الدين عثمان ~~الزنجيلي قد عاد إلى ولايتها فإن الأمير الذي كان السلطان سيره نائبا إلى ~~اليمن تولى وعزلهما فعادت بين حطان وعثمان الفتن قائمة فوصل سيف الإسلام ~~إلى زبيد فتحصن حطان في بعض القلاع فلم يزل سيف الإسلام يتلطف به حتى نزل ~~إليه فأحسن صحبته ثم إن حطان طلب دستورا إلى الشام فلم يجبه إلا بعد جهد ~~فجهز حطان أثقاله قدامه ودخل حطان ليودع سيف الإسلام فقبض عليه وأرسل ~~فاسترجع أثقاله وأخذ جميع أمواله. وكان من جملة ما أخذه سيف الإسلام سبعون ~~غلاف زردية مملوءة ذهبا عينا ثم سجن حطان في بعض قلاع اليمن فكان آخر العهد ~~به. فأما عثمان الزنجيلي فإنه لما جرى لحطان ذلك خاف وسار نحو الشام وسير ~~أمواله في البحر فصادفهم مركب فيها أصحاب سيف الإسلام فأخذوا كل ما لعثمان ~~وصفت بلاد اليمن لسيف الإسلام. ### | ذكر غارات السلطان صلاح الدين # وما استولى عليه من البلاد # PageV00P000 # وفي هذه السنة سار السلطان من دمشق في ربيع الأول ونزل قريب من طبرية شن ~~الغارات على بلاد الإفرنج مثل بانياس وجبنين والغور فغنم وقتل وعاد إلى ~~دمشق ثم سار من دمشق إلى البلاد الجزرية وعبر الفرات من البيرة فسار معه ~~مظفر الدين بن زين وكان حينئذ صاحب حران وكاتب السلطان ملوك تلك الأطراف ~~واستمالهم فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا وسار معه ~~ونازل السلطان الرها ms229 وحصرها وملكها وسلمها إلى مظفر الدين كوكبوري بن قطب ~~الدين بن ينال حسان المنبجي فسار ينال إلى عز الدين مسعود صاحب الموصل ثم ~~سار صلاح الدين إلى الخابور وملك قرسيسية وماكسين وعربان والخابور واستولى ~~على خابور جصيعة ثم سار إلى نصيبين وحاصرها وملك المدينة ثم ملك القلعة ثم ~~أقطع نصيبين أميرا كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين ثم سار عن نصيبين ~~وقصد الموصل وقد استعد صاحبها عز الدين مسعود ومجاهد الدين قيماز للحصار ~~وشحنوها بالرجال والسلاح فحصر الموصل وأقام عليها منجنيقا فأقاموا عليه من ~~داخل المدينة تسعة مناجيق وضايق الموصل فنزل السلطان محاذاة باب كندة ونزل ~~صاحب حصن كيفا على باب الجسر ونزل تاج الملوك توري أخو صلاح الدين على باب ~~العمادي وجرى القتال بينهم وكان ذلك في شهر رجب فلما رأى أن حصارها يطول ~~رحل عن الموصل إلى سنجار وحاصرها وملكها واستناب بها سعد الدين بن معين ~~الدين من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى ثم سار السلطان إلى حران وعزل ~~في طريقه عن نصيبين أبا الهيجاء السمين. ### | ### | ### | ### | ### | ### | ### | ### | ذكر غير ذلك من الحوادث # # PageV00P000 # في هذه السنة عمل البرنس صاحب الكرك أسطولا في بحر أيلة وسار في البحر ~~فرقتان فرقة أقامت على حصن أيلة يحصرونه وفرقة سارت نحو عيداب يفسدون في ~~السواحل وبغتوا المسلمين في تلك النواحي فإنهم لم يعهدوا بهذا البحر إفرنجا ~~قط وكان بمصر الملك العادل أبو بكر نائبا عن أخيه السلطان فعمر أسطولا في ~~بحر عيداب وأرسله مع حسام الدين الحاجب لؤلؤ مجدا في طلبهم وأوقع بالذين ~~يحاصرون أيلة فقتلهم وأسرهم ثم سار في طلب الفرقة الثانية وكانوا قد عزموا ~~على الدخول إلى الحجاز ومكة والمدينة حرسهما الله تعالى فسار لؤلؤ يقفو ~~أثرهم فبلغ رابغ فأدركهم بساحل الخوار وتقاتلوا أشد قتال فظفره الله تعالى ~~بهم وقتل لؤلؤا أكثرهم وأخذ الباقين أسرى وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها ~~وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا عن آخرهم. # وفي هذه السنة توفي عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب ms230 بعلبك وكان ~~ينوب عن صلاح الدين بدمشق وهو ثقته من بين أهله وكان فرخشاه شجاعا كريما ~~فاضلا وله شعر جيد ووصل خبر موته إلى صلاح الدين وهو في البلاد الجزرية ~~فأرسل إلى دمشق شمس الدين بن محمد بن عبد الملك المقدم ليكون بها وأقر ~~بعلبك على بهرام شاه بن فرخشاه المذكور. # وفيها توفي بدمشق مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري الفقيه الشافعي ولد ~~سنة خمس وخمسمائة وهو الملقب قطب الدين وكان إماما فاضلا في العلوم الدينية ~~قدم إلى دمشق وصنف عقيدة للسلطان صلاح الدين وكان السلطان يقرئها أولاده ~~الصغار. ### | ذكر ما ملكه السلطان صلاح الدين من البلاد # PageV00P000 # ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة وفيها ملك السلطان حصن آمد بعد حصار ~~وقتال في العشرون الأول من محرم وسلمها إلى نور الدين محمد بن قره أرسلان ~~بن داود بن سكمان بن أرتق صاحب حصن كيفا ثم سار إلى الشام وقصد تل خالد من ~~أعمال حلب وملكها ثم سار إلى عينتاب وحصرها وبها ناصر الدين محمد أخو الشيخ ~~إسماعيل الذي كان خازن نور الدين محمود بن زنكي وكان قد سلم نور الدين ~~عينتاب إلى إسماعيل المذكور فبقيت معه إلى الآن فحصرها السلطان وملكها ~~بتسليم صاحبها إليه فأقره السلطان عليها وبقي في خدمة السلطان ومن جملة ~~أمرائه ثم سار السلطان إلى حلب وحصرها وبها صاحبها عماد الدين زنكي وطال ~~الحصار عليه وكان قد كثرت اقتراحات أمراء حلب وقد ضجر من ذلك وكره حلب لذلك ~~فأجاب السلطان إلى تسليم حلب على أن يعوض عنها سنجار ونصيبين والخابور ~~والرقة وسروج واتفقوا على ذلك وسلم حلب إلى السلطان في صفر من هذه السنة ~~فكان ينادي أهل حلب على عماد الدين المذكور: يا حمار. بعت حلب بسنجار. ~~واشترط السلطان على عماد الدين المذكور الحضور إلى خدمته بنفسه وعسكره إذا ~~استدعاه ولا يحتج بحجة عن ذلك ومن الاتفاقات العجيبة أن محيي الدين بن ~~الزكي قاضي دمشق مدح السلطان بقصيدة منها: # وفتحكم حلبا بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في ms231 رجب # فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. # وكان من جملة من قتل على حلب تاج الملوك توري بن أيوب أخو السلطان الأصغر ~~وكان كريما شجاعا طعن في ركبته فانفلقت فمات منها. # ولما استقر عمل عماد الدين زنكي دعوة السلطان واحتفل فبينما هم في سرورهم ~~إذ جاءهم إنسان فأسر إلى السلطان بموت أخيه توري فوجد عليه في قلبه وجدا ~~عظيما وأمر بتجهيزه ولم يعلم السلطان في ذلك الوقت أحدا ممن كان في الدعوة ~~بذلك لئلا يتنكد عليهم ما هم فيه وكان يقول السلطان ما وقعت علينا حلب ~~رخيصة بموت توري وكان هذا من السلطان من الصبر العظيم. # PageV00P000 # ولما ملك السلطان حلب أرسل إلى حارم وبها سرخك الذي ولاه الملك الصالح في ~~تسليم حارم وجرت بينهما مراسلات فلم ينتظم بينهما حال وكاتب سرخك الإفرنج ~~فوثب عليه أهل القلعة وقبضوا عليه وسلموا حارم إلى السلطان فتسلمها وقرر ~~أمر حلب وبلادها وأقطع أعزاز أميرا يقال له سليمان بن جند. # ذكر غير ذلك من الحوادث # في هذه السنة قبض عز الدين مسعود صاحب الموصل على نائبه مجاهد الدين ~~قيماز. # ولما فرغ السلطان من تقرير أمر حلب جعل فيها ولد الملك الظاهر غازي وسار ~~إلى دمشق وتجهز منها للغزو، فعبر نهر الأردن تاسع جمادى الآخر، فأغار على ~~بيسان وحرقها، وشن الغارات على تلك النواحي، ثم تجهز السلطان للكرك، وأرسل ~~إلى نائبه بمصر وهو أخوه الملك العادل أن يلاقيه على الكرك فسار واجتمعا ~~عليها، وحصر الكرك وضيق عليها ثم رحل عنها في منتصف شعبان وسار معه أخوه، ~~وأرسل السلطان ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر إلى مصر نائبا عنه موضع ~~الملك العادل، ووصل السلطان إلى دمشق وأعطى أخاه أبا بكر العادل مدينة حلب ~~وقلعتها وأعمالها، وسيره إليها في شهر رمضان من هذه السنة وأحضر ولده ~~الظاهر منها إلى دمشق. # وفي هذه السنة في أواخرها توفي شاهرمن بن سكمان بن ظهير الدين إبراهيم بن ~~سكمان القبطي صاحب خلاط، وقد قدم ذكر ملك شاهرمن المذكور ms232 في سنة إحدى ~~وعشرين وخمسمائة، وكان عمر سكمان لما توفي أربعا وستين سنة، ولما مات سمان ~~كان بكتمر مملوك أبيه بميافارقين، فلما سمع بكتمر بموته سار من ميافارقين ~~ووصل إلى خلاط وكان أكثر أهلها ومماليك شاهرمن متفقين معه وأول وصوله ~~استولى على خلاط وتملكها وجلس على كرسي شاهرمن واستقر في مملكة خلاط حتى ~~قتل في سنة تسع وثمانين وخمسمائة حسبما نذكره إن شاء الله تعالى. ### | ذكر غزو السلطان الكرك # PageV00P000 # ثم دخلت سنة ثمانين وخمسمائة وفيها في ربيع الآخر سار السلطان من دمشق ~~للغزاة، وكتب إلى مصر فسارت عساكرها إليه، ونازل الكرك وحاصره وضيق على من ~~به ربض الكرك وبقيت القلعة وليس بينها وبين الربض غير خندق حبيب، وقصد ~~السلطان طمه فلم تقدر لكثرة المقاتلة فجمعت الإفرنج فارسها وراجلها وقصدوه ~~ولم يمكن السلطان إلا الرحيل، فرحل عن الكرك وسار إليهم فأقاموا في أماكن ~~وعرة، وأقام السلطان قبالتهم، وسار من الإفرنج جماعة ودخلوا الكرك فعلم ~~بامتناعه عليه وسار إلى نابلس ونهب ما بتلك النواحي وقتل وأسر وسبى فأكثر ~~ثم نزل إلى سبصطية وبها مشهد زكرياء عليه السلام فاستنقذ ما بها من أسرى ~~المسلمين ثم سار إلى جبنين ثم عاد إلى دمشق. # وفي هذه السنة توفي شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل ابن أبي ~~سعيد أحمد وكان قد سار من عند الخليفة إلى السلطان في رسالة ومعه شهاب ~~الدين بشير ليصلح بين صلاح الدين وبين عز الدين مسعود صاحب الموصل فلم ~~ينتظم حال، واتفق أنهما مرضا بدمشق وطلبا المسير إلى العراق وسار في الحر ~~ومات بشير في السخنة، ومات صدر الدين شيخ الشيوخ بالرحبة ودفن بمشهد البوق، ~~وكان أوحد زمانه قد جمع بين رئاسة الدين والدنيا. # وفيها في محرم أطلق عز الدين مسعود صاحب الموصل مجاهد الدين قيماز من ~~الحبس وأحسن إليه. ### | ذكر حصار السلطان صلاح الدين الموصل # ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وفيها حصر السلطان الموصل وهو حصاره ~~الثاني فأرسل إليه عز الدين والدته وابنة عمه نور الدين بن ms233 زنكي وغيرهما من ~~النساء، وجماعة يطلبون منه ترك الموصل وما بأيديهم فردهم، واستقبح الناس ~~ذلك من صلاح الدين لاسيما وفيهن بنت نور الدين، وحاصر الموصل وضايقها، ~~وبلغه وفاة شاه أرمن صاحب خلاط في ربيع الآخر من هذه السنة فسار من الموصل ~~إلى جهة خلاط باستدعاء أهلها ليملكها. # PageV00P000 # وفي هذه السنة توفي نور الدين محمد بلا قره أرسلان بلا داود صاحب حصن ~~كيفا وآمد، وملك بعده ولده سكمان ولقب قطب الدين وكان صغيرا فقام بتدبيره ~~القوام بلا سماق الأسعردي، وحضر سكمان إلى السلطان وهو نازل على ميافارقين ~~فاره على ما كان بيد ولده وأقام معه أميرا من أصحاب سكمان المذكور. ### | ذكر ملك السلطان صلاح الدين ميافارقين # لما رحل السلطان عن الموصل جعل طريقه على ميافارقين، وكانت لصاحبها ~~ماردين الذي توفي وفيها من يحفظها من جهة شاه أرمن صاحب خلاط المتوفى، ~~فحاصرها السلطان وملكها في سلخ جمادى الأولى، ثم إن السلطان رجع عن قصد ~~خلاط إلى الموصل فجاءه رسل عز الدين مسعود يسأل الصلح، واتفق حينئذ أن ~~السلطان مرض وسار من كفر زمار عائدا إلى حران، فلحقته رسل صاحب الموصل ~~بالإجابة إلى ما طلب وهو أن يسلم صاحب الموصل السلطان شهرزور أعمالها ~~وولاية الفرابلي وجميع ما وراء الزاب وأن يخطب للسلطان صلاح الدين على جميع ~~منابر الموصل وما بيده، وأن يضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وتسلم ~~السلطان ذلك واستقر الصلح وأمنت البلاد، ووصل السلطان إلى حران وأقام بها ~~مريضا، واشتد به المرض حتى أيسوا منه، ثم إنه عوفي وعاد إلى دمشق سنة ~~اثنتين وثمانين من محرم. ولما اشتد مرض السلطان سار ابن عمه محمد بن شيركوه ~~بن شاذي صاحب حمص إلى حمص وكاتب بعض أكابر دمشق في أن يسلموا إليه دمشق إذا ~~مات السلطان. # وفي هذه السنة ليلة عيد الأضحى شرب بحمص صاحبها ناصر الدين محمد بن ~~شيركوه بن شاذي فأصبح ميتا، قيل أن السلطان هو الذي دس عليه من سقاه سما ~~لما بلغه مكاتبته أهل دمشق في مرضه، ولما مات أقر ms234 السلطان حمص وما كان بيده ~~على ولده شيركوه بن محمد وعمره اثنتا عشرة سنة، وخلف صاحب حمص شيئا كثيرا ~~من الدواب والآلات وغيرها، فاستعرضها السلطان عند نزوله بحمص في عوده من ~~حران وأخذ أكثرها ولم يترك إلا ما لا خير فيه. ### | ذكر نقل الملك العادل من حلب # وإخراج الملك الأفضل ابن السلطان من مصر إلى دمشق # PageV00P000 # ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة وفيها أحضر السلطان ولده الملك ~~الأفضل من مصر واقطعه دمشق، وسببه أن الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخي ~~السلطان كان نائب عمه بمصر وكان معه الملك الأفضل فأرسل تقي الدين يشتكي من ~~الأفضل إنني لا أتمكن من استخراج الخراج فإنني إذا أحضرت من عليه الخراج ~~وأرادت عقوبته يطلقه الملك الأفضل، فأرسل السلطان خرج ابنه الأفضل من مصر ~~وأقطعه دمشق، وتغير السلطان على تقي الدين في الباطن، فإنه ظن أنه إنما ~~أخرج ولده من مصر ليمتلك مصر إذا مات السلطان، ثم أحضر أخاه الملك العادل ~~من حلب وجعل معه ولده العزيز عثمان ابن السلطان نائبا عنه بمصر واستدعى تقي ~~الدين من مصر. فقيل إنه توقف عن الحضور وقصد اللحاق بمملوكه قراقوش ~~المستولي على بعض بلاد إفريقية وبرقة من المغرب، وبلغ السلطان ذلك فساءه ~~وأرسل يستدعي تقي الدين ويلاطفه فحضر. ولما حضر تقي الدين إلى السلطان زاده ~~على حماة منبج والمعرة وكفر طلب وميافارقين وجبل جور بجميع أعمالها، واستقر ~~العادل والعزيز عثمان في مصر. ولما أخذ السلطان حلب من أخيه العادل أقطعه ~~عوضها حران والرها. ### | ذكر وفاة البهلوان وملك أخيه قزل # وفي هذه السنة في أولها توفي البهلوان محمد بن الدكز صاحب بلد الجبل ~~وهمذان والري وأصفهان وأذربيجان وأرانية وغيرها من البلاد، وكان عادلا حسن ~~السيرة، وملك البلاد بعده أخوه قزل أرسلان واسمه عثمان وكان السلطان طغريل ~~بن أرسلان بن طغريل بن محمد بن ملكشاه السلجوقي مع البهلوان وله خطبة في ~~بلاده وليس له من الأمر شيء، فلما مات للبهلوان خرج طغريل عن حكم قزل وكثر ~~جمعه واستولى على ms235 بعض البلاد وجرت بينه وبين قزل حروب. # ذكر غير ذلك من الحوادث # في هذه السنة غدر البرنس صاحب الكرك وأخذ قافلة عظيمة من المسلمين ~~وأسرهم، فأرسل السلطان يطلب منه إطلاقهم بحكم الهدنة التي كانت بينهم على ~~ذلك فلم يفعل فنذر السلطان أنه إن أظفره الله به قتله بيده. ### | ذكر غزوات السلطان وفتوحاته # PageV00P000 # ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وفيها جمع السلطان العساكر وسار بفرقة ~~من العسكر وضايق الكرك خوفا على الحجاج من صاحب الكرك، وأرسل فرقة أخرى مع ~~ولده الملك الأفضل فأغاروا على بلاد عكا وتلك الناحية وغنموا شيئا كثيرا، ~~ثم سار السلطان ونزل على طبرية وحصر مدينتها وفتحها عنوة بالسيف وتأخرت ~~القلعة، وكانت طبرية للقومص صاحب طرابلس وكان قد هادن السلطان ودخل في ~~طاعته، فأرسلت الإفرنج إلى قومص المذكور القسوس والبطرك ينهونه عن موافقة ~~السلطان ويوبخونه فسار معهم واجتمع الإفرنج للقاء السلطان. ### | ذكر وقعة حطين # وهي الوقعة العظيمة التي فتح الله بها الساحل وبيت المقدس # ولما اخذ السلطان مدينة طبرية اجتمعت الإفرنج وملوكهم بفارسهم وراجلهم ~~وساروا إلى السلطان فركب السلطان من عند طبرية وسار إليهم يوم السبت لخمس ~~بقين من ربيع الآخر، والتقى الجمعان واشتد بينهم القتال، ولما رأى القومص ~~شدة الأمر حمل على مقدمة المسلمين وهناك تقي الدين صاحب حماة فأفرج له وعطف ~~عليه ونجا القومص ووصل إلى طرابلس وبقي مدة يسيرة ومات غبنا، ونصر الله ~~تعالى المسلمين وأحدقوا بالإفرنج من كل ناحية وأبادوهم قتلا وأسروا، وكان ~~من جملة من أسر ملك الإفرنج الكبير والبرنس أرناط صاحب الكرك وصاحب حبيل ~~وابن الهنغري ومقدم الداوية وجماعة من الأبستارية. وما أصيب الإفرنج منذ ~~خرجوا إلى الشام في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى الآن بمصيبة مثل هذه ~~الوقعة. # PageV00P000 # ولما انقضى المصاف جلس السلطان في خيمته وأحضر ملك الإفرنج وأجلسه إلى ~~جانبه وكان الحر والعطش به شديدا، فسقاه السلطان ماء مثلوجا فسقى ملك ~~الإفرنج منه البرنس أرناط صاحب الكرك فقال له السلطان هذا الملعون لم يشرب ~~الماء بإذني فيكون ما ناله، ثم ms236 كلم السلطان البرنس ووبخه وقرعه على غدره ~~وقصده الحرمين الشريفين، فقام السلطان بنفسه فضرب عنقه، فارتعدت فرائص ملك ~~الإفرنج فسكن جأشه، ثم عاد السلطان إلى طبرية وفتح قلعتها بالأمان ثم سار ~~إلى عكا وحاصرها وفتحها بالأمان ثم أرسل إلى أخيه العادل فنازل مجد اليابا ~~وفتحه عنوة بالسيف، ثم فرق السلطان عسكره ففتحوا الناصرة وقيسارية وحيفا ~~وصفورية ومعلشا والغولة وغيرها من البلاد المجاورة لعكا بالطيف وغنموا ~~وقتلوا وأسروا أهل هذه الأماكن وأرسل فرقة إلى نابلس فملكوا قلعتها بالأمان ~~ثم سار الملك العادل بعد فتح مجد اليابا إلى يافا وفتحها عنوة بالطيف ثم ~~سار السلطان إلى تبنين ففتحها بالأمان ثم سار إلى صيدا فأخلاها صاحبها ~~وتسلمها السلطان ساعة وصوله لتسع بقين من جمادى الأولى من هذه السنة ثم سار ~~إلى بيروت فحاصرها وتسلمها في السابع والعشرين من جمادى الأولى بالأمان ~~وكان حصرها مدة ثمانية أيام وكان صاحب حبيل من جملة الأسرى فبذل حبيل بأن ~~يسلمها ويطلق سراحه فأجيب إلى ذلك وكان صاحب حبيل من أعظم الإفرنج وأشدهم ~~عداوة للمسلمين ولم تكن عاقبة إطلاقه حميدة وأرسل السلطان وتسلم حبيل ~~وأطلقه وفيها حضر المركيس في سفينة إلى عكا وهي للمسلمين ولم يعلم المركيس ~~بذلك واتفق هجوم الهواء فراسل المركيس الملك الأفضل وهو بعكا يقترح أمرا ~~بعد أمر والملك الأفضل يجيب إلى ذلك المركيس إلى أن هب الهواء فأقلع ~~المركيس إلى صور واجتمع عليه الإفرنج الذين بها وملك صور وكان وصول المركيس ~~إلى صور ولإطلاق الإفرنج الذين أخذ السلطان بلادهم بالأمان وحملهم إلى صور ~~من أعظم أسباب الضرر الذي حصل حتى راحت عكا وقوي الإفرنج بذلك. # PageV00P000 # ثم سار السلطان إلى عسقلان وحاصرها أربعة عشر يوما وتسلمها بالأمان سلخ ~~جمادى الآخرة ثم بث السلطان عسكره ففتحوا الرملة والداروم وغزة وبيت لحم ~~وبيت جبريل والنطرون وغير ذلك. ثم سار السلطان ونازل القدس وبه من النصارى ~~عدد يفوق الحصر وضاق السلطان السور بالنقابين واشتد القتال ونقبوا السور ~~وطلب الإفرنج الأمان فلم يجبهم السلطان إلى ذلك وقال لا آخذها ms237 إلا بالسيف ~~مثل ما أخذها الإفرنج من المسلمين فعادوا. في وعرفوه ما هم عليه من الكثرة ~~وأنهم إن أيسوا من الأمان قاتلوا خلاف ذلك القتال فأجابهم السلطان إلى ذلك ~~وشرط أن يؤدي كل من بها من الرجال عشرة دنانير وتؤدي النساء خمسة ويؤدوا عن ~~كل طفل دينارين وأن من عجز عن ذلك يكون أسيرا فأجيب إلى ذلك وسلمت المدينة ~~يوم الجمعة في السابع والعشرين من رجب وكان يوما مشهودا ورفعت الأعلام ~~الإسلامية على أسوار المدينة ورتب السلطان على أبواب البلد من يقبض منهم ~~المال المذكور فخان المرتبون في ذلك ولم يحملوا إلا القليل. # وكان على رأس قبة الصخرة صليب مذهب فتسلق المسلمون واقتلعوه فسمع لذلك ~~ضجة لم يعهد مثلها من الإفرنج بالتفجع والتوجع وكان الإفرنج قد عملوا غربي ~~المسجد الأقصى نهرا ومستراحا فأمر السلطان بإزالة ذلك وإعادة الجامع إلى ما ~~كان عليه. وكان نور الدين محمود بن زنكي قد عمل منبرا بحلب تعب عليه مدة ~~وقال هذا لأجل القدس فأرسل السلطان أحضر المنبر من حلب وجعله في المسجد ~~الأقصى وأقام السلطان بعد فتح القدس يظاهره إلى الخامس والعشرين من شعبان ~~يرتب أمور البلد وأحواله وتقدم بعمل الربط والمدارس الشفعوية. # ثم رحل السلطان إلى عكا ورحل منها إلى صور وصاحبها المركيس قد حصنها ~~بالرجال وحفر خندقها ونزل السلطان على صور تاسع عشر رمضان وحاصرها وضايقها ~~وطلب الأسطول فوصل إليه في عشر شوال فاتفق أن الإفرنج كبسوهم في الشواني ~~وأخذوا خمس شوان ولم يسلم من المسلمين إلا من سبح ونجا وأخذ الباقون وطال ~~الحصار عليها فرحل السلطان عنها في آخر شوال أول كانون الأول وأقام بعكا ~~وأعطى العساكر الدستور فسار كل واحد إلى بلده وبقي السلطان بعكا في حلقته ~~وأرسل إلى هونين وفتحها بالأمان. # PageV00P000 # ذكر غير ذلك من الحوادث # في هذه السنة سار شمس الدين محمد ابن المقدم بعد فتح القدس حاجا وكان هو ~~أمير الحاج الشامي ليجمع بين الغزاة وزيارة القدس والخليل عليه السلام ~~والحج في عام واحد فسار ووقف بعرفات ms238 ولما أفاض أرسل إليه طاستكين أمير ~~الحاج العراقي فمنعه من الإفاضة قبله فلم يلتفت إليه فسار العراقيون ~~واقتتلوا مع الشاميين فقتل بينهم جماعة وابن المقدم يمنع أصحابه من القتال ~~فجرح ومات شهيدا ودفن بمقبرة المعلي. # PageV00P000 # ثم دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة فشتى السلطان في هذه السنة بعكا ثم ~~سار بمن معه وقصد كوكب وجعل على حصارها أمير يقال له قايماز النجمي وسار ~~منها في ربيع الأول ودخل دمشق ففرح الناس بقدومه وكتب إلى الأطراف باجتماع ~~العساكر وأقام في دمشق خمسة أيام وسار من دمشق منتصف ربيع الأول ونزل على ~~بحيرة قدس غربي حمص فأتته العساكر بها فأولهم عماد الدين زنكي صاحب سنجار ~~ونصيبين. ولما تكاملت عساكره رحل ونزل تحت حصن الأكراد وشن الغارات على ~~بلاد الإفرنج وسار من حصن الأكراد فنزل على أنطرسوس فوجد الإفرنج قد أخلوا ~~أنطرسوس فسار إلى مرقية فوجدهم قد أخلوها أيضا فسار تحت المرقب وهو ~~الأسبتار فوجده لا يرام ولا لأحد فيه مطمع فسار إلى جبلة ووصل إليها ثامن ~~جمادى الأولى وتسلمها حالة وصوله فجعل فيها لحفظها الأمير سابق الدين عثمان ~~بن الداية صاحب شيزر ثم سار السلطان إلى اللاذقية فوصل إليها في الرابع ~~والعشرين من جمادى الأولى ولها قلعتان فحصر القلعتين. ولما ملك السلطان ~~اللاذقية سلمها إلى الملك المظفر تقي الدين فعمرها وحصن قلعتيها. وكان تقي ~~الدين عظيم الهمة في تحصين القلاع والغرامة عليها كما فعل بقلعة حماة ثم ~~رحل السلطان عن اللاذقية في التاسع والعشرين من جمادى الأولى إلى صهيون ~~فحاصرها وضايقها وطلب أهلها الأمان فلم يجبهم إلا على أمان أهل القدس فيما ~~يؤدونه فأجابوا إلى ذلك وتسلم السلطان قلعة صهيون وسلمها إلى أمير من ~~أصحابه يقال له ناصر الدين ثم فرق عسكره في تلك الجبال فملكوا حصن بلاطنوس ~~وكان الإفرنج الذين به قد هربوا منه وأخلوه وملكوا حصن العبد وحصن ~~الجماهونين ثم سار السلطان من صهيون ثالث جمادى الآخرة ووصل إلى قلعة بكراس ~~فأخلاها أهلها وتحصنوا بقلعة الشفر فحصرها ووجدها منيعة وضايقها فألقى ms239 الله ~~تعالى في قلوب أهلها الفزع وطلبوا الأمان وتسلمها يوم الجمعة سادس جمادى ~~الآخرة بالأمان فأرسل السلطان الملك الظاهر صاحب حلب فحاصر سرمينية وضايقها ~~وملكها واستنزل أهلها على قطيعة قررها عليهم وهدم الحصن وفي أثره وكان في ~~الحصن وفي الحصون المذكورة من أسرى المسلمين الجم الغفير فأطلقوا وأعطوا ~~الكسوة والنفقة ثم سار السلطان من الشفر إلى # PageV00P000 # برزية ورتب عسكره ثلاثة أقسام وداومها بالزحف وملكها بالسيف في السابع ~~والعشرين من جمادى الآخرة وسبى وأسر وقتل أهلها. قال مؤلف الكامل ابن ~~الأثير كنت مع السلطان في مسيره وفتحه هذه البلاد طالبا للغزاة فأحكي ذلك ~~عن مشاهدة ثم سار السلطان فنزل على جسر الحديد وهو على العاصي بالقرب من ~~أنطاكية فأقام عليه أياما حتى تلاحق به من تأخر من العسكر ثم سار إلى ~~دربساك ونزل عليها ثامن رجب وحاصرها وضايقها وتسلمها بالأمان على شرط أن لا ~~يخرج منها أحد إلا بثيابه فقط وتسلمها تاسع عشر رجب. ثم سار عن دربساك إلى ~~بغراس فحصرها وتسلمها بالأمان على حكم أمان دربساك وأرسل بيمند صاحب ~~أنطاكية إلى السلطان يطلب منه الهدنة والصلح وبذل إطلاق كل أسير عنده فأجاب ~~السلطان إلى ذلك واصطلحوا ثمانية أشهر وكان صاحب أنطاكية حينئذ أعظم ملوك ~~الإفرنج في هذه البلاد فإن أهل طرابلس سلموا إليه طرابلس. # ولما فرغ السلطان من أمر هذه البلاد والهدنة سار إلى حلب ثالث شعبان وسار ~~منها إلى دمشق وأعطى عماد الدين زنكي دستورا وكذلك أعطى غيره من العساكر ~~الشرقية وجعل طريقة لما رحل من حلب على قبر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ~~فزاره وزار الشيخ الصالح أبا زكريا المغربي وكان مقيما هناك وكان من عباد ~~الله تعالى الصالحين وله كرامات ظاهرة. وكان مع السلطان أبو فليتة الأمير ~~قاسم بن مهنا الحسيني صاحب مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وشهد معه ~~مشاهده وفتوحاته وكان السلطان يتبرك برؤيته ويتيمن بصحبته ويرجع إلى قوله ~~ودخل السلطان دمشق في شهر رمضان المعظم فأشير عليه بتفريق العساكر ليريحوا ~~ويستريحوا فقال ms240 السلطان إن العمر قصير والأجل غير مأمون وكان السلطان لما ~~سار إلى البلاد الشمالية قد جعل على الكرك وغيرها من يحاصرها وخلى أخاه ~~العادل في تلك الجهات يباشر ذلك فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان فأمر الملك ~~العادل المباشرين لحصارها بتسلمها فتسلموا الكرك والشوبك وما بتلك الجهات ~~من البلاد. # PageV00P000 # ثم سار السلطان من دمشق في منتصف رمضان إلى صفد فحصرها في ذي القعدة وسير ~~أهلها إلى صور وكان اجتماع أهل هذه القلاع في صور من أعظم أسباب الضرر على ~~المسلمين ظهر ذلك فيما بعد ثم سار السلطان إلى القدس فعيد فيه عيد الأضحى ~~ثم سار إلى عكا فأقام فيها حتى انسلخت السنة. # وفي هذه السنة أرسل قزل ابن الدكز يستنجد بالخليفة الإمام الناصر على ~~طغريل بن أرسلان بن طغريل السلجوقي ويحذره عاقبة أمره فأرسل الخليفة عسكر ~~إلى طغريل والتقوا ثامن ربيع الأول قرب همذان فانهزم عسكر الخليفة وغنم ~~طغريل أموالهم وأسر مقدم العسكر جلال عبد الله وزير الخليفة. # ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة وفيها سار صلاح الدين ونزل بمرج عيون ~~وحضر إليه صاحب شقيف أرنون وبذل له تسليم الشقيف بعد مدة ضربها خديعة منه ~~فلما بقي للعدة ثلاثة أيام استحضره السلطان وكان اسم صاحب الشقيف أرناط ~~فقال له السلطان في التسليم فقال لا يوافقني عليه أهلي فأمسكه السلطان ~~وبعثه إلى دمشق فحبس. ### | ذكر حصار الإفرنج عكا # PageV00P000 # كان قد اجتمع بصور أهل البلاد التي أخذها السلطان بالأمان فكثر جمعهم حتى ~~ساروا في عالم لا تحصى كثرته وأرسلوا إلى البحرين يستنجدون وصوروا صورة ~~المسيح وصورة عربي يضرب المسيح وقد أدماه وقالوا هذا نبي العرب يضرب المسيح ~~فخرجت النساء من بيوتهن ووصل من الإفرنج في البحر عالم لا يحصون كثرة ~~وساروا إلى عكا من صور ونازلوها في منتصف رجب من هذه السنة وضايقوا عكا ~~وأحاطوا بسورها من البحر إلى البحر ولم يبق للمسلمين إليها طريق فسار إليهم ~~السلطان ونزل قريب الإفرنج وقاتلهم في مستهل شعبان وباتوا على ذلك وأصبحوا ~~فحمل تقي الدين صاحب ms241 حماة في ميمنة السلطان على الإفرنج فأزالهم عن موقفهم ~~والتصق بالسور وانفتح الطريق إلى المدينة يدخل المسلمون ويخرجون وأرسل ~~السلطان إلى عكا عسكر نجدة ولحق من جملتهم أبو الهيجاء السمين وبق المسلمون ~~يغادون القتال ويراحونه إلى العشرين من شعبان ثم كان بين المسلمين وبينهم ~~وقعة عظيمة فإن الإفرنج اجتمعوا وضربوا مع السلطان مصاف وحملوا على القلب ~~فأزالوه وأخذوا يقتلون في المسلمين إلى أن بلغوا خيمة السلطان وانحاز ~~السلطان إلى جانب وانضافت إليه جماعة وانقطع مدد الإفرنج واشتغلوا بقتال ~~الميمنة فحمل السلطان على الإفرنج الذين خرقوا القلب وعطف عليهم العسكر ~~فأفنوهم قتلا وكان قتلى الإفرنج نحو عشرة آلاف نفس ووصل المنهزمون بعضهم ~~إلى طبرية وبعضهم وصل إلى دمشق. # وجافت الأرض بعد هذه الوقعة ولحق السلطان مرض وحدث له قولنج فأشار عليه ~~الأمراء بالانتقال من ذلك الموضع فوافقهم ورحل من عكا رابع عشر شهر رمضان ~~إلى الخروبة فلما رحل تمكن الإفرنج من حصار عكا وانبسطوا في تلك الأرض. وفي ~~تلك الحال وصل أسطول للمسلمين في البحر مع حسام الدين لؤلؤ وكان شهما فظفر ~~ببطسة للإفرنج فأخذها ودخل بها إلى عكا فقويت قلوب المسلمين وكذلك وصل ~~الملك العادل بعسكر مصر إلى أخيه السلطان فقويت نفوس المسلمين بوصوله. # ذكر غير ذلك من الحوادث # فيها توفي بالخروبة الفقيه عيسى وكان مع السلطان وهو من أعين عسكره وكان ~~جنديا فقيها شجاعا وكان من أصحاب الشيخ أبي القاسم البرزي. # PageV00P000 # ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة وفيها رحل السلطان عن الخروبة وعاد إلى ~~قتال الإفرنج على عكا وكان الإفرنج قد عملوا قرب سور عكا ثلاثة أبراج طول ~~البرج ستون ذراعا جاءوا بخشبها من جزائر البحر وعملوها طبقات وشحنوها ~~بالسلاح والمقاتلة وألبسوها جلود البقر والطين بالخل لئلا تعمل فيها النار ~~فتحيل المسلمون وأحرقوا البرج الأول فاحترق بمن فيه من الرجال والسلاح ثم ~~أحرقوا الثاني والثالث وانبسطت نفوس المسلمين بذلك بعد الكآبة ووصلت إلى ~~السلطان العساكر من البلاد وبلغ المسلمين وصول ملك الألمان وكان قد سار من ~~بلاده وراء القسطنطينية ms242 بمائة ألف مقاتل فاهتم المسلمون لذلك وأيسوا من ~~الشام بالكلية فسلط الله تعالى على الألمان الغلاء والوباء فهلك أكثرهم في ~~الطريق. ولما وصل ملكهم إلى بلاد الأرمن نزل في نهر هناك يغتسل فغرق ~~وأقاموا ابنه مقامه فرجع من عسكره طائلة إلى بلادهم ولم يصل مع ابن ملك ~~الألمان إلى الإفرنج الذين على عكا غير قدر ألف مقاتل وكفى الله المسلمين ~~شرهم وبقي السلطان والإفرنج على عكا يتناوشون القتال إلى العشرين من جمادى ~~الآخرة فخرجت الإفرنج من خنادقهم بالفارس والراجل وأزالوا الملك العادل عن ~~موضعه وكان معه عسكر مصر فعطفت عليهم المسلمون وقتلوا من الإفرنج خلقا ~~كثيرا فعادوا إلى خنادقهم وحصل للسلطان مغص فانقطع في خيمته ولولا ذلك ~~لكانت الفيصلة ولكن إذا أراد الله أمرا فلا مرد له. # ذكر غير ذلك من الحوادث # وفي هذه السنة لما قوي الشتاء واشتدت الرياح أرسل الإفرنج المحاصرون عكا ~~مراكبهم إلى صور خوفا عليها أن تنكسر وانفتح الطريق إلى عكا في البحر وأرسل ~~البدل إليها وكان العسكر الذين خرجوا منها أضعاف الواصلين إليها فحصل ~~التفريط بذلك لضعف البدل. # وفيها في ثامن شوال توفي زين الدين يوسف بن زين الدين علي كوجك صاحب إربل ~~وكان مع السلطان بعسكره ولما توفي أقطع السلطان إربل أخاه مظفر الدين علي ~~كوكبوري بن زين الدين علي كوجك وأضاف إليه شهرزور وأعمالها وارتجع ما كان ~~بيد مظفر الدين وهو حران والرها وسار مظفر الدين إلى إربل وملكها. # PageV00P000 # وفيها أقطع السلطان ما كان بيد مظفر الدين وهو حران والرها وسميساط ~~والموزر الملك المظفر تقي الدين عمر زيادة على ما في يده وهو ميافارقين ومن ~~الشام حماة والمعرة وسلمية ومنبج وقلعة نجم وجبلة واللاذقية وبلاطنس ~~وبكراس. ### | ذكر استيلاء الإفرنج على عكا # ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة واستمر حصار الإفرنج لعكا إلى هذه ~~السنة وكانوا قد أحاطوا بها من البحر إلى البحر وحفروا عليها خندقا فلم ~~يتمكن السلطان من الوصول إليهم وكانوا محاصرين لعكا وهم كالمحصورين من ~~خارجهم من السلطان واشتد حصارهم لعكا ms243 وضعف من بها عن حفظ البلد وعجز ~~السلطان عن دفع العدو عنهم فخرج الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وطلب ~~الأمان من الإفرنج على مال وأسرى يقومون بها للإفرنج فأجابوهم إلى ذلك ~~وصعدت أعلام الإفرنج على عكا ظهر يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرى من هذه ~~السنة واستولوا على البلد بما فيه وحبسوا المسلمين في أماكن من البلد ~~وقالوا إنما نحبسهم ليقوموا بالمال والأسرى وصليب الصلبوت وكتبوا إلى ~~السلطان بذلك فحصل ما أمكن تحصيله من ذلك وطلب منهم إطلاق المسلمين فلم ~~يجيبوا إلى ذلك فعلم منهم الغدر واستمر أسر المسلمين ثم قتل الإفرنج منهم ~~جماعة كثيرة واستمر الباقون في الأسر. # وبعد استيلاء الإفرنج وتقرير أمرها رحلوا عنها مستهل شعبان نحو قيسارية ~~والمسلمون يساورونهم ويتخطفون منهم ثم ساروا من قيسارية إلى أرسوف ووقع ~~بينهم وبين المسلمين مصاف أزالوا المسلمين عن موقفهم ووصلوا إلى سوق ~~المسلمين فقتلوا من السوقة خلقا كثيرا ثم سار الإفرنج إلى يافا وقد أخلاها ~~المسلمون فملكوها. # PageV00P000 # ثم رأى السلطان تخريب عسقلان مصلحة لئلا يحصل لها ما حصل لعكا فسار إليها ~~وأخلاها وخربها ورتب الحجارين في تقليع أسوارها وتخريبها فدكها إلى الأرض ~~ولما فرغ السلطان من تخريب عسقلان رحل ثاني شهر رمضان إلى الرملة فخرب ~~حصنها وخرب كنيسة لد ثم سار إلى القدس وقرر أموره وعاد إلى مخيمه بالنطرون ~~ثامن شهر رمضان ثم تراسل الإفرنج والسلطان في الصلح على أن يتزوج الملك ~~العادل بأخت ملك الأنكتار ويكون للملك العادل القدس ولامرأته عكا فحضر ~~القسيسون وأنكروا عليها ذلك إلا أن يتنصر الملك العادل فلم يتفق بينهم حال ~~ثم رحل الإفرنج من يافا إلى الرملة وبقوا كل يوم يقع بين المسلمين وبينهم ~~مناوشات فلقوا من ذلك شدة شديدة وأقبل الشتاء وحالت الأوحال بينهم فلما رأى ~~السلطان ذلك وقد ضجرت العساكر أعطاهم الدستور وسار إلى القدس لسبع بقين من ~~ذي القعدة ونزل داخل البلد واستراحوا مما كانوا فيه وأخذ السلطان في تعمير ~~القدس وتحصينه وأمر العسكر بنقل الحجارة وكان السلطان ينقل ms244 الحجارة بنفسه ~~على فرسه ليقتدي به العسكر فكان يجتمع عند العمال في اليوم الواحد ما ~~يكفيهم عدة أيام. ### | ذكر وفاة الملك المظفر تقي الدين عمر # كان الملك المظفر قد سار إلى البلاد المرتجعة من كوكبوري التي زاده إياها ~~عمه السلطان من وراء الفرات وهي حران وغيرها فامتدت عين الملك المظفر إلى ~~بلاد مجاوريه واستولى على السويداء وحاني والتقى مع بكتمر صاحب خلاط فكسره ~~وحاصره بخلاط وتملك معظم البلاد ثم رحل عنها ونازل ملاذكرد وهي لبكتمر ~~وضايقها وكان في صحبته ولده الملك المنصور محمد فعرض للملك المظفر مرض شديد ~~وتزايد عليه حتى توفي به يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان من هذه ~~السنة وأخفى الملك المنصور وفاته ورحل عن ملاذكرد ووصل إلى حماة ودفنه ~~بظاهرها وبنى إلى جانب التربة مدرسة وذلك مشهور هناك. # PageV00P000 # وكان الملك المظفر شجاعا شديد البأس ركنا عظيما من أركان البيت الأيوبي ~~وكان عنده فضل وأدب وله شعر حسن واتفق في ليلة الجمعة التي توفي فيها الملك ~~المظفر أن توفي حسام الدين بن محمد بن لاجين وأمه ست الشام بنت أيوب أخت ~~السلطان فأصيب السلطان في تاريخ واحد بابن أخيه وابن أخته. # ولما مات الملك المظفر راسل ابنه الملك المنصور السلطان واشترط شروطا ~~نسبه السلطان فيها إلى العصيان وكاد أمره يضمحل بالكلية فراسل الملك ~~المنصور عمه الملك العادل في استعطاف خاطر السلطان فما برح العادل بأخيه ~~السلطان يراجع ويشفع في الملك المنصور حتى أجابه السلطان وقرر للملك ~~المنصور حماة وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم وارتجع السلطان البلاد ~~الشرقية وما معها وأقطعها أخاه العادل بعد أن شرط السلطان أن العادل ينزل ~~عن كل ماله من الإقطاع بالشام خلا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء ونصف خاصه ~~بمصر وأن يكون عليه في كل سنة ستة آلاف غرارة تحمل من الصلت والبلقاء إلى ~~القدس ولما استقر ذلك سار الملك العادل إلى البلاد الشرقية لتقرير أمورها ~~وعاد إلى خدمة السلطان في آخر جمادى الآخرة من السنة القابلة أعني سنة ثمان ~~وثمانين ولما ms245 قدم الملك العادل على السلطان كان الملك المنصور صاحب حماة ~~صحبته فلما رأى السلطان الملك المنصور نهض واعتنقه وغشيه البكاء وأكرمه ~~وأنزله في مقدمة العسكر. # ذكر غير ذلك من الحوادث # في هذه السنة في شعبان قتل قزل أرسلان واسمه عثمان بن الدكز وهو الذي ملك ~~أذربيجان وهمذان وأصفهان والري بعد أخيه محمد بن البهلوان وكان قد قوي عليه ~~السلطان طغريل السلجوقي وهزم عسكر بغداد كما تقدم ذكره، ثم إن قزل أرسلان ~~تغلب واعتقل السلطان طغريل في بعض البلاد وسار قزل أرسلان بعد ذلك إلى ~~أصفهان وتعصب على الشفعوية وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم وعاد إلى همذان ~~وخطب لنفسه بالسلطنة ودخل لينام على فراشه وتفرق عنه أصحابه فدخل إليه من ~~قتله على فراشه ولم يعلم قاتله. # PageV00P000 # وفيها قدم معز الدين قيصرشاه بن قليج أرسلان صاحب بلاد الروم إلى صلاح ~~الدين. وسببه أن والده فرق مملكته على أولاده وأعطى ولده هذا ملطية ثم تغلب ~~بعض أخوته على أبيه وألزمه بأخذه ملطية من أخيه المذكور فخاف من ذلك وسار ~~إلى السلطان ملتجئا إليه فأكرمه السلطان وزوجه بابنة أخيه الملك العادل ~~وعاد معز الدين إلى ملطية في ذي القعدة. قال ابن الأثير لما ركب صلاح الدين ~~ليودع معز الدين قيصر شاه ترجل معز الدين وترجل السلطان، ولما ركب السلطان ~~عضده قيصر شاه وأركبه وكان علاء الدين بن عز الدين مسعود صاحب الموصل مع ~~السلطان إذ ذاك، فسوى ثياب السلطان أيضا فقال بعض الحاضرين في نفسه ما بقيت ~~تبالي يا ابن أيوب بأي موتة تموت يركبك ملك سلجوقي ويصلح قماشك ابن أتابك ~~زنكي وفيها قتل أبو الفتح يحيى الملقب شهاب الدين السهروردي الحكيم ~~الفيلسوف بقلعة حلب محبوسا أمر بخنقه الملك الظاهر غازي بأمر والده ~~السلطان، قرأ المذكور الأصولين والحكمة بمراغة على مجد الدين ثم سافر إلى ~~حلب وكان علمه أكبر من عقله، فنسب إلى انحلال العقيدة وأنه يعتقد مذهب ~~الفلاسفة فأفتى الفقهاء بإباحة دمه لما ظهر من سوء مذهبه واشتهر عنه، وكان ~~أشدهم في ذلك ms246 زين الدين ومجد الدين ابنا جهبل. حكى الشيخ سيف الدين الآمدي ~~قال اجتمعت بالسهروردي في حلب فقال لي لابد أن أملك الأرض فقلت من أين لك ~~هذا؟ قال: رأيت في المنام كأني شربت ماء البحر فقلت لعل ذلك يكون اشتهار ~~علمك وما يناسب هذا فرأيته لا يرجع عما وقع في نفسه ووجدته كثير العلم قليل ~~العقل، كان عمره لما قتل ثمانية وثلاثين سنة وله عدة مصنفات في الحكمة منها ~~التلويحات والتنقيحات والمشارع والمطارحات وكتاب الهياكل وحكمة الإشراق ~~وكان يزعم أنه يعرف السيمياء وله نظم حسن. # ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وفيها سارت الإفرنج إلى عسقلان، ~~وشرعوا في عمارتها في محرم والسلطان بالقدس، وفيها قتل المركيس صاحب صور ~~لعنه الله تعالى قتله الباطنية وكانوا قد دخلوا في زي الرهبان إلى صور. ### | ذكر عقد الهدنة مع الإفرنج وعود السلطان إلى دمشق # PageV00P000 # وسبب ذلك أن ملك الأنكتار مرض وطال عليه البيكار فكتب إلى الملك العادل ~~يسأل الدخول على السلطان في الصلح فلم يجب السلطان إلى ذلك ثم اتفق رأي ~~الأمراء على ذلك لطول البيكار وضجر العسكر وكثرة نفقاتهم فأجاب السلطان إلى ~~ذلك واستقر أمر الهدنة في يوم السبت ثامن عشر شعبان وتخلفوا على ذلك في يوم ~~الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان ولم يحلف ملك الأنكتار بل أخذوا يده ~~واعتذر بأن الملوك لا يحلفون وقنع السلطان بذلك وحلف الكندهري ابن أخته ~~وخليقة في الساحل وكذلك حلف غيره من عظماء الإفرنج ووصل ابن الهنغري ~~وباليان إلى خدمة السلطان ومعهما جماعة من المقدمين وأخذوا يد السلطان ~~واستحلفوا الملك العادل والملكين الأفضل والظاهر والملك المنصور والملك ~~المجاهد شيركوه صاحب حمص والأمجد بهرام شاره بن فرخشاه صاحب بعلبك والأمير ~~بدر الدين دلدرم الياروقي صاحب تل باشر والأمير سابق الدين عثمان ابن ~~الداية صاحب شيزر والأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وغيرهم من ~~المقدمين الكبار وعقدت الهدنة عامة في البحر والبر وجعلت مدتها ثلاث سنين ~~وثلاثة أشهر أولها أيلول الموافق للحادي والعشرين من شعبان. # وكانت الهدنة على ms247 أن يستقر بيد الإفرنج يافا وعملها وقيسارية وعملها ~~وحيفا وعملها وعكا وعملها وأن تكون عسقلان خرابا واشترط السلطان دخول بلاد ~~الإسماعيلية في عقد هدنته واشترط الإفرنج دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في عقد ~~هدنتهم وأن تكون لد والرملة مناصفة بينهم وبين المسلمين فاستقر القاعدة على ~~ذلك. # ثم رحل السلطان إلى القدس في رابع شهر رمضان وتفقد أحواله وأمر بتسديد ~~أسواره وزاد في وقف المدرسة التي عملها بالقدس وهذه المدرسة كانت قبل ~~الإسلام تعرف بصند حنة يذكرون أن فيها قبر حنة أم مريم ثم صارت في الإسلام ~~دار علم قبل أن يتملك الإفرنج القدس ثم لما ملك الإفرنج القدس أعادها كنيسة ~~كما كانت قبل الإسلام فلما فتح السلطان القدس أعادها مدرسة وفوض تدريسها ~~ووقفها إلى القاضي بهاء الدين ابن شداد. # PageV00P000 # ولما استقر أمر الهدنة أرسل السلطان مائة من الحجارين لتخريب عسقلان وأمر ~~أن يخرج من بها من الإفرنج وعزم على الحج والإحرام من القدس وكتب إلى أخيه ~~سيف الإسلام صاحب اليمن بذلك ثم ثبطه الأمراء وقالوا لا نعتمد على هدنة ~~الإفرنج خوفا من غدرهم فانتقض عزمه عن ذلك. # ثم رحل السلطان عن القدس لخمس مضت من شوال إلى نابلس ثم إلى بيسان ثم إلى ~~كوكب فبات بقلعتها ثم رحل إلى طبرية ولقيه بها الأمير بهاء الدين قراقوش ~~الأسدي وقد خلص من الأسر وكان قد أسر بعكا لما أخذها الإفرنج مع من أسر، ~~فسار قراقوش مع السلطان إلى دمشق ثم سار منها إلى مصر. # ثم سار السلطان إلى بيروت ووصل إلى خدمته بيمند صاحب أنطاكية يوم السبت ~~الحادي والعشرين من شوال فأكرمه السلطان وفارقه في غد ذلك اليوم وسار ~~السلطان إلى دمشق ودخلها يوم الأربعاء لخمس بقين من شوال وفرح الناس به لأن ~~غيبته عنهم كانت مدة أربع سنين وأقام العدل والإحسان بدمشق وأعطى السلطان ~~العساكر الدستور فودعه ولده الملك الظاهر وداعا لا لقاء بعده وسار إلى حلب ~~وبقي عند السلطان بدمشق ولده الأفضل والقاضي الفاضل وكان الملك العادل قد ~~استأذن السلطان وسار ms248 من القدس إلى الكرك لينظر إلى مصالحه ثم عاد إلى دمشق ~~طالبا البلاد الشرقية التي سارت له بعد تقي الدين فوصل إلى دمشق في الحادي ~~والعشرين من ذي القعدة وخرج السلطان للقائه. وفي يوم الخميس السادس ~~والعشرين من شوال من هذه السنة توفي الأمير سيف الدين المشطوب بنابلس وكانت ~~إقطاعه فوقف السلطان ثلث نابلس على مصالح القدس وأقطع الباقي للأمير عماد ~~الدين أحمد بن المشطوب وأميرين معه. ### | ذكر وفاة السلطان عز الدين قليج أرسلان # صاحب بلاد الروم وأخبار الذين تولوا بعده # PageV00P000 # في هذه السنة أعني سنة ثمان وثمانين وخمسمائة في منتصف شعبان توفي ~~السلطان عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان ابن ~~قطلومس بن أرسلان بيغو بن سلجوق وكان ملكه في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ~~وكان ذا سياسة وهيبة عظيمة وعدل وافر وغزوات كثيرة وكان له عشر بنين قد ولى ~~كل واحد منهم قطرا من بلاد الروم وأكبرهم قطب الدين ملكشاه بن قليج أرسلان ~~المذكور وكان قد أعطاه أبوه سيواس فسولت له نفسه القبض على أبيه وأخوته ~~والانفراد بالسلطنة وساعده على ذلك صاحب أرزنكان فسار قطب الدين ملكشاه ~~وهجم على والده قليج أرسلان بمدينة قونية وقال لولده وهو في قبضته أنا بين ~~يديك أنفذ أوامرك ثم أنه أشهد على والده بأنه جعله ولي عهده ثم سار إلى حرب ~~أخيه نور الدين سلطان شاه صاحب قيسارية ووالده في القبضة معه وهو يظهر أن ~~ما يفعله إنما هو بأمر والده فخرج عسكر قيسارية لحربه فوجد أبوه عز الدين ~~قليج أرسلان عند اشتغال العسكر بالقتال فرصة فهرب إلى ولده سلطان شاه صاحب ~~قيسارية فأكرمه وعظمه كما يجب عليه فرجع قطب الدين ملكشاه إلى قونية وخطب ~~لنفسه بالسلطنة وبقي أبوه يتردد في بلاده بين أولده كلما ضجر منهم واحد ~~ينتقل إلى الآخر حتى حصل عند ولده غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان صاحب ~~برغلو فقوي أباه قليج وأعطاه وجمع له وحشد وسار معه إلى قونية فملكها ~~وأخذها من ابنه ملكشاه ms249 ثم سار إلى أقصرا واتفق أن عز الدين قليج أرسلان مرض ~~ومات في التاريخ المذكور فأخذه ولده كيخسرو وعاد به إلى قونية فدفنه بها ~~واتفق موت ملكشاه بعد موت أبيه بقليل فاستقر كيخسرو في ملك قونية إذ أثبت ~~أنه ولي عهد أبيه ثم أن ركن الدين سليمان أخا غياث الدين كيخسرو قوي على ~~أخيه كيخسرو وأخذ منه قونية فهرب كيخسرو إلى الشام مستجيرا بالملك الظاهر ~~صاحب حلب ثم مات ركن الدين سليمان سنة ستمائة وملك بعده ولده قليج أرسلان ~~بن سليمان فرجع كيخسرو إلى بلاد الروم وأزال ملك ابن سليمان وملك بلاد ~~الروم جميعها واستقرت له السلطنة ببلاد الروم وبقي كذلك إلى أن قتل وملك ~~بعده ابنه عز الدين كيكاووس بن كيخسرو ثم توفي كيكاووس وملك بعده أخوه ~~السلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو وتوفي # PageV00P000 # كيقباد سنة أربع وثلاثين وستمائة وملك بعده ولده غياث الدين كيخسرو وكسره ~~التتر سنة إحدى وأربعين وستمائة وتضعضع حينئذ ملك السلاطين السلجوقية ببلاد ~~الروم ثم مات غياث الدين كيخسرو وانقضى بموته سلاطين بلاد الروم في الحقيقة ~~لأن من صار بعده لم يكن له من السلطنة غير مجرد الاسم وخلف كيخسرو المذكور ~~صبيين هما ركن الدين وعز الدين فملكا معا مدة مديدة ثم انفرد ركن الدين ~~بالسلطنة وهرب أخوه عز الدين إلى القسطنطينية وتغلب على ركن الدين معين ~~الدين البرواناه والبلاد في الحقيقة للتر ثم إن البرواناه قتل ركن الدين ~~وأقام ابنا لركن الدين يخطب له بالسلطنة والحكم للبرواناه وهو نائب للتر ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى # ذكر غير ذلك من الحوادث # وفي هذه السنة غزا شهاب الدين الغوري الهند فغنم وقتل ما لا يحصى وفيها ~~خرج السلطان طغريل من الحبس بعد قتل قزل أرسلان بن الدكز وكان قزل قد ~~اعتقله حسبما تقدم ذكره في سنة سبع وثمانين وخمسمائة. وفيها توفي راشد ~~الدين سليمان بن محمد وكنيته أبو الحشر صاحب دعوة الإسماعيلية بقلاع الشام ~~وأصله من البصرة. ### | ذكر وفاة الملك الناصر صلاح الدين # أبي ms250 المظفر يوسف بن أيوب # PageV00P000 # ثم دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة والسلطان بدمشق على أكمل ما يكون من ~~المسرة وخرج إلى شرقي دمشق متصيدا وغاب خمسة عشر يوما وصحبته أخوه الملك ~~العادل ثم عاد إلى دمشق وودعه أخوه الملك العادل وداعا لا لقاء بعده فمضى ~~إلى الكرك وأقام به حتى بلغه وفاة السلطان وأقام السلطان بدمشق وركب في يوم ~~الجمعة خامس عشر صفر وتلقى الحجاج وكان عادته أن لا يركب إلا وهو لابس ~~كزاغند فركب ذلك اليوم وقد اجتمع بسبب ملتقى الحجاج وركوبه عالم عظيم ولم ~~يلبس الكزاغند ثم ذكره وهو راكب فطلب الكزاغند فلم يجده قد حملوه معه ولما ~~التقى الحجاج استعبرت عيناه كيف فاته الحج ووصل إليه مع الحجاج ولد أخيه ~~سيف الإسلام صاحب اليمن ثم عاد السلطان بين البساتين إلى جهة المنيبع ودخل ~~إلى القلعة على الجسر وكانت هذه آخر ركباته فلحقه ليلة السبت سادس عشر صفر ~~كل عظيم وغشيته نصف الليل حمى صفراوية وأخذ المرض في التزايد وقصده الأطباء ~~في الرابع فاشتد مرضه وحدث به في التاسع رعشة وغاب ذهنه وامتنع من تناول ~~المشروب واشتد الإرجاف في البلد وغشي الناس من الحزن والبكاء عليه ما لا ~~يمكن حكايته وحقن في العاشر حقنتين فحصل له راحة وتناول من ماء الشعير ~~مقدارا صالحا ثم لحقه عرق عظيم حتى نفذ من الفراش واشتد المرض ليلة الثاني ~~عشر من مرضه وهي ليلة السابع والعشرين من صفر وحضر عنده الشيخ أبو جعفر ~~إمام الكلاسة ليبيت عنده في القلعة بحيث إذا احتضر في الليل ذكره بالشهادة ~~وتوفي السلطان في الليلة المذكورة أعني في الليلة المسفرة عن نهار الأربعاء ~~السابع والعشرين من صفر بعد صلاة الصبح وبادر القاضي الفاضل بعد صلاة الصبح ~~فحضر وفاته ووصل القاضي بهاء الدين بن شداد بعد وفاته وانتقاله إلى رحمة ~~الله تعالى وكرامته وغسله الفقيه الدولعي خطيب دمشق وأخرج بعد صلاة الظهر ~~من نهار الأربعاء المذكور في تابوت مسجي بثوب وجميع ما احتاجه من الثياب في ~~تكفينه أحضره القاضي ms251 الفاضل من جهة حل عرفها وصلى الناس عليه ودفن في قلعة ~~دمشق في الدار التي كان مريضا فيها وكان نزوله إلى جدثه وقت صلاة العصر من ~~النهار المذكور. # PageV00P000 # وكان الملك الفاضل ابنه قد حلف الناس له قبل وفاة والده عندما اشتد مرضه ~~وجلس للعزاء في القلعة وأرسل الملك الأفضل الكتب بوفاة والده إلى أخيه ~~العزيز عثمان بمصر وإلى أخيه الظاهر غازي بحلب وإلى عمه والملك العادل ~~بالكرك ثم إن الملك الأفضل عمل لوالده تربة قرب الجامع وكانت دار لرجل صالح ~~ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء سنة اثنين وتسعين وخمسمائة ومشى الملك ~~الأفضل بين يد تابوته وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد ~~وأدخل ووضع قدام المنبر وصلى عليه القاضي محيي الدين ابن القاضي زكي الدين ~~ثم دفن وجلس ابنه الملك الأفضل في الجامع للعزاء ثلاثة أيام وأنفقت ست ~~الشام بنت أيوب أخت السلطان في هذه النوبة مالا عظيما. # وكان مولد السلطان صلاح الدين بتكريت في شهور سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة ~~وكان عمره تقريبا من سبعة وخمسين سنة وكان مدة ملكه للديار المصرية نحو ~~أربع وعشرين سنة وملكه للشام تقريبا من تسع عشرة سنة وخلف سبعة عشر ولدا ~~ذكرا وبنتا واحدة، وكان أكبر أولاده الملك الأفضل نور الدين علي بن يوسف ~~ولد بمصر سنة خمس وستين وخمسمائة وكان العزيز عثمان أصغر منه بنحو سنتين ~~وكان الظاهر صاحب حلب أصغر منها وبقيت البنت حتى تزوجها ابن عمها الملك ~~الكامل صاحب مصر. # ولم يخلف السلطان صلاح الدين في خزانته غير سبعة وأربعين درهما وجرم واحد ~~صوري وكان من دخل الديار المصرية والشام وبلاد الشرق واليمن دليل قاطع على ~~فرط كرمه ولم يخلف دارا ولا عقارا. قال العماد الكاتب: حسبت ما أطلقه ~~السلطان في مدة مقامه بمرج عكا من حيل عراب وأكاديش فكان اثنى عشر ألف رأس ~~وذلك غير ما أطلقه من أثمان الخيل المصابة في القتال فلم يكن له فرس يركبه ~~إلا وهو موهوب أو موعود به. # PageV00P000 # ولم يؤخر صلاة ms252 عن وقتها ولا صلى إلا في جماعة وكان إذا عزم على أمر توكل ~~على الله ولا يفضل يوما على يوم وكان كثير سماع الحديث النبوي وقرأ مختصرا ~~في الفقه تصنيف سليم الرازي وكان حسن الخلق صبورا على ما يكرهه كثير ~~التغافل عن أصحابه يسمع من أحدهم ما يكرهولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه. ~~كان يوما جالسا فرمى بعض المماليك بعضا بالسر موزة فأخطأته ووصلت إلى ~~السلطان ووقفت بالقرب منه فالتفت إلى الجهة الأخرى ليتغافل عنها وكان طاهر ~~المجلس فلا يذكر أحدا بمجلسه إلا بخير وطاهر اللسان فما ولع يشتم قط. قال ~~العماد الكاتب: مات بموت السلطان الرجال. وفات بفواته الأفضال. وغاضت ~~الأيادي. وفاضت الأعادي. وانقطعت الأرزاق. وادلهمت الآفاق. وفجع الزمان ~~بواحده وسلطانه. ورزئ الإسلام بمشيد أركانه. ### | ذكر ما استقر عليه الحال بعد وفاة السلطان # ولما توفي السلطان الملك الناصر صلاح الدين استقر في الملك بدمشق وبلادها ~~المنسوبة إليها ولده الملك فيصل نور الدين علي وبالديار المصرية الملك ~~العزيز عثمان وبحلب الملك الظاهر غياث الدين غازي وبالكرك والشوبك والبلاد ~~الشرقية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب وبحماة وسلمية والمعرة ~~ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين ~~عمر وببعلبك الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن ~~أيوب وبحمص والرحبة وتدمر شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي وبيد الملك خضر ~~بن السلطان صلاح الدين بصرى وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل وبيد جماعة من ~~أمراء الدولة بلاد وحصون منهم سابق الدين عثمان ابن الداية بيد شيزر وأبو ~~قبيس وناصر الدين بن كورس بن خماردكين بيده صهيون وحصن برزية وبدر الدين ~~دلدرم بن بهاء الدين ياورق بيده تل باشر وعز الدين سامة بيده كوكب وعجلون ~~وعز الدين إبراهيم بن شمس الدين المقدم بيد بغراس وكفرطاب وفامية. # PageV00P000 # والملك الأفضل هو الأكبر من أولاد السلطان والمعهود إليه السلطنة أو ~~استوزر الملك الأفضل ضياء الدين نصر الله بن محمد بن الأثير مصنف المثل ~~السائر ms253 وهو أخو عز الدين بن الأثير مؤلف التاريخ المسمى بالكامل فحسن الملك ~~الأفضل طرد أمراء أبيه ففارقوه إلى أخويه العزيز والظاهر قال اجتمعت أكابر ~~الأمراء بمصر وحسنوا للملك العزيز الانفراد بالسلطنة ووقعوا في أخيه الأفضل ~~فمال إلى ذلك وحصلت الوحشة بين الأخوين الأفضل والعزيز. # تم بحمد الله وعونه والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه أجمعين. PageV00P000 ms254