######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010658 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن دحية #META# 010.AuthorNAME :: أبو الخطاب عمر بن حسن الأندلسي الشهير بابن دحية الكلبي (المتوفى : 633هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 633 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المطرب من أشعار أهل المغرب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأدب :: من عيون الشعر العربي وكتبه #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: المطرب من أشعار أهل المغرب #META# 030.LibURI :: JK_010658 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # الحمد لله الذي شرفنا باللسان العربي، وجعلنا من أمة سيد ولد آدم محمد ~~النبي الأمي، الداعي إلى طريق الواضح الجلي. صلى الله عليه وعلى آله ~~المتسنمين من الفضل صهوة المنصب العلي، ما ولي الأرض بعد وسم الوسمى سلطان ~~الولي، ونم بأسرار الرياض نسيم شذاها الذكي. # أما بعد. فإن مولانا سلطان العرب والعجم. عز الملوك العصرية؛ ومالك ~~فضيلتي السيف والقلم. وملك اليمن والشام والديار المصرية؛ أبا المعالي أبا ~~المظفر محمدا الكامل، الكامل الأوصاف، لا برحت ببقائه الممالك مهتزة ~~الأعطاف. معتزة الأطراف؛ تقدم إلى أمره المطاع، الواجب له على من الجهد ~~غاية ما يستطاع؛ أن أجمع له ما أجتمع عندي من الأناشيد، التي رويتها عن ~~شعراء الأندلس وسائر المغرب بأقرب الأسانيد. فجمعت منها لخدمة مقامة العالي ~~ما يؤكل بالضمير ويشرب، ويهتز عند سماعه ويطرب؛ في الغزل والنسيب، والوصف ~~والتشبيب؛ إلي غير ذلك من مستطرفات التشبيهات المستعذبة، ومبتكرات بدائع ~~بدائه الخواطر المستغربة. ولمح سير ملوك المغرب وملح أخبار أدبائه، ورقيق ~~معان كتابه وجزل ألفاظ خطبائه. وبالجملة فقد نثلت في هذا المجموع كنانة ~~محفوظاتي في المعارف الأديبة، ولم أخله من أخير ذخائر ما التقطته من أفواه ~~مشايخي من مشكل علمي الغريب والعربية. إلا أني لم اقصد جمع ذلك على ~~الترتيب. ولا سلكت فيه مسلكي المعهود في التبويب والتهذيب. بل استرسلت فيه ~~مع الخاطر على ما يجود به ويسمح، ويعن له ويسنح. فالناظر فيه يسرح في ~~بساتين، ويمرح في ميادين؛ ويخرج من فن إلى فنون، والحديث ذو شجون. # أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي # أنشدني غير واحد من شيوخي، رحمهم الله، منهم الشيخ الفقيه الأجل قاضي ~~الجامعة الأجزل. أبو الحسن علي بن عبد الرحمن، لفضا بمنزله بمدينة تلمسان، ~~قال: أنشدنا الفقيه الإمام العالم أبو عمران موسى بن عبد الرحمن " بن خلف ~~بن موسى " ابن أبي تليد الشاطبي، قال: أنشدنا الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد ~~البر قال: أنشدنا مقدم شعراء الأندلس: أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي ~~لنفسه، وتوفي ms001 سنة ثلاث وأربعمائة: # وليلة راقبت فيها الهوى ... على رقيب غير وسنان # والراح ما تنزل عن راحتي ... وقتا وعن راحة ندماني # ورب يوم قيظه منضج ... كأنه أحشاء ظمآن # أبرز في خديه لي رشحه ... طلا على ورد وسوسان # فكان في تحليل أزراره ... أقود لي من ألف شيطان # فتحت الجنة من جيبه ... فبت في دعوة رضوان # مروءة في الحب تنهى بأن ... نجاهر الله بعصيان # قال ذو النسبين، رضي الله عنه: لقد أحسن هذا الشاعر ما شاء من الإحسان، ~~لا سيما في قوله " تنهى بأن نجاهر الله بعصيان " . # أبو عمر الجياني # أحمد بن محمد بن فرج الجياني # ومن مليح هذا الباب، أعني الاتصاف بالعفاف، قول الأديب اللغوي النحوي، ~~أبي عمر أحمد بن محمد بن فرج الجياني، صاحب كتاب الحدائق، ألفه للحكم ~~المستنصر بالله، وعارض به كتاب الزهرة لأبي بكر محمد بن داود بن علي ~~الأصبهاني، إلا إن أبا بكر إنما ذكر مائة باب في كل باب مائة بيت، وأبو عمر ~~أورد مائتي باب في كل باب مائتا بيت، ليس منها باب تكرر أسمه لأبي بكر، ولم ~~يورد فيه لغير أندلسي شيئا. # قال الحميدي في جذوة المقتبس له: قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: " و أحسن ~~الاختيار ما شاء وأجاد فبلغ الغاية، فآتى الكتاب فردا في معناه " . # فمن قوله: # بأيهما أنا في الشكر بادي ... بشكر الطيف أم شكر الرقاد # سرى فأراده أملي ولكن ... عففت فلم أنل منه مرادي # وما في النوم من حرج ولكن ... جريت من العفاف على اعتيادي # لكن أخذه من قول المتنبي: # يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصى الهوى في طيفها وهو راقد # وأنشدوني أيضا لأبي عمر الرمادي المذكور: # أ حمامة فوق الأراكة بيني ... بحياة من أبكاك ما أبكاك PageV01P001 أما ~~أنا فبكيت من حرق الهوى ... وفراق من أهوى أ أنت كذاك # أمة العزيز # وأنشدني أخت جدي الشريفة الفاضلة، أمة العزيز، ابنة الشريف الأجل العالم ~~أبي محمد العزيز ن الحسن بن الإمام العالم أبي البسام موسى بن عبد الله ابن ~~الحسين بن ms002 جعفر الزكي بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضي بن موسى ~~الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين ~~الشهيد، سيد شباب أهل الجنة، ابن أم أبيها فاطمة الزهراء البتول، سيدة نساء ~~أهل الجنة، صلى الله على أبيها وعليها، ورضي الله عن بعلها وبنيها: # لحاظكم تجرحنا في الحشى ... ولحظنا يجرحكم في الخدود # جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود # المعتمد بن عباد # وأنشدونا للمعتمد على الله أبي القاسم محمد ملك إشبيلية، وابن ملكها ~~عباد: # لك الله كم أودعت قلبي أسهما ... وكم لك ما بين الجوانح من كلم # لحاظك طول الدهر حرب لمهجتي ... ألا رحمة تئنيك يوما إلى سلمى # ولادة # وحدثني القاضي العدل أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري، ~~بقراءتي عليه بقرطبة أم بلاد الأندلس؛ في العشر الآخر من صفر سنة أربع ~~وسبعين وخمسمائة، قال في كتاب الصلة له: ولادة بنت المستكفي بالله؛ أمير ~~المؤمنين، محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بت الناصر عبد الرحمن بن محمد ~~المرواني، من بني أمية بأندلسي؛ أديبة شاعرة؛ جزلة القول، حسنة الشعر؛ ~~وكانت تخالط الشعراء وتساجل الأدباء، وتفوق البرعاء. سمعت شيخنا أبا عبد ~~الله جعفر بن محمد بن مكي رحمة الله، يصف نباهتها وفصاحتها وحرارة نادرتها ~~وجزالة منطقها وقال لي: لم يكن لها تصاون يطابق شرفها. وذكر لي أنها أتته ~~معزية له في أبية إذ توفي رحمه الله سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وتوفيت ~~رحمها الله يوم مقتل الفتح بن محمد بن عباد يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ~~صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ولم تتزوج قط، وعمرت عمرا طويلا إلى أيام ~~المعتمد قال ذو النسبين رضي الله عنه: كانت الحسيبة ولادة في زمانها واحدة ~~أوانها، حسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة؛ منتدى ~~احرار المصر، وفناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء ~~غرتها، ويتهالك أفزاد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، ~~وكثرة منتابها؛ تخلط ذلك ms003 بعلو نصاب، وسمو أحساب؛ على أنها - سمح الله لي ~~ولها، وتغمد زللي وزللها - اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل؛ ~~بقلة مبالاتها، ومجاهرتها للذاتها. كتبت - زعموا - على عاتقي ثوبها: # أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشى مشيتي وأتيه تيها # وأمكن عاشقي من صحن خدي ... وأعطى قبلتي من يشتهيها # وكتبت إلى ذي الوزارتين أبي الوليد أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن زيدون ~~المخزومي القرطبي: # ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل أكتم للسر # وبي منك ما لو كان بالبدر ما بدا ... وبالليل ما أدجى وبالنجم لم يسر # إلى أن يقول ابن زيدون: وتبنا بليلة نجتني أقحوان الثغور، ونقطف رمان ~~الصدور، فلما انفصلت عنها صباحا، أنشدتها ارتياحا: # ودع الصبر محب ودعك ... ذائعا من سره ما استودعك # يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطا إذ شيعك # يا أخا البدر سناء وسنى ... حفظ الله زمانا أطلعك # إن يطل بعدك ليلى فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك # وله يتعزل فيها: # يا نازحا وضمير القلب مثواه ... أنستك دنياك عبدا أنت مولاه # ألهتك عنه فكاهات تلذ بها ... فليس يجري ببال منك ذكراه # عل الليالي تبقيني إلى أمد ... الدهر يعلم والأيام معناه # وله فيها: # يا قمرا مطلعه المغرب ... قد ضاق بي في حبك المذهب PageV01P002 فأن من ~~أعجب ما مر بي ... أن عذابي فيك مستعذب # ألزمتني الذنب الذي جئته ... صدقت فأصفح أيها المذنب # وقال: # ما بال خدك لا يزال مضرجا ... بدم ولحظك لا يزال مريبا # وقال فيها: # حليتني بحلى أصبحت زاهية ... بها على كل أنثى من حلى عطل # لله أخلاقك الغر التي سقيت ... من الفرات فرقت رقة الغزل # أشبهت في الشعر من غارت بدائعه ... وأنجدت وغدت من أحسن المثل # من كان والده العضب المهند لم ... يلد من النسل غير البيض والأسل # حفصة بنت الحاج # من بشرات غرناطة، رخيمة الشعر، رقيقة النظم والنثر. أنشدني لها غير واحد ~~من أهل غرناطة: # ثنائي على الثنايا لأنني ... أقول على علم وأنطق عن خبر # وأنصفها لا أكذب الله أنني ... رشفت بها ms004 ريقا ألذ من الخمر # ابنة زياد المؤدب # من أهل مدينة وادي آش، أنشدني الأديب أبو عبد الله محمد بن عيل الهمذاني ~~قال، أنشدتني لنفسها: # أباح الدمع أسراري بوادي ... به للحسن آثار بوادي # ومن بين الظباء مهاة رمل ... تبدت لي وقد ملكت قيادي # إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت الصبح أشرق في الدآدي # تخال البدر مات له خليل ... فمن حزن تسربل بالحداد # لها لحظ ترقده لأمر ... وذاك الأمر يمنعني رقادي # الدآدي: ثلاث ليال من آخر الشهر، هكذا قال الإثبات من الغويين. وقال أحمد ~~بن يحيى ثعلب: يقال لليوم الذي يشك فيه من الشهر الحرام: دأداء. # الحكم المستنصر # وأنشدونا الخليفة الأندلسي، الحكم المستنصر بالله صاحب الفتوحات العظيمة، ~~والمعرفة بالعلوم الحديثة والقديمة، كتب به إلى مصر: # ألسنا بني مروان كيف تبدلت ... بنا الدار أو دارت علينا الدوائر # إذا ولد المولود منا تهللت ... له الأرض وأهتزت إليه المنابر # وتوفي يوم السبت لثلاث خلون من صفر سنة ست وستين وثلاثمائة، وقد انقرض ~~عقبه. # المعتضد بن عباد # وأنشدونا للسلطان المعتضد بالله أبي عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل بن ~~قريش ابن عباد اللخمي. والمعتضد هذا هو قطب رحى الفتنة، ومنتهى غاية ~~المحنة؛ لم يثبت له قائم ولا حصيد ولا سلم من سيفه قريب ولا بعيد: # شربنا وجفن الليل يغسل كحله ... بماء صباح والنسيم رقيق # معتقة صفراء أما نجارها ... فضخم وأما جسمها فدقيق # وقال يخاطب الملك أبا الجيش مجاهد بن عبد الله، صاحب الجزائر ومدينة ~~دانية. ويقال إنها من أبيات لكاتبه ذي المعارف والفنون، أبي الوليد ابن ~~زيدون: # خلي أبا الجيش هل يقضي اللقاء لنا ... فيشتفى منك طرف أنت ناظره # شط المزار بنا والدار دانية ... يا حبذا الفأل لو صحت زواجره # قال ذو النسبين، رضي الله عنه: قوله " و الدار دانية " من مليح التورية، ~~وهي ضرب من صنعة البديع، ودانية: مدينة: مدينة كبيرة بشرق الأندلس، وهي ~~مشتقة من: دنا يدنو: إذا قرب. # وأنشدني شيخ الإتقان، وواحد أسانيد الفرقان، أبو العباس أحمد ابن عبد ~~الرحمن اليافعي - ويافع بلياء المثناة ms005 باثنتين من أسفل، قبيلة من رعين - ~~قال: أنشدني الأستاذ المقري: أبو داود سليمان بن يحيى، قال: أنشدنا الأستاذ ~~الأعلى أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري الحصري القيرواني المكفوف قال: ~~دخلت على السلطان المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن المعتضد بالله، حين ~~مات أبوه، فأنشدته ارتجالا: # مات عباد ولكن ... بقي الفرع الكريم # فكأن الميت حي ... غير أن الضاد ميم PageV01P003 ونسبه: محمد بن عباد بن ~~محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو ابن أسلم بن عمرو بن عطاف بن ~~نعيم. وعطاف ونعيم هما الداخلان بالأندلس: # من بني المنذرين وهو انتساب ... زاد في فخره بنو عباد # فئة لم تلد سواها المعالي ... والمعالي قليلة الأولاد # وهذا النسب يطرد اطراد الشآبيب، ويتسق اتساق الأنابيب، إلى مركز الدائرة ~~من لخم، وإلى قنص بن معد من ابنه عجم. ولد رحمه الله بمدينة باجة، سنة إحدى ~~وثلاثين وأربعمائة. وولي سنة إحدى وستين، وخلع سنة أربع وثمانين، وتوفي ~~رحمه الله في شوال لإحدى عشرة ليلة خلت منه سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. ~~وخلع عن ثمانمائة امرأة، أمهات أولاد، جواري متعة، وإماء تصرف. وملك من ~~البلاد بين مدن وحصون مائتي مسور، وإحدى وثلاثين مسورا. وقد ذكرها الوزير ~~أبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي، الداني - يعرف بابن اللبانة - في ~~كتاب نظم السلوك. # وأنشدونا للمعتمد، وقد ناوله بعض نسائه كأس بلور مترعا شرابا، ولمع البرق ~~فارتاعت، فقال بديهة: # ريعت من البرق وفي كفها ... برق من القهوة لماع # يا ليت شعري وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع # وأمر الأديب المصيب أبا محمد عبد لجليل بن وهبون بإجازة البيت الأول، ~~فقال: # ولن ترى أعجب من أنس ... من مثل ما يمسك يرتاع # وهذا من نوادر الخواطر، وليس ينكر على هذا الشاعر. فمن جودة شعره ترتيب ~~اللفظ فيه مع جودة معانيه، أولها المطابقة بلفظتي الأنس والارتياع، وتشبيه ~~لمعان البرق يلمعان الخمر. # وقال المعتمد في السلطان عباد أبيه، من قصيدة كبير يمدحه فيه: # سميدع يهب الآلاف، مبتدئا ... ويستقل عطاياه ويعتذر # له ms006 يد كل جبار يقبلها ... لولا نداها لقلنا إنها الحجر # يريد الحجر الأسود الذي يجب تقبيله على جميع الطائفين بالمسجد الحرام، ~~على ما ثبت عن رسول الله عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام. والسميدع، بفتح ~~السين في لغة العرب: السيد. # وفضل يده على الحجر بما خصت به من الندى، وكثرة الجدي، ففضل يد الممدوح ~~على الحجر الأسود وهذا من باب غلو الشعراء وإيغالهم، فيما ينمقون من زخارف ~~أقوالهم؛ فشتان بين يديه وبين الحجر الأسود في الممات والمحيا، لأنه يشهد ~~يوم القيامة لمن استلمه في الدنيا، وينال بذلك عند الله جل جلاله المنزلة ~~العليا. # وقال أيضا في أبيه يسترضيه: # مولاي أشكو إليك داء ... أصبح قلبي به قريحا # سخطك قد زادني سقاما ... فأبعث إلى الرضا مسيحا # فقوله " مسيحا " من القوافي التي يتحدى بها، لصعوبتها على من راماه ~~وأدخلها هو في بابها، إذ كان المسيح بن مريم يشفي من العلل وأصابها. # وأدخل عليه يوما بعض فتيانه باكورة نرجس، فكتب إلى ابن عمار يستدعيه: # قد زارنا النرجس الذكي ... وحان من يومنا العشى # ونحن في مجلس أنيق ... وقد ظمئنا وثم ري # ولي نديم غدا سمي ... يا ليته ساعد السمى # فأجابه ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار: # لبيك لبيك من مناد ... له الندى الرحب والندي # ها أنا بالباب عبد قن ... قبلته وجهك السني # شرفه والداه باسم ... شرفته أنت والنبي # وكتب أيضا إلى أبي بكر بن عمار: # لما نأيت نأى الكرى عن ناظري ... ورددته لما انصرفت عليه # طلب البشير بشارة يجزي بها ... فرهبت قلبي واعتذرت إليه # أنا استحسن قول أبي فراس لسيف الدولة: # نفسي فداؤك قد بعث ... ت بعهدتي بيد الرسول # وجعلت ما ملكت يدي ... صلة المبشر بالمقبول # وقال ابن عباد: # تظن بنا أم الربيع سآمة ... ألا غفر الرحمن ذنبا تواقعه # أ أهجر ظبيا في فؤادي كناسه ... وبدر تمام في جفوني مطالعه PageV01P004 ~~إذا هجرت كفى نوالا تفيضه ... على معنفيها أو عدوا تقارعه # وقال: # أكثرت هجري غير أنك ربما ... عطفتك أحيانا على أمور # فكأنما زمن التهاجر بيننا ... ليل وساعات ms007 الوصال بدور # وقال: # حكمه في مهجتي حسنه ... فظل لا يعدل في حكمه # أفديه ما ينفعك لي ظالما ... يا رب لا يجزي على ظلمه # وله في جارية تسمى بوداد، وقد سافر عنها إلى تفقد بعض البلاد: # اشرب الكأس في وداد ودادك ... وتأنس بذكرها في انفرادك # قمر غاب عن جفونك مرآ ... ه وسكناه في سواد فؤادك # وقال من أبيات في فتاة يوم وداعها، عند تفطر كبده وانصداعها: # ولما التقينا للوداع غدية ... وقد خفقت في ساحة القصب رايات # بكينا دما حتى كأن عيوننا ... لجرى الدموع الحمر منها جراحات # من هذا الباب قول الآخر: # بكيت دما حتى لقد قال قائل ... أهذا الفتى من جفن عينيه يرعف # ومن شعره الحسن وغرضه المستحسن: # ورب ساق مهفهف غنج ... قام ليسقى فجاء بالعجب # أبدى لنا من لطيف حكمته ... في جامد الماء ذائب الذهب # قال ذو النسبين، رضي الله عنه: أكثر الشعراء من وصفها بذوب الجامد، ووصف ~~كأسها بجامد الذائب، فمن ذلك: # لاح وفاحت روائح الند ... مهتصر الخصر أهيف القد # وكم سقاني والليل معتكر ... في جامد الماء ذائب الورد # وقال الصنوبري: # أقول والكأس على فيه قد ... صوبها كالكوب الصائب # وجسمها من ذهب جامد ... وروحها من ذهب ذائب # ذا كوكب يغرب في كوكب ... ويلي من الطالع لا الغارب # ومما يقارب هذا الباب ما يروى من قول كسرى: ليست أدري، هل التفاح خمر ~~جامد أم الخمر تفاح ذائب؟ أخذه الخليع، فقال: # الراح تفاح جرى ذائبا ... كذلك التفاح راح جمد # فأشرب على جامده ذوبه ... ولا تدع لذة يوم لغد # وكل هذا من قول الشريف عبد الله بن المعتز العباسي: # وخمارة من بنات المجو ... س ترى الدن في بيتها شائلا # وزنا لها ذهبا جامدا ... فكالت لنا ذهبا سائلا # وقال الأستاذ أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري: # أقول له وقد حيا بكأس ... لها من مسك رياه ختام # أمن خديك تعصر قال كلا ... متى عصرت من الورد المدام # حدثني بهذا الشيخ الإتقان، وواحد أئمة الفرقان، الفقيه الأستاذ أبو ~~العباس أحمد بن عبد الرحمن، سبط ms008 الأستاذ المعزول، قال: حدثني الفقيه ~~الأستاذ أبو داود سليمان بن يحيى، قال: سمعت الفقيه الأستاذ أبا الحسن ~~الحصري يقول. # قال ذو النسين رضى الله عنه: وسمعت الوزير الفقيه المحدث الكاتب العدل ~~أبا عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، قال: سمعت الوزير الكاتب أبا ~~نصر الفتح بن عبيد الله القيسي - هو ابن خاقان - يقول: أخبرني أبو بكر عيسى ~~الداني، المعروف بابن اللبانة، أنه استدعاه المعتمد ليلة إلى مجلس قد كساه ~~الروض وشيه، وامتثل الدهر فيه أمره ونهيه؛ فسقاه الساقي وحياه، وسفر له ~~الأنس عن مونق محياه؛ فقام للمعتمد مادحا، وعلى دوحة تلك النعماء صادحا؛ ~~فاستجاد قوله، وأفاض عليه طوله؛ وصدر وقد امتلأت يداه، وغمره جوده ونداه. ~~فلما حل بمنزلة رسوله بقطيع وكأس من بلار، قد أترعا بصرف العقار، ومعهما: # جاءتك ليلا في شيات نهار ... من نورها وغلالة البلار # كالمشتري قد لف من مريخه ... إذ لفه في الماء جذوة نار # لطف الجمود لذا وذا فتألفا ... لم يلق ضد ضده بنفار # يتحير الراءون في نعتيهما ... أصفاء ماء أو صفاء دراري # السلطان المتوكل على الله PageV01P005 أبو محمد عمر، ابن السلطان عالم ~~ملوك الأندلس المظفر أبي بكر محمد بن عبد الله بن مسملة. وكان أعلمهم ~~بالنسب وأيام العرب، وأجمعهم لغرائب اللغات والأخبار ومحاسن الأشعار. وألف ~~تأليفا بديعا في خمسين مجلدا، ينسب إليه، وقد طالعته. وتوفي رحمه الله ~~بحضرة ملكة مدينة بطليوس في منتصف شهر رمضان المعظم سنة ستين وأربعمائة، ~~وهو ابن سبعين عاما. # حدثني الوزير الكبير الحكيم الفقيه الأديب النحرير، أبو بكر بن زهر قال: ~~حدثنا عظيم دولتهم ووزير مملكتهم العالم الأوحد أبو محمد عبد المجيد بن عبد ~~اله بن عبدون القرشي الفهري قال: سمعت السلطان المظفر رحمه الله يقول. فذكر ~~تواليفه كلها دقها وجلها. # وأما ولده السلطان المتوكل على الله، فله نثر تسري فيه رقة النسيم، ونظم ~~يزري بالدر النظيم، مع جود وكرم وخيم؛ كما قال فيه ابن حنظلة البطليوسي: # زعم الناس أن حاتم طي ... أول في الندى وأنت الثاني # كذب الناس ms009 ليس ذاك صحيحا ... هو مرعى وليس كالسعدان # وأما عدله فشاع في بلاده وذاع، وملأ الأصقاع والبقاع. فمن قوله يستدعي ~~الوزير أبا طالب بن غانم، أحد ندمائه ونجوم سمائه: # أقبل أبا طالب إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا # فنحن عقد بغير وسطى ... ما لم تكن حاضرا لدينا # وحدثني الوزير الكاتب المحدث الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم ابن ~~عميرة، قال: سمعت الوزير الكاتب أبا نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن ~~خاقان يقول: أخبرني الوزير أبو محمد بن عبدون أنه سايره إلى شنترين قاصية ~~أرض الإسلام، السامية الذرى والأعلام؛ التي لا يروعها صرف، ولا يفرعها طرف؛ ~~لأنها متوعرة المراقي، معثرة للراقي؛ متمكنة الرواسي والقواعد، على ضفة نهر ~~استدار بها استدارة القلب بالساعد؛ قد أطلت على خمائلها إطلال العروس من ~~منصتها، واقتطعت في الجو أكثر من حصتها، فمروا ببلش قطر سالت به جداوله، ~~واختالت فيه خمائله؛ فما يجول الطرف منه إلا في حديقة، أو بقعة أنيقة. ~~فتلقاهم ابن مقانا قاضي حضرته وأنزلهم عنده، وأورى لهم بالمبرة زنده؛ وقدم ~~طعاما، واعتقد قبوله منا وإنعاما. وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس ~~رقيبا لا يبرح، وعين المتوكل حياء منه لا تجول ولا تمرح. فخرج أبو محمد وقد ~~أبرمه القاضي بتثقيله، وحرمه راحة رواحه ومقيله؛ فلقى ابن جيرون منتظرا له، ~~وقد أعد لحلوله منزله؛ فصار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نواره، وخجلت خدود ~~ورده من زواره؛ وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المحاسن أزرارها. ~~ولما حضر له وقت الأنس وحينه، وأرجت له رياحينه؛ وجه من يرقب المتوكل حتى ~~يقوم جليسه، ويزول موحشه لا أنيسه؛ فأقام رسوله وهو بمكانه لا يريمه، قد ~~لازمه كأنه غريمه؛ فما انفصل، حتى ظن أن عارض الليل قد نصل. فلما علم أبو ~~محمد بانفصاله بعث للمتوكل قطيع خمر وطبق ورد وكتب معهما: # إليكها فاجتلها منيرة ... وقد خبا حتى الشهاب الثاقب # واقفة بالباب لم يؤذن لها ... إلا وقد كاد ينام الحاجب # فبعضها من المخاف جامد ... وبعضها من الحياء ذائب # فقلبها، وكتب ms010 إليه: # قد وصلت تلك التي زففتها ... بكرا وقد شابت لها ذوائب # فهب حتى نسترد ذاهبا ... من أنسنا إن استرد ذاهب # فركب غليه، ونقل ما كان معه في المجالس، وباتا ليلتهما لا يرميان السهر، ~~ولا يشيمان برقا إلا الكأس والزهر. PageV01P006 قال ذو النسبين رضي الله ~~عنه: وقد أخذ الآن هذه البلاد ابن الريق اللعين، وحان لها يوم شر كما كان ~~أحد يظن أنه يحين، فتملكت شنترين والأشبونة لما خاف أهلهما من القتل ورأوا ~~أن السر دونه؛ لكثرة من جاءهم في البر والبحر، وقعود المسلمين عن الحماية ~~لهم والنصر؛ حتى ملك الكفار معاقلهم الممتنعة، وحصونهم المرتفعة. وأبو نصر ~~الفتح المتقدم الذكر، لاقيت جماعة من أصحابه، وحدثوني عنه بتصانيفه ~~وعجائبه. وكان رحمان الله وإياه، مخلوع العذار في دنياه؛ ولكن كلامه في ~~تواليفه كالسحر الحلال، والماء الزلال. قتل بحا في مسكنه بفندق لبيب من ~~حضرة مراكش، صدر سنة تسع وعشرين وخمسمائة. أخبرني بذلك الوزير الكاتب ~~العالم أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، وأن الذي أشار بقلته ~~أمير المسلمين وناصر الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين. وكان صاحب ~~بطليوس أبو بكر بن عبد الله بن مسلمة؛ ذو الملك الأكبر، المنعوت بالسلطان ~~المظفر؛ وبنوه ملوك الأعيان، وأعين ملوك الزمان. ولكبر قدرهم في الملوك، ~~وكونهم فيهم كالواسطة في السلوك؛ نزلت عليهم ملوك بلاد الأندلس من ~~المسلمين، وهو عام الزلاقة سنة تسع وسبعين. فقام ولده وولى عهده المتوكل ~~على الله أبو محمد بن الملك المظفر، المخدوم بسعدة في إقامتهم بجميع ما ~~يحتاجونه، ووجدوا عنده فوق ما يرجونه؛ وفي جملتهم أبو يعقوب يوسف بن ~~تاشفين، المتسمى بأمير المسلمين، مع جماعة لا تحصى من الملثمين؛ لأنه وصل ~~من مراكش مستدعي لقتال العدو المتحرك إلى البلاد، برغبة الملك المعتمد على ~~الله أبي القاسم محمد بن عباد؛ لأنه جاز البحر إليه، فأنعم بالإجابة عليه، ~~لما أراد الله من إخراجهم من لملك على يديه. ثم لما كانت المقاتلة قتل فيها ~~من شجعان النصارى ثلاثون ألف فارس ومن الرجالة ms011 ما لا يحصى، وبعيد أن ~~يستقصي؛ وفر أذفونش ليلا وهو يدعو حربا وويلا. وفي ذلك يقول أبو محمد عبد ~~الجليل بن وهبون: # نضا أدرعه واجتاب ليلا ... يود لو أنه في الطول عام # ستسألك النساء ولا رجال ... فحدث " ما وراءك يا عصام " # فلما قضيت غزاتهم، وعادت صقورهم وبزاتهم؛ طمع الملثمون في بلاد بني ~~المظفر، فحولوهم من العيش الأخضر، إلى الموت الأحمر؛ وحاصروهم وصابروهم. ~~ودخلوا المدينة بالسيف، وحكموا فيهم أيدي الحيف، ودخلوها عليهم قهرا وقسرا، ~~وقتلوا الملكين الجليلين ولدى المتوكل صبرا، وقدموهما قبله لرغبته لهم في ~~تقديمها بين يديه لينال أجرهما ويكونا في ميزانه. فقدما عليه، وجعلوهما منه ~~بمرأى العين، وقام بعدهما كي يصلي ركعتين فطعنوه بالرماح؛ وقد اختلط كلامه ~~في صلاته، حتى أتوا على نفسه ووفاته؛ وكذلك غلبوا على ملوك الأندلس ~~الباقين، ودخلوا إشبيلية قهرا ذات الأنهار والبساتين؛ وأخرجوا المعتمد على ~~الله من قصره، لى كلبه وأسره، وفي ذلك يقول في أبيات: # كلبي أما تعرفني مسلما ... أبيت أن تشفق أو ترحما # وحملوه إلى أقصى العدوة إلى المدينة أغمات، فبقي فقيرا عديما أسيرا إلى ~~أن مات. ثم سلط الله على الملثمين جماعة الموحدين، فأزالوا الملك من ~~أيديهم، وتحكموا في أنفسهم وساحاتهم وناديهم، فصلبوا أمير المسلمين أبا ~~محمد تاشفين بحصن العباد خارج مدينة وهران، وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر ~~رمضان. ثم دخلوا مدينة مراكش سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بالحسام المسلول، ~~وتركوا القصور خاوية خالية كالطول؛ وحكموا في أعناق سلاطين الملثمين طباة ~~السيوف وأسنة الرماح، وضربوا عنق ولي عهد أمير المسلمين إسحاق بن علي بن ~~يوسف ابن تاشفين بحد الصفاح؛ وجرت أنهار الدم في سكك المدينة، وأزال الله ~~جلت قدرته عنهم ملاءة السكينة. ولما غلبهم الموحدون ودخلوها، واستولوا على ~~جميع الديار وتركوها؛ بيعت الحرة الجميلة بدجاجة، حتى تعلم أن ليس لهم بها ~~من حاجة؛ وذلك بالمغرب يوم مشهود، علمه الغائبون والشهود. # وقد رثى ملوك بني المظفر الوزير العالم المستبحر في جميع الفنون، أبو ~~محمد عبد المجيد بن عبد الله بن عبدون بقصيدته الفريدة ms012 المتضمنة للتواريخ ~~والأنساب، والحكم والآداب، وهي مما يعتبر بها أولو الألباب: # الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور ~~PageV01P007 أنهاك أنهك لا آلوك موعظة ... عن نومة بين ناب الليث والظفر # فالدهر حرب وإن أبدي مسالمة ... والبيض والسود مثل البيض والسمر # ولا هوادة بين الرأس تأخذه ... أيدي الضراب وبين الصارم الذكر # فلا يغرنك من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السهر # ما لليالي أقال الله عثرتنا ... من الليالي وخانتها يد الغير # في كل حين لها في كل جارحة ... منا جراح وإن زاغت عن النظر # تسر بالشيء لكن كي تغر به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر # كم دوله وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها وسل دنياك عن خبر # هوت بدارا وفلت غرب قاتله ... وكان عضبا على الأملاك ذا أثر # واسترجعت من بني ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر # وأتبعت أختها طسما وعاد على ... عاد وجرهم منها ناقض المرر # وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر # ومزقت سبأ في كل قاصية ... فما التقى رائح منهم بمبتكر # وأنفذت في كليب حكمها ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر # ودوخت آل ذبيان وإخوتهم ... عبسا؛ وعضت بني بدر على النهر # ولم ترد على الضليل صحته ... ولا ثنت أسدا عن ربها حجر # وألحقت بعدي في العراق على ... يد ابنه الأحمر العينين والشعر # وأهلكت أبرويزا بابنه ورمت ... بيزدجرد إلى مرو فلم يحر # وبلغت يزدجرد الصين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر # ولم تكف مواضي رستم وقنا ... ذي حاجب عنه سعدا في ابنة الغير # يوم القليب بنو بدر فنوا وسعى ... قليب بدر بمن فيه إلى سقر # ومزقت جعفرا بالبيض واختلست ... من غيله حمزة الظلام للجزر # وأشرفت بخبيب فوق فارعة ... وألصقت طلحة الفياض بالعفر # وخضبت شيب عثمان دما وخطت ... إلى الزبير ولم تستحي من عمر # ولا رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزوده إلا الضيح في الغمر # وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن ... وأمكنت من حسين راحتي شمر # وليتها إذ فدت ms013 عمرا بخارجة ... فدت عليا بمن شاءت من البشر # وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسن ... أتت بمذهلة الألباب والفكر # فبعضها قائل: ما اغتاله أحد ... وبعضها ساكت لم يؤت من حصر # وأردت ابن زياد بالحسين فلم ... يبؤ بشسع له قد طاح أو ظفر # وعممت بالظبا فودى أبي أنس ... ولم ترد الردى عنه قنا زفر # وأنزلت مصعبا من رأس شاهقة ... كانت به مهجة المختار في وزر # ولم تراقب مكان ابن الزيبر ولا ... رعت عياذته بالركن والحجر # وأعملت في لطيم الجن حيلتها ... واستوثقت لأبي الذبان ذي البخر # ولم تدع لأبي الذبان قائمة ... ليس اللطيم لها عمرو بمنتصر # وأحرقت شلو زيد بعد ما احترقت ... عليه وجدا قلوب الآي والسور # وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكأس والوتر ~~PageV01P008 حبابة حب رمان أتيح لها ... وأحمر قطرته نفحة القطر # ولم تعد قضب السفاح نابية ... عن رأس مروان أو أشياعه الفجر # وأسبلت دمعة الروح الأمين على ... دم بفخ لآل المصطفى هدر # وأشرقت جعفرا والفضل ينظره ... والشيخ يحيى بكأس الصاب والصبر # وأخفرت في الأمين العهد وانتدبت ... لجعفر بابنه والأعبد الغدر # ولا وفت بعهود المستعين ولا ... بما تأكد للمعتز من مرر # وأوثقت في عراها كل معتمد ... وأشرقت بقذاها كل مقتدر # وروعت كل مأمون ومؤتمن ... وأسلمت كل منصور ومنتصر # وأعثرت آل عباس لعالهمبذيل رياء من بيض ومن سمر # بني المظفر والأيام ما برحت ... مراحلا والورى منها على سفر # سحقا ليومكم يوما ولا حملت ... بمثله ليلة في غابر العمر # من للأسرة أو من للأعنة أو ... من للأسنة يهديها إلى الثغر # من للظبا وعوالى قد عقدت ... أطراف ألسنها بالعي والحصر # وطرزت بالمنايا السود بيضهم ... أعجب بذاك وما منها سوى الذكر # من لليراعة أو من للبراعة أو ... من للسماحة أو للنفع والضرر # أو دفع كارثة أو دع رادفة ... أو قمع حادثة تعيي على القدر # ويح السماح وويح البأس لو سلما ... واحسرة الدين والدنيا على عمر # سقت ثرى الفضل والعباس هامية ... تعزي إليهم سماحا لا إلى المطر # ثلاثة ما ارتقى النسران حيث رقوا ms014 ... وكل ما طار من نسر ولم يطر # ثلاثة ما رأى العصران مثلهم ... فضلا ولو عززا بالشمس والقمر # ثلاثة كذوات الدهر منذ نأوا ... عني مضي الدهر لم يربع ولم يحر # ومر من كل شيء فيه أطيبه ... حتى التمتع بالآصال والبكر # أين الجلال الذي غضت مهابته ... قلوبنا وعيون الأنجم الزهر # أين الإباء الذي أرسوا قواعده ... على دعائم من عز ومن ظفر # أين الوفاء الذي أصفوا شرائعه ... فلم يرد أحد منها على كدر # كانوا رواسي أرض الله منذ نأوا ... عنها استطارت بمن فيه ولم تقر # كانوا مصابيحها فيها فمنذ خبوا ... هوى الخليقة يالله في شرر # كانوا شجى الدهر فاستهوتهم خدع ... منه بأحلام عاد في خطا الخطر # ويل امه من طلوب الثأر مدركة ... منهم بأسد سواهم في الوغى صبر # من لي ومن لهم إن أظلمت نوب ... ولم يكن ليلها يفضي إلى سحر # من لي ومن لهم إن عطلت سنن ... وأخفيت ألسن الآثار والسير # من لي ومن لهم إن أطبقت محن ... ولم يكن وردها يدعو إلى صدر # على الفضائل إلا الصبر بعدهم ... سلام مرتقب للأجر منتظر # يرجو عسى، وله في أختها أمل ... والدهر ذو عقب شتى وذو غير # قرطت آذان من فيها بفاضحة ... على الحسان حصا الياقوت والدرر # سيارة في أقاصي الأرض قاطعة ... شقاشقا هدرت في البدو والحضر # مطاعة الأمر في الألباب قاضية ... من المسامع ما لم يقض من وطر # السلطان المعتصم بالله PageV01P009 أبو يحيى محمد بن أبي الأحوص معن بن ~~أبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي، منسوب إلى امرأة اسمها تجيب، بنت ثوبان بن ~~سليم بن رهاء، بالراء، من مذحج، إليها ينسبون. وهي أم عدي وسعد، ابني أشرس ~~بن كندة، واسمه ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة أدد بن زيد بن يشجب بن ~~عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. # وقد اختلف الناس في ضبط هذا الحرف، بعد اتفاقهم أنه نسب إلى هذه المرأة، ~~فقالوا: إنه بضم التاء، وبه نطقت العرب. وكثير من الأدباء ولمحدثين ms015 يفتحون ~~التاء. وقال أبو مروان بن سراج: " الفتح وحده " . وزعم أن التاء أصلية ~~وليست للمضارعة، ولذلك أثبته صاحب كتاب العين في حرف التاء، إلا أنه قال: " ~~تجيب وتجوب، قبيلة " وقال أبو محمد بن السيد النحوي: " أنا أذهب إلى صحة ~~الوجهين، مع كون التاء مزيدة، من جاب تجوب وتجيب " . # وبنو صمادح، بينت العلوم الفائقة، والآداب الرائقة. # يروي عن أبيه أبي الأحوص معن، عن أبيه أبي يحيى محمد بن صمادح مختصر غريب ~~تفسير القرآن للطبري. حدثني به الفقيه المحدث الصالح أبو محمد عبد الله بن ~~محمد بن عبيد اله، قال: حدثني الفقيه المحدث الإمام أبو عبد الله محمد بن ~~حسين يعرف بأحد عشر - قال: حدثنا الفقيه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن أسود ~~الغساني عن السلطان أبي يحيى محمد بن أبي الأحوص معن، عن أبيه أبي يحيى ~~محمد بن صمادح، مختصره. # وقال مطر الوراق في قوله جل وعلا: " و إنه لذكر لك ولقومك " : هو أن ~~الرجل: حدثني أبي عن جدي. # وقال ابن أبي الحسن البصري: " حدثوا عن الأشراف، فإنهم لا يرضون أن ~~يدنسوا شرفهم بالكذب ولا بالخيانة " . والأشراف في اللغة الأعيان من أي ~~القبائل كانوا. # وأنشدنا غير واحد بالسند المذكور آنفا عن الفقيه أبي إسحاق بن أسود ~~وغيره، قالوا: أنشدنا السلطان المعتصم لنفسه: # يا من بجسمي لبعده سقم ... ما منه غير الدنو يبريني # بين جفوني والنوم معترك ... تصغر عنه حروب صفين # إن كان صرف الزمان أبعدني ... عنك فطيف الخيال يدنيني # وله رحمه الله بركة ماء بناها في الصماد حية، وقد حضر في مجلسه أعيان ~~الوزراء، ونبهاء الشعراء؛ وهو قاعد على موضع يتداخل الماء فيه، ويتلوى في ~~نواحيه، فقال: # أنظر إلى حسن هذا الماء في صببه ... كأنه أرقم قد جد في هربه # فاستبدع الكل قوله، فخلع عليهم ومنحهم فضله وطوله - والأرقم: من أسماء ~~الحية - وله أيضا فيها: # كأن انسياب الماء في صفحاتها ... حسام ثقيل المتن سل من الغمد # تفور فوارة مستديرة ... لها مقلة زرقاء موصولة السهد # أدرنا بها كأسا كأن حبابها ... حباب سقيط الطل ms016 في ورق الورد # لها في غدير الماء لألآء جمرة ... حكت نار إبراهيم في اللون والبرد # وله: # الروض يشرب والأنوار تنسكب ... والشمس تظهر أحيانا وتحتجب # وللبهار على أفنانه زهر ... كأنه فضة من فوقها ذهب # قال ذو النسبين رضي الله عنه: أهل الأندلس يسمون النرجس البهار واسمه في ~~اللغة العبهر. ودخلا الأريب أبو الوليد النحلي مدينة المرية، يرفل في أثواب ~~سود زرية، فكتب إلى السلطان: # أيا من لا يضاف إليه ثان ... ومن ورث العلا بابا فبابا # أيجمل أن تكون سواد عيني ... وأبصر دون أبغي حجابا # ويمشي الناس كلهم حماما ... وأمشي بينهم وحدي غرابا # فبعث إليه من المال جملة وافرة، ومن البياض خلعة فاخرة، وكتب له رقعة ~~فيها بيتان: # وردت ولليل البهيم مطارف ... عليك وهذي للصباح برود # وأنت لدينا ما بقيت مقرب ... وعيشك سلسال الجمام برود # السلسال: الصافي العذب، يقال: ماء زلال وسلسال، إذا كان صافيا عذبا. ~~والجمام، بكسر الجيم: جمع جم وجمة، وهو الماء المجتمع. # وأنشدونا لابنه الأمير أبي جعفر رحمهما الله: PageV01P010 كتبت وقلبي ذو ~~اشتياق ووحشة ... ولو أنه يستطيع مر يسلم # جعلت سواد العين فيه مداده ... وأبيضه طرسا وأقبلت ألثم # فخيل لي أني أقبل موضعا ... يصافحه ذاك البنان المكرم # قال ذو النسبين رضي الله عنه: وهذا عندي من قول أبي إسحاق الصابي: # لما وضعت صحيفتي ... في بطن كف رسولها # قبلتها لتمسها ... يمناك عند وصولها # وتود عيني أنها ... قرنت ببعض فصولها # حتى ترى من وجهك ال ... ميمون غاية سولها # الملك الراضي بالله أبو خالد # يزيد ابن المعتمد على الله بن أبي القاسم عباد، وقد مرت عليه هوادج ~~وقباب، فيها له أخدان وأحباب؛ وجهوا على وجه الهدية إلى بر العدوة، وقد كان ~~يلم بهن في صباه إلمام قريش بدار الندوة؛ فقال ارتجالا، وأنشد سحرا حلالا: # مروا بنا أصلا من غير ميعاد ... فأوقدوا نار شوقي أي إيقاد # وأذكروني أياما لهوت بهم ... فيها ففازوا بإيثاري وإحمادي # لا غرو أن زاد في وجدي مرورهم ... فرؤية الماء تذكي غلة الصادي # صدى يصدي، فهو صاد وصيد، إذا عطش. ms017 ورجل صديان: عطشان. الغلة، واللواب، ~~بفتح اللام؛ واللوح، بضم اللام؛ والجواد، بضم الجيم بلا همز: كل ذلك من ~~أسماء العطش. وقد جمعناها في غير موضع. # الحاجب ذو الرياستين # أبو مروان عبد الملك بن رزين، ورث الملك كابرا عن كابر، من ملوك من ~~أسلافه، أرباب أسرة ومنابر. وذو الرياستين زاد عليهم بأدب أبهى من الروض ~~الريض، ومنظوم بديع من القريض. فمن شعره قوله يخاطب ذا الوزارتين أبا بكر ~~محمد بن عمار، وكان ضيفا عنده: # ضمان على الأيام أن أبلغ المنى ... إذا كنت في ودي مسرا ومعلنا # فلو تسأل الأيام من هو مفرد ... بود ابن عمار لقلت لها أنا # فإن حالت الأيام بيني وبينه ... فكيف يطيب العيش أو يحسن المنى # فلم يجبه ابن عمار في يومه، لأنه كان يعاني قوله ويعلله، ويرويه ولا ~~يرتجله. وأتى به في اليوم الثاني بأعذب الألفاظ وأرق المعاني، وهو: # هصرت لي الآمال طيبة الجنى ... وسوغت لي الحوال مقبلة الدنا # وألبستني النعمى أغض من الندى ... وأجمل من وشى الربيع وأحسنا # وكم ليلة أحظيتني بحضورها ... فبت سميرا للسناء وللسنا # أعلل نفسي بالمكارم والعلا ... وأذني وكفى بالغناء وبالغنى # سأقرن بالتمويل ذكرك كلما ... تعاورت الأسماء غيرك والكنى # لأوسعتني قولا وطولا كلاهما ... يطوق أعناقا ويخرس ألسنا # وشرفتني من قطعة الروض بالتي ... تناثر فيها الطبع وردا وسوسنا # تروق بجيد الملك مرصعا ... وتزهى على عطفيه وشيا مفننا # فدم هكذا يا فارس الدست والوغى ... لتطعن طورا بالكلام وبالقنا # قوله " للسناء وللسنا " . السناء، بالمد: المجد والشرف. والسنا، مقصور: ~~الضوء، قال الله العظيم: (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار). # وقوله " و أذني وكفى بالغناء وبالغنى " الغناء، بالمد: الصوت. قاله ~~اللغويون، فيما أنشدنيه اللغوي النحوي القاضي العدل أبو الحسن علي بن أحمد ~~الأميي: # غناء الصوت ممدود ... بما يستجلب الطرب # وكل غنى فمقصور ... كذا نطقت به العرب PageV01P011 والغنى: ضد الفقر، ~~ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس الغنى عن كثرة العرض " : ~~بفتح العين والراء، يعني كثرة المال والمتاع، وسمى عرضا، لأنه عارض يعرض ~~وقتا، ثم يزول ويفنى. ومنه ms018 قوله أيضا: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غني " . ~~قيل معناه: الصدقة بالفضل عن قوت عيالهم وحاجتهم. ويقويه قول الله عز وجل: ~~(و يسألونك ماذا ينفقون قل العفو). قيل: الفضل عن أهلك. # وقوله: " تناثر فيها الطبع وردا وسوسنا " بضم السين، وهو لحن، وليس له في ~~العربية وزن، والصواب: سوسن، بفتح السين، على وزن فوعل بفتح الفاء، وكذلك ~~روشن وأمثاله، نحو جوهر وجورب وكوثر وتولب؛ إذ ما سمع في أمثلة العرب فوعل، ~~إلا جؤذر في قول بعضهم. والدست: المرتبة العالية. # ومن أعيان شعراء المغرب الراسخين في الأدب، المتمسكين منه بأمتن سبب، أبو ~~الطيب أحمد بن الحسين بن محمد المهدوي المسيلي له مقطعات غزل أحسن من قطع ~~الرياض، وأغزل من العيون المراض. وكان شعره مدونا بالثغر الأعلى بمدينة سر ~~قسطة. أنفرد بروايته عالمها وحسيبها الفقيه العالم النحوي الأصولي المتكلم ~~أبو جعفر محمد بن حكم بن باق السرقسطي - وجده الأعلى محمد بن باق، ملك ~~مدينة سالم - استوطن آخرا مدينة فاس، ولى أحكام القضاء بها. وكان محمود ~~الحال، حسن الخلق، قولا بالحق إلى أن توفي في العشر الأواخر من شعبان سنة ~~ثمان وثلاثين وخمسمائة، أجاز له الفقيه الإمام القاضي أبو الوليد الباجي ~~اللغوي النحوي الإمام أبو القاسم، وأبو محمد عبد الدائم بن مروان بن خير ~~القيرواني، نزيل مدينة المرية. روى بالبصرة عن أبي الحسن محمد بن الحسين، ~~سنة ست وعشرين وأربعمائة، عن هلال بن المحسن. ولقي المعري سنة ثلاث وعشرين ~~وأربعمائة وقرأ عليه، وسمع بالأندلس على جماعة. وحمل الإمام أبو جعفر بن ~~باق ببلده سرقسطة عن الفقيه القاضي بها أبي محمد بن فورتش، وأبي عمر أحمد ~~بن مروان المالكي، قرأ عليه كتب أبي المعالي. وروى عن أبي سعيد محمد بن سعد ~~الزعيمي البغدادي، طرأ على الأندلس وهو مسن. وروى عن الشريف المرتضى؛ أخي ~~الشريف الرضي؛ القصيدة التي أولها: # يا ظبية البان ترعى في خمائله # مع جميع ما رواه عن الشريف وعن غيره. وروى شعر أبي العرب الصقلي. وكان ~~أبو العرب قد سكن سرقسطة ومدح ms019 المستعين بن هود بشعر كثير. وروي أيضا عن أبي ~~جعفر البطروشي، والوزير أبي الفوارس بن عاصم، والوزير أبي عبيد البكري، ~~وغيرهم. # أقرأ أبو جعفر هذا بمدينة فاس كتاب سيبويه وكتاب الإيضاح، وتكلم على ~~أعيان مسائله، وعلى جملة أبياته وشواهده، وشرح كتاب الإيضاح لأبي علي. وكان ~~في النحو والأصول لا يشق غباره، ولا يخاض تياره. وله تأليف في علم الجدل. # حدثني عنه جماعة من شيوخي رحمهم الله فأولهم، وأفضلهم قاضي الجماعة، ~~ومعدن البراعة؛ المتفنن في جميع العلوم، والمحسن إلى كل مجهول ومعلوم. ~~الفقيه الزناتي الذي فاق متقدم الفقهاء الأوائل، وأعياسحبان وائل؛ أبو موسى ~~عيسى ابن عمران بن دانال الزناتي المكناسي الوردميشي، من ولد الملك أبي ~~عمران موسى ابن أبي العافية. وبنو أبي العافية هم الذين كانوا ملكوا المغرب ~~الأقصى، وفضائله اكثر من أن تحصى، فكم حلى رحمه الله من جيد معطال، وعطر من ~~متفال، وانهض من ثفال، وجدد من شرف بال، لم يخطر للدهر على بال: # تالله لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل # لقي جماعة من العلماء، منهم الفقيه أبو يوسف الزناتي الملقب بالرحى، ~~لحفظه. وكان يحفظ دواوين، منها: المدونة، وكتاب الاستذكار لمذاهب علماء ~~الأمصار. فقرأ الفقه عليه، وقرأ موطأ مالك بن أنس من رواية يحيى بن يحيى ~~على قاضي القضاة الفقيه أبي محمد عبد الله بن خليفة الأزدي، يعرف بابن أبي ~~عرجون، وقرأ النحو على الأستاذ أبي حسن بن عبد الله القيسي، ثم رحل إلى ~~مدينة فاس، فلقي الفقيه النحوي الأصولي المتكلم أب جعفر محمد بن حكم بن باق ~~المذكور آنفا، ولقي بأغرناطة النحوي الكبير أبا بكر محمد بن مسعود الخشني، ~~يعرف بابي ركب. ثم رحل إلى المرية، فلقي إمام أهل عصره، ورزين جميع الأمصار ~~مع مصره، أبا القاسم أحمد بن محمد التميمي سبط ابن ورد، وسمعه يقول: لم ألق ~~بالأندلس مثل ابن ورد، ولا أحاشي من الأقوام من أحد. PageV01P012 واكن ~~يفضله على ابن العربي، وابن عياض، وغيرهما. قرأت عليه مدة مديدة، ولزمته ~~أعواما عديدة، وسألته أن يجيز ms020 لي، ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع ما رواه ~~وجمعه، وتكلم فيه من العلم أو وضعه، فأجابني إلى ذلك، وقال لي: لم أفعله ~~لأحد قبلك، ممن سلك هذه المسالك، وإنما اشتغلت عن كثرة الرواية بالدرس ~~والدراية. # وسألته عن مولده، فقال: ولدت في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وتوفي ~~رضي الله عنه شهيدا من داء البطن ليلة الخميس آخر الليل. ودفن ظهر يوم ~~الخمسي الخامس والعشرين من شعبان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وهو على أحكامه ~~وإعزازه وإكرامه. # فمن شعر الأديب أبي الطيب أحمد بن الحسين بسندنا المتقدم إليه، رحمة الله ~~علينا وعليه، فمن ذلكم في النسيب: # متى طلعت تلك الأهلة في الخمر ... ونابت لنا العيون عن الخمر # ومن علم الأعجاز تستعجز النقا ... وهذى الثنايا الزهر تسطو على الدر # شموس أبت إلا الشماس سجيية ... وأقمار حسن في الهوى قمرت صبري # تذكرت، والتذكار من مر الأسى ... ليالينا بين الرصافة والجسر # ليالي لا دمعي يبدد بالنأي ... ولا سنتي مما تروع بالهجر # ومنها في صفة القصيدة: # ودونكما غراء قامت لخاطري ... وإن لم تلمه حين قصر بالعذر # خفضت بها الأشعار حتى كأنها ... وإن رفعتني الآن من أحرف الجر # قال ذو النسبين، رضي الله عنه: وذهذ الرائية من شعره عند العلماء بنقد ~~الشعر وسره، أحسن من رائية علي بن الجهم التي أولها: # عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري # ومن أسماء بقر الوحش: الأي مثل الفتى، والأنثى، لاة، مثل شاة، وتسمى ~~المهاة أيضا، والجمع: المها، والعيناء؛ والجمع: عين. # ومما يمازح برقته النسيم امتزاج الماء بالراح، ويدخل من أبواب خروق ~~المسامع على القلوب بلا استئذان فترتاح به الأرواح، قول هذا الشاعر من ~~أبيات: # خطرت على وادي العذيب بأدمعي ... فما جزته إلا وأكثره دم # وقد شربت منه كرام جيادنا ... فكادت بأسرار الهوى تتكلم # سرى البرق من نعمان يخبر أنه ... سيشقى بكم من كان بالأمس ينعم # رحلتم، فهذا الليل فيكم فلم يعد ... إلى سواه فيكم إذ رحلتم # وما أنا صب النجوم وإنما ... تخيل لي الآفاق أنكم ms021 هم # لقد أحسن ما شاء، غير أن قوله: " خطرت على وادي العذيب..... " مأخوذ من ~~قول الشاعر، وهو مهيار: # عبرت على الوادي فحرمت ماءه ... وكيف يحل الماء أكثره دم # عبرت: أي أسلت عبرتي فيه، فوري. والمحفوظ عند أهل اللغة: استعبر الرجل، ~~إذا بكى، والذي رويناه في شعر مهيار " بكيت " والمليح البديع من هذه القطعة ~~قوله: # سرى البرق من نعمان يخبر أنه ... سيشفى بكم من كان بالأمس ينعم # فيه من صنعة البديع المقابلة، وهي مقابلة " سيشفى " " بينعم " . ومن ~~مليحها قوله: # رحلتم فذها الليل فيكم فلم يعد ... إلى سواه فيكم إذ رحلتم # وهو من أبيات المعاني التي يسأل عنها، ويفهم معناه من قوله: " فلم يعد ~~إلى سواه " ، لأنه لا يعود سوى الليل الماضي، وهو الليل المستقبل، إلا بعد ~~صبح يفصل بينهما، ولا فاصل عنده بعد فرقة أحبابه؛ لأن الأيام جميعها عنده ~~صارت مظلمة لبعد أحبابه؛ فما دامت الفرقة مستمرة، كانت الظلمة مستقرة. # ومن بدائع هذا الشاعر قوله: # سلم إذ مر ولي همة ... تستنزل الأقمار والأنجما # تظما ولا تروي ولو أنني ... ألثمتها وجنته والفما # فقلت للنفس وقد أزمعت ... أن ترد السلوان خوف الظما # هذا كثير فأشكري وأحمدي ... فكيف لو مر وما سلما PageV01P013 قوله في ~~البيت الأول: " سلم إذ مر " ، ثم قوله في آخر البيات: " فكيف لو مر وما ~~سلما " من الصنف المسمى في صناعة البديع بالتبديل. إلا أنه فرق بينهما في ~~أبيات، وقد جمع ذلك بعض أهل مصره، من شعراء عصره، فقال: # أصبحت صبا دنفا مغرما ... أشكو جوى الحب وأبكي دما # هذا وقد سلم إذ مر بي ... فكيف لو مر وما سلما # ومن أفاضل شعراء المغرب المعروفين بالإجادة، الموصوفين بالإحسان ~~والإفادة: # أبو عبد الله ابن قاضي ميله # اشعر من دب بميلة ودرج، ودخل بها وخرج. فمن رقيق شعره قوله: # قلت للحسناء لما أبصرت ... دمع عيني قد جرى فيما جرى # لا تظني الدمع ما عاينته ... أنا من يهدي إليك الخبرا # جال في خديك من ماء الصبى ... رونق يسبي سناه البشرا # تأخذ الأجفان منه ريها ... فإذا ms022 جاز التناهي قطرا # ومن قوله: # رحل الركب والمشوق مقيم ... كيف يسري مع الصحاح السقيم # وبتلك القباب ريم تولى ... وضلوعي كهف له ورقيم # أمه الشمس وهو أعجب شيء ... فمتى أنتجته وهي عقيم # أقعدتني حوادث الدهر عنه ... هكذا الدهر مقعد ومقيم # وله في حمامة فوق أيكة تصدح، في فحمة الليل والبرق يقدح: # ومرنة قدحت زناد صبابتي ... والبرق يقدح في الظلام شراره # ورقاء تأرق مقلتي لبكائها ... ليلا إذا ما هومت سماره # إيه بعيشك يا حمامة خبري ... كيف الكثيب ورنده وعراره # أترنحت بجوانحي أثلاثه ... أم أينعت بمدامعي أزهاره # وله في المعاني: # ورقاء ضافية الجناح تسترت ... عنا بغصني بانة وأراك # غنت فأذكرت المشوق ببثها ... وتمايلت فعل الصحيح الشاكي # وعجبت من ضدين في أوصافها ... خلع الخليع ولبسة النساك # وله في المعنى: # ومرنة والدجن ينسج فوقها ... بردين من نوء وطل باك # مالت على طي الجناح وربما ... جعلت أريكتها قضيب أراك # وممن نسج في الرقة على منواله، وضرب في بديع المعاني والألفاظ على مثاله: # محمد بن حبيب المهدوي القلانسي # فقال: # بدور وجوه في ليالي ذوائب ... لعبن بلبي بين تلك الملاعب # تبرقعن من خوف العيون وإنما ... طلعن شموسا تحت غر السحائب # وفوقن من تحت أسهما ... من اللحظ ترمي عن قسي الحواجب # ومن الموصوفين بجزالة الألفاظ ورقة المعاني: # يعمر بن ميمون الخولاني # فمن قوله: # نبئت أنك مول لا تكلمني ... فبت خائف هجر منك قد حدثا # وما يفي النذر من آلي بمعصية ... هذى مقالة من بالحق قد بعثا # فاحنث فحنثك وصلى وهو يعتقني ... والعتق غاية تكفير لمن حنثا # وإن تحرجت من إثم وخفت له ... فأعظم الإثم قتلى في الهوى عبثا # قوله: " نبئت أنك مول " :أخبرت أنك حالف. يقال آلي الرجل فهو مؤل أليه، ~~بتشديد الياء. والألية: اليمين، يقال: آليت وائتليت وتأليت، ألية وألوة، ~~بفتح الهمزة؛ وألوة، بضمها، وإلوة، بكسرها، كل ذلك لغات فيها. ولم يعرف ~~الأصمعي، كسر الهمزة في أوله. وفي الصحيحين إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم آلي من نسائه شهرا. # وقوله: # وما يفي النذر من آلي بمعصية ... هذى ms023 مقالة من بالحق قد بعثا # صدق وبر، ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه " . وملح بقوله: " فأحنث فحنثك ~~وصلى " ، وبالبيت الذي بعده وكأنهما ينظران إلى البيت الذي أنشده أبو الفرج ~~الأصبهاني في كتبا الأغاني له: PageV01P014 إذا قبل الإنسان آخر تشتهي ... ~~ثناياه لم يأثم وكان له أجر # ومن مجيد شعراء المغرب: # محمد بن زكريا القلعي # له من قصيدة يمدح بها بعض المغرب، وكأنما عني بمعانيها مولانا السلطان ~~الملك الكامل، وأشار بأنامل بديع ألفاظها إليه، لا برحت محاسن المحامد ~~مصروفة له، وموقوفة عليه: # وقاد الجياد الأعوجيات دونها ... عوابس تطفو في العجاج وترسب # عساكر مثل الطرف إن خفن ضلة ... أضاء لها ليل الحديد المذوب # يمر نهاه بالشكوك فتنجلي ... ويجري نداه في الأجاج فيعذب # وكأنما عناه أيضا هذا الشاعر بقوله: # ملك إذا طلب الغمام بفوق ما ... في وسعه فعلى نداه يحيل # زجرت مواهبه المساغب أن ترى ... ولها بساحة مجتدية حلول # ومن شعراء: # صقلية # وهي بفتح الصاد والقاف، قاله النحوي أبو بكر محمد بن علي بن الحسن بن ~~البر التميمي، هكذا عربتها العرب. واسمها بالسان الرومي " سيكة " بكسر ~~السين وفتح الكاف وسكون الهاء، و " كيليه " بكسر الكاف واللام، وتشديد ~~الياء وسكون الهاء، وتفسيرها: تين وزيتون. وإلى هذا المعنى أشار الأديب ~~البارع، أبو علي حسن بن رشيق، حين مدح صقلية بقوله: # أخت المدينة في اسم لا يشاركها ... فيه سواها من البلدان فالتمس # وعظم الله معنى لفظها قسما ... قلد إذا شئت أهل العلم أو فقس # قوله في هذا البيت: # وعظم الله معنى لفظها قسما # يريد قول الله جل جلاله (و التين والزيتون) قال مجاهد في صحيح البخاري: ~~هو التين والزيتون الذي يأكل الناس. # وقال الحسن: هو التين الذي يؤكل، ولزيتون الذي يعصر. وبه قال عكرمة. # وقال آخرون: التين: مسجد دمشق، الزيتون: بيت المقدس، قاله كعب وقتادة ~~وابن زيد وعكرمة أيضا. # وصقلية: جزيرة كبيرة طولها مسيرة أيام، وعرضها مسيرة خمسة أيام. وهذا ~~الاسم ms024 لأحد مدنها. فنسبت الجزيرة كلها إليها. وفيها مدن كثيرة وقلاع شهيرة، ~~وهي في البحر الشامي، موازية لبعض بلاد إفريقية، بينهما يوم وليلة. افتتحت ~~في سنة اثنتي عشرة ومائتين، ثم إن الله تعالى صرفها إلى النصارى. فكان أول ~~افتتاح كان فيها لهم في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، إلى أن خلصت الجزيرة ~~كلاه لهم في سنة خمس وثمانين وأربعمائة. # فمن شعرائها: # أبو محمد ابن حمديس # عبد الجبار بن أبي بكر محمد بن حمديس # شاعر جيد السبك، مليح الاستعارة، حسن الأخذ، لطيف التناول، رقيق حواشي ~~المعاني، عذب اللفظ. دخل الأندلس وافدا على المعتمد على الله أبي القاسم ~~محمد بن عباد بإشبيلية فمدحه بأشعاره البديعة، وعبر عن الأدب بأنفاسه ~~النفيسة الرفيعة. فما يجري من قوله رقة مع الماء، ويكاد يمتزج بالهواء، ~~ويأخذ بمجامع الأهواء، قوله من قصيدة: # قم هالكها من كف ذات الوشاح ... وقد نعي الليل بشير الصباح # وباكر اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المراح # من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح # أنظر من أحسن هذه الاستعارة، وأحلى هذه العبارة. # وله قصيدة أخرى في الوزن على الروي أولها: # طرقت والليل ممدود الجناح ... مرحبا بالشمس من غير صباح # أتى فيها بكل معنى مبتكر بديع، معدود من الطراز الأول الرفيع. # ومما أخذه فملكه فأسترقه، واستوجبه بزيادته فيه على مبتكره واستحقه، قوله ~~في وصف فرس سابق: # كأن له في الأذن عينا بصيرة ... ترى اليوم أشباحا تمر به غدا # يقيد بالسبق الأوابد فوقه ... ولو مر في آثارهن مقيدا # أخذه من قول امرئ القيس بن حجر، وهو أول من قصد القصائد، وقيد الأوابد، ~~فقال في لاميته المعلقة: # وقد اغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل # وزيادة عبد الجبار عليه قوله: # ومر في آثارهن مقيدا # وتصدير هذا العجز بقوله: " أقيد بالسبق " مليح جدا. # ومن مليح أخذه المستحسن قوله من أخرى. PageV01P015 لهم رياض حتوف فالذباب ~~بها ... يشدوهم في الهوادي كلما اقتحموا # بيض يضعن المنايا السود صارخة ... وهي الذكور التي افتضت بها القمم # أخذه من قول ms025 أبي نصر عبد العزيز بن نباته السعدي: # ومن العجائب أن بيض سيوفه ... تلد المنايا السود وهي ذكور # إلا أنه زاد عليه، وبعد ما ساواه في المقابلة، بذكر البيض والسود. وذكر ~~الذكورية مع ذكر الوضع الذي ذكره في موضع " تلد " بقوله: " صارخة " ، إذ من ~~شأن المولود أن يستهل صارخا عند الوضع. وكذلك الواضعة تصرخ أيضا حالة ~~الطلق، فتمم بهذه الزيادة قوله: " يضعن المنايا السود " . # كما زاد عند ذكر الذكور، وتمم المعنى بقوله: " افتضت بها القمم " ، فجعل ~~سيلان دماء القمم بذكور الصوارم كسيلان دماء العذارى لدى افتضاض ذكور ~~الرجال لها، وهذا من سر الشعر المخزون، وعلمه المكنون. وفي البيت الذي وطأ ~~به نوع من أنواع البديع يسمى التويرة، وهو قوله: # لهم رياض حثتوف فالذباب بها ... يشدوهم في الهوادي كلما اقتحموا # الذباب، من الحيوان معروف؛ والذباب: ذباب السيوف. الشدو: الغناء. فشبه ~~طنين الذباب في الهوادي، وهي الأعناق، بترنم الذباب. واستعار الرياض للحتوف ~~توطئة لشدو الذباب؛ لأن الرياض الملتفة الأسجار، موضع ترنم سواجع الأطيار. # وملاحظة أمثال هذه المقاصد من مقاصد فحول الشعراء، مما يعين الشادي في ~~الأدب المحاول انظم الشعر، على نظم جيده. # وأذكرني بيت نباتة قول ابن الرومي، وهو من أحسن ما سمعت في معناه: # ومن عجب أن السيوف لديهم ... تحيض دماء والسيوف ذكور # وأعجب من ذا أنها في أكفهم ... تأجج نارا والأكف بحور # ومن شعراء المغرب الأوسط، وأهل التصنيف والإتقان والضبط، الشاعر الرقيق، ~~العربي الأزدي العريق: # أبو علي حسن بن رشيق # وكان رجلا تلعابه، كثير الدعابة، غير أنه لم يذمه أحد بذلك ولا عابة، كتب ~~إلى بعض الرؤساء: # إني لقيت مشقه ... فابعث إلى بشقة # كمثل وجهك حسنا ... ومثل ديني رقة # فقل له الرئيس: أما مثل دينك رقة، فلا يوجد إلا بوزن أمثال رمال الرقة؛ ~~ثم استحسن في هذه المداعبة أدبه، فقضى أربه. # فمن قوله يمدح السلطان أب يحيى تميم بن المغر: # أصح وأقوى ما رويناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم # أحاديث تمليها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير ms026 تميم # وله أيضا: # لو أورقت من دم الأبطال سمر قنا ... لأورقت عنده سمر القنا الذبل # إذا توجه في أولى كتائبه ... لم تفرق العين بين السهل والجبل # فالجيش ينفض حوليه أسنته ... نفض العقاب جناحيها من البلل # وهذا البيت من غرر قلائده، وهو مع ذلك ملتقط من قول المتنبي: # يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب # ومن قول أبي صخر الهذلي: # وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر # ومعنى الالتقاط، ويسمى أيضا بالتلفيق والترتيب، أن ينشر الشاعر المعاني ~~المتقاربة، ويستخرج منها معنى مولدا يكون فيه كالمخترع، وينظر به إلى جميع ~~تلك المعاني، فيقوم وحده مقام جماعة من الشعراء، وهو مما يدل على حذق ~~الشاعر وفطنته. ومن أحذق من فعل ذلك المتنبي والمعري. # ولابن رشيق أيضا: # ومن حسنات الدهر عندي ليلة ... من العمر لم تترك لأيامنا ذنبا # خلونا بها ننفي الكرى عن جفوننا ... بلؤلؤة مملوءة ذهبا سكبا # وملنا لتقبيل الخدود ولثمها ... مميل جياع الطير تلتقط الحبا # وقال أبو الحسن عبد الكريم بن فضال الحلواني في ابتداء قصيدة فريدة: # عرسا بي فذا مناخ كريم ... هذه جمة وهذا تميم # هذه الجنة التي وعد الله وهذا صراطه المستقيم PageV01P016 وكان المعز ملك ~~صنهاجه، لم يقصده ذو حاجة إلا وقضى حاجه، وعجل بذلك سروره وابتهاجه. وإنما ~~خلع المستنصر وأزال عنه الخلافة، وأظهر معاندته وخلافه، بعد أن كان يظهر له ~~ولأبيه الظاهر الطاعة، ويبذل لهم الاستطاعة، أن الجرجائي الوزير، أساء معه ~~التدبير. وأحفظه بأشياء بلغته عنه، وعقارب مكايد دبت إليه من مصر منه. وقال ~~من له الإجادة والإحسان: # جراح السيف تؤلم ثم تبرا ... ولا برء لما جرح اللسان # وإلا فملك صنهاجة قديم، وشرفهم صميم، وذلك أن إفريقيس بن أبرهة ذي المنار ~~بن الحرث الرائش بن شداد - ويقال: شدد بن الملطاط - ابن عمرو ذي أبين بن ذي ~~يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان ابن قطن بن عريب بن ~~زهير بن الغوث بن أيمن بن الهمسيع بن حمير، خرج غازيا نحو المغرب ms027 في أرض ~~البربر، حتى انتهى إلى طنجة، ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى ~~مساكنهم اليوم، وخلف مع البربر من خلف من حمير اليمن، مثل صنهاجة وكتامة. ~~هذا قول ابن الكلبي، وبه قال أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو محمد بن يعقوب ~~الهمداني، من ولد همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن ~~مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقد ذكر نسبه ~~متصلا إلى همدان في كتاب الإكليل المؤلف في أنساب حمير وأيام ملوكها. وهو ~~كتاب عظيم الفائدة. قال الهمداني: ثم تقدم في المغرب، حتى بني مدينة ~~إفريقية، وهي مشتقة من اسمه، وخلف في البربر قواما من حمير، ليردوهم على ~~شاكلتهم القديمة، ويأخذوا إتاوتهم، ويدبروا أمورهم، فهم إلى اليوم على ذلك. ~~ومنهم اليوم بالمغرب كتامه، ولواتة، وصنهاجة، وهم الغالبون على المغرب ~~اليوم. حدثني بهذا الكلام نحو من عشرين شيخا - منهم الوزير الكاتب أبو عبد ~~الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، والمحدث أبو محمد عبد الله بن محمد بن ~~عبيد الله الحجري بفتح الحاء وسكون الجيم، من حجر بن ذي رعين - قالوا: ~~حدثنا نسابة الأندلس الفقيه أبو محمد عبد اله بن علي اللخمي المعروف ~~بالرشاطي. ونقلته من أصله وكتابه الذي سماه ب " اقتباس الأنوار، والتماس ~~الأزهار، في أنساب الصحابة ورواة الآثار " ؛ إلا ما فيه من نسب همدان، فإني ~~نقلته من غيره. # قال الرشاطي: فشرف صنهاجة أصيل، ومجدهم أثيل ورياستهم قديمة، ونسبتهم إلى ~~حمير معلومة. # قال ذو النسبين، رضي لله عنه،: ووقاء السلطان تميم مشهور، وعلم ذكره بذلك ~~منشور. حدثنا غير واحد من شيوخنا، رحمهم الله، ومنهم الفقيه المحدث المفيد ~~المقرئ اللغوي النحوي أبو بكر محمد بن خير، بمسجده بإشبيلية سنة اثنتين ~~وسبعين وخمسمائة، قال: حدثنا الفقيه القاضي المقرئ الخطيب أبو الحسن شريح ~~ابن محمد بن شريح، قال: أنبأنا حافظ الأندلس الفقيه العالم أبو محمد علي بن ~~أحمد بان سعيد بن حزم في كتابه إلينا، قال: حدثنا أبو البركات ms028 محمد بن عبد ~~الواحد الزبيدي من ولد عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا أبو علي حسين بن ~~الأشكري المصري، قال: كنت من جلاس تميم بن أبي تميم، وممن يخف عليه جدا، ~~قال: فأرسل إلى بغداد، فابتيعت له جارية رائعة فائقة الغناء، فلما وصلت ~~إليه دعا جلساءه، قال: فكنت فيهم، ثم مدت الستارة، وأمرها بالغناء، فغنت: # وبدا له من بعد ما أندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه # يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى ممتنع أركانه # فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت أجفانه # قال: فأحسنت ما شاءت. فطرب تميم وكل من حضر، ثم غنت: # ستسليك عما فات دولة مفضل ... أوائله محمودة وأواخره # ثنى الله عطفه وألف شخصه ... على البر مذ شدت عليه مآزره # قال فطرب تميم ومن حضر طربا شديدا، قال: ئم غنت: # أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه ~~PageV01P017 قال: فاشتد طرب تميم، وأفرط جدا ثم قال لها: تمنى ما شئت فلك ~~مناك. فقالت: أتمنى عافية الأمير وسعادته. فقال: والله لا بد لك أن تتمنى. ~~فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى؟ فقال: نعم. فقال: أتمنى أن أغني ~~بهذه النوبة ببغداد. قال: فانتقع لون تميم وتغير وجهه، وتكدر المجلس، قام ~~وقمنا. قال ابن الأشكري: فلحقني بعض خدمه وقال لي: ارجع، فالأمير يدعوك. أ ~~رأيت ما امتحنا به؟ فقلت: نعم أيها الأمير. فقال: لا بد من الوفاء لها، وما ~~أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك، فاصرفها. فقلت: ~~سمعا وطاعة. ثم قمت وتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية له سوداء ~~تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة وبجمل " عليه هودج " فأدخلت فيه، وجعلها معي، ~~وصرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق وسرنا. ~~فلما وردنا القادسية، أتتني السوداء عنها فقالت: تقول لك سيدتي: أين نحن؟ ~~فقلت لها: نحن نزول بالقادسية. فانصرفت إليها وأخبرتها، فلم أنسب أن سمعت ~~صوتها وقد ارتفع بالغناء: # لما وردنا القادسية حيث مجتمع الرفاق # وشممت من أرض الحجا ... ز ms029 نسيم أنفاس العراق # أيقنت لي ولمن أحب بجمع شمل واتفاق # وضحكت من فرح اللقا ... ء كما بكيت من الفراق # فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله! أعيدي بالله! قال: فما سمع ~~لها كلمة. ثم نزلنا الياسرية، وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين ~~متصلة ينزل الناس بها، فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد فلما كان قرب ~~الصباح، إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة، فقلت: مالك؟ فقالت: إن سيدتي ليست ~~بحاضرة. فقلت: ويلك! وأين هي؟ قالت: والله ما أدري! قال: فلم أحس لها أثرا ~~بعد. ودخلت بغداد، وقضيت حوائجي بها، وانصرفت إلي تميم فأخبرته خبرها. فعظم ~~ذلك عليه، واغتم له غما شديدا، ثم ما زال بعد ذلك ذاكرا لها، واجما عليها. # قال ذو النسبين، رضي الله عنه. وقد ذكر هذه الحكاية الشيخ الجليل الإمام ~~العالم أبو عبد لله محمد بن أبي نصر الحميدي في جذوة المقتبس في تاريخ ~~الأندلس قال: حدثني أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الفارسي ~~الفقيه، وأملاه علي بالأندلس، فذكر ما ذكرناه حرفا بحرف. # قال ذو النسبين رضي الله عنه: قرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج علي بن ~~الحسين العبشمي الأصبهاني، أن هذا الشعر الذي فيه الغناء للشريف أبي عبد ~~الله محمد بن صالح الحسني، وأوله: # طرب الفؤاد وعاودت أحزانه ... وتفرقت بزمانه أشجانه # وبداله.... # وأمر بعض الملوك ابن رشيق بركوب البحر، فخاطبه بهذا الشعر: # أمرتني بركوب البحر في عجلغيري فديتك فاخصصه بذا الراء # ما أنت نوح فتنجيني سفينته ... ولا المسيح أنا أمشي على الماء # ومنهم زين الزمان، وفخر المكان، العالم: # أبو عبد الله الجذامي # بن أبي سعيد بن شرف الجذامي # من ولد جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب ابن عريب بن ~~زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. كذا نسبه أبو المنذر هشام ~~بن محمد بن السائب الكلبي. # ولابن شرف مصنفات عديدة، وأوضاع مفيدة، منها: أبكار الأفكار، في سفرين، ~~اختراع كله في ms030 الحكم والأمثال؛ والنظم والنثر؛ وكتابه المسمى بأعلام ~~الكلام، مخترع أيضا. وكتابه المسمى بلمح الملح؛ إلى غير ذلك. # حدثني بها جماعة لا أحصيهم كثرة، منهم: الوزير الفقيه المقري المحدث ~~الشاعر اللغوي النحوي، المهندس الطبيب، واحد عصره، وفريد دهره، أبو بكر محم ~~PageV01P018 ابن الطفيل القيسي، عن ولده العالم الرباني روضة العلم الأنف ~~أبي الفضل جعفر بن محمد بن شرف، صاحب الأوضاع في جميع الأنواع؛ ومنها: كتاب ~~الزمان. عارض به " كتاب كليلة ودمنة " ؛ وكتابه عقيل وعليم " ؛ وكتابه في ~~النحو، على طريق " البرهان " ؛ وكتابه في العروض، كشف بع عن دقائق لم يسبق ~~إليها العروضيون. ومن النوادر جدا جدول جعله صفحة واحدة، كأنه صفحة من ~~الزيج، يتضمن استخراج ما سئل عنه من أبيات الأعاريض كلها، سهلة كانت أو ~~صعبة ومنها: رسالته في اللعب باللعبة التي تسمى " فريسيا " أي ملكة اللعب، ~~يلعب بها كما يلعب بالشطرنج، وهي من غرائب الدهر؛ إلى غير ذلك من علمه ~~المشهور، عند الخاصة والجمهور. # وبسندنا إلى أبي عبد الله محمد بن شرف قال: أكثر ما يكون توارد الخواطر ~~ووقوع الاتفاق وما يقاربه، إذا طلب الشاعران أو الناثران معنى واحدا في ~~قافية واحدة أو سجع واحد: أمرني السلطان المعز بن باديس وأمر الحسن بن رشيق ~~في وقت واحد أن نعمل شعرا في " الموز " على قافية الغين، فصنعنا للوقت، ولم ~~يقف أحدنا على صنعة الآخر، فقلت: # يا حبذا الموز وإسعاده ... من قبل أن يمضغه الماضغ # لان إلى أن لا مجس له ... فالفم ملآن به فارغ # سيان قلنا مأكل طيب ... فيه وإلا مشرب سائغ # وقال ابن رشيق: # موز سريع سوغه ... من قبل مضغ الماضغ # مأكله لآكل ... ومشرب لسائغ # فالفم من لين به ... ملآن مثل فارغ # قال ابن شرف: واستخلانا المعز يوما وقال لنا: أخب أن تصنعا لي شعرا ~~تمدحان فيه الشعر الرقيق الخفيف، ربما كان في ساقي بعض النساء، فأني ~~أستحسنه، وقد عاب بعض الضرائر بعض من هذا فيه، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب ~~أن أريهن هذا، وأدعى لهن أنه قديم، لأحتج به على من ms031 عابه، وأسربه من عيب ~~عليه. فأنفرد كل منا. وأتممنا الشعرين في الوقت. # فكان الذي صنعته أنا: # وبلقيسة زينت بشعر ... يسير مثل ما يهب الشحيح # دقيق في خدلجة رداح ... خفيف مثل جسم فيه روح # حكى زغب الخدود وكل خد ... به زغب فمعشوق مليح # فإن يك صرح بلقيس زجاجا ... فمن حدق العيون لها صروح # وصنع ابن رشيق: # يعبون بلقيسية إذ رأوا لها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا # وقد زادها التزغيب ملحا كمثل ما ... يزيد خدود المرد تزغيبها ملحا # فعاب السلطان على ابن رشيق قوله " يعيبون بلقيسة وقال له: قد أوجدت ~~لخصمها حجة بأن بعض الناس قد غاب هذا. وهذا نقد ما كنت فطنت له. # فهذه المقطعات التي أوردت حديثها، واستطردت باتفاقها، لو رآها من عسى أن ~~يراها وهو لا يعلم ما جرى، لم يشك أن أحد قائليها سرق من الآخر، وكم من ~~مظلوم برئ، نسب باتفاق خاطره وخاطر غيره إلى التلصص والإغارة، نحو ما ألفه ~~ابن وكيع عن المتنبي في كتابه الذي سما المنصف، وهو فيه جور من قاضيي سدوم. # فمن شعر ابن شرف ما أنشدنا غير واحد، عن ولده عنه، وشعره في خمس مجلدات: # شتان في النطقين ما بيننا ... وبيننا في المنظرين اشتباه # يا عجبا من حرقات الهوى ... تصعد نيرانا وتجري مياه # وأنشدونا له في عدو قينة: # سقي الله أرضا أنبتت عودك الذي ... زكت منه أعراق وطابت مغارس # تغني عليه الطير والعود أخضر ... وغنت عليه الغيد والعود يابس # وقال في مثله: # يا عود من أية الأشجار أنت فلا ... جفا ثراها ولا أغصانها الماء # غني القيان عليها وهي يابسة ... بعد الحمام زمانا وهي خضراء # وقال في اجتماع البعوض والذباب والبراغيث في مجلس، مخاطب لصاحبه يستهزئ ~~به: # لك مجلس كملت بشارتنا به ... للهو لكن تحت ذاك حديث # غني الذباب وظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث # وأنشدونا أيضا له: PageV01P019 إن تلقك الغربة في معشر ... تطابقوا فيك ~~على بغضهم # فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم # وله: # صنم ms032 من الكافور بات معانقي ... في حلتين تعفف وتكرم # فكرت ليلة وصله في صده ... فجرت سوابق أدمعي كالعندم # فطفقت أمسح مقلتي في نحرها ... إذ عادة الكافور إمساك الدم # وهذا شعر وطب. # وأنشدونا لابنه أبي الفضل: # وعصرك مثل زمان الربيع لا تهجر الشمس فيه الحمل # تسامت علاك سمو النجوم ... وسارت أياديك سير المثل # وقال من أبيات: # ألمي لفقد الدمع بعد فراقهم ... ألم الجراحة بالدم المحصور # ومنهم: # المرواني الطليق # شاعر رائق الألفاظ، رقيق المعاني، يجاري ويباري في الخمريات الحسن بن ~~هانئ. فمن خمريات التي يغني بها قوله من أبيات: # رب كأس قد كست شخص الدجى ... ثوب نور من سناها يققا # ظلت أسقيها رشا في طرفه ... سنة تورث عيني أرقا # برزت في ناصع من كفه ... كشعاع الشمس وافي الفلقا # أصبحت شمسا وفوه مغربا ... ويد الساقي المحيي مشرقا # فإذا ما غربت في فمه ... أطلعت في الخد منه شفقا # أنظر ما أغرب استعارته " المغرب " لفيه، وما أبدع قوله: # أطلعت في الخد منه شفقا # في التشبيه. وأما جمعه في " الفم " بين هاء الضمير والميم، فليصح في ~~الوزن المستقيم. قال النحويون: والفم، إذا أفرد كان بالميم، فأن أضفته ل ~~تجمع بين الميم والإضافة. تقول: هذا فوك، ولا يحسن: فمك إلا في الشعر، قال ~~الشاعر: # كالحوت لا يرويه شيء يلهمه ... يصبح عطشان وفي الماء فمه # اللهم: شدة الابتلاع - ولا يجوز تشديد هذه الميم بحال في الكلام، وقد جاء ~~فليلا في الشعر، قال الراجز: وأسطمة النسب، وأطمسته، على القلب: وسطه ~~ومجتمعه فأتى في هذا البيت الهاء مع الميم المشددة. # وأنشدني سيدي أبي رضي اله عنه، قال: أنشدنا الفقيه الفاضل أبو القاسم عبد ~~الرحمن بن الوزير أبي علي كاتب مؤنس، قال أنشدني أبي: # تقوس بعد طول العمر ظهري ... وداستني الليالي أي دوس # فأمشى والعصا تمشي أمامي ... كأن قوامها وتر لقوس # وأنشدني غير واحد من شيوخ الأفارقة، للأديب الماهر أبي الحسن علي بن حبيب ~~يصف بحر سفاقس في مده وجزره، وقد دخلتها فرأيت معنى ما قال في شعره: # سقيا لأرض سفاقس ... ذات ms033 المصانع والمصلى # بلد يكاد يقول حين تزوره أهلا وسهلا # وكأنه والبحر ين ... ضب تارة عنه ويملا # صب يريد زيارة ... فإذا رأى الرقباء ولي # وأنشدني شيخ الإتقان، وواحد أسانيد الفرقان، أبو العباس أحمد بن عبد ~~الرحمن، سبط الأستاذ أبي محمد المعزول، قال: أنشدنا الأستاذ المقرئ أبو ~~داود، قال: أنشدنا الأستاذ المقرئ اللغوي النحوي الشاعر أبو الحسن علي بن ~~عبد الغني الحصري: # يا ناثرا در عيني بل عقيق دمي ... ما بال طرفك دوني صح بالسقم # وما لتفاحتي خديك أينعتا ... فأفطرت منهما عيني وصام فمي # وقال في غلام اسمه هارون: # يا غزالا فتن الناس بعينيه فتونا # أنت هاروت ولكن ... صحفوا تاءك نونا # وأنشدونا أيضا للأديب أبي الفتح عبد العزيز بن جعفر العذري: # نظر الناس إلى حسن الذي أهوى وحزني # فرأوا يوسف منه ... ورأوا يعقوب مني # وأنشدونا للشاعر المصيب أبي الحسن عبد الكريم بن فضال: # ولما تدانوا للرحيل وقربت ... عتاق المطايا والركاب تسير # وضعت علي قلبي يدي مبادرا ... فقلوا محب للعناق يشير # فقلت ومن لي بالعناق وإنما ... تداركت قلبي حين كاد يطير # وقال أبو زيد بن العمة في الشطرنج: PageV01P020 هلم إلى تدبير جيشين جمعا ~~... رخاخ وأفيال وجرد سوابح # تكبرن عن حمل السلاح إلى الوغى ... فأرماحها ألبابنا والقوائح # وأنشدني غير واحد، قالوا أنشدنا: الوزير أبو بكر محمد بن محمد بن القصيرة ~~من أبيات، يهنئ فيها بمولود: # لم يستهل بكا ولكن منكرا ... أن لم تعد له الدروع لفائفا # ومن أبدع ما قيل في هذا المعنى قول الأديب أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد ~~الأنصاري الإشبيلي المعروف بالأبيض، وكان من فحول شعراء المغرب المذكورين ~~بالسبق في الشعر والأدب، ومات بعد خمس وعشرين وخمسمائة: # أصاخت الخيل آذانا لصرخته ... وأهتز كل هزبر عند ما عطسا # تعشق الدرع مذ شدت لفائفه ... وأبغض المهد لما أبصر الفرسا # تعلم الركض أيام المخاض به ... فما امتطى الخيل إلا وهو قد فرسا # وأنشدونا لابن فتوح: # ومدامة صفراء عللني بها ... قمر كغصن البان في حركاته # صفراء تغرب إن بدت من كفه ... في فيه ثم ms034 تلوح من وجناته # وأنشدني الفقيه القاضي المحدث النحوي أبو محمد عبد المنعم بن محمد ابن ~~عيد الرحيم الخزرجي بمدينة غرناطة، قال: أنشدني الوزير الكاتب أبو عامر ~~محمد بن أحمد بن عمر السالمي - صاحب كتاب الجمان، ونتائج الزمان، في ذكر ~~الشعراء الأعلام، في الجاهلية والإسلام. ومؤلف درر القلائد، وغرر الفوائد. ~~ومؤلف بستان الأنفس، في نظم أعياد الأندلس - لأبي الحسن بن مظفر، من اله ~~مدينة ذاتية، في غلام رآه في الحمام يضرب بالماء وجهه: # لقد نعمت بحمام تطلع في ... أرجائه قمر والحسن يكمله # أبصرته كلما راقت محاسنه ... ونعمة الجسم الأرداف تحجله # يرش بالماء خديه فقلت له ... صف لي كذا أحمر الياقوت تصقله # قال وأنشدني للأديب الأوحد أبي محمد بن عبد الله بن سارة الشنتريني: # أعندك أن البدر بات ضجيعي ... فقضيت أوطاري بغير شفع # جعلت ابنة العنقود بيني وبينه ... فكانت لنا أما وكان رضيعي # قال ذو النسبين، رضي الله عنه: أبو محمد بن سارة هذا، أدبه موفور، وشعره ~~مشهور، لقيت جماعة من أصحابه. ومات، رحمه الله، سنة سبع عشرة وخمسمائة، ~~وانتقل من بلده شنترين إلى مدينة إشبيلية، وهو أوحش حالا من الليل، وأكثر ~~انفرادا من سهيل؛ فانتجع الوراقة على كساد سوقها، وفساد طريقها. فتركها ~~وأنشد فيها: # أما الوراقة فهي أنكد حرفة ... أغصانها وثمارها الحرمان # شبهت صاحبها بإبرة خائط ... تكسو العراة وجسمها عريان # وأنشدني الفقيه القاضي أبو محمد عبد المنعم الخزرجي قال: أنشدني الوزير ~~أبو عامر السالمي لنفسه - ونقلته من خطه - في خال خد: # أوقد النار بقلبي ... ثم هبت ريح صده # فشرار النار طارت ... فانطفت في ماء خده # قال: وأنشدني أيضا أبو عامر لنفسه في وصف النارنج: # أنظر إلى زهر الرياض كأنه ... ديباجة بسطت لقوم مجد # وكأنما النارنج في أغصانها ... زهر الكواكب في سماء زبرجد # وأنشدني الفقيه المحدث المؤرخ الثقة القاضي أبو القاسم خلف بن عبد الملك ~~ابن مسعود بن بشكوال الأنصاري بمنزلة بمدينة قرطبة، قال: حدثنا الثقة العدل ~~أبو القاسم خلف بن محمد بن صواب اللخمي، قال: أنشدنا المقرئ اللغوي النحوي ~~الأديب أبو ms035 الحسن علي بن عبد الغني الفهري الحصري لنفسه بمدينة مرسية سنة ~~إحدى وثمانين وأربعمائة في جارية بيضاء منتقشة: # خضبت يديها لون فاحمها فما ... نقص البياض ملاحة بل زادا # ما بال شيبي تنكرين خضابه ... وأراك خاضبة البياض سوادا # قالت نجيعك في يدي وإنما ... بدلته أسفا عليك حدادا PageV01P021 ودخلت ~~على سلطان بلنسية - كان - العالم أبي عبد الملك مروان بن عبد الله، ابن عبد ~~العزيز في بستانه بحضرة مراكش وهو يتوضأ للصلاة، فنظر إلى لحيته، وقد ~~اشتعلت بالشيب اشتعالا فأنشدني لنفسه ارتجالا: # ولما رأيت الشيب أيقنت أنه ... نذير لجسمي بانهدام بنائه # إذا ابيض مخضر النبات فإنه ... دليل على استحصاده وفنائه # وأنشدني الوزير بليغ شرق الأندلس أبو بكر بن مغاور في منزلة بمدينة ~~شاطبة، قال: سمعت القاضي الشهيد الإمام أبا علي حسين بن محمد الصدفي يقول: ~~سمعت الفقيه الإمام الأديب أبا زيد عبد الرحمن بن شاطر السرقسطي ينشدنا ~~لنفسه: # قد كنت لا أدري لأية علة ... صار البياض لباس كل مصاب # حتى كساني الدهر سحق ملاءة ... بيضاء من شيبي لفقد شبابي # فبذا تبين لي إصابة من رأى ... لبس البياض على توى الأحباب # يقال: توى يتوى، بفتح الواو في الماضي، وبكسرها في المضارع، وهي لغة طئ، ~~والمصدر: توى، مقصور؛ كل بالتاء المثناة باثنتين من فوق. ولغة أهل الحجاز: ~~توى، بكسر الواو؛ ويتوى، بالفتح في المضارع، وهو اختيار الخليل: كل ذلك إذ ~~هلك. ولبس البياض هي عادة أهل الأندلس في الحزن على موتاهم، استنوا ذلك من ~~عهد بني أمية قصدا لمخالفة بني العباس في لباسهم السواد، ولذلك قال الأستاذ ~~النحوي أبو الحسن الحصري: # إذا كان البياض لباس حزن ... بأندلس فذاك من الصواب # ألم ترني لبست بياض شيبي ... لأني قد حزنت عل الشباب # ولقيت بمدينة غرناطة الوزير الأجل أبا بكر، محمد بن أبي العافية الأزدي ~~القتندي الأصل الأغرناطي المنشأ، وكان من بقايا الأدباء وفحول الشعراء، ~~ورواة الحديث عن العلماء. سمع كتاب الملخص وصحيح مسلم على فقيه شرق الأندلس ~~في زمانه الحافظ أبي محمد بم أبي جعفر. وقرأ الأدب ms036 على الأستاذ أبي عبد ~~الله بن خطاب المرسى - عرف بالجزار. وعلى الأديب أبي عبد الله محمد بن وضاح ~~- يعرف بالبقيرة. وقرأ على الوزير أبي إسحاق الخفاجي نظمه ونثره في مجلدين. ~~وقرأ على الأديب أبي الوليد يونس بن أبي عيسى الخباز. وله شعر كثير وأدب ~~غزير. # مولده سنة ثلاث شعرة وخمسمائة، وتوفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة ~~بأغرناطة. سمعت منه وأجاز لي ولأخي أبي عمرو وجميع ما رواه ونثره ونظمه. ~~فمن شعره في الشيب: # لأمر ما أكابد كل شجو ... إذا سجعت على الأيك الحمام # لأن بياضها كبياض شيبي ... فمعنى سجعها قرب الحمام # وأنشدني هذا الوزير أيضا لنفسه في تفاحة بيد غلام وسيم يأكلها: # ولا كتفاحة حمراء همت بها ... إذ أشبهت خد من قلبي متيمه # سمت بها كفه يوما إلى فمه ... فخلته البدر والمريخ يلثمه # أو شاربا كأس صهباء معتقة ... ولا حباب سوى أن راق مبسمه # وأنشدونا لأبي عثمان سعيد بن فتحون بن مكرم التجيبي في الشيب لنفسه: # تخط يد الزمان على عذارى ... سطورا من حروف الشيب بيضا # فأبغضها وإن كانت كصبح ... ولم أر قبلها صبحا بغيضا # ودخلت على سلطان بلنسية المتقدم ذكره، بعد ذهاب ملكه، وانتثار سلكه، في ~~داره بمدينة مراكش، وقد كان خطب له من حصن لقنت إلى مدينة لاردة، وكانت ~~الأوامر عنه فيها صادرة واردة؛ وهو يعالج سكرات الموت، وقد أشرف على الفوت؛ ~~فأنشدني في ذلك الوقت الذي تذهل فيه العقول، ويزول عنها المعقول: # إله الخلق هب لي منك عفوا ... تحط به وتغفر من ذنوبي # وسعت الخلق إجمالا وفضلا ... فهل لي في نوالك من ذنوب # الذنوب، في اللغة: الحظ والنصيب، ومنه قول علقمة بن عبدة: # وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب # أي نصيب، ومنه قول الراجز أيضا: # لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب PageV01P022 والذنوب، ~~أيضا: الدلو العظيمة إذا ملئت أو قاربت الملء، وهو السجل أيضا فالموت نهاية ~~كل عيش، وغاية كل ملك وجيش. # ومن مليح ما أنشدنيه، وقد ولي مكانه من لا يساويه ms037 ولا يدانيه: # ولا غرو بعدي أن يسود معشر ... فيضحى لهم يوم وليس لهم أمس # كذلك نجوم الجو تبدو زواهرا ... إذا ما توارت في مغاربها الشمس # وأنشدني المحدث العدل أبو القاسم بن بشكوال، قال: أنشدنا أبو القاسم ابن ~~صواب المقرئ قال: أنشدنا الأستاذ أبو الحسن الحصري لنفسه في التجنيس: # فارقتني وأنا والشوق إلفان ... فسل رسولك عني كيف ألفاني # قبلت كتبك من فرط الهوى قبلا ... أقلهن إذا عددت ألفان # وكتب إلى العالم الأديب الحسيب أبي محمد غانم بن وليد المخزومي: # لقد فاق في نثره غانم ... بديع الزمان وقابوسه # وروى الظماء بماء النع ... يم فلا عيش إلا وقى بوسه # بديع الزمان، هو علامة همذان، وصاحب المقامات المبتكرات الحسان. وقابوس؛ ~~وهو الملك شمس المعالي بن وشمكير الديلمي صاحب طبرستان وجرجان. وله نثر ~~بديع ومنظوم، وبصر بأحكام النجوم، ذكره مشهور معلوم، وهو القائل: # قل للذي بصروف الدهر عيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر # أما ترى البحر يطفو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر # وإن تكن نشبت أيدي الزمان بنا ... ونالنا من تمادي بؤسه ضرر # ففي السماء نجوم مالها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر # وأنشدني شيخنا الوزير الفقيه المحدث الكاتب السامي المراتب، أبو عبد الله ~~محمد بن أبي القاسم بن عميرة، قال: أنشدنا الفقيه الإمام المحدث المفسر أبو ~~الحسن علي بن عبد الله بن موهب الجذامي، يعرف بابن الرقاق، بالراء المهملة: # محبك يسهر الليلا ... يكيل دموعه كيلا # تمنيه الوصال ولا ... ينال من الرضا نيلا # ستقتله كما فعلت ... بقيس قبله ليلى # وسأل شيخنا القاضي الفقيه ببلنسية أبو الحسن محمد بن واجب شيخنا الإمام ~~المحدث المفسر أبا الحسن بن الرقاق، كم تحفظ من الشعر: فقال: ألف قطعة مثل ~~هذه في الحسن، وأنشد: # وشادنين ألما بي على مقة ... تنازعا الحسن في غايات مستبق # كأن لمة ذا من نرجس خلقت ... على بهار وذا مسك على ورق # وحكما الصب في التفضيل بينهما ... ولم يخافا عليه رشوة الحدق # فقام يدلي إليه الريم حجته ... مبينا بلسان منه منطلق # فقال وجهي ms038 بدر يستضاء به ... ولون شعري مقطوع من الغسق # وكحل عيني سحر للنهى وكذا ... ك السحر أحسن ما يعزي إلى الحدق # وقال صاحبه أحسنت وصفك ل ... كن فاستمع لمقال في متفق # أنا على أفقي شمس النهار ولم ... تغرب وشقرة شعري شقرة الشفق # وفضل ما عيب في عيني من زرق ... أن الأسنة قد تعزي إلى الزرق # قضيت للمة الشقراء حيث حكت ... لوني كذا حبها يقضي على رمقي # فقام ذو اللمة السوداء ترشقني ... سهام أجفانه من شدة الحنق # وقال: جرت؛ فقلت الجور منك على ... قلبي ولي شاهد من دمعي الغدق # فقلت عفوك إذ أصبحت متهما ... فقال دونك هذا الحبل فأختنق PageV01P023 ~~وهذه القطعة للفقيه أبي أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي، يعرف ~~بالملتمس - والمتلمس في اللغو معناه: الطالب - وهو صاحب كتاب " الأحكام مما ~~لا يستغني عن علمه الحكام " وصل إليه فتيان: أحدهما ذو لمة شقراء، والآخر ~~ذو لمة سوداء، يتحاكمان عنده أيهما أجمل. فقال هذه الأبيات. فتكلم بألسنة ~~المجيدين، وتصرف المطبوعين؛ فجمع الله العظيم له براعة الفقهاء، وبلاغة ~~الشعراء النبهاء. # وأنشديني الفقيه القاضي بمدينة دانية أبو عبد الله محمد، ابن الفقيه ~~القاضي بسبتة أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، قال: أنشدني أبي ~~لنفسه، في خامات زرع، بينها شقائق نعمان، هبت عليه ريح: # أنظر إلى الزرع وخاماته ... تحكي وقد ماست أمام الرياح # كتيبة خضراء مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح # الخامة: القصبة الرطبة من الزرع. # وأنشدني أيضا، قال: أنشدني أبي لنفسه رحمه الله: # يا من تحمل عني غير مكترث ... لكنه للضنى والسقم أوصى بي # تركتني مستهام القلب ذا حرق ... أخا جوى وتباريح وأوصاب # أراقب النجم في جنح الدجى سهرا ... كأنني راصد للنجم أو صابي # وما وجدت لذيذ النوم بعدكم ... إلا جنى حنظل في الطعم أوصاب # قوله: أوصى بي، من الوصية. والأوصاب: جمع وصب،و هو المرض وصب يوصب فهو ~~وصب، إذا لزمه وجع. والصابي، يهمز ولا يهمز؛ قرأ نافع: الصابين والصابون ~~حيث وقع من القرآن بلا همز. وذلك على وجهين: أحدهما أن يكون خفت ms039 الهمزة؛ ~~والوجه الآخران يكون: صبا إلى اللهو يصبو صبوا. والباقون يهمزون من قواهم: ~~صبأ في الدين صبوءا، فالصبأة، مثل: كافر وكفرة، ومعناه الخارج من دين إلى ~~دين، لأنهم خرجوا من اليهودية والنصرانية إلى دين ثالث. معظمهم يعبد ~~الدراري، ومنهم من يعبد الملائكة؛و قبلة صلاتهم من قبل مهب الجنوب. ويزعمون ~~أنهم على دين نوح، على نبينا وعليه السلام، وفيهم اختلاف وكلام. والصاب: ~~الصبر، وهو مر. # وأنشدني أيضا لأبيه: # الله يعلم أني منذ لم أركم ... كطائر خانه ريش الجناحين # فلو قدرت ركبت البحر نحوكم ... فإن بعدكم عني جنى حيني # وأنشدنا أيضا لأبي محمد عبد الله بن هارون من شعراء السبتيين المطبوعين ~~في غلام رفاء، وكأن وجهه قمر سماء: # يا رافيا قطع كل ثوب ... ويا رشا خيب اعتقادي # عسى بكف الوصال ترفو ... ما قطع الهجر في فؤادي # وأنشدني أيضا قال: أنشدني أبي لموسى بن عيسى السمسار البلغواطي في غلام ~~أهدى له بنفسجا: # ما كان ألطفه بروح محبه ... إذ سلها منه بغير تخرج # أهدى إليه بنفسجا يشتمه ... فإذا به رفقا دع يا نفس جي # وهذه القبيلة يقال لها: بلغواطة، بلام مفتوحة، وإسكان الغين. والنسب ~~إليها: بغلواطي. قرأته في كتاب " تثقيف اللسان، وتلقيح الجنان " ، للقاضي ~~الجليل أبي حفص بن عمر بن خلف الحميري المازري قال: أخبرني بذلك اللغوي ~~النحوي أبو بكر محمد بن البر التميمي، عن اللغوي الكبير أبي عبد الله ~~القزاز، قال: والعامة تقوله بالراء: برغواطة، والصواب: بلغواطة، كما تقدم. # وأنشدني أيضا قال: أنشدني أبي الفقيه الأديب أبي الحسن علي بن عمر، ابن ~~الإمام الفقيه عالم سبتة أبي محمد عبد الله بن غالب: # ومهفهف خنث الجفون كأنما ... من أرجل النمل استفاد عذارا # فتخاله ليلا إذا استقبلته ... وتخال ما يجري عليه نهارا # وأنشدني أيضا قال: أنشدني أبي، قال: أنشدني الشيخ أبو علي الحسن ابن علي ~~بن الفضل الفقيه، قال: أنشدني خالك أبو بكر محمد بن علي المعافري - المعروف ~~بابن الجوزي - للكاتب أبي بكر عطاء، كاتب صاحب سبته الحاجب بهاء الدولة ~~وكاتب أبيه قبله: # سأمنع قلبي ms040 أن يكون لكم مثوى ... وأستدفع البلوى وأستصرف اللهوا # وما سرني بعد الرضا إذ غدرتم ... وغدرتم بين الحشى هضبتي رضوى ~~PageV01P024 وصيرتم العتبي عتابا فكلما ... أبثكم شجوى تزيدونني شجوا # قضى الله أن أقصي وأصفيكم الهوى ... وغيري يستدني وإن كان لا يهوى # وما كان ظني قبل ذا أن حاسدي ... بمنهلكم يروي وأني لا أروي # وما جلت البلوى علي وإنما ... شماتة أعدائي أجل من البلوى # وأنشدني أيضا قال: أنشدني للفقيه الأجل أبي العباس أحمد بن سعيد ابن غازي ~~السبتي يصف ناقة: # حرف كمثل الصاد إلا أنها ... بعد السرى جاءت كحرف النون # كالبدر قدره الإله منازلا ... في الأفق حتى عاد كالعرجون # والحرف: المسنة. وقال أبو زيد سعيد بن أوس اللغوي: هي النجيبة التي ~~أنضتها الأسفار، وأنكر على من قال: هي المهزولة. وقال صاحب كتاب العين. هي ~~الصلبة، شبهت بحرف الجيل، ثم قال: شبهت بحرف السيف في مضائها. # وأنشدني جماعة من شيوخي رحمهم الله، منهم: الشيخ الفقيه المقري المجود ~~الخطيب المحدث أبو جعفر أحمد بن البلنسي، المعروف بابن اليتيم، بجامع مدينة ~~مالقة قال: أنشدني العالم الزاهد المقرئ الأديب المتصوف أبو العباس أحمد بن ~~محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي، المشهور بابن العريف: # سلوا عن الشوق من أهوى فإنهم ... أدنى إلى النفس من وهمي ومن نفسي # ما زلت مذ سكنوا قلبي أصون لهم ... لحظي وسمعي ونطقي إذ همو أنسي # وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهم ... فكيف قروا على أذكى من القبس # حلوا الفؤاد، فما أندى، ولو وطئوا ... صخرا لجاد بماء منه منبجس # لأنهضن إلى حشري بحبهم ... لا بارك الله فيمن خانهم فنسى # وأنشدني الشيخ الفقيه الأجل، إمام النحويين، قاضي قضاة المغرب، بقية ~~أعلام مشيخة الأندلسيين، أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء اللخمي رضي ~~الله عنه قال: أنشدني الفقيه الإمام المفسر النحوي الأصولي، القاضي بمدينة ~~المرية أبو محمد عبد الحق بن الإمام أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية ~~المحاربي يمدح الملثمين ملوك المغرب المتقدمين: # إذا لثموا بالريط حلت وجوههم ... ازاهر تبدو من فتوق كمائم ms041 # وإن لثموا بالسابرية أظهروا ... عيون الأفاعي من جلود الأراقم # وأنشدني شيخنا أيضا قال: أنشدنا أستاذ المقرئين الفقيه الخطيب القاضي ~~إشبيلية أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني قال: أنبأنا الإمام حافظ ~~أهل زمانه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري لنفسه في كتابه ~~إلينا: # لئن أصبحت مرتحلا بشخصي ... فروحي عندكم أبدا مقيم # ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم # وأنشدني جماعة من شيوخي رحمهم الله منهم الأستاذ النحوي أبو القاسم ~~السهيلي - والأستاذ كلمة ليست بعربية، ولا توجد هذه الكلمة في الشعر ~~الجاهلي. وأصطلحت العامة إذا عظموا المحبوب أن يخاطبوه بالأستاذ، وإنما ~~أخذوا ذلك من الماهر بصنعته، لأنه ربما كان تحت يده غلمان يؤدبهم، فكأنه ~~أستاذ في حسن الأدب. حدثني بهذا جماعة بغداد، منهم جمال الدين أبو الفرج ~~ابن الجوزي رحمه الله. قال: سمعته من شيخنا اللغوي أبي منصور موهوب ابن ~~أحمد الجواليقي، في كتاب المعرب من تأليفه وكان السهيلي فردا في زمانه، ~~لبراعته في العلوم وافتنانه. قال: أنشدني الإمام العالم الزاهد أبو عبد ~~الله محمد بن معمر المذحجي قال: أنشدني الأديب الشاعر أبو القاسم خلف بن ~~فرج الألبيري - المعروف بالسميسير - لنفسه: # بعوض جعلن دمي قهوة ... وعنينني بضروب الأغان # كأن عروقي أوتارها ... وجسمي الرباب وهن القيان # وأنشدني سيدي أبي رضي الله عنه للسميسر يصف الدهر وتقلبه بأهله، وذلك من ~~فعل الله لا من فعله: # الناس مثل حباب ... والدهر لجة ماء # فعالم في طفو ... وعالم في انطفاء PageV01P025 وهجوه أكثر من مدحه، يا رب ~~سامحه على قبحه. له مجلدات سماها بشفاء الأغراض، في أخذ الأعراض. # وأنشدني الشيخ الفقيه الأجل القاضي بجزيرة شقر أبو يوسف يعقوب ابن محمد ~~بن طلحة بمنزلي بمدينة شاطبة، قال: أنشدني الوزير الأديب الشاعر المصيب أبو ~~إسحاق الخفاجي لنفسه: # ما للزمان يجوز في أبنائه ... حكما ويرمقهم بعين العائب # فيحط علوهم ويرفع سفلهم ... فكأنهم قلم بيمني كاتب # وأنشدني الأستاذ شيخ الإتقان، وواحد أئمة الفرقان، أبو العباس أحمد بان ~~عبد الرحمن، قال: أنشدنا الأستاذ أبو داود سليمان ms042 بن يحيى، قال: أنشدنا ~~الأستاذ أبو الحسن الحصري لنفسه: # ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي # رقص البراغيث حولي ... على غناء البعوض # وأنشدني الوزير الكاتب الناظم الناثر العالم أبو يحيى أبو بكر بن عيد ~~الغني، المعروف بابن الجنان، بمدينة مراكش سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ~~قال: أنشدني الوزير الأديب أبو الإصبغ بن رشيد، وقد هطلت بإشبيلية سحابة ~~بقطر أحمر، يوم السبت الثالث عشر من صفر عام أربعة وستين وخمسمائة: # لقد آن للناس أن يقلعوا ... ويمشوا على المنهج الأقوم # متى عهد الغيث يا غافلا ... كلون العقيق أبو العندم # أظن الغمام في جوها ... بكت رحمة للورى بالدم # وفيها من غير هذا المعنى: # لا تكن دائم الكآبة مما ... قد سرى في الثرى نميرا نجيعا # لطم البرق صفحة المزن حتى ... سال منه على الرياض نجيعا # النجيع الأول، من قولهم: نجع الطعام ينجع نجوعا؛ كنا بقال: نمير. ونجع في ~~الدابة العلف، إذا أثر فيها فسمت وقويت على المشي؛ وقد نجع فيه الخطاب ~~والوعظ والدواء: دخل وأثر. قال الثقة عبد الله محمد بن أبي العباس اليزيدي: ~~النجيع: ما نجع في البدن من طعام وشراب. وأنشد لمسعود أخي ذي الرمة: # وقد علمت أسماء أن حديثها ... نجيع كما ماء السماء نجيع # والنجيع الثاني، من الدم، ما كان إلى السواد. وقال الأصمعي: هو دم الجوف ~~خاصة. # وفيها، وأستغفر الله: # ليس ما قد همي عذابا ولكن ... هو عندي من الثغور العذاب # ضحك البرق عن لثات عيقق ... بين در من القطار مذاب # وأنشدني لابن رشيد في دولاب: # ومجنون إذا دارت سمعت لها ... صوتا أجش وطل الماء ينهمل # كأن أقدسها ركب إذا سمعوا ... منها حداء بكوا للبين وارتحلوا # الأقداس: جمع قدس بفتح القاف والدال، والعامة تقول، قادوس. # وأنشدني له في اللغز، في فتى أسمه مالك: # غزالي الجفون شقيق بدر ... تبسم عن عقيق فوق در # له نفحات مسك أي مسك ... له نفثات سحر أي سحر # شكوت له الهوى والهون منه ... فقال عليك باسمي سوف تدري # تعملت القساوة من سمي ... وأحرقت القلوب بنار هجري # وأنشدني الفقيه ms043 الأجل العالم الحسيب أبو الحسن علي بن أحمد بن علي ابن ~~فتح، وهو لبال بن أمية بن إسحاق القرشي الأموي، بمنزلة بمدينة شريش شذونة، ~~وهو عين ذلك المصر، وفارسه في الفقه والنظم والنثر؛ ولي القضاء به فحمدت في ~~ذات الله مآثره وآثاره، وسارت في العدل أخباره؛ يتشوق إلى الروضة المقدسة ~~الطاهرة، ويسلم على محمد سيد ولد آدم في الدنيا، وسيد الناس في الآخرة ذي ~~الآيات البينات والمعجزات الباهرة، صلى الله عليه ما زهرت الكواكب ودارت ~~الأفلاك الدائرة. # سلام ولا أقرا سلاما على هند ... صرفت إذا مسراي عن مسلك الرشد # على قمر لو أطلعته يد الثرى ... لقصر عن لألأئه قمر السعد # وأربى على نور الغزالة نوره ... كما يفضل الحر الكريم على العبد # فطاب به ترب الضريح بطيبه ... فيعبق عن مسك ندى وعن ند PageV01P026 ويضحك ~~عن روض تداني يد الصبا ... به صفحة السوسان من صفحة الورد # فطوبى لمن أضحى يمرغ لوعة ... بتربه ذاك القبر خدا إلى خد # بني عليه من تلأبؤ نوره ... تلألؤ برق أسرجته يد الرعد # نما من قريش في ذؤابة هاشم ... فما شئت من فضل عميم ومن مجد # سلام عليه ما تغنت حمامة ... وفاح ذكي المسك من جنة الخلد # وما أنشد المشتاق إن هبت الصبا ... ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد # وأنشدني أيضا لنفسه في الجلمين: # ومعتنقين ما اتهما بعشق ... وإن وصفا بضم واعتناق # لعمر أبيك ما اجتمعا لمعنى ... سوى معنى القطيعة والفراق # وأنشدني أيضا في محبرة عناب محلاة بفضة: # منعلة بالهلال ملجمة ... بالنسر مجدولة من الشفق # كأنما حبرها تميع في ... فرضتها سائلا من الغسق # فأنت مهما ترد شبيهتها ... في كل حال فأنظر إلى الأفق # وله في محبرة آبنوس: # وخديمة للعلم في أحشائها ... كلف بجمع حرامه وحلاله # لبست رداء الليل ثم توشحت ... بنجومه وتتوجت بهلاله # وأنشدني لنفسه في اللغز: # سبيئتان اثنتان هذى ... حل مباح وذي حرام # قل لذوي العلم خبروني ... ما الحل منها وما الحرام # السبيئة الأولى: هي شاة المسلوخة، يقال سبأت الجلد، إذا سلخته؛ والثانية: ~~الخمر. # وأنشدني ms044 أيضا في الغز لنفسه: # معانقة العجوز أشد عندي ... وأقتل من معانقة العحوز # وما ريق العجوز أمر عندي ... ولا بألذ من بول العجوز # العجوز الأولى: المرأة المسنة، والثانية: السيف؛ والثالثة: الخمر؛ ~~والرابعة: البقرة؛ وبولها: لبنها. # وله، حجازية: # متى أقول وقد كلت ركائبنا ... من السرى وارتكاب البيد في البكر # يا نائمين على الأكوار ويحكم ... شدوا المطي بذكر الله في السحر # أما سمعتم بحادينا وقد سجعت ... ورق لحمائم فوق الأيك والسمر # هذي البشارة يا حجاج قد وجبت ... غدا تحطون بين الركن والحجر # ومن شعراء الأندلس الذي فاخرت به شعراء العراق، وأجلب به المغرب على ~~المشرق وجلبت إليه من أنفاسه نفائس الأعلاق، وسارت أشعاره سير الأمثال في ~~الآفاق، الشاعر الرقيق: # أبو الحسن ابن الزقاق # علي بن عطية بن الزقاق # وقد حدثني بديوانه، جماعة من أخدانه. منهم الأديب الوزير، أبو بكر يحيى ~~ابن محمد الأنصاري الأركشي، أتحفه الله برداء عرفانه،. فمن بديع شعره ~~ومنظوم دره قوله: # لعمر أبيها ما نكثت لها عهدا ... ولا فارقت عيني لفرقتها السهدا # أتأمرني سعدي بأن أهجر الكرى ... وأعصي على طوعي لأجفانها سعدي # برئت إذا من صحبة الركب والسرى ... ولا عرفت إبلى ذميلا ولا وخدا # وليل طرقت الخدر فيه وللدجى ... عباب تراه بالكواكب مزبدا # أجاذب عطف الملكية تحته ... وأسحب من ضافي العفاف به بردا # نعمت بها والليل أسود فاحم ... يغازل منها الأسود الفاحم الجعدا # فلم أر أشهى من لماها مدامة ... ولم أر أذكى من تنفسها ندا # تبسم عما قلدته فأجتلى ... بمبسمها درا ولبتها عقدا # ويعبق رياها إذا هبت الصبا ... فيحمل عنها نشرها العنبر الوردا # سل الريح عن نجد تخبرك أنها ... معطرة الأنفاس مذ سكنت نجدا PageV01P027 ~~وأن الغضا والسدر مذ جاورتهما ... بطيب شذاها أشبها البان والرندا # وله في غلام يكسف نور البدر إذا طلع نور طلعته، وقد رمي بحجر فأنشق شقيق ~~وجنته: # وأحوى رمي عن قسي الحور ... سهاما يفوقهن النظر # يقولون وجنته قسمت ... ورسم محاسنه قد دثر # وما شق وجنته عابث ... ولكنها آية للبشر # جلاها لنا الله كيما نرى ... بها كيف كان ms045 انشقاق القمر # وله في خود مهتصر الخصر، خدلجة المعصم والساق، تطالع من طلعتها مقاتل ~~الفرسان ومصارع العشاق: # وخود ضم مئزرها كثيبا ... يهال وبردها غصنا يراح # لها قلب أبي النطق اكتتاما ... وسر نطاقها أبدا مباح # وقد أمرتهما بالكتم لكن ... أطاع سوارها وعصى الوشاح # وله في ساق كأنما اعتصر من خده ما بيمينه، وأطلع في مشرق كأسه ما أشرق من ~~جبينه: # وساق يحث الكأس وهي كأنما ... تلألأ منها مثل ضوء جبينه # سقاني بها صرف الحميا عشية ... وثنى بأخرى من رحيق جفونه # هضيم الحشا ذو وجنة عندمية ... تريك قطاف الورد في غير حينه # فأسرب من يمناه ما فوق خده ... وألثم من خديه ما بيمينه # وله في محبوبة له، ودعها واستودعها قلبه، فاستصحبته معها: # أ أندب رسم دارهم المحيلا ... وأسأل عنهم الريح البليلا # وبي هيفاء من ظبيات نجد ... تضاهي الغصن والحقف المهيلا # أقول وقد توارت يوم حزوي ... بكلتها وأشغفت الحمولا # كرهت بأن ينالك لحظ عيني ... فكيف رضيت أحشائي مقبلا # وقال أيضا: # بأبي وغير أبي أغن مهفهف ... مهضوم ما خلف الوشاح خميصه # لبس الفؤاد ومزقته جفونه ... فأتى كيوسف حين قد قميصه # وله في الإشارة إلى دقة الخصر: # وآنسة زارت مع الليل مضجعي ... فعانقت غصن البان منها إلى الفجر # أسائلها أين الوشاح وقد سرت ... معطلة منه معطرة النشر # فقالت وأومت للسوار نقلته ... إلى معصمي لما تقلقل في خصري # قال ذو النسبين رضي الله عنه: ومن مليح ما سمعت في دقة الخصر ما أنشدنيه ~~صاحبنا الفقيه القاضي الأديب أبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر السلمي لنفسه: # لها ردف تعلق من ضعيف ... وذاك الردف لي ولها ظلوم # يعذبني إذا فكرت فيه ... ويتعبها إذا رامت تقوم # رجعنا إلى شعر الأديب أبي الحسن علي بنم عطية بن الزقاق: # ومرتجة الأعطاف أما قوامها ... فلدن وأما ردفها فرداح # ألمت فبات الليل من قصر بها ... يطير ولا غير السرور جناح # وبت وقد زارت بأنعم ليلة ... تعانقني حتى الصباح " صباح " # على عاتقي من ساعديها حمائل ... وفي خصرها من ساعدي وشاح # وله أيضا: ms046 # سقتني بيمناها وفيها فلم يزل ... يجاذبني من ذا ومن هذه سكر # ترشفت فاها إذ ترشفت كأسها ... فلا والهوى لم أدر أيهما الخمر # وله: # عذيري من هضيم الكشح أحوى ... رخيم الدل قد لبس الشبابا # أعد الهجر هاجرة لقلبي ... وصير وعده فيها سرابا # وله: # وعشية لبست رداء شقيق ... تزهي بلون للخدود أنيق # أبقت بها الشمس المنيرة مثل ما ... أبقى الحياء بوجنة المعشوق # لو أستطيع شربتها كلفا بها ... وعدلت فيهات عن كئوس رحيق # وله: PageV01P028 كتبت ولو أنني أستطي ... ع لإجلال قدرك دون البشر # قددت اليراعة من أفلي ... وكان المداد سواد البصر # وله: # وحبب يوم السبت عندي أنه ... ينادمني فيه الذي أنا أحببت # ومن اعجب الأشياء أني مسلم ... حنيف ولكن خير أيامي السبت # وله: # ومقلة شادن أودت بنفسي ... كأن السقم لي ولها لباس # يسل اللحظ منها مشرفيا ... لقتلى ثم يغمده النعاس # وله: # وقفت على الربوع ولي حنين ... لساكنهن ليس إلى الربوع # ولو أني حننت إلى مغاني ... أحبائي حننت إلى ضلوعي # وله: # يا ثاويا بضلوعي ما يفارقها ... وإن تحمل عن أكناف أربعه # لأنت إنسان عيني فأعجبن لمن ... إنسان مقلته ما بين أضلعه # وله: # رق النسيم وراق الروض بالزهر ... فنبه الكأس والإبريق بالوتر # ما العيش إلا اصطباح الراح أو شنب ... يغني عن الراح من سلسال ذي أشر # قل للكواكب غضي للكرى مقلا ... فأعين الزهر أولى منك بالسهر # وللصباح ألا فانشر رداء سنا ... هذا الدجى قد طوته راحة السحر # وقام بالقهوة الصهباء ذو هيف ... يكاد معطفه ينقد بالنظر # تطفو عليها إذا ما شجها درر ... تخالها اختلست من ثغره الخصر # والكأس في كفه بالراح مترعة ... كهالة أحدقت في الأفق بالقمر # وله في صفة فرس أغر: # وأغر مصقول الأديم تخاله ... برقا إذا جمع العتاق رهان # يطأ الثرى متبخترا فكأنه ... من لحظ من في متنه نشوان # فكأن بدر التم فوق سراته ... حسنا وبين جفونه كيوان # وله: # يا ضياء الصبح تحت الغبش ... أطراز فوق خديك وشى # أم رياض دبجتها مزنة ... وبدا الصدغ بها كالحنش # لست أدري أسهام اللحظ ما ... أتقى أم ms047 لدغ ذاك الأرقش # بأبي منك قسي لم تزل ... راميات أسمهما لم تطش # رشقت قلبا خفوقا يلتظى ... كضرام بيدي مرتعش # رب ليل بته ذا أرق ... ليس إلا من قتاد فرشي # سابحا في لجج الدمع ول ... كنني أشكو غليل العطش # وبروق الليل في أسدافه ... كسيوف بأكف الحبش # وسماء الله تبدي قمرا ... واضح الغرة كابن القرشي # ليس فرق في السنا بينهما ... والبها إن طلعا في غبش # غير أن الأفق مغمور بذا ... وبذا حومة " باب الحنش " # وهو أحد أبواب بلنسية، وهي مطيب الأندلس، وفيها يقول: # بلنسية إذا فكرت فيها ... وفي آياتها أسنى البلاد # وأعظم شاهدي منها عليها ... بأن جمالها للعين بادي # كساها ربنا ديباج حسن ... له علمان من بحر وواد # وأنشدني سلطانها - كان - أبو عبد الملك مروان بن عبد الله بن عبد العزيز: # كأن بلنسية كاعب ... وملبسها السندس الأخضر # إذا جئتها سترت نفسها ... بأكمامها فهي لا تظهر # وهذه تورية مليحة، فإن الأكمام ها هنا أكمام الأزهار والأشجار. # ولأبي الحسن بن الزقاق أيضا، وهو في الرقة يمتزج بالنسيم، ويعد في أنواع ~~البديع من نوع مليح التقسيم: # تضوعن أنفاسا وأشرقن أوجها ... فهن منيرات الصفاح بواسم # لئن كن زهرا فالجوانح أبرج ... وإن كن زهرا فالقلوب كمائم PageV01P029 ~~وأنشدني جماعة من شيوخي، منهم سيدي أبي الفقيه الفضل أبو علي حسن ابن علي، ~~وشاعر المغرب الأقصى ومفخرة في صناعة المحاكاة والتخييل أبو عبد الله محمد ~~بن حسين بن حبوس، قالا: أنشدنا الوزير أبو عامر بن الحمارة: # لله يوم كان فيه منادمي ... وجه الحبيب وزهرة البستان # صرعتني اللذات فيه مصارعا ... ما شئت من روح ومن ريحان # يا صاحبي تمتعا من ساعة ... شغل الزمان بها عن الحدثان # وله: # لو كنت آمل أن ألقاك في الحلم ... لما قرعت عليك السن من ندم # يحمي وصالك أعداء لهم رصد ... ويصرف الطيف أني بت لم أنم # يا مرسلا سهم عينيه ليقتلني ... من ذا أباح لذاك اللحظ سفك دمي # وله وقد أهدت إليه امرأة موصوفة بالجمال مسكا: # أتانا فتيت المسك يعبق عرفه ... ويثنى على ذاك الندى والتكرم ms048 # فأشعرني ريا حبيب أعيره ... على رقبة لحظ المشوق المتيم # فو الله لولا أن تقول لي المنى ... وراءك لا تقدم على غير مقدم # لحدثت نفسي عند ذلك أنني ... أشم الذي ما بين عينيك والفم # وأهدت إليه أخرى تفاحة فقال: # بعثت إلى كخدها تفاحة ... وكطعم ريقتها رحيقا سلسلا # فصرفت وجهي عنهما ولقد أرى ... مترشفا عذب الجنى ومقبلا # كي لا يغار على الحبيب حبيبه ... فيقول بات بغيرنا متعللا # وله: # لم أعشق الشمس سماوية ... بعيدة عن مركز العالم # إلا لأضحى في غرامي بها ... أعجوبة بين بني آدم # أنشدني الشيخ الفقيه الأديب القاضي بمدينة فاس أبو محمد عبد الله بن محمد ~~ابن عيسى التادلي رحمه الله، قال: أنشدني الوزير الأديب الشاعر المصيب أبو ~~القاسم المنيشي لنفسه في زرزور: # أ منبر ذاك أم قضيب ... يفرعه مصقع خطيب # يختال في بردتي شباب ... لم يتوضح بها مشيب # أخرس لكنه فصيح ... أبله لكنه لبيب # ومن فحول شعراء الأندلس؛ مالك أزمة القريض، وماسك راية التصريح فيه ~~والتعريض؛ شعره أرق من النسيم، وآنق من المحيا الوسيم، الوزير: # أبو إسحاق الخفاجي # إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله الخفاجي # من أعيان مدينة شقر، وهي جزيرة قد أحدق النهر بها؛ كما أحدق بحدقة شفر؛ ~~وحسبك من ماء سائح، وطائر صادح؛ وبطاح عرضة، ورياض أريضة؛ فلا ترى إلا ~~انسجام الغمام، ولا تسمع إلا ترنم البلبل والحمام. فمن قوله: # ومهفهف طاوي الحشا ... خنث المعاطف والنظر # بهر العيون بصورة ... تليت محاسنها سور # وإذا رنا وإذا شدا ... وإذا سعى وإذا سفر # فضح المدامة والحما ... مة والغمامة والقمر # قول الخفاجي: " و إذا رنا فضح المدامة " مأخوذ كم قول القائل: # وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر # ووصفه لها بالغمامة مأخوذ من قول الأعشى: # كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل # قال الوزير أبو إسحاق: سبب هذه القطعة أنى ذهبت يوما أريد باب السمارين ~~بشاطبة، ابتغاء الفرجة على جرية ذلك الماء بتلك الساقية، وذلك سنة ثمانين ~~وأربعمائة، وإذا الفقيه أبو عمران بن ms049 أبي تليد رحمه الله قد سبقني إلى ذلك، ~~فألفيته جالسا على مصطبة كانت هنالك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه، وجلست ~~إليه متأنسا به وبتلك الحال، فأنشد أثناء ما تناشدناه قول ابن رشيق رحمه ~~الله: # يا من يمر ولا تمر به القلوب من الفرق # بعمامة من خده ... أو خده منها استرق # فكأنه وكأنها ... قمر تعمم بالشفق PageV01P030 فإذا بدا وإذا مشى ... ~~وإذا رنا وإذا نطق # شغل الجوانح والجوا ... رح والخواطر والحدق # فقال، وقد اعجب بها جدا: احسن ما في القطعة حسن سياقة الإعداد. فقلت له: ~~هي حسنة، ولكنها دون موقعها منك. وإلا الست تراه قد استرسل فلم يقابل بين ~~ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد منها ما ~~يلائمها. وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله: " و إذا نطق " : قوله: " شغل الحدق ~~" . وكأنه نازعني القول في هذا. فقلت هذه القطعة المتقدمة انسج على ذلك ~~المنوال. قال: فاستحسنها ابن أبي تليد. # قلت: هذا تعسف. ولم يرد ابن رشيق مقابلة الأعداد بعضها ببعض، وإنما أراد ~~أن جملة محاسن هذا النير الزاهر، شغلت جملة هذا المتأمل الناظر. وقد عارضه ~~الخفاجي في هذا الروي: # يا شفقا ساطعا على فلق ... يا ذهبا سائلا على ورق # ما الحسن إلا معصفر شرق ... فاض على جسم أبيض يقق # قد نصب الحسن وجهه غرضا ... ترشقه اسهم من الحدق # أبيض واخضر شطر عارضه ... فاقترن النور منه بالورق # أنشدني الفقيه الأجل القاضي بمدينة شقر أبو يوسف يعقوب بن محمد بن خلف ~~ابن يونس بن طلحة للخفاجي: # كتبت وقلبي في يديك أسير ... يقيم كما شاء الهوى وأسير # ولي كل حين من هواك وأدمعي ... بكل مكان روضة وغدير # وله: # كتابنا ولدينا البدر ندمان ... وعندنا لكئوس الراح شهبان # والقضب مائسة والطير ساجعة ... والأرض كاسية والجو عريان # وله: # رب طرف كالطرف سرعة عدو ... ليس يسري سراه طيف الخيال # إن سرى في الدجى فبعض الدراري ... أو سعى في الفلا فإحدى السعالي # لست ادري إن قيد ليلة أسرى ... أو تمطيته غداة قتال # أ جنوب مقودة من جنيب ms050 ... أو شمال موضوعة في شمالي # جال في أنجم من الحلي بيض ... وقميص من الصباح مذال # أشهب اللون أثقلته حلي ... خب فيهن وهو ملقى الجلال # فبدا الصبح ملجما بالثريا ... وجرى البرق مسرجا بالهلال # قال ذو النسبين، رضي الله عنه: وقد اخذ هذا المعنى بعض أهل عصره، يقال: ~~هو أبو الصلت، فقال وزاد فيه معنى من معنى البديع، وهو التشكيل، فقال: # وأشهب كالشهاب وافي ... يجول في مذهب الجلا # قال حسودي وقد رآه ... يجنب خلفي إلى القتال # من ألجم الصبح بالثريا ... وأسرج البرق بالهلال # وقال الوزير أبو إسحاق بن خفاجة في قوس: # عوجاء تعطف ثم ترسل تارة ... فكأنما هي حية تنساب # وإذا أنحنت والسهم منها خارج ... فهي الهلال انقض منه شهاب # وله: # وعسى الليالي أن تمن بنظمنا ... عقدا كما كنا عليه وأفضلا # فلربما نثر الجمان تعمدا ... ليعاد أحسن في النظام وأجملا # وهذا مأخوذ من قول مهيار: # عسى الله يجعلها فرقة ... تعود بأكرم مستجمع # وله: # حيا بها ونسيمها كنسيمه ... فشربتها من كفه في وده # منساغة فكأنها من ريقه ... محمرة فكأنها من خده # وأنشدني الفقيه القاضي الفاضل أبو يوسف يعقوب بن محمد بن طلحة قال: ~~أنشدني الوزير أبو إسحاق الخفاجي لنفسه في النيلوفر: # ونيلوفر لم يدر ما مس حرقة ... بحب ولا ما لوعة وغرام # يهب مع الإصباح من سنة الكرى ... ويطبق ليلا جفنه فينام # وأنشدني له أيضا، يحمل على طلب العلم والتحلي به: # عش طالبا أو عليما ... فالجهل عين المحطه PageV01P031 ولا يصدك يأس ... ~~عن نيل أشرف خطه # فمبدأ النار سقط ... وأول الخط نقطة # ولما بلغ سن الكهولة، وأدرك من أقطار الشبيبة مأموله؛ نام فرأى أنه ~~مستيقظ يفكر فيما سلف من بطالته، ويتحسر على ما فرط من تجريه على معصية ~~الله واستطالته؛ ويتذكر ما مضى من شبابه، ومن انقضى منى أحبابه؛ ودمعه ~~يباري صوب المزن في انصبابه، ويحكيه في انسجامه وانسكابه؛ فانتبه وهو منتبه ~~لرشاده، مقبل على التزود لمعاده، منشد ما تنزعج القلوب من إنشاده: # ألا سأجل دموعي يا غمام ... وطارحني بشجوك يا حمام # فقد وفيتها ms051 ستين حولا ... ونادتني ورائي هل أمام # وكنت ومن لباناتي لبيني ... هناك ومن مراضعي المدام # يطالعنا الصباح ببطن حزوى ... فينكرنا ويعرفنا الظلام # وكان به البشام مراح أنسى ... فماذا بعدنا فعل البشام # فيا شرخ الشباب ألا لقاء ... يبل به على برح أوام # ويا ظل الشباب وكنت تندى ... على أفياء سرحتك السلام # ومن شعراء جزيرة الأندلس وفحولها، البريء مطروق الأشعار ومنحولها، ذو ~~الآداب والفنون: # أبو محمد عبد الجليل بن وهبون # دخل على السلطان أبي القاسم محمد بن عباد يوما، وهو ينشد قول المتنبي: # إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المطي ورازمه # وجعل يردده استحسانا له. فقال عبد الجليل بديها: # لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما ... تجيد العطايا واللهي تفتح اللها # تنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك ترويه إذا لتألها # فأمر له بمائتي دينار، وهو مثل قديم. # قال أبو سعيد القصار في جعفر بن يحيى: # لابن يحيى مآثر ... بلغت بي إلى السها # جاد شعري بجوده ... واللهي تفتح اللها # اللهي، بالضم: العطايا؛ واحدها: لهوة ولهية. واصلها: القبضة من الطعام ~~تلقى في الرحى لتطحن، فجعلت الدفعة من المال المعطى لهوة. وأما اللها، ~~بالفتح فجمع لهاة: الحلق. # ولما جاز السلطان ابن عباد البحر المسمى بالمحيط إلى مدينة سبتة، قاصدا ~~لأمير المسلمين، وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين للاستنجاد به على ~~الروم، وقد راموا الوثوب على الأندلس، بعد أخذ طليطلة، وهجموا على بلادها ~~أقبح هجوم قال: # أحاط جودك بالدنيا فليس له ... إلا المحيط مثال حين يعتبر # وما حسبت بأن الكل يحمله ... بعض ولا كاملا يحويه مختصر # لم تثن عنك يدا أرجاء ضفته ... إلا ومدت يدا أرجاؤه الأخر # كأنما البحر عين أنت ناظرها ... وكل شط بأشخاص الورى شفر # تأتي البلاد فتندى منك أوجهها ... حتى يقول ثراها هل همي المطر # ما القفر إلا مكان لا تحل به ... وحيثما سرت سار البدو والحضر # الأرض دارك فاسلك حيث شئت بها ... هو المقام وإن قالوا هو السفر # وله قصيدة يمدح ابن عباد، ويذكر ثباته يوم الوقعة بين جيوش المسلمين ~~والورم ms052 بالموضع المعروف بالزلاقة من عمل بطليوس، وكانت الزلاقة يوم الجمعة ~~لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، قتل فيها من شجعان ~~النصارى ثلاثون ألف فارس. ذكره النسابة أبو محمد الرشاطي في كتاب: " اقتباس ~~النور " ومن الرجالة ما لا يحصى، وطعن فرس ابن عباد تحته، فكبا به، فسقط ~~عنه. فقدم إليه بعض من ثبت من جنده معه فرسا، فركبه وأبلى بلاء حسنا وقاتل ~~قتالا شديدا - منها: # ولم يثبت من الأشياع إلا ... شقيقك وهو صارمك الحسام # يمان في يدي ماض يمان ... فلا نابي الغرار ولا كهام # ولم يحملك طرفك بل فؤاد ... تعود أن يخاض به الحمام PageV01P032 ثبت به ~~ثبات القطب لما ... أدار رحاه خطب لا يرام # ومنها: # مضوا في أمرهم سحرا ودارت ... بما عقدوا من الحلف المدام # فردوها على الشفرات بيضا ... وجدد في تعاطيها الندام # وما أخذتهم الأسياف لكن ... صواعق لا يبوخ لها ضرام # باخ الحر، إذا سكن، يبوخ بالخاء المعجمة. وباخت النار والحرب، إذا سكنتا. # إذا ما برقة برقت عليهم ... فإن القطر أعضاد وهام # ومنها يصف انهزام أذفونش تحت الظلام بجيشه منهم، وإلقاء الدروع عنه ~~وعنهم: # ستسألك النساء ولا رجال ... فحدث ما وراءك يا عصام # وراقبها بأرضك طالعات ... كما تهدي صواعقها الغمام # ومنها: # فإن شئت اللجين فثم " سام " ... وإن شئت النظار فثم " حام " # ومنها: # نضا أدراعه واجتاب ليلا ... يود لو انه في الطول عام # وله يتشوق إلى ابن عباد، وقد حضر بالمرية في بعض الأعياد، والشعراء ~~ينشدون المعتصم بالله أبا يحيى محمد بن معن بن صمادح سلطان تلك البلاد: # دنا العيد لو تدنو به كعبة المنى ... وركن المعالي من ذؤابة يعرب # فيا ويلتا للشعر ترمي جماره ... ويا بعد ما بيني وبين المحصب # وكان عبد الجليل منطقا بما يقول، يجري على لسانه المقول. حدثنا غير واحد ~~من شيوخنا رحمهم الله، منهم سلطان بلنسية أبو عبد الملك بن عبد العزيز، ~~والوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، والفقيه القاضي ~~بجزيرة شقر أبو يوسف يعقوب بن طلحة، ms053 قالوا: حدثنا الوزير أبو إسحاق إبراهيم ~~بن خفاجة قال: لقيت الشاعر أبا محمد عبد الجليل بين لورقة والمرية، فبتنا ~~نتناشد الأشعار، ونتذاكر الآداب والأخبار؛ فلما انفجر عمود الصباح، وحيعل ~~داعي الفلاح؛ وكان العدو على مقربة من البلاد، والناس في ضروب من الخوف ~~والأنكاد؛ سرنا وفؤاد عبد الجليل يطير فرقا، وفرائصه ترعد قلقا؛ فأخذت أسكن ~~روعه بأناشيد من القريض، وهو لما داخله من الوجل كالمدنف المريض؛ لا يبدي ~~ولا يعيد، إلى أن اطلعت لنا اليد؛ مشهدين وعليهما رأسان يخاطبان، من الحال ~~بأفصح لسان؛ فقلت مرتجلا، والركب يجد السير من الفزع عجلا: # ألا رب رأس لا تزاور بينه ... وبين أخيه والمزار قريب # أناف به صلد الصفا فهو منبر ... وقام على أعلاه وهو خطيب # فثاب لعبد الجليل عقله، وآب إليه ذكاؤه ونبله، فقال: # يقول حذارا لا اغترارا فطالما ... أناخ قتيل بي ومر سليب # وينشدنا: إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب # فإن لم يزره صاحب أو خليله ... فقد زاره نسر هناك وذيب # فها هو: أما منظرا فهو ضاحك ... إليك وأما نصبة فكئيب # يريد بقوله " أما منظرا فهو ضاحك " أن ذلك الرأس قد ذهبت عنه جلدته بطول ~~بلاه، فهو بحسب مرآه كأنه ضاحك، وبحسب معناه كأنه كئيب. ولم يذكر " الفتح " ~~منها في " قلائده " لعبد الجليل سوى بيت، هو قوله: # يقول حذارا لا اغترارا فطالما ... أناخ قتيل بي ومر سليب # وانه قتل من ساعته كما ذكرناه، والله الموفق لا رب سواه؛ فما أتم قوله ~~إلا وعجاجة قد ارتفعت، وكتيبة قد طلعت؛ فما انجلت إلا وعبد الجليل قتيل ~~وأنا سليب، وهذا فأل عجيب، وافقه قدر مصيب. # قال ذو النسبين، رضى الله عنه: ومن شعراء الأندلس الذين أنجدت بأقوالهم ~~الحداة واتهمت، واعرقت بها الرواة وأشأمت، الأديب: # أبو جعفر أحمد بن محمد البتي PageV01P033 إلا انه كان خبيث اللسان، ما كف ~~هجوه عن إنسان، ما برح مدة حياته منتزحا عن الأوطان، خائفا مترقبا من ~~السلطان؛ لما شهد به الناس عليه، ونسبوه إليه؛ من الزندقة والإلحاد، وإنكار ~~حشر الأجساد؛ وانكبابه ms054 على الاشتغال بكتب ابن سينا وانكفافه، وميله عن ~~الكتاب والسنة وانحرافه؛ وقد وجد هالكا في حفرة تتمزق فيها اللحام والجلود، ~~وتنهشها الحشرات العابثة والدود، ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيتوب ولا مرجع ~~إلى الدنيا ولا مردود. # فمن مليح ما حدثنا عنه، وسمعه أشياخنا منه؛ أنه ساقته يوما سوائق ~~الأقدار، في بعض الأسفار؛ وقد ولى شباب النهار؛ إلى خان بمغيلة من أنظار ~~فاس، تأوي إليه الغرباء من الناس؛ فتبوأ من بيوته أحرجها، وأهجنها وأسمجها. ~~وكان من معاصريه الأستاذ أبو بكر اليكي وكان مثله في أخذ الأعراض والهجاء، ~~والتقدم بين فرسان تلك الهيجاء؛ وكل واحد منهما على لقاء صاحبه حريص، بيد ~~أن ماله عن ملازمة مركزه محيص. فبينما ابن البتي جالس بذلك البيت وقد ~~انسدلت ستور الظلام، وهمعت دموع الغمام؛ إذ هجم عليه لتوقي المطر رجل فسلم ~~وجلس، وأذكى الخاني القبس، فقال أبو بكر اليكي: # وقنديل كأن الضوء منه ... محيا من أحب إذا تجلى # فأجابه أبو جعفر بن البتي بقوله: # أشار إلى الدجى بلسان أفعى ... فشمر ذيله فرقا وولى # فقال: أنت البتي! فقال: أنت اليكي! فتعانقا وباتا يقتطفان ثمر السمر، إلى ~~أن غارت النجوم وغاب وجه القمر. # ومن شعراء المعتصم بالله أبي يحيى محمد بن معن بن أبي يحيى محمد بن صمادح ~~التجيبي، صاحب مدينة المرية وأعمالها السنية: الأديب # أبو القاسم الأسعد بن إبراهيم # فمن شعره: # سكران لا أدري وقد وافى الكرى ... أ من الملاحة أم من الجريان # تتنفس الصهباء في لهواته ... كتنفس الريحان في الآصال # وكأنما الخيلان في وجناته ... ساعات هجر في زمان وصال # وله أيضا: # لبسوا من الزرد المضاعف نسجه ... ماء طفت للبيض فيه حباب # صف كحاشية الرداء يؤمه ... صف القنا فكأنه هداب # وهذا من قول عبد الجليل بن وهبون في ابن عباد، وقد تقدم: # كأنما البحر عين أنت ناظرها ... وكل شط بأشخاص الورى شفر # وقال أبو إسحاق الخفاجي: # وغدت تحف به الغصون كأنها ... هدب تحف بمقلة زرقاء # ومن شعراء الأندلس، وأصحاب ممالكها الدرس، الأديب الكاتب: # أبو حفص ابن برد ms055 # أحمد بن محمد بن أحمد بن برد # مولى أبي عامر بن شهيد المبدع في التشبيه والتمثيل، والبارع في المحاكاة ~~والتخييل، من أهل بيت جليل. # له رسالة في السيف والقلم والمفاخرة بينهما، وهو أول من سبق إلى القول في ~~ذلك بالأندلس. # وله في النرجس، وأهل الأندلس يسمونه البهار، واسمه في اللغة العبهر: # تنبه فقد شق البهار مغلسا ... كمائمه عن نوره الخضل الندي # مداهن تبر في أنامل فضة ... على أذرع مخروطة من زبرجد # وهذا من مليح التشبيهات في النرجس، وبديعها وغريبها وصنيعها. واكثر ما ~~تواردت خواطر الشعراء على تشبيهه بالعيون المراض، كقول أبي عبد الله محمد ~~بن الحسن الكاتب من شعراء جزيرة صقلية، أعادها الله بعزته على الإسلام: # بخدك آس وتفاحة ... وعينك نرجسة ذابله # وريقك من طيبه قهوة ... فوجهك لي دعوة كامله # وقال آخر من أهل العصر: # غزال له في كل عضو محاسن ... يقوم لخلاع العذار به العذر # فوجنته ورد وعيناه نرجس ... ومبسمه كأس وريقته خمر PageV01P034 وهو تشبيه ~~غير أنيق، إذا حك بمحك التحقيق؛ لان بين نرجس الحدائق والأحداق، الموصوفة ~~بالدعج وتكحيل الآماق؛ من التباين ما بين الأضداد، وليس يحسن أن تحل الصفرة ~~في موضع السواد؛ فتشبيهه بعيون الهرر أولى من تشبيهه بعيون الناس، في حكم ~~القياس. وإنما حسن تشببهه بذلك لموضع إحاطة البياض بالصفرة، كإحاطة بياض ~~العين بسوادها فقط. وليس تشبيههم الخدود بالورد من هذا النمط؛ فإنها تشبهها ~~في تضرجها بالحمرة ونعومتها، ونداها ونضرتها. وكذلك الأقاح بالثغور. ~~والأقاح: جمع الأقحوان؛ لان له ورقا ابيض يشبه الثغر به. وقد لاحظنا في هذا ~~المعنى ما لم نعلم أحدا ممن عنى بنقد الشعر قبلنا لاحظه، ولا كشف قناع ~~معناه. # ولأبى نواس مقاطيع في تفضيل النرجس على الورد، منها المقطوع الذي أوله: # أين الخدود من العيون نفاسة ... ورياسة لولا القياس الفاسد # اللغة: يقال: أخضلت الشيء: إذا بللته، وخضل، أي رطب - ولابن برد هذا: # لما بدا في اللازور ... دي الحرير وقد بهر # كبرت من فرط الجما ... ل وقلت ما هذا بشر # فأجابني لا تنكرن ... ثوب السماء ms056 على القمر # وأنشدني الوزير الكاتب الناظم، الناثر أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن ~~مغاور بمنزله بمدينة شاطبة قال: أنشدنا الفقيه الأجل، العالم الأكمل، ~~الزاهد الأفضل قاضي القضاة، وعلم الرواة، أبو علي محمد بن حسين الصدفي، ~~يعرف بابن سكرة، قال: أنشدنا الفقيه الأجل أبو زيد عبد الرحمن بن شاطر ~~السرقسطي لنفسه، وكان نسيج وحده، وشاعر بلده: # ولائمة لي إذ رأتني مشمرا ... أهرول في سبل الصبا خالع العذر # تقول تنبه ويك من رقدة الصبا ... فقد دب صبح الشيب في غسق الشعر # فقلت لها كفى عن العتب واعلمي ... بأن ألذ النوم إغفاءة الفجر # وتنسك هذا الرجل في آخر عمره، وراجع بصيرته في مستأنف أمره. # وأنشدني غير واحد من شيوخي - رحمهم الله - للأديب العالم أبي علي إدريس ~~ابن اليمان من أهل جزيرة يابسة، وقد رأيت هذه الجزيرة، وهي ضد اسمها، لكثرة ~~شجرها وخصبها. # وقد أجاز لنا الثقة أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، نسيب ~~ابن البطي، وابن ينيمان الهمداني، قالا: أنبأنا الإمام العالم أبو عبد الله ~~محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أنشدني عنه أبو عثمان خلف بن هرون القطيني ~~من قصيدة طويلة يمدح بها إقبال الدولة على بن مجاهد العامري: # ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح # خفت فكادت تستطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح # قال الحميدي: ومما يستحسن له في صفة الدرق: # إلى موشجة الأبشار من درق ... يكاد منها صفا الفولاذ ينفطر # مؤنثات ولكن كلما قرعت ... تأنث الرمح والصمصامة الذكر # وأنشدنا الفقيه الأستاذ المحرز لقصب السبق في كل خير، أبو بكر محمد بن ~~خير، قال: أنشدنا غير واحد، قالوا: أنشدنا الوزير أبو الحسين سراج بن عبد ~~الملك ابن سراج، كبير دار الخلافة، المنفرد بالشرف والإنافة؛ يخاطب الملك ~~الراضي ابن المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد. # قال ذو النسبين رضي الله عنه: وقد أدركت جماعة من أصحاب أبي الحسين ابن ~~سراج، ورحلت إلى قرطبة أم بلاد الأندلس، فأنشدني الشيخ الفقيه المحدث ~~المؤرخ القاضي ms057 بأركش أبو القاسم بن بشكوال، قال: أنشدنا أبو القاسم خلف بن ~~عمر صاحبنا، قال: أنشدنا أبو الحسين بن سراج لنفسه: # بث الصنائع لا تحفل بموقعها ... من آمل شكر الإحسان أو كفرا # فالغيث ليس يبالي أينما انسكبت ... منه الغمائم تربا كان أو حجرا # قيدنا " بث الصنائع " بفتح الثاء، إذ الفتحة أخف الحركات والعرب تؤثرها. ~~ويجوز كسر الثاء لالتقاء الساكنين، كما روى النحويون بيت الحرير: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # فجوزوا كسر الضاد من " غض " لالتقاء الساكنين، وفتحها لخفة الفتحة، وضمها ~~على اتباع الضمة قبلها وهو أضعفها. وله نظائر في النحو كثيرة. PageV01P035 ~~وأنشدونا له أيضا: # قالوا به صفرة عابت محاسنه ... فقلت ما ذاك من داء به نزلا # عيناه تطلب من ثأر بما قتلت ... فليس تلقاه إلا خائفا وجلا # وأنشدونا للفقيه الأجل المؤرخ صاحب الرحلة المذكورة، والتصانيف المشهورة، ~~أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي، المعروف بابن الفرضي، ~~القاضي بمدينة بلنسية: # إن الذي أصبحت طوع يمينه ... إن لم يكن قمرا فليس بدونه # ذلي له في الحب من سلطانه ... وسقام جسمي من سقام جفونه # وممن اشتهر عندنا بالشعر والأدب، ونظم منه مثل. الدرر وصاغ سبيه الذهب، ~~إلا أنه أفرط في الإقذاع في الهجو فهجر لهذا السبب: # أبو بكر يحيى بن سهل اليكي # ويكة بياء مثناة باثنتين من أسفل: حصن في جوف مدينة مرسية، على خمسة ~~وأربعين ميلا منها، وتشتبه ببكة، بالباء بواحدة من أسفل. وهي على مقربة من ~~جزيرة طريف على ساحل البحر الملح، رأيتها غير مرة. # فمن قوله في الغزل مما أنشدنيه جماعة من أصحابه: # وقائل فيم لم تهجع فقلت له ... كيف الهجوع بطرف نافر الوسن # لم يدر أن الكرى الممنوع عن بصري ... تلك السنات التي في مقلتي حسن # وله: # يوسف يا بغيتي وأنسي ... صيرني مغرما هواكا # ملكت قلبي وأنت فيه ... كيف حويت الذي حواكا # ومن قدماء شعراء صاحب الأندلس، أبي المطرف عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام ~~بن عبد الرحمن بن معاوية بن ms058 هشام بن عبد الملك بن مروان: # يحيى بن حكم الغزال # القاعد على كيوان، شاعر ذلك الأوان؛ وقد اثبت له من قوله ما يشهد ~~بإبداعه، وحسن تصرفه في المعاني واختراعه، وطول يده في الأدب وامتداد باعه. ~~فمن قوله فيما ذكره تمام بن علقمة في تاريخه: # بعض تصابيك على زينب ... لا خير في الصبوة للأشيب # أبعد خمسين تقضيتها ... وافية تصبو إلى الربرب # كل رداح الردف خمصانة ... كالمهرة الضامر لم تركب # وفيه تشبيب حسن كثير اختصرناه لطوله، وقال في المديح منه: # من مبلغ عني إمام الهدى ... الوارث المجد أبا عن أب # أنى إذا أطنب مداحه ... قصدت في القول فلم أطنب # لا فك عني الله إن لم تكن ... أذكرتنا من عمر الطيب # وأصبح المشرق من شوقه ... إليك قد حن إلى المغرب # منبره يهتف من وجده ... إليك بالسهل وبالمرحب # أطربه الوقت الذي قد دنا ... وكان من قبلك لم يطرب # هفا به الوجد فلو منبر ... طار لوافي خطفة الكوكب # إلى جميل الوجه ذي هيبة ... ليست لحامي الغابة المغضب # لا يمكن الناظر من رؤية ... إلا التماح الخائف المذنب # كنا نعجب بقول البحتري ونستغربه في قوله لجعفر المتوكل: # فلو أن مشتاقا تكلف غير ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر # حتى إذا رأينا قول الغزال، وعلمنا انه سبق إليه بزمانه، على أن البحتري ~~استحقه أيضا بإحسانه، لأنه أتى بالمعنى في بيت واحد، واختصره اختصارا حسنا. ~~كما أن قول الغزال: # لا يمكن الناظر من رؤية ... إلا التماح الخائف المذنب # حسن جدا في معنى الهيبة، وقد أخذه منهم محمد بن أبي الحسن، فقال و و ~~أحسن، وزاد في المعنى وبين: # كأنا من الإجلال تحت غمامة ... نطأطي لها بالرعب كل الأحاين # كأنا قرفنا باجترام ومالنا ... لسان يقوينا بعذر مباين # ولبعض أهل البلاد من قصيد يمدح به أمير المسلمين عليا: # أراك ملأت الخافقين مهابة ... لها ما تليح الشهب في الخفقان # وتغضى العيون عن سناك كأنها ... تقابل منك الشمس في اللمعان PageV01P036 ~~ولو سقنا جميع ما لأهل قطرنا في مثل هذا لخرجنا عن غرضنا. فلنرجع ms059 إلى شعر ~~الغزال فإنه قال في آخره: # إن ترد المال فإني امرؤ ... لم اجمع المال ولم اكسب # إذا أخذت الحق مني فلا ... تلتمس الربح ولا ترغب # قد أحسن الله إلينا معا ... إن كان رأس المال لم يذهب # والسبب في نظم هذا الشعر أن أبا المطرف عبد الرحمن المذكور كان ولاه قبض ~~الأعشار ببلاط مروان واختزانها في الأهراء. وكان توسل إليه بمديح مدحه به، ~~فنفق الطعام في ذلك العام، وسما السعر بالقحط سموا كثيرا، فوضع يده في ~~البيع حتى أتى على ما كان عنده في الأهراء. ثم إنه نزل الغيث ورخص الطعام، ~~فأعلم السلطان بما صنع الغزال من البيع، فأنكره وقال: إنما تعد الأعشار ~~لنفقات الجند والحاجة إليها في الجهد، فماذا صنع الخبيث! خذوه بأداء ما باع ~~من أثمانها واشتروا به طعاما، واصرفوه في الأهراء إلى وقت الحاجة إليه. ~~فلما طلب منه ثمن ما باع أبى من ذلك وقال: إنما أشتري لكم من الطعام عدد ما ~~بعت من الإمداد، وبين العددين بون كثير نحو من ثلاثين ألفا. فأعلم السلطان ~~بامتناعه من الأداء، وبما ذهب إليه من شراء مثل ما باع. فأمر بسجنه وحمله ~~إليه في الكبل، فسيق منها إلى قرطبة، وسجن بها فصنع هذا القصيد، ورفعه ~~إليه. فلما قرئ شعره أعجب به، واعجب به الحاضرون، وقال له بعضهم: لقد أنصفك ~~الغزال في قوله: # قد أحسن الله إلينا معا ... إن كان رأس المال لم يذهب # فإنه لو ذهب أيها الإمام، أي ذمة كانت تفي به للغزال، مع ما هو عليه من ~~الانهماك في الشهوات وقلة المال! فضحك الإمام وأمر بإطلاقه. # وكان عبد الرحمن من أهل العلم، متسما بالكرم والحلم، قديرا على النثر ~~والنظم. له غلام جميل كان له، اسمه بدر: # أنظر إلى بدر وكي ... ف بدا بصفحته العذار # فكأنه بدر التما ... م بدا به طرف السرار # وقال ذو النسبين رضي الله عنه: وأنشدني الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد ~~ابن أبي القاسم بن عميرة، قال: أنشدني ذو الوزارتين أبو محمد قال: أنشدني ms060 ~~أبي ذو الوزارتين أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج اللورقي في ذم ~~العذار: # أبا جعفر مات فيك الجما ... ل فأظهر خدك لبس الحداد # وقد كان ينبت نور الربي ... ع فأصبح ينبت شوك القتاد # أبن لي متى كان بدر السما ... ء يدرك بالكون أو بالفساد # وهل كنت في الملك من عبد شم ... س فأخشى عليك لباس السواد # وفي ضده قول الأستاذ أبي محمد بن سارة في مدحه: # ومعذر رقت حواشي حسنه ... فقلوبنا وجدا عليه رقاق # لم يكس عارضه السواد وإنما ... نفضت عليه صباغها الأحداق # وهذا أيضا من الغريب العجيب. # ومن احسن ما رأيت فيه مما انفرد قائله بمعناه، ولم يشركه فيه أحد سواه، ~~قول أبي مروان عبد الله بن سرية البلنسى: # دب العذار بخده ثم انثنى ... لما دنا من لثم فيه الأشنب # لا غرو إن خشى الردى في لثمه ... فالريق سم قاتل للعقرب # وما أوردناه في العذار من النظم، هو من المعاني العقم، وإنما اجتلبت هذه ~~الأبيات صلة لأبيات السلطان عبد الرحمن والشيء يذكر بمثله، تغمدنا الله ~~بفضله. PageV01P037 ولما وفد على السلطان عبد الرحمن رسل ملك المحبوس تطلب ~~الصلح بعد خروجهم من إشبيلية، وإيقاعهم بجبهاتها ثم هزيمتهم بها، وقتل قائد ~~الأسطول فيها، رأى أن يراجعهم بقبول ذلك، فأمر الغزال أن يمشي في رسالته مع ~~رسل ملكهم، لما كان الغزال عليه من حدة الخاطر، وبديهة الرأي، وحسن الجواب ~~والنجدة والإقدام والدخول والخروج من كل باب، وصحبته يحيى ابن حبيب، فنهض ~~إلى مدينة شلب، وقد أنشئ لهما مركب حسن كامل الآلة، وروجع ملك المحبوس على ~~رسالته وكوفئ على هديته، ومشى رسول ملكهم في مركبهم الذي جاءوا فيه مع مركب ~~الغزال، فلما حاذوا الطرف الأعظم الداخل في البحر الذي هو حد الأندلس في ~~آخر الغرب، وهو الجبل المعروف بألوية هاج عليهم البحر، وعصفت بهم ريح شديدة ~~وحصلوا في الحد الذي وصف الغزال في قوله: # قال لي يحيى وصر ... نا بين موج كالجبال # وتولتنا رياح ... من دبور وشمال # شقت القلعين وأن ... بتت عرا تلك ms061 الحبال # وتمطى ملك المو ... ت إلينا عن حيال # فرأينا الموت رأى العين حالا بعد حال # لم يكن للقوم فينا ... يا رفيقي رأس مال # وهذا القصيد يجول عليه رونق الانطباع، وهو القريب غير المستطاع؛ ورأيت له ~~في الغزل من هذا القصيد معنى انفرد باختراعه، وأبدع ما شاء في إبداعه، وهو ~~قوله: # وسليمى ذات زهد ... في زهيد من وصال # كلما قلت صليني ... حاسبتني بالخيال # وهذا اختراع عجيب، ومعنى غريب. وزاد فيه بعد ذلك، فقال: # والكرى قد منعته ... مقلتي أخرى الليالي # وهي أدرى فلماذا ... دافعتني بمحال # أتراني أقتضيها ... بعد شيئا من نوال PageV01P038 ثم أن الغزال سلم من ~~هول تلك البحار، وركوب الأخطار؛ ووصل أول بلاد المجوس إلى جزيرة من جزائرها ~~فأقاموا فيها أياما واصلحوا مراكبهم، وأجموا أنفسهم. وتقدم مركب المجوس إلى ~~ملكهم، فأعلمه بلحاق الرسل معهم، فسر بذلك ووجه فيهم، فمشوا إليه إلى مستقر ~~ملكه، وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط، فيها مياه مطردة وجنات، وبينها ~~وبين البر ثلاث مجار، وهي ثلاثمائة ميل، وفيها من المجوس ما لا يحصى عددهم. ~~وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة. منها صغار وكبار،أهلها كلهم مجوس، وما ~~يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية ~~وقد تركوا عبادة النار، ودينهم الذي كانوا عليه، ورجعوا نصارى إلا أهل ~~جزائر منقطعة لهم في البحر هم على دينهم الأول من عبادة النار، ونكاح الأم ~~والأخت وغير ذلك من أصناف الشنار. وهؤلاء يقاتلونهم ويسبونهم. فأمر لهم ~~الملك بمنزل حسن من منازلهم، واخرج إليهم من يلقاهم، واحتفل المجوس ~~لرؤيتهم. فرأوا العجب العجيب من أشكالهم وأزيائهم. ثم إنهم انزلوا في ~~كرامة، وأقاموا يومهم ذلك، واستدعاهم بعد يومين إلى رؤيته، فاشترط الغزال ~~عليه ألا يسجد له ولا يخرجهما عن شيء من سنتهما، فأجبهما إلى ذلك. فلما ~~مشيا إليه قعد لهما في أحسن هيئة، وأمر بالمدخل الذي يفضي إليه، فضيق حتى ~~لا يدخل عليه أحد إلا راكعا، فلما وصل إليه جلس إلى الأرض وقدم رجليه وزحف ~~على أليته زحفة، فلما ms062 جاز الباب استوى واقفا. والملك قد أعد له وأحفل في ~~السلاح والزينة الكاملة. فما هاله ذلك ولا ذعره، بل قام ماثلا بين يديه، ~~فقال: السلام عليك أيها الملك وعلى من ضمه مشهدك، والتحية الكريمة لك، ~~ولازلت تمتع بالعز والبقاء والكرامة الماضية بك إلى شرف الدنيا والآخرة، ~~المتصلة بالدوام في جوار الحي القيوم، الذي كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم ~~وإليه المرجع. ففسر له الترجمان ما قاله، فأعظم الكلام، وقال: هذا حكيم من ~~حكماء القوم، وداهية من دهاتهم، وعجب من جلوسه إلى الأرض وتقديمه رجليه في ~~الدخول، وقال: أردنا أن نذله، فقابل وجوهنا بنعليه! ولولا انه رسول لأنكرنا ~~ذلك عليه. ثم دفع إليه كتاب السلطان عبد الرحمن وقرئ عليه الكتاب، وفسر له. ~~فأستحسنه وأخذه في يده، فرفعه ثم وضعه في حجره، وأمر بالهدية ففتحت عيابها، ~~ووقف على جميع ما اشتملت عليه من الثياب والأواني! فأعجب بها، وأمر بهم ~~فانصرفوا إلى منزلهم ووسع الجراية عليهم. # وللغزال معهم مجالس مذكورة، ومقاوم مشهورة؛ في بعضها جادل علماءهم ~~فبكتهم، وفي بعضها ناضل شجعانهم فأثبتهم. # ولما سمعت امرأة ملك المجوس بذكر الغزال وجهت فيه لتراه، فلما دخل عليها ~~سلم، ثم شخص فيها طويلا ينظرها نظر المتعجب. فقالت لترجمانها: سله عن إدمان ~~نظره لماذا هو؟ أ لفرط استحسان أم لضد ذلك؟ فقال: ما هو أني لم أتوهم أن في ~~العالم منظرا مثل هذا، وقد رأيت عند ملكنا نساء انتخبن له من جميع الأمم ~~فلم أر فيهن حسنا يشبه هذا. فقالت لترجمانها: سله أمجد هو أم هازل؟ فقال: ~~لا، بل مجد. فقالت له: فليس في بلدهم إذا جمال! فقال الغزال: فاعرضوا علي ~~من نسائكم حتى أقيسها بها. فوجهت الملكة في نساء معلومات بالجمال فحضرن، ~~فصعد فيهن وصوب ثم قال: فيهن جمال وليس كجمال الملكة، لأن الحسن الذي لها ~~والصفات المناسبة ليس يميزه كل أحد، وإنما يعني به الشعراء، وإن أحبت ~~الملكة أن أصف حسنها وحسبها وعقلها في شعر يروي في جميع بلادنا فعلت ذلك. ~~فسرت بذلك سرورا ms063 عظيما وزهيت، وأمرت له بصلة، فامتنع من أخذها الغزال، ~~وقال: لا أفعل. فقالت للترجمان: سله، لم لا يقبل صلتي؟ أ لأنه حقرها أم ~~لأنه حقرني؟ فسأله، فقال الغزال: إن صلتها لجزيلة، وإن الأخذ منها لتشرف ~~لأنها ملكة بنت ملك، ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها علي، فحسبي ~~ذلك صلة. وإنما أريد أن تصلني بالوصول إليها أبدا. فلما فسر لها الترجمان ~~كلامه زادت منه سرورا وعجبا، وقالت: تحمل صلته إليه، ومتى أحب أن يأتيني ~~زائرا فعلا يحجب، وله عندي من الكرامة والرحب والسعة. فشكرها الغزال، ودعا ~~لها وأنصرف. PageV01P039 قال تمام بن علقمة: سمعت الغزال يحدث بهذا الحديث، ~~فقلت له: وكان لها من الجمال في نفسها بعض هذه المنزلة التي صورت؟ فقال: ~~وأبيك، لقد كانت فيها حلاوة، ولكني اجتلبت بهذا القول محبتها، ونلت منها ~~فوق ما أردت. # قال تمام بن علقمة: وأخبرني أحد أصحابه، قال: أولعت زوجة ملك المجوس ~~بالغزال فكانت لا تصبر عنه يوما حتى توجه فيه، ويقيم عندها يحدثها بسير ~~المسلمين وأخبارهم وبلادهم، وبمن يجاورهم وبلادهم، وبمن يجاورهم من الأمم. ~~فقلما انصرف يوما قط من عندها إلا اتبعته هدية، تلطفه بها من ثياب أو طعام ~~أو طيب، حتى شاع خبرها معه، وأنكره أصحابه، وحذر منه الغزال، فحذر وأغب ~~زيارتها. فباحثته عن ذلك، فقال لها ما حذر منه. فضحكت، وقالت له: ليس في ~~ديننا نحن هذا، ولا عندنا غيرة، ولا نساؤنا مع رجالنا إلا باختيارهن، تقيم ~~المرآة معه ما أحبت، وتفارقه إذا كرهت. وأما عادة المجوس قبل أن يصل إليهم ~~دين رومة، فألا يمتنع أحد من النساء على أحد من الرجال، إلا أن يصحب ~~الشريفة الوضيع، فتعير بذلك، ويحجره عليها أهلها فلما سمع ذلك الغزال من ~~قولها أنس إليه وعاد إلى استرساله. # قال تمام: كان الغزال في اكتهاله ويسما، وكان في صباه جميلا، ولذلك سمي ~~بالغزال. ومشى إلى بلاد المجوس وهو قد شارف الخمسين وقد وخطه الشيب، ولكنه ~~كان مجتمع الأشد، ضرب الجسم، حسن الصورة. فسألته يوما زوجة الملك - واسهما ms064 ~~نود - عن سنة، فقال مداعبا لها: عشرون سنة. فقالت للترجمان: ومن هو من ~~عشرين سنة يكون بها هذا الشيب؟ فقال للترجمان: وما تنكر من هذا؟ ألم تر قط ~~مهرا ينتج وهو أشهب؟ فضحكت نود، وأعجبت بقوله. فقال في ذلك الغزال بديها: # كلفت يا قلبي هوى متعبا ... غالبت منه الضيغم الأغلبا # إني تعلقت مجوسية ... تأبى لشمس الحسن أن تغربا # أقصى بلاد الله لي حيث لا ... يلقى إليها ذاهب مذهبا # يا نود يا رود الشباب التي ... تطلع من أزرارها الكوكبا # يا بابي الشخص الذي لا أرى ... أحلى على قلبي ولا أعذبا # إن قلت يوما إن عيني رأت ... مشبهه لم أعد أن أكذبا # قالت أرى فودية قد نورا ... دعابة توجب أن أدعيا # قلت لها يا بأبى إنه ... قد ينتج المهر كذا أشهبا # فاستضحكت عجبا بقولي لها ... وإنما قلت لكي تعجبا # قوله " يا رؤد الشباب " الرأدة والرؤدة والرؤد: الجارية الناعمة الجسم. ~~وقد رؤد شبابها. والغصن الرؤد " : الرطب، والشعراء يسهلون الهمزية يستهلون ~~الهمزة منه تخفيفا فلا يكادون ينطقون بها. # وقوله: " فودية قد نورا " ، فالفودان: ما يلي الأذنين من الشعر. # وقوله: " أن أدعبا " فإنه يقال من الدعابة: دعب، بكسر العين في الماضي، ~~يدعب، بفتح العين في المضارع، دعبا، بفتح الدال والعين في المصدر. # وهذا الشعر لو روى لعمر بن أبي ربيعة، أو لبشار بن برد، أو لعباس بن ~~الأحنف، ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين لاستغرب له. وإنما أوجب أن ~~يكون ذكره منسيا، أن كان أندلسيا؛ وإلا فما له أخمل، وما حق مثله أن يهمل. ~~وهل رأيت أحسن من قوله: " تأبى لشمس الحسن أن تغربا " ، أو كالبيت الأول من ~~هذه القطعة، أو كصفته لما جرى من الدعابة؟ هل وصفته إلا الدر لمنتظم، وهل ~~إلا نظلم في حقنا ونهتضم! يالله لأهل المشرق! قوله غاص بها شرق. ألا نظروا ~~إلى الإحسان بعين الاستحسان، وأقصروا عن استهجان الكريم الهجان عن استهجان ~~الكريم الهجان؛ ولم يخرجهم الإزراء بالمكان عن حد الإمكان؛ لئن أرهفت ~~بصائرهم البصرة وأرقتها الرقتان؛ فقد درجنا ms065 نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، ~~فإن منهما مخرج اللؤلؤ والمرجان. وينشد ما قاله بعض شعرائنا: # نراح لفضل أن يكون لديكم ... فما لكم تأبون أن كان عندنا # فلا تحسدونا أن تلوح بأفقكم ... لنا طالعات من هناك ومن هنا # وإن كنتم في العد أكثر مفخرا ... فلا تظلمونا في القليل الذي لنا ~~PageV01P040 ولنرجع إلى ذكر الغزال، فإنه لما أنشد " نود " الشعر وفسره ~~الترجمان لها، ضحكت منه وأمرته بالخضاب. ففعل ذلك الغزال، وغدا عليها يوما ~~ثانيا. وقد اختضب؛ فمدحت خضابه وحسنته عنده، ففي ذلك يقول الغزال: # بكرت تحسن لي سواد خضابي ... فكأن ذاك أعادني لشبابي # ما الشيب عندي والخضاب لواصف ... إلا كشمس جللت بضباب # تخفى قليلا ثم يقشعها الصبا ... فيصير ما سترت به لذهاب # لا تنكري وضح المشيب فإنما ... هو زهرة الإفهام والألباب # فلدي ما تهوين من شأن الصبا ... وطلاوة الأخلاق والآداب # ثم انفصل الغزال عنهم، وصحبه الرسل إلى شنت يعقوب بكتاب ملك المجوس إلى ~~صاحبها. فأقام عنده مكرما شهرين، حتى انقضى حجهم، فصدر إلى قشتالة مع ~~الصادرين، ومنها خرج إلى طليطلة حتى لحق بحضرة السلطان عبد الرحمن بعد ~~انقضاء عشرين شهرا ومن قوله أيضا المتفق عليه في جميع الروايات: # يا راجيا ود الغواني ضلة ... ففؤاده كلفا بهن موكل # لا تكلفن بوصلهن فإنما ال ... كلف المحب لهن من لا يعقل # إن النساء لكالسروج حقيقة ... فالسرج سرجك ريثما لا تنزل # فإذا نزلت فإن غيرك نازل ... ذاك المكان وفاعل ما تفعل # أو منزل المجتاز أصبح غاديا ... عنه وينزل بعده من ينزل # أو كالثمار مباحة أغصانها ... تدنو لأول من يمر فتؤكل # أعط الشبيبة لا أبالك حقهامنها فإن نعيمها متحول # وإذا سلبت ثيابها لم تنتفع ... عند النساء بكل ما يثستبذل # ثم إن الغزال هجا أبا الحسن علي بن نافع، الملقب بزرياب، بهجو مقذع، ~~تحرجت من إيداعه في هذا الكتاب. # وزرياب هذا مولى الخليفة المهدي، ابن الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر ~~المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس ~~ابن ms066 عبد المطلب. قدم الأندلس مهاجرا إلى عبد الرحمن بن الحكم، فتلقاه بأعلى ~~المحل، وفوض إليه أكثر أموره في العقد والحل؛ وذلك لهجرته إليه وحسن غنائه، ~~وتناهيه في الإطراب وغنائه. وهو أول من سن في الأندلس أكل الهليون والنقاوى ~~وقلى الفول واستعمال الأنطاع للنوم، والتحلي بالحرير والخز والمروية. وسن ~~لباس البياض من المهرجان إلى نصف أكتوبر، وإن كان مطرا. وعلمهم الغناء ~~واخترع النقر بالريش، وتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين فشكا للسلطان الغزال ~~وعرض هجوه عليه، وما قذفه به ونسبه من الفحش إليه. فأمر السلطان بنفيه عن ~~الأندلس. فكلمه فيه أكابر أهل دولته فتركه. ثم إن الغزال لم يطب نفسا ~~بالمقام في الأندلس فرحل إلى العراق، وذلك بعد موت الحسن بن هانئ بمدة ~~يسيرة، فوجدهم يلهجون بذكره ولا يساوون شعر أحد بشعره. فجلس يوما مع جماعة ~~منهم فأزروا بأهل الأندلس، واستهجنوا أشعارهم؛ فتركهم حتى وقعوا في ذكر ~~الحسن، فقال لهم: من يحفظ منكم قوله: # ولما رأيت الشرب أكدت سماؤهم ... تأبطت زقي واحتسبت عنائي # فلما أتيت الخان ناديت ربه ... فهب خفيف الروح نحو ندائي # قليل هجوع العين. إلا تعلة ... على وجل مني ومن نظرائي # فقلت أذقنيها فلما أذاقني ... طرحت إليه ريطتي وردائي # وقلت أعرني بذلة أستتر بها ... بذلت له فيها طلاق نسائي # فو الله ما برت. يميني ولا وفت ... له غير أني ضامن بوفائي # وأبت إلى صحبي ولم أك آئبا ... فكل يفديني وحق فدائي # فأعجبوا بالشعر وذهبوا في مدحهم له كل مذهب. فلما أفرطوا قال لهم: خفضوا ~~عليكم فإنه لي. فأنكروا ذلك. فأنشدهم قصيده الذي أوله: # تداركت في شرب النبيذ خطائي ... وفارقت فيه شميتي وحيائي # فلما أتم القصيد بالإنشاد خجلوا وافترقوا عنه. PageV01P041 وأقام الغزال ~~في رحلته تلك مدة يتجول في ديار المشرق، وما انفك في كل قطر منه من غريبة ~~يطلعها، وطريقة يبدعها؛ ثم إنه رجع إلى نفسه، وحن إلى مسقط رأسه؛ وانصرف ~~إلى الأندلس وهو قد ترك شرب الخمر وتزهد في الشعر وشارف الستين، وركب النهج ~~المبين؛ ولم ينسك نسكا أعجميا، بل ms067 ظرف ظرفا أديبا، وسلك مسلكا من البر ~~مرضيا وقال في جارية اشتراها واسمها لعوب، وقد أراد منها أمرا فعجز عنه ~~اليعبوب: # لم أنس إذ برزت إلى لعوب ... طربا وحيث قميصها مقلوب # وكأنها في الدار حين تعرضت ... ظبي تدله بالفلا مرعوب # تفتر عن در تناسق نظمه ... فيه لثاة عذبة وغروب # حاولت منها رشفة فكأنها ... عسل بماء سحابة مقطوب # ودعتك داعية الصبا فتطربت ... نفس إلى داعي الضلال طروب # وظننت عهدك عهدها في الدهر إذ ... فينان غصنك بالشباب رطيب # فجريت في سنن الصبا شأوا وقد ... وزعتك عنه كبرة ومشيب # وحسبت صاحبك الذي هو ذاك إذ ... تدعوه مهما شئته فيجيب # قد كان لا ينبو إذا جربته ... فالآن أحداث الزمان تنوب # لما رأت ذاك الذي تنحو له ... سمحت فمال على الكثيب قضيب # وتأودت خمصانة بهنانة ... كالفجر يعلوه دجى غربيب # فقبضت ملء يدي على مستهدف ... رابي المجسة لونه حلبوب # بيدي الشمال وللشمال لطافة ... ليست لأخرى والأديب أريب # فتقاعس الملعون عنه وإنني ... لأكاد من فرط الحياء أذوب # وأبي كعير السوء إلا وقفة ... أخزي بها والورد منه قريب # فكأنه مما تشنج جلده ... كير تقادم عهده مثقوب # هذا شعر حسن في الهزل جزل في معانيه، دون فحش فيه. والبهانة: الطيبة ~~الريح؛ وقد قيل: هي الرخيمة المنطق؛ وقيل فيها: الضحوك المداعبة. وكل هذا ~~مما يليق بوصفها في تلك الحالة. وقوله " لونه حلبوب " . يقال للأخضر إذا ~~اشتدت خضرته فضرب إلى السواد: حلبوب. # وقد أتينا من ذكر الغزال بفنون، والحديث ذو شجون. # ومن الحق أن نختم ذكره بما قال في الزهد؛ فإنه - عفا الله عنا وعنه - عمر ~~حتى قارب مائة عام، أربى عليها، وهو القائل: # ألست ترى أن الزمان طواني ... وبدل خلقي كله وبراني # تحيفنى عضوا فعثضوا فلم يدع ... سوى اسمي صحيحا وحده ولساني # ولو كانت الأسماء يدخلها البلى ... لقد بلى اسمي لامتداد زماني # وما لي لا أبلى لتسعين حجة ... وسبع أتت من بعدها سنتان # إذا عن لي شخص تخيل دونه ... شبيه ضباب أو شبيه دخان # فيا راغبا في العيش إن كنت ms068 عاقلا ... فلا وعظ إلا دون لحظ عيان # ومن قول الغزال في الزهد: # الناس خلق واحد متشابه ... لكنما تتخالف الأعمال # ويقال حق في الرجال وباطل ... أي امرئ إلا وفيه مقال # ولكل إنسان بما في نفسه ... من عيبه عن غيره أشغال # يستثقل اللمم الخفيف لغيره ... وعليه من أمثال ذاك جبال # وينام عن دنياه نومة قانع ... بنعيم دنياه وذاك خيال # ورأيت ألسنة الرجال أفاعيا ... طورا تثور وتارة تغتال # فإذا سلمت من المقالة غير ما ... تجنى فأنت الأسعد المفضال # ومن مفاخر الأندلس وشعرائها، وعلمائها المتقنين وكبرائها: # أبو عمر ابن عبد ربه # أحمد بن محمد بن عبد ربه PageV01P042 صاحب كتاب العقد الذي انجد وغار، ~~وملأ بذكره الآفاق والأقطار. وذكر العالم المؤرخ الثقة أبو بكر الحسن بن ~~محمد بن مفرج المعافري القرطبي - يعرف بالقبشي - لسكناه بها، في كتابه الذي ~~سماه بكتاب الاحتفال في تاريخ أعلام الرجال، الذي حدثنا به المحدث العدل ~~أبو القاسم بن بشكوال، عن الحافظ الثقة أبي محمد بن يربوع عن الثقة أبي ~~محمد بن خزرج عنه، قصة جرت لابن عبد ربه، مع الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل ~~في التسمع على جاريته مصابيح. واتفق أن اجتاز أحمد بن محمد بن عبد ربه بدار ~~أبي حفص عشية فقرع سمعه من طيب الغناء ما استوقفه، وأراد الدنو من الباب. ~~وقيل، إنه صب عليه من العلية ماء بل ثيابه، فلم يردعه ذلك عن طلب الازدياد ~~في السماع. فعدل إلى مسجد بقرب الدار، وسأل المعلم فيه أن يأتيه بدواة ~~وبياض يكتب فيه، فجاءه بهما فكتب، إلى قلهيل رقعة فيها: بسم الله الرحمن ~~الرحيم. طاولتك النعم وطالت بك. إنا لمسنا سماء لهوك، (فوجدنها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقعد للسمع، فمن يستمع الآن) ... إلى آخر ~~الآية. وفي ذلك أقول: # يا من يضن بصوت الطائر الغرد ... ما كنت أحسب هذا الضن في أحد # لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة ... أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد # لولا اتقائي شهابا منك يحرقني ... بناره لاسترقت السمع من بعد ms069 # لو كان زرياب حيا ثم أسمعه ... لمات من حسد أو ذاب من كمد # فلا تضن على أذني تقرطها ... صوتا يجول مجال الروح في الجسد # أما الشراب فإني لست أقربه ... ولست آتيك إلا كسرتي بيدي # وسأل البواب فأوصل الرقعة إليه، فلما قرأها وعرف موضعه جاء حافيا إليه، ~~وسأله الحضور ففعل. ثم قال ممازحا: هات الكسرة التي زعمت أنك ترفع عنا ~~مئونتها. فقال: أنصرف فآتيك بها. فأقام أحمد عنده أياما. وقد ذكر هذه ~~الحكاية الحميدي في جذوة المقتبس له مبتورة مصحفة. # وزرياب عندهم كان يجري مجرى الموصلي في الغناء، وله طرائق أخذت عنه، ~~وأصوات أستفيدت منه. وقدمناه ذكره عند ذكر الغزال، وسقنا خبره. # ومن شعر ابن عبد ربه: # الجسم في بلد والروح في بلد ... يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد # إن تبك عيناك لي من كلفت به ... من رحمة فهما سهماك في كبدي # قال الحميدي: ومما أنشدنيه من شعره أبو محمد علي بن أحمد، واخبرني أن بعض ~~من كان يألفه أزمع على الرحيل في غداة ذكرها، فأتت السماء في تلك الغداة ~~بمطر جود حال بينه وبين الرحيل، فكتب إليه أبو عمر: # هلا ادكرت لبين أنت مبتكر ... هيهات يأبى عليك الله والقدر # ما زلت أبكي حذار البين مرتهنا ... حتى رثى لي فيك الريح والمطر # يا بردة من حيا مزن على كبد ... نيرانها بغليل الشوق تستعر # آليت ألا أرى شمسا ولا قمرا ... حتى أراك فأنت الشمس والقمر # ولأبي عمر بن عبد ربه هذا مدائح كثيرة ومجموعات كبيرة في مدح مواليه بني ~~أمية. آخرها ما جمع للمستنصر بالله الحكم بن عبد الرحمن الناصر لدين الله، ~~ثم كفر عن جميع ما قال واحسن المقال وسماها بالممحصات، والله يقبل التوبة ~~ويعفو عن السيئات. فمن ذلك قطعة محص بها القطعة المذكورة آنفا: # يا عاجزا ليس يعفو حيث يقتدر ... ولا يقضي له من عيشه وطر # عاين بقلبك إن العين غافلة ... عن الحقيقة واعلم أنها سقر # سوداء تزفر عن غيظ إذا سعرت ... للظالمين فلا تبقى ولا تذر # إن الذين ms070 اشتروا دنيا بآخرة ... وشقوة بنعيم ساء ما تجروا # يا من تلهى وشيب الرأس يندبه ... ماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر # لو لم يكن لك غير الموت موعظة ... لكان فيه عن اللذات مزدجر PageV01P043 ~~أنت المقول له ما قلت مبتدئا ... هلا ادكرت لبين أنت مبتكر # قال ذو النسبين، رضي الله عنه: وحدثنا الفقيه الأجل أبو الحسن على بن ~~الحسين بلفظه بمدينة فاس سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وفيها مات رحمه الله، ~~قال: حدثنا الفقيه الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن ~~عديس الأنصاري بجامع القرويين بمدينة فاس سنة خمس وخمسمائة، وفيها مات. ~~قال: سمعت الإمام أبا عمر بن عبد البر يقول: سمعت الإمام الحافظ أبا الوليد ~~عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي، المعروف بابن الفرضي يقول: أنشدنا الإمام ~~أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ، قال: أنشدني أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ~~ربه شاعر الأندلس لنفسه: # ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا أخضر منها جانب جف جانب # هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها ولا اللذات إلا مصائب # وكم سخنت بالأمس عين قريرة ... وقرت عيون دمعها اليوم ساكب # فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب # وآخر شعر قاله قبل موته بأحد عشر يوما: # كلانى لما بي عاذلي كفاني ... طويت زماني برهة وطواني # بليت وأبلتني الليالي وكرها ... وصرفان للأيام معتوران # وما لي لا أبلى لسبعين حجة ... وعشر أتت من بعدها سنتان # فلا تسألاني عن تباريح علتي ... ودونكما مني الذي تريان # وأنى بحمد الله راج لفضله ... ولي من ضمان الله خير ضمان # ولست أبالي عن تباريح علتي ... إذا كان عقلي باقيا ولساني # هما ما هما في كل حال تلم بي ... فذا صارمي فيها وذاك سناني # والوزير الكاتب، كاتب الملك المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر: # ابن دراج القسطلي # أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج المعروف بالقسطلي # نسب إلى بلد هناك تعرف بقسطلة دراج، معدود في الأندلس في جملة العلماء، ~~والمتقدمين من الشعراء، والمذكورين ms071 من البلغاء، وشعره وترسيله في عدة ~~أجزاء. فمن مستحسن قوله ما قاله في ملك سرقسطة، المنذر بن يحيى التجيبي: # يا عاكفين على المدام تنبهوا ... وسلوا لساني عن مكارم منذر # ملك لو استوهبت حبة قلبه ... كرما لجاد بها ولم يتعذر # قال الحميدي: " سمعت أبا محمد علي بن أحمد، وكان عالما بنقد الشعر يقول: ~~" لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج لما تأخر عن شأو حبيب ~~والمتنبي " مات أبو عمر قريبا من العشرين وأربعمائة الأديب الحسيب: # أبو عمر أحمد بن هشام # ابن عبد العزيز بن محمد بن سعيد الخير أورد له الوزير أبو الوليد بن عامر ~~في الورد والنرجس: # انظر إلى الروض في جوانبه ... أحمره ضاحك وأصفره # إذا هفت فوقه الرياح سرى ... بهفوها مسكه وعنبره # نرجسه تستجد صفرته ... حتى كأن الحبيب يهجره # والورد يختال في منابته ... تطويه أكمامه وتنشره # والوزير الخطير، الفاضل النحرير: # ابن شهيد # أبو عامر أحمد بن السادة الوزراء: أبي مروان عبد الملك بن مروان بن ذي ~~الوزارتين الأعلى أحمد بن عبد الملك ابن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد أشجعي ~~النسب، من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج ~~راهط. # وأبو عامر هذا أرسخ أهل الأندلس قاطبة بالأدب، ينسل إليه من كل حدب؛ ولم ~~ير لنفسه في البلاغة أحدا يجاريه، ويساجله في جميع العلوم ويباريه، وأما ~~الكرم فلا يقاربه فيه أحد من أهل بلده ولا يدانيه. # ومن أخباره العظيمة، ومناقبه الكريمة، ما حدثني به الفقيه العالم المحدث ~~النحوي القاضي بمدينة غرناطة وأعمالها، أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد ~~الرحيم الخزرجي، رحمه الله، قال: حدثنا الوزير أبو عامر محمد بن أحمد بن ~~عمر السالمي، قال: حدثنا الشيخ أبو عبد الله بن الصفار قال: PageV01P044 ~~كان رجل من أهل طليطلة ذا محل شريف، ومكان عال منيف؛ فنبا به الوطن، وخانه ~~على معهوده الزمن؛ فأتى إلى قرطبة رث الحال، منبت الحبال؛ لا يملك فتيلا، ~~ولا يدرك كثيرا ولا قليلا؛ فأنزل ms072 عياله في أحد الفنادق وخرج يلتمس حرا ~~يستجديه، وفاضلا يستهديه. فأرشد إلى أبي عامر بن شهيد، فكتب إليه كتابا ~~يعرب عن فضل أدب، وكريم نسب. فقال للرافع له: ما زي هذا الرجل ولبسه؟ وكيف ~~همته ونفسه؟. فأعلمه بما بدا من حاله؛ وظهر من اختلاله، فأمر بدخوله. فلما ~~أدناه أبو عامر وقربه، ورتب له من البر والإكرام ما رتبه؛ ثم إنه أسر إلى ~~وكيله بكلام لم يدره الرجل، إذ كان حائرا قد اكتنفه الخجل. ثم أمر أن يدخل ~~في الحمام، ويحتفل في البر به والإكرام. فلما خرج منه ألفى سبنية بثياب ~~أعدت له فلبسها، وأعيد إلى دار ابن شهيد، ووافق ذلك اليوم دعوة له لبعض ~~القوم، فمكث الرجل وهو معلق البال، بمن تركه هنالك من العيال؛ فلما انتظم ~~الأصحاب، وقدم الطعام والشراب، دخل الرجل مدخلهم في ذلك المأنس، وأخذ مكانه ~~من المجلس؛ وأبو عامر بن شهيد يؤثر مكانه، ويدعو إلى بره إخوانه. فمكث ~~الرجل بين فرح وترح، طورا ممتد الأنس، وتارة مكدر النفس. فلما كان عشي ~~اليوم الثاني خرج الرجل وقد قدم له مركب سار عليه، وغلام بشمعة بين يديه؛ ~~إلى أن أدى به إلى هذه الدار، وهي مشهورة بقرطبة إلى الآن بين جميع الديار. ~~فقال: أنزل يا مولاي. قال الرجل: ليست هذه داري، وإنما نزلت في الفندق ~~الفلاني. فقال الغلام: بل هي دارك، أعطاكها سيدي، وأنا والدابة لك فأخرس ~~الرجل ودخل الدار، فوجدها قد ملئت نعما كثيرة، وفرشا وثيرة؛ وعياله في منضد ~~تلك المجالس، قد أفرغت عليهن أفخر الملابس؛ وقد ملئت خزائنها بما يملأ ~~العيون قرة، والقلوب مسرة. # ولهذا الوزير كتب كثيرة الهزل والجد، بعيدة عن الحصر والعد. منها كتاب ~~التوابع والزوابع، وكتاب حانوت العطار، وكتاب كشف الدك وإيضاح الشك وقال ~~حافظ أهل زمانه الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، في ~~رسالته في فضل الأندلس، مفتخرا به: " و لنا من البلغاء أحمد ابن عبد الملك ~~بن شهيد، صديقنا وصاحبنا، وهو حي لم يبلغ بعد سن ms073 الاكتهال. وله من التصرف ~~في وجوه البلاغة وشعابها مقدار يكاد ينطق فيه بلسان مركب من لساني عمرو ~~وسهل " وتوفي رحمه الله ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى سنة ست ~~وعشرين وأربعمائة بقرطبة؛ ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة؛ ~~وصلى عليه رئيس قرطبة أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور الكلبي. ومولده سنة ~~اثنتين وثمانين وثلثمائة، ولم يعقب. وانقرض عقب الوزير أبيه بموته. وكان ~~جوادا لا يليق شيئا، ولا يأسى على فائت، عزيز النفس. ومن شعره الدال على ~~كرمه وفخره: # ألمت بالحب حتى لو دنا أجلي ... لما وجدت لطعم الموت من ألم # وزادني كرمي عمن ولهت به ... ويلي من الحب أو ويلي من الكرم # وقال: # كتبت لها أنني عاشق ... على مهرق الكتم بالناظر # فردت على جواب الهوى ... بأحور في مائه حائر # منعمة نطقت بالجفون ... فدلت على دقة الخاطر # كان فؤادي إذ أعرضت ... تعلق في مخلبي طائر # وقوله: # وتدري سباع الطير أن كماته ... إذا لقيت صيد الكماة سباع # تطير جياعا فوقه وتردها ... ظباه إلى الأوكار وهي شباع # قال ذو النسبين، رضي الله عنه: هذا المعنى قد سبقه إليه مروان بن أبي ~~الجنوب فقال: يمدح المعتصم: # لا تشبع الطير إلا في وقائعه ... فأينما سار سارت خلفه زمرا # عوارفا أنه في كل معترك ... لا يغمد السيف حتى يكثر الجزرا # الجزر، بفتح الجيم والزاي: الشاء المذبح؛ والواحدة: جزرة. قاله أبو علي ~~في البارع: وأراد به الشاعر ها هنا كثرة القتلى. وهذا مأخوذ من قول أبي ~~نواس: # تتأيا الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره # وأخذه مسلم بن الوليد فقال: PageV01P045 قد عود الطير عادات وثقن بها ... ~~فهن يتبعنه في كل مرتحل # وأخذه أبو تمام فقال: # وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل # أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل # وكلهم قصر عن النابغة الذبياني في قوله: # إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى ms074 الجمعان أول غالب # لهن عليه عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطى فوق الكواثب # وإنما قلنا إنهم قصروا عن النابغة لأنه زاد في المعنى واحسن التركيب. ودل ~~على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح. وكلامهم كلهم مشترك محتمل ضد ما ~~نواه الشاعر. وإن كان أبو تمام قد زاده في المعنى على أن الطير إذا شبعت ما ~~تسأل أي القبيلين الغالب. وقد أحسن أبو الطيب المتنبي في قوله: # له عسكرا خيل وطير إذا رمى ... بها عسكرا لم يبق إلا جماجمه # ويتوجه عليه أن هذه الطير لأي معنى عافت الجماجم، دون عظام السوق والأذرع ~~وغيرها من الأعضاء. وقد اخذ منهم بكر بن النطاح فقال: # وترى السباع مع الجوا ... رح فوق عسكرنا جوانح # ثقة بأنا لا نزا ... ل نمير ساغبها الذبائح # ساغبها: جائعها، والسغب: الجوع. # ولو تتبعنا جميع ما نظمه الشعراء في هذا الباب، لأتى على اكثر الكتاب. # وقال أبو عامر بن شهيد: # ولما تملا من سكره ... فنام ونامت عيون العسس # دنوت إليه على بعده ... دنو رفيق درى ما التمس # أدب إليه دبيب الكرى ... وأسمو إليه سمو النفس # وبتذ به ليلتي ناعما ... إلى أن تبسم ثغر الغلس # أقبل منه بياض الطلا ... وأرشف منه سواد اللعس # ومنهم شاعر قرطبة وزعيمها، ونخبة بني مخزوم وضميمها، ذو الوزارتين: # أبو الوليد بن زيدون المخزومي # أحمد بن عبد الله بن أحمد فمن قصائده التي ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت ~~في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعا قصر عنه حبيب وابن الجهم: # أضحى التنائي بديلا من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا # بتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفت مآقينا # تكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا # حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضا ليالينا # إذ جانب العيش طلق من تألفنا ... ومورد اللهو صاف من تصافينا # وإذ هصرنا غصون الأنس دانية ... قطوفها فجنينا منه ماشينا # ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا # من مبلغ الملبثين بانتزاحهم ... حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا # أن الزمان ms075 الذي ما زال يضحكنا ... أنسا بقربهم قد عاد يبكينا # غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغص فقال الدهر آمينا # وبات ليلة بإحدى جنات إشبيلية فقال: # وليل أدمنا فيه شرب مدامة ... إلى أن بدا للصبح في الليل تأشير # وجاءت نجوم الليل تضرب في الدجى ... فولت نجوم الليل والليل مقهور # فجزنا من اللذات أطيب طيبها ... ولم يعرنا هم ولا عاق تكدير # خلا أنه لو طال دامت مسرتي ... ولكن ليالي الدهر فيهن تقصير # ومن قوله: # بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع PageV01P046 ~~يا بائعا حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منك لم أبع # حسبي بأنك إن حملت قلبي ما ... لا تستطيع قلوب الناس يستطع # ته احتمل، واستطل أصبر، وعزأهن ... وول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع # هذا أحسن ما قيل في هذا الباب، لما فيه من ذكر الجواب لكل حرف من حروف ~~الأمر، وخلو بيت أبي الطيب المتنبي: # أقل أنل اقطع احمل عل سل أعد ... زد هش بش تفضل ادن سرصيل # ولبعض أهل ذلك العصر، وهو أقل تكلفا وأيسر تعسفا: # فدم وابق واسلم واستطل عزة وصل ... وسد وارق واغنم واستزد رفعة واسم # فلن يتنافى اثنان رأيك والنهي ... ولن يتلاقى اثنان فعلك والذم # ولأبي الفرج الأصبهاني مؤلف كتاب الأغاني: # يا فرحة الهم بعد اليأس من فرج ... يا فرحة الأمن بعد الروع والوهل # اسلم ودم وابق واملك وانم واسم وزد ... وأعط وامنع وضر وانفع وصل وصل # وكان الأصل في ذلك قول أبي العميثل في عبد الله بن طاهر، ذي اليمينين: # يا من يحاول أن تكون صفاته ... كخصال عبد الله أنصت واسمع # أصدق وعف وجد وأنصف واحتمل ... واصفح وكاف ودار واحلم واشجع # وكان مجلس ذي الوزارتين أبي الوليد بن زيدون منحطا عن مجلس السلطان ~~المعتمد على الله أبي القاسم محمد، ابن السلطان أبي عمرو عباد، في القعود ~~لإنقاذ أوامر أبيه، إذ كان لما هاجر إليه من قرطبة تلقاه بأعلى المحل، وعول ~~عليه في العقد والحل، فكتب إليه المعتمد: # أيها ms076 المنحط عني مجلسا ... وله في النفس أعلى مجلس # بفؤداي لك حب يقتضي ... أن ترى تحمل فوق الأرؤس # فراجعه ابن زيدون: # أسقيط الطل فوق النرجس ... أم نسيم الروض تحت الجندس # أم قريض جاءني عن ملك ... مالك بالبر رق الأنفس # يا جمال الموكب الغادي إذا ... سار فيه يا بهاء المجلس # شرفت بكر المعالي خطبة ... بك فانعم بسرور المغرس # وارتشف معسول ثغر أشتنب ... تجتنيه من مجاج اللعس # واغتبق بالسعد في دست المنى ... يصبح الصنع دهاق الأكؤس # فاعتراض الدهر فيما شئته ... مرتقى في صدره لم يهجس # وكان ابن زيدون زعيم الوزراء القرطبية، ونشأة دولتها السنية؛ حتى صار ~~ملهج لسانها، وحل من عينها مكان إنسانها. وكان بينه وبين رئيسها الحسيب أبي ~~الحزم ابن جهور ائتلاف الفرقدين، واتصال الأذن بالعين؛ فلما صار تدبير ملك ~~قرطبة إليه، ومدار أمرها عليه؛ طلب ابن زيدون طلبا أصاره إلى الاعتقال؛ ~~وقصره عن الوخد والإرقال؛ وكان له فيه أمداح بهرت بنظامها، وظهرت كالبدور ~~عند تمامها. فكتب إليه: # بني جهور انتم سماء رياسة ... مناقبكم في أفقها انجم زهر # طريقتكم مثلى وهديكم رضا ... ومذهبكم قصد ونالمكم غمر # عطاء ولا من وحكم ولا هوى ... وحلم ولا عجز وعز ولا كبر # وقال في أبي الحزم بن جهور حين حبسه: # بني جهور أحرقتم بجفائكم ... ضميري فما بال المدائح تعبق # تعدونني كالعنبر الورد إنما ... تطيب لكم أنفاسه حين يحرق # ثم كتب إليه: # قل للوزير وقد قطعت بمدحه ... عمري فكان السجن منه ثوابي # لم تعد في أمري الصواب موفقا ... هذا جزاء الشاعر الكذاب PageV01P047 ثم ~~إنه أعمل لنفسه في الخلاص من سجنه حيلا، واتخذ الليل للهرب جملا. فقطع في ~~ليلة واحدة ما بين قرطبة وإشبيلية من المفاوز والمراحل، ومسافتها ثلاثة ~~أيام لو أخذت الرواحل. ولما اتصل خبر وصوله بأبي عمرو عباد، وهو يومئذ ~~سلطان تلك البلاد؛ تلقاه في جماعة من جماهير الكماة، ومشاهير العلماء ~~والقضاة؛ فألقى مقاليد وزارته وجميع أمور دولته إليه، وأفاض الحلع والسوابغ ~~عليه. # ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار # هو وابن زيدون فرسا رهان، ورضيعا ms077 لبان، في التصرف في فنون البيان؛ وهما ~~كانا شاعري ذلك الزمان. وكانت ملوك الأندلس تخافه لبذاءة لسانه، وبراعة ~~إحسانه؛ لا سيما حين اشتمل عليه السلطان المعتمد على الله وأنهضه جليسا ~~وسميرا؛ وقدمه وزيرا ومشيرا، ثم خلع عليه خاتم الملك ووجهه أميرا، وقد كان ~~أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا؛ فتبعته المواكب والمضارب، ~~والنجائب والجنائب؛ وانقادت له العساكر والكتائب والجنود، وضربت خلفه ~~الطبول ونشرت على رأسه الرايات والبنود؛ فملك مدينة تدمير، وأصبح راقي منبر ~~وسرير؛ مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير. ثم انتزى على مالك رقه، ~~ومستوجب شكره ومستحقه. فبادر إلى عقوقه وبخس حقه؛ فتحيل المعتمد عليه، وسدد ~~سهام المكايد إليه؛ حتى حصل في قبضته قنيصا، وأصبح لا يجد له محيصا، إلى أن ~~قتله المعتمد في قصره ليلا بيده، وأمر من أنزله في ملحده؛ وذلك سنة سبع ~~وسبعين وأربعمائة. # فمن قوله الرائق، ولفظه الفائق، يمدح السلطان المعتضد بالله أبا عمرو ~~عباد بن محمد: # أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السرى # والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استرد الليل منا العنبرا # والروض كالحسنا كساه زهره ... وشيا وقلده نداه جوهرا # أو كالغلام زها بورد رياضه ... خجلا وتاه بآسهن معذرا # روض كأن النهر فيه معصم ... صاف أطل على رداء أخضرا # وتكللت بالزهر صلع هضابه ... حتى حسبنا كل هضب قيصرا # وتهزه ريح الصبا فتخاله ... سيف ابن عباد يفرق عسكرا # عباد المخضر نائل كفه ... والجو قد لبس الرداء الأغبرا # علق الزمان الأخطر المهدى لنا ... من ماله العلق النفيس الأخطرا # ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا # أندى على الأكباد من قطر الندى ... وألذ في الأجفان من سنة الكرى # قداح زند المجد لا ينفك عن ... نار الوغى إلا إلى نار القرى # يختار أن يهب الخريدة كاعبا ... والطرف اجرد والحسام مجوهرا # أيقنت أنى من ذراه بجنة ... لما سقاني من نداه الكوثرا # وعلمت حقا أن ربعي مخصب ... لما سألت به الغمام الممطرا # من لا توازنه الجبال ms078 إذا احتبى ... من لا تسابقه الرياح إذا جرى # قاد المواكب كالكواكب فوقها ... من لامه مثل السحاب كنهورا # من كل أبيض قد تقلد أبيضا ... عضبا واسمر قد تقلد أسمرا # ملك يروقك خلقه أو خلقه ... كالروض يحسن منظرا أو مخبرا # وسمعت باسم القطر حتى شمته ... فرأيته في بردتيه مصورا # وجهلت معنى الجود حتى زرته ... فقرأته في راحتيه مفسرا # فاح الندى متعطرا بثنائه ... حتى حسبنا كل ترب عنبرا # حسبي على الصنع الذي أولاه أن ... أسعى بشكر أو أموت فأعذرا PageV01P048 ~~عباد الملك الذي وصل المنى ... منه بوجه مثل حمدي أزهرا # ماض وصدر الرمح يكهم والظبا ... تنبو وأيدي الخيل تعثر في البرى # لا شيء أقرأ من شفار حسامه ... إن كنت شبهت المواكب أسطرا # السيف أفصح من زياد خطبة ... في الحرب إن كانت يمينك منبرا # ما زلت تغنى من عنا لك راجيا ... فضلا وتفنى من طغى وتجبرا # حتى حللت من الرياسة محجرا ... رحبا وضمت منك طرفا أحورا # شقيت بسيفك أمة لم تعتمد ... إلا اليهود وإن تسمت بربرا # أثمرت رمحك من رؤس كماتهم ... لما رأيت الغصن يعشق مثمرا # وصبغت درعك من دماء كلومهم ... لما رأيت الحسن يلبس أحمرا # وإليكها كالروض زارته الصبا ... وحنا عليه الطل حتى نورا # نمقتها وشيا بذكرك مذهبا ... وفتقتها مسكا بحمدك أذفرا # من ذا يتافحني وذكرك مندل ... أوردته من نار فكري مجمرا # فلئن وجدت نسيم حمدي عاطرا ... فلقد وجدت نسيم برك أعطرا # قال ذو النسبين رضي الله عنه: وهذه القصيدة من غرر القصائد، ودرر ~~القلائد؛ وكل بيت منها بيت قصيد، وواسطة سلك فريد. # وله يتغزل في مملوك رومي للمؤتمن، قد لبس درعا: # وأغيد من ظباء الروم عاط ... بسالفتيه من دمعي فريد # قسا قلبا وشن عليه درعا ... فظاهره وباطنه حديد # بكيت وقد دنا ونأى رضاه ... وقد يبكي من الطرب الجليد # وإن فتى تملكه بنقد ... وأحرز رقه لفتى سعيد # يقال: سننت الماء بالسين، المهملة، وشننته، بالشين المعجمة، فالسن ~~والشن:الصب. # وقال ابن الأنباري: سن الدرع عليه، بالسين غير معجمة: صبها. # وأهدى الناس في يوم عيد إلى السلطان ms079 المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن ~~عباد، مما يهدى للملوك في الأعياد، فاقتصر على ثوب صوف بحري أصفر، وكتب ~~معه: # لما رأيت الناس يحتفلون في ... إهداء يومك جئته من بابه # فبعثت نحو الشمس شبه إهابها ... وكسوت متن البحر بعض ثيابه # وله يعتذر من وداعه للسلطان أبي يحيى محمد بن معن بن صمادح. # أمعتصما بالله والحرب ترتمي ... بأبطالها والخيل بالخيل تلتقي # دعتني المطايا للترحيل وإنني ... لأفرق من ذكر النوى والتفرق # وإني إذا غربت عنك فإنما ... جبينك شمسي والمرية مشرقي # وكتب إليه المعتصم بالله ثلاثة أبيات في العتاب: # وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحبا بعد صاحب # فلم ترني الأيام خلا تسرني ... بواديه إلا ساءني في العواقب # ولا صرت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلا كان إحدى النوائب # فأجابه ابن عمار: # فديتك لا تزهد فثم بقية ... سترغب فيها عند وقع التجارب # وأبق على الخلصان إن لديهم ... على البدء كرات بحسن العواقب # تكنفتني بالنظم والنثر جاهدا ... وسقت على القول من كل جانب # وقد كان ليلو شئت رد وإنماأجر لساني بعض تلك المواهب # ولابد من شكوى ولو بتنفس ... يخفف من حر الحشا والترائب # كتبت على رسمي وبعد نسيئة ... قرأت جوابي من سطور المواكب # ثلاثة أبياتوهيهاتإنمابعثت إلى حربي ثلاث كتائب # وكيف يلذ العيش في عتب سيد ... وما لذ لي يوما على عتب صاحب PageV01P049 ~~وقبل جرت عن بعض كتبي جفوة ... ألحت على وجهي بغمز الحواجب # وما كنت مرتادا ولكن لنفحة ... تعودت من ريحان تلك الضرائب # سلكت سبيلي للزيارة إثرها ... فقابلت دفعا في صدور الركائب # ولو لمعت لي من سمائك بضرقة ... ركبت إلى مغناك هوج السحائب # فقبلت من يمناك أعذب مشرع ... وقضيت من رؤياك أوكد واجب # وأبتث خفيف الظهر إلا من الندى ... وخلفت للعافي ثقال الحقائب # سواك يعي قول الوشاة من العدا ... وغيرك يقضي بالظنون الكواذب # واجتاز على أكرم أهل زمانه، واعلم وقته وأوانه؛ الوزير الكاتب السمي ~~المراتب، أبي محمد بن القاسم الفهري؛ فما عرج عليه، فعاتبه الوزير أبو محمد ~~على إساءته في ذلك غليه، ms080 فكتب إليه أبياتا أمر بعض خواصه أن ينثرها بين ~~يديه: # لم يثن عنك عناني سلوة خطرت ... على فؤادي ولا سمعي ولا بصري # وقصرك البيت لو أني قضيت به ... حجي وكفك منه موضع الحجر # لكن عدتني عنكم خجلة سلفت ... كفاني القول فيها قول معتذر: # " لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للأفراط في الخصر " # وشعره مدون كثير، وقد ذكرنا منه ما اقتضاه التخيير. # ذو الوزارتين ابن الحاج # أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج # عين مدينة لورقة وإنسانها، ومدرهها ولسانها؛ وكان أكرم من غمام، وأرسى ~~حلما من شمام؛ وله شعر أعذب من الجريال في صحن الخد، وأطيب من الوصال بعد ~~الصد. # أنشدني الوزير الفقيه المحدث الكاتب، أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن ~~عميرة، قراءة مني عليه سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، رحمه الله، قال: أنشدنا ~~ذو الوزارتين أبو محمد قال: أنشدني أبي ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور: # أزورك مشتاقا وأرجع مغرما ... وأفتح بابا للصبابة مبهما # أ مدعي السقم الذي آد حمله ... عزيز علينا أن نصح وتسقما # منعت محبا منك أيسر لحظة ... تبل غليل الشوق أو تنقع الظما # وما رد ذاك السجف حين رميته ... من القلب سهما من هواك مصمما # هوى لم تمن عين عليه بنظرة ... ولم يك إلا سمعة وتوهما # وملتقطات من حديث كأنما ... نثرت به سلك الجمان المنظما # دعوت إليك القلب بعد نزوعه ... فأسرع لما لم يجد متلوما # وله: # وبيضاء ينبو الحظ عند التقائها ... وهل تستطيع العين تنظر في الشمس # وهبت لها نفسا على كريمة ... وقد علمت أن الضنانة بالنفس # أعالج منها السخط في حالة الرضى ... ولا أعدم الإيحاش في ساعة الأنس # وله وقد أهدى تفاحا # بعثت بها ولا آلوك حمدا ... هدية ذي اصطناع واعتلاق # خدود أحبة وافين صبا ... وعدن على ارتماض واحتراق # فحمر بعضها خجل التلاقي ... وصفر بعضها وجل الفراق # وله في زرزور: # يا رب أعجم صامت لقنته ... طرف الحديث فصار أفصح ناطق # جون الإهاب أعير فوه صفرة ... كالليل طرزه وميض البارق # حكم من التدبير أعجزت الورى ... ورأى ms081 يها المخلوق لطفض الخالق ~~PageV01P050 وكان الوزير ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور ذا بضائع من ~~العلوم والآداب كلها جواهر، وجميعها إذا أدجت الأيام زواهر؛ وكان ذكر بني ~~عباد بالكرم بالمغرب. وقد طار وطبق الأقطار، فقصدهم بتلك البضائع التي لا ~~يروج إلا لديهم نفاقها، ولا تقام إلا عندهم أسواقها؛ فأخفق لاشتغالهم عنه - ~~لا لتقلص ظلال كرمهم - مسعاه، وتكدر مورده وصوح مرعاه؛ فأم غير مورد نداهم ~~موردا، وارتحل عنهم منشدا: # تعز عن الدنيا ومعروف أهلها ... إذا عدم المعروف في آل عباد # أقمت بهم ضيفا ثلاثة أشهر ... بغير قري ثم انصرفت بلا زاد # فندموا على تفريطهم فيه وما فرط من إهمالهم، وقد ألبسهم من العار ما ~~عراهم من حلل الأيادي السابقة من نوالهم. # وله إلى الفقيه العالم الأديب الأحسب، قاضي القضاة بشرق الأندلس ونخبة ~~الأملاك من كلب، أبي أمية إبراهيم بن عصام الكلبي: # لي صاحب عميت على شئونه ... حركاته مجهولة وسكونه # يرتاب بالأمر الجلي توهما ... وإذا تيقن نازعته ظنونه # ما زلت أحفظه على شرقي به ... فالشيب تكرهه وأنت تصونه # والوزير أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف: # ابن اللبانة # من شعراء السلطان ابن عباد، وممن وفى له فقصده وهو محبوس بأغمات آخر تلك ~~البلاد. فمن قوله في المدح في المعتمد على الله: # ملك إذا عقد المغافر للوغى ... حل الملوك معاقد التيجان # وإذا غدت راياته منشورة ... فالخافقان لهن في خفقان # وله في ناصر الدولة صاحب جزيرة ميورقة. # وعمرت بالإحسان أفق ميورقة ... وبنيت فيها ما بنى الإسكندر # فكأنها بغداد أنت رشيدهاووزيرها وله السلامة جعفر # قوله: " وله السلامة " في باب الحشو أملح وأوضح من قول المتنبي لكافور: # وتحتقر الدنيا احتقار مجربترى كل ما فيها و حاشاك فانيا # وله: # كأن علاك أفلاك وفلك ... بأرزاق البرية جاريات # كأن هباتها من غير وعد ... نتائج مالهن مقدمات # ومهما اهتز جيشك نحو جيش ... فأنت سنانه وهو القناة # النتيجة عند أهل المنطق لا تكون إلا عن مقدمات، أقلهن اثنتان. والشاعر لا ~~يطالب بحقيقة، ولا يغالب بغير طريقته من طريقه. # وله في غلام جميل: ms082 # إن تكن تبتغي القتال فدعني ... عنك في حومة القتال أحامي # خذ جناني عن جنة ولساني ... عن سنان وخاطري عن حسام # وقال يهنئ بمولود ولد في شهر رجب: # نجم تراءى في سماء الحسب ... للشهب في إبانه منتسب # وأعربت ليلة ميلاده ... بليلة القدر أتت في رجب # والوزير الفقيه اللغوي النحوي العالم، ومن له المناقب والأحساب الشهيرة ~~والمكارم؛ بحر العلم الزاخر، وفخر الأوائل والأواخر، الذي يهتدي بنجم فضله ~~المهتدون، أبو محمد عبد المجيد بن عبد الله: # ابن عبدون # وقد ذكرنا قبل قصيدته المحتوية على جميع الفنون، التي أنشدنيها عنه ~~القاضي أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون. وأنشدني له أيضا: # وما أنس بين القصر والنهر وقفة ... نشدت بها ما ضل من شارد الحب # رميت بعيني رمية سمحت بها ... فلم أثنها إلا ومجروحها قلبي # وله: # مررت على الأيام من كل جانب ... اصعد فيها تارة وأصوب # ينير لي الثغران: صبح وصارم ... ويكتمني القلبان: ليل وغيهب # لقد لفظتني الأرض إلا تنوفة ... يحدثني عنها العيان فيكذب # ومما قاله، وجمع فيه حروف الزيادة: # سألت الحروف الرائدات عن اسمها ... فقالت ولم تكذب أمان وتسهيل # قال أبو الفتح بن جني في كتاب " التصريف الملوكي " له ما هذا نصه: ~~PageV01P051 " القول على حروف الزيادة، وهي عشرة أحرف: الألف والياء والواو ~~والهمزة والميم والتاء والنون والهاء والسين واللام، ويجمعها قولك: اليوم ~~تنساه؛ ويقال أيضا: سألتمونيها. ويحكى أن أبا العباس سأل أبا عثمان عن حروف ~~الزيادة، فأنشده أبو عثمان: # هويت السمان فشيبنني ... وما كنت قدما هويت السمانا # فقال له أبو العباس: الجواب؟ فقال: قد أجبتك دفعتين. يعني قوله: هويت ~~السمان " . # وأبو العباس، الذي ذكره، هو محمد بن يزيد المبرد. وأبو عثمان هو المازني. ~~وإنما ذكرنا هذا بسب بيت الوزير ابن عبدون الذي ذكر فيه حروف الزوائد، وهي ~~قوله: " أمان وتسهيل " . وهي احسن من جميع الألفاظ التي جمعوا فيها حروف ~~الزوائد، لما فيها من عذوبة اللفظ وسهولة النطق بها وحسن التفاؤل. فحروف ~~الزيادة هي حروف " هويت السمان " وهي الهاء والواو والياء والتاء والهمزة، ~~في ms083 أول السمان دون أن تصلها، واللام والسين والألف الساكنة والنون. # وقرأت بمدينة شريش شذونة على فارس الفقه والنحو والشعر، القاضي العدل أبي ~~الحسن علي بن أحمد بن لبال الأمتي في كتاب " المحكم في حروف المعجم " ، ~~وذكر حروف الزيادة وذكر ما تقدم من قولهم: " اليوم تنساه " التي هجاؤها: ~~الهمزة، في الألف الأولى واللام، والياء والواو والميم والتاء والنون ~~والسين والألف الساكنة والهاء. # " و سألتمونيها " عشرة أيضا: السين والهمزة واللام والتاء والميم والواو ~~والنون والياء والهاء والألف. وزاد في كتابه " أسلمنى وتاه " وهي أيضا من ~~الألفاظ المستعذبة إلا أنها لا تدخل في الوزن. وتفسيرها: الهمزة الأولى ~~والسين واللام والميم والنون والياء والواو والتاء والألف والهاء. ولشيخنا ~~فيها جمعان ذكرهما في كتاب المحكم له. # وله وقد أنزله المتوكل على الله بدار وكفت عليه، فكتب إليه: # أيا ساميا من جانبيه إلى العلا ... " سمو حباب الماء حالا على حال " # لعبدك دار حل فيها كأنها ... " ديار لسلمى عافيات بذي الخال " # يقول لها لما رأى من دثورها ... " ألا عم صباحا أيها الطلل البالي " # فقالت ولم تعبأ برد جوابه ... " و هل يعمن من كان بالعصر الخالي " # فمر صاحب الأنزال فيها بفاضل ... " فإن الفتى يهذي وليس بفعال " # قال اللغويون: الخال يأتي على أثنى عشر معنى: الخال: أخو الأم. والخال: ~~موضع. والخال: من الزمان الماضي. والخال: اللواء. والخال: الخيلاء. والخال: ~~الشامة. والخال: العزب؛ ويقال: المتفرد. والخال: قاطع الخلا. والخال: ~~الجبان. والخال: ضرب من البرود. والخال: السحاب. وسيف خال: أي قاطع. وقد ~~نظم ذلك الفقيه الأستاذ النحوي الكبير، المتقن الخطير، أبو عبد الله محمد ~~بن أحمد بن هشام اللخمي السبتي، وقد لقيته ولقيت أباه، فإنه مات بعده رحمه ~~الله، فقال: # أقول اخالي وهو يوما بذي خال ... يروح ويغدو في برود من الخال # أما ظفرت كفاك في العصر الخالي ... بربة خال لا يزن بها الخالي # تمر كمر الخال يرتج ردفها ... إلى منزل بالخال خلو من الخال # أقامت لأهل الخال خالا فكلهم ... يؤم إليها من صحيح ومن خال # قال ذو النسبين، رضي الله ms084 عنه: وأغفل شيخنا القاضي المؤرخ المحدث الثقة ~~العدل أبو القاسم بن بشكوال في كتاب الصلة له، ذكر أبي الحسن: # علي بن إسماعيل الفهري # من أهل مدينة أشبونة. وكان من الشعراء العلماء، والزهاد الفضلاء. ويلقب ~~بالطيطل وبالقط. وقد ذكره الحميدي في جذوة المقتبس. فمن شعره: # وتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ندي # تسالم من وطئت خده ... وتلسع قلب الشجي الأبعد # وقد اخذه ابن جاخ الصباغ وادعاه. # ولبعض أهل العصر في قصيد فريد، يمدح فيها مولانا السلطان الملك الكامل ~~ملك ملوك العصر، أيده الله بالنصر: # وما محنتي في الحب غير غريرة ... هي البدر في ليل الذوائب طالع ~~PageV01P052 يقد فؤادي قدها وهو ذابل ... على أنه غصن من البان يانع # وتجرح أحشائي بعين مريضة ... كما لان متن السيف والحد قاطع # خضعت لها في الحب من بعد عزتي ... وكل محب للأحبة خاضع # وماذا أجنت من أزاهر جنة ... كمائم من ريط وهن البراقع # وفوق شبيه الورد يلحظ عكسها ... لوداغ في قلبي لها ولواذغ # وقالوا بدور والشعور حنادس ... وهن شموس في الغصون طوالع # دعت وادعت ملكي لدى حاكم الهوى ... ولي للهوى قلب مطيع وسامع # ولاحاكم أرضاه يبني وبينها ... سوى ملك دهري له اليوم طائع # يدافع عني الضيم قائم سيفه ... إذا عز من للضيم عني يدافع # هو الكامل الأوصاف والملك الذي ... تشير إليه بالكمال الأصابع # لبيض أياديه الكريمة في الورى ... قلائد في الأعناق هن الصنائع # ويوماه يوماه اللذان هما هما ... إذا جمعت غلب الملوك المجامع # فيوم ندى فوق السرير موقع ... ويوم ردى تحت اللواء مواقع # وأنحى ملوك الأرض في لغة الوغى ... وأعربهم بالسيف حين يماصع # ومن نحوه يوم الجلاد عوامل ... خوافض للهامات فيه روافع # كتائبه منصورة بكتائب ... من الملأ الأعلى وجبريل وازع # تهيم بمغزاه خلال أبية ... وتغنى بمغناه نفوس نوازع # فلا يطمعن فيه العدا فل حدهمففي غير أمن الله يطمع طامع # والقصيد طويل. # الوزراء الأجلاء الشعراء # أبو محمد وأبو بكر وأبو الحسن بنو القبطرنه بيت الفضل والإحسان، والمعاني ~~الحسان. فمن أحسن أخبارهم، ورقيق أشعارهم أنهم باتوا ليلة ms085 في زمن الربيع ~~بالمنية التي أنشأها السلطان المتوكل على الله؛ وسماها بالبديع، يتعاطون ~~كئوس الراح، ويدور عليهم منها أقداح الأفراح؛ إلى أن غلبهم النوم، وربط على ~~آذانهم فارتفع عنهم اللوم؛ فلما تبلج وجه الصباح، وألبست الشمس معصفر خلعها ~~فجاج البطاح؛ هب كل واحد منهم من نومه منشدا رافعا عقيرته يالإنشاد مغردا؛ ~~فقال الوزير الأوحد أبو محمد: # يا شقيقي أتى الصباح بوجه ... ستر الليل ضوؤه وبهاؤه # فاصطبح واغتنم مسرة يوم ... لست تدري بما يجئ مساؤه # ثم استيقظ الوزير الخطير أبو بكر فقال: # يا أخي قم تر النسيم عليلا ... باكر الروض والمدام شمولا # لا تنم واغتنم مسرة يوم ... إن تحت التراب نوما طويلا # ثم استيقظ أخوهما الوزير الحسن أبو الحسن فقال: # يا صاحبي ذرا لومي ومعتبتي ... قم نصطبح خمرة من خير ما ذخروا # وبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خمر ويبدو في غد خبر # وذو الوزارتين الناظم الناثر الكثير المعالي والمآثر أكتب أهل زمانه على ~~الإطلاق، وآدب أهل الأندلس بالإجماع والاتفاق؛ مع التقييد للحديث، ~~والاشتغال بعلومه في القديم والحديث: # ابن أبي الخصال # أبو عبد الله محمد بن مسعود حدثني عنه خمسون شيخا، منهم قاضي القضاة إمام ~~النحويين، بقية أعلام مشيخة الأندلسيين، أبو جعفر أبو العباس أحمد بن عبد ~~الرحمن بن محمد بن سعد بن مضاء اللخمي رضى الله عنه. # فمما أنشدونا له في مطرب: # وافي وقد عظمت على ذنوبه ... في غيبة قبحت بها آثاره # فمحا إساءته بها إحسانه ... واستغفرت لذنوبه أوتاره # وله يعتذر من استبطاء المكاتبة: # ألم تعلموا والقلب رهن لديكم ... يخبركم عني بمضمره بعدي PageV01P053 ولو ~~قبلتني الحادثات مكانكم ... لأنهبتها وفري وأوطأتها خدي # ألم تعلموا أني وأهلي وواحدي ... فداء ولا أرضى بتقدمتي وحدي # ولابن أبي الخصال تصانيف كثيرة، مستحسنة أثيرة؛ منها: كتاب ظل الغمامة ~~وطوق الحمامة، في مناقب من خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته رضي ~~الله عنهم بالكرامة، وأحلهم بشهادته الصادقة دار المقامة. والقصيدة ~~الموسومة بمعراج المناقب، ومنهاج الحسب الثاقب؛ في نسب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وما ms086 انتظم به من مناقب صحابته الأبرار. إلى غير ذلك من ترسله ~~الفائق، وشعره الرائق، وذلك في خمس مجلدات. # وأنشدني الوزير الفقيه المحدث الفاضل الكاتب أبو عبد الله محمد ين أبي ~~القاسم ابن عميرة المروي؛ المنسوب إلى مدينة المرية، على ما تقتضيه صناعة ~~العربية؛ قال: حدثني بجميع تصانيفه الوزير أبو نصر الفتح بن خاقان، سامحه ~~الله بما سلف منه وكان، وكان طبعه في الانقياد له في ميدان البلاغة سلس ~~العنان؛ وقد قدمنا أنه قتل ذبحا، ورأوا له في تشحطه بدمائه سبحا. # فمن شعره يخاطب أبا يحيى محمد بن الحاج، وقد كان وقع بينه وبينه في بعض ~~الأيام تنازع أدى إلى الانفصال، وتعطيل تلك البكر والآصال؛ ثم انقشعت تلك ~~المخيلة، وتحركت فيه المودة الدخيلة؛ وأكدت تجديد ذلك العهد الرائق، وكف ~~أيدي العوائق، فكتب إليه: # أ كعبة علياء وهضبة سؤدد ... وروضة مجد بالمفاخر تمطر # هنيئا لملك زان نورك أفقه ... وفي صفحتيه من مضائك أسطر # وإني لخفاق الجناحين كلما ... سرى لك ذكر أو نسيم معطر # وقد كان واش هاجنا لتنافر ... فبت وأحشائي جوى تتفطر # فهل لك في ود ذوي لك ظاهرا ... وباطنه يندى صفاء ويقطر # ولست بعلق بيع بخسا وإنني ... لأرفع أعلاق الزمان وأنضر # الأعلاق: جمع علق، وهو الشيء النفيس، فأمر الأمير ذو الوزارتين أبا عبد ~~الله ابن أبي الخصال بمراجعته، فكتب عنه بقطعة منها: # ثنيت أبا نصر عناني وربما ... ثنت عزمة السهم المصمم أسطر # ونالت هوى ما لم تكن لتناله ... سيوف مواض أو قنا تتأطر # وما أنا إلا من عرفت وإنما ... بطرت ودادي والمودة تبطر # نظرت بعين لو نظرت بغيرها ... أصبت وجفن الرأي وسنان يسطر # الوزير الحسيب العالم الأوحد: # ابن الجد # أبو القاسم محمد بن عبد الله الفهري النسب، المستبحر في الحديث والفقه ~~والمتقدم في الأدب وعلم النسب؛ كاتب الحضرة العليا، المرجو للدين والدنيا. ~~توفي رحمه الله سنة خمس عشرة وخمسمائة حدثني عنه ابن عمه حافظ أهل زمانه، ~~المقدم على أهل عصره بحفظ مذهب إمام دار الهجرة، أبي عبد الله مالك بن أنس ms087 ~~وأصحابه، ونصوص أقوالهم، واتفاقهم واختلافهم، مع المعرفة بلسان العرب، ~~والنهاية في الفضل والدين وسمو النسب، والجاه وأعلى الرتب، أبو بكر محمد بن ~~عبد الله بن يحيى بن الجد. توفي رضى الله عنه ليلة الخميس الرابع عشر من ~~شوال سنة ست وثمانين وخمسمائة، ودفن ظهر يوم الخميس بداره بمدينة إشبيلية؛ ~~ولم يتخلف عن شهود جنازته كبير إنسان، ومشى فيها الملوك والعلماء وجميع ~~الأعيان، حتى أودعوه بطن ضريحه وتركوه في ذمة من الله وضمان. وكان مولده في ~~شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وأربعمائة. فكان له من العمر يوم وفاته تسعون ~~سنة وسبعة أشهر. # فمن شعر الوزير أبي لقاسم بن الجد ما أنشدنيه له ابن عمه رحمهم الله: # لئن راق مرأى للحسان ومسمع ... فحسناؤك الغراء أبهى وأمتع # عروس جلاها مطلع الشمس فانثنت ... إليها النجوم الزاهرات تطلع # زففت بها بكرا تضوع طيبها ... وما طيبها إلا الثناء المضوع # لها من طراز الحسن وشي مهلل ... ومن صيغة الإحسان تاج مرصع # وأنشدني له: PageV01P054 أما ونسيم الروض طاب له نشر ... وهب له من كل ~~زاهرة نشر # يحامي له عن سره زهر الربى ... ولم يدر أن السر في طيه نشر # ففي كل سر من أحاديث طيبه ... تمائم لم يعلق بحاملها وزر # لقد فغمتني من ثنائك نفحة ... ينافسني في طيب أنفاسها العطر # تضوع منها العنبر الند فانثنت ... وقد أوهمتني أن منزلها الشحر # سرى الكبر في نفسي لها ولربما ... تجانف عن مسرى صرامتي الكبر # وشيب بها معنى من الراح مطرب ... فخيل لي أن ارتياحي بها سكر # أبا عامر أنصف أخاك فإنه ... وإياك في محض الهوى الماء والخمر # أمثلك يبغي في سمائي كوكبا ... وفي جوك الشمس المنيرة والبدر # ويلتمس الحصباء في ثعب الحصى ... ومن بحرك الفياض يستخرج الدر # عجبت لمن يهوى من الصفر تومة ... وقد سال في أرجاء معدنه التبر # قوله: " لقد فغمتني " الفغم، بالغين المعجمة يستعمل في ملء الرائحة، أنفا ~~أو مكانا قال الراجز: # نفحة مسك تفغم المزكوما # ومن المتقدمين من شعراء الأندلس والمغرب: # أبو القاسم محمد بن هانئ # الأندلسي ms088 الدار، وإن كان قبيح الغلو، شهير الاستهتار، فربما صدرت عنه درر ~~تلحقه بالشعراء الكبار: # فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر # وجنيتم يمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر # قال ذو النسبين، رضي الله عنه، هذا بيت بديع زاد فيه على قول البحتري: # حملت خمائله القديمة ثقله ... من عهد عاد غضة لم تذبل # وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر # أبني العوالي السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر # من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير # القائد الخيل العتاق شوازبا ... خزرا إلى لحظ السنان الأخزر # ومنها يصف الممدوح: # نحر القبول من الدبور وسار في ... جمع الهرقل وعزمة الإسكندر # في فتية صدأ الدروع عبيرهم ... وخلوقهم علق النجيع الأحمر # لا يأكل السرحان شلو عقيرهم ... مما عليه من القنا المتكسر # قوله: " لا يأكل السرحان شلو عقيرههم... البيت " . أي لو يمت لشجاعته حتى ~~تحطم عليه من الرماح ما لا يصل معه الذئب إليه، ولو كان العقير هو الذي ~~عقروه هم لكان البيت هجوا، لأنه كان يصفهم بالتكاثر على واحد. # ومن قوله أيضا يمدح الأمير أبا الفضل جعفر بن علي الأندلسي: # أ ليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا ... وبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا # وبات لنا ساق يصول على الدجى ... بشمعة صبح لا تقط ولا تطفا # ومن مليحها قوله: # يقولون حقف فوقه خيزرانة ... أما يعرفون الخيزرانة والحقفا # جعلنا حشايانا ثياب مدامنا ... وقدت لنا الظلماء من جلدها لحفا # فمن كبد تدنى إلى كبد هوى ... ومن شفة توحي إلى شفة رشفا # وقوله منها يشبه نجوم الليل: # فولت نجوم للثريا كأنها ... خواتيم تبدو في بنان يد تخفى # ومر على آثارها دبرانها ... كصاحب ردء كمنت خيله خلفا # وأقبلت الشعرى العبور مكبة ... بمرزمها اليعبوب تجنبه طرفا # وقد بادرتها أختها من ورائها ... لتخرق من ثنيي مجرتها سجفا PageV01P055 ~~تخاف زئير الليث يقدم نثره ... وبربر في الظلماء ينسفها نسفا # كأن السماكين اللذين تظاهرا ... على لبدتيه ضامنان له حتفا # فذا رامح يهوى إليه سنانه ... وذا أعزل قد عض ms089 أنمله لهفا # كأن رقيب الليل أجدل مرقب ... يقلب تحت الليل في ريشه طرفا # كأن بني نعش ونعشا مطافل ... بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا # كأن سهيلا في مطالع أفقه ... مفارق إلف لم يجد بعده إلفا # كأن سهاها عاشق بين عود ... فآونة يبدو وآونة يخفى # كأن معلى قطبها فارس له ... لواءان مركوزان قد كره الزحفا # كأن قدامي النسر والنسر واقع ... قصصن فلم تسم الخوافي به ضعفا # كأن أخاه حين دوم طائرا ... أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا # كأن الهزيع الآبنوسي لونه ... سرى بالنسيج الخسرواني ملتفا # كأن ظلام الليل إذ مال ميلة ... صريع مدام بات يشربها صرفا # كأن عمود الفجر خاقان معشر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى # كأن لواء الشمس غرة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا # وبقية شعر هذا الرجل قعاقع وجعاجع، وثالثة الأثافي والرسوم البلاقع. # والخسرواني: الحرير الرقيق الحسن في الصنعة، منسوب إلى خسرو، أحد ملوك ~~الأكاسرة. # ومنهم الأديب، الشاعر الأريب: # أبو جعفر أحمد بن عبد الولي البتي # وبتة: قرية من قرى مدينة بلنسية. وكان كثير التصرف، مليح التظرف. أنشدني ~~له غير واحد من أهل مدينة بلنسية: # غصبت الثريا في البعاد مكانها ... وأودعت في عيني صادق نوئها # وفي كل حال لم تزالي بخيلة ... فكيف أعرت الشمس حلة ضوئها # أحرقه القنبيطور - لعنه الله - في حين تغلبه على بلنسية وذلك في سنة ثمان ~~وثمانين وأربعمائة. # والوزير الكاتب: # أبو الفضل بن حسداي # من بيت شرف اليهود بالأندلس، ذكر القاضي بطليطلة الفقيه المؤرخ المتقن ~~أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن صاعد في كتاب الطبقات ~~له، أن ابن حسداى هذا من ولد موسى صلى الله على نبينا وعليه. جرى في ميدان ~~البلاغة إلى أبعد أمد، وبنى عراصها بالصفاح والعمد؛ وكانت الذمة تقعده عن ~~مراتب أكفائه، وتجد في طموس رسمه وعفائه، حتى ألحقه الله بأقرانه، وأقاله ~~من متعثر خسرانه؛ فتطهر وأسلم، وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. # فمن شعره القطعة التي أطلعها نيرة، وترك الألباب منها متحيرة؛ ذكرها أبو ~~نصر الفتح ms090 بن خاقان، في كتاب قلائد العقيان: # توريد خدك للأحداق لذات ... عليه من عنبر الأصداغ لامات # نيران هجرك للعشاق نار لظى ... لكن وصالك عن واصلت جنات # كأنما الراح والراحات تحملها ... بدور تم وأيدي الشرب هالات # حشاشة ما تركنا الماء يقتلها ... إلا لتحيا بها منا حشاشات # قد كان في كأسها من قبلها ثقل ... فخف إذ ملئت منها الزجاجات # قال ذو النسبين رضي الله عنه: أخذ هذا المعنى من قول الشاعر أبي علي ~~إدريس بن اليمان، من أهل جزيرة يابسة، من قصيدة طويلة يمدح بها إقبال ~~الدولة أبا الحسن علي بن أبي الجيش مجاهد بن عبد الله مولى أبي عامر: # ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح # خفت فكادت تستطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح # ومنهم الفقيه الأديب الزكي الحسيب: # أبو عبد الله محمد بن الفخار PageV01P056 بيت الفخار، ومنبت الفضل المشرق ~~إشراق النهار؛ يعرف بابن نصف الربض، الراسخ في علم الجوهر والعرض. أنشدني ~~له جماعة من أهل مدينة مالقة، منهم ولده الوزير الأديب، الفقيه الحكيم ~~الأريب: أبو الحسين؛ والخطيب في مجالس الملوك، الناثر من فيه درر السلوك، ~~صديقنا أصبغ بن أبي العباس: # أ مستنكر شيب المفارق في الصبا ... وهل ينكر النور المفتح في غصن # أظن طلاب المجد شيب مفرقي ... وإن كنت في إحدى وعشرين من سني # ومن شعراء الجزيرة صاحب الموشحات الشهيرة: # أبو بكر بن بقي # فمن شعره: # عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق لناشق # وضممته ضم الكمي لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي # حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته رفقا وكان معانقي # باعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق # ومنهم الفقيه الأصولي اللغوي النحوي: # العبدري # أبو بكر محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس بن محمد بن عبد الله، سكن ~~عدوة المغرب، وتصدر بمراكش لإقراء النحو والأدب. لقيته بها سنة خمس وستين، ~~وقد شرح كتاب " الجمل " ، وانفرد من الفضل بمفصله والجمل. وتوفي رحمه الله ~~بحضرة مراكش يوم الثلاثاء الثامن عشر من جمادى الآخرة، ودفن ms091 ضحى يوم ~~الأربعاء، سنة سبع ستين وخمسمائة. فمن شعره: # أبا قاسم والهوى جنة ... وها أنا من مسها لم أفق # تقحمت جاحم نار الضلوع ... كما خضت بحر دموع الحدق # أ كنت الخليل أ كنت الكليم ... أمنت الحريق أمنت الغرق # ومنهم شاعر المغرب الأقصى، ومفخره في صناعة المحاكاة والتخييل؛ وإن كان ~~له غلو في الأمداح، وإفراط في الاختراع والأقتداح؛ فربما ثنى عنانه إلى مدح ~~اللطيف الخبير، وروى ظمأه ذلك العذب النمير، وهو: # ابن حيوس # أبو عبد الله محمد بن حسين بن عبد الله بن حبوس # بالباء بنقطة واحدة من أسفل، مولى بني أبي العافية، الذين ملكوا المغرب ~~الأقصى، في أيام بني أمية الأندلسيين. وأصلهم من تازا، من أهل تسول، من بني ~~مجدول، منهم. وتسول: كانت حاضرة ملكهم، ومنتظم سلكهم؛ فذهبت أيامهم، وتقلص ~~إنعامهم، وتلك عادة الله، وسنته في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا. # وقد رفعت ديوان شعره للمقام المولوي السلطاني الملكي الكاملي الناصري، ~~أدام الله إنعامه، ووالي له حسن الصنع وأدامه. # لقيته بحضرة مراكش، سنة أربع وستين وخمسمائة. ثم دخلت عنده في داره ~~بمدينة فاس، بدرب السراجين منها، فأخذت عنه وسمعت منه. وأنشدني شيخي الفقيه ~~الأستاذ اللغوي النحوي أبو العباس أحمد بن علي بن محمد الكناني - يعرف بابن ~~سيد - من أهل إشبيلية؛ تصدر للإقراء بها، فطلع شمسا من جانبها؛ وكان من أهل ~~البلاغة والشعر، والتقدم في النظم والنثر. ختم كتاب سيبويه مرتين على ~~الأستاذ النحوي أبي القاسم بن الرماك بعد قراءته القرآن العظيم على القاضي ~~أبي الحسن شريح بن محمد، والمجود الكبير أبي العباس أحمد بن عيشون، وأجاز ~~له. وكذلك أجاز له جماعة من علماء قرطبة، منهم الفقيه أبو محمد بن عتاب، ~~والعالم أبو بحر سفيان بن العاصي، والوزير أبو الوليد بن طريف وغيرهم، ولزم ~~الوزير الأديب البليغ الأوحد أبا محمد ابن عبد الغفور. فقرأ عليه كثيرا. ~~وأنشدنا له في صاحب إشبيلية وقد خرج إلى غزاة: # سر حل حيث تحله النوار ... وأراد فيك مرادك الأقدار # وإذا ارتحلت فشيعتك ms092 غمامة ... أني حللت وديمة مدرار # تنفي الهجير بظلها وتنيم بالر ... ش القتام وكيف شئت تدار # وقضى الإله بأن تعود مظفرا ... وقضيت بسيفك نحبها الكفار # وقد أبدع في هذه الأبيات غاية الإبداع، وهي من ابلغ ما قيل في الوداع. # وأنشدني رحمه الله قال: أنشدني الوزير الشريف الحسيب النسيب أبو محمد عبد ~~العزيز بن الحسن بن أبي البسام الحسيني، فريد عصره ووحيد دهره. PageV01P057 ~~قال: نزلت بفندق بمدينة دانية ليلا، فرأتني امرأة كانت تعرفني في أيام ~~السلطان أبي الطاهر تميم، وهي الحرة الفاضلة مريم بنت إبراهيم؛ والدنيا قد ~~سحبت على من جاهها ووزارتها ذيلا، فقلت مرتجلا: # عاذلتي لا تفنديني ... أن صرت في منزل هجين # فليس قبح المكان مما ... يقدح في منصبي وديني # الشمس علوية ولكن ... تغرب في حمأة وطين # وكان شيخا هذا رحمه الله يلقب باللص لدياثته وسكونه، وتردده خفية في جميع ~~شؤونه؛ وكان لا ينكر هذا اللقب مع جاهه عند سلطان زمانه، وقد أنشدني بيتين ~~قالهما في الوزير أبي الحسين بن فندله في إبان شبابه وعنفوانه: # خلست قلبي بطرف ... أبا الحسين خلوب # فكيف أدعى بلص ... وانت لص القلوب # ولما وصلت المحلات العظيمة، والعساكر العميمة، بجبل الفتح والنصر والهدى، ~~قام منشدا: # غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل ... وانظر إلى الجبل الراسي على جبل # أني استقل به أني استقر به ... أني رأى شخصه العالي فلم يزل # توفي شيخنا رضي الله عنه ببلدة إشبيلية سنة ست وسبعين وخمسمائة. وأخبرني ~~أن مولده سنة سبع وخمسمائة. سمعت منه كثيرا، وأجاز لي جميع رواياته ولأخي، ~~نفعنا الله. # الوزير الكبير وزير إشبيلية وعظيمها، وشاعرها المشهور وكريمها: # أبو بكر محمد # ابن الوزير الكبير، الطبيب النحير، أبي مروان عبد الملك؛ ابن وزير ذلك ~~الدهر وعظيمه، فيلسوف ذلك العصر وحكيمه؛ أبي العلاء زهر، ابن الوزير الكبير ~~أبي مروان عبد الملك، الراحل إلى المشرق، وبه تطبب زمانا طويلا وتولى رياسة ~~الطب ببغداد، ثم بمصر ثم بالقيروان، ثم استوطن مدينة دانية، وطار ذكره منها ~~إلى أقطار الأندلس والمغرب، واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى ms093 بذ أهل زمانه. ~~ومات بدانية. وأبوه الوزير الفقيه العالم أبو بكر محمد بن مروان بن زهر ~~الإيادي النسب العالم بالرأي والحافظ للأدب. وكان حاذقا في الفتوى، مقدما ~~في الشورى، متفننا في العلوم، وسيما فاضلا، جمع الرواية والدراية. توفي ~~بطليرة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وهو ابن ست وثمانين سنة. حدث عنه ~~جماعة من علماء الأندلس، ووصفوه بالدين والفضل، والجود والبذل. # حدثني شيخنا المبدأ بذكره، وهو الوزير أبو بكر، عن جده الوزير أبي العلاء ~~بجميع تواليفه وشعره. وتوفي الوزير أبو العلاء بمدينة قرطبة، ممتحنا من ~~نغلة. بين كتفيه سنة خمس وعشرين وخمسمائة. # والذي انفرد شيخنا به وانقادت لتخيله طباعه، وأصارت النبهاء خوله ~~وأتباعه: الموشحات، وهي زبدة الشعر وخلاصة جوهره وصفوته. وهي من الفنون ~~التي أغربت بها أهل المغرب على أهل المشرق. وظهروا فيها كالشمس الطالعة ~~والضياء المشرق، فمن ذلك قوله: # سدلن ظلام الشعور ... على أوجه كالبدور # سفرن فلاح الصباح # هززن قدود الرماح # ضحكن ابتسام الأقاح # كأن الذي في النحور ... تخيرن منه الثغور # سلوا مقلتي ساحر # عن السحر والساحر # وعن نظر حائر # يريش سهام الفتور ... ويرمي خبايا الصدور # لقد همت ويحي بها # وذلل قلبي لها # أما والهوى إنها # لظبي كناس نفور ... تغار عليه الخدور # حرمت لذيذ الكرى # سهرت ونام الورى # ترى ليت شعري ترى # أ ساعدت ليلي شهور ... أم الليل حولي يدور # ظفرت بصب كئيب # فنكد وعذب وجور ... أسرف غلامك صبور # وقوله: # أيها الساقي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع # ونديم همت في غرته # وسقاني الراح من راحته # كلما استيقظ من سكرته # جذب الزق إليه واتكا ... وسقاني أربعا في أربع # ليس لي صبر ولا لي جلد # ما لقومي عذلوا واجتهدوا # أنكروا شكواي مما أجد PageV01P058 مثل حالي حقها أن تشتكي ... كمد اليأس ~~وذل الطمع # غصن بان مال من حيث استوى # بات من يهواه من فرط الجوى # خافق الأحشاء موهون القوى # كلما فكر في البين بكى ... ماله يبكي لما لم يقع # ما لعيني شغفت بالنظر # أنكرت بعدك ضوء القمر # فإذا ما شئت فاسمع خبري ms094 # عشيت عيناي من طول البكا ... وبكى بعضي على بعضي معي # الشغاف:حجاب القلب؛ وقيل: سويداؤه؛ وهو الشغف أيضا، بالعين المهملة. # قال الله العظيم: (قد شغفها حبا). وشغفة القلب: أعلاه، وهو معلق النياط. ~~قال أبو عبيد: المشغوف: الذي بلغ حبه شغاف قلبه؛ وبالعين المهملة: الذي خلص ~~الحب إلى قلبه فأحرقه. # وكان شيخنا الوزير أبو بكر - رحمه الله - بمكان من اللغة مكين، ومورد من ~~الطلب عذب معين. كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على ~~جميع أقوال أهل الطب، والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب مع سمو النسب، ~~وكثرة الأموال والنشب صحبته زمانا طويلا، واستفدت منه أدبا جليلا. واستجزته ~~في جميع تصانيف أسلافه وتصانيفه، وجميع شعره ونثره وتواليفه. # ومن شعره: # وموسدين على الأكف خدودهم ... قد غالهم نوم الصباح وغالني # ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني # والخمر تعلم كيف تطلب ثأرها ... إني أملت إناءها فأمالني # ومن شعره: # رمت كبدي أخت السماك فأقصدت ... ألا بأبي رام يصيب ولا يخطشي # قريبة ما بين الخلاخل إن مشت ... بعيدة ما بين القلادة والقرط # نعمت بها حتى أتيحت لنا النوى ... كذا شيم الأيام تأخذ ما تعطي # سألته رحمه الله عن مولده فقال: ولدت سنة سبع وخمسمائة. وبلغتني وفاته ~~آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة وأنشدني الوزير الكاتب أبو الحكم علي، ابن ~~الوزير الأعلى أبي بكر محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين ~~بن كميل بن عبد العزيز بن هارون اللخمي قال: أنشدني أبي لنفسه: # قد هززتاك في المكارم غصنا ... واستلمناك في النوائب ركنا # ووجدنا الزمان قد لان عطفا ... وتأتى فعلا وأشرق حسنا # فإنها ما سألته كان سمحا ... وإذا ما هززته كان لدنا # مؤثرا أحسن الخلائق لا يع ... رف ضنا ولا يكذب ظنا # أنت ماء السماء اخصب واد ... يه ورفت رياضه فانتجعنا # نزعت بي إلى ودادك نفس ... قلما استمتعت بذي الفضل خدنا # وأنشدني له وقد ودع ...... # في ذمة المجد والعلياء مرتحل ... فارقت صبري مذ فارقت موضعه # ضاءت به برهة أرجاء ms095 قرطبة ... ثم استقل فسر البين مطلعه # والوزير أبو الحكم هذا يعرف أبوه بابن المرخي. وصوابه عند أهل النحو: ~~المرخي، بفتح الخاء. وهو من أهل قرطبة، وأصلهم من شرانة، قرية من قرى شريش ~~شذونة. وكان أبوه بذ أهل وقته في الكتابة والأدب، واللغة وأنساب العرب؛ ~~وكان وزيرا جليلا بوزارة السلاطين بقرطبة، وكان ينتفع به الناس لحسن ~~وساطته، ومبادرته إلى قضاء حوائج الناس ومشاركته. # أخذت عن ولده الوزير: أبي الحكم جميع ما رواه عن أبيه وعن غيره من أشياخ ~~قرطبة، منهم ابن عمه الوزير الكبير أبو جعفر بن عبد العزيز. وأخذت عنه ~~استدراكه على الوزير أبي عبيد البكري في معجم ما استعجم، وذلك نحو من ~~أربعمائة موضع. وسمعت من لفظه أوهام ابن قتيبة في المعارف. وصحبته كثيرا، ~~وأخذت عنه فضلا غزيرا، واستجزته في جميع ما رواه، وألفه، فأجاز لي ولأخي ~~الحافظ أبي عمرو. وسألته عن مولده، فقال: ولدت آخر سنة تسع عشرة وخمسمائة. ~~وتوفي رحمه الله بحضرة مراكش سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وشهدت جنازته. # وصاحب أحكام القضاء بمدينة مالقة، الفقيه العالم: أبو الحسن صالح بن عبد ~~الملك. # ابن سعيد الأوسي PageV01P059 يعرف بالقنترال، بالقاف، والنون والتاء ~~المثناة باثنتين من فوقها والراء المهملة. # وكان شيخا جليلا، محدثا، فقيها، فاضلا، أصيلا. لقي قاضي الجماعة، أبا ~~الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد المالكي مؤلف كتاب المقدمات ~~لأوائل كتب المدونة، وكتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه ~~والتعليل، واختصار المبسوطة، واختصار مشكل الآثار للطحاوى - و الإمام ~~العالم قاضي الجماعة أبا عبد الله، محمد بن الحاج الشهيد، فسمع عليه صحيح ~~مسلم. ولقي الإمام العالم أبا بكر غالب بن عطية المحاربي، والفقيه المشاور ~~القاضي أبا الحسن علي بن أضحى الهمداني، والمحدث الجليل أبا جعفر أحمد بن ~~محمد بن عبد العزيز اللخمي، ولقي بلوشة الفقيه الإمام أبا الوليد هشام ابن ~~أحمد بن هشام الهلالي، قرأ عليه، وعلق عنه جميع كلامه، على صحيح البخاري، ~~وكان عالما به واقفا على معانيه. ولقي بإشبيلية القاضي الإمام أبا بكر ms096 محمد ~~بن عبد الله العربي المعافري، وكان مختصا به. والفقيه المشاور القاضي أبا ~~مروان الباجي، والمقرئ النحوي القاضي بإشبيلية أبا الحسن شريح بن محمد ~~الرعيني، والفقيه القاضي الإمام أبا القاسم أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى ~~ابن منظور، والوزير أبا بكر محمد بن فندله. والوزير الحسيب أبا عبد الله ~~جعفر بن مكي، وقرأ القرآن العظيم بقرطبة علي ابن ذروة، وعلى الأستاذ عياش ~~بن عبد الملك الأزدي اليابري. ولقي الفقيه المشاور الأستاذ أبا عبد الله ~~محمد بن عيسى المشتهر بالشرقي، ولقي بالمرية الإمام العالم الأوحد أبا ~~القاسم ابن ورد، وقرأ عليه الحديث تفقها، والفقيه الإمام الزاهد الشهيد أبا ~~عبد الله محمد بن يحيى، يعرف بابن الفراء، وسمع عليه. ولقي ببلده مالقة ~~الفقيه المشاور الفاضل أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن معمر، والفقيه ~~الأستاذ المقرئ أبا علي بن تملا، يعرف بالأحدب، والأستاذ النحوي أبا الحسين ~~بن الطراوة، والفقيه الأستاذ اللغوي أبا عبد الله محمد بن سليمان هو ابن ~~أخت غانم. ولقي من أهل مرباطر بلنسية الإمام العالم أبا بحر سفيان بن ~~العاصي، ولقي الأستاذ المقرئ أبا المطرف عبد الرحمن بن سعيد الفهمي، حدثه ~~عن الفقيه عبد الحق الصقلي إجازة، وعن القاضي الإمام أبي الوليد الباجي ~~سماعا عليه، وعن الإمام أبي عمر بن عبد البر إجازة، وعن غيرهم. # ولقي في علم الأصول الفقيه المتكلم أبا العباس أحمد بن محمد الجذامي، ~~يعرف بابن الزنقي، إلى غير ذلك من شيوخه. وقد سمعت عليه وصحبته، وأجاز لي ~~جميع رواياته، ولأخي الحافظ أبي عمرو. # ومن أعظم ما شاهد أهل الأندلس منه أن يده اليمنى بطلت فأطلق الله يده ~~اليسرى، فكتب بها دواوين لا تحصى كثرة، كمسند البزار وغيره، كما كان يكتب ~~بيده اليمنى وأحسن. توفي رضي الله عنه بمالقة وهو يتولى الأحكام، ويدرس ~~العلوم سنة خمس وسبعين وخمسمائة. # وأنشدني قال: أنشدني الإمام العالم أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب ~~بن عطية المحاربي لنفسه، يعاتب بعض إخوانه: # وكنت أظن أن جبال رضوي ... تزول ms097 وأن ودك لا يزول # ولكن القلوب لها انقلاب ... وأحوال ابن آدم تستحيل # فإن يك بيننا وصل جميل ... وإلا فليكن هجر جميل # وقد سمعت هذه الأبيات من الفقيه أبي محمد عبد الحق، ابن قاضي مالقة أبي ~~مروان عبد الملك بن بونة العبدري، قال: أنشدنا الإمام أبو بكر غالب لنفسه ~~أيضا يحذر من خلطة الناس: # جفوت أناسا كنت آلف وصلهم ... وما بالجفا عند الضرورة من باس # بلوت فلم أحمد فأصبحت يائسا ... ولا شيء أشفى للنفوس من الياس # فلا تعذلوني في انقباضي فانني ... رأيت جميع الشر في خلطة الناس # وأنشدني القاضي الفقيه أبو الحسن صالح المذكور، قال: أنشدنا الفقيه ~~القاضي أبو الحسن بن أضحى: # أزف الفراق وفي الفؤاد كلوم ... ودنا الترحل والحمام يحوم # قل للأحبة كيف أنعم بعدكم ... وأنا المسافر والفؤاد مقيم # قالوا الوداع يهيج منك صبابة ... ويثير ما هو في الهوى مكتوم PageV01P060 ~~قلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم # وحدثني شيخنا المذكور آنفا قال: أخبرنا القاضي أبو بكر بن العربي وأملاه ~~علي، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك التنيسي الصوفي قال: خرجنا مع شيخنا أبي ~~الفضل بن الجوهري بخبب عميرة لتشييع الحاج ووداعه على العادة، فبتنا معهم. ~~وحين أصبحنا وأثيرت الجمال وقوض الناس للرحيل إذا بفتى شاب حسن الوجه عليه ~~شحوب واصفرار، وهو يشيع الهوادج هودجا هودجا، حتى فنيت الهوادج ومشى الحاج، ~~وهو يقول أثناء تردده عليها، ونظره إليها: # أ حجاج بيت الله في أي هودج ... وفي أي خدر من خدوركم قلبي # أ أبقى رهين الجسم في أرض غربة ... وحاديكم يحدو بقلبي مع الركب # فوا أسفا لم أقض منكم لبانتي ... ولم أتمتع بالجوار وبالقرب # وفرق بيني في الرحيل وبينكم ... فهأنذا أقضي على إثركم نضحبي # فلما أكمل الحاج السير ويئس، ضرب بنفسه إلى الأرض وجعل يقول: # خل دمع العين ينهمل ... بان من تهواه وارتحلوا # أي دمع صانه كلف ... فهو يوم البين مبتذل # ثم مال إلى الأرض، فجئنا إليه فوجدناه ميتا. # أبو الفضل بن الجوهري، هذا مصري؛ كان يسكن القرافة، ms098 واسمه عبد الله ابن ~~حسين؛ أسماه الإمام أبو بكر بن عطية. وهو واعظ جليل، وفقيه نبيه ونبيل. روى ~~عنه من العلماء: أبو مروان عبد الملك بن زيادة الله الطيني، وأبو عبد الله ~~محمد بن أبي نصر الحميدي، وغيرهما. وذكره الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتاب ~~الإكمال له وأثنى عليه وقال: " روى عنه الحميدي " . # وصاحب لواء العربية، وذو النساب السرية: # أبو محمد القاسم بن عبد الرحمن # ابن القاسم بن مسعدة بن عبد الرحمن بن القاسم بن عثمان بن إسماعيل بن ~~عثمان بن مطرف بن دحمان بن الغمر بن مرغم بن ذبيان بن فتوح بن نصر الأوسي، ~~من أهل مدينة مالقة، وأصله من وادي الحجارة، وجده ملكها؛ والدحم، في اللغة: ~~الدفع؛ وبه سمي الرجل دحمان. قاله كراع وغيره. PageV01P061 لقيته بمدينة ~~مالقة فسمعت عليه وأجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو بخطه.و اخبرني أن مولده ~~سنة خمس وثمانين وأربعمائة ببلنسية، عام حصار القنبيطور لها. وتوفي رضي ~~الله عنه بمالقة وله اثنتان وتسعون سنة، يوم الاثنين بعد صلاة العصر، وهو ~~الثاني من ذي القعدة، وآخر يوم من آذار، سنة خمس وسبعين وخمسمائة. ودفن يوم ~~الثلاثاء بعد صلاة العصر بمقربة من الشريعة بخارج مالقة. وصلى عليه على ~~شفير قبره أخوه الفقيه أبو عبد الله محمد، وكان رحمه الله إمام أهل زمانه ~~في الحرف والفعل والاسم، والحد والرسم، والتنكير والتعريف، والصرف ~~والتصريف. ويذهب كل مذهب في التعليل. ويفضل رأي عمر وأبي بشر، والخليل. ~~وإذا وقع في وادي الشعر والقريض، فذو لسان طويل وباع عريض. ثم رأى أن ~~الحديث والفقه ثمرة المعارف، وعارفة العوارف؛ فأكثر منهما وأفرط، واستقصر ~~نفسه عن اشتغاله بغيرهما وفرط؛ مع أنه لم تعرف له قط في شبيبته صبوة، ولا ~~اتخذ أهلا ولا سمعت عنه هفوة. وانفرد في آخر عمره لإقراء القرآن والقيام ~~به، واجتهد في العبادة، ليله راكعا وساجدا. وسأل الله الكريم في جنح الظلام ~~متهجدا لا هاجدا؛ إلى أن مات على أحسن أحواله، مقدما لصالح أعماله. وهو شيخ ~~شيخنا الأستاذ النحوي، أبي ms099 القاسم السهيلي؛ قرأ كتاب سيبويه قراءة تفقه ~~وإتقان، وبحث وبيان؛ على نحوي أهل زمانه، أبي الحسين بن الطراوة، واختص به. ~~ولقي الخطيب المصقع أبا الفتح سعدون بن مسعود المرادي، فروى عنه جميع ~~رواياته وتواليفه؛ والأستاذ اللغوي النحوي أبا عبد الله محمد بن سليمان، ~~المشتهر بابن أخت غانم؛ وقرأ القرآن العظيم على الأستاذ أبي علي المغراوي ~~المتصدر بجامع مالقة. روى بها عن أبى معشر الطبري؛ ولقي الفقيه أبا عبد ~~الله أبي الأديب، والقاضي المتقن أبا محمد التوحيدي. وأجاز له الأئمة ~~العلماء: أبو بحر سفيان بن العاصي، والقاضي الشهيد أبو عبد الله بن الحاج، ~~والفقيه أبو الحسن بن مغيث، والإمام العالم أبو القاسم بن ورد، والعالم أبو ~~جعفر بن باق السرقسطي، نزيل مدينة فاس، والأديب أبو عبد الله جعفر محمد بن ~~مكي، والقاضي الأديب الكاتب الخطيب أبو الفضل جعفر بن محمد بن يوسف حفيد ~~الأعلم النحوي، أبي الحجاج الشنتمري. وأنشدنا قال: أنشدنا الأستاذ اللغوي ~~النحوي، أبو عبد الله محمد بن سليمان النفري، قال: أنشدني خالي اللغوي ~~النحوي العالم الفقيه أبو غانم بن وليد القرشي المخزومي لنفسه: # صير فؤادك للمحبوب منزلة ... سم الخياط مجال للحبيبين # ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلما تسع الدنيا بغيضين # السم: ثقب الإبرة والفقيه أبو عبد الله محمد ن سعيد بن أحمد بن سعيد ~~يعرف: # ابن زرقون # بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة؛ من أهل إشبيلية؛ وقد تكلمنا على ~~نسبه ولقبه في كتابنا المسمى بوهج الجمر في تحريم الخمر. # أجاز له الشيخ الفقيه أبو عبد الله أحمد بن محمد الخولاني برغبة أبيه سنة ~~اثنتين وخمسمائة، وهو العام الذي ولد فيه أبو عبد الله، واستجاز أيضا له ~~ولابنه أبي عبد الله القاضي بإشبيلية العالم أبا عبد الله محمد بن شبرين، ~~والفقيه المفتي أبا محمد بن عتاب. ونقله أبوه إلى حضرة مراكش فلقي بها ~~الفقيه الإمام أبا عمران موسى بن أبي تليد الشاطبي - إذ كان حمل إلى مراكش، ~~وأخرج عن وطنه - فسمع عليه كتاب التقصي، فأكثر كتاب السنن لأبي داود، وأجاز ms100 ~~له جميع ما رواه. ثم تجول بالأندلس ولزم الوزير الفقيه الكاتب أبا محمد بن ~~عبدون وقرأ عليه كثيرا من روايته وتصانيفه ومنظومه ومنثوره، وكان أشعر أهل ~~الأندلس واكتبهم. ولزم الوزير أبا محمد بن القبرطرنه وإخوته. ثم رجع من ~~بطليوس إلى إشبيلية. فقرأ على القاضي الخطيب بجامعها، أستاذ المقرئين أبي ~~الحسن شريح بن محمد الرعيني، وعلى الفقيه القاضي العالم اللغوي النحوي أبي ~~محمد عبد الله ابن الوحيدي. ثم لزم القاضي أبا الفضل عياض بن موسى مدة ~~مديدة، وأعواما عديدة، وكان فقيه الدرس والنفس، وإن كان حكى عنه ابن خاقان ~~في قلائده أنه كان يحضر مجالس الأنس. فالتوبة بإجماع محاءة للذنوب، مذهبة ~~للمجون والعيوب. وقد استصلح في كبرته للقضاء وقضى، ولم يقض إلا وهو عدل ~~رضى. # فمما أنشدنيه لنفسه، وكتبته من خطه: PageV01P062 ذكر العهد والديار غريب ~~... فجرى دمعه ولج النحيب # إذ صفاء الوداد غير مشوب ... بتجن، وودنا مشبوب # وإذ الدهر دهرنا وإذا الدا ... ر قريب وإذ يقول الرقيب # وقيان الأوتار تسدها الأط ... يار والروض زاهر مهضوب # ووشاحي معاصم لوت الشو ... ق علينا وظاهرتها القلوب # وفراشي بطن وصدر ونهد ... وعليها مني رفيق طبيب # واللما والرضاب كأسي وخمري ... حبذا الكأس حبذا المشروب # وحمى الأزر لي مباح وحكمي ... نافذ فيه والفعال ضروب # وإذا ما الحمى أغار عليه ... حاذق الطعن فالحمى منهوب # أسأل الله عفوه فلئن سا ... ء مقالي لقد تعف الغيوب # قد ينال الفتى الصغائر طرفا ... لا سواها وللذنوب ذنوب # وأخو الشعر لا جناح عليه ... وسواء صدوقه والكذوب # وأنشدني، وكتبته من خطه، يخاطب امرأة: # يا نور نفسي حق الضيف مفترض ... وأنت من قوم صدق ظاهري الكرم # مرت ليال علينا في جواركم ... ونحن في جفوة أفضت إلى سقم # إن قلت تبت، فما كانت مفاحشة ... وإين منك مقال الله في اللمم # أو كان نسك فما ذو النسك في سعةأن يستحل وقاك الله سفك دمي # وقد تكلمنا على هذه الأشعار، ومن انتقدها عليه من العلماء الكبار، ~~واعتذرنا عنها أبلغ الاعتذار، وذلك في كتاب " وهج الجمر في تحريم الخمر ms101 " . # وشاهدناه في آخر عمره قد اتخذ المسجد الجامع دارا، والتفت إلى رواياته ~~وتواليفه فروى صغارا وكبارا. قرأت عليه كثيرا وسمعت، وأجاز لي ولأخي الحافظ ~~أبي عمرو جميع رواياته ومجموعاته. وتوفي رحمه الله على أحسن حالاته ببلدة ~~إشبيلية سنة ست وثمانين وخمسمائة، وله أربع وثمانون سنة. وخلف أموالا ~~عظيمة، ز كتبا في كل فن كريمة؛ وكان له ولد يكنى أبا الحسين، وكان سخنة ~~عين؛ فأساء ذكره، ولم يتبع حسنه، فأمر صاحب المغرب أن يصفد في الحديد، وأن ~~يلقى في عنقه ما يتصل بحبل الوريد؛ وحمل إلى السجن الذي بباب حميدة، على ~~حالة مذمومة بكل لسان غير حميدة؛ ثم احضر في موطن جرت العادة فيه بضرب رقاب ~~أهل الظلم والعدوان، وهو يحجل في قيوده ويضطرب اضطراب الخيزران؛ ثم أمر ~~بإطلاقه بعد هوان، وخوف غلب على أمان. ثم أمر بإحضار كتبه وهي التي ورثها ~~من أبيه، وكانت تقاوم مالا جسيما وتساويه، في كل صنف تشتمل عليه من الرأي ~~وفيه؛ فأوردت النار وبئس الورد المورود، فأحرقت فسمع للنار تسعسع ورئي لهما ~~وقود، واحترق الكاغد وانزوت الجلود، وذلك يوم يؤرخ به مشهود. # أنشدني الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، قال: أنشدنا الفقيه ~~المفتي أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد شيخنا لنفسه: # حالي مع الدهر في تقلبه ... كطائر ضم رجله شرك # فهمه في فكاك مهجته ... يروم تحليصها فتشتبك # وأصل " اللمم " في اللغة: الهم بالخطيئة من جهة مقاربتها، وحديث النفس ~~بها من غير مواقعتها. # ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما ~~قال أبو هريرة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كتب على ابن آدم حظه من ~~الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس ~~تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. # ولها طرق في الصحيحين، منها: كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا، فأخبر ~~صلى الله عليه وسلم أن العين نظرها زنا إذا نظرت إلى من لا ms102 يحل لها النظر ~~إليه من النساء، وأنها توصل ذلك إلى النفس، فتتمنى النفس وتشتهي ما رأت ~~العين، فيكون داعيا إلى الفرج الذي هو يكذب الفعل أو يصدقه. وقد تكلمنا ~~عليه في المجلدة الخامسة من كتاب العلم المشهور، في فوائد فضل الأيام ~~والشهور " . PageV01P063 أنشدني الفقيه المحدث المتقن أبو القاسم أحمد بن ~~يوسف بن عبد العزيز ابن محمد بن رشد القيسي، قال: أنشدنا أبو بحر سفيان بن ~~العاصي الأسدي قال: أنشدنا الإمام العالم الأوحد القاضي أبو الوليد هشام بن ~~أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد الكناني يعرف بالوقشي: ووقش: قرية بخارج ~~طليطلة، بينها وبينها اثنا عشر ميلا. وأبو الوليد الوقشي أحد رجال الكمال ~~في وقته، باحتوائه على فنون المعارف، وجمعه لكليات العلوم، وهو من أعلم ~~الناس بالنحو واللغة، ومعاني الأشعار وعلم العروض وصناعة البلاغة. وهو بليغ ~~مجيد شاعر، متقدم حافظ للسنن وأسماء نقلة الأخبار، بصير بأصول الاعتقادات، ~~وأصول الفقه، واقف على كثير من فتاوى الأمصار، نافذ في علم الشروط ~~والفرائض، محقق لعلم الحساب والهندسة، مشرف على جميع آراء الحكماء، حسن ~~النقد للمذاهب، ثاقب الذهن في تمييز الصواب، ويجمع إلى ذلك آداب الأخلاق مع ~~حسن المعاشرة، ولين الكنف وصدق اللهجة. وتوفي رضي الله عنه في دار خال أبي ~~الإمام العالم الحسيب أبي بكر عتيق بن محمد بن عبد الحميد بدانية، يوم ~~الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لليلة بقيت لجمادى الآخرة من سنة تسع وثمانين ~~وأربعمائة. # قال الإمام أبو بحر، وكان مختصا به، ويقدمه على جميع من لقي من شيوخه، ~~أنشدنا لنفسه: # قد بينت فيه الطبيعة أنها ... ببديع أفعال المهيمن ماهرة # عنيت بمبسمه فحطت فوقه ... بالمسك خطا من محيط الدائرة # وهذا شعر وهندسة. # وأنشدنا الفقيه الإمام المحدث الأصولي النحوي اللغوي أبو إسحاق إبراهيم ~~بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد الحمزي - ينسب إلى حمزة ~~الشرق، على مقربة من أشير، سميت بحمزة بن الحسن بن سليمان بن الحسين بن علي ~~ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وهو الذي ms103 أسسها وبناها. وكان ~~للحسن بن سليمان، وهو الذي دخل المغرب، من البنين: حمزة هذا، وعبد الله، ~~وإبراهيم، وأحمد، ومحمد، والقاسم، وكلهم أعقب - مولد شيخنا بمدينة المرية ~~سنة خمس وخمسمائة وتوفي رحمه الله بمدينة فاس، يوم الجمعة بعد الصلاة، في ~~أول وقت العصر السادس من شوال سنة تسع وستين وخمسمائة، وهو يتلو سورة ~~الإخلاص، يكررها بسرعة. ثم تشهد ثلاث مرات وسقط على وجهه ساجدا، فرفع ميتا، ~~وذلك بعد خروجه من الحمام وحلق رأسه، واستحداده واستعداده للقاء ربه، جلت ~~قدرته. # قرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتقنه على أبي جعفر بن عزلون ~~صاحب القاضي أبي الوليد الباجي، وعلى القاضي الإمام أبي القاسم ابن ورد، ~~وروى صحيح مسلم عن أبي عبد الله بن زغيبة الكلابي يرويه، عن العذري. ورحل ~~إلى شرق الأندلس للقاء الأستاذ العالم إمام النحو والآداب، والشارح للحديث ~~والفقيه والأصول والأنساب، أبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسى، ~~فقرأ عليه كتاب التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة، وهو كتاب حسن. # وأنشدنا شيخنا هذا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الحمزي، يعرف بابن ~~قرقول في سفرة صحبته فيها سنة أربع وستين وخمسمائة، وأجاز لي جميع رواياته ~~قال: أنشدنا الأستاذ النحوي أبو محمد بن السيد لنفسه: # أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم # وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم # وشيوخ شيخنا جملة عديدة، وتصانيفه متقنة مفيدة. # وممن لقيت بحضرة مراكش الوزير الكاتب: # أبو عبد الله الشاطبي # وكان فردا في الكتابة والشعر والخطابة، فمن شعره: # متى وعدتك في ترك الصبا عدة ... فاشهد على عدتي بالزور والكذب # أما ترى الليل قد ولت عساكره ... وأقبل الصبح في جيش له لجب # وجد في أثر الجوزاء يطلبها ... في الجو ركض هلال دائم الطلب # كصولجان لجين في يدي ملك ... أدناه من كرة صيغت من الذهب # فقم بنا نصطبح صفراء صافية ... كالنار لكنها نار بلا لهب # وله: PageV01P064 انظر إلى البدر الذي لاح لك ... في وسط اللجة تحت ms104 الحلك # قد جعل البحر سماء له ... واتخذ الفلك مكان الفلك # وله أيضا وقد لسبت بعض سادات المغرب عقيرب، فقال وأجاد المقال: # هجر الشولة قلب العقرب ... وجفاها بالمكان الأقرب # ثم قالت أنجم الأفق لها ... أنت منا كالبعير الأجرب # لك أخت في الثرى قد لسبت ... سيدا من خير أهل المغرب # فأجابتها وقالت إنما ... غرت من أخمصه إذ مر بي # يبتغي عند النعامي موردا ... قد دعاه منه عذب المشرب # فتغيظت عليه غيرة ... قلت للأخت بها ويك اضربي # يا سريا قد شكا أخمصه ... حمة مست نفوس العرب # ليتها في مقلتي أو كبدي ... لسبت إبرة تلك العقرب # تتمنى النعل لو سيقت لها ... من قرى الطائف أو من يثرب # قال علماء اللغة: لسبته العقرب ولسعته، والاختيار أن يقال لكل ما يضرب ~~بفيه: لدغ؛ ولكل ضارب بمؤخره: لسع، ولكل قابض بأسنانه : نهش. يقال: نهشته ~~الحية، بالشين؛ ونهسته، بالسين، ونكزته، ونشطته، ولسعته. فالنكز: بأنفها؛ ~~والنشط: بأنيابها. # والرياح أربع من أربع نواحي العالم: الشمال بفتح الشين، وفيها ست لغات. ~~ذكرها الإمام أبو بكر الأنباري في شرح المعلقات له: شمال، بإثبات الألف من ~~غير همزة؛ وشمأل، بإثبات همزة بعد الميم؛ وشأمل، بإثبات همزة قبل الميم؛ ~~وشمل، بفتح الشين والميم من غير إثبات ألف ولا همزة؛ وشمل، بفتح الشين ~~وإسكان الميم، وشمول، بإثبات الواو. وقد احتج ابن الأنباري لها بشواهد ~~كثيرة. وهي التي تجري على يمينك إذا استقبلت قبلة العراق، وهي في الصيف ~~حارة، واسمها البارح، والجمع البوارح؛ والجنوب تقابلها. والصبا من مطلع ~~الشمس، وهي القبول؛ والدبور تقابلها، وهي التي تهب من دبر الكعبة، وفيها ~~خشونة وشدة، وهي تمحو السحاب وتثير العجاج. ويقال للصبا: أير، وهير، وأير، ~~وهير، على مثال فيعل. ويقال للشمال: محوة، غير مصروفة؛ وللجنوب: النعامي ~~والأزيب. شملت الريح، إذا صارت شمالا؛ ودبرت، إذا صادت دبورا؛ وجنبت، إذا ~~صارت جنوبا؛ وصبت، إذا صارت صبا؛ كل ذلك بغير ألف. ويقال: أشمل القوم، ~~وأجنبوا. وأصبوا، إذا دخلوا في الشمال والجنوب والصبا. # فالشمال، هي الريح الشامية. والجنوب، هي الريح اليمانية، وتسمى النعامي ms105 ~~والأزيب، كما قدمناه. وهي تهب من ناحية سهيل. والصبا: هي الريح الشرقية. ~~ويقال لها: القبول، تهب من مطلع الشمس. والدبور: هي الريح الغربية، يابسة ~~جافية، ليس فيها ندوة. وأفضل هذه الرياح في جميع الأزمان ريح الصبا، لها ~~نسيم وروح، وتشويق إلى الأحباب والأوطان، وجلاء للهموم والأحزان، وبها نصر ~~الله العظيم سيد أهل الإيمان. ثبت باتفاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " . وقال امرؤ القيس: # إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل # تضوع، أي فاح متفرقا. ونسيم الصبا: تنسمها وهبوبها بضعف. وريا القرنفل: ~~رائحته. ونصب " نسيم الصبا " لأنه قام مقام نعت لمصدر محذوف، والتقدير: إذا ~~قامتا تضوع المسك منهما تضوعا مثل تضوع نسيم الصبا. و " منهما " يعود على ~~أم الحويرث، وقال الشاعر: # ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجدا على وجد # وقال الآخر، وهو المجنون: # أيا جبلي نعمان بالله خليا ... سبيل الصبا يحلص إلى نسيمها # فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس محزون تجلت همومها # أجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها # الأستاذ المحدث الفقيه النحوي الأصولي: أبو القاسم السهيلي PageV01P065 ~~أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن احمد بن أبي الحسن، واسمه: أصبغ بن حسين ~~بن سعدون بن رضوان بن فتوح، وهو الداخل للأندلس. هكذا أملي على نسبه، وقال: ~~إنه من ولد أبي رويحة الخثعمي الذي عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لواء عام الفتح، ذكره أهل السير. نشأ بمالقة، وبها تعرف، وفي أكنافها تصرف؛ ~~حتى بزغت في البلاغة شمسه، ونزعت به إلى مطامح الهمم نفسه. أخبرني انه قرأ ~~القرآن العظيم جمعا وإفرادا على المقرئ الشهير أبي علي الحسين بن منصور بن ~~الأحدب، رحمه الله، ثم قراه أيضا بالمقرأين: مقرأ نافع، وابن كثير، على ~~الأستاذ المقرئ أبي الحسن علي بن عيسى المروي، نزيل مالقة. وقرأ الكتاب ~~العزيز أيضا بالمقارئ الأربعة، وشيئا من العربية على المقرئ النحوي الزاهد ms106 ~~الضرير أبي مروان عبد الملك بن مجير، وسمع على الإمام أبي عبد الله محمد بن ~~معمر. وسمع كتاب الهداية لأبي العباس المهدوي على الشيخ الفقيه الأستاذ ~~النحوي أبي عبد الله محمد بن سليمان، يعرف بابن أخت غانم. وقرأ الموطأ ~~تفقها وعرضا، ومنتخب الأحكام لابن أبي زمنين على الفقيه المحدث أبي محمد ~~عبد الرشيد المالقي. وسمع الموطأ على خال أبيه الفقيه المحدث الخطيب ~~الظاهري أبي الحسن علي بن عياش. توفي بصحراء قديد راجعا من زيارة قبر ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقرأ النحو على الأستاذ أبي الحسين سليمان بن ~~الطراوة الشيباني، فلما مات قرأ على الأستاذ النحوي الفقيه أبي محمد القاسم ~~بن دحمان. ورحل إلى قرطبة، فقرأ القرآن العظيم بالمقارئ السبعة. على المقرئ ~~أبي داود سليمان بن يحيى بمسجده بباب الجوز، وقال لي عنه: كان يحمل أبي ~~رحمهما الله. ثم قرأ الكتاب العزيز بالمقارئ الثلاثة بجامع قرطبة على ~~المقرئ بها، الخطيب بجامعها؛ أبي القاسم عبد الرحمن ابن رضا، وسمع على ~~الفقيه الحافظ أبي عبد الله محمد بن نجاح الذهبي القرطبي، وعلى الوزير ~~الأديب أبي عبد الله جعفر بن محمد بن مكي. ثم رحل إلى إشبيلية، فلزم القاضي ~~الإمام أبا بكر بن العربي فأخذ عنه كثيرا من الحديث والأصول والتفسير، ثم ~~سمع على المحدث الجليل أبي بكر محمد بن طاهر القيسي الإشبيلي جملة من ~~الحديث، وسمع على القاضي أبي الحسن شريح بن محمد، ولزم الأستاذ الماهر ~~النحوي أبا القاسم بن الرماك فلقن عنه فوائد في النحو. وكان لقي قبله ~~الأستاذ الإمام النحوي الزاهد، أبا القاسم بن الأبرش، فلقن عنه فوائد في ~~النحو. وأجاز له المحدث الراحل إلى مدينة السلام أبو الحسن عباد بن سرحان ~~والقاضي الإمام العالم الأوحد أبو القاسم بن ورد، إلى جماعة من العلماء ~~والنحاة والأدباء رحمهم الله جميعهم، وجعل الرحم خدينهم وكميعهم؛ وكان رحمه ~~الله أقام للتصريف وعلل النحو برهانا، وتيم ألبابا وأذهانا؛ فترشف من ماء ~~العربية أتى مزنه، وتوطأ من أكنافها كل سهله وحزنه؛ وأفاض على الطلبة من ms107 ~~سجله، وجلب على النحاة بخيله ورجله؛ وتلقى الراية باليمين، وحوى الغاية ~~بالهزيل والسمين؛ وكان ببلده يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف؛ إلى أن وصلت ~~إليه، وصحح " الروض الأنف " بين يديه فطلعت به إلى حضرة مراكش فأوقفت ~~الحضرة عليه؛ فأمروا بوصوله إلى حضرتهم، وبذلوا له من مراكبهم وخيلهم ~~ونعمتهم؛ وقوبل بمكارم الأخلاق، وأزال الله عنه علام الإملاق؛ واستقبل ~~بالجاه الجسيم، والوجه الوسيم؛ وفي كل يوم يجنيهم من حديثه أزهارا، ويقطفهم ~~من ملحه آسا وبهارا؛ حتى حسده الطلبة وجردوا لملامه حساما، وحددوا للكلام ~~فصولا وأقساما؛ وكان وصوله إلى الحضرة والعمر قد عسا وذبل عوده. وذهب العيش ~~وأفل سعوده؛ فعندما عاش مات، وهيهات من الانقطاع لغير الله هيهات؛ فتفرد في ~~لحده ومهاده، وتوحد في نجده ووهاده؛ وتوسد التراب والصفيح، وتوهد اليباب ~~والفيح، ولسان حاله ينشد ما أنشدنيه غير واحد، منهم شيخنا الإمام المقرئ ~~النحوي الزاهد: أبو القاسم عبد الرحمن ابن غالب بن الشراط، قالوا: أنشدنا ~~الأستاذ اللغوي النحوي أديب أهل زمانه، أبو طاهر محمد بن يوسف التميمي: # هأنذا في التراب وحدي ... فلا ظهير ولا نصير # بالله هب لي دعاء صدق ... يسمو به باعي القصير # أسرفت يا رب في خطايا ... أنت بها عالم بصير PageV01P066 فامنن بعفو وجد ~~برحمي ... إليك يا ربي المصير # وكان مقامه بالحضرة نحوا من ثلاثة أعوام، كلها أضغاث أحلام، سألته عن ~~مولده، فأخبرني انه ولد سنة ثمان وخمسمائة، وتوفي رحمه الله بحضرة مراكش ~~يوم الخميس، ودفن ظهره، وهو اليوم السادس والعشرون من شعبان عام أحد ~~وثمانين وخمسمائة. قرأت عليه وسمعت كثيرا من أماليه التي أملاها في معاني ~~الكتاب العزيز وأنواره، ودقائق النحو وأسراره، وغوامض علم الأصول وأغواره. ~~وأنشدني رحمه الله، وذكر لي انه ما سأل الله بها حاجة إلا أعطاه إياها، ~~وكذلك من استعمل إنشادها: # يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع # يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع # يا من خزائن رزقه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك اجمع # ما لي سوى فقري ms108 إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع # ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأي باب أقرع # ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقير يمنع # حاشا لمجدك أن تقنط عاصيا ... الفضل أجزل والمواهب أوسع # أما رفع " أجمع " في هذا البيت، فيجوز أن يكون توكيدا لمكان " إن " ~~الابتدائية، إذ موضعها الابتداء، وهي مؤكدة للجملة، لم تغير معناها وإن ~~غيرت لفظها. ألا تراهم قد عطفو على اسمها بالرفع، وهو إذا استوفت خبراها، ~~نحو: إن زيدا قائم وعمرو، وإذا لم تستوف خبرها فلا يجيز البصريون ذلك. وذلك ~~انك إذا قلت: إنك وزيد قائمان، وجب أن يكون " زيد " مرفوعا بالابتداء، ~~ويكون عاملا في خبر زيد، وإن عاملة في خبر الكاف. ولا يجوز اجتماع عاملين ~~على معمول واحد. وأما الكوفيون فاختلفوا، فذهب الكسائي إلى جواز ذلك مطلقا، ~~سواء تبين عمل " إن " أو لم يتبين، نحو: إن زيدا وعمرو قائمان، وإنه وبكر ~~منطلقان. واستدل بقوله جل وعلا: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) ~~فعطف ورفع. وذهب الفراء إلى انه لا يجوز العطف إلا على ما لا يبين فيه ~~العمل، نحو: إنك وزيد ذاهبان، لأنه بعدم التأثير ضعفت، فجاز العطف كما لو ~~كان على المبتدأ. وإذا كان كذلك جاز أيضا توكيد الموضع بالرفع، والله اعلم. # وأنشدني أيضا يخاطب شيخنا المحدث الفقيه اللغوي النحوي الأصولي أبا إسحاق ~~إبراهيم بن يوسف، يعرف بابن قرقول، أيام كونه بمدينة سبتة، فلما رحل منها ~~إلى سلا، قال مرتجلا: # ألا فسلا عمن عهدت تحفيا ... وهل نافعي إن قلت من لوعة سلا # سلا عن سلا إن المعارف والنهي ... بها فدعا أم الرباب ومأسلا # بكيت أسى أزمان كان بسبتة ... فكيف التأسي حين منزله سلا # وقال أناس إن في البعد سلوة ... وقد طال هذا البعد والقلب ماسلا # فليت أبا إسحاق إذ شطت النوى ... تحيته الحسنى مع الريح أرسلا # فعادت دبور الريح عندي كالصبا ... لدى عمر إذ أمر زيد تبسلا # هذا البيت حكاية لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أخيه ~~الشهيد ms109 المهاجر، وكان أسن من أخيه وأسلم قبله، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قتل يوم اليمامة شهيدا. # فقد كان يهديني الحديث موصلا ... فأصبح موصول الأحاديث مرسلا # وقد كان يحيا العلم إذ كان عندنا ... أوان دنا فالآن بالنأي كسلا # فلله أم بالمرية أنجبت ... به وأب ماذا من الخير أنسلا # وإني إلى تلك الموارد عاطش ... وإن ألبن القلب المشوق وأعسلا # أقمت بشرق والأماني بمغرب ... فأصبحت في كف الصبابة منسلا # فلو كنت من قيد الحوادث مطلقا ... شددت له كورا وأنضيت عنسلا PageV01P067 ~~وأرقلت نحو المجد فالمجد عنده ... ولم أك في التطلاب ممن ترسلا # العنسل: الناقة السريعة. # وتصانيفه كثيرة، فمذهبتها كتاب الروض الأنف، والمشرع الروي، في تفسير ما ~~اشتمل عليه حديث سيرة رسول الله عليه وسلم واحتوى، سمعته عليه. وأنشدني ~~القصيد الذي صنعه فيه، الذي أوله: # من سره أن يشيم الطرف من شرف ... في روضة جمة الأزهار والطرف # فناظر القلب أولى أن ينزهه ... من المعارف وسط الروضة الأنف # فقد ألاحت لذي لب أزاهرها ... وقد دعت لجناها كف مقتطف # الأبيات إلى آخرها. # وأنشدنا رحمه الله وقد حضر بين يديه طعام يسمى بالمغرب " المجبنات " # شغف الفؤاد نواعم أبكار ... بردت فؤاد الصب وهي حرار # أذكى من المسك الفتيق لناشق ... وألذ من صهباء حين تدار # صفت البواطن والظواهر مثلها ... لكن حكت ألوانها الأزهار # فكأنما صافي اللجين قلوبها ... وكأنما ألوانهن نضار # عجب لها وهي النعيم تصوغها ... نار، وأين من النعيم النار # وأملى علي " كتاب التعريف والإعلام، فيما أبهم في القرآن من الأسماء ~~الأعلام " وسمعت عليه مسألة رؤية الله تعالى في المنام، ورؤية النبي عليه ~~أفضل الصلاة وأشرف السلام، وكلامه في حديث الأمة السوداء، وأين الله؟ قالت: ~~في السماء؛ كيف سألها عن الأينية، ولم يسألها عن إثبات إله، فيقول لها: من ~~الرب؟ وأملى علي السر في الأعور الدجال، وتفسير قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في: (قل هو الله أحد)، أنها تعدل ثلث القرآن. وكلامه على قول الله ~~تعالى: (و ما من دابة في الأرض، ms110 ولا طائر يطير بجناحيه)، وكلامه على الله ~~جل وعلا (يتفيؤ ظلله عن اليمين والشمائل)، وكلامه على (سبحان الله) ~~بإعرابها وشرحها. وأملى علي رحمه الله " كتاب نتائج الفكر " وهو من عجائب ~~الدهر. إلى غير ذلك من مسائله في فنون العلم والنثر والنظم. وقد أجاز لي ~~ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع مروياته، ومسموعاته ومجموعاته، وقال لي يوما: ~~يا عجبا للحريري حيث يقول في بيتيه: قد أمنا أن يعززا بثالث. فقد جاء من ~~عززهما بثالث ورابع وخامس وسادس وسابع وثامن وتاسع وعاشر وحادي عشر وثاني ~~عشر، وأنشد بيتيه: # سم سمة تحسن آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سمسمه # والمكر مهما اسطعت لا تأته ... لتقتني السؤدد والمكرمه # والزيادة على البيتين: # والمهر مهر العرس لا تغله ... فإنه مهما غلا مهرمه # من دمه صان لحرز التقي ... لم يخش من لوم ولا مندمه # من عمه القلب له شيمة ... لم يدر ما بؤسي ولا منعمه # أب لمتى إلى الرضا واقتسم ... مالي معي إن شئت كالأبلمه # أب: ارجع. ولمة الجل من على قدر سنه، والأبلمة: الخوصة. # ما الكمة المجتث أعراقها ... إلا كأصل المرتضى ملكمه # الملكمة: مفعلة من الضرب، يقول: لا يرتضيها إلا من لا أصل له، كالكماة. ~~والكمة: الكمأة، سهل همزتها، فنقل حركتها إلى ما قبلها. # ما الحمة السوداء إلا الورى ... فلم ترى بينهم ملحمه # الحمة هي الحمأة، مسهل الهمزة. # فالهين مهلا لا تلم هينا ... في خلقه واحذر من الهينمه # الهيمنة: الكلام الخفي. # والهذر مه دعه وكن ناطقا ... بالقصد إن العاب في الهذرمه # هذرم في كلامه: إذا خلط؛ ويقال للتخليط: الهذرمة. والهذرمة، أيضا: السرعة ~~في الكلام والشيء. والعاب: العيب # كم كمه وكم عمى جره ... حب ذوات الخمر والكمكمه # الكمه: هو الذي يولد أعمى، وقيل: هو الذي لا يبصر في الليل، قاله البخاري ~~في التاريخ، وخالفه الناس، فقالوا: الأعشى، هو الذي لا يبصر بالليل؛ وقيل: ~~الكمه: هو ألا يرى شيئا. PageV01P068 وذوات الخمر: النساء. والكمكمة: من زي ~~الحرائر ومن لا يمتهن من النساء. ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمة ~~مكمكة ms111 فضربها بالدرة. وقال: لا تشبهين بالحرائر. # وقد وجب أن أجعل لهذا الكتاب نهاية ينتهي إليها، وغاية يقف عندها ولا ~~يزيد عليها؛ فإن شعر من عاصرته من شعراء ذلك العصر، يكاد يخرج عن حد الحصر؛ ~~كالفقيه الأديب الشاعر المصيب، أبي محمد عبد الله ابن الفقيه الأستاذ ~~الأديب؛ أبي عبد الله محمد بن الفقيه الأستاذ اللغوي النحوي، أبي محمد قاسم ~~بن شقريق الرعيني؛ أنشدني كثيرا من شعره، واقتصر آخرا على تقريظ سيدنا أبي ~~عبد الله الحسين عليه السلام ووصف مآثره، ونظم جواهر مفاخره؛ راغبا في ~~شفاعة جده، سيد ولد آدم صلى الله وعلى آله من بعده، سمعت الشيخ الفقيه، رأس ~~العدول بسبته، أبا عبد الله، محمد بن الحسن ابن عان، رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال لي: بشر عبد الله ابن شقريق بالجنة، وأشار بإصبعه ~~المقدسة، إلى وجهه الكريم، فبعد أيام قلائل ظهرت بوجهه بثرة صغيرة جدا، فلم ~~تزل تعظم حتى أتت على جميع وجهه. وتوفي رحمه الله منها سنة إحدى وسبعين ~~وخمسمائة، وهو في عشر الثمانين سنة، وشهدت جنازته. # ولقيت الوزير الأعلى أحمد بن هردوس، موشى حلل الموشحات، وموشع حبر ~~القصائد المستملحات، وهو القائل في السيد أبي سعيد: # يا ليلة الوصل والسعود ... بالله عودي # وكأبي عبد الله الرصافي، الصافية من الأكدار في نظم الأشعار موارده، ~~وكابن السكن البديعة في الفنون الشعرية مقاصده، وكأبي الوليد يونس القسطلي ~~الفائقة بقلائد الولائد أراجيوه وقصائده. ومن جرى مجراهم من المجيدين في ~~الجد والهزل، ورقيق النظم الجزل؛ كصاحبنا الوزير أبي القاسم بن البراق، ~~المعدود في الشعراء السباق؛ مررت على بلده ومقره، فخرج إلى متلقيا مع أهل ~~مصره؛ وقد داسته حوادث الأيام دوسا، وغادرت صعدة قوامه قوسا وهو يسلك مسالك ~~أهل الصبا، ويميل به الأدب طورا إلى الجنوب وآونة مع الصبا؛ فعاتبته على ~~بذل نفسه في طاعة الهوى جهد الاستطاعة، مع ما أعطاه الله من المعرفة ~~والآداب ونفائس البضاعة؛ فقال لي: إنه كان وبرد شبابه قشيب، وغضن اعتداله ~~رطيب؛ بقميص النسك متقمص، وبعلم الحديث متخصص؛ ms112 واجتاز يوما وبيده مجلد من " ~~صحيح مسلم، بقصر بعض الملوك الأكابر، وهو من بعض مناظره ناظر، لكل من هو ~~بمدرجة القصر خاطر؛ وحسن المثاني والمثالث لديه عال، ومجلس انسه بخواص ~~ندمائه حال؛ فقال: اطلعوا لنا بهذا الفقيه فلعلنا نضحك منه ونمازحه، ~~ونجاريه في ميدان الأدب إن كان من أهله ونطارحه؛ فلما مثل بين يديه وحيا، ~~أمر الساقي بمناولته كأس الحميا؛ فتقبض متأففا، وأبدى تمعرا وتقشفا؛ ~~والسلطان يستغرب ضحكا من مستغرب حركاته لما هجم الرجل عليه، ويد الساقي ~~ممدودة إليه؛ واتفق في خلال ذلك أن انشقت من ذاتها صراحية من صافي الزجاج، ~~فسال منها كالسائل من نجيع الذبيح من الأوداج؛ فأظهر السلطان التطير بذلك ~~وجلا، فصرف ذلك عن خاطره بإنشاده على البديهية مرتجلا: # ومجلس بالسرور مشتمل ... لم يخل فيه الزجاج عن أرب # سرى بأعطافه ترنحنا ... فشق أثوابه من الطرب # فسر السلطان وسرى عنه، واستحسن سماحة خاطره بهذين البيتين البديعين منه؛ ~~وأمر له بجائزة سنية، وخلعة رائعة بهية. # وقد انتهى ما أمللته من كلام مرتجل، وبديه على عجل؛ ولولا الاستنامة إلى ~~الإغضاء، وأن المبادرة إلى امتثال أمر السلطان أقرب إلى الإرضاء؛ لما أرعفت ~~لليراع أنفا، ولا حملت الروية على الكاتب عنفا؛ لبعد المملوك عن بلاده، ~~وكلب العدو في البحر على كتبه وطارفه وتلاده. # فإن وافق اجتهادي أمله، ووقفت على الغرض الذي سأله، فذلك نكتة من فضله ~~عرضت عليه، وبضاعته ردت إليه؛ ضاعف الله له وعنده مواد الإسعاد، وأخدمه ~~النصر في كل مبدأ، وختم له بالظفر في كل معاد، واهلك أعاديه وأبعدهم إبعاد ~~ثمود وعاد. وصلى الله على سيد ولد آدم وأمينه على وحيه الذي بعثه في أشرف ~~زمان، وجعله من عصمته في ذمة وأمان؛ فجد في علو كلمة الله غير مقصر ولا ~~وان، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا أهل الزيغ والعدوان: # فهاك ما شئت من نظم له نسق PageV01P069 لا حسن إلا الذي حازت جواهره # أهديته لك رطبا لا جمود به # ونفقته العلا في سوق مجدك إذ # وحيث أنت فثم الفضل أجمعه # فيابن ms113 خير ملوك الأرض دعوة من # في قبضة العدم لا جد يجد له # ولا حميم سوى شجو يردده # لولاك يا كامل الأوصاف لانفصمت # لما اشتغلت به فكرا وكنت له # فالله يجزيك والمختار من مضر PageV01P070 ms114