######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037475 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، الجزري، أبو الفتح، ضياء الدين، المعروف بابن الأثير الكاتب (المتوفى: 637هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 637 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037475 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37475 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37475 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مصطفى جواد #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة المجمع العلمي #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1375هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله مبدي النعم، أولا وآخرا، مسدي الولاء باطنا وظاهرا، الذي فطر ~~الإنسان بحكمته ولطفه، وركب فيه آلة النطق فبلغ به كمال وصفه، فكان ذلك ~~عليه من أتم الإحسان، الذي تميز به عن جميع أصناف الحيوان، ولولا فضله لما ~~ورد في القرآن المجيد، مقرونا بالإخراج من العدم إلى الوجود، فقال تعالى: ~~(الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان) نحمده على ترادف آلائه ~~وتهاديها، والتحاق رائحها بغاديها، حمدا يكون بالزيارة ضمينا، وبإيلاء ~~الخيرات قمينا، ونصلي على رسوله محمد الصادع بأمره، القائم بدينه في سره ~~وجهره، وعلى آله مصابيح الإيمان وزهره، وأصحابه ملاذ الإسلام وذخره. # أما بعد فلما كان تأليف الكلام، مما لا يوقف على غوره، ولا يعرف كنه ~~أمره، إلا بالاطلاع على علم البيان، الذي هو لهذه الصناعة بمنزلة الميزان، ~~احتجت حين شدنت نبذة. من الكلام المنثور، إلى معرفة هذا المذكور، فشرعت عند ~~ذلك في تطلبه، والبحث عن تصانيفه وكتبه، فلم أترك في تحصيله سبيلا إلا ~~نهجته، ولا غادرت في إدراكه بابا إلا ولجته، # PageV01P001 # حتى اتضح عندي بأدبه وخافيه، وانكشفت لي أقوال الأئمة المشهورين فيه، ~~كأبي الحسن علي بن عيسى الرماني، وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وأبي ~~عثمان الجاحظ، وقدامة بن جعفر الكاتب، وأبي هلال العسكري، وأبي العلاء محمد ~~بن غانم المعروف بالغانمي، وأبي # PageV01P002 # محمد عبد الله بن سنان الخفاجي، وغيرهم ممن له كتاب يشار إليه، وقول تعقد ~~الخناصر عليه، ثم لما مضى على ذلك ملاوة من الدهر، وانقضى دونه برهة من ~~العمر، لمحت في أثناء القرآن الكريم، من هذا النحو أشياء طريقة، ووجدت في ~~مطاويه من هذا النوع نكتا دقيقة لطيفة، فعرضتها عند ذلك، على الأقسام التي ~~ذكرها هؤلاء العلماء وشرحوها، والأصناف التي بينوها في تصانيفهم وأوضحوها، ~~فألفيتهم قد غفلوا عنها، ولم ينبهوا على شيء منها، وكان ذلك باعثا لي على # تصفح آيات القرآن العزيز، والكشف عن سره المكنون، فاستخرجت منه حينئذ ~~ثلاثين ضربا من علم البيان، لم يأت بها أحد من أولئك العلماء الأعيان، ms001 وكان ~~ما ظفرت به أصل هذا الفن وعمدته، وخلاصة هذا العلم وزبدته، فحيث أحرزت هذه ~~الفضيلة، وحصلت عندي هذه العقيلة، أحببت أن أفرد لها كتابا، وأفصلها فيه ~~أقساما وأبوابا، ليكون مقصورا على شوارد هذا العلم وغرائبه، ورموزه الخفية ~~وعجائبه، وليجعله مؤلف الكلام رأس بضاعته، ويعلم به مواقع الصواب في ~~صناعته، فلما شرعت في تلفيقه، وبدأت بإيضاح القول فيه وتحقيقه، عاودت النظر ~~في تصانيف العلماء المذكورين، والتبصر في أقوال أئمة هذه الصناعة ~~المشهورين، فسنح لي عند ذلك لطائف رائعة، ونوادر حسنة فائقة، هي كالشاهدة ~~لما بينوه، والمشيدة لما نصوا عليه وعينوه، وقلما تركت قولا من أقوالهم ~~بحاله، من غير زيارة أودعها في خلاله. # فصار هذا الكتاب لغوامض علم البيان مبينا، ولما ذكره أرباب هذه الصناعة، ~~وما لم # PageV01P003 # يذكروه متضمنا، فأوردت في صدره ما يجب على مؤلف الكلام علمه، وينبغي له ~~معرفته وفهمه. ثم شفعت ذلك بذكر الفصاحة والبلاغة، وصغت الكلام فيهما أحسن ~~الصياغة، فأوضحت ما أشكل من طريقتهما، وبينت أقوال العلماء في حقيقتهما، مع ~~ما أضفته إلى ذلك من زيادات مناسبة، واحترازات واجبة. # ثم شرحت بعد ذلك جميع أنواع علم البيان، وشفيت القول فيهما بحسب الإمكان، ~~وسميته بكتاب: (الجامع الكبير، في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور). ~~وجعلت مدار الكتاب على قطبين: (القطب الأول) في الأشياء العامة. (القطب ~~الثاني) في الأشياء الخاصة. # وينقسم القطب الأول إلى فنين: الفن الأول فيما يجب على مؤلف الكلام ~~الابتداء به، وهو أربعة أبواب: (الباب الأول) في آلات التأليف (الباب ~~الثاني) في أدواته # (الباب الثالث) في الطريق إلى صناعة النثر والنظم (الباب الرابع) في ~~الحقيقة والمجاز. # الفن الثاني في الكلام على الألفاظ والمعاني، وتفضيل الكلام المنثور على ~~المنظوم، وهو ثلاثة أبواب: (الباب الأول) في الألفاظ المفردة والمركبة وهو ~~قسمان (الباب الثاني) في الكلام على المعاني. (الباب الثالث) في تفضيل ~~الكلام المنثور على المنظوم. # (القطب الثاني) وفيه فنان: (الفن الأول) في الفصاحة والبلاغة. (الفن ~~الثاني) في ذكر أصناف البيان وانقساماتها، وهو بابان: (الباب الأول) في ~~الصناعة المعنوية. (الباب ms002 الثاني) في الصناعة اللفظية. # وينقسم الباب الأول إلى تسعة وعشرين نوعا: (الأول) في الاستعارة. ~~(الثاني) في التشبيه. (الثالث) في شجاعة العربية، وهو أربعة أقسام. ~~(الرابع) في الإيجاز وهو قسمان. (الخامس) في الإطناب. (السادس) في توكيد ~~الضمير المتصل بالمنفصل. (السابع) في الكناية والتعريض (الثامن) في استعمال ~~العام في النفي، والخاص في الإثبات. (التاسع) في التفسير بعد الإبهام. ~~(العاشر) في التعقيب المصدري. (الحادي عشر) في التقديم والتأخير. (الثاني ~~عشر) في عطف المظهر على ضميره. (الثالث عشر) في التخلص # PageV01P004 # والاقتضاب. (الرابع عشر) في المبادئ والافتتاحات. (الخامس عشر) في قوة ~~اللفظ لقوة المعنى. (السادس عشر) في خذلان المخاطب. (السابع عشر) (في ~~الاشتقاق. النوع (الثامن عشر) في الحروف العاطفة والجارة. النوع (التاسع ~~عشر) في التكرير. (العشرون) في تناسب المعاني من المقابلة والتقسيم ~~والتفسير. (الحادي والعشرون) في الخطاب بالجملة الفعلية والخطاب بالجملة ~~الاسمية. (الثاني والعشرون) في لام التأكيد. (الثالث والعشرون) في الاقتصاد ~~والإفراط والتفريط. (الرابع والعشرون) في المعاظلة. (الخامس # والعشرون) في التضمين. (السادس والعشرون) في الاستدراج. (السابع ~~والعشرون) في الأرصاد. (الثامن والعشرون) في التوشيح. (التاسع والعشرون) في ~~الأخذ والسرقة. # وينقسم الباب الثاني إلى سبعة أنواع: (الأول) في السجع والازدواج. ~~(الثاني) في التجنيس (الثالث) في الترصيع. (الرابع) في لزوم ما لا يلزم. ~~(الخامس) في الموازنة. (السادس) في اختلاف صيغ الألفاظ. (السابع) في تكرير ~~الحروف. وستذكر ترجمة الأبواب والأنواع عند ذكرها إن شاء الله تعالى. # PageV01P005 ### | القطب الأول في الأشياء العامة ### | الفن الأول في ما يجب على مؤلف الكلام الابتداء به ### | الباب الأول من الفن الأول من القطب الأول # آلات التأليف # اعلم أن صناعة تأليف الكلام، من المنثور والمنظوم، تحتاج إلى أسباب ~~كثيرة، وآلات جمة، وذلك بعد أن يركب الله تعالى في الإنسان الطبع القابل ~~لذلك، المجيب إليه، فإنه متى لم يكن ثم طبع لم تفد تلك الآلات شيئا البتة. ~~فمثل الطبع كمثل النار الكامنة في الزناد، ومثل الآلات كمثل الحراق ~~والحديدة التي يقدح بها، ألا ترى إنه إذا لم يكن في الزناد نار لا يفيد ذلك ~~الحراق ولا ms003 تلك الحديدة شيئا، إلا أن الطباع القابلة للعلوم مختلفة ~~الأنحاء؛ فمنها ما يكون قابلا لعلم الأدب كالنحو والتصريف وغيرهما، ومنها ~~ما يكون قابلا للعلوم الدينية كأصول الفقه وأصول الدين وما جرى هذا المجرى، ~~ومنها ما يكون قابلا لغير ذلك كالعلم الرياضي؛ كالحساب والهندسة، ومنها ما ~~يكون قابلا لغير ذلك، كالصنائع والحرف. وقد يوجد في الطباع ما يكون قابلا ~~لجميع العلوم. ومن أدل دليل على اختلاف الطباع وتباينها أنا نرى مؤلف ~~الكلام يكون تارة مؤلفا مطلقا، ونعني بالمطلق أن يكون عارفا بصناعة المنظوم ~~من الكلام والمنثور؛ ويكون مؤلفا غبر مطلق، ونعني بغير المطلق إنه يكون ~~عارفا بأحد هذين القسمين دون الآخر، وهو مع ذلك عالم بجميع آلات التأليف ~~نظما ونثرا، كما هو المؤلف المطلق ولا فرق. فإذا ركب الله في # الإنسان الطبع القابل لمعرفة تأليف الكلام على الإطلاق فيحتاج حينئذ إلى ~~تحصيل الآلات التي يخرج بها ما في القوة إلى الفعل. وتنحصر آلات التأليف في ~~قسمين: # PageV01P006 ### | (الأول) يشترك فيه النظم والنثر # . وهو سبعة أنواع: (الأول) معرفة علم العربية من النحو والتصريف ~~والإدغام. (الثاني) معرفة ما يحتاج إليه من اللغة. (الثالث) معرفة أمثال ~~العرب وأيامهم. (الرابع) الاطلاع على تأليفات من تقدمه من أرباب هذه ~~الصناعة، المنظوم منها والمنثور، والتحفظ للكثير من ذلك. (الخامس) معرفة ~~الأحكام السلطانية في الإمامة والإمارة والفضاء وغير ذلك. (السادس) حفظ ~~القرآن الكريم والممارسة لغرائبه، والخوض في بحور عجائبه. (السابع) حفظ ما ~~يحتاج إليه من الأخبار الواردة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم. # وأما القسم الثاني فإنه يخص النظم دون النثر، وذلك علم العروض والقوافي، ~~الذي يقام به ميزان الشعر. ولنذكر بعد ذلك فائدة كل نوع من هذه الأنواع ~~فتقول: # أما (علم النحو) فهو الذي يستقيم به معاني الكلام، وتصان عرى تأليفه عن ~~الانحلال والانفصام، ولولا ذلك لفسدت معانيه واختلت مبانيه. ولنضرب لهذا ~~مثالا يوضحه فتقول: لو قال لنا قائل: (ما أحسن زيد). ولم يبين الإعراب لما ~~فهمنا غرضه من هذا القول، إذ يحتمل أن يريد به التعجب من ms004 حسنه، ويحتمل أن ~~يريد به الاستفهام عن أي شيء فيه أحسن، ويحتمل أن يريد الأخبار بنفي ~~الإحسان عنه. ولو بين الإعراب في ذلك فقال: ما أحسن زيدا! وما أحسن زيد؟ ~~وما أحسن زيد، علمنا غرضه وفهمنا مغزى كلامه، لانفراد كل قسم من هذه ~~الأقسام الثلاثة بما يعرف به من الإعراب، فوجب حينئذ على المؤلف، بهذا ~~الدليل، معرفة النحو إذ كان ضابطا لمعاني كلامه، حافظا لها من الاختلالات. ~~فإن قبل: أما علم النحو فمسلم إليك إنه يجب على مؤلف الكلام معرفته، لكن ~~التصريف والإدغام # PageV01P007 # لا حاجة به إليهما، لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها. وهذا ~~لا يضر # مؤلف الكلام جهلة، ولا ينفعه معرفته. ولنضرب لذلك مثالا كيف اتفق، فتقول: ~~إذا قال القائل: رأيت سرداحا، لا يلزمه أن يعرف أن الألف في هذه اللفظة ~~زائدة هي أم أصل، لأن العرب لم تنطق بها إلا كذلك، ولو قالت (سردح) بغير ~~ألف، لما جاز لأحد أن يزيد الألف من عنده، فيقول (سرداح) فعلم بهذا أن مؤلف ~~الكلام إنما ينطق بالألفاظ كما سمعها عن العرب، من غير زيادة فيها، ولا ~~نقصان، وليس عليه بعد ذلك أن يعرف أصلها، ولا زيادتها، لأن ذلك أمر خارج ~~عما تقتضيه صناعته. وكذلك الإدغام، فإنه إذا قال القائل (مررت برجل ضف ~~الحال) لا يلزمه أن يعلم أن الأصل في (ضف) ضفف وأن لا يجب عليه علمه، ولا ~~يضطر إلى معرفته البتة، وذلك إنه إنما ينقل هذا وأمثاله عن العرب. فالذي ~~يسمع أنهم قد تكلموا به يحذو حذوهم فيه، غير أن يتصرف بشيء من عنده، فإن ~~(كان) مؤلف الكلام لم يسمع أن العرب قالوا (رجل ضف الحال) فقال هو (ضفف ~~الحال) ولا سمع أنهم قالوا: (ضفف الحال) فقال هو (ضفف الحال فإنما تكلم بما ~~سمعه عن العرب من غير زيادة فيه ولا نقصان منه. الجواب عن ذلك إنا نقول: ~~أعلم أنا لم نجعل معرفة التصريف والإدغام، ضرورة على مؤلف الكلام، كمعرفة ~~النحو. لأن المؤلف إذا كان عارفا بالمعاني، مختارا ms005 لها، قادرا على الألفاظ، ~~مجيدا فيها، ولم يكن عارفا بعلم النحو فإنه يفسد ما يصوغه من الكلام، ويختل ~~عليه ما يقصده من المعاني، كما أريناك في ذلك المثال المتقدم. وأما التصريف ~~والإدغام فإن المؤلف إذا لم يكن عارفا بهما لم يفسد عليه معاني كلامه، ~~وإنما تفسد على الأوضاع، كانت المعاني صحيحة مفهومة. وسيأتي بيان ذلك في ~~تحرير الجواب. فنقول: # PageV01P008 # أما قولك أيها المترخص أن التصريف والإدغام لا حاجة لمؤلف الكلام اليهما، ~~واستدلالك على هذا بما ذكرته من هذين المثالين اللذين ضربتهما، فإن ذلك لا ~~يستمر لك الكلام فيه البتة أما التصريف وتمثيلك إياه بلفظة (سرداح) وقولك ~~إن # المؤلف لا يحتاج إلى معرفة أن الألف التي فيها زائدة هي أم أصل؛ لأنه ~~ينقلها عن العرب على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقصان، فإن ذلك لا يطرد ~~إلا فيما هذا سبيله من نقل الألفاظ على هيئتها، من غير تصرف فيها، يحال من ~~الأحوال، فأما إذا أراد المؤلف تصغيرها، أو جمعها، أو النسبة إليها، فإنه ~~إذا لم يعرف الأصل في حروف الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها، يضل عن السبيل ~~ويصير عليه مجال للطاعن والغائب ألا ترى إنه إذا قيل للنحوي، وكان جاهلا ~~بعلم التصريف: كيف تصغر (اضطراب)؟ فإنه يقول (ضطيريب) لا يلام على جهله ~~بذلك لأن الذي تقتضيه صناعة النحو قد أتى به، وذلك أن النحاة يقولون في ~~كتبهم (إذا كانت الكلمة على خمسة أحرف، وفيها حرف زائد، ولم تكن حذفته ~~(حذفتة) نحو قولهم في منطلق (مطيلق) وفي جحمرش (جحيمر) فلفظه منطلق على ~~خمسة أحرف، وفيها حرفان زائدان، هما الميم والنون، إلا أن الميم زيدت فيها ~~لمعنى، فلذلك لم تحذف، وحذفت النون. # وأما لفظة (جحمرش) فخماسية لا زيادة فيها، وحذف منها حرف أيضا، ولم يعلم ~~النحوي أن علماء النحو إنما قالوا ذلك مهملا، اتكالا منهم على تحقيقه من ~~علم التصريف، لأنه لا يلزمهم أن يقولوا، في كتب النحو، أكثر مما قالوا، ~~وليس عليهم أن يذكروا في باب من أبواب النحو شيئا من ms006 التصريف، لأن كلا من ~~النحو والتصريف علم منفرد برأسه، غير أن أحدهما مرتبط بالآخر، ويحتاج إليه. ~~وإنما قلت: إن النحوي، إذا سئل عن تصغير (اضطراب) يقول (ضطيريب) لأنه لا ~~يخلو: إما أن يحذف من لفظة (اضطراب) الألف، أو الضاد، أو # PageV01P009 # الطاء، أو الراء، أو الباء، هذه الحروف المذكورة غير الألف ليست من حروف ~~الزيادة، فلا تحذف، بل الأولى أن يحذف الحرف الزائد، ويترك الحرف الذي ليس ~~بزائد، فلا جل ذلك قلنا: إن النحوي يصغر لفظة (اضطراب) على (ضطيريب) فيحذف # الألف، التي هي حرف زائد دون غيرها، مما ليس من حرف الزيادة. وأما أن ~~يعلم النحوي أن الطاء في (اضطراب) مبدلة من تاء، وأنه إذا أريد تصغيرها ~~يعاد إلى الأصل الذي كانت عليه، وهو التاء، فيقول (ضتيريب) فإن هذا لا ~~يعلمه إلا التصريفي. وتكليف النحوي الجاهل بعلم التصريف معرفة ذلك كتكليفه ~~معرفة علم الغيب، فثبت بهذا الدليل، الذي ذكرناه، أن مؤلف الكلام يحتاج إلى ~~علم التصريف، لئلا يغلط في مثل هذه الأماكن، فيستوجب عند ذلك المذمة ~~والعيب. # ومن العجب أن يقال إن مؤلف الكلام لا يحتاج إلى التصريف. ألم تعلم أن ~~نافع بن أبي نعيم، وهو أكبر القراء السبعة قدرا، وأفخمهم شأنا، قال في ~~(معايش) (معائش) بالهمز، ولم يعلم بالأصل في ذلك، فأخذ عليه وعيب من أجله. ~~ومن جملة من عابه على ذلك أبو عثمان المازني، فقال في كتابه في التصريف (أن ~~نافعا لم يدر ما العربية). وكثيرا ما يقع أولو العلم في مثل هذه المواضع، ~~فكيف الجهال الأغمار، الذين لا خبرة لهم بها، ولا اطلاع لهم عليها؟ # وإذا كان المؤلف عارفا بحقيقة الأمر في ذلك لا يقع في ورطة تؤخذ عليه، ~~وهذه لفظة معايش لا يجوز همزها البتة بإجماع من علماء العربية، لأن الياء ~~فيها ليست مبدلة من # PageV01P010 # همزة، وإنما الياء التي تبدل من الهمزة، في هذه المواضع، تكون بعد ألف ~~الجمع المانع من الصرف، ويكون بعدها حرف واحد، لا يكون عينا نحو سفائن. ولم ~~ينظر إلى أن الأصل في ms007 معيشة (معيشة) على وزن مفعلة. وذلك لأن أصل هذه ~~الكلمة من عاش التي أصلها عيش. على وزن (فعل) ويلزم مضارع فعل المعتل العين ~~بالياء (يفعل) لتصح الياء نحو (يعيش) ثم تنقل حركة العين إلى الفاء، فيصير ~~(يعيش) ثم يبنى من (يعيش) مفعول فيقال (معيوش به) كما يقال (مسيور به) ثم ~~يخفف ذلك يحذف الواو فيقال (معيش) (به) كما يقال (مسير به) ثم تؤنث هذه ~~اللفظة فتصير (معيشة) فأعرف ذلك وقس عليه. # وهاهنا نكتة أخرى، وهي من أعظم الأسباب الموجبة لمعرفة علم التصريف، وذلك ~~أن المعتل من الكلام إذا بني من ماضيه مستقبل، يجهل مواقع الصواب فيه إذا ~~لم # PageV01P011 # يكن المؤلف عارفا بعلم التصريف. مثال ذلك إذا أراد المؤلف أن يبني من وزن ~~(فعل) المعتل فاؤه بالواو مستقبلا. فإن كان جاهلا بذلك قال في وعد (يوعد) ~~قياسا على الصحيح في ضرب (يضرب) وإن كان عالما به حذف الواو، لوقوعها بين ~~ياء وكسره، فقال وعد (يعد). وكذلك إذا أراد أن يبني من وزن (فعل) أو وزن ~~(فعل) المعتلي الفاء بالواو مستقبلا. فإنه إن كان جاهلا ذلك، وكان قد سمع ~~بعض العلماء، يقول في وعد (يعد) حمل (فعل وفعل) على ذلك الأسلوب فقال (وجل ~~يجل) وفي (وضوء يضوء). وإذا كان عارفا بمعني الأمر في ذلك لم يحذف الفاء في ~~مستقبل (فعل وفعل) بل يقول (وجل يوجل) و (وضوء يوضؤ). وكثيرا ما يقع الخطأ ~~في تصريف الكلام المعتل، من الماضي إلى المستقبل، وهو موضوع من العربية وعر ~~المسلك، فينبغي لمؤلف الكلام مراعاته والاعتناء به، وأمثال هذا كثير ~~فاعرفها. # وأما الإدغام وقولك: إن المؤلف لا يحتاج إلى معرفته، واستدلالك عليه بما ~~ذكرته من المثال، وهو قولك: (مررت برجل ضف الحال). فإن ذلك لا يسلم إلا في ~~هذه الصورة، وما يجري مجراها، في نقل الألفاظ على هيأتها، ومن شرط الأمثلة ~~أن تكون شائعة في جنسها. ولنضرب لذلك مثالا، كيف اتفق، فنقول: إذا قال ~~النحوي في تعريف الحال (إنها هيأة الفاعل أو المفعول وهي نكرة منصوبة ~~مشتقة، ms008 أو في تقدير المشتقة، تأتي بعد معرفة، ويحسن تقدير (في) معها وسؤال ~~(كيف) ثم مثل ذلك بقولة: (جاء زيد راكبا). فلا يجوز أن يكون هذا المثال غير ~~مطرد في جنسه، لأنه لو لم يكن مطردا في جنسه لما جاز أن يجعل مثالا لما ~~تقدمه من هذه المصادر، وكذلك هذا المثال الذي مثلت به ما ادعيته في الإدغام ~~فإنه ليس بشائع # في جنسه. وبيان ذلك أنا نقول: قد ورد عن بعضهم هذان البيتان وهما: # اذهبي في كلاءة الرحمن ... أنت مني في ذمة وأمان # ترهبيني والجيد منك لليلى ... والحشا والبغام والعينان # PageV01P012 # فماذا يقول هذا الشاعر إذا سئل عن قوله (ترهبيني) وقيل: إن الأصل في ذلك ~~(ترهبينني) يحذف إحدى النونين؟ فلا أجده يستطيع الجواب عن ذلك، إلا أن يكون ~~عارفا بالإدغام، وهو: إذا كان المثلان في كلمتين وقبلهما ساكن، وهو حرف ~~مداولين، يجوز إدغام أحدهما في الآخر، ولما وجد هذا السبب في (ترهبينني) ~~أدغمت إحدى النونين في الأخرى، ثم خفف الإدغام فصارت (ترهبيني) فيجب حينئذ ~~على مؤلف الكلام، بهذا الدليل، معرفة الإدغام، ليسلم من اعتراض متعرض أو ~~تعنت متعنت. # وأما النوع الثاني: وهو قولنا إن المؤلف يحتاج إلى معرفة اللغة فلسنا ~~نعني بذلك إلا ما كان مألوفا، متداولا بين أرباب هذه الصناعة. وسيأتي ذكر ~~ذلك في كتابنا هذا. # ويفتقر المؤلف أيضا إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في النظم ~~والنثر، ليجد إذا ضاق به موضع في كلامه، بإيراد بعض الألفاظ فيه، العدول ~~عنه إلى غيره، مما هو في معناه. # وكذلك يحتاج إلى معرفة الأسماء المشتركة، ليستعين بها على استعمال ~~التجنيس في كلامه، علم أن هذا الموضع ينبغي أن يذكر فيه الأسماء البتة، ~~وانقسام دلالتها على المعاني، فإن المؤلف إذا كان عالما بذلك، فهو مما لا ~~يستغني عنه فتقول: # الألفاظ تنقسم دلالتها على المعاني ستة أقسام: مترادفة، ومشتركة، ~~ومتباينة، ومتواطئة، ومشككة، ومتشابهة، فأما الثلاثة الأولى التي هي: ~~المترادفة والمشتركة والمتباينة فيحتاج مؤلف الكلام إلى معرفتها. وإنما ~~أوجبنا عليه معرفة الأسماء # المتباينة، لأن منها ms009 ما يوهم إنه من المترادفة، وليس كذلك، وأما الثلاثة ~~الأخر التي هي: المتواطئة والمشككة # PageV01P013 # والمتشابهة فإنه لا يحتاج مؤلف الكلام إلى معرفتها، لأن ورودها في ~~التأليف لا ينتج فائدة تذكر، كالمترادفة والمشتركة، وما شابه المترادفة من ~~المتباينة، وإنما ذكرنا هذه الثلاثة الأخر ههنا، لنكون قد استوفينا جميع ~~أقسام الأسماء في كتابنا هذا، فاعرفه. # فأما الأسماء المترادفة: فهي المختلفة الدالة على معنى يتدرج تحت حقيقة ~~واحدة، كالخمر والراح، والعقار، فإن المسمى بهذه الأسماء شيء واحد، وهو ~~الشراب المسكر المعتصر من العنب. وأما الأسماء المشتركة: فهي اللفظ الواحد ~~المطلق على موجودات مختلفة بالحد والحقيقة، إطلاقا متساويا، كالعين، فإنها ~~تطلق على العين الباصرة، وعلى ينبوع الماء، وعلى المطر. وكل من هذه الثلاثة ~~مختلف بالحد والحقيقة وأما المتباينة: فهي الأسماء المختلفة الدالة على ~~معان مختلفة، كالفرس، والحمار، والجدار. وغير ذلك. وقد يوجد من المتباينة ~~ما يوهم إنه من المترادفة، وليس كذلك، وهو أن يتحد الموضوع، ويتعد الاسم، ~~بحسب تباين اعتبارات، فمن ذلك أن يكود أحد الاسمين له من حيث هو موضوعه، ~~والآخر من حيث هو صفة له، كقولنا السيف، والصارم. فإن الصارم دل على موضوع ~~بصفة الحدة، وذلك بخلاف ما دل عليه السيف، لأنه موضوع بازاء هذه الآلة، كيف ~~كانت. ومن ذلك أن يكون أحد الاسمين له بسبب وصف، والآخر بسبب وصف للوصف، ~~كقولنا الناطق، والفصيح. فإن الفصيح وصف للناطق، الذي هو وصف الإنسان. # وأما الأسماء المتواطئة: فهي الدالة على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك ~~بينها كدلالة اسم الحيوان على الإنسان، والفرس، والحمار، لأنها مشتركة في ~~الحيوانية، والاسم موضوع بازاء ذلك المعنى المشترك المتعاطي. # PageV01P014 # وأما المشككة فهي كل اسم دل على شيئين فصاعدا، بمعنى هو واحد في نفسه، ~~لكن يختلف ذلك المعنى فيها من جهة أخرى، كالتقدم، والتأخر، والأشد والأضعف. ~~أما التقدم والتأخر فكالوجود للجوهر قبل العرض وأما الأشد والأضعف فكالبياض ~~الواقع على الثلج والعاج، فإن الثلج أشد بياضا من العاج. # وأما المتشابهة فهي الأسماء التي لا يجمعها معنى واحد، لكن بينها تشابه ~~ما، ms010 من حيث ذاتها، كالطين المصور على صورة الانسان، اذ يطلق لفظ الإنسان ~~عليه، وعلى الإنسان الحقيقي، بطريق المشابهة لا بطريق التواطؤ، لأنهما ~~مختلفان في الحد والحقيقة. هذا ما ينبغي ذكره في الأسماء وانقسامها في ~~الدلالة على المعاني، فاعرفه. # وأما النوع الثالث: فهو معرفة أمثال العرب وأيامهم فإن مؤلف الكلام شديد ~~الحاجة إلى ذلك، وذلك أن العرب لم تضع الأمثال إلا لأسباب أوجبتها، وحوادث ~~اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من الأمور عندهم كالعلامة، التي يعرف بها ~~الشيء. وليس في كلامهم أوجز منها، ولا أشد اختصارا. وسبب ذلك ما أذكره لك، ~~لتكون من معرفته على يقين. فأقول: قد جاء عن العرب من جملة أمثالهم (أن يبغ ~~عليك قومك لا يبغ عليك القمر). وهو مثل يضرب للأمر الظاهر المشهور، والأصل ~~فيه: # قال المفضل بن محمد: إنه بلغنا أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبة في الجاهلية ~~تراهنوا على # PageV01P015 # الشمس والقمر ليلة أربع عشرة من الشهر، فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر ~~يرى. وقالت طائفة: يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس. فتراضوا برجل جعلوه بينهم ~~حكما، فقال واحد منهم: أن قومي يبغون علي، فقال له الحكم: (أن يبغ عليك ~~قومك لا يبغ عليك القمر) فذهبت مثلا. ومن المعلوم أن قول القائل (أن يبغ ~~عليك قومك لا يبغ عليك القمر) إذا أخذ على حقيقته من غير نظر إلى # القرائن المنوطة به، والأسباب التي قيل لأجلها، لا يعطي من المعنى ما قد ~~إعطاء المثل؛ وذلك لأن المثل له مقدمات وأسباب، قد عرفت، وصارت مشهورة بين ~~الناس معلمة عندهم، وحيث كان الأمر كذلك جاز إيراد هذه اللفظات في التعبير ~~عن المعنى المراد. ولولا تلك المقدمات المعلومة، والأسباب المعروفة لما فهم ~~من قول القائل (أن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر) ما ذكرناه في المعنى ~~المقصود، بل ما كان يفهم من هذا القول معنى مفيد البتة، لأن البغي هو ~~الظلم، والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدا، فكان يصير معنى المثل (أن كان ~~يظلمك قومك لا يظلمك القمر) ms011 وهذا كلام مختل ليس بمستقيم. # فلما كانت الأمثال كالرموز والإشارات، التي يلوح بها على المعاني تلويحا، ~~صار من أوجز الكلام وأكثره اختصارا وحيث هي بهذه المثابة فلا ينبغي لمؤلف ~~الكلام أن يخل بها. # وأما أيام العرب فإنها تتنوع وتتشعب، فمنها أيام فخار، ومنها أيام ~~محاربة، ومنها أيام مذمة وعار، ومنها غير ذلك. ولا يخلو المؤلف من الانتصاب ~~لوصف يوم يمر به، في بعض الأوقات، مشبها بذلك مماثلا له، فإذا جاء بذكر بعض ~~تلك الأيام المناسبة لمراده، الموافقة له، وقاس عليه يومه، فقال: (أشهر من ~~يوم كذا) أو (أسير)؛ أو ما جرى هذا المجرى، # PageV01P016 # فإنه يكون في غاية الحسن والرونق، وهذا لا خفاء به. # وأما النوع الرابع وهو الاطلاع على كلام المتقدمين من المنظوم والمنثور، ~~فإن فيه للمؤلف فوائد جمة؛ وذلك أن يعلم منه أغراض الناس ونتائج أفكارهم، ~~ويعرف مقاصد كل فريق منهم، والى أين ترامت به صنعته في ذلك، فإن هذه ~~الأشياء مما تشحذ القريحة، وتذكي الفطنة. وإذا كان المؤلف عارفا بها تصير ~~المعاني، التي ذكرها أرباب هذه الصناعة، وتعبوا في استخراجها كالشيء الملقى ~~بين يديه، يأخذ # منه ما أراد، ويترك ما أراد. وأيضا فإنه إذا كان مطلعا على المعاني ~~المسبوق إليها، فقد ينقدح له من بينها معنى غريب، لم يسبق (إليه). ومن ~~المعلوم أن خواطر المؤلفين وإن كانت متفاوتة في الجودة والرداءة، فإن بعضها ~~قد يكون عاليا على بعض، أو منحطا عنه بشيء يسير. وكثيرا ما تتساوى القرائح ~~والأفكار، في الإتيان بالمعاني، حتى إن بعض المؤلفين قد يأتي بمعنى من ~~المعاني مصوغا بلفظه، ثم يأتي الآخر بعده، بذلك المعنى واللفظ، بعينهما، من ~~غير علم منه بما جاء به المؤلف الأول، وهذا هو الذي تسميه أرباب هذه ~~الصناعة (وقع الحافر على الحافر) كقول امرئ القيس: # وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وقول طرفة بن العبد البكري بعده: # وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد # وسيأتي لذلك باب مفرد في كتابنا هذا. # وأما النوع ms012 الخامس، وهو معرفة الأحكام السلطانية من الإمامة والإمارة، ~~وغير ذلك، # PageV01P017 # فإنما أوجبنا على مؤلف الكلام معرفتها، والإحاطة بها؛ لأنه قد يحدث في ~~الإمامة حادث، في بعض الأوقات، أو يجري فيها أمر من الأمور؛ بأن يكون ~~الإمام القائم من المسلمين، ثم يتولى من بعده من لم تتكامل فيه شرائط ~~الامامة؛ أو يكون كامل الشرائط، غير أن الإمام الذي كان قبله عهد بها إلى ~~آخر غيره، وهو ناقص الشرائط، أو يكون قد تنازع الإمامة شخصان، أو يكون ~~أرباب الحل والعقد قد اختاروا إماما، وهم غير كاملي الشرائط التي يجب أن ~~توجد فيهم، أو يكون أمر غير ما ذكرنا، فتختلف الأطراف في ذلك، وينتصب ملك ~~من ملوك الأرض له عناية بالإمام الذي قام للمسلمين، فيتقدم إلى كاتبه بكتبه ~~كتابا في معناه إلى الأطراف المخالفة له. وإذا لم يكن الكاتب عند ذلك عارفا ~~بالحكم، في هذه # الحوادث، واختلاف أقوال العلماء فيها، وما هو رخصة في ذلك، وما ليس ~~برخصة، فإنه لا يكتب كتابا ينتفع به البتة. ولسنا نعني بهذا القول أن يكون ~~الكتاب مقصورا على فقه محض فقط؛ لأنا لو أردنا ذلك لما كنا نحتاج فيه إلى ~~كتبه كتابا، بل كنا نقتصر على إنفاذ مصنف من مصنفات الفقه، عوضا عن الكتاب، ~~الذي نريد أن نكتبه، وإنما قصدنا بذلك أن يكون الكتاب الذي يكتب في هذا ~~المعنى مشتملا على التغيب والترهيب، والتسامح في موضع، والمحاقة في موضع، ~~مشحونا كذلك بالنكت الشرعية، التي تليق به وتناسبه، كما فعل الصابي في ~~الكتاب الذي كتبه عن عز الدولة بن بويه إلى الطائع، لما مات المطيع، # PageV01P018 # فإنه من محاسن الكتب، التي يكتب بها في هذا الفن. # وأما النوع السادس وهو حفظ القرآن الكريم، والاطلاع على غرابته وعجائبه، ~~فإن مؤلف الكلام ينبغي له أن يكون عارفا بذلك، لأن فيه فوائد كثيرة، ومنافع ~~زائدة، منها أن يضمن كلامه الآيات في أما كنها اللائقة بها، ومواضعها ~~المناسبة لها، ولا شبهة فيما يصير للكلام بذلك، من الفخامة والجزالة ~~والرونق، كما فعل الشيخ عبد ms013 الرحيم بن نباتة في خطبة فإنه أبدع في تضمين ~~الآيات فيها، وسيأتي بيان ذلك في باب التضمين. ومنها أن المؤلف إذا عرف ~~واقع البلاغة وأسرار صناعة الكلام، في تأليف القرآن الكريم، اتخذه بحرا، ~~يستخرج منه الدرر والجواهر، ويودعها في مطاوي كلامه. وكفى بالقرآن الكريم ~~وحده آلة لمؤلف الكلام. فعليك أيها المترشح لهذه الصناعة بحفظه، والفحص عن ~~سره الخفي، وغامض علمه المستور، فإنها تجارة للمؤلف لا تبور، ومنبع لا ~~يغور، وكنز يرجع إليه، وذخر يعول في جميع كلامه عليه. # وأما النوع السابع، وهو تحفظ أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما ~~يحتاج مؤلف الكلام إلى استعماله، فإن الأمر يجري في ذلك مجرى القرآن ~~الكريم، وقد # تقدم القول فيه، فاعرفه. # PageV01P019 ### | القسم الثاني # وهو ما يخص الناظم دون الناثر # وذلك معرفة العروض، وما يجوز فيه من الزحاف، وما لا يجوز، فإن الشاعر ~~محتاج إليه. ولسنا نوجب عليه المعرفة بذلك لينظم بعلمه، فإن النظم مبني على ~~الذوق، ولو نظم بتقطيع التفاعيل لجاء شعره متكلفا غير مرضي، وإنما أريد ~~للشاعر معرفة العروض لأن الذوق قد ينبو عن بعض الزحافات، ويكون ذلك جائزا ~~في العروض. وقد ورد للعرب مثله. فإذا كان الشاعر غير عالم به لم يفرق بين ~~ما يجوز من ذلك وبين ما لا يجوز. # وكذلك أيضا يحتاج الشاعر إلى العلم بالقوافي والحركات، ليعلم الروي ~~والردف وما لا يصح من ذلك، فإذا أكمل مؤلف الكلام معرفة هذه الآلات، وكان ~~ذا طبع مجيب وقريحة مؤاتية، فعليه بالنظر في كتابنا هذا، والتدبر لمشكلاته، ~~والتصفح لما أود عناه من حقائق علم البيان، ونبهنا عليه من أصول ذلك ~~وفروعه. # PageV01P020 ### | الباب الثاني من الفن الأول من القطب الأول # في أدوات التأليف # اعلم أيها المنتصب لهذه الصناعة، إنه يجب عليك إذا أردت تؤلف شيئا من ~~الكلام، منثورا كان أو منظوما، أن تأخذ من نفسك، ساعة نشاطك وفراغ بالك، ~~وإجابتها لك، فإن قليل تلك الساعة أجدى عليك بما يعطيك يومك بالكد ~~والمطاولة. وإياك والتوعر فإنه يسلمك إلى التعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ms014 ~~ويشين ألفاظك، وسنبين لك فيما يأتي من هذا الكتاب ما تتوقي به ذلك؛ فإذا ~~حاولت أمرا بديعا فالتمس له لفظا يناسبه، فإنه جدير بالمعنى الشريف أن يكون ~~لفظه شريفا. وإذا وجدت ذلك فهو الدرجة التي لا أمد وراءها، والمنزلة التي ~~لا مطلع فوقها. وعليك بتنقيح الألفاظ وتحسينها، فإن الخطب الرائقة والأشعار ~~البارعة، لم تعمل لا فهام المعاني فقط، لأنه لو قصد بها الإفهام فقط لكان ~~الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد في الأفهام، وإنما عملت الخطب والأشعار ~~لأجل الإتيان ببداعة اللفظ، وأحكام صنعته. ولسنا نعني بذلك أن يجعل المؤلف ~~همته مقصورة على تجويد الألفاظ، ويهمل المعاني المنوطة تحتها، وإنما المعني ~~به أن تكون المعاني المقصودة ذات ألفاظ حسنة رائقة، وسنذكر معرفة اللفظ ~~الجيد من الرديء، والفرق بينهما، فيما، يأتي من كتابنا هذا. # واعلم أن المعنى هو عماد اللفظ، واللفظ هو زينة المعنى. والمعاني بمنزلة ~~الأرواح، والألفاظ بمنزلة الأجساد، فأول ما يجب على المتكلم أن لا يؤلف ~~كلامه من ألفاظ رديئة. ثم إن ألفه من # PageV01P021 # ألفاظ جيدة حسنة، فإنه لا يكون لها مزية ورونق إلا بإيداعها معنى شريفا ~~واضحا؛ لأن الألفاظ لا تراد لنفسها، وإنما تجعل أدلة على المعاني، فإذا عد ~~مت الذي يراد منها لم يعتد لها بالأوصاف التي تكون لها. ألا ترى أن قولك ~~(فعولن مفاعلين. . .) ليس له من الحلاوة والرونق ما لقولك: # تضوع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة خفرات # وذلك لخلوه من المعنى المفهوم؟ وهذا مما لا يحتاج فيه إلى زيادة في ~~القول، لبيانه ووضوحه. ومن المعلوم أن جماعة العقلاء من الخاصة والعامة ~~يعرفون المعاني، ويصيبون فيها، إلا أنهم لا يقدرون على إبرازها في لباس ~~أنيق مناسب لها، لعدم الطبع المجيب إلى ذلك. ألا ترى إنه حكي عن المبرد، ~~وهو من أكبر علماء العربية وأفخمهم شأنا، وصاحب قول ومذهب، إنه قال: لا ~~أحتاج إلى وصف نفسي لعلم الناس بي، إنه ليس أحد يختلج في قلبه مسألة مشكلة ~~إلا لقيني بها، وأعدني لها؛ فأنا عالم ms015 ومتعلم، وحافظ ودارس، لا يخفي علي ~~مشتبه من الشعر والنحو، والكلام المنثور، من الخطب والرسائل، ولربما احتجت ~~إلى اعتذار من قلة إلى بعض الأصدقاء، أو التماس لحاجة، فاجعل المعنى الذي ~~أقصده نصب عيني، ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بما أرتضيه. ولقد بلغني ~~أن عبيد الله بن سليمان ذكرني بجميل، فحاولت أن # PageV01P022 # أكتب إليه رقعة أشكره فيها، وأعرض ببعض أموري، فأتعبت نفسي يوما في ذلك، ~~فلم أقدر على ما أرتضيه، فكنت أحاول الإفصاح عما في ضميري فينحرف لساني إلى ~~غيره. # فإذا كان هذا قول المبرد - مع علو منزلته، وارتفاع قدره -، فما ظنك بمن ~~لم يستنشق رائحة هذه الصناعة؟ ولذلك قيل: زيادة المنطق على الأدب خير ~~وزيادة الأدب على المنطق هجنة. فاعرف ذلك وقس عليه. # ولأجل تجويد الألفاظ وتهذيبها كان الكاتب في الرسالة، والخطيب في الخطية، ~~والشاعر في القصيدة، بعد الفراغ من معانيها يشتغل بتنقيح ألفاظها، والتأنق ~~في تجويدها، ليدل بذلك على براعته والتقدم في صناعته. ولو كان قصد هؤلاء ~~القوم إفهام المعاني فقط اطرحوها، وربحوا كدا كبيرا، وأسقطوا عن أنفسهم ~~تعبا زائدا. فينبغي لمؤلف الكلام حينئذ أن تكون ألفاظه رشيقة لائقة، متصفة ~~بالصفات التي # يرد ذكرها في هذا الكتاب. ويكون معناه صوابا فيما قصد له. وإذا كان حسن ~~التأليف لا يواتيك، ولا تصل قدرتك إليه وتجد اللفظة لا تقع موقعها، ولا ~~تصير إلى مركزها، ولا تتصل بسلكها، وكانت قلقة في مكانها، نافرة عن موضعها، ~~فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير مواطنها، فإنك إن لم تتعاط ~~صناعة التأليف من المنظوم والمنثور لم يعبك على ذلك أحد. ولو تكلفت ذلك ولم ~~تكن حاذفا به، ولا محكما له استحققت عند ذلك العيب، واستوجبت الذم وجعلت ~~نفسك غرضا لسهام الملام. وإن كانت قريحتك لا تسمح لك، وتعصي عليك، بعد ~~إجالة الفكر، وإطالة النظر فلا تعجل واترك نفسك في تلك الحالة، ثم عاود ~~أمرك عند نشاطك وفراغ بالك؛ فانك لا تعدم حالة الإجابة من خاطرك، ~~والمواتاة، إن كان لك قلب مجيب. وأعلم ms016 إنه ينبغي أن تستعمل في كتابك، إن ~~كنت كاتبا، مخاطبة كل فريق من الناس، على قدر طبقاتهم في الفهم. والدليل ~~على ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P023 # لما أراد أن يكب إلى أهل فارس، كتب إليهم ما يمكنهم ترجمته، وهو (من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى أبرويز عظيم فارس، سلام على من اتبع ~~الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وإن ~~محمدا عبده ورسوله، وأني رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين. فأسلم تسلم. وإن أبيت فإثم المجوس عليك). ألا ترى كيف ~~سهل الألفاظ غاية التسهيل، بحيث إنها لا تخفى على من له أدنى تشبث باللغة ~~العربية؟ ولما أراد أن يكتب إلى قوم من العرب خاطبهم على قدر قوتهم وعادتهم ~~لسماع مثله، فكتب لوائل بن حجر (من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة ~~أهل حضر موت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ على التبعة شاة # PageV01P024 # والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار ~~ومن أجبى فقد أربى وكل مسكر حرام). # فانظر أيها المتأمل لهذا الكلام، كيف خاطب هؤلاء القوم بالضد مما خاطب ~~أهل فارس. وليس سبب ذلك إلا ما ذكرناه من مخاطبة كل فريق من الناس على قدر ~~معرفتهم. فاعرف ذلك وقس عليه. # PageV01P025 ### | الباب الثالث من الفن الأول من القطب الأول # في الطريق إلى صناعة النظم والنثر # اعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا، أنا مارسنا هذه الصناعة، وبيناها من طرف ~~كثيرة، وأبواب متعددة، وخبرنا ما ينفع المتدرب من ذلك، وما يكون أعون له، ~~وأجدى عليه وأقرب إلى تعليمه وإفادته، فلم نجد ما هو أسهل مأخذا، وأقرب ~~متناولا، سوى طريق واحد نحن ذاكروه في هذا الكتاب، فنقول: # يجب على المبتدئ في هذا الفن والمترشح له إذا آتاه الله عز وجل طبعا ~~مجيبا، وقريحة مواتية، وكان مستكملا لمعرفة ما يجب على المؤلف معرفته، مما ~~أشرنا إليه في صدر هذا الكتاب، أن يأخذ ms017 رسالة من الرسائل، أو قصيدة من ~~الشعر، يقف على معانيها، ويتدبر أوائلها وأواخرها، ويقرر ذلك في قلبه. ثم ~~يكلف نفسه عمل مثلها، مما هو في معناها، ويأخذ تلك الألفاظ التي فيها، ~~ويقيم عوض كل لفظه لفظة من عنده، تسد مسدها، وتؤدي المعنى المندرج تحتها، ~~ولا يزال كذلك، حتى يأتي على آخرها. ثم بعد فراغه منها يشتغل بتنقيح ~~ألفاظها وتجويدها. وارتباط بعضها ببعض، فإذا استتم عمله انتقل منه إلى ~~غيره، وفعل فيه فعله أولا، ولا يزال # PageV01P026 # على هذه القدم، يد من في معارضة الرسائل، أن كان كاتبا، أو في معارضة ~~القصائد، ان كان شاعرا، حتى يحصل له بذلك الدربة الوافرة، وتتمرن قريحته ~~عليه أو يعتاد خاطره هذا الأمر اعتيادا زائدا، ولا ينبغي له أن يكون قانعا ~~من ذلك بالقليل، ولا راضيا بمعرفة الطريق، دون سلوكه إياه، مرارا كثيرة، # وخبر ته بسهله وحزنه، وقريبه وبعيده، فإذا تدرب واعتاد، وصار ذلك له ~~خليقه وطبعا، تفرعت عنده المعاني وانقدحت في خاطره، فتسهل عليه حينئذ ~~صياغتها، وإبرازها فيما يليق بها من اللباس. وهذا انفع الطرق وأكثرها ~~فائدة، لمن يروم الدخول في زمرة الكتاب والشعراء، لا تجد أيها المنتصب لهذه ~~الصناعة طريقا يجدي عليك من النفع ما يجديه هذا الطريق، فاعرفه. # PageV01P027 ### | الباب الرابع من الفن الأول من القطب الأول # في الحقيقة والمجاز # اعلم أن الحقيقة: هي (اللفظ) الدال على موضوعة الأصلي. وقيل: هي اسم ~~مشترك، يراد به ذات الشيء وحده، ويراد به ما استعمل بازاء موضوعة اللغوي. ~~وأما المجاز: فهو ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة، اتساعا، ~~وقيل: هو ما نقل عن موضوعه الأصلي إلى غيره، بسبب مشابهة بين محل الحقيقة ~~ومحله، في أمر مشهور. # واعلم أن المجاز ينقسم إلى أقسام، وقد أودعنا كتابنا هذا منها ما سنح ~~لنا، وهو أربعة عشر قسما: (الأول) ما جعل للشيء بسبب المشاركة في خاصة، كما ~~يقال للبليد حمار، وللشجاع أسد (الثاني) الزيادة في الكلام لغير فائدة ~~كقوله تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم) فما ms018 هاهنا زائدة لا معنى لها أي ~~(فبرحمة من الله لنت لهم) (الثالث) النقصان الذي لا يبطل به معنى الكلام، ~~لحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، كقوله تعالى (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم ~~يرم به بريئا) يريد شخصا بريئا. وكحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ~~كقوله تعالى (واسئل القرية) أي أهل القرية. وللنحاة في ذلك اختلاف. قال ~~سيبويه: إن القياس ممتنع في حذف # PageV01P028 # الموصوف وإقامة الصفة مقامه، فلا يجوز في جاءني رجل طويل (جاءني # طويل) وقال الفارسي وغيره من علماء العربية: القياس جائز في حذف المضاف ~~إليه مقامه. وسيبويه لم ينص في ذلك بشيء. وقال أبو الحسن الأخفش تارة إنه ~~ممتنع، وتارة إنه جائز. والقوي عنده أن لا يقاس، وغيره لا يمنع القياس، ~~(الرابع) تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه كقوله تعالى (إني أراني أعصر ~~خمرا). وإنما كان يعصر عنبا. (الخامس) تسمية الشيء باسم مجاوره كقوله ~~للمزادة (راوية) وإنما الراوية الجمل الذي يحملها. (السادس) تسمية الشيء ~~بكله كقولك في جواب (ما فعل زيد): القيام. والقيام إنما هو جنس يتناول جميع ~~أنواعه. (السابع) تسمية الشيء بجزئه كقولك لمن تبغضه: (أنعد الله وجهة عني) ~~تريد بذلك عامة جسده. (الثامن) تسمية الشيء بدواعيه كتسميتهم الاعتقاد قولا ~~نحو قولك (هذا يقول بقول الشافعي) أي يعتقد اعتقاده. (التاسع) تسمية الشيء ~~باسم أصله كقولك للآدمي (مضغة). (العاشر) تسمية الشيء باسم فرعه كقول ~~الشاعر: # وما العيش إلا نومة وتشرق ... وتمر على رأس النخيل وماء # فسمى الرطب (تمرا). (الحادي عشر): تسمية الشيء باسم ضده كقولهم للأسود ~~والأبيض (جون). (الثاني عشر) تسمية الشيء بمكانه كقولهم للمطر (سماء) لأنه ~~ينزل منها. (الثالث عشر) تسمية الشيء بفعله كتسمية الخمر مسكرا. (الرابع ~~عشر). تسمية الشيء بحكمه كقوله تعالى (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي. . .) الآية. # PageV01P029 # فسمي النكاح هبة. فهذه ضروب المجاز التي وقعت. فاعرفها. # وأما الفرق بينه وبين الحقيقة، فهو أن الحقيقة جارية على العموم في ~~نظائره، ألا ترى أنا إذا قلنا (فلان عالم) علما صدق على كل ذي علم ms019 واحد صدق ~~على كل ذي علم، بخلاف (واسئل القرية) لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون ~~بعض، لأن المراد أهل القرية، لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال # (واسأل الحجر أو التراب). وقد يحسن أن يقال (واسأل الربع أو الطلل). # واعلم أن كل مجاز فله حقيقة، وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز؛ ~~وذلك أن من الأسماء قسمين لا مجاز فيهما: # (الأول) أسماء الأعلام، كأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين ~~الصفات. # (الثاني) الأسماء التي لا أعم منها، كالعلوم والمجهول والمدلول، وغير ~~ذلك، مما أشبهه. # واعلم إنه قد صار المجاز في تعارف الناس بمنزلة الحقيقة، بل هو أقرب إلى ~~التعريف من الحقيقة، وأولى بالاستعمال منها، وأحق بالافهام؛ لأنه لو لم يكن ~~كذلك لكانت الحقيقة، التي هي الأصل، أولى منه حيث هو فرع عليها. ألا ترى أن ~~قوله تعالى (والصبح إذا تنفس) أبلغ من أن يقال (إذا انتشر) لأن التنفس يعطي ~~من الدلالة ما لا يعطيه الانتشار؛ وذلك لما فيه من بيان الروح على النفس، ~~عند إضاءة الصبح، فجعل ظهور الصبح وانتشاره من خلال الليل، شيئا فشيئا، ~~كالتنفس؛ لأن أول ما يبدو الصباح ثم ينمي في انتشاره بالتدرج، كإخراج ~~الإنسان نفسه. # واعلم إنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز لمعان ثلاث وهي: الانساع ~~والتشبيه والتوكيد، فإن عدمت هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة؛ فمن ذلك قوله ~~تعالى (وأدخلناه في رحمتنا) الآية. فهذا مجاز، وفيه الأوصاف الثلاثة ~~المذكورة. وأما الانساع فهو إنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسما هو ~~الرحمة، وأما التشبيه فإنه شبه الرحمة، وأن لم يصح دخولها، بما يجوز # PageV01P030 # دخوله. وأما التأكيد فإنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة، وذلك تغال بالمخبر ~~عنه، وتفخيم له، إذ صير إلى منزلة ما يشاهد ويعاين. ألا ترى إلى قول بعضهم ~~في الترغيب في الجميل: (لو رأيتم المعروف لرأيتموه حسنا جميلا). وإنما يرغب ~~بأن ينبه عليه، ويعظم من قدره، # فيصور في النفوس، على أشرف أحواله وأعلى صفاته، وذلك بأن يخيل ms020 متجسما، لا ~~عرضا متوهما. # واعلم أن المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة، وذلك أن أكثر اللغة مجاز لا حقيقة ~~فيه، فمن ذلك عامة الأفعال نحو (قام زيد، وقعد عمرو) و (جاء الصيف وانصرف ~~الشتاء). ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية، فقولك (قام زيد) معناه ~~كان منه القيام أي هذا الجنس من الفعل. ومعلوم إنه لم يكن منه جميع القيام، ~~وكيف يكون ذلك وهو جنس مطبق جميع أنواعه من الماضي والحاضر والمستقبل، ~~الكائنات من كل (من) وجد منه القيام؟. فإذا كان الحال كذلك علمت أن قيام ~~زيد مجاز لا حقيقة، وإنما هو على وضع الكل موضع البعض، للاتساع والتوكيد، ~~وتشبيه القليل بالكثير. ويدل على انتظام ذلك في جميع جنسه أنك تعمل في جميع ~~أجزاء ذلك الفعل، فتقول: قمت قومة، وقومتين، ومائة قومة، وقياما حسنا، ~~وقياما قبيحا، فإعمالك إياه في جميع أجزائه يدل على إنه موضوع عندهم على ~~صلاحيته، لتناول جميعها، ألا ترى إلى قول بعضهم: # وقد يجمع الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا # فقوله (كل الظن) يدل على صحة ما أشرنا إليه. # وكذلك قولك (ضربت زيدا) مجاز أيضا، لأنك إنما لأعلك بعض الضرب لا كله، ~~وإنما ضربت بعضه لا جميعه؛ لأنك قد تضرب يده، أو رجله، أو ناحية من نواحي ~~جسده. ولهذا إذا احتاط الإنسان واستظهر جاء يبدل البعض، فقال (ضربت زيدا ~~رأسه) ثم هو مع ذلك متجوز، لأنه إنما يضرب ناحية من رأسه، لا رأسه كله. ~~ولهذا يحتاط بعضهم في نحو # PageV01P031 # هذا فيقول (ضربت زيدا جانب وجهه الأيمن). فإذا عرف التوكيد ثم وقع (في) ~~الكلام نحو (نفسه وعينه وكله وأجمع) وما جرى هذا المجرى تحقق منه حال سعة ~~المجاز في هذا الباب. ألا تراك تقول: قطع # الأمير اللص. ارتفع المجاز من جهة الفعل وصرت فيه إلى الحقيقة، لكن يبقى ~~عليك التجوز من جهة أخرى وهو قولك (اللص) وإنما لعله قطع يده أو رجله، فإذا ~~احتطت في ذلك قلت (قطع الأمير نفسه يد اللص أو رجله). وكذلك جاء ms021 جميع ~~الجنس، فوقوع التوكيد في هذه اللغة أقوى دليل على شيوع المجاز فيها ~~واشتماله عليها، حتى إن علماء العربية جعلوا له بابا مفردا، لعنايتهم به، ~~وكونه مما تمس الحاجة إليه، وأنه لا ينبغي إن يضاع مثله ولا يهمل، كما أنهم ~~جعلوا لكل معنى أهمهم بابا مفردا، كالصفة: والعطف، والإضافة، وغير ذلك ~~فاعرفه. # PageV01P032 ### | الفن الثاني في القطب الأول في # الألفاظ والمعاني # وتفضيل الكلام المنثور على المنظوم # وهو ثلاثة أبواب: ### | الأول: في الألفاظ المفردة # وهو قسمان: ### | الأول: في الكلام على الألفاظ المفردة، والفرق بين الجبر # منها والرديء # واعلم أن صاحب كتاب (سر الفصاحة) وغيره من أرباب هذه الصناعة قد أوردوا ~~في كتبهم من ذلك أشياء حسنة، ونبهوا على نكت مستملحة، غير أنا لما أمعنا ~~النظر فيما قالوه، وتصفحنا مطاوي ما ذكروه، وقع لنا فيه زيادة مبتكرة، وقول ~~مستغرب، ولنورد هاهنا، ما وصل إلينا عن علماء هذه الصناعة، وما ابتكرناه ~~نحن فنقول: الأوصاف التي توجد في اللفظة الواحدة، وتستحق بها مزية الحسن ~~والجودة، سبعة أنواع، فأما الذي وصل إلينا منها فستة أنواع: # (الأول) تباعد مخارج الحروف. # (الثاني) أن لا تكون الكلمة وحشية ولا متوعرة. # (الثالث) أن لا تكون الكلمة مبتذلة بين العامة. # (الرابع) أن لا تكون عبر بها عن معنى يكره ذكره، فإذا أوردت، وهي غير ~~مقصود # PageV01P033 # بها ذلك المعنى قبحت. # (الخامس) أن تكون مصغرة في موضع يعبر بها عن شيء لطيف، أو خفي، أو نحو ~~ذلك. # (السادس) أن تكون مؤلفة من أقل الأوزان تركيبا. وقد ذكر أبو محمد بن سنان ~~الخفاجي قسما آخر فقال: (ينبغي أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي ~~الصحيح، غير شاذة). وليس هذا معتبرا في جودة اللفظة ولا في رداءتها، لأن ~~شذوذ لا يوجب لها حسنا ولا قبحا، وإنما المعنى بقولهم: إن هذه الكلمة شاذة ~~أي أنها لم تنقل إلا عن واحد فقط، فلا يوثق بها ولا يركن إليها، سواء كانت ~~حسنة أو قبيحة. فاعرف ذلك. # وأما الذي ابتكرناه نحن فتوع واحد وهو أن تكون الكلمة مبنية من ms022 حركات ~~خفيفة. ولنرجع إلى ذكر الستة الأنواع، التي وصلت إلينا من علماء هذه ~~الصناعة، وتحقيق القول فيها، فتقول: # اعلم إنه ليس لهم فيها إلا السبق بذكرها فقط، وإما علة كل نوع منها، ~~والسبب الذي ذكره لأجله فأنا لم نأخذه (عنهم)، وإنما استنبطناه نحن دونهم. ~~وذلك أنا لم نقف لهم في ذلك على قول شاف، ولا كلام محرر. بل جل أمرهم أن ~~ذكروا هذه الأنواع الستة ثم مثلوا كل نوع منها بمثال، كما فعل أبو محمد بن ~~سنان الخفاجي، وهو من الأئمة المشاهير في هذا العلم، وكذلك فعل غيره ممن ~~تقدمه كقدامة بن جعفر الكاتب، والآمدي، والجاحظ وغيرهم. وكتبهم التي صنفوها ~~في هذا الفن شاهدة بما ذكرناه عنهم من إجمال القول، والاقتناع بالأمثلة. ### | أما النوع الأول من الأنواع الستة فهو # تباعد مخارج الحروف # ولسنا نعني بذلك أن # PageV01P034 # المتقارب المخارج لا يكون حسنا ولا جيدا، بل نعني بذلك أن الغلب على ~~المتباعد المخارج من الألفاظ الجودة والحسن، والغالب على المتقارب المخارج ~~الرداءة والقبح. ألا ترى أن (الجيم والشين والياء) لها مخارج متقاربة، وهي ~~من وسط اللسان، بيته وبين الحنك، وتسمى ثلاثتها الشجرية، فإذا ركبنا منها ~~شيئا من الألفاظ يجيء حسنا رائقا فإن قلنا: (جيش)، كانت لفظة محمودة، وأن ~~قدمنا الشين على الجيم فقلنا: (شجي) كانت أيضا لفظة محمودة. فهذه مخارج ~~متقاربة، وقد ركبنا منها هاتين اللفظتين، وجاءتا في غاية الحسن والرونق. ~~وهذا يكون نادرا في المتقارب المخارج وإنما الأكثر والغالب يجيء في ~~المتباعد المخارج. فاعرف ذلك. # وحيث انتهى بنا القول إلى هاهنا فلنبدأ بوصفه، في هذا الموضع، بذكر ~~الأصوات والحروف، وذكر الخارج وانقساماتها، قبل ذكر السبب في حسن المتباعد، ~~وقبح المتقاربة، فتقول: # اعلم أن الصوت عرض يخرج مستطيلا متصلا، حتى يعرض له، في الحلق والفم ~~والشفتين، مقاطع، تثنيه عن امتداده واستطالته، فيسمى المقطع إن عرض له ~~حرفا. وتختلف أجراس الحروف يحسب اختلاف مقاطعها. ألا ترى أنك تبتدي من أقصى ~~الحلق ثم تبلغ به أي المقاطع شئت، وتجد له جرسا ما، فإن انتقلت ms023 منه راجعا ~~عنه، أو مجاوزا له، ثم قطعت أحسست عند ذلك جرسا غير الجرس الأول، نحو ~~(الكاف) فانك إذا نطقت بها سمعت هناك صدى، فإذا رجعت إلى (القاف) سمعت غير ~~ذلك الصدى فإن جزت (إلى) الجيم سمعت غير ذينك الأولين. وشبه بعضهم الحلق ~~والفم بالمزمار وما أقريه شبها به. والسبيل إلى # PageV01P035 # معرفة ذلك أنك إذا أردت اعتبار هذا: تأتي بالحرف ساكنا لا متحركا، لأن ~~الحركة تقلقه عن موضعه ومستقره، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله، ~~لأن # الساكن لا يمكن الابتداء به، فتقول: (إك) (إق) وكذلك سائرها. # واعلم أن (الحروف) تطلق باعتبارات، فالأول: اسم لهذه الحروف المعدودة؛ ~~وذلك مأخوذ من تسمية الحد والناحية حرفا، لأن الحروف هي جهات للكلمة ~~ونواحيها. الثاني: تطلق على أدوات الكلام نحو (من وعن، وغيرهما). الثالث: ~~كقول النبي (ص) (أنزل القرآن على سبعة أحرف) أي سبع لغات لا تختلف ولا ~~تضاد، كما يقال: (هذا في حرف أبي) و (وهذا في حرف ابن مسعود). الرابع: يقال ~~ناقة حرف: أي ضامرة. وقال أبو العباس المبرد: إن الهمزة لا صورة لها في ~~الخط. وهذا فاسد؛ إذ الاعتبار باللفظة لا بالخط، فإن الخط لو لم يكن لما ~~كان ذلك مانعا من كون الهمزة من جملة الحروف. # فأما ترتيب الحروف على نسق المخارج فهي (همزة، ألف، ع، (ه) ح، غ، خ، ق، ~~ك، ج، # PageV01P036 # ش، ي، ض، ل، ن، ر، ط، د، ت، ز، س، ظ، ذ، ث، ف، م، و، ب). وستة أحرف فروع ~~مستحسنة، وهي همزة بين بين، والنون والخفيفة، والألف الممالة، وألف ~~التفخيم، والشين كالجيم، والصاد كالزاي. وثمانية أحرف غير مستحسنة وهي: ~~الكاف بين الجيم والكاف، والجيم كالكاف، والجيم كالشين، والفاء كالباء، ~~والضاد الضعيفة، والصاد كالسين، والطاء كالتاء، والظاء كالثاء. وذكر قوم ~~أربعة أحرف هي: السين كالزاي، والجيم كالزاي، واللام المفخمة، والقاف ~~كالكاف: فصار الجميع سبعة وأربعين حرفا. # فأما انقسام المخارج فإنها ستة عشر مخرجا: ثلاثة حلقية وهي الهمزة والألف ~~والهاء. هذا على ترتيب سيبويه، وأما على ms024 ترتيب أبي الحسن الأخفش فإن الهاء ~~مع الألف لا قبلها ولا بعدها، ومخرجان يليان هذه الثلاثة المذكورة وهما ~~العين والحاء، ومخرجان آخران فوق ذينك من أول الفم وهما الغين والخاء، وحرف ~~من أقصى اللسان، وهو القاف. وأسفل من موضع القاف قليلا مخرج الكاف، وهذان # الحرفان - أعني القاف والكاف - يدعيان لهويين: من اللهاة. وثلاثة أحرف من ~~وسط اللسان: وهي الجيم والشين والياء، وتسمى الشجرية. ومن أول حافة اللسان ~~وما يبنهما من الأضراس مخرج الضاد، ويسمى المتفرد المستطيل. ومن حافة ~~اللسان من أدناها إلى منتهى طرفه مما بينها وبين ما يليها من الحنك، فويق ~~الضاحك والناب والثنية والرباعية مخرج اللام، ويسمى المتحرف. ومن طرف ~~اللسان، بينه وبين ما فويق الثنايا السفلى، مخرج النون. ومن مخرج النون، ~~غير إنه أدخل في ظهر اللسان قليلا، لا انحرافه إلى اللام مخرج الراء. وهذه ~~الأحرف الثلاثة: اللام والراء والنون تسمى الذليقة. وقال سيبويه # PageV01P037 # إن الأصول الخماسية لا تخلو من أحدها البتة. ومما بين طرف اللسان وأصول ~~الثنايا ثلاثة أحرف وهي الطاء والدال والتاء، وتسمى النطعية. وثلاثة أحرف ~~مما بين طرفي اللسان وفويق الثنايا وهي: الصاد والسين والزاي وتسمى ~~الأسلية. وثلاثة أحرف مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا وهي: الظاء والذال ~~والتاء، وتسمى اللثوية. وحرف واحد مما بين باطن الشفة السفلى وأطراف ~~الثنايا العلى وهو الفاء. وثلاثة أحرف مما بين الشفتين وهي الباء والميم ~~والواو، وتسمى الشفهية. وحرف واحد من الخيشوم وهو النون، ويسمى الخيشومي. ~~فهذه جميع مخارج الحروف. # وحيث انتهى القول بنا إلى هذا المقام وأتينا على ذكر الأصول والحروف ~~وانقسام المخارج فينبغي حينئذ أن تذكر السبب في حسن ما تباعد من المخارج، ~~وقبح ما تقارب منها، فتقول: # قال أبو محمد بن سنان الخفاجي في كتابه: (إن الحروف التي هي أصوات تجري ~~من السمع مجري الألوان من البصر، ولا شك في أن الألوان المتباينة إذا ~~اجتمعت كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة؛ ولهذا كان البياض مع ~~السواد أحسن منه مع الصفرة، لقرب ما بينه وبين ms025 الأصفر، وبعد ما بينه وبين ~~الأسود). هذا # حكاية كلامه بعينه. ولنا عليه اعتراض، وهو أنا نقول: إذا ثبت لك أن ~~الألوان المتباينة في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة فكيف يلزم على هذا ~~أن نقيس عليه السمع ونجريه مجراه؟ فإن قال في الجواب عن ذلك (إني إنما قست ~~السمع في أصوات الحروف المتباعدة على البصر في الألوان المتباعدة، لأن ~~السمع حاسة والبصر أيضا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب). قلنا له: إنما ~~يستقيم لك ما ذكرته من هذا القياس أن لو توقف في عرفان جودة اللفظة على ~~سماع أصوات مخارجها، كما يتوقف في عرفان حسن الألوان على إبصارها ورؤيتها، ~~وإنما قد يعلم جودة اللفظة، ويعرف حسن تركيبها، من غير أن يسمع لها صوت؛ ~~وذلك أن المتأمل للكلام # PageV01P038 # مكتوبا من غير تصوت به، ولا نطق، إذا عرضه على طبعة السليم، وفكره ~~المستقيم، عرف جودة ألفاظه، وعلم حسن تركيبها من قبحه. ولا خلطة للسمع في ~~ذلك ولا مشاركة. فقد ثبت بهذا الدليل فساد ما ذكرته من قياس السمع على ~~البصر، واختلال ما أشرت إليه من ذلك. # وإنما القول السديد في حسن اللفظ المتباعد المخارج، وقبح اللفظ المتقارب ~~المخارج، ما سنورد هاهنا: وهو أن الفائدة في الأشياء المركبة، إنما هي ~~اختلاف أجزائها وتباين مفرداتها، ليؤثر التركيب عند ذلك شيئا لم يكن؛ إما ~~حسنا وإما قبحا. # فأما إذا كانت أجزاؤها مشابها بعضها البعض، فإنه لا يكون لتركيبها حينئذ ~~كبير فائدة، وهذا مما لا نزاع فيه؛ لوضوحه وبيانه. # وحيث كانت الحال في الأشياء المركبة كذلك، قسنا عليه تركيب مخارج الحروف. ~~وذلك أن من المخارج ما هو مختلف ونعني بالمختلف هاهنا: المتقارب؛ كالراء، ~~واللام، والطاء، والسين وغير ذلك، مما يجري هذا المجري. فمتى كانت الكلمة ~~مركبة من حروف متباعدة المخارج، أثر التركيب فيها أثرا؛ وهو الحسن والجودة # في الغالب. ومتى كانت الكلمة مركبة من حروف متقاربة المخارج، جاءت بخلاف ~~ذلك في الغالب أيضا. # فإن قيل: أما قولك: إن الكلمة، إذا ركبت من حروف متباعدة المخارج، أثر ~~التركيب ms026 فيها أثرا مسلم إليك ذلك. وأما تخصيصك ذلك التأثير بالحسن والجودة، ~~فهذا تحكم محض أنت مطالب بإثباته. # PageV01P039 # وكذلك قولك في الكلمة: (إذا تركيب من عدة حروف متقاربة المخارج)، ألا ترى ~~أن مخارج الحروف جميعها، إذا اعتبر كل واحد منها على الانفراد، لا يوجد له ~~حسن ولا قبح؟ وهذا لا نزاع فيه. فمن توهم شكا في ذلك أو لحقه أدني ارتياب، ~~فليعرضه ويعتبره، منصفا من نفسه، فإنه يعلم صحة ما ذكرناه، ويعرف حقيقة ما ~~أشرنا إليه. # وإذا كانت الحال كذلك، فمن أي وجه تكسب اللفظة الجودة والحسن إذا تركبت ~~من حروف متباعدة المخارج؟ ومنأى وجه تكسب الرداءة والقبح، إذا تركبت من ~~حروف متقاربة المخارج؟ # الجواب عن ذلك، أنا نقول: إنها اكتسبت حسنا عند تركيبها من حروف متباعدة ~~المخارج، واكتسبت قبحا عند تركيبها من حروف متقاربة المخارج؛ لأن النطق إذا ~~أتى على مخارج حروف اللفظة، وهي متباعدة، ليجمعها ويؤلفها، كان له في ذلك ~~مهلة وأناة؛ لأن بين المخرج إلى المخرج فسحة وبعدا، فتجيء الحروف عند ذلك ~~متمكنة في مواضعها؛ غير قلقة ولا مكدودة. وإذا أتى النطق على مخارج حروف ~~اللفظة وهي متقاربة، ليجمعها ويركبها، لم يخلص من مخرج إلا وقد وقع في ~~المخرج الذي يليه؛ لقرب ما بينها فيكاد عند ذلك يعتبر أحدهما بالآخر، فتجيء ~~مخارج حروف اللفظة قلقة مكدودة، غير مستقرة في أما كنها ولهذا لم ترد العين ~~مع الحاء، ولا الغين مع الخاء، ولا الطاء مع التاء، ولا القاف مع الكاف، ~~ولا # الذال مع الثاء، ولا مع الظاء؛ وذلك لقرب مخارج هذه الحروف بعضها من بعض. # ومن أدل الدليل على أن المخارج المتباعدة أحسن تأليفا من المخارج ~~المتقاربة، أن العرب من # PageV01P040 # شأنهم وعادتهم، أن يعدلوا في كلامهم عن الأثقل إلى الأخف؛ طلبا ~~للاستحسان، وهذا شائع عنهم، وكثير في لغتهم، لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه. ~~وتراهم قد خالفوا عادتهم وعدلوا عن الأخف إلى الأثقل، طلبا لبعد المخارج؛ ~~حيث هو أسهل على اللسان، وهربا من تقاربها؛ حيث هو أشق وأصعب على ms027 اللسان. ~~وذلك نحو (الحيوان) ألا ترى أن أصل هذه الكلمة، بإجماع من علماء العربية: ~~(حييان) لأنها من مضاعف الياء، إلا إنه لما ثقل عليهم عدلوا به عم الياء ~~إلى الواو، مع علمهم بأن الواو أثقل من الياء، لكنه لما تباعد الحرفان ساغ ~~ذلك؛ لأجل الاستخفاف. فلما رأينا أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد ~~نقضوا عادتهم، ورفضوا سنتهم، في العدول عن الأثقل إلى الأخف؛ طلبا لتباعد ~~مخارج الحروف، علمنا أن ذلك أهم عندهم، وأكثر تقدما في نفوسهم. وكفى بهذا ~~دليلا على أن تباعد المخارج أحسن تأليفا من تقاربها، فاعرف ذلك. # واعلم أن تباعد المخارج ليس بكاف في حسن اللفظة، ولا مقنع في جودتها؛ ~~فإنه قد تأتي لفظة مؤلفة من حروف متباعدة المخارج، ولكنها تكون مبنية من ~~حركات ثقيلة، أو تكون وحشية، أو غير ذلك من الصفات الذميمة، فيعارض ذلك ~~الوصف المحمود هذا الوصف المذموم فيذيله ويذهب به. ### | النوع الثاني من القسم الأول من الباب الأول # وهو أن لا تكون الكلمة وحشية ولا متوعرة # ونعني بالوحشي: قلة الاستعمال؛ وذلك عيب في الكلام فاحش؛ فيجب على المؤلف ~~اجتنابه والبعد عنه، لأن أحسن الألفاظ ما كان مألوفا بين أرباب هذه ~~الصناعة، دائرا في تأليفاتهم، قد # PageV01P041 # صقلته الألسن، وأنسته الأسماع والقلوب. ولذلك كان جميع ألفاظ القران ~~الكريم منخرطة في هذا السلك، وجارية في هذا المنهاج. # واعلم أن العرب، لأنه لغة استعملوا الوحشي من الكلام، فإنهم غير ملومين ~~على ذلك، ولا يكون هيبا في كلامهم؛ لأنه لغة القوم، وبه كانت مفاوضاتهم في ~~أحاديثهم وأشعارهم، وكان كالذي كان لهم طبعا وخليفة. والدليل على أن العرب ~~لا يلامون في استعمال الوحشي من الكلام، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قد نطق به كثيرا في كلامه، وأنت به الأخبار المنقولة عنه، كحديث طهفة بن ~~أبي زهير النهدي وغيره. فأما حديث طهفة فهو إنه لما قدمت وفود العرب على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قام طهفة بن أبي زهير فقال: (أتيناك يا رسول ~~الله من غوري تهامة، ms028 على أكوار الميس، ترتمي بنا العيس نستحلب الصبير ~~ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير ونستخيل الرهام # PageV01P042 # ونستحيل الجهام من أرض غائلة النطاء، غليظة المطا، قد نشف المدهن، ويبس ~~الجعثن وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي، ومات الودي. برئنا إليك يا ~~رسول الله من الوثن والعنن، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة ~~الإسلام، ما طما البحر وقام تعار، ولنا نعم همل أغفال # PageV01P043 # ما تبض ببلال، ووقير كثير الرسل قليل الرسل، أصابتها سنة حمراء مؤزلة، ~~فليس لها نهل ولا علل) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اللهم بارك ~~لهم في محضها ومخضها، ومذقها وفرقها، وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر، ~~وأفجر له الثمد، وبارك له في المال والولد. من أقام الصلوة كان # مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا. ~~لكم يا بني نهد ودائع الشرك، ووضائع المال. لا تلطط في الزكاة ولا تلحد في ~~الحياة، ولا نتثاقل # PageV01P044 # عن الصلاة). وكتب معه كتابا إلى بني نهد: (من محمد رسول الله إلى بني نهد ~~بن زيد، السلام على من آمن بالله ورسوله. لكم يا بني نهد في الوظيفة ~~الفريضة، ولكم العارض والفريش وذو العنان الركوب، والفاو الضبيس لا يمنع ~~سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس در كم ما لم تضمروا الاماق وتأكلوا ~~الرباق. من أقر بما في هذا الكتاب فله من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة) فقال له علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - (يا رسول الله نحو بنو أب واحد وربينا في بلد واحد، وتراك ~~تكلم وفود العرب بما لم نفهم أكثره)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(أدبني ربي فأحسن تأديبي، وربيت في بني سعد). # ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لا يكاد يعرف ولا يفهم، وهو الذي نعده نحن ~~في زماننا وحشيا متوعرا لعدم الاستعمال له؟ ومع ذلك، فقد نطق به رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فيثبت من هذا أن كان الوحشي ms029 من الكلام ليس معيبا من ~~حيث ذاته، وإنما يعاب من حيث النسبة إلى الزمان وأهله، كما أنا نعيبه نحن ~~في هذا الزمان، ونطرحه ونكرهه، ولا نستعمله، # PageV01P045 # وقد كان من قبلنا مألوفا مستعملا بين البلغاء والفصحاء. وهذا مما لا نزاع ~~فيه يحال من الاحوال، فاعرفه. # وعلى ذلك فإنما يلام على استعمال الوحشي من الكلام الحضري؛ لأنه يتكلفه ~~من الكتب، ويلتقطه من بطون الدفاتر، مع العناء والمشقة في تحصيله. وقد ~~رأينا جماعة، ممن يدعي هذه الصناعة، يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي يعسر ~~فهمه، ويبعد متناوله، كالذي نحن بصدد ذكره هاهنا. وإذا رأوا كلاما غامضا ~~وحشيا يعجبون منه، ويصفونه بالفصاحة وهو بالعكس من ذلك. وقد استعمل هذا # القسم من الكلام كثيرا ابن هانئ المغربي، فمن ذلك ما جاء في قصيدة من ~~شعره على قافية الثاء، وهو قوله: # وما راعهم إلا سرادق جعفر ... يحف بها أسد اللقاء الدلاهث # وما تستوي الشغواء غير حثيثة ... قوادمها والكاسرات الحثائث # PageV01P046 # تورعت عن دنياك وهي غريرة ... لها مبسم برد وفرع جثاجث # ألا ترى إلى هذه الكلمات، كيف يكرهها السمع، وينبو عنها الطبع، وتستكرهها ~~القلوب، وتعافها النفوس، وكان الإنسان عند الوقوف عليها خابط (خبط) عشواء، ~~لا يدري أين يضع رجله؟ # ومن هذا النوع أيضا قول بعضهم وقد اعتلت أمه فكتب رقاعا وألقاها في ~~الجامع بمدينة السلام وهي (صين امرؤ ورعى، دعا لامرأة مقسئنه، قد منيت بأكل ~~الطرموق، فأصابها من أجله الاستمصال، أن يمن عليها بالاطرغشاش، والابرغشاش) ~~وكل من قرا رقاعه لعنه، ولعن أمه. ومما يجري هذا المجرى قول ابن الرومي: # اسقني الأسكركة الصن ... نبر في جعضلفونه # واترك الفيجن في ... ه يا خليلي بغصونه # فإنه لا يوجد من الألفاظ الوحشية شيء أقبح من قوله (الأسكركة، وجعضلفون # PageV01P047 # والصنبر). وكذلك قوله في صفة المطر: # متغطمط، غصب الوحوش مكانها، ... تياره فالضب جار الضفدع # فهل تجد أيها المتأمل لكتابنا هذا أشد كراهة عليك من النطق بلفظة متغطمط؟ ~~وأشباه ذلك كثيرة. وفيما ذكرنا من هذه الأمثلة كفاية. # واعلم أن الإنكار على الناثر في استعمال الوحشي ms030 من الكلام أكثر من ~~الإنكار على الناظم؛ وذلك لأن الناثر واسع المجال، مطلق العنان، متصرف كيف ~~شاء، قادر # على أن يقيم مكان اللفظة، التي ذكرها لفظة أخرى مما هو في معناها. ~~والناظم قد لا يمكنه ذلك، لأن مجال التأليف عليه حرج، ونطاقه ضيق. وإذا ~~أراد أن يقيم لفظة مكان لفظة لا يتأتى له ذلك، في جميع الحالات، لانفساد ~~الوزن عليه. ولنضرب لهذا مثالا فتقول: ألا ترى أن معنى (متغطمط) في قول هذا ~~الشاعر أي (متدفق) ولو أراد أن يجعل هذه اللفظة الحسنة مكان تلك اللفظة ~~القبيحة، لفسد عليه وزن البيت. ولست أرى للشاعر في هذا دواء، إلا إنه إذا ~~أتاه شيء من هذه الألفاظ الحسنة، ويتزن له الشعر مع ذلك فهو المراد، وأن ~~كان لا يقع له من الألفاظ ما هو في معناه، ولا يتيسر له ذلك، فيقيم عوضه من ~~الألفاظ الحسنة ما يصح به المعنى الذي قصده مع الاتزان. ألا ترى أن هذا ~~الشاعر لو قال في هذا البيت (متدفق) # PageV01P048 # (أو متراكم) أو ما جرى هذا المجرى لصح له الوزن والمعنى المقصود، وكان قد ~~سلم من استعمال الوحشي من الكلام؟ وإنما يتهيأ للشاعر هذا، إذا كانت الكلمة ~~في أول البيت أو في أثنائه، فأما إذا كانت آخرا منه فإنه قلما يقدر على ~~تغييرها، وإقامة غيرها مقامها، وذلك للزوم (القافية) التي بيني قصيدته ~~عليها، فاعرف ذلك وقس عليه. ### | النوع الثالث من القسم الأول من الباب الأول # وهو ألا تكون الكلمة مبتذلة بين العامة # وذلك ينقسم قسمين: # الأول: ما كان من الألفاظ دالا على معنى وضع له في أصل اللغة، فغيرته ~~العامة وجعلته دالا على معنى آخر، وهو ضربان: # الأول: يكره ذكره، كقول أبي الطيب المتنبي: # أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهن عني بالصرم # فإن لفظة (صرم) في أصل وضع اللغة (القطع) يقال: صرمه أي قطعه، فغيرتها ~~العامة، وجعلتها دالة على المحل المخصوص دون غيره. ثم لم يكفهم، حتى جعلوا ~~ما هو بالسين صادا؛ ولأجل هذا استكره استعمال هذه اللفظة. ms031 وكذلك ما جرى هذا ~~المجرى كقول أبي الطيب: # PageV01P049 # سلي البيد أين الجن منا بجوزها ... وعن ذي المهاري أين منها النقانق؟ # فإن النقانق في أصل اللغة: هي جماعة النعام، فغيرتها العامة، وجعلتها ~~دالة على ضرب من طعام السوقة، فصارت من أكثر الألفاظ ابتذالا. واعلم أن ~~العامة اعتمدوا هذا في كثير من كلامهم، حتى أن الشيخ أبا منصور الجواليقي، ~~صنف في ذلك كتابا ووسمه (بإصلاح ما يغلط فيه العامة) فمنه ما هذا سبيله، ~~وهو الذي أنكرنا استعماله على أرباب هذه الصناعة؛ لكراهته ولأنه مما لم يأت ~~في كلام العرب، ولا جاء عنهم، فهذان عيبان من الضرب الذي ذكرناه. # وأما الضرب الثاني من القسم الأول؛ ففيه عيب واحد؛ وهو إنه وضع في كلام ~~العرب لمعنى فجعلته العامة ذالا على غيره، إلا إنه ليس بمستقبح ولا مستكره، ~~وذلك كتسميتهم الإنسان ظريفا إذا كان دمث الأخلاق، حسن الصورة واللباس، طيب ~~الريح، وما هذا سبيله. والظريف في أصل اللغة بخلاف ذلك؛ لأن الإنسان إنما ~~يسمى ظريفا إذا كان حسن النطق فقط. إذ الظرف يتعلق باللسان لا غير. وقد ~~قالت العرب في صفات خلق الإنسان: الصباحة في الوجه. الوضاءة في البشر. ~~الجمال في الأنف. الحلاوة في العينين. الملاحة في الفم. الظرف في اللسان. # PageV01P050 # الرشاقة في القد. اللباقة في الشمائل. كمال الحسن في الشعر. وهذا الضرب ~~قد ذكره الشيخ أبو منصور الجواليقي في كتابه، فاعرفه. # القسم الثاني مما ابتذلته العامة، وهو الذي لم تغيره عن بابه. وإنما ~~أنكرنا استعمال هذا القسم من الكلام، لأنه مبتذل بينهم فقط، لا لأنه ~~مستقبح، ولا مخالف لما وضع # له في أصل اللغة. وذلك كقول أبي الطيب المتنبي: # فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلهن قلاقل # ألا ترى إلى سخافة هذه اللفظة، وما عليها من الركاكة التي لا أمد ~~وراءها!؟. ومما جاء على نحو ذلك قوله أيضا: # وملمومة سيفية ربعية ... يصيح الحصا فيها صباح اللقالق # PageV01P051 # ومن هذا القسم قول ابن هانئ المغربي: # من ليس يرفل إلا في سوابغه ... من تبعي مفاض أو ms032 سلوقي # أم من يذل عماليقا تذلهم ... أي الأجادل يسمو للكراكي # فإن كلا من هاتين اللفظتين مبتذل بين العامة جدا. وأمثال هذا كثير، ~~فاعرفه. وعليك أيها المؤلف اجتنابه، والبعد عنه. ### | النوع الرابع من القسم الأول من الباب الأول # وهو أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن معنى يكره ذكره # فإذا وردت وهي غير مقصودة بها ذلك المعنى قبحت؛ وذلك إذا كانت مهملة بغير ~~قرينة تميز معناها عن القبح، فأما إذا جاءت ومعها قرينة، مخصصة لما تحتها ~~من المعنى المخصص، فإن ذلك لا يكون معيبا في الكلام. فمثال ما ورد من هذا ~~النوع ومعه قرينة، قوله تعالى في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - (فأما ~~الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون). ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة، وهي تطلق على # PageV01P052 # التعظيم والإكرام؛ وعلى الضرب الذي هو دون الحد، وذلك نوع من الإهانة. ~~وهما معنيان ضدان، فحيث وردت هذه الآية جاء معها قرائن قبلها وبعدها، تخصص ~~معناها بالحسن، وتميزه عن # القبح. ولو جاءت مهملة بغير قرينة، ويراد بها المعنى الحسن، لسبق إلى ~~الوهم ما اشتملت عليه من المعنى القبيح. مثال ذلك لو (قال) قائل: (لقيت ~~اليوم فلانا، فأكرمته وعزرته) لزال ذلك اللبس وارتفع الإشكال. # ومن هذا النوع أيضا قول بعضهم، يصف رقعة، جاءته من صديق له (فأنارت إنارة ~~الزواهر، والأذهان منها كالعانة في فلكها الدائر). فإن لفظ (العانة) مشترك ~~يدل على معان مختلفة، فهي اسم للقطيع من حمر الوحش، وتقع اسما على كواكب ~~تحت القوس، ويراد بها الركب من الإنسان، فلما وردت في هذا الكلام ورد معها ~~قرينة، وهي ذكر الفلك، فخصصها بأنها الكواكب تحت القوس، لأن الفلك لا يكون ~~إلا للكواكب، ولو وردت مرسلة بغير قرينة لظن السامع أمرا آخر يكره ذكره. ~~وأمثال هذا كثير. فيجب على المؤلف أن يراعي فيه ما أشرنا إليه من ذكر ~~القرينة. # واعلم إنه قد جاء الكلام (ما معه قرينة) فأوجبت قبحة، ولو تجيء القرينة ~~معه لكان الأمر في ms033 استقباحه سهلا، وذلك قول الشريف الرضي: # أعزز علي بأن أراك وقد خلا ... عن جانبيك مقاعد العواد # فإن أبا محمد سنان الخفاجي قد ذكر هذا البيت في كتابه فقال: إن إيراد هذه ~~اللفظة أعني (مقاعد) في هذا الموضع صحيح إلا إنه موافق لما يكره في مثل هذا ~~الشعر، لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه، وهو (المواد) ولو ~~انفرد لكان الأمر فيه سهلا، # PageV01P053 # فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به) هذه حكاية كلام أبي محمد ~~بن سنان الخفاجي، وهو كلام مرضي واقع موقعه في هذا الباب. ولنذكر نحن ما ~~عندنا من ذلك فنقول: قد جاءت لفظة (مقاعد) في القرآن الكريم، وهو قوله ~~تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال). إلا أنها في الآية ~~غير مضافة إلى من يقبح إضافتها إليه، كما جاءت في شعر الشريف # الرضي، وهو قوله (مقاعد العواد). فلو لم يذكر القرينة التي هي لفظة ~~(العواد)، لكان الأمر يسهل في ذلك، ولو قال عوضا عن (مقاعد العواد) مقاعد ~~الزيارة، وما جرى هذا المجرى لذهب ذلك القبح وزالت تلك الهجنة والكراهة. ~~ولهذا جاءت هذه اللفظة اعني (مقاعد) في الآية على ما ترى من الحسن والجودة، ~~وجاءت في شعر الشريف الرضي على ما ترى من القبح والرداءة، فاعرف ذلك وقس ~~عليه. # وأما الذي ورد من هذا النوع مهملا بغير قرينة، فكقول تأبط شرا: # أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الجحر معور # ولو ورد مع ذلك قرينة لم يفده شيئا البتة، ألا ترى أن لفظة (الجحر) تطلق ~~على كل ثقب، كثقب الحية، وثقب اليربوع وغير ذلك، وتطلق أيضا على المحل ~~المخصوص من الحيوان، وإنما استقبحت هاهنا، لأن الوهم يسبق إلى ما تدل عليه ~~من المحل المخصوص، دون غيره. ومع هذا فأي قرينة وردت مع هذه اللفظة لا تذهب ~~ما عليها من الكراهة، ولا تزيل ما فيها من القبح. وأمثال ذلك كثيرة، ~~فاعرفها. ### | النوع الخامس من القسم الأول من الباب الأول # وهو أن تكون ms034 الكلمة مصغرة # في موضع يعبر بها عن شيء خفي أو لطيف أو ضعيف أو ما جانس ذلك ومعاني ~~التصغير خمسة: # PageV01P054 # الأول يرد لتحقير المعاني لا الصور نحو (رجيل) أي إنه حقير من حيث معناه، ~~لا من حيث صورته. # (الثاني) يرد لتحقير الصور لا المعاني، وهو ضد الأول نحو (جبيل). # (الثالث) للتقريب وذلك في الظروف الزمانية والمكانية نحو: (وقيت) و ~~(فويق). # (الرابع) يرد للتقليل وذلك في العدد نحو (مويل) و (أحيمال). # (الخامس) يرد للتعظيم كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حق عبد الله ~~بن مسعود (كنيف مليء علما). # فإن قيل: التصغير إذا جعل أمارة للتحقير والتعظيم معا زالت الفائدة ~~المقصودة به، لأنه لا يصير دليلا على أحدهما. # الجواب عن ذلك أنا نقول: ليس الأمر كما وقع لك: أن التصغير أمارة للتحقير ~~والتعظيم على الإطلاق، من غير تقييد، بل هاهنا فرق بينهما، متى عرف لم ينكر ~~جعلهم التصغير دليلا على التحقير والتعظيم معا، وهو أن التصغير الدال على ~~التعظيم لا يكون إلا ومعه صفة مدح مقترنة (به). ألا ترى قول النبي، صلى ~~الله عليه وسلم: (كنيف مليء علما) فقوله (كنيف) تصغير محض وقوله: (مليء ~~علما) صفة مدح، أوجبت له التعظيم، وذلك أن المشار إليه لما كان قصير الشكل، ~~صغير الجثة، أطلق عليه لفظة التصغير بأن قال (كنيف) ولما كان غزير العلم، ~~راجح اللب، أطلق عليه صفة المدح بأن قال (مليء علما) فصغره أولا ثم عظمه ~~ثانيا، فقيل: (تصغير تعظيم) لما هذا سبيله، فاعرفه. # وأما التصغير الدال على التحقير فليس كذلك، لأنه لا يجيء معه صفه مدح ~~البتة. # وأما أبنية التصغير فثلاثة: ثلاثي لا زيادة فيه، ويجيء على (فعيل) نحو ~~(ثويب) # PageV01P055 # ورباعي لا زيادة فيه ويجيء على (فعيعل) نحو (دريهم) فإن كان فيه زيادة من ~~حروف المد واللين بين ثالثه ورابعه جاء على (فعيعيل) نحو (قنيديل). وأما ~~الخماسي فيحذف منه الحرف الأخير، وهو أولى بالحذف نحو (سفيرج)، وربما حذفوا ~~ما قبل الآخر، فقالوا في فرزدق: (فريزق). وقد جاءت اوزان غير هذه وهي ms035 ~~(أفيعال) نحو (أطيفال) و (فعيلان) نحو (سكيران) و (فعيلى) نحو (حبيلى) و ~~(فعيلاء) نحو (حميراء) والأصل ما أوردناه أولا، وذلك شيء مستقصى في كتب ~~النحو، وليس هذا موضعه. # واعلم إنه قد وردت ألفاظ لم يستعمل لها مكبر نحو: الثريا، والجبن ~~والكميت، وسهيل وغير ذلك. وليس هذا من غرضنا في هذا الكتاب الذي نحن بصدد ~~ذكره، لخلود من معنى التصغير، فما جاء من التصغير قول الرضي: # وهل لخشيف بالعقيق علاقة ... بقلبي أم دانيت غير مدان # فأنه لما كان هذا الغزال صغيرا، قريب العهد بالولادة، كان وروده مصغرا ~~أليق وأحسن وأدخل في الصفة. وكذلك قوله أيضا: # هل ناشد لي بعقيق اللوى ... غزيلا مر على الركب؟ # وأمثال هذا كثير فاعرفه. فلا ينبغي لك أيها المؤلف أن تكثر من استعمال ~~هذا النوع من الكلام في تأليفك، وان كان حسنا رائقا. بل الأليق بك أن تقتصر ~~منه على الشيء اليسير، يكون كلامك به ملمعا، فإن مثل التصغير وما جرى مجراه ~~في التأليف، كمثل الوشي في الثوب الديباج، فإنه إذا كان ملونا أحسن منه إذا ~~كان من لون واحد. وكذلك الكلام، فإنه إذا كان مشتملا على هذه الأنواع ~~المذكورة من التصغير وغيره، مما سبق ذكره، ويأتي شرحه في هذا الكتاب، كان ~~أولى من # اشتماله على نوع واحد فاعرف ذلك. # PageV01P056 ### | النوع السادس من القسم الأول من الباب الأول # وهو أن تكون الكلمة مؤلفة من أقل الأوزان تركيبا # وسبب ذلك أنها إذا ركبت من حروف قليلة خفت على النطق لقصرها، وسهل ~~التعبير بها على اللسان لسرعة فراغه منها، وإذا تركيب من حروف كثيرة كان في ~~النطق بها كلفة على الناطق، وذلك لتطاولها وامتداد الصوت بها. ولنضرب لهذا ~~مثالا كيف اتفق، ليكون أسرع فهما للمتأمل، فتقول: إذا تلفظ الناطق ~~بالثلاثي، فقال للماء الطيب (عذب) أو تلفظ بالرباعي، فقال للذهب (عسجد) كان ~~ذلك أسهل عليه من التلفظ بالخماسي إذا قال للمرأة الشديدة الصوت (صهصاق) ~~وللعجوز (جحمرش) وذلك مما لا يمكن النزاع فيه، لأن شاهده من نفسه ودليله من ~~ذاته. ولهذا ms036 كانت أكثر ألفاظ القرآن الكريم ثلاثية، وكان القليل رباعيا. ~~وأما الخماسي فليس في القرآن منه شيء البتة، إلا ما كان اسم نبي فقط نحو ~~إبراهيم، وإسماعيل. وغيرهما. # واعلم أن الأسماء الثلاثية في الأصل، إذا كان فيها زيادة فأكثر ما تبلغ ~~سبعة أحرف، وكذلك الرباعية أيضا. وأما الخماسية، فإن زيادتها لا تكون إلا ~~حرفا واحدا، وذلك لأن الخماسي عندهم غاية الأصول، فلا يحتمل غاية الزيادات. ~~وأما الأفعال فلا تكون خماسية في الأصل بل غايتها أن تكون رباعية فقط. وذلك ~~أن الأسماء أقوى من الأفعال، وحيث كانت أقوى منها جعلوا لها ميزة عليها، ~~وفضيلة فوقها. وسبب قوة الأسماء على الأفعال استغناء الأسماء عنها، وحاجة ~~الأفعال إليها. إلا ترى الاسم نحو (زيد منطلق) كلام مفيد؟ والفعل مع الفعل ~~نحو (ضرب قام) ليس بكلام مفيد؟ ولكن إذا اقترن الاسم بالفعل نحو (قام زيد) ~~صار ذلك كلاما # مفيدا. فالأسماء إذن مستغنية عن الأفعال، والأفعال ليست مستغنية عن ~~الأسماء، بل هي مفتقرة إليها. وحيث تكلمنا على الأصول الثلاثة؛ ثلاثيها ~~ورباعيها وخماسيها # PageV01P057 # وبلغ منا القول إلى هذا المقام فلنردف ذلك يذكر الأصول مع زوائدها، ~~والغرض بها اجتناب الألفاظ التي كثرت حروفها واستعمال ما كان قليل الحروف، ~~فإنه إذا كان التلفظ بالخماسي فيه كلفة على الناطق وكراهة، كما أريناك، ~~فالأولى أن تزداد كلفته إذا تلفظ بكلمة فيها أكثر من خمسة أحرف، فمثال ذلك ~~قول بعضهم، في جملة رقعة كتبها إلى صديق له، قاصدا بها التشدق في الكلام، ~~فقال (وإذا اسلعلعت تلك تجنبلت هذه وتكهمشت) أي إذا طالت تلك قصرت هذه. فإن ~~قوله (اسعلعت) من أقبح الألفاظ طولا، مع أنها من وحشي الكلام فقد جمعت إذن ~~العيبين معا. # ومن هذا النوع أيضا ما ذكره أبو محمد بن سنان الخفاجي وهو قول أبي الطيب ~~المتنبي: # إن الكرام بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها # ألا ترى إلى تطاول هذه اللفظة وخروجها عن الاعتدال؟ ويحسب ذلك يتضاعف ~~استقباحها واستكراهها. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها. # فإن قبل: إن هذا الذي أنكرته من طول ms037 الألفاظ وذكرته هاهنا قد ورد في ~~القرآن الكريم ما يماثله ويشابهه، فمن ذلك قوله تعالى: (وعد الله الذين ~~آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم) الآية. وقوله تعالى: (فسيكفيكهم الله). # فلفظة (ليستخلفهم) عشرة أحرف. ولفظة (فسيكفيكهم) تسعة أحرف. وأمثال ذلك ~~في القرآن كثير. فلو كان هذا منكرا في التأليف، مكروها في الكلام لما ورد ~~في القرآن المجيد. الجواب عن ذلك، أنا نقول: ليس هذا الذي قد جاء في القرآن # الكريم مثل هذا الذي أوردناه نحن في كتابنا وأنكرناه على قائله؛ لان قوله ~~تعالى (ليستخلفنهم) ثلاث كلمات جمعت فصارت # PageV01P058 # كلمة واحدة صورة لا معنى. ألا ترى أن الأصل فيها (ليستخلفن الله ~~المؤمنين) إلا إنه لما جاء بذكر المؤمنين مظهرا في الأول لم يحتج في ذكرهم ~~ثانيا إلى الإظهار، بل اقتصر على ضميرهم كما تقول: (قاتلت بني فلان ~~وحاربتهم) ينوب مناب قولك (وحاربت بني فلان أيضا). وهذا مما لا نزاع فيه ~~لوضوحه. وكذلك القول في اللفظة الأخرى وهي قوله تعالى: (فسيكفيكهم الله) ~~ولا تجد في القرآن الكريم لفظة واحدة، مثل لفظة (سويداواتها) في الطول، ~~لأنها ليست ثلاث كلمات وقد جمعت كلمة واحدة كما أريناك وإنما هي كلمة تدل ~~على معنى الجمعية لا غير، وفي آخرها الهاء والألف لإضافتها إلى المؤنث، ~~فاعرف ذلك. # وأما النوع السابع الذي ابتكرناه نحن فهو أن تكون الكلمة مبنية من حركات ~~خفيفة، وسبب ذلك سرعة النطق بهاء ومضاؤه فيها من غير عناء يلحقه ولا كلفة؛ ~~ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة، لم يستكره ذلك ولم يستثقل، ~~بخلاف هذا في الحركات الثقيلة؛ فإنه إذا توالى منها اثنتان في كلمة واحدة ~~استكرهت واستثقلت؛ وذلك لما يجده الناطق فيها من تكلف العناء وتجشم المشقة. ~~ومن أجل هذا استثقلت الضمة على الواو، والكسرة على الياء؛ لأن الضمة من جنس ~~الواو والكسرة من جنس الياء، فتكون عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان. ولنضرب ~~لهذا مثالا كيف اتفق فتقول: إنا إذا أتينا بلفظة مؤلفة من ثلاثة أحرف وهي ms038 ~~(ج ز ع) فلا خلاف أنا إذا جعلنا (الجيم) مفتوحة كانت أحسن من جعلها مضمومة، ~~فإن من له أدني ذوق وأقل معرفة يعلم أن (الجزع) أحسن موقعا من الجزع، و ~~(الجزع) أحسن موقعا من (الجزع). ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن اختلاف ~~حركاتها مغيرا لمخارج حروفها، حتى ينسب حسنها وقبحها إلى المخارج، بل قد ~~تحققنا إنه # يكسوها تارة حسنا وتارة يسلب ذلك الحسن عنها، ورأينا الحسن إنما يحدث لها ~~إذا افتحنا (الجيم) منها، فعلمنا أن حسنها حادث من ذلك السبب؛ فإن الشيء ~~إذا رأيناه يتغير وتختلف أحواله، ورأينا أن # PageV01P059 # اختلاف كل حالة من أحواله لها سبب نسبنا ذلك إليه. ولما رأينا أن هذه ~~اللفظة، إذا ضممنا الجيم منها يذهب ذلك الحسن، علمنا أن سبب ذهابه كون ~~الجيم مضمونة. وحيث كانت الحال بهذه المثابة، ثبت أن أخف الحركات الفتح ثم ~~الكسر ثم الضم؛ والدليل على ذلك ما أذكره لك؛ وهو أن الحركات مضارعة ~~المحروف. ألا ترى أن جماعة من علماء العربية كانوا يسمون (الضمة) الواو ~~الصغيرة و (الكسرة) الياء الصغيرة، و (الفتحة) الألف الصغيرة؟ ومما يؤكد ~~ذلك أنك متى أشبعت الحركة أنشأت بعدها حرفا من جنسها، نحو قولك في إشباع ~~ضرب (ضوري با) ولهذا إذا احتاج الشاعر إلى إقامة الوزن اشبع الحركة فاشأ ~~عنها حرفا من جنسها كقول بعضهم: # فأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح # يريد (بمنتزح) وهو مفتعل من النزح. فإذا ثبت هذا، فاعلم إنه إنما كانت ~~الفتحة أخف من الكسرة، والكسرة أخف من الضمة؛ لأن الألف أخف من الياء، ~~والياء أخف من الواو. والدليل على ذلك ما أذكره لك. فأما قولنا: إن الألف ~~أخف من الياء فلأنا رأينا العرب قدا بدلوا الألف من الياء في العين من ~~الفعل الماضي، وذلك مطرد عندهم مستمر؛ وإنما فعلوا هذا استثقالا للياء ~~وطلبا للاستخفاف، وبيانه أنهم قالوا: (باع، سار، وأختار) وأصله (بيع، وسير، ~~واختير). فلما ثقل هذا عليهم أبدلوا الياء ألفا للخفة، فقالوا (باع، وسار، ~~وأختار) وكذلك ما جرى ms039 هذا المجرى. فعلم بهذا أن الألف أخف من الياء. فإن ~~قيل: إن هذا الدليل الذي أوردته على أن الألف أخف من الياء قد جاء عن العرب ~~نقيضه، ألا ترى أنك إنما استدللت على إن الألف أخف من الياء، لكون العرب قد ~~أبدلت الألف من الياء؟ # وقد رأيناهم أبدلوا الياء # PageV01P060 # من الألف، نحو (حماليق، وقيتال) فإن الياء هاهنا بدل من ألف حملاق وألف ~~(قاتلت). الجواب عن ذلك أنا نقول: ليست هذه الصورة في الدليل الذي أوردناه ~~نحن، لأن لفظ (باع، وسار، واختار) على وزنه لم يغير عنه، وذلك إنه فعل ماض، ~~فلما رأينا العرب قد أبدلت الياء في هذا الموضع ألفا، مع إنه لم يتغير وزنه ~~يجمع ولا غيره، علمنا أنهم إنما فعلوا ذلك استثقالا ألا ترى أن (حماليق) ~~جمع (حملاق) (وقيتالا) مصدر (قاتلت) فلم تبدل الألف هاهنا ياء طلبا للخفة ~~وإنما أبدلت اضطرارا، لئلا يلتبس الأمر عليهم. فانهم لو قالوا: جمع (حملاق) ~~(حمالاق) لما عرف أن ذلك جمع؛ لأنه ليس في الجمع (فعالال). ألا ترى إن أصل ~~(حملاق) من (حملق) على وزن فعلل. وهو رباعي، وقد جمع الرباعي على (فعاليل) ~~نحو (برائين) و (دماميل) فحملت لفظة (حماليق) على ذلك، فالياء إذا ليست ~~مبدلة من الألف هاهنا استثقالا للألف بل اضطرارا، لئلا يلتبس الأمر في ذلك. ~~وكذلك (قيتال) فإن أصله من (قاتلت) ومصدر فاعلت، جاء على (مفاعلة وفيعال) ~~نحو (مقاتلة وقيتال) فلو قيل عوضا عن قيتال (قاتال) على وزن (فاعال) لالتبس ~~الأمر في ذلك أيضا. وذاك إنه ليس في أوزان المصادر (فاعال) فالياء إنما ~~أبدلت في هذا الموضع من الألف اضطرارا لا استثقالا. ألا ترى إنها قد حذفت ~~منه وأسقطت بالكلية، فقيل (قاتلت قتالا)، ولم يفعل ذلك إلا طلبا للخفة، ~~لأنهم لما أبدلوا الياء، وهي ثقيلة، من الألف، وهي خفيفة، كان ذلك بخلاف ~~عادتهم ونشأتهم؛ لأن من عادتهم أن يعدلوا عن الأثقل إلى الأخف لا إلى ~~الأثقل. لكنهم لما اضطروا إلى إبدال الياء من الألف لم يتركوا الياء على ~~حالها، بل ms040 حذفوها وأسقطوها كما أريناك. وكذلك فعلوا في لفظة (حماليق) أيضا، ~~فإنها لما أبدلت الياء فيها من الألف، حذفوا الياء أصلا وأسقطوها فقالوا: ~~(حمالق) على وزن (فعالل) كما قالوا (دراهم وبرائن) وكما طردوا كذلك جميع ~~أوزان الرباعي، # فاعرف ذلك وقس عليه. # PageV01P061 # وأما قولنا (أن الياء أخف من الواو) فدليله من وجهين: الاول إنه إذا بني ~~من الفعل المعتل فاؤه بالياء مستقيل لم تحذف الياء نحو (يسر وييسر، و (يعر) ~~الجدي ييعر) ولا كذلك الفعل المعتل فاؤه بالواو، فإنه إذا بني منه مستقبل ~~حذفت الواو، نحو (وعد يعد ووزن يزن)، ولم يقولوا: (وعد يوعد، ولا وزن يوزن) ~~كما قالوا: (يسر ييسر، ويعر الجدي ييعر) فحيث أبقوا الياء في المستقبل ولم ~~يبقوا الواو في المستقبل، علمنا أن حذفهم للواو إنما هو استثقال لها دون ~~الياء. # وأما الوجه الثاني، فهو انك إذا بنيت (مفعولا) من المعتل العين بالواو ~~حذفت منه حرفا للاستثقال؛ فقلت في قال (مقول) وفي صاغ (مصوغ). وإذا بنيت ~~مفعولا من المعتل العين بالياء إن شئت حذفت فقلت في باع (مبيع) وفي عاب ~~(معيب) وإن شئت تمعت ولم تحذف فقلت: (مبيوع ومعيوب) وإنما لم يتموا في ~~الواو فلم يقولوا: في مقول (مقوول) ولا في مصوغ (مصووغ) وأتموا في الياء ~~فقالوا (مبيوع ومعيوب) لأن الياء فيها الضمة أخف من الواو فيها الضمة؛ ألا ~~ترى أن الواو إذا انضمت فروا منها إلى الهمزة فقالوا (أدؤر وأثؤب) قال ~~الراجز: # لكل دهر قد لبست أثؤبا # PageV01P062 # فالهمزة في الواو إذا انضمت مطردة. فأما إذا كان بعدها واو، كان ذلك أثقل ~~لها. فلهذا ألزموها الحذف في (مفعول). والياء إذا انضمت لم تهمز ولم تغير ~~عن حالها، فهذا يدلك، ويبصرك أن الياء أخف من الواو، فاعرف ذلك. # هذا ما انتهت إليه المقدرة، وأحاطت به المعرفة، من الأوصاف التي توجد في ~~اللفظة الواحدة، فليتأمله الواقف على كتابنا هذا وليتدبره؛ فإنه يفرق بين ~~الجيد والرديء من الألفاظ، ويعرف ما يستعمله من ذلك، وما يطرحه. وحيث فرغنا ~~من الكلام فيما يتعلق باللفظة ms041 المفردة، فلنتبعه بالكلام على الألفاظ ~~المركبة، والله أعلم # بالصواب. # PageV01P063 ### | القسم الثاني من الباب الأول # في صناعة تركيب الألفاظ # اعلم أن اللفظة قبل دخولها في سبل التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي ~~تسمى كلاما، دالا على معنى من المعاني، لا يكون لها مزية على أختها، التي ~~في معناها، إلا بأن تكون هذه أشرف من هذه بعلامات توجد فيها. إما أن تكون ~~إحداهما مستعملة مألوفة، والأخرى وحشية متوعرة، وإما أن تكون حروف هذه أخف ~~حركة أو أحسن امتزاجا مع صواحيها أو غير ذلك مما قدمنا ذكره. ولا يتصور بين ~~اللفظتين تفاضل في الدلالة على المعنى الذي اشتراكا فيه، حتى تكون إحداهما ~~أحسن في الدلالة على ذلك المعنى من الأخرى؛ ولنضرب لهذا مثالا فنقول: لا ~~يخفى على من له ذوق صحيح، وفطرة سليمة، أن لفظة الليث أو الأسد أحسن دلالة ~~(على) مسماها من لفظة (الفدوكس) أو (العميثل) فثبت بهذا الدليل أن الكلمة ~~لا يكون لها مزية على أختها إلا بعلامات توجد فيها دون تلك، وهذا لا يثبته ~~على اعتماد وقصده في الكلام إلا الفطن اللبيب، الذي له عناية بصناعته. ~~وكثيرا ما رأينا من يحكم على الألفاظ بالجودة والرداءة، وإذا طولب بدليل ~~يثبت له ما ادعاه لا يحير جوابا، الا تحكما محضا، لا حاصل وراءه. ولا يعلم ~~إنه لا يجوز القائل أن يقول: هذا الكلام جيد أو رديء، إلا بعد أن يعتبر كل ~~لفظة منه على انفرادها، ويعرض عليها تلك الصفات التي ذكرناها أولا في ~~كتابنا # PageV01P064 # هذا، فإذا رآها موجودة فيها أو بعضها، علم أنها حقيقة بأن تدخل في سبك ~~التأليف. ثم يعود بعد ذلك ويعتبر مكانها من النظم، وكيف ممازجتها لجاراتها ~~والتئامها مع أخواتها، فإذا وجدها شديدة المناسبة لها، حسنة الامتزاج معها، ~~حكم على ذلك اللفظ بالجودة، وشهد له بالرونق والطلاوة، وإن كان الأمر بخلاف ~~ذلك (حكم) عليه بالرداءة والقبح، على حسب ما استحق. والأصل في هذا كله حسن ~~التأليف، # وجودة التركيب، فإن حسن التأليف يزيد المعنى نباهة ويميل النفوس إلى ~~استماعه، ms042 والإصغاء إليه، فإنه إذا كان المعنى سيئا، وكان اللفظ جيدا ~~مختارا، ويكون التركيب مع ذلك رديئا لم يوجد له يظهر عليه رونق. وإذا كان ~~المعنى واللفظ وسطين، وكان تركيبها جيدا حسنا كان ذلك معليا من قدرهما، ~~ورافعا من شأنهما. فمثال ذلك كالعقد المتوسط. ألا ترى إنه إذا أحسن تنضيده ~~فجعلت كل قطعة مع يشاكلها، ويليق بها، كان رائقا في المنظر وإن لم يكن ~~مرتفعا ثمينا. ومثال المعنى واللفظ الرائقين مع التركيب الرديء مثال عقد ~~ثمين، أفسد نظمه، فجعلت كل قطعة منه مع ما ينافيها ولا يناسبها، فإنه يصير ~~بذلك مختلا في المنظر، وإن كان فائقا ثمينا. # وحسن التأليف: هو أن توضع الألفاظ في مواضعها وتجعل في أما كنها. وسوء ~~التأليف بخلاف ذلك. ألا ترى إنه إذا قدم في التأليف ما يجب تأخيره، وأخر ما ~~يجب تقديمه تصير المعاني نافرة عن مواضعها، محولة عن وجوهها؟ ومثال ذلك ~~كالصورة التي تحول بعض أعضائها إلى موضع بعض، فتحول الرأس إلى موضع اليد أو ~~الرجل أو غير ذلك، فإنه إذا فعل هذا قبحت الصورة، وفسدت هيئتها الجميلة ~~الحسنة. فاعرف ذلك، فإنه لم يقل: (لفظة متمكنة مرضية) وفي خلافها (قلقلة ~~مستكرهة) إلا والغرض بالتمكن حسن الاتفاق بين الألفاظ بعضها مع بعض، ~~وبالقلق سوء الملاءمة وأنها لم توافق صواحبها. وهل تشك أيها # PageV01P065 # المتأمل لكتابنا هذا، إذا فكرت في قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ~~ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين) أنك لم تجد ما وجدت لهذه الألفاظ من المزية الظاهرة، والفضيلة ~~الزائدة، إلا لأمر يرجع إلى ارتباط بعضها ببعض، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن ~~الوافر، والشرف الكامل إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة ~~بالرابعة، وكذلك إلى آخرها. # وأن الفضل حصل من امتزاجها وتلاؤمها. فإن لحقك في ذلك أدنى شك فتأمل هل ~~ترى لفظة منها، لو أخذت من مكانها، وأفردت من بين أخواتها، كانت مؤدية من ~~الحسن ما تؤديه وهي في موضعها من الآية؟ فصح لنا ms043 من هذا القول أن الألفاظ ~~لا تتفاضل من حيث هي مفردة فقط. ومن أدل الدليل على ذلك، أن ألفاظ القرآن ~~الكريم قد نطق بها العرب قبل نزوله على النبي، صلى الله عليه وسلم، وليس ~~فيه لفظة من الألفاظ (إلا) وقد تكلموا بها، وجاءت عنهم. ولولا ذلك لما كان ~~عربيا، لأنه لما نزل على لغة القوم وكلامهم، ونحن قد رأينا القرآن الكريم ~~يفوق جميع كلامهم، ويعلو عليه مع كونه واردا على لغتهم قد تكلموا بألفاظه ~~ونطقوا بها، ثبت لنا من ذلك أن ألفاظ القرآن الكريم إنما تفضل سائر الكلام ~~من حيث تركيبها ونظمها. وهي من حيث الانفراد مساوية لكلام العرب، حيث هي ~~عين ألفاظهم ونفس كلامهم. وهذا مما لا شك فيه ولا ارتياب، فاعرفه. # ومما يشهد بذلك ويؤيده، أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، وتزداد بها إعجابا ~~واستحسانا، ثم تراها في كلام آخر، فتثقل عليك وتستكرهها. مثال ذلك أن لفظة ~~الأخدع، قد جاءت في بيتين من الشعر، وهي في أحدهما لائقة حسنة، وفي الآخر ~~ثقيلة مستكرهة، كقول الصمة بن عبد الله بن طفيل في الحماسة: # PageV01P066 # تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا # وكقول أبي تمام: # يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك # ألا ترى إنه قد وجد لهذه اللفظة ببيت أبي تمام من الثقل على النفس ~~والكراهة أضعاف ما وجد لها في بيت الحماسة من الروح والخفة والإيناس ~~والبهجة؟ وهذا مما لا يمكن النزاع فيه لظهوره، وسيأتي له باب مفرد في ~~الكلام على الصناعة اللفظة. # فعليك أيها المترشح لهذه الصناعة أن تراعي في كلامك هذه الدقائق الشريفة، ~~والنكت اللطيفة، فإن لصناعة التأليف غورا لا يدرك منهاه، ومذهبا لا يوصل ~~إلى مداه. # PageV01P067 ### | الباب الثاني من الفن الثاني من القطب الأول # في الكلام على المعاني # اعلم أن المعاني على ضربين: أحدهما يبتدعه صاحب الصناعة، من غير أن يكون ~~له فيه إمام يقتدى به، أو رسوم قائمة، في أمثلة يعمل عليها. وهذا الضرب مما ~~يعثر عليه عند ms044 الحوادث المتجددة، ويتنبه له عند الأمور الظارئة؛ والآخر ما ~~يحتذيه على مثال تقدم، ورسم سبق. وينبغي للمؤلف أن يطلب الإصابة في كلا ~~الأمرين، ويتوخى فيها الصورة المقبولة، والعبارة المستحسنة. ولا يتكل فيما ~~يبتكره من المعاني على فضيلة السبق، ولا يغتر بمزية الإبداع، فيتسامح في ~~تهجين صورته. فإنه إذا فعل ذلك ذهب حسنه، وانطمس نوره. ويكون فيه إلى الذم ~~أقرب منه إلى الحمد. وينبغي أن يستيقن المؤلف ويتحقق، أن المعاني أشرف من ~~الألفاظ؛ والدليل على ذلك ما أذكره: وهو أنا لو خلعنا من هذه الألفاظ ~~دلالتها على المعاني، لما كان شيء منها أحق بالتقديم من شيء، بل كانت ~~بمنزلة أصداء الأجسام والأصوات الناشئة عنها؛ ويزيد ما ذكرناه وضوحا، أن ~~هذه الصناعة من النظم والنثر، التي يتواصفها البلغاء بينهم، وتتفاضل بها ~~مراتب البلاغة، إنما هي شيء يستعان عليه بتدقيق الفكرة، وكثرة الروية ~~والتدبر. ومن المعلوم أن الذي يستخرج بالفكرة، وينعم فيه النظر، إنما هو ~~المعنى دون اللفظ؛ لأن اللفظ يكون معروفا عند أرباب صناعة التأليف دائرا ~~فيما بينهم، والمعنى قد يبتدع؛ فيذكر # PageV01P068 # المؤلف معنى لم يسبق إليه، وذلك إنما يكون تحادثا عن الفكرة الصحيحة، ~~والطبع # السليم، فإن الذي تخرج فيه صنعتك، وتقع فيه صياغتك هو المعنى. ولهذا كان ~~جماعة المؤلفين يشتركون في معرفة الجيد من الألفاظ، وإنما التفاوت يقع ~~بينهم في المعاني. لأن الألفاظ الجيدة يستعملها جميعهم، ولا يكاد أحدهم ~~يفوت الآخر فيها. وأما المعاني فإنه قد يبتكر المؤلف المعنى من نفسه، ~~وينتحله من ذاته؛ وذلك كثير لا يحصى. فصح من هذا الوجه، أن المعاني أشرف من ~~الألفاظ وأنبل. # واعلم أن شرف المعنى وعلوه، وسقوطه واستفاله، من نتائج علو الهمة ~~وسقوطها. وقد حكي أن أشرف كلام قالته العرب: (القتل أنفى للقتل). ومن ~~المعلوم أن هذا الكلام ليس فيه من الألفاظ البديعة الرائعة ما يرفعه إلى ~~منزلة يكون بها أشرف كلام قالته العرب؛ حتى إنهم جعلوه في مقابلة قوله ~~تعالى: (ولكم في القصاص حياة). لا بل في لفظه من الثقل، بسبب تكراره مالا ms045 ~~خفاء به. ومع هذا فأنا نجد من كلامهم ما ألفاظه تطرب الأسماع، وتأخذ بمجامع ~~القلوب، وذلك أكثر من أن يحصى، وهو لا يكون بمنزلة قولهم: (القتل أنفى ~~للقتل) فصح حينئذ أن فخامة هذا الكلام، وعلو منزلته، إنما هي لأمر يرجع إلى ~~جلالة المعنى المندرج تحته، وشرف قدره. # وقد رأيت جماعة من متخلفي هذه الصناعة، يجعلون همهم مقصورة على الألفاظ ~~التي لا حاصل وراءها، ولا كبير معنى تحتها. وإذا قال أحدهم سجعتين أو ~~ثلاثا، يعتقد إنه قد أنى بأمر عظيم، فإذا أنكرت هذه الحال عليهم، يقولون: ~~لنا أسوة بالعرب، الذين هم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة، فإنهم اعتنوا ~~بالألفاظ، ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءهم بها. ألا ترى إلى جهل هؤلاء القوم، ~~فانهم لم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه من ذلك، حتى إنهم ادعوا أن العرب مثلهم، ~~فصارت جهالتهم جهالتين. # PageV01P069 # ولنذكر هاهنا ما إذا تأمله الناظر في كتابنا هذا عرف ما يوثقه، ويذهب به ~~(في) # الاستحسان كل مذهب فنقول: إن العرب لما كانت تعتني بألفاظها، فتصلحها، ~~وتهذبها، وتراعيها، وتلاحظ أحكامها بالنظم تارة بالنثر أخرى، فإن المعاني ~~أقوى عندها، وأكرم عليها وأفخم قدرا في نفوسها. فأول ذلك عنايتها بألفاظها ~~لأنها (لما) كانت عنوان حاجتها، وطريقا إلى إظهار أغراضها أصلحوها ورتبوها، ~~وبالغوا في تحبيرها وتحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في ~~الدلالة على القصد. ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعا (لذ لسامعه فحفظه، ~~وإذا لم يكن مسجوعا) لم يأنس به أنسه (في) حالة السجع. فإذا رأيت العرب قد ~~أصلحوا ألفاظهم وحسنوها، ورققوا حواشيها، ونمقوا أطرافها، وصقلوا غروبها، ~~فلا تظن أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني، ~~وتنويه بها. ونظير ذلك إصلاح الوعاء وإحكامه، وإنما المبغي بذلك الاحتياط ~~للموعى، لئلا يتغير جوهره، فأنا قد نجد من المعاني الفاخرة السامية ما نجد ~~من طلاوته. وبلادة لفظه تضع من رونقه لسوء العبارة عنه، فإن قيل: إنا نرى ~~من ألفاظهم ما قد نمقوه. وزخرفوه وربجوه، ولسنا نرى مع ذلك تحته معنى ms046 ~~شريفا، فمما جاء منه قول بعضهم: # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح # ألا ترى إلى حسن هذا اللفظ، ومائه وصقاله، وتدبيج أجزائه!؟ ومعناه مع ذلك ~~ليس مدانيا له مقاربا، فإنه إنما هو (لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق ~~راجعين، وتحدثنا على ظهور الإبل. . .) ولهذا نظائر كثيرة، شريفة الألفاظ ~~مشروفة المعاني. وفيما أشرنا إليه كفاية # PageV01P070 # للمتأمل. الجواب عن ذلك أنا نقول: هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ~~ينعم النظر، ولا رأى ما رآه القوم، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وعدم ~~معرفته. وهو أن في قول هذا الشاعر (كل حاجة) مما يستفيد # منه أهل السبب والأهواء والرقة والمقة ما لا يستفيده غيرهم، ولا يشاركهم ~~فيه من ليس منهم. ألا ترى أن حوائج منى أشياء كثيرة، فمنها التلاقي، ومنها ~~التشاكي، ومنها التخلي للاجتماع، إلى غير ذلك مما هو تال له، ومعقود الكون ~~به. فكأن الشاعر صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه وعقد غرضه عليه، يقوله ~~في آخر البيت (ومسح بالأركان من هو ماسح) أي إنما كانت حوائجنا التي ~~قضيناها وآرابنا التي بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان، وما هو ~~لاحق به، وجار في القرية من الله تعالى مجراه، أي لم نتعد هذا القدر ~~المذكور إلى ما يحتمله أول البيت، من التعريض الجاري مجرى التصريح. وأما ~~البيت الثاني فإن فيه (أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا) وفي هذا ما نذكره ~~لتراه فتحجب ممن عجب منه، ووضع من معناه، وذلك إنه لو قال: (أخذنا في ~~أحاديثنا أو نحو ذلك) لكان فيه معنى بكيره أهل النسب، وذلك أنهم قد شاع ~~عنهم وانسح في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الألفين، والجذل بجمع شمل ~~المتواصلين. ألا ترى قول بعضهم: # وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... جنوبا فزدني من حديثك يا سعد # وقول الآخر: # وحديثها السحر الحلال لو إنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز # فإذا كان قدر الحديث عندهم على ما ترى فكيف ms047 به إذا قيده بقوله: (أخذنا ~~بأطراف الأحاديث بيننا) وذلك أن في قوله: (بأطراف الأحاديث بيننا) وحيا ~~خفيا ورمزا حلوا؟. ألا ترى إنه قد يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ~~ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون، من # PageV01P071 # التعريض والتلويح والايماه، دون التصريح. وذلك أحلى وأدمث وأغزل، وأنسب ~~من أن يكون كشفا ومصارحة وجهرا. وإذا كان الأمر كذلك فمعنى هذين البيتين ~~أعلى عندهم وأشد تقدما في نفوسهم من لفظهما، وإن عذب موقعه ولذ سمعه. نعم، ~~في قول هذا الشاعر (وسالت بأعناق المطي الأباطح) من # الرشاقة واللطافة مالا خفاء به فالعرب إنما تحلي ألفاظها وتدبجها، ~~وتوشيها وتزخرفها، عناية منها بالمعاني التي تحتها، أو توصلا بها إلى إدراك ~~مطالبها. فالألفاظ إذا خدم المعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم، فاعرف ~~ذلك. # PageV01P072 ### | الباب الثالث من الفن الثاني من القطب الأول # في تفضيل الكلام المنثور على المنظوم # واعلم أن الأقوال متعارضة في تفضيل كل واحد من هذين القسمين على الآخر، ~~إلا أن المذهب الفحل والقول القوي هو أن الكلام المنثور أفضل من الكلام ~~المنظوم، والدليل على ذلك من أربعة أوجه: # (الأول) أن القرآن الكريم ورد نثرا، ولولا فضله وعلو درجته، لما نزل كتاب ~~الله - عز وجل - على أسلوبه ونهجه، وأيضا، فإن القرآن معجزة الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ومن المعلوم أن المعجزات لا تجيء إلا من طريق الأصعب، ~~بحيث إنه لا يمكن أحدا من خلق الله الوصول إليها، والإتيان بمثلها. ولما ~~كان النثر من الأقوال الشاقة، والأشياء المتصعبة، أنزل الله تعالى القرآن، ~~الذي هو معجزة، على قانونه. # ومما يدلك على أن النثر أشق من النظم، وأصعب مأخذا، هو أن العرب كانوا ~~أفصح الناس، وأبلغهم وأكثرهم قدرة على التفنن في الكلام، زعم هذا فلم نسمع ~~لأحد منهم نثرا، إلا قس بن ساعدة، الذي يضرب بكلامه المثل في الفصاحة ~~والبلاغة، ولأقوام آخرين وهم قليل. # وأما النظم، فإن جميع العرب كانوا يقولونه وكان عليهم من أسهل الأشياء ~~حتى على نسائهم. # PageV01P073 # وأيضا، فإن أرباب النظم لو أريد حصرهم، بل حصر أهل عصر واحد ms048 لتعذر # حصول ذلك، فكيف حصر جميعهم؟ وليس سبب هذا إلا وعورة مسلك النثر وشرف ~~منزلته، وأنه لا يناله إلا الأفراد من الفضلاء، فإن قيل: إذا كانت العرب لا ~~تكثر من النثر، وأكثرت من النظم، فليس ذلك دليلا على أن النثر أصعب من ~~النظم بل الأمر بالعكس من ذلك، وهو: أن النثر لما كان سهلا عند العرب هينا، ~~والنظم شاقا عليهم مستصعبا، عمدوا إلى الأصعب وتركوا الأسهل؛ لأنهم إنما ~~كان غرضهم إظهار قوتهم في البلاغة والفصاحة، وإذا كان ذلك فيما هو أشق ~~مسلكا وأوعر مذهبا، كان أدل على نمكنهم من الكلام. وأما النثر، فما كان ~~عندهم بمنزلة ما يرغبون فيه، ويتنافسون عليه؛ لسهولته عندهم! ولهذا لم ~~يعتنوا به ويكثروا منه، كما فعلوا في النظم! وأما قولك: إن القرآن الكريم ~~ورد نثرا، وتفضيلك النثر على النظم، لأن الله تعالى إنما أنزل القرآن ليكون ~~آية لرسوله صلى الله عليه وسلم، ومعجزة على يده، ليفحم به أولئك الفصحاء ~~والبلغاء من العرب، لأنهم كانوا أرباب الفصاحة والبلاغة، وحيث كان النثر ~~سهلا عندهم يسيرا عليهم أنزل الله تعالى القرآن على أسلوبه ليعجزهم، بما هو ~~أسهل عليهم من غيره، ليكون ذلك أعظم في الإعجاز. وأبلغ الجواب عن ذلك أنا ~~نقول أن هذا الذي ذكرته من أن النثر، كان أسهل على العرب من النظم، ~~واستدلالك عليه بقلة رغبتهم فيه، واعتنائهم به، فليس ذلك دليلا لك، بل هو ~~دليل لنا دونك. وذاك إنه قد ثبت بإجماع منا أن العرب لم تكثر من النثر، ~~وأكثرت من النظم، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان مكثرا من شيء أستدل بذلك ~~على قدرته عليه، و (عدم) قصوره عن الوصول إليه. ولا يقال بأن إكثاره من هذا ~~الشيء دليل على تعذره عليه، لأنه لو كان متعذرا عليه لما قدر على الإكثار ~~منه، ولذلك لا يقال أيضا: أن تقليله من هذا الشيء دليل على سهولته عنده لما ~~أقل منه، وهذا مما لا يمكن النزاع فيه بحال من الأحوال. # وأما قولك: إن النثر لما كان عند ms049 العرب أسهل من النظم، أنزل الله تعالى ~~القرآن الكريم # PageV01P074 # على أسلوبه، ليعجزهم بما هو أسهل عليهم من غيره، فيكون ذلك أدل على ~~الإعجاز من كونه يجيء على أسلوب الأشق الأصعب. فالجواب عن ذلك أنا نقول: قد ~~ثبت أن المعجزات التي على أيدي الأنبياء - صلوات الله عليهم - لم تأت مما ~~كان سهلا على أممهم، لأنهم إنما جاءوا بإحياء الأموات، وانشقاق البحر ~~وانفجار الماء من الحجر، وما جرى هذا المجرى، وهذا الحكم أيضا موجود في ~~النثر، فإنه لما كان شاقا على العرب، وليس فيهم من يقدر على الإتيان به إلا ~~القليل، أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نهجه وطريقة، لتكون المعجزة ~~مناسبة لما جاءت (فيه). وذلك أن النثر من حيث ذاته أمر شاق مستصعب، وانضاق ~~إلى ذلك كونه من عند الله تعالى فصار معجزا بالضرورة، فاعرف ذلك. # وأما الوجه الشافي فهو: أن النثر ينوب مناب النظم، ولا ينوب النظم مناب ~~النثر وذلك إنه إذا أخذ معنى من المعاني، وعبر عنه بلفظ مطابق له، وكان ذلك ~~الكلام منثورا، فإنه لا يمكن التعبير بمقدار ذلك اللفظ، ويكون الكلام شعرا، ~~وذلك إنه يحتاج في الشعر إلى إقامة الوزن، وهذا لا يتم إلا بزيارة لفظ، أو ~~نقصان لفظ، وإذا زيد على ذلك شيء صار في الكلام مالا حاجة فيه، إذ المعنى ~~كان يصح بدونه، وإن نقص منه شيء صار المعنى ناقصا عما كان عليه في الأول. # وأما الوجه الثالث: فهو أن النثر لا ينال الا بعد تحصيل آلاته المذكورة ~~في صدر كتابنا هذا أو بعضها. وذلك بخلاف النظم، فإنه قد يقوله من لم يحصل ~~من آلاته شيئا البتة. وكثيرا ما رأينا ممن يقول الشعر الحسن، ويصيب في ~~معانيه، ويجيد ألفاظه، وهو لا يعرف من آلات التأليف شيئا، كالسوقة والعامة ~~من أرباب الحرف والصنائع. # وأما الوجه الرابع: فهو أن النائر تعلو درجته حتى ينال الوزارة للخلفاء ~~والملوك. # وأما الشاعر فلا تعلو درجته عن رتبة المستعطين، ومنزلة الطالبين لما في ~~أيدي الناس. ولولا فضل النائر وما عرف من ms050 شرف صنعته والحاجة إليها، لما رقي ~~إلى درجة الوزارة. وكذلك الشاعر؛ فلولا كساد صنعته والاستغناء عنها، لعلت ~~درجته وارتفعت منزلته، ولما كان في طول عمره كلا على الناس، وهذا شيء مطرد ~~لم يزل. وقد شوهد رأي العين، فلا يمكن النزاع فيه يحال من الأحوال. # PageV01P075 ### | القطب الثاني في # الأشياء الخاصة # وهو فنان: ### | الفن الأول في الفصاحة والبلاغة # اعلم أن هذا باب غامض، متعذر على الوالج، ومسلك وعر، مستصعب على الناهج. ~~ولم يزل الناس من قديم الوقت، وهلم جرا، يتهافتون على الخوض فيه، والغوص ~~عليه، وهم مع كثرة طلبهم لمعرفته، وتوفر حرصهم على الإحاطة به، لا يظفرون ~~منه إلا كنغبة طائر أو قطرة من بحر زاخر. وقد قال بعض المصنفين من العلماء: ~~(لم أزل منذ خدمت أهل العلم، انظر فيما قالوه في معنى الفصاحة والبلاغة، ~~وأستكشف عن المعنى في ذلك، فلا أجد إلا كالرمز والاشارة، ولا أقف فيه على ~~قول شاف، ولا كلام كاف. فلما رأيت الأمر كذلك، علمت إنه لا يكفي في معرفة ~~هذا العلم العظيم، الذي كان به إعجاز القرآن الكريم، قول مهمل، ولا كلام ~~مجمل. بل لا تتم معرفته حتى يفصل فيه القول، ويدل على الخصائص التي تأتي في ~~تأليف الكلام، ويوضح إيضاحا جليا من غير مغادرة لشيء من ذلك، حتى تكون ~~المعرفة بهذا العلم كمعرفة الصانع الحاذق، الذي يعلم كل هدبة منسوجة من ~~الابريسم في الثوب الديباج، وكل حجر من الأحجار الداخلة في البناء، فأنك ~~إذا نظرت إلى هذا العلم الشريف احتجت عند ذلك إلى طول مكث وتدبر، وكثرة ~~تأمل وتفكر، والى همة تأبى أن تقنع إلا بأعلى المنازل، وأسمى المراتب. ومتى ~~جشمت # PageV01P076 # نفسك حول هذا المرام البعيد، وكلفتها صعود هذا المرمى النازح، فقد أممت ~~أمرا عظيما، وتعرضت لخطب جسيم) وفقنا الله وإياكم لمواقع الصواب. # ولنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمنا من ذكر الفصاحة والبلاغة، والكشف عن ~~حقيقتها واختصاصهما، فنقول: اعلم أن أصل الفصاحة في وضع اللغة: الظهور ~~والبيان؛ يقال: أفصح الصبح إذا بدا ضوؤه وأسفر، وأفصح فلان ms051 عما في نفسه: ~~إذا أظهره، وإنما سمي اللفظ فصيحا لأنه يبين المقصود، ويوضح المعنى المندرج ~~تحته. # والفصاحة: اسم عام يشمل المفرد من اللفظ والمركب، وإنما كان الأمر كذلك ~~لأن واضع اللغة إنما وضع الألفاظ مفردة لا مركبة، فالفصاحة شملت أولا ~~المفردة، وإذا شملت المفردة فمن الضرورة شمولها للمركبة؛ لأن المركبة ~~مجتمعة من المفردة. وكل مركب كانت أجزاؤه ذات صفة هي فيها متساوية فتلك ~~الصفة تعمه لا محالة. # واعلم أيضا أن الفصاحة أمر إضافي كالحسن والقبح. والكلام الفصيح ليس ~~كلاما مخصوصا بعينه، بل كل من فهم كلاما وعرفه فهو فصيح بالنسبة إليه، ظاهر ~~عنده، وواضح لديه. ومما يقوي هذا القول، أن اللفظ الذي لا نعده نحن في ~~زماننا هذا فصيحا، ونكرهه مشتهرا. ولولا ذلك لما أوردوه في كلامهم، فإن ~~معظم أشعار العرب ومن يليهم من المحدثين مشحونة ومملوءة منه. ولو استعمل في ~~زماننا هذا لاستنكر واستبشع، وحكم على قائله بالجهل والتعسف. ورأينا أبا ~~محمد بن سنان الخفاجي قد قال في كتابه: إن الفصاحة نعت للألفاظ إذا وجدت ~~على شروط عدة، ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ. ثم ~~إنه قسم الشروط إلى قسمين، أحدهما يوجد في اللفظة المفردة، والآخر يوجد في ~~الألفاظ المركبة، وجعل ما يختص باللفظة المفردة منقسما إلى ثمانية أقسام، ~~كتباعد مخارج # PageV01P077 # الحروف، وأن لا تكون الكلمة وحشية ولا متوعرة، وغير ذلك مما أورده وذكره ~~في كتابه. وفي هذا نظر وقفنا عليه الفكر والروية، وذلك إنه قد جعل # صفات اللفظة التي تكون بها ذات مزية وحسن هي الفصاحة، وخالف بذلك نص ~~العرب، لأنهم قالوا: إن اللفظ الفصيح هو الظاهر الواضح، ولم يقولوا: إنه ~~المتباعد مخارج الحروف، ولا الذي ليس وحشيا ولا متوعرا، ولا غبر ذلك مما ~~ذكره أبو محمد بن سنان. ولهذا تطرق إلى كلامه الخلل، وذاك إنه نقل الفصاحة ~~عن حقيقتها التي وضعت لها في أصل اللغة، بأن علقها على هذه الشروط التي ~~ذكرها، وجعل وجودها موقوفا على وجود تلك الشروط، و (إذا نقص) بعضها ms052 لا تكون ~~فصيحة وحقيقتها أن تكون فصيحة، وهذا من أعجب الأشياء فليتأمل. # وأيضا فإن أبا محمد بن سنان قد ذكر في كتابه، من جملة الأقسام الثمانية، ~~قسما وهو أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن معنى بكره ذكره، فإذا وردت وهي ~~غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، كقول عروة بن الورد: # (و) قلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عند ما وان رزح # قال (الكنيف) أصله الساتر، ومنه قيل للترس (كنيف) غير إنه قد استعمل في ~~الآبار التي تستر الحدث وشهر بها فأنا اكرهه لذلك. هذا حكاية كلام أبي محمد ~~بن سنان الخفاجي. ولنا عليه اعتراض، وهو أنا نقول: إذا كان قد جعل الفصاحة ~~مقصورة على الألفاظ فكيف عاد نقص ما ادعاه بهذا القول، فإنه إنما أنكر من ~~هذه اللفظة التي هي الكنيف ما تضمنته من المعنى فقط. وإلا فإذا اعتبر لفظها ~~ومخارج حروفها، من غير نظر إلى المعنى المندرج تحتها، لم يوجد لها قبح ولا ~~كراهة، لأن مخارج الحروف التي تألف منها متباعدة، فمخرج الكاف # PageV01P078 # دون مخرج القاف الذي هو من أقصى اللسان، ومخرج النون من طرف اللسان بينه ~~وبين ما فوق الثنايا السفلى، ومخرج الياء من وسط اللسان بينه وبين وسط ~~الحنك، ومخرج الفاء من باطن الشفة السفلى، وأطراف الثنايا العليا. ومع هذا ~~فإذا نقلت هذه اللفظة التي قد استقبحت هاهنا، إلى موضع آخر صار ذلك القبح ~~حسنا كقولك: (أنا في # كنف فلان) أي في ذراه، وتحت ظله. فصح حينئذ من فحوى كلام أبي محمد بن ~~سنان إنه نقض ما ادعاه أولا، من أن الفصاحة نعت للألفاظ، بما ذكرناه من ~~شروطها الثمانية، التي من جملتها هذا القسم المأخوذ عليه، وهو مما يختص ~~بالمعنى دون اللفظ، وتناقض كلام مثل ذلك الإمام المشهور في هذه الصناعة ~~عجيب. عصمنا الله وإياكم من الزلل وهدانا إلى طريق الصواب. # وأما البلاغة، فإن أصلها (في) وضع اللغة: الوصول والإنهاء، يقال: بلغت ~~المكان إذا انتهيت إليه، ومبلغ الشيء: منتهاه. وسمي الكلام بليغا من ذلك، ms053 ~~أي إنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية. وذلك أن له أوصافا ثلاثة يعرف ~~بها، فمتى عري من واحد منها نقص عن درجة البلاغة، فلا يسمى بليغا، وهي أن ~~يكون معناه مقيدا، ويكون لفظة فصيحا، ويكون غير زائد على المعنى المندرج ~~تحته، فيلزم على هذا أن يكون كل كلام بليغ فصيحا وليس كل كلام فصيح بليغا. # واعلم أن البلاغة نعم الكلام مركبا لا مفردا، وإنما كانت كذلك لأن المفرد ~~لا يكون مفيدا، وما ليس بمفيد فلا يسمى بليغا. # وأيضا فإن اللفظة المفردة برأسها، إذا وردت في الكلام لا يراد بها إلا ~~معنى واحد من غير زيادة. (و) في الكلام ما يزيد معناه على لفظه، وذلك إنما ~~يكون مركبا لا مفردا. # وأما اختصاص الفصاحة والبلاغة، فإن أبا محمد بن سنان الخفاجي ذكر ذلك في ~~كتابه فقال: إن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفا ~~للألفاظ مع # PageV01P079 # المعاني. ثم إنه لم يورد على ذلك دليلا بل أجمل القول فيه كما قد ذكرناه. ~~فإن هذا حكاية لكلامه بعينه. فلما وقفنا نحن على ما أومأ إليه، سنح لنا في ~~أثنائه دليل، وهو أنا نقول: قد ثبت لنا أن أصل الفصاحة في وضع اللغة: ~~الظهور والبيان، والفصيح: هو الظاهر، وهو اسم فاعل من فصح مطرد في بابه، # يقال: (كرم فهو كريم) و (ظرف فهو ظريف) و (وشرف فهو شريف) و (فصح الكلام ~~فهو فصيح) وكذلك ما جرى هذا المجرى. فوزن فعيل: هو اسم فاعل من (فعل)، وهذه ~~قاعدة مستمرة في ذلك. # وقد ثبت لنا أيضا، أن المعنى لا يكون مظهرا لنفسه، ولا موضحا عن ذاته، إذ ~~المعاني جميعها قائمة بالنفس، وإنما اللفظ يظهرها ويبينها فهو إذا فاعل ~~البيان والإيضاح، وهذه أيضا قاعدة مسلمة، لا خلاف فيها بحال من الأحوال. ~~فلما كان اللفظ هو الفاعل للبيان والإيضاح، وكان الفصيح اسم فاعل من فصح، ~~أي بان واتضح، وجب حينئذ أن يكون اسما للفظ، مختصا به. فاعرف ذلك. # فإن قيل: القياس يقتضي أن الدليل الذي أوردته ms054 في الفصاحة يلزمك في ~~البلاغة مثله، وهو أن وزن (بليغ) مثل وزن (فصيح) فكما أن فصيحا اسم فاعل، ~~كذلك يكون (بليغا) أيضا اسم فاعل، وإذا كان اللفظ فاعلا للفصاحة فاختصت به، ~~كذلك يكون اللفظ فاعلا للبلاغة فيجب اختصاصها به. # الجواب عن ذلك أنا نقول: أما قولك: القياس يقتضي أن تكون البلاغة مختصة ~~باللفظ، كما أن الفصاحة مختصة به، لتساوي البلاغة والفصاحة في الدليل الذي ~~أوردناه من حيث إن بليغا وفصيحا على وزن واحد فإن هذا الذي ذكرته قياس ~~وارد، ولكن من وجه، وذلك أنا نحن لم نستدل على أن الفصاحة تخص اللفظ بوزن ~~(فعيل) الذي هو اسم الفاعل فقط، وإنما استدللنا على أن الفصاحة تخص اللفظ ~~من حيث كان أصلها في وضع اللغة الظهور والبيان. وانضاف إلى ذلك أنها على ~~وزن (فعيل) الذي هو اسم فاعل من (فعل) نحو (فصح) # PageV01P080 # فهو (فصيح). فلما صح لنا هذان الأمران، ثبت لنا من مجموعها ما ادعيناه: ~~من أن الفصاحة تخص اللفظ كما أريناك. # وأما البلاغة فلو كان أصلها في وضع اللغة (الظهور والبيان) كما هو أصل # الفصاحة، لصح لك ما ذكرته من الاعتراض. وإنما أصلها في وضع اللغة (من ~~الوصول والانتهاء) لا غير، وعلى أصلك أيها المعترض فينبغي أن يكون كل ما هو ~~على وزن (فعيل) مختصا باللفظ نحو (شرف فهو شريف) و (ظرف فهو ظريف) و (كرم ~~فهو كريم) وأمثال ذلك مما جرى هذا المجرى فالشرف إذا مختص باللفظ، وكذا ~~الظرف والكرم، وهذا من أعجب الأشياء، فليتأمل. # وأيضا، فقد بينا أن للبلاغة أو صافا ثلاثة، لا يسمى الكلام بليغا إلا ~~بمجموعها. ومتى عري من واحد منها فليس ببليغ. فالأول منها يتعلق بالمعنى، ~~وهو الإفادة. والثاني يتعلق باللفظ والمعنى كليهما، وهو أن يكون اللفظ غير ~~زائد على المعنى. والثالث يتعلق باللفظ وهو الفصاحة، لأن الكلام لا يطلق ~~عليه اسم البلاغة حتى يكون فصيحا. فالفصاحة إذا شرط في البلاغة لا تتم إلا ~~به. فلما كانت الحال كذلك وجب أن تعم البلاغة اللفظ والمعنى معا. ms055 # وأما الفصاحة فليست كذلك؛ لأنها محض إبانة ووضوح فقط، وذلك يتعلق باللفظ ~~بموجب الدليل الذي قدمنا ذكره. فتدير ما أشرنا إليه، وتصفح مطاويه، وفي ذلك ~~كفاية. # PageV01P081 ### | الفن الثاني من القطب الثاني في # ذكر أصناف علم البيان وانقساماتها # وهو بابان: ### | الباب الأول في الصناعة المعنوية # وينقسم إلى تسعة وعشرين نوعا، وإنما قدمنا ذكر المعاني على الألفاظ؛ لأن ~~المعاني هي التي تقرر أولا في النفس وترتب في القلوب، ثم يطلب لها بعد ذلك ~~ألفاظ تعرب عنها، وتدل عليها ولأن المعاني أشرف من الألفاظ وأعلى محلا. ~~فاعرف ذلك. ### | النوع الأول في الاستعارة # وهو أن تريد تشبيه الشيء، فتدع الإفصاح بالتشبيه وإظهاره، وتجيء على اسم ~~المشبه به وتجريه عليه كقولك: (رأيت رجلا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه ~~سواء)، فتدع ذلك ونقول: (رأيت أسدا) وهذا يكون على ضربين: أحدهما: أن تجعل ~~المشبه هو المشبه به، بأن تنزله وتسقط ذكر المشبه من البين كقولك: (رأيت ~~أسدا) والثاني بأن تجعل المشبه به، خبرا عن المشبه في باب الاستعارة، ~~وأورده جماعة العلماء مثل: قدامة، والجاحظ، وأبي هلال العسكري، والغانمي، ~~وأبي محمد بن سنان الخفاجي في تصانيفهم في باب # PageV01P082 # الاستعارة. ولم يذكروا أن الأصل فيه تشبيه بليغ؛ فما أعلم هل ذلك لخفائه ~~عليهم، أو أنهم عرفوه ولم يذكروه، وهو الأصل المقيس عليه في التشبيه، الذي ~~أجمع عليه المحققون من علماء البيان. وقد أوردناه نحن في كتابنا هذا في باب ~~الاستعارة تشبها بالقوم، واستنانا بسنتهم؛ لأنهم السابقون في هذا الفن ~~بالتصنيف، إلا أن موضعه باب التشبيه. فاعرف ذلك. # واعلم إنه قد أجمع الجمهور من العلماء على أن للاستعارة مزية وفضلا على # حقيقتها؛ والسبب في ذلك أنك إذا قلت: (رأيت أسدا) كان لكلامك مزية، لا ~~تكون إذا قلت: (رأيت رجلا هو كالأسد سواء، في الشجاعة، وقوة القلب، وشدة ~~البطش). وليست المزية التي تثبتها لهذا الجنس على الكلام المتروك على ~~ظاهره، ولكنها في طريق إثباتك، لها وتقريرك إياها، معلومة من قرائن ~~الأحوال، فليست المزية في قولك: (رأيت أسدا) إنه دل على ms056 شجاعة زائدة، وشدة ~~وافرة، بل أنك أثبت للمستعار له الشجاعة الزائدة والشدة الوافرة، من وجه هي ~~أبلغ وآكد، وأوجبتها له إيجابا هو أشد وأقوى، لأنك أثبتها بالدلائل ~~والشواهد. فإذا سمعتهم يقولون: إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني ~~نيلا، فإنهم لا يريدون الشجاعة والشدة وغير ذلك، وإنما يريدون إثبات معاني ~~هذه الكلم لمن تثبت له، ويخبر بها عنه من طريق هو أشد وآكد. وسيأتي بيان ~~ذلك في باب التشبيه مستوفى، إن شاء الله. # واعلم أن الاستعارة جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب (بيان) أحدهما ~~بالآخر، ولا بد للاستعارة من ثلاثة أشياء: مستعار، ومستعار منه، ومستعار ~~له، فاللفظ المستعار، قد نقل من أصل إلى فرع للإبانة. والمستعار منه ~~والمستعار له، لفظان حمل أحدهما على الآخر في معنى من المعاني؛ هو حقيقي ~~للمحمول عليه، مجازي للمحمول. مثال ذلك قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا) ~~فهذا مستعار، ومستعار منه، ومستعار له؛ فالمستعار هو الاشتعال، # PageV01P083 # وقد نقل الأصل الذي هو النار إلى الفرع الذي هو الشيب، قصدا للإبانة، ~~وأما المستعار منه فهو النار والاشتعال لها حقيقة. وأما المستعار له فهو ~~الشيب، والاشتعال له مجاز. # واعلم أن أبلغ الاستعارات ما ناب التشبيه منابها، وكلما زدت التشبيه فيها ~~إخفاء ازدادت الاستعارة حسنا ورونقا؛ حتى إنك تراها أعجب ما يكون، إذا كان ~~الكلام ألف تأليفا إن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه خرجت إلى شيء يحط من ~~درجته، # ويضع من قدره؛ ويدلنا على ذلك قول بعضهم. # أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا # ألا ترى أنك لو كلفت نفسك أن تظهر التشبيه، وتفصح به احتجت إلى أن تقول: ~~أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان، لطالب الحسن، شيه العناب من أطرافها ~~المخضولة!؟ # ومن له أدنى تشبث بهذه الصناعة، يعلم الفضيلة بين ما تضمنه هذا البيت من ~~الاستعارة، وبين إظهاره إلى التشبيه. فاعرف ذلك وقس عليه. # وحيث انتهى بنا القول إلى هذا المقام، ونبهنا على هذه الأصول، فلنتبعها ~~بما ينخرط في سلكها من الكلام على الجيد من الاستعارة؛ الذي يجب ms057 على المؤلف ~~استعماله، والرديء الذي ينبغي له اجتنابه والبعد عنه، فنقول: الاستعارة ~~تنقسم قسمين: # الأول، يجب استعماله: وهو ما كان بينه وبين ما استعير له تشابه وتناسب، ~~ولنضرب له أمثلة يستدل بها عليه: فمن ذلك قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ ~~منه النهار). وهذا الوصف إنما هو على ما يظهر للعين لا على حقيقة المعنى؛ ~~لأن الليل والنهار اسمان يقعان على هذا الجو عند إظلامه وإضاءته بغروب ~~الشمس وطلوعها، وليسا على الحقيقة شيئين يسلخ أحدهما من الآخر، إلا أنهما ~~في رأي العين كأنهما كذلك. والسلخ يكون في الشيء الملتحم بعضه ببعض، فلما ~~كانت هوادي الصبح عند طلوعه، كالملتحمة بأعجاز الليل، أجري عليهما اسم ~~السلخ، وكان # PageV01P084 # ذلك لائقا في بابه، وهو أولى من قوله (يخرج) لأن السلخ أدل على الالتحام ~~المتوهم من الإخراج، وذلك أن انسلاخ الشيء، هو أن يميز أحدهما من الآخر، ~~ويزول عنه بالتدريج، حالا فحالا، كما ينسلخ جلد الشاة عنها. وكذلك انفصال ~~الليل عن النهار. فانظر أيها المتأمل لهذه الاستعارة، شدة التناسب الذي # بينها وبين ما استعيرت له، ومشابهتها إياه؛ فإنها من الاستعارات التي لا ~~أمد فوقها في الحسن. # ومن ذلك أيضا قوله تعالى، عز وجل: (واشتعل الرأس شيبا) وقد ذكر علماء ~~البيان في هذا، ما نورده هاهنا. وهو: أن الشيب لما كان يأخذ في الرأس، ~~ويسعى فيه شيئا فشيئا، حتى يحيله إلى غير لونه الأول، كان بمنزله النار ~~التي تشعل في الجسم وتسري فيه، حتى تحيله إلى غير حاله المتقدمة. وهذا كلام ~~مرضي في بابه، إلا أن هاهنا نكتة أخرى، وذلك إنه شبه انتشار الشيب باشتعال ~~النار في سرعة التهابه، وتعذر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، ولأنه لم ~~يبق إلا الخمود بعده. فهذه الاستعارة البديعة هي التي تعجز القدرة عن ~~الإتيان بمثلها، ومما دون ذلك في الطبقة، قول أبي تمام: # ومعرس للغيث يخفق بينه ... رايات كل دجنة وطفاء # فإن استعارة هذا البيت صالحة مرضية، لملاءمتها ما استعيرت له، فحيث جعل ~~للسحابة رايات كان ذلك مناسبا، ms058 لأن الهيدب الذي يستبين للناظر في الجو عند ~~انسكاب السحابة، يكون مشابها لذوائب الرايات. وأما قوله (يخفق) فهو أيضا ~~حسن مرضي؛ لان الريح إذا هبت على الرايات خفقت بنودها، وجاء لها صوت كصوت ~~السحابة في انسكابها وهمولها وانصبابها، ولا سيما الوطفاء. # PageV01P085 # ومن هذا النوع أيضا قوله في الخمر: # صعبت فراض الماء سيسيء خلقها ... فتعلمت من حسن خلق الماء # ألا ترى إلى حسن هذه الاستعارة، فإنه ليس بشيء أحسن من قوله في الخمر ~~بأنها سيئة الخلق، وذلك حيث تكون صرفا لا يستطاع شربها، ولا يمكن اساغتها، ~~كالخلق السيئ الذي تعافه الأنفس، وتستكرهه الأرواح. وقوله (حسن خلق الماء) ~~أيضا غاية في الجودة؛ لأن الماء الصافي في سلاسته، ولطافة جوهره، شبيه # بالخلق السهل الطيب. وأبدا توصف الأخلاق الحسنة بالماء؛ فيقال، (فلان ~~ألطف أخلاقا من الماء) لأنه ليس في الأجسام المدركة بالبصر ألطف ولا أرق من ~~الماء؛ لأن النفس تجد لمشاهدته من اللذة، والسرور، والانبساط، مالا خفاء ~~به. ولهذا قال يعض الحكماء: (الماء من طبع الروح). ومما يؤيد قوله هذا، ما ~~ورد في القرآن الكريم؛ فإنه قد ذكر الماء في مواضع كثيرة منه، ثم يذكر ~~إحياء الأرض الميتة به، كقوله تعالى: (والله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ~~فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور). فجعل الماء ~~للأرض بمنزلة الروح للجسد. # ومن بديع الاستعارة قول بعضهم: # يا طود حلم ظلت معتصما به ... يا بحر علم عمت في تياره # فإن المناسبة بينها وبين ما استعيرت له شديدة جدا، وذاك أن الحلم أصله في ~~وضع اللغة: التأني والثبات، وترك الاعجال بالعقوبة، فلما كان الطود ثابت ~~الأصل راسخ القواعد، لا يتحرك عن مكانه، ولا يزول من مستقره حسنت استعارته ~~للحلم، للمشابهة التي بينهما. وهاهنا نكتة أخرى، وهو أن قوله: (طود حلم) ~~أبلغ في الاستعارة من أن لو قال (جبل حلم) لأن الطود هو الجبل العظيم، وذلك ~~أرسخ وأرسى أصلا من غيره. وأما استعارته للعلم بحرا فحسن لا خفاء به على من ~~له معرفة بهذا ms059 الفن. # PageV01P086 # ومن هذا النحو قول امرئ القيس: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # وقد قال أبو القاسم بن بشر الآمدي، أن امرأ القيس وصف أحوال الليل ~~الطويل، فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره، وترادف أعجازه وآخره. فلما جعل له ~~وسطا ممتدا، وصدرا ثقيلا، وأعجازا رادفة لوسطه، استعار له اسم الصلب، وجعله ~~متمطيا من أجل امتداده. واسم الكلكل، وجعله نائيا لتثاقله. واسم العجز، من ~~أجل نهوضه، فقال أبو محمد بن سنان: (إن هذا الذي ذكره أبو القاسم الآمدي، ~~ليس # بمرضي غاية الرضى، وإن بيت امرئ القيس ليس من الاستعارة المبيرة ولا ~~الردية، بل هو وسط. فإن أبا القاسم قد أفصح أن امرأ القيس لما جعل لليل ~~وسطا ممتدا، استعار له اسم الصلب، وجعله متمطيا من أجل امتداده، وحيث جعل ~~له أخيرا وأولا، استعار له عجزا وكلكلا. وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض، ~~فذكر الصلب إنما يحسن لأجل العجز. والوسط والتمطي لأجل الصلب. والكلكل ~~لمجموع ذلك. وهذه استعارة مبنية على استعارة أخرى)، هذا حكاية كلام أبي ~~محمد بن سنان، وهو مما أخطأ فيه من وجهين: الأول إنه قال: هذا البيت من ~~الاستعارة الوسط، التي ليست بردية ولا جيدة) ثم جعلها استعارة مبنية على ~~استعارة أخرى. وعنده أن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أقبح ~~الاستعارات وأبعدها، فإنه قسم الاستعارة إلى قسمين: قريب مختار، وبعيد ~~مطرح. فالقريب المختار: ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوي وشبه ظاهر ~~واضح. # PageV01P087 # والبعيد الطرح إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل، أو لأجل إنه ~~استعارة مبنية على استعارة أخرى فيضعفه لذلك. # هذا ما ذكره ابن سنان في تقسيم الاستعارة. وإذا كانت الاستعارة المبنية ~~على استعارة أخرى عنده بعيدة ضعيفة، فكيف جعلها وسطا!؟ هذا تناقض في القول، ~~فاعرفه. # الوجه الثاني: أنه لم يأخذ على أبي القاسم الآمدي في موضع الأخذ، لأنه لم ~~يختر إلا ما حسن اختباره، وكان بديعا في بابه. فإن الاستعارة قد يثبت أنها ~~جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما، ms060 يكسب بيان أحدهما بالآخر. وهذا الحكم ~~موجود في بيت امرئ القيس، فإنه لو لم يكن لليل صدر، أعني أولا، ولم يكن له ~~وسط وآخر لما حسنت هذه الاستعارة. ولما كان كذلك استعار لوسطه صلبا، وجعله ~~متمطيا. وجعل لصدره المتثاقل، أعني أوله، كلكلا وجعله نائيا، واستعار لآخره ~~عجزا، # وجعله رادفا لوسطه. وذلك من الاستعارات المناسبة، التي لا أمد فوقها ~~فاعرفها. # وحيث ذكرنا للاستعارة المناسبة أمثلة يحتذيها المترشح لهذه الصناعة، ~~ويستعملها في كلامه، فيجب حينئذ أن تذكر القسم الآخر، وهو غير المناسب، ~~ونضرب له أمثلة يعرف بها أيضا، فمن ذلك قول أبي تمام: # يوم فتح سقى أسود الضواحي ... كشب الموت رائبا وحليبا # فإنه لا شيء أقبح من هذه الاستعارة، ولا أشد تباعدا بينها وبين ما ~~استعيرت له، فما كفاه أن جعل للموت كثبا، أي ألبانا، واحدها (كثبة) حتى جعل ~~بعضها رائبا، وبعضها حليبا ثم إن الموت من شأنه أن يستعار له ما يكره لا ما ~~يستطاب. # PageV01P088 # ومن قبح الاستعارة أيضا قوله: # وتقاسم الناس السخاء مجزا ... وذهبت أنت برأسه وسنامه # وتركت للناس الإرهاب وما بقى ... من فرثه وعروقه وعظامه # فاستعار للسخاء، رأسا وسناما وإهابا وعظاما وعروقا. وما قنع بذلك، حتى ~~استعار له فرثا، فصار السخاء جملا على الحقيقة. وأمثال ذلك كثيرة. # ولا يخلو الناظم أو النائر من سقطات تؤخذ عليه، إلا إنه ينبغي أن تكون ~~مغفورة في جنب ماله من الجيد الحسن، لأن ذلك لا يحط من قدره في صناعته إذ ~~العالم من تعد سقطاته، لا من يعد جيده. # ومن الاستعارة البعيدة قول بعضهم: # إلى ملك في أيكة المجد لم يزل ... على كبد المعروف من نيله برد # فإن استعارته للمجد أيكة، أقرب مأخذا من استعارته للمعروف كبدا، وإن كانت ~~الاستعارتان من البعد على ما أذكره لك، وهو أني أقول: قد ثبت أن الاستعارة ~~هي الجمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب بيان أحدهما بالآخر، وهذه ~~قاعدة مسلمة، لا نزاع فيها بحال من الأحوال. وإذا كان الأمر كذلك، فالجامع ~~بين المجد # والأيكة وجه بعيد. ms061 وذلك أن المجد في وضع اللغة: هو المحتد الكريم، أي ~~الأصل الكريم. والأيكة في وضع اللغة: واحدة الأيك، وهو شجر ماتف، فلما كان ~~المجد هو المحتد الكريم، أي الأصل، كان للأيكة أصل أجيز استعارته للمجد ~~أيكة من هذا الوجه، وفيه بعد، وسبب بعده؛ إنه يسوغ لقائل أن يقول: إن كل ما ~~كان له أصل على هذا القياس يجوز أن يستعار للمجد؛ كقولنا: (جبل المجد) و ~~(حائط المجد) وغير ذلك مما له أصل، وهذا بعيد جدا. # PageV01P089 # وأما الاستعارة الثانية، وهو قول الشاعر: (كبد المعروف) فإن بعدها بما ~~استعيرت له، وقبحها مما لا يحتاج فيه إلى الشرح لوضوحه وبيانه. وأمثال ذلك ~~كثيرة لا تحصى. فعلى المؤلف اجتنابها، والعدول عنها. ### | النوع الثاني من الفن الثاني # التشبيه # وحده أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به. ويقال: هو الدلالة على ~~اشتراك شيئين في معنى من المعاني، وأن أحدهما يسد مسد الآخر وينوب منابه، ~~سواء كان ذلك حقيقة أو مجازا. فأما الحقيقة، فهو أن يقال في شيئين أحدهما ~~شبيه بالآخر في جميع أوصافه، كالسوادين والبياضين أو ما جرى مجراهما، وليس ~~هذا من غرضنا. وأما المجاز، فهو أن يقال في شيئين أحدهما شبيه بالآخر في ~~يعض أوصافه كقولنا: (زيد أسد) فهذا القول صواب من حيث (كلام) العرب، وداخل ~~في باب المبالغة، إلا إنه لم يكن زيد أسدا على الحقيقة. # واعلم أن فائدة التشبيه هي الكشف عن المعنى المقصود، مع ما يكتسبه من ~~فضيلة الإيجاز والاختصار. والدليل على ذلك ما ذكرناه من قولنا: (زيد أسدا). ~~فإن الغرض من هذا القول أن نبين حال زيد، وأنه متصف بشامة النفس، وقوه # البطش، والشجاعة، وغير ذلك مما جرى هذا المجرى. إلا أننا لم نجد شيئا ندل ~~به عليه، سوى أن جعلناه مشبها بالأسد، حيث كانت هذه الصفات مختصة به، ~~ومقصورة عليه. فصار ما قصدناه من هذا القول، اكشف وأبين من أن لو قلنا: ~~(زيد شهم، شجاع قوي البطش، جريء الجنان) وأشباه ذلك، لما قد عرف وعهد من ~~اجتماع هذه الصفات ms062 في المشبه به، أعني الاسد، فإنه معروف بها، مشهور بكونها ~~فيه، واشتمالها عليه. وأما المشبه، أعني (زيدا) فليس معروفا بها، ولا ~~منسوبا إليها، وإن كانت موجودة فيه. # PageV01P090 # وأما الإيجاز فهو أن قولنا، (زيد أسد) يسد مسد قولنا (زيد من حالة كيت ~~وكيت، وهو من الشدة والشجاعة على كذا وكذا) مما يطول ذكره، ويتسع القول ~~فيه. فاعرف ذلك. # واعلم أن تشبيه الشيء (بالشيء) لا يخلو من أحد قسمين: إما أن يكون ~~الشيئان، المشبه أحدهما بالآخر، متفقين من جميع الجهات، وإما أن يكونا ~~متفقين من وجه دون. فإن كانا متفقين من جميع الجهات كالسوادين والبياضين ~~فليس هذا من غرضنا إذ لا كبير قائدة فيه. وأن كان اتفاقهما من وجه دون وجه، ~~فهما إذا مختلفان. فيقي كلامنا الآن على تشبيه شيئين مختلفين أحدهما ~~بالآخر، كقولنا: (زيد أسد) فإن غرضنا من هذا، أن تشبه شهامة زيد وشجاعته ~~وجرأته، لا أن زيدا أسد من جميع الجهات. فأنا لو أردنا ذلك لكان هو هو، ~~وهذا محال، لأن زيدا ليس أسدا، وإنما هو إنسان. فاعرف ذلك. # واعلم أن التشبيه يكون بأداته، كالكاف وكان وما جرى هذا المجرى. ويكون ~~بغير أداته، وهو أن يجعل الكلام خلوا منها صالحا لتقريرها فيه. وإذا جاء ~~التشبيه بغير أداته كان أبلغ وأوجز. والدليل على ذلك، قولنا: (زيد أسد) ~~يعطي ظاهره من المعنى أنا أخبرنا عن زيد إنه أسد، وذكرنا إنه هو. إلا أن ~~حرف التشبيه في ذلك # مقدر. وإذا قلنا (زيد كأنه الأسد) فتكون قد أظهرنا فيه حرف التشبيه، الذي ~~كان مخفيا في الأول، فيصير حينئذ تشبيها لزيد بالأسد. وفي الأول إنه كان قد ~~جعل هو الأسد، وحرف التشبيه مقدر فيه تقديرا. فمن هذا الوجه كان الأول ~~أبلغ، وأشد موقعا في النفس. وأما كونه أوجز، فلأن قولنا: (زيد أسد) أخص من ~~قولنا: (زيد كأنه الأسد) وإن كان المعنيان سواء. فاعرف ذلك. # واعلم إنه لا يخلو الشيئان في تشبيه أحدهما بالآخرين من ثلاثة أقسام: إما ~~تشبيه معنى بمعنى، كالذي ذكرناه من قولنا: (زيد ms063 أسد). وإما تشبيه معنى ~~بصورة، كقوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة. . .). الآية. فشبه ~~ما لا يدرك بالحاسة (بما يدرك بها) # PageV01P091 # وأما تشبيه صورة بصورة، كقوله تعالى: (وله الجوار المنشات في البحر ~~كالأعلام). فشبه صورة أجسام الفلك في كبرها وعظمها بالجبال، وذلك تشبه صورة ~~مرئية. وكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة، لا يخلو من ثلاثة أقسام أيضا وهي: # تشبيه مفرد بمفرد، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب: ### | فالقسم الأول: تشبيه المفرد بالمفرد # ، وذلك كقول البحتري: # تبسم وقطوب في ندى ووغى ... كالغيث والبرق تحت العارض البرد # فهذا من أحسن التشبيه وأقربه. وهو تشبيه صورة بصورة، إلا أن في هذا البيت ~~إخلالا في الصيغة من حيث الترتيب والتفسير، فإن الأولى أن يقدم تفسير ~~التبسم على تفسير القطوب، وسيأتي بيان ذلك في بابه. # ومن هذا القسم أيضا، قول بعضهم في صفة السيوف والدروع: # وكأنما فوق الأكف بوارق ... وكأنما فوق المتون إضاء # وهذا من بديع التشبيه ونادره، فاعرفه. وكذلك قول بكر بن النطاح: # بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم # فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم # وأمثال هذا كثيرة. ### | القسم الثاني في تشبيه المركب بالمركب # وذلك كقوله تعالى: # PageV01P092 # (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ~~مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كان لم تغن بالأمس) ~~الآية، فشبهت حال الدنيا بسرعة زوالها، وانقراض نعيمها، بعد الإقبال، بحال ~~نبات الأرض في جفافه، وذهابه حطاما، بعد ما التف وتكاثف، وزين الأرض. وذلك ~~تشبيه معنى بصورة. وهو من أبدع ما يجيء في هذا القسم، فاعرفه. # ومما جاء على نحو منه، قوله عز وجل في حق المنافقين: (مثلهم كمثل الذي ~~أستو قد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون). تقديره: أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارا، في ليلة ~~مظلمة، بمفازة، فاستضاء بها ما حوله، فاتقى ms064 ما يخاف وأمن، فبينا هو كذلك، ~~إذ طفئت ناره فبقي مظلما خائفا متحيرا. وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة ~~الإيمان استنار بها، واعتز بعزها، وأمن على نفسه وماله وولده. فإذا مات عاد ~~إلى الخوف، وبقي في العذاب والنقمة. # واعلم أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل، ~~ليمثل هداهم الذي باعوه، بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي ~~اشتروها وطبع بها على قلوبهم، بذهاب الله بنورهم، وتركهم في الظلمات، ثم ~~قال الله تعالى (صم بكم عمي). كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا مسامعهم عن ~~الاصاخة، وأبو أن ينطقوا به السنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم، جعلوا ~~كأنما أصابت هذه الحواس منهم الآفات، وهذا من عجائب التشبيه، وطريقته عند ~~علماء البيان، # طريقة قولهم (ليوث) للشجعان، و (بحور) للكرام وبعض علماء هذه الصناعة ~~يجعلون ما كان على مثال قوله تعالى: (صم بكم عمي) استعارة، وليس كذلك كأن ~~المستعار له مذكور، وهم المنافقون. والاستعارة إنما تطلق بحيث يطوى # PageV01P093 # ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلوا منه، صالحا لأن يراد به المنقول عنه ~~والمنقول إليه لولا دلالة الحال من فحوى الكلام عليه، وقد أشرنا إلى ذلك ~~فيما سبق من باب الاستعارة، فاعرفه. وهذا هو الفرق بين الاستعارة والتشبيه ~~عند المحققين من علماء البيان. ومن هذا القسم قوله: # بكيت عليه حين لم يبلغ المنى ... ولم يرو من ماء الحياة المكدر # كأن دم النجلاء تحت بروده ... لطيمة مسك في إهاب غضنفر # وكذلك قول أبي الطيب المتنبي: # كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل # ولقد أحسن بعض البغداديين في قوله: # يا طالبا عجائب الأمور ... فعقرة في الدرع ذي القتير # وقل رأيت البحر في غدير # ومن هذا النحو قول ابن المعتز: # والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجى بسراج # وقال مؤلف الكتاب في صفة سقاة الخمر (فأخذنا في معاطاة الرحيق، ما بين ~~الأكواب والأباريق. يطوف بها علينا ولدان، يعجز عن وصفهم قس وسبحان، فكأنهم ~~في أيديهم الكؤوس، أقمار تسعى بشموس) وكذلك قوله أيضا في بركة النيلوفر، ms065 من ~~جملة رسالة عملها في الربيع (فأنينا إلى روضة ذات تأرج وتبرج، وبركة نياوفر ~~كأنها مداهن من العسجد، # PageV01P094 # على قضب من الزبرجد، أو كأنه وهو في الماء يعوم، سماء أشرقت بمطالع ~~النجوم)، وله من مرثية قالها في بعض # الأصدقاء: # لم يتكسب غير الثنا ... والحمد في حياته # أبقى لنا مناقبا ... تنشر في مماته # كالرند يبقى عرفه ... بعد ذهاب ذاته # وأعجب ما سمعت في هذا الباب، قول الحسين بن مطير الأسدي يرثي معن بن ~~زائدة: # فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا # فاعرف ذلك وقس عليه. # PageV01P095 ### | القسم الثالث # في تشبيه المفرد بالمركب # فمن ذلك قول بعضهم: # كأن السهى إنسان عين غريقة ... من الدمع يبدو كلما ذرفت ذرفا # ومن هذا القسم قول الآخر في الورد الجنبذ: # أتتك أبا حسن وردة ... تلذ النفوس بأنفاسها # كعذراء أبصرها مبصر ... فردت يدها على رأسها # وقد ورد (كثيرا) أمثال ذلك، وفيما ذكرناه كفاية. # وحيث تكلمنا في التشبيه الجيد وبيناه، فينبغي أن نوضح التشبيه الرديء ~~ليجتنبه مؤلف الكتاب، فنقول: # اعلم أن التشبيه الرديء هو أن يكون، بين المشبه والمشبه به، بعد وتباين، ~~وذلك كقول بعضهم في السهام: # كساها رطيب الريش فاعتدلت لها ... قداح كأعناق الظباء الفوارق # فإنه قد شبه السهام بأعناق الظباء، وذلك من أبعد التشبيهات وأكثرها ~~تباينا. ومما جرى هذا المجرى، قول أحد الأعراب: # PageV01P096 # ملا حاجبيك الشعر حتى كأنه ... ظباء جرت منها سنيح وبارح # فشبه شعرات بيضا في حاجبيه بظباء سوانح وبوارح، وهو تشبيه بعيد جدا. ~~وأمثال ذلك كثيرة فأعرفها. # واعلم أن الأصل في حسن التشبيه هو أن يمثل الأستر بالأظهر وغير المعتاد ~~بالمعتاد المعروف، وذلك لأجل إيضاح المقصود، وبيان المعنى المراد. # ويظهر أيضا حسن التشبيه في تمثيل الشيء بما هو أعظم منه، وذلك لأجل ~~المبالغة والغلو. # واعلم أن من التشبيه ضربا يسمى: (غلبة الفروع على الأصول) وهو ضرب من ~~الكلام ظريف، لا تكاد تجد شيئا منه إلا والغرض به المبالغة؛ فما جاء من ذلك ~~قول ذي الرمة: # ورمل كأوراك العذارى قطعته ... إذا ms066 ألبسته المظلمات الحنادس # ألا ترى إلى ذي الرمة، كيف جعل الأصل فرعا والفرع أصلا؟ وذلك أن العادة ~~والعرف أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء، وهو مطرد في بابه، كقول ~~البحتري: # أين الغزال المستعير من النقا ... كفلا ومن نور الأقاحي مبسما؟ # فقلب ذو الرمة العادة والعرف في هذا، فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء، ~~وذلك كأنه يخرج مخرج المبالغة، أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز ~~النساء، وصار كأنه الأصل فيه، حتى شبهت به كثبان الأنقاء. ومثل ذلك قول ~~بعضهم: # PageV01P097 # في طلعة البدر شيء من ملاحتها ... وللقضيب نصيب من تثنيها # ونظائر هذا أكثر من أن تحضى، فاعرفه. ولما شاع ذلك في كلام العرب واتسع ~~صار كأنه أصل من بابه. ### | النوع الثالث من الباب الأول # في شجاعة العربية # وهو نوع من علم البيان تتكاثر لطائفه، وتتوفر محاسنه، لأن معظم البلاغة ~~مندرجة في أثنائه، ومنطوية تحت ضروبه، إلا أني لم أجد شيئا منه عند أرباب ~~هذه الصناعة، ولا وجدته في كتاب مصنف في هذا الفن، سوى أني رأيت أبا الفتح ~~عثمان بن جنى قد ذكر، في كتابه الموسوم بالخصائص، شيئا من التقديم ~~والتأخير، والحمل على المعنى لا غير، وقد ذكرنا نحن في هذا النوع أشياء ~~عجيبة، ونكتا طريفة، عثرنا عليها في أثناء القرآن الكريم، واعلم أن هذا ~~النوع # ينقسم ستة أقسام: ### | القسم الأول في الالتفات # (الالتفات) الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، يفعل ~~ذلك على عادة العرب في افتنانهم في الكلام، وفيه فوائد كثيرة، لأن الكلام ~~إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء ~~إليه، من أجراته على أسلوب واحد، وليس يفعل ذلك اتساعا فقط بل لأمر أعلى، ~~ومهم من الغرض أعنى، فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى في ~~سورة الفاتحة: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك ~~نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم # PageV01P098 # ولا الضالين). هذا رجوع (من) الغيبة إلى الخطاب. ومما ms067 يختص به هذا الكلام ~~من الفوائد، إنه ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام من ~~الربوبية العامة، والملك الخاص، فعلم العالم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق ~~بالخضوع له، والاستعانة في المهمات به فخوطب ذلك المعلوم الموصف بتلك ~~الصفات فقيل: إياك نعبد يا من هذه صفاته، أي تخص بالعبادة والاستعانة، ~~ليكون أدل على العبادة، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به، فإن قوله ~~(إياك نعبد وإياك نستعين) بعد قوله (الحمد لله رب العالمين) ليس العدول فيه ~~من الغيبة إلى الخطاب اتساعا إنما عدل إليه لفائدة حسنة، وذلك أن الحمد لله ~~دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده. فلما كان الحال كذلك استعمل ~~لفظ (الحمد) لتوسطه مع الغيبة في الخير، فقال: (الحمد لله) ولم يقل (لك)، ~~ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال (إياك نعبد) فخاطب العباد ~~إصراحا بها، وتقربا منه - عز اسمه - بالانتهاء إلى محدود منها وعلى نحو من ~~ذاك جاء آخر السورة فقال (صراط الذين أنعمت عليهم) فأصرح بالخطاب لما ذكر ~~النعمة، ثم قال (غير المغضوب عليهم) ولم يقل (غير الذين غضب عليهم) لأن ~~الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب قال (غير ~~المغضوب عليهم) فجاء باللفظ منحرفا به عن ذكر الغضب، فأسند النعمة إليه ~~لفظا، وزوى عنه ذكر الغضب تحسنا ولطفا، فانظر إلى هذه اللغة الشريفة وتناسب ~~هذه المعاني اللطيفة التي الأقدام (لا) تكاد تطؤها، والأفهام مع قربها ~~صافحة عنها. # ومن هذا الجنس قوله تعالى (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إذا) ~~فقوله (لقد جئتم) وما فيه من المخاطبة بعد الغيبة زيادة تنكيل عليهم، ~~بالجرأة على الله - عز وجل - # PageV01P099 # والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم، على عظم ما قالوه. وأمثال هذا كثيرة فاعرفه. # وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة فقوله - عز اسمه - (هو الذي يسير كم في ~~البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ~~ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ms068 بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) ألا ترى كيف صرف الكلام ~~هاهنا من الخطاب إلى الغيبة؟ وإنما فعل ذلك لفائدة، وهو إنه ذكر لغيرهم ~~حالهم ليعجبهم منها، كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم والتقبيح، ~~ولو قال: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها. وساق ~~الخطاب معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة. ~~وليس ذلك بخاف عن (عارف) هذا الكلام فاعرفه. # ومن هذا الجنس قوله تعالى (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ~~وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون). الأصل في تقطعوا (تقطعتم) عطفا على ~~الأول إلا إنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ~~ينعى عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول: ألا ~~ترون إلى عظيم ما # ارتكب هؤلاء في دين الله، فجعلوا أمر دينهم إلى ما بينهم قطعا، وذلك ~~تمثيل لاختلافهم فيه وتياينهم، ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة ~~إليه يرجعون، فهو مجازيهم على ما فعلوا. # ومما ينخرط في هذا السلك أيضا قوله تعالى (يا أيها الناس أني رسول الله ~~إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته) الآية فإنه إنما قال (فآمنوا بالله ورسوله) ولم ~~يقل: فآمنوا بالله ربي، حيث قال أولا: إني رسول الله إليكم، لكي تجري عليه ~~الصفات التي أجريت عليه وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والاتباع (له) هو ~~هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي، الذي يؤمن بالله وكلماته، كائنا من ~~كان أنا أو غيري، # PageV01P100 # إظهارا للنصف، وبعد عن التعصب لنفسه، فقرر أولا في صدر الآية، بأنه رسول ~~إلى الناس، وأثبت ذلك في أنفسهم، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة ~~لغرضين كبيرين قد ذكرتهما. # الضرب الثاني: الرجوع من الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، يفعل ذلك تعظيما ~~لحال من أجري عليه فعل الأمر. فمما جاء منه قوله تعالى (يا هود ما ms069 جئتنا ~~ببينه وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين، إن نقول إلا ~~اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون) ~~ولم يقل (وأشهدكم) ليكون موازنا له وبمعناه، لأن إشهاد الله على البراءة من ~~الشرك صحيح ثابت في معنى يثبت التوحيد، ويشد معاقده. وأما إشهادهم فما هو ~~إلا تهاون بدينهم، ودلالة على قلة المبالاة بهم، ولذلك عدل به عن لفظ ~~الأول، لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر؛ كما يقول الرجل لمن يبس ~~الثرى بينه وبينه: اشهد علي إني أحبك. تهكما به واستهانة بحاله. وأمثال هذا ~~كثيرة فاعرفها. # الضرب الثالث: الرجوع من خطاب التثنية إلى خطاب الجمع، ومن خطاب الجمع ~~إلى خطاب الواحد. # فمن ذلك قوله تعالى (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر ~~بيوتا. واجعلوا بيوتكم قبلة، وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين). ألا ترى إلى ~~هذا المعنى والتوسع في الكلام فإنه نوع الخطاب، فثنى ثم جمع ثم وحد، فخاطب ~~موسى وهارون - عليهما السلام - بالنبوة والاختيار، وذلك مما يفوض إلى ~~الأنبياء. ثم ساق الخطاب لهما ولقومهما باتخاذ المساجد، # PageV01P101 # وإقامة الصلاة، كأن ذلك واجب على الجمهور، ثم خص موسى - صلوات الله عليه ~~- بالبشارة التي هي الغرض، تعظيما له وتفخيما لا مره، ولأنه الرسول على ~~الحقيقة. # ومن هذا النحو قوله تعالى: حكاية عن حبيب النجار (وما لي لا أعبد الذي ~~فطرني وإليه ترجعون) هذا عدول عن خطاب الواحد، إلى خطاب الجماعة. وإنما صرف ~~الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم، لأن أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة ~~لنفسه، وهو يريد مناصحتهم، ليلطف بهم، ويداريهم، ولأن ذلك دخل في إمحاض ~~النصح؛ حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: (ما لي لا أعبد ~~الذي فطرني) مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، ألا ترى إلى قوله ~~(وإليه ترجعون) ولولا إنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ~~ذلك المساق إلى أن قال (تعالوا إني آمنت بربكم فاسمعون) يريد فاسمعوا قولي ms070 ~~وأطيعوني، فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه، لأن العبادة لا تصح إلا ~~لمن مبتدؤكم، وإليه مرجعكم. # فانظر أيها المتأمل لكتابنا هذا، إلى هذه الدقائق التي أشرنا إليها في ~~غضون هذا الكلام، فإن فيها ما شئت من اللطائف اللطيفة، والفوائد العجيبة. ### | القسم الثاني من النوع الثالث # في الإخبار عن الفعل الماضي بالمضارع وعن الفعل المضارع بالماضي # وهو قسم من التأليف، لطيف المأخذ، دقيق المغزى، فالأول: الإخبار بالفعل ~~المضارع عن الماضي، اعلم أن الفعل المضارع إذا أني به في حال الإخبار عن ~~وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذلك لأن الفعل المضارع ~~يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها، ~~وليس كذلك الفعل الماضي، فمما جاء قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح ~~فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك # PageV01P102 # النشور) فإنه إنما قيل فتثير سحابا، مضارعا، وما قبله وبعده ماض، لذلك ~~المعنى الذي أشرنا إليه، وهو حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الريح ~~السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة، الدالة على القدرة الباهرة، وهكذا ~~يفعلون بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية، بحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ~~ذلك كما قال تأبط شرا: -. # فإني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان # فأضر بها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران # لأنه قصد أن يصور لقومه، الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه ~~يبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة، للتعجب من جرأنه على ذلك الهول، ~~وثباته عند تلك الشدة. ولو قال فضربتها لزالت هذه الفائدة التي ذكرناها ~~ونبهنا عليها. # ومن هذا الباب قوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح ~~الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير) ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي هاهنا إلى ~~المضارع فقال (فتصبح) وذلك لإفادة بقاء المطر زمانا بعد زمان كما يقال ~~(أنعم # علي فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكرا له) ولو قال (فرحت وغدوت شاكرا له) ~~لم يقع ذلك الموقع فإنهم ms071 ما أشرنا إليه وتدبر دقائقه. # وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المضارع، فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته: ~~أن الفعل الماضي إذا أحبر به عن الفعل المضارع إذا لم يوجد بعد، كان أبلغ ~~وأكد، وأعظم موقفا # PageV01P103 # وأفخر شأنا. لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى إنه قد كان وجد وصار من ~~الأمور المقطوع بها، المحكوم بكونها وحدوثها. والفرق بينه وبين الأخبار ~~بالفعل المضارع عن الماضي، هو أن الفعل الماضي يخبر به عن المضارع، إذا كان ~~المضارع من الأشياء الهائلة، التي لم توجد، والأمور المتعاظمة التي لم ~~تحدث، فيجعل عند ذلك مما قد كان ووجد، ووقع الفراغ من كونه وحدوثه. وأما ~~الفعل المضارع إذا أخبر به عن الماضي، فإن الغرض بذلك تبين هيئة الفعل، ~~واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يعاينها ويشاهدها. فهذا هو الفرق بين ~~الأخبار بالفعل المضارع عن الماضي (وبالمضارع عن الماضي) فاعرفه. # ولنرجع إلى ما نحن بصدد: كره من الأمثلة للأخبار بالفعل الماضي عن ~~المضارع، فمن ذلك قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن ~~في الأرض إلا ما شاء الله وكل أنوه داخرين) فإنه إنما قال: (ففزع) بلفظ ~~الماضي بعد قوله (ينفخ) وهو للمستقبل، للأشعار بتحقيق الفزع وثبوته وأنه ~~كائن لا محالة، واقع على أهل السموات والأرض، لأن الفعل الماضي يدل على ~~وجود الفعل، وكونه مقطوعا به. # ومن هذا الجنس قوله تعالى (وبرزوا الله جميعا) (فبرزوا) بمعنى يبرزون يوم ~~القيامة، وإنما جيء بلفظ الماضي، لأن ما أخبر الله به لصدقه وصحته كأنه قد ~~كان ووجد. ومثل ذلك قوله - عز اسمه - (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) فإن ~~(أتى) # هاهنا بمعنى (يأتي) وإنما حسن فيه لفظ الماضي، لصدق إتيان الأمر ودخوله ~~في جملة ما لا بد من حدوثه ووقوعه، فصار (يأتي) بمنزلة قد أتى ومضى، وكذلك ~~قوله - تعالى - (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة، وحشرناهم فلم نغادر ~~منهم أحدا) فإنه إنما قال (وحشرناهم) ماضيا بعد (نسير) (وترى) وهما ~~مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز، ليعانوا # PageV01P104 # تلك الأحوال، ms072 كافة، قال: (وحشرناهم) قبل ذلك. # ومما ينخرط في هذا السلك الإخبار باسم المفعول عن الفعل المضارع، وإنما ~~فعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي، وقد سبق الكلام عليه، فمن ذلك قوله ~~تعالى (إن في ذلك الآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك ~~يوم مشهود) فإنه إنما آثر اسم المفعول هاهنا على الفعل المضارع لما فيه من ~~الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، فإنه لا بد من أن يكون ميعادا مضروبا ~~يجمع الناس وأنه موصوف بهذه الصفة، وأن شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى: ~~(يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن) فإنك تعثر على صحة ما قلت. ### | القسم الثالث من النوع الثالث # في عكس الظاهر # اعلم أن هذا القسم من مشكلات علم البيان، وأسراره الغربية، وخفاياه ~~المستطرفة العجيبة، وهو مما لم يذكره أحد من مؤلفي هذا الفن في كتابه، ولا ~~أشار إليه، وسبب التفرد بذكره في هذا الكتاب، أنا عثرنا على ذلك في كلام ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في وصفه مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فعند ذلك طلبنا له مثلا أو نظيرا، في كلام العرب وأشعارهم فظفرنا بذلك، ~~وأوردنا الكلام الوارد عن علي - رضي الله عنه - ثم أتبعناه بما جاء عن ~~العرب في # ذلك، وإنه مما يستغرب ويستطرف، لأن العرب قد توسعوا في كلامهم، وتجوزوا ~~إلى غاية، يذكرون كلاما يدل ظاهره على معنى، وهم يريدون به معنى آخر عكسه ~~وخلافه. والأصل في ذلك، أنك تذكر كلاما يعطي معناه إنه نفي لصفة شيء قد ~~كان، وهو نفي للموصوف إنه كان أصلا. فأما قول علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - في هذا الباب، فإنه وصف مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال (لا ~~تنثني فلتاته) أي لا تذاع فلتاته، ألا ترى إلى ظاهر # PageV01P105 # ذلك: أن ثم فلتات غير أنها لا تذاع، وليس المراد ذلك، بل المراد إنه لم ~~يكن ثم فلتات أصلا، فتذاع، وهذا من أعجب ما وقفت عليه في علم البيان ~~وأطرافه. # وأما ما ms073 ورد عن العرب في هذا الباب، فنحو قول الشاعر: # (ولا ترى الضب بها ينجحر). # فإن ظاهر المعنى من ذلك يعطي إنه قد كان هناك ضب إلا إنه غير منجحر، وليس ~~كذلك بل المعنى المقصود، هو إنه لم يكن هناك ضب أصلا فينجحر. فاعرف هذا، ~~وقس عليه. وله أشباه كثيرة في كلامهم وأشعارهم، وفيما أشرنا إليه كفاية، ~~لمن له لب ومعرفة. ### | القسم الرابع من النوع الثالث # في الحمل على المعنى # وذلك كتأنيث المذكر وتذكير المؤنث وتصوب معنى الواحد للجماعة، والجماعة ~~للواحد، وحمل الثاني على لفظ الأول، أصلا كان ذلك اللفظ أو فرعا، وغير ذلك. # اعلم أن هذا القسم من التأليف دقيق المسلك، بعيد المذهب، يحتاج إلى فضل ~~معاودة وزيادة تأمل، وقد ورد في القرآن الكريم، وفصيح الكلام منثورا ~~ومنظوما. فأما تأنيث المذكر فكقول الشاعر: # أتهجر بيتا بالحجاز تلفت ... به الخوف والأعداء من كل جانب # ذهب بالخوف إلى المخافة، وقال الآخر: # يا أيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت # PageV01P106 # فإنه ذهب بالصوت إلى الاستغاثة، واعلم إنه قد كثير عن العرب تأثيث فعل ~~المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو ~~منه أو به، ولذلك قرئ قوله تعالى (لا تنفع نفسا إيمانها) بالتأنيث فأنث فعل ~~الإيمان إذ كان من النفس وبها. وأمثال ذلك كثيرة فاعرفه. # وأما تذكير المؤنث فشائع في كلام العرب كقوله تعالى (فلما رأى الشمس ~~بازغة قال هذا ربي) أي هذا الشخص أو هذا المرئي. وكذلك قوله - عز اسمه - ~~(فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى) لأن الوعظ والموعظة واحدة، وقالوا في قوله ~~تعالى (إن رحمة الله قريب من المحسنين) إنه أريد بالرحمة هاهنا المطر، ~~بدليل قوله تعالى (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته). # وأما حمل الواحد على الجماعة، فكقولهم: (هو أحسن الفتيان وأجمله) لأن هذا ~~الموضع يكثر فيه الواحد كقولهم (هو أحسن فتى في الناس) قال الله تعالى (ومن ~~الشياطين من يغوصون له) فحمل على المعنى وقال ذو الرمة: # ومية أجمل ms074 الثقلين وجها ... وسالفة وأحسنه قذالا # فأفرد الضمير، مع قدرته على جمعه، وهذا يدلك على قوة اعتقادهم في أحوال ~~المواضع، وكيف ما يقع فيها. ألا ترى أن هذا الموضع موضع جمع، وقد سبق في ~~الأول لفظ الجمع فترك اللفظ، وموجب الموضع وعدل إلى الإفراد من غير ضرورة، ~~فإنه قد كان يمكنه أن يقول: # ومية أجمل الثقلين وجها ... وسالفة وأحسنهم قذالا # ومن هذا النحو قول بعظهم: # فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الأحن الصدور # فيجوز أن يكون ذلك جمع أخ قد حذفت نونه للإضافة، ويجوز أن يكون واحدا ~~ووقع # PageV01P107 # موقع الجماعة، كقول الشاعر: # (ترى جوانبها بالشحم مفتونا) # والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة. وأعلم أن العرب إذا حملت على ~~المعنى، لم تكد تراجع اللفظ، كقولك: (شكرت من أحسنوا إلي على فعله) ويقال: ~~(شابت مفارقه) وإنما هو مفرق واحد. ومما يؤكد عندك أن العرب إذا حملت على ~~المعنى لم تراجع اللفظ، قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين حاج إبراهيم في ربه ~~أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي ~~وأميت، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. ~~فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين) ثم قال: (أو كالذي مر على ~~قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها) الآية فإن ذلك ~~محمول على المعنى، كأنه قال: أرأيت الذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر ~~على قرية فجاء بالثاني على أن الأول قد سبق كذلك، وأمثال هذا كثيرة. # وأما حمل الجماعة على الواحدة، فكقوله تعالى (بلى من أسلم وجهه لله، وهو ~~محسن، فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فحمل أول الكلام على ~~لفظ الواحد، وآخره على لفظ الجمع. # واعلم أن العرب تعتبر تارة اللفظ، وتارة المعنى، يقولون: (ثلاثة أشخص) ~~فيثبتون التاء وإن عنوا مؤنثا، ويقولون: (ثلاث أنفس) وإن عنوا رجالا، لأجل ~~اللفظ. ويقولون: (ثلاث شخوص) إذا عنو مؤنثا، (وثلاثة أنفس) إذا ms075 عنوا مذكرا ~~للمعنى فاعرف ذلك وقس عليه. ### | القسم الخامس من النوع الثالث # في التقديم والتأخير # وذلك مما يتعلق بعلم النحو، فإن لنا تقديما وتأخيرا في الكلام، ولا يتعلق ~~بالنحو، وليس # PageV01P108 # هذا بابه، وسيأتي ذكره. اعلم إن التقديم والتأخير مما نحن يصدد ذكره ~~هاهنا على ضربين؛ أحدهما يكون التقديم هو الأولى والأبلغ لموضع الاختصاص، ~~والآخر يكون التأخير هو الأولى والأبلغ؛ إما الفائدة تقتضي ذلك، وإما خوفا ~~من فساد المعنى واختلاله. وسيرد كل ضرب من هذه الضروب، مشروحا مبينا. وإما ~~الضرب الأول وهو ما كان التقديم فيه هو الأولى والأبلغ فذلك كتقديم المفعول ~~على الفعل، وتقديم المبتدأ عل الخير، وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء ~~على العامل. # فمن ذلك تقديم المفعول على الفعل، وإنما تعمد إلى ذلك قصدا للاختصاص، ألا ~~ترى قولك (زيدا ضربت) تخصيصا له بالضرب، إذ يحتمل أن يكون الضرب لغيره؛ ~~لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت كأن تقول ~~(ضربت خالدا أو بكرا أو غيرهما) وإذا أخرته، لزم الاختصاص للمفعول. وقد ورد ~~في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون. فإنه إنما قدم المفعول، الذي هو الرزق، على الفعل الذي هو ~~ينفقون؛ لأن الإنسان قد ينفق ما ليس له. فلو قدم الفعل هاهنا على المفعول، ~~لسبق إلى الوهم قبل ذكر المنفق جواز كونه مما ليس له، ومع تأخيره يزول هذا ~~الوهم، ويرتفع ذلك اللبس. # ومن هذا النحو، قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) فإن قوله: (إياك ~~نعبد) تخصيص له بالعبادة، دون غيره، وكذا قوله: (إياك نستعين) وهذا بخلاف ~~ما لو قال (نعبدك ونستعينك) فإنه يحتمل أن تكون العبادة والاستعانة لغيره ~~كما أشرنا # إليه، في (زيدا ضربت) و (ضربت زيدا) فأعرف ذلك. # وأما تقدير خبر المبتدأ عليه، فإنه لا يعمد إليه أيضا إلا لضرب من ~~الاختصاص، كقولك: (زيد قائم) و (قائم زيد) فقولك (قائم زيد) قد أثبت له ~~القيام لا محالة، وقولك: (زيد # PageV01P109 # قائم) أنت بالخيار في إثبات القيام له ms076 أو نفيه عنه، بأن تقول: ضارب أو ~~قاعد أو جالس أو غير ذلك. # ومن هذا النحو قوله تعالى (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) الآية. # فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: (وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما نعتهم) لأن ~~في تقديم الخبر الذي هو مانعتهم، على المبتدأ؛ الذي هو حصونهم، دليلا على ~~فرط اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم ~~اسما لأن، وإسناد الجملة إليهن دليل على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة ~~وامتناع، لا يبالي معها أحد يتعرض طامع أو قصد قاصد. وليس شيء من ذلك في ~~قولك: (وظنوا أن حصونهم ما نعتهم أو تمنعهم). ومن تقديم خير المبتدأ عليه ~~قوله تعالى: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) فإنه إنما قدم خبر المبتدأ ~~عليه في قوله: (أراغب أنت عن آلهتي) لأنه كان أهم عنده، وهو به شديد ~~العناية، وفي ذلك ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم - عليه السلام - عن ~~آلهته، وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب عنها. وهذا بخلاف ما لو قال: (أأنت راغب ~~عن آلهتي). وقد سبق الكلام على ذلك فاعرفه. # فأما الظرف فاعلم إنه كان الكلام مقصودا به الإثبات، فإن تقديم الظرف فيه ~~أبلغ من تأخيره. وفائدته إسناد الكلام الواقع بعده، إلى صاحب الظرف دون ~~غيره وإذا أريد بالكلام النفي فيحسن فيه تقديم الظرف وتأخيره؛ وكلام ~~الأمرين له موضع يختص به؛ فأما تقديمه في النقي؛ فإنه يقصد به تفضيل المنفي ~~عنه على غيره. وأما تأخيره؛ فإنه يقصد به النفي أصلا من غير تفضيل. وسيأتي ~~بيان ذلك عند # ذكر الأمثلة الدالة عليه. # فأما الأول؛ وهو تقديم الظرف في الإثبات فنحو قوله تعالى: (فذكر إنما أنت ~~مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن ~~إلينا إيابهم وإن علينا حسابهم) فتقديم الظرف على المصدر، وهاهنا تشديد في ~~الوعيد، لا يكون عند # PageV01P110 # تأخيره؛ لأنه يعطي من المعنى أن إيابهم ليس إلا إلى الله، المقتدر على ~~الانتقام. وأن حسابهم ليس إلا عليه، وذلك بخلاف ms077 ما لو قال: (إن إيابهم ~~إلينا ثم إن حسابهم علينا) لأن قوله (إن إلينا إيابهم) لا يحتمل أن يكون ~~الإياب فيه إلى غير الله؛ لأنه صدر الكلام بالظرف، وإذا قال (إن إيابهم ~~إلينا) يحتمل أن يظن المخاطب عند سماعه (إن إيابهم) قبل قوله (إلينا) أن ~~يكون الإياب إلى غيره. # ومن هذا الجنس قوله تعالى (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير) فإن الله قدم الظرفين في قوله (له الملك ~~وله الحمد) ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك والحمد بالله لا يغيره، وكذا ~~جاء قوله تعالى (من كفر فعليه كفره). . فإن تقديم الظرف هاهنا، أشد موقعا ~~من تأخيره، وأفخم شأنا؛ وذلك للدلالة على أن ضرر الكفر، لا يعود إلا على ~~الكافر، وأنه لا يتعداه. وهذا لا يخفى على من له معرفة بعلم البيان. # وأما الثاني؛ وهو تأخير الظرف وتقديمه في النحو، فنحو قوله تعالى: (ألم ~~ذلك الكتاب لا ريب فيه) فإنه إنما أخر الظرف هاهنا لأن القصد في إبلاء حرف ~~النفي الريب (الدلالة) على نفي الريب عنه، وإثبات إنه حق وصدق لا باطل ~~وكذب، كما كان المشركون يدعونه. ولو أولاه الظرف، لقصد أن كتابا آخر فيه ~~الريب لا فيه، كما قصد في قوله تعالى: (لا فيها غول) وذلك تفضيل لخمر الجنة ~~على خمور الدنيا؛ بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها الدنيوية؛ كأنه قال ~~(ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة). # فتأخير الظرف في قوله تعالى (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه) يقتضي النفي ~~أصلا من غير تفضيل، وتقديم الظرف في قوله تعالى (لا فيها غول) يقتضي تفضيل ~~المنفي عنه، وهو خمر الجنة، على غيرها من خمور الدنيا. وهذا مثل قولنا (لا ~~عيب في الدار) وقولنا (لا فيها # PageV01P111 # عيب) والأول؛ قصدنا به أن ننفي عن الدار أن فيها عيبا أصلا، ونثبت أنها ~~خالية من العيوب. والثاني، قصدنا به أن ليس فيها ما في غيرها من العيب ~~فاعرف ذلك، وقس عليه، فإنه ms078 من دقائق علم البيان. # وأما تقديم الحال فنحو (جاء راكبا زيد) وإنما يفعل ذلك لضرب من الاختصاص ~~أيضا. وهذا بخلاف قولك (جاء زيد راكبا) إذ يحتمل أن نقول: ضاحكا أو ماشيا ~~وغير ذلك. # وأما الاستثناء فجار هذا المجرى، نحو قولك: (ما قام إلا زيدا أحد) وكما ~~قام أحد إلا زيدا، والكلام على ذلك كالكلام على ما سبق. فاعرفه. # وأما الضرب الثاني فهو أن يقدم ما الأولى به التأخير، لأن المعنى يختل ~~بذلك ويضطرب، كتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على الموصوف، وتقديم الصلة على ~~الموصول، وتقديم العطف على المعطوف عليه، سواء كان بيانا أو نسقا، إلا عطف ~~النسق في الواو وحده، فإنه جائز، نحو قولك (قام عمرو وزيد) وغير ذلك مما ~~برد مشروحا. # فمن هذا الضرب قول بعضهم: # فقد والشك بين لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح # فإنه قدم (بوشك فراقهم) وهو معمول (يصيح) ويصيح صفة لصرد جارية على صرد، ~~وذلك قبيح، ألا ترى إنه لا يجوز أن يقال (هذا اليوم رجل ورد من موضع كذا) ~~وإنما يجوز وقوع المعمول، بحيث يجوز وقوع العامل، فكما لا يجوز تقديم الصفة ~~على موصوفها، كذلك لا يجوز تقديم ما اتصل بها على موصوفها. # ومن هذا النوع، قول الآخر: # فأصبحت بعد خط بهجتها، ... كأن قفرا رسومها قلما # PageV01P112 # فإنه قدم خبر كان عليها وهو قوله (خط) وهذا وأمثاله مما لا يجوز قياس ~~عليه، والأصل في هذا البيت (فأصبحت بعد مهمتها قفرا كأن قلما خط رسومها) ~~إلا إنه على تلك الحالة الأولى مختل مضطرب. ويشبه بذلك قول الفرزدق: # إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره # وهو يريد (إلى ملك أبوه ما أمه من محارب) أي ما أم أبيه من محارب، وهذا ~~أقبح من الأول واكثر اختلالا. وأما قوله: # وليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفا أميرها # فحديثه طريف، وذلك إنه فيما ذكر يمدح خالد بن عبد الله القسري. ويهجو ~~أسدا؛ وكان أسد وليها بعد خالد، وكأنه قال: # (وليست خراسان ms079 البلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها) وعلى ~~هذا التقدير ففي (كان) الثانية ضمير الشأن، والحديث والجملة بعدها خبر ~~عنها، وقد قدم بعض ما إذ مضافة إليه، وهو أسد، عليها، وفي تقديم المضاف ~~إليه أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به، وأيضا فإن في أصله ~~أسدا أحد جزئي الجملة المفسرة للضمير: والضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده، ~~ولو تقدم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير، ولما سماه الكوفيون المظهر ~~المجهول. ومن هذا الجنس قوله: # ملوك يبتنون توارثوها ... سرادقها المقاود والقبابا # أراد (ملوك يبتنون المقاود والقباب توارثوها سرادقها) فقوله (يبتنون ~~المقاود # PageV01P113 # والقباب) صفة للملوك أيضا وموضعها التأخير، فقدمها، وهو يريد بها موضعها، ~~كقولك (مررت برجل، يكلمها، مار بهند) أي (مار بهند يكلمها) فقدم الصفة # الثانية، وهو معتقد تأخيرها. وقد استعمل الفرزدق هذا الضرب كثيرا، كأنه ~~كان يقصد ذلك في شعره ويتعمده، لأن مثل هذا لا يجيء إلا متكلفا مقصودا، ~~وإلا فإذا ترك المؤلف نفسه تجري على سجيتها وطبعها في الاسترسال، من غير أن ~~يكلفا التعقيد في الكلام، فإنها لا تأتي بمثل هذه الأسباب القبيحة، التي هي ~~عيب في التأليف فاحش، ألا ترى أن المقصود من الكلام معدوم في هذا الضرب ~~المذكور، لأن المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح، والإبانة وإفهام المعنى، ~~فإذا ذهب هذا الوصف من الكلام ذهب المراد به والمقصود منه، وصار غير مفهوم ~~ولا فرق بينه - عند ذلك - وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما. ~~فاعرف ذلك. # واعلم أن من التقديم والتأخير بابا عجيبا المأخذ، كثير الفائدة، وافر ~~اللطائف، وهو باب الاستفهام، فإن حاجة المؤلف الكلام إليه ماسة. ولنورد في ~~كتابنا هذا منه ما يروقك، أيها المتأمل، ويذهب بك في الاستحسان كل مذهب، ~~فنقول: اعلم أنك إذا بدأت في الاستفهام بالفعل فقلت (أفعلت كذا وكذا) كان ~~الشك في الفعل، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده لا غير. وإذا قلت: ~~(أأنت فعلت) فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل وحده. وهذا المعنى ms080 قائم في ~~الهمزة، إذ هي كانت للتقرير، فإذا قلت (أأنت فعلت ذاك) كان غرضك أن تقرره ~~بأنه الفاعل، قال الله تعالى (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) حكاية عن ~~قوم نمرود، لأنهم لم يقولوا ذلك لإبراهيم - عليه السلام - وغرضهم أن يقر ~~لهم أن كسر الأصنام كان ووجد، لأن ذلك معلوم عندهم، وقد شاهدوه رأي العين، ~~والاستفهام إنما يكون عن شيء لا يعلم وإنما غرضهم الإقرار بأن ذلك حدث منه، ~~لأنه قال - صلوات الله عليه - في الجواب لهم (بل فعله كبيرهم هذا) ولو كان ~~التقرير بالفعل لكان الجواب (فعلت أو لم أفعل) فالهمزة مما ذكرناه تقرير ~~لفعل قد كان وإنكار له، لم # كان، وتوبيخ لفاعله عليه، ولهذا مذهب آخر # PageV01P114 # وهو أن تكون الهمزة لإنكار أن يكون الفعل من أصله، ومثاله قوله تعالى ~~(أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما). ~~وقوله تعالى (أصطفى البنات على البنين مالكم كيف تحكمون). فهذا رد على ~~المشركين، وتكذيب لهم في قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم، وإذا قدم ~~الاسم في هذا صار من الإنكار في الفاعل، كما تقول للرجل إذا انتحل شعرا ~~(أأنت قلت هذا الشعر، كذبت، لست ممن يقول مثله) فأنكرت أن يكون هولا القائل ~~ولم تنكر الشعر. وقد يكون المراد إنكار الفعل من أصله ثم يخرج اللفظ مخرجه ~~إذا كان الإنكار في الفاعل مثال ذلك قوله تعالى (قل أرأيتم ما أنزل الله ~~لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا). ومعلوم أن المعنى على إنكار إنه قد ~~كان من الله إذن فيما قالوا من غير أن يكون هذا الأذن قد كان من غير الله، ~~فأضافوه إلى الله، إلا أن اللفظ أخرج مخرجه ليكون أشد لنفي ذلك ولفظا له. ~~ونظيره قوله تعالى (آالذكرين حرم أم الأنثيين) فأخرج اللفظ مخرجه إذ كان قد ~~ثبت تحريم في أحد أشياء ثم أريد معرفة عين المحرم، مع أن المراد إنكار ~~التحريم من أصله، ونفي أن يكون قد حرم شيئا مما ذكروا أنه محرم. هذا هو ms081 ~~الفرق بين تقديم الاسم، وتقديم الفعل الماضي، فإذا كان الفعل مضارعا فالقول ~~في ذلك أنك إذا قلت (أنفعل كذا) لم يخل من أن تزيد الحال أو الاستقبال، فإن ~~أردت الحال كان المعنى شبيها بالماضي، كما ذكرنا، وان أردت الاستقبال كان ~~المعنى إذا بدأت بالفعل أنك تعمد إلى إنكار الفعل نفسه، وتزعم إنه لا يكون، ~~أو إنه لا ينبغي أن يكون. فمثال الأول قول امرئ القيس: # PageV01P115 # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ # فهذا تكذيب منه لإنسان يهدده بالقتل. وعلى هذا جاء قوله تعالى ~~(أنلزمكموها وأنتم لها كارهون). ومثال الثاني قولك للرجل يركب الخطر (أنخرج ~~في هذا الوقت؟ # أتغرر بنفسك)؟ ومنه قول الشاعر: # أأترك أن قلت دراهم خالد ... زيارته إني إذا للئيم؟ # فإن بدأت بالاسم فقلت (أأنت تفعل) أو قلت (أهو يفعل) كنت موجها للإنكار ~~إلى نفس المذكور وأبيت أن يكون بمثابة من يجيء منه الفعل، إما لقصور همته ~~وعجزه، مع أن يكون ذلك في وسعه، وإما لارتفاع قدره، وعلو همته. فمثال الأول ~~قولك: أهو يرتاح للجميل، هو أصغر همة من ذلك وقولك (أأنت تمنعني، أأنت تأخذ ~~على يدي) تعني أنك أعجز من ذلك، ومثال الثاني قولك (أهو يسأل فلانا هو أرفع ~~قدرا من ذلك). وأعلم أن محض المعنى من الاستفهام، الذي تفسره بالإنكار هو ~~تنبيه للسامع، حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع، قال الله تعالى (أفأنت تسمع ~~مع الصم أو تهدي العمي) على سبيل التمثيل والتشبيه، كقولهم (أأنت تصعد إلى ~~السماء) لأن أسماع الصم مما لا يدعيه أحد، وكذلك الصعود إلى السماء. ومثله ~~قول بعضهم: # فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟ # PageV01P116 # وأعلم أن حال المفعول فيما ذكرناه حال الفعال في أن تقديم اسم المفعول ~~يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون بمثابة من يوقع ~~به ذلك الفعل، فإذا قلت (أزيدا تضرب) أنكرت أن يكون بمنزلة من يجترأ عليه، ~~ولذلك قدمت (غير) في قوله تعالى (أغير الله أتخذ وليا) وقوله تعالى (قل ~~أرأيتكم إن ms082 أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون). # وكان لذلك من المزية والحسن والفخامة ما يعلم إنه لو أخرت (غير) فقيل ~~(أأتخذ غير الله وليا، أو تدعون غير الله) لما كان مؤديا من المعنى ما كان ~~يؤديه مع تقدمها، وذلك إنه حصل بالتقدير معنى قولك (أيكون غير الله بمنزلة ~~من يتخذ وليا أو يرضى عاقل لنفسه أن يفعل ذلك) و (أيكون جهل أجهل وعمى أعمى ~~من # ذلك) ولا يكون شيء من هذا الذي ذكرناه إذا قيل (أأتخذ غير الله وليا) ~~وذلك لأنه يتناول الفعل أن يكون فقط، ولا يزيد على ذلك شيئا، فهذا هو القول ~~في الضرب الأول. # وأما الضرب الثاني: # وهو أن يكون يفعل لفعل موجود، فإن تقديم الاسم يقتضي تشبيها بما اقتضاه ~~في الفعل الماضي، من الإقرار بأنه الفاعل، أو الإنكار أن يكون هو الفاعل. ~~فمثال الأول قوله تعالى (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وقوله تعالى ~~(أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) فحكم المضارع في الآية ~~الأولى حكم الماضي في الآية الثانية، ومثال الثاني قوله تعالى (أهم يقسمون ~~رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم) فافهم ذلك. وأعلم أني قد أطلقت عنان ~~الكلام في مسائل الاستفهام ليتبين أن للعربية أسرارا لا يطلع على خباياها، ~~ولا # PageV01P117 # يقدر قدر مزاياها إلا من تغذي بليان البلاغة طفلا ونشا عليها كبيرا ~~وصغيرا، وسلك مناهج هذا العلم، وفاز منه بأوفر الحظ والقسم. ولا يتسع لهذا ~~الضرب من التأليف نطاق هذه الأوراق ولا يمكن أن يودع ما فيه من اللطائف، ~~صفحات ما حررناه من هذه الصحائف، والذي عليه مدار المعول، فيما نورده من ~~المجمل والمفصل، هو البحث عن أسرار البلاغة، والإبانة عن الشيء الذي به ~~يشرف الكلام، وتحصل له المزية على سواه، فتدير ذلك وقس عليه. ### | القسم السادس من النوع الثالث # في الاعتراض وهو شعبة من (علم البيان) تتكاثر محاسنها # اعلم أن الجائز من هذا القسم. وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب النحو، فإنه ~~يكون مستقصى فيها، كالاعتراض بين القسم ms083 وجوابه، وبين الصفة والموصوف، وبين ~~المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك مما يجوز استعماله، وكالاعتراض بين ~~المضاف والمضاف إليه، وبين إن واسمها، وبين حرف الجر ومجروره، وأمثال ذلك ~~مما يقبح استعماله، وليس هذا مكانه لأن كتابنا هذا موضوع لمن استكمل معرفة ~~ذلك وغيره، مما أشرنا إليه في صدر الكتاب، وإن ما أشرنا إليه هاهنا من ~~الاعتراض ما يفرق المؤلف به بين الجيد منه والرديء لا ما يعلم به الجائز، ~~وغير الجائز، فاعرف ذلك. # واعلم أن الاعتراض ينقسم إلى قسمين: أحدهما لا يأتي في الكلام إلا ~~لفائدة، وهو جار مجرى التوكيد في كلام العرب، والآخر يأتي في الكلام ~~لفائدة. فما جاء منه قوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) هذا كلام فيه اعتراضان أحدهما ~~(وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) لأنه اعتراض بين القسم، الذي هو (فلا أقسم ~~بمواقع النجوم) وبين جوابه الذي هو (إنه لقرآن كريم) وفي نفس هذا الاعتراض ~~اعتراض آخر، بين الموصوف الذي هو (قسم) وبين صفته التي هي (عظيم) وهو قوله ~~تعالى (لو تعلمون) فذانك اعتراضان كما ترى، فلو جاء الكلام، غير معترض فيه، # PageV01P118 # لوجب أن يكون (فلا أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم) وفائدة هذا ~~الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هو تعظيم لشأن المقسم به، في نفس السابع، ~~ألا ترى قوله تعالى (لو تعلمون) اعتراضا بين الموصوف والصفة، وذلك أوقع في ~~الأنفس، لتعظيم المقسم به، أي # إنه من عظيم الشأن وفخامة الأمر بحيث لو علم ذلك لو في حقه من التعظيم. ~~وهذا مثل قولنا (إن هذا الأمر لعظيم، بحيث لو تعلم يا فلان عظمه، لقدرته حق ~~قدره). فإن ذلك يكبر في نفس المخاطب، ويعظم موقعه عنده، ويبقى متطلعا إلى ~~معرفة عظمه، ويترامى به وهمه إلى أعلى المنازل وأسبق الرتب. ومن هذا النحو ~~قوله تعالى (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن. وفصاله في ~~عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير) ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي طبق ms084 ~~مفصل البلاغة، فإنه لم يؤت به إلا لفائدة كبيرة، وذلك إنه لما وصى ~~بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق والمتاعب، في حمل الولد وفضاله، ~~إيجابا للتوصية بالوالدة وتذكيرا بحقها، وإنما خصها بالذكر دون الوالد، ~~لأنها تتكلف من أمر الولد ما لا يتكلفه الوالد، ومن ثم قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لمن قال له (من أبر): أمك ثم أمك. ثم قال بعد ذلك (أباك). ~~ومما جاء على هذا الأسلوب قوله تعالى (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله ~~مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم ~~آياته لعلكم تعقلون) فقوله تعالى (والله مخرج ما كنتم تكتمون) اعتراض بين ~~المعطوف والمعطوف عليه، وفائدته إنه يقرر في أنفس المخاطبين وقلوب السامعين ~~أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه ~~وكتمانه، لأن الله مظهر لذلك ومخرج له، ولو جاء الكلام خاليا من هذا ~~الاعتراض لكان (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها) ولا ~~يخفى على العارف بهذه الصناعة الفرق بين ذلك وبين كونه معترضا فيه، # PageV01P119 # ومن هذا الجنس قول النابغة: # لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلا علي الأفارع # فقوله (وما عمري علي بهين) من محمود الاعتراض ونادره، لما فيه من تفخيم ~~المقسم به. وعلى نحو هذا جاء قول كثير: # لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا # فقوله (وأنت منهم) من الاعتراض الذي يؤكد به المعنى المقصود فيزداد به ~~مزية ونبلا وفائدته هاهنا التصريح بما هو المراد تبينه في الأنفس وتقرره في ~~الأذهان، وقال بعضهم لعبد الله ابن طاهر أحسن ما قيل في هذا الباب: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # وأمثال هذا كثيرة. فاعرفه. # وأما الثاني وهو الذي في يأتي في الكلام لغير فائدة فهو ضربان: الأول أن ~~يكون دخوله في التأليف كخروجه منه، لا يؤثر حسنا ولا قبيحا، فمن ذلك قول ~~النابغة: # يقول رجال يجهلون خليقتي ... لعل زيادا لا أبا لك غافل # فقوله (لا ms085 أبا لك) اعتراض لا فائدة فيه، وليس (يؤثر) في هذا البيت حسنا ~~ولا قبحا، ومثله قول زهير: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # وكذلك قول بعض المحدثين: # صدودكم والديار دانية ... أهدى لرأسي ومفرقي شيبا # فذكر المفرق بعد الرأس بما لا فائدة فيه البتة. # ومن هذا القول أو الضرب قول ابن هانئ: # فلا مهجة في الأرض منك منيعة ... ولو قطرت في ريق أرقط أرقم # PageV01P120 # فإن قوله (أرقط) لا حاجة إليه ولا فائدة في ذكره، إذ لا فضل للأرقط من ~~الحيات على غيره من الألوان ولا مزية، وأمثال هذا كثيرة. # وأما الضرب الثاني الذي يكون مؤثرا في الكلام تقصا، وفي المعنى فسادا، ~~فما جاء منه قول بعضهم: # فقد والشك بين لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح # فان (في) هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره، وهو الفصل بين قد والفعل، ~~الذي هو (بين) وذلك قبيح لوجوب اتصال (قد) بما تدخل عليه من الأفعال، ألا ~~تراها تعتد مع الفعل كالجزء منه، ولذلك دخلت اللام المراد بها توكيد الفعل ~~على (قد) في قوله تعالى (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك) وفي قوله ~~تعالى (ولقد علموا لمن اشتراه). وقول الشاعر: # ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لغرور؟ # إلا إنه إذا فصل بين قد ولفعل بالقسم فإن ذلك لا بأس به، نحو قولك (قد ~~والله كان ذلك). وقد فصل بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي (هو) ~~عناء بقوله (بين) وفصل بين الفعل الذي هو (بين) وبين فاعله الذي هو (صرد) ~~بخبر المبتدأ الذي هو (عناء) فجاء هذا البيت كما ترى، فإن قبحه لا خفاء به ~~ومن هذا الجنس قول الآخر: # نظرت وشخصي مطلع الشمس ظله ... إلى الغرب حتى ظله الشمس قد غفل # أراد (نظرت مطلع الشمس) أي حاذاها، وعلى هذا التقرير فقد فصل بمطلع الشمس ~~بين المبتدأ الذي هو (شخصي) وبين خبره الجملة وهو قوله (ظله إلى الغرب). ~~وأغلط من ذلك الفصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي. وقد ms086 تقدم ذكره، وهذا ~~وأمثاله مما يفسد المعاني ويؤثر بها الاختلال. # PageV01P121 # واعلم أن الناثر في ذلك أكثر ملامة من الناظم، وأعظم عيبا، وذلك أن ~~الناظم يحتاج إلى إقامة ميزان الشعر، ويكون مجال الكلام عليه ضيقا في بعض ~~الاوقات، فليجثه طلب الوزن إلى إلقاء نفسه في مثل هذه المقابح، وأما الناثر ~~فإنه لا يحتاج إلى إقامة الميزان الشعري لكلامه، فلأجل ذلك يتسع عليه مجال ~~التأليف، وينطلق عنانه فيه كيف يشاء؛ ولهذا إذا اعتراض في كلامه اعتراض ~~يفسده توجه عليه الانكار، وحق عليه العتب والملام أكثر مما يتوجه على ~~الناظم. ### | النوع الرابع في الإيجاز # وهو حذف زيادات الكلام # هذا نوع من التأليف شريف لا يكاد يلجه إلا فرسان البلاغة ومن ضرب فيها ~~بالقدح المعلى، وذلك لعلو منزلته، وبعد مناله، والدليل على ذلك إنه أقل ~~أنواع التأليف استعمالا بين أرباب هذه الصناعة. # واعلم أن العرب اعتنوا بهذا الضرب من الكلام اعتناء زائدا ومما يدلنا على ~~إيثار القوم قوة إيجازهم وحذف فواصل كلامهم ما جاءوا به من الأسماء ~~المستفهم بها والأسماء المشروط بها، فانهم استغنوا بالحرف الواحد عن الكلام ~~الكثير، المتناهي في الطول، فمن ذلك قولهم (كم مالك) ألا ترى إنه قد أغناك ~~هذا عن قولك (أعسرة مالك أم عشرون أم ثلاثون أم مائة أم ألف؟) فلو ذهبت ~~تستوعب الأعداد لم تبلغ إلى ذلك أبدا، لأنه غير متناه، فلما قلت (كم) أغنتك ~~هذه اللفظة الواحدة عن تلك الألفاظ التي لا يحاط بها، وكذلك قولك (أين ~~منزلك) فإن لفظة (أين) تغنيك عن ذكر الأماكن كلها وكذلك (من عندك) فقد ~~أغنتك هذه اللفظة عن ذكر الناس كلهم. وأما الشرط ففي قولهم (من يقم أقم ~~معه) كناية عن # PageV01P122 # ذكر جميع الناس أيضا، ولولا ذلك لاحتجت أن تقول (إن يقم زيد أو عمر أو ~~جعفر أو نحو ذلك) ثم تقف حسيرا مبهورا، ولم تجد إلى غرضك سبيلا، وكذلك بقية ~~أسماء العموم في غير الإيجاب نحو (أحد وديار وغيرهما) فإذا قلت (هل عندك ~~أحد) أغناك ذلك عن أن تقول (هل ms087 عندك زيد أو عمر أو جعفر) فتطيل ثم تقصر ~~إقصار الكليل المنقطع. وهذا وغيره أظهر أمرا، وأبدى صفحة وعنوانا، فجميع ما ~~ذكرناه هاهنا شاهد بانصباب همم القوم إلى اختصار كلامهم وإيجاز لغتهم. # واعلم أن جماعة من أرباب هذه الصناعة أجمعوا على أن الكلام ينقسم قسمين: # فمنه ما يحسن فيه التطويل كالخطب والتقليدات، السلطانية، وكتب الفتوح ~~التي تقرأ في ملأ من عوام الناس؛ فإن الكلام إذا طال في مثل ذلك أثر عندهم ~~وأفهمهم، ولو اقتصر فيه على الإيجاز والإشارة لم يقع لأكثرهم حتى يقال في ~~ذكر الحرب (تطاعن الفريقان وتقاتلا، واشتد المصاع وحمي القراع). وما جرى ~~هذا المجرى، والمذهب الفصل في هذا الباب ما أذكره لك وهو أن فهم العامة من ~~الناس ليس شرطا معتبرا في اختياره، لأن ذلك لو كان شرطا لوجب قياسه أن ~~يستعمل في الكلام الألفاظ العامية المبتذلة عندهم، التي قد تداولوها بينهم ~~حتى يكون ذلك أقرب إلى فهمهم وأسهل مأخذا ومتناولها، لأن العلة بعينها في ~~اختيار المبتذل في الكلام، لأنه لا خلاف في أن العامة إلى فهمه أقرب من فهم ~~ما يقل ابتذالهم له، وتداولهم إياه. وهذا شيء مدفوع لا يجوز استعماله ~~البتة. وإنما الذي يجب على مؤلف الكلام اعتماده هو أن يسلك المذهب القويم، ~~ويجهد أن لا تزيد ألفاظه على معانيه مع الإيضاح لها والإبانة عنها، فإنه ~~إذا فعل ذلك خرج من عهدة الملامة، وليس عليه أن يفهم العامة كلامه فإن نور ~~الشمس إذا لم يره الأعمى (لا) يكون ذلك نقصا في استنارته، وإنما النقص في ~~بصر الأعمى حيث لا يستطيع النظر إليه قال الشاعر: # PageV01P123 # علي نحت المعاني من معادنها ... وما علي بأن لا تفهم البقر # وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الوضع، فلنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمتنا، من ~~الكلام على الإيجاز وحده وأقسامه. ولنوضح ذلك إيضاحا جليا، فنقول: اعلم أن ~~حد الإيجاز هو دلالة اللفظ على المعنى من أقرب طرقه، وهو ينقسم قسمين: ### | أحدهما الإيجاز بالحذف # وهو ما يحذف منه المفرد والجملة، لدلالة فحوى ms088 الكلام على المحذوف، ولا ~~يكون إلا فيما زاد معناه على لفظه. وأما القسم الآخر فهو ما لا يحذف منه ~~شيء، بل يترك على حاله، وهو ضربان: أحدهما ما ساوى لفظه معناه، ويسمى ~~التقدير، والآخر ما زاد معناه على لفظه، ويسمى القصر، # فأما القسم الأول، وهو الإيجاز بالحذف، وذلك باب دقيق المسلك، لطيف ~~المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، ~~والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما ~~تكون مبينا إذا لم تبن، وهذه جملة تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر، وهذا ~~القسم يشتمل على أربعة عشر بابا: ### | الأول: الاكتفاء بالسبب عن المسبب، عن السبب # ، وهو ضرب من الكلام، تتكاثر محاسنه، وتتزايد لطائفه. أما الاكتفاء ~~بالسبب عن المسبب فكقوله تعالى (وما كنت يجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر) كأنه ~~قال (وما كنت شاهدا لموسى وما جرى له وعليه، ولكنا أوحيناه إليك) فذكر سبب ~~الوحي على عادة اختصارات القرآن الكريم، لأن تقدير الكلام (ولكنا أنشأنا # PageV01P124 # بعد الوحي فاندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرفناك العلم ~~بقصص الأنبياء، وقصة موسى - عليهم السلام -). وأما الاكتفاء بالمسبب عن ~~المسبب فكقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) ~~تأويله، والله أعلم إذا أردت قراءة القرآن فاكتف بالمسبب الذي هو (القراءة) ~~عن السبب الذي هو (الإرادة) وهذا أولى من تأول من ذهب إلى إنه أراد (فإذا ~~تعوذت فاقرأ) لأن في ذلك قلبا لا ضرورة بك إليه. وأيضا فإنه ليس كل مستعيذ ~~بالله واجبة عليه القراءة؛ ومن ذلك قوله تعالى (فقلنا اضرب بعصاك الحجر ~~فانفجرت منه. . .) فاكتفي بالمسبب الذي هو (الانفجار) عن السبب الذي هو ~~(الضرب) وكذلك قوله تعالى (إذ قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) أي إذا ~~أردتم القيام إليها. واعلم إنه قد ورد في القرآن الكريم ما هو سبب وهو ~~بعينه مسبب، كقوله تعالى (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع ms089 هواه فتردى) ~~ألا ترى أن العبارة لنهي من لا # يؤمن عن صد موسى، والمقصود نهي موسى عن متابعة الصاد له عن التصديق ~~بالبعث، فقد صلحت العبارة إذا لأداء هذين المعنيين، وذلك أن صد الكفار عن ~~التصديق بالبعث سبب التكذيب، فذكر السبب ليدل به المسبب، وكأنه قال (لا ~~تكذب بالبعث) وأيضا فإن صد الكفار مسبب عن رخاوة الرجل في الدين، ولين ~~شكيمته، فذكر المسبب ليدل به على السبب كأنه قال (كن شديد الشكيمة ولا تكن ~~رخوا حتى لا يلوح منك لمن يكفر بالبعث أن يطمع في صدك عما أنت عليه). وهذا ~~كقولهم (لا أرينك هاهنا) المراد نهية عن مشاهدته والكون بحضرته، وذلك سبب ~~رؤيته إياه، فكان ذكر المسبب دليلا على السبب، وهذا من أظرف ما يرد في بابه ~~فاعرفه. ### | الضرب الثاني من القسم الأول من النوع الرابع # وهو الإضمار على شريطة التفسير # وذلك حذف الجملة من الكلام إذا كان ما بعدها يدل # PageV01P125 # عليها، وفيها من دقيق الصفة، وجليل الفائدة، ما لا خفاء به، فمما جاء منه ~~قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره الإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين). تقدير الآية (أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام كمن أقسى قلبه) ويدل على المحذوف قوله (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر ~~الله). ومن ذلك قوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا). تقديره (لا يستوي من ~~أنفق من قبل الفتح ومن أنفق من بعده). ويدل على المحذوف (أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا). ومن هذا الضرب حذف العلل كقوله تعالى ~~حكاية عن مريم عليها السلام: (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك ~~بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله # آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا). (ولنجعله) تعليل معلله محذوف أي ~~وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس، ونبين به أثر قدرتنا الباهرة. ومن ~~الإضمار على ms090 شريطة التفسير حذف المفعول الوارد بعد المشيئة والإرادة كقوله ~~تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم). فمفعول شاء هاهنا محذوف ~~وتقريره: ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وعلى نحو من ذلك ~~جاء قوله تعالى: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى). الآية. ومن هذا الضرب ~~قول البحتري: # لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد # فالأصل في ذلك (لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها) فحذف ذلك من ~~الأول استغناء بدلالته عليه في الثاني، فإن الواجب في حكم البلاغة أن لا ~~تنطق بالمحذوف، ولا تظهره إلى اللفظ، ولو أظهرته لصرت إلى كلام غث ومجيء ~~المشيئة بعد لو وبعد حروف الجزاء هكذا # PageV01P126 # موقوفة غير معداة إلى شيء، كثير شائع بين البلغاء، ولقد تكاثر هذا الحذف ~~في (شاء وأراد) حتى إنهم لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب ~~نحو قوله تعالى: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء) ~~الآية. وعلى هذا الأسلوب جاء قول الشاعر: # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # فلو كان على حد قوله تعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) لوجب أن ~~يقول: لو شئت لبكيت دما، ولكن ساحة الصبر أوسع، ولكنه ترك تلك الطريقة، ~~وعدل عنها إلى هذه، لأنه أليق في هذا الكلام خصوصا وسبب حسنه إنه كان بدعا ~~عجيبا، أن يشاء الإنسان أن يبكي دما، فلما كان مفعول المشيئة أمرا عظيما، ~~وبدعا غربيا كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر. فاعرف ذلك. ### | الضرب الثالث من القسم الأول # من النوع الرابع وهو حذف الفعل وجوابه # فأما حذف الفعل؛ فكقوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه) حتى (وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم، فلا تطعهما. . .) ومن هذا الباب قوله ~~تعالى: (وقضى ربك # PageV01P127 # ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا). وكذلك قوله، عز اسمه: (ولقد قال ~~لهم هارون من قيل: يا قوم إنما فتنتم به) إلى قوله (. . . ولم ترقب قولي) ~~ألا ترى ms091 كيف حذف الفعل في هذا الموضع مكررا فإن تقديره: فلما رجع موسى ~~إليهم، ورآهم على تلك الحالة من عبادة العجل، قال لأخيه: (يا هرون ما منعك ~~إذ رأيتهم ضلوا. . .) الآية، وأخذ بلحيته ورأسه، إنكارا عليه وغضبا. قال له ~~هارون: (يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) الآية. # ومن هذا الضرب إيقاع الفعل على شيئين، وهو لأحدهما، كقوله تعالى: ~~(فاجمعوا أمركم وشركاء كم) فأوقع الفعل من (اجمعوا) على أمركم وشركاءكم، ~~وهو (لأمركم) وحده. وإنما المراد: أجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم؛ لأن معنى ~~(أجمعوا): من أجمع الأمر، إذا نواه وعزم عليه. وقد قرأ أبي (فأجمعوا أمركم ~~وادعوا شركاءكم) وهذا دليل على أشرنا إليه، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله ~~بن مسعود فاعرف ذلك. ### | ومن حذف الفعل باب يسمى: (إقامة المصدر مقام الفعل) # وهو باب لطيف المأخذ، وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة والتوكيد؛ كقوله ~~تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب). قوله: (فضرب الرقاب) وأصله: ~~فاضربوا الأعناق ضربا؛ فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وفي ذلك اختصار مع ~~إعطاءه (معنى) التوكيد المصدري، فاعرفه. # PageV01P128 # وأما حذف جواب الفعل، فإنه يكون في الأمر كقوله تعالى: (ولقد آتينا موسى ~~الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا. . .) إلى قوله: (. . . تدميرا) ألا ~~ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؛ فإن تقديره: فقلنا: اذهبا إلى القوم ~~الذين # كذبوا بآياتنا، فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميرا. فذكر حاشيتي ~~القصة؛ أولها وآخرها، لأنهما المقصود من القصة بطولها، يعني إلزام الحجة ~~ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: (قالوا ~~يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف. . .) إلى قوله (. . . وهم لا يشعرون). ~~اعلم أن في جواب الأمر من هذا الكلام محذوفا تقديره (فأرسله معهم)، وبدلنا ~~على ذلك ما جاء به بعده من قوله تعالى: (فلما ذهبوا به. كما حذف أيضا في ~~قوله عز وجل): (وقال الذي نجا منهما واد كر بعد أمة. . .) إلى قوله (. . . ~~بقرات سمان). الآية. # فجواب الأمر في هذا الموضع محذوف وتقديره. فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال ~~له: ms092 (يوسف أيها الصديق). وكذلك قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به فلما ~~جاءه الرسول. . .) إلى قوله: (. . . كيد الخائنين). ففي هذا الكلام حذف ~~واختصار استغني عنه بدلالة الحال عليه، وتقديره (فرجع الرسول إلى الملك ~~برسالة يوسف، فدعا الملك بالنسوة وقال لهن ما خطبكن). # PageV01P129 # فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات، التي كأنها لم تحذف من الكلام ~~لظهور معناها وبيانه، ودلالة الحال عليه. وعلى نحو من ذلك ينبغي أن تكون ~~الحذوف فاعرفها. ### | الضرب الخامس من القسم الأول من النوع الرابع # وهو حذف المضاف والمضاف إليه وإقامة كل منهما مقام الآخر # وذلك باب طويل عريض سائغ. في كلام العرب. وإن كان أبو الحسن الأخفش لا ~~يرى القياس عليه، فأما حذف المضاف فكقوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ~~ومأجوج وهم من كل حدب. . .) (فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج) وهو # سدهما، كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى: (واسأل القرية) أي أهل ~~القرية. ومن هذا الضرب قوله تعالى: (ولكن البر من اتقى) أي بر من اتقى، وإن ~~شئت كان تقديره (ولكن ذا البر من اتقى) والأول أجود، لأن حذف المضاف ضرب من ~~الانساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ، لأن الانساع بحذف الإعجاز أولى منه ~~بحذف الصدور. وقد حذف المضاف مكررا نحو قوله تعالى: (فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول) أي من أثر حافر فرس الرسول. وهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره. وأما ~~حذف المضاف إليه (فإنه قليل الاستعمال؛ فما جاء منه قوله تعالى): (لله ~~الأمر من قبل ومن بعد) أي من قبل ذلك ومن بعده. # PageV01P130 ### | الضرب السادس من القسم الأول من النوع الرابع # وهو حذف الموصوف والصفة وإقامة كل منهما مقام الآخر # وأكثر ذلك يجيء في الشعر، وإنما كانت كثرته في الشعر دون الكلام المنثور؛ ~~لأن القياس يكاد يحطره؛ وذلك لأن الصفة تأتي في الكلام على ضربين: إما ~~للتأكيد والتخصيص وإما للمدح والذم، وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل، ~~لا من مقامات الإيجاز والاختصار. وإذ كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به. هذا ~~مع ما ينضاف إلى ذلك ms093 من الالتباس وضد البيان، ألا ترى أنك إذا قلت: (مررت ~~بطويل) لم بين من ظاهر هذا اللفظ الممرور به؛ إنسان هو أم رمح أم ثوب أم ~~غير ذلك. وإذا كان الأمر كذلك فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه أو ~~شهدت به الحال. وكلما استبهم الموصوف كان حذفه غير لائق. # ومما يؤكد عندك ضعف حذف الموصوف أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف ~~موصوفه؛ وذلك أن تكون الصفة جملة نحو: (مررت برجل قام أبوه، ولقيت (غلاما) ~~وجهه حسن) ألا تراك لو قلت: مررت بقام أبوه ولقيت وجهه حسن لم يجز. # واعلم إنه قد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله ~~تعالى: (وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك). (أي قوم دون ذلك) فأما حذف الصفة ~~وإقامة الموصوف مقامها فإنه لا يكون إلا فيما دلت الحال عليه، فمن ذلك ما ~~حكاه صاحب الكتاب من قولهم: (سير عليه ليل) وهم يريدون: (ليل طويل). وإنما ~~حذفت الصفة في هذا # PageV01P131 # الموضوع لما دل من الحال على موضعها، وذلك إنه يحسن في كلام القائل لذلك ~~من التصريح والتلويح والتفخيم والتعظيم بما يقوم مقام قوله: (طويل) أو نحو ~~ذلك. وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته؛ وهو أن يكون في # مدح إنسان والثناء عليه (فتقول: (كان) والله رجلا) فتزيد في قوة اللفظ ~~بالله في هذه الجملة وتمكن في مط اللام وإطالة الصوت بها؛ أي رجلا فاضلا، ~~أو شجاعا، أو كريما، أو جرى هذا المجرى من الصفات، وكذلك تقول: (سألناه ~~فوجدناه (إنسانا أي) إنسانا سمحا أو جوادا أو ما أشبه). وتمكن الصوت ~~(بإنسان) وتفخمه، وتستغني عن وصفه بقولك: (إنسانا سمحا أو جوادا أو ما ~~أشبه) فعلى هذا أو نحوه تحذف الصفة، فأما إن عريت من الدلالة عليها من ~~اللفظ والحال فإن حذفها لا يجوز. ألا تراك لو قلت: (وردنا البصرة فاجتزنا ~~بالأبلة على رجل، أو (رأينا إنسانا) ثم سكت لم يفد ذلك شيئا؛ لأن هذا ونحوه ~~مما لا يخلو ذلك المكان منه، وإنما المقصود ms094 أن تصف من ذكرت وما ذكرت، فإن ~~لم تفعل فقد كلفت علم ما لم تدلل عليه، وهذا لغو من الحديث وجور في ~~التكليف. # ومن حذف الصفة ما روي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة ~~لجار المسجد إلا في المسجد) أي لا صلاة كاملة أو فاضلة أو نحو ذلك. فأعرف ~~ما أشرنا إليه وتدبره فإنه ضرب من الكلام رقيق وغور من العربية سحيق. # PageV01P132 ### | الضرب السابع من القسم الأول من النوع الرابع # وهو حذف الشرط وجوابه # فأما حذف الشرط فنحو قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة، ~~فإياي فاعبدون). ألا ترى أن الفاء في قوله: (فاعبدون)، جواب شرط محذوف؛ لأن ~~المعنى: أن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرضي فأخلصوها في ~~غيرهما، ثم حذف الشرط، وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى ~~الاختصاص والإخلاص. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا، أو به أذى من رأسه # ففدية) أي فحلق فعليه فدية، وكذلك قولهم: (الناس مجزبون بأعمالهم إن خيرا ~~فخيرا، وإن شرا فشرا) أي (إن) فعل المرء خيرا جزي خيرا، وإن فعل شرا جزي ~~شرا. ومن حذف الشرط قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في ~~كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون). اعلم أن ~~هذه الفاء في قوله تعالى (فهذا يوم البعث) هي الفاء التي في قول الشاعر: # . . . فقد جئا خراسانا # PageV01P133 # وحقيقتها أنها جواب شرط محذوف يدل عليه الكلام، كأنه قال: (إن صح ما قلم ~~أن خراسان أقصى ما يراد بنا، فقد جئنا خراسان وآن لنا أن نخلص). وكذلك هذه ~~الآية يقول تعالى: (إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث) أي قد تبين بطلان ~~قولكم. وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفه. # وأما حذف جواب الشرط، فكقوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله. ms095 . .) إلى قوله: (. . . ~~الظالمين). فإن جواب الشرط هاهنا محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند الله ~~وكفرتم به، ألستم ظالمين. ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: (إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين) وأمثال هذا كثيرة، وهو ضرب من علم البيان، تتوفر ~~لطائفه، فاعرفه. ### | الضرب الثامن من القسم الأول من النوع الرابع # في حذف القسم وجوابه # وأما حذف القسم، فنحو قولك: (لأفعلن)، أو غير ذلك من الأقسام المحلوف ~~بها. وأما حذف جوابه، فكقوله تعالى: (والفجر وليال عشر) إلى قوله (. . . ~~مثلها في البلاد). فإن جواب القسم هاهنا محذوف، تقديره: لنعذ بن، أو نحوه. ~~ويدل على # ذلك ما بعده من قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد. . .) إلى قوله: ~~(سوط # PageV01P134 # عذاب). ومن هذا النحو قوله تعالى: (ق، والقرآن المجيد)، إلى قوله: ~~(عجيب). فإن معناه: والقرآن المجيد لتبعثن، والشاهد على ذلك ما جاء بعده، ~~من ذكر البعث في قوله: (أئذا متنا وكنا ترابا، ذلك رجع بعيد). وقد ورد هذا ~~الجنس في القرآن كثيرا. ### | الضرب التاسع من القسم الأول من النوع الرابع # في حذف (لو) وجوابها # وهو من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها، فأما حذف (لو) فكقوله تعالى: (ما اتخذ ~~الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض). # وأما حذف جوابها (فكقوله تعالى): (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت واخذوا من ~~مكان قريب). فإن جواب (لو) هاهنا محذوف وتقديره (لرأيت أمرا عظيما، وحالا ~~هائلة) أو غير ذلك مما جرى هذا المجرى. # ومن هذا الجنس قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين أو ~~يعلم. . .) إلى قوله (ولا هم ينصرون). تقديره: لو يعلمون الوقت الذي ~~يستعجلونه؛ وهو وقت صعب، شديد، محيط بهم، فيه النار من وراء وقدام، فلا ~~يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بتلك ~~الصفة، من الكفر والاستهزاء والاستعجال، # PageV01P135 # ولكن جهلهم به هو الذي هونه عليهم. # ومن ذلك أيضا قوله تعالى: (لو إن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن ms096 شديد) فجواب ~~(لو) في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى: (ولو أن قرأنا سيرت به ~~الجبال) أي لو أن لي بكم قوة لدفعتكم أو منعتكم، أو ما أشبهه. وكذلك (قوله # تعالى): (ولو أن قرأنا سيرت به الجبال) أي: لكان هذا القرآن. ### | الضرب العاشر من القسم الأول من النوع الرابع # في حذف جواب (لما) وجواب (أما) وجواب (إذا) # فأما جواب (لما) فكقوله تعالى (فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا. إنا كذلك نجزي المحسنين) فإن جواب (لما) هاهنا ~~محذوف وتقديره (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت ~~الرؤيا) كان ما كان مما تنطق به الحال، ولا يحيط به الوصف، من استبشارهما ~~واغتباطهما، وشكرهما على ما أنعم به عليهما، مندفع البلاء العظيم، بعد ~~حلوله، وما أشبه ذلك مما اكتسباه بهذه المحنة، من عظائم الوصف، دنيا وآخرة. ~~وقوله (إنا كذلك نجزي المحسنين). تعليل ما خولهما من الفرح والسرور بعد تلك ~~الشدة العظيمة. # وأما حذف جواب (أما) فنحو قوله تعالى: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ~~بعد إيمانكم). # وأما حذف جواب (إذا) فمثاله قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ~~أيديكم # PageV01P136 # وما خلفكم لعلكم ترحمون وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها ~~معرضين). ألا ترى كيف حذف الجواب عن (إذا) من الكلام، وهو مدلول عليه يقوله ~~تعالى (إلا كانوا عنها معرضين). كأنه قال (إذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم ~~وما خلفكم لعلكم ترحمون). ثم قال: (ودأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة). ### | الضرب الحادي عشر من القسم من النوع الرابع # في حذف (لا) من الكلام وهي مرادة # وذلك كقوله تعالى: (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من ~~الهالكين) فقوله: (تفتأ) يريد: لا تفتأ فحذف (لا) من الكلام، وهي مرادة. ~~والمعنى: # تالله لا تزال تذكر يوسف. # ومن هذا الضرب قول امرئ القيس: # فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # تقديره: لا أبرح قاعدا، فحذفت: (لا) من ms097 هذا الموضع، وهي مرادة، وقس عليه. ### | الضرب الثاني عشر من القسم الأول من النوع الرابع # في الاستئناف # وهو حذف السؤال المقدور؛ وذلك ضرب من التأليف لطيف الأمر، عجيب المغزى، ~~ولا تجد بابا من أبواب الحذوف أحسن مأخذا منه، ولا أطرف خبرا، وهو ينقسم ~~قسمين: # الأول: إعادة الأسماء والصفات. # PageV01P137 # اعلم أن هذا القسم يجيء تارة بإعادة اسم من تقدم الحديث عنه، كقولك: ~~(أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان) وتارة يجيء بعادة صفة، كقولك (أحسنت ~~إلى زيد) صديقك القديم أهل لذلك منك) وهو أحسن من الأول وأبلغ، لانطوائه ~~على بيان الموجب للإحسان وتخصيصه، فمما جاء من هذا الباب قوله تعالى: (الم ~~ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. . .) إلى قوله (. . . المفلحون). # اعلم إنه لما قيل (هدى للمتقين) بأن الكتاب لهم هدى فاتجه للسائل أن ~~يقول: (ما بالهم خصوا بذلك)؟ فوقع قوله: (الذين يؤمنون بالغيب) إلى سياقه ~~كالجواب، وجيء بصفة (المتقين) المنطوية تحتها خصائصهم التي استوجبوا بها من ~~الله - عز وجل - الطف والاختصاص على غيرهم، أي الذين هذه عقائدهم وأعمالهم ~~أحقاء بأن يهديهم الله وأن يعطيهم الفلاح. # وإن جعلت قوله تعالى: (. . . الذين يؤمنون بالغيب. . .) إلى آخر قوله: (. ~~. . # وبالآخرة هم يوقنون) تابعا (للمتقين)، وقع الاستئناف على (أولئك) كأنه ~~قيل: (وما للمتقين). بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ فأجبت: أن أولئك ~~الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس، بالهدى عاجلا، وبالفلاح آجلا، ~~فافهم ذلك وتدير رموزه ودقائقه. # الثاني: الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات. # وذلك كقوله تعالى: (وما لي أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) إلى قوله (. . ~~. المكرمين). # PageV01P138 # اعلم أن مخرج هذا القول مخرج الاستئناف، لأن ذلك من مظان المسألة عن حالة ~~عند لقاء ربه، كأن قائلا قال له: (كيف حال هذا الرجل عند لقاء ربه بعد ذلك ~~التصلب في دينه والتسخي لوجهه بروحه)؟ فقيل: قيل ادخل الجنة، ولم يقل: (قيل ~~له) لانصباب الغرض إلى القول وعظمه لا إلى المقول له مع كونه معلوما. # وكذلك قوله تعالى (يا ليت قومي) مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد. # ومن ms098 هذا القسم أيضا قوله تعالى: (يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف ~~تعملون) إلى قوله (معكم رقيب). # اعلم أن مخرج الفرق بين إثبات الفاء في سوف كقوله تعالى: (قل يا قوم ~~اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب (يخزيه) ويحل عليه ~~عذاب مقيم). وبين حذف الفاء هاهنا في هذه الآية (أن) إثباتها وصل ظاهر بحرف ~~موضوع للوصل، وبحذفها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، ~~كأنهم قالوا: ماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: (سوف ~~تعلمون) فوصل تارة بالفاء وتارة بالاستئناف، للتفنين في البلاغة على عادة ~~بلغاء العرب. وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف. وهو قسم من أقسام علم ~~البيان تتكاثر محاسنه. ### | الضرب الثالث عشر من القسم الأول من النوع الرابع # في حذف الواو وإثباتها # اعلم إنه حذفت الواو وأثبتت في مواضع، فأما إثباتها فكقوله تعالى: (وما ~~أهلكنا من # PageV01P139 # قرية إلا لها منذرون). وعلى هذا فلا يجوز حذف الواو وإثباتها في كل ~~المواضع، وإنما يجوز ذلك فيما هذا سبيله من هاتين الآيتين لا غير. # ولنبين في ذلك رسما تتبعه فنقول: اعلم أن كل اسم نكرة جاء خيره بعد (إلا) ~~يجوز إثبات الواو في خبرة وحذفها كقولك (ما رأيت رجلا إلا وعليه ثياب) وإن ~~شئت (قلت) (إلا عليه ثياب)، فإن كان الذي يقع على النكرة (ناقصا) فلا يكون ~~إلا بحذف الواو، نحو قولك (ما أظن درهما إلا هو (كافيك) ولا يجوز (إلا وهو ~~كافيك) لأن الظن يحتاج إلى شيئين فلا يعرض فيه بالواو لأنه يصير كالمكتفى ~~من الأفعال باسم واحد، وكذلك أخوات (ظننت) وكان وأن وما أشبههما) فخطأ أن ~~تقول: (إن رجلا وهو قائم) و (أظن رجلا وهو قائم). أو (ما كان رجل إلا وهو ~~قائم)، ونحو ذلك، ويجوز هذا في (ليس) خاصة، تقول: (ليس أحد إلا وهو قائم)، ~~لأن الكلام يتوهم تمامه بليس وبحرف ونكرة، إلا ترى أنك تقول (ليس أحد وما ~~من أحد)، فجاز فيها ولم يجز في (أظن) لأنك لا تقول: ms099 (ما أظن أحدا). فأما ~~(أصبح وأمسى ورأيت) فإن الواو فيهن أسهل لأنها توام في حال، و (كان وأظن) ~~ونحزهما بنين على النقص إلا إذا كانت تامة، وكذلك (لا) التبرئة وغيرها نحو ~~(لا رجل، وما من رجل) فيجوز إثبات الواو فيها وحذفها. فاعرف ذلك وقس عليه. # PageV01P140 ### | الضرب الرابع عشر من القسم الأول من النوع الرابع # في الحذف الذي يوجب الإخلال في الكلام # وذلك ما يحذف من أصل اللفظ وهو إسقاط بعض حروفه. ولا يحسن استعماله في # التأليف لكنه يجوز؛ لأن العرب قد أوردته في أشعارها واستعملته في كلامها، ~~فحذفت بعض الألفاظ استخفافا حذفا يخل بالباقي ويعرض له بالشبهة. ألا ترى ~~إلى قول علقمة: # كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم # فقوله (. . . بسبا الكنانة) يريد (بسبائب الكتان) وكذلك قول لبيد: # درس المنا بمتالع فأبان. # أراد (المنازل) وعلى نحو من هذا جاء قول أبي دؤاد: # يذرين جندل حائر لجنوبها ... فكأنما تذكي سنابكها الحبا # أراد (الحباحب). # PageV01P141 # وهذا وأمثاله قليل جدا فاعرفه. وإياك، أيها المؤلف، أن تستعمله في كلامك ~~وإن كان كان جائزا. وقد ورد في أشعار العرب مثله. # وأما القسم الثاني من النوع الرابع فهو الإيجاز من حذف؛ وذلك ضربان: ~~الأول ما يساوي لفظه معناه ويسمى التقدير؛ فمما جاء منه قوله تعالى: (قتل ~~الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه. . .) إلى (يقض ما أمره). فقوله: (قتل ~~الإنسان) دعاء عليه. وقوله: (ما أكفره) تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله ~~- عز وجل -. ولا ترى أسلوبا أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أحسن متناولا، ~~ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة على قصر متنه. ثم إنه أخذ ~~في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه، فقال تعالى: (من أي شيء ~~خلقه، من نطفة خلقه فقدره). إي هيأه لما يصلح له (ثم السبيل يسره) أي سهل ~~سبيله وهو مخرجه من بطن أمه، والسبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير ~~والشر. والأول أولى، لأنه تال لخلقته وتقديره. ثم بعد تيسيره سبيله لما ms100 ~~يختار من طريقي الخير والشر. (ثم أماته فأقبره) أي جعله ذا قبر يواري فيه. ~~(ثم إذا شاء أنشره) # أي أحياه. (كلا): ردع للإنسان عما هو عليه (لما يقض ما أمره) أي لم يقض، ~~مع تطاول زمانه، ما أمره الله - عز وجل - يعني أن إنسانا لم يخل من تقصير ~~قط. # ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف جزءا من أجزائه لما قدرت ~~على ذلك؟ لأنك كنت تذهب بجزء من معناه، ويختل عليك نظمه؛ فإن أسقطت الجملة ~~الأولى التي هي صدر الكلام زال معنى الدعاء عليه، وإن أسقطت الجملة ~~الثانية، زال معنى التعجب من كفران نعمة ربه. وإن أسقطت الحملة ~~الاستفهامية، أو غيرها زال ما تضمنته من المعاني التي لولاها لما كان، ~~فاعرف ذلك. # ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة: # PageV01P142 # وما لامرئ حاولته عنك مهرب ... ولو حملته في السماء المطالع # بلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع # فهذا هو الكلام، الذي ألفاظه وفاق معانيه. فإنه قد اشتمل على مدح رجل، ~~(في) شمول ملكه، وعموم سلطانه، وأن لا مهرب عنه لمن يحاوله وان صعد السماء، ~~ثم ذكر جميع المهارب، في المشارق والمغارب، فأشار إلى إنه يبلغ حيث يبلغ ~~الضياء والظلام، وذلك مما لم ترد عبارته على المعنى المندرج تحته ولا قصرت ~~عنه. # ومن هذا النحو ما جاء في كتاب النوادر. قول بعضهم: # ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدر! # فسل اللبيب تكن لبيبا مثله ... من يسع في علم باب يمهر # وتدير الأمر الذي تعنى به ... لا خير في عمل بغير تدير # فلقد يجد المرء وهو مقصر ... يخيب سعي المرء غير مقصر # ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر # وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور # فهذا النمط الرضي، والكلام العلي، والمنهج القويم، والصراط المستقيم ~~تروقك بهجته، إذا قرع سمعك، ويؤنسك إذا سكن قلبك، قد رقي درجات الإيجاز، ~~إلى أن يكاد ينزل بساحة الإعجاز، وأمثال ذلك كثير في كلام ms101 البلغاء، وفيما ~~ذكرته كفاية ومقنع. ### | الضرب الثاني من القسم الثاني من النوع الرابع # فيما زاد معناه على لفظه # ويسمى هذا الضرب (الإيجاز بالقصر)، والقرآن الكريم ملآن من ذلك، كقوله # PageV01P143 # تعالى (من كفر فعليه كفره) كلمة جامعة لما لا غاية وراءه ولا أمد فوقه من ~~المضار، لأن من ضاره كفره فقد أحاطت به كل مضرة، وكذلك قوله تعالى (ولقد ~~أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي. . .) إلى قول (. . . وما هدى) فقوله تعالى ~~(فغشيهم من اليم ما غشيهم) من جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني ~~الكثيرة. أي غشيهم من الأمور الهائلة، والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه إلا ~~الله تعالى، ولا يحيط به غيره، وعلى نحو من ذلك قوله تعالى: (إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان) الآية فإن هذه الآية من أجمع آية في القرآن الكريم، وقيل ~~إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأها على الوليد بن المغيرة فقال له: (يا ~~ابن أخي أعد) فأعاد النبي - عليه السلام - قراءتها عليه. فقال له (إن له ~~لحلاوة، وأن عليه لطلاوة وان أعلاه لمثمر، وأن أسفله لمغدق، وما هو بقول ~~بشر). ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر) فإنها ثلاث كلمات ~~تشتمل على أمر الرسالة وشرائعها وأحكامها على الاستقصاء. وأما قوله تعالى ~~(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) فإنه قد جمع في جميع مكارم ~~الأخلاق، لأن في # الأمر بالمعروف صلة الرحم، ومنع اللسان عن الريبة، وعن الكذب، وغض الطرف ~~عن المحرمات) وغير ذلك من أشياء لا تحصى. وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر ~~والحلم وغيرهما. وقد قال بعض الأعراب في الدعاء: (اللهم هب لي حقك وأرض عني ~~خلقك). ألا ترى إلى هذه الكلمات (و) ما حوت من المعاني # PageV01P144 # الكثيرة من العفو عن الزلل، والتجاوز عن الذنب، وغير ذلك مما جرى هذا ~~المجرى. وأما إرضاء الخلق فينطوي على أشياء طائلة لا يستغرقها الذكر. # ومن ذلك قوله تعالى: (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) فإنه أدخل تحت الأمن ~~جميع المخوفات، لأنه نفى به أن يخافوا شيئا من ms102 الفقر والموت وزوال النعمة ~~ونزول النقمة، وأضاف ذلك من أضاف المكاره. # وسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يقول لآخر: كفاك الله ما ~~أهمك. فقال: هذه البلاغة. فاعرف ذلك. # واعلم أن الأصل المعتبر في الإيجاز بالقصر أنك تذكر شيئا يقع على محتملات ~~متعددة، ألا ترى إلى قوله (تعالى): (فغشيهم من اليم ما غشيهم). وقوله ~~تعالى: (إن الله بأمر بالعدل والإحسان. . .). الآية، وقوله تعالى: (فاصدع ~~بما تؤمر). وقوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، وقوله ~~تعالى: (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). فإن هذه الآيات جميعها جارية في ~~المنهاج الذي أشرنا إليه، من أنك تذكر شيئا يقع على محتملات متعددة، وأمثال ~~ذلك في القرآن الكريم كثيرة. # ومن الإيجاز بالقصر باب يسمى (باب أفعل)، وهو التفضيل بين شيئين لا ~~يشتركان في الصفة التي يفضل بها أحدهما على الآخر. فمن ذلك قوله تعالى: (قل ~~من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا). إلى قوله: (وخير مردا) فقوله، ~~(خير عند ربك ثوابا) من مفاخرات الكفار، وإنما قال (خير ثوابا) وقد علم أن ~~مفاخرات الكفار ليس لها # PageV01P145 # ثواب حتى يجعل ثواب الصالحات خيرا منه، لأن ذلك على طريقة قولهم: تحية ~~بينهم ضرب وجيع. # فكأنه قال: ثوابهم النار ثم بني عليه (خير ثوابا). وفي ذلك ضرب من التهكم ~~الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له (عقابك النار). فإن قيل: فما وجه ~~التفضيل في الخير بين مفاخرات الكفار وثواب الصالحات؟ قلت: هذا من أوجز ~~كلام العرب. ومثله قولهم (الصيف أحر من الشتاء). أي أبلغ في حره من الشتاء ~~في برده. وهذا جائز، لأن الحر لا شك تتفاوت درجاته، فيكون بعضها أشد من ~~بعض، وكذلك البرد أيضا، فتقول العرب (الصيف أحر من الشتاء) أي إن حر الصيف ~~في بابه أبلغ من برد الشتاء في بابه، مثال ذلك: أن حر الصيف قد بلغ أنهى ~~درجاته، بل يكون قد بقى بينه وبين نهاية البرد درجة أو درجتان، فيكون حر ~~الصيف بالنسبة إلى أصل الحر أبلغ من برد ms103 الشتاء بالنسبة إلى أصل البرد. ~~وهذا مثل قولهم (العسل أحلى من الخل) وليس في الخل حلاوة حتى تفضل حلاوة ~~العسل عليها، وإنما المعنى في ذلك كالمعنى في الآية الأولى. . . وأمثال هذا ~~كثيرة، وقد ورد في القرآن الكريم في مواضع منه، كقوله تعالى في سورة ~~الفرقان: (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين، دعوا هنالك ثبورا. . .) إلى ~~قوله (. . . جزاء ومصيرا) وقد علم أن جهنم ليس فيها خير حتى يجعل الجنة ~~خيرا منها، بل هي شر محض، وعذاب لا خير فيه. # والأصل في هذه الآية ما أشرنا إليه أولا. . . فاعرفه إن شاء الله - تعالى ~~-. ### | النوع الخامس من الباب الأول من الفن الثاني # في الإطناب # اعلم أن هذا النوع من أنواع علم البيان، شديد الالتباس. كثير الاعتياص ~~وذلك أن # PageV01P146 # جماعة من الأئمة المشهورين في هذه الصناعة قد جعلوه بمنزلة التطويل الذي ~~هو ضد الإيجاز. وهذا غلط فاحش. # فمن جملة الأئمة الذين ذكروا ذلك، أبو هلال العسكري صاحب كتاب الصناعتين. ~~فإنه قال في كتابه: (الإطناب في الكلام إنما هو بيان، والبيان لا يكون إلا ~~للإشباع، وأفضل الكلام أبينه، والإيجاز للخواص، والإطناب يشترك فيه الخواص ~~والعوام، والأمر ما أطنب في الكتب السلطانية في إفهام الرعايا. وكما أن ~~الإيجاز له موضع، فكذلك الإطناب له موضع، والحاجة إلى الإيجاز في موضعه، ~~كالحاجة إلى الإطناب في موضعه). # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خاطبوا الناس على قدر عقولهم). ومن ~~استعمل الإيجاز في موضع الإطناب أو الإطناب في موضع الإيجاز فقد أخطأ. # ولا شك أن الكتب الصادرة عن السلطان في الأمور العظيمة في الفتوح ~~والتفخيم (في) مواقع النعم المتجددة، أو في الترغيب في الطاعة، والتحذير من ~~العصيان، وغير ذلك ينبغي أن تكون مشبعة مستقصاة)، ألا ترى أن كتاب المهلب ~~إلى الحجاج في فتح الأزارقة: (الحمد لله الذي كفى الإسلام فقد ما سواه، ~~وجعل الحمد متصلا بنعمته، وقضى أن لا ينقطع المزيد من فضله، حتى ينقطع ~~الشكر من خلقه. ثم إنا وعدونا على حالين مختلفتين، نرى فيهم ما يسرنا أكثر ~~مما ms104 يسوؤنا ويرون فينا ما يسوؤهم اكثر مما يسرهم. فلم يزل ذلك دأبنا ~~ودأبهم: ينصرنا الله ويخذلهم، ويمحصنا ويمحقهم حتى بلغ الكتاب بنا وبهم ~~أجله فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين). # PageV01P147 # وإنما يحسن هذا الكتاب لكونه في موضعه، فأما لو كتب إلى العامة، وقد ~~تطلعت نفوسهم إلى معرفة ذلك الفتح العظيم، وتصرفت بهم ظنونهم في أمره، لجاء ~~في أقبح صورة عندهم وأهجنها). # (واعلم، أن الإطناب بلاغة، والتطويل عي؛ فإن الإطناب بمنزلة سلوك طريق ~~بعيدة نزهة، تحتوي على زيادة فائدة، بما تأخذ النفس فيه من اللذة، والتطويل ~~بمنزلة سلوك ما يبعد جهلا بما يقرب). # فهذا حكاية كلام أبي هلال العسكري. ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك، فنقول: # أما قول أبي هلال: (الإطناب في الكلام، إنما هو بيان) فإن البيان في أصل ~~اللغة: هو الظهور والوضوح؛ فيكون الإطناب، على قوله، ظهورا في الكلام ~~ووضوحا لاغير، ويلزم على ذلك؛ أن يكون كل كلام ظاهر واضح إطنابا، سواء كان ~~ذلك الكلام، إيجازا أو غيره من أصناف علم البيان. وهذا مما لم يذهب إليه ~~أحد، لأن أبا هلال قد جعل الإطناب وصفا من الأوصاف التي يشترك فيها جميع ~~ضروب الكلام. وذلك أن البيان وصف يعم كل كلام ظاهر واضح، عن إيجاز أو تطويل ~~أو تكرير أو غير ذلك. وليس الأمر كما وقع له، بل الإطناب نوع واحد من أنواع ~~الكلام، فإن أصله (في) وضع اللغة من (أطنب في الكلام) إذا بالغ فيه. ~~والمبالغة لها وجوه وطرق، كالإخبار بالفعل الماضي عن المضارع، وبالمضارع عن ~~الماضي، وتوكيد الضمير المتصل بالمنفصل، وغير ذلك مما أشرنا إليه في ~~كتابنا. # ومن جملة الوجود والطرق التي للمبالغة الإطناب، وسيأتي ذكره وتحقيق القول ~~فيه، عند الفراغ من الاعتراض على كلام أبي هلال. وأما قوله: (إن البيان لا ~~يكون إلا بالإشباع) لأنه جعل الإطناب بيانا في القول الأول، وهذا لا يخلو ~~من حالين: إما إنه يعني بالإشباع أن يوصل المعنى إلى حقه، مأخوذا ذلك من ~~(الشبع) يقال (شبع فلان)، إذا وصل ms105 في أكله إلى حقه، وقدر كفايته، فإن كان ~~يعني بالإشباع ما ذكرناه فإن ذلك أمر عام لجميع ضروب الكلام # PageV01P148 # من الإيجاز، والتكرير، والمقابلة، والتفسير، وغيرهما، مما أشرنا إليه، ~~فإن كل ضرب من هذه الضروب المذكورة، إذا وصل الكلام فيه إلى حقه، يكون ~~إطنابا، فذلك من أعجب # الأشياء وأطرافها. وأن كان يعني بالإشباع الزيادة على قدر ما يستحقه ~~الكلام ويحتاج إليه، وذلك هو التطويل بعينه، فإنه يلزم من هذا القول، أن ~~التطويل في الكلام، إذا كان واضحا بينا، يكون من أفضل الكلام، وذلك ما لا ~~يوافق عليه، بحال من الأحوال، بل كان يحتاج في قوله: (إن أفضل الكلام ~~أبينه) إلى قرينة أخرى، وهو أن كان قال (أفضل الكلام أوجزه وأبينه)، فإنه ~~لو قال ذلك، لكان قوله صوابا لا يخالف فيه، وأما قوله (وكما أن الإيجاز له ~~موضع، فكذلك الإطناب له موضع، والحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى ~~الإطناب في موضعه، ومن استعمل الإيجاز في موضع الإطناب والإطناب في موضع ~~الإيجاز فقد أخطأ) فكأنه توهم من هذا القول، أن الإطناب ضد الإيجاز، وإذا ~~كان الأمر كذلك فهو التطويل بعينه. # ومما يقوى هذا الوهم قوله أيضا (إن الإيجاز للخواص، والإطناب يشترك فيه ~~الخواص والعوام). وأما قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خاطبوا ~~الناس على قدر عقولهم) فإن كان غرضه من قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~مخاطبة كل فريق من الناس بما يفهمونه فهذا لا يتعلق بصنف واحد من صنوف ~~الكلام، إطنابا كان ذلك أو إيجازا أو غيرهما، إذ الإفهام يشتمل على أنواع ~~الكلام جميعها، ومتى لم يكن الكلام مفهوما واضح المعاني فليس عندنا محسوبا ~~في جملة علم البيان، ولا نعده من صناعة التأليف بشيء. # وقد يخاطب مؤلف الكلام العامة بأوحش الخطاب وأحقره، ويفهمون من ذلك قوله، ~~ويعرفون خطابه. فإن الأصل في الكلام: إنما هو كشف معانيه للمخاطب وإيضاحها ~~له، وسواء عند ذلك خوطب به الخاصة أو العامة، فاعرف هذا وقس عليه. # ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (خاطبوا ms106 الناس على قدر عقولهم) # أي كملوهم بما يعرفونه من الألفاظ ويعتادونه بينهم من الكلام، كما كتب ~~عليه السلام إلى كسرى # PageV01P149 # أبرويز فقال: (من محمد رسول الله إلى كسرى أبرويز عظيم فارس، سلام الله ~~على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له وأن محمدا عبده ورسوله)، وبعد، فأني رسول الله إلى الناس كافة. لينذر من ~~كان حيا ويحق القول على الكافروين، فأسلم تسلم وإن أبيت فإثم المجوس عليك) ~~وكتب - عليه السلام - أيضا إلى قوم من العرب فقال لوائل بن حجر: (من محمد ~~رسول الله إلى الأقبال العباهلة أهل حضرموت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة على ~~التيعة شاة والتيمة لصاحبها وفي السيوب الخمس لا خلاط ولا وراط ولا شناق ~~ولا شغار ومن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام). فسهل الألفاظ إلى كسرى أبرويز ~~غاية التسهيل بحيث إنها لا تخفى على من له تشبث باللغة العربية، ولما كتب ~~إلى أولئك القوم من العرب خاطبهم بما تقوى عليه قدرتهم، وهم معتادون لسماع ~~مثله فهذا هو المقصود بقوله - صلى الله عليه وسلم - (خاطبوا الناس على قدر ~~عقولهم)، وليس المقصود من ذلك ما ذهب إليه أبو هلال العسكري (من مخاطبة قوم ~~بالإيجاز، وقوم بالإطناب) الذي هو على قياسه محض التطويل. # وإذا كان الأصل في الكلام إنما هو بيانه ووضوحه فما الفائدة من تطويله، ~~مع القدرة على اختصاره وإيجازه؟! # وأما قوله: (إن الإطناب البلاغة، والتطويل عي) فهو لعمري كذلك، إلا إنه ~~على أصله يكون قد جعل البيان بلاغة؛ لأن الإطناب عنده إنما هو بيان، ويلزم ~~على ذلك أن التطويل في الكلام إذا كان ذا بيان، يكون بليغا. وهذا ما لم ~~يذهب إليه أحد البتة، لأنه بضد الصواب وأما قوله (إن الإطناب بمنزلة سلوك ~~طريق بعيدة، نزهة، تحتوي على زيادة الفائدة، بما تأخذ النفس فيه من اللذة. ~~والتطويل بمنزلة # سلوك ما يبعد، جهلا بما يقرب) فإن هذا تمثيل صحيح # PageV01P150 # مناسب لما مثل به إلا إنه كان يحتاج إلى زيادة إيضاح. ms107 وهو أن يجعل المعنى ~~المراد في كلام ما بمنزلة المقصد الذي يتوجه إليه السائر، ويجعل إلى ذلك ~~المقصد ثلاثة طرق: أحدها قريب إليه، والآخران بعيدان عنه، متساويان في ~~البعد. ويجعل الدلالة على ذلك المعنى المراد بالإيجاز بمنزلة الطريق ~~القريب، ويجعل الدلالة عليه بالإطناب بمنزلة أحد الطريقين البعيدين، ويجعل ~~الدلالة عليه بالإطناب بمنزلة الطريق الآخر المساوي له في البعد، إلا إنه ~~نزه يحتوي على زيادة فائدة، بما تأخذ النفس منه من اللذة. فهذه ثلاث ~~تمثيلات مناسبة لما مثلت به فاعرفها. # وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع وفرغنا من الكلام على ما ذكره أبو ~~هلال في باب الإطناب، فلنورد نحن ما عندنا من ذلك فنقول: # اعلم أن الإطناب في أصل اللغة مأخوذ من (أطنب في الكلام: إذا بالغ فيه). # وقد ذكرنا ذلك أولا في الاعتراض على كلام أبي هلال. # واعلم أن المبالغة تنقسم إلى أقسام كثيرة، وقد سبق ذكر شيء منها، ~~كالإخبار بالفعل الماضي عن المضارع، وبالمضارع عن الماضي. وسيأتي ذكر ~~الباقي في كتابنا هذا. # ومن جملة أقسام المبالغة الإطناب، وفائدته زيادة التصور للمعنى المقصود ~~وإما حقيقة وإما مجازا. وهو على الحقيقة ضرب من ضروب التأكيد، فأما ما جاء ~~من ذلك على سبيل الحقيقة فقوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) ~~فإن الفائدة في قوله تعالى (في جوفه) كالفائدة في قوله (القلوب التي في ~~الصدور) وذلك لما يحصل للسامع من زيادة التصور للمدلول عليه، لأنه إذا سمع ~~به صور نفسه جوفا (يحتوي) على قلبين. فكأن ذلك أسرع للإنكار. # وأما الذي جاء منه على سبيل المجاز فقوله تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار، ~~ولكن # تعمى القلوب التي في الصدور) ففائدة ذكر الصدور هاهنا إنه قد تعورف وعلم ~~أن العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، ~~واستعماله في القلب استعارة ومثل. # PageV01P151 # فلما أريد إثبات ما هو بخلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة، ~~ونفيه عن الأبصار. احتاج هذا الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف، ليتقرر أن ms108 مكان ~~العمى إنما هو القلوب لا الأبصار. وهذا نوع من أنواع علم البيان، وافر ~~اللطائف، كثير المحاسن. فينبغي لمؤلف الكلام العناية به والمراعاة له، ~~فاعرفه. ### | النوع السادس من الباب الأول من الفن الثاني # في توكيد الضمير المتصل بالمنفصل # وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة # فمما جاء منه قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن تكون نحن ~~الملقين). فقولهم (يا موسى إما أن تلقي) تخيير منهم له، وحسن أدب راعوه ~~معه، كما يفعل أرباب الصناعات إذا تلاقوا في تقديم بعضهم على بعض ~~كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال. وإنما قالوا (وأما أن نكون نحن ~~الملقين) ولم يقولوا (وأما أن نلقي) كما قالوا (يا موسى، إما أن تلقي) ~~لرغبتهم في أن يلقوا قبله وتشوقهم إلى التقدم عليه وذلك لما فيه من تأكيد ~~الضمير المتصل بالمنفصل. # ومما يجري على هذا المنهاج قوله عز وجل: (فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا ~~لا تحف إنك أنت الأعلى). فتوكيد الضمير هاهنا في قوله: (إنك أنت الأعلى) ~~أنفى للخوف من قلب موسى، وأثبت في نفسه للغلبة والقهر، ولو قال: (لا تخف ~~إنك الأعلى) أو (لا تخف فأنت الأعلى) لم يكن له من التقرير والإثبات لنفي ~~الخوف من قلب موسى، ما لقوله: (إنك أنت الأعلى). # والدليل على ذلك، أن في هذه الثلاث كلمات وهو قوله تعالى: (إنك أنت ~~الأعلى). ست فوائد: الأولى: (أن) المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي ~~بعدها، كقولك: (زيد # PageV01P152 # قائم)، ثم تقول (إن زيدا قائم). ففي قولك: (إن زيدا قائم). من الإثبات ~~لقيام زيد والتقرير له، ما ليس في قولك: (زيد قائم). # الثانية: تكرير الضمير في قوله تعالى: (إنك أنت الأعلى). ولو اقتصر على ~~أحد الضميرين، فقال: إنك الأعلى، أو على: (فأنت الأعلى)، لما كان بهذه ~~الثانية من التقرير لغلبة موسى، والإثبات لقهره. # الثالثة: التعريف في قوله (الأعلى)، ولم يقل: إنك أنت أعلى أو عال؛ لو ~~قال ذلك # لكان قد نكره، وكان صالحا لكل واحد من جنسه، كقولك: (رجل) فإنه يصلح ms109 أن ~~يقع على كل واحد من الرجال. وإذا قلت: (الرجل) فقد خصصته من بين الرجال ~~بالتعريف، وجعلته علما فيهم. وكذلك قولك: (إنك أنت الأعلى): أي أنت الأعلى ~~دون غيرك. # الرابعة: لفظة (أفعل) الذي من شأنه التفصيل، ولم يقل العالي. # الخامسة: إثبات الغلبة له من العلو، لأن الغرض من قوله (الأعلى)، أي ~~الأغلب، إلا أن في الأعلى زيادة وهي الغلبة من (عال). # السادسة: الاستئناف، وهي قوله: (إنك أنت الأعلى). ولم يقل: (لأنك أنت ~~الأعلى) لأنه لم تجعل علة انتفاء الخوف عنه كونه غالبا، وإنما نفى الخوف ~~عنه أولا يقوله: (لا تخف)، ثم استأنف الكلام، فقال: (إنك أنت الأعلى) فكان ~~ذلك أبلغ في إيقان موسى - عليه السلام - بالغلبة والاستعلاء، وأثبت لذلك في ~~نفسه. # فهذه ست فوائد في هذه الكلمات الثلاث. فانظر أيها المتأمل إلى هذه ~~البلاغة العجيبة، التي تحير العقول، وتذهب بالألباب. ولأمر ما أعجز هذا ~~الكلام العزيز البلغاء، وأفحم الفصحاء، ورجل فرسان الكلام. # فإن قيل: لو كان توكيد الضمير المتصل بالمنفصل أبلغ من الاقتصار على ~~أحدهما، لورد ذلك # PageV01P153 # عند ذكر الله نفسه في كتابه، (لأنه) هو أحق بما هو أبلغ من الكلام. وقد ~~رأينا في القرآن الكريم مواضع تختص بذكر الله تعالى، وقد ورد فيها أحد ~~الضميرين دون الآخر، كقوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من ~~تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك ~~على كل شيء قدير). فما الموجب لذلك إن كان توكيد الضمير المتصل بالمنفصل ~~أبلغ في بابه من الاقتصار على أحدهما دون الآخر؟ فقد كان بخلاف ذلك، فكيف ~~قلت: إن توكيد الضمير المتصل بالمنفصل أبلغ؟. # الجواب عن ذلك أنا نقول: توكيد الضمير المتصل بالمنفصل إنما يرد في ~~الكلام لتقرير المعنى المقصود، وإثباته في النفس، وما يختص بالله تعالى لا ~~يفتقر إلى تقرير ولا إثبات، لأنه إذا قيل عنه: (إنك على كل شيء قدير)، لم ~~يحتج في ذلك إلى توكيد حتى يتحقق ويتبين إنه على كل شيء قدير، بل قد علم ms110 ~~وعرف أن قدرته تتعلق بكل شيء، وأنها جارية على كل مخلوق، فصار هذا الأمر ~~المعروف المشهور، الذي لاشك يعتريه، ولا مرية تعترضه. وما هذا سبيله في ~~الوضوح والبيان، فما الحاجة فيه إلى التوكيد؟ إذ التوكيد من شأنه تقرير ~~المعنى المراد، وإثباته في النفس، وقوله تعالى: (إنك على كل شيء قدير) لا ~~يحتاج فيه إلى تقرير ولا إثبات. # فإن قيل: فقد ورد في القرآن الكريم أيضا، عند ذكر الله تعالى نفسه، كلا ~~الضميرين: المنفصل والمتصل، كقوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ~~أأنت قلت للناس، اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟) إلى (. . . علام الغيوب) ~~كما قال: (إنك على كل شيء قدير) فما السبب في هذا؟ وهلا كان الجميع نوعا ~~واحدا؟! # الجواب عن ذلك أنا نقول: توكيد الضميرين أحدهما بالآخر في هذه الآية لا ~~ينقض علينا # PageV01P154 # ما أشرنا إليه أولا؛ لأنه إن وقع الاقتصار على أحدهما دون الآخر، كان ~~القول في ذلك ما تقدم في الآية، وإنما جيء بهما معا فلان ذلك أبلغ في بابه ~~وآكد، والله تعالى أحق بما هو أبلغ من الكلام وآكد. # ولنمثل لك في استعمال الضميرين معا والاقتصار على أحدهما دون الآخر، ~~مثالا تتبعه، فنقول: إذا كان المعنى المقصود ظاهرا معلوما قد ثبت في ~~النفوس، ورسخ في الألباب فأنت بالخيار: بين أن تؤكد أحد الضميرين بالآخر في ~~الدلالة عليه وبين أن تقتصر على أحدهما دون الآخر. لأنك أن وكدت الكلام فيه ~~فقد أعطيت # المعنى حقه. وإن لم تؤكد الكلام فيه فلأنه لا يحتاج إلى توكيد لبيانه ~~وظهوره، وإذا كان المعنى المقصود خافيا ليس بظاهر ولا معلوم. فالأولى توكيد ~~أحد الضميرين فيه بالآخر ليقرره ويكسبه وضوحا وبيانا. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى في حق موسى عليه السلام: (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى). فإنه لما كان ~~ظهور موسى على السحرة وقهره لهم أمرا مستترا في ضمن الغيب، لا يعلم ولا ~~يعرف وأراد الله - عز وجل - أن يخبره بذلك؛ ليذهب عنه الخوف والحذر، أني ~~بالأبلغ من الكلام، ليكون ms111 ذلك أثبت في نفس موسى، وأقوى دليلا عليه في ~~انتفاء الخوف عنه فوكد الضمير المتصل بالمنفصل. فجاء المعنى كما ترى. ولو ~~قال (إنك الأعلى) أو (فأنت الأعلى)، لكان ذلك أيضا إخبارا لموسى بنفي الخوف ~~عنه، واستظهاره على السحرة، ولكن ليس له من التقرير في نفس موسى ما لقوله: ~~(إنك أنت الأعلى). فاعرف ذلك وقس عليه. # وعلى نحو من هذا قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون ~~نحن الملقين). فإن إرادة السحرة الإلقاء قبل موسى - عليه السلام - لم تكن ~~معلومة عنده. لأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم من ذلك، لكنهم لما عدلوا عن ~~مقابلة خطابهم لموسى بمثله إلى ما هو توكيد مما هو لهم، بالضمير المتصل ~~بالمنفصل، علم أنهم يريدون التقدم عليه والإلقاء قبله، لأن # PageV01P155 # من شأن مقابلة خطابهم لموسى بمثله أن كان، قالوا: إما أن تلقي وإما أن ~~تلقى. لتكون الجملتان متقابلتين. فحيث قالوا عن أنفسهم (وإما أن نكون نحن ~~الملقين) استدل بذلك على رغبتهم في الإلقاء قبله. # وهذه معان لطيفة ورموز غامضة لا ينتبه لها إلا الفطن اللبيب، فاعرفها. ### | النوع السابع من الباب الأول من الفن الثاني # في الكناية والتعريض # اعلم أن لهذا النوع من الكلام موقعا شريفا، ومحلا كريما. وهو مقصور على ~~المليل مع المعنى، وترك اللفظ جانبا. وذلك نوع من علم البيان لطيف. وقد ~~تكلم جماعة المؤلفين في هذا الفن فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريض، ولم ~~يفرقوا بينهما، بل أوردوا لهما (أمثلة) من النظم والنثر، وأدخلوا أحد ~~القسمين في الآخر، فذكروا للكناية أمثلة من التعريض، وللتعريض أمثلة من ~~الكناية، فمنهم أبو محمد بن سنان الخفاجي، وأبو هلال العسكري، والغانمي. ~~فأما ابن سنان، فإنه ذكر في كتابه قول امرئ القيس: # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامها ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال # وهذا مثال ضربه للكناية عن المباضعة، وهو مثال للتعريض. وسنورد لك أيها ~~الناظر في كتابنا فرق ما بين الكناية والتعريض، وتمييز أحدهما عن الآخر، ~~ونعرف كلا منهما على انفراده فنقول: # أما الكناية فهي: أن ms112 تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له كما كنى الله تعالى ~~عن الجماع: # PageV01P156 # (باللمس) فإن حقيقة (اللمس) هي (الملامسة) يقال: لمست الشيء إذا لامسته، ~~ولما كان الجماع (ملامسة بالأبدان وزيادة أمر آخر) أطلق عليه اسم: (اللمس) ~~مجازا. وضد الكناية التصريح. # وأما التعريض: فهو أن تذكر شيئا يدل على شيء لم تذكره وأصله: التلويح من ~~عرض الشيء؛ أي من جانبه، وأعلم أن (بيت) امرئ القيس الذي ذكره ابن سنان ~~الخفاجي مثالا للكناية، هو عين التعريض، فإن غرضه من ذلك أن يذكر الجماع، ~~غير إنه لما استقبح ذكره لم يذكره بل ذكر كلاما آخر، ودل به عليه؛ لأن ~~المصير إلى الحسنى ورقة الكلام، لا يفهم منهما ما أراده امرؤ القيس من ~~المعنى، وذلك مما لا خفاء به، فاعرفه. # وحيث فرقنا بين الكناية والتعريض، وميزنا كلا منهما عن الآخر، فلنفصلهما # ونذكر أقسامهما، ولنبدأ أولا بالكناية فنقول: # اعلم أن الكناية على ضربين: أحدهما ما يحسن استعماله (والآخر ما يقبح ~~استعماله)، وهو عيب في صناعة التأليف. فأما الضرب الأول الذي يحسن استعماله ~~فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام: ### | الأول: التمثيل # : وهو التشبيه على سبيل الكناية، وذلك أن تراد الإشارة إلى معنى، فتوضح ~~ألفاظ (تدل) على معنى آخر، وتكون تلك الألفاظ وذلك المعنى مثالا للمعنى ~~الذي قصدت الإشارة إليه والعبارة عنه كقولنا (فلان نقي الثوب). أي منزه عن ~~العيوب. # وللكلام بها، فائدة لا تكون لو قصدت المعنى بلفظه الخاص، وذلك لما يحصل ~~للسامع من زيادة التصور للمدلول عليه؛ لأنه إذا صور نفسه مثال ما خوطب به ~~كان أسرع إلى الرغبة فيه أو الرغبة عنه. فمن بديع التمثيل قوله تعالى: ~~(أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا). فأما تمثيله الاغتياب بأكل لحم إنسان ~~آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله لحم الأخ ولم يقتصر على لحم الأخ ~~حتى جعله ميتا ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، # PageV01P157 # وهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة المعنى الذي وردت لأجله ~~فشديد المناسبة جدا، وذلك ms113 لأن الاغتياب، إنما هو ذكر مثالب الناس وتمزيق ~~أعراضهم (وتمزيق العرض) مماثل لأكل (الإنسان) لحم من يغتابه، لأن أكل اللحم ~~فيه تمزيق لا محالة. # وأما قوله (لحم أخيه) فلما في الاغتياب من الكراهة، لأن العقل والشرع معا ~~قد أجمعا على استكراهه وأمرا بتركه، والبعد عنه. ولما كان كذلك جعل بمنزلة ~~لحم الأخ في كراهته. ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر ~~مثله، إلا إنه لا يكون مثل كراهته (لحم) أخيه، فهذا القول مبالغة في ~~استكراه الغيبة، لا أمد # فوقها. # وأما قوله (ميتا) فلأجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته، ولا يحس. # وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، فلما جبلت عليه ~~النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها. مع العلم بأنها من أذم الخلال، ~~ومكروه الأفعال، عند الله تعالى والناس. # فانظر أيها المتأمل لهذا التمثيل كيف مطابقته لما مثل به تجده من أبلغ ~~التمثيلات وأندرها مثالا، لأنك متى نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات ~~الأربع، التي أوردناها رأيتها مناسبة لما قصدت له؛ فتمزيق العرض مثل أكل ~~الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن ذلك تمزيق على الحقيقة، و (جعل بمنزلة) لحم ~~الأخ لأجل المبالغة في الكراهة. و (الميت) لامتناع الإحساس به. واتصال ما ~~هو مستكره بالمحبة لما في طبع الأنفس من الشهوة للغبية والميل اليها، فاعرف ~~ذلك. # ومن هذا القسم قوله - تعالى - (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط) فمثل البخل بأحسن تمثيل لأن البخيل، لا يمد يده بالعطية، ~~كالمغلول الذي لا يستطيع أن يمد يده. وإنما قال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك) ولم يقل (ولا تجعل يدك مغلولة) من # PageV01P158 # غير العنق، لأنه قال (ولا تبسطها كل البسط) فكأنه أراد، ولا تجعل يدك ~~مغلولة كل الغل ولا تبسطها كل البسط، فناب ذكر العنق عن قوله (كل الغل)، ~~لأن غل اليد إلى العنق، هو أقصى الغايات التي جرت العادة بغل اليد إليها. # ومن أمثال العرب (إياك وعقيلة الملح) وذلك تمثيل للمرأة الحسناء، في منبت ms114 ~~السوء، لأن عقيلة الملح هي الدرة. ومن التمثيل قول ابن الدمينة: # أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فافرح أم صيرتني في شمالك؟ # فذكر اليمين، وجعلها مثالا لإكرام المنزلة، وذكر الشمال وجعلها مثالا ~~لهوان # المنزلة؛ لأن اليمين أشرف منزلة من الشمال أو أكرم محلا. # وفي القرآن العزيز ما يدل على ذلك، وهو قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ما ~~أصحاب اليمين في سدر مخضود. . .) الآية فلما جاء إلى ذكر الشمال قال تعالى: ~~(وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال) الآية، فاعرف ذلك وقس عليه. # PageV01P159 ### | القسم الثاني # من الكناية في الأرداف # وهو اسم سماه به قدامة بن جعفر الكاتب. # اعلم أن أكثر علماء هذه الصناعة قد أدخلوا (الأرداف) في التمثيل، وفي ~~الفرق بينهما إشكال ودقة. # فأما التمثيل فقد سبق الإعلام به وهو شأن ترد الإشارة إلى معنى فتوضع ~~الألفاظ على معنى آخر، وتكون تلك الألفاظ وذلك المعنى مثالا للمعنى الذي ~~قصدت الإشارة إليه والعبارة عنه كقولنا (فلان نقي الثوب) أي منزه عن ~~العيوب. # وأما الأرداف فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيترك اللفظ الدال عليه ويؤتي ~~بما هو دليل عليه ومرادف له كقولنا (فلان طويل النجاد) والمراد به طويل ~~القامة، إلا إنه لم يتلفظ بطول القامة الذي هو الغرض، ولكن ذكر ما هو دليل ~~على طول القامة، وليس نقاء الثوب دليلا على النزاهة عن العيوب، وإنما هو ~~تمثيل لها، فاعرف ذلك. # واعلم أن الأرداف يتفرع إلى خمسة فروع: ### | الأول: فعل المبادهة # كقوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه) ~~فإن المراد بقوله تعالى: (لما جاءه) أي إنه سفيه الرأي، يعني: إنه لم يتوقف ~~في تكذيب وقت ما سمعه، ولم يفعل كما يفعل المراجيح العقول، # المتثبتون في الأشياء؛ فإن من شأنهم إذا ورد عليهم أمر أو سمعوا خبرا أن ~~يستعملوا فيه الروية والفكر، ويتأنوا في تدبره إلى # PageV01P160 # أن يصح لهم صدقه أو كذبه، ألا ترى إلى قوله تعالى (لما جاءه) أي إنه ضعيف ~~العقل عازب الرأي فعدل عن ذلك إلى ما هو ms115 دليل عليه وأردف له و (هو) قوله ~~تعالى (لما جاءه) وذلك آكد وأبلغ ومن هذا الباب أيضا. (وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم ~~وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم، إن هذا إلا ~~سحر مبين) والكلام على ذلك كالكلام على الذي قبله فاعرفه. ### | الفرع الثاني من الأرداف # وهو باب (مثل) وذلك دقيق الصفة لطيف المغزى اعلم أن العرب تأتي (بمثل) في ~~هذا الموضع توكيدا للكلام وتثبيتا لأمره. يقول الرجل إذا نفى عن نفسه ~~القبيح: (مثلى لا يفعل هذا) أي أنا لا أفعله فنفى ذلك عن مثله وهو يريد ~~نفيه عن نفسه، قصدا للمبالغة، فسلك به طريق الكناية، لأنه إذا نفاه عمن ~~يماثله أو يشابهه فقد نفاه عنه لا محالة. # وكذلك أيضا قولهم (مثلك إذا سئل أعطى) أي أنت كذلك، وهو كثير في الشعر ~~القديم والمولد والكلام المنثور. وسبب توكيد هذه المواضع ب (مثل) أنه يراد ~~أن يجعل من جماعة هذه أوصافهم، تثبيتا للأمر، وتمكينا له ولو كان فيه وحده ~~لقلق منه موضعه، ولم ترس فيه قد مه. # ومثل ذلك قولهم في مدح الإنسان: (أنت من القوم الكرام) أي لك في هذا ~~الفعل سابقة، وأنت حقيق به، ولست دخيلا فيه. وقد ورد هذا الباب في القرآن ~~الكريم، كقوله تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). وهذا كقولهم (مثلك ~~لا يبخل) فنفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدا للمبالغة: ~~لأنهم إذا نفوه # عمن يسد مسده، وهو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه. ونظير ذلك قولك للعربي ~~(العرب لا تخفر الذمم). # PageV01P161 # وهذه أبلغ من قولك (أنت لا تخفر الذمم). وليس فرق بين قوله تعالى (ليس ~~كمثله شيء) وبين قوله (ليس كالله شيء) إلا من الجهة التي نبهنا عليها ~~فاعرفها. ### | الفرع الثالث من الأرداف # وهو ما يأتي في جواب الشرط، وذلك من ألطف الكنايات وأحسنها، فمن هذا قوله ~~- تعالى -: (وقال الذين أوتوا العلم لقد لبثتم ms116 في كتاب الله إلى يوم البعث ~~فهذا يوم البعث) كأنه قال (إن كنتم منكرين يوم البعث فهذا يوم البعث) فكنى ~~بقوله (فهذا يوم البعث) عن بطلان قولهم وكذبهم فيما ادعوا، وذلك رادف له ~~ونظيره قولك (تنكر حضور زيد فهاهو) أي فأنت كاذب. وهذا من دقائق الكناية، ~~فاعرفه. ### | الفرع الرابع من الأرداف # وهو الاستثناء من غير موجب: وذلك من غرائب الكناية كقوله - تعالى -: (ليس ~~لهم طعام إلا من ضريع) الآية، والضريع نبت ذو شك تسمية قريش (الشبرق) في ~~حالة خضرته وطراوته فإذا يبس سمته العرب (الضريع) والإبل ترعاه طريا ولا ~~تقربه يابسا. والمعنى ليس لهم طعام أصلا، لأن الضريع ليس بطعام البهائم ~~فضلا عن الإنس. وهذا مثل قولك: (ليس لفلان ظل إلا الشمس) تريد ذلك نفي الظل ~~عنه كما هو. وذكر الضريع، رادف لانتفاء الطعام. وعلى نحو من هذا جاء قول ~~بعضهم: # وتفردوا بالمكرمات فلم يكن ... لسواهم منها سوى الحرمان # والمراد نفي المكرمات عن سواهم، لأنه إذا كان لهم الحرمان من المكرمات ~~فما لهم منها شيء البتة، وأمثال ذلك كثير فاعرفها. # PageV01P162 ### | الفرع الخامس من الأرداف # ليس مما تقدم بشيء وذلك نحو قوله - تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) ~~والمعنى المراد من هذا الكلام: أنك أخطأت وبئسما فعلت وقوله: (لم أذنت لهم) ~~بيان لما كنى عنه بالعفو، أي مالك أذنت لهم، وهلا استأنيت؟ فذكر العفو دليل ~~على الذنب ورادف له وإن لم يذكره. وكذلك جاء قوله - تعالى -: (فإن لم ~~تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس، والحجارة أعدت ~~للكافرين) قيل لهم: إن استنبتم العجز عن المعارضة فاتركوا العناد. فوضع ~~قوله (فاتقوا النار) موضعه، لأن اتقاء النار لصيقه وصميمه من حيث إنه من ~~نتائجه وروادفه لأن من اتقى النار ترك المعاندة. ونظيره أن يقول الملك ~~لحشمه: (إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي) يريد فأطيعوني واتبعوا أمري، ~~وافعلوا ما ينتجه حذر السخط و (ذلك) رادف له. ومن هذا الباب قوله - تعالى ~~-: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا). ألا ترى ms117 إلى لطافة ~~هذه الكناية؛ فإنها أفادت تكذيب دعواهم، ودفع ما انتحلوه. وفائدتها هاهنا: ~~أنه روعي في تكذيبهم أدب حسن، حيث لم يصرح بلفظه، فلم يقل (كذبتم) لأن فيه ~~نوع استقباح في الخطاب، ووضع قوله - تعالى - (لم تؤمنوا) الذي هو نفي ما ~~ادعوا بيانه موضعه، لأن ذلك رادف له. ومما يجري هذا المجرى قوله - تعالى -: ~~(قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم. . .) إلى ~~قوله (. . . مؤمنون) فإن الغرض بقولهم (إنا بما أرسل به مؤمنون) جوابا عن ~~سؤالهم: (أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه؟) إثبات العلم بإرساله، وأنه من ~~الأمور الظاهرة المسلمة، التي لا يدخلها ريب، ولا يعترضها شك، لكن عدل عن ~~ذلك إلى ما هو دليل عليه، ورادف له، وهو الإيمان به: أعني بصالح، وإنما صح ~~منهم بعد ثبوت نبوته عندهم، # PageV01P163 # والعلم بإرساله إليهم، فالإيمان به إذن دليل على العلم بأنه نبي مرسل. ~~وهذا من دقائق الأرداف ولطائفه. # وأمثال ذلك كثيرة كقول الأعرابية في حديث أم زرع: (له إبل قليلات ~~المسارح، كثيرات المبارك. إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك) فإن الظاهر ~~من هذا القول أن إبله تنزل بفنائه، ولا تبرح ليقرب عليه نحرها للأضياف. ~~فإذا ضرب المزهر للقيا (ن) نحرها لضيوفه. لقد اعتادت هذه الحالة وألفتها. ~~وغرض الأعرابية من هذا الكلام أن تصف زوجها بالجود والكرم، ولكنها لم تذكر ~~ذلك بلفظه الدال عليه وإنما أتت بمعان، هي أدلة على ذلك من غير تصريح ~~بمرادها. وكذلك قال بعضهم: # وددت - وما تغني الودادة - أنني ... بما في ضمير الحاجبية عالم # فإن كان خيرا سرني وعلمته ... وإن كان شرا لم تلمني اللوائم # فإن المراد من قوله (لم تلمني اللوائم) أني أهجرها، فأضرب عن ذلك جانبا، ~~ولم يذكر اللفظ المختص به، ولكنه ذكر ما هو دليل عليه ورادف له. وفيما ~~أشرنا إليه من ذلك كفاية للمتأمل. ### | والقسم الثالث من الكناية وهو المجاورة # . وذلك أن يريد المؤلف ذكر شيء فيترك ذكره جانبا إلى ما جاوره، فيقتصر ~~عليه، اكتفاء بدلالته على المعنى المقصود، كقول ms118 عنترة: # وشككت بالرمع الأصم ثيابه ... ليس الكريم على للقنا بمحرم # أراد بالثياب هاهنا نفسه؛ لأنه وصف المشكوك بالكرم ولا توصف الثياب به، ~~فثبت حينئذ أنه أراد ما تشتمل عليه الثياب، في ذلك من الحسن ما لا ينكره ~~العارف بهذه الصناعة وقال أيضا: # PageV01P164 # بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مقدم # الصفراء هاهنا الخمر والذكر للزجاجة حيث هي مجاورة لها، أنه ومشتملة ~~عليها. وذهب بعض المفسرين في قوله تعالى: (وثيابك فطهر) أنه أراد بالثياب ~~القلب # والجسد أي قلبك فطهر أو جسدك. وأمثال هذا كثيرة فاعرفه. ### | القسم الرابع في الكناية: ما ليس بتمثيل ولا إرداف ولا مجاورة # كقوله - تعالى -: (أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) فكنى عن ~~النساء أنهم يتزينون في الحلية أي الزينة والنعمة وهو إذا احتاج إلى مجاورة ~~الخصوم كان غير مبين، أي ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان يحاج به من ~~يخاصمه. وذلك لضعف عقول النساء ونقصانهن عن فطرة الرجال. ومن هذا الباب قول ~~أبي نواس: # تقول التي من بيتها خف محملي ... عزيز علينا أن نراك تسير # ألا ترى إلى حسن هذه الكناية عن ذكر امرأته بقوله (التي من بيتها خف ~~محملي) فانه من ألطفها مذهبا، وكذلك قول نصيب: # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # PageV01P165 # قال الجاحظ: (نحن قوم نسحر بالبيان، ونموه بالقول، والناس ينظرون إلى ~~الحال ويقضون بالعيان فأثر ذلك في أمرنا أثرا ينطق إذا سكتنا، فإن المدعي ~~بغير بينة متعرض للتكذيب). فهذا معنى قول نصيب فعل به ما ترى. وأمثال ~~الكناية كثيرة، فاعرفها. # وأما الضرب الثاني من الكناية فهو الذي يقبح ذكره ولا يحسن استعماله كقول ~~أبي الطيب: # إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها # فإن هذه كناية عن النزاهة والعفة. وعلم الله - عز وجل - أن الفجور لأحسن ~~منها ولقد ذكر الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أجمل صورة فقال: # أحن إلى ما تضمن الخمر والحلي ... وأصدف عما في ضمان المآزر # ألا ترى إلى هذه ms119 الكناية ما ألطفها، والمعنيان سواء. وبهذا تعلم فضل ~~الشاعرين أحدهما على الآخر؛ وذلك إذا أخذا معنى واحدا فصاغه أحدهما في ~~صياغة مفردة # عن صياغة الآخر، فاعرف ذلك. # وأما التعريض فقد جوزه - الله تعالى - في خطبة النساء كقوله - تعالى -: ~~(ولا جناح # PageV01P166 # عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء)، فقال المفسرون: التعريض بالخطبة ~~لها أن يقول لها، وهي في عدة الوفاة (إنك لجميلة وإنك لحسنة) وما أشبه ذلك. ~~ومما جاء من التعريض قوله - تعالى - (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال ~~بل كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) يعني أن كبير الأصنام غضب أن هذه ~~الأصنام الصغار، فكسرها، وغرض إبراهيم - صلوات الله عليه - من هذا الكلام ~~إقامة الحجة عليهم لأنه قال: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) وذلك على سبيل ~~الاستهزاء بهم وهذا من رموز الكلام، والقول فيه أن قصد إبراهيم لم يكن ~~الفعل الصادر عنه، إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على ~~أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجة عليهم، وتبكيتهم والاستهزاء ~~بهم. # ومن بديع التعريض قوله - تعالى -: (قال الملأ الذين كفروا من قومه ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي، وما ~~نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) فقوله - تعالى - (ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا) تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من ~~البشر لجعلها فيهم. فقالوا: هب أنك واحد من الملأ وموازيهم في المنزلة فما ~~جعلك أحق منهم بها؟ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وما نرى لكم علينا من ~~فضل). # ومن مشكلات التعريض حديث عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قال: حكت ~~المرأة الصالحة خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون أن النبي - ص - خرج ذات ~~يوم وهو محتضن أحد ابني بنته وهو يقول: (والله إنكم لتجبنون وتبخلون ~~وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله وان آخر وطأة وطئها الله بوج) واعلم أن (وج) ~~واد بالطائف والمراد غزاة حنين. وحنين واد # PageV01P167 # قبل وج لأن غزاة ms120 حسنين # آخر غزاة أوقع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المشركين. وأما ~~غزونا الطائف وتبوك، اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيها وطأة أي قتال، ~~وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزاة حسب ومن غير ملاقاة العدو، أعني ~~المشركين، ولا قتال لهم. # ووجه عطف هذا الكلام، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإن آخر وطأة ~~وطئها الله بوج) على ما قبله من الحديث، هو التأسف على مفارقة أولاده؛ لقرب ~~وفاته؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته - صلى الله عليه وسلم ~~- كانت في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال: ~~(وأنكم لمن ريحان الله): أي من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب إلا أنه صانع عن ~~قوله: (وأنا مفارقكم عن قريب) بقوله: (وإن آخر وطأة وطئها الله بوج) فكان ~~ذلك تعريضا بما أراده، وقصده من قرب وفاته - صلى الله عليه وسلم - ومفارقته ~~إياهم، أعني أولاده. وهذا من أغرب التعريضات وأعجبها، فاعرفه. # ومن هذا الباب قول الشميذر الحارثي: # بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدها ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا # PageV01P168 # فإنه ليس قصده الشعر بل قصده ما جرى بينهم بهذا الموضع من الغلبة لهم، ~~والقوة عليهم إلا أنه لم يذكر ذلك، بل ذكر الشعر وجعله تعريضا عنه. أي: لا ~~تفخروا بعد تلك الوقعة، التي جرت لنا ولكم بذلك المكان. # ومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة إلى المأمون، في حق بعض أصحابه ~~(أما بعد فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطول في إلحاقه بنظرائه ~~من الخاصة، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ~~ابتدائه بذلك تعدي طاعته). (فوقع المأمون في ظهر كتابه: قد عرفت تصريحك له، ~~وتعريضك لنفسك) فأجبناك إليهما وأمثال هذا كثيرة، وفيما # أشرنا إليه الكفاية. ### | النوع الثامن من الباب الأول من الفن الثاني # في استعمال العام والخاص في الإثبات # وهو باب من علم البيان تتكاثر فوائده. # اعلم أنه إذا كان الشيئان أحدهما خاص والآخر عام فإن استعمال العام في ~~حالة ms121 النفي، أبلغ من استعماله في حالة الإثبات، وكذلك استعمال الخاص في ~~حالة الإثبات أبلغ من استعماله في حالة النفي. # مثال ذلك الإنسانية والحيوانية. فإن إثبات الإنسانية يوجب إثبات ~~الحيوانية، ولا يوجب نفيها نفي الحيوانية. وكذلك نفي الحيوانية يوجب منه ~~نفي الإنسانية ولا يوجب من إثباتها إثبات الإنسانية. # PageV01P169 # ومما يدخل في هذا الباب الأسماء المفردة الواقعة على الجنس، التي يكون ~~بينها وبين واحدها تاء التأنيث، فانه أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ، ~~ومتى أريد الإثبات، كان استعمالها أبلغ. # فالأول وهو الخاص والعام نحو قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ~~فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم. . .) ولم يقل: (بضوئهم)، لأن ذكر ~~النور في حالة النفي أبلغ، من حيث إن الضوء فيه الدلالة على النور وزيادة، ~~فلو قال: ذهب الله بضوئهم، لكان المعنى يعطي ذهاب تلك الزيادة وبقاء ما ~~يسمى نورا، لأن الإضاءة، هي فرط الإنارة دليل (ذلك) قوله تعالى: (وهو الذي ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وقدره منازل. . .) فكل ضوء نور، وليس كل نور ~~ضوءا. فالغرض من قوله تعالى: (ذهب الله بنورهم) إنما هو إزالة النور عنهم ~~رأسا، فهو إذا أزاله فقد أزال الضوء. وكذلك أيضا قوله: (ذهب الله بنورهم) ~~(ولم يقل: أذهب نورهم) لأن كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا ~~فقد ذهب به، لأن الذهاب بالشيء هو استصحاب له، ومضي به، وفي ذلك نوع احتجار # بالمذهوب به، وإمساك له عن الرجوع إلى حالته، والعود إلى مكانه وليس كذلك ~~الإذهاب للشيء، لزوال معنى الاحتجار منه. # PageV01P170 # وهذا كلام دقيق يحتاج إلى زيادة تأمل ومراجعة. ومما يجعل على ذلك الأوصاف ~~الخاصة إذا وقعت على شيئين، وكان يلزم وصف أحدهما وصف الآخر، ولا يلزم عكس ~~ذلك؛ نحو الطول والعرض؛ فإنه إذا قيل: مربع عرضه مائه ذراع، لزم أن يكون ~~طوله إما مثلها أو أكثر منها. قال الله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها السموات والأرض) فإنه إنما خص العرض بالذكر دون الطول؛ لأن ~~الطول أكثر من ms122 العرض. والمعنى: أنه إذا كان هذا عرضها فكيف يكون طولها؟ هذا ~~في حالة الإثبات، ولو أريد النفي لكان له أسلوب غير ما ذكرنا؛ وهو أن كان ~~يخص به الطول دون العرض؛ وذلك موضع كثير الاشكال؛ فينبغي أن يكون المؤلف ~~بصيرا باستعماله؛ على اختلاف حالاته وتشعب مذاهبه. # وأما الأسماء المفردة الواقعة على الجنس، فنحو قوله تعالى في قصة نوح - ~~عليه السلام -: (قال الملأ من قومه إنا لتراك في ضلال مبين قال: يا قوم ليس ~~بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين) فإنه إنما قال: (ليس بي ضلالة) ولم ~~يقل: ضلال لأن (نفي) الضلالة أبلغ في نفي الضلال عنه؛ كما لو قيل لك: (ألك ~~تمر؟) فقلت في الجواب: ما لي تمرة) كأن ذلك أنفى للتمر. ولو قلت: (ما لي ~~تمر) لما كان مؤدبا من المعنى ما كان يؤديه القول # PageV01P171 # (الأول)، فاعرف ذلك. ### | النوع التاسع من الباب الأول من الفن الثاني # في التفسير بعد الإبهام # يفعل ذلك لتفخيم المبهم وإعظامه؛ لأنه هو الذي يطرق السمع أولا، فيذهب ~~السامع كل مذهب كقوله تعالى: (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع # مصبحين) ففسر (ذلك الأمر) بقوله: (دابر هؤلاء مقطوع). وفي إبهامه أولا، ~~وتفسيره بعد ذلك تفخيم للأمر، وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال تعالى: (وقضينا ~~إليه أن دابر هؤلاء مقطوع. . .) لما كان بهذه المثابة من الفخامة، فإن ~~الإبهام أولا يوقع السامع في حيرة وتفكر، واستعظام لما قرع سمعه، وتشوق إلى ~~معرفة كنهه، والاطلاع على حقيقته. # ومن هذا الباب قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت ~~عليهم. . .) (فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم) ~~لما في الأول من التنبيه، والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط المؤمن، ~~فدل عليه بأبلغ وجه، كما تقول: (هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم!؟) ثم ~~تقول: (فلان) فيكون ذلك أبلغ في وصفقه بالكرم والفضل من قولك: (هل أدلك على ~~فلان الأكرم الأفضل) لأنك تثبت ذكره مجملا ومفصلا، فجعلته علما في الكرم ~~والفضل، كأنك قلت: من أراد رجلا ms123 جامعا للخصلتين فعليه بفلان. # وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى: (وقال الذين آمن يا قوم اتبعوني أهدكم ~~سبيل الرشاد # PageV01P172 # يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار من عمل ~~سيئة فلا يجزى إلا مثلها، ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) ألا ترى كيف قال: (أهدكم سبيل الرشاد) ~~فأبهم: (سبيل الرشاد) ولم يبين أي سبيل هو، ثم فسر ذلك فافتتح كلامه بذم ~~الدنيا، وتصغير شأنها، لأن الإخلاد إليها أصل الشر كله، ثم ثنى ذلك بتعظيم ~~الآخرة والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الموطن والمستقر، ثم ثلث بذكر ~~الأعمال، سيئها وحسنها، وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، ~~فكأنه قال: سبيل الرشاد هو الإعراض عن الدنيا، والرغبة في الآخرة، ~~والامتناع من الأعمال السيئة، خوف المقابلة عليها، والمسارعة إلى الأعمال ~~الصالحة، رجاء المجازاة # عليها. # وكذلك (جاء) قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت. . .) ولم ~~يقل قواعد البيت، لما في إبهام القواعد، وتبيينها بعد ذلك من الايضاح، ~~وتفخيم حال المبين مما ليس في الإضافة. # ومن هذا الباب قوله تعالى: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي ابلغ ~~الأسباب أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى. . .) الآية (فإنه) لما أراد ~~تفخيم ما أمل فرعون من بلوغه أسباب السموات، أبهمها أولا ثم فسرها ثانيا، ~~ولأنها لما كان بلوغها أمرا عجيبا، أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه، ~~ليعطيه السامع حقه من التعجب فأبهمه ليشوق إليه نفس هامان، ثم أوضحه بعد ~~ذلك. # ومما يدخل في هذا الباب الابتداء بذكر الضمير ثم الإفصاح بذكر صاحبه ~~بعده، كقوله # PageV01P173 # تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن) فإنه لما أتى بالضمير، ~~الذي هو (منه) قبل صاحبه الذي هو القرآن، كان ذلك تفخيما له، وتعظيما من ~~أمره. ولو قال: وما تكون في شأن وما تتلو من القرآن، ولم يذكر الضمير لما ~~كان للكلام تلك الفخامة التي كانت له مع ذكر الضمير، وهذا ms124 مثل قولهم ~~(الكريم العالم الفاضل) ثم يقال: فلان وقد سبق الكلام عليه، فاعرف ذلك وقس ~~عليه. # وأما الإبهام من غير تفسير، فكثير شائع في القرآن العزيز، كقوله تعالى: ~~(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) فقوله: للتي هي أقوم أي الطريقة أو ~~الحالة أو الملة هي أقومها وأسدها، وأي ذلك قدرت لم تجد له مع الإفصاح ذوق ~~البلاغة الذي تجده مع الإبهام، وذلك لذهاب الوهم فيه كل مذهب، وإيقاعه على ~~محتملات كثيرة، وهذا لا يخفى على العارف برموز صناعة التأليف فاعرفه. # ومما يدخل في هذا الباب الاستثناء العددي وهو ضرب من التأليف لطيف المأخذ ~~عجيب المغزى. وإنما يفعل ذلك طلبا للمبالغة؛ لأن له تأثيرا شديدا في القلب، # وموقفا عظيما في النفس وفائدته (أن) أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد ~~في العدد فيكبر موقع ذلك عنده، وهو شبيه بما ذكرناه من الإبهام أولا ثم ~~التفسير بعده ثانيا، فمن ذلك قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث ~~فيهم سنة إلا خمسين عاما) فإنه إنما قيل (ألف سنة إلا خمسين عاما) ولم يقل ~~تسعمائة وخمسين عاما لفائدة حسنة، وهي ذكر ما ابتلى به نوح من أمته، وما ~~كابده من طول المصابرة، ليكون ذلك تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتثبيتا له، فإن ذلك رأس العدد الذي هو منتهى العقود وأعظمها أوقع وأوصل ~~إلى الغرض من استطالة السامع # PageV01P174 # مدة صبره وما لاقاه من قومه، فاعرف ذلك وقس عليه. ### | النوع العاشر من الباب الأول من الفن الثاني # في التعقيب المصدري # وإنما يعمد إلى ذلك لضرب من التأكيد لما تقدمه، والإشعار بتعظيم شأنه أو ~~بالضد من ذلك، فمثال الأول قوله تعالى (ويوم ينفخ في الصور، ففزع من في ~~السموات ومن في الأرض) إلى قوله (. . . وهم من فزع يومئذ آمنون) و (من جاء ~~بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون). (فصنع الله) ~~من المصادر المؤكدة لما قبلها، كقوله (وعد الله، وصبغة الله)، ألا ترى أنه ~~لما جاء ذكر هذا الأمر ms125 العظيم، الدال على القدرة الباهرة، من النفخ في ~~الصور، وإحياء الأموات، والفزع. وإحضار الناس للحساب ومسير الجبال كالسحاب ~~في سرعتها، وهي عند الرؤية لها والمشاهدة كأنها جامدة، عقب ذلك أن قال (صنع ~~الله) والمعنى أن هذا الأمر العجيب البديع صنع الله، والمعنى (ويوم ينفخ في ~~الصور، وكان كيت وكيت من الأشياء الباهرة، وأثاب الله المحسنين، وعاقب ~~المجرمين) # فجعل هذا الصنع من جملة الأمور التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والثواب، ~~حيث قال: (صنع الله الذين أتقن كل شيء) يعني أن مقابلة الحسنة بالثواب، ~~والسيئة بالعقاب من إحكامه للأشياء وإتقانه لها، وإجرائه إياها على قضايا ~~الحكمة، أي إنه عالم بما تفعل العباد وبما يستوجبون عليه، فيكافئهم على حسب ~~أفعالهم، ثم لخص ذلك بقوله تعالى: (من جاء بالحسنة. . .) إلى آخر الآيتين. # فانظر أيها المتأمل إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه، ومكانه ~~إضماره، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه برقاب بعض، كأنما أفرغ إفراغا واحدا. ~~ولأمر ما أعجز القوي وأخرس # PageV01P175 # الشقاشق. # ونحو هذا (المصدر) إذا جاء عقيب الكلام كان الشاهد بصحته، والمنادي على ~~سداده وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان. ألا ترى إلى قوله: صنع ~~الله وصبغة الله، ووعد الله، وفطرة الله. . . بعدما وسمها بإضافتها إليه، ~~بسمة التعظيم، كيف تلاها بقوله: (الذي أتقن كل شيء). # وأما الثاني، وهو ضد الأول، وذلك ما يراد به تصغير الشأن، فكقولك إذا ~~أخرت ذكر إنسان يريد ذمه: (قد ركب هواه، واستمر على غيه، وتمادى في جهله، ~~وسحب ذيل عجبه. . .) وما أشبه ذلك. ثم تقول: (صنع الشيطان: الذي يخلب ~~النفوس، ويسلب الألباب. . .) وأمثال هذا كثيرة فاعرفها. ### | النوع الحادي عشر من الباب الأول من الفن الثاني # في التقديم والتأخير مما لا يتعلق بعلم النحو # كتقديم المفعول على الفاعل، وتقديم الحال والظرف، أو غير ذلك، فإن هذا قد ~~أفردنا له بابا، وجعلناه مقصورا عليه، ومر ذكره في باب (شجاعة العربية). # وأما هذا الباب فانه يتعلق بتقديم الأشياء بعضها على بعض في الذكر؛ ~~لاختصاص # أحدها بما يوجب له ms126 التقدم على الآخر، وذلك مما لا يحصره حد، ولا يأتي ~~عليه شرح. وقد أشرنا نحن إلى نبذة منه، إذا تأملها الناظر في كتابنا هذا، ~~يستدل بها على غيرها. # فمن ذلك تقديم السبب على المسبب؛ كقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين. ~~. .) فإنه # PageV01P176 # إنما قدم العبادة على الاستعانة؛ لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب ~~الحاجة أنجح لحصول المطلوب، وأسرع لوقوع الإجابة. ولو قال: إياك نستعين، ~~وإياك نعبد، لكان جائزا، إلا أنه لا يسد ذلك المسد ولا يقع ذلك الموقع، ~~وهذا لا يخفى على المنصف من أرباب هذه الصناعة. # وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء ظهورا لنحيي به ~~بلدة ميتا، ونسقيه مما خلقنا أنعاما، وأناسي كثيرا). # ألا ترى كيف قدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس؟ وإن كان ~~الناس أشرف محلا وأعلى مكانا. وسبب ذلك ما أذكره لك وهو أن حياة الأرض سبب ~~لحياة الأنعام والناس. ولما كانت الأنعام أيضا من أسباب التعيش والحياة ~~للناس قدمها على الناس في الذكر، ولأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، ~~فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على سقيهم. فهذه نكت القرآن العجيبة ورموز ~~أسراره اللطيفة التي إذا مر الإنسان عليها من غير أن يتدبرها، ويعطيها أفضل ~~تأمل وتفكر لا يقع على خباياها، ولا يظفر بغرائبها. # ومن هذا النوع تقديم الأكثر على الأقل، كقوله تعالى (تم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات) فإنه إنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته وأن معظم الخلق عليه ~~ثم أتي بعده بالمتصدقين؛ لأنهم قليل بالإضافة إليه، وأخر السابقين ~~بالخيرات، إذ كانوا أقل من القليل أعني من المقتصدين، فقدم الأكثر ثم جاء ~~بعده؛ بالأوسط ثم ذكر الأقل # أخيرا، وذلك لائق في بابه. ولو عكست القضية لكان المعنى أيضا واقعا في ~~موقعه لأنه يكون قدم الأفضل فالأفضل؛ وذاك أن السابقين بالخيرات أفضل من ~~المقتصدين، والمقتصدين أفضل من الظالمين؛ ولنوضح في ذلك طريقا يعرفه مؤلف # PageV01P177 # الكلام، فنقول: # اعلم أنه متى كان الشيئان ms127 أحدهما كثير والآخر أقل منه، وكان الأقل أفضل ~~من الأكثر فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت، لأن في كل واحد منهما ما يوجب ~~له التقدم، فاعرف ذلك وقس عليه نظائره وأمثاله. # ومن هذا النحو قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على ~~بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع، يخلق الله يشاء إن ~~الله على كل شيء قدير). # فإنه إنما قدم الماشي على بطنه لأنه أدل على القدرة من الماشي على رجلين؛ ~~إذ هو ماش بغير الآلة المخلوقة للمشي، ثم ذكر الماشي على رجلين بعده، وقدمه ~~على الماشي على أربع؛ لأنه أدل على القدرة أيضا حيث كثرت آلات المشي في ~~الأربع، وهذا من باب تقديم الأعجب فالأعجب فاعرف، ذلك. # ومن هذا النوع في التقديم والتأخير أنه إذا كان مطلع الكلام في معنى من ~~المعاني ثم يجيء بعده ذكر شيئين أحدهما أفضل من الآخر، وكان معنى المفضول ~~مناسبا لمطلع الكلام فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت؛ لأنك إذا قدمت ~~الأفضل فهو في موضع التقديم، وإن قدمت المفضول فلأن مطلع الكلام يناسبه، ~~وذكر الشيء مع ما يناسبه أيضا وارد في موضعه فمن هذا الأسلوب قوله تعال: ~~(وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~فإن الإنسان كفور) إلى قوله: (عليم قدير) فأنه إنما قدم الإناث أولا على ~~الذكور، مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدم الذكور وأخر الإناث بعد ما نكرهن ~~وعرف الذكور؛ لأنه ذكر البلاء # في آخر الآية، وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنده، ثم عقب ذلك ~~بذكر ملكه ومشيئه، وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث؛ # PageV01P178 # لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان، وكان ذكر ~~الاناث، اللتي هن من جملة ما لا يشاؤه الإنسان ولا يختار أهم، فالأهم واجب ~~التقديم، ولبلاء الجنس الثاني (الذي) كانت العرب تعده بلاء، ذكر البلاء، ~~ولما أخر الذكور وهم أحق بالتقديم ثم تدارك ذلك بتعريفه إياهم؛ لأن التعريف ~~تنويه بالذكر، ms128 (كان) كأنه قال (ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين ~~الذين لا يخفون عليكم) ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم ~~والتأخير، وعرف أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتضى آخر) فقال: ~~(أو يزوجهم) ذكرانا وإناثا، وهذه دقائق لطيفة، فلما يتنبه لها أو يعثر على ~~رموزها. # ومن هذا الباب قوله تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو من قرآن ولا. . .) ~~إلى قوله (. . . وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) ~~فإنه إنما قدم الأرض في الذكر على السماء، ومن حقها التأخير؛ لأنه إنما ذكر ~~شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم، ووصل ذلك بقوله: (لا يعزب عنه) لاءم ~~بين. . . وأمثال هذا كثيرة فاعرفه. ### | النوع الثاني عشر من الباب الأول من الفن الثاني # في عطف المظهر على ضميره والإفصاح به بعده # وهذا إنما يعمد إليه لفائدة؛ وهي إما تعظيم حال المعطوف عليه، والتفخيم ~~من شأنه، وإما ضد ذلك ونقيضه، مثال التعظيم قولك. . . (ولما تلاقينا وبنو ~~تميم، أقبلوا إلينا يوفضون وابتدروا نحونا يركضون. وجاءوا كأنهم في تكاثفهم ~~ليل، # وفي سرعتهم سيل. فرأينا منهم # PageV01P179 # أسودا في المقاتلة، وثعالب في المخادعة والمخاتلة، وتناجد بنو تميم علينا ~~بحملة، فلذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار) فانك إنما قلت: (وتناجد ~~بنو تميم) مصرحا بذكرهم، ولم تقل: وتناجدوا، كما قلت: (أقبلوا) و (ابتدروا) ~~و (جاءوا) للدلالة على التعجب من شجاعتهم والتعظيم لشدتهم وإقدامهم. ولا ~~سيما وقد أضفت إلى ذلك قولك: (لذنا بالفرار) و (استبقنا إلى تولية الأدبار) ~~فكأنك قلت: وتناجد ألئك الفرسان المشاهير، والكماة المذكورون، وحكلوا علينا ~~حملة واحدة، فولينا مديرين منهزمين. # ومن هذا الباب قوله تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ~~ذلك على الله يسير. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ ~~النشأة الآخرة. . .). # ألا ترى كيف صرح باسمه تعالى في قوله: (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة). مع ~~إبهامه مبتدئا في قوله (كيف بدأ الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة)؟ والفائدة في ~~ذلك ما ذكرناه ms129 ونبهنا عليه؛ وهو أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور ~~العظيمة والأشياء المستصبعة، وكان صدر الكلام واقعا معهم في البداء، وقر ~~رأيهم أن ذلك من الله - عز وجل - احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل ~~الإبداء، وإذا كان الله لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا ~~تعجزه الإعادة؛ فللدلالة والتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الإعادة أبرز ~~اسمه - تعالى - إلى (العبارة) وأوقعه مبتدأ ثانيا، فاعرف ذلك وقس عليه. # وأما الثاني وهو ضد الأول فانه يقصد به الذم كقوله تعالى: (وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ~~آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن ~~هذا إلا سحر مبين) فإنه إنما قال: (وقال الذين كفروا) # PageV01P180 # ولم يقل: (وقالوا) كالذي قبله، للدلالة على صدور الكلام # عن إنكار عظيم، وغضب شديد، وتعجب من كفرهم بليغ. ولاسيما وقد انضاف إلى ~~ذلك قوله تعالى: (وقالوا للحق لما جاءهم. . .) وما فيه من الإشارة إلى ~~القائلين، والمقول فيهم، وما في ذلك من المبادهة؛ كأنه قال تعالى (وقال ~~أولئك الكفرة، المتمردون بجرأتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق ~~المنير، قبل أن يذوقوه: إن هذا إلا سحر مبين). وأمثال هذا كثيرة، فاعرفها. ### | النوع الثالث عشر من الباب الأول من الفن الثاني # في التخلص والاقتضاب # ولهذا النوع من الكلام، محل كريم، وموقع لطيف. # فأما التخلص، فهو أن يأخذ المؤلف في معنى من المعاني، فبينا هو فيه إذ ~~أخذ في معنى آخر، وجعل الأول سبيا إليه، فيكون بعضه آخذا برقاب بعض، من غير ~~أن يقطع المؤلف كلامه، ويستأنف كلاما آخر، بل يكون جميع كلامه، كأنما أفرغ ~~إفراغا، وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوه تصرفه، وطول باعه، واتساع ~~قدرته، من أجل أن الشاعر يضيق عليه نطاق الكلام، ويكون متبعا للوزن ~~والقافية، فلا توافيه الألفاظ على حسب إرادته، ولا تتزن له. # وأما الناثر فانه مطلق العنان، يمضي حيث شاء فلذلك يشق التخلص على ms130 الشاعر ~~أكثر مما يشق على الناثر. # وأما الاقتضاب فهو ضد التخلص، وذلك أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ~~ويستأنف كلاما آخر غيره من مدح أو هجاء أو غير ذلك. ولا يكون للثاني علاقة ~~بالأول، ولا تلفيق بينه وبينه، وهو مذهب القدماء من صنعة الشعر، وسيأتي ~~بيانه. وأما المحدثون فإنهم تصرفوا # PageV01P181 # في التخلص وأبدعوا فيه فاظهروا من ذلك العجائب والغرائب كقول علي بن ~~الجهم: # وليلة كحلت بالنفس مقلتها ... ألقت قناع الدجى في كل أخدود # قد كاد يغرقني أمواج ظلمتها ... لولا اقتباس سنا من وجه داود # ألا ترى ما ألطف هذا التخلص وأحسنه؛ فانه ذكر أولا الليلة وسوادها، ~~وابتداء دجاها، وأنه في غمرات من ظلمتها كالغريق. ثم أدرج في ضمن كلامه، ~~بعد ذلك، ذكر الممدوح بما يناسب ما هو من الظلمة، فذكر الإنارة والإضاءة ~~بقوله: (سنا من وجه داود) فصار الكلام كأنما أفرغ إفراغا واحدا، ومن هذا ~~النحو قول # ابن نباتة: # كمن الشموع وقد أطلعت ... من النار في كل رأس لسانا # أنامل أعدائك الخائفين ... تضرع تطلب منك الأمانا # فهذا هو التخلص البديع في الصنعة الذي استحوذ على مجامع الحسن والرونق، ~~فاعرفه. # وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي: (إن كتاب الله العزيز ~~خال من الاقتضاب والتخلص). وهذا القول فاسد، لأن حقيقة التخلص إنما هي ~~الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تناسب بين الكلام الذي حرج منه ~~والكلام الذي خرج إليه، وفي القرآن العظيم مواضع كثيرة من ذلك، كالخروج من ~~الوعظ والتذكير بالإنذار والبشارة بالجنة # PageV01P182 # إلى أمر ونهي ووعد ووعيد ومن محكم إلى متشابه، ومن صفة لنبي مرسل وملك ~~منزل إلى ذم لشيطان مربد، وجبار عنيد بلطائف دقيقة، ومعان آخذة بالقلب؛ فما ~~جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ ~~قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون). إلى قوله تعالى: (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين) ~~هذا كلام يذهل العقول ويحير الألباب، وفيه كفاية ms131 لطالب البلاغة والمنتصب ~~لهذه الصناعة، فانه متى أنعم فيه النظر وتدير أثناءه، ومطاوي حكمته علم أن ~~في ذلك غني عن تصفح الكتب المؤلفة في هذا الفن ألا ترى أيها المتأمل ما ~~أحسن ما رتب إبراهيم - عليه السلام - كلامه مع المشركين حين سألهم أولا عما ~~يعبدون سؤال مقرر لا سؤال مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا ~~تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع. وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين، فكسره ~~وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة. ثم أراد الخروج من ذلك إلى ~~ذكر الإله، الذي لا تجب العبارة الإله، ولا ينبغي الرجوع # والإنابة إلا إليه، فصور المسألة في نفسه دونهم بقوله (فإنهم عدو لي إلا ~~رب العالمين) على معنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة العدو وهو ~~الشيطان، فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله منه. وأراهم بذلك أنها نصيحة ~~ينصح بها نفسه لينظروا فيقولوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، ~~فيكون ذلك أدعى لهم # PageV01P183 # إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه. ولو قال: (فإنهم عدو لكم) لم ~~يكن بتلك المثابة، فتخلص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر الله عز وجل، ~~وأجرى عليه تلك الصفات العظام من تفخيم شأنه، وتعديد نعمه (عليه) من لدن ~~خلقته وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته ليعلم بذلك أن ~~من هذه صفاته حقيق بالعبادة وواجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته، ~~ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه فدعى بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ~~ابتهال الأوابين، لأن الطالب (إلى) مولاه، والراغب إليه إذا قدم قبل سؤاله ~~وضراعته الاعتراف بالنعمة والإقرار بالإحسان كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح ~~لحصول الطلبة، ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث، ويوم القيامة ومجازاة الله ~~لمن آمن به واتقاه بالجنة، ولمن ضل عن عبادته بالنار، فجمع الترغيب في ~~طاعته والترهيب من معصيته، ثم سأل المشركين عما كانوا يعبون من الأصنام ~~سؤال مونج لهم، مستهزئ بهم، وذكر ما يدفعون ms132 إليه عند ذلك من الندم والحسرة ~~على ما كانوا فيه من الضلال وتمنى العود ليؤمنوا. # فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض مع ~~احتوائه على ضروب من المعاني فيتخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ~~دقيقة حتى كأنه معنى واحد، فخرج من ذكر الأصنام وتعريقه لأبيه وقومه من ~~عبادتهم إياها مع ما هي عليه من التعري عن صفات الإلهية حيث لا تضر ولا ~~تنفع، ولا تسمع، إلى ذكر الله تعالى، فوصفه بصفات الإلهية، فعظم شأنه وعدد ~~نعمه، ليعلم بذلك # أن العبادة لا تصح إلا له. ثم خرج من هذا إلى دعائه إياه وخضوعه له ثم ~~خرج منه إلى ذكر يوم القيامة، وثواب الله وعقابه، فتدير هذه التخلصات ~~اللطيفة، هذا إلى غيره من تضمن هذا الكلام لأنواع من صناعة التأليف، وهي ~~الإيجاز والكناية والتقديم والتأخير وإنابة الفعل الماضي عن الفعل المضارع. # فأما الإيجاز فلا خفاء به على العارف بما أشرنا إليه في بابه الذي سبق ~~ذكره إلا أن من جملته قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم ~~للغاوين) فإنه جمع الترغيب في طاعته # PageV01P184 # والترهيب من معصيته مع عظمهما، وفخامة شأنهما في هذه الكلمات اليسيرة. ~~وأما الكناية فقوله تعالى (وبرزت الجحيم للغاوين) فالغاوون هاهنا كناية عن ~~أبيه وقومه، ويدل على ذلك قوله (وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله) ~~لأن كلامه في الأول كان معهم في عبادتهم الأصنام. # وأما التقديم والتأخير فإن ذكر إبراهيم النعمة وتعديد الإحسان قبل الدعاء ~~وطلب الحاجة. وأما إنابة الفعل الماضي عن المضارع فقوله تعالى: (وأزلفت ~~الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون) بعد قوله ~~(ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب ~~سليم)، وفي ذلك من الفائدة ما أشرنا إليه في بابه، وقد سبق ذكره، فاعرفه. # ومما استطرف من هذا النوع قول ابن الزمكدم: # وليل كوجه البرقعيدي ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونه # سريت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان ms133 بن فهد ودينه # على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه # إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجهة قرواش وضوء جبينه # وهذه الأبيات لها حكاية وذلك أن هذا الممدوح كان جالسا مع ندمائه في ليلة ~~من ليالي الشتاء، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي ~~مغنيا # وسليمان بن فهد وزيرا، وأبو جابر صاحبا، فالتمس الممدوح من الشاعر أن ~~يهجو المذكورين ويمدحه فأنشد هذه الأبيات. وقد قال بعض أرباب هذه الصناعات ~~إن هذا الشاعر لو تحدى بهذه الأبيات لأعجز # PageV01P185 # الشعراء أن يأتوا بمثلها، لأنه مع إتيانه بهذا النوع من علم البيان لم ~~يقنع بذلك حق رقي في معانيه المقصودة إلى أسمق المنازل؛ فابتدأ في البيت ~~الأول بهجو البرقعيدي، فجاء في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها، ولم ~~يخل منها بشيء وهي الظلمة والبرد والطول، ثم إن هذه الأوصاف لليلة جاءت ~~ملائمة لما وقعت عليه، مطابقة له: وكذلك البيت الثاني والثالث. ثم خرج إلى ~~المدح بألطف وجه وأرق صنعة، فاعرف ذلك فانه لم يقل في هذا الباب أيدع من ~~هذه الأبيات. # ومما جاء على نحو ذلك قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي: # وصافية تغشى العيون بنورها ... رهينة عامر في الدنان وعام # أدرنا بها الكأس الروية بيننا ... من الليل حتى انجاب كل ظلام # فما ذر قرن الشمس حتى رأيتنا ... من العي نحكي أحمد بن هشام # ألا ترى ما أحسن ما خرج هذا الشاعر في الهجاء، فإنه أوهم في الأول الخوض ~~في صفة الخمر ثم استدرج المعنى الذي قصده في صفة الخمر، من حيث لا يعلم ~~السامع لمطلع كلامه أنه يريد ذلك؛ وأمثال هذا كثيرة فاعرفها. # وأما الاقتضاب فهو الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع، وهو أن يقطع المؤلف ~~كلامه ويستأنف كلاما آخر غيره، من غير علاقة تكون بينه وبين ما قبله، فمن ~~ذلك ما هو أحسن من # PageV01P186 # التخلص، وهو فصل الخطاب، ولنبين في ذلك ما يوقفك عليه، ويأخذ بمجامع قلبك ~~فنقول: إن أريد فصل الخطاب، الفاصل في الخطاب ms134 الذي يفصل بين الصحيح ~~والفاسد، والحق والباطل، والصواب والخطأ فهو (فعل) بمعنى فاعل كالفوم ~~والزور، وقال بعضهم هو (أما بعد) لأن المتكلم يفتتح، إذا تكلم # في الأمر الذي له شأن؛ بذكر الله عز وجل (أما بعد) وهذا مذهب المحققين من ~~علماء البيان. قالوا في الفصل الذي هو أحسن من الوصل هذا، وهي علامة وكيدة ~~من الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره كقوله تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم ~~واسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) إلى ~~قوله: (مفتحة لهم الأبواب) ألا ترى ما ذكر قبل (هذا ذكر) في الأنبياء، ~~وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر وهو ذكر الجنة وأهلها فقال (هذا ذكر) ثم ~~قال (وإن للمتقين لحسن مآب). وبدل عليه لما أتم ذكر أهر الجنة وأراد أن ~~يعقبه بذكر أهل النار قال (وإن للطاغين لشر مآب) وذلك من فضل الخطاب الذي ~~هو ألطف موقعا من التخلص فاعرفه. ### | النوع الرابع عشر من الباب الأول # من الفن الثاني في مبادئ والافتتاحات # وهو نوع من صناعة التأليف جمة فوائده، وذلك أن يجعل مطلع الكلام من الشعر ~~والخطب والرسائل دالا على المعنى المقصود بذلك الشعر أو تلك الخطبة أو تلك ~~الرسائل. ومن أدب ذلك أن لا يذكر الشاعر في افتتاح القصيدة المديح بما ~~يتطير به وقال بعض علماء البيان (أحسنوا معاشر الكتاب الابتداءات فإنهن ~~دلائل البيان). وينبغي للشاعر أن يحترز في المدح مما يتطير به من وصف إفقار ~~الديار، ودثور المنازل والأطلال، وتشتت الألاف، وذم الزمان، # PageV01P187 # وأشباه ذلك، ولا سيما إذا كان في التهاني، فإنه يكون أشد قبحا، وإنما ~~يستعمل ذلك في الخطوب النازلة، والنوائب الحادثة، ومتى كان الكلام في ~~المديح مؤسسا على هذا المثال تطير منه سامعه، فإن رأس صناعة التأليف وضع كل ~~شيء مكانه، وإنما خصصت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من ~~الكلام، فانه متى # كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استماعه ~~وتزايدت البواعث على الاستغناء إليه، ومن أقبح الابتداءات قول ذي الرمة (ما ms135 ~~بال عينيك منها الماء ينسكب). # لأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لإخفاء بقبحه، وقد أنكر الفضل بن يحيى ~~على أبي نواس قوله فيه: # (أربع البلى إن الخشوع لبادي) # فلما انتهى إلى قوله: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني بربك من رائحين وغادي # استحكم تطير الفضل بن يحيى، وقيل إنه لم يمض على ذلك أسبوع واحد حتى ~~نكبوا، وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه وجمع أهله ~~وأصحابه وأمرهم أن # PageV01P188 # يلبسوا أسنى الملابس، ويظهروا محاسن الزينة، وجلس على سرير مرصع بالجواهر ~~والى جانبه أسرة، فكلما دخل عليه رجل من أكابر دولته أجلس في الموضع الذي ~~يليق به فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذن إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي في الإنشاد فأذن له، فانشد شعرا ما سمع بأحسن منه في صفته وصفة ~~المجلس إلا أنه استفتح بذكر الديار القديمة وبقية آثارها فقال: # يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟! # فتطير المعتصم من ذلك وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم، وعجبوا كيف ذهب ~~عليه مثل ذلك مع علمه ومعرفته وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم وانصرفوا ~~فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سر من، رأى وخرب ~~القصر، فإذا أراد الشاعر أن يذكر دارا في مديحه فليذكر كما ذكر الخريمي: # ألا يا دار لك السرور ... وساعدك النضارة والحبور # وكما قال أشجع. . . # قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيام # PageV01P189 # وما أجدر هذا البيت بمفتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم في ~~ذلك القصر، فإنه لو ذكر هذا وما يجري مجراه لكان حسنا لائقا. # وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال من أجاد الابتداء والمقطع، ألا ترى أن ~~قصيدة أبي نواس التي هي: # يا دار ما فعلت بك الأيام ... لم يبق فيك بشاشة تستام # قد قيل إنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة، وأن أبا تمام مع تقدمه في صناعة ~~الشعر أتعب نفسه في الإتيان بما يماثلها أو يشابهها فلم يقدر على ذلك، ms136 وهي ~~مع شرفها وعلو منزلتها في الشعر مستكرهة الابتداء من حيث النظر، لأنها في ~~مدح الخليفة الأمين. وافتتاح المديح بذكر الديار ودروسها يتطير به، ولا ~~سيما في حق الخلفاء والملوك، ولهذا يختار من ذكر الأماكن والمنازل ما راق ~~لفظة، وحسن التلفظ به كالغوير والعقيق وزرود وأشباه ذلك، ويختار أيضا من ~~أسماء النساء في الغزل نحو (سعاد وأمام وفوز) وما يجري هذا المجرى. ولقد ~~عيب على الأخطل من أجل تغزله باسم (قدور) وهي امرأة كان يحيها فإنه مستقبح ~~في الذكر، وأمثال هذه الأشياء تجب مراعاتها بها فاعرف ذلك. # ولما نظر أبو العميثل في قصيدة أبي تمام وهي: # PageV01P190 # (أهن عوادي يوسف وصواحبه) # استرذل ابتداءها فاسقط القصيدة كلها حتى عاد إليه أبو تمام ووقفه على ~~موقع الاختيار منها وهو: # إليك جزعنا مغرب الشمس كلما ... أجزنا ملا صلت عليك سياسيه # وغير ذلك مما ذكره أبو تمام في قصيدته، فلما وقف أبو العميثل عليه راجع ~~عبد # الله بن طاهر فأجازها له. ولأبي تمام ابتداءات كثيرة تجري هذا المجرى ~~كقوله: # (قدك آنئد أربيت في الغلواء). # فإن الابتداء المستكره ليس من شرطه أن يكون مما يتطير به فقط وإنما يكون ~~مستكرها كما أشرنا إليه من قول أبي تمام وما جانسه، فاعرف ذلك. # واعلم أن الابتداء البديع البارع يكون داعيا إلى الإصغاء إلى ما بعده من ~~الكلام، ألا ترى أن الله تعالى قال: (حم، ألم، وطسم، وكهيعص). فيقرع ~~الأسماع شيء بديع، ليس لها بمثله عادة فيكون ذلك داعيا لها إلى الاستماع، ~~ولذلك استحسن من الابتداءات في الكتب (الحمد لله) لأن النفوس تتشوف إلى ~~تمجيد الله - عز وجل - والثناء عليه، وتميل إلى معرفة ما يأتي بعده من ~~الكلام. # ومن أحسن الابتداءات ما ذكره مهيار فإنه أتى بالمعنى المقصود من أول ~~كلامه فقال: # أما وهواها عذرة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا # سعى جهده لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت ولو شاء قللا # ألا ترى ما ألطف هذا الاعتذار الذي قد أبرزه في هيئة القول، وأخرجه في ~~معرض النسيب، # PageV01P191 # والمراد به ms137 الاعتذار إلى الممدوح، وذلك من أبدع ما يكون في هذا الباب. ~~ومما جاء على نحو منه قول بعض المتأخرين في أنوشروان الوزير وقد خلع عليه: # خلعت من الحدثان أحصن أدرعي ... فلقد سنن على الكريم الأروع # وكذلك قوله وقد وشي في حقه إلى الممدوح: # وراءك أقوال الوشاة الفواجر ... ودونك أحوال الغرام المخامر # فلولا ولوع منك بالصدق ما وشوا ... ولولا الهوى لم أنتدب للمعاذر # فسلك في هذا القول مذهب مهيار إلا أن في هذا زيادة على ما قاله مهيار، ~~وهي # في المعاتبة على الالتفات إلى الوشاة، والاستماع منهم وذلك من أغرب ما ~~قيل في هذا المعنى، فاعرفه. # ومن الابتداءات في الكتب قوله مؤلف الكتاب (الحمد لله رافع لواء الإيمان، ~~وقامع أولياء الشرك والبهتان، الذي نصر الإسلام وأطلع نجومه، وخذل الكفر ~~وطمس رسومه)، فإنه قد جيء بالمعنى المقصود وهو البشرى بهزيمة الكفار من أول ~~الكتاب، ومتى سمع الإنسان # PageV01P192 # هذا المطلع علم أنه يتضمن البشرى بادالة المسلمين على المشركين من غير أن ~~يحتاج إلى وقوف على حديث الوقعة. ومن ذلك قوله بعض الكتاب في زمن المأمون ~~وقد نتجت ناقة شخص آدمي، فأمر أن يكتب بذلك إلى البلاد فقال (الحمد لله ~~خالق الأنام في بطون الأنعام)، فعير عن المراد في أول كلامه. وأمثال ذلك ~~كثيرة فاعرفها. ### | النوع الخامس عشر من الباب الأول من الفن الثاني # في قوة اللفظ لقوة المعنى # وهو نوع من علم البيان شريف المحل، لطيف المأخذ، وإنما يعمد إليه لضرب من ~~المبالغة. أعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر ~~اكثر منه فلا بد وأن يتضمن من المعنى أكثر مما كان يتضمنه أولا، والدليل ~~على ذلك أن الألفاظ هي أدلة على المعاني وأمثلة للإبانة عنها، فإذا زيد في ~~الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني بقدر ما زيد في الألفاظ. وهذا لا نزاع ~~فيه، لبيانه ووضوحه. فمن ذلك (خشن) و (اخشوشن) فمعنى (خشن) دون معنى ~~(اخشوشن) لما فيه من تكرير العين وزيادة الواو. ونحو (فعل) و (افعوعل) ~~وكذلك ms138 قولهم (أعشب المكان) فإذا أرادوا كثرة العشب قالوا (اعشوشب) ومثله ~~(فعل) و (افتعل) نحو (قدر) و (اقتدر) فاقتدر أقوى معنى من قولهم (قدر) قال ~~الله - تعالى - (أخذ # غزير مقتدر) فمقتدر هنا أبلغ من (قادر) من حيث كان الموضع لتفخيم الأمر ~~وشدة الأخذ الذي لا يصدر إلا عن وفور الغضب، وكثرة السخط، ومما ينتظم في ~~هذه الأوزان من أسماء الفاعلين، فإن بعضها أبلغ من بعض، نحو (فاعل) و ~~(فعيل) وما جرى مجراها. # ولقد سألني بعض الأخوان عن (فاعل) و (فعيل) وأيهما أبلغ؟ فقلت في الجواب # PageV01P193 # ما أذكره هاهنا هو إن كانت العرب قد قالت إن (فاعلا) أبلغ من (فعيل) أو ~~إن (فعيلا) أبلغ من (فاعل) بغير علة أوجبت ذلك ولا سبب اقتضى تمييز أحدهما ~~عن الآخر، إلا تحكما محضا، فذلك مسلم اليهم، لأنه لغة القوم وكلامهم، وهم ~~المتحكمون فيه، وإن كانت العرب لم تميز (فاعلا) على (فعيل) ولا (فعيلا) على ~~(فاعل) ولا قالت إن أحدهما أبلغ من الآخر فلنا أن نبحث عن ذلك، فإن وجدنا ~~لأحدهما مزية على الآخر ذكرناها، وإن لم نجد كان لذلك أسوة بباقي لغتهم، ~~التي لا تعرف لها علة، وإنما بأخذ عنهم بالنقل والتقليد، ولما سألت، أيها ~~الأخ، عن الفرق بين (فاعل) و (فعيل) وأيهما أبلغ؟ أنعمت النظر في ذلك ~~مستعينا بالله، فسنح الفرق بينهما بما أذكره، والله الموفق، فأقول: أما ~~الحكم على أن أحدهما أبلغ من الآخر فهو أن (فاعلا) أبلغ من (فعيل). وأما ~~علة الحكم فمن وجهين: # الأول: أن (فاعلا) لم يرد في كلام العرب إلا اسما للفاعل فقط نحو (ضارب) ~~اسم فاعل من (ضرب) و (قاتل) اسم فاعل من قتل، وهذا مطرد في بابه لم يأت ~~غيره وأما (فعيل) فانه يكون اسما للفاعل وبمعنى (المفعول) فأما كونه اسما ~~للفاعل فنحو (ظريف) اسم فاعل من (ظرف) و (كريم) اسم فاعل من (كرم) وكذلك ما ~~جرى هذا المجرى. وأما كونه بمعنى (المفعول) فهو نحو (قتيل وجريح) اللذين ~~هما بمعنى المقتول والمجروح. فلما كان (فاعل) مختصا باسم ms139 الفاعل لا يشاركه ~~فيه غيره، وفعيل يشترك فيه اسم الفاعل والمفعول كان ما هو # مختص بالفاعل وحده أبلغ مما يشترك فيه الفاعل والمفعول، وذلك لقوة الفاعل ~~على المفعول وضعف المفعول عن الفاعل، وما يختص بأمر قوي أبلغ مما يتردد بين ~~أمرين قوي وضعيف. فإن قيل إن (فاعلا) قد جاء بمعنى المفعول كما جاء (فعيل) ~~بمعنى المفعول في قوله تعالى (ماء دافق) أي مدفوق قلنا: أما قولك إن ~~(فاعلا) قد جاء بمعنى المفعول واستدلالك عليه بالآية فإنه ضعيف شاذ، لأن ~~ذلك لم ينقل جوازه عن العرب ولم يذهب إليه أحد من العلماء، غير أن بعض ~~المفسرين قد ذكره وزيف قوله الجمهور، وأجمعوا على مخالفته # PageV01P194 # وقالوا إن معنى قوله تعالى (ماء دافق) أي مندفق وذلك أيضا اسم (فاعل) من ~~(أنفعل) نحو (أنطلق فهو منطلق) و (انعكف فهو منعكف) وما جرى هذا المجرى، ثم ~~لو نقل جواز هذا عن العرب وصح عنهم لما كان ناقضا لدعوانا نحن في (فعيل) ~~وأنه يجيء بمعنى (المفعول) شائعا كثيرا في كلامهم ويصح عليه القياس. وما ~~ذكرته أيها المعترض شاذ قليل لا يعتد به ولا يقاس عليه، لأنه لم يأت منه ~~إلا لفظة واحدة أو لفظتان أو لفظات كماء دافق وعيشة راضية) والشائع الكثير ~~في كلام العرب وغيره أرجح جانبا من الشاذ القليل، وما يقاس عليه أبلغ مما ~~ليس بمقيس (عليه). وأما الوجه الثاني في إثبات أن (فاعلا) أبلغ من (فعيل) ~~فهو أن فاعلا يكون اسما للفاعل معتديا كان أو قاصرا فهو إذا يعمها جميعا ~~نحو (غالب وجالس)، وأما (فعيل) فإنه لا يكون اسما إلا لفاعل فعله قاصر غير ~~متعد نحو (شريف ونبيه وغليظ) وهو مطرد في هذا الباب لم يأت في كلام العرب ~~غيره، فلما كان (فاعل) اسما للفاعل المتعدي فعله والقاصر معا، و (فعيل) ~~اسما للفاعل القاصر فعله فقط كان (فاعل) أبلغ من (فعيل) المتعدي فعل إلى ~~مفعوله، وقصور فعل (فعيل) عن معموله فإن قيل إن (فعيلا) جاء اسما للفاعل ~~المتعدي فعله على غير وزن (فعل) ms140 نحو (خطب فهو خطيب) و (علم فهو عليم) وهذا ~~يدل على أن # (فعيلا) مساو (لفاعل) في التعدي لأن (فاعلا) قد جاء اسما للفاعل متعديا ~~كان فعله أو قاصرا، وكذلك قد جاء (فعيل) أيضا كما رأينا. # قلنا هذا الذي أشرت إليه من أن فعيلا قد جاء اسما للفاعل المتعدي فعله ~~على غير وزن (فعل) نحو (خطب فهو خطيب وعلم فهو عليم) مسلم إليك إلا أن ذلك ~~لا يكون ناقضا لما ذكرناه ولا اعتراضا # PageV01P195 # عليه، لأن الذي أوردته إنما كان يصح لك الاعتراض به على ما أشرنا إليه أن ~~لو كان (خطيب) وحده اسم فاعل من (خطب) ولا يجوز فيه (خاطب) أو كان (عليم) ~~اسم فاعل من عليم ولا يجوز فيه (عالم) وكذا الأصل في (خطب) أن يكون اسم ~~فاعله (خاطب) ولهذا لا ترى وزن (فعيل) أبدا وهو اسم فاعل من (فعل أو فعل) ~~إلا وهو دخيل على (فاعل) لأنه الأصل وعليه القياس. والدليل على ذلك الاطراد ~~والغلبة، لأن من شروط القياس الاطراد والغالب عليه أن يكون كذلك. وهذا ~~موجود في (فعل) و (فعل) فهو (فاعل) وأما (فعيل) منهما فهو شاذ نادر والشاذ ~~النادر لا ينقض القياس، والدليل على أن (فعيلا) شاذ في (فعل وفعل) فانه قد ~~جاء فيهما ألفاظ معدودة لا غير، وإنما اطراده وغلبته (في) (فعل) نحو (شرف ~~فهو شريف) و (كرم فهو كريم) و (نبه فهو نبيه) وكذلك ما جرى هذا المجرى، على ~~أنه قد شذ منه (فاعل) أيضا نحو (طهر) فهو طاهر ولا يقال فيه (طهير) فاعرفه. # فإن قيل: إن (فعيلا) هو اسم فاعل من الصفات الذوية، ولسنا نعني بذلك ما ~~كان مقوما للذات، نحو الحياة التي لا تقوم الذات إلا بها، وإنما نعني بذلك ~~ما كان ملازما للذات نحو (عليم وقدير وسميع وبصير) و (فاعل) هو اسم فاعل من ~~الصفات العرضية نحو (ضارب وآكل وشارب) وما يكون مختصا بصفة الذوات أبلغ مما ~~يكون مختصا بصفة الأعراض، واشرف محلا، الجواب عن ذلك: أنا نقول لو سلم لك ~~يوما ms141 المعترض ما ذكرته واطرد في بابه لكان ناقضا لما ذكرناه # نحن وادعيناه من أن (فاعلا) أبلغ من (فعيل) وإنما قد جاء (فاعل) وهو أيضا ~~اسم الفاعل من صفات الذات نحو (عالم وقادر وسامع) وأشباه ذلك، فقد عم ~~(فاعل) إذن صفات الذوات وصفات الأعراض. وما # PageV01P196 # كان عاما للأمرين جميعا كان أبلغ مما اختص بأحدهما دون الآخر. # فإن قيل قد قلت في كتابك: إن ما كان مختصا بأمر قوى في بابه أبلغ مما ~~تردد بين أمرين أحدهما قوي والآخر ضعيف، وهذا الحكم قد وجدناه هاهنا في ~~(فعيل وفاعل) ففيعل مختص باسم الفاعل من الصفات الذوية واسم الفاعل من ~~الصفات العرضية، فالذي يختص بالأشرف الأقوى وحده أبلغ من الذي يترد بينه ~~وبين ضده، وهو الأذني الأضعف. الجواب عن ذلك: أنا نقول قد سلمنا إليك أن ~~(فاعلا) الذي هو اسم الفاعل هاهنا متردد بين صفات الذوات والأعراض ولكن من ~~أين لك، أيها المعترض (الشاهد)، بصحة ما ذكرته من أن (فعيلا) الذي هو اسم ~~الفاعل هاهنا يخص صفات الذوات دون صفات الأعراض، فإن هذا شيء لم ينتظم لك ~~سلكه، ولإرسالك أصله، لأنه قد جاء (فعيل) أيضا وهو (فاعل) من صفات الأعراض ~~نحو (نبيه ووجيه وبصير وفقير) وأشباه (ذلك). فقد استوى إذن (فاعل) و (فعيل) ~~في عمومهما لصفات الذوات والأعراض، ولم يكن لأحدهما مزية على الآخر في هذا ~~المعنى، وتفرد (فاعل) بالمزية على (فعيل) فيما أشرنا إليه قبل هذا الموضع ~~في هذا الباب من تعديه إلى معموله واختصاصه باسم الفاعل دون معنى المفعول، ~~وقد مر ذلك مستوفى في مكانه، فاعرفه. # هذا ما صح لنا في الفرق (بين) (فاعل وفعيل) وأيهما أبلغ. والله الموفق. ~~ومما أشرنا إليه من ذلك كفاية للعارف بهذه الصناعة، فانه ينبغي أن يكون ~~خبيرا بقياس هذه الأشياء على نظائرها وأشباهها. ### | النوع السادس عشر من الباب الأول من الفن الثاني # في خذلان المخاطب # وهو الأمر بعكس المراد، ويدل ذلك على الاستهانة بالمأمور، وقلة المبالاة ~~بأمره أي أني # PageV01P197 # مقابلك على فعلك ومجازيك بحسنه، فمن ذلك ms142 قوله تعالى (وإذا مس الإنسان ضر ~~دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، ~~وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله، قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار) ~~فقوله (تمتع بكفرك) من باب الخذلان، كأنه قال له: إذ قد أبيت قبول ما أمرت ~~به من الإيمان والطاعة فمن حقك أن لا تؤمر به بعد ذلك، وتؤمر بتركه، وهذا ~~مبالغة في خذلانه لأن المبالغة في الخذلان أشد من أن يبعث على ضد ما أمر ~~به. # ومن هذا الباب قوله تعالى (قل الله أعيد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم ~~من دونه). الآية، فإن المراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير المبالغة ~~في الخذلان، على ما سبق ذكره، وفي هذا الكلام معنيان لطيفان: الأول رأى أن ~~عبادتهم لله وعبادتكم لغيره إنما تنفع أو تضر لكم لا لسواكم والله - تعالى ~~- لا يؤثر ذلك عنده شيئا، لأن مستغن عن عبادتكم له. الثاني توعده لهم ~~بالمقابلة على فعلهم من غير إصراح بالوعيد، وذلك أبلغ من الاصراح به؛ لوقوع ~~الموعود في حيرة من أمره، وترامي وهمه عند ذلك إلى كل خطب عظيم من المجازاة ~~والمقابلة، كقولك لمن عصى (افعل ما شئت إني مقابلك) وهذا نوع من علم البيان ~~شريف. ### | النوع السابع عشر من الباب الأول من الفن الثاني # في الاشتقاق # اعلم أن جماعة علماء هذه الصناعة يفضلون الاشتقاق على التجنيس، وليس ~~الأمر # كما وقع لهم، بل التجنيس أمر عام لهذين النوعين من الكلام؛ وذلك لأن ~~التجانس في أصل الوضع # PageV01P198 # هو التماثل والتشابه، يقال (جانس الشيء (الشيء) إذ ماثله وشابهه، ولما ~~كان الحال كذلك، ورأينا من الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبيانه علما ~~أن ذلك يطلق عليه اسم (التجانس). وكذلك لما رأينا من المعاني ما يتماثل ~~ويتشابه علمنا أن ذلك أن ذلك يطلق عليه اسم (التجانس). أيضا، فالتجانس ~~ينقسم قسمين أحدهما تجانس في اللفظ والآخر تجانس في المعنى، فأما التجانس ~~في اللفظ فهو على بابه تجانس لم يجعل ms143 له اسم آخر كما جعل للتجانس في المعنى ~~فانه يسمى (الاشتقاق) أي أن أحد المعنيين مشتق من الآخر، فهذا الموضع الذي ~~كنا بصدد ذكره لا يليق أن نورد فيه إلا ما يختص بالمعاني، لأنه من باب ~~الصناعة المعنوية، ولذلك أفردنا (الاشتقاق) وذكرناه هاهنا. وأما التجانس في ~~الألفاظ. فسيأتي ذكره في باب الصناعة اللفظية. # واعلم أن الاشتقاق على ضربين: صغير وكبير، فالصغير: أن يأخذ أصلا من ~~الأصول فيجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغته ومبانيه، كتركيب (س ل م) فأنك ~~تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه نحو (سالم وسالم وسلمان وسلمى والسليم) ~~اللديغ: أطلق عليه ذلك تفاؤلا بسلامته، وعلى هذا جاء غيره من الأصول كقولك ~~(هشمتك هاشم) و (حاربك محارب) و (سالمك سالم) و (أصاب الأرض صيب) لأن الصيب ~~هو المطر الذي يشتد صوبه أي وقعه على الأرض، وأمثال ذلك كثيرة، ولهذا الضرب ~~من الكلام رونق لا يخفى على العارف بهذه الصناعة، فما جاء منه قول بعضهم: # (أمحلتي سلمى لكاظمة أسلما) # وكذلك قول الآخر وهو جرير بن عطية: # PageV01P199 # وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس # وقال غيره: # لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد # وأمثال هذه كثيرة، فاعرفها. # وأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلا فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى ~~واحدا يجمع تلك التراكيب وما تصرف منها وإن تباعد شيء من ذلك رد بلطف ~~الصنعة والتأويل إليها، كما يفعل الاشتقاقيون. ولنضرب لذلك مثالا فنقول: إن ~~لفظة (ق ر م) من الثلاثي لها ستة تراكيب وهي (ق ر م. ق م ر. رم ق. م ق ر. م ~~ر ق. فهذه التراكيب الستة يجمعها معنى واحد. وهو القوة والشدة، فالقرم شدة ~~شهوة اللحم وقمر الرجل (إذا غلب من يقامره) و (الرقم) الداهية وهي الشدة ~~التي تلحق الإنسان من أمره (وعيش مرمق) أي ضيق، وذلك نوع من الشدة أيضا ~~(والمقر) شبه الصبر يقال (أمقر الشيء إذا أمر) وفي ذلك شدة على الذائق ~~وكراهة (ومرق السهم) إذا ms144 نفر من الرمية، وذلك لشدة مضائه وقوته. # واعلم أنه إذا أسقط من تراكيب الكلمة شيء فجائز ذلك في الاشتقاق، لأن ~~الاشتقاق ليس من شرطه كمال تراكيب الكلمة بل من شرطه أن الكلمة كيف تقلبت ~~بها تراكيبها، من تقديم حروفها أو تأخيرها أدت إلى معنى واحد يجمعها. فمثال ~~ما سقط من تراكيب الثلاثي لفظ (وس ق) فإن لها خمسة تراكيب وهي: وس ق. وق س. ~~س وق. ق س و. ق وس. وسقط من جملة التراكيب قسم واحد وهو (س ق و) وجميع هذه ~~الكلمات المذكورة تدل على القوة والشدة أيضا، فالوسق من قولهم (استوسق ~~الأمر) أي اجتمع وقوي. والوقس: ابتداء الجرب، وفي ذلك شدة على من يصيب ~~وبلاء. والسوق: # PageV01P200 # متابعة السيرة وفي هذا عناء وشدة للسائق والمسوق. والقسوة: شدة القلب ~~وغلظه. والقوس: معروف، وفيه نوع من الشدة والقوة لنزعه السهم وإخراجه إلى ~~ذلك المرمى المتباعد. # واعلم أنا لا ندعي أن هذا يطرد في جميع اللغة بل قد جاء شيء منها كذلك، ~~وهذا مما يدل على شرفها وحكمتها، لأن الكلمة الواحدة تتقلب على ضروب من ~~التقاليب، وهي مع ذلك دالة على معنى واحد. وهذا من أعيب الأسرار التي توجد ~~في لغة العرب وأغربها، فاعرفه. ### | النوع الثامن عشر من الباب الأول من الفن الثاني # في الحروف العاطفة والجارة # وهو نوع ينبغي لمؤلف الكلام مراعاته والعناية به، لأن معانيه ودقائقه، لا ~~يتنبه لها إلا الفطن اللبيب، وما رأيت أحدا من علماء هذه الصناعة تعرض له ~~ولا ذكره ولا أقول إنهم لم يعرفوا ذلك أصلا، لأن هذا النوع من الكلام أشهر ~~من أن يخفى؛ لأنه مذكور في كتب العربية جميعها، ولست أعني بإيرادها هنا ما ~~يذكره النحويون من أن الحروف العاطفة تتبع المعطوف (المعطوف) عليه في ~~الإعراب، ولا أن الحروف الجارة تجر ما تدخل عليه بل أمرا وراء ذلك، وإن كان ~~المرجع فيه الأصل الذي ذكره علماء العربية في كتبهم فأقول: # إن أكثر الناس يجعلون ما ينبغي أن يعطف بالواو معطوفا بالفاء، وما ينبغي ms145 ~~أن يعطف بالفاء معطوفا بثم، وكذلك يجعلون ما ينبغي أن يكون (بعلى) (بقي) في ~~حروف الجر. وفي هذه الأشياء دقائق، أذكرها لك أيها المتأمل، لتعلم السر ~~فيها. فأما حرف العطف فنحو قوله تعالى (قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء ~~حلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء ~~أنشره) ألا ترى انه لما قال (من نطفة خلقه) كيف قال (فقدره) ولم يقل (ثم ~~قدره) لأن التقدير لما كان تابعا للخلقة، وملازما لها، عطفه عليها بالفاء، ~~وذلك بخلاف قوله (ثم السبيل يسره، لأن بين خلقته # PageV01P201 # وتقديره في بطن أمه وبين إخراجه منها وتسهيل سبيله مهلة وزمانا، فلذلك ~~عطفه (بثم) وعلى هذا جاء قوله تعالى (ثم أماته فأقبره) وقوله (ثم إذا شاء ~~أنشره) لأن بين إخراجه من بطن أمه وبين موته تراخيا وفسحة، وكذلك بين موته ~~ونشوره أيضا، ولهذا عطفهما (بثم). ولما لم يكن بين موت الإنسان وإقباره ~~تراخ ولا مهلة عطفه بالفاء، وأمثال هذا كثيرة، فينبغي لمؤلف الكلام تديرها ~~والإتيان بها في أما كنها. # واعلم أن في حروف العطف موضعا تلتبس فيه الفاء بالواو، وهو موضع يحتاج ~~إلى فضل تأمل لأنه شديد الاشتباه والالتباس؛ وذلك أن فعل المطاوعة لا يعطف ~~عليه إلا بالفاء دون الواو، وقد يجيء من الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعة ~~ويعطي ظاهره أنه كذلك، إلا أن معناه يكون مخالفا لمعنى فعل المطاوعة، ~~فينعطف حينئذ بالواو لا بالفاء. وهذا موضع غامض يجب على المؤلف التحرز من ~~الوقوع فيه، فمن ذلك قوله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا) فقوله تعالى (أغفلنا قلبه) هاهنا بمعنى صادفناه ~~(غافلا)، لأنه لو كان كذلك لكان معطوفا عليه بالفاء وقيل (فاتبع هواه) وذلك ~~أنه يكون مطاوعا وفعل المطاوعة إنما يكون معطوفا بالفاء دون الواو كقولك ~~(أعطيته فأخذ ودعوته فأجاب) ولا تقول (أعطيته وأخذ ولا دعوته وأجاب) كما لا ~~تقول (كسرته وانكسر) وكذلك لو كان معنى (أغفلنا) في الآية (صددنا) و ~~(منعنا) لكان ms146 معطوفا بالفاء، وكان يقال (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~فاتبع هواه) فلما لم يكن كذلك وكان العطف عليه بالواو؛ فطريقه أنه لما قال: ~~(أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه أن يكون معناه (وجدناه غافلا) وإذا وجد ~~غافلا فقد غفل لا محالة، وكأنه قال (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا # PageV01P202 # واتبع هواه) أي لا تطع من فعل كذا وكذا. يعدد أفعاله، التي توجب ترك ~~طاعته، فاعرف ذلك وقس عليه. # وأما حرف الجر فنحو قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله ~~وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى ~~المقصود بمخالفة حرفي الجر هاهنا فإنه إنما خولف بينهما في الدخول على الحق ~~والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركض حيث يشاء، وصاحب ~~الضلال كأنه منغمس في ضلاله مرتبك فيه فلا يدري أين يتوجه، وهذا معنى دقيق ~~قلما يراعي في الكلام وكثيرا ما سمعت إذا كان الرجل يلوم صديقه أو # يعاتب خليله على أمر من الأمور فيقول له (أنت على ضلالك القديم كما ~~أعهدك) وهذا وإن كان جائزا في الكلام إلا أن استعمال (في) هاهنا أولى لما ~~أشرنا اليه، ومن هذا النوع قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل) فإنه إنما عدل عن اللام إلى (في) في الثلاثة الأخيرة للإيذان بأنهم ~~أرسخ في الاستحقاق والتصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن (في) للوعاء فنبه على ~~أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها وذلك لما في فك الرقاب ~~وفي الغرم من التخلص وتكرير (في) في قوله تعالى (وفي السبيل) فيه فضل ~~وترجيح له على الرقاب وعلى الغارمين، وأمثال هذا مما يوجب مراعاته ~~والاعتناء به (كثيرة) فاعرفه. # PageV01P203 ### | النوع التاسع عشر من الباب الأول من الفن الثاني # في التكرير # وهو قسمان: أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى، والآخر يوجد في المعنى دون ~~اللفظ فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى ms147 فكقولك لمن تستدعيه (أسرع أسرع) ~~ومنه قول أبي الطيب المتنبي: # ولم أر مثر جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام # وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك (أطلعني ولا تعصني) فإن الأمر ~~بالطاعة نهي عن المعصية. وكل من هذين القسمين ينقسم إلى مفيد وغير ذلك. ~~فالمفيد يأتي في الكلام تأكيدا له وتشييدا من أمره، وإنما يفعل ذلك للدلالة ~~على معظم محل الشيء، الذي كررت فيه كلامك، والإشعار بفخامته شأنه وعلو ~~قدره، أو الدلالة على حقارته والإعلام بهوانه واتضاعه. وغير المفيد لا يأتي ~~في الكلام # إلا عبثا وخطلا، من غير حاجة إليه. ### | فأما الأول وهو الذي يوجد في اللفظ والمعنى ويدل على معنى # فهو ضربان: مفيد وغير مفيد. ### | فالضرب الأول وهو المفيد فرعان ### | الأول إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على المعنى واحد المقصود به غرضان مختلفان # كقوله تعالى (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ~~ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون) هذا تكرير في اللفظ (وهو قوله) ~~(يحق الحق وليحق الحق) وإنما جيء به هاهنا لاختلاف المراد، وذلك أن الأول ~~تمييز بين الإرادتين، والثاني بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة ~~على غيرها لهم، ونصرتهم عليها، وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا ~~الغرض. # PageV01P204 # ومن هذا الباب قوله تعالى (قل أني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين. . ~~.) إلى قوله (فاتقون) ألا ترى إلى هذا التكرير في قوله (قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين) وقوله (قل الله أعبد مخلصا له ديني) والمراد به ~~غرضان مختلفان وذلك أن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله عز وجل بإحداث ~~العبادة له والإخلاص في دينه. والثاني إخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره ~~بالعبادة، مخلصا له دينه، ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة في ~~الثاني وأخره في الأول؛ لأن الكلام أولا واقع في الفعل نفسه وإيجاده، ~~وثانيا فيمن ms148 يفعل الفعل لأجله، ولذلك رتب عليه (فاعبدوا ما شئتم من دونه). # ومما أورد على نحو من ذلك قوله تعالى: (قل يأيها الكافرون. . .) إلى ~~آخرها فقوله (لا أعبد) يعني في المستقبل لا تطلبوا مني عبادة إلهكم، ولا ~~أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهين. (ولا أنا عابد ما عبدتم) أي ~~(وما كنت قط عابدا # فيما سلف ما عبدتم فيه، يعني أنه لم يعهد في عبادة صنم في الجاهلية في ~~وقت ما، فكيف يرجى ذلك في الإسلام؟! ولا أنتم عابدون في الماضي في وقت ما ~~ما أنا على عبادته الآن). وأمثال هذا كثيرة فاعرفه. # ومن هذا الجنس قوله تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين، إذ قال لهم أخوهم نوح ~~ألا تتقون، إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعوني، وما أسألكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين، فاتقوا الله وأطيعوني) فإنه إنما كرر ~~قوله (فاتقوا الله وأطيعوني) ليؤكده عندهم وليقرره في نفوسهم مع تعليق كل ~~واحد منهما بعلة؛ فجعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وجعل علة الثاني ~~حسم طعمه عنهم وخلوه من الأغراض فيما يدعوهم إليه. # PageV01P205 # من هذا النحو قوله تعالى (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد، ~~وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب، إن كل إلا كذب الرسل فحق ~~عقابي) وإنما كرر تكذيبهم هاهنا لأنه لم يأت به على أسلوب واحد، بل تنوع ~~فيه بضروب من الصنعة فذكره أولا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء ~~به بالجملة الاستثنائية، فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل ~~لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم. وفي تكرير التكذيب وإيضاحه ~~بعد إبهامه، والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولا وبالاستثنائية ثانيا، ~~وما في الاستثناء من الواضح علة جهة التأكيد والتخصيص من المبالغة المسجلة ~~عليهم، باستحقاق أشد العذاب في أبلغه (من البيان ما لا خفاء فيه). # وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى غامض، وبه يعرف مواقع التكرير والفرق ~~بينه وبين غيره، فافهمه. ### | الفرع الثاني من الضرب ms149 الأول # إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد # والمراد به غرض واحد كقوله تعالى: (والله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ~~فيبسطه في السماء كيف يشاء) إلى قوله: (. . . لمبلسين) فقوله (من قبله) بعد ~~قوله (من قبل) فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول فاستحكم ~~يأسهم، وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اهتمامهم. # ومثل من قوله تعالى (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها) وكذلك ~~قوله تعالى (ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحمدوا بما لم يفعلوا، فلا ~~تحسبنهم # PageV01P206 # بمفازة من العذاب، ولهم عذاب أليم) ومن هذا الجنس قوله تعالى (وقال الذين ~~آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ~~وإن الآخرة هي دار القرار) فإنه إنما كرر نداء قومه هاهنا لزيادة التنبيه ~~لهم، والإيقاظ من سنة الغفلة، ولأنهم قومه وعشيرته وهم فيما يوبقهم كمن ~~الضلال، وهو يعلم وجه صلاحهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزن لهم، ويتلطف ~~بهم، ويستدعي بذلك أن لا يتهموه، فإن سرورهم سرور وغمهم غمه وإن لم ينزلوا ~~على نصيحته لهم. وهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز وأشد موقعا من ~~الاختصار، فاعرفه. # وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر (فذوقوا عذابي ونذري) وقوله ~~(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) فإنه تكرر ذلك في السورة كثيرا، ~~وفائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا، وأن ~~يستأنفوا تنبيها واستيقاظا، إذ سمعوا الحث على ذلك، والبعث إليه وأن تقرع ~~لهم العصا مرات، لئلا يغلبهم السهو، وتستولي عليهم الغفلة. # وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن - جل وعلا - (فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان) وذلك عند ذكر كل نعمة عددها على عباده، وأمثال ذلك في القرآن # الكريم كثيرة فاعرفها. ### | الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى # وهو غير المفيد # وهو الذي يكون وجوده وعدمه سواء لأنه لا يأتي (إلا) بمعنى واحد فقط، فمن ~~ذلك # PageV01P207 # ما أوردناه في صدر هذا الباب قول أبي الطيب ms150 المتنبي: # ولم أر جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام # إنه يقول: لم أر مثل جيراني في سوء الجوار وقلة المراعاة، ولا مثلي في ~~مصابرتهم ومقامي عندهم، إلا أنه قد كرر هذا المعنى في البيت مرتين، وعلى ~~نحو ذلك جاء قوله: # فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلهن قلاقل # فإن الصاحب إسماعيل بن عباد أنكر على أبي الطيب هذا البيت لأجل التكرير ~~الذي فيه ورأيت الواحدي ذكر في شرحه لشعر أبي الطيب أنه لا يلزمه من هذا ~~عيب وأنه قد جرت عادة الشعراء بمثل هذا كقول أبي منصور الثعالبي: # وإذا البلابل أطربت بهديلها ... فأنف البلابل باحتساه بلابل # ولقد أصاب الصاحب بن عباد في استقباح بيت أبي الطيب، وأخطأ الواحدي في ~~الاعتذار عنه، وتمثيل ذلك يقول الثعالبي. وبيانه أن بيت أبي الطيب قد ورد ~~فيه ذكر القلقلة والقلاقل أربع مرات، وهن دلائل معنى واحدا لا غير5 وهو ~~الحركة يقول (وحركت بالهم الذي حرك # PageV01P208 # الحشا نوقا سراع الحركة كلهن متحركات) وهذا من أقبح ما يكون من التكرير ~~وأما بيت الثعالبي الذي مثله الواحدي ببيت أبي الطيب فليس مثالا لأن لفظة ~~(البلابل) قد وردت فيه ثلاث مرات. وكل منها دال على معنى، والبلابل الأولى ~~جمع بلبل، وهو طائر حسن الصوت، والبلابل الثانية # جمع بلبلة، وهي وسواس الصدر، والبلابل الثالثة جمع بلبلة وهي مخرج الماء ~~من الابريق، فهو يقول: وإذا الأطيار من البلابل هدلت وغردت فانف البلابل من ~~قلبك باحتساء الخمر من بلابل الأباريق، وهذا من أخف ما يكون من التجنيس. ~~ومن هاهنا وقع السهو للواحدي، وهو أن (البلابل) في شعر الثعالبي تدل على ~~معان مختلفة و (القلاقل) في شعر أبي الطيب تدل على معنى واحد، فاعرف ذلك ~~وقس عليه. ### | القسم الثاني من النوع الأول في التكرير # وهو الذي يوجد في المعنى دون اللفظ، وهو ضربان: # مفيد وغير مفيد ### | الضرب الأول المفيد # وهو فرعان: ### | الأول إذا كان التكرير في المعنى يدل معنيين مختلفين كدلالته على الجنس والعدد # ، وهو باب من التكرير مشكل؛ لأنه يسبق ms151 إلى الوهم أنه تكرير محض، يدل على ~~معنى واحد فقط، وليس كذلك. فمما جاء منه قوله تعالى (وقال الله لا تتخذوا ~~إلهين اثنين إنما هو إله واحد) ألا يرى أن العرب إنما جمعت بين العدد ~~والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا (عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة) ~~لأن المعدود عار من الدلالة على العدد المخصوص، فأما (رجل ورجلان وفرس ~~وفرسان) فمعدودان. فالفائدة إذن في قوله تعالى: (إلهين اثنين وإله واحد) ~~وهو أن الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية (يدل) على الجنسية والعدد ~~المخصوص، # PageV01P209 # فإذا أريدت الدلالة على أن المعني به واحد منهما وكان الذي يساق إليه ~~الحديث هو العدد شفع # بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به. ألا ترى أنك لو قلت (إنما ~~هو إله) ولم تؤكده بواحد لم يحسن، وخيل إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية. ~~وهذا باب من تكرير المعاني وعر المسلك دقيق المغزى وبه تحل مشكلات من ~~التكرير فاعرفه. # ومن هذا النحو إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين: أحدهما خاص ~~والآخر عام كقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر) الآية. فإن الأمر بالمعروف داخل تحت الدعاء إلى الخير، ~~لأن الأمر بالمعروف خاص والخير عام. فكل أمر بالمعروف خير وليس كل حير أمرا ~~بالمعروف؛ لأن الخير أنواع كثيرة، من جملتها الأمر بالمعروف، ففائدة ~~التكرير هنا أنه ذكر الخاص بعد ذكر العام، للتنبيه على فضله كقوله تعالى ~~(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) الآية. وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفها. ### | الفرع الثاني من الضرب الأول من القسم الثاني # إذا كان التكرير في المعنى يدل معنى واحد # وقد سبق مثاله، في أول هذا الباب، كقولك (أطعني ولا تعصني) لأن الأمر ~~بالطاعة نهي عن المعصية، والفائدة في ذلك تثبيت الطاعة في نفس المخاطب، ~~والتقرير لها في قلبه. والكلام في هذا الموضع من التكرير كالكلام في الموضع ~~الذي قبله من تكرير اللفظ والمعنى؛ إذ كان المراد به غرضا واحدا. ### | الضرب الثاني من القسم الثاني # في تكرير المعنى دون ms152 اللفظ # وهو غير المفيد فمن ذلك قول ابن هانئ المغربي: # سارت به صيغ القصائد شردا ... فكأنما كانت صبا وقبولا # PageV01P210 # فكأنه قد قال (فكأنما كانت صبا وصبا) لأن الصبا هي القبول، وليس ذلك مثل # التكرير في قوله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فيما يرجع ~~إلى تكرير اللفظ والمعنى. ولا مثل التكرير في قوله تعالى (ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف) فيما يرجع إلى تكرير المعنى دون اللفظ؛ ~~لأن كل واحدة من هاتين الآيتين تشتمل على معنيين: خاص وعام، وقول ابن هانئ ~~(صبا وقبولا) لا يعطى إلا معنى واحدا لا غير، وهذا لا يخفى على المعارف ~~بصناعة التأليف. # ومن هذا النحو قول الصابي في كتاب: (وصل كتابك بعد تأخير وإبطاء، وانتظار ~~له واستبطاء) فإن التأخير والإبطاء بمعنى واحد، وقد يكون لهذا وجه في ~~التجويز، وهو التقرير في نفس المخاطب لبعد الأمد، وتطاول المدة في انقطاع ~~كتابه عنه، وذلك مما لا بأس به في هذا الموضع، وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفها. ### | النوع العشرون من الباب الأول من الفن الثاني # في تناسب المعاني # وهو ثلاثة أضرب: ### | الضرب الأول المطابقة وهي المقابلة # اعلم أن جماعة العلماء من أرباب هذه الصناعة قد أجمعوا على أن المطابقة ~~في الكلام: هي الجمع بين الشيء وضده، كالسواد والبياض والليل والنهار، ~~وخالفهم في ذلك أبو الفرج قدامة ابن جعفر الكاتب فقال: (المطابقة إيراد ~~لفظتين متساويتين في البناء والصيغة مختلفتين في المعنى). وهذا الذي ذكره ~~قدامة هو (التجنيس) بعينه، غير أن الأسماء لا مشاحة منها إلا إذا كانت ~~مشتقة، ولننظر نحن في مخالفة قدامة لجماعة العلماء في اسم المطابقة ليعلم ~~الحق في أي الجهتين مقره، وذلك أنا ننظر إلى أصل المطابقة في وضع اللغة فإن ~~كانت مناسبة لما أجمع عليه # العلماء تحققنا أن الحق معهم، وإن كانت مناسبة لما ذكره قدامة تحققنا أن ~~الحق في يده فرأينا: أصل الطباق في اللغة من (طابق البعير في سيره) إذا وضع ~~رجله موضع يده، وهذا يقوي # PageV01P211 # ما ذكره قدامة، لأن اليد غير ms153 الرجل لا ضدها، والموضع الذي يقعان منه ~~واحد، وكذلك المعنيان يكونان غير بن أي مختلفين، واللفظ الذي يجمعهما واحد، ~~فقدامة سمى هذا النوع من الكلام المطابقة، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، ~~وذلك مناسب وواقع (موقعه) إلا أنه قد جعل للتجنيس اسما آخر هو المطابقة، ~~ولا بأس به. وأما جماعة العلماء فكأنهم سموا هذا الضرب من الكلام مطابقا، ~~بغير اشتقاق، ولا مناسبة بينه وبين مسماه. كذا هو الظاهر لنا من هذا الأمر، ~~إلا أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة، لم نطلع نحن عليها، ولنرجع نحن ~~إلى هذا النوع من التأليف ونحقق الكلام فيه فنقول: # اعلم أن الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع (المقابلة) لأنه لا يخلو ~~الخال في ذلك من ثلاثة أقسام: أما أن يقابل الشيء بضده أو بغيره (أو بمثله) ~~وليس لنا قسم رابع. ### | فأما القسم الأول وهو مقابلة الشيء بضده # ، كالسواد والبياض وما جرى مجراه فكقوله تعالى (فليضحكوا قليلا وليبكوا ~~كثيرا). ألا ترى إلى صحة هذه المقابلة البديعة؛ حيث قابل الضحك بالبكاء ~~والقليل بالكثير؟. وكذلك قوله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بما آتاكم). وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب. وقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - (خير المال عين ساهرة لعين نائمة). ومن هذا قول بعضهم في ~~السحاب: # وله بلا حزن ولا بمسرة ... ضحك يراوح بينه وبكاء # PageV01P212 # فقابل الضحك بالبكاء، والحزن بالسرور في بيت واحد إلا أن في ذلك نظرا، من ~~حيث ترتيب التفسير، لا من حيث المقابلة، لأن ترتيب التفسير يقتضي أن كان ~~قال # (فله بلا حزن ولا بمسرة) (بكاء يراوح بينه وضحك). وهذا لا كبير عيب فيه، ~~وإنما الأولى والأليق ما أشرنا إليه، فاعرفه، وسيأتي بيانه، وقال آخر: # فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر # ألا ترى إلى هذه المقابلة البديعة التي قد أتى بها هذا الشاعر؛ فانه قابل ~~الجود بالبخل ويفني بيبقي ومقبل بمدبر؟ وهذا الكلام هو السهل الممتنع، الذي ~~هو ms154 كالنجم تراه قريبا على صفحات الماء وهو بأفق السماء. ومن هذا النوع أيضا ~~قول البحتري: # وأمة كان قبح الجور يسخطها ... دهرا فأصبح حسن العدل يرضيها # فقابل الحسن بالقبح، والجور بالعدل، والسخط بالرضى، وذلك بديع في بابه، ~~فاعرفه. ### | وأما القسم الثاني وهو مقابلة الشيء بغيره فهو ضربان ### | أحدهما ما كان بين المقابل والمقابل له مناسبة وتقاب # ل، كقول بعضهم. # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا # فقابل الظلم بالمغفرة، والظلم ليس ضد المغفرة، وإنما هو ضد العدل إلا أنه ~~لما كانت المغفرة قريبة من العدل مناسبة له حسنت المقابلة بينها وبين ~~الظلم، وأمثال هذه كثيرة. ### | الضرب الثاني من القسم الثاني # في المقابلة وهو أن يقابل الشيء بما بينه وبينه بعد ولا مناسبة (بينهما) ~~بحال من الأحوال وذلك مما لا يحسن استعماله في التأليف، مما جاء منه قول ~~بعضهم: # أم هل ظعائن بالعلياء رافعة ... وإن تكامل فيها الدل والشنب # PageV01P213 # فإن ذلك غير مناسب، لأنه إنما يكون يحسن الدل مع الغنج والشنب مع اللمس ~~أو ما يجري مجراه من أوصاف الثغر والفم. ### | وأما القسم الثالث من النوع العشرين # فهو أن يقابل الشيء بمثله، وهو ضربان: أحدهما التقابل في اللفظ والمعنى، ~~والآخر التقابل في المعنى دون اللفظ، فالضرب الأول كقوله تعالى: (نسوا الله ~~فنسيهم). وكقوله تعالى (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا) وأمثال هذا كثيرة، والضرب ~~الثاني فهو أن تقابل الجملة بمثلها: إن كانت مستقبلة (بمستقبلة) وأن كانت ~~ماضية قوبلت بماضية، وربما قوبل الماضي بالمستقبل، والمستقبل بالماضي، وذلك ~~إذا كان أحدهما في معنى الآخر: فمن ذلك قوله تعالى (قل إن ضللت فإنما أضل ~~على نفسي وإن اهتديت فيما يوحي إلي ربي) فإن هذا تقابل من جهة المعنى، ولو ~~كان التقابل من جهة اللفظ لقال (وإن اهتديت فإنما أهتدي لها). وبيان تقابل ~~هذا الكلام من جهة المعنى هو أن النفس كل ما هو عليها فهو بها، أعني أن كل ~~ما هو وبال عليها وضار لها فهو بسببها ومنها، لأنها الأمارة بالسوء، وكل ما ms155 ~~حولها مما ينفيها فبهداية ربها وتوفيقه إياها. وهذا حكم عام لكل مكلف، ~~وإنما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسنده إلى نفسه، لأن الرسول ~~إذا دخل تحته مع علو محله وسداد طريقه كان غيره أولى به، ومن هذا الضرب ~~أيضا قوله تعالى (أو لم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) فإنه لم يراع التقابل في قوله (ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا) لأن القياس # PageV01P214 # يقتضي أن يكون (والنهار ليبصروا فيه) وإنما هو مراعى من جهة المعنى، لا ~~من حيث اللفظ، وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف، لأن معنى قوله (مبصرا) ~~ليبصروا فيه طرق التقلب في الحاجات. # ومن مقابلة الشيء بمثله أنه إذا ذكر المؤلف ألفاظا تقتضي جوابا فالمرضي ~~عندنا أن يأتي بتلك الألفاظ في الجواب من غير عدول عنها إلى غيرها مما هو ~~في معناها، فمن ذلك قوله تعالى (وجزاء سيئة مثلها). ومما عيب في هذا الباب ~~قول بعضهم (من افترى ذنبا عامدا أو اكتسب جرما قاصدا لزمه ما جناه وحاق به ~~ما # توخاه). والأليق أن كان قال (لزمه ما اقترف وحاق به ما اكتسب) ليكون أحسن ~~طباقا وإن كان ذلك جائزا في الكلام من حيث إن معناه صواب، لكنه عدول عن ~~الأليق والأولى في هذا الباب. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها. # واعلم أن في تقابل المعاني بابا عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل وزيادة ~~نظر وتدير، وهو تخليص بالفواصل من الكلام المنثور، وبالأعجاز من أبيات ~~الشعر، مما جاء من ذلك قوله تعالى في حق المنافقين (وإذا قيل لهم لا تفسدوا ~~في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) ~~وقوله تعالى (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) ألا ترى كيف فصل الآية ~~الأخيرة (بيعلمون) والآية التي قبلها (بيشعرون) وإنما فعل ذلك لأن أمر ~~الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر ms156 ~~واستدلال، حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك. وأما النفاق وما فيه من ~~البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، ~~معلوم عند الناس، خصوصا عند العرب، وما كان فيهم من التجارب والتعاود، فهو ~~كالمحسوس عندهم فلذلك قال فيه (يشعرون) وأيضا فانه لما ذكر السفه في الآية ~~الأخيرة وهو جهل كان ذكر العلم معه أحسن طباقا، فقال (لا يعلمون). # PageV01P215 # وآيات القرآن الكريم جميعها فصلت هكذا، كقوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل ~~من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير). وكقوله (وله ما في ~~السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد) وكقوله (ألم تر أن الله ~~سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره) إلى قوله (. . . لرؤوف ~~رحيم) فإنه إنما فصلت الآية الأولى (بلطيف خبير) لأن ذلك في موضع الرحمة ~~لخلقه بإنزال الغيث، وإخراج النبات من الأرض، ولأنه خبير بمنفعتهم ومضرتهم، ~~في # إنزال الغيث وغيره، فأما الآية الثانية فإنما فصلت (بغني حميد) لأنه قال ~~(ما في السموات وما في الأرض) فعرف الناس بأن جميع ما في السموات والأرض له ~~لا الحاجة بل هو غني عنها، جواد بها، لأنه ليس كل غني نافعا بغناه إلا إذا ~~كان جوادا منعما، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه، واستحق عليه الحمد، ~~فذكر الحمد ليدل على أنه الغني النافع بغناه خلقه. وأما الآية الثالثة ~~فإنما فصلت (برؤوف رحيم) لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما ~~في الأرض لهم، وإجراء الفلك في البحر بهم، وتسييرهم في ذلك الهول العظيم، ~~وجعله السماء فوقهم، وإمساكه إياها عن الوقوع حسن أن يفصل ذلك بقوله (رؤوف ~~رحيم) أي إن هذا الفعل فعل رؤوف رحيم. # واعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا أنه توجد هذه الملاءمة والمناسبة في كلام ~~ناظم أو ناثر. وهذا الباب ليس في علم البيان أكثر نفعا منه، ولا أعظم ~~فائدة، وهو مع ذلك دقيق المسلك ضيق المذهب، فعليكم - معشر المنتصبين لهذه ~~الصناعة - بتدير مطاويه، وإمعان النظر ms157 مشكلاته. وكفى بما أشرنا إليه مثالا ~~لمن له لب. ومما جاء من هذا الباب في الشعر قول المتنبي: # PageV01P216 # وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم # ولقد أخذ عليه ذلك، وقيل: لو جعل آخر البيت الثاني آخر الأول لكان أولى؛ ~~وحكاية أخذه عليه أنه استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها: # (على قدر أهل العزم تأتي العزائم). فلما بلغ إلى قوله: (وقفت وما في ~~الموت شك لواقف) البيتين قال له: وقد انتقدت عليك هذين البيتين كما أنتقد ~~على امرئ القيس قوله: # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال # فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم بيتا امرئ القيس، وكان ينبغي أن ~~يقول: # كأني لم أركب جوادا ولم أقل لخيلي. . . # ولم أسبأ الزق الروي. . . # وكذلك ينبغي أن تقول: # وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم # فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا وهو أعلم بالشعر ~~منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز ~~كما يعلمه الحائك؛ لأن البزاز يعلم جملته، والحائك يعلم تفاصيله. وإنما قرن ~~امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد وقرن السماحة بسباء الخمر للاتصاف ~~بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر # PageV01P217 # البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره، ليكون أحسن طباقا وتلازما. ولما ~~كان وجه الجريح المنهزم يكون عبوسا وعينه باكية قلت (وجهك وضاح وثغرك باسم) ~~لأجمع بين الأضداد في المعنى. فأعجب سيف الدولة كلامه. وأمثال ذلك كثيرة ~~إلا أنه يحتاج الناقد لها والمميز بين جيدها ورديئها إلى فكرة صافية، وروية ~~زائدة. ### | الضرب الثاني من النوع العشرين في صحة التقسيم وفساده # اعلم أنا لم نرد بالتقسيم هاهنا ما تقتضيه القسمة العقلية كما يذهب إليه ~~المتكلمون؛ فإن ms158 القسمة العقلية تقتضي أشياء مستحيلة، كما قالوا (الجواهر لا ~~تخلو إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة. أو لا مجتمعة ولا مفترقة. أو مجتمعة ~~مفترقة معا. أو بعضها مجتمعة، وبعضها مفترقة). ألا ترى أن هذه القسمة صحيحة ~~من حيث العقل لاستيفاء الأقسام جميعها، وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده، ~~فإن # الشيء لا يكون مجتمعا مفترقا في حالة واحدة، وإنما تريد نحن بالتقسيم ~~هاهنا ما يقتضيه المعنى، مما يمكن وجوده؛ وهو أن يأتي المؤلف إلى جميع ~~أقسام الكلام المحتملة فيستوفيها، غير تارك منها قسما واحدا. فمن ذلك قوله ~~تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) فإنه لا يخلو العالم من هذه الأقسام الثلاثة: ~~أما عاص ظالم لنفسه وإما مطيع مبارد إلى الخيرات وإما مقتصد بينهما، وهذا ~~من أصح التقسيمات وآكملها، فاعرفه. # ومن هذا النحو قوله تعالى (وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون) الآية. ~~وأعلم أن هذه الآية مماثلة في # PageV01P218 # المعنى لما سبق ذكره، فأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم. وأصحاب ~~الميمنة هم المقتصدون والسابقون هم السابقون بالخيرات. وعلى نحو من ذلك جاء ~~قوله تعالى (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا). ألا ترى إلى بداعة هذه ~~القسمة؟ فإن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، وليس لهم ثالث. # وكان جماعة من أرباب هذه الصناعة المنتصبين في صدرها يعجبون يقول بعض ~~الأعراب في هذا المعنى، ويقولون إن ذلك من أصح التقسيمات وهو قوله (النعم ~~ثلاث: نعمة في حال كونها نعمة ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة. ~~فأبقي الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم ~~تحتسبه). فقالوا إنه ليس في أقسام النعم التي يقع الانتفاع بها قسم رابع ~~سوى ما ذكره الأعرابي. وهذا القول فاسد؛ وهو أن في أقسام النعم التي قسمها ~~هاهنا نقصا لا بد منه، وزيادة لا حاجة إليها، فإما النقص فإغفاله ذكر ~~النعمة الماضية، وأما الزيادة فقوله ms159 بعد النعمة المستقبلة: التي تأتي غير ~~محتسبة، وهذا خطأ لأن النعمة # التي تأتي غير محتسبة هي داخلة في قسم المستقبل، وذلك أن النعمة ~~المستقبلة تنقسم إلى قسمين: أحدهما يرجى حصوله ويتوقع بلوغه، والآخر لا ~~يحتسب ولا يشعر بوجوده، فقوله (ونعمة تأتي غير محتسبة) يوهم أن هذا القسم ~~غير المستقبل، وهو داخل في جملته، ولو قال (ونعمة مستقبلة) من غير أن يقول ~~(ونعمة تأتي غير محتسبة) لكان قوله كافيا، إذ النعمة التي ترجى والنعمة ~~التي لا يحتسب تدخلان تحت قسم المستقبل. وكان ينبغي أن يقول (النعم ثلاث ~~نعمة ماضية، ونعمة في حال كونها، ونعمة تأتي مستقبلة، فأحسن الله آثار ~~النعمة الماضية وأبقى عليك النعمة التي أنت فيها، ووفر حظك من النعمة التي ~~تستقبلها). ألا ترى لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب، فافهم ما ~~ذكرناه وقس عليه. # ووقف أعرابي على مجلس الحسن فقال: (رحم الله من أعطى من سعة أو واسى من ~~كفاف أو آثر من قلة). فقال الحسن: ما ترك لأحد عذرا؛ فانصرف الأعرابي بخير ~~كثير. # PageV01P219 # ومن هذا الضرب ما ذكره أبو هلال العسكري في كتابه وذلك أنه أخذ على جميل ~~قوله: # لو أن في قلبي كقدر قلامة ... حبا وصلتك أو أتتك رسائلي # فقال أبو هلال: إن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل. وليس الأمر كما وقع ~~له، فإن (جميلا) أراد به (وصلتك) أي أتيتك زائرا أو قاصدا أو (كنت راسلتك ~~مراسلة). والوصل لا يخرج عن هذين القسمين إما رسالة وإما زيارة. # ومن أعجب ما شاهدته في هذا الباب ما ذكره أبو العلاء محمد بن غانم ~~المعروف بالغانمي، وهو قول العباس بن الأحنف: # وصالكم هجر وهجركم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب # ثم روى المشار إليه عن أبي القاسم الآمدي - رحمة الله - أنه قال إن بعض ~~نقدة الكلام من البلغاء لما سمع هذا البيت قال: (والله هذا أحسن من تقسيمات ~~إقليدس). # PageV01P220 # ومن العجب كيف ذكر الغانمي ذلك في كتابه وفاته النظر فيه مع تقدمه في هذه ~~الصناعة. وأعجب من ms160 ذلك قول أبي القاسم الآمدي، وأعجب منهما جميعا استحسان ~~ناقد الكلام لهذا التقسيم، ألا ترى أن هذا البيت قد بني عليه شيء آخر من ~~جنسه فانه لو أضيف له بيت غيره فقيل: # ولينكم عنف وقربكم نوى ... وإعطاؤكم منع وصدقكم كذب # لجاز ذلك وربما يحتمل أن بزاد على هذا البيت الثاني بيت ثالث ورابع، ولو ~~كان ذلك التقسيم في البيت الأول صحيحا لما احتمل أن يضاف إليه شيء آخر ~~البتة، لأن من شرط صحة التقسيم أن لا يحتمل الزيادة. # ومما جاء على نحو من هذا قول بعضهم في حق مكسورين في الحرب، (فمن بين ~~جريح مضرج بدمائه، وهارب لا يلتفت إلى ورائه). فإن الجريح قد يكون هاربا، ~~والهارب قد يكون جريحا، ولو قال (فمن بين قتيل ومأسور وناج) لصح له التقسيم ~~لأن المكسورين في الحرب، الذين دارت عليهم الدائرة، لا يخرجون عن هذه ~~الأقسام الثلاثة، فأما قتيل أو مأسور أو نازح، وأما الجريح فإنه يدخل في ~~جملة الناجي، والمأسور، لأن كلا منهما يجوز أن يكون جريحا أو أن لا يكون، ~~فاعرف ذلك، وقس عليه. ### | الضرب الثالث من النوع العشرين # وترتيبه في التفسير وما يصح من ذلك وما يفسد # اعلم أن صحة ترتيب التفسير هي أن يذكر المؤلف في كلامه معاني مختلفة، ~~فإذا عاد إليها بالذكر ليفسرها، قدم المقدم وأخر المؤخر، وإذا لم براع ~~المؤلف ذلك كأن مأخوذا عليه، لأنه يخل بشطر من الصناعة، فمن ذلك قول بعضهم: # غيث وليث فغيث حين تسأله ... عرفا وليث لدي الهيجاء ضرغام # تحيا الأنام به في الجدب إن قطحوا ... جودا ويشقى به يوم الوغى الهام # PageV01P221 # ومن هذا الباب قوله تعالى (وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل ~~وجعلنا آية النهار مبصرة) وكذلك قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل ~~والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله). فلما قدم الليل في الذكر على ~~النهار قدر سبب الليل، وهو السكون على سبب النهار، وهو التعيش، وذلك في ~~غاية الحسن. ومن هذا النحو قول بعضهم: # يوم المتيم فيك حول كامل ms161 ... يتعاقب الفصلان فيه إذا أنى # ما بين حر جوى مدامع ... إن حن صاف وإن بكى وجدا شتا # وهذا من أصح التفسير فاعرفه، ومن ذلك قول الآخر وهو غاية في بابه: # شكوت فقالت كل هذا تبرم ... بحبي أراح الله قلبك من حبي # فلما كتمت الحب قالت اشد ما ... صبرت وما هذا بفعل شجى القلب # وأدنو فتقصيني فأبعد طالبا ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي # فشكواي تؤذيها وصبري يسوؤها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي # فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أعينوا بها واستو جبوا الأجر من ربي # فما يرك هذا الشاعر شيئا من المعاني التي ذكرها أولا فيما يلاقيه من الحب ~~والبلوى إلا فسرها على هذا الترتيب، فاعرف ذلك. # ومما أخذ على الفرزدق من هذا النحو قوله: # PageV01P222 # لقد خنت قموا لو لجات إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم # لألفيت منهم معطيا أو مطاعنا ... وراك شزرا بالوشيج المقوم # لأنه أصاب في التفسير وأخطأ في الترتيب، وذلك أنه أتى بتفسير ما هو أول ~~في البيت الأول، ثانيا في البيت الثاني، وهو قوله: (طريد دم) فقال: (أو ~~مطاعنا)، وكذلك أتى بتفسير ما هو ثان في البيت الأول أولا في البيت الثاني، ~~وهو قوله: (حاملا ثقل مغرم) فقال: (لألفيت منهم معطيا) والأولى أن كان أتي ~~بتفسير ذلك مرتبا؛ ففسر ما هو أول في البيت الأول بما هو ثان في البيت ~~الثاني، وما هو ثان في البيت الأول بما هو ثان في البيت الثاني؛ وذلك لو ~~سلم له الوزن. إلا أن هذا لا كبير عيب فيه. وإنما الأحسن ما أشرنا إليه. # واعلم أن الناظم إذ أتى بمثل ما أتى به الفرزدق لا ينكر عليه ذلك، كما ~~ينكر على الناثر، وذلك أن الناظم يضطره الوزن والقافية إلى اعتماد غير ~~الواجب في تأليفه، وترك الأولى في صناعته، كما اضطر الوزن والقافية ~~الفرزدق، فإنه لو أراد أن يأتي بمقتضى الصنعة لقال: # لقد خنت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم # (لألفيت منهم طاعنا بالوشيج المقوم أو ms162 معطيا) # وهذا ما يفسد به الوزن والقافية. وأما الناثر فانه لا يضطر إلى مثل ذلك ~~لتصرفه كيف شاء، ولهذا كان الناثر مؤاخذا بأداء هذه الصناعة أكثر مما يؤاخذ ~~الشاعر، فاعرف ذلك. # ومما أخذ على الفرزدق قوله أيضا: # كيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظا وردفا وقدا # والأصل في هذا أن قال: (ردفا وقدا ولحظا) وأمثال هذا كثيرة، فاعرفها. # وأما فساد التفسير في هذا الباب فهو أن يأتي المؤلف بكلام يفسره تفسيرا ~~لا يناسبه، وذلك عيب لا يسامح فيه بحال من الأحوال كقول بعضهم: # PageV01P223 # فيا أيها الحيران في ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدا # تعال إليه تلق من نور وجهة ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى # وكان يجب لهذا الشاعر أن يجعل بازاء (بغي من العدا) ما يناسبه من النصرة ~~أو الادالة فأما الإعانة أو ما جرى هذا المجرى، ليكون ذلك تفسيرا كما جعل ~~بازاء الظلمة الضياء وفسرها به، فأما أن وضع بازاء ما يتخوف منه (بحرا من ~~الندى) (فإنه) لا يكون تفسيرا له وأمثال هذا كثيرة، فلتجتنب. ### | النوع الحادي والعشرون من الباب الأول من الفن # الثاني # في الخطاب بالجملة الفعلية والخطاب بالجملة # الاسمية المؤكدة بأن المشددة وتفضيل أحدهما على الآخر. # وذلك كقولنا (قام زيد)، و (إن زيدا قائم) فقولنا: قام زيد. معناه؛ ~~الإخبار عن زيد بالقيام. وقولنا: إن زيدا قائم، معناه؛ الإخبار عن زيد ~~بالقيام أيضا. إلا أن في الثاني زيادة ليست في الأول، وهو توكيده بأن ~~المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها من الكلام، فمن هذا النحو ~~قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزؤن). فإنهم إنما خاطبوا المؤمنين بالجملة ~~الفعلية، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة بإن المشددة، # فقالوا: في خطاب المؤمنين (آمنا) ولإخوانهم (إنا معكم) لأنهم في مخاطبة ~~إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اعتقاد الكفر والبعد من أن ~~يزلوا على صدق ورغبة ووفور نشاط، وكان ذلك متقبلا منهم ورابحا عند ms163 إخوانهم. ~~وما قالوه للمؤمنين فإنما قالوه تكلفا وإظهارا للإيمان، خوفا ومداجاة، ~~وكانوا يعلمون أنهم لو قالوه بأوكد لفظ وأشده لما راج لهم عند المؤمنين إلا ~~رواجا ظاهرا لا باطنا، ولأنهم ليس لهم من عقائدهم باعث قوي على النطق في ~~خطاب المؤمنين بمثل ما خاطبوا به إخوانهم، # PageV01P224 # (إنا معكم) وهذه نكت دقيقة ولطائف خفية لا توجد في نوع من الكلام العربي ~~إلا في القرآن الكريم، وما أكثر ذلك وأمثاله في أثنائه وأوفره! مودعا في ~~غضونه، فاعرفه وقس عليه. ### | النوع الثاني والعشرون من الباب الأول من الفن # الثاني # في ورود لام التأكيد في الكلام # ولا يجيء ذلك إلا لضرب من المبالغة، وفائدتها في التأليف أنه إذا عبر عن ~~أمر بعز وجوده، أو فعل يعظم إحداثه ووقوعه، جيء بها محققة لذلك، وشاهدة، ~~فمن هذا الباب قوله عز وجل: (أفرايتم ما تحرثون، أأنتم تزرعون أم نحن ~~الزارعون، لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون، إنا لمغرمون، بل نحن ~~محرومون، أفرأيتم الماء الذي نشربون، أأنتم أنزلتوه من المزن أم نحن ~~المنزلون، لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون). ألا ترى كيف أدخلت (اللام) ~~في آية المطعوم دون آية المشروب، وإنما جاءت كذلك لأن جعل الماء العذب ملحا ~~أسهل إمكانا، والموجود من الماء الملح أكثر من الموجود من الماء العذب، ~~وكثيرا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى ~~الملوحة والمرارة، فلم يحتج في # جعل الماء العذب ملحا إلى زيادة تأكيد، فلذلك لم تدخل عليه (لام التأكيد) ~~المفيدة زيادة للتحقيق، وأما المطعوم فإن جعله حطاما لما كان خارجا عن ~~المعتاد أو هو غير مألوف، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط شديد وغضب زائد، ~~لذلك قرن بلام التأكيد زيادة في تحقيق أمره وتقرير إيجاده وكونه. وهكذا ~~يفعل بكل أمر فيه خصوصية، فاعرفه. # PageV01P225 ### | النوع الثالث والعشرون من الباب الأول من الفن # الثاني في الاقتصاد والإفراط والفريط # فأما الاقتصاد فهو أن يكون المعنى المضمن في العبارة على حسب ما يقتضيه ~~المعبر عنه في منزلته. # وأما التفريط، والإفراط، ms164 فهو أن يكون المعنى المضمن في العبارة بخلاف ما ~~يقتضيه منزله المعبر عنه، فأما انحطاطا دونها وهو التفريط، وإما تجاوزا ~~عنها، وهو الإفراط، لأن أصل التفريط في وضع اللغة من (فرط في الإفراط إذا ~~قصر فيه وضيعه)، وأصل الإفراط في وضع اللغة من (إفراط في الأمر إذا تجاوز ~~فيه الحد) فالتفريط عيب في الكلام فاحش، وذلك كقول الأعشى: - # وما مزبد من خليج الفرات ... جون غواربه تلتطم # بأجود منه بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم # فإنه قد مدح ملكا بأنه يجود بماعونه، والماعون هو كل ما يستعار من قدوم ~~أو قصعة أو قدر أو ما أشبه ذلك. وليس للملوك في بذله مدح البتة، بل هو الذي ~~أقرب منه إلى المدح، فهذا من أقبح التفريط. # PageV01P226 # ومن هذا الباب قول أبي تمام: # ما زال يهذي بالمكارم والعلا ... حتى ظننا أنه محموم # فإنه أراد أن يبالغ في ذكر الممدوح باللهج بالمكارم والعلا، فقال (ما زال ~~يهذي ولا أعلم ما كانت حال أبي تمام، عند قوله هذا البيت، ولا أعلم أي أم ~~اضطره إليه، مع سعة مجال العربية، وانفساح مداها؟! ثم ما كفاه ذلك، حتى ~~قال: (ظننت أنه محموم) وعلى نحو من ذلك، قول بعضهم: # وتلحقه عند المكارم هزة ... كما انتفض المجهود من أم ملدم # ومن أقبح ما رأيناه في هذا الفن، قول أبي تمام: # أنت دلو وذو السماح أبو مو ... سى قليب، وأنت دلو القليب # ومراد أبي تمام من ذلك، أنه سبب لعطاء المشار اليه، كما أن الدلو سبب في ~~امتياح الماء من القليب. فهذا وأمثاله، مما لا يجوز استعماله، وإن كان ~~المعنى المقصود به حسنا. ولهذا كان لمده ألفاظ، لا يجوز استعمالها في الذم، ~~وللذم ألفاظ لا يجوز استعمالها في المدح، ألا ترى أن من المعاني ما يعبر ~~عنه بألفاظ متعددة، ويكون المعنى المتدرج تحتها واحدا؛ فمن الألفاظ، ما ~~يحسن استعماله في المدح، ومنها مالا يحسن استعماله في الذم، ولو كان هذا ~~الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ الدالة عليه شرعا ms165 سواء في ~~الاستعمال، وإنما هذا نعود فيه إلى العرف، دون الأصل. ولنضرب الأصل. ولنضرب ~~لذلك مثالا، فنقول: هل يجوز أن يخاطب الملك، # PageV01P227 # فيقال له (وحق دماغك). قياسا على أن يقال له (وحق رأسك)؟. فإن هذا مما لا ~~يجيزه أحد البتة. ألا ترى أن المؤلف، إذا أراد المدح، ذكر الرأس والهامة ~~والكاهل وما جرى هذا المجرى، وإذا أراد الهجو، ذكر الدماغ والقفا والقذال، ~~وما جرى هذا المجرى، وإن كانت معاني الجميع متقاربة. ولأجل ذلك حسنت ~~الكناية في الموضع الذي يقبح فيه التصريح. وأمثال هذا الضرب من الكلام ~~كثيرة، فاعرفه. # وأما الإفراط، فهو بمنزله ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك ~~أن رجلا جاءه، فكلمه فقال (ما شاء الله وشئت). فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - (أجعلتني لله ندا)؟ قل (ما شاء الله وحده)، ومن هذا الباب ~~قول عنترة: # وأنا المنية، في المواطن كلها ... والطعن مني سابق الآجال # فإن الطعن، لا يسبق الأجل، إذ الأجل لا يتقدم ولا يتأخر. وقد قيل (سابق) ~~أقرب أمرا من كونه تاليا، غير أن كلهما إفراط في القول. ومما جاء على نحو ~~من هذا قول بشار. # إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما # وقال أبو عثمان الجاحظ في كتاب الحيوان (لم نعلم أحد أسرف في القول ~~كالنابغة # PageV01P228 # حيث يقول: # إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيلة ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # لأنه ليس عند الطيور في اتباع الجموع والعساكر إلا ما يسقط من ركابهم ~~ودوابهم إذ كانوا قد رأوا ذلك من تلك الجموع، وألفوه منها، فأما أن يقصدوا ~~بالأمل واليقين لأحد الجمعين بالادالة والغلبة فهذا لم يقله أحد). وقيل أن ~~بعض أفراد هذه الصناعة لما سمع قول قيس ابن الخطيم. # ملكت بها كفى فانهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها # قال: هذا لم يطعنه وإنما فتح فيه بابا أبو دربا. # واعلم أن علماء البيان في استعمال الإفراط على ثلاثة ms166 أضرب: # (1) فمنهم من يكرهه ولا يراه صوابا كأبي عثمان الجاحظ فيما روي عنه. # (2) ومنهم من يختاره ويؤثره كقدامة بن جعفر الكاتب فإنه كان يقول: # (الغو عندي كان أجود المذهبين فإن أحسن الشعر أكذبه). # (3) ومنهم من يذهب إلى التوسط بين الغلو والتفريط، وهو الاقتصاد، وذلك أن ~~يجعل الغلو وهو الإفراط مثلا ثم يستثنى فيه ب (لو) أو ب (كاد) أو ما جرى ~~هذا المجرى، فيدرك مراده ويسلم من عيب عائب، أو طعن طاعن، وذلك كقول بعضهم: # يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # PageV01P229 # وكقول أبي عبادة البحتري: # ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر # وهذا المذهب المتوسط أليق المذاهب الثلاثة، وأدخلها في الصنعة، فاعرفه. ### | النوع الرابع والعشرون من الباب الأول من الفن # الثاني في المعاظلة # وهو نوع من التأليف يجب اجتنابه؛ لأنه عيب في الكلام فاحش. وأصل المعاظلة ~~في اللغة؛ من تعاظلت الجرادتان: إذا ركبت إحداهما الأخرى، فسمى (تأليف) ~~الكلام الذي تداخلت معانيه، وركب بعضها فوق بعض، المعاظلة، مأخوذا من ذلك ~~وهو اسم لائق بمسماه. ووصف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - زهير بن أبي ~~سلمى فقال (كان لا يعاظل بين الكلام). # واعلم أن هذا الباب يجب تدبره لاختلاف أهل هذه الصناعة فيه فقال قدامة: # التعاظل: تداخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه، ولا أعرف ذلك إلا فاحش ~~الاستعارة كقول أوس بن حجر: # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا # PageV01P230 # فسمى الظبي (تولبا) والتولب: ولد الحمار. هذا ما ذكره قدامة، وهو خطأ؛ ~~لأنه لو كان ما ذهب إليه صحيحا، لكان أصل المعاظلة، في وضع اللغة دخول ~~الشيء فيما ليس من جنسه. وليس أصلها في وضع اللغة كذلك، بل هو التداخل ~~والتراكيب. # وهذا المثال الذي مثل به قدامة لا تداخل في معانيه ولا تراكب، وإنما هو ~~استعارة فاحشة فقط، فوجب حينئذ أن لا تسمى معاظلة) لأن حقيقة المعاظلة ليست ~~موجودة فيه. # وأما جماعة الأصحاب من علماء البيان، فانهم خالفوا قدامة فيما ذهب إليه، ~~والحق ms167 في أيديهم، لاتباعهم في ذلك حقيقة هذا الاسم، الذي وضع له في أصل ~~اللغة. # وقد مثله الغانمي بقول الفرزدق: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # وهذا مثال حسن لوقوعه على ما مثل به، ألا ترى إلى تداخل معاني هذا البيت ~~بتقديم ما كان يجب تأخيره، وتأخير ما كان يجب تقديمه؟ لأن الأصل في معنى ~~هذا البيت. (وما مثله في الناس حي يقاربه، إلا مملكا، أبو أمه أبوه). # واعلم أم هذا الذي أشرنا إليه من المعاضلة بابه التقديم والتأخير، وقد ~~سبق ذكره في كتابنا هذا. إلا أن المعاظلة، قد جعل لها أهل هذه الصناعة؛ ~~بابا مفردا في كتبهم، فلم نر مخالفتهم في هذا القدر، لكنا بينا حقيقتها في ~~بابها وأشرنا إليها بأوضح إشارة وألحظها ليعرف موضعها من التأليف. # PageV01P231 ### | النوع الخامس والعشرون من الباب الأول من الفن # الثاني في التضمين # وهو ما يزداد به الكلام حلاوة، ويكتسب به رونقا وطلاوة، ولا سيما إذا كان ~~التضمين بآيات من القرآن الكريم فإنها تكون في الكلام كالشاهدة له، ~~والمنادية على سداده. # واعلم أن التضمين على ضربين: أحدهما، تضمين الإسناد وذلك يقع في بيتين من ~~الشعر وفقرتين من الكلام المنشور، على أن يكون الأول مسندا إلى الثاني، فلا ~~يقوم الأول بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني. فما جاء من ذلك قول بعضهم: # ومن البلوى التي لي ... س لها في الناس كنة # أن من يعرف شيئا ... يدعي أكثر منه # ألا ترى أن البيت الأول لم يقم بنفسه ولا تم معناه إلا بالبيت الثاني؟ ~~ويجوز أن يكون البيت الثاني لغير قائل البيت الأول كقول بعضهم: # ولما أتاني من حماك تحية ... تضوع من أثنائها المسك والند # وقفت فأعييت الرسول تساؤلا ... وأنشدته بيتا له المثل الفرد # (وحدثتني يا سعد عنهم فزدتني ... جنونا فزدني من حديثك يا سعد) # وأمثال هذا الضرب من الكلام كثيرة، فاعرفها. # الضرب الآخر من التضمين: وهو أن يضمن الشاعر شعره، أو الناثر نثره، بكلام ~~لغيره قصدا للاستعانة على إتمام المراد، وتأكيدا لمعناه، ms168 ولو لم يذكر ذلك ~~التضمين لكان المعنى صحيحا لا يحتاج إلى تمام. وربما ضمن الشاعر شعره بنصف ~~بيت أو أقل منه كما قال # PageV01P232 # جحظة: # قم فاسقنيها يا غلام وغنني ... (ذهب الذين يعاش في أكنافهم) # ألا ترى أنه لو لم يقل في هذا البيت: # . . . . . . . . . . . . ... (ذهب الذين يعاش في أكنافهم) # لكان المعنى صحيحا لا يفتقر إلى شيء آخر يتممه؟ فإن قوله: # قم فاسقنيها يا غلام وغنني ... . . . . . . . . . . . . # فيه كفاية، إذ لا حاجة إلى تعيين الغناء أي شيء هو؛ لأن في ذلك زيادة على ~~المعنى المفهوم لا على الغرض المقصود. وقد استعمل هذا الضرب كثيرا الخطيب ~~عبد الرحيم بن نباتة كقوله في بعض خطبه: (فيا أيها الغفلة المطرقون، أما ~~أنتم بهذا الحديث مصدقون؟ ما لكم منه لا تشفقون؟ فورب السماء والأرض إنه ~~لحق مثل ما أنكم تنطقون). # وكقوله في ذكر يوم القيامة: (فيومئذ تفد الخلائق على الله بهما، فيحاسبهم ~~على ما أحاط به علما، وينفذ في كل عامل بعلمه حكما؛ وعنت الوجوه للحي ~~القيوم، وقد خاب # PageV01P233 # من حمل ظلما). ألا ترى إلى براعة هذا التضمين، الذي كأنه رصع في هذا ~~الموضع رصعا؟ وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة. (هنالك يقع الحساب على ما ~~أحصاه الله كتابا، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا. يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا. لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا). # وعلى نحو من ذلك جاء قوله: (أسكنهم، والله، الذي أنطقهم، وأبادهم الذي ~~خلقهم، وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، يوم يعيد الله العالمين ~~خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا، يوم تكونون شهداء على الناس ~~(ويكون الرسول عليكم شهيدا). يوم تجد كل نفس ما علمت من خير محضرا، وما ~~علمت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا). وكقوله في صفة أهل الجنة: ~~(قد أنسوا بجوار الجبار، وكوشفوا بحقائق الأسرار، وتبوءوا منازل الشهداء ~~والأبرار، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم ~~عقبي الدار). # وعلى هذا النهج ورد قوله في ذكر القيامة (هناك يرفع الحجاب، ms169 ويوضع ~~الكتاب، ويجمع من وجب له الثواب، ومن حق عليه العقاب، فضرب بينهم بسور له ~~باب باطنه فيه الرحمة وظاهره فيه من قبله العذاب). # وأمثال هذه التضمينات في الخطب للشيخ عبد الرحيم كثيرة، فاعرفها، فهي من # PageV01P234 # أعجب ما يجيء في هذا الباب. ### | النوع السادس والعشرون من الباب الأول من الفن # الثاني في الاستدراج # وهو التوصل إلى وصول الغرض من المخاطب، والملاطفة له بلوغ المعنى ~~المقصود، من حيث لا يشعر به، وفي ذلك من الغرائب، والدقائق ما يوثق السامع، ~~ويطربه؛ لأن مبنى صناعة التأليف عليه، ومنشأها منه، فما جاء من هذا الباب، ~~قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا، إذ قال لأبيه: ~~يا أبت لم تعبد مالا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئا، يا أبت إني قد ~~جاءني من العلم ما لم يأتك، فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد ~~الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من ~~الرحمن، فتكون للشيطان وليا). هذا كلام، يهز أعطاف السامعين، ويبهج نفوس ~~المتأملين، فعليك، أيها المترشح لهذه الصناعة، بإمعان النظر في مطاويه، ~~وترداد الفكر في أثنائه، واتخاذه قدوة ونهجا تقتفيه، ألا ترى حين أراد ~~إبراهيم، أن ينصح أباه، ويعظه مما كان متورطا فيه، من الخطأ العظيم، الذي ~~عصى به أمر العقل، كيف رتب الكلام معه، في أحسن اتساق وانتظام، مع استعمال ~~المجاملة، واللطف، واللين، والأدب الجميل، والخلق الحسن؟! مستنصحا في ذلك ~~بنصيحة ربه؛ وذاك أنه طلب منه أولا العلة في خطيئته طلب منبه على تماديه، ~~موقظ (له) لإفراطه (في غفلته) وتناهيه، لأن المعبود لو كان حبا، متميزا، ~~سميعا بصيرا، مقتدرا على الثواب، والعقاب، إلا أنه بعض الخلق، لاستسخف عقل ~~من أهله للعبادة، ووصفه # بالربوبية، ولو كان أشرف الخلق، كالملائكة، والنبيين فكيف لمن جعل ~~المعبود جمادا، لا يسمع، ولا يبصر؟! ثم ثنى ذلك بدعوته إلى الحق، مترفقا ~~به، متطلعا، فلم يسم أباه بالجهل المطلق، ولا نعته بالعلم الفائق، ولكنه ~~قال: (أن معي # PageV01P235 # لطائف من ms170 العلم، وشيئا منه. وذلك علم الدلالة على الطريق السوي. فلا ~~تستنكف، وهب أنى وإياك في مسير، وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أنجك ~~من أن تضل وتتيه. ثم ثلث ذلك بتثبيطه ونهيه عما كان عليه، بأن الشيطان الذي ~~استعصى على ربك الرحمن، الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوك وعدو ~~أبيك آدم، هو الذي ورطك في هذه الورطة، وألقاك في هذه الضلالة. إلا أن ~~إبراهيم - عليه السلام - لإمعانه في الإخلاص، لم يذكر من جنايتي الشيطان، ~~إلا التي تختص منها بالله - عز وجل -: عصيانه واستكاره. ولم يلتفت إلى ذكر ~~معاداته لآدم - عليه السلام - وذريته. قم ربع ذلك بتخويفه سوء العاقبة وما ~~ينتج عليه من الوبال. ولم يخل هذا الكلام من حسن أدب، بحيث لم يصرح بأن ~~العقاب لا حق لأبيه ولكن قال (إني أخاف أن يمسك عذاب) فذكر الخوف والمس ~~إعظاما لهما، ونكر العذاب، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة # PageV01P236 # أشياعه، أكبر من العذاب، وصدر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله: (يا ~~أبت) توسلا إليه واستعطافا، فقال له في الجواب (قال أراغب أنت عن آلهتي يا ~~إبراهيم: لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا). # ألا ترى كيف أقبل عليه الشيخ بفظاظة الكفر وغلظ العناد، فناداه باسمه ولم ~~يقابل قوله (يا أبت) بابني؟ وقدم الخبر على المبتدأ في قوله: (أراغب أنت عن ~~آلهتي يا إبراهيم) لأنه كان أهم عنده وفيه ضروب من التعجب والإنكار، لرغبة ~~إبراهيم عن آلهته وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب أحد عنها. # ومن هذا الباب، قوله تعالى: (قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: ~~أتقتلون # رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم، وأن بك كاذبا فعليه ~~كذبه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم. أن الله لا يهدي من هو مسرف ~~كذاب) ألا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام وألطف مغزاه؟ فانه أخذهم بالاحتجاج ~~على طريقة التقسيم فقال: لا يخلو هذا الرجل من أن يكون كاذبا، فكذبه يعود ~~عليه ولا يتخطاه، أو يكون ms171 صادقا فيصيبكم بعض ما يعدكم إن تعرضتم له. وفي ~~هذا الكلام من حسن الأدب والإنصاف ما أذكره لك، أيها المتأمل، فأقول: إنما ~~قال (يصبكم بعض الذي يعدكم) وقد علم أنه نبي صادق وأن كل ما يعدكم به، لا ~~بد من أن يصيبهم (كله) لا بعضه، لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى أن يسلك ~~معهم طريق الإنصاف والملاطفة في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، فجاء بما ~~علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له، وقبولهم منه، فقال ~~(وإن بك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم). وهو كلام المنصف في مقابلة غير ~~المشتط فيه؛ وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به، ~~لكنه أردفه بقوله: (يصبكم بعض الذي يعدكم) ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، ~~فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه # PageV01P237 # حقه وافيا، فضلا عن أن يتعصب له. وتقديم الكاذب على الصادق من (هذا) ~~القبيل، وكذلك قوله تعالى: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) أي لو كان ~~مسرفا كذابا لما هداه للنبوة ولا عضده بالبينات. # فتدبر أيها المتأمل لهذه الدقائق اللطيفة تضع يدك على النقط في صناعة ~~التأليف. ### | النوع السابع والعشرون من الباب الأول من الفن # الثاني في الأرصاد # وهو نوع من أنواع علم البيان، لطيف المأخذ، دقيق الصنعة؛ وذلك أن يبني # الشاعر البيت على قافية قد أرصدها له أي أعدها في نفسه، فإذا أنشد صدر ~~البيت عرف ما يأتي به في قافيته؛ وذلك من محاسن التأليف، لأن خير الكلام ما ~~دل بعضه على بعض. وفي هذه الصناعة يقول ابن نباتة: # خذها إذا أنشدت للقوم من طرب ... صدورها عرفت منها قوافيها # ينسى لها الراكب العجلان حاجته ... ويصبح الحاسد الغضبان يطربها # فمن هذا الباب قول النابغة: # فداء لامرئ سارت إليه ... بعذرة ربها عمي وخالي # PageV01P238 # ولو كفي اليمين بغتك خوفا ... لأفردت اليمين من الشمال # ألا ترى أنه يعلم، إذا عرفت القافية في البيت الأول، أن في البيت الثاني ~~يكون ذكر الشمال. # وقال البحتري: # أحلت دمي ms172 من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي # فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام # فليس يذهب على السامع وقد عرف البيت الاول، والمصراع الأول من البيت ~~الثاني منه (أن عجزه هو ما) قاله البحتري، فاعرف ذلك، وقس عليه. # ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا، ~~فلولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون). فإذا وقف السامع على ~~قوله (فيما فيه) عرف أن بعده (يختلفون) لما تقدم من الدلالة عليه. # ومن ذلك أيضا قوله تعالى: (ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا، ~~وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). وعلى نحو منه ورد قوله - ~~عز من قائل - (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن لأوهن البيوت لبيت العنكبوت) ~~فإذا وقف السامع على قوله: (وإن أوهن البيوت) يعلم أن بعده (لبيت ~~العنكبوت). # PageV01P239 # وأمثال هذا كثيرة فاعرفها؛ إلا أن أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع ~~(التوشيح)، وليس كذلك لأن تسميته: (الأرصاد) أولى، وذلك حيث ناسب الاسم ~~مسماه ولاق به. وأما (التوشيح) فهو نوع آخر من التأليف وسيأتي ذكره في ~~بابه. # واعلم أنه قد اختلف أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم البيان، حتى إن ~~أحدهم يضع لنوع واحد اسمين، اعتقادا منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس ~~الأمر كما وقع له بل هما نوع واحد. فممن فعل ذلك (الغانمي) فإنه ذكر في ~~كتابه بابا من أبواب علم البيان وسماه (التبليغ) وهو أن يأتي الشاعر ~~بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون للقافية فيما ذكر صنع، ثم يأتي بها ~~لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه، فيبلغ بذلك الغاية القصوى (في الجودة)، ~~كقول امرئ القيس: - # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب # فأنه قد أتى بالبيت كاملا قبل القافية ثم جاء بها، بلغ بها الأمد الأقصى ~~في التأكيد. ثم إنه ذكر بعد هذا الباب بابا آخر وسماه (الإشباع) فقال: هو ~~أن يأتي الشاعر بالبيت معلقا بالقافية على آخر أجزائه، ولا ms173 يكاد يفعل ذلك ~~إلا حذاق الشعراء: وذلك أن الشاعر إذا كان بارعا جلب بقدرته وذكائه وفطنته ~~إلى البيت، وقد تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه، قافية متممة لأعاريضه ~~ووزنه، فجعلها نعتا للمذكور، كقول ذي الرمة: - # قف العيس من أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل # PageV01P240 # هذا الكلام الغانمي بعينه، والبابان المذكوران سواء، لا فرق بينهما بحال ~~من الأحوال، والدليل على ذلك أن بيت امرئ القيس يتم معناه قبل الإتيان ~~بقافيته. وكذلك بيت ذي الرمة. ألا ترى أن امرأ القيس لما قال: # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع. . . . . .) # أتى بالتشبيه قبل القافية؟ ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهو قوله: ~~(لم # يثقب)؟! وهكذا ذو الرمة فإنه لما قال: - # قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء. . . # أتى بالتشبيه أيضا قبل الإتيان بالقافية. ولما احتاج إليها أتى بزيادة ~~حسنة؛ وهو قوله: (المسلسل). # واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما (الإيغال). # وقال: هو أن يستوفي (الشاعر) معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه ثم يأتي ~~بالمقطع فيزيد فيه معنى آخر. # وأصل (الإيغال) من (أوغل في الأمر، إذا أبعد في الذهاب فيه). # ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة: # (قف العيس. . . . . .) # وهذا أقرب أمرا من الغانمي، لأنه ذكره في باب واحد، وسماه باسم واحد: ولم ~~يذكره في باب آخر، كما فعل الغانمي - رحمة الله - وليس الأخذ على الغانمي ~~في ذلك مناقشة على الأسماء وإنما المناقشة له على ينتصب لا يراد علم ~~البيان، وتفصيل أبوابه. ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلا في الآخر، ~~فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه، وهو أشهر من فلق الصبح. # PageV01P241 ### | النوع الثامن والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني # في التوشيح # وهو أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين. فإذا وقف من البيت ~~على القافية الأولى، كان شعرا مستقيما من بحر على عروض. وإذا أضاف إلى ذلك ~~ما بني عليه شعره من القافية الأخرى، كان أيضا شعرا مستقيما من بحر # آخر على عروض، وصار ما يضاف ms174 إلى القافية الأولى كالوشاح، فمن ذلك قول ~~بعضهم: # أسلم ودمت على الحوادث مارسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء # ونل المراد ممكنا منه على ... رغم الدهور وفز بطول بقاء # وهذا من محاسن صناعة التأليف فاعرفه، ألا ترى إلى هذين البيتين يذكران ~~على قافية أخرى وبحر آخر، نحو قولنا: # أسلم ودمت على الحوا ... دث مارسا ركنا ثبير # ونل المراد ممكنا ... منه على رغم الدهور # وأمثال هذا كثيرة، فاعرفه، إلا أن فيه نوع إشكال، وصعوبة. ### | النوع التاسع والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني # في الأخذ والسرقة # والإشارة إلى الجيد من ذلك الذي لا بأس به. والرديء الذي لا فسحة في ~~استعماله. لأنه عيب في الكلام فاحش. # اعلم أنه لا يخلو المؤلف السارق معنى من المعاني المسبوق هو إليها من أحد ~~قسمين. إما أن يذكر ذلك المعنى بلفظه من غير تغيير له، وهذا يسمى (النسخ) ~~مأخوذا من (نسخ الكتاب: إذا نقله على هيئته وصورته). وإما أن يغير لفظه ~~الأول، ويبدله بغيره. وهو ضربان: أحدهما أن يخرجه في معرض جميل وهيئة حسنة، ~~وذلك يسمى (السلخ) مأخوذا من (سلخ جلد الشاة): لأنه أخذ بعض الشيء المسلوخ. ~~والآخر أن يخرجه من معرض رديء وهيئة قبيحة، # PageV01P242 # وذلك يسمى (المسخ) مأخوذا من (مسخ الصورة صورة أخرى دونها) كما مسخ الله ~~الآدميين # قردة. ### | فأما القسم الأول وهو (النسخ) # فإن أرباب هذه الصناعة يسمونه (وقوع الحافر على الحافر) كقول امرئ القيس: # وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتحمل # وقول طرفة بن العبد البكري: # وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد # والأخذ إذا كان كذلك كان معيبا وأن ادعى الآخر، أنه لم يسمع قول الأول، ~~بل وقع له كما وقع لذلك؛ فإن صحة ذلك لا يعلمها إلا الله - عز وجل - والعيب ~~لازم للآخر في ظاهر المر وإن كان فيما ادعاه صادقا. # ولعمري إن القوم إذا كانوا من قبيلة واحدة فإن خواطرهم تقع متقاربة، كما ~~أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متقاربة، إلا أن الظاهر ما قلناه فإنه ms175 ليس لنا، ~~إلا الظاهر، والله يتولى السرائر. فاعرف ذلك. # واعلم أن من هذا القسم الذي هو (النسخ) ما يعمد المؤلف الآخر فيأخذ ما ~~ذكره المؤلف الأول، لفظا ومعنى، ولكنه يغير هيئة ذلك؛ بتقديم بعض الألفاظ ~~التي كانت مقدمة في الأول. وذلك أيضا من قبيح الأخذ وفاحشه. أو أن المؤلف ~~الآخر يأخذ المعنى من المؤلف الأول ويأتي على أكثر ألفاظه، غير تارك منها ~~إلا القليل. وهذا مما يقبيح ذكره ولا يجوز استعماله. ### | وأما القسم الثاني وهو ضربان ### | الأول: (السلخ) # ولا عيب فيه لأحد من أرباب التأليف (فليس للمؤلف) غنى عن تناول المعاني ~~ممن تقدمه. ولكن يجب عليه أنه إذا أخذها أن # PageV01P243 # يكسوها ألفاظا جميلة ويخرجها في معرض أنيق وصورة حسنة، ويزيد في بداعة ~~تركيبها وجودة تأليفها، فانه إذا فعل ذلك صار أولى بها ممن تقدمه، وأحق بها ~~ممن سبقه إليها. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله # وجهة: (لولا أن الكلام يعاد لنفد). # واعلم أن المعاني مشتركة بين أرباب هذه الصناعة وإنما يتفاضلون في ~~تركيبها واختلاف صورها، وقد قيل: (إن أبا عذر الكلام من سبك لفظه على ~~معناه). والمعنى الجيد جيد وإن كان مسبوقا إليه، وقد أطبق المتقدمون ~~والمتأخرون على تداول المعاني بينهم، وليس على أحد منهم عيب في ذلك إلا إذا ~~أخذ المعنى بلفظه (أخذة) واحدة فأفسده، وقصر فيه عمن تقدمه. وأما إذا أخذه ~~فأبرزه في لباس جميل وركبه تركيبا أنيقا وأخرجه في معرض جميل حسن فإنه يكون ~~أحق من مبتدعه، فمن ذلك قول بشار: # من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج # أخذه سلم الخاسر بعده فقال: # من راقب الناس مات هما ... وفاز باللذة الجسور # وهذا البيت أوجز من الأول وأخصر، ولما سمع بذلك بشار قال: (ذهب به ابن ~~الفاعلة) ومن هذا النحو قول بعضهم نثرا (أحق من أثبت لك العذر في حال شغلك ~~من لم يخل ساعة من برك وقت فراغك) أخذه آخر بعده فقال (شكر ما تقدم من ~~إحسانك شاغل عن استبطاء ما ms176 تأخر منه) فأني بالمعنى الذي الأول، وزاد عليه ~~زيادة مع الإيجاز والاختصار؛ فأما # PageV01P244 # الزيادة فهي الذكر والشكر لما أولاه من الجميل وأسداه إليه من الإحسان؛ ~~وذلك واجب ذكره لأنه من فروض الأعيان على المنعم عليه، وأما الإيجاز فهو أن ~~الكلام الثاني اثنتا عشرة كلمة، والكلام الأول سبع عشرة كلمة. ولما جاء أبو ~~نواس صاغ هذا المعنى صياغة أخرى أكثر اختصارا فقال: - # لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم ببعض ما سلفا # وذلك من بديع هذا الباب. # ومما ورد من هذا الأسلوب قول العرب: (القتل أنفى للقتل) فجاء القرآن ~~الكريم بهذا المعنى وزاد عليه أشياء عجيبة فقال تعالى: (ولكم في القصاص ~~حياة). فما زادت به الآية على قول العرب: أنه ليس كل قتل ينفي القتل، وإنما ~~القتل الذي ينفي القتل ما كان على وجه القصاص والعدل. ففي ذكر الحياة من ~~إيضاح المعنى المرغوب ما ليس في قول العرب: (القتل أنفي للقتل). ومن ذلك أن ~~قوله تعالى: (. . . القصاص حياة) نظير قولهم: القتل أنفي للقتل، و (القصاص ~~حياة) أوجز وأخصر لأن (القصاص حياة) عشرة أحرف، و (القتل أنفي للقتل) أربعة ~~عشر حرفا، ومن ذلك أن في قولهم: (القتل أنفي للقتل) تكريرا يثقل النطق به ~~على اللسان؛ وليس في قوله تعالى: (القصاص حياة) تكرير. فهذه أربع زيادات ~~تفضل بها الآية على قول العرب؛ وكذلك أيضا قول بعض الأعراب: - # فحي ذوي الأضغان تسب عقولهم ... تحية ذي الحسنى وقد برفع النفل # وإن دحسوا بالقول فاعف تكرما ... وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل # PageV01P245 # فإن الذي يؤديك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل # فورد في القرآن الكريم هذا المعنى المذكور في كلمات مختصرات، وهي قوله ~~تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم). ألا ترى إلى هذه الآية (فهي) حاوية للمعنى ~~المشار إليه في الأبيات مع الإيجاز، فهو أن الشاعر ذكر هذه المعاني في ~~ثلاثة أبيت فيها ثلاث وثلاثون كلمة، والقرآن العزيز أتى بالمعنى في آية ~~واحدة ms177 فيها ثلاث عشرة كلمة. وأما حسن التركيب فلا خفاء به. ومن جملته ~~المقابلة بين الأضداد نحو ذكر السيئ والحسن، والعدو والصديق. # ومن هذا الباب قول النابغة: - # إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # أخذ هذا المعنى الأفوه فقال: - # وترى الطير على آثارنا ... رأي عين ثقة أن ستمار # فذكر المعاني المشار إليها في بيت واحد، فحاز فضيلة الإيجاز، التي هي ~~أعلى درجات الكلام وصار أحق بذلك المعنى من النابغة، وإن سبقه إليه وتقدمه ~~فيه. # PageV01P246 # ومما جرى هذا المجرى قول أبي العتاهية: - # كم نعمة لا تستقبل بشكرها ... لله في طي المكاره كلمته # أخذه أبو تمام فقال: # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم # فذر المعنى الذي ذكره أبو العتاهية، وعكسه. وهذا من غرائب ما يوجد في باب ~~الأخذ، فاعرفه. # ومن هذا الباب قول أبي تمام أيضا: - # فإن لم يجد في قسمة العمر حيلة ... وجاز له الإعطاء من حسناته # لجاد بها من غير شرك بربه ... وأشركهم في صومه وصلاته # أخذه المتنبي فقال: # فلو يمتهم في الحشر تجدو ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا # فأتى بالمعنى الذي ذكره أبو تمام، وزاد عليه بقوله (في الحشر) لأن ~~الإنسان يكون في ذلك اليوم أشد احتياجا إلى صلاته وصيامه، وأعظم افتقارا. ~~وأمثال هذا كثيرة فاعرفها. # وفد يتساوى المؤلفان في إيراد المعنى باللفظ، كقول بشار: # PageV01P247 # يسقط الطير حيث يلتقط الحب ... وتغشى منازل الكرماء # أخذه غير فقال، ولم يزد عليه شيئا: # يزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزحام # وعلى نحو من ذلك قول الآخر: # وإن يقوم سودوك لحاجة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد ### | الضرب الثاني من القسم الثاني # وهو (المسخ) # وذلك عيب في الكلام فاحش، فما جاء منه قول الشريف الرضي: # أحن إلى ما تضمن الخمر والحلي ... وأصدف عما في ضمان المآزر # وقال المتنبي: # أني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها # ألا ترى إلى هذا المسخ ما أقبحه، وذلك ms178 لو تأخر زمان المتنبي عن زمان ~~الشريف الرضي. وبمثل ذلك يعرف التفاضل بين الشاعرين، وبين الكلامين؛ فقول ~~الشريف على ما تراه من اللطافة والحسن، وقول أبي الطيب على ما تراه من ~~الرداءة والقبح، قال تعالى: (وفوق كل ذي علم عليم) وأعلم أن ما كان من هذا ~~الباب على سبيل (المسخ) فإنه كان على نحو من قول أبي الطيب، وفيما أشرنا ~~إليه كفاية للمتأمل. # PageV01P248 # وهذا النوع خاتمة الأنواع من باب الصناعة المعنوية، وذلك مبلغ ما عرفناه ~~من علم البيان، فيما يختص بالمعاني. إلا أني رأيت أبا محمد عبد الله بن ~~سنان الخفاجي قد ذكر في كتابه نوعا آخر فقال: (لا يستعمل في الشعر المنظوم ~~والكلام المنثور ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، والألفاظ ~~التي تختص بها بعض المهن والعلوم، لأن الإنسان إذا خاص في علم وتكلم في ~~صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ ذلك العلم. و (كلام) أصحاب تلك الصناعة)، ~~ثم مثل ذلك بقول # أبي تمام: # مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض # وبقوله أيضا: # خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء # هذا ما ذكره الخفاجي في كتابه. ولنا عليه اعتراض وهو أنا نقول له: ما ~~الموجب لجعلك هذا القسم مما يرفض ولا يستعمل؟ وما السبب في اجتنابه؟ فإن ~~قال: إني إنما أنكرت استعماله وآثرت تركه واجتنابه، لأنه غير مفهوم. قلنا ~~له في الجواب: # لا يخلو الأمر من هذا من حالين: إما إنه غير مفهوم للعامة أو للخاصة. فإن ~~كان غير مفهوم للعامة فقط، فليس جهل العامة بهذا النوع من الكلام داعيا إلى ~~اجتنابه. ولو كان فهم العامة معتبرا في اختيار الكلام لكان ما تبتذله من ~~ألفاظها مقدما على غيره في الاختيار (لأنهم) # PageV01P249 # إلى فهمه أقرب من فهم غيره، وذلك شيء مدفوع لا يذهب إليه أحد البتة. وإن ~~قال: إن هذا النوع غير مفهوم للخاصة، قلنا له: فأنت أيها الشيخ الإمام قد ~~فهمته وعرفته، ولولا فهمك له ومعرفتك به (لما أنكرته) وإلا فكيف كنت تنكره ~~وتبعث على اجتنابه؟ وهذا يدل على ms179 أنك لست من العامة ولا من الخاصة؛ لأنك قد ~~فهمت ما لا يفهمه الفريقان، وذلك من أعجب الأشياء. # فإن قال: إني ما أنكرت هذا النوع إلا لأن صناعة التأليف من المنظوم ~~والمنثور لا تستعمل فيها ما ليس من جنسها، قلت له في الجواب: يبطل عليك ذلك ~~باستعمال الفقه من الأحكام السلطانية في المكاتبات، واستعمال الحساب مما ~~يحتاج إليه في الكتابة إلى العمال وأرباب الخراج، واستعمال النجوم في كبس ~~سني الخراج بعضها على بعض، فيكون لما أنكرته أيها الشيخ الإمام من استعمال ~~تلك العلوم أسوة بالفقه والحساب والنجوم. ثم ماذا تنكر من شيء يدل على فضل ~~صاحبه وغزارة علمه؟ أليس من الواجب في صناعة التأليف أن الناظم والناثر ~~ينبغي له أن # يستعمل في كل معنى يقصده، ما يليق به وينخرط في سلكه؛ فإن كان ذلك المعنى ~~يحتاج إلى النحو استعمل فيه النحو، وإن كان شيئا يحتاج إلى الحساب استعمل ~~فيه الحساب، وكذلك باقي العلوم. فإذا أخذ المؤلف معنى يحتاج فيه إلى ذكر ~~أحد هذه العلوم المذكورة ولم يذكره، كان ذلك المعنى ناقصا عما يحتاج اليه، ~~وهذا ليس بخاف على اللبيب المنصف، فاعرفه. # PageV01P250 ### | الباب الثاني من الفن الثاني من القطب الثاني # في الصناعة اللفظية # وينقسم إلى سبعة أنواع: ### | النوع الأول # في السجع والازدواج # وهو تواطؤ الفواصل من الكلام المنثور على حرف واحد # اعلم أن السجع قد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى لذلك ~~وجها سوى عجزهم عن الإتيان به وقصورهم عن سلوك مذهبه، وإلا فلو كان مذموما، ~~كما ذكر، لم ورد في القرآن الكريم؛ فإنه قد أتى منه شيء كثير، كقوله تعالى: ~~(إن الله لمن الكافرين وأعد لهم سعيرا، خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا) وكقوله تعالى في سورة (ق): (بل كذبوا بالحق لما جاءهم، فهم في أمر ~~مريج أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، ~~والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها كل زوج بهيج). وكقوله ~~تعالى: (والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا) ms180 إلى قوله: (. . . جمعا). ومثال ~~ذلك هذا كثيرة فاعرفه. # وورد على هذا الأسلوب من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء كثير ~~أيضا؛ فمن # PageV01P251 # ذلك ما رواه عبد الله بن سلام قال: لما ورد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - المدينة أن جفل الناس قبله، وقيل قدم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فجئت في الناس لأنظر اليه، فلما تبينت وجهه عرفت انه ليس بوجه كذاب، ~~وكان أول شيء تكلم به أن قال: (أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، ~~وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا بسلام) فإن قيل إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # قال لبعضهم منكرا عليه، وقد كلمه بكلام مسجوع: (أسجعا كسجع الكهان) ولو ~~أن السجع مكروه لما أنكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجواب عن ذلك ~~أنا نقول: لو كره النبي - صلى الله عليه وسلم - السجع أصلا لقال أسجعا؟! ثم ~~سكت، وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لم كان، فلما قال (أسجعا كسجع ~~الكهان؟) صار المعنى معلقا على أمر آخر؛ وهو إنكار الفعل لم كان على هذا ~~الوجه، فعلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان، لا غير وأنه لم ~~يذم السجع على الإطلاق. ومحال أن يذمه على الإطلاق؛ لأن القرآن الكريم، قد ~~أتى به. وهو - صلى الله عليه وسلم - قد نطلق به في كثير من كلامه، حتى أنه ~~غير الكلمة عن وجهها، اتباعا لها بأخواتها لأجل السجع؛ فقال لابن ابنته - ~~عليهما السلام -: (أعيذه من الهامة والسامة، وكل عين لامة) وإنما أراد ~~ملمه، لأن الأصل فيها من (ألم فهو ملم)، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: (ليرجعن مأزورات غير مأجورات) طلبا للتوازن والسجع، وهذا من أدل على ~~فضيلة السجع. # واعلم أن الأصل في هذا الاعتدال في مقاطع الكلام، والطبع يميل إلى ~~الاعتدال في # PageV01P252 # جميع الأشياء. وحيث أنهى بنا القول إلى هذا الموضع، فلنتبعه بذكر أقسام ~~السجع، وما يحمد منه في الاستعمال، وما يذم، فنقول: # اعلم أولا: أن السجع لا يحمد على كل حال، ولا ms181 في كل موضع، حتى يتوخاه ~~المؤلف في كلامه، بحيث يذهب بفضيلة المعاني لأجله، وذلك أنه إذا صور في ~~نفسه معنى من المعاني، ثم أراد أن يصوغه بلفظ مسجوع، ولم يؤاته ذلك إلا ~~بزيادة على ذلك المعنى، أو نقصان منه، ولا يكون محتاجا إلى الزيادة ولا إلى ~~النقصان، وإنما يضطر إلى ذلك اضطرارا، لأن المعنى الذي يكون قد قصده يحتاج ~~إلى لفظ يدل عليه، وإذا دل عليه بذلك اللفظ لا يكون مسجوعا، إلا أن # يضيف إليه شيئا آخر، وينقص لأجل الفقرة المطلوبة، فإذا فعل ذلك، فلا بد ~~وأن يزداد الكلام الذي قصده، زيادة لا حاجة إليها، أو ينقص نقصا لا حاجة ~~اليه، وهذا الذي يذم من السجع ويستقبح، لما فيه من التكلف والتعسف. # وأما إذا كان محمولا على الطبع غير متكلف، فانه يجيء في غاية الحسن، وهو ~~أعلى درجات الكلام. # واعلم أن السجع ينقسم إلى ثلاثة أقسام. # الأول: أن يكون الفصلان متساويين، لا يزيد أحدهما على الآخر، كقوله ~~تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر) وقوله تعالى: ~~(والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن به نقعا، فوسطن به ~~جمعا). ألا ترى كيف جاءت هذه الفصول متساوية الأجزاء حتى كأنها خرطت في ~~قالب واحد؟ وأمثال ذلك في القرآن الكريم (كثيرة)، وهو أشرف السجع منزلة، ~~وأعلاه درجة للاعتدال الذي فيه. # القسم الثاني: أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول، لا طولا يخرج به عن ~~الاعتدال خروجا كثيرا، فإنه يقبح عن ذلك ويستنكره، فمن جيد هذا القسم قوله ~~تعالى: (بل # PageV01P253 # كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج، أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ~~كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ~~وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج). # ألا ترى أن الفصل الأول تسع كلمات، والفصل الثاني اثنتا عشرة لفظة، ~~والفصل الثالث إحدى عشرة لفظة؟ ومن ذلك أيضا قوله تعالى في سورة مريم: ~~(وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال ms182 هدا، أن دعوا للرحمن ولدا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ~~ولدا). . . إلى قوله: (. . . وتنذر به قوما لدا) وأمثال هذا في القرآن ~~كثيرة، فاعرفها: # القسم الثالث: أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول وهو عيب عند أرباب هذه ~~الصناعة فاحش. وسبب ذلك أن السمع يكون قد استوفى مدة من الفصل الأول بحكم ~~طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيرا عن الأول، فيكون كالشيء المبتور، فيبقى ~~الإنسان عند سماعه كمن يريد المضي إلى غاية فيعثر دونها. وإن شك أحد فيما ~~أشرنا إليه من هذا المثال، فليصنع فصلين من الكلام وليكن الأول منها أطول ~~من الثاني، ثم يعرضهما على نفسه؛ فانه يجد صحة ما ذكرناه. # واعلم أن التصريع في الشعر بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور، ~~وفائدته في الشعر أنه يفهم منه قبل كمال البيت الأول من القصيدة قافيتها، ~~وشبه البيت المصرع بباب له مصرعان متشاكلان، وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون ~~وفيه دلالة على سعة القدرة، وفسحة المجال في أفانين الكلام. # فأما إذا كثر التصريع في القصيدة فلست أراه مختارا، لأن هذه الأصناف من ~~التصريع، # PageV01P254 # والتصريع، والتجنيس، وغيرهما، إنما يحسن منها في الكلام ما قل وجرى مجرى ~~اللمعة وكان كالطراز في الثوب، فأما إذا تواتر وكثر فإنه لا يكون مرضيا لما ~~فيه من إمارات الكلفة. # وقد استعمل التصريع كثيرا أمرؤ القيس، فمما جاء منه في شعره قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل # ثم قال: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي # ثم قال: # ألا يا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل # وقال حاتم بن عبيد الله الطائي: # أتعرف أطلالا ونؤيا مهدما ... كخطك في رق كتابا منمما # ألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرء محكما # وهذا وأمثاله هو التصريع الحسن المشار إليه في هذا الباب، لأنه بكلمتين ~~غير بن، وأما التصريع بكلمة واحدة فغير لائق وإن جائزا كقول بعضهم: # فكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب ms183 # وأمثال هذا كثيرة فاعرفه. # PageV01P255 ### | النوع الثاني من الباب الثاني # في التجنيس # اعلم أن التجنيس غرة شادخة في وجه الكلام، وقد تصرف العلماء من أرباب هذه ~~الصناعة فيه فغربوا وشرقوا، ولا سيما المحدثين، منهم من صنف للناس فيه كتبا ~~كثيرة وجعلوه أبوابا متعددة، واختلفوا في ذلك (وأدخلوا بعض تلك الأبواب في ~~بعض فمنهم) عبد الله بن المعتز وأبو علي الحاتمي وأبو القاسم الآمدي ~~والقاضي أبو الحسن الجرجاني، وقدامة بن جعفر الكاتب وغيرهم، وأفاضوا فيه ~~وأطالوا القول في شرحه. # وإنما سمي هذا النوع من الكلام مجانسا، لأن الكلام يكون تركيبه من جنس ~~واحد. واعلم أن التجانس ينقسم إلى سبعة أقسام: ### | الأول وهو أشرفها وأعلاها قدرا # ، وذلك إذا تساوت لألفاظ الكلام في تركيبها ووزنها ويسمى (التجنيس ~~المطلق)، كقوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) ~~وليس في القرآن الكريم من هذا القسم من التجنيس سوى هذه الآية، فاعرفها. # ومن ذلك أيضا قول بعضهم: # PageV01P256 # ومري سوابق دمعها فتوا كفت ... ساق يجاذب فوق ساق ساقا # وكذلك أيضا قول أبي إسحاق بن عثمان المغربي: # لم يبق غيرك إنسان يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا # فهذا هو التجانس البديع الذي هو أعلى المراتب وأسمى المنازل. # وقال الآخر: # وإذا البلابل أطربت بديلها ... فانف البلابل باحتساء بلابل # وقال الآخر: # هل لما فات من تلاف تلافي ... أو لشاك من الصبابة شاكي # وقال الآخر: # لقائك يدني من المرتجى ... وبفتح باب الهوى المرتجا # وأمثال هذا كثيرة كقول بعضهم: # قلت للقلب ما دهاك أجبني ... قال لي بائع الفراني فراني # ناظراه فيما جنى ناظراه ... أودعاني أمت بما أودعاني # PageV01P257 # وعلى هذا الأسلوب جاء قول بعضهم: # إلى حتفي مشى قدمي ... أرى قدمي أراق دمي # ورأيت الغانمي - رحمة الله - قد ذكر في كتابه بابا وسماه (رد الأعجاز على ~~الصدور) خارجا عن باب التجنيس، وهو ضرب منه وقسم من جملة أقسامه كالذي نحن ~~بصدد ذكره هاهنا. فمما أورده الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم: # ونشري بجميل الصن ... ع ذكرا طيب النشر # ونفري بسيوف ms184 الهن ... د من أسرف في النفر # ونجري في شرا الحمد ... على شاكلة النجر # ومن ذلك أيضا قول بعضهم في الشيب: - # يا بياضا أذرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني بياضا # وكذلك قول الزمن البحتري: - # وأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل # كالهيكل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل # وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشته على الأسماء وإنما المناقشة له ~~على أنه # PageV01P258 # ينتصب لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرها ~~داخلا في الآخر؛ فيذهب عليه ويخفى عنه، وهو أشهر من فلق الصباح. ### | القسم الثاني من النوع الثاني # في التجنيس # وهو أن تكون الألفاظ متساوية التراكيب، مختلفة الوزن، وذلك دون الأول في ~~المنزلة كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (اللهم كما حسنت خلقي فحسن ~~خلقي). # ألا ترى إلى (أن) هاتين اللفظتين متساويتان في التراكيب مختلفتان في ~~الوزن، لأنه تركيب (الخلق) و (الخلق) من ثلاثة أحرف هي الخاء واللام والقاف ~~إلا أنهما قد اختلفا في الوزن إذ وزن الخلق، (فعل) ووزن الخلق (فعل)، ومن ~~هذا القسم قول بعض الكتاب في صفة كتاب وصل إليه من صديق له: (فللزهر والزهر ~~من نور بداعته، ونور براعته إشراق). # وكذلك قول بعضهم: (لا تنال غرر المعالي إلا بركوب الغرر واهتبال الغرر). # وقال ابن العميد: # قد ذبت غير حشاشة وذماء ... ما بين حر هوى وحر هواء # وأمثال هذا كثيرة، فاعرفها. # PageV01P259 ### | القسم الثالث # من النوع الثاني من التجنيس # وهو أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن مختلفة في التركيب بحرف واحد لا ~~غير. فإن زاد على ذلك خرج من باب التجنيس وهذا القسم دون الذي مثله في ~~المنزلة. فمن ذلك قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة). # ألا ترى أن وزن هاتين اللفظين واحد، وأما تركيبها فانه مختلف؛ لأن تركيب ~~(ناضرة) من النون والضاد والراء، وتركيب (ناظرة) من النون والظاء والراء: ~~وكذلك قوله تعالى: (ذلك بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون). # وقال تعالى: (وإنه ms185 على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد). # وعلى نحو من هذا ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو (الخيل معقود ~~بنواصيها الخير إلى يوم القيامة). وقال أبو تمام: # يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب # وقال البحتري: # من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور # وقال بعضهم (لا تنال المكارم إلا بالمكاره). وأشباه ذلك كثيرة لا تحصى. # PageV01P260 ### | القسم الرابع # من النوع الثاني من التجنيس # وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن، مختلفة في التركيب بحرف واحد كقوله ~~تعالى: (والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق) وقال - عز اسمه - (وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا). ومن هذا القسم قول البحتري: # نسيم الروض في ريح شمال ... وصوب المزن في راح شمول # وذم أعرابي رجلا فقال: (كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوف، يحسد على الفضل، ~~ويزهد في الافضال). # وقال بعض الشعراء: - # تقاصرت همم الأملاك عن ملك ... أضحى الثناء عليه وهو مقصور # فوفره بين أيدي العرف منتهب ... وعرضه عن لسان الذم موفور # وأمثال هذا كثيرة في التأليف. ### | القسم الخامس من النوع الثاني من التجنيس # وهو المعكوس # وهو ضربان: أحدهما عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف. فالأول كقول بعضهم: ~~(عادات السادات سادات العادات). وكقول الآخر: (شيم الأحرار أحرار الشيم) ~~وقيل للحسن بن سهل: (لا خير في السرف)، فقال: (لا سرف في الخير) فرد اللفظ ~~واستوفى المعنى، وفي هذا القسم قول عتاب بن ورقاء: # PageV01P261 # إن الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر دونها الأعمال # فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار # وقال الآخر: # كم من حمار على جواد ... ومن جواد على حمار # وهذا ضرب من التجانس له حلاوة ورونق، فاعرفه، وقد سماه قدامة بن جعفر ~~الكاتب (التبديل). وذلك اسم مناسب لمسماه لأن المؤلف يأتي بما كان مقدما في ~~جزء كلامه الأول مؤخرا في الثاني، وبما كان مؤخرا في الأول مقدما في الثاني ~~ومثله قدامة بقول بعضهم: (أشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك) ومن هذا # القسم قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت ms186 ويخرج الميت من الحي) وقوله - ~~تعالى - (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له ~~من بعده). وقال بعضهم: # تلك الثنايا من عقدها نظمت ... أم نظم العقد من ثناياها # وأشباه ذلك كثيرة فاعرفها. # وأما الضرب الثاني من القسم وهو (عكس الحروف) فكقول بعضهم: # أهديت شيئا يقل لولا ... أحدوثة الفأل والتبرك # كرسي تفاءلت فيه لما ... رأيت مقلوبه (يسرك) # وكذلك قول الآخر: # كيف السرور بإقبال وآخره ... - إذا تأملته - مقلوب إقبال # وهذا الضرب نادر الاستعمال؛ لأنه قلما تقع كلمة تقلب حروفها فيجيء معناها ~~صوابا، فاعرف ذلك. # PageV01P262 ### | القسم السادس # من النوع الثاني في التجنيس وهو المجنب # وذلك أن يجمع المؤلف بين كلمتين: إحداها كالتبع للأخرى والجنيبة، كقول ~~بعضهم: # أبا العباس لا تحسب لساني ... لشيء من حلي الأشعار عاري # فلي طبع كسلسال معين ... زلال من ذرى الأحجار جاري # وهذا القسم له رونق وطلاوة، فاعرفه. ### | القسم السابع # من النوع الثاني من التجنيس # وهو ما تساوى وزنه وتركيبه، غير أن حروفه تتقدم وتتأخر، وذلك كقول أبي ~~تمام: # بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب # وأمثال هذا كثيرة، فاعرفه. ### | النوع الثالث من الباب الثاني # في الترصيع # وهو نوع من علم البيان وعر المسلك قلما يختل المؤلف بشرك فكره أوابد ~~ألفاظه، وأصله من (ترصيع العقد) وذلك أن يكون في إحدى جانبي العقد من ~~اللآلئ والجواهر مثل ما في الجانب الآخر، ولذلك جعل هذا في الكلام، وهو أن ~~يكون كل لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل الثاني ~~في الوزن والقافية، وهذا هو أعلى درجات الترصيع وأصعبها مراما. وأعلم أن ~~علماء هذه الصناعة قد جعلوا الترصيع منقسما إلى قسمين: ### | أحدهما ما ذكرناه # ، والآخر أن يكون أحد ألفاظ الفصل الأول مخالفا لما يوازنه من ألفاظ # PageV01P263 # القسم الثاني. # فالقسم الأول كقول الحريري في مقاماته: (فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ~~(ويقرع الأسماع بزواجر وعظه، فانه جعل ألفاظ الفصل الأول) مساوية للألفاظ ~~الفصل الثاني وزنا وقافية، فجعل (يطبع) بازاء (يقرع) و (الأسجاع) ms187 بازاء ~~(الأسماع) و (جواهر) بازاء (زواجر) و (لفظه) بازاء (وعظه)، وهذا هو الكلام ~~السهل الممتنع الذي تخاله قريبا وهو بعيد المنال، عسير الحصول. وقد ورد هذا ~~القسم كثيرا في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم ابن نباتة، فمن ~~ذلك قوله في أول خطبة: (الحمد لله، عاقد أزمة الأمور بعزائم) (أمره)، وحاصد ~~أئمة # الغرور بقواصم مكره، وموفق عبيده لمغانم ذكره، ومحقق مواعيده بلوازم ~~شكره). ومن ذلك قوله في ذكر الزمان وتقلبه بأهله: (أولئك الذين أفلوا ~~فنجمتم، ورحلوا فاقمتم، وأبادهم الموت، كما علمتم، وأنتم الطامعون في ~~البقاء بعدهم، فيما زعمتم، كلا والله ما أشخصوا لتقروا، ولا نغصوا لتسروا، ~~ولا بد أن تمروا حيث مروا، فلا تثقوا بخدع الدنية، ولا تغتروا). ومن ذلك ما ~~جاءنا فيبعض خطبه: (أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض الحكم، وأديموا ~~النحيب على ابيضاض اللمم، واطلبوا الاعتبار بانتقاض النعم، وأجيلوا الأفكار ~~في انقراض الأمم). وأمثال هذا في كلامه كثيرة، وأما ما ورد على نحو ذلك ~~نظما، فقول ذي الرمة: # كحلاء في برج صفراء في دعج ... كأنها فضة قد شابها ذهب # PageV01P264 # وهذا القسم قليل الاستعمال في الشعر جدا، فاعرفه إن شاء الله. ### | القسم الثاني # من النوع الثالث من الترصيع # وهو أن يكون أحد ألفاظ الفصل الأول مخالفا لما يوازيه من الفصل الثاني، ~~وذلك كقول تأبط شرا: # حمال ألوية، شهاد أندية ... قوال محكمة جواب آفاق # ألا ترى أن (ألوية) مثل (أندية) في الوزن والقافية، ولكن حمال لا يماثل ~~(شهاد) قافية وإنما يماثله وزنا، وكذلك (قوال) موازن (لجواب) و (محكمة) لا ~~يوازن (آفاق) ومن هذا القسم أيضا قول الخنساء: # حامي الحقيقة محمود الخليقة مه ... دي الطريقة نفاع وضرار # وكذلك قول الآخر: # سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت من الكرم # وأمثال هذا كثيرة فاعرفها إن شاء الله تعالى. ### | النوع الرابع من الباب الثاني # في لزوم ما لا يلزم # وهو نوع من أشق هذه الصناعة مذهبا، وأوعرها طريقا، لأن المؤلف يلزم في ~~تأليفه مالا يجب عليه ليدل به على قوته في الصنعة، ms188 واتساع باعه فيها، ~~وانطلاق عنانه. # وقد جمع أبو العلا (أحمد بن) عبد الله بن سليمان في ذلك فيه الجيد # PageV01P265 # الذي لا مطلع فوقه، والرديء الذي لا مهوى تحته، وسنذكر من ذلك طرفا. # واعلم أن حقيقة هذا النوع هي: أن تكون الحروف التي قبل روي الأبيات من ~~الشعر حرفا واحدا، وهذا أيضا موجود في موجود في فواصل الكلام المنثور. ومن ~~أراد معرفة ذلك والاطلاع عليه، فليطلبه من كتاب (اللزوم) لأبي العلاء، ~~وغيره من الكتب المؤلفة في هذا الفن، فإن كتابنا هذا ليس موضوعا لشرح هذه ~~الأسباب، وإنما وضع لمن عرف الأصل فيها، فنبين له نحن الجيد منها والرديء ~~ونفرق بينهما، ليعلم أين يضع يده في استعمال ذلك واطراحه. # فمهما جاء في هذا الباب قولي في حصار قلعة: (فلما رأونا بساحتهم حاضرين، ~~ولهم في عقر دارهم حاصرين، وهم من بأسنا حذرين، تنادوا: الاساء صباح ~~المنذرين). # ألا ترى إلى الفقرتين الآخرتين كيف قد لزم فيهما (الذال والراء) نحو (حذر ~~ومنذر)، وأما الفقرتان الأوليان فليستا من هذا القبيل، لأنه يجب أن يكون ~~بازاء (حاضر) كلمة أخرى في آخرها ضاد وراء، إلا أن ذلك كأنه شبيه بما لا ~~يلزم، والسبب فيه ورود الياء والنون المختصة بالجمع بعد الراء، ولو كان هذا ~~معتبرا # في لزوم ما لا يلزم، لوجب أن يكون التأثير للياء والنون، من غير نظر إلى ~~ما قبلهما. وعلى هذا التقدير فلو قال القائل (فلما رأونا بساحتهم نازلين، ~~ولهم في عقر دارهم حاصرين)، لكان ذلك من باب لزوم ما لا يلزم. وهذا مما لم ~~يذهب إليه أحد. وإنما الأصل ما أشرنا إليه أولا فاعرفه. # واعلم أنه متى صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر والكلام المنثور، وجب أن ~~يصغر الباقي اتباعا للوزن. فمن ذلك قول بعضهم: # عز على ليلى بذي سدير ... سوء مبيتي ليلة الغمير # مقبضا نفسي في طمير ... تنتهض الرعدة في ظهيري # يهفو إلي الزور من صديري ... ظمآن في ريح وفي مطير # PageV01P266 # وأزرقي ليس بالقدير ... من لد ما ظهر إلى سحير # حتى بدت لي جبهة ms189 القمير ... لأربع خلون من شهير # ألا ترى هذا الشاعر، كيف لزم التصغير في هذه الأبيات جميعها؟ فإن ذلك من ~~محاسن الصنعة فاعرفه. # واعلم أنا لا نبعث المؤلف على استعمال هذا القسم من الكلام حتى يجيء به ~~متكلفا وحشيا فيكون قد قصد جودة الصنعة وإظهار القدرة عليها، والقوة فيها، ~~فيلقيه ذلك فيما يستكره من الألفاظ، وتعافه الأسماع. وما مثل المتكلف لهذا ~~الضرب من الكلام حتى يأتي به في صورة قبيحة، إلا مثل الصائغ الذي يأخذ ~~مصوغا رديا فيجيد فيه عمله، ويخرج فيه بديع صنعته فيكون عند ذلك قد رعى ~~الفرع، وأهمل الأصل، فتذهب جودة الصنعة فيه رداءة المصوغ. # وأما إذا أتى المؤلف بهذا الضرب من الكلام غير متكلف ولا وحشي كان له ~~رونق وطلاوة، وقد استعمل ذلك أبو العلا المعري في كتابه فأتى منه بشيء ينبو ~~عنه الطبع كقوله في قافية التاء مع الخاء: # بنت عن الدنيا ولا بنت لي ... فيها ولا عرس ولا أخت # وقد تحملت من الوزر ما ... تعجز أن تحمله البخت # إن مدحوني ساءني مدحهم ... وخلت أني في الثرى سخت # وقال في الخاء المضمومة مع الباء: # لا يفقدن خيركم مجانسكم ... ولا تكونوا كأنكم سبخ # PageV01P267 # ولا كقوم حديث يومهم ... ما (أكلوا) أمسهم وما طبخوا # وأمثال هذا كثيرة في كتابه، وله من ذلك البديع النادر الذي تتقاصر دونه ~~الفصحاء كقوله: # ليل بلا نور أجن بمهمه ... حبس الأدلة ليس فيه منار # وهي الحياة؛ فعفة أو فتنة ... ثم الممات فجنة أو نار # وقال: # يلقاك بالماء النمير الفتى ... وفي ضمير النفس نار تقد # يعطيك لفظا لينا مسه ... ومثل حد السيف ما يعتقد # وقال أيضا: # تنازع في الدنيا سواك وماله ... ولا لك شيء في الحقيقة فيها # ولكنها ملك لرب مقدر ... يعير جنوب الأرض مرتد فيها # ولم تحظ في ذاك النزاع بطائل ... من الأمر إلا أن تعد سفيها # أيا نفس لا تعظم عليك خطوبها ... فمتفقوها مثل مختلفيها # تداعوا إلى النزر القليل فجالدوا ... عليه وخلوها لمغترفيها # وما أم صل أو حليلة ضيغم ... بأظلم من دنياك فاعترفيها ms190 # تلاقي الوفود القادميها بفرحة ... وتبكي على آثار منصرفيها # ولم يتوازن في القياس نعيمها ... وسيئة أودت بمقترفيها # وما هي إلا شاكية ليس عندها ... وجدك أرطاب لمخترفيها # PageV01P268 # كما نبذت للطير والوحش رازم ... فالقت شرورا بين مختطفيها # تناءت عن الإنصاف من ضيم لم يجد ... سبيلا إلى غايات منتصفيها # فأطبق فما عنها وكفا ومقلة ... وقل لغوي الناس فاك لفيها # كأن التي في الكأس يطفو حبابها ... سمام حباب عند مرتشفيها # وله من جملة قصيدة: # أرى الدنيا وما وصفت ببر ... إذا أغنت فقيرا أوهقته # إذا خشيت لشر عجلته ... وإن رجيت لخير عوقته # حياة كالحبالة ذات مكر ... ونفس المرء صيد أعلقته # وأنظر سهمها قد أرسلته ... إلي بنكبة أو فوقته # فلا يخدع بحليتها أديب ... وإن هي سورته ومنطقته # أذاقته شهيا من جناها ... وصرت فاه عما ذوقته # وأمثال هذه كثيرة في شعره، فاعرفها فإنها من محاسن لزموا ما لا يلزم. # وعليك أيها المنتصب لاستعمال هذا النوع من الكلام أن تسلك هذا المذهب ~~القويم وتنهج هذا اللقم الواضح، غير متصيد له ولا مكثر منه حتى تخل بالمعنى ~~المندرج تحته وتذهب برونقه وطلاوته. وقد ورد من هذا الباب قول طرفة بن ~~العبد: # ألم تر أن المال يكسب أهله ... نضوحا إذا لم تعط منه نواسبه # أرى كل مال لا محالة ذاهبا ... وأفضله ما ورث الحمد كاسبه # PageV01P269 # ألا ترى ما أحسن هذا الأسلوب، وألطف مأخذه، وعلى متنه ينبغي أن يكون ~~الاستعمال فاعرفه. ### | النوع الخامس من الباب الثاني # في الموازنة # وهي أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن، وذلك نوع ~~من التأليف شريف المحل، لطيف الموقع، وللكلام به طلاوة ورونق، وسبب ذلك ~~الاعتدال، لأنه مطلوب في جميع الأشياء. وحيث كانت مقاطع الكلام معتدلة في ~~الوزن لذ بها السمع ووقعت من القلب موقع الاستحسان، وهذا لا مراء فيه بحال ~~من الأحوال لبيانه ووضوحه. # فمما جاء من ذلك قوله تعالى: (وآتيناهما الكتاب المستبين، وهديناهما ~~الصراط المستقيم) وكذلك قوله تعالى: (قال يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ~~ألا تتبعن، أفعصيت أمري قال يبنؤم ms191 لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن ~~تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي). وعلى نحو منه ورد قوله تعالى: ~~(من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزرا، خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة ~~حملا). # ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت ~~الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما). # وعلى هذا المنهج جاء قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه ~~من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل ~~بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربي زدني علما). ومن ذلك قوله عز ~~وجل: (فقلنا يا آدم # PageV01P270 # إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ~~ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى). وأمثال هذا في القرآن كثيرة، ~~فاعرفه. ### | النوع السادس من الباب الثاني # في إتلاف صيغ الألفاظ # وهو من صناعة التأليف بمنزلة علية ومكانة شريفة # اعلم أن الألفاظ إذا نقلت من أسلوب إلى أسلوب كنقلها من الواحد إلى الجمع ~~أو إلى التثنية، أو إلى التأنيث أو إلى غير ذلك انتقل حسنها وصار قبحا، أو ~~قبحها وصار حسنا. دليل ذلك؛ أن التاء التي تزاد في آخر الاسم للفرق في ~~الصفة نحو: مقعد ومقعدة. ألا ترى إلى لفظة (مقعد) الدالة على مكان الجلوس ~~تجمع على مقاعد، ولفظة (مقعدة) الدالة على المحل المخصوص من الحيوان تجمع ~~على (مقاعد) أيضا؛ فإذا وردت هذه اللفظة أعني (مقاعد) في الكلام، والمراد ~~جمع (مقعد) استقبحت لمماثليها لجمع (مقعدة) وذلك مما يكره ذكره؛ وإذا وردت ~~منفردة برأسها لم تستقبح ولا تستكره، قال الله تعالى: (في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر). ولأجل ذلك لما جاءت لفظة (مقاعد) في القرآن الكريم أضيفت إلى ~~ما لا يحتمل معه الاستقباح، فقال جل وعلا: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين ms192 ~~مقاعد للقتال) ولولا إضافة مقاعد إلى القتال لا ستقبح إيرادها هاهنا. وهذا ~~لا يخفى على من له أدنى معرفة بهذه الصناعة، إلا أن هذا المثال الذي مثلناه ~~لا يطرد فيما هذا سبيله، وإنما يقع في بعض الألفاظ دون بعض، وقد نبهنا عليه ~~في كتابنا ليعرف محله من التأليف. # ومن ذلك أيضا ما أشرنا إليه في صدر الكتاب في باب الألفاظ المركبة وهو ~~أنك ترى # PageV01P271 # بعض الألفاظ تروقك في كلام ما، وتزداد بها إعجابا واستحسانا، ثم تراها في ~~كلام آخر فتثقل عليك وتستكرهها؛ مثال ذلك: أن لفظة (الأخداع) قد وردت في ~~بيتين من الشعر، وهي في أحدهما لائقة حسنة، وفي الآخر ثقيلة مستكرهة، كقول ~~الصمة بن عبد الله: # تلفت نحو الحي حتى كأنني ... وجعت من الإصغاء (ليتا) وأخدعا # وكقول أبي تمام: # يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك # ألا ترى أنه قد وجد لهذه اللفظة في بيت أبي تمام من الثقل على النفس ~~والكراهة أضعاف ما وجدلها في بيت الصمة بن عبد الله من الروح والخفة ~~والإيناس والبهجة!؟ وهذا ما لا يمكن النزاع فيه لظهوره، وليس سبب ذلك إلا ~~ما أشرنا إليه من اختلاف الصيغة؛ ألا ترى أن لفظة (الأخداع) قد جاءت هاهنا ~~موحدة ومثناة، وهي حسنة في حالة الانفراد، مستكرهة في حالة التثنية. # وقد يكون ذلك لأمر يرجع إلى التركيب إلى الألفاظ، وذلك أن يكون التركيب ~~مختل النظام، مضطرب الترتيب فتجيء ألفاظه عند ذلك مستكرهة، مستثقلة، لكونها ~~واردة في غير أماكنها، وإن كانت من حيث انفرادها حسنة لائقة. وقد تقدم ~~الكلام على ذلك في باب تركيب الألفاظ، فاعرفه. # PageV01P272 ### | النوع السابع من الباب الثاني # في تكرير الحروف # اعلم أن هذا النوع لا يتعلق بتكرير الألفاظ ولا تكرير المعاني مما سبق ~~ذكره في باب التكرير، لأن تكرار الحروف هو أن يأتي حرف واحد أو حرفان في كل ~~لفظة من ألفاظ الكلام أو في أكثرها، فيثقل على اللسان النطق بها، فمن ذلك ~~ما أشده الجاحظ: # وقبر حرب بمكان قفر ms193 ... وليس قرب قبر حرب قبر # ألا ترى إلى هذه الراءات، والقافات التي في هذا البيت من الشعر؟ فإنها في ~~تتابعها كالسلسلة، ولا خفاء بما على الناطق بها من الكلفة، وليس الكلام ~~العاري من ذلك بمعوز ولا بعزيز، ولا هو بالذي لا يستطيعه إلا الشاعر المبرز ~~أو الكاتب المفلق بل هو مما يصعب النطق به. ولذلك كان الكلام الناس في ~~محاوراتهم، # ومكاتباتهم، خاليا من هذا القبيل، وذلك لأنه لا يحصل إلا بالتكلف والقصد ~~للإتيان به، فأما إذا أرسل الإنسان نفسه على سجيتها، وخلى بينها وبين طبعها ~~فإنه لا يعرض له ذلك. فليت شعري أي أمر يضطر مؤلف الكلام حتى يأتي به ~~مستكرها ثقيلا على اللسان، ويترك ما هو أسهل عليه. # ألم تعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرار الحروف ~~في كثير من كلامهم؟ وذاك أنه إذا تكررت الحروف عندهم أدغموها استحسانا، ~~فقالوا: في جعل لك. (جعل لك) وفي تضربونني (تضربوني). وكذلك (استعد فلان ~~للأمر) إذا تأهب له والأصل فيه (استعدد)، (واستتب الأمر) إذا تهيأ وكمل ~~(وأصله استتبب) وأشباه هذا كثيرة في كلام العرب، حتى إنهم لشدة كراهتهم ~~لتكرار الحروف أبدلوا أحد الحرفين، لما تكرر، حرفا آخر غيره فقالوا: أمليت ~~الكتاب) والأصل من ذلك (أمللت) فأبدلوا # PageV01P273 # (اللام) ياء طلبا للخفة على اللسان، وفرارا من الثقل والاستكراه. # واعلم أن ورود الإدغام في هذه اللغة أقوى دليل على كراهة العرب لتكرار ~~الحروف وفيما أشرنا إليه كفاية للمتأمل، فاعرفه. # وحيث انتهى بنا الكلام إلى هذا المقام، وفرغنا من جميع الأنواع في علم ~~البيان والأقسام، فلنجعل خاتمة حمد الله على توفيقه، والهداية إلى أقوم ~~طريقة، ونرغب إليه في العصمة من الزلل، والإرشاد في القول والعمل، فإن عثر ~~الناظر في كتابنا هذا على سقطة، أو وقع في أثنائه على هفوة أو غلطة، فليغض ~~عنها إغضاء الصافح، وليسترها ستر المتجاوز المسامح، فإن الكريم من ستر ~~العورة، وأقال العثرة. # تم الكتاب بمنه تعالى # وقد كتب في آخره: # وكان الفراغ من تحرير ه نهار ms194 الثلاثاء عشرين (كذا) من شهر شوال سنة ألف ~~وثلاثمائة وأربعة عشر هجرية (كذا)، على نبينا أفضل الصلاة والسلام وأزكى ~~التحية ونقل هذا الكتاب على ذمة الكتبخانة الخديوية، بخط الفقير الحقير ~~محمود صالح، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين، والحمد لله رب العالمين، ~~آمين. PageV01P274 ms195