######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000980 #META# 000.BookURI :: #0637.IbnAthirDiyaDin.MathalSair #META# 010.AuthorAKA :: ابن الأثير #META# 010.AuthorNAME :: أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير #META# 011.AuthorBORN :: 588هـ #META# 011.AuthorDIED :: 637 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأمثال :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: المثل السائر #META# 030.LibURI :: JK_000980 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد محي الدين عبد الحميد #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتبة العصرية للطباعة والنشر #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1995م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # المثل السائر | 1 | PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # نسأل الله ربنا أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله وأن يعلمنا من البيان ما ~~يقصر عنه مزية الفضل وأصله وحكمة الخطاب وفضله ونرغب إليه أن يوفقنا للصلاة ~~على نبينا ومولانا محمد رسوله الذي هو أفصح من نطق بالضاد ونسخ هديه شريعة ~~كل هاد وعلى آله وصحبه الذي منهم من سبق وبدر ومنهم من صابر وصبر ومنهم من ~~آوى ونصر # وبعد فإن علم البيان لتأليف النظم والنثر بمنزلة أصول الفقه للأحكام ~~وأدلة الأحكام وقد ألف الناس فيه كتبا وجلبوا ذهبا وحطبا وما من تأليف إلا ~~وقد تصفحت شينه وسينه وعلمت غثه وسمينه فلم أجد ما ينتفع به في ذلك إلا ~~كتاب الموازنة لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي وكتاب سر الفصاحة لأبي محمد ~~عبد الله بن سنان الخفاجي غير أن كتاب الموازنة أجمع أصولا وأجدى ~~PageV01P023 محصولا وكتاب سر الفصاحة وإن نبه فيه على نكت منيرة فإنه قد ~~أكثر مما قل به مقدار كتابه من ذكر الأصوات والحروف والكلام عليها ومن ~~الكلام على اللفظة المفردة وصفاتها مما لا حاجة إلى أكثره ومن الكلام في ~~مواضع شذ عنه الصواب فيها وسيرد بيان ذلك كله في مواضع من هذا الكتاب إن ~~شاء الله تعالى # على أن كلا الكتابين قد أهملا من هذا العلم أبوابا ولربما ذكرا في بعض ~~المواضع قشورا وتركا لبابا وكنت عثرت على ضروب كثيرة منه في غضون القرآن ~~الكريم ولم أجد أحدا ممن تقدمني تعرض لذكر شيء منها وهي إذا عدت كانت في ~~هذا العلم بمقدار شطره وإذا نظر إلى فوائدها وجدت محتوية عليه بأسره وقد ~~أوردتها ههنا وشفعتها بضروب أخر مدونه في الكتب المتقدمة بعد أن حذفت منها ~~ما حذفته وأضفت إليها ما أضفته وهداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي ~~مبتدعة ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة وإنما هي متبعة ~~وكل ذلك يظهر عند الوقوف على كتابي هذا وعلى غيره من الكتب # وقد بنيته على مقدمة ومقالتين ms001 # فالمقدمة تشتمل على أصول علم البيان # ولا أدعي فيما ألفته من ذلك فضيلة الإحسان ولا السلامة من سلق اللسان فإن ~~الفاضل من تعد سقطاته وتحصى غلطاته # ( ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن % هو بابنه وبشعره مقتون ) PageV01P024 # وإذا تركت الهوى قلت إن هذا الكتاب بديع في إغرابه وليس له صاحب في الكتب ~~فيقال إنه من أخدانه أو من أترابه مفرد بين أصحابه ومع هذا فإني أتيت بظاهر ~~هذا العلم دون خافيه وحمت حول حماه ولم أقع فيه إذ الغرض إنما هو الحصول ~~على تعليم الكلم التي بها تنظم العقود وترصع وتخلب العقول فتخدع وذلك شيء ~~تحيل عليه الخواطر لا تنطق به الدفاتر # واعلم أيها الناظر في كتابي أن مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم ~~الذي هو أنفع من ذوق التعليم وهذا الكتاب وإن كان فيما يلقيه إليك أستاذا ~~وإذا سألت عما ينتفع به في فنه قيل لك هذا فإن الدربة والإدمان أجدى عليك ~~نفعا وأهدى بصرا وسمعا وهما يريانك الخبر عيانا ويجعلان عسرك من القول ~~إمكانا وكل جارحة منك قلبا ولسانا فخذ من هذا الكتاب ما أعطاك واستنبط ~~بإدمانك ما أخطاك وما مثلي فيما مهدته لك من هذه الطريق إلا كمن طبع سيفا ~~ووضعه في يمينك لتقاتل به وليس عليه أن يخلق لك قلبا فإن حمل النصال غير ~~مباشرة القتال # ( وإنما يبلغ الإنسان غايته % ما كل ماشية بالرحل شملال ) # ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول أما مقدمة الكتاب فإنها تشتمل على عشرة ~~فصول PageV01P025 # | الفصل الأول # # | في موضوع علم البيان # موضوع كل علم هو الشيء الذي يسأل فيه عن أحواله التي تعرض لذاته فموضوع ~~الفقه هو أفعال المكلفين والفقيه يسأل عن أحوالها التي تعرض لها من الفرض ~~والنفل والحلال والحرام والندب والمباح وغير ذلك وموضوع الطب هو بدن ~~الإنسان والطبيب يسأل عن أحواله التي تعرض له من صحته وسقمه وموضوع الحساب ~~هو الأعداد والحاسب يسأل عن أحوالها التي تعرض لها من الضرب والقسمة ~~والنسبة وغير ذلك وموضوع النحو هو الألفاظ والمعاني والنحوي ms002 يسأل عن ~~أحوالهما في الدلالة من جهة الأوضاع اللغوية وكذلك يجري الحكم في كل علم من ~~العلوم وبهذا الضابط انفرد كل علم برأسه ولم يختلط بغيره وعلى هذا فموضوع ~~علم البيان هو الفصاحة والبلاغة وصاحبه يسأل عن أحوالهما اللفظية والمعنوية ~~وهو والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من ~~جهة الوضع اللغوي وتلك دلالة عامة وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك ~~الدلالة وهي دلالة خاصة والمراد بها أن يكون على هيئة مخصوصة من الحسن وذلك ~~أمر وراء النحو والإعراب ألا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم ~~والمنثور ويعلم مواقع إعرابه ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة ~~والبلاغة ومن ههنا غلط مفسرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعنى وما فيها ~~من الكلمات اللغوية وتبيين مواضع الإعراب منها دون شرح ما تضمنته من أسرار ~~الفصاحة والبلاغة PageV01P026 # | الفصل الثاني # # | في آلات علم البيان وأدواته # اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة ~~وقد قيل ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم حتى قيل كل ذي علم يسوغ له أن ينسب ~~نفسه إليه فيقول فلان النحوي وفلان الفقيه وفلان المتكلم ولا يسوغ له أن ~~ينسب نفسه إلى الكتابة فيقول فلان الكاتب وذلك لما يفتقر إليه من الخوض في ~~كل فن # وملاك هذا كله الطبع فإنه إذا لم يكن ثم طبع فإنه لا تغني تلك الآلات ~~شيئا ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد والحديدة التي يقدح بها ألا ~~ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تفيد تلك الحديدة شيئا # وكثيرا ما رأينا وسمعنا من غرائب الطباع في تعلم العلوم حتى إن بعض الناس ~~يكون له نفاذ في تعلم علم مشكل المسلك صعب المأخذ فإذا كلف تعلم ما هو دونه ~~من سهل العلوم نكص على عقبيه ولم يكن له فيه نفاذ # وأغرب من ذلك أن صاحب الطبع في المنظوم يجيد في المديح دون الهجاء أو في ~~الهجاء دون المديح أو يجيد ms003 في المراثي دون التهاني أو في التهاني دون ~~المراثي وكذلك صاحب الطبع في المنثور هذا ابن الحريري صاحب المقامات قد كان ~~على ما ظهر عنه من تنميق المقامات واحدا في فنه فلما حضر ببغداد ووقف على ~~مقاماته قيل هذا يستصلح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة ويحسن أثره فيه ~~فأحضر وكلف كتابة كتاب فأفحم ولم يجر لسانه في طويلة ولا قصيرة فقال فيه ~~بعضهم PageV01P027 # ( شيخ لنا من ربيعة الفرس % ينتف عثنونه من الهوس ) # ( أنطقه الله بالمشان وقد % ألجمه في بغداد بالخرس ) # وهذا مما يعجب منه # وسئلت عن ذلك فقلت لا عجب لأن المقامات مدارها جميعها على حكاية تخرج إلى ~~مخلص # وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له لأن المعاني تتجدد فيها بتجدد حوادث ~~الأيام وهي متجددة على عدد الأنفاس ألا ترى أنه إذا خطب الكاتب المفلق عن ~~دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور وسعي مذكور ومكث على ~~ذلك برهة يسيرة لا تبلغ عشر سنين فإنه يدون عنه من المكاتبات ما يزيد على ~~عشرة أجزاء كل جزء منها أكبر من مقامات الحريري حجما لأنه إذا كتب في كل ~~يوم كتابا واحدا اجتمع من كتبه أكثر من هذه العدة المشار إليها وإذا نخلت ~~وغربلت واختير الأجود منها إذ تكون كلها جيدة فيخلص منها النصف وهو خمسة ~~أجزاء والله يعلم ما اشتملت عليه من الغرائب والعجائب وما حصل في ضمنها من ~~المعاني المبتدعة على أن الحريري قد كتب في أثناء مقاماته رقاعا في مواضع ~~عدة فجاء بها منحطة عن كلامه في حكاية المقامات لا بل جاء بالغث البارد ~~الذي لا نسبة له إلى باقي كلامه فيها وله أيضا كتابة أشياء خارجة عن ~~المقامات وإذا وقف عليها أقسم أن قائل هذه ليس قائل هذه لما بينهما من ~~التفاوت البعيد # وبلغني عن الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي رحمه الله ~~أنه كان يقول ابن الحريري رجل مقامات أي أنه لم يحسن من الكلام المنثور ~~سواها وإن أتى بغيرها لا ms004 يقول شيئا # فانظر أيها المتأمل إلى هذا التفاوت في الصناعة الواحدة من الكلام ~~المنثور ومن أجل ذلك قيل شيئان لا نهاية لهما البيان والجمال # وعلى هذا فإذا ركب الله تعالى في الإنسان طبعا قابلا لهذا الفن فيفتقر ~~حينئذ إلى ثمانية أنواع من الآلات PageV01P028 # النوع الأول معرفة علم العربية من النحو والتصريف # النوع الثاني معرفة ما يحتاج إليه من اللغة وهو المتداول المألوف ~~استعماله في فصيح الكلام غير الوحشي الغريب ولا المستكره المعيب # النوع الثالث معرفة أمثال العرب وأيامهم ومعرفة الوقائع التي جاءت في ~~حوادث خاصة بأقوام فإن ذلك جرى مجرى الأمثال أيضا # النوع الرابع الاطلاع على تأليفات من تقدمه من أرباب هذه الصناعة ~~المنظومة منه والمنثورة والتحفظ للكثير منه # النوع الخامس معرفة الأحكام السلطانية الإمامة والإمارة والقضاء والحسبة ~~وغير ذلك # النوع السادس حفظ القرآن الكريم والتدرب باستعماله وإدراجه في مطاوي ~~كلامه # النوع السابع حفظ ما يحتاج إليه من الأخبار الواردة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والسلوك بها مسلك القرآن الكريم في الاستعمال # النوع الثامن وهو مختص بالناظم دون الناثر وذلك علم العروض والقوافي الذي ~~يقام به ميزان الشعر # ولنذكر بعد ذلك فائدة كل نوع من هذه الأنواع ليعلم أن معرفته مما تمس ~~الحاجة إليه فنقول # النوع الأول أما علم النحو فإنه في علم البيان من المنظوم والمنثور ~~بمنزلة أبجد في تعليم الخط وهو أول ما ينبغي إتقان معرفته لكل أحد ينطق ~~باللسان العربي ليأمن معرة اللحن ومع هذا فإنه وإن احتيج إليه في بعض ~~الكلام دون بعض لضرورة الإفهام فإن الواضع لم يخص منه شيئا بالوضع بل جعل ~~الوضع عاما وإلا فإذا نظرنا إلى ضرورته وأقسامه المدونة وجدنا أكثرها غير ~~محتاج إليه في إفهام المعاني ألا ترى أنك لو أمرت رجلا بالقيام فقلت له قوم ~~بإثبات الواو ولم PageV01P029 تجزم لما اختل من فهم ذلك شيء وكذلك الشرط لو ~~قلت إن تقوم أقوم ولم تجزم لكان المعنى مفهوما والفضلات كلها تجري هذا ~~المجرى كالحال والتمييز والاستثناء فإذا قلت جاء زيد ms005 راكب وما في السماء ~~قدر راحة سحاب وقام القوم إلا زيد فلزمت السكون في ذلك كله ولم تبين إعرابا ~~لما توقف الفهم على نصب الراكب والسحاب ولا على نصب زيد وهكذا يقال في ~~المجرورات وفي المفعول فيه والمفعول له والمفعول معه وفي المبتدإ والخبر ~~وغير ذلك من أقسام أخر لا حاجة إلى ذكرها # لكن قد خرج عن هذه الأمثلة ما لا يفهم إلا بقيود تقيده وإنما يقع ذلك في ~~الذي تدل صيغته الواحدة على معان مختلفة ولنضرب لذلك مثالا يوضحه فنقول # اعلم أن من أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلا بعلامة كتقديم المفعول ~~على الفاعل فإنه إذا لم يكن ثم علامة تبين أحدهما من الآخر وإلا أشكل الأمر ~~كقولك ضرب زيد عمرو ويكون زيد هو المضروب فإنك إذا لم تنصب زيدا وترفع عمرا ~~وإلا لا يفهم ما أردت وعلى هذا ورد قوله تعالى @QB@ إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء @QE@ # وكذلك لو قال قائل ما أحسن زيد ولم يبين الإعراب في ذلك لما علمنا غرضه ~~منه إذ يحتمل أن يريد به التعجب من حسنه أو يريد به الاستفهام عن أي شيء ~~منه أحسن ويحتمل أن يريد به الإخبار بنفي الإحسان عنه ولو بين الإعراب في ~~ذلك فقال ما أحسن زيدا وما أحسن زيد وما أحسن زيد علمنا غرضه وفهمنا مغزى ~~كلامه لانفراد كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة بما يعرف به من الإعراب فوجب ~~حينئذ بذلك معرفة النحو إذ كان ضابطا لمعاني الكلام حافظا لها من الاختلاف # وأول من تكلم في النحو أبو الأسود الدؤلي وسبب ذلك أنه دخل على ابنة له ~~بالبصرة فقالت له يا أبت ما أشد الحر متعجبة ورفعت أشد فظنها مستفهمة فقال ~~شهر ناجر فقالت يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك فأتى علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه فقال يا أمير المؤمنين ذهبت لغة العرب PageV01P030 ويوشك إن تطاول ~~عليها زمان أن تضمحل فقال له وما ذاك فأخبره خبر ابنته فقال هلم صحيفة ثم ~~أملى عليه ms006 الكلام لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ثم رسم له رسوما ~~فنقلها النحويون في كتبهم # وقيل إن أبا الأسود دخل على زياد ابن أبيه بالبصرة فقال إني أرى العرب قد ~~خالطت العجم وتغيرت ألسنتها أفتأذن لي أن أصنع ما يقيمون به كلامهم فقال لا ~~فقام من عنده ودخل عليه رجل فقال أيها الأمير مات أبانا وخلف بنون فقال ~~زياد مات أبانا وخلف بنون مه ردوا علي أبا الأسود # فردوه فقال له اصنع ما كنت نهيتك عنه فوضع شيئا # ثم جاء بعده ميمون الأقران فزاد عليه ثم جاء بعده عنبسة بن معدان المهري ~~فزاد عليه ثم جاء بعده عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي وأبو عمرو بن العلاء ~~فزادا عليه ثم جاء بعدهما الخليل بن أحمد الأزدي وتتابع الناس واختلف ~~البصريون والكوفيون في بعض ذلك # فهذا ما بلغني من أمر النحو في أول وضعه وكذلك العلوم كلها يوضع منها في ~~مبادي أمرها شيء يسير ثم يزاد بالتدريج إلى أن يستكمل آخرا # فإن قيل أما علم النحو فمسلم إليك أنه تجب معرفته لكن التصريف لا حاجة ~~إليه لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها وهذا ~~لا يضر جهله ولا تنفع معرفته ولنضرب لذلك مثالا كيف اتفق فنقول إذا قال ~~القائل رأيت سرداحا لا يلزمه أن يعرف الألف في هذه الكلمة زائدة هي أم ~~أصليه لأن العرب لم تنطق بها إلا كذلك ولو قالت سرداحا بغير ألف لما جاز ~~لأحد أن يزيد الألف فيها من عنده فيقول سرداحا فعلم بهذا أنه إنما ينطق ~~الألفاظ PageV01P031 كما سمعت عن العرب من غير زيادة فيها ولا نقص وليس ~~يلزم بعد ذلك أن يعلم أصلها ولا زيادتها لأن ذلك أمر خارج تقتضيه صناعة ~~تأليف الكلام # فالجواب عن ذلك أنا نقول اعلم أنا لم نجعل معرفة التصريف كمعرفة النحو ~~لأن الكاتب أو الشاعر إذا كان عارفا بالمعاني مختارا لها قادرا على الألفاظ ~~مجيدا فيها ولم يكن عارفا بعلم النحو فإنه يفسد ما يصوغه ms007 من الكلام ويختل ~~عليه ما يقصده من المعاني كما أريناك في ذلك المثال المتقدم وأما التصريف ~~فإنه إذا لم يكن عارفا به لم تفسد عليه معاني كلامه وإنما تفسد عليه ~~الأوضاع وإن كانت المعاني صحيحة وسيأتي بيان ذلك في تحرير الجواب فنقول أما ~~قولك إن التصريف لا حاجة إليه واستدلالك بما ذكرته من المثال المضروب فإن ~~ذلك لا يستمر لك الكلام فيه ألا ترى أنك مثلت كلامك في لفظة سرداح وقلت إنه ~~لا يحتاج إلى معرفة الألف زائدة هي أم أصلية لأنها إنما نقلت عن العرب على ~~ما هي عليه من غير زيادة ولا نقص وهذا لا يطرد إلا فيما هذا سبيله من نقل ~~الألفاظ على هيئتها من غير تصرف فيها بحال فأما إذا أريد تصغيرها أو جمعها ~~والنسبة إليها فإنه إذا لم يعرف الأصل في حروف الكلمة وزيادتها وحذفها ~~وإبدالها يضل حينئذ عن السبيل وينشأ من ذلك مجال للعائب والطاعن ألا ترى ~~أنه إذا قيل للنحوي وكان جاهلا بعلم التصريف كيف تصغير لفظة اضطراب فإنه ~~يقول ضطيرب ولا يلام على جهله بذلك لأن الذي تقتضيه صناعة النحو قد أتى به ~~وذلك أن النحاة يقولون إذا كانت الكلمة على خمسة أحرف وفيها حرف زائد أو لم ~~يكن حذفته نحو قولهم في منطلق مطيلق وفي جحمرش جحيمر PageV01P032 فلفظة ~~منطلق على خمسة أحرف وفيها حرفان زائدان هما الميم والنون إلا أن الميم ~~زيدت فيها لمعنى فلذلك لم تحذف وحذفت النون وأما لفظة جحمرش فخماسية لا ~~زيادة فيها وحذف منها حرف أيضا ولم يعلم النحوي أن علماء النحو إنما قالوا ~~ذلك مهلا اتكالا منهم على تحقيقه من علم الصرف لأنه لا يلزمهم أن يقولوا في ~~كتب النحو أكثر مما قالوا وليس عليهم أن يذكروا في باب من أبواب النحو شيئا ~~من التصريف لأن كلا من النحو والتصريف علم منفرد برأسه غير أن أحدهما مرتبط ~~بالآخر ومحتاج إليه # وإنما قلت إن النحوي إذا سئل عن تصغير لفظة اضطراب يقول ضطيرب لأنه لا ~~يخلو إما ms008 أن يحذف من لفظة اضطراب الألف أو الضاد أو الطاء أو الراء أو ~~الباء وهذه الحروف المذكورة غير الألف ليست من حروف الزيادة فلا تحذف بل ~~الأولى أن يحذف الحرف الزائد ويترك الحرف الذي ليس بزائد فلذلك قلنا إن ~~النحوي يصغر لفظة اضطراب على ضطيرب فيحذف الألف التي هي حرف زائد دون غيرها ~~مما ليس من حروف الزيادة وأما أن يعلم أن الطاء في اضطراب مبدلة من تاء ~~وأنه إذا أريد تصغيرها تعاد إلى الأصل الذي كانت عليه وهو التاء فيقال ~~ضتيرب فإن هذا لا يعلمه إلا التصريفي وتكليف النحوي الجاهل بعلم التصريف ~~معرفة ذلك كتكليفه علم ما لا يعلمه فثبت بما ذكرناه أنه يحتاج إلى علم ~~التصريف لئلا يغلط في مثل هذا # ومن العجب أن يقال إنه لا يحتاج إلى معرفة التصريف ألم تعلم أن نافع ابن ~~أبي نعيم وهو من أكبر القراء السبعة قدرا وأفخمهم شأنا قال في معايش معائش ~~بالهمز ولم يعلم الأصل في ذلك فأوخذ عليه وعيب من أجله ومن PageV01P033 ~~جملة من عابه أبو عثمان المازني فقال في كتابه في التصريف إن نافعا لم يدر ~~ما العربية وكثيرا ما يقع أولوا العلم في مثل هذه المواضع فكيف الجهال ~~الذين لا معرفة لهم بها ولا اطلاع لهم عليها وإذا علم حقيقة الأمر في ذلك ~~لم يغلط فيما يوجب قدحا ولا طعنا وهذه لفظة معايش لا يجوز همزها بإجماع من ~~علماء العربية لأن الياء فيها ليست مبدلة من همزة وإنما الياء التي تبدل من ~~الهمزة في هذا الموضع تكون بعد ألف الجمع المانع من الصرف ويكون بعدها حرف ~~واحد ولا تكون عينا نحو سفائن وفي هذا الموضع غلط نافع رحمة الله عليه لأنه ~~لا شك اعتقد أن معيشة بوزن فعيلة وجمع فعيلة هو على فعائل ولم ينظر إلى أن ~~الأصل في معيشة معيشة على وزن مفعلة وذلك لأن أصل هذه الكلمة من عاش التي ~~أصلها عيش على وزن فعل ويلزم مضارع فعل المعتل العين يفعل لتصح الياء نحو ms009 ~~يعيش ثم تنقل حركة العين إلى الفاء فتصير يعيش ثم يبني من يعيش مفعول فيقال ~~معيوش به كما يقال مسيور به ثم يخفف ذلك بحذف الواو فيقال معيش به كما يقال ~~مسير به ثم تؤنث هذه اللفظة فتصير معيشة # ومع هذا فلا ينبغي لصاحب هذه الصناعة من النظم والنثر أن يهمل من علم ~~العربية ما يخفى عليه بإهماله اللحن الخفي فإن اللحن الظاهر قد كثرت ~~مفاوضات الناس فيه حتى صار يعلمه غير النحوي ولا شك أن قلة المبالاة بالأمر ~~واستشعار القدرة عليه توقع صاحبه فيما لا يشعر أنه وقع فيه فيجهل بما يكون ~~عالما به # ألا ترى أن أبا نواس كان معدودا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات ~~الشعراء وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه فقال في صفة الخمر # ( كأن صغرى وكبرى من فواقعها % حصباء در على أرض من الذهب ) PageV01P034 # وهذا لا يخفى على مثل أبي نواس فإنه من ظواهر علم العربية وليس من غوامضه ~~في شيء لأنه أمر نقلي يحمل ناقله فيه على النقل من غير تصرف وقول أبي نواس ~~صغرى وكبرى غير جائز فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام منها وإنما ~~يجوز حذفها من فعلى التي لا أفعل لها نحو حبلى إلا أن تكون فعلى أفعل مضافة ~~وههنا قد عريت عن الإضافة وعن الألف واللام فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل ~~هذا الموضع مع قربه وسهولته # وقد غلط أبو تمام في قوله # ( بالقائم الثامن المستخلف اطأدت % قواعد الملك ممتدا لها الطول ) # ألا ترى أنه قال اطأدت والصواب اتطدت لأن التاء تبدل من الواو في موضعين ~~أحدهما مقيس عليه كهذا الموضع لأنك إذا بنيت افتعل من الوعد قلت اتعد ومثله ~~ما ورد في هذا البيت فإنه من وطد يطد كما يقال وعد يعد فإذا بني منه افتعل ~~قيل اتطد ولا يقال اطأد وأما غير المقيس فقولهم في وجاه تجاه وقالوا تكلان ~~وأصله الواو لأنه من وكل يكل فأبدلت الواو تاء للاستسحان فهذه الأمثلة قد ms010 ~~أشرت إليها ليعلم مكان الفائدة في أمثالها وتتوقى # على أني لم أجد أحدا من الشعراء المفلقين سلم من مثل ذلك فإما أن يكون ~~لحن لحنا يدل على جهله مواقع الإعراب وإما أن يكون أخطأ في تصريف الكلمة ~~ولا أعني بالشعراء من هو قريب عهد بزماننا بل أعني بالشعراء من تقدم زمانه ~~كالمتنبي ومن كان قبله كالبحتري ومن تقدمه كأبي تمام ومن سبقه كأبي نواس ~~والمعصوم من عصمه الله تعالى PageV01P035 # على أن المخطئ في التصريف أندر وقوعا من المخطئ في النحو لأنه قلما يقع ~~له كلمة يحتاج فيه استعمالها إلى الإبدال والنقل في حروفها وأما النحو فإنه ~~يقع الخطأ فيه كثيرا حتى إنه ليشذ في ظاهره في بعض الأحوال فكيف خافيه كقول ~~أبي نواس في الأمين محمد رحمه الله # ( يا خير من كان ومن يكون % إلا النبي الطاهر الميمون ) # فرفع في الاستثناء من الموجب وهذا من ظواهر النحو وليس من خافيه في شيء ~~وكذلك قال أبو الطيب المتنبي # ( أرأيت همة ناقتي في ناقة % نقلت يدا سرحا وخفا مجمرا ) # ( تركت دخان الرمث في أوطانها % طلبا لقوم يوقدون العنبرا ) # ( وتكرمت ركباتها عن مبرك % تقعان فيه وليس مسكا أذفرا ) # فجمع في حال التثنية لأن الناقة ليس لها إلا ركبتان فقال ركبات وهذا من ~~أظهر ظواهر النحو وقد خفي على مثل المتنبي PageV01P036 # ومع هذا فينبغي لك أن تعلم أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة ~~ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه وهم الناطقون ~~باللغة فوجب اتباعهم والدليل على ذلك أن الشاعر لم ينظم شعره وغرضه منه رفع ~~الفاعل ونصب المفعول أو ما جرى مجراهما وإنما غرضه إيراد المعنى الحسن في ~~اللفظ الحسن المتصفين بصفة الفصاحة والبلاغة ولهذا لم يكن اللحن قادحا في ~~حسن الكلام لأنه إذا قيل جاء زيد راكب إن لم يكن حسنا إلا بأن يقال جاء ~~راكبا بالنصب لكان النحو شرطا في حسن الكلام وليس كذلك # فتبين بهذا أنه ليس الغرض من نظم الشعر إقامة إعراب ms011 كلماته وإنما الغرض ~~أمر وراء ذلك وهكذا يجري الحكم في الخطب والرسائل من الكلام المنثور # وأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب لكن الشاعر ربما احتاج إليه لأنه قد ~~يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف وإلى فك إدغام من أجل إقامة الميزان ~~الشعري # النوع الثاني وهو قولنا إنه يحتاج إلى معرفة اللغة مما تداول استعماله ~~فسيرد بيانه عند ذكر اللفظة الواحدة والكلام على جيدها ورديئها في المقالة ~~المختصة بالصناعة اللفظية # ويفتقر أيضا مؤلف الكلام إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في النظم ~~والنثر ليجد إذا ضاق به موضع في كلامه بإيراد بعض الألفاظ سعة في العدول ~~عنه إلى غيره مما هو في معناه وهذه الأسماء تسمى المترادفة وهي اتحاد ~~المسمى واختلاف أسمائه كقولنا الخمر والراح والمدام فإن المسمى بهذه ~~الأسماء شيء واحد وأسماؤه كثيرة # وكذلك يحتاج إلى معرفة الأسماء المشتركة ليستعين بها على استعمال التجنيس ~~في كلامه وهي اتحاد الاسم واختلاف المسميات كالعين فإنها تطلق على العين ~~الناظرة وعلى ينبوع الماء وعلى المطر وغيره إلا أن المشتركة تفتقر ~~PageV01P037 في الاستعمال إلى قرينة تخصصها كي لا تكون مبهمة لأنا إذا قلنا ~~عين ثم سكتنا وقع ذلك على محتملات كثيرة من العين الناظرة والعين النابعة ~~والمطر وغيره مما هو موضوع بإزاء هذا الاسم وإذا قرنا إليه قرينة تخصه زال ~~ذلك الإبهام بأن نقول عين حسناء أو عين نضاخة أو ملثة أو غير ذلك # وهذا موضع للعلماء فيه مجاذبات جدلية # فمنهم من ينكر أن يكون اللفظ المشترك حقيقة في المعنيين جميعا ويقول إن ~~ذلك يخل بفائدة وضع اللغة لأن اللغة إنما هي وضع الألفاظ في دلالتها على ~~المعاني أي وضع الأسماء على المسميات لتكون منبئة عنها عند إطلاق اللفظ ~~والاشتراك لا بيان فيه وإنما هو ضد البيان لكن طريق البيان أن يجعل أحد ~~المعنيين في اللفظ المشترك حقيقة والآخر مجازا فإذا قلنا هذه كلمة وأطلقنا ~~القول فهم منه اللفظة الواحدة وإذا قيدنا اللفظ فقلنا هذه كلمة شاعرة فهم ~~من القصيدة المقصدة من ms012 الشعر وهي مجموع كلمات كثيرة ولو أطلقنا من غير ~~تقييد وأردنا القصيدة من الشعر لما فهم مرادنا ألبتة # هذا خلاصة ما ذهب إليه من ينكر وقوع اللفظ المشترك في المعنيين حقيقة وفي ~~ذلك ما فيه وسأبين ما يدخله من الخلل فأقول في الجواب عن ذلك ما استخرجته ~~بفكري ولم يكن لأحد فيه قول من قبلي # وهو أما قولك إن فائدة وضع اللغة إنما هو البيان عند إطلاق اللفظ واللفظ ~~المشترك يخل بهذه الفائدة فهذا غير مسلم بل فائدة وضع اللغة هو البيان ~~والتحسين # أما البيان فقد وفى به الأسماء المتباينة التي هي كل اسم واحد دل على ~~PageV01P038 مسمى واحد فإذا أطلق اللفظ في هذه الأسماء كان بينا مفهوما لا ~~يحتاج إلى قرينة ولو لم يضع الواضع من الأسماء شيئا غيرها لكان كافيا في ~~البيان # وأما التحسين فإن الواضع لهذه اللغة العربية التي هي أحسن اللغات نظر إلى ~~ما يحتاج إليه أرباب الفصاحة والبلاغة فيما يصوغونه من نظم ونثر ورأي أن من ~~مهمات ذلك التجنيس ولا يقوم به إلا الأسماء المشتركة التي هي كل اسم واحد ~~دل على مسميين فصاعدا فوضعها من أجل ذلك وهذا الموضع يتجاذبه جانبان يترجح ~~أحدهما على الآخر وبيانه أن التحسين يقضي بوضع الأسماء المشتركة ووضعها ~~يذهب بفائدة البيان عند إطلاق اللفظ وعلى هذا فإن وضعها الواضع ذهب بفائدة ~~البيان وإن لم يضع ذهب بفائدة التحسين لكنه إن وضع استدرك ما ذهب من فائدة ~~البيان بالقرينة وإن لم يضع لم يستدرك ما ذهب من فائدة التحسين فترجح حينئذ ~~جانب الوضع فوضع # فإن قيل فلم لا تنسب الأسماء المشتركة إلى اختلاف القبائل لا إلى واضع ~~واحد # قلت في الجواب هذا تعسف لا حاجة إليه وهو مدفوع من وجهين أحدهما ما قدمت ~~القول فيه من الترجيح الذي سوغ للواضع أن يضع # الآخر أنا نرى أنه قد ورد من الجموع ما يقع على مسميين اثنين كقولهم كعاب ~~جمع كعب الذي هو كعب الرجل وجمع كعبة وهي البنية المعروفة وإذا أطلقنا ms013 ~~اللفظ فقلنا كعاب من غير قرينة لا يدرى ما المراد بذلك أكعب الرجل أم ~~البنية المعروفة وكذلك ورد واحد وجمع على وزن واحد كقولهم راح اسم للخمر ~~وراح جمع راحة وهي الكف وكقولهم عقاب وهو الجزاء على الذنب وجمع عقبة أيضا ~~وفي اللغة من هذا شيء كثير وهو بالإجماع من علماء العربية أنه لم يجر فيه ~~خلاف بين القبائل فاتضح بهذا أن الأسماء المشتركة من واضع واحد PageV01P039 # فإن قلت إن الواضع إنما وضع المفرد من الألفاظ والجمع وضعه غيره # قلت في الجواب إن الذي وضع المفرد هو الذي وضع الجمع لأن من قواعد وضع ~~اللغة أن يوضع المفرد والجمع والمذكر والمؤنث والمصغر والمكبر والمصادر ~~وأسماء الفاعلين وما جرى هذا المجرى وإذا أخل بشيء من ذلك كان قد أخل ~~بقاعدة من قواعد وضع اللغة ثم لو سلمت إليك أن واضع الجمع غير واضع المفرد ~~لكان ذلك قدحا في الواضع الثاني إذ جاء بالإبهام عند إطلاق اللفظ لأنه جمع ~~كعبة التي هي البنية وكعب الرجل على كعاب وهذا لفظ مشترك مبهم عند الإطلاق ~~ولا فرق بين أن يضعه الواضع الأول أو واضع ثان فإن الإبهام حاصل منه # وكان فاوضني بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة @QB@ صفراء فاقع ~~لونها تسر الناظرين @QE@ وقال إن لون البقرة كان أسود والأصفر هو الأسود ~~فأنكرت عليه هذا القول فأخذ يجادل مجادلة غير عارف ويعزو ذلك إلى تفسير ~~النقاش وتفسير البلاذري فقلت له اعلم أن هذا الاسم الذي هو الأصفر لا يخلو ~~في دلالته على الأسود من وجهين إما أنه من الأسماء المتباينة التي يدل كل ~~اسم منها على مسمى واحد كالإنسان والأسد والفرس وغير ذلك وإما أنه من ~~الأسماء المشتركة التي يدل الاسم منها على مسميين فصاعدا ولا يجوز أن يكون ~~من الأسماء المتباينة لأنا نراه متجاذبا بين لونين أحدهما هذا اللون ~~الزعفراني الشكل والآخر اللون المظلم الشكل وعلى هذا فإنه يكون من الأسماء ~~المشتركة وإذا كان من الأسماء المشتركة فلا بد له من قرينة ms014 تخصصه باللون ~~الزعفراني دون اللون المظلم لأن الله تعالى قال @QB@ صفراء فاقع لونها @QE@ ~~والفاقع من صفات اللون الزعفراني خاصة لأنه قد ورد للألوان صفات متعددة لكل ~~لون منها صفة فقيل أبيض يقق وأسود حالك وأحمر قان وأصفر فاقع ولم يقل أسود ~~فاقع ولا أصفر حالك فعلم حينئذ أن لون البقرة لم يكن أسود وإنما كان أصفر ~~فلما تحقق عند ذلك الفقيه ما أشرت إليه أذعن بالتسليم # وأما النوع الثالث فهو معرفة أمثال العرب وأيامهم ومعرفة الوقائع التي ~~PageV01P040 وردت في حوادث خاصة بأقوام وقولي هذا لا يقتضي كل الأمثال ~~الواردة عنهم فإن منها ما لا يحسن استعماله كما أن من ألفاظهم أيضا ما لا ~~يحسن استعماله وكنت جردت من كتاب الأمثال للميداني أوراقا خفيفة تشتمل على ~~الحسن من الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال وسبيل المتصدي لهذا الفن أن ~~يسلك ما سلكته وليعلم أن الحاجة إليها شديدة وذلك أن العرب لم تضع الأمثال ~~إلا لأسباب أوجبتها وحوادث اقتضتها فصار المثل المضروب لأمر من الأمور ~~عندهم كالعلامة التي يعرف بها الشيء وليس في كلامهم أوجز منها ولا أشد ~~اختصارا # وسبب ذلك ما أذكره لك لتكون من معرفته على يقين فأقول قد جاء عن العرب من ~~جملة أمثاله إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر وهو مثل يضرب للأمر الظاهر ~~المشهور والأصل فيه كما قال المفضل بن محمد أنه بلغنا أن بين ثعلبة بن سعد ~~بن ضبة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة أربع عشرة من الشهر ~~فقالت طائفة تطلع الشمس والقمر يرى وقالت طائفة يغيب القمر قبل أن تطلع ~~الشمس فتراضوا برجل جعلوه حكما فقال واحد منهم إن قومي يبغون علي فقال ~~الحكم إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر # فذهبت مثلا ومن المعلوم أن قول القائل إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك ~~القمر إذا أخذ على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به والأسباب التي ~~قيل من أجلها لا يعطي من المعنى ما قد أعطاه المثل ms015 وذلك أن المثل له مقدمات ~~وأسباب قد عرفت وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم وحيث كان الأمر كذلك ~~جاز إيراد هذه اللفظات في التعبير عن المعنى المراد ولولا تلك المقدمات ~~المعلومة والأسباب المعروفة لما فهم من قول القائل إن يبغ عليك قومك لا يبغ ~~عليك القمر ما ذكرناه من المعنى المقصود بل ما كان يفهم من هذا القول معنى ~~مفيد لأن البغي هو الظلم والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدا فكان يصير معنى ~~المثل إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر وهذا كلام مختل المعنى ليس بمستقيم ~~فلما كانت الأمثال كالرموز والإشارات التي يلوح بها على المعاني تلويحا ~~PageV01P041 صارت من أوجز الكلام وأكثره اختصارا ومن أجل ذلك قيل في حد ~~المثل إنه القول الوجيز المرسل ليعمل عليه وحيث هي بهذه المثابة فلا ينبغي ~~الإخلال بمعرفتها # وأما أيام العرب فإنها تتنوع وتتشعب فمنها أيام فخار ومنها أيام محاربة ~~ومنها أيام منافرة ومنها غير ذلك ولا يخلو الناظم والناثر من الانتصاب لوصف ~~يوم يمر به في بعض الأحوال شبيها بيوم من تلك الأيام ومماثلا له فإذا جاء ~~بذكر بعض تلك الأيام المناسبة لمراده الموافقة له وقاس عليه يومه فإنه يكون ~~في غاية الحسن والرونق هذا لا خفاء به # وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام فإنها كالأمثال في ~~الاستشهاد بها وسأبين لك نبذة منها حتى تعلم مقدار الفائدة بها # فمن ذلك أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث بيعة الحديبية تحت ~~الشجرة وكان أرسل عثمان رضي الله عنه إلى مكة في حاجة عرضت له ولم يحضر ~~البيعة فضرب رسول الله بيده الشمال على اليمين وقال ( هذه عن عثمان وشمالي ~~خير من يمينه ) # وقد استعملت أنا هذا في جملة كتاب فقلت ولا يعد البر برا حتى يلحق الغيث ~~بالحصور ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور فزنة الغائب بالشاهد من كرم ~~الإحسان ولهذا نابت شمال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمين عثمان # ومن ذلك أنه ورد عن ms016 عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استدعى أبا موسى ~~الأشعري ومن يليه من العمال وكان منهم الربيع بن زياد الحارثي فمضى إلى ~~يرفأ مولى عمر وسأله عما يروج عنده وينفق عليه فأشار إلى خشونة العيش فمضى ~~ولبس جبة صوف وعمامة دسماء وخفا مطابقا وحضر بين يديه في جملة PageV01P042 ~~العمال فصوب عمر نظره وصعده فلم يقع إلا عليه فأدناه وسأله عن حاله ثم أوصى ~~أبا موسى الأشعري به # وقد استعملت أنا هذا في جملة تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة فقلت # وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد ولا ترض بما عرفته من ~~مبدأ حاله فإن الأحوال تتنقل تنقل الأجساد وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما ~~خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد # فانظر كيف فعلت في هاتين القصتين وكيف أوردتهما في الغرض الذي قصدته وامض ~~أنت على هذا النهج فإنه من محاسن هذه الصنعة # وعرض علي كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني رحمه الله عن الملك صلاح ~~الدين يوسف بن أيوب رحمه الله إلى ديوان الخلافة ببغداد في سنة إحدى وسبعين ~~وخمسمائة وضمنه ما أبلاه في خدمة الدولة من فتح الديار المصرية ومحو الدولة ~~العلوية وإقامة الدعوى العباسية وشرح فيه ما قاساه في الفتح من الأهوال ~~ولما تأملته وجدته كتابا حسنا قد وفى فيه الخطابة حقها إلا أنه أخل بشيء ~~واحد وهو أن مصر لم تفتح إلا بعد أن قصدت من الشام ثلاث مرات وكان الفتح في ~~المرة الثالثة وهذا له نظير في فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة فإنه ~~قصدها عام الحديبية ثم سار إليها في عمرة القضاء ثم سار إليها عام الفتح ~~ففتحها # وقد سألني بعض الإخوان أن أنشئ في ذلك كتابا إلى ديوان الخلافة معارضا ~~للكتاب الذي أنشأه عبد الرحيم بن علي رحمه الله فأجبته إلى سؤاله وعددت ~~مساعي صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله فقلت # ومن جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية وقد قام بها منبر وسرير ~~وقالت منا أمير ms017 ومنكم أمير فرد الدعوة العباسية إلى معادها وأذكر المنابر ~~ما نسيته بها من زهو أعوادها وكانت أخرجت منها إخراج النبي صلى الله عليه ~~وسلم من قريته وقذف PageV01P043 الشيطان على حقها بباطله وعلى صدقها بغويته ~~ثم طوتها الليالي طي السجل للكتاب وكثر عليها مرور الدهر حتى نسي لها عدد ~~السنين والحساب ولم يعدها إلى وطنها حتى تغربت لها الأرواح عن أوطانها ~~وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها وتطاردت الآراء في تسهيل ~~أمرها قبل مطاردة أقرانها وحتى تقدمتها غربات ثلاث كلها ذوات غروب وكل خطب ~~من خطوبها ذو خطوب إلى أن تمخض ليلها عن صبحه وأصبحت في الإسلام كعام ~~حديبيته وعمرة قضائه وعام فتحه وفي ذكر أخبارها ما يطبع الأسنة في رءوس ~~الأقلام ويرهب سامعها ولم ينله شيء من مكروهها سوى الكلام ويومها للدولة هو ~~اليوم الذي أرخ فيه معاد نصرها وميعاد بشرها فإذا عدت لياليها السالفة كانت ~~كسائر الليالي وهذه ليلة قدرها # فهذا فصل من فصول الكتاب فانظر كيف ماثلت بين الفتح المصري وفتح مكة ~~وذكرت أيضا حديث الحباب بن المنذر الأنصاري حيث قال بعد وفاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم منا أمير ومنكم أمير وذلك لما حضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ~~بن الجراح رضي الله عنهم في سقيفة بني ساعدة والقصة مشهورة فقال الحباب بن ~~المنذر منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر رضي الله عنه بل نحن الأمراء ~~وأنتم الوزراء وهذا الذي ذكرته هو نكتة هذا الفتح التي عليها المعول ومركزه ~~الذي عليه يدور وعجبت من عبد الرحيم بن علي البيساني مع تقدمه في فن ~~الكتابة كيف فاته أن يأتي به في الكتاب الذي كتبه # وكذلك وجدت لابن زياد البغدادي كتابا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف المقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وضمنه فصولا تشتمل على أمور ~~أنكرت عليه من ديوان الخلافة فمن تلك الأمور التي أنكرت عليه أنه تلقب ~~بالملك الناصر وذلك اللقب هو لأمير المؤمنين خاصة فإنه الإمام الناصر ~~PageV01P044 لدين الله ms018 فلما وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابا حسنا قد أجاد ~~فيه كل الإجادة ولم أجد فيه مغمزا إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب ~~فإنه لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة بل أتى فيه بكلام فيه غثاثة ~~كقوله ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام وشيئا من هذا النسق وكان الأليق ~~والأحسن أن يحتج بحجة فيها روح ويذكر كلاما فيه ذلاقة ورشاقة # وحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني وجرى حديث ذلك فسألني عما كان ينبغي ~~أن يكتب في هذا الفصل فذكرت ما عندي وهو قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص ~~يختصون بها على حكم الانفراد وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة ~~الأنداد وقد أجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في أشياء نص عليها ~~بحكمه ومن جملتها أنه نهى غيره أن يجتمع بين كنيته وبين اسمه وهذا مسوغ ~~لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهورا وعلى غيره محظورا وقد وسم نفسه ~~بسمة نزلت عليه من السماء وتميزت به من بين المسميات والأسماء ثم استمرت ~~عليها الأيام حتى خوطب بها من الحاضر والباد ورفعها الخطباء على المنابر في ~~أيام الجمع ومواسم الأعياد وقد شاركته أنت فيها غير مراقب لمزية التعظيم ~~ولا فارق بين فسحة التحليل وحرج التحريم والشرع والأدب يحكمان عليك بأن ~~تلقى ما فرط منك بالمتاب ولا تحوج فيه إلى التقريع الذي هو أشد العتاب ~~ومثلك من عرف الحق فأمسكه بيده ونسخ إغفال أمسه باستئناف التيقظ في غده ~~والله قد رفع المؤاخذة عمن أتى الشيء خطأ لا عمدا وقبل التوبة ممن أخذ على ~~نفسه بالإخلاص عهدا # فانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي وجعلته شاهدا على هذا الموضع ~~ولا يمكن أن يحتج في مثل ذلك إلا بمثل هذا الاحتجاج وما أعلم كيف شذ عن ابن ~~زياد أن يأتي به مع أنه كان كاتبا مفلقا أرتضي كتابته ولم أجد في متأخري ~~العراقيين من يماثله في هذا الفن PageV01P045 # وأما النوع الرابع وهو الاطلاع على كلام ms019 المتقدمين من المنظوم والمنثور ~~فإن في ذلك فوائد جمة لأنه يعلم منه أغراض الناس ونتائج أفكارهم ويعرف به ~~مقاصد كل فريق منهم وإلى أين ترامت به صنعته في ذلك فإن هذه الأشياء مما ~~تشحذ القريحة وتذكي الفطنة وإذا كان صاحب هذه الصناعة عارفا بها تصير ~~المعاني التي ذكرت وتعب في استخراجها كالشيء الملقى بين يديه يأخذ منه ما ~~أراد ويترك ما أراد وأيضا فإنه إذا كان مطلعا على المعاني المسبوق إليها قد ~~ينقدح له من بينها معنى غريب لم يسبق إليه ومن المعلوم أن خواطر الناس وإن ~~كانت متفاوتة في الجودة والرداءة فإن بعضها لا يكون عاليا على بعض أو منحطا ~~عنه إلا بشيء يسير وكثيرا ما تتساوى القرائح والأفكار في الإتيان بالمعاني ~~حتى إن بعض الناس قد يأتي بمعنى موضوع بلفظ ثم يأتي الآخر بعده بذلك المعنى ~~واللفظ بعينهما من غير علم منه بما جاء به الأول وهذا الذي يسميه أرباب هذه ~~الصناعة وقوع الحافر على الحافر وسيأتي لذلك باب مفرد في آخر كتابنا هذا إن ~~شاء الله تعالى # وأما النوع الخامس وهو معرفة الأحكام السلطانية من الإمامة والإمارة ~~والقضاء والحسبة وغير ذلك فإنما أوجبنا معرفتها والإحاطة بها لما يحتاج ~~إليه الكاتب في تقليدات الملوك والأمراء والقضاة والمحتسبين ومن يجري ~~مجراهم وأيضا فإنه قد يحدث في الإمامة حادث في بعض الأوقات بأن يموت الإمام ~~القائم بأمر المسلمين ثم يتولى من بعده من لم تكمل فيه شرائط الإمامة أو ~~يكون كامل الشرائط غير أن الإمام الذي كان قبله عهد بها إلى آخر غيره وهو ~~ناقص الشرائط أو يكون قد تنازع الإمامة اثنان أو يكون أرباب الحل والعقد قد ~~اختاروا إماما وهم غير كاملي الشرائط التي تجب أن توجد فيهم أو يكون أمر ~~غير ما ذكرناه فتختلف الأطراف في ذلك وينتصب ملك من الملوك له عناية ~~بالإمام الذي قد قام للمسلمين فيأمر كاتبه أن يكتب كتابا في أمره إلى ~~الأطراف المخالفة له وإذا لم يكن الكاتب عند ذلك عارفا بالحكم في ms020 هذه ~~الحوادث واختلاف أقوال العلماء فيها وما هو رخصة في ذلك وما ليس برخصة لا ~~يكتب كتابا ينتفع به ولسنا نعني بهذا القول أن يكون الكتاب مقصورا على فقه ~~محض فقط لأنا لو أردنا ذلك لما PageV01P046 كنا نحتاج فيه إلى كتب كتاب ~~بلاغي بل كنا نقتصر على إرسال مصنف من مصنفات الفقه عوضا عن الكتاب وإنما ~~قصدنا أن يكون الكاتب الذي يكتب في هذا المعنى مشتملا على الترغيب والترهيب ~~والمسامحة في موضع والمحاقة في موضع مشحونا ذلك بالنكت الشرعية المبرزة في ~~قوالب البلاغة والفصاحة كما فعل الكاتب الصابي في الكتاب الذي كتبه عن عز ~~الدولة بختيار بن معز الدولة ابن بويه إلى الإمام الطائع لما خلع المطيع ~~فإنه من محاسن الكتب التي تكتب في هذا الفن # وأما النوع السادس وهو حفظ القرآن الكريم فإن صاحب هذه الصناعة ينبغي له ~~أن يكون عارفا بذلك لأن فيه فوائد كثيرة منها أنه يضمن كلامه بالآيات في ~~أماكنها اللائقة بها ومواضعها المناسبة لها ولا شبهة فيما يصير للكلام بذلك ~~من الفخامة والجزالة والرونق ومنها أنه إذا عرف مواقع البلاغة وأسرار ~~الفصاحة المودعة في تأليف القرآن اتخذه بحرا يستخرج منه الدرر والجواهر ~~ويودعها مطاوي كلامه كما فعلته أنا فيما أنشأته من المكاتبات وكفى بالقرآن ~~الكريم وحده آلة وأداة في استعمال أفانين الكلام فعليك أيها المتوشح لهذه ~~الصناعة بحفظه والفحص عن سره وغامض رموزه وإشاراته فإنه تجارة لن تبور ~~ومنبع لا يغور وكنز يرجع إليه وذخر يعول عليه # وأما النوع السابع وهو حفظ الأخبار النبوية مما يحتاج إلى استعماله فإن ~~الأمر في ذلك يجري مجرى القرآن الكريم وقد تقدم القول عليه فاعرفه # وأما النوع الثامن وهو ما يختص بالناظم دون الناثر وذلك معرفة العروض وما ~~يجوز فيه من الزحاف وما لا يجوز فإن الشاعر محتاج إليه ولسنا نوجب عليه ~~المعرفة بذلك لينظم بعلمه فإن النظم مبني على الذوق ولو نظم بتقطيع ~~الأفاعيل لجاء شعره متكلفا غير مرضي وإنما أريد للشاعر معرفة العروض لأن ~~الذوق قد ينبو ms021 PageV01P047 عن بعض الزحافات ويكون ذلك جائزا في العروض وقد ~~ورد للعرب مثله فإذا كان الشاعر غير عالم به لم يفرق بين ما يجوز من ذلك ~~وما لا يجوز وكذلك أيضا يحتاج الشاعر إلى العلم بالقوافي والحركات ليعلم ~~الروي والردف وما يصح من ذلك وما لا يصح # فإذا أكمل صاحب هذه الصناعة معرفة هذه الآلات وكان ذا طبع مجيب وقريحة ~~مواتية فعليه بالنظر في كتابنا هذا والتصفح لما أودعناه من حقائق علم ~~البيان ونبهنا عليه من أصول ذلك وفروعه على أن الذي ذكرناه من هذه الآلات ~~الثمان هو كالأصل لما يحتاج إليه الخطيب والشاعر ومعرفته ضرورية لا بد منها ~~وههنا أشياء أخر هي كالتوابع والروادف # وبالجملة فإن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فن من الفنون حتى ~~إنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء والمشاطة عند جلوة العروس ~~وإلى ما يقوله المنادي في السوق على السلعة فما ظنك بما فوق هذا والسبب في ~~ذلك أنه مؤهل لأن يهيم في كل واد فيحتاج أن يتعلق بكل فن PageV01P048 # | الفصل الثالث # # | في الحكم على المعاني # وفائدة هذا الفصل الإحاطة بأساليب المعاني على اختلافها وتباينها وصاحب ~~هذه الصناعة مفتقر إلى هذا الفصل والذي يليه بخلاف غيرهما من هذه الفصول ~~المذكورة لا سيما مفسري الأشعار فإنهم به أعنى # واعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهره لفظه ومن يذهب إلى التأويل ~~يفتقر إلى دليل كقوله تعالى @QB@ وثيابك فطهر @QE@ فالظاهر من لفظ الثياب ~~هو ما يلبس ومن تأول ذهب إلى أن المراد هو القلب لا الملبوس وهذا لابد له ~~من دليل لأنه عدول عن ظاهر اللفظ وكذلك ورد عن عيسى بن مريم عليه السلام ~~أنه قال إذا أردت أن تصلي فادخل بيتك وأغلق بابك فالظاهر من هذا هو البيت ~~والباب ومن تأول ذهب إلى أنه أراد أنك تجمع عليك هم قلبك وتمنع أن يخطر به ~~سوى أمر الصلاة فعبر عن القلب بالبيت وعن منع الخواطر التي تخطر له بإغلاق ~~الباب وهذا يحتاج إلى ms022 دليل لأنه عدول عن ظاهر اللفظ فالمعنى المحمول على ~~ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف والمعنى المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه ~~الخلاف إذ باب التأويل غير محصور والعلماء متفاوتون في هذا فإنه قد يأخذ ~~بعضهم وجها ضعيفا من التأويل فيكسوه بعبارته قوة تميزه على غيره من الوجود ~~القوية فإن السيف بضاربه # ( إن السيوف مع الذين قلوبهم % كقلوبهن إذا التقى الجمعان ) # ( تلقى الحسام على جراءة حده % مثل الجبان بكف كل جبان ) # وذهب بعضهم في الفرق بين التفسير والتأويل إلى شيء غير مرضي فقال التفسير ~~بيان وضع اللفظ حقيقة كتفسير الصراط بالطريق والتأويل إظهار باطن ~~PageV01P049 اللفظ كقوله تعالى @QB@ إن ربك لبالمرصاد @QE@ فتفسيره من ~~الرصد يقال رصدته إذا رقبته وتأويله تحذير العباد من تعدي حدود الله ~~ومخالفة أوامره والذي عندي في ذلك أنه أصاب في الآخر ولم يصب في الأول لأن ~~قوله التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة لا مستند لجوازه بل التفسير يطلق على ~~بيان وضع اللفظ حقيقة ومجازا لأنه من الفسر وهو الكشف كتفسير الرصد في ~~الآية المشار إليها بالرقبة وتفسيره بالتحذير من تعدي حدود الله ومخالفة ~~أوامره # وأما التأويل فإنه أحد قسمي التفسير وذاك أنه رجوع عن ظاهر اللفظ وهو ~~مشتق من الأول وهو الرجوع يقال آل يؤل إذا رجع وعلى هذا فإن التأويل خاص و ~~التفسير عام فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلا ولهذا يقال تفسير القرآن ~~ومن تفسيره ظاهر وباطن وهذا الفصل الذي نحن بصدد ذكره ههنا يرجع أكثره إلى ~~التأويل لأنه أدق # ولا يخلو تأويل المعنى من ثلاثة أقسام إما أن يفهم منه شيء واحد لا يحتمل ~~غيره وإما أن يفهم منه الشيء وغيره وتلك الغيرية إما أن تكون ضدا أو لا ~~تكون ضدا وليس لنا قسم رابع # فالأول يقع عليه أكثر الأشعار ولا يجري في الدقة واللطافة مجرى القسمين ~~الآخرين # وأما القسم الثاني فإنه قليل الوقوع جدا وهو من أظرف التأويلات المعنوية ~~لأن دلالة اللفظ على المعنى وضده أغرب من دلالته على المعنى وغيره ms023 مما ليس ~~بضده فمما جاء منه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( صلاة في مسجدي هذا خير ~~من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام ) فهذا الحديث يستخرج ~~منه معنيان ضدان أحدهما أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والآخر أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من المسجد ~~الحرام أي أن صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة في المسجد الحرام بل تفضل ما ~~دونها بخلاف المساجد الباقية فإن ألف صلاة فيها تقصر عن صلاة واحدة فيه ~~PageV01P050 # وكذلك جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ( من كلام النبوة الأولى ~~إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) وهذا يشتمل على معنيين ضدين أحدهما أن المراد ~~به إذا لم تفعل فعلا تستحي منه فافعل ما شئت والآخر أن المراد به إذا لم ~~يكن لك حياء يزعك عن فعل ما يستحى منه فافعل ما شئت وهذان معنيان ضدان ~~أحدهما مدح والآخر ذم # ومثله ورد في الحديث النبوي أيضا وذلك أنه ذكر شريح الحضرمي عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال ( لا يتوسد القرآن ) وهذا يحتمل مدحا وذما أما ~~المدح فالمراد به أنه لا ينام الليل عن القرآن فيكون القرآن متوسدا معه لم ~~يتهجد به وأما الذم فالمراد به أنه لا يحفظ من القرآن شيئا فإذا نام لم ~~يتوسد معه القرآن وهذان التأويلان من الأضداد # وكثيرا ما يرد أمثال ذلك في الأحاديث النبوية # ويجري على هذا النهج من الشعر قول أبي الطيب في قصيدة يمدح بها كافورا # ( وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا % لمن بات في نعمائه يتقلب ) # وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان أحدهما أن المنعم عليه يحسد المنعم ~~والآخر أن المنعم يحسد المنعم عليه # وكذلك ورد قوله أيضا من قصيدة يمدحه # ( فإن نلت ما أملت منك فربما % شربت بماء يعجز الطير ورده ) # فإن هذا البيت يحتمل مدحا وذما وإذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله ~~فإنه يكون بالذم أولى منه ms024 بالمدح لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد والشذوذ وصدر ~~البيت مفتتح بإن الشرطية وقد أجيب بلفظة رب التي معناها التقليل أي لست من ~~PageV01P051 نوالك على يقين فإن نلته فربما وصلت إلى مورد لا يصل إليه ~~الطير لبعده وإذا نظر إلى ما قبل هذا البيت دل على المدح خاصة لارتباطه ~~بالمعنى الذي قبله # وكثيرا ما كان يقصد المتنبي هذا القسم في شعره كقوله من قصيدة أولها # ( عدوك مذموم بكل لسان % ولو كان من أعدائك القمران ) # ( ولله سر في علاك وإنما % كلام العدا ضرب من الهذيان ) # ثم قال # ( فما لك تعنى بالأسنة والقنا % وجدك طعان بغير سنان ) # فإن هذا بالذم أشبه منه بالمدح لأنه يقول لم تبلغ ما بلغته بسعيك ~~واهتمامك بل بجد وسعادة وهذا لا فضل فيه لأن السعادة تنال الخامل والجاهد ~~ومن لا يستحقها وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا القسم في قصائده ~~الكافوريات # وحكى أبو الفتح بن جني قال قرأت على أبي الطيب ديوانه إلى أن وصلت إلى ~~قصيدته التي أولها # ( أغالب فيك الشوق والشوق أغلب % ) # فأتيت منها على هذا البيت وهو # ( وما طربي لما رأيتك بدعة % لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب ) # فقلت له يا أبا الطيب لم تزد على أن جعلته أبا رنة فضحك لقولي # وهذا القسم من الكلام يسمى الموجة أي له وجهان وهو مما يدل على براعة ~~الشاعر وحسن تأتيه # وأما القسم الثالث فإنه يكون أكثر وقوعا من القسم الثاني و هو واسطة بين ~~طرفين لأن القسم الأول كثير الوقوع والقسم الثاني قليل الوقوع وهذا القسم ~~الثالث وسط بينهما PageV01P052 # فمما جاء منه قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ فإن هذا له وجهان ~~من التأويل أحدهما القتل الحقيقي الذي هو معروف والآخر هو القتل المجازي ~~وهو الإكباب على المعاصي فإن الإنسان إذا أكب على المعاصي قتل نفسه في ~~الآخرة # ومن ذلك ما ورد في قصة إبراهيم وذبح ولده عليهما السلام فقال الله تعالى ~~حكاية عنه @QB@ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه ~~بغلام ms025 حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ~~فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ~~فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك ~~نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في ~~الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ~~وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين @QE@ فقوله تعالى @QB@ وبشرناه بإسحاق ~~نبيا من الصالحين @QE@ قد يكون بشارة بنبوته بعد البشارة بميلاده وقد يكون ~~استئنافا بذكره بعد ذكر إسماعيل عليه السلام وذبحه والتأويل متجاذب بين ~~هذين الأمرين ولا دليل على الاختصاص بأحدهما ولم يرد في القرآن ما يدل على ~~أن الذبيح إسماعيل ولا إسحاق عليهما السلام وكذلك لم يرد في الأخبار التي ~~صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأما ما يروي عنه أنه قال ( أنا ابن الذبيحين ) فخارج عن الأخبار الصحيحة ~~وفي التوراة أن إسحاق عليه السلام هو الذبيح # ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه ( أطولكن يدا أسرعكن لحوقا ~~بي ) فلما مات صلوات الله عليه جعلن يطاولن بين أيديهن حتى ينظرن أيتهن ~~أطول يدا ثم كانت زينب أسرعهن لحوقا به وكانت كثيرة الصدقة فعلمن حينئذ أنه ~~لم يرد الجارحة وإنما أراد الصدقة فهذا القول يدل على المعنيين المشار ~~إليهما # ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال خدمت PageV01P053 ~~رسول الله عشر سنين فلم يقل لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لا ~~فعلته وهذا القول يحتمل وجهين من التأويل أحدهما وصف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالصبر على خلق من يصحبه والآخر أنه وصف نفسه بالفطنة والذكاء ~~فيما يقصده من الأعمال كأنه متفطن لما في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيفعله من غير حاجة إلى استئذانه # ومن ذلك ما ورد في الأدعية النبوية فإنه صلى الله عليه وسلم دعا على رجل ~~من ms026 المشركين فقال ( اللهم اقطع أثره ) وهذا يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل ~~الأول أنه دعا عليه بالزمانة لأنه إذا زمن لا يستطيع أن يمشي على الأرض ~~فينقطع حينئذ أثره الوجه الثاني أنه دعا عليه بأن لا يكون له نسل من بعده ~~ولا عقب الوجه الثالث أنه دعا عليه بأن لا يكون له أثر من الآثار مطلقا وهو ~~أن لا يفعل فعلا يبقى أثره من بعده كائنا ما كان من عقب أو بناء أو غراس أو ~~غير ذلك # وظفرت الحرورية برجل فقالوا له ابرأ من علي وعثمان فقال أنا من علي ومن ~~عثمان أبرأ فهذا يدل على معنيين أحدهما أنه بريء من عثمان وحده والآخر أنه ~~بريء منهما جميعا والرجل لم يرد إلا الوجه الأول # ومن ذلك ما يحكي عن عبد المسيح بن بقيلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على ~~الحيرة وذاك أنه خرج إليه عبد المسيح بن بقيلة فلما مثل بين يديه قال انعم ~~صباحا أيها الملك فقال له خالد قد أغنانا الله عن تحيتك هذه بسلام عليكم ثم ~~قال له من أين أقصي أثرك قال من ظهر أبي قال فمن أين خرجت قالت من بطن أمي ~~قال فعلام أنت قال على الأرض قال ففيم أنت قال في ثيابي قال ابن كم أنت قال ~~ابن رجل واحد قال خالد ما رأيت كاليوم قط أنا أسأله عن الشيء وهو ينحو في ~~غيره وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما ~~سأل ويصلح أن يكون جوابا لغيره مما ذكره عبد المسيح بن بقيلة # وقد ورد في التوراة أن لا يؤكل الجدي بلبن أمه وهذا يحتمل التحريم في ~~PageV01P054 وجهين أحدهما ما دل عليه ظاهر لفظه وهو تحريم لحم الجدي بلبن ~~أمه خاصة وإذا أكل بلبن غير لبن أمه جاز ذلك ولم يكن حراما وهذا لا يأخذ به ~~أحد من اليهود والوجه الآخر وهو الذي يؤخذ به عند اليهود جميعهم أن أكل ~~اللحم باللبن حرام كائنا ما كان ms027 من اللحوم إلا طائفة منهم يسمون القرائين ~~فإنهم تأولوا فأكلوا لحم الطير باللبن وقالوا إنما حرم اللحم بالبن من ~~اللحوم ذوات الألبان والطير من ذوات البيض لا من ذوات الألبان # ومما يجري على هذا النهج ما يحكى عن أفلاطون أنه قال ترك الدواء دواء ~~فذهب بعض الأطباء أنه أراد إن لطف المزاج وانتهى إلى غاية لا يحتمل الدواء ~~فتركه حينئذ والإضراب عنه دواء وذهب آخرون إلى أنه أراد بالترك الوضع أي ~~وضع الدواء على الداء دواء يشير بذلك إلى حذق الطبيب في أوقات علاجه # ومثله في الشعر قول الفرزدق # ( إذا جعفر مرت على هضبة الحمى % فقد أخزت الأحياء منها قبورها ) # وهذا يدل على معنيين أحدهما ذم الأحياء والآخر ذم الأموات أما ذم الأحياء ~~فهو أنهم خذلوا الأموات يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقوما آخرين ففر ~~الأحياء عنهم وأسلموهم أو أنهم استنجدوهم فلم ينجدوهم وأما ذم الأموات فهو ~~أن لهم مخازي وفضائح توجب عارا وشنارا فهم يعيرون بها الأحياء ويلصقونها ~~بهم # وعلى هذا ورد قول أبي تمام # ( بالشعر طول إذا اصطكت قصائده % في معشر وبه عن معشر قصر ) # فهذا البيت يحتمل تأولين أحدهما أن الشعر يتسع مجاله بمدحك ويضيق بمدح ~~غيرك يريد بذلك أن مآثره كثيرة ومآثر غيره قليلة و الآخر أن الشعر يكون ذا ~~فخر ونباهة بمدحك وذا خمول بمدح غيرك فلفظة الطول يفهم منها ضد القصر ويفهم ~~منها الفخر من قولنا طال فلان على فلان أي فخر عليه PageV01P055 # ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي # ( عجبت لسعي الدهر بيني وبينها % فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر ) # وهذا يحتمل وجهين من التأويل أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضي ~~الأوقات مدة الوصال فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون والبطء ~~والآخر أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات فلما انقضى ~~ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية وهذا من باب وضع المضاف إليه ~~مكان المضاف كقوله تعالى @QB@ واسأل القرية @QE@ أي أهل القرية # ومن الدقيق ms028 المعنى في هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة من ~~جملة قصيدته التي أولها # ( أوه بديل من قولتي واها % ) # فقال # ( لو فطنت خيله لنائله % لم يرضها أن تراه يرضاها ) # وهذا يستنبط منه معنيان غيران أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه لأن ~~عطاياه أنفس منها والآخر أن خيله لو علمت أنه يهبها من جملة عطاياه لما ~~رضيت ذلك إذ تكره خروجها عن ملكه وهذان الوجهان أنا ذكرتهما وإنما المذكور ~~منهما أحدهما # وهذا الذي أشرت إليه من الكلام على المعاني وتأويلاتها كاف لمن عنده ذوق ~~وله قوة على حملها على أشباهها ونظائرها PageV01P056 # | الفصل الرابع # # | في الترجيح بين المعاني # وهذا الفصل هو ميزان الخواطر الذي يوزن به نقد درهمها ودينارها بل المحك ~~الذي يعلم منه مقدار عيارها ولا يزن به إلا ذو فكرة متقدة ولمحة منتقذة ~~فليس كل من حمل ميزانا سمي صرافا ولا كل من وزن به سمي عرافا والفرق بين ~~هذا الترجيح الفقهي أن هناك يرجح بين دليلي الخصمين في حكم شرعي وههنا يرجح ~~بين جانبي فصاحة وبلاغة في ألفاظ ومعان خطابية وبيان ذلك أن صاحب الترجيح ~~الفقهي يرجع بين خبر التواتر مثلا وبين خبر الآحاد أو بين المسند والمرسل ~~أو ما جرى هذا المجرى وهذا لا يعرض إليه صاحب علم البيان لأنه ليس من شأنه ~~ولكن الذي هو من شأنه أن يرجح بين حقيقة ومجاز أو بين حقيقتين أو بين ~~مجازين ويكون ناظرا في ذلك كله إلى الصناعة الخطابية ولربما اتفق هو وصاحب ~~الترجيح الفقهي في بعض المواضع كالترجيح بين عام وخاص أو ما شابه ذلك # وكنا قد قدمنا القول في الحكم على المعاني وانقسامها ولنبين في هذا الفصل ~~مواضع الترجيح بين وجوه تأويلاتها فنقول # أما القسم الأول من المعاني فلا تعلق للترجيح به إذا ما دل عليه ظاهر ~~لفظه ولا يحتمل إلا وجها واحدا فليس من هذا الباب في شيء والترجيح إنما يقع ~~بين معنيين يدل عليهما لفظ واحد # ولا يخلو الترجيح بينهما من ثلاثة أقسام ms029 إما أن يكون اللفظ حقيقة في ~~أحدهما مجازا في الآخر أو حقيقة فيهما جميعا أو مجازا فيهما جميعا وليس لنا ~~قسم رابع والترجيح بين الحقيقتين أو بين المجازين يحتاج إلى نظر وأما ~~الترجيح بين PageV01P057 الحقيقة والمجاز فإنه يعلم ببديهة النظر لمكان ~~الاختلاف بينهما والشيئان المختلفان يظهر الفرق بينهما بخلاف ما يظهر بين ~~الشيئين المشتبهين # فمثال الحقيقة والمجاز قوله تعالى @QB@ ويوم يحشر أعداء الله إلى النار ~~فهم يوزعون حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا ~~يعملون @QE@ فالجلود ههنا تفسر حقيقة ومجازا أما الحقيقة فيراد بها الجلود ~~مطلقا وأما المجاز فيراد بها الفروج خاصة وهذا هو الجانب البلاغي الذي يرجح ~~جانب المجاز على الحقيقة لما فيه من لطف الكناية عن المكنى عنه وقد يسأل ~~ههنا في الترجيح بين الحقيقة والمجاز عن غير الجانب البلاغي ويقال ما بيان ~~هذا الترجيح فيقال طريقة لفظ الجلود عام فلا يخلو إما أن يراد به الجلود ~~مطلقا أو يراد به الجوارح التي هي أدوات الأعمال خاصة ولا يجوز أن يراد به ~~الجلود على الإطلاق لأن شهادة غير الجوارح التي هي الفاعلة شهادة باطلة إذ ~~هي شهادة غير شاهد والشهادة غير شاهد والشهادة هنا يراد بها الإقرار فتقول ~~اليد أنا فعلت كذا وكذا وتقول الرجل أنا مشيت إلى كذا وكذا وكذلك الجوارح ~~الباقية تنطق مقرة بأعمالها فترجح بهذا أن يكون المراد به شهادة الجوارح ~~وإذا أريد به الجوارح فلا يخلو إما أن يراد به الكل أو البعض فإن أريد به ~~الكل دخل تحته السمع والبصر ولم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة وإن أريد به ~~البعض فهو بالفرج أخص منه بغيره من الجوارح لأمرين أحدهما أن الجوارح كلها ~~قد ذكرت في القرآن الكريم شاهده على صاحبها بالمعصية ما عدا الفرج فكان حمل ~~الجلد عليه أولى ليستكمل ذكر الجميع الآخر أنه ليس في الجوارح ما يكره ~~التصريح بذكره إلا الفرج فكني عند بالجلد لأنه موضع يكره التصريح فيه ~~بالمسمى على حقيقته # فإن قيل إن تخصيص السمع والبصر ms030 بالذكر من باب التفصيل كقوله تعالى @QB@ ~~فاكهة ونخل ورمان @QE@ والنخل والرمان من الفاكهة # قلت في الجواب هذا القول عليك لا لك لأن النخل والرمان إنما ذكر التفضيل ~~لهما في الشكل أو في الطعم والفضيلة ههنا في ذكر الشهادة إنما هي ~~PageV01P058 تعظيم لأمر المعصية وغير السمع والبصر أعظم في المعصية لأن ~~معصية السمع إنما تكون في سماع غيبة أو في سماع صوت مزمار أو وتر أو ما جرى ~~هذا المجرى ومعصية البصر إنما تكون في النظر إلى محرم وكلتا المعصيتين لا ~~حد فيهما وأما المعاصي التي توجد من غير السمع والبصر فأعظم لأن معصية اليد ~~توجب القطع ومعصية الفرج توجب جلد مائة أو الرجم وهذا أعظم فكان ينبغي أن ~~تخص بالذكر دون السمع والبصر وإذا ثبت فساد ما ذهبت إليه فلم يكن المراد ~~بالجلود إلا الفروج خاصة # وأما مثال المعنيين إذا كانا حقيقيين فقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~التمسوا الرزق في خبايا الأرض ) والخبايا جمع خبيئة وهو كل ما يخبأ كائنا ~~ما كان وهذا يدل على معنيين حقيقيين أحدهما الكنوز المخبوأة في بطون الأرض ~~والآخر الحرث والغراس وجانب الحرث والغراس أرجح لأن مواضع الكنوز لا تعلم ~~حتى تلتمس والنبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بذلك لأنه شيء مجهول غير ~~معلوم فبقي المراد بخبايا الأرض ما يحرث ويغرس # وكذلك ورد قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال ~~) وهذا الحديث مرخص في ترك صلاة الجماعة بسبب المطر وله تأويلان أحدهما أنه ~~أراد نعال الأرض وهو ما غلظ منها والآخر أنه أراد الأحذية والوجه هو الثاني ~~لظهوره في الدلالة على المعنى وأكثر العلماء عليه ولو كان المراد به غلظ من ~~الأرض لخرج عن هذا الحكم كل بلد تكون أرضه سهلة لا غلظ فيها # وأما مثال المعنيين المجازيين فقول أبي تمام # ( قد بلونا أبا سعيد حديثا % وبلونا أبا سعيد قديما ) # ( ووردناه ساحلا وقليبا % ورعيناه بارضا وجميما ) PageV01P059 # ( فعلمنا أن ليس إلا بشق النفس % صار الكريم يدعى كريما ) # فالساحل والقليب يستخرج ms031 منهما تأويلان مجازيان أحدهما أنه أراد بهما ~~الكثير والقليل بالنسبة إلى الساحل والقليب والآخر أنه أراد بهما السبب ~~وغير السبب فإن الساحل لا يحتاج في ورده إلى سبب والقليب يحتاج في ورده إلى ~~سبب وكلا هذين المعنيين مجاز فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما والوجه هو ~~الثاني لأنه أدل على بلاغه القائل ومدح المقول فيه أما بلاغة القائل ~~فالسلامة من هجنة التكرير بالمخالفة بين صدر البيت وعجزه فإن عجزه يدل على ~~القليل والكثير لأن البارض هو أول النبت حين يبدو فإذا كثر وتكاثف سمي ~~جميما فكأنه قال أخذنا منه تبرعا ومسألة وقليلا وكثيرا وأما مدح المقول فيه ~~فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه وسؤاله وإكثاره وإقلاله وما في معاناة هذه ~~الأحوال من المشاق # فهذا ما يتعلق بالترجيح البلاغي بين الحقيقة والحقيقة وبين المجاز ~~والمجاز وبين الحقيقة والمجاز # وههنا ترجيح آخر لا يتعلق بما أشرنا إليه إذ هو خارج عما تقتضيه المعاني ~~الخطابية من جهة الفصاحة أو البلاغة وذلك أن يرجح بين معنيين أحدهما تام ~~والآخر مقدر أو يكون أحدهما مناسبا لمعنى تقدمه أو تأخر عنه والآخر غير ~~مناسب أو بأن ينظر في الترجيح بينهما إلى شيء خارج عن اللفظ فمثال المعنيين ~~المشار إليهما أن المعنى التام هو الذي يدل عليه لفظه ولا يتعداه وأما ~~المقدر فهو الذي لا يدل عليه لفظه بل يستدل عليه بقرينة أخرى وتلك القرينة ~~قد تكون من توابعه وقد لا تكون PageV01P060 # فمما جاء من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ( في سائمة الغنم زكاة ) ~~فهذا اللفظ يستخرج منه معنيان أحدهما تام والآخر مقدر فالتام دلالته على ~~وجوب الزكاة في السائمة لا غير والمقدر دلالته على سقوط الزكاة عن المعلوفة ~~إلا أنه ليس مفهوما من نفس اللفظ بل من قرينة أخرى هي كالتابعة له وهي أنه ~~لما خصت السائمة بالذكر دون المعلوفة علم من مفهوم ذلك أن المعلوفة لا زكاة ~~فيها وللفقهاء في ذلك مجاذبات جدلية يطول الكلام فيها وليس هذا موضعها ~~والذي يترجح عندي هو القول بفحوى ms032 المعنى المقدر وهو الذي يسميه الفقهاء ~~مفهوم الخطاب # وله في الشعر أشباه ونظائر # فمما ورد من ذلك شعرا قول جزء بن كليب الفقعسي من شعراء الحماسة وقد خطب ~~إليه ابن كوز ابنته فرده # ( تبغى ابن كوز والسفاهة كاسمها % ليستاد منا أن سنونا لياليا ) # ( فلا تطلبنها يا ابن كوز فإنه % غذا الناس مذ قام النبي الجواريا ) ~~PageV01P061 # وهذا البيت الثاني يشتمل على المعنيين التام والمقدر أما التام فإن ابن ~~كوز سأل أبا هذه الجارية أن يزوجه إياها في سنة والسنة الجدب فرده وقال قد ~~غذا الناس البنات مذ قام النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أيضا أغذو هذه ~~ولولا ذلك لوأدتها كما كانت الجاهلية تفعل وفيه وجه آخر وهو أنهم كانوا ~~يئدون البنات قبل الإسلام فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ~~فقوله ( غذا الناس مذ قام النبي الجواريا ) أي في النساء كثرة فتزوج بعضهن ~~وخل ابنتي وهذان المعنيان هما اللذان دل عليهما ظاهر اللفظ وأما المعنى ~~المقدر الذي يعلم من مفهوم الكلام فإنه يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر بإحياء البنات ونهى عن الوأد ولو أنكحتكها لكنت قد وأدتها إذ لا فرق ~~بين إنكاحك إياها وبين وأدها وهذا ذم للمخاطب وهو معنى دقيق ومجيء المعاني ~~المستخرجة من المفهومة قليل من الشعر # وأما ما يستدل عليه بقرينة ليست من توابعه فإن ذلك أدق من الأول وألطف ~~مأخذا # فمما ورد منه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من جعل قاضيا بين الناس فقد ~~ذبح بغير سكين ) فهذا يستخرج منه المعنيان المشار إليهما فالتام منهما يدل ~~على أنه من جعل قاضيا فقد عرض نفسه لخطر عظيم كالذبح بغير سكين وأما المقدر ~~فإنه يدل على أنه من جعل قاضيا فقد أمر بمفارقة هواه وهذا لا يدل عليه ~~اللفظ بنفسه بل يستدل عليه بقرينة أخرى ولكنها ليست من توابعه ووجه ذلك أن ~~لفظ الحديث عام يشمل القضاة على الإطلاق ولا يخلو إما أن يراد به عذاب ~~الآخرة أو عذاب الدنيا ولا ms033 يجوز أن يكون المراد به عذاب الآخرة لأنه ليس كل ~~قاض معذبا في الآخرة بل المعذب منهم قضاة السوء فوضح بهذا أن المراد ~~بالحديث عذاب الدنيا وعلى هذا فلا يخلو إما أن يكون العذاب صورة أو معنى ~~ولا يجوز أن يكون صورة لأنا نرى الإنسان إذا جعل قاضيا لا يذبح ولا يناله ~~شيء من ذلك فبقي أن يكون المراد به عذابا معنويا وهو الذبح المجازي غير ~~الحقيقي وفحوى ذلك أن نفس الإنسان مركبة على حب هواها فإذا جعل قاضيا فقد ~~أمر بترك ما جبل على حبه من الامتناع عن الرشوة والحكم لصديقه على عدوه ~~ورفع PageV01P062 الحجاب بينه وبين الناس والجلوس للحكم في أوقات راحته ~~وغير ذلك من الأشياء المكروهة التي تشق على النفس وتجدد لها ألما مبرحا ~~والذبح هو قطع الحلقوم والألم حاصل به وهو كالذبح الحقيقي بل أشد منه لأن ~~ألم الذبح الحقيقي يكون لحظة واحدة ثم ينقضي ويزول وألم قطع النفس عن هواها ~~يدوم ولا ينقضي وهو أشد العذاب قال الله في عذاب أهل النار @QB@ وحيل بينهم ~~وبين ما يشتهون @QE@ وقال في نعيم أهل الجنة @QB@ وفيها ما تشتهيه الأنفس ~~وتلذ الأعين @QE@ # وكثيرا ما رأينا وسمعنا من حمله حب الشيء على إتلاف نفسه في طلبه وركوب ~~الأهوال من أجله فإذا امتنع عنه مع حبه إياه فقد ذبح نفسه أي قطعها عنه كما ~~يقطع الذابح حلق الذبيحة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( انتقلنا عن ~~الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) فسمى جهاد الكفار الجهاد الأصغر وجهاد ~~النفس الجهاد الأكبر فكما أن مجاهدة النفس عن هواها قتال بغير سيف فكذلك ~~قطعها عن هواها ذبح بغير سكين وهذا موضع غامض والترجيح فيه مختص بالوجه ~~الآخر لاشتماله على المعنى المقصود وهو المراد من القضاة على الإطلاق # وأما مثال المعنيين إذا كان أحدهما مناسبا لمعنى تقدمه أو لمعنى تأخر عنه ~~والآخر غير مناسب فالأول هو ما كان مناسبا لمعنى تقدمه كقوله تعالى @QB@ لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ فالدعاء ههنا يدل ms034 على ~~معنيين أحدهما النهي أن يدعى الرسول باسمه فيقال يا محمد كما يدعو بعضهم ~~بعضا بأسمائهم وإنما يقال له يا رسول الله أو يا نبي الله الآخر النهي أن ~~يجعلوا حضورهم عنده إذا دعاهم لأمر من الأمور كحضور بعضهم عند بعض بل ~~يتأدبون معه بأن لا يفارقوا مجلسه إلا بإذنه وهذا الوجه هو المراد لمناسبة ~~معنى الآية التي قبله وهو قوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه @QE@ وأما ~~الثاني وهو ما كان مناسبا لمعنى تأخر عنه فكقوله تعالى @QB@ والتين ~~والزيتون وطور سينين @QE@ فالتين والزيتون هما هذا الشجر المعروف وهما اسما ~~جبلين أيضا وتأويلهما بالجبلين أولى PageV01P063 للمناسبة بينهما وبين ما ~~أتى بعدهما من ذكر الجبل الذي هو الطور # وعلى هذا ورد قول الشاعر في أبيات الحماسة # ( ولو كنت مولى قيس عيلان لم تجد % علي لإنسان من الناس درهما ) # ولكنني مولى قضاعة كلها % فلست أبالي أن أدين وتغرما ) # فإذا نظرنا إلى البيت الأول وجدناه يحتمل مدحا وذما أي أنهم كانوا يغنونه ~~بعطائهم أن يدين أو أنه كان يخاف الدين حذر أن لا يقوموا عنه بوفائه لكن ~~البيت الثاني حقق أن الأول ذم وليس بمدح فهذا المعنى لا يتحقق فهمه إلا ~~بآخره # وأما الذي يكون الترجيح فيه بسبب شيء خارج عن مفهوم اللفظ فقوله تعالى ~~@QB@ وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم @QE@ فهذا مستنبط ~~منه معنيان أحدهما أن الله يعلم السر والجهر في السموات والأرض وفي ذلك ~~تقديم وتأخير أي يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض والآخر أنه في ~~السموات وأنه يعلم السر والجهر في الأرض من بني آدم لأن الوقف يكون على ~~السموات ثم يستأنف الكلام فيقول يعلم سركم وجهركم في الأرض إلا أن هذا يمنع ~~منه اعتقاد التجسيم وذلك شيء خارج عن مفهوم اللفظ PageV01P064 # | الفصل الخامس # # | في جوامع الكلم # قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أوتيت جوامع الكلم ) فالكلم جمع كلمة ~~والجوامع جمع جامعة والجامعة اسم فاعلة ms035 من جمعت فهي جامعة كما يقال في ~~المذكر جمع فهو جامع والمراد بذلك أنه صلى الله عليه وسلم أولي الكلم ~~الجوامع للمعاني وهو عندي ينقسم قسمين القسم الأول منهما هو ما استخرجته ~~ونبهت عليه ولم يكن لأحد فيه قول سابق وهو أن لنا ألفاظا تتضمن من المعنى ~~ما لا تتضمنه أخواتها مما يجوز أن يستعمل في مكانها فمن ذلك ما يأتي على ~~حكم المجاز ومنه ما يأتي على حكم الحقيقة # أما ما يأتي على حكم المجاز فقوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ( الآن ~~حمي الوطيس ) وهذا لم يسمع من أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ~~أتينا بمجاز غير ذلك في معناه فقلنا استعرت الحرب لما كان مؤديا من المعنى ~~ما يؤديه حمي الوطيس والفرق بينهما أن الوطيس هو التنور وهو موطن الوقود ~~ومجتمع النار وذلك يخيل إلى السامع أن هناك صورة شبيهة بصورته في حميها ~~وتوقدها وهذا لا يوجد في قولنا استعرت الحرب أو ما جرى مجراه # وكذلك قال صلى الله عليه وسلم ( بعثت في نفس الساعة ) فقوله نفس الساعة ~~من العبارة العجيبة التي لا يقوم غيرها مقامها لأن المراد بذلك أنه بعث ~~والساعة قريبة منه لكن قربها منه لا يدل على ما دل عليه النفس وذاك أن ~~النفس يدل على أن الساعة منه بحيث يحس بها كما يحس الإنسان بنفس من هو إلى ~~جانبه وقد قال صلى الله عليه وسلم في موضع آخر ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) ~~وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى ولو قال بعثت على قرب من الساعة أو ~~والساعة قريبة مني لما دل ذلك على ما دل عليه نفس الساعة وهذا لا يحتاج إلى ~~الإطالة في بيانه لأنه بين واضح # وقد ورد شيء من ذلك في أقوال الشعراء المفلقين ولقد تصفحت الأشعار ~~PageV01P065 قديمها وحديثها وحفظت ما حفظت منها وكنت إذا مررت بنظري في ~~ديوان من الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوة كنشوة الخمر ~~وطربا كطرب الألحان وكثير من الناظمين ms036 والناثرين يمر على ذلك ولا يتفطن له ~~سوى أنه يستحسنه من غير نظر فيما نظرت أنا فيه ويظنه كغيره من الألفاظ ~~المستحسنة # فمما جاء من ذلك قول أبي تمام # ( كم صارم عضب أناف على فتى % منهم لأعباء الوغى حمال ) # ( سبق المشيب إليه حتى ابتزه % وطن النهى من مفرق وقذال ) # فقوله وطن النهى من الكلمات الجامعة وهي عبارة عن الرأس ولا يجاء بمثلها ~~في معناها مما يسد مسدها # وكذلك ورد قول البحتري # ( قلب يطل على أفكاره ويد % تمضي الأمور ونفس لهوها التعب ) # فقوله قلب يطل على أفكاره من الكلمات الجوامع ومراده بذلك أن قلبه لا ~~تملؤه الأفكار ولا تحيط به وإنما هو عال عليها يصف بذلك عدم احتفاله ~~PageV01P066 بالقوادح وقلة مبالاته بالخطوب التي تحدث أفكارا تستغرق القلوب ~~وهذه عبارة عجيبة لا يؤمن بمثلها مما يسد مسدها # وأما ما يأتي على حكم الحقيقة فكقول ابن الرومي # ( سقى الله أوطارا لنا ومآربا % تقطع من أقرانها ما تقطعا ) # ( ليال تنسيني الليالي حسابها % بلهنية أقضي بها الحول أجمعا ) # ( سوى غرة لا أعرف اليوم باسمه % وأعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا ) # فقوله لا أعرف اليوم باسمه من الكلمات الجامعة أي أني قد شغلت باللذات عن ~~معرفة الليالي والأيام ولو وصف اشتغاله باللذات مهما وصف لم يأت بمثل قوله ~~لا أعرف اليوم باسمه # وأما القسم الثاني من جوامع الكلم فالمراد به الإيجاز الذي يدل به ~~بالألفاظ القليلة على المعاني الكثيرة أي أن ألفاظه صلى الله عليه وسلم ~~جامعة للمعاني المقصودة على إيجازها واختصارها وجل كلامه جار هذا المجرى ~~فلا يحتاج إلى ضرب الأمثلة به وسيأتي في باب الإيجاز منه ما فيه كفاية ~~ومقنع # فإن قيل فما الفرق بين هذين القسمين اللذين ذكرتهما فإنهما في النظر سواء # قلت في الجواب إن الإيجاز هو أن يؤتى بألفاظ دالة على معنى من غير أن ~~تزيد على ذلك المعنى ولا يشترط في تلك الألفاظ أنها لا نظير لها فإنها تكون ~~قد اتصفت بوصف آخر خارج عن وصف الإيجاز وحينئذ يكون إيجازا وزيادة ms037 # وأما PageV01P067 هذا القسم الآخر فإنه ألفاظ أفراد في حسنها لا نظير لها ~~فتارة تكون موجزة وتارة لا تكون موجزة وليس الغرض منها الإيجاز وإنما الغرض ~~مكانها من الحسن الذي لا نظير لها فيه ألا ترى إلى قول أبي تمام وطن النهي ~~فإن ذلك عبارة عن الرأس ولا شك أن الرأس أوجز لأن الرأس لفظة واحدة ووطن ~~النهي لفظتان إلا أن وطن النهي أحسن في التعبير عن الرأس من الرأس فبان ~~بهذا أن أحد هذين القسمين غير الآخر PageV01P068 # | الفصل السادس # في الحكمة التي هي ضالة المؤمن $ # قال النبي صلى الله عليه وسلم ( الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها إذا ~~وجدها ) والمراد بذلك أن الحكمة قد يستفيدها أهلها من غير أهلها كما يقال ~~رب رمية من غير رام وهذا لا يخص علما واحدا من العلوم بل يقع في كل علم ~~والمطلوب منه ههنا هو ما يخص علم البيان من الفصاحة والبلاغة دون غيره ومذ ~~سمعت هذا الخبر النبوي جعلت كدي في تتبع أقوال الناس في مفاوضاتهم ~~ومحاوراتهم فإنه قد تصدر الأقوال البليغة والحكم والأمثال ممن لا يعلم ~~مقدار ما يقوله فاستفدت بذلك فوائد كثيرة لا أحصرها عددا وأنا أذكر منها ~~طرفا يستدل به على أشباهه ونظائره # فمن ذلك أني سرت في بعض الطرق وفي صحبتي رجل بدوي من الأنباط لا يعتد ~~بقوله فكان يقول غدا ندخل البلد وتشتغل عني وكان الأمر كما قال فدخلت مدينة ~~حلب وشغلت عنه أياما ثم لقيني فقال لي من تروى فترت عظامه وهذا القول من ~~الأقوال البليغة وهي من الحكمة التي هي الضالة المطلوبة عند مؤمني الفصاحة ~~والبلاغة # ثم إني سمعت منه بعد ذلك شيئا يناسب قول الأول فإني سفرت له إلى صاحب في ~~حلب في شيء أخذته منه فاستقله وقال الماء أروى لشدوق النيب وهذا أيضا من ~~الحكمة في بابها # وسافرت مرة أخرى على طريق المناظر وكان في صحبتي رجل بدوي PageV01P069 ~~فسألته عن مسافة ما بين تدمر وأراك فقال إذا خرج سرحاهما تلاقيا فعبر عن ~~قرب ms038 المسافة بينهما بأوجز عبارة وأبلغها # ثم سألته ليلة من الليالي عن الصبح لنرتحل من موضعنا فقال قد ظهر الصبح ~~إلا أنه لم يملك الإنسان بصره وهذا القول من الحكمة أيضا # وكان تزوج غلاما من غلماني بدمشق فوقعت المرأة منه بموقع وشغف بها ثم إني ~~سافرت عن دمشق لمهم عرض لي وسافر ذلك الغلام في صحبتي فلما عدنا من السفر ~~شغل بامرأته والمقام عندها فسألته عن حاله فقال إنها قد طالت وحسنت وهي كذا ~~وكذا وأخذ يصفها فقال أخ له كان حاضرا يا مولاي هي تلك لم تزد شيئا وإنما ~~هي في عينه جبار من الجبابرة وهذا القول قد ورد في بعض أبيات الحماسة وهو ~~معدود من أبيات المعاني # ( أهابك إجلالا وما بك قدرة % علي ولكن ملء عين حبيبها ) # فكثيرا ما يصدر مثل هذه الأقوال عن ألسنة الجهال # وسمعت ما يجري هذا المجرى من بعض العبيد الأحابيش الذين لا يستطيعون ~~تقويم صيغ الألفاظ فضلا عما وراء ذلك وذاك أنه رأى صبيا في يده طاقة ريحان ~~فقال هذه طاقة آس تحمل طاقة ريحان فلما سمعت ذلك منه أخذتني هزة التعجب ~~وذكرت شعر أبي نواس الذي تواصفه الناس في هذا المعنى وهو قوله # ( ووردة جاء بها شادن % في كفه اليمنى فحيانا ) # ( سبحت ربي حين أبصرتها % ريحانة تحمل ريحانا ) # وحضر عندي في بعض الأيام رجل نصراني موسوم بالطب وكان لا يحسن ~~PageV01P070 أن يقول كلمة واحدة وهو أقلف اللسان يسيء العبارة فسألته عن ~~زيارة شخص وهل يتردد إليه أم لا فقال ظلام الليل يهديني إلى باب من أوده ~~وضوء النهار يضل بي عن باب من لا أوده وهذا من ألطف المعاني وأحسنها وهو من ~~الحكمة المطلوبة # وكنت قصدت زيارة بعض الأخوان من الأجناد وهو من الأغتام الأعجام فسألته ~~عن حاله وكان توالت عليه نكبات طالت أيامها وعظمت آلامها فقال لي في الجواب ~~ما معناه إنه لم يبق عندي ارتياع لوقوع نائبة من النوائب وهذا معنى لو أتى ~~به شاعر مفلق أو كاتب بليغ لاستحسن منه ms039 غاية الاستحسان # وكنت في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بأرض فلسطين في الجيش الذي كان قبالة ~~العدو الكافر من الفرنج لعنهم الله وتقابل الفريقان على مدينة يافا وكان ~~إلى جانبي ثلاثة فرسان من المسلمين فتعاقدوا على الحملة إلى نحو العدو فلما ~~حملوا صدق منهم اثنان وتلكأ واحد فقيل له في ذلك فقال الموت طعام لا تجشه ~~المعدة فلما سمعت هذه الكلمة استحسنتها وإذا هي صادرة عن رجل من أهل بصرى ~~فدم من الأفدام # ولو أخذت في ذكر ما سمعته من هذا لأطلت وإنما دللت بيسير ما ذكرته على ~~المراد وهو أنه يجب على المتصدي للشعر والخطابة أن يتتبع أقوال الناس ~~PageV01P071 في محاوراتهم فإنه لا يعدم مما يسمعه منهم حكما كثيرة ولو أراد ~~استخراج ذلك بفكره لأعجزه # ويحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي أولها # ( على مثلها من أربع وملاعب % ) # انتهى منها إلى قوله # ( يرى أقبح الأشياء أوبة آمل % كسته يد المأمول حلة خائب ) # ثم قال # ( وأحسن من نور يفتحه الصبا % ) # ووقف عند صدر هذا البيت يردده وإذا سائل يسأل على الباب وهو يقول من بياض ~~عطاياكم في سواد مطالبنا فقال أبو تمام # ( بياض العطايا في سواد المطالب % ) # فأتم صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل # وسمعت امرأة قد توفي لها ولد وهو بكرها الذي هو أول أولادها فقالت كيف لا ~~أحزن لذهابه وهو أول درهم وقع في الكيس فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابا ~~من كتبي في التعازي وهو كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وقد توفي بكره من ~~الأولاد فقلت وهو أول درهم ادخرته في كيس الادخار وأعددته لحوادث الليل ~~والنهار PageV01P072 # وبلغني عن الشيخ أبي محمد بن أحمد المعروف بابن الخشاب البغدادي وكان ~~إماما في علم العربية وغيره فقيل إنه كان كثيرا ما يقف على حلق القصاص ~~والمشعبذين فإذا أتاه طلبة العلم لا يجدونه في أكثر أوقاته إلا هناك فليم ~~على ذلك وقيل له أنت إمام الناس في العلم وما الذي يبعثك على الوقوف بهذه ~~المواقف الرذيلة ms040 فقال لو علمتم ما أعلم لما لمتم ولطالما استفدت من هؤلاء ~~الجهال فوائد كثيرة فإنه تجري في ضمن هذيانهم معان غريبة لطيفة ولو أردت ~~أنا وغيري أن نأتي بمثلها لما استطعنا ذلك ولا شك أن هذا الرجل رأى ما ~~رأيته ونظر إلى ما نظرت إليه PageV01P073 # | الفصل السابع # # | في الحقيقة والمجاز # وهذا الفصل مهم كبير من مهمات علم البيان لا بل هو علم البيان بأجمعه فإن ~~في تصريف العبارات على الأسلوب المجازي فوائد كثيرة وسيرد بيانها في ~~مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى وقد نبهنا في هذا الموضع على ~~جملتها دون تفصيلها # فأما الحقيقة فهي اللفظ الدال على موضوعه الأصلي # وأما المجاز فهو ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة وهو ~~مأخوذ من جاز من هذا الموضع إلى هذا الموضع إذا تخطاه إليه فالمجاز إذا اسم ~~للمكان الذي يجاز فيه كالمعاج والمزار وأشباههما وحقيقته هي الانتقال من ~~مكان إلى مكان فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل كقولنا زيد أسد فإن ~~زيدا إنسان والأسد هو هذا الحيوان المعروف وقد جزنا من الإنسانية إلى ~~الأسدية أي عبرنا من هذه إلى هذه لوصلة بينهما وتلك الوصلة هي صفة الشجاعة ~~وقد يكون العبور لغير وصلة وذلك هو الاتساع كقولهم في كتاب كليلة ودمنة قال ~~الأسد وقال الثعلب فإن القول لا وصلة بينه وبين هذين بحال من الأحوال وإنما ~~أجرى عليهما اتساعا محضا لا غير ولهذا مثال في المجاز الحقيقي الذي هو ~~المكان المجاز فيه فإنه لا يخلو إما أن يجاز من سهل إلى سهل أو من وعر إلى ~~وعر أو سهل إلى وعر فالجواز من سهل إلى سهل أو من وعر إلى وعر هو كقولنا ~~زيد أسد فالمشابهة الحاصلة في ذات بينهما كالمشابهة الحاصلة في المكان ~~والجواز من سهل إلى وعر كقولهم قال الأسد وقال PageV01P074 الثعلب فكما أنه ~~لا مشابهة بين القول وبين هذين فكذلك لا مشابهة بين السهل والوعر وسيأتي ~~كشف الغطاء عن ذلك وإشباع القول في ms041 تحقيقه في باب الاستعارة فليؤخذ من هناك # وقد ذهب قوم إلى أن الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه وذهب آخرون إلى أنه كله ~~مجاز لا حقيقة فيه وكلا هذين المذهبين فاسد عندي # وسأجيب الخصم عما ادعاه فيهما فأقول # محل النزاع هو أن اللغة كلها حقيقة أو أنها كله مجاز ولا فرق عندي بين ~~قولك إنها كلها حقيقة أو إنها كلها مجاز فإن كلا الطرفين عندي سواء لأن ~~منكرهما غير مسلم لهما وأنا بصدد أن أبين أن في اللغة حقيقة ومجازا ~~والحقيقة اللغوية هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني وليست بالحقيقة ~~التي هي ذات الشيء أي نفسه وعينه فالحقيقة اللفظية إذا هي دلالة اللفظ على ~~المعنى الموضوع له في أصل اللغة والمجاز هو نقل المعنى عن اللفظ الموضوع له ~~إلى لفظ آخر غيره # وتقرير ذلك بأن أقول # المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدل بها عليها ليعرف كل منها باسمه من ~~أجل التفاهم بين الناس وهذا يقع ضرورة لا بد منها فالاسم الموضوع بإزاء ~~المسمى هو حقيقة له فإذا نقل إلى غيره صار مجازا ومثال ذلك أنا إذا قلنا ~~شمس أردنا به هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء وهذا الاسم له حقيقة لأنه وضع ~~بإزائه وكذلك إذا قلنا بحر أردنا به هذا الماء العظيم المجتمع الذي طعمه ~~ملح وهذا الاسم له حقيقة لأنه وضع بإزائه فإذا نقلنا الشمس إلى الوجه ~~المليح استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة وكذلك إذا نقلنا البحر إلى الرجل ~~الجواد استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة # فإن قيل إن الوجه المليح يقال له شمس وهو حقيقة فيه وكذلك البحر يقال ~~للرجل الجواد وهو حقيقة فيه PageV01P075 # فالجواب عن ذلك من وجهين أحدهما نظري والآخر وضعي # أما النظري فهو أن الألفاظ إنما جعلت أدلة على إفهام المعاني ولو كان ما ~~ذهبت إليه صحيحا لكان البحر يطلق على هذا الماء العظيم الملح وعلى الرجل ~~الجواد بالاشتراك وكذلك الشمس أيضا فإنها كانت تطلق على هذا الكوكب العظيم ~~الكثير الضوء وعلى ms042 الوجه المليح بالاشتراك وحينئذ فإذا ورد أحد هذين ~~اللفظين مطلقا بغير قرينة تخصصه فلا يفهم المراد به ما هو من أحد المعنيين ~~المشتركين المندرجين تحته ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك فإنا إذا قلنا شمس أو ~~بحر وأطلقنا القول لا يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد وإنما يفهم منه ~~ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم لا غير فبطل إذا ما ذهبت إليه بما ~~بيناه وأوضحناه # فإن قلت إن العرف يخالف ما ذهبت إليه فإن من الألفاظ ما إذا أطلق لم يذهب ~~الفهم منه إلا إلى المجاز دون الحقيقة كقولهم الغائط فإن العرب خصص ذلك ~~بقضاء الحاجة دون غيره من المطمئن من الأرض # قلت في الجواب هذا شيء ذهب إليه الفقهاء وليس الأمر كما ذهبوا إليه لأنه ~~إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامة الناس من إسكاف وحداد ونجار وخباز ومن جرى ~~مجراهم فهؤلاء لا يفهمون من الغائط إلا قضاء الحاجة لأنهم لم يعلموا أصل ~~وضع هذه الكلمة وأنها مطمئن من الأرض وأما خاصة الناس الذين يعلمون أصل ~~الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلى الحقيقة لا غير ألا ترى أن هذه ~~اللفظة لما وردت في القرآن الكريم وأريد بها قضاء الحاجة قرنت بألفاظ تدل ~~على ذلك كقوله تعالى @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ فإن قوله @QB@ أو ~~جاء أحد منكم من الغائط @QE@ دليل على أنه أراد قضاء الحاجة دون المطمئن من ~~الأرض فالكلام في هذا وأمثاله إنما هو مع علم أصل الوضع حقيقة والنقل عنه ~~مجازا وأما الجهال فلا اعتبار بهم ولا اعتداد بأقوالهم # والعجب عندي من الفقهاء الذين دونوا ذلك على ما دونوه وذهبوا إلى ما ~~ذهبوا إليه PageV01P076 # وأما الوجه الوضعي فهو أن المرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة ~~التي هي وضع الأسماء على المسميات ولم يوجد فيها أن الوجه المليح يسمى شمسا ~~ولا أن الرجل الجواد يسمى بحرا وإنما أهل الخطابة والشعر توسعوا في ~~الأساليب المعنوية فنقلوا الحقيقة إ لى المجاز ولم يكن ms043 ذلك من واضع اللغة ~~في أصل الوضع ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية # هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئا لم يكن قبله فمن ذلك أنه أول من عبر عن ~~الفرس بقوله قيد الأوابد ولم يسمع ذلك لأحد من قبله # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم حنين ( الآن حمي الوطيس ~~) وأراد بذلك شدة الحرب فإن الوطيس في أصل الوضع هو التنور فنقل إلى الحرب ~~استعارة ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي صلى الله عليه وسلم # وواضع اللغة ما ذكر شيئا من ذلك فعلمنا حينئذ أن من اللغة حقيقة بوضعه ~~ومجازا بتوسعات أهل الخطابة والشعر # وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم تكن من ~~قبل ولو كان هذا موقوفا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده ولا زيد ~~فيه ولا نقص منه # وأما الفرق بينه وبين الحقيقة فهو أن الحقيقة جارية على العموم في نظائر ~~ألا ترى أنا إذا قلنا فلان عالم صدق على كل ذي علم بخلاف @QB@ واسأل القرية ~~@QE@ لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض إذ المراد أهل القرية ~~PageV01P077 لأنهم ممن يصح السؤال لهم ولا يجوز أن يقال واسأل الحجر ~~والتراب وقد يحسن أن يقال واسأل الربع والطلل # واعلم أن كل مجاز فله حقيقة لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلا ~~لنقله عن حقيقة موضوعة له إذ المجاز هو اسم للموضع الذي ينتقل فيه من مكان ~~إلى مكان فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها # وإذا كان كل مجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية فكذلك ~~ليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز فإن من الأسماء ما لا مجاز له ~~كأسماء الأعلام لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات # وكذلك فاعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة ~~والبلاغة لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة ms044 التي هي الأصل أولى منه حيث هو ~~فرع عليها وليس الأمر كذلك لأنه قد ثبت وتحقق أن فائدة الكلام الخطابي هو ~~إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه ~~عيانا ألا ترى أن حقيقة قولنا زيد أسد هي قولنا زيد شجاع لكن فرق بين ~~القولين في التصوير والتخييل وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع لأن قولنا ~~PageV01P078 زيد شجاع لا يتخيل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام فإذا ~~قلنا زيد أسد يخيل عند ذلك صورة الأسد وهيئته وما عنده من البطش والقوة ودق ~~الفرائس وهذا لا نزاع فيه # وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض ~~الأحوال حتى إنها ليسمح بها البخيل ويشجع بها الجبان ويحكم بها الطائش ~~المتسرع ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر حتى إذا قطع عنه ذلك ~~الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال أو ترك عقوبة أو إقدام على أمر ~~مهول وهذا هو فحوى السحر الحلال المستغني عن إلقاء العصا والحبال # واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يحمل معناه على طريق الحقيقة وعلى ~~طريق المجاز باختلاف لفظه فانظر فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق ~~المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلا على طريق الحقيقة لأنها هي الأصل والمجاز هو ~~الفرع ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلا لفائدة # مثال ذلك قول البحتري # ( مهيب كحد السيف لو ضربت به % ذرى أجإ ظلت وأعلامها وهد ) # ويروى أيضا لو ضربت به طلى أجإ جمع طلية وهي العنق فهذا البيت لا يجوز ~~حمله على المجاز لأن الحقيقة أولى به ألا ترى أن الذرى جمع ذروة وهو أعلى ~~الشيء يقال ذروة الجبل أعلاه والطلى جمع طلية وهي العنق والعنق أعلى الجسد ~~ولا فرق بينهما في صفة العلو هنا فلا يعدل إذا إلى المجاز إذ لا مزية له ~~على الحقيقة # وهكذا كل ما يجيء من الكلام الجاري هذا المجرى فإنه إن لم يكن في ms045 المجاز ~~زيادة فائدة على الحقيقة لا يعدل إليه PageV01P079 # | الفصل الثامن # # | في الفصاحة والبلاغة # اعلم أن هذا باب متعذر على الوالج ومسلك متوعر على الناهج ولم يزل ~~العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه والبحث عنه ولم أجد من ذلك ~~ما يعول عليه إلا القليل # وغاية ما يقال في هذا الباب إن الفصاحة هي الظهور والبيان في أصل الوضع ~~اللغوي يقال أفصح الصبح إذا ظهر ثم إنهم يقفون عند ذلك ولا يكشفون عن السر ~~فيه # وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة لأنه يعترض عليه بوجوه من الاعتراضات # أحدها أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بينا لم يكن فصيحا ثم إذا ظهر وتبين ~~صار فصيحا # الوجه الآخر أنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين فقد صار ذلك ~~بالنسب والإضافات إلى الأشخاص فإن اللفظ قد يكون ظاهرا لزيد ولا يكون ظاهرا ~~لعمرو فهو إذا فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا وليس كذلك بل الفصيح هو فصيح ~~عند الجميع لا خلاف فيه بحال من الأحوال لأنه إذا تحقق حد الفصاحة وعرف ما ~~هي لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف # الوجه الآخر أنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع وهو مع ذلك ظاهر بين ~~ينبغي أن يكون فصيحا وليس كذلك لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ لا وصف قبح # فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل إن اللفظ الفصيح هو الظاهر ~~البين من غير تفصيل PageV01P080 # ولما وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة فيها ولم يثبت ~~عندي منها ما أعول عليه ولكثرة ملابستي هذا الفن ومعاركتي إياه انكشف لي ~~السر فيه وسأوضحه في كتابي هذا وأحقق القول فيه فأقول إن الكلام الفصيح هو ~~الظاهر البين وأعني بالظاهر البين أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في فهمها ~~إلى استخراج من كتاب لغة وإنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة ~~الاستعمال بين أرباب النظم والنثر دائرة في كلامهم وإنما كانت مألوفة ~~الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان ms046 حسنها وذلك أن أرباب ~~النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها وسبروا وقسموا فاختاروا الحسن ~~من الألفاظ فاستعملوه ونفووا القبيح منها فلم يستعملوه فحسن الألفاظ سبب ~~استعمالها دون غيرها واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها فالفصيح إذا ~~من الألفاظ هو الحسن # فإن قيل من أي وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى استعملوه ~~وعلموا القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه # قلت في الجواب إن هذا من الأمور المحسوسة التي شاهدها من نفسها لأن ~~الألفاظ داخلة في حيز الأصوات فالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو الحسن ~~والذي يكرهه وينفر عنه هو القبيح ألا ترى أن السمع يستلذ صوت البلبل من ~~الطير وصوت الشحرور ويميل إليهما ويكره صوت الغراب وينفر عنه وكذلك يكره ~~نهيق الحمار ولا يجد ذلك في صهيل الفرس والألفاظ جارية هذا المجرى فإنه لا ~~خلاف في أن لفظة المزنة والديمة حسنة يستلذها السمع وأن لفظة البعاق قبيحة ~~يكرهها السمع وهذه اللفظات الثلاثة من صفة المطر وهي تدل على معنى واحد ومع ~~هذا فإنك ترى لفظتي المزنة والديمة وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال وترى ~~لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكا لا يستعمل وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل ~~بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير ذوق سليم لا جرم PageV01P081 أنه ذم وقدح ~~فيه ولم يلتفت إليه وإن كان عربيا محضا من الجاهلية الأقدمين فإن حقيقة ~~الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها ولم يعرج على ما خرج عنها # وإذن ثبت أن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين وإنما كان ظاهرا بينا ~~لأنه مألوف الاستعمال وإنما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه وحسنه مدرك ~~بالسمع والذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف ~~فما استلذه السمع منه فهو الحسن وما كرهه فهو القبيح والحسن هو الموصوف ~~بالفصاحة والقبيح غير موصوف بفصاحة لأنه ضدها لمكان قبحه وقد مثلت ذلك في ~~المثال المتقدم بلفظة المزنة والديمة ولفظة البعاق ولو كانت الفصاحة لأمر ~~يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة عليه ms047 سواء ليس منها حسن ~~ومنها قبيح ولما لم يكن كذلك علمنا أنها تخص اللفظ دون المعنى # وليس لقائل ههنا أن يقول لا لفظ إلا بمعنى فكيف فصلت أنت بين اللفظ ~~والمعنى فإن لم أفصل بينهما وإنما خصصت اللفظ بصفة هي له والمعنى يجيء فيه ~~ضمنا وتبعا # الوجه الثاني أن وزن فعيل هو اسم فاعل من فعل بفتح الفاء وضم العين نحو ~~كرم فهو كريم وشرف فهو شريف ولطف فهو لطيف وهذا مطرد في بابه وعلى هذا فإن ~~اللفظ الفصيح هو اسم فاعل من فصح فهو فصيح واللفظ هو الفاعل للإبانة عن ~~المعنى فكانت الفصاحة مختصة به # فإن قيل إنك قلت إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين أي المفهوم ونرى ~~من آيات القرآن ما لا يفهم ما تضمنه من المعنى إلا باستنباط وتفسير وتلك ~~الآيات فصيحة لا محالة وهذا بخلاف ما ذكرته # قلت لأن الآيات التي تستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلا ومفردات ~~ألفاظه كلها ظاهرة واضحة وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من جهة التركيب ~~لا من جهة ألفاظه المفردة لأن معنى المفردة يتداخل بالتركيب ويصير له هيئة ~~تخصه وهذا ليس قدحا في فصاحة تلك الألفاظ لأنها إذا اعتبرت لفظة لفظة وجدت ~~كلها فصيحة أي ظاهرة واضحة PageV01P082 # وأعجب ما في ذلك أن تكون الألفاظ المفرة التي تركبت منها المركبة واضحة ~~كلها وإذا نظر إليها مع التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير وهذا لا يختص به ~~القرآن وحده بل في الأخبار النبوية والأشعار والخطب والمكاتبات كثير من ذلك # وسأورد ههنا منه شيئا فأقول قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ) وهذا الكلام ~~مفهومة مفردات ألفاظه لأن الصوم والفطر والأضحى مفهوم كله وإذا سمع هذا ~~الخبر من غير فكرة قيل علمنا أن صومنا يوم نصوم وفطرنا يوم نفطر وأضحانا ~~يوم نضحي فما الذي أعلمنا به مما لم نعلمه وإذا أمعن الناظر نظره فيه علم ~~أن معناه يحتاج إلى ms048 استنباط والمراد به أن إذا اجتمع الناس على أن أول شهر ~~رمضان يوم كذا ولم يكن ذلك اليوم أوله فإن الصوم صحيح وأوله هو ذلك اليوم ~~الذي اجتمع الناس إليه وكذا يقال في يوم الفطر ويوم الأضحى # ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة تفهم معاني ألفاظها المفردة وإذا ~~تركبت تحتاج في فهمها إلى استنباط # وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول أبي تمام # ( ولهت فأظلم كل شيء دونها % وأضاء منها كل شيء مظلم ) # فإن الوله والظلمة والإضاءة كل ذلك مفهوم المعنى لكن البيت بجملته يحتاج ~~في فهمه إلى استنباط والمراد به أنها ولهت فأظلم ما بيني وبينها لما نالني ~~من الجزع لولهها كما يقول الجازع أظلمت الأرض علي أي أني صرت كالأعمى الذي ~~لا يبصر وأما قوله وأضاء منها كل شيء مظلم أي وضح لي منها ما كان مستترا ~~عني من حبها إياي PageV01P083 # وكذلك ورد قول أبي عبادة البحتري في منهزم # ( إذا سار سهبا عاد ظهرا عدوه % وكان الصديق بكرة ذلك السهب ) # فإن السير والسهب والظهر والعدو والصديق كل ذلك مفهوم المعنى لكن البيت ~~بمجموعه يحتاج معناه إلى استنباط والمراد أن هذا المنهزم يرى ما بين يديه ~~محبوبا إليه وما خلفه مكروها عنده لأنه يطلب النجاة فيؤثر البعد مما خلفه ~~والقرب مما أمامه فإذا قطع سهبا وخلفه وراءه صار عنده كالعدو وقبل أن يقطعه ~~كان له صديقا أي يطلب لقاءه ويحب الدنو منه # فانظر أيها المتأمل إلى ما ذكرته من هذه الأمثلة حتى يثبت عندك ما أردت ~~بيانه # وأما البلاغة فإن أصلها في وضع اللغة من الوصول والانتهاء يقال بلغت ~~المكان إذا انتهيت إليه ومبلغ الشيء منتهاه وسمي الكلام بليغا من ذلك أي ~~أنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية # والبلاغة شاملة للألفاظ والمعاني وهي أخص من الفصاحة كالإنسان من الحيوان ~~فكل إنسان حيوان وليس كل حيوان إنسانا وكذلك يقال كل كلام بليغ فصيح وليس ~~كل كلام فصيح بليغا # ويفرق بينها وبين الفصاحة من وجه آخر غير الخاص والعام وهو أنها ms049 لا تكون ~~PageV01P084 إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب فإن اللفظة الواحدة لا يطلق ~~عليها اسم البلاغة ويطلق عليها اسم الفصاحة إذ يوجد فيها الوصف المختص ~~بالفصاحة وهو الحسن # وأما وصف البلاغة فلا يوجد فيها لخلوها من المعنى المفيد الذي ينتظم ~~كلاما # مسألة تتعلق بهذا الفصل # هل أخذ علم البيان من ضروب الفصاحة والبلاغة بالاستقراء من أشعار العرب ~~أم بالنظر وقضية العقل # الجواب عن ذلك أنا نقول لم يؤخذ علم البيان بالاستقراء فإن العرب الذين ~~ألفوا الشعر والخطب لا يخلو أمرهم من حالين إما أنهم ابتدعوا ما أتوا به من ~~ضروب الفصاحة والبلاغة بالنظر وقضية العقل أو أخذوه بالاستقراء ممن كان ~~قبلهم # فإن كانوا ابتدعوه عند وقوفهم على أسرار اللغة ومعرفة جيدها من رديئها ~~وحسنها من قبيحها فذلك هو الذي أذهب إليه # وإن كانوا أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم فهذا يتسلسل إلى أول من ابتدعه ~~ولم يستقره فإن كل لغة من اللغات لا تخلو من وصفي الفصاحة والبلاغة ~~المختصين بالألفاظ والمعاني إلا أن للغة العربية مزية على غيرها لما فيها ~~من التوسعات التي لا توجد في لغة أخرى سواها # مسألة أخرى تتعلق بهذا الفصل أيضا # هل علم البيان من الفصاحة والبلاغة جار مجرى علم النحو أم لا # الجواب عن ذلك أنا نقول الفرق بينهما ظاهر وذاك أن أقسام النحو أخذت من ~~واضعها بالتقليد حتى لو عكس القضية فيها لجاز له ذلك ولما كان العقل يأباه ~~ولا ينكره فإنه لو جعل الفاعل منصوبا والمفعول مرفوعا قلد في ذلك كما قلد ~~في رفع الفاعل ونصب المفعول وأما علم البيان من الفصاحة والبلاغة فليس كذلك ~~لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل من غير واضع اللغة ولم يفتقر فيه إلى ~~التوقيف PageV01P085 منه بل أخذت ألفاظ ومعان على هيئة مخصوصة وحكم لها ~~العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها فإن كل عارف بأسرار الكلام من ~~أي لغة كانت من اللغات يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة يلذها ~~السمع ولا ينبو عنها الطبع خير من ms050 إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو ~~عنها السمع ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه # فإن قيل لو أخذت أقسام النحو بالتقليد من واضعها لما أقيمت الأدلة عليها ~~وعلم بقضية النظر أن الفاعل يكون مرفوعا والمفعول منصوبا # فالجواب عن ذلك أنا نقول هذه الأدلة واهية لا تثبت على محك الجدل فإن ~~هؤلاء الذين تصدوا لإقامتها سمعوا عن واضع اللغة رفع الفاعل ونصب المفعول ~~من غير دليل أبداه لهم فاستخرجوا لذلك أدلة وعللا وإلا فمن أين علم هؤلاء ~~أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي التي ذكروها ~~PageV01P086 # | الفصل التاسع # # | في أركان الكتابة # اعلم أن للكتابة شرائط وأركانا # أما شرائطها فكثيرة وهذا التأليف موضوع لمجموعها وللقسم الآخر من الكلام ~~المنظوم وليس يلزم الكاتب أن يأتي بالجميع في كتاب واحد بل يأتي بكل نوع من ~~أنواعها في موضعه الذي يليق به كما أريناه فيما يأتي من هذا التأليف # وأما الأركان التي لا بد من إيداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فخمسة # الأول أن يكون مطلع الكتاب عليه جدة ورشاقة فإن الكاتب من أجاد المطلع ~~والمقطع أو يكون مبنيا على مقصد الكتاب ولهذا باب يسمى باب المبادي ~~والافتتاحات فليحذ حذوه وهذا الركن يشترك فيه الكاتب والشاعر # الركن الثاني أن يكون الدعاء المودع في صدر الكتاب مشتقا من المعنى الذي ~~بني عليه الكتاب # وقد نبهنا على طرف من ذلك في باب يخصه أيضا فليطلب من هناك وهو مما يدل ~~على حذاقة الكاتب وفطانته وكثيرا ما تجده في مكاتباتي التي أنشأتها فإني ~~قصدته فيها وتوخيته بخلاف غيري من الكتاب لأنه ربما يوجد في كتابة غيري ~~قليلا وتجده في كتابتي كثيرا # الركن الثالث أن يكون خروج الكاتب من معنى إلى معنى برابطة لتكون رقاب ~~المعاني آخذة بعضها ببعض ولا تكون مقتضبة ولذلك باب مفرد أيضا يسمى باب ~~التخلص والاقتضاب وهذا الركن أيضا يشترك فيه الكاتب والشاعر # الركن الرابع أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال ولا ~~PageV01P087 أريد بذلك أن تكون ms051 ألفاظا غريبة فإن ذلك عيب فاحش بل أريد أن ~~تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكا غريبا يظن السامع أنها غير ما في أيدي ~~الناس وهي مما في أيدي الناس وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيه الخواطر ~~براعتها والأقلام شجاعتها كما قال البحتري # ( باللفظ يقرب فهمه في بعده % عنا ويبعد نيله في قربه ) # وهذا الموضع بعيد المنال كثير الإشكال يحتاج إلى لطف ذوق وشهامة خاطر وهو ~~شبيه بالشيء الذي يقال إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم فلفظه هو الذي ~~يستعمل وليس بالذي يستعمل أي أن مفردات ألفاظه هي المستعملة المألوفة ولكن ~~سبكه وتركيبه هو الغريب العجيب # وإذا سموت أيها الكاتب إلى هذه الدرجة واستطعمت طعم هذا الكلام المشار ~~إليه علمت حينئذ أنه كالروح الساكنة في بدنك التي قال الله فيها @QB@ قل ~~الروح من أمر ربي @QE@ وليس كل خاطر براق إلى هذه الدرجة ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # ومع هذا فلا تظن أيها الناظر في كاتبي أني أردت بهذا القول إهمال جانب ~~المعاني بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة ولا تكون تحته من ~~المعنى ما يماثله ويساويه فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في حسنها ~~إلا أن صاحبها بليد أبله والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها جسما ~~لمعنى شريف على أن تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه أيسر من ~~تحصيل الألفاظ المشار إليها # ويحكى عن المبرد رحمه الله تعالى أنه قال ليس أحد في زماني إلا وهو ~~يسألني عن مشكل من معاني القرآن أو مشكل من معاني الحديث النبوي أو غير ~~PageV01P088 ذلك من مشكلات علم العربية فأنا إمام الناس في زماني هذا وإذا ~~عرضت لي حاجة إلى بعض إخواني وأردت أن أكتب إليه شيئا في أمرها أحجم عن ذلك ~~لأني أرتب المعنى ثم أحاول أن أصوغه بألفاظ مرضية فلا أستطيع ذلك # ولقد صدق في قوله هذا وأنصف غاية الإنصاف # ولقد رأيت كثيرا من الجهال الذين هم من السوقة أرباب الحرف والصنائع ms052 وما ~~منهم إلا من يقع له المعنى الشريف ويظهر من خاطره المعنى الدقيق ولكنه لا ~~يحسن أن يزاوج بين لفظتين # فالعبارة عن المعاني هي التي تخلب بها العقول وعلى هذا فالناس كلهم ~~مشتركون في استخراج المعاني فإنه لا يمنع الجاهل الذي لا يعرف علما من ~~العلوم أن يكون ذكيا بالفطرة واستخراج المعاني إنما هو بالذكاء لا بتعلم ~~العلم # وبلغني أن قوما ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على ~~الحارات وينادون بالسحور ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر وإن لم ~~يكن من بحار الشعر المنقولة عن العرب وسمعت شيئا منه فوجدت فيه معاني حسنة ~~مليحة ومعاني غريبة وإن لم تكن الألفاظ التي صيغت به فصيحة # وهذا الركن أيضا يشترك فيه الكاتب والشاعر # الركن الخامس أن لا يخلو الكتاب من معنى من معاني القرآن الكريم والأخبار ~~النبوية فإنها معدن الفصاحة والبلاغة وإيراد ذلك على الوجه الذي أشرت إليه ~~في الفصل الذي يلي هذا الفصل من حل معاني القرآن الكريم والأخبار النبوية ~~أحسن من إيراده على وجه التضمين وتوخي ذلك في كل كتاب عسر جدا وأنا انفردت ~~بذلك دون غيري من الكتاب فإني استعملته في كل كتاب حتى إنه ليأتي في الكتاب ~~الواحد في عدة مواضع منه ولقد أنشأت تقليدا لبعض الملوك مما يكتب من ديوان ~~الخلافة ثم إني اعتبرت ما ورد فيه من معاني الآيات والأخبار PageV01P089 ~~النبوية فكان ما يزيد على الخمسين وهذا لا أتكلفه تكلفا وإنما يأتي على حسب ~~ما يقتضيه الموضع الذي يذكر فيه وقد عرفتك أيها الكاتب كيف تستعمل ما ~~تستعمله من ذلك في الفصل الذي يأتي بعد هذا الفصل فخذه من هناك # وهذا الركن يختص بالكاتب دون الشاعر لأن الشاعر لا يلزمه ذلك إذ الشعر ~~أكثره مدائح وأيضا فإنه لا يتمكن من صوغ معاني القرآن والأخبار في المنظوم ~~كما يتمكن منه في المنثور ولربما أمكن ذلك في الشيء اليسير في بعض الأحيان # وإذا استكملت معرفة هذه الأركان الخمسة وأتيت بها في كل كتاب ms053 بلاغي ذي ~~شأن فقد استحققت حينئذ فضيلة التقدم ووجب لك أن تسمي نفسك كاتبا ~~PageV01P090 # | الفصل العاشر # # | في الطريق إلى تعلم الكتابة # هذا الفصل هو كنز الكتابة ومنبعها وما رأيت أحدا تكلم فيه بشيء ولما حببت ~~إلي هذه الفضيلة وبلغني الله منها ما بلغني وجدت الطريق ينقسم فيها إلى ~~ثلاث شعب # الأولى أن يتصفح الكاتب كتابة المتقدمين ويطلع على أوضاعهم في استعمال ~~الألفاظ والمعاني ثم يحذو حذوهم وهذه أدنى الطبقات عندي # الثانية أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنة إما في ~~تحسين ألفاظ أو في تحسين معان وهذه هي الطبقة الوسطى وهي أعلى من التي ~~قبلها # الثالثة أن لا يتصفح كتابة المتقدمين ولا يطلع على شيء منها بل يصرف همه ~~إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية وعدة من دواوين فحول ~~الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ ثم يأخذ في الاقتباس ~~من هذه الثلاثة أعني القرآن والأخبار النبوية والأشعار فيقوم ويقع ويخطئ ~~ويصيب ويضل ويهتدي حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه وأخلق بتلك الطريق ~~أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها وهذه الطريق هي طريق ~~الاجتهاد وصاحبها يعد إماما في فن الكتابة كما يعد الشافعي وأبو حنيفة ~~ومالك رضي الله تعالى عنهم وغيرهم من الأئمة المجتهدين في علم الفقه إلا ~~أنها مستوعرة جدا ولا يستطيعها إلا من رزقه الله تعالى لسانا هجاما وخاطرا ~~رقاما وقد سهلت لك صعابها وذللت محاجها وكنت أشح بإظهار ذلك لما عانيت ~~PageV01P091 في نيله من العناء فإني سلكت إليه كل طريق حتى بلغته آخرا ~~وإنما تكون نفاسة الأشياء لعزة حصولها ومشقة وصولها # ( ليس حلوا وجودك الشيء تبغيه % طلابا حتى يعز طلابه ) # ولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها وأظفرتني بكنوز جواهرها إذ ~~لم يظفر غيري بأحجارها فما وجدت أعون الأشياء عليها إلا حل آيات القرآن ~~الكريم والأخبار النبوية وحل الأبيات الشعرية وقد قصرت هذا الفصل على ذكر ~~وجوهها وتقسيمها وتمهيد الطريق إلى تعليمها فمن وقف على ms054 ما ذكرته علم أني ~~لم آت بشيئا فريا وأن الله قد جعل تحت خواطري من بنات الأفكار سريا وهذه ~~الطريق يجهلها كثير من متعاطي هذه الصناعة والذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي ~~والأطراف ويقنع من لآلئها بمعرفة ما في الأصداف ولو استخرج منها ما استخرجت ~~واستنتج ما استنتجت لهام بها في كل واد وتزود إلى سلوك طرقها كل زاد # ( لو يسمعون كما سمعت كلامها % خروا لعزة ركعا وسجودا ) # ولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطا في كتابته بما يستخرجه من ~~القرآن الكريم والأخبار النبوية والشعر بحيث إنه لا ينشئ كتابا إلا من ذلك ~~بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم وأكثر من حفظ الأخبار النبوية والأشعار ~~ثم نقب عن ذلك تنقيب مطلع على معانيه مفتش عن دفائنه وقلبه ظهرا لبطن عرف ~~PageV01P092 حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه واستعان ~~بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية ألا ترى أن صاحب الاجتهاد من الفقهاء يفتقر ~~إلى معرفة آيات الأحكام وأخبار الأحكام وإلى معرفة الناسخ والمنسوخ من ~~الكتاب والسنة وإلى معرفة علم العربية وإلى معرفة الفرائض والحساب من ~~المعلوم والمجهول من أجل مسائل الدور والوصايا وغيرها وإلى معرفة إجماع ~~الصحابة فهذه أدوات الاجتهاد فإذا عرفها استخرج بفكرته حينئذ ما يؤديه إليه ~~اجتهاده كما فعل أبو حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم من أئمة الاجتهاد وكذلك ~~يجري الحكم في الكتاب إذا أحب الترقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة فإنه ~~يحتاج إلى أشياء كثيرة قد ذكرتها في صدر كتابي هذا إلا أن رأسها وعمودها ~~وذروة سنامها ثلاثة أشياء هي حفظ القرآن الكريم والإكثار من حفظ الأخبار ~~النبوية والأشعار # وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فأول ما أبدأ به على عقب ذلك أن ~~أقول # حل الأبيات الشعرية ينقسم إلى ثلاثة أقسام # الأول منها وهو أدناها مرتبة أن يأخذ الناثر بيتا من الشعر فينثره بلفظه ~~من غير زيادة وهذا عيب فاحش ومثاله كمن أخذ عقدا قد أتقن نظمه وأحسن تأليفه ~~فأوهاه وبدده وكان يقوم عذره في ذلك ms055 أن لو نقله عن كونه عقدا إلى صورة أخرى ~~مثله أو أحسن منه وأيضا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة ~~فيقال هذا شعر فلان بعينه لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء وقد سلك هذا ~~المسلك بعض العراقيين فجاء مستهجنا لا مستحسنا # كقوله في بعض أبيات الحماسة # ( وألد ذي حنق علي كأنما % تغلي عداوة صدره في مرجل ) # ( أرجيته عني فأبصر قصده % وكويته فوق النواظر من عل ) # فقال في نثر هذين البيتين فكم لقي ألد ذي حنق كأنه ينظر إلى الكواكب من ~~عل وتغلي عداوة صدره في مرجل فكواه فوق ناظريه وأكبه لفمه ويديه # فلم يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن وطلاوة النظم لا غير ~~PageV01P093 # ومن هذا القسم ضرب محمود لا عيب فيه وهو أن يكون البيت من الشعر قد تضمن ~~شيئا لا يمكن تغيير لفظه فحينئذ يعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ ومثاله قول ~~الشاعر في أول الحماسة # ( لو كنت من مازن لم تستبح إبلي % بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا ) # وقد نثرت ذلك فقلت لست ممن تستبيح إبله بنو اللقيطة ولا الذي إذا هم بأمر ~~كانت الآمال إليه وسيطة ولكني أحمل الهمل وأقرب الأمل وأقول سبق السيف ~~العذل فذكر بني اللقيطة ههنا لا بد منه على حسب ما ذكره الشاعر وكذلك ~~الأمثال السائرة فإنه لا بد من ذكرها على ما جاءت في الشعر # وأما القسم الثاني وهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة وهو أن ينثر ~~المعنى المنظوم ببعض ألفاظه ويعزم عن البعض بألفاظ أخر وهناك تظهر الصنعة ~~في المماثلة والمشابهة ومؤاخاة الألفاظ الباقية بالألفاظ المرتجلة فإنه إذا ~~أخذ لفظا لشاعر مجيد قد نقحه وصححه فقرنه بما لا يلائمه كان كمن جمع بين ~~لؤلؤة وحصاة ولا خفاء بما في ذلك من الانتصاب للقدح والاستهداف للطعن # والطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض بيت من الأبيات الشعرية هو ~~أحسن ما فيه ثم تماثله # وسأورد ههنا مثالا واحدا ليكون قدوة للمتعلم فأقول # قد ورد هذا ms056 البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له # ( حذاء تملأ كل أذن حكمة % وبلاغة وتدر كل وريد ) PageV01P094 # فقوله تملأ كل أذن حكمة من الكلام الحسن وهو أحسن ما في البيت فإذا أردت ~~أن تنثر هذا المعنى فلا بد من استعمال لفظه بعينه لأنه في الغاية القصوى من ~~الفصاحة والبلاغة فعليك حينئذ أن تؤاخذه بمثله وهذا عسر جدا وهو عندي أصعب ~~منالا من ناثر الشعر بغير لفظه لأنه مسلك مضيق لما فيه من التعرض لمماثلة ~~ما هو في غاية الحسن والجودة وأما نثر الشعر بغير لفظة فذلك يتصرف فيه ~~ناثره على حسب ما يراه ولا يكون مقيدا فيه بمثال يضطر إلى مؤاخاته # وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها وأتيت بها في جملة كتاب فقلت وكلامي ~~قد عرف بين الناس واشتهر وفاق مسير الشمس والقمر وإذا عوف الكلام صارت ~~المعرفة له علامة وأمن من سرقته إذ لو سرق لدلت عليه الوسامة ومن خصائص ~~صفاته أن يملأ كل أذن حكمة ويجعل فصاحة كل لسان عجمة وإذا جرت نفثاته في ~~الأفهام قالت أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة # فانظر كيف فعلت في هذا الموضع فإني لما أخذت تلك الكلمات من البيت الشعري ~~التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها فجئت بهذا الفصل كما تراه ~~وكذلك ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله # وأما القسم الثالث وهو أعلى من القسمين الأولين فهو أن يؤخذ المعنى فيصاغ ~~بألفاظ غير ألفاظه وثم يتبين حذق الصائغ في صياغته ويعلم مقدار تصرفه في ~~صناعته فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك الدرجة العالية وإلا أحسن ~~التصرف وأتقن التأليف ليكون أولى بذلك المعنى من صاحبه الأول # واعلم أن من أبيات الشعر ما يتسع المجال لناثره فيورده بضروب من العبارات ~~وذلك عندي شبيه بالمسائل السيالة في الحساب التي يجاب عنها بعدة من الأجوبة ~~ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى يكاد الماهر في هذه الصناعة ألا يخرج ~~عن ذلك اللفظ وإنما يكون هذا لعدم النظير # فأما ما يتسع المجال في ms057 نثره فكقول أبي الطيب المتنبي PageV01P095 # ( لا تعذل المشتاق في أشواقه % حتى يكون حشاك في أحشائه ) # وقد نثرت هذا المعنى فمن ذلك قولي لا تعذل المحب فيما يهواه حتى تطوي ~~القلب على ما طواه ومن ذلك وجه آخر وهو إذا اختلفت العينان في النظر فالعذل ~~ضرب من الهذر # ومن هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي أيضا # ( إن القتيل مضرجا بدموعه % مثل القتيل مضرجا بدمائه ) # أخذت هذا المعنى فنثرته فمن ذلك قولي القتيل بسيف العيون كالقتيل بسيف ~~المنون غير أن ذلك لا يجرد من غمده ولا يقاد صاحبه بعمده فزدت على المعنى ~~الذي تضمنه البيت وغيرت اللفظ ومن ذلك وجه آخر وهو دمع المحب ودم القتيل ~~متفقان في التشبيه والتمثيل ولا تجد بينهما بونا إلا أنهما يختلفان لونا # وهذا أحسن من الأول # وأما ما يضيق فيه المجال فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه فكقول أبي تمام # ( تردى ثياب الموت حمرا فما أتى % لها الليل إلا وهي من سندس خضر ) ~~PageV01P096 # وقول أبي الطيب المتنبي # ( وكان بها مثل الجنون فأصبحت % ومن جثث القتلى عليها تمائم ) # وأمثال هذا لا تأتي إلا قليلا وسببه أن المعنى ينحصر في مقصد من المقاصد ~~حتى لا يكاد يأتي إلا قدا كهذين البيتين ألا ترى أن أبا تمام قصد المؤاخاة ~~في ذكر لوني الثياب من الأحمر والأخضر وجاء ذلك واقعا على المعنى الذي ~~أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة فإذا فك نظم هذا البيت وأريد صوغه ~~بغير لفظه لا يمكن ذلك وبيت أبي الطيب جار هذا المجرى فإنه بناه على واقعة ~~من الوقائع وذاك أن حصنا من حصون سيف الدولة قصده الروم وانتزعوه وأخربوه ~~فنهد سيف الدولة إليه واسترجعه وجدد بناءه وهزم الروم ونصب من جثث القتلى ~~على السور فنظم المتنبي في هذا قصيدا أوله # ( على قدر أهل العزم تأتي العزائم % ) # فلما انتهى إلى ذكر الحصن جاء بهذا البيت في جملة أبيات فشرح صورة الحال ~~في إزعاج الحصن بالقتال وتعليق القتلى عليه وأبرز ذلك في معنى التمثيل ~~بالجنون والتمائم وهذا ms058 لا يمكن تبديل لفظه وهو وأمثاله مما يجب على الناثر ~~أن يحسن الصنعة في فك نظامه أنه لأنه يتصدى يتصدى لنثره بألفاظه فإن كان ~~عنده قوة تصرف وبسطة عبارة فإنه يأتي به حسنا رائقا # وقد نثرت هذين البيتين أما بيت أبي تمام فإني قلت في نثره لم تكسه ~~المنايا نسج شفارها حتى كسته الجنة نسج شعارها فبدل أحمر ثوبه بأخضره وكأس ~~حمامه بكأس كوثره وهذا من الحسن على غاية يكون كمد حسودها من جملة شهودها ~~وأما بيت أبي الطيب المتنبي فإني قلت في نثره سرى إلى حصن PageV01P097 كذا ~~مستعيدا منه سبية نزعها العدو اختلاسا وأخذها مخادعة لا افتراسا فما نزلها ~~حتى استقادها ولا نزلها حتى استعادها وكأنما كان بها جنون فبعث لها من ~~عزائمه عزائم وعلق عليها من رءوس القتلى تمائم # وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به فمن شاء أن ينثر شعرا فلينثر هكذا وإلا ~~فليترك # وقد جئت بهذا المعنى على وجه آخر وأبرزته في صورة أخرى وذاك أني أضفت إلى ~~هذا البيت البيت الذي قبله وهو # ( بناها فأعلى والقنا تقرع القنا % وموج المنايا حولها متلاطم ) # ولما نثرت هذين البيتين قلت في نثرهما ما أذكره وهو # بناها والأسنة في بنائها متخاصمة وأمواج المنايا فوق أيدي البانين ~~متلاطمة وما أحلت الحرب عنها حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد وأصيبت بمثل ~~الجنون فعلقت عليها تمائم من الرءوس والأجساد ولا شك أن الحرب تعرد عمن عز ~~جانبه وتقول ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه # وهذا أحسن من الأول وأتم معنى # وقد تصرفت في هذا الموضع بزيادة في معناه ونثرته على أسلوب أحسن من هذا ~~الأسلوب فقلت بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل وطوفان المنايا الذي لا يقال ~~سآوي منه إلى جبل ولم يكن بناؤها إلا بعد أن هدمت رءوس عن أعناق وكأنما ~~أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم أو شينت بعطل فعلقت مكان ~~الأطواق PageV01P098 # وهذا الفصل فيه زيادة على الفصل الذي قبله # وإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر ms059 الشعر وكيفية نثره ~~وذكر ما يسهل منه وما يعسر فلنتبع ذلك بقول كلي في هذا الباب فنقول # من أحب أن يكون كاتبا أو كان عنده طبع مجيب فعليه بحفظ الدواوين ذوات ~~العدد ولا يقنع بالقليل من ذلك ثم يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته وطريقه أن ~~يبتدئ فيأخذ قصيدا من القصائد فينثره بيتا بيتا على التوالي ولا يستنكف في ~~الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه أو بأكثرها فإنه لا يستطيع إلا ذلك وإذا ~~مرنت نفسه وتدرب خاطره ارتفع عن هذه الدرجة وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة ~~من عنده ثم يرتفع عن ذلك حتى يكسوه ضروبا من العبارات المختلفة وحينئذ يحصل ~~لخاطره بمباشرة المعاني لقاح فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني وسبيله أن ~~يكثر الإدمان ليلا ونهارا ولا يزال على ذلك مدة طويلة حتى يصير له ملكة ~~فإذا كتب كتابا أو خطب خطبة تدفقت المعاني في أثناء كلامه وجاءت ألفاظه ~~معسولة لا مغسولة وكان عليها حدة حتى تكاد ترقص رقصا وهذا شيء خبرته ~~بالتجربة ولا ينبئك مثل خبير # فإن قيل الكلام قسمان منظوم ومنثور فلم حضضت على حفظ المنظوم وجعلته مادة ~~للمنثور وهلا كان الأمر بالعكس # قلت في الجواب إن الأشعار أكثر والمعاني فيها أغزر وسبب ذلك أن العرب ~~الذين هم أصل الفصاحة جل كلامهم شعر ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلا ~~يسيرا ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم بل المنقول عنهم هو الشعر فأودعوا أشعارهم ~~كل المعاني كما قال الله تعالى @QB@ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون @QE@ ثم ~~جاء الطراز الأول من المخضرمين فلم يكن لهم إلا الشعر ثم استمرت الحال على ~~ذلك فكان الشعر هو الأكثر والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة من بحر ولهذا ~~صارت المعاني كلها مودعة في الأشعار وحيث كانت بهذه الصورة فكان حثي على ~~حفظها واستعمال معانيها في الخطب والمكاتبات لهذا السبب PageV01P099 # وقد نثرت في هذا الموضع أبياتا تكون قدوة للمتعلم # فمن ذلك قولي في فصل من فصول الكلام يتضمن ذكر السيادة وهو الشريف من ms060 شرف ~~بنفسه لا بما دفن مع أبيه في رمسه فإن تلك مكارم أتت فتجمل الزمان بمأتاها ~~ثم مات أربابها فدفنت مع موتاها ولو ساد الناس بآبائهم لكانت السيادة ~~للطينة الأولى ولقد خلق الأبناء من الآباء مجبولا وهذا المعنى مأخوذ من قول ~~الشاعر # ( وما الفخر بالعظم الرميم وإنما % فخار الذي يبغي الفخار بنفسه ) # غير أن الفصل الذي ذكرته يتضمن من المعنى زيادة على ما تضمنه هذا البيت # ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب يتضمن معاتبة أخ لإخوته وتنصله إليهم ~~فقلت جرحوا قلبي وحبهم يذهب بألم الجراحة وطرفوا عيني وهم يزيدون في نظرها ~~ملاحة وإذا صدرت الإساءة عن الأحباب لم يكن وقرها وقرا وأصبحت وهي منسية ~~إذا تجددت الإساءة بالذكرى وما منهم إلا من سيط دمي بدمه ولحمي بلحمه ولو ~~أن الأسماء معارف الأشخاص لكان اسمي واردا على اسمه وكيف أخشن عليهم وقد ~~جبلني الله لهم على اللين أم كيف أذود النفس عنهم وهي مشتقة منهم وآدم بين ~~الماء والطين ومتى أؤمل من شجرتي أغصانا كهذه الأغصان وقد أصيبت جرثومتها ~~بالجداد ولهذا قيل إن الإخوة يتعذر الاعتياض عنهم ولا يتعذر الاعتياض عن ~~الأولاد # آخر هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي وهو قوله # ( تعزيت عمن أثمرتك حياته % ووشك التعزي عن ثمارك أجدر ) # ( تعذر أن نعتاض عن أمهاتنا % وأبنائنا والنسل لا يتعذر ) # غير أن ابن الرومي ذكر ذلك في تعزية إنسان بابنه فتصرفت أنا في هذا ~~المعنى ونقلته إلى هذا الفصل في تضمنه معاتبه أخ لإخوته PageV01P100 # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن ذم المشيب فقلت والعيش كل العيش ~~في سن الحداثة وما يأتي بعدها فلا يدعى إلا بسن الغثاثة وليس بعد الأربعين ~~من مصيف للذة ولا مربع وهي نهاية القوة الصالحة من الطبائع الأربع فإذا ~~تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على خرصها وصارت زيادته كزيادة التصغير التي ~~هي زيادة تدل على نقصها وأصبح بعد ذلك يدعى أبا بعد أن كان يدعى ابنا وتقمص ~~ثوبا من المشيب لا يجر ms061 ثوبه خيلاء ولا يزهى به حسنا وإن قيل إن أحسن الثياب ~~شعار البياض قيل إلا هذا الثوب فإنه مستثنى ويكفيه من الفظاظة أن ينظر ~~الأحباب إليه نظر القتال ولولا أن الخمود بعده لما استعير له لفظة الاشتمال ~~ومن الناس من يدلس لونه بصبغة الخضاب وليس ذلك إلا حدادا على فقد الشباب ~~وهو في فعله هذا كاذب ولا يخفى أنس الصادق من وحشة الكذاب وخداع النفس أن ~~تسلو عن بئره المعطلة وقصره المشيد ويحسن لها الخروج في ثوب مرقع وهي تراه ~~بعين الثوب الجديد # وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي وهو قوله # ( رأيت خضاب المرء بعد مشيبه % حدادا على شرخ الشبيبة يلبس ) # غير أن في هذا الفصل معاني كثيرة لطيفة لا توجد في كلام آخر # ومن ذلك قولي في وصف الجود والسخاء وهذا الفصل يشتمل على معان متعددة ~~فمنها قولي في العطاء وهو شافهتني أسباب الغنى برؤيته حتى كادت تنطق واخضرت ~~أكنان منزلي بعطائه حتى كادت تورق ومن فضيلة بره أنه لا يأتي به على أعين ~~الناس وإذا غرسه عند إنسان رب ذلك الغراس فلا يستكثر ما جادت به سحاب يده ~~ولا يمنعه عطاء يومه عن عطاء غده # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس # ( كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا % لم يهدموا لبنائهم أسسا ) # ومن هذا المعنى أيضا قولي وهو أخذ المكارم من سمائها وأرضها وقام بنفلها ~~في الناس وفرضها وتحلى ببعض أسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدا PageV01P101 ~~لبعضها فالمحرم للعائذ بحرمة وصفر للطامع في سعادة قدمه وربيع لرائد نواله ~~ورجب لأقوال عذاله # وهذا مأخوذ من قول الفرزدق # ( يداك بد ربيع الناس فيها % وفي الأخرى الشهور من المحرم ) # وقد قال الشعراء في ذلك كثيرا إلا أني أنا تصرفت في هذا المعنى تصرفا لم ~~يتصرف فيه أحد غيري # ومن هذا المعنى ما ذكرته في فصل من كتاب وهو ولقد سوى بين أعدائه في ~~البغض وبين أمواله فهذه معنية بوقع نصاله وهذه معنية بصنائع نواله ولو أحب ~~المال لكان أحبه ms062 إليه ما يبذله كما أن أحب الناس إليه منح يسأله ومن أحسن ~~ما سنه من الكرم أنه جاد حتى بدل رغب العافين زهدا ورأى الحمد عوضا من ~~الصنيعة فأبى أن يعتاض من صنائعه حمدا # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس وهو # ( ليت أعدائي كانوا % لأبي إسحاق مالا ) # ومن ذلك قولي في وصف القتال وموطن الحرب ووصف الشجاعة والأنجاد وما يتعلق ~~بذلك ويجري معه وهذا الفصل يشتمل على معاني مختلفة # فمن ذلك ما ذكرته في وصف العسكر وهو فسرنا في غمامة من الكتائب تظلها ~~غمامة من الطيور الأشائب فهذه يضمها بحر من حديد وهذه يضمها بر من صعيد وما ~~مرت ببلد إلا أزالت أرضه من سمائه وألبست نهاره ثوب ظلمائه PageV01P102 ~~وبدلت أحراره بعبيده وحرائره بإمائه وكذلك فعلت بمدينة فلانة وقد ضرب الأمن ~~عليها أسوارا وبعد عهدها بالنوائب فلم تدخل لها ديارا فهي تخبر عن بلهنية ~~الخفض ولم ترع عنه بالانتقال ولا رأت السيف وقد ألقى لونه في ذوائب الأطفال ~~فما شعر أهلها إلا وقد رجمها الجيش بكاهله ورماها بوابله قبل طله وطل ~~السحاب قبل وابله وبرزت خيل القوم ولها زي فرسانها وهي مستبقة إلى طرادها ~~كاستباقها إلى ميدانها إلا من تتأود القناة من يده بين لهذمين وتستقل السرج ~~منه ومن جواده بين مطهمين فجرت المغاوير إلى المغاوير وتلاقت الرياح ~~بالأعاصير وكان الطعن بينهم عناقا واللبث وفاقا وسبق ألم الموت ألم الجراح ~~ونفذت غير مخضبة لسرعتها أسنة الرماح وحصل القوم في القبضة وذقوا عقبى ~~النهضة وجيء بالأسرى مقرنين في الأصفاد موقنين أن رءوسهم عواري على تلك ~~الأجساد ولو استطاع رأس أحدهم أن ينكر عنقه لأنكره ولا يود وهو المعظم أن ~~يقال ما أعظمه بل يقال ما أحقره وتصرفت أيدي المسلمين في القتل والنهاب ~~وكان للسيف رقاب وللسبي رقاب # في هذا الفصل معان كثيرة مستحسنة ومنها ما أخذ من شعر المتنبي كقوله # ( سحاب من العقبان ترجف تحتها % سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه ) # وكقوله # ( واستعار الحديد لونا وألقى % لونه في ذوائب الأطفال ms063 ) PageV01P103 # ومن ذلك ما ذكرته في وصف المسلوبين في فصل من جملة كتاب يتضمن البشرى ~~بهزيمة الكفار وهو فسلبوا وعاضتهم الدماء عن اللباس فهم في صورة عار وزيهم ~~زي كاس وما أسرع ما خيط لهم لبساها المحمر غير أنه لم يجب عليهم ولم يزر ~~وما لبسوه حتى لبس الإسلام شعار النصر الباقي على الدهر وهو شعار نسجه ~~السنان الخارق لا الصنع الحاذق ولم يغب عن لابسه إلا ريثما غابت البيض في ~~الطلى والهام وألف الطعن بين ألف الخط واللام # وهذه معان حسنة رائقة ومنها معنى واحد مأخوذ من شعر البحتري وهو # ( سلبوا وأشرقت الدماء عليهم % محمرة فكأنهم لم يسلبوا ) # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن فتحا وهو أصدر هذا الكتاب والفتح غض ~~طري لم تنصل حمرة يومه ولا أغمدت سيوف قومه فسطوره متربة بمثار عجاجه ~~ممتلئة بخط ضربه وإعجام زجاجه # وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام # ( كتبت أوجههم مشقا ونمنمة % ضربا وطعنا يقات الهام والصلفا ) # ( كتابة ما تني مقروءة أبدا % وما خططت بها لاما ولا ألفا ) # إن أن أبا تمام مثل أثار الضرب والطعان في الوجوه بالكتابة وأما مثلت ~~الكتابة PageV01P104 وإعجامه بالضرب والطعن فكأنني عكست المعنى الذي ذكره ~~أبو تمام وهذا مقصد في حل الأبيات الشعرية حسن فإن استخراج المعنى من عكسه ~~أدق من استخراجه من نفسه وقد نبهت على ذلك في مواضع أخر من هذا الباب # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن فتحا من فتوح الكفار وهو وأقبلت ~~أحزاب الكفر وهي معتصمة بصليبها ورفعته على أعواد عالية كهيئة خطيبها ولم ~~تعلم أن الله كتب عليه الهوان بعد تلك الكرامة وأنه ذو شعب أربع والتربيع ~~نحس في حكم النجامة وكيف ترجو بكفرها ظهورا ولها منه معنى الاختفاء ~~وللإسلام معنى السلامة ولما التقى الجمعان اصطفقت يمين وشمال وزحفت جبال ~~إلى جبال وكثرت النفوس على المنايا حتى كادت لا تفي بالآجال وأقدمت الخيل ~~إقدام فرسانها وأظلم النقع فلا تبصر إلا بآذانها ونالت النحور ثأرها من ~~كعوب الرماح ms064 واشتكت الأسنة فلا طريق بينها لمهب الرياح واستؤصلت شجرة ~~الكافرين بالقطع لا بالجداد وحال حد السيف دون حديد الأصفاد ونقلوا إلى ~~جهنم يصلونها وبئس المهاد وانقلب المسلمون وقد ملئوا الأغماد نصرا والصحائف ~~أجرا والأيدي وقرا والقلوب جذلا والألسنة شكرا وكان ذلك اليوم في الأيام ~~علما وفي الأقسام قسما ولم يره الزمان منسوبا إليه إلا راجع شبابا بعد أن ~~ناهز هرما # في هذا الفصل شيء من معاني الشعر وذلك من قول أبي الطيب المتنبي ~~PageV01P105 # ( أتاهم بأوسع من أرضهم % طوال السبيب قصار العسب ) # ( تغيب الشواهق في جيشه % وتبدو صغارا إذا لم تغب ) # ( ولا تعبر الريح في جوه % إذا لم تخط القنا أو تثب ) # ومن قوله أيضا # ( في جحفل ستر العيون غباره % فكأنما يبصرن بالآذان ) # ومن ذلك ما ذكرته في الإنجاد وإجابة الصريخ وهو إذا استصرخ بعزم غذته ~~صحبة الجيش عن لذة العيش فهو يستعذب حر الثغور على برد الثغور ويلهو بالبيض ~~الذكور عن بيض الخدور ولا طيب عنده إلا ريح PageV01P106 العجاج # ولا عناق إلا أطراف الزجاج ولا أرب له في الرقاد إلا على صهوات الجياد ~~فعسكر قلبه أمضى في الوغى من عسكر ونجدة بأسه تأبى لقاء الأقران في درع أو ~~مغفر # وهذه المعاني مأخوذة من أبيات الحماسة ومن شعر مسلم بن الوليد # ومن ذلك ما ذكرته في وصف المخبر دون المنظر وهو إذا سموت لأمر فكن واحدا ~~في مكانك ولا ترض بكثرة الشركاء فيقال فلان من أقرانك ألم تر إلى الحرباء ~~الذي هو دويبة حقيرة الشأن ضعيفة الأركان فإنه ارتفع في هواه عن الأرض ~~وأنسها إلى السماء وشمسها وقال لا أحب من تفسد الأيام من حسنه ولا من أحد ~~بسمة خله ولا خدنه والهمم ليست منوطة بجهارة المناظر والتعويل على الخبر ~~المستتر في الأفئدة الباطنة لا على الظواهر ومن ههنا قيل إن وضاءة النفوس ~~أنضر من وضاءة الأجساد ورقم الشيم أحسن من رقم الأبراد # وآخر هذا الفصل ينظر إلى قوم سحيم عبد بني الحسحاس # ( إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما % أو أسود ms065 اللون إني أبيض الخلق ) # إلا أن الفصل يتضمن معنى غريبا لم يسبقني إليه أحد # ومن ذلك ما ذكرته في الحسد في فصل من كتاب وهو حاسد سيدنا ينظر إلى زهرة ~~دنياه ولا ينظر إلى استحقاقه وهو كالناظر إلى الأطواق الموضوعة في الحيد ~~ولا يدري أن الجيد أحسن من أطواقه ولو قاس الدنيا بالاستحقاق لذهب الحسد من ~~صدره وقال مالي أحسد من لم ينته قدر دنياه إلى معشار قدره # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن الأعذار عن تواتر المكاتبات وهو إذا ~~اعتذر من انقطاع الكتب اعتذار الخادم من اتصالها ولو كانت واردة على ~~PageV01P107 غير ذلك الباب الكريم لخاف من إملالها وقد عد احتمال تثقيلها ~~من جملة الأيادي التي أثقلته وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما ~~أمهلته وهو الآن مرتهن بين قديم وجديد وأصبح كخراش إذ تكاثرت عليه الظباء ~~فلم يدر لكثرتها ما يصيد فإن أمسك سيدنا من أياديه وإلا فليتفضل على الشكر ~~بالإنظار وليعلم أن ذمة وفائه كذمة ديوان المال في الإعسار # هذا فصل في هذا المعنى قلما يؤتى بمثله وفيه معنى واحد من قول الشاعر # ( تكاثرت الظباء على خراش % فما يدري خراش ما يصيد ) # ومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة فقلت كنت عنده بالمنزلة التي آمن بها ~~ما أجنيه فصرت أخاف ما لم أجنه وكان لا يقبل علي شهادة عينه فأصبح الآن ~~يقبل على شهادة أذنه لكن لم يجعل الله القلوب بين أصبعين من أصابعه إلا ~~ليذهب بها كل واد ومن ههنا كانت تنتقل من وداد إلى قلى ومن قلى إلى وداد ~~ولا شك أن لها بين الحالتين عمرا تنتهي إليه كما تنتهي أعمار الأجساد ~~والصبر خير ما استعمل في جفاء الإخوان والماء إذا جرى في مكان ثم انحرف عنه ~~فلا بد أن يعود إلى ذلك المكان # وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي وهو قوله # ( عهدتك لا تعتد بالعين شاهدا % علي فلم أصبحت تعتد بالأذن ) # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ms066 بعض الملوك على يد بعض العفاة وهو ~~الشيم الكريمة للإنسان بمنزلة المسك في سرر الغزلان غير أن طيب هذه يعبق ~~بالأنوف وطيب هذه يعبق بالآذان وقد جعل تفاوت المزية بين هذين الطيبين فرقا ~~فأحدهما يبقى دائما ولا يذهب والآخر يذهب ولا يبقى ونصيب مولانا من الطيب ~~الباقي نصيب زكت معادنه وكثرت خزائنه وسارت في الأرض محاسنه ورفعه الله به ~~إلى محل يبعد شأوه على الطالب ولا يرى إلا في لسان شاعر أو لسان خاطب وهو ~~مما استثني من خلق الناس الذي هو من طين لازب PageV01P108 ومن أجل ذلك يرون ~~أشباها ما عداه وما منهم إلا من يقر بفضله ولو كان من حساده أو عداه وقد ~~أصبحوا وهم يقلون لديه حين يكثرون ويقول كل منهم لصاحبه @QB@ أفسحر هذا أم ~~أنتم لا تبصرون @QE@ # هذا الفصل وإن تضمن شيئا من القرآن الكريم فليس المراد ههنا القرآن ~~الكريم بل منه شيء مأخوذ من الشعر وهو قول المتنبي # ( الناس ما لم يروك أشباه % والدهر لفظ وأنت معناه ) # ومن ذلك ما ذكر في وصف الخمر وهو الخمر لا تفي لذة إسكارها بتنغيص خمارها ~~فهي خرقاء البيان بذية اللسان وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول ~~والأديان وقد عرف منها سنة الجور في أحكامها ولولا ذلك لما استأثرت من ~~الرءوس بجناية أقدامها # وهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف لأنه قال # ( ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت % وهنا تداس بأرجل العصار ) # ( لانت لهم حتى انتشوا فتحكمت % فيهم فنادت فيهم بالثار ) # وكذلك قلت في وصفها أيضا وهو مدامة تنفي خواطر الهموم وتسري مسرى الأرواح ~~في الجسوم وتشهد بأن الكرم مستمد من ماء الكروم ويتمثل حببها نجوما إلا ~~أنها مضلة والهداية للنجوم # وبعض هذا مأخوذ من قول أبي نواس # ( إذا هي حلت في اللهاة من الفتى % دعا همه من صدره برحيل ) # وما زال الشعراء يتواردون على هذا المعنى حتى سمج لكن الذي ذكرته بعد هذا ~~المعنى من محاسن المعاني في وصفها وكذلك ما ذكرته في وصفها وهو الخمر ~~كالعذراء في نفورها ms067 وملازمة خدورها ولهذا تشمئز من نكاح المزاج PageV01P109 ~~وتصخب لمس الماء صخب الأبكار لمس الأزواج ومن شأنها أن تلبس عند الزفاف ~~إكليلا على رأسها وكذلك شأن العرائس عند زفافها إلى أعراسها # وهذه المماثلة بين الخمر وبين البكر على هذا النسق لم يأت بها أحد غيري ~~وإنما وصفت بأنها بكر كقول أبي نواس # ( فقلت لشيخ منهم متكلم % له دين قسيس وفي نطقه كفر ) # ( أعندك بكر مرة الطعم قرقف % صنيعة دهقان تراخى له العمر ) # ( فقال عروس كان كسرى ربيبها % معتقة من دونها الباب والستر ) # ووصف بالنكاح والزواج كقوله أيضا # ( وقهوة كالعقيق صافية % يطير من كأسها لها شرر ) # ( زوجتها الماء كي تذل له % فامتعضت حين مسها الذكر ) # ومن ذلك ما ذكرته في الحزم وهو لا ينبغي للحازم أن يساور المورد المؤذن ~~بمضيقه وإن أفضى الصدر إلى رحيبه فإن توقي الداء خير من التعرض له مع وجود ~~طبيبه ولندع قول من يقعد على تل السلامة ثم يلبس الكتائب بالكتائب ويقول ~~ليس للعزم إلا تمام الصدور وليس عليه تمام العواقب # بعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام # ( وركب كأطراف الأسنة عرسوا % على مثلها والليل تسطو غياهبه ) # ( لأمر عليهم أن تتم صدوره % وليس عليهم أن تتم عواقبه ) # ومن ذلك ما ذكرته في وصفذ الرأي والكيد وهو أخفى على العدو كيده ~~PageV01P110 حتى لم يدع كائدا وأعمى عليه سلوك الطريق حتى ظنه حائدا فسيوفه ~~تسطو على بعدها ولا تقطع إلا وهي في غمدها # وبعض هذا المعنى أخذته من شعر أبي تمام وهو # ( سكن الكيد فيهم إن من أعظم % كيد أن لا يسمى أريبا ) # وكذلك قولي في هذا المعنى وهو أخذ بسمع العدو وبصره وسد مطلع ورده وصدره ~~فيداه مغلولة مع أنها مطلقة السراح ومقاتله بادية على أنها شاكية السلاح # وهذا المعنى ينظر إلى المعنى الذي قبله # وكذلك قولي أيضا وهو يبيت برأيه العدو قبل جيشه وتلقاه يطيش قلمه الذي كل ~~الحلم في طيشه فإذا أطلت وجوه الآراء كان رأيه لها صباحا وإذا جهزت الجحافل ~~لحرب كان قلمه لها سلاحا ms068 # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر البحتري # ( وهو المرء ما غزا بلدا بالرأي % إلا كفاه غزو الجنود ) # ومن ذلك ما ذكرته في وصف السير والركاب والخيل والقفار وما يتعلق بها ~~PageV01P111 # فمنه ما يتعلق بالسير وهو ركب ظهر الليل يباري مسير شهبه بمسير أشهبه ~~ويستقرب بعد المدى في نيل مطلبه غير أن تلك تفري أديم الغياهب وهذا يفري ~~أديم السباسب # وهذا مأخوذ من قول المتنبي # ( يباري نجوم القذف في كل ليلة % نجوم له منهن ورد وأدهم ) # ومن هذا المعنى أيضا قولي وهو اتخذ الليل ظهرا واستلان خشونة المسرى فلم ~~يزل يقذف صبغة سواده بصبغة جواده حتى بدت في أديم الليل شيات صباحه وشابه ~~الأدهم في غرته وأوضاحه فعند ذلك أخذ أحدهما في رحيله وأخذ الآخر في نزوله # وهذا المعنى ينظر إلى الذي قبله وفيه من شرف الصنعة ما لا خفاء به # ومن ذلك ما ذكرته أيضا في فصل من كتاب وهو سرت وتحتي بنت قفرة لا يذهب ~~السرى بجماحها ولا تستزيد الحادي من مراحها فهي طموح بأثناء الزمام وإذا ~~سارت بين الآكاد قيل هذه واحدة من الآكام ولم تسم جسرة إلا لأنها تقطع عرض ~~الفلاة كما يقطع الجسر عرض الماء ولا سميت حرفا إلا لأنها جاءت لمعنى في ~~العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء وخلفها جنيب من الخيل يقبل بجذع ~~ويدبر بصخره وينظر من عين جحظة ويسمع بأذن حشره ويجري مع PageV01P112 الريح ~~الزعزع فيذرها وقد ظهر فيها أثر القتره وما قيد خلفها إلا وهو يهتدي بها في ~~المسالك المضلة ويطأ على أثرها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة هذا والليل ~~قد ألقى جرانه فلم يبرح والكواكب قد ركدت فيه فلم تسبح وأنا أود لو زاد ~~طوله ولم تظهر غرة أدهمه ولا حجوله فقد قيل إنه أدنى للبعد وأكتم للأسرار ~~ودل عليه القول النبوي بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار وما زلت ~~أسير بريدها تنوء به حتى كاد ينضو لون السواد وظهر لون السرحان فأغار على ~~سرح السماء كما يغير ms069 السرحان على سرح النقاد فعند ذلك نهلت العين من الكرى ~~نهلة الطائر ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة وإنما كان على الظهر ~~السائر # في هذا الفصل كل مليحة من المعاني ولو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان ~~كافيا وبعضه مأخوذ من الشعر كقول أبي تمام # ( طموح بأثناء الزمام كأنما % يخال بها من عدوها طيف جنة ) # وكقوله # ( بالشذقميات العتاق كأنما % أشباحها بين الأكام أكام ) # ومن ذلك ما ذكرته في النسب في فضل من كتاب وهو لهم نسب لا تدخله لام ~~التعريف وهو موضوع لا يجري على سنن التوقيف فإذا ذكر أوله وقفت من عرفانه ~~على طلل ووجدته مهملا في جملة الهمل وإن قيل إنه من نجوم السماء قلت لكنه ~~لا يخرج عن الثور أو الحمل فما أرهف لوصفه لسان إلا نبا ولا اقتدح له زناد ~~خاطر إلا كبا وهم منه كآوى الذي يرى الناس له ابنا ولا يرون لابنه أبا ~~PageV01P113 # وهذا من أغرب ما يؤتى به في ذم النسب وهو من باب توليد المعاني الذي يسمى ~~الكيمياء وبعضه مستولد من قول أبي نواس في هجاء الخصيب # ( وما خبزه إلا كآوى يرى ابنه % ولم ير آوى في حزون ولا سهل ) # فأبو نواس ذم خبز الخصيب في عدم رؤيته وأنا نقلت ذلك إلى النسب فجاء ألطف ~~وأحسن وأليق وأدخل في باب الصنعة وإذا حقق النظر فيما ذكره أبو نواس في هذا ~~المعنى لم يوجد مناسبا فإن الخبز في عدم رؤيته لا يحمل على ابن آوى وإنما ~~المناسبة تقع في النسب من أجل ذكر الابن والأب # ومن ذلك ما ذكرته في ذم قوم وهو فصل من كتاب فقلت تركت قوما لم ينقعوا ~~صدى ولم يجروا إلى مدى فأعراضهم نكرة العارف وأموالهم حنظلة الناقف لا تمطر ~~سحبهم على كثرة مائها ولا تزكو الذريعة بأرضهم على نمائها # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر الشريف الرضي # ( تركت أناسا لم يهشوا لمنة % ولم ينقعوا غل الظماء الخوامس ) # ( على القرب فيهم إنني غير طامع % ومنك على بعد ms070 المدى غير آيس ) ~~PageV01P114 # ومن هذا الباب أيضا قولي وهو تركت قوما يسلون الحبيب ويملون القريب ولا ~~يرعون من يرعاهم ولا يدر اللبن على مرعاهم فنوالهم تحايا وأعراضهم ضحايا ~~ومن أحسن صفاتهم أنهم يعاقبون على الظنة ولا يرتاحون لمنة فالذرائع لديهم ~~مدفونة والصنائع غير مسنونة # وبعض هذه المعاني مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي # ( رأيتكم لا يصون العرض جاركم % ولا يدر على مرعاكم اللبن ) # ( جزاء كل قريب منكم ملل % وحظ كل محب منكم ضغن ) # ومن ذلك ما ذكرته على الحث على الاغتراب وهو لولا التغرب لما ارتقت بنات ~~الأصداف إلى شرف الأعناق ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق # وكذلك قولي في هذا المعنى وهو في الانتقال تنويه لخامل الأقدار ولولا ذلك ~~لم يكس الهلال حلة الأبدار والمندل الرطب حطب في أوطانه والمسك دم في سرر ~~غزلانه ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة ولولا فراق الوشيج منبته ~~لم يتحل بعز السنان ولا شرف الذؤابة # وهذا الفصل فصل من القول في معناه ومما لم ينبش للخواطر ابتناء مبناه ~~فمنه ما هو مأخوذ من الشعر ومنه ما منح به الخاطر على غير مثال وهو يشهد ~~لنفسه # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الأيام وهو أيام تعد بأعوام لقصر أعمارها وشهور ~~لا يشعر بأنصافها ولا سرارها فالأوقات بها أصائل والمحاسن فيها PageV01P115 ~~شمائل والمآرب في ساعاتها رياض في خمائل فما أدري أهي خيالات أحلام غرت أم ~~أحاديث أمان مرت # وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة # ( شهور ينقضين وما شعرنا % بأنصاف لهن ولا سرار ) # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الإخوان وهو ليس الصديق من عد سقطات قرينه ~~وجازاه بغثه وسمينه بل الصديق من ماشى أخاه على عرجه واستقام له على عوجه ~~فذلك الذي إن رأى سيئة وطئها بالقدم وإن رأى حسنة رفعها على علم # وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة PageV01P116 # ( إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا % عني وما سمعوا من صالح دفنوا ) # إلا أن الذي ذكرته ضد هذا المعنى وقد يستخرج ms071 المعنى من ضده # وهو أحسن مما يستخرج من نفسه # ومن هذا قولي أيضا وهو ليس الصديق من صرى أخلاف وده وغش في صفقة عهده بل ~~الصديق من لا ترد سلعة وده بإقالة ولا عيب ولا تخص محافظة إخائه بشهادة دون ~~غيب فذلك أخي من غير نسب وكنزي من غير نشب # وهذا مأخوذ من الفقه في تصرية ضرع الشاة عند البيع وذلك يوجب الرد # ومما ينتظم بهذا السلك قولي وهو الانتقال عن خلة الوداد كالانتقال عن نسب ~~الميلاد وكما يحرم هذا في نص الحكم المشروع فكذا يحرم هذا في خلق الكرم ~~المطبوع على أن نسب الخلة الذي ينميه القلب إلى القلب أوصل من نسب الرحم ~~الذي ينميه الابن إلى الأب ولهذا كانت مودة سلمان قربى ونسب أبي لهب سبا ~~وتبا # وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي نواس وهو # ( كانت مودة سلمان له نسبا % ولم يكن بين نوح وابنه رحم ) # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الديار وهو دار كانت مقاصر جنة فأصبحت وهي ملاعب ~~جنة ولقد عميت أخبار قطانها وأنشاز أوطانها حتى شابهت إحداهما في الخفاء ~~الأخرى في العفاء وكنت أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام ولا يرفع عنها جلباب ~~ظلام غير أن السحاب بكاهم فجرت بها سوافح دموعه والليل شق عليهم ثوبه فظهر ~~الصباح من خلال صدوعه PageV01P117 # وهذه معان لطيفة جدا وبعضها مأخوذ من شعر الشريف الرضي رحمه الله تعالى # ( أمرابع الغزلان غيرك البلى % حتى غدوت مراتعع الغزلان ) # ومما يلتئم بهذا المعنى قولي أيضا وهو دار أصبحت مراتع أذواد بعد أن كانت ~~مناجع رواد فلو تصورت الآمال التي مثلت بفنائها كما تصورت الآثار المماثلة ~~من بنائها لرأيت رسومها مع رسوم القباب # وعلمت كم غار بها من بحر ونضب من سحاب # وهذا معنى حسن له من نفسه مثن وحامد ومن سامعه يمين وشاهد وهو من معاني ~~المستخرجة # ومن ذلك قولي أيضا وهو النقص موكل بكمال النعماء ولذلك كان الوخم مقترنا ~~بالمرعى والماء وقلما ترى ثمرة إلا ومعها زنبور ولا لذة إلا ms072 وإلى جانبها ~~شيء محذور # وكذلك قولي أيضا وهو لا يظفر الرجل بمطالبه شفعا ولا تؤتيه من كل جهة ~~نفعا بل يرى مرعى بلا ماء وماء بلا مرعى ولذلك كانت النحلة مع الشهدة ~~والشوكة مع الوردة PageV01P118 # وبعض هذه المعاني مأخوذ من قول أبي تمام # ( أرض بها عشب زاك وليس بها % ماء وأخرى بها ماء ولا عشب ) # إلا أن في الكلام المنثور زيادة على ما تضمنه الشعر وكأنه ينظر إليه نظرا ~~بعيدا # ومن سبيل المتصدي لهذا الفن أن يأخذ المعنى من الشعر فيجعله مثل الإكسير ~~في صناعة الكيمياء ثم يخرج منه ألوانا مختلفة من جوهر وذهب وفضة كما فعلت ~~في هذا الموضع فإني أخذت معنى هذا البيت من الشعر فاستخرجت منه ما ليس منه ~~وهذا أعلى الدرجات في نثر المعاني الشعرية # وقد بسطت القول في هذا الموضع وكشفت عن دفائنه في الكتاب الذي وسمته ب ~~الوشي المرقوم في حل المنظوم وهو كتاب مفرد في هذا الفن خاصة # ومن هذا الضرب الذي هو الكيمياء في توليد المعاني ما ذكرته في وصف الربيع ~~فقلت فصل الربيع هو أحد ميزاني عامه والمستقيد لسامه من حامه وقد وصف بأنه ~~ميعاد نطق الأطيار وميلاد أجنة الأزهار والذي تستوفي به حولها سلافة العقار ~~فإذا سلت السحب فيه سيوفها كان ذلك للرضا لا للغضب وإذا خلعت على الأرض ~~غلالتها الدكناء لبست منها ديباجة منسوجة بالذهب # وهذا المعنى مستولد من قول أبي تمام في وصف السحاب PageV01P119 # ( سلبته الجنوب والدين والدنيا % وصافي الحياة في سلبه ) # إلا أن في الذي ذكرته معنيين غريبين إذا أمعن الناظر نظره فهمهما # ومن ذلك ما ذكرته في لين القول وإعادته وما يجري مجراه كقولي في فصل من ~~كتاب وهو لم أعد عليه القول لأنه لا يبلغ مدى ميدانه إلا بتحريك سوطه ~~وعنانه بل أخذا بأدب الله في أذكار القرآن واتباعا لسنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم في تثويب الأذان # وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام # ( لو رأينا التأكيد خطة عجز % ما شفعنا الأذان بالتثويب ) # وكذلك ms073 قولي أيضا وهو وقد علم أن لين القول أنجع قبولا وهو من أدب كليم ~~الله إذ بعثه إلى فرعون رسولا ألا ترى أن الحداء يبلغ من المطايا بلطفه ما ~~لا يبلغه السوط على عنفه # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي تمام PageV01P120 # ( وخذهم بالرقى إن المهارى % يهيجها على السير الحداء ) # ومن ذلك ما ذكرته في ذم الدنيا وهو أنكاد الدنيا مشوبة بالأشياء التي ~~جبلت النفوس على حبها وكل ما تستلذه الأبدان من مأكلها فإنه يضرها من جهة ~~طبها ولهذا يذمم من منفعة الهليلج ومضرة اللوزينج # وأعجب من ذلك أنه لا ينتفع الإنسان بشيء من لذاتها إلا ضره من جهة ثوابه ~~وهو كالذي ينتفع باصطلاء النار وهي محرقة لأثوابه وقد ضرب لذلك مثل من ~~الأمثال وقيل إن كل ما ينفع الكبد مضر بالطحال # وهذا مأخوذ من الأمثال العربية والمولدة # ومن ذلك ما ذكرته في الزهد وهو الناس في الدنيا أبناء الساعة الراهنة ~~وكما أن النفوس ليست فيها بقاطنة فكذلك الأحوال ليست بقاطنة ولهذا كانت ~~المآتم بها كالأعراس يتفرق ندي جمعها فهذه تنسي ما مضى من لذة سرورها وهذه ~~تنسي ما مضى من ألم فجعها ولا شبيه لها على ذلك إلا الأحلام التي يتلاشى ~~خيالها عاجلا وتجعل اليقظة حقها باطلا وما ينبغي حينئذ أن يفرح بها مقبلة ~~ولا يؤسى عليها مدبرة وكل ما تراه العين منها ثم يذهب فكأنها لم تره وغاية ~~مطلوب الإنسان منها أن يمد له في مدة عمره ويملى له في امتداد كثره أما ~~تعميره فيعترضه المشيب الذي هو عدم في وجود وهو أخو الموت في كل شيء إلا في ~~سكنى اللحود فالجوارح التي يدرك بها الشهوات ترى وكل منها قد تحول وأصبح ~~كالطلل الدارس الذي ليس عنده من معول فلا ليلى بليلى ولا النوار بالنوار ~~ولا الأسماع أسماع ولا الأبصار أبصار وأما ماله فإن أمسكه فهو عرضة لوارث ~~يأكله أو PageV01P121 لحادث يستأصله وإن أنفقه كان عليه في الحلال حسابا ~~وفي الحرام عقابا فهذه زهرة الدنيا الناضرة وهذه عقباها ms074 الخاسرة # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر صالح بن عبد القدوس # ( وإذا الجنازة والعروس تلاقيا % ألفيت جمعا كله يتفرق ) # ومن قول أبي العتاهية # ( أنما أنت طول عمرك ما عمرت % في الساعة التي أنت فيها ) # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن تعزية وهو كيف يظلم ذلك اللحد وبه ~~من أعمال ساكنة أنوار أم كيف يجدب وبه من فيض يمينه سحاب مدرار أم كيف توحش ~~أقطاره والملائكة داخلة عليه من تلك الأقطار أم كيف يخفيه طول العهد على ~~زواره وطيب ترابه هاد للزوار وما أعلم ما أقوله في هذا الخطب الجليل الذي ~~دق فيه الحزن الجليل وسمحت له النفوس بالفدية على حب الحياة وذلك من الفداء ~~القليل وقد قيل إنه لم يخلق الدمع إلا إنذارا بأن نوائب الزمان ستنوب وقد ~~جعله الله ذخرا للقائها وإنما يذخر السلاح للقاء الحروب والذي ذخرته منه لم ~~يغن عني في هذه النائبة وأي جنة تقوم في وجه سهامها الصائبة لا جرم أني ~~أصبحت بين يديها هدفا للرماء ولم يبق مني إلا ذماء الحشاشة ومن العجب بقاء ~~الذماء # وشيء من هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي # ( لم يخلق الدمع لامرئ عبثا % الله أدرى بلوعة الحزن ) # وكذلك ذكرت فصلا في كتاب آخر يتضمن تعزية وهو فيا ويح أيد أسلمته إلى ~~الثرى وما كان يسلمها إلى الإعدام وألبسته ظلمة اللحد وطالما جلا عنها ~~غيابة الظلم والإظلام وغادرته بوحدته مستوحشا وقد كان يؤنسها بنوافل ~~الإنعام ومثله لا يوارى القبر منه إلا صورة يدركها النفاد وتبلى كما يبلى ~~غيرها من الأجساد ولكنه لا يستطيع مواراة الذكر الخالد الذي يذهب بشماتة ~~الحساد ويتمثل في السماء بصورة الكواكب وفي الأرض بصورة الأطواد ~~PageV01P122 # وبعض هذا مأخوذ من قول بعض شعراء الحماسة # ( فإن تدفنوا البكري لا تدفنوا اسمه % ولا تدفنوا معروفه في القبائل ) # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام بالفصاحة وهو فصل من كتاب فقلت وله البيان ~~الذي يغض من نسق الفريد ولا يخلق نضرة لباسه الجديد وهو فوق كلام ms075 المجيد ~~ودون القرآن المجيد وإذا اختصروا صفته قيل إنه يستميل سمع الطروب ويستحق ~~وقار القلوب ويتمثل آيات بيضاء من غير ضم إلى الجيوب ويرى في الأرض غير ~~لاغب إذا مس غيره فترة اللغوب ولا تزال الناس في عشق معانيه ضربا واحدا ~~والعاشقون ضروب ولما وقفت عليه قلت سبحان من أعطى سيدنا فلم يبخل وخصه ~~بنبوة البيان إلا أنه لم يرسل ولولا أن الوحي قد سد بابه لقيل هذا كتاب ~~منزل ولقد خار الله لأولي الفصاحة إذ لم يحيوا إلى عصره ولم يبتلوا فيه ~~بداء الحسد الذي يصليهم بتوقد جمره ولئن سلموا من ذلك فما سلمت أقوالهم من ~~أقواله التي محتها محو المداد وقد كانت باقية بعدهم فلما أتى صارت كما ~~صاروا إلى الألحاد # وفي هذا الفصل شيء من المعاني الشعرية كقول البحتري PageV01P123 # ( مستميل سمع الطروب المعنى % عن أغاني معبد وعقيد ) # وقول الشريف الرضي رحمه الله # ( عشقت ومالي يعلم الله حاجة % سوى نظري والعاشقون ضروب ) # وفيه أيضا شيء من معاني القرآن الكريم إلا أنها جاءت ضمنا وتبعا وموضعها ~~يأتي بعد الأبيات الشعرية # وكذلك ذكرت فصلا آخر من هذا الأسلوب وهو إن للكلمة طعما يعرف مذاقه من ~~بين الكلام وخفة الأرواح معلومة من بين ثقل الأجسام فلو لم نعرفه بطعمه ~~عرفناه بوسمه والصباح لا يتمارى في إسفاره ولا يفتقر إلى دليل على إشراق ~~أنواره وقد علم أن العرف يعرف بغصنه وأن القول يعرف بلحنه ونفائس هذه ~~العقود لا يبرزها إلا أنفاسه فدررها لفظه وسلوكها قرطاسه # ومن هذا الباب قولي أيضا وهو ألفاظ كخفق البنود أو زأر الأسود ومعان تدل ~~بإرهافها أنها هي السيوف وأن قلوبا نمتها هي العمود فيخالها المتأمل حومة ~~طعان أو حلبة رهان # وبعض هذا مأخوذ من شعر البحتري # ( يقظان ينتخب الكلام كأنه % جيش لديه يريد أن يلقى به ) PageV01P124 # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان من أهل الكتابة كان ~~اعتدى عليه شخص يدعي الكتابة وليس من أهلها فقلت وقد نيط بسيدنا قلما الخط ~~اللذان ينسب ms076 أحدهما إلى المداد وينسب الآخر إلى الصعاد فهو يدير هذا في ~~معركة المقال وهذا في معركة الطراد ولربما صهل أحد قلميه من فوق صفحات ~~الدروج كما تصهل الجياد من تحت أعواد السروج فله احتفال المواطن والمجالس ~~وإليه غناء أصحاب العمائم والقلانس لا كمن لا يجاوز همه طرفي ردائه وإذا ~~نودي لفضيلة قيل إنما يسمع الحي بندائه وكم في الناس من صور لا تجد لمعناها ~~أثرا وإذا رأيتها قلت أرى خالا ولا أرى مطرا وأي جمال عند من ليس له إلا ~~جمال ثيابه وهل ينفع السيف الكهام أن تجعل من الذهب حلية قرابه وكل من ~~هؤلاء ذنب يسعى بغير رأس ولا له هم إلا في عيشة الطاعم الكاس وإذا اعتبر ~~حاله وجد من البهائم وإن كان منسوبا إلى الناس والسيادة ليست في وشي الثياب ~~ولا في طيب الطعام والشراب وإنما هي في شيئين إما شهامة قلم تفرق لها قلوب ~~الغمود أو شهامة رمح تفرق لها قلوب الأسود وكأني بقوم يسمعون هذا وكلهم ~~يمتعض امتعاض المغضب وتتابع نفسه تتابع المتعب ويعترض الشجى في حلقه حتى ~~يغص من غير أن يشرب ولم يزل بالحساد من سيدنا داء يورثهم أرقا ويوسعهم شرقا ~~وكثيرا ما تعرق له جباههم وكذا الميت يندى جبينه عرقا وما أرى لهؤلاء دواء ~~إلا أن يطرحوا عن مناكبهم ثقل المساجلة والحسد إنما يكون ممن يجري مع صاحبه ~~في مضمار المماثلة وكنت أحب أن يقام على الكتابة PageV01P125 محتسب حتى ~~يتفلس منها خلق كثير وتستريح جياد كثيرة من ركوب حمير وفي مثل هذا السوق ~~يظهر أهل الخلابة والنجش وما منهم إلا من هو في الحضيض الأسفل وقد أجلس ~~نفسه قائمة العرش ونار الآلة العمرية تميز خالص النقود من زيفها ولا حيف في ~~هذا المقام على من أسرفت دعواه الكاذبة في حتفها # وبعض هذا الفصل مأخوذ من شعر عبد السلام بن رغبان عرف بديك الجن # ( يزهى به القلمان إلا أن ذا % لدن المجس وأن ذا بكعوب ) # ( عودان يقضب ذا الطلى بلعابه % ويجوب ذا المهجات ms077 بالتركيب ) # ويكفيك أيها المتوشح لنثر الشعر أن تنظر إلى هذا الفصل وتتأمل الموضع ~~الذي أخذت معنى هذين البيتين ووضعته فيه فإن فيه غناء ومقنعا # وأما حل آيات القرآن العزيز فليس كنثر المعاني الشعرية لأن ألفاظه ينبغي ~~أن يحافظ عليها لمكان فصاحتها إلا أنه لا ينبغي أن يؤخذ لفظ الآية بجملته ~~فإن ذلك من باب التضمين وإنما يؤخذ بعضه فإما أن يجعل أولا لكلام أو آخرا ~~على حسب ما يقتضيه موضعه وكذلك تفعل بالأخبار النبوية # على أنه قد يؤخذ معنى الآية والخبر فيكسى لفظا غير لفظه وليس لذلك من ~~الحسن ما للقسم الأول للفائدة التي أشرنا إليها # وقد سلكت في ذلك طريقا اخترعتها وكنت أبا ابن عذرتها وعند تأمل ما أوردته ~~منها في هذا الكتاب يظهر للمتأمل صحة دعاوي ولئن كان من تقدمني أتى بشيء من ~~ذلك فإني ركبت فيه جوادا وركب جملا ونال من مورده نهلة واحدة ونلت منه نهلا ~~وعللا ومن آتاه الله في القرآن بصيرة فإنه يسبك ألفاظه ومعانيه في كلامه ~~ويستغني به عن غيره إلا أنه ينبغي أن يكون فيه صواغا يخرج منه ضروب ~~PageV01P126 المصوغات أو صرافا يتجهبذ في نقوده المختلفة من الذهب المختلف ~~الألوان ولا أقول من الفضة فإنه ليس فيه من الفضة شيء وهو أعلى من ذلك أو ~~يكون فيه تاجرا يديره على يده ويتصرف في أرباحه ويخرج من الأمتعة المجلوبة ~~من مناسجه كل غريبة عجيبة وكل هذا يفهمه من عرف فلزم وحكم بما علم # ( وما كل من قال القريض بشاعر % ولا كل من عانى الهوى بمتيم ) # واعلم أن المتصدي لحل معاني القرآن يحتاج إلى كثرة الدرس فإنه كلما ديم ~~على درسه ظهر من معانيه ما لم يظهر من قبل وهذا شيء جربته وخبرته فإني كنت ~~آخذ سورة من السور وأتلوها وكلما مر بي معنى أثبته في ورقة مفردة حتى أنتهي ~~إلى آخرها ثم آخذ في حل تلك المعاني التي أثبتها واحدا بعد واحد ولا أقنع ~~بذلك حتى أعاود تلاوة تلك السورة وأفعل مثل ما ms078 فعلته أولا وكلما صقلتها ~~التلاوة مرة بعد مرة ظهر في كل مرة من المعاني ما لم يظهر لي في المرة التي ~~قبلها # وسأورد في هذا الموضع سورة من السور ثم أردفها بآيات أخرى من سور متفرقة ~~حتى يتبين لك أيها المتعلم ما فعلته فتحذو حذوه وقد بدأت بالسورة أولا وهي ~~سورة يوسف عليه السلام لأنها قصة مفردة برأسها وفيها معان كثيرة # فالأول ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب وهو وصل كتاب الحضرة السامية أحسن ~~الله أثرها وأعلى خطرها وقضى من العلياء وطرها وأظهر على يدها آيات المكارم ~~وسورها وأسجد لها كواكب السيادة وشمسها وقمرها # وهذا أول معنى في السورة وقد نقلته عن قصة المنام إلى الدعاء # ثم أبرزت هذا المعنى في صورة أخرى وهو أكرم النعم ما كان فيها ذكرى ~~للعابدين وتقدمه @QB@ إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ~~ساجدين @QE@ فهذه النعمة هي التي تأتي بتيسير العسير وتجلو ظلمة الخطب ~~بالصباح المنير فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك ~~لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير PageV01P127 # ثم تصرفت في هذا المعنى فأخرجته في معرض آخر وهو فصل من جملة تقليد يكتب ~~من ديوان الخلافة لبعض الوزراء فقلت وقد علمه أمير المؤمنين فأدنى مجلسه من ~~سمائه وآنسه على وحدة الانفراد بحفل نعمائه وذلك مقام لا تستطيع الجدود أن ~~ترقى إلى رتبته ولا الآمال أن تطوف حول كعبته ولا الشفاه أن تتشرف بتقبيل ~~تربته فليزد إعجابا بما نالته مواطئ أقدامه ولينظر إلى سجود الكواكب له في ~~يقظته لا في منامه # ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل وهو لم أر كمواهب فلان ملأت أملي بطمع ~~وعودها وفرغت يدي من نيل جودها فلم أحظ إلا بلامع سرابها وكانت كدم القميص ~~في كذابها # ومن ذلك ما ذكرته في تزكية إنسان مما رمي به وهو لم ترم بذنب إلا نابت ~~البراءة له مناب الشهود وجيء من أهلها بشهادة القميص المقدود # ومن ذلك ما ذكرته في عذر الهوى ms079 وهو لم يهو حبيبا إلا كان لأهل التقى فيه ~~أسوة ولا ليم من أجله إلا اعتذر عذر امرأة العزيز إلى النسوة # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من جواب كتاب إلى بعض الإخوان وهو إن كان الكلام ~~كما قيل ذكرا والجواب أنثى فجوابي هذا عروس تجلى في حللها المحبرة وعقودها ~~المشذرة وتزهي بما آتاها الله من الحسن الذي ليس بالمجلوب ولا ترضى بتقطيع ~~الأيدي دون تقطيع القلوب وها قد أرسلتها إلى سيدنا حتى يعلم أن نتائج خاطري ~~على الفطرة وأنها معشوقة الصور فكل الناس في هواها بنو عذرة # وفي هذا الفصل معنى الآية والخبر النبوي والبيت من الشعر # ومن ذلك ما ذكرت في تقلب الأيام وهو لقينا أياما ضاحكات وليتها أيام ~~عابسات فكانت كسبع سنبلات خضر وأخر يابسات # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم وهو ليس ممن يرقب عجف الزمان PageV01P128 ~~فيذر الحب في سنبله ولكنه يستأنف الصبر في آخره ويستهلك المال في أوله فلا ~~يبقي من يومه لغده ولا يتهم ربه فيما بيده # ومن ذلك ما ذكرته في حب الرشوة وهو الرشوة تحل عقد القلوب وتهون فراق ~~المحبوب ألا ترى أن رد البضاعة حكم على أخي يوسف بالإضاعة # ومن ذلك ما ذكرته في الاستسلام لحكم الأقدار وهو لا تحترس من جنود ~~الأقدار بالآراء المتعمقة وسواء عندها الباب الواحد والأبواب المتفرقة # ومن ذلك ما ذكرته في تتابع الإساءة وهو لم يزل يرشقني بقوارصه حتى تكاثر ~~النبل واستحكم التبل ولم يكفه الإلقاء في غيابة الجب حتى قال إن يسرق فقد ~~سرق أخ له من قبل # ومن ذلك ما ذكرته في التوكل وهو إذا طلب أمرا أجمل في المطلوب ووكله إلى ~~الذي بيده مفاتيح الغيوب وتأسى في حاجته منه بالحاجة التي كانت في نفس ~~يعقوب # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الكيد وهو لم يأت أمرا إلا أخفى أسباب أواخيه ~~وبدأ فيه بالأوعية قبل وعاء أخيه # وهذه ثلاثة عشر معنى من سورة يوسف عليه السلام # وأما الآيات التي هي من سور متفرقة ms080 فأولها ما كتبته في صدر كتاب إلى بعض ~~الإخوان جوابا عن كتابه وهو ورد كتابه عشية يوم كذا فعرض علي عرض الجياد ~~على سليمان وتساوينا في الاشتغال منه ومنها بالاستحسان غير أن الجياد وإن ~~حسنت فإنها لا تبلغ في الحسن مبلغ الكتاب لكن قلت كما قال إني أحببت حب ~~الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ولئن قضي الاشتغال هناك بمسح سوق ~~وأعناق فإنه لم يقض ههنا بمسح سطور ولا أوراق وإنما اشتغلت عن عبادة بعبادة ~~ولو شئت لقلت عن إفادة بإفادة # وهذا مأخوذ من قصة سليمان عليه السلام في سورة ص وهي قوله تعالى @QB@ ~~ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ~~الجياد @QE@ PageV01P129 فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت ~~بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) فانظر كيف أخذت هذه القصة ~~وقابلت بينها وبين الكتاب ثم إني تصرفت فيها بالموافقة بينهما تارة ~~والمخالفة بينهما أخرى وهكذا ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله # ومن ذلك ما كتبته عن الملك الأفضل علي بن يوسف إلى الديوان العزيز النبوي ~~ببغداد في فصل من كتاب وهو وقد علم أن المال الذي يختزن كالماء الذي يحتقن ~~فكما أن هذا يأجن بتعطيل الأيدي عن امتياح مشاربه فكذلك يأجن هذا بتعطيل ~~الأيدي عن امتياح مواهبه وأي فرق بين وجوده وعدمه لولا أن تملك به القلوب ~~وتقل به الخطوب ويركب به ظهر العزم الذي ليس بركوب ومن بسط الله يده فيه ثم ~~قبضها بحله فإنه يقف دون الرجال مغمورا ويقعد عن نيل المعالي ملوما محسورا ~~وإذا أدركته منية مضى وكأنه لم يكن شيئا مذكورا ومذ ناط الله بيد الخادم ما ~~ناطه من أمر بلاده لم يدخر منها إلا مربط أشقره ومركز أسمره وما عداهما ~~فإنه مصروف إلى قوة الإسلام في سد ثغوره وتكثير جنوده وإيقاد حرب عدوه بعد ~~خمودها واستباحة جمرها عند وقوده وما يفضل عن ذلك فإنه للناس يشتركون في ~~وشله وغمره والمسلم أخو المسلم يساويه في حقه ms081 من بيت المال وإن خالفه في ~~مزية قدره ولا سبيل على الخادم وهو يفعل ما يفعله أن يدلس من هذا المال ~~بتبعة المطلوب أو يلتحق بالقوم الذين يكنزونه فيجزي عليه بكي الجباه ~~والظهور والجنوب ولم يأت به الله على فترة من مثله إلا ليمحو به سيئات ~~الدين ويعيد به الإسلام إلى وطنه بعد أن طال عهده بمفارقة الوطن ولا يكون ~~حسنة من حسنات أمير المؤمنين ترقمها الدنيا في ديوانه وتثقل بها في الآخرة ~~كفة ميزانه # وفي هذا الفصل معنى آيتين إحداهما في سورة هل أتى والأخرى في سورة براءة # ومن ذلك ما كتبته عنه إلى عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب من كتاب ~~يتضمن استعطافه والتنصل إليه وهو من شيمة الأقدار أن تذهب ببصائر ذوي ~~الألباب ويمثل لهم الخطأ في مثال الصواب ولولا ذلك لما زل الحكيم وأعوج ~~PageV01P130 المستقيم والمملوك يقبل اليد الكريمة المولوية الملكية ~~العادلية لا زال عرفها مأمولا وإحسانها عند الله مقبولا وفعلها في المكرمات ~~مبتدعا إذا كان فعل الأيادي مفعولا ونستغيث إلى عفوها الذي يكفي فيه لفظة ~~الاعتذار ولا ينفذ بمواظبة الآصار ولو عرف ذنبه باديا لقرع له سن الندامة ~~وعاد على نفسه بالملامة # ولما كان عجيبا أن يكون مليما وأن يكون مولانا كريما لكنه حمل آصرة الذنب ~~وهو بريء من حملها وخاف أن تكون هذه كأخواتها التي سلفت من قبلها والأمور ~~المتشابهة يقاس البعض منها على البعض والملسوع لا يستطيع أن يرى مجر حبل ~~على الأرض ولم يجترم الملوك الآن جريمة سوى أن فر إلى الاعتصام وألقى بيده ~~إلى أقوام لم يكونوا له بأقوام وإذا ضاق على المرء أقربه كان الأبعد له من ~~ذوي الأرحام # وليس بأول من ذهب هذا المذهب ولا بأول من حمل نفسه على ركوب هذا المركب ~~ولئن قال بعض الناس إنه عجل في اعتصامه وفراره وإنه لو صبر ابتلي بما ابتلي ~~به من قوارص مولانا مرة بعد أخرى ولقد تكاثرت عليه هذه الأقوال المؤنبة حتى ~~ملأت طرفه كحل السهاد وجنبه شوك ms082 القتاد وأصبح وهو يرى أنه زلق في خطيئته ~~زلقا وغص بندمه من أجلها شرقا وبدت له سوأته حتى طفق يخصف عليها ورقا ومع ~~هذا فإنه واثق أن حلم مولانا لا يؤتى من الزلل وأن حصاة الذنوب لا تخف بوزن ~~ذلك الجبل وها هو قد جاء نازعا وللنازع العتبى وعاد مستشفعا ولا شفيع أكرم ~~من القربى # ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب # وفي الذي أوردته من هذا الفصل معنى آية من القرآن في سورة الأعراف وهي ~~قوله تعالى @QB@ فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة @QE@ # ومن ذلك ما كتبته عن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان بن مسعود ~~صاحب الموصل إلى الديوان العزيز ببغداد بعد وفاة والده يسأل في التقليد ~~وكان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة فمما جاء في صدر الكتاب بعد الدعاء قولي وهو ~~إذا توفي ولي من أولياء الدولة فمن السنة أن يعزى بفقده ويستخرج إذنها في ~~سليله PageV01P131 القائم من بعده حتى لا تخلو أرضها من رواسي الجبال ولا ~~سماؤها من مطالع الكواكب التي تجلو ظلمة الليال وقد مضى والد العبد إلى ~~رحمة الله وهو متزود من الطاعة خير زاد غير خائف من إحصاء الرقيب العتيد إذ ~~جعلها له من العتاد وما عليه وقد ثقلت كفة ميزانه ما كان في الكفة الأخرى ~~من السجلات الكثيرة الأعداد ومضمون وصيته التي عهدتها أن نمشي في الطاعة ~~على أثره ونهتدي بالأوامر الشريفة في مورد الأمر ومصدره وقد جعلها العبد ~~نجي فكره إذا قام وإذا قعد وسبحة صلاته إذا ركع وإذا سجد وهو يرى أنه لم ~~يمض والده حتى أبقى للدولة من يثبت قدمه موضع قدمه وعند ذلك يقال إن غصن ~~الشجرة كالشجرة في ثبات أصله وقوة معجمه وهذا مقام لا تمتاز فيه الآباء عن ~~الأبناء وليست المزية لاكتهال السن إنما هي لشبيبة الغناء وقد أوتي يحيى ~~الحكم قبل أن يجري القلم في كتابه وشهد له بالتزكية قبل أن ينتصف في محرابه ~~وكذلك قد أمر رسول الله ms083 صلى الله عليه وسلم أسامة على فتاء عمره وشهد أنه ~~خليق بما أسند إليه من أمره والعبد وإن بسط الاستحقاق لسانه فإن الأدب يحكم ~~بانقباضه ويريد أن التفويض إلى إنعام الديوان العزيز أسرع في نجح أغراضه ~~ولا شك أن منتهى الآمال لا يبلغ أدنى تلك المواهب ولو جمعت في صعيد واحد ثم ~~سألت مطالبها لما نقصت خزائن العطايا من تلك المطالب # وهذا الفصل من أول الكتاب وفيه معنى آيتين من سورة مريم عليها السلام أما ~~الأول فقوله تعالى عند ذكر يحيى عليه السلام @QB@ وآتيناه الحكم صبيا @QE@ ~~وأما الثانية فقوله تعالى @QB@ وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا @QE@ وفي ~~هذا الفصل أيضا معاني ثلاثة من الأخبار النبوية وليس هذا موضعها وإنما جاءت ~~ضمنا وتبعا # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الغبار في الحرب وهو وعقد العجاج شفقا فانعقد ~~وأرانا كيف رفع السماء بغير عمد غير أنها سماء بنيت بسنابك الجياد وزينت ~~بنجوم الصعاد ففيها مما يوعد من المنايا لا ما يوعد من الأرزاق ومنها تقذف ~~شياطين الحرب لا شياطين الاستراق # وهذه المعاني مأخوذة من سورة الرعد وسورة الصافات وسورة الذاريات ~~PageV01P132 # ومن ذلك ما ذكرته في وصف طعام وهو فصل من كتاب فقلت طعام لا يمل إذا شينت ~~الأطعمة بمللها وكأنما تولته يد الخلقة ولم تباشره الأيدي بعملها فهو من ~~بقايا المائدة التي نزلت من السماء وقد طاب حتى لا يحتاج من بعده إلى ~~استعمال الماء وما رآه ذو شبع إلا رأى تركه غبنا وود لو زيد إلى بطنه بطنا # وبعض هذا مأخوذ من سورة المائدة # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة وهو قد تكاثرت وسائل ~~الخادم حتى لا يدري ما يجعله لطلابه سفيرا وما منها إلا ما يقال إنه أول ~~وليس فيها ما يجعل أخيرا غير أنه لا يذكر منها إلا ما هو توأم إيمانه والذي ~~لا ينظر الله من ابن آدم إلا إلى مكانه وفي ذلك كاف عن الوسائل التليدة ~~والطريفة وقول لا إله إلا الله ms084 لا يعدله شيء من الحسنات المودعة في الصحيفة ~~وقد تجدد الآن للخادم مطلب هو بالنسبة إلى مواهب الديوان العزيز يسير ولو ~~قامت مطالب الناس في صعيد واحد لأعطي كلا منها مرامه ولم يقل ذلك كثير ~~وكتابه هذا سائر إلى تلك المواهب التي يضيق عنها صدر الأرض باتساعه وليس ~~الذي يسأله ممنعا فيحال على النظر إلى الجبل في امتناعه وكما أن عبيد ~~الديوان العزيز أطوار فكذلك مطالبهم أطوار وقد جعل الله الأشياء متفاوتة في ~~مراتبها وكل شيء عنده بمقدار # وهذا الفصل من أحسن ما يكتب في استنجاز مطلوب وفيه معاني ثلاثة أخبار ~~نبوية ومعنى آيتين من القرآن الكريم وليس هذا موضع الأخبار وإنما جاء ضمنا ~~وتبعا فالآية الأولى في سورة الأعراف والآية الثانية في سورة الرعد # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب وهو إذا دجا ليل قلمه وطلعت فيه نجوم كلمه ~~لم يقعد له شيطان بلاغة مقعدا إلا وجد له شهابا مرصدا فأسرارها مصونة عن كل ~~خاطف مطوية عن كل قائف # وهذا المعنى مأخوذ من سورة الجن # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب أيضا فقلت له بنت فكر ما تمخضت PageV01P133 ~~بمعنى إلا أنتجته من غير ما تهمله وأنت به قومها تحمله ولم يعرض على ملأ من ~~البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره لا أيهم يكفله # وفي هذين السطرين آيتان من القرآن الكريم الأولى في سورة مريم وقصتها ~~وقصة ولدها عليهما السلام وهي قوله تعالى @QB@ فأتت به قومها تحمله @QE@ ~~والثانية في سورة آل عمران في قوله @QB@ إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~@QE@ # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن وصف القلم فقلت وقد أوحى الله ~~تعالى على قلمه ما أوحاه إلى النحل غير أنها تأوي إلى المكان الوعر وهو ~~يأوي إلى البيان السهل ومن شأنه أن يجتني من ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام ~~ويخرج من نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام وأين مما تنبته كثافة ~~الخشب ما تنبته لطافة المعنى ولا تستوي نضارة هذا الثمر وهذا ms085 الثمر ولا طيب ~~هذا المجنى وهذا المجنى وقد أرخص الله ما يكثر وجوده فيذهب في لهوات ~~الأفواه وأغلى ما يعز وجوده فيبقى خالدا على ألسنة الرواه وكل هذه الأوصاف ~~لا تصح إلا في قلم سيدنا الذي إذا خلا بخاطره امتلأت بحديثه المحافل وإذا ~~خلا كتابه وجدت الكتب الحالية من قبله وهي عواطل فله حينئذ أن ينظر إلى ~~غيره بعين الاحتقار ولواصفه أن يسهب وهو قائم مقام الاختصار # هذا الفصل غريب عجيب وقد جمع بين الأضداد فمناله بعيد وفهمه قريب وهو ~~مأخوذ من سورة النحل # ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل وهو له شيمة في الجود لا يشام نائلها وإذا ~~هزها سائلها قال إنها كلمة هو قائلها # وهذا مأخوذ من سورة المؤمنين # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب وهو وصل كتابه فوقف منه على اللفظ الرخيم ~~والمعنى الذي هو في كل واد يهيم وقال يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ~~ثم أخذ في إعلاء قدره وتنويه ذكره ولم يستفت الملأ في الإذعان لأمره ولا ~~أهدى في قبالته سوى هدية لسانه وصدره لا جرم أنها تقبل ولا ترد PageV01P134 ~~ويعتد بها ولا تعد فإنها مال لا ينفده الإنفاق وجوهر تتحلى به الأخلاق لا ~~الأعناق # وهذا مأخوذ من قصة سليمان عليه السلام في كتابه إلى بلقيس وهي مذكورة في ~~سورة النمل وفي هذا من شرف الصنعة أنه خولف بين معانيه ومعاني ما أتى به ~~القرآن الكريم # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن ذكر معركة حرب بين المسلمين والكفار ~~وهو إذا خطب القلم عن الرمح الذي هو نديده قام محتفلا وأسهب مترويا ومرتجلا ~~حتى يأتي في خطابته بالمعاني الأخائر وأصدق القول ما صدر عن شهادة الضرائر ~~للضرائر وكتابنا هذا يصف معركة احمرت ضبابتها وضاقت بالأسود غابتها فالطعن ~~بها محتضر والموت محتقر والنصر من كلا الفريقين مقتسر وكان الإسلام هناك ~~زجر السنيح وفوز القدح المنيح وليس الذي يرقب المعونة من الله الذي هو رب ~~الميح كمن يرقبها من المسيح ولقد ms086 نفذت الرماح في أعداء الله تعالى حتى ~~اعتدلت من جانبي الصدور والظهور وتركت الناجي منهم وهو لا ينظر إلى الصليب ~~إلا نظر الخائف المذعور فليس لهم من بعدها جيش يجمع ولا لواء يرفع وقد كانت ~~بلادهم من قبل مانعة وهي الآن لا تذب عنها ولا تمنع وهذه معركة قلت بها ~~الرقاب المأسورة وكثرت النفوس المقتولة وقربت بها القرابين التي تأكلها ~~النار لا لأنها مقبولة # ومعنى الآية في هذا الفصل مأخوذ من سورة آل عمران إلا أنها تخالفه وذاك ~~أن القربان كان يقبل فتنزل النار تأكله وأجساد هؤلاء الكفار قربان تأكله ~~النار لكنها لا تأكله لأنه مقبول وباقي الفصل يتضمن معنى حسنا رقيقا # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن الشكوى من خلق بعض الإخوان وهو ~~ولقد صبرت على أخلاقه العائثة وعاملته بالخليقة الرائثة وعالجته بضروب ~~المعالجات فلم تنفع فيه رقى الراقية ولا نفث النافثة ولما أعيا علي إصلاحه ~~أخذت بمقالة الخضر لموسى في المرة الثالثة # وهذا مأخوذ من قصة موسى عليه السلام وقصة الخضر في سورة الكهف ~~PageV01P135 # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب وهو تجمعوا في نار الندم يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا وصار الأمر الذي كانوا يرجونه مخشيا وأضحوا كأهل النار الذين ~~صاروا أعداء وكانوا شيعا وقال ضعفاؤهم للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا # وهذا مأخوذ من سورة حم المؤمن ومن سورة سبأ # ومن ذلك ما ذكرته في ذم غلام أبله كنت أقاسي من بلهه نكذا فكتبت يوما من ~~الأيام إلى بعض إخواني كتابا وعرضت فيه بذكره فقلت ولقد ملكه النسيان حتى ~~كأنه يقظ في صورة نائم وحتى حقق قول التناسخ في نقل أرواح الأناسي إلى ~~البهائم فما أرسل في حاجة إلا ذهبت عن قلبه يمنة ويسرة ولا طلب منه ما ~~استحفظه إلا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة # وهذا فصل يشتمل على عدة معان منها ما هو مأخوذ من القرآن الكريم من سورة ~~الكهف # ومن ذلك ما ذكرته في تقليد قاض وهو فصل منه فقلت ms087 والفضائل ما بقيت موجودة ~~ولم تفقد وهي حية وإن أودى أربابها ولا يموت من لم يولد ومن أكرم ما أوتيه ~~منها فضيلة التقوى التي الكرم من شعارها والعاقبة والحسنى كلاهما من آثارها ~~وما نقول إلا أنه اتخذها حارسا يمنع الخصم من تسور محرابه ويؤمن قلبه من ~~الفتنة الداعية إلى استغفاره ومتابه وقد قرن الله له هذه الفضيلة بالعلم ~~الذي أعلمه بعلامته ووسمه بوسامته وقذف في روعه ما لا يسأل معه عن السفينة ~~وخرقها والغلام وقتله والجدار وإقامته وعلى ما بلغه منه فإنه فيه أحد ~~المنهومين اللذين لا يشبعان وإذا كان لغيره فيه نظر واحد ومسمع فله فيه ~~نظران ومسمعان # وفي هذا الفصل المختصر معاني عدة آيات وخبر من الأخبار النبوية أما الآية ~~الأولى فقوله تعالى @QB@ إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ وأما الآية ~~الثانية فقوله تعالى @QB@ والعاقبة للتقوى @QE@ وأما الثالثة فقوله تعالى ~~@QB@ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب @QE@ وأما الآية الرابعة فقوله ~~تعالى @QB@ فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها @QE@ وكذلك إلى آخر ~~القصة وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب PageV01P136 # ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن عناية ببعض الفقراء فقلت بعد ~~الابتداء بصدر الكتاب وقد علم منه أنه يعد لطالب فضله فضلا ويرى التبرع ~~بمعروفه فرضا إذا رآه غيره مع المساءلة نفلا وما ذاك إلا لمزية خلق توجد ~~بطيب التربة وشرف الرتبة وأوتي من كنوز الكرم ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ~~ولهذا خرج على قومه من الأخلاق في زينته وفضل الخلق بطينة غير طينته ومن ~~فضله أنه يسأل عن السائلين ويحتال في استنباط أمل الآملين # ثم مضت على هذا النهج حتى أنهيت الكتاب # والغرض أن تعلم أيها المتعلم كيف تضع يدك في أخذ ما تأخذه من بعض الآية ~~ثم تضيف إليه كلاما من عندك وتجعله مسجوعا كما قد فعلت أنا في هذا الموضع ~~ألا ترى أني أخذت بعض هذه الآية في قصة من سورة القصص وهي قوله تعالى @QB@ ~~إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ms088 وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين @QE@ ~~فهذه الآية أخذت بعضها وأضفت إليه كلاما من عندي حتى جاء كما تراه مسجوعا ~~وكذلك فعلت بالآية الأخرى من هذه السورة أيضا وهي قوله @QB@ فخرج على قومه ~~في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه ~~لذو حظ عظيم @QE@ وهكذا ينبغي لك إذا أردت أن تسلك هذه الطريق وقدرت على ~~سلوكها وهي من محاسن الصناعة البلاغية وليس فوقها من الكلام ما هو أعلى ~~درجة منها لأنها ممزوجة بالقرآن لا على وجه التضمين بل على وجه الانتظام به ~~والله يختص بها من يشاء من عباده # وفيما ذكرته من نثر هذه الآيات كفاية للمتعلم # وأما الأخبار النبوية فكالقرآن العزيز في حل معانيها # فإن قلت إن الأخبار النبوية لا يجري فيها الأمر مجرى القرآن إذ للقرآن له ~~حاصر وضابط وكل آياته تدخل في الاستعمال كما قال بعضهم لو ضاع مني عقال ~~لوجدته في القرآن الكريم وأما الأخبار فليست كذلك لأنها كثيرة لا ~~PageV01P137 تنحصر ولو انحصرت لكان منها ما يدخل في الاستعمال ومنها ما لا ~~يدخل ولا بد من بيان يمكن الإحاطة به والوقوف عنده # قلت في الجواب عن هذا إنك أول ما تحفظه من الأخبار هو كتاب الشهاب فإنه ~~كتاب مختصر وجميع ما فيه يستعمل لأنه يتضمن حكما وآدابا فإذا حفظته وتدربت ~~باستعماله كما أريتك ههنا حصل عندك قوة على التصرف والمعرفة بما يدخل في ~~الاستعمال وما لا يدخله وعند ذلك تتصفح كتاب صحيح البخاري ومسلم والموطأ ~~والترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي وغيرها من كتب الحديث وتأخذ ما يحتاج ~~إليه وأهل مكة أخبر بشعابها والذي تأخذه إن أمكنك حفظه والدرس عليه فهو ~~المراد لأن ما لا تحفظه فلست منه على ثقة وإن كان لك محفوظات كثيرة كالقرآن ~~الكريم ودواوين كثيرة من الشعر وما ورد من الأمثال السائرة وغير ذلك مما ~~أشرنا إليه فعليك بمداومة المطالعة ms089 للأخبار والإكثار من استعمالها في كلامك ~~حتى ترقم على خاطرك فتكون إذا احتجت منها إلى شيء وجدته وسهل عليك أن تأتي ~~به ارتجالا فتأمل ما أوردته عليك واعمل به # وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر كلها تدخل ~~في الاستعمال وما زلت أواظب على مطالعته مدة تزيد على عشر سنين فكنت أنهي ~~مطالعته في كل أسبوع مرة حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على خمسمائة مرة ~~وصار محفوظا لا يشذ عني منه شيء وهذا الذي أوردته ههنا في حل معاني الأخبار ~~هو من هناك # وسأذكر ما دار بيني وبين بعض علماء الأدب في هذا الأسلوب الذي أنا بصدده ~~ههنا وذاك أنه استوعره وأنكره وقال هذا لا يتهيأ إلا في الشيء اليسير من ~~الأخبار النبوية فقلت لا بل يتهيأ في الأكثر منها فقال قد ورد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه اختصم إليه في جنين فقضى على من أسقطه بغرة عبد أو أمة ~~فأين يستعمل هذا فأفكرت فيما ذكره ثم أنشأت هذا الفصل من الكلام وأودعته ~~فيه قد كثر الجهل حتى لا يقال فلان عالم وفلان جاهل وضرب المثل بباقل وكم ~~في هذه الصورة الممثلة من باقل ولو عرف كل إنسان قدره لما مشى بدن إلا تحت ~~رأسه ولا انتصب رأس إلا على بدنه ولكان صاحب العمامة أحق بعمامته وصاحب ~~PageV01P138 الرسن أحق برسنه وكنت سمعت بكاتب من الكتاب كلمه إلى غثاثة ~~وقلمه بغاثة لا يستنسر وأي بطش لبغاثة وإذا وجب الوضوء على غيره بالخارج من ~~السبيلين وجب عليه من سبل ثلاثة هذا وهو يدعي أنه في الفصاحة أمة وحده ومن ~~قس إياد وسحبان وائل عنده وإذا كشف عن خاطره وجد بليدا لا يخرج عن العمه ~~والكمه وإن رام أن يستنتجه في حين من الأحيان قضى عليه بغرة عبد أو أمه ~~وكثيرا ما يتقدم ونقيصته هذه على الأفاضل من العلماء وقد صار الناس إلى ~~زمان يعلو فيه حضيض الأرض على هام السماء # فلما أوردته عليه ظهرت ms090 أمارة الحسد على صفحات وجهه وفلتات لسانه مع ~~إعجابه به واستغرابه إياه ثم قال وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا ~~الحديث وهو ( لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا تمثال ) فهذا أين يستعمل ~~من المكاتبات # فترويت في قوله ترويا يسيرا ثم قلت هذا يستعمل في كتاب إلى ديوان الخلافة ~~وأمليت عليه الكتاب فجاء هذا الحديث في فصل منه وهو إذا أفاض الخادم في وصف ~~ولائه نكصت همم الأولياء عن مقامه وعلموا أنه أخذ الأمر بزمامه فقد أصبح ~~وليس بقلبه سوء الولاء والإيمان فهذا يظهر أثره في طاعة السر وهذا في طاعة ~~الإعلان وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة والملائكة لا ~~تدخل بيتا فيه تمثال ولا صورة فليعول الديوان العزيز على سيف من سيوف الله ~~يفري بلا ضارب ويسري بلا حامل ولا يسل إلا بيد حق ولا يغمد إلا في ظهر باطل ~~وليعلم أنه كرشه وعيبته في تضمن الأسرار وأنه أحد سعديه إذا عدت مواقف ~~الأنصار PageV01P139 # فلما رأى هذا الفصل بهت له وأعجب منه ثم إني لم أقنع بإيراد ذلك الحديث ~~حتى قرنت به حديثا آخر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الأنصار كرشي ~~وعيبتي ) # وحيث عرفتك أيها المتعلم ما تقتدي به في هذا الموضع فقد ذكرت لك أمثلة ~~كثيرة تتدرب بها # فمن ذلك ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب وهو أعاذ الله أيامه من الغير ~~وبين بخطر مجده نقص كل خطر وجعل ذكره زادا لكل ركب وأنسا لكل سمر ومنحه من ~~فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر # وهذا المعنى مأخوذ من الحديث في وصف نعيم الجنة فنقلته إلى الدعاء # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الحلم وهو تركته حتى جال في الميدان وامتد في ~~الأشطان ولم أنتصر خوفا من قيام الملك وقعود الشيطان والحليم لا يظهر أثر ~~حلمه إلا عند تلدده والكظيم هو أشد ما يخاف من تبدده # وهذا المعنى أخذته من قصة أبي بكر ms091 رضي الله عنه في خصامه فإنه بغي عليه ~~ثلاث مرات وهو ساكت ففي الثالثة انتصر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( كان ~~الملك جالسا إلى جانب أبي بكر يكذب خصمه بما يقول فلما انتصر قام الملك ~~وقعد الشيطان ) # ومن ذلك ما ذكرته في النصرة على العدو في موطن القتال وهو أخذنا بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في النصر الذي نرجوه ونبذنا في وجه العدو كفا ~~من التراب وقلنا شاهت الوجوه فثبت الله ما تزلزل من أقدامنا وأقدم حيزوم ~~فأغنى عن إقدامنا # وهذان المعنيان أحدهما مأخوذ من حديث غزوة حنين وما فعله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أخذ قبضة من التراب وألقاها في وجوه الكفار وقوله ( شاهت ~~الوجوه ) والمعنى الآخر مأخوذ من حديث غزوة بدر وذاك أن رجلا من المسلمين ~~لاقى رجلا من الكفار وأراد أن يضربه فخر على الأرض ميتا قبل أن يصل إليه ~~وسمع الرجل المسلم صوتا من فوقه وهو يقول أقدم حيزوم فجاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأخبره فقال ( ذاك من مدد السماء الثالثة ) PageV01P140 # ومن ذلك ما ذكرته في ضيق مجال الحرب وهو وضاق الضرب بين الفريقين حتى ~~اتصلت مواقع البيض الذكور وتصافحت الفور بالفور والصدور بالصدور واستظل ~~حينئذ بالسيوف لاشتباك مجالها وتبوئت مقاعد الجنة التي هي تحت ظلالها # وهو مأخوذ من الحديث النبوي وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الجنة ~~تحت ظلال السيوف ) # ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب أذم فيه الزمان فقلت ولكنها الأيام تبدي ~~لنا من جوهرها كل غريبة وتسوسنا سياسة العبد المجدع الذي كأن رأسه زبيبة ~~وليس للمرء فيما يلقاه من أحداثها نعمى كانت أو بوسى إلا أن يكل الأمور إلى ~~وليها فيقول حاج آدم موسى # وهذا مأخوذ من الخبر النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم ( حاج آدم موسى ~~فقال له موسى أنت أخرجت الناس بخطيئتك من الجنة وأشقيتهم فقال له آدم أنت ~~الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلامه أتلومني على أمر كتبه الله تعالى ms092 ~~علي قبل أن يخلقني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فحج آدم موسى ) # ومن ذلك ما ذكرته في وصف بعض الكتاب وهو فصل من كتاب كتبته إليه فقلت ~~ولقد سردت عليه أحاديث البلاغة فاستغنى عن بسط ردائه وهدي إلى جوامع كلها ~~فاقتدى الناس باهتدائه فإذا اشتبهت عنده مسالك طرقها لم يملكه سلطان الحيرة ~~وإن أغرب في أساليبها لم يقل فيه ما قيل في رواية أبي هريرة # وهذا الفصل من أحسن ما يؤتى به في صناعة نثر المعاني وهو مأخوذ من حديث ~~أبي هريرة قال قلت يا رسول الله أسمع منك أشياء فلا أحفظها فقال ( ابسط ~~رداءك ) فبسطته فحدث حديثا كثيرا فما نسبت شيئا حدثني به وأما رواية أبي ~~هريرة فشك فيها قوم لكثرتها # وقد اجتمع في هذا الفصل معنى الحديث النبوي وغيره ومثل هذا لا يتفطن ~~PageV01P141 له عند الوقوف إلا من تبحر في الوقوف على الأخبار النبوية ومن ~~أجل ذلك جعلته ركنا من أركان الكتاب في الفصل التاسع # ومن ذلك ما ذكرته في ذم بعض البلاد الوخمة فقلت ومن صفاتها أنها مدرة ~~مستوبلة الطينة مجموع لها بين حر مكة ولأواء المدينة إلا أنها لم يأمن ~~حرمها في الخطفة ولا نقلت حماها إلى الجحفة # في هذه الكلمات القصار آية من القرآن الكريم وخبران من الأخبار النبوية ~~فالآية من سورة العنكبوت وهي قوله تعالى @QB@ أو لم يروا أنا جعلنا حرما ~~آمنا ويتخطف الناس من حولهم @QE@ وهذا موضع يختص بالأخبار لا بالآيات غير ~~أن الآية جاءت ضمنا وتبعا وأما الخبران فالأول منهما قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( من صبر على حر مكة ولأواء المدينة ضمنت له على الله الجنة ) ~~وأما الثاني فقوله صلى الله عليه وسلم في دعائه للمدينة ( اللهم حببها ~~إلينا كما حببت إلينا مكة وانقل حماها إلى الجحفة ) # فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكلمات حتى تعلم أن عدتها مصوغة من الآية ~~والخبرين سواء بسواء وهذا طريق لو ادعيت الانفراد بسلوكه لما اختلف علي في ~~الاعتراف به اثنان # ومن ذلك ms093 ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان جوابا عن كتاب ورد وكان كتابه ~~تأخر عني زمانا طويلا فقلت ولما تأملته ضممته إلي والتزمته ثم استلمته ~~والتثمته وعلمت أن المعارف وإن قدمت أيامها أنساب وشيجة وتأسيت بالخلق ~~النبوي في العجوز التي كانت تأتي في زمن خديجة # وهذا مأخوذ من الخبر المنقول عن عائشة رضي الله عنها وهو أنها قالت كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح الشاة فيعضيها أعضاء ويقسمها في أصدقاء ~~خديجة وكانت تأتيه عجوز فيكرمها ويبسط لها رداءه فسألته عن ذلك فقال ( هذه ~~كانت تأتينا في زمن خديجة وحسن العهد من الإيمان ) PageV01P142 # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الكتاب وهو كل سطر منه روضة غير أنها ليل في ~~صباح وكل معنى منه دمية غير أن ليس على مصورها من جناح # وهذا مأخوذ من الحديث في تحريم الصور # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم وهو فأغنى بجوده إغناء المطر وسما إلى ~~المعالي سمو الشمس وسار في منازلها مسير القمر ونتج من أبكار فضائله ما إذا ~~ادعاه غيره قيل للعاهر الحجر # وهذا المعنى من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر ) # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الفصاحة فقلت أفكار الخواطر لا تستولد على ~~انفرادها وغايتها أن يتناكح في استنتاج أولادها وأنا أنكح فكري لفكر نكاح ~~الأنساب ولا أخاف أن أضوي فأميل إلى الاغتراب # وهذا مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بنكاح البعيدة ~~النسب فقال ( غربوا لا تضووا ) يريد بذلك أن الإنسان إذا نكح المرأة ~~القريبة إليه حصل بينهما حياء يمنع من قضاء الشهوة كما ينبغي فيجيء الولد ~~ضاويا أي هزيلا وهذا معنى غريب لي استخرجته من الحديث النبوي # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان جوابا عن كتاب ورد منه ~~يتضمن الشكوى من شخص جرت بينه وبينه مخاصمة فقلت وصل كتابه وهو كتاب من ~~أكثر الشكوى وطلب العدوى ونزل من التظلم بالعدوة الدنيا وأنزل خصمه القصوى ~~والقاضي ms094 لا يحكم لأحد الخصمين حتى يحضر صاحبه وإن فقئت عين أحدهما فربما ~~فقئت عين الآخر وهشم جانبه على أنه قد اعترف أن كليهما كان للحم أخيه آكلا ~~وعليه في حال محضره جاهلا وسباب المؤمن معدود من فسوقه وإطراقه عن تورد هذا ~~المقام أولى من طروقه ولولا تغليظ النكير لما PageV01P143 جعل اللسان واليد ~~سواء فيما جرحا ولما أخر الله المغفرة عن الخائضين فيها حتى يصطلحا فكن أنت ~~ممن أطاع تقواه لا هواه واتبع من علم الحق فرآه أو سمعه فرواه واعلم أن ~~تهاجر الأخوين فوق الثلاثة من منهيات الحرام وأن الفائز بالأجر منهما هو ~~البادئ بالسلام ودفع السيئة بالحسنة يجعل العدو وليا حميما وقد جعل الله ~~المتخلق بهذا الخلق صابرا وجعل له حظا عظيما والشيطان إنما يحوم على آثاره ~~مواقع الشنآن ولا يحمد من أعمال بنيه شيئا إلا ما زيل بين الإخوان # في هذا الفصل معاني آيات وأخبار وهذا الموضع مختص بذكر الأخبار دون ~~الآيات فأول المعاني المأخوذة من الأخبار قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~إذا أتاك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تحكم له فربما أتى خصمه وقد فقئت ~~عيناه ) وأما المعنى الثاني فقوله صلى الله عليه وسلم ( سباب المؤمن فسوق ~~وقتاله كفر ) وأما المعنى الثالث فقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الأعمال ~~تعرض على الله يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا ~~إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا ) وأما ~~المعنى الرابع فقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه ~~فوق ثلاث ) وأما المعنى الخامس فقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا التقى ~~المتهاجران فأعرض هذا وأعرض هذا فخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) وأما المعنى ~~السادس فقوله صلى الله عليه وسلم ( إن إبليس له عرش على البحر فيبث بنيه في ~~آفاق الأرض فيأتي أحدهم فيقول فعلت كذا وفعلت كذا فيقول ما فعلت شيئا ويأتي ~~أحدهم فيقول زينت بينه وبين أخيه أو بينه وبين زوجته فيقول نعم ms095 الولد أنت ) # فانظر كم في هذه الأسطر اليسيرة من معنى خبر نبوي هذا سوى ما فيها من ~~معاني الآيات وإذا عددت هذه الكلمات المذكورة في هذه الأسطر وجدتها جميعا ~~منتظمة من الآية والخبر وهذا ما يدلك على الإكثار من المحفوظ واستحضاره عند ~~الحاجة إليه على الفور # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب وهو جواب عن كتاب يتضمن تهديدا وتخويفا ~~فقلت ورد الكتاب مضمنا من الوعد والوعيد ما آنس نفس المملوك PageV01P144 ~~وأوحشها ونقع ضلوعه وأعطشها وأقام له من الظنون السيئة جنودا تقاتله وتأخذ ~~عليه شعب الأفكار فلا تزاوله وكانت كلماته طوالا وأوراقه ثقالا وما أفلت ~~سطر من سطوره إلا كان الآخر له عقالا ولما استكمل الوقوف عليه ثقلت أطوار ~~الخوف والرجاء من أطواره وعرضت عليه الجنة والنار في قرطاسه كما عرضت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرض جداره ولولا وثوقه بأناة مولانا لذهبت ~~نفسه فرقا وابتغى في السماء سلما وفي الأرض نفقا لكنه قد توسم في كرمه ~~مخابل الصنع الوسيم وغره منه ما غره من ربه الكريم وعلم أن خلق حلمه يغلب ~~خلق غضبه إذ هذا حادث وذاك قديم # وفي هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية وهو أنه كان صلى الله عليه ~~وسلم يخطب فمال بيده إلى الجدار وقال ( عرضت علي الجنة والنار في عرض هذا ~~الجدار فلم أر كاليوم في الخير والشر ) # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان وهو الخادم يواصل بالدعاء ~~الذي لا يزال لقلبه زميلا وللسانه رسيلا وإذا رفع أدنته الملائكة قربا إذا ~~تباعدت من غيره ميلا ولا اعتداد بالدعاء إلا إذا صدر عن أكرم مصدر ووجد له ~~فوق السماء مظهرا وإن لم يكن هناك من مظهر ووصف باطنه بأنه الأبيض الناصع ~~الذي هو خير من ظاهر الأشعث الأغبر ولا يعامل الخادم أهل وده إلا بهذه ~~المعاملة ومن خلقه المجازفة في بذل المودة إذا أخذ الناس نسبة المكايلة # في هذا معنى خبرين أحدهما قول النبي صلى الله عليه وسلم ms096 ( إنه إذا كذب ~~الكاذب تباعد الملك عنه ميلا لنتن كذبه ) والآخر قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ) # ومن هذا الباب ما ذكرته في كتاب يتضمن خطبة مودة فابتدأت الكلام فيه بعد ~~تصدره بالدعاء فقلت لولا العادة لرفع الخادم كتابه هذا أن يسطر في ورقة ~~وليس ذلك إلا لإرساله في خطبة مودة رأى صورتها في سرقة ولما تأملها قال إن ~~يكن ذلك من عند الله يمضه وأبدي لها صفحة الرضا وإن كانت كل مودة لم ترضه ~~وخير المودات ما ليس لها ضرة تشاركها في وسامتها ولا تضاهيها في درجة ~~PageV01P145 كرامتها فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا ولم يغله مهرها ~~ولو بذل فيه نفسا لا مالا وما يظنها الخادم إلا هذه المودة التي خطبها وقد ~~علت أن تكون راغبة ولكن هو الذي أرغبها على أنه لم يترشح لها إلا من هو من ~~أكفائها وليست الكفاءة ههنا إلا ما تبذله الضمائر من صفائها وقد أتاح الله ~~لها كفئا يكثر من إيناسها ويضعها من البر في محلة ناسها ويجعل كل يوم من ~~أيامها عرسا حتى تتصل مواسم أعراسها # ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب والمعنى المأخوذ فيه من الخبر ~~النبوي في موضعين الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله ~~عنها ( إن جبريل عليه السلام عرض علي صورتك في سرقة ) والسرقة حريرة بيضاء ~~وقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة فقلت ( إن يكن ذلك من عند الله يمضه ) ~~فأخذت أنا هذا المعنى ونقلته إلى خطبة مودة ولا يأتي في خطبة المودات شيء ~~أحسن منه ولا ألطف ولا أشد مقصدا الخبر النبوي الثاني قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( إنما تنكح المرأة لأربع لحسبها أو لدينها أو لمالها أو لجمالها ~~) فقلت أنا فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا أي قد جمعت الحسب والجمال # ومن ذلك ما ذكرته في سبب حب المال وهو بين المال علاقة وكيدة وبين القلوب ~~وهي له ms097 بمنزلة المحب وهو لها بمنزلة المحبوب وليس ذلك إلا لأن الله قبض ~~قبضة من جميع الأرض فخلق آدم من تلك القبضة ويوشك حينئذ أن صورة قلبه تكونت ~~من معدن الذهب والفضة ولولا أن يكون منهما عنصرا بدائه لما جعلهما الأطباء ~~دواءه من دائه فلا تستغرب إذن أن تكون على حبهما مطبوعا إذ كان منهما ~~مصنوعا # وهذا المعنى من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله خلق آدم من قبضة ~~قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأبيض ~~والأسود وبين ذلك والحزن والسهل والخبيث والطيب ) غير أني استنبطت أنا حب ~~المال من هذا الحديث وهو معنى غريب لم أسبق إليه # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام وهو ليس السحر ما أودع في جف PageV01P146 ~~طلعه بل ما أودع في صوغ معنى أو نظم سجعة ولذلك لبيد في شعره أسحر من لبيد ~~في سحره وكلا صنعهما من الغريب العجيب غير أن ما يستنبط من القلب أعجب مما ~~يدفن في القليب # وهذا المعنى مأخوذ من قصة لبيد بن الأعصم في سحره النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن عرف القصة وصورتها علم ما قد ذكرته في نثر هذه الكلمات البديعة # ومن ذلك ما ذكرته في وصف المنجنيق في جملة كتاب فقلت ونصب المنجنيق فجثم ~~بين يدي السور مناصيا وبسط كفه إليه مواتيا ثم تول عقوبته بعضاه التي تفتك ~~بأحجاره وإذا عصى عليها بلد أخذت في تأديب أسواره فما كان إلا أن استمرت ~~عقوبتها عليه حتى صار قائمه حصيدا وعاصيه مستقيدا وقال ألم يكن نهى عن المد ~~والتجريد فمالي لا أرى إلا مدا وتجريدا وعند ذلك أذعن لفتح الأبواب وتلا ~~قوله تعالى @QB@ لكل أجل كتاب @QE@ وكذلك لم نأت صعبا إلا استسهل ولا حثثنا ~~مطيا إلا استعجل ولطالما وقف غيرها على هذا البلد فشقه طول الانتظار ولم ~~يحظ منه إلا بمساءلة المنصب أحجار الديار # في هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية وهو قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ms098 النهي عن ضرب المحدود ( لا مد ولا تجريد ) أي لا يمد على الأرض ولا ~~يجرد عنه ثوبه PageV01P147 # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى الديوان العزيز النبوي وهو خلد الله ~~دولة الديوان العزيز النبوي ولا زالت أكنافها وادعة وعلياؤها جامعة وجدودها ~~كالنجوم التي ترى في كل حين طالعة وأيامها كالليالي ساكنة ولياليها كالأيام ~~ناصعة وأبوابها كأبواب الجنة التي يقال فيها ثامن وثامنة إذا قيل في أبواب ~~غيرها سابع وسابعة وهذا الدعاء قد استجابه الله قبل أن ترفع إليه يد أو ~~ينطق به ضمير فإذا دعا به الخادم وجد صنع الله قد سبقه أولا وجاء هو في ~~الزمن الأخير فليس له حينئذ إلا أن يدعو لما خوله الديوان العزيز بالدوام ~~وأن يعيذه من النقص من التمام ثم يستهدي ما يؤهل له من الخدم التي يعتدها ~~من لطائف الإحسان وإذا ندب لتكليف أوامرها قال والحمد والشكر يسجدان ولا شك ~~أن درجات الأولياء تتفاوت في الصفات والأسماء فمنها ما يكون ببطن الأرض ~~ومنها ما يرى كالكوكب في أفق السماء ولولا النهي عن تزكية المرء نفسه لادعى ~~الخادم أن له أعلاها وجاء بالأولياء من بعده فقال ( والشمس وضحاها والقمر ~~إذا تلاها ) لكنه لا يمن بما يعتده عند الله من ذخره وسر الولاء في هذا ~~المقام أكرم من جهره وليس الذي يمن بصلاته وصيامه كالذي يمن بسر وقر في ~~صدره والله لا ينظر إلى الأعمال وإنما ينظر إلى القلوب وفرق بين المطيع ~~بمحضر الشهادة وبين المطيع بظهر الغيوب ولو اطلع الديوان العزيز على ضمير ~~الخادم في الطاعة لسره وعلم أنه الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبره # في هذا الفصل من الآيات والأخبار عدة مواضع وهذا الموضع مختص بالأخبار ~~فلنذكرها دون الآيات أما الأول منها فقوله النبي صلى الله عليه وسلم ( إنكم ~~ترون أهل الدرجات العلى في الجنة كما ترون المواكب في أفق السماء ) وأما ~~الخبر الثاني فقوله صلى الله عليه وسلم ( ما فضلكم أبو بكر بصلاة ولا صيام ~~ولكن فضلكم بسر وقر ms099 في صدره ) وأما الخبر الثالث فقوله صلى الله عليه وسلم ~~( رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره ) # وفيما أوردته من حل المعاني الشعرية وحل آيات القرآن والأخبار النبوية ~~طريق واضح لمن يقوى على سلوكه والله الموفق للصواب PageV01P148 # | المقالة الأولى في الصناعة اللفظية # وهي تنقسم إلى قسمين # القسم الأول في اللفظ المفردة # اعلم أنه يحتاج صاحب هذه الصناعة في تأليفه إلى ثلاثة أشياء الأول منها ~~اختيار الألفاظ المفردة وحكم ذلك اللآلئ المبددة فإنا تتخير وتنتقي قبل ~~النظم الثاني نظم كل كلمة مع أختها المشاكلة لها لئلا يجيء الكلام قلقا ~~نافرا عن مواضعه وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كل لؤلؤة منها ~~بأختها المشاكلة لها الثالث الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه ~~وحكم ذلك حكم الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم فتارة يجعل إكليلا على ~~الرأس وتارة يجعل قلادة في العنق وتارة يجعل شنفا في الأذن ولكل موضع من ~~هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه # فهذه ثلاثة أشياء لا بد للخطب والشاعر من العناية بها وهي الأصل المعتمد ~~عليه في تأليف الكلام من النظم والنثر فالأول والثاني من هذه الثلاثة ~~المذكورة هما المراد بالفصاحة والثلاثة بجملتها هي المراد بالبلاغة # وهذا الموضع يضل في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم ~~PageV01P149 والنثر فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحة ومن الذي يؤتيه الله ~~فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء ولم لم تمسه نار حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله ~~من الألفاظ فيضعها في موضعها # ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد وكلاهما حسن في ~~الاستعمال وهما على وزن واحد وعدة واحدة إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل ~~موضع تستعمل فيه هذه بل يفرق بينهما في مواضع السبك وهذا لا يدركه إلا من ~~دق فهمه وجل نظره # فمن ذلك قوله تعالى @QB@ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ رب إني نذرت لك ما في بطني محررا @QE@ فاستعمل الجوف في الأولى ~~والبطن ms100 في الثانية ولم يستعمل الجوف موضع البطن ولا البطن موضع الجوف ~~واللفظتان سواء في الدلالة وهما ثلاثيتان في عدد واحد ووزنهما واحد أيضا ~~فانظر إلى سبك الألفاظ كيف تفعل # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى @QB@ ما كذب الفؤاد ما رأى @QE@ وقوله ~~@QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد @QE@ فالقلب ~~والفؤاد سواء في الدلالة وإن كانا مختلفين في الوزن ولم يستعمل في القرآن ~~أحدهما في موضع الآخر # وعلى هذا ورد قول الأعرج من أبيات الحماسة # ( نحن بنو الموت إذا الموت نزل % لا عار بالموت إذا حم الأجل ) # ( الموت أحلى عندنا من العسل % ) PageV01P150 # وقال أبو الطيب المتنبي # ( إذا شئت حفت بي على كل سابح % رجال كأن الموت في فمها شهد ) # فهاتان لفظتان هما العسل والشهد وكلاهما حسن مستعمل لا يشك في حسنه ~~واستعماله وقد وردت لفظة العسل في القرآن دون لفظة الشهد لأنها أحسن منها ~~ومع هذا فإن لفظة الشهد وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة العسل في ~~بيت الأعرج # وكثيرا ما نجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وغيرهم ومن بلغاء ~~الكتاب ومصقعي الخطباء # وتحته دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها أشباهها ونظائرها كان صاحب الكلام ~~في النظم والنثر قد انتهى إلى الغاية القصوى في اختيار الألفاظ ووضعها في ~~مواضعها اللائقة بها # واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها ~~لأن التركيب أعسر وأشق ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم من حيث انفرادها قد ~~استعملها العرب ومن بعدهم ومع ذلك فإنه يفوق جميع كلامهم ويعلو عليه وليس ~~ذلك إلا لفضيلة التركيب PageV01P151 # وهل تشك أيها المتأمل لكتابنا هذا إذا فكرت في قوله تعالى @QB@ وقيل يا ~~أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي ~~وقيل بعدا للقوم الظالمين @QE@ أنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزية ~~الظاهرة إلا لأمر يرجع إلى تركيبها وأنه لم يعرض لها هذا الحسن إلا من حيث ~~لاقت الأولى بالثانية ms101 والثالثة بالرابعة وكذلك إلى آخرها فإن ارتبت في ذلك ~~فتأمل هل ترى لفظة منها لو أخذت من مكانها وأفردت من بين أخواتها كانت ~~لابسة من الحسن ما لبسته في موضعها من الآية # ومما يشهد لذلك ويؤيده أنك ترى اللفظة تروقك في كلام ثم تراها في كلام ~~آخر فتكرهها فهذا ينكره من لم يذق طعم الفصاحة ولا عرف أسرار الألفاظ في ~~تركيبها وانفرادها # وسأضرب لك مثالا يشهد بصحة ما ذكرته وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية ~~من القرآن وبيت من الشعر فجاءت في القرآن جزلة متينة وفي الشعر ركيكة ضعيفة ~~فأثر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين أما الآية فهي قوله تعالى @QB@ فإذا ~~طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم ~~والله لا يستحيي من الحق @QE@ # وأما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي # ( تلذ له المروءة وهي تؤذي % ومن يعشق يلذ له الغرام ) # وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة إلا أن لفظة تؤذي قد جاءت فيه ~~PageV01P152 وفي الآية من القرآن فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها وحسن ~~موقعها في تركيب الآية # فأنصف أيها المتأمل لما ذكرناه واعرضه على طبعك السليم حتى تعلم صحته ~~وهذا موضع غامض يحتاج إلى فضل فكرة وإمعان نظر وما تعرض للتنبيه عليه أحد ~~قبلي وهذه اللفظة التي هي تؤذي إذا جاءت في الكلام فينبغي أن تكون مندرجة ~~مع ما يأتي بعدها متعلقة به كقوله تعالى @QB@ إن ذلكم كان يؤذي النبي @QE@ ~~وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة ألا ترى أنه قال ( تلذ له المروءة وهي تؤذي ~~% ) ثم قال ( ومن يعشق يلذ له الغرام % ) فجاء بكلام مستأنف وقد جاءت هذه ~~اللفظة بعينها في الحديث النبوي وأضيف إليها كاف الخطاب فأزال ما بها من ~~الضعف والركة وذاك أنه اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه جبريل عليه ~~السلام ورقاه فقال بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك فانظر إلى السر في ~~استعمال اللفظة الواحدة فإنه لما زيد على هذه اللفظة حرف واحد أصلحها ~~وحسنها ms102 ومن ههنا تزاد الهاء في بعض المواضع كقوله تعالى @QB@ فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه @QE@ ثم ~~قال @QB@ ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه @QE@ فإن الأصل في هذه الألفاظ ~~كتابي وحسابي ومالي وسلطاني فلما أضيفت الهاء إليها وتسمى هاء السكت أضافت ~~إليها حسنا زائدا على حسنها وكستها لطافة ولباقة # وكذلك ورد في القرآن الكريم @QB@ إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة @QE@ فلفظة لي أيضا مثل لفظة يؤذي وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة ~~بما بعدها وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة كقول أبي الطيب أيضا # ( تمسي الأماني صرعى دون مبلغه % فما يقول لشيء ليت ذلك لي ) PageV01P153 # وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع فأدخل فيه ما ليس منه كقول أبي الطيب # ( ما أجدر الأيام والليالي % بأن تقول ما له وما لي ) # فإن لفظة لي ههنا قد وردت بعد ما وقبلها ما له ثم قال وما لي فجاء الكلام ~~على نسق واحد ولو جاءت لفظة لي ههنا كما جاءت في البيت الأول لكانت منقطعة ~~عن النظير والشبيه فكان يعلوها الضعف والركة وبين ورودها ههنا وورودها في ~~البيت الأول فرق يحكم فيه الذوق السليم # وههنا من هذا النوع لفظة أخرى قد وردت في آية من القرآن الكريم وفي بيت ~~من شعر الفرزدق فجاءت في القرآن حسنة وفي البيت الشعر غير حسنة وتلك اللفظة ~~هي لفظة القمل أما الآية فقوله تعالى @QB@ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات @QE@ وأما البيت الشعر فقول الفرزدق # ( من عزه احتجرت كليب عنده % زربا كأنهم لديه القمل ) # وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون هذا البيت من الشعر لأنها جاءت في ~~الآية مندرجة في ضمن الكلام ولم ينقطع الكلام عندها وجاءت في الشعر قافية ~~أي آخرا انقطع الكلام عندها # وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غصنا منه في بحر ~~عميق لا قرار له PageV01P154 # فمن ذلك هذه الآية المشار إليها فإنها قد تضمنت ms103 خمسة ألفاظ هي الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطوفان ~~والجراد والدم فلما وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قدم منها لفظة الطوفان ~~والجراد وأخرت لفظة الدم آخرا وجعلت لفظة القمل والضفادع في الوسط ليطرق ~~السمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة وينتهي إليه آخرا ثم إن لفظة الدم أحسن ~~من لفظتي الطوفان والجراد وأخف في الاستعمال ومن أجل ذلك جيء بها آخرا ~~ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من القدرة ~~البشرية # وقد ذكر من تقدمني من علماء البيان للألفاظ المفردة خصائص وهيآت تتصف بها ~~واختلفوا في ذلك واستحسن أحدهم شيئا فخولف فيه وكذلك استقبح الآخر شيئا ~~فخولف فيه ولو حققوا النظر ووقفوا على السر في اتصاف بعض الألفاظ بالحسن ~~وبعضها بالقبح لما كان بينهم خلاف في شيء منها وقد أشرت إلى ذلك في الفصل ~~الثامن من مقدمة كتابي هذا الذي يشتمل على ذكر الفصاحة وفي الوقوف عليه ~~والإحاطة به غنى عن غيره لكن لا بد أن نذكر ههنا تفصيلا لما أجملناه هناك ~~لأنا ذكرنا في ذلك الفصل أن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات لأنها مركبة من ~~مخارج الحروف فما استلذه السمع منها فهو الحسن وما كرهه ونبا عنه فهو ~~القبيح وإذا ثبت ذلك فلا حاجة إلى ما ذكر من تلك الخصائص والهيآت التي ~~أوردها علماء البيان في كتبهم لأنه إذا كان اللفظ لذيذا في السمع كان حسنا ~~وإذا كان حسنا دخلت تلك الخصائص والهيآت في ضمن حسنه # وقد رأيت جماعة من الجهال إذا قيل لأحدهم إن هذه اللفظة حسنة وهذه قبيحة ~~أنكر ذلك وقال كل الألفاظ حسن والواضع لم يضع إلا حسنا ومن يبلغ جهله إلى ~~أن لا يفرق بين لفظة الغصن ولفظة العسلوج وبين لفظة المدامة ولفظة الإسفنط ~~وبين لفظة السيف ولفظة الخنشليل وبين لفظة الأسد ولفظة الفدوكس فلا ينبغي ~~أن يخاطب بخطاب ولا يجاوب بجواب بل يترك وشأنه كما قيل اتركوا الجاهل بجهله ~~ولو ألقى الجعر في رحله وما مثاله في هذا ms104 المقام إلا كمن يسوي بين صورة ~~زنجية سوداء مظلمة السواد شوهاء الخلق ذات عين محمرة وشفة غليظة ~~PageV01P155 كأنها كلوة وشعر قطط كأنه زبيبة وبين صورة رومية بيضاء مشربة ~~بحمرة ذات خد أسيل وطرف كحيل ومبسم كأنما نظم من أقاح وطرة كأنها ليل على ~~صباح فإذا كان بإنسان من سقم النظر أن يسوي بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد ~~أن يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين هذه الألفاظ وهذه ولا فرق بين النظر ~~والسمع في هذا المقام فإن هذا حاسة وهذا حاسة وقياس حاسة على حاسة مناسب # فإن عاند معاند في هذا وقال أغراض الناس مختلفة فيما يختارونه من هذه ~~الأشياء وقد يعشق الإنسان صورة الزنجية التي ذممتها ويفضلها على صورة ~~الرومية التي وصفتها # قلت في الجواب نحن لا نحكم على الشاذ النادر الخارج عن الاعتدال بل نحكم ~~على الكثير الغالب وكذلك إذا رأينا شخصا يحب أكل الفحم مثلا أو أكل الجص ~~والتراب ويختار ذلك على ملاذ الأطعمة فهل نستجيد هذه الشهوة أو نحكم عليه ~~بأنه مريض قد فسدت معدته وهو يختار إلى علاج ومداواة # ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار ~~وصوتا منكرا كصوت حمار وأن لها في الفم أيضا حلاوة كحلاوة العسل ومرارة ~~كمرارة الحنظل وهي على ذلك تجري مجرى النغمات والطعوم # ولا يسبق وهمك أيها المتأمل إلى قول القائل الذي غلب عليه غلظ الطبع ~~وفجاجة الذهن بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا فهذا دليل على أنه ~~حسن بل ينبغي أن تعلم أن الذي نستحسنه نحن في زماننا هذا هو الذي كان عند ~~العرب مستحسنا والذي نستقبحه هو الذي كان عندهم مستقبحا والاستعمال ~~PageV01P156 ليس بدليل على الحسن فإنا نحن نستعمل الآن من الكلام ما ليس ~~بحسن وإنما نستعمله لضرورة فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال وهذا ~~طريق يضل فيه غير العارف بمسالكه ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده ~~صاحبها من الكلمة في صوغ الألفاظ واختيارها فإنه ms105 معذور في أن يقول ما قال # ( لا يعرف الشوق إلا من يكابده % ولا الصبابة إلا من يعانيها ) # ومع هذا فإن قول القائل بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا وهذا ~~دليل على أنه حسن قول فاسد لا يصدر إلا عن جاهل فإن استحسان الألفاظ ~~واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال وإنما ~~هو شيء له خصائص وهيآت وعلامات إذا وجدت علم حسنه من قبحه وقد تقدم الكلام ~~على ذلك في باب الفصاحة والبلاغة وأما الذي نقلد العرب فيه من الألفاظ ~~فإنما هو الاستشهاد بأشعارها على ما ينقل من لغتها والأخذ بأقوالها في ~~الأوضاع النحوية في رفع الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه وجزم الشرط ~~وأشباه ذلك وما عداه فلا # وحسن الألفاظ وقبحها ليس إضافيا إلى زيد دون عمرو أو إلى عمرو دون زيد ~~لأنه وصف ذووي لا يتغير بالإضافة ألا ترى أن لفظة المزنة مثلا حسنة عند ~~الناس كافة من العرب وغيرهم وهلم جرا لا يختلف أحد في حسنها وكذلك لفظة ~~البعاق فإنها قبيحة عند الناس كافة من العرب وغيرهم فإذا استعملتها العرب ~~لا يكون استعمالهم إياها مخرجا لها عن القبح ولا يلتفت إذن إلى استعمالهم ~~إياها بل يعاب مستعملها ويغلظ له النكير حيث استعملها # وقد ذكر ابن سنان الخفاجي ما يتعلق باللفظة الواحدة من الأوصاف وقسمها ~~إلى عدة أقسام كتباعد مخارج الحروف وأن تكون الكلمة جارية على العرف العربي ~~غير شاذة وأن تكون مصغرة في موضع يعبر به عن شيء لطيف أو خفي أو ما جرى ~~مجراه وألا تكون مبتذلة بين العامة وغير ذلك من الأوصاف PageV01P157 # وفي الذي ذكره ما لا حاجة إليه أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية ~~دائر عليه لأن الواضع قسمها في وضعة ثلاثة أقسام ثلاثيا ورباعيا وخماسيا ~~والثلاثي من الألفاظ هو الأكثر ولا يوجد فيه ما يكره استعماله إلا الشاذ ~~النادر وأما الرباعي فإنه وسط بين الثلاثي والخماسي في الكثرة عددا ~~واستعمالا وأما الخماسي فإنه الأقل ولا يوحد ms106 فيه ما يستعمل إلا الشاذ ~~النادر وعلى هذا التقدير فإن أكثر اللغة مستعمل على غير مكروه ولا تقتضي ~~حكمة هذه اللغة الشريفة التي هي سيدة اللغات إلا ذلك ولهذا أسقط الواضع ~~حروفا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقال واستكراه فلم يؤلف بين حروف ~~الحلق كالحاء والخاء والعين وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف ولا بين اللام ~~والراء ولا بين الزاء والسين وكل هذا دليل على عنايته بتأليف المتباعد ~~المخارج دون المتقارب ومن العجب أنه كان يخل بمثل هذا الأصل الكلي في تحسين ~~اللغة وقد اعتنى بأمور أخرى جزئية كمماثلته بين حركات الفعل في الوجود وبين ~~حركات المصدر في النطق كالغليان والضربان والنقدان والنزوان وغير ذلك مما ~~جرى مجراه فإن حروفه جميعها متحركات وليس فيها حرف ساكن وهي مماثلة لحركات ~~الفعل في الوجود ومن نظر في حكمة وضع هذه اللغة إلى هذه الدقائق التي هي ~~كالأطراف والحواشي فكيف كان يخل بالأصل المعول عليه في تأليف الحروف بعضها ~~إلى بعض على أنه لو أراد الناظم أو الناظر أن يعتبر مخارج الحروف عند ~~استعمال الألفاظ وهل هي متباعدة أو متقاربة لطال الخطب في ذلك وعسر ولما ~~كان الشاعر ينظم قصيدا ولا الكاتب ينشئ كتابا إلا في مدة طويلة تمضي عليها ~~أيام وليال ذوات عدد كثير ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك فإن حاسة السمع هي ~~الحاكمة في هذا المقام بحسن ما يحسن من الألفاظ وقبح ما يقبح # وسأضرب لك في هذا مثالا فأقول إذا سئلت عن لفظة من الألفاظ وقيل لك ما ~~تقول في هذه اللفظة أحسنة هي أم قبيحة فإني لا أراك عند ذلك إلا تفتي ~~بحسنها أو قبحها على الفور ولو كنت لا تفتي بذلك حتى تقول للسائل اصبر إلى ~~PageV01P158 أن أعتبر مخارج حروفها ثم أفتيك بعد ذلك بما فيها من حسن أو ~~قبح لصح لابن سنان ما ذهب إليه من جعل مخارج الحروف المتباعدة شرطا في ~~اختيار الألفاظ وإنما شذ عنه الأصل في ذلك وهو أن الحسن من الألفاظ يكون ms107 ~~متباعد المخارج فحسن الألفاظ إذن ليس معلوما من تباعد المخارج وإنما علم ~~قبل العلم بتباعدها وكل هذا راجع إلى حاسة السمع فإذا استحسنت لفظا أو ~~استقبحته وجد ما تستحسنه متباعد المخارج وما تستقبحه متقارب المخارج ~~واستحسانها واستقباحها إنما هو قبل اعتبار المخارج لا بعده # على أن هذه قاعدة قد شذ عنها شواذ كثيرة لأنه قد يجيء في المتقارب ~~المخارج ما هو حسن رائق # ألا ترى أن الجيم والشين والياء مخارج متقاربة وهي من وسط اللسان بينه ~~وبين الحنك وتسمى ثلاثتها الشجرية وإذا تركب منها شيء من الألفاظ جاء حسنا ~~رائقا فإن قيل جيش كانت لفظة محمودة أو قدمت الشين على الجيم فقيل شجي كانت ~~أيضا لفظة محمودة # ومما هو أقرب مخرجا من ذلك الباء والميم والفاء وثلاثتها من الشفة وتسمى ~~الشفهية فإذا نظم منها شيء من الألفاظ كان جميلا حسنا كقولنا فم فهذه ~~اللفظة من حرفين هما الفاء والميم وكقولنا ذقته بفمي وهذه اللفظة مؤلفة من ~~الثلاثة بجملتها وكلاهما حسن لا عيب فيه # وقد ورد من المتباعد المخارج شيء قبيح أيضا ولو كان التباعد سببا للحسن ~~لما كان سببا للقبح إذ هما ضدان لا يجتمعان # فمن ذلك أنه يقال ملع إذا عدا فالميم من الشفة والعين من حروف الحلق ~~واللام من وسط اللسان وكل ذلك متباعد ومع هذا فإن هذه اللفظة مكروهة ~~الاستعمال ينبو عنها الذوق السليم ولا يستعملها من عنده معرفة بفن الفصاحة # وههنا نكتة غريبة وهو أنا إذا عكسنا حروف هذه اللفظة صارت علم وعند ~~PageV01P159 ذلك تكون حسنة لا مزيد على حسنها وما ندري كيف صار القبح حسنا ~~لأنه لم يتغير من مخارجها شيء وذاك أن اللام لم تزل وسطا والميم والعين ~~يكتنفانها من جانبيها ولو كان مخارج الحروف معتبرا في الحسن والقبح لما ~~تغيرت هذه اللفظة في ملع وعلم # فإن قيل إن إخراج الحروف من الحلق إلى الشفة أيسر من إدخالها من الشفة ~~إلى الحلق فإن ذلك انحدار وهذا صعود والانحدار أسهل # فالجواب عن ذلك أني أقول ms108 لو استمر لك هذا لصح ما ذهبت إليه لكنا نرى من ~~الألفاظ ما إذا عكسنا حروفه من الشفة إلى الحلق أو من وسط اللسان أو من ~~آخره إلى الحلق لا يتغير كقولنا غلب فإن الغين من حروف الحلق واللام من وسط ~~اللسان والباء من الشفة وإذا عكسنا ذلك صار بلغ وكلاهما حسن مليح وكذلك ~~تقول حلم من الحلم وهو الأناة وإذا عكسنا هذه الكلمة صارت ملح على وزن فعل ~~بفتح الفاء وضم العين وكلاهما أيضا حسن مليح وكذلك تقول عقر ورقع وعرف وفرع ~~وحلف وفلح وقلم وملق وكلم وملك ولو شئت لأوردت من ذلك شيئا كثيرا تضيق عنه ~~هذه الأوراق ولو كان ما ذكرته مطردا لكنا إذا عكسنا هذه الألفاظ صار حسنا ~~قبحا وليس الأمر كذلك # وأما ما ذكره ابن سنان من جريان اللفظة على العرف العربي فليس ذلك مما ~~يوجب لها حسنا ولا قبحا وإنما يقدح في معرفة مستعملها بما ينقله من الألفاظ ~~فكيف يعد ذلك من جملة الأوصاف الحسنة # وأما تصغير اللفظة فيما يعبر به عن شيء لطيف أو خفي أو ما جرى مجراه فهذا ~~مما لا حاجة إلى ذكره فإن المعنى يسوق إليه وليست معاني التصغير من الأشياء ~~الغامضة التي يفتقر إلى التنبيه عليها فإنها مدونة في كتب النحو وما من ~~كتاب نحو إلا والتصغير باب من أبوابه ومع هذا فإن صاحب هذه الصناعة مخير في ~~ذلك إن شاء أن يورده بلفظ التصغير وإن شاء بمعناه كقول بعضهم # ( لو كان يخفى على الرحمن خافية % من خلقه خفيت عنه بنو لبد ) ~~PageV01P160 # فهل كان يمكن هذا الشاعر أن يصغر من هؤلاء القوم ويحقر من شأنهم بألفاظ ~~التصغير ويجيء هكذا كما جاء بيته هذا فالوصية به إذن ملغاة لا حاجة إليها # وأما الأوصاف الباقية التي ذكرت فهي التي ينبغي أن ينبه عليها فمنها ألا ~~تكون الكلمة وحشية وقد خفي الوحشي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم ~~والنثر وظنوه المستقبح من الألفاظ وليس كذلك بل الوحشي ينقسم قسمين أحدهما ~~غريب ms109 حسن والآخر غريب قبيح وذلك أنه منسوب إلى اسم الوحش الذي يسكن القفار ~~وليس بأنيس وكذلك الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال وليس من شرط الوحش ~~أن يكون مستقبحا بل أن يكون نافرا لا يألف الإنس فتارة يكون حسنا وتارة ~~يكون قبيحا وعلى هذا فإن أحد قسمي الوحشي وهو الغريب الحسن يختلف باختلاف ~~النسب والإضافات وأما القسم الآخر من الوحشي الذي هو قبيح فإن الناس في ~~استقباحه سواء ولا يختلف فيه عربي باد ولا قروي متحضر وأحسن الألفاظ ما كان ~~مألوفا متداولا إلا لمكان حسنه وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الفصاحة فإن ~~أرباب الخطابة والشعر نظروا إلى الألفاظ ونقبوا عنها ثم عدلوا إلى الأحسن ~~منها فاستعملوه وتركوا ما سواه وهو أيضا يتفاوت في درجات حسنه فالألفاظ إذن ~~تنقسم ثلاثة أقسام قسمان حسنان وقسم قبيح فالقسمان الحسنان أحدهما ما تداول ~~استعماله الأول والآخر من الزمن القديم إلى زماننا هذا ولا يطلق عليه أنه ~~وحشي والآخر ما تداول استعماله الأول دون الآخر ويختلف في استعماله بالنسبة ~~إلى الزمن وأهله وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب لأنه لم يكن ~~عندهم وحشيا وهو عندنا وحشي وقد تضمن القرآن الكريم منه كلمات معدودة وهي ~~التي تطلق عليها غريب القرآن وكذلك تضمن الحديث النبوي منه شيئا وهو الذي ~~يطلق عليه غريب الحديث # وحضر عندي في بعض الأيام رجل متفلسف فجرى ذكر القرآن الكريم فأخذت في ~~وصفه وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة فقال ذلك ~~الرجل وأي فصاحة هناك وهو يقول @QB@ تلك إذا قسمة ضيزى @QE@ فهل في لفظة ~~ضيزى من الحسن ما يوصف فقلت له اعلم أن لاستعمال الألفاظ PageV01P161 ~~أسرارا لم تقف عليها أنت ولا أئمتك مثل ابن سينا والفارابي ولا من أضلهم ~~مثل أرسطاليس وأفلاطون وهذه اللفظة التي أنكرتها في القرآن وهي لفظة ضيزى ~~فإنها في موضعها لا يسد غيرها مسدها ألا ترى أن السورة كلها التي هي سورة ~~النجم مسجوعة على حرف الياء فقال تعالى @QB@ والنجم إذا هوى ms110 ما ضل صاحبكم ~~وما غوى @QE@ وكذلك إلى آخر السورة فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان ~~يزعمه الكفار قال @QB@ ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى @QE@ فجاءت ~~اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة جميعها عليه وغيرها لا يسد ~~مسدها في مكانها وإذا نزلنا معك أيها المعاند على ما تريد قلنا إن غير هذه ~~اللفظة أحسن منها ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها ولا مناسبة ~~لأنها تكون خارجة عن حرف السورة وسأبين ذلك فأقول إذا جئنا بلفظة في معنى ~~هذه اللفظة قلنا قسمة جائرة أو ظالمة ولا شك أن جائرة أو ظالمة أحسن من ~~ضيزى إلا أنا إذا نظمنا الكلام قلنا ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ~~ظالمة لم يكن النظم كالنظم الأول وصار الكلام كالشيء المعوز الذي يحتاج إلى ~~تمام وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام فلما سمع ذلك الرجل ما ~~أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحاما ولم يكن عنده في ذلك شيء سوى العناد ~~الذي مستنده تقليد بعض الزنادقة الذين يكفرون تشهيا ويقولون ما يقولونه ~~جهلا وإذا حوققوا عليه ظهر عجزهم وقصورهم # وحيث انتهى القول إلى ههنا فإني أرجع إلى ما كنت بصدد ذكره فأقول # وأما القبيح من الألفاظ الذي يعاب استعماله فلا يسمى وحشيا فقط بل يسمى ~~الوحشي الغليظ وسيأتي ذكره وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح ~~الكلام وجدناه سهلا سلسا وما تضمنه من الكلمات الغريبة يسير جدا هذا وقد ~~أنزل في زمن العرب العرباء وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ وأقربها استعمالا ~~وكفى به قدوة في هذا الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ما أنزل الله في ~~التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني ) يريد بذلك فاتحة ~~الكتاب وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدناها سهلة قريبة ~~المأخذ يفهمها كل PageV01P162 أحد حتى صبيان المكاتب وعوام السوقة وإن لم ~~يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة فإن أحسن الكلام ما ms111 عرف الخاصة ~~فضله وفهم العامة معناه وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمهما ~~وقرب متناولها والمقتدي بألفاظ القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ ~~المنثورة والمنظومة # وأما ما ورد من اللفظ الوحشي في الأخبار النبوية فمن جملة ذلك حديث طهفة ~~بن أبي زهير النهدي وذاك أنه لما قدمت وفود العرب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم قام طهفة بن أبي زهير فقال أتيناك يا رسول الله من غوري تهامة على ~~أكوار الميس ترتمي بنا العيس نستجلب الصبير ونستخلب الخبير ونستعضد البرير ~~ونستخيل الرهام ونستخيل الجهام في أرض غائلة PageV01P163 النطاء غليظة ~~الوطاءة قد نشف المدهن ويبس الجعثن وسقط الأملوج ومات العسلوج وهلك الهدي ~~وفاد الودي برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والفتن وما يحدث الزمن لنا ~~دعوة السلام وشريعة الإسلام ما طمى البحر وقام تعار ولنا نعم همل أغفال ما ~~تبض ببلال PageV01P164 ووقير كثير الرسل قليل الرسل أصابتنا سنية حمراء ~~مؤزلة ليس لها علل ولا نهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم بارك ~~لهم في محضها ومخضها ومذقها وفرقها وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر ~~وافجر له الثمد وبارك له في المال والولد ومن أقام الصلاة كان مسلما ومن ~~آتى الزكاة كان محسنا ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا لكم يا بني نهد ~~ودائع الشرك ووضائع الملك لا تلطط في الزكاة ولا تلحد في الحياة ولا تثتاقل ~~عن الصلاة PageV01P165 # وكتب معه كتابا إلى بني نهد من محمد رسول الله إلى بني نهد السلام على من ~~آمن بالله ورسوله لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة ولكم الفارض والفريش ~~وذو العنان الركوب والفلو الضبيس لا يمنع سرحكم ولا يعضد طلحكم ولا يحبس ~~دركم ولا يؤكل أكلكم ما لم تضمروا الإمآق وتأكلوا الرباق من أقر بما في هذا ~~الكتاب فله من رسول الله الوفاء بالعهد والذمة ومن أبى فعليه الربوة ~~PageV01P166 # وفصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ ولا ~~تكاد توجد في ms112 كلامه إلا جوابا لمن يخاطبه بمثلها كهذا الحديث وما جرى مجراه ~~على أنه قد كان في زمنه متداولا بين العرب ولكنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يستعمله إلا يسيرا لأنه أعلم بالفصيح والأفصح # وهذا الكلام هو الذي نعده نحن في زماننا وحشيا لعدم الاستعمال فلا تظن أن ~~الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك ويثقل عليك النطق به وإنما هو الغريب الذي ~~يقل استعماله فتارة يخف على سمعك ولا تجد به كراهة وتارة يثقل على سمعك ~~وتجد منه الكراهة وذلك في اللفظ عيبان أحدهما أنه غريب الاستعمال والآخر ~~أنه ثقيل على السمع كريه على الذوق وإذا كان اللفظ بهذه الصفة فلا مزيد على ~~فظاظته وغلاظته وهو الذي يسمى الوحشي الغليظ ويسمى أيضا المتوعر وليس وراءه ~~في القبح درجة أخرى ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله معرفة ~~هذا الفن أصلا # فإن قيل فما هذا النوع من الألفاظ # قلت قد ثبت لك أنه ما كرهه سمعك وثقل على لسانك النطق به وسأضرب لك في ~~ذلك مثالا فمنه ما ورد لتأبط شرا في كتاب الحماسة # ( يظل بموماة ويمسي بغيرها % جحيشا ويعروري ظهور المسالك ) PageV01P167 # فإن لفظة جحيش من الألفاظ المنكرة القبيحة ويا لله العجب أليس أنها بمعنى ~~فريد وفريد لفظة حسنة رائقة ولو وضعت في هذا البيت موضع جحيش لما اختل شيء ~~من وزنه فتأبط شرا ملوم من وجهين في هذا الموضع أحدهما أنه استعمل القبيح ~~والآخر أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها # ومما هو أقبح منها ما ورد لأبي تمام من قوله # ( قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت % عشواء تالية غبسا دهاريسا ) # فلفظة اطلخم من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين في أنها ~~غريبة وأنها غليظة في السمع كريهة على الذوق وكذلك لفظة دهاريس أيضا وعلى ~~هذا ورد قوله من أبيات يصف فرسا من جملتها # ( نعم متاع الدنيا حباك به % أروع لا حيدر ولا جبس ) # فلفظة حيدر غليظة وأغلظ منها قول أبي الطيب المتنبي # ( جفخت وهم لا يجفخون ms113 بها بهم % شيم على الحسب الأغر دلائل ) PageV01P168 # فإن لفظة جفخ مرة الطعم وإذا مرت على السمع أقشعر منها وأبو الطيب في ~~استعمالها كاستعمال تأبط شرا لفظة جحيش فإن تأبط شرا كانت له مندوحة عن ~~استعمال تلك اللفظة كما أشرنا إليها فيما تقدم وكذلك أبو الطيب في استعمال ~~هذه اللفظة التي هي جفخت فإن معناها فخرت والجفخ الفخر يقال جفخ فلان إذا ~~فخر ولو استعمل عوضا عن جفخت فخرت لاستقام وزن البيت وحظي في استعماله ~~بالأحسن وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على مثل هؤلاء الفحول من الشعراء # وهذا الذي ذكرته وما يجري مجراه من الألفاظ هو الوحشي اللفظ الغليظ الذي ~~ليس له ما يدانيه في قبحه وكراهته وهذه الأمثلة دليل على ما أوردناه والعرب ~~إذن لا تلام على استعمال الغريب الحسن من الألفاظ وإنما تلام على الغريب ~~القبيح وأما الحضري فإنه يلام على استعمال القسمين معا وهو في أحدهما أشد ~~ملامة من الآخر # على أن هذا الموضع يحتاج إلى قيد آخر وذلك شيء استخرجته أنا دون غيري فإن ~~وجدت الغريب الحسن يسوغ استعماله في الشعر ولا يسوغ في الخطب والمكاتبات ~~وهذا ينكره من يسمعه حتى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة ولربما أنكره بعد ~~ذلك إما عنادا وإما جهلا لعدم الذوق السليم عنده # فمن ذلك قول الفرزدق # ( ولولا حياء زدت رأسك شجة % إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي ) # ( شرنبثة شمطاء من يرتمي بها % تشبه ولو بين الخماسي والطفل ) ~~PageV01P169 # فقوله شرنبثة من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر وهي ههنا ~~غير مستكرهة إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة لعيبت على ~~مستعملها # وكذلك وردت لفظة مشمخر فإن بشرا قد استعملها في أبياته التي يصف فيها ~~لقاءه الأسد فقال # ( وأطلقت المهند عن يميني % فقد له من الأضلاع عشرا ) # ( فخر مضرجا بدم كأني % هدمت به بناء مشمخرا ) # وعلى هذا ورد قول البحتري في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى فقال # ( مشمخر تعلوله شرفات % رفعت فهي رءوس رضوى وقدس ) # فإن ms114 لفظة مشمخر لا يحسن استعمالها في الخطب والمكاتبات ولا بأس بها ههنا ~~في الشعر وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة كقوله في خطبة يذكر فيها ~~أهوال يوم القيامة فقال اقمطر وبالها واشمخر نكالها فما طابت ولا ساغت # ومن هذا الأسلوب لفظة الكنهور في وصف السحاب كقول أبي الطيب # ( يا ليت باكية شجاني دمعها % نظرت إليك كما نظرت فتعذرا ) PageV01P170 # ( وترى الفضيلة لا ترد فضيلة % الشمس تشرق والسحاب كنهورا ) # فلفظة الكنهور لا تعاب نظما وتعاب نثرا وكذلك يجري الأمر في لفظة العرمس ~~وهي اسم الناقة الشديدة فإن هذه اللفظة يسوغ استعمالها في الشعر ولا يعاب ~~مستعملها كقول أبي الطيب أيضا # ( ومهمه جبته على قدمي % تعجز عنه العرامس الذلل ) # فإنه جمع هذه اللفظة ولا بأس بها ولو استعملت في الكلام المنثور لما طابت ~~ولا ساغت وقد جاءت موحدة في شعر أبي تمام كقوله # ( هي العرمس الوجناء وابن ملمة % وجأش على ما يحدث الدهر خافض ) # وكذلك ورد قوله أيضا # ( يا موضع الشدنية الوجناء % ) PageV01P171 # فإن الشدنية لا تعاب شعرا وتعاب لو وردت في كتاب أو خطبة وهكذا يجري ~~الحكم في أمثال هذه الألفاظ المشار إليها # وعلى هذا فاعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور من الألفاظ ~~يسوغ استعماله في الكلام المنظوم وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام ~~المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور وذلك شيء استنبطته واطلعت عليه ~~لكثرة ممارستي لهذا الفن ولأن الذوق الذي عندي دلني عليه فمن شاء فليقلدني ~~فيه وإلا فليدمن النظر حتى يطلع على ما إطلعت عليه والأذهان في مثل هذا ~~المقام تتفاوت # وقد رأيت جماعة من مدعي هذه الصناعة يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي ~~يعز فهمه ويبعد متناوله وإذا رأوا كلاما وحشيا غامض الألفاظ يعجبون به ~~ويصفونه بالفصاحة وهو بالضد من ذلك لأن الفصاحة هي الظهور والبيان لا ~~الغموض والخفاء # وسأبين لك ما تعتمد عليه في هذا الموضع فأقول # الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة ولكل منهما موضع يحس ~~استعماله فيه # فالجزل منها ms115 يستعمل في وصف مواقف الحروب وفي قوارع التهديد والتخويف ~~وأشباه ذلك # وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق وذكر أيام البعاد وفي ~~استجلاب المودات وملاينات الاستعطاف وأشابه ذلك # ولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيا متوعرا عليه عنجهية البداوة ~~بل أعني بالجزل أن يكون متينا على عذوبته في الفم ولذاذته في السمع وكذلك ~~لست أعني بالرقيق أن يكون ركيكا سفسفا وإنما هو اللطيف الرقيق الحاشية ~~الناعم الملمس كقول أبي تمام PageV01P172 # ( ناعمات الأطراف لو أنها تلبس أغنت عن الملآء الرقاق % ) # وسأضرب لك مثالا للجزل من الألفاظ والرقيق فأقول # انظر إلى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط وعند ذكر ~~الموت ومفارقة الدنيا وما جرى هذا المجرى فإنك لا ترى شيئا من ذلك وحشي ~~الألفاظ ولا متوعرا ثم انظر إلى ذكر الرحمة والرأفة والمغفرة والملاطفات في ~~خطاب الأنبياء وخطاب المنيبين والتائبين من العباد وما جرى هذا المجرى فإنك ~~لا ترى شيئا من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسفا # فمثال الأول وهو الجزل من الألفاظ قوله تعالى @QB@ ونفخ في الصور فصعق من ~~في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي ~~بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون وسيق ~~الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ~~ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا ~~بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فبئس مثوى المتكبرين وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها ~~وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقالوا ~~الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر ~~العاملين @QE@ PageV01P173 # فتأمل هذه الآيات المضمنة ذكر الحشر على تفاصيل أحواله وذكر النار والجنة # وانظر هل فيها لفظة إلا وهي مسهلة ms116 مستعذبة على ما بها من الجزالة # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون @QE@ # وأما مثال الثاني وهو الرقيق الألفاظ فقوله تعالى في مخاطبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم @QB@ والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى @QE@ إلى ~~آخر السورة وكذلك قوله تعالى في ترغيب المسألة @QB@ وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ # وهكذا ترى سبيل القرآن الكريم في كلا هذين الحالين من الجزالة والرقة ~~وكذلك كلام العرب الأول في الزمن القديم مما ورد عنها نثرا ويكفي من ذلك ~~كلام قبيصة بن نعيم لما قدم على امرئ القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفو ~~عن دم أبيه فقال إنك في المحل والقدر من المعرفة بتصرف الدهر وما تحدثه ~~أيامه وتنتقل به أحواله بحيث لا تحتاج لا تذكير من واعظ ولا تبصير من مجرب ~~ولك من سؤدد منصبك وشرف أعراقك وكرم أصلك في العرب محتد يحتمل ما حمل عليه ~~من إقالة العثرة ورجوع عن الهفوة ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك ~~فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح PageV01P174 ما يطول ~~رغباتها ويستغرق طلباتها وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمت رزيته ~~نزارا واليمن ولم تخصص بذلك كندة دوننا للشرف البارع الذي كان لحجر ولو كان ~~يفدي هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله ولكنه مضى ~~به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه ولا يلحق أقصاه أدناه فأحمد الحالات في ~~ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث إما أن اخترت من بني أسد أشرفها ~~بيتا وأعلاها في بناء المكرمات صوتا فقدناه إليك بنسعة تذهب مع شفرات حسامك ~~بباقي قصرته فنقول رجل امتحن بها لك عزيز فلم يستل سخيمته إلا بمكنته من ~~الانتقام أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها ms117 فهي ألوف تجاوز الحسبة ~~فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها لم يرددها تسليط الإحن على البرآء ~~وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوال فتسدل الأزر وتعقد الخمر فوق الرايات ~~قال فبكى ساعة ثم رفع رأسه فقال لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم وإني ~~لن أعتاض به جملا ولا ناقة فأكتسب به سبة الأبد وفت العضد وأما النظرة فقد ~~أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها ولن أكون لعطبها سببا وستعرفون طلائع كندة ~~من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقا وفوق الأسنة علقا # ( إذا جالت الحرب في مأزق % تصافح فيه المنايا النفوسا ) # أتقيمون أم تنصرفون قالوا بل ننصرف بأسوأ الاختيار وأبلى الاجترار بمكروه ~~وأذية وحرب وبلية ثم نهضوا عنه وقبيصة يتمثل PageV01P175 # ( لعلك أن تستوخم الورد إن غدت % كتائبنا في مأزق الحرب تمطر ) # فقال امرؤ القيس لا والله ولكن أستعذبه فرويدا ينفرج لك دجاها عن فرسان ~~كندة وكتائب حمير ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى إذ كنت نازلا بربعي ولكنك ~~قلت فأوجبت فقال قبيصة ما نتوقع فوق المعاتبة والإعتاب فقال امرؤ القيس هو ~~ذاك # فلتنظر إلى هذا الكلام من الرجلين قبيصة وامرئ القيس حتى يدع المتعمقون ~~تعمقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ فإن هذا الكلام قد كان في الزمن ~~القديم قبل الإسلام بما شاء الله وكذلك كلام كل فصيح من العرب مشهور وما ~~عداه فليس بشيء وهذا المشار إليه ههنا هو جزل كلامهم وعلى ما تراه من ~~السلاسة والعذوبة # وإذا تصفحت أشعارهم أيضا وجدت الوحشي من الألفاظ قليلا بالنسبة إلى ~~المسلسل في الفم والسمع ألا ترى إلى هذه الأبيات الواردة للسموأل بن عاديا ~~وهي # ( إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه % فكل رداء يرتديه جميل ) # ( وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها % فليس إلى حسن الثناء سبيل ) # ( تعيرنا أنا قليل عديدنا % فقلت لها إن الكرام قليل ) # ( وما ضرنا أنا قليل وجارنا % عزيز وجار الأكثرين ذليل ) # ( يقرب حب الموت آجالنا لنا % وتكرهه آجالهم فتطول ) # ( وما مات منا سيد حتف ms118 أنفه % ولا طل منا حيث كان قتيل ) PageV01P176 # علونا إلى خير الظهور وحطنا % لوقت إلى خير البطون نزول ) # ( فنحن كماء المزن ما في نصابنا % كهام ولا فينا يعد بخيل ) # ( إذا سيد منا خلا قام سيد % قؤول لما قال الكرام فعول ) # ( وأيامنا مشهورة في عدونا % لها غرر مشهورة وحجول ) # ( وأسيافنا في كل غرب ومشرق % بها من قراع الدارعين فلول ) # ( معودة ألا يسل نصالها % فتغمد حتى يستباح قبيل ) # فإذا نظرنا إلى ما تضمنته من الجزالة خلناها زبرا من الحديد وهي مع ذلك ~~سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة # وكذلك قد ورد للعرب في جانب الرقة من الأشعار ما يكاد يذوب لرقته كقول ~~عروة بن أذينة # ( إن التي زعمت فؤادك ملها % خلقت هواك كما خلقت هوى لها ) # ( بيضاء باكرها النعيم فصاغها % بلباقة فأدقها وأجلها ) # ( حجبت تحيتها فقلت لصاحبي % ما كان أكثرها لنا وأقلها ) # ( وإذا وجدت لها وساوس سلوة % شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها ) # وكذلك ورد قول الآخر # ( أقول لصاحبي والعيس تهوي % بنا بين المنيفة فالضمار ) # ( تمتع من شميم عرار نجد % فما بعد العشية من عرار ) # ( ألا يا حبذا نفحات نجد % وريا روضه غب القطار ) PageV01P177 # ( وأهلك إذ يحل الحي نجدا % وأنت على زمانك غير زار ) # ( شهور ينقضين وما شعرنا % بأنصاف لهن ولا سرار ) # ( فأما ليلهن فخير ليل % وأطيب ما يكون من النهار ) # ومما ترقص الأسماع له ويرن على صفحات القلوب قول يزيد بن الطثرية في ~~محبوبته من جرم # ( بنفسي من لو مر برد بنانه % على كبدي كانت شفاء أنامله ) # ( ومن هابني في كل شيء وهبته % فلا هو يعطيني ولا أنا سائله ) # وإذا كان هذا قول ساكن في الفلاة لا يرى إلا شيحة أو قيصومة ولا يأكل إلا ~~ضبا أو يربوعا فما بال قوم سكنوا الحضر ووجدوا رقة العيس يتعاطون وحشي ~~الألفاظ وشظف العبارات ولا يخلد إلى ذلك إلا إما جاهل بأسرار الفصاحة وإما ~~عاجز عن سلوك طريقها فإن كل أحد ممن شدا شيئا من علم الأدب يمكنه أن يأتي ~~بالوحشي من الكلام وذاك أنه يلتقطه ms119 من كتب اللغة أو يتلقفه من أربابها وأما ~~الفصيح المتصف بصفة الملاحة فإنه لا يقدر عليه ولو قدر عليه لما علم أين ~~يضع يده في تأليفه وسبكه # فإن مارى في ذلك ممار فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممن كان مشارا إليه ~~حتى يعلم صحة ما ذكرته # هذا ابن دريد قد قيل إنه أشعر علماء الأدب وإذا نظرت إلى شعره وجدته ~~بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطا مع أن أولئك الشعراء لم يعرفوا من ~~علم الأدب عشر معشار من علمه # هذا العباس بن الأحنف قد كان من أوائل الشعراء المجيدين وشعره كمر نسيم ~~على عذبات أغصان وكلؤلؤات طل على طرر ريحان وليس فيه لفظة واحدة غريبة ~~يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة فمن ذلك قوله # ( وإني ليرضيني قليل نوالكم % وإن كان لا أرضى لكم بقليل ) PageV01P178 # ( بحرمة ما قد كان بيني وبينكم % من الود إلا عدتم بجميل ) # وهكذا ورد قوله في فوز الذي التي كان يشبب بها في شعره # ( يا فوز يا منية عباس % قلبي يفدي قلبك القاسي ) # ( أسأت إذ أحسنت ظني بكم % والحزم سوء الظن بالناس ) # ( يقلقني شوقي فآتيكم % والقلب مملوء من اليأس ) # وهل أعذب من هذه الأبيات وأعلق بالخاطر وأسرى في السمع ولمثلها تخف رواجح ~~الأوزان وعلى مثلها تسهر الأجفان وعن مثلها تتأخر السوابق عند الرهان ولم ~~أجرها بلساني يوما من الأيام إلا ذكرت قول أبي الطيب المتنبي # ( إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق % أراه غباري ثم قال له الحق ) # ومن ذلك يستطيع أن يسلك هذه الطريق التي هي سهلة وعرة قريبة بعيدة # وهذا أبو العتاهية كان في عزة الدولة العباسية وشعراء العرب إذ ذاك ~~موجودون كثيرا وكانت مدائحه في المهدي بن المنصور وإذا تأملت شعره وجدته ~~كالماء الجاري رقة ألفاظ ولطافة سبك وليس بركيك ولا واه # وكذلك أبو نواس وبهذا قدم على شعراء عصره وناهيك بعصره وما جمعه من فحول ~~الشعراء ويكفي منهم مسلم بن الوليد الذي كان فارس الشعر وله الأسلوب الغريب ~~العجيب غير أنه كان يتعنجه في ms120 أكثر ألفاظه # ويحكى أن أبا نواس جلس يوما إلى بعض التجار ببغداد هو وجماعة من الشعراء ~~فاستسقى ماء فلما شرب قال # ( عذب الماء وطابا % ) # ثم قال أجيزوه فأخذ أولئك الشعراء يترددون في إجازته وإذا هم بأبي ~~العتاهية فقال ما شأنكم مجتمعين فقالوا هو كيت وكيت وقد قال أبو نواس # ( عذب الماء وطابا % ) PageV01P179 # فقال أبو العتاهية # ( حبذا الماء شرابا % ) # فعجبوا بقوله على الفور من غير تلبث # وكل شعر أبي العتاهية كذلك سهل الألفاظ وسأورد منه ههنا شيئا يستدل به ~~على سلاسة طبعه وترويق خاطره # فمن ذلك قصيدته التي يمدح فيها المهدي ويشبب فيها بجاريته عتب # ( ألا ما لسيدتي مالها % تدل فأحمل إدلالها ) # ( ألا إن جارية للإمام % قد سكن الحسن سربالها ) # ( لقد أتعب الله قلبي بها % وأتعب في اللوم عذالها ) # ( كأن بعيني في حيثما % سلكت من الأرض تمثالها ) # فلما وصل إلى المديح قال من جملته # ( أتته الخلافة منقادة % إليه تجرر أذيالها ) # ( فلم تك تصلح إلا له % ولم يك يصلح إلا لها ) # ( ولو رامها أحد غيره % لزلزلت الأرض زلزالها ) # ( ولو لم تطعه نيات القلوب % لما قبل الله أعمالها ) # ويحكى أن بشارا كان شاهدا عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات فلما سمع ~~المديح قال انظروا إلى أمير المؤمنين هل طار عن أعواده يريد هل زال عن ~~سريره طربا بهذا المديح ولعمري إن الأمر كما قال بشار وخير القول ما أسكر ~~السامع حتى ينقله عن حالته سواء كان في مديح أو غيره وقد أشرت إلى ذلك فيما ~~يأتي من هذا الكتاب عند ذكر الاستعارة فليؤخذ من هناك # واعلم أن هذه الأبيات المشار إليها ههنا من رقيق الشعر غزلا ومديحا وقد ~~أذعن لمديحها الشعراء من أهل ذلك العصر ومع هذا فإنك تراها من السلاسه ~~PageV01P180 واللطافة على أقصى الغايات وهذا هو الكلام الذي يسمى السهل ~~الممتنع فتراه يطعمك ثم إذا حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثعلب وهكذا ~~ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير ~~إذن # وأما البداوة ms121 والعنجهية في الألفاظ فتلك أمة قد خلت ومع أنها قد خلت ~~وكانت في زمن العرب العاربة فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت فكيف ~~الآن وقد غلب على الناس رقة الحضر # وبعد هذا فاعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر فالألفاظ ~~الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار والألفاظ الرقيقة تتخيل ~~كأشخاص ذي دماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها ~~رجال قد ركبوا خيولهم واستلأموا سلاحهم وتأهبوا للطراد وترى ألفاظ البحتري ~~كأنها نساء حسان عليهم غلائل مصبغات وقد تحلين بأصناف الحلي وإذا أنعمت ~~نظرك فيما ذكرته ههنا وجدتني قد دللتك على الطريق وضربت لك أمثالا مناسبة # واعلم أنه يجب على الناظم والناثر أن يجتنبا ما يضيق به مجال الكلام في ~~بعض الحروف كالثاء والذال والخاء والشين والصاد والطاء والظاء والغين فإن ~~في الحروف الباقية مندوحة عن استعمال ما لا يحسن من هذه الأحرف المشار ~~إليها والناظم في ذلك أشد ملامة لأنه يتعرض لأن ينظم قصيدة ذات أبيات ~~متعددة فيأتي في أكثرها بالبشع الكريه الذي يمجه السمع لعدم استعماله كما ~~فعل أبو تمام في قصيدته الثائية التي مطلعها # ( قف بالطلول الدارسات علاثا % ) PageV01P181 # وكما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته الشينية التي مطلعها # ( مبيتي من دمشق على فراش % ) # وكما فعل ابن هانئ المغربي في قصيدته الخائية التي مطلعها # ( سرى وجناح الليل أقتم أفتخ % ) # والناظم لا يعاب إذا لم ينظم هذه الأحرف في شعره بل يعاب إذا نظمها وجاءت ~~كريهة مستبشعة وأما الناثر فإنه أقرب حالا من الناظم لأن غاية ما يأتي به ~~سجعتان أو ثلاث أو أربع على حرف من هذه الأحرف وما يعدم في ذلك ما يروق إذا ~~كان بهذه العدة اليسيرة فإن كلفت أيها الشاعر أن تنظم شيئا على هذه الحروف ~~فقل هذه الحروف هي مقاتل الفصاحة وعذري واضح في تركها فإن واضع اللغة لم ~~يضع عليها ألفاظا تعذب في الفم ولا تلذ في السمع والذي هو بهذه الصفة منها ~~فإنما ms122 هو قليل جدا ولا يصاغ منه إلا مقاطيع أبيات من الشعر وأما القصائد ~~المقصدة فلا تصاغ منه وإن صيغت جاء أكثرها بشعا كريها على أن هذه الحروف ~~متفاوتة في كراهة الاستعمال وأشدها كراهية أربعة أحرف وهي الخاء والصاد ~~والظاء والغين وأما الثاء والذال والشين والطاء فإن الأمر فيهن أقرب حالا ~~وهذا موضع ينبغي لصاحب الصناعة أن ينعم نظره فيه وفيما أشرنا إليه كفاية ~~للمتعلم فليعرفه وليقف عنده PageV01P182 # ومن أوصاف الكلمة ألا تكون مبتذلة بين العامة وذلك ينقسم قسمين # الأول ما كان من الألفاظ دالا على معنى وضع له في أصل اللغة فغيرته ~~العامة وجعلته دالا على معنى آخر وهو ضربان # الأول ما يكره ذكره كقول أبي الطيب # ( أذاق الغواني حسنه ما أذقنني % وعف فجازاهن عني بالصرم ) # فإن لفظة الصرم في وضع اللغة هو القطع يقال صرمه إذا قطعه فغيرتها العامة ~~وجعلتها دالة على المحل المخصوص من الحيوان دون غيره فأبدلوا السين صادا ~~ومن أجل ذلك استكره استعمال هذه اللفظة وما جرى مجراها لكن المكروه منها ما ~~يستعمل على صيغة الاسمية كما جاءت في هذا البيت وأما إذا استعملت على صيغة ~~الفعل كقولنا صرمة وصرمته وتصرمه فإنها لا تكون كريهة لأن استعمال العامة ~~لا يدخل في ذلك وهذا الضرب المشار إليه لا يعاب البدوي على استعماله كما ~~يعاب المحتضر لأن البدوي لم تتغير الألفاظ في زمنه ولا تصرفت العامة فيها ~~كما تصرفت في زمن المحتضرة من الشعراء فمن أجل ذلك عيب استعمال لفظة الصرم ~~وما جرى مجراها على الشاعر المحتضر ولم يعب على الشاعر المتبدي ألا ترى إلى ~~قول أبي صخر الهذلي # ( قد كان صرم في الممات لنا % فعجلت قبل الموت بالصرم ) PageV01P183 # فإن هذا لا يعاب على صخر كما عيب على المتنبي قوله في البيت المقدم ذكره # وقد صنف الشيخ أبو منصور بن أحمد البغدادي المعروف بابن الجواليقي كتابا ~~في هذا الفن ووسمه بإصلاح ما تغلط فيه العامة فمنه ما هذا سبيله وهو الذي ~~أنكره استعماله لكراهته ولأنه مما لم ينقل ms123 عن العرب فهذان عيبان # وأما الضرب الثاني وهو أنه وضع في أصل اللغة لمعنى فجعلته العامة دالا ~~على غيره إلا أنه ليس بمستقبح ولا مستكره وذلك كتسميتهم الإنسان ظريفا إذا ~~كان دمث الأخلاق حسن الصورة أو اللباس أو ما هذا سبيله والظرف في أصل اللغة ~~مختص بالنطق فقط # وقد قيل في صفات خلق الإنسان ما أذكره ههنا وهو الصباحة في الوجه الوضاءة ~~في البشرة الجمال في الأنف الحلاوة في العينين الملاحة في الفم الظرف في ~~اللسان الرشاقة في القد اللباقة في الشمائل كمال الحسن في الشعر فالظرف ~~إنما يتعلق بالنطق خاصة فغيرته العامة عن بابه # وممن غلط في هذا الموضع أبو نواس حيث قال # ( اختصم الجود والجمال % فيك فصارا إلى جدال ) # ( فقال هذا يمينه لي % للعرف والبذل والنوال ) # ( وقال هذاك وجهه لي % للظرف والحسن والكمال ) # ( فافترقا فيك عن تراض % كلاهما صادق المقال ) # وكذلك غلط أبو تمام فقال PageV01P184 # ( لك هضبة الحلم التي لو وازنت % أجأ إذن ثقلت وكان خفيفا ) # ( وحلاوة الشيم التي لو مازجت % خلق الزمان الفدم عاد ظريفا ) # فأبو نواس غلط ههنا في أنه وصف الوجه بالظرف وهو من صفات النطق وأبو تمام ~~غلط في أنه وصف الخلق بالظرف وهو من صفات النطق أيضا إلا أن هذا غلط لا ~~يوجب في هذه اللفظة قبحا لكنه جهل بمعرفة أصلها في وضع اللغة # القسم الثاني مما ابتذلته العامة وهو الذي لم تغيره عن وصفه وإنما أنكر ~~استعماله لأنه مبتذل بينهم لا لأنه مستقبح ولا لأنه مخالف لما وضع له وفي ~~هذا القسم نظر عندي لأنه إن كان عبارة عما يكثر تداوله بين العامة فإن من ~~الكثير المتداول بينهم ألفاظا فصيحة كالسماء والأرض والنار والماء والحجر ~~والطين وأشباه ذلك وقد نطق بها القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه وجاءت في ~~كلام الفصحاء نظما ونثرا والذي ترجح في نظري أن المراد بالمبتذل من هذا ~~القسم إنما هو الألفاظ السخيفة الضعيفة سواء تداولتها العامة أو الخاصة # فمما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي # ( وملمومة سيفية ms124 ربعية % يصيح الحصا فيها صياح اللقالق ) # فإن لفظة اللقالق مبتذلة بين العامة جدا وكذلك قوله PageV01P185 # ( ومن الناس من يجوز إليهم % شعراء كأنها الخازباز ) # وهذا البيت من مضحكات الأشعار وهو من جملة البرسام الذي ذكره في شعره حيث ~~قال # ( إن بعضا من القريض هراء % ليس شيئا وبعضه أحكام ) # ( فيه ما يجلب البراعة والفهم وفيه ما يجلب البرسام % ) # ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام وضعت من قدره ولو كان معنى شريفا # وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر لكن منهم ~~المقل ومنهم المكثر حتى إن العاربة قد استعملت هذا إلا أنه في أشعارها أقل # فمن ذلك قول النابغة الذبياني في قصيدته التي أولها # ( من آل مية رائح أو مغتدي % ) # ( أو دمية في مرمر مرفوعة % بنيت بآجر يشاد بقرمد ) # فلفظة آجر مبتذلة جدا وإن شئت أن تعلم شيئا من سر الفصاحة التي تضمنها ~~القرآن فانظر إلى هذا الموضع فإنه لما جيء فيه بذكر الآجر لم يذكر بلفظه ~~ولا بلفظ القرمد أيضا ولا بلفظ الطوب الذي هو لغة أهل مصر فإن هذه ~~PageV01P186 الأسماء مبتذلة لكن ذكر في القرآن على وجه آخر وهو قوله تعالى ~~@QB@ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان ~~على الطين فاجعل لي صرحا @QE@ فعبر عن الآجر بالوقود على الطين # ومن هذا القسم المبتذل قول الفرزدق في قصيدته التي أولها # ( عزفت بأعشاش وما كدت تعزف % ) # ( وأصبح مبيض الضريب كأنه % على سروات النيب قطن مندف ) # فقوله مندف من الألفاظ العامية # ومن هذا القسم قول البحتري # ( وجوه حسادك مسودة % أم صبغت بعدي بالزاج ) # فلفظة الزاج من أشد ألفاظ العامة ابتذالا وقد استعمل أبو نواس هذا النوع ~~في شعره كثيرا كقوله # ( يا من جفاني وملا % نسيت أهلا وسهلا ) # ( ومات مرحب لما % رأيت مالي قلا ) # ( إني أظنك فيما % فعلت تحكي القرلى ) PageV01P187 # وكقوله # ( وأنمر الجلدة صيرته % في الناس زاغا وشقراقا ) # ( ما زلت أجري كلكي فوقه % حتى دعا من تحته قاقا ) # وكقوله # ( وملحة بالعذل تحسب ms125 أنني % بالجهل أترك صحبة الشطار ) # وقد استعمل لفظة الشاطر والشاطرة والشطار كثيرا وهي من الألفاظ ابتذلها ~~العامة حتى سئمت من ابتذالها # وهذه الأمثلة تمنع الواقف عليها من استعمال أشباهها وأمثالها # ومن أوصاف الكلمة ألا تكون مشتركة بين معنيين أحدهما يكره ذكره وإذا وردت ~~وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة تميز ~~معناها عن القبح فأما إذا جاءت ومعها قرينة فإنها لا تكون معيبة كقوله ~~تعالى @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~أولئك هم المفلحون @QE@ ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة تطلق على التعظيم ~~والإكرام وعلى الضرب الذي هو دون الحد وذلك نوع من الهوان وهما معنيان ضدان ~~فحيث وردت في هذه الآية جاء معها قرائن من قبلها ومن بعدها فخصت معناها ~~بالحسن وميزته عن القبيح ولو وردت مهملة بغير قرينة وأريد بها المعنى الحسن ~~لسبق إلى الوهم ما اشتملت عليه من المعنى القبيح # مثال ذلك لو قال قائل لقيت فلانا فعزرته لسبق إلى الفهم أنه ضربه وأهانه ~~ولو قال لقيت فلانا فأكرمته وعزرته لزال ذلك اللبس # واعلم أنه قد جاء من الكلام ما معه قرينة فأوجب قبحه ولو لم تجيء معه لما ~~استقبح كقول الشريف الرضي PageV01P188 # ( أعزر علي بأن أراك وقد خلا % عن جانبيك مقاعد العواد ) # وقد ذكر ابن سنان الخفاجي هذا البيت في كتابه فقال إن إيراد هذه اللفظة ~~في هذا الموضع صحيح إلا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشعر لا سيما ~~وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه وهو العواد ولو انفرد لكان الأمر فيه ~~سهلا فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به هذا حكاية كلامه وهو ~~مرضي واقع في موقعه ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك فنقول قد جاءت هذه اللفظة ~~المعيبة في الشعر في القرآن الكريم فجاءت حسنة مرضية وهي قوله تعالى @QB@ ~~وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ ~~وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا ms126 وشهبا وأنا كنا نقعد منها ~~مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا @QE@ ألا ترى أنها في هاتين ~~الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه كما جاءت في الشعر ولو قال ~~الشاعر بدلا من مقاعد العواد مقاعد الزيارة أو ما جرى مجراه لذهب ذلك القبح ~~وزالت تلك الهجنة ولهذا جاءت هذه اللفظة في الآيتين على ما تراه من الحسن ~~وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف الرضي # وعلى هذا ورد قول تأبط شرا # ( أقول للحيان وقد صفرت لهم % وطابي ويومي ضيق الجحر معور ) # فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه لأن الجحر يطلق على ~~PageV01P189 كل ثقب كثقب الحية واليربوع وعلى المحل المخصوص من الحيوان ~~فإذا ورد مهملا بغير قرينة تخصصه سبق إلى الوهم ما يقبح ذكره لاشتهاره به ~~دون غيره ومن ههنا ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم ( المؤمن لا يلسع من ~~جحر مرتين ) وحيث قال يلسع زال اللبس لأن اللسع لا يكون إلا للحية وغيرها ~~من ذوات السموم # وأما ما ورد مهملا بغير قرينة فقول أبي تمام # ( أعطيت لي دية القتيل وليس لي % عقل ولا حق عليك قديم ) # فقوله ليس لي عقل يظن أنه من عقل الشيء إذا علمه ولو قال ليس لي عليك عقل ~~لزال اللبس # فيجب إذا على صاحب هذه الصنعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع وهو من ~~جملة الألفاظ المشتركة التي يحتاج في إيرادها إلى قرينة تخصصها ضرورة # ومن أوصاف الكلمة أن تكون مؤلفة من أقل الأوزان تركيبا وهذا مما ذكره ابن ~~سنان في كتابه ثم مثله بقول أبي الطيب المتنبي # ( إن الكرام بلا كرام منهم % مثل القلوب بلا سويداواتها ) PageV01P190 # وقال إن لفظة سويداواتها طويلة فلهذا قبحت وليس الأمر كما ذكره فإن قبح ~~هذه اللفظة لم يكن بسبب طولها وإنما هو لأنها في نفسها قبيحة وقد كانت وهي ~~مفردة حسنة فلما جمعت قبحت لا بسبب الطول والدليل على ذلك أنه قد ورد في ~~القرآن الكريم ألفاظ طوال ms127 وهي مع ذلك حسنة كقوله تعالى @QB@ فسيكفيكهم الله ~~@QE@ فإن هذه اللفظة تسعة أحرف وكقوله تعالى @QB@ ليستخلفنهم في الأرض @QE@ ~~فإن هذه اللفظة عشرة أحرف وكلتاهما حسنة رائقة ولو كان الطول مما يوجب قبحا ~~لقبحت هاتان اللفظتان وليس كذلك ألا ترى أنه لو أسقط من لفظة سويداواتها ~~الهاء والألف اللتين هما عوض عن الإضافة لبقي منها ثمانية أحرف ومع هذا ~~فإنها قبيحة ولفظة ليستخلفنهم عشرة أحرف وهي أطول منها بحرفين ومع هذا ~~فإنها حسنة رائقة # والأصل في هذا الباب ما أذكره وهو أن الأصول من الألفاظ لا تحسن إلا في ~~الثلاثي وفي بعض الرباعي كقولنا عذب وعسجد فإن هاتين اللفظتين إحداهما ~~ثلاثية والأخرى رباعية وأما الخماسي من الأصول فإنه قبيح ولا يكاد يوجد منه ~~شيء حسن كقولنا جحمرش وصهصلق وما جرى مجراهما وكان ينبغي على ما ذكره ابن ~~سنان أن تكون هاتان اللفظتان حسنتين واللفظتان الواردتان في القرآن قبيحتين ~~لأن تلك تسعة أحرف وعشرة وهاتان خمسة وخمسة ونرى الأمر بالضد مما ذكره وهذا ~~لا يعتبر فيه طول ولا قصر وإنما يعتبر نظم تأليف الحروف بعضها مع بعض وقد ~~تقدم الكلام على ذلك ولهذا لا يوجد في القرآن من الخماسي الأصول شيء إلا ما ~~كان من اسم نبي عرب اسمه ولم يكن في الأصل عربيا نحو إبراهيم وإسماعيل # ومما يدخل في هذا الباب أن تجتنب الألفاظ المؤلفة من حروف يثقل النطق بها ~~سواء كانت طويلة أو قصيرة ومثال ذلك قول امرئ القيس في قصيدته اللامية التي ~~هي من جملة القصائد السبع الطوال PageV01P191 # ( غدائره مستشزرات إلى العلا % تضل المدارى في مثنى ومرسل ) # فلفظة مستشزرات مما يقبح استعمالها لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق بها ~~وإن لم تكن طويلة لأنا لو قلنا مستنكرات أو مستنقرات على وزن مستشزرات لما ~~كان في هاتين اللفظتين من ثقل ولا كراهة # ولربما اعترض بعض الجهال في هذا الموضع وقال إن كراهة هذه اللفظة إنما هو ~~لطولها وليس الأمر كذلك فإنا لو حذفنا منها الألف والتاء وقلنا مستشزر لكان ~~ذلك ms128 ثقيلا أيضا وسببه أن الشين قبلها تاء وبعدها زاي فثقل النطق بها وإلا ~~فلو جعلنا عوضا من الزاي راء ومن الراء فاء فقلنا مستشرف لزال ذلك الثقل # ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امرئ القيس هذه اللفظة المشار إليها ~~فأكبر ذلك لوقوفه مع شهرة التقليد في أن امرئ القيس أشعر الشعراء فعجبت من ~~ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة وقلت له لا يمنع إحسان امرئ PageV01P192 ~~القيس من استقباح ما له من القبح ومثال هذا كمثال غزال المسك فإنه يخرج منه ~~المسك والبعر ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره ولا ~~تكون لذاذة ذلك الطيب حامية للخبث من الاستكراه فأسكت الرجل عند ذلك # وحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود وكنت إذ ذاك بالديار المصرية وكان ~~لليهود في هذا الرجل اعتقاد لمكان علمه في دينهم وغيره وكان لعمري كذلك ~~فجرى ذكر اللغات وأن اللغة العربية هي سيدة اللغات وأنها أشرفهن مكانا ~~وأحسنهن وضعا فقال ذلك الرجل كيف لا تكون كذلك وقد جاءت آخرا فنفت القبيح ~~من اللغات قبلها وأخذت الحسن ثم إن واضعها تصرف في جميع اللغات السالفة ~~فاختصر ما اختصر وخفف ما خفف فمن ذلك اسم الجمل فإنه عندنا في اللسان ~~العبراني كوميل ممالا على وزن فوعيل فجاء واضع اللغة العربية وحذف منها ~~الثقيل المستبشع وقال جمل فصار خفيفا حسنا وكذلك فعل في كذا وكذا وذكر ~~أشياء كثيرة ولقد صدق في الذي ذكره وهو كلام عالم به # ومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنية من حركات خفيفة ليخف النطق بها وهذا ~~الوصف يترتب على ما قبله من تأليف الكلمة ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان ~~في كلمة واحدة لم تستثقل وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة فإنه إذا توالى منها ~~حركتان في كلمة واحدة استثقلت ومن أجل ذلك استثقلت الضمة على الواو والكسرة ~~على الياء لأن الضمة من جنس الواو والكسرة من جنس الياء فتكون عند ذلك ~~كأنها حركتان ثقيلتان # ولنمثل لك مثالا لتهتدي به في هذا ms129 الموضع وهو أنا نقول إذا أتينا بلفظة ~~مؤلفة من ثلاثة أحرف وهي ج ز ع فإذا جعلنا الجيم مفتوحة فقلنا الجزع أو ~~مكسورة فقلنا الجزع كان ذلك أحسن من أن لو جعلنا الجيم مضمومة فقلنا الجزع ~~وكذلك إذا والينا حركة الفتح فقلنا الجزع كان ذلك أحسن من موالاة حركة الضم ~~عند قولنا الجزع ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن اختلاف حركاتها مغيرا ~~لمخارج حروفها حتى ينسب ذلك إلى اختلاف تأليف المخارج بل PageV01P193 ~~وجدناها تارة تكتسى حسنا وتارة يسلب ذلك الحسن عنها فعلمنا أن ذلك حادث عن ~~اختلاف تأليف حركاتها # واعلم أنه قد توالت حركة الضم في بعض الألفاظ ولم يحدث فيها كراهة ولا ~~ثقلا كقوله تعالى @QB@ ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر @QE@ وكقوله ~~تعالى @QB@ إن المجرمين في ضلال وسعر @QE@ وكقوله تعالى @QB@ وكل شيء فعلوه ~~في الزبر @QE@ فحركة الضم في هذه الألفاظ متوالية وليس بها من ثقل ولا ~~كراهة وكذلك ورد قول أبي تمام # ( نفس يحتثه نفس % ودموع ليس تحتبس ) # ( ومغان للكرى دثر % عطل من عهده درس ) # ( شهرت ما كنت أكتمه % ناطقات بالهوى خرس ) # فانظر كيف جاءت هذه الألفاظ الأربعة مضمومات كلها وهي مع ذلك حسنة لا ثقل ~~بها ولا ينبو السمع عنها # وهذا لا ينقض ما أشرنا إليه لأن الغالب أن يكون توالي حركة الضم مستثقلا ~~فإذا شذ عن ذلك شيء يسير لا ينقض الأصل المقيس عليه # | القسم الثاني الألفاظ المركبة # قد قدمنا القول في شرح أحوال اللفظ المفردة وما يختص بها وأما إذا صارت ~~مركبة فإن لتركيبها حكما آخر وذاك أنه يحدث عنه من فوائد التأليفات ~~والامتزاجات ما يخيل للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة ومثال ~~ذلك كمن أخذ لآلىء ليست من ذوات القيم الغالية فألفها وأحسن الوضع في ~~تأليفها فخيل للناظر بحسن تأليفه وإتقان صنعته أنها ليست تلك التي كانت ~~منثورة مبددة وفي عكس ذلك من يأخذ لآلىء من ذوات القيم الغالية فيفسد ~~تأليفها فإنه يضع من حسنها وكذلك يجري حكم الألفاظ العالية مع فساد ms130 التأليف ~~وهذا موضع شريف ينبغي الالتفات إليه والعناية به PageV01P194 # واعلم أن صناعة تأليف الألفاظ تنقسم إلى ثمانية أنواع هي السجع ويختص ~~بالكلام المنثور والتصريع ويختص بالكلام المنظوم وهو داخل في باب السجع ~~لأنه في الكلام المنظوم كالسجع في الكلام المنثور والتجنيس وهو يعم القسمين ~~جميعا والترصيع وهو يعم القسمين أيضا جميعا ولزوم ما لا يلزم وهو يعم ~~القسمين أيضا والموازنة وتختص بالكلام المنثور واختلاف صيغ الألفاظ وهو يعم ~~القسمين جميعا وتكرير الحروف وهو يعم القسمين جميعا # النوع الأول السجع وحده أن يقال تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف ~~واحد # وقد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة ولا أرى ذلك وجها سوى عجزهم أن ~~يأتوا به وإلا فلو كان مذموما لما ورد في القرآن الكريم فإنه قد أتى منه ~~بالكثير حتى إنه ليؤتي بالسورة جميعها مسجوعة كسورة الرحمن وسورة القمر ~~وغيرهما وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور فمن ذلك قوله تعالى @QB@ إن ~~الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا @QE@ وكقوله تعالى في سورة طه @QB@ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ~~إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش ~~استوى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر ~~بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى @QE@ ~~وكذلك قوله تعالى في سورة ق @QB@ بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج ~~أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج @QE@ وكقوله تعالى ~~@QB@ والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به ~~جمعا @QE@ وأمثال ذلك كثيرة # وقد ورد على هذا الأسلوب من كلام النبي صلى الله عليه وسلم شيء كثير أيضا # فمن ذلك ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P195 ( استحيوا من الله ms131 حق الحياء ) قلنا إنا لنستحيي من الله ~~يا رسول الله قال ( ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى ~~والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا ~~) # ومن ذلك ما رواه عبد الله بن سلام فقال لما قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجئت في الناس لأنظر إليه فلما تبينت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب ~~فكان أول شيء تكلم به أن قال ( أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام ~~وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) # فإن قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعضهم منكرا عليه وقد كلمه ~~بكلام مسجوع ( أسجعا كسجع الكهان ) ولولا أن السجع مكروه لما أنكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم # فالجواب عن ذلك أنا نقول لو كره النبي صلى الله عليه وسلم السجع مطلقا ~~لقال ( أسجعا ) ثم سكت وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لم كان فلما ~~قال ( أسجعا كسجع الكهان ) صار المعنى معلقا على أمر وهو إنكار الفعل لم ~~كان على هذا الوجه فعلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان لا غير ~~وأنه لم يذم السجع على الإطلاق وقد ورد في القرآن الكريم وهو صلى الله عليه ~~وسلم قد نطق به في كثير من كلامه حتى إنه غير الكلمة عن وجهها إتباعا لها ~~بأخواتها من أجل السجع فقال لابن ابنته عليهما السلام ( أعيذه من الهامة ~~والسامة وكل عين لامة ) وإنما أراد ملمة لأن الأصل فيها من ألم فهو ملم ~~وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( ارجعن مأزورات غير مأجورات ) وإنما أراد ~~موزورات من الوزر فقال مأزورات لمكان مأجورات طلبا للتوازن والسجع وهذا مما ~~يدلك على فضيلة السجع # على أن هذا الحديث النبوي الذي يتضمن إنكار سجع الكهان عندي فيه نظر فإن ~~الوهم يسبق إلى إنكاره يقال فما سجع الكهان الذي يتعلق الإنكار به ونهى عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والجواب عن ذلك أن النهي لم يكن عن ms132 السجع ~~نفسه وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع ألا ترى أنه لما أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة قال الرجل أأدي من ~~لا شرب ولا PageV01P196 أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك يطل فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( أسجعا كسجع الكهان ) أي أتتبع سجعا كسجع الكهان # وكذلك كان الكهنة كلهم فإنهم كانوا إذا سئلوا عن أمر جاءوا بالكلام ~~مسجوعا كما فعل الكاهن في قصة هند بنت عتبة فإنه قال لما امتحن قبل السؤال ~~عن قصتها ثمرة في كمرة فقيل له نريد أبين من هذا فقال حبة بر في إحليل مهو ~~والحكاية مشهورة فلهذا اختصرناها ههنا # وكذلك قال سطيح فإنه قال عبد المسيح جاء إلى سطيح وهو موف على الضريح ~~لرؤيا الموبذان وارتجاس الإيوان وأتم الكلام إلى آخره مسجوعا والحكاية ~~مشهورة أيضا فلهذا اختصرناها # فالسجع إذا ليس بمنهي عنه وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول ~~الكاهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أسجعا كسجع الكهان ) أي أحكما ~~كحكم الكهان وإلا فالسجع الذي أتى به ذلك الرجل لا بأس به لأنه قال أأدي من ~~لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك يطل وهذا كلام حسن من حيث السجع ~~وليس بمنكر لنفسه وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن أن ~~يدي الجنين بغرة عبد أو أمة # واعلم أن الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام والاعتدال ~~مطلوب في جميع الأشياء والنفس تميل إليه بالطبع ومع هذا فليس الوقوف في ~~السجع عند الاعتدال فقط ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد إذ لو كان ذلك ~~هو المراد من السجع لكان كل أديب من الأدباء سجاعا وما من أحد منهم ولو شدا ~~شيئا يسيرا من الأدب إلا ويمكنه أن يؤلف ألفاظا مسجوعة ويأتي بها في كلامه ~~بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة طنانة رنانة لا غثة ولا باردة ~~وأعني بقولي غثة باردة ms133 أن صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى ~~مفردات الألفاظ المسجوعة وما يشترط لها من الحسن ولا إلى تركيبها وما ~~PageV01P197 يشترط له من الحسن وهو في الذي يأتي به من الألفاظ المسجوعة ~~كمن ينقش أثوابا من الكرسف أو ينظم عقدا من الخزف الملون # وهذا مقام تزل عنه الأقدام ولا يستطيعه إلا الواحد من أرباب هذا الفن بعد ~~الواحد ومن أجل ذلك كان أربابه قليلا # فإذا صفي الكلام المسجوع من الغثاثة والبرد فإن وراء ذلك مطلوبا آخر وهو ~~أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ فإنه ~~يجيء عند ذلك كظاهر مموه على باطن مشوه ويكون مثله كغمد من ذهب على نصل من ~~خشب وكذلك يجري الحكم في الأنواع الباقية الآتي ذكرها من التجنيس والترصيع ~~وغيرهما # وسأبين لك في هذا مثالا تتبعه فأقول إذا صورت في نفسك معنى من المعاني ثم ~~أردت أن تصوغه بلفظ مسجوع ولم يؤاتك ذلك إلا بزيادة في ذلك اللفظ أو نقصان ~~منه ولا يكون محتاجا إلى الزيادة ولا إلى النقصان إنما تفعل ذلك لأن المعنى ~~الذي قصدته يحتاج إلى لفظ يدل عليه وإذا دللت عليه بذلك اللفظ لا يكون ~~مسجوعا إلا أن تضيف إليه شيئا آخر أو تنقص منه فإذا فعلت ذلك فإنه هو الذي ~~يذم من السجع ويستقبح لما فيه من التكلف والتعسف وأما إذا كان محمولا على ~~الطبع غير متكلف فإنه يجيء في غاية الحسن وهو أعلى درجات الكلام وإذا تهيأ ~~للكاتب أن يأتي به في كتابته كلها على هذه الشريطة فإنه يكون قد ملك رقاب ~~الكلم يستعبد كرائمها ويستولد عقائمها وفي مثل ذلك فليتنافس وعن مقامه ~~فليقاعس ولصاحبه أولى بقول أبي الطيب المتنبي # ( أنت الوحيد إذا ركبت طريقة % ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا ) PageV01P198 # فإن قيل فإذا كان السجع أعلى درجات الكلام على ما ذهبت إليه فكان ينبغي ~~أن يأتي القرآن كله مسجوعا وليس الأمر كذلك بل منه المسجوع ومنه غير ~~المسجوع # قلت في الجواب إن ms134 أكثر القرآن مسجوع حتى إن السورة لتأتي جميعها مسجوعة ~~وما منع أن يأتي القرآن كله مسجوعا إلا أنه سلك به مسلك الإيجاز والاختصار ~~والسجع لا يؤاتي في كل موضع من الكلام على حد الإيجاز والاختصار فترك ~~استعماله في جميع القرآن لهذا السبب # وههنا وجه آخر هو أقوى من الأول ولذلك ثبت أن المسجوع من الكلام أفضل من ~~غير المسجوع وإنما تضمن القرآن غير المسجوع لأن ورود غير المسجوع معجزا ~~أبلغ في باب الإعجاز من ورود المسجوع ومن أجل ذلك تضمن القرآن القسمين ~~جميعا # واعلم أن للسجع سرا هو خلاصته المطلوبة فإن عري الكلام المسجوع منه فلا ~~يعتد به أصلا وهذا شيء لم ينبه عليه أحد غيري وسأبينه ههنا وأقول فيه قولا ~~هو أبين مما تقدم وأمثل لك مثالا إذا حذوته أمنت الطاعن والعائب وقيل في ~~كلامك ليبلغ الشاهد الغائب والذي أقوله في ذلك هو أن تكون كل واحدة من ~~السجعتين المزدوجتين مشتملة على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه أختها ~~فإن كان المعنى فيهما سواء فذاك هو التطويل بعينه لأن التطويل إنما هو ~~الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها وإذا وردت سجعتان ~~يدلان على معنى واحد كانت إحداهما كافية في الدلالة عليه وجل كلام الناس ~~المسجوع جار عليه وإذا تأملت كتابة المفلقين ممن تقدم كالصابي وابن العميد ~~وابن عباد وفلان وفلان وفلان فإنك ترى أكثر المسجوع منه كذلك والأقل منه ~~على ما أشرت إليه # ولقد تصفحت المقامات الحريرية والخطب النباتية على غرام الناس بهما ~~وإكبابهم عليهما فوجدت الأكثر من السجع فيهما على الأسلوب الذي أنكرته # فالكلام المسجوع إذا يحتاج إلى أربع شرائط الأولى اختيار مفردات الألفاظ ~~على الوجه الذي أشرت إليه فيما تقدم الثانية اختيار التركيب على الوجه ~~PageV01P199 الذي أشرت إليه أيضا فيما تقدم الثالثة أن يكون اللفظ في ~~الكلام المسجوع تابعا للمعنى لا المعنى تابعا للفظ الرابعة أن تكون كل ~~واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه ~~أختها فهذه أربع شرائط لا ms135 بد منها # وسأورد ههنا من كلامي أمثلة تحذي حذوها فإني لما سلكت هذه الطريق وأتيت ~~بكلامي مسجوعا توخيت أن تكون كل سجعة منه مختصة بمعنى غير المعنى الذي ~~تضمنته أختها ولم أخل بذلك في مكاتباتي كلها وإذا تأملتها علمت صحة ما قد ~~ذكرته # فمن ذلك ما كتبته في صدر كتاب عن بعض الملوك إلى دار الخلافة وهو الخادم ~~واقف موقف راج هائب لازم بكتابه هذا وقار حاضر عن شخص غائب موجه وجهه إلى ~~ذلك الجناب الذي تقسم فيه أرزاق العباد ويتأدب به الزمان تأدب ذوي ~~الاستعباد وتستمد الملوك من خدمته شرف الجدود كما تستغني بنسبها إليه عن ~~شرف الأجداد ولو ملك الخادم نفسه لقصرها على خدمة قصره وأحظاها من النظر ~~إليه ببرد العيش الذي عمرها محسوب من عمره وهذا القول يقوله وكل ما جد فيه ~~حاسد وبتأميله راكع ساجد والديوان العزيز محسود الاقتراب وهو موطن الرغبات ~~الذي الاغتراب إليه ليس بالاغتراب وما ينافس في القرب من أبوابه الكريمة ~~إلا ذوو الهمم الكريمة وقد ودت الكواكب بأسرها أن تكون له منادمة فضلا عن ~~ندماني جذيمة # ومن ذلك ما كتبته من كتاب يتضمن العناية ببعض الناس وهو الكريم من أوجب ~~لسائله حقا وجعل كواذب آماله صدقا وكان خرق العطايا منه خلقا ولم ير بين ~~ذممه وبين رحمه فرقا وكل ذلك موجود في كرم مولانا أجراه الله من فضله على ~~وتيرة وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة وأوطأه من كل مجد سريرا كما بوأه من ~~كل قلب سريرة ولا زالت يده بالمكارم جديرة ومن الأيام مجيرة ولضرائرها من ~~البحار والسحاب معيرة ولا برحت تستولد عقائم المعاني وتستجد أبنيتها حتى ~~يشهد الناس منها في كل يوم عقيقة أو وكيرة ومن صفات كرمه أنه PageV01P200 ~~يسبك الأموال مآثر ويتخذها عند السؤال ذخائر فهي تفنى لديهم بالإنفاق ~~وذكرها على مرور الأيام باق ومن أربح منه صفقة وقد باع صامتا بناطق وما هو ~~معرض لحوادث السرقات بما لا تصل إليه يد سارق ومثله من عرف الدنيا فرغب ms136 عن ~~اقتنائها وجد في ابتناء المحامد بهدم بنائها وعلم أن مالها ليس عند الضنين ~~به إلا أحجارا وأن غناه منها لا يزيده إلا افتقارا فهو لماله عبد يخدمه ولا ~~يستخدمه وأم ترضعه بسعيها ولا تفطمه # ومنه ما كتبته في جواب كتاب يتضمن إباق غلام وهو أول كتاب ورد من المكتوب ~~عنه إلى المكتوب إليه فقلت وأما الإشارة الكريمة في أمر الغلام الآبق عن ~~الخدمة فقد يفر المهر من عليقه ويطير الفراش إلى حريقه وغير بعيد أن ينبو ~~مضجعه أو يكبو به مطمعه فيرجع وقد حمد من رجوعه ما ذمه من ذهابه وعلم أن ~~الغنيمة كل الغنيمة في إيابه فما كل شجرة تحلو لذائقها ولا كل دار ترحب ~~بطارقها ومن أبق عن مولاه مغاضبا وجانب محل إحسانه الذي لم يكن مجانبا فإنه ~~يجد من مفارقة الإحسان ما يجده من مفارقة معاهد الأوطان وهل أضل سعيا ممن ~~دفع في صدر العافية وغدا يسأل عن الأسقام وألقى الثروة من يده ومضى في طلب ~~الإعدام ومع هذا فإن الخادم يشكره على ذنب الإباق الذي أقدم على اجتراحه ~~وليس ذلك إلا لأنه صار سببا لافتتاح باب المكاتبة الذي لم يطمع في افتتاحه ~~ولا جزاء له عنده إلى السعي في إعادته إلى الخدمة التي تقلب في إنشائها وهي ~~أبر به من أمه التي تقلب في أحشائها ومن فضلها أنها تلقاه من حلمها بوسيلة ~~الشافع ومن كرمها بالوجه الضاحك والفضل الواسع # فانظر أيها المتأمل إلى هذا الأسجاع جميعها وأعطها حق النظر حتى تعلم أن ~~كل واحدة منها تختص بمعنى ليس في أختها التي تليها وكذلك فليكن السجع وإلا ~~فلا # وسأورد ههنا من كلام الصابي ما ستراه # فمن ذلك تحميد في كتاب فقال الحمد لله الذي لا تدركه الأعين PageV01P201 ~~بألحاظها ولا تحده الألسن بألفاظها ولا تخلقه العصور بمرورها ولا تهرمه ~~الدهور بكرورها # ثم انتهى إلى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لم ير للكفر أثرا ~~إلا طمسه ومحاه ولا رسما إلا أزاله وعفاه # ولا فرق بين ms137 مرور العصور وكرور الدهور وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء ~~الرسم # ومن كلامه أيضا في كتاب وهو وقد علمت أن الدولة العباسية لم تزل على سالف ~~الأيام وتعاقب الأعوام تعتل طورا وتصح أطوارا وتلتاث مرة وتستقل مرارا من ~~حيث أصلها راسخ لا يتزعزع وبنيانها ثابت لا يتضعضع # وهذه الأسجاع كلها متساوية المعاني فإن الاعتلال والالتياث والطور والمرة ~~والرسوخ والثبات كل ذلك سواء # وكذلك ورد له في جملة كتاب كتبه عن عز الدولة بن بويه جوابا عن كتاب وصله ~~من الأمير عبد الكريم بن المطيع لله فقال وصلني كتابه مفتتحا من الاعتزاء ~~إلى إمارة المؤمنين والتقلد لأمور المسلمين بما أعراقه الزكية مجوزة ~~لاستمراره وأرومته العلية مسوغة لاستقراره له ولكل نجيب أخذ بحظه من نسبه ~~وضارب بسهم في منصبه إذ كان ذلك جاريا على الأصول المعهودة فيه والأسباب ~~العاقدة له من إجماع المؤمنين كافة فإن تعذر اجتماعهم مع انبساطهم في الأرض ~~وانتشارهم في الطول والعرض فلا بد من اتفاق أشراف كل قطر وأفاضله وأعيان كل ~~صقع وأماثله # وهذا الكلام كله متماثل المعاني في أسجاعه فإن إمارة المؤمنين والتقلد ~~لأمور المسلمين سواء في المعنى وكذلك الأعراق والأرومة والتجويز والتسويغ ~~والأشراف والأفاضل والأعيان والأماثل والقطر والصقع كل ذلك سواء ~~PageV01P202 # وعلى هذا جاء كلامه في كتاب آخر فقال يسافر رأيه وهو دان لم ينزح ويسير ~~تدبيره وهو ثاو لم يبرح # وكلا هذين سواء أيضا # وما أحسن هذا المعنى لو قال يسافر رأيه وهو دان لم يبرح ويثخن الجراح في ~~عدوه وسيفه في الغمد لم يجرح فإنه لو قال مثل هذا سلم من هجنة التكرار # وأمثال ذلك في كلام الصابي كثير # وعلى منواله نسج الصاحب ابن عباد # فمن ذلك ما ذكره في وصف مهزومين فقال طاروا واقين بظهورهم صدورهم ~~وبأصلابهم نحورهم وكلا المعنيين سواء # وكذلك قوله في هذا الكتاب يصف ضيق مجال الحرب مكان ضنك على الفارس ~~والراجل ضيق على الرامح والنابل # ومن كلامه في كتاب وهو لا تتوجه همته إلى أعظم مرقوب إلا طاع ms138 ودان ولا ~~تمتد عزيمته إلى أفخم مطلوب إلا كان واستكان # وكل هذا الذي ذكره شيء واحد # وله من كتاب وهو وصل كتابه جامعا من الفوائد أشدهما للشكر استحقاقا ~~وأتمها للحمد استغراقا وتعرفت من إحسان الله فيما وفره من سلامته وهنأه من ~~كرامته أنفس موهوب ومطلوب وأحمد مرقوب ومخطوب # وهذا كله متماثل المعاني متشابه الألفاظ # وفيما أوردته ههنا مقنع فأنعم نظرك أيها الواقف على هذا الكتاب فيما ~~بينته لك ووضعت يدك عليه حتى تعلم كيف تأتي بالمعاني في الألفاظ المسجوعة ~~والله الموفق للصواب # فإن قيل إنك اشترطت أن تكون كل واحدة من الفقرتين في الكلام المسجوع دالة ~~على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها وإنما اشترطت هذه PageV01P203 ~~الشريطة فرارا من أن يكون المعنيان شيئا واحدا ونرى قد ورد في القرآن ~~الكريم لفظتان بمعنى واحد في آخر إحدى الفقرتين المسجوعتين كقوله تعالى ~~@QB@ واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا @QE@ وكل ~~رسول نبي # قلت في الجواب ليس هذا كالذي اشترطته أنا في اختصاص كل فقرة بمعنى غير ~~المعنى الذي اختصت به أختها وإنما هو إيراد لفظتين في آخر إحدى الفقرتين ~~بمعنى واحد وهذا لا بأس به لمكان طلب السجع ألا ترى أن أكثر هذه السورة ~~التي هي سورة مريم عليها السلام مسجوعة على حرف الياء وهذا يجوز لصاحب ~~السجع أن يأتي به وهو بخلاف ما ذكرته أنا ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد غير اللفظة عن وضعها طلبا للسجع فقال ( مأزورات ) وإنما هي موزورات ~~وقال ( العين اللامة ) وإنما هي الملمة إلا أنه ليس في ذلك زيادة معنى بل ~~يفهم من لفظة مأزورات أنها قائمة موزورات وكذلك يفهم من لفظة لامة أنها ~~بمعنى ملمة فالسجع قد أجيز معه تغيير وضع اللفظة وأجيز معه أن يورد لفظتان ~~بمعنى واحد في آخر إحدى الفقرتين ومع هذا فلم يجز في استعماله أن يورد ~~فقرتان بمعنى واحد لأنه تطويل محض لا فائدة فيه وبين الذي ذكرته أنت وبين ~~الذي ذكرته ms139 أنا فرق ظاهر # والذي قدمت من الأمثلة المسجوعة للصابي والصاحب ابن عباد ربما كانت يسيرة ~~أتهم فيها بالتعصب ويقال إني التقطتها التقاطا من جملة رسائلهما وقد خرجت ~~من عهدة هذه التهمة وذاك أني وجدت للصابي تقليدا بنقابة الأشراف العلويين ~~ببغداد وكنت أنشأت تقليدا بنقابة الأشراف العلويين بالموصل وقد أوردت ~~التقليدين ههنا ليتأملهما الناظر في كتابي هذا ويحكم بينهما إن كان عارفا ~~أو يسأل عنهما العارف إن كان مقلدا # وقد أوردت تقليد الصابي أولا لأنه المقدم زمانا وفضلا وهو هذا ما عهد ~~أمير المؤمنين إلى محمد بن الحسين بن موسى العلوي الموسوي حين وصلته به ~~الأنساب وتأكدت له الأسباب وظهرت دلائل عقله ولبابته ووضحت مخايل فضله ~~ونجابته ومهد له بهاء الدولة وضياء الملة أبو نصر بن عضد الدولة وتاج ~~PageV01P204 الملة مولى أمير المؤمنين ما مكن له عند أمير المؤمنين من ~~المحل المكين ووصفه به من الحلم الرزين وأشاد به فيه من رفع المنزلة وتقديم ~~المرتبة والتأهيل لولاية الأعمال والحمل للأعباء الثقال وحيث رغبه فيه ~~سابقة الحسين أبيه في الخدمة والنصيحة والمواقف المحمودة والمقامات ~~المشهودة التي طابت بها أخباره وحسنت فيها آثاره وكان محمد متخلقا بخلائقه ~~وذاهبا في طرائقه علما وديانة وورعا وصيانة وعفة وأمانة وشهامة وصرامة ~~بالحظ الجزيل من الفضل الجميل والأدب الجزل والتوجه في الأهل والإيفاء ~~بالمناقب على لداته وأترابه والإبرار على قرائبه وأضرابه فقلده ما كان ~~داخلا في أعمال أبيه من نقابة نقباء الطالبين أجمعين بمدينة السلام وسائر ~~الأعمال والأمصار شرقا وغربا وبعدا وقربا واختصه ذلك جذبا بصنعه وإنافة ~~بقدره وقضاء لحق رحمه وترفيها لأبيه وإسعافا بإيثاره فيه إلى أمير المؤمنين ~~واستخلافه عليه من النظر في المظالم وتسيير الحجيج في المواسم والله يعقب ~~أمير المؤمنين فيما أمر ودبر حسن العاقبة فيما قضى وأمضى وما توفيق أمير ~~المؤمنين إلا بالله عله يتوكل وإليه ينيب # أمره بتقوى الله التي هي شعار المؤمنين وسنا الصالحين وعصمة عباد الله ~~أجمعين وأن يعتقدها سرا وجهرا ويعتمدها قولا وفعلا ويأخذ بها ويعطي ويسر ~~بها وينوي ms140 ويأتي ويذر ويورد ويصدر فإنها السبب المتين والمعقل الحصين ~~والزاد النافع يوم الحساب والمسلك المفضي إلى دار الثواب وقد حض الله ~~أولياءه عليها وهداهم في محكم كتابه إليها فقال عز من قائل @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين @QE@ # وأمره بتلاوة كتاب الله مواظبا وتصفحه مداوما ملازما والرجوع إلى أحكامه ~~فيما أحل وحرم ونقض وأبرم وأثاب وعاقب وباعد وقارب فقد صحح الله برهانه ~~وحجته وأوضح منهاجه ومحجته وجعله نجما في الظلمات طالعا ونورا في المشكلات ~~ساطعا فمن أخذ به نجا وسلم ومن عدل عنه هوى وندم PageV01P205 قال الله ~~تعالى @QB@ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل ~~من حكيم حميد @QE@ # وأمره بتنزيه نفسه عما تدعو إليه الشبهات وتطلع إليه التبعات وأن يضبطها ~~ضبط الحليم ويكفها كف الحكيم ويجعل عقله سلطانا عليها وتمييزه أمرا ناهيا ~~لها ولا يجعل لها عذرا إلى صبوة ولا هفوة ولا يطلق منها عنانا عند ثورة لا ~~فورة فإنها أمارة بالسوء منصبة إلى الغي فمن رفضها نجا ومن اتبعها هوى ~~فالحازم متهم عند تحرك وطره وأربه واهتياج غيظه ولا يدع أن يغضها بالشكيم ~~ويعركها عرك الأديم ويقودها إلى مصالحها بالخزائم ويفتقدها من مقارفة ~~المآثم والمحارم كيما يعز بتذليلها وتأديبها ويجل برياضها وتقويمها والمفرط ~~في أمر تطمح به إذا طمحت ويجمع معها إذا جمحت ولا يلبث أن تورده حيث لا ~~يصدر وتلجئه إلى أن يعتذر وتقيمه مقام النادم الواجم وتتنكب به سبيل الراشد ~~السالم وأحق من تحلى بالمحاسن وتصدى لاكتساب المحامد من ضرب بمثل سهمه في ~~نسب أمير المؤمنين الشريف ومنصبه المنيف واجتمع معه في ذؤابة العترة ~~الطاهرة واستظل بأوراق الدوحة الفاخرة فذلك الذي تتضاعف به المآثر إن آثرها ~~والمثالب إن أسف إليها ولا سيما من كان مندوبا بالسياسة ومرشحا للتقليد على ~~أهله إذ ليس يفي بالصلاح لمن ولي عليه ولا يفي بإصلاح ما بين جنبيه ومن ~~أعظم الهجنة عليه أن يأمر ولا يأتمر ويزجر ولا يزدجر قال الله تعالى جل ms141 ~~ذكره @QB@ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون @QE@ # وأمره أن يتصفح أحوال من ولي عليهم من استقراء مذاهبهم والبحث عن بواطنهم ~~ودخائلهم وأن يعرف لمن تقدمت قدمه منهم وتظاهر فضله فيهم منزلته ويوفيه حقه ~~وزينته وينتهي في إكرام جماعتهم إلى الحدود التي توجبها أنسابهم وأقدارهم ~~وتقتضيها مواقعهم وأخطارهم فإن ذلك يلزمه لشيئين أحدهما يخصه وهو النسب ~~الذي بينه وبينهم والآخر يعمه والمسلمين جميعا وهو قول الله جل ذكره @QB@ ~~قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى @QE@ فالمودة لهم PageV01P206 ~~الإعظام لأكابرهم والاشتمال على أصاغرهم واجب متضاعف الوجوب عليه متأكد ~~اللزوم له ومن كان منهم في دون تلك الطبقة من أحداث لم يحتنكوا عليه وجذعان ~~لم يقرحوا ومجرين إلى ما يزري بأنسابهم ويغض من أحسابهم عذلهم وأنبهم ~~ونهاهم ووعظهم فإن نزعوا وأقلعوا فذاك المراد بهم والمقصد فيهم وإن أصروا ~~وتتابعوا أنالهم من العقوبة بقدر ما يكف ويردع فإن نفع وإلا تجاوزه إلى ما ~~يلذع ويوجع من غير تطرق لأعراضهم ولا امتهان لأحسابهم فإن المغرض منهم ~~الصيانة لا الإهانة والإدالة لا الإذالة وإذا وجبت عليهم الحقوق أو تعلقت ~~بهم دواعي الخصوم قادهم إلى الإعفاء بما يصح منها ويجب والخروج إلى سنن ~~الحق فيما يشتبه ويلتبس ومتى لزمتهم الحدود أقامها عليهم بحسب ما أمره الله ~~تعالى فيها بعد أن تثبت الجرائم وتصح وتبين وتتضح وتتجرد عن الشك وتتجلى من ~~الظن والتهمة فإن الذي يستحب في حدود الله عز وجل أن تدرأ مع نقصان اليقين ~~والصحة وأن تمضى عليهم مع قيام الدليل والبينة قال الله عز وجل @QB@ ومن ~~يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون @QE@ # وأمره بحياطة أهل النسب الأطهر والشرف الأفخر عن أن يدعيه الأدعياء أو ~~يدخل فيه الدخلاء ومن أنتمى إليه كاذبا أو انتحله باطلا ولم يوجد له بيت في ~~الشجرة ولا مصداق عند النسابين المهرة أوقع به كذبه وفسقه وشهره شهرة ينكشف ~~بها غشه ولبسه وينزع بها غيره ممن تسول له ذلك نفسه وأن يحصن الفروج عن ~~مناكحة من ms142 ليس كفئا لها في شرفها وفخرها حتى لا يطمع في المرأة الحسيبة ~~النسيبة إلا من كان مثلا لها مساويا ونظيرا موازيا فقد قال الله تعالى @QB@ ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ # وأمره بمراعاة متبتلي أهله ومتهجديهم وصلحائهم ومجاوريهم وأراملهم ~~وأصاغرهم حتى تستد الخلة من أحوالهم وتدر المواد عليهم وتتعادل أقساطهم ~~فيما يصل إليهم من وجوه أموالهم وأن يزوج الأيامى ويربي اليتامى وليلزمهم ~~المكاتب فيتلقنوا القرآن ويعرفوا فرائض الإسلام والإيمان ويتأدبوا بالآداب ~~اللائقة بذوي الأحساب فإن شرف الأعراق محتاج إلى شرف الأخلاق ولا حمد لمن ~~شرفه حسبه وسخف أدبه إذ كان لم يكتسب الفخر الحاصل بفضل سعي ولا ~~PageV01P207 طلب ولا اجتهاد بل بصنع الله تعالى له ومزيد المنة عليه وبحسب ~~ذلك لزوم ما يلزمه من شكره سبحانه على هذه العطية والاعتداد بما فيها من ~~المزية # وإعمال النفس في حيازة الفضائل والمناقب والترفع عن الرذائل والمثالب # وأمره بإجمال النيابة عن شيخه الحسين بن موسى فيما أمره أمير المؤمنين ~~باستخلافه عليه من النظر والأخذ للمظلوم من الظالم وأن يجلس للمترافعين ~~إليه جلوسا عاما ويتأمل كلامهم تأملا تاما فما كان منها متعلقا بالحاكم رده ~~إليه ليحمل الخصوم عليه وما كان من طريقة الغشم والظلم والتغلب والغصب قبض ~~عند اليد المبطلة وثبت فيه اليد المستحقة وتحرى في قضاياه أن تكون موافقة ~~للعدل ومجانبة للخذل فإن عادة الحكام وصاحب المظالم واحدة وهي إقامة الحق ~~ونصرته وإبانته وإثارته وإنما يختلف سبيلاهما في النظر إذ كان الحاكم يعمل ~~بما ثبت عنده وظهر وصاحب المظالم يفحص عما غمض واستتر وليس له مع ذلك أن ~~يرد للحاكم حكومة ولا يعل له قضية ولا يتعقب ما ينفذه ويمضيه ولا يتتبع ما ~~يحكم به ويقضيه والله يهديه ويوفقه ويسدده ويرشده # وأمره أن يسير حجيج بيت الله عز وجل إلى مقصدهم ويحميهم في بدأتهم ~~وعودتهم ويرتبهم في مسيرهم ومسلكهم ويرعاهم في ليلهم ونهارهم حتى لا تنالهم ~~شدة ولا تصل إليهم مضرة وأن يريحهم في المنازل ويوردهم المناهل ويناوب ~~بينهم ms143 في النهل والعلل ويمكنهم من الارتواء والاكتفاء مجتهدا في الصيانة ~~لهم ومعذرا في الذب عنهم ومتلوما على متأخرهم ومتخلفهم ومنهضا لضعيفهم ~~ومهيضهم فإنهم حجاج بيت الله الحرام وزوار قبر رسوله صلى الله عليه وسلم قد ~~هجروا الأهل والأوطان وفارقوا الجيرة والإخوان وتجشموا المغارم الثقال ~~وتعسفوا السهولة والجبال يلبون دعاء الله ويطيعون أمره ويؤدون فرضه ويرجون ~~ثوابه وحقيق على المسلم أن يحرسهم متبرعا ويحوطهم متطوعا فكيف من تولى ذلك ~~وضمنه وتقلده واعتقبه قال الله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا @QE@ PageV01P208 # وأمره أن يراعي أمور المساجد بمدينة السلام وأطرافها وأقطارها وأكنافها ~~وأن يجبي أموال وقفها ويستقصي جميع حقوقها وأن يلم شعثها ويسد خللها بما ~~يتحصل من هذه الوجوه قبله لا يزيل رسما جرى ولا ينقض عادة كانت لها وأن ~~يكتب اسم أمير المؤمنين على ما يعمره منها ويذكر اسمه بعده بأن عمارتها جرت ~~على يده وصلاح أداه قول أمير المؤمنين في ذلك تنويها باسمه وإشادة لذكره ~~وأن يولي ذلك من قبله من حسنت أمانته وظهرت عفته وصيانته فقد قال الله جل ~~من قائل @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ # وأمره أن يستخلف على ما يرى استخلافه عليه من هذه الأعمال في الأمصار ~~الدانية والنائية والبلاد القريبة والبعيدة من يثق به من صلحاء الرجال ذوي ~~الوفاء والاستقلال وأن يعهد إليهم مثل ما عهد إليه ويعتمد عليهم مثل ما ~~اعتمد عليه ويستقصي في ذلك آثارهم ويتعرف أخبارهم فمن وجده محمودا قربه ومن ~~وجده مذموما صرفه ولم يمهله واعتاض من ترجى الأمانة عنده وتكون الثقة ~~معهودة منه وأن يختار لكتابته وحجابتة والتصرف فيما قرب منه وبعد عنه من ~~يزينه ولا يشينه وينصح له ولا يغشه ويجمله ولا يهجنه من الطبقة المعروفة ~~باللطف المتصونة عن النطف ويجعل لهم من الأرزاق الكافية والأجرة الوافية ما ~~يصدهم عن المكاسب الذميمة والمآكل الوخيمة فليس تجب عليهم الحجة إلا ms144 مع ~~إعطاء الحاجة قال الله تعالى @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف ~~يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى @QE@ # وأمره أن يكتب لمن تقوم بينته عنده وتنكشف له حجته إلى أصحاب المعارف ~~بالشد على يده واتصال حقه إليه وحسم الطمع الكاذب فيه وقبض اليد الظالمة ~~عنه إذ هم مندوبون للتصرف بين أمره ونهيه والوقوف عند رسمه وحده # هذا عهد أمير المؤمنين إليك وحجته لك وعليك قد أبان منه سبيلك وأوضح ~~دليلك وهداك لرشدك وجعلت على بينة من أمرك فاعمل به ولا تخالفه وانته إليه ~~ولا تجاوزه وإن عرض لك عارض يعجزك الوفاء به ويشتبه PageV01P209 عليك ~~الخروج منه أنهيته إلى أمير المؤمنين مبادرا وكنت إلى ما يأمرك به صائرا إن ~~شاء الله تعالى # وأما التقليد الذي أنشأته أنا فقد أوردته بعد هذا التقليد وهو # أما بعد فإن كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم وكل كتاب لا يرقم ~~باسمه فليس بمعلم وعلى هذا فإن حمده يتنزل من الكلام منزلة الأعضاء من ~~الأجسام واسمه يتنزل من الكتاب منزلة الرقوم من الثياب وقد جمعنا في كتابنا ~~هذا بين التسمية والتحميد وجعلنا أحدهما مفتاحا للتيمن والآخر سببا للمزيد ~~ثم ردفناهما بالصلاة على سيدنا محمد الذي أيده الله بالقرآن المجيد وجعل ~~شهادته قبل كل شهيد وعلى آله وصحبه الذين هدوا إلى الطيب من القول وهدوا ~~إلى صراط الحميد ومما يقترن بهذه الصلاة في ثوابها ويجيء على أعقابها النظر ~~في أمر الأسرة النبوية التي وصل ودها بوده وجعلها إحدى الثقلين المخلفين من ~~بعده وقد تقادم الآن زمانها وتشعبت أغصانها ونسي مالها في الرقاب من عهدة ~~الأمانة ولم توضع فيما وضع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من ~~المكانة وأولى الناس بها من أضمر ولاءها حقا وأوجب أن يرد معها الحوض حين ~~يقال لوارده سحقا وكان بمن تحت يده منها بارا رفيقا حتى لا يسأله برا ولا ~~رفقا ونحن نرجو أن نفوز بفضيلة هذه الحسنة وأن نسبق إليها سبق المتقرب في ~~الجمعة ببدنه ms145 ومن أهم أمورها أن يختار لها زعيم يرأف بها رأفة الوالد بولده ~~ويقوم بأمرها قيام الرأس بجسده حتى تأتلف أصولها كلها في مغرسها ولا يحكم ~~عليها من ليس من أنفسها وقد اخترنا من وفقنا في اختياره وأخذناه فيه ببيان ~~الرأي وحزمه لا بشبهة الهوى واغتراره ولو لم يكن من القوم الذين ولوها لكان ~~استحقاقه لها بينا والتعويل عليها متعينا فكيف وقدمه فيها قديمة الميلاد ~~ووراثته إياها عن سيادة الجدود وسؤدد الأجداد وهو أنت أيها السيد الأجل ~~الشريف الحسيب النسيب فلان بن فلان الحسيني ولو شئنا لأسندنا هذه النسبة ~~كابرا عن كابر ونضدناها آخرا بعد أول عن أول قبل آخر حتى وصلنا هذا الفرع ~~بشجرته الطيبة وهذا القطر بسحابته الصيبة وشرف الأنساب أصدقه ما كان الدهر ~~به شهيدا وأجده ما كان قديما وأخلقه ما كان جديدا وما تولى الروح الأمين ~~مدحه قرآنا أكرم مما تولى PageV01P210 الشعراء مدحه قصيدا ولا فضل للمعتزي ~~إلى هذا النسب حتى تلحق البنوة بالأبوة ويضيف درجة الفضيلة إلى محتد النبوة ~~وحينئذ يقال ما أقرب الشبه على قدم عهده وهذا ماء الورد بعد ذهاب ورده وأنت ~~ذلك الرجل الذي تردد الشرف في مناسبه تردد القمر في منازله وزها المجد ~~بمناقبه زهو الروض في خمائله فلآليء حسبك تغنيك عن سؤال من وما وتملأ بودك ~~وحمدك قلبا وفما والحسب ما حفظت أواخره أوائله وأوضحت الليالي والأيام ~~دلائله وأقرت به الأعداء فما ردت فضائله وهذه هي المآثر التي إذا نظمت غارت ~~الشعرى عليها من الشعر وإذا نثرت وجدت في محكم الذكر وأنت صاحبها وابن ~~صاحبها ومن لم يرثها عن أباعدها بل عن أقاربها ولو جانبت رياستها مصانعا ~~ومشيت بها الضراء متواضعا لدل عليك وصفها وعرف منك عرفها # وقد قلدناك أمر هذه الأسرة الطاهرة التي هي أسرتك وأمرناك عليها وإمرتها ~~إمرتك فتولها تولي من خفض لها جناحه وأفاض عليها سماحه وأنضى فيها غدوه ~~ورواحه حتى يقال إنك الراعي الذي تناول ثلثه فأراح حسيرها وجبر كسيرها ~~وارتاد لها خصبا وأوردها رفها لا غبا ms146 وأذكى في كلاءتها عينا وقلبا # ومن حقها عليك أن تنظر إلى ذات شمالها وذات يمينها وتتصفح أحوالها في أمر ~~دنياها ودينها فأول ذلك أن تعلمها كتاب الله تعالى الذي في تعليمه نهج ~~الصواب وفي تلاوته مضاعفة حسنات الثواب وقد مثل قارئه بالبيت العامر وتاركه ~~بالبيت الخراب وهو كتاب امتاز عن الكتب بنجوم التنزيل وتولى الله حفظه من ~~التحريف والتبديل وافتتحه بالسبع المثاني التي لم ينزل مثلها في التوراة ~~ولا في الإنجيل وهو الموصوف بأنه النور المستضاء به في غيابة الظلماء ~~والحبل الممدود من الأرض إلى السماء والبحر الذي لا يستخرج لؤلؤه ومرجانه ~~إلا الراسخون من العلماء # وكذلك فخذ هذه الأسرة بتعليم الفضائل التي تتفاوت بها القيم وسسها برياضة ~~الآداب وتهذيب الشيم ولا تتركها فوضى لا يتسم أحدها بسمة القدر المنيف ولا ~~يرجع إلى حسب تليد ولا إلى سعي طريف وتكون غاية ما عنده من PageV01P211 ~~الفضيلة أن يقال فلان الشريف ومن حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أن ~~توفي فضل مكانها وتخالف بين شأن غيرها من المسلمين وبين شأنها فلا تبتذل ~~بمجالس الولاة في انتزاع ظلامة ولا في إقامة حد يسلب معه رداء الكرامة وأنت ~~تتولى ذلك منها وجب عليها من حق فخذها باقتضائه وأمض فيها حكم الله الذي ~~أمر بإمضائه وليكن ذلك على وجه الرفق الذي يسلس له القياد ويتوطأ له المهاد ~~وإن أمكنك افتداء شيء من هذه الظلامات التي تتوجه عليها ففاد وقد أتم الله ~~فضلها بمنع كرائمها إلا من كفء لا دناءة في عنصره ولا غضاضة في مخبره وهو ~~الذي إن فاته شرف النبوة في مغرسه فلم يفته شرف النباهة في معشره وإذا ~~تباينت الأقدار فلا فرق بن المناكح المخطوبة وبين الأسلاب المسلوبة فاحفظ ~~لأسرتك حرمة هذه المنزلة واجعلها في كتاب الوصايا التي وصيت بها مكان ~~البسملة وكما أمرناك بالنظر في صون أقدارها فكذلك نأمرك بالنظر في حفظ مادة ~~درهمها ودينارها وقد علمت أن لها أوقافا وقفها قوم فحظوا بأجرها واسمها ~~وستحظى أنت بالعدل في قسمها ms147 فأجر على كل منها رزقه وأعط كل ذي حق حقه وفي ~~الناس طائفة أدعياء يرومون إلحاق الرأس بالذنب والنبع بالغرب ويلحقون أبا ~~لغير ابن وابنا لغير أب كل ذلك رغبة في سحت يأكلونه لا في نسب يوصلونه فنقب ~~عن حال هؤلاء تنقيبا واجعل النسب نسيبا والغريب غريبا حتى تخلص السلالة من ~~طراقها وتبقى الشجرة قائمة على أعراقها ومن علمت كذبه فازجره بأليم ~~الازدجار وأعلمه بأنه قد تبوأ مقعده من النار وأشهره في الناس حتى ينتهي ~~وينتهي غيره بذلك الاشتهار # وههنا وصية هي أهم من هذه الوصية أمرا وأعظم أجرا وأجدر بأن تكون هذه ~~الأولى وتكون هي الأخرى وهي الأخذ على ألسنة السفهاء من الخوض فيها شجر بين ~~آل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإظهار العصبية التي تزحزح الحق عن ~~نصابه وترجعه على أعقابه وليس مستندها إلا مغالاة ذوي الجهل وربما نشأ منها ~~فتنة والفتنة أشد من القتل فوكل بهؤلاء غربا قاطعا ونهيا قامعا وكن في ذلك ~~شارعا لما كان الله شارعا فأولئك السادات هم النجوم الذين بأيهم كان ~~الاقتداء كان به الاهتداء وقصارى المحسن في هذا الزمان أن يتعلق منها سببا ~~ويأخذ عنهم دينا أو أدبا ولا يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه ولو أنفق مثل أحد ~~ذهبا ونحن نعلم أنك واقف على سنن اقتصادك وأن هذه الوصية هي محض ~~PageV01P212 اعتقادك والمنصف في هذا المقام من رمقه بنظر جلي ووفى أبا بكر ~~وعمر رضي الله عنهما حقهما وإن كان من نسل علي فكل قد ذكره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بفضله وهؤلاء من صحابته وهذا من أهله ونعوذ بالله من ~~الأهواء الزائغة والأقوال التي ليست بسائغة ولا حجة إلا بالحق ولله الحجة ~~البالغة وقد جعلنا لك في مالنا عطاء دارا تستعين به على لوازم النفقات ~~وتخرج نافلته في وقاية عرضك التي هي محسوبة من الصدقات فإن من ساد قوما ~~يفتقر إلى تحمل أثقالهم والإفاضة من حاله على أحوالهم وهذا بر يكون منا ~~أصله ومنك فرعه وثواب يكون لك قصده ms148 ولنا شرعه وصاحب الإحسان من سن سبيل ~~الإحسان ولم نرض أن أريناك مكانه حتى أمددناك فيه بالإمكان فأعط ما لنا ~~وتعلم من سنة إفضالنا ولدولتنا بذلك ثوب جمال كلما لبس زاد جدة وعمر ذكر ~~كلما مضت عليه مدد الأيام طال مدة ولا ملك في الدنيا لمن لم يجعل ملكه ~~حديثا حسنا ويشتري المحامد فيجعله لها ثمنا ومن عرف قدر الثناء جد في ~~تحصيله ولو أنفق الكثير في قليله فكم من دولة أعدمت منه فدرست آثار معالمها ~~ولو كانت منه مثرية لما ذهبت مع بقاء مكارمها وإذا ذكرنا هذا فلنختمه بما ~~يكون قلادة لصاحب هذا التقليد وهو أن نجرد العناية بوجاهته حتى يلبس تقدما ~~بذلك التجريد وفحوى ذلك أن يعلم الناس ما له في الدولة من منزلة الكرامة ~~ويعرفوا أنه فيها ابن جلا غير محتاج إلى وضع العمامة ونحن نأمر نوابنا ~~وولاتنا وأصحابنا أن يوفوه حق أبوته الشريفة وفضيلته التي ردفتها فأضحت وهي ~~لها رديفة وأن يعطوه ما شاء من إعلاء شأنه ويمضوا فعل يده وقول لسانه إن ~~شاء الله تعالى # وقد وجدت للصابي أيضا تقليدا أنشأه لفخر الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة ~~أبي علي بن بويه عن الخليفة الطائع رحمه الله وهو مثبت ههنا على صورته وكان ~~عرض على تقليد كتب للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب من الخليفة ~~المستضيء بالله رحمه الله في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة فوجدت فيه كلاما ~~نازلا بالمرة وسألني بعض الإخوان بمدينة دمشق أن أعارضه فعارضته بتقليد في ~~معناه وهو مثبت ههنا أيضا وكلا التقليدين باسم ملك كبير وفيهما يظهر ما ~~يظهر من فصاحة وبلاغة PageV01P213 # فأما التقليد الذي أنشأه الصابي فهو هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم ~~الطائع لله أمير المؤمنين إلى فخر الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي ~~مولى أمير المؤمنين حين عرف غناه وبلاه واستصح دينه ويقينه # ورعى قديمه وحديثه واستنجب عوده ونجاره وأثنى عز الدولة أبو منصور بن معز ~~الدولة أبي الحسين مولى أمير المؤمنين عليه وأشار ms149 بالمزيد في الصنيعة إليه ~~وأعلم أمير المؤمنين اقتداءه به في كل مذهب ذهب فيه من الخدمة وغرض رمى ~~إليه من النصيحة دخولا في زمرة الأولياء المنصورة وخروجا عن جماعة الأعداء ~~المدحورة وتصرفا على موجبات البيعة التي هي بعز الدولة أبي منصور منوطة ~~وعلى سائر ما يتلوه ويتبعه مأخوذة مشروطة فقلده الصلاة وأعمال الحرب ~~والمعاون والأحداث والخراج والأعشار والضياع والجهبذة والصدقات والجوالي ~~وسائر وجوه الجبايات والعرض والعطاء والنفقة في الأولياء والمظالم وأسواق ~~الرقيق والعيار في دور الضرب والطرز والحسبة بكور همذان واستراباذ والدينور ~~وقرميسين والإيعارين وأعمال أذربيجان وأزان والسحانين وموقان واثقا منه ~~باستقبال النعمة واستدامتها والاستزادة بالشكر منها والتجنب لغمطها وجحودها ~~والتنكب لإيحاشها وتنفيرها والتعمد لما يمكن له الحظوة والزلفى ويحرس عليه ~~الأثرة والقربى بما يظهره ويضمره من الوفاء الصحيح والولاء الصريح والغيب ~~الأمين والصدر السليم والمقاطعة لكل من قطع العصمة وفارق الجملة والمواصلة ~~لكل من حمى البيضة وأخلص النية والكون تحت ظل أمير المؤمنين وذمته ومع عز ~~الدولة أبي منصور وفي حوزته والله جل اسمه يعرف لأمير المؤمنين حسن العقبى ~~فيما أبرم ونقض وسداد الرأي فيمن رفع وخفض ويجعل عزائمه مقرونة بالسلامة ~~محجوبة عن موارد الندامة وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل # أمره بتقوى الله التي هي العصمة المتينة والجنة الحصينة والطود الأرفع ~~والمعاذ الأمنع والجانب الأعز والملجأ الأحرز وأن يستشعرها سرا وجهرا ~~ويستعملها قولا وفعلا ويتخذها ذخرا دافعا لنوائب القدر وكهفا حاميا من ~~حوادث الغير فإنها أوجب الوسائل وأقرب الذرائع وأعودها على العبد بمصالحه ~~وأدعاها إلى كل مناجحة وأولاها بالاستمرار على هدايته والنجاة من غوايته ~~PageV01P214 والسلامة في دنياه حين توبق موبقاتها وتردهي مردياتها وفي ~~آخرته حين تروع رائعاتها وتخيف مخيفاتها وأن يتأدب بأدب الله في التواضع ~~والإخبات والسكينة وصدق اللهجة إذا نطق وغض الطرف إذا رمق وكظم الغيظ إذا ~~أحفظ وضبط اللسان إذا أغضب وكف اليد عن المآثم وصون النفس عن المحارم وأن ~~يذكر الموت الذي هو نازل به والموقف الذي هو صائر إليه ويعلم أنه مسئول عما ~~اكتسب ms150 مجزى عما تزمل واحتقب ويتزود من هذا الممر لذلك المقر ويستكثر من ~~أعمال البر لتنفعه ومن مساعي الخير لتنقذه ويأتمر بالصالحات قبل أن يأمر ~~بها ويزدجر عن السيئات قبل أن يزجر عنها ويبتدئ بإصلاح نفسه قبل إصلاح ~~رعيته فلا يبعثهم على ما يأتي ضده ولا ينهاهم عما يقترف مثله ويجعل ربه ~~رقيبا عليه في خلواته ومروأته مانعة له من شهواته فإن أحق من غلب سلطان ~~الشهوة وأولى من ضرع لغذاء الحمية من ملك أزمة الأمور واقتدر على سياسة ~~الجمهور وكان مطاعا فيما يرى متبعا فيما يشاء يلي على الناس ولا يلون عليه ~~ويقتص منهم ولا يقتصون منه فإذا اطلع الله منه على نقاء جيبه وطهارة ذيله ~~وصحة سريرته واستقامة سيرته أعانه على حفظ ما استحفظه وأنهضه بثقل ما حمله ~~وجعل له مخلصا من الشبهة ومخرجا من الحيرة فقد قال الله تعالى @QB@ ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ وقال عز من قائل @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ ~~وقال @QB@ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين @QE@ إلى آي كثيرة حضنا بها على ~~أكرم الخلق وأسلم الطرق فالسعيد من نصبها إزاء ناظره والشقي من نبذها وراء ~~ظهره وأشقى منها من بعث عليها وهو صادف عنها وأهاب إليها وهو بعيد منها وله ~~ولأمثاله يقول الله تعالى ذكره @QB@ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون @QE@ # وأمره أن يتخذ كتاب الله إماما متبعا وطريقا متوقعا ويكثر من تلاوته إذا ~~خلا بذكره ويملأ بتأميله أرجاء صدره فيذهب معه فيما أباح وحظر ويقتدي به ~~PageV01P215 إذا نهى وأمر ويستبين ببيناته إذا استغلقت دونه المعضلات ~~ويستضيء بمصابيحه إذا غم عليه في المشكلات فإنه عروة الإسلام الوثقى ومحجته ~~الوسطى ودليله المقنع وبرهانه المرشد والكاشف لظلم الخطوب والشافي من مرض ~~القلوب والهادي لمن ضل والمتلافي لمن زل فمن نجا به فقد فاز وسلم ومن لها ~~عنه فقد خاب وندم قال الله تعالى @QB@ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل ms151 من ~~بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد @QE@ # وأمره أن يحافظ على الصلوات ويدخل فيها في حقائق الأوقات قائما على ~~حدودها متبعا لرسومها جامعا فيها بين نيته ولفظه متوقيا لمطامح سهوه ولحظه ~~منقطعا إليها عن كل قاطع لها مشغولا بها عن كل شاغل عنها متثبتا في ركوعها ~~وسجودها مستوفيا عدد مفروضها ومسنونها موفرا عليها ذهنه صارفا إليها همه ~~عالما بأنه واقف بين يدي خالقه ورازقه ومحييه ومميته ومعاقبه ومثيبه لا ~~تستر دونه خائنة الأعين وما تخفي الصدور فإذا قضاها على هذه السبيل منذ ~~تكبيرة الإحرام إلى خاتمة التسليم أتبعها بدعاء يرتفع بارتفاعها ويستمع ~~باستماعها لا يتعدى فيه مسائل الأبرار ورغائب الأخيار من استصفاح واستغفار ~~واستقالة واسترحام واستدعاء لمصالح الدين والدنيا وعوائد الآخرة والأولى ~~فقد قال الله تعالى @QB@ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ # وأمره بالسعي في أيام الجمع إلى المساجد الجامعة وفي الأعياد إلى ~~المصليات الضاحية بعد التقدم في فرشها وكسوتها وجمع القوام والمؤذنين ~~والمكبرين فيها واستسعاء الناس إليها وحضهم عليها آخذين الأهبة متنظفين في ~~البزة مؤدين لفريضة الطهارة وبالغين في ذلك أقصى الاستقصاء معتقدين خشية ~~الله وخيفته مدرعين تقواه ومراقبته مكثرين من دعائه عز وجل وسؤاله مصلين ~~على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله بقلوب على اليقين موقوفة وهمم إلى ~~الدين مصروفة وألسن بالتقديس والتسبيح فصيحة وآمال في المغفرة والرحمة ~~فسيحة فإن هذه المصليات والمتعبدات بيوت الله التي فضلها ومناسكه التي ~~شرفها وفيها PageV01P216 يتلى القرآن الكريم ويتعوذ العائذون ويتعبد ~~المتعبدون ويتهجد المتهجدون وحقيق على المسلمين أجمعين من وال ومولى عليه ~~أن يصونها ويعمرها ويواصلها ولا يهجرها وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير ~~المؤمنين ثم لنفسه على الرسم الجاري فيها قال الله تعالى في هذه الصلاة ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله وذروا البيع @QE@ وقال في عمارة المساجد @QB@ إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله واليوم الآخر وأقام ms152 الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى ~~أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ # وأمره أن يراعي أحوال من يليه من طبقات جند أمير المؤمنين ومواليه ويطلق ~~لهم الأرزاق في أوقات الوجوب والاستحقاق وأن يحسن في معاملتهم ويجمل في ~~استخدامهم ويتصرف في سياستهم بين رفق من غير ضعف وخشونة في غير عنف مثيبا ~~لمحسنهم ما زاد بالإثابة في حسن الأثر وسلم معها من دواعي الأشر ومتغمدا ~~لمسيئهم ما كان التغمد له نافعا وفيه ناجعا فإن تكررت زلاته وتتابعت عثراته ~~تناولته من عقوبته بما يكون له مصلحا ولغيره واعظا وأن يختص أكابرهم ~~وأماثلهم وأهل الرأي والخطر منهم بالمشاورة في الملم والإطلاع على بعض ~~المهم مستخلصا مخايل صدورهم بالبسط والإناء ومستشحذا بصائرهم بالإكرام ~~والاجتباء فإن في مشاورة هذه الطبقة استدلالا على مواقع الصواب وتحرزا عن ~~غلط الاستبداد وأخذا بمجامع الحزامة وأمنا من مفارقة الاستقامة وقد حض الله ~~عز وجل على الشورى حيث قال لرسوله صلى الله عليه وسلم @QB@ وشاورهم في ~~الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين @QE@ # وأمره بأن يصمد بما يتصل بنواحيه من ثغور المسلمين ورباط المرابطين ويقسم ~~لها قسما وافرا من عنايته ويصرف إليها طرفا بل شطرا من رعايته ويختار لها ~~أهل الجلد والشدة وذوي البأس والنجدة ممن عجمته الخطوب وعركته الحروب ~~واكتسب دربه بخدع المتنازلين وتجربة بمكايد المتقارعين وأن يستظهر ~~PageV01P217 بكشف عددهم واعتبار عددهم وانتخاب خيلهم واستجادة أسلحتهم غير ~~مجمر بعثا إذا بعثه ولا مستكرهه إذا وجهه بل يناوب بين رجاله مناوبة تريحهم ~~ولا تمدهم وترفههم ولا تئودهم فإن في ذلك من فائدة الإجمام والعدل في ~~الاستخدام زينا فليسو بين رجال النوب فيما عاد عليهم بعز الظفر والنصر وبعد ~~الصيت والذكر وإحراز النفع والأجر ما يحق أن يكون الولاة به عاملين وللناس ~~عليه حاملين وأن يكرر في أسماعهم ويثبت في قلوبهم مواعيد الله تعالى لمن ~~صبر ورابط وسامح بالنفس من حيث لا يقدمون على تورط غرة ولا يحجمون عن ~~انتهاز فرصة ولا ينكصون عن تورد معركة ولا ms153 يلقون بأيديهم إلى التهلكة فقد ~~أخذ الله ذلك على خلقه والمرء أمين على دينه وأن يريح العملة فيما يحتاج ~~إليه من راتب نفقات هذه الثغور وحادثها وبناء حصونها ومعاقلها واستطراق ~~طرقها ومسالكها وإفاضة الأقوات والعلوفة فيها للمترتبين بها والمترددين ~~إليها والحامين لها وأن يبذل أمانة لمن طلبه ويعرضه على من لم يطلبه ويفي ~~بالعهد إذا عاهد وبالعقد إذا عاقد غير مخفر ذمة ولا جارح أمانة فقد أمر ~~الله تعالى بالوفاء فقال عز وجل @QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ~~@QE@ ونهى عن النكث فقال عز من قائل @QB@ فمن نكث فإنما ينكث على نفسه @QE@ # وأمره أن يعرض من في حبوس عمله على جرائمهم فمن كان إقراره واجبا أقره ~~ومن كان إطلاقه سائغا أطلقه وأن ينظر في الشرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف ~~ويختار لها من يخاف الله ويتقيه ولا يجابي ولا يراقب فيه ويتقدم إليهم بقمع ~~الجهال وردع الضلال وتتبع الأشرار وطلب الدعار مستدلين على أماكنهم متوغلين ~~إلى مكامنهم متولجين عليهم في مظانهم متوثقين ممن يجدونه منهم منفذين أحكام ~~الله تعالى فيهم بحسب الذي يتبين من أمرهم ويصح من فعلهم في كبيرة ارتكبوها ~~وعظيمة احتقبوها ومهجة إن أفاظوها واستهلكوها وحرمة إن استباحوها وانتهكوها ~~فمن استحق حدا من حدود الله المعلومة أقاموه عليه غير مخففين منه وأحلوه به ~~غير مقصرين عنه بعد ألا يكون عليهم في الذي يأتونه حجة ولا يعترضهم في ~~وجوبه مشبهة فإن الواجب في الحدود أن تقام بالبينات وأن تدرأ بالشبهات ~~فأولى ما توخاه رعاة الرعايا فيها ألا يقدموا عليها مع PageV01P218 نقصان ~~ولا يتوقفوا عنها مع قيام الدليل ومن وجب عليه القتل احتاط بما يحتاط به ~~على مثله من الحبس الحصين والتوثق الشديد وكتب إلى أمير المؤمنين بخبره ~~وشرح جنايته وثبوتها بإقرار يكون منه أو بشهادة تقع عليه ولينتظر من جوابه ~~ما يكون عمله بحسبه فإن أمير المؤمنين لا يطلق سفك دم مسلم أو معاهد إلا ما ~~أحاط به علما وأتقنه فهما وكان ما يمضيه فيه عن بصيرة لا يخالجها شك ms154 ولا ~~يشوبها ريب ومن ألم بصغيرة من الصغائر ويسيرة من الجرائر من حيث لم يعرف له ~~مثلها ولم يتقدم له أختها وعظه وزجره ونهاه وحذره واستتابه وأقاله ما لم ~~يكن عليه خصم في ذلك يطالب بقصاص منه وجزاء له فإن عاد تناوله من التقويم ~~والتهذيب والتعزيز والتأديب بما يرى أن قد كفى فيما اجترم ووفى بما قدم فقد ~~قال الله تعالى @QB@ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون @QE@ # وأمره أن يعطل ما في أعماله من الحانات والمواخير ويطهرها من القبائح ~~والمناكير ويمنع من يجمع أهل الخنا فيها ويؤلف شملها بها فإنه شمل يصلحه ~~التشتيت وجمع يحفظه التفريق وما زالت هذه المواطن الذميمة والمطارح الدنية ~~داعية من يأوي إليها ويعكف عليها إلى ترك الصلوات وإهمال المفترضات وركوب ~~المنكرات واقتراف المحظورات وهي بيوت الشيطان التي في عمارتها لله معصية ~~وفي إخرابها للخير مجلبة والله تعالى يقول لنا معشر المؤمنين @QB@ كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله @QE@ ~~ويقول عز من قائل لغيرنا من المذمومين @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ # وأمره أن يولي الحماية في هذه الأعمال أهل الكفاية والعناية من الرجال ~~وأن يضم إليهم كل من خف ركابه وأسرع عند الصريخ مرتبا لهم في المسالح وسادا ~~بهم ثغر المسالك وأن يوصيهم بالتيقظ ويأخذهم بالتحفظ ويزيح عللهم في علوفة ~~خيلهم والمقرر من أزوادهم وميرهم حتى لا تثقل لهم على البلاد وطأة ولا ~~يدعوهم إلى تحنقهم وثلمهم حاجة وأن يحوطوا السابلة بادئة وعائدة ~~PageV01P219 ويبذرقوا القوافل صادرة وواردة ويحرسوا الطريق ليلا ونهارا ~~ويتفصوها رواحا وغدوا وينصبوا لأهل العبث الأرصاد ويتكمنوا لهم بكل واد ~~ويتفرقوا عليهم حيث يكون التفرق مضيقا لفضائهم ومؤديا إلى انفضاضهم ~~ويجتمعوا حيث يكون الاجتماع مطفئا لجمرتهم وصادعا لمروتهم ولا يخلوا هذه ~~السبل من حماة لها وسيارة فيها يترددون في جوادها ويتعسفون في عواديها حتى ~~تكون الدماء محقونة والأموال مصونة والفتن محسومة والغارات مأمونة ومن حصل ~~في أيديهم من لص خاتل وصعلوك خارب ms155 ومخيف لسبيل ومنتهك لحريم امتثل في أمره ~~أمر أمير المؤمنين الموافق لقول الله عز وجل @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم @QE@ # وأمره بوضع الرصد على من يجتاز في أعماله من أباق العبيد والاحتياط عليهم ~~وعلى ما يكون معهم والبحث عن الأماكن التي فارقوها والطرق التي استطرقوها ~~ومواليهم الذين أبقوا منهم ونشزوا عنهم وأن يردوهم عليهم قهرا ويعيدوهم ~~إليهم صغرا وأن ينشد الضالة ما أمكن أن تنشد ويحفظوها على ربها بما جاز أن ~~تحفظ ويتجنبوا الامتطاء لظهورها والانتفاع بأوبارها وألبان ما يجز ويحلب ~~وأن يعرفوا اللقطة ويتبعوا أثرها ويشيعوا خبرها فإذا حضر صاحبها وعلم أنه ~~مستوجبها سلمت إليه ولم يعترض فيها عليه والله عز وجل يقول @QB@ إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها @QE@ ويقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( ضالة المؤمن حرق النار ) # وأمره أن يوصي عماله بالشد على يد الحكام وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام ~~وأن يحضروا مجالسهم حضور الموقرين لها الذابين عنها المقيمين لرسوم الهيبة ~~وحدود الطواعية فيها ومن خرج عن ذلك من ذي عقل ضعيف وحلم PageV01P220 سخيف ~~نالوه بما يردعه وأحلوا به ما يزعه ومتى تقاعس متقاعس عن حضور مع خصم ~~يستدعيه بأمر يوجبه الحكم إليه أو التوى ملتو بحق يحصل عليه ودين يستقر في ~~ذمته قادوه إلى ذلك بأزمة الصغار وخزائم الاضطرار وأن يحبسوا ويطلقوا ~~بأقوالهم ويثبتوا الأيدي في الأملاك والفروج وينزعوا بقضاياهم فإنهم أمناء ~~الله في فصل ما يقضون وبث ما يبثون وعن كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~يوردون ويصدرون وقد قال الله عز وجل @QB@ يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب @QE@ # وأن يتوخى بمثل هذه المعاملة عمال الخراج ms156 في استيفاء حقوق ما استعملوا ~~عليه واستنطاف بقاياهم فيه والرياضة لمن تسوء طاعته من معامليهم وإحضارهم ~~طائعين أو كارهين بين أيديهم فمن آداب الله تعالى للعبد الذي يحق عليه أن ~~يتخذها ويجعلها للرضا عنه سببا قوله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب @QE@ # وأمره أن يجلس للرعية جلوسا عاما وينظر في مظالمها نظرا تاما يساوي في ~~الحق بين خاصها وعامها ويوازي في المجالس بين عزيزها وذليلها وينصف المظلوم ~~من ظالمه والمغصوب من غاصبه بعد الفحص والتأمل والبحث والتبين حتى لا يحكم ~~إلا بعدل ولا ينطق إلا بفصل ولا يثبت يدا إلا فيما وجب تثبيتها فيه ولا ~~يقبضها إلا عما وجب قبضها عنه وأن يسهل الإذن لجماعتهم ويرفع الحجاب بينه ~~وبينهم ويوليهم من حصانة الكنف ولين المنعطف والاشتمال والعناية والصون ~~والرعاية ما تتعادل به أقسامهم وتتوازى منه أقساطهم ولا يصل الركين منهم ~~إلى استضامة ما تأخر عنه ولا ذو السلطان إلى هضيمة من حل دونه وأن يدعوهم ~~إلى أحسن العادات والخلائق ويحضهم على أحمد المذاهب والطرائق ويحمل عنهم ~~كله ويمد عليهم ظله ولا يسومهم عسفا ولا يلحق بهم حيفا ولا يكلفهم شططا ولا ~~يجشمهم مضلعا ولا يثلم لهم معيشة ولا يداخلهم في جريمة ولا يأخذ بريئا ~~بسقيم ولا حاضرا بعديم PageV01P221 فإن الله عز وجل ينهى أن تزر وازرة وزر ~~أخرى ويرفع عن هذه الرعية ما عسى أن يكون سن عليها من سنة ظالمة وسلك بها ~~من محجة جائرة ويستقري آثار الولاة قبله عليها فيما أزلفوه من خير أو شر ~~إليها فيقر من ذلك ما طاب وحسن ويزيل ما خبث وقبح فإن من غرس الخير يحظى ~~بمعسول ثمره ومن زرع الشر يصلى بممرور ريعه والله تعالى يقول @QB@ والبلد ~~الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات ~~لقوم يشكرون @QE@ # وأمره بأن يصون مال الخراج وأثمان الغلات ووجوه الجبايات موفرا ويزيد ذلك ~~مثمرا بما يستعمله من الإنصاف لأهلها وإجرائهم ms157 على صحيح الرسوم فيها فإنه ~~مال الله الذي به قوة عباده وحماية بلاده ودرور حلبه واتصال مدده وبه يحاط ~~الحريم ويدفع العظيم ويحمي الذمار ويذاد الأشرار وأن يجعل افتتاحه إياه ~~بحسب إدراك أصنافه وعند حضور مواقيته وأحيانه غير متسلف شيئا قبلها ولا ~~مؤخر لها عنها وأن يخص أهل الطاعة والسلامة بالترقية لهم وأهل الاستصعاب ~~والامتناع بالتشديد عليهم لئلا يقع إرهاق لمذعن أو إهمال لطامع وعلى ~~المتولي لذلك أن يضع كلا من الأمرين موضعه ويوقعه موقعه متجنبا إحلال ~~الغلظة بمن لا يستحقها وإعطاء الفسحة من ليس أهلها والله تعالى يقول @QB@ ~~وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى @QE@ # وأمره أن يتخير عماله على الخراج والأعشار والضياع والجهبذة والصدقات ~~والجوالي من أهل الظلف والنزاهة والضبط والصيانة والجزالة والشهامة وأن ~~يستظهر مع ذلك عليهم بوصية تعيها أسماعهم وعهود يقلدها أعناقهم بألا يضيعوا ~~حقا ولا يأكلوا سحتا ولا يستعملوا ظلما ولا يقارفوا غشما وأن يقيموا ~~العمارات ويحتاطوا ويحترزوا من إتواء حق لازم أو تعطيل رسم عادل مؤدين في ~~جميع ذلك الأمانة مجتنبين للخيانة وأن يأخذوا جهابذتهم باستيفاء وزن المال ~~على تمامه واستجادة نقده على عياره واستعمال الصحة في قبض ما يقبضوه ~~PageV01P222 وإطلاق ما يطلقون وأن يوعزوا إلى سعاة الصدقات في أخذ الفرائض ~~من سائمة مواشي المسلمين دون عمالتها وكذلك الواجب فيها وألا يجمعوا فيها ~~متفرقا ولا يفرقوا مجتمعا ولا يدخلوا فيها خارجا عنها ولا يضيفوا إليها ما ~~ليس منها من فحل إبل وأكولة راع أو عقيلة مال فإذا اجتبوها على حقها ~~واستوفوها على رسمها أخرجوها في سبيلها وقسموها على أهلها الذين ذكرهم الله ~~عز وجل في كتابه العزيز إلا المؤلفة قلوبهم الذين ذكرهم الله عز وجل في ~~كتابه الكريم وسقط سهمهم فإن الله تعالى يقول @QB@ إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل ~~الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم @QE@ وإلى جباة أهل الذمة ~~أن يأخذوا منهم الجزية في المحرم من ms158 كل سنة بحسب منازلهم في الأحوال وذات ~~أيديهم في الأموال وعلى الطبقات المطبقة فيها والحدود المعهودة لها وألا ~~يأخذوها من النساء ولا ممن لم يبلغ الحلم من الرجال ولا من ذي سن عالية ولا ~~ذي علة بادية ولا فقير معدم ولا مترهب متبتل وأن يراعي جماعة هؤلاء العمال ~~مراعاة يسرها ويظهرها ويلاحظهم ملاحظة يخفيها ويبديها لئلا يزولوا عن الحق ~~الواجب أو يعدلوا عن السنن اللاحب فقد قال الله تعالى @QB@ وأوفوا بالعهد ~~إن العهد كان مسؤولا @QE@ # وأمره بأن يندب لعرض الرجال وإعطائهم وحفظ جراياتهم وأوقات إطعامهم من ~~يعرفه بالثقة في متصرفه والأمانة فيما يجري على يده والبعد عن الإسفاف إلى ~~الدنية والاتباع للدناءة وأن يبعثه على ضبط الرجال وشيات الخيل وتجديد ~~العرض بعد الاستحقاق وإيقاع الاحتياط في الإنفاق فمن صح عرضه ولم يبق في ~~نفسه شيء منهم من شك يعرض له أو ريبة يتوهمها أطلق أموالهم موفورة وحصلها ~~في أيديهم غير مثلومة وأن يرد على بيت المال أرزاق من سقط بالوفاة والإخلال ~~ناسبا ذلك إلى جهته موردا له على حقيقته وأن يطالب الرجال بإحضار الخيل ~~المختارة والآلات المستكملة على ما توجبه مبالغ أرزاقهم وحسب منازلهم ~~ومراتبهم فإن أخر أحدهم شيئا من ذلك قاصه به من PageV01P223 رزقه وأغرمه ~~مثل قيمته فإن المقصر فيه خائن لأمير المؤمنين ومخالف لرب العالمين إذ يقول ~~سبحانه @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم @QE@ # وأمره أن يعتمد في أسواق الرقيق ودور الضرب والطرز والحسبة على من تجتمع ~~فيه آلات هذه الولايات من ثقة ودراية وعلم وكتابة ومعرفة ورواية وتجربة ~~وحنكة وحصافة ومسكة فإنها أحوال تضارع الحكم وتناسبه وتدانيه وتقاربه وأن ~~يتقدم إلى ولاة أسواق الرقيق بالتحفظ فيمن يطلقون بيعه ويمضون أمره والتحرز ~~من وقوع تخون فيه أو إهمال له إذ كان ذلك عائدا بتحصين الفروج وتطهير ~~الأنساب وأن يبعدوا عنه أهل الريبة ويقربوا أهل العفة ولا يمضوا بيعا على ~~شبهة ولا عقدا على تهمة وإلى ولاة العيار بتخليص عين الدرهم ms159 والدينار ~~ليكونا مضروبين على البراءة من الغش والنزاهة من المش وبحسب الإمام المقدر ~~بمدينة السلام وحراسة السكك من أن تتداولها الأيدي الزغلة وتتناقلها الجهات ~~المنبية وإثبات اسم أمير المؤمنين على ما يضرب ذهبا وفضة وإجراء ذلك على ~~الرسم والسنة وإلى ولاة الطرز أن يجروا الاستعمال في جميع المناسج على أتم ~~النيقة وأسلم الطريقة وأحكم الصنعة وأفضل الصحة وأن يكتبوا اسم أمير ~~المؤمنين على طرر الكسا والفرش والأعلام والبنود وإلى ولاة الحسبة بتصفح ~~أحوال العوام في حرفهم ومتاجرهم ومجتمع أسواقهم ومعاملاتهم وأن يعايروا ~~الموازين والمكاييل ويفرزوها على التعديل والتكميل ومن اطلعوا منه على حيلة ~~أو تلبيس أو غيلة أو تدليس أو بخس ما يوفيه واستفضال فيما يستوفيه نالوه ~~بغليظ العقوبة وعظمها وخصوه بوجيعها وألمها واقفين في ذلك عند الحد الذي ~~يرونه لذنبه مجازيا وفي تأديبه كافيا فقد قال الله تعالى @QB@ ويل للمطففين ~~الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون @QE@ ~~PageV01P224 # هذا عهد أمير المؤمنين إليك وحجته عليك وقد وقفك على سواء السبيل وأرشدك ~~إلى واضح الدليل وأوسعك تعليما وتحكيما وأقنعك تعريفا وتفهيما ولم يألك ~~جهدا فيما عصمك وعصم على يدك ولم يدخرك ممكنا فيما أصلح بك وأصلحك ولا ترك ~~لك عذرا في غلط تغلطه ولا طريقا إلى تورط تتورطه بالغا بك في الأوامر ~~والزواجر إلى حيث يلزم الأئمة أن يندبوا الناس إليه ويحثوهم عليه مقيما لك ~~على منجيات المسالك صارفا لك عن مرديات المهالك مريدا فيك ما يسلمك في دينك ~~ودنياك يعود بالحظ عليك في آخرتك وأولاك فإن اعتدلت وعدلت فقد فزت وغنمت ~~وإن تجانفت واعوججت فقد فسدت وندمت والأولى بك عند أمير المؤمنين مع مغرسك ~~الزاكي ومنبتك النامي وعودك الأنجب وعنصرك الأطيب أن تكون لظنه محققا ~~ولمخيلته فيك مصدقا وأن تستزيده بالأثر الجميل قربا من رب العالمين وثوابا ~~يوم الدين وزلفى عند أمير المؤمنين وثناء حسنا من المسلمين فخذ ما نبذ إليك ~~أمير المؤمنين من معاذيره وأمسك بيدك على ما أعطى من مواثيقه واجعل عهده ~~مثالا تحتذيه ms160 وإماما تقتفيه واستعن بالله يعنك واستهد يهدك وأخلص إليه في ~~طاعته يخلص لك الحظ في معونتك ومهما أشكل عليك من خطب أو أعضل عليك من صعب ~~أو بهرك من باهر أو بهظك من باهظ فاكتب إلى أمير المؤمنين منهيا وكن إلى ما ~~يرد عليك من جوابه متطلعا إن شاء الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته # وأما التقليد الذي أنشأته أنا فهو هذا أما بعد فإن أمير المؤمنين يبدأ ~~بحمد الله الذي يكون لكل خطبة قيادا ولكل أمر مهادا ويستزيده من نعمه التي ~~جعلت التقوى له زادا وحملته عبء الخلافة فلم يضعف عنه طوقا ولم يأل فيه ~~اجتهادا وصغرت لديه أمر الدنيا فما تسورت له محرابا ولا عرضت عليه جيادا ~~وحققت فيه قول الله تعالى @QB@ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا @QE@ ثم يصلي على ما أنزلت الملائكة لنصره أمدادا ~~وأسري به إلى السماء حتى ارتقى سبعا شدادا وتجلى له ربه فلم يزغ منه بصرا ~~ولا أكذب منه PageV01P225 فؤادا ثم من بعده على أسرته الطاهرة التي زكت ~~أوراقا وأعوادا وورثت النور المتين تلادا ووصفت بأنها أحد الثقلين هداية ~~وإرشادا وخصوصا عمه العباس المدعو له بأن يحفظ نفسا وأولادا وأن تبقى كلمة ~~الخلافة فيهم خالدة لا تخاف دركا ولا تخشى نفادا # وإذا استوفى القلم مداده من هذه الحمدلة وأسند القول فيها عن فصاحته ~~المرسلة فإنه يأخذ في إنشاء هذا التقليد الذي جعله حليفا لقرطاسه واستدام ~~سجوده على صفحته حتى لم يكد يرفع من رأسه وليس ذلك إلا لإفاضته في وصف ~~المناقب التي كثرت فحسن لها مقام الإكثار واشتبه التطويل فيها بالاختصار ~~وهي التي لا يفتقر واصفها إلى القول المعاد ولا يستوعر سلوك أطوادها ومن ~~العجب وجود السهل في سلوك الأطواد وتلك مناقبك أيها الملك الناصر الأجل ~~السيد الكبير العالم العادل المجاهد المرابط صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن ~~أيوب والديوان العزيز يتلوها عليك تحدثا بشكرك ويباهي بك أولياءه تنويها ~~بذكرك ويقول أنت الذي تستكفي فتكون للدولة ms161 سهمها الصائب وشهابها الثاقب ~~وكنزها الذي تذهب الكنوز وليس بذاهب وما ضرها وقد حضرت في نصرتها إذا كان ~~غيرك هو الغائب فاشكر إذا مساعيك التي أهلتك لما أهلتك وفضلتك على الأولياء ~~بما فضلتك ولئن شوركت في الولاء بعقيدة الإضمار فلم تشارك في عزمك الذي ~~انتصر للدولة فكان له بسطة الانتصار وفرق بين من أمد بقلبه وبين من أمد ~~بيده في درجات الأمداد وما جعل الله القاعدين كالذين قالوا لو أمرتنا ~~لضربنا أكبادها إلى برك الغماد وقد كفاك من المساعي أنك كفيت الخلافة أمر ~~منازعيها وطمست على الدعوة الكاذبة التي كانت تدعيها ولقد مضى عليها زمن ~~ومحراب حقها محفوف من الباطل بمحرابين ورأت ما رآه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من السوارين اللذين أولهما كذابين فمبصر منهما واحد تاه بمجرى أنهارها ~~من تحته ودعا الناس إلى عبادة طاغوته وجبته ولعب بالدين حتى لم يدر يوم ~~جمعته من يوم أحده ولا يوم سبته وأعانه على ذلك قوم رمى الله بصائرهم ~~بالعمي والصمم واتخذوه صنما بينهم ولم تكن الضلالة هناك إلا بعجل أو صنم ~~فقمت أنت في وجه باطله حتى قعد وجعلت في جيده حبلا من مسد وقلت ليده تبت ~~فأصبح وهو PageV01P226 لا يسعى بقدم ولا يبطش بيد وكذلك فعلت بالآخر الذي ~~نجمت باليمن ناجمته وسامت فيه سائمته فوضع بنية موضع الكعبة اليمانية وقال ~~هذا ذو الخلصة الثانية فأي مقاميك يعترف الإسلام بسبقه أم أيها يقوم بأداء ~~حقه وههنا فليصبح القلم للسيف من الحساد وليقصر مكانته عن مكانته وقد كان ~~له من الأنداد ولم يحظ بهذه المزية إلا لأنه أصبح لك صاحبا وفخر بك حتى طال ~~فخرا عما عز جانبا وقضى بولايتك فكان بها قاضيا لما كان حده قاضبا # وقد قلدك أمير المؤمنين البلاد المصرية واليمنية غورا ونجدا وما اشتملت ~~عليه رعية وجندا وما انتهت إليه أطرافها برا وبحرا وما يستنقذ من مجاوريها ~~مسالمة وقهرا وأضاف إليها بلاد الشام وما تحتوي عليه من المدن الممدنة ~~والمراكز المحصنة مستثنيا منها ما هو بيد ms162 نور الدين إسماعيل بن نور الدين ~~محمود رحمه الله وهو حلب وأعمالها فقد مضى أبوه عن آثار في الإسلام ترفع ~~ذكره في الذاكرين وتخلفه في عقبه في الغابرين وولده هذا قد هذبته الفطرة في ~~القول والعمل وليست هذه الربوة إلا من ذلك الجبل فليكن له منك جار يدنو منه ~~ودادا كما دنا أرضا ويصبح وهو له كالبنيان يشد بعضه بعضا # والذي قدمناه من الثناء عليك ربما تجاوز بك درجة الاقتصاد ولفتك عن فضيلة ~~الازدياد فإياك أن تنظر سعيك بالإعجاب وتقول هذه بلاد أنا فتحتها بعد أن ~~أضرب عنها كثير من الأضراب ولكن اعلم أن الأرض لله ولرسوله ثم لخليفته من ~~بعده ولا منة للعبد بإسلامه بل المنة لله بهداية عبده وكم سلف من قبلك من ~~لو رام ما رمته لدنا شاسعه وأجاب مانعه لكن ذخره الله لك لتحظى في الآخرة ~~بمفازة وفي الدنيا برقم طرازه فألق بيدك عند هذا القول إلقاء التسليم وقل ~~@QB@ لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم @QE@ # وقد قرن تقليدك هذا بخلعة تكون لك في الاسم شعارا وفي الوسم فخارا وتناسب ~~محل قلبك وبصرك وخير ملابس الأولياء ما ناسب قلوبا وأبصارا ومن جملتها طوق ~~يوضع في عنقك موضع العهد والميثاق ويشير إليك بأن الإنعام قد أطاف بك إطافة ~~الأطواق بالأعناق ثم إنك خوطبت بالملك وذلك خطاب يقضي PageV01P227 لصدرك ~~بالانشراح ولأملك بالانفساح وتؤمر معه بمد يدك إلى العليا لا بضمها إلى ~~الجناح وهذه الثلاثة المشار إليها هي التي تكمل بها أقسام السيادة وهي التي ~~لا مزيد عليها في الإحسان فيقال إنها الحسنى وزيادة فإذا صارت إليك فانصب ~~لها يوما يكون في الأيام كريم الأنساب واجعله لها عيدا وقل هذا عيد الخلعة ~~والتقليد والخطاب # هذا ولك عند أمير المؤمنين مكانة تجعلك لديه حاضرا وأنت ناء عن الحضور ~~وتضن أن تكون مشتركة بينك وبين غيرك والضنة من شيم الغيور وهذه المكانة قد ~~عرفتك نفسها وما كنت تعرفها وما تقول إلا أنها لك صاحبة وأنت يوسفها ~~فاحرسها عليك ms163 حراسة تقضي بتقديمها واعمل لها فإن الأعمال بخواتيمها # واعلم أنك قد تقلدت أمرا تعين به نفي الحلوم ولا ينفك صاحبه عن عهدة ~~الملوم وكثيرا ما يرى حسناته يوم القيامة وهي مقتسمة بأيدي الخصوم ولا ينجو ~~من ذلك إلا من أخذ أهبة الحذار وأشفق من شهادة الأسماع والأبصار وعلم أن ~~الولاية ميزان إحدى كفتيه في الجنة والأخرى في النار قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا ~~تولين مال يتيم ) فانظر إلى هذا القول النبوي نظر من لم يخدع بحديث الحرص ~~والآمال ومثل الدنيا وقد سيقت إليك بحذافيرها أليس مصيرها إلى زوال والسعيد ~~إذا جاءته قضى بها أرب الأرواح لا أرب الجسوم واتخذ منها وهي السم دواء وقد ~~تتخذ الأدوية من السموم وما الاغتباط بما يختلف على تلاشيه المساء والصباح ~~وهو كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح ~~والله يعصم أمير المؤمنين وولاة أمره من تباعتها التي لابستهم ولابسوها ~~وأحصاها الله عليهم ونسوها ولك أنت من هذا الدعاء حظ على قدر محلك من ~~العناية التي جذبت بضبعك ومحلك من الولاية التي بسطت من درعك فخذ هذا الأمر ~~الذي تقلدته أخذ من لم يتعقبه بالنسيان وكن في رعايته ممن إذا نامت عياه ~~كان قلبه يقظان # وملاك ذلك كله في إسباغ العدل الذي جعله الله ثالث الحديث والكتاب وأغنى ~~بثوابه وحده عن أعمال الثواب وقدر يوما منه بعبادة ستين عاما في ~~PageV01P228 الحساب ولم يأمر به آمرا إلا زيد قوة في أمره وتحصن به من عدوه ~~ومن دهره ثم يجاء به يوم القيامة وفي يديه كتابا أمان ويجلس على منبر من ~~نور عن يمين الرحمن ومع هذا فإن مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلا من أمسك ~~عنان نفسه قبل إمساك عنانه وغلبت لمة ملكه على لمة شيطانه ومن أوكد فروضه ~~أن تمحي السنن السيئة التي طالت مدد أيامها ويئس الرعايا من رفع ظلاماتها ~~فلم يجعلوا أمدا ms164 لانحسار ظلامها وتلك السنن هي المكوس التي أنشأنها الهمم ~~الحقيرة ولا غني للأيدي الغنية إذا كانت ذات نفوس فقيرة وكلما زيدت الأموال ~~الحاصلة منها قدرا زادها الله محقا وقد استمرت عليها العوائد حتى ألحقها ~~الظالمون بالحقوق الواجبة فسموها حقا ولولا أن صاحبها أعظم الناس جرما لما ~~أغلظ في عقابه ومثلت توبة المرأة الغامدية بمتابه وهل أشقى ممن يكون السواد ~~الأعظم له خصما ويصبح وهو مطالب بهم بما يعلم وبما لم يحط به علما وأنت ~~مأمور بأن تأتي هذه الظلامات فتنحي على أبطالها وتلحق أسماءها في المحو ~~بأفعالها حتى لا يبقى لها في العيان صور منظورة ولا في الألسنة أحاديث ~~مذكورة فإذا فعلت ذلك كنت قد أزلت عن الماضي سنة سوء سنتها يداه وعن الآتي ~~متابعة ظلم وجده نهجا مسلوكا فجرى على مداه فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من ~~لم يضق ذراعا ونظر إلى الحياة الدنيا بعينه فرآها في الآخرة متاعا وأحمد ~~الله تعالى على أن قيض للإمام هدى يقف بك على هداك ويأخذ بحجزتك عن خطوات ~~الشيطان الذي هو أعدى عداك # وهذه البلاد المنوطة بطرفك تشتمل على أطراف متباعدة وتفتقر في سياستها ~~إلى أيد متساعدة ولها ولهذا يكثر بها قضاة الأحكام وأولو تدبيرات السيوف ~~والأقلام وكل من هؤلاء ينبغي أن يقف على باب الاختيار ويسلط عليه شاهدا عدل ~~من أمانة الدرهم والدينار فما أضل الناس شيء كحب المال الذي فورقت من أجله ~~الأديان وهجرت بسببه الأولاد والإخوان وكثيرا ما نرى الرجل الصائم القائم ~~وهو عابد له عبادة الأوثان فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك فاضرب ~~عليه بالأرصاد PageV01P229 ولا ترض بما عرفته من مبدإ حاله فإن الأحوال ~~تنتقل منتقل الأجساد وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه بالربيع بن زياد # وكذلك اؤمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم بأن يأمروا بالمعروف مواظبين وينهوا ~~عن المنكر محاسبين ويعلموا أن ذلك من دأب حزب الله الذين جعلهم الله ~~الغالبين وليبدأوا أولا بأنفسهم فيعدلوا بها عن هواها ms165 ويأمروها بما يأمرون ~~به سواها ولا يكونوا ممن هدى إلى طريق البر وهو عند حائد وانتصب لطلب ~~المرضى وهو محتاج إلى طبيب وعائد فما تنزل بركات السماء إلا على من خاف ~~مقام ربه وألزم التقوى أعمال يده ولسانه وقبله وإذا صلحت الولاة صلحت ~~الرعية بصلاحهم وهم لهم بمنزلة المصابيح ولا يستضيء كل قوم إلا بمصباحهم ~~ومما يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم إخوانا في الاصطحاب وجيرانا في ~~الاقتراب وأعوانا في توزع الحمل الذي يثقل على الرقاب فالمسلم أخو المسلم ~~وإن كان عليه أميرا وأولى الناس باستعمال الرفق من كان فضل الله عليه كثيرا ~~وليست الولاية لمن يستجد بها كثرة اللفيف ويتولاها بالوطء العنيف ولكنها ~~لمن يمال على جوانبه ويؤكل من أطايبه ولمن إذا أغضب لم ير للغضب عنده أثر ~~وإذا ألحف في سؤاله لم يلق الإلحاف بخلق الضجر وإذا حضر الخصوم بين يديه ~~عدل بينهم في قسمة القول والنظر فذلك الذي يكون في أصحاب اليمين والذي يدعى ~~بالحفيظ العليم والقوي الأمين ومن سعادة المرء أن تكون ولاته متأدبين ~~بآدابه وجارين على نهج صوابه وإذا تطايرت الكتب يوم القيامة كانوا حسنات ~~مثبتة في كتابه # وبعد هذه الوصية فإن ههنا حسنة هي للحسنات كالأم الولود ولطالما أغنت عن ~~صاحبها إغناء الجنود وتيقظت لنصره والعيون رقود وهي التي تسبغ لها الآلاء ~~ولا يتخطاها البلاء ولأمير المؤمنين بها عناية تبعثها الرحمة الموضوعة في ~~قلب والرغبة في المغفرة لما تقدم وتأخر من ذنبه وتلك هي الصدقة التي فضل ~~الله بها بعض عباده لمزية إفضالها وجعلها سببا إلى التعويض عنها بعشر ~~أمثالها وهو يأمرك أن تتفقد أحوال الفقراء الذين قدرت عليهم مادة الأرزاق ~~وألبسهم التعفف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق فأولئك أولياء الله الذين ~~PageV01P230 مستهم الضراء فصبروا وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها ~~إذ نظروا وينبغي أن يهيء لهم من أمرهم مرفقا ويضرب بينهم وبين الفقر موبقا ~~وما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلا إعلاما بأنها من المهم الذي يستقبل ms166 ~~ولا يستدبر ويستكثر منه ولا يستكثر وهذا يعد من جهاد النفس في بذل المال ~~ويتلوه جهاد العدو الكافر في مواقف القتال وأمير المؤمنين يعرفك من ثوابه ~~ما تجعل السيف في ملازمته أخا وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا ومن ~~صفاته أنه العمل المحبو بفضل الكرامة الذي ينمي بعد صاحبه إلى يوم القيامة ~~وبه تمتحن طاعة الخالق على المخلوق وكل الأعمال عاطلة لا خلوق لها وهو ~~المختص دونها برتبة الخلوق ولولا فضله لما كان محسوبا بشطر الإيمان ولما ~~جعل الله الجنة له ثمنا وليست لغيره من الأثمان وقد علمت أن العدو هو جارك ~~الأدنى والذي يبلغك وتبلغه عينا وأذنا ولا تكون للإسلام نعم الجار حتى تكون ~~له بئس الجار ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار ~~وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مكافحا أو تطرق أرضه مماسيا أو ~~مصابحا بل يريد أن تقصد البلاد التي في يده قصد المستنقذ لا قصد المغير وأن ~~تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنضير وعلى ~~الخصوص البيت المقدس فإنه تلاد الإسلام القديم وأخو البيت الحرام في شرف ~~التعظيم والذي توجهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم وقد أصبح وهو ~~يشكو طول المدة في أسر رقبته وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في ~~غربتها عنه وغربته فانهض إليه نهضة توغل في قرحه وتبدل صعب قياده بسمحه وإن ~~كان له عام حديبية فأتبعه بعام فتحه وهذه الاستزادة إنما تكون بعد سداد ما ~~في اليد من ثغر كان مهملا فحميت موارده أو متهدما فرفعت قواعده ومن أهمها ~~ما كان حاضر البحر فإنه عورة مكشوفة وخطة مخوفة والعدو قريب منه على بعده ~~وكثيرا ما يأتيه فجأة حتى يسبق برقه برعده فينبغي أن يرتب بهذه الثغور ~~رابطة تكثر شجاعتها وتقل أقرانها ويكون قتالها لأن تكون كلمة الله هي ~~العليا لا لأن يرى مكانها وحينئذ يصبح كل منها وله من الرجال أسوار ويعلم ~~أهله أن بناء ms167 السيف أمنع من بناء الأحجار ومع هذا لا بد لها من أصطول يكثر ~~عدده ويقوي مدده فإنه العدة التي PageV01P231 تستعين بها على كشف الغماء ~~والاستكثار من سبايا العبيد والإماء وجيشه أخو الجيش السليماني فذاك يسير ~~على متن الريح وهذا على متن الماء ومن صفات خيله أنها جمعت بين العوم ~~والمطار وتساوت أقدار خلقها على اختلاف مدة الأعمار فإذا أشرعت قيل جبال ~~متعلقة بقطع من الغيوم وإذا نظر إلى أشكالها قيل إنها أهلة غير أنها تهتدي ~~في مسيرها بالنجوم ومثل هذه الخيل ينبغي أن يغالى في جيادها ويستكثر من ~~قيادها وليؤمر عليها أمير يلقى البحر بمثله من سعة صدره ويسلك طرقه سلوك من ~~لم تقتله بجهلها ولكن قتلها بخبره وكذلك فليكن ممن أفنت الأيام تجاربه ~~وزحمتها مناكبه وممن يذل الصعب إذا هو ساسه وإن لان جانبه وهذا هو الرجل ~~يرأس على القوم فلا يجد هزة بالرياسة وإن كان في الساقة ففي الساقة أو كان ~~في الحراسة ففي الحراسة ولقد أفلحت عصابة اعتصبت من ورائه وأيقنت بالنصر من ~~رايته كما أيقنت بالنصر من رأيه # واعلم أنه قد أخل من الجهاد بركن يقدح في عمله وهو تمامه الذي يأتي في ~~آخره كما أن صدق النية تأتي في أوله وذلك هو قسم الغنائم فإن الأيدي قد ~~تداولته بالإجحاف وخلطت جهادها فيه بغلوها فلم ترجع بالكاف والله قد جعل ~~الظلم في تعدي حدوده المحدودة وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة ~~الموعودة ونحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا زمانه وبأسه شرباس ولم يستخلفنا ~~عل حفظ أركان دينه ثم نهمله إهمال مضيع ولا إهمال ناس والذي نأمرك به أن ~~تجري هذا الأمر المنصوص من حكمه وتبرئ ذمتك مما يكون غيرك الفائز بفوائده ~~وأنت المطالب بإثمه وفي أرزاق المجاهدين بالديار المصرية والشامية ما ~~يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا ~~أليما # فتفصح ما سطرنا لك في هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات بل آيات محكمات ~~وتحبب إلى الله وإلى أمير المؤمنين ms168 باقتفاء كلماتها وابن لك منها مجدا يبقى ~~في عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها وهذا التقليد ينطق عليك بأنه لم يأل ~~في الوصايا التي أوصاها وأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ثم إنه ~~قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه وسأل فيها خيرة الله التي ~~تتنزل من كل أمر بمنزلة نظامه ثم قال اللهم إني أشهدك على من قلدته شهادة ~~تكون PageV01P232 عليه رقبيه وله حسيبة فإني لم آمره إلا بأوامر الحق التي ~~فيها موعظة وذكرى وهي لمن تبعها هدى ورحمة وبشرى وإذا أخذ بها بلج بحجته ~~يوم يسأل عن الحجج ولم يختلج دون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحوض ~~في جملة من يختلج وقيل لا حرج عليك ولا إثم إن نجوت من ورطات الاسم والحرج ~~والسلام # وهذا الذي ذكرته من كلامي وكلام الصابي في هذه التقاليد الأربعة لم أقصد ~~به الوضع من الرجل وإنما ذكرت ما ذكرته لبيان موضع السجع الذي يثبت على ~~المحك ولا شك أن هذا الوصف المشار إليه في فقر الأسجاع لم يكن مقصودا في ~~الزمن القديم إما لمكان عسره أو لأنه لم يتنبه له وكيف أضع من الصابي وعلم ~~الكتابة قد رفعه وهو إمام هذا الفن والواحد فيه ولقد اعتبرت مكاتباته ~~فوجدته قد أجاد في السلطانيات كل الإجادة وأحسن كل الإحسان ولو لم يكن له ~~سوى كتابه الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن بويه إلى سبكتكين عند خروجه ~~عليه ومجاهرته إياه بالعصيان لاستحق به فضيلة التقدم كيف وله من السلطانيات ~~ما أتى فيه بكل عجيبة لكنه في الإخوانيات مقصر وكذلك في كتب التعازي # وعندي فيه رأي لم يره أحد غيري ولي فيه قول لم يقله أحد سواي وذاك أن عقل ~~الرجل في كتابته زائد على فصاحته وبلاغته وسأبين ذلك فأقول لينظر الناظر في ~~هذين التقليدين اللذين أروتهما له فإنه يرى وصايا وشروطا واستدراكات وأوامر ~~ما بين أصل وفرع وكل وجزء وقليل وكثير ولا نرى ذلك في كلام غيره من ms169 الكتاب ~~إلا إنه عبر عن تلك الوصايا والأوامر والشروط والاستدراكات بعبارة في بعضها ~~ما فيه من الضعف والركة وقد قيل إن زيادة العلم على المنطق هجنة وزيادة ~~المنطق على علم خدعة ومع هذا فإني أقر للرجل بالتقدم وأشهد له بالفضل # وإذا فرغت مما أردت تحقيقه في هذا الموضع فإني أرجع إلى ما كنت بصدد ذكره ~~من الكلام على السجع وقد تقدم من ذلك ما تقدم وبقي ما أنا ذاكر ههنا # وهو أن السجع قد ينقسم إلى ثلاثة أقسام # الأول أن يكون الفصلان متساويين لا يزيد أحدهما على الآخر كقوله ~~PageV01P233 تعالى @QB@ فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به ~~نقعا فوسطن به جمعا @QE@ ألا ترى كيف جاءت هذه الفصول متساوية الأجزاء حتى ~~كأنها أفرغت في قالب واحد وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة وهو أشرف ~~السجع منزلة للاعتدال الذي فيه # القسم الثاني أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول لا طولا يخرج به عن ~~الاعتدال خروجا كثيرا فإنه يقبح عند ذلك ويستكره ويعد عيبا # فمما جاء من ذلك قوله تعالى @QB@ بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب ~~بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا ~~منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا @QE@ ألا ترى أن الفصل الأول ثمان ~~لفظات والفصل الثاني والثالث تسع تسع # ومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم ~~شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا @QE@ ~~وأمثال هذا في القرآن كثيرة # ويستثنى من هذا القسم ما كان من السجع على ثلاثة فقر فإن الفقرتين ~~الأوليين يحسبان في عدة واحدة ثم باقي الثلاثة فينبغي أن تكون طويلة طولا ~~يزيد عليهما فإذا كانت الأولى والثانية أربع لفظات أربع لفظات تكون الثالثة ~~عشرة لفظات أو إحدى عشرة # مثال ذلك ما ذكرته في وصف صديق فقلت الصديق من لم يعتض عنك بخالف ولم ~~يعاملك معاملة حالف وإذا بلغته أذنه ms170 وشاية أقام عليها حد سارق أو قاذف ~~فالأولى والثانية ههنا أربع لفظات أربع لفظات لأن الأولى لم يعتض عنك بخالف ~~والثانية ولم يعاملك معاملة حالف وجاءت الثالثة عشر لفظات # وهكذا ينبغي أن يستعمل ما كان من هذا القبيل وإن زادت الأولى والثانية عن ~~هذه العدة PageV01P234 فنزاد الثالثة بالحساب وكذلك إذا نقصت الأولى ~~والثانية عن هذه العدة فافهم ذلك وقس عليه # إلا أنه لا ينبغي أن تجعله قياسا مطردا في السجعات الثلاث أين وقعت من ~~الكلام بل تعلم أن الجواز يعم الجانبين من التساوي في السجعات الثلاث ومن ~~زيادة السجعة الثالثة ألا ترى أنه قد ورد ثلاث سجعات متساويات في القرآن ~~الكريم كقوله تعالى @QB@ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح ~~منضود وظل ممدود @QE@ فهذه السجعات كلها من لفظتين لفظتين ولو جعلت الثالثة ~~منها خمس لفظات أو ستا لما كان ذلك معيبها # القسم الثالث أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول وهو عندي عيب فاحش وسبب ~~ذلك أن السجع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأول بحكم طوله ثم يجيء الفصل ~~الثاني قصيرا عن الأول فيكون كالشيء المبتور فيبقى الإنسان عند سماعه كمن ~~يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها # وإذا انتهينا إلى ههنا وبينا أقسام السجع ولبه وقشوره فسنقول فيه قولا ~~كليا وهو أن السجع على اختلاف أقسامه ضربان # أحدهما يسمى السجع القصير وهو أن تكون كل واحدة من السجعتين مؤلفة من ~~ألفاظ قليلة وكلما قلت الألفاظ كان أحسن لقرب الفواصل المسجوعة من سمع ~~السامع وهذا الضرب أوعر السجع مذهبا وأبعده متناولا ولا يكاد استعماله يقع ~~إلا نادرا # والضرب الآخر يسمى السجع الطويل وهو ضد الأول لأنه أسهل متناولا # وإنما القصير من السجع أوعر مسلكا من الطويل لأن المعنى إذا صيغ بألفاظ ~~قصيرة عز مواتاة السجع فيه لقصر تلك الألفاظ وضيق المجال في استجلابه وأما ~~الطويل فإن الألفاظ تطول فيه ويستجلب له السجع من حيث وليس كما يقال وكان ~~ذلك سهلا PageV01P235 # وكل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في ms171 عدة ألفاظ # وأما السجع القصير فأحسنه ما كان مألفا من لفظتين لفظتين كقوله تعالى ~~@QB@ والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا @QE@ وقوله تعالى @QB@ يا أيها المدثر ~~قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر @QE@ ومنه ما يكون مؤلفا من ~~ثلاثة ألفاظ وأربعة وخمسة وكذلك إلى العشرة # وما زاد على ذلك فهو من السجع الطويل # فمما جاء منه قوله تعالى @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ~~ينطق عن الهوى @QE@ وقوله تعالى @QB@ اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا ~~آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر @QE@ # وأما السجع الطويل فإن درجاته تتفاوت أيضا في الطول فمنه ما يقرب من ~~السجع القصير وهو أن يكون تأليفه من احدي عشرة إلى اثنتي عشرة لفظة وأكثر ~~خمس عشرة لفظة # كقوله تعالى @QB@ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس ~~كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح ~~فخور @QE@ فالأولى إحدى عشرة لفظة والثانية ثلاث عشرة لفظة # وكذلك قوله تعالى @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم @QE@ # ومن السجع الطويل ما يكون تأليفه من العشرين لفظة فما حولها كقوله تعالى ~~@QB@ إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور @QE@ PageV01P236 # ومن السجع الطويل أيضا ما يزيد على هذه العدة المذكورة وهو غير مضبوط # واعلم أن التصريع في الشعر بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور ~~وفائدته في الشعر أنه قبل كمال البيت الأول من القصيدة تعلم قافيتها وشبه ~~البيت المصرع بباب له مصراعان متشاكلان # وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون وفيه دلالة على سعة القدرة في أفانين ~~الكلام فأما إذا كثر التصريع في القيدة فلست أراه ms172 مختارا إلا أن هذه ~~الأصناف من التصريع والترصيع والتجنيس وغيرها إنما يحسن منها في الكلام ما ~~قل وجرى مجرى الغرة من الوجه أو كان كالطراز من الثوب فأما إذا تواترت ~~وكثرت فإنها لا تكون مرضية لما فيها من أمارات الكلفة وهو عندي ينقسم إلى ~~سبع مراتب وذلك شيء لم يذكره على هذا الوجه أحد غيري # فالمرتبة الأولى وهي أعلى التصريع درجة أن يكون كل مصراع من البيت مستقلا ~~بنفسه في فهم معناه غير محتاج إلى صاحبه الذي يليه ويسمى التصريع الكامل ~~وذلك كقول امرئ القيس # ( أفاطم مهلا بعض هذا التدلل % وإن كنت قد أزمعت هجرا فأجملي ) # فإن كل مصراع من هذا البيت مفهوم المعنى بنفسه غير محتاج إلى ما يليه # وعليه ورد قول المتنبي # ( إذا كان مدح فالنسيب المقدم % أكل فصيح قال شعرا متيم ) # المرتبة الثانية أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الذي ~~يليه فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطا به كقول امرئ القيس # ( قفنبك من ذكرى حبيب ومنزل % بسقط اللوى بين الدخول فحومل ) # فالمصراع الأول غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه لكن لما جاء الثاني ~~صار مرتبطا به # وكذلك ورد قول أبي تمام # ( ألم يأن أن تروى الظلماء الحوائم % وأن ينظم الشمل المبدد ناظم ) # وعليه ورد قول المتنبي # ( الرأي قبل شجاعة الشجعان % هو أول وهي المحل الثاني ) # المرتبة الثالثة أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع موضع صاحبه ويسمى ~~التصريع الموجه وذلك كقول ابن الحجاج البغدادي # ( من شروط الصبوح في المهرجان % خفة الشرب مع خلو المكان ) # فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأول ثانيا ومصراعه الثاني أولا وهذه المرتبة ~~كالثانية في الجودة # المرتبة الرابعة أن يكون المصراع الأول غير مستقل بنفسه ولا يفهم معناه ~~إلا بالثاني ويسمى التصريع الناقض وليس بمرضي ولا حسن PageV01P237 # المرتبة الثانية أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الذي ~~يليه فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطا به كقول امرئ القيس # ( قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل % بسقط اللوى بين الدخول ms173 فحومل ) # فالمصراع الأول غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه لكن لما جاء الثاني ~~صار مرتبطا به # وكذلك ورد قول أبي تمام # ( ألم يأن أن تروى الظلماء الحوائم % وأن ينظم الشمل المبدد ناظم ) # وعليه ورد قول المتنبي # ( الرأي قبل شجاعة الشجعان % هو أول وهي المحل الثاني ) # المرتبة الثالثة أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع موضع صاحبه ويسمى ~~التصريع الموجه وذلك كقول ابن الحجاج البغدادي # ( من شروط الصبوح في المهرجان % خفة الشرب مع خلو المكان ) # فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأول ثانيا ومصراعه الثاني أولا وهذه المرتبة ~~كالثانية في الجودة # المرتبة الرابعة أن يكون المصراع الأول غير مستقل بنفسه ولا يفهم معناه ~~إلا بالثاني ويسمى التصريع الناقض وليس بمرضي ولا حسن PageV01P238 # فمما ورد منه قول المتنبي # ( مغاني الشعب طيبا في المعاني % بمنزلة الربيع من الزمان ) # فإن المصراع الأول لا يستقل بنفسه في فهم معناه دون أن يذكر المصراع ~~الثاني # المرتبة الخامسة أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة وسطا وقافية ويسمى ~~التصريع المكرر وهو ينقسم قسمين أحدهما أقرب حالا من الآخر فالأول أن يكون ~~بلفظة حقيقية لا مجاز فيها وهو أنزل الدرجتين كقول عبيد بن الأبرص # ( فكل ذي غيبة يثوب % وغائب الموت لا يثوب ) # القسم الآخر أن يكون التصريع بلفظة مجازية يختلف المعنى فيها كقول أبي ~~تمام # ( فتى كان شربا للعفاة ومرتعا % فأصبح للهندية البيض مرتعا ) # المرتبة السادسة أن يذكر المصراع الأول ويكون معلقا على صفة يأتي ذكرها ~~PageV01P239 في أول المصراع الثاني ويسمى التصريع المعلق فمما ورد منه قول ~~امرئ القيس # ( ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي % بصبح وما الإصباح منك بأمثل ) # فإن المصراع الأول معلق على قوله بصبح وهذا معيب جدا # وعليه ورد قول المتنبي # ( قد علم البين منا البين أجفانا % تدمى وألف في ذا القلب أحزانا ) # فإن المصراع الأول معلق على قوله تدمى # المرتبة السابعة أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته ويسمى التصريع ~~المشطور وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها # فمن ذلك قول أبي نواس # ( أقلني قد ms174 ندمت على الذنوب % وبالإقرار عدت عن الجحود ) # فصرع بحرف الباء في وسط البيت ثم قفاه بحرف الدال وهذا لا يكاد يستعمل ~~إلا قليلا نادرا PageV01P240 # | النوع الثاني في التجنيس # اعلم أن التجنيس غرة شادخة في وجه الكلام وقد تصرف العلماء من أرباب هذه ~~الصناعة فيه فغربوا وشرقوا لا سيما المحدثين منهم وصنف الناس فيه كتبا ~~كثيرة وجعلوه أبوابا متعددة واختلفوا في ذلك وأدخلوا بعض تلك الأبواب في ~~بعض فمنهم عبد الله بن المعتز وأبو علي الحاتمي والقاضي أبو الحسين ~~الجرجاني وقدامة بن جعفر الكاتب وغيرهم # وإنما سمي هذا النوع من الكلام مجانسا لأن حروف ألفاظه يكون تركيبها من ~~جنس واحد # وحقيقته أن يكون اللفظ واحد والمعنى مختلفا وعلى هذا فإنه هو اللفظ ~~المشترك وما عداه فليس من التجنيس الحقيقي في شيء إلا أنه قد خرج من ذلك ما ~~يسمى تجنيسا وتلك تسمية بالمشابهة لا لأنها دالة على حقيقة المسمى بعينه # وعلى هذا فإني نظرت في التجنيس وما شبه به فأجرى مجراه فوجدته ينقسم إلى ~~سبعة أقسام واحد منها يدل على حقيقة التجنيس لأن لفظه واحد لا يختلف وستة ~~أقسام مشبهة # فأما القسم الأول فهو أن تتساوى حروف ألفاظه في تركيبها ووزنها كقوله ~~تعالى @QB@ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة @QE@ وليس في ~~القرآن الكريم سوى هذه الآية فاعرفها ويروى في الأخبار النبوية أن الصحابة ~~نازعوا جرير بن عبد الله البجلي زمامه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~خلوا بين جرير والجرير ) أي دعوا زمامه PageV01P241 # ومما جاء منه في الشعر قول أبي تمام # ( فأصبحت غرر الأيام مشرقة % بالنصر تضحك عن أيامك الغرر ) # فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء ~~أكرمه فاللفظ إذا واحد والمعنى مختلف # وكذلك قوله # ( من القوم جعد أبيض الوجه والندى % وليس بنان يجتدى منه بالجعد ) # فالجعد السيد والبنان الجعد ضد السبط فأحدهما يوصف به السخي والآخر يوصف ~~به البخيل # وكذلك قوله # ( بكل فتى ضرب يعرض للقنا % محيى محلى حليه الطعن والضرب ms175 ) # فالضرب الرجل الخفيف والضرب بالسيف في الحرب # وكذلك قوله # ( عداك حر الثغور المستضامة عن % برد الثغور وعن سلسالها الخصب ) ~~PageV01P242 # فالثغور جمع ثغر وهو واحد الأسنان وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو # ثم قال في هذه القصيدة # ( كم أحرزت قضب الهندي مصلتة % تهتز من قضب تهتز في كثب ) # ( بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت % أحق بالبيض أبدانا من الحجب ) # فالقضب السيوف والقضب القدود على حكم الاستعارة وكذلك البيض السيوف ~~والبيض النساء وهذا من النادر الذي لا يتعلق به أحد # وكذلك قوله # ( إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا % صدور العوالي في صدور الكتائب ) # فلفظ الصدور في هذا البيت واحد والمعنى مختلف # وكذلك قوله # ( عامي وعام العيس بين وديقة % مسجورة وتنوفة صيهود ) PageV01P243 # ( حتى أغادر كل يوم بالفلا % للطير عيدا من بنات العيد ) # فالعيد فحل من فحول الإبل والعيد اليوم المعروف من الأيام # وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره فمنه ما أغرب فيه فأحسن كالذي ~~ذكرته ومنه ما أتى به كريها مستثقلا كقوله # ( ويوم أرشق والهيجاء قد رشقت % من المنية رشقا وابلا قصفا ) # وكقوله # ( يا مضغنا خالدا لك الثكل إن % خلد حقدا عليك في خلده ) # وكقوله # ( وأهل موقان إذ ماقوا فلا وزر % أنجاهم منك في الهيجا ولا سند ) ~~PageV01P244 # وكقوله # ( مهلا بني مالك لا تجلبن إلى % حي الأراقم دؤلول ابنة الرقم ) # ثم قال فيها # ( من الردينية اللائي إذا عسلت % تشم بو الصغار الأنف ذا الشمم ) # وكقوله # ( قرت بقران عين الدين واشتترت % بالأشترين عيون الشرك فاصطلما ) # وله من هذا الغث البارد المتكلف شيء كثير لا حاجة إلى استقصائه بل قد ~~أوردنا منه قليلا يستدل به على أمثاله # ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس # ( عباس عباس إذا احتدم الوغى % والفضل فضل والربيع ربيع ) PageV01P245 # وكذلك قوله # ( فقل لأبي العباس إن كنت مذنبا % فأنت أحق الناس بالأخذ بالفضل ) # ( فلا تجحدوني ود عشرين حجة % ولا تفسدوا ما كان منكم من الفضل ) # وعلى هذا النهج ورد قول البحتري # ( إذا العين راحت وهي عين على الهوى % فليس ms176 بسر ما تسر الأضالع ) # فالعين الجاسوس والعين معروفة # وكذلك ورد قول بعضهم # ( وترى سوابق دمعها فتواكفت % ساق تجاوب فوق ساق ساقا ) # فالساق ساق الشجرة والساق القمري من الطيور # وعلى هذا الأسلوب جاء قول بعض المتأخرين وهو الشاعر المعروف بالمعري في ~~قصيدة قصد بها التجنيس في كثير من أبياتها فمن ذلك ما أورده في مطلعها # ( لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا % ونحن في حفر الأجداث أحيانا ) # ثم قال في أبياتها # ( تقول أنت امرؤ جاف مغالطة % فقلت لا هومت أجفان أجفانا ) # وكذا قال في آخرها # ( لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به % فلا برحت لعين الدهر إنسانا ) ~~PageV01P246 # ورأيت الغانمي قد ذكر في كتابه بابا وسماه رد الأعجاز على الصدور خارجا ~~عن باب التجنيس وهو ضرب منه وقسم من جملة أقسامه كالذي نحن بصدد ذكره ههنا ~~فمما أورده الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم # ( ونشري بجميل الصنع ذكرا طيب النشر ) # ( ونفري بسيوف الهند من أسرف في النفر ) # ( وبحري في شرى الحمد % على شاكلة البحر ) # وكذلك قول بعضهم في الشيب # ( يا بياضا أذرى دموعي حتى % عاد منها سواد عيني بياضا ) # وكذلك قول البحتري # ( وأغر في الزمن البهيم محجل % قد رحت منه على أغر محجل ) # ( كالهيكل المبني إلا أنه % في الحسن جاء كصورة في هيكل ) # وليس الأخذ على المعاني في ذلك مناقشة على الأسماء وإنما المناقشة على أن ~~ينصب نفسه لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه ويكون أحد الأبواب التي ذكرناها ~~داخلا في الآخر فيذهب عليه ذلك ويخفى عنه وهو أشهر من فلق الصباح # وربما جهل بعض الناس فأدخل في التجنيس ما ليس منه نظرا إلى مساواة اللفظ ~~دون اختلاف المعنى فمن ذلك قول أبي تمام # ( أظن الدمع في خدي سيبقي % رسوما من بكائي في الرسوم ) # وهذا ليس من التجنيس في شيء إذا حد التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف ~~PageV01P247 المعنى وهذا البيت المشار إليه هو اتفاق اللفظ والمعنى معا ~~وهذا مما ينبغي أن ينبه عليه ليعرف # ومن علماء البيان من جعل له اسما سماه به وهو ms177 الترديد أي أن اللفظة ~~الواحدة رددت فيه # وحيث نبهت عليه ههنا فلا أحتاج أن أعقد له بابا أفرده بالذكر فيه # وأما الأقسام الستة المشبهة بالتجنيس فالقسم الأول منها أن تكون الحروف ~~متساوية في تركيبها مختلفة في وزنها فمما جاء من ذلك قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( اللهم كما حسنت خلقي حسن خلقي ) ألا ترى أن هاتين اللفظتين ~~متساويتين في التركيب مختلفتان في الوزن لأن تركيب الخلق والخلق من ثلاثة ~~أحرف وهي الخاء واللام والقاف إلا أنهما قد اختلفا في الوزن إذ وزن الخلق ~~فعل بفتح الفاء ووزن الخلق فعل بضم الفاء # ومن هذا القسم قول بعضهم لا تنال غرز المعالي إلا بركوب الغرر واهتبال ~~الغرر # وقال البحتري # ( وفر الحائن المغرور يرجو % أمانا أي ساعة ما أمان ) # ( يهاب الإلتفات وقد تهيا % للحظة طرفه طرف السنان ) # وكذلك ورد قول الآخر # ( قد ذبت بين حشاشة وذماء % ما بين حر هوى وحر هواء ) PageV01P248 # القسم الثاني من المشبه بالتجنيس وهو أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن ~~مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير وإن زاد على ذلك خرج من باب التجنيس # فمما جاء قوله تعالى @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ فإن ~~هاتين اللفظتين على وزن واحد إلا أن تركيبهما مختلف في حرف واحد وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ وهم ينهون عنه وينأون عنه @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ ذلكم بما ~~كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون @QE@ # وعلى نحو من هذا ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الخيل معقود ~~بنواصيها الخير ) وقال بعضهم لا تنال المكارم إلا بالمكاره # وقال أبو تمام # ( يمدون من أيد عواص عواصم % تصول بأسياف قواض قواضب ) # وقال البحتري # ( من كل ساجي الطرف أغيد أجيد % ومهفهف الكشحين أحوى أحور ) PageV01P249 # وكذلك قوله # ( شواجر أرماح تقطع بينهم % شواجن أرحام ملوم قطوعها ) # القسم الثالث من المشبه بالتجنيس وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن ~~والتركيب بحرف واحد كقوله تعالى @QB@ والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ ~~المساق @QE@ وقوله تعالى @QB@ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا @QE@ وكذلك ms178 ورد ~~قوله صلى الله عليه وسلم ( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده ) # ودخل ثعلب صاحب كتاب الفصيح على أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ومجلسه غاص ~~فجلس إلى جانبه ثم أقبل عليه وقال أخاف أن أكون ضيقت عليك على أنه لا يضيق ~~مجلس بمتاجين ولا تسع الدنيا بأسرها متباغضين فقال له أحمد الصديق لا يحاسب ~~والعدو لا يحتسب له وهذا كلام حسن من كلا الرجلين والتجنيس في كلام أحمد ~~رحمه الله في قوله يحاسب ويحتسب له # وقد جاءني شيء من ذلك عليه خفة الطبع لا ثقل التطبع # فمنه ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن ذكر الجهاد فقلت ~~وخيل الله قد اشتاقت أن يقال لها اركبي وسيوفه قد تطلعت أن يقال لها اضربي ~~ومواطن الجهاد قد بعد عهدها باستسقاء شآبيب النحور وإنبات ربيع الذباب ~~والنسور وما ذاك إلا لأن العدو إذا طلب تقمص ثوب إذلاله وتنصل من صحة نصاله ~~واعتصم بمعاقله التي لا فرق بينها وبين عقاله PageV01P250 # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم فقلت وقد جعل الله حرمه ملقى الجفان ومتلقى ~~الأجفان فهو حمى لمن جنى عليه زمانه وجار لمن بعد عنه جيرانه # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة وهو ولقد استبان ~~الخادم من بركة طاعته ما يعمى عنه غيره فما يراه ووجد من أثره في صلاح ~~دنياه ما استدل به على صلاح أخراه فهو المركب المنجي والعمل المرجو لا ~~المرجي والمعنى المراد بهداية الصراط المستقيم وتأويل قوله تعال @QB@ ~~فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ # ومن ذلك ما ذكرته في أثناء كتاب إلى بعض الإخوان وذلك وصف بعض المنعمين ~~فقلت نحن من حسن شيمه وفواصل إحسانه بين هند وهنيدة ومن يمن نقيبته وأمانة ~~غيبه بين أم معبد وأبي عبيدة # ومن ذلك ما ذكرته في مطلع كتاب إلى بعض الإخوان فقلت الكتب وإن عدها قوم ~~عرضا من الأعراض وتقالوها حتى قالوا هي سواد في بياض ms179 فإن لها عند الإخوان ~~وجها وسيما ومحلا كريما وهي حمائم القلوب إذا فارق حميم حميما ومن أحسنها ~~كتاب سيدنا ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب # ومن هذا القسم قول أبي تمام # ( أيام تدمي عينه تلك الدما % فيها وتقمر لبه الأقمار ) # وكذلك قال PageV01P251 # ( بيض فهن إذا رمقن سوافرا % صور وهن إذ رمقن صوار ) # وكذلك قوله # ( بدر أطالت فيك بادرة النوى % ولعا وشمس أولعت بشماس ) # وكذلك قوله # ( كادوا النبوة والهدى فتقطعت % أعناقهم في ذلك المضمار ) # ( جهلوا فلم يستكثروا من طاعة % معروفة بعمارة الأعمار ) # وكذلك قوله # ( إن الرماح إذا غرسن بمشهد % فجنى العوالي في ذراه معالي ) PageV01P252 # وكذلك قوله # ( إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا % بلا نعمة أحسنت أن تتطولا ) # وكذلك قوله # ( أي ربع يكذب الدهر عنه % وهو ملقى على طريق الليالي ) # ( بين حال جنت عليه وحول % فهو نضو الأحوال والأحوال ) # ( شد ما استنزلتك عن دمعك الأظعان حتى استهل صوب العزالي ) # ( أي حسن في الذاهببين تولى % وجمال على ظهور الجمال ) # ( ودلال مخيم في ذرى الخيم وحجل معصم في الحجال ) # فالبيت الثاني والخامس هما المقصودان بالتمثيل ههنا والأبيات الباقية ~~جاءت تبعا PageV01P253 # ومما جاء من ذلك قول علي بن جبلة # ( وكم لك من يوم رفعت بناءه % بذات جفون أو بذات جفان ) # وكذلك قول محمد بن وهيب الحميري # ( قسمت صروف الدهر بأسا ونائلا % فمالك موتور وسيفك واتر ) # وهذا من المليح النادر # ومن هذا القسم قول البحتري # ( جدير بأن تنشق عن ضوء وجهه % ضبابة نقع تحتها الموت ناقع ) # وكذلك قوله # ( نسيم الروض في ريح شمال % وصوب المزن في راح شمول ) # وذم أعرابي رجلا فقال كان إذا سأل ألحف وإذا سئل سوف يحسد على الفضل ~~ويزهد في الإفضال # القسم الرابع من المشبه بالتجنيس ويسمى المعكوس وذلك ضربان # أحدهما عكس الألفاظ والآخر عكس الحروف # فالأول كقول بعضهم عادات السادات سادات العادات وكقول الآخر شيم الأحرار ~~أحرار الشيم PageV01P254 # ومن هذا النوع مما ورد شعرا قول الأضبط بن قريع من شعراء الجاهلية # ( قد يجمع المال غير آكله % ويأكل المال غير من ms180 جمعه ) # ويقطع الثوب غير لابسه % ويلبس الثوب غير من قطعه ) # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي # ( فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله % ولا مال في الدنيا لمن قل مجده ) # وكذلك قول الشريف الرضي من أبيات يذم فيها الزمان # ( أسف بمن يطير إلى المعالي % وطار بمن يسف إلى الدنايا ) # وكذلك قول الآخر # ( إن الليالي للأنام مناهل % تطوى وتنشر بينها الأعمار ) # ( فقصارهن من الهموم طويلة % وطوالهن من السرور قصار ) # وأحسن من هذا كله وألطف قول ابن الزقاق الأندلسي # ( غيرتنا يد الزمان % فقد شبت والتحى ) # ( فاستحال الضحى دجا % واستحال الدجا ضحى ) # وهذا الضرب من التجنيس له حلاوة وعليه رونق وقد سماه قدامة بن جعفر ~~الكاتب التبديل وذلك اسم مناسب لمسماه لأن مؤلف الكلام يأتي بما كان مقدما ~~في جزء كلامه الأول مؤخرا في الثاني وبما كان مؤخرا في الأول مقدما في ~~الثاني ومثله قدامة بقول بعضهم اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك ~~PageV01P255 # ومن هذا القسم قوله تعالى @QB@ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ~~@QE@ وكذلك ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم ( جار الدار أحق بدار الجار ) # وكتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه ~~كتابا فقال أما بعد فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما ~~لم يكن ليدركه فلا تكن بما نلت من دنياك فرحا ولا بما فاتك منها ترحا ولا ~~تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويؤخر التوبة بطول أمل وكأن قد والسلام # وروي عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان ~~وامتدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها # ( أهن عوادي يوسف وصواحبه % ) # أنكر عليه أبو سعيد الضرير وأبو العميثل هذا الابتداء # وقالا لم لا يقول ما يفهم فقال لم لا يفهما ما يقال فاستحسن منه هذا ~~الجواب على الفور وهو من التجنيس المشار إليه # وقد جاءني شيء منه كقولي في فصل من كتاب يتضمن فتحا وهو فكم كان من ~~افتراع عذرة ms181 الحصن من افتراع عذرة حصان وكم حيز به من سنان لحظ استرقه لحظ ~~سنان # وكذلك قولي في صدر كتاب إلى ديوان الخلافة وهو الخادم يبلغ خدمته إلى ذلك ~~الجناب التي تمطره الشفاه قبلا وتوسعه العفاة أملا وترى الخول به ملوكا ~~والملوك خولا وطاعته هي محك الأعمال التي أشير إليها بقوله تعالى @QB@ ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ # وكذلك ورد قولي أيضا وهو فصل من تقليد وزير فقلت وقد صدق الله لهجة ~~المثني عليك أن يقول إنك الرجل الذي تضرب به الأمثال والمهذب الذي لا يقال ~~معه أي الرجال وإذا وازرت مملكة فقد حظيت منك بشد أزرها وسد ثغرها وأصبحت ~~وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها فهي مزدانة منك بالفضل المتين معانة بالقوي ~~الأمين PageV01P256 # وأما الضرب الثاني من هذا القسم وهو عكس الحروف فهو كقول بعضهم # ( أهديت شيئا يقل لولا % أحدوثة الفال والتبرك ) # ( كرسي تفاءلت فيه لما % رأيت مقلوبه يسرك ) # وكذلك قول الآخر # ( كيف السرور بإقبال وآخره % إذا تأملته مقلوب إقبال ) # وأجود من هذا كله قول الآخر # ( جاذبتها والريح تجذب عقربا % من فوق خد مثل قلب العقرب ) # ( وطفقت ألثم ثغرها فتمنعت % وتحجبت عني بقلب العقرب ) # وإذا قلب لفظ عقرب صار برقعا # وهذا الضرب نادر الاستعمال لأنه قل ما يقع كلمة تقلب حروفها فيجيء معناها ~~صوابا # القسم الخامس من المشبه بالتجنيس ويسمى المجنب وذاك أن يجمع مؤلف الكلام ~~بين كلمتين إحداهما كالتبع للأخرى والجنيبة لها كقول بعضهم # ( أبا العباس لا تحسب بأني % لشيء من حلى الأشعار عاري ) # ( فلي طبع كسلسال معين % زلال من ذرا الأحجار جاري ) # وهذا القسم عندي فيه نظر لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس ألا ~~ترى أن التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى وههنا لم يتفق إلا جزء من ~~اللفظ وهو أقله وأما اللزوم في الكلام المنثور فهو تساوي الحروف التي قبل ~~PageV01P257 الفواصل المسجوعة وهذا هو كذلك لأن العين والراء تساويا في ~~البيت الأول في قوله الأشعار وعار والجيم والراء في البيت الثاني في قوله ~~الأحجار وجار # القسم السادس من ms182 المشبه بالتجنيس وهو ما يساوي وزنه تركيبه غير أن حروفه ~~تتقدم وتتأخر وذلك كقول أبي تمام # ( بيض الصفائح لا سود الصحائف في % متونهن جلاء الشك والريب ) # فالصفائح والصحائف مما تقدمت حروفه وتأخرت # وقد ورد في الكلام المنثور كقوله صلى الله عليه وسلم في فضيلة تلاوة ~~القرآن الكريم ( يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ~~فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ ) فقوله صلى الله عليه وسلم ( اقرأ وارق ) من ~~التجنيس المشار إليه في هذا القسم # | النوع الثالث في الترصيع # وهو مأخوذ من ترصيع العقد وذاك أن يكون في أحد جانبي العقد من اللآلئ مثل ~~ما في الجانب الآخر وكذلك نجعل هذا في الألفاظ المنثورة من الأسجاع وهو أن ~~تكون كل لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل الثاني ~~في الوزن والقافية وهذا لا يوجد في كتاب الله تعالى لما هو عليه من زيادة ~~التكلف فأما قول من ذهب إلى أن في كتاب الله منه شيئا ومثله بقوله تعالى ~~@QB@ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم @QE@ فليس الأمر كما وقع له ~~فإن لفظة لفي قد وردت في الفقرتين معا وهذا يخالف شرط الترصيع الذي شرطناه ~~لكنه قريب منه وأما الشعر فإني كنت أقول إنه لا يتزن على هذه الشريطة ولم ~~أجده في أشعار العرب لما فيه من تعمق الصنعة وتعسف الكلفة وإذا جيء به في ~~الشعر لم يكن عليه محض الطلاوة التي تكون إذا جيء به في PageV01P258 الكلام ~~المنثور ثم إني عثرت عليه في شعر المحدثين ولكنه قليل جدا فمن ذلك قول ~~بعضهم # ( فمكارم أوليتها متبرعا % وجرائم ألغيتها متورعا ) # فمكارم بإزاء جرائم وأوليتها بإزاء ألغيتها ومتبرعا بإزاء متورعا # وقد أجاز بعضهم أن يكون أحد ألفاظ الفصل الأول خالفا لما يقابله من الفصل ~~الثاني وهذا ليس بشيء لمخالفته حقيقة الترصيع # فمما جاء من هذا النوع منثورا قول الحريري في مقاماته فهو يطبع الأسجاع ~~بجواهر لفظه ويقرع الأسماع بزواجر وعظه فإنه جعل ألفاظ الفصل الأول ms183 مساوية ~~لألفاظ الفصل الثاني وزنا وقافية فجعل يطبع بإزاء يقرع والأسجاع بإزاء ~~الأسماع وجواهر بإزاء زواجر ولفظه بإزاء وعظه # ومما جاءني من هذا النوع ما ذكرته في جواب كتاب إلى بعض الإخوان وهو قد ~~أعدت الجواب ولم أستعر له نظما ملفقا ولا جلبت إليه حسنا منمقا بل أخرجته ~~على رسله وغنيت بصقال حسنه عن صقله فجاء كما تراه غير ممشوط ولا مخطوط فهو ~~يرفل في أثواب بذلته وقد حوى الجمال بجملته والحسن ما وشته فطرة التصوير لا ~~ما حشته فكرة التزوير # والترصيع في قوله وشته فطرة التصوير وحشته فكرة التزوير # وكذلك ورد قولي في فصل من الكلام يتضمن تثقيف الأولاد فقلت من قوم أود ~~أولاده ضرم كمد حساده فهذه الألفاظ متكافئة في ترصيعها فقوم بإزاء ضرم وأود ~~بإزاء كمد وأولاده بإزاء حساده # وكذلك قول بعضهم في الأمثال المولدة التي لم ترد عن العرب وهو من أطاع ~~غضبه أضاع أدبه فألهاع بإزاء أضاع وغضبه بإزاء أدبه PageV01P259 # وقد ورد هذا الضرب كثيرا في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم ~~بن نباتة رحمه الله # فمن ذلك قوله في أول خطبة الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره وحاصد ~~أئمة الغرور بقواصم مكره وموفق عبيده لمغانم ذكره ومحقق مواعيده بلوازم ~~شكره فالألفاظ التي جاءت في الفصلين الأولين متساوية وزنا وقافية والتي ~~جاءت في الفصلين الآخرين فيها تخالف في الوزن فإن مواعيد تخالف وزن عبيد ~~ولا تخالف قافيتها التي هي الدال # ومن ذلك قوله أيضا في جملة خطبة أولئك الذين أفلوا فنجمتم ورحلوا فأقمتم ~~وأبادهم الموت كما علمتم وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم كما زعمتم كلا ~~والله ما أشخصوا لتقروا ولا نغصوا لتسروا ولا بد أن تمرو حيث مروا فلا ~~تثقوا بخدع الدنيا ولا تغتروا وهذا الكلام فيه أيضا ما في الذي قبله من صحة ~~الوزن والقافية وصحة القافية دون الوزن # وكذلك قوله أيضا في خطبة أخرى أيها الناس أسيموا القلوب في رياض الحكم ~~وأديموا النحيب على ابيضاض اللمم وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم وأجيلوا ms184 ~~الأفكار في انقراض الأمم # وأما ما ورد في الشعر على مخالفة بعض الألفاظ بعضا فكقول ذي الرمة # ( كحلاء في برج صفراء في دعج % كأنها فضة قد مسها ذهب ) # وصدر هذا البيت مرصع وعجزه خال من الترصيع وعذر الشاعر في ذلك واضح لأنه ~~مقيد بالوقوف مع الوزن والقافية ألا ترى أن ذا الرمة بنى قصيدته على ~~PageV01P260 حرف الباء ولو رصع هذا البيت الترصيع الحقيقي لكان يلزمه أن ~~يأتي بألفاظه على حرفين حرفين أحدهما الباء أو كان يقسم البيت نصفين ويماثل ~~بين ألفاظ هذا النصف وهذا النصف وذلك مما يعسر وقوعه في الشعر # وأرباب هذه الصناعات قد قسموا الترصيع إلى هذين القسمين المذكورين وهذه ~~القسمة لا أراها صوابا لأن حقيقة الترصيع موجودة في القسم الأول دون الثاني # ومما جاء في هذا القسم الثاني قول الخنساء # ( حامي الحقيقة محمود الخليقة مهدي % الطريقة نفاع وضرار ) # وكذلك قول الآخر # ( سود ذوائبها بيض ترائبها % محض ضرائبها صيغت من الكرم ) # | النوع الرابع في لزوم ما لا يلزم # وهو من أشق هذه الصناعة مذهبا وأبعدها مسلكا وذاك لأن مؤلفه يلتزم ما لا ~~يلزمه فإن اللازم في هذا الموضع وما جرى مجراه إنما هو السجع الذي هو تساوي ~~أجزاء الفواصل من الكلام المنثور في قوافيها وهذا فيه زيادة على ذلك ~~PageV01P261 وهو أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفا واحدا وهو في الشعر ~~أن تتساوى الحروف التي قبل روى الأبيات الشعرية # وقد جمع أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في ذلك كتابا وسماه كتاب ~~اللزوم فأتى فيه بالجيد الذي يحمد والرديء الذي يذم # وسأذكر في كتابي هذا في هذا الموضع أمثلة من المنثور والمنظوم يهتدى بها # فمن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب في فصل يتضمن ذم جبان فقلت إذا نزل به خطب ~~ملكه الفرق وإذا ضل في أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق # ومن ذلك ما ذكرته في مبدأ كتاب إلى بعض الإخوان فقلت الخادم يهدي من ~~دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا ويصون ms185 أحدهما نفسا والآخر ~~عرضا وأعجب ما فيهما أنهما توأمان غير أن هذا مستنتج من ضمير القلب وهذا من ~~نطق اللسان فاللزوم ههنا في الراء والضاد # وكذلك ورد قولي في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة فقلت وقد علم من شيم ~~الديوان العزيز أنه يسر بامتداد الأيدي إلى بابه وإذا أغب أحدها في المسألة ~~نهاه عن إغبابه حتى لا يخلو حرمه الكريم من المطاف ولا يده الكريمة من ~~الإسعاف فاللزوم ههنا في لفظتي بابه وإغبابه # ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أيضا وهو ومهما شد به ~~عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التي خولته ولا يقوى تصعد السحب إلا ~~بكثرة غيثها الذي أنزلته وغير خاف أن عبيد الدولة لها كالعمد من طرافها ~~ومركز الدائرة من أطرافها ولا يؤيد السيف إلا بقائمه ولا ينهض الجناح إلا ~~بقوادمه فاللزوم في هذا الموضع في الراء والفاء في قولي طزاف وأطراف # ومن ذلك ما كتبته في صدر كتاب إلى الملك الأفضل علي بن يوسف أهنئه بملك ~~مصر في سنة خمس وتسعين وخمسمائة فقلت المملوك يهنئ مولانا بنعمة الله ~~المؤذنة باستخلاصه واحتبائه وتمكينه حتى بلغ أشده واستخرج كنز PageV01P262 ~~آبائه ولو أنصف لهنأ الأرض منه بوابلها والأمة بكافلها وخصوصا أرض مصر التي ~~خصت بشرف سكناه وغدت بين بحرين من فيض البحر وفيض يمناه # وكل هذه الفصول المذكورة من هذه المكتوبات التي أنشأتها لا كلفة على ~~كلمات اللزوم فيها # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج أن لقيط بن زرارة تزوج بنت قيس بن خالد ~~بن ذي الجدين فحظيت عنده وحظي عندها ثم قتل فآمت بعده وتزوجت زوجا غيره ~~فكانت كثيرا ما تذكر لقيطا فلامها على ذلك فقالت إنه خرج في يوم دجن وقد ~~تطيب وشرب فطرد البقر فصرع منها ثم أتاني وبه نضح دم فضمني ضما وشمني شمة ~~فليتني مت ثمة فلم أر منظرا كان أحسن من لقيط فقولها ضمني ضمة وشمني شمة ~~فليتني مت ثمة من الكلام الحلو في باب اللزوم ولا كلفة ms186 عليه # وهكذا فليكن فإن الكلفة وحشة تذهب برونق الصنعة وما ينبغي لمؤلف الكلام ~~أن يستعمل هذا النوع حتى يجيء به متكلفا ومثاله في هذا المقام كمن أخذ ~~موضوعا رديئا فأجاد فيه صنعته فإنه يكون عند ذلك قد راعى الفرع وأهمل الأصل ~~فأضاع جودة الصنعة في رداءة الموضوع # وقد سلك ذلك أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان فمما جاء من ~~ذلك قوله في حرف التاء مع الخاء # ( بنت عن الدنيا ولا بنت لي % فيها ولا عرس ولا أخت ) # ( وقد تحملت من الوزر ما % تعجز أن تحمله البخت ) # ( إن مدحوني ساءني مدحهم % وخلت أني في الثرى سخت ) # وله من ذلك الجيد كقوله # ( لا تطلبن بآلة لك حاجة % قلم البليغ بغير جد مغزل ) # ( سكن السما كان السماء كلاهما % هذا له رمح وهذا أعزل ) PageV01P263 # وهذا بين الاسترسال وبين الكلفة # وأما ما تكلف له تكلفا ظاهرا وإن أجاد فقوله # ( تنازع في الدنيا سواك وما له % ولا لك شيء في الحقيقة فيها ) # ( ولكنها ملك لرب مقدر % يعير جنوب الأرض مرتدفيها ) # ( ولم تحظ من ذاك النزاع بطائل % من الأمر إلا أن تعد سفيها ) # ( فيا نفس لا تعظم عليك خطوبها % فمتفقوها مثل مختلفيها ) # ( تداعوا إلى النزر القليل فجالدوا % عليه وخلوها لمغترفيها ) # ( وما أم صل أو حليلة ضيغم % بأظلم من دنياك فاعترفيها ) # ( تلاقي الوفود القادميها بفرحة % وتبكي على آثار منصرفيها ) # ( وما هي إلا شوكة ليس عندها % وجدك إرطاب لمخترفيها ) # ( كما نبذت للطير والوحش رازم % فألقت شرورا بين مختطفيها ) # ( تناؤت عن الإنصاف من ضيم لم % يجد سبيلا إلى غايات منتصفيها ) ~~PageV01P264 # ( فأطبق فما عنها وكفا ومقلة % وقل لغوي الناس فاك لفيها ) # ومن ذلك # ( أرى الدنيا وما وصفت ببر % إذا أغنت فقيرا أرهقته ) # ( إذا خشيت لشر عجلته % وإن رجيت لخير عوقته ) # ( حياة كالحبالة ذات مكر % ونفس المرء صيد أعلقته ) # ( فلا يخدع بحيلتها أريب % وإن هي سورته ونطقته ) # ( أذاقته شهيا من جناها % وصدت فاه عما ذوقته ) # وقد ورد للعرب شيء من ذلك إلا أنه قليل فمما جاء منه قول بعضهم ms187 في أبيات ~~الحماسة # ( إن التي زعمت فؤادك ملها % خلقت هواك كما خلقت هوى لها ) # ( بيضاء باكرها النعيم فصاغها % بلباقة فأدقها وأجلها ) # ( حجبت تحيتها فقلت لصاحبي % ما كان أكثرها لنا وأقلها ) # ( وإذا وجدت لها وساوس سلوة % شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها ) # وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه # ومما يجري هذا المجرى قول حجر بن حية العبسي من شعر الحماسة أيضا ~~PageV01P265 # ( ولا أدوم قدري بعدما نضجت % بخلا فتمنع ما فيها أثافيها ) # ( حتى تقسم شتى بين ما وسعت % ولا يؤنب تحت الليل عافيها ) # ومما ورد من ذلك أيضا قول طرفة بن العبد البكري # ( ألم تر أن المال يكسب أهله % فضوحا إذا لم يعط منه نواسبه ) # ( أرى كل مال لا محالة ذاهبا % وأفضله ما ورث الحمد كاسبه ) # وكذلك قول الفرزدق # ( وغير لون راحلتي ولوني % تردي الهواجر واعتمامي ) # ( أقول لها إذا ضجرت وعضت % بموركة الوراك مع الزمام ) # ( علام تلفتين وأنت تحتي % وخير الناس كلهم أمامي ) # وكذلك قوله أيضا PageV01P266 # ( منع الحياة من الرجال ونفعها % حدق تقلبها النساء مراض ) # ( وكأن أفئدة الرجال إذا رأوا % حدق النساء لنبلها أغراض ) # وإذا شئت أن تعلم مقادير الكلام وكان لك ذوق صحيح فانظر إلى هذا العربي ~~في كلامه السهل الذي كأنه ماء جار وانظر إلى ما أوردته لأبي العلاء المعري ~~فإن أثر الكلفة عليه باد ظاهر # وممن قصد من العرب قصيدة كله من اللزوم كثير عزة وهي القصيدة التي أولها # ( خليلي هذا ربع عزة فاعقلا % قلوصيكما ثم احللا حيث حلت ) # وهذه القصيدة تزيد على عشرين بيتا وهي مع ذلك سهلة لينة تكاد تترقرق من ~~لينها وسهولتها وليس عليها من أثر الكلفة شيء ولولا خوف الإطالة لأوردتها ~~بجملتها # وقد ذكر بعضهم من هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة وهو # ( وفيشة ليست كهذي الفيش % قد ملئت من ترف وطيش ) # ( إذا بدت قلت أمير الجيش % من ذاقها يعرف طعم العيش ) # وهذا ليس من باب اللزوم لأن اللزوم هو أن يلتزم الناظم والناثر ما لا ~~يلزمه كقولنا شرق وفرق مثلا فإنه لو قيل ms188 بدلا من ذلك شرق وحنق لجاز ذلك وفي ~~PageV01P267 # ( لقد فجعت عتابه وزهيره % وتغلبه أخرى الليالي ووائله ) # ( ومبتدر المعروف تسري هباته % إليهم ولا تسري إليهم غوائله ) # ( طواه الردى طي الرداء وغيبت % فضائله عن قومه وفواضله ) # ( طوى شيما كانت تروح وتغتدي % وسائل من أعيت عليه وسائله ) # ( فيا عاضا للعرف أقلع مزنه % ويا واديا للجود جفت مسايله ) # ( ألم ترني أنزفت عيني على أبي % محمد النجم المشرق آفله ) # ( وأخضلتها فيه كما لو أتيته % طريد الليالي أخضلتني نوافله ) # وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب وليس بمتكلف كشعر أبي العلاء فإن حسن ~~هذا مطبوع وحسن ذاك مصنوع وكذلك أقول في غير اللزوم من الأنواع المذكورة ~~أولا فإن الألفاظ إذا صدرت فيها عن سهولة خاطر وسلاسة طبع وكانت غير ~~مستجلبة ولا متكلفة جاءت غير محتاجة إلى التألف ولا شك أن صورة الخلقة غير ~~صورة التخلق # فإن قيل ما الفرق بين المتكلف من هذا الأنواع وغير المتكلف # قلت في الجواب أما المتكلف فهو الذي يأتي بالفكرة والروية وذلك أن ينضى ~~الخاطر في طلبه ويبعث على تتبعه واقتصاص أثره وغير المتكلف يأتي مستريحا من ~~ذلك كله وهو أن يكون الشاعر في نظم قصيدته أو الخطيب أو الكاتب في إنشاء ~~خطبته أو كتابته فبينا هو كذلك إذا سنح له نوع من هذه الأنواع الاتفاق لا ~~بالسعي والطلب ألا ترى أن قول أبي نواس في مثل هذا الموضع # ( أترك الأطلال لا تعبأ بها % إنها من كل بؤس دانيه ) # ( وانعت الراح على تحريمها % إنما دنياك دار فانيه ) PageV01P268 ~~PageV01P269 # ( من عقار من رآها قال لي % صيدت الشمس لنا في آنيه ) # وعلى هذه السهولة واللطافة ورد قوله أيضا # ( كم من غلام ذي تحاسين % أفسده ناطف ياسين ) # وهذا ياسين كان يبيع الناطف ببغداد # وحكى إبراهيم البندنيجي قال رأيت شيخا ضعيفا يبيع ناطفا فقلت له يا شيخ ~~أما زلت في الصناعة قال مذ كنت ولكن الحال كانت واسعة والسلعة نافقة وكنت ~~ممن يشار إلي حتى قال أبو نواس في وأنشد هذا البيت # فانظر أيها المتأمل ms189 ما أحلى لفظ أبي نواس في لزومه وما أعراه عن الكلفة ~~وكذلك فلتكن الألفاظ في اللزوم وغيره # واعلم أنه إذا صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر أو من فواصل الكلام المنثور ~~فإن ذلك ملحق باللزوم ويكون التصغير عوضا عن تساوي الحروف التي قبل روى ~~الأبيات الشعرية والحروف التي قبل الفاصلة من النثر فمن ذلك قول بعضهم # ( عز على ليلى بذي سدير % سوء مبيتي ليلة الغمير ) # ( مقضبا نفسي في طمير % تنتهز الرعدة في ظهيري ) # ( يهفوا إلي الزور من صديري % ظمآن في ريح وفي مطير ) # ( وازر قر ليس بالغرير % من لدما ظهر إلا سحير ) # ( حتى بدت لي جبهة القمير % لأربع خلون من شهير ) PageV01P270 # وهذا من محاسن الصنعة في هذا الباب فاعرفه # وأحسن منه ما ورد عن أبي نواس وعن عنان جارية النطاف وله معها حكايات ~~كثيرة غير هذه فقال أبو نواس # ( أما ترقي لصب % يكفيه منك نظيره ) # فقال عنان # ( إياي تعني بهذا % عليك فاجلد عميره ) # فقال أبو نواس # ( أخاف إن رمت هذا % على يدي منك غيره ) # فالبيتان الأول والثاني من هذا الباب والثالث جاء تبعا # وقد ورد في القرآن الكريم شيء من اللزوم إلا أنه يسير جدا # فمن ذلك قوله تعالى @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ والطور وكتاب مسطور @QE@ وكذلك ورد قوله تعالى في هذه ~~السورة @QB@ فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص ~~به ريب المنون @QE@ # وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع فأدخل فيه ما ليس منه كقوله تعالى ~~@QB@ إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم @QE@ وهذا لا يدخل في باب اللزوم لأن الأصل فيه نعم وجحم والياء هي ~~من حروف المد واللين فلا يعتد بها ههنا # ومن هذا الباب قوله تعالى @QB@ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر ~~مخضود وطلح منضود @QE@ PageV01P271 # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير وإن تولوا فاعلموا ms190 أن الله مولاكم ~~نعم المولى ونعم النصير @QE@ # وعلى هذا الأسلوب جاء قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام @QB@ يا أبت ~~إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن ~~آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا @QE@ # وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى @QB@ قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ~~ضلال بعيد قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد @QE@ # ولا تجد أمثال ذلك في القرآن إلا قليلا # | النوع الخامس في الموازنة # وهي أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن وأن يكون ~~صدر البيت الشعري وعجزه متساوي الألفاظ وزنا وللكلام بذلك طلاوة ورونق ~~وسببه الاعتدال لأنه مطلوب في جميع الأشياء وإذا كانت مقاطع الكلام معتدلة ~~وقعت من النفس موقع الاستحسان وهذا لا مراء فيه لوضوحه # وهذا النوع من الكلام هو أخو السجع في المعادلة دون المماثلة لأن في ~~السجع اعتدالا وزيادة على الاعتدال وهي تماثل أجزاء الفواصل لورودها على ~~حرف واحد وأما الموازنة ففيها الاعتدال الموجود في السجع ولا تماثل في ~~فواصلها فيقال إذا كل سجع موازنة وليس كل موازنة سجعا وعلى هذا فالسجع أخص ~~من الموازنة PageV01P272 # فمما جاء منها قوله تعالى @QB@ وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما ~~الصراط المستقيم @QE@ فالمستبين والمستقيم على وزن واحد # وكذلك قوله تعالى في سورة مريم عليها السلام @QB@ واتخذوا من دون الله ~~آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ألم تر أنا ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا ~~@QE@ # وكذلك قوله تعالى في سورة طه ( من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ~~خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا ) # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة حم عسق @QB@ والذين يحاجون في الله من بعد ~~ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد الله الذي ~~أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب يستعجل بها الذين لا ~~يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون ms191 أنها الحق ألا إن الذين ~~يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي ~~العزيز من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى ~~الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير @QE@ وهذه الآيات ~~جميعها على وزن واحد فإن شديد وقريب وبعيد وعزيز ونصيب وأليم وكبير كل ذلك ~~على وزن فعيل وإن اختلف حروف المقاطع التي هي فواصلها # وأمثال هذا في القرآن كثير بل معظم آياته جارية على هذا النهج حتى إنه لا ~~تخلو منه سورة من السور ولقد تصفحته فوجدته لا يكاد يخرج منه شيء عن السجع ~~والموازنة PageV01P273 # وأما ما جاء من هذا النوع شعرا فقول ربيعة بن ذؤابة # ( إن يقتلوك فقد ثلت عروشهم % بعتيبة بن الحرث بن شهاب ) # ( بأشدهم بأسا على أصحابه % وأعزهم فقدا على الأصحاب ) # فالبيت الثاني هو المختص بالموازنة فإن بأسا وفقدا على وزن واحد # | النوع السادس في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها # وهو من هذه الصناعة بمنزلة علية ومكانة شريفة وجل الألفاظ اللفظية منوطة ~~به ولقد لقيت جماعة من مدعي فن الفصاحة وفاوضتهم وفاوضوني وسألتهم وسألوني ~~فما وجدت أحدا منهم تيقن معرفة هذا الموضع كما ينبغي وقد استخرجت فيه أشياء ~~لم أسبق إليها وسيأتي ذكرها ههنا # أما اختلاف صيغ الألفاظ فإنها إذا نقلت من هيئة إلى هيئة كنقلها مثلا من ~~وزن من الأوزان إلى وزن آخر وإن كانت اللفظة واحدة أو كنقلها من صيغة الاسم ~~إلى صيغة الفعل أو من صيغة الفعل إلى صيغة الاسم أو كنقلها من الماضي إلى ~~المستقبل أو من المستقبل إلى الماضي أو من الواحد إلى التثنية أو إلى الجمع ~~أو إلى النسب أو إلى غير ms192 ذلك انتقل قبحها فصار حسنا وحسنها صار قبحا # فمن ذلك لفظة خود فإنها عبارة عن المرأة الناعمة وإذا نقلت إلى صيغة ~~الفعل قيل خود على وزن فعل بتشديد العين ومعناها أسرع يقال خود PageV01P274 ~~البعير إذا أسرع فهي على صيغة الاسم حسنة رائقة وقد وردت في النظم والنثر ~~كثيرا وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن حسنة كقول أبي تمام # ( وإلى بني عبد الكريم تواهقت % رتك النعام رأى الظلام فخودا ) # وهذا يقال عليه أشباهه وأنظاره إلا أن هذه اللفظة التي هي خود قد نقلت عن ~~الحقيقة إلى المجاز فخف عنها ذلك القبح قليلا كقول بعض شعراء الحماسة # ( أقول لنفسي حين خود رألها % رويدك لما تشفقي حين مشفق ) # ( رويدك حتى تنظري عم تنجلي % غيابة هذا البارق المتألق ) # والرأل النعام والمراد به ههنا أن نفسه فرت وفزعت وشبه ذلك بإسراع النعام ~~في فراره وفزعه ولما أورده على حكم المجاز خف بعض القبح الذي على لفظة خود ~~وهذا يدرك بالذوق الصحيح ولا خفاء بما بين هذه اللفظة في إيرادها ههنا ~~وإيرادها في بيت أبي تمام فإنها وردت في بيت أبي تمام قبيحة سمحة ووردت ~~ههنا بين بين # ومن هذا النوع لفظة ودع وهي فعل ماض ثلاثي لا ثقل بها على اللسان ومع ذلك ~~فلا تستعمل على صيغتها الماضية إلا جاءت غير مستحسنة ولكنها تستعمل مستقبلة ~~وعلى صيغة الأمر فتجيء حسنة أما الأمر فكقوله تعالى @QB@ فذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا @QE@ ولم تأت في القرآن الكريم إلا على هذه الصيغة وأما كونها ~~PageV01P275 مستقبلة فكقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد واصل في شهر رمضان ~~فواصل معه قوم ( لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع له المتعمقون تعمقهم ) ~~وقال أبو الطيب المتنبي # ( تشقكم بقناها كل سلهبة % والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع ) # وأما الماضي من هذه اللفظة فلم يستعمل إلا شاذا ولا حسن له كقول أبي ~~العتاهية # ( أثروا فلم يدخلوا قبورهم % شيئا من الثروة التي جمعوا ) # ( وكان ما قدموا لأنفسهم % أعظم نفعا من الذي ودعوا ) # وهذا غير حسن في ms193 الاستعمال ولا عليه من الطلاوة شيء وهذه لفظة واحدة لم ~~يتغير من حالها شيء سوى أنها نقلت من الماضي إلى المستقبل لا غير # وكذلك لفظة وذر فإنها لا تستعمل ماضية وتستعمل على صيغة الأمر كقول تعالى ~~@QB@ ذرهم يأكلوا ويتمتعوا @QE@ وتستعمل مستقبلة أيضا كقوله تعالى @QB@ ~~سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر @QE@ فهي لم ترد في القرآن ~~إلا على هاتين الصيغتين وكذلك في فصيح الكلام غير القرآن وأما إذا جاءت على ~~صيغة الماضي فإنها لا تستعمل وهي أقبح من لفظة ودع لأن لفظة ودع قد استعملت ~~ماضية وهذه لم تستعمل # وههنا فلينعم الخائضون في هذا الفن نظرهم ويعلموا أن في الزوايا خبايا ~~وإذا أنعموا الفكر في أسرار الألفاظ عند الاستعمال وأغرقوا في الاعتبار ~~والكشف وجدوا غرائب وعجائب PageV01P276 # ومن هذا النوع لفظة الأخدع فإنها وردت في بيتين من الشعر وهي في أحدهما ~~حسنة رائقة وفي الآخر ثقيلة مستكرهة كقول الصمة بن عبد الله من شعراء ~~الحماسة # ( تلفت نحو الحي حتى وجدتني % وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا ) # وكقول أبي تمام # ( يا دهر قوم من أخدعيك فقد % أضججت هذا الأنام من خرقك ) # ألا ترى أنه وجد لهذه اللفظة في بيت أبي تمام من الثقل على السمع ~~والكراهة في النفس أضعاف ما وجد لها من بيت الصمة بن عبد الله بن الروح ~~والخفة والإيناس والبهجة وليس سبب ذلك إلا أنها جاءت موحدة في أحدهما مثناة ~~في الآخر وكانت حسنة في حالة الإفراد مستكرهة في حالة التثنية وإلا فاللفظة ~~واحدة وإنما اختلاف صيغتها فعل بها ما ترى # ومن هذا النوع ألفاظ يعدل عن استعمالها من غير دليل يقوم على العدول عنها ~~ولا يستفتي في ذلك إلى الذوق السليم وهذا موضع عجيب لا يعلم كنه سره # فمن ذلك لفظة اللب الذي هو العقل لا لفظة اللب الذي تحت القشر فإنها لا ~~تحسن في الاستعمال إلا مجموعة وكذلك وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة ~~وهي مجموعة ولم ترد مفردة كقوله تعالى @QB@ وليتذكر أولوا الألباب ms194 @QE@ ~~PageV01P277 ) و ( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) وأشباه ذلك وهذه اللفظة ~~الثلاثية خفيفة على النطق ومخارجها بعيدة وليست بمستثقلة ولا مكروهة وقد ~~تستعمل مفردة بشرط أن تكون مضافة أو مضافا إليها أما كونها مضافا إليها ~~فكقولنا لا يعلم ذلك إلا ذو لب وإن في ذلك لعبرة لذي لب وعليه ورد قول جرير # ( إن العيون التي في طرفها حور % قتلننا ثم لم يحيين قتلانا ) # ( يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به % وهن أضعف خلق الله أركانا ) # وأما كونها مضافة فكقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر النساء ( ما ~~رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الحازم من إحداكن يا معشر النساء ) فإن كانت ~~هذه اللفظة عارية عن الجمع أو الإضافة فإنها لا تأتي حسنة ولا تجد دليلا ~~على ذلك إلا مجرد الذوق الصحيح وإذا تأملت القرآن الكريم ودققت النظر في ~~رموزه وأسراره وجدت مثل هذه اللفظة قد روعي فيها الجمع دون الإفراد كلفظة ~~كوب فإنها وردت في القرآن مجموعة ولم ترد مفردة وهي وإن لم تكن مستقبحة في ~~حال إفرادها فإن الجمع فيها أحسن لكن قد ترد مفردة مع ألفاظ أخر تندرج معهن ~~فيكسوها ذلك حسنا ليس لها وذلك كقولي في جملة أبيات أصف بها الخمر وما يجري ~~معها من آلاتها # ( ثلاثة تعطي الفرح % كأس وكوب وقدح ) # ( ما ذبح الذوق بها % إلا وللهم ذبح ) # فلما وردت لفظة الكوب مع الكأس والقدح على هذا الأسلوب حسنها وكأنه جلاها ~~في غير لباسها الذي كان لها إذ جاءت بمفردها # وكذلك وردت لفظة رجا بالقصر والرجا الجانب فإنها لم تستعمل موحدة وإنما ~~استعملت مجموعة كقوله تعالى @QB@ والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم ~~يومئذ ثمانية @QE@ فلما وردت هذه اللفظة مجموعة ألبسها الجمع ثوبا من الحسن ~~لم يكن لها في حال كونها موحدة وقد تستعمل موحدة بشرط الإضافة كقولنا رجا ~~البئر PageV01P278 # ولربما أخطأ بعض الناس في هذا الموضع وقاس عليه ما ليس بمقيس وذلك أنه ~~وقف على ما ذكرته ههنا واقف وكذلك قد وردت لفظة الصوف ms195 في القرآن الكريم ولم ~~ترد إلا مجموعة كقوله تعالى @QB@ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين @QE@ وهذا بخلاف ما وردت عليه في شعر أبي تمام # ( كانوا برود زمانهم فتصدعوا % فكأنما لبس الزمان الصوفا ) # وهذا ليس كالذي أشرت إليه فإن لفظة الصوف لفظة حسنة مفردة ومجموعة وإنما ~~أزرى بها في قول أبي تمام أنها جاءت مجازية في نسبتها إلى الزمان # وعلى هذا النهج وردت لفظة خبر وأخبار فإن هذه اللفظة مجموعة أحسن منها ~~مفردة ولم ترد في القرآن إلا مجموعة # وفي ضد ذلك ما ورد استعماله من الألفاظ مفردا ولم يرد مجموعا كلفظة الأرض ~~فإنها لم ترد في القرآن إلا مفردة فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة ~~معها في كل موضع من القرآن ولما أريد أن يؤتى بها مجموعة قيل @QB@ ومن ~~الأرض مثلهن @QE@ في قوله تعالى @QB@ الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض ~~مثلهن @QE@ # ومما ورد من الألفاظ مفردا فكان أحسن مما يرد مجموعا لفظة البقعة قال ~~الله تعالى في قصة موسى عليه السلام @QB@ فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي ~~الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله @QE@ والأحسن ~~استعمالها مفردة لا مجموعة وإن استعملت مجموعة فالأولى أن تكون مضافة ~~كقولنا بقاع الأرض أو ما جرى مجراها PageV01P279 # وكذلك لفظة طيف في ذكر طيف الخيال فإنها لم تستعمل إلا مفردة وقد ~~استعملها الشعراء قديما وحديثا فلم يأتوا بها إلا مفردة لأن جمعها جمع قبيح ~~فإن قيل طيوف كان من أقبح الألفاظ وأشدها كراهة على السمع ويا لله العجب من ~~هذه اللفظة ومن أختها عدة ووزنا وهي لفظة ضيف فإنها تستعمل مفردة ومجموعة ~~وكلاهما في الاستعمال حسن ورائق وهذا مما لا يعلم السر فيه والذوق السليم ~~هو الحاكم في الفرق بين هاتين اللفظتين وما يجري مجراهما # وأما جمع المصادر فإنه لا يجيء حسنا والإفراد فيه هو الحسن ومما جاء في ~~المصادر مجموعا قول عنترة # ( فإن يبرأ ms196 فلم أنفث عليه % وإن يفقد فحق له الفقود ) # قوله الفقود جمع مصدر من قولنا فقد يفقد فقدا واستعمال مثل هذه اللفظة ~~غير سائغ ولا لذيذ وإن كان جائزا ونحن في استعمال ما نستعمله من الألفاظ ~~واقفون مع الحسن لا من الجواز # وهذا كله يرجع إلى حاكم الذوق السليم فإن صاحب هذه الصناعة يصرف الألفاظ ~~بضروب التصريف فما عذب في فمه منها استعمله وما لفظه فمه تركه ألا ترى أنه ~~يقال الأمة بالضم عبارة عن الجمع الكثير من الناس ويقال الإمة بالكسر وهي ~~النعمة فإن الأمة بالضم لفظة حسنة وبالكسر ليست بحسنة واستعمالها قبيح # ورأيت صاحب كتاب الفصيح قد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة ويا ليت ~~شعري ما الذي رآه من فصاحتها حتى اختارها وكذلك قد اختار ألفاظا أخر ليست ~~بفصيحة ولا لوم عليه لأن صدور مثل ذلك الكتاب عنه كثير وأسرار الفصاحة لا ~~تؤخذ من علماء العربية وإنما تؤخذ منهم مسألة نحوية أو تصريفية أو ~~PageV01P280 نقل كلمة لغوية وما جرى هذا المجرى وأما أسرار الفصاحة فلها ~~قوم مخصوصون بها # وإذا شذ عن صاحب كتاب الفصيح ألفاظ معدودة ليست بفصيحة في جملة كثيرة ~~ذكرها من الفصيح فإن هذا منه كثير # ومما يذكر في هذا الباب أنه يقال سهم صائب فإذا جمع الجمع الحسن الذي ~~يعذب في الفم قيل سهام صوائب وصائبات وصيب فإذا جمع الجمع الذي يقبح قيل ~~سهام صيب على وزن كتب قال أبو نواس # ( ما أحل الله ما صنعت % عينه تلك العشية بي ) # ( قتلت إنسانها كبدي % بسهام للردى صيب ) # فقوله سهام صيب من اللفظ الذي ينبو عنه السمع ويحيد عنه اللسان ومثله ورد ~~قول عويف القوافي من أبيات الحماسة # ( ذهب الرقاد فما يحس رقاد % مما شجاك ونامت العواد ) # ( لما أتاني من عيينة أنه % أمست عليه تظاهر الأقياد ) # فقوله أقياد في جمع قيد مما لا يحسن استعماله بل الحسن أن يقال في جمعه ~~قيود وكذلك قول مرة بن محكان التميمي من أبيات الحماسة وذلك من جملة ~~الأبيات المشهورة التي ms197 أولها # ( يا ربة البيت قومي غير صاغرة % ضمي إليك رحال القوم والقربا ) # فقال فيها # ( ماذا ترين أندنيهم لأرحلنا % في جانب البيت أم نبني لهم قببا ) ~~PageV01P281 # فإنه جمع قبة على قبب وذلك من المستبشع الكريه والأحسن المستعمل هو قباب ~~لا قبب وكذلك يجري الأمر في غير هذا # ومن المجموع ما يختلف استعماله وإن كان متفقا في لفظة واحدة كالعين ~~الناظرة وعين الناس وهو النبيه فيهم فإن العين الناظرة تجمع على عيون وعين ~~الناس تجمع على أعيان وهذا يرجع فيه إلى الاستحسان لا إلى جائز الوضع ~~اللغوي # وقد شذ هذا الموضع عن أبي الطيب المتنبي في قوله # ( والقوم في أعيانهم خزر % والخيل في أعيانها قبل ) # فجمع العين الناظرة على أعيان وكان الذوق يأبى ذلك ولا تجد له على اللسان ~~حلاوة وإن كان جائزا # ولولا خوف الإطالة لأوردت من هذا النوع وأمثاله أشياء كثيرة وكشفت عن ~~رموز وأسرار تخفى على كثير من متعاطي هذا الفن لكن في الذي أشرت إليه منبه ~~لأهل الفطانة والذكاء أن يحملوه على أشباهه وأنظاره # وأعجب من ذلك كله أنك ترى وزنا واحدا من الألفاظ فتارة تجد مفرده حسنا ~~وتارة تجد جمعه حسنا وتارة تجدها جميعا حسنين فالأول نحو حبرور وهو فرخ ~~الحبارى فإن هذه اللفظة يحسن مفردها لا مجموعها لأن جمعها على حبارير وكذلك ~~طنبور وطنابير وعرقوب وعراقيب وأما الثاني فنحو بهلول وبهاليل ولهموم ~~ولهاميم وهذا ضد الأول وأما الثالث فنحو جمهور وجماهير وعرجون وعراجين ~~فانظر إلى الوزن الواحد كيف يختلف في أحواله مفردا ومجموعا وهذا من أعجب ما ~~يجيء في هذا الباب # وهكذا قد جاءت ألفاظ على وزن واحد ثلاثية مسكنة الوسط وجميعها حسن في ~~الاستعمال وإذا أردنا أن نثقل وسطها حسن منها شيء دون شيء PageV01P282 # فمن ذلك لفظة الثلث والربع إلى العشر فإن الجميع على وزن واحد وإذا ثقلنا ~~أوساطها فقلنا ثلث وربع وخمس وكذلك إلى عشر فإن الحسن من ذلك جميعه ثلاثة ~~وهي الثلث والخمس والسدس والباقي وهو الربع والسبع والثمن والتسع والعشر ~~ليس كالأول ms198 في حسنه هذا والجميع على وزن واحد وصيغة واحدة والجميع حسن في ~~الاستعمال قبل أن يثقل وسطه ولما ثقل صار بعضه حسنا وبعضه غير حسن # وكذلك تجد الأمر في أسماء الفاعلين كالثلاثي منها نحو فعل بفتح الفاء ~~والعين وفعل بفتح الفاء وكسر العين وفعل بفتح الفاء وضم العين فإن هذه ~~الأوزان الثلاثة لها أسماء فاعلين أما فعل بفتح الفاء والعين فليس له إلا ~~اسم واحد أيضا وهو فاعل لا غير ولا يقع فيه اختلاف وكذلك فعل بفتح الفاء ~~وضم العين فليس له إلا اسم واحد أيضا وهو فعيل ولا يقع فيه اختلاف إلا ما ~~شذ لكن فعل بفتح الفاء وكسر العين يقع في اسم فاعله الاختلاف استحسانا ~~واستقباحا لأن له ثلاثة أوزان نحو فاعل وفعل وفعلان تقول منه حمد فهو حامد ~~وحمد وحمدان وقد جاء على وزنه فرح تقول منه فرح زيد فهو فرح وهو الأحسن ولا ~~يحسن أن يقال فارح ولا فرحان وإن كان جائزا لكن فرحان أحسن من فارح وقد ~~وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم فلا تستعمل إلا على فرح لا غير كقوله ~~تعالى @QB@ كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ وكقوله تعالى @QB@ إن الله لا يحب ~~الفرحين @QE@ وقد جاءت هذه اللفظة في شعر بعض شعراء الحماسة في باب المراثي # ( فما أنا من حزن وإن جل جازع % ولا بسرور بعد موتك فارح ) # وهذا غير حسن وإن جاز استعماله # وعلى نحو منه يقال غضب وهو غضبان غضبان ولا يقال غاضب وإن كان ~~PageV01P283 جائزا وقد تقدم القول أنا في تأليف الكلام بصدد استعمال الحسن ~~والأحسن # لا بصدد استعمال الجائز وغير الجائز # ومما يجري هذا المجرى قولنا فعل وافتعل فإن لفظة فعل لها موضع تستعمل فيه ~~ألا ترى أنك تقول قعدت إلى فلان أحدثه ولا تقول اقتعدت إليه وكذلك تقول ~~اقتعدت غارب الجمل ولا تقول قعدت على غارب الجمل وإن جاز ذلك لكن الأول ~~أحسن وهذا لا يحكم فيه غير الذوق السليم فإنه لا يمكن أن يقام عليه دليل # وأما فعل وافعوعل ms199 فإنا نقول أعشب المكان فإذا كثر عشبه قلنا اعشوشب فلفظة ~~افعوعل للتكثير على أني استقريت هذه اللفظة في كثير من الألفاظ فوجدتها ~~عذبة طيبة على تكرار حروفها كقولنا اخشوشن المكان واغرورقت العين واحلولى ~~الطعم وأشباهها # وأما فعلة نحو همزة ولمزة وجثمة ونومة ولكنة ولجنة وأشباه ذلك فالغالب ~~على هذه اللفظة أن تكون حسنة وهذا أخذته بالاستقراء وفي اللغة مواضع كثيرة ~~هكذا لا يمكن استقصاؤها # فانظر إلى ما يفعله اختلاف الصيغة بالألفاظ وعليك أن تتفقد أمثال هذه ~~المواضع لتعمل كيف تضع يدك في استعمالها فكثيرا ما يقع فحول الشعراء ~~والخطباء في مثلها ومؤلف الكلام من كاتب وشاعر إذا مرت به ألفاظ عرضها على ~~ذوقه الصحيح فما يجد الحسن منها مجموعا جمعه وكذلك يجري الحكم فيما سوى ذلك ~~من الألفاظ PageV01P284 # | النوع السابع في المعاظلة اللفظية # والمعاظلة معاظلتان لفظية ومعنوية # أما المعنوية فسيأتي ذكرها في باب التقديم والتأخير ومن المقالة الثانية ~~فليؤخذ من هناك # وأما المعاظلة اللفظية وهي المخصوصة بالذكر ههنا في باب صناعة الألفاظ ~~وحقيقتها مأخوذة من قولهم تعاظلت الجرادتان إذا ركبت إحداهما الأخرى فسمي ~~الكلام المتراكب في ألفاظه أو في معانيه المعاظلة مأخوذا من ذلك وهو اسم ~~لائق بمسماه # ووصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه زهير بن أبي سلمى فقال كان لا يعاظل بين ~~الكلام # وقد اختلف علماء البيان في حقيقة المعاظلة # فقال قدامة بن جعفر الكاتب التعاظل في الكلام هو أن يدخل بعض الكلام فيما ~~ليس من جنسه ولا أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة كقول أوس بن حجر # ( وذات هدم عار نواشرها % تصمت بالماء تولبا جدعا ) PageV01P285 # فسمي الظبي تولبا والتولب ولد الحمار # هذا ما ذكره قدامة بن جعفر وهو خطأ إذ لو كان ما ذهب إليه صوابا لكانت ~~حقيقة المعاظلة دخول الكلام فيما ليس من جنسه وليست حقيقتها هذه بل حقيقتها ~~ما تقدم وهو التراكب من قولهم تعاظلت الجرادتان إذا ركبت إحداهما الأخرى ~~وهذا المثال الذي مثل به قدامة لا تركب في ألفاظه ولا في معانيه # وأما غير قدامة ms200 فإنه خالفه فيما ذهب إليه إلا أنه لم يقسم المعاظلة إلى ~~لفظية ومعنوية ولكنه ضرب لها مثالا كقول الفرزدق # ( وما مثله في الناس إلا مملكا % أبو أمه حي أبوه يقاربه ) # وهذا من القسم المعنوي لا من القسم اللفظي ألا ترى إلى تراكب معانيه ~~بتقديم ما كان يجب تأخيره وتأخير ما كان يجب تقديمه لأن الأصل في معناه وما ~~مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه وسيجيء شرح ذلك مستوفى في ~~بابه من المقالة الثانية إن شاء الله تعالى # وإذ حققت القول في بيان المعاظلة والكشف عن حقيقتها فإني أتبع ذلك بتقسيم ~~القسم اللفظي منها الذي أنا بصدد ذكره ههنا فأقول # إني تأملته بالاستقراء من الأشعار قديمها ومحدثها ومن النظر في حقيقتها ~~نفسها فوجدتها تنقسم إلى خمسة أقسام # الأول منها يختص بأدوات الكلام نحو من وإلى وعن وعلى وأشباهها فإن منها ~~ما يسهل النطق به إذا ورد مع أخواته ومنها ما لا يسهل بل يرد ثقيلا على ~~اللسان ولكل موضع يخصه من السبك PageV01P286 # فمما جاء منه قول أبي تمام # ( إلى خالد راحت بنا أرحبية % مرافقها من عن كراكرها نكب ) # فقوله من عن كراكرها من الكلام المتعاظل الذي يثقل النطق به على أنه قد ~~وردت هاتان اللفظتان وهما من وعن في موضع آخر فلم يثقل النطق بهما كقول ~~القائل من عن يمين الطريق والسبب في ذلك أنهما وردتا في بيت أبي تمام ~~مضافتين إلى لفظة الكراكر فثقلت منهما وجعلتهما مكروهتين كما ترى وإلا فقد ~~وردتا في شعر قطري بن الفجاءة فكانتا خفيفتين كقوله # ( ولقد أراني للرماح دريئة % من عن يميني مرة وأمامي ) # والأصل في ذلك راجع إلى السبك فإذا سبكت هاتان اللفظتان أو ما يجري ~~مجراهما مع ألفاظ تسهل منهما لم يكن بهما من ثقل كما جاءتا في بيت قطري إذا ~~سبكتا مع ألفاظ تثقل منهما جاءتا كما جاءتا في بيت أبي تمام # ومن هذا القسم قول أبي تمام أيضا # ( كأنه لاجتماع الروح فيه له % في كل جارحة من ms201 جسمه روح ) # فقوله في بعد قوله فيه له مما لا يحسن وروده PageV01P287 # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي # ( وتسعدني في غمرة بعد غمرة % سبوح لها منها عليها شواهد ) # فقوله لها منها عليها من الثقيل الثقيل الثقيل # وكذلك قوله # ( تبيت وفودهم تسري إليه % وجدواه التي سألوا اغتفار ) # ( فخلفهم برد البيض عنهم % وهامهم له معهم معار ) # وقوله وهامهم له معهم مما يثقل النطق به ويتعثر اللسان فيه لكنه أقرب ~~حالا من الأول # ومن الحسن في هذا الموضع قول أبي تمام # ( دار أجل الهوى عن أن ألم بها % في الركب إلا وعيني من منائحها ) # فقوله عن أن في هذا البيت من الخفيف الحسن الذي لا بأس به # القسم الثاني من المعاظلة اللفظية تختص بتكرير الحروف وليس ذلك مما يتعلق ~~بتكرير الألفاظ ولا بتكرير المعاني مما يأتي ذكره في باب التكرير في ~~المقالة الثانية وإنما هو تكرير حرف واحد أو حرفين في كل لفظة من ألفاظ ~~الكلام المنثور أو المنظوم فيثقل حينئذ النطق به # فمن ذلك قول بعضهم PageV01P288 # ( وقبر حرب بمكان قفر % وليس قرب قبر حرب قبر ) # فهذه القافات والراآت كأنها في تتابعها سلسلة ولا خفاء بما في ذلك من ~~الثقل # وكذا ورد قول الحريري في مقاماته # ( وازور من كان له زائرا % وعاف عافي العرف عرفانه ) # فقوله وعاف عافى العرف عرفانه من التكرير المشار إليه # وكذلك ورد قوله أيضا في رسالتيه اللتين صاغهما على حرف السين والشين فإنه ~~أتى في إحداهما بالسين في كل لفظة من ألفاظها وأتى في الأخرى بالشين في كل ~~لفظة من ألفاظها فجاءتا كأنهما رقى العقارب أو خذروفة العزائم وما أعلم كيف ~~خفي ما فيهما من القبح على مثل الحريري مع معرفته بالجيد والرديء من الكلام # ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال في جملة كلام أورده جنى جنات وجنات الحبيب ~~فصاح رجل من الحاضرين في المجلس وماد وتغاشى فقال له رجل كان إلى جانبه ما ~~الذي سمعت حتى حدث بك هذا فقال سمعت جيما في جيم في جيم فصحت # وهذا ms202 من أقبح عيوب الألفاظ # ومما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها # ( أتراها لكثرة العشاق % ) # ( كيف ترثي التي ترى كل جفن % راءها غير جفنها غير راقي ) PageV01P289 # وهذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصرع التي تنوب في بعض الأيام # ومن هذا القسم قول الشاعر المعروف بكشاجم في قصيدته التي مطلعها # ( داو خماري بكأس خمر % ) # ( والزهر والقطر في رباها % ما بين نظم وبين نثر ) # ( حدائق كف كل ريح % حل بها خيط كل قطر ) # وهذا البيت يحتاج الناطق به إلى بركار يضعه في شدقه حتى يديره له # وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم وهو البيت المشهور الذي يتذاكره الناس # ( مللت مطال مولود مفدى % مليح مانع مني مرادي ) # وهذه الميمات كأنها عقد متصلة بعضها ببعض # وكان بعض أهل الأدب من أهل مصرنا هذا يستعمل هذا القسم في ألفاظه كثيرا ~~في كلامه نثرا ونظما وذلك لعدم معرفته بسلوك الطريق # وأنا أذكر نبذة من ذلك كقوله في وصف رجل سخي أنت المديح كبدا تريح ~~والمليح إن تجهم المليح بالتكليح عند سائل تلوح بل يفوق إذ يروق مرأى لوح ~~يا مغبوق كأس الحمد يا مصبوح ضاق عن نداك اللوح وببابك المفتوح تستريح ~~وتريح ذا التبريح وترفه الطليح PageV01P290 # فانظر إلى حرف الحاء كيف قد لزمه في كل لفظة من هذه الألفاظ فجاءكما ~~تراءه من الثقل والغثاثة # واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في ~~كثير من كلامهم وذاك أنه إذا تكرر الحرف عندهم أدغموه استحسانا فقالوا في ~~جعل لك جعلك وفي تضربونني تضربوني وكذلك قالوا استعد فلان للأمر فإذا تأهب ~~له والأصل فيه استعدد واستتب الأمر إذا تهيأ والأصل فيه استتبب وأشباه ذلك ~~كثير في كلامهم حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا أحد الحرفين ~~المكررين حرفا آخر غيره فقالوا أمليت الكتاب والأصل فيه أمللت فأبدلوا ~~اللام ياء طلبا للخفة وفرارا من الثقل وإذا كان قد فعلوا ذلك في اللفظة ~~الواحدة فما ظنك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع ms203 بعضها بعضا # القسم الثالث من المعاظلة أن ترد ألفاظ على صيغة الفعل يتبع بعضها بعضا ~~فمنها ما يختلف بين ماض ومستقبل ومنها ما لا يختلف # فالأول كقول القاضي الأرجاني في أبيات يصف فيها الشمعة وفيها معنى هو له ~~مبتدع ولم يسمع من غيره وذلك أنه قال عن لسان الشمع إنه ألف العسل وهو أخوه ~~الذي ربي معه في بيت واحد وإن النار فرقت بينه وبينه وإنه نذر أن يقتل نفسه ~~بالنار أيضا من ألم الفراق إلا أنه أساء العبارة فقال # ( بالنار فرقت الحوادث بيننا % وبها نذرت أعود أقتل روحي ) PageV01P291 # فقوله ندرت أعود أقتل من المعاظلة المشار إليها # وأما ما يرد على نهج واحد من الصيغة الفعلية فكقول أبي الطيب المتنبي # ( أقل أنل اقطع احمل عل سل أعد % زد هش بش تقضل أدن سرصل ) # فهذه ألفاظ جاءت على صيغة واحدة وهي صيغة الأمر كأنه قال افعل افعل هكذا ~~إلى آخر البيت وهذا تكرير للصيغة وإن لم يكن تكريرا للحروف إلا أنه أخوه ~~ولا أقول ابن عمه وهذه ألفاظ متراكبة متداخلة ولو عطفها بالواو لكانت أقرب ~~حالا كما قال عبد السلام بن رغبان # ( فسد الناس فاطلب الرزق بالسيف وإلا فمت شديد الهزال % ) # ( احل وامرر وضر وانفع ولن واخشن وأبرر ثم انتدب للمعالي % ) PageV01P292 # ألا ترى أنه لما عطف ههنا بالواو لم تتراكب الألفاظ كتراكبها في بيت أبي ~~الطيب المتقدم ذكره # فإن قيل إنك جعلت ما كان واردا على صيغة واحدة على سبيل التكرار معاظلة ~~وقد ورد ذلك في القرآن الكريم كقوله تعالى @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد @QE@ ~~ولو كان معاظلة لما ورد في القرآن الكريم مثله # فالجواب عن ذلك أني أقول هذه الآية ليست كالذي أنكرته فإن هذا الموضع ~~ينظر فيه إلى الكثير والقليل فإذا كثر كان تعاظلا لتراكبه وثقله على النطق ~~وقد عرفتك أن ما يفصل بين صيغة بواو العطف يكون أقل ثقلا مما لا يفصل والذي ~~أنكرته من ذلك هو أن تأتي ms204 ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها عقد متصلة ~~فحينئذ يثقل المنطق بها ويكره موقعها من السمع كبيت أبي الطيب المتنبي وأما ~~هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم ألا ترى أنها لما وردت ~~ألفاظها على صيغة واحدة فرق بينها بواو العطب ثم مع التفريق بينهما بواو ~~العطف لم يرد التكرير فيها إلا بين ثنتين وهما @QB@ وخذوهم واحصروهم @QE@ ~~وأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر فقيل @QB@ فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم @QE@ ولم يقل اقتلوا المشركين وخذوهم ثم لما جاءت الصيغة ~~الرابعة أضيف إليها كلام آخر أيضا فقيل @QB@ واقعدوا لهم كل مرصد @QE@ لا ~~جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة الأمر فيها أربع مرار ~~وهذه رموز ينبغي أن يتنبه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا # القسم الرابع من المعاظلة وهو الذي يتضمن مضافات كثيرة كقولهم سرج فرس ~~غلام زيد وإن زيد على ذلك قيل لبد سرج فرس غلام زيد وهذا أشد قبحا وأثقل ~~على اللسان وعليه ورد قول ابن بابك الشاعر في مفتتح قصيدة له # ( حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي % فأنت بمرأى من سعاد ومسمع ) ~~PageV01P293 # القسم الخامس من المعاظلة أن ترد صفات متعددة على نحو واحد كقول أبي تمام ~~في قصيدته التي مطلعها # ( ما لكثيب الحمى إلى عقده % ) # فقال يصف جملا # ( سأخرق الخرق بابن خرقاء كالهيق % إذا ما استحم من نجده ) # ( مقابل في الجديل صلب القرا % لوحك من عجبه إلى كتده ) # ( تامكه نهده مداخله % ملمومه محزئله أجده ) # فالبيت الثالث من المعاظلة التي قلع الأسنان دون إيرادها # وكذلك قال من هذه القصيدة يصف رمحا # ( ومر تهفوا ذؤابتاه على % أسمر متن يوم الوغى جسده ) PageV01P294 # ( مارنه لدنه مثقفه % عراصه في الأكف مطرده ) # وهذا كالأول في قبحه وثقله فقاتله الله ما أمتن شعره وما أسخفه في بعض ~~الأحوال # وعلى هذا جاء من هذه القصيدة أيضا يصف الممدوح # ( إليك عن سيل عارض خضل % الشؤبوب يأتي الحمام من نضده ) # ( مسفه ثره مسحسحه % وابله مستهله جرده ) # ولو لم يكن لأبي تمام من ms205 القبيح الشنيع إلا هذه الأبيات لحطت من قدره # وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي # ( دان بعيد محب مبغض بهج % أغر حلو ممر لين شرس ) PageV01P295 # ( ند أبي غر واف أخي ثقة % جعد سري ندب رضى ندس ) # وهذا كأنه سلسلة بلا شك وقليلا ما يوجد في أشعار الشعراء ولم أجده كثيرا ~~إلا في شعر الفرزدق وتلك معاظلة معنوية وسيأتي بيانها في بابها وهذه معاظلة ~~لفظية وهي توجد في شعر أبي الطيب كثيرا # | النوع الثامن # # | في المنافرة بين الألفاظ في السبك # وهذا النوع لم يحقق أحد من علماء البيان القول فيه وغاية ما يقال إنه ~~ينبغي ألا تكون الألفاظ نافرة عن مواضعها ثم يكتفي بها القول من غير بيان ~~ولا تفصيل حتى إنه قد خلط هذا النوع بالمعاظلة وكل منهما نوع مفرد برأسه له ~~حقيقيه تخصه إلا أنهما قد اشتبها على علماء البيان فكيف على جاهل لا يعلم # وقد بينت هذا النوع وفصلته عن المعاظلة وضربت له أمثلة يستدل بها على ~~أخواتها وما يجري مجراها # وجملة الأمر أن مدار سبك الألفاظ على هذا النوع والذي قبله دون غيرهما من ~~تلك الأنواع المذكورة لأن هذين النوعين أصلا سبك الألفاظ وما عداهما فرع ~~عليهما وإذا لم يكن الناثر أو الناظم عارفا بهما فإن مقاتله تبدو كثيرا # وحقيقة هذا النوع الذي هو المنافرة أن يذكر لفظ أو ألفاظ يكون غيرها مما ~~هو في معناها أولى بالذكر PageV01P296 # وعلى هذا فإن الفرق بينه وبين المعاظلة أن المعاظلة هي التراكب والتداخل ~~إما في الألفاظ أو في المعاني على ما أشرت إليه وهذا النوع لا تراكب فيه ~~وإنما هو إيراد ألفاظ غير لائقة بموضعها الذي ترد فيه # وهو ينقسم قسمين أحدها يوجد في اللفظة الواحدة والآخر في الألفاظ ~~المتعددة # فأما الذي يوجد في اللفظة الواحدة فإنه إذا أورد في الكلام أمكن تبديله ~~بغيره مما هو في معناه سواء كان ذلك نثرا أو نظما # وأما الذي يوجد في الألفاظ المتعددة فإنه لا يمكن تبديله بغيره في الشعر ~~بل يمكن ذلك ms206 في النثر خاصة لأنه يعسر في الشعر من أجل الوزن # فمما جاء من القسم الأول قول أبي الطيب المتنبي # ( فلا يبرم الأمر الذي هو حالل % ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم ) # فلفظة حالل نافرة عن موضعها وكانت له مندوحة عنها لأنه لو استعمل عوضا ~~عنها لفظة ناقض فقال # ( فلا يبرم الأمر الذي هو ناقض % ولا ينقض الأمر الذي هو يبرم ) # لجاءت اللفظة قارة في مكانها غير قلقة ولا نافرة # وبلغني عن أبي العلاء بن سليمان المعري أنه كان يتعصب لأبي الطيب حتى إنه ~~كان يسميه الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه وكان يقول ليس في شعره لفظة ~~يمكن أن يقوم عنها ما هو في معناها فيجيء حسنا مثلها فيا ليت شعري أما وقف ~~على هذا البيت المشار إليه لكن الهوى كما يقال أعمى وكان أبو العلاء أعمى ~~العين خلقة وأعماها عصبية فاجتمع له العمى من جهتين PageV01P297 # وهذه اللفظة التي هي حالل وما يجري مجراها قبيحة الاستعمال وهي فك ~~الإدغام في الفعل الثلاثي ونقله إلى اسم الفاعل وعلى هذا فلا يحسن أن يقال ~~بل الثوب فهو بالل ولا سل السيف فهو سالل ولا أن يقال هم بالأمر فهو هامم ~~ولا خط الكتاب فهو خاطط ولا حن إلى كذا فهو حانن وهذا لو عرض على من لا ذوق ~~له لأدركه وفهمه فكيف من له ذوق صحيح كأبي الطيب لكن لا بد لكل جواد من ~~كبوة # وأنشد بعض الأدباء بيتا لدعبل وهو # ( شفيعك فاشكر في الحوائج إنه % يصونك عن مكروهها وهو يخلق ) # فقلت له عجز هذا البيت حسن وأما صدره فقبيح لأنه سبكه قلقا نافرا وتلك ~~الفاء التي في قوله شفيك فاشكر كأنها ركبة البعير وهي في زيادتها كزيادة ~~الكرش فقال لهذه الفاء في كتاب الله أشباه كقوله تعالى @QB@ يا أيها المدثر ~~قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر @QE@ فقلت له بين هذه الفاء وتلك الفاء فرق ~~ظاهر يدرك بالعلم أولا وبالذوق ثانيا أما العلم فإن الفاء في @QB@ وربك ~~فكبر وثيابك فطهر @QE@ هي الفاء ms207 العاطفة فإنها واردة بعد @QB@ قم فأنذر ~~@QE@ وهي مثل قولك امش فأسرع وقل فأبلغ وليست الفاء التي في شفيعك فاشكر ~~كهذه الفاء لأن تلك زائدة لا موضع لها ولو جاءت في السورة كما جاءت دعبل ~~وحاش لله من ذلك لابتدئ الكلام فقيل ربك فكبر وثيابك فطهر لكنها ما جاءت ~~بعد @QB@ قم فأنذر @QE@ حسن ذكرها فيما يأتي بعدها @QB@ وربك فكبر وثيابك ~~فطهر @QE@ وأما الذوق فإنه ينبوا عن الفاء الواردة في قول دعبل ويستثقلها ~~ولا يوحد ذلك في الفاء الواردة في السورة فلما سمع ما ذكرته أذعن بالتسليم # ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظما كان أو نثرا لا يتفطن لها إلا ~~الراسخ في علم الفصاحة والبلاغة # ومن هذا القسم وصل همزة القطع وهو محسوب من جائزات الشعر التي لا تجوز في ~~الكلام المنثور وكذلك قطع همزة الوصل لكن وصل همزة القطع أقبح لأنه أثقل ~~على اللسان PageV01P298 # فمما ورد من ذلك قول أبي تمام # ( قراني اللها والود حتى كأنما % أفاد الغنى من نائلي وفوائدي ) # ( فأصبح يلقاني الزمان من آجله % بإعظام مولود ورأفة والد ) # فقوله من آجله وصل الهمزة القطع # وعليه ورد قول أبي الطيب المتنبي # ( توسطه المفاوز كل يوم % طلاب الطالبين لا الانتظار ) # فقوله لا الانتظار كلام نافر عن موضعه # ومن هذا القسم أن يفرق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدم ذكره كقول ~~البحتري # ( حلفت لها بالله يوم التفرق % وبالوجد من قلبي بها المتعلق ) # تقديره من قلبي المتعلق بها فلما فصل بين الموصوف الذي هو قلبي والصفة ~~التي هي المتعلق بالضمير الذي هو بها قبح ذلك ولو كان قال من قلب بها متعلق ~~لزال ذلك القبح وذهبت تلك الهجنة PageV01P299 # ومن هذا القسم أيضا أن تزاد الألف واللام في اسم الفاعل ويقام الضمير فيه ~~مقام المفعول كقول أبي تمام # ( فلو عاينتهم والزائريهم % لما مزت البعيد من الحميم ) # فقوله الزائري اسم فاعل وقوله هم الذي هو الضمير في موضع المفعول تقديره ~~الزائرين أرضهم أو دارهم أو الزائرين إياهم فاستعمال هذا مع الألف واللام ~~قبيح ms208 جدا وإذا حذفنا زال ذلك القبح وقد استعملها الشعراء المتقدمين كثيرا # ومما جاء من القسم الثاني الذي يوجد في الألفاظ المتعددة قول أبي الطيب ~~أيضا # ( لا خلق أكرم منك إلا عارف % بك راء نفسك لم يقل لك هاتها ) # فإن عجز هذا البيت نافر عن مواضعه وأمثال هذا في الأشعار كثير ~~PageV01P300 # | المقالة الثانية # # | في الصناعة المعنوية # وهي تنقسم إلى قسمين الأول منها في الكلام على المعاني مجملا والثاني في ~~الكلام عليها مفصلا # وقبل الكلام على ذلك لا بد من توطئة تكون شاملة لما نحن بصدد ذكره ههنا ~~فأقول # اعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها وأول من تكلم في ذلك حكماء ~~اليونان غير أن ذلك الحصر كلي لا جزئي ومحال أن تحصر جزئيات المعاني وما ~~يتفرع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد ~~بمعرفته صاحب هذا العلم ولا يفتقر إليه فإن البدوي البادي راعي الإبل ما ~~كان يمر شيء من ذلك بفهمه ولا يخطر بباله ومع هذا فإنه كان يأتي بالسحر ~~الحلال إن قال شعرا أو تكلم نثرا # فإن قيل إن ذلك البدوي كان له ذلك طبعا وخليقة والله فطره عليه كما فطر ~~ضروب نوع الآدمي على فطر مختلفة هي لهم في أصل الخلقة فإنه فطر الترك على ~~الإحسان في الرمي والإصابة فيه من غير تعليم وكذلك فطر أهل الصين على ~~الإحسان في صنعة اليد فيما يباشرونه من مصوغ أو خشب أو فخار أو غير ذلك ~~وكذلك فطر أهل المغرب على الشجاعة وهذا لا نزاع فيه فإنه مشاهد # فالجواب عن ذلك أني أقول إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب ~~بالطبع والفطرة فماذا تقول فيمن جاء بعدهم من شاعر وخطيب تحضروا وسكنوا ~~البلاد ولم يروا البادية ولا خلقوا بها وقد أجادوا في تأليف النظم والشعر ~~وجاءوا بمعان كثيرة ما جاءت في شعر العرب ولا نطقوا بها # فإن قلت إن هؤلاء وقفوا على ما ذكره علماء اليونان وتعلموا منه ~~PageV01P301 # قلت لك في الجواب هذا ms209 شيء لم يكن ولا علم أبو نواس شيئا منه ولا مسلم بن ~~الوليد ولا أبو تمام ولا البحتري ولا أبو الطيب المتنبي ولا غيرهم وكذلك ~~جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد وابن العميد والصابي وغيرهم فإن ~~ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان قلت لك في الجواب هذا باطل ~~بي أنا فإني لم أعلم شيئا مما ذكره حكماء اليونان ولا عرفته ومع هذا فانظر ~~إلى كلامي فقد أوردت لك نبذة منه في هذا الكتاب وإذا وقفت على رسائلي ~~ومكاتباتي وهي عدة مجلدات وعرفت أني لم أتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان ~~في حصر المعاني علمت حينئذ أن صاحب هذا العلم من النظم والنثر بنجوة من ذلك ~~كله وأنه لا يحتاج إليه أبدا وفي كتابي هذا ما يغنيك وهو كاف # ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي ~~بن سنا في الخطابة والشعر وذكر ضربا من ضروب الشعر اليوناني يسمى اللاغوذيا ~~وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي علي ووقفني على ما ذكره فلما وقفت عليه ~~استجهلته فإنه طول فيه وعرض كأنه يخاطب بعض اليونان وكل الذي ذكره لغو لا ~~يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئا ثم مع هذا جميعه فإن معول القوم فيما ~~يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة وهذا مما لم يخطر لأبي ~~علي بن سينا ببال فما صاغه من شعر أو كلام مسجوع فإن له شيئا من ذلك في ~~كلامه وعند إفاضته في صوغ ما صاغه لم تخطر المقدمتان والنتيجة له ببال ولو ~~أنه أفكر أولا في المقدمتين والنتيجة ثم أتى بنظم أو نثر بعد ذلك لما أتى ~~بشيء ينتفع به ولطال الخطب عليه بل أقول شيئا آخر وهو أن اليونان أنفسهم ~~لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه وعندهم فكرة في ~~مقدمتين ولا نتيجة وإنما هذه أوضاع توضع ويطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة ~~والشعر وهي كما يقال فقاقع ليس لها طائل كأنها شعر ms210 الأبيوردي # وحيث أوردت هذه المقدمة قبل الخوض في تقسيم المعاني فإني راجع إلى شرح ما ~~أجملته فأقول PageV01P302 # أما القسم الأول فإن المعاني فيه على ضربين أحدهما يبتدعه مؤلف الكلام من ~~غير أن يقتدي فيه بمن سبقه وهذا الضرب ربما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة ~~ويتنبه له عند الأمور الطارئة ولنشر في هذا الموضع إلى نبذة لتكون مثالا ~~للمتوشح لهذه الصناعة # فمن ذلك ما ورد في شعر أبي تمام في وصف مصلبين # ( بكروا وأسروا في متون ضوامر % قيدت لهم من مربط النجار ) # ( لا يبرحون ومن رآهم خالهم % أبدا على سفر من الأسفار ) # وهذا المعنى مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة والخاطر في مثل هذا ~~المقام ينساق إلى المعنى المخترع من غير كبير كلفة لشاهد الحال الحاضرة # وكذلك قال في هذه القصيدة في صفة من أحرق بالنار # ( ما زال سر الكفر بين ضلوعه % حتى اصطلى سر الزناد الواري ) # ( نارا يساور جسمه من حرها % لهب كما عصفرت شق إزار ) # ( طارت لها شعل يهدم لفحها % أركانه هدما بغير غبار ) # ( فصلن منه كل مجمع مفصل % وفعلن فاقرة بكل فقار ) # ( مشبوبة رفعت لأعظم مشرك % ما كان يرفع ضوءها للساري ) # ( صلى لها حيا وكان وقودها % ميتا ويدخلها مع الفجار ) # وهذا مما يعين على استخراج المعاني في شاهد الحال # وقد ذيل البحتري على ما ذكره أبو تمام في وصف المصلبين فقال # ( كم عزيز أباده فغدا يركب % عودا مركبا في عود ) PageV01P303 # ( أسلمته إلى الرقاد رجال % لم يكونوا عن وترهم برقود ) # ( تحسد الطير فيه ضبع البوادي % وهو في غير حالة المحسود ) # ( غاب عن صحبه فلا هو موجود % لديهم وليس بالمفقود ) # وكأن امتداد كفيه فوق الجذع % في محفل الردى المشهود ) # ( طائر مد مستريحا جناحيه % استراحات متعب مكدود ) # ( أخطب الناس راكبا فإذا أرجل % خاطبت منه عين البليد ) # وهذه أبيات حسنة قد استوعبت أقسام هذا المعنى المقصود إلا أن فيها مأخوذا ~~من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري وهو قوله # ( نصبته حيث ترتاب الرياح به % وتحسد الطير فيه أضبع البيد ) # لكن البحتري زاد في ms211 ذلك زيادة حسنة وهي قوله ( وهو في غير حالة المحسود % ~~) # ومن هذا الضرب ما جاء في شعر أبي الطيب المتنبي في وصفه الحمى وهو قوله # ( وزائرتي كأن بها حياء % فليس تزور إلا في الظلام ) # ( بذلت لها المطارف والحشايا % فعافتها وباتت في عظامي ) PageV01P304 # ( كأن الصبح يطردها فتجري % مدامعها بأربعة سجام ) # ( أراقب وقتها من غير شوق % مراقبة المشوق المستهام ) # وقد شرح أبو الطيب بهذه الأبيات حاله مع الحمى # ومن بديع ما أتى به في هذا الموضع أن سيف الدولة بن حمدان كان مخيما بأرض ~~ديار بكر على مدينة ميافارقين فعصفت الريح بخيمته فتطير الناس لذلك وقالوا ~~فيه أقوالا فمدحه أبو الطيب بقصيدة يعتذر فيها عن سقوط الخيمة أولها # ( أينفع في الخيمة العذل % ) # فمنه ما أحسن فيه كل الإحسان وهو قوله # ( تضيق بشخصك أرجاؤها % ويركض في الواحد الجحفل ) # ( وتقصر ما كنت في جوفها % وتركز فيها القنا الذبل ) # ( وكيف تقوم على راحة % كأن البحار لها أنمل ) # ( فليت وقارك فرقته % وحملت أرضك ما تحمل ) # ( فصار الأنام به سادة % وسدتهم بالذي يفضل ) # ( رأت لون نورك في لونها % كلون الغزالة لا يغسل ) # ( وأن لها شرفا باذخا % وأن الخيام بها تخجل ) # ( فلا تنكرن لها صرعة % فمن فرح النفس ما يقتل ) # ( ولو بلغ الناس ما بلغت % لخانتهم حولك الأرجل ) # ( ولما أمرت بتطنيبها % أشيع بأنك لا ترحل ) # ( فما اعتمد الله تقويضها % ولكن أشار بما تفعل ) # ( وعرف أنك من همه % وأنك في نصره ترفل ) PageV01P305 # ( فما العاندون وما أملوا % وما الحاسدون وما قولوا ) # ( هم يطلبون فمن أدركوا % وهم يكذبون فمن يقبل ) # ( وهم يتمنون ما يشتهون % ومن دونه جدك المقبل ) # هذه الأبيات قد اشتملت على معان بديعة وكفى المتنبي فضلا أن يأتي بمثلها ~~وهذا مقام يظهر في مثله براعة الناظم والناثر # وقرأت في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد وهو كتاب جمعه واختار فيه أشعار ~~شعراء بدأ فيه بأبي نواس ثم بمن كان في زمانه وانسحب على ذيله فقال فيما ~~أورده من شعره وله معنى لم يسبق إليه بإجماع وهو قوله # ( تدار علينا الراح ms212 في عسجدية % حبتها بأنواع التصاوير فارس ) # ( قرارتها كسرى وفي جنباتها % مها تدريها بالقسي الفوارس ) # ( فللراح ما زرت عليه جيوبها % وللماءما دارت عليه القلانس ) # وقد أكثر العلماء في وصف هذا المعنى وقولهم فيه إنه معنى مبتدع # ويحكى عن الجاحظ أنه قال ما زال الشعراء يتناقلون المعنى قديما وحديثا ~~إلا هذا المعنى فإن أبا نواس انفرد بإبداعه وما أعلم أنا ما أقول لها ولأبي ~~سوى أن أقول قد تجاوز بهم حد الإكثار ومن الأمثال السائرة بدون هذا يباع ~~الحمار وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة لا هذا المعنى فإنه لا كبير كلفة ~~فيه لأن أبا نوس رأى كأسا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره والذي عندي ~~في هذا أنه من المعاني المشاهدة فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء PageV01P306 ~~يسيرا وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها وكان الماء فيها قليلا ~~بقدر القلانس التي على رءوسها وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر # وكذلك ورد قوله في الخمر أيضا # ( يا شقيق النفس من حكم % نمت عن ليلي ولم تنم ) # ( فاسقني الخمر التي اختمرت % بخمار الشيب في الرحم ) # وهذا معنى مخترع لم يسبق إليه وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني ~~التي تستخرج من غير شاهد حال متصور # وبلغني انه اختلف في هذا المعنى بحضرة الرشيد هرون رحمه الله فقيل إنه ~~يريد بخمار الشيب في الرحم أن الخمر تكون في جوانبها ذات زبد أبيض على ~~وجهها فقال الأصمعي إن أبا نواس ألطف خاطرا من هذا وأسد غرضا فاسألوه فأحضر ~~وسئل فقال إن الكرم أول ما يجري فيه الماء يخرج شبيها بالقطنة وهي أصل ~~العنقود فقال الأصمعي ألم أقل لكم إن الرجل ألطف خاطرا وأسد غرضا # وقد جاء لابن حمديس الصقلي في الهلال لآخر الشهر ما لم يأت به غيره وهو ~~من الحسن واللطافة في الغاية القصوى وذلك قوله # ( كأنما أدهم الظلماء حين نجا % من أشهب الصبح ألقى نعل حافره ) # وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر إلا أنه أبدع في التشبيه # وأمثال هذا كثيرة في ms213 أقوال المجيدين من الشعراء # وجملة الأمر في ذلك أن الشاعر أو الكاتب ينظر إلى الحال الحاضرة ثم ~~يستنبط لها ما يناسبها من المعاني كما فعل النابغة في مدح النعمان وقد أتاه ~~وفد من الوفود فمات رجل منهم قبل أن يرفدهم فلما رفدهم جعل عطاء ذلك الميت ~~PageV01P307 على قبره حتى جاء أهله وأخذوه فقال النابغة في ذلك # ( حباء شقيق فوق أحجار قبره % وما كان يحبى قبله قبر وافد ) # وهذا بيت من جملة أبيات فانظر كيف فعل النابغة في هذا المعنى # وكذلك ورد قول أخت جساس زوجة كليب فإنه لما قتل جساس كليبا اجتمع النساء ~~إليها وندبنه فتحدث بعضهم إلى بعض وقلن هذه ليست ثاكلة وإنما هي شامتة فإن ~~أخاها هو القاتل فنم ذلك إليها فقالت # ( يا ابنة الأقوام إن شئت فلا % تعجلي باللوم حتى تسألي ) # ( فإذا أنت تبينت الذي % يوجب اللوم فلومي واعذلي ) # ( إن أختا لامرئ ليمت على % شفق منها عليه فافعلي ) # ( جل عندي فعل جساس فوا % حسرتا عم انجلت أو تنجلي ) # ( فعل جساس على وجدي به % قاطع ظهري ومدن أجلي ) # ( لو بعين فقئت عين سوى % أختها فانفقأت لم أحفل ) # ( يا قتيلا قوض الدهر به % سقف بيتي جميعا من عل ) # ( هدم البيت الذي استحدثته % وانثنى في هدم بيتي الأول ) # ( يشتفي المدرك بالثأر وفي % دركي ثأري ثكل مثكلي ) PageV01P308 # ( إنني قاتلة مقتولة % ولعل الله أن يرتاح لي ) # وهذه الأبيات لو نطق بها الفحول المعدودون من الشعراء لاستعظمت فكيف ~~امرأة وهي حزينة في شرح تلك الحال المشار إليها # واعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع # فمن ذلك قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد # ( تنافس الليل فيه والنهار معا % فقمصاه بجلباب من المقل ) # وليس هذا من المعاني الغريبة ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه # وقد جاء بعده شاعر من أهل الموصل يقال له ابن مسهر فاستخرج من هذا البيت ~~معنى غريبا فقال # ( ونقطته حباء كي يسالمها % على المنايا نعاج الرمل بالحدق ) # وهذا معنى غريب لم أسمع بمثله في مقصده الذي ms214 قصد من أجله وقليلا ما يقع ~~هذا في الكلام المنظوم والمنثور وهو موضع ينبغي أن توضع اليد عليه ويتنبه ~~له وكذلك فلتكن سياقة ما جرى هذا المجرى # وقد جاءني شيء من ذلك في الكلام المنثور # فمن ذلك ما ذكرته في وصف نساء حسان وهو أقبلت ربائب الكناس في مخضر ~~اللباس فقيل إنما يخترن الخضرة من الألوان ليصح تشبيههن بالأغصان # وهذا معنى غريب وربما يكون قد سبقت إليه إلا أنه لم يبلغني بل ابتدعته ~~ابتداعا # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن منازلة بلد فذكرت القتال ~~بالمنجنيق وهو فنزلنا بمرأى منه ومسمع واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع ~~ونصبت المنجنيقات فأنشأت سحبا صعبة القياد مختصة بالربا دون الوهاد فلم تزل ~~تقذف بالسور بوبل من جلمودها وتفجؤه برعودها قبل بروقها وبروق السحب قبل ~~رعودها حتى غادرت الحزن منه سهلا والعامر بلقعا مخلى PageV01P309 # وفي هذا معنيان غريبان أحدهما أن هذه السحب تخص الربا دون الوهاد والآخر ~~أن رعودها قبل بروقها وكل ذلك يتفطن له بالمشاهدة # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب فقلت إذا تخلق المرء بخلق البأس والندى ~~لم يخف عرضه دنسا كما أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل نجسا # وهذا المعنى مبتدع لي وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله صلى الله عليه ~~وسلم ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ) # ومن ذلك ما ذكرته في وصف مفازة فقلت مفازة لا توطأ بأجفان ساهر ولا تقتل ~~باقتحام خابر ولولا مسير الهلال من فوقها لما عرفت تمثال حافر # ومن ذلك ما ذكرته في كتاب أصف فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد ~~المكتوب عنه وكان ذلك في زمن الشتاء فسقط على العدو ثلج كثير صار به محصورا ~~فقلت وقد عاجله قتال البروق قبل البوارق وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول ~~بينه وبين الخنادق والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره والسماء قد قابلته ~~بأغبر وجهها لا بأخضره والأرض كأنها قرصة النقي وعسى أن تكون أرض محشره # والمعنى المخترع ms215 من هذا الكلام قولي والأرض كأنها قرصة النقي وعسى أن ~~تكون أرض محشره وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~إنكم تحشرون على أرض بيضاء كقرصة النقي ) يريد الخبزة البيضاء ولما كان ~~الثلج على الأرض مماثلا لذلك ومشابها له استنبطت أنا له هذا المعنى المخترع ~~فجاء كما تراه وهو من المعاني التي يدل عليها شاهد الحل # وأحسن من هذا كله ما كتبته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد فقلت ~~ودولته هي الضاحكة وإن كان نسبها إلى العباس وهي خير دولة أخرجت للزمن كما ~~أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس ولم يجعل شعارها من لون الشباب PageV01P310 ~~إلا تفاؤلا بأنها لا تهرم وأنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالحب الذي ~~لا يسلى والوصل الذي لا يصرم وهذا معنى استنبطه الخادم للدولة وشعارها وهو ~~مما لم تخط به الأقلام في خطها ولا أجالته الخواطر في أفكارها # وغرابة هذا المعنى ظاهرة ولم يأت بها أحد قبلي # وبلغني من المعاني المخترعة أن عبد الملك بن مروان بنى بابا من أبواب ~~المسجد الأقصى بالبيت المقدس وبنى الحجاج بابا إلى جانبه فجاءت صاعقة ~~فأحرقت الباب الذي بناه عبد الملك فتطير لذلك وشق عليه فبلغ ذلك الحجاج ~~فكتب إليه كتابا بلغني كذا وكذا فليهن أمير المؤمنين أن الله تقبل منه وما ~~مثلي ومثله إلا كابني آدم إذا قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من ~~الآخر فلما وقف عبد الملك على كتابه سري عنه # وهذا معنى غريب استخرجه الحجاج من القرآن الكريم وهو من المعاني المناسبة ~~لما ذكرت فيه ويكفي الحجاج في فطانة الفكرة أن يكون عنده استعداد لاستخراج ~~مثل ذلك # وأما المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة فإنها أصعب مثالا مما ~~يستخرج بشاهد الحال ولأمر ما كان لأبكارها سر لا يهجم عل مكامنه إلا جنان ~~الشهم ولا يفوز بمحاسنه إلا من دق فهمه حتى جل عن دقة الفهم وللهجوم على ~~عذارى المعاني المحمية بحجب البواتر أيسر من الهجوم ms216 على عذارى المعاني ~~المحمية بحجب الخواطر وما ذلك مما يلقيه إليك الأستاذ وليس يقوم به إلا ~~الفذ ولا أقول الأفذاذ وأين الذي ينشئ فيحسن فيها الإنشاء ويبرز فيها صورا ~~يركبها كيف يشاء ومن نظر إلى هذا الموضع حق النظر وأخذ فيه بالعين دون ~~الأثر علم أنه مقام يزلق بمعارف الأفهام فكيف بواقف الأقدام وليست المعاني ~~فيه إلا كالأرواح ولا الألفاظ إلا كالأجسام فمن شاء أن يخلق خلقا من الكلام ~~فليأت به على صورة الأناسي لا على صورة الأنعام فإن من القول الغانية التي ~~هي أحسن من الغانية ومنه البهيمة التي لا تشبه إلا بالسانية # فمما جاء في هذا الباب قول أبي نواس PageV01P311 # ( شرابك في السراب إذا عطشنا % وخبزك عند منقطع التراب ) # ( وما روحتنا لتذب عنا % ولكن خفت مرزئة الذباب ) # فالبيت الثاني من هذين البيتين هو المشار إليه بأنه معنى مبتدع ويحكى عن ~~الرشيد هارون رحمه الله أنه قال لم يهج باد ولا حاضر بمثل هذا الهجاء # ومن هذا الباب قول مسلم بن الوليد # ( تنال بالرفق ما تعيا الرجال به % كالموت مستعجلا يأتي على مهل ) # ومن هذا الباب قول علي بن جبلة # ( تكفل ساكن الدنيا حميد % فقد أضحت له الدنيا عيالا ) # ( كأن أباه آدم كان أوصى % إليه أن يعولهم فعالا ) # وهذا معنى دندن حوله الشعراء وفاز علي بن جبل بالإفصاح عنه # وقد قيل إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعا للمعاني وقد عدت ~~معانيه المبتدعة فوجدت ما يزيد على عشرين معنى # وأهل هذه الصناعة يكبرون ذلك وما هذا من مثل أبي تمام بكبير فإني أنا ~~عددت معاني المبتدعة التي وردت في مكاتباتي فوجدتها أكثر من هذه العدة وهي ~~مما لا أنازع فيه ولا أدافع عنه فأما ما ورد لأبي تمام فمن ذلك قوله ~~PageV01P312 # ( يأيها الملك النائي برؤيته % وجوده لمراعي جوده كثب ) # ( ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا % إن السماء ترجي حين تحتجب ) # وكذلك قوله # ( رأينا الجود فيك وما عرضنا % لسجل منه بعد ولا ذنوب ) # ( ولكن دارة القمر استتمت % فدلتنا على مطر ms217 قريب ) # وكذلك قوله في الهجاء # ( وأنت تدير قطب رحا عليا % ولم نر للرحا العلياء قطبا ) # ( ترى ظفرا بكل صراع قرن % إذا ما كنت أسفل منه جنبا ) # وكذلك قوله # ( وإذا أراد الله نشر فضيلة % طويت أتاح لها لسان حسود ) # ( لولا اشتعال النار فيما جاورت % ما كان يعرف طيب عرف العود ) # وكذلك قوله # ( لا تنكروا ضربي له من دونه % مثلا شرودا في الندى والبأس ) PageV01P313 # ( فالله قد ضرب الأقل لنوره % مثلا من المشكاة والنبراس ) # وكذلك قوله # ( لا تنكري عطل الكريم من الغنى % فالسيل حرب للمكان العالي ) # وكذلك له في الشيب # ( شعلة في المغارق استودعتني % في صميم الفؤاد ثكلا صميما ) # ( يستثير الهموم ما اكتن منها % صعدا وهي تستثير الهموما ) # فالبيت الثاني من المعاني المخترعة وقد تفقه فيه فجعله مسألة من مسائل ~~الدور وهذا من إغراب أبي تمام المعروف # وهذا القدر كاف من جملة معانيه فإنا لم نستقصها ههنا # ومن هذا الباب قول ابن الرومي PageV01P314 # ( كل امرئ مدح امرأ لنواله % وأطال فيه فقد أساء هجاءه ) # ( لو لم يقدر فيه بعد المستقى % عند الورود لما أطال رشاءه ) # وكذلك قوله # ( عدوك من صديقك مستفاد % فلا تستكثرن من الصحاب ) # ( فإن الداء أكثر ما تراه % يكون من الطعام أو الشراب ) # وكذلك قوله # ( لما تؤذن الدنيا به من صروفها % يكون بكاء الطفل ساعة يولد ) # ( وإلا فما يبكيه منها وإنه % لأوسع مما كان فيه وأرغد ) # ( إذا أبصر الدنيا استهل كأنه % بما هو لاق من أذاها يهدد ) PageV01P315 # وكذلك قوله # ( رددت علي مدحي بعد مطل % وقد دنست ملبسه الجديدا ) # ( وقلت امدح به من شئت غيري % ومن ذا يقبل المدح الرديدا ) # ( وهل للحي في أكفان ميت % لبوس بعدما امتلأت صديدا ) # وقد ورد لأبي الطيب المتنبي من ذلك كقوله # ( أجزني إذا أنشدت مدحا فإنما % بشعري أتاك المادحون مرددا ) # ( ودع كل صوت بعد صوتي فإنني % أنا الصائح المحكي والآخر الصدى ) # فالبيت الأول قد توارد على معناه الشعراء قديما وحديثا لكن البيت الثاني ~~في التمثيل الذي مثله ليس لأحد إلا له # وكذلك قوله # ( بهجر سيوفك أغمادها % تمنى ms218 الطلى أن تكون الغمودا ) # ( إلى الهام تصدر عن مثله % ترى صدرا عن ورود ورودا ) PageV01P316 # وكذلك قوله في بدر بن عمار يهنيه ببرئه من مرض # ( قصدت من شرقها ومغربها % حتى اشتكتك الركاب والسبل ) # ( لم تبق إلا قليل عافية % قد وفدت تجتديكها العلل ) # وقد وقفت على ما شاء الله من أشعار الفحول من الشعراء قديما وحديثا فلم ~~أجد لأحد منهم في ذكر المرض ما يعد معنى مخترعا لا بل لم أجد من أقوالهم ~~شيئا مرضيا ما عدا المتنبي فإنه ذكر المرض في عدة مواضع من شعره فأجاد وهذا ~~البيت الثاني من هذين البيتين معنى مخترع له وقد أحسن فيه كل الإحسان # ومما ابتدعه بإجماع قوله في مدح عضد الدولة في قصيدته النونية التي ~~مطلعها # ( مغاني الشعب طيبا في المغاني % ) # قال عند ذكره # ( فعاشا عيشة القمرين يحيا % بضوئهما ولا يتحاسدان ) # ( ولا ملكا سوى ملك الأعادي % ولا ورثا سوى من يقتلان ) # ( وكان ابنا عدو كاثراه % له ياءي حروف أنيسيان ) # أي جعل الله ابني عدو كاثراه يعني ابني عضد الدولة كياءي حروف تصغير ~~إنسان فإن ذلك زيادة وهو نقص في المقدار إلا أن سبك هذا البيت قد شوهه ~~وأذهب طلاوة المعنى المندرج تحته PageV01P317 # ومن معانيه المبتدعة قوله # ( فإن تفق الأنام وأنت منهم % فإن المسك بعض دم الغزال ) # وأحسن من ذلك قوله # ( صدمتهم بخميس أنت غرته % وسمهريته في وجهه غمم ) # ( فكان أثبت ما فيهم جسومهم % يسقطن حولك والأرواح تنهزم ) # وهذا من أعاجيب أبي الطيب التي برز فيها على الشعراء # ومن الإحسان في هذا الباب قول بعضهم # ( وقد أشق الحجاب الصعب مأربه % دوني وآبى ولوجا فيه إن طرقا ) # ( كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحا % وليس يدخله إلا إذا انطبقا ) # ورأيت ابن حمدون البغدادي صاحب كتاب التذكرة قد أورد هذين البيتين في ~~كتابه وقال قد أغرب هذا الشاعر ولكنه خلط وجرى على عادة الشعراء لأن ~~PageV01P318 الطيف لا يدخل الجفن وإنما يتخيل إلى النفس وهذا كلام من لم ~~يطعم من شجره الفصاحة والبلاغة وليس مثله عندي إلا كما يحكى عن ms219 ملك الروم ~~إذ أنشد عنده بيت المتنبي الذي هو # ( كأن العيس كانت فوق جفني % مناخاة فلما ثرن سالا ) # فسأل عن المعنى ففسر له فقال ما سمعت بأعذب من هذا الشاعر أرأيت من أناخ ~~الجمل على عينه لا يهلكه # ومن محاسن هذا القسم قول بعضهم # ( تخيره الله من آدم % فما زال منحدرا يرتقي ) # وكذلك قول الآخر # ( بأبي غزال غازلته مقلتي % بين الغوير وبين شطي بارق ) # ( عاطيته والليل يسحب ذيله % صهباء كالمسك الفتيق لناشق ) # ( وضممته ضم الكمي لسيفه % وذؤابتاه حمائل في عاتقي ) # ( حتى إذا مالت به سنة الكرى % زحزحته شيئا وكان معانقي ) # ( أبعدته عن أضلع تشتاقه % كي لا ينام على وساد خافق ) # وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى ولقد خفت معانيه على القلوب حتى ~~كادت ترقص رقصا والبيت الأخير منه هو الموصوف بالإبداع وبه وبأمثاله أقرت ~~الأبصار بفضل الأسماع # ومن هذا الضرب قول بعض المصريين يهجو إنسانا يقال له ابن طليل احترقت ~~داره PageV01P319 # ( انظر إلى الأيام كيف تسوقنا % طوعا إلى الإقرار بالأقدار ) # ( ما أوقد ابن طليل قط بداره % نارا وكان هلاكها بالنار ) # وكذلك ورد قول ابن قلاقس من شعراء مصر # ( زد رفعة إن قيل أنغض % وانخفض إن قيل أثرى ) # ( كالغصن يدنو ما اكتسى % ثمرا وينأى ما تعرى ) # وهذا من المعاني الدقيقة # ومن هذا الأسلوب قول الشاعر المعروف بالحافظ في تشبيه البهار وهو # ( عيون تبر كأنما سرقت % سواد أحداقها من الغسق ) # ( فإن دجا ليلها بظلمته % ضممن من خوفها على السرق ) # وهذا تشبيه بديع لم يسمع بمثله وهو من اللطافة على ما لا خفاء به # ومن هذا القسم قول بعض المتأخرين من أهل زماننا # ( لا تضع من عظيم قدر وإن كنت % مشارا إليه بالتعظيم ) # ( فالشريف العظيم ينقص قدرا % بالتعدي على الشريف العظيم ) # ( ولع الخمر بالعقول رمى الخمر % بتنجيسها وبالتحريم ) # ومن غريب ما سمعته في هذا الباب قول بعض الشعراء المغاربة يرثي قتيلا # ( غدرت به زرق الأسنة بعدما % قد كن طوع يمينه وشماله ) # ( فليحذر البدر المنير نجومه % إذ بان غدر مثالها بمثاله ) # وكذلك جاء قول ms220 بعض المغاربة في الخمر وكاساتها # ( ثقلت زجاجات أتتنا فرغا % حتى إذا ملئت بصرف الراح ) # ( خفت فكادت أن تطير بما حوت % وكذا الجسوم تخف بالأرواح ) PageV01P320 # وهذا معنى مبتدع أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرا ويروق كما رقت ~~لطفا ويفوح كما فاحت نشرا # وكذلك ورد قول ابن حمديس الصقلي # ( يا سالبا قمر السماء جماله % ألبستني للحزن ثوب سمائه ) # ( أضرمت قلبي فارتمى بشرارة % وقعت بخدك فانطفت من مائه ) # وهذا المعنى دقيق جدا # وقد سمعت في الخال ما شاء الله أن أسمع فلم أجد مثل هذا # وقد جاءني في الكلام المنثور من هذا الضرب شيء وسأذكر ههنا منه نبذة # فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة فقلت ألبس من الحسن أنضر لباس وخلق ~~من طينة غير طينة الناس وكما زاد حسنا فكذلك ازداد طيبا واتفقت فيه الأهواء ~~حتى صار إلى كل قلب حبيبا فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه أو مر على النيلوفر ~~ليلا لتفتحت أحداقه # والمعنى الغريب ههنا أن الشمس إذا طلعت على النيلوفر تفتح أوراقه وإذا ~~غربت عنه انضم ثم إني سمعت هذا في شعر الفرس لبعض شعرائهم فحصل عندي منه ~~تعجب # ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب فقلت الشيب إعدام للإيسار وظلام للأنوار ~~وهو الموت الأول الذي يصلى نارا من الهم أشد وقودا من النار ولئن قال قوم ~~إنه جلالة فإنهم دقو به وما جلوا وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا وأضلوا وما ~~أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا ومن عجيب شأنه ~~أنه المملول الذي يشفق من بعده والخلق الذي يكره نزع برده ولما فقد الشباب ~~كان عنه عوضا ولا عوض عنه في فقده # والمعنى المخترع ههنا في قولي وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة ~~الحرث دار قوم إلا ذلوا وهو مستنبط من الحديث النبوي وذاك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى PageV01P321 آلة الحرث فقال ( ما دخلت هذه دار قول إلا ~~ذلوا ) فأخذت أنا هذا ونقلته إلى الشيب فجاء كما ms221 تراه في أعلى درجات الحسن ~~وذلك لما بينه وبين الشيب من المناسبة الشبيهة لأن الشيب يفعل في البدن ما ~~يفعله المحراث في الأرض وإذا نزل بالإنسان أحدث عنه ذلا # ومن هذا الباب ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الناس أعبث به فقلت وإذا ~~كتبت مثالبه في كتاب اجتمع عليه بنات وردان وحرم على أن أبدأ فيه بالبسملة ~~لأنها من القرآن # وهذا معنى لطيف في غاية اللطافة وهو مخترع لي # وكذلك كتبت إلى بعض الناس كتابا من هذا الجنس أهزل معه فقلت في فصل منه ~~ما أذكره وهو ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي فإني لم أسمه ~~إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي ولا شك أن سيدنا معدود في جملة ~~الأنعام غير أنه من ذوات القرون والقرن عدوه عند الخصام # وهذا معنى ابتدعته ابتداعا ولم أسمعه لأحد من قبلي # ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن هزيمة الكفار وذلك فصل منه فقلت ~~وكانت الوقعة يوم الأحد منتصف شهر كذا وكذا وهذا هو اليوم الذي تخيره ~~الكفار من أيام الأسبوع ونصبوه موسما لشرع كفرهم المشروع فحصل ارتيابهم به ~~إذ تضمن للإسلام مزيدا وقالوا هذا يوم قد أسلم فلا نجعله لنا عيدا وقد أفصح ~~لهم لسانه لو كانوا يعلمون بأن الدين عند الله هو الإسلام وأن أولياءه هم ~~المسلمون # وهذا معنى انفردت بابتداعه ولم يأت به أحد ممن تقدمني # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد وهو في وصف ~~القلم فقلت وقلم الديوان العزيز هو الذي يخفض ويرفع ويعطي ويمنع وهو المطاع ~~لجدع أنفه وسواد لباسه وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع ومن أحسن صفاته ~~أن شعاره من شعار مولاه فهو يخلع على عبيده من الكرامة ما يخلع PageV01P322 # في هذه الأوصاف معان حسنة لطيفة ومنها معنى غريب لم أسبق إليه وهو قولي ~~إنه المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع فإن ~~هذا مما ابتكرته وهو مستخرج من ms222 الحديث النبوي في ذكر الطاعة والجماعة فقال ~~صلى الله عليه وسلم ( أطع ولو عبدا حبشيا مجدعا ما أقام عليك كتاب الله ) ~~فاستخرجت أنا للقلم معنى من ذلك وهو أن القلم يجدع ويقمص لباس السواد فصار ~~حبشيا أجدع وهذا كما فعل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في قصيدته السينية ~~فإنه استخرج المعنى المخترع من القرآن الكريم وأنا استخرجت المعنى من الخبر ~~النبوي كما أريتك وهذا المعنى المشار إليه في وصف القلم أوردته بعبارة أخرى ~~على وجه آخر ونبهت عليه في كتاب الوشي المرقوم في حل المنظوم وهذا كتاب ~~ألفته في صناعة حل الشعر وغيره # وبعد هذا فسأقول لك في هذا الموضع قولا لم يقله أحد غيري وهو أن المعاني ~~المبتدعة شبيهة بمسائل الحساب المجهول من الجبر والمقابلة فكما أنك إذا ~~وردت عليك مسألة من المجهولات تأخذها وتقلبها ظهرا لبطن وتنظر إلى أوائلها ~~وأواخرها وتعتبر أطرافها وأوساطها وعند ذلك تخرج بك الفكرة إلى معلوم فكذلك ~~إذا ورد عليك معنى من المعاني ينبغي لك أن تنظر فيه كنظرك في المجهولات ~~الحسابية إلا أن هذا لا يقع في كل معنى فإن أكثر المعاني قد طرق وسبق إليه ~~والإبداع إنما يقع في معنى غريب لم يطرق ولا يكون ذلك إلا في أمر غريب لم ~~يأت مثله وحينئذ إذا كتب فيه كتاب أو نظم فيه شعر فإن الكاتب والشاعر ~~يعثران على مظنة الإبداع فيه وقد لابست ذلك في مواضع كثيرة وسأورد ههنا ما ~~يحذى حذوه لمن استطاع إليه سبيلا # ومن ذلك ما كتبته عن نفسي إلى بعض ملوك الشام وأهديت إليه رطبا وهو خلد ~~الله دولة مولانا وعمر لها مجدا وجنانا وخولها السعادة عطاء حسابا وأنشأ ~~الليالي لخدمتها عربا أترابا وأبقى شبيهتها بقاء لا يستحدث معه خضابا ولا ~~جعل لها في محاسن الدولة السابقة أشباها ولا أضرابا وألقى البأس بين ~~أعدائها وحسادها حتى يبعث لهم في الأرض غرابا إذا أراد العبيد أن يهدوا ~~لمواليهم قصرت بهم يد وجودهم وعلموا أن كل ما عندهم من عندهم ms223 لكن في ~~الأشياء PageV01P323 المستطرقة ما يهدي وإن كان قدره خفيفا ولولا اختلاف ~~البلاد فيما يوجد بها لما كان شيء من الأشياء طريفا وقد أهدى المملوك من ~~الرطب ما يتجلى في صفة الوارس ويزهى بحسنه حتى كأنه لم يدنس بيد لامس وما ~~سمي رطبا إلا لاشتقاقه من الرطب الذي هو ضد اليابس وقد أثنى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليه ثناء جما وفضل شجرته على الشجر بأن سماها أما ولئن عدم ~~عرفا لذيذا فإنه لم يعد منظرا لذيذا ولا طعما وله أوصاف أخرى هي لفضله ~~بمنزلة الشهود فمنها أنه أول غذاء يفطر عليه الصائم وأول غذاء يدخل بطن ~~المولود وأحسن من ذلك أنه معدود من الحلواء وإن كان من ذوات الغراس ولا فرق ~~بينهما سوى أنه من خلق الله وتلك من خلق الناس وإذا أنصف واصفه قال ما من ~~ثمرة إلا وهي عنه قاصرة ولو تفاخرت البلاد بمحاسن ثمارها لقامت أرض العراق ~~به فاخرة وهذا قد سار إلى باب مولانا وهو مجني المنابت سار إلى مجني الكرم ~~وملك الفاكهة وفد على ملك الشيم ولما استقلت به الطريق أنشأ الحسد لغيره من ~~الفواكه أربا وما منها إلا من قال يا ليتني كنت رطبا ولئن كان من الثمرات ~~التي تختلف في الصور والأسماء ويفضل بعضها على بعض ويسقي بشراب واحد من ~~الماء فكذلك تلك الشيم العريقة تتحد في عنصرها وهي مختلفة الوتيرة ومن ~~أفضلها شيمة السماح التي تقبل القليل من عبيدها وتسمح لهم بالعطايا الكثيرة ~~وقد ضرب لها المملوك مثالا فقال هي كجنة بربوة بل ضرب لها ما ضرب للمثل ~~النبوي وهي نخلة بكبوة ولا يختم كتابه بأحسن من هذا القول الذي طاب سمعا ~~وزكا أصلا وفرعا وتصرف في أساليب البلاغة فجاء به وترا وشفعا والسلام # وهذا كتاب غريب في معناه وقد اشتمل على معان كثيرة فمن جملتها أن الرطب ~~مشتق من الرطب الذي هو ضد اليابس ومن جملتها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سمى النخلة أما فقال ( أمكم النخلة ) ومن ms224 جملتها أنه كان صلى الله عليه ~~وسلم يفكر على رطبات فإن لم يجد فتمرات ومن جملتها أنه كان يلوك التمرة ~~ويحنك بها المولود عند ميلاده ولما ولد عبد الله بن الزبير جاءت أمه أسماء ~~بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه ووضعته في حجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلاك تمرة ووضعها في فيه ومن جملتها أنه والحلواء شيء واحد إلا أنه من ~~خلق الله وتلك من خلق الإنسان ومن جملتها أن PageV01P324 العباس رضي الله ~~عنه قال يا رسول الله إن قريشا تذاكرت أحسابها فضربوا لك مثالا بنخلة بكبوة ~~وكل هذه المعاني حسنة واردة في موضعها ومن كتب في معنى من المعاني حسنة ~~واردة في موضعها ومن كتب في معنى من المعاني فليكتبه هكذا وإلا فليدع # ومن ذلك رقعة كتبتها إلى بعض حجاب السلطان في حاجة عرضت لي وأرسلت معها ~~هدية من ثياب ودراهم وهي # ( ما من صديق وإن صحت صداقته % يوما بأنجح في الحاجات من طبق ) # ( إذا تلثم بالمنديل منطلقا % لم يخش نبوة بواب ولا غلق ) # الهدية مشتقة من الهدى غير أنها ترف إلى القلب لا إلى الندى وصهارتها ~~أنفع من الصهارة وكلما ترددت كانت بكرا فهي لا تنفك عن البكارة ومن خصائصها ~~أنها تمسك بمعروف أمن من السراح وإذا رامت فتح باب لا تفتقر في علاجه إلى ~~مفتاح وقد قيل إنها الحسناء المتأنقة في عمارة بيتها التي توصف بأن القنديل ~~يضيء بزيتها وقد أرسلتها إلى المولى وهي تتهادى في إعجابها وتدل بكثرة ~~دراهمها وثيابها وتقول أنا الكريمة في قومها الشريفة في أنسابها وأحسن ما ~~فيها أنها جاءت سرا لم تعلم بها اليد اليمنى من اليسرى فخذها يا مولاي ~~واكشف نقابها وأمط عنها جلبابها وقد كانت منك حرة وهي الآن في حيز المملكة ~~ومن السنة في مثلها أن تؤخذ بالناصية ويدعى لها بالبركة والسائر بها فلان ~~وهو في الجهل بها حامل أسفار وناقل لها من دار إلى دار ولربما نطق لسان ~~حالها الذي هو أفصح من نطق اللسان ms225 وأذكرت بحاجة مرسلها وحاش فطانة الكريم ~~من النسيان وليس المطلوب إلا فضيلة من الجاه تسفر بين السائل والمسئول ~~وتنقل البعيد إلى درجة القريب والممنوع إلى درجة المبذول فإذا فعل المولى ~~ذلك كان له منة السفارة ومنة الإنعام وإن سمع بأن سعيا واحدا فاز بشكرين ~~اثنين ففي مثل هذا المقام ومن الناس من يقول ليس على جانب السلطان ثقل في ~~صنعه وهل ههنا إلا كلمات تقال والكلام ماعون لا رخصة في منعه ولم يدر أن ~~ملاطفة الخطاب ضرب من الاحتيال وأن نقل الخطوات فيه أثقل من نقل ~~PageV01P325 الجبال وأن صاحب الحاجة يحظى بحلاوة النجاح والحاجب يلقى مرارة ~~السؤال # وهذا يقوله الخادم إيجابا لإحسان المولى الذي هو إحسان شامل ولا يعلمه ~~إلا عالم بفضله ولا يجهله إلا جاهل والله تعالى يجعل الحاجات مغدوقة ببابه ~~حتى لا تنفك في الدنيا من إمداد شكره وفي الآخرة من إمداد ثوابه والسلام # فتأمل أيها الناظر في كتابي هذا إلى ما اشتملت عليه هذه الرقعة من ~~المعاني حتى تعلم كيف تضع يدك فيما تكتبه # ومن ذلك رقعة أخرى كتبتها في هذا المعنى المتقدم ذكره وأرسلت معها هدية ~~من المسك وهي الهدية رسول يخاطب عن مرسله بغير لسان ويدخل على القلوب من ~~غير استئذان وقد قيل أخت السحر في ملاطفة قصدها غير أنها لا تحتاج إلى ~~نفثها ولا إلى عقدها وما من قلب إلا وصورتها تجلي عليه في سرقة ولولا شرف ~~مكانها لما حللت للنبي صلى الله عليه وسلم مع تحريم الصدقة ولها صفات غير ~~هذه كريمة الأخطار حسنة لدى الأسماع والأبصار ومن أحسنها أنها تستجد ودا ~~وتجعل قربا ما كان بعدا # وتقول لنا الإحنة يا نار كوني بردا ولهذا قيل تهادوا تحابوا ولا شك أنها ~~وصلة بين المودات فإذا تواصل الناس تقاربوا وقد أرسل الخادم منها شيئا إذا ~~كتمه ذاع وإذا خزنه ضاع وقد شبه به الجليس الصالح بعدد أسباب الانتفاع ومما ~~زاد مزية على مزيته أنه وشيم المولى توأمان غير أن شيمته تنتمي إلى كرم ~~محتدها ms226 وهو ينتمي إلى سرر الغزلان فإذا ورد على مجلسه قيل هذا عطر ورد على ~~جونة عطار وعرف له حق المشاركة فإن أدنى الشرك في الشيم جوار وقد نطق الخبر ~~النبوي بأنه أحد الثلاثة التي لا ترد على من أهداها وإذا نظر إلى محصول ~~بقائها وفائدتها وجد أطولها عمرا وأجداها وهذا يحكم على المولى بقبول ما ~~استرسل الخادم في إرساله وإذا سأل غيره في قبول هديته كفاه نص الخبر مؤنة ~~سؤاله والسلام PageV01P326 # وهذه الرقعة أحسن من التي قبلها فمما اشتملت عليه من المعاني قولي # وما من قلب إلا وصورتها تجلى عليه في سرقة ولولا شرف مكانها لما حللت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مع تحريم الصدقه وهذا المعنيان مستخرجان من خبرين ~~نبويين أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( جاءني جبريل عليه السلام ~~ومعه سرقة من حرير ) يعني حريرة بيضاء ( وفيها صورة عائشة ) رضي الله تعالى ~~عنها وقال ( هذه زوجتك في الدنيا والآخر ) والخبر الآخر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ( حرمت علي الصدقة وأحلت لي الهدية ) # ومما اشتملت عليه أيضا قولي وقد أرسل الخادم منها شيئا إذا كتمه ذاع وإذا ~~خزنه ضاع وهذه مغالطة حسنة لأن المسك إذا كتم ذاعت رائحته وإذا خزن ضاع أي ~~فاح ويقال ضاع الشيء إذا ذهب فالمغالطة ههنا في الجمع بين الضدين # وكذلك قولي وقد شبه الجليس الصالح وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضا وذاك ~~أنه قال صلى الله عليه وسلم ( مثل الجليس الصالح مثل حامل المسك إما أن ~~يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه عرفا طيبا ومثل جليس السوء مثل ~~نافخ الكير إما أن يحرق ثوبك وإما أن تجد منه رائحة كريهة ) # ومما اشتملت عليه من المعاني أيضا قولي إنه أحد الثلاثة التي لا ترد على ~~من أهداها وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضا وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~ثلاثة لا ترد الطيب والريحان والدهن ) # ومن ذلك رقعة كلفني بعض أصدقائي إملاءها عليه وهي رقعة من عاشق إلى ms227 معشوق ~~وهي # ( وإذا قيل من نحب تخطاك % لساني وأنت في القلب ذاكا ) # يا من لا أسميه ولا أكنيه وأذكر غيره وهو الذي أعنيه لا تكن ممن أوتي ~~ملكا فلم ينظر في زواله وعرف مكانه من القلوب فجار في إدلاله ولا تغتر بقول ~~PageV01P327 من رأى الحسن للإساءة ماحيا واعلم أن اللاحي يقول كفى بالتذلل ~~لاحيا وكثيرا ما يزول العشق بجنايات الصدود والزيادة في الحد نقصان في ~~المحدود وقد قيل إن الحسن عليه زكاة كزكاة المال وليست زكاته عند علماء ~~المحبة إلا عبارة عن الوصال وهذه صدقة تقسم على أربابها ولا ينتظر أن يحول ~~الحول في إيجابها فهي مستمرة على تجدد الأيام والمستحقون لها قسم واحد ولا ~~يقال إنهم ثمانية أقسام وهؤلاء هم المخصوصون بفك الرقاب ورقبة العشق أشد ~~أسرا من رقبة تتحرر بالكتاب فأخرج يا مولاي من هذا الحق الواجب وإلا فتأت ~~لطالب منى ومطالب ولا تقل هذا غريم أكثر عد الليالي في مطله وأعده والواعيد ~~زاد لمثله فهذه سلعة قد عاملتني بها مرة ساخرا ومرة ساحرا ومن الأقوال ~~السائرة أن الغر تجعله التجربة ماهرا ولعمري إن ممارسة الحب تجدد لصاحبه ~~علما وتبصره وإن كان كما يقال أعمى وقد كذب القائل # ( عرضن للذي تحب بحب % ثم دعه يروضه إبليس ) # فإن كانت الرياضة كما قيل لإبليس فما أراه صنعا في الذي صنع وأراك ~~استعصيت عليه استعصاء القارح وأنت جذع ولا شك أنك تهدم ما يشيده من البناء ~~أو أنك مستثنى في جملة من دخل في حكم الاستثناء وأنا الآن له عائب وعلي ~~عاتب فأين نفثاته التي هي أخدع من الحبائل وأين قوله لآتينهم عن الأيمان ~~والشمائل وأين جنوده المسترقة ما في السماء التي تجري من بني آدم مجرى ~~الدماء وكل هذا قد بطل عندي خبره كما بطل عندي أثره فإن أدركته النخوة بأني ~~أستهزئ بتصديق أفعاله فليحلل معقول حاجتي هذه حتى أعلم أنه قادر على حل ~~عقاله وإلا فليخف رأسه وليمح وسواسه وإن كان له عرش على البحر فليقوض من ~~عرشه وليعلم ms228 أن السحر ليس في عقده ونفثه ولكنه في الأصفر ونقشه وها أنا قد ~~بعثت منه ما يجعل العزم محلولا والود مبذولا وما أقول إلا PageV01P328 أني ~~بعثت معشوقا إلى معشوق وكلاهما محله القلب بل القلب من حبهما مخلوق وما ~~أكرمه وهو وسيلة إلى مثله وحسنه من حسنه وإن لم يكن شكله من شكله وما وصف ~~واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه ومن أغرب أوصافه وأحسنها أنه لم ير ذو ~~وجهين وجيها سواه لا جرم أنه إذا سفر في أمر تلطف في فتح أبوابه وتناول ~~وعره بسهله وبعده فبدله باقترابه ولو بعثت غيره لخفت ألا يكون في سفارته ~~صادقا أو أنه كان يمضي سفيرا ويعود عاشقا فليس على الحسن أمانة وفي مثله ~~تعذر الخيانة ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة رشدها ورأت مالا ~~يحتمله كاهل جهدها ومن الذي يقوى درعه على تلك السهام أو يروم النجاة منها ~~وقد حيل بينه وبين المرام وهذا الذي منعني أن أرسل إلا كيسا وكتابا فأحدهما ~~يكون في السفارة والآخر على السر حجابا والسلام إن شاء الله تعالى # وفي هذه الرقعة من المعاني الغريبة ما أذكره فالأول ما ذكرته في قسم ~~الصدقات وفك الرقاب والثاني ما ذكرته في وصف الدينار وهو أنه وجيه ذو وجهين ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ذو الوجهين لا يكون وجيها ) وهذا معنى لم ~~يسبقني أحد إليه وقد وصف الحريري الدينار في مقامه من مقاماته ولم يظفر ~~بهذا المعنى ولا جاء من الأوصاف التي ذكرها بمثله والثالث إني بعثت معشوقا ~~إلى معشوق # ومن ذلك ما كتبته وكان توفيت زوجة بعض الملوك وتوفي معها ولد لها وهو طفل ~~صغير وكان بينهما يومان وتلك المرأة بنت ملك من الملوك أيضا فكتب إليه من ~~الأطراف المجاورة يعزونه وحضر عندي بعض الأدباء ممن يجب أن يكون كاتبا وعرض ~~علي نسخة ما كوتب به ذلك الملك في التعزية بزوجته وولدها فوجدتها كتبا ~~باردة غثة لا تعرب عن الحادثة بل بينها وبينها بعد ms229 المشرقين ومن شرط الكتاب ~~أن يكون الكتاب مضمنا فض المعنى المقصود والتعازي مختلفة الأنحاء فتعازي ~~النساء غير تعازي الرجال وهي من مستصعبات فن الكتابة والشعر وتعازي الرجال ~~أيضا تختلف فلا يعزى بالميت على فراشه كما يعزى بالميت قتيلا ولا يعزى ~~بالقتيل كما يعزى بالغريق وهكذا يجري الحكم في PageV01P329 المعاني جمعيها ~~وهذا شيء لا يتنبه له إلا الراسخون في هذا الفن من أرباب النثر والنظم ~~وسألني ذلك الرجل عن هذه التعزية المشار إليها في المرأة وولدها الصغير ~~وقال أحب أن أعلم كيف تكون فأمليت عليه ثلاثة كتب كل كتاب يتضمن معنى لا ~~يتضمنه الكتاب الآخر # فمما جاء منها كتاب أنا ذاكره ههنا وهو أشجى التعازي ما أتبع فيه المفقود ~~بمفقود لا سيما إذا جمع بين سعد الأخبية وسعد السعود وكل منهما يعظم حزنا ~~كما يعظم مكانا وهذا يحسر عن الوجوه خمرا وهذا يلقي عن الرءوس تيجانا ولم ~~يوفهما حقهما من بكي ولا من ندب ولا من شعر ولا من كتب وليت فدى أحدهما ~~بصاحبه فعاش درهما المفدي بالذهب # ( ولو كان خطبا واحدا خف كلمه % ولكنه خطب أعيد على خطب ) # وقد أصدر الخادم كتابه هذا ومن حقه أن يخرج في ثوب من الحداد وأن يتعثر ~~في أذيال كلمه والكتاب عنوان الفؤاد وغاية ما يقول أحسن الله عزاء المجلس ~~السامي الملك الأجل السيد على أن هذا الدعاء قد شهدت الحال بلحنه وكيف يملك ~~قلبه عزاء وقد أوثقه الهم في سجنه وصار له ولدا دون ولده وخدنا دون خدنه ~~لكن يدعى له بامتداد البقاء وأن تعامله الحوادث بعد هذه معاملة الإبقاء ثم ~~نتبع ذلك بطلب الجنة لمن نقلته المنايا عن أرائك الخدور وجعلته في بطون ~~القبور ولمن فاجأت الأيام غصنه فقصفته ولم يعش حتى عرف الدنيا ولا عرفته ~~فواها لهما وقد نزلا بمنزل عديم الإيناس وإن كان مأهولا بأكثر الناس فهو ~~القريب دارا البعيد مزارا الذي حجب من اليأس بأمنع حجاب وذهب عن الوجوه ~~المنعمة لذل التراب فمن كان مسعدا للمجلس فليأخذ بوله الجزع ms230 لا بعزيمة ~~الاصطبار وليقل هذا حادث بان فيه تحامل الأقدار وجرت همومه مجرى الخواطر من ~~القلوب والرقاد من الأبصار فالأسوة إلا فيه معدودة من الإحسان والسلوة إلا ~~عنه داخلة في حيز الإمكان والخادم أولى من لقي المجلس فيه بالإسعاد وقام ~~بما يجب من قضاء حق الوداد وفعل ما يفعله القريب الحاضر وإن كان على شقة من ~~البعاد وقد أرسل من ينوب عنه في التعزية وإن لم يكف PageV01P330 فيها ~~المناب وكما رخص العذر في قصر الصلاة فكذلك رخص في الاقتصار على الرسول ~~والكتاب وقد ود لو حضر بنفسه فاستسقى لذلك الضريح سحابا وعقر عنده ركابا ~~وسأل الله له مغفرة وثوابا والسلام # في هذا الكتاب معنى غريب وهو قولي سعد الأخبية كناية عن المرأة وسعد ~~السود كناية عن ولدها لأن سعد الأخبية اسم منزلة من منازل القمر والأخبية ~~جمع خباء ومن شأن المرأة أن تحتجب في الأخبية فهي سعدها وهذا من المعاني ~~الغريبة في مثل هذا المقصد وقد اتفق سعد الأخبية وسعد السعود معا وهذا أيضا ~~غريب # ومن ذلك أني كتبت كتابا عن الملك الأفضل علي بن يوسف إلى أخيه الملك ~~الظاهر غازي بن يوسف صاحب حلب في أمر شخص كان أبوه صاحب مدينة تكريت وتكريت ~~هذه كان يتولاها قديما الأمير أيوب جد الملك الأفضل والملك الظاهر وأولد ~~بها ولده صلاح الدين يوسف أباهما وعلى عقب ولادته انتقل والده عن تكريت هو ~~وعشيرته لأمر طرأ لهم وجاء إلى الموصل ثم إلى الشام وهناك سعدوا وكانت ~~السعادة على يد صلاح الدين يوسف فلما أردت أن أكتب هذا الكتاب علمت أنه ~~مظنة المعاني المبتدعة لأن الأمر المكتوب فيه غريب لم يقع مثله فحينئذ كتبت ~~هذا الكتاب وهو رفع الله شأن مولانا الملك الظاهر ولا زال الدهر فاخرا ~~بمآثر سلطانه ناظما مناقبه في جديه ومحامده في لسانه ناسخا بمساعي دولته ما ~~تقدم من مساعي وآل بويه وألا حمدانه كتاب الخادم هذا وارد من يد الأمير شمس ~~الدين ابن صاحب تكريت وهو أول أرض مس جلد ms231 الوالد ترابها ورقمت بها السعادة ~~على جبينه كتابها ومنها ظهر نور البيت الأيوبي مشرقا وأشام إذا خرج معرقا ~~وكفاه بذلك وسيلة يكتنفها الإحسان والإرعاء ويكفي صاحبها أن يقول لا أسقي ~~حتى يصدر الرعاء وقد قرنها بوسيلة قصد الخدمة التي توجب لقاصدها ذماما ~~وتقول له سلاما إذا قال سلاما ثم ثلث هاتين الوسيلتين بكتاب الخادم أخذا ~~بالسنة النبوية في الدعاء وعدده وتفاؤلا بتثليث النجوم فيما يقصده المرء من ~~سعادة مقصده ولا قدح في كرم الكريم إذا استكثر طالبه من الأسباب فإن الله ~~على كره قد استكثر إليه من أعمال الثواب وكتاب PageV01P331 الخادم على ~~انفراده كاف لحامله ومكثر من حقوق وسائله وقد صدر مخاطبا عن فحوى ضميره ~~فإنما تحق السفارة إذا قعد بكل طالب سعي سفيره وهو مع ذلك خفيفة صفحته ~~وجيزة لمحته وإذا وجد لدى مولانا معولا فليس عليه أن يرد مطولا إذ التعويل ~~على نجح مصدره لا على كثرة أسطره # فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكتاب وأعطه حقه من التأمل حتى ترى ما اشتمل ~~عليه من المعاني وانظر كيف ذكرت الأول ثم الثاني ثم الثالث أما المعنى ~~الأول فإنه يختص بذكر سعادة البيت الأيوبي ومنشئها وأنها ولدت بتكريت وهذا ~~الرجل ينبغي أن يرعى بسببها إذ كان أبوه صاحبها وأما المعنى الثاني فإنه ~~قصد الخدمة الظاهرية وهذا وسيلة ثانية توجب له ذماما وأما المعنى الثالث ~~فإنه حرمة الكتاب الصادر على يده ثم إني مثلت ذلك بالدعاء النبوي وبتثليث ~~النجوم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا دعا ثلاثا وإنما مثلت ذلك ~~بالدعاء لأمرين أحدهما أنه موضع سؤال وضراعة والآخر أن الكتاب وسيلة ثالثة ~~والدعاء ثلاث مرار وأما تثليث النجوم فإن التثليث سعد والتربيع نحس وأحسن ~~المعاني الثلاثة التي تضمنها هذا الكتاب هو الأول والثالث وأما الثاني فإنه ~~متداول فتأمل ما أشرت إليه وإذا شئت أن تكتب كتابا فافعل كما فعلت في هذا ~~الكتاب إن كان الأمر الذي تكتب فيه غريب الوقوع # واعلم أنه قد يقع المعنى المبتدع في غير ms232 أمر غريب الوقوع وذلك يكون قليلا ~~بالنسبة إلى الوقائع الغريبة التي هي مظنة المعاني المبتدعة # ومن هذا الباب ما أوردته في جملة رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها ~~وهو فإذا تناولوها في أيديهم قيل أهلة طالعة من أكف أقمار وإذا مثل غناؤها ~~وغناؤهم قيل منايا مسوقة بأيدي أقدار وتلك قسي وضعت للعب لا للنضال ولردى ~~الأطيار لا لردى الرجال وإذا نعتها ناعت قال إنها جمعت بين وصفي اللين ~~والصلابة وصنعت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة فهي مركبة من حيوان ~~ونبات مؤلفة منهما على بعد الشتات فهذا من سكان البحر وسواحله وهذا من سكان ~~البر ومجاهله ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا PageV01P332 حين تشد ~~ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد ولها نثار أحكم تصويرها وصحح تدويرها ~~فهي في لونها صندلية الإهاب وكأنما صيغت لقوتها من حجر لا من تراب فإذا ~~قذفتها إلى الأطيار قيل ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد ولا يرى حينئذ ~~إلا قتيل ولكن بالمثقل الذي لا يجب في مثله قود فهي كافلة من تلك الأطيار ~~بقبض نفوسها منزلة لها من جو السماء على أم رءوسها # هذا الفصل يشتمل على معان غريبة منها قولي إنها لا تتمكن من البطش إلا ~~حين تشد ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد ومنها قولي ويصعد من الأرض ~~من جبال فيها من برد وكل هذا من المعاني التي تبتدع بالنظر إلى المقصد ~~المكتوب فيه فإن الكاتب إذا أفكر فيما لديه وتأمله وكان قادرا على استخراج ~~المعنى والمناسبة بينه وبين مقصده جاء هكذا كما تراه إلا أن القادر على ذلك ~~من أقدره الله عليه فما كان خاطر بحكيم ولا كل من أوحى إليه بكليم وفي ~~الأقلام هاشم لمن ناوأه ومنها هشيم # وسأنبه في هذا الموضع على طريق يسلك إلى شيء من المعاني المخترعة وهو ما ~~استخرجته وانفردت باستخراجه دون غيري فإن المعاني المخترعة لم يتكلم فيها ~~أحد بالإشارة إلى طريق يسلك فيها لأن ذلك مما ms233 لا يمكن ومن ههنا أضرب علماء ~~البيان عنه ولم يتكلموا فيه كما تكلموا في غيره وكيف تتقيد المعاني ~~المخترعة بقيد أو يفتح إليها طريق تسلك وهي تأتي من فيض إلهي بغير تعليم ~~ولهذا اختص بها بعض الناثرين والناظمين دون بعض والذي يخص بها يكون فذا ~~واحدا يوجد في الزمن المتطاول ولما مارست أنا هذا الفن أعني فن الكتاب ~~وقلبته ظهرا لبطن وفتشت عن دفائنه وخباياه وأكثرت من تحصيل مواده والأسباب ~~الموصلة إلى الغاية منه سنح لي في شيء من المعاني المخترعة طريق سلكته وهو ~~يستخرج من كتاب الله تعالى وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم وقد تقدم لي ~~منه أمثلة في هذا الكتاب وذلك أنه ترد الآية من كتاب الله أو الحديث النبوي ~~والمراد بهما معنى من المعاني فآخذ أنا ذلك وأنقله إلى معنى آخر فيصير ~~مخترعا لي PageV01P333 # وسأورد ههنا منه نبذة يسيرة يعلم منها كيف فعلت حتى يسلك إليها في الطريق ~~الذي سلكته # فمن ذلك قصة أصحاب الكهف والرقيم فإني أخذت ذلك ونقلته إلى الإحسان ~~والشكر ألا ترى أن الإحسان يستعار له كهف وكنف وظل وأشباه ذلك والشكر كلمات ~~تقال في التنويه بذكر المحسن وإحسانه والرقيم هو الكتاب المكتوب فهو والشكر ~~متماثلان والذي أتيت به قد أوردته وهو فصل من كتاب إلى بعض المنعمين # الخادم يشكر إحسان المولى الذي ظل عنده مقيما وغدا بمطالبه زعيما وأصبح ~~بتواليه إليه مغرما كما أصبح له غريما ولما تمثل في الاشتمال عليه كهفا صار ~~شكره فيه رقيما # فانظر كيف فعلت فيه في هذا الموضع لتعلم أني قد فتحت لك فيه طريقا تسلكه # وأما الحديث النبوي فإني أخذت قصة قتلى بدر كأبي جهل وعتبة وشيبة وغيرهم ~~ونقلتها إلى القلم وذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على القليب الذي ~~ألقاهم فيه وناداهم بأسمائهم فقال يا عتبة يا شيبة يا أبا جهل يا فلان يا ~~فلان والحديث مشهور فلا حاجة إلى استقصائه والذي أتيت به في وصف القلم هو ~~أني قلت # ولقد مرح القلم ms234 في يدي وحق له أن يمرح وأبدع فيما أتى به وكل إناء بالذي ~~فيه ينضح ومن شأنه أن يستقل على أعواد المنبر فلا ينتهي من خطبتها إلى ~~فصلها ويقف على جانب القليب إلا أنه لا ينادي من المعاني أبا جهلها # فالدواة قليب والقلم يقف عليه والمعاني التي ينشئها من باب العلم لا من ~~باب الجهل فتأمل هذه الكلمات التي ذكرتها فإنها لطيفة جدا وهي مخترعة لي ~~PageV01P334 # وهذا القدر كاف في طريق التعليم فليحذ حذوه إن أمكن والله الموفق للصواب # وأما الضرب الآخر من المعاني وهو الذي يحتذى فيه على مثال سابق ومنهج ~~مطروق فذلك جل ما يستعمله أرباب هذه الصناعة ولذلك قال عنترة # ( هل غادر الشعراء من متردم % ) # إلا أنه لا ينبغي أن يرسخ هذا القول في الأذهان لئلا يؤيس من الترقي إلى ~~درجة الاختراع بل يعول على القول المطمع في ذلك وهو قول أبي تمام # ( لا زلت من شكري في حلة % لابسها ذو سلب فاخر ) # ( يقول من تقرع أسماعه % كم ترك الأول للآخر ) # وعلى الحقيقة فإن في زوايا الأفكار خبايا وفي أبكار الخواطر سبايا لكن قد ~~تقاصرت الهمم ونكصت العزائم وصار قصارى الآخر أن يتبع الأول وليته تبعه ولم ~~يقصر عنه تقصيرا فاحشا # ووقفت على كتاب يقال له مقدمة ابن أفلح البغدادي قد قصرها على تفصيل ~~أقسام علم الفصاحة والبلاغة وللعراقيين بها عناية وهم واصفون لها ومكبون ~~عليها ولما تأملتها وجدتها قشورا لا لب تحتها لأن غاية ما عند الرجل أن ~~يقول وأما الفصاحة فإنها كقول النابغة مثلا أو كقول الأعشى أو غيرهما ثم ~~يذكر بيتا من الشعر أو أبياتا وما بهذا تعرف حقيقة الفصاحة حتى إذا وردت في ~~PageV01P335 كلام عرفنا أنه فصيح بما عرفنا من حقيقتها الموجودة فيه وكذلك ~~يقول في غير الفصاحة # ومن أعجب ما وجدته في كتاب أنه قال أما المعاني المبتدعة فليس للعرب منها ~~شيء وإنما اختص بها المحدثون ثم ذكر للمحدثين معاني وقال هذا المعنى لفلان ~~وهو غريب وهذا القول لفلان وهو غريب وتلك ms235 الأقوال التي خص قائليها بأنهم ~~ابتدعوها قد سبقوا إليها فإما أن يكون غير عارف بالمعنى الغريب وإما أنه لم ~~يقف على أقوال الناظمين والناثرين ولا تبحر فيها حتى عرف ما قاله المتقدم ~~مما قاله المتأخر وأما قوله إنه ليس للعرب معنى مبتدع وإنما هو للمحدثين ~~فيا ليت شعري من السابق إلى المعاني من تقدم زمانه أم من تأخر زمانه # وأنا أورد ههنا ما يستدل به على بطلان ما ذكره وذاك أنه قد ورد من ~~المعاني أن صور المنازل تمثلت في القلوب فإذا عفت آثارها لم تعف صورها من ~~القلوب وأول من أتى بذلك العرب فقال الحرث بن خالد من أبيات الحماسة # ( إني وما نحروا غداة منى % عند الجمار يؤدها العقل ) # ( لو بدلت أعلى مساكنها % سفلا وأصبح سفلها يعلو ) # ( لعرفت مغناها بما ضمنت % مني الضلوع لأهلها قبل ) # ثم جاء المحدثون من بعده فانسحبوا على ذيله وحذوا حذوه فقال أبو تمام ~~PageV01P336 # ( وقفت وأحشائي منازل للأسى % به وهو قفر قد تعفت منازله ) # وقال البحتري # ( عفت الرسوم وما عفت أحشاؤه % من عهد شوق ما تحول فتذهب ) # وقال المتنبي # ( لك يا منازل في القلوب منازل % أقفرت أنت وهن منك أواهل ) # وهذا المعنى قد تداوله الشعراء حتى إنه ما من شاعر إلا ويأتي به في شعره # وكذلك ورد لبعضهم من شعراء الحماسة # ( أناخ اللؤم وسط بني رياح % مطيته وأقسم لا يريم ) # ( كذلك كل ذي سفر إذا ما % تناهى عند غايته يقيم ) # وهذان البيتان من أبيات المعاني المبتدعة وعلى أثرهما مشى الشعراء ~~PageV01P337 # وكذلك ورد لبعضهم في شعر الحماسة # ( تركت ضأني تود الذئب راعيها % وأنها لا تراني آخر الأبد ) # ( الذئب يطرقها في الدهر واحدة % وكل يوم تراني مدية بيدي ) # وكذلك ورد قول الآخر # ( قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا % للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا ) # وكم للعرب من هذه المعاني التي سبقوا إليها # ومن أدل الدليل على فساد ما ذهب إليه من أن المحدثين هم المختصمون ~~بابتداع المعاني أو أول من بكى على الديار في شعره رجل يقال له ms236 ابن حزام ~~وكان هو المبتدي لهذا المعنى أولا وقد ذكره امرؤ القيس في شعره فقال # ( عوجا على الطلل المحيل لعلنا % نبكي الديار كما بكى ابن حزام ) # وقد أجمع نقلة الأشعار أن لامرئ القيس في صفات الفرس أشياء كثيرة لم يسبق ~~إليها ولا قيلت من قبله # ويكفي من هذا كله ما قدمت القول فيه وهو أن العرب السابقون بالشعر ~~وزمانهم هو الأول فكيف يقال إن المتأخرين هم السابقون إلى المعاني وفي هذه ~~الأمثلة التي أوردتها كفاية في نقض ما ذكره ولو قال إن المحدثين أكثر ~~ابتداعا للمعاني وألطف مأخذا وأدق نظرا لكان قوله صوابا لأن المحدثين عظم ~~الملك الإسلامي في زمانهم ورأوا ما لم يره المتقدمون وقد قيل إن اللها تفتح ~~اللها وهو كذلك فإن نفاق السوق جلاب PageV01P338 # وقد رأيت جماعة من متخلقي هذه الصناعة يجعلون همهم مقصورا على الألفاظ ~~التي لا حاصل وراءها ولا كبير معنى تحتها وإذا أتى أحده بلفظ مسجوع على أي ~~وجه كان من العثاثة والبرد يعتقد أنه قد أتى بأمر عظيم ولا يشك في أنه صار ~~كاتبا مفلقا وإذا نظر إلى كتاب زماننا وجدوا كذلك فقاتل الله القلم الذي ~~يمشي في أيدي الجهال الأغمار ولا يعلم أنه كجواد يمشي تحت حمار ولو أنه لا ~~يتطاول إليه إلا أهله لبان الفاضل من الناقص على أنه كالرمح الذي إذا ~~اعتقله حامله بين الصفين بان به المقدم من الناكص وقد أصبح اليوم في يد قوم ~~هم أحوج من صبيان الكاتب إلى التعليم وقد قيل إن الجهل بالجهل داء لا ينتهي ~~إليه سقم السقيم وهؤلاء لا ذنب لهم لأنهم لو لم يستخدموا في الدول ~~ويستكتبوا وإلا ما ظهرت جهالتهم وفي أمثال العوام لا تعر الأحمق شيئا فيظنه ~~له وكذلك يجري الأمر مع هؤلاء فإنهم استكتبوا في الدول فظنوا أن الكتابة قد ~~صارت لهم بأمر حق واجب # ومن أعجب الأشياء أني لا أرى إلا طامعا في هذا الفن مدعيا له على خلوه عن ~~تحصيل آلاته وأسبابه ولا أرى أحدا يطمع في ms237 فن من الفنون غيره ولا يدعيه هذا ~~وهو بحر لا ساحل له يحتاج صاحبه إلى تحصيل علوم كثيرة حتى ينتهي إليه ~~ويحتوي عليه فسبحان الله فسبحان الله هل يدعى بعض هؤلاء أنه فقيه أو طبيب ~~أو حاسب أو غير ذلك من غير أن يحصل آلات ذلك ويتقن معرفتها # فإذا كان العلم الواحد من هذه العلوم الذي يمكن تحصيله في سنة أو سنتين ~~من الزمان لا يدعيه أحد من هؤلاء فكيف يجيء إلى فن الكتاب وهو ما لا تحصل ~~معرفته إلا في سنين كثيرة فيدعيه وهو جاهل به # ومما رأيته من المدعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور وقصروا ~~معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثة التي لا حاصل وراءها أنهم إذا أنكرت ~~هذه الحال عليهم وقيل لهم إن الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر على ~~حرف واحد فقط إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا به من ~~غير كلفة وإنما هو أمر وراء هذا وله شروط متعددة فإذا سمعوا ذلك أنكروه ~~PageV01P339 لخلوهم عن معرفته ثم لو عرفوه وأتوا به على الوجه الحسن من ~~اختيار الألفاظ المسجوعة لاحتاجوا إلى شرط آخر قد نبهت عليه في باب السجع ~~وإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة وهدوا إلى طريق المعاني ~~يقولون لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة فإنهم إنما اعتنوا بالألفاظ ~~ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءكم بها فلم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه حتى ادعوا ~~الأسوة بالعرب فيه فصارت جهالتهم جهالتين # ولنذكر ههنا في الرد عليهم ما إذا تأمله الناظر في كتابنا عرف منه ما ~~يؤنقه ويذهب به الاستحسان كل مذهب فنقول # اعلم أن العرب كما كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذبها فإن المعاني أقوى ~~عندها وأكرم عليها وأشرف قدرا في نفوسها فأول ذلك عنايتها بألفاظها لأنها ~~لما كانت عنوان معانيها وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها وزينوها وبالغوا ~~في تحسينها ليكون ذلك أوقع لها في النفس وأذهب بها في الدلالة على القصد ~~ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعا لذ ms238 لسامعه فحفظه وإذا لم يكن مسجوعا لم ~~يأنس به أنسه في حالة السجع فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها ~~ورققوا حواشيها وصقلوا أطرافها فلا تظن أن العناية إذا ذاك إنما هي بألفاظ ~~فقط بل هي خدمة منهم للمعاني ونظير ذلك إبراز صورة الحسناء في الحلل ~~الموشية والأثواب المحبرة فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما يشوه من حسنه ~~بذاذة لفظه وسوء العبارة عنه # فإن قيل إنا نرى من ألفاظ العرب ما قد حسنوه وزخرفوه ولسنا نرى تحته مع ~~ذلك معنى شريفا فمما جاء منه قول بعضهم PageV01P340 # ( ولما قضينا من منى كل حاجة % ومسح بالأركان من هو ماسح ) # ( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا % وسالت بأعناق المطي الأباطح ) # ألا ترى إلى حسن هذا اللفظ وصقالته وتدبيج أجزائه ومعناه مع ذلك ليس ~~مدانيا له ولا مقاربا فإنه إنما هو لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين ~~وتحدثنا على ظهور الإبل ولهذا نظائر شريفة الألفاظ خسيسة المعاني # فالجواب عن ذلك أنا نقول هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم ~~النظر فيه ولا رأى ما رآه القوم وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر وعدم معرفته ~~وهو أن في قول هذا الشاعر كل حاجة مما يستفيد منه أهل النسيب والرقة ~~والأهواء والمقة ما لا يستفيد غيرهم ولا يشاركهم فيه من ليس منهم ألا ترى ~~أن حوائج منى أشياء كثيرة فمنها التلاقي ومنها التشاكي ومنها التخلي ~~للاجتماع إلى غير ذلك مما هو تال له ومعقود الكون به فكأن الشاعر صانع عن ~~هذا الموضع الذي أومأ له وعقد غرضه عليه بقوله في آخر البيت ومسح بالأركان ~~ما هو ماسح أي إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي بلغناها من هذا ~~النحو الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به وجار في القرية من الله مجراه أي ~~لم نتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى ~~التصريح وأما البيت الثاني فإن فيه أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وفي هذا ما ~~نذكره لتعجب به ms239 وبمن عجب منه ووضع من معناه وذلك أنه لو قال أخذنا في ~~أحاديثنا أو نحو ذلك لكان فيه ما يكبره أهل النسيب فإنه قد شاع عنهم واتسع ~~في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الإلفين والجذل بجمع شمل المتواصلين ألا ~~ترى إلى قول بعضهم # ( وحديثها يا سعد عنها فزدتني % جنونا فزدني من حديثك يا سعد ) # وقول الآخر # ( وحديثها السحر الحلال لو انه % لم يجن قتل المسلم المتحرز ) # فإذا كان قدر الحديث عندهم على ما ترى فكيف به إذا قيده بقوله أخذنا ~~PageV01P341 بأطراف الأحاديث فإن في ذلك وحيا خفيا ورمزا حلوا ألا ترى أنه ~~قد يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ويتفاوضه ذوو الصبابة من التعريض ~~والتلويح والإيماء دون التصريح وذلك أحلى وأطيب وأغزل وأنسب من أن يكون ~~كشفا ومصارحة وجهرا وإن كان الأمر كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم وأشد ~~تقدما في نفوسهم من لفظهما وإن عذب ولذ مستمعه نعم في قول الشاعر # ( وسالت بأعناق المطي الأباطح % ) # من لطافة المعنى وحسنه ما لا خفاء به وسأنبه على ذلك فأقول إن هؤلاء ~~القوم لما تحدثوا وهم سائرون على المطايا شغلتهم لذة الحديث عن إمساك ~~الأزمة فاسترخت عن أيديهم وكذلك شأن من يشره وتغلبه الشهوة في أمر من ~~الأمور ولما كان الأمر كذلك وارتخت الأزمة عن الأيدي أسرعت المطايا في ~~المسير فشبهت أعناقها بمرور السيل على وجه الأرض في سرعته وهذا موضع كريم ~~حسن لا مزيد على حسنه والذي لا ينعم نظره فيه لا يعلم ما اشتمل عليه من ~~المعنى فالعرب إنما تحسن ألفاظها وتزخرفها عناية منها بالمعاني التي تحتها ~~فالألفاظ إذا خدم المعاني والمخدوم لا شك أشرف من الخادم فاعرف ذلك وقس ~~عليه # | النوع الأول في الاستعارة # ولنقدم قبل الكلام في هذا الموضع قولا جامعا فنقول اعلم أن للفصاحة ~~والبلاغة أوصافا خاصة وأوصافا عامة فالخاصة كالتجنيس فيما يرجع إلى اللفظ ~~وكالمطابقة فيما يرجع إلى المعنى وأما العامة فكالسجع فيما يرجع إلى اللفظ ~~وكالاستعارة فيما يرجع إلى المعنى وهذا الموضع الذي نحن بصدد ذكره ms240 وهو ~~الاستعارة كثير الإشكال غامض الخفاء # وسأورد في كتابي هذا ما استخرجته ولم أسمع فيه قولا لغيري وكنت قدمت ~~القول في الفصل السابع من مقدمة الكتاب فيما يختص بإثبات المجاز والرد ~~PageV01P342 على من ذهب إلى أن الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه وأقمت الدليل ~~على ذلك ولا حاجة إلى إعادته ههنا بل الذي أذكره ههنا هو ما يختص ~~بالاستعارة التي هي جزء من المجاز ولم سميت بهذا الاسم وكشفت عن حقيقتها ~~وميزتها عن التشبيه المضمر الأداة والكلام في هذا يحتاج إلى إعادة ذكر ~~المجاز وإدخاله فيه ليتقرر ويتبين # والذي انكشف لي بالنظر الصحيح أن المجاز ينقسم قسمين توسع في الكلام ~~وتشبيه والتشبيه ضربان تشبيه تام وتشبيه محذوف فالتشبيه التام أن يذكر ~~المشبه والمشبه به والتشبيه المحذوف أن يذكر المشبه به ويسمى استعارة وهذا ~~الاسم وضع للفرق بينه وبين التشبيه التام وإلا فكلاهما يجوز أن يطلق عليه ~~اسم التشبيه ويجوز أن يطلق عليه اسم الاستعارة لاشتراكهما في المعنى وأما ~~التوسع فإنه يذكر للتصرف في اللغة لا لفائدة أخرى وإن شئت قلت إن المجاز ~~ينقسم إلى توسع في الكلام وتشبيه واستعارة ولا يخرج عن أحد هذه الأقسام ~~الثلاثة فأيها وجد كان مجازا # فإن قيل إن التوسع شامل لهذه الأقسام الثلاثة لأن الخروج من الحقيقة إلى ~~المجاز اتساع في الاستعمال # قلت في الجواب إن التوسع في الشبيه والاستعارة جاء ضمنا وتبعا وإن لم يكن ~~هو السبب الموجب لاستعمالهما وأما القسم الآخر الذي هو لا تشبيه ولا ~~استعارة فإن النسب في استماله هو طلب التوسع لا غير وبيان ذلك أنه قد ثبت ~~أن المجاز فرع عن الحقيقة وأن الحقيقة هي الأصل وإنما يعدل عن الأصل إلى ~~الفرع لسبب اقتضاه وذلك السبب الذي يعدل فيه عن الحقيقة إلى المجاز إما أن ~~يكون لمشاركة بين المنقول إليه في وصف من الأوصاف وإما أن يكون لغير مشاركة ~~فإن كان لمشاركة فإما أن يذكر المنقول والمنقول إليه معا وإما أن يذكر ~~المنقول إليه دون المنقول فإن ذكر المنقول ms241 والمنقول إليه معا كان ذلك ~~تشبيها والتشبيه تشبيهان تشبيه مظهر الأداة كقولها زيد كالأسد وتشبيه مضمر ~~الأداة PageV01P343 كقولنا زيد أسد وهذا التشبيه المضمر الأداة قد خلطه قوم ~~بالاستعارة ولم يفرقوا بينهما وذلك خطأ محض # وسأوضح وجه الخطأ فيه وأحقق القول في الفرق بينهما تحقيقا جليا فأقول أما ~~التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره ههنا لأنه معلوم لا خلاف فيه ~~لكن نذكر التشبيه المضمر الأداة الذي وقع فيه الخلاف فنقول إذا ذكر المنقول ~~والمنقول إليه على أنه تشبيه مضمر الأداة قيل فيه زيد أسد أي كالأسد فأداة ~~التشبيه فيه مضمرة وإذا أظهرت حسن ظهورها ولم تقدح في الكلام الذي أظهرت ~~فيه ولا تزيل عنه فصاحة ولا بلاغة وهذا بخلاف ما إذا ذكر المنقول إليه دون ~~المنقول فإنه لا يحسن فيه ظهور أداة التشبيه ومتى أظهرت أزالت عن ذلك ~~الكلام ما كان متصفا به من جنس فصاحة وبلاغة وهذا هو الاستعارة ولنضرب لك ~~مثالا نوضحه فنقول قد ورد هذا البيت لبعض الشعراء وهو # ( فرعاء إن نهضت لحاجتها % عجل القضيب وأبطأ الدعص ) # وهذا قد ذكر فيه المنقول إليه دون المنقول لأن تقديره عجل قد كالقضيب ~~وأبطأ ردف كالدعص وبين إيراده على هذا التقدير وبين إيراده على هيئته في ~~البيت بون بعيد في الحسن والملاحة والفرق إذا أن التشبيه المضمر الأداة ~~بحسن إظهار أداة التشبيه فيه والاستعارة لا يحسن ذلك فيها وعلى هذا فإن ~~الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له الذي هو المنقول إليه ~~ويكتفي بذكر المستعار الذي هو المنقول # فإن قيل لا نسلم أن الفرق بين التشبيه وبين الاستعارة ما ذهبت إليه بل ~~الفرق بينهما أن التشبيه إنما يكون بأداته كالكاف وكأن وما جرى مجراها فما ~~لم يظهر فيه أداة التشبيه لا يكون تشبيها وإنما يكون استعارة فإذا قلنا زيد ~~أسد كان ذلك استعارة وإذا قلنا زيد كالأسد كان ذلك تشبيها # قلت في الجواب عن ذلك إذا لم نجعل قولنا يد أسد تشبيها مضمر الأداء ~~استحال المعنى لأن ms242 زيدا ليس أسدا وإنما هو كالأسد في شجاعته فأداة التشبيه ~~تقدر ههنا ضرورة كي لا يستحيل المعنى PageV01P344 # فإن قيل وكذلك أيضا إذا لم تقدر أداة التشبيه في الاستعارة استحال المعنى ~~لأنا إذا قلنا عجل القضيب وأبطأ الدعص فما لم نقدر فيه أداة التشبيه وإلا ~~استحال المعنى # قلت في الجواب عن ذلك تقدير أداة التشبيه لا بد منه في الموضعين لكن يحسن ~~إظهارها في التشبيه دون الاستعارة وجملة الأمر أنا نرى أداة التشبيه بحسن ~~إظهارها في موضع دون موضع فعلمنا أن الموضع الذي يحسن إظهارها فيه غير ~~الموضع الذي لا يحسن إظهارها فيه فسمينا المواضع الذي يحسن إظهارها فيه ~~تشبيها مضمر الأداء والذي لا يحسن إظهارها فيه استعارة وإنما فعلنا ذلك لأن ~~تسمية ما يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بالتشبيه أليق وتسمية ما لا يحسن ~~إظهار أداة التشبيه فيه بالاستعارة أليق فإذا قلنا زيد أسد حسن إظهار أداة ~~التشبيه فيه بأن نقول زيد كالأسد وإذا قلنا كما قال الشاعر # ( فرعاء إن نهضت لحاجتها % عجل القضيب وأبطأ الدعص ) # لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه على ما تقدم من ذكر ذلك أولا # فإن قيل إذا أجزت إضمار أداة التشبيه وقدرت إظهارها في قولك زيد أسد أي ~~كالأسد فنحن نضمر أيضا المستعار له ونقدر إظهاره فإنه لما قال الشاعر عجل ~~القضيب وأبطأ الدعص أضمر المستعار له وهو القد والردف وإذا أظهر قيل عجل قد ~~كالقضيب وأبطأ ردف كالدعص ولا فرق بين الإضمارين فكما يسعك إضمار أداة ~~التشبيه في قولك زيد أسد فكذلك يسعنا نحن إضمار المستعار له في قول الشاعر # فالجواب عن ذلك أني أقول نحن في هذا المقام واقفون مع الاستحسان لا مع ~~الجواز ولو تأملت ما أوردته في أول كلامي بالعين الصحيحة لما أوردت علي هذا ~~الاعتراض ههنا فإني قلت التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداء التشبيه فيه ~~والاستعارة لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيها ولو قلت يجوز أو لا يجوز لورد ~~علي هذا الاعتراض الذي ذكرته وقد علم وتحقق أن من ms243 الواجب في حكم ~~PageV01P345 الفصاحة والبلاغة ألا يظهر المستعار له وإذا أظهر ذهب ما على ~~الكلام من الحسن والرونق ألا ترى أنا إذا أوردنا هذا البيت الذي هو # ( فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت % وردا وعضت على العناب بالبرد ) # وجد عليه من الحسن والرونق ما لا خفاء به وهو من باب الاستعارة فإذا ~~أظهرنا المستعار له صرنا إلى كلام غث وذاك أنا نقول فأمطرت دمعا كاللؤلؤ من ~~عين كالنرجس وسقت خدا كالورد وعضت على أنامل مخضوبة كالعناب بأسنان كالبرد ~~د وفرق بين هذين الكلامين للمتأمل واسع # ( فرعاء إن نهضت لحاجتها % عجل القضيب وأبطأ الدعص ) # فإن هذا البيت لا خفاء بما عليه من الحسن وإذا ظهر فيه المستعار له زال ~~ذلك الحسن عنه لا بل تبدل بضده وليس كذلك التشبيه المضمر الأداة فإنا إذا ~~أظهرنا أداة التشبيه وأضمرناها كان ذلك سواء إذ لا فرق بين قولنا زيد أسد ~~وبين قولنا زيد كالأسد وهذا لا يخفى على جاهل بعلم الفصاحة والبلاغة فضلا ~~عن عالم والمعول عليه في تأليف الكلام من المنثور والمنظوم إنما هو حسنه ~~وطلاوته فإذا ذهب ذلك عنه فليس بشيء ونحن في الذي نورده في هذا الكتاب ~~واقفون مع الحسن لا مع الجواز # ثم لو تنزلنا معك أيها المعترض عن درجة الحسن إلى درجة الجواز لما استقام ~~لك ما ذكرته وذاك إن إضمار إداة التشبيه ظاهر في قولنا يد أسد أي كالأسد ~~وهو مضمر واحد وأما قول الشاعر فرعاء إن نهضت لحاجتها فإنه لا يضمر فيه ~~أداة التشبيه إلا بعد أن يظهر المستعار له وحينئذ يكون فيه إضماران أحدهما ~~المستعار له والآخر أداة التشبيه وإضمار واحد أيسر من إضمارين أحدهما معلق ~~على الآخر وإذا كان الأكر كذلك فالفرق بين الاستعارة والتشبيه هو ما قدمت ~~القول فيه من أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له ~~PageV01P346 فتأمل ما أشرت إليه وتدبره حتى تعلم أني ذكرت ما لم يذكره أحد ~~غيري على هذا الوجه # وإنما سمي هذا القسم من الكلام استعارة لأن ms244 الأصل في الاستعارة المجازية ~~مأخوذ من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة وهي أن يستعير بعض ~~الناس من بعض شيئا من الأشياء ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة ~~ما يقتضي استعارة أحدهما من الآخر شيئا وإذا لم يكن بينهما سبب معرفة بوجه ~~من الوجوه فلا يستعير أحدهما من الآخر شيئا إذ لا يعرفه حتى يستعير منه ~~وهذا الحكم جار في استعارة الألفاظ بعضها من بعض فالمشاركة بين اللفظين في ~~نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشخصين في نقل الشيء ~~المستعار من أحدهما إلى الآخر # واعلم أنه قد ورد من الكلام ما يجوز حمله على الاستعارة وعلى التشبيه ~~المضمر الأداة معا باختلاف القرينة وذاك أن يرد الكلام محمولا على ضمير من ~~تقدم ذكره فينتقل عن ذلك إلى غيره ويرتجل ارتجالا # فمما جاء منه قول البحتري # ( إذا سفرت أضاءت شمس دجن % ومالت في التعطف غصن بان ) # فلما قال أضاءت شمس دجن بنصب الشمس كان ذلك محمولا على الضمير في قوله ~~أضاءت كأنه قال أضاءت هي وهذا تشبيه لأن المشبه مذكور وهو الضمير في أضاءت ~~الذي نابت عنه التاء ويجوز حمله على الاستعارة بأن يقال أضاءت شمس دجن برفع ~~الشمس ولا يعود الضمير حينئذ إلى من تقدم ذكره وإنما يكون الكلام مرتجلا ~~ويكون البيت # ( إذا سفرت أضاءت شمس دجن % ومال في التعطف غصن بان ) PageV01P347 # وهذا الموضع فيه دقة غموض وحرف التشبيه يحسن في الأول دون الثاني # وأما القسم الذي يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين ~~المنقول والمنقول إليه فذلك لا يكون إلا لطلب التوسع في الكلام وهو سبب ~~صالح إذ التوسع في الكلام مطلوب # وهو ضربان أحدهما يرد على وجه الإضافة واستعماله قبيح لبعد ما بين المضاف ~~والمضاف إليه وذاك لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة وإذا ورد التشبيه ولا ~~مناسبة بين المشبه والمشبه به كان ذلك قبيحا ولا يستعمل هذا الضرب من ~~التوسع إلا جاهل بأسرار الفصاحة والبلاغة أو ساه غافل يذهب به ms245 خاطره إلى ~~استعمال ما لا يجوز ولا يحسن كقول أبي نواس # ( بح صوت المال مما % منك يشكو ويصيح ) # فقوله بح صوت المال من الكلام النازل بالمرة ومراده من ذلك أن المال ~~يتظلم من إهانتك إياه بالتمزيق فالمعنى حسن والتعبير عنه قبيح وما أحسن ما ~~قال مسلم بن الوليد في هذا المعنى # ( تظلم المال والأعداء من يده % لا زال للمال والأعداء ظلاما ) # وكذلك ورد قول أبي نواس أيضا PageV01P348 # ( ما لرجل المال أمست % تشتكي منك الكلالا ) # فإضافة الرجل إلى المال أقبح من إضافة الصوت # ومن هذا الضرب قول أبي تمام # ( وكم أحرزت منكم على قبح قدها % صروف النوى من مرهف حسن القد ) # فإضافة القد إلى النوى من التشبيه البعيد البعيد وإنما أوقعه فيه ~~المماثلة بين القد والقد وهذا أدب الرجل في تتبع المماثلة تارة والتجنيس ~~أخرى حتى إنه ليخرج إلى بناء يعاب به أقبح عيب وأفحشه # وكذلك ورد قول # ( بلوناك أما كعب عرضك في العلا % فعال وأما خد مالك أسفل ) PageV01P349 # فقوله كعب عرضك وخذ مالك مما يستقبح ويستنكر ومراده من ذلك أن عرضك مصون ~~ومالك مبتذل إلا أنه عبر عنه أقبح تعبير وأبو تمام يقع في مثل ذلك كثيرا # وأما الضرب الآخر من التوسع فإنه يرد على غير وجه الإضافة وهو حسن لا عيب ~~فيه وقد ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين @QE@ فنسبة ~~القول إلى السماء والأرض من باب التوسع لأنهما جماد والنطق إنما هو للإنسان ~~لا للجماد ولا مشاركة ههنا بني المنقول والمنقول إليه # وكذلك قوله تعالى @QB@ فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ~~@QE@ # وعليه ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم فإنه نظر إلى أحد يوما فقال ( ~~هذا جبل يحبنا ونحبه ) فإضافة المحبة إلى الجبل من باب التوسع إذ لا مشاركة ~~بينه وبين الجبل الذي هو جماد # وعلى هذا ورد مخاطبة الطلول ومساءلة الأحجار كقول أبي تمام # ( أميدان لهوي من أتاح لك البلى ms246 % فأصبحت ميدان الصبا والجنائب ) # وكقول أبي الطيب المتنبي # ( إثلث فإنا أيها الطلل % نبكي وترزم تحتنا الإبل ) PageV01P350 # فأبو تمام سائل ربوعا عافية وأحجارا دارسة ولا وجه لها ههنا إلا مساءلة ~~الأهل كالذي في قوله تعالى @QB@ واسأل القرية @QE@ أي أهل القرية وكل هذا ~~توسع في العبارة إذ لا مشاركة بين رسوم الديار وبين فهم السؤال والجواب ~~وكذلك قال أبو الطيب المتنبي في أمره الطلل بأن يكون ثالثا لهما أي الركب ~~والإبل وهذا واضح لا نزاع فيه # فإذا قد تبين وتحقق ما أشرت إليه من هذا الموضع فالمجاز لا يخرج عن هذه ~~الأقسام الثلاثة إما توسع أو تشبيه أو استعارة وإذا حققنا النظر في ~~الاستعارة والتشبيه وجدناهما أمرا قياسيا في حمل فرع على أصل لمناسبة ~~بينهما وإن كانا يفترقان بحدهما وحقيقتهما # فأما حد الاستعارة فقيل إنه نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة ~~بينهما وهذا الحد فاسد لأن التشبيه يشارك الاستعارة فيه ألا ترى أنا إذا ~~قلنا زيد أسد أي كأنه أسد وهذا نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة ~~بينهما لأنا نقلنا حقيقة الأسد إلى زيد فصار مجازا وإنما نقلناه لمشاركة ~~بين زيد وبين الأسد في وصف الشجاعة # والذي عندي من ذلك أن يقال حد الاستعارة نقل المعنى من لفظ إلى لفظ ~~المشاركة بينهما مع طي ذكر المنقول إليه لأنه إذا احترز فيه هذا الاحتراز ~~اختص الاستعارة وكان حدا لها دون التشبيه وطريقة أنك تريد تشبيه الشيء ~~بالشيء مظهرا ومضمرا وتجيء إلى المشبه فتعيره اسم المشبه به وتجريه عليه ~~مثال ذلك أن تقول رأيت أسدا وهذا كالبيت الشعر المقدم ذكره وهو # ( فرعاء إن نهضت لحاجتها % عجل القضيب وأبطأ الدعص ) # فإن هذا الشاعر أراد تشبيه القد بالقضيب والردف بالدعص الذي هو كثيب ~~الرمل فترك ذكر التشبيه مظهرا ومضمرا وجاء إلى المشبه وهو القد والردف ~~فأعاره المشبه به وهو القضيب والدعص وأجراه عليه # إلا أن هذا الموضع لا بد له من قرينة تفهم من فحوى اللفظ لأنه إذا قال ~~PageV01P351 القائل رأيت أسدا ms247 وهو يريد رجلا شجاعا فإن هذا القول لا يفهم ~~منه ما أراد وإنما يفهم منه أنه أراد الحيوان المعروف بالأسد لكن إذا اقترن ~~بقوله هذا قرينة تدل على أنه أراد رجلا شجاعا اختص الكلام بما أراد ألا ترى ~~إلى قول الشاعر عجل القضيب وأبطأ الدعص فإنه دل عليه من نفس لأن قوله فرعاء ~~إن نهضت دليل على أن المراد هو القد والردف لأن القضيب والدعص لا يكونان ~~لامرأة فرعاء تنهض لحاجتها وكذلك كل ما يجيء على هذا الأسلوب لأن المستعار ~~له وهو المنقول إليه مطوي الذكر # وكنت تصفحت كتاب الخصائص لأبي الفتح عثمان بن جني فوجدته قد ذكر في ~~المجاز شيئا يتطرق إليه النظر وذلك أنه قال لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز ~~إلا لمعان ثلاثة وهي الاتساع والتشبيه والتوكيد فإن عدمت الثلاثة كانت ~~الحقيقة ألبتة # فمن ذلك قوله تعالى @QB@ وأدخلناه في رحمتنا @QE@ فهذا مجاز وفيه الثلاثة ~~المذكورة أما الاتساع فهو أنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسما وهو الرحمة ~~وأما التشبيه فإنه شبه الرحمة وإن لم يصح دخولها بما يصح دخوله وأما ~~التوكيد فهو أنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة تعاليا بالمخبر ~~عنه وتفخيما له إذا صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين # هذا مجموع قول أبي الفتح رحمه الله من غير زيادة ولا نقص # والنظر يتطرق إليه من ثلاثة أوجه # الأول أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز بل وجود واحد ~~منها سببا لوجوده ألا ترى أنه إذا وجد التشبيه وحده كان ذلك مجازا وإذا وجد ~~الاتساع وحده كان ذلك مجازا ثم إن كان وجود هذه المعاني الثلاثة سببا ~~PageV01P352 لوجود المجاز كان عدم واحد منها سببا لعدمه ألا ترى أنا إذا ~~قلنا لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانا ناطقا فالحيوانية والنطق سبب ~~لوجود الإنسان وإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون إنسانا وكذلك كل صفات تكون ~~متقدمة لوجود الشيء فإن وجودها بوجوده وعدم واحد منها يوجب عدمه # وأما الوجه الثاني فإنه ذكر التوكيد والتشبيه ms248 وكلاهما شيء واحد على الوجه ~~الذي ذكره لأنه لما شبهت الرحمة وهي معنى لا يدرك بالبصر بمكان يدخل وهو ~~صورة تدرك بالبصر دخل تحته التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك بالحاسة بما ~~قد يدرك بالحاسة على أن التوكيد ههنا على وجه ما أورده في تمثيله لا أعلم ~~ما الذي أراد به لأنه لا يؤتى به في اللغة العربية إلا لمعنيين أحدهما أنه ~~يرد أبدا فيما استقري بألفاظ محصورة نحو نفسه وعينه وكله وما أضيف إليها ~~مما استقري وهو مذكور في كتب النحاة وقد كفيت مؤنته الآخر أنه يريد على وجه ~~التكرير نحو قام زيد قام زيد كرر اللفظ في ذلك تحقيقا للمعنى المقصود أي ~~توكيدا والذي ذكره أبو الفتح رحمه الله تعالى لا يدل على أن المراد به أحد ~~هذين المعنيين المشار إليهما ولا شك أنه أراد به المبالغة والمغالاة في ~~إبراز المعنى الموهوم إلى الصورة المشاهدة فعبر عن ذلك بالتوكيد ولا مشاحة ~~له في تعبيره وإذا أراد به ذلك فهو والتشبيه سواء على ما ذكره ولا حاجة إلى ~~ذكر التوكيد مع ذكر التشبيه # وأما الوجه الثالث فإنه قال أما الاتساع فهو أنه زاد في أسماء الجهات ~~والمحال كذا وكذا وهذا القول مضطرب شديد الاضطراب لأنه ينبغي على قياسه أن ~~يكون جناح الذل في قوله تعالى @QB@ واخفض لهما جناح الذل @QE@ زيادة في ~~أسماء الطيور وذلك أنه زاد في أسماء الطيور اسما هو الذل وهكذا يجري الحكم ~~في الأقوال الشعرية كقول أبي تمام PageV01P353 # ( لبست سواه أقواما فكانوا % كما أغنى التيمم بالصعيد ) # فزاد في أسماء اللباس اسما هو الآدمي وهذا مما يضحك منك نعوذ بالله من ~~الخطل والاتساع في المجال لا يقال فيه كذا وإنما يقال هو أن تجرى صفة من ~~الصفات على موصوف ليس أهلا لأن تجرى عليه لبعد ما بينه وبينهما كقول أبي ~~الطيب المتنبي # ( إثلث فإنا أيها الطلل % نبكي وترزم تحتنا الإبل ) # فإنه أجرى الكلام على ذلك وإنما يستعمل طلبا للاتساع في أساليب الكلام لا ~~لمناسبة بين الصفة ms249 والموصوف إذ لو كان لمناسبة لما كان ذلك اتساعا وإنما ~~كان ضربا من القياس في حمل الشيء على ما يناسبه ويشاكله وحينئذ يكون ذلك ~~تشبيها أو استعارة على ما أشرت إليه من قبل # وكنت اطلعت في كتاب من مصنفات أبي حامد الغزالي رحمه الله ألفه في أصول ~~الفقه ووجدته قد ذكر الحقيقة والمجاز وقسم المجاز إلى أربعة عشر ~~PageV01P354 قسما وتلك الأربعة عشر ترجع إلى الثلاثة التي أشرت إليها وهي ~~التوسع والتشبيه والاستعارة ولا تخرج عنها والتقسيم لا يصح في شيء من ~~الأشياء إلا إذا اختص كل قسم من الأقسام بصفة لا يختص بها غيره وإلا كان ~~التقسيم لغوا لا فائدة فيه # وسأورد ما ذكره وأبين فساده # فالقسم الأول من الأقسام التي ذكرها هو ما جعل للشيء بسبب المشاركة في ~~خاصة كقولهم للشجاع أسد وللبليد حمار وهذا القسم داخل في الاستعارة إن ذكر ~~المنقول وحده مثل أن يقول القائل رأيت أسدا ومراده رجلا شجاعا أو رأيت ~~حمارا ومراده رجلا بليدا وداخل في التشبيه المضمر الأداة إن ذكر المنقول ~~والمنقول إليه معا كقول القائل زيد أسد أي كالأسد أو حمار أي كالحمار # القسم الثاني تسمية الشيء باسم ما يئول إليه كقوله تعالى @QB@ إني أراني ~~أعصر خمرا @QE@ وإنما كان يعصر عنبا وهذا القسم داخل في القسم الأول لصفة ~~المشابهة بين المنقول والمنقول إليه وهو من باب الاستعارة لا بل أوغل في ~~المشابهة من ذلك لأن الخمر من العنب وليس الأسد من الرجل ولا الرجل من ~~الأسد # القسم الثالث تسمية الشيء باسم فرعه كقول الشاعر # ( وما العيش إلا نومه وتشرق % وتمر على رأس النخيل وماء ) PageV01P355 # فسمي الرطب تمرا وهذا القسم والقسم الذي قبله سواء لأن هناك سمى العنب ~~خمرا وههنا سمى الرطب تمرا فالعنب أصل والخمر فرع وكذلك الرطب أصل والتمر ~~فرع وكلا هذين القسمين داخل في القسم الأول # وهب أن الغزالي لم يحقق أمر المجاز وانقسامه إلى تلك الأقسام الثلاثة ~~التي أشرت إليها ألم ينظر إلى هذين القسمين اللذين هما العنب والخمر والرطب ms250 ~~والتمر ويعلم أنهما شيء واحد لا فرق بينهما # القسم الرابع تسمية الشيء باسم أصله كقولهم للآدمي مضغة وهذا ضد القسم ~~الذي قبله لأن ذاك جعل الأصل فيه فرعا وهذا جعل الفرع فيه أصلا وهو داخل في ~~القسم الأول أيضا # القسم الخامس تسمية الشيء بدواعيه كتسميتهم الإعتقاد قولا نحو قولهم هذا ~~يقول بقول الشافعي رحمه الله أي يعتقد اعتقاده وهذا القسم داخل في القسم ~~الأول لأن بين القول وبين الإعتقاد مناسبة كالمناسبة بين السبب والمسبب ~~والباطن والظاهر # القسم السادس تسمية الشيء باسم مكانه كقولهم للمطر سماء لأنه ينزل منها ~~وهذا القسم داخل في الأول لصفة المناسبة بين المنقول والمنقول إليه وهو ~~النزول من عال وكل ما علاك فأظلك فهو سماء على أن الأغلب على ظني أن هذا ~~القسم من الأسماء المشتركة وتسمية المطر بالسماء حقيقة فيه وليس من المجاز ~~في شيء # القسم السابع تسمية الشيء باسم مجاوره كقولهم للمزادة راوية وإنما ~~الراوية الجمل الذي يحملها وهذا القسم من باب التوسع لا من باب التشبيه ولا ~~من باب الاستعارة لأن على قياسه ينبغي أن يسمى الجمل زاملة لأنه يحملها # القسم الثامن تسمية الشيء باسم جزئه كقولك لمن تبغضه أبعد الله وجهه عني ~~وإنما تريد سائر جثته وهذا القسم داخل في القسم الأول وهو شبيه بتسمية ~~الشيء باسم فرعه PageV01P356 # القسم التاسع تسمية الشيء باسم ضده وكقولهم للأسود والأبيض جون وهذا ~~القسم ليس من المجاز في شيء البتة وإنما هو حقيقة في هذين المسميين معا ~~لأنه من الأسماء المشتركة كقولهم شمت السيف إذا سللته وشمته إذا أغمدته فدل ~~الشيم على الضدين معا بالوضع الحقيقي وفي اللغة من هذا شي كثير فكيف يجعل ~~هذا القسم من المجاز # ولا شك أن الغزالي نظر إلى أن الضدين لا يجتمعان في محل واحد فقاس الاسم ~~على الذات وظن أن الذاتين لا يجتمعان في اسم واحد كما أنهما لا يجتمعان في ~~محل واحد # فإن قيل لا نسلم أن اللفظ المشترك حقيقة بالوضع في المعنيين معا لأن ذلك ~~يخل بفائدة ms251 الوضع الذي هو البيان وإنما هو حقيقة في أحد معنييه مجاز في ~~الآخر # فالجواب عن ذلك أن هذا الموضع تقدم الكلام عليه في الفصل الثاني من مقدمة ~~الكتاب وهو الفصل الذي يشمل على آلات علم البيان وأدواته فليؤخذ من هناك ~~فإني قد أشبعت القول فيه إشباعا لا مزيد عليه # القسم العاشر تسمية الشيء بفعله كتسمية الخمر مسكرا وهذا القسم داخل في ~~القسم الأول وأي مشاركة أقرب من هذه المشاركة فإن الإسكار صفة لازمة للخمر ~~وليست الشجاعة صفة لازمة لزيد لأنه يمكن أن يكون زيد ولا شجاعة ولا يمكن أن ~~يكون خمرا ولا إسكار ألا ترى أنها لم تسم خمرا إلا لإسكارها فإنها تخمر ~~العقل أي تستره # القسم الحادي عشر تسمية الشيء بكله كقولك في جواب ما فعل زيد القيام ~~والقيام جنس يتناول جميع أنواعه وهذا القسم لا ينبغي أن يوصل بأقسام المجاز ~~لأن القيام لزيد حقيقة # فإن قيل إن القيام يشمل جميع أنواع القيام من الماضي والحاضر والمستقبل ~~PageV01P357 # قلت وهذا من أقرب أقسام المجاز مناسبة لأنه إقامة للمصدر مقام الفعل ~~الماضي والمصدر أصل الفعل وعلى هذا فإن هذا داخل في القسم الأول # القسم الثاني عشر الزيادة في الكلام لغير فائدة كقوله تعالى @QB@ فبما ~~رحمة من الله لنت لهم @QE@ فما ههنا زائدة لا معنى لها أي فبرحمة من الله ~~لنت لهم وهذا القول لا أراه صوابا وفيه نظر من وجهين أحدهما أن هذا القسم ~~ليس من المجاز لأن المجاز هو دلالة اللفظ على غير ما وضع له في أصل اللغة ~~وهذا غير موجود في الآية وإنما هي دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل ~~اللغة والوجه الآخر أني لو سلمت أن ذلك من المجاز لأنكرت أن لفظة ما زائدة ~~لا معنى لها ولكنها وردت تفخيما لأمر النعمة التي لان بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم له وهي محض الفصاحة ولو عرى الكلام منها لما كانت له تلك ~~الفخامة وقد ورد مثلها في كلام العرب كالذي يحكى عن الزباء وذاك ms252 أن الوضاح ~~الذي هو جذيمة الأبرش تزوجها والحكاية في ذلك مشهورة فلما دخل عليها كشفت ~~له عن فرجها وقد ضفرت الشعر من فوق ضفيرتين وقالت أذات عرس ترى أما إنه ليس ~~ذلك من عوز المواس ولا من قلة الأواس ولكنه شيمة ما أناس فمعنى الكلام ~~ولكنه شيمة أناس وإنما جاءت لفظة ما ههنا تفخيما لشأن صاحب تلك الشيمة ~~وتعظيما لأمره ولو أسقطت لما كان للكلام ههنا هذه الفخامة والجزالة ولا ~~يعرف ذلك إلا أهله من علماء الفصاحة والبلاغة وأما الغزالي رحمه الله تعالى ~~فإنه معذور عندي في ألا يعرف ذلك لأنه ليس فنه ومن ذهب إلى أن في القرآن ~~لفظا زائدا لا معنى له فإما أن يكون جاهلا بهذا القول وإما أن يكون متسمحا ~~في دينه واعتقاده وقول النحاة إن ما في هذه الآية زائدة فإنما يعنون به ~~أنها لا تمنع ما قبلها عن العمل كما يسمونها في موضع آخر كافة أي أنها تكف ~~الحرف العامل عن عمله كقولك إنما زيد قائم فما قد كفت إن عن العمل في زيد ~~وفي الآية لم تمنع عن العمل ألا ترى أنها لم تمنع الباء عن العمل في خفض ~~الرحمة PageV01P358 # القسم الثالث عشر تسمية الشيء بحكمه كقوله تعالى @QB@ وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها @QE@ فسمي النكاح هبة وهذا ~~القسم داخل في القسم الأول لأن النكاح هو تمكين الزوج من الوطء على عوض على ~~هيئة مخصوصة والهبة تمكينه من الشيء الموهوب على غير عوض فشاركت الهبة ~~النكاح في نفس التمكين من الوطء وإن اختلفا في الصورة # القسم الرابع عشر النقصان الذي لا يبطل به المعنى كحذف الموصوف وإقامة ~~الصفة مقامه قال الله تعالى @QB@ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ~~@QE@ أي شخصا بريئا وكحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه قال الله تعالى ~~@QB@ واسأل القرية @QE@ أي أهل القرية وهذا القسم داخل في القسم الأول أما ~~حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه فلأن الصفة لازمة للموصوف وأما حذف المضاف ~~وإقامة ms253 المضاف إليه مقامه فلأنه دل بالمسكون على الساكن وتلك مقارنة قريبة # فهذه أقسام المجاز التي ذكرها الغزالي رحمه الله تعالى وقد بينت فساد ~~التقسيم فيها وأنها ترجع إلى ثلاثة أقسام هي التوسع والتشبيه والاستعارة # وحيث انتهى بي الكلام إلى ههنا وفرغت مما أردت تحقيقه وبينت ما أردت ~~بيانه فإني أتبع ذلك بضرب الأمثلة للاستعارة التي يستفيد بها المتعلم ما لا ~~يستفيده بذكر الحد والحقيقة # فمما جاء من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى في أول سورة إبراهيم صلوات ~~الله عليه @QB@ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~@QE@ فالظلمات والنور استعارة للكفر والإيمان أو للضلال والهدى والمستعار ~~له مطوي الذكر كأنه قال لتخرج الناس من الكفر الذي هو كالظلمة إلى الإيمان ~~الذي هو كالنور # وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا @QB@ وقد مكروا مكرهم وعند الله ~~مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال @QE@ والقراءة برفع لتزول منه ~~PageV01P359 الجبال ليست من باب الاستعارة ولكنها في نصب تزول واللام لام ~~كي والجبال ههنا استعارة طوى فيها ذكر المستعار له وهو أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وما جاء به من الآيات والمعجزات أي أنهم مكروا مكرهم لكي ~~تزول منه هذه الآيات والمعجزات التي هي ثباتها واستقرارها كالجبال # وعلى هذا ورد قوله تعالى @QB@ والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل ~~واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون @QE@ فاستعار الأودية للفنون ~~والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها وإنما خص الأدوية بالاستعارة ~~ولم يستعر الطرق والمسالك أو ما جرى مجراها لأن الشعر تستخرج بالفكرة ~~والروية والفكرة والروية فيهما خفاء وغموض فكان استعارة الأودية لها أشبه ~~وأليق # والاستعارة في القرآن قليلة لكن التشبيه المضمر الأداة كثير وكذلك هي في ~~فصيح الكلام من الرسائل والخطب والأشعار لأن طي المستعار له لا يتيسر في كل ~~كلام وأما التشبيه المضمر الأداة فكثير سهل لمكان إظهار المشبه والمشبه به ~~معا # ومما ورد من الاستعارة في الأخبار النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~( لا تستضيئوا ms254 بنار المشركين ) فاستعار النار للرأي والمشورة أي لا تهتدوا ~~برأي المشركين ولا تأخذوا بمشورتهم # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل يوما مصلاه فرأى أناسا كأنهم يكثرون ~~فقال ( أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى ) وهاذم ~~اللذات أراد به الموت وهو مطوي الذكر # وبلغني عن العرب أنهم يقولون عند رؤية الهلال لا مرحبا باللجين مقرب أجل ~~ومحل وهذا من باب الاستعارة في طي ذكر المستعار له # وكذلك بلغني عن الحجاج بن يوسف أنه خطب خطبة عند قدومه العراق في أول ~~ولايته إياه والخطبة مشهورة من جملتها أنه قال إن أمير المؤمنين نثل كنانته ~~وعجمها عودا عودا فرآني أصلبها نجارا وأقومها عودا وأنفذها نصلا فقوله نثل ~~PageV01P360 كنانته وعجمها عودا عودا يريد أنه عرض رجاله واختبرهم واحدا ~~واحدا جد اختباره فرآني أشدهم وأمضاهم وهذا من الاستعارة الحسنة الفائقة # وقد جاءني من الاستعارة في رسائلي ما أذكر شيئا منه ولو مثالا واحدا وذلك ~~أنه سألني بعض الأصدقاء أن أصف له غلامين تركيين كان يهواهما وكان أحدهما ~~يلبس قباء أحمر والآخر قباء أسود فقلت إذا تشعبت أسباب الهوى كانت لسره ~~أظهر وأضحت أمراضه خطرا كلها ولا يقال في أحدها هذا أخطر وقد هويت بدرين ~~على غصنين ولا طاقة للقلب بهوى واحد فكيف إذا حمل هوى اثنين ومما شجاني ~~أنهما يتلونان في أسباغ الثياب كما يتلونان في فنون التجرم والعتاب وقد ~~استجدا الآن زيا لا مزيد على حسنهما في حسنه فهذا يخرج في ثوب من حمرة خده ~~وهذا في ثوب من سواد جفنه وما أدري من دلهما على هذا العجيب غير أنه ليس ~~على فتنة المحب أهدى من حبيب # وهذا الفصل بجملته مما تواصفه الناس وأغروا بحفظه # وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول مسكين الدارمي من شعراء الحماسة # ( لحافي لحاف الضيف والبيت بيته % ولم يلهني عنه غزال مقنع ) # ( أحدثه إن الحديث من القرى % وتعلم نفسي أنه سوف يهجع ) # فالغزال المقنع هذا استعارة للمرأة الحسناء # وكذا ورد قول رجل من ms255 بني يسار في كتاب الحماسة أيضا PageV01P361 # ( أقول لنفسي حين خود رألها % رويدك لما تشفقي حين مشفق ) # ( رويدك حتى تنظري عم تنجلي % عماية هذا العارض المتألق ) # فالعارض المتألق استعارة للحرب أو الذي أطل بمكروهه كالبارق المتألق # ويحكى أن امرأة وقفت لعبد الملك بن مروان وهو سائر إلى قتال مصعب بن ~~الزبير فقالت يا أمير المؤمنين فقال رويدك حتى تنظري عم تنجلي وأنشد البيت # ومن هذا الباب قول عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن # ( لما نظرت إلي عن حدق المها % وبسمت عن متفتح النوار ) # ( وعقدت بين قضيب بان أهيف % وكثيب رمل عقدة الزنار ) # ( عفرت خدي في الثرى لك طائعا % وعزمت فيك على دخول النار ) # وهذه الأبيات لا تجد لها في الحسن شريكا ولأن يسمى قائلها شحرورا أولى من ~~أن يسمى ديكا # وكذلك ورد قوله # ( لا ومكان الصليب في النحر منك % ومجرى الزنار في الخصر ) # ( والخال في الخد إذ أشبهه % وردة مسك على ثرى تبر ) PageV01P362 # ( وحاجب مذ خطه قلم الحسن % بحبر البهاء لا الحبر ) # ( وأقحوان بفيك منتظم % على شبيه من رائق الخمر ) # فالبيت الرابع هو المخصوص بالاستعارة والمستعار له هو الثغر والريق # ومما ورد لأبي تمام في هذا المعنى قوله # ( لما غدا مظلم الأحشاء من أشر % أسكنت جانحتيه كوكبا يقد ) # فالكواكب استعارة للرمح # وكذلك ورد قوله في الاعتذار # ( أسرى طريدا للحياء من التي % زعموا وليس لرهبة بطريد ) # ( وغدا تبين ما براءة ساحتي % لو قد نفضت تهائمي ونجودي ) # والتهائم والنجود هما استعارة مما استعاره من باطن أمره وظاهره # وكذلك ورد قوله # ( كم أحرزت قضب الهندي مصلتة % تهتز من قضب تهتز في كثب ) # فالقضب والكثب استعارة للقدود والأرداف PageV01P363 # وكذلك ورد في هذه القصيدة أيضا عند ذكر ملك الروم وانهزامه لما فتحت ~~مدينة عمورية فقال # ( إن يعد من حرها عدو الظليم فقد % أوسعت جاحمها من كثرة الحطب ) # فالحطب استعارة للقتلى # وقبل هذا البيت ما يدل عليه لأنه قال # ( أحذى قرابينه صرف الردى ومضى % يحتث أنجى مطاياه من الهرب ) # ( موكلا بيفاع الأرض يشرفها % من خفة الخوف ms256 لا من خفة الطرب ) # ( إن يعد من حرها عدو الظليم % البيت # وأحسن من هذا كله قوله # ( تطل الطلول الدمع في كل منزل % وتمثل بالصبر الديار المواثل ) # ( دوارس لم يجف الربيع ربوعها % ولا مر في أغفالها وهو غافل ) # ( يعفين من زاد العفاة إذا انتحى % على الحي صرف الأزمة المتحامل ) # فقوله زاد العفاة استعارة طوى فيها ذكر المستعار له وهو أهل الديار كأنه ~~قال يعفين من قوم زاد العفاة # وله في الغزل من الاستعارة ما بلغ به غاية اللطافة والرقة وذلك في قصيدته ~~التي مطلعها # ( إن عهدا لو تعلمان ذميما % ) PageV01P364 # فقال # ( قد مررنا بالدار وهي خلاء % فبكينا طلولها والرسوما ) # ( وسألنا ربوعها فانصرفنا % بسقام وما سألنا حكيما ) # ( كنت أرعى النجوم حتى إذا ما % فارقوني أمسيت أرعى النجوما ) # والبيت الثالث هو المخصوص بالاستعارة # وعلى هذا المنهاج ورد قول البحتري # ( وأغر في الزمن البهيم محجل % قد رحت منه على أغر محجل ) # والأغر المحجل الأول هو الممدوح والأغر المحجل الثاني هو الفرس الذي ~~أعطاه إياه # وكذلك ورد قوله # ( وصاعقة في كفه تنكفي بها % على أرؤس الأعداء خمس سحائب ) # وهذا من النمط العالي إلي شغلت براعة معناه وحسن سبكه عن النظر إلى ~~استعارته والمراد بالسحائب الخمس الأصابع # وكذلك ورد في أبيات الحماسة PageV01P365 # ( دك طود الكفر دكا % صاعق من وقع سيفك ) # ( أرسلته خمس سحب % نشأت من بحر كفك ) # وكذلك ورد قوله في أبيات يصف فيها السيف # ( حملت حمائله القديمة بقلة % من عهد عاد غضة لم تذبل ) # وهذا من الحسن على ما يشهد لنفسه كأنه قال حملت حمائله سيفا أخضر الحديد ~~كالبقلة # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي # ( في الخد إن عزم الخليط رحيلا % مطر تزيد به الخدود محولا ) # وكذلك ورد قوله # ( يمد يديه في المفاضة ضيغم % ) # وأحسن من هذا قوله في قصيدته التي مطلعها # ( عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم % ) PageV01P366 # ( وأصبحت بقرى هنزيط جائلة % ترعى الظبى في خصيب نبته اللمم ) # ( فما تركن بها خلدا له بصر % تحت التراب ولا بازا له قدم ) # ( ولا هزبرا له من ms257 درعه لبد % ولا مهاة لها من شبهها حشم ) # وهذا من المليح النادر فالخلد استعارة لمن اختفى تحت التراب خائفا والباز ~~استعارة لمن طار هاربا والهزبر والمهاة استعارتان للرجال المقاتلة والنساء ~~من السبايا # ومن هذا الباب قوله # ( كل جريح ترجى سلامته % إلا جريحا دهته عيناها ) # ( تبل خدي كلما ابتسمت % من مطر برقه ثناياها ) PageV01P367 # والبيت الثاني من الأبيات الحسان التي تتواصف وقد حسن الاستعارة التي فيه ~~أنه جاء ذكر المطر مع البرق # وبلغني عن أبي الفتح بن جني رحمه الله أنه شرح ذلك في كتابه الموسوم ~~بالمفسر الذي ألفه في شرح شعر أبي الطيب فقال إنها كانت تبزق في وجهه فظن ~~أن أبا الطيب أراد أنها كانت تبسم فيخرج الريق من فمها ويقع على وجهه فشبهه ~~بالمطر وما كنت أظن أن أحدا من الناس يذهب وهمه وخاطره حيث ذهب وهم هذا ~~الرجل وخاطره وإذا كان هذا قول إمام من أئمة العربية تشد إليه الرحال فما ~~يقال في غيره لكن فن الفصاحة والبلاغة غير فن النحو والإعراب # وكذلك ورد قول الشريف الرضي # ( إذا أنت أفنيت العرانين والذرى % رمتك الليالي من يد الخامل الغمر ) # ( وهبك اتقيت السهم من حيث يتقى % فمن ليد ترميك من حيث لا تدري ) # فالعرانين والذرى هما عظماء الناس وأشرافهم كأنه قال إذا أفنيت عظماء ~~الناس رميت من يد الخامل # وإذا قد بينت أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له فإنها ~~لا تجيء إلا ملائمة مناسبة ولا يوجد فيها مباينة ولا تباعد لأنها لا تذكر ~~مطوية إلا لبيان المناسبة بين المستعار منه والمستعار له ولو طويت ولم يكن ~~هناك مناسبة بين المستعار منه والمستعار له لعسر فهمه ولم يبن المراد منها ~~PageV01P368 # ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي رحمه الله تعالى قد خلط ~~الاستعارة بالتشبيه المضمر الأداة ولم يفرق بينهما وتأسى في ذلك بغيره من ~~علماء البيان كأبي هلال العسكري والغانمي وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي ~~على أن أبا القاسم بن بشر الآمدي كان أثبت القوم ms258 قدما في فن الفصاحة ~~والبلاغة وكتابه المسمى ب الموازنة بين شعر الطائيين يشهد له بذلك وما أعلم ~~كيف خفي عليه الفرق بين الاستعارة والتشبيه المضمر الأداة # ومما أورده ابن سنان في كتابه الموسوم ب سر الفصاحة قول امرئ القيس في ~~صفة الليل # ( فقلت له لما تمطى بصلبه % وأردف أعجازا وناء بكلكل ) # وهذا البيت من التشبيه المضمر الأداة لأن المستعار له مذكور وهو الليل ~~وعلى الخطأ في خلطه بالاستعارة فإن ابن سنان أخطأ في الرد على الآمدي ولم ~~يوفق للصواب وأنا أتكلم على ما ذكره ولا أضايقه في الاستعارة والتشبيه بل ~~أنزل معه على ما رآه من أنه استعارة ثم أبين فساد ما ذهب إليه # وذاك أن الآمدي قال في كتاب الموازنة إن امرأ القيس وصف أحوال ~~PageV01P369 الليل الطويل فذكر امتداد وسطه وتثاقل صدره وترادف أعجازه فلما ~~جعل له وسطا ممتدا وصدرا ثقيلا وأعجازا رادفة لوسطه استعار له اسم الصلب ~~وجعله متمطيا من أجل امتداده واسم الكلكل وجعله نائيا لتثاقله واسم العجز ~~من أجل نهوضه # فقال ابن سنان الخفاجي معترضا عليه إن هذا الذي ذكره الآمدي ليس بمرضي ~~غاية الرضا وإن بيت امرئ القيس ليس من الاستعارة الجيدة ولا الرديئة بل هو ~~وسط فإن الآمدي قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل لليل وسطا ممتدا استعار له ~~اسم الصلب وجعله متمطيا من أجل امتداده وحيث جعل له آخرا وأولا استعار له ~~عجزا وكلكلا وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض فذكر الصلب إنما يحسن من أجل ~~العجز والوسط والتمطي من أجل الصلب والكلكل لمجموع ذلك وهذه استعارة مبنية ~~على استعارة أخرى # هذا حكاية كلامه في الاعتراض على الآمدي # وفيه نظر من وجهين PageV01P370 # الأول أنه قال هذا بيت من الاستعارة الوسطى التي ليست بجيدة ولا رديئة ثم ~~جعلها استعارة مبنية على استعارة أخرى وعنده أن الاستعارة المبنية على ~~الاستعارة من أبعد الاستعارات وذاك أنه قسم الاستعارة إلى قسمين قريب مختار ~~وبعيد مطرح فالقريب المختار ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب ms259 قوي وشبه ~~واضح والبعيد المطرح إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل أو لأنه ~~استعارة مبنية على استعارة أخرى فيضعف لذلك هذا ما ذكره ابن سنان الخفاجي ~~في تقسيم الاستعارة وإذا كانت الاستعارة المبنية على استعارة أخرى عنده ~~بعيدة مطرحة فكيف جعلها وسطا هذا تناقض في القول # الوجه الثاني أنه لم يأخذ على الآمدي في موضع الأخذ لأنه لم يختر إلا ما ~~حسن اختياره وذاك أن حد الاستعارة على ما رآه الآمدي وابن سنان هو نقل ~~المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما وإن كان المذهب الصحيح في حد ~~الاستعارة غير ذلك على ما تقدم الكلام عليه ولكني في هذا الموضع أنزل معهما ~~على ما رأياه حتى يتوجه الكلام على الحكم بينهما في بيت امرئ القيس وإذا ~~حددنا الاستعارة بهذا الحد فبه يفرق على رأي ابن سنان بين الاستعارة ~~المرضية والاستعارة المطرحة فإذا وجدنا استعارة في كلام ما عرضناها على هذا ~~الحد فما وجدنا فيه مناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه حكمنا له بالجودة ~~وما لم نجد فيه تلك المناسبة حكمنا عليه بالرداءة وبيت امرئ القيس من ~~الاستعارات المرضية لأنه لو لم يكن لليل صدر أعني أولا ولم يكن له وسط وآخر ~~لما حسنت هذه الاستعارة ولما كان الأمر كذلك استعار لوسطه صلبا وجعله ~~متمطيا واستعار لصدره المتثاقل أعني أوله كلكلا وجعله نائيا واستعار لآخره ~~عجزا وجعله رادفا لوسطه وكل ذلك من الاستعارة المناسبة # وأما قول ابن سنان الخفاجي إن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى بعيدة ~~مطرحة فإن في هذا القول نظرا وذاك أنه قد ثبت لنا أصل نقيس عليه في الفرق ~~بين الاستعارة المرضية والمطرحة كما أريناك ولا يمنع ذلك من أن تجيء ~~استعارة مبنية على استعارة أخرى وتوجد فيها المناسبة المطلوبة في الاستعارة ~~المرضية فإنه قد ورد في القرآن الكريم ما هو من هذا الجنس وهو قوله تعالى ~~@QB@ وضرب الله @QE@ PageV01P371 مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها ~~رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها ms260 الله لباس الجوع والخوف ) فهذه ~~ثلاث استعارات ينبني بعضها على بعض فالأولى استعارة القرية للأهل والثانية ~~استعارة الذوق للباس والثالثة استعارة اللباس للجوع والخوف وهذه الاستعارات ~~الثلاث من التناسب على ما لا خفاء به فكيف يذم ابن سنان الخفاجي الاستعارة ~~المبنية على استعارة أخرى وما أقول إن ذلك شذ عنه إلا لأنه لم ينظر إلى ~~الأصل المقيس عليه وهو التناسب بين المنقول عنه والمنقول إليه بل نظر إلى ~~التقسيم الذي هو قسمه في القرب أو البعد ورأى أن الاستعارة المبنية على ~~استعارة أخرى تكون بعيدة فحكم عليها بالاطراح وإذا كان الأصل إنما هو ~~التناسب فلا فرق بين أن يوجد في استعارة واحدة أو في استعارة مبنية على ~~استعارة ولهذا أشباه ونظائر في غير الاستعارة ألا ترى أن المنطقي في ~~المقدمة والنتيجة كل إنسان حيوان وكل حيوان نام فكل إنسان نام وكذلك يقول ~~المهندس في الأشكال الهندسية إذا كان خط أب مثل خط بج وخط بج مثل خط جد فخط ~~أب مثل خط جد وهكذا أقول أنا في الاستعارة إذا كانت الاستعارة الأولى ~~مناسبة ثم بنى عليها استعارة ثانية وكانت أيضا مناسبة فالجميع متناسب وهذا ~~أمر برهاني لا يتصور إنكاره # وهذا الشكل الذي أوردته ههنا هو اعتراض على ما ذكره ابن سنان الخفاجي في ~~الاستعارة فلا تظن أني موافقة في الأصل وإنما وافقته قصدا لتبيين وجه الخطأ ~~في كلامه وكيف يسوغ لي موافقته وقد ثبت عندي بالدليل أن الاستعارة لا تكون ~~إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له # وفيما قدمته من الكلام كفاية PageV01P372 # | النوع الثاني في التشبيه # وجدت علماء البيان قد فرقوا بين التشبيه والتمثيل وجعلوا لهذا بابا مفردا ~~ولهذا بابا مفردا وهما شيء واحد لا فرق بينهما في أصل الوضع يقال شبهت هذا ~~الشيء بهذا الشيء كما يقال مثلته به وما أعلم كيف خفي ذلك على أولئك ~~العلماء مع ظهوره ووضوحه # وكنت قدمت القول في باب الاستعارة على الفرق بين التشبيه وبينها ولا حاجة ~~إلى إعادته ههنا مرة ثانية # والتشبيه ينقسم ms261 قسمين مظهر ومضمر وفي المضمر إشكال في تقدير أداة التشبيه ~~فيه في بضع المواضع # وهو ينقسم أقساما خمسة فالأول يقع موقع المبتدأ والخبر مفردين والثاني ~~يقع موقع المبتدأ المفرد وخبره جملة مركبة من مضاف ومضاف إليه والثالث يقع ~~موقع المبتدأ والخبر جملتين والرابع يرد على وجه الفعل والفاعل والخامس يرد ~~على وجه المثل المضروب # وهذان القسمان الأخيران هما أشكل الأقسام في تقدير أداة التشبيه # أما الأول فكقولنا زيد أسد فهذا مبتدأ وخبره وإذا قدرت أداة التشبيه فيه ~~كان ذلك ببديهة النظر على الفور فقيل زيد كالأسد # وأما القسم الثاني والثالث فإنهما متوسطان في تقدير أداة التشبيه فيهما ~~فالثاني كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( الكمأة جدري الأرض ) وهذا يتنوع ~~نوعين فإذا كان المضاف إليه معرفة كهذا الخبر النبوي لا يحتاج في تقدير ~~أداة التشبيه إلى تقديم المضاف إليه بل إن شئنا قدمناه وإن شئنا أخرناه ~~فقلنا الكمأة للأرض كالجدري أو الكمأة كالجدري للأرض وإذا كان المضاف إليه ~~نكرة فلا بد من تقديمه عند تقدير أداة التشبيه PageV01P373 # فمن ذلك قول البحتري # ( غمام سماح لا يغب له حيا % ومسعر حرب لا يضيع له وتر ) # فإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا سماح كالغمام ولا يقدر إلا هكذا ~~والمبتدأ في هذا البيت محذوف وهو الإشارة إلى الممدوح كأنه قال هو غمام ~~سماح # ومن هذا النوع ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه على غير العارف بهذا الفن ~~كقول أبي تمام # ( أي مرعى عين ووادي نسيب % لحبته الأيام في ملحوب ) # ومراد أبي تمام أن يصف هذا المكان بأنه كان حسنا ثم زال عنه حسنه فقال إن ~~العين كانت تلتذ بالنظر إليه كالتذاذ السائمة بالمرعى فإنه كان يشبب به في ~~الأشعار لحسنه وطيبه وإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا كأنه كان للعين ~~مرعى وللنسيب منزلا ومألفا # وإذا جاء شيء من الأبيات الشعرية على هذا الأسلوب أو ما جرى مجراه فإنه ~~يحتاج إلى عارف بوضع أداة التشبيه فيه PageV01P374 # وأما الثالث فكقول النبي صلى الله عليه وسلم ( وهل يكب ms262 الناس على مناخرهم ~~في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم ) كأنه قال كلام الألسنة كحصائد المناجل # وهذا القسم لا يكون المشبه به مذكورا فيه بل تذكر صفته ألا ترى أن المنجل ~~لم يذكر ههنا وإنما ذكرت صفته وهي الحصد وكل ما يجيء من هذا القسم فإنه لا ~~يرد إلا كذلك # وأما القسم الرابع والخامس اللذان هما أشكل الأقسام المذكورة في تقدير ~~أداة التشبيه فيهما فإنهما لا يتفطن لهما أنهما تشبيه # فمما جاء من القسم الرابع قوله تعالى @QB@ والذين تبوؤوا الدار والإيمان ~~من قبلهم @QE@ وتقديره أداة التشبيه في هذا الموضع أن يقال هم في إيمانهم ~~كالمتبوئ دارا أي أنهم قد اتخذوا الإيمان مسكنا يسكنونه يصف بذلك تمكنهم ~~منه # وعلى هذا ورد قول أبي تمام # ( نطقت مقلة الفتى الملهوف % فتشكت بفيض دمع ذروف ) # وإذا أردنا أن نقدر أداة التشبيه ههنا قلنا دمع العين كنطق اللسان ~~الباكية كأنما تنطق بما في الضمير PageV01P375 # وأما ما جاء من القسم الخامس فكقول الفرزدق يهجو جريرا # ( ما ضر تغلب وائل أهجوتها % أم بلت حيث تناطح البحران ) # فشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله في مجمع البحرين فكما أن البول في مجمع ~~البحرين لا يؤثر شيئا فكذلك هجاؤك هؤلاء القوم لا يؤثر شيئا وهذا البيت من ~~الأبيات الذي أقر له الناس بالحسن # وكذلك ورد قوله أيضا # ( قوارص تأتيني وتحتقرونها % وقد يملأ القطر الإناء فيفعم ) # فإنه شبه القوارص التي تأتيه محتقرة بالقطر الذي يملأ الإناء على صغر ~~مقداره يشير بذلك إلي أن الكثرة تجعل الصغير من الأمر كبيرا # وهذا الموضع يشكل على كثير من علماء البيان ويخلطونه بالاستعارة كقول ~~البحتري في التعزية بولد PageV01P376 # ( تعز فإن السيف يمض وإن وهت % حمائله عنه وخلاه قائمه ) # وهذا ليس من التشبيه وإنما هو استعارة لأن المستعار له مطوي الذكر وهو ~~المعزى كأنه قال تعز فإنك كالسيف الذي يمضي وإن وهت حمائله وخلاه قائمه # فإن قيل إنك قدمت القول في باب الاستعارة بأن التشبيه المضمر الأداة يحسن ~~تقدير أداة التشبيه فيه والاستعارة لا يحسن تقدير أداة ms263 التشبيه فيها وجعلت ~~ذلك هو الفرق بين التشبيه المضمر الأداة بين الاستعارة وقررت ذلك تقريرا ~~طويلا عريضا ثم نراك قد نقضته ههنا بقولك إن من التشبيه المضمر الأداء ما ~~يشكل تقدير أداة التشبيه قيه وإنه يحتاج في تقديرها إلي نظر كهذين البيتين ~~المذكورين للفرزدق وما يجري مجراهما # فالجواب عن ذلك أني أقول هذا الذي ذكرته لا ينقص علي شيئا مما قدمت القول ~~فيه في باب الاستعارة لأني قلت إن التشبيه المضمر الأداة يحسن تقدير الأداة ~~فيه أي لا يتغير بتقديرها فيه عن صفته التي اتصف بها من فصاحة وبلاغة وليس ~~كذلك الاستعارة فإنها إذا قدرت أداة التشبيه فيها تغيرت عن صفتها التي ~~أتصفت بها من فصاحة وبلاغة وأما الذي ورد ههنا من بيتي الفرزدق وما يجري ~~مجراهما من التشبيه المضمر الأداة فإن أداة التشبيه لا تتقدر فيه وهو علي ~~حالته من النظم حتى تتبين هل تغيرت صفته التي اتصف بها من فصاحة وبلاغة أم ~~لا وإنما تتقدر أداة التشبيه فيه على وجه آخر وهذا لا ينقض ما أشرت إليه في ~~باب الاستعارة # وإذا ثبتت هذه الأقسام الأربعة فأقول إن التشبيه المضمر أبلغ من التشبيه ~~المظهر وأوجز أما كونه أبلغ فلجعل المشبه مشبها به من غير واسطة أداة فيكون ~~هو إياه فإنك إذا قلت زيد أسد كنت قد جعلته أسدا من غير إظهار أداة التشبيه ~~PageV01P377 وأما كونه أوجز فلحذف أداة التشبيه منه وعلى هذا فإن القسمين ~~من المظهر والمضمر كليهما في فضيلة البيان سواء فإن الغرض المقصود من قولنا ~~زيد أسد أن يتبين حال زيد في اتصافه بشهامة النفس وقوة البطش وجراءة ~~الإقدام وغير ذلك مما يجري مجراه إلا أنا لم نجد شيئا ندل به عليه سوى أن ~~جعلناه شبيها بالأسد حيث كانت هذه الصفات مختصة به فصار ما قصدناه من هذا ~~القول أكشف وأبين من أن لو قلنا زيد شهم شجاع قوي البطش جريء الجنان وأشباه ~~ذلك لما قد عرف وعهد من اجتماع هذه الصفات في المشبه أعني الأسد وأما ms264 زيد ~~الذي هو المشبه فليس معروفا بها وإن كانت موجودة فيه # وكلا هذين القسمين أيضا يختص بفضيلة الإيجاز وإن كان المضمر أوجز من ~~المضمر لأن قولنا زيد أسد أو كالأسد يسد مسد قولنا زيد من حاله كيت وكيت ~~وهو من الشجاعة والشدة على كذا وكذا مما يطول ذكره # فالتشبيه إذا يجمع صفات ثلاثة هي المبالغة والبيان والإيجاز كما أريتك ~~إلا أنه من بين أنواع علم البيان مستوعر الذهب وهو مقتل من مقاتل البلاغة ~~وسبب ذلك أن حمل الشيء على الشيء بالمماثلة إما صورة وإما معنى يعز صوابه ~~وتعمر الإجادة فيه وقلما أكثر منه أحد إلا عثر كما فعل ابن المعتز من أدباء ~~العواق وابن وكيع من أدباء مصر فإنهما أكثرا من ذلك لا سيما في وصف الرياض ~~والأشجار والأزهار والثمار لا جرم أنهما أتيا بالغث البارد الذي لا يثبت ~~على محك الصواب فعليك أن تتوقى ما أشرت إليه # وأما فائدة التشبيه من الكلام فهي أنك إذا مثلت الشيء بالشيء فإنما تقصد ~~به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبه به أو بمعناه وذلك أوكد في طرفي ~~الترغيب فيه أو التنفير عنه ألا ترى أنك إذا شبهت صورة بصورة هي أحسن منها ~~كان ذلك مثبتا في النفس خيالا حسنا يدعو إلى الترغيب فيها وكذلك إذا شبهتها ~~بصورة شيء أقبح منها كان ذلك مثبتا في النفس خيالا قبيحا يدعو إلى التنفير ~~عنها وهذا لا نزاع فيه PageV01P378 # ولنضرب له مثالا يوضحه فنقول قد ورد عن ابن الرومي في مدح العسل وذمه بيت ~~من الشعر وهو # ( تقول هذا مجاج النحل تمدحه % وإن تعب قلت ذا قيء الزنابير ) # ألا ترى كيف مدح وذم الشيء الواحد بتصريف التشبيه المجازي المضمر الأداة ~~الذي خيل به إلى السامع خيالا يحسن الشيء عنده تارة ويقبحه أخرى ولولا ~~التوصل بطريق التشبيه على هذا الوجه لما أمكنه ذلك وهذا المثال كاف فيما ~~أردناه # واعلم أن محاسن التشبيه أن يجيء مصدريا كقولنا أقدم إقدام الأسد وفاض فيض ~~البحر وهو أحسن ما استعمل في ms265 باب التشبيه كقول أبي نواس في وصف الخمر # ( وإذا ما مزجوها % وثبت وثب الجراد ) # ( وإذا ما شربوها % أخذت أخذ الرقاد ) # وقيل إن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم ومن ~~ههنا غلط بعض الكتاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبها له فقال ~~هامة عليها من الغمامة عمامة وأنملة خضبها الأصيل فكان الهلال منها قلامة ~~وهذا الكتاب حفظ شيئا وغابت عنه أشياء فإنه أخطأ في قوله أنملة وأي مقدار ~~للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل وأصاب في المناسبة بين ذكر ~~الأنملة والقلامة وتشبهها بالهلال PageV01P379 # فإن قيل إن هذا الكاتب تأسى فيما ذكره بكلام الله تعالى حيث قال @QB@ ~~الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح @QE@ فمثل نوره بطاقة ~~فيها ذبالة وقال الله تعالى @QB@ والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم @QE@ فمثل الهلال بأصل عذق النخلة # فالجواب عن ذلك أني أقول أما تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح فإن ~~هذا مثال ضربه للنبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه أنه قال @QB@ يوقد من ~~شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية @QE@ وإذا نظرت إلى هذا الموضع ~~وجدته تشبيها لطيفا عجيبا وذاك أن قلب النبي صلى الله عليه وسلم وما ألقى ~~فيه من النور وما هو عليه من الصفة الشفافة كالزجاجة التي كأنها كوكب ~~لصفائها وإضاءتها ويما الشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربية فإنها ~~عبارة عن ذات النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل ~~إلى الشرق ولا إلى الغرب وأما زيت هذه الزجاجة فإنه مضيء من غير أن تمسه ~~نار والمراد بذلك أن فطرته فطرة صافية من الأكدار منيرة من قبل مصافحة ~~الأنوار فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية # وأما الآية الأخرى فإنه شبه الهلال فيها بالعرجون القديم وذلك في هيئة ~~نحوله واستدارته لا في مقداره فإن مقدار الهلال عظيم ولا نسبة للعرجون إليه ~~لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئة لا مقدارا ms266 # وأما هذا الكاتب فإن تشبيهه ليس على هذا النسق لأنه شبه صورة الحصن ~~بأنملة في المقدار لا في هيئة والشكل وهذا غير حسن ولا مناسب وإنما ألقاه ~~فيه أنه قصد الهلال والقلامة مع ذكر الأنملة فأخطأ من جهة وأصاب من جهة لكن ~~خطؤه غطى على صوابه # والقول السديد في بلاغة التشبيه هو ما أذكره وهو أن إطلاق من أطلق قوله ~~في أن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الأصغر بالأكبر غير سديد فإن هذا قول ~~غير حاصر للغرض المقصود لأن التشبيه يأتي تارة في معرض المدح وتارة في معرض ~~الذم وتارة في غير معرض مدح ولا ذم وإنما يأتي قصدا للإبانة والإيضاح ولا ~~يكون تشبيه أصغر بأكبر كما ذهب إليه من ذهب بل القول الجامع في ذلك أن ~~PageV01P380 يقال إن التشبيه لا يعمد إليه إلا لضرب من المبالغة فإما أن ~~يكون مدحا أو ذما أو بيانا وإيضاحا ولا يخرج عن هذه المعاني الثلاثة وإذا ~~كان الأمر كذلك فلا بد فيه من تقدير لفظة أفعل فإن لم تقدر فيه لفظة أفعل ~~فليس بتشبيه بليغ ألا ترى أنا نقول في التشبيه المضمر الأداة زيد أسد فقد ~~شبهنا زيدا بأسد الذي هو أشجع منه فإن لم يكن المشبه به في هذا المقام أشجع ~~من زيد الذي هو المشبه وإلا كان التشبيه ناقصا إذ لا مبالغة فيه # وأما التشبيه المظهر الأداة فكقوله تعالى @QB@ وله الجوار المنشآت في ~~البحر كالأعلام @QE@ وهذا تشبيه كبير بما هو أكبر منه لأن خلق السفن ~~البحرية كبير وخلق الجبال أكبر منه وكذلك إذا شبه شيء حسن بشيء حسن فإنه ~~إذا لم يشبه بما هو أحسن منه فليس بوارد على طريق البلاغة وإن شبه قبيح ~~بقبيح وهكذا ينبغي أن يكون المشبه به أقبح وإن قصد البيان والإيضاح فينبغي ~~أن يكون المشبه به أبين وأوضح فتقدير لفظة أفعل لا بد منه فيما يقصد به ~~بلاغة التشبيه وإلا كان التشبيه ناقصا فاعلم ذلك وقس عليه # واعلم أنه لا يخلو تشبيه الشيئين أحدهما بالآخر ms267 من أربعة أقسام إما تشبيه ~~معنى بمعنى كالذي تقدم ذكره من قولنا زيد كالأسد وإما تشبيه صورة بصورة ~~كقوله تعالى @QB@ وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون @QE@ وإما تشبيه ~~معنى بصورة كقوله تعالى @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة @QE@ وهذا ~~القسم أبلغ الأقسام الأربعة لتمثيله المعاني الموهومة بالصور المشاهدة وإما ~~تشبيه صورة بمعنى كقول أبي تمام # ( وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا % فتك الصبابة بالمحب المغرم ) # فشبه فتكه بالمال وبالعدا وذلك صورة مرئية بفتك الصبابة وهو فتك معنوي ~~وهذا القسم ألطف الأقسام الأربعة لأنه نقل صورة إلى غير صورة PageV01P381 # وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة المشار إليها لا يخلو التشبيه فيه من ~~أربعة أقسام أيضا إما تشبيه مفرد بمفرد وإما تشبيه مركب بمركب وإما تشبيه ~~مفرد بمركب وإما تشبيه مركب بمفرد # والمراد بقولنا مفرد ومركب أن المفرد يكون تشبيه شيء واحد بشيء واحد ~~والمركب تشبيه شيئين اثنين وكذلك المفرد بالمركب والمركب بالمفرد فإن ~~أحدهما يكون تشبيه شيء واحد بشيئين والآخر يكون تشبيه شيئين بشيء واحد ولست ~~أعني بقولي تشبيه شيئين بشيئين أنه لا يكون إلا كذلك بل أردت تشبيه شيئين ~~بشيئين فما فوقهما كقول بعضهم في الخمر # ( وكأنها وكأن حامل كأسها % إذ قام يجلوها على الندماء ) # ( شمس الضحى رقصت فنقط وجهها % بدر الدجى بكواكب الجوزاء ) # فشبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء فإنه شبه الساقي بالبدر وشبه الخمر بالشمس ~~وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب # وإذا بينت أن التشبيه ينقسم إلى تلك الأقسام الأربعة فإني أقول إن ~~التشبيه المضمر الأداة قد قدمت القول في أنه ينقسم إلى خمسة أقسام فالقسم ~~الأول لا يرد إلا في تشبيه مفرد بمفرد والقسم الثاني لا يرد إلا في تشبيه ~~مفرد بمركب والقسم الثالث لا يرد إلا في تشبه مركب بمركب والقسم الرابع ~~والخامس لا يردان إلا في تشبيه مركب بمركب ألا ترى أنا إذا قلنا في القسم ~~الأول زيد أسد كان ذلك تشبيه مفرد بمفرد وإذا قلنا في القسم الثاني ما ~~مثلناه به من الخبر النبوي وهو الكمأة جدري الأرض ms268 كان ذلك تشبيه مفرد بمركب ~~وكذلك بيت البحتري وبيت أبي تمام المشار إليهما فيما تقدم وإذا قلنا في ~~القسم الثالث ما أشرنا إليه من الخبر النبوي أيضا الذي هو وهل يكب الناس ~~على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم كان ذلك تشبيه مركب بمركب وإذا ~~قلنا في القسم الرابع والخامس ما مثلنا به من بيتي الفرزدق والبحتري كان ~~ذلك تشبيه مركب بمركب وإذا كان الأمر كذلك وجاءك شيء من التشبيه المضمر ~~الأداة وهو من القسم الأول فاعلم أنه تشبيه مفرد بمفرد بمركب وإذا جاءك شيء ~~من القسم الثالث PageV01P382 فاعلم أنه تشبيه مركب بمركب وكذلك إذا جاءك ~~شيء من القسم الرابع والقسم الخامس فإنهما من باب تشبيه المركب بالمركب # ولنرجع إلى ذكر ما أشرنا إليه أولا في تقسيم التشبيه إلى الأربعة الأقسام ~~الأخرى التي هي تشبيه مفرد بمفرد وتشبيه مركب بمركب وتشبه مفرد بمركب وتشبه ~~مركب بمفرد # فالقسم الأول منها كقوله تعالى في المضمر الأداة @QB@ وجعلنا الليل لباسا ~~@QE@ فشبه الليل باللباس # وذاك أنه يستر الناس بعضهم عن بعض لمن أراد هربا من عدو أو ثباتا لعدو أو ~~إخفاء ما لا يحب الإطلاع عليه من أمره وهذا من التشبيهات التي لم يأته بها ~~إلا القرآن الكريم فإن تشبيه الليل باللباس مما اختص به دون غيره من الكلام ~~المنظوم والمنثور # وكذلك قوله تعالى @QB@ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن @QE@ فشبه المرأة ~~باللباس للرجل وشبه الرجل باللباس للمرأة # ومن محاسن التشبيهات قوله تعالى @QB@ نساؤكم حرث لكم @QE@ وهذا يكاد ~~ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة والحرث هو الأرض التي تحرث للزرع ~~وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعا كما يزدرع البذر في الأرض # ومن هذا الأسلوب قوله تعالى @QB@ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار @QE@ ~~فشبه تبرؤ الليل من النهار بانسلاخ الجلد المسلوخ وذاك أنه لما كانت هوادي ~~الصبح عند طلوعه ملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ وكان ذلك أولى ~~من أن لو قيل يخرج لأن السلخ أدل على الالتحام من الإخراج وهذا تشبيه ms269 في ~~غاية المناسبة # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ واشتعل الرأس شيبا @QE@ فشبه انتشار الشيب ~~باشتعال النار ولما كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئا فشيئا حتى ~~يحيله إلى غير لونه الأول بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم وتسري فيه حتى ~~تحيله إلى غير حاله الأولى وأحسن من هذا أن يقال إنه شبه انتشار الشيب ~~باشتعال النار في سرعة PageV01P383 التهابه وتعذر تلافيه وفي عظم الألم في ~~القلب به وأنه لم يبق بعده إلا الخمود فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه ~~والمشبه به وذلك في الغاية القصوى من التناسب والتلاؤم # وقد ورد في الأمثال الليل جنة الهارب وهذا تشبيه حسن # وكل ذلك من التشبيه المضمر الأداة # ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي # ( وإذا اهتز للندى كان بحرا % وإذا اهتز للوغى كان نصلا ) # ( وإذا الأرض أظلمت كان شمسا % وإذا الأرض أمحلت كان وبلا ) # فحرف التشبيه ههنا مضمر وتقديره كان كأنه بحر وكان كأنه نصل # وكذلك يقال في البيت الثاني كان كأنه شمس وكان كأنه وبل وهذا تشبيه صورة ~~بصورة وهو حسن في معناه # وكذلك ورد قول أبي نواس وهو في تشبيه الحبب # ( فإذا ما اعترضته العين % من حيث استدارا ) # ( خلته في جنبات الكأس % واوات صغارا ) # وهذا تشبيه صورة بصورة أيضا PageV01P384 # وقد أبرز هذا المعنى في لباس آخر فقال # ( وإذا علاها الماء ألبسها % حببا شبيه جلاجل الحجل ) # ( حتى إذا سكنت جوامحها % كتبت بمثل أكارع النمل ) # ومن هذا قول البحتري # ( تبسم وقطوب في ندى ووغى % كالرعد والبرق تحت العارض البرد ) # وهذا من أحسن التشبيه وأقربه إلا أن فيه إخلالا من جهة الصنعة وهي ترتيب ~~التفسير فإن الأولى أن كان قدم تفسير التبسم على تفسير القطوب بأن كان قال ~~كالبرق والرعد فانظر أيهما المنتمي إلى الفن كيف ذهب على البحتري مثل هذا ~~الموضوع على قربه مع تقدمه في صناعة الشعر وليس في ذلك كبير أمر سوى أن كان ~~قدم ما أخر لا غير وإنما يعذر الشاعر في مثل هذا المقام إذا حكم عليه الوزن ms270 ~~والقافية واضطر إلى ترك ما يجب عليه وأما إذا كانت الحال كالتي ذكرها ~~البحتري فحينئذ لا عذر له وسيأتي لذلك باب مفرد في موضعه من هذا الكتاب إن ~~شاء الله تعالى وهو باب ترتيب التفسير # وكذلك ورد قول البحتري PageV01P385 # ( في معرك ضنك تخال به القنا % بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا ) # ومن تشبيه المفرد بالمفرد قول أبي الطيب المتنبي # ( خرجن من النقع في عارض % ومن عرق الركض في وابل ) # ( فلما نشفن لقين السياط % بمثل صفا البلد الماحل ) # وقد حوى هذان البيتان قرب التشبيه مع براعة النظم وجزالة اللفظ # وأما القسم الثاني وهو تشبيه المركب بالمركب فمما جاء منه مضمر الأداة ما ~~يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث يرويه معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~وهو حديث طويل يشتمل على فضائل أعمال متعددة ولا حاجة إلى إيراده ههنا على ~~نصه بل نذكر الغرض منه وهو أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أمسك ~~عليك هذا ) وأشار إلى لسانه فقال معاذ أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به فقال ( ~~ثكلتك أمك PageV01P386 يا معاذ وقل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا ~~حصائد ألسنتهم ) فقوله حصائد ألسنتهم من تشبيه المركب بالمركب فإنه شبه ~~الألسنة وما تمضي فيه من الأحاديث التي يؤاخذ بها بالمناجل التي تحصد ~~النبات من الأرض وهذا تشبيه بليغ عجيب لم يسمع إلا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم # ومما ورد منه شعرا قول أبي تمام # ( معشر أصبحوا حصون المعالي % ودروع الأحساب والأعراض ) # فقوله حصون المعالي من التشبيه المركب وذاك أنه شبههم في منعهم المعالي ~~أن ينالها أحد سواهم بالحصون في منعها من بها وحمايته وكذلك قوله دروع ~~الأحساب # وأما المظهر الأداة فمما جاء منه قوله تعالى @QB@ إنما مثل الحياة الدنيا ~~كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى ~~إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ~~ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس @QE@ فشبهت حال ms271 الدنيا في ~~سرعة زوالها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفائه وذهابه ~~حطاما بعدما التف وتكاثف وزين الأرض وذاك تشبيه صورة بصورة وهو من أبدع ما ~~يجيء في بابه # ومن ذلك أيضا قوله تعالى في وصف حال المنافقين @QB@ مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ~~@QE@ تقديره أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة ~~بمفازة فاستضاء بها ما حوله فاتقى ما يخاف وأمن فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره ~~PageV01P387 فبقي مظلما خائفا وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الإيمان استنار ~~بها واعتز بعزها وأمن على نفسه وماله وولده فإذا مات عاد إلى الخوف وبقي في ~~العذاب والنقمة # ومما ورد منه في الأخبار النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم ( مثل ~~المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن ~~الذي لا يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب ولا طعم لها ومثل المنافق ~~الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر ) وهذا من باب ~~تشبيه المركب بالمركب ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه المؤمن ~~القارئ وهو متصف بصفتين هما الإيمان والقراءة بالأترجة وهي ذات وصفين هما ~~الطعم والريح وكذلك يجري الحكم في المؤمن غير القارئ وفي المنافق القارئ ~~والمنافق غير القارئ # وقد جاءني شيء من ذلك أوردته في فصل من كتاب أصف فيه البر والمسير فقلت ~~لم أزل أصل الذميل بالذميل وألف الضحى بالأصيل والأرض كالبحر في سعة صدره ~~والمطايا كالجواري راكدة على ظهره فمكان الركب منها كمكانهم من الأكوار ~~ومسيرهم فيها على كرة لا تستقر بها حركة الأدوار # وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول البحتري # ( خلق منهم تردد فيهم % وليته عصابة عن عصابه ) PageV01P388 # ( كالحسام الجراز يبقى على الدهر % ويفني في كل حين قرابه ) # وكذلك ورد قول ابن الرومي # ( أدرك ثقاتك إنهم وقعوا % في نرجس معه ابنة العنب ) # ( فهم بحال لو بصرت بها % سبحت من عجب ومن ms272 عجب ) # ( ريحانهم ذهب على درر % وشرابهم درر على ذهب ) # وهذا تشبيه صنيع إلا أن تشبيه البحتري أصنع وذلك أن هذا التشبيه صدر عن ~~صورة مشاهدة وذاك إنما استنبطه استنابطا من خاطره وإذا شئت أن تفرق بين ~~صناعة التشبيه فانظر إلى ما أشرت إليه ههنا فإن كان أحد التشبيهين عن صورة ~~مشاهدة والآخر عن صورة غير مشاهدة فاعلم أن الذي هو عن صورة غير مشاهدة ~~أصنع ولعمري إن التشبيهين كليهما لا بد فيهما من صورة تحكي لكن أحدهما ~~شوهدت الصورة فيه فحكيت والآخر استنبطها ألا ترى أن ابن الرومي نظر إلى ~~النرجس وإلى الخمر فشبه وأما البحتري فإنه مدح قوما بأن خلق السماح باق ~~فيهم ينتقل عن الأول إلى الآخر ثم استنبط لذلك تشبيها فأداه فكره إلى السيف ~~وقربه التي تفنى في كل حين وهو باق لا يفنى بفنائها ومن أجل ذلك كان ~~البحتري أصنع في تشبيهه # وسأورد ههنا من كلامي نبذة يسيرة فمن ذلك ما كتبته من جملة كتاب إلى ~~ديوان الخلافة أذكر فيه نزول العدو الكافر على ثغر عكا في سنة خمس وثمانين ~~وخمسمائة فقلت وأحاط بها العدو إحاطة الشفاه بالثغور ونزل عليها نزول ~~PageV01P389 الظلماء على النور # وهذا من التشبيهات المناسبة ثم لما جئت إلى ذكر قتال المسلمين إياه ~~وإزالته عن جانب الثغر قلت وقد اصطدم من الإسلام والكفر ابنا شمام والتقى ~~من عجاجتهما ظلام وعند ذلك أخذ العدو في التحيز إلى جانب وكان كحاجب على ~~عين فصار كعين في حاجب وإذا تزعزع البناء فقد هوى وإذا قبض من طرق البساط ~~فقد انطوى # وهذا التشبيه في مناسبته كالأول بل أحسن # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان فقلت وما شبهت كتابه في ~~وروده وانقباضه إلا بنظر الحبيب في إقباله وإعراضه وكلا الأمرين كالسهم في ~~ألم وقعه وألم نزعه والمشوق من استوت صبابته في حالتي وصله وقطعه وما أزال ~~على وجل من إرسال كتبه وإجمامها واشتباه لمها بإلمامها # ومما جاء من هذا القسم في الشعر قول ms273 بكر بن النطاح # ( تراهم ينظرون إلى المعالي % كما نظرت إلى الشيب الملاح ) # ( يحدون العيون إلي شذرا % كأني في عيونهم السماح ) # وهذا بديع في حسنه بليغ في تشبيهه # وعلى هذا النهج ورد قول أبي تمام # ( خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا % كالحسن شيب لمغرم بدلال ) # وهذا من غريب ما يأتي في هذا الباب وقد تغالت شيعة أبي تمام في وصف هذا ~~البيت وهو لعمري كذلك # ومن هذا القسم أيضا قوله PageV01P390 # ( كم نعمة لله كانت عنده % فكأنها في غربة وإسار ) # ( كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت % كتضاؤل الحسناء في الأطمار ) # وكذلك قوله # ( صدفت عنه ولم تصدف مواهبه % عني وعاوده ظني فلم يخب ) # ( كالغيث إن جئته وافاك ريقه % وإن ترحلت عنه لج في الطلب ) # وعلى هذا الأسلوب ورد قول علي بن جبلة # ( إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت % حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع ) # ( وأسفر تحت النقع حتى كأنه % صباح مشى في ظلمة الليل طالع ) # وقد أحسن علي بن جبلة في تشبيهه هذا كل الإحسان # وكمثله في الحسن قوله أيضا في تشبيهه الحبب فوق الخمر # ( ترى فوقها نمشا للمزاج % تباذير لا يتصلن اتصالا ) # ( كوجه العروس إذا خططت % على كل ناحية منه خالا ) PageV01P391 # ومن هذا القسم قول مسلم بن الوليد # ( تلقى المنية في أمثال عدتها % كالسيل يقذف جلمودا بجلمود ) # وعلى هذا الأسلوب ورد قول العباس بن الأحنف # ( لا جزى الله دمع عيني خيرا % وجزى الله كل خير لساني ) # ( نم دمعي فليس يكتم شيئا % ووجدت اللسان ذا كتمان ) # ( كنت مثل الكتاب أخفاه طي % فاستدلوا عليه بالعنوان ) # وهذا من اللطيف البديع # ويروى أن أبا نواس لما دخل مصر مادحا للخصيب جلس يوما في رهط من الأدباء ~~وتذكروا منازه بغداد فأنشد مرتجلا # ( ذكر الكرخ نازح الأوطان % فصبا صبوة ولات أوان ) PageV01P392 # ثم أتم ذلك قصيدا مدح به الخصيب فلما عاد إلى بغداد دخل عليه العباس ابن ~~الأحنف وقال أنشدني شيئا من شعرك بمصر فأنشده # ( ذكر الكرخ نازح الأوطان % ) # فلما استتم الأبيات قال له لقد ظلمك من ناواك وتخلف عنك من جاراك وحرام ~~على ms274 أحد يتفوه بقول الشعر بعدك فقال أبو نواس وأنت أيضا يا أبا الفضل تقول ~~هذا ألست القائل # ( لا جزى الله دمع عيني خيرا % ) # وأنشد الأبيات ثم قال ومن الذي يحسن أن يقول مثل هذا # ومن تشبيه المركب بالمركب قول البحتري # ( جدة يذود البخل عن أطرافها % كالبحر يمنع ملحه عن مائه ) # وهذا من محاسن التشبيهات # وكذلك ورد قوله # ( وتراه في ظلم الوغى فتخاله % قمرا يكر على الرجال بكوكب ) # وفي هذا البيت تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء فإنه شبه العجاج بالظلمة ~~والممدوح بالقمر والسنان بالكوكب وهذا من الحسن النادر PageV01P393 # وكذلك ورد قوله # ( يمشون في زعف كأن متونها % في كل معركة متون نهاء ) # ( بيض تسيل على الكماة نصولها % سيل السراب بقفرة بيداء ) # ( فإذا الأسنة خالطتها خلتها % فيها خيال كواكب في ماء ) # فالبيتان الأخيران هما اللذان تضمنا تشبيه المركب بالمركب وإنما جئنا ~~بالبيت الأول سياقة إلى معناهما وهو من التشبيه الذي أحسن فيه البحتري ~~وأغرب # ومن هذا الباب ما ورد لبعض الشعراء في وصف الخمر فقال # ( كانت سراج أناس يهتدون بها % في سالف الدهر قبل النار والنور ) # تهتز في الكأس من ضعف ومن هرم % كأنها قبس في كف مقرور ) # وقد يندر للناظم أو الناثر شيء من كلامه يبلغ الغاية التي لا أمد فوقها ~~وهذان البيتان من هذا القبيل # ومن أغرب ما سمعته في هذا الباب قول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة ~~PageV01P394 # ( فتى عيش في معروفه بعد موته % كما كان بعد السيل مجراه مرتعا ) # القسم الثالث في تشبيه المفرد بالمركب # فمما ورد منه قوله تعالى @QB@ الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة ~~زيتونة لا شرقية ولا غربية @QE@ # وكذلك قوله تعالى @QB@ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به ~~الريح في يوم عاصف @QE@ # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن استنجادا فقلت وهو إذا استصرخ ~~أصرخ بعزم كالشهاب في رجمه وهم كالقوس الممتلئ بنزع سهمه ويرى أن صريخه لم ms275 ~~يخب وأنه إذا لم يجبه بالسيف فكأنه لم يجب فهو مغري جواده وحسامه ومسمع ~~العدو صرير رمحه قبل قعقعة لجامه # وكذلك أيضا ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أذم الفراق فقلت والفراق ~~شيء لا كالأشياء وصاحبه ميت لا كالأموات وحي لا كالأحياء وما أراه إلى كنار ~~الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة وما يجعل صاحبها في ضحضاح منها إلا ~~تواتر الكتاب التي تقيه بعض الوقاء وتقوم له وإن لم يسق مقام الإسقاء # وأما ما ورد منه في الشعر فكقول أبي نواس PageV01P395 # ( إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت % له عن عدو في ثياب صديق ) # وكذلك قول أبي تمام يصف قصيدا له # ( خذها مثقفة القوافي ربها % لسوابغ النعماء غير كنود ) # ( كالدر والمرجان ألف نظمه % بالشذر في عنق الفتاة الرود ) # وكذلك ورد قول البحتري وهو من جملة قصيدته المشهورة التي وصف فيها الفرس ~~والسيف وأولها # ( أهلا بذلكم الخيال المقبل % ) # فقال فيها من أبيات تضمنت وصف السيف بيتا أجاد في تشبيهه # ( وكأنما سود النمال وحمرها % دبت بأيد في قواه وأرجل ) # فشبه فرند السيف بدبيب النمل سودها وحمرها وذلك من التشبيه الحسن ~~PageV01P396 # وأما ما ورد منه مضمر الأداة فكقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ~~العزل فقال ( هو الوأد الخفي ) وهذا تشبيه بليغ والوأد هو ما كانت العرب ~~تفعله في دفن البنات أحياء فجعل العزل في الجماع كالوأد إلا أنه خفي وذاك ~~أنهم كانوا يفعلون بالبنات ذلك هربا منهن وهكذا من يعزل في الجماع فإنما ~~يفعل ذلك هربا من الولد # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ( هو الوأدة الصغرى ) وهذا من الحسن ~~إلى غابة تغض لها العيون طرفها ولا ينتهي الوصف إليها فيكون ترك وصفها ~~كوصفها # ومما جاءني من ذلك فصل من جملة كتاب ضمنته وصف القلم فقلت جدع أنفه فصار ~~في الكيد قصيرا وأرهف صدره فصار في المضاء غضبا شهيرا وقمص لباس السواد وهو ~~شعار الخطباء فنطق بفصل الخطاب ونكس رأسه وهي صورة الإذلال فاختال في مشيه ~~من الإعجاب وأوحى إليه ms276 بنجوى الخواطر وهو الأصم فأفضى بما سمعه إلى الكتاب # وهذه الأوصاف غريبة جدا ومن أغربها ذكر قصير عند جدع الأنف # وأما القسم الرابع وهو تشبيه المركب بالمفرد فإنه قليل الاستعمال بالنسبة ~~إلى الأقسام الثلاثة وليس ذلك إلا لعدم النظير بين المشبه والمشبه به وعلى ~~كثرة ما حفظته من الأشعار لم أجد ما أمثل به هذا القسم إلا مثالا واحدا وهو ~~قول أبي تمام في وصف الربيع # ( يا صاحبي تقصيا نظريكما % تريا وجوه الأرض كيف تصور ) # ( تريا نهارا مشمسا قد شابه % زهر الربا فكأنما هو مقمر ) PageV01P397 # فشبه النهار المشمس مع الزهر الأبيض بضوء القمر وهو تشبيه حسن واقع في ~~موقعه مع ما فيه من لطف الصنعة # ولربما اعترض في هذا الموضع معترض وقال إنك أوردت هذا القسم من التشبيه ~~وذكرت أنه قليل وليس كذلك فإن تشبيه شيئين بشيء واحد كثير كقول أبي الطيب ~~المتنبي # ( تشرق أعراضهم وأوجههم % كأنها في نفوسهم شيم ) # فشبه إشراق الأعراض والوجوه بإشراق الشيم PageV01P398 # الجواب عن ذلك أني أقول هذا البيت المعترض به على ما ذكرته ليس كالذي ~~ذكرته فإن أردت أن يشبه شيئان هما كشيء واحد في الاشتراك بشيء واحد ألا ترى ~~أن نور الشمس من بياض الزهر وهما شيئان مشتركان قد شبها بضوء القمر وأما ~~هذا البيت الذي لأبي الطيب المتنبي فإنه تشبيه شيئين كل واحد منهما مفرد ~~برأسه بشيء واحد لأنه شبه إشراق الأعراض وإشراق الوجوه بإشراق الشيم وهذا ~~غير ما أردته أنا # لكن ينبغي أن تعلم أن تشبيه المركب بالمفرد ينقسم قسمين أحدهما تشبيه ~~شيئين مشتركين بشيء واحد كالذي أوردته لأبي تمام وهو قليل الاستعمال والآخر ~~تشبيه شيئين منفردين بشيء واحد كالذي ذكرته أنت لأبي الطيب المتنبي وهو ~~كثير الاستعمال # وإذا ذكرنا أقسام التشبيه وبينا المحمود منها الذي ينبغي اقتفاء أثره ~~واتباع مذهبه فلنتبعه بضده مما ينبغي اجتنابه والإضراب عنه على أنه قد ~~قدمنا القول بأن حد التشبيه هو أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به فإذا ~~لم يكن بهذه الصفة أو كان ms277 بين المشبه والمشبه به بعد فذلك الذي يطرح ولا ~~يستعمل والذي يرد منه مضمر الأداة لا يكون إلا في القسم الواحد من أقسام ~~المجازي وهو التوسع وقد قدمت القول في ذلك في أول باب الاستعارة وضربت له ~~أمثلة منها قول أبي نواس # ( ما لرجل المال أمست % تشتكي منك الكلالا ) # فجعل للمال رجلا وذلك تشبيه بعيد ولا حاجة إلى إعادة ذلك الكلام ههنا ~~بجملته لكن قد أشرت إليه إشارة خفيفة # ومن أقبح ما سمعته من ذلك قول أبي تمام PageV01P399 # ( وتقاسم الناس السخاء مجزأ % وذهبت أنت برأسه وسنامه ) # ( وتركت للناس الإهاب وما بقى % من فرثه وعروقه وعظامه ) # والقبح الفاحش في البيت الثاني فإن غرضه أن يقول ذهب بالأعلى وترك للناس ~~الأدنى أو ذهبت بالجيد وتركت للناس الرديء # وقد عيب عليه قوله # ( لا تسقني ماء الملام فإنني % صب قد استعذبت ماء بكائي ) # وقيل إنه جعل للملام ماء وذلك تشبيه بعيد وما بهذا التشبيه عندي من بأس ~~بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم وهو قريب من وجه بعيد من ~~وجه أما مناسب قربه فهو أن الملام هو القول الذي يعنف به الملوم لأمر جناه ~~وذاك مختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق كأنه قال ~~لا تذقني الملام ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تشبيها حسنا لكنه جاء ~~بذكر الماء فحط من درجته شيئا ولما كان السمع يتجرع الملام أولا أولا كتجرع ~~الحلق الماء صار كأنه شبيه به وهو تشبيه معنى بصورة وأما سبب بعد هذا ~~التشبيه فهو أن الماء مستلذ والملام مستكره فحصل بينهما مخالفة من هذا ~~الوجه فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقرب من وجه فيغفر هذا لهذا ولذلك جعلته ~~من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم PageV01P400 # وقد روي وهو رواية ضعيفة أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورة ~~وقال ابعث في هذه شيئا من ماء الملام فأرسل إليه أبو تمام وقال إذا بعثت ~~إلي ريشة من جناح الذل ms278 بعثت إليك شيئا من ماء الملام وما كان أبو تمام ~~ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين فإنه ليس جعل الجناح للذل كجعل الماء ~~للملام فإن الجناح للذل مناسب وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه ~~وخفضه وألقى نفسه على الأرض وللإنسان أيضا جناح فإن يديه جناحاه وإذا خضع ~~واستكان طأطأ من رأسه وخفض من يديه فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل وصار ~~تشبيها مناسبا وأما الماء للملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه # وأما التشبيه المضمر الأداة من هذا الباب فقد أوردت له أمثلة يستدل بها ~~على أشباهه وأمثاله فإن لذكر المثال فائدة لا تكون لذكر الحد وحده # فمن ذلك قول بعضهم # ( ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه % ظباء جرت منها سنيح وبارح ) # وكذلك قول الآخر يصف السهام # ( كساها رطيب الريش فاعتدلت له % قداح كأعناق الظباء الفوارق ) # فإنه شبه السهام بأعناق الظباء وذلك من أبعد التشبيهات # وعلى نحو منه قول الفرزدق # ( يمشون في حلق الحديد كما مشت % جرب الجمال بها الكحيل المشعل ) # فشبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب وهذا من التشبيه البعيد لأنه إن ~~أراد السواد فلا مقاربة بينهما في اللون لأن لون الحديد أبيض ومن أجل ذلك ~~سميت السيوف بالبيض ومع كون هذا التشبيه بعيدا فإنه تشبيه سخيف PageV01P401 # ومن التشبيهات الباردة قول أبي الطيب المتنبي # ( وجرى على الورق النجيع القاني % فكأنه النارنج في الأغصان ) # وهذا تشبيه ينكره أهل التجسيم وإذا قسمت التشبيهات بين البعد والبرد حاز ~~طرفي ذلك التقسيم # وأبشع من هذا قول أبي نواس في الخمر # ( كأن برانسا رواكد حولها % وزرق سنانير تدير عيونها ) # والعجب أنه يقول مثل هذا الغث الذي لا لاءمة بينه وبين ما شبه به ويقرنه ~~بالبديع الذي أحسن فيه وأبدع وهو # ( كأنا حلول بين أكناف روضة % إذا ما سلبناها مع الليل طينها ) # فانظر كيف قرن بين ورده وسعدانه لا بل بين بعره ومرجانه وقد أكثر في ~~تشبيه الخمر فأحسن في موضع وأساء في موضع ومن إساءته قوله أيضا في أبيات ~~لامية PageV01P402 # ( وإذا ما ms279 الماء واقعها % أظهرت شكلا من الغزل ) # ( لؤلؤات ينحدرن بها % كانحدار الذر من جبل ) # فشبه الحبب في انحداره بنمل صغار ينحدر من جبل وهذا من البعد على غاية لا ~~يحتاج إلى بيان وإيضاح # واعلم أن من التشبيه ضربا يسمى الطرد والعكس وهو أن يجعل المشبه به مشبها ~~والمشبه مشبها به وبعضهم يسميه غلبة الفروع على الأصول ولا تجد شيئا من ذلك ~~إلا والغرض به المبالغة # فمما جاء من ذلك قول ذي الرمة # ( ورمل كأرداف العذارى قطعته % إذا ألبسته المظلمات الحنادس ) # ألا ترى إلى ذي الرمة كيف جعل الأصل فرعا والفرع أصلا وذاك أن العادة ~~والعرف في هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء وهو مطرد في بابه فعكس ~~ذو الرمة القصة في ذلك فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء وإنما فعل ذلك ~~مبالغة أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء وصار كأنه الأصل ~~حتى شبهت به كثبان الأنقاء PageV01P403 # وعلى نحو من هذا جاء قول البحتري # ( في طلعه البدر شيء من محاسنها % وللقضيب نصيب من تثنيها ) # وكذلك ورد قول عبد الله بن المعتز في قصيدته المشهورة التي أولها # ( سقى المطيرة ذات الطل والشجر % ) # فقال في تشبيه الهلال # ( ولاح ضوء قمير كاد يفضحنا % مثل القلامة قد قدت من الظفر ) # ولما شاع ذلك في كلام العرب واتسع صار كأنه هو الأصل وهو موضع من علم ~~البيان حسن الموقع لطيف المأخذ # وهذا قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب الخصائص وأورده هكذا مهملا # ولما نظرت أنا في ذلك وأنعمت نظري فيه تبين لي ما أذكره وهو أنه قد تقرر ~~في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه أن يشبه الشيء بما يطلق عليه لفظة ~~أفعل أي يشبه بما هو أبين وأوضح أو بما هو أحسن منه أو أقبح وكذلك يشبه ~~الأقل بالأكثر والأدنى بالأعلى # وهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة لأن الذي قدمناه ذكره مطرد في بابه ~~وعليه مدار الاستعمال وهذا غير مطرد وإنما يحسن في عكس المعنى المتعارف ~~وذاك أن تجعل المشبه به مشبها ms280 والمشبهة مشبها به ولا يحسن في غير ذلك مما ~~PageV01P404 ليس بمتعارف ألا ترى أن من العادة والعرف أن تشبه الأعجاز ~~بالكثبان فلما عكس ذو الرمة هذه القضية في شعره جاء حسنا لائقا وكذلك فعل ~~البحتري فإن من العادة والعرف أن يشبه الوجه الحسن بالبدر والقد الحسن ~~بالقضيب فلما عكس البحتري القضية في ذلك جاء أيضا حسنا لائقا ولو شبه ذو ~~الرمة الكثبان بما هو أصغر منها غير الأعجاز لما حسن ذلك وهكذا لو شبه ~~البحتري طلعة البدر بغير طلعة الحسناء والقضيب بغير قدها لما حسن ذلك أيضا ~~وهكذا القول في تشبيه عبد الله بن المعتز صورة الهلال بالقلامة لأن من ~~العادة أن تشبه القلامة بالهلال فلما صار ذلك مشهورا متعارفا حسن عكس ~~القضية فيه # | النوع الثالث في التجريد # وهذا اسم كنت سمعته فقال القائل التجريد في الكلام حسن ثم سكت فسألته عن ~~حقيقته فقال كذا سمعت ولم يزد شيئا فأنعمت حينئذ نظري في هذا النوع من ~~الكلام فألقي في روعي أنه ينبغي أن يكون كذا وكذا وكان الذي وقع لي صوابا ~~ثم مضى على ذلك برهة من الزمان ووصل إلى ما ذكره أبو علي الفارسي رحمه الله ~~تعالى وقد أوردته ههنا وذكرت ما أتيت به من ذات خاطري من زيادة لم يذكرها ~~وستقف أيها المتأمل على كلامه وكلامي # فأما حد التجريد فإنه إخلاص الخطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك لا المخاطب ~~نفسه لأن أصله في وضع اللغة من جردت السيف إذا نزعته من غمده وجردت فلانا ~~إذا نزعت ثيابه ومن ههنا قال صلى الله عليه وسلم ( لا مد ولا تجريد ) وذلك ~~في النهي عند إقامة الحد أن يمد صاحبه على الأرض وأن تجرد عنه ثيابه وقد ~~نقل هذا المعنى إلى نوع من أنواع علم البيان # وقد تأملته فوجدت له فائدتين إحداهما أبلغ من الأخرى # فالأولى طلب التوسع في الكلام فإنه إذا كان ظاهره خطابا لغيرك وباطنه ~~PageV01P405 خطابا لنفسك فإن ذلك من باب التوسع وأظن أنه شيء اختصت به ~~اللغة العربية ms281 دون غيرها من اللغات # والفائدة الثانية وهي الأبلغ وذاك أنه يتمكن المخاطب من أجراء الأوصاف ~~المقصودة من مدح أو غيره على نفسه إذ يكون مخاطبا بها غيره ليكون أعذر ~~وأبرأ من العهدة فيما يقوله غير محجور عليه # وعلى هذا فإن التجريد ينقسم قسمين أحدهما تجريد محض والآخر تجريد غير محض # فالأول وهو المحض أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك وذلك ~~كقول بعض المتأخرين وهو الشاعر المعروف بالحيص بيص في مطلع قصيدة له # ( إلام يراك المجد في زي شاعر % وقد نحلت شوقا فروع المنابر ) # ( كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة % ببعضهما ينقاد صعب المفاخر ) # ( أما وأبيك الخير إنك فارس المقال % ومحيي الدارسات الغوابر ) # ( وإنك أعييت المسامع والنهى % بقولك عما في بطون الدفاتر ) # فهذا من محاسن التجريد ألا ترى أنه أجرى الخطاب على غيره وهو يريد نفسه ~~كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة وعد ما عده من الفضائل التائهة ~~وكل ما يجيء من هذا القبيل فهو التجريد المحض # وأما ما قصد به التوسع خاصة فكقول الصمة بن عبد الله من شعراء الحماسة ~~PageV01P406 # ( حننت إلى ريا ونفسك باعدت % مزارك من ريا وشعباكما معا ) # ( فما حسن أن تأتي الأمر طائعا % وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا ) # وقد ورد بعد هذين البيتين ما يدل على أن المراد بالتجريد فيهما التوسع ~~لأنه قال # ( وأذكر أيام الحمى ثم أنثني % على كبدي من خشية أن تصدعا ) # ( بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا % وما أحسن المصطاف والمتربعا ) # فانتقل من الخطاب التجريدي إلى خطاب النفس ولو استمر على الحالة الأولى ~~لما قضي عليه بالتوسع وإنما كان يقضي عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف ~~الآخر ويتأول له بأن عرضه من خطاب غيره أن ينفي عن نفسه سمعة الهوى ومعرة ~~العشق لما في ذلك من الشهرة والغضاضة لكن قد زال هذا التأويل بانتقاله عن ~~التجريد أولا إلى خطاب النفس # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي # ( لا خيل عندك تهديها ولا مال % فليسعد النطق إن لم ms282 تسعد الحال ) ~~PageV01P407 # ( واجز الأمير الذي نعماه فاجئة % بغير قول ونعمى القوم أقوال ) # وهذان البيتان من مطلع قصيدة يمدح بها فاتكا الإخشيدي بمصر وكان وصله ~~بصلة سنية من نفقة وكسوة قبل أن يمدحه ثم مدحه بعد ذلك بهذه القصيدة وهي من ~~غرر شعره وقد بنى مطلعها على المعنى المشار إليه من ابتداء فاتك إياه ~~بالصلة قبل المديح وليس في التجريد المذكور في هذين البيتين ما يدل على وصف ~~النفس ولا على تزكيتها بالمديح كما ورد في الأبيات الرائية المتقدم ذكرها ~~وإنما هو توسع لا غير # وأما القسم الثاني وهو غير المحض فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك ولئن كان بين ~~النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد لعلاقة أحدهما بالآخر # وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر وذاك أولى بأن يسمى تجريدا لأن ~~التجريد لائق به وهذا هو نصف تجريد لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئا وإنما ~~خاطبت نفسك بنفسك كأنك فصلتها عنك وهي منك # فمما جاء منه قول عمرو بن الإطنابة # ( أقول لها وقد جشأت وجاشت % رويدك تحمدي أو تستريحي ) PageV01P408 # وكذلك قول الآخر # ( أقول للنفس تأساء وتعزية % إحدى يدي أصابتني ولم ترد ) # وليس في هذا ما يصلح أن يكون خطابا لغيرك كالأول وإنما المخاطب هو ~~المخاطب بعينه وليس ثم شيء خارج عنه # وأما الذي ذكره أبو علي الفارسي رحمه الله فإنه قال إن العرب تعتقد أن في ~~الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فيخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها ~~مجردا من الإنسان كأنه غيره وهو هو بعينه نحو قولهم لئن لقيت فلانا لتلقين ~~به الأسد ولئن سألته لتسألن منه البحر وهو عينه الأسد والبحر لا أن هناك ~~شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه # ثم قال وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه حتى كأنه يقاول غيره كما ~~قال الأعشى # ( وهل تطيق وداعا أيها الرجل % ) # وهو الرجل نفسه لا غيره # هذا خلاصة ما ذكره أبو علي رحمه الله PageV01P409 # والذي عندي فيه أنه أصاب في الثاني ولم يصب في الأول لأن ms283 الثاني هو ~~التجريد ألا ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه وهو يريدها وأما الأول وهو ~~قوله لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد ولئن سألته لتسألن منه البحر فإن هذا ~~تشبيه مضمر الأداة إذ يحسن تقدير أداء التشبيه فيه وبيان ذلك أنك تقول لئن ~~ليت فلانا لتلقين منه كالأسد ولئن سألته لتسألن منه كالبحر وليس هذا بتجريد ~~لأن حقيقة التجريد غير موجودة فيه وإنما هو تشبيه مضمر الأداة ألا ترى أن ~~المذكور هو كالأسد وهو كالبحر وليس ثم شيء مجرد عنه كما تقدم في الأبيات ~~الشعرية # ويبطل على أبي علي قوله أيضا من وجه آخر وذاك أنه قال إن العرب تعتقد أن ~~في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فخرج ذلك المعنى إلى ~~ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره وهو هو كالمثال الذي مثله في تشبيهه ~~بالأسد وتشبيهه بالبحر وهذا ينتقض بقولنا لئن رأيت الأسد لترين منه هضبة ~~ولئن لقيته لتلقين منه الموت فإن الصورة التي أوردها في الإنسان وزعم أن ~~العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد فتخصيصه ذلك ~~بالإنسان باطل وكلا الصورتين ليس بتجريد وإنما هو تشبيه مضمر الأداة وقد ~~سبق القول بأن التجريد هو أن تطلق الخطاب على غيرك ولا يكون هو المراد ~~وإنما المراد نفسك وهذا لا يوجد في هذا المثال المضمر الأداة بل المخاطب هو ~~هو لا غيره فلا يطلق عليه إذا اسم التجريد لأنه خارج عن حقيقته ومناف ~~لموضوعه فإذا قال القائل لئن لقيته لتلقين به كالأسد ولئن سألته لتسألن منه ~~كالبحر لم يجرد عن المقول عنه شيئا وإنما شبهه تارة بالأسد في شجاعته وتارة ~~بالبحر في سخائه # وما أعلم كيف ذهب هذا على مثل أبي علي رحمه الله حتى خلطه بالتجريد ~~وأجراه مجراه # وأما قول إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ~~ومحصوله فأقول وغير العرب أيضا تعتقد ذلك فإن عنى بالمعنى الكامن معنى ~~الإنسانية الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع فما هذا من ms284 الشيء الغريب ~~الخفي PageV01P410 الذي علمته العرب خاصة وانفرد باستخراجه أبو علي رحمه ~~الله وإن عنى بالمعنى الكامن ما فيه من الأخلاق كالشجاعة والسخاء في المثال ~~الذي ذكره حتى يشبه بالأسد تارة وبالبحر أخرى فليس الإنسان مختصا بهذا ~~المعنى الكامن دون غيره من الحيوانات بل الأسد فيه من معنى الشجاعة ما ليس ~~في الإنسان ولهذا إذا بولغ في وصف الإنسان بالشجاعة شبه بالأسد وكذلك في ~~بعض الحيوانات من السخاء ما ليس في الإنسان ومن أمثال أكرم من ديك لأنه إذا ~~ظفر بحبة من الحنطه أخذها في منقاره وطاف بها على الدجاج حتى يضعها في ~~منقار واحدة منهن فالأخلاق إذا مشتركة بين الإنسان وبين غيره من الحيوانات ~~غير أن الإنسان يجتمع فيه ما تفرق في كثير منها # وما أعلم ما أراد أبو علي رحمه الله بقوله إن في الإنسان معنى كامنا فيه ~~كأنه حقيقته ومحصوله إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت إليهما # على أن القسم الواحد الذي هو خلق الشجاعة والسخاء وغيره من الأخلاق ليس ~~عبارة عن حقيقة الإنسان إذ لا يقال في حده حيوان شجاع ولا سخي بل يقال ~~حيوان ناطق فالنطق الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع هو حقيقة الإنسان ~~فبطل إذا قول أبي علي رحمه الله في تمثيله حقيقة الإنسان بالشجاعة والسخاء # فالخطأ توجه في كلامه من وجهين أحدهما أنه جعل حقيقة الإنسان عبارة عن ~~خلقه والآخر أنه أدخل في التجريد ما ليس منه # وهذا القدر كاف في هذا الموضع فليتأمل PageV01P411 PageV02P002 # | النوع الرابع # # | في الالتفات # وهذا النوع ما يليه من خلاصة علم البيان التي حولها يدندن وإليها تستند ~~البلاغة وعنها يعنعن وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله فهو ~~يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة لأنه ~~ينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة كالانتقال من خطاب حاضر إلى غائب أو من خطاب ~~غائب إلى حاضر أو من فعل ماض إلى مستقبل أو من مستقبل إلى ماض أو غير ذلك ~~مما يأتي ms285 ذكره مفصلا ويسمى أيضا ( شجاعة العربية ) وإنما سمي بذلك لأن ~~الشجاعة هي الإقدام وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره ويتورد ~~ما لا يتورده سواه وكذلك هذا الالتفات في الكلام فإن اللغة العربية تختص به ~~دون غيرها من اللغات # وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام # القسم الأول في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة # أعلم أن عامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى ~~الخطاب وعن الخطاب إلى الغيبة قالوا كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامها ~~وهذا القول هو عكاز العميان كما يقال ونحن إنما نسأل عن السبب الذي قصدت ~~العرب ذلك من أجله # وقال الزمخشري رحمه الله إن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل ~~للتفنن في الكلام والانتقال من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع وإيقاظا ~~للإصغاء إليه # وليس الأمر كما ذكره لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم ~~PageV02P003 يكن إلا تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه فإن ذلك دليل ~~على أن السامع يمل من أسلوب واحد فينتقل إلى غيره ليجد نشاطا للاستماع وهذا ~~قدح في الكلام لا وصف له لأنه لو كان حسنا لما مل ولو سلمنا إلى الزمخشري ~~ما ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك في الكلام المطول ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك ~~لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة في مواضع ~~كثيرة من القرآن الكريم ويكون مجموع الجانبين مما يبلغ عشرة ألفاظ أو أقل ~~من ذلك ومفهوم قول الزمخشري في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب إنما يستعمل ~~قصدا للمخالفة بين المنتقل عنه والمنتقل إليه لا قصدا لاستعمال الأحسن وعلى ~~هذا فإذا وجدنا كلاما قد استعمل في جميعه الإيجاز ولم ينتقل عنه أو استعمل ~~فيه جميعه الإطناب ولم ينتقل عنه وكان كلا الطرفين واقعا في موقعه قلنا هذا ~~ليس بحسن إذ لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب وهذا قول فيه ما فيه وما أعلم ~~كيف ذهب على مثل ms286 الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة # والذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة أو من الغيبة إلى ~~الخطاب لا يكون إلا لفائدة اقتضته وتلك لفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب ~~إلى أسلوب غير أنها لا تحد بحد ولا تضبط بضابط لكن يشار إلى مواضع منها ~~ليقاس عليها غيرها فإنا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل ~~لتعظيم شأن المخاطب ثم رأينا ذلك بعينه وهو ضد الأول قد استعمل في الانتقال ~~من الخطاب إلى الغيبة فعلمنا حينئذ أن الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من ~~الكلام لا يجري على وتيرة واحدة وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى ~~المقصود وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر وإنما يؤتى بها على حسب ~~الموضع الذي ترد فيه # وسأوضح ذلك في ضرب من الأمثلة الآتي ذكرها # فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى في سورة الفاتحة @QB@ ~~الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك ~~نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ هذا رجوع من ~~الغيبة إلى PageV02P004 الخطاب وبما يختص به هذا الكلام من الفوائد قوله ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ بعد قوله @QB@ الحمد لله رب العالمين ~~@QE@ فإنه إنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب لأن الحمد دون العبادة ألا ~~تراك تحمد نظيرك ولا تعبده فلما كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه ~~مع الغيبة في الخبر فقال @QB@ الحمد لله @QE@ ولم يقل ( الحمد لك ) ولما ~~صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال @QB@ إياك نعبد @QE@ فخاطب ~~بالعبادة إصراحا بها وتقربا منه عز اسمه بالانتهاء إلى محدود منها وعلى نحو ~~من ذلك جاء آخر السورة فقال @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ فأصرح الخطاب ~~لما ذكر النعمة ثم قال @QB@ غير المغضوب عليهم @QE@ عطفا على الأول لأن ~~الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ ~~منحرفا عن ذكر الغاضب فأسند النعمة إليه لفظا وزوى عنه لفظ الغضب تحننا ~~ولطفا فانظر إلى هذا الموضع وتناسب هذه ms287 المعاني الشريفة التي الأقدام لا ~~تكاد تطؤها والأفهام مع قربها صافحة عنها وهذه السورة قد انتقل في أولها من ~~الغيبة إلى الخطاب لتعظيم شأن المخاطب ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى ~~الغيبة لتلك العلة بعينها وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا لأن مخاطبة الرب ~~تبارك وتعالى بإسناد النعمة إليه تعظيم لخطابه وكذلك ترك مخاطبته بإسناد ~~الغضب إليه تعظيم لخطابه فانبغى أن يكون صاحب هذا الفن من الفصاحة والبلاغة ~~عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها # ومن هذا الضرب قوله تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا @QE@ وإنما قيل @QB@ لقد جئتم @QE@ وهو خطاب للحاضر بعد قوله @QB@ ~~وقالوا @QE@ وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة وهي زيادة التسجيل عليهم بالجراءة ~~على الله تعالى والتعرض لسخطه وتنبيه لهم على عظم ما قالوه كأنه يخاطب قوما ~~حاضرين بين يديه منكرا عليهم وموبخا لهم # ومما جاء من الالتفات مرارا على قصر متنه وتقارب طرفيه قوله تعالى أول ~~سورة بني إسرائيل @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير @QE@ ~~فقال PageV02P005 أولا @QB@ سبحان الذي أسرى @QE@ بلفظ الواحد ثم قال @QB@ ~~الذي باركنا @QE@ بلفظ الجمع ثم قال @QB@ إنه هو السميع البصير @QE@ وهو ~~خطاب غائب ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ~~من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو ~~السميع البصير وهذا جميعه يكون معطوفا على أسرى فلما خولف بين المعطوف ~~والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا وتفننا في ~~أساليب الكلام ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ # وسأذكر ما سنح لي فيه فأقول لما بدأ الكلام بسبحان ردفه بقوله الذي أسرى ~~إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد والله تعالى أعظم ~~العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الأول ~~بالثانيفقال @QB@ باركنا @QE@ ثم قال @QB@ لنريه من آياتنا @QE@ فجاء بذلك ~~على نسق @QB@ باركنا ms288 @QE@ ثم قال @QB@ إنه هو @QE@ عطفا على أسرى وذلك موضع ~~متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره وتلك حال متوسطة ~~فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب نائب فانظر إلى هذه الالتفاتات ~~المترادفة في هذه الآية الواحدة التي جاءت لمعان اختصت بها يعرفها من ~~يعرفها ويجهلها من يجهلها # ومما ينخرط في هذا السلك الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس كقوله ~~تعالى @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء ~~أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم @QE@ ~~وهذا رجوع من الغيبة إلى خطاب النفس فإنه قال @QB@ وزينا @QE@ بعد قوله ~~@QB@ ثم استوى @QE@ وقوله @QB@ فقضاهن @QE@ @QB@ وأوحي @QE@ والفائدة في ~~ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء ~~الدنيا وأنها ليست حفظا ولا رجوما فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب ~~الغائب إلى خطاب النفس لأنه مهم من مهمات الإعتقاد وفيه تكذيب للفرقة ~~المكذبة المعتقدة بطلانه وفي خلاف هذا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب ~~الغيبة PageV02P006 PageV02P005 # ومما ينخرط في هذا السلك أيضا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة ~~كقوله تعالى @QB@ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون @QE@ وإنما صرف ~~الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة وهو ~~يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح حيث لا ~~يريد لهم إلا ما يريد لنفسه وقد وضع قوله @QB@ وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~@QE@ مكان قوله وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ألا ترى إلى قوله @QB@ وإليه ~~ترجعون @QE@ ولولا أنه قصد ذلك لقال الذي فطرني وإليه أرجع وقد ساقه ذلك ~~المساق إلى أن قال @QB@ إني آمنت بربكم فاسمعون @QE@ فانظر أيها المتأمل ~~إلى هذه النكت الدقيقة التي تمر عليها في آيات القرآن الكريم وأنت تظن أنك ~~فهمت فحواها واستنبطت رموزها # وعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في ms289 الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد ~~كقوله تعالى @QB@ حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا ~~منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك ~~إنه هو السميع العليم @QE@ ) والفائدة ههنا في الرجوع من خطاب النفس إلى ~~خطاب الواحد تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر والإشارة بأن إنزال ~~الكتاب إنما هو إليه وإن لم يكن ذلك صريحا لكن مفهوم الكلام يدل عليه # وإذا تأملت مطاوي القرآن الكريم وجدت فيه من هذا وأمثاله أشياء كثيرة ~~وإنما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها # وقد ورد في فصيح الشعر شيء من ذلك كقول أبي تمام PageV02P007 # ( وركب يساقون الركاب زجاجة % من السير لم تقصد لها كف قاطب ) # ( فقد أكلوا منها الغوارب بالسرى % وصارت لها أشباحهم كالغوارب ) # ( يصرف مسراها جذيل مشارق % إذا آبه هم عذيق مغارب ) # ( يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر % وبالعرمس الوجناء غرة آئب ) # ( كأن بها ضغنا على كل جانب % من الأرض أو شوقا إلى كل جانب ) # ( إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد % تقطع ما بيني وبين النوائب ) # ( هنالك تلقى الجود من حيث قطعت % تمائمه والمجد مرخى الذوائب ) ~~PageV02P008 # ألا ترى أنه قال في الأول ( يصرف مسراها ) مخاطبة للغائب ثم قال بعد ذلك ~~( إذا العيس لاقت بي ) مخاطبا نفسه وفي هذا من الفائدة أنه لما صار إلى ~~مشافهة للمدوح والتصريح باسمه خاطب عند ذلك نفسه مبشرا لها بالبعد عن ~~المكروه والقرب من المحبوب ثم جاء بالبيت الذي يليه معدولا به عن خطاب نفسه ~~إلى خطاب غيره وهو أيضا خطاب لحاضر فقال ( هنالك تلقى الجود ) والفائدة ~~بذلك أنه يخبر غيره بما شهده كأنه يصف له جود الممدوح وما لاقاه منه إشادة ~~بذكره وتنويها باسمه وحملا لغيره على قصده وفي صفته جود الممدوح بتلك الصفة ~~الغريبة البليغة وهي قوله ( حيث قطعت تمائمه ) ما يقتضي له الرجوع إلى خطاب ~~الحاضر والمراد بذلك أن محل الممدوح هو مألف الجود ومنشؤه ووطنه وقد يراد ms290 ~~به معنى آخر وهو أن هذا الجود قد أمن عليه الآفات العارضة لغيره من المن ~~والمطل والاعتذار وغير ذلك إذ التمائم لا تقطع إلا عمن أمنت عليه المخاوف # على هذا النهج ورد قول أبي الطيب المتنبي في قصيد يمدح به ابن العميد في ~~النوروز ومن عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم فقال في آخر ~~القصيد # ( كثر الفكر كيف نهدي كما أهدت إلى ربها المليك عباده % ) # ( والذي عندنا من المال والخيل فمنه هباته وقياده % ) # ( فبعثنا بأربعين مهارا % كل مهر يدانه إنشاده ) PageV02P009 # ( عدد عشته يرى الجسم فيه % أربا لا يراه فيما يزاده ) # ( فارتبطها فإن قلبا نماها % مربط تسبق الجيادجياده ) # وهذا من إحسان أبي الطيب المعروف وهو رجوع عن خطاب الغائب إلى الحاضر ~~واحتج أبو الطيب عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة ~~وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة والشباب وقضاء ~~الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد ~~القصيد على هذه العدة وهذا حسن غريب # وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة فكقوله تعالى @QB@ هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ~~ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين @QE@ فإنه إنما صرف الكلام ~~ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ~~كالمخبر لهم ويستدعي منهم الإنكار عليهم ولو قال حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية لذهبت تلك ~~الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة وليس ذلك بخاف عن نقدة الكلام # ومما ينخرط في هذا السلك قوله تعالى @QB@ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون @QE@ الأصل في تقطعوا ~~تقطعتم عطفا على الأول إلا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة ms291 على طريقة ~~PageV02P010 الالتفات كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين ويقبح عندهم ~~ما فعلوه ويقول ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى فجعلوا ~~أمر دينهم فيما بينهم قطعا وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم ثم توعدهم ~~بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فهو مجازيهم على ما فعلوا ~~ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون @QE@ ~~فإنه إنما قال @QB@ فآمنوا بالله ورسوله @QE@ ولم يقل فآمنوا بالله وبي ~~عطفا على قوله إني رسول الله إليكم لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه ~~وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والاتباع له هو هذا الشخص الموصوف بأنه ~~النبي الأمي الذي يؤمن بالله وبكلماته كائنا من كان أنا أو غيري إظهارا ~~للنصفة وبعدا من التعصب لنفسه فقدر أولا في صدر الآية إني رسول الله إلى ~~الناس ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين الأول منهما إجراء ~~تلك الصفات عليه والثاني الخروج من تهمة التعصب لنفسه # القسم الثاني في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر وعن الفعل ~~الماضي إلى فعل الأمر # وهذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا ~~للتوسع في أساليب الكلام فقط بل لأمر وراء ذلك وإنما يقصد إليه تعظيما لحال ~~من أجري عليه الفعل المستقبل وتفخيما لأمره وبالضد من ذلك فيمن أجري عليه ~~فعل الأمر # فمما جاء منه قوله تعالى @QB@ يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون @QE@ فإنه إنما قال @QB@ أشهد ~~الله واشهدوا @QE@ ولم يقل واشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده ~~الله على البراءة من الشرك PageV02P011 صحيح ثابت وأما إشهادهم فما هو إلا ~~تهاون ms292 بهم ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم ولذلك عدل به عن لفظ الأول ~~لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر كما يقول الرجل لمن يبس الثرى ~~بينه وبينه اشهد علي أني أحبك تهكما به واستهانة بحاله # وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر إلا أنه ليس كالأول بل إنما ~~يفعل ذلك توكيدا لما أجري عليه فعل الأمر لمكان العناية بتحقيقه كقوله ~~تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له ~~الدين @QE@ الآية وكان تقدير الكلام أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل ~~مسجد فعدل عن ذلك إلى فعل الأمر للعناية بتوكيده في نفوسهم فإن الصلاة من ~~أوكد فرائض الله على عباده ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب إذ عمل ~~الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~الأعمال بالنيات ) # واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى ~~صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك وهو لا يتوخاه في كلامه إلا ~~العارف برموز الفصاحة والبلاغة الذي اطلع على أسرارهما وفتش عن دفائنهما ~~ولا تجد ذلك في كل كلام فإنه من أشكل ضروب علم البيان وأدقها فهما وأغمضها ~~طريقا # القسم الثالث في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل وعن المستقبل بالماضي # فالأول الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي اعلم أن الفعل المستقبل إذا ~~أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك من الإخبار بالفعل الماضي ~~وذاك لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها ويستحضر تلك الصورة حتى ~~كأن السامع يشاهدها وليس كذلك الفعل الماضي وربما أدخل في هذا الموضع ما ~~ليس منه جعلا بمكانه فإنه ليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجرى ~~PageV02P012 # وسأبين ذلك فأقول عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين أحدهما بلاغي ~~وهو إخبار عن ماض بمستقبل وهو الذي أنا بصدد ذكره في كتابي هذا الذي هو ~~موضوع لتفصيل ضروب الفصاحة والبلاغة والآخر غير بلاغي وليس إخبار بمستقبل ms293 ~~عن ماض وإنما هو مستقبل دل على معنى مستقبل غير ماض ويراد به أن ذلك الفعل ~~مستمر الوجود لم يمض # فالضرب الأول كقوله تعالى @QB@ والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ~~فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور @QE@ فإنه إنما ~~قال @QB@ فتثير @QE@ مستقبلا وما قبله وما بعده ماض لذلك المعنى الذي أشرنا ~~إليه وهو حكاية الحبل التي تقع فيها إثارة الريح السحاب واستحضار تلك ~~الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع ~~تمييز وخصوصية كحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك # وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه في غزوة ~~بدر فإنه قال لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص وهو على فرس وعليه لأمة كاملة لا ~~يرى منه إلا عيناه وهو يقول أنا أبو ذات الكئوس وفي يدي عنزة فأطعن بها في ~~عينه فوقع وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة متعقفة فقوله ( فأطعن بها في ~~عينه وأطأ برجلي ) معدول به عن لفظ الماضي إلى المستقبل ليمثل للسامع ~~الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام والجراءة على قتل ذلك الفارس ~~المستلئم ألا ترى أنه قال أولا لقيت عبيدة بلفظ الماضي ثم قال بعد ذلك ~~فأطعن بها في عينه ولو عطف كلامه على أوله لقال فطعنت بها في عينه ~~PageV02P013 # وعلى هذا ورد قول تأبط شرا # ( بأبي قد لقيت الغول تهوي % بسهب كالصحيفة صحصحان ) # ( فأضربها بلا دهش قخرت % صريعا لليدين وللجران ) # فإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول كأنه يبصرهم ~~إياها مشاهدة للتعجب من جراءته على ذلك الهول ولو قال فضربتها عطفا على ~~الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة # فإن قيل إن الفعل الماضي أيضا يتخيل منه السامع ما يتخيله من المستقبل # قلت في الجواب إن التخيل يقع في الفعلين معا ولكنه في أحدهما - وهو ~~المستقبل - أوكد وأشد تخيلا لأنه يستحضر صورة الفعل حتى كأن السامع ينظر ~~إلى فاعلها في حال وجود الفعل ms294 منه ألا ترى أنه لما قال تأبط شرا ( فأضربها ~~) تخيل السامع أنه مباشر للفعل وأنه قائم بإزاء الغول وقد رفع سيفه ليضربها ~~وهذا لا يوجد في الفعل الماضي لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلا قد مضى من ~~غير إحضار للصورة في حالة سماع الكلام الدال عليه وهذا لا خلاف فيه وهكذا ~~PageV02P014 يجري الحكم في جميع الآيات المذكورة وفي الأثر عن الزبير رضي ~~الله عنه وفي الأبيات الشعرية # وعليه ورد قوله تعالى أيضا وهو @QB@ ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له ~~عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق @QE@ فقال أولا ( خر من ~~السماء ) بلفظ الماضي ثم عطف عليه المستقبل الذي هو ( فتخطفه ) و ( تهوي ) ~~وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه وهوي الريح به ~~والفائدة في ذلك ما أشرت إليه فيما تقدم وكثيرا ما يراعى أمثال هذا في ~~القرآن # وأما الضرب الثاني - الذي هو مستقبل - فكقوله تعالى @QB@ إن الذين كفروا ~~ويصدون عن سبيل الله @QE@ فإنه إنما عطف المستقبل على الماضي لأن كفرهم كان ~~ووجد ولم يستجدوا بعده كفرا ثانيا وصدهم متجدد على الأيام لم يمض كونه ~~وإنما هو مستمر يستأنف في كل حين وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ ألم تر أن الله ~~أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير @QE@ ألا ترى كيف ~~عدل عن لفظ الماضي ههنا إلى المستقبل فقال @QB@ فتصبح الأرض مخضرة @QE@ ولم ~~يقل فأصبحت عطفا على أنزل وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان ~~فإنزال الماء مضى وجوده واخضرار الأرض باق لم يمض وهذا كما تقول أنعم علي ~~فلان فأروح وأغدو شاكرا له ولو قلت فرحت وغدوت شاكرا له لم يقع ذلك الموقع ~~لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى وهذا موضع حسن ينبغي أن يتأمل # وأما الإخبار بالفعل ms295 الماضي عن المستقبل فهو عكس ما تقدم ذكره وفائدته أن ~~الفعل الماضي إذا أخبر به عن الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك أبلغ ~~وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ~~ووجد وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي ~~يستعظم وجودها PageV02P015 # والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين ~~هيئة الفعل واستحضار صورته ليكون السامع كأنه يشاهدها والغرض بهذا هو ~~الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد # فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى @QB@ ويوم ينفخ ~~في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض @QE@ فإنه إنما قال @QB@ ففزع ~~@QE@ بلفظ الماضي بعد قوله @QB@ ينفخ @QE@ وهو مستقبل للإشعار بتحقيق الفزع ~~وأنه كائن لا محالة لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به # وكذلك جاء قوله تعالى @QB@ ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم ~~فلم نغادر منهم أحدا @QE@ وإنما قيل @QB@ وحشرناهم @QE@ ماضيا بعد @QB@ ~~نسير @QE@ و @QB@ ترى @QE@ وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسير ~~والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال كأنه قال وحشرناهم قبل ذلك لأن الحشر هو ~~المهم لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي # ومما يجري هذا المجرى الإخبار باسم المفعول عن الفعل المستقبل وإنما يفعل ~~ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي وقد سبق الكلام عليه # فمن ذلك قوله تعالى @QB@ إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم ~~مجموع له الناس وذلك يوم مشهود @QE@ فإنه إنما آثر اسم المفعول الذي هو ( ~~مجموع ) على الفعل المستقبل الذي هو يجمع لما فيه من الدلالة على ثبات معنى ~~الجمع لليوم وإنه الموصوف بهذه الصفة وإن شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى ~~@QB@ يوم يجمعكم ليوم الجمع @QE@ فإنك تعثر على صحة ما قلت PageV02P016 # | النوع الخامس # # | في توكيد الضميرين # إن قيل في هذا الموضع إن الضمائر مذكورة في كتب النحو فأي حاجة إلى ذكرها ~~ههنا ولم نعلم أن النحاة لا يذكرون ms296 ما ذكرته # قلت إن هذا يختص بفصاحة وبلاغة وأولئك لا يتعرضون إليه وإنما يذكرون عدد ~~الضمائر وأن المنفصل منها كذا والمتصل كذا ولا يتجاوزون ذلك وأما أنا فإني ~~أوردت في هذا النوع أمرا خارجا عن الأمر النحوي وأعني بقولي ( توكيد ~~الضميرين ) أن يؤكد المتصل بالمنفصل كقولك إنك أنت أو يؤكد المنفصل بمنفصل ~~مثله كقولك أنت أنت أو يؤكد المتصل بمتصل مثله كقولك إنك إنك لعالم أو إنك ~~إنك لجواد # وإنما يؤتى بمثل هذه الأقوال في معرض المبالغة وهو من أسرار علم البيان # ولنقدم في ذلك قولا يحصره ويجمع أطرافه فنقول # إذا كان المعنى المقصود معلوما ثابتا في النفوس فأنت بالخيار في توكيد ~~أحد الضميرين فيه بالآخر وإذا كان غير معلوم وهو مما يشك فيه فالأولى حينئذ ~~أن يؤكد أحد الضميرين بالآخر في الدلالة عليه لتقرره وتثبته # فمما جاء من ذلك قوله تعالى @QB@ قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون ~~نحن الملقين @QE@ فإن إرادة السحرة الإلقاء قبل موسى لم تكن معلومة عنده ~~لأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم من ذلك لكنهم لما عدلوا عن مقابلة خطابهم ~~موسى بمثله إلى توكيد ما هو لهم بالضميرين اللذين هما نكون ونحن دل ذلك على ~~أنهم يريدون التقدم عليه والإلقاء قبله لأن من شأن مقابلة خطابهم موسى ~~بمثله أن كان قالوا إما أن تلقي وإما أن نلقي لتكون الجملتان متقابلتين ~~فحيث قالوا عن أنفسهم @QB@ وإما أن نكون نحن الملقين @QE@ استدل بهذا القول ~~على رغبتهم في الإلقاء قبله PageV02P017 # وأما توكيد المتصل بالمتصل فكقوله تعالى في سورة الكهف @QB@ فانطلقا حتى ~~إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ~~ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا @QE@ وهذا بخلاف قصة السفينة فإنه قال ~~فيها @QB@ ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا @QE@ والفرق بين الصورتين أنه ~~أكد الضمير في الثانية دون الأولى فقال في الأولى @QB@ ألم أقل إنك @QE@ ~~وقال في الثانية @QB@ ألم أقل لك إنك @QE@ وإنما جيء بذلك للزيادة في ms297 ~~مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة على مرة والوسم بعدم الصبر وهذا كما لو ~~أتى الإنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته ثم أتى ذلك مرة ثانية أليس أنك تزيد ~~في لومه وتعنيفه وكذلك فعل ههنا فإنه قيل في الملامة أولا @QB@ ألم أقل إنك ~~@QE@ ثم قيل ثانيا @QB@ ألم أقل لك إنك @QE@ وهذا موضع يدق عن العثور عليه ~~ببادرة النظر ما لم يعط التأمل فيه حقه # وأما توكيد المتصل بالمنفصل فنحو قوله تعالى @QB@ فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى @QE@ فتوكيد الضميرين ههنا في قوله @QB@ ~~إنك أنت الأعلى @QE@ أنفى للخوف من قلب موسى وأثبت في نفسه للغلبة والقهر ~~ولو قال لا تخف إنك الأعلى أو فأنت الأعلى لم يكن له من التقرير والإثبات ~~لنفي الخوف ما لقوله @QB@ إنك أنت الأعلى @QE@ # وفي هذه الكلمات الثلاث وهي قوله @QB@ إنك أنت الأعلى @QE@ ست فوائد # الأولى ( إن ) المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها كقولك زيد ~~قائم ثم تقول إن زيدا قائم ففي قولك إن زيدا قائم من الإثبات لقيام زيد ما ~~ليس في قولك زيد قائم # الثانية تكرير الضمير في قوله ( إنك أنت ) ولو اقتصر على أحد الضميرين ~~لما كان بهذه المكانة في التقرير لغلبة موسى والإثبات لقهره # الثالثة لام التعريف في قوله ( الأعلى ) ولم يقل أعلى ولا عال لأنه لو ~~قال ذلك لكان قد نكره وكان صالحا لكل واحد من جنسه كقولك رجل فإنه يصلح ~~PageV02P018 PageV02P013 أن يقع على كل واحد من الرجال وإذا قلت ( الرجل ) ~~فقد خصصته من بين الرجال بالتعريف وجعلته علما فيهم وكذلك جاء قوله تعالى ~~@QB@ إنك أنت الأعلى @QE@ أي دون غيرك # الرابعة لفظ أفعل الذي من شأنه التفضيل ولم يقل العالي # الخامسة إثبات الغلبة له من العلو لأن الغرض من قوله @QB@ الأعلى @QE@ أي ~~الأغلب إلا أن في الأعلى زيادة وهي الغلبة من عال # السادسة الاستئناف وهو قوله تعالى @QB@ لا تخف إنك أنت الأعلى @QE@ ولم ~~يقل لأنك أنت الأعلى لأنه لم يجعل علة انتفاء الخوف عنه كونه ms298 عاليا إنما ~~نفي الخوف عنه أولا بقوله @QB@ لا تخف @QE@ ثم استأنف الكلام فقال @QB@ إنك ~~أنت الأعلى @QE@ فكان ذلك أبلغ في إيقان موسى عليه السلام بالغلبة ~~والاستعلاء وأثبت لذلك في نفسه # وربما وقع لبعض الأغمار أن يعترض على ما ذكرناه في توكيد أحد الضميرين ~~بالآخر فيقول لو كان توكيدهما أبلغ من الاقتصار على أحدهما لورد ذلك عند ~~ذكر الله تعالى نفسه حيث هو أولى بما هو أبلغ وأوكد من القول وقد رأينا في ~~القرآن الكريم مواضع تختص بذكر الله تعالى وقد ورد فيها أحد الضميرين دون ~~الآخر كقوله عز اسمه @QB@ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ~~@QE@ ولم يقل إنك أنت على كل شيء قدير فما الموجب لذلك إن كان توكيد أحد ~~الضميرين بالآخر أبلغ من الاقتصار على أحدهما # الجواب عن ذلك أنا نقول قد قدمنا القول في أول هذا النوع أنه إذا كان ~~المعنى المقصود معلوما ثابتا فصاحب الكلام مخير في توكيد أحد الضميرين ~~بالآخر فإن أكد فقد أتى بفضل بيان وإن لم يؤكد فلأن ذلك المعنى ثابت لا ~~يفتقر في تقريره إلى زيادة تأكيد كهذه الآية المشار إليها وهي قوله تعالى ~~@QB@ قل اللهم مالك الملك @QE@ فإن العلم بأن الله على كل شيء قدير لا ~~يفتقر إلى تأكيد يقرره وقد ورد ما يجري مجرى هذه الآية مؤكدا كقوله تعالى ~~@QB@ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد ~~علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب @QE@ ~~PageV02P019 ) فوكد في هذه الآية ولم يؤكد في الآية الأخرى وقد عرفتك ~~الطريق في ذلك وأما إذا كان المعنى المقصود غير معلوم وهو مما لا يشك فيه ~~فالأولى أن يؤكد بالضميرين في الدلالة عليه كقوله تعالى @QB@ قلنا لا تخف ms299 ~~إنك أنت الأعلى @QE@ فإن موسى لم يكن متيقنا أنه غالب للسحرة فلذلك وكد ~~خطابه بالضميرين ليكون أبلغ في تقرير ذلك في نفسه # وأما توكيد المنفصل بمنفصل مثله فكقول أبي تمام # ( لا أنت أنت ولا الديار ديار % خف الهوى وتولت الأوطار ) # فقوله ( لا أنت أنت ولا الديار ديار ) من المليح النادر في هذا الموضع ~~لأنه هو هو والديار الديار وإنما البواعث التي كانت تبعث على قضاء الأوطار ~~زالت فبقي ذلك الرجل وليس هو هو على الحقيقة ولا الديار في عينه من الحسن ~~تلك الديار وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنببي # ( قبيل أنت أنت وأنت منهم % وجدك بشر الملك الهمام ) # فقوله ( أنت أنت ) من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في ~~مدحه ولو مدحه بما شاء الله لما سد مسد قوله ( أنت أنت ) أي أنك المشار ~~إليه بالفضل دون غيرك وأما قوله ( وأنت منهم ) فخارج عن هذا الباب وهو كلام ~~مستأنف لا PageV02P020 يتعلق بتوكيد الضميرين كأنه قال أنت الموصوف بكذا ~~وكذا وأنت من هذا القبيل يريد بذلك مدح قبيله به # وهذا البيت لم أمثل به اختيارا له واستجادة وإنما مثلت به ليعلم مكان ~~توكيد المنفصل بالمنفصل وإلا فالبيت ليس من المرضى لأن سبكه سبك عار من ~~الحسن وفيه تقديم وتأخير # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة ~~يا خير الفتيان اردد علي ما أخذته من إبلي فردها عليه وفيها فحلها فنازعه ~~الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو فقال له زياد لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما ~~تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم فقال عمرو له لقد أعطيت قليلا وسمت جليلا ~~وجررت على نفسك ويلا طويلا فقوله ( لكنتم أنتم أنتم ) أي أنتم الأشداء أو ~~الشجعان أو ذوو النجدة والبأس أو ما جرى هذا المجرى إلا أن في ( أنتم ) ~~الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم كأنه قال لكنتم أنتم الشجعان دون ~~غيركم ولو مدحهم بأي شيء مدحهم به من وصف البأس والشدة والشجاعة لما بلغ ~~هذه ms300 الكلمة أعني ( أنتم ) الثانية وهذا موضع من علم البيان تتكاثر محاسنه ~~فاعرفه PageV02P021 # | النوع السادس # # | في عطف المظهر على ضميره والإفصاح به بعده # وهذا إنما يعمد إليه لفائدة وهي تعظيم شأن الأمر الذي أظهر عنده الاسم ~~المضمر أولا ومثال ذلك قول القائل ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا ~~يركضون فرأينا منهم أسودا ثكلى تسابق الأسنة إلى الورود ولا ترتد على ~~أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود وتناجد بنو تميم علينا بحملة فلذنا ~~بالفرار واستبقنا إلى تولية الأدبار فإنه إنما قيل ( وتناجد بنو تميم ) ~~مصرحا باسمهم ولم يقل وتناجدوا كما قيل ( أقبلوا ) للدلالة على التعجب من ~~إقدامهم عند الحملة وثباتهم عند الصدمة لا سيما وقد أردف ذلك بقوله ( لذنا ~~بالفرار واستبقنا إلى تولية الأدبار ) كأنه قال وتناجد أولئك الفرسان ~~المشاهير والكماة المناكير وحملوا علينا حملة واحدة فولينا مدبرين منهزمين # ومما جاء من ذلك قوله تعالى @QB@ أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم ~~يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم ~~الله ينشئ النشأة الآخرة @QE@ ألا ترى كيف صرح باسمه في قوله @QB@ ثم الله ~~ينشئ النشأة الآخرة @QE@ مع إيقاعه مبتدأ في قوله @QB@ كيف يبدئ الله الخلق ~~@QE@ وقد كان القياس أن يقول كيف يبديء الله الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة ~~والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة وكان صدر ~~الكلام واقعا معهم في الإبداء وقررهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن ~~الإعادة إنشاء مثل الإبداء وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا ~~يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة فللدلالة والتنبيه على عظم هذا ~~الأمر الذي هو الإعادة أبرز اسمه تعالى وأوقعه مبتدأ ثانيا # وعلى هذا ورد قوله تعالى @QB@ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء ~~الكافرين @QE@ PageV02P022 ) ألا ترى أنه قال ms301 أولا @QB@ ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم @QE@ فذكر مضمرا تقدم الكلام فيه ثم عطف المظهر الذي هو له ~~وهو قوله @QB@ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين @QE@ وكان ~~العطف لو أضمر كما أضمر الأول لقيل ثم أنزل الله سكينته عليكم وأنزل جنودا ~~لم تروها وفائدة الإظهار ههنا للمعطوف بعد إضماره أولا التنويه بذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وذكر المؤمنين أو لأن الأمر عظيم وهو الانتصار بعد ~~الفرار فأي الأمرين قدر كان لإظهار المعطوف مناسبا وهكذا يكون عطف المظهر ~~على ضميره فإنه يستند إلى فائدة يهم ذكرها فإن لم يكن هناك مثل هذه الفائدة ~~وإلا فلا يحسن الإظهار بعد الإضمار # وكذلك جاء قوله تعالى @QB@ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا ~~إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى ~~وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين @QE@ فإنه إنما قال ~~@QB@ وقال الذين كفروا @QE@ ولم يقل وقالوا كالذي قبله للدلالة على صدور ~~ذلك عن إنكار عظيم وغضب شديد وتعجب من كفرهم بليغ لا سيما وقد انضاف إليه ~~قوله @QB@ وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم @QE@ وما فيه من الإشارة إلى ~~القائلين والمقول فيه وما في ذلك من المبادهة كأنه قال وقال أولئك الكفرة ~~المتمردون بجزاءتهم على الله ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المبين قبل أن ~~يتدبروه إن هذا إلا سحر مبين # وعلى نحو من ذلك ورد قوله تعالى @QB@ ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا ~~في عزة وشقاق كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص وعجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب @QE@ وكان القياس أن يقال ~~وقالوا هذا ساحر كذاب عطفا على ( عجبوا ) وإنما أتى باسم الكافرين مظهرا ~~بعد إضماره للإشعار بتعظيم ما اجترءوا عليه من القول في أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو لأن هذا القول كان أهم عندهم وأرسخ في نفوسهم فصرح باسم قائله ~~دلالة على ما كان في أنفسهم منه PageV02P023 # | النوع ms302 السابع # # | في التفسير بعد الإبهام # اعلم أن هذا النوع لا يعمد إلى استعماله إلا لضرب من المبالغة فإذا جيء ~~به في كلام فإنما يفعل ذلك لتفخيم أمر المبهم وإعظامه لأنه هو الذي يطرق ~~السمع أولا فيذهب بالسامع كل مذهب كقوله تعالى @QB@ وقضينا إليه ذلك الأمر ~~أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين @QE@ ففسر ذلك الأمر بقوله @QB@ أن دابر هؤلاء ~~مقطوع @QE@ وفي إبهامه أولا وتفسيره بعد ذلك تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه فإنه ~~لو قال وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع لما كان بهذه المكانة من الفخامة ~~فإن الإبهام أولا يقع السامع في حيرة وتفكر واستعظام لما قرع سمعه وتشوف ~~إلى معرفته والاطلاع على كنهه # وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى @QB@ قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ولقد ~~مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت ~~فاقذفيه في اليم @QE@ ففسر @QB@ ما يوحى @QE@ بقوله @QB@ أن اقذفيه @QE@ ~~وهذا كالأول في إبهامه أولا وتفسيره ثانيا # ومثال هذا ورد قوله تعالى في سورة أم الكتاب @QB@ اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ فإنه إنما قال ذلك ولم يقل اهدنا صراط الذين ~~أنعمت عليهم لما في الأول من التنبيه والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط ~~المؤمنين فدل عليه بأبلغ وجه كما تقول هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل لأنك ~~تثبت ذكره مجملا مفصلا فجعلته علما في الكرم والفضل كأنك قلت من أراد رجلا ~~جامعا للخصلتين جميعا فعليه بفلان # فإن قيل فما الفرق بين عطف المظهر على ضميره وبين التفسير بعد الإبهام ~~فإن المضمر كالمبهم PageV02P024 # فالجواب عن ذلك أني أقول إن كان سؤالك عن فائدتهما فإنهما في الفائدة ~~سواء وذلك أنهما إنما يرادان لتعظيم الحال والإعلام بفخامة شأنهما وإن كان ~~سؤالك عن الفرق بينهما في العبارة فإني أقول المضمر يأتي بعد مظهر تقدم ~~ذكره أولا ثم يعطف المظهر على ضميره أي على ضمير نفسه كالمثال الذي ضربناه ~~في بني تميم وأما التفسير بعد الإبهام فإن المبهم يقدم أولا وهو أن يذكر ~~شيء يقع ms303 عليه محتملات كثيرة ثم يفسر بإيقاعه على واحد منها وليس كذلك عطف ~~المظهر على ضميره # ومما جاء من التفسير بعد الإبهام قوله تعالى @QB@ وقال الذي آمن يا قوم ~~اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة ~~هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب @QE@ ألا ترى كيف ~~قال @QB@ أهدكم سبيل الرشاد @QE@ فأبهم سبيل الرشاد ولم يبين أي سبيل هو ثم ~~فسر ذلك فافتتح كلامه بذم الدنيا وتصغير شأنها ثم ثنى ذلك بتعظيم الآخرة ~~والاطلاع على حقيقتها ثم ثلث بذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما ~~ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف كأنه قال سبيل الرشاد هو الإعراض عن الدنيا ~~والرغبة في الآخرة والامتناع من الأعمال السيئة خوف المقابلة عليها ~~والمسارعة إلى الأعمال الصالحة رجاء المجازاة عليها # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ~~@QE@ فإنه إنما قال @QB@ القواعد من البيت @QE@ ولم يقل قواعد البيت لما في ~~إبهام القواعد أولا وتبيينها بعد ذلك من تفخيم حال المبين ما ليس في ~~الإضافة # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى @QB@ وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا ~~لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى @QE@ فإنه لما أراد ~~تفخيم ما أمل فرعون من بلوغه أسباب السموات أبهمها أولا ثم فسرها ثانيا ~~ولأنه لما كان بلوغها أمرا عجيبا أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه ليعطيه ~~السامع حقه من التعجب فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان ثم أوضحه بعد ذلك ~~PageV02P025 # وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى @QB@ قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا ~~لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد @QE@ فإنه قال أولا @QB@ أعظكم بواحدة @QE@ فأبهم الواحدة ثم ~~فسرها بقوله @QB@ أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا @QE@ # وهذا في القرآن الكريم كثير الاستعمال # وأما الإبهام من غير تفسير فكثير ms304 شائع في القرآن الكريم أيضا كقوله تعالى ~~@QB@ وفعلت فعلتك التي فعلت @QE@ وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ إن هذا القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم @QE@ أي للطريقة أو الحالة أو الملة التي هي أقومها ~~وأسدها وأي ذلك قدرت لم تجد له مع الإفصاح ذوق البلاغة التي تجده مع ~~الإبهام وذلك لذهاب الوهم فيه كل مذهب وإيقاعه على محتملات كثيرة # وهذا كقول القائل لو رأيت عليا بين الصفين فإنه لو وصفه مهما وصف من نجدة ~~وشجاعة وثبات وإقدام وأطال القول في ذلك لم يكن بمثابة ما يترامى إليه ~~الوهم مع الإبهام وهذا للعارف برموز هذه الصناعة وأسرارها # وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى @QB@ فغشيهم من اليم ما غشيهم @QE@ ~~وأبلغ من ذلك قوله تعالى @QB@ والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى @QE@ فإنه قال ~~في تلك الآية @QB@ فغشيهم من اليم ما غشيهم @QE@ فذكر اليم وهو البحر فصار ~~الذي غشيهم إنما هو منه خاصة وقال في هذه الآية @QB@ فغشاها ما غشى @QE@ ~~فأبهم الأمر الذي غشاها به وجعله عاما وذلك أبلغ لأن السامع يذهب وهمه فيه ~~كل مذهب # وأما ما جاء من ذلك شعرا فكقول البحتري # ( بعيد مقيل الصدر لا يدرك التي % يحاولها منه الأريب المخادع ) ~~PageV02P026 # فقول ( التي يحاولها ) من الإبهام المقدم ذكره في الآية # ومما ينتظم بذلك قول الشاعر في أبيات الحماسة # ( صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه % فلما علاه قال للباطل ابعد ) # فقوله ( صبا ما صبا ) من الإبهام الذي لو قدرت ما قدرت في تفسيره لم تجد ~~له من فضيلة البيان ما تجد له مع الإبهام # وعليه ورد قول أبي نواس # ( ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم % وأسمت سرح اللحظ حين أساموا ) # ( وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه % فإذا عصارة كل ذاك أثام ) # فقوله ( وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ) من هذا النمط المشار إليه وهو من ~~المليح النادر # ومما يجري على هذا النهج قول الآخر في وصف الخمر # ( مضى بها ما مضى من عقل شاربها % وفي الزجاجة باق يطلب الباقي ) ~~PageV02P027 والكلام على هذا البيت كالكلام على البيت الذي قبله ms305 # ومثله ورد قول بعض المتأخرين فؤاد فيه ما فيه # وعلى هذا ورد قولي في فصل من تقليد لبعض الوزراء فقلت وأنت مؤهل لواحدة ~~متخلق لها غرر الجياد وتناديها العلياء بلسان الإحماد وتفخر بها سمر ~~الأقلام على سمر الصعاد فابسط يدك لأخذ كتابها واسمع لطيب ذكرها بعد سعيك ~~في طلابها واعلم أن الخطاب إليها كثير لكنها صدت بك عن خطابها ولقد مضى ~~عليها زمن وهي نفور حتى استقادها تأنيسك ولم تسبق الأقدار باسمك إلا لتكون ~~سليمانها وهي بلقيسك # وهذا الوزير كان اسمه سليمان فسقت المعنى إليه فجاء كما تراه من الحسن ~~واللطافة # أما قولي ( وأنت مؤهل لواحدة ) فإنه من الإبهام من غير تفسير وذلك بخلاف ~~ما ورد في الآية المقدم ذكرها لأن تلك من التفسير بعد الإبهام # ومما ينتظم في هذا السلك الاستثناء العددي وهو ضرب من المبالغة لطيف ~~المأخذ وفائدته أن أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد من العدد فيكثر موقع ~~ذلك عنده وهو شبيه بما ذكره من الإبهام أولا ثم التفسير بعده ثانيا وذلك ~~كقول القائل أعطيته مائة إلا عشرة أو أعطيته ألفا إلا مائة فإن ذلك أبلغ من ~~أن لو قال أعطيته تسعين أو تسعمائة # وعليه ورد قوله تعالى @QB@ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما @QE@ ولم يقل تسعمائة وخمسين عاما لفائدة حسنة وهي ذكر ما ~~ابتلي به نوح من أمته وما كابده من طول المصابرة ليكون ذلك تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيما يلقاه من أمته وتثبيتا له فإن ذكر رأس العدد ~~الذي هو منتهى العقود وأعظمها أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة ~~صبره وما لاقاه من قومه PageV02P028 # | النوع الثامن # # | في استعمال العام في النفي والخاص في الإثبات # اعلم أنه إذا كان الشيئان أحدهما خاصا والآخر عاما فإن استعمال العام في ~~حالة النفي أبلغ من استعماله في حالة الإثبات وكذلك استعمال الخاص في حالة ~~الإثبات أبلغ من استعماله في حالة النفي # ومثال ذلك الإنسانية والحيوانية فإن إثبات ms306 الإنسانية يوجب إثبات ~~الحيوانية ولا يوجب نفيها نفي الحيوانية وكذلك نفي الحيوانية يوجب نفي ~~الإنسانية ولا يوجب إثباتها إثبات الإنسانية # ومما ينتظم بذلك الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي يكون بينها وبين ~~واحدها تاء التأنيث فإنه متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ ومتى أريد ~~الإثبات كان استعمالها أبلغ # وكذلك يتصل بهذا النوع الصفتان الواردتان على شيء واحد فإنه إذا لزم من ~~وجود إحداهما وجود الأخرى اكتفى بها في الذكر ولم يحتج إلى ذكر الأخرى لأنه ~~يجيء ضمنا وتبعا أو أن يبدأ بها في الذكر أولا ثم تجيء الأخرى بعدها وأما ~~الصفات المتعددة فإنه ينبغي أن يبدأ في الذكر بالأدنى مرتبة ثم بعدها بما ~~هو أعلى منها إلى أن ينتهي إلى آخرها هذا في مقام المدح فإن كان في مقام ~~الذم عكست القضية # فالأول - وهو الخاص والعام - نحو قوله تعالى @QB@ مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم @QE@ ولم يقل ذهب بضوئهم موازنا ~~لقوله @QB@ فلما أضاءت @QE@ لأن ذكر النور في حالة النفي أبلغ من حيث إن ~~الضوء فيه الدلالة على النور وزيادة فلو قال ذهب الله بضوئهم لكان المعنى ~~يعطي ذهاب تلك الزيادة PageV02P029 وبقاء ما يسمى نورا لأن الإضاءة هي فرط ~~الإنارة قال الله تعالى @QB@ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا @QE@ فكل ~~ضوء نور وليس كل نور ضوءا فالغرض من قوله تعالى @QB@ ذهب الله بنورهم @QE@ ~~إنما هو إزالة النور عنهم أصلا فهو إذا أزاله فقد أزال الضوء وكذلك أيضا ~~قوله تعالى @QB@ ذهب الله بنورهم @QE@ ولم يقل أذهب نورهم لأن كل من ذهب ~~بشيء فقد أذهبه وليس كل من أذهب شيئا فقد ذهب به لأن الذهاب بالشيء هو ~~استصحاب له ومضي به وفي ذلك نوع احتجار بالمذهوب به وإمساك له عن الرجوع ~~إلى حالته والعود إلى مكانه وليس كذلك الإذهاب للشيء لزوال معنى الاحتجار ~~عنه # ومما يحمل على ذلك الأوصاف الخاصة إذا وقعت على شيئين وكان يلزم من وصف ~~أحدهما الآخر ولا يلزم عكس ذلك ومثاله ms307 قوله تعالى @QB@ وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض @QE@ فإنه إنما خص العرض بالذكر دون ~~الطول للمعنى الذي أشرنا إليه والمراد بذلك أنه إذا كان هذا عرضها فكيف ~~يكون طولها # وهذا في حالة الإثبات ولو أريد النفي لكان له أسلوب غير ما ذكرناه وهو ~~أنه كان يخص به الطول دون العرض # وأما الأسماء المفردة الواقعة على الجنس فنحو قوله تعالى في قصة نوح عليه ~~السلام @QB@ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ~~ضلالة ولكني رسول من رب العالمين @QE@ فإنه إنما قال @QB@ ليس بي ضلالة ~~@QE@ ولم يقل ليس بي ضلال كما قالوا لأن نفي الضلالة أبلغ من نفي الضلال ~~عنه كما لو قيل ألك تمر فقلت في الجواب ما لي تمرة وذلك أنفى للتمر ولو قلت ~~( ما لي تمرة ) لما كان يؤدي من المعنى ما أداه القول الأول وفي هذا الموضع ~~دقة تحتاج إلى فضل تمام فينبغي لصاحب هذه الصناعة مراعاته والعناية به # فإن قيل لا فرق بين الضلالة والضلال وكلاهما مصدر قولنا ضل يضل ضلالا وضل ~~يضل ضلالة كما يقال لذ يلذ [ لذاذا ] ولذاذة PageV02P030 # فالجواب عن ذلك أن الضلالة تكون مصدرا كما قلت وتكون عبارة عن المرة ~~الواحدة تقول ضل يضل ضلالة أي مرة واحدة كما تقول ضرب يضرب ضربة وقام يقوم ~~قومة وأكل يأكل أكلة والمراد بالضلالة في هذه الآية إنما هو عبارة عن المرة ~~الواحدة من الضلال فقد نفي ما فوقها من المرتين والمرار الكثيرة # وأما الصفتان الواردتان على شيء واحد فكقول الأشتر النخعي # ( خلفت وفري وانحرفت عن العلى % ولقيت أضيافي بوجه عبوس ) # ( إن لم أشن على ابن حرب غارة % لم تخل يوما من نهاب نفوس ) # ( خيلا كأمثال السعالي شزبا % تعدو ببيض في الكريهة شوش ) # ( حمي الحديد عليهمو فكأنه % لمعان برق أو شعاع شموس ) # ألا ترى أنه رقى في التشبيه من الأدنى إلى الأعلى فقال ( لمعان برق أو ~~شعاع شموس ) لأن لمعان البرق دون لمعان الشموس PageV02P031 # ومما ورد من ms308 ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى @QB@ ما لهذا الكتاب لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها @QE@ فإن وجود المؤاخذة على الصغيرة يلزم ~~منه وجود المؤاخذة على الكبيرة وعلى القياس المشار إليه أولا فينبغي أن ~~يكون لا يغادر كبيرة ولا صغيرة لأنه إذا لم يغادر صغيرة فمن الأول ألا ~~يغادر كبيرة وأما إذا لم يغادر كبيرة فإنه يجوز أن يغادر صغيرة لأنه إذا لم ~~يعف عن الصغيرة فيقضي القياس أنه لا يعفو عن الكبيرة وإذا لم يعف عن ~~الكبيرة فيجوز أن يعفو عن الصغيرة غير أن القرآن الكريم أحق أن يتبع وأجدر ~~بأن يقاس عليه لا على غيره والذي ورد فيه من هذه الآية ناقض لما تقدم ذكره # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما @QE@ لأن التأفيف ~~أدنى درجة وقد تقدم قولي في أول هذا النوع أنه إذا جاءت صفتان يلزم من وجود ~~إحداهما وجود الأخرى أن يكتفي بذكرها دون الأخرى لأن الأخرى تجيء ضمنا ~~وتبعا وأن يبدأ بها في الذكر ثم تجيء الأخرى بعدها وعلى هذا فيقال أولا فلا ~~تنهرهما ولا تقل لهما أف لكن إذا لم يقل لهما أف امتنع أن ينهرهما وقد كان ~~هذا هو المذهب عندي حتى وجدت كتاب الله تعالى قد ورد بخلافه وحينئذ عدت عما ~~كنت أراه وأقول به # وأما الصفات المتعددة الواردة على شيء واحد فكقول أبي عبادة البحتري في ~~وصف نحول الركاب # ( يترقرقن كالسراب قد خضن غمارا من السراب الجاري % ) # ( كالقسي المعطفات بل الأسهم % مبرية بل الأوتار ) # ألا ترى أنه رقى في تشبيه نحولها من الأدنى إلى الأعلى فشبهها أولا ~~بالقسي ثم بالأسهم المبرية وتلك أبلغ في النحول ثم بالأوتار وهي أبلغ في ~~النحول من الأسهم وكذلك ينبغي أن يكون الاستعمال في مثل هذا الباب ~~PageV02P032 # وقد أغفل كثير من الشعراء ذلك فمن جملتهم أبو الطيب المتنبي في قوله # ( يا بدر يا بحر يا غمامة يا % ليت الشرى يا حمام يا رجل ) # وينبغي أن يبدأ فيه بالأدنى فالأدنى فإنه إذا فعل ms309 ذلك كان كالمرتفع من ~~محل إلى محل أعلى منه وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه ~~فأما قوله ( يا بدر ) فإنه اسم الممدوح والابتداء به أولى ثم بعده فيجب أن ~~يقول يا رجل يا ليث يا غمامة يا بحر يا حمام لأن الليث أعظم من الرجل ~~والبحر أعظم من الغمامة والحمام أعظم من البحر وهذا مقام مدح فيجب أن يرقى ~~فيه من منزلة إلى منزلة حتى ينتهي إلى المنزلة العليا آخرا ولو كان مقام ذم ~~لعكس القضية # وعلى مثله ورد قول أبي تمام يفتخر # ( سما بي أوس في الفخار وحاتم % وزيد القنا والأثرمان ورافع ) ~~PageV02P033 # ( نجوم طوالع جبال فوارع % غيوث هوامع سيول دوافع ) # فإن السيول دون الغيوث والجبال دون النجوم ولو قدم ما أخر لما اختل النظم ~~بأن قال # ( سيول دوافع غيوث هوامع % جبال فوارع نجوم طوالع ) # وهذا عندي أشد ملامة من المتنبي لأن المتنبي لا يمكنه تقديم ألفاظ بيته ~~وتأخيرها وأبو تمام متمكن من ذلك وما أعلم كيف ذهب عليه هذا الموضع مع ~~معرفته بالمعاني PageV02P034 # # | النوع التاسع # # | في التقديم والتأخير # وهذا باب طويل عريض يشتمل على أسرار دقيقة منها ما استخرجته أنا ومنها ما ~~وجدته في أقوال علماء البيان وسأورد ذلك مبينا # وهو ضربان الأول يختص بدلالة الألفاظ على المعاني ولو أخر المقدم أو قدم ~~المؤخر لتغير المعنى والثاني يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب ~~له ذلك ولو أخر لما تغير المعنى # فأما الضرب الأول فإنه ينقسم إلى قسمين أحدهما يكون التقديم فيه هو ~~الأبلغ والآخر يكون التأخير فيه هو الأبلغ # فأما القسم الذي يكون التقديم فيه هو الأبلغ فكتقديم المفعول على الفعل ~~وتقديم الخبر على المبتدأ وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء على العامل # فمن ذلك تقديم المفعول على الفعل كقولك زيدا ضربت وضربت زيدا فإن في قولك ~~( زيدا ضربت ) تخصيصا به بالضرب دون غيره وذلك بخلاف قولك ( ضرب زيدا ) ~~لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت بأن تقول ms310 ضربت ~~خالدا أو بكرا أو غيرهما وإذا أخرته لزم الاختصاص للمفعول # وكذلك تقديم خبر المبتدأ عليه كقولك زيد قائم وقائم زيد فقولك ( قائم زيد ~~) قد أثبت له القيام دون غيره وقولك ( زيد قائم ) أنت بالخيار في إثبات ~~القيام له ونفيه عنه بأن تقول ضارب أو جالس أو غير ذلك # وهكذا يجري الحكم في تقديم الظرف كقولك إن إلي مصير هذا الأمر وقولك إن ~~مصير هذا الأمر إلي فإن تقديم الظرف دل على أن مصير الأمر ليس PageV02P035 ~~إلا إليك وذلك بخلاف قولك إن مصير هذا الأمر إلي إذ يحتمل إيقاع الكلام بعد ~~الظرف على غيرك فيقال إلى زيد أو عمرو أوغيرهما # وكذلك يجري الأمر في الحال والاستثناء # وقال علماء البيان - ومنهم الزمخشري رحمه الله - إن تقديم هذه الصورة ~~المذكورة إنما هو للاختصاص وليس كذلك والذي عندي فيه أن يستعمل على وجهين ~~أحدهما الاختصاص والآخر مراعاة نظم الكلام وذاك أن يكون نظمه لا يحسن إلا ~~بالتقديم وإذا أخر المقدم ذهب ذلك الحسن وهذا الوجه أبلغ وأوكد من الاختصاص # فأما الأول الذي هو الاختصاص فنحو قوله @QB@ أفغير الله تأمروني أعبد ~~أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين @QE@ فإنه إنما قيل ~~@QB@ بل الله فاعبد @QE@ ولم يقل بل اعبد الله لأنه إذا تقدم وجب اختصاص ~~العبادة به دون غيره ولو قال ( بل اعبد ) لجاز إيقاع الفعل على أي مفعول ~~شاء # وأما الوجه الثاني الذي يختص بنظم الكلام فنحو قوله تعالى @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ وقد ذكر الزمخشري في تفسيره أن التقديم في هذا الموضع ~~قصد به الاختصاص وليس كذلك فإنه لم يقدم المفعول فيه على الفعل للاختصاص ~~وإنما قدم لمكان نظم الكلام لأنه لو قال نعبدك ونستعينك لم يكن له من الحسن ~~ما لقوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ألا ترى أنه تقدم قوله تعالى ~~@QB@ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين @QE@ فجاء بعد ~~ذلك قوله @QB@ إياك نعبد وإياك ms311 نستعين @QE@ وذلك لمراعاة حسن النظم السجعي ~~الذي هو على حرف النون ولو قال نعبدك ونستعينك لذهبت تلك الطلاوة وزال ذلك ~~الحسن وهذا غير خاف على أحد من الناس فضلا عن أرباب علم البيان # وعلى نحو منه ورد قوله تعالى @QB@ فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف ~~إنك أنت الأعلى @QE@ وتقدير الكلام فأوجس موسى في نفسه خيفة وإنما قدم ~~PageV02P036 المفعول على الفاعل وفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول وبحرف ~~الجر قصدا لتحسين النظم وعلى هذا فليس كل تقديم لما مكانه التأخير من باب ~~الاختصاص فبطل إذا ما ذهب إليه الزمخشري وغيره # ومما ورد من هذا الباب قوله تعالى @QB@ خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه @QE@ ~~فإن تقديم الجحيم على التصلية وإن كان فيه تقديم المفعول على الفعل إلا أنه ~~لم يكن ههنا للاختصاص وإنما هو للفضيلة السجعية ولا مراء في أن هذا النظم ~~على هذه الصورة أحسن من أن لو قيل خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم # فإن قيل إنما قدمت الجحيم للاختصاص لأنها نار عظيمة ولو أخرت لجاز وقوع ~~الفعل على غيرها كما يقال ضربت زيدا وزيدا ضربت وقد تقدم الكلام على ذلك # فالجواب عن ذلك أن الدرك الأسفل أعظم من الجحيم فكان ينبغي أن يخص بالذكر ~~دون الجحيم على ما ذهب إليه لأنه أعظم وهذا لا يذهب إليه إلا من هو بنجوة ~~عن رموز الفصاحة والبلاغة ولفظة الجحيم ههنا في هذه الآية أولى بالاستعمال ~~من غيرها لأنها جاءت ملائمة لنظم الكلام ألا ترى أن من أسماء النار السعير ~~ولظى وجهنم ولو وضع بعض هذه الأسماء مكان الجحيم لما كان له من الطلاوة ~~والحسن ما للجحيم والمقصود بذكر الجحيم إنما هو النار أي صلوه النار وهكذا ~~يقال في @QB@ ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه @QE@ فإنه إن لم يقدم ~~السلسلة على السلك للاختصاص وإنما قدمت لمكان نظم الكلام ولا شك أن هذا ~~النظم أحسن من أن لو قيل ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا والكلام على ~~هذا كالكلام على الذي قبله وله ms312 في القرآن نظائر كثيرة ألا ترى إلى قوله ~~تعالى @QB@ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري ~~لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم @QE@ فقوله @QB@ والقمر قدرناه منازل @QE@ ليس تقديم المفعول فيه ~~على الفعل من باب الاختصاص وإنما هو من باب مراعاة نظم الكلام فإنه قال ~~@QB@ الليل نسلخ منه النهار @QE@ ثم قال @QB@ والشمس تجري @QE@ فاقتضى حسن ~~النظم أن يقول @QB@ والقمر @QE@ PageV02P037 قدرناه ) ليكون الجميع على نسق ~~واحد في النظم ولو قال وقدرنا القمر منازل لما كان بتلك الصورة في الحسن ~~وعليه ورد قوله تعالى @QB@ فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر @QE@ ~~وإنما قدم المفعول لمكان حسن النظم السجعي # وأما تقديم خبر المبتدأ عليه فقد تقدمت صورته كقولك زيد قائم وقائم زيد ~~فمما ورد منه في القرآن قوله تعالى @QB@ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ~~@QE@ فإنه إنما قال ذلك لم يقل وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم لأن في ~~تقديم الخبر الذي هو مانعتهم على المبتدأ الذي هو حصونهم دليلا على فرط ~~اعتقادهم في حصانتها وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم وفي تصويب ضميرهم اسما لأن ~~وإسناد الجملة إليه دليل على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة وامتناع لا ~~يبالى معها بقصد قاصد ولا تعرض متعرض وليس شيء من ذلك في قولك وظنوا أن ~~حصونهم مانعتهم من الله # ومن تقديم خبر المبتدأ قوله تعالى @QB@ قال أراغب أنت عن آلهتي يا ~~إبراهيم @QE@ فإنه إنما قدم خبر المبتدأ عليه في قوله @QB@ أراغب أنت @QE@ ~~ولم يقل أأنت راغب لأنه كان أهم عندهم وهو به شديد العناية وفي ذلك ضرب من ~~التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب عنها ~~وهذا بخلاف ما لو قال أانت راغب عن آلهتي # ومن غامض هذا الموضع قوله تعالى @QB@ واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة ~~أبصار الذين كفروا @QE@ فإنه إنما قال ذلك ولم يقل فإذا أبصار الذين كفروا ~~شاخصة لأمرين أحدهما تخصيص الأبصار بالشخوص دون غيرها أما الأول ms313 فلو قال ~~فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة لجاز أن يضع موضع شاخصة غيره فيقول حائرة أو ~~PageV02P038 مطموسة أو غير ذلك فلما قدم الضمير اختص الشخوص بالأبصار دون ~~غيرها وأما الثاني فإنه لما أراد أن الشخوص خاص بهم دون غيرهم دل عليه ~~بتقديم الضمير أولا ثم بصاحبه ثانيا كأنه قال فإذا هم شاخصون دون غيرهم ~~ولولا أنه أراد هذين الأمرين المشار إليهما لقال فإذا أبصار الذين كفروا ~~شاخصة لأنه أخصر بحذف الضمير من الكلام # ومن هذا النوع قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ماء البحر فقال ( ~~هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) وتقدير الكلام هو الذي ماؤه طهور وميتته حل ~~لأن الألف واللام ههنا بمعنى الذي # وأما تقديم الظرف فإنه إذا كان الكلام مقصودا به الإثبات فإن تقديمه أولى ~~من تأخيره وفائدته إسناد الكلام الواقع بعده إلى صاحب الظرف دون غيره فإذا ~~أريد بالكلام النفي فيحسن فيه تقديم الظرف وتأخيره وكلا هذين الأمرين له ~~موضع يختص به # فأما تقديمه في النفي فإنه يقصد به تفضيل المنفي عنه على غيره # أما تأخيره فإنه يقصد به النفي أصلا من غير تفضيل # فأما الأول - وهو تقديم الظرف في الإثبات - فكقولك في الصورة المقدمة إن ~~إلي مصير هذا الأمر ولو أخرت الظرف فقلت إن مصير هذا الأمر إلي لم يعط من ~~المعنى ما أعطاه الأول وذلك أن الأول دل على أن مصير الأمر ليس إلا إليك ~~وذلك بخلاف الثاني إذ يحتمل أن توقع الكلام بعد الظرف على غيرك فيقال إلى ~~زيد أو عمرو أو غيرهما وعلى نحو منه جاء قوله تعالى @QB@ إن إلينا إيابهم ~~ثم إن علينا حسابهم @QE@ وكذلك جاء قوله تعالى @QB@ يسبح لله ما في ~~السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد @QE@ فإنه إنما قدم الظرفين ههنا ~~في قوله @QB@ له الملك وله الحمد @QE@ ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك ~~والحمد بالله لا بغيره # وقد استعمل تقديم الظرف في القرآن كثيرا كقوله تعالى @QB@ وجوه يومئذ ~~ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ أي تنظر إلى ربها ms314 دون غيره فتقديم الظرف ههنا ~~ليس PageV02P039 للاختصاص وإنما هو كالذي أشرت إليه في تقديم المفعول وإنه ~~لم يقدم للاختصاص وإنما قدم من أجل نظم الكلام لأن قوله تعالى @QB@ وجوه ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ أحسن من أن لو قيل وجوه يومئذ ناضرة ناظرة ~~إلى ربها والفرق بين النظمين ظاهر وكذلك قوله تعالى @QB@ والتفت الساق ~~بالساق إلى ربك يومئذ المساق @QE@ فإن هذا روعي فيه حسن النظم لا الاختصاص ~~في تقديم الظرف وفي القرآن مواضع كثيرة من هذا القبيل يقيسها غير العارف ~~بأسرار الفصاحة على مواضع أخرى وردت للاختصاص وليست كذلك فمنها قوله تعالى ~~@QB@ إلى ربك يومئذ المستقر @QE@ وقوله تعالى @QB@ ألا إلى الله تصير ~~الأمور @QE@ و @QB@ له الحكم وإليه ترجعون @QE@ و @QB@ عليه توكلت وإليه ~~أنيب @QE@ فإن هذه جميعها لم تقدم الظروف فيها للاختصاص وإنما قدمت لمراعاة ~~الحسن في نظم الكلام فاعرف ذلك # وأما الثاني - وهو تأخير الظرف وتقديمه في النفي - فنحو قوله تعالى @QB@ ~~الم ذلك الكتاب لا ريب فيه @QE@ وقوله تعالى @QB@ لا فيها غول ولا هم عنها ~~ينزفون @QE@ فإنه إنما أخر الظرف في الأول لأن القصد في إيلاء جرف النفي ~~الريب نفي الريب عنه وإثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب كما كان المشركون ~~يدعونه ولو أولاه الظرف لقصد أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه كما قصد في ~~قوله تعالى @QB@ لا فيها غول @QE@ فتأخير الظرف يقتضي النفي أصلا من غير ~~تفضيل وتقديمه يقتضي تفضيل المنفي عنه وهو خمر الجنة على غيرها من خمور ~~الدنيا أي ليس فيها ما في غيرها من الغول وهذا مثل قولنا لا عيب في الدار ~~وقولنا لا فيها عيب فالأول نفي للعيب عن الدار فقط والثاني تفضيل لها على ~~غيرها أي ليس فيها ما في غيرها من العيب فاعرف ذلك فإنه من دقائق هذا الباب # وأما تقديم الحال فكقولك جاء راكبا زيد وهذا بخلاف قولك جاء زيد راكبا إذ ~~يحتمل أن يكون ضاحكا أو ماشيا أو غير ذلك PageV02P040 # وأما الاستثناء فجار هذا المجرى نحو قولك ما قام ms315 إلا زيدا أحد أو ما قام ~~أحد إلا زيدا والكلام على ذلك كالكلام على ما سبق # أما القسم الثاني فهو أن يقدم ما الأولى به التأخير لأن المعنى يختل بذلك ~~ويضطرب وهذا هو المعاظلة المعنوية وقد قدمنا القول في المقالة الأولى ~~المختصة بالصناعة اللفظية بأن المعاظلة تنقسم قسمين أحدهما لفظي والآخر ~~معنوي وأما اللفظي فذكرناه في بابه وأما المعنوي فهذا بابه وموضعه وهو ~~كتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على الموصوف وتقديم الصلة على الموصول وغير ~~ذلك مما يرد بيانه # فمن هذا القسم قول بعضهم # ( فقد والشك بين لي عناء % بوشك فراقهم صرد يصيح ) فإنه قدم قوله ( بوشك ~~فراقهم ) وهو معمول ( يصيح ) و ( يصيح ) صفة لصرد على صرد وذلك قبيح ألا ~~ترى أنه لا يجوز أن يقال هذا من موضع كذا رجل ورد اليوم وإنما يجوز وقوع ~~المعمول بحيث يجوز وقوع العامل فكما لا يجوز تقديم الصفة على موصوفها فكذلك ~~لا يجوز تقديم ما اتصل بها على موصوفها # ومن هذا النحول قول الآخر # ( فأصبحت بعد خط بهجتها % كأن قفرا رسومها قلما ) # فإنه قدم خبر كأن عليها وهو قوله ( خط ) وهذا وأمثاله مما لا يجوز قياس ~~عليه والأصل في هذا البيت فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خط رسومها إلا ~~أنه على تلك الحالة الأولى في الشعر مختل مضطرب # والمعاظلة في هذا الباب تتفاوت درجاتها في القبح وهذا البيت المشار إليه ~~من أقبحها لأن معانيه قد تداخلت وركب بعضها بعضا # ومما جرى هذا المجرى قول الفرزدق # ( إلى ملك ما أمه من محارب % أبوه ولا كانت كليب تصاهره ) PageV02P041 # وهو يريد إلى ملك أبوه ما أمه من محارب وهذا أقبح من الأول وأكثر اختلالا # وكذلك جاء قوله أيضا # ( وليست خراسان التي كان خالد % بها إذ كان سيفا أميرها ) وحديث هذا ~~البيت ظريف وذاك أنه فيما ذكر يمدح خالد بن عبد الله القسري ويهجو أسدا ~~وكان أسد وليها بعد خالد وكأنه قال وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها ~~سيفا إذ كان أسد أميرها ms316 وعلى هذا التقدير ففي ( كان ) الثانية ضمير الشأن ~~والحديث والجملة بعدها خبر عنها وقد قدم بعض ما إذ مضافة إليه وهو ( أسد ) ~~عليها وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به ~~وأيضا فإن أسدا أحد جزأي الجملة المفسرة للضمير والضمير لا يكون تفسيره إلا ~~من بعده ولو تقدم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير ولما سماه الكوفيون ~~الضمير المجهول # وعلى هذا النحو ورد قول الفرزدق أيضا # ( وما مثله في الناس إلا مملكا % أبو أمه حي أبوه يقاربه ) # ومعنى هذا البيت وما مثله في الناس حي يقارب إلا مملكا أبو أمه أبوه وعلى ~~هذا المثال المصوغ في الشعر قد جاء مشوها كما تراه # وقد استعمل الفرزدق من التعاظل كثيرا كأنه كان يقصد ذلك ويتعمده لأن مثله ~~لا يجيء ألا متكلفا مقصودا وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيتها ~~وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد ألا ترى أن المقصود من ~~الكلام معدوم في هذا الضرب المشار إليه إذ المقصود من الكلام إنما هو ~~الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب ~~المراد به ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية ~~وغيرهما PageV02P042 # واعلم أن هذا الضرب من الكلام هو ضد الفصاحة لأن الفصاحة هي الظهور ~~والبيان وهذا عار عن هذا الوصف # أما الضرب الثاني الذي يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ~~ذلك فإنه مما لا يحصره حد ولا ينتهي إليه شرح وقد أشرنا إلى نبذة منه في ~~هذا الكتاب ليستدل بها على أشباهها ونظائرها # فمن ذلك تقديم السبب على المسبب كقوله تعالى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ فإنه إنما قدم العبادة على الاستعانة لأن تقديم القربة والوسيلة قبل ~~طلب الحاجة أنجح لحصول الطلب وأسرع لوقوع الإجابة ولو قال إياك نستعين ~~وإياك نعبد لكان جائزا إلا أنه لا يسد ذلك المسد ولا يقع ذلك الموقع وهذا ~~لا يخفى على المنصف من ms317 أرباب هذه الصناعة وعلى نحو منه جاء قوله تعالى @QB@ ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما ~~وأناسي كثيرا @QE@ فقدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس وإن ~~كانوا أشرف محلا لأن حياة الأرض هي سبب لحياة الأنعام والناس فلما كانت ~~بهذه المثابة جعلت مقدمة في الذكر ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش ~~والحياة للناس قدمها في الذكر على الناس لأن حياة الناس بحياة أرضهم ~~وأنعامهم فقدم سقي ما هو سبب نمائهم ومعاشهم على سقيهم # ومن هذا الضرب تقديم الأكثر على الأقل كقوله تعالى @QB@ ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ~~@QE@ وإنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته وأن معظم الخلق عليه ثم أتى ~~بعده بالمقتصدين لأنهم قليل بالإضافة إليه ثم أتى بالسابقين وهم أقل من ~~القليل أعني من المقتصدين فقدم الأكثر وبعده الأوسط ثم ذكر الأقل آخرا ولو ~~عكست القضية المعنى ايضا واقعا في موقعه لأنه يكون قد روعي فيه تقديم ~~الأفضل فالأفضل # ولنوضح لك في هذا وأمثاله طريقا تقتفيه فنقول اعلم أنه إذا كان الشيئان ~~كل واحد منهما مختصا بصفة فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت في الذكر كهذه ~~PageV02P043 PageV02P028 الآية فإن السابق بالخيرات مختص بصفة الفضل ~~والظالم لنفسه مختص بصفة الكثرة فقس على هذا ما يأتيك من أشباهه وأمثاله # ومن هذا الجنس قوله تعالى @QB@ والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع @QE@ فإنه إنما ~~قدم الماشي على بطنه لأنه أدل على القدرة من الماشي على رجلين إذ هو ماش ~~بغير الآلة المخلوقة للمشي ثم ذكر الماشي على رجلين وقدمه على الماشي على ~~أربع لأنه أدل على القدرة أيضا حيث كثرت آلات المشي في الأربع وهذا من باب ~~تقديم الأعجب فالأعجب # فإن قيل قد ورد في القرآن الكريم في مواضع منه ما يخالف هذا الذي ذكرته ~~كقوله تعالى في سورة هود @QB@ وما نؤخره إلا ms318 لأجل معدود يوم يأت لا تكلم ~~نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار @QE@ ثم قال @QB@ ~~وأما الذين سعدوا ففي الجنة @QE@ فقدم أهل النار في الذكر على أهل الجنة ~~وهذا مخالف للأصل الذي أصلته في هذا الموضع # فالجواب عن ذلك أن هذا الذي أشرت إليه في سورة هود وما أشبهه له أسرار ~~تحتاج إلى فضل تأمل وإمعان نظر حتى تفهم أما هذا الموضع فإنه لما كان ~~الكلام مسوقا في ذكر التخويف والتحذير وجاء على عقب قصص الأولين وما فعل ~~الله بهم من التعذيب والتدمير كان الأليق أن يوصل الكلام بما يناسبه في ~~المعنى وهو ذكر أهل النار فمن أجل ذلك قدموا في الذكر على أهل الجنة وإذا ~~رأيت في القرآن شيئا من هذا القبيل وما يجري مجراه فتأمله وأمعن نظرك فيه ~~حتى يتبين لك مكان الصواب منه # واعلم أنه إذا كان مطلع الكلام في معنى من المعاني ثم يجيء بعده ذكر ~~شيئين أحدهما أفضل من الآخر وكان المعنى المفضول مناسبا لمطلع الكلام فأنت ~~بالخيار في تقديم أيهما شئت لأنك إن قدمت الأفضل فهو في موضعه من التقديم ~~وإن قدمت المفضول فلأن مطلع الكلام يناسبه وذكر الشيء مع ما يناسبه أيضا ~~وارد في موضعه PageV02P044 # فمن ذلك قوله تعالى @QB@ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور لله ملك السماوات والأرض يخلق ~~ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير @QE@ فإنه إنما قدم الإناث على الذكور ~~مع تقدمهم عليهن لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى وكفران الإنسان ~~بنسيانه للرحمة السابقة عنده ثم عقب ذلك بذكر ملكه ومشيئته وذكر قسمة ~~الأولاد فقدم الإناث لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء لا ما يشاؤه الإنسان ~~فكان ذكر الإناث اللاتي هن من جملة ما لا يشاؤه الإنسان ولا يختاره أهم ~~والأهم واجب التقديم وليلي الجنس الذي كانت العرب تعده ms319 بلاء ذكر البلاء ~~ولما أخر ذكر الذكور وهم أحقاء بالتقديم تدارك ذلك بتعريفه إياهم لأن ~~التعريف تنويه بالذكر كأنه قال ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين ~~الذين لا يخفون عليكم ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير ~~وعرف أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن ولكن لمقتض آخر فقال ( ذكرانا وإناثا ~~) وهذه دقائق لطيفة قل من ينتبه لها أو يعثر على رموزها # ومن هذا الباب قوله تعالى @QB@ وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ~~ذرة في الأرض ولا في السماء @QE@ فإنه إنما قدم الأرض في الذكر على السماء ~~ومن حقها التأخير لأنه لما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم ووصل ~~ذلك بقوله @QB@ وما يعزب @QE@ لاءم بينهما ليلي المعنى المعنى # فإن قيل قد جاء تقديم الأرض على السماء في الذكر في مواضع كثيرة من ~~القرآن # قلنا إذا جاءت مقدمة في الذكر فلا بد لتقديمها من سبب اقتضاه وإن خفي ذلك ~~السبب وقد يستنبطه بعض العلماء دون بعض PageV02P045 # | النوع العاشر # # | في الحروف العاطفة والجارة # وهذا موضع لطيف المؤخذ دقيق المغزى وما رأيت أحدا من علماء هذه الصناعة ~~تعرض إليه ولا ذكره وما أقول أنهم لم يعرفوه فإن هذا النوع من الكلام أشهر ~~من أن يخفى لأنه مذكور في كتب العربية جميعها ولست أعني بإيراده ههنا ما ~~يذكره النحويون من أن الحروف العاطفة تتبع المعطوف المعطوف عليه في الإعراب ~~ولا أن الحروف الجارة تجر ما تدخل عليه بل أمرا وراء ذلك وإن كان المرجع ~~فيه إلى الأصل النحوي فأقول # إن أكثر الناس يضعون هذه الحروف في غير مواضعها فيجعلون ما ينبغي أن يجر ~~بعلى بفي في حروف الجر وفي هذه الأشياء دقائق أذكرها لك # أما حروف العطف فنحو قوله تعالى @QB@ والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت ~~فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين @QE@ فالأول عطفه بالواو التي هي للجمع ~~وتقديم الإطعام على ms320 الإسقاء والإسقاء على الإطعام جائز لولا مراعاة حسم ~~النظم ثم عطف الثاني بالفاء لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما ~~ثم عطف الثالث بثم لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمان ولهذا جيء في عطفه بثم ~~التي هي للتراخي ولو قال قائل في موضع هذه الآية الذي يطعمني ويسقين ~~ويمرضني ويشفين ويميتني ويحيين لكان للكلام معنى تام إلا أنه لا يكون كمعنى ~~الآية إذ كل شيء منها قد عطف بما يناسبه ويقع موقع السداد منه # ومما جاء من هذا الباب قوله تعالى @QB@ قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء ~~خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره ~~@QE@ ألا ترى أنه لما قال @QB@ من نطفة خلقه @QE@ كيف قال ( فقدره ) ولم ~~يقل ثم قدره لأن التقدير لما كان تابعا للخلقة وملازما لها عطفه عليها ~~بالفاء وذلك بخلاف قوله PageV02P046 PageV02P030 @QB@ ثم السبيل يسره @QE@ ~~لأن بين خلقته وتقديره في بطن أمه وبين إخراجه منه وتسهيل سبيله مهلة ~~وزمانا فلذلك عطفه بثم وعلى هذا جاء قوله تعالى @QB@ ثم أماته فأقبره ثم ~~إذا شاء أنشره @QE@ لأن بين إخراجه من بطن أمه وبين موته تراخيا وفسحة ~~وكذلك بين موته ونشوره أيضا ولذلك عطفهما بثم ولما لم يكن بين موت الإنسان ~~وإقباره تراخ ولا مهلة عطفه بالفاء وهذا موضع من علم البيان شريف وقلما ~~يتفطن لاستعماله كما ينبغي # ومما جاء من ذلك أيضا قوله تعالى في قصة مريم وعيسى عليهما السلام @QB@ ~~فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني ~~مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا @QE@ وفي هذه الآية دليل على أنه حملها به ~~ووضعها إياه كانا متقاربين لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت ~~إليه والمخاض الذي هو الطلق بالفاء وهي للفور ولو كانت كغيرها من النساء ~~لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى @QB@ قتل ~~الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ms321 @QE@ ~~فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه منه مدة متراخية عطف ذلك بثم وهذا ~~بخلاف قصة مريم عليها السلام فإنها عطفت بالفاء وقد اختلف الناس في مدة ~~حملها فقيل إنه كان كحمل غيرها من النساء وقيل لا بل كان مدة ثلاثة أيام ~~وقيل أقل وقيل أكثر وهذه الآية مزيلة للخلاف لأنها دلت صريحا على أن الحمل ~~والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة وربما كان ذلك في يوم واحد أو ~~أقل أخذا بما دلت عليه الآية # ومما ورد من هذا الأسلوب قوله تعالى @QB@ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ~~فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر @QE@ ففي ~~الآية المتقدم ذكرها قال @QB@ من نطفة خلقه فقدره @QE@ فعطف التقدير على ~~الخلق بالفاء لأنه تابع له ولم يذكر تفاصيل حال المخلوق وفي هذه الآية ذكر ~~تفاصيل حاله في تنقله فبدأ بالخلق الأول وهو خلق آدم من طين ولما عطف عليه ~~الخلق الثاني الذي هو PageV02P047 خلق النسل عطفه بثم لما بينهما التراخي ~~وحيث صار إلى التقدير الذي يتبع بعضه بعضا من غير تراخ عطفه بالفاء ولما ~~انتهى إلى جعله ذكرا أو أنثى - وهو آخر الخلق - عطفه بثم # فإن قيل إنه قد عطف المضغة على العلقة في هذه الآية بالفاء وفي أخرى بثم ~~وهي قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ~~من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة @QE@ # فالجواب عن ذلك # واعلم أن في حروف العطف موضعا تلتبس [ فيه ] الفاء بالواو وهو موضع يحتاج ~~فيه إلى فضل تأمل وذلك أن فعل المطاوعة لا يعطف عليه إلا بالفاء دون الواو ~~وقد يجيء من الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعة ويعطي ظاهره أنه كذلك إلا أن ~~معناه يكون مخالفا لمعنى فعل المطاوعة فيعطف حينئذ بالواو لا بالفاء كقوله ~~تعالى @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه @QE@ فقوله @QB@ ~~أغفلنا ms322 قلبه @QE@ ههنا بمعنى صادفناه غافلا وليس منقولا عن غفل حتى يكون ~~معناه صددناه لأنه لو كان كذلك لكان معطوفا عليه بالفاء وقيل فاتبع هواه ~~وذلك أنه يكون مطاوعا وفعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء كقولك أعطيته فأخذ ~~أو دعوته فأجاب ولا تقول أعطيته وأخذ ولا دعوته وأجاب كما لا يقال كسرته ~~وانكسر # وكذلك لو كان معنى أغفلنا في الآية صددنا ومنعنا لكان معطوفا عليه بالفاء ~~وكان يقال ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه فلما لم يكن كذلك ~~وكان العطف عليه PageV02P048 PageV02P031 بالواو فطريقة أنه لما قال @QB@ ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه @QE@ أن يكون معناه وجدناه غافلا فقد غفل ~~لا محالة فكأنه قال ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه أي لا تطع من ~~فعل كذا وكذا يعدد أفعاله التي توجب ترك طاعته فاعرف ذلك # وأما حروف الجر فإن الصواب يشذ عن وضعها في مواضعها وقد علم أن ( في ) ~~للوعاء و ( على ) للاستعلاء كقولهم زيد في الدار وعمرو على الفرس لكن إذا ~~أريد استعمال ذلك في غير هذين الموضعين مما يشكل استعماله عدل فيه عن ~~الأولى # فمما ورد منه قوله تعالى @QB@ قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله ~~وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين @QE@ ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى ~~المقصود لمخالفة حرفي الجر ههنا فإنه إنما خولف بينهما في الدخول على الحق ~~والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركض به حيث شاء وصاحب ~~الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه لا يدري أين يتوجه وهذا معنى دقيق ~~قلما يراعى مثله في الكلام وكثيرا ما سمعت إذا كان الرجل يلوم أخاه أو ~~يعاتب صديقه على أمر من الأمور فيقول له أنت على ضلالك القديم كما أعهدك ~~فيأتي بعلى في موضع في وإن كان هذا جائزا إلا أن استعمال ( في ) ههنا أولى ~~لما أشرنا إليه ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة يوسف @QB@ قالوا تالله إنك ~~لفي ضلالك القديم @QE@ # ومن ms323 هذا النوع قوله تعالى @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين ~~عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ~~@QE@ فإنه إنما عدل عن اللام إلى ( في ) في الثلاثة الأخيرة للإيذان بأنهم ~~أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام لأن ( في ) للوعاء فنبه ~~على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشيء في الوعاء وأن يجعلوا ~~مظنة لها وذلك لما في فك الرقاب وفي الغرم من التخلص وتكرير ( في ) في قوله ~~@QB@ وفي سبيل @QE@ PageV02P049 الله ) دليل على ترجيحه على الرقاب وعلى ~~الغارمين وسياق الكلام أن يقال وفي الرقاب والغارمين وسبيل الله وابن ~~السبيل فلما جيء بفي ثانية وفصل بها بين الغارمين وبين سبيل الله علم أن ~~سبيل الله أوكد في استحقاق النفقة فيه وهذه لطائف ودقائق لا توجد إلا في ~~هذا الكلام الشريف فاعرفها وقس عليها PageV02P050 # | النوع الحادي عشر # # | في الخطاب بالجملة الفعلية والجملة الاسمية والفرق بينهما # ولم أذكر هذا الموضع لأن يجري الأمر فيه على ما يجري مجراه فقط بل لأن ~~يقاس عليه مواضع أخرى مما تماثله وتشابهه ولو كان شبها بعيدا # وإنما يعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر لضرب التأكيد والمبالغة # فمن ذلك قولنا قام زيد وإن زيدا قائم فقولنا ( قام زيد ) معناه الإخبار ~~عن زيد بالقيام وقولنا ( إن زيدا قائم ) معناه الإخبار عن زيد بالقيام أيضا ~~إلا أن في الثاني زيادة ليست في الأول وهي توكيده بإن المشددة التي من ~~شأنها الإثبات لما يأتي بعدها وإذا زيد في خبرها اللام فقيل إن زيدا لقائم ~~كان ذلك أكثر توكيدا في الإخبار بقيامه وهذا مثال ينبني عليه أمثلة كثيرة ~~من غير هذا النوع # فمما جاء من ذلك قوله تعالى @QB@ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم @QE@ فإنهم إنما خاطبوا المؤمنين بالجملة ~~الفعلية وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة بإن المشددة لأنهم في مخاطبة ~~إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اعتقاد الكفر والبعد من أن ~~ينزلوا عنه على صدق ورغبة ووفور ms324 نشاط فكان ذلك متقبلا منهم ورائجا عند ~~إخوانهم وأما الذي خاطبوا به المؤمنين فإنما قالوا تكلفا وإظهارا للإيمان ~~خوفا ومداجاة وكانوا يعلمون أنهم لو قالوه بأوكد لفظ وأسده لما راج لهم عند ~~المؤمنين إلا رواجا ظاهرا لا باطنا ولأنهم ليس لهم في عقائدهم باعث قوي على ~~النطق في خطاب المؤمنين بمثل ما خاطبوا به إخوانهم من العبارة المؤكدة ~~فلذلك قالوا في خطاب المؤمنين @QB@ آمنا @QE@ وفي خطاب إخوانهم @QB@ إنا ~~معكم @QE@ وهذه نكت تخفى على من ليس له قدم راسخة في علم الفصاحة والبلاغة ~~PageV02P051 # ومما يجري هذا المجرى ورود لام التوكيد في الكلام ولا يجيء ذلك إلا لضرب ~~من المبالغة وفائدته أنه إذا عبر عن أمر يعز وجوده أو فعل يكثر وقوعه جيء ~~باللام تحقيقا لذلك # فمما جاء منه قوله تعالى في أول سورة المنافقين @QB@ إذا جاءك المنافقون ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون @QE@ فانظر إلى هذه اللامات الثلاثة الواردة في خبر إن والأولى ~~وردت في قول المنافقين وإنما وردت مؤكدة لأنهم أظهروا من أنفسهم التصديق ~~برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وتملقوا وبالغوا في التملق وفي باطنهم ~~خلافه وأما ما ورد في الثانية والثالثة فصحيح لا ريب فيه واللام في الثانية ~~لتصديق رسالته وفي الثالثة لتكذيب المنافقين فيما كانوا يظهرونه من التصديق ~~الذين هم على خلافه # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام @QB@ قالوا يا أبانا ما ~~لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له ~~لحافظون @QE@ فإنه إنما جيء باللام ههنا لزيادة التوكيد في إظهار المحبة ~~ليوسف عليه السلام والإشفاق عليه ليبلغوا الغرض من أبيهم في السماحة ~~بإرساله معهم # ومن هذا الباب قوله تعالى @QB@ أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون @QE@ ثم قال @QB@ أفرأيتم ~~الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه ~~أجاجا فلولا تشكرون @QE@ ألا ترى كيف أدخلت اللام في آية ms325 المطعوم دون آية ~~المشروب وإنما جاءت كذلك لأن جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في العرف ~~والعادة والموجود من الماء الملح أكثر من الماء العذب وكثيرا ما إذا جرت ~~المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة فلم يحتج ~~في جعل الماء العذب ملحا إلى زيادة تأكيد فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد ~~المفيدة زيادة التحقيق وأما المطعوم فإن جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن ~~المعتاد وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط من الله شديد فلذلك قرن بلام التأكيد ~~زيادة في تحقيق أمره وتقريره إيجاده PageV02P052 PageV02P033 # ومما يتصل بذلك قوله تعالى @QB@ وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون @QE@ ~~فاللام في ( لنحن ) هي اللام المشار إليها # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا @QE@ فإن هذه اللام في قوله @QB@ ~~ليستخلفنهم @QE@ و @QB@ وليمكنن @QE@ و @QB@ وليبدلنهم @QE@ إنما جاءت ~~لتحقيق الأمر وإثباته في نفوس المؤمنين وأنه كائن لا محالة # ومما يجري هذا المجرى في التوكيد لام الابتداء المحققة لما يأتي بعدها ~~كقوله تعالى @QB@ إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا @QE@ فاللام في ( ~~ليوسف ) لا الابتداء وفائدتها تحقيق مضمون الجملة الواردة بعدها أي أن ~~زيادة حبه إياهما أمر ثابت لا مراء فيه # ومن هذا النوع قول بعضهم # ( والشيب إن يظهر فإن وراءه % عمرا يكون خلاله متنفس ) # ( لم ينتقص مني المشيب قلامة % ولما بقى مني ألب وأكيس ) # فقوله ( ولما بقى مني ) تقديره وما بقي مني وإنما أدخل على ( ما ) هذه ~~اللام قصدا لتأكيد المعنى لأنه موضع يحتاج إلى التأكيد ألا ترى أن قوة ~~العمر في الشباب ولما أراد هذا الشاعر أن يصف المشيب وليس مما يوصف وإنما ~~يذم أتى باللام لتؤكد ما قصده من الصفة # وكذلك ورد قول الشاعر من أبيات الحماسة # ( إنا لنصفح عن مجاهل قومنا % ونقيم سالفة العدو الأصيد ) PageV02P053 # ( ومتى نجد يوما فساد عشيرة % نصلح وإن نر صالحا لا نفسد ) وهذا ms326 كثير ~~سائغ في الكلام إلا أنه لا يتأتى لمكان العناية بما يعبر به عنه ألا ترى ~~إلى قول الشاعر ( إنا لنصفح عن مجاهل قومنا ) فإنه لما كان الصفح مما يشق ~~على النفس فعله لأنه مقابلة الشر بالخير والإساءة بالإحسان أكده باللام ~~تحقيقا له # فإن عرى الموضع الذي يؤتى فيه بهذه اللام من هذه الفائدة المشار إليها ~~وما يجري مجراه فإن ورود اللام فيه لغير سبب اقتضاه # وأكثر ما تستعمل هذه اللام في جواب القسم لتحقيق الأمر المقسم عليه وذلك ~~في الإيجاب دون النفي لأنها لا تستعمل في النفي ألا ترى أنه لا يقال والله ~~للاقمت وإنما يقال والله لا قمت لكن في الإيجاب تستعمل ويكون استعمالها ~~حسنا كقولك والله لأقوم فإن أضيف إليها النونان الخفيفة والثقيلة كان ذلك ~~أبلغ في التأكيد كقولك والله لأقومن وعلى ذلك وردت الآية المتقدم ذكرها وهي ~~قوله تعالى @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات @QE@ وإن لم ~~يكن جوابا لقسم فالنون الواردة بعد اللام زيادة في التأكيد وهما تأكيدان ~~أحدهما مردف للآخر # وكذلك فاعلم أن النون الثقيلة متصلة بهذا الباب فإذا استعملت في موضع ~~فإنما يقصد بها التأكيد # فمما جاء منها قول البحتري في معاتبة الفتح بن خاقان PageV02P054 ~~PageV02P034 # ( هل يجلبن إلي عطفك موقف % ثبت لديك أقول فيه وتسمع ) # ( ما زال لي من حسن رأيك موئل % آوي إليه من الخطوب ومفزع ) # ( فعلام أنكرت الصديق وأقبلت % نحوي جناب الكاشحين تطلع ) # ( وأقام يطمع في تهضم جانبي % من لم يكن من قبل فيه يطمع ) # ( إلا يكن ذنب فعدلك واسع % أو كان لي ذنب فعفوك أوسع ) # وهذه أبيات حسنة مليحة في بابها يمحى بها حر الصدود ويستمال بها صعر ~~الخدود وإنما ذكرتها بجملتها لمكان حسنها والبيت الأول هو المراد ألا ترى ~~أنه قال ( هل يجلبن إلي عطفك موقف ) فالنون جاءت قصدا للتأكيد وهو في هذا ~~المقام متمن فأحب أن يؤكد هذه الأمنية وكل ما يجيء من هذا الباب فإنه واقع ~~هذا الموقع وإذا استعمل عبثا لغير فائدة تقتضيه فإنه لا ms327 يكون استعماله إلا ~~من جاهل بالأسرار المعنوية وأما ما يمثل به النحاة من قول القائل والله ~~لأقومن فإنه مثال نحوي يضرب للجواز وإلا فإذا قال القائل والله لأقومن ~~وأكده كان ذلك لغوا لأنه ليس في قيامه من الأمر العزيز ولا من الأمر العسير ~~ما يحتاج معه إلى التأكيد بل لو قال والله لأقومن إليك مهددا له لكان ذلك ~~واقعا في موقعه فافهم هذا وقس عليه PageV02P055 # | النوع الثاني عشر # # | في قوة اللفظ لقوة المعنى # هذا النوع قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب ( الخصائص ) إلا أنه لم ~~يورده كما أوردته أنا ولا نبه على ما نبهت عليه من النكت التي تضمنته وهذا ~~يظهر بالوقوف على كلامي وكلامه فأقول # اعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أكثر منه ~~فلا بد من أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على ~~المعاني وأمثلة للإبانة عنها فإذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة ~~المعاني وهذا لا نزاع فيه لبيانه وهذا النوع لا يستعمل إلا في مقام ~~المبالغة # فمن ذلك قولهم خشن واخشوشن فمعنى خشن دون معنى اخشوشن لما فيه من تكرير ~~العين وزيادة الواو نحو فعل وافعوعل وكذلك قولهم أعشب المكان فإذا رأوا ~~كثرة العشب قالوا اعشوشب # ومما ينتظم بهذا السلك قدر واقتدر فمعنى اقتدر أقوى من معنى قدر قال الله ~~تعالى @QB@ فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر @QE@ فمقتدر ههنا أبلغ من قادر وإنما ~~عدل إليه للدلالة على تفخيم الأمر وشدة الأخذ الذي لا يصدر إلا عن قوة ~~الغضب أو للدلالة على بسطة القدرة فإن المقتدر أبلغ في البسطة من القادر ~~وذاك أن مقتدرا اسم فاعل من اقتدر وقادر اسم فاعل من قدر ولا شك أن افتعل ~~أبلغ من فعل # وعلى هذا ورد قول أبي نواس # ( فعفوت عني عفو مقتدر % حلت له نقم فألفاها ) # أي عفوت عني عفو قادر متمكن القدرة لا يرده شيء عن إمضاء قدرته وأمثال ~~هذا كثيرة PageV02P056 # وكذلك ورد قوله تعالى في ms328 سورة نوح عليه السلام @QB@ فقلت استغفروا ربكم ~~إنه كان غفارا @QE@ فإن غفارا أبلغ في المغفرة من غافر لإن فعالا يدل على ~~كثرة صدور الفعل وفاعلا لا يدل على الكثرة # عليه ورد قوله تعالى @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ ~~فالتواب هو الذي تتكرر منه التوبة مرة على مرة وهو فعال وذلك أبلغ من ~~التائب الذي هو فاعل فالتائب اسم فاعل من تاب يتوب فهو تائب أي صدرت منه ~~التوبة مرة واحدة فإذا قيل تواب كان صدور التوبة منه مرارا كثيرة # وهذا ما يجري مجراه إنما يعمد إليه لضرب من التوكيد ولا يوجد ذلك إلا ~~فيما معنى الفعلية كاسم الفاعل والمفعول وكالفعل نفسه نحو قوله تعالى @QB@ ~~فكبكبوا فيها هم والغاوون @QE@ فإن معنى كبكبوا من الكب وهو القلب إلا أنه ~~مكرر المعنى وإنما استعمل في الآية دلالة على شدة العقاب لأنه موضع يقتضي ~~ذلك # ولربما نظر بعض الجهال في هذا فقاس عليه زيادة التصغير وقال إنها زيادة ~~ولكنها زيادة نقص لأنه يزاد في اللفظ حرف كقولهم في الثلاثي في رجل رجيل ~~وفي الرباعي في قنديل قنيديل فالزيادة وردت ههنا فنقصت من معنى هاتين ~~اللفظتين وهذا ليس من الباب الذي نحن بصدد ذكره لأنه عار عن معنى الفعلية ~~والزيادة في الألفاظ لا توجب زيادة في المعاني إلا إذا تضمنت معنى الفعلية ~~لأن الأسماء التي لا معنى للفعل فيها إذا زيدت استحال معناها ألا ترى أنا ~~لو نقلنا لفظة عذب وهي ثلاثية إلى الرباعي عذيب فقلنا على وزن جعفر لاستحال ~~معناها ولم يكن لها معنى وكذلك لو نقلنا لفظة عسجد وهي رباعية إلى الخماسي ~~فقلنا عسجدد على وزن جحمرش لاستحال معناها وهذا بخلاف ما فيه معنى الفعلية ~~كقادر ومقتدر فإن قادرا اسم فاعل قدر وهو ثلاثي ومقتدرا اسم فاعل اقتدر وهو ~~رباعي فلذلك كان معنى القدرة في اقتدر أشد من معنى القدرة في قدر وهذا لا ~~نزاع فيه # وهذا الباب بجملته لا يقصد به إلا المبالغة في إيراد المعاني وقد يستعمل ~~PageV02P057 PageV02P036 في مقام المبالغة ms329 فينعكس المعنى فيه إلى ضده كما ~~جاء لأبي كرام التميمي من شعراء الحماسة وهو قوله # ( لله تيم أي رمح طراد % لاقى الحمام وأي نصل جلاد ) # ( ومحش حرب قدم متعرض % للموت غير مكذب حياد ) # فلفظة ( حياد ) قد وردت ههنا وإنما أوردها هذا الشاعر وقصد بها المبالغة ~~في وصف شجاعة هذا الرجل فانعكس عليه المقصد الذي قصده لأن حيادا من حيد فهو ~~حياد أي وجد منه الحيدودة مرارا كما يقال قتل فهو قتال أي وجد منه القتل ~~مرارا وإذا كان هذا الرجل غير حياد كان حائدا أي وجدت منه الحيدودة مرة ~~واحدة وإذا وجدت منه مرة كان ذلك جبنا ولم يكن شجاعة والأولى أن كان قال ~~غير مكذب حائد # وينبغي أن يعلم أنه إذا وردت لفظة من الألفاظ ويجوز حملها على التضعيف ~~الذي هو طريق المبالغة وحملها على غيره أن ينظر فيها فإن اقتضى حملها على ~~المبالغة فهو الوجه # فمن ذلك قول البحتري في قصيدته التي مطلعها PageV02P058 # ( منى النفس في أسماء لو تستطيعها % ) وهي قصيدة مدح بها الخليفة المتوكل ~~رحمه الله وذكر فيها حديث الصلح بين بني تغلب فمما جاء فيها قوله # ( رفعت بضبعي تغلب ابنة وائل % وقد يئست أن يستقل صريعها ) # ( فكنت أمين الله مولى حياتها % ومولاك فتح يوم ذاك شفيعها ) # ( تألفتهم من بعد ما شردت بهم % حفائظ أخلاق بطيء رجوعها ) # ( فأبصر غاويها المحجة فاهتدى % وأقصر غاليها وداني شسوعها ) # فقوله ( تألفتهم من بعد ما شردت بهم ) يجوز أن تخفف لفظة ( شردت ) ويجوز ~~أن تثقل والثقيل هو الوجه لأنه في مقام الإصلاح بين قوم تنازعوا واختلفوا ~~وتباينت قلوبهم وآراؤهم وكل ما يجيء من الألفاظ على هذا النحو فينبغي أن ~~يجري هذا المجرى # وههنا نكتة لا بد من التنبيه عليها وذلك أن قوة اللفظ لقوة المعنى لا ~~تستقيم إلا في نقل صيغة إلى صيغة أكثر منها كنقل الثلاثي إلى الرباعي وإلا ~~فإذا كانت صيغة الرباعي مثلا موضوعة لمعنى فإنه لا يراد به ما أريد من نقل ~~الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة # ألا ترى ms330 أنه إذا قيل في الثلاثي قتل ثم نقل إلى الرباعي فقيل قتل - ~~بتشديد التاء - فإن الفائدة من هذا النقل هي التكثير أي أن القتل وجد منه ~~كثيرا وهذه الصيغة الرباعية بعينها لو وردت من غير نقل لم تكن دالة على ~~التكثير كقوله تعالى @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ فإن كلم على وزن قتل ~~ولم يرد به التكثير بل أريد به أنه خاطبه سواء كان خطابه إياه طويلا أو ~~قصيرا قليلا أو كثيرا وهذه اللفظة رباعية وليس لها ثلاثي نقلت عنه إلى ~~الرباعي لكن قد وردت بعينها ولها ثلاثي ورباعي فكان الرباعي أكثر وأقوى ~~فيما دل عليه من المعنى وذاك PageV02P059 PageV02P037 4 PageV02P035 5 أن ~~تكون كلم من الجرح أي جرح ولها ثلاثي وهو كلم مخففا أي جرح فإذا وردت مخففة ~~دلت على الجراحة مرة واحدة وإذا وردت مثقلة دلت على التكثير # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ ورتل القرآن ترتيلا @QE@ فإن لفظة ( رتل ) على ~~وزن لفظة قتل ومع هذا ليست دالة على كثرة القراءة وإنما المراد بها أن تكون ~~القراءة على هيئة التأني والتدبر وسبب ذلك أن هذه اللفظة لا ثلاثي لها حتى ~~تنقل عنه إلى رباعي وإنما هي رباعية موضوعة لهذه الهيئة المخصوصة من ~~القراءة وعلى هذا فلا يستقيم معنى الكثرة والقوة في اللفظ والمعنى إلا ~~بالنقل من وزن إلى وزن أعلى منه فاعرف ذلك # ومن ههنا شذ الصواب عمن شذ عنه في عالم وعليم فإن جمهور علماء العربية ~~يذهبون إلى أن عليما أبلغ في معنى العلم من عالم وقد تأملت ذلك وأنعمت نظري ~~فيه فحصل عندي شك في الذي ذهبوا إليه والذي أوجب ذلك الشك هو أن عالما ~~وعليما على عدة واحدة إذ كل منهما أربعة أحرف وليس بينهما زيادة ينقل فيها ~~الأدنى إلى الأعلى والذي يوجبه النظر أن يكون الأمر على عكس ما ذكروه وذاك ~~أن يكون عالم أبلغ من عليم وسببه أن عالما اسم فاعل من علم وهو متعد وأن ~~عليما اسم فاعل من علم إلا أنه أشبه وزن الفعل القاصر ms331 نحو شرف فهو شريف ~~وكرم فهو كريم وعظم فهو عظيم فهذا الوزن لا يكون إلا في الفعل القاصر فلما ~~أشبهه عليم انحط عن رتبة عالم الذي هو متعد ألا ترى أن فعل - بفتح الفاء ~~وكسر العين - يكون متعديا نحو علم وحمد ويكون قاصرا غير متعد نحو عضب وشبع ~~وأما فعل - بفتح الفاء وضم العين - فإنه لا يكون إلا قاصرا غير متعد ولما ~~كان فعل - بفتح الفاء وكسر العين - مترددا بين المتعدي والقاصر وكان فعل - ~~بفتح الفاء وضم العين - قاصرا غير متعد صار القاصر أضعف مما يدور بين ~~المتعدي والقاصر وحيث كان الأمر كذلك وأشبه وزن المتعدي وزن القاصر حط ذلك ~~من درجته وجعله في الرتبة دون المتعدي الذي ليس بقاصر هذا هو الذي أوجب لي ~~التشكيك فيما ذهب إليه غيري من علماء العربية ولربما كان ما ذهبوا إليه ~~لأمر خفي عني ولم أطلع عليه PageV02P060 PageV02P038 # | النوع الثالث عشر # # | في عكس الظاهر # وهو نفي الشيء بإثباته وهو من مستطرفات علم البيان وذاك أنك تذكر كلاما ~~يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا # فمما جاء منه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصف مجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( لا تنثى فلتاته ) أي لا تذاع سقطاته فظاهر هذا اللفظ ~~أنه كان ثم فلتات غير أنها لا تذاع وليس المراد ذلك بل المراد أنه لم يكن ~~ثم فلتات فتثنى وهذا من أغرب ما توسعت فيه اللغة العربية وقد ورد في الشعر ~~كقول بعضهم # ( ولا ترى الضب بها ينجحر % ) # فإن ظاهر المعنى من هذا البيت أنه كان هناك ضب ولكنه غير منحجر وليس كذلك ~~بل المعنى أنه لم يكن هناك ضب أصلا # وهذا النوع من الكلام قليل الاستعمال وسبب ذلك أن الفهم لا يكاد يأباه ~~ولا يقبله إلا بقرينة خارجة عن دلالة لفظة على معناه وما كان عاريا عن ~~قرينة فإنه لا يفهم منه ما أراد قائله PageV02P061 # وسأوضح ذلك فأقول أما قولنا عن مجلس رسول الله صلى ms332 الله عليه وسلم ( لا ~~تنثى فلتاته ) فإن مفهوم هذا اللفظ أنه كان هناك فلتات إلا أنها تطوى ولا ~~تنشر وتكتم ولا تذاع ولا يفهم منه أنه لم يكن هناك فلتات إلا بقرينة خارجة ~~عن اللف وهي أنه قد ثبت في النفوس وتقرر عند العقول أن مجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منزه عن فلتات تكون به وهو أكرم من ذلك وأوقر فلما قيل ( ~~إنه لا تثنى فلتاته ) فهمنا منه أنه لم يكن هناك فلتات أصلا وأما قول ~~القائل # ( ولا ترى الضب بها ينجحر % ) # فإنه لا قرينة تخصصه حتى يفهم منه ما فهم من الأول بل المفهوم أنه كان ~~هناك ضب ولكنه غير منجحر # ولقد مكثت زمانا أطوف على أقوال الشعراء قصدا للظفر بأمثلة من الشعر ~~جارية هذا المجرى فلم أجد إلا بيتا لامريء القيس وهو # ( على لاحب لا يهتدى لمناره % إذا سافه العود الديافي جرجرا ) # فقوله ( لا يهتدى لمناره ) أي أن له منارا إلا أنه لا يهتدي به وليس ~~المراد ذلك بل المراد أنه لا منار له يهتدي به # ولي أنا في هذا بيت من الشعر وهو # ( أدنين جلباب الحياء فلن يرى % لذيولهن على الطريق غبار ) # وظاهر هذا الكلام أن هؤلاء النساء يمشين هونا لحيائهن فلا يظهر لذيولهن ~~غبار على PageV02P062 الطريق وليس المراد ذلك بل المراد أنهن لا يمشين على ~~الطريق أصلا أي أنهن مخبآت لا يخرجن من بيوتهن فلا يكون إذا لذيولهن على ~~الطريق غبار وهذا حسن رائق وهو أظهر بيانا من قوله # ( ولا ترى الضب بها ينجحر % ) فمن استعمل هذا النوع من الكلام فليستعمله ~~هكذا وإلا فليدع على أن الإكثار من استعماله عسر لأنه لا يظهر المعنى فيه ~~PageV02P063 # | النوع الرابع عشر # # | في الاستدراج # وهذا الباب أنا استخرجته من كتاب الله تعالى وهو مخادعات الأقوال التي ~~تقوم مقام مخادعات الأفعال والكلام فيه وإن تضمن بلاغة فليس الغرض ههنا ذكر ~~بلاغته فقط بل الغرض ذكر ما تضمنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم إلى ~~الإذعان والتسليم وإذا حقق النظر ms333 فيه علم أن مدار البلاغة كلها عليه لأنه ~~انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة ولا المعاني اللطيفة الدقيقة دون أن ~~تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها والكلام في مثل هذا ينبغي أن يكون ~~قصيرا في خلابه لا قصيرا في خطابه فإذا لم يتصرف الكاتب في استدراج الخصم ~~إلى إلقاء يده وإلا فليس بكاتب ولا شبيه له إلا صاحب الجدل فكما أن ذاك ~~يتصرف في المغالطات القياسية فكذلك هذا يتصرف في المغالطات الخطابية # وقد ذكرت في هذا النوع ما يتعلم منه سلوك هذه الطريق # فمن ذلك قوله تعالى @QB@ وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه ~~وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب @QE@ ~~ألا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام وألطفه فإنه أخذهم بالاحتجاج على طريقة ~~التقسيم فقال لا يخلو هذا الرجل من أن يكون كاذبا فكذبه يعود عليه ولا ~~يتعداه أو يكون صادقا [ وإن يكن صادقا ] يصبكم بعض الذي يعدكم إن تعرضتم له ~~وفي هذا الكلام من حسن الأدب والإنصاف ما أذكره لك فأقول إنما قال @QB@ ~~يصبكم بعض الذي @QE@ وقد علم أنه نبي صادق وأن كل ما يعدهم به لا بد وأن ~~يصيبهم لا PageV02P064 PageV02P040 بعضه لأنه احتجاج في مقاولة خصوم موسى ~~عليه السلام أن يسلك معهم طريق الإنصاف والملاطفة في القول ويأتيهم من جهة ~~المناصحة ليكون أدعى إلى سكونهم إليه فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم ~~لقوله وأدخل في تصديقهم إياه فقال @QB@ وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ~~@QE@ وهو كلام المنصف في مقابلة غير المشتط وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد ~~أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به لكنه أردف بقوله @QB@ يصبكم بعض الذي ~~يعدكم @QE@ ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه ~~حقه وافيا فضلا عن أن يتعصب له وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل ~~كأنه برطلهم في ms334 صدر الكلام بما يزعمونه لئلا ينفروا منه وكذلك قوله في آخر ~~الآية @QB@ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب @QE@ أي هو على الهدى ولو كان ~~مسرفا كذابا لما هداه الله للنبوة ولا عضده بالبينات وفي هذا الكلام من ~~خداع الخصم واستدراجه ما لا خفاء به وقد تضمن من اللطائف الدقيقة ما إذا ~~تأملته حق التأمل أعطيته حقه من الوصف # ومما يجري على هذا الأسلوب قوله تعالى @QB@ واذكر في الكتاب إبراهيم إنه ~~كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ~~يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن ~~يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا @QE@ هذا كلام يهز أعطاف السامعين ~~وفيه من الفوائد ما أذكره وهو لما أراد إبراهيم عليه السلام أن ينصح أباه ~~ويعظه وينقذه مما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم الذي عصى به أمر العقل ~~رتب الكلام معه في أحسن نظام مع استعمال المجاملة واللطف والأدب الحميد ~~والخلق الحسن مستنصحا في ذلك بنصيحة ربه وذاك أنه طلب منه أولا العلة في ~~خطيئته طلب منبه على تماديه موقظ من غفلته لأن المعبود لو كان حيا مميزا ~~سميعا بصيرا مقتدرا على الثواب والعقاب إلا أنه بعض الخلق يستخف عقل من ~~أهله للعبادة ووصفه بالربوبية ولو كان أشرف الخلائق كالملائكة والنبيين ~~فكيف بمن جعل المعبود جمادا لا يسمع ولا يبصر يعني به الصنم ثم ثنى على ذلك ~~بدعوته إلى الحق مترفقا به فلم يسم أباه PageV02P065 بالجهل المطلق ولا ~~نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال إن معي لطائفة من العلم وشيئا منه وذلك علم ~~الدلالة على سلوك الطريق فلا تستنكف وهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة ~~بهداية الطريق دونك فاتبعني أنجك من أن تضل ثم ثلث ذلك بتثبيطه عما كان ~~عليه ونهيه فقال إن الشيطان الذي استعصى على ربك ms335 وهو عدوك وعدو أبيك آدم هو ~~الذي ورطك في هذه الورطة وألقاك في هذه الضلالة وإنما ألغى إبراهيم عليه ~~السلام ذكر معاداة الشيطان آدم وذريته في نصيحة أبيه لأنه لإمعانه في ~~الإخلاص لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص بالله وهي عصيانه ~~واستكباره ولم يلتفت إلى ذكر معاداته آدم وذريته ثم ربع ذلك بتخويفه إياه ~~سوء العاقبة فلم يصرح بأن العقاب لاحق به ولكنه قال @QB@ إني أخاف أن يمسك ~~عذاب @QE@ فنكر العذاب ملاطفة لأبيه وصدر كل نصيحة من هذه النصائح بقوله ~~@QB@ يا أبت @QE@ توسلا إليه واستعطافا وهذا بخلاف ما أجابه به أبوه فإنه ~~قال @QB@ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم @QE@ فأقبل عليه بفظاظة الكفر وغلظ ~~العناد فناداه باسمه ولم يقابل قوله يا أبت بقوله يا بني وقدم الخبر على ~~المبتدأ في قوله @QB@ أراغب أنت @QE@ لأنه كان أهم عنده وفيه ضرب من التعجب ~~والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته # وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة من هذا الجنس لا سيما في مخاطبات الأنبياء ~~صلوات الله عليهم للكفار والرد عليهم وفي هذين المثالين المذكورين ههنا ~~كفاية ومقنع # وبلغني حديث تفاوض فيه الحسين بن علي رضي الله عنهما ومعاوية بن أبي ~~سفيان في أمر ولده يزيد وذاك أن معاوية قال للحسين أما أمك فاطمة فإنها خير ~~من أمه وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من امرأة من كلب وأما حبي ~~يزيد فإني لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة لما رضيت وأما أبوك وأبوه فإنهما ~~تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك وهذا كلام من معاوية كلما أمررته ~~بفكري عجبت من سداده فضلا عن بلاغته وفصاحته فإن معاوية علم ما لعلي رضي ~~الله عنه من السبق إلى الإسلام والأثر فيه وما عنده من فضيلة العلم فلم ~~يعرض في المنافرة PageV02P066 إلى شيء من ذلك ولم يقل أيضا إن الله أعطاني ~~الدنيا ونزعها منكم لأن هذا لا فضل فيه إذ الدنيا ينالها البر والفاجر ~~وإنما صانع عن ذلك كله بقوله ( إن أباك وأباه تحاكما إلى ms336 الله فحكم لأبيه ~~على أبيك ) وهذا قول إيهامي يوهم شبهة من الحق وإذا شاء من شاء أن ينافر ~~خصمه ويستدرجه إلى الصمت عن الجواب فليقل هكذا PageV02P067 # | النوع الخامس عشر # # | في الإيجاز # وهو حذف زيادات الألفاظ وهو نوع من الكلام شريف لا يتعلق به إلا فرسان ~~البلاغة من سبق إلى غايتها وما صلى وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلى ~~وذلك لعلو مكانه وتعذر إمكانه # والنظر فيه إنما هو إلى المعاني لا إلى الألفاظ ولست أعني بذلك أن تهمل ~~الألفاظ بحيث تعرى عن أوصافها الحسنة بل أعني أن مدار النظر في هذا النوع ~~إنما يختص بالمعاني فرب لفظ قليل يدل على معنى كثير ورب لفظ كثير يدل على ~~معنى قليل ومثال هذا كالجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم الكثيرة فمن ~~ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم بكثرتها ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر ~~الجوهرة الواحدة لنفاستها ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم الفاتحة أم ~~الكتاب وإذا نظرنا إلى مجموعها وجدناه يسيرا وليست من الكثرة إلى غاية تكون ~~بها أم البقرة وآل عمران وغيرها من السور الطوال فعلمنا حينئذ أن ذلك الأمر ~~يرجع إلى معانيها # والكلام في هذا الموضع يخرج بنا إلى غير ما نحن بصدده لأنه يحتاج فيه إلى ~~ذكر المراد بالقرآن الكريم وما يشتمل عليه سوره وآياته إلى حصر أقسام ~~معانيه لكنا نشير في ذلك إشارة خفيفة فنقول # المراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى الله تعالى ولذلك انحصرت سوره وآياته ~~في ستة أقسام ثلاثة منها هي الأصول وثلاثة هي الفروع # أما الأصول فالأول منها تعريف المدعو إليه وهو الله تعالى ويشتمل هذا ~~الأصل على ذكر ذاته وصفاته وأفعاله والأصل الثاني تعريف الصراط المستقيم ~~الذي تجب ملازمته في السلوك إلى الله تعالى ويشتمل هذا الأصل على التبتل ~~بعبادة الله بأفعال القلب وأفعال الجوارح والأصل الثالث تعريف الحال بعد ~~الوصول إلى PageV02P068 PageV02P042 الله تعالى أعني بعد الموت ويشتمل هذا ~~الأصل على تفصيل أحوال الدار الآخرة من الجنة والنار والصراط والميزان ~~والحساب وأشباه ذلك فهذه ms337 الأصول الثلاثة # وأما الفروع فالأول منها تعريف أحوال المجيبين للدعوة ولطائف صنع الله ~~بهم من النصرة والإدالة وتعريف أحوال المخالفين للدعوة والمحادين لها ~~وكيفية صنع الله في التدمير عليهم والتنكير بهم والفرع الثاني ذكر مجادلة ~~الخصوم ومحاجتهم وحملهم بالمجادلة والمحاجة على طريق الحق وهؤلاء هم اليهود ~~والنصارى ومن يجري مجراهم من أرباب الشرائع والفلاسفة والملحدة من غير ~~أرباب الشرائع والفرع الثالث تعريف عمارة منازل الطريق وكيفية أخذ الزاد ~~والأهبة للاستعداد وذاك قياس الشريعة وتبيين الحكمة في أوامرها التي تتعلق ~~بأفعال أهل التكليف # فهذه الأقسام الستة المشار إليها هي التي تدور معاني القرآن عليها ولا ~~تتعداها وههنا تقسيم آخر يطول الخطب فيه ولا حاجة إلى ذكره # وإذا نظرنا إلى سورة الفاتحة وتأملنا ما فيها من المعاني وجدناها مشتملة ~~على أربعة أقسام من الستة المذكورة ولذلك سماها النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~أم الكتاب ) كما أنه قال ( إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ) وإذا نظرنا ~~في الأقسام الستة وجدنا سورة الإخلاص بمنزلة ثلث القرآن وكذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم ( آية الكرسي سيدة آي القرآن ) ويروى أنه سأل أبي بن كعب رضي ~~الله عنه فقال ( أي آية معك في كتاب الله أعظم فقال الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم فضرب في صدره وقال ليهنك العلم أبا المنذر ) وكل هذا يرجع إلى ~~المعاني لا إلى الألفاظ فاعرف ذلك وبينه لرموزه وأسراره # واعلم أن جماعة من مدعي علم البيان ذهبوا إلى أن الكلام ينقسم قسمين فمنه ~~ما يحسن فيه الإيجاز كالأشعار والمكاتبات ومنه ما يحسن فيه التطويل كالخطب ~~والتقليدات وكتب الفتوح التي تقرأ في ملأ من عوام الناس فإن الكلام إذا طال ~~في مثل ذلك أثر عندهم وأفهمهم ولو اقتصر فيه على الإيجاز والإشارة لم ~~PageV02P069 يقع لأكثرهم حتى يقال في ذكر الحرب التقى الجمعان وتطاعن ~~الفريقان واشتد القتال وحمي النضال وما جرى هذا المجرى # والمذهب عندي في ذلك ما أذكره وهو أن فهم العامة ليس شرطا معتبرا في ~~اختيار الكلام لأنه لو كان ms338 شرطا لوجب على قياسه أن يستعمل في الكلام ~~الألفاظ العامية المبتذلة عندهم ليكون ذلك أقرب إلى فهمهم لأن العلة في ~~اختيار تطويل الكلام إذا كانت فهم العامة إياه فكذلك تجعل تلك العلة بعينها ~~في اختيار المبتذل من الكلام فإنه لا خلاف في أن العامة إلى فهمه أقرب من ~~فهم ما يقل ابتذالهم إياه وهذا شيء مدفوع وأما الذي يجب توخيه واعتماده فهو ~~أن يسلك المذهب القويم في تركيب الألفاظ على المعاني بحيث لا تزيد هذه على ~~هذه مع الإيضاح والإبانة وليس على مستعمل ذلك أن يفهم العامة كلامه فإن نور ~~الشمس إذا لم يره الأعمى لا يكون ذلك نقصا في استنارته وإنما النقص في بصر ~~الأعمى حيث لم يستطع النظر إليه # ( علي نحت القوافي من معادنها % وما علي بأن لا تفهم البقر ) # وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فلنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمنا من ~~الكلام على الإيجاز وحده وأقسامه ونوضح ذلك إيضاحا جليا والله الموفق ~~للصواب # فنقول حد الإيجاز هو دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه ~~والتطويل هو ضد ذلك وهو أن يدل المعنى بلفظ يكفيك بعضه في الدلالة عليه ~~كقول الهجير السلولي من أبيات الحماسة # ( طلوع الثنايا بالمطايا وسابق % إلى غاية من يبتدرها يقدم ) PageV02P070 # فصدر هذا البيت فيه تطويل لا حاجة إليه وعجزه من محاسن الكلام المتواصفة ~~وموضع التطويل من صدره أنه قال ( طلوع الثنايا بالمطايا ) فإن لفظة المطايا ~~فضلة لا حاجة إليها وبيان ذلك أنه لا يخلو الأمر فيها من وجهين إما أن يريد ~~أنه سابق الهمة إلى معالي الأمور كما قال الحجاج على المنبر عند وصوله ~~العراق # ( أنا ابن جلا وطلاع الثنايا % ) # أي أنا الرجل المشهور السابق إلى معالي الأمور فإن أراد العجير بقوله ( ~~طلوع الثنايا ) ما أشرت إليه فذكر المطايا يفسد ذلك المعنى لأن معالي ~~الأمور لا يرقى إليها بالمطايا وإن أراد الوجه الآخر وهو أنه كثير الأسفار ~~فاختصاصه الثنايا بالذكر دون الأرض من المفاوز وغيرها لا فائدة فيه وعلى ~~كلا ms339 الوجهين فإن ذكر المطايا فضلة لا حاجة إليه وهو تطويل بارد غث # فقس على هذا المثال ما يجري مجراه من التطويلات التي إذا أسقطت من الكلام ~~بقي على حاله لم يتغير شيء # وكذلك يجري الأمر في ألفاظ يوصل بها الكلام فتارة تجيء لفائدة وذلك قليل ~~وتارة تجيء لغير فائدة وذلك كثير وأكثر ما ترد في الأشعار ليوزن بها ~~الأبيات الشعرية وذلك نحو قولهم لعمري ولعمرك ونحو أصبح وأمسى وظل وأضحى ~~وبات وأشباه ذلك ونحو يا صاحبي ويا خليلي وما يجري هذا المجرى # فمما جاء منه قول أبي تمام # ( أقروا لعمري لحكم السيوف % وكانت أحق بفضل القضاء ) PageV02P071 فإن ~~قوله ( لعمري ) زيادة لا حاجة للمعنى إليها وهو حشو في هذا البيت لا فائدة ~~فيه إلا إصلاح الوزن لا غير ألا ترى أنها من باب القسم وإنما يرد القسم في ~~موضع يؤكد به المعنى المراد إما لأنه مما يشك فيه أو مما يعز وجوده أو ما ~~جرى هذا المجرى وهذا البيت الشعري لا يفتقر معناه إلى توكيد قسمي إذ لا شك ~~في أن السيوف حاكمة وأن كل أحد يقر لحكمها ويذعن لطاعتها وكذلك قوله أيضا # ( إذا أنا لم ألم عثرات دهر % بليت به الغداة فمن ألوم ) # فقوله ( الغداة ) زيادة لا حاجة للمعنى إليها لأنه يتم بدونها لأن عثرات ~~الدهر لم تنله الغداة ولا العشي وإنما نالته ونيلها إياه لابد وأن يقع في ~~زمن من الأزمنة كائنا ما كان ولا حاجة إلى تعيينه بالذكر # وعلى هذا ورد قول البحتري # ( ما أحسن الأيام إلا أنها % يا صاحبي إذا مضت لم ترجع ) # فقوله ( يا صاحبي ) زيادة لا حاجة بالمعنى إليها إلا أنها وردت لتصحيح ~~الوزن لا غير # وهذه الألفاظ التي ترد في الأبيات الشعرية لتصحيح الوزن لا عيب فيها لأنا ~~لو عبناها على الشعراء لحجرنا عليهم وضيقنا والوزن يضطر في بعض الأحوال إلى ~~مثل ذلك لكن إذا وردت في الكلام المنثور فإنها إن وردت حشوا ولم ترد لفائدة ~~كانت عيبا PageV02P072 # وقد ترد في الأبيات الشعرية ويكون ms340 ورودها لفائدة وذلك هو الأحسن كقول ~~البحتري # ( قوم أهانوا الوفر حتى أصبحوا % أولى الأنام بكل عرض وافر ) # فقوله ( أصبحوا ) بمعنى صاروا أي أنهم صاروا أولى الناس بالأعراض الوافرة ~~وهذه اللفظة لم ترد في هذا البيت حشوا كما وردت في بيتي أبي تمام المقدم ~~ذكرهما # وسأزيد هذا الموضع بيانا بمثال أضربه للتطويل حتى يستدل به على أمثاله ~~وأشباهه والمثال الذي أضربه هو حكاية أوردت بمحضر مني وذاك أنه جلس إلي في ~~بعض الأيام جماعة من الإخوان وأخذوا في مفاوضة الأحاديث وانساق ذلك إلى ذكر ~~غرائب الوقائع التي تقع في العالم فذكر كل من الجماعة شيئا فقال شخص منهم ~~إني كنت بالجزيرة العمرية في زمن الملك فلان وكنت إذ ذاك صبيا صغيرا ~~فاجتمعت أنا ونفر من الصبيان في الحارة الفلانية وصعدنا إلى سطح طاحون لبني ~~فلان وأخذنا نلعب على السطح فوقع صبي منا إلى أرض الطاحون فوطئه بغل منبغال ~~الطاحون فخفنا أن يكون آذاه فأسرعنا النزول إليه فوجدناه قد وطئه البغل ~~فختنه ختانة صحيحة حسنة لا يستطيع الصانع الحاذق أن يفعل خيرا منها فقال له ~~شخص من الحاضرين والله إن هذا عي فاحش وتطويل كثير لا حاجة إليه فإنه بصدد ~~أن تذكر أنك كنت صبيا تلعب مع الصبيان على سطح طاحون فوقع صبي منكم إلى أرض ~~الطاحون فوطئه بغل من PageV02P073 بغال الطاحون فختنه ولم يؤذه ولا فرق بين ~~أن تكون هذه الواقعة في بلد نعرفه أو في بلد لا نعرفه ولو كانت بأقصى ~~المشرق أو بأقصى المغرب لم يكن ذلك قدحا في غرابتها وأما أن تذكر أنها كانت ~~بالجزيرة العمرية في الحارة الفلانية في طاحون بني فلان وكان زمن الملك ~~فلان فإن مثل هذا كله تطويل لا حاجة إليه والمعنى المقصود يفهم بدونه # فاعلم أيها الناظر في كتابي هذا أن التطويل هو زيادات الألفاظ في الدلالة ~~على المعاني ومهما أمكنك حذف شيء من اللفظ في الدلالة على معنى من المعاني ~~فإن ذلك اللفظ هو التطويل بعينه # وأما الإيجاز فقد عرفتك أنه دلالة ms341 اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه # وهو ينقسم قسمين أحدهما الإيجاز بالحذف وهو ما يحذف منه المفرد والجملة ~~لدلالة فحوى الكلام على المحذوف ولا يكون إلا فيما زاد معناه على لفظه ~~والقسم الآخر ما لا يحذف منه شيء وهو ضربان أحدهما مأساوي لفظه معناه ويسمى ~~التقدير والآخر ما زاد معناه على لفظه ويسمى القصر # واعلم أن القسم الأول الذي هو الإيجاز بالحذف يتنبه له من غير كبير كلفة ~~في استخراجه لمكان المحذوف منه # وأما القسم الثاني فإن التنبه له عسر لأنه يحتاج إلى فضل تأمل وطول فكرة ~~لخفاء ما يستدل عليه ولا يستنبط ذلك إلا من رست قدمه في ممارسة علم البيان ~~وصار له خليقة وملكة ولم أجد أحدا علم هذين القسمين بعلامة ولا قيدهما بقيد ~~وقد أشرت إلى ذلك فيما يأتي من هذا الباب عند تفصيل أمثلتهما فليؤخذ من ~~هناك # فإن قيل إن هذا التقسيم الذي قسمته في المحذوف وغير المحذوف ليس بصحيح ~~لأن المعاني ليس أجساما كالألفاظ حتى يصح التقدير بينهما ثم لو سلمت جواز ~~التقدير في المساواة لم أسلم جواز الزيادة فليس لقائل أن يقول هذا المعنى ~~زائد على هذا اللفظ لأنه إن قال ذلك قيل فمن أين فهمت تلك الزيادة الخارجة ~~عن اللفظ وقد علم أن الألفاظ إنما وضعت للدلالة على إفهام المعاني ~~PageV02P074 فإن قال إنها فهمت من شيء خارج عن اللفظ قيل له فتلك الزيادة ~~بإزاء ذلك الشيء الخارج عن اللفظ والباقي مساو للفظ وإن قال إنها فهمت من ~~اللفظ قيل فكيف تفهم منه وهي زائدة عليه فإن قال إنها فهمت من تركيبه لأن ~~التركيب أمر زائد على اللفظ قيل الألفاظ تدل بانفرادها على معنى وبتركيبها ~~على معنى آخر واللفظ المركب يدل على معنى مركب واللفظ المفرد يدل على معنى ~~مفرد وتلك الزيادة إن أريد بها زيادة معنى المركب على المركب فلا يخلو إما ~~أن تكون تلك الزيادة مفهومة من دلالة اللفظ المركب عليها أو من دلالة شيء ~~خارج فإن كانت مفهومة من ms342 دلالته عليها لم تكن زائدة عليه إذ لو كانت زائدة ~~عليه لما دل عليها وإن كانت مفهومة من دلالة الشيء الخارج عنه فهي بإزاء ~~ذلك الشيء الخارج والباقي مساو للباقي # فالجواب عن ذلك أن نقول هذا الذي ذكره كلام شبيه بالسفسطة وهو باطل من ~~وجهين أحدهما أن المعاني إذا كانت لا تزيد على الألفاظ فيلزم من ذلك أن ~~الألفاظ لا تزيد أيضا على المعاني لأنهما متلازمان على قياسك ونحن نرى معنى ~~قد دل عليه بألفاظ فإذا أسقط من تلك الألفاظ شيء لا ينقص ذلك المعنى بل ~~يبقى على حاله والوجه الآخر إن الإيجاز بالحذف أقوى دليلا على زيادة ~~المعاني على الألفاظ لإنا نرى اللفظ يدل على معنى لم بتضمنه وفهم ذلك ~~المعنى ضرورة لا بد منه فعلمنا حينئذ أن ذلك المعنى الزائد على اللفظ مفهوم ~~من دلالته عليه # فإن قيل إن المعنى الزائد على اللفظ المحذوف لا بد له من تقدير لفظ آخر ~~يدل عليه وتلك الزيادة بإزاء ذلك اللفظ المقدر قلت في الجواب عن ذلك هذا لا ~~ينقص ما ذهبت إليه من زيادة المعنى على اللفظ لأن المعنى ظاهر واللفظ الدال ~~عليه مضمر وإذا كان مضمرا فلا ينطق به وإذا لم ينطق به فكأنه لم يكن وحينئذ ~~يبقى المعنى موجودا واللفظ الدال عليه غير موجود وكذلك كل ما يعلم من ~~المعاني بمفهوم الخطاب ألا ترى أنك إذا قلت لمن دخل عليك أهلا وسهلا علم أن ~~الأهل والسهل منصوبان بعامل محذوف تقديره وجدت أهلا ولقيت سهلا إلا أن ~~لفظتي وجدت ولقيت PageV02P075 محذوفتان والمعنى الذي دلا عليه باق فصار ~~المعنى حينئذ مفهوما مع حذفهما فهو إذا زائد لا محالة وكذلك جميع المحذوفات ~~على اختلافها وتشعب مقاصدها وهذا لا نزاع فيه لبيانه ووضوحه # وقد سنح لي في زيادة المعنى على اللفظ من غير المحذوفات دليل أنا ذاكره ~~وهو أنا نجد من الكلام ما يدل على معنيين وثلاثة واللفظ واحد والمعاني التي ~~تحته متعددة # فأما الذي يدل على معنيين فالكنايات جميعها كالذي ورد ms343 في الحديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضي الله عنهم أنهم كانوا إذا خرجوا من عنده ~~لا يتفرقون إلا عن ذواق وهذا يدل على معنيين أحدهما إطعام الطعام أي أنهم ~~لا يخرجون من عنده حتى يطعموا الآخر أنهم لا يتفرقون إلا عن استفادة علم ~~وأدب يقوم لأنفسهم مقام الطعام لأجسامهم # وأما الذي يدل على ثلاثة فكقول أبي الطيب المتنبي ( 1 ) # ( وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا % لمن بات في نعمائه يتقلب ) # فهذا يدل على ثلاثة معان الأول أنه يحسد من أنعم عليه الثاني ضد الأول ~~الثالث أنه يحسد كل رب نعمة كائنا من كان أي يحسد من بات في نعماء نفسه ~~يتقلب # وهذا وأمثاله من أدل الدليل على زيادة المعنى على اللفظ وهو شيء استخرجته ~~ولم يكن لأحد فيه قول سابق # وحيث فرغنا من الكلام على هذا الموضع فلنتبعه بذكر أقسام الإيجاز المشار ~~إليها أولا وما ينصرف إليه فنقول أما الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر شبيه ~~PageV02P076 بالسحر وذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر والصمت عن ~~الإفادة أزيد للإفادة وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون مبينا ~~إذا لم تبين وهذه جملة تنكرها حتى تخبر وتدفعها حتى تنظر # والأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل ~~على المحذوف فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف فإنه لغو من الحديث لا يجوز ~~بوجه ولا سبب ومن شرط المحذوف في حكم البلاغة أنه متى أظهر صار الكلام إلى ~~شيء غث لا يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة والحسن وقد يظهر المحذوف ~~بالإعراب كقولنا وسهلا فإن نصب الأهل والسهل يدل على ناصب محذوف وليس لهذا ~~من الحسن ما للذي لا يظهر بالإعراب وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى ~~كقولنا فلان يحل ويعقد فإن ذلك لا يظهر المحذوف فيه بالإعراب وإنما يظهر ~~بالنظر إلى تمام المعنى أي أنه يحل الأمور ويعقدها والذي يظهر بالإعراب يقع ~~في المفردات من المحذوفات كثيرا ms344 والذي لا يظهر بالإعراب يقع في الجمل من ~~المحذوفات كثيرا # وسأذكر في كتابي هذا ما وصل إلي علمه وهو ينقسم قسمين أحدهما حذف الجمل ~~والآخر حذف المفردات وقد يرد كلام في بعض المواضع ويكون مشتملا على القسمين ~~معا # فأما القسم الأول وهو الذي تحذف منه الجمل فإنه ينقسم إلى قسمين أيضا ~~أحدهما حذف الجمل المفيدة التي تستقل بنفسها كلاما وهذا أحسن المحذوفات ~~جميعها وأدلها على الاختصار ولا تكاد تجده في كتاب الله تعالى والقسم الآخر ~~حذف الجمل غير المفيدة وقد وردا ههنا مختلطين وجملتهما أربعة أضرب # الضرب الأول حذف السؤال المقدر ويسمى الاستئناف ويأتي على وجهين # الوجه الأول إعادة الأسماء والصفات وهذا يجيء تارة بإعادة اسم من تقدم ~~PageV02P077 الحديث عنه كقولك أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان وتارة يجيء ~~بإعادة صفته كقولك أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك وهو أحسن من ~~الأول وأبلغ ولانطوائه على بيان الموجب للإحسان وتخصيصه # فمما ورد من ذلك قوله تعالى @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ~~الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون @QE@ والاستئناف واقع في هذا الكلام على @QB@ أولئك ~~@QE@ لأنه لما قال @QB@ الم ذلك الكتاب @QE@ إلى قوله @QB@ بالآخرة هم ~~يوقنون @QE@ اتجه لسائل أن يقول ما بال المستقلين بهذهالصفات قد اختصوا ~~بالهدى فأجيب بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى ~~عاجلا وبالفلاح آجلا # الوجه الثاني الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات وذلك كقوله تعالى ~~@QB@ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني ~~آمنت بربكم فاسمعون قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي ~~وجعلني من المكرمين @QE@ فمخرج هذا القول مخرج الاستئناف لأن ذلك من مظان ~~المسألة عن حاله عند لقاء ربه وكأن قائلا ms345 قال كيف حال هذا الرجل عند لقاء ~~ربه بعد ذلك التصلب في دينه والتسخي لوجهه بروحه فقيل قيل ادخل الجنة ولم ~~يقل قيل له لانصباب الغرض إلى المقول لا إلى المقول له مع كونه معلوما ~~وكذلك قوله تعالى @QB@ يا ليت قومي يعلمون @QE@ مرتب على تقدير سؤال سائل ~~عما وجد # ومن هذا النحو قوله عز وجل @QB@ ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف ~~تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب @QE@ ~~والفرق بين إثبات الفاء في سوف كقوله تعالى @QB@ قل يا قوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ~~@QE@ وبين حذف الفاء ههنا في هذه الآية أن إثباتها وصل ظاهر بحرف موضوع ~~للوصل PageV02P078 PageV02P048 وحذفها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو ~~جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت ~~أنت فقال سوف تعلمون فوصل تارة بالفاء وتارة بالاستئناف للتفنن في البلاغة ~~وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف وهو قسم من أقسام علم البيان تتكاثر ~~محاسنه فاعرفه إن شاء الله تعالى # الضرب الثاني الاكتفاء بالسبب عن المسبب وبالمسبب عن السبب # فأما الاكتفاء بالسبب عن المسبب فكقوله تعالى @QB@ وما كنت بجانب الغربي ~~إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول ~~عليهم العمر @QE@ كأنه قال وما كنت شاهدا لموسى وما جرى له وعليه ولكنا ~~أوحيناه إليك فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب الذي ~~هو الوحي على عادة اختصارات القرآن لأن تقدير الكلام ولكنا أنشأنا بعد عهد ~~الوحي إلى موسى إلى عهدك قرونا كثيرة فتطاول على آخرهم - وهو القرن الذي ~~أنت فيهم - العمر أي أمد انقطاع الوحي فاندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم ~~فأرسلناك وعرفناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى فالمحذوف إذا جملة مفيدة ~~وهي جملة مطولة دل السبب فيها على المسبب # وكذلك ورد قوله تعالى عقيب هذه الآية أيضا @QB@ وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر ms346 قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم ~~يتذكرون @QE@ فإن في هذا الكلام محذوفا لولاه لما فهم لأنه قال @QB@ وما ~~كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك @QE@ وهذا لا بد له من محذوف ~~حتى يستقيم نظم الكلام وتقديره ولكن عرفناك ذلك وأوحينا إليك رحمة من ربك ~~لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك فذكر الرحمة التي هي سبب إرساله إلى ~~الناس ودل بها على المسبب الذي هو الإرسال # وأما حذف الجملة غير المفيدة من هذا الضرب فنحو قوله تعالى حكاية عن مريم ~~عليها السلام @QB@ قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال ~~كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا @QE@ ~~PageV02P079 فقوله ( ولنجعله آية للناس ) تعليل معلله محذوف أي وإنما فعلنا ~~ذلك لنجعله آية للناس فذكر السبب الذي صدر الفعل من أجله وهو جعله آية ~~للناس ودل به على المسبب الذي هو الفعل # ومما ورد من ذلك في الأخبار النبوية قصة الزبير بن العوام رضي الله عنه ~~والرجل الأنصاري الذي خاصمه في شراح الحرة التي يسقي منها النخل فلما حضرا ~~بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للزيبر ( اسق ثم أرسل الماء إلى ~~جارك ) فغضب الأنصاري وقال يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال ( اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى ~~الجدر ) وفي هذا الكلام محذوف تقديره أن كان ابن عمتك حكمت له أو قضيت له ~~أو ما جرى هذا المجرى فذكر السبب الذي هو كونه ابن عمته ودل به على المسبب ~~الذي هو الحكم أو القضاء لدلالة الكلام عليه # وأما الاكتفاء بالمسبب عن السبب فكقوله تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ أي إذا أردت قراءة القرآن فاكتفى ~~بالمسبب الذي هو القراءة عن السبب الذي هو الإرادة والدليل على ذلك أن ~~الاستعاذة قبل القراءة والذي دلت عليه أنها بعد القراءة كقول القائل ms347 إذا ~~ضربت زيدا فاجلس فإن الجلوس إنما يكون بعد الضرب لا قلبه وهذا أولى من تأول ~~من ذهب إلى أنه أراد فإذا تعوذت فاقرأ فإن ذلك قلبا لا ضرورة تدعو إليه ~~وأيضا فليس كل مستعيذ واجبة عليه القراءة # وعلى هذا ورد قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ ~~والوضوء إنما يكون قبل الصلاة لا عند القيام إليها لأن القيام إليها هو ~~مباشرة لأفعالها من الركوع والسجود والقراءة وغير ذلك وهذا إنما يكون بعد ~~الوضوء وتأويل الآية إذا أردت القيام إلى الصلاة فاغسل فاكتفى بالمسبب عن ~~السبب # وكذلك ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا قام أحدكم إلى الصلاة ~~فليتوضأ ) أي إذا أراد القيام إلى الصلاة وإنما يعبر عن إرادة الفعل بلفظ ~~الفعل لأن الفعل مسبب عن الإرادة وهو مع القصد إليه موجود فكان منه بسبب ~~وملابسة ظاهرة PageV02P080 # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا @QE@ أي فضرب فانفجرت منه فاكتفى بالمسبب الذي هو الانفجار عن السبب ~~الذي هو الضرب # الضرب الثالث وهو الإضمار على شريطة التفسير وهو أن يحذف من صدر الكلام ~~ما يؤتى به في آخره فيكون الآخر دليلا على الأول # وهو ينقسم إلى ثلاثة أوجه # الأول أن يأتي على طريق الاستفهام فتذكر الجملة الأولى دون الثانية كقوله ~~تعالى @QB@ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين @QE@ تقدير الآية أفمن شرح الله ~~صدره للإسلام كمن أقسى قلبه ويدل على المحذوف قوله @QB@ فويل للقاسية ~~قلوبهم @QE@ # الوجه الثاني يرد على حد النفي والإثبات كقوله تعالى @QB@ لا يستوي منكم ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا @QE@ تقديره لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن أنفق من ~~بعده وقاتل ويدل على المحذوف قوله @QB@ أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من ~~بعد وقاتلوا @QE@ # الوجه الثالث أن يرد على غير هذين الوجهين فلا يكون استفهاما ms348 ولا نفيا ~~وإثباتا وذلك كقول أبي تمام # ( يتجنب الآثام ثم يخافها % فكأنما حسناته آثام ) # وهذا البيت تختلف نسخ ديوانه في إثباته فمنها ما يجيء فيه # ( يتجنب الأيام خيفة غيها % فكأنما حسناته آثام ) PageV02P081 وليس بشيء ~~لأن المعنى لا يصح به وكنت سئلت عن معناه وقيل كيف ينطبق عجز البيت على ~~صدره وإذا تجنب الآثام وخافها فكيف تكون حسناته آثاما فأفكرت فيه وأنعمت ~~نظري فسنح لي في القرآن الكريم آية مثله وهي قوله تعالى @QB@ والذين يؤتون ~~ما آتوا وقلوبهم وجلة @QE@ وفي صدر البيت إضمار فسر في عجزه وتقديره أنه ~~يتجنب الآثام فيكون قد أتى بحسنة ثم يخاف تلك الحسنة فكأنما حسناته آثام ~~وهو على طباق الآية سواء # ومن الإضمار على شريطة التفسير قول أبي نواس # ( سنة العشاق واحدة % فإذا أحببت فاستكن ) # فحذف لفظ الاستكانة من الأول وذكره في الثاني أي سنة العشاق واحدة وهي ~~الاستكانة فإذا أحببت فاستكن ومن الناس من يقول ( فإذا أحببت فاستنن ) وهذا ~~لا معنى له لأنه إذا لم يبين سنة العشاق ما هي فبأي شيء يستن المستن منها ~~لكنه ذكر السنة في صدر البيت من غير بيان ثم بينها في عجزه # الضرب الرابع ما ليس بسبب ولا مسبب ولا إضمار على شريطة التفسير ولا ~~استئناف # فأما ما حذف فيه من الجمل المفيدة فكقوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام ~~@QB@ قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما ~~تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون وقال الملك ~~ائتوني به @QE@ قد حذف من هذا الكلام جملة مفيدة تقديرها فرجع الرسول إليهم ~~فأخبرهم بمقالة يوسف فعجبوا لها أو فصدقوه عليها وقال الملك ائتوني به ~~والمحذوف إذا كان كذلك دل عليه الكلام دلالة ظاهرة لأنه إذا ثبتت حاشيتا ~~الكلام وحذف وسطه ظهر المحذوف دلالة الحاشيتين عليه # وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا @QB@ فلما أن جاء ms349 البشير ألقاه ~~على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون قالوا ~~يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو ~~الغفور الرحيم فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين @QE@ PageV02P082 ) قد حذف أيضا من هذا الكلام جملة مفيدة ~~تقديرها ثم إنهم تجهزوا وساروا إلى مصر فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه # وقد ورد هذا الضرب في القرآن الكريم كثيرا كقوله تعالى في سورة القصص ~~@QB@ وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ~~وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها @QE@ في هذا محذوف وهو جواب ~~الاستفهام لأنها لما قالت @QB@ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم @QE@ ~~احتاج إلى جواب لينتظم بما بعده من رده إلى أمه والجواب فقالوا نعم فدلتهم ~~على امرأة فجيء بها وهي أمه ولم يعلموا بمكانها فأرضعته وهذه الجملة ~~الثانية - أعني قوله تعالى ( فرددناه إلى أمه ) - تدل على المحذوف لأن رده ~~إلى أمه لم يكن إلا بعد رد الجواب على أخته ودلالتها إياهم على امرأة ترضعه ~~ويكفي هذا الموضع وحده لمن يتبصر في مواقع المحذوفات وكيفيتها # ومما يجري على هذا المنهج قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام وقصة ~~الهدهد في إرساله بالكتاب إلى بلقيس @QB@ قال سننظر أصدقت أم كنت من ~~الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون قالت ~~يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم @QE@ وفي هذا محذوف تقديره فأخذ ~~الكتاب وذهب به فلما ألقاه إلى المرأة وقرأته قالت يا أيها الملأ # ومن حذف الجمل المفيدة ما يعسر تقدير المحذوف منه بخلاف ما تقدم ألا ترى ~~أن الآيات المذكورة كلها إذا تأملها المتأمل وجد معانيها متصلة من غير ~~تقدير للمحذوفات التي حذفت منها ثم إذا قدر تلك المحذوفات سهل تقديرها ~~ببديهة النظر والذي أذكره الآن ليس كذلك بل إذا تأمله المتأمل وجده غير ~~متصل ms350 المعنى وإذا أراد أن يقدر المحذوف عسر عليه # فمما جاء منه قوله تعالى @QB@ وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من ~~فواق وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب اصبر على ما يقولون واذكر ~~عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب @QE@ PageV02P083 ) فهذا الكلام إذا تأمله ~~المتأمل لم يجده متصل المعنى ولم يتبين له مجيء ذكر داود عليه السلام ردفا ~~لقوله تعالى @QB@ اصبر على ما يقولون @QE@ وإذا أراد أن يقدر ههنا محذوفا ~~يوصل به المعنى عسر عليه وتقديره يحتمل وجهين أحدهما أنه قال @QB@ اصبر على ~~ما يقولون @QE@ وخوفهم أمر معصية الله وعظمها في عيونهم بذكر قصة داود الذي ~~كان نبيا من الأنبياء وقد آتاه الله ما آتاه من النبوة والملك العظيم ثم ~~لما زل زلة قوبل بكذا وكذا فما الظن بكم أنتم مع كفركم الوجه الآخر أنه قال ~~@QB@ اصبر على ما يقولون @QE@ واحفظ نفسك أن تزل في شيء مما كلفته من ~~مصابرتهم واحتمال أذاهم واذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة ~~فلقي من توبيخ الله ما لقي فهذا الكلام كما تراه يحتاج إلى تقدير حتى يتصل ~~بعضه ببعض وهو من أغمض ما يأتي من المحذوفات وبه يتنبه على مواضع أخرى ~~غامضة # وأما ما ورد من هذا الضرب في حذف الجمل التي ليست بمفيدة فنحو قوله تعالى ~~@QB@ يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا قال رب ~~أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ~~ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ~~ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن ~~سبحوا بكرة وعشيا يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا @QE@ هذا ~~الكلام قد حذف منه جملة دل عليها صدره وهو البشرى بالغلام وتقديرها ولما ~~جاءه الغلام ونشأ وترعرع قلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة فالجملة المحذوفة ~~ليس ms351 من الجمل المفيدة # على هذا النهج ورد قوله تعالى @QB@ ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم ~~إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ~~أفعصيت أمري قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت ~~بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي @QE@ PageV02P084 PageV02P052 ) وقد حذف من ~~هذا الكلام جملة إلا أنها غير مفيدة وتقديرها فلما رجع موسى ورآهم على تلك ~~الحال من عبادة العجل قال لأخيه هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني # وكذلك ورد قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام من سورة النمل @QB@ قال ~~يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن ~~أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم ~~من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا ~~من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ~~ربي غني كريم قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ~~@QE@ وفي هذا محذوف وتقديره فلما جاء به قال نكروا لها عرشها لأن تنكيره لم ~~يكن إلا بعد أن جيء به إليه وقد أغنى عن المحذوف صدر الكلام وآخره وكان ذلك ~~دليلا عليه # ومما ورد على ذلك شعرا قول أبي الطيب المتنبي # ( لا أبغض العيس لكني وقيت بها % قلبي من الهم أو جسمي من السقم ) # وهذا البيت فيه محذوف تقديره لا أبغض العيس لإنضائي إياها في الأسفار ~~ولكني وقيت بها كذا وكذا فالثاني دليل على حذف الأول # وهذا موضع يحتاج في استخراجه واستخراج أمثاله إلى فكرة وتدقيق نظر # ومما يتصل بهذا الضرب حذف ما يجيء بعد أفعل كقولنا ( الله أكبر ) فإن هذا ~~يحتاج إلى تمام أي أكبر من كل كبير أو أكبر من كل ms352 شيء يتوهم كبيرا أو ما ~~جرى هذا المجرى ومثله يرد قولهم زيد أحسن وجها وأكرم خلقا تقديره أحسن وجها ~~من غيره وأكرم خلقا من غيره أو ما يسد هذا المسد من الكلام PageV02P085 # وعليه ورد قول البحتري # ( الله أعطاك المحبة في الورى % وحباك بالفضل الذي لا ينكر ) # ( ولأنت أملأ في العيون لديهم % وأجل قدرا في الصدور وأكبر ) # أي أنت أملأ في العيون من غيرك # أما القسم الثاني المشتمل على حذف المفردات فإنه يتصرف على أربعة عشر ~~ضربا # الأول حذف الفاعل والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل كقول العرب أرسلت ~~وهم يريدون جاء المطر ولا يذكرون السماء ومنه قول حاتم # ( أماوي وما يغني الثراء عن الفتى % إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر ) # يرد النفس ولم يجر لها ذكر # وعلى هذا ورد قوله تعالى @QB@ كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق @QE@ ~~والضمير في @QB@ بلغت @QE@ للنفس ولم يجر لها ذكر # وقد نص عثمان بن جني رحمه الله تعالى على عدم الجواز في حذف الفاعل وهذه ~~الآية وهذا البيت الشعري وهذه الكلمة الواردة عن العرب على خلاف ما ذهب ~~إليه إلا أن حذف الفاعل لا يجوز على الإطلاق بل يجوز فيما PageV02P086 هذا ~~سبيله وذاك أنه لا يكون إلا فيما دل الكلام عليه ألا ترى أن التي تبلغ ~~التراقي إنما هي النفس وذلك عند الموت فعلم حينئذ أن النفس هي المرادة وإن ~~كان الكلام خاليا عن ذكرها وكذلك قول حاتم ( حشرجت ) فإن الحشرجة إنما تكون ~~عند الموت # وأما قول العرب ( أرسلت ) وهم يريدون أرسلت السماء فإن هذا يقولونه نظرا ~~إلى الحال وقد شاع فيما بينهم أن هذه كلمة تقال عند مجيء المطر ولم ترد في ~~شيء من أشعارهم ولا في كلامهم المنثور وإنما يقولها بعضهم لبعض إذا جاء ~~المطر فالفرق بينها وبين ( حشرجت ) وبين ( بلغت التراقي ) ظاهر وذاك أن ( ~~حشرجت ) و ( بلغت التراقي ) يفهم منها أن النفس التي حشرجت وأنها هي التي ~~بلغت التراقي وأما ( أرسلت ) فلولا شاهد الحال وإلا لم يجز أن تكون دالة ~~على ms353 مجيء المطر ولو قيل في معرض الاستسقاء إنا خرجنا نسأل الله فلم نزل حتى ~~أرسلت لفهم من ذلك أن التي أرسلت هي السماء ولا بد في الكلام من دليل على ~~المحذوف وإلا كان لغوا لا يلتفت إليه # الضرب الثاني حذف الفعل وجوابه اعلم أن حذف الفعل ينقسم قسمين أحدهما ~~يظهر بدلالة المفعول عليه كقولهم في المثل أهلك والليل فنصب ( أهلك والليل ~~) يدل على محذوف ناصب تقديره الحق أهلك وبادر الليل وهذا مثل يضرب في ~~التحذير وعليه ورد قوله تعالى @QB@ فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ~~@QE@ # ومما ورد منه في الأخبار النبوية أن جابرا تزوج فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما تزوجت PageV02P087 PageV02P054 قال ثيبا فقال له ( فهلا ~~جارية تلاعبها وتلاعبك ) يريد فهلا تزوجت جارية فحذف الفعل لدلالة الكلام ~~عليه # ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الكافية التي يمتدح ~~بها عضد الدولة أبا شجاع بن بويه ومطلعها # ( فدى لك من يقصر عن مداكا % ) # وسأذكر الموضع الذي حذف منه الفعل وجوابه لتعلق الأبيات بعضها ببعض وهي ~~من محاسن ما يؤتى به في معنى الوداع ولم يأت لغيره مثلها وهي # ( إذا التوديع أعرض قال قلبي % عليك الصمت لا صاحبت فاكا ) # ( ولولا أن أكثر ما تمنى % معاودة لقلت ولا مناكا ) # ( قد استشفيت من داء بداء % وأقتل ما أعلك ما شفاكا ) # ( فأكتم منك نجوانا وأخفي % هموما قد أطلت لها العراكا ) # ( إذا عاصيتها كانت شدادا % وإن طاوعتها كانت ركاكا ) # ( وكم دون الثوية من حزين % يقول له قدومي ذا بذاكا ) # ( ومن عذب الرضاب إذا أنخنا % يقبل رحل تروك والوراكا ) # ( يحرم أن يمس الطيب بعدي % وقد عبق العبير به وصاكا ) # ( يحدث مقلتيه النوم عني % فليت النوم حدث عن نداكا ) # ( وما أرضى لمقلته بحلم % إذا انتبهت توهمه ابتشاكا ) PageV02P088 # ( ولا إلا بأن يصغي وأحكي فليتك لا يتيمه هواكا ) # فقوله ( ولا مناكا ) فيه محذوف وتقديره ولا صاحبت مناكا وكذلك قوله ( ولا ~~إلا بأن يصغي وأحكي ) فإن فيه محذوفا تقديره ولا أرضى إلا بأن يصغي ms354 وأحكي # أما القسم الآخر فإنه لا يظهر فيه قسم الفعل لأنه لا يكون هناك منصوب يدل ~~عليه وإنما يظهر بالنظر إلى ملاءمة الكلام # فمما جاء منه قوله تعالى @QB@ وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة @QE@ فقوله ( لقد جئتمونا ) يحتاج إلى إضمار فعل أي فقيل ~~لهم لقد جئتمونا أو فقلنا لهم # وقد استعمل هذا القرآن الكريم في غير موضع كقوله تعالى @QB@ ويوم يعرض ~~الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا @QE@ فقوله ( ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) يحتاج إلى تقدير الفعل المضمر # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك ~~بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما @QE@ فقوله @QB@ وإن جاهداك @QE@ لا بد له ~~من إضمار القول أي وقلنا إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما # ومن هذا الضرب إيقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما كقوله تعالى @QB@ ~~فأجمعوا أمركم وشركاءكم @QE@ وهو لأمركم وحده وإنما المراد أجمعوا أمركم ~~وادعوا شركاءكم لأن معنى أجمعوا من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه وقد قرأ ~~أبي رضي الله عنه @QB@ فأجمعوا أمركم وشركاءكم @QE@ وهذا دليل على ما أشرت ~~إليه وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه # ومن حذف الفعل باب يسمى باب إقامة المصدر مقام الفعل وإنما يفعل ذلك لضرب ~~من المبالغة والتوكيدكقوله تعالى @QB@ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ~~@QE@ قوله ( فضرب الرقاب ) أصله فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل ~~PageV02P089 PageV02P055 وأقيم المصدر مقامه وفي ذلك اختصار مع إعطاء معنى ~~التوكيد المصدري # وأما حذف جواب الفعل فإنه لا يكون في الأمر المحتوم كقوله تعالى @QB@ ~~فذرهم يخوضوا ويلعبوا @QE@ فجزم يخوضوا ويلعبوا لأنهما جواب أمر ( فذرهم ) ~~وحذف الجواب في هذا لا يدخل في باب الإيجاز لأنا إذا قلنا ذرهم أي اتركهم ~~لا يحتاج ذلك إلى جواب وكذلك ما يجري مجراه وإنما يكون الجواب بالفاء في ~~ماض كقولنا قلت له اذهب فذهب وحينئذ يظهر الجواب المحذوف كقوله تعالى @QB@ ~~ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا ms355 معه أخاه هارون وزيرا فقلنا اذهبا إلى القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا @QE@ ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في ~~هذه الآية فإن تقديره فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فذهبا ~~إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميرا فذكر حاشيتي القصة أولها وآخرها لأنهما ~~المقصود من القصة بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير ~~بتكذيبهم # ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى @QB@ يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف ~~وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون قال إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن ~~أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في ~~غيابة الجب @QE@ فجواب الأمر من هذا الكلام محذوف تقديره فأرسله معهم ~~ويدلنا على ذلك ما جاء بعده من قوله ( فلما ذهبوا به ) كما حذف أيضا في ~~قوله عز وجل ( وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا انبئكم بتأويله ~~فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان ) الآية فجواب الأمر من ~~هذا الموضع محذوف وتقديره فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال له يوسف أيها الصديق ~~وكذلك قوله تعالى @QB@ وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ~~ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما ~~خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه @QE@ الآية ففي هذا الكلام حذف واختصار ~~استغنى عنه بدلالة الحال عليه وتقديره فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف ~~فدعا الملك بالنسوة وقال لهن ما خطبكن PageV02P090 PageV02P056 # وهكذا ورد قوله تعالى @QB@ ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين @QE@ وقد حذف جواب الأمر ههنا وتقديره فأتوه به فلما ~~كلمه وفي سورة يوسف عليه السلام محذوفات كثيرة من أولها إلى آخرها # فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات المذكورة ههنا التي كأنها لم تحذف ~~من هذا الكلام لظهور معناها وبيانه ودلالة الحال عليه وعلى نحو من ذلك ~~ينبغي أن تكون محذوفات الكلام # الضرب الثالث ms356 حذف المفعول به وذلك مما نحن بصدده أخص فإن اللطائف فيه ~~أكثر وأعجب كقولنا فلان يحل ويعقد ويبرم وينقض ويضر وينفع والأصل في ذلك ~~على إثبات المعنى المقصود في نفسك للشيء على الإطلاق # وعلى هذا جاء قوله تعالى @QB@ وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا ~~@QE@ # ومن بديع ذلك قوله عز وجل @QB@ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر ~~الرعاء وأبونا شيخ كبير @QE@ @QB@ فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني ~~لما أنزلت إلي من خير فقير @QE@ فإن في هاتين الآيتين قد حذف المفعول به في ~~أربعة أماكن إذ المعنى وجد أمة من الناس يسقون مواشيهم وامرأتين تذودان ~~مواشيهما وقالتا لا نسقي مواشينا فسقى لهما مواشيهما لأن الغرض أن يعلم أنه ~~كان من الناس سقي ومن الامرأتين ذود وأنهما قالتا لا يكون منا سقى حتى يصدر ~~الرعاء وأنه كان من موسى عليه السلام بعد ذلك سقي فأما كون المسقي غنما أو ~~إبلا أو غير ذلك فخارج عن الغرض # وقد ورد في الشعر من هذا النوع قول البعيث بن حريث من أبيات الحماسة ~~PageV02P091 # ( دعاني يزيد بعد ما ساء ظنه % وعبس وقد كانا على جد منكب ) # ( وقد علما أن العشيرة كلها % سوى محضري من حاضرين وغيب ) # فالمفعول الثاني من ( علما ) محذوف لأن قوله ( أن العشيرة ) في موضع ~~مفعول علما الأول وتقدير الكلام قد علما أن العشيرة سوى محضري من حاضرين ~~وغيب لا غناء عندهم أو سواء حضورهم وغيبتهم أو ما جرى هذا المجرى # ومن هذا الضرب أيضا حذف المفعول الوارد بعد المشيئة والإرادة كقوله تعالى ~~@QB@ ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم @QE@ فمفعول شاء ههنا محذوف ~~وتقديره ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها # وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى @QB@ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى @QE@ ~~ومما جاء على مثال ذلك شعرا قول البحتري # ( لو شئت لم تفسد سماحة حاتم % كرما ولم تهدم ms357 مآثر خالد ) # الأصل في ذلك لو شئت ألا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها فحذف ذلك من الأول ~~استغناء بدلالته عليه في الثاني # وقد تقدم أن من الواجب في حكم البلاغة ألا تنطق بالمحذوف ولا تظهره إلى ~~اللفظ ولو أظهرت لصرت إلى كلام غث # ومجيء المشيئة بعد ( لو ) وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معداة إلى ~~شيء كثير شائع بين البلغاء ولقد تكاثر هذا الحذف في ( شاء ) و ( أراد ) حتى ~~إنهم لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كقوله تعالى @QB@ لو ~~أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء @QE@ PageV02P092 # على هذا الأسلوب جاء قول الشاعر # ( ولو شئت أن أبكي دما لبكيته % عليه ولكن ساحة الصبر أوسع ) # فلو كان على حد قوله تعالى @QB@ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى @QE@ لوجب ~~أن يقول ولو شئت لبكيت دما ولكنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه لأنه أليق ~~في هذا الموضع وسبب ذلك أنه كان بدعا عجيبا أن يشاء الإنسان أن يبكي دما ~~فلما كان مفعول المشيئة مما يستعظم ويستغرب كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر # الضرب الرابع وهو حذف المضاف والمضاف إليه وإقامة كل واحد منهما مقام ~~الآخر وذلك باب عريض طويل شائع في كلام العرب وإن كان أبو الحسن الأخفش ~~رحمه الله لا يرى القياس عليه # فأما حذف المضاف فكقوله تعالى ( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون ) فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج وهو سدهما كما حذف المضاف إلى ~~القرية في قوله تعالى ( واسئل القرية ) أي أهل القرية # ومن ذلك أيضا قوله عز وجل @QB@ ولكن البر من اتقى @QE@ أي خصله من اتقى ~~وإن شئت كان تقديره ولكن ذا البر من اتقى والأولى أولى لأن حذف المضاف ضرب ~~من الاتساع والخبر أولى بذلك من المبتدأ لأن الاتساع بحذف الإعجاز أولى منه ~~بحذف الصدور # وقد حذف المضاف مكررا في قوله تعالى @QB@ فقبضت قبضة من أثر الرسول @QE@ ~~أي من أثر حافر فرس الرسول وهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره # ومما ms358 جاء منه شعرا قول بعضهم من شعراء الحماسة PageV02P093 # ( إذا لاقيت قومي فاسأليهم % كفى قوما بصاحبهم خبيرا ) # ( هل اعفو عن أصول الحق فيهم % إذا عسرت وأقتطع الصدورا ) # أراد أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن والأوغام أي يزيل ذلك بإحسانه من ~~عفو وغيره فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه # أما حذف المضاف إليه فإنه قليل الاستعمال @QB@ لله الأمر من قبل ومن بعد ~~@QE@ أي من قبل ذلك ومن بعده # وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه كقوله تعالى @QB@ ولو يؤاخذ الله ~~الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة @QE@ قيل أراد ظهر الأرض فحذف ~~المضاف إليه وليس كذلك فإن الهاء والألف قائمة مقام الأرض ألا ترى أن قوله ~~( ظهرها ) يريد الأرض لأنه ضمير راجع إليها # وكذلك ورد قول جرير # ( إذا أخذت قيس عليك وخندف % بأقطارها لم تدر من أين تسرح ) # وهذا لا يسمى إيجازا وإنما هو تعويض بالضمير عن الضمير # الضرب الخامس وهو حذف الموصوف والصفة وإقامة كل منهما مقام الآخر ولا ~~يكون اطراده في كل موضع وأكثره يجيء في الشعر وإنما كانت كثرته في الشعر ~~دون الكلام المنثور لامتناع القياس في اطراده # فمما جاء منه في الشعر قول البحتري من أبيات في صفة إيوان كسرى فقال في ~~PageV02P094 ذكر التصاوير التي في الإيوان وذلك أن الفرس كانت تحارب الروم ~~فصوروا صورة مدينة أنطاكية في الإيوان وحرب الروم والفرس عليها فمما ذكره ~~في ذلك قوله # ( وإذا ما رأيت صورة أنطاكية % ارتعت بين روم وفرس ) # ( والمنايا مواثل وأنوشروان % يزجي الصفوف تحت الدرفس ) ( 3 ) # ( في اخضرار من اللباس على أصفر يختال في صبيغة ورس % ) # فقوله ( على أصفر ) أي على فرس أصفر وهذا مفهوم من قرينة الحال لأنه لما ~~قال ( على أصفر ) علم بذلك أنه أراد فرسا أصفر # والصفة التي تأتي في الكلام على ضربين إما للتأكيد والتخصيص وإما للمدح ~~والذم وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل لا من مقامات الإيجاز والاختصار ~~وإذا كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به هذا مع ما ينضاف إليه ms359 من الالتباس وضد ~~البيان ألا ترى أنك إذا قلت مررت بطويل لم يبن من هذا اللفظ الممرور به ~~إنسان هو أم رمح أم ثوب أم غير ذلك وإذا كان الأمر على هذا فحذف الموصوف ~~إنما هو شيء قام الدليل عليه أو شهدت به الحال وإذا استبهم كان حذفه غير ~~لائق # ومما يؤكد عندك ضعف حذفه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه وذاك ~~أن تكون الصفة جملة نحو مررت برجل قام أبوه ولقيت غلاما وجهه حسن ألا تراك ~~لو قلت مررت بقام أبوه ولقيت وجهه حسن لم يجز # وقد ورد حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في غير موضع من القرآن الكريم ~~كقوله تعالى @QB@ وآتينا ثمود الناقة مبصرة @QE@ فإنه لم يرد أن الناقة ~~كانت PageV02P095 مبصرة ولم تكن عمياء وإنما يريد آية مبصرة فحذف الموصوف ~~وأقام الصفة مقامه # ولقد تأملت حذف الموصوف في مواضع كثيرة فوجدت أكثر وقوعه في النداء وفي ~~المصدر أما النداء فكقولهم يا أيها الظريف تقديره يا أيها الرجل الظريف ~~وعليه ورد قوله تعالى @QB@ يا أيها الساحر @QE@ تقديره يا أيها الرجل ~~الساحر وكذلك قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ تقديره يا أيها ~~القوم الذين آمنوا وأما المصدر فكقوله تعالى @QB@ ومن تاب وعمل صالحا فإنه ~~يتوب إلى الله متابا @QE@ تقديره ومن تاب وعمل عملا صالحا # وقد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله تعالى ~~@QB@ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك @QE@ أي قوم دون ذلك # وأما حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها فإنه أقل وجودا من حذف الموصوف ~~وإقامة الصفة مقامه ولا يكاد يقع في الكلام إلا نادرا لمكان استبهامه # فمن ذلك ما حكاه سيبويه رحمه الله من قولهم سير عليه ليل وهو يريدون ليل ~~طويل وإنما حذفت الصفة في هذا الموضع لما دل من الحال عليه وذاك أنه يحسن ~~في كلام القائل لذلك من التطريح والتطويح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام ~~قوله طويل وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته وهو أن يكون في مدح إنسان ~~والثناء ms360 عليه فتقول ( كان والله رجلا ) أي رجلا فاضلا أو شجاعا أو كريما أو ~~ما جرى هذا المجرى من الصفات وكذلك تقول ( سألناه فوجدناه إنسانا ) أي ~~إنسانا سمحا أو جوادا أو ما أشبهه فعلى هذا ونحوه تحذف الصفة فأما إن عريت ~~عن الدلالة عليها من اللفظ أو الحال فإن حذفها لا يجوز # وقد تأملت حذفها فوجدته لا يسوغ إلا في صفة تقدمها ما يدل عليها أو تأخر ~~عنها أو فهم ذلك من شيء خارج عنها # أما الصفة التي تقدمها ما يدل عليها فقوله تعالى @QB@ أما السفينة فكانت ~~لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ~~غصبا @QE@ PageV02P096 ) فحذف الصفة أي كان يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا ويدل ~~على المحذوف قوله @QB@ فأردت أن أعيبها @QE@ فإن عيبه إياها لم يخرجها عن ~~كونها سفينة وإنما المأخوذ هو الصحيح دون المعيب فحذفت الصفة ههنا لأنه ~~تقدمها ما يدل عليها # وأما التي تأخر عنها ما يدل عليها فقول بعض شعراء الحماسة # ( كل امريء ستئيم منه العرس أو منها يئيم % ) # فإنه أراد كل امريء متزوج إذ دل عليه ما بعده من قوله ( ستئيم منه أو ~~منها يئيم ) إذ لا تئيم هي إلا من زوج ولا يئيم هو إلا من زوجة فجاء بعد ~~الموصوف ما دل عليه ولولا ذلك لما صح معنى البيت إذ ليس كل امريء يئيم من ~~عرس إلا إذا كان متزوجا # وأما ما يفهم حذف الصفة فيه من شيء خارج عن الكلام فقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) فإنه قد علم علم جواز ~~صلاة جار المسجد في غير المسجد من غير هذا الحديث فعلم حينئذ أن المراد به ~~الفضيلة والكمال وهذا شيء لم يعلم من نفس اللفظ وإنما علم من شيء خارج عنه # الضرب السادس وهو حذف الشرط وجوابه # فأما حذف الشرط فنحو قوله تعالى @QB@ يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ~~فإياي فاعبدون @QE@ فالفاء في قوله تعالى ( فاعبدون ) جواب شرط محذوف لأن ~~المعنى ms361 إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرض فأخلصوها في غيرها ~~PageV02P097 ثم حذف الشرط وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى ~~الاختصاص والإخلاص # ومن هذا الضرب قوله تعالى @QB@ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية @QE@ أي فحلق فعليه فدية # وكذلك قولهم الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا أي إن فعل ~~المرء خيرا جزي خيرا وإن فعل شرا جزي شرا # وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى @QB@ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر @QE@ تقدير ذلك فأفطر فعدة من أيام أخر ولهذا ذهب داود الظاهري ~~إلى الأخذ بظاهر الآية ولم ينظر إلى حذف الشرط فأوجب القضاء على المريض ~~والمسافر سواء أفطر أم لم يفطر # ومن حذف الشرط قوله تعالى @QB@ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في ~~كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون @QE@ اعلم ~~أن هذه الفاء التي في قول الشاعر ( فقد جئنا خراسانا ) وحقيقتها أنها في ~~جواب شرط محذوف يدل عليه الكلام كأنه قال إن صح ما قلتم إن خراسان أقصى ما ~~يراد بنا فقد جئنا خراسان وآن لنا أن نخلص وكذلك هذه الآية يقول إن كنتم ~~منكرين للبعث فهذا يوم البعث أي قد تبين بطلان قولكم # أما حذف جواب الشرط فكقوله تعالى @QB@ قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين @QE@ فإن جواب الشرط ههنا محذوف تقديره إن كان القرآن ~~من عند PageV02P098 الله وكفرتم به ألستم ظالمين ويدل على المحذوف قوله ~~تعالى @QB@ إن الله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ # الضرب السابع وهو حذف القسم وجوابه # فأما حذف القسم فنحو قولك ( لأفعلن ) أي والله لأفعلن أو غير ذلك من ~~الأقسام المحلوف بها # وأما حذف جوابه فكقوله تعالى @QB@ والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل ~~إذا ms362 يسر هل في ذلك قسم لذي حجر ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد @QE@ فجواب القسم ههنا محذوف تقديره ليعذبن ~~أو نحوه ويدل على ذلك ما بعده من قوله @QB@ ألم تر كيف فعل ربك بعاد @QE@ ~~إلى قوله @QB@ سوط عذاب @QE@ # ومما ينتظم في هذا السلك قوله تعالى @QB@ ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب @QE@ فإن معناه ق والقرآن ~~المجيد لتبعثن والشاهد على ذلك ما بعده من ذكر البعث في قوله @QB@ أئذا ~~متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد @QE@ # وقد ورد هذا الضرب في القرآن كثيرا كقوله تعالى في سورة النازعات @QB@ ~~والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات ~~أمرا يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة @QE@ فجواب القسم ههنا محذوف تقديره ~~لتبعثن أو لتحشرن ويدل على ذلك ما أتى من بعده من ذكر القيامة في قوله @QB@ ~~يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة @QE@ وكذلك إلى آخر السورة # الضرب الثامن وهو حذف ( لو ) وجوابها وذاك من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها # فأما حذف ( لو ) فكقوله تعالى @QB@ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض @QE@ PageV02P099 ) ~~تقديره ذلك إذا لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~إذا لارتاب المبطلون @QE@ تقديره إذا لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون وهذا من ~~أحسن المحذوفات # ومما جاء من ذلك شعرا قول بعضهم في صدر الحماسة # ( لو كنت من مازن لم تستبح إبلي % بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا ) # ( إذا لقام بنصري معشر خشن % عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا ) # فلو في البيت الثاني محذوفة لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها بقوله ~~( لم تستبح إبلي ) ثم حذفها في الثاني وتقدير حذفها إذا لو كنت معهم لقام ~~بنصري معشر خشن وإذا لو كانوا قومي لقام بنصري معشر حسن # وأما حذف جواب ( لو ms363 ) فإنه كثير شائع وذلك كقولك لو زرتنا لما ألممت بنا ~~معناه لأحسنا إليك أو لأكرمناك أو ما جرى هذا المجرى # مما ورد منه في القرآن الكريم قوله تعالى @QB@ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ~~وأخذوا من مكان قريب @QE@ فإن جواب ( لو ) ههنا محذوف تقديره لرأيت أمرا ~~عظيما وحالا هائلة أو غير ذلك مما جرى مجراه # ومما جاء على نحو من هذا قوله عز وجل @QB@ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ~~ولا هم ينصرون @QE@ تقديره لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه وهو وقت صعب ~~شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم ولا ~~يجدون ناصرا ينصرهم لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ~~ولكن جهلهم به هو الذي هونه عليهم PageV02P100 PageV02P062 # ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى @QB@ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ~~ركن شديد @QE@ فجواب لو في هذا الموضع محذوف كما حذف في قوله تعالى @QB@ ~~ولو أن قرآنا سيرت به الجبال @QE@ أي لو أن لي بكم قوة لدفعتكم أو منعتكم ~~أو ما أشبهه وكذلك قوله @QB@ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال @QE@ لكان هذا ~~القرآن # وهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة وأوضحها لعلم المخاطب به ~~لأن قوله تعالى حكاية عن لوط عليه السلام @QB@ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ~~ركن شديد @QE@ يتسارع الفهم [ فيه ] إلى أن الكلام يحتاج إلى جواب # ومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية التي يمدح بها المعتصم ~~عند فتحه مدينة عمورية # ( لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت % له العواقب بين السمر والقضب ) # فإن هذا محذوف الجواب تقديره لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار أو غير ~~ذلك # واعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام وإنما يحذف ما ~~دل عليه مكان المحذوف ألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف كقوله ms364 ~~تعالى @QB@ ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون @QE@ وهذا ليس كالذي تقدم من الآيات لأن ~~تلك علم مكان المحذوف منها وهذه الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه ~~لأنه يحتمل وجوها منها أن يقال لما آمنوا أو لطلبوا ما وراء ذلك وقد تقدم ~~القول في أول باب الإيجاز أنه لا بد من دلالة الكلام على المحذوف # الضرب التاسع وهو حذف جواب ( لولا ) PageV02P101 # فمن ذلك قوله تعالى ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنت الله ~~عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم ) فجواب ( لولا ) ههنا محذوف تقديره ~~لما أنزل عليكم هذا الحكم بطريق التلاعن وستر عليكم هذه الفاحشة بسببه # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم @QE@ تقديره ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لعجل لكم العذاب أو فعل بكم كذا وكذا # الضرب العاشر وهو حذف جواب ( لما ) وجواب ( أما ) # فأما حذف جواب ( لما ) فكقوله تعالى @QB@ فلما أسلما وتله للجبين ~~وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين @QE@ فإن ~~جواب ( لما ) ههنا محذوف وتقديره فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف من ~~استبشارهما واغتباطهما وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم ~~بعد حلوله وما أشبه ذلك مما اكتسباه بهذه المحنة من عظائم الوصف دنيا وآخرة ~~وقوله إنا كذلك نجزي المحسنين تعليل لتخويل ما خولهما من الفرح والسرور بعد ~~تلك الشدة العظيمة # وأما حذف جواب ( أما ms365 ) فنحو قوله تعالى @QB@ فأما الذين اسودت وجوههم ~~أكفرتم بعد إيمانكم @QE@ # الضرب الحادي عشر وهو حذف جواب ( إذا ) # فمما جاء منه قوله تعالى @QB@ وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم لعلكم ترحمون وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ~~@QE@ ألا ترى كيف حذف الجواب عن ( إذا ) في هذا الكلام وهو مدلول عليه ~~بقوله @QB@ إلا كانوا عنها معرضين @QE@ PageV02P102 ) كأنه قال وإذا قيل ~~لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا ثم قال ودأبهم الإعراض عن كل آية ~~وموعظة # الضرب الثاني عشر حذف المبتدأ والخبر # أما حذف المبتدأ فلا يكون إلا مفردا والأحسن هو حذف الخبر لأن منه ما ~~يأتي جملة كقوله تعالى @QB@ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ~~@QE@ وههنا قد حذف خبر المبتدأ وهو جملة من مبتدأ وخبر وتقديرها واللائي لم ~~يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر # ومما ورد منه شعرا قول أبي عبادة البحتري # ( كل عذر من كل ذنب ولكن % أعوز العذر من بياض العذار ) # هذا وقد حذف منه خبر المبتدأ إلا أنه مفرد غير جملة وتقديره كل عذر من كل ~~ذنب مقبول أو مسموع أو ما جرى هذا المجرى # الضرب الثالث عشر وهو حذف ( لا ) من الكلام وهي مرادة # وذلك كقوله تعالى @QB@ قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف @QE@ يريد به لا تفتؤ ~~فحذفت ( لا ) من الكلام وهي مرادة # وعلى هذا جاء قول امريء القيس PageV02P103 # ( فقلت يمين الله أبرح قاعدا % ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ) # أي لا أبرح قاعدا فحذفت ( لا ) في هذا الموضع وهي مرادة # ومما جاء منه قول أبي محجن الثقفي لما نهاه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ~~عن شرب الخمر وهو إذ ذاك في قتال الفرس بالقادسية # ( رأيت الخمر صالحة وفيها % مناقب تهلك الرجل الحليما ) # ( فلا والله أشربها حياتي % ولا أسقي بها أبدا نديما ) # يريد ( لا أشربها ) فحذف ( لا ) من الكلام وهي مفهومة منه # الضرب الرابع عشر وهو حذف ms366 الواو من الكلام وإثباتها # وأحسن حذوفها في المعطوف والمعطوف عليه وإذا لم يذكر الحرف المعطوف به ~~كان ذلك بلاغة وإيجازا كقول أنس بن مالك رضي الله عنه كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينامون يصلون ولا يتوضئون أو قال ثم يصلون لا يتوضئون ~~فقوله ( لا يتوضئون ) بحذف الواو أبلغ في تحقيق عدم الوضوء من قوله ( ولا ~~يتوضئون ) بإثباتها كأنه جعل ذلك حالة لهم لازمة أي أنها داخلة في الجملة ~~وليست جملة خارجة عن الأولى لأن واو العطف تؤذن بانفراد المعطوف عن المعطوف ~~عليه وإذا حذفت في مثل هذا الموضع صار المعطوف والمعطوف عليه جملة واحدة # وقد جاء مثل ذلك في القرآن الكريم وذلك أنه يذكر جمل من القول كل واحدة ~~منها مستقلة بنفسها ثم تسرد سردا بغير عاطف كقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت ~~البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر @QE@ تقدير هذا الكلام لا يألونكم ~~وودوا ما عنتم PageV02P104 وقد بدت البغضاء من أفواههم فلما حذفت الواو جاء ~~الكلام أوجز وأحسن طلاوة وأبلغ تأليفا ونظما وأمثاله في القرآن الكريم كثير # واعلم أنه قد حذفت الواو وأثبتت في مواضع فأما إثباتها فنحو قوله تعالى ~~@QB@ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم @QE@ وأما حذفها فنحو قوله ~~تعالى @QB@ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون @QE@ # وعلى هذا فلا يجوز حذف الواو وإثباتها في كل موضع وإنما يجوز ذلك فيما ~~هذا سبيله من هاتين الآيتين # ولنبين لك في ذلك رسما تتبعه فنقول اعلم أن كل اسم نكرة جاء خبره بعد ( ~~إلا ) يجوز إثبات الواو في خبره وحذفها كقولك ما رأيت رجلا إلا وعليه ثياب ~~وإن شئت قلت إلا عليه ثياب بغير واو فإن كان الذي يقع على النكرة ناقصا فلا ~~يكون إلا بحذف الواو نحو قولك ما أظن درهما إلا هو كافيك ولا يجوز إلا وهو ~~كافيك بالواو لأن الظن يحتاج إلى شيئين فلا يعترض فيه بالواو لأنه ms367 يصير ~~كالمكتفي من الأفعال باسم واحد وكذلك جواب ظننت وكان وإن وأشباهها فخطأ أن ~~تقول إن رجلا وهو قائم ونحو ذلك ويجوز هذا في ( ليس ) خاصة تقول ليس أحد ~~إلا وهو قائم لأن الكلام يتوهم تمامه بليس وبحرف ونكرة ألا ترى أنك تقول ~~ليس أحد وما من أحد فجاز فيها إثبات الواو ولم يجوز في أظن لأنك لا تقول ما ~~أظن أحدا فأما أصبح وأمسى ورأى فإن الواو فيهن أسهل لأنهن توأم في حال وكان ~~وأظن ونحوهما بنين على النقص إلا إذا كانت تامة وكذلك ( لا ) في التنزيه ~~وغيرهما نحو لا رجل وما من رجل فيجوز إثبات الواو فيها وحذفها PageV02P105 # واعلم أن العرب قد حذفت من أصل الألفاظ شيئا لا يجوز القياس عليه كقول ~~بعضهم # ( كأن إبريقهم ظبي على شرف % مفدم بسبا الكتان ملثوم ) # فقوله بسبا الكتان يريد بسبائب الكتان وكذلك قول الآخر # ( يذرين جندل حائر لجنوبها % فكأنما تذكي سنابكها الحبا ) # فهذه وأمثاله مما يقبح ولا يحسن وإن كانت العرب قد استعملته فإنه لا يجوز ~~لنا أن نستعمله PageV02P106 # وأما القسم الثاني من الإيجاز فهو ما لا يحذف منه شيء وذلك ضربان أحدهما ~~مأساوي لفظه ومعناه ويسمى التقدير والآخر ما زاد معناه عن لفظه ويسمى ~~الإيجاز بالقصر # فأما الإيجاز بالتقدير فإنه الذي يمكن التعبير عن معناه بمثل ألفاظه وفي ~~عدتها # أما الإيجاز بالقصر فإنه ينقسم قسمين أحدهما ما دل لفظه على محتملات ~~متعددة وهذا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها والآخر ما يدل لفظه ~~على محتملات متعددة ولا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها لا بل ~~يستحيل ذلك # ولنورد الآن الضرب الأول الذي هو الإيجاز بالتقدير فمما جاء منه قوله ~~تعالى @QB@ قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم ~~السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره @QE@ ~~فقوله @QB@ قتل الإنسان @QE@ دعاء عليه وقوله @QB@ ما أكفره @QE@ تعجب من ~~إفراطه في كفران نعمة الله عليه ولا نرى أسلوبا أغلظ من ms368 هذا الدعاء والتعجب ~~ولا أخشن مسا ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه ولا أجمع للأئمة على قصر متنه ~~ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه فقال @QB@ من أي ~~شيء خلقه @QE@ ثم بين الشيء الذي خلق منه بقوله @QB@ من نطفة خلقه فقدره ~~@QE@ أي هيأه لما يصلح له @QB@ ثم السبيل يسره @QE@ أي سهل سبيله وهو مخرجه ~~من بطن أمه أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر والأول أولى ~~لأنه تال لخلقته وتقديره ثم بعد ذلك يكون تيسير سبيله لما يختاره من طريقي ~~الخير والشر @QB@ ثم أماته فأقبره @QE@ أي جعله ذا قبر يوارى فيه @QB@ ثم ~~إذا شاء أنشره @QE@ أي أحياه @QB@ كلا @QE@ ردع للإنسان عما هو عليه @QB@ ~~لما يقض ما أمره @QE@ أي لم يقض مع تطاول زمانه ما أمره الله به يعني أن ~~إنسانا لم يخل من تقصير قط ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف ~~منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك لأنك كنت تذهب بجزء من معناه والإيجاز هو ~~ألا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه PageV02P107 والآيات الواردة من هذا ~~الضرب كثيرة كقوله تعالى @QB@ فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ~~@QE@ فقوله @QB@ فله ما سلف @QE@ من جوامع الكلم ومعناه أن خطاياه الماضية ~~قد غفرت له وتاب الله عليه فيها إلا أن قوله @QB@ فله ما سلف @QE@ أبلغ أي ~~أن السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنما هو له وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ من ~~كفر فعليه كفره @QE@ فعليه كفره كلمة جامعة تغني عن ذكر ضروب من العذاب لأن ~~من أحاط به كفره فقد أحاطت به كل خطيئة # وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى @QB@ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون @QE@ ~~فهذه الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قرأها على الوليد بن المغيرة فقال له يا ابن أخي أعد فأعاد ~~النبي صلى الله ms369 عليه وسلم قراءتها عليه فقال له إن له لحلاوة وإن عليه ~~لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسلفه لمغدق وما هو بقول البشر # ومن هذا النحو قوله تعالى @QB@ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به ~~نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ~~ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق ~~وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد @QE@ وهذه ~~الآيات من قوارع القرآن العجيبة التي دلت على تخويف وإرهاب ترق القلوب ~~وتقشعر منه الجلود وهي مشتملة مع قصرها على حال الإنسان منذ خلقه إلى حين ~~حشره وحشر غيره من الناس وتصوير ذلك الأمر الفظيع في أسهل لفظ وأقربه وما ~~مررت عليها ألا جدت لي موعظة وأحدثت عندي إيقاظا # ومن هذا الضرب ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه لأبي سلمة ~~عند موته فقال ( اللهم ارفع درجته في المهتدين واخلفه في عقبه في الغابرين ~~لنا وله يا رب العالمين ) وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال ~~التي وقع فيها فأوله مفتتح بالمهم الذي يفتقر إليه المدعو له في تلك الحال ~~وهو رفع درجته في PageV02P108 الآخرة وثانيه مردف بالمهم الذي يؤثر المدعو ~~له من صلاح حال عقبه من بعده في الدنيا وثالثه مختتم بالجمع بين الداعي ~~والمدعو له وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما قصد له وكلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم هكذا كما قال ( أوتيت جوامع الكلم ) # وكذلك ورد قوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فإنه قال ( هذا يوم له ما ~~بعده ) وهو شبيه بقوله تعالى @QB@ فله ما سلف @QE@ # ولما جرح عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجراحة التي مات بها اجتمع إليه ~~الناس فجاءه شاب من الأنصاروقال أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من ~~صحبة رسول الله وقدم في الإعلام ms370 ما علمت ووليت فعدلت ثم شهادة # وهذا كلام سديد قد حوى المعنى المقصود وأتى به في أوجز لفظ وأحسنه ومع ما ~~فيه من الإيجاز فإنه مستغرب وسبب استغرابه أنه جعل المساءة بشرى وأخرجها ~~مخرج المسرة وتلطف في ذلك فأبلغ ولو أراد الكاتب البليغ والخطيب المصقع أن ~~يأتي بذلك على هذا الوجه لأعوزه # ومن هذا النمط ما كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون عند لقائه عيسى بن ما ~~هان وهزمه إياه وقتله فكتب إليه كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى بن ~~ماهان بين يديه وخاتمه في يده وعسكره مصرف تحت أمري والسلام # وهذا من الكتب المختصرة التي حوت الغرض المطول وما يكتب في هذا المقام ~~مثله # ولما أرسل المهلب بن أبي صفرة أبا الحسن المدائني إلى الحجاج بن يوسف ~~يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدد ذكره ههنا وذاك أن ~~الحجاج سأله فقال كيف تركت المهلب فقال أدرك ما أمل وأمن مما خاف فقال كيف ~~هو لجنده قال والد رءوف فقال كيف جنده له قال أولاد بررة قال كيف رضاهم عنه ~~قال وسعهم بفضله وأغناهم بعدله قال كيف تصنعون إذا لقيتم العدو قال نلقاهم ~~بجدنا ويلقوننا بجدهم قال كذلك الجد إذا لقي الجد قال فأخبرني عن بني ~~المهلب قال هم أحلاس القتال بالليل حماة PageV02P109 السرج بالنهار قال ~~أيهم أفضل قال هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها فقال الحجاج لجلسائه هذا ~~والله هو الكلام الفصل الذي ليس بمصنوع وقد ورد في الأخبار النبوية من هذا ~~الضرب شيء كثير وسأورد منه أمثلة يسيرة # فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما ~~أمور متشابهات وهذا الحديث من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة وذاك أنه ~~يشتمل على جل الأحكام الشرعية فإن الحلال والحرام إما أن يكون الحكم فيهما ~~بينا لا خلاف فيه بين العلماء وإما أن يكون خافيا يتجاذبه وجوه التأويلات ~~فكل منهم يذهب فيه مذهبا # وكذلك جاء قوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما ms371 ~~نوى فإن هذا الحديث أيضا من جوامع الأحاديث للأحكام الشرعية # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم المضعف أمير الركب وقد ورد آخر هذا ~~الحديث بلفظ آخر فقال صلى الله عليه وسلم سيروا بسير أضعفكم إلا أن الأول ~~أحسن لأنه أبلغ معنى فإن الأمير واجب الحكم فهو يتبع وإذا كان المضعف أمير ~~الركب كانوا مؤتمرين له في سيرهم ونزولهم وهذا المعنى لا يوجد في قوله ~~سيروا بسير أضعفكم # وأحسن من هذا كله ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في حديث مطول يتضمن سؤال ~~جبريل عليه السلام فقال من جملته ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه ~~فإن لم تكن تراه فإنه يراك فقوله تعبد الله كأنك تراه من جوامع الكلم لأنه ~~ينوب مناب كلام كثيركأنه قال تعبد الله مخلصا في نيتك واقفا عند أدب الطاعة ~~من الخضوع والخشوع آخذا أهبة الحذر وأشباه ذلك لأن العبد إذا خدم مولاه ~~ناظرا إليه استقصى في آداب الخدمة بكل ما يجد إليه السبيل وما ينتهي إليه ~~الطوق # ومما أطربني من ذلك حديث الحديبية وهو أنه جاء بديل بن ورقاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال له إني تركت كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي معهم العوذ ~~المطافيل وهو مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~قريشا قد نهكتهم PageV02P110 الحرب فإن شاءوا ماددناهم مدة ويدعوا بيني ~~وبين الناس فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس وإلا كانوا ~~قد جموا وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد ~~سالفتي هذه ولينفذن الله أمره وهذا الحديث من جوامع الكلم وهو من الفصاحة ~~والبلاغة على غاية لا ينتهي إليها وصف الواصف # وأما ما ورد من ذلك شعرا فقول النابغة # ( وإنك كالليل الذي هو مدركي % وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ) وتخصيصه ~~الليل دون النهار مما يسأل عنه # وكذلك قوله # ( ولست بمستبق أخا لا تلمه % على شعث أي الرجال المهذب ) وعلى هذا ~~الأسلوب ورد ms372 قول الأعشى في اعتذاره إلى أوس بن لام عن هجائه إياه # ( وإني على ما كان مني لنادم % وإني إلى أوس بن لام لتائب ) # ( وإني إلى أوس ليقبل عذرتي % ويصفح عني ما حييت لراغب ) # ( فهب لي حياتي فالحياة لقائم % بشكرك فيها خير ما أنت واهب ) # ( سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق % كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب ) وهذا من ~~المعاني الشريفة في الألفاظ الخفيفة وهو من طنانات الأعشى المشهورة ~~PageV02P111 # وعلى نحو منه جاء قول الفرزدق # ( صبحناهم الشعث الجياد كأنها % قطا هيجته يوم ريح أجادله ) # ( إلى كل حي قد خطبنا بناتهم % بأرعن جرار كثير صواهله ) # ( إذا ما التقينا أنكحتنا رماحنا % من القوم أبكارا كراما عقائله ) # ( وإنا لمناعون تحت لوائنا % حمانا إذا ما عاد بالسيف حامله ) # وهذا من محاسن ما يجيء في هذا الباب # ومما يجري هذا المجرى قول جرير # ( تمنى رجال من تميم منيتي % وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي ) # ( فلو شاء قومي كان حلمي فيهم % وكان على جهال أعدائهم جهلي ) ~~PageV02P112 وكذلك ورد قوله متغزلا وهو من محاسن أقواله # ( سرت الهموم فبتن غير نيام % وأخو الهموم يروم كل مرام ) # ( ذم المنازل بعد منزلة اللوى % والعيش بعد أولئك الأقوام ) # ( ولقد أراك وأنت جامعة الهوى % أثني بعهدك خير دار مقام ) # ( طرقتك صائدة القلوب فليس ذا % حين الزيارة فارجعي بسلام ) # ( تجري السواك على أغر كأنه % برد تحدر من متون غمام ) # ( لو كان عهدك كالذي حدثتنا % لوصلت ذاك فكان خير ذمام ) # ( ولقد أراني والجديد إلى بلى % في موكب طرف الحديث كرام ) # ( لولا مراقبة العيون أريتنا % حدق المها وسوالف الآرام ) # ( وإذا صرفن عيونهن بنظرة % نفذت نوافذها بغير سهام ) # ( هل تنفعنك إن قتلن مرقشا % أو ما فعلن بعروة بن حزام ) # وحلاوة هذا الكلام أحسن من إيجازه ولقد أعوز غيره أن يأتي بمثله حتى أقر ~~بإعوازه PageV02P113 # ومن باب الإيجاز الذي يسمى التقدير قول علي بن جبلة # ( وما لامريء حاولته عنك مهرب % ولو حملته في السماء المطالع ) # ( بلى هارب ما يهتدي لمكانه % ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع ) # فهذا هو ms373 الكلام الذي ألفاظه وفاق معانيه فإنه قد اشتمل على مدح رجل بشمول ~~ملكه وعموم سلطانه وأنه لا مهرب عنه لمن يحاوله وإن صعد السماء ثم ذكر جميع ~~المهارب في المشارق والمغارب وأشار إلى أنه يبلغ الظلام والضياء وذلك مما ~~لم تزد عبارته على المعنى المندرج تحته ولا قصرت عنه # ومن هذا الضرب قول أبي نواس وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع # ( ودار ندامى عطلوها وأدلجوا % بها أثر منهم جديد ودارس ) # ( مساحب من جر الزقاق على الثرى % وأضغاث ريحان جني ويابس ) # ( حبست بها صحبي فجددت عهدهم % وإني على أمثال تلك لحابس ) # ( تدار علينا الراح في عسجديه % حبتها بأنواع التصاوير فارس ) # ( قرارتها كسرى وفي جنباتها % مها تدريها بالقسي الفوارس ) # ( فللراح ما زرت عليه جيوبها % وللماء ما دارت عليه القلانس ) # ومما انتهى إلي من أخبار ابن المزرع قال سمعت الجاحظ يقول لا أعرف شعرا ~~يفضل هذه الأبيات التي لأبي نواس ولقد أنشدتها أبا شعيب القلاق فقال والله ~~يا أبا عثمان إن هذا لهو الشعر ولو نقر لطن فقلت له ويحك ما تفارق عمل ~~PageV02P114 الجرار والخزف ولعمري إن الجاحظ عرف فوصف وخبر فشكر والذي ذكره ~~هو الحق # وعلى هذا الأسلوب جاء قول أبي تمام # ( إن القوافي والمساعي لم تزل % مثل النظام إذا أصاب فريدا ) # ( هي جوهر نثر فإن ألفته % بالشعر صار قلائدا وعقودا ) # ( في كل معترك وكل مقامة % يأخذن منه ذمة وعهودا ) # ( فإذا القصائد لم تكن خفراءها % لم ترض منها مشهدا مشهودا ) # ( من أجل ذلك كانت العرب الألى % يدعون هذا سوددا محدودا ) # ( وتند عندهم العلا إلا علا % جعلت لها مرر القريض قيودا ) # وأما الضرب الثاني وهو الإيجاز بالقصر فإن القرآن الكريم ملآن منه وقد ~~تقدم القول أنه قسمان أحدهما ما يدل على محتملات متعددة # فمن ذلك قوله تعالى @QB@ ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم ~~طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من ~~اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى @QE@ فقوله @QB@ فغشيهم من ms374 اليم ما ~~غشيهم @QE@ من جوامع الكلم التي يستدل على قلتها بالمعاني الكثيرة أي غشيهم ~~من الأمور الهائلة والخطوب الفادحة مالا يعلم كنهه إلا الله ولا يحيط به ~~غيره # ومن هذا الضرب قوله تعالى @QB@ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~@QE@ فجمع في الآية جميع مكارم الأخلاق لأن في الأمر بالمعروف صلة الرحم ~~ومنع اللسان عن الغيبة وعن الكذب وغض PageV02P115 الطرف عن المحرمات وغير ~~ذلك وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وغيرهما # وقال بعض الأعراب في دعائه اللهم هب لي حقك وأرض عني خلقك فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذا هو البلاغة # ومن ذلك قوله عز وجل @QB@ أولئك لهم الأمن @QE@ فإنه دخل تحت الأمن جميع ~~المحبوبات وذلك أنه نفى به أن يخافوا شيئا من الفقر والموت وزوال النعمة ~~ونزول النقمة وغير ذلك من أصناف المكاره # وأشباه هذا في القرآن الكريم كثيرة فهو يكثر في بعض الصور ويقل في بعض ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ? < من شاء يرتع في الرياض الأنائق فعليه بآل ~~حم > ? # ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ? < الخراج بالضمان > ? وذاك أن ~~رجلا اشترى عبدا فأقام عنده مدة ثم وجد به عيبا فخاصم البائع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فرده عليه فقال يا رسول الله إنه استغل غلامي فقال الخراج ~~بالضمان ومعنى قوله الخراج بالضمان أن الرجل إذا اشترى عبدا فاستغله ثم وجد ~~به عيبا دلسه عليه البائع فله أن يرده ويسترجع الثمن جميعه ولو مات العبد ~~أو أبق أو سرقه سارق كان في مال المشتري وضمانه عليه وإذا كان ضمانه عليه ~~فخراجه له أي له ما تحصل منه أجرة عمله # وأما ما ورد شعرا فقول السموءل بن عاديا الغساني من جملة أبياته اللامية ~~المشهورة وذلك قوله منها # ( وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها % فليس إلى حسن الثناء سبيل ) # فإن هذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق جميعها من سماحة وشجاعة وعفة ~~وتواضع وحلم وصبر وغير ذلك فإن هذه الأخلاق كلها من ضيم النفس ms375 لأنها تجد ~~بحملها ضيما أي مشقة وعناء PageV02P116 وقد تقدم القول أن الإيجاز بالقصر ~~يكون فيما تضمن لفظه محتملات كثيرة وهذا البيت من ذلك القبيل ولا أعلم أن ~~شاعرا قديما ولا حديثا أتى بمثله وقد أخذه أبو تمام فأحسن في أخذه وهو # ( وظلمت نفسك طالبا إنصافها % فعجبت من مظلومة لم تظلم ) # ففاز في بيته هذا بالمقابلة بين الضدين في الظلم والإنصاف ثم قال فعجبت ~~من مظلومة لم تظلم وهذا أحسن من الأول ومعنى قوله ظلمت نفسك طالبا إنصافها ~~أي أنك أكرهتها على مشاق الأمور وإذا فعلت ذلك ظلمتها ثم إنك مع ظلمك إياها ~~قد أنصفتها لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا ومجدا مؤثلا فأنت ~~منصف لها في صورة ظالم وكذلك قوله فعجبت من مظلومة لم تظلم أي أنك ظلمتها ~~وما ظلمتها لأن ظلمك إياها أدى إلى ما هو جميل حسن # وهذا القدر في الأمثلة كاف في هذا الباب # القسم الآخر من الضرب الثاني في الإيجاز بالقصر وهو الذي لا يمكن التعبير ~~عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانا ~~وأعوزها إمكانا وإذا وجد في كلام بعض البلغاء فإنما يوجد شاذا نادرا # فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى @QB@ ولكم في القصاص حياة ~~@QE@ فإنه قوله تعالى @QB@ القصاص حياة @QE@ لا يمكن التعبير عنه إلا ~~بألفاظ كثيرة لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل فأوجب ذلك ~~حياة للناس ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب من قولهم القتل أنفى للقتل فإن ~~من لا يعلم يظن أن هذا على وزن الآية وليس كذلك بل بينها فرق من ثلاثة أوجه ~~الأول أن القصاص حياة لفظتان والقتل أنفى للقتل ثلاثة ألفاظ الوجه الثاني ~~أن في قولهم القتل أنفى للقتل تكريرا ليس في الآية الثالث أنه ليس كل قتل ~~نافيا للقتل إلا إذا كان على حكم القصاص # وقد صاغ أبو تمام هذا الوارد عن العرب في بيت من شعره فقال PageV02P117 # ( وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم % إن الدم المعتر ms376 يحرسه الدم ) # فقوله إن الدم المعتر يحرسه الدم أحسن مما ورد عن العرب من قولهم القتل ~~أنفى للقتل # ويروي عن معن بن زائدة أنه سأله أبو جعفر المنصور فقال له أيما أحب إليك ~~دولتنا أو دولة بني أميه فقال ذاك إليك فقوله ذاك إليك من الإيجاز بالقصر ~~الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة لأن معنى قوله ذاك إليك وهو ~~لفظتان أنه زاد إحسانك على إحسان بني أمية فأنتم أحب إلي وهذه عشرة ألفاظ # فإن قيل كيف لا يمكن التعبير عن ألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها وفي المترادف ~~من الألفاظ ما هو دليل على خلاف ذلك فإنه إذا قيل راح ثم قيل مدامة أو ~~سلافة كان ذلك سواء وقامت هذه اللفظة مقام هذه اللفظة # قلت في الجواب ليس كل الألفاظ المترادفة يقوم بعضها مقام بعض ألا ترى أن ~~لفظه القصاص لا يمكن التعبير عنها بما يقوم مقامها ولما عبر عنها بالقتل في ~~قول العرب القتل أنفى للقتل ظهر الفرق بين ذلك وبين الآية في قوله تعالى ~~@QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ فالذي أردته أنا إنما هو الكلام الذي لا ~~يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها فإن كان كذلك وإلا ~~فليس داخلا في هذا القسم المشار إليه PageV02P118 # | النوع السادس عشر # # | في الإطناب # هذا النوع من الكلام أنعمت نظري فيه وفي التكرير وفي التطويل فملكتني ~~حيرة الشبه بينها طويلا وكنت في ذلك كعمر بن الخطاب رضي الله عنه في ~~الكلالة حيث قال قد أعياني أمر الكلالة وكنت سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنها كثيرا حتى ضرب في صدري وقال ( ألا يكفيك آية الصيف ) # وبعد أن أنعمت نظري في هذا النوع الذي هو الإطناب وجدت ضربا من ضروب ~~التأكيد التي يؤتى بها في الكلام قصدا للمبالغة ألا ترى أنه ضرب مفرد من ~~بينها برأسه لا يشاركه فيه غيره لأن من التأكيد ما يتعلق بالتقديم ~~والتأخيركتقديم المفعول وبالاعتراض كالاعتراض بين القسم وجوابه وبين ~~المعطوف والمعطوف عليه وأشباه ذلك وسيأتي ms377 الكلام عليه في باب # وهذا الضرب الذي هو الإطناب ليس كذلك # ورأيت علماء البيان قد اختلفوا فيه فمنهم من ألحقه بالتطويل الذي هو ضد ~~الإيجاز وهو عنده قسم غيره فأخطأ من حيث لا يدري كأبي هلال العسكري ~~والغانمي حتى إنه قال إن كتب الفتوح وما جرى مجراها مما يقرأ على عوام ~~الناس ينبغي أن تكون مطولة مطنبا فيها وهذا القول فاسد لأنه إن عنى بذلك ~~أنها تكون ذات معان متعددة قد استقصى فيها شرح تلك الحادثة من فتح أو غيره ~~فذلك مسلم وإن عنى بذلك أنها تكون مكررة المعاني مطولة الألفاظ قصدا لإفهام ~~العامة فهذا غير مسلم وهو مما لا يذهب إليه من عنده أدنى معرفة بعلم ~~الفصاحة PageV02P119 والبلاغة ويكفي في بطلانه كتاب الله تعالى فإنه لم ~~يجعل لخواص الناس فقط وإنما جعل لعوامهم وخواصهم وأكثره لا بل جميعه مفهوم ~~الألفاظ للعوام إلا كلمات معدودة وهي التي تسمى غريب القرآن وقد تقدم ~~الكلام على ذلك في المقالة الأولى المختصة بالألفاظ وعلى هذا فينبغي أن ~~تكون الكتب جميعها مما يقرأ على عوام الناس وخواصهم ذات ألفاظ سهلة مفهومة ~~وكذلك الأشعار والخطب ومن ذهب إلى غير ذلك فإنه بنجوة عن هذا الفن وعلى هذا ~~فإن الإطناب لا يختص به عوام الناس وإنما هو للخواص كما هو للعوام # وسأبين حقيقته في كتابي هذا وأحقق القول فيه بحيث تزول الشبهة التي خبط ~~أرباب علم البيان من أجلها وقالوا أقوالا لا تعرب عن فائدة # والذي عندي فيه أنه إذا رجعنا إلى الأسماء واشتقاقها وجدنا هذا الاسم ~~مناسبا لمسماه وهو في أصل اللغة مأخوذ من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه ويقال ~~أطنبت الريح إذا اشتدت في هبوبها وأطنب في السير اذا اشتد فيه وعلى هذا فإن ~~حملناه على مقتضى مسماه كان معناه المبالغة في إيراد المعاني وهذا لا يختص ~~بنوع واحد من أنواع علم البيان وإنما يوجد فيها جميعها إذ ما من نوع منها ~~إلا ويمكن المبالغة فيه وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يفرد ms378 هذا النوع من ~~بينها ولا يتحقق إفراده إلا بذكر حده الدال على حقيقته # والذي يحد به أن يقال هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة فهذا حده الذي ~~يميزه عن التطويل إذ التطويل هو زيادة اللفظ عن المعنى لغير فائدة وأما ~~التكرير فإنه دلالة على المعنى مرددا كقولك لمن تستدعيه أسرع أسرع فإن ~~المعنى مردد واللفظ واحد وسيرد بيان ذلك مفصلا في بابه بعد باب الإطناب ~~بعضها بعضا وإذا كان التكرير هو إيراد المعنى مرددا فمنه ما يأتي لفائدة ~~ومنه ما يأتي لغير فائدة فأما الذي يأتي لفائدة فإنه جزء من الإطناب وهو ~~أخص منه فيقال حينئذ إن كل تكرير يأتي لفائدة فهو إطناب وليس كل إطناب ~~تكريرا يأتي لفائدة PageV02P120 وأما الذي يأتي من التكرير لغير فائدة فإنه ~~جزء من التطويل وهو أخص منه فيقال حينئذ إن كل تكرير يأتي لغير فائدة تطويل ~~وليس كل تطويل تكريرا يأتي لغير فائدة # وكنت قدمت القول في باب الإيجاز بأن الإيجاز هو دلالة اللفظ على المعنى ~~من غير زيادة عليه # وإذا تقررت هذه الحدود الثلاثة المشار إليها فإن مثال الإيجاز والإطناب ~~والتطويل مثال مقصد يسلك إليه في ثلاثة طرق فالإيجاز هو أقرب الطرق الثلاثة ~~إليه والإطناب والتطويل هما الطريقان المتساويان في البعد إليه إلى أن طريق ~~الإطناب تشتمل على منزه من المنازه لا يوجد في طريق التطويل وسيأتي بيان ~~ذلك بضرب الأمثلة التي تسهل من معرفته # والإطناب يوجد تارة في الجملة الواحدة من الكلام ويوجد تارة في الجمل ~~المتعددة والذي يوجد في الجمل المتعددة أبلغ لاتساع المجال في إيراده # وعلى هذا فإنه بجملته ينقسم قسمين # القسم الأول الذي يوجد في الجملة الواحدة من الكلام وهو يرد حقيقة ومجاز ~~أما الحقيقة فمثل قولهم رأيته بعيني وقبضته بيدي ووطأته بقدمي وذقته بفمي ~~وكل هذا يظن الظان أنه زيادة لا حاجة إليها ويقول إن الرؤية لا تكون إلا ~~بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون ~~ألا بالفم وليس الأمر كذلك ms379 بل هذا يقال في كل شيء يعظم مناله ويعز الوصول ~~إليه فيؤكد الأمر فيه على هذا الوجه دلالة على نيله والحصول عليه كقول أبي ~~عبادة البحتري PageV02P121 # ( تأمل من خلال السجف وانظر % بعينك ما شربت ومن سقاني ) # ( تجد شمس الضحى تدنو بشمس % إلي من الرحيق الخسرواني ) ولما كان الحضور ~~في هذا المجلس مما يعز وجوده وكان الساقي فيه على هذه الصفة من الحسن قال ~~أنظر بعينك # وعلى هذا ورد قوله تعالى @QB@ ذلكم قولكم بأفواهكم @QE@ فإن هذا القول ~~لما كان فيه افتراء عظم الله تعالى على قائله ألا ترى إلى قوله تعالى في ~~قصة الإفك ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ~~وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) فصرح في هذه الآية بما أشرت إليه من ~~تعظيم الأمر المقول # وفي مساق الآية المشار إليها جاء قوله تعالى @QB@ ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل ~~أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ~~@QE@ ألا ترى أن مساق الكلام أن الإنسان يقول لزوجته أنت علي كظهر أمي ~~ويقول لمملوكه يا بني فضرب الله لذلك مثالا فقال كيف تكون الزوجة أما وكيف ~~يكون المملوك ابنا والجمع بين الزوجية والأمومة وبين العبودية والبنوة في ~~حالة واحدة كالجمع بين القلبين في الجوف وهذا تعظيم لما قالوه وإنكار له ~~ولما كان الكلام في حال الإنكار والتعظيم أتى بذكر الجوف وإلا فقد علم أن ~~القلب لا يكون إلا في الجوف والتمثيل يصح بقوله @QB@ ما جعل الله لرجل من ~~قلبين @QE@ وهو تام لكن في ذكر الجوف فائدة وهي ما أشرت اليها وفيها أيضا ~~زيادة تصوير للمعنى المقصود لأنه إذا سمعه المخاطب به صور لنفسه جوفا يشتمل ~~على قلبين فكان ذلك أسرع إلى إنكاره # وعليه ورد قوله تعالى @QB@ فخر عليهم السقف من فوقهم @QE@ فكما أن القلب ~~لا يكون إلا في الجوف فكذلك السقف لا يكون إلا من فوق وهذا مقام ترهيب ~~PageV02P122 وتخويف كما أن ذاك ms380 مقام إنكار وتعظيم ألا ترى إلى هذه الآية ~~بكمالها وهي قوله وتعالى @QB@ قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من ~~القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون @QE@ ~~ولذكر لفظة @QB@ فوقهم @QE@ فائدة لا توجد مع إسقاطها من هذا الكلام وأنت ~~تحس هذا من نفسك فإنك إذا تلوت هذه الآية يخيل إليك أن سقفا خر على أولئك ~~من فوقهم وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاط تلك اللفظة وفي القرآن ~~الكريم من هذا النوع كثير كقوله تعالى @QB@ فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ~~وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة @QE@ وقوله @QB@ أفرأيتم اللات والعزى ~~ومناة الثالثة الأخرى @QE@ وكل هذه الآيات إنما أطنب فيها بالتأكيد لمعان ~~اقتضتها فإن النفخ في الصور الذي تقوم به الأموات من القبور مهول عظيم دل ~~على القدرة الباهرة وكذلك حمل الأرض والجبال فلما كانا بهذه الصفة قيل ~~فيهما @QB@ نفخة واحدة @QE@ و @QB@ دكة واحدة @QE@ أي أن هذا الأمر المهول ~~العظيم سهل يسير على الله تعالى يفعل ويمضي الأمر فيه بنفخة واحدة ودكة ~~واحدة ولا يحتاج فيه إلى طول مدة ولا كلفة مشقة فجيء بذكر الواحدة لتأكيد ~~الإعلام بأن ذلك هين سهل على عظمه # وهذه المواضع وأمثالها ترد في القرآن الكريم ويتوهم بعض الناس أنها ترد ~~لغير فائدة اقتضتها وليس الأمر كذلك فإن هذه الأسرار البلاغية لا يتنبه لها ~~إلا العارفون بها وهكذا يرد ما يرد منها في كلام العرب # وههنا نكته لا بد من الإشارة إليها وذاك أني نظرت في قوله تعالى @QB@ ~~نفخة واحدة @QE@ و @QB@ دكة واحدة @QE@ وفي قوله تعالى @QB@ ومناة الثالثة ~~الأخرى @QE@ فوجدت ذلك غير مقيس على ما تقدم وسأبينه ببيان شاف فأقول إن ~~قوله تعالى @QB@ ومناة الثالثة الأخرى @QE@ إنما جيء به لتوازن الفقر التي ~~نظمت السورة كلها عليها وهي @QB@ والنجم إذا هوى @QE@ ولو قيل @QB@ أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة @QE@ ولم يقل الثالثة الأخرى لكان الكلام عاريا عن ~~الطلاوة والحسن وكذلك لو قيل ومناة الأخرى من غير أن يقال الثالثة لأنه ms381 نقص ~~في الفقرة الثانية عن الأولى وذاك قبيح وقد PageV02P123 تقدم الكلام عليه ~~في باب السجع لكن التأكيد في هذه الآية جاء ضمنا لتوازن الفقر وتبعا وأما ~~@QB@ نفخة واحدة @QE@ و @QB@ دكة واحدة @QE@ فإنما جيء بلفظ الواحدة فيهما ~~وقد علم أن النفخة هي واحدة والدكة هي واحدة لمكان نظم الكلام لأن السورة ~~التي هي @QB@ الحاقة @QE@ جارية على هذا المنهاج في توازنها السجعي ولو قيل ~~نفخة من غير واحدة ودكة من غير واحدة ثم قيل بعدهما @QB@ فيومئذ وقعت ~~الواقعة @QE@ لكان الكلام منثورا محتاجا إلى تمام لكن التأكيد جاء فيهما ~~ضمنا وتبعا وإذا تبين ذلك واتضح فاعلم أن الفرق بين هذه الآيات وبين قوله ~~تعالى @QB@ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه @QE@ ظاهر وذاك أن نفخة هي ~~واحدة ومناة هي الثالثة # وأما ما جاء منه على سبيل المجاز فقوله تعالى @QB@ فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ ففائدة ذكر الصدور ههنا أنه قد تعورف ~~وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها ~~واستعماله في القلب تشبيه ومثل فلما أريد إثبات ما هو خلاف المتعارف من ~~نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا الأمر إلى زيادة ~~تصوير وتعريف ليتقرر أن مكان العمي إنما هو القلوب لا الأبصار # وهذا موضع من علم البيان كثيرة محاسنه وافرة لطائفه والمجاز فيه أحسن من ~~الحقيقة لمكان زيادة التصوير في إثبات وصف الحقيقي للمجازي ونفيه عن ~~الحقيقي # وأما القسم الثاني المختص بالجمل فإنه يشتمل على ضروب أربعة # الأول منها أن يذكر الشيء فيؤتى فيه بمعاني متداخلة إلا أن كل معنى يختص ~~بخصيصة ليست للآخر وذلك كقول أبي تمام PageV02P124 # ( قطعت إلي الزابيين هباته % والتاث مأمول السحاب السبل ) # ( من منة مشهورة وصنيعة % بكر وإحسان أغر محجل ) # فقوله منة مشهورة وصنيعة بكر وإحسان أغر محجل تداخلت معانيه إذ المنة ~~والصنيعة والإحسان متقارب بعضه من بعض وليس ذلك بتكريرلأنه لو اقتصر على ~~قوله منة وصنيعة وإحسان لجاز أن يكون تكريراولكنه وصف ms382 كل واحدة من هذه ~~الثلاث بصفة أخرجتها عن حكم التكريرفقال منة مشهورة فوصفها بالاشتهار لعظم ~~شأنهاوصنيعة بكرفوصفها بالبكارة أي أنها لم يؤت بمثلها من قبلوإحسان أغر ~~محجلفوصفه بالغرة والتحجيل أي هو ذو محاسن متعددة فلما وصف هذه المعاني ~~المتداخلة التي تدل على شيء واحد بأوصاف متباينة صار ذلك إطناباولم يكن ~~تكريرا # ولم أجد في ضروب الإطناب أحسن من هذا الموضعولا ألطف وقد استعمله أبو ~~تمام في شعره كثيرا بخلاف غيره من الشعراءكقوله # ( زكي سجاياه تضيف ضيوفه % ويرجى مرجيه ويسأل سائله ) فإن غرضه من هذا ~~القول إنما هو ذكر الممدوح بالكرم وكثرة العطاءإلا أنه وصفه بصفات متعددة ~~فجعل ضيوفه تضيفوراجيه يرجى وسائله يسألوليس هذا PageV02P125 تكريرا لأنه ~~لا يلزم من كون ضيوفه تضيف أن يكون راجيه مرجوا ولا أن يكون سائله مسئولا ~~لأن ضيفه يستصحب ضيفا طمعا في كلام مضيفه وسائله يسأل أي أنه يعطي السائل ~~عطاء كثيرا يصير به معطيا وراجيه يرجى أي أنه إذا تعلق به رجاء راج فقد ~~أيقن بالفلاح والنجاح فهو حقيق بأن يرجى لمكان رجائه إياه وهذا أبلغ ~~الأوصاف الثلاثة # الضرب الثاني يسمى النفي والإثبات وهو أن يذكر الشيء على سبيل النفي ثم ~~يذكر على سبيل الإثبات أو بالعكس ولابد أن يكون في أحدهما زيادة ليست في ~~الآخر وإلا كان تكريرا والغرض به تأكيد ذلك المعنى المقصود # فمما جاء منه قوله تعالى @QB@ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين ~~لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون @QE@ # واعلم أن لهذا الضرب من الإطناب فائدة كبيرة وهو من أوكد وجوهه ألا ترى ~~أنه قال @QB@ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم @QE@ ثم قال @QB@ إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر @QE@ والمعنى في ذلك سواء إلا أنه في الثانية قوله @QB@ ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون @QE@ ولولا هذه الزيادة لكان حكم ~~هاتين الآيتين حكم التكرير وهذا الموضع ينبغي أن يتأمل وينعم ms383 النظر فيه # وعليه ورد قوله تعالى @QB@ الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ~~بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ~~غافلون @QE@ فقوله @QB@ يعلمون @QE@ بعد قوله @QB@ لا يعلمون @QE@ من الباب ~~الذي نحن بصدد ذكره ألا ترى أنه نفى العلم عن الناس بما خفي عنهم من تحقيق ~~وعده ثم أثبت لهم العلم PageV02P126 بظاهر الحياة الدنيا فكأنهم علموا وما ~~علموا إذ العلم بظاهر الأمور ليس بعلم وإنما العلم هو ما كان بالباطن من ~~الأمور # الضرب الثالث هو أن يذكر المعنى الواحد تاما لا يحتاج إلى زيادة ثم يضرب ~~له مثال من التشبيه كقول أبي عبادة البحتري # ( ذات حسن لو استزادت من الحسن إليه لما أصابت مزيدا % ) # ( فهي كالشمس بهجة والقضيب اللدن قدا والريم طرفا وجيدا % ) ألا ترى أن ~~الأول كاف في بلوغ الغاية في الحسن لأنه لما قال ( لو استزادت لما أصابت ~~مزيدا ) دخل تحته كل شيء من الأشياء الحسنة إلا أن للتشبيه مزية أخرى تفيد ~~السامع تصويرا وتخييلا لا يحصل له من الأول وهذا الضرب من أحسن ما يجيء في ~~باب الإطناب # وكذلك ورد قوله # ( تردد في خلقي سودد % سماحا مرجى وبأسا مهيبا ) # ( فكالسيف إن جئته صارخا % وكالبحر إن جئته مستثيبا ) # فالبيت الثاني يدل على معنى الأول لأن البحر و السيف للبأس المهيب إلا أن ~~في الثاني زيادة التشبيه التي تفيد تخيلا وتصويرا # الضرب الرابع أن يستوفي معاني الغرض المقصود من كتاب أو خطبة أو ~~PageV02P127 قصيدة وهذا أصعب الضروب الأربعة طريقا وأضيقها بابا لأنه يتفرع ~~إلى أساليب كثيرة من المعاني وأرباب النظم والنثر يتفاوتون فيه وليس الخاطر ~~الذي يقذف بالدرر في مثله إلا معدوم الوجود ومثاله ومثال الإيجاز مثال مجمل ~~ومفصل وقد تقدم القول بأن الإيجاز والإطناب والتطويل بمنزلة مقصد يسلك إليه ~~ثلاثة طرق وقد ms384 أوردت ههنا أمثله لهذه الأساليب الثلاثة وجعلتها على هيئة ~~المقصد الذي تسلك إليه الطرق الثلاثة # فمن ذلك ما ذكرته في وصف بستان ذات فواكه متعددة فإذا أريد وصفه على حكم ~~الإيجاز قيل فيه من كل فاكهة زوجان وهذا كلام الله تعالى وقد جمع جميع ~~أنواع الفاكهة بأحسن لفظ وأخصره # وإذا أريد وصف ذلك البستان على حكم الإطناب قيل فيه ما أذكره وهو فصل من ~~كتاب أنشأته وهو جنة علت أرضها أن تمسك ماء وغنيت بينبوعها أن تستجدي سماء ~~وهي ذات ثمار مختلفة الغرابة وتربة منجبة وما كل تربة توصف بالنجابة ففيها ~~المشمش الذي يسبق غيره بقدومه ويقذف أيدي الجانين بنجومه فهو يسمو بطيب ~~الفرع والنجار ولو نظم في جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار وله زمن ~~الربيع الذي هو أعدل الأزمان وقد شبه بسن الصبا في الأسنان وفيها التفاح ~~الذي رق جلده وعظم قده وتورد خده وطابت أنفاسه فلا بان الوادي ولا رنده ~~وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته ~~إلى منابت الشجر وفيها العنب الذي هو أكرم الثمار طينة وأكثرها ألوان زينة ~~وأول غرس اغترسه نوح عليه السلام عند خروجه من السفينة فقطفه يميل بكف ~~قاطفه ويغري بالوصف لسان واصفه وفيها الرمان الذي هو طعام وشراب وبه شبهت ~~نهود الكعاب ومن فصله أنه لا نوى له فيرمى نواه ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان ~~من فاكهة سواه وفيها التين الذي أقسم الله به تنويها بذكره واستتر آدم عليه ~~السلام بورقه إذا كشفت المعصية من ستره وخص بطول الأعناق فما يرى بها من ~~ميل فهو نشوة من سكره وقد وصف بأنه راق طعما ونعم جسما وقيل هذا كنيف مليء ~~شهدا لا كنيف مليء علما وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله ويشغل ~~بلذة منظره عن لذة أكله وهو الذي فضل ذوات الأفنان بعرجونه ولا تماثل بينه ~~وبين الحلواء هذا خلق الله فأروني ماذا PageV02P128 خلق الذين من دونه ~~وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة ms385 وأصنافها وكلها معدود من أوساطها لا من ~~أطرافها ولقد دخلتها فاستهوتني حسدا ولم أصاحبها على قوله لن تبيد هذه أبدا # فهذا الوصف على هذه الصورة يسمى إطنابا لأنه لم يعر عن فائدة وذاك الأول ~~هو الإيجاز لأنه اشتمل باختصاره على جميع أصناف الفاكهة # وأما التطويل فهو أن تعد الأصناف المذكورة تعدادا من غير وصف لطيف ولا ~~نعت رائق فيقال مشمش وتفاح وعنب ورمان ونخل وكذا وكذا # وانظر أيها المتأمل إلى ما أشرت إليه من هذه الأقسام الثلاثة في الإيجاز ~~والإطناب والتطويل وقس عليها ما يأتي منها # وسأزيد ذلك بيانا بمثال آخر فأقول # قد ورد في باب الإيجاز كتاب كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون رحمه الله ~~تعالى يخبره بهزيمة عيسى بن ماهان وقتله إياه وهو كتابي إلى أمير المؤمنين ~~ورأس عيسى بن ماهان بين يدي وخاتمه في يدي وعسكره مصرف تحت أمري والسلام # وهذا كتاب جامع للمعنى شديد الإختصار # وإذا كتب ما هو في معناه على وجه الإطناب قيل فيه ما أذكره وهو ما أنشأته ~~مثالا في هذا الموضع ليعلم به الفرق بين الإيجاز والإطناب وهو أصدر كتابه ~~هذا وقد نصر بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة وانقلب باليد الملأى والعين ~~القريرة وكان انتصاره بجد أمير المؤمنين لا بجد نصله والجد أغنى من الجيش ~~وإن كثرت أمداد خيله ورجله وجيء برأس عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده ~~وليس له قدم فيقال إنه يسعى بقدمه ولا يد فيقال إنه يبطش بيده ولقد طال ~~وطوله مؤذن بقصر شأنه وحسدت الضباع الطير على مكانها منه وهو غير محسود على ~~مكانه وأحضر خاتمه وهو الخاتم الذي كان الأمر يجري على نقش أسطره وكان يرجو ~~أن يصدر كتاب الفتح بختمه فحال ورود المنية دون مصدره وكذلك البغي مرتعه ~~وبيل PageV02P129 وصرعه جليل وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل وقد نطق ~~الفأل بأن الخاتم والرأس مشيران بالحصول على خاتم الملك ورأسه وهذا الفتح ~~أساس لما يستقبل بناؤه ولا يستقر البناء على أساسه والعساكر التي كانت ms386 على ~~أمير المؤمنين حربا صارت له سلما وأعطته البيعة علما بفضله وليس من تابع ~~تقليدا كمن تابع علما وهم الآن مصرفون تحت الأوامرممتحنون بكشف السرائر ~~مطيفون باللواء الذي خصه الله باستفتاح المقالد واستيطاء المنابر وكما سرت ~~خطوات القلم في أثناء هذا القرطاس فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع في ~~قلوب الناس وليس في البلاد ما يغلق بمشيئة الله بابا ولا يحسر نقابا وعلى ~~الله إتمام النعم التي افتتحها وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التي ~~اقترحها والسلام # وهذا الكتاب يشتمل على ما اشتمل عليه كتاب طاهر بن الحسين من المعنى إلا ~~أنه فصل ذلك الإجمال # ولو كتبت على وجه التطويل الذي لا فائدة فيه لقيل أصدر كتابه في يوم كذا ~~من شهر كذاوالتقى عسكر أمير المؤمنين وعسكر عدوه الباغي وتطاعن الفريقان ~~وتزاحف الجمعان وحمي القتال واشتد النزال وترادفت الكتائب وتلاحقت المقانب ~~وقتل عيسى بن ماهان واحتز رأسه وقطع ونزع الخاتم من يده وخلع وترك جسده ~~طعاما للطيور والسباع والذئاب والضباع وانجلت الوقعة عن غلب أمير المؤمنين ~~ونصره وخذلان عدوه وقهره والسلام # فهذا الكتاب يشتمل على تطويل لا فائدة فيه لأنه كرر فيه معاني يتم الغرض ~~بدونها وذكر ما لا حاجة إليه في الإعلام بالواقعة # فانظر إلى هذه الكتب الثلاثة وتأملها كما تأملت الذي تقدمها # وبعد ذلك إني أورد لك كتابا وتقليدا يوضحان لك فائدة الإطناب أما الكتاب ~~فإنه كتاب كتبته عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله إلى ~~ديوان الخلافة ببغداد يتضمن فتح البيت المقدس واستنفاذه من أيدي الكفار ~~وذلك في معارضة كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني عنه وكان الفتح في ~~السابع والعشرين من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة خلد الله سلطان ~~الديوان العزيز النبوي وجعل أيام دولته أترابا ومناقب مجدها هضابا وزادها ~~على PageV02P130 مرور الأيام شبابا وأوسعها توشية وإذهابا إذا أوسع غيرها ~~تلاشيا وذهابا ومنحها في الدنيا والآخرة عطاء وفاقا لاعطاء حسابا ومثل ~~جدودها في عيون الأعداء شيئا عجابا وأراهم منها وراءهم في ms387 اليقظة إرهابا ~~وإرعابا وفي المنام إبلا صعابا تقود خيلا عرابا لو جمعت العصور في صعيد ~~واحد لكان هذا العصر عليها فاخرا وفاز بسبق أوائلها وإن جاء آخرا وليس ذلك ~~إلا لخظوته بالدولة الناصرية التي كسته حبرا وقلدته دررا ودونت له من ~~المحامد سيرا وجعلت في كل ناحية من وجهه شمسا وقمرا وقيض الله لها من ~~الخادم وليا يوصل يومه في طاعتها بأمسهولا يرى إلا ومن نفسه في خدمتها رقيب ~~على نفسه وطالما سعى بين يديها بمساع نغص بأخبارها محافل القوم ويقال له ~~فيها ما ضرك ما صنعت بعد اليوم وقد سلفت منها آيات تتمايل في أشباهها ~~وأضرابها واستؤنف لها الآن واحدة تدعى بأم كتابها وهي فتح البيت المقدس ~~الذي تفتحت له أبواب السماء وكثرت بأحاديث مجده كواكب الظلماء واسترد حق ~~الإسلام وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماءومن أحسن ما أتى به آنس ~~قبلته الثانية بقبلته الأولى وأطال منه كل ما قصرته يد الكفر وكانت هي ~~الطولي وبه صح لهذا البيت معنى اسمه وانتقل إلى الطهارة ونزاهتها عن الرجس ~~ووصمه ولم يحزه الخادم حتى طوى ما حوله من البلاد المنجدة والغائرة وكان ~~مركزا لدائرتها فغادره وهو طرف من أطراف الدائرة ولما شارفه نظر منه إلى ~~ظله من الظلل ورأى بلدا قد استقر على متن الجبل مثل الجبل ويطيف به واد ~~تستهزيء عصمته بنوب الدهر وقد انعطف على جوانبه انعطاف الحبوة على الظهر ~~والمسالك إليه مع ذلك ذات تعاريج ومعارج وهي ضيقة مستوعرة يطلق عليها اسم ~~الطرق ولا يطلق عليها اسم المناهج فلما رآه قال هذا أمنية لمن يرى وعلم ~~حينئذ أن كل الصيد في جوف الفرا إلا أن لسان حاله خاطبه وهو أفصح الخطاب ~~وقال امدد يدك فليس دونها من حجاب وكان قد برز من السلاح في لباس رائع من ~~المنعة وأخرج من السواد الأعظم ما خدع العيون والحرب خدعة وما يمنع رقاب ~~البلاد بكثرة السواد ولا يحمي بعوالي الأسوار بل بعوالي الصعاد وفي يوم كذا ~~وكذا خيم المسلمون في ms388 عقد داره ونزلوا منه نزول الجار إلى جانب جاره ثم ~~ارتادوا موقفا للقتال وإن لم يكن هناك موقف يقرب مناله ولا يتسع محاله ~~واتفق الرأي على لسان المنجنيق في خطبة عقيلية أبلغ PageV02P131 خطاباوأدنى ~~من المطلوب طلاباوأنه إذا ضرب بعصاه الحجر انبجست عيون أهله دماء كما ~~انبجست عيون الحجر ماء هذا والعزائم تنظر إلى هذا الرأي نظر المستجهل وتصد ~~عنه صدود المستعجل وتقول ما بارتياد السهل تملك الصعاب ومن ابتنى السيف ~~صرحا لم ينأ عنه بلوغ الأسباب والحديد لا يفلح إلا بالحديد والركن الشديد ~~لا يصدم إلا بركن شديد فعندها صمم الخادم أن يلقى البلد مواثبا لا مواربا ~~وأن يجعل للزحف جانبا وللمنجنيق جانبا ونوى أن يبدي صفحة وجهه أمام الناس ~~وتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في الاتقاء به إذا اشتد البأس ولا شك ~~أن قلوب الجيوش بمنزلة قلوبها وأن النفاذ لأسنة الرماح لا لكعوبها ولا ~~يشتفي من الوغى إلا من كان طرفه أمام طرفه ومن وقف خلف جنوده فقد جعل ~~عزائمها من خلفه ولما وقع الزحف صورع البلد صراعا بعد أن قورع قراعا ثم هز ~~هزة طوته بيمينها ونشرته بشمالها وأذاقته العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ~~من نكالها وبدون ذلك يكون عذرك أديمه وعطف شكيمه ولم يكن قتاله بالسهام ~~التي غايتها أن تصف أجنحتها للمطار وتنال بكلومها من فوق الأسوار بل ~~بالسيوف التي إذا جالدت بلدا أخذت بكظمه وتوغلت في هجمه وأغنت بسرعة ~~خطواتها إليه عن المنجنيق وإبطاء هدمه والسيف ليس بمرتو من النفس التي تظل ~~طائشة عند لقائها جائشة عند استيفائها فالقلوب توصف بأنها تجيش إذا كانت ~~أعدادا والنفوس لا تجيش إلا ذا كانت ثمادا وما يستوي وجوه الأقران في ~~إقدامها وإحجامها فمنها المظلم إذا رابها الروع بإشراقها ومنها المشرق إذا ~~شابها الروع بإظلامها وكانت وجوه المؤمنين أحظى بلباس الإشراق وأتم أبدرا ~~والبدور لا يكون تمامها في المحاق فما منهم إلا من عرض نفسه ليوم العرض ~~ومشى إلى جنة عرضها السموات والأرض حتى اتسع المكر وضاق بأعداء ms389 الله المقر ~~وحرقت أوعار الخنادق وصار الرجال لمنطقة الصور كالمناطق ولم يستشهد فيهم ~~إلا عدد يسير لا تدخله لام التعريف وكانت أجنحة الملائكة مطيفة بهم فأكرم ~~بالمطاف به وبالمطيف وقد أسعد الله أولئك بالشهادة التي هي الفوز الأكبر ~~وقرنها بإدناء مضاجعهم من الأرض المقدسة التي هي أرض المحشرفما يسرهم أن ~~يعودوا إلى الدنيا إلا للاستزادة من ثواب الجهاد وأيسر ذلك أن أرواحهم في ~~حواصل طير خضر تعلق من ثمار الجنة إلى يوم المعاد ولما رأى الكفار أن ~~صليبهم قد صار PageV02P132 خوارا وأن زئيرهم قد انقلب خواراأذعنت أيديهم ~~باستلامها وصانعت بالمال عن الرقاب واسترقاقها وبالبلد عن النفوس وحمامها ~~فأبى السيف أن يترك رقابا تغذي بأكلها ويحل من عشقها على مداومة وصلها وذكر ~~الخادم أن سلف هؤلاء انتزاع هذا البلد قسرا وفتك بمن كان به من المسلمين ~~غدرا وذلك ثأر ذخره الله لك حتى تحظى في الآخرة بثوابه وتتجمل في الدنيا ~~بزينة أثوابه والمسلم أخو المسلم يأخذ بدمه وإن تطاولت أمداد السنين على ~~قدمه فيا بعد عهد هذا الثأر من ثائره ويا طيب خبره عند سامعه وحسن أثره عند ~~ناظره ولما تحقق العزم على ذلك أشار ذوو الرأي بقبول الفدية المبذولة وألا ~~يحمل العدو على ما ليست نفسه عليه بمحمولة فإن النقد إذا أخرج صار ذا أنياب ~~وأظفار واستضرى حتى يلتحق بالسباع الضوار وهؤلاء إذا رأوا عين القتل تجردوا ~~للقتال وركبوا الأهوال للنجاة من الأهوال ومن يدع إلى خطة رشد فليقبلها ومن ~~أنشط له عقل الأمور فلا يعقلها وعلى كل حال فإن الفدية للمسلمين أرغب ~~وأموال يتقوى بها على العدو خير من دماء تذهب هذا وبالبلد من أسارى ~~المسلمين من حياة أحدهم بحياة كل نفس ومن حرمته عند الله مما طلعت عليه ~~الشمس ولا يوازي فتحه عنوة أن يتعدى إليهم أضراره ولا شك أنهم يعاجلون ~~بالقتل قبل أن تدخل أقطاره فرأى الخادم عند ذلك أن الرأي مشترك وأن له ~~معتركا كما أن السيف له معترك وتقرر تسليم البلد ودموع أهله قد خضبت ms390 ~~أحداقها وأقرحت آماقها ولم تطب أنفسهم بفراق قمامه حتى كادت الهام تفارق ~~أعناقها فعلى حب ذلك التراب تقوم قيامتهم وتشيل نعامتهم ولطالما ابتهلوا ~~عنده أيام الحصار واستنصره فلم يحظوا منه بمعونة الانتصار وكيف يرجى النصر ~~من معبود تقر شيعته بقتله أم كيف يدفع عن غيره من كان هو مبتلى بمثله وهذه ~~عقول سخيفة نفذ فيها كيد شيطانها وأخفى عنها محجة الحق على وضوح بيانها ~~ولقد كان يوم التسليم عريض الفخار زائد العمر على عمر أبويه من الليل ~~والنهار واشتق من اسمه معنى السلامة للمسلمين والهلاك للكفار وزاده فخرا ~~إلى فخره أنه وافق اليوم المسفر عن ليلة المعراج النبوي الذي كان في تلك ~~الأرض موعده ومن صخرتها مصعده وذلك هو الإسراء الذي ركب إليه ظهر البراق ~~واستفتح له أبواب السبع الطباق ولقي فيه الأنبياء على اختلاف درجاتهم فظفر ~~خير ملقى بخير لاق وبركة ذلك اليوم سرت إلى هذا PageV02P133 فأطالت من ~~شهرته وضمنته نصرة الدين الحنيف الذي لله عناية بنصرته وجعلته تاريخا يؤرخ ~~بفتحه كما أرخ للنبي صلى الله عليه وسلم بدار هجرته وإذا أنصف واصفه قال ~~إنه لليوم البدري في اقتراب النسب وإنه العجيبة التي لم تجفل عنها الأيام ~~في صفر وإنما أجفلت عنها في رجب فما أكثر الفائز فيه والمغبون والمسرور ~~والمحزون فمن جد راكب ومن جد راجل ومن عز قادم وذل راحل ولطالما جد الخادم ~~في السعي له وأبصار العدا تزلقه وألسنتهم تسلقه وما منهم إلا من أكثر ~~الشناعة بأن ذلك السعي للاستكثار من البلاد والله يعلم أنه لم يكن إلا ~~للاستكثار من موارد الجهاد لا جرم أن صدق النية كان له عقبى الدار وتلك ~~الأقوال الكاذبة كان لها عقبى البوار ويوم هذا الفتح يفتقر قبله إلى أيام ~~تجلو بياضه عن سوادها ويلقح لها بطون المساعي حتى يكون لها نتيجة ميلادها ~~ولما ظفر به الخادم لم يكن لأهل النجامة فيه قول يرد كذابه ولا يقبل صوابه ~~والشهب الطالعة على ذوات السروج أصدق نبأ من الشهب الطالعة من ذوات البروج ms391 ~~على أنهما وإن اتفقا رجما فإنهما يختلفان علما فعلم هذه يسأل عنه ثغر ~~الأعناق وعلم هذه يسأل عنه بطون الأوراق ولما دخل البلد وجد به أمما لولا ~~أن ضربت عليهم الذلة لدافعوا المنايا مكاثرة وغالبوا السيوف مصابرة وهم ~~طوائف مختلفو الألسنة والألوان وإن قيل إنهم أناسي فإن صورهم صور الجان ~~ومنهم طائفة استشعرت حبس نفوسها وفحصت الشعر عن أوساط رءوسها وتوحشت ~~بالرهبانية حتى ارتاعت العيون من أشكالها ولبوسها ولما رأوا طلعة الإسلام ~~داخلة عليهم أعلنوا بالجؤار واصطرخوا جميعا كما يصطرخون غدا في النار ~~وزادهم غيظا إلى غيظهم أنهم رأوا الصلاة قائمة وقد صار الناقوس أذانا وكلمة ~~الكفر إيمانا وأقيمت الجمعة وهي أول جمعة حظي الأقصى بمشهدها وحضرتها الأمة ~~الإسلامية بأحمرها وأسودها فمن باك بدمعة سروره الباردة ومن مجيل نظره في ~~نعمة الله الواردة ومن شاكر للزمن الذي أبقاه إلى يومه هذا الذي كل الأيام ~~له حاسدة من كان ولده تقدم قبله أو بعده فكأنه لم يولد وكانت هذه الجمعة في ~~رابع شعبان وهو الشهر الذي جعله الله طليعة لشهر الصيام وليلة نصفه هي ~~الليلة المعروفة بإحياء قيامها إلى حين وفاة شخص الظلام والتي يغفر فيها ~~لأكثر من شعر غنم كلب من ذوي الذنوب والأثام وجيء باللواء الأسود فركز من ~~المنبر في أعلاه ونطق لسان حاله فقال من كان PageV02P134 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مولاه فأنا مولاه ولم يكن لسان الخطيب بأفصح بيانا من لسانه ~~غير أن هذا يزهى ببلاغ موعظته وهذا يزهى بعزة سلطانه ولما ذكرت سمات ~~الخلافة المعظمة أتبعها الناس بالدعاء الذي ملأ المسجد بعجيجه وسبق الكرام ~~الكاتبون بزميله إلى السماء ووشيجه وكان اليوم فصلا والموقف حفلا وذلك ~~الدعاء فرضا لا نفلا ولا ينتهي النصف إلى ما شوهد بالبلد من الآثار العجيبة ~~التي تستلبث العجلان وتستحلب الأذهان وتستنطق الألسنة بالتسبيح لله الذي ~~فطر الإنسان ومن جملة ذلك ما تبوهي في حسنه من البيع والصوامع ذوات الأبنية ~~الروائع التي روضت بالزخارف ترويض الأزهار ورفعت معاقدها حتى كادت النجوم ~~توحي ms392 إليها بالأسرار وما منها إلا ما يقال إنه إرم ذات العماد التي لم يخلق ~~مثلها في البلاد ولقد ألان الله لهم الحجارة حتى تخيروا في توسيعها بضروب ~~الاختيار وجعلوها أعاجيب للأسماع والأبصار وقيل فيها هذه روضات جنان لا ~~أفنية ديار هذا إلى غيره مما وجد من معبودات القوم الموصوفة بأنها آلة ~~الصلب اللاتي من ذوات النصب وأكثر ذلك وجد في المسجد موضوعا وعلى قبته ~~مرفوعا فأنزلت على قرونها واستن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في طعن ~~عيونها واستوطن المؤمن مكان الكفور وبدلت الظلمات بالنور وقالت الصخرة الآن ~~جمع بيني وبين الحجر الأسود لخاطب الإسلام والجمع بين الأختين في هذا الأمر ~~من الحلال لا من الحرام وقال الأقصى سبحان الذي أسرى إلي بجنده كما أسرى ~~بعبده وأعاد لي عهود الفتح الأول بهذا الفتح الذي أتى من بعده وعود الذاهب ~~أرجى لدوام أحقابه وخلود الإنسان لا يكون إلا في مآبه وهذا هو الخطب الذي ~~جدد للإسلام عهود ابن خطابه رضي الله عنه إلا أن مستنقذ الطريدة أولى بها ~~من صاحبها ولئن غصبتها يد غالبة فقد جاء الله باليد التي غصبتها من غاصبها ~~هذا ولم يستنقذها الخادم إلا بإنضاء سلاح أنفته الوقعة الأولى التي استأصلت ~~حماة البلاد واستباحت أغيالها بقتل الآساد فكانت لهذا الفتح عنوانا ولتقرير ~~أصوله بنيانا ولم ينج بها من طواغيت الكفر إلا طاغية ترابلس فإن السيوف ~~أسأرته وبفؤاده قلق من أوجالها وفي عينه دهش من أهوالها وقد قرن الله هذا ~~الفتح ببشرى موته وكفى المسلمين مؤنة الاهتمام لفوته ففر من الوقعة ولم ينج ~~بذلك الفرار واعتصم بذات جداره فقتله الخوف من وراء الجدار ولا فرق بين ~~قتيل خوف السفار وبين قتيل PageV02P135 الشفار ولقد فر من المكروه إلى مثله ~~لكنه انتقل من ميتة عزه إلى ميتة ذله وكذلك آثار الخادم في أعداء الله فهم ~~هلكى بسيفه في مواقف الطراد فإن فروا فبخوفه على جنوب الوساد وبعد هذه فهل ~~يمترون في أن دماءهم قد استجابت لمراده وأن سواء لديه من ms393 أمكن منها في دونه ~~ومن امتنع منها في بعاده وكل ذلك مستمد من الاستنصار بعناية الديوان العزيز ~~التي من شأنها أن تجعل الرؤيا حقا وأحاديث الآمال صدقا وتقرب بعيدات الأمور ~~حتى تجعل الشرق غربا والغرب شرقا فهذا الفتح منسوب إليها وإن كان الخادم هو ~~الساعي في تسهيله والمجاهد بنفسه وماله في سبيله فعلى عطف دولتها ترقم ~~أعلامه وفي أيامها تؤرخ أيامه ولو أبيح للقلم الخيلاء في مقام المقال كما ~~أبيح لصاحبه في مقام القتال لاختالت مشيته في هذا الكتاب ولقال وأسهب فليس ~~الإكثار ههنا من الإسهاب لكنه منعه من ذلك أن يكون ممن فخر بعمله فأبطله ~~وأرسل خطابه إلى الديوان العزيز فلم يقبضه بالأدب حين أرسله وقد ارتاد من ~~يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها ويمثل صورها لمن غاب عنها كما ~~تمثلت لمن حضرها ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها وهي عرائس المساعي ~~فأحسن الناس بيانا مؤهل لإيداع حسانها والسائر بها فلان وهو راوي أخبار ~~نصرها التي صحبها في تجريح الرجال وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال ~~والأيام واللياليرواة فما الظن برواية الأيام والليال وستتلو هذه الأخبار ~~الصادقة بمشيئة الله أخبار مثلها صادقة وما دامت السيوف ناطقة في يد الخادم ~~فالألسنة عنها ناطقة وللآراء العالية مزيد العلو إن شاء الله تعالى # وأما التقليد فإنه تقليد أنشأته لمنصب الحسبة وهو أما بعد فقد جعل الله ~~جزاء التمكين في أرضه أن يقام بحدود فرضه ونحن نسأله التوفيق لهذا الأمر ~~الذي ثقل حمله وعدم أهله فقد جيء بنا في زمن أصبح الناس فيه سدى وعاد ~~الإسلام فيه غريبا كما بدا وهو الزمن الذي كثرت فيه أشراط اليوم الأخير ~~وغربلت فيه الأمة حتى لم يبق إلا حثالة التمر والشعير ومن أعم ما نقرر ~~بناءه ونقدم عناءه ونصلح به الزمن وأبناءه أن نمضي أحكام الشريعة المطهرة ~~على ما قررته في تعريف ما عرفته وتنكير ما نكرته ومدار ذلك على النظر في ~~أمر الحسبة التي تتنزل PageV02P136 منه بمنزلة السلك من العقد والكف من ~~الزند وقد ms394 أخلصنا النية في ارتياد من يقوم فيها ويكفيها ويصطفى لها ولا ~~يصطفيها وهو أنت أيها الشيخ الأجل فلان أحسن الله لك الأثر وصدق فيك النظر ~~فتولها غير موكول إليها بل معانا عليها # واعلم أن الناس قد أماتوا سننا وأحيوا بدعا وتفرقوا فيما أحدثوه من ~~المحدثات شيعا وأظلم منهم من أقرهم على أمرهم ولم يأخذهم بقوارع زجرهم فإن ~~السكوت عن البدعة رضا بمكانها وترك النهي عنها كالأمر بإتيانها ولم يأت بنا ~~الله تعالى إلا ليعيد الدين قائما على أصوله صاعدا بحكم الله فيه وحكم ~~رسوله # ونحن نأمرك أن تتصفح أحوال الناس في أمر دينهم الذي هو عصمة مالهم وأمر ~~معاشهم الذي يتميز به حرامهم من حلالهم فابدأ أولا بالنظر في العقائد واهد ~~فيها إلى سبيل الفرقة الناجية الذي هو سبيل واحد وتلك الفرقة هي السلف ~~الصالح الذين لزموا مواطن الحق فأقاموا وقالوا ربنا الله ثم استقاموا ومن ~~عداهم شعب دانوا أديانا وعبدوا من الأهواء أوثانا واتبعوا ما لم ينزل به ~~الله سلطانا ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ~~والله يعلم أعمالكم فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله ولا تسمع له قولا ~~ولا تقبل منه صرفا ولا عدلا وليكن قتله على رءوس الأشهاد ما بين حاضر وباد ~~فما تكدرت الشرائع بمثل مقالته ولا تدنست علومها بمثل أثر جهالته والمنتمي ~~إليها يعرف بنكره ويستدل عليه بظلمة كفره وتلك ظلمة تدرك بالقلوب لا ~~بالأبصار وتظهر زيادتها ونقصها بحسب ما عند رائيها من الأنوار وما تجده من ~~كتبها التي هي سموم ناقعة لا علوم نافعة وأفاعي ملففة لا أقوال مؤلفة ~~فاستأصل شافتها بالتمزيق وافعل بها ما يفعله الله بأهلها من التحريقولا ~~يقنعك ذلك حتى تجتهد في تتبع آثارها والكشف عن مكامن أسرارها فمن وجدت في ~~بيته فليؤخذ جهارا ولينكل به إشهارا وليقل هذا جزاء من استكبر استكبارا ولم ~~يرج لله وقارا وأما من تحدث في القدر وقال فيه بمخالفة نص الخبر فليس في ~~شيء من ربقة الإسلام وإن تنسك بمداومة الصلاة ms395 والصيام قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( القدرية مجوس هذه الأمة ) # والمراد بذلك أنهما ماثلوا بين الله والعبد والضياء والظلمة فعلاج هذه ~~الطائفة أن تجزى بأن تخزى فليقابل جمعها بالتكسير واسمها بالتصغير ولتنقل ~~إلى ثقل PageV02P137 الحدود عن خفة التعزير ومن كان منها ذا مكانة نابهة ~~فليهبط أو شهادة عادلة فليسقط وكذلك يجري الحكم فيمن قال بالتشبيه والتجسيم ~~أو قال بحدوث القرآن القديم # ومن ملحدي القرآن فرقة فرقت بين المعنى والخط وفرقة قالت فيه بالشكل ~~والنقط وكل هؤلاء قوم خبثت سرائرهم وعميت بصائرهم وعظمت عند الله جرائمهم ~~فخذهم بالتوبة التي تطهر أهلها وتجب ما قبلها وليست التوبة عبارة عن ذكرى ~~اللسان والقلب لاه في قبضة النسيان بل هي عبارة عن الندم على ما فات ~~واستئناف الإخلاص فيما ما هو آت وقد جعل الله التائب من أحبابه ووصفه في ~~مواضع كثيرة من كتابه ومن فضله أن الملائكة يستغفرون لذنبه ويشفعون له إلى ~~ربه فإن أبت هذه الطوائف إلا إصرارا ولم يزدهم دعاؤك إلا فرارا فاعلم أن ~~الله قد طبع على قلوبهم طبعا وألحقهم بالذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره ~~وكانوا لا يستطيعون سمعا فخذهم عند ذلك بحد الجلد فإن لم ينجع فبحد ذوات ~~الحدفإن هذه أمراض عمى لا ترجى لها الإفاقة ولا تبريء منها إلا الدماء ~~المراقة # وأما الفرقة المدعوة بالرافضة التي هي لما رفعه الله خافضة فإنهم أناس ~~ليس لهم من الدين إلا اسمه ولا من الإسلام إلا رسمه وإذا نقب عن مذهبهم وجد ~~على العصبية موضوعا ولغير ما شرعه الله ورسوله مشروعا ذبوا عن علي رضي الله ~~عنه فأسلموه وأخروه إذ قدموه وهؤلاء وضعوا أحاديث فنقلوها وأولوها على ما ~~أولوها فتبع الآخر منهم الأول على غمة وقالوا إنا وجدنا آبائنا على أمة ~~وههنا غير ما ذكرناه من عقائد محلولة ومذاهب غير منقولة ولا مقبولة وبالهدي ~~يتبين طريق الضلال وبالصحة يظهر أثر الاعتلال ولا عقيدة إلا عقيدة السنة ~~والكتاب ولا دين إلا دين العجائز الماء والمحراب # وإذا فرغنا من الوصية ms396 بالأصول التي هي للدين ملاك فلنتبعها بالفروع التي ~~هي له مساك وأول ذلك الصلاة وهي في مباني الإسلام الخمس أوكد خمسه ~~PageV02P138 وآخر ما وصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مفارقة نفسه ~~ومن فضلها أنها العمل الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر ولا عذر في تركها لأحد ~~من الناس فيقال إنه يعذر فاجمع الناس إليها واحملهم عليها ومرهم بالاجتماع ~~لها في المساجد وناد فيهم بفضيلة صلاة الجماعة على صلاة واحد وراقبهم عند ~~أوقات الأذان في الأسواق التي هي معركة الشيطانفمن شغل بتثمير مكسبه ولها ~~عنها بالإقبال على لهوه ولعبهفخذه بالآلة العمرية التي تضع من قدره وتذيقه ~~وبال أمره ولا يمنعك عن ذي هيبة هيبته ولا عن ذي شيبة شيبته فإنما أهلك ~~الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف ~~أقاموا عليه الحد ومن مهمات الصلاة يوم الجمعة الذي هو في الأيام بمنزلة ~~الأعياد في الأعوام وفيه الساعة المخصوصة بالدعاء المجاب التي ما صادفها ~~عبد إلا ظفر بالطلاب فمر الناس بابتداره في البواكر والفوز فيه بقربان ~~البدنات الأخايرفإنه اليوم الذي لم تطلع الشمس على مثله وبه فضل هذا الدين ~~على أهل الكتاب من قبله فهو واسطة عقد الأيام السبعة ولاشتماله على مجموع ~~فضلها سمي يوم الجمعة وفي الأعوام مواسم لصلوات مخصوصة كالتراويح في شهر ~~رمضان والرغائب في أول جمعة من رجب وليلة النصف من شعبان فلتملأ المساجد في ~~هذه المواسم التي تكثر فيها شهادات الأقلام في كتب الطاعات ومحو الآثام ومن ~~حضرها وليس همه إلا أن يمر بها طروقا ويواعد إليه أخدانه رفثا أو ~~فسوقافهؤلاء هم الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فابعث عليهم ~~قوما يسلبونهم سلبا ويوجعونهم ضربا ويملئون عيونهم مهابة وقلوبهم رعبا ~~فبيوت الله مطهرة من هذه الأدناس ولم تعمر لشياطين الإنس وإنما عمرت للناس ~~فلا يحضرها إلا راكع وساجد أو ذاكر وحامد # وههنا عظيمة عضيهة وفاحشة يفقه لها من ليست نفسه بفقيهة وهي الربا فإنه ~~قد كثر أكله وتظاهر به فاعله وقال ms397 فساق الفقهاء بتأويله وتوصلوا إلى شبهه ~~تحليليه ولا يتسارع إلى ذلك إلا من أعمى الله قلبه ومحق كسبه قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها ~~وأكلوا أثمانها ) ونحن نأمرك PageV02P139 أن تشمر في هذا الأمر تشميرا ~~يرهبه الناس ولا تدع ربا حتى تضعه وأول ربا تضعه ربا العباس فتأديب الكبير ~~قاض بتهذيب الصغير والأسوة بالرفيع خلاف الأسوة بالنظير وجل معاملة الربا ~~تجري في سوق الصرف الذي تختلف به النقود وتفترض فيه العقود ويخاض في نار ~~نيره إلى النار ذات الوقود وبه قوم أوسعوا عيون الموازين غمزا وألسنتها ~~همزا ولمزا وأصبح الدرهم والدينار عندهم بمنزلة الصنمين اللات والعزى ولا ~~يرى منهم إلا من الحرص مفاض على ثيابه وقد جمع بين المعرفة بالحرام والهجوم ~~على ارتكابه فعدل ميل هؤلاء تعديلا وتخولهم على مرور الأيام تخويلا واعلم ~~أنك قد وليت من الكيل والميزان أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة فباشرهما ~~بيدك مباشرة الاختيار والاختبار ولا تقل أهلهما عثرة فإن الإقالة لا تنهى ~~عن العثار وكل هؤلاء من سواد الناس ممن لم يزك غرسه ولا فقهت نفسه وليس همه ~~إلا فرجه أو ضرسه فخذهم بآلة التعزيز التي هي نزاعة للشوى تدعو من أدبر ~~وتولى ومن آثارها أنها ترج أرض الرأس رجا وتفرج سماءه فرجا ويسلك بصاحبه ~~هديا ونهجا # وقد كثر في الأسواق الخلابة والنجس وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي ~~وتنفيق السلعة باليمين الكذابة وكل هذه من المحظورات التي وردت الأخبار ~~النبوية بيانها والنهي عن تورد مكانها فمن قارف شيئا منها جاهلا بتحريمه ~~فقومه بالتعليم واهده إلى الصراط المستقيم ومن عرف ما اقترف فأذقه حر ~~التأديب قبل أن يذاق غدا حر التعذيب وأعلمه أن الأرزاق بيد الله تعالى لا ~~ينقصها عجز القاعد ولا يزيدها حرص الكادح وقد ينقلب الجاهد فيها بصفقة ~~الخاسر والوداع بصفقة الرابح ومن سنة الله تعالى أن ينمي الحلال وإن كان ~~يسيرا ويمحق الحرام وإن كان كثيرا ومن الناس من آتاه الله مالا فبث في ~~الأسواق جنود ms398 ذهبه وورقه واحتكر ما حمله الميزان من ذوات رطله ووسعه الكيل ~~من ذوات وسقه فأصبح فقراء بلده في ضيق من عدم الرفق ومدد الرزق فلمنع هؤلاء ~~أن يجعلوا رزق الله محتكرا PageV02P140 و معاش عباده محتجرا وليؤمروا بأن ~~يتراحموا ولا يتزاحموا وأن يأخذ الغني منهم بقدر الكفاف ويترك للفقير ما ~~يعينه على الإسعاف قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا حكرة في سوقنا لا ~~يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من أرزاق الله تعالى ينزل بساحتنا ~~فيحتكرونه علينا ولكن أيما جالبا جلب على عمود كبده فذلك ضيف عمر فليبع كيف ~~شاء الله وليمسك كيف شاء الله وأما التسعير فإنه وإن آثره القاطنون وحكم به ~~القاسطون وقيل إن في ذلك للفقير تيسير العسيرفليس لأحد أن يكون يد الله في ~~حفظ ما رفع وبذل ما منع فقف أنت حيث أوقفك حكم الحق ودع ما يعن من مصلحة ~~الخلق ولا تكن ممن اتبع الرأي والنظر وترك الآية والخبر فحكمة الله مطوية ~~فيما يأمر به على ألسنة رسله وليست مما يستنبطه ذو العلم بعلمه ولا يستدل ~~عليه ذو العقل بعقله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # ومما نأمرك به أن تمحو الصغيرة كما تمحو الكبيرة فإن لمم الذنوب كالقطر ~~يصير مجتمعه سيلا متدفقا وكان أوله قطرا متفرقا # وقد استمر في الناس عوائد تهاونوا باستمرارها ولم ينظروا إلى ثقل أوزارها ~~فمن ذلك لبس الذهب والحرير الذي لم يلبسه إلا من عدم عند الله خلاقا وإن ~~قيل إنه شعار للغني فلم يزد صاحبه من الحسنات إلا إملاقا وللبس عباءة مع ~~التقوى أحسن في العيون شعارا وأعظم في الصدور وقارا ويلتحق بهذه المعصية ~~صوغ الذهب والفضة آنية يمنع منها حق الصدقات وهو حق يقاتل مانعه ويعصى في ~~استعمالها أمر الله وهو حد من حدوده يعاقب عاصيه ويثاب طائعه وكذلك يجري ~~الحكم في الصور المرقومة في البيوت والثياب وعلى الستور المغلقة على ~~الأبواب وإخراجها في ضروب أشكال الحيوان لملاعبة الصبيان وذلك مماثلة ms399 لخلق ~~الله في التقدير ولهذا يؤمر صانعه بنفخ الروح فيما صوره من التصوير # ومما يغلظ نكيره إطالة الذيول للاجترار والمباهاة لما فيها من عنجهية ~~التيه والاستكبار ولن يخرق صاحبها الأرض بإعجابه ولا يبلغ طول الجبال ~~بإطالة PageV02P141 ثيابه قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله لا ينظر ~~يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء ) # ومما هو أشد نكيرا أمر الحمامات فإن الناس قد أصروا بها على الإجهار وترك ~~الاستتار والتهاون بأمر العورات التي لصاحبها اللعنة وله سوء الدار والنساء ~~في هذا المقام أشد تهالكا من الرجال وقد ابتذلن أنفسهن حتى أفرطن في فاحشة ~~الابتذال ولهن محدثات من المنكر أحدثها كثرة الإرفاه والإتراف وأهمل ~~إنكارها حتى سرت في الأوساط والأطراف وقد أحدثن الآن من الملابس ما لم يخطر ~~للشيطان في حساب وتلك من لباس الشهرة الذي لا يستر منه إسبال مرط ولا إدناء ~~جلباب ومن جملتها أنهن يعتصبن عصائب كأمثال الأسنمة ويخرجن من جهارة ~~أشكالها في الصور المعلمة وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فيما ~~ورد عنه من الأخبار وجعل صاحبها معدودا من زمرة أصحاب النار # ومما حيد فيه عن السنن قراءة القرآن بضروب الألحان وتلك قراءة تخرج ~~حروفها من غير مخرج وتبدو معوجة وهو قرآن عربي غير ذي عوج وقد أمر الله ~~بترتيله وإيراده على هيئة تنزيله فمن قرأه بالترجيع والترديد وزلزل حروفه ~~بالتمطيط والتمديد وقد ألحقه بدرجات الأغاني وذهب بما فيه من طلاوة الألفاظ ~~والمعاني قال النبي صلى الله عليه وسلم ( اقرءوا القرآن بلحون العرب ~~وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق ولحون أهل الكتابين وسيجيء بعدي قوم ~~يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب ~~الذين يعجبهم شأنهم ) ويلتحق بذلك اقتناء القينات المغنيات اللاتي يلعبن ~~بالعقول لعبهن بالأسماع ويغنين الشيطان بغنائهن عن بث الجنود والأشياع ~~وفتيا النفس الأمارة في ذلك أن تقول هؤلاء إماء يحل نغمة سماعهن كما يحل ما ~~تحت قناعهن وقد علم أن لكل شيء نماما وقد ينقلب الحلال فيصير حراما ومن ms400 حام ~~حول الحمى يوشك أن يقع فيه قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تبيعوا ~~القينات المغنيات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن ~~حرام ) وفي مثل هذا أنزلت @QB@ ومن الناس من يشتري لهو الحديث @QE@ وكذلك ~~يجري الحكم في المواشط اللاتي يجعلن الحسن موفورا والقبح مستورا ويخدعن نظر ~~الناظر حتى يجعلنه مسحورا فهن يبدين PageV02P142 صدقا من كذب وجدا من لعب ~~وفعلهن هذا من الغش الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وقال إنه ~~ليس منه وقد لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة ~~والمستوشرة ومن غش المنكرات أيضا خضاب الشيب الذي يخالف فيه الظاهر الباطن ~~ويتخلق صاحبه بخلق الكاذب الخائن وهب أنه أخفى لون شعره وهل يخفي أخلاق ~~لباسه وإذا استسن ملائم المرء فلا يغنيه سواد عارضه ولا سواد رأسه وقد جعل ~~الله الشيب من نعمه المبشرة بطول الأعمار وسماه نورا للونه وهدايته ولا ~~تستوي الظلمات والأنوار قال النبي صلى الله عليه وسلم الشيب أن يشتغل ~~بتغيير صيغة الكتاب ويدأب في محو سواد العقاب ببياض الثواب ففي بقية عمره ~~مندوحة لادخار ما يحمد ذخره وتبديل ما تقدم سطره # ومما خولفت فيه السنة عقد مجالس التعازي لحضور الناس وإظهار شعار الأسود ~~والأزرق من اللباس والتشبيه بالجاهلية في النوح والندب ومجاوزة دمع العين ~~وخشوع القلب إلى الإعلان بإسخاط الرب وقد تواطأ النساء على ضرب الخيام على ~~القبور وجعل الأعياد مواسم لاجتماع الزائر والمزور فصارت المآتم بينهم ~~ولائم والمنادب عندهم مآدب وربما نشأ من ذلك ما يغض طرفا ويجدعوا أنفا ~~ويوجب حدا وقذفا # وهكذا أهمل أمر الإسلام في تشبيه أهل الذمة بأهله وما كانوا ليشابهوه في ~~زي غرته ويخالفوه في سلوك سبله ولا بد من الغيار بأن يشد النصراني عقدة ~~زناره ويصفر اليهودي أعلى إزاره وليمنعوا من الظاهر بطغيان النعمة وعلو ~~الهمة ويؤمروا بالوقوف عندما حكم عليهم من الأحكام وأخذوا فيه بالاختفاء ~~والاكتتام فخمورهم تستر وشعائر دينهم لا تظهر وموتاهم تقبر بالخمول قبل أن ~~تقبر فلا يوقد خلف ميتهم ms401 مصباح ولا يتبع بندب ولا صياح PageV02P143 ومما ~~عرف الناس منكره إثارة التحريش بين الحيوانات وهي ذوات أكباد رطبة وأخلاق ~~صعبة وما منها إلا ما يحل أكله ولا يحل قتله كالكبش والحجلة والديك ~~والسماني وما أشبهها وقد أكثر الناس من اقتنائها والمواظبة على إضرام ~~شحنائها ولربما نشأ من ذلك فتنة تؤل إلى ضراب وشق ثياب وإحداث شجاج وإثارة ~~عجاج وتحزب إلى أحزاب كثيرة وأفواج # ويتصل بهذه المنكرات المذكورة أشياء أخرى تجري مجراها في التقديم وتتنزل ~~منزلتها في التحريم فاحكم فيها بحكمك وامضي في شبهاتها بدليل علمك ونب عنا ~~في التذكير والتحذير والتعريف والتنكيرحتى يتقوم الأود ويتضح الرشد ويمكث ~~في الأرض ما ينفع ويذهب الزبد وليكن عملك لله الذي يسمع ويرى وله ما في ~~السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى # واعلم أن الأمر بالمعروف عبادة يتعدى نفع صاحبها إلى غيره وتستضيف خير ~~المأمور بها إلى خيره وهي الجهاد الأكبر الذي تقاتل فيه عواصي النفوس وتضرب ~~به رءوس الشهوات التي هي أمنع من معاقد الرءوس فقتيله يحيا بقتله وجريحه ~~يوسي بجراحة نصله وبمثل هذا الجهاد تستنزل أمداد النعم مضعفة كما تستنزل ~~أمداد النصر مردفة فأقدم عليه ذا عزم باتر وطرف ساهر وقدم ثابت صابرحتى تظل ~~لمعاقل الشيطان فاتحا وتكون فيمن دعا إلى الله وعمل صالحا # واعلم أنك في صبيحة كل يوم يبتدرك الملك والشيطان وكل منهما يقول يأيها ~~الإنسان فإن أجبت نداء الملك كتبك في زمرة من مهد لجنبه وخاف مقام ربه وعرج ~~بك إلى الله طيبا نشره مضاعفا أجره وإن أجبت نداء الشيطان كتبك في زمرة من ~~أغواه وقرنك بمن أغفل الله قلبه واتبع هواه ثم نزل به إلى الأرض خبيثا ~~مخبثا وأقبل به على إخوانه من الشياطين محدثا # وهذا آخر ما عهدناه إليك من العهد الذي طوقت اليوم بكتابه وستناقش غدا ~~على حسابه وكما جعلناه لك في الدنيا ذكرا فاجعله لك في الآخرة ذخرا إن شاء ~~الله تعالى والسلام # وهذا الذي ذكرته في هذين من الكتاب والتقليد يتضمن ms402 إطنابا مستوفى ~~PageV02P144 الأقسام ولولا خوف الإطالة التي لا حاجة إليها لأوردت قصائد من ~~الشعر أيضا حتى لا يخلو الموضع من ضرب أمثلة من المنظوم والمنثور لكن في ~~الذي ذكرته كفاية لمن يحمله على أشباهه ونظائره # فإن قيل إن الإطناب في الكلام وضعتموه اسما على غير مسمى فإن الكلام لا ~~يخلو من حالين إما ألا يزيد لفظه على معناه وهو الإيجاز أو يزيد لفظه على ~~معناه وهو التطويل وليس ههنا قسم ثالث فما الإطناب إذا # قلت في الجواب اعلم أن الإيجاز هو ضد التطويل كما أن السواد ضد البياض ~~غير أن بين الضدين مراتب ومنازل ليست أضدادا فالإطناب لا إيجاز هو ولا ~~تطويل كما أن الحمرة أو الخضرة ليست بياضا ولا سوادا وقد قدمنا القول أن ~~الإطناب يأتي في الكلام مؤكدا كالذي يأتي بزيادة التصوير للمعنى المقصود ~~إما حقيقة وإما مجازا والتطويل ليس كذلك فإنه التعبير عن المعنى بلفظ زائد ~~عليه يفهم ذلك المعنى بدونه فإذا حذفت تلك الزيادة بقي المعنى المعبر عنه ~~على حاله لم يتغير منه شيء وهذا بخلاف الإطناب فإنه إذا حذفت منه تلك ~~الزيادة المؤكدة للمعنى تغير ذلك المعنى وزال ذلك التأكيد عنه وذهبت فائدة ~~التصوير والتخييل التي تفيد السامع ما لم يكن إلا بها ألا ترى إلى قوله ~~تعالى @QB@ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ ~~وهذا لا يسمى إيجازا لأنه أتى فيه بزيادة لفظ وهو ذكر الصدور وقد علم أن ~~القلوب لا تكون إلا في الصدور ولا يسمى تطويلا لأن التطويل لا فائدة فيه ~~أصلا وهذا فيه فائدة وهي ما أشرنا إليه وكذلك باقي أقسام الإطناب التي ~~نبهناه عليها وهذا لا نزاع فيه PageV02P145 # | النوع السابع عشر # # | في التكرير # قد تقدم الكلام في صدر كتابي هذا على تكرار الحروف وما أشبه ذلك مما ~~يختلط بهذا النوع الذي هو تكرار المعاني والألفاظ # واعلم أن هذا النوع من مقاتل علم البيان وهو دقيق المأخذ # وحده هو دلالة اللفظ على المعنى مرددا وربما اشتبه على أكثر ms403 الناس ~~بالإطناب مرة وبالتطويل أخرى وقد تقدم الكلام على الفرق بين هذه الأنواع ~~الثلاثة في باب الإطناب فلا حاجة إلى إعادته ههنا وأما التكرير فقد عرفتكه # وهو ينقسم قسمين أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى والآخر يوجد في المعنى دون ~~اللفظ # فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى فكقولك لمن تستدعيه أسرع أسرع ومنه قول ~~أبي الطيب المتنبي # ( ولم أر مثل جيراني ومثلي % لمثلي عند مثلهم مقام ) # وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك أطعني ولا تعصني فإن الأمر ~~بالطاعة نهي عن المعصية # وكل من هذين القسمين ينقسم إلى مفيد وغير مفيد ولا أعني بالمفيد ههنا ما ~~يعنيه النحاة فإنه عندهم عبارة عن اللفظ المركبإما من الاسم مع الاسم بشرط ~~أن يكون للأول بالثاني علاقة معنى يسع مكلفا جهله وإما من الاسم مع ~~PageV02P146 الفعل التام المتصرف على هذا الشرط أيضا وإما من حرف النداء مع ~~الاسم فهذا هو المفيد عند النحاة وأنا لم اقصد ذلك ههنا بل مقصودي من ~~المفيد أن يأتي لمعنى وغير المفيد أن يأتي لغير معنى # واعلم أن المفيد من التكرير يأتي في الكلام تأكيدا له وتشيدا من أمره ~~وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشيء الذي كررت فيه كلامك إما مبالغة ~~في مدحه أو ذمه أو غير ذلك ولا يأتي إلا في أحد طرفي الشيء المقصود بالذكر ~~والوسط عار منه ولأن أحد الطرفين هو المقصود بالمبالغة إما بمدح أو ذم أو ~~غيرهما والوسط ليس من شرط المبالغة وغير المفيد لا يأتي في الكلام إلا عيا ~~وخطلا من غير حاجة إليه # فأما الأول _ وهو الذي يوجد في اللفظ والمعنى _ فإنه ينقسم إلى ضربين ~~مفيد وغير مفيد # فالأول المفيد وهو فرعان الأول إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على ~~معنى واحد والمقصود به غرضان مختلفان كقوله تعالى @QB@ وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق ~~الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره ms404 المجرمون ~~@QE@ هذا تكرير في اللفظ والمعنى وهو قوله @QB@ يحق الحق @QE@ و @QB@ ليحق ~~الحق @QE@ إنما جيء به ههنا لاختلاف المراد وذاك أن الأول تمييز بين ~~الإرادتين والثاني بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكه على غيرها ~~وأنه ما نصرهم وخذل أولئك إلا لهذا الغرض # ومن هذا الباب قوله تعالى @QB@ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ~~وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل ~~الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه @QE@ فكرر قوله تعالى ~~@QB@ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين @QE@ وقوله @QB@ قل الله ~~أعبد مخلصا له ديني @QE@ والمراد به غرضان مختلفان و ذلك أن الأول إخبار ~~بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة PageV02P147 والإخلاص في دينه والثاني ~~إخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره بعبادته مخلصا له دينه ولدلالته على ذلك ~~قدم المعبود على فعل العبادة في الثاني وأخره في الأول لأن الكلام أولا ~~واقع في الفعل نفسه وإيجاده وثانيا فيمن يفعل من أجله ولذلك رتب عليه @QB@ ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه @QE@ # وعليه ورد قوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا ~~كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك ~~الذين يؤمنون بالله ورسوله @QE@ وظاهر الأول والثاني أنهما سواء في المعنى ~~وليس كذلك لأن الثاني فيه تخصيص غير موجود في الأول ألا ترى أنا إذا قلنا ~~زيد الأفضل وقلنا الأفضل زيد كان في الثاني تخصيص له بالفضل وهذا التخصيص ~~لا يوجد في القول الأول الذي هو زيد الأفضل ويجوز أن تبدل صفة الفضل فيه ~~بغيرها أو بضدها فيقال زيد الأجمل أو زيد الأنقص وإذا قلنا الأفضل زيد وجب ~~تخصيصه بالفضل ولم يمكن تغييره عنه وكذلك يجري الحكم في هذه الآية فإن الله ~~تعالى قال @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله @QE@ ثم قال @QB@ ~~لم يذهبوا حتى يستأذنوه @QE@ فوصفهم بالامتناع عن الذهاب إلا بإذنه وهذه ~~صفة يجوز أن تبدل بغيرها من الصفات ms405 كما قال تعالى في موضع آخر @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا @QE@ فجاء بصفة غير تلك ~~الصفة ولما قال @QB@ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~@QE@ وجب تخصيصهم بذلك الوصف دون غيره وهذا موضع حسن في تكرير المعاني # ومما يعد من هذا الباب قوله تعالى @QB@ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما ~~تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد لكم دينكم ولي دين @QE@ وقد ظن قوم أن هذه الآية تكرير لا فائدة فيه ~~وليس الأمر كذلك فإن معنى قوله @QB@ لا أعبد @QE@ يعني في المستقبل من ~~عبادة آلهتكم وإلا أنتم فاعلون فيه ما أطلبه منكم من عبادة إلهي @QB@ ولا ~~أنا عابد ما عبدتم @QE@ أي وما كنت عابدا قط فيما سلف ما عبدتم فيه يعني ~~أنه لم يعهد مني عبادة صنم في الجاهلية في وقت PageV02P148 ا فكيف يرجى ذلك ~~مني في الإسلام @QB@ ولا أنتم عابدون @QE@ في الماضي في وقت ما ما أنا على ~~عبادته الآن # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى @QB@ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ~~رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين @QE@ فكرر @QB@ الرحمن الرحيم ~~@QE@ مرتين والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا والثاني يتعلق بأمر ~~الآخرة فما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كل منهم ~~على أكمل صفة وأعطاه جميع ما يحتاج إليه حتى البقة والذباب وقد يرجع إلى ~~غير الخلق كإدرار الأرزاق وغيرها وأما ما يتعلق بأمر الآخرة فهو إشارة إلى ~~الرحمة الثانية في يوم القيامة الذي هو يوم الدين # وبالجملة فاعلم أنه ليس في القرآن مكرر لا فائدة في تكريره فإن رأيت شيئا ~~منه تكرر من حيث الظاهر فأنعم نظرك فيهفانظر إلى سوابقه ولواحقهلتنكشف لك ~~الفائدة منه # ومما ورد في القرآن الكريم مكررا قوله تعالى @QB@ كذبت قوم نوح المرسلين ~~إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون ~~@QE@ فكرر واحد منهما لعلة فجعل الأول ms406 كونه أمينا فيما بينهم وجعل علة ~~الثاني حسم طمعه عنهم وخلوه من الأغراض فيما يدعوهم إليه # من هذا النحو قوله تعالى @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ~~وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ~~@QE@ وإنما كرر تكذيبهم ههنا لأنه لم يأت به على أسلوب واحد بل تنوع فيه ~~بضروب من الصنعة فذكره أولا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام ثم جاء ~~بالجملة الاستثنائية فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم ~~إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد ~~إبهامه والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولا وبالاستثنائية ثانيا وما في ~~الاستثناء من الوضع PageV02P149 على وجه التوكيد والتخصيص المبالغة المسجلة ~~عليهم باستحقاق أشد العذاب وأبلغه # وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى حسن غامض وبه تعريف موقع التكرير والفرق ~~بينه وبين غيره فافهمه إن شاء الله تعالى # الفرع الثاني من الضرب الأول إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على ~~معنى واحد والمراد به غرض واحد كقوله تعالى @QB@ فقتل كيف قدر ثم قتل كيف ~~قدر @QE@ والتكرير دلالة على التعجب من تقديره وإصابته الغرض وهذا كما يقال ~~قتله الله ما أشجعه أو ما أشعره وعليه ورد قوله الشاعر # ( ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي % ) وهذا مبالغة في الدعاء لها ~~بالسلامة وكل هذا يجاء به لتقرير المعنى المراد وإثباته # وعليه ورد الحديث النبوي وذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن بني ~~هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليا فلا آذن ثم لا آذن ثم لا ~~آذن إلا أن يطلق علي أبنتي وينكح ابنتهم ) فقوله ( لا آذن ثم لا آذن ثم لا ~~آذن ) من التكرير الذي هو أشد موقعا من الإيجاز لانصباب العناية إلى تأكيد ~~القول في منع علي رضي الله عنه من التزوج بابنة أبي جهل بن هشام # وهذا مثل قوله تعالى @QB@ أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى @QE@ ومن أجل ~~ذلك نقول لا إله ms407 إلا الله وحده لا شريك له لأن قولنا ( لا إله إلا الله ) ~~مثل قولنا ( وحده لا شريك له ) وهما في المعنى سواءوإنما كررنا القول فيه ~~لتقرير المعنى وإثباته وذاك لأن من الناس من يخالف فيه كالنصارى والثنوية ~~والتكرير في مثل هذا المقام أبلغ من الإيجاز وأحسن وأسد موقعا # ومما جاء في مثل هذا قوله تعالى @QB@ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ~~فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب ~~به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من ~~قبله لمبلسين @QE@ PageV02P150 ) فقوله @QB@ من قبله @QE@ بعد قوله @QB@ من ~~قبل @QE@ فيه دلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول فاستحكم بأسهم ~~وتمادى إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك # وعلى ذلك ورد قوله تعالى @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق @QE@ فقوله @QB@ ~~لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ يقوم مقام قوله @QB@ ولا يدينون دين ~~الحق @QE@ لأن من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يدين دين الحق وإنما ~~كرر ههنا للخطب على المأمور بقتالهم والتسجيل عليهم بالذم ورجمهم بالعظائم ~~ليكون ذلك أدعى لوجوب قتالهم وحربهم وقد قلنا إن التكرير إنما يأتي لما أهم ~~من الأمر الذي بصرف العناية إليه يثبت ويتقرر # كذلك ورد قوله تعالى @QB@ وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي ~~خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون @QE@ فتكرير لفظه @QB@ أولئك @QE@ من هذا الباب الذي ~~أشرنا إليهلمكان شدة النكير وإغلاظ العقاب بسبب إنكارهم البعث # وعلى هذا ورد قوله تعالى @QB@ أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة ~~هم الأخسرون @QE@ فإنه إنما تكررت لفظة @QB@ هم @QE@ للإيذان بتحقيق الخسار ~~و الأصل فيها وهم في الآخرة الأخسرونلكن لما أريد تأكيد ذلك جيء بتكرير هذه ~~اللفظة المشار اليها # كذلك قوله تعالى @QB@ فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها @QE@ # أمثال هذا في ms408 القرآن كثير # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة القصص @QB@ فأصبح في المدينة خائفا يترقب ~~فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين فلما أن أراد ~~أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس @QE@ PageV02P151 ) فقوله تعالى @QB@ فلما أن أراد أن يبطش @QE@ ~~بتكرير أن مرتين دليل على أن موسى عليه السلام لم تكن مسارعته إلى قتل ~~الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول بل كان عنده إبطاء في بسط يده إليه ~~فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى @QB@ فلما أن أراد أن يبطش @QE@ # وجرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية فقال إن أن الأولى ~~زائدة ولو حذفت فقيل فلما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء ألا ترى إلى قوله ~~تعالى @QB@ فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه @QE@ وقد اتفق النحاة على أن ~~أن الواردة بعد لما وقبل الفعل زائدة فقلت له النحاة لا فتيا لهم في مواقع ~~الفصاحة والبلاغة ولا عندهم معرفة بأسرارهما من حيث إنهم نحاة ولا شك أنهم ~~وجدوا أن ترد بعد لما وقبل الفعل في القرآن الكريم وفي كلام فصحاء العرب ~~فظنوا أن المعنى بوجودها كالمعنى إذا أسقطت فقالوا هذه زائدة وليس الأمر ~~كذلك بل إذا وردت لما وورد الفعل بعدها بإسقاط أن دل ذلك على الفور وأذا لم ~~تسقط لم يدلنا ذلك على أن الفعل كان على الفور وإنما كان فيه تراخ وإبطاء # وبيان ذلك وجهين # أحدهما أني أقول فائدة وضع الألفاظ أن تكون أدلة على المعاني فإذا أوردت ~~لفظة من الألفاظ في كلام مشهود له بالفصاحة والبلاغة فالأولى أن تحمل تلك ~~اللفظة على معنى فإن لم يوجد لها معنى بعد التنقيب والتنقير والبحث الطويل ~~قيل هذه زائدة دخولها في الكلام كخروجها منه ولما نظرت أنا في هذه الآية ~~وجدت لفظة أنالواردة بعد لماوقبل الفعل دالة على معنى وإذا كانت دالة على ~~معنى فكيف يسوغ أن يقال إنها زائدة # فإن قيل إنها إذا كانت ms409 دالة على معنى فيجوز أن تكون دالة على غير ما أشرت ~~أنت إليه # قلت في الجواب إذا ثبت أنها دالة على معنى فالذي أشرت إليه معنى ~~PageV02P152 مناسب واقع في موقعه وإذا كان مناسبا واقعا في موقعه فقد حصل ~~المراد منه ودل الدليل حينئذ أنها ليست بزائدة # الوجه الآخر أن هذه اللفظة لو كانت زائدة لكان ذلك قدحا في كلام الله ~~تعالى وذاك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها والمعنى يتم ~~بدونها وحينئذ لا يكون كلامه معجزا إذ من شرط الإعجاز عدم التطويل الذي لا ~~حاجة إليه وإن التطويل عيب في الكلام فكيف يكون ما هو عيب في الكلام من باب ~~الإعجاز هذا محال # وأما قوله تعالى @QB@ فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه @QE@ فإنه إذا ~~نظر في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته منذ ألقوه في الجب وإلى أن جاء ~~البشير إلى أبيه عليه السلام وجد أنه كان ثم إبطاء بعيد وقد اختلف المفسرون ~~في طول تلك المدة ولو لم يكن ثم مدة بعيدة وأمد متطاول لما جيء بأن بعد لما ~~وقبل الفعل بل كانت تكون الآية فلما جاء البشير ألقاه على وجهه # وهذه دقائق ورموز لا تؤخذ من النحاة لأنها ليست من شأنهم # واعلم أن من هذا النوع قسما يكون المعنى فيه مضافا إلى نفسه مع اختلاف ~~اللفظ وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة وقد ورد في القرآن الكريم واستعمل في ~~فصيح الكلام # فمنه قوله تعالى @QB@ والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من ~~رجز أليم @QE@ والرجز هو العذاب # وعليه ورد قول أبي تمام # ( نهوض بثقل العبء مضطلع به % وإن عظمت فيه الخطوب وجلت ) PageV02P153 ~~والثقل هو العبء والعبء هو الثقل وكذلك ورد قول البحتري # ( ويوم تثنت للوداع وسلمت % بعينين موصول بلحظهما السحر ) # ( توهمتها ألوى بأجفانها الكرى % كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر ) فإن ~~الكرى هو النوم # وربما أشكل هذا الموضع على كثير من متعاطي هذه الصناعة وظنوه مما لا ~~فائدة فيه وليس كذلك بل الفائدة ms410 فيه هي التأكيد للمعنى المقصود والمبالغة ~~فيه # أما الآية فالمراد بقوله تعالى @QB@ عذاب من رجز @QE@ أي عذاب مضاعف من ~~عذاب # وأما بيت أبي تمام فإنه تضمن المبالغة في وصف الممدوح بحمله للأثقال # وأما بيت البحتري فإنه أراد أن يشبه طرفها لفتوره بالنائم فكرر المعنى ~~فيه على طريق المضاف والمضاف إليه تأكيدا له وزيادة في بيانه # وهذا الموضع لم ينبه عليه أحد سواي # ولربما أدخل في التكوير من هذا النوع ما ليس منه وهو موضع لم ينبه عليه ~~أيضا أحد سواي # فمنه قوله تعالى @QB@ ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم @QE@ فلما تكرر @QB@ إن ربك ~~@QE@ مرتين علم أن ذلك أدل على المغفرة PageV02P154 # وكذلك قوله تعالى @QB@ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم @QE@ # ومثل قوله تعالى @QB@ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا ~~بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب @QE@ # وهذه الآيات يظن أنها من باب التكرير وليست كذلك وقد أنعمت نظري فيها ~~فرأيتها خارجة عن حكم التكرير وذاك أنه إذا طال الفصل من الكلام وكان أوله ~~يفتقر إلى تمام لا يفهم إلا به فالأولى في باب الفصاحة أن يعاد لفظ الأول ~~مرة ثانية ليكون مقارنا لتمام الفصل كي لا يجيء الكلام منثورا لا سيما في ~~إن وأخواتهافإذا وردت إن وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام ~~فإعادة إن أحسن في حكم البلاغة والفصاحة كالذي تقدم من هذه الآيات # وعليه ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة # ( أسجنا وقيدا واشتياقا وغربة % ونأي حبيب إن ذا لعظيم ) # ( وإن امرأ دامت مواثيق عهده % على مثل هذا إنه لكريم ) # فإنه لما طال الكلام بين اسم إن وخبرها أعيدت إن مرة ثانية لأن تقدير ~~الكلام وإن أمرا دامت مواثيق عهده على مثل هذا لكريم لكن بين الاسم والخبر ~~مدى طويل فإذا لم تعد إن مرة ثانية لم يأت على الكلام ms411 بهجة ولا رونق وهذا ~~لا يتنبه لاستعماله إلا الفصحاء إما طبعا وإما علما # وكذلك يجري الأمر إذا كان خبر إن عاملا في معمول يطول ذكره فإن إعادة ~~الخبر ثانية هو الأحسن # وعلى هذا جاء قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام @QB@ إذ قال يوسف ~~لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين @QE@ ~~فلما PageV02P155 PageV02P156 قال @QB@ إني رأيت @QE@ ثم طال الفصل كان ~~الأحسن أن يعيد لفظ الرؤية فيقول @QB@ رأيتهم لي ساجدين @QE@ # وكذلك جاءت الآية المذكورة ههنا قبل هذه وهي قوله تعالى @QB@ لا تحسبن ~~الذين يفرحون بما أتوا @QE@ فإنه لما طال الفصل أعاد قوله @QB@ فلا تحسبنهم ~~بمفازة من العذاب @QE@ فاعلم ذلك وضع يدك عليه # وكذلك الآية التي قبلها وهي قوله تعالى @QB@ ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهالة @QE@ # وكذلك الآية الأخرى وهي @QB@ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ~~@QE@ # ومن باب التكرير في اللفظ والمعنى الدال على معنى واحد قوله عز وجل @QB@ ~~وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة ~~الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار @QE@ فإنه إنما كرر نداء قومه ههنا ~~لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة الغفلة ولأنهم قومه وعشيرته وهم فيما ~~يوبقهم من الضلال وهو يعلم وجه خلاصهم ونصيحتهم عليه واجبه فهو يتحزن لهم ~~ويتلطف بهم ويستدعي بذلك ألا يتهموه فإن سرورهم سروره وغمهم غمه وأن ينزلوا ~~على نصيحته لهم وهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز وأسد موقعا من ~~الإختصارفاعرفه إن شاء الله تعالى # وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر @QB@ فذوقوا عذابي ونذر ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر @QE@ فإنه قد تكرر ذلك في السورة كثيرا ~~وفائدته أن يجددوا عنه استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا وإيقاظا وأن ~~يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث إليه وأن تقرع لهم ~~العصا مرات لئلا يغلبهم السهو وتستولي عليهم الغفلة # وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن @QB@ فبأي ms412 آلاء ربكما ~~تكذبان @QE@ وذلك عند كل نعمة عددها على عباده PageV02P156 # أمثال هذا في القرآن الكريم كثير ومما ورد من هذا النوع شعرا قول بعض ~~شعراء الحماسة # ( إلى معدن العز المؤثل والندى % هناك هناك الفضل و الخلق الجزل ) # فقوله ( هناك هناك ) من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجازلأنه في معرض ~~مدحفهو يقرر في نفس السامع ما عند الممدوح من هذه الأوصاف المذكورة مشيرا ~~إليهاكأنه قال أدلكم على معدن كذا وكذا ومقره ومفاده وكذلك ورد فول المساور ~~بن هند # ( جزى الله عني غالبا من عشيرة % إذا حدثان الدهر نابت نوائبه ) # ( فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت % علي وموج قد علتني غواربه ) فصدر البيت ~~الثاني وعجزه يدلان على معنى واحدلأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من ~~فوقهوإنما سوغ ذلك لأنه مقام مدح وإطراءالا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم ~~عند دثان دهره في التكريروفي قبالته لو كان القائل هاجيافأن الهجاء في هذا ~~كالمدح والتكرير إنما يحسن في كلا الطرفينلا في الوسط # واعلم أنه إذا وردت ( إن ) المكسورة المخففة بعد ( ما ) كانت بمعناها ~~سواءألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ إن هم إلا كالأنعام @QE@ فإن وما بمعنى ~~واحدوإذا أوردت من بعد ما كانت من باب التكريركقولنا ما إن يكون كذا وكذا ~~أي ما يكون كذا وكذاوإذا وردت في الكلام فإنما ترد في مثل ما أشرنا إليه من ~~التكريرفإن استعملت في غير ما يكون منها لفائدة ينتجها تكريرها كان ~~استعمالها لغوا لا فائدة فيه PageV02P157 # وقد زعم قوم من مدعي هذه الصناعة أن أبا الطيب المتنبي أتى في هذا البيت ~~بتكرير لا حاجة به إليه وهو قوله # ( العارض الهتن ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن % ) # وليس في هذا البيت من تكريرفإنه كقولك الموصوف بكذا وكذا ابن الموصوف ~~بكذا وكذا أي أنه عريق النسب في هذا الوصف # وقد ورد في الحديث النبوي مثل ذلككقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف ~~يوسف الصديق عليه السلام ( الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ~~بن يعقوب بن ms413 إسحاق بن إبراهيم ) # ولقد فاوضني في هذا البيت المشار إليه بعض علماء الأدب وأخذ يطعن فيه من ~~جهة تكراره فوقفته على مواضع الصواب منه وعرفته أنه كالخبر النبوي من جهة ~~المعنى سواء بسواء لكن لفظه ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه ~~فإن الألفاظ إذا كانت حسانا في حال انفرادها فإن استعمالها في حال التركيب ~~يزيدها حسنا على حسنها أو يذهب ذلك الحسن عنها وقد تقدم الكلام على ذلك في ~~المقالة الأولى من الصناعة اللفظية ولو تهيأ لأبي الطيب المتنبي أن يبدل ~~لفظه العارض بلفظه السحاب أوما ما يجري مجراها لكان أحسن وكذلك لفظه الهتن ~~فإنها ليست بمرضية في هذا الموضع على هذا الوجه ولفظة العارض وإن كانت قد ~~وردت في القرآن وهي لفظة حسنة فالفرق بين ورودها في القرآن الكريم وورودها ~~في هذا البيت الشعري ظاهر وقد تقدم الكلام على مثلها من آية وبيت لأبي ~~الطيب أيضا وهو في المقالة اللفظية عند الكلام على الألفاظ المفردة فليؤخذ ~~من هناك وكثيرا ما يقع الجهال في مثل هذه المواضع وهم الذين قيل لهم ~~PageV02P158 # ( وكذا كل أخي حذلقة % ما مشى في يابس إلا زلق ) # فترى أحدهم قد جمع نفسه وظن على جهله أنه عالم فيسرع في وصف كلام ~~بالإيجاز وكلام بالتطويل أو بالتكرير وإذا طولب بأن يبدي سببا لما ذكره لم ~~يوجد عنده من القول شيء إلا تحكما محضا صادرا عن جهل محض # الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى وهو غير المفيدفمن ذلك قول ~~مروان الأصغر # ( سقى الله نجدا والسلام على نجد % ويا حبذا نجد على النأي والبعد ) # ( نظرت إلى نجد وبغداد دونها % لعلي أرى نجدا وهيهات من نجد ) # وهذا من العي الضعيف فإنه كرر ذكر نجد في البيت الأول ثلاثا وفي البيت ~~الثاني ثلاثا ومراده في الأول الثناء على نجد وفي الثاني أنه تلفت إليها ~~ناظرا من بغداد وذلك مرمى بعيد وهذا المعنى لا يحتاج إلى مثل هذا التكرير ~~أما البيت الأول فيحمل على الجائز من التكرير لأنه ms414 مقام تشوق وتحرق وموجدة ~~بفراق نجد ولما كان كذلك أجيز فيه التكرير على انه قد كان يمكنه أن يصوغ ~~هذا المعنى الوارد في البيتين معا من غير أن يأتي بهذا التكرير المتتابع ست ~~مرات # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي نواس # ( أقمنا بها يوما ويوما وثالثا % ويوما له يوم الترحل خامس ) # ومراده من ذلك أنهم أقاموا بها أربعة أيام ويا عجبا له يأتي بمثل هذا ~~البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات العجيبة الحسن التي ~~تقدم ذكرها في باب الإيجاز وهي # ( ودار ندامى عطلوها وأدلجوا % ) PageV02P159 # ومن هذا الباب أيضا ما أوردناه في صدر هذا النوع وهو قول أبي الطيب ~~المتنبي # ( ولم أر مثل جيراني ومثلي % لمثلي عند مثلهم مقام ) # فهذا هو التكرير الفاحش الذي يؤثر في الكلام نقصا ألا ترى أنه يقول لم أر ~~مثل جيراني في سوء الجوار ولا مثلي في مصابرتهم ومقامي عندهم إلا انه قد ~~كرر هذا المعني في البيت مرتين # وعلى نحو من ذلك جاء قوله أيضا # ( وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشى % قلاقل عيس كلهن قلاقل ) # وأما القسم الثاني من التكرير وهو الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فذلك ~~ضربان مفيد وغير مفيد # الضرب الأول المفيد وهو فرعان # الأول إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين مختلفين وهو موضع من ~~التكرير مشكل لأنه يسبق إلى الوهم أنه تكرير يدل على معنى واحد # فمما جاء منه حديث حاطب بن أبي بلتعة في غزوة الفتح وذاك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب والزبير والمقداد رضي الله عنهم فقال ( ~~اذهبوا إلى روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فأتوني به ) قال علي رضي الله ~~عنه فخرجنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة وإذا فيها الظعينة فأخذنا ~~الكتاب من عقاصها وأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا هو من حاطب ~~بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض شأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال له ms415 ما هذا يا حاطب فقال يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت ~~امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة ~~تحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ ~~عندهم يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك PageV02P160 كفرا ولا ارتدادا عن ~~ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنه ~~قد صدقكم ) فقوله ما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد ~~الإسلام من التكرير الحسن وبعض الجهال يظنه تكريرا لا فائدة فيه فإن الكفر ~~والارتداد عن الدين سواء وكذلك الرضا بالكفر بعد الإسلام وليس كذلك والذي ~~يدل عليه اللفظ هو أني لم أفعل ذلك وأنا كافر أي باق على الكفر ولا مرتدا ~~أي أني كفرت بعد إسلامي ولا رضا بالكفر بعد الإسلام أي ولا إيثارا لجانب ~~الكفار على جانب المسلمين وهذا حسن في مكانه واقع في موقعه وقد يحمل ~~التكرير فيه على غير هذا الفرع الذي نحن بصدد ذكره ههنا وهو الذي يكون ~~التكرير فيه يدل على معنى واحد وسيأتي بيانه في الفرع الثاني الذي يلي هذا ~~الفرع الأول والذي يجوزه أن هذا المقام هو مقام اعتذار وتنصل عما رمي به من ~~تلك القارعة العظيمة التي هي نفاق وكفر فكرر المعنى في اعتذاره قصدا ~~للتأكيد والتقرير لما ينفي عنه ما رمي به # ومما ينتظم بهذا السلك أنه إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين ~~أحدهما خاص والآخر عام كقوله تعالى @QB@ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر @QE@ فإن الأمر بالمعروف داخل تحت ~~الدعاء إلى الخير لأن الأمر بالمعروف خاص والخير عام فكل أمر بالمعروف خير ~~وليس كل خير أمرا بالمعروف وذاك أن الخير أنواع كثيرة من جملتها الأمر ~~بالمعروف ففائدة التكرير ههنا أنه ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضله ~~كقوله تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ وكقوله تعالى ~~@QB@ فيهما فاكهة ونخل ورمان @QE@ وكقوله ms416 تعالى @QB@ إنا عرضنا الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها @QE@ فإن الجبال داخلة في جملة ~~الأرض لكن لفظ الأرض عام والجبال خاص وفائدته ههنا تعظيم شأن الأمانة ~~المشار إليها وتفخيم أمرها وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا # ومما ورد منه شعرا قول المقنع الكندي من أبيات الحماسة PageV02P161 # ( وإن الذي بيني وبين بني أبي % بين بني عمي لمختلف جدا ) # ( إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم % وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا ) # ( وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم % وإن هم هووا غي هويت لهم رشدا ) # فهذا من الخاص والعام فإن كل لحم يؤكل للإنسان فهو تضييع لغيبه وليس كل ~~تضييع لغيبه أكلا للحمه ألا ترى أن أكل اللحم هو كناية عن الاغتياب وأما ~~تضييع الغيب فمنه الاغتياب ومنه التخلي عن النصرة والإعانة ومنه إهمال ~~السعي في كل ما يعود بالنفع كائنا ما كان وعلى هذا فإن هذين البيتين من ~~الخاص والعام المشار إليه في الآية المقدم ذكرها وهو موضع يرد في الكلام ~~البليغ ويظن أنه لا فائدة فيه # الفرع الثاني إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنى واحد لا غير وقد ~~سبق مثال ذلك في أول هذا الباب كقولك أطعني ولا تعصني فإن الأمر بالطاعة ~~نهي عن المعصية والفائدة في ذلك تثبيت الطاعة في نفس المخاطب # والكلام في هذا الموضع كالكلام في الموضع الذي قبله من تكرير اللفظ ~~والمعنى إذا كان الغرض به شيئا واحدا ولا نجد شيئا من ذلك يأتي في الكلام ~~إلا لتأكيد الغرض المقصود به كقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله ~~غفور رحيم @QE@ فإنه إنما كرر العفو والصفح والمغفرة والجميع بمعنى واحد ~~للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده والزوج عن زوجته وهذا وأمثاله ينظر في ~~الغرض المقصود به وهو موضع يكون التكرير فيه أوجز من لمحة الإيجاز وأولى ~~بالاستعمال # وقد ورد في القرآن الكريم كثيرا كقوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام ~~@QB@ قال إنما ms417 أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون @QE@ ~~فإن البث والحزن بمعنى واحد وإنما ههنا لشدة الخطب النازل به وتكاثر سهامه ~~النافذة في قلبه وهذا المعنى كالذي قبله # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ تلك عشرة كاملة @QE@ بعد ثلاثة وسبعة تنوب ~~مناب قوله ثلاثة وسبعة مرتين لأن عشرة هي ثلاثة وسبعة ثم قالكاملة وذلك ~~توكيد PageV02P162 ثالث والمراد به إيجاب صوم الأيام السبعة عند الرجوع في ~~الطريق على الفور لا عند الوصول إلى البلد كما ذهب إليه بعض الفقهاء وبيانه ~~أني أقول إذا صدر الأمر من الآمر على المأمور بلفظ التكرير مجردا من قرينه ~~تخرجه عن وصفه ولم يكن موقتا بوقت معين كان ذلك حثا على المبادرة إلى ~~امتثال الأمر على الفور فإنك إذا قلت لمن تأمره بالقيام قم قم قم فإنما ~~تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في تلك الحال الحاضرة # فإن قلت الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه مراد منه وليس ~~الغرض الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر # قلت في الجواب إن المرة الواحدة كافية في معرفة المأمور أن الذي أمر به ~~مراد منه والزيادة على المرة الواحدة لا تخلو إما أن تكون دالة على ما دلت ~~عليه المرة الواحدة أو دالة على زيادة معنى لم تكن في المرة الواحدة فإن ~~كانت دالة على ما دلت عليه المرة الواحدة كان ذلك تطويلا في الكلام لا حاجة ~~إليه وقد ورد مثله في القرآن الكريم كهذه الآية المشار إليها وغيرها من ~~الآيات والتطويل في الكلام عيب فاحش عند البلغاء والفصحاء والقرآن معجز ~~ببلاغته وفصاحته فكيف يكون فيه تطويل لا حاجة إليه فينبغي أن تكون تلك ~~الزيادة دالة على معنى زائد على ما دلت عليه المرة الواحدة وإذا ثبت هذا ~~فتلك الزيادة هي الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر فإن سلمت لي ذلك وإلا ~~فبين معنى تلك الزيادة ببيان غير ما ذكرته أنا ولا أراك تستطيع ذلك # فإن قلت إن الواو في قوله تعالى @QB@ وسبعة إذا ms418 رجعتم @QE@ لولا أن تؤكد ~~بقوله ( تلك عشرة ) لظن أنها وردت بمعنى أو أي فثلاثة أيام في الحج أو سبعة ~~إذا رجعتم فلما قيل ( تلك عشرة ) زال هذا الظن وتحققت الواو أنها عاطفة ~~وليست بمعنى أو # قلت في الجواب هذا باطل من أربعة أوجه الوجه الأول أن الواو العاطفة لا ~~تجعل بمعنى أو أين وردت من الكلام وإنما تجعل بمعنى أو حال ضرورة ~~PageV02P163 ترجيح جانبها على جانب جعلها عاطفة لأن الأصل فيها أن تكون ~~عاطفة فإذا عدل بها عن أصلها احتاج إلى ترجيح ولا ترجيح ههنا الوجه الثاني ~~بلاغي وذاك أن القرآن الكريم منتهى البلاغة والفصاحة لمكان إعجازه فلو كان ~~معنى الواو في هذه الآية بمعنى أو لقيل فثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم ولم يحتج إلى هذا التطويل في قوله @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة @QE@ الوجه الثالث أن هذا الصوم حكم من ~~أحكام العبادات والعبادات يجب فيها الاحتياط أن تؤدى على أكمل صورة لئلا ~~يدخلها النقص وإذا كان الأمر على ذلك فكيف يظن أن الواو في هذه الآية بمعنى ~~أو الوجه الرابع أن السبعة ليست مماثلة للثلاثة حتى تجعل في قبالتها لأن ~~معنى الآية إذا كانت الواو فيها بمعنى أو إما أن تصوموا ثلاثة أيام في الحج ~~أو سبعة إذا رجعتم # فإن قلت هذا تعبد لا يعقل معناه كغيره من التعبدات التي لا يعقل معناها # قلت في الجواب إن لنا من التعبدات ما لا يعقل معناه كعدد ركعات الصلوات ~~وعدد الطواف والسعي وأشباه ذلك ولنا ما يعقل معناه كهذه الآية فإنا نعقل ~~التفاوت بين الصوم في الحضر والسفر ونعقل التفاوت بين العدد الكثير والعدد ~~القليل وعلى هذا فلا يخلو إما أن يكون صوم الأيام السبعة عند الرجوع في ~~الطريق أو عند الوصول إلى البلدفإذا كان في الطريق فإنه أشق من الصوم بمكة ~~لأن الصوم في السفر أشق من الصوم في الحضرفكيف يجعل صوم سبعة أيام في السفر ~~في مقابلة صوم ثلاثة أيام بمكة ms419 وإن كان الصوم عند الوصول إلى البلد فلا فرق ~~بين الصوم بمكة والصوم عند الوصول إلى البلدلأن كليهما صوم في المقام ببلد ~~من البلاد لا تفاوت بينهما حتى يجعل الصوم ثلاثة أيام في مقابلة سبعة أيام ~~على غير مثال ولا تساوفعلى كلا التقديرين لا يجوز أن تكون الواو في @QB@ ~~وسبعة إذا رجعتم @QE@ بمعنى أوفتحقق إذا أنها للعطف خاصة وإذا كانت للعطف ~~خاصة فتأكيدها بعشرة كاملة دليل على أن المراد وجود صوم الأيام السبعة في ~~الطريق قبل الوصول إلى البلد # فإن قلت إن الصوم بمكة أشق من الصوم في الطريقلأن الواجب عليه ~~PageV02P164 الصوم بمكة في نصب وتعب بتصريف زمانه في السعي والطواف والصلاة ~~والعمرة وغير ذلك # قلت في الجواب هذا لا يلزم إذ الواجب عليه سعي واحد وطواف واحد لا غير ~~وما عدا ذلك نافلة لا يلزم ونحن في هذا المقام ناظرون إلى ما يجب لا إلى ~~النافلة والذي يجب أداؤه بمكة يفرغ منه في ساعة واحدة فكيف تجعل الزيادة ~~على ذلك دليلا يورد في هذا المقام هذا غير وارد # هكذا ورد قوله تعالى @QB@ فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على ~~الكافرين غير يسير @QE@ فقوله @QB@ غير يسير @QE@ بعد قوله @QB@ عسير @QE@ ~~من هذا النوع المشار إليه وإلا فقد علم أن العسير لا يكون يسيرا وإنما ذكر ~~ههنا على هذا الوجه لتعظيم شأن ذلك اليوم في عسره وشدته على الكافرين # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ~~إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ فإن ~~البغضاء والعداوة بمعنى واحد وإنما حسن إيرادهما معا في معرض واحد لتأكيد ~~البراءة بين إبراهيم صلوات الله عليه والذين آمنوا به وبين الكفار من قومهم ~~حيث لم يؤمنوا بالله وحده وللمبالغة في إظهار القطيعة والمصارمة # وورد مثل ذلك في مثل هذا الموضع كالإيجاز في موضعه ولن ترى شيئا يرد في ~~القرآن الكريم من هذا ms420 القبيل إلا وهو لأمر اقتضاه وإن خفي عنك موضع السر ~~فيه فاسأل عنه أهله العارفين به # ومما ورد منه شعرا قول بعضهم في أبيات الحماسة PageV02P165 # ( نزلت على آل المهلب شاتيا % بعيدا عن الأوطان في زمن المحل ) # ( فما زال بي إكرامهم وافتقادهم % وإحسانهم حتى حسبتهم أهلي ) فإن ~~الإكرام والافتقاد داخلان تحت الإحسان وإنما كرر ذلك للتنويه بذكر الصنيع ~~والإيجاب لحقه # وعلى هذا ورد قول الأعشى في قصيدته المشهورة التي يمدح بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال منها # ( فآليت لا أرثي لها من كلالة % ولا من وجى حتى تلاقي محمدا ) # فإن الوجى والكلالة معناهما سواء وإنما حسن تكريره ههنا للإشعار ببعد ~~المسافة # الضرب الثاني من القسم الثاني في تكرير المعنى دون اللفظ وهو غير المفيد ~~فمن ذلك قول أبي تمام # ( قسم الزمان ربوعها بين الصبا % وقبولها ودبورها أثلاثا ) # فإن الصبا هي القبول وليس ذلك مثل التكرير في قوله تعالى @QB@ حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ فيما يرجع إلى اللفظ والمعنى ولا مثل التكرير ~~في قوله تعالى @QB@ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف @QE@ ~~فيما يرجع إلى تكرير المعنى دون اللفظ وقول أبي تمام الصبا والقبول لا ~~يشتمل إلا على معنى واحد لا غير # وهذا الضرب من التكرير قد خبط فيه علماء البيان خبطا كثيرا والأكثر منهم ~~PageV02P166 أجازه فقالوا إذا كانت الألفاظ متغايرة والمعنى المعبر عنه ~~واحدا فليس استعمال ذلك بمعيب وهذا القول فيه نظر والذي عندي فيه أن الناثر ~~يعاب على استعماله مطلقا إذا أتى لغير فائدة وأما الناظم فإنه يعاب عليه في ~~موضع دون موضع أما الموضع الذي يعاب استعماله فيه فهو صدور الأبيات الشعرية ~~وما والاها وأما الموضع الذي لا يعاب استعماله فيه فهو الأعجاز من الأبيات ~~لمكان القافية وإنما جاز ذلك ولم يكن عيبا لأنه قافية والشاعر مضطر إليها ~~والمضطر يحل له ما حرم عليهكقول امريء القيس في قصيدته اللامية التي مطلعها # ( ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي % ) فقال # ( وهل ينعمن إلا سعيد مخلد % قليل الهموم لا يبيت ms421 بأوجال ) وإذا كان قليل ~~الهموم فإنه لا يبيت بأوجال وهذا تكرير للمعنى إلا أنه ليس بمعيب لأنه ~~قافية وكذلك ورد قول الحطيئة # ( قالت أمامة لا تجزع فقلت لها % إن العزاء وإن الصبر قذ غلبا ) # ( هلا التمست لنا إن كنت صادقة % مالا نعيش به في الناس أو نشبا ) # فالبيت الأول معيب لأنه كرر العزاء والصبر إذ معناهما واحد ولم يردا ~~قافية لأن القافية هي الباءوأما البيت الثاني فليس بمعيبلأن التكرير جاء في ~~النشب وهو قافية ومما يجري هذا المجرى قول المنخل اليشكري PageV02P167 # ( ولقد دخلت على الفتاة % الخدر في اليوم المطير ) # ( الكاعب الحسناء ترفل % في الدمقس وفي الحرير ) فإن الدمقس والحرير ~~سواءوقد ورد قافية فلا بأس به من أجل ذلك # فإن قيل إن الحرير هو الإبريسم المنسوج بدليل قوله تعالى @QB@ وجزاهم بما ~~صبروا جنة وحريرا @QE@ فإنه لم يرد خيوط إبريسم وإنما أراد أثوابا من ~~الإبريسم وأما الدمقس فإنه خيوط الإبريسم محلولة بدليل قول امرىء القيس # ( وشحم كهداب الدمقس المفتل % ) فإنه لم يرد إبريسما منسوجا وإنما أراد ~~خيوط الإبريسم # فالجواب عن ذلك أنه لو حمل بيت المنخل على ذلك لفسد معناه لأن المرأة لا ~~ترفل في خيوط من الإبريسم وإنما ترفل في الأثواب منه وأما قول امرئ القيس ( ~~( كهداب الدمقس ) ) فإنه لو كان الدمقس هو الخيوط المحلولة من الإبريسم لما ~~احتاج أن يقول ( ( كهداب ) ) فإن الهداب جمع هدب ثم قال ( ( المفتل ) ) فدل ~~بذلك على أن الدمقس يطلق على الإبريسم سواء كان منسوجا أو غير منسوج وكذلك ~~الحرير أيضا وعند الاستعمال يفهم المراد منه بالقرينة ألا ترى أنه لما قال ~~المنخل ( ترفل في الدمقس وفي الحرير ) فهم من ذلك أنه أراد أثوابا من ~~الدمقس ومن الحريرلأن الرفول لا يكون في خيوط من الإبريسم وإنما يكون في ~~أثوابه # ومما يجري على هذا النهج قول الآخر من شعراء الحماسة PageV02P168 # ( إني وإن كان ابن عمي غائبا % لمقادف من خلفه وورائه ) # فإن خلفا ووراء بمعنى واحدوإنما جاز تكرارهما لأنهما قافية # وعلى هذا ورد قول أبي تمام # ( دمن كأن ms422 البين أصبح طالبا % دمنا لدى آرامها وحقودا ) # فإن الدمنة هي الحقد # وكذلك قول أبي الطيب المتنبي # ( بحر تعود أن يذم لأهله % من دهره وطوارق الحدثان ) # ( فتركته وإذا أذم من الورى % راعاك واستثنى بني حمدان ) # فإن الدهر وطوارق الحدثان سواء وإنما جاز استعمال ذلك لأنه قافية # وأما ما ورد في أثناء الأبيات الشعرية فكقول عنترة # ( حييت من طلل تقادم عهده % أقوى وأقفر بعد أم الهيثم ) PageV02P169 # فقولهأقوى وأقفر من المعيب لأنهما لفظان وردا بمعنى واحد لغير ضرورة إذ ~~الضرورة لا تكون إلا في القافية كما أريتك # وأما ما ورد من صدور الأبيات فكقول البحتري في قصيدته العينية # ( ألمت وهل إلمامها بك نافع % وزارت خيالا والعيون هواجع ) # فإن قوله ألمت وقوله زارت خيالا سواءولا فرق إذا بين صدر البيت وعجزه # فإن قيل إنه أراد بالإلمام زيارة اليقظة ثم قال وزارت خيالا # فالجواب عن ذلك أنه لم يرد إلا زيارة المنام في الحالتين لأنه قال ألمت ~~وهل إلمامها بك نافع ولو كان الإلمام في اليقظة لما قال وهل إلمامها بك ~~نافعفإنه لا نفع من زيارة المحبوب في اليقظة وهذا غير خاف لا يحتاج إلى ~~السؤال عنه # فإن قيل لم أجزت ذلك للناظم وحظرته على الناثر قلت في الجواب أما الناثر ~~إذا سجع كلامه فالغالب أن يأتي به مزدوجا على فقرتين من الفقر ويمكنه إبدال ~~تلك الفقرتين بغيرهما فيسلم منه وأما الشاعر فإنه يصوغ قصيدا ذا أبيات ~~متعددة على قافية من القوافي فإذا تكرر لديه شيء من الكلام في آخر بيت من ~~الأبيات عسر إبداله من أجل القافية وهذا غير خاف والسؤال عنه غير وارد وهذا ~~الذي ذكرته إذا ورد في غير القافية سمي إخلاءا ويقال إن البحتري كان يخلي ~~كثيرا في شعره وهو لعمري كذلك إلا أن حسن سبكه ورونق ديباجته يغفر له ذلك ~~PageV02P170 # ويروى عنه أنه كان إذا مثل بين يدي الفتح بن خاقان وزير المتوكل مادحا له ~~اختال بين يديه معجبا بنفسه فتقدم خطوات ثم تأخر وقال أي شيء تسمعون فنقم ~~عليه ms423 ذلك بعض حسدته وحمل الفتح بن خاقان عليه فقال له الفتح لو رمانا ~~بالحجارة لكان ذلك مغفورا له فيما يقوله # | النوع الثامن عشر # # | في الاعتراض # PageV02P171 # وبعضهم يسميه الحشو # وحده كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو أسقط لبقي الأول على حاله # مثال ذلك أن تقول زيد قائمفهذا كلام مفيد وهو مبتدأ وخبرفإذا أدخلنا فيه ~~لفظا مفردا قلنا زيد والله قائم ولو أزلنا القسم منه لبقي الأول على حاله ~~وإذا أدخلنا في هذا الكلام لفظا مركبا قلنا زيد على ما به من المرض قائم ~~فأدخلنا بين المبتدأ والخبر لفظا مركبا وهو قولناعلى ما به من المرض فهذا ~~هو الاعتراض وهذا حده # واعلم أن الجائز منه وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب العربية فإنه يكون ~~مستقصى فيها كالاعتراض بين القسم وجوابه وبين الصفة والموصوف وبين المعطوف ~~والمعطوف عليه وأشباه ذلك مما يحسن استعماله وكالاعتراض بين المضاف والمضاف ~~إليه وبين إن واسمها وبين حرف الجر ومجروره وأمثال ذلك مما يقبح استعماله ~~وليس هذا مكانه لأن كتابنا هذا موضوع لمن أستكمل معرفة ذلك وغيره مما أشرنا ~~إليه في صدر الكتاب # وليس المراد ههنا من الاعتراض إلا ما يفرق به بين الجيد والرديء لا ما ~~يعلم به الجائز وغير الجائز لأن كتابي هذا موضوع لذكر ما يتضمنه الكلام على ~~اختلاف أنواعه من وصفي الفصاحة والبلاغة فالذي اذكره في باب الاعتراض إنما ~~هو ما اشتمل على شيء من هذين الوصفين المشار إليهما # واعلم أن الاعتراض ينقسم قسمين أحدهما لا يأتي في الكلام إلا لفائدة ~~PageV02P172 وهو جار مجرى التوكيد والآخر أن يأتي في الكلام لغير فائدة ~~فإما أن يكون دخوله فيه كخروجه منه وإما أن يؤثر في تأليفه نقصا وفي معناه ~~فسادا # فالقسم الأول - وهو الذي يأتي الكلام لفائدة - كقوله تعالى @QB@ فلا أقسم ~~بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون @QE@ ~~ففي هذا الكلام اعتراضان أحدهما قوله @QB@ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم @QE@ ~~وذلك اعتراض بين القسم الذي هو @QB@ فلا أقسم ms424 بمواقع النجوم @QE@ وبين ~~جوابه الذي هو @QB@ إنه لقرآن كريم @QE@ وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر ~~بين الموصوف الذي هو @QB@ قسم @QE@ وبين صفته التي هي @QB@ عظيم @QE@ وهو ~~قوله @QB@ لو تعلمون @QE@ فذانك اعتراضان كما ترى وفائدة هذا الاعتراض بين ~~القسم وجوابه إنما هي تعظيم لشأن المقسم به في نفس السامع ألا ترى إلى قوله ~~@QB@ لو تعلمون @QE@ اعتراضا بين الموصوف والصفة وذلك الأمر بحيث لو علم ~~وفي حقه من التعظيم وهذا مثل قولنا إن هذا الأمر لعظيم بحيث لو تعلم يا ~~فلان عظمه لقدرته حق قدره فإن ذلك يكبر في نفس المخاطب ويظل متطلعا إلى ~~معرفة عظمه # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ~~@QE@ وتقديره ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون فاعترض بين المفعولين ~~بسبحانه وهو مصدر يدل على التنزيه فكأنه قال ويجعلون لله البنات وهو منزه ~~عن ذلك ولهم ما يشتهون وفائدة هذا الاعتراض ههنا ظاهرة # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام @QB@ قالوا نفقد صواع ~~الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد في الأرض وما كنا سارقين @QE@ فقوله @QB@ لقد علمتم @QE@ اعتراض بين ~~القسم وجوابه وفائدته تقرير إثبات البراءة من الفساد والنزاهة من تهمة ~~السرقة أي إنكم قد علمتم هذا منا ونحن مع علمكم به نقسم بالله على صدقه ~~PageV02P173 # وقد ورد الاعتراض في القرآن كثيرا وذلك في كل موضع يتعلق بنوع من خصوصية ~~المبالغة في المعنى المقصود # ومن هذا القسم قوله تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون @QE@ فهذا الاعتراض بين إذا ~~وجوابهالأن تقدير الكلام وإذا بدلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر ~~فاعترض بينهما بقوله تعالى @QB@ والله أعلم بما ينزل @QE@ وهو مبتدأ وخبر ~~وفائدته إعلام القائلين إنه مفتر أن ذلك من الله وليس منه وأنه أعلم بذلك ~~منهم # ومن هذا الباب قوله تعالى @QB@ ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا ~~على وهن وفصاله في عامين ms425 أن اشكر لي ولوالديك @QE@ ألا ترى إلى هذا ~~الاعتراض الذي قد طبق مفصل البلاغة وفائدته أنه لما وصى بالوالدين ذكر ما ~~تكابده الأم من المشاق في حمل الولد وفصاله إيجابا للتوصية بها وتذكيرا ~~بحقها وإنما خصها بالذكر دون الأب لأنها تتكلف من أمر الولد ما لا يتكلفه ~~ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له من أبر فقال ( أمك ثم أمك ~~ثم أمك ثم أباك ) # ومما جاء على هذا الأسلوب قوله عز وجل @QB@ وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ~~ويريكم آياته لعلكم تعقلون @QE@ فقوله @QB@ والله مخرج ما كنتم تكتمون @QE@ ~~اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وفائدته أن يقرر في نفوس المخاطبين وقلوب ~~السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعا لهم في ~~إخفائه وكتمانه لأن الله تعالى مظهر لذلك ولو جاء الكلام غير معترض فيه ~~لكان وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها ولا يخفى على ~~البليغ الفرق بين ذلك وبين كونه معترضا فيه # ومما ورد من ذلك شعرا قول امريء القيس PageV02P174 @ 175 # ( ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة % كفاني ولم أطلب قليل من المال ) # ( ولكنما أسعى لمجد مؤثل % وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ) # تقديره كفاني قليل من المال فاعترض بين الفعل والفاعل بقوله ولم ~~أطلبوفائدته تحقير المعيشة وأنها تحصل بغير طلب ولا عناء وإنما الذي يحتاج ~~إلى الطلب هو المجد المؤثل # وكذلك قول جرير # ( ولقد أراني والجديد إلى بلى % في موكب طرف الحديث كرام ) # تقديره ولقد أراني في موكب طرف الحديث فاعترض بين المفعولين وإنما جاء ~~بهذا الاعتراض تعزيا عما مضى من تلك اللذة وذلك النعيم الذي فاز به من عشرة ~~أولئك الأحباب ولقد أعهدني في كذا وكذا من اللذة وذلك قد مضى وسلف وبلي ~~جديده وكذلك كل جديد فإنه إلى بلى # والاعتراض إذا كان هكذا كسا الكلام لطفا إن كان غزلا وكساه أبهة وجلال إن ~~كان مديحا أو ما يجري ms426 مجراه من أساليب الكلام وإن كان هجاء كساه تأكيدا ~~وإثباتا كقول كثير # ( لو أن الباخلين وأنت منهم % رأوك تعلموا منك المطالا ) # فقوله وأنت منهممن محمود الاعتراض و نادره وفائدته ههنا التصريح بما هو ~~المراد وتقدير هذا الكلام قبل الاعتراض لو أن الباخلين رأوك فاعترض بين اسم ~~إن وهو الباخلين وبين خبرها وهو رأوك بالمبتدأ والخبر الذي هووأنت منهم # ومن محاسن ما جاء في هذا الباب قول المضرب السعدي PageV02P175 # ( فلو سألت سراة الحي سلمى % على أن قد تلون بي زماني ) # ( لخبرها ذوو أحساب قومي % وأعدائي فكل قد بلاني ) # وهذا اعتراض بين لووجوابها وهو من فائق الاعتراض ونادره وتقديره فلو سألت ~~سراة الحي سلمى لخبرها ذوو أحساب قومي و أعدائي وفائدة قوله على أن قد تلون ~~بي زمانأي أنهم يخبرون عني على تلون الزمان بي يريد تنقل حالاته من خير وشر ~~وليس من عجمه الزمان وأبان عن جوهره كغيره ممن لم يعجمه ولا أبان عنه # ومن ذلك قول أبي تمام # ( وإن الغنى لي إن لحظت مطالبي % من الشعر إلا في مديحك أطوع ) # وهذا البيت في اعتراضان الأول بين اسمإنوخبرها وتقديره وإن الغنى أطوع لي ~~من الشعر فاعترض بين الاسم والخبر بقوله إن لحظت مطالبيوأما الاعتراض ~~الثاني فقوله إلا في مديحكفجاء بالجملة الاستثنائية مقدمة وموضعها التأخير ~~فاعترض بها بين الجملة التي هي خبر إن وتقدير البيت بجملته وأن الغنى أطوع ~~لي من الشعر إن لحظت مطالبي إلا في مديحك وفائدة قوله إلا في مديحكمن ~~الاعتراض الذي اكتسب به الكلام رقة فائدة حسنة والمراد به وصف جود الممدوح ~~بالإسراع ووصف خاطر شعره بالإسراع إذا كان في مدحه خاصة دون غيره فهذا ~~الاعتراض يتضمن مدح الممدوح والمادح معا وهو من محاسن ما يجيء في هذا ~~الموضع # وكذلك ورد قوله PageV02P176 # ( رددت رونق وجهي في صحيفته % رد الصقال بهاء الصارم الخذم ) ( وما أبالي ~~وخير القول أصدقه % حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي ) فقولهوخير القول ~~أصدقهاعتراض بين المفعول والفعل لأن موضع حقنت نصب إذ هو مفعول أبالي ms427 ~~وفائدته إثبات ما ماثل به بين ماء الوجه والدم أي أن هذا القول صدق ليس ~~بكذب # وأما القسم الثاني - وهو والذي يأتي في الكلام كخروجه منه لا يكتسب به ~~حسنا ولا قبحا فمن ذلك قول النابغة # ( يقول رجال يجهلون خليقتي % لعل زيادا لا أبالك غافل ) فقولهلا أبالكمن ~~الاعتراض الذي لا فائدة فيه وليس مؤثرا في هذا البيت حسنا ولا قبحا # ومثله جاء قول زهير # ( سئمت تكاليف الحياة ومن يعش % ثمانين حولا لا أبالك يسأم ) # وقد وردت هذه اللفظة - وهيلا أبالك - في موضع آخر فكان للاعتراض بها ~~فائدة حسنة كقول أبي تمام # ( عتابك عني لا أبالك واقصدي % ) PageV02P177 # فإنه لما كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق ~~الذم # الضرب الثاني - وهو الذي يؤثر في الكلام نقصا وفي المعنى فسادا - وقد ~~تقدم ذكر أمثاله وأنظاره في باب التقديم والتأخير وإنما جيء بذكره ههنا ~~مكررا لإتمام التقسيم الاعتراضي فيما أفاد وفيما لا يفيد وقد ذكرت من ذلك ~~مثالا واحدا أو مثالين فمما ورد منه قول بعضهم # ( فقد والشك بين لي عناء % بوشك فراقهم صرد يصيح ) # فإن هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك وهو الفصل بين قد والفعل ~~الذي هو بين وذلك قبيح لقوة اتصال قد بما تدخل عليه من الأفعال ألا تراها ~~تعد مع الفعل كالجزء منه ولذلك أدخلت عليها اللام المراد بها توكيد الفعل ~~كقوله تعالى @QB@ ولقد علموا لمن اشتراه @QE@ وقول الشاعر # ( ولقد أجمع رجلي بها % حذر الموت وإني لفرور ) إلا إن فصل بين قد والفعل ~~بالقسم فإن ذلك لا بأس به نحو قوله قد والله كان ذاك وقد فصل في هذا البيت ~~أيضا بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي هو عناء بقوله بين لي وفصل ~~بين الفعل الذي هو بين وبين فاعله الذي هو صرد بخبر المبتدأ الذي هو ~~عناءفجاء معنى البيت كما تراه كأنه صورة مشوهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى ~~مكان بعض PageV02P178 # ومن هذا الضرب قول الآخر # ( نظرت وشخصي مطلع الشمس ظله ms428 % إلى الغرب حتى ظله الشمس قد عقل ) أراد ~~نظرت مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب حتى عقل الشمس أي حاذاها وعلى هذا ~~التقدير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو شخصي وبين خبره الجملة ~~وهو قوله ظله إلى الغرب وأغلظ من ذلك أنه فصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي ~~وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويورثها اختلالا # واعلم أن الناثر في استعمال ذلك أكثر ملامة من الناظم وذاك أن الناظم ~~مضطر إلى إقامة ميزان الشعر وربما كان مجال الكلام عليه ضيقا فيلقيه طلب ~~الوزن في مثل هذه الورطات وأما الناثر فلا يضطر إلى إقامة الميزان الشعري ~~بل يكون مجال الكلام عليه واسعا ولهذا إذا اعترض في كلامه اعتراضا يفسده ~~توجه عليه الإنكار وحق عليه الذم PageV02P179 # | النوع التاسع عشر # # | في الكناية والتعريض # وهذا النوع مقصور على الميل مع المعنى وترك اللفظ جانبا # وقد تكلم علماء البيان فيه فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريض ولم يفرقوا ~~بينهما ولا حدوا كلا منهما بحد يفصله عن صاحبه بل أوردوا لهما أمثلة من ~~النظم والنثر وأدخلوا أحدهما في الآخر فذكروا للكناية أمثلة من التعريض ~~وللتعريض أمثلة من الكناية فممن فعل ذلك الغانمي وابن سنان الخفاجي ~~والعسكري فأما ابن سنان فإنه ذكر في كتابه قول امريء القيس # ( فصرنا إلى الحسنى ورق كلامها % ورضت فذلت صعبة أي إذلال ) # وهذا مثال ضربه للكناية عن المباضعة وهو مثال للتعريض # ووجدت في كتاب التذكرة لابن حمدون البغدادي وكان مشارا إليه عندهم بفضيلة ~~ومعرفة لاسيما فن الكتابة فوجدت في كتابه ذلك بابا مقصورا على ذكر الكناية ~~والتعريض وما قيل فيهما نظما ونثرا وهو محشو بالخلط بين هذين القسمين من ~~غير فصل بينهما وقد أورد أيضا في بعضه أمثلة غثة باردة PageV02P180 وسأذكر ~~ما عندي في الفرق بينهما وأميز أحدهما عن الآخرليعرف كل منها على ~~انفرادهفأقول # أما الكناية فقد حدت بحدفقيل هي اللفظ الدال على الشيء على غير الوضع ~~الحقيقي بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه كاللمس والجماعفإن الجماع اسم ~~موضوع حقيقي واللمس كناية عنه ms429 وبينهما الوصف الجامع إذ الجماع لمس وزيادة ~~فكان دالا عليه بالوضع المجازي # هذا الحد فاسدلأنه يجوز أن يكون حدا للتشبيهفإن التشبيه هو اللفظ الدال ~~على غير الوضع الحقيقي لجامع بين المشبه والمشبه به وصفة من الأوصافألا ترى ~~أنا إذا قلنا زيد أسد كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي بوصف جامع ~~بين زيد والأسد وذلك الوصف هو الشجاعة ومن ههنا وقع الغلط لمن أشرت إليه في ~~الذي ذكره في حد الكناية # وأما علماء أصول الفقه فإنهم قالوا في حد الكناية إنها اللفظ المحتمل ~~يريدون بذلك أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى وعلى خلافه # وهذا فاسدفإنه ليس كل لفظ يدل على المعنى وعلى خلافه بكناية دليل ذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم تستح فافعل ما شئتفإن هذا اللفظ يدل على ~~المعنى وعلى خلافه وبيان ذلك أنه يقول في أحد معنييه إنك إذا لم يكن لك ~~وازع يزعك عن الحياء فافعل ما شئت وأما معناه الآخر فإنه يقول إذا لم تفعل ~~فعلا يستحى منه فافعل ما شئت هذا ليس من الكناية في شيءفبطل إذا هذا ~~الحدومثال الفقيه في قوله ( إن الكناية هي اللفظ المحتمل ) مثال من أراد أن ~~يحد الإنسان فأتى بحد الحيوانفعبر بالأعم وكذلك يقال ههنا فإن كل كناية لفظ ~~محتمل وليس كل لفظ محتمل كناية # والذي عندي في ذلك أن الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز وجاز ~~حملها على الجانبين معا ألا ترى أن اللمس في قوله تعالى @QB@ أو لامستم ~~النساء @QE@ يجوز حمله على الحقيقة والمجازوكل منهما يصح به المعنى ولا ~~يختل ولهذا ذهب الشافعي رحمه الله إلى أن اللمس هو مصافحة الجسد الجسد ~~فأوجب PageV02P181 الوضوء على الرجل إذا لمس المرأة وذلك هو الحقيقة في ~~اللمس وذهب غيره إلى أن المراد باللمس هو الجماع وذلك مجاز فيه وهو الكناية ~~وكل موضع ترد فيه الكناية فإنه يتجاذبه جانبا حقيقة ومجاز ويجوز حمله على ~~كليهما معا وأما التشبيه فليس كذلك ولا غيره من أقسام المجازلأنه لا ms430 يجوز ~~حمله إلا على جانب المجاز خاصة ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى ~~ألا ترى أنا إذا قلنا زيد أسد لا يصح إلا على جانب المجاز خاصة وذاك أنا ~~شبهنا زيدا بالأسد في شجاعته ولو حملناه على جانب الحقيقة لاستحال المعنى ~~لأن زيدا ليس ذلك الحيوان ذا الأربع والذنب والوبر والأنياب والمخالب # وإذا كان الأمر كذلك فحد الكناية الجامع لها هو أنها كل لفظة دلت على ~~معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز # والدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشيء وتريد غيره يقال ~~كنيت بكذا عن كذا فهي تدل على ما تكلمت به وعلى ما أردته من غيره وعلى هذا ~~فلا تخلو إما أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز أو في لفظ تجاذبه ~~جانبا مجاز ومجاز أو في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة وليس لنا قسم رابع ~~ولا يصح أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة لأن ذلك هو اللفظ ~~المشترك وإذا أطلق من غير قرينة تخصصه كان مبهما غير مفهوم وإذا أضيف إليه ~~القرينة صار مختصا بشيء بعينه والكناية أن تتكلم بشيء وتريد غيره وذلك ~~مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إليه القرينة لأنه يختص بشيء واحد بعينه لا ~~يتعداه إلى غيره وكذلك لا يصح أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ~~ومجازلأن المجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها لأنه فرع عليها وذلك اللفظ ~~الدال على المجازين إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أو لا يكون ~~لها شركة فإن كان لها شركة في الدلالة فيكون اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة ~~أشياء أحدها الحقيقة وهذا مخالف لأصل الوضعلأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء ~~وأنت تريد غيره ههنا تكون قد تكلمت بشيء وأنت تريد شيئين غيرهوإن لم يكن ~~للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا للوضع أيضالأن أصل الوضع أن ~~PageV02P182 تتكلم بشيء وأنت تريد غيرهفيكون الذي تكلمت به دالا على ما ~~تكلمت به ms431 وعلى غيره وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم ~~يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به وهذا محالفتحقق حينئذ أن الكناية ~~أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز وهذا الكلام في حقيقة الدليل على تحقيق ~~أمر الكناية لم يكن لأحد فيه قول سابق # واعلم أن الكناية مشتقة من الستر يقال كنيت الشيءإذا سترته وأجري هذا ~~الحكم في الألفاظ التي يستر فيها المجاز بالحقيقة فتكون دالة على الساتر ~~وعلى المستور معا ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ فإنه ~~إن حمل على الجماع كان كناية لأنه ستر الجماع بلفظ اللمس الذي حقيقته ~~مصافحة الجسد الجسد وإن حمل على الملامسة التي هي مصافحة الجسد الجسد كان ~~حقيقة ولم يكن كناية وكلاهما يتم به المعنى وقد تأولت الكناية بغير هذا وهي ~~أنها مأخوذة من الكنية التي يقال فيها أبو فلان فإنا إذا نادينا رجلا اسمه ~~عبد الله وله ولد اسمه محمد فقلنا يا أبا محمدكان ذلك مثل قولنا يا عبد ~~اللهفإن شئنا ناديناه بهذا وإن شئنا ناديناه بهذا وكلاهما واقع عليه وكذلك ~~يجري الحكم في الكناية فإنا إذا شئنا حملناها على جانب المجاز وإذا شئنا ~~حملناها على الحقيقة إلا أنه لا بد من الوصف لجامع بينهما لئلا يلحق ~~بالكناية ما ليس منها ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ إن هذا أخي له تسع ~~وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة @QE@ فكنى بذلك عن النساء والوصف الجامع بينهما ~~هو التأنيث ولولا ذلك لقيل في مثل هذا الموضع إن أخي له تسع وتسعون كبشا ~~ولي كبش واحد وقيل هذه كناية عن النساء ومن أجل ذلك لم يلتفت إلى تأويل من ~~تأول قوله تعالى @QB@ وثيابك فطهر @QE@ أنه أراد بالثياب القلب على حكم ~~الكناية لأنه ليس بين الثياب والقلب وصف جامع ولو كان بينهما وصف جامع لكان ~~التأويل صحيحا PageV02P183 # فإن قيل فما الدليل على اشتقاق الكناية من كنيت الشيء إذا سترته ومن ~~الكنية # قلت في الجواب أما اشتقاقها من كنيت الشيء إذا سترته فإن ms432 المستور فيها هو ~~المجازلأن الحقيقة تفهم أولا ويتسارع الفهم إليها قبل المجازلأن دلالة ~~اللفظ عليها دلالة وضيعة وأما المجاز فإنه يفهم منه بعد فهم الحقيقة وإنما ~~يفهم بالنظرة والفكرة ولهذا يحتاج إلى دليل لأنه عدول عن ظاهر اللفظ ~~فالحقيقة أظهر والمجاز أخفي وهو مستور بالحقيقة ألا ترى إلى قوله تعالى ~~@QB@ أو لامستم النساء @QE@ فإن الفهم يتسارع فيه إلى الحقيقة التي هي ~~مصافحة الجسد الجسد وأما المجاز الذي هو الجماع فإنه يفهم بالنظر والفكر ~~ويحتاج الذاهب إليه إلى دليللأنه عدول عن ظاهر اللفظ وأما اشتقاقها من ~~الكنية فلأن محمدا في هذه الصورة المذكورة هو حقيقة هذا الرجل أي الاسم ~~الموضوع بإزائه أولا وأما أبو عبد الله فإنه طار عليه بعد محمدلأنه لم يكن ~~له إلا بعد أن صار له ولد اسمه عبد الله وكذلك الكناية فإن الحقيقة لها هو ~~الاسم الموضوع بإزائها أولا في أصل الوضع وأما المجاز فإنه طار عليها بعد ~~ذلكلأنه فرع والفرع إنما يكون بعد الأصل وإنما يعمد إلى ذلك الفرع للمناسبة ~~الجامعة بينه وبين الأصل على ما تقدم الكلام فيه وهذا القدر كاف في الدلالة ~~على اشتقاق الكناية من ذينك المعنيين المشار إليهما # فإن قيل إنك قد ذكرت أقسام المجاز في باب الاستعارة التي قدمت ذكرها في ~~كتابك هذا وحصرتها في أقسام ثلاثة وهي التوسع في الكلام والاستعارة ~~والتشبيه ونراك قد ذكرت الكناية في المجاز أيضا فهل هي قسم رابع لتلك ~~الأقسام الثلاثة أم هي من جملتها فإن كانت قسما رابعا فذلك نقض للحصر الذي ~~حصرته وإن كانت من جملتها فقد أعدت ذكرها ههنا مرة ثانية وهذا المكرر لا ~~حاجة إليه # فالجواب عن ذلك أني أقول أما الحصر الذي حصرته في باب الاستعارة فهو ذاك ~~ولا زيادة عليه وأما الكناية فإنها جزء من الاستعارة ولا تأتي إلا على حكم ~~الاستعارة خاصة لأن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له ~~PageV02P184 وكذلك الكناية فإنها لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المكنى عنه ~~ونسبتها إلى الاستعارة نسبة خاص ms433 إلى عامفيقال كل كناية استعارة وليس كل ~~استعارة كناية ويفرق بينهما من وجه آخر وهو أن الاستعارة لفظها صريح ~~والصريح هو ما دل عليه ظاهر لفظه والكناية ضد الصريحلأنها عدول عن ظاهر ~~اللفظ وهذه ثلاثة فروق أحدهما الخصوص والعموم والآخر الصريح والآخر الحمل ~~على جانب الحقيقة والمجاز # وقد تقدم القول في باب الاستعارة أنها جزء من المجاز وعلى ذلك فتكون ~~نسبته الكناية إلى المجاز نسبة جزء الجزء وخاص الخاص # وكان ينبغي أن نذكر الكناية عند ذكر الاستعارة في النوع الأول من هذه ~~الأنواع المذكورة في المقالة الثانية وإنما أفردتها بالذكر ههنا من أجل ~~التعريضلأن من العادة أن يذكرا جميعا في مكان واحد # وقد يأتي في الكلام ما يجوز أن يكون كناية ويجوز أن يكون استعارة وذلك ~~يختلف باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده كقول نصر بن سيار في ~~أبياته المشهورة التي يحرض بها بني أمية عند خروج أبي مسلم # ( أرى خلل الرماد وميض جمر % ويوشك أن يكون له ضرام ) # ( فإن النار بالزندين توري % وإن الحرب أولها كلام ) # ( أقول من التعجب ليت شعري % أأيقاظ أمية أم نيام ) # ( فإن هبوا فذاك بقاء ملك % وإن رقدوا فإني لا ألام ) فالبيت الأول لو ~~ورد بمفرده كان كناية لأنه يجوز حمله على جانب الحقيقة وحمله على جانب ~~المجاز أما الحقيقة فإنه اخبر أنه رأى وميض جمر في خلل الرماد وأنه سيضطرم ~~وأما المجاز فإنه أراد أن هناك ابتداء شر كامن ومثله بوميض جمر من خلل ~~الرماد وإذا نظرنا إلى الأبيات جملتها اختص البيت الأول منها بالاستعارة دن ~~الكناية PageV02P185 وكثيرا ما يرد مثل ذلك ويشكللتجاذبه بين الكناية ~~والاستعارة على أنه لا يشكل إلا على غير العارف # وأما التعريض فهو اللفظ الدال على الشيء من طريق المفهوم لا بالوضع ~~الحقيقي ولا المجازي فإنك إذا قلت لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب والله ~~إني لمحتاج وليس في يدي شيء وأنا عريان والبرد قد آذانيفإن هذا وأشباهه ~~تعريض بالطلب وليس هذا اللفظ موضوعا في مقابلة الطلب لا ms434 حقيقة ولا مجازا ~~إنما دل عليه من طريق المفهوم بخلاف دلالة اللمس على الجماع وعليه ورد ~~التعريض في خطبة النكاح كقولك للمرأة إنك لخلية وإني لعزب فإن هذا وأمثاله ~~لا يدل على طلب النكاح حقيقة ولا مجاز والتعريض أخفي من الكناية لأن دلالة ~~الكناية لفظية وضعية من جهة المجاز ودلالة التعريض من جهة المفهوم لا ~~بالوضع الحقيقي ولا المجازي وإنما سمي التعريض تعريضا لأن المعنى فيه يفهم ~~من عرضه أي من جانبه وعرض كل شيء جانبه # واعلم أن الكناية تشمل اللفظ المفرد والمركب معافتأتي على هذا تارة وعلى ~~هذا أخرى وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب ولا يأتي في اللفظ المفرد ~~ألبتة والدليل على ذلك أنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ولا من جهة ~~المجاز وإنما يفهم من جهة التلويح والإشارة وذلك لا يستقل به اللفظ المفرد ~~ولكنه يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب وعلى هذا فإن بيت امريء ~~القيس الذي ذكره ابن سنان مثالا للكناية هو مثال للتعريضفإن غرض امريء ~~القيس من ذلك أن يذكر الجماع غير أنه لم يذكره بل ذكر كلاما آخر يفهم ~~الجماع من عرضهلأن المصير إلى الحسنى ورقة الكلام لا يفهم منهما ما أراده ~~امرؤ القيس من المعنى لا حقيقة ولا مجازا وهذا لا خفاء به فاعرفه ~~PageV02P186 # وحيث فرقنا بين الكناية والتعريض وميزنا أحدهما عن الآخر فلنفصلهما ونذكر ~~أقسامهما ولنبدأ أولا بالكناية فنقول # اعلم أن الكناية تنقسم قسمين أحدهما ما يحسن استعماله والآخر ما لا يحسن ~~استعماله وهو عيب في الكلام فاحش # وقد ذهب قوم إلى أن الكناية تنقسم أقساما ثلاثا تمثيلا وإردافا ومجاورة # فأما التمثيل فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر ويكون ~~ذلك مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه كقولهم فلان نقي الثوب أي منزه ~~من العيوب # وأما الإرداف فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر ويكون ~~ذلك رادفا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه ولازما له كقولهم فلان طويل ~~النجاد أي طويل القامة فطول ms435 النجاد رادف لطول القامة ولازم له بخلاف نقاء ~~الثوب في الكناية عن النزاهة من العيوبلأن نقاء الثوب لا يلزم منه النزاهة ~~من العيوب كما يلزم من طول النجاد طول القامة # وأما المجاورة فهي أن تريد ذكر الشيء فتتركه إلى ما جاوره كقول عنترة # ( بزجاجة صفراء ذات أسرة % قرنت بأزهر في الشمال مفدم ) # يريد بالزجاجة الخمرفذكر الزجاجة وكنى بها عن الخمرلأنها مجاورة لها # وهذا التقسيم غير صحيحلأن من شرط التقسيم أن يكون كل قسم منه PageV02P187 ~~مختصا بصفة خاصة تفصله عن عموم الأصل كقولنا الحيوان ينقسم أقساما منها ~~الإنسان وحقيقة كذا وكذا ومنها الأسد وحقيقته كذا وكذا ومنها الفرس وحقيقته ~~كذا وكذا ومنها غير ذلك وههنا لم يكن التقسيم كذلكفإن التمثيل على ما ذكر ~~عبارة عن مجموع الكناية لأن الكناية إنما هي أن تراد الإشارة إلى معنى ~~فيوضع لفظ لمعنى آخر ويكون ذلك اللفظ مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه ~~ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ~~@QE@ فإنه أراد الإشارة إلى النساء فوضع لفظا لمعنى آخر وهو النعاج ثم مثل ~~به النساء وهكذا يجري الحكم في جميع ما يأتي من الكناياتلكن منها ما يتضح ~~التمثيل فيه وتكون الشبهية بين الكناية والمكنى عنه شديدة المناسبة ومنه ما ~~يكون دون ذلك في الشبهية وقد تأملت ذلك وحققت النظر فيهفوجدت الكناية إذا ~~وردت على طريق اللفظ المركب كانت شديدة المناسبة واضحة الشبهية وإذا وردت ~~على طريق اللفظ المفرد لم تكن بتلك الدرجة في قوة المناسبة والمشابهة ألا ~~ترى إلى قولهم فلان نقي الثوب وقولهم اللمس كناية عن الجماعفإن نقاء الثوب ~~أشد مناسبة وأوضح شبهالأنا إذا قلنا نقاء الثوب من الدنس كنزاهة العرض من ~~العيوب اتضحت المشابهة ووجدت المناسبة بين الكناية والمكنى عنه شديدة ~~الملاءمة وإذا قلنا اللمس كالجماع لم يكن بتلك الدرجة في قوة المشابهة وهذا ~~الذي ذكر من أن من الكناية تمثيلا وهو كذا وكذا غير سائغ ولا وارد بل ~~الكناية كلها هي ذاك والذي قدمته ms436 من القول فيها هو الحاصر لها ولم يأت به ~~أحد غيري كذلك # وأما الإرداف فإنه ضرب من اللفظ المركب ألا أنه اختص بصفة تخصه وهي أن ~~تكون الكناية دليلا على المكنى عنه ولازمه له بخلاف غيرها من الكنايات ألا ~~ترى أن طول النجاد دليل على طول القامة ولازم له وكذلك يقال فلان عظيم ~~الرماد أي كثير إطعام الطعام وعليه ورد قول الأعرابية في حديث أم زرع في ~~وصف زوجها له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك إذا سمعن صوت PageV02P188 ~~المزهر أيقن أنهن هوالك وغرض الأعرابية من هذا القول أن تصف زوجها بالجود ~~والكرم إلا أنها لم تذكر ذلك بلفظه الصريح وإنما ذكرته من طريق الكناية على ~~وجه الإرداف الذي هو لازم له # وكذلك ورد في الأخبار النبوية أيضا وذاك أن امرأة جاءت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسألته عن غسلها من الحيض فأمرها أن تغتسل ثم قال خذي فرصة ~~من مسك فتطهري بهاقالت كيف أتطهر بها فقال تطهري بهاقالت كيف أتطهر بها قال ~~سبحان اللهتطهري بهافاجتذبتها عائشة رضي الله عنها إليها وقالت تتبعي بها ~~أثر الدم فقولها أثر الدمكناية عن الفرج على طريق الإردافلأن أثر الدم في ~~الحيض لا يكون إلا في الفرج فهو رادف له # ومما ورد من ذلك شعرا قول عمر بن أبي ربيعة # ( بعيدة مهوى القرط إما لنوفل % أبوها وإما عبد شمس وهاشم ) # فإن بعد مهوى القرط دليل على طول العنق # ومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظه مثلكقول الرجل إذا نفى عن نفسه ~~القبيح مثلي لا يفعل هذا أي أنا لا أفعله فنفي ذلك عن مثله ويريد نفيه عن ~~نفسهلأنه إذا نفاه عمن يماثله ويشابهه فقد نفاه عن نفسه لا محالة إذ هو ~~ينفي ذلك عنه أجدر وكذلك يقال مثلك إذا سئل أعطى أي أنت إذا سئلت أعطيت ~~وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنه يجعل من جماعة هذه أوصافهم تثبيتا ~~للأمر وتوكيدا ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه ولم يرس فيه قدمه ms437 وهذا مثل ~~قول القائل إذا كان في مدح إنسان أنت من القوم الكرام أي لك في هذا الفعل ~~سابقة وأنت حقيق به ولست دخيلا فيه PageV02P189 # وقد ورد هذا في القرآن الكريم كقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير @QE@ والفرق بين قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وبين قوله ليس كالله ~~شيء هو ما أشرت إليه وإن كان الله سبحانه وتعالى لا مثل له حتى يكون لمثله ~~مثل وإنما ذكر ذلك على طريق المجاز قصدا للمبالغة # وقد يأتي هذا الموضع بغير لفظة مثل وهي مقصودة كقولك للعربي العرب لا ~~تخفر الذمم أي أنت لا تخفر الذمم وهذا أبلغ من قولك أنت لا تخفر الذمم وهذا ~~أبلغ من قولك أنت لا تخفر الذمملما أشرت إليه # وعلى نحو من هذا جاء قول أبي الطيب المتنبي # ( ألست من القوم الذي من رماحهم % نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل ) # وإذا فرغت من ذكر الأصول التي قدمت ذكرها فإني أتبعها بضرب الأمثلة نثرا ~~ونظما حتى يزداد ما ذكرته وضوحا PageV02P190 فمن ذلك ما ورد في القرآن ~~الكريم نحو قوله تعالى @QB@ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا @QE@ فإنه ~~كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله ثم لم يقتصر على ذلك حتى ~~جعله ميتا ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة فهذه أربع ~~دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجلهفأما جعل ~~الغيبة كأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدالأن الغيبة إنما ~~هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم وتمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من ~~يغتابهلأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة ~~من الكراهة لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها آمران بتركها والبعد ~~عنها ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته ومن المعلوم أن لحم ~~الإنسان مستكره عند إنسان آخر إلا أنه لا يكون مثل كراهته لحم أخيه فهذا ~~القول مبالغة في استكراه الغيبة وأما جعل اللحم ميتا فمن أجل أن ms438 المغتاب لا ~~يشعر بغيبته ولا يحس بها وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا ~~بالمحبة فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها مع العلم ~~بقبحهافانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبهالأنك ~~إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها وجدتها ~~مناسبة لما قصدت له # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ~~تطؤوها @QE@ والأرض التي لم يطئوها عن مناكح النساء وذلك من حسن الكناية ~~ونادره # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل ~~السيل زبدا رابيا @QE@ فكنى بالماء عن العلم وبالأودية عن القلوب وبالزبد ~~عن الضلال وهذه الآية قد ذكرها أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه ~~الموسوم بإحياء الله علوم الدينوفي كتابه المواسم بالجواهر والأربعينوأشار ~~بها إلى أن في القرآن الكريم إشارات وإيماآت لا تنكشف إلا بعد الموت وهذا ~~يدل على أن الغزالي رحمه الله لم يعلم أن هذه الآية من باب الكنايات الذي ~~لفظها يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز PageV02P191 # وقد رأيت جماعة من أئمة الفقه لا يحققون أمر الكناية وإذا سئلوا عنها ~~عبروا عنها بالمجاز وليس الأمر كذلك وبينهما وصف جامع كهذه الآية وما جرى ~~مجراها فإنه يجوز حمل الماء على المطر النازل من السماء وعلى العلم وكذلك ~~يجوز حمل الأودية على مهابط الأرض وعلى القلوب وهكذا يجوز حمل الزبد على ~~الغثاء الرابي الذي تقذفه السيول وعلى الضلال وليس في أقسام المجاز شيء ~~يجوز حمله على الطرفين معا سوى الكناية # وبلغني عن الفراء النحوي انه ذكر في تفسيره آية وزعم أنها كناية وهي قوله ~~تعالى @QB@ وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال @QE@ فقال إن الجبال كناية عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~جاء به من الآيات وهذه الآية من باب الاستعارة لا من باب الكناية لأن ~~الكناية لا تكون إلا فيما جاز حمله على جانبي المجاز والحقيقة والجبال ههنا ~~لا ms439 يصح بها المعنى إلا إذا حملت على جانب المجاز خاصة لأن مكر أولئك لم يكن ~~لتزول منه جبال الأرضفإن ذلك محال # وأما ما ورد منها في الأخبار النبوية فقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~إنه كانت امرأة فيمن كان من قبلنا وكان لها ابن عم يحبها فراودها عن نفسها ~~فامتنعت عليه حتى إذا أصابتها شدة فجاءت إليه تسأله فراودها فمكنته من ~~نفسهافلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة قالت له لا يحل لك أن تفض الخاتم ~~إلا بحقهفقام عنها وتركها وهذه كناية واقعة في موقعها # ومن ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم ( رويدك سوقك بالقوارير ) ~~يريد بذلك النساء فكنى عنهن بالقوارير وذاك أنه كان في بعض أسفاره وغلام ~~أسود اسمه أنجشة يحدو فقال له ( يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير ) وهذه ~~كناية لطيفة # وكذلك ورد حديث الحديبية وذاك أنه لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الركية جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من أهل تهامه فقال ~~تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ ~~المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت وهذه كناية عن النساء والصبيان ~~والعوذ جنع عائذ PageV02P192 وهي الناقة التي وضعت وقوي ولدها وهذا يجوز ~~حمله على طريق الحقيقة كما جاز حمله على طريق المجاز أي معهم الأموال من ~~الإبل وهي كانت جل أموال العرب أي أنهم قد أحضروا أموالهم ليقاتلوا ~~دونهاولما جاز حمل العوذ المطافيل على النساء والصبيان وعلى الأموال كان من ~~باب الكناية # ومن ذلك ما ورد في إقامة الحد على الزاني وهو أن يشهد عليه برؤية الميل ~~في المكلحة وذلك كناية عن رؤية الفرج في الفرج # ومن لطيف الكناية أن امرأة جاءت إلى عائشة رضي الله عنها فقالت لها أقيد ~~جملي فقالت عائشة رضي الله عنها لا أرادت المرأة أنها تصنع لزوجها شيئا ~~يمنعه عن غيرها أي تربطه أن يأتي غيرها فظاهر هذا اللفظ هو تقييد الجمل ~~وباطنه ما أرادته المرأة وفهمته عائشة منها ms440 # وكذلك يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذاك أنه جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت قال ( وما أهلكك ) قال حولت رحلي ~~البارحة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة # ويروى أن عمرو بن العاص زوج ولده عبد الله رضي الله عنه فمكثت المرأة ~~عنده ثلاث ليال لم يدن منه وإنما كان ملتفتا إلى صلاته فدخل عليها عمرو بعد ~~ثلاث فقال كيف ترين بعلك فقالت نعم البعل إلا أنه لم يفتش لنا كنفا ولا قرب ~~لنا مضجعا فقولهالم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعامن الكناية الغراء ~~الظاهرة # ومن ألطف ما بلغني في هذا قول عبد الله بن سلام فإنه رأى على رجل ثوبا ~~معصفرا فقال لو أن ثوبك في تنور اهلك أو تحت قدرهم كان خيرا فذهب الرجل ~~فأحرقه نظرا إلى حقيقة قول عبد الله وظاهر مفهومه وإنما أراد المجاز منه ~~وهو أنك لو صرفت ثمنه إلى دقيق تخبزه أو حطب تطبخ به كان خيرا والمعنى ~~متجاذب بين هذين الوجهين فالرجل فهم منه الظاهر الحقيقي فمضى فأحرق ثوبه ~~ومراد عبد الله غيره PageV02P193 ومن هذا القسم ما ورد في أمثال العرب ~~كقولهم إياك وعقيلة الملح وذاك كناية عن المرأة الحسناء في منبت السوءفإن ~~عقيلة الملح هي اللؤلؤة وتكون في البحر فهي حسنة وموضعها ملح # وكذلك قولهم لبس له جلد النمركناية عن العداوة وقد يقاس على هذا أن يقال ~~ليس له جلد الذئب ولبس له جلد الأرقم لأن هذا كله مثل قولهم لبس له جلد ~~النمر إذا العداوة محتملة في الجميع وكذلك قولهم قلب لهم ظهر المجن كناية ~~عن تغيير المودة # ومما ورد في ذلك شعرا قول أبي نواس # ( لا أذود الطير عن شجر % قد بلوت المر من ثمره ) # وهذا له حكاية وهو أنه كان لأبي نواس صديقة تغشاه فقيل له إنها تختلف إلى ~~آخر من أهل الريب فلم يصدق ذلك حتى تبعها يوما من الأيام فرآها تدخل منزل ms441 ~~ذلك الرجل ثم إن ذلك الرجل جاءه وكان صديقا له فكلمه فصرف وجهه عنه ثم نظم ~~قصيدته المشهورة التي مطلعها # ( أيها المنتاب عن عفره % ) # وهذا البيت من جملة أبياتها # وكذلك ورد قوله أيضا # ( وناظرة إلي من النقاب % تلاحظني بطرف مستراب ) # ( كشفت قناعها فإذا عجوز % مموهة المفارق بالخضاب ) # ( فما زالت تحمسني طويلا % وتأخذ في أحاديث التصابي ) PageV02P194 # ( تحاول أن يقوم أبو زياد % ودون قيامه شيب الغراب ) # ( أتت بجرابها تكتال فيه % فقامت وهي فارغة الجراب ) # فقوله أتت بجرابها تكتال فيه من باب الكناية إذا الجراب يجوز حمله على ~~الحقيقة والمجاز وكذلك الكيل أيضا # ومما جاء من هذا الباب قول أبي تمام في قصيدته التي يستعطف بها مالك بن ~~طوق على قومهومطلعها # ( أرض مصردة وأرض تثج % ) # ( مالي رأيت ترابكم يبس الثرى % مالي أرى أطوادكم تتهدم ) # فيبس الثرى كناية عن تنكر ذات البين تقول يبس الثرى بيني وبين فلانإذا ~~تنكر الود الذي بينك وبينه وكذلكتهدم الأطوادفإنه كناية عن خفة الحلوم وطيش ~~العقول # ومن الكناية الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يعاتب فيها سيف ~~الدولة بن حمدان التي مطلعها PageV02P195 # ( واحر قلباه ممن قلبه شبم % ) # ( وشر ما قنصته راحتي قنص % شهب البزاة سواء فيه والرخم ) # يشير بذلك إلى أن سيف الدولة يستوي في المنال منه هو وغيرهفهو البازي ~~وغيره الرخمة وإن حمل المعنى على جانب الحقيقة كان جائزا # وعلى هذا ورد قول الأقيشر الأسدي وكان عنينا لا يأتي النساء وكان كثيرا ~~ما يصف ذلك من نفسه فجلس إليه يوما رجل من قيس فأنشده الأقيشر # ( ولقد أروح بمشرف ذي ميعة % عسر المكرة ماؤه يتفصد ) # ( مرح يطير من المراح لعابه % ويكاد جلد إهابه يتقدد ) # ثم قال له أتبصر الشعر قال نعم قال فما وصفت قال فرسا قال أفكنت تركبه لو ~~رأيته قال إي والله وأثني عطفه فكشف له عن أيره وقال هذا وصفت فقم فاركبه ~~فوثب الرجل عن مكانه وقال قبحك الله من جليس سائر اليوم # وكذلك أيضا يحكى أنه وفد سعيد بن عبد الرحمن على هشام ms442 بن عبد الملك وكان ~~جميل الوجه فاختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن زيد فراوده ~~عن نفسه فوثب من عنده ودخل على هشام مغضبا وهو يقول # ( إنه والله لولا أنت لم % ينج مني سالما عبد الصمد ) PageV02P196 # فقال هشام ولم ذلك قال # ( إنه قد رام مني خطة % لم يرمها قبله مني أحد ) # قال ما هي قال # ( راح جهلا بي وجهلا بأبي % يدخل الأفعى على حبس الأسد ) # قال فضحك هشام وقال لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك # ومن ألطف ما سمعته في هذا الباب قول أبي نواس في الهجاء # ( إذا ما كنت جار أبي حسين % فنم ويداك في طرف السلاح ) # ( فإن له نساء سارقات % إذا ما بتن أطراف الرماح ) # ( سرقن وقد نزلت عليه أيري % فلم أظفر به حتى الصباح ) # ( فجاء وقد تخدش جانباه % يئن إلي من ألم الجراح ) # فتعبيره عن العضو المشار إليه بأطراف الرماح تعبير في غاية اللطافة ~~والحسن # وقد أدخل في باب الكناية ما ليس منه كقول نصيب # ( فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله % ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ) # وهذا يروي عن الجاحظ وما أعلم كيف ذهب عليه مع شهرته بالمعرفة بفن ~~الفصاحة والبلاغة فإن الكناية هي ما جاز حمله على جانب الحقيقة كما يجوز ~~حمله على جانب المجاز ههنا لا يصح ذلك ولا يستقيملأن الثناء للحقائب لا ~~يكون إلا مجازا وهذا من باب التشبيه المضمر الأداة الخارج عن الكناية ~~والمراد به أن في الحقائب من عطاياك ما يعرب عن الثناء لو سكت أصحابها عنه # وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية فإنه لا يحسن استعمالهلأنه ~~عيب في الكلام فاحش وذلك لعدم الفائدة المرادة من الكناية فيه PageV02P197 # فما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة # ( إن لم تكن نصلا فغمد نصال % ) # وفي هذا من سوء الكناية ما لا خفاء بهفإن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ~~ما يقبح ذكره وهذا المعنى أخذه من قول الفرزدق فمسخه وشوه صورتهفإن الفرزدق ~~رثى امرأته فقال # ( وجفن سلاح قد رزئت ms443 فلم أنح % عليه ولم أبعث إليه البواكيا ) # ( وفي جوفه من دارم ذو حفيظة % لو أن المنايا أمهلته لياليا ) # وهذا حسن بديع في معناه وما كني عن امرأة ماتت بجمع أحسن من هذه الكناية ~~ولا أفخم شأن فجاء الشريف الرضي فأخذ معناها وفعل به ما ترى وليس كل من ~~تصرف في المعاني أحسن في تصريفها وأبقى هذه الرموز في تأليفها # وقد عكس هذه القصة مع أبي الطيب المتنبي فأحسن فيما أساء به أبو الطيب ~~طريق الكناية فأخطأ حيث قال PageV02P198 # ( إني على شغفي بما في خمرها % لأعف عما في سراويلاتها ) # وهذه كناية عن النزاهة والعفة إلا أن الفجور أحسن منها # وقد أخذ الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أجمل صورة حيث قال # ( أحن إلى ما تضمن الخمر والحلى % وأصدف عما في ضمان المآزر ) # وأمثال هذا كثير وفيما ذكرناه من هذين المثالين مقنع وأما التعريض فقد ~~سبق الإعلام به وعرفناك الفرق بينه وبين الكناية # فما جاء منه قوله تعالى @QB@ قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال ~~بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون @QE@ وغرض إبراهيم صلوات الله ~~عليه من هذا الكلام إقامة الحجة عليهملأنه قال @QB@ فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون @QE@ وذلك على سبيل الاستهزاء وهذا من رموز الكلام والقول فيه أن ~~قصد إبراهيم عليه السلام لم يرد به نسبة الفعل الصادر عنه إلى الضم وإنما ~~قصد تقريره لنفسه وإثباته على أسلوب تعريض يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجة ~~عليهم والاستهزاء بهم وقد يقال في هذا غير ما أشرت إليه وهو أن كبير ~~الأصنام غضب أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها وغرض إبراهيم عليه ~~السلام من ذلك أنه لا يجوز أن يعبد مع الله تعالى من هو دونهفإن من دونه ~~مخلوق من مخلوقاته فجعل إحالة القول إلى كبير الأصنام مثالا لما أراده # ومن هذا القسم أيضا قوله تعالى @QB@ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما ~~نرى لكم علينا ms444 من فضل بل نظنكم كاذبين @QE@ PageV02P199 ) فقوله @QB@ ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا @QE@ تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه وأن الله لو أراد أن ~~يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم فقالوا هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم ~~في المنزلة فما جعلك أحق منهم بها ألا ترى إلى قولهم @QB@ وما نرى لكم ~~علينا من فضل @QE@ # وكان مروان بن الحكم واليا على المدينة من قبل معاوية فعزلهفلما قدم عليه ~~قال له عزلتك لثلاث لو لم تكن إلا واحدة منهن لأوجبت عزلك إحداهن أني أمرتك ~~على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه والثانية ~~كراهتك أمر زياد والثالثة أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمر بن عثمان ~~فلم تعدهافقال له مروان أما عبد الله بن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني ~~ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه وأما كراهتي أمر زياد فإن سائر بني ~~أمية كرهوه وأما استعداء رملة على عمر بن عثمان فوالله إنه لتأتي على سنة ~~وأكثر وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا يريد بذلك أن رملة بنت معاوية ~~إنما استعدت لطلب الجماع فقال له معاوية يا ابن الوزغ لست هناك فقال له ~~مروان هو ذاكوهذا من التعريضات اللطيفة # ومثله في اللطافة ما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذاك أنه كان ~~يخطب يوم جمعة فدخل عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال عمر أية ساعة هذه فقال ~~عثمان يا أمير المؤمنين انقلبت من أمر السوق فسمعت النداء فما زدت على أن ~~توضأت فقال عمر والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يأمرنا بالغسل فقوله ( أية ساعة هذه ) تعريض بالإنكار عليه لتأخره عن ~~المجيء إلى الصلاة وترك السبق إليهاوهو من التعريض المعرب عن الأدب # ووقفت في كتاب العقد على حكاية تعريضية حسنة الموقع وهي أن امرأة وقفت ~~على قيس بن عبادة فقالت أشكو إليك قلة الفأر في بيتيفقال ما أحسن ما ورت عن ~~حاجتها املئوا لها بيتها ms445 خبزا وسمنا ولحما # ومن خفي التعريض وغامضه ما ورد في الحديث النبوي وهو أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج PageV02P200 وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول ( والله إنكم ~~لتجبنون وتبخلون وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله وإن آخر وطأة وطئها الله بوج ~~) اعلم أن وجا واد بالطائف والمراد به غزاة حنين وحنين واد قبل وجلأن غزاة ~~حنين آخر غزاة أوقع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين وأما ~~غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة أي قتال ~~وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدو ولا قتال ووجه عطف هذا ~~الكلام وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( وإن آخر وطأة وطئها الله بوج ) على ~~ما قبله من الحديث هو التأسف على مفارقة أولادهلقرب وفاتهلأن غزوة حنين ~~كانت في شوال سنة ثمان ووفاته صلى الله عليه وسلم كانت في ربيع الأول من ~~سنة إحدى عشرة وبينهما سنتان ونصف فكأنه قال وإنكم لمن ريحان الله أي من ~~رزقه وأنا مفارقكم عن قريب إلا أنه صانع عن قوله وأنا مفارقكم عن قريب ~~بقوله ( إن آخر وطأة وطئها الله بوج ) وكان ذلك تعريضا بما أراده وقصده من ~~قرب وفاته صلى الله عليه وسلم # ومما ورد من هذا الباب شعرا قول الشميذر الحارثي # ( بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما % دفنتم بصحراء الغمير القوافيا ) # وليس قصده ههنا الشعربل قصده ما جرى لهم في هذا الموضع من الظهور عليهم ~~والغلبة إلا أنه لم يذكر ذلك بل ذكر الشعر وجعله تعريضا بما قصده أي لا ~~تفخروا بعد تلك الواقعة التي جرت لكم ولنا بذلك المكان # ومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة الكاتب إلى المأمون في أمر بعض ~~أصحابه وهو أما بعدفقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين ليتطول في إلحاقه ~~بنظرائه من الخاصة فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين ~~وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته فوقع المأمون في ظهر كتابه قد عرفت تصريحك ~~وتعريضك لنفسك وقد ms446 أجبناك إليهما PageV02P201 # واعلم أن هذين القسمين من الكناية والتعريض قد وردا في غير اللغة العربية ~~ووجدتهما كثيرا في اللغة السريانية فإن الإنجيل الذي في أيدي النصارى قد ~~أتى منهما بالكثير # ومما وجدته من الكناية في لغة الفرس أنه كان رجل من أساورة كسرى وخواصه ~~فقيل إن الملك يختلف إلى امرأتك فهجرها لذلك وترك فراشها فأخبرت كسرى فدعاه ~~وقال له قد بلغني أن لك عينا عذبة وأنك لا تشرب منهافما سبب ذلك قال أيها ~~الملك بلغني أن الأسد يردها فخفته فاستحسن كسرى منه هذا الكلام وأسنى عطاءه ~~PageV02P202 & النوع العشرون & # | في المغالطات المعنوية # وهذا النوع من أحلى ما استعمل من الكلام وألطفهلما فيه من التورية # وحقيقته أن يذكر معنى من المعاني له مثل في شيء آخر ونقيض والنقيض أحسن ~~موقعا وألطف مأخذا # فالأول الذي يكون له مثل يقع في الألفاظ المشتركة فمن ذلك قول أبي الطيب ~~المتنبي # ( يشلهم بكل أقب نهد % لفارسه على الخيل الخيار ) # ( وكل أصم يعسل جانباه % على الكعبين منه دم ممار ) # ( يغادر كل ملتفت إليه % ولبته لثعلبه وجار ) # فالثعلب هو هذا الحيوان المعروف والوجار اسم بيته والثعلب أيضا هو طرف ~~PageV02P203 سنان الرمحفلما اتفق الاسمان بين الثعلبين حسن ذكر الوجار في ~~طرف السنان وهذا نقل المعنى من مثل إلى مثله # وعليه ورد قول المتنبي أيضا # ( برغم شبيب فارق السيف كفه % وكانا على العلات يصطحبان ) # ( أن رقاب الناس قالت لسيفه % رفيقك قيسي وأنت يماني ) # فإن شبيبا الخارجي الذي خرج على كافور الإخشيدي وقصد دمشق وحاصرها وقتل ~~على حصارهاكان من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب وأخبار ذلك ~~مشهورة والسيف يقال لهيمانيفي نسبته إلى اليمن ومراد المتنبي من هذا البيت ~~أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك ~~قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة وهي كالأولى إلا أنها أدق ~~وأغمض # وكذلك ورد قول بعضهم من أبيات يهجو بها شاعرا فجاء من جملتها قوله # ( وخلطتم بعض القران ببعضه % فجعلتم الشعراء في الأنعام ) ومعنى ms447 ذلك أن ~~الشعراء اسم سورة من القرآن الكريم والأنعام اسم سورة أيضا والشعراء جمع ~~شاعر والأنعام ما كان من الإبل والبقر PageV02P204 وكذلك ورد قول بعض ~~العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل رضي الله عنه ثم انتقل إلى ~~مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ثم انتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه # ( من مبلغ عني الوجيه رسالة % وإن كان لا تجدي لديه الرسائل ) # ( تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل % وفارقته إذ أعوزتك المآكل ) # ( وما اخترت رأي الشافعي تدينا % ولكنما تهوى الذي منه حاصل ) # ( وعما قليل أنت لا شك صائر % إلى مالك فافطن لما أنا قائل ) # ومالك هو مالك ابن أنس صاحب المذهب رضي الله عنه ومالك هو خازن النار ~~وهذه مغالطة خفيفة # ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل # ( صلب العصا بالضرب قد دماها % تود أن الله قد أفناها ) # ( إذا أرادت رشدا أغواها % محاله من رقه إياها ) # فالضرب لفظ مشتركيطلق على الضرب بالعصا وعلى الضرب في الأرض وهو المسير ~~فيها وكذلك دماها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين أحدهما يقال دماهإذا أسال ~~دمه ودماهإذا جعله كالدمية وهي الصورة وهكذا لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب ~~الثعلب وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية يقال أفناهإذا أذهبه ~~وأفناهإذا أطعمه الفناءوهو عنب الثعلب والرشد والغوى نبتان يقال أغواهإذا ~~أضله وأغواهإذا أطعمه الغوى ويقال طلب رشدا إذا طلب ذلك النبت وطلب رشداإذا ~~طلب الهداية وبعض الناس يظن هذه الأبيات من باب اللغز وليس كذلكلأنها تشتمل ~~على ألفاظ مشتركة وذلك معنى ظاهر يستخرج من دلالة اللفظ عليه واللغز هو ~~الذي يستخرج من طريق الحزر والحدس لا من دلالة اللفظ عليه وسأوضح ذلك ~~إيضاحا جليا في النوع الحادي والعشرين وهو الذي يتلو هذا النوعفليؤخذ من ~~هناك PageV02P205 # ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~سائرا بأصحابه يقصد بدرا فلقيهم رجل من العرب فقال ممن القوم فقال النبي ~~صلى الله عليه ms448 وسلم ( من ماء ) فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول من ماء من ~~ماءلينظر أي بطون العرب يقال لها ماء فسار النبي صلى الله عليه وسلم لوجهته ~~وكان قصده أن يكتم أمره وهذا من المغالطة المثلية لأنه يجوز أن يكون بعض ~~بطون العرب يسمى ماء ويجوز أن يكون المراد أن خلقهم من ماء # وقد جاءني شيء من ذلك من الكلام المنثور # فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد ~~والثلجفقلت ومن صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه والدمع في طرفه وربما ~~تعدى إلى قليب الخاطر فأجفه أن يجري بوصفهفالشمس مأسورة والنار مقرورة ~~والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة ~~لم تخض # ومكان المغالطة من هذا الكلام في قولي ( والأرض شهباء غير أنها حولية لم ~~ترض ) فإن الشهباء من الخيل يقال فيها حولية أي لها حول ويقال أنها مروضة ~~أي ذللت للركوب وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية وقولي لم ~~ترضأي لم تسلك بعد # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريمفقلت ولقد نزلت منه بمهلبي الصنع أحنفي ~~الأخلاق ولقيته فكأني لم أرع ممن أحب بلوعة الفراق ولا كرامة للأهل والوطن ~~حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة ~~فاستولدتها بجواره حسنا # وهذه تورية لطيفة فإن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن رضي ~~الله عنهما ولدها وفاطمة هي اسم فاعلة من الفطام يقال فطمت فهي فاطمة كما ~~يقال فطم فهو فاطم والحسن هو الشيء الحسن # ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان فقلت ~~PageV02P206 وعهده بقلمي وهو يتحلى من البيان بأسمائه وتبرز أنوار المعاني ~~من ظلمائه وقد أصبحت يدي منه وهي حمالة الحطب وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن ~~كان أبا لهب # وهذا أحسن من الأول وأخلب عبارة فانظر أيهل المتأمل إلى ما فيه من ~~التورية اللطيفة ألا ترى أن الخاطر يحمد فيوصف ms449 بأنه وقاد وملتهب ويذم فيوصف ~~بأنه بليد وجاهلوأبو لهب وأبو جهل هما الرجلان المعروفان وكذلك حمالة الحطب ~~هي المرأة المعروفة وإذا ذم القلم قيل إنه حطب وإنه صاحبه حاطبفلما نقلت ~~أنا هذا إلى المعنى الذي قصدته جئت به على حكم المغالطة ووريت فيه تورية ~~والمسلك إلى مثل هذه المعاني وتصحيح المقصد فيها عسر جدا لا جرم أن الإجادة ~~فيها قليلة # ومما يجري هذا المجرى ما ذكرته في وصف شخص بمعالي الأمور وهو من أبر ~~مساعيه أنه حاز قفل المكرمات ومفتاحها فإذا سئل منقبة كان مناعها وإذا سئل ~~موهبة كان مناحها وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنة الصعاب وألان جماحها ~~فإذا شهد حومة حرب كان منصورها وإذا لقي مهجة خطب كان سفاحها # والمغالطة في هذا الكلام في ذكر المنصور والسفاحفإنهما لقب خليفتين من ~~بني العباس والسفاح أول خلفائهم والمنصور أخوه الذي ولي الخلافة من بعده ~~وهما أيضا من النصر في حومة الحرب والسفح الذي هو الإراقة والمهجة دم ~~القلبفكأني قلت هو منصور في حومة الحرب ومريق لدم الخطوب وقد اجتمع في هذا ~~الكلام المنصور والمنصور والسفاح والسفاح وهذا من المغالطة المثلية لا من ~~النقيضية ولا خفاء بما فيها من الحسن # ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوانفقلت وقد علمت أن ذلك الأنس ~~بقربه يعقب إيحاشا وأن تلك النهلة من لقائه تجعل الأكباد عطاشافإن من شيمة ~~الدهر أن يبدل الصفو كدرا ويوسع أيام عقوقه طولا وأيام بره قصراوما أقول ~~PageV02P207 إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها حد القطع ورأى ~~العيش فيها خفضا فأزاله بعامل الرفع # والمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفعفإن الخفض هو سعة العيش ~~والخفض هو أحد العوامل النحوية والرفع هو من قولنا رفعت الشيء إذا أزلته ~~والرفع هو أحد العوامل النحوية أيضا وهذا من المغالطات الخفية # ومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمى وكنت إذ ذاك بحصن سميساط وهو بلد ~~من بلاد الأرمن فقلت ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض ms450 أن الحمى خيمت بها ~~فاستقرت ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها فترى وقد أخذتها النافض ~~فاقشعرت ولم يشكل أمرها إلا لأنها حمى أرمنية مستعجمة اللسان وقد تشتبه ~~الأمراض وأهل بلادها في الأبان وإذا كانت الحمى كافرة لم تزل للمسلم حربا ~~وشكاتها لا تسمى شكاة وإنما تسمى طعنا وضربا ولهذا صارت الأدوية في علاجها ~~ليست بأدوية وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية وليس ~~موسمها في فصل معلوم بل كل فصول العام من مواسمها ولو كاتبتها نصيبين أو ~~ميافارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها # والمغالطة ههنا في قولي ( وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام ~~تروية ) والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير ترو أي من غير تلبث ويوم النحر ~~هو يوم عيد الأضحى وقبله يسمى يوم التروية فالمغ الطة حصلت بين نحر الحمى ~~للناس ونحر الضحايا إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم تروية ولا خفاء بما في هذه ~~المغالطة من الحسن واللطافة # وأما القسم الآخر وهو النقيض فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله لأنه ~~لا يتهيأ استعماله كثيرا # فمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم وهو قوله # ( وما أشياء تشريها بمال % فإن نفقت فأكسد ما تكون ) PageV02P208 # يقال نفقت السلعة إذا راجت وكان لها سوق ونفقت الدابة إذا ماتت وموضع ~~المناقضة ههنا في قوله إنها إذا نفقت كسدت فجاء بالشيء ونقيضه وجعل هذا ~~سببا لهذا وذلك من المغالطة الحسنة # ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من بلاد ~~الكفارفقلت في آخر الكتاب وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع ~~التي اختصرها ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها ويكون مكانه من ~~النباهة كريما كمكانها وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانا مؤهل لإبداع ~~حسانها والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال ~~وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال والليالي والأيام لها رواة فما الظن ~~برواية الأيام والليال # في هذا الفصل مغالطة نقيضه ومغالطة مثلية أما ms451 المغالطة المثلية فهي في ~~قولي وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوالوقد تقدم الكلام على هذا وما يجري ~~مجراه في القسم الأولوأما المغالطة النقيضية فهي قولي وهو راوي أخبار نصرها ~~التي صحتها في تجريح الرجلوموضع المغالطة منه أنه يقال في رواة الأخبار ~~فلان عدل صحيح الرواية وفلان مجروح أي سقيم الرواية غير موثوق به فأتيت ~~بهذا المعنى على وجه النقيض فقلت صحة أخبار هذه الفتوح في تجريح الرجل أي ~~تجريحهم في الحرب وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به # وقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع # فإن قيل إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد ~~PageV02P209 ومعناه مختلف كالمثال الذي مثلته في قول أبي الطيب المتنبي ~~ثعلب ووجار فإن الثعلب هو الحيوان المعروف وهو أيضا طرف السنان وكذلك باقي ~~الأمثلة # قلت في الجواب إن الفرق بين هذين النوعين ظاهر وذاك أن التجنيس يذكر فيه ~~اللفظ الواحد مرتينفهو يستوي في الصورة ويختلف في المعنى كقول أبي تمام # ( بكل فتى ضرب يعرض للقنا % محيا محلى حليه الطعن والضرب ) # فالضرب الرجل الخفيف والضرب هو الضرب بالسيف في القتال فاللفظ لا بد من ~~ذكره مرتين والمعنى فيه مختلف والمغالطة ليست كذلك بل يذكر فيها اللفظ مرة ~~واحدة ويدل به على مثله وليس بمذكور PageV02P210 # | النوع الحادي والعشرون # # | في الأحاجي # وهي الأغاليط من الكلام وتسمى الألغازجمع لغز وهو الطريق الذي يلتوي ~~ويشكل على سالكه وقيل جمع لغز بفتح اللام وهو ميلك بالشيء عن وجهه وقد يسمى ~~هذا النوع أيضا المعمى وهو يشتبه بالكناية تارة وبالتعريض أخرى ويشتبه أيضا ~~بالمغالطات المعنوية ووقع في ذلك عامة أرباب هذا الفن # فمن ذلك أن أبا الفرج الأصفهاني ذكر بيتي الأقيشر الأسدي في جملة الألغاز ~~وهما # ( ولقد أروح بمشرف ذي ميعة % عسر المكرة ماؤه يتفصد ) # ( مرح يطير من المراح لعابه % ويكاد جلد إهابه يتقدد ) # هذان البيتان من باب الكناية لأنهما يحملان على الفرس وعلى العضو المخصوص ~~وإذا حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز فكيف يعد من جملة ms452 الألغاز PageV02P211 ~~وكذلك فعل الحريري في مقاماتهفإنه ذكر في الأحاجي التي جعلها على حكم ~~الفتاوي كناية ومغالطة معنوية وظن أنهما من الأحاجي الملغزة كقوله أيحل ~~للصائم أن يأكل نهارا والنهار من الأسماء المشتركة بين النهار الذي هو ضد ~~الليل وبين فرخ الحبارى فإنه يسمى نهارا وإذا كان من الأسماء المشتركة صار ~~من باب المغالطات المعنوية لا من باب الأحاجي والألغاز شيء منفصل عن ذلك ~~كله ولو كان من جملته لما قيل لغز وأحجية وإنما قيل كناية وتعريض أو مغالطة ~~ولكن وجد من الكلام ما يطلق عليه الكناية ومنه ما يطلق عليه التعريض ومنه ~~ما يطلق عليه المغالطة ومنه شيء آخر خارج عن ذلكفجعل لغزا وأحجية # وكنت قدمت القول بأن الكناية هي اللفظ الدال على جانب الحقيقة وعلى جانب ~~المجاز فهو يحمل عليهما معا وأن التعريض هو ما يفهم من عرض اللفظ لا من ~~دلالته عليه حقيقة ولا مجاز وأن المغالطة هي التي تطلق ويراد بها شيئان ~~أحدهما دلالة اللفظ على معنيين بالاشتراك الوضعي والآخر دلالة اللفظ على ~~المعنى ونقيضه # وأما اللغز والأحجية فإنهما شيء واحد وهو كل معنى يستخرج بالحدس والحزرلا ~~بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجاز ويفهم من عرضهلأن قول القائل في الضرس # ( وصاحب لا أمل الدهر صحبته % يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد ) # ( ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت % عيني عليه افترقنا فرقة الأبد ) # لا يدل على أنه الضرس لا من طريق الحقيقة ولا من طريق المجاز ولا من طريق ~~المفهوم وإنما هو شيء يحدس ويحزر والخواطر تختلف في الإسراع والإبطاء عند ~~عثورها عليه PageV02P212 فإن قيل إن اللغز يعرف من طريق المفهوم وهذان ~~البيتان يعلم معناهما بالمفهوم # قلت في الجواب إن الذي يعلم بالمفهوم إنما هو التعريض كقول القائل إني ~~لفقير وإني لمحتاجفإن هذا القول لا يدل على المسألة والطلب لا حقيقة ولا ~~مجاز وإنما فهم منه أن صاحبه متعرض للطلب وهذان البيتان ليسا كذلكفإنهما لا ~~يشتملان على ما يفهم منه شيء إلا بالحدس والحزرلا غيروكذلك كل لغز من ms453 ~~الألغاز # وإذا ثبت هذا فاعلم أن هذا الباب الذي هو اللغز والأحجية والمعمى يتنوع ~~أنواعا فمنه المصحف ومنه المعكوس ومنه ما ينقل إلى لغة من اللغات غير ~~العربية كقول القائل اسمي إذا صحفته بالفارسية آخر وهذا اسمه اسم تركي وهو ~~دنكر - بالدال المهلمة والنون وآخر بالفارسية ديكر - المهملة والياء ~~المعجمة بثنتين من تحت - وإذا صفحت هذه الكلمة صارت دنكر بالنون فانقلبت ~~الياء نونا بالتصحيف وهذا غير مفهوم إلا لبعض الناس دون بعض # وإنما وضع واستعمل لأنه مما يشحذ القريحة ويحد الخاطرلأنه يشتمل على معان ~~دقيقة يحتاج في استخراجها إلى توقد الذهن والسلوك في معاريج خفية من الفكر # وقد استعمله العرب في أشعارهم قليلا ثم جاء المحدثون فأكثروا منه وربما ~~أتي منه بما يكون حسنا وعليه مسحة من البلاغة وذلك عندي بين بينفلا أعده من ~~الأحاجي ولا أعده من فصيح الكلام # فما جاء منه قول بعضهم # ( قد سقيت آبالهم بالنار % والنار قد تشفي من الأوار ) # ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم الذين هم أصحاب الإبل ذوو وجاهة وتقدم ولهم وسم ~~معلوم فلما وردت إبلهم الماء عرفت بذلك الوسمفأفرج لها الناس حتى شربتوقد ~~اتفق له أنه أتى في هذا البيت بالشيء وضده وجعل أحدهما سببا للآخر ~~PageV02P213 فصار غريبا عجيبا وذاك أنه قال سقيت بالنار وقال إن النار تشفي ~~من الأوار وهو العطش وهذا من محاسن ما يأتي في هذا الباب # ومما يجري على هذا النهج قول أبي نواس في شجر الكرم # ( لنا هجمة لا يدري الذئب سخلها % ولا راعها غض الفحالة والحظر ) # ( إذا امتحنت ألوانها مال صفوها % إلى الحو إلا أن أوبارها خضر ) ومن هذا ~~القبيل قول بعضهم # ( سبع رواحل ما ينخن من الونا % شيم تساق بسبعة زهر ) # ( متواصلات لا الدءوب يملها % باق تعاقبها على الدهر ) # هذان البيتان يتضمنان وصف أيام الزمان ولياليه وهي الأسبوعفإن الزمان ~~عبارة عنه وذلك من الألغاز الواقعة في موقعها # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي في السن من جملة قصيدته التي ~~مدح بها سيف الدول عند ms454 ذكر عبوره الفرات وهي # ( الرأي قبل شجاعة الشجعان % ) PageV02P214 فقال # ( وحشاه عادية بغير قوائم % عقم البطون حوالك الألوان ) # ( تأتي بما سبت الخيول كأنها % تحت الحسان مرابض الغزلان ) # وهذا حسن في بابه # ومن ذلك قول بعضهم في حجر المحك # ( ومدرع من صنعة الليل برده % يفوق طورا بالنضار ويطلس ) # ( إذا سألوه عن عويصين أشكلا % أجاب بما أعيا الورى وهو أخرس ) ~~PageV02P215 # وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه وكان سمعه بعض المتأخرين من أهل ~~زماننا فأجاب عنه ببيتين على وزنه قافيته وهما # ( سؤالك جلمود من الصخر أسود % خفيف لطيف ناعم الجسم أطلس ) # ( أقيم بسوق الصرف حكما كأنه % من الزنج قاض بالخلوق مطلس ) وقد رأيت هذا ~~الشاعر وهو حائك بجزيرة ابن عمر وليس عنده من أسباب الأدب شيء سوى أنه قد ~~أصلح لسانه بطرف يسير من علم النحو لا غير وهو مع ذلك يقول الشعر طبعا وكان ~~يجيد في الكثير منه # ومن الألغاز ما يرد على حكم المسائل الفقهية كالذي أورده الحريري في ~~مقاماته وكنت سئلت عن مسألة منه وهي # ( ولي خالة وأنا خالها % ولي عمة وأنا عمها ) # ( فأما التي أنا عم لها % فإن أبي أمه أمها ) # ( أبوها أخي وأخوها أبي % ولي خالة هكذا حكمها ) # ( فأين الفقيه الذي عنده % فنون الدراية أو علمها ) # ( يبين لنا نسبا خالصا % ويكشف للنفس ما همها ) # ( فلسنا مجوسا ولا مشركين % شريعة أحمد نأتمها ) وهذه المسألة كتبت إلي ~~فتأملتها تأمل غير ملجلج في الفكر ولم ألبث أن أنكشف لي ما تحتها من اللغز ~~وهو أن الخالة التي الرجل خالها تصور على هذه الصورة وذاك أن رجلا تزوج ~~امرأتين اسم إحداهما عائشة واسم الأخرى فاطمة فأولد عائشة بنتا وأولد فاطمة ~~ابنا ثم زوج بنته من أبي امرأته فاطمة فجاءت ببنت فتلك البنت هي خالة ابنه ~~وهو خالهالأنه أخو أمها وأما العمة التي هو عمها فصورتها أن رجلا له ولد ~~ولولده أخ من أمه فزوج أخاه من أمه أم أبيه فجاء بنت فتلك البنت هي ~~عمتهلأنها أخت أبيه وهو عمهالأنه أخو أبيها وأما ms455 قوله ( ولي خالة هكذا ~~حكمها ) فهو أن تكون أمها أخته وأختها أمه كما قال ( أبوها أخي PageV02P216 ~~وأخوها أبي ) وصورتها أن رجلا له ولد ولولده أخت من أمه فزوجها من أبي أمه ~~فجاءت ببنتفأختها أمه وأمها أخته # وأحسن من ذلك كله وألطف وأحلى قول بعضهم في الخلخال # ( ومضروب بلا جرم % مليح اللون معشوق ) # ( له قد الهلال على % مليح القد ممشوق ) # ( وأكثر ما يرى أبدا % على الأمشاط في السوق ) # وبلغني أن بعض الناس سمع هذه الأبياتفقال قد دخلت السوق فما رأيت على ~~الأمشاط شيئا وظن أنها الأمشاط التي يرجل بها الشعر وأن السوق سوق البيع ~~والشراء # واعلم أنه قد يأتي من هذا النوع ما هو ضروب وألوانفمنه الحسن الذي أوردت ~~شيئا منه كما تراه ومنه المتوسط الذي هو دونه في الدرجة فلا يوصف بحسن ولا ~~قبح كقول بعضهم # ( راحت ركائبهم وفي أكوارها % ألفان من عم الأثيل الواعد ) # ( ما إن رأيت ولا باركب هكذا % حملت حدائق كالظلام الراكد ) # وهذا يصف قوما وفدوا على ملك من الملوك فأعطاهم نخلا وكتب لهم بها كتابا ~~والأثيل الموضع الذي كتب إليه والعم العظام الرءوس من النخيل والواعد ~~الأقناء من النخل فلما حملوا الكتب في أكوارهم فكأنهم حملوا النخل وهذا من ~~متوسط الألغاز # وقد جاء من ذلك ما هو بشع باردفلا يستخرج إلا بمسائل الجبر والمقابلة أو ~~بخطوط الرمل من القبض الداخل أو القبض الخارج والبياض والحمرة وغيرها ~~PageV02P217 ولئن كان معناه دقيقا يدل على فرط الذكاء فإني لا أعده من ~~اللغة العربية فضلا عن أن يوصف بصفات الكلام المحمودة ولا فرق بينه وبين ~~لغة الفرس والروم وغيرهما من اللغات في عدم الفهم # وأما ما ورد من الألغاز نثرا فقد ألغز الحريري في مقاماته ألغازا ضمنها ~~ذكر الإبرة والمرود وذكر الدينار وهي أشهر كما يقال من قفا نبكفلا حاجة إلى ~~إيرادها في كتابي هذا # وقد ورد من الألغاز شيء في كلام العرب المنثور غير أنه قليل بالنسبة إلى ~~ما ورد في أشعارها وقد تأملت القرآن الكريم فلم أجد فيه ms456 شيئا منها ولا ~~ينبغي أن يتضمن منها شيئالأنه لا يستنبط بالحدس والحرز كما تستنبط الألغاز # وأما ما ورد للعرب فيروى عن امريء القيس وزوجته عدة من الألغاز وذاك أنه ~~سألها قبل أن يتزوجهافقال ما اثنان وأربعة وثمانية فقالت أما الإثنان فثديا ~~المرأة وأما الأربعة فأخلاف الناقة وأما الثمانية فأطباء الكلبة ثم إنه ~~تزوجها وأرسل إليها هدية على يد عبد له وهي حلة من عصب اليمن ونحي من عسل ~~ونحي من سمن فنزل العبد ببعض المياه ولبس الحلة فعلق طرفها بسمرة فانشق ~~وفتح النحيين وأطعم أهل الماء ثم قدم على المرأة وأهلها خلوف فسأل عن أبيها ~~وأمها وأخيها ودفع إليها الهدية فقالت له أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدا ~~ويبعد قريبا وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين وأن أخي يرقب الشمس وأخبره أن ~~سماءكم انشقت وأن وعاءيكم نضبا فعاد العبد إلى امرىء القيس وأخبره بما ~~قالته له فقال أما أبوها فإنه ذهب يحالف قوما على قومه وأما أمها فإنها ~~ذهبت تقبل امرأة وأما أخوها فإنه في سرح يرعاه إلى أن تغرب الشمس وأما ~~قولها ( إن PageV02P218 سماءكم انشقت ) فإن الحلة انشقت وأما قولها إن ~~وعائيكم نضبافإن النحيين نقصا ثم قال للعبد أصدقني فقال له إني نزلت بماء ~~من مياه العرب وفعلت كذا وكذا # فهذا وأمثاله قد ورد عنهم إلا أنه يسير # وكذلك يروى عن شن بن أقصى وكان ألزم نفسه ألا يتزوج إلا امرأة تلائمه ~~فصاحبه رجل في بعض أسفاره فلما أخذ منهما السير قال له شن أتحملني أم أحملك ~~فقال له الرجل يا جاهلهل يحمل الراكب راكبا فأمسك عنه وسارا حتى أتيا على ~~زرع فقال شن أترى هذا الزرع قد أكل فقال له يا جاهلأما تراه في سنبله فأمسك ~~عنه ثم سارا فاستقبلتهما جنازة فقال شن أترى صاحبها حيا فقال له الرجل ما ~~رأيت أجهل منكأتراهم حملوا إلى القبر حيا ثم إنهما وصلا إلى قرية الرجل ~~فسار به إلى بيته وكانت له بنته فأخذ يطرفها بحديث رفيقه فقالت ما نطق ms457 إلا ~~بالصواب ولا استفهم إلا عما يستفهم عن مثله أما قوله ( أتحملني أم أحملك ) ~~فإنه أراد أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع الطريق بالحديث وأما قوله ( أترى هذا ~~الزرع قد أكل ) فإنه أراد هل استسلف ربه ثمنه أم لا وأما استفهامه عن صاحب ~~الجنازة فإنه أراد هل خلف له عقبا يحيا بذكره أم لا فلما سمع كلام ابنته ~~خرج إلى شن وحدثه بتأويلها فخطبها فزوجه إياها # وأدق من هذا كله وألطف ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب شيرز وهو أولهم ~~الذي استنقذه من أيدي الروم بالمكر والخديعة ولذلك قصة ظريفة وليس هذا موضع ~~ذكرها وكان قبل ملكه إياها في خدمة محمود بن صالح صاحب حلب وكان إذ ذاك ~~يلقب بسديد الملك فنبا به مكانه وحدثت له حادثة أوجبت له أن هرب ومضى إلى ~~مدينة ترابلس في زمن بني عمار أصحاب البلد فأرسل إليه ابن صالح واستعطفه ~~ليعود إليه فخافه ولم يعد فأحضر ابن صالح رجلا من أهل حلب صديقا لابن منقذ ~~وبينه وبينه لحمة مودة أكيدة وأجلسه بين يديه وأمره أن يكتب إليه كتابا عن ~~نفسه يوثقه من جهة ابن صالح ليعود فما وسعه إلا أن يكتب وهو يعلم أن باطن ~~الأمر في ذلك خلاف ظاهره وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب PageV02P219 هلك ~~فأفكر وهو يكتب في إشارة عمياء لا تفهم ليضعها فيه يحذر بها ابن منقذ فأداه ~~فكره أن كتب في آخر الكتاب عند إنهائهإن شاء الله تعالى وشدد إن وكسرها ثم ~~سلم الكتاب إلى ابن صالح فوقف عليه وأرسله إلى ابن منقذ فلما صار في يده ~~وعلم ما فيه قال هذا كتاب صديقي وما يغشني ولولا أنه يعلم صفاء قلب ابن ~~صالح لي لما كتب إلي ولا غرني ثم عزم على العود وكان عنده ولده فأخذ الكتاب ~~وكرر نظره فيه ثم قال له يا أبت مكانك فإن صديقك قد حذرك وقال لا تعد فقال ~~وكيف قال إنه قد كتب إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب وشدد ms458 إن وكسرها ~~وضبطها ضبطا صحيحا لا يصدر مثله عن سهو ومعنى ذلك أنه يقول إن الملا ~~يأتمرون بك ليقتلوك وإن شككت في ذلك فأرسل إلى حلب # وهذا من أعجب ما بلغني من حدة الذهن وفطانة الخاطر ولولا أنه صاحب ~~الحادثة المخوفة لما تفطن إلى مثل ذلك أبدالأنه ضرب من علم الغيب وإنما ~~الخوف دله على استنباط ما استنبطه # ووجد لبعض الأدباء لغز في حمامفمنه ما أجاد فيهكقوله وقد أظلتها سماء ذات ~~نجوم لا استراق لها ولا رجوم وهي مركبة في فلك صحت استدارته وسكنت إدارته # ( أعجب بها من أنجم % عند الصباح ظاهره ) # ( لكنها إذا بدا % نجم الظلام غائره ) فهي على القياس جنة نعيم مبنية على ~~لظى جحيم لا خلود فيها ولا مقام ولا تزاور بين أهلها ولا سلام أنهارها ~~متدفقة ومياهها مترقرقة والأكواب بها موضوعة والنمارق عنها منزوعة # ( يطيع بها المولى أوامر عبده % ويصبح طوعا في يديه مقاتله ) # ( ويرفع عنه التاج عند دخوله % وتسلب من قبل الجلوس غلائله ) PageV02P220 # هذا اللغز من فصيح الألغاز لا يقال إن صاحبه في العمى صانع العكاز وإذا ~~تطرز غيره بلمعة من الوشي فهذا كله طراز # ومما سمعته من الألغاز الحسان التي تجري في المحاورات ما يحكى عن عمر بن ~~هبيرة وشريك النميري وذاك أن عمر بن هبيرة كان سائرا على برذون له وإلى ~~جانبه شريك النميري على بغلة فتقدمه شريك في المسير فصاح به عمر أغضض من ~~لجامها فقال أصلح الله الأمير إنها مكتوبة فتبسم عمر ثم قال له ويحك لم أرد ~~هذا فقال له شريك ولا أنا أردته # وكان عمر أراد قول جرير # ( فغض الطرف إنك من نمير % فلا كعبا بلغت ولا كلابا ) # فأجابه شريك بقول الآخر # ( لا تأمنن فزاريا نزلت به % على قلوصك واكتبها بأسيار ) وهذا من الألغاز ~~اللطيفة وتفطن كل من هذين الرجلين لمثله ألطف وأحسن # ومما يجري هذا المجرى أن رجلا من تميم قال لشريك النميري ما في الجوارح ~~أحب إلي من البازي فقال له شريك إذا كان يصيد القطا PageV02P221 # وكان ms459 التميمي أراد قول جرير # ( أنا البازي المطل على نمير % أتيح من السماء لها انصبابا ) وأراد شريك ~~قول الطرماح # ( تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا % ولو سلكت طرق المكارم ضلت ) # واعلم أن خواطر الناس تتفاضل كتفاضل الأشخاص ومن ههنا قيل سبحان خالق أبي ~~موسى وعمرو ابن العاص PageV02P222 # | النوع الثاني والعشرون # # | في المبادي والافتتاحات # هذا النوع هو أحد الأركان الخمسة البلاغية المشار إليها في الفصل التاسع ~~من مقدمة الكتاب # وحقيقة هذا النوع أن يجعل مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالا على ~~المعنى المقصود من ذلك الكلام إن كان فتحا ففتحا وإن كان هناء فهناء أو كان ~~عزاء فعزاء وكذلك يجري الحكم في غير ذلك من المعاني # وفائدته أن يعرف من مبدأ الكلام ما المراد به ولم هذا النوع # والقاعدة التي يبني عليها أساسه أنه يجب على الشاعر إذا نظم قصيدا أن ~~ينظرفإن كانت مديحا صرفا لا يختص بحادثة من الحوادث فهو مخير بين أن ~~يفتتحها بغزل أو لا يفتتحها بغزل بل يرتجل المديح ارتجالا من أولها كقول ~~القائل # ( إن حارت الألباب كيف تقول % في ذا المقام فعذرها مقبول ) # ( سامح بفضلك مادحيك فما لهم % أبدا إلى ما تستحق سبيل ) # ( إن كان لا يرضيك إلا محسن % فالمحسنون إذا لديك قليل ) # فإن هذا الشاعر ارتجل المديح من أول القصيدة فأتى به كما ترى حسنا لائقا # وأما إذا كان القصيد في حادثة من الحوادثكفتح مقفل أو هزيمة جيش أو غير ~~ذلكفإنه لا ينبغي أن يبدأ فيما بغزل وإن فعل ذلك دل على ضعف قريحة الشاعر ~~وقصوره عن الغاية أو على جهله بوضع الكلام في مواضعه # فإن قيل إنك قلت يجب على الشاعر كذا وكذا فلم ذلك PageV02P223 قلت في ~~الجواب إن الغزل رقة محضة والألفاظ التي تنظم في الحوادث المشار إليها من ~~فحل الكلام ومتين القول وهي ضد الغزل وأيضا فإن الأسماع تكون متطلعة إلى ما ~~يقال في تلك الحوادث والابتداء بالخوض في ذكره لا الابتداء بالغزلإذ المهم ~~واجب التقديم # ومن أدب هذا النوع ألا يذكر ms460 الشاعر في افتتاح قصيدة المديح ما يتطير منه ~~وهذا يرجع إلى أدب النفس لا إلى أدب الدرس فينبغي أن يحترز منه في مواضعه ~~كوصف الديار بالدثور والمنازل بالعفاء وغير ذلك من تشتت الآلاف وذم الزمان ~~لا سيما إذا كان في التهاني فإنه يكون أشد قبحا وإنما يستعمل ذلك في الخطوب ~~النازلة والنوائب الحادثة ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا بشيء من ذلك ~~تطير منه سامعه # وإنما خصت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلامفإذا ~~كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استماعه ويكفيك ~~من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن كالتحميدات المفتتح بها أوائل ~~السور وكذلك الابتداءات بالنداء كقول تعالى في مفتتح سورة النساء ( يأيها ~~الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) وكقوله تعالى في أول سورة الحج ~~@QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم @QE@ فإن هذا ~~الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه وكذلك الابتداءات بالحروف كقوله ~~تعالى @QB@ الم @QE@ و @QB@ طس @QE@ و @QB@ حم @QE@ وغير ذلكفإن هذا أيضا ~~مما يبعث على الاستماع إليهلأنه يقرع السمع شيء غريب ليس له بمثله عادة ~~فيكون ذلك سببا للتطلع نحوه والإصغاء إليه # ومن قبيح الابتداءات قول ذي الرمة # ( ما بال عينك منها الماء ينسكب % ) PageV02P224 # لأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لا خفاء بقبحه وكراهته # ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي أولها # ( خف القطين فراحوا منك أو بكروا % ) قال له عند ذلك لا بل منك وتطير من ~~قولهفغيرها ذو الرمة وقال # ( خف القطين فراحوا اليوم أو بكروا % ) # ومن شاء أن يذكر الديار والأطلال في شعره فليتأدب بأدب القطامي على جفاء ~~طبعه وبعده عن فطانة الأدبفإنه قال # ( إنا محيوك فاسلم أيها الطلل % ) فبدأ قبل ذكر الطلل بذكر التحية ~~والدعاء له بالسلامة # وقد قيل إن امرأ القيس كان يجيد الابتداء كقوله # ( ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي % ) # وكقوله # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % ) PageV02P225 # ومما يكره من الابتداءات قول أبي تمام # ( تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد % ) وإنما ms461 ألقى أبا تمام في مثل هذا ~~المكروه تتبعه للتجنيس بين تجرع والجرع وهذا دأب الرجل فإنه كثيرا ما يقع ~~في مثل ذلك # وكذلك استقبح قول البحتري # ( فؤاد ملاه الحزن حتى تصدعا % ) # فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع وهو أجدر بأن يكون ~~ابتداء مرئية لا مديح وما أعلم كيف يخفى على مثل البحتري وهو من مفلقي ~~الشعراء # وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه وجمع أهله ~~وأصحابه وأمرهم أن يخرجوا في زينتهمفما رأى الناس أحسن من ذلك اليومفاستأذن ~~إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشادفأذن له فأنشد شعرا حسنا أجاد فيه إلا ~~أنه استفتحه بذكر الديار وعفائها فقال # ( يا دار غيرك البلى ومحاك % يا ليت شعري ما الذي أبلاك ) # فتطير المعتصم بذلك وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم كيف ذهب عليه مثل ~~ذلك مع معرفته وعمله وطول خدمته للملوك ثم أقاموا يومهم وانصرفوا فما عاد ~~منهم اثنان إلى ذلك المجلس وخرج المعتصم إلى سر من رأى وخرب القصر # فإذا أراد الشاعر أن يذكر دارا في مديحه فليذكر كما ذكر أشجع السلمي حيث ~~قال PageV02P226 # ( قصر عليه تحية وسلام % خلعت عليه جمالها الأيام ) # وما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أينشده للمعتصمفإنه ~~لو ذكر هذا أو ما جرى مجراه لكان حسنا لائقا # وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء فقال من أجاد الابتداء والمطلعألا ترى إلى ~~قصيدة أبي نواس التي أولها # ( يا دارما فعلت بك الأيام % لم تبق فيك بشاشة تستام ) # فإنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة وهي مع ذلك مستكرهة الابتداءلأنها في ~~مدح الخليفة الأمين وافتتاح المديح بذكر الديار ودثورها مما يتطير منه لا ~~سيما في مشافهة الخلفاء والملوك # ولهذا يختار في ذكر الأماكن والمنازل ما رق لفظه وحسن النطق به كالعذيب ~~والغوير ورامة وبارق والعقيق وأشباه ذلك # ويختار أيضا أسماء النساء في الغزل نحو سعاد وأميم وفوز وما جرى هذا ~~المجرى # وقد عيب على الأخطل في تغزله بقذور وهو اسم امرأة فإنه مستقبح في ms462 الذكر ~~وقد عيب على غيره التغزل باسم تماضر فإنه وإن لم يكن مستقبحا في معناه فإنه ~~ثقيل على اللسان كما قال البحتري # ( إن للبين منة لا تؤدى % و يدا في تماضر بيضاء ) # فتغزله بهذا الاسم مما يشوه رقة الغزل ويثقل من خفته وأمثال هذه الأشياء ~~يجب مراعاتها والتحرز منها # وقد استثنى من ذلك ما كان اسم موضع تضمن وقعة من الوقائعفإن ذكره لا يكره ~~وإن كان في اسمه كراهة كما ذكر أبو تمام في شعره مواضع مكروهة الأسماء ~~لضرورة ذكر الوقائع التي كانت بها كذكر الحشال وعقوقس وأمثالهما وكذلك ذكر ~~أبو الطيب المتنبي هنزيط وشميصاط وما جرى مجراهما وهذا لاعيب PageV02P227 ~~ففي ذكرهلمكان الضرورة التي تدعو إليه وهكذا يسامح الشاعر والكاتب أيضا في ~~ذكر ما لابد من ذكره وإن قبح ومهما أمكنه من التورية في هذا المقام ~~فليسلكها وما لا يمكنه فإنه معذور فيه # واعلم أنه ليس من شرط الابتداء ألا يكون مما يتطير منه فقطفإن من ~~الابتداءات ما يستقبح وإن لم يتطير منه كقول أبي تمام # ( قدك اتئب أربيت في الغلواء % ) وكقوله # ( تقي جماتي لست طوع مؤنبى % ) وكقول أبي الطيب المتنبي # ( أقل فعالي بله أكثره مجد % ) وكقوله # ( كفي أراني ويك لومك ألوما % ) PageV02P228 # والعجب أن هذين الشاعرين المفلقين يبتدئان بمثل ذلك ولهما من الابتداءات ~~الحسنة ما أذكره # أما أبو تمام فإنه افتتح قصيدته التي مدح بها المعتصم عند فتحه مدينة ~~عمورية فقال # ( السيف أصدق أنباء من الكتب % في حده الحد بين الجد واللعب ) # ( بيض الصفائح لا سود الصحائف في % متونهن جلاء الشك والريب ) # وهذه الأبيات لها قصة وذلك أنه لما حضر المعتصم مدينة عمورية زعم أهل ~~النجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت وأفاضوا في هذا حتى شاع وصار أحدوثة بين ~~الناس فلما فتحت بنى أبو تمام مطلع قصيدته على هذا المعنى وجعل السيف أصدق ~~من الكتب التي خبرت بامتناع البلد واعتصامهاولذلك قال فيها # ( والعلم في شهب الأرماح لامعة % بين الخميسين لا في السبعة الشهب ) # ( أين الرواية أم أين النجوم وما ms463 % صاغوه من زخرف فيها ومن كذب ) # ( تخرصا وأحاديثا ملفقة % ليست بنبع إذا عدت ولا غرب ) # وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب # وكذلك قوله في أول قصيدة يمدحه بها أيضا ويذكر فيها خروج بابك الخرمي ~~عليه وظفره به وهي من أمهات شعره فقال # ( الحق أبلج والسيوف عوار % فحذار من أسد العرين حذار ) # وكذلك قوله متغزلا # ( عسى وطن يدنو بهم ولعلما % وأن تعتب الأيام فيهم فربما ) # وهذا من الأغزال الحلوة الرائقة وهو من محاسن أبي تمام المعروفة # وكذلك قوله في أول مرثية # ( أصم بك الناعي وإن كان أسمعا % وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا ) ~~PageV02P229 # وأما أبو الطيب فإنه أكثر من الابتداءات الحسنة في شعرهكقوله في قصيدة ~~يمدح بها كافوراوكان قد جرت بينه وبين ابن سيده نزغة فبدأ قصيدته بذكر ~~الغرض المقصود فقال # ( حسم الصلح ما اشتهته الأعادي % وأذاعته ألسن الحساد ) وهذا من بديع ~~الابتداء ونادره # وكذلك ورد قوله في سيف الدولة وكان ابن الشمشقيق حلف ليلقينه كفاحا فلما ~~التقيا لم يطق ذلك وولى هاربا فافتتح أبو الطيب قصيدته بفحوى الأمر فقال # ( عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم % ماذا يزيدك في إقدامك القسم ) # ( وفي اليمين على ما أنت واعده % ما دل أنك في الميعاد متهم ) # وكذلك قوله وقد فارق سيف الدولة وسار إلى مصر فجمع بين ذكر فراقه إياه ~~ولقائه كافورا في أول بيت من القصيدة فقال # ( فراق ومن فارقت غير مدمم % وأم ومن يممت خير ميمم ) ومن البديع النادر ~~في هذا الباب قوله متغزلا في مطلع قصيدته القافية وهي # ( أتراها لكثرة العشاق % تحسب الدمع خلقة في المآقي ) وله مواضع أخر ~~كثيرة لا حاجة إلى ذكرها PageV02P230 # ومن محاسن الابتداءات التي دلت على المعنى من أول بيت في القصيدة ما ~~قرأته في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد فإنه ذكر غزوة غزاها الرشيد هرون ~~رحمه الله في بلاد الروم وأن نقفور ملك الروم خضع له وبذل الجزية فلما عاد ~~عنه واستقر بمدينة الرقة وسقط الثلج نقض نقفور العهد فلم يجسر أحد على ~~إعلام الرشيدلمكان ms464 هيبته في صدور الناس وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال ~~على أن يقولوا أشعارا في إعلامه فكلهم أشفق من لقائه بمثل ذلك إلا شاعرا من ~~أهل جدة يكنى أبا محمد وكان شاعرا مفلقا فنظم قصيدا وأنشدها الرشيد أولها # ( نقض الذي أعطيته نقفور % فعليه دائرة البوار تدور ) # ( أبشر أمير المؤمنين فإنه % فتح أتاك به الإله كبير ) # ( نقفورإنك حين تغدر - أن نأى % عنك الإمام - لجاهل مغرور ) # ( أظننت حين غدرت أنك مفلت % هبلتك أمكما ظننت غرور ) فلما أنهى الأبيات ~~قال الرشيد أو قد فعل ثم غزاه في بقية الثلج وقتح مدينة هرقلة # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصبهاني ما رواه من شعر سديف في ~~تحريض الخليفة السفاح رحمه الله علي بني أمية فقال قدم سديف من مكة إلى ~~الحيرة والسفاح بها ووافق قدومه جلوس السفاح للناس وكان بنو امية يجلسون ~~عنده على الكراسي تكرمة لهمفلما دخل عليه سديف حسر لثامه وأنشده أبياتا من ~~الشعرفالتفت رجل من أولاد سليمان بن عبد الملك وقال لآخر إلى جانبه قتلنا ~~والله العبد فلما أنهى الأبيات أمر بهم السفاح فأخرجوا من بين يديه وقتلوا ~~عن آخرهم وكتب إلى عماله بالبلاد يأمرهم بقتل من وجدوه منهم ومن الأبيات # ( أصبح الدين ثابتا في الأساس % بالبهاليل من بني العباس ) PageV02P231 # ( أنت مهدي هاشم وهداها % كم أناس رجوك بعد إياس ) # ( لا تقيلن عبد شمس عثارا % واقطعن كل رقلة وغراس ) # ( أنزلوها بحيث أنزلها الله بدار الهوان والإتعاس ) # ( خوفهم أظهر التودد فيهم % وبهم منكم كحز المواسي ) # ( أقصهم أيها الخليفة واحسم % عنك بالسيف شأفة الأرجاس ) # ( واذكرن مصرع الحسين وزيد % وقتيلا بجانب المهراس ) # ( ولقد ساءني وساء سوائي % قربهم من منابر وكراسي ) وهذه الأبيات من فاخر ~~الشعر ونادره افتتاحا وابتداء وتحريضا وتأليبا ولو وصفتها من الأوصاف بما ~~شاء الله وشاء الإسهاب والإطناب لما بلغت مقدار مالها من الحسن # ومن لطيف الابتداءات ما ذكره مهيار وهو PageV02P232 # ( أما وهواها عذرة وتنصلا % لقد نقل الواشي إليها فأمحلا ) # ( سعى جهده لكن تجاوز حده % وكثر فارتابت ولو شاء قللا ) فإنه أبرز ~~الاعتذار ms465 في هيئة الغزل وأخرجه في معرض النسيب وكان وشي به إلى الممدوح ~~فافتتح قصيدته بهذا المعنى فأحسن # ومما جاء على نحو من ذلك قول بعض المتأخرين من العراقيين # ( وراءك أقوال الوشاة الفواجر % ودونك أحوال الغرام المخامر ) # ( ولولا ولوع منك بالصد ما سعوا % ولولا الهوى لم أنتدب للمعاذر ) فسلك ~~في هذا القول مسلك مهيار إلا أنه زاد عليه زيادة حسنة وهي المعاتبة على ~~الإصغاء إلى أقوال الوشاة والاستماع منهم وذلك من أغرب ما قيل في هذا ~~المعنى # ومن الحذاقة في هذا الباب أن تجعل التحميدات في أوائل الكتب السلطانية ~~مناسبة لمعاني تلك الكتب وإنما خصصت الكتب السلطانية دون غيرها لأن ~~التحاميد لا تصدر في غيرهافإنها تكون قد تضمنت أمورا لائقة بالتحميد كفتح ~~مقفل أو هزيمة جيش أو ما جرى هذا المجرى # ووجدت أبا إسحاق الصابي - على تقدمه في فن الكتابة - قد أخل بهذا الركن ~~الذي هو من أوكد أركان الكتابة فإذا أتى بتحميدة في كتاب من هذه الكتب لا ~~تكون مناسبة لمعنى ذلك الكتاب وإنما تكون في واد والكتاب في واد إلا ما قل ~~من كتبه # فما خالف فيه مطلع معناه إنه كتب كتابا يتضمن فتح بغداد وهزيمة الأتراك ~~عنها وكان ذلك فتحا عظيمافابتدأ بالتحميد وقال الحمد لله رب العالمين ~~PageV02P233 الملك الحق المبين الوحيد الفريد العلي المجيد الذي لا يوصف ~~إلا بسلب الصفات ولا ينعت إلا برفع النعوت الأزلي بلا ابتداء الأبدي بلا ~~انتهاء القديم لا منذ أمد محدود الدائم لا إلا أجل معدود الفاعل لا من مادة ~~استمدها ولا بآلة استعملها الذي لا تدركه الأعين بلحاظها ولا تحده الألسن ~~بألفاظها ولا تخلقه العصور بمرورها ولا تهرمه الدهور بكرورها و لا تضارعه ~~الأجسام بأقطارها ولا تجانسه الصور بأعراضها ولا تجاريه أقدام النظر أو ~~الأشكال ولا تزاحمه مناكب القرناء والأمثال بل هو الصمد الذي لا كفء له ~~والفذ الذي لا توأم معه والحي الذي لا تخرمه المنون والقيوم الذي لا تشغله ~~الشئون والقدير الذي لا تئوده المعضلات والخبير الذي لا تعييه المشكلات ms466 # وهذه التحميدة لا تناسب الكتاب الذي افتتح بها ولكنها تصلح أن توضع في ~~صدر مصنف من مصنفات أصول الدين ككتاب الشامل للجويني أو كتاب الاقتصاد أو ~~ما جرى مجراهما وأما أن توضع في صدر كتاب فتح فلا # وهو وإن أساء في هذا الموضع فقد أحسن في مواضع آخر وذاك أنه كتب كتابا عن ~~الخليفة الطائع رحمه الله تعالى إلى الأطراف عند عوده إلى كرسي ملكه وزوال ~~ما نزل به وبأبيه المطيع رحمه الله من فادحة الأتراكفقال الحمد لله ناظم ~~الشمل بعد شتاته وواصل الحبل بعد بتابه وجابر الوهن إذا ثلم وكاشف الخطب ~~إذا أظلم والقاضي للمسلمين بما يضم نشرهم ويشد أزرهم ويصلح ذات بينهم ويحفظ ~~الألفة عليهم وإن شابت ذلك في الأحيان شوائب من الحدثان فلن يتجاوز بهم ~~الحد الذي يوقظ غافلهم وينبه ذاهلهم ثم إنهم عائدون إلى فضل ما أولاهم الله ~~وعودهم ووثق لهم ووعدهم من إيمان PageV02P234 سربهم وإعذاب شربهم وإعزاز ~~جانبهم وإذلال مجانبهم وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون # وهذه تحميدة مناسبة لموضوع الكتاب وإن كانت المعاني فيها مكررة كالذي ~~أنكرته عليه وعلى غيره من الكتاب وقدمت القول فيه في باب السجعفليؤخذ من ~~هناك # ومن المبادي التي قد أخلقت وصارت مزدراة أن يقال في أوائل التقليدات إن ~~أحق الخدم بأن ترعى خدمة كذا وكذا وإن أحق من قلد الأعمال من اجتمع فيه كذا ~~وكذا فإن هذا ليس من المبادي المستحسنة ومن استعمله أولا فقد ضعفت فكرته عن ~~اقتراح ما يحسن استعماله من المبادئ والذي تبعه في ذلك إما مقلد ليس عنده ~~قوة على أن يختار لنفسه وإما جاهل لا يفرق بين الحسن والقبيح والجيد ~~والرديء وأهل زماننا هذا من الكتاب قد قصروا مبادي تقاليدهم على هذه ~~الفاتحة دون غيرها وإن أتوا بتحميدة من التحاميد كانت مباينة لمعنى التقليد ~~الذي وضعت في صدره وكذلك قد كان الكتاب يستعملون في التقليدات مبدأ واحدا ~~لا يتجاوزونه إلى غيره وهو هذا ما عهد فلان إلى فلان والتحميد خير ما افتتح ms467 ~~به التقليدات وكتب الفتوح وما جرى مجراهما وقد أنكرت ذلك على مستعمله في ~~مفتتح تقليد أنشأته بولاية وال فقلت كانت التقليدات تفتتح بكلام ليس بذي ~~شأن ولا يوضع في ميزان ولا يجتني من أفنان وغاية ما يقال هذا ما عهد فلان ~~إلى فلان وتلك فاتحة لم تكن جديدة فتخلق بتطاول الأيام ولا حسنة النظم ~~فيضاهى بمثلها من ذوات النظام وهذا التقليد مفتتح بحمد الله الذي تكفل ~~لحامده بالزيادة وبدأ النعمة ثم قرنها من فضله بالإعادة وهو الذي بلغ بنا ~~من مآرب الدينا منتهى الإرادة وسلم إلينا مقاده فذلل لنا بها كل مقادة ووسد ~~الأمر منا إلى أهله فاستوطأت الرعايا منه على وسادة ونرجوا أن يجمع لنا بين ~~سعادة الأولى والأخرى حتى تتصل هذه السعادة ثم نصلي على نبيه محمد الذي ~~ميزه الله PageV02P235 على الأنبياء بشرف السيادة وجعل انشقاق القمر له من ~~آيات النبوة وانشقاق الإيوان من آيات الولادة وعلى آله وأصحابه الذين شادوا ~~الدين من بعده فأحسنوا في الإشادة وبسطت عليهم الدنيا كما بسطت على الذين ~~من قبلهم فلم يحولوا عن خلق الزهادة أما بعد كذا وكذا ثم أنهيت التقليد إلى ~~آخره # ومن الحذاقة في هذا الباب أن يجعل الدعاء في أول الكتاب من السلطانيات ~~والإخوانيات وغيرهما مضمنا من المعنى ما بني عليه ذلك الكتاب وهذا شيء ~~انفردت بابتداعه وتراه كثيرا فيما أنشأته من المكاتباتفإني توخيته فيها ~~وقصدته # فمن ذلك ما كتبته في الهناء بفتح وهو هذا الكتاب مشافه بخدمة الهناء ~~للمجلس السامي الفلاني جدد الله له في كل يوم فتحا وبدل عرش كل ذي سلطان ~~لديه صرحا وجعل كل موقف من مواقف جوده وبأسه يوم فطر ويوم أضحى وكتب له على ~~لسان الإسلام ولسان الأيام ثناء خالدا ومدحا وأسكنه بعد العمر الطويل دارا ~~لا يظمأ فيها ولا يضحى ثم أخذت بعد ذلك في إنشاء الكتاب المتضمن ما يقتضيه ~~معاني ذلك الفتح # ومن ذلك ما ذكرته في الهناء بمولود وهو جدد الله مسرات المجلس السامي ~~الفلاني ووصل صبوح هنائه بغبوقه ms468 وأمتعه بسليله المبشر بطروقه وأبقاه حتى ~~يستضيء بنوره ويرمي عن فوقه وسر به أبكار المعاني حتى تخلق أعطافها بخلوقه ~~وجعله كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ثم أخذت في إتمام ~~الكتاب بالهناء بالمولود على حسب ما اقتضاه ذلك المعنى # فتأمل ما أوردته ههنا من هذين المثالين وانسج على منوالهما فيما تقصده من ~~المعاني التي تبني عليها كتبكفإن ذلك من دقائق هذه الصناعة # وأما فواتح الكتب التي أنشأتها فمنها ما اخترعته اختراعا ولم أسبق إليه ~~وهي عدة كثيرة وقد أوردت ههنا بعضها # فمن ذلك مفتتح كتاب إلى ديوان الخلافة وهو نشأت سحابة من سماء الديوان ~~العزيز النبوي جعل الله الخلود لدولته أوطانا والحدود لها أركانا ونصب ~~PageV02P236 أيامها في أيام الدهر أحيانا وصورها في وجهه عينا وفي عينه ~~إنسانا ومد ظلها على الناس عدلا وإحسانا وجمع الأمم على دين طاعتها وإن ~~تفرقوا أديانا وأتاها من معجزات سلطانه ما لم ينزل به لغيره سلطانا فارتاح ~~الخادم لالتقائها وبسط يده لاستسقائها وقال رحمة مرسلة لا تخشى رعودها ولا ~~تخلف وعودها ومن شأنها ترويض الصنائع التي تبقي آثارها لا الحمائل التي ~~تذوي أزهارها وقد يعبر عن الكتاب ونائله بالسحاب ووابلهفإن صدر عن يد كيد ~~الديوان العزيز فقد وقع التشبيه موقع الصواب وصدق حينئذ قول القائل إن ~~البحر عنصر السحاب لكن فرق بين ما يجود بمائه وما يجود بنعمائه وبين ما يسم ~~الأرض الماحلة وبين ما يسمي الأقدار الخاملة وما زالت كتب الديوان العزيز ~~تضرب لها الأمثال وتصرف نحوها الآمال ويرى الحسد فيها حسدا وإن عد في غيرها ~~من سيء الأعمال وهذا فصل من أول الكتاب # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وأرسلته ~~إليه من الموصل إلى أرض الشمال من بلاد الروم وهو طلع كوكب من أفق المجلس ~~السامي لا خلت سيادته من عدو وحاسد ولا شينت بتوأم يخرجها عن حكم الواحد ~~ولا عدمت صحبة الجدود المتيقظة في الزمن الراقد ولا أوحشت الدنيا من ذره ~~الخالد الذي هو عمر ms469 خالد ولا زال مرفوعا إلى المحل الذي يعلم به أن الدهر ~~ناقد والكواكب تختلف مطالعها في الشمال والجنوبفمنها ما يطلع دائما في ~~أحدهما وهو في الآخر دائم الغروب وكتاب المجلس كوكب لم ير بهذه الأرض مطلعه ~~وإن علم من السماء أين موضعه ولما ظهر الآن للخادم سبح له حامدا وخر له ~~ساجدا وقال قد عبدت الكواكب من قبلي فلا عجب أن أكون لهذا الكوكب عابدا وها ~~أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى وقال الناس هذا ابن كبشة الكتاب لا ~~ابن أبي كبشة الشعرى # وهذا مطلع غريب والسياقة التالية لمطلعه أغرب ومن أغرب ما فيها قوليوها ~~أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى وقال الناس هذا ابن كبشة PageV02P237 ~~الكاتب لا ابن أبي كبشة الشعري والمراد بذلك أن ابن كبشة كان رجلا في ~~الجاهلية يعبد الشعرى فخالف بذلك دين قومه ولما بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم قالت قريش هذا قد خالف ديننا وسموهابن أبي كبشة أي أنه قد خالفنا كما ~~خالف أبو كبشة قومه في عبادة الشعرى فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابي ~~هذا فجاء كما تراه مبتدعا غريبا # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان بالشام ~~وهو طلعت من الغرب شمس فقيل قد آذنت أشارط الساعة بالاقتراب ولم يعلم أن ~~تلك الأنوار إنما هي أنوار الكتاب لم تألف الأبصار من قبله أن تطلع الشمس ~~من المغرب وليس ذلك إلا كتاب المجلس لا سلبه الله مزية هذا الوصف الكريم ~~وأتاه من الفضل ما يقال معه وفوق كل ذي علم عليم وأحيا النفوس من كلمها ~~بروح كلمه كما شفي غليلها من أقلامه بسقيا الكليم ولما ورد عن الخادم صار ~~ليله نهارا وأصبح الناس في الحديث به أطوارا والمنصف منهم يقول قد جرت ~~الشمس إلى مستقرها والشمس لا تجد قرارا # وهذا الكتاب في الحسن والغرابة كالذي قبله # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وهو تأوب ~~زور من جانب المجلس السامي أدنى الله داره ms470 وجعل كلماته التامة جاره وأشهد ~~أفعال التقوى ليله وأفعال المكارم نهاره ووهبه من أعوام العمر طواله ومن ~~أعوام العيش قصاره ولا أقدر السابقين إلى المعالي أن يجروا معه ولا أن ~~يشقوا غباره وليس ذلك الزور إلا سطورا في قرطاس ولا فرق بين الكتاب وبين ~~مرسله في ملاطفة الإيناس والله لا يصغر ممشى هذا الزائر ويقر عيني برؤيته ~~حتى لا أزال به قرير الناظر ومع هذا فإني عاتب لتأخره وههنا مظنة العتاب ~~ومن تأخر عنه كتاب صديقه فلا بد أن يخطر له خاطر الارتياب والضنين بالمودة ~~لا يرى إلا ظنينا وقد قيل إنها وديعة وقليلا ما تجد على الودائع أمينا ~~PageV02P238 وهذا فصل من أول الكتاب # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وهو سنحت ~~روضة من جانب المجلس السامي جعل الله المعالي له رداء ونهايات المساعي له ~~ابتداء وفداه بمن يقصر عن درجته حتى تكون الأكارم له فداء وهدى المحامد ~~لأفعاله وأهدى البقاء لأيامه حتى يجتمع له الأمران هدى وإهداء وأتاه من ~~السيادة ما يجعل أعداءه أصادق ومن السعادة ما يجعل أصدقاءه أعداء فاستنشق ~~الخادم رباها وتلقى بالتحية محياها واستمع بأزهارها التي أنبتها سقيا ~~الأقلام لا سقي الغمام وقال هذا ربيع الأرواح لا ربيع الأجسام ولو رام ~~الإحاطة بوصفها لكانت الأقوال المطولة فبها مختصرة ولكنه اكتفى بان رفعها ~~على رأسه حتى يتمثل أن الجنة في شجرة ومن أوصافها أنها جاءت رائدة ومن شأن ~~الروض أن يرتاد وحلت محاسنها التي هي في غيرها من حظ البصر وفيها من حظ ~~السمع والبصر والفؤاد ولما سرح فيها وجد شوقه حمامة تغرد في أكنافها وتردد ~~الشجى لبعد أليفها إذا رددته الحمائم لقرب ألافها وهذا قول له عند إخوان ~~الصفاء علامة وإذا تمثل كتاب الحبيب روضة فهل يتمثل شوق محبه إلا حمامة وأي ~~فرق بين هذه وبين أخواتها من ذوات الأطواق لولا أنها تملي شجوها على صفحات ~~القلوب وتلك تمليه على عذبات الأوراق # وهذا فصل من الكتاب وهو غريب عجيب وفيه معنيان ms471 مبتدعان وأعجبهما وأغربهما ~~قولي حتى يتمثل أن الجنة في شجرة وهذا مستخرج من الحديث النبوي # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وهو تضوعت ~~نفخة من تلقاء المجلس السامي رعى الله عهده وسقاه وصان وده ووفاه ويسر لي ~~إلقاء العصا بملقاه فعطرت الطريق التي سايرتها والريح التي جاورتها وأنت ~~فأفرشتها خدي وضممت عليها ودي وجعلتها درعا لجيبي ولطيمة لردني وسخابا ~~لعقدي وعلمت أنها ليست بنفخة طيب ولكنها كتاب حبيب فإن مناشق الأرواح غير ~~مناشق الأجسام ولا يستوي عرف الطيب وعرف الأقلام ثم مددت PageV02P239 يدي ~~إلى الكتاب بعد أن صافحت يد موصله كما صافحت عبقة مندله وقلت أهلا بمن أدنى ~~من الحبيب مزارا وأهدى لعيني قرة ولقلبي قرارا # وهذا في الغرابة كأخواته التي تقدمت # ولم أستقص ما اخترعته من هذا الباب في مطالع الكتب # وأما ما أتيت فيه بالحسن من المعاني ولكنه غير مخترعفمن ذلك مطلع كتاب ~~كتبته عن الملك نور الدين أرسلان بن مسعود صاحب الموصل إلى الملك الأفضل ~~علي بن يوسف يتضمن تعزية وتهنئة أما التعزية فبوفاة أخيه الملك العزيز ~~عثمان صاحب مصر وأما التهنئة فبوراثة الملك من بعده وهو لا يعلم القلم ~~أينطق بلسان التعزية أم بلسان التهنية لكنه جمعهما جميعا فأتى بهما على حكم ~~التثنية وفي مثل هذا الخطب يظل القلم حائرا وقد وقف موقف السخط والرضا فسخط ~~أولا ثم رضي آخرا وهذا البيت الناصري يتداول درجات العلى فما تمضي إلا ~~وإليه ترجع وشموسه وأقماره تتناقل مطالع السعود فما يغيب منها غائب إلا ~~وآخر يطلع والناس إن فجعوا بماجد ردفه من بعده ماجد وإن قيل إن الماضي كان ~~واحدا قيل بل الآتي هو الواحد # وهذا فصل من أول الكتاب ثم كتبت في هذا المعنى كتابين آخرين وفي الذي ~~أوردته من هذا الفصل مقنع # ومن هذا الأسلوب ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه وكانت الكتب قد ~~انقطعت بيني وبينه زمانا وهو لقاء كتب الأحباب كلقاء الأحباب وقد تأتي بعد ~~يأس منها فيشتبه ms472 لها دمع السرور بدمع الاكتئاب ومن أحسنها كتاب المجلس ~~السامي الفلاني جعل الله الليالي له صحبا والمعاني له عبقا ورفع مجده فوق ~~كل ماجد حتى تكون حسناتهم لدى حسناته ذنبا ولا زال اسمه في الأفواه عذبا ~~وذكره في الألسنة رطبا ووده لكل إنسان إنسانا ولكل قلب قلبا # ثم انتهيت إلى آخر الكتاب على هذا النسق وإنما ذكرت ههنا مبتدأه لأنه ~~الغرض المقصود في هذا الموضع # ومن ذلك ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه وهو البشرى تعطى ~~PageV02P240 للكتاب كما تعطي لمرسله وكل منهما يوفي حق قدره وينزل في منزله ~~وكذلك فعل الخادم بكتاب المجلس السامي الفلاني لا زال محله أنيسا وذكره ~~للفرقدين جليسا وسعيه على المكارم حبيسا ومجده جديد الملابس إذا كان المجد ~~لبيسا # وههنا ذكرت من هذا الكتاب كما ذكرته من الذي قبله فإني لم أذكر إلا مبدأه ~~الذي هو الغرض # ومما ينتظم في هذا السلك ما كتبته في صدر كتاب يتضمن تعزية وهو لو لم ~~يلبس قلمي ثوب الحداد لهجر مداده ونضي عنه سواده وبعد عن قرينته وعاد إلى ~~طينته وحرم على نفسه أن يمتطي يدا أو يجري إلى مدى لكنه أحد فندب وبكى فسكب ~~هذا الكتاب من دموعه وضمنه ما حملته أحناء ضلوعه وإنما استعار ذلك من صاحبه ~~الذي أعداه وأبدى إليه من حزنه ما أبداه وهو نائب عنه في تعزية سيدنا أحسن ~~الله صبره ويسر أمره وأرضى عنه دهره ثم أنهيت الكتاب إلى آخره # ومن محاسن هذا الباب أن يفتتح الكتاب بآية من القرآن الكريم أو بخبر من ~~الأخبار النبوية أو ببيت من الشعرثم يبني الكتاب عليه # فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح وهو # ( ومن طلب الفتح الجليل فإنما % مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم ) وقد ~~أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك العقيم ~~وراية المجد لا تنصب إلا على النصب والراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من ~~التعب وكتابنا هذا وقد استولينا على مملكة فلانة وهي المملكة ms473 التي ~~PageV02P241 تمسي الآمال دونها صرعى وإذا قيس إليها غيرها من الممالك كانت ~~أصلا وكان غيرها فرعا وهذا فصل من أول الكتاب # ومن ذلك ما كتبته في مفتتح تقليد بالحسبة وهو @QB@ ولتكن منكم أمة يدعون ~~إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون @QE@ هذا ~~أمر يشتمل على معنى الخصوص دون العموم ولا يختص به إلا ذوو الأوامر المطاعة ~~وذوو العلوم وقد جمع الله لنا هذين الوصفين كليهما وجعلنا من المستحلفين ~~عليهما فلنبدأ أولا بحمده الذي هو سبب للمزيد ثم لنأخذ في القيام بأمره ~~الذي هو على كل نفس منه رقيب عتيد ولا ريب أن إصلاح العباد يسري إلى الأرض ~~حتى تزكو بطونها وتنام عيونها ويشترك في بركات السماء ساكنها ومسكونها ~~والأمر بذلك حمل إن لم تتوزعه الأكف ثقل على الرقاب وإذا انتشرت أطراف ~~البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب وقد اخترنا لمدينة فلانة ~~رجلا لم نأل في اختياره جهدا وقدمنا فيه خيرة الله التي إذا صدقت نيتها ~~صادفت رشدا وهو أنت أيها الشيخ فلان فابسط يدك بقوة إلى أخذ هذا الكتاب وكن ~~كحسنة من حسناتنا التي يرجح بها ميزان الثواب وحقق نظرنا فيك فإنه من نور ~~الله الذي ليس دونه حجاب فتأمل كيف فعلت في هذه الآية التي بنيت التقليد ~~عليها وهو من محاسن المبادي والافتتاحات # وكذلك فعلت في موضع آخر وهو مفتتح كتاب كتبته إلى شخص كلفته السفارة إلى ~~مخدومه في حاجة عرضت وهو @QB@ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا ~~النبي والذين آمنوا @QE@ هذا القول تتبع آثاره وتحمل عليه أنظاره وأولى ~~الناس بسيدنا من شاركه في لحمة أدبه وإن لم يشاركه في لحمة نسبهفإن المناقب ~~أقارب والمآثر أواصر # ( وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي % إلا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب ) ونتيجة ~~هذه المقدمة بعث خلقه الكريم على عوارف أفضاله واستهداء صنيعة جاهه ~~PageV02P242 التي هي أكرم من صنيعة ماله ولا تجارة أربح من هذه التجارة ~~والساعي فيها شريك في الكسب بريء من الخسارة # وأما الأخبار ms474 النبوية فيسلك بها هذا المسلك بأن يذكر الخبر في صدر الكتاب ~~ثم يبني عليه # ولنذكر منها مثالا واحدا وهو توقيع كتبته لولد رجل من أصحاب السلطان توفي ~~والده ونقل ما كان باسمه إليه فقلت قال النبي صلى الله عليه وسلم أنا أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أو كلا أو ~~ضياعا فإلي وعلي وهذا خلق من الأخلاق النبوية لا مزيد على حسنه وأساليب ~~المكارم بأسرها موضوعة في ضمنه ونحن نرجو أن نمشي على أثره فنتنزل منزلة ~~رديفة وأن نتشبه به فنبلغ مبلغ مده أو نصيفه وقد أرانا الله ذلك في قوم ~~صحبونا فأسعفناهم بمباغي الإنعام وأحمدناهم صحبة الليالي والأيام وتكفلنا ~~أيتامهم من بعدهم حتى ودوا أن يكونوا هم الأيتام وهذا فلان ابن فلان رحمه ~~الله ممن كان له في خدمة الدولة قدم صدق وأولية سبق وحفظ كتاب المحافظة ~~عليها فقيل له في تلاوته اقرأ وارقثم أنهيت التوقيع إلى آخره # فتأمل مفتتح هذا التوقيع فإنه تضمن نص الخبر من غير تغيير وقد ضمنته بعض ~~خبر آخر من الأخبار النبوية وهو قولهاقرأ وارققال النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند ~~آخر آية تقرؤها # وقد مثلت لك ههنا أمثالا يقتدى بها فاحذ حذوها وامض على نهجها والله ~~الموفق للصواب PageV02P243 # | النوع الثالث والعشرون # # | في التخلص والاقتضاب # وهذا النوع أيضا كالذي قبله في انه أحد الأركان الخمسة التي تقدمت ~~الإشارة إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب # وينبغي لك أيها المتوشح لهذه الفضيلة أن تصرف إليه جل همتك فإنه مهم عظيم ~~من مهمات البلاغة # أما التخلص - وهو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني فبينا هو فيه ~~إذ أخذ في معنى آخر غيره وجعل الأول سببا إليه - فيكون بعضه آخذا برقاب ~~بعضمن غير أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ ~~إفراغا وذلك مما يدل على حذق الشاعر وقوة تصرفهمن أجل أن ms475 نطاق الكلام يضيق ~~عليه ويكون متبعا للوزن والقافية فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته وأما ~~الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاءفلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما ~~يشق على الناثر # وأما الاقتضاب فإنه ضد التخلص وذاك أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ~~ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك ولا يكون للثاني علاقة ~~بالأول # وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين وأما المحدثون فإنهم تصرفوا في ~~التخلص فأبدعوا وأظهروا منه كل غريبة فمن ذلك قول أبي تمام PageV02P244 # ( يقول في قومس صحبي وقد أخذت % منا السرى وخطا المهرية القود ) # ( أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا % فقلت كلا ولكن مطلع الجود ) وهذان ~~البيتان من بديع ما يأتي في هذا الباب ونادره # وكذلك قوله أيضا في وصف أيام الربيع ثم خرج من ذكر الربيع ما وصفه به من ~~الأوصاففقال # ( خلق أطل من الربيع كأنه % خلق الإمام وهديه المتنشر ) # ( في الأرض من عدل الإمام وجوده % ومن النبات الغض سرج تزهر ) # ( تنسي الرياض وما يروض جوده % أبدا على مر الليالي يذكر ) PageV02P245 ~~وهذا من ألطف التخلصات وأحسنها # وكذلك قوله في قصيدته الفائية التي أولها # ( أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا % ) فقال فيها # ( غيداء جاد ولي الحسن سنتها % فصاغها بيديه روضة أنفا ) # ( يضحي العذول على تأنيبه كلفا % بعذر من كان مشغوفا بها كلفا ) # ( ودع فؤادك توديع الفراق فما % أراه من سفر التوديع منصرفا ) # ( تجاهد الشوق طورا ثم تجذبه % جهاده للقوافي في أبي دلفا ) وهذا أحسن من ~~الذي قبله وأدخل في باب الصنعة # وكذلك جاء قوله # ( زعمت هواك عفا الغداة كما عفت % منها طلول باللوى ورسوم ) # ( لا والذي هو عالم أن النوى % أجل وأن أبا الحسين كريم ) # ( ما حلت عن سنن الوداد ولا غدت % نفسي على إلف سواك تحوم ) وهذا خروج من ~~غزل إلى مديح أغزل منه # ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة قصيدته المشهورة التي ~~أولها PageV02P246 # ( أجارة بيتينا أبوك غيور % ) فقال عند الخروج إلى ذكر الممدوح # ( تقول ms476 التي من بيتها خف مركبي % عزيز علينا أن نراك تسير ) # ( أما دون مصر للغنى متطلب % بلى إن أسباب الغنى لكثير ) # ( فقلت لها واستعجلتها بوادر % جرت فجرى في جريهن عبير ) # ( ذريني أكثر حاسديك برحلة % إلى بلد فيها الخصيب أمير ) ومما جاء من ~~التخلصات الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الدالية التي أولها # ( عواذل ذات الخال في حواسد % ) # ( وأورد نفسي والمهند في يدي % موارد لا يصدرن من لا يجالد ) # ( ولكن إذا لم يحمل القلب كفه % على حالة لم يحمل الكف ساعد ) # ( خليلي إني لا أرى غير شاعر % فكم منهم الدعوى ومني القصائد ) # ( فلا تعجبا إن السيوف كثيرة % ولكن سيف الدولة اليوم واحد ) وهذا هو ~~الكلام الآخذ بعضه برقاب بعضألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه ~~الأبيات كأنه أفرغ في قالب واحدثم إن أبا الطيب جمع بين مدح نفسه ومدح سيف ~~الدولة في بيت واحد وهو من بدائعه المشهورة PageV02P247 وكذلك قوله أيضا ~~وهو من أحسن ما أتى به من التخلصاتوهو في قصيدته التي أولها # ( سرب محاسنه حرمت ذواتها % ) فقال في أثنائها # ( ومطالب فيها الهلاك أتيتها % ثبت الجنان كأنني لم آتيها ) # ( ومقانب بمقانب غادرتها % أقوات وحش كن من أقواتها ) # ( أقبلتها غرر الجياد كأنما % أيدي بني عمران في جبهاتها ) # ( الثابتين فروسة كجلودها % في ظهرها والطعن في لباتها ) # ( فكأنها نتجت قياما تحتهم % وكأنهم ولدوا على صهواتها ) # ( تلك النفوس الغالبات على العلا % والمجد يغلبها على شهواتها ) # ( سقيت منابتها التي سقت الورى % بيدي أبي أيوب خير نباتها ) فانظر إلى ~~هذين التخلصين البديعي فالأول خرج به إلى مدح قوم الممدوح والثاني خرج به ~~إلى نفس الممدوح وكلامها قد أغرب فبه كل الإغراب # وعلى هذا جاء قوله # ( إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك % وإن قلت لم أترك مقالا لعالم ) ~~PageV02P248 # ( وإلا فخانتني القوافي وعاقني % عن ابن عبيد الله ضعف العزائم ) # والشعراء متفاوتون في هذا الباب وقد يقصر عنه الشاعر المفلق المشهور ~~بالإجاده في إيراد الألفاظ واختيار المعاني كالبحتري فإن مكانه من الشعر لا ~~يجهل وشعره هو السهل الممتنع ms477 الذي تراه كالشمس قريبا ضوؤها بعيدا مكانها ~~وكالقناه لينا مسها خشنا سنانها وهو على الحقيقه قينة الشعراء في الإطراب ~~وعنقاؤهم في الإغراب ومع هذا فإنه لم يوفق في التخلص من الغزل إلى المديح ~~بل اقتضبه اقتضابا ولقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئا مرضيا إلا اليسير # كقوله في قافية الباء من قصيدة # ( وكفاني إذا الحوادث أظلمن شهابا بغرة ابن شهاب % ) # وكقوله في قافية الدال من قصيدة # ( قصدت لنجران العراق ركابنا % يطلبن أرحبها محلة ماجد ) # ( آليت لا تلقين جدا صاعدا % في مطلب حتى تناخ بصاعد ) # وكقوله في قصيدته التي أولها # ( حلفت لها بالله يوم التفرق % ) PageV02P249 # فإنه تشوق فيها إلى العراق من الشام ووصف العراق ومنازله ورياضه فأحسن في ~~ذلك كله ثم خرج إلى مدح الفتح بن خاقان بسياقة آخذ بعضها برقاب بعض فقال # ( رباع من الفتح بن خاقان لم تزل % غنى لعديم أو فكاكا لموثق ) ثم أخذ في ~~مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني # وكذلك ورد قوله في قصيدته التي أولها # ( ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها % ) فإنه وصف البركة فأبدع في أوصافها ~~ثم خرج منها إلى مدح الخليفة المتوكلفقال # ( كأنها حين لجت في تدفقها % يد الخليفة لما سال واديها ) وأحسن ما وجدته ~~له وهو مما لطف فيه كل التلطيف قوله في قصيدته التي يمدح بها ابن بسطام ~~ومطلعها # ( نصيب عينك من سح وتسجام % ) فقال عند تخلصه إلى المديح # ( هل الشباب ملم بي فراجعة % أيامه لي في أعقاب أيام ) # ( لو أنه بابل عمر يجاذبه % إذا تطلبته عند ابن بسطام ) وهذا من الملائح ~~في هذا الباب # وله مواضع أخرى يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره PageV02P250 # وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي إن كتاب الله خال من ~~التخلص # وهذا القول فاسد لأن حقيقة التخلص إنما هي الخروج من كلام إلى آخر غيره ~~بلطيفة تلائم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه وفي القرآن ~~الكريم مواضع كثيرة من ذلك كالخروج من الوعظ والتذكير بالإنذار والبشارة ~~بالجنة إلى أمر ونهي ms478 ووعد ووعيد ومن محكم إلى متشابه ومن صفة إلى لنبي مرسل ~~وملك منزل إلى ذم شيطان مريد وجبار عنيد بلطائف دقيقة ومعان آخذ بعضها ~~برقاب بعض # فما جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى @QB@ واتل عليهم نبأ ~~إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ~~قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا ~~رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو ~~يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب ~~لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة ~~جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت ~~الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ~~ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها ~~يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا ~~المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من ~~المؤمنين @QE@ # هذا كلام يسكر العقول ويسحر الألباب وفيه كفاية لطالب البلاغة فإنه متى ~~أنعم فيه نظره وتدبر أثناءه ومطاوي حكمته على أن في ذلك غنى عن تصفح الكتب ~~PageV02P251 المؤلفة في هذا الفن ألا ترى ما أحسن ما رتب إبراهيم عليه ~~السلام كلامه مع المشركين حين سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا سؤال ~~مستفهم ثم أنحى على آلهتهمفأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا ~~تسمع وعلى تقليد آبائهم الأقدمين فكسره وأخرجه من ان يكون شبهة فضلا عن أن ~~يكون حجة ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكره الإله الذي لا تجب العبادة إلا له ~~ولا ينبغي الرجوع ms479 والإنابة إلا إليه فصور المسألة في نفسه دونهم بقوله @QB@ ~~فإنهم عدو لي @QE@ على معنى إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو ~~وهو الشيطان فاجتنبتها وآثرت عبادة من الخير كله في يده وأراهم بذلك أنها ~~نصيحة ينصح بها نفسهلينظروا فيقولوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه ~~فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله وأبعث على الاستماع منه ولو قال فإنهم ~~عدو لكم لم يكن بتلك المثابة فتخلص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر ~~الله تعالى فأجرى عليه تلك الصفات العظام من تفخيم شأنه وتعديد نعمه من لدن ~~خلقه وأنشأه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمتهليعلم من ذلك أن ~~من هذه صفاته حقيق بالعبادة واجب على الخلق الخضوع له والاستكانة لعظمتهثم ~~خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه فدعا الله بدعوات المخلصين وابتهل إليه ~~ابتهال الأوابينلأن الطالب من مولاه إذا قدم قبل سؤاله وتضرعه الاعتراف ~~بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة وأنجح لحصول الطلبة ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر ~~البعث ويوم القيامة ومجازاة الله تعالى من آمن به واتقاه بالجنة ومن ضل عن ~~عبادته بالنار فجمع بين الترغيب في طاعته والترهيب من معصيتهثم سأل ~~المشركين عما كانوا يعبدون سؤالا ثانيا عند معاينة الجزاء وهو سؤال موبخ ~~لهم مستهزيء بهم وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ما ~~كانوا فيه من الضلال وتمنى العودة ليؤمنوافانظر أيها المتأمل إلى هذا ~~الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض مع احتوائه على ضروب من المعاني فيخلص ~~من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ملائمة حتى كأنه أفرغ في قالب واحد فخرج ~~من ذكر الأصنام وتنفير أبيه وقومه من عبادتهم إياها مع ما هي فيه من التعري ~~عن صفات الإلهية حيث لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع إلى ذكر الله تعالى ~~فوصفه بصفات الإلهية فعظم شأنه PageV02P252 وعدد نعمهليعلم بذلك أن العبادة ~~لا تصح إلا له ثم خرج من هذا إلى دعائه إياه وخضوعه له ms480 ثم خرج منه إلى ذكر ~~يوم القيامة وثواب الله وعقابه فتدبر هذه التخلصات اللطيفة المودعة في ~~أثناء هذا الكلام # وفي القرآن مواضع كثيرة من التخلصات كالذي ورد في سورة الأعراففإنه ذكر ~~فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية من آدم إلى نوح عليهما السلام وكذلك إلى ~~قصة موسى عليه السلام حتى انتهى إلى آخرها الذي هو @QB@ واختار موسى قومه ~~سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي ~~من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي ~~وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ~~الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون @QE@ # هذا تلخص من التخلصات الحسانفإن الله تعالى ذكر الأنبياء والقرون الماضية ~~إلى عهد موسى عليه السلامفلما أراد ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم ذكره ~~بتخلص انتظم به بعض الكلام ببعض ألا ترى أنه قال موسى عليه السلام ( واكتب ~~لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ) فأجيب بقوله تعالى @QB@ قال عذابي ~~أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين @QE@ من حالهم كذا وكذا ~~ومن صفتهم كيت وكيت وهم الذين @QB@ يتبعون الرسول النبي الأمي @QE@ ثم وصفه ~~صلوات الله عليه بصفاته إلى آخر الكلام # ويا لله العجب كيف يزعم الغانمي أن القرآن خال من التخلص ألم يكفه ~~PageV02P253 سورة يوسف عليه السلام فإنها قصة برأسها وهي مضمنه شرح حاله مع ~~إخوته من أول أمره إلى آخره وفيها عدة تخلصات في الخروج من معنى إلى معنى ~~وكذلك إلى آخرها # ولو أخذت في ذكر ما في ms481 القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت ومن أنعم نظره ~~فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة # وقد جاءني من التخلصات في الكلام المنثور أشياء كثيرة وسأذكر ههنا نبذة ~~يسيرة منها # فمن ذلك ما أوردته في كتاب إلى بعض الإخوان أصف فيه الربيع ثم خرجت من ~~ذلك إلى ذكر الأشواق فقلت وكما أن هذه الأوصاف في شأنها بديعة فكذلك شوقي ~~في شأنه بديع غير انه لحره فصل مصيف وهذا فصل ربيع فأنا أملي أحاديثه ~~العجيبة على النوى وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستفض حديث من قتله ~~الهوى # ومن هذا الأسلوب ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أيضا وأرسلته إليه من ~~بلاد الروم وهو كتاب يشتمل على وصف البرد وما لاقيته منه ثم خرجت من ذلك ~~إلى ذكر الشوق فقلت ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس إلا في شهر ناجر ~~وهو قائم مقام الظل الذي يتبرد من لفح الهواجر ولفظ شدته لم أجد ما يحققه ~~فضلا عما يذهبه فإن النار المعدة له تطلب من الدفء أيضا ما أطلبه لكن وجدت ~~نار أشواقي أشد حرا فاصطليت بجمرها التي لا تذكي بزناد ولا تئول إلى رماد ~~ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشد من حر الفؤاد غير أني كنت في ذلك كمن ~~سد خلة بخلة واستشفى من علة بعلة وأقتل ما أغلك ما شفاك فما ظنك بمن يصطلي ~~نار الأشواق وقد قنع من أخيه بالأوراق فظن عليه بالأوراق PageV02P254 ا ~~ينتظم في هذا العقد ما ذكرته في مفتتح كتاب يتضمن عناية ببعض المتظلمين ~~فاستطردت فيه المعنى إذ ذكر المكتوب إليهوهو هدايا المكارم أنفس من هدايا ~~الأموال وأبقى على تعاقب الأيام والليال وقد حمل هذا الكتاب منها هدية تورث ~~حمدا وتكسب مجدا وهي خير ثوابا وخير مردا ولا يسير بها إلا سجية طبعت على ~~الكرم وخلقت من عنصر الديم كسجية مولانا أعلاه الله علوا تفخر به الأرض على ~~السماء وتحسده شمس النهار ونجوم الظلماءولا زالت أياديه مخجلة صوب الغمام ~~معدية على نوب ms482 الأيام مغنية بشرف فضلها على شرف الأخوال والأعمام وتلك ~~الهدية هي تجريد الشفاعة في أمر فلان ومن إيمان المرء سعيه في حاجة أخيه ~~وإن لم يمسه بشيء من أسباب أواخيه فإن المؤمنين إخوة وإن تباينت مناسبهم ~~وتفاوتت مراتبهم ومن صفتهم أن يسعى بذمتهم أدناهم وخيرهم من عناه من الأمر ~~ما عناهم ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب # ومن ذلك ما كتبته من كتاب إلى صديق استحدثت مودته وهو من أهل العراق وكنت ~~اجتمعت به بالموصل ثم سار عني فكتبت إليه أستهديه رطبافقلت هذه المكاتبة ~~ناطقة بلسان الشوق الذي تزف كلمه زفيف الأوراق وتسجع سجع ذوات الأطواق ~~وتهتف وهي مقيمة بالموصل فتسمع من هو مقيم بالعراق وأبرح الشوق ما كان عن ~~فراق غير بعيد وود استجدت حلته واللذة مقترنة بكل شيء جديد وأرجو ألا يبلى ~~قدم الأيام لهذه الجدة لباسا وأن يعاذ من نظرة الجن والإنس حتى لا يخشى جنة ~~ولا بأسا وقد قيل إن للمودات طعما كما أن لها وسما وإن ذا اللب يصادق نفسا ~~قبل أن يصادق جسما وإني لأجد لمودة سيدنا حلاوة يستلذ دوامها ولا يمل ~~استطعامها وقد أذكرتني الآن بحلاوة الرطب الذي هو من أرضها وغير عجيب ~~لمناسبة الأشياء أن يذكر بعضها ببعضها إلا أن هذه الحلاوة تنال بالأفواه ~~وتلك تنال بالأسرار وفرق بين ما يغترس بالأرض وما يغترس بالقلب في شرف ~~الثمار فلا ينظر سيدنا علي في هذا التمثيل ولربما كان ذلك تعريضا ينوب مناب ~~التطفيل # وهذا من التخلصات البديعة فانظر أيها المتأمل كيف سقت الكلام إلى ~~PageV02P255 استهداء الرطب وجعلت بعضه آخذا برقاب بعض حتى كأنه في قالب ~~واحد وكذلك فليكن التخلص من معنى إلى معنى # وهذا القدر من الأمثلة كاف للمتعلم # ومما أستظرف من هذا النوع في الشعر قول ابن الزمكرم الموصلي وهو # ( وليل كوجه البرقعيدي مظلم % وبرد أغانيه وطول قرونه ) # ( سريت ونومي فيه نوم مشرد % كعقل سليمان بن فهد ودينه ) # ( على أولق فيه التفات كأنه % أبو جابر في خبطه وجنونه ) # ( إلى أن ms483 بدا ضوء الصباح كأنه % سنا وجه قرواش وضوء جبينه ) وهذه الأبيات ~~لها حكاية وذاك أن هذا الممدوح وهو شرف الدولة قرواش ملك العرب وكان صاحب ~~الموصلفاتفق أنه كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء وفي جملتهم ~~هؤلاء الذين هجاهم الشاعر وكان البرقعيدي مغنيا وسليمان بن فهد وزيرا وأبو ~~جابر حاجبا فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه ~~فأنشد هذه الأبيات ارتجالا وهي غريبة في بابها لم يسمع بمثلها ولم يرض ~~قائلها بصناعة التخلص وحدها حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة ~~فابتدأ البيت الأول يهجو البرقعيديفجاءه في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء ~~جميعها وهي الظلمة والبرد والطول ثم إن هذه الأوصاف الثلاثة جاءت ملائمة ~~لما شبهت به مطابقة له وكذلك البيت الثاني والثالث ثم خرج إلى المديح بألطف ~~وجه وأدق صنعة وهذا يسمى الاستطراد وما سمعت في هذا الباب بأحسن من هذه ~~الأبيات # ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لأبن الحجاج البغدادي وهي أبيات لطيفة ~~جدا # ( ألا يا ماء دجلة لست تدري % بأني حاسد لك طول عمري ) PageV02P256 # ( ولو أني استطعت سكرت سكرا % عليك فلم تكن يا ماء تجري ) # ( فقال الماء ما هذا عجيب % بم استوجبته يا ليت شعري ) # ( فقلت له لأنك كل يوم % تمر على أبي الفضل بن بشر ) # ( تراه ولا أراه وذاك شيء % يضيق عن احتمالك فيه صبري ) وما علمت معنى في ~~هذا المقصد ألطف ولا ارق ولا أعذب ولا أحلى من هذا اللفظ ويكفي ابن الحجاج ~~من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات # ولا تظن أن هذا شيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة وفات ~~من تقدمهم لما عندهم من قشف العيش وغلظ الطبع بل قد تقدم أولئك إلى هذا ~~الأسلوب وإن أقلوا منه وأكثر منه المحدثون وأي حسن من محاسن البلاغة ~~والفصاحة لم يسبقوا إليه وكيف لا وهم أهله ومنهم علم وعنهم أخذ # فمن ذلك ما جاء للفرزدق وهو # ( وركب كأن الريح تطلب عندهم % لها ترة ms484 من جذبها بالعصائب ) # ( سروا يخبطون الليل وهي تلفهم % إلى شعب الأكوار من كل جانب ) ~~PageV02P257 # ( إذا آنسوا نارا يقولون ليتها % وقد خصرت أيديهم نار غالب ) فانظر إلى ~~هذا الاستطراد ما أفحله وأفخمه # واعلم أنه قد يقصد الشاعر التخلص فيأتي به قبيحا كما فعل أبو الطيب ~~المتنبي في قصيدته التي أولها # ( ملث القطر أعطشها ربوعا % ) # فقال عند الخروج من الغزل إلى المديح # ( غدا بك كل خلو مستهاما % وأصبح كل مستور خليعا ) # ( أحبك أو يقولوا جر نمل % ثبيرا وابن إبراهيم ريعا ) وهذا تخلص كما تراه ~~بارد ليس عليه من مسحة الجمال شيء وههنا يكون الاقتضاب أحسن من ~~التخلصفينبغي لسالك هذه الطريق أن ينظر إلى ما يصوغهفإن واتاه التخلص حسنا ~~كما ينبغي وإلا فليدعه ولا يستكرهه حتى يكون مثل هذا كما فعل أبو الطيب ~~ولهذا نظائر وأشباه وقد استعمل ذلك في موضع آخر في قصيدته التي أولها # ( أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا % ) PageV02P258 فقال # ( عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي % إلى التي تركتني في الهوى مثلا ) ~~والإضراب عن مثل هذا التخلص خير من ذكره وما ألقاه في هذه الهوة إلا أبو ~~نواسفإنه قال # ( سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد % هواك لعل الفضل يجمع بيننا ) على أن ~~أبا نواس أخذ ذلك من قيس بن ذريح لكنه أفسده ولم يأت به كما أتى به قيس ~~ولذلك حكاية وهو أنه لما هام بلبنى في كل واد وجن بها رق له الناس ورحموه ~~فسعى له ابن عتيق إلى أن طلقها من زوجها وأعادها إلى قيس فزوجها إياهفقال ~~عند ذلك # ( جزى الرحمن أفضل ما يجازي % على الإحسان خيرا من صديق ) # ( وقد جربت إخواني جميعا % فما ألفيت كابن أبي عتيق ) # ( سعى في جمع شملي بعد صدع % ورأي حرت فيه عن طريقي ) # ( وأطفى لوعة كانت بقلبي % أغصتني حرارتها بريقي ) وبين هذا الكلام وبين ~~كلام أبي نواس بون بعيدوقد حكي عن ابن أبي عتيق أنه قال يا حبيبي امسك عن ~~هذا المديح فما يسمعه أحد إلا ظنني قوادا PageV02P259 # وأما الاقتضاب فهو ms485 الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع وهو قطع الكلام ~~واستئناف كلام آخر غيرهبلا علاقة تكون بينه وبينه # فمن ذلك ما يقرب من التخلص وهو فصل الخطاب والذي أجمع عليه المحققون من ~~علماء البيان أنهأما بعدلأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن بذكر ~~الله وتحميده فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر ~~الله تعالى بقولهأما بعد # ومن الفصل الذي هو أحسن من الوصل لفظههذاوهي علاقة وكيدة بين الخروج من ~~كلام إلى كلام آخر غيره كقوله تعالى @QB@ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا ~~لمن المصطفين الأخيار واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار هذا ~~ذكر وإن للمتقين لحسن مآب جنات عدن مفتحة لهم الأبواب @QE@ ألا ترى إلى ما ~~ذكر قبل @QB@ هذا ذكر @QE@ من ذكر من الأنبياء عليهم السلام وأراد أن يذكر ~~على عقبه بابا آخر غيره وهو ذكر الجنة وأهلها فقال @QB@ هذا ذكر @QE@ ثم ~~قال @QB@ وإن للمتقين لحسن مآب @QE@ ثم لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن ~~يعقبه بذكر أهل النار قال @QB@ هذا وإن للطاغين لشر مآب @QE@ وذلك من فصل ~~الخطاب الذي هو ألطف موقعا من التخلص # وقد وردت لفظة هذا في الشعر إلا أن ورودها فيه قليل بالنسبة إلى الكلام ~~المنثورفمن قول الشاعر المعروف بالخباز البلدي في قصيدة أولها # ( العيش غض والزمان غرير % ) # ( إني ليعجبني الزنا في سحرة % ويروق لي بالجاشرية زيره ) # ( وأكاد من فرح السرور إذا بدا % ضوء الصباح من الستور أطير ) # ( وإذا رأيت الجو في فضية % للغيم في جنباتها تكسير ) # ( منقوشة صدر البزاة كأنه % فيروزج قد زانه بلور ) PageV02P260 # ( نادت بي اللذات ويحك فانتهز % فرص المنى يأيها المغرور ) # ( مل بي إلى جور السقاة فإنني % أهوى سقاة الكأس حين تجور ) # ( هذا وكم لي بالجنينة سكرة % أنا من بقايا شربها مخمور ) # ( باكرتها وغصونها مغروزة % والماء بين مروزها مذعور ) # ( في ستة أنا والنديم وقينة % والكأس والمزمار والطنبور ) هذه الأبيات ~~حسنة وخروجها من شدق هذا الرجل ms486 الخباز عجيب ولو جاءت في شعر أبي نواس لزانت ~~ديوانه # والاقتضاب الوارد في الشعر كثير لا يحصى والتخلص بالنسبة إليه قطرة من ~~بحرولا يكاد يوجد التخلص في شعر الشاعر المجيد إلا قليلا بالنسبة إلى ~~المقتضب من شعره # فمن الاقتضاب قول أبي نواس في قصيدته النونية التي ألها # ( يا كثير النوح في الدمن % ) # وهذه القصيدة هي عين شعره والملاحة للعيون وهي تنزل منه منزلة الألف لا ~~منزلة النون إلا أنه لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه ~~اقتضابافبينا هو يصف الخمر ويقول # ( فاسقني كأسا على عذل % كرهت مسموعه أذني ) # ( من كميت اللون صافية % خير ما سلسلت في بدني ) # ( ما استقرت في فؤاد فتى % فدرى ما لوعة الحزن ) PageV02P261 حتى قال # ( تضحك الدنيا إلى ملك % قام بالآثار والسنن ) # ( سن للناس الندى فندوا % فكأن البخل لم يكن ) فأكثر مدائح أبي نواس ~~مقتضبة هكذا والتخلص غير ممكن في كل الأحوال وهو من مستصعبات علم البيان # ومن هذا الباب الذي نحن بصدد ذكره قول البحتري في قصيدته المشهورة ~~بالجودة التي مدح بها الفتح بن خاقان وذكر لقاءه الأسد وقتله إياه وأولها # ( أجدك ما ينفك يسري لزينبا % ) وهي من أمهات شعره ومع ذلك لم يوفق فيها ~~للتخلص من الغزل إلى المديح فإنه بينما هو في تغزله وهو يقول # ( عهدتك إن منيت موعدا % جهاما وإن أبرقت أبرقت خلبا ) # ( وكنت أرى أن الصدود الذي مضى % دلال فما إن كان إلا تجنبا ) # ( فوا أسفا حتام أسأل مانعا % وآمن خوافا وأعتب مذنبا ) حتى قال في أثر ~~ذلك # ( أقول لركب معتفين تدرعوا % على عجل قطعا من الليل غيهبا ) # ( ردوا نائل الفتح بن خاقان إنه % أعم ندى فيكم وأيسر مطلبا ) فخرج إلى ~~المديح بغير وصلة ولا سبب # وكذلك قوله في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها الفتح بن خاقان ~~PageV02P262 أيضاوذكر نجاته عند انخساف الجسر به وقد أغرب فيها كل الإغراب ~~وأحسن كل الإحسان وأولها # ( متى لاح برق أو بدا طلل قفر % ) فبينا هو في غزلها حتى قال # ( لعمرك ما الدنيا ms487 بناقصة الجدى % إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر ) فخرج ~~إلى المديح مقتضبا له لا متعلقا به وأمثال هذا في شعره كثير PageV02P263 # | النوع الرابع والعشرون # # | في التناسب بين المعاني # وينقسم إلى ثلاثة أقسام القسم الأول في المطابقة # وهذا النوع يسمى البديع أيضا وهو في المعاني ضد التجنيس في الألفاظلأن ~~التجنيس هو أن يتحد اللفظ مع اختلاف المعنى وهذا هو أن يكون المعنيان ضدين # وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أن المطابقة في الكلام هي الجمع بين ~~الشيء وضدهكالسواد والبياض والليل والنهار # وخالفهم في ذلك قدامة بن جعفر الكاتب فقال المطابقة إيراد لفظين متساويين ~~في البناء والصيغة مختلفين في المعنى # وهذا الذي ذكره هو التجنيس بعينه غير أن الأسماء لا مشاحة فيها إلا إذا ~~كانت مشتقة # ولننظر نحن في ذلك وهو أن نكشف عن أصل المطابقة في وضع اللغة وقد وجدنا ~~الطباق في اللغة من طابق البعير في سيره إذا وضع رجله موضع يده وهذا يؤيد ~~ما ذكره قدامة لأن اليد غير الرجل لا ضدها والموضع الذي يقعان فيه واحد ~~وكذلك المعنيان يكونان مختلفين واللفظ الذي يجمعهما واحدفقدامة سمى هذا ~~النوع من الكلام مطابقا حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به وذلك مناسب وواقع ~~في موقعه إلا أنه جعل للتجنيس اسما آخر وهو المطابقة ولا بأس به إلا إن كان ~~مثله بالضدين كالسواد والبياضفإنه يكون قد خالف الأصل الذي أصله بالمثال ~~الذي مثله PageV02P264 # وأما غيره من أرباب هذه الصناعة فإنهم سموا هذا الضرب من الكلام مطابقا ~~لغير اشتقاق ولا مناسبة بينه وبين مسماه هذا الظاهر لنا من هذا القول إلا ~~أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن # ولنرجع إلى ذكر هذا القسم من التأليف وإيضاح حقيقتهفنقول # الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع المقابلة لأنه لا يخلو الحال فيه ~~من وجهين إما أن يقابل الشيء بضده أو يقابل بما ليس بضده وليس لنا وجه ثالث # فأما الأول - وهو مقابلة الشيء بضده كالسواد والبياض وما جرى مجراهما - ~~فإنه ينقسم ms488 قسمين أحدهما مقابلة في اللفظ والمعنى والآخر مقابلة في المعنى ~~دون اللفظ # أما المقابلة في اللفظ والمعنى فكقوله تعالى @QB@ فليضحكوا قليلا وليبكوا ~~كثيرا @QE@ فقابل بين الضحك والبكاء والقليل والكثير وكذلك قوله تعالى @QB@ ~~لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم @QE@ وهذا من أحسن ما يجيء ~~في هذا الباب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير المال عين ساهرة لعين ~~نائمة # ومن الحسن المطبوع الذي ليس بمتكلف قول علي رضي الله عنه لعثمان رضي الله ~~عنه إن الحق ثقيل مرىء والباطل خفيف وبيء وأنت رجل إن صدقت سخطت وإن كذبت ~~رضيتفقابل الحق بالباطل والثقيل المريء بالخفيف الوبيء والصدق بالكذب ~~والسخط بالرضا وهذه خمس مقابلات في هذه الكلمات القصار # وكذلك ورد قوله رضي الله عنه لما قال الخوارج لا حكم إلا لله تعالى هذه ~~كلمة حق أريد بها باطل # وقال الحجاج بن يوسف لسعيد بن جبير رضي الله عنه وقد أحضره بين يديه ~~ليقتله فقال له ما اسمك قال سعيد بن جبير قال بل أنت شقي بن كسير ~~PageV02P265 وقد كان الحجاج من الفصحاء المعدودين وفي كلامه هذا مطابقة ~~حسنة فإنه نقل الاسمين إلى ضدهما فقال في سعيد شقي وفي جبير كسير # وهذا النوع من الكلام لم تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات # ومما وجدته في لغة الفرس أنه لما مات قباذ أحد ملوكهم قال وزيره حركنا ~~بسكونه # وأول كتاب الفصول لأبقراط في الطب قوله العمر قصير والصناعة طويلة # وهذا الكتاب على لغة اليونان # ومن كلامي في هذا الباب ما كتبته في صدر مكتوب إلى بعض الإخوان وهو صدر ~~هذا الكتاب عن قلب مقيم وجسد سائر وصبر مليم وجزع عاذر وخاطر أدهشته لوعة ~~الفراق فليس بخاطر # وكذلك كتبت إلى بعض الإخوان أيضا فقلت صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس ~~بلقائه وطرف مستوحش لفراقه فهذا مروع بكآبة إظلامه وهذا ممتنع ببهجة إشراقه ~~غير أن لقاء القلوب لقاء عنيت بمثله خواطر الأفكار وتتناجى به من وراء ~~الأستار وذلك أخو الطيف ms489 الملم في المنام الذي يموه بلقاء الأرواح على لقاء ~~الأجسام # ومن هذا النوع ما ذكرته في كتاب أصف المسير من دمشق إلى الموصل على طريق ~~المناظر فقلت من جملته ثم نزلت أرض الخابور فغربت الأرواح وشرقت الجسوم ~~وحصل الإعدام من المسار والإنزال من الهموم وطالبتني النفس بالعود والقدرة ~~مفلسة وأويت إلى ظل الآمال والآمال مشمسة # ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب إلى بعض الإخوان وعرضت فيه بذكر جماعة من ~~أهل الأدب فقلت وهم مسئولون ألا ينسوني في نادي فضلهم الذي هو منبع الآمال ~~وملتقط اللآل فوجوه ألفاظه مشرقة بأيدي الأقلام المتسودة وقلوب معانيه ~~مستنبطة بنار الخواطر المتوقدة والواغل إليه يسكر من خمرته التي تنبه ~~العقول من إغفائها ولا يشربها أحد غير أكفائها PageV02P266 # وهذه الفصول المذكورة لا خفاء بما تضمنته من محاسن المقابلة # ومما ورد من هذا النوع شعرا قول جرير # ( أعور من نبهان أما نهاره % فأعمى وأما ليله فبصير ) وهكذا ورد قول ~~الفرزدق # ( قبح الإله بني كليب إنهم % لا يغدرون ولا يفون بجار ) # ( يستيقظون إلى نهيق حمارهم % وتنام أعينهم عن الأوتار ) فقابل بين الغدر ~~والوفاء وبين التيقظ والنوم وفي البيت الأول معنى يسأل عنه # وكذلك ورد قول بعضهم PageV02P267 # ( فلا الجود يفني المال والجد مقبل % ولا البخل يبقي المال والجد مدبر ) ~~وقد أكثر أبو تمام من هذا في شعره فأحسن في موضع وأساء في موضعفمن إحسانه ~~قوله # ( ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا % إلا بحيث ترى المنايا سودا ) وكذلك قال ~~من هذه القصيدة أيضا # ( شرف على أولى الزمان وإنما % خلق المناسب ما يكون جديدا ) وعلى هذا ~~النهج ورد قوله # ( إذا كانت النعمى سلوبا من امرىء % غدت من خليجي كفه وهي متبع ) # ( وإن عثرت بيض الليالي وسودها % بوحدته ألفيتها وهي مجمع ) # ( ويوم يظل العز يحفظ وسطه % بسمر العوالي والنفوس تضيع ) # ( مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغى % ولكنه من وابل الدم مربع ) ~~PageV02P268 ومن هذا الأسلوب قوله أيضا # ( تقرب الشقة القصوى إذا أخذت % سلاحها وهو الإرقال والرمل ) # ( إذا تظلمت من أرض فصلت بها ms490 % كانت هي العز إلا أنها ذلل ) # ( المرضياتك ما أرغمت آنفها % والهادياتك وهي الشرد الضلل ) وعلى هذا ~~النحو ورد قوله # ( وناضرة الصباحين اسبكرت % طلاع المرط والدرع البدي ) # ( تشكى الأين من نصف سريع % إذا قامت ومن نصف بطي ) وقد جاء لأبي نواس ~~ذلك فقال # ( أقلني قد ندمت على الذنوب % وبالإقرار عدت من الجحود ) # ( أنا استهديت عفوك من قريب % كما استعفيت سخطك من بعيد ) فقابل بين ~~الأضداد من الجحود والإقرار والعفو والسخط والقرب والبعد PageV02P269 # وعلى نحو من ذلك ورد قول علي بن جبلة في أبي دلف العجلي وهو # ( أيم المهير ونكاح الأيم % يوماك يوم أبؤس وأنعم ) # ( وجمع مجد وندى مقسم % ) وكذلك قوله أيضا # ( هو الأمل المبسوط والأجل الذي % يمر على أيامه الدهر أو يحلو ) # ( ولا تحسن الأيام تفعل فعله % وإن كان في تصريفها النقض والفعل ) # ( فعش واحدا أما الشراء فمسلم % مباح وأما الجار فهو حمى بسل ) ومما جاء ~~من هذا القسم قول البحتري # ( أحسن الله في ثوابك عن ثغر مضاع أحسنت فيه البلاء ) # ( كان مستضعفا فعز ومحروما % فأجدى ومظلما فأضاء ) ومن أحسن ما ورد له في ~~هذا الباب قوله # ( أشكو إليك أناملا ما تنطوي % بخلا وإملاقا تقصفها اليد ) PageV02P270 # ( أرضيهم قولا ولا يرضونني % فعلا وتلك قضية لا تقصد ) # ( فأذم منهم ما يذم وربما % سامحتهم فحمدت ما لا يحمد ) وعلى هذا النهج ~~ورد قوله # ( وتوقعي منك الإساءة جاهدا % والعدل أن أتوقع الإحسانا ) # ( وكما يسرك لين مسي راضيا % فكذاك فاخش خشونتي غضبانا ) وأما أبو الطيب ~~المتنبي فإنه استعمل هذا النوع قليلا في شعرهفمن ذلك قوله # ( ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا % كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا ) وكذلك ~~قوله # ( إلى رب مال كلما شنت شمله % تجمع في تشتيته للعلا شمل ) PageV02P271 ~~ومما استعذبته من قوله في هذا الباب # ( كأن سهاد الليل يعشق مقلتي % فيينهما في كل هجر لنا وصل ) ومما جاء من ~~هذا الباب # ( لما اعتنقنا للوداع وأعربت % عبراتنا عنا بدفع ناطق ) # ( فرقن بين معاجر ومحاجر % وجمعن بين بنفسج وشقائق ) وهذا تحته معنى يسأل ~~عنه غير المقابلة ms491 # وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالبنفسج والشقائق هو عارض الرجل وخد ~~المرأة لأن من العادة أن يشبه العارض بالبنفسج # وهذا قول غير سائغ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند أول ظهوره فإذا طر ~~وظهرت خضرته في ابتداء سن الشباب شبه بالبنفسجلأنه يكون بين الأخضر والأسود ~~وليس في الشعر ما يدل على أن المودع كان شابا قد طر عارضهوالذي يقتضيه ~~المعنى أن المرأة قامت للوداع فمزقت خمارها ولطمت خدهافجمعت بين أثر اللطم ~~وهو شبيه بالبنفسج وبين لون الخد وهو شبيه الشقائق وفرقت بين خمارها وبين ~~وجهها بالتمزيق ولها وموجدة على الوداعهذا هو معنى البيت لا ما ذهب إليه ~~هذا الرجل # وأما المقابلة في المعنى دون اللفظ في الأضداد فمما جاء منه قول المقنع ~~الكندي من شعراء الحماسة PageV02P272 # ( لهم جل مالي إن تتابع لي غنى % وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا ) ~~فقولهتتابع لي غنى بمعنى قولهكثر ماليفهو إذا مقابلة من جهة المعنى لا من ~~جهة اللفظلأن حقيقة الأضداد اللفظية إنما هي في المفردات من الألفاظ نحو ~~قام وقعد وحل وعقد وقل وكثرفإن القيام ضد القعود والحل ضد العقد والقليل ضد ~~الكثيرفإذا ترك المفرد من الألفاظ وتوصل إلى مقابلته بلفظ مركب كان ذلك ~~مقابلة من جهة المعنى لا من جهة اللفظكقول هذا الشاعرتتابع لي غنى في معنى ~~كثر مالي وهذه مقابلة معنوية لا لفظية فاعرف ذلك # وأما مقابلة الشيء بما ليس بضده فهي ضربان أحدهما ألا يكون مثلا والآخر ~~أن يكون مثلا # فالضرب الأول يتفرع إلى فرعين # الأول ما كان بين المقابل والمقابل نوع مناسبة وتقارب كقول قريط بن أنيف ~~PageV02P273 # ( يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة % ومن إساءة أهل السوء إحسانا ) فقابل ~~الظلم بالمغفرة وليس ضدا لها وإنما هو ضد العدل إلا أنه لما كانت المغفرة ~~قريبة من العدل حسنت المقابلة بينها وبين الظلم # وعلى هذا جاء قوله تعالى @QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ فإن ~~الرحمة ليست ضدا للشدة وإنما ضد الشدة اللين إلا أنه لما كانت الرحمة من ~~مسببات اللين ms492 حسنت المقابلة بينها وبين الشدة # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد ~~أخذنا أمرنا من قبل @QE@ فإن المصيبة سيئة لأن كل مصيبة سيئة وليس كل سيئة ~~مصيبة فالتقابل ههنا من جهة العام والخاص # الفرع الثاني ما كان بين المقابل والمقابل به بعد وذاك مما لا يحسن ~~استعماله كقول أم النحيف وهو سعد بن قرط وقد تزوج امرأة كانت نهته عنها ~~فقالت من أبيات تذمها فيها # ( تربص بها الأيام عل صروفها % سترمي بها في جاحم متسعر ) # ( فكم من كريم قد مناه إلهه % بمذمومة الأخلاق واسعة الحر ) PageV02P274 ~~فقولهابمذمومة الأخلاق واسعة الحرمن المقابلة البعيدة بل الأولى أن كانت ~~قالتبضيقة الأخلاق واسعة الحرحتى تصح المقابلة # وهذا مما يدل على ان العربي غير مهتد إلى استعمال ذلك بصنعته وإنما يجيء ~~له منه ما يجيء بطبعه لا بتكلفة وإذا أخطأ فإنه لا يعلم الخطأ ولا يشعر به ~~والدليل على ذلك أنه لو أبدلت لفظة مذمومة بلفظه ضيقة لصح الوزن وحصلت ~~المقابلة وإنما يعذر من يعذر في ترك المقابلة في مثل هذا المقام إذا كان ~~الوزن لا يواتيه # وأما المحدثون من الشعراء فإنهم اعتنوا بذلك خلاف ما كانت العرب عليه لا ~~جرم أنهم أشد ملامة من العرب # فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي # ( لمن يطلب الدنيا إذا لم يرد بها % سرور محب أو مساءة مجرم ) فإن ~~المقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض لا بين المحب والمجرم وليست متوسطة ~~أيضا حتى يقرب الحال فيها وإنما هي بعيدة فإنه ليس كل من أجرم إليك كان ~~مبغضا لك PageV02P275 # ومما يتصل بهذا الضرب ضرب من الكلام يسمى المواخاة بين المعاني والمواخاة ~~بين المبانيوكان ينبغي أن نعقد له بابا مفردا لكنا لما رأيناه ينظر إلى ~~التقابل من وجه وصلناه به # أما المواخاة بين المعاني فهو أن يذكر المعنى مع أخيه لا مع الأجنبيمثاله ~~أن تذكر وصفا من الأوصاف وتقرنه بما يقرب منه ويلتئم به فإن ذكرته مع ما ~~يبعد منه كان ذلك قدحا في الصناعة وإن كان ms493 جائزا # فمن ذلك قول الكميت # ( أم هل ظعائن بالعلياء رافعة % وإن تكامل فيها الدل والشنب ) فإن الدل ~~يذكره مع الغنج وما أشبهه والشنب يذكر مع اللعس وما أشبهه وهذا موضع يغلظ ~~فيه أرباب النظم والنثر كثيرا وهو مظنة الغلط لأنه يحتاج إلى ثاقب فكرة ~~وحذق بحيث توضع المعاني مع أخواتها لا مع الأجنبي منها # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج أنه اجتمع نصيب والكميت وذو الرمة ~~فأنشد الكميتأم هل ظغائن - البيتفقعد نصيب واحدة فقال له الكميت ماذا تحصي ~~قال خطأكفإنك تباعدت في القول أين الدل من الشنب ألا قلت كما قال ذو الرمة ~~PageV02P276 # ( لمياء في شفتيها حوة لعس % وفي اللثاث وفي أنيابها شنب ) ورأيت أبا ~~نواس يقع في ذلك كثيراكقوله في وصف الديك # ( له اعتدال وانتصاب قد % وجلده يشبه وشي البرد ) # ( كأنها الهداب في الفرند % محدودب الظهر كريم الجد ) فإنه ذكر الظهر ~~وقرنه بذكر الجد وهذا لا يناسب هذالأن الظهر من جملة الخلق والجد من النسب ~~وكان ينبغي أن يذكر مع الظهر ما يقرب منه ويواخيه أيضا # وكذلك أخطأ أبو نواس في قوله # ( وقد حلفت يمينا % مبرورة لا تكذب ) # ( برب زمزم والحوض % والصفا والمحصب ) فإن ذكر الحوض مع زمزم والصفا ~~والمحصب غير مناسب وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان وما جرى مجراهما ~~وأما زمزم والصفا والمحصب فيذكر معها الركن والحطيم وما جرى مجراهما ~~PageV02P277 وعلى هذا الأسلوب ورد قوله أيضا # ( أحسن من منزل بذي قار % منزل حمارة وحمار ) # ( وشم ريحانة ونرجسة % أحسن من أينق بأكوار ) فالبيت الثاني لا مقارنة ~~بين صدره وعجزه وأين شم الريحان من الأينق بالأكوار وكان ينبغي له أن يقول ~~شم الريحان أحسن من شم الشيح والقيصوم وركوب الفتيات الرود أحسن من ركوب ~~الأينق بالأكوار وكل هذا لا يتفطن لوضعه في مواضعه في كل الأوقات وقد كان ~~يغلب علي السهو في بعض الأحوال حتى أسلك هذه الطريق في وضع المعاني مع غير ~~أنسابها وأقاربها ثم إني كنت أتأمل ما صنعته بعد حين فأصلح ما سهوت عنه # وأما المواخاة ms494 بين المباني فإنه يتعلق بمباني الألفاظ # فمن ذلك قول أبي تمام في وصف الرماح # ( مثقفات سلبن العرب سمرتها % والروم زرقتها والعاشق القضفا ) ~~PageV02P278 وهذا البيت من أبيات أبي تمام الأفراد غير أن فيه نظرا وهو ~~قوله العرب والروم ثم قال العاشق ولو صح أن يقول العشاق لكان أحسنإذ كانت ~~الأوصاف تجري على سنن واحد وكذلك قوله سمرتها وزرقتها ثم قال القضفا وكان ~~ينبغي أن يقول قضفها أو دقتها # وعلى هذا ورد قول مسلم بن الوليد # ( نفضت بك الأحلاس نفض إقامة % واسترجعت نزاعها الأمصار ) # ( فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة % يثني عليها السهل والأوعار ) والأحسن أن ~~يقال السهل والوعرأو السهول والأوعارليكون البناء اللفظي واحدا أي أن يكون ~~اللفظان واردين على صيغة الجمع والإفراد ولا يكون أحدهما مجموعا والآخر ~~مفردا # وكذلك ورد قول أبي نواس في الخمر # ( صفراء مجدها مرازبها % جلت عن النظراء والمثل ) فجمع وأفرد في معنى ~~واحد وهو أنه قال ( النظراء ) مجموعا ثم قال ( المثل ) مفردا وكان الأحسن ~~أن يقول النظير والمثل أو النظراء والأمثال # وعلى ذلك ورد قوله أيضا والإنكار يتوجه فيه أكثر من الأول وهو ~~PageV02P279 # ( ألا يا ابن الذين فنوا فماتوا % أما والله ما ماتوا لتبقى ) # ( ومالك فاعلمن فيها مقام % إذا استكملت آجالا ورزقا ) وموضع الإنكار ~~ههنا أنه قال ( آجالا ورزقا ) وكان ينبغي أن يقول أرزاقا أو أن يقول أجلا ~~ورزقا وقد زاده إنكارا أنه جمع الأجل فقال ( آجالا ) والإنسان ليس له إلا ~~أجل واحد ولو قال أجلا وأرزاقا لما عيبلأن الأجل واحد والأرزاق كثيرة ~~لاختلاف ضروبها وأجناسها # وإذا أنصفنا في هذا الموضع وجدنا الناثر مطالبا به دون الناظملمكان ~~إمكانه من التصرف # وقد كنت أرى هذا الضرب من الكلام واجبا في الاستعمال وأنه لا يحسن المحيد ~~عنه حتى مر بي في القرآن الكريم ما يخالفه كقوله تعالى في سورة النحل @QB@ ~~أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل @QE@ ~~ولو كان الأحسن لزوم البناء اللفظي على سنن واحد لجمع اليمين كما جمع ~~الشمال أو أفرد ms495 الشمال كما أفرد اليمين وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ أولئك ~~الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون @QE@ فجمع ~~القلوب والأبصار وأفرد السمع وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ حتى إذا ما جاؤوها ~~شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم @QE@ فذكر السمع بلفظ الإفراد وذكر ~~الأبصار والجلود بلفظ الجمعوفي القرآن الكريم مواضع كثيرة هكذا ولو كان هذا ~~معتبرا في الاستعمال لورد في كلام الله تعالى الذي هو أفصح من كل كلام ~~والأخذ في مقام الفصاحة PageV02P280 والبلاغة إنما يكون منه والمعول عليه ~~وما ينبغي أن يقاس على هذا قوله تعالى @QB@ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ ~~لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين @QE@ ~~وربما قيل إن هذه الآية اشتملت على تثنية وجمع وإفراد وظن أنها من هذا ~~الباب وليس كذلك لأنها مشتملة على خطاب موسى وهارون عليهما السلام أولا في ~~اتخاذ المساجد لقومهما ثم ثنى الخطاب لهما ولقومهما جميعا ثم أفرد موسى ~~عليه السلام ببشارة المؤمنينلأنه صاحب الرسالة # الضرب الثاني في مقابلة الشيء مثله وهو يتفرع إلى فرعين أحدهما مقابلة ~~المفرد بالمفرد والآخر مقابلة الجملة بالجملة # الفرع الأول كقوله تعالى @QB@ نسوا الله فنسيهم @QE@ وكقوله تعالى @QB@ ~~ومكروا مكرا ومكرنا مكرا @QE@ وقد روعي هذا الموضع في القرآن الكريم ~~كثيرافإذا ورد في صدر آية من الآيات ما يحتاج إلى جوانب كان جوابه مماثلا ~~كقوله تعالى @QB@ من كفر فعليه كفره @QE@ وكقوله تعالى @QB@ وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها @QE@ وهذا هو الأحسن وإلا فلو قيل من كفر فعليه ذنبه كان ذلك ~~جائزا لكن الأحسن هو ما ورد في كتاب الله تعالى وعليه مدار الاستعمال # وهذا الحكم يجري في النظم والنثر من الأسجاع والأبيات الشعرية # فأما إن كان ذلك غير جوابفإنه لا يلتزم فيه هذه المراعاة اللفظية ألا ترى ~~أنه قد قوبلت الكلمة بكلمة هي في معناها وإن لم تكن مساوية لها في اللفظ ~~وهذا يقع في الألفاظ المترادفة ولذا يستعمل ذلك في الموضع الذي ترد فيه ~~الكلمة غير جواب # فما جاء منه قوله تعالى @QB@ ووفيت كل نفس ما ms496 عملت وهو أعلم بما يفعلون ~~@QE@ ولو كان لا تورد الكلمة إلا مثلا لقيل وهو اعلم بما تعملون وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع ~~منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض @QE@ فقال ( لا تخف ) بعد قوله ~~PageV02P281 ففزع ولما كان هذا في معنى هذا قوبل أحدهما بالآخر ولم يقابل ~~اللفظ بنفسه # وكذلك جاء قوله تعالى @QB@ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون @QE@ فذكر الاستهزاء الذي هو في معنى ~~الخوض واللعب وقابل به الخوض واللعب ولو ذكره على حد المماثلة والمساواة ~~لقال أفي الله وآياته ورسوله كنتم تخوضون وتلعبون # فإن قيل إنك قد احتججت بالقرآن الكريم فيما ذكرته ونرى قد ورد في القرآن ~~الكريم ما ينقضه كقوله تعالى @QB@ والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ~~@QE@ ولم يقل جزاء سيئة سيئة مثلها # الجواب عن ذلك أني أقول أردت أن تنقض علي ما ذكرته فلم تنقضه ولكنك شيدته ~~والذي ذكرته هو دليل لي لا لك ألا ترى أنه لا فرق بين قوله تعالى @QB@ جزاء ~~سيئة بمثلها @QE@ وبين قوله جزاء سيئة سيئة مثلهاإذ المعنى واحد لا يختلف ~~ولو جاء عوضا عن السيئة لفظة أخرى في معناها كالأذى والسوء أو ما جرى ~~مجراهما لصح لك ما ذهبت إليه # وقد ذهب بعض المتصدرين في علم البيان أنه إذا ذكرت اللفظة في أول كلام ~~يحتاج إلى تمام وإن لم يكن جوابا كالذي تقدمفينبغي أن تعاد بعينها في آخره ~~ومتى عدل عن ذلك كان معيبا ثم مثل ذلك بقول أبي تمام وقول أبي الطيب ~~المتنبي فقال إن أبا تمام أخطأ في قوله # ( بسط الرجاء لنا برغم نوائب % كثرت بهن مصارع الآمال ) PageV02P282 فحيث ~~ذكر الرجاء في صدر البيت فكان ينبغي أن يعيد ذكره أيضا في عجزه أو كان ذكر ~~الآمال في صدر البيت وعجزه وكذلك أخطأ أبو الطيب المتنبي في قوله # ( إني لأعلم واللبيب خبير % أن الحياة وإن حرصت غرور ) فإنه قالإني لأعلم ~~واللبيب خبيروكان ms497 ينبغي أن يقول إني لأعلم واللبيب عليمليكون ذلك تقابلا ~~صحيحا # وهذا الذي ذكره هذا الرجل ليس بشيء بل المعتمد عليه في هذا الباب أنه إذا ~~كانت اللفظة في معنى أختها جاز استعمالها في القابلة بينهما والدليل على ~~ذلك ما قدمناه من آيات القرآن الكريم وكفى به دليلا # وهذه الرموز التي هي أسرار الكلام لا يتفطن لاستعمالها إلا أحد رجلين إما ~~فقيه في علم البيان قد مارسه وإما مشقوق اللسان في الفصاحة قد خلق عارفا ~~بلطائفها مستغنيا عن مطالعة صحائفها وهذا لا يكون إلا عربي الفطرة يقول ما ~~يقوله طبعا على أنه لا يسدد في جميع أقوله ما لم تكن معرفته الفطرية ممزوجة ~~بمعرفته العرفية # الفرع الثاني في مقابلة الجملة بالجملة اعلم أنه إذا كانت الجملة من ~~الكلام مستقبلة قوبلت بمستقبلة وإن كانت ماضية قوبلت بماضية وربما قوبلت ~~الماضية بالمستقبلة والمستقبلة بالماضية إذا كانت إحداهما في معنى الأخرى # فمن ذلك قوله تعالى @QB@ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما ~~يوحي إلي ربي @QE@ فإن هذا تقابل من جهة المعنى ولو كان التقابل من جهة ~~اللفظ لقال وإن اهتديت فإنما أهتدي لها وبيان تقابل هذا الكلام من جهة ~~المعنى PageV02P283 هو أن النفس كل ما عليها فهو بهاأعني أن كل ما هو وبال ~~عليها وضار لها فهو بسببها ومنها لأنها الأمارة بالسوء وكل ما هو لها مما ~~ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه إياها وهذا حكم عام لكل مكلف وإنما أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يسند ذلك إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع ~~علو محله وسداد طريقته كان غيره أولى به # ومن هذا الضرب قوله تعالى @QB@ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا @QE@ فإنه لم يراع التقابل في قوله ليسكنوا فيه ومبصرالأن ~~القياس يقتضي أن يكون والنهار لتبصروا فيه وإنما هو مراعى من جهة المعنى لا ~~من جهة اللفظ وهذا النظم المطبوع غير المتكلفلأن معنى قوله مبصرا لتبصروا ~~فيه طرق التقلب في الحاجات # واعلم أن في ms498 تقابل المعاني بابا عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل وزيادة ~~نظر وهو يختص بالفواصل من الكلام المنثور وبالأعجاز من الأبيات الشعرية # فما جاء من ذلك قوله تعالى في ذم المنافقين @QB@ وإذا قيل لهم لا تفسدوا ~~في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون @QE@ ألا ترى كيف فصل الآية ~~الأخرى بيعلمون والآية التي قبلها بيشعرون وإنما فعل ذلك لأن أمر الديانة ~~والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال ~~حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي ~~إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات معلوم عند الناس ~~خصوصا عند العرب وما كان فيهم من التحارب والتغاور وفهو كالمحسوس عندهم ~~فلذلك قال فيه @QB@ لا يشعرون @QE@ وأيضا فإنه لما ذكر السفه في الآية ~~الأخيرة وهو جهل كان ذكر العلم معه أحسن طباقا فقال ( لا يعلمون ) # وآيات القرآن جميعها فصلت هكذاكقوله تعالى @QB@ ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير @QE@ وكقوله @QB@ له ما في ~~السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد @QE@ PageV02P284 ) ~~وكقوله @QB@ ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر ~~بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم ~~@QE@ فإنه إنما فصلت الآية الأولى بلطيف خبير لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه ~~بإنزال الغيث وغيره وأما الآية الثانية فإنما فصلت بغني حميد لأنه قال @QB@ ~~له ما في السماوات وما في الأرض @QE@ له لا لحاجة بل هو غني عنها جواد ~~بهالأنه ليس كل غني نافعا بغناه إلا إذا كان جوادا منعما وإذا جاد وأنعم ~~حمده المنعم عليه واستحق عليه الحمد فذكر الحميد ليدل على أنه الغني النافع ~~بغناه خلقه وأما الآية الثالثة فإنها فصلت برءوف رحيم لأنهلما ms499 عدد للناس ما ~~أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم وإجراء الفلك في البحر بهم ~~وتسييرهم في ذلك الهول العظيم وخلقه السماء فوقهم وإمساكه إياهن الوقوع حسن ~~أن يفصل ذلك قوله @QB@ لرؤوف رحيم @QE@ أي أن هذا الفعل فعل رءوف بكم رحيم ~~لكم # واعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا أنه قلما توجد هذه الملاءمة والمناسبة في ~~كلام ناظم أو ناثر # ومن الآيات ما يشكل فاصلته فيحتاج إلى فكرة وتأمل كقوله تعالى @QB@ ~~والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من ~~الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ~~والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته وأن الله تواب حكيم @QE@ فإنه قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع ~~بتواب رحيم ويظن الظان أن هذا كذا ويقول إن التوبة مع الرحمة لا مع الحكمة ~~وليس كما يظن بل الفاصلة بتواب حكيم أولى من تواب رحيملأن الله عز وجل حكم ~~بالتلاعن على الصورة التي أمر بها وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده ~~وذلك حكمة منه PageV02P285 ففصلت الآية الواردة في آخر الآيات بتواب حكيم ~~فجمع فيها بين التوبة المرجوة من صاحب المعصية وبين الحكمة في سترها على ~~تلك الصورة # وهذا باب ليس في علم البيان أكثر منه نفعا ولا أعظم فائدة # ومما جاء من هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي # ( وقفت وما في الموت شك لواقف % كأنك في جفن الردى وهو نائم ) # ( تمر بك الأبطال كلمى هزيمة % ووجهك وضاح وثغرك باسم ) وقد أوخذ على ذلك ~~وقيل لو جعل آخر البيت الأول آخرا للبيت الثاني وآخر البيت الثاني آخر ~~للبيت الأول لكان أولى # ولذلك حكاية وهي أنه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها # ( على قدر أهل العزم تأتي العزائم % ) فلما بلغ إلى هذين البيتين قال قد ~~انتقدتهما عليك كما انتقد على امرىء القيس قوله # ( كأني ms500 لم أركب جوادا للذة % ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ) # ( ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل % لخيلي كري كرة بعد إجفال ) فبيتاك لم ~~يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرىء القيس وكان ينبغي لك أن تقول # ( وقفت وما في الموت شك لواقف % ووجهك وضاح وثغرك باسم ) # ( تمر بك الأبطال كلمى هزيمة % كأنك في جفن الردى وهو نائم ) PageV02P286 ~~فقال المتنبي إن صح أن الذي استدرك على امرىء القيس هذا هو أعلم بالشعر منه ~~فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما ~~يعلمه الحائكلأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله وإنما قرن امرؤ ~~القيس النساء بلذة الركوب للصيدوقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة ~~في منازلة الأعداء وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر ~~الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه ~~باكية قلتووجهك وضاح وثغرك باسملأجمع بين الأضداد # القسم الثاني في صحة التقسيم وفساده # ولسنا نريد بذلك ههنا ما تقتضيه القسمة العقلية كما يذهب إليه ~~المتكلمونفإن ذلك يقتضي أشياء مستحيلة كقولهم الجواهر لا تخلو إما أن تكون ~~مجتمعة أو مفترقة أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو مجتمعة ومفترقة معا أو بعضها ~~مجتمعة وبعضها مفترقة ألا ترى أن هذه القسمة صحيحة من حيث العقللاستيفاء ~~الأقسام جميعها وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده # وإنما نريد بالتقسيم ههنا ما يقتضيه المعنى مما يمكن وجوده من غير أن ~~يترك منها قسم واحد وإذا ذكرت قام كل قسم منها بنفسه ولم يشارك غيره فتارة ~~يكون التقسيم بلفظة إماوتارة بلفظة بين كقولنا بين كذا وكذا وتارة منهم ~~كقولنا منهم كذا ومنهم كذا وتارة بأن يذكر العدد المراد أولا بالذكر ثم ~~يقسمكقولنا فانشعب القوم شعبا أربعة فشعبة ذهبت يمينا وشعبة ذهبت شمالا ~~وشعبة وقفت بمكانها وشعبة رجعت إلى ورائها # فمما جاء من هذا القسم قوله تعالى @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا ~~من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات @QE@ وهذه ~~قسمة صحيحة ms501 فإنه لا يخلو أقسام العباد من هذه الثلاثة فإما عاص ظالم لنفسه ~~وإما مطيع مبادر إلى الخيرات وإما مقتصد بينهما # ومن ذلك أيضا قوله تعالى @QB@ وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما ~~أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون @QE@ ~~PageV02P287 وهذه الآية منطبقة المعنى على الآية التي قبلهافأصحاب المشأمة ~~هم الظالمون لأنفسهم وأصحاب الميمنة هم المقتصدون والسابقون هم السابقون ~~بالخيرات # وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى @QB@ هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا ~~@QE@ فإن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع وليس لنا قسم ثالث # فإن قيل إن استيفاء الأقسام ليس شرطا وترك بعض الأقسام لا يقدح في الكلام ~~وقد ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى @QB@ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون @QE@ فذكر أصحاب الجنة دون أصحاب النار # فالجواب عن ذلك أني أقول هذا لا ينقض على ما ذكرتهفإن استيفاء الأقسام ~~يلزم فيما استبهم الإجمال فيه ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم @QE@ فإنه حيث قال @QB@ فمنهم @QE@ ~~لزم استيفاء الأقسام الثلاثة ولو اقتصر على قسمين منها لم يجز وأما هذه ~~الآية التي هي @QB@ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة @QE@ فإنه إنما خص ~~أصحاب الجنة بالذكر للعلم بأن أصحاب النار لا فوز لهم ولو خص أصحاب النار ~~بالذكر لعلم أيضا ما لأصحاب الجنة وكذلك كل ما يجري هذا المجرى فإنه إنما ~~ينظر فيه إلى المستبهم وغير المستبهم فاعرفه # وكان جماعة من أرباب هذه الصناعة يعجبون بقول بعض الأعراب ويزعمون أن ذلك ~~من أصح التقسيمات وهو قولهم النعم ثلاثة نعمة في حال كونها ونعمة ترجى ~~مستقبلة ونعمة تأتي غير محتسبة فأبقى الله عليك ما أنت فيه وحقق ظنك فيما ~~ترتجيه وتفضل عليك بما لم تحتسبه # وهذا القول فاسدفإن في أقسام النعم التي قسمها نقصا لا بد منه وزيادة لا ~~حاجة إليها فأما النقص فإغفال النعمة الماضية وأما الزيادة فقوله بعد ~~المستقبلة ونعمة تأتي غير محتسبة لأن النعمة التي تأتي غير محتسبة داخلة ms502 في ~~قسم النعمة المستقبلة وذاك أن النعمة المستقبلة تنقسم قسمين أحدهما يرجى ~~PageV02P288 حصوله والآخر لا يحتسب فقوله ونعمة تأتي غير محتسبة يوهم أن ~~هذا القسم غير المستقبل وهو داخل فيه وعلى هذا فكان ينبغي له أن يقول النعم ~~ثلاث نعمة ماضية ونعمة في حال كونها ونعمة تأتي مستقبلة فأحسن الله آثار ~~النعمة الماضية وأبقى عليك النعمة التي أنت فيها ووفر حظك من النعمة التي ~~تستقبلهاألا تراه لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب # وقد استوفى أبو تمام هذا المعنى في قوله # ( جمعت لنا فرق الأماني منكم % بأبر من روح الحياة وأوصل ) # ( فصنيعة في يومها وصنيعة % قد أحولت وصنيعة لم تحول ) # ( كالمزن من ماء الرباب فمقبل % متنظر ومخيم متهلل ) ووقف أعرابي على ~~مجلس الحسن البصري رضي الله عنه فقال رحم الله عبدا أعطى من سعة أو آسى من ~~كفاف أو آثر من قلة فقال الحسن البصري ما ترك لأحد عذرا # وقد عاب أبو هلال العسكري على جميل قوله PageV02P289 # ( لو كان في قلبي كقدر قلامة % حبا وصلتك أو أتتك رسائلي ) فقال أبو هلال ~~إن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل وليس الأمر كما وقع لهفإن جميلا إنما ~~أراد بقوله وصلتك أي أتيتك زائرا وقاصدا أو كنت راسلتك مراسلة وبالوصل لا ~~يخرج عن هذين الوصفين إما زيارة وإما رسالة # ومن أعجب ما وجدته في هذا الباب ما ذكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف ~~بالغانمي وهو قول العباس بن الأحنف # ( وصالكم هجر وحبكم قلا % وعطفكم صد وسلمكم حرب ) ثم قال الغانمي هذا ~~والله أصح من تقسيمات إقليدس ويا لله العجبأين التقسيم من هذا البيت هذا ~~والله في واد والتقسيم في واد ألا ترى أنه لم يذكر شيئا تحصره القسمة وإنما ~~ذم أحبابه في سوء صنيعهم به فذكر بعض أحواله معهم ولو قال أيضا # ( ولينكم عنف وقربكم نوى % وإعطاؤكم منع وصدقكم كذب ) لكان هذا جائزا ~~وكذلك لو زاد بيتا آخر لجاز ولو أنه تقسيم لما احتمل زيادة والأولى أن يضاف ~~هذا البيت ms503 الذي ذكره الغانمي إلى باب المقابلة فإنه أولى بهلأنه قابل الوصل ~~بالهجر والعطف بالصد والسلم بالحرب # ومن فساد التقسيم قول البحتري في قصيدته التي مطلعها PageV02P290 # ( ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا % ) فقال # ( قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا % أو معينا أو عاذرا أو عذولا ) فإن المشوق ~~يكون حزينا والمسعد يكون معينا وكذلك يكون المسعد عاذرا وكثيرا ما يقع ~~البحتري في مثل ذلك # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي وهو # ( فافخر فإن الناس فيك ثلاثة % مستعظم أو حاسد أو جاهل ) فإن المستعظم ~~يكون حاسدا والحاسد يكون مستعظما # ومن شرط التقسيم ألا تتداخل أقسامه بعضها في بعض # ومن هذا الأسلوب ما ورد في أبيات الحماسة وهو PageV02P291 # ( وكنت امرأ إما ائتمنتك خاليا % فحنت وإما قلت قولا بلا علم ) # ( فأنت من الأمر الذي قد أتيته % بمنزلة بين الخيانة والإثم ) فإن ~~الخيانة من الإثم وهذا تقسيم فاسد # ومما جاء من ذلك نثرا قول بعضهم في ذكر منهزمين فمن جريح متضرج بدمائه ~~وهارب لا يلتفت إلى ورائهفإن الجريح قد يكون هاربا والهارب قد يكون جريحا ~~ولو قال فمن بين قتيل ومأسور وناجلصح له التقسيم أو لو قال فمن بين قتيل ~~ومأسورلصح له التقسيم أيضالعدم الناجي بينهما # وقد أحسن البحتري في هذا المعنى حيث قال # ( غادرتهم أيدي المنية صبحا % بالقنا بين ركع وسجود ) # ( فهم فرقتان بين قتيل % قنصت نفسه بحد الحديد ) # ( أو أسير غدا له السجن لحدا % فهو حي في حالة الملحود ) # ( فرقة للسيوف ينفذ فيها الحكم قصدا وفرقة للقيود ) ومن فساد التقسيم قول ~~أبي تمام # ( وموقف بين حكم الذل منقطع % صاليه أو بحبال الموت متصل ) فإنه جعل صالي ~~هذا الموقف إما ذليلا عنه أو هالكا فيه وههنا قسم ثالث وهو ألا يكون ذليلا ~~ولا هالكا بل يكون مقدما فيه ناجيا # وفي هذا نظر على من ادعى فساد تقسيمهفإن أبا تمام قصد الغلو في وصف ~~PageV02P292 هذا الموقف فقال إن الناس فيه أحد رجلين إما ذليل عن مورده ~~وإما هالك فيه أي أنه لا ينجو منه أحد يرده وهذا ms504 تقسيم صحيح لا فساد فيه # القسم الثالث في ترتيب التفسير وما يصح من ذلك وما يفسد # اعلم أن صحة الترتيب في ذلك أن يذكر في الكلام معان مختلفة فإذا عيد ~~إليها بالذكر لتفسر قدم المقدم وأخر المؤخر وهو الأحسن إلا أنه قد ورد في ~~القرآن الكريم وغيره من الكلام الفصيح ولم يراع فيه تقديم المقدم ولا تأخير ~~المؤخركقوله تعالى @QB@ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية ~~لكل عبد منيب @QE@ ولو قدم تفسير المقدم في هذه الآية وأخر تفسير المؤخر ~~لقيل إن يشأ يسقط عليهم كسفا من السماء أو يخسف بهم الأرض # وكذلك ورد قوله تعالى @QB@ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت ~~وجوههم @QE@ فقدم المؤخر وأخر المقدم # والقسمان قد وردا جميعا في القرآن الكريم # فمما روعي فيه تقديم المقدم وتأخير المؤخر قوله تعالى @QB@ وما نؤخره إلا ~~لأجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ~~ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ @QE@ # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ~~وجعلنا آية النهار مبصرة @QE@ # وكذلك قوله تعالى @QB@ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله @QE@ PageV02P293 ) فلما قدم الليل في الذكر على النهار ~~قدم سبب الليل وهو السكون على سبب النهار وهو التعيش # ومن ذلك ما كتبته في كتاب تعزية وهو فصل منه ولقد أوحشت منه المعالي كما ~~أوحشت المنازل وآتت المكارم كما آمت الحلائل وعمت لوعة خطبه فما تشتكي ثكلى ~~إلا إلى ثاكل وما أقول فيمن عدمت الأرض منه حياها والمحامد محياها فلو نطق ms505 ~~الجماد بلسان أو تصور المعنى لعيانلأعربت تلك من ظمأ صعيدها وبرزت هذه ~~حاسرة حول فقيدها # ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوانفقلت وما زالت أيادي ~~سيدنا متنوعة في زيادة جودها وكتابها فهذه متطولة بترقية وردها وهذه آخذة ~~بسنة أغبابها وأحسن ما في الأولى أنها تأتي متحلية بفواضل الإكثار وفي ~~الثانية أنها تأتي متحلية بفضائل الاختصارفاختصار هذه في فوائد أقلامها ~~كتطويل تلك في عوائد إنعامها وقد أصبحت خواطري مستغرقة بإنشاء القول ~~المبتكر في شكر الفضل المطول وجواب البيان المختصر وما جعل الله لها من ~~سلطان البلاغة ما يستقل بأداء حقوق تنقل على الرقاب ومقابلة بلاغات تثقل ~~على الألباب # ومما جاء من ذلك شعرا قول إبراهيم بن العباس # ( لنا إبل كوم يضيق بها الفضا % ويفتر عنها أرضها وسماؤها ) # ( فمن دونها أن تستباح دماؤنا % ومن دوننا أن تستباح دماؤها ) # ( حمى وقرى فالموت دون مراحها % وأيسر خطب يوم حق فناؤها ) وهذه الأبيات ~~من نادر ما يجيء في هذا الباب معنى وترتيب تفسير PageV02P294 # ومما جاء منه أيضا قول أبي تمام # ( وما هو إلا الوحي أو حد مرهف % تميل ظباه أخدعي كل مائل ) # ( فهذا دواء الداء من كل عالم % وهذا دواء الداء من كل جاهل ) وكذلك قوله ~~أيضا # ( وكان لهم غيثا وعلما فمعدم % فيسأله أو باحث فيسائله ) وهذا من بديع ما ~~يأتي في هذا الباب # ومما ورد منه قول علي بن جبلة # ( فتى وقف الأيام بالسخط والرضا % على بذل عرف أو على حد منصل ) # ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس # ( يرجو ويخشى حالتيك الورى % كأنك الجنة والنار ) # وكذلك ورد قول بعض المتأخرين وهو القاضي الأرجاني PageV02P295 # ( يوم المتيم فيك حول كامل % يتعاقب الفضلان فيه إذا أتى ) # ( ما بين حر جوى وماء مدامع % إن حن صاف وإن بكى وجدا شتا ) ومما أخذ على ~~الفرزدق في هذا الباب قوله # ( لقد جئت قوما لو لجأت إليهم % طريد دم أو حاملا ثقل مغرم ) # ( لألفيت منهم معطيا أو مطاعنا % وراءك شزرا بالوشيج المقوم ) لأنه أصاب ~~في ms506 التفسير وأخطأ في الترتيب وذاك أنه أتى بتفسير ما هو أول في البيت الأول ~~ثانيا في البيت الثاني والأولى أن كان أتى بتفسير ذلك مرتباففسر ما هو أول ~~في البيت الأول بما هو ثان في البيت الثاني # واعلم أن الناظم لا ينكر عليه مثل هذا ما ينكر على الناثرلأن الناظم ~~يضطره الوزن والقافية إلى ترك الأولى # وأما فساد التفسير فإنه أقبح من فساد ترتيبه وذاك أن يؤتى بكلام ثم يفسر ~~تفسيرا لا يناسبه وهو عيب لا تسامح فيه بحال وذلك كقول بعضهم # ( فيأيها الحيران في ظلمة الدجى % ومن خاف أن يلقاه بغي من العدى ) ~~PageV02P296 # ( تعال إليه تلق من نور وجهه % ضياء ومن كفيه بحرا من الندى ) وكان يجب ~~لهذا الشاعر أن يقول بإزاء بغي العدا ما يناسبه من النصرة والإعانة أو ما ~~جرى مجراهماليكون ذلك تفسيرا له كما جعل بإزاء الظلمة الضياء وفسرها به ~~فأما أن جعل بإزاء ما يتخوف منه بحرا من الندى فإن ذلك غير لائق ~~PageV02P297 # | النوع الخامس والعشرون # # | في الاقتصاد والتفريط والإفراط # اعلم أن هذه المعاني الثلاثة من الاقتصاد والتفريط والإفراط توجد في كل ~~شيء من علم وصناعة وخلقولا بد لنا من ذكر حقيقتها في أصل اللغة حتى يتبين ~~نقلها إلى هذا النوع من الكلام # فأما الاقتصاد في الشيء فهو من القصد الذي هو الوقوف على الوسط الذي لا ~~يميل إلى أحد الطرفين قال الله تعالى @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات @QE@ فظلم النفس والسبق بالخيرات طرفان والاقتصاد وسط ~~بينهما وقال تعالى @QB@ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ~~ذلك قواما @QE@ فالإسراف والإقتار طرفان والقوام وسط بينهما وقال الشاعر # ( عليك بالقصد فيما أنت فاعله % إن التخلق يأتي دونه الخلق ) وأما ~~التفريط فهو التقصير والتضييع ولهذا قال الله تعالى @QB@ ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء @QE@ أي ما أهملنا ولا ضيعنا # وأما الإفراط فهو الإسراف وتجاوز الحد يقال أفرط في الشيءإذا أسرف وتجاوز ~~الحد PageV02P298 # والتفريط والإفراط هما الطرفان البعيدان والاقتصاد هو الوسط المعتدلوقد ~~نقلت هذه ms507 المعاني الثلاثة إلى هذا النوع من علم البيان # أما الاقتصاد فهو أن يكون المعنى المضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه ~~المعبر عنه في منزلته # أما التفريط والإفراط فهما ضدان أحدهما أن يكون المعنى المضمر في العبارة ~~دون ما تقتضيه منزلة المعبر عنه والآخر أن يكون المعنى فوق منزلته # والتفريط في إيراد المعاني الخطابية قبيح لا يجوز استعماله بوجه من ~~الوجوه والإفراط يجوز استعمالهفمنه الحسن ومنه دون ذلك # فمما جاء من التفريط قول الأعشى # ( وما مزبد من خليج الفرات % جون غواربه تلتطم ) # ( بأجود منه بماعونه % إذا ما سماؤهم لم تغم ) PageV02P299 فإنه مدح ملكا ~~بالجود بمعاونه والماعون كل ما يستعار من قدوم أو قصعة أو قدر أو ما أشبه ~~ذلك وليس للملوك في بذله مدح ولا لأوساط الناس أيضا وفي مدح السوقة به ~~قولان ومدح الملوك به عيب وذم فاحش وهذا من أقبح التفريط # ومما يجري هذا المجرى قول الفرزدق # ( ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد % على حاضر إلا نشل ونقذف ) # ( كلانا به عر يخاف قرافه % على الناس مطلي المساعر أخشف ) PageV02P300 ~~هذا رجل ذهب عقله حين نظم هذين البيتينفإن مراده منهما التغزل بمحبوبه وقد ~~قصر تمنيه على أن يكون هو ومحبوبه كبعيرين أجربين لا يقربهما أحد ولا ~~يقربان أحدا إلا طردهما وهذا من الأماني السخيفة وله في غير هذه الأمنية ~~مندوحات كثيرة وما أشبه هذا بقول القائل # ( يا رب إن قدرته لمقبل % غيري فللأقداح أو للأكؤس ) # ( وإذا حكمت لنا بعين مراقب % في الدهر فلتك من عيون النرجس ) فانظركم ~~بين هاتين الامنيتين # ومما أخذ على أبي نواس في قصيدته الميمية الموصوفة التي مدح بها الأمين ~~محمد بن الرشيد وهو قوله # ( أصبحت يابن زبيدة ابنة جعفر % أملا لعقد حباله استحكام ) فإن ذكر أم ~~الخليفة في مثل هذا الموضع قبيح # وكذلك قوله في موضع آخر # ( وليس كجدتيه أم موسى % إذا نسبت ولا كالخيزران ) PageV02P301 وهذا لغو ~~من الحديث لا فائدة فيهفإن شرف الأنساب إنما هو إلى الرجال لا إلى النساء ~~وياليت شعري أما سمع أبو ms508 نواس قول قتيلة بنت النضر في النبي صلى الله عليه ~~وسلم # ( أمحمد ولأنت نجل كريمة % من قومها والفحل فحل معرق ) # ( ما كان ضرك لو مننت وربما % من الفتى وهو المغيظ المحنق ) فإنها ذكرت ~~الأم بغير اسم الأم وأبرزت هذا الكلام في هذا اللباس الأنيق # وكذلك فليكن المادح إذا مدح وأبو نواس مع لطافة طبعه وذكائه وما كان يوصف ~~به من الفطنة - قد ذهب عليه مثل هذا الموضع مع ظهوره # وليس لقائل أن يعترض على ما ذكرته بقوله تعالى حكاية عن موسى وأخيه هرون ~~عليهما السلام @QB@ قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي @QE@ فإن الفرق ~~بين الموضعين ظاهرلأن المنكر على أبي نواس إنما هو التلفظ باسم الأم وهي ~~زبيدة وكذلك اسم الجدة وهي الخيزران وليس كذلك ما ورد في الآية # فإن قيل قد ورد في القرآن الكريم ما يسوغ لأبي نواس مقالته وهو قوله ~~تعالى @QB@ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله @QE@ فناداه باسم أمه # قلت الجواب عن ذلك من وجهين أحدهما أن عيسى عليه السلام لم يكن له أب ~~فنودي باسم أمه ضرورة إذ لو كان له أب لنودي باسم أبيهالوجه الآخر ~~PageV02P302 # أن هذا النداء إنما هو من الأعلى إلى الأدنى إذ الله سبحانه وتعالى هو ~~الرب وعيسى عليه السلام عبده وهذا لا يكون تفريطالأنه لم يعبر عنه بما هو ~~دون منزلته # على أن أبا نواس لم يوقعه في هذه العثرة إلا ما سمعه عن جرير في مدح عمر ~~بن عبد العزيزكقوله # ( وتبني المجد يا عمر ابن ليلى % وتكفي الممحل السنة الجمادا ) وكذلك قال ~~فيه كثير عزة أيضا # وليس المعيب من هذا بخاففإن العرب قد كان يعير بعضها بعضا بنسبته إلى أمه ~~دون أبيه ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقال له ابن حنتمة ~~وإنما كان يقول ذلك من يغض منه وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للزبير ~~بن صفية بشر قاتل ابن صفية ms509 بالنارفإن صفية كانت عمة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإنما نسبه إليها رفعا لقدره في قرب نسبه منه وأنه ابن عمته وليس هذا ~~كالأول في الغض من عمر رضي الله عنه في نسبه إلى أمه PageV02P303 وقد عاب ~~بعض من يتهم نفسه بالمعرفة قول أبي نواس في قصيدته السينية التي أولها # ( نبه نديمك قد نعس % ) فقال من جملتها # ( ورث الخلافة خامسا % وبخير سادسهم سدس ) قال وفي ذكر السادس نظر ويا ~~عجبا لهمع معرفته بالشعر كيف ذهب عليه هذا الموضع أما قرأ سورة الكهف يريد ~~قوله تعالى @QB@ ويقولون خمسة سادسهم كلبهم @QE@ وهذا ليس بشيءلأنه قد ورد ~~في القرآن الكريم ما ينقضه وهو قوله تعالى @QB@ ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا ~~هو سادسهم @QE@ # ومما عبته على البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان في قصيدته المشهورة ~~عند لقائه الأسد التي مطلعها # ( أجدك ما ينفك يسري لزينبا ) فقال # ( شهدت لقد أنصفته حين تنبري % له مصلتا عضبا من البيض مقضبا ) # ( فلم أر ضرغامين أصدق منكما % عراكا إذا الهيابة النكس كذبا ) ~~PageV02P304 قولهإذا الهيابة النكستفريط في المدح بل كان الأولى أن يقول ~~إذا البطل كذب وإلا فأي مدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفر منه الجبان ~~وألا [ قال ] كما قال أبو تمام # ( فتى كلما ارتاد الشجاع من الردى % مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا ) وعلى ~~أسلوب البحتري ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة # ( وإني لقوال لعافي مرحبا % وللطالب المعروف إنك واجده ) # ( وإني لممن أبسط الكف بالندى % إذا شنجت كف البخيل وساعده ) وهذا معيب ~~من جهة أنه لا فضل في بسط يده عند قبض يد البخيل وإنما الفضيلة في بسطها ~~عند قبض الكرام أيديهم PageV02P305 # ومن هذا الباب قول أبي تمام # ( يقظ وهو أكثر الناس إغضاء % على نائل له مسروق ) فإنه أراد أن يمدح فذم # ومما هو أقبح من ذلك قوله أيضا # ( تثفى الحرب منه حين تغلي % مراجلها بشيطان رجيم ) PageV02P306 وقد ~~استعمل هذا ms510 في شعره حتى أفحش كقوله # ( أنت دلو وذو السماح أبو موسى % قليب وأنت دلو القليب ) ومراده من ذلك ~~أنه جعله سببا لعطاء المشار إليه كما أن الدلو سبب في امتياج الماء من ~~القليب ولم يبلغ هذا المعنى من الإغراب إلى حد يدندن أبو تمام حوله هذه ~~الدندنة ويلقيه في هذا المثال السخيف على أنه لم يقنع بهذه السقطة القبيحة ~~في شعره بل أوردها في مواضع أخرى منهفمن ذلك قوله # ( ما زال يهذي بالمكارم والعلا % حتى ظننا أنه محموم ) فإنه أراد أن ~~يبالغ في ذكر الممدوح باللهج بالمكارم والعلا فقالمازال يهذيوما أعلم ما ~~كانت حاله عند نظم هذا البيت # وعلى نحو منه جاء قول بعض المتأخرين PageV02P307 # ( ويلحقه عند المكارم هزة % كما انتفض المجهود من أم ملدم ) وهذا وأمثاله ~~لا يجوز استعماله وإن كان المعنى المقصود به حسنا وكم ممن يتأول معنى كريما ~~فأساء في التعبير عنه حتى صار مذموما كهذا وأمثاله # ومن أحسن ما قيل في مثل هذا الموضع قول ابن الرومي # ( ذهب الذين تهزهم مداحهم % هز الكماة عوالي المران ) # ( كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم % فالأريحية منهم بمكان ) ومن شاء أن ~~يمدح فليمدح هكذا وإلا فليسكت # ووجدت أبا بكر محمد بن يحيى المعروف بالصولي قد عاب على حسان بن ثابت رضي ~~الله عنه قوله # ( لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى % وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ) ~~PageV02P308 وقال إنه جمع الجفنات والأسياف جمع قلة وهو في مقام فخر وهذا ~~مما يحط من المعنى ويضع منه وقد ذهب إلى هذا غيره أيضا وليس بشيءلأن الغرض ~~إنما هو الجمعفسواء أكان جمع قلة أم جمع كثرة ويدل على ذلك قوله تعالى @QB@ ~~إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه ~~اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم @QE@ أفترى نعم الله أكانت قليلة على إبراهيم ~~صلوات الله عليه وكذلك ورد قوله عز وجل في سورة النمل @QB@ وأدخل يدك في ~~جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما ms511 ~~فاسقين فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين @QE@ فقال @QB@ واستيقنتها ~~أنفسهم @QE@ فجمع النفس جمع قلة وما كان قوم فرعون بالقليل حتى تجمع نفوسهم ~~جمع قلة بل كانوا مئين ألوفا وهذا أيضا مما يبطل قول الصولي وغيره في مثل ~~هذا الموضعوكذلك ورد قوله عز وجل @QB@ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي ~~لم تمت في منامها @QE@ والنفوس المتوفاة والنائمة لا ينتهي إلى كثرتها كثرة ~~لأنها نفوس كل من في العالم # واعلم أن للمدح ألفاظا تخصه وللذم ألفاظا تخصه وقد تعمق قوم في ذلك حتى ~~قالوا من الأدب ألا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب وهذا غلط باردفإن ~~الله الذي هو ملك الملوك قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز فقيل @QB@ ~~إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وقد ورد أمثال هذا في مواضع من القرآن غير ~~محصورة إلا أني قد راجعت نظري في ذلك فرأيت الناس بزمانهم أشبه منهم ~~بأيامهم والعوائد لا حكم لها ولا شك أن العادة أوجبت للناس مثل هذا التعمق ~~في ترك الخطاب بالكاف لكني تأملت أدب الشعراء والكتاب في هذا الموضع فوجدت ~~الخطاب لا يعاب في الشعر ويعاب في الكتابة إذا كان المخاطب دون المخاطب ~~درجة وأما إن كان فوقه فلا عيب في خطابه إياه بالكافلأنه ليس من التفريط في ~~شيء PageV02P309 # فمن خطاب الكاف قول النابغة # ( وإنك كالليل الذي هو مدركي % وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ) وكذلك قوله ~~أيضا # ( حلفت فلم أترك لنفسك ريبة % وليس وراء الله للمرء مذهب ) وعليه جاء قول ~~بعض المتأخرين أيضافقال أبو نواس # ( إليك أبا المنصور عذبت ناقتي % زيارة خل وامتحان كريم ) # ( لأعلم ما تأتي وإن كنت عالما % بأنك مهما نأت غير ملوم ) PageV02P310 ~~وكذلك ورد قول السلامي # ( إليك طوى عرض البسيطة جاعل % قصارى المطايا أن يلوح لها القصر ) # ( وبشرت آمالي بملك هو الورى % ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر ) وعليه ورد ~~قول البحتري # ( ولقد أتيتك طالبا فبسطت من % أملي وأطلب جود كفك مطلبي ) وجل ms512 خطاب ~~الشعراء للممدوحين إنما هو بالكاف وذلك محظور على الكتابفإنه ليس من الأدب ~~عندهم أن يخاطب الأدنى الأعلى بالكاف وإنما يخاطبه مخاطبة الغائب لا مخاطبة ~~الحاضرعلى أن هذا الباب بجملته يوكل النظر فيه إلى فطانة الخطيب والشاعر ~~وليس مما يوقف فيه على المسموع خاصة # ومن ألطف ما وجدته أنك إذا خاطبت الممدوح أن تترك الخطاب بالأمر بأن تقول ~~افعل كذا وكذا وتخرجه مخرج الاستفهام وهذا الأسلوب حسن جدا وعليه مسحة من ~~جمال بل عليه الجمال كله # فما جاء منه قول البحتري في قصيدة أولها # ( بودي لو يهوى العذول ويعشق % ) PageV02P311 فقال منها # ( فهل أنت يا ابن الراشدين مختمي % بياقوتة تبهى علي وتشرق ) وهذا من ~~الأدب الحسن في خطاب الخليفة فإنه لم يخاطبه بأن قال ختمني بياقوتة على ~~سبيل الأمر بل خاطبه على سبيل الاستفهام وقد أعجبني هذا المذهب وحسن عندي # وقد حذا حذو البحتري شاعر من شعراء عصرنا فقال في مدح الخليفة الناصر ~~لدين الله أبي العباس أحمد من قصيدة له على قافية الدالفقال من أبيات يصف ~~بها قصده # ( أمقبولة يا ابن الخلائف من فمي % لديك بوصفي غادة الشعر رؤده ) ~~فقولهأمقبولة من الأدب الحسن الذي نسج فيه على منوال البحتري # وهذا باب مفرد وهو باب الاستفهام في الخطاب وإذا كان الشاعر فطنا عالما ~~بما يضعه من الألفاظ والمعاني تصرف في هذا الباب بضروب التصرفات واستخرج من ~~ذات نفسه شيئا لم يسبقه إليه أحد واعلم أن من المعاني ما يعبر عنه بألفاظ ~~متعددة ويكون المعنى المندرج تحتها واحدافمن تلك الألفاظ ما يليق استعماله ~~بالمدح ومنها ما يليق استعماله PageV02P312 # بالذم ولو كان هذا الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ الدالة ~~عليه سواء في الاستعمال وإنما يرجع في ذلك إلى العرف دون الأصل # ولنضرب له مثالا فنقول هل يجوز أن يخاطب الملك فيقال له وحق دماغكقياسا ~~على وحق رأسك وهذا يرجع إلى أدب النفس دون أدب الدرس # فإذا أراد مؤلف الكلام أن يمدح ذكر الرأس والهامة والكاهل وما جرى هذا ~~المجرى فإذا ms513 أراد أن يهجو ذكر الدماغ والقفا والقذال وما جرى هذا المجرى ~~وإن كانت معاني الجميع متقاربة ومن أجل ذلك حسنت الكناية في الموضع الذي ~~يقبح فيه التصريح # ومن أحسن ما بلغني من أدب النفس في الخطاب أن عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~سأل قباث بن أشيم فقال له أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد فانظر إلى ~~أدب هذا العربي الذي من شأنه وشأن أمثاله جفاء الأخلاق والبعد عن فطانة ~~الآداب # وأما الإفراط فقد ذمه قوم من أهل هذه الصناعة وحمده آخرون والمذهب عندي ~~استعمالهفإن أحسن الشعر أكذبه بل أصدقه أكذبه لكنه تتفاوت درجاتهفمنه ~~المستحسن الذي عليه مدار الاستعمال ولا يطلق على الله سبحانه وتعالى لأنه ~~مهما ذكر به من المعاملات في صفاته فإنه دون ما يستحقه # ومما ورد من ذلك في الشعر قول عنترة # ( وأنا المنية في المواطن كلها % والظعن مني سابق الآجال ) PageV02P313 ~~وقد يروى بالياء وكلا المعنيين حسن إلا أن الياء أكثر غلوا # ومما جاء على نحو من ذلك قول بشار # ( إذا ما غضبنا غضبة مضرية % هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما ) ومنه ما ~~يستهجن كقول النابغة الذبياني # ( إذا ارتعشت خاف الجبان رعاثها % ومن يتعلق حيث غلق يفرق ) وهذا يصف طول ~~قامتها لكنه من الأوصاف المنكرة التي خرجت بها المغالاة عن حيز الاستحسان # وكذلك ورد قول أبي نواس PageV02P314 # ( وأخفت أهل الشرك حتى إنه % لتخافك النطف التي لم تخلق ) وهذا أشد ~~إفراطا من قول النابغة ويروى أن العتابي لقي أبا نواس فقال له أما استحييت ~~الله حيث تقول وأنشده البيت فقال له وأنت ما راقبت الله حيث قلت # ( ما زلت في غمرات الموت مطرحا % يضيق عني وسيع الرأي من حيلي ) # ( فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي % حتى اختلست حياتي من يدي أجلي ) قال له ~~العتابي قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك ولكنك قد أعددت لكل ناصح ~~جوابا وقد أراد ms514 أبو نواس هذا المعنى في قالب آخرفقال # ( كدت منادمة الدماء سيوفه % فلقلما تحتازها الأجفان ) # ( حتى الذي في الرحم لم يك صورة % لفؤاده من خوفه خفقان ) وما يجيء في ~~هذا الباب ما يجري هذا المجرى # وقد استعمل أبو الطيب المتنبي هذا القسم في شعره كثيرا فأحسن في مواضع ~~منهفمن ذلك قوله PageV02P315 # ( عجاجا تعثر العقبان فيه % كأن الجو وعث أو خبار ) ثم أعاد هذا المعنى ~~في موضع آخرفقال # ( عقدت سنابكها عثيرا % لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا ) # وهذا أكثر مغالاة من الأول # ومن ذلك قوله أيضا # ( كأنما تتلقاهم لتسلكهم % فالطعن يفتح في الأجواف ما يسع ) PageV02P316 # وعلى هذا ورد قول قيس بن الخطيم # ( ملكت بها كفي فأنهرت فتقها % يرى قائم من دونها ما وراءها ) لكن أبو ~~الطيب أكثر غلوا في هذا المعنى وقيس بن الخطيم أحسنلأنه قريب من الممكنفإن ~~الطعنة تنفذ حتى يتبين فيها الضوء وأما أن يجعل المطعون مسلكا يسلك كما قال ~~أبو الطيبفإن ذلك مستحيل ولا يقال فيه بعيد # وأما الاقتصاد فهو وسط بين المنزلتين والأمثلة به كثيرة لا تحصى إذ كل ما ~~خرج عن الطرفين من الإفراط والتفريط فهو اقتصاد ومن أحسنه أن يجعل الإفراط ~~مثلا ثم يستثنى فيه بلو أو بكاد وما جرى مجراهمافمن ذلك قوله تعالى @QB@ ~~يكاد البرق يخطف أبصارهم @QE@ وكذلك قوله عز وجل @QB@ وأنه لما قام عبد ~~الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا @QE@ وقد ورد هذا في القرآن الكريم ~~كثيرا ومما ورد منه شعرا قول الفرزدق # ( يكاد يمسكه عرفان راحته % ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ) PageV02P317 # وكذلك ورد قول البحتري # ( لو أن مشتاقا تكلف فوق ما % في وسعه لسعى إليك المنبر ) وهذا هو المذهب ~~المتوسط PageV02P318 # | النوع السادس والعشرون # # | في الاشتقاق # اعلم أن جماعة علماء البيان يفصلون الاشتقاق عن التجنيس وليس الأمر كذلك ~~بل التجنيس أمر عام لهذين النوعين من الكلام وذاك أن التجنيس في أصل الوضع ~~من قولهم جانس الشيء الشيءإذا ماثله وشابهه ولما كانت الحال كذلك ووجدنا من ~~الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبنائه علمنا أن ms515 ذلك يطلق عليه اسم ~~التجنيس وكذلك لما وجدنا من المعاني ما يتماثل ويتشابه علمنا أن ذلك يطلق ~~عليه اسم التجنيس أيضافالتجنيس إذن ينقسم قسمين أحدهما تجنيس في اللفظ ~~والآخر تجنيس في المعنى فأما الذي يتعلق باللفظ فإنه لم ينقل عن بابه ولا ~~غير اسمه وقد تقدم ذكره في باب الصناعة اللفظية وأما الذي يتعلق بالمعنى ~~فإنه نقل عن بابه في التجنيس وسمي الاشتقاق أي أحد المعنيين مشتق من الآخر # وهو على ضربين صغير وكبير # فالصغير أن تأخذ أصلا من الأصول فتجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغة ~~ومبانيه كترتيب س ل مفإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفهنحو سلم وسالم ~~وسلمان وسلمى والسليم اللديغ أطلق عليه ذلك تفاؤلا بالسلامة # والأصل في ذلك أن يضع واضع اللغة اسما أولا لمسمى أول ثم يجد مسمى آخر أو ~~مسميات شبيهة بالمسمى الأول فيضع لها اسما كالاسم الأول كقوله ضرير اسم ~~للأعمى والضر ضد النفع والضراء الشدة من الأمر والضر - بالضم - الهزال وسوء ~~الحال والضرر الضيق والضرة إحدى الزوجتينفإن هذه المسميات كلها تدل على ~~الأذى والشر وأسماؤها متشابهة لم تخرج عن الضاد والراء إلا أنا الآن لا ~~نعلم ما هو الأول منها حتى نحكم على الثاني انه مشتق منه PageV02P319 لكن ~~نعلم في السليم اللديغ أنه مشتق من السلامة لأنه ضدهاقيل من أجل التفاؤل ~~بالسلامة وعلى هذا جاء غيره من الأصول كقولنا هشمك هاشم وحاربك محارب ~~وسالمك سالم وأصاب الأرض صيب فهذه الألفاظ كلها لفظها واحد ومعناها واحدأما ~~هاشم فإنه لم يسم بهذا الاسم إلا لأنه هشم الثريد في عام محل فسمي بذلك ~~وأما محارب فإنه اسم فاعل من حارب فهو محارب وأما سالم فمن السلامة وهو اسم ~~فاعل من سلم وأما الصيب فهو المطر الذي يشتد صوبه أي وقعه على الأرض ولا ~~يقاس على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم أسلم سالمها الله وغفار غفر ~~الله وعصية عصت اللهفإن أسلم وغفار وعصية أسماء قبائل ولم تسم أسلم من ~~المسالمة ولا غفار من المغفرة ولا ms516 عصية من تصغير عصا وهذا هو التجنيس وليس ~~بالاشتقاق والنظر في مثل ذلك يحتاج إلى فكرة وتدبر كي لا يختلط التجنيس ~~بالاشتقاق # ومما جاء من ذلك شعرا قول البحتري # ( أمحلتي سلمى بكاظمة اسلما % ) وكذلك قول الآخر # ( وما زال معقولا عقال عن الندى % وما زال محبوسا عن الخير حابس ) وربما ~~ظن أن هذا البيت وما يجري مجراه تجنيسحيث قيل فيه معقول وعقال ومحبوس وحابس ~~وليس الأمر كذلك وهذا الموضع يقع فيه الاشتباه كثيرا على من لم يتقن معرفته ~~PageV02P320 وقد تقدم القول أن حقيقة التجنيس هي اتفاق اللفظ واختلاف ~~المعنى وعقال ومعقول وحابس ومحبوس اللفظ فيهما واحد والمعنى أيضا واحد فهذا ~~مشتق من هذا أي قد شق منه # وكذلك ورد قول عنترة # ( لقد علم القبائل أن قومي % لهم حد إذا لبس الحديد ) فإن حدا وحديد ~~لفظهما واحد ومعناهما واحد # وأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلا من الأصول فتعقد عليه وعلى ~~تراكيبه معنى واحد يجمع تلك التراكيب وما تصرف منها وإن تباعد شيء من ذلك ~~عنها رد بلطف الصنعة والتأويل إليها # ولنضرب لذلك مثالافنقول إن لفظة ق م رمن الثلاثي لها ست تراكيب وهي ق ر م ~~ق م ر ر ق م ر م ق م ق ر م ر قفهذه التراكيب الست يجمعها معنى واحد وهو ~~القوة والشدة فالقرم شدة شهوة اللحم وقمر الرجلإذا غلب من يقامره والرقم ~~الداهية وهي الشدة التي تلحق الإنسان من دهره وعيش مرمق أي ضيق وذلك نوع من ~~الشدة أيضا والمقر شبه الصبر يقال أمقر الشيء إذا أمر وفي ذلك شدة على ~~الذائق وكراهة ومرق السهمإذا نفذ من الرمية وذلك لشدة مضائه وقوته # واعلم أنه إذا سقط من تراكيب الكلمة شيء فجائز ذلك في الاشتقاقلأن ~~الاشتقاق ليس من شرطه كمال تركيب الكلمة بل من شرطه أن الكلمة كيف تقلبت ~~بها تراكيبها من تقديم حروفها وتأخيرها أدت إلى معنى واحد يجمعهافمثال ما ~~سقط من تركيب الثلاثي لفظة و س قفإن لها خمس تراكيب وهي و س ms517 ق PageV02P321 ~~و ق س س و ق ق س و ق و س وسقط من جملة التراكيب قسم واحد وهو س و ق وجميع ~~الخمسة المذكورة تدل على القوة والشدة أيضافالوسق من قولهم استوسق الأمر أي ~~اجتمع وقوي والوقس ابتداء الجرب وفي ذلك شدة على من يصيبه وبلاء والسوق ~~متابعة السير وفي هذا عناء وشدة على السائق والمسوق والقسوة شدة القلب ~~وغلظه والقوس معروفة وفيها نوع من الشدة والقوة لنزعها السهم وإخراجه إلى ~~ذلك المرمى المتباعد # واعلم أنا لا ندعي أن هذا يطرد في جميع اللغة بل قد جاء شيء منها كذلك ~~وهذا مما يدل على شرفها وحكمتهالأن الكلمة الواحدة تتقلب على ضروب من ~~التقاليب وهي مع ذلك دالة على معنى واحد وهذا من أعجب الأسرار التي توجد في ~~لغة العرب وأغربها فاعرفه # إلا أن الاستعمال في النظم والنثر إنما يقع في الاشتقاق الصغير دون ~~الكبير وسبب ذلك أن الاشتقاق الصغير تكثر الألفاظ الواردة عليه والاشتقاق ~~الكبير لا يكاد يوجد في اللغة إلا قليلا وأيضا فإن الحسن اللفظي الذي هو ~~الفصاحة إنما يقع في الاشتقاق الصغير ولا يقع في الاشتقاق الكبير ألا ترى ~~إلى هذين الأصلين الواردين ههنا وهماق ر موو س ق إذا نظرنا إلى تراكيبهما ~~وأردنا أن نسكبهما في الاستعمال لم يأت منهما مثل ما يأتي في الاشتقاق ~~الصغير حسنا ورونقالأن ذاك لفظه لفظ تجنيس ومعناه معنى اشتقاق والاشتقاق ~~الكبير ليس كذلك PageV02P322 # | النوع السابع والعشرون # # | في التضمين # وهذا النوع فيه نظر بين حسن يكتسب به الكلام طلاوة وبين معيب عند قوم وهو ~~عندهم معدود من عيوب الشعر ولكل من هذين القسمين مقام # فأما الحسن الذي يكتسب به الكلام طلاوة فهو أن يضمن الآيات والأخبار ~~النبوية وذلك يرد على وجهين أحدهما تضمين كلي والآخر تضمين جزئي # فأما التضمين الكلي فهو أن تذكر الآية والخبر بجملتها وأما التضمين ~~الجزئي فهو أن تدرج بعض الآية والخبر في ضمن كلامفيكون جزأ منه كالذي ~~أوردته في حل الآيات والأخبار في الفصل العاشر من ms518 مقدمة الكتاب وقد قيل إنه ~~لا يجوز درج آيات القرآن الكريم في غضون الكلام من غير تبيين كي لا يشتبه ~~وهذا القول لا أقول بهفإن القرآن الكريم أبين من أن يحتاج إلى بيان وكيف ~~يخفى وهو المعجز الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون ~~بمثله فإن كانت المفاوضة في التفرقة بينه وبين غيره من الكلام إذا أدرج فيه ~~مع جاهل لا يعرف الفرق فذاك لا كلام معه وإن كان الكلام مع عالم بذلك فذاك ~~لا يخفي عنه القرآن الكريم من غيره # ومذهبي في هذا هو ما تقدم ذكره في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب وهو أحسن ~~الوجهين عندي وذاك أنه لا تؤخذ الآية بكمالها بل يؤخذ جزء منها ويجعل أولا ~~لكلام أو آخرا هذا إذا لم يقصد به التضمينفأما إذا قصد التضمين فتؤخذ الآية ~~بكمالها وتدرج درجا وهذا بنكره من لم يذق ما ذقته من طعم البلاغة ولا رأى ~~ما رأيته PageV02P323 # وأما المعيب عند قوم فهو تضمين الإسناد وذلك يقع في بيتين من الشعر أو ~~فصلين من الكلام المنثور على أن يكون الأول منهما مسندا إلى الثانيفلا يقوم ~~الأول بنفسه ولا يتم معناه إلا بالثاني وهذا هو المعدود من عيوب الشعر وهو ~~عندي غير معيبلأنه إن كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على الثاني فليس ~~ذلك بسبب يوجب عيبا إذ لا فرق بين البيتين من الشعر في تعلق أحداهما بالآخر ~~وبين الفقرتين من الكلام المنثور في تعلق أحدهما بالأخرى لأن الشعر هو كل ~~لفظ موزون مقفى دل على معنى والكلام المسجوع هو كل لفظ مقفى دل على معنى ~~فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير # والفقر المسجوعة التي يرتبط بعضها ببعض قد وردت في القرآن الكريم في ~~مواضع منهفمن ذلك قوله عز وجل في سورة الصافات @QB@ فأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين أئذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون @QE@ فهذه الفقر الثلاث الأخيرة مرتبط ~~بعضها ms519 ببعضفلا تفهم كل واحدة منهن إلا بالتي تليها وهذا كالأبيات الشعرية ~~في ارتباط بعضها ببعض ولو كان عيبا لما ورد في كتاب الله عز وجل # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة الصافات أيضا @QB@ فإنكم وما تعبدون ما ~~أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم @QE@ فالآيتان الأوليان لا تفهم ~~إحداهما إلا بالأخرى وهكذا ورد قوله عز وجل في سورة الشعراء @QB@ أفرأيت إن ~~متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون @QE@ ~~فهذه ثلاث آيات لا تفهم الأولى ولا الثانية إلا بالثالثة ألا ترى أن الأولى ~~والثانية في معرض استفهام يفتقر إلى جواب والجواب هو في الثالثة # ومما ورد من ذلك شعرا قول بعضهم PageV02P324 # ( ومن البلوى التي ليس لها في الناس كنه % ) # ( أن من يعرف شيئا % يدعي أكثر منه ) ألا ترى أن البيت الأول لم يقم ~~بنفسه ولا تم معناه إلا بالبيت الثاني # وقد استعملته العرب كثيرا وورد في شعر فحول شعرائهمفمن ذلك قول امرىء ~~القيس # ( فقلت له لما تمطى بصلبه % وأردف أعجازا وناء بكلكل ) # ( ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي % بصبح وما الإصباح منك بأمثل ) وكذلك ~~ورد قول الفرزدق # ( وما أحد من الأقوام عدوا % عروق الأكرمين إلى التراب ) # ( بمحتفظين إن فضلتمونا % عليهم في القديم ولا غضاب ) PageV02P325 وكذلك ~~ورد قول بعض شعراء الحماسة # ( لعمري لرهط المرء خير بقية % عليه وإن عالوا به كل مركب ) # ( من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى % جزيل ولم يخبرك مثل مجرب ) # الضرب الثاني من التضمين وهو أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاما آخر ~~لغيرهقصدا للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود ولو لم يذكر ذلك التضمين ~~لكان المعنى تاما وربما ضمن الشاعر البيت من شعره بنصف بيت أو أقل منه كما ~~قال جحظة # ( قم فاسقنيها يا غلام وغنني % ذهب الذين يعاش في أكنافهم ) ألا ترى أنه ~~لو لم يقل في هذا البيتذهب الذين يعاش في أكنافهملكان المعنى تاما لا يحتاج ~~إلى شيء آخر فإنه قولهقم فاسقنيها يا غلام وغننيفيه كفاية إذ لا حاجة ms520 له ~~إلى تعيين الغناءلأن في ذلك زيادة على المعنى المفهوم لا على الغرض المقصود # وقد ورد هذا في عدة مواضع من شعر أبي نواس في الخمريات كقوله في مخاطبة ~~بعض خلطائه على مجلس الشراب # ( فقلت هل لك في الصهباء تأخذها % من كف ذات حر فالعيش مقتبل ) ~~PageV02P326 # ( حيرية كشعاع الشمس صافية % تطير بالكأس من لألائها شعل ) # ( فقال هات وغنينا على طرب % ودع هريرة إن الركب مرتحل ) وكذلك قوله أيضا # ( وظبي خلوب اللفظ حلو كلامه % مقبله سهل وجانبه وعر ) # ( نحلت له منها فخر لوجهه % وأمكن منه ما يحيط به الأزر ) # ( فقمت إليه والكرى كحل عينه % فقبلته والصب ليس له صبر ) # ( إلى أن تجلى نومه عن جفونه % وقال كسبت الذنب قلت لي العذر ) ~~PageV02P327 # ( فأعرض مزورا كأن بوجهه % تفقؤ رمان وقد برد الصدر ) # ( فما زلت أرقيه وألثم خده % إلى أن تغنى راضيا وبه سكر ) # ( ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى % ولا زال منهلا بجرعائك القطر ) # وقد استعمل هذا الضرب كثيرا الخطيب عبد الرحمن بن نباته رحمه اللهفمن ذلك ~~قوله في بعض خطبه وهو فيأيها الغفلة المطرقون أما أنتم بهذا الحديث مصدقون ~~فما لكم منه لا تشفقون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون # وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة وهو فيومئذ تغدو الخلائق على الله بهما ~~فيحاسبهم على ما أحاط به علما وينفذ في كل عامل بعمله حكما وعت الوجوه للحي ~~القيوم وقد خاب من حمل ظلما # ألا ترى إلى براعة هذا التضمين الذي كأنه قد رصع في هذا الموضع رصعا # وعلى نحو من ذلك جاء قوله في ذكر يوم القيامة وهو هناك يقع الحساب على ما ~~أحصاه الله كتابا وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # ومما ينتظم بهذا السلك قوله في خطبة أخرى وهو أسكتهم الله الذي أنطقهم ~~وأبادهم الذي خلقهم وسيجدهم كما أخلقهم ويجمعهم كما فرقهم يوم يعيد الله ~~العالمين خلقا جديدا ويجعل الظالمين لنار جهنم ms521 وقودا يوم تكونون شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا # ومن هذا الباب قوله أيضا هنالك يرفع الحجاب ويوضع الكتاب ويجمع من وجب له ~~الثواب ومن حق عليه العقاب فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فبه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب # وأمثال هذه التضمينات في خطبه كثيرة وهي من محاسن ما يجيء في هذا النوع ~~PageV02P328 # | النوع الثامن والعشرون # # | في الإرصاد # وحقيقته أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية قد أرصدها له أي أعدها ~~في نفسه فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي به في قافيته # وذلك من محمود الصنعة فإن خير الكلام ما دل بعضه على بعض وفي الافتخار ~~بذلك يقول ابن نباته السعدي # ( خذها إذا أنشدت في القوم من طرب % صدورها عرفت منها قوافيها ) # ( ينسى لها الراكب العجلان حاجته % ويصبح الحاسد الغضبان يطريها ) فمن ~~هذا الباب قول النابغة # ( فداء لامريء سارت إليه % بعذرة ربها عمي وخالي ) # ( ولو كفي اليمين بغتك خونا % لأفردت اليمين عن الشمال ) ألا ترى انه ~~يعلم إذا عرفت القافية في البيت الأول أن في البيت الثاني ذكر الشمال # وكذلك جاء قول البحتري PageV02P329 # ( أحلت دمي من غير جرم وحرمت % بلا سبب يوم اللقاء كلامي ) # ( فليس الذي حللته بمحلل % ليس الذي حرمته بحرام ) فليس يذهب على السامع ~~وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني أن عجزه هو ما قاله البحتري # وقد جاء الإرصاد في الكلام المنثور كما جاء في الشعرفمن ذلك قوله تعالى ~~@QB@ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي ~~بينهم فيما فيه يختلفون @QE@ فإذا وقف السامع على قوله تعالى @QB@ لقضي ~~بينهم فيما فيه @QE@ عرف أن بعده @QB@ يختلفون @QE@ لما تقدم من الدلالة ~~عليه # ومن ذلك أيضا قوله عز وجل @QB@ فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من ~~أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ~~ليظلمهم ولكن ms522 كانوا أنفسهم يظلمون @QE@ # على نحو منه جاء قوله تعالى @QB@ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ~~كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت @QE@ فإذا وقع ~~السامع على قوله عز وجل @QB@ وإن أوهن البيوت @QE@ يعلم أن بعده بيت ~~العنكبوت # ورأيت أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع التوشيحوليس كذلك بل ~~PageV02P330 تسميته بالأرصاد أولى وذلك حيث ناسب الاسم مسماه ولاق به وأما ~~التوشيح فإنه نوع آخر من علم البيان وسيأتي ذكره بعد هذا النوع إن شاء الله ~~تعالى # واعلم أنه قد اختلف جماعة من أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم ~~البيان حتى إن أحدهم يضع لنوع واحد منه اسمين اعتقادا منه أن ذلك النوع ~~نوعان مختلفان وليس الأمر كذلك بل هما نوع واحد # فممن غلط في ذلك الغانميفإنه ذكر بابا من أبواب علم البيان وسماه التبليغ ~~وقال هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون للقافية فيما ~~ذكره صنع ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه فيبلغ بذلك الغاية ~~القصوى في الجودة كقول امريء القيس # ( كأن عيون الوحش حول خبائنا % وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب ) فإنه أتى ~~بالتشبيه تاما قبل القافية ثم لما جاء بها بلغ الأمد الأقصى في المبالغة # ثم إن الغانمي ذكر بعد الباب بابا آخر وسماه الإشباع فقال هو أن يأتي ~~الشاعر بالبيت معلق القافية على آخر أجزائه ولا يكاد يفعل ذلك إلا حذاق ~~الشعراء وذاك أن الشاعر إذا كان بارعا جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى البيت ~~وقد PageV02P331 تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه قافية متممة لأعاريضه ~~ووزنه فجعلها نعتا للمذكوركقول ذي الرمة # ( قف العيس في أطلال مية فاسأل % رسوما كأخلاق الرداء المسلسل ) هذا كلام ~~الغانمي بعينه # والبابان المذكوران سواء لا فرق بينهما بحالوالدليل على ذلك أن بيت امريء ~~القيس يتم معناه قبل أنه يؤتى بقافيته وكذلك بيت ذي الرمة ألا ترى أن امرأ ~~القيس لما قال # ( كأن عيون الوحش حول خبائنا % وأرحلنا الجزع ) أتى بالتشبيه قبل القافية ~~ولما احتاج ms523 إليها جاء بزيادة حسنة وهي قولهلم يثقبوهكذا ذو الرمة فإنه لما ~~قال # ( قف العيس في أطلال مية فاسأل % رسوما كأخلاق الرداء ) أتى بالتشبيه ~~أيضا قبل أن يأتي بالقافية ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله ~~المسلسل # واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما الإيغالوقال هو ~~أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه ثم يأتي PageV02P332 ~~بالمقطع فيزيد فيه معنى أخر وأصل الإيغال من أوغل في الأمرإذا أبعد الذهاب ~~فيه ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة # ( قف العيس في أطلال مية فاسأل % ) البيت وهذا أقرب أمرا من الغانميلأنه ~~ذكره في باب واحد وسماه باسم واحد ولم يذكره في باب آخر كما فعل الغانمي ~~وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة على الأسماء وإنما المناقشة على أن ~~ينتصب لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلا ~~في الآخر فيذهب عليه ويخفي عنه وهو أشهر من فلق الصباح # وههنا ما هو أغرب من ذاكوذلك أنه قد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه ~~طرقا خارجة عن موضوع علم البيان وهي بنجوة عنهلأنها في واد وعلم البيان في ~~واد # فممن فعل ذلك الحريري صاحب المقاماتفإنه ذكر تلك الرسالة التي هي ~~PageV02P333 كلمة معجمة وكلمة مهملة والرسالة التي حرف من حروف ألفاظها ~~معجم والآخر غير معجم ونظم غيره شعرا آخر كل بيت منه أول للبيت الذي يليه ~~وكل هذا وإن تضمن مشقة من الصناعة _ فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة لأن ~~الفصاحة هي ظهور الألفاظ مع حسنها على ما أشرت إليه في مقدمة كتابي هذا ~~وكذلك البلاغة فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعانيمن قولنا بلغت ~~المكانإذا انتهيت إليه وهذا الكلام المصوغ بما أتى به الحريري في رسالته ~~وأورده ذلك الشاعر في شعره لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة وإنما يأتي ومعانيه ~~غثة باردة وسبب ذلك أنها تستكره استكراها وتوضع في غير مواضعها كذلك ألفاضه ~~فإنها تجيء مكرهة ايضا غير ملائمة لأخواتها وعلم البيان إنما هو الفصاحة ~~والبلاغة ms524 في الألفاظ والمعاني فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع المشار ~~إليها لا يكون معدودا منه ولا داخلا في بابه ولو كان ذلك مما يوصف بحسن في ~~ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب الله عز وجل الذي هو معدن الفصاحة والبلاغة أو ~~ورد في كلام العرب الفصحاء ولم نره في شيء من أشعارهم ولا خطبهم # ولقد رأيت رجلا أديبا من أهل المغرب وقد تغلغل في شيء عجيب وذاك أنه شجر ~~شجرة ونظمها شعرا وكل بيت من ذلك الشعر يقرأ على ضروب من الأساليب اتباعا ~~لشعب تلك الشجرة واغصانها فتارة تقرأ كذا وتارة تقرأ كذا وتارة يكون جزء ~~منه ههنا وتارة ههنا وتارة يقرأ مقلوبا وكل ذلك الشعر وإن كان له معنى يفهم ~~إلا أنه ضرب من الهذيان والأولى به وبأمثاله أن يلحق بالشعبذة والمعالجة ~~والمصارعة لا بدرجة الفصاحة والبلاغة # ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي قد ذكر بابا من الأبواب في ~~كتابهفقال ينبغي ألا تستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ المتكلمين ~~والنحويين والمهندسين ومعانيهم ولا الألفاظ التي تختص بها بعض المهن ~~والعلوم لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ~~PageV02P334 ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة ثم مثل ذلك بقول أبي ~~تمام # ( مودة ذهب أثمارها شبه % وهمة جوهر معروفها عرض ) وبقوله أيضا # ( خرقاء يلعب بالعقول حبابها % كتلعب الأفعال بالأسماء ) PageV02P335 ~~وهذا الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة # ( إن الذي تكرهون منه % هو الذي يشتهيه قلبي ) وسأبين فساد ما ذهب إليه ~~فأقول أما قوله ( إنه يجب على الإنسان إذا خاض في علم أو تكلم في صناعة أن ~~يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة ) فهذا مسلم إليه ولكنه شذ ~~عنه أن صناعة المنظوم والمنثور مستمدة من كل علم وكل صناعة لأنها موضوعة ~~على الخوض في كل معنى وهذا لا ضابط له يضبطه ولا حاصر يحصره فإذا أخذ مؤلف ~~الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنى من المعاني وأداه ذلك إلى ms525 استعمال ~~معنى فقهي أو نحوي أو حسابي أو غير ذلك فليس له أن يتركه ويحيد عنه لأنه من ~~مقتضيات هذا المعنى الذي قصده ألا ترى إلى قول أبي تمام في الاعتذار # ( فإن يك جرم عن أوتك هفوة % على خطإ مني فعذري على عمد ) PageV02P336 ~~فإن هذا من أحسن ما يجيء في باب الاعتذار عن الذنب وكان ينبغي له _ على ما ~~ذكره ابن سنان _ أن يترك ذلك ولا يستعمله حيث فيه لفظتا ( الخطأ ) و ( ~~العمد ) اللتان هما من أخص ألفاظ الفقهاء # وكذلك قول أبي الطيب المتنبي # ( ولقيت كل الفاضلين كأنما % رد الإله نفوسهم والأعصرا ) # ( نسقوا لنا نسق الحساب مقدما % وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا ) وهذا من ~~المعاني البديعة وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا الموضع بلفظة ~~فذل كالتي هي من ألفاظ الحساب بل كان يترك هذا المعنى الشريف الذي لا يتم ~~إلا يتلك اللفظة موافقة لابن سنان فيما رآه وذهب إليه وهذا محض الخطأ وعين ~~الغلط # وأما ما أنكره على أبي تمام في قوله # ( مودة ذهب أثمارها شبه % وهمة جوهر معروفها عرض ) فإن هذا البيت ليس ~~منكرا لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر و العرض اللتين هما من خصائص ألفاظ ~~المتكلمين بل لأنه في نفسه ركيكلتضمنه لفظة الشبهفإنها لفظه عامية ركيكة ~~وهي التي أسخفت بالبيت بجملته ورب قليل أفسد كثيرا وأما لفظتا الجوهر ~~والعرض فلا عيب فيهما ولا ركاكة عليهما PageV02P337 # وأما البيت الأخر وهو # ( خرقاء يلعب بالعقول حبابها % كتلعب الأفعال بالأسماء ) فليس بمنكر وهل ~~يشك في أن التشبيه الذي تضمنه واقع في موقعه ألا ترى أن الفعل ينقل الاسم ~~من حال إلى حال وكذلك تفعل الخمر بالعقول في تنقل حالاتهما فما الذي أنكره ~~ابن سنان من ذلك # وقد جاء لبعض المتأخرين من هذا الأسلوب ما لا يدافع في حسنه وهو قوله # ( عوامل رزق أعربت لغة الردى % فجسم له خفض ورأس له نصب ) فإنه لما حصل ~~له المشابهة في الاسمية بين عوامل الرماح و العوامل النحوية حسن ms526 موقع ما ~~ذكره من الخفض والنصب وعلى ما ذكره ابن سنان فإن ذلك غير جائز وهو من ~~مستحسنات المعاني هذا من أعجب الأشياء وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم # ( وفتى من آزن % فاق أهل البصره ) # ( أمه معرفة % وأبوه نكره ) وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته # وكذلك ورد من هذا النوع في شعر بعض العراقيين يهجو طبيبا فقال # ( قال حمار الطبيب توما % لو أنصفوني لكنت أركب ) # ( لأنني جاهل بسيط % وراكبي جهله مركب ) وهذا من المعنى الذي أغرب في ~~الملاحة وجمع بين خفة السخرية ووقار PageV02P338 الفصاحة وقد تقدم القول في ~~صدر كتابي هذا أنه يجب على صاحب هذه الصناعة أن يتعلق بكل علم وكل صناعة ~~ويخوض في كل فن من الفنونلأنه مكلف بأن يخوض في كل معنى من المعاني فاضمم ~~يدك على ما ذكرته ونصصت عليه واترك ما سواهفليس القائل بعلمه واجتهاده ~~كالقائل بظنه وتقليده # وهذا النوع إذا استعمل على الوجه المرضي كان حسنا وإذا استعمل بخلاف ذلك ~~كان قبيحا كما جاء في كلام أبي العلاء بن سليمان المعري وهو قوله في رسالة ~~كتبها إلى بعض إخوانه حرس الله سعادته ما أدغمت التاء في الظاء وتلك سعادة ~~بغير انتهاء وهذا من الغث البارد ولكن قد جاءه في الشعر ما هو حسن فائق ~~كقوله # ( فدونكم خفض الحياة فإننا % نصبنا المطايا في الفلاة على القطع ) والخفض ~~والنصب من الإعراب النحوي والخفض رفاهة العيش والقطع من منصوبات النحو ~~والقطع قطع الشيء يقال قطعتهإذا بترته PageV02P339 # | النوع التاسع والعشرون # # | في التوشيح # وهو أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفينفإذا وقف من البيت على ~~القافية الأولى كان شعرا مستقيما من بحر على عروض وإذا أضاف إلى ذلك ما بنى ~~عليه شعره من القافية الأخرى كان أيضا شعرا مستقيما من بحر آخر على عروض ~~وصار ما يضاف إلى القافية للبيت كالوشاح وكذلك يجري الأمر في الفقرتين من ~~الكلام المنثورفإن كل فقرة منهما تصاغ من سجعتين # وهذا لا يكاد يستعمل إلا قليلا وليس من الحسن في شيء واستعماله ms527 في الشعر ~~أحسن منه في الكلام المنثورفمن ذلك قول بعضهم PageV02P340 # ( اسلم ودمت على الحوادث ما رسا % ركنا ثبير أو هضاب حراء ) # ( ونل المراد ممكنا منه على % رغم الدهور وفز بطول بقاء ) وهذا من الجيد ~~الذي يأتي في هذا النوع إلا أن أثر التكلف عليه باد ظاهر وإذا نظر إلى هذين ~~البيتين وجدا وهما يذكران على قافية أخرى وبحر آخر وذاك أن يقال # ( اسلم ودمت على الحوادث % مارسا ركنا ثبير ) # ( ونل المراد ممكنا % منه على رغم الدهور ) وقد استعمل ذلك الحرير في ~~مقاماته نحو قوله # ( يا خاطب الدنيا الدنية إنها % شرك الردى وقرارة الأكدار ) # ( دار متى ما أضحكت في يومها % أبكت غدا بعدا لها من دار ) # ( وإذا أظل سحابها لم ينتفع % منه صدى لجهامه الغرار ) واعلم أن هذا ~~النوع لا يستعمل إلا متكلفا عند تعاطي التمكن من صناعة النظم وحسنه منوط ~~بما فيه من الصناعة لا بما فيه من البراعة ألا ترى أنه لو نظم عليه قصيد من ~~أوله إلى آخره يتضمن غزلا ومديحا على ما جرت به عادة القصائد أليس أنه كان ~~يجيء باردا غثا لا يسلم منه على محك النظر عشرة والعشر كثير وما كان على ~~هذه الصورة من الكلام فإنما يستعمل أحيانا على الطبع لا على التكلف وهو ~~وأمثاله لا يحسن إلا إذا كان يسيرا كالرقم في الثوب أو الشية في الجلد ~~PageV02P341 # | النوع الثلاثون # # | في السرقات الشعرية # ولربما اعترض معترض في هذا الموضوع فقال قد تقدم نثر الشعر في أول الكتاب ~~وهو أخذ الناثر من الناظم ولا فرق بينه وبين أخذ الناظم من الناظم فلم يكن ~~إلى ذكر السرقات الشعرية إذن حاجة ولو أنعم هذا المعترض نظره لظهر له الفرق ~~وعلم أن نثر الشعر لم يتعرض فيه إلى وجوه المأخذ وكيفية التوصل إلى مداخل ~~السرقاتوهذا النوع يتضمن ذكر ذلك مفصلا # واعلم أن الفائدة من هذا النوع أنك تعلم أين تضع يدك في أخذ المعانيإذ لا ~~يستغني الآخر عن الإستعارة من الأول لكن لا ينبغي لك أن تعجل في ms528 سبك اللفظ ~~على المعنى المسروق فتنادي على نفسك بالسرقة فكثيرا ما رأينا من عجل في ذلك ~~فعثر وتعاطى فيه البديهة فعقر والأصل المعتمد عليه في هذا الباب التورية ~~والاختفاء بحيث يكون ذلك أخفى من سفاد الغراب وأظرف من عنقاء مغرب في ~~الإغراب # وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه ليس لقائل أن يقول إن لأحد من ~~المتأخرين معنى مبتدعافإن قول الشعر قديم منذ نطق باللغة العربية وإنه لم ~~يبق معنى من المعاني إلا وقد طرق مرارا # وهذا القول وإن دخل في حيز الإمكان إلا أنه لا يلتفت إليه لأن الشعر من ~~الأمور المتناقله والذي نقلته الأخبار وتواردت عليه أن العرب كانت تنظم ~~المقاطيع من الأبيات فيما يعن لها من الحاجات ولم يزل الحال على هذه الصورة ~~إلى عهد آمريء القيس وهو قبل الإسلام بمائة سنه زائدا فناقصا فقصد القصائد ~~وهو أول من قصد ولو لم يكن له معنى اختص به سوى أنه أول من قصد القصائد ~~لكان في ذلك كفاية وأي فضيلة أكبر من هذه الفضيلة ثم تتابع المقصدون واختير ~~من PageV02P342 القصائد تلك السبع التي علقت على البيت وانفتح للشعراء هذا ~~الباب في التقصيد وكثرت المعاني المقولة بسببه ولم يزل الأمر ينمي ويزيد ~~ويؤتي بالمعاني الغريبة واستمر ذلك إلى عهد الدولة العباسية وما بعدها إلى ~~الدولة الحمدانية فعظم الشعر وكثرت أساليبه وتشعبت طرقه وكان ختامه على ~~الثلاثة المتأخرين وهم أبو تمام حبيب بن أوس وأبو عباده الوليد بن عبيد ~~البحتري وأبو الطيب المتنبي فإذا قيل إن المعاني المبتدعة سبق إليها ولم ~~يبق معنى مبتدع عورض ذلك بما ذكرته # والصحيح أن باب الابتداع للمعاني مفتوح إلى يوم القيامة ومن الذي يحجر ~~على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له إلا أن من المعاني ما يتساوى ~~الشعراء فيه ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأول قبل آخر لأن الخواطر تأتي به ~~من غير حاجة إلى اتباع الآخر الأول كقولهم في الغزل # ( عفت الديار وما عفت % آثارهن من القلوب ) وكقولهم إن الطيف يجود بما ms529 ~~يبخل به صاحبه وإن الواشي لو علم بمرار الطيف لساءه وكقولهم في المديح إن ~~عطاءه كالبحر وكالسحاب وإنه لا يمنع عطاء اليوم عطاء غد وإنه يجود ابتداء ~~من غير مسألة وأشباه ذلك وكقولهم في المراثي إن هذا الرزء أول حادث وإنه ~~استوى فيه الأباعد والأقارب وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة وإن ~~بعد هذا الذاهب لا يعد للمنية ذنب وأشباه ذلك # وكذلك يجري الأمر في غير ما أشرت إليه من معان ظاهرة تتوارد الخواطر ~~عليها من غير كلفة وتستوي في إيرادها ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم ~~السرقة من الأول وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص كقول أبي تمام # ( لا تنكروا ضربي له من دونه % مثلا شرودا في الندى والباس ) # ( فالله قد ضرب الأقل لنوره % مثلا من المشكاة والنبراس ) # فإن هذا معنى مخصوص ابتدعه أبو تمام وكان لابتداعه سبب والحكاية فيه ~~مشهورة وهي أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السينية التي مطلعها ~~PageV02P343 # ( ما في وقوفك ساعة من باس % ) انتهى إلى قوله # ( إقدام عمرو في سماحة حاتم % في حلم أحنف في ذكاء إياس ) فقال الحكيم ~~الكندي وأي فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب فأطرق أبو تمام ثم ~~أنشد هذين البيتين معتذرا عن تشبيهه إياه بعمرو وحاتم وإياس وهذا معنى يشهد ~~به الحال أنه ابتدعه فمن أتى من بعده بهذا المعنى أو بجزء منه فإنه يكون ~~سارقا له # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة وولديه # ( وأنت الشمس تبهر كل عين % فكيف وقد بدت معها اثنتان ) # ( فعاشا عيشة القمرين يحيا % بضوئهما ولا يتحاسدان ) # ( ولا ملكا سوى ملك الأعادي % ولا ورثا سوى من يقتلان ) # ( وكان ابنا عدو كاثراه % له ياءي حروف أنيسيان ) وهذا معنى لأبي الطيب ~~وهو الذي ابتدعه أي أن زيادة أولاد عدوك كزيادة التصغير فإنها زيادة نقص # وما ينبغي أن يقال إن الرومي ابتدع هذا المعنى الذي هو PageV02P344 # ( تشكو المحب وتلفى الدهر شاكية % كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان ) # فإن علماء البيان ms530 يزعمون أن هذا المعنى مبتدع لابن الرومي وليس كذلك ~~ولكنه مأخوذ من المثل المضروب وهو قولهم يلدغ ويصي ويضرب ذلك لمن يبتديء ~~بالأذى ثم يشكو وإنما إبن الرومي قد ابتدع معاني أخر غير ما ذكرته وليس ~~الغرض أن يؤتي على جميع ما جاء به هو ولا غيره من المعاني المبتدعة بل ~~الغرض أن يبين المعنى المبتدع من غيره # والذي عندي في السرقات انه متى أورد الآخر شيئا من ألفاظ الأول في معنى ~~من المعاني ولو لفظه واحدة فإن ذلك من أدل الدليل على سرقته # واعلم ان علماء البيان قد تكلموا في السرقات الشعرية فأكثروا وكنت ألفت ~~فيه كتابا وقسمته ثلاثة أقسام نسخا وسلخا ومسخا # أما النسخ فهو أخذ اللفظ والمعنى برمته من غير زيادة عليه مأخوذا ذلك من ~~نسخ الكتاب # أما السلخ فهو أخذ بعض المعنى مأخوذا ذلك من سلخ الجلد الذي هو بعض الجسم ~~المسلوخ # وأما المسخ فهو إحالة المعنى إلى ما دونه مأخوذا ذلك من مسخ الآدميين ~~قردة # وههنا قسمان آخرن أخللت بذكرهما في الكتاب الذي ألفتهفأحدهما أخذ المعنى ~~مع الزيادة عليه والآخر عكس المعنى إلى ضده وهذان القسمان ليسا بنسخ ولا ~~سلخ ولا مسخ PageV02P345 # وكل قسم من هذه الأقسام يتنوع ويتفرع وتخرج به القسمة إلى مسالك دقيقة ~~وقد استأنفت ما فاتني من ذلك في هذا الكتاب والله الموفق للصواب # ومن المعلوم أن السرقات الشعرية لا يمكن الوقوف عليها إلا بحفظ الأشعار ~~الكثيرة التي لا يحصرها عدد فمن رام الأخذ بنواصيها والاشتمال على قواصيها ~~بأن يتصفح الأشعار تصفحا ويقتنع بتأملها ناضرافإنه لا يظفر منها إلا ~~بالحواشي والأطراف # وكنت سافرت إلى الشام في سنة سبع وثمانين وخمسمائة ودخلت مدينة دمشقفوجدت ~~جماعة من أدبائها يلهجون ببيت من شعر ابن الخياط في قصيد له أولها # ( خذا من صبا نجد أمانا لقلبه % ) ويزعمون أنه من المعاني الغريبة وهو # ( أغار إذا آنست في الحي أنة % حذارا عليه أن تكون لحبه ) فقلت لهم هذا ~~البيت مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي في قوله PageV02P346 # ( لو ms531 قلت للدنف المشوق فديته % مما به لأغرته بفدائه ) وقول أبي الطيب ~~أدق معنى وإن كان قول ابن الخياط أرق لفظا ثم إني وقفتهم على مواضع كثيرة ~~من شعر ابن الخياط قد أخذها من شعر المتنبي # وسافرت إلى الديار المصرية في سنة ست وتسعين فوجدت أهلها يعجبون ببيت من ~~الشعر يعزونه إلى شاعر من أهل اليمن يقال له عمارة وكان حديث عهد بزماننا ~~هذا في آخر الدولة العلوية بمصر وذلك البيت من جملة قصيدة له يمدح بها بعض ~~خلفائها عند قدومه عليه من اليمن وهو # ( فهل درى البيت أني بعد فرقته % ما سرت من حرم إلا إلى حرم ) فقلت لهم ~~هذا البيت مأخوذ من شعر أبي تمام في قوله مادحا لبعض الخلفاء في حجة حجها ~~وذلك بيت من جملة أبيات حسنة # ( يا من رأى حرما يسري إلى حرم % طوبى لمستلم يأتي وملتزم ) ثم قلت في ~~نفسي يا لله العجبليس أبو تمام وأبو الطيب من الشعراء الذين درست أشعارهم ~~ولا هما ممن لم يعرف ولا اشتهر أمره بل هما كما يقال أشهر من الشمس والقمر ~~وشعرهما دائر في أيدي الناس بخلاف غيرهما فكيف خفي على أهل مصر ودمشق بيتا ~~ابن الخياط وعمارة المأخوذان من شعرهما PageV02P347 وعلمت حينئذ أن سبب ذلك ~~عدم الحفظ للأشعار والاقتناع بالنظر في دواوينهما ولما نصبت نفسي للخوض في ~~علم البيان ورمت أن أكون معدودا من علمائه علمت أن هذه الدرجة لا تنال إلا ~~بنقل ما في الكتب إلى الصدور والاكتفاء بالمحفوظ عن المسطور # ( ليس بعلم ما حوى القمطر % ما العلم إلا ما حواه الصدر ) ولقد وقفت من ~~الشعر على كل ديوان ومجموع وأنفدت شطرا من العمر في المحفوظ منه والمسموع ~~فألفيته بحرا لا يوقف على ساحله وكيف ينتهي إلى إحصاء قول لم تحص أسماء ~~قائله فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده وتتشعب مقاصده ولم أكن ممن ~~أخذ بالتقليد والتسليم في اتباع من قصر نظره على الشعر القديمإذ المراد من ~~الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف في ms532 اللفظ الجزل واللطيف فمتى وجد ذلك ~~فكل مكان خيمت فهو بابل وقد اكتفيت في هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس وأبي ~~عباده الوليد وأبي الطيب المتنبي وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته ~~الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين ~~إلى فصاحة القدماء وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء # أما أبو تمام فإنه رب معان وصقيل ألباب وأذهان وقد شهد له بكل معنى مبتكر ~~لم يمش فيه على أثرفهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على الأضراب ~~ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير ولم أقل ما أقول فيه إلا عن تنقيب ~~وتنقيرفمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته أعنة ~~الكلام وكان قوله في البلاغة ما قالت حذامفخذ مني في ذلك قول حكيم وتعلم ~~ففوق كل ذي علم عليم # وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى وأراد أن يشعر ~~فغنى ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق فبينا يكون في شظف نجد إذ ~~تشبث بريف العراق وسئل أبو الطيب المتنبي عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال ~~أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري ولعمري إنه أنصف في PageV02P348 حكمه ~~وأعرب بقوله هذا عن متانة علمهفإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود ~~من الصخرة الصماء في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء فأدرك بذلك بعد المرام مع ~~قربه إلى الإفهام وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية ورقى في ~~ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية # وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه ~~ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه لكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال واختص ~~بالإبداع في وصف مواقف القتال وأنا أقول قولا لست فيه متأثما ولا منه ~~متلثما وذاك أنه خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها وأشجع من ~~أبطالها وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها حتى تظن الفريقين قد تقابلا ~~والسلاحين قد تواصلا فطريقه في ms533 ذلك تضل بسالكه وتقوم بعذر تاركه ولا شك أنه ~~كان يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان فيصف لسانه ما أدى إليه عيانه ومع ~~هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن سنن التوسط فإما مفرط في وصفه وإما مفرط ~~وهو وإن انفرد بطريق صار أباعذره فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره وعلى ~~الحقيقة فإنه خاتم الشعراء ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء ولقد ~~صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة # ( لا تطلبن كريما بعد رؤيته % إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا ) # ( ولا تبال بشعر بعد شاعره % قد أفسد القول حتى أحمد الصمم ) ولما تأملت ~~شعره بعين المعدلة البعيدة عن الهوى وعين المعرفة التي ما ضل صاحبها وما ~~غوى وجدته أقساما خمسة خمس في الغاية التي انفرد بها دون غيره وخمس من جيد ~~الشعر الذي يساويه فيه غيره وخمس من متوسط الشعر وخمس دون ذلك وخمس في ~~الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها وعدمها خير من PageV02P349 وجودها ولو ~~لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها فإنها هي التي ألبسته لباس الملام ~~وجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام # ولسائل ههنا أن يسأل ويقول لم عدلت إلى شعر هؤلاء الثلاثة دون غيرهم # فأقول إني لم أعدل إليهم اتفاقا وإنما عدلت إليهم نظرا واجتهادا وذلك أني ~~وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم أترك ديوانا لشاعر مفلق يثبت ~~شعره على المحل إلا وعرضته على نظري فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي ~~الطيب للمعاني الدقيقة ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض والمقاصد ولم ~~أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة ولا أنقش ديباجة ولا أبهج سبكا ~~فاخترت حينئذ دواوينهم لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني والألفاظ ~~ولما حفظتها ألغيت ما سواها مع ما بقي على خاطري من غيرها # وقد أوردت في هذا الموضع من السرقات الشعرية مالم يورده غيري ونبهت على ~~غوامض منها # وكنت قدمت القول أني قسمتها إلى خمسة أقساممنها الثلاثة الأول وهي النسخ ~~والسلخ والمسخ ومنها القسمان ms534 الآخران وها أنا أبين ما تنقسم إليه هذه ~~الأقسام من تشعبها وتفريعهافأقول فأما النسخ فإنه لا يكون إلا في أخذ ~~المعنى واللفظ جميعا أو في أخذ المعنى وأكثر اللفظلأنه مأخوذ من نسخ الكتاب ~~وعلى ذلك فإنه ضربان الأول يسمى وقوع الحافر على الحافركقول امرىء القيس # ( وقوفا بها صحبي علي مطيهم % يقولون لاتهلك أسى وتحمل ) # وكقول طرفة PageV02P350 # ( وقوفا بها صحبي علي مطيهم % يقولون لا تهلك أسى وتجلد ) وقد أكثر ~~الفرزدق وجرير من هذا في شعرهما فمنه ما وردا فيه مورد امريء القيس وطرفة ~~في تخالفهما في لفظة واحدة كقول الفرزدق # ( أتعدل أحسابا لئاما حماتها % بأحسابنا إني إلى الله راجع ) وكقول جرير # ( أتعدل أحسابا كراما حماتها % بأحسابكم إني إلى الله راجع ) ومنه ما ~~تساويا فيه لفظا بلفظ كقول الفرزدق # ( وغر قد نسقت مشهرات % طوالع لا تطيق لها جوابا ) # ( بكل ثنية وبكل ثغر % غرائبهن تنتسب انتسابا ) # ( بلغن الشمس حين تكون شرقا % ومسقط رأسها من حيث غابا ) وكذلك قال جرير ~~من غير أن يزيد # وقد حكي أن امرأة من عقيل يقال لهاليلى كان يتحدث إليها الشباب فدخل ~~الفرزدق إليها وجعل يحادثها وأقبل فتى من قومها كانت تألفه فدخل إليها ~~فأقبلت عليه وتركت الفرزدق فغاظة ذلك فقال للفتى أتصارعني فقال ذاك إليك ~~فقام إليه فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه وجلس على صدره فضرط فوثب الفتى ~~عنه وقال يا أبا فراس وهذا مقام العائذ بك والله ما أردت ما جرى فقال ~~ويحكوالله ما بي أنك صرعتني ولكن كأني بابن الأتان - يعني جريرا - وقد بلغه ~~خبري فقال يهجوني # ( جلست إلى ليلى لتحظى بقربها % فخانك دبر لا يزال يخون ) PageV02P351 # ( فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه % كما شد جربان الدلاص قيون ) قال فوالله ما ~~مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر فقال فيه هذين البيتين وهذا من أغرب ما ~~يكون في مثل هذا الموضع وأعجبه # ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد وهذا ~~عندي مستبعدفإن ظاهر الأمر يدل على خلافه والباطن لا يعلمه ms535 إلا الله تعالى # وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى ~~من بعده علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه وهب أن الخواطر تتفق في استخراج ~~المعاني الظاهرة المتداولة فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغها الألفاظ # ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها # ( دع عنك لومي فإن اللوم إغراء % ) # ( دارت على فتية ذل الزمان لهم % فما يصيبهم إلا بما شاءوا ) وهذا من ~~عالي الشعر ثم وقفت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات ~~معبد وهو # ( لهفي على فتية ذل الزمان لهم % فما أصابهم إلا بما شاءوا ) وما أعلم ~~كيف هذا # الضرب الثاني من النسخ وهو الذي يؤخذ فبه المعنى وأكثر اللفظ كقول بعض ~~المتقدمين يمدح معبدا صاحب الغناء # ( أجاد طويس والسريجي بعده % وما قصبات السبق إلا لمعبد ) ثم قال أبو ~~تمام # ( محاسن أصناف المغنين جمة % وما قصبات السبق إلا لمعبد ) PageV02P352 ~~وهذه قصيدة أولها # ( غدت تستجير الدمع خوف نوى غد % ) فقال # ( وقائع أصل النصر فيها وفرعه % إذا عدد الإحسان أو لم يعدد ) # ( فمهما تكن من وقعة بعد لا تكن % سوى حسن مما فعلت مردد ) محاسن أصناف ~~المغنين جمة البيت # وأما السلخ فإنه ينقسم إلى اثني عشر ضربا وهذا تقسيم أوجبته القسمة وإذا ~~تأملته علمت أنه لم يبق شيء خارج عنه # فالأول أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه ولا يكون هو إياه وهذا من ~~أدق السرقات مذهبا وأحسنها صورة ولا يأتي إلا قليلا # فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة # ( لقد زادني حبا لنفسي أنني % بغيض إلى كل امريء غير طائل ) أخذ المتنبي ~~هذا المعنى واستخرج منه معنى آخر غيره إلا أنه شبيه به فقال # ( وإذا أتتك مذمتي من ناقص % فهي الشهادة لي بأني فاضل ) # والمعرفة بأن هذا المعنى أصله من ذاك المعنى عسر غامض وهو غير متبين إلا ~~لمن أعرق في ممارسة الأشعار وغاص في استخراج المعاني وبيانه أن الأول يقول ~~إن بغض الذي هو غير طائل إياي ms536 مما زاد نفسي حبا إلى أي جملها في عيني ~~وحسنها عندي كون الذي هو غير طائل مبغضي والمتنبي يقول إن ذم الناقص إياي ~~شاهد بفضليفذم الناقص إياه كبغض الذي هو غير طائل ذلك الرجل وشهادة ذم ~~الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك الرجل عنده ~~PageV02P353 # ومن هذا الضرب ما هو أظهر مما ذكرته وأبين كقول أبي تمام # ( رعته الفيافي بعد ما كان حقبة % رعاها وماء الروض ينهل ساكبه ) أخذ ~~البحتري هذا المعنى واستخرج منه ما يشابهه كقوله في قصيدة يفخر فيها بقومه # ( شيخان قد ثقل السلاح عليهما % وعداهما رأي السميع المبصر ) # ( ركبا القنا من بعدما حملا القنا % في عسكر متحامل في عسكر ) فأبو تمام ~~ذكر أن الجمل رعى الأرض ثم سار فيها فرعته أي أهزلته فكأنما فعلت به مثل ما ~~فعل بها والبحتري نقل هذا إلى وصف الرجل بعلو السن والهرمفقال إنه كان يحمل ~~الرمح في القتال ثم صار يركب عليه أي يتوكأ منه على عصا كما يفعل الشيخ ~~الكبير # وكذلك ورد قول الرجلين أيضافقال أبو تمام # ( لا أظلم النأي قد كانت خلائقها % من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا ) ~~أخذه البحتري فقال # ( أعاتك ما كان الشباب مقربي % إليك فألحى الشيب إذ هو مبعدي ) وهذا أوضح ~~من الذي تقدمه وأكثر بيانا # الضرب الثاني من السلخ أن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ وذلك مما يصعب جدا ~~ولا يكاد يأتي إلا قليلا # فمنه قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة # ( ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا % من المال يطرح نفسه كل مطرح ) # ( ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة % ومبلغ نفس عذرها مثل منجح ) أخذ أبو تمام ~~هذا المعنى فقال PageV02P354 # ( فتى مات بين الضرب والطعن ميتة % تقوم مقام النصر إذ فاته النصر ) ~~فعروة بن الورد جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح وأبو تمام ~~جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدو قائما مقام ~~الانتصار وكلا المعنيين واحد غير أن اللفظ مختلف # وهذا الضرب ms537 في سرقات المعاني من أشكلها وأدقها وأغربها وأبعدها مذهبا ولا ~~يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض # وقد يجيء منه ما هو ظاهر لا يبلغ في الدقة مبلغ هذه الأبيات المشار ~~اليهاكقول ابن المقفع في باب الرثاء من كتاب الحماسة # ( فقد جر نفعا فقدنا لك أننا % أمنا على كل الرزايا من الجزع ) وجاء بعده ~~من أخذ هذا المعنى فقال # ( وقد عزى ربيعة أن يوما % عليها مثل يومك لا يعود ) وهذا من البديع ~~النادر # ههنا ما هو أشد ظهورا من هذين البيتين في هذا الضرب من السرقات الشعرية ~~وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة التي يقوم بعضها مقام بعض وذاك الاعتداد به ~~لمكان وضوحه لكن قد يجيء منه ما هو صفة من صفات الترادف لا الاسم نفسه ~~فيكون حسنا كقول جرير # ( ولا يمنعك من أرب لحاهم % سواء ذو العمامة والخمار ) أخذ أبو الطيب ~~المتنبي هذا المعنى فقال # ( ومن في كفه منهم قناة % كمن في كفه منهم خضاب ) # الضرب الثالث من السلخ وهو أخذ المعنى ويسير من اللفظ وذلك من أقبح ~~السرقات وأظهرها شناعة على السارق PageV02P355 فمن ذلك قول البحتري في غلام # ( فوق ضعف الصغير إن وكل الأمر إليه ودون كيد الكبار ) سبقه أبو نواس ~~فقال # ( لم يخف من كبر عما يراد به % من الأمور ولا أزرى من الصغر ) وكذلك قوله ~~أيضا # ( كل عيد له انقضاءوكفي % كل يوم من جوده في عيد ) أخذه من علي بن جبلة [ ~~في قوله ] # ( للعيد يوم من الأيام منتظر % والناس في كل يوم منك في عيد ) وكذلك قوله # ( جاد حتى أفنى السؤال فلما % باد منا السؤال جاد ابتداء ) أخذه من علي ~~بن جبلة [ في قوله ] # ( أعطيت حتى لم تدع لك سائلا % وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها ) وقد افتضح ~~البحتري في هذه المآخذ غاية الافتضاح وهذا على بسطة باعه في الشعر وغناه عن ~~مثلها وقد سلك هذه الطريق فحول الشعراء ولم يستنكفوا من سلوكهافممن فعل ذلك ~~أبو تمامفإنه قال # ( قد قلصت شفتاه من حفيظته % فخيل من ms538 التعبيس مبتسما ) سبقه عبد السلام ~~بن رغبان المعروف بديك الجن فقال # ( وإذا شئت أن ترى الموت في صورة % ليث في لبدتي رئبال ) # ( فالقه غير أنما لبدتاه % أبيض صارم وأسمر عال ) # ( تلق ليثا قد قلصت شفتاه % فيرى ضاحكا لعبس الصيال ) PageV02P356 وكذلك ~~قال أبو تمام # ( فلم أمدحك تفحيما بشعري % ولكني مدحت بك المديحا ) أخذه من حسان بن ~~ثابت في مدحه للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال # ( ما إن مدحت محمدا بمقالتي % لكن مدحت مقالتي بمحمد ) ولا شك أن أبا بكر ~~رضي الله عنه سمع قول حسان حيث استخلف عمر رضي الله عنهفقال له عمر استخلف ~~غيري فقال أبو بكر رضي الله عنه ما حبوناك بها وإنما حبوناها بك # وهكذا فعل ابن الروميفمما جاء له قوله # ( جرحته العيون فاقتص منها % بجوى في القلوب دامي الندوب ) سبقه أبو تمام ~~فقال # ( أدميت باللحظات وجنته % فاقتص ناظره من القلب ) وكذلك قول ابن الرومي # ( وكلت مجدك في اقتضائك حاجتي % وكفى به متقاضيا ووكيلا ) سبقه أبو تمام ~~فقال # ( وإذا المجد كان عوني على المرء % تقاضيته بترك التقاضي ) وكذلك قول ابن ~~الرومي # ( ومالي عزاء عن شبابي علمته % سوى أنني من بعده لا أخلد ) سبقه منصور ~~النمري فقال # ( قد كدت أقضي على فوت الشباب أسا % لولا تعزي أن العيش منقطع ) ~~PageV02P357 وكذلك فعل أبو الطيب المتنبيفمما جاء منه قوله # ( فدى نفسه بضمان النضار % وأعطى صدور القنا الذابل ) أخذه من قول ~~الفرزدق # ( كان الفداء له صدور رماحنا % والخيل إذ رهج الغبار مثار ) وكذلك قوله ~~أيضا # ( أين أزمعت أيهذا الهمام % نحن نبت الربا وأنت الغمام ) أخذه من بشار ~~حيث قال # ( كأن الناس حين تغيب عنهم % نبات الأرض أخطأه القطار ) وكذلك قوله # ( فلا زالت ديارك مشرقات % ولا دانيت يا شمس الغروبا ) # ( لأصبح آمنا فيك الرزايا % كما أنا آمن فيك العيوبا ) أخذه من ابن ~~الرومي حيث قال # ( أسالم قد سلمت من العيوب % ألا فاسلم كذاك من الخطوب ) والذي عندي في ~~الضرب المشار إليه أنه لا بد من مخالفة المتأخر المتقدم إما بأن يأخذ ~~المعنى ms539 فيزيده معنى آخر أو يوجز في لفظه أو يكسوه عبارة أحسن من عبارته # ومن هذا الضرب ما يستعمل على وجه يزداد قبحه وتكثر البشاعة به وهو أن ~~يأخذ الشاعرين معنى من قصيدة لصاحبه على وزن وقافية فيودعه قصيدة له على ~~ذلك الوزن وتلك القافية ومثاله في ذلك كمن سرق جوهرة من طوق أو نطاق ثم ~~صاغها في مثل ما سرقها منه والأولى به أن كان نظم تلك الجوهرة في عقد أو ~~صاغها في سوار أو خلخالليكون أكتم لأمرها PageV02P358 # وممن فعل ذلك من الشعراء فافتضح أبو الطيب المتنبي حيث قال في قصيدته ~~التي أولها # ( غيري بأكثر هذا الناس ينخدع % ) # ( لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته % إن كان أسلمها الأصحاب والشيع ) وهذه ~~القصيدة مصوغة على قصيدة لأبي تمام في وزنها وقافيتها أولها # ( أي القلوب عليكم ليس ينصدع % ) وهذا المعنى الذي أورده أبو الطيب مأخوذ ~~من بيت منها وهو # ( ما غاب عنكم من الإقدام أكرمه % في الروع إذ غابت الأنصار والشيع ) ~~وليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة فإنه لم يكتف الشاعر فيها بأن ~~يسرق المعنى حتى ينادي على نفسه أنه قد سرقه # الضرب الربع من السلخ وهو أن يؤخذ المعنى فيعكس وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه ~~عن حد السرقة فمن ذلك قول أبي نواس # ( قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم % أشهى المطي إلي ما لم يركب ) # ( كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة % لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب ) فقال مسلم بن ~~الوليد في عكس ذلك # ( إن المطية لا يلذ ركوبها % حتى تذلل بالزمام وتركبا ) # ( والحب ليس بنافع أربابه % حتى يفصل في النظام ويثقبا ) ومن هذا الباب ~~قول ابن جعفر # ( ولما بدا لي أنها لا تريدني % وأن هواها ليس عني بمنجلي ) # ( تمنيت أن تهوى سواي لعلها % تذوق صبابات الهوى فترق لي ) PageV02P359 ~~وقال غيره # ( ولقد سرني صدودك عني % في طلابيك وامتناعك مني ) # ( حذرا أن أكون مفتاح غيري % وإذا ما خلوت كنت التمني ) أما ابن جعفر ~~فإنه تداءب وألقى عن منكبه رداء الغيرة وأما الآخر فجاء بالضد من ms540 ذلك ~~وتغالى به غاية الغلو # وكذلك ورد قول أبي الشيص # ( أجد الملامة في هواك لذيذة % شغفا بذكرك فليلمني اللوم ) أخذ أبو الطيب ~~المتنبي هذا المعنى وعكسه فقال # ( أأحبه وأحب فيه ملامة % إن الملامة فيه من أعدائه ) وهذا من السرقات ~~الخفية جدا ولأن يسمى ابتداعا أولى من أن يسمى سرقة # وقد توخيته في شيء من شعري فجاء حسنافمن ذلك قولي # ( لولا الكرام وما سنوه من كرم % لم يدر قائل شعر كيف يمتدح ) أخذته من ~~قول أبي تمام # ( لولا خلال سنها الشعر ما درى % بناة العلى من أين تؤتى المكارم ) # الضرب الخامس من السلخ وهو أن يؤخذ بعض المعنى فمن ذلك قول أمية بن أبي ~~الصلت يمدح عبد الله بن جدعان # ( عطاؤك زين لامريء إن حبوته % ببذل وما كل العطاء يزين ) # ( وليس بشين لامريء بذل وجهه % إليك كما بعض السؤال يشين ) أخذه أبو تمام ~~فقال # ( تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت % كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا ) ~~PageV02P360 # ( ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا % حتى رأيت سؤالا يجتني شرفا ) فأمية بن أبي ~~الصلت أتى بمعنيين اثنين أحدهما أن عطاءك زين والآخر أن عطاء غيرك شين وأما ~~أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير # ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة # ( وآثل ما لم يحوه متقدم % وإن نال منه آخر فهو تابع ) فقال أبو الطيب ~~المتنبي # ( ترفع عن عون المكارم قدره % فما يفعل الفعلات إلا عذاريا ) فعلي بن ~~جبلة اشتمل ما قاله على معنيين أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ممن تقدمه ~~وإن نال منه الآخر شيئا فإنما هو مقتد به وتابع له وأما أبو الطيب المتنبي ~~فإنه لم يأت إلا بالمعنى الواحد وهو أنه يفعل ما لا يفعله غيره غير أنه ~~أبرزه في صورة حسنة # ومن ذلك قول أبي تمام # ( كلف برب المجد يعلم أنه % لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم ) فقال البحتري # ( ومثلك إن أبدى الفعال أعاده % وإن صنع المعروف زاد وتمما ) فأبو تمام ~~قال إن الممدوح يرب صنيعه أي يستديمه ويعلم ms541 أنه إذا لم يستدمه فمما ابتدأه ~~والبحتري قال إنه يستديم صنيعه لاغير وذلك بعض ما ذكره أبو تمام ~~PageV02P361 # وكذلك قال البحتري # ( ادفع بأمثال أبي غالب % عادية العدم أو استعفف ) أخذه ممن تقدمه حيث ~~قال # ( انتج الفضل أو تخل عن الدنيا فهاتان غاية الهمم ) فالبحتري أخذ بعض هذا ~~المعنى ولم يستوفه # وكذلك ورد قول ابن الرومي # ( نزلتم على هام المعالي إذا ارتقى % إليها أناس غيركم بالسلالم ) أخذه ~~أبو الطيب المتنبي فقال # ( فوق السماء وفوق ما طلبوا % فإذا أرادوا غاية نزلوا ) وهذا بعض المعنى ~~الذي تضمنه قول ابن الروميلأنه قال إنكم نزلتم على هام المعالي وإن غيركم ~~يرقى إليها رقيا وأما المتنبي فإنه قال إنكم إذا أردتم غاية نزلتم وأما ~~قولهفوق السماءفإنه يغني عنه قول ابن الرومينزلتم على هام المعاليإذ ~~المعالي فوق كل شيءلأنها مختصة بالعلو مطلقا # الضرب السادس من السلخ وهو أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر # فمما جاء منه قول الأخنس بن شهاب # ( إذا قصرت أسيافنا كان وصلها % خطانا إلى أعدائنا فنضارب ) أخذه مسلم بن ~~الوليد فزاد عليه وهو قوله # ( إن قصر الرمح لم يمش الخطا عددا % أو عرد السيف لم يهمم بتعريد ) وكذلك ~~ورد قول جرير في وصف أبيات من شعره PageV02P362 # ( غرائب آلاف إذا حان وردها % أخذن طريقا للقصائد معلما ) أخذه أبو تمام ~~فزاد عليهإذ قال في وصف قصيد له وقرن ذلك بالممدوح # ( غرائب لاقت في فنائك أنسها % من المجد فهي الآن غير غرائب ) وكذلك ورد ~~قول ولد مسلمة بن عبد الملك # ( أذل الحياة وكره الممات % وكلا أراه طعاما وبيلا ) # ( فإن لم يكن غير إحداهما % فسيرا إلى الموت سيرا جميلا ) أخذه أبو تمام ~~فقال # ( مثل الموت بين عينيه والذل وكلا رآه خطبا عظيما % ) # ( ثم سارت به الحمية قدما % فأمات العدا ومات كريما ) فزاد عليه بقوله # ( فأمات العدا ومات كريما % ) ويروى أنه نظر عبد الله بن علي رضي الله ~~عنه عند قتال المروانية إلى فتى عليه أبهة الشرف وهو يبلي في القتال بلاء ~~حسنا فناداه يا فتى لك الأمان ms542 ولو كنت مروان بن محمد فقال إلا أكنه فلست ~~بدونه قال فلك الأمان ولو كنت من كنت فأطرق ثم تمثل بهذين البيتين ~~المذكورين # وكذلك ورد قول أبي تمام # ( يصد عن الدنيا إذا عن سودد % ولو برزت في زي عذراء ناهد ) أخذه من قول ~~المعذل بن غيلان # ( ولست بنظار إلى جانب العلا % إذا كانت العلياء في جانب الفقر ) إلا أنه ~~زاده زيادة حسنة بقوله PageV02P363 # ( ولو برزت في زي عذراء ناهد % ) ومما يجري هذا المجرى قول البحتري # ( خل عنا فإنما أنت فينا % واو عمرو أو كالحديث المعاد ) أخذه من قول أبي ~~نواس # ( قل لمن يدعي سليما سفاها % لست منها ولا قلامة ظفر ) # ( إنما أنت ملصق مثل واو % ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو ) إلا أن البحتري ~~زاد على أبي النواس في قولهأو كالحديث المعاد هكذا ورد قول البحتري أيضا # ( ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا % جذلان يبدع في السماح ويغرب ) أخذه ~~من مسلم بن الوليد في قوله # ( ركبت إليه البحر في مؤخراته % فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر ) إلا ~~البحتري زاد عليه بقوله وكذلك ورد قول أبي النواس # ( وليس لله بمستنكر % أن يجمع العالم في واحد ) وهذا البيت قد لهج به ~~الناس لهجا كثيرا ومنهم من ظنه مبتدعا لأبي نواس ويحكي عن أبي تمام أنه دخل ~~على ابن أبي داود فقال له أحسبك عاتبا يا أبا PageV02P364 تمام فقال إنما ~~يعتب على واحد وأنت الناس جميعا قال من أين هذه يا أبا تمام قال من قول ~~الحاذق أبي نواس وأنشده البيت وهذه الحكاية عندي موضوعة لأن أبا تمام كان ~~عارفا بالشعر حتى إنه قال لم أنظم شعرا حتى حفظت سبعة عشر ديوانا للنساء ~~خاصة دون الرجال وما كان يخفى عنه أن هذا المعنى ليس لأبي نواس وإنما هو ~~مأخوذ من قول جرير # ( إذا غضبت عليك بنو تميم % حسبت الناس كلهم عضابا ) إلا أن أبا نواس ~~زاده زيادة حسنة وذاك أن جريرا جعل الناس كلهم بني تميم وأبا نواس جعل ~~العالم كله في واحد وذلك ms543 أبلغ # ومما ينتظم في هذا السلك قول الفرزدق # ( علام تلفتين وأنت تحتي % وخير الناس كلهم أمامي ) # ( متى تأتي الرصافة تستريحي % من الأنساع والدبر الدوامي ) أخذه أبو نواس ~~فصار أملك به وأحسن فيه غاية الإحسان فقال # ( وإذا المطي بنا بلغن محمدا % فظهورهن على الرجال حرام ) فالفرزدق قال ~~تستريحي من الأنساع والدبر الدواميوليست استراحتها بمانعة من معاودة ~~إتعابها مرة أخرى وأما أبو نواس فإنه حرم ظهورهن على الرجال أي أنها تعفى ~~من السفر إعفاء مستمرا ولا شك أن أبا نواس لم يتنبه لهذه الزيادة إلا من ~~فعل العرب في السائبة والبحيرة # وعلى هذا الأسلوب ورد قول المتنبي # ( وملمومة زرد ثوبها % ولكنه بالقنا مخمل ) أخذه من أبي نواس في قوله # ( أمام خميس أرجوان كأنه % قميص محوك من قنا وجياد ) فزاد أبو الطيب ~~زيادة صار بها أحق من أبي نواس بهذا المعنى PageV02P365 # وكذلك قال أبو الطيب المتنبي # ( وإن جاد قبلك قوم مضوا % فإنك في الكرم الأول ) فأخذته أنا وزدت ~~عليهفقلت # ( أنت في الجود أول وقضى الله بالا يرى الدهر ثان ) وهذا النوع من ~~السرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره # الضرب السابع من السلخ وهو أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة ~~الأولى # وهذا هو المحمود الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة فمن ذلك قول أبي تمام # ( جذلان من ظفر حران إن رجعت % مخضوبة منكم أظفاره بدم ) أخذه ~~البحتريفقال # ( إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها % تذكرت القربى ففاضت دموعها ) ومن هذا ~~الأسلوب قولهما أيضافقال أبو تمام # ( إن الكرام كثير في البلاد وإن % قلوا كما غيرهم قلوا وإن كثروا ) وقال ~~البحتري # ( قل الكرام فصار يكثر مدهم % ولقد يقل الشيء حتى يكثرا ) PageV02P366 # وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس # ( يدل على ما في الضمير من الفتى % تقلب عينيه إلى شخص من يهوى ) أخذه ~~أبو الطيب المتنبيفقال # ( وإذا خامر الهوى قلب صب % فعليه لكل عين دليل ) # ومما ينتظم في هذا السلك قول أبي الطيب المتنبي # ( إذا ما ازددت من بعد التناهي % فقد وقع انتقاصي في ازدياد ) أخذه ms544 ابن ~~نباتة السعديفقال # ( إذا كان نقصان الفتى من تمامه % فكل صحيح في الأنام عليل ) وكذلك ورد ~~قول أبي العلاء بن سليمان في مرثية # ( وما كلفة البدر المنير قديمة % ولكنها في وجهه أثر اللطم ) أخذه الشاعر ~~المعروف بالقيسراني فقال # ( وأهوى التي أهوى لها البدر ساجدا % ألست ترى في وجه أثر الترب ) وكذلك ~~قول ابن الرومي # ( إذا شنئت عين امريء شيب نفسه % فعين سواه بالشناءة أجدر ) أخذه من تأخر ~~زمانه عنهفقال # ( إذا كان شيبي بغيضا إلى % فكيف يكون إليها حبيبا ) PageV02P367 # ومما ينخرط في هذا السلك قول بعضهم # ( مخصرة الأوساط زانت عقودها % بأحسن مما زينتها عقودها ) أخذه أبو ~~تمامفقال # ( كأن عليها كل عقد ملاحة % وحسنا وإن أضحت وأمست بلا عقد ) ثم أخذه ~~البحتريفقال # ( إذا أطفأ الياقوت إشراق وجهها % فإن عناء ما توخت عقودها ) أمثال هذا ~~كثيرة وفيما أوردناه مقنع # الضرب الثامن من السلخ وهو أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا وذلك من أحسن ~~السرقاتلما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول وسعة باعة في البلاغة ~~فمن ذلك قول بشار # ( من راقب الناس لم يظفر بحاجته % وفاز بالطيبات الفاتك اللهج ) أخذه سلم ~~الخاسر وكان تلميذه فقال # ( من راقب الناس مات غما % وفاز باللذة الجسور ) فبين البيتين لفظتان في ~~التأليف # ومن هذا الأسلوب قول أبي تمام # ( برزت في طلب المعالي واحدا % فيها تسير مغورا ومنجدا ) # ( عجب بأنك سالم في وحشة % في غاية ما زلت فيها مفردا ) PageV02P368 أخذه ~~ابن الروميفقال # ( غربته الخلائق الزهر في الناس % وما أوحشته بالتغريب ) وكذلك ورد قول ~~أبي نواس # ( وكلت بالدهر غير غافلة % من جود كفك تأسو كل ما جرحا ) أخذه ابن ~~الروميفقال # ( الدهر يفسد ما استطاع وأحمد % يتتبع الإفساد بالإصلاح ) وعلى هذا ورد ~~قول ابن الرومي # ( كأني أستدني بك ابن حنية % إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا ) أخذه بعض ~~شعراء الشام وهو ابن قسيم الحمويفقال # ( فهو كالسهم كلما زدته منك دنوا بالنزع زادك بعدا % ) ولقيت جماعة من ~~الأدباء بالشام ووجدتهم يزعمون أن ابن قسيم هو الذي ابتدع هذا المعنى وليس ms545 ~~كذلك وإنما هو لابن الرومي # ومما يجري هذا المجرى قول أبي العتاهية # ( وإني لمعذور على فرط حبها % لأن لها وجها يدل على عذري ) أخذه أبو ~~تمامفقال # ( له وجه إذا أبصرته % ناجاك عن عذري ) فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز # ومما يجري على هذا النهج قول أبي تمام # ( كانت مساءلة الركبان تخبرني % عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر ) ~~PageV02P369 # ( حتى التقينا فلا والله ما سمعت % أدني بأحسن مما قد رأى بصري ) أخذه ~~أبو الطيب المتنبي فأوجزحيث قال # ( وأستكبر الأخبار قبل لقائه % فلما التقينا صغر الخبر الخبر ) وكذلك ~~قولهما في موضع آخرفقال أبو تمام # ( كم صارما عضبا أناف على قفا % منهم لأعباء الوغى حمال ) # ( سبق المشيب إليه حتى ابتزه % وطن النهى من مفرق وقذال ) أخذه أبو الطيب ~~فزاد وأحسنحيث قال # ( يسابق القتل فيهم كل حادثة % فما يصيبهم موت ولا هرم ) ومن هذا الضرب ~~قول بعض الشعراء # ( أمن خوف فقر تعجلته % وأخرت إنفاق ما تجمع ) # ( فصرت الفقير وأنت الغني % وما كنت تعدو الذي تصنع ) أخذه أبو الطيب ~~المتنبيفقال # ( ومن ينفق الساعات في جمع ماله % مخافة فقر فالذي فعل الفقر ) # الضرب التاسع من السلخ وهو أن يكون المعنى عاما فيجعل خاصا أو خاصا فيجعل ~~عاما وهو من السرقات التي يسامح صاحبهافمن ذلك قول الأخطل PageV02P370 # ( لا تنه عن خلق وتأتي مثله % عار عليك إذا فعلت عظيم ) أخذه أبو ~~تمامفقال # ( أألوم من بخلت يداه وأغتدي % للبخل تربا ساء ذاك صنيعا ) وهذا من العام ~~الذي جعل خاصاألا ترى أن الأول نهى عن الإتيان بما ينهى عنه مطلقا وجاء ~~بالخلق منكرا فجعله شائعا في بابهوأما أبو تمام فإنه خصص ذلك بالبخل وهو ~~خلق واحد من جملة الأخلاق # وأما جعل الخاص عاما فكقول أبي تمام # ( ولو حاردت شول عذرت لقاحها % ولكن منعت الدر والضرع حافل ) أخذه أبو ~~الطيب المتنبي فجعله عاما إذ يقول # ( وما يؤلم الحرمان من كف حارم % كما يؤلم الحرمان من كف رازق ) # الضرب العاشر من السلخ وهو زيادة البيان مع المساواة في المعنى وذلك بأن ~~يؤخذ المعنى ms546 فيضرب له مثال يوضحه فمما جاء منه قول أبي تمام # ( هو الصنع إن يعجل فنفع وإن يرث % فللريث في بعض المواطن ) أخذه أبو ~~الطيب فأوضحه بمثال ضربه له وذلك قوله # ( ومن الخير بطء سيبك عني % أسرع السحب في المسير الجهام ) وهذا من ~~المبتدع لا من المسروق وما أحسن ما أتى بهذا المعنى في المثال المناسب له ~~وكذلك قولهما في موضع آخرفقال أبو تمام PageV02P371 # ( قد قلصت شفتاه من حفيظته % فخيل من شدة التعبيس مبتسما ) أخذه أبو ~~الطيب المتنبي فقال # ( وجاهل مده في جهله ضحكي % حتى أتته يد فراسة وفم ) # ( إذا رأيت نيوب الليث بارزة % فلا تظنن أن الليث مبتسم ) ومما ينخرط في ~~هذا السلك قول أبي تمام # ( وكذاك لم تفرط كآبة عاطل % حتى يجاورها الزمان بحال ) أخذه أبو عبادة ~~البحتريفقال # ( وقد زادها إفراط حسن جوارها % لأخلاق أصفار من المجد خيب ) # ( وحسن دراري الكواكب أن ترى % طوالع في داج من الليل غيهب ) فإنه أتى ~~بالمعنى مضروبا له هذا المثال الذي أوضحه وزاده حسنا # الضرب الحادي عشر من السلخ وهو اتحاد الطريق واختلاف المقصد ومثاله أن ~~يسلك الشاعران طريقا واحدة فتخرج بهما إلى موردين أو روضتين وهناك يتبين ~~فضل أحدهما على الآخر # فمما جاء من ذلك قول أبي تمام في مرثية بولدين صغيرين # ( مجد تأوب طارقا حتى إذا % قلنا أقام الدهر أصبح راحلا ) # ( نجمان شاء الله ألا يطلعا % إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا ) # ( إن الفجيعة بالرياض نواضرا % لأجل منها بالرياض ذوابلا ) # ( لهفي على تلك الشواهد فيهما % لو أخرت حتى تكون شمائلا ) # ( إن الهلال إذا رأيت نموه % أيقنت أن سيكون بدرا كاملا ) # ( قل للأمير وإن لقيت موقرا % منه يريب الحادثات حلاحلا ) # ( إن ترز في طرفي نهار واحد % رزأين هاجا لوعة وبلابلا ) PageV02P372 # ( فالثقل ليس مضاعفا لمطية % إلا إذا ما كان وهما بازلا ) # ( لا غرو إن فننان من عيدانه % لقيا حماما للبرية آكلا ) # ( إن الأشاء إذا أصاب مشذب % منه اتمهل ذرا وأث أسافلا ) # ( شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ % أو أن تذكر ناسيا أو غافلا ) # ( إلا مواعظ ms547 قادها لك سمحة % إسجاح لبك سامعا أو قائلا ) # ( هل تكلف الأيدي بهز مهند % إلا إذا كان الحسام القاصلا ) وقال أبو ~~الطيب في مرثية بطفل صغير # ( فإن تك في قبر فإنك في الحشا % وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل ) # ( ومثلك لا يبكى على قدر سنه % ولكن على قدر الفراسة والأصل ) # ( ألست من القوم الذي من رماحهم % نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل ) # ( بمولودهم صمت اللسان كغيره % ولكن في أعطافه منطق الفصل ) # ( تسليهم علياؤهم عن مصابهم % ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل ) # ( عزاءك سيف الدولة المقتدى به % فإنك نصل والشدائد للنصل ) # ( تخون المنايا عهده في سليله % وتنصره بين الفوارس والرجل ) # ( بنفسي وليد عاد من بعد حمله % إلى بطن أم لا تطرق بالحمل ) # ( بدا وله وعد السحابة بالروى % وصد وفينا غلة البلد المحل ) # ( وقد مدت الخيل العتاق عيونها % إلى وقت تبديل الركاب من النعل ) # ( وريع له جيش العدو وما مشى % وجاشت له الحرب الضروس وما تغلي ) فتأمل ~~أيها الناظم إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد وكيف هام كل ~~واحد منهما في واد منه مع اتفاقهما في بعض معانيه PageV02P373 # وسأبين لك ما اتفقا فيه وما اختلفا وأذكر الفاضل من المفضول فأقول أما ~~الذي اتفقا فيه فإن أبا تمام قال # ( لهفي على تلك الشواهد فيهما % لو أخرت حتى تكون شمائلا ) وأما أبو ~~الطيب فإنه قال # ( بمولودهم صمت اللسان كغيره % ولكن في أعطافه منطق الفضل ) فأتى بالمعنى ~~الذي أتى به أبو تمام وزاد عليه بالصناعة اللفظية وهي المطابقة في قولهصمت ~~اللسان ومنطق الفصل # وقال أبو تمام # ( نجمان شاء الله ألا يطلعا % إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا ) وقال أبو ~~الطيب # ( بدا وله وعد السحابة بالروى % وصد وفينا غلة البلد المحل ) فوافقه في ~~المعنى وزاد عليه بقوله # ( وصد فينا غلة البلد المحل ) لأنه بين قدر حاجتهم إلى وجوده وانتفاعهم ~~بحياته # وأما ما اختلفنا فيه فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضا وذاك أن ~~معناه أمتن من معناه ومبناه أحكم من مبناه وربما أكبر هذا القول ms548 جماعة من ~~المقلدين الذين يقفون مع شبهة الزمان وقدمه لا مع فضيلة القول وتقدمه وأبو ~~تمام وإن كان أشعر عندي من أبي الطيب فإن أبا الطيب أشهر منه في هذا ~~الموضعوبيان ذلك أنه قد تقدم القول على ما اتفقا فيه من المعنى وأما الذي ~~اختلفا فيه فإن أبا الطيب قال # ( عزاءك سيف الدولة المقتدى به % فإنك نصل والشدائد للنصل ) PageV02P374 ~~وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام اللذين هما # ( إن ترز في طرفي نهار واحد % رزأين هاجا لوعة وبلابلا ) # ( فالثقل ليس مضاعفا لمطية % إلا إذا ما كان وهما بازلا ) فإن قول أبي ~~الطيب والشدائد للنصلأكرم لفظا ومعنى من قول أبي تمام إن الثقل إنما يضاعف ~~من المطايا وقوله أيضا # ( تخون المنايا عهده في سليله % وتنصره بين الفوارس والرجل ) وهذا أشرف ~~من بيتي أبي تمام اللذين هما # ( لاغرو إن فننان من عيدانه % لقيا حماما للبرية آكلا ) # ( إن الأشاء إذا أصاب مشذب % منه اتمهل ذرا وأث أسافلا ) وكذلك قال أبو ~~الطيب # ( ألست من القوم الذي من رماحهم % نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل ) # ( تسليهم علياؤهم عن مصابهم % ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل ) وهذان ~~البيتان خير من بيتي أبي تمام اللذان هما # ( شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ % أو أن تذكر ناسيا أو غافلا ) # ( إلا مواعظ قادها لك سمحة % إسجاح لبك سامعا أو قائلا ) واعلم أن ~~التفضيل بين المعنيين المتفقين أيسر خطبا من التفصيل بين المعنيين ~~المختلفين # وقد ذهب قوم إلى منع المفاضلة بين المعنيين المختلفين واحتجوا على ذلك ~~بأن قالوا المفاضلة بين الكلامين لا تكون إلا باشتراكهما في المعنى فإن ~~اعتبار التأليف في نظم الألفاظ لا يكون إلا باعتبار المعاني المندرجة تحتها ~~فما لم يكن بين الكلامين اشتراك في المعنى حتى يعلم مواقع النظم في قوة ذلك ~~المعنى PageV02P375 أو ضعفه واتساق ذلك اللفظ أو اضطرابه وإلا فكل كلام له ~~تأليف يخصه بحسب المعنى المندرج تحته وهذا مثل قولنا العسل أحلى من الخل ~~فإنه ليس في الخل حلاوة حتى تقاس حلاوة العسل عليها # وهذا القول ms549 فاسد فإنه لو كان ما ذهب إليه هؤلاء من منع المفاضلة حقا لوجب ~~أن تسقط التفرقة بين جيد الكلام ورديئه وحسنه وقبيحه وهذا محال وإنما خفي ~~عليهم ذلك لأنهم لم ينظروا إلى الأصل الذي تقع المفاضلة فيه سواء اتفقت ~~المعاني أو اختلفت ومن ههنا وقع لهم الغلط # وسأبين ذلك فأقول من المعلوم أن الكلام لا يختص بمزية من الحسن حتى تتصف ~~ألفاظه ومعانيه بوصفين هما الفصاحة والبلاغة فثبت بهذا أن النظر إنما هو في ~~هذين الوصفين اللذين هما الأصل في المفاضلة بين الألفاظ والمعاني على ~~اتفاقهما واختلافهما فمتى وجدا في أحد الكلامين دون الآخر أو كانا أخص به ~~من الآخر حكم له بالفضل # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج في تفضيل الشعر أشياء تتضمن خبطا كثيرا ~~وهو مروي عن علماء العربية لكن عذرتهم في ذلك فإن معرفة الفصاحة والبلاغة ~~شيء خلاف معرفة النحو والإعراب # فمما وقفت عليه أنه سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال لو أدرك يوما ~~واحدا من الجاهلية ما قدمت عليه أحدا وهذا تفضيل بالإعصار لا بالأشعار وفيه ~~ما فيه ولولا أن أبا عمرو عندي بالمكان العلى لبسطت لساني في هذا الموضع # وسئل جرير عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل فقال أما الفرزدق ففي يده نبعة من ~~الشعر وهو قابض عليها وأما الأخطل فأشدنا اجتراء وأرمانا للقرائض وأما أنا ~~فمدينة الشعر وهذا القول في التفضيل قول إقناعي لا يحصل منه على تحقيق لكنه ~~أقرب حالا مما روي عن أبي عمرو بن العلاء # وسئل الأخطل عن أشعر الناس فقال الذي إذا مدح رفع وإذا هجا وضعف فقيل فمن ~~ذاك الأعشى قيل ثم من قال طرفة وهذا قول فيه بعض PageV02P376 التحقيق إذ ~~ليس كل من رفع بمدحه ووضع بهجائه كان أشعر الناس لأن المعاني الشعرية كثيرة ~~والمدح والهجاء منها # وسئل الشريف الرضي عن أبي تمام وعن البحتري وعن أبي الطيب فقال أما أبو ~~تمام فخطيب منبر وأما البحتري فواصف جؤذر وأما فقاتل عسكر وهذا كلام حسن ~~واقع في موقعهفإنه ms550 وصف كلا منهم بما فيه من غير تفضيل # ويروى عن بشار أنه وصف نفسه بجودة الشعر والتقدم على غيره فقيل له ولم ~~ذاك فقال لأني نظمت اثني عشر ألف قصيدة وما تخلو واحدة منهن من بيت واحد ~~جيد فيكون لي حينئذ اثنا عشر ألف بيتوقد تأملت هذا القول فوجدته على بشار ~~لا لهلأن باقلا الذي يضرب به المثل في العي لو نظم قصيدا لما خلا من بيت ~~واحد جيد ومن الذي ينظم قصيدا واحدا من الشعر ولا يسلم له منه بيت واحد لكن ~~كان الأولى ببشار أن قال لي اثنتا عشرة ألف قصيدة ليس واحدة منهن إلا ~~وجيدها أكثر من رديئها وليس في واحدة منهم ما يسقطفإنه لو قال ذلك وكان ~~محقا لاستحق التقدم على الشعراء ومع هذا فقد وصل إلي ما في أيدي الناس من ~~شعره مقصدا ومقطعا فما وجدته بتلك الغاية التي إدعاها لكن وجدت جيده قليلا ~~بالنسبة إلى رديئة وتندر له الأبيات اليسيرة # وبلغني عن الأصمعي وأبو عبيد وغيرهما أنهم قالوا هو أشعر الشعراء ~~المحدثين قاطبة وهم عندي معذورونلأنهم ما وقفوا على معاني أبي تمام ولا على ~~معاني أبي الطيب ولا وقفوا على ديباجة أبي عبادة البحتري وهذا الموضع لا ~~يستفتى فيه علماء العربية وإنما يستفتى فيه كاتب بليغ أو شاعر مفلقفإن أهل ~~كل علم أعلم به وكما لا يسأل الفقيه عن مسألة حسابية فكذلك لا يسأل الحاسب ~~عن مسألة فقيهة وكما لا يسأل أيضا النحوي عن مسألة طيبة فكذلك لا يسأل ~~الطبيب عن مسألة نحوية ولا يعلم كل علم إلا صاحبه الذي قلب ظهره لبطنه ~~وبطنه لظهره # على أن علم البيان من الفصاحة والبلاغة محبوب إلى الناس قاطبة ما من أحد ~~إلا ويحب أن يتكلم فبه حتى إني رأيت أجلاف العامة ممن لم يخط بيده ~~PageV02P377 ورأيت أغتام الأجناس ممن لا ينطق بالكلمة صحيحة كلهم يخوض في ~~فن الكتابة والشعر ويأتون فيه بكل مضحكة وهم يظنون أنهم عالمون به ولا لوم ~~عليهم فإنه بلغني عن ابن الأعرابي ms551 وكان من مشاهير العلماء - أنه عرض عليه ~~أرجوزة أبي تمام اللامية التي مطلعها # ( وعاذل عذلته في عذله % ) وقيل له هذه لفلان من شعراء العرب فاستحسنها ~~غاية الاستحسان وقال وهذا هو الديباج الخسرواني ثم استكتبها فلما أنهاها ~~قيل له هذه لأبي تمامفقال من أجل ذلك أرى عليها أثر الكلفة ثم ألقى الورقة ~~من يده وقال يا غلام خرق فإذا كان ابن الأعرابي مع علمه وفضله لايدري أي ~~طرفيه أطول في هذا الفن ولا يعلم أين يضع يده فيه ويبلغ به الجهل إلى أن ~~يقف مع التقليد الشنيع الذي هذا غايته فما الذي يقول غيره وما الذي يتكلم ~~فيه سواه والمذهب عندي في تفضيل الشعراء أن الفرزدق وجريرا والأخطل أشعر ~~العرب أولا وآخرا ومن وقف على الأشعار ووقف على دواوين هؤلاء الثلاثة علم ~~ما أشرت إليه ولا ينبغي أن يوقف مع شعر امريء القيس وزهير والنابغة والأعشى ~~فإن كلا من أولئك أجاد في معنى اختص به حتى قيل في وصفهم امرؤ القيس إذا ~~ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب والأعشى إذا شرب وأما الفرزدق وجرير ~~والأخطل فإنهم أجادوا في كل ما أتوا من المعاني المختلفة وأشعر منهم عندي ~~الثلاثة المتأخرون وهم أبو تمام وأبو عبادة البحتري وأبو الطيب المتنبيفإن ~~هؤلاء الثلاثة لا يدانيهم مدان في طبقة الشعراء أما أبو تمام وأبو الطيب ~~فربا المعاني وأما أبو عبادة فرب الألفاظ في ديباجتها وسبكها # وبلغني أن أبا عبادة البحتري سأل ولده أبا الغوث عن الفرزدق وجرير أيهما ~~أشعر فقال جرير أشعر قال وبم ذلك قال لأن حوكه شبيه بحوكك قال ثكلتك أمك أو ~~في الحكم عصبية قال يا أبت فمن أشعر قال الفرزدق قال ومن ذاك قال لأن أهاجي ~~جرير كلها تدور على أربعة أشياء هي القين والزنا وضرب الرومي بالسيف والنفي ~~من المسجد ولا يهجو الفرزدق بسوى PageV02P378 ذلك وأما الفرزدق فإنه يهجو ~~جريرا بأنحاء مختلفة ففي كل قصيد يرميه بسهام غير السهام التي يرميه بها في ~~القصيد الآخروأنا أستكذب راوي هذه الحكاية ms552 ولا أصدقهفإن البحتري عندي ألب ~~من ذلك وهو عارف بأسرار الكلام خبيرا بأوساطه وأطرافه وجيده ورديئه وكيف ~~يدعي على جرير أنه لم يهجو الفرزدق إلا بتلك المعاني الأربعة التي ذكرها ~~وهو القائل # ( لما وضعت على الفرزدق ميسمي % وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل ) فجمع بين ~~هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد # ولقد تأملت كتاب النقائض فوجدت جريرا رب تغزل ومديح وهجاء وافتخار وقد ~~كسا كل معنى من هذه المعاني ألفاظا لائقة به ويكفيه من ذلك قوله # ( وعاو عوى من غير شيء رميته % بقافية أنفاذها تقطر الدما ) # ( وإني لقوال لكل غريبة % ورود إذا الساري بليل ترنما ) # ( خروج بأفواه الرواة كأنها % شبا هندواني إذا هز صمما ) # ( غرائب آلاف إذا حان وردها % أخذن طريقا للقصائد معلما ) ولو لم يكن ~~لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها الشعراء وسأذكر من هجاء الفرزدق ما ليس ~~فيه شيء من تلك المعاني الأربعة التي أشار البحتري إليهافمن ذلك قوله # ( وقد زعموا أن الفرزدق حية % وما قتل الحيات من أحد قبلي ) PageV02P379 # ( ألم تر أني لا أنبل رميتي % فمن أرم لا تخطيء مقاتله نبلي ) # ( رأيتك لا تحمي عقالا ولم ترد % قتالا فما لاقيت شر من القتل ) وقوله # ( أبلغ هديتي الفرزدق إنها % عبء تزاد على حسير مثقل ) # ( إني انصببت من السماء عليكم % حتى اختطفتك يا فرزدق من عل ) وقوله # ( زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا % أبشر بطول سلامة يا مربع ) # ( ورأيت نبلك يا فرزدق قصرت % ورأيت قوسك ليس فيها منزع ) # ( إن الفرزدق قد تبين لؤمه % حيث التقت خششاؤه و الأخدع ) وقوله # ( أحارث خذ من شئت منا ومنهم % ودعنا نقس مجدا تعد فضائله ) # ( لبست سلاحي والفرزدق لعبة % عليه وشاحا كرج وجلاجله ) # ( فلست بذي عز ولا أرومة % وما تعط من ضيم فإنك قابله ) وقوله # ( لا يخفين عليك أن مجاشعا % لو ينفخون من الخؤرة طاروا ) # ( قد يؤسرون فلا يفك أسيرهم % ويقتلون فتسلم الآثار ) PageV02P380 وقوله # ( بني مالكإن الفرزدق لم يزل % يلقى المخازي من لدن أن تيفعا ) # ( مددت له الغايات حتى تركته % قعود القوافي ذا علوب موقعا ) وقوله ms553 # ( ألا إنما كان الفرزدق ثعلبا % ضغا وهو في أشداق ليث ضبارم ) وقوله # ( مهلا فرزدق إن قومك فيهم % خور القلوب وخفة الأحلام ) # ( الظاعنون على العمى بجميعهم % والنازلون بشر دار مقام ) وقوله # ( إذا سفرت يوما نساء مجاشع % بدت سوءة مما تجن البراقع ) # ( مباشيم عن غب الهرير كأنما % تصوت في أعفاجهن الضفادع ) # ( رأت مللا مثل الفرزدق قصرت % عن العلو لا يأبى عن العلو بارع ) # ( أتعدل أحسابا كراما حماتها % بأحسابهم إني إلى الله راجع ) # ( إذا قيل أي الناس شر قبيلة % وأعظم عارا قيل تلك مجاشع ) PageV02P381 ~~وقوله # ( علق الأخيطل في حبالي بعد ما % عثر الفرزدق لا لعا للعاثر ) # ( لقي الفرزدق ما لقيت وقبله % طاح التعيس بغير عرض وافر ) # ( وإذا رجوا أن ينقضوا لي مرة % مرست قواي عليهم ومرائري ) ولجرير مواضع ~~كثيرة في هجاء الفرزدق غير هذهولولا خوف الإطالة لاستقصيتها جميعها ولو ~~سلمت إلى البحتري ما زعم من أن جريرا ليس له في هجاء الفرزدق إلا تلك ~~المعاني الأربعة لاعترضت عليه بأنه قد أقر لجرير بالفضيلة وذاك أن الشاعر ~~المفلق أو الكاتب البليغ هو الذي إذا أخذ معنى واحد تصرف فيه بوجوه ~~التصرفات وأخرجه في ضروب الأساليب وكذلك فعل جريرفإنه أبرز من هجاء الفرزدق ~~بالقين كل غريبة وتصرف فيه تصرفا مختلف الأنحاءفمن ذلك قوله # ( ألهى أباك عن المكارم والعلا % لي الكتائف وارتفاع المرجل ) قوله # ( وجد الكتيف ذخيرة في قبره % والكلبتان جمعن والمنشار ) # ( يبكي صداه إذا تصدع مرجل % أو إن تفلق برمة أعشار ) # ( قال الفرزدق رقعي أكيارنا % قالت وكيف ترقع الأكيار ) وقوله # ( إذا آباؤنا وأبوك عدوا % أبان المقرفات من العراب ) PageV02P382 # ( فأورثك العلاة وأورثوني % رباط الخيل أفنية القباب ) # ( وسيف أبي الفرزدق فاعلموه % قدوم غير ثابتة النصاب ) فانظر أيها الواقف ~~على كتابي هذا إلى هذه الأساليب التي تصرف فيها جرير وأدارها على هجاء ~~الفرزدق بالقينفقال أولا إن أباه شغل عن المكارم بصناعة القيون ثم قال ~~ثانيا إنه يبكي عليه ويندبه بعد الموت المرجل والبرمة الأعشار التي يصلحها ~~ثم قال ثالثا إن أباك أورثك آلة القيون وأورثني أبي رباط الخيلوقد ms554 أورد ~~جرير هذا المعنى على غير هذه الأساليب الذي ذكرتها ولا حاجة إلى التطويل ~~بذلك ههنا وهذا القدر فيه كفاية # وحيث انتهى بنا القول إلى ههنا فلنرجع إلى النوع الذي نحن بصدد ذكره وهو ~~اتحاد الطريق واختلاف المقصد فمما جاء منه قول النابغة # ( إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه % عصائب طير تهتدي بعصائب ) # ( جوانح قد أيقن أن قبيله % إذا ما التقى الجمعان أول غالب ) وهذا المعنى ~~قد توارد عليه الشعراء قديما وحديثا وأوردوه بضروب من العبارات فقال أبو ~~نواس # ( تتمنى الطير غزوته % ثقة باللحم من جزره ) وقال مسلم بن الوليد # ( قد عود الطير عادات وثقن بها % فهن يتبعنه في كل مرتحل ) وقال أبو تمام # ( وقد ظللت أعناق أعلامه ضحى % بعقبان طير في الدماء نواهل ) # ( أقامت مع الرايات حتى كأنها % من الجيش إلا أنها لم تقاتل ) وقد ذكر في ~~هذا المعنى غير هؤلاء إلا أنهم جاءوا بشيء واحد لا تفاضل بينهم PageV02P383 ~~فيه إلا من جهة حسن السبك أو من جهة الإيجاز في اللفظ ولم أر أحدا أغرب في ~~هذا المعنى فسلك هذه الطريق مع اختلاف مقصده إليها إلا مسلم بن الوليد فقال # ( أشربت أرواح العدا وقلوبها % خوفا فأنفسها إليك تطير ) # ( لو حاكمتك فطالبتك بذحلها % شهدت عليك ثعالب ونسور ) فهذا من المليح ~~البديع الذي فضل به مسلم غيره في هذا المعنى وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي ~~فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك هذه الطريق التي سلكها من تقدمه إلا أنه خرج ~~فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه فأغرب وأبدع وحاز الإحسان بجملته وصار كأنه ~~مبتدع لهذا المعنى دون غيره فمما جاء من قوله # ( يفدي أتم الطير عمرا سلاحه % نسور الملا أحداثها والقشاعم ) # ( وما ضرها خلق بغير مخالب % وقد خلقت أسيافه والقوائم ) ثم أورد هذا ~~المعنى في موضع آخر من شعرهفقال # ( سحاب من العقبان ترجف تحتها % سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه ) وهذا ~~معنى قد حوى طرفي الإغراب والإعجابوقال في موضع آخر # ( وذي لجب لا ذو الجناح أمامه % بناج ولا الوحش المثار بسالم ) # ( تمر ms555 عليه الشمس وهي ضعيفة % تطالعه من بين ريش القشاعم ) # ( إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة % تدور فوق البيض مثل الدراهم ) وهذا من ~~إعجاز أبي الطيب المشهور ولو لم يكن له من الإحسان في شعره إلا هذه الأبيات ~~لاستحق بها فضيلة التقدم # ومما ينتظم بهذا النوع ما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب ~~المتنبي في وصف الأسد وقصيدتاهما مشهورتانفأول إحداهما PageV02P384 # ( أجدك ما ينفك يسري لزينبا % ) وأول الأخرى # ( في الخد إن عزم الخليط رحيلا ) أما البحتري فإنه ألم بطرف مما ذكر بشر ~~بن عوانة في أبياته الرائية التي أولها # ( أفاطم لو شهدت ببطن خبت % وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا ) وهذه الأبيات من ~~النمط العالي الذي لم يأت أحد بمثلها وكل الشعراء لم تسم قرائحهم إلى ~~استخراج معنى ليس بمذكور فيها ولولا خوف الإطالة لأوردتها بجملتها لكن ~~الغرض إنما هو المفاضلة بين البحتري وأبي الطيب فيما أورداه من المعاني في ~~هذا المقصد المشار إليه فمما جاء للبحتري من قصيدته # ( وما تنقم الحساد إلا أصالة % لديك وعزما أريحيا مهذبا ) # ( وقد جربوا بالأمس منك عزيمة % فضلت بها السيف الحسام المجربا ) # ( غداة لقيت الليث والليث مخدر % يحدد نابا للقاء ومخلبا ) # ( إذا شاء غادى عانة أوعدا على % عقائل سرب أو تقنص ربربا ) # ( شهدت لقد أنصفته حين تنبري % له مصلتا عضبا من البيض مقضبا ) ~~PageV02P385 # ( فلم أر ضرغامين أصدق منكما % عراكا إدا الهيابة النكس كذبا ) # ( هزبرا مشى يبغي هزبرا وأغلبا % من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا ) # ( أدل بشغب ثم هالته صولة % رآك لها أمضى جنانا وأشغبا ) # ( فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا % وأقدم لما لم يجد عنك مهربا ) # ( فلم يثنه أن كر نحوك مقبلا % ولم ينجه أن حاد عنك منكبا ) # ( حملت عليه السيف لا عزمك انثنى % ولا يدك ارتدت ولا حده نبا ) ومما جاء ~~لأبي الطيب المتنبي في قصيدته # ( أمعفر الليث الهزبر بسوطه % لمن ادخرت الصارم المصقولا ) # ( ورد إذا ورد البحيرة شاربا % ورد الفرات زئيره والنيلا ) # ( متخضب بدم الفوارس لابس % في غيله من لبدتيه غيلا ) # ( ما قوبلت عيناه ms556 إلا ظنتا % تحت الدجى نار الفريق حلولا ) # ( في وحدة الرهبان إلا أنه % لايعرف التحريم والتحليلا ) # ( يطأ البرى مترفقا من تيهه % فكأنه آس يجس عليلا ) # ( ويرد غفرته إلى يافوخه % حتى تصير لرأسه إكليلا ) # ( قصرت مخافته الخطا فكأنما % ركب الكمي جواده مشكولا ) # ( ألقى فريسته وزمجر دونها % وقربت قربا خاله تطفيلا ) # ( فتشابه القربان في إقدامه % وتخالفا في بذلك المأكولا ) # ( أسد يرى عضويه فيك كليهما % متنا أزل وساعدا مفتولا ) # ( ما زال يجمع نفسه في زوره % حتى حسبت العرض منه الطولا ) # ( وكأنما غرته عين فادنى % لايبصر الخطب الجليل جليلا ) # ( انف الكريم من الدنية تارك % في عينه العدد الكثير قليلا ) # ( والعار مضاض وليس بخائف % من حتفه من خاف مما قيلا ) PageV02P386 # ( خذلته قوته وقد كافحته % فاستنصر التسليم والتجديلا ) # ( سمع ابن عمته به وبحاله % فمضى يهرول أمس منك مهولا ) # ( وأمر مما فر منه فراره % وكقتله ألا يموت قتيلا ) # ( تلف الذي اتخذ الجراءة خلة % وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا ) وسأحكم بين ~~هاتين القصيدتين والذي يشهد به الحق وتتقيه العصبية أذكره وهو أن معاني أبي ~~الطيب أكثر عددا وأسد مقصدا ألا ترى أن البحتري قد قصر مجموع قصيدته على ~~وصف شجاعة الممدوح في تشبيهه يالأسد مرة وتفضيله عليه أخرى ولم يأت بشيء ~~سوى ذلك وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيت واحد وهو قوله # ( أمعفر الليث الهزبر بسوطه % لمن ادخرت الصارم المصقولا ) ثم إنه تفنن ~~في ذكر الأسدفوصف صورته وهيئته ووصف أحواله في انفراده في جنسه وفي هيئة ~~مشيه واختياله ووصف خلق نجله مع شجاعته وشبه الممدوح به في الشجاعة وفضله ~~عليه بالسخاء ثم إنه عطف بعد ذلك على ذكر الأنفة والحمية التي بعثت الأسد ~~على قتل نفسه بلقاء الممدوح وأخرج ذلك في أحسن مخرج وأبرزه في أشرف معنى ~~وإذا تأمل العارف بهذه الصناعة أبيات الرجلين عرف ببديهة النظر ما أشرت ~~إليه والبحتري وإن كان أفضل من المتنبي في صوغ الألفاظ وطلاوة السبك ~~فالمتنبي أفضل منه في الغوص على المعاني ومما يدلك على ذلك أنه لم يعرض لما ~~ذكره ms557 في أبياته الرائية لعلمه أن بشرا قد ملك رقاب تلك المعاني واستحوذ ~~عليها ولم يترك لغيره شيئا يقوله فيها ولفطانة أبي الطيب لم يقع فيما وقع ~~فيه البحتري من الانسحاب على ذيل بشرلأنه قصر عنه تقصيرا كثيرا ولما كان ~~الأمر كذلك عدل أبو الطيب عن سلوك الطريق وسلك غيرها فجاء فيما أورد مبرزا # واعلم أن من أبين البيان في المفاضلة بين أرباب النظم والنثر أن يتوارد ~~اثنان منهما على مقصد من المقاصد يشتمل على عدة معانكتوارد البحتري ~~والمتنبي PageV02P387 ههنا على وصف الأسد وهذا أبين في المفاضلة من التوارد ~~على معنى واحد يصوغه هذا في بيت من الشعر وفي بيتين يصوغه الآخر في مثل ذلك ~~فإن بعد المدى يظهر ما في السوابق من الجواهر وعنده يتبين ربح الرابح وخسر ~~الخاسر # فإذا شئت أن تعلم فضل ما بين هذين الرجلين فانظر إلى قصيدتهما في مراثي ~~النساء التي مفتتح إحداهما # ( يا أخت خير أخ يا بنت خير أب % كناية عن أكرم العرب ) وهي لأبي الطيب ~~ومفتتح الأخرى # ( غروب دمع من الأجفان ينهمل % وحرقة بغليل الحزن تشتعل ) وهي للبحتريفإن ~~أبا الطيب انفرد بابتداع ما أتى به من معاني قصيدته والبحتري أتى بما أكثره ~~غث بارد والمتوسط منه لا فرق فيه بين رثاء امرأة أو رجل # ومن الواجب أنه إذا سلك الناظم أو الناثر مسلكا في غرض من الأغراض ألا ~~يخرج عنه كالذي سلكه هذان الرجلان في رثاء بامرأة فإن من حذاقة الصنعة أن ~~يذكر ما يليق بالمرأة دون الرجل وهذا الموضع لم يأت فيه أحد بما يثبت على ~~المحك إلا أبو الطيب وحده وأما غيره من مفلقي الشعراء قديما وحديثا فإنهم ~~قصروا عنه وله في هذا المعنى قصيدة أخرى مفتتحها # ( نعد المشرفية والعوالي % وتقتلنا المنون بلا قتال ) وكفى بهما شاهدا ~~على ما ذكرته من انفراده بالإبداع فيما أتى به والفتيا عندي بينه وبين ~~البحتري أن أبا الطيب أنفذ في المضيق وأعرف باستخراج المعنى الدقيق وأما ~~البحتري فإنه أعرف بصوغ الألفاظ وحوك ديباجتها وقد قدمت ms558 أن الحكم بين ~~PageV02P388 الشاعرين في اتفاقهما في المعنى أبين من الحكم بينهما فيما ~~اختلفا فيهلأنهما مع الاتفاق في المعنى يتبين قولاهما ويظهران ظهورا يعلم ~~ببديهة النظر ويتسارع إليه فهم من ليس بثاقب الفهم وأما اختلافهما في ~~المعنى فإنه يحتاج في الحكم بينهما فيه إلى كلام طويل يعز فهمه ولا يتفطن ~~له إلا بعض الناس دون بعض بل لا يتفطن له إلا بعض الفذ الواحد من الناس ولي ~~في هذا مقالة مفردة ضمنتها الحكم بين المعنيين المختلفين وتكلمت عليه كلاما ~~طويلا عريضا وأقمت الدليل على ما نصصت عليه وما منعني من إيرادها في كتابي ~~هذا إلا أنها سنحت لي بعد تصنيفه وشياعه في أيدي الناس وتناقل النسخ به # وعلى هذا الأسلوب توارد البحتري والشريف الرضي على ذكر الذئب في قصيدة ~~للبحتري دالية أولها # ( سلام عليكم لا وفاء ولا عهد % ) ومقطوعة للشريف الرضي أولها # ( وعاري الشوى والمنكبين من الطوى % أتيح له بالليل عاري الأشاجع ) وقد ~~أجاد البحتري في وصف حاله مع الذئب والشريف أجاد في وصف الذئب نفسه # وأما السلخ فهو قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة # والقسمة تقتضي أن يقرن إليه صده وهو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة # فالأول كقول أبي تمام # ( فتى لا يرى أن الفريصة مقتل % ولكن يرى أن العيوب مقاتل ) وقول أبي ~~الطيب المتنبي # ( يرى أن ما بان منك لضارب % بأقتل مما بان منك لعائب ) PageV02P389 فهو ~~وإن لم يشوه المعنى فقد شوه الصورة ومثاله في ذلك كمن أودع الوشي شملا ~~وأعطى الورد جعلا وهذا من أرذل السرقات وعلى نحو منه جاء قول عبد السلام بن ~~رغبان # ( نحن نعزيك ومنك الهدى % مستخرج والصبر مستقبل ) # ( نقول بالعقل وأنت الذي % نأوي إليه وبه نعقل ) # ( إذا عفا عنك وأودى بنا % والدهر فذاك المحسن المجمل ) أخذه أبو الطيب ~~فقلب أعلاه أسفله فقال # ( إن يكن صبر ذي الرزية فضلا % فكن الأفضل الأعز الأجلا ) # ( أنت يا فوق أن تعزى عن الأحباب % فوق الذي يعزيك عقلا ) # ( وبألفاظك اهتدى فإذا عزاك % قال الذي له قلت قبلا ms559 ) والبيت الأخير من ~~هذه الأبيات هو الآخر قدرا وهو المخصوص بالمسخ # وأما قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة فهذا لا يسمى سرقة بل يسمى إصلاحا ~~وتهذيبا # فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي # ( لو كان ما تعطيهم من قبل أن % تعطيهم لم يعرفوا التأميلا ) وقول ابن ~~نباتة السعدي # ( لم يبق جودك لي شيئا أؤمله % تركتني أصحب الدنيا بلا أمل ) وعلى هذا ~~النحو ورد قول أبي نواس في أرجوزة يصف فيها اللعب بالكرة والصولجان فقال من ~~جملتها # ( جن على جن وإن كانوا بشر % كأنما خيطوا عليها بالإبر ) ثم جاء المتنبي ~~فقال PageV02P390 # ( فكأنها نتجت قياما تحتهم % وكأنهم ولدوا على صهواتها ) وبين القولين ~~كما بين السماء والأرضفإنه يقال ليس للأرض إلى السماء نسبة محسوسة وكذلك ~~يقال ههنا أيضافإن بقدر ما في قول أبي نواس من النزول والضعف فكذلك في قول ~~أبي الطيب من العلو والقوة # وربما ظن بعض الجهال أن قول الشماخ # ( إذا بلغتني وحملت رحلي % عرابة فاشرقي بدم الوتين ) وقول أبي نواس # ( وإذا المطي بنا بلغن محمدا % فظهورهن على الرجال حرام ) من هذا القبيل ~~الذي هز قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة وليس كذلكفإن قلب الصورة القبيحة ~~إلى صورة حسنة هو أن يؤخذ المعنى الواحد فيكسى عبارتين إحداهما قبيحة ~~والأخرى حسنة فالحسن والقبح إنما يرجع إلى التعبير لا إلى المعنى نفسه وقول ~~أبي نواس هو عكس قول الشماخ وقد تقدم مثل ذلك قيما مضى من ضروب السرقات ألا ~~ترى إلى قول أبي الطيب المتنبي وقول الشريف الرضيفقال أبو الطيب # ( إني على شغفي بما في خمرها % لأعف عما في سراويلاتها ) وقول الشريف ~~الرضي # ( أحن إلي ما تضمن الخمر والحلى % وأصدف عما في ضمان المآزر ) فالمعنى ~~واحد والعبارة مختلفة في الحسن والقبح # وهذه السرقات - وهي ستة عشر نوعا - لا يكاد يخرج عنها شيء وإذا أنصف ~~الناظر في الذي أتيت به ههنا علم أني قد ذكرت ما لم يذكره غيري وأنا أسأل ~~الله التوفيق لأن أكون لفضله شكورا وألا أكون مختالا فخورا # وإذ فرغت من تصنيف ms560 هذا الكتاب وحررت القول في تفصيل أقسام PageV02P391 ~~الفصاحة والبلاغة والكشف عن دقائقهما وحقائقهما فينبغي أن أختمه بذكر ~~فضليهمافأقول أعلم أن هذا الفن هو أشرف الفضائل وأعلاها درجة ولولا ذلك لما ~~فخر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة مواقف فقال تارة أنا أفصح من ~~نطق بالضادوقال تارة أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث في قومه ~~بعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض طيبة وطهورا ونصرت ~~بالرعب بين يدي مسيرة شهر وأوتيت جوامع الكلموما سمع بأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم افتخر بشيء من العلوم سوى علم الفصاحة والبلاغة فلم يقل أنه ~~أفقه الناس ولا أعلم الناس بالحساب ولا بالطب ولا بغير ذلك كما قال أنا ~~أفصح من نطق بالضاد # وأيضا فلو لم تكن هذه الفضيلة من أعلى الفضائل درجة لما اتصل الإعجاز بها ~~دون غيرهافإن كتاب الله تعالى نزل عليها ولم ينزل بمعجز من مسائل الفقه ولا ~~من مسائل الحساب ولا من مسائل الطب ولا غير ذلك من العلوم # ولما كانت هذه الفضيلة بهذه المكانة صارت في الدرجة العالية والمنثور ~~منها أشرف من المنظوملأسباب من جملتها أن الإعجاز لم يتصل بالمنظوم وإنما ~~اتصل بالمنثور الآخر أن أسباب النظم أكثر ولهذا نجد المجيدين منهم أكثر من ~~المجيدين من الكتاب بل لا نسبة لهؤلاء إلى هؤلاء ولو شئت أن تحصي أرباب ~~الكتابة من أول الدولة الإسلامية إلى الآن لما وجدت منهم ممن يستحق اسم ~~الكاتب عشرة وإذا أحصيت الشعراء في تلك المدة وجدتهم عددا كثيرا حتى لقد ~~كان يجتمع منهم في العصر الواحد جماعة كثيرة كل منهم شاعر مفلق وهذا لا ~~نجده في الكتاب بل ربما ندر الفرد الواحد في الزمن الطويل وليس ذلك إلا ~~لوعورة المسلك من النثر وبعد مناله والكاتب هو أحد دعامتي الدولة فإن كل ~~دوله لا تقوم إلا على دعامتين من السيف والقلموربما لا يفتقر الملك في ملكه ~~إلى السيف إلا مرة أو مرتين وأما القلم فإنه ms561 يفتقر إليه على الأيام وكثيرا ~~ما يستغني به عن السيف وإذا سئل عن الملوك الذين غبرت أيامهم لا يوجد منهم ~~من PageV02P392 حسن اسمه من بعده إلا من حظي بكاتب خطب عنه وفخم أمر دولته ~~وجعل ذكرها خالدا يتناقله الناس رغبة في فصل خطابه واستحسانا لبداعة كلامه ~~فيكون ذكرها في خفارة ما دونه قلمه ورقمته أساطيره وليس الكاتب بكاتب حتى ~~يضطر عدو الدولة أن يروي أخبار مناقبها في حفله ويصبح ولسانه حامدا ~~لمساعيها وبقلبه ما به من غله ولقد أحسن أبو تمام في هذا المعنى حيث قال # ( سأجهد حتى أبلغ الشعر شأوه % وإن كان طوعا لي ولست بجاهد ) # ( فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا % عدوك فاعلم أنني غير حامد ) وهذا الذي ~~ذكرته حق وصدق لا ينكره إلا جاهل به وأنا أسأل الله الزيادة من فضله وإن لم ~~أكن أهلا له فإنه هو من أهله # ووقفت على كلام لأبي إسحق الصابي في الفرق بين الكتابة والشعر وهو جواب ~~لسائل سألهفقال إن طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في ~~منظومه لأن الترسل هو ما وضح معناه وأعطاك سماعه في أول وهلة ما تضمنته ~~ألفاظه وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه # ثم قال بعد ذلك ولسائل أن يسأل فيقول من أية جهة صار الأحسن في معنى ~~الشعر الغموض وفي معاني الترسل الوضوح فالجواب أن الشعر بني على حدود مقررة ~~وأوزان مقدرة وفصلت أبياتهفكان كل بيت منها قائما بذاته وغير محتاج إلى ~~غيره إلا ما جاء على وجه التضمين وهو عيب فلما كان النفس لا يمتد في البيت ~~الواحد بأكثر من مقدار عروضه وضربه وكلاهما قليلاحتيج إلى أن يكون الفصل في ~~المعنى فاعتمد أن يلطف ويدق والترسل مبني على مخالفة هذه الطريقإذ كان ~~كلاما واحدا لا يتجزأ ولا يتفصل إلا فصولا طوالا وهو موضوع وضع ما يهذهذ أو ~~يمر به على أسماع شتى من خاصة ورعية وذوي أفهام ذكية وأفهام غبية فإذا كان ~~متسلسلا ساغ فيها وقرب فجميع ms562 ما يستحب في الأول يكره في الثاني حتى إن ~~التضمين عيب في الشعر وهو فضيلة في الترسل # ثم قال بعد ذلك والفرق بين المترسلين والشعراء أن الشعراء إنما أغراضهم ~~PageV02P393 التي يرمون إليها وصف الديار والآثار والحنين إلى الأهواء ~~والأوطار والتشبيب بالنساء والطلب والاجتداء والمديح والهجاء وأما ~~المترسلون فإنما يترسلون في أمر سداد ثغر وإصلاح فساد أو تحريض على جهاد أو ~~احتجاج على فئة أو مجادلة لمسألة أو دعاء إلى ألفة أو نهي عن فرقة أو تهنئة ~~بعطية أو تعزية برزية أو ما شاكل ذلك هذا ما انتهى إليه كلام أبي إسحاق في ~~الفرق بين الترسل والشعر # ولقد عجبت من مثل ذلك الرجل الموصوف بذلاقة اللسان وبلاغة البيان كيف ~~يصدر عنه مثل هذا القول الناكب عن الصواب الذي هو في باب ونصى النظر في باب ~~اللهم غفرا وسأذكر ما عندي في ذلك لا إرادة للطعن عليه بل تحقيقا لمحل ~~النزاع فأقول # أما قولهإن الترسل هو ما وضح معناه والشعر ما غمض معناهفإن هذه دعوى لا ~~مستند لها بل الأحسن في الأمرين معا إنما هو الوضوح والبيان على أن إطلاق ~~القول على هذا الوجه من غير تقييد لا يدل على الغرض الصحيح بل صواب القول ~~في هذا أن يقال كل كلام من منثور ومنظوم فينبغي أن تكون مفردات ألفاظه ~~مفهومة لأنها إن لم تكن مفهومه فلا تكون صحيحة لكن إذا صارت مركبة نقلها ~~التركيب عن تلك الحال في فهم معانيهافمن المركب منها ما يفهمه الخاصة ~~والعامة ومنه ما يفهمه إلا الخاصة وتتفاوت درجات فهمه ويكفي من ذلك كتاب ~~الله تعالى وتتفاوت درجات فهمه ويكفي من ذلك كتاب الله تعالى فإنه أفصح ~~الكلام وقد خوطب به الناس كافة من خاص وعام ومع هذا فمنه ما يتسارع الفهم ~~إلى معانيه ومنه يغمض فيعز فهمه والألفاظ المفردة ينبغي ان تكون مفهومة ~~سواء كان الكلام نظما أو نثرا وإذا تركبت فلا يلزم فيها ذلك وقد تقدم في ~~كتابي هذا أدله كثيرة على هذافتؤخذ من مواضعها # وأما ms563 الجواب الذي أجاب به في الدلالة على غموض الشعر ووضوح الكلام ~~المنثور فليس ذلك بجواب وهب أن الشعر كان كل بيت منه قائما بذاته فلم كان ~~مع ذلك غامضا وهب أن الكلام المنثور كان واحدا لا يتجزأ فلم كان مع ذلك ~~PageV02P394 واضحا ثم لو سلمت إليه هذا فماذا يقول في الكلام المسجوع الذي ~~كل فقرة منه بمنزلة بيت من شعر # وأما قوله في الفرق بين الشاعر والكاتب إن الشاعر من شأنه وصف الديار ~~والآثار والحنين إلى الأهواء والأوطار والتشبيب بالنساء والطلب والإجتداء ~~والمديح والهجاء وإن الكاتب من شأنه الإفاضة في سداد ثغر أو إصلاح فساد أو ~~تحريض على حياد أو احتجاج على فئة أو مجادلة لمسألة أو دعاء إلى ألفة أو ~~نهي عن فرقة أو تهنئة بعطية أو تعزية برزية فإن هذا تحكم محض لا يستند إلى ~~شبهة فضلا عن بينة وأي فرق بين الشاعر والكاتب في هذا المقام فكما يصف ~~الشاعر الديار والآثار ويحن إلى الأهواء فكذلك يكتب الكاتب في الاشتياق إلى ~~الأوطان ومنازل الأحباب والإخوان ويحن إلى الأهواء والأوطارولهذا كانت ~~الكتب الإخوانيات بمنزلة الغزل والنسيب من الشعر وكما يكتب الكاتب في إصلاح ~~فساد أو سداد ثغر أو دعاء إلى ألفه أو نهي عن فرقة أو تهنئة أو تعزية فكذلك ~~الشاعرفإن شذ عن الصابي قصائد الشعراء في أمثال هذه المعاني فكيف خفي عنه ~~قصيدة أبي تمام في استعطاف مالك بن طوق على قومه التي مطلعها # ( لو أن دهرا رد رجع جوابي % ) أم كيف أخل بالنظر في ديوان أبي الطيب ~~المتنبي وهما في زمن واحد فما تأمل قصيدته في الإصلاح بين كافور الإخشيدي ~~وبين مولاه الذي مطلعها # ( حسم الصلح ما اشتهته الأعادي % ) وكذلك لا شك أنه لم يقف على قصيدة أبي ~~عبادة البحتري في غزو البحر التي مطلعها PageV02P395 # ( ألم تر تغليس الربيع المبكر % ) ولو أخذت في تعداد قصائد الشعراء في ~~الأغراض التي أشار إليها وخص بها الكاتب لأطلت وذكرت الكثير الذي يحتاج إلى ~~أوراق كثيرة وكل هذه الفروق التي نص ms564 عليها وعددها فليست بشيء ولا فرق بين ~~الكتابة والشعر فيها والذي عندي في الفرق بينهما هو من ثلاثة أوجه # الأول من جهة نظم أحدهما ونثر الآخر وهذا فرق ظاهر # الثاني أن من الألفاظ ما يعاب استعماله نثرا ولا يعاب نظما وذلك شيء ~~استخرجته ونبهت عليه في القسم الأول المختص في اللفظة المفردة المقالة ~~الأولى من هذا الكتاب وسأعيد ههنا منه شيئافأقول قد ورد في شعر أبي تمام ~~قوله # ( هي العرمس الوحناء وابن ملمة % وجأش على ما يحدث الدهر خافض ) وكذلك ~~ورد في شعر أبي الطيب المتنبي كقوله # ( ومهمه جبته على قدمي % تعجز عه العرامس الذلل ) فلفظة المهمه و العرامس ~~لا يعاب استعماله في الشعر ولو استعملا في كتاب أو خطبة كان استعمالها ~~معيبا وكذلك ما يشكلها ويناسبها من الألفاظوكل ذلك قد ضبطته بضوابط وحددته ~~بحدود تفصله من غيره من الألفاظفليأخذ من المقالة الأولى ولولا خوف التكرار ~~لأعدته ههنا # الثالث أن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورا متعددة ذوات معاني مختلفة في ~~شعره واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلثمائة أو أكثر من ذلك ~~فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه بل يجيد في جزء قليل والكثير من ~~ذلك PageV02P396 رديء غير مرضي والكاتب لا يؤتي من ذلك بل يطيل في الكتاب ~~الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر وتكون مشتملة على ~~ثلثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة وهو مجيد في ذلك كله وهذا لا نزاع ~~فيهلأننا رأيناه وسمعناه وقلناه # وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليهافإن ~~شاعرهم يذكر كتابا مصنفا من أوله إلى آخره شعرا وهو شرح قصص وأحوال ويكون ~~مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم كما فعل الفردوسي في نظم ~~الكتاب المعروف بشاه نامه وهو ستون ألف بيت من الشعر يشتمل على تاريخ الفرس ~~وهو قرآن القوم وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه وهذا لا ~~يوجد في اللغة العربية على اتساعها ms565 وتشعب فنونها وأغراضها وعلى أن لغة ~~العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي ~~وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين PageV02P397 ms566