######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010551 #META# 000.BookURI :: #0637.IbnAthirDiyaDin.MathalSair #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ضياء الدين بن الأثير، نصر الله بن محمد (المتوفى: 637هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 637 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010551 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10551 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10551 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أحمد الحوفي، بدوي طبانة #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة ـ القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | [خطبة الكتاب] # بسم الله الرحمن الرحيم # نسأل الله ربنا أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله، وأن يعلمنا من البيان ~~ما يقصر عنه مزية الفضل وأصله، وحكمة الخطاب وفضله، ونرغب إليه أن يوفقنا ~~للصلاة على نبينا ومولانا محمد رسوله, الذي هو أفصح من نطق بالضاد, ونسخ ~~هديه شريعة كل هاد, وعلى آله وصحبه الذي منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر ~~وصبر، ومنهم من آوى ونصر. # وبعد؛ فإن علم البيان لتأليف النظم والنثر بمنزلة أصول الفقه1 للأحكام ~~وأدلة الأحكام، وقد ألف الناس فيه كتبا، وجلبوا ذهبا وحطبا, وما من تأليف ~~إلا وقد تصفحت شينه وسينه2، وعلمت غثه3 وسمينه، فلم أجد ما ينتفع يه في ذلك ~~إلا كتاب "الموازنة" لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي4، وكتاب "سر الفصاحة" ~~لأبي PageV01P033 # محمد عبد الله بن سنان الخفاجي1، غير أن كتاب الموازنة أجمع أصولا، وأجدى ~~محصولا، وكتاب سر الفصاحة وإن نبه فيه على نكت منيرة, فإنه قد أكثر مما قل ~~به مقدرا كتابه، من ذكر الأصوات والحروف والكلام عليها, ومن الكلام على ~~اللفظة المفردة وصفاتها, مما لا حاجة إلى أكثره2، ومن الكلام في مواضع شذ ~~عنه الصواب فيها، وسيرد بيان ذلك كله في مواضع من هذا الكتاب -إن شاء الله ~~تعالى, على أن كلا الكتابين قد أهملا من هذا العلم أبوابا، ولربما ذكرا في ~~بعض المواضع قشورا, وتركا لبابا. # وكنت عثرت على ضروب كثيرة منه3 في غضون القرآن الكريم، ولم أجد أحدا ممن ~~تقدمني تعرض لذكر شيء منها، وهي إذا عدت كانت في هذا العلم بمقدار شطره، ~~وإذا نظر إلى فوائدها وجدت محتوية عليه بأسره، وقد أوردتها ههنا، وشفعتها ~~بضروب أخر مدونة في الكتب المتقدمة، بعد أن حذفت منها ما حذفته، وأضفت ~~إليها ما أضفته، وهداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة، ومنحني ~~درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة وإنما هي متبعة، وكل ذلك يظهر ~~عند الوقوف على كتابي هذا وعلى غيره من الكتب، وقد بنيته على مقدمة ~~ومقالتين: PageV01P034 # فالمقدمة ms001 تشتمل على أصول علم البيان، والمقالتان تشتملان على فروعه، ~~فالأولى: في الصناعة اللفظية، والثانية: في الصناعة المعنوية. # ولا أدعي فيما ألفته من ذلك فضيلة الإحسان، ولا السلامة من سبق1 اللسان، ~~فإن الفاضل من تعد سقطاته، وتحصى غلطاته، ويسيء بالإحسان ظنا، لا كمن هو ~~بابنه وبشعره مفتون. وإذا تركت الهوى قلت: إن هذا الكتاب بديع في إغرابه، ~~وليس له صاحب في الكتب, فيقال: مفرد بين أصحابه، إنه من أخدانه، أو من ~~أترابه2. # ومع هذا فإني أتيت بظاهر هذا العلم دون خافيه، وحمت حول حماه ولم أقع ~~فيه؛ إذ الغرض إنما هو الحصول على تعليم الكلم التي بها تنظم العقود وترصع، ~~وتخلب العقول فتخدع، وذلك شيء تحيل عليه الخواطر، لا تنطق به الدفاتر. # واعلم أيها الناظر في كتابي أن مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم، ~~الذي هو أنفع من ذوق التعليم، وهذا الكتاب وإن كان فيما يلقيه إليك أستاذا، ~~وإذا سألت عما ينتفع به في فنه قيل لك هذا! فإن الدربة والإدمان أجدى عليك ~~نفعا، وأهدى بصرا وسمعا، وهما يريانك الخبر عيانا، ويجعلان عسرك من القول ~~إمكانا، وكل جارحة منك قلبا ولسانا، فخذ من هذا الكتاب ما أعطاك, واستنبط ~~بإدمانك ما أخطاك، وما مثلي فيما مهدته لك من هذه الطريق إلا كمن طبع3 ~~سيفا، ووضعه في يمينك لتقاتل به، وليس عليه أن يخلق لك قلبا، فإن حمل ~~النصال، غير مباشرة القتال, # وإنما يبلغ الإنسان غايته %~% ما كل ماشية بالرحل شملال4 PageV01P035 ### | مقدمة الكتاب # ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: أما مقدمة الكتاب، فإنها تشتمل على عشرة ~~فصول: ### || القصل الأول: في موضوع علم البيان # موضوع كل علم هو الشيء الذي يسأل فيه عن أحواله التي تعرض لذاته. # فموضوع الفقه هو أفعال المكلفين، والفقيه يسأل عن أحوالها التي تعرض لها ~~من الفرض والنفل والحلال والحرام والندب والمباح، وغير ذلك. # وموضوع الطب هو بدن الإنسان، والطبيب يسأل عن أحواله التي تعرض له من ~~صحته وسقمه. # وموضوع الحساب هو الأعداد، والحاسب يسأل عن أحوالها التي تعرض ms002 لها من ~~الضرب والقسمة والنسبة، وغير ذلك. # وموضوع النحو هو الألفاظ والمعاني، والنحوي يسأل عن أحوالهما في الدلالة ~~من جهة الأوضاع اللغوية. # وكذلك يجري الحكم في كل علم من العلوم, وبهذا الضابط انفرد كل علم برأسه, ~~ولم يختلط بغيره. # وعلى هذا فموضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة, وصاحبه يسأل عن ~~أحوالهما اللفظية والمعنوية. وهو والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في ~~دلالة الألفاظ على المعاني من الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة، وصاحب علم ~~البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي دلالة خاصة، والمراد بها أن يكون ~~على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء النحو والإعراب، ألا ترى أن ~~النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور, ويعلم مواقع إعرابه، ومع ذلك ~~فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة. # ومن ههنا غلط مفسرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعنى، وما فيها1 من ~~الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع الإعراب منها، دون شرح ما تضمنه من أسرار ~~الفصاحة والبلاغة. PageV01P037 ### || الفصل الثاني: في آلات علم البيان وأدواته # اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة, ~~وقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم، حتى قيل: كل ذي علم يسوغ له أن ~~ينسب نفسه إليه, فيقال2: فلان النحوي، وفلان الفقيه، وفلان المتكلم، ~~ولايسوغ له أن ينسب نفسه إلى الكتابة فيقال1: فلان الكاتب، وذلك لما يفتقر ~~إليه من الخوض في كل فن, وملاك هذا كله الطبع، فإنه إذا لم يكن ثم طبع فإنه ~~لا تغني تلك الآلات شيئا؛ ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد, ~~والحديدة التي يقدح بها؛ ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تفيد تلك ~~الحديدة شيئا? وكثيرا ما رأينا وسمعنا من غرائب الطباع في تعلم العلوم، حتى ~~إن بعض الناس يكون له نفاذ في تعلم علم مشكل المسلك, صعب المأخذ، فإذا كلف ~~تعلم ما هو دونه من سهل العلوم نكص على عقبيه2، ولم يكن فيه نفاذ. وأغرب من ~~ذلك أن صاحب الطبع في المنظوم يجيد في ms003 المديح دون الهجاء، أو في الهجاء دون ~~المديح، أو يجيد في المراثي دون التهاني، أو في التهاني دون المراثي، وكذلك ~~صاحب الطبع في المنثور؛ هذا ابن الحريري3 صاحب المقامات؛ قد كان على ما ظهر ~~عنه من تنميق PageV01P038 # المقامات واحدا في فنه، فلما حضر ببغداد ووقف على مقاماته، قيل: هذا ~~يستصلح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة، ويحسن أثره فيه، فأحضر، وكلف ~~كتابة كتاب، فأفحم، ولم يجر لسانه في طويلة ولا قصيرة، فقال فيه بعضهم1: # شيخ لنا من ربيعة الفرس2 %~% ينتف عثنونه3 من الهوس # أنطقه الله بالمشان4 وقد %~% ألجمه في بغداد بالخرس # وهذا مما يعجب منه. وسئلت عن ذلك فقلت: لا عجب؛ لأن المقامات مدراها ~~جميعها على حكاية تخرج إلى مخلص. # وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له؛ لأن المعاني تتجدد فيها بتجدد ~~حوادث الأيام، وهي متجددة على عدد الأنفاس، ألا ترى أنه إذا خطب الكاتب ~~المفلق5 عن دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور، وسعي ~~مذكور، ومكث على ذلك برهة يسيرة لا تبلغ عشر سنين، فإنه يدون عنه من ~~المكاتبات ما يزيد على عشرة أجزاء، كل جزء منها أكبر من مقامات الحريري ~~حجما؛ لأنه إذا كتب في كل يوم كتابا واحدا اجتمع من كتبه أكثر من هذه العدة ~~المشار إليها, وإذا نخلت وغربلت واختير الأجود منها، إذ تكون كلها جيدة ~~-فيخلص PageV01P039 # منها النصف، وهو خمسة أجزاء، والله يعلم ما اشتملت عليه من الغرائب ~~والعجائب، وما حصل في ضمنها من المعاني المبتدعة. # على أن الحريري قد كتب في أثناء مقاماته رقاعا في مواضع عدة، فجاء بها ~~منحطة عن كلامه في حكاية المقامات، لا، بل جاء بالغث البارد الذي لا نسبة ~~له إلى باقي كلامه فيها, وله أيضا كتابة أشياء خارجة عن المقامات، وإذا وقف ~~عليها أقسم أن قائل هذه ليس قائل هذه، لما بينهما من التفاوت البعيد. # وبلغني عن الشيخ أبي محمد [عبد الله بن1] أحمد بن الخشاب النحوي2 -رحمه ~~الله, أنه كان يقول: ابن الحريري رجل مقامات، أي: إنه ms004 لم يحسن من الكلام ~~المنثور سواها، وإن أتى بغيرها لا يقول شيئا. # فانظر أيها المتأمل إلى هذا التفاوت في الصناعة الواحدة من الكلام ~~المنثور، ومن أجل ذلك قيل: شيئان لا نهاية لهما: البيان، والجمال. وعلى هذا ~~فإذا ركب الله تعالى في الإنسان طبعا قابلا لهذا الفن فيفتقر حينئذ إلى ~~ثمانية أنواع من الآلات. # النوع الأول: معرفة علم العربية من النحو والتصريف. # النوع الثاني: معرفة ما يحتاج إليه من اللغة، وهو المتداول المألوف ~~استعماله في فصيح الكلام غير الوحشي الغريب ولا المستكره المعيب. # النوع الثالث: معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي جاءت في ~~حوادث خاصة بأقوام، فإن ذلك جرى مجرى الأمثال أيضا. # النوع الرابع: الاطلاع على تأليفات من تقدمه من أرباب هذه الصناعة ~~المنظومة منه والمنثورة، والتحفظ للكثير منه. # النوع الخامس: معرفة الأحكام السلطانية الإمامة، والإمارة والقضاء، ~~والحسبة3 وغير ذلك. # النوع السادس: حفظ القرآن الكريم والتدرب باستعماله وإدراجه في مطاوي ~~كلامه. # النوع السابع: حفظ ما يحتاج إليه من الأخبار الواردة عن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم، والسلوك بها مسلك القرآن الكريم في الاستعمال. # النوع الثامن: وهو مختص بالناظم دون الناثر، وذلك علم العروض والقوافي ~~الذي يقام به ميزان الشعر. # ولنذكر بعد ذلك فائدة كل نوع من هذه الأنواع، ليعلم أن معرفته مما تمس ~~الحاجة إليه فنقول: PageV01P040 ### ||| النوع الأول: معرفة علم العربية من النحو والتصريف # أما علم النحو فإنه في علم البيان من المنظوم والمنثور بمنزلة أبجد في ~~تعليم الخط, وهو أول ما ينبغي إتقان معرفته لكل أحد ينطق باللسان العربي، ~~ليأمن معرة اللحن، ومع هذا فإنه وإن احتيج إليه في بعض الكلام دون بعض ~~لضرورة الإفهام، فإن الواضع لم يخص منه شيئا بالوضع، بل جعل الوضع عاما، ~~وإلا فإذا نظرنا إلى ضرورته وأقسامه المدونة وجدنا أكثرها غير محتاج إليه ~~في إفهام المعاني، ألا ترى أنك لو أمرت رجلا بالقيام فقلت له: "قوم" بإثبات ~~الواو ولم تجزم لما اختل من فهم ذلك شيء، وكذلك الشرط لو قلت: "إن تقوم ~~أقوم" ولم ms005 تجزم لكان المعنى مفهوما. والفضلات كلها تجري هذا المجرى، كالحال ~~والتمييز والاستثناء، فإذا قلت: "جاء زيد راكب"، و"ما في السماء قدر راحة ~~سحاب"، و"قام القوم إلا زيد"، فلزمت السكون في ذلك كله، ولم تبين إعرابا، ~~لما توقف الفهم على نصب الراكب والسحاب، ولا على نصب زيد، وهكذا يقال في ~~المجرورات، وفي المفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه، وفي المبتدأ ~~والخبر، وغير ذلك من أقسام أخر لا حاجة إلى ذكرها. # لكن قد خرج عن هذه الأمثلة ما لا يفهم إلا بقيود تقيده، وإنما يقع ذلك في ~~الذي تدل صيغته الواحدة على معان مختلفة، ولنضرب لذلك مثالا يوضحه فنقول: ~~اعلم أن من أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلا بعلامة كتقديم المفعول ~~على الفاعل, فإنه إذا لم يكن ثم علامة تبين أحدهما من الآخر وإلا أشكل ~~الأمر3 PageV01P041 # كقولك: "ضرب زيد عمرو" [بالوقف عليها1] ويكون زيد هو المضروب، فإنك إذا ~~لم تنصب زيدا وترفع عمرا، وإلا لا يفهم ما أردت، وعلى هذا ورد قوله تعالى: ~~{إنما يخشى الله من عباده العلماء} 2 وكذلك لو قال قائل: ما أحسن زيد، ولم ~~يبين الإعراب في ذلك، لما علمنا غرضه منه، إذ يحتمل أن يريد به التعجب من ~~حسنه، أو يريد به الاستفهام عن أي شيء منه أحسن، ويحتمل أن يريد به الإخبار ~~بنفي الإحسان عنه، ولو بين الإعراب في ذلك فقال: ما أحسن زيدا, وما أحسن ~~زيد، وما أحسن زيد3، علمنا غرضه وفهمنا مغزى كلامه؛ لانفراد كل قسم من هذه ~~الأقسام الثلاثة بما يعرف به من الإعراب، فوجب حينئذ بذلك معرفة النحو، إذ ~~كان ضابطا لمعاني الكلام، حافظا لها من الاختلاف. # وأول من تكلم في النحو أبو الأسود الدؤلي4، وسبب ذلك أنه دخل على ابنة له ~~بالبصرة فقالت له: "يا أبت ما أشد الحر"، متعجبة، ورفعت "أشد"، فظنها ~~مستفهمة, فقال: شهر ناجر5، فقالت: يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك, فأتى علي ~~بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال: "يا أمير المؤمنين ذهبت لغة العرب، ويوشك ~~إن ms006 تطاول عليها زمان أن تضمحل" فقال له: وما ذاك? فأخبره PageV01P042 # خبر ابنته، فقال: هلم صحيفة، ثم أملى عليه: "الكلام لا يخرج عن اسم وفعل ~~وحرف جاء لمعنى"، ثم رسم له رسوما فنقلها النحويون في كتبهم, وقيل: إن أبا ~~الأسود دخل على زياد ابن أبيه1 بالبصرة فقال: إني أرى العرب قد خالطت ~~العجم، وتغيرت ألسنتها، أفتأذن لي أن أصنع ما يقيمون به كلامهم? فقال: لا، ~~فقام من عنده، ودخل عليه رجل فقال: أيها الأمير، مات أبانا، وخلف بنون، ~~فقال زياد: مات أبانا وخلف بنون، مه, ردوا علي أبا الأسود. فردوه، فقال له: ~~اصنع ما كنت نهيتك عنه، فوضع شيئا2. ثم جاء بعده ميمون الأقرن3 فزاد عليه، ~~ثم جاء بعده عنبسة بن معدان المهري4، فزاد عليه, ثم جاء بعده عبد الله بن ~~أبي إسحاق الحضرمي5، وأبو عمرو بن العلاء6 فزادا PageV01P043 # عليه، ثم جاء بعدهما الخليل بن أحمد الأزدي1، وتتابع الناس واختلف ~~البصريون والكوفيون في بعض ذلك. فهذا ما بلغني من أمر النحو في أول وضعه، ~~وكذلك العلوم كلها: يوضع منها في مبادئ أمرها شيء يسير، ثم يزاد بالتدريج ~~إلى أن يستكمل آخرا. # فإن قيل: أما علم النحو فمسلم إليك أنه تجب معرفته، لكن التصريف لا حاجة ~~إليه؛ لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها، ~~وهذا لا يضر جهله، ولا تنفع معرفته، ولنضرب لذلك مثالا كيف اتفق، فنقول: ~~إذا قال القائل: "رأيت سرداحا2"، لا يلزمه أن يعرف الألف في هذه الكلمة ~~زائدة هي أم أصلية؛ لأن العرب لم تنطق بها إلا كذلك، ولو قالت: "سردحا"، ~~بغير ألف لما جاز لأحد أن يزيد الألف فيها من عنده فيقول: "سرداحا"، فعلم ~~بهذا أنه إنما ينطق الألفاظ كما سمعت عن العرب، من غير زيادة فيها ولا نقص، ~~وليس يلزم بعد ذلك أن يعلم أصلها ولا زيادتها؛ لأن ذلك أمر خارج [لا3] ~~تقتضيه صناعة تأليف الكلام. # فالجواب عن ذلك أنا نقول: اعلم أنا لم نجعل معرفة التصريف كمعرفة النحو؛ ~~لأن الكاتب أو الشاعر إذا ms007 كان عارفا بالمعاني، مختارا لها, قادرا على ~~الألفاظ، مجيدا فيها، ولم يكن عارفا بعلم النحو، فإنه يفسد ما يصوغه من ~~الكلام, ويختل عليه ما يقصده من المعاني، كما أريناك في ذلك المثال ~~المتقدم. # وأما التصريف فإنه إذا لم يكن عارفا به لم تفسد عليه معاني كلامه، وإنما ~~تفسد عليه الأوضاع، وإن كانت المعاني صحيحة، وسيأتي بيان ذلك في تحرير ~~الجواب، فنقول: أما قولك: إن التصريف لا حاجة إليه، واستدلالك بما ذكرته من ~~المثال PageV01P044 # المضروب، فإن ذلك لا يستمر لك الكلام فيه، ألا ترى أنك مثلت كلامك في ~~لفظة سرداح، وقلت: إنه لا يحتاج إلى معرفة الألف زائدة هي أم أصلية؛ لأنها ~~إنما نقلت عن العرب على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقص، وهذا لا يطرد إلا ~~فيما هذا سبيله من نقل الألفاظ على هيئتها من غير تصرف فيها بحال، فأما إذا ~~أريد تصغيرها أو جمعها والنسبة إليها فإنه إذا لم يعرف الأصل في حروف ~~الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها يضل حينئذ عن السبيل، وينشأ من ذلك مجال ~~للعائب والطاعن، ألا ترى أنه إذا قيل للنحوي -وكان جاهلا بعلم التصريف- كيف ~~تصغير لفظة اضطراب, فإنه يقول: ضطيرب، ولا يلام على جهله بذلك؛ لأن الذي ~~تقتضيه صناعة النحو قد أتي به, وذلك أن النحاة يقولون: إذا كانت الكلمة على ~~خمسة أحرف وفيها حرف زائد أو لم يكن حذفته, نحو قولهم في "منطلق": "مطيلق"، ~~وفي "جحمرش"1 "جحيمر"، فلفظة منطلق على خمسة أحرف، وفيها حرفان زائدان هما ~~الميم والنون, إلا أن الميم زيدت فيها لمعنى، فلذلك لم تحذف وحذفت النون، ~~وأما لفظة "جحمرش" فخماسية لا زيادة فيها, وحذف منها حرف أيضا، ولم يعلم ~~النحوي أن علماء النحو إنما قالوا ذلك مهملا اتكالا منهم على تحقيقه من علم ~~الصرف؛ لأنه لا يلزمهم أن يقولوا في كتب النحو أكثر مما قالوا، وليس عليهم ~~أن يذكروا في باب من أبواب النحو شيئا من التصريف؛ لأن كلا من النحو ~~والتصريف علم منفرد برأسه، غير أن أحدهما مرتبط بالآخر ms008 ومحتاج إليه. # وإنما قلت: إن النحوي إذا سئل عن تصغير لفظة "اضطراب" يقول: "ضطيرب"، ~~لأنه لا يخلو إما أن يحذف من لفظة "اضطراب" الألف أو الضاد أو الطاء أو ~~الراء أو الباء، وهذه الحروف المذكورة -غير الألف- ليست من حروف الزيادة، ~~فلا تحذف، بل الأولى أن يحذف الحرف الزائد ويترك الحرف الذي ليس بزائد، ~~فلذلك قلنا: إن النحوي يصغر لفظة "اضطراب" على "ضطيرب"، فيحذف الألف التي ~~هي حرف زائد، دون غيرهما مما ليس من حروف الزيادة، وأما أن يعلم أن الطاء ~~في اضطراب مبدلة من تاء، وأنه إذا أريد تصغيرها تعاد إلى الأصل الذي كانت ~~عليه، وهو التاء، فيقال: "ضتيرب"، فإن هذا لا يعلمه إلا PageV01P045 # التصريفي، وتكليف النحوي الجاهل بعلم التصريف معرفة ذلك كتكليفه علم ما ~~لا يعلمه، فثبت بما ذكرناه أنه يحتاج إلى علم التصريف، لئلا يغلط في مثل ~~هذا. # ومن العجب أن يقال: إنه لا يحتاج إلى معرفة التصريف، ألم تعلم أن نافع بن ~~أبي نعيم1، -وهو من أكبر القراء السبعة قدرا، وأفخمهم شأنا- قال في ~~"معايش2" "معائش"، بالهمز؟ ولم يعلم الأصل في ذلك، فأوخذ عليه، وعيب من ~~أجله ومن جملة ما عابه أبو عثمان المازني3، فقال في كتابه في التصريف: إن ~~نافعا لم يدر ما العربية، وكثيرا ما يقع أولو العلم في مثل هذه المواضع، ~~فكيف الجهال الذين لا معرفة لهم بها ولا اطلاع لهم عليها? وإذا علم حقيقة ~~الأمر في ذلك لم يغلط فيما يوجب قدحا ولا طعنا، وهذه لفظة "معايش" لا يجوز ~~همزها بإجماع من علماء العربية؛ لأن الياء فيها ليست مبدلة من همزة، وإنما ~~الياء التي تبدل من الهمزة في هذا الموضع تكون بعد ألف الجمع المانع من ~~الصرف، ويكون بعدها حرف واحد، ولا تكون عينا، نحو: "سفائن"، وفي هذا الموضع ~~غلط نافع -رحمة الله عليه؛ لأنه لا شك اعتقد أن "معيشة" بوزن فعيلة, وجمع ~~فعيلة هو على فعائل، ولم ينظر إلى أن الأصل في "معيشة" "معيشة" على وزن ~~مفعلة، وذلك لأن أصل هذه الكلمة من ms009 "عاش" التي أصلها "عيش" على وزن فعل، ~~ويلزم مضارع فعل المعتل العين "يفعل" لتصح الياء، نحو: "يعيش"، ثم تنقل ~~حركة العين إلى الفاء فتصير "يعيش"، ثم يبنى من يعيش مفعول, فيقال: "معيوش ~~به"، كما يقال: "مسيور به"، ثم يخفف ذلك بحذف الواو، فيقال: "معيش به" كما ~~يقال مسير به، ثم تؤنث هذه اللفظة فتصير "معيشة". PageV01P046 # ومع هذا فلا ينبغي لصاحب هذه الصناعة من النظم والنثر أن يهمل من علم ~~العربية ما يخفى عليه بإهماله اللحن الخفي، فإن اللحن الظاهر قد كثرت ~~مفاوضات الناس فيه حتى صار يعلمه غير النحوي، ولا شك أن قلة المبالاة ~~بالأمر, واستشعار القدرة عليه, توقع صاحبه فيما لا يشعر أنه وقع فيه، فيجهل ~~بما يكون عالما به. ألا ترى أن أبا نواس1 كان معدودا في طبقات العلماء مع ~~تقدمه في طبقات الشعراء، وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه، فقال في صفة ~~الخمر: # كأن صغرى وكبرى من فواقعها %~% حصباء در على أرض من الذهب2 # وهذا لا يخفى على مثل أبي نواس، فإنه من ظواهر علم العربية، وليس من ~~غوامضه في شيء؛ لأنه أمر نقلي يحمل ناقله فيه على النقل من غير تصرف، وقول ~~أبي نواس "صغرى" "وكبرى" غير جائز، فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام ~~منها، وإنما يجوز حذفها من فعلى التي لا أفعل لها، نحو: "حبلى"، إلا أن ~~تكون فعلى أفعل مضافة، وههنا قد عريت عن الإضافة وعن الألف واللام، فانظر ~~كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته. # وقد غلط أبو تمام3 في قوله: PageV01P047 # بالقائم الثامن المستخلف اطأدت1 %~% قواعد الملك ممتدا لها الطول # ألا ترى أنه قال: "اطأدت"، والصواب "اتطدت"؛ لأن التاء تبدل من الواو في ~~موضعين: أحدهما مقيس عليه كهذا الموضع؛ لأنك إذا بنيت افتعل من الوعد قلت: ~~"اتعد"، ومثله ما ورد في هذا البيت، فإنه من وطد يطد، كما يقال: وعد يعد، ~~فإذا بني منه افتعل قيل: "اتطد"، ولا يقال: "اطأد"، وأما غير المقيس فقولهم ~~في وجاه: ms010 تجاه، وقالوا: "تكلان"2، وأصله الواو؛ لأنه من وكل يكل، فأبدلت ~~الواو تاء للاستحسان، فهذه الأمثلة قد أشرت إليها ليعلم مكان الفائدة في ~~أمثالها وتتوقى. على أني لم أجد أحدا من الشعراء المفلقين سلم من مثل ذلك, ~~فإما أن يكون لحن لحنا يدل على جهله مواقع الإعراب, وإما أن يكون أخطأ في ~~تصريف الكلمة، ولا أعني بالشعراء من هو قريب عهد بزماننا، بل أعني بالشعراء ~~من تقدم زمانه، كالمتنبي3 ومن كان قبله، كالبحتري4، ومن تقدمه، كأبي تمام ~~ومن سبقه، كأبي نواس، والمعصوم من عصمه الله تعالى. # على أن المخطئ في التصريف أندر وقوعا من المخطئ في النحو؛ لأنه قلما يقع ~~له كلمة يحتاج في استعمالها إلى الإبدال والنقل في حروفها، وأما النحو فإنه ~~يقع الخطأ فيه كثيرا حتى إنه ليشذ في ظاهره في بعض الأحوال، فكيف خافيه? ~~كقول أبي نواس في الأمين محمد -رحمه الله: PageV01P048 # يا خير من كان ومن يكون %~% إلا النبي الطاهر الميمون1 # فرفع في الاستثناء من الموجب، وهذا من ظواهر النحو, وليس من خافيه في ~~شيء. # وكذلك قال أبو الطيب المتنبي2: # أرأيت همة ناقتي في ناقة %~% نقلت يدا سرحا وخفا مجمرا3 # تركت دخان الرمث في أوطانها %~% طلبا لقوم يوقدون العنبرا4 # وتكرمت ركباتها عن مبرك %~% تقعان فيه وليس مسكا أذفرا5 # فجمع في حال التثنية، لأن الناقة ليس لها إلا ركبتان، فقال: ركبات، وهذا ~~من أظهر ظواهر النحو وقد خفي على مثل المتنبي. # ومع هذا فينبغي لك أن تعلم أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة، ~~ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه؛ لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه، وهم الناطقون ~~باللغة، فوجب اتباعهم. # والدليل على ذلك أن الشاعر لم ينظم شعره وغرضه منه رفع الفاعل ونصب ~~المفعول, أو ما جرى مجراهما، وإنما غرضه إيراد المعنى الحسن في اللفظ الحسن ~~المتصفين بصفة الفصاحة والبلاغة، ولهذا لم يكن اللحن قادحا في حسن الكلام، ~~لأنه إذا قيل: "جاء زيد راكب"، إن لم يكن حسنا إلا بأن يقال: "جاء راكبا"، ~~بالنصب لكان النحو ms011 شرطا في حسن الكلام، وليس كذلك. # فتبين بهذا أنه ليس الغرض من نظم الشعر إقامة إعراب كلماته، وإنما الغرض ~~أمر وراء ذلك، وهكذا يجري الحكم في الخطب والرسائل من الكلام المنثور. # وأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب، لكن الشاعر ربما احتاج إليه؛ لأنه قد ~~يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف، وإلى فك إدغام، من أجل إقامة الميزان ~~الشعري. PageV01P049 ### ||| النوع الثاني: معرفة ما يحتاج اليه من اللغة # وهو قولنا1: إنه يحتاج إلى معرفة اللغة مما تداول استعماله، فسيرد بيانه ~~عند ذكر اللفظة الواحدة، والكلام على جيدها ورديئها في المقالة المختصة ~~بالصناعة اللفظية. # ويفتقر أيضا مؤلف الكلام إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في النظم ~~والنثر، ليجد -إذا ضاق به موضع في كلامه بإيراد بعض الألفاظ سعة فيه- ~~العدول عنه إلى غيره مما هو في معناه، وهذه الأسماء تسمى "المترادفة"، وهي ~~اتحاد المسمى واختلاف أسمائه، كقولنا: الخمر، والراح, والمدام، فإن المسمى ~~بهذه الأسماء شيء واحد وأسماؤه كثيرة. # وكذلك يحتاج إلى معرفة الأسماء "المشتركة" ليستعين بها على استعمال ~~"التجنيس" في كلامه، وهي اتحاد الاسم واختلاف المسميات، كالعين، فإنها تطلق ~~على العين الناظرة، وعلى ينبوع الماء, وعلى المطر، وغيره, إلا أن المشتركة ~~تفتقر في الاستعمال إلى قرينة تخصصها، كي لا تكون مبهمة؛ لأنا إذا قلنا: ~~"عين"، ثم سكتنا، وقع ذلك على محتملات كثيرة من العين الناظرة والعين ~~النابعة والمطر وغيره مما هو موضوع بإزاء هذا الاسم، وإذا قرنا إليه قرينة ~~تخصه زال ذلك الإبهام، بأن نقول: عين حسناء، أو عين نضاخة2، أو ملثة3، أو ~~غير ذلك. PageV01P050 # وهذا موضع للعلماء فيه مجاذبات جدلية, فمنهم من ينكر أن يكون اللفظ ~~المشترك حقيقة في المعنيين جميعا ويقول: إن ذلك يخل بفائدة وضع اللغة؛ لأن ~~اللغة إنما هي وضع الألفاظ في دلالتها على المعاني, أي: وضع الأسماء على ~~المسميات لتكون منبئة عنها عند إطلاق اللفظ، والاشتراك لا بيان فيه، وإنما ~~هو ضد البيان، لكن طريق البيان أن يجعل أحد المعنيين في اللفظ المشترك ~~حقيقة والآخر مجازا. # فإذا ms012 قلنا: "هذه كلمة" وأطلقنا القول، فهم منه اللفظة الواحدة، وإذا ~~قيدنا اللفظ فقلنا: هذه كلمة شاعرة، فهم منه القصيدة المقصدة من الشعر، وهي ~~مجموع كلمات كثيرة، ولو أطلقنا من غير تقييد وأردنا القصيدة من الشعر لما ~~فهم مرادنا البتة. # هذا خلاصة ما ذهب إليه من ينكر وقوع اللفظ المشترك في المعنيين حقيقة، ~~وفي ذلك ما فيه، وسأبين ما يدخله من الخلل، فأقول في الجواب عن ذلك ما ~~استخرجته بفكري، ولم يكن لأحد فيه قول قبلي, وهو: أما قولك: إن فائدة وضع ~~اللغة إنما هو البيان عند إطلاق اللفظ, واللفظ المشترك يخل بهذه الفائدة، ~~فهذا غير مسلم، بل فائدة وضع اللغة هو البيان والتحسين. # أما البيان فقد وفى به الأسماء المتباينة التي هي كل اسم واحد دل على ~~مسمى واحد، فإذا أطلق اللفظ في هذه الأسماء كان بينا مفهوما لا يحتاج إلى ~~قرينة، ولو لم يضع الواضع من الأسماء شيئا غيرها لكان كافيا في البيان. # وأما التحسين: فإن الواضع لهذه اللغة العربية التي هي أحسن اللغات, نظر ~~إلى ما يحتاج إليه أرباب الفصاحة والبلاغة فيما يصوغونه من نظم ونثر، ورأى ~~أن من مهمات ذلك "التجنيس"، ولا يقوم به إلا الأسماء المشتركة التي هي كل ~~اسم واحد دل على مسميين فصاعدا، فوضعها من أجل ذلك، وهذا الموضع يتجاذبه ~~جانبان يترجح أحدهما على الآخر. # وبيانه أن التحسين يقضي بوضع الأسماء المشتركة، ووضعها يذهب بفائدة ~~البيان عند إطلاق اللفظ، وعلى هذا, فإن وضعها الواضع ذهب بفائدة البيان، ~~وإن لم يضع ذهب بفائدة التحسين، لكنه إن وضع استدرك ما ذهب من فائدة البيان ~~بالقرينة، وإن لم يضع لم يستدرك ما ذهب من فائدة التحسين، فترجح حينئذ جانب ~~الوضع فوضع. PageV01P051 # فإن قيل: فلم لا تنسب الأسماء المشتركة إلى اختلاف القبائل, لا إلى واضع ~~واحد? # قلت في الجواب: هذا تعسف لا حاجة إليه، وهو مدفوع من وجهين: أحدهما: ما ~~قدمت القول فيه من الترجيح الذي سوغ للواضع أن يضع، الآخر: أنا نرى أنه قد ~~ورد من الجموع ms013 ما يقع على مسميين اثنين، كقولهم: "كعاب"، جمع "كعب" الذي هو ~~كعب الرجل، وجمع "كعبة" وهي البنية1 المعروفة، وإذا أطلقنا اللفظ فقلنا: ~~"كعاب" من غير قرينة, لا يدرى ما المراد بذلك: أكعب الرجل أم البنية ~~المعروفة? وكذلك ورد واحد وجمع على وزن واحد، كقولهم: "راح"، اسم للخمر، ~~وراح جمع راحة وهي الكف، وكقولهم: "عقاب"، وهو الجزاء على الذنب، وجمع ~~"عقبة" أيضا. # وفي اللغة من هذا شيء كثير، وهو بالإجماع من علماء العربية أنه لم يجر ~~فيه خلاف بين القبائل، فاتضح بهذا أن الأسماء المشتركة من واضع واحد. # فإن قلت: إن الواضع إنما وضع المفرد من الألفاظ والجمع وضعه غيره. # قلت في الجواب: إن الذي وضع المفرد هو الذي وضع الجمع؛ لأن من قواعد وضع ~~اللغة أن يوضع المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث، والمصغر والمكبر، والمصادر، ~~وأسماء الفاعلين، وما جرى هذا المجرى، وإذا أخل بشيء من ذلك كان قد أخل ~~بقاعدة من قواعد وضع اللغة. # ثم لو سلمت إليك أن واضع الجمع غير واضع المفرد لكان ذلك قدحا في الواضع ~~الثاني؛ إذ جاء بالإبهام عند إطلاق اللفظ؛ لأنه جمع كعبة -التي هي البنية ~~وكعب الرجل- على "كعاب"، وهذا لفظ مشترك مبهم عند الإطلاق، ولا فرق بين أن ~~يضعه الواضع الأول أو واضع ثان, فإن الإبهام حاصل منه. # وكان فاوضني بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: {صفراء فاقع ~~لونها تسر الناظرين} 2 وقال: إن لون البقرة كان أسود، والأصفر هو الأسود، ~~PageV01P052 # فأنكرت عليه هذا القول، فأخذ يجادل مجادلة غير عارف، ويعزو ذلك إلى تفسير ~~النقاش1، وتفسير البلاذري2. # فقلت له: اعلم أن هذا الاسم الذي هو "الأصفر" لا يخلو في دلالته على ~~الأسود من وجهين: إما أنه من الأسماء المتباينة التي يدل كل اسم منها على ~~مسمى واحد كالإنسان والأسد والفرس وغير ذلك، وإما أنه من الأسماء المشتركة ~~التي يدل الاسم منها على مسميين فصاعدا. # ولا يجوز أن يكون من الأسماء المتباينة؛ لأنا نراه متجاذبا بين لونين: ~~أحدهما: هذا اللون الزعفراني الشكل، والآخر: ms014 اللون المظلم الشكل، وعلى هذا, ~~فإنه يكون من الأسماء المشتركة، وإذا كان من الأسماء المشتركة فلا بد له من ~~قرينة تخصصه باللون الزعفراني دون اللون المظلم؛ لأن الله تعالى قال: ~~{صفراء فاقع لونها} والفاقع من صفات اللون الزعفراني خاصة؛ لأنه قد ورد ~~للألوان صفات متعددة لكل لون منها صفة، فقيل: أبيض يقق3، وأسود حالك، وأحمر ~~قان، وأصفر فاقع، ولم يقل: أسود فاقع، ولا أصفر حالك، فعلم حينئذ أن لون ~~البقرة لم يكن أسود, وإنما كان أصفر. # فلما تحقق عند ذلك الفقيه ما أشرت إليه أذعن بالتسليم. PageV01P053 ### ||| النوع الثالث: معرفة أمثال العرب وأيامهم # وأما النوع الثالث فهو معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي ~~وردت في حوادث خاصة بأقوام. # وقولي هذا لا يقتضي كل الأمثال الواردة عنهم، فإن منها ما لا يحسن ~~استعماله، كما أن من ألفاظهم أيضا ما لا يحسن استعماله. # وكنت جردت من كتاب الأمثال للميداني1 أوراقا خفيفة تشتمل على الحسن من ~~الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال، وسبيل المتصدي لهذا الفن أن يسلك ما ~~سلكته، وليعلم أن الحاجة إليها شديدة، وذلك أن العرب لم تضع الأمثال إلا ~~لأسباب أوجبتها، وحوادث اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من الأمور عندهم ~~كالعلامة التي يعرف بها الشيء، وليس في كلامهم أوجز منها، ولا أشد اختصارا. # وسبب ذلك ما أذكره لك, لتكون من معرفته على يقين، فأقول: قد جاء عن العرب ~~من جملة أمثاله: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر2" وهو مثل يضرب للأمر ~~الظاهر المشهور، والأصل فيه -كما قال المفضل بن محمد: أنه بلغنا أن بني ~~ثعلبة بن سعد بن ضبة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة أربع عشرة ~~من الشهر، فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر يرى، وقالت طائفة: يغيب القمر ~~قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجل جعلوه حكما3، فقال واحد4 منهم: إن قومي ~~يبغون علي، فقال الحكم5: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر", فذهبت ~~مثلا. # ومن المعلوم أن قول القائل: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ ms015 عليك القمر" إذا ~~أخذ على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به, والأسباب التي قيل من ~~أجلها, لا يعطي المعنى ما قد أعطاه المثل، وذلك أن المثل له مقدمات وأسباب ~~قد عرفت، وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم، وحيث كان الأمر كذلك جاز ~~إيراد هذه اللفظات في التعبير عن المعنى المراد، PageV01P054 # ولولا تلك المقدمات المعلومة والأسباب المعروفة، لما فهم من قول القائل: ~~"إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر" ما ذكرناه من المعنى المقصود، بل كان ~~يفهم من هذا القول معنى مفيد؛ لأن البغي هو الظلم، والقمر ليس من شأنه أن ~~يظلم أحدا، فكان يصير معنى المثل: إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر، وهذا ~~كلام مختل المعنى, ليس بمستقيم. # فلما كانت الأمثال كالرموز والإشارات التي يلوح بها على المعاني تلويحا, ~~صارت من أوجز الكلام وأكثره اختصارا. # ومن أجل ذلك قيل في حد المثل: إنه القول الوجيز المرسل ليعمل عليه، وحيث ~~هي بهذه المثابة, فلا ينبغي الإخلال بمعرفتها. # وأما أيام العرب فإنها تتنوع وتتشعب، فمنها أيام فخار، ومنها أيام ~~محاربة، ومنها أيام منافرة، ومنها غير ذلك. # ولا يخلو الناظم والناثر من الانتصاب لوصف يوم يمر به في بعض الأحوال ~~شبيها بيوم من تلك الأيام، ومماثلا له، فإذا جاء بذكر بعض تلك الأيام ~~المناسبة لمراده الموافقة له، وقاس عليه يومه، فإنه يكون في غاية الحسن ~~والرونق، هذا لا خفاء به. # وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام، فإنها كالأمثال في ~~الاستشهاد بها، وسأبين لك نبذة منها حتى تعلم مقدار الفائدة بها: فمن ذلك ~~أنه ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديث بيعة الحديبية1 تحت الشجرة، ~~وكان أرسل عثمان -رضي الله عنه- إلى مكة في حاجة عرضت له، ولم يحضر البيعة، ~~فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده الشمال على اليمين وقال: "هذه عن ~~عثمان وشمالي خير من يمينه". PageV01P055 # وقد استعلمت أنا هذا في جملة كتاب فقلت: ولا يعد البر برا حتى يلحق الغيث ~~بالحصور1، ويصل من لم يصله بجزاء ms016 ولا شكور، فزنة الغائب بالشاهد من كرم ~~الإحسان، ولهذا نابت شمال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن يمين عثمان. ~~ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه استدعى أبا موسى ~~الأشعري ومن يليه من العمال، وكان منهم الربيع بن زياد الحارثي، فمضى إلى ~~يرفأ مولى عمر، وسأله عما يروج عنده، وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش، ~~فمضى ولبس جبة صوف، وعمامة دسماء2، وخفا مطابقا، وحضر بين يديه في جملة ~~العمال، فصوب عمر نظره وصعده، فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله، ثم ~~أوصى أبا موسى الأشعري به. # وقد استعملت أنا هذا في جملة تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت: ~~"وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من ~~مبدأ حاله، فإن الأحوال تنتقل تنقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر ~~كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد". # فانظر كيف فعلت في هاتين القصتين? وكيف أوردتهما في الغرض الذي قصدته? ~~وامض أنت على هذا النهج، فإنه من محاسن هذه الصنعة. # وعرض علي كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني -رحمه الله, عن الملك ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب -رحمه الله, إلى ديوان الخلافة ببغداد, في سنة ~~إحدى وسبعين وخمسمائة, وضمنه ما أبلاه في خدمة الدولة من فتح الديار ~~المصرية، ومحو الدولة العلوية3، وإقامة الدعوى العباسية، وشرح فيه ما قاساه ~~في الفتح من الأهوال. # ولما تأملته وجدته كتابا حسنا قد وفى فيه الخطابة حقها، إلا أنه أخل بشيء ~~واحد، وهو أن مصر لم تفتح إلا بعد أن قصدت من الشام ثلاث مرات، وكان الفتح ~~في المرة الثالثة، وهذا له نظير في فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة، ~~فإنه قصدها عام PageV01P056 # الحديبية، ثم سار إليها في عمرة القضاء، ثم سار إليها عام الفتح ففتحها. # وقد سألني بعض الإخوان أن أنشئ في ذلك كتابا إلى ديوان الخلافة معارضا ~~للكتاب الذي أنشأه عبد الرحيم بن علي -رحمه الله، فأجبته إلى سؤاله، وعددت ~~مساعي صلاح الدين ms017 يوسف بن أيوب -رحمه الله- فقلت: "ومن جملتها ما فعله ~~الخادم في الدولة المصرية, وقد قام بها منبر وسرير, وقالت: منا أمير ومنكم ~~أمير، فرد الدعوة العباسية إلى معادها, وأذكر المنابر ما نسيته بها من زهو ~~أعوادها، وكانت أخرجت منها إخراج النبي -صلى الله عليه وسلم- من قريته، ~~وقذف الشيطان على حقها بباطله, وعلى صدقها بغويته، ثم طوتها الليالي طي ~~السجل1 للكتاب، وكثر عليها مرور الدهر حتى نسي لها عدد السنين والحساب، ولم ~~يعدها إلى وطنها حتى تغربت الأرواح عن أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف سهر ~~العيون عن أجفانها، وتطاردت الآراء في تسهيل أمرها قبل مطاردة أقرانها، ~~وحتى تقدمتها غربات3 ثلاث كلها ذوات غروب4، وكل خطب من خطوبها ذو خطوب، إلى ~~أن تمخض ليلها عن صبحه، وأصبحت في الإسلام كعام حديبيته, وعمرة قضائه, وعام ~~فتحه، وفي ذكر أخبارها ما يطبع الأسنة في رءوس الأقلام5، ويرهب سامعها، ولم ~~ينله شيء من مكروهها سوى الكلام، ويومها للدولة هو اليوم الذي أرخ فيه معاد ~~نصرها، وميعاد بشرها، فإذا عدت لياليها السالفة كانت كسائر الليالي, وهذه ~~ليلة قدرها". # فهذا فصل من فصول الكتاب، فانظر كيف ماثلت بين الفتح المصري وفتح مكة? ~~وذكرت أيضا حديث الحباب بن المنذر الأنصاري حيث قال بعد وفاة النبي -صلى ~~الله عليه وسلم: منا أمير ومنكم أمير، وذلك لما حضر أبو بكر وعمر وأبو ~~عبيدة بن الجراح -رضي الله عنهم- في سقيفة بني ساعدة، والقصة مشهورة، فقال ~~الحباب بن PageV01P057 # المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر -رضي الله عنه: "بل نحن ~~الأمراء وأنتم الوزراء"، وهذا الذي ذكرته هو نكتة هذا الفتح التي عليها ~~المعول، ومركزه الذي عليه يدور. # وعجبت من عبد الرحيم بن علي البيساني مع تقدمه في فن الكتابة كيف فاته أن ~~يأتي به في الكتاب الذي كتبه؟ # وكذلك وجدت لابن زياد البغدادي كتابا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف المقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وضمنه فصولا تشتمل على ~~أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة، فمن تلك الأمور ms018 التي أنكرت عليه أنه ~~تلقب بالملك الناصر، وذلك اللقب هو لأمير المؤمنين خاصة، فإنه الإمام ~~الناصر لدين الله، فلما وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابا حسنا قد أجاد فيه ~~كل الإجادة، ولم أجد فيه مغمزا إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب، ~~فإنه لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى فيه بكلام فيه ~~غثاثة، كقوله: "ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام"، وشيئا من هذا النسق, ~~وكان الأليق والأحسن أن يحتج بحجة فيها روح، ويذكر كلاما فيه ذلاقة ورشاقة. # وحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني، وجرى حديث ذلك فسألني عما كان ينبغي ~~أن يكتب في هذا الفصل، فذكرت ما عندي، وهو: "قد علم أن للأنبياء والخلفاء ~~خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها ~~مشاركة الأنداد، وقد أجرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك في أشياء نص ~~عليها بحكمه، ومن جملتها أنه نهى غيره أن يجتمع بين كنيته وبين اسمه، وهذا ~~مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهورا، وعلى غيره محظورا، وقد ~~وسم نفسه بسمة نزلت عليه من السماء، وتميزت به من بين المسميات والأسماء، ~~ثم استمرت عليها الأيام حتى خوطب بها من الحاضر والباد، ورفعها الخطباء على ~~المنابر في أيام الجمع ومواسم الأعياد، وقد شاركته أنت فيها غير مراقب ~~لمزية التعظيم، ولا فارق بين فسحة التحليل وحرج التحريم، والشرع والأدب ~~يحكمان عليك بأن تلقي ما فرط منك بالمتاب، ولا تحوج فيه إلى التقريع الذي ~~هو أشد العتاب، ومثلك من عرف الحق فأمسكه بيده، ونسخ إغفال أمسه باستئناف ~~التيقظ في غده، والله قد رفع المؤاخذة عمن أتى الشيء خطأ لا عمدا، وقبل ~~التوبة ممن أخذ على نفسه الإخلاص عهدا". # فانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي، وجعلته شاهدا على هذا الموضع? ~~ولا يمكن أن يحتج في مثل ذلك إلا بمثل هذا الاحتجاج، وما أعلم كيف شذ عن ~~ابن زياد أن يأتي به, مع أنه كان كاتبا مغلقا أرتضي كتابته، ms019 ولم أجد في ~~متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفن؟ PageV01P058 ### ||| النوع الرابع: الاطلاع على المنظوم والمنثور # ... # النوع الرابع: الاطلاع على من المنظوم والمنثور # وأما النوع الرابع: وهو الاطلاع على كلام المتقدمين من المنظوم والمنثور, ~~فإن في ذلك فوائد جمة؛ لأنه يعلم منه أغراض الناس، ونتائج أفكارهم، ويعرف ~~به مقاصد كل فريق منهم، وإلى أين ترامت به صنعته في ذلك، فإن هذه الأشياء ~~مما تشحذ القريحة، وتذكي الفطنة، وإذا كان صاحب هذه الصناعة عارفا بها تصير ~~المعاني التي ذكرت, وتعب في استخراجها, كالشيء الملقى بين يديه, يأخذ منه ~~ما أراد ويترك ما أراد. # وأيضا, فإنه إذا كان مطلعا على المعاني المسبوق إليها قد ينقدح له من ~~بينها معنى غريب لم يسبق إليه. # ومن المعلوم أن خواطر الناس وإن كانت متفاوتة في الجودة والرداءة, فإن ~~بعضها لا يكون عاليا على بعض, أو منحطا عنه إلا بشيء يسير، وكثيرا ما ~~تتساوى القرائح والأفكار في الإتيان بالمعاني، حتى إن بعض الناس قد يأتي ~~بمعنى موضوع بلفظ، ثم يأتي الآخر بعده بذلك المعنى واللفظ بعينهما من غير ~~علم منه بما جاء به الأول, وهذا الذي يسميه أرباب هذه الصناعة وقوع الحافر ~~على الحافر، وسيأتي لذلك باب مفرد في آخر كتابنا هذا إن شاء الله تعالى. PageV01P059 ### ||| النوع الخامس: معرفة الأحكام السلطانية # وأما النوع الخامس: وهو معرفة الأحكام السلطانية من الإمامة والإمارة ~~والقضاء والحسبة وغير ذلك، فإنما أوجبنا معرفتها والإحاطة بها لما يحتاج ~~إليه الكاتب في تقليدات الملوك والأمراء والقضاة والمحتسبين, ومن يجري ~~مجراهم، وأيضا فإنه قد يحدث في الإمامة حادث في بعض الأوقات: بأن يموت ~~الإمام القائم بأمر المسلمين، ثم يتولى من بعده من لم تكمل فيه شرائط ~~الإمامة، أو يكون كامل الشرائط غير أن الإمام الذي كان قبله عهد بها إلى ~~آخر غيره, وهو ناقص الشرائط، أو يكون قد تنازع الإمامة اثنان، أو يكون ~~أرباب الحل والعقد قد اختاروا إماما وهم غير كاملي الشرائط التي تجب أن ~~توجد فيهم، أو يكون أمر غير ما ذكرناه، ms020 فتختلف الأطراف في ذلك، وينتصب ملك ~~من الملوك له عناية بالإمام الذي قد قام للمسلمين، فيأمر كاتبه أن يكتب ~~كتابا في أمره إلى الأطراف المخالفة له. # وإذا لم يكن الكاتب عند ذلك عارفا بالحكم في هذه الحوادث واختلاف أقوال ~~العلماء فيها، وما هو رخصة في ذلك, وما ليس برخصة، لا يكتب كتابا ينتفع به. # ولسنا نعني بهذا القول أن يكون الكتاب مقصورا على فقه محض فقط، لأنا لو ~~أردنا ذلك لما كنا نحتاج فيه إلى كتب كتاب بلاغي، بل كنا نقتصر على إرسال ~~مصنف من مصنفات الفقه عوضا عن الكتاب، وإنما قصدنا أن يكون الكتاب الذي ~~يكتب في هذا المعنى مشتملا على الترغيب والترهيب، والمسامحة في موضع, ~~والمحاقة في موضع، مشحونا ذلك بالنكت الشرعية المبرزة في قوالب البلاغة ~~والفصاحة، كما فعل الكاتب الصابي1 في الكتاب الذي كتبه عن عز الدولة بختيار ~~بن معز الدولة بن بويه, إلى الإمام الطائع لما خلع المطيع، فإنه من محاسن ~~الكتب التي تكتب في هذا الفن. PageV01P060 ### ||| النوع السادس: حفظ القرآن الكريم # وأما النوع السادس: وهو حفظ القرآن الكريم, فإن صاحب هذه الصناعة ينبغي ~~له أن يكون عارفا بذلك؛ لأن فيه فوائد كثيرة، منها أنه يضمن كلامه بالآيات ~~في أماكنها اللائقة بها, ومواضعها المناسبة لها، ولا شبهة فيما يصير للكلام ~~بذلك من الفخامة والجزالة والرونق. # ومنها أنه إذا عرف مواقع البلاغة وأسرار الفصاحة المودعة في تأليف القرآن ~~اتخذه بحرا يستخرج منه الدرر والجواهر, ويودعها مطاوي كلامه، كما فعلته أنا ~~فيما أنشأته من المكاتبات، وكفى بالقرآن الكريم وحده آلة وأداة في استعمال ~~أفانين الكلام. # فعليك أيها المتوشح لهذه الصناعة بحفظه, والفحص عن سره, وغامض رموزه ~~وإشاراته، فإنه تجارة لن تبور، ومنبع لا يغور، وكنز يرجع إليه، وذخر يعول ~~عليه. PageV01P061 ### ||| النوع السابع: حفظ الأخبار النبوية # وأما النوع السابع وهو حفظ الأخبار النبوية مما يحتاج إلى استعماله, فإن ~~الأمر في ذلك يجري مجرى القرآن الكريم، وقد تقدم القول عليه فاعرفه. PageV01P061 ### ||| النوع الثامن: معرفة علمي العروض والقوافي # وأما النوع الثامن: ms021 وهو ما يختص بالناظم دون الناثر، وذلك معرفة العروض ~~وما يجوز فيه من الزحاف1 وما لا يجوز، فإن الشاعر محتاج إليه. # ولسنا نوجب عليه المعرفة بذلك لينظم بعلمه، فإن النظم مبني على الذوق، ~~ولو نظم بتقطيع الأفاعيل2 لجاء شعره متكلفا غير مرضي، وإنما أريد للشاعر ~~معرفة العروض؛ لأن الذوق قد ينبو عن بعض الزحافات ويكون ذلك جائزا في ~~العروض، وقد ورد للعرب مثله. # فإذا كان الشاعر غير عالم به، لم يفرق بين ما يجوز من ذلك وما لا يجوز، ~~PageV01P061 # وكذلك أيضا يحتاج الشاعر إلى العلم بالقوافي والحركات، ليعلم الروي1 ~~والردف2، وما يصح من ذلك وما لا يصح. # فإذا أكمل صاحب هذه الصناعة معرفة هذه الآلات, وكان ذا طبع مجيب وقريحة ~~مواتية، فعليه بالنظر في كتابنا هذا، والتصفح لما أودعناه من حقائق علم ~~البيان، ونبهنا عليه من أصول ذلك وفروعه، على أن الذي ذكرناه من هذه الآلات ~~الثمان هو كالأصل لما يحتاج إليه الخطيب والشاعر, ومعرفته ضرورية لا بد ~~منها. # وههنا أشياء هي كالتوابع والروادف، وبالجملة فإن صاحب هذه الصناعة يحتاج ~~إلى التشبث بكل فن من الفنون، حتى إنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة ~~بين النساء، والماشطة عند جلوة العروس، وإلى ما يقوله المنادي في السوق على ~~السلعة، فما ظنك بما فوق هذا؟ # والسبب في ذلك أنه مؤهل؛ لأن يهيم في كل واد، فيحتاج أن يتعلق بكل فن. ~~PageV01P062 ### || الفصل الثالث: في الحكم على المعاني # وفائدة هذا الفصل الإحاطة بأساليب المعاني على اختلافها وتباينها. # وصاحب هذه الصناعة مفتقر إلى هذا الفصل والذي يليه، بخلاف غيرهما من هذه ~~الفصول المذكورة، لا سيما مفسري الأشعار، فإنهم به أعنى. # واعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهر لفظه، ومن يذهب إلى التأويل ~~يفتقر إلى دليل، كقوله تعالى: {وثيابك فطهر} 1 فالظاهر من لفظ "الثياب" هو ~~ما يلبس، ومن تأول ذهب إلى أن المراد هو القلب، لا الملبوس، وهذا لا بد له ~~من دليل، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ. PageV01P062 # وكذلك ورد عن عيسى بن ms022 مريم -عليه السلام- أنه قال: "إذا أردت أن تصلي ~~فادخل بيتك وأغلق بابك" فالظاهر من هذا هو البيت والباب، ومن تأول ذهب إلى ~~أنه أراد أنك تجمع عليك هم قلبك, وتمنع أن يخطر به سوى أمر الصلاة، فعبر عن ~~القلب بالبيت, وعن منع الخواطر التي تخطر له بإغلاق الباب، وهذا يحتاج إلى ~~دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ. # فالمعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف، والمعنى المعدول عن ~~ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف؛ إذ باب التأويل غير محصور، والعلماء ~~متفاوتون في هذا, فإنه قد يأخذ بعضهم وجها ضعيفا من التأويل, فيكسوه ~~بعبارته قوة تميزه على غيره من الوجوه القوية، فإن السيف بضاربه: # إن السيوف مع الذين قلوبهم %~% كقلوبهن إذا التقى الجمعان # تلقى الحسام على جراءة حده %~% مثل الجبان بكف كل جبان1 # وذهب بعضهم في الفرق بين "التفسير" و"التأويل" إلى شيء غير مرضي، فقال: ~~التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة، كتفسير الصراط بالطريق، والتأويل: إظهار ~~باطن اللفظ، كقوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} 2 فتفسيره من الرصد، يقال: ~~رصدته، إذا رقبته، وتأويله: تحذير العابد من تعدي حدود الله ومخالفة ~~أوامره. # والذي عندي في ذلك أنه أصاب في الآخر، ولم يصب في الأول، لأن قوله: ~~"التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة" لا مستند لجوازه، بل "التفسير" يطلق على ~~بيان وضع اللفظ حقيقة ومجازا؛ لأنه من "الفسر"، وهو الكشف، كتفسير الرصد في ~~الآية المشار إليها بالرقبة, وتفسيره بالتحذير من تعدي حدود الله ومخالفة ~~أوامره. # وأما "التأويل" فإنه أحد قسمي التفسير، وذاك أنه رجوع عن ظاهر اللفظ، وهو ~~مشتق من الأول، وهو الرجوع، يقال: آل يؤل، إذا رجع. # وعلى هذا, فإن التأويل خاص, والتفسير عام، فكل تأويل تفسير, وليس كل ~~تفسير تأويلا، ولهذا يقال: تفسير القرآن، ومن تفسيره ظاهر وباطن. ~~PageV01P063 # وهذا الفصل الذي نحن بصدد ذكره ههنا يرجع أكثره إلى التأويل؛ لأنه أدق. # ولا يخلو تأويل المعنى من ثلاثة أقسام: إما أن يفهم منه شيء واحد لا ~~يحتمل غيره، وإما أن يفهم منه الشيء وغيره، ms023 وتلك الغيرية: إما أن تكون ضدا، ~~أو لا تكون ضدا، وليس لنا قسم رابع. # فالأول: يقع عليه أكثر الأشعار، ولا يجري في الدقة واللطافة مجرى القسمين ~~الآخرين. # وأما القسم الثاني: فإنه قليل الوقوع جدا، وهو من أظرف التأويلات ~~المعنوية؛ لأن دلالة اللفظ على المعنى وضده أغرب من دلالته على المعنى ~~وغيره مما ليس بضده، فمما جاء منه قول النبي -صلى الله عليه وسلم:$"صلاة في ~~مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام" فهذا ~~الحديث يستخرج منه معنيان ضدان: # أحدهما: أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم. # والآخر: أن مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضل من المسجد الحرام, ~~أي: إن صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة في المسجد الحرام، بل تفضل ما ~~دونها، بخلاف المساجد الباقية, فإن ألف صلاة فيها تقصر عن صلاة واحدة فيه. # وكذلك جاء قول النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضا من كلام النبوة: "الأولى ~~إذا لم تستح فاصنع ما شئت" , وهذا يشتمل على معنيين ضدين: # أحدهما: أن المراد به إذا لم تفعل فعلا تستحي منه فافعل ما شئت. والآخر: ~~أن المراد به إذا لم يكن لك حياء يزعك عن فعل ما يستحى منه فافعل ما شئت، ~~وهذان معنيان ضدان، أحدهما مدح، والآخر ذم. # ومثله ورد في الحديث النبوي أيضا، وذلك أنه ذكر شريح الحضرمي عند النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- فقال: "لا يتوسد القرآن" وهذا يحتمل مدحا وذما، أما ~~المدح فالمراد به أنه لا ينام الليل عن القرآن, فيكون القرآن متوسدا معه لم ~~يتهجد به، وأما الذم فالمراد به أنه لا يحفظ من القرآن شيئا، فإذا نام لم ~~يتوسد معه القرآن، وهذان التأويلان من الأضداد. وكثيرا ما يرد أمثال ذلك في ~~الأحاديث النبوية. # ويجري على هذا النهج من الشعر قول أبي الطيب في قصيدة يمدح بها كافورا: PageV01P064 # وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا %~% ومن بات في نعمائه يتقلب1 # وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان, أحدهما: أن المنعم ms024 عليه يحسد المنعم، ~~والآخر: أن المنعم يحسد المنعم عليه, وكذلك ورد قوله أيضا من قصيدة يمدحه: # فإن نلت ما أملت منك فربما %~% شربت بماء يعجز الطير ورده2 # فإن هذا البيت يحتمل مدحا وذما، وإذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله ~~فإنه يكون بالذم أولى منه بالمدح؛ لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد والشذوذ, ~~وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية، وقد أجيب بلفظة "رب" التي معناها التقليل, ~~أي: لست من نوالك على يقين، فإن نلته فربما وصلت إلى مورد لا يصل إليه ~~الطير لبعده، وإذا نظر إلى ما قبل هذا البيت دل على المدح خاصة، لارتباطه ~~بالمعنى الذي قبله, وكثيرا ما كان يقصد المتنبي هذا القسم في شعره، كقوله ~~من قصيدة أولها: # عدوك مذموم بكل لسان %~% ولو كان من أعدائك القمران # ولله سر في علاك وإنما %~% كلام العدا ضرب من الهذيان3 # ثم قال: # فما لك تعنى بالأسنة والقنا %~% وجدك طعان بغير سنان7 # فإن هذا بالذم أشبه منه بالمدح؛ لأنه يقول: لم تبلغ ما بلغته بسعيك ~~واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا لا فضل فيه؛ لأن السعادة تنال الخامل ~~والجاهد ومن لا يستحقها، وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا القسم في قصائده ~~الكافوريات. # وحكى أبو الفتح بن جني، قال: قرأت على أبي الطيب ديوانه، إلى أن وصلت إلى ~~قصيدته التي أولها: PageV01P065 # أغالب فيك الشوق والشوق أغلب1 # فأتيت منها على هذا البيت وهو: # وما طربي لما رأيتك بدعة %~% لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب2 # فقلت له: يا أبا الطيب، لم تزد على أن جعلته أبا زنة3، فضحك لقولي! وهذا ~~القسم من الكلام يسمى "الموجه" أي: له وجهان4، وهو مما يدل على براعة ~~الشاعر وحسن تأتيه. # وأما القسم الثالث: فإنه يكون أكثر وقوعا من القسم الثاني، وهو واسطة بين ~~طرفين؛ لأن القسم الأول كثير الوقوع، والقسم الثاني قليل الوقوع، وهذا ~~القسم الثالث وسط بينهما. # فمما جاء منه قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} 5 فإن هذا له وجهان من ~~التأويل, أحدهما: القتل الحقيقي الذي هو معروف، ms025 والآخر: هو القتل المجازي، ~~وهو الإكباب على المعاصي، فإن الإنسان إذا أكب على المعاصي قتل نفسه في ~~الآخرة. # ومن ذلك ما ورد في قصة إبراهيم وذبح ولده -عليهما السلام، فقال الله ~~تعالى حكاية عنه: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين، رب هب لي من الصالحين، ~~فبشرناه بغلام حليم، فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين، فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا ~~إنا PageV01P066 # كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم، ~~وتركنا عليه في الآخرين، سلام على إبراهيم، كذلك نجزي المحسنين، إنه من ~~عبادنا المؤمنين، وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} 1 فقوله تعالى: ~~{وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} قد يكون بشارة بنبوته بعد البشارة ~~بميلاده، وقد يكون استئنافا بذكره بعد ذكر إسماعيل -عليه السلام- وذبحه، ~~والتأويل متجاذب بين هذين الأمرين، ولا دليل على الاختصاص بأحدهما، ولم يرد ~~في القرآن ما يدل على أن الذبيح إسماعيل ولا إسحاق -عليهما السلام، وكذلك ~~لم يرد في الأخبار التي صحت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: وأما ما ~~يروى عنه أنه قال: "أنا ابن الذبيحين" فخارج عن الأخبار الصحيحة، وفي ~~التوراة أن إسحاق -عليه السلام- هو الذبيح. # ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأزواجه: "أطولكن يدا، أسرعكن ~~لحوقا بي" فلما مات -صلوات الله عليه- جعلن يطاولن بين أيديهن حتى ينظرن ~~أيتهن أطول يدا، ثم كانت زينب أسرعهن لحوقا به، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمن ~~حينئذ أنه لم يرد الجارحة، وإنما أراد الصدقة، فهذا القول يدل على المعنيين ~~المشار إليهما. # ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك -رضي الله عنهما- أنه قال: خدمت رسول الله ~~عشر سنين، فلم يقل لشيء فعلته لم فعلته, ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته، ~~وهذا القول يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما وصف رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- بالصبر على خلق من يصحبه، والآخر ms026 أنه وصف نفسه بالفطنة والذكاء فيما ~~يقصده من الأعمال، كأنه متفطن لما في نفس رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ~~فيفعله من غير حاجة إلى استئذانه. # ومن ذلك ما ورد في الأدعية النبوية، فإنه -صلى الله عليه وسلم- دعا على ~~رجل من المشركين فقال: "اللهم اقطع أثره" , وهذا يحتمل ثلاثة أوجه من ~~التأويل, الأول: أنه دعا عليه بالزمانة2، لأنه إذا زمن لا يستطيع أن يمشي ~~على الأرض، فينقطع حينئذ أثره، الوجه الثاني: أنه دعا عليه بأن لا يكون له ~~نسل من بعده ولا عقب. الوجه PageV01P067 # الثالث: أنه دعا عليه بألا يكون له أثر من الآثار مطلقا, وهو ألا يفعل ~~فعلا يبقى أثره من بعده كائنا ما كان من عقب, أو بناء, أو غراس, أو غير ~~ذلك. # وظفرت الحرورية1 برجل، فقالوا له: ابرأ من علي وعثمان، فقال: أنا من علي ~~ومن عثمان أبرأ، فهذا يدل على معنيين, أحدهما: أنه بريء من عثمان وحده، ~~والآخر: أنه بريء منهما جميعا، والرجل لم يرد إلا الوجه الأول. # ومن ذلك ما يحكى عن عبد المسيح بن بقيلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على ~~الحيرة، وذاك أنه خرج إليه عبد المسيح بن بقيلة2، فلما مثل بين يديه قال: ~~انعم صباحا أيها الملك، فقال له خالد: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه ب"سلام ~~عليكم"، ثم قال له: من أين أقصى أثرك? قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت? ~~قالت من بطن أمي، قال: فعلام أنت? قال: على الأرض، قال: ففيم أنت? قال: في ~~ثيابي، قال: ابن كم أنت? قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قط، ~~أنا أسأله عن الشيء وهو ينحو في غيره، وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن، ~~وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل، ويصلح أن يكون جوابا لغيره مما ذكره ~~عبد المسيح بن بقيلة. # وقد ورد في التوراة ألا يؤكل الجدي بلبن أمه، وهذا يحتمل التحريم في ~~وجهين, أحدهما: ما دل عليه ظاهر لفظه، وهو تحريم لحم الجدي ms027 بلبن أمه خاصة، ~~وإذا أكل بلبن غير لبن أمه جاز ذلك، ولم يكن حراما، وهذا لا يؤخذ به أحد من ~~اليهود، والوجه الآخر وهو الذي يأخذ به عند اليهود جميعهم أن أكل اللحم ~~باللبن حرام، كائنا ما كان من اللحوم، إلا طائفة منهم يسمون "القرائين"، ~~فإنهم تأولوا فأكلوا لحم الطير باللبن، وقالوا: إنما حرم اللحم باللبن من ~~اللحوم ذوات الألبان، والطير من ذوات البيض لا من ذوات الألبان. ~~PageV01P068 # ومما يجري على هذا النهج ما يحكى عن "أفلاطون" أنه قال: ترك الدواء دواء، ~~فذهب بعض الأطباء أنه أراد أن لطف المزاج انتهى1 إلى غاية لا يحتمل الدواء، ~~فتركه حينئذ والإضراب عنه دواء، وذهب آخرون إلى أنه أراد بالترك الوضع, أي: ~~وضع الدواء على الداء دواء، يشير بذلك إلى حذق الطبيب في أوقات علاجه. # ومثله في الشعر قول الفرزدق: # إذا جعفر مرت على هضبة الحمى %~% فقد أخزت الأحياء منها قبورها2 # وهذا يدل على معنيين: أحدهما: ذم الأحياء، والآخر: ذم الأموات، أما ذم ~~الأحياء فهو أنهم خذلوا الأموات، يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقوما آخرين, ~~ففر الأحياء عنهم وأسلموهم، أو أنهم استنجدوهم فلم ينجدوهم، وأما ذم ~~الأموات فهو أن لهم مخازي وفضائح توجب عارا وشنارا، فهم يعيرون بها الأحياء ~~ويلصقونها بهم. وعلى هذا ورد قول أبي تمام: # بالشعر طول إذا اصطكت قصائده %~% في معشر، وبه عن معشر قصر3 # فهذا البيت يحتمل تأويلين: أحدهما أن الشعر يتسع مجاله بمدحك, ويضيق بمدح ~~غيرك، يريد بذلك أن مآثره كثيرة، ومآثر غيره قليلة، والآخر: أن الشعر يكون ~~ذا فخر ونباهة بمدحك، وذا خمول بمدح غيرك، فلفظة "الطول" يفهم منها ضد ~~القصر، ويفهم منها الفخر، من قولنا: " طال فلان على فلان" أي: فخر عليه. ~~ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي: # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها %~% فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر # وهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضي ~~الأوقات مدة الوصال، فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون ~~PageV01P069 # والبطء. ms028 الآخر: أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات، ~~فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية، وهذا من باب وضع ~~المضاف إليه مكان المضاف، كقوله تعالى: {واسأل القرية} 1 أي: أهل القرية. # ومن الدقيق المعني في هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة من ~~جملة قصيدته التي أولها: # أوه بديل من قولتي واها2 # فقال: # لو فطنت خيله لنائله %~% لم يرضها أن تراه يرضاها3 # وهذا يستنبط منه معنيان غيران: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه ~~النفيسة لما رضيت بأن تكون من جملة عطاياه؛ لأن عطاياه أنفس منها، والآخر: ~~أن خيله لو علمت أنه يهبها من جملة عطاياه لما رضيت بذلك، إذ تكره خروجها ~~عن ملكه، وهذان الوجهان أنا ذكرتهما, وإنما المذكور منهما أحدهما. # وهذا الذي أشرت إليه من الكلام على المعاني وتأويلاتها كاف لمن عنده ذوق, ~~وله قوة على حملها على أشباهها ونظائرها. PageV01P070 ### || الفصل الرابع: في الترجيح بين المعاني # وهذا الفصل هو ميزان الخواطر الذي يوزن به نقد درهمها ودينارها، بل المحك ~~الذي يعلم منه مقدار عيارها، ولا يزن به إلا ذو فكرة متقدة، ولمحة منتقدة، ~~فليس كل من حمل ميزانا سمي صرافا، ولا كل من وزن به سمي عرافا. # والفرق بين هذا الترجيح والترجيح الفقهي أن هناك يرجح بين دليلي الخصمين ~~في حكم شرعي، وههنا يرجح بين جانبي فصاحة وبلاغة في ألفاظ ومعان خطابية. # وبيان ذلك أن صاحب الترجيح الفقهي يرجع بين خبر التواتر مثلا وبين خبر ~~الآحاد، أو بين المسند1 والمرسل2، أو ما جرى هذا المجرى، وهذا لا يعرض إليه ~~صاحب علم البيان؛ لأنه ليس من شأنه، ولكن الذي هو من شأنه أن يرجح بين ~~حقيقة ومجاز، أو بين حقيقتين، أو بين مجازين، ويكون ناظرا في ذلك كله إلى ~~الصناعة الخطابية، ولربما اتفق هو وصاحب الترجيح الفقهي في بعض المواضع، ~~كالترجيح بين عام وخاص، أو ما شابه ذلك. # وكنا قد قدمنا القول في الحكم على المعاني وانقسامها، ولنبين في هذا ~~الفصل مواضع ms029 الترجيح بين وجوه تأويلاتها فنقول: # أما القسم الأول من المعاني فلا تعلق للترجيح به، إذا ما دل عليه ظاهر ~~لفظه, ولا يحتمل إلا وجها واحدا, فليس من هذا الباب في شيء. # والترجيح إنما يقع بين معنيين، يدل عليهما لفظ واحد، ولا يخلو الترجيح ~~بينهما من ثلاثة أقسام: إما أن يكون اللفظ حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، ~~أو حقيقة فيهما جميعا، أو مجازا فيهما جميعا، وليس لنا قسم رابع. # والترجيح بين الحقيقتين، أو بين المجازين يحتاج إلى نظر، وأما الترجيح ~~بين الحقيقة والمجاز، فإنه يعلم ببديهة النظر، لمكان الاختلاف بينهما، ~~والشيئان المختلفان يظهر الفرق بينهما، بخلاف ما يظهر بين الشيئين ~~المشبهين, فمثال الحقيقة والمجاز قوله تعالى: PageV01P071 # {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون، حتى إذا ما جاءوها شهد ~~عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون} 1 فالجلود ههنا تفسر حقيقة ~~ومجازا, أما الحقيقة فيراد بها الجلود مطلقا، وأما المجاز فيراد بها الفروج ~~خاصة، وهذا هو الجانب البلاغي، الذي يرجح جانب المجاز على الحقيقة، لما فيه ~~من لطف الكناية عن المكنى عنه، وقد يسأل ههنا في الترجيح بين الحقيقة ~~والمجاز من غير الجانب البلاغي، ويقال: ما بيان هذا الترجيح? فيقال: طريقه ~~لفظ الجلود عام, فلا يخلو إما أن يراد به الجلود مطلقا, أو يراد به الجوارح ~~التي هي أدوات الأعمال الخاصة، ولا يجوز أن يراد به الجلود على الإطلاق؛ ~~لأن شهادة غير الجوارح التي هي الفاعلة شهادة باطلة؛ إذ هي شهادة غير شاهد، ~~والشهادة هنا يراد بها الإقرار، فتقول اليد: أنا فعلت كذا وكذا، وتقول ~~الرجل: أنا مشيت إلى كذا وكذا، وكذلك الجوارح الباقية تنطق مقرة بأعمالها، ~~فترجح بهذا أن يكون المراد به شهادة الجوارح، وإذا أريد به الجوارح فلا ~~يخلو إما أن يراد به الكل أو البعض، فإن أريد به الكل دخل تحته السمع ~~والبصر، ولم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة، وإن أريد به البعض فهو بالفرج أخص ~~منه بغيره من الجوارح، لأمرين؛ أحدهما: إن الجوارح كلها قد ذكرت في ms030 القرآن ~~الكريم شاهدة على صاحبها بالمعصية ما عدا الفرج، فكان حمل الجلد عليه أولى، ~~ليستكمل ذكر الجميع، الآخر: إنه ليس في الجوارح ما يكره التصريح بذكره إلا ~~الفرج، فكني عنه بالجلد؛ لأنه موضع يكره التصريح فيه بالمسمى على حقيقته. # فإن قيل: إن تخصيص السمع والبصر بالذكر من باب التفصيل، كقوله تعالى: ~~{فاكهة ونخل ورمان} 2 والنخل والرمان من الفاكهة.. # قلت في الجواب: هذا القول عليك لا لك؛ لأن النخل والرمان إنما ذكر ~~التفضيل لهما في الشكل أو في الطعم، والفضيلة ههنا في ذكر الشهادة إنما هي ~~تعظيم لأمر المعصية، وغير السمع والبصر أعظم في المعصية؛ لأن معصية السمع ~~إنما تكون في سماع غيبة، أو في سماع صوت مزمار أو وتر، أو ما جرى هذا ~~المجرى. PageV01P072 # ومعصية البصر إنما تكون في النظر إلى محرم، وكلتا المعصيتين لا حد فيهما، ~~وأما المعاصي التي توجد من غير السمع والبصر فأعظم؛ لأن معصية اليد توجب ~~القطع، ومعصية الفرج توجب جلد مائة أو الرجم، وهذا أعظم، فكان ينبغي أن تخص ~~بالذكر دون السمع والبصر، وإذا ثبت فساد ما ذهبت إليه فلم يكن المراد ~~بالجلود إلا الفروج خاصة. # وأما مثال المعنيين إذا كانا حقيقيين فقول النبي -صلى الله عليه وسلم: ~~"التمسوا الرزق في خبايا الأرض" والخبايا جمع خبية، وهو كل ما يخبأ كائنا ~~ما كان، وهذا يدل على معنيين حقيقيين: أحدهما الكنوز المخبوءة في بطون ~~الأرض، والآخر: الحرث والغراس، وجانب الحرث والغراس أرجح؛ لأن مواضع الكنوز ~~لا تعلم حتى تلتمس، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يأمر بذلك؛ لأنه شيء ~~مجهول غير معلوم، فبقي المراد بخبايا الأرض ما يحرث ويغرس. # وكذلك ورد قوله -صلى الله عليه وسلم: "إذا ابتلت النعال فالصلاة في ~~الرحال" , وهذا الحديث مرخص في ترك صلاة الجماعة بسبب المطر، وله تأويلان: ~~أحدهما: إنه أراد نعال الأرض، وهو ما غلظ منها، والآخر: إنه أراد الأحذية، ~~والوجه هو الثاني، لظهوره في الدلالة على المعنى، وأكثر العلماء عليه، ولو ~~كان المراد به غلظ من الأرض لخرج عن ms031 هذا الحكم كل بلد تكون أرضه سهلة لا ~~غلظ فيها. # وأما أمثال المعنيين المجازيين فقول أبي تمام1: # قد بلونا أبا سعيد حديثا %~% وبلونا أبا سعيد قديما # ووردناه ساحلا وقليبا %~% ورعيناه بارضا وجميما2 # فعلمنا أن ليس إلا بشق الن %~% فس صار الكريم يدعى كريما3 # فالساحل والقليب يستخرج منهما تأويلان مجازيان: أحدهما: إنه أراد بهما ~~الكثير والقليل بالنسبة إلى الساحل والقليب، والآخر: إنه أراد بهما السبب، ~~وغير السبب، PageV01P073 # فإن الساحل لا يحتاج في ورده إلى سبب، والقليب يحتاج في ورده إلى سبب، ~~وكلا هذين المعنيين مجاز، فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما، والوجه هو ~~الثاني؛ لأنه أدل على بلاغة القائل ومدح المقول فيه. # أما بلاغة القائل: فالسلامة من هجنة التكرير بالمخالفة بين صدر البيت ~~وعجزه، فإن عجزه يدل على القليل والكثير؛ لأن البارض هو أول النبت حين ~~يبدو، فإذا كثر وتكاثف سمي جميما1، فكأنه قال: أخذنا منه تبرعا ومسألة، ~~وقليلا وكثيرا، وأما المدح المقول فيه فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه ~~وسؤاله وإكثاره وإقلاله، وما في معاناة هذه الأحوال من المشاق. فهذا ما ~~يتعلق بالترجيح البلاغي بين الحقيقة والحقيقة, وبين المجاز والمجاز، وبين ~~الحقيقة والمجاز. # وههنا ترجيح آخر لا يتعلق بما أشرنا إليه؛ إذ هو خارج عما تقتضيه المعاني ~~الخطابية من جهة الفصاحة أو البلاغة، وذلك أن يرجح بين معنيين: أحدهما تام، ~~والآخر مقدر، أو يكون أحدهما مناسبا لمعنى تقدمه أو تأخر عنه، والآخر غير ~~مناسب، أو بأن ينظر في الترجيح بينهما إلى شيء خارج عن اللفظ. # فمثال المعنيين المشار إليهما أن المعنى التام هو الذي يدل عليه لفظه ولا ~~يتعداه، وأما المقدر فهو الذي لا يدل عليه لفظه, بل يستدل عليه بقرينة ~~أخرى، وتلك القرينة قد تكون من توابعه وقد لا تكون. فمما جاء من ذلك قول ~~النبي -صلى الله عليه وسلم: "في سائمة الغنم زكاة" فهذا اللفظ يستخرج منه ~~معنيان: أحدهما تام، والآخر مقدر، فالتام دلالته على وجوب الزكاة في ~~السائمة لا غير، والمقدر دلالته على سقوط الزكاة عن المعلوفة، إلا أنه ms032 ليس ~~مفهوما من نفس اللفظ، بل من قرينة أخرى هي كالتابعة له، وهي أنه لما خصت ~~السائمة بالذكر دون المعلوفة علم من مفهوم ذلك أن المعلوفة لا زكاة فيها، ~~وللفقهاء في ذلك مجاذبات جدلية يطول الكلام فيها، وليس هذا موضعها، والذي ~~يترجح عندي هو القول بفحوى المعنى المقدر، وهو الذي يسميه الفقهاء: "مفهوم ~~الخطاب"، وله في الشعر أشباه ونظائر, فمما ورد من ذلك شعرا قول PageV01P074 # جزء بن كليب الفقعسي1، من شعراء الحماسة، وقد خطب إليه ابن كوز ابنته ~~فرده: # تبغي ابن كوز والسفاهة كاسمها %~% ليستاد منا أن سنونا لياليا2 # فلا تطلبنها يا ابن كوز فإنه %~% غذا الناس مذ قام النبي الجواريا3 # وهذا البيت الثاني يشتمل على المعنيين التام والمقدر، أما التام: فإن ابن ~~كوز سأل أبا هذه الجارية أن يزوجه إياها في سنة، والسنة: الجدب، فرده وقال: ~~قد غذا الناس البنات مذ قام النبي -صلى الله عليه وسلم، وأنا أيضا أغذو ~~هذه، ولولا ذلك لوأدتها كما كانت الجاهلية تفعل، وفيه وجه آخر، وهو أنهم ~~كانوا يئدون البنات قبل الإسلام, فلما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى ~~عن ذلك، فقوله: "غذا الناس مذ قام النبي الجواريا" أي: في النساء كثرة، ~~فتزوج بعضهن وخل ابنتي، وهذان المعنيان هما اللذان دل عليهما ظاهر اللفظ. # وأما المعنى المقدر الذي يعلم من مفهوم الكلام، فإنه يقول: إن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- أمر بإحياء البنات، ونهى عن الوأد، ولو أنكحتكها لكنت قد ~~وأدتها؛ إذ لا فرق بين إنكاحك إياها وبين وأدها، وهذا ذم للمخاطب، وهو معنى ~~دقيق. # ومجيء المعاني المستخرجة من المفهومة قليل من الشعر. # وأما ما يستدل عليه بقرينة ليست من توابعه, فإن ذلك أدق من الأول، وألطف ~~مأخذا. # فمما ورد منه قول النبي -صلى الله عليه وسلم:$"من جعل قاضيا بين الناس ~~فقد ذبح بغير سكين" فهذا يستخرج منه المعنيان المشار إليهما، فالتام منهما ~~يدل على أنه من جعل PageV01P075 # قاضيا فقد عرض نفسه لخطر عظيم كالذبح بغير سكين، وأما المقدر فإنه يدل ~~على أنه من ms033 جعل قاضيا فقد أمر بمفارقة هواه، وهذا لا يدل عليه اللفظ بنفسه، ~~بل يستدل عليه بقرينة أخرى، ولكنها ليست من توابعه، ووجه ذلك أن لفظ الحديث ~~عام يشمل القضاة على الإطلاق، ولا يخلو إما أن يراد به عذاب الآخرة أو عذاب ~~الدنيا، ولا يجوز أن يكون المراد به عذاب الآخرة، لأنه ليس كل قاض معذبا في ~~الآخرة, بل المعذب منهم قضاة السوء, فوضح بهذا أن المراد بالحديث عذاب ~~الدنيا، وعلى هذا فلا يخلو إما أن يكون العذاب صورة أو معنى، ولا يجوز أن ~~يكون صورة؛ لأنا نرى الإنسان إذا جعل قاضيا لا يذبح ولا يناله شيء من ذلك، ~~فبقي أن يكون المراد به عذابا معنويا، وهو الذبح المجازي غير الحقيقي, ~~وفحوى ذلك أن نفس الإنسان مركبة على حب هواها, فإذا جعل قاضيا فقد أمر بترك ~~ما جبل على حبه من الامتناع عن الرشوة، والحكم لصديقه على عدوه، ورفع ~~الحجاب بينه وبين الناس، والجلوس للحكم في أوقات راحته، وغير ذلك من ~~الأشياء المكروهة التي تشق على النفس وتجدد لها ألما مبرحا, والذبح هو قطع ~~الحلقوم، والألم الحاصل به، وهو كالذبح الحقيقي، بل أشد منه؛ لأن ألم الذبح ~~الحقيقي يكون لحظة واحدة ثم ينقضي ويزول، وألم قطع النفس عن هواها يدوم ولا ~~ينقضي، وهو أشد العذاب. قال الله تعالى في عذاب أهل النار: {وحيل بينهم ~~وبين ما يشتهون} 1 وقال في نعيم أهل الجنة: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين} 2, وكثيرا ما رأينا وسمعنا من حمله حب الشيء على إتلاف نفسه في ~~طلبه، وركوب الأهوال من أجله، فإذا امتنع عنه مع حبه إياه فقد ذبح نفسه, ~~أي: قطعها عنه كما يقطع الذابح حلق الذبيحة، ولهذا قال النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "انتقلنا عن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" فسمى جهاد الكفار ~~"الجهاد الأصغر", وجهاد النفس الجهاد الأكبر. # فكما أن مجاهدة النفس عن هواها قتال بغير سيف، فكذلك قطعها عن هواها ذبح ~~بغير سكين، وهذا موضع غامض، والترجيح فيه مختص بالوجه الآخر؛ لاشتماله ms034 على ~~المعنى المقصود وهو المراد من القضاة على الإطلاق. PageV01P076 # وأما مثال المعنيين إذا كان أحدهما مناسبا لمعنى تقدمه أو لمعنى تأخر ~~عنه, والآخر غير مناسب: # فالأول: هو ما كان مناسبا لمعنى تقدمه كقوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} 1 فالدعاء ههنا يدل على معنيين: أحدهما: ~~النهي أن يدعى الرسول باسمه، فيقال: يا محمد، كما يدعو بعضهم بعضا ~~بأسمائهم، وإنما يقال له: يا رسول الله، أو يا نبي الله. الآخر: النهي أن ~~يجعلوا حضورهم عنده إذا دعاهم لأمر من الأمور كحضور بعضهم عند بعض، بل ~~يتأدبون معه، بأن لا يفارقوا مجلسه إلا بإذنه، وهذا الوجه هو المراد، ~~لمناسبة معنى الآية التي قبله، وهو قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} 2. # أما الثاني: وهو ما كان مناسبا لمعنى تأخر عنه كقوله تعالى: {والتين ~~والزيتون، وطور سينين} 3 فالتين والزيتون هما هذا الشجر المعروف، وهما اسما ~~جبلين أيضا، وتأويلهما بالجبلين أولى، للمناسبة بينهما وبين ما أتى بعدهما ~~من ذكر الجبل الذي هو الطور. # وعلى هذا ورد قول الشاعر4 في أبيات الحماسة: # ولو كنت مولى قيس عيلان لم تجد %~% علي لإنسان من الناس درهما # ولكنني مولى قضاعة كلها %~% فلست أبالي أن أدين وتغزما5 # فإذا نظرنا إلى البيت الأول وجدناه يحتمل مدحا وذما، أي: إنهم كانوا ~~يغنونه بعطائهم أن يدين، أو أنه كان يخاف الدين حذر ألا يقوموا عنه بوفائه، ~~لكن البيت الثاني حقق أن الأول ذم وليس بمدح، فهذا المعنى لا يتحقق فهمه ~~إلا بآخره PageV01P077 # وأما الذي يكون الترجيح فيه بسبب شيء خارج عن مفهوم اللفظ فقوله تعالى: ~~{وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم} فهذا مستنبط منه ~~معنيان: أحدهما أن الله يعلم السر والجهر في السماوات والأرض، وفي ذلك ~~تقديم وتأخير, أي: يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض، والآخر أنه في ~~السماوات، وأنه يعلم السر والجهر في الأرض من بني آدم؛ لأن الوقف يكون على ms035 ~~السماوات, ثم يستأنف الكلام فيقول: يعلم سركم وجهركم في الأرض، إلا أن هذا ~~يمنع اعتقاد التجسيم، وذلك شيء خارج عن مفهوم اللفظ. PageV01P078 ### || الفصل الخامس: في جوامع الكلم # قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "أوتيت جوامع الكلم" فالكلم: جمع كلمة، ~~والجوامع: جمع جامعة، والجامعة: اسم فاعلة من جمعت فهي جامعة، كما يقال في ~~المذكر: "جمع" فهو "جامع". والمراد بذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- أوتي ~~الكلم الجوامع للمعاني. # وهو عندي ينقسم قسمين: # القسم الأول منهما: هو ما استخرجته ونبهت عليه، ولم يكن لأحد فيه قول ~~سابق، وهو أن لنا ألفاظا تتضمن من المعنى ما لا تتضمن أخواتها مما يجوز أن ~~يستعمل مكانها, فمن ذلك ما يأتي على حكم المجاز، ومنه ما يأتي على حكم ~~الحقيقة. # أما ما يأتي على حكم المجاز فقوله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين: "الآن ~~حمي الوطيس" وهذا لم يسمع من أحد قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم, ولو ~~أتينا بمجاز غير ذلك في معناه فقلنا: "استعرت الحرب" لما كان مؤديا من ~~المعنى ما يؤديه "حمي الوطيس", والفرق بينهما أن الوطيس هو التنور، وهو ~~موطن الوقود ومجتمع النار، وذلك يخيل إلى السامع أن هناك صورة شبيهة بصورته ~~في حميها وتوقدها، وهذا لا يوجد في قولنا PageV01P078 # "استعرت الحرب" أو ما جرى مجراه. وكذلك قال -صلى الله عليه وسلم: "بعثت ~~في نفس الساعة" فقوله: "نفس الساعة" من العبارة العجيبة التي لا يقوم غيرها ~~مقامها؛ لأن المراد بذلك أنه بعث والساعة قريبة منه، لكن قربها منه لا يدل ~~على ما دل عليه النفس، وذاك أن النفس يدل على أن الساعة منه بحيث يحس بها ~~كما يحس الإنسان بنفس من هو إلى جانبه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في ~~موضع آخر: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى، ولو ~~قال: بعثت على قرب من الساعة, أو والساعة قريبة مني, لما دل ذلك على ما دل ~~عليه نفس الساعة، وهذا لا يحتاج إلى الإطالة في بيانه، لأنه بين واضح. # وقد ورد ms036 شيء من ذلك في أقوال الشعراء المفلقين, ولقد تصفحت الأشعار ~~قديمها وحديثها, وحفظت ما حفظت منها، وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من ~~الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوة كنشوة الخمر، وطربا ~~كطرب الألحان، وكثير من الناظمين والناثرين يمر على ذلك ولا يتفطن له، سوى ~~أنه يستحسنه من غير نظر فيما نظرت أنا فيه، ويظنه كغيره من الألفاظ ~~المستحسنة. # فمما جاء من ذلك قول أبي تمام1: # كم صارم عضب أناف على قفا %~% منهم لأعباء الوعى حمال # سبق المشيب إليه حتى ابتزه %~% وطن النهى من مفرق وقذال2 # فقوله: "وطن النهى" من الكلمات الجامعة، وهي عبارة عن الرأس، ولا يجاء ~~بمثلها في معناها مما يسد مسدها. وكذلك ورد قول البحتري: # قلب يطل على أفكاره ويد %~% تمضي الأمور، ونفس لهوها التعب3 # فقوله: "قلب يطل على أفكاره" من الكلمات الجوامع، ومراده بذلك أن قلبه لا ~~تملوه الأفكار، ولا تحيط به، وإنما هو عال عليها، يصف بذلك عدم احتفاله ~~بالقوادح، وقلة مبالاته بالخطوب التي تحدث أفكارا تستغرق القلوب، وهذه ~~عبارة عجيبة لا يؤمن بمثلها مما يسد مسدها. PageV01P079 # وأما ما يأتي على حكم الحقيقة فكقول ابن الرومي1: # سقى الله أوطارا لنا ومآربا %~% تقطع من أقرابها ما تقطعا # ليال تنسيني الليالي حسابها %~% بلهنية أقضي بها الحول أجمعا # سوى عزة لا أعرف اليوم باسمه %~% وأعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا # فقوله: "لا أعرف اليوم باسمه" من الكلمات الجامعة، أي: إني قد شغلت ~~باللذات عن معرفة الليالي والأيام، ولو وصف اشتغاله باللذات مهما وصف لم ~~يأت بمثل قوله: "لا أعرف اليوم باسمه". # وأما القسم الثاني من جوامع الكلم، فالمراد به الإيجاز الذي يدل به ~~بالألفاظ القليلة على المعاني الكثيرة: أي: إن ألفاظه -صلوات الله عليه- ~~جامعة للمعاني المقصودة على إيجازها واختصارها، وجل كلامه جار هذا المجرى، ~~فلا يحتاج إلى ضرب الأمثلة به، وسيأتي في باب الإيجاز منه ما فيه كفاية ~~ومقنع. # فإن قيل: فما الفرق بين هذين القسمين اللذين ذكرتهما، فإنهما في النظر ~~سواء? قلت في الجواب: ms037 إن الإيجاز هو أن يؤتى بألفاظ دالة على معنى من غير ~~أن تزيد على ذلك المعنى، ولا يشترط في تلك الألفاظ أنها لا نظير لها، فإنها ~~تكون قد اتصفت بوصف آخر خارج عن وصف الإيجاز، وحينئذ يكون إيجازا وزيادة. ~~وأما هذا القسم الآخر فإنه ألفاظ أفراد في حسنها لا نظير لها، فتارة تكون ~~موجزة، وتارة لا تكون موجزة، وليس الغرض منها الإيجاز، وإنما الغرض مكانها ~~من الحسن الذي لا نظير لها فيه، ألا ترى إلى قول أبي تمام "وطن النهي"؟ فإن ~~ذلك عبارة عن الرأس، ولا شك أن الرأس أوجز، لأن الرأس لفظة واحدة، و"وطن ~~النهي" لفظتان، إلا أن "وطن النهي" أحسن في التعبير عن الرأس من الرأس, ~~فبان بهذا أن أحد هذين القسمين غير الآخر. PageV01P080 ### || الفصل السادس: في الحكمة التي هي ضالة المؤمن # قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها إذا ~~وجدها" والمراد بذلك أن الحكمة قد يستفيدها أهلها من غير أهلها، كما يقال: ~~"رب رمية من غير رام"، وهذا لا يخص علما واحدا من العلوم، بل يقع في كل ~~علم، والمطلوب منه ههنا هو ما يخص علم البيان من الفصاحة والبلاغة، دون ~~غيره. # ومذ سمعت هذا الخبر النبوي جعلت كدي في تتبع أقوال الناس في مفاوضاتهم ~~ومحاوراتهم، فإنه قد تصدر الأقوال البليغة والحكم والأمثال ممن لا يعلم ما ~~يقوله، فاستفدت بذلك فوائد كثيرة لا أحصرها عددا، وأنا أذكر منها طرفا ~~يستدل به على أشباهه ونظائره. # فمن ذلك أني سرت في بعض الطرق وفي صحبتي رجل بدوي من الأنباط1 لا يعتد ~~بقوله، فكان يقول: "غدا ندخل البلد وتشتغل عني"، وكان الأمر كما قال، فدخلت ~~مدينة حلب وشغلت عنه أياما، ثم لقيني فقال لي: "من تروى فترت عظامه"، وهذا ~~القول من الأقوال البليغة, وهي من الحكمة التي هي الضالة المطلوبة عند ~~مؤمني الفصاحة والبلاغة. # ثم إني سمعت منه بعد ذلك شيئا يناسب قوله الأول، فإني سفرت له إلى صاحب ~~في حلب في شيء أخذته منه، ms038 فاستقله، وقال: "الماء أروى لشدوق النيب". وهذا ~~أيضا من الحكمة في بابها. # وسافرت مرة أخرى على طريق المناظرة، وكان في صحبتي رجل بدوي، فسألته عن ~~مسافة ما بين تدمر2 وأراك3، فقال: إذا "خرج سرحاهما تلاقيا"، فعبر عن قرب ~~المسافة بينهما بأوجز عبارة وأبلغها. PageV01P081 # ثم سألته ليلة من الليالي عن الصبح لنرتحل من موضعنا، فقال: "قد ظهر ~~الصبح إلا أنه لم يملك الإنسان بصره"، وهذا القول من الحكمة أيضا. # وكان تزوج غلام من غلماني دمشق، فوقعت المرأة منه بموقع، وشغف بها ثم ~~سافرت عن دمشق لمهم عرض لي، وسافر ذلك الغلام في صحبتي، فلما عدنا من السفر ~~شغل بامرأته والمقام عندها، فسألته عن حاله فقال: إنها قد طالت وحسنت، وهي ~~كذا وكذا، وأخذ يصفها، فقال أخ له كان حاضرا: يا مولاي، هي تلك لم تزد ~~شيئا، وإنما هي في عينه جبار من الجبابرة! # وهذا القول قد ورد في بعض أبيات الحماسة وهي معدود من أبيات المعاني: # أهابك إجلالا وما بك قدرة %~% علي ولكن ملء عين حبيبها1 # فكثيرا ما يصدر مثل هذه الأقوال عن ألسنة الجهال. # وسمعت ما يجري هذا المجرى من بعض العبيد الأحابش الذين لا يستطيعون تقويم ~~صيغ الألفاظ، فضلا عما وراء ذلك، وذاك أنه رأى صبيا في يده طاقة ريحان، ~~فقال: "هذه طاقة آس تحمل طاقة ريحان". فلما سمعت ذلك منه أخذتني هزة ~~التعجب، وذكرت شعر أبي نواس الذي تواصفه الناس في هذا المعنى، وهو قوله: # ووردة بها شادن %~% في كفه اليمنى فحيانا # سبحت ربي حين أبصرتها %~% ريحانة تحمل ريحانا # وحضر عندي في بعض الأيام رجل نصراني موسوم بالطب، وكان لا يحسن أن يقول ~~كلمة واحدة، وهو أقلف اللسان، يسيء العبارة, فسألته عن زيارة شخص وهل يتردد ~~إليه أم لا، فقال: "ظلام الليل يهديني إلى باب من أوده، وضوء النهار يضل به ~~عن باب من لا أوده"، وهذا من ألطف المعاني وأحسنها وهو من الحكمة المطلوبة. # وكنت قصدت زيارة بعض الإخوان من الأجناد وهو من الأغتام2 الأعجام، فسألته ~~عن ms039 حاله، وكان توالت عليه نكبات طالت أيامها، وعظمت PageV01P082 # آلامها، فقال لي في الجواب ما معناه: إنه لم يبق عندي ارتياع لوقوع نائبة ~~من النوائب, وهذا معنى لو أتى به شاعر مفلق، أو كاتب بليغ, لاستحسن منه ~~غاية الاستحسان. # وكنت في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بأرض فلسطين في الجيش الذي كان قبالة ~~العدو الكافر من الفرنج -لعنهم الله، وتقابل الفريقان على مدينة يافا، وكان ~~إلى جانبي ثلاثة فرسان من المسلمين، فتعاقدوا على الحملة إلى نحو العدو، ~~فلما حملوا صدق منهم اثنان وتلكأ واحد، فقيل له في ذلك، فقال: "الموت طعام ~~لا تجشه1 المعدة". فلما سمعت هذه الكلمة استحسنتها، وإذا هي صادرة عن رجل ~~من أهل "بصرى" قدم2 من الأقدام. # ولو أخذت في ذكر ما سمعته من هذا لأطلت، وإنما دللت بيسير ما ذكرته على ~~المراد، وهو أنه يجب على المتصدي للشعر والخطابة أن يتتبع أقوال الناس في ~~محاوراتهم, فإنه لا يعدم مما يسمعه منهم حكما كثيرة، ولو أراد استخراج ذلك ~~بفكره لأعجزه. # ويحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي أولها: # على مثلها من أربع وملاعب3 # انتهى منها إلى قوله: # يرى أقبح الأشياء أوبة آمل %~% كسته يد المأمول حلة خائب # ثم قال: # وأحسن من نور يفتحه الصبا # ووقف عند صدر هذا البيت يردده، وإذا سائل يسأل على الباب، وهو يقول: "من ~~بياض عطاياكم في سواد مطالبنا" فقال أبو تمام: # بياض العطايا في سواد المطالب # فأتم صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل. PageV01P083 # وسمعت امرأة قد توفي لها ولد، وهو بكرها الذي هو أول أولادها فقالت: كيف ~~لا أحزن لذهابه وهو أول درهم وقع في الكيس؟ فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته ~~كتابا من كتبي في التعازي، وهو كتاب كتبته إلى بعض الإخوان, وقد توفي بكره ~~من الأولاد فقلت: "وهو أول درهم ادخرته في كيس الادخار، وأعددته لحوادث ~~الليل والنهار". # وبلغني عن الشيخ أبي محمد [عبد الله بن1] أحمد بن أحمد المعروف بابن ~~الخشاب البغدادي، وكان إماما في علم العربية ms040 وغيره، فقيل: إنه كان كثيرا ما ~~يقف على حلق القصاص والمشعبذين، فإذا أتاه طلبة العلم لا يجدونه في أكثر ~~أوقاته إلا هناك، فليم على ذلك، وقيل له: أنت إمام الناس في العلم، وما ~~الذي يبعثك على الوقوف بهذه المواقف الرذيلة، فقال: "لو علمتم ما أعلم لما ~~لمتم! ولطالما استفدت من هؤلاء الجهال فوائد كثيرة, فإنه يجري في ضمن ~~هذيانهم معان غريبة لطيفة، ولو أردت أنا وغيري أن نأتي بمثلها لما استطعنا ~~ذلك", ولا شك أن هذا الرجل رأى ما رأيته ونظر إلى ما نظرت إليه. ~~PageV01P084 ### || الفصل السابع: في الحقيقة والمجاز # وهذا الفصل مهم كبير من مهمات علم البيان، لا بل هو علم البيان بأجمعه، ~~فإن في تصريف العبارات على الأسلوب المجازي فوائد كثيرة، وسيرد بيانها في ~~مواضعها من هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى، وقد نبهنا في هذا الموضع على ~~جملتها دون تفصيلها. # فأما "الحقيقة" فهي: اللفظ الدال على موضوعه الأصلي. # وأما "المجاز" فهو: ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة, وهو ~~مأخوذ من جاز من هذا الموضع إلى هذا الموضع، إذا تخطاه إليه. # فالمجاز إذا اسم للمكان الذي يجاز فيه كالمعاج والمزار وأشباههما، ~~وحقيقته PageV01P084 # هي الانتقال من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل، ~~كقولنا: زيد أسد، فإن زيدا إنسان، والأسد هو هذا الحيوان المعروف، وقد جزنا ~~من الإنسانية إلى الأسدية، أي: عبرنا من هذه إلى هذه لوصلة بينهما، وتلك ~~الوصلة هي صفة الشجاعة. # وقد يكون العبور لغير وصلة، وذلك هو "الاتساع"، كقولهم في كتاب "كليلة ~~ودمنة" قال الأسد، وقال الثعلب، فإن القول لا وصلة بينه وبين هذين بحال من ~~الأحوال، وإنما أجري عليها اتساعا محضا لا غير. # ولهذا مثال في المجاز الحقيقي الذي هو المكان المجاز فيه، فإنه لا يخلو ~~إما أن يجاز من سهل إلى سهل، أو من وعر إلى وعر كقولنا: زيد أسد، فالمشابهة ~~الحاصلة في ذات بينهما كالمشابهة الحاصلة في المكان، والجواز من سهل إلى ~~وعر كقولهم: قال ms041 الأسد، وقال الثعلب، فكما أنه لا مشابهة بين القول وبين ~~هذين، فكذلك لا مشابهة بين السهل والوعر، وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك, وإشباع ~~القول في تحقيقه في باب "الاستعارة" فليؤخذ من هناك. # وقد ذهب قوم إلى أن الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه، وذهب آخرون إلى أنه ~~كله مجاز لا حقيقة فيه، وكلا هذين المذهبين فاسد عندي. # وسأجيب الخصم عما ادعاه فيهما، فأقول: محل النزاع هو أن اللغة كلها حقيقة ~~أو أنها كلها مجاز، ولا فرق عندي بين قولك: إنها كلها حقيقة, أو إنها كلها ~~مجاز، فإن كلا الطرفين عندي سواء؛ لأن منكرهما غير مسلم لهما، وأنا بصدد أن ~~أبين أن في اللغة حقيقة ومجازا. # و"الحقيقة اللغوية"، هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني، وليست ~~بالحقيقة التي هي ذات الشيء, أي: نفسه وعينه، فالحقيقة اللفظية إذا هي ~~دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة، والمجاز هو نقل المعنى عن ~~اللفظ الموضوع له إلى لفظ آخر غيره. # وتقرير ذلك بأن أقول: المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدل بها عليها، ~~ليعرف كل منها باسمه، من أجل التفاهم بين الناس، وهذا يقع ضرورة لا بد ~~منها، فالاسم الموضوع بإزاء المسمى هو حقيقة له، فإذا نقل إلى غيره صار ~~مجازا. PageV01P085 # ومثال ذلك: أنا إذا قلنا: "شمس" أردنا به الكوكب العظيم الكثير الضوء، ~~وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه، وذلك إذا قلنا: "بحر" أردنا به هذا ~~الماء العظيم المجتمع الذي طعمه ملح، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع ~~بإزائه. # فإذا نقلنا "الشمس" إلى "الوجه المليح" استعارة, كان ذلك له مجازا لا ~~حقيقة، وكذلك إذا نقلنا "البحر" إلى "الرجل الجواد" استعارة, كان ذلك له ~~مجازا لا حقيقة. # فإن قيل: إن "الوجه المليح" يقال له: "شمس"، وهو حقيقة فيه، وكذلك البحر ~~يقال للرجل الجواد، وهو حقيقة فيه. فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما نظري، ~~والآخر: وضعي. # أما النظري: فهو أن الألفاظ إنما جعلت أدلة على إفهام المعاني، ولو كان ~~ما ذهبت إليه صحيحا لكان ms042 "البحر" يطلق على هذا الماء العظيم الملح، وعلى ~~الرجل الجواد، بالاشتراك، وكذلك الشمس أيضا، فإنها كانت تطلق على هذا ~~الكوكب العظيم الكثير الضوء، وعلى الوجه المليح، بالاشتراك، وحينئذ فإذا ~~ورد أحد هذين اللفظين مطلقا بغير قرينة تخصصه, فلا يفهم المراد به ما هو من ~~أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، فإنا ~~إذا قلنا: "شمس" أو "بحر", وأطلقنا القول, لا يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل ~~جواد، وإنما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم لا غير، فبطل ~~إذا ما ذهبت إليه بما بيناه وأوضحناه. # فإن قلت: إن العرف يخالف ما ذهبت إليه، فإن من الألفاظ ما إذا أطلق لم ~~يذهب الفهم منه إلا إلى المجاز دون الحقيقة، كقولهم: "الغائط" فإن العرب ~~خصص ذلك بقضاء الحاجة دون غيره من المطمئن من الأرض. # قلت في الجواب: هذا شيء ذهب إليه الفقهاء، وليس الأمر كما ذهبوا إليه؛ ~~لأنه إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامة الناس من إسكاف وحداد ونجار وخباز ~~ومن جرى مجراهم, فهؤلاء لا يفهمون من "الغائط" إلا قضاء الحاجة؛ لأنهم لم ~~يعلموا أصل وضع هذه الكلمة, وأنها مطمئن من الأرض. وأما خاصة الناس الذين ~~يعلمون أصل الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلا PageV01P086 # الحقيقة لا غير، ألا ترى أن هذه اللفظة لما وردت في القرآن الكريم وأريد ~~بها قضاء الحاجة قرنت بألفاظ تدل على ذلك، كقوله تعالى: {أو جاء أحد منكم ~~من الغائط} 1 فإن قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} دليل على أنه أراد ~~قضاء الحاجة دون المطمئن من الأرض، فالكلام في هذا وأمثاله إنما هو مع علم ~~أصل الوضع حقيقة والنقل عنه مجازا، وأما الجهال فلا اعتبار بهم، ولا اعتداد ~~بأقوالهم, والعجب عندي من الفقهاء الذين دونوا ذلك على ما دونوه، وذهبوا ~~إلى ما ذهبوا إليه. # وأما الوجه الوصفي: فهو أن المرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة، ~~التي هي وضع الأسماء على المسميات، ولم يوجد فيها أن ms043 الوجه المليح يسمى ~~شمسا، ولا أن الرجل الجواد يسمى بحرا، وإنما أهل الخطابة والشعر توسعوا في ~~الأساليب المعنوية فنقلوا الحقيقة إلى المجاز، ولم يكن ذلك من واضع اللغة ~~في أصل الوضع، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية. # هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئا لم يكن قبله، فمن ذلك أنه أول من عبر عن ~~الفرس بقوله: "قيد الأوابد"2 ولم يسمع ذلك لأحد من قبله. # وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال يوم حنين: "الآن حمي ~~الوطيس" , وأراد بذلك شدة الحرب، فإن الوطيس في أصل الوضع التنور, فنقل إلى ~~الحرب استعارة، ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي -صلى الله ~~عليه وسلم، وواضع اللغة ما ذكر شيئا من ذلك. # فعلمنا حينئذ أن من اللغة حقيقة بوضعه، ومجازا بتوسعات أهل الخطابة ~~والشعر. وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم ~~تكن من قبل، ولو كان هذا موقوفا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده، ~~ولا زيد فيه، ولا نقص منه. PageV01P087 # وأما الفرق بينه وبين الحقيقة, فهو أن الحقيقة جارية على العموم في ~~نظائر، ألا ترى أنا إذا قلنا: "فلان عالم" صدق على كل ذي علم، بخلاف {واسأل ~~القرية} 1؛ لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد أهل ~~القرية؛ لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال: واسأل الحجر والتراب، ~~وقد يحسن أن يقال: واسأل الربع والطلل. # واعلم أن كل مجاز فله حقيقة؛ لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلا ~~لنقله عن حقيقة موضوعة له، إذ المجاز هو اسم للموضع الذي يتنقل فيه من مكان ~~إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها. # وإذا كان كل مجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية, فكذلك ~~ليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، فإن من الأسماء ما لا مجاز له، ~~كأسماء الأعلام؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا ms044 للفرق بين الصفات. # وكذلك فاعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة ~~والبلاغة2؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه؛ حيث ~~هو فرع عليها، وليس الأمر كذلك؛ لأنه قد ثبت وتحقق أن فائدة الكلام الخطابي ~~هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر ~~إليه عيانا. # ألا ترى أن حقيقة قولنا: "زيد أسد" هي قولنا: "زيد شجاع", لكن فرق بين ~~القولين في التصوير والتخييل، وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع؛ لأن ~~PageV01P088 # قولنا: "زيد شجاع" لا يتخيل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام، فإذا ~~قلنا: "زيد أسد" يخيل عند ذلك صورة الأسد وهيئته، وما عنده من البطش ~~والقوة، ودق الفرائس, وهذا لا نزاع فيه. وأعجب ما في العبارة المجازية أنها ~~تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال، حتى إنها ليسمح بها البخيل، ~~ويشجع بها الجبان، ويحكم بها الطائش المتسرع، ويجد المخاطب بها عند سماعها ~~نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من ~~بذل مال, أو ترك عقوبة, أو إقدام على أمر مهول، وهذا هو فحوى السحر الحلال، ~~المستغني عن إلقاء العصا والحبال. # واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يحمل معناه على طريق الحقيقة وعلى ~~طريق المجاز باختلاف لفظه، فانظر: فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق ~~المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلا على طريق الحقيقة؛ لأنها هي الأصل, والمجاز ~~هو الفرع، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلا لفائدة. مثال ذلك قول البحتري: # مهيب كحد السيف لو ضربت به %~% ذرا أجإ ظلت وأعلامها وهد1 # ويروى أيضا "لو ضربت به طلى أجإ" جمع طلية، وهي العنق، فهذا البيت لا ~~يجوز حمله على المجاز؛ لأن الحقيقة أولى به، ألا ترى أن "الذرا" جمع ~~"ذروة"، وهو أعلى الشيء، يقال: ذروة الجبل، أعلاه، والطلى: جمع طلية، وهي ~~العنق، والعنق: أعلى الجسد، ولا فرق بينهما في صفة العلو هنا, فلا يعدل إذا ms045 ~~إلى المجاز إذ لا مزية له على الحقيقة. # وهكذا كل ما يجيء من الكلام الجاري هذا المجرى، فإنه إن لم يكن في المجاز ~~زيادة فائدة على الحقيقة لا يعدل إليه %~% PageV01P089 ### || الفصل الثامن: في الفصاحة والبلاغة # اعلم أن هذا باب متعذر على الوالج، ومسلك متوعر على الناهج، ولم يزل ~~العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه, والبحث عنه، ولم أجد من ~~ذلك ما يعول عليه إلا القليل. # وغاية ما يقال في هذا الباب أن "الفصاحة" هي الظهور والبيان في أصل الوضع ~~اللغوي، يقال: "أفصح الصبح"، إذا ظهر، ثم إنهم يقفون عند ذلك، ولا يكشفون ~~عن السر فيه. # وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة؛ لأنه يعترض عليه بوجوه من ~~الاعتراضات: # أحدهما: إنه إذا لم يكن ظاهرا بينا لم يكن فصيحا، ثم إذا ظهر وتبين صار ~~فصيحا. # الوجه الآخر: إنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين، فقد صار ذلك ~~بالنسب والإضافات إلى الأشخاص، فإن اللفظ قد يكون ظاهرا لزيد، ولا يكون ~~ظاهرا لعمرو, فهو إذا فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا، وليس كذلك، بل ~~الفصيح هو فصيح عند الجميع، لا خلاف فيه بحال من الأحوال؛ لأنه إذا تحقق حد ~~الفصاحة, وعرف ما هي, لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف. # الوجه الثالث: إنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع، وهو مع ذلك ظاهر ~~بين، ينبغي أن يكون فصيحا وليس كذلك؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ، ولا وصف ~~قبح. # فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل: إن اللفظ الفصيح هو ~~الظاهر البين، من غير تفصيل. PageV01P090 # ولما وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة فيها، ولم يثبت ~~عندي منها ما أعول عليه، ولكثرة ملابستي هذا الفن ومعاركتي إياه, انكشف لي ~~السر فيه، وسأوضحه في كتابي هذا, وأحقق القول فيه، فأقول: # إن الكلام الفصيح هو الظاهر البين، وأعني الظاهر البين: أن تكون ألفاظه ~~مفهومة لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتاب لغة، وإنما كانت بهذه الصفة ~~لأنها تكون ms046 مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر دائرة في كلامهم. # وإنما كانت مألوفة الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان ~~حسنها، وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها، وسبروا ~~وقسموا، فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه، ونفووا القبيح منها فلم ~~يستعملوه، فحسن الألفاظ1 سبب استعمالها دون غيرها، واستعمالها دون غيرها ~~سبب ظهورها وبيانها، فالفصيح إذا من الألفاظ هو الحسن. # فإن قيل: من أي وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى ~~استعملوه، وعلموا أن القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه? # قلت في الجواب: إن هذا من الأمور المحسوسة التي شاهدها من نفسها؛ لأن ~~الألفاظ داخلة في حيز الأصوات، فالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو ~~الحسن، والذي يكرهه وينفر عنه هو القبيح. # ألا ترى أن السمع يستلذ صوت البلبل من الطير, وصوت الشحرور، ويميل ~~إليهما، ويكره صوت الغراب، وينفر عنه، وكذلك يكره نهيق الحمار، ولا يجد ذلك ~~في صهيل الفرس، والألفاظ جارية هذا المجرى، فإنه لا خلاف في أن لفظة ~~"المزنة" و"الديمة" حسنة يستلذها السمع، وأن لفظة "البعاق" قبيحة يكرهها ~~السمع، وهذه اللفظات الثلاثة من صفة المطر، وهي تدل على معنى واحد، ومع هذا ~~فإنك ترى لفظتي "المزنة" و"الديمة" وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى ~~لفظ "البعاق" وما جرى مجراه متروكا لا يستعمل، وإن استعمل، فإنما ~~PageV01P091 # يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة, أو من ذوقه غير ذوق سليم، لا جرم أنه ذم ~~وقدح فيه, ولم يلتفت إليه، وإن كان عربيا محضا من الجاهلية الأقدمين، فإن ~~حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها، ولم يعرج على ما خرج عنها. # وإذن ثبت أن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، وإنما كان ظاهرا بينا ~~لأنه مألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه، وحسنه مدرك ~~بالسمع, والذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ، لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف، ~~فما استلذه السمع منه فهو الحسن، وما كرهه فهو القبيح، والحسن هو الموصوف ~~بالفصاحة، والقبيح غير موصوف بفصاحة؛ لأنه ضدها لمكان قبحه، وقد مثلت ms047 ذلك ~~في المثال المتقدم بلفظ "المزنة" و"الديمة" ولفظة "البعاق". # ولو كانت الفصاحة لأمر يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة ~~عليه سواء: ليس منها حسن ومنها قبيح، ولما لم يكن كذلك علمنا أنها تخص ~~اللفظ دون المعنى. # وليس لقائل ههنا أن يقول: لا لفظ إلا بمعنى، فكيف فصلت أنت بين اللفظ ~~والمعنى? فإني لم أفصل بينهما، وإنما خصصت اللفظ بصفة هي له، والمعنى يجيء ~~فيه ضمنا وتبعا. # الوجه الثاني: إن وزن "فعيل" هو اسم فاعل من "فعل" بفتح الفاء وضم العين ~~نحو كرم فهو كريم، وشرف فهو شريف، ولطف فهو لطيف، وهذا مطرد في بابه، وعلى ~~هذا فإن اللفظ الفصيح هو اسم فاعل من فصح فهو فصيح، واللفظ هو الفاعل ~~للإبانة عن المعنى، فكانت الفصاحة مختصة به. # فإن قيل: إنك قلت: إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، أي: المفهوم، ~~ونرى من آيات القرآن الكريم ما لا يفهم ما تضمنه من المعنى إلا باستنباط ~~وتفسير، وتلك الآيات فصيحة لا محالة، وهذا بخلاف ما ذكرته. # قلت: لأن الآيات التي تستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلا PageV01P092 # ومفردات ألفاظه كلها ظاهرة واضحة، وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من ~~جهة التركيب، لا من جهة ألفاظه المفردة؛ لأن معنى المفردة يتداخل بالتركيب، ~~ويصير له هيئة تخصه، وهذا ليس قدحا في فصاحة تلك الألفاظ؛ لأنها إذا اعتبرت ~~لفظة لفظة, وجدت كلها فصيحة, أي: ظاهرة واضحة, وأعجب ما في ذلك أن تكون ~~الألفاظ المفردة التي تركبت منها المركبة واضحة كلها، وإذا نظر إليها مع ~~التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير، وهذا لا يختص به القرآن وحده، بل في ~~الأخبار النبوية والأشعار والخطب والمكاتبات كثير من ذلك. وسأورد ههنا منه ~~شيئا، فأقول: قد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "صومكم يوم ~~تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون" وهذا الكلام مفهومة مفردات ~~ألفاظه؛ لأن الصوم والفطر والأضحى مفهوم كله، وإذا سمع هذا الخبر من غير ~~فكرة قيل: علمنا أن صومنا يوم نصوم، وفطرنا ms048 يوم نفطر، وأضحانا يوم نضحي، ~~فما الذي أعلمنا به مما لم نعلمه? # وإذا أمعن الناظر نظره فيه علم أن معناه يحتاج إلى استنباط، والمراد به ~~أنه إذا اجتمع الناس على أن أول شهر رمضان يوم كذا، ولم يكن ذلك اليوم ~~أوله، فإن الصوم صحيح، وأوله هو ذلك اليوم الذي اجتمع الناس إليه، وكذا ~~يقال في يوم الفطر، ويوم الأضحى. ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة تفهم ~~معاني ألفاظها المفردة، وإذا تركبت تحتاج في فهمها إلى استنباط. # وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول أبي تمام1: # ولهت فأظلم كل شيء دونها %~% وأضاء2 منها كل شيء مظلم # فإن الوله والظلمة والإضاءة كل ذلك مفهوم المعنى، لكن البيت بجملته يحتاج ~~في فهمه إلى استنباط، والمراد به أنها ولهت فأظلم ما بيني وبينها، لما ~~نالني من الجزع لولهها، كما يقول الجازع: أظلمت الأرض علي, أي: إني صرت ~~كالأعمى PageV01P093 # الذي لا يبصر، وأما قوله: "وأضاء منها كل شيء مظلم" أي: وضح لي منها ما ~~كان مستترا عني من حبها إياي. # وكذلك ورد قول أبي عبادة البحتري في منهزم1: # إذا سار سهبا عاد ظهرا عدوه %~% وكان الصديق بكرة ذلك السهب # فإن السير، والسهب والظهر، والعدو والصديق كل ذلك مفهوم المعنى، لكن ~~البيت بمجموعه يحتاج معناه إلى استنباط، والمراد أن هذا المنهزم يرى ما بين ~~يديه محبوبا إليه، وما خلفه مكروها عنده؛ لأنه يطلب النجاة فيؤثر البعد مما ~~خلفه, والقرب مما أمامه، فإذا قطع سهبا, وخلفه وراءه صار عنده كالعدو، وقبل ~~أن يقطعه كان له صديقا, أي: يطلب لقاءه ويحب الدنو منه. # فانظر أيها المتأمل إلى ما ذكرته من هذه الأمثلة حتى يثبت عندك ما أردت ~~بيانه. # وأما البلاغة: فإن أصلها في وضع اللغة من الوصول والانتهاء، يقال: بلغت ~~المكان، إذا انتهيت إليه، ومبلغ الشيء منتهاه، وسمي الكلام بليغا من ذلك، ~~أي: إنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية. # والبلاغة شاملة للألفاظ والمعاني، وهي أخص من الفصاحة، كالإنسان من ~~الحيوان، فكل إنسان حيوان، وليس كل حيوان إنسانا، وكذلك ms049 يقال: كل كلام بليغ ~~فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغا. # ويفرق بينها وبين الفصاحة من وجه آخر غير الخاص والعام، وهو أنها لا تكون ~~إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب، فإن اللفظة الواحدة لا يطلق عليها اسم ~~البلاغة، ويطلق عليها اسم الفصاحة، إذ يوجد فيها وصف المختص بالفصاحة، وهو ~~الحسن، وأما وصف البلاغة فلا يوجد فيها، لخلوها من المعنى المفيد الذي ~~ينتظم كلاما. PageV01P094 ### ||| مسألة تتعلق بهذا الفصل: # هل أخذ علم البيان من ضروب الفصاحة والبلاغة بالاستقراء من أشعار العرب ~~أم بالنظر وقضية العقل? # الجواب عن ذلك أنا نقول: لم يؤخذ علم البيان بالاستقراء، فإن العرب الذين ~~ألفوا الشعر والخطب لا يخلو أمرهم من حالين: إما أنهم ابتدعوا ما أتوا به ~~من ضروب الفصاحة والبلاغة بالنظر وقضية العقل، أو أخذوه بالاستقراء ممن كان ~~قبلهم, فإن كانوا ابتدعوه عند وقوفهم على أسرار اللغة, ومعرفة جيدها من ~~رديئها، وحسنها من قبيحها, فذلك هو الذي أذهب إليه. وإن كانوا أخذوه ~~بالاستقراء ممن كان قبلهم، فهذا لا يتسلسل إلى أول من ابتدعه ولم يستقره، ~~فإن كل لغة من اللغات لا تخلو من وصفي الفصاحة والبلاغة المختصين بالألفاظ ~~والمعاني، إلا أن اللغة العربية مزية على غيرها، لما فيها من التوسعات التي ~~لا توجد في لغة أخرى سواها. ### ||| مسألة أخرى تتعلق بهذا الفصل أيضا: # هل علم البيان من الفصاحة والبلاغة جار مجرى علم النحو أم لا? # الجواب عن ذلك أنا نقول: الفرق بينهما ظاهر، وذاك أن أقسام النحو أخذت من ~~واضعها بالتقليد، حتى لو عكس القضية فيها لجاز له ذلك، ولما كان العقل ~~يأباه ولا ينكره، فإنه لو جعل الفاعل منصوبا والمفعول مرفوعا, قلد في ذلك, ~~كما قلد في رفع الفاعل ونصب المفعول، وأما علم البيان من الفصاحة والبلاغة ~~فليس كذلك؛ لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل، من غير واضع اللغة، ولم يفتقر ~~فيه إلى التوقيف منه, بل أخذت ألفاظ ومعان على هيئة مخصوصة, وحكم لها العقل ~~بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها، فإن كل عارف بأسرار ms050 الكلام من أية ~~لغة كانت من اللغات يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة, يلذها ~~السمع ولا ينبو عنها الطبع، خير من إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو ~~عنها السمع، ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه. # فإن قيل: لو أخذت أقسام النحو بالتقليد من واضعها لما أقيمت الأدلة ~~عليها, وعلم بقضية النظر أن الفاعل يكون مرفوعا والمفعول منصوبا? # فالجواب عن ذلك أنا نقول: هذه الأدلة واهية لا تثبت على محك الجدل، فإن ~~هؤلاء الذين تصدوا لإقامتها سمعوا عن واضع اللغة رفع الفاعل ونصب المفعول ~~من غير دليل أبداه لهم، فاستخرجوا لذلك أدلة وعللا، وإلا فمن أين علم هؤلاء ~~أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي التي ذكروها؟ PageV01P095 ### || الفصل التاسع: في أركان الكتابة # اعلم أن للكتابة شرائط وأركانا, أما شرائطها فكثيرة، وهذا التأليف موضوع ~~لمجموعها، وللقسم الآخر من الكلام المنظوم. # وليس يلزم الكاتب أن يأتي بالجميع في كتاب واحد، بل يأتي بكل نوع من ~~أنواعها في موضعه الذي يليق به، كما رأيناه فيما يأتي من هذا التأليف. # وأما الأركان التي لا بد من إيداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فخمسة: # الأول: أن يكون مطلع الكتاب عليه جدة ورشاقة، فإن الكاتب من أجاد المطلع ~~والمقطع، أو يكون مبنيا على مقصد الكتاب، ولهذا الباب يسمى باب "المبادئ ~~والافتتاحات"1 فليحذ حذوه، وهذا الركن يشترك فيه الكاتب والشاعر. # الركن الثاني: أن يكون الدعاء المودع في صدر الكتاب مشتقا من المعنى الذي ~~بني عليه الكتاب, وقد نبهنا على طرف من ذلك في باب يخصه2 أيضا، فليطلب ~~PageV01P096 # من هناك. وهو مما يدل على حذاقة الكاتب وفطانته، وكثيرا ما تجده في ~~مكاتباتي التي أنشأتها، فإني قصدته فيها, وتوخيته بخلاف غيري من الكتاب؛ ~~لأنه ربما يوجد في كتابة غيري قليلا، وتجده في كتابتي كثيرا. # الركن الثالث: أن يكون خروج الكاتب من معنى إلى معنى برابطة، لتكون رقاب ~~المعاني آخذة بعضها ببعض، ولا تكون مقتضبة، ولذلك باب مفرد أيضا يسمى باب ~~"التخلص ms051 والاقتضاب1". وهذا الركن أيضا يشترك فيه الكاتب والشاعر. # الركن الرابع: أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال, ولا ~~أريد بذلك أن تكون ألفاظا غريبة، فإن ذلك عيب فاحش، بل أريد أن تكون ~~الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكا غريبا، يظن السامع أنها غير ما في أيدي ~~الناس، وهي مما في أيدي الناس، وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيه الخواطر ~~براعتها، والأقلام شجاعتها، كما قال البحتري: # باللفظ يقرب فهمه في بعده %~% عنا ويبعد نيله في قربه2 # وهذا الموضع بعيد المنال، كثير الإشكال، يحتاج إلى لطف وذوق وشهامة خاطر، ~~وهو شبيه بالشيء الذي يقال: إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم، فلفظه هو ~~الذي يستعمل، وليس بالذي يستعمل, أي: إن مفردات ألفاظه هي المستعملة ~~المألوفة، ولكن سبكه وتركيبه هو الغريب العجيب. # وإذا سموت أيها الكاتب إلى هذه الدرجة، واستطعمت طعم هذا الكلام المشار ~~إليه، علمت حينئذ أنه كالروح الساكنة في بدنك التي قال الله فيها: {قل ~~الروح PageV01P097 # من أمر ربي} 1 وليس كل خاطر براق إلى هذه الدرجة {ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم} 2. # ومع هذا, فلا تظن أيها الناظر في كتابي أني أردت بهذا القول إهمال جانب ~~المعاني، بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة, ولا تكون تحته من ~~المعنى ما يماثله ويساويه، فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في ~~حسنها, إلا أن صاحبها بليد أبله، والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها ~~جسما لمعنى شريف. # على أن تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه أيسر من تحصيل ~~الألفاظ المشار إليها. # ويحكى عن المبرد -رحمه الله تعالى- أنه قال: ليس أحد في زماني إلا وهو ~~يسألني عن مشكل من معاني القرآن أو مشكل من معاني الحديث النبوي، أو غير ~~ذلك من مشكلات علم العربية، فأنا إمام الناس في زماني هذا، وإذا عرضت لي ~~حاجة إلى بعض إخواني وأردت أن أكتب إليه شيئا في أمرها أحجم عن ذلك؛ لأني ~~أرتب المعنى, ثم أحاول أن أصوغه بألفاظ مرضية ms052 فلا أستطيع ذلك. ولقد صدق في ~~قوله هذا، وأنصف غاية الإنصاف. # ولقد رأيت كثيرا من الجهال الذين هم من السوقة أرباب الحرف والصنائع، وما ~~منهم إلا من يقع له المعنى الشريف، ويظهر من خاطره المعنى الدقيق، ولكنه لا ~~يحسن أن يزاوج3 بين لفظتين، فالعبارة عن المعاني هي التي تخلب بها العقول. # وعلى هذا, فالناس كلهم مشتركون في استخراج المعاني، فإنه لا يمنع الجاهل ~~الذي لا يعرف علما من العلوم أن يكون ذكيا بالفطرة, واستخراج المعاني إنما ~~هو بالذكاء لا بتعلم العلم. # وبلغني أن قوما ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على ~~PageV01P098 # الحارات، وينادون بالسحور، ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر, ~~وإن لم يكن من بحار الشعر المنقولة عن العرب، وسمعت شيئا منه فوجدت فيه ~~معاني حسنة مليحة ومعاني غريبة، وإن لم تكن الألفاظ التي صيغت بها صيغة. ~~وهذا الركن أيضا يشترك فيه الكاتب والشاعر. # الركن الخامس: أن لا يخلو الكتاب من معنى من معاني القرآن الكريم ~~والأخبار النبوية، فإنها معدن الفصاحة والبلاغة، وإيراد ذلك على الوجه الذي ~~أشرت إليه في الفصل الذي يلي هذا الفصل من حل معاني القرآن الكريم والأخبار ~~النبوية أحسن من إيراده على وجه التضمين، وتوخي ذلك في كل كتاب عسر جدا، ~~وأنا انفردت بذلك دون غيري من الكتاب، فإني استعملته في كل كتاب، حتى إنه ~~ليأتي في الكتاب الواحد في عدة مواضع منه، ولقد أنشأت تقليدا لبعض الملوك ~~مما يكتب من ديوان الخلافة، ثم إني اعتبرت ما ورد فيه من معاني الآيات ~~والأخبار النبوية, فكان يزيد على الخمسين، وهذا لا أتكلفه تكلفا، وإنما ~~يأتي على حسب ما يقتضيه الموضع الذي يذكر فيه، وقد عرفتك أيها الكاتب كيف ~~تستعمل ما تستعمله من ذلك في الفصل الذي يأتي بعد هذا الفصل فخذه من هناك. # وهذا الركن يختص بالكاتب دون الشاعر؛ لأن الشاعر لا يلزمه ذلك؛ إذ الشعر ~~أكثره مدائح، وأيضا فإنه لا يتمكن من صوغ معاني القرآن والأخبار في ~~المنظوم, كما يتمكن منه ms053 في المنثور، ولربما أمكن ذلك في الشيء اليسير في ~~بعض الأحيان. # وإذا استكملت معرفة هذه الأركان الخمسة، وأتيت بها في كل كتاب بلاغي ذي ~~شأن, فقد استحققت حينئذ فضيلة التقدم، ووجب لك أن تسمي نفسك كاتبا. PageV01P099 ### || الفصل العاشر: في الطريق إلى تعلم الكتابة # هذا الفصل هو كنز الكتابة ومنبعها، وما رأيت أحدا تكلم فيه بشيء، ولما ~~حببت إلي هذه الفضيلة وبلغني الله منها ما بلغني، وجدت الطريق ينقسم فيها ~~إلى ثلاث شعب: # الأولى: أن يتصفح الكاتب كتابة المتقدمين، ويطلع على أوضاعهم في استعمال ~~الألفاظ والمعاني، ثم يحذو حذوهم، وهذه أدنى الطبقات عندي. # الثانية: أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنة، إما ~~في تحسين ألفاظ، أو في تحسين معان، وهذه هي الطبقة الوسطى، وهي أعلى من ~~التي قبلها. # الثالثة: أن لا يتصفح كتابة المتقدمين، ولا يطلع على شيء منها، بل يصرف ~~همه إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية, وعدة من دواوين فحول ~~الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ، ثم يأخذ في ~~الاقتباس من هذه الثلاثة، أعني: القرآن والأخبار النبوية والأشعار، فيقوم ~~ويقع، ويخطئ ويصيب، ويضل ويهتدي، حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه، ~~وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها، ~~وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد، وصاحبها يعد إماما في فن الكتابة، كما يعد ~~الشافعي وأبو حنيفة ومالك -رضي الله تعالى عنهم- وغيرهم من الأئمة ~~المجتهدين في علم الفقه، إلا أنها مستوعرة جدا، ولا يستطيعها إلا من رزقه ~~الله تعالى لسانا هجاما، وخاطرا رقاما. وقد سهلت لك صعابها، وذللت محاجها, ~~وكنت أشح بإظهار ذلك لما عانيت من PageV01P100 # نيله من العناء، فإني سلكت إليه كل طريق حتى بلغته آخرا، وإنما تكون ~~نفاسة الأشياء لعزة حصولها ومشقة وصولها: # ليس حلوا وجودك الشيء تبغي %~% ه طلابا حتى يعز طلابه1 # ولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها، وأظفرتني بكنوز جواهرها؛ ~~إذ لم يظفر غيري بأحجارها، فما وجدت أعون الأشياء عليها إلا حل آيات ms054 القرآن ~~الكريم والأخبار النبوية، وحل الأبيات الشعرية. # وقد قصرت هذا الفصل على ذكر وجوهها، وتقسيمها، وتمهيد الطريق إلى ~~تعليمها، فمن وقف على ما ذكرته علم أني لم آت شيئا فريا2، وأن الله قد جعل ~~تحت خواطري من بنات الأفكار سريا3، وهذه الطريق يجهلها كثير من متعاطي هذه ~~الصناعة، والذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من لآلئها ~~بمعرفة ما في الأصداف، ولو استخرج منها ما استخرجت، واستنتج ما استنتجت، ~~لهام بها في كل واد، وتزود إلى سلوك طريقها كل زاد: # لو يسمعون كما سمعت كلامها %~% خروا لعزة ركعا وسجودا4 # ولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطا في كتابته بما يستخرجه من ~~القرآن الكريم والأخبار النبوية والشعر، بحيث إنه لا ينشئ كتابا إلا من ~~ذلك، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم وأكثر من حفظ الأخبار النبوية ~~والأشعار، ثم نقب عن ذلك تنقيب مطلع على معانيه، مفتش عن دفائنه، وقلبه ~~ظهرا لبطن، عرف حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه، واستعان ~~بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية. PageV01P101 # ألا ترى أن صاحب الاجتهاد من الفقهاء يفتقر إلى معرفة آيات الأحكام، ~~وأخبار الأحكام، وإلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وإلى معرفة ~~علم العربية، وإلى معرفة الفرائض, والحساب من المعلوم والمجهول من أجل ~~مسائل الدور والوصايا وغيرها، وإلى معرفة إجماع الصحابة، فهذه أدوات ~~الاجتهاد، فإذا عرفها استخرج بفكرته حينئذ ما يؤديه إليه اجتهاده، كما فعل ~~أبو حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم من أئمة الاجتهاد. # وكذلك يجري الحكم في الكتاب إذا أحب الترقي إلى درجة الاجتهاد في ~~الكتابة، فإنه يحتاج إلى أشياء كثيرة، قد ذكرتها في صدر كتابي هذا، إلا أن ~~رأسها وعمودها وذروة سنامها ثلاثة أشياء: هي حفظ القرآن الكريم، والإكثار ~~من حفظ الأخبار النبوية، والأشعار. # وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع, فأول ما أبدأ به على عقب ذلك أن ~~أقول: PageV01P102 ### ||| حل الأبيات الشعرية # ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ### |||| الأول منها وهو أدناها مرتبة: # أن يأخذ الناثر بيتا من الشعر، فينثره بلفظه ms055 من غير زيادة, وهذا عيب ~~فاحش. # ومثاله كمن أخذ عقدا، قد أتقن نظمه، وأحسن تأليفه, فأوهاه وبدده، وكان ~~يقوم عذره في ذلك أن لو نقله عن كونه عقدا إلى صورة أخرى مثله, أو أحسن ~~منه, وأيضا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة، فيقال: هذا ~~شعر فلان بعينه، لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء. # وقد سلك هذا المسلك بعض العراقيين، فجاء مستهجنا لا مستحسنا؛ كقوله في ~~بعض أبيات الحماسة1: # وألد ذي حنق علي كأنما %~% تغلي عداوة صدره في مرجل2 # أرجيته عني فأبصر قصده %~% وكويته فوق النواظر من عل3 # فقال في نثر هذين البيتين: "فكم لقي ألد ذي4 حنق كأنه ينظر إلى الكواكب ~~من عل، وتغلي صدره في مرجل، فكواه فوق ناظريه، وأكبه لفمه ويديه", فلم يزد ~~هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن، وطلاوة النظم لا غير. # ومن هذا القسم ضرب محمود لا عيب فيه، وهو أن يكون البيت من الشعر قد ~~PageV01P103 # تضمن شيئا لا يمكن تغيير لفظه، فحينئذ يعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ, ~~ومثاله قول الشاعر في أول الحماسة1: # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي %~% بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # وقد نثرت ذلك فقلت: "لست ممن تستبيح إبله بنو اللقيطة، ولا الذي إذا هم ~~بأمر كانت الآمال إليه وسيطة، ولكني أحمل الهمل وأقرب الأمل، وأقول: سبق ~~السيف العذل2": فذكر "بني اللقيطة" ههنا لا بد منه على حسب ما ذكره الشاعر، ~~وكذلك الأمثال السائرة، فإنه لا بد من ذكرها على ما جاءت في الشعر. ### |||| وأما القسم الثاني وهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة: # فهو3 أن ينثر المعنى المنظوم، ببعض ألفاظه، ويعزم عن البعض بألفاظ أخر، ~~وهناك تظهر الصنعة في المماثلة والمشابهة, ومؤاخاة الألفاظ الباقية ~~بالألفاظ المرتجلة، فإنه إذا أخذ لفظا لشاعر مجيد قد نقحه وصححه فقرنه بما ~~لا يلائمه كان كمن جمع بين لؤلؤة وحصاة، ولا خفاء بما في ذلك من الانتصاب ~~للقدح، والاستهداف للطعن. # والطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض ms056 بيت من الأبيات الشعرية هو ~~أحسن ما فيه ثم تماثله. وسأورد ههنا مثالا واحدا ليكون قدوة للمتعلم، ~~فأقول: قد ورد هذا البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له: # حذاء تملأ كل أذن حكمة %~% وبلاغة وتدر كل وريد4 PageV01P104 # فقوله: "تملأ كل أذن حكمة" من الكلام الحسن، وهو أحسن ما في البيت، فإذا ~~أردت أن تنثر هذا المعنى فلا بد من استعمال لفظه بعينه؛ لأنه في الغاية ~~القصوى من الفصاحة والبلاغة، فعليك حينئذ أن تؤاخذه بمثله، وهذا عسر جدا, ~~وهو عندي أصعب منالا من ناثر الشعر بغير لفظه؛ لأنه مسلك مضيق، لما فيه من ~~التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة. # وأما نثر الشعر بغير لفظه، فذلك يتصرف فيه ناثره على حسب ما يراه، ولا ~~يكون فيه بمثال يضطر إلى مؤاخاته. # وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها, وأتيت بها في جملة كتاب فقلت: ~~"وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر، وفاق مسير الشمس والقمر، وإذا عرف الكلام ~~صارت المعرفة له علامة، وأمن من سرقته إذ لو سرق لدلت عليه الوسامة، ومن ~~خصائص صفاته أنه يملأ كل أذن حكمة، ويجعل فصاحة كل لسان عجمة، وإذا جرت ~~بفثاته في الأفهام قالت: أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة؟ ". # فانظر كيف فعلت في هذا الموضع? فإني لما أخذت تلك الكلمات من البيت ~~الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها، فجئت بهذا الفصل كما ~~تراه، وكذلك ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله. ### |||| وأما القسم الثالث وهو أعلى من القسمين الأولين: # فهو أن يؤخذ المعنى، فيصاغ بألفاظ غير ألفاظه، وثم يتبين حذق الصائغ في ~~صياغته، ويعلم مقدار تصرفه في صناعته، فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك ~~الدرجة العالية، وإلا أحسن التصرف، وأتقن التأليف، ليكون أولى بذلك المعنى ~~من صاحبه الأول. # واعلم أن من أبيات الشعر ما يتسع المجال لناثره، فيورده بضروب من ~~العبارات، وذلك عندي شبيه بالمسائل السيالة في الحساب, التي يجاب عنها بعدة ~~من الأجوبة، ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى ms057 يكاد الماهر في هذه ~~الصناعة ألا يخرج عن ذلك اللفظ، وإنما يكون هذا لعدم النظير. PageV01P105 # فأما ما يتسع المجال في نثره فكقول أبي الطيب المتنبي: # لا تعذل المشتاق في أشواقه %~% حتى يكون حشاك في أحشائه1 # وقد نثرت هذا المعنى، فمن ذلك قولي: "لا تعذل المحب فيما يهواه، حتى تطوي ~~القلب على ما طواه"، ومن ذلك وجه آخر، وهو: "إذا اختلفت العينان في النظر, ~~فالعذل ضرب من الهذر". # ومن هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي أيضا: # إن القتيل مضرجا بدموعه %~% مثل القتيل مضرجا بدمائه2 # أخذت هذا المعنى فنثرته، فمن ذلك قولي: "القتيل بسيف العيون، كالقتيل ~~بسيف المنون، غير أن ذلك لا يجرد من غمده، ولا يقاد صاحبه بعمده"، فزدت على ~~المعنى الذي تضمنه البيت، وغيرت اللفظ، ومن ذلك وجه آخر، وهو: "دمع المحب ~~ودم القتيل متفقان في التشبيه والتمثيل، ولا تجد بينهما بونا، إلا أنهما ~~يختلفان لونا"، وهذا أحسن من الأول. # وأما ما يضيق فيه المجال، فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه, فكقول أبي ~~تمام: # تردى ثياب الموت حمرا فما أتى %~% لها الليل إلا وهي من سندس خضر3 # وقول أبي الطيب المتنبي: # وكان بها مثل الجنون فأصبحت %~% ومن جثث القتلى عليها تمائم4 # وأمثال هذا لا يأتي إلا قليلا، وسببه أن المعنى ينحصر في مقصد من المقاصد ~~حتى لا يكاد يأتي إلا فذا، كهذين البيتين, ألا ترى أن أبا تمام قصد ~~المؤاخاة في ذكر لوني PageV01P106 # الثياب من الأحمر والأخضر, وجاء ذلك واقعا على المعنى الذي أراده من لون ~~ثياب القتلى وثياب الجنة، فإذا فك نظم هذا البيت وأريد صوغه بغير لفظه لا ~~يمكن ذلك. # وبيت أبي الطيب جار هذا المجرى؛ فإنه بناه على واقعة من الوقائع، وذاك أن ~~حصنا من حصون سيف الدولة قصده الروم وانتزعوه وأخربوه, فنهد سيف الدولة ~~إليه واسترجعه، وجدد بناءه, وهزم الروم، ونصب من جثث القتلى على السور، ~~فنظم المتنبي في هذا قصيدا أوله: # على قدر أهل العزم تأتي العزائم1 # فلما انتهى إلى ذكر الحصن جاء بهذا البيت في ms058 جملة أبيات، فشرح صورة الحال ~~في إزعاج الحصن بالقتال، وتعليق القتلى عليه، وأبرز ذلك في معنى التمثيل ~~بالجنون والتمائم، وهذا لا يمكن تبديل لفظه، وهو وأمثاله مما يجب على ~~الناثر أن يحسن الصنعة في فك نظامه؛ لأنه يتصدى لنثره بألفاظه، فإن كان ~~عنده قوة تصرف وبسطة عبارة, فإنه يأتي به حسنا رائعا. # وقد نثرت هذين البيتين: أما بيت أبي تمام فإني قلت في نثره: "لم تكسه ~~المنايا نسج شفارها، حتى كسته الجنة نسج شعارها، فبدل أحمر ثوبه بأخضره، ~~وكأس حمامه بكأس كوثره". وهذا من الحسن على غاية يكون كمد حسودها من جملة ~~شهودها. # وأما بيت أبي الطيب المتنبي فإني قلت في نثره: "سرى إلى حصن كذا مستعيدا ~~منه سبية نزعها العدو اختلاسا, وأخذها مخادعة لا افتراسا، فما نزلها حتى ~~استقادها، ولا نزلها حتى استعادها, وكأنما كان بها جنون, فبعث لها من ~~عزائمه عزائم، وعلق عليها من رءوس القتلى تمائم". وفي هذا من الحسن ما لا ~~خفاء به، فمن شاء أن ينثر شعرا فلينثر هكذا وإلا فليترك. PageV01P107 # وقد جئت بهذا المعنى على وجه آخر، وأبرزته في صورة أخرى, وذاك أني أضفت ~~إلى هذا البيت البيت الذي قبله وهو: # بناها فأعلى والقنا تقرع القنا %~% وموج المنايا حولها متلاطم # ولما نثرت هذين البيتين قلت في نثرهما ما أذكره وهو: "بناها والأسنة في ~~بنائها متخاصمة, وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة، وما أحلت الحرب ~~عنها حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون, فعلقت عليها ~~تمائم من الرءوس والأجساد، ولا شك أن الحرب تعرد عمن عز جانبه، وتقول: ألا ~~هكذا فليكسب المجد كاسبه". وهذا أحسن من الأول وأتم معنى. # وقد تصرفت في هذا الموضع بزيادة في معناه، ونثرته على أسلوب أحسن من هذا ~~الأسلوب فقلت: "بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا ~~يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلا بعد أن هدمت رءوس عن أعناق، ~~وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم, أو شينت بعطل فعلقت ~~مكان الأطواق". ms059 وهذا الفصل فيه زيادة على الفصل الذي قبله. # وإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر، وكيفية نثره, ~~وذكر ما يسهل منه وما يعسر، فلنتبع ذلك بقول كلي في هذا الباب فنقول: # من أحب أن يكون كاتبا، أو كان عنده طبع مجيب، فعليه بحفظ الدواوين ذوات ~~العدد، ولا يقنع بالقليل من ذلك، ثم يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته، وطريقه ~~أن يبتدئ فيأخذ قصيدا من القصائد، فينثره بيتا بيتا على التوالي، ولا ~~يستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه, أو بأكثرها، فإنه لا يستطيع إلا ~~ذلك، وإذا مرنت نفسه وتدرب خاطره، ارتفع عن هذه الدرجة, وصار يأخذ المعنى ~~ويكسوه عبارة من عنده، ثم يرتفع عن ذلك حتى يكسوه ضروبا من العبارات ~~المختلفة، وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاح, فيستنتج منها معاني ~~غير تلك المعاني، وسبيله أن يكثر الإدمان ليلا ونهارا، ولا يزال على ذلك ~~مدة طويلة، حتى يصير له ملكة، فإذا كتب كتابا, أو خطب خطبة, تدفقت المعاني ~~في أثناء كلامه، وجاءت ألفاظه معسولة لا PageV01P108 # مغسولة، وكان عليها حدة حتى تكاد ترقص رقصا، وهذا شيء خبرته بالتجربة، ~~ولا ينبئك مثل خبير. # فإن قيل: الكلام قسمان: منظوم ومنثور، فلم خصصت على حفظ المنظوم, وجعلته ~~مادة للمنثور, وهلا كان الأمر بالعكس? # قلت في الجواب: إن الأشعار أكثر, والمعاني فيها أغزر، وسبب ذلك أن العرب ~~الذين هم أصل الفصاحة جل كلامهم شعر، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلا ~~يسيرا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر، فأودعوا ~~أشعارهم كل المعاني, كما قال الله تعالى: {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} ~~1, ثم جاء الطراز الأول من المخضرمين, فلم يكن لهم إلا الشعر، ثم استمرت ~~الحال على ذلك، فكان الشعر هو الأكثر، والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة ~~من بحر، ولهذا صارت المعاني كلها مودعة في الأشعار، وحيث كانت بهذه الصورة، ~~فكان حثي على حفظها, واستعمال معانيها في الخطب والمكاتبات لهذا السبب. # وقد نثرت في هذا الموضع ms060 أبياتا تكون قدوة للمتعلم, فمن ذلك قولي في فصول ~~الكلام يتضمن ذكر السيادة: # "وهو الشريف من شرف نفسه، لا بما دفن مع أبيه في رمسه، فإن تلك مكارم أتت ~~فتجمل الزمان بمأتاها، ثم مات أربابها فدفنت مع موتاها، ولو ساد الناس ~~بآبائهم لكانت السيادة للطينة الأولى، ولقد خلق الأبناء من الآباء مجبولا". ~~وهذا المعنى مأخوذ من قول الشاعر: # وما الفخر بالعظم الرميم وإنما %~% فخار الذي يبغي الفخار بنفسه # ير أن الفصل الذي ذكرته يتضمن من المعنى زيادة على ما تضمنه هذا البيت. # ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب يتضمن معاتبة أخ لإخوته, وتنصله إليهم، فقلت: PageV01P109 # "جرحوا قلبي، وحبهم يذهب بألم الجراحة، وطرفوا عيني وهم يزيدون في نظرها ~~ملاحة، وإذا صدرت الإساءة عن الأحباب لم يكن وقرها وقرا، وأصبحت وهي منسية ~~إذا تجددت الإساءة بالذكرى، وما منهم إلا من سيط دمي بدمه, ولحمي بلحمه، ~~ولو أن الأسماء معارف الأشخاص لكان اسمي واردا على اسمه، وكيف أخشن عليهم ~~وقد جبلني الله لهم على اللين، أم كيف أذود النفس عنهم وهي مشتقة منهم وآدم ~~بين الماء والطين، ومتى أؤمل من شجرتي أغصانا كهذه الأغصان، وقد أصيبت ~~جرثومتها بالجداد1، ولهذا قيل: إن الإخوة يتعذر الاعتياض عنهم, ولا يتعذر ~~الاعتياض عن الأولاد". آخر هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله3: # تعزيت عمن أثمرتك حياته %~% ووشك التعزي عن ثمارك أجدر # تعذر أن نعتاض عن أمهاتنا %~% وأبنائنا3 والنسل لا يتعذر # غير أن ابن الرومي ذكر ذلك في تعزية إنسان بابنه، فتصرفت أنا في هذا ~~المعنى ونقلته إلى هذا الفصل في تضمنه معاتبة أخ لإخوته. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن ذم المشيب، فقلت: # "والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلا بسن ~~الغثاثة، وليس بعد الأربعين من مصيف للذة ولا مربع، وهي نهاية القوة ~~الصالحة من الطبائع الأربع، فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على حرصها4، ~~وصارت زيادته كزيادة التصغير التي هي زيادة تدل على نقصها، ms061 وأصبح بعد ذلك ~~يدعى أبا بعد أن كان يدعى ابنا، وتقمص ثوبا من المشيب لا يجر ثوبه خيلاء, ~~ولا يزهى حسنا، وإن قيل: إن أحسن الثياب شعار البياض, قيل: إلا هذا الثوب ~~فإنه مستثنى، ويكفيه من الفظاظة أن ينظر إليه نظر القتال، ولولا أن الخمود ~~بعده PageV01P110 # لما استعير له لفظة الاشتعال، ومن الناس من يدلس لونه بصبغة الخضاب، وليس ~~ذلك إلا حدادا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب, ولا يخفى أنس الصادق ~~من وحشة الكذاب، وخداع النفس أن تسلو عن بئره المعطلة, وقصره المشيد، ويحسن ~~لها الخروج في ثوب مرقع, وهي تراه بعين الثوب الجديد. وبعض هذا مأخوذ من ~~شعر ابن الرومي، وهو قوله: # رأيت خضاب المرء بعد مشيبه %~% حدادا على شرخ الشبيبة يلبس1 # غير أن في هذا الفصل معاني كثيرة لطيفة لا توجد في كلام آخر. ### |||| ومن ذلك قولي في وصف الجود والسخاء, وهذا الفصل يشتمل على معان متعددة، فمنها قولي في العطاء، وهو: # شافهتني أسباب الغنى برؤيته حتى كادت تنطق، واخضرت أكنان منزلي بعطائه ~~حتى كادت تورق، ومن فضيلة بره أنه لا يأتي به على أعين الناس، وإذا غرسه ~~عند إنسان رب ذلك الغراس، فلا يستكثر ما جادت به سحاب يده، ولا يمنعه عطاء ~~يومه عن عطاء غده". وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس: # كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا %~% لم يهدموا لبنائهم آساسا2 ### |||| ومن هذا المعنى أيضا قولي: # "وهو أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام بنفلها في الناس وفرضها، وتحلى ~~ببعض أسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدا لبعضها, فالمحرم للعائذ بحرمه، ~~وصفر للطامع في سعادة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب لأقوال عذاله, وهذا ~~مأخوذ من قول الفرزدق: # يداك بد ربيع الناس فيها %~% وفي الأخرى الشهور من المحرم # وقد قال الشعراء في ذلك كثيرا، إلا أني أنا تصرفت في هذا المعنى تصرفا لم ~~يتصرف فيه أحد غيري. PageV01P111 ### |||| ومن هذا المعنى ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو: # لقد سوى بين أعدائه في البغض وبين ms062 أمواله, فهذه معنية بوقع نصاله، وهذه ~~معنية بصنائع نواله، ولو أحب المال لكان أحبه إليه ما يبذله، كما أن أحب ~~الناس إليه منح يسأله، ومن أحسن ما سنه من الكرم أنه جاد حتى بدل رغب ~~العافين زهدا، ورأى الحمد عوضا من الصنيعة, فأبى أن يعتاض من صنائعه حمدا. ~~وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس، وهو: # ليت أعدائي كانوا %~% لأبي إسحاق مالا1 ### |||| ومن ذلك قولي في وصف القتال وموطن الحرب, ووصف الشجاعة والأنجاد، وما يتعلق بذلك ويجري معه، وهذا الفصل يشتمل على معاني مختلفة, فمن ذلك ما ذكرته في وصف العسكر، وهو: # "فسرنا في غمامة من الكتائب، تظلها غمامة من الطيور الأشائب2، فهذه يضمها ~~بحر من حديد، وهذه يضمها بر من صعيد, وما مرت ببلد إلا أزالت أرضه من ~~سمائه، وألبست نهاره ثوب ظلمائه، وبدلت أحراره بعبيده, وحرائره بإمائه، ~~وكذلك فعلت بمدينة فلانة, وقد ضرب الأمن عليها سوارا، وبعد عهدها بالنوائب ~~فلم تدخل لها ديارا، فهي تخبر عن بلهنية الخفض, ولم ترع عنه بالانتقال، ولا ~~رأت السيف, وقد ألقى لونه في ذوائب الأطفال، فما شعر أهلها إلا وقد رجمها ~~الجيش بكاهله، ورماها بوابله قبل طله, وطل السحاب قبل وابله، وبرزت خيل ~~القوم ولها زي فرسانها، وهي مستبقة إلى طرادها كاستباقها إلى ميدانها، إلا ~~من تتأود القناة من يده بين لهذمين3، وتستقل السرج منه ومن جواده بين ~~مطهمين4، فجرت المغاوير PageV01P112 # إلى المغاوير، وتلاقت الرياح بالأعاصير، وكان الطعن بينهم عناقا، واللبث ~~وفاقا، وسبق ألم الموت ألم الجراح، ونفذت غير مخضبة لسرعتها أسنة الرماح، ~~وحصل القوم في القبضة، وذموا عقبى النهضة، وجيء بالأسرى مقرنين في الأصفاد، ~~موقنين أن رءوسهم عواري على تلك الأجساد، ولو استطاع رأس أحدهم أن ينكر ~~عنقه لأنكره، ولا يود -وهو المعظم- أن يقال ما أعظمه, بل يقال ما أحقره، ~~وتصرفت أيدي المسلمين في القتل والنهاب، وكان للسيف رقاب, وللسبي رقاب". # في هذا الفصل معان كثيرة مستحسنة، ومنها ما أخذ من شعر المتنبي، كقوله: # سحاب من العقبان ترجف تحتها %~% سحاب ms063 إذا استسقت سقتها صوارمه1 # وكقوله: # واستعار الحديد لونا وألقى %~% لونه في ذوائب الأطفال2 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف المسلوبين في فصل من جملة كتاب يتضمن البشرى بهزيمة الكفار، وهو: # "فسلبوا وعاضتهم الدماء عن اللباس، فهم في صورة عار وزيهم زي كاس، وما ~~أسرع ما خيط لهم لباسها المحمر، غير أنه لم يجب عليهم ولم يزر، وما لبسوه ~~حتى لبس الإسلام شعار النصر الباقي على الدهر, وهو شعار نسجه السنان ~~الخارق، لا الصنع الحاذق، ولم يغب عن لابسه إلا ريثما غابت البيض في الطلى ~~والهام3، وألف بين ألف الخط واللام". # وهذه معان حسنة رائقة، ومنها معنى واحد مأخوذ من شعر البحتري، وهو: # سلبوا وأشرقت الدماء عليهم %~% محمرة فكأنهم لم يلبسوا4 PageV01P113 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن فتحا، وهو: # "أصدر هذا الكتاب، والفتح غض طري لم تنصل حمرة يومه، ولا أغمدت سيوف ~~قومه، فسطوره متربة بمثار عجاجه، ممتلئة بخط ضربه وإعجام زجاجه1. # وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام2: # كتبت أوجههم مشقا ونمنمة %~% ضربا وطعنا يقات الهام والصلفا3 # كتابة ما تني مقروءة أبدا %~% وما خططت بها لاما ولا ألفا # إلا أن أبا تمام مثل آثار الضرب والطعان في الوجوه بالكتابة، وأنا مثلت ~~الكتابة وإعجامه بالضرب والطعن، فكأنني عكست المعنى الذي ذكره أبو تمام: # وهذا مقصد في حل الأبيات الشعرية حسن، فإن استخراج المعنى من عكسه أدق من ~~استخراجه من نفسه، وقد نبهت على ذلك في مواضع أخر من هذا الباب. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل كتاب يتضمن فتحا من فتوح الكفار، وهو: # "وأقبلت أحزاب الكفر وهي معتصمة بصليبها، ورفعته على أعواد عالية كهيئة ~~خطيبها، ولم تعلم أن الله كتب عليه الهوان بعد تلك الكرامة، وأنه ذو شعب ~~أربع, والتربيع نحس في حكم النجامة4، وكيف ترجو بكفرها ظهورا ولها منه معنى ~~الاختفاء, وللإسلام معنى السلامة، ولما التقى الجمعان اصطفت يمين وشمال، ~~وزحفت جبال إلى جبال، وكثرت النفوس على المنايا حتى كادت لا تفي بالآجال، ~~وأقدمت الخيل إقدام فرسانها، وأظلم ms064 النقع فلا تبصر إلا بآذانها، ونالت ~~النحور ثأرها من كعوب الرماح، واشتكت الأسنة فلا طريق بينها لمهب الرياح، ~~واستؤصلت شجرة الكافرين بالقطع لا بالجداد، وحال حد السيف دون حديد ~~الأصفاد، ونقلوا إلى PageV01P114 # جهنم يصلونها وبئس المهاد، وانقلب المسلمون وقد ملئوا الأغماد نصرا، ~~والصحائف أجرا، والأيدي وقرا، والقلوب جذلا, والألسنة شكرا، وكان ذلك اليوم ~~في الأيام علما، وفي الأقسام قسما، ولم يره الزمان منسوبا إليه, ولا راجع ~~شبابا بعد أن ناهز هرما". # في هذا الفصل شيء من معاني الشعر، وذلك من قول أبي الطيب المتنبي1: # أتاهم بأوسع من أرضهم %~% طوال السبيب قصار العسب2 # تغيب الشواهق في جيشه %~% وتبدو صغارا إذا لم تغب # ولا تعبر الريح في جوه %~% إذا لم تخط القنا أو تثب # ومن قوله أيضا3: # في جحفل ستر العيون غباره %~% فكأنما يبصرن بالآذان ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في الإنجاد وإجابة الصريخ، وهو: # إذا استصرخ أصرخ بعزم غذته صحبة الجيش عن لذة العيش، فهو يستعذب حر ~~الثغور على برد الثغور، ويلهو بالبيض الذكور عن بيض الخدور، ولا طيب عنده ~~إلا ريح العجاج، ولا عناق إلا أطراف الزجاج، ولا أرب له في الرقاد إلا على ~~صهوات الجياد، فعسكر قلبه أمضى في الوغى من عسكر، ونجدة بأسه تأبى لقاء ~~الأقران في درع أو مغفر4. وهذه المعاني مأخوذة من أبيات الحماسة، ومن شعر ~~مسلم بن الوليد. PageV01P115 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف المخبر دون المنظر، وهو: # "إذا سموت لأمر فكن واحدا في مكانك، ولا ترض بكثرة الشركاء فيقال: فلان ~~من أقرانك، ألم تر إلى الحرباء الذي هو دويبة حقيرة الشأن، ضعيفة الأركان، ~~فإنه ارتفع في هواه عن الأرض وأنسها, إلى السماء وشمسها، وقال: لا أحب من ~~تفسد الأيام من حسنه، ولا من أحد بسمة خلمه1 ولا خدنه، والهمم ليست منوطة ~~بجهارة المناظر، والتعويل على الخبر المستتر في الأفئدة الباطنة لا على ~~الظواهر، ومن ههنا قيل: إن وضاءة النفوس أنضر من وضاءة الأجساد، ورقم الشيم ~~أحسن من رقم الأبراد", وآخر هذا فصل ينظر إلى قوم ms065 سحيم عبد بني الحسحاس2: # إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما %~% أو أسود اللون إني أبيض الخلق3 # إلا أن الفصل يتضمن معنى غريبا لم يسبقني إليه أحد. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في الحسد في فصل من كتاب، وهو: # "حاسد سيدنا ينظر إلى زهرة دنياه, ولا ينظر إلى استحقاقه، وهو كالناظر ~~إلى الأطواق الموضوعة في الجيد, ولا يدري أن الجيد أحسن من أطواقه، ولو قاس ~~الدنيا بالاستحقاق لذهب الحسد من صدره، وقال: ما لي أحسد من لم ينته قدر ~~دنياه إلى معشار قدره؟ ". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن الأعذار عن تواتر المكاتبات، وهو: # "إذا اعتذر من انقطاع الكتب اعتذار الخادم من اتصالها، ولو كانت واردة ~~على غير ذلك الباب الكريم لخاف من إملالها, وقد عد احتمال تثقيلها من جملة ~~الأيادي PageV01P116 # التي أثقلته، وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما أمهلته، وهو ~~الآن مرتهن بين قديم وجديد، وأصبح كخراش إذ تكاثرت عليه الظباء فلم يدر ~~لكثرتها ما يصيد، فإن أمسك سيدنا من أياديه وإلا فليتفضل على الشكر ~~بالإنظار، وليعلم أن ذمة وفائه كذمة ديوان المال في الإعسار". # هذا فصل في هذا المعنى قلما يؤتى بمثله، وفيه معنى واحد من قول الشاعر: # تكاثرت الظباء على خراش %~% فما يدري خراش ما يصيد ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة، فقلت: # "كنت عنده بالمنزلة التي آمن بها ما أجنيه, فصرت أخاف ما لم أجنه، وكان ~~لا يقبل علي شهادة عينه, فأصبح الآن يقبل على شهادة أذنه، لكن لم يجعل الله ~~القلوب بين إصبعين من أصابعه, إلا ليذهب بها كل واد، ومن ههنا كانت تنتقل ~~من وداد إلى قلى, ومن قلى إلى وداد، ولا شك أن لها بين الحالتين عمرا تنتهي ~~إليه كما تنتهي أعمار الأجساد، والصبر خير ما استعمل في جفاء الإخوان، ~~والماء إذا جرى في مكان ثم انحرف عنه فلا بد أن يعود إلى ذلك المكان". # وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي: # عهدتك لا تعتد بالعين شاهدا %~% علي فلم أصبحت ms066 تعتد بالأذن1 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الملوك على يد بعض العفاة، وهو: # "الشيم الكريمة للإنسان, بمنزلة المسك في سرر الغزلان، غير أن طيب هذه ~~يعبق بالأنوف, وطيب هذه يعبق بالآذان، وقد جعل تفاوت المزية بين هذين ~~الطيبين فرقا، فأحدهما يبقى دائما ولا يذهب, والآخر يذهب ولا يبقى، ونصيب ~~مولانا من الطيب الباقي نصيب زكت معادنه، وكثرت خزائنه، وسارت في الأرض ~~محاسنه، PageV01P117 # ورفعه الله به إلى محل يبعد شأوه على الطالب، ولا يرى إلا في لسان شاعر ~~أو لسان خاطب، وهو مما استثني من خلق الناس الذي هو من طين لازب1، ومن أجل ~~ذلك يرون أشباها ما عداه، وما منهم إلا من يقر بفضله ولو كان من حساده أو ~~عداه, وقد أصبحوا وهم يقلون لديه حين يكثرون، ويقول كل منهم لصاحبه: {أفسحر ~~هذا أم أنتم لا تبصرون} 2. # هذا الفصل وإن تضمن شيئا من القرآن الكريم فليس المراد ههنا القرآن ~~الكريم، بل منه شيء مأخوذ من الشعر، وهو قول المتنبي3: # الناس ما لم يروك أشباه %~% والدهر لفظ وأنت معناه ### |||| ومن ذلك ما ذكر في وصف الخمر، وهو: # "الخمر لا تفي لذة إسكارها [إلا] بتبغيض خمارها، فهي خرقاء البيان، بذية ~~اللسان، وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان، وقد عرف منها سنة ~~الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استأثرت من الرءوس بجناية أقدامها". # وهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف، لأنه قال: # ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت %~% وهنا تداس بأرجل العصار # لانت لهم حتى انتشوا فتحكمت %~% فيهم فنادت فيهم بالثار ### |||| وكذلك قلت في وصفها أيضا، وهو: # "مدامة تبقي خواطر الهموم، وتسري مسرى الأرواح في الجسوم، وتشهد بأن ~~الكرم مستمد من ماء الكروم، ويتمثل حببها نجوما إلا أنها مضلة والهداية ~~بالنجوم. وبعض هذا مأخوذ من قول أبي نواس: PageV01P118 # إذا هي حلت في اللهاة من الفتى %~% دعا همه من صدره برحيل1 # وما زال الشعراء يتواردون على هذا المعنى حتى سمج، لكن الذي ذكرته بعد ~~هذا المعنى من محاسن المعاني ms067 في وصفها. ### |||| وكذلك ما ذكرته في وصفها، وهو: # "الخمر كالعذراء في نفورها، وملازمة خدورها، ولهذا تشمئز من نكاح المزاج، ~~وتصخب لمس الماء صخب الأبكار لمس الأزواج، ومن شأنها أن تلبس عند الزفاف ~~إكليلا على رأسها، وكذلك شأن العرائس عند زفافها إلى أعراسها". # وهذه المماثلة بين الخمر وبين البكر على هذا النسق لم يأت بها أحد غيري، ~~وإنما وصفت بأنها بكر، كقول أبي نواس2: # فقلت لشيخ منهم متكلم %~% له دين قسيس وفي نطقه كفر3 # أعندك بكر مرة الطعم قرقف %~% صنيعة دهقان تراخى له العمر4 # فقال عروس كان كسرى ربيبها %~% معتقة من دونها الباب والستر # ووصفت بالنكاح والزواج، كقوله أيضا5: # وقهوة كالعقيق صافية %~% يطير من كأسها لها شرر # زوجتها الماء كي تذل له %~% فامتعضت حين مسها الذكر PageV01P119 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في الحزم، وهو: # "لا ينبغي للحازم أن يساور المورد المؤذن بمضيقه، وإن أفضى الصدر إلى ~~رحيبه، فإن توقي الداء خير من التعرض له مع وجود طبيبه، ولندع قول من يقعد ~~على تل السلامة ثم يلبس الكتائب بالكتائب، ويقول: ليس للعزم إلا تمام ~~الصدور وليس عليه تمام العواقب". # بعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام1: # وركب كأطراف الأسنة عرسوا %~% على مثلها والليل تسطو غياهبه # لأمر عليهم أن تتم صدوره %~% وليس عليهم أن تتم عواقبه ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف الرأي والكيد، وهو: # "أخفى على العدو كيده حتى لم يدع كائدا، وأعمى عليه سلوك الطريق حتى ظنه ~~حائرا، فسيوفه تسطو على بعدها، ولا تقطع إلا وهي في غمدها". # وبعض هذا المعنى أخذته من شعر أبي تمام وهو2: # سكن الكيد فيهم إن من أعظ %~% ظم كيد أن لا تسمى أريبا ### |||| وكذلك قولي في هذا المعنى وهو: # "أخذ بسمع العدو وبصره، وسد مطلع ورده وصدره، فيداه مغلولة مع أنها مطلقة ~~السراح، ومقاتله بادية على أنها شاكية السلاح". # وهذا المعنى ينظر إلى المعنى الذي قبله". PageV01P120 ### |||| وكذلك قولي أيضا، وهو: # "يبيت برأيه العدو قبل جيشه، وتلقاه يطيش قلمه, الذي كل الحلم في طيشه, ~~فإذا أطلت وجوه ms068 الآراء كان رأيه لها صباحا، وإذا جهزت الجحافل لحرب كان ~~قلمه لها سلاحا". # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر البحتري: # وهو المرء ما غزا بلدا بالرأ %~% ي إلا كفاه غزو الجنود1 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف السير والركاب والخيل والقفار وما يتعلق بها, فمنه ما يتعلق بالسير، وهو: # ركب ظهر الليل يباري مسير شهبه بمسير أشهبه، ويستقرب بعد المدى في نيل ~~مطلبه، غير أن تلك تفري أديم الغياهب، وهذا يفري أديم السباسب2". # وهذا مأخوذ من قول المتنبي: # يباري نجوم القذف في كل ليلة %~% نجوم له منهن ورد وأدهم ### |||| ومن هذا المعنى أيضا قولي، وهو: # "اتخذ الليل ظهرا، واستلان خشونة المسرى، فلم يزل يقذف صبغة سواده بصبغة ~~جواده، حتى بدت أديم الليل شيات صباحه، وشابة الأدهم في غرته وأوضاحه، فعند ~~ذلك أخذ أحدهما في رحيله, وأخذ الآخر في نزوله". # وهذا المعنى ينظر إلى الذي قبله، وفيه من شرف الصنعة ما لا خفاء به. ~~PageV01P121 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته أيضا في فصل من كتاب، وهو: # "سرت وتحتي بنت قفرة لا يذهب السرى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من ~~مراحها، فهي طموح بأثناء الزمام، وإذا سارت بين الآكام, قيل: هذه واحدة من ~~الآكام، ولم تسم "جسرة1" إلا لأنها تقطع عرض الفلاة كما يقطع الجسر عرض ~~الماء، ولا سميت "حرفا2" إلا لأنها جاءت لمعنى في العزائم لا لمعنى في ~~الأفعال والأسماء، وخلفها جنيب من الخيل يقبل بجذع ويدبر بصخره، وينظر من ~~عين جحظة, ويسمع بأذن حشرة، ويجري مع الريح الزعزع, فيذرها وقد ظهر أثر ~~القترة، وما قيد خلفها إلا وهو يهتدي بها في المسالك المضلة، ويطأ على ~~أثرها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة، هذا والليل قد ألقى جرانه3 فلم ~~يبرح، والكواكب قد ركدت فيه فلم تسبح، وأنا أود لو زاد طوله، ولم تظهر غرة ~~أدهمه ولا حجوله، فقد قيل: إنه أدنى للبعد وأكتم للأسرار، ودل عليه القول ~~النبوي بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار، وما زلت أسير بريدها تنوء ~~به حتى كاد ms069 ينضو لون السواد، وظهر لون السرحان, فأغار على سرح السماء كما ~~يغير على السرحان على سرح النقاد4، فعند ذلك نهلت العين من الكرى نهلة ~~الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة, وإنما كان على الظهر السائر". # في هذا الفصل كل مليحة من المعاني، ولو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان ~~كافيا، وبعضه مأخوذ من الشعر، كقول أبي تمام: # طموح بأثناء الزمام كأنما %~% يخال بها من عدوها طيف جنة5 # وكقوله: # بالشذقميات العتاق كأنما %~% أشباحها بين الإكام إكام6 PageV01P122 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في النسب في فضل من كتاب، وهو: # "لهم نسب لا تدخله لام التعريف، وهو موضوع لا يجري على سنن التوقيف، فإذا ~~ذكر أوله وقفت من عرفانه على طلل، ووجدته مهملا في جملة الهمل، وإن قيل: ~~إنه من نجوم السماء قلت: لكنه لا يخرج عن الثور أو الحمل، فما أرهف لوصفه ~~لسان إلا نبا، ولا اقتدح له زناد خاطر إلا كبا، وهم منه كآوى الذي يرى ~~الناس له ابنا, ولا يرون لابنه أبا". # وهذا من أغرب ما يؤتى به في ذم النسب، وهو من باب توليد المعاني الذي ~~يسمى الكيمياء، وبعضه مستولد من قول أبي نواس في هجاء الخصيب1: # وما خبزه إلا كآوى يرى ابنه %~% ولم ير آوى في حزون ولا سهل2 # فأبو نواس ذم خبز4 الخصيب في عدم رؤيته، وأنا نقلت ذلك إلى النسب، فجاء ~~ألطف وأحسن وأليق وأدخل في باب الصنعة، وإذا حقق النظر فيما ذكره أبو نواس ~~في هذا المعنى لم يوجد مناسبا، فإن الخبز3 في عدم رؤيته لا يحمل على ابن ~~آوى، وإنما المناسبة تقع في النسب من أجل ذكر الابن والأب. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في ذم قوم، وهو فصل من كتاب فقلت: # "تركت قوما لم ينقعوا صدى، ولم يجروا إلى مدى، فأعراضهم نكرة العارف، ~~وأموالهم حنظلة الناقف، لا تمطر سحبهم على كثرة مائها، ولا تزكو الذريعة ~~بأرضهم على نمائها". # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر الشريف الرضي4: PageV01P123 # تركت أناسا لم يهشوا لمنة %~% ولم ms070 ينقعوا غل الظماء الخوامس # على القرب فيهم إنني غير طامع %~% ومنك على بعد المدى غير آيس ### |||| ومن هذا الباب أيضا قولي وهو: # "تركت قوما يسلون الحبيب، ويملون القريب، ولا يرعون من يرعاهم، ولا يدر ~~اللبن على مرعاهم، فنوالهم تحايا، وأعراضهم ضحايا، ومن أحسن صفاتهم أنهم ~~يعاقبون على الظنة، ولا يرتاحون لمنة، فالذرائع لديهم مدفونة، والصنائع غير ~~مسنونة". # وبعض هذه المعاني مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي1: # رأيتكم لا يصون العرض جاركم %~% ولا يدر على مرعاكم اللبن # جزاء كل قريب منكم ملل %~% وحظ كل محب منكم ضغن ### |||| ومن ذلك ما ذكرته على الحث على الاغتراب، وهو: # "لولا التغرب لما ارتقت بنات الأصداف إلى شرف الأعناق، ولا ارتقى تراب ~~الأحجار إلى نور الأحداق". ### |||| وكذلك قولي في هذا المعنى، وهو: # "في الانتقال تنويه لخامل الأقدار، ولولا ذلك لم يكس الهلال حلة الأبدار، ~~والمندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دم في سرر غزلانه، ولولا فراق السهم ~~وتره لم يحظ بفضل الإصابة، ولولا فراق الوشيج2 منبته لم يتحل بعز السنان ~~ولا شرف الذؤابة". # وهذا الفصل فصل من القول في معناه، ومما لم ينبش للخواطر ابتناء مبناه، ~~فمنه ما هو مأخوذ من الشعر، ومنه ما منح به الخاطر على غير مثال، وهو يشهد ~~لنفسه. PageV01P124 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف الأيام، وهو: # "أيام تعد بأعوام لقصر أعمارها، وشهور لا يشعر بأنصافها ولأسرارها1، ~~فالأوقات بها أصائل, والمحاسن فيها شمائل, والمآرب في ساعاتها رياض في ~~خمائل، فما أدري أهي خيالات أحلام غرت، أم أحاديث أمان مرت؟ ". # وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة2: # شهور ينقضين وما شعرنا %~% بأنصاف لهن ولا سرار ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف الإخوان، وهو: # "ليس الصديق من عد سقطات قرينه، وجازاه بغثه وسمينه، بل الصديق من ماشى ~~أخاه على عرجه، واستقام له على عوجه، فذلك الذي إن رأى سيئة وطئها بالقدم، ~~وإن رأى حسنة رفعها على علم". # وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة3: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا %~% عني، وما سمعوا ms071 من صالح دفنوا # إلا أن الذي ذكرته ضد هذا المعنى، وقد يستخرج المعنى من ضده، وهو أحسن ~~مما يستخرج من نفسه. ### |||| ومن هذا قولي أيضا، وهو: # "ليس الصديق من صرى4 أخلاف وده, وغش في صفقة عهده, بل الصديق من لا ترد ~~سلعة وده بإقالة ولا عيب، ولا تخص محافظة إخائه بشهادة دون غيب, فلذلك أخي ~~من غير نسب، وكنزي من غير نشب5". PageV01P125 # وهذا مأخوذ من الفقه في تصرية ضرع الشاة عند البيع، وذلك يوجب الرد. ### |||| ومما ينتظم بهذا السلك قولي، وهو: # "الانتقال عن خلة الوداد، كالانتقال عن نسب الميلاد، وكما يحرم هذا في نص ~~الحكم المشروع، فكذا يحرم هذا في خلق الكرم المطبوع، على أن نسب الخلة الذي ~~ينميه القلب إلى القلب، أوصل من نسب الرحم الذي ينميه الابن إلى الأب، ~~ولهذا كانت مودة سلمان1 قربى، ونسب أبي لهب سبا وتبا". # وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي نواس وهو: # كانت مودة سلمان له نسبا %~% ولم يكن بين نوح وابنه رحم ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف الديار، وهو: # "دار كانت مقاصر جنة، فأصبحت وهي ملاعب جنة، ولقد عميت أخبار قطانها، ~~وأنشاز أوطانها، حتى شابهت إحداهما في الخفاء، الأخرى في العفاء، وكنت أظن ~~أنها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع عنها جلباب ظلام، غير أن السحاب بكاهم ~~فجرت بها سوافح دموعه، والليل شق عليهم ثوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه". # وهذه معان لطيفة جدا، وبعضها مأخوذ من شعر الشريف الرضي -رحمه الله ~~تعالى: # أمرابع الغزلان غيرك البلى %~% حتى غدوت مراتع الغزلان ### |||| ومما يلتئم بهذا المعنى قولي أيضا، وهو: # "دار أصبحت مراتع أذواد، بعد أن كانت مناجع رواد، فلو تصورت الآمال التي ~~مثلت بفنائها، كما تصورت الآثار المماثلة من بنائها، لرأيت رسومها مع رسوم ~~القباب، وعلمت كم غار بها من بحر ونضب من سحاب". PageV01P126 # وهذا معنى حسن, له من نفسه مثن وحامد، ومن سامعه يمين وشاهد، وهو من ~~معاني المستخرجة. ### |||| ومن ذلك قولي أيضا، وهو: # "النقص موكل بكمال النعماء، ولذلك كان الوخم ms072 مقترنا بالمرعى والماء, ~~وقلما ترى ثمرة إلا ومعها زنبور، ولا لذة إلا وإلى جانبها شيء محذور". ### |||| وكذلك قولي أيضا، وهو: # "لا يظفر الرجل بمطالبه شفعا، ولا تؤتيه من كل جهة نفعا، بل يرى مرعى بلا ~~ماء وماء بلا مرعى، ولذلك كانت النحلة مع الشهدة، والشوكة مع الوردة". # وبعض هذه المعاني مأخوذ من قول أبي تمام: # أرض بها عشب زاك وليس بها %~% ماء وأخرى بها ماء ولا عشب1 # إلا أن في الكلام المنثور زيادة على ما تضمنه الشعر، وكأنه ينظر إليه ~~نظرا بعيدا. # ومن سبيل المتصدي لهذا الفن أن يأخذ المعنى من الشعر, فيجعله مثل الإكسير ~~في صناعة الكيمياء، ثم يخرج منه ألوانا مختلفة من جوهر وذهب وفضة، كما فعلت ~~في هذا الموضع، فإني أخذت معنى هذا البيت من الشعر, فاستخرجت منه ما ليس ~~منه، وهذا أعلى الدرجات في نثر المعاني الشعرية. وقد بسطت القول في هذا ~~الموضع، وكشفت عن دفائنه في الكتاب الذي وسمته ب"الوشي المرقوم، في حل ~~المنظوم"، وهو كتاب مفرد في هذا الفن خاصة. ### |||| ومن هذا الضرب الذي هو الكيمياء في توليد المعاني ما ذكرته في وصف الربيع فقلت: # "فصل الربيع هو أحد ميزاني عامه، والمستقيد لسامه من حامه، وقد وصف بأنه ~~ميعاد نطق الأطيار، وميلاد أجنة الأزهار، والذي تستوفى به حولها سلافة ~~العقار، PageV01P127 # فإذا سلت السحب فيه سيوفها, كان ذلك للرضا لا للغضب، وإذا خلعت على الأرض ~~غلالتها الدكناء لبست منها ديباجة منسوجة بالذهب". # وهذا المعنى مستولد من قول أبي تمام في وصف السحاب: # سلبته الجنوب والدين والدني %~% ا وصافي الحياة في سلبه1 # إلا أن في الذي ذكرته معنيين غريبين إذا أمعن الناظر نظره فهمهما. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في لين القول وإعادته، وما يجري مجراه، كقولي في فصل من كتاب، وهو: # لم أعد عليه القول لأنه لا يبلغ مدى ميدانه، إلا بتحريك سوطه وعنانه، بل ~~أخذا بأدب الله في أذكار القرآن واتباعا لسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- في ~~تثويب الأذان2". # وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي ms073 تمام: # لو رأينا التأكيد خطة عجز %~% ما شفعنا الأذان بالتثويب2 ### |||| وكذلك قولي أيضا، وهو: # "وقد علم أن لين القول أنجع قبولا، وهو من أدب كليم الله إذ بعثه إلى ~~فرعون رسولا، ألا ترى أن الحداء يبلغ من المطايا بلطفه، ما لا يبلغه السوط ~~على عنفه". # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي تمام: # وخذهم بالرقى إن المهارى %~% يهيجها على السير الحداء PageV01P128 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في ذم الدنيا، وهو: # "أنكاد الدنيا مشوبة بالأشياء التي جبلت النفوس على حبها، وكل ما يستلذه ~~الأبدان من مأكلها فإنه يضرها من جهة طبها، ولهذا يذمم من منفعة الهليلج1، ~~ومضرة اللوزينج، وأعجب من ذلك أنه لا ينتفع الإنسان بشيء من لذاتها إلا ضره ~~من جهة ثوابه، وهو كالذي ينتفع باصطلاء النار وهي محرقة لأثوابه، وقد ضرب ~~لذلك مثل من الأمثال، وقيل: إن كل ما ينفع الكبد مضر بالطحال". # وهذا مأخوذ من الأمثال العربية والمولدة. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في الزهد، وهو: # الناس في الدنيا أبناء الساعة الراهنة، وكما أن النفوس ليست فيها بقاطنة، ~~ولهذا كانت المآتم بها كالأعراس يتفرق ندي جمعها، فهذه تنسى ما مضى من لذة ~~سرورها, وهذه تنسى ما مضى من ألم فجعها، ولا شبيه لها على ذلك إلا الأحلام ~~التي يتلاشى خيالها عاجلا، وتجعل اليقظة حقها باطلا، وما ينبغي حينئذ أن ~~يفرح بها مقبلة, ولا يؤسى عليها مدبرة، وكل ما تراه العين منها ثم يذهب ~~فكأنها لم تره، وغاية مطلوب الإنسان منها أن يمد له في مدة عمره، ويملى له ~~في امتداد كثره, أما تعميره فيعترضه المشيب الذي هو عدم في وجود, وهو أخو ~~الموت في كل شيء إلا في سكنى اللحود، فالجوارح التي يدرك بها الشهوات ترى ~~وكل منها قد تحول، وأصبح كالطلل الدارس الذي ليس عنده من معول، فلا ليلى ~~بليلى, ولا النوار بالنوار، ولا الأسماع أسماع, ولا الأبصار أبصار، وأما ~~ماله فإنه أمسكه فهو عرضة لوارث يأكله، أو لحادث يستأصله, وإن أنفقه كان ~~عليه في الحلال حسابا، وفي الحرام ms074 عقابا، فهذه زهرة الدنيا الناضرة، وهذه ~~عقباها الخاسرة". PageV01P129 # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر صالح بن عبد القدوس: # وإذا الجنازة والعروس تلاقيا %~% ألفيت جمعا كله يتفرق # ومن قول أبي العتاهية: # أنما أنت طول عمرك ما عمر %~% ت في الساعة التي أنت فيها ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن تعزية، وهو: # "كيف يظلم ذلك اللحد وبه من أعمال ساكنه أنوار? أم كيف يجدب وبه من فيض ~~يمينه سحاب مدرار? أم كيف توحش أقطاره والملائكة داخلة عليه من تلك ~~الأقطار? أم كيف يخفيه طول العهد على زوراه وطيب ترابه هاد للزوار؟ وما ~~أعلم ما أقوله في هذا الخطب الجليل، الذي دق فيه الحزن الجليل، وسمحت له ~~النفوس بالفدية على حب الحياة, وذلك من الفداء القليل، وقد قيل: إنه لم ~~يخلق الدمع إلا إنذارا بأن نوائب الزمان ستنوب، وقد جعله الله ذخرا ~~للقائها, وإنما يذخر السلاح للقاء الحروب، والذي ذخرته منه لم يغن عني في ~~هذه النائبة، وأي جنة تقوم في وجه سهامها الصائبة؟ لا جرم أني أصبحت بين ~~يديها هدفا للرماء، ولم يبق مني إلا ذماء الحشاشة1, ومن العجب بقاء ~~الذماء". # وشيء من هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي: # لم يخلق الدمع لامرئ عبثا %~% الله أدرى بلوعة الحزن2 ### |||| وكذلك ذكرت فصلا في كتاب آخر يتضمن تعزية، وهو: # "فياويح أيد أسلمته إلى الثرى, وما كان يسلمها إلى الإعدام، وألبسته ظلمة ~~اللحد وطالما, جلا عنها غيابة الظلم والإظلام، وغادرته بوحدته مستوحشا, وقد ~~كان يؤنسها بنوافل الإنعام، ومثله لا يواري القبر منه إلا صورة يدركها ~~النفاد، وتبلى كما يبلى غيرها PageV01P130 # من الأجساد، ولكنه لا يستطيع مواراة الذكر الخالد الذي يذهب بشماتة ~~الحساد، ويتمثل في السماء بصورة الكواكب وفي الأرض بصورة الأطواد". # وبعض هذا مأخوذ من قول بعض شعراء الحماسة1: # فإن تدفنوا البكري لا تدفنوا اسمه %~% ولا تدفنوا معروفه في القبائل2 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام بالفصاحة، وهو فصل من كتاب، فقلت: # وله البيان الذي يغض من نسق الفريد، ولا ms075 يخلق نضرة لباسه الجديد، وهو فوق ~~كلام المجيد ودون القرآن المجيد، وإذا اختصروا صفته قيل: إنه يستميل سمع ~~الطروب، ويستحق وقار القلوب، ويتمثل آيات بيضاء من غير ضم إلى الجيوب، ويرى ~~في الأرض غير لاغب إذا مس غيره فترة اللغوب، ولا تزال الناس في عشق معانيه ~~ضربا واحدا, والعاشقون ضروب, ولما وقفت عليه قلت: سبحان من أعطى سيدنا فلم ~~يبخل، وخصه بنبوة البيان إلا أنه لم يرسل، ولولا أن الوحي قد سد بابه لقيل: ~~هذا كتاب منزل، ولقد خار الله لأولي الفصاحة إذ لم يحيوا إلى عصره، ولم ~~يبتلوا فيه بداء الحسد الذي يصليهم بتوقد جمره، ولئن سلموا من ذلك فما سلمت ~~أقوالهم من أقواله التي محتها محو المداد، وقد كانت باقية بعدهم فلما أتى ~~صارت كما صاروا إلى الألحاد". # وفي هذا الفصل شيء من المعاني الشعرية كقول البحتري: # مستميل سمع الطروب المعنى %~% عن أغاني معبد وعقيد3 PageV01P131 # وقول الشريف الرضي -رحمه الله: # عشقت وما لي يعلم الله حاجة %~% سوى نظري والعاشقون ضروب1 # وفيه أيضا من معاني القرآن الكريم، إلا أنها جاءت ضمنا وتبعا، وموضعها ~~يأتي بعد الأبيات الشعرية. ### |||| وكذلك ذكرت فصلا آخر من هذا الأسلوب وهو: # "إن للكلمة طعما يعرف مذاقه من بين الكلام، وخفة الأرواح معلومة من بين ~~ثقل الأجسام، فلو لم نعرفه بطعمه، عرفناه بوسمه، والصباح لا يتمارى في ~~إسفاره، ولا يفتقر إلى دليل على إشراق أنواره، وقد علم أن العرف يعرف ~~بغصنه, وأن القول يعرف بلحنه، ونفائس هذه العقود لا يبرزها إلا أنفاسه، ~~فدررها لفظه, وسلوكها قرطاسه". # ومن هذا الباب قولي أيضا، وهو: # "ألفاظ كخفق البنود، أو زأر الأسود، ومعان تدل بإرهافها أنها هي السيوف, ~~وأن قلوبا نمتها هي العمود، فيخالها المتأمل حومة طعان، أو حلبة رهان". # وبعض هذا مأخوذ من شعر البحتري: # يقظان ينتخب الكلام كأنه %~% جيش لديه يريد أن يلقى به2 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان من أهل الكتابة كان اعتدى عليه شخص يدعي الكتابة وليس من أهلها، فقلت: ms076 # "وقد نيط بسيدنا قلما الخط اللذان ينسب أحدهما إلى المداد, وينسب الآخر ~~إلى الصعاد3، فهو يدير هذا في معركة المقال, وهذا في معركة الطراد، ولربما ~~صهل PageV01P132 # أحد قلميه من فوق صفحات الدروج1، كما تصهل الجياد من تحت أعواد السروج، ~~فله احتفال المواطن والمجالس، وإليه غناء أصحاب العمائم والقلانس، لا كمن ~~لا يجاوز همه طرفي ردائه، وإذا نودي لفضيلة قيل: إنما يسمع الحي بندائه، ~~وكم في الناس من صور لا تجد لمعناها أثرا، وإذا رأيتها قلت أرى خالا2 ولا ~~أرى مطرا، وأي جمال عند من ليس له إلا جمال ثيابه، وهل ينفع السيف الكهام3 ~~أن تجعل من الذهب حيلة قرابه، وكل من هؤلاء ذنب يسعى بغير رأس، ولا له هم ~~إلا في عيشة الطاعم الكاسي, وإذا اعتبر حاله وجد من البهائم وإن كان من ~~منسوبا إلى الناس، والسيادة ليست في وشي الثياب، ولا في طيب الطعام ~~والشراب، وإنما هي في شيئين: إما شهامة قلم تفرق لها قلوب الغمود، أو شهامة ~~رمح تفرق لها قلوب الأسود، وكأني بقوم يسمعون هذا وكلهم يمتعض امتعاض ~~المغضب، وتتابع نفسه تتابع المتعب، ويعترض الشجي في حلقه حتى يغص من غير أن ~~يشرب، ولم يزل بالحساد من سيدنا داء يورثهم أرقا، ويوسعهم شرقا، وكثيرا ما ~~تعرق له جباههم, وكذا الميت يندى جبينه عرقا، وما أرى لهؤلاء دواء إلا أن ~~يطرحوا عن مناكبهم ثقل المساجلة، والحسد إنما يكون ممن يجري مع صاحبه في ~~مضمار المماثلة، وكنت أحب أن يقام على الكتابة محتسب حتى يتفلس منها خلق ~~كثير، وتستريح جياد كثيرة من ركوب حمير، وفي مثل هذا السوق يظهر أهل ~~الخلابة والنجش4، وما منهم إلا من هو في الحضيض الأسفل وقد أجلس نفسه قائمة ~~العرش، ونار الآلة العمرية تميز خالص النقود من زيفها، ولا حيف في هذا ~~المقام على من أسرفت دعواه الكاذبة في حتفها". PageV01P133 # وبعض هذا الفصل مأخوذ من شعر عبد السلام بن رغبان, عرف بديك الجن1: # يزهى به القلمان إلا أن ذا %~% لدن المجس وأن ذا بكعوب ms077 # عودان يقضب ذا الطلى2 بلعابه %~% ويجوب ذا المهجات بالتركيب # ويكفيك أيها المتوشح لنثر الشعر أن تنظر إلى هذا الفصل، وتتأمل الموضع ~~الذي أخذت معنى هذين البيتين, ووضعته فيه، فإن فيه غناء ومقنعا. ~~PageV01P134 ### ||| [حل آيات القرآن الكريم] # أما حل آيات القرآن العزيز فليس كنثر المعاني الشعرية، لأن ألفاظه ينبغي ~~أن يحافظ عليها، لمكان فصاحتها, إلا أنه لا ينبغي أن يؤخذ لفظ الآية ~~بجملته، فإن ذلك من باب "التضمين"، وإنما يؤخذ بعضه، فإما أن يجعل أولا ~~لكلام أو آخرا، على حسب ما يقتضيه موضعه، وكذلك تفعل الأخبار النبوية. على ~~أنه قد يؤخذ معنى الآية والخبر, فيكسى لفظا غير لفظه، وليس لذلك من الحسن ~~ما للقسم الأول للفائدة التي أشرنا إليها. # وقد سلكت في ذلك طريقا اخترعتها، وكنت أنا ابن عذرتها، وعند تأمل ما ~~أوردته منها في هذا الكتاب يظهر للمتأمل صحة دعاوي، ولئن كان من تقدمني أتى ~~بشيء من ذلك, فإني ركبت ففيه جوادا وركب جملا، ونال من مورده نهلة واحدة, ~~ونلت منه نهلا وعللا. # ومن آتاه الله في القرآن بصيرة فإنه يسبك ألفاظه ومعانيه في كلامه، ~~ويستغني به عن غيره، إلا أنه ينبغي أن يكون فيه صواغا يخرج منه ضروب ~~المصوغات، أو صرافا يتجهبذ في نقوده المختلفة من الذهب المختلف الألوان، ~~ولا أقول من الفضة، فإنه ليس فيه من الفضة شيء، وهو أعلى من ذلك، أو يكون ~~فيه تاجرا يديره على يده، PageV01P134 # ويتصرف في أرباحه, ويخرج من الأمتعة المجلوبة من مناسجه كل غريبة عجيبة، ~~وكل هذا يفهمه من عرف فلزم, وحكم بما علم: # وما كل من قال القريض بشاعر %~% ولا كل من عانى الهوى بمتيم # واعلم أن المتصدي لحل معاني القرآن يحتاج إلى كثرة الدرس، فإنه كلما ديم ~~على درسه ظهر من معانيه ما لم يظهر من قبل. # وهذا شيء جربته وخبرته، فإني كنت آخذ سورة من السور وأتلوها، وكلما مر بي ~~معنى أثبته في ورقة مفردة، حتى انتهي إلى آخرها، ثم آخذ في حل تلك المعاني ~~التي أثبتها واحدا بعد ms078 واحد، ولا أقنع بذلك حتى أعاود تلاوة تلك السورة، ~~وأفعل ما فعلته أولا، وكلما صقلتها التلاوة مرة بعد مرة ظهر في كل مرة من ~~المعاني ما لم يظهر لي في المرة التي قبلها. # وسأورد في هذا الموضع سورة من السور، ثم أردفها بآيات أخرى من سور ~~متفرقة، حتى يتبين لك أيها المتعلم ما فعلته فتحذو حذوه، وقد بدأت بالسورة ~~أولا، وهي سورة يوسف -عليه السلام- لأنها قصة مفردة برأسها، وفيها معان ~~كثيرة. # فالأول: ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو: # "وصل كتاب الحضرة السامية أحسن الله أثرها، وأعلى خطرها، وقضى من العلياء ~~وطرها، وأظهر على يدها آيات المكارم وسورها، وأسجد لها كواكب السيادة ~~وشمسها وقمرها". # وهذا أول معنى في السورة، وقد نقلته عن قصة المنام إلى الدعاء. ### |||| ثم أبرزت هذا المعنى في صورة أخرى، وهو: # "أكرم النعم ما كان فيها ذكرى للعابدين، وتقدمه أني رأيت أحد عشر كوكبا ~~والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين, فهذه النعمة هي التي تأتي بتيسير العسير، ~~وتجلو ظلمة الخطب بالصباح المنير، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتها، إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير". PageV01P135 ### |||| ثم تصرفت في هذا المعنى فأخرجته في معرض آخر، وهو فصل من جملة تقليد يكتب من ديوان الخلافة لبعض الوزراء، فقلت: # وقد علمه أمير المؤمنين، فأدنى مجلسه من سمائه، وآنسه على وحدة الانفراد ~~بحفل نعمائه، وذلك مقام لا تستطيع الجدود أن ترقى إلى رتبته، ولا الآمال ~~تطوف حول كعبته، ولا الشفاه أن تتشرف بتقبيل تربته، فليزد إعجابا بما نالته ~~مواطئ أقدامه، ولينظر إلى سجود الكواكب له في يقظته لا في منامه". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو: # "لم أر كمواهب فلان ملأت أملي بطمع وعودها، وفرغت يدي من نيل وجودها,. ~~فلم أحظ إلا بلامع سرابها، وكانت كدم القميص في كذابها". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في تزكية إنسان مما رمي به، وهو: # "لم ترم بذنب إلا نابت البراءة له مناب الشهود، وجيء من أهلها بشهادة ms079 ~~القميص المقدود". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في عذر الهوى، وهو: # "لم يهو حبيبا إلا كان لأهل التقى فيه أسوة، ولا ليم من أجله إلا اعتذر ~~عذر امرأة العزيز إلى النسوة". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من جواب كتاب إلى بعض الإخوان، وهو: # "إن كان الكلام كما قيل ذكرا والجواب أنثى, فجوابي هذا عروس تجلى في ~~حللها المحبرة، وعقودها المشذرة، وتزهى بما آتاها الله من الحسن الذي ليس ~~بالمجلوب، ولا ترضى بتقطيع الأيدي دون تقطيع القلوب، وها قد أرسلتها إلى ~~سيدنا حتى يعلم أن نتائج خاطري على الفطرة، وأنها معشوقة الصور فكل الناس ~~في هواها بنو عذرة". # وفي هذا الفصل معنى الآية والخبر والنبوي والبيت من الشعر. PageV01P136 ### |||| ومن ذلك ما ذكرت في تقلب الأيام، وهو: # "لقينا أياما ضاحكات، وليتها أيام عابسات، فكانت كسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، وهو: # "ليس ممن يرقب عجف الزمان فيذر الحب في سنبله، ولكنه يستأنف الصبر في ~~آخره, ويستهلك المال في أوله، فلا يبقى من يومه لغده, ولا يتهم ربه فيما ~~بيده". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في حب الرشوة، وهو: # "الرشوة تحل عقد القلوب, وتهون فراق المحبوب، ألا ترى أن رد البضاعة حكم ~~على أخي يوسف بالإضاعة؟ ". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في الاستسلام لحكم الأقدار، وهو: # "لا تحترس من جنود الأقدار بالآراء المتعمقة, وسواء عندها الباب الواحد ~~والأبواب المتفرقة". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في تتابع الإساءة، وهو: # "لم يزل يرشقني بقوارصه حتى تكاثر النبل, واستحكم التبل1، ولم يكفه ~~الإلقاء في غيابة الجب حتى قال: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في التوكل، وهو: # "إذا طلب أمرا أجمل في المطلوب، ووكله إلى الذي بيده مفاتيح الغيوب، ~~وتأسى في حاجته منه بالحاجة التي كانت في نفس يعقوب". PageV01P137 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف الكيد، وهو: # "لم يأت أمرا إلا أخفى أسباب أواخيه، وبدأ فيه بالأوعية قبل وعاء أخيه". # وهذه ثلاثة عشرة معنى من سورة يوسف ms080 -عليه السلام. # وأما الآيات التي هي من سور متفرقة, فأولها ما كتبته في صدر كتاب إلى بعض ~~الإخوان جوابا عن كتابه، وهو: "ورد كتابه عشية يوم كذا فعرض علي عرض الجياد ~~على سليمان، وتساوينا في الاشتغال منه ومنها بالاستحسان، غير أن الجياد وإن ~~حسنت فإنها لا تبلغ في الحسن مبلغ الكتاب، لكن قلت كما قال: إني أحببت حب ~~الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب، ولئن قضي الاشتغال هناك بمسح سوق ~~وأعناق، فإنه لم يقض ههنا بمسح سطور ولا أوراق، وإنما اشتغلت عن عبادة ~~بعبادة، ولو شئت لقلت: عن إفادة بإفادة". # وهذا مأخوذ من قصة سليمان -عليه السلام- في سورة "ص"، وهي قوله تعالى: ~~{ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب، إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ~~الجياد، فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب، ردوها علي ~~فطفق مسحا بالسوق والأعناق} 1. # فانظر كيف أخذت هذه القصة, وقابلت بينها وبين الكتاب، ثم إني تصرفت فيها ~~بالموافقة بينهما تارة والمخالفة بينهما أخرى. # وهكذا ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله. ### |||| ومن ذلك ما كتبته عن الملك الأفضل علي بن يوسف: إلى الديوان العزيز النبوي ببغداد في فصل من كتاب، وهو: # "وقد علم أن المال الذي يختزن، كالماء الذي يحتقن، فكما أن هذا يأجن ~~بتعطيل الأيدي عن امتياح مشاربه، فكذلك يأجن هذا بتعطيل الأيدي عن امتياح ~~مواهبه، PageV01P138 # وأي فرق بين وجوده وعدمه لولا أن تملك به القلوب، وتقل به الخطوب، ويركب ~~به ظهر العزم الذي ليس بركوب، ومن بسط الله يده فيه, ثم قبضها بخله, فإنه ~~يقف دون الرجال مغمورا، ويقعد عن نيل المعالي ملوما محسورا، وإذا أدركته ~~منية مضى وكأنه لم يكن شيئا مذكورا. # ومذ ناط الله بيد الخادم ما ناطه من أمر بلاده, لم يدخر منها إلا مربط ~~أشقره، ومركز أسمره1، وما عداهما فإنه مصروف إلى قوة الإسلام في سد ثغوره, ~~وتكثير جنوده، وإيقاد حرب عدوه بعد خمودها, واستباحة جمرها عند وقوده، وما ~~يفضل عن ذلك فإنه للناس يشتركون في ms081 وشله وغمره2، والمسلم أخو المسلم يساويه ~~في حقه من بيت المال, وإن كان خالفه في مزية قدره، ولا سبيل على الخادم وهو ~~يفعل ما يفعله أن يدلس من هذا المال بتبعة المطلوب، أو يلتحق بالقوم الذين ~~يكنزونه فيجزي عليه بكي الجباه والظهور والجنوب، ولم يأت به الله على فترة ~~من مثله إلا ليمحو به سيئات الدين ويعيد به الإسلام إلى وطنه بعد أن طال ~~عهده بمفارقة الوطن، ولا يكون حسنة من حسنات أمير المؤمنين ترقمها الدنيا ~~في ديوانه، وتثقل بها في الآخرة كفة ميزانه". # وفي هذا الفصل معنى آيتين: إحداهما: في سورة "هل أتى"، والأخرى في سورة ~~"براءة". ### |||| ومن ذلك ما كتبته عنه: إلى عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب من كتاب يتضمن استعطافه والتنصل إليه، وهو: # "من شيمة الأقدار أن تذهب ببصائر ذوي الألباب، وتمثل لهم الخطأ في مثال ~~الصواب، ولولا ذلك لما زل الحكيم واعوج المستقيم، والمملوك يقبل اليد ~~الكريمة المولوية الملكية العادلية, لا زال عرفها مأمولا، وإحسانها عند ~~الله مقبولا، وفعلها في المكرمات مبتدعا إذا كان فعل الأيادي مفعولا، ~~ونستغيث إلى عفوها الذي يكفي فيه لفظة PageV01P139 # الاعتذار، ولا ينفد بمواظبة الآصرار، ولو عرف ذنبه باديا لقرع له سن ~~الندامة، وعاد على نفسه بالملامة, ولما كان عجيبا أن يكون مليما1، وأن يكون ~~مولانا كريما، لكنه حمل آصرة الذنب وهو بريء من حملها، وخاف أن تكون هذه ~~كأخواتها التي سلفت من قبلها، والأمور المتشابهة يقاس البعض منها على ~~البعض، والملسوع لا يستطيع أن يرى مجر حبل على الأرض، ولم يجترم الملوك ~~الآن جريمة سوى أن فر إلى الاعتصام، وألقى بيده إلى أقوام لم يكونوا له ~~بأقوام، وإذا ضاق على المرء أقربه كان الأبعد له من ذوي الأرحام، وليس بأول ~~من ذهب هذا المذهب، ولا بأول من حمل نفسه على ركوب هذا المركب. # ولئن قال بعض الناس: إنه عجل في اعتصامه وفراره، وإنه لو صبر لحمد مغبة ~~اصطباره, فهذا قول من لم يعرف حال الملوك فيقيم له عذرا, ولا ms082 ابتلي بما ~~ابتلي به من قوارص مولانا مرة بعد أخرى، ولقد تكاثرت عليه هذه الأقوال ~~المؤنبة حتى ملأت طرفه كحل السهاد، وجنبه شوك القتاد، وأصبح وهو يرى أنه ~~زلق في خطيئته زلقا، وغص بندمه من أجلها شرقا، وبدت له سوأته حتى طفق يخصف ~~عليها ورقا2، ومع هذا فإنه واثق أن حلم مولانا لا يؤتى من الزلل، وأن حصاة ~~الذنوب لا تخف بوزن ذلك الجبل، وها هو جاء نازعا, وللنازع العتبى، وعاد ~~مستشفعا, ولا شفيع أكرم من القربى". # ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب. # وفي الذي أوردته من هذا الفصل معنى آية من القرآن في سورة "الأعراف"، وهي ~~قوله تعالى: {فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} 3. ~~PageV01P140 ### |||| ومن ذلك ما كتبته عن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان بن مسعود صاحب الموصل: إلى الديوان العزيز ببغداد بعد وفاة والده يسأل في التقليد، وكان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة. # فمما جاء في صدر الكتاب بعد الدعاء قولي، وهو: # "إذا توفي ولي من أولياء الدولة فمن السنة أن يعزى بفقده، ويستخرج إذنها ~~في سليله القائم من بعده، حتى لا تخلو أرضها من رواسي الجبال، ولا سماؤها ~~من مطالع الكواكب التي تجلو ظلمة الليال، وقد مضى والد العبد إلى رحمة ~~الله, وهو متزود من الطاعة خير زاد، غير خائف من إحصاء الرقيب والعتيد إذ ~~جعلها له من العتاد، وما عليه وقد ثقلت كفة ميزانه ما كان في الكفة الأخرى ~~من السجلات الكثيرة الأعداد، ومضمون وصيته التي عهدتها أن نمشي في الطاعة ~~على أثره، ونهتدي بالأوامر الشريفة في مورد الأمر ومصدره، وقد جعلها العبد ~~نجي فكره إذا قام وإذا قعد، وسبحة صلاته إذا ركع وإذا سجد، وهو يرى أنه لم ~~يمض والده حتى أبقى للدولة من يثبت قدمه موضع قدمه، وعند ذلك يقال: إن غصن ~~الشجرة كالشجرة في نبات أصله, وقوة معجمه، وهذا مقام لا تمتاز فيه الآباء ~~عن الأبناء، وليست المزية لاكتهال السن إنما هي لشبيبة الغناء، وقد ms083 أوتي ~~يحيى الحكم قبل أن يجري القلم في كتابه، وشهد له بالتزكية قبل أن ينتصب في ~~محرابه، وكذلك قد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسامة على فتاء عمره، ~~وشهد أنه خليق بما أسند إليه من أمره، والعبد وإن بسط الاستحقاق لسانه, ~~فإنه الأدب يحكم بانقباضه، ويريه أن التفويض إلى إنعام الديوان العزيز أسرع ~~في نجح أغراضه، ولا شك أن منتهى الآمال لا يبلغ أدنى تلك المواهب، ولو جمعت ~~في صعيد واحد, ثم سألت مطالبها لما نقصت خزائن العطايا من تلك المطالب". # وهذا الفصل من أول الكتاب، وفيه معنى آيتين من سورة مريم -عليها السلام, ~~أما PageV01P141 # الأولى فقوله تعالى عند ذكر يحيى -عليه السلام: {وآتيناه الحكم صبيا} 1 ~~وأما الثانية: فقوله تعالى: {وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا} 2. # وفي هذا الفصل أيضا معاني ثلاثة من الأخبار النبوية، وليس هذا موضعها، ~~وإنما جاءت ضمنا وتبعا. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف الغبار في الحرب، وهو: # "وعقد العجاج شفقا فانعقد، وأرانا كيف رفع السماء بغير عمد، غير أنها ~~سماء بنيت بسنابك3 الجياد، وزينت بنجوم الصعاد4، ففيها مما يوعد من المنايا ~~لا ما يوعد من الأرزاق، ومنها تقذف شياطين الحرب لا شياطين الاستراق". # وهذه المعاني مأخوذة من سورة "الرعد5" وسورة "الصافات6" وسورة ~~"الذاريات7". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف طعام، وهو فصل من كتاب فقلت: # "طعام لا يمل إذا شينت الأطعمة بمللها، وكأنما تولته يد الخلقة ولم ~~تباشره الأيدي بعملها، فهو من بقايا المائدة التي نزلت من السماء, وقد طاب ~~حتى لا يحتاج من بعده إلى استعمال الماء، وما رآه ذو شبع إلا تركه غبنا، ~~وود لو زيد إلى بطنه بطنا". # وبعض هذا مأخوذ من سورة "المائدة"8. PageV01P142 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: # "قد تكاثرت وسائل الخادم حتى لا يدري ما يجعله لطلابه سفيرا، وما منها ~~إلا ما يقال: إنه أول وليس فيها ما يجعل أخيرا، غير أنه لا يذكر منها إلا ~~ما هو توأم إيمانه، والذي ms084 لا ينظر الله من ابن آدم إلا إلى مكانه، وفي ذلك ~~كاف عن الوسائل التليدة والطريفة، وقول: "لا إلى إلا الله" لا يعدله شيء من ~~الحسنات المودعة في الصحيفة، وقد تجدد الآن للخادم مطلب هو بالنسبة إلى ~~مواهب الديوان العزيز يسير، ولو قامت مطالب الناس في صعيد واحد لأعطي كلا ~~منها مرامه ولم يقل ذلك كثير، وكتابه هذا سائر إلى تلك المواهب التي يضيق ~~عنها صدر الأرض باتساعه، وليس الذي يسأله ممنعا فيحال على النظر إلى الجبل ~~في امتناعه، وكما أن عبيد الديوان العزيز أطوار, فكذلك مطالبهم أطوار، وقد ~~جعل الله الأشياء متفاوتة في مراتبها, وكل شيء عنده بمقدار". # وهذا الفصل من أحسن ما يكتب في استنجاز المطلوب، وفيه معاني ثلاثة: أخبار ~~نبوية، ومعنى آيتين من القرآن الكريم، وليس هذا موضع الأخبار، وإنما جاء ~~ضمنا وتبعا، فالآية الأولى في سورة "الأعراف" والآية الثانية في سورة ~~"الرعد1". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب، وهو: # "إذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه نجوم كلمه، لم يقعد لها شيطان بلاغة مقعدا، ~~إلا وجد له شهابا مرصدا، فأسرارها مصونة عن كل خاطف، مطوية عن كل قائف". # وهذا المعنى مأخوذ من سورة "الجن"2. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب أيضا، فقلت: # "له بنت فكر ما تمخضت بمعنى إلا أنتجته من غير ما تهمله، وأتت به قومها ~~PageV01P143 # تحمله، ولم يعرض على ملأ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره, لا ~~أيهم يكفله". # وفي هذين السطرين آيتان من القرآن الكريم: الأولى في سورة "مريم"، وقصتها ~~وقصة ولدها -عليهما السلام، وهو قوله تعالى: {فأتت به قومها تحمله} 1 ~~والثانية في سورة "آل عمران" في قوله: {إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} ~~2. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن وصف القلم، فقلت: # "وقد أوحى الله تعالى إلى قلمه ما أوحاه إلى النحل، غير أنها تأوي إلى ~~المكان الوعر, وهو يأوي إلى البيان السهل، ومن شأنه أن يجتني من ثمرات ذات ~~أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من ms085 نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام، ~~وأين ما تنبته كثافة الخشب مما تنبته لطافة المعنى، ولا تستوي نضارة هذا ~~الثمر وهذا الثمر, ولا طيب هذا المجنى وهذا المجنى، وقد أرخص الله ما يكثر ~~وجوده فيذهب في لهوات الأفواه، وأغلى ما يعز وجوده, فيبقى خالدا على ألسنة ~~الرواة، وكل هذه الأوصاف لا تصح إلا في قلم سيدنا الذي إذا خلا بخاطره ~~امتلأت بحديثه المحافل، وإذا حلا كتابه وحدت الكتب الحالية من قبله وهي ~~عواطل، فله حينئذ أن ينظر إلى غيره بعين الاحتقار، ولواصفه أن يسهب وهو ~~قائم مقام الاختصار". # هذا الفصل غريب عجيب، وقد جمع بين الأضداد، فمناله بعيد، وفهمه قريب، وهو ~~مأخوذ من سورة "النحل". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو: # "له شيمة في الجود لا يشام نائلها، وإذا هزها سائلها قال: إنها كلمة هو ~~قائلها". # وهذا مأخوذ من سورة "المؤمنين"3. PageV01P144 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو: # "وصل كتابه فوقف منه على اللفظ الرخيم، والمعنى الذي هو في كل واد يهيم، ~~وقال: يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم، ثم أخذ إعلاء قدره، وتنويه ~~ذكره، ولم يستفت الملأ في الإذعان لأمره، ولا أهدى في قبالته سوى هدية ~~لسانه وصدره، لا جرم أنها تقبل ولا ترد، ويعتد بها ولا تعد، فإنها مال لا ~~ينفده الإنفاق، وجوهر تتحلى به الأخلاق لا الأعناق". # وهذا مأخوذ من قصة سليمان -عليه السلام- في كتابه إلى بلقيس, وهي مذكورة ~~في سورة "النمل"1، وفي هذا من شرف الصنعة أنه خولف بين معانيه ومعاني ما ~~أتى به في القرآن الكريم. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن ذكر معركة حرب بين المسلمين والكفار، وهو: # "إذا خطب القلم عن الرمح الذي هو نديده قام محتفلا، وأسهب مترويا ~~ومرتجلا، حتى يأتي في خطابته بالمعاني الأخائر، وأصدق القول ما صدر عن ~~شهادة الضرائر للضرائر، وكتابنا هذا يصف معركة احمرت ضبابتها، وضاقت ~~بالأسود غابتها، فالطعن بها محتضر، والموت محتقر، والنصر من كلا الفريقين ~~مقتسر، وكان الإسلام ms086 هناك زجر السنيح2، وفوز القدح المنيح3، وليس الذي يرقب ~~المعونة من الله الذي هو رب المسيح كمن يرقبها من المسيح، ولقد نفذت الرماح ~~في أعداء الله حتى اعتدلت من جانبي الصدور والظهور، وتركت الناجي منهم وهو ~~لا ينظر إلى الصليب إلا نظر الخائف المذعور، فليس لهم من بعدها جيش يجمع، ~~ولا PageV01P145 # لواء يرفع، وقد كانت بلادهم من قبل مانعة, وهي الآن لا تذب عنها ولا ~~تمنع، وهذه المعركة قلت بها الرقاب المأسورة، وكثرت النفوس المقتولة، وقربت ~~بها القرابين التي تأكلها النار, لا لأنها مقبولة". # ومعنى الآية في هذا الفصل مأخوذ من سورة "آل عمران"، إلا أنها تخالفه، ~~وذاك أن القربان كان يقبل فتنزل النار تأكله, وأجساد هؤلاء الكفار قربان ~~تأكله النار, لكنها لا تأكله لأنه مقبول، وباقي الفصل يتضمن معنى حسنا ~~رقيقا. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن الشكوى من خلق بعض الإخوان، وهو: # "ولقد صبرت على أخلاقه العائثة، وعاملته بالخليقة الرائثة، وعالجته بضروب ~~المعالجات فلم تنفع فيه رقى الراقية, ولا نفث النافثة، ولما أعيا علي ~~إصلاحه أخذت بمقالة الخضر لموسى في المرة الثالثة". # وهذا مأخوذ من قصة موسى -عليه السلام- وقصة الخضر في سورة "الكهف"1. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو: # "تجمعوا في نار الندم يعرضون عليها غدوا وعشيا، وصار الأمر الذي كانوا ~~يرجونه مخشيا، وأضحوا كأهل النار الذين صاروا أعداء وكانوا شيعا، وقال ~~ضعفاؤهم للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعا". # وهذا مأخوذ من سورة "حم المؤمن2"، ومن سورة "سبأ3". PageV01P146 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في ذم غلام أبله: # كنت أقاسي من بلهه نكدا, فكتبت يوما من الأيام إلى بعض إخواني كتابا, ~~وعرضت فيه بذكره، فقلت: ولقد ملكه النسيان، حتى كأنه يقظ في صورة نائم، ~~وحتى حقق قول التناسخ في نقل أرواح الأناسي إلى البهائم، فما أرسل في حاجة ~~إلا ذهبت عن قلبه يمنة ويسرة، ولا طلب منه ما استحفظه إلا قال: أرأيت إذ ~~أوينا إلى الصخرة. # وهذا فصل يشتمل على عدة معان، منها ما ms087 هو مأخوذ من القرآن الكريم من سورة ~~"الكهف"1. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في تقليد قاض، وهو فصل منه، فقلت: # "والفضائل ما بقيت موجودة ولم تفقد، وهي حية وإن أودى أربابها، ولا يموت ~~من لم يولد، ومن أكرم ما أوتيه منها فضيلة التقوى التي الكرم من شعارها، ~~والعاقبة والحسنى كلاهما من آثارها، وما نقول إلا أنه اتخذها حارسا يمنع ~~الخصم من تسور محرابه، ويؤمن قلبه من الفتنة الداعية إلى استغفاره ومتابه، ~~وقد قرن الله له هذه الفضيلة بالعلم الذي أعلمه بعلامته، ووسمه بوسامته، ~~وقذف في روعه ما لا يسأل معه عن السفينة وخرقها, والغلام وقتله, والجدار ~~وإقامته، وعلى ما بلغه منه فإنه فيه أحد المنهومين اللذين لا يشبعان2، وإذا ~~كان لغيره فيه نظر واحد ومسمع, فله فيه نظران ومسمعان". # وفي هذا الفصل المختصر معاني عدة آيات، وخبر من الأخبار النبوية: # أما الآية الأولى فقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} 3. ~~PageV01P147 # وأما الآية الثانية فقوله تعالى: {والعاقبة للتقوى} 1. # وأما الثالثة فقوله تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} 2. # وأما الآية الرابعة فقوله تعالى: {فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة ~~خرقها} 3. وكذلك إلى آخر القصة، وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن عناية ببعض الفقراء، فقلت بعد الابتداء بصدر الكتاب: # "وقد علم منه أنه يعد لطالب فضله فضلا، ويرى التبرع بمعروفه فرضا, إذا ~~رآه غيره مع المساءلة نفلا، وما ذاك إلا لمزية خلق توجد بطيب التربة، وشرف ~~الرتبة، وأوتي من كنوز الكرم ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، ولهذا خرج على ~~قومه من الأخلاق في زينته، وفضل الخلق بطينة غير طينته, ومن فضله أنه يسأل ~~عن السائلين، ويحتال في استنباط أمل الآملين". # ثم مضيت على هذا النهج حتى أنهيت الكتاب. # والغرض أن تعلم أيها المتعلم كيف تضع يدك على أخذ ما تأخذه من بعض الآية، ~~ثم تضيف إليه كلاما من عندك، وتجعله مسجوعا كما قد فعلت أنا في هذا الموضع, ~~ألا ترى أني أخذت ms088 بعض هذه الآية في قصة من سورة "القصص"، وهي قوله تعالى: ~~{إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} ~~4. فهذه الآية أخذت بعضها وأضفت إليه كلاما من عندي حتى جاء كما تراه ~~مسجوعا. # وكذلك فعلت بالآية الأخرى من هذه السورة أيضا، وهي قوله: {فخرج على ~~PageV01P148 # قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي ~~قارون إنه لذو حظ عظيم} 1. # وهكذا ينبغي لك إذا أردت أن تسلك هذه الطريق، وقدرت على سلوكها، وهي من ~~محاسن الصناعة البلاغية، وليس فوقها من الكلام ما هو أعلى درجة منها؛ لأنها ~~ممزوجة بالقرآن لا على وجه التضمين بل على وجه الانتظام به، والله يختص بها ~~من يشاء من عباده. # وفيما ذكرته من نثر هذه الآيات كفاية للمتعلم. PageV01P149 ### ||| وأما الأخبار النبوية فكالقرآن العزيز في حل معانيها. # فإن قلت: إن الأخبار النبوية لا يجري فيها الأمر مجرى القرآن، إذ القرآن ~~له حاصر وضابط، وكل آياته تدخل في الاستعمال، كما قال بعضهم: لو ضاع مني ~~عقال لوجدته في القرآن الكريم، وأما الأخبار فليست كذلك؛ لأنها كثيرة لا ~~تنحصر, ولو انحصرت لكان منها ما يدخل في الاستعمال ومنها ما لا يدخل، ولا ~~بد من بيان يمكن الإحاطة به، والوقوف عنده. # قلت في الجواب عن هذا: إنك أول ما تحفظه من الأخبار هو كتاب "الشهاب"، ~~فإنه كتاب مختصر, وجميع ما فيه يستعمل؛ لأنه يتضمن حكما وآدابا، فإذا حفظته ~~وتدربت باستعماله كما أريتك ههنا حصل عندك قوة على التصرف والمعرفة بما ~~يدخل في الاستعمال وما لا يدخله، وعند ذلك تتصفح كتاب صحيح البخاري ومسلم ~~والموطأ والترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي, وغيرها من كتب الحديث، وتأخذ ~~ما يحتاج إليه، وأهل مكة أخبر بشعابها، والذي تأخذه إن أمكنك حفظه والدرس ~~عليه فهو المراد؛ لأن ما لا تحفظه فلست منه على ثقة، وإن كان لك محفوظات ~~كثيرة ms089 كالقرآن الكريم, ودواوين كثيرة من الشعر, وما ورد من الأمثال ~~السائرة, وغير ذلك مما أشرنا إليه, فعليك بمداومة المطالعة للأخبار, ~~والإكثار من استعمالها في كلامك حتى ترقم على خاطرك، فتكون إذا احتجت منها ~~إلى شيء وجدته، وسهل عليك أن تأتي به ارتجالا، فتأمل ما أوردته عليك, واعمل ~~به. PageV01P149 # وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر, كلها تدخل ~~في الاستعمال، وما زلت أواظب على مطالعته مدة تزيد على عشر سنين, فكنت أنهي ~~مطالعته في كل أسبوع مرة, حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على خمسمائة ~~مرة، وصار محفوظا لا يشذ عني منه شيء, وهذا الذي أوردته ههنا في حل معاني ~~الأخبار هو من هناك. # وسأذكر ما دار بيني وبين بعض علماء الأدب في هذا الأسلوب الذي أنا بصدده ~~ههنا. # وذاك أنه استوعره وأنكره، وقال: هذا لا يتهيأ إلا في الشيء اليسير من ~~الأخبار النبوية. # فقلت: لا، بل يتهيأ في الأكثر منها. # فقال: قد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه اختصم إليه في جنين, ~~فقضى على من أسقطه بغرة: عبد أو أمة، فأين يستعمل هذا? # فأفكرت فيما ذكره، ثم أنشأت هذا الفصل من الكلام، وأودعته فيه: # "قد كثر الجهل حتى لا يقال: فلان عالم وفلان جاهل، وضرب المثل بباقل1, ~~وكم في هذه الصورة الممثلة من باقل، ولو عرف كل إنسان قدره لما مشى بدن إلا ~~تحت رأسه, ولا انتصب رأس إلا على بدنه، ولكان صاحب العمامة أحق بعمامته, ~~وصاحب الرسن أحق برسنه، وكنت سمعت بكاتب من الكتاب كلمه إلى غثاثة، وقلمه ~~بغاثة لا يستنسر2, وأي بطش لبغاثة، وإذا وجب الوضوء على غيره بالخارج من ~~السبيلين وجب عليه من سبل ثلاثة، هذا وهو يدعي أنه في الفصاحة أمة وحده، ~~ومن قس إياد3 وسحبان وائل4 عنده, وإذا كشف عن خاطره وجد بليدا لا يخرج ~~PageV01P150 # عن العمه والكمه، وإن رام أن يستنتجه في حين من الأحيان قضى عليه بغرة ~~عبد أو أمة، وكثيرا ما يتقدم ونقيصته هذه على الأفاضل ms090 من العلماء، وقد صار ~~الناس إلى زمان يعلو فيه حضيض الأرض على هام السماء". # فلما أوردته عليه ظهرت أمارة الحسد على صفحات وجهه وفلتات لسانه، مع ~~إعجابه به، واستغرابه إياه، ثم قال: وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~هذا الحديث وهو: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا تمثال" فهذا أين ~~يستعمل من المكاتبات? فترويت في قوله ترويا يسيرا، ثم قلت: هذا يستعمل في ~~كتاب إلى ديوان الخلافة، وأمليت عليه الكتاب، فجاء هذا الحديث في فصل منه، ~~وهو: # "إذا أفاض الخادم في وصف ولائه نكصت همم الأولياء عن مقامه، وعلموا أنه ~~أخذ الأمر بزمامه، فقد أصبح وليس بقلبه سوء الولاء والإيمان، فهذا يظهر ~~أثره في طاعة السر, وهذا في طاعة الإعلان، وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه ~~من الأشياء المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتا فيه تمثال ولا صورة، فليعول ~~الديوان العزيز على سيف من سيوف الله يفري بلا ضارب, ويسري بلا حامل، ولا ~~يسل إلا بيد حق, ولا يغمد إلا في ظهر باطل، وليعلم أنه كرشه وعيبته في تضمن ~~الأسرار، وأنه أحد سعديه إذا عدت مواقف الأنصار". # فلما رأى هذا الفصل بهت له، وأعجب منه، ثم إني لم أقنع بإيراد ذلك الحديث ~~حتى قرنت به حديثا آخر، وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "الأنصار كرشي ~~وعيبتي". # وحيث عرفتك أيها المتعلم ما تقتدي به في هذا الموضع, فقد ذكرت لك أمثلة ~~كثيرة تتدرب بها. ### |||| فمن ذلك ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو: # "أعاذ الله أيامه من الغير، وبين بخطر مجده نقص كل خطر، وجعل ذكره زادا ~~لكل راكب وأنسا لكل سمر، ومنحه من فضله ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا ~~خطر على قلب بشر". PageV01P151 # وهذا المعنى مأخوذ من الحديث في وصف نعيم الجنة فنقلته إلى الدعاء. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف الحلم، وهو: # "تركته حتى جال في الميدان، وامتد في الأشطان1، ولم أنتصر خوفا من قيام ~~الملك وقعود الشيطان، والحليم لا يظهر أثر حلمه ms091 إلا عند تلدده2، والكظيم3 ~~هو أشد ما يخاف من تبدده". # وهذا المعنى أخذته من قصة أبي بكر -رضي الله عنه- في خصامه، فإنه بغي ~~عليه ثلاث مرات وهو ساكت، ففي الثالثة انتصر، فقال النبي -صلى الله عليه ~~وسلم: "كان الملك جالسا إلى جانب أبي بكر يكذب خصمه بما يقول, فلما انتصر ~~قام الملك وقعد الشيطان". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في النصرة على العدو في مواطن القتال، وهو: # "أخذنا بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في النصر الذي نرجوه، ونبذنا ~~في وجه العدو كفا من التراب، وقلنا: شاهت4 الوجوه، فثبت الله ما تزلزل من ~~أقدامنا، وأقدم حيزوم فأغنى عن إقدامنا". # وهذان المعنيان أحدهما مأخوذ من حديث غزوة حنين، وما فعله رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- في أخذ قبضة من التراب, وألقاها في وجوه الكفار وقوله: ~~"شاهت الوجوه" , والمعنى الآخر مأخوذ من حديث غزوة بدر، وذاك أن رجلا من ~~المسلمين لاقى رجلا من الكفار وأراد أن يضربه, فخر على الأرض ميتا قبل أن ~~يصل إليه، وسمع الرجل المسلم صوتا من فوقه، وهو يقول: "أقدم حيزوم5" فجاء ~~إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبره، فقال: "ذاك من مدد السماء ~~الثالثة". PageV01P152 ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في ضيق مجال الحرب، وهو: # "وضاق الضرب بين الفريقين حتى اتصلت مواقع البيض الذكور، وتصافحت الفور ~~بالفور1, والصدور بالصدور، واستظل حينئذ بالسيوف لاشتباك مجالها، وتبوئت ~~مقاعد الجنة التي هي تحت ظلالها". # وهو مأخوذ من الحديث النبوي، وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "الجنة ~~تحت ظلال السيوف". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب أذم فيه الزمان، فقلت: # "ولكنها الأيام تبدي لنا من جوهرها كل غريبة، وتسوسنا سياسة العبد المجدع ~~الذي كأن رأسه زبيبة، وليس للمرء فيما يلقاه من أحداثها نعمى كانت أو بوسى، ~~إلا أن يكل الأمور إلى وليها فيقول: حاج آدم موسى". # وهذا مأخوذ من الخبر النبوي في قوله -صلى الله عليه وسلم: "حاج آدم موسى، ~~فقال له موسى: أنت أخرجت الناس بخطيئتك من الجنة وأشقيتهم، فقال له آدم: ms092 ~~أنت الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلامه? أتلومني على أمر كتبه الله ~~تعالى علي قبل أن يخلقني"؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "فحج آدم ~~موسى". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف بعض الكتاب، وهو فصل من كتاب كتبته إليه، فقلت: # "ولقد سردت عليه أحاديث البلاغة فاستغنى عن بسط ردائه، وهدي إلى جوامع ~~كلمها, فاقتدى الناس باهتدائه، فإذا اشتبهت عنده مسالك طرقها لم يملكه ~~سلطان الحيرة، وإن أغرب في أساليبها لم يقل فيه ما قيل في رواية أبي ~~هريرة". # وهذا الفصل من أحسن ما يؤتى به في صناعة نثر المعاني، وهو مأخوذ من حديث ~~أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها، فقال: ابسط ~~PageV01P153 # رداءك، فبسطته، فحدث حديثا كثيرا فما نسيت شيئا حدثني به، وأما رواية أبي ~~هريرة فشك فيها قوم لكثرتها. # وقد اجتمع في هذا الفصل معنى الحديث النبوي وغيره، ومثل هذا لا يتفطن له ~~عند الوقوف إلا من تبحر في الوقوف على الأخبار النبوية، ومن أجل ذلك جعلته ~~ركنا من أركان الكتاب في الفصل التاسع. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في ذم بعض البلاد الوخمة، فقلت: # "ومن صفاتها أنها مدرة1 مستوبلة الطينة، مجموع لها بين حر مكة ولأواء2 ~~المدينة، إلا أنها لم يأمن حرمها في الخطفة، ولا نقلت حماها إلى الجحفة". # في هذه الكلمات القصار آية من القرآن الكريم، وخبران من الأخبار النبوية، ~~فالآية من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم} 3, وهذا موضع يختص بالأخبار لا بالآيات، غير أن ~~الآية جاءت ضمنا وتبعا. # وأما الخبران: فالأول منهما قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "من صبر على ~~حر مكة ولأواء المدينة ضمنت له على الله الجنة". وأما الثاني فقوله -صلى ~~الله عليه وسلم- في دعائه للمدينة: "اللهم حببها إلينا كما حببت إلينا مكة, ~~وانقل حماها إلى الجحفة" 4. # فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكلمات, حتى تعلم أن عدتها مصوغة من الآية ~~والخبرين سواء بسواء. # وهذا طريق لو ادعيت ms093 الانفراد بسلوكه لما اختلف علي في الاعتراف به اثنان. ~~PageV01P154 ### |||| ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان جوابا عن كتاب ورد: وكان كتابه تأخر عني زمانا طويلا، فقلت: # "ولما تأملته ضممته إلي والتزمته، ثم استلمته والتثمته، وعلمت أن المعارف ~~وإن قدمت أيامها -أنساب وشيجة، وتأسيت بالخلق النبوي في العجوز التي كانت ~~تأتي في زمن خديجة". # وهذا مأخوذ من الخبر المنقول عن عائشة -رضي الله عنها، وهو أنها قالت: ~~كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذبح الشاة فيعضيها1 أعضاء، ويقسمها في ~~أصدقاء خديجة، وكانت تأتيه عجوز فيكرمها ويبسط لها راءه، فسألته عن ذلك ~~فقال: $"هذه كانت تأتينا في زمن خديجة, وحسن العهد من الإيمان". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف كتاب، وهو: # "كل سطر منه روضة, غير أنها ليل في صباح، وكل معنى منه دمية, غير أن ليس ~~على مصورها من جناح". # وهذا مأخوذ من الحديث في تحريم الصور. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم وهو: # "فأغنى بجوده إغناء المطر, وسما إلى المعالي سمو الشمس, وسار في منازلها ~~مسير القمر, ونتج من أبكار فضائله ما إذا ادعاه غيره قيل: للعاهر الحجر". # وهذا المعنى من قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف الفصاحة، فقلت: # "أفكار الخواطر لا تستولد على انفرادها, وغايتها أن يتناكح في استنتاج ~~أولادها، وأنا أنكح فكري لفكر نكاح الأنساب، ولا أخاف أن أضوي فأميل إلى ~~الاغتراب". PageV01P155 # وهذا مأخوذ من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأمر بنكاح البعيدة ~~النسب, فقال: "غربوا لا تضووا" يريد بذلك أن الإنسان إذا نكح المرأة ~~القريبة إليه حصل بينهما حياء يمنع من قضاء الشهوة كما ينبغي, فيجيء الولد ~~ضاويا: أي: هزيلا، وهذا معنى غريب لي استخرجته من الحديث النبوي. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان: جوابا عن كتاب ورد منه يتضمن الشكوى من شخص جرت بينه وبينه مخاصمة، فقلت: # "وصل كتابه وهو كتاب من أكثر الشكوى، وطلب العدوى1، ms094 ونزل من التظلم ~~بالعدوة2 الدنيا، وأنزل خصمه القصوى، والقاضي لا يحكم لأحد الخصمين حتى ~~يحضر صاحبه، وإن فقئت عين أحدهما فربما فقئت عين الآخر, وهشم جانبه، على ~~أنه قد اعترف أن كليهما كان للحم أخيه آكلا، وعليه في حال محضره جاهلا، ~~وسباب المؤمن معدود من فسوقه، وإطراقه عن تورد هذا المقام أولى من طروقه، ~~ولولا تغليظ النكير لما جعل اللسان واليد سواء فيما جرحا، ولما أخر الله ~~المغفرة عن الخائضين فيها حتى يصطلحا، فكن أنت ممن أطاع تقواه لا هواه، ~~واتبع من علم الحق فرآه أو سمعه فرواه، واعلم أن تهاجر الأخوين فوق الثلاثة ~~من منهيات الحرام، وأن الفائز بالأجر منهما هو البادئ بالسلام، ودفع السيئة ~~بالحسنة يجعل العدو وليا حميما، وقد جعل الله المتخلق بهذا الخلق صابرا, ~~وجعل له حظا عظيما، والشيطان إنما يحوم على آثاره مواقع الشنآن، ولا يحمد ~~من أعمال بنيه شيئا إلا ما زيل3 بين الإخوان". # في هذا الفصل معاني آيات وأخبار، وهذا الموضع مختص بذكر الأخبار دون ~~الآيات. PageV01P156 # فأول المعاني المأخوذة من الأخبار قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~أتاك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تحكم له، فربما أتى خصمه وقد فقئت ~~عيناه". # وأما المعنى الثاني فقوله -صلى الله عليه وسلم: "سباب المؤمن فسوق وقتاله ~~كفر". # وأما المعنى الثالث فقوله -صلى الله عليه وسلم: "إن الأعمال تعرض على ~~الله يوم الاثنين ويوم الخميس, فيغفر لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرا ~~كانت بينه وين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا". # وأما المعنى الرابع فقوله -صلى الله عليه وسلم: "لا يحل للمؤمن أن يهجر ~~أخاه فوق ثلاث". # وأما المعنى الخامس فقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى ~~المتهاجران, فأعرض هذا وأعرض هذا, فخيرهما الذي يبدأ بالسلام". # وأما المعنى السادس فقوله -صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس له عرش على ~~البحر فيبث بنيه في آفاق الأرض فيأتي أحدهم فيقول: فعلت كذا وفعلت كذا، ~~فيقول: ما فعلت شيئا، ويأتي أحدهم فيقول: زيلت بينه ms095 وبين أخيه, أو بينه ~~وبين زوجته، فيقول: نعم الولد أنت"!. # فانظر كم في هذه الأسطر اليسيرة من معنى خبر نبوي، هذا سوى ما فيها من ~~معاني الآيات، وإذا عددت هذه الكلمات المذكورة في هذه الأسطر وجدتها جميعا ~~منتظمة من الآية والخبر. # وهذا مما يدلك على الإكثار من المحفوظ, واستحضاره عند الحاجة إليه على ~~الفور. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو جواب عن كتاب يتضمن تهديدا وتخويفا، فقلت: # "ورد الكتاب مضمنا من الوعد والوعيد ما آنس نفس المملوك وأوحشها، ونقع ~~ضلوعه وأعطشها، وأقام له من الظنون السيئة جنودا تقاتله، وتأخذ عليه شعب ~~الأفكار فلا تزاوله، وكانت كلماته طوالا, وأوراقه ثقالا، وما أفلت سطر من ~~سطوره إلا كان الآخر له عقالا، ولما استكمل الوقوف عليه ثقلت أطوار الخوف ~~والرجاء من أطواره، وعرضت عليه الجنة والنار في قرطاسه، كما عرضت على رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- في عرض PageV01P157 # جداره، ولولا وثوقه بأناة مولانا لذهبت نفسه فرقا، وابتغى في السماء ~~سلما، وفي الأرض نفقا، لكنه قد توسم في كرمه مخايل الصنع الوسيم، وغره منه ~~ما غره من ربه الكريم، وعلم أن خلق حلمه يغلب خلق غضبه؛ إذ هذا حادث وذاك ~~قديم". # وفي هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية، وهو أنه كان -صلوات الله ~~عليه- يخطب، فمال بيده إلى الجدار، وقال: "عرضت علي الجنة والنار في عرض ~~هذا الجدار, فلم أر كاليوم في الخير والشر". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان، وهو: # "الخادم يواصل بالدعاء الذي لا يزال لقلبه زميلا، وللسانه رسيلا1، وإذا ~~رفع أدنته الملائكة قربا إذا تباعدت من غيره ميلا، ولا اعتداد بالدعاء إلا ~~إذا صدر عن أكرم مصدر، ووجد له فوق السماء مظهرا, وإن لم يكن هناك من مظهر، ~~ووصف باطنه بأنه الأبيض الناصع الذي هو خير من ظاهر الأشعث الأغبر، ولا ~~يعامل الخادم أهل وده إلا بهذه المعاملة, ومن خلقه المجازفة في بذل المودة ~~إذا أخذ الناس نسبة المكايلة". # في هذا المعنى خبرين: # أحدهما: قول ms096 النبي -صلى الله عليه وسلم: "إنه إذا كذب الكاذب تباعد الملك ~~عنه ميلا لنتن كذبه". # والآخر قوله -صلى الله عليه وسلم: "رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم ~~على الله لأبره". ### |||| ومن هذا الباب ما ذكرته في كتاب يتضمن خطبة مودة: فابتدأت الكلام فيه بعد تصدره بالدعاء، فقلت: # "لولا العادة لرفع الخادم كتابه هذا أن يسطر في ورقة، وليس ذلك إلا ~~لإرساله في خطبة مودة رأى صورتها في سرقة2، ولما تأملها قال: إن يكن ذلك من ~~عند الله PageV01P158 # يمضه، وأبدى لها صفحة الرضا, وإن كانت كل مودة لم ترضه، وخير المودات ما ~~ليس لها ضرة تشاركها في وسامتها، ولا تضاهيها في درجة كرامتها, فتلك التي ~~تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا، ولم يغله مهرها ولو بذل فيه نفسا لا مالا، وما ~~يظنها الخادم إلا هذه المودة التي خطبها، وقد علمت أن تكون راغبة ولكن هو ~~الذي أرغبها، على أنه لم يترشح لها إلا من هو من أكفائها، وليست الكفاءة ~~ههنا إلا ما تبذله الضمائر من صفائها، وقد أتاح الله لها كفئا يكثر من ~~إيناسها، ويضعها من البر في محلة ناسها، ويجعل كل يوم من أيامها عرسا حتى ~~تنصل مواسم أعراسها". # ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب، والمعنى المأخوذ فيه من الخبر ~~النبوي في موضعين: # الأول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة -رضي الله عنها: "إن ~~جبريل -عليه السلام- عرض علي صورتك في سرقة -والسرقة: حريرة بيضاء- وقال: ~~هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، فقلت: إن يكن ذلك من عند الله يمضه". فأخذت ~~أنا هذا المعنى ونقلته إلى خطبة مودة، ولا يأتي في خطبة المودات شيء أحسن ~~منه ولا ألطف ولا أشد مقصدا. # الخبر النبوي الثاني: قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "إنما تنكح المرأة ~~لأربع: لحسبها أو لدينها أو لمالها أو لجمالها" فقلت أنا: فتلك التي تزدهي ~~ذا الهمة أبوة وجمالا، أي: قد جمعت الحسب والجمال. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في سبب حب المال، وهو: # "بين المال علاقة وكيدة وبين القلوب، ms097 وهي له بمنزلة المحب وهو لها بمنزلة ~~المحبوب، وليس ذلك إلا لأن الله قبض قبضة من جميع الأرض فخلق آدم من تلك ~~القبضة، ويوشك حينئذ أن صورة قلبه تكونت من معدن الذهب والفضة، ولولا أن ~~يكون منهما عنصر إبدائه، لما جعلهما الأطباء دواءه من دائه، فلا تستغرب إذن ~~أن تكون على حبهما مطبوعا، إذ كان منهما مصنوعا". # وهذا المعنى من قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم من قبضة ~~قبضها من جميع PageV01P159 # الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود, وبين ~~ذلك، والحزن والسهل، والخبيث والطيب". # غير أني استنبطت أنا حب المال من هذا الحديث، وهو معنى غريب لم أسبق ~~إليه. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام، وهو: # "ليس السحر ما أودع في جف طلعة1، بل ما أودع في صوغ معنى أو نظم سجعة، ~~ولذلك لبيد2 في شعره، أسحر من لبيد3 في سحره، وكلا صنعهما من الغريب ~~العجيب، غير أن ما يستنبط من القلب أعجب مما يدفن في القليب". # وهذا المعنى مأخوذ من قصة لبيد بن الأعصم في سحره النبي -صلى الله عليه ~~وسلم، ومن عرف القصة وصورتها علم ما قد ذكرته في نثر هذه الكلمات البديعة. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف المنجنيق في جملة كتاب، فقلت: # "ونصب المنجنيق فجثم بين يدي السور مناصيا، وبسط كفه إليه مواتيا، ثم ~~تولى عقوبته بعصاه التي تفتك بأحجاره، وإذا عصى عليها بلد أخذت في تأديب ~~أسواره، فما كان إلا أن استمرت عقوبتها عليه حتى صار قائمه حصيدا, وعاصيه ~~مستقيدا، وقال: ألم يكن نهى عن المد والتجريد, فما لي لا أرى إلا مدا ~~وتجريدا، وعند ذلك أذعن لفتح الأبواب، وتلا قوله تعالى: {لكل أجل كتاب} 4 ~~وكذلك لم نأت صعبا PageV01P160 # إلا استسهل، ولا حثثنا مطيا إلا استعجل، ولطالما وقف غيرنا على هذا ~~البلد, فشقه طول الانتظار، ولم يحظ منه إلا بمساءلة المنصب أحجار الديار". # في هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية، وهو قول النبي -صلى ms098 الله عليه ~~وسلم- في النهي عن ضرب المحدود: "لا مد ولا تجريد" أي: لا يمد على الأرض ~~ولا يجرد عنه ثوبه. ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى الديوان العزيز النبوي، وهو: # "خلد الله دولة الديوان العزيز النبوي، ولا زالت أكنافها وادعة, وعلياؤها ~~جامعة، وجدودها كالنجوم التي ترى في كل حين طالعة، وأيامها كالليالي ساكنة, ~~ولياليها كالأيام ناصعة، وأبوابها كأبواب الجنة التي يقال فيها ثامن ~~وثامنة, إذا قيل في أبواب غيرها سابع وسابعة، وهذا الدعاء قد استجابه الله ~~قبل أن ترفع إليه يد, أو ينطق به ضمير، فإذا دعا به الخادم وجد الله قد ~~سبقه أولا, وجاء هو في الزمن الأخير، فليس له حينئذ إلا أن يدعو لما خوله ~~الديوان العزيز بالدوام، وأن يعيذه من النقص من التمام، ثم يستهدي ما يؤهل ~~له من الخدم التي يعتدها من لطائف الإحسان، وإذا ندب لتكليف أوامرها قال: ~~والحمد والشكر يسجدان، ولا شك أن درجات الأولياء تتفاوت في الصفات ~~والأسماء، فمنها ما يكون ببطن الأرض, ومنها ما يرى كالكوكب في أفق السماء، ~~ولولا النهي عن تزكية المرء نفسه لادعى الخادم أن له أعلاها، وجاء ~~بالأولياء من بعده فقال: {والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها} 1 لكنه لا يمن ~~بما يعتده عند الله من ذخره، وسر الولاء في هذا المقام أكرم من جهره، وليس ~~الذي يمن بصلاته وصيامه, كالذي يمن بسر وقر في صدره، والله لا ينظر إلى ~~الأعمال وإنما ينظر إلى القلوب، وفرق بين المطيع بمحضر الشهادة, وبين ~~المطيع بظهر الغيوب، ولو اطلع الديوان العزيز على ضمير الخادم في الطاعة ~~لسره، وعلم أنه الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبره". PageV01P161 # في هذا الفصل من الآيات والأخبار عدة مواضع, وهذا الموضع مختص بالأخبار ~~فلنذكرها دون الآيات. # أما الأول منها فقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "إنكم ترون أهل الدرجات ~~العلى في الجنة كما ترون الكواكب في أفق السماء". # وأما الخبر الثاني: فقوله -صلى الله عليه وسلم: "ما فضلكم أبو بكر بصلاة ~~ولا صيام, ولكن ms099 فضلكم بسر وقر في صدره". # وأما الخبر الثالث: فقوله -صلى الله عليه وسلم: "رب أشعث أغبر ذي طمرين ~~لو أقسم على الله لأبره". # وفيما أوردته من حل المعاني الشعرية وحل آيات القرآن والأخبار النبوية ~~طريق واضح لمن يقوى على سلوكه، والله الموفق للصواب. PageV01P162 ### | المقالة الأولى: في الصناعة اللفظية ### || القسم الأول: في اللفظة المفردة # اعلم أنه يحتاج صاحب هذه الصناعة في تأليفه إلى ثلاثة أشياء: ### ||| الأول منها: اختيار الألفاظ المفردة # وحكم ذلك اللآلئ المبددة، فإنها تتخير وتنتقي قبل النظم. ### ||| الثاني: نظم كل كلمة مع أختها المشاكلة لها # لئلا يجيء الكلام قلقا نافرا عن مواضعه، وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في ~~اقتران كل لؤلؤة منها بأختها المشاكلة لها. ### ||| الثالث: الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه # وحكم ذلك الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم، فتارة يجعل إكليلا على ~~الرأس، وتارة يجعل قلادة في العنق، وتارة يجعل شنفا1 في الأذن، ولكل موضع ~~من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه. # فهذه ثلاثة أشياء، لا بد للخطيب والشاعر من العناية بها، وهي الأصل ~~المعتمد عليه في تأليف الكلام من النظم والنثر. PageV01P163 # فالأول والثاني من هذه الثلاثة المذكورة هما المراد بالفصاحة، والثلاثة ~~بجملتها هي المراد بالبلاغة. # وهذا الموضع يضل في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم ~~والنثر، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحة? ومن الذي يؤتيه الله فطرة ~~ناصعة, يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار, حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من ~~الألفاظ فيضعها في موضعها. # ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في ~~الاستعمال، وهما على وزن واحد وعدة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في ~~كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك، وهذا لا يدركه إلا ~~من دق فهمه وجل نظره. # فمن ذلك قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} 1 وقوله تعالى: ~~{رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} 2 فاستعمل "الجوف" في الأولى, و"البطن" ms100 ~~في الثانية، ولم يستعمل "الجوف" موضع "البطن"، ولا "البطن" موضع "الجوف"، ~~واللفظتان سواء في الدلالة، وهما ثلاثيتان في عدد واحد، ووزنهما واحد أيضا، ~~فانظر إلى سبك الألفاظ كيف تفعل. # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى} 3 وقوله: {إن ~~في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} 4 فالقلب والفؤاد ~~سواء في الدلالة، وإن كانا مختلفين في الوزن، ولم يستعمل القرآن أحدهما في ~~موضع الآخر PageV01P164 # وعلى هذا ورد قول الأعرج1 من أبيات الحماسة: # نحن بنو الموت إذا الموت نزل %~% لا عار بالموت إذا حم الأجل # الموت أحلى عندنا من العسل2 # وقال أبو الطيب المتنبي: # إذا شئت حفت على كل سابح %~% رجال كأن الموت في فمها شهد3 # فهاتان لفظتان هما "العسل" و"الشهد"، وكلاهما حسن مستعمل, لا يشك في حسنه ~~واستعماله، وقد وردت لفظة "العسل" في القرآن، دون لفظة "الشهد"، لأنها أحسن ~~منها، ومع هذا, فإن لفظة "الشهد" وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة ~~"العسل" في بيت الأعرج. # وكثيرا ما نجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وغيرهم، ومن بلغاء ~~الكتاب ومصقعي الخطباء، وتحته دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها أشباهها ~~ونظائرها, كان صاحب الكلام في النظم والنثر قد انتهى إلى الغاية القصوى في ~~اختيار الألفاظ, ووضعها في مواضعها اللائقة بها. PageV01P165 # واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها؛ ~~لأن التركيب أعسر وأشق. # ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم -من حيث انفرادها- قد استعملها العرب ومن ~~بعدهم، ومع ذلك يفوق جميع كلامهم ويعلو عليه، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب. # وهل تشك أيها المتأمل لكتابنا هذا إذا فكرت في قوله تعالى: {وقيل يا أرض ~~ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل ~~بعدا للقوم الظالمين} 1، أنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزية ~~الظاهرة إلا لأمر يرجع إلى تركيبها، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن إلا من حيث ~~لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، ms101 وكذلك إلى آخرها2. # فإن ارتبت في ذلك فتأمل, هل ترى لفظة منها لو أخذت من مكانها, وأفردت من ~~بين أخواتها, كانت لابسة من الحسن ما لبسته في موضعها من الآية؟ # ومما يشهد لذلك ويؤيده أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، ثم تراها في كلام ~~آخر فتكرهها، فهذا ينكره من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في ~~تركيبها وانفرادها3. # وسأضرب لك مثالا يشهد بصحة ما ذكرته، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية ~~من القرآن وبيت من الشعر، فجاءت في القرآن جزلة متينة، وفي الشعر ركيكة ~~ضعيفة، فأثر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين، PageV01P166 # أما الآية فقوله تعالى: {فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم ~~كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق} 1. # وأما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي: # تلذ له المروءة وهي تؤذي %~% ومن يعشق يلذ له الغرام2 # وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة، إلا أن لفظة "تؤذي" قد جاءت فيه ~~وفي الآية من القرآن, فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها, وحسن موقعها في ~~تركيب الآية. # فأنصف أيها المتأمل لما ذكرناه، واعرضه على طبعك السليم حتى تعلم صحته. # وهذا موضع غامض يحتاج إلى فضل فكرة، وإمعان نظر، وما تعرض للتنبيه عليه ~~أحد قبلي3. # وهذه اللفظة التي هي "تؤذي" إذا جاءت في الكلام, فينبغي أن تكون مندرجة ~~مع ما يأتي بعدها متعلقة به كقوله تعالى: {إن ذلكم كان يؤذي النبي} وقد ~~جاءت في قول المتنبي منقطعة، ألا ترى أنه قال: "تلذ له المروءة وهي تؤذي" ~~ثم قال: "ومن يعشق يلذ له الغرام" فجاء بكلام مستأنف. # وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأضيف إليها كاف الخطاب، ~~فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي -صلى الله عليه وسلم، ~~فجاءه جبريل -عليه السلام- ورقاه، فقال: "باسم الله أرقيك، من كل داء ~~يؤذيك". # فانظر إلى السر في استعمال اللفظة الواحدة، فإنه لما زيد على هذه اللفظة ~~حرف واحد أصلحها وحسنها. # ومن ههنا تزاد الهاء ms102 في بعض المواضع، كقوله تعالى: {فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه} ثم قال: {ما ~~أغنى PageV01P167 # عني ماليه، هلك عني سلطانيه} 1 فإن الأصل في هذه الألفاظ كتابي وحسابي ~~ومالي وسلطاني، فلما أضيفت الهاء إليها -وتسمى "هاء السكت"- أضافت إليها ~~حسنا زائدا على حسنها، وكستها لطافة ولباقة. # وكذلك ورد في القرآن الكريم: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة} 2 فلفظة "لي" أيضا مثل لفظة "يؤذي" وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة ~~بما بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب أيضا: # تمسي الأماني صرعى دون مبلغه %~% فما يقول لشيء ليت ذلك لي3 # وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع, فأدخل فيه ما ليس منه، كقول أبي ~~الطيب: # ما أجدر الأيام والليالي %~% بأن تقول ماله ومالي4 # فإن لفظة "لي" ههنا قد وردت بعد "ما", وقبلها "ما له", ثم قال: "وما لي", ~~فجاء الكلام على نسق واحد، ولو جاءت لفظة "لي" ههنا كما جاءت في البيت ~~الأول لكانت منقطعة عن النظير والشبيه، فكان يعلوها الضعف والركة. # وبين ورودها ههنا وورودها في البيت الأول فرق يحكم فيه الذوق السليم. # وههنا من هذا النوع لفظة أخرى قد وردت في آية من القرآن الكريم، وفي بيت ~~من شعر الفرزدق، فجاءت في القرآن حسنة، وفي بيت الشعر غير حسنة، وتلك ~~اللفظة هي لفظة "القمل", أما الآية فقوله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات} 5. أما بيت الشعر فقول ~~الفرزدق: # من عزه احتجرت كليب عنده %~% زربا كأنهم لديه القمل6 PageV01P168 # وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون البيت من الشعر؛ لأنها جاءت في الآية ~~مندرجة في ضمن الكلام، ولم ينقطع الكلام عندها، وجاءت في الشعر قافية، أي: ~~آخرا انقطع الكلام عندها. # وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غصنا منه في بحر ~~عميق لا قرار له. # فمن ذلك هذه الآية المشار إليها، فإنها قد تضمنت خمسة ألفاظ، وهي: ~~الطوفان، والجراد، والقمل، ms103 والضفادع، والدم، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي ~~الطوفان والجراد والدم، فلما وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قدم منها ~~لفظتا "الطوفان" و"الجراد"، وأخرت لفظة "الدم" آخرا، وجعلت لفظة "القمل ~~والضفادع" في الوسط، ليطرق السمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة, وينتهي ~~إليه آخرا، ثم إن لفظة "الدم" أحسن من لفظتي "الطوفان" و"الجراد"، وأخف في ~~الاستعمال، ومن أجل ذلك جيء بها آخرا، ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في ~~استعمال الألفاظ ليس من القدرة البشرية. # وقد ذكر من تقدمني من علماء البيان للألفاظ المفردة خصائص وهيآت تتصف ~~بها، واختلفوا في ذلك، واستحسن أحدهم شيئا فخولف فيه، وكذلك استقبح الآخر ~~شيئا فخولف فيه. # ولو حققوا النظر ووقفوا على السر في اتصاف بعض الألفاظ بالحسن وبعضها ~~بالقبح لما كان بينهم خلاف في شيء منها. # وقد أشرت إلى ذلك في الفصل الثامن1 من مقدمة كتابي هذا الذي يشتمل على ~~ذكر الفصاحة، وفي الوقوف عليه والإحاطة به غنى عن غيره، لكن لا بد أن نذكر ~~ههنا تفصيلا لما أجملناه هناك، لأنا ذكرنا في ذلك الفصل أن الألفاظ داخلة ~~في حيز الأصوات؛ لأنها مركبة من مخارج الحروف، فما استلذه السمع منها فهو ~~الحسن، وما كرهه ونبا عنه فهو القبيح. PageV01P169 # وإذا ثبت ذلك فلا حاجة إلى ما ذكر من تلك الخصائص والهيآت التي أوردها ~~علماء البيان في كتبهم؛ لأنه إذا كان اللفظ لذيذا في السمع كان حسنا، وإذا ~~كان حسنا دخلت تلك الخصائص والهيآت في ضمن حسنه. # وقد رأيت جماعة من الجهال إذا قيل لأحدهم: إن هذه اللفظة حسنة, وهذه ~~قبيحة, أنكر ذلك، وقال: كل الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنا!. # ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة "الغصن" ولفظة "العسلوج", وبين ~~لفظة "المدامة" ولفظة "الإسفنط", وبين لفظة "السيف" ولفظة "الخنشليل", وبين ~~لفظة "الأسد" ولفظة "الفدوكس", فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب، ولا يجاوب بجواب، ~~بل يترك وشأنه، كما قيل: اتركوا الجاهل بجهله ولو ألقى الجعر1 في رحله, وما ~~مثاله في هذا المقام إلا كمن يسوي بين صورة ms104 زنجية سوداء مظلمة السواد, ~~شوهاء الخلق, ذات عين محمرة وشفة غليظة كأنها كلوة، وشعر قطط2 كأنه زبيبة، ~~وبين صورة رومية بيضاء مشربة بحمرة، ذات خد أسيل3، وطرف كحيل، ومبسم كأنما ~~نظم من أقاح4، وطرة5 كأنها ليل على صباح. # فإذا كان بإنسان من سقم النظر أن يسوي بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد أن ~~يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين هذه الألفاظ وهذه، ولا فرق بين النظر ~~والسمع في هذا المقام، فإن هذا حاسة وهذا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب. # فإن عاند معاند في هذا وقال: أغراض الناس مختلفة فيما يختارونه من هذه ~~الأشياء، وقد يعشق الإنسان صورة الزنجية التي ذممتها, ويفضلها على صورة ~~الرومية التي وصفتها! # قلت في الجواب: نحن لا نحكم على الشاذ النادر الخارج عن الاعتدال، بل ~~PageV01P170 # نحكم على الكثير الغالب، وكذلك إذا رأينا شخصا يحب أكل الفحم مثلا, أو ~~أكل الجص والتراب, ويختار ذلك على ملاذ الأطعمة، فهل نستجيد هذه الشهوة, أو ~~نحكم عليه بأنه مريض قد فسدت معدته, وهو محتاج إلى علاج ومداواة؟ # ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار، ~~وصوتا منكرا كصوت حمار، وأن لها في الفم أيضا حلاوة كحلاوة العسل، ومرارة ~~كمرارة الحنظل، وهي على ذلك تجري مجرى النغمات والطعوم. # ولا يسبق وهمك أيها المتأمل إلى قول القائل الذي غلب عليه غلظ الطبع، ~~وفجاجة الذهن, بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا، فهذا دليل على ~~أنه حسن، بل ينبغي أن تعلم أن الذي نستحسنه نحن في زماننا هذا, هو الذي كان ~~عند العرب مستحسنا، والذي نستقبحه هو الذي كان عندهم مستقبحا. # والاستعمال ليس بدليل على الحسن، فإنا نحن نستعمل الآن من الكلام ما ليس ~~بحسن، وإنما نستعمله لضرورة، فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال، وهذا ~~طريق يضل فيه غير العارف بمسالكه، ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده ~~صاحبها من الكلمة في صوغ الألفاظ واختيارها, فإنه معذور في أن يقول ما قال: ms105 # لا يعرف الشوق إلا من يكابده %~% ولا الصبابة إلا من يعانيها # ومع هذا, فإن قول القائل بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا, ~~وهذا دليل على أنه حسن" قول فاسد لا يصدر إلا عن جاهل، فإن استحسان الألفاظ ~~واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب، لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال، ~~وإنما هو شيء له خصائص وهيآت وعلامات, إذا وجدت علم حسنه من قبحه، وقد تقدم ~~الكلام على ذلك في باب الفصاحة والبلاغة. # وأما الذي تقلد العرب فيه من الألفاظ فإنما هو الاستشهاد بأشعارها على ما ~~ينقل من لغتها، والأخذ بأقوالها في الأوضاع النحوية في رفع الفاعل, ونصب ~~المفعول, وجر المضاف إليه, وجزم الشرط, وأشباه ذلك، وما عداه فلا. PageV01P171 # وحسن الألفاظ وقبحها ليس إضافيا إلى زيد دون عمرو, أو إلى عمرو دون زيد؛ ~~لأنه وصف ذووي لا يتغير بالإضافة. # ألا ترى أن لفظة "المزنة" مثلا حسنة عند الناس كافة من العرب وغيرهم، ~~وهلم جرا، لا يختلف أحد في حسنها، وكذلك لفظة "البعاق"، فإنها قبيحة عند ~~الناس كافة من العرب وغيرهم، فإذا استعملها العرب لا يكون استعمالهم إياها ~~مخرجا لها عن القبح، ولا يلتفت إذن إلى استعمالهم إياها، بل يعاب مستعملها، ~~ويغلظ له النكير حيث استعملها. # وقد ذكر ابن سنان الخفاجي ما يتعلق باللفظة الواحدة من الأوصاف، وقسهما ~~إلى عدة أقسام: كتباعد مخارج الحروف، وأن تكون الكلمة جارية على العرف ~~العربي غير شاذة، وأن تكون مصغرة في موضع يعبر به عن شيء لطيف أو خفي أو ما ~~جرى مجراه، وألا تكون مبتذلة بين العامة، وغير ذلك من الأوصاف. وفي الذي ~~ذكرناه ما لا حاجة إليه. # أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية دائر عليه؛ لأن الواضع قسمها ~~في وضعه ثلاثة أقسام: ثلاثيا، ورباعيا، وخماسيا. # والثلاثي من الألفاظ هو الأكثر، ولا يوجد ما يكره استعماله إلا الشاذ ~~النادر، وأما الرباعي فإنه وسط بين الثلاثي والخماسي في الكثرة عددا ~~واستعمالا. # وأما الخماسي فإنه الأقل، ولا يوجد فيه ما يستعمل إلا الشاذ النادر. # وعلى ms106 هذا التقدير فإن أكثر اللغة مستعمل على غير مكروه، ولا تقتضي حكمة ~~هذه اللغة الشريفة التي هي سيدة اللغات إلا ذلك، ولهذا أسقط الواضع حروفا ~~كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقال واستكراه، فلم يؤلف بين حروف الحلق ~~كالحاء والخاء والعين، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف، ولا بين اللام ~~والراء، ولا بين الزاء والسين، وكل هذا دليل على عنايته بتأليف المتباعد ~~المخارج دون المتقارب، ومن العجب أنه كان يخل بمثل هذا الأصل الكلي في ~~تحسين اللغة، وقد اعتنى بأمور أخرى جزئية؛ كمماثلته بين حركات الفعل في ~~الوجود, وبين حركات المصدر في النطق، PageV01P172 # كالغليان، والضربان، والنقدان، والنزوان، وغير ذلك من مما جرى مجراه، فإن ~~حروفه جميعها متحركات، وليس فيها حرف ساكن، وهي مماثلة لحركات الفعل في ~~الوجود. # ومن نظر في حكمة وضع اللغة إلى هذه الدقائق, التي هي كالأطراف والحواشي, ~~فكيف كان يخل بالأصل المعول عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض? على أنه ~~لو أراد الناظم أو الناظر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ, وهل ~~هي متباعدة أو متقاربة, لطال الخطب في ذلك وعسر، وما كان الشاعر ينظم ~~قصيدا, ولا الكاتب ينشئ كتابا, إلا في مدة طويلة تمضي عليها أيام وليال ~~ذوات عدد كثير. # ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، فإن حاسة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ~~ما يحسن من الألفاظ وقبح ما يقبح. # وسأضرب لك في هذا مثالا، فأقول: إذا سئلت عن لفظة من الألفاظ, وقيل لك: ~~ما تقول في هذه اللفظة أحسنة هي أم قبيحة? فإني لا أراك عند ذلك إلا تفتي ~~بحسنها أو قبحها على الفور، ولو كنت لا تفتي بذلك حتى تقول للسائل: اصبر ~~إلى أن أعتبر مخارج حروفها, ثم أفتيك بعد ذلك بما فيها من حسن أو قبيح، لصح ~~لابن سنان ما ذهب إليه من جعل مخارج الحروف المتباعدة شرطا في اختيار ~~الألفاظ, وإنما شذ عنه الأصل في ذلك، وهو أن الحسن من الألفاظ يكون متباعد ~~المخارج، فحسن الألفاظ إذن ليس معلوما ms107 من تباعد المخارج، وإنما علم قبل ~~العلم بتباعدها. # وكل هذا راجع إلى حاسة السمع، فإذا استحسنت لفظا أو استقبحته وجد ما ~~تستحسنه متباعد المخارج, وما تستقبحه متقارب المخارج، واستحسانها ~~واستقباحها إنما هو قبل اعتبار المخارج لا بعده. # على أن هذه القاعدة قد شذ عنها شواذ كثيرة؛ لأنه قد يجيء في المتقارب من ~~المخارج ما هو حسن رائق. # ألا ترى أن الجيم والشين والياء مخارج متقاربة، وهي من وسط اللسان بينه ~~وبين الحنك، وتسمى ثلاثتها "الشجرية", وإذا تراكب منها شيء من الألفاظ جاء ~~حسنا رائقا. PageV01P173 # فإن قيل "جيش" كانت لفظة محمودة، أو قدمت الشين على الجيم فقيل "شجي" ~~كانت أيضا لفظة محمودة، ومما هو أقرب مخرجا من ذلك الباء والميم والفاء، ~~وثلاثتها من الشفة، وتسمى "الشفهية"، فإذا نظم منها شيء من الألفاظ كان ~~جميلا حسنا، كقولنا: "فم"، فهذه اللفظة من حرفين هما الفاء والميم، ~~وكقولنا: "ذقته بفمي"، وهذه اللفظة مؤلفة من الثلاثة بجملتها, وكلاهما حسن ~~لا عيب فيه. # وقد ورد من المتباعد المخارج شيء قبيح أيضا، ولو كان التباعد سببا للحسن ~~لما كان سببا للقبح، إذ هما ضدان لا يجتمعان. # فمن ذلك أنه يقال: "ملع"، إذا عدا، فالميم من الشفة، والعين من حروف ~~الحلق, واللام من وسط اللسان، وكل ذلك متباعد، ومع هذا, فإن هذه اللفظة ~~مكروهة الاستعمال، ينبو عنها الذوق السليم، ولا يستعملها من عنده معرفة بفن ~~الفصاحة. # وههنا نكتة غريبة، وهو أنا إذا عكسنا حروف هذه اللفظة صارت علم، وعند ذلك ~~تكون حسنة لا مزيد على حسنها. # وما ندري كيف صار القبح حسنا؟ لأنه لم يتغير من مخارجها شيء، وذاك أن ~~اللام لم تزل وسطا، والميم والعين يكتنفانها من جانبيها، ولو كان مخارج ~~الحروف معتبرا في الحسن والقبح لما تغيرت هذه اللفظة في "ملع" و"علم". # فإن قيل: إن إخراج الحروف من الحلق إلى الشفة أيسر من إدخالها من الشفة ~~إلى الحلق، فإن ذلك انحدار وهذا صعود, والانحدار أسهل!. # فالجواب عن ذلك أني أقول: ولو استمر لك هذا لصح ما ms108 ذهبت إليه، لكنا نرى ~~من الألفاظ ما إذا عكسنا حروفه من الشفة إلى الحلق, أو من وسط اللسان, أو ~~من آخره إلى الحلق, لا يتغير، كقولنا: "غلب"، فإن الغين من حروف الحلق، ~~واللام من وسط اللسان، والباء من الشفة، وإذا عكسنا ذلك صار "بلغ"، وكلاهما ~~حسن مليح. # وكذلك تقول: "حلم" من الحلم، وهو الأناة، وإذا عكسنا هذه الكلمة صارت ~~"ملح"، على وزن فعل -فتح الفاء وضم العين- وكلاهما أيضا حسن مليح. # وكذلك تقول: "عقر" و"رقع"، و"عرف" و"فرع"، و"حلف" و"فلح" PageV01P174 # و"قلم" و"ملق" و"كلم" و"ملك"، ولو شئت لأوردت من ذلك شيئا كثيرا تضيق عنه ~~هذه الأوراق. # ولو كان ما ذكرته مطردا لكنا إذا عكسنا هذه الألفاظ صار حسنها قبحا، وليس ~~الأمر كذلك. # وأما ما ذكره ابن سنان من جريان اللفظة على العرف العربي فليس ذلك مما ~~يوجب حسنا ولا قبحا، وإنما يقدح في معرفة مستعملها بما ينقله من الألفاظ, ~~فكيف يعد ذلك من جملة الأوصاف الحسنة؟ # وأما تصغير اللفظة فيما يعبر به عن شيء لطيف أو خفي أو ما جرى مجراه, ~~فهذا مما لا حاجة إلى ذكره، فإن المعنى يسوق إليه، وليست معاني التصغير من ~~الأشياء الغامضة التي يفتقر إلى التنبيه عليها، فإنها مدونة في كتب النحو، ~~وما من كتاب نحو إلا والتصغير باب من أبوابه، ومع هذا, فإن صاحب هذه ~~الصناعة مخير في ذلك: إن شاء أن يورده بلفظ التصغير, وإن شاء بمعناه كقول ~~بعضهم: # لو كان يخفى على الرحمن خافية %~% من خلقه خفيت عنه بنو لبد # فهل كان يمكن هذا الشاعر أن يصغر من هؤلاء القوم, ويحقر من شأنهم بألفاظ ~~التصغير, ويجيء هكذا كما جاء بيته هذا? فالوصية به إذن ملغاة لا حاجة ~~إليها. # وأما الأوصاف الباقية التي ذكرت فهي التي ينبغي أن ينبه عليها. # فمنها ألا تكون الكلمة وحشية. ### ||| "الوحشي": # وقد خفي الوحشي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم والنثر، وظنوه ~~المستقبح من الألفاظ وليس كذلك، بل الوحشي ينقسم قسمين: غريب حسن. # والآخر: غريب قبيح. # وذلك أنه منسوب إلى ms109 اسم الوحش الذي يسكن القفار، وليس بأنيس، وكذلك ~~الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال، وليس من شرط الوحش أن يكون مستقبحا، PageV01P175 # بل أن يكون نافرا لا يألف الإنس، فتارة يكون حسنا, وتارة يكون قبيحا. # وعلى هذا فأن أحد قسمي الوحشي -وهو الغريب الحسن- يختلف باختلاف النسب ~~والإضافات. # وأما القسم الآخر من الوحشي -الذي هو قبيح- فإن الناس في استقباحه سواء، ~~ولا يختلف فيه عربي باد, ولا قروي متحضر. # وأحسن الألفاظ ما كان مألوفا متداولا؛ لأنه لم يكن مألوفا متداولا إلا ~~لمكان حسنه، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الفصاحة، فإن أرباب الخطابة ~~والشعر نظروا إلى الألفاظ ونقبوا عنها، ثم عدلوا إلى الأحسن منها ~~فاستعملوه، وتركوا ما سواه، وهو أيضا يتفاوت في درجات حسنه. # فالألفاظ إذن تنقسم ثلاثة أقسام: قسمان حسنان, وقسم قبيح. # فالقسمان الحسنان: # أحدهما: ما تداول استعماله الأول والآخر، من الزمن القديم إلى زماننا ~~هذا، ولا يطلق عليه أنه وحشي. # والآخر: ما تداول استعماله الأول دون الآخر، ويختلف استعماله بالنسبة إلى ~~الزمن وأهله، وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب؛ لأنه لم يكن عندهم ~~وحشيا، وهو عندنا وحشي، وقد تضمن القرآن الكريم منه كلمات معدودة، وهي التي ~~تطلق عليها "غريب القرآن"، وكذلك تضمن الحديث النبوي منه شيئا، وهو الذي ~~يطلق عليه "غريب الحديث". # وحضر عندي في بعض الأيام رجل متفلسف, فجرى ذكر القرآن الكريم، فأخذت في ~~وصفه، وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة، فقال ذلك ~~الرجل: وأي فصاحة هناك وهو يقول: {تلك إذا قسمة ضيزى} 1؟ فهل في لفظة ~~"ضيزى" من الحسن ما يوصف? PageV01P176 # فقلت له: اعلم أن لاستعمال الألفاظ أسرارا لم تقف عليها أنت ولا أئمتك، ~~مثل: ابن سينا والفارابي، ولا من أضلهم مثل: أرسطاليس وأفلاطون, وهذه ~~اللفظة التي أنكرتها في القرآن، وهي لفظة "ضيزى" فإنها لا يسد غيرها مسدها، ~~ألا ترى أن السورة كلها -التي هي سورة النجم- مسجوعة على حرف الياء1، فقال ~~تعالى: {والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى} 2 وكذلك إلى آخر ms110 السورة, ~~فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان يزعمه الكفار قال: {ألكم الذكر وله ~~الأنثى، تلك إذا قسمة ضيزى} 3 فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت ~~السورة عليه، وغيرها لا يسد مسدها في مكانها. # وإذا نزلنا معك أيها المعاند على ما تريد قلنا: إن غير هذه اللفظة أحسن ~~منها, ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها، ولا مناسبة؛ لأنها ~~تكون خارجة عن حرف السورة. # وسأبين ذلك فأقول: إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة, قلنا: قسمة جائرة ~~أو ظالمة, ولا شك أن "جائرة" أو "ظالمة" أحسن من "ضيزى"، إلا أنا إذا نظمنا ~~الكلام قلنا: ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ظالمة, لم يكن النظم كالنظم ~~الأول, وصار الكلام كالشيء المعوز الذي يحتاج إلى تمام، وهذا لا يخفى على ~~من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام. # فلما سمع الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحاما، ولم يكن عنده في ~~ذلك شيء سوى العناد الذي مستنده تقليد بعض الزنادقة الذين يكفرون تشهيا، ~~ويقولون ما يقولونه جهلا, وإذا حوققوا عليه ظهر عجزهم وقصورهم. # وحيث انتهى القول إلى ههنا, فإني راجع إلى ما كنت بصدد ذكره فأقول: وأما ~~القبيح من الألفاظ الذي يعاب استعماله فلا يسمى "وحشيا" فقط، بل يسمى ~~"الوحشي" الغليظ، وسيأتي ذكره. PageV01P177 # وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح الكلام وجدناه سهلا سلسا, ~~وما تضمنه من الكلمات الغريبة يسير جدا. # هذا, وقد أنزل في زمن العرب العرباء، وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ، ~~وأقربها استعمالا، وكفى به قدوة في هذا الباب، قال النبي -صلى الله عليه ~~وسلم: "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن, وهي السبع ~~المثاني"، يريد بذلك فاتحة الكتاب، وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه من ~~الألفاظ وجدناها سهلة قريبة المأخذ, يفهمها كل أحد حتى صبيان المكاتب وعوام ~~السوقة، وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة، فإن أحسن ~~الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامة معناه. # وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة ms111 في سهولة فهمها وقرب متناولها، والمقتدي ~~بألفاظ القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة. # وأما ما ورد من اللفظ الوحشي في الأخبار النبوية فمن جملة ذلك حديث طهفة ~~بن أبي زهير النهدي1، وذاك أنه لما قدمت وفود العرب على النبي -صلى الله ~~عليه وسلم, قام طهفة بن أبي زهير فقال: أتيناك يا رسول الله من غوري تهامة2 ~~على أكوار الميس3، ترتمي بنا العيس، نستجلب الصبير4، ونستخلب الخبير5، ~~ونستعضد البرير6، ونستخيل الرهام7، ونستخيل الجهام8، في أرض غائلة النطاء9، ~~غليظة الوطاءة، قد نشف المدهن10، ويبس الجعثن11، وسقط الأملوج12، ومات ~~PageV01P178 # العسلوج1، وهلك الهدي2 وفاد الودي3، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن ~~والعثن4، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طمى البحر, ~~وقام تعار5، ولنا نعم همل أغفال، ما تبض ببلال6، ووقير كثير الرسل، قليل ~~الرسل7، أصابتنا سنية حمراء مؤزلة ليس لها علل ولا نهل8. # فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ~~ومذقها وفرقها 9، وابعث راعيها الدثر 10 بيانع الثمر، وافجر له الثمد 11، ~~وبارك له في المال والولد, ومن أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان ~~محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا، لكم يا بني نهد ودائع الشر ك ~~12، ووضائع 13 الملك، لا تلطط 14 في الزكاة، ولا تلحد 15 في الحياة, ولا ~~تتثاقل عن الصلاة". # وكتب معه كتابا إلى بني نهد: "من محمد رسول الله إلى بني نهد: السلام على ~~من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة 16، ولكم الفارض ~~17 PageV01P179 # والفريش 1 وذو العنان الركوب 2 والفلو الضبيس 3، لا يمنع سرحكم4، ولا ~~يعضد طلحكم 5، ولا يحبس دركم 6، ولا يؤكل أكلكم، ما لم تضمروا الإماق 7، ~~وتأكلوا الرباق 8، من أقر بما في هذا الكتاب فله من رسول الله الوفاء ~~بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة". # وفصاحة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ، ~~ولا تكاد توجد في كلامه إلا جوابا لمن ms112 يخاطبه بمثلها, كهذا الحديث وما جرى ~~مجراه، على أنه قد كان في زمنه متداولا بين العرب، ولكنه -صلى الله عليه ~~وسلم- لم يستعمله إلا يسيرا؛ لأنه أعلم بالفصيح والأفصح. # وهذا الكلام هو الذي نعده نحن في زماننا وحشيا لعدم الاستعمال. # فلا تظن أن الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك، ويثقل عليك النطق به، وإنما ~~هو الغريب الذي يقل استعماله, فتارة يخف على سمعك ولا تجد به كراهة، وتارة ~~يثقل على سمعك وتجد منه الكراهة. # وذلك في اللفظ عيبان: # أحدهما: أنه غريب الاستعمال. # والآخر: أنه ثقيل على السمع, كريه على الذوق. # وإذا كان اللفظ بهذه الصفة فلا مزيد على فظاظته وغلاظته، وهو الذي يسمى ~~PageV01P180 # "الوحشي الغليظ"، ويسمى أيضا "المتوعر"، وليس وراءه في القبح درجة أخرى، ~~ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله معرفة هذا الفن أصلا. # فإن قيل: فما هذا النوع من الألفاظ? # قلت: قد ثبت لك أنه ما كرهه سمعك، وثقل على لسانك النطق به. # وسأضرب لك في ذلك مثالا، فمنه ما ورد لتأبط شرا في كتاب الحماسة: # يظل بموماة ويمسي بغيرها %~% جحيشا ويعروري ظهور المسالك1 # فإن لفظة: "جحيش" من الألفاظ المنكرة القبيحة، ويالله العجب! أليس أنها ~~بمعنى "فريد"، وفريد لفظة حسنة رائقة، ولو وضعت في هذا البيت موضع "جحيش" ~~لما اختل من وزنه. # فتأبط شرا ملوم من وجهين في هذا الموضع: # أحدهما: أنه استعمل القبيح. # والآخر: أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها. # ومما هو أقبح منها ما ورد لأبي تمام من قوله: # قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت %~% عشواء تلية غبسا دهاريسا2 # فلفظة: "اطلخم" من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين في أنها ~~غريبة, وأنها غليظة في السمع, كريهة على الذوق، وكذلك لفظة "دهاريس" أيضا. ~~PageV01P181 # وعلى هذا ورد قوله من أبيات يصف فرسا من جملتها: # نعم متاع الدنيا حباك به %~% أروع لا جيدر ولا جبس1 # فلفظة "جيدر" غليظة، وأغلظ منها قول أبي الطيب المتنبي: # جفخت وهم لا يجفخون بها بهم %~% شيم على الحسب الأغر دلائل2 ms113 # فإن لفظة "جفخ" مرة الطعم، وإذا مرت على السمع اقشعر منها، وأبو الطيب في ~~استعمالها كاستعمال تأبط شرا لفظة "جحيش"، فإن تأبط شرا كانت له مندوحة عن ~~استعمال تلك اللفظة، كما أشرنا إليها فيما تقدم، وكذلك أبو الطيب في ~~استعمال هذه اللفظة التي هي "جفخت", فإن معناها: فخرت، والجفخ: الفخر، ~~يقال: "جفخ فلان"، إذا فخر، ولو استعمل عوضا عن "جفخت" "فخرت" لاستقام وزن ~~البيت, وحظي في استعماله بالأحسن. # وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على مثل هؤلاء الفحول من الشعراء؟! # وهذا الذي ذكرته وما يجري مجراه من الألفاظ هو الوحشي اللفظ, الغليظ الذي ~~ليس له ما يدانيه في قبحه وكراهته، وهذه الأمثلة دليل على ما أوردناه. # والعرب إذن لا تلام على استعمال الغريب الحسن من الألفاظ, وإنما تلام على ~~الغريب القبيح، وأما الحضري فإنه يلام على استعمال القسمين معا، وهو في ~~أحدهما أشد ملامة من الآخر. # على أن هذا الموضع يحتاج إلى قيد آخر، وذلك شيء استخرجته أنا دون غيري، ~~فإني PageV01P182 # وجدت الغريب الحسن يسوغ استعماله في الشعر، ولا يسوغ في الخطب ~~والمكاتبات، وهذا ينكره من يسمعه حتى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة، ~~ولربما أنكره بعد ذلك, إما عنادا وإما جهلا، لعدم الذوق السليم عنده. # فمن ذلك قول الفرزدق1: # ولولا حياء زدت رأسك شجة %~% إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي2 # شرنبثة شمطاء من ير ما بها %~% تشبه ولو بين الخماسي والطفل3 # فقوله: "شرنبثة" من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ~~ههنا غير مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة لعيبت ~~على مستعملها. # وكذلك وردت لفظة "مشمخر"4 فإن بشرا قد استعملها في أبياته التي يصف فيها ~~لقاءه الأسد، فقال: # وأطلقت المهند عن يميني %~% فقد له من الأضلاع عشرا # فخر مضرجا بدم كأني %~% هدمت به بناء مشمخرا # وعلى هذا ورد قول البحتري في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى فقال: # مشمخر تعلو له شرفات %~% رفعت في رءوس رضوى وقدس5 # فإن لفظة "مشمخر" لا يحسن استعمالها ms114 في الخطب والمكاتبات، ولا بأس بها ~~ههنا في الشعر، وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة، كقوله في خطبة ~~يذكر فيها PageV01P183 # أهوال يوم القيامة، فقال: "اقمطر1 وبالها، واشمخر نكالها" فما طابت ولا ~~ساغت". # ومن هذا الأسلوب لفظة "الكنهور" في وصف السحاب كقول أبي الطيب2: # يا ليت باكية شجاني دمعها %~% نظرت إليك كما نظرت فتعذرا # وترى الفضيلة لا ترد فضيلة %~% الشمس تشرق والسحاب كنهورا3 # فلفظة "الكنهور" لا تعاب نظما، وتعاب نثرا. # وكذلك يجري الأمر في لفظة "العرمس", وهي اسم الناقة الشديدة، فإن هذه ~~اللفظة يسوغ استعمالها في الشعر ولا يعاب مستعملها، كقول أبي الطيب أيضا: # ومهمه جبته على قدمي %~% تعجز عنه العراميس الذلل4 # فإنه جمع هذه اللفظة، ولا بأس بها، ولو استعملت في الكلام المنثور لما ~~طابت ولا ساغت, وقد جاءت موحدة في شعر أبي تمام5 كقوله: # هي العرمس الوجناء وابن ملمة %~% وجأش على ما يحدث الدهر خافض6 # وكذلك ورد قوله أيضا: # يا موضع الشدنية الوجناء7 PageV01P184 # فإن " الشدنية" لا تعاب شعرا، وتعاب لو وردت في كتاب أو خطبة، وهكذا يجري ~~الحكم في أمثال هذه الألفاظ المشار إليها. # وعلى هذا, فاعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور من الألفاظ ~~يسوغ استعماله في الكلام المنظوم، وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام ~~المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور. # وذلك شيء استنبطته، واطلعت عليه كثرة ممارستي لهذا الفن، ولأن الذوق الذي ~~عندي دلني عليه، فمن شاء فليقلدني فيه، وإلا فليدمن النظر حتى يطلع على ما ~~اطلعت عليه، والأذهان في مثل هذا المقام تتفاوت! # وقد رأيت جماعة من مدعي هذه الصناعة يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي ~~يعز فهمه، ويبعد متناوله، وإذا رأوا كلاما وحشيا غامض الألفاظ يعجبون به, ~~ويصفونه بالفصاحة، وهو بالضد من ذلك؛ لأن الفصاحة هي الظهور والبيان، لا ~~الغموض والخفاء. # وسأبين لك ما تعتمد عليه في هذا الموضع، فأقول: الألفاظ تنقسم في ~~الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن استعماله فيه. # فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، ms115 وفي قوارع التهديد والتخويف، ~~وأشباه ذلك. # وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق, وذكر أيام البعاد، وفي ~~استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك. # ولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيا متوعرا، عليه عنجهية البداوة، ~~بل أعني بالجزل: أن يكون متينا على عذوبته في الفم, ولذاذته في السمع، ~~وكذلك لست أعني بالرقيق: أن يكون ركيكا سفسفا1، وإنما هو اللطيف الرقيق ~~PageV01P185 # الحاشية الناعم الملمس؛ كقول أبي تمام1: # ناعمات الأطراف لو أنها تل %~% بس أغنت عن الملاء الرقاق # وسأضرب لك مثالا للجزل من الألفاظ والرقيق فأقول: # انظر إلى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط، وعند ~~ذكر الموت ومفارقة الدنيا، وما جرى هذا المجرى، فإنك لا ترى شيئا من ذلك ~~وحشي الألفاظ، ولا متوعرا. # ثم انظر إلى ذكر الرحمة والرأفة والمغفرة، والملاطفات في خطاب الأنبياء، ~~وخطاب المنيبين والتائبين من العباد، وما جرى هذا المجرى، فإنك لا ترى شيئا ~~من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسفا. # فمثال الأول, وهو الجزل من الألفاظ, قوله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من ~~في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون، وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي ~~بينهم بالحق وهم لا يظلمون، ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون، ~~وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين، قيل ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين، وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين، وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة ~~حيث نشاء فنعم أجر العاملين} 2. # فتأمل هذه الآيات المضمنة ذكر الحشر على تفاصيل أحواله, وذكر النار ~~والجنة, وانظر هل فيها لفظة إلا وهي سهلة مستعذبة على ما بها ms116 من الجزالة؟ ~~PageV01P186 # وكذلك ورد قوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ~~ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ~~لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} 1. # وأما مثال الثاني: وهو الرقيق اللفظ, فقوله تعالى في مخاطبة النبي -صلى ~~الله عليه وسلم: {والضحى، والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى} 2 %~% إلى ~~آخر السورة. # وكذلك قوله تعالى في ترغيب المسألة: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ~~دعوة الداع إذا دعان} 3. # وهكذا ترى سبيل القرآن الكريم في كلا هذين الحالين من الجزالة والرقة، ~~وكذلك كلام العرب الأول في الزمن القديم مما ورد نثرا، ويكفي من ذلك كلام ~~قبيصة بن نعيم لما قدم على امرئ القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفو عن ~~دم أبيه، فقال له: # "إنك في المحل والقدر من المعرفة بتصرف الدهر, وما تحدثه أيامه, وتنتقل ~~به أحواله, بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرب, ولك من ~~سؤدد منصبك, وشرف أعراقك, وكرم أصلك في العرب محتد4، يحتمل ما حمل عليه من ~~إقالة العثرة, ورجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك, ~~فوجدت عندك من فضيلة الرأي, وبصيرة الفهم, وكرم الصفح, ما يطول رغباتها ~~ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمت رزيته بزارا ~~واليمن, ولم تخصص بذلك كندة دوننا, للشرف البارع الذي كان لحجر، ولو كان ~~يفدي هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله، ولكنه مضى ~~به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه، فأحمد الحالات في ~~ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: PageV01P187 # إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتا، ~~فقدناه إليك بنسعة1 تذهب شفرات حسامك بباقي قصرته2، فنقول: رجل امتحن بهالك ~~عزيز, فلم يستل سخيمته3 إلا تمكينه من الانتقام. # أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها, فهي ألوف تجاوز الحسبة، فكان ms117 ذلك ~~فداء رجعت به القصب إلى أجفانها, لم يرددها تسليط الإحن على البراء. # وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوال، فتسدل الأزر، وتعقد الخمر فوق ~~الرايات". # فبكى امرؤ القيس ساعة, ثم رفع رأسه فقال: # "لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض به جملا ولا ناقة, ~~فأكتسب به سبة الأبد، وفت العضد. # وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببا, ~~وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقا4، وفوق الأسنة علقا5: # إذا جالت الحرب في مأزق %~% تصافح فيه المنايا النفوسا # أتقيمون أم تنصرفون?". # قالوا: "بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار، بمكروه وأذية, وحرب ~~وبلية". # ثم نهضوا عنه, وقبيصة يتمثل: # لعلك أن تستوخم الورد إن غدت %~% كتائبنا في مأزق الحرب تمطر # فقال امرؤ القيس: "لا والله! ولكن أستعذبه، فرويدا ينفرج لك دجاها من ~~PageV01P188 # فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى، إذ كنت نازلا ~~بربعي، ولكنك قلت فأجبت, فقال امرؤ القيس: هو ذاك1. # فلتنظر إلى هذا الكلام من الرجلين قبيصة وامرئ القيس، حتى يدع المتعمقون ~~تعمقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ, فإن هذا الكلام قد كان في الزمن ~~القديم قبل الإسلام بما شاء الله، وكذلك كلام كل فصيح من العرب مشهور، وما ~~عداه فليس بشيء. # وهذا المشار إليه ههنا هو جزل كلامهم، وعلى ما تراه من السلاسة والعذوبة. # وإذا تصفحت أشعارهم أيضا وجدت الوحشي من الألفاظ قليلا بالنسبة إلى ~~المسلسل في الفم والسمع، ألا ترى إلى هذه الأبيات الواردة للسموءل بن ~~عاديا، وهي2: # إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه %~% فكل رداء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها %~% فليس إلى حسن الثناء سبيل # تعيرنا أنا قليل عديدنا %~% فقلت لها إن الكرام قليل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا %~% عزيز وجار الأكثرين ذليل # يقرب حب الموت آجالنا لنا %~% وتكرهه آجالهم فتطول # وما مات منا سيد حتف أنفه3 %~% ولا طل منا حيث كان قتيل # علونا إلى خير الظهور4 ms118 وحطنا %~% لوقت إلى خير البطون يزول # فنحن كماء المزن ما في نصابنا %~% كهام5 ولا فينا يعد بخيل # إذا سيد منا خلا قام سيد %~% قئول لما قال الكرام فعول PageV01P189 # وأيامنا مشهورة في عدونا %~% لها غرر مشهورة1 وحجول # وأسيافنا في كل غرب ومشرق %~% بها من قراع الدارعين2 فلول # معودة إلا تسل نصالها %~% فتغمد حتى يستباح قتيل # فإذا نظرنا إلى ما تضمنته من الجزالة خلناها زبرا من الحديد، وهي مع ذلك ~~سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة. # وكذلك قد ورد للعرب في جانب الرقة من الأشعار ما يكاد يذوب لرقته، كقول ~~عروة بن أذينة3: # إن التي زعمت فؤادك ملها %~% خلقت هواك كما خلقت هوى لها # بيضاء باكرها النعيم فصاغها %~% بلباقة فأدقها4 وأجلها # حجبت تحيتها فقلت لصاحبي: %~% ما كان أكثرها لنا وأقلها # وإذا وجدت لها وساوس سلوة %~% شفع الضمير إلى الفؤاد5 فسلها # وكذلك ورد قول الآخر6: # أقول لصاحبي والعيس تهوي7 %~% بنا بين المنيفة فالضمار8 PageV01P190 # تمتع من شميم عرار نجد %~% فما بعد العشية من عرار1 # ألا يا حبذا نفحات نجد %~% وريا روضه غب القطار2 # وأهلك إذ يحل الحي نجدا %~% وأنت على زمانك غير زار3 # شهور ينقضين وما شعرنا %~% بأنصاف لهن ولا سرار4 # فأما ليلهن فخير ليل %~% وأطيب ما يكون من النهار # ومما ترقص الأسماع له، ويرن على صفحات القلوب، قول يزيد بن الطثرية في ~~محبوبته من جرم: # بنفسي من لو مر برد بنانه %~% على كبدي كانت شفاء أنامله # ومن هابني في كل شيء وهبته %~% فلا هو يعطيني ولا أنا سائله # وإذا كان هذا قول ساكن في الفلاة لا يرى إلا شيحة أو قيصومة، ولا يأكل ~~إلا ضبا أو يربوعا، فما بال قوم سكنوا الحضر، ووجدوا رقة العيش، يتعاطون ~~وحشي الألفاظ، وشظفت العبارات ولا يخلد إلى ذلك إما جاهل بأسرار الفصاحة، ~~وإما عاجز عن سلوك طريقها، فإن كل أحد ممن شدا شيئا من علم الأدب يمكنه أن ~~يأتي بالوحشي من الكلام، وذاك أنه يلتقطه من كتب اللغة، أو يتلقفه من ~~أربابها، وأما الفصيح المتصف بصفة الملاحة ms119 فإنه لا يقدر عليه، ولو قدر عليه ~~لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه. # فإن مارى في ذلك ممار فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممن كان مشارا إليه، ~~حتى يعلم صحة ما ذكرته: هذا ابن دريد5، قد قيل: إنه أشعر علماء الأدب، وإذا ~~نظرت PageV01P191 # إلى شعره وجدته بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطا، مع أن أولئك ~~الشعراء لم يعرفوا من علم الأدب عشر معشار ما علمه. # هذا العباس بن الأحنف1، قد كان من أوائل الشعراء المجيدين، وشعره كممر ~~نسيم على عذبات أغصان, وكلؤلؤات طل على طرر ريحان، وليس فيه لفظة واحدة ~~غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة, فمن ذلك قوله: # وإني ليرضيني قليل نوالكم %~% وإن كان لا أرضى لكم بقليل # بحرمة ما قد كان بيني وبينكم %~% من الود إلا عدتم بجميل # وهكذا ورد قوله في "فوز" التي كان يشبب في شعره: # يا فوز، يا منية عباس %~% قلبي يفدي قلبك القاسي # أسأت إذ أحسنت ظني بكم %~% والحزم سوء الظن بالناس # يقلقني شوقي فآتيكم %~% والقلب مملوء من الياس # وهل أعذب من هذه الأبيات, وأعلق بالخاطر, وأسرى في السمع? ولمثلها تخف ~~رواجح الأوزان، وعلى مثلها تسهر الأجفان، وعن مثلها تتأخر السوابق عند ~~الرهان، ولم أجرها بلساني يوما إلا ذكرت قول أبي الطيب المتنبي2: # إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق %~% أراه غباري ثم قال له الحق3 # ومن الذي يستطيع أن يسلك هذه الطريق التي هي سهلة وعرة, قريبة بعيدة! ~~وهذا أبو العتاهية4، كان في عزة الدولة العباسية، وشعراء العرب إذ ذاك ~~موجودون PageV01P192 # كثيرا, وكانت مدائحه في المهدي بن المنصور، وإذا تأملت شعره وجدته كالماء ~~الجاري: رقة ألفاظ، ولطافة سبك، وليس بركيك ولا واه. # وكذلك أبو نواس، وبهذا قدم على شعراء عصره, وناهيك بعصره وما جمعه من ~~فحول الشعراء، ويكفي منهم مسلم بن الوليد1 الذي كان فارس الشعر، وله ~~الأسلوب الغريب العجيب، غير أنه كان يتعنجه في أكثر ألفاظه. # ويحكى أن أبا نواس جلس يوما إلى بعض التجار ببغداد هو وجماعة من الشعراء، ms120 ~~فاستسقى الماء، فلما شرب قال: # عذب الماء وطابا # م قال: أجيزوه، فأخذ أولئك الشعراء يترددون في إجازته، وإذا هم بأبي ~~العتاهي فقال: ما شأنكم مجتمعين? فقالوا: هو كيت وكيت، وقد قال أبو نواس: # عذب الماء وطابا # فقال أبو العتاهية: # حبذا الماء شرابا # فعجبوا لقوله على الفور من غير تلبث. # وكل شعر أبي العتاهية كذلك سهل الألفاظ, وسأورد منه ههنا شيئا يستدل به ~~على سلاسة طبعه، وترويق خاطره. # فمن ذلك قصيدته التي يمدح فيها المهدي، ويشبب فيها بجاريته "عتب": # ألا ما لسيدتي ما لها %~% تدل فاحمل إدلالها # ألا إن جارية للإما %~% م قد سكن الحسن سربالها # لقد أتعب الله قلبي بها %~% وأتعب في اللوم عذالها # كأن بعيني في حيثما %~% سلكت من الأرض تمثالها PageV01P193 # فلما وصل إلى المديح قال من جملته: # أتته الخلافة منقادة %~% إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له %~% ولم يك يصلح إلا لها # ولو رامها أحد غيرك %~% لزلزلت الأرض زلزالها # ولو لم تطعه بنات القلوب1 %~% لما قبل الله أعمالها # ويحكى أن بشارا2 كان شاهدا عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات، فلما سمع ~~المديح قال: انظروا إلى أمير المؤمنين، هل طار عن أعواده? يريد: هل زال عن ~~سريره طربا بهذا المديح؟ # ولعمري إن الأمر كما قال بشار، وخير القول ما أسكر السامع حتى ينقله عن ~~حالته، سواء كان في مديح أو غيره. # وقد أشرت إلى ذلك فما يأتي من هذا الكتاب عند ذكر "الاستعارة"، فليؤخذ من ~~هناك. # واعلم أن هذه الأبيات المشار إليها ههنا من رقيق الشعر غزلا ومديحا, وقد ~~أذعن لمديحها الشعراء من أهل ذلك العصر، ومع هذا, فإنك تراها من السلاسة ~~واللطافة على أقصى الغايات. # وهذا هو الكلام الذي يسمى "السهل الممتنع"، فتراه يطمعك، ثم إذا حاولت ~~مماثلته راغ عنك كما يروغ الثعلب. # وهكذا ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر، فإن خير الكلام ما دخل ~~الأذن بغير إذن! # وأما البداوة والعنجهية في الألفاظ فتلك أمة قد خلت، ومع أنها قد خلت ~~PageV01P194 # وكانت في زمن ms121 العرب العاربة, فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت، ~~فكيف الآن وقد غلب على الناس رقة الحضر? # وبعد هذا, فاعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر. # فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار. # والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذي رماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج. # ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، ~~وتأهبوا للطراد, وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهن غلائل مصبغات, ~~وقد تحلين بأصناف الحلي. # وإذا أنعمت نظرك فيما ذكرته ههنا قد دللتك على الطريق، وضربت لك أمثالا ~~مناسبة. # واعلم أنه يجب على الناظم والناثر أن يجتنبا ما يضيق به مجال الكلام في ~~بعض الحروف، كالثاء والذال والخاء والشين والصاد والطاء والظاء والعين، فإن ~~في الحروف الباقية مندوحة عن استعمال لا يحسن من هذه الأحرف المشار إليها. # والناظم في ذلك أشد ملامة؛ لأنه يتعرض لأن ينظم قصيدة ذات أبيات متعددة, ~~فيأتي في أكثرها بالبشع الكريه الذي يمجه السمع لعدم استعماله، كما فعل أبو ~~تمام في قصيدته الثائية التي مطلعها: # قف بالطلول الدارسات علاثا1 # وكما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته الشينية التي مطلعها: # مبيتي من دمشق على فراش2 # وكما فعل ابن هانئ المغربي3 في قصيدته الخائية التي مطلعها: # سرى وجناح الليل أقتم أفتخ PageV01P195 # والناظم لا يعاب إذا لم ينظم هذه الأحرف في شعره، بل يعاب إذا نظمها ~~وجاءت كريهة مستبشعة. # وأما الناثر فإنه أقرب حالا من الناظم؛ لأن غاية ما يأتي به سجعتان أو ~~ثلاث أو أربع على حرف من هذه الأحرف، وما يعدم في ذلك ما يروق إذا كان بهذه ~~العدة اليسيرة. # فإن كلفت أيها الشاعر أن تنظم شيئا على هذه الحروف فقل: هذه الحروف هي ~~مقاتل الفصاحة، وعذري واضح في تركها، فإن واضع اللغة لم يضع عليها ألفاظا ~~تعذب في الفم، ولا تلذ في السمع, والذي هو بهذه الصفة منها فإنما هو قليل ~~جدا، ولا يصاغ منه إلا مقاطيع أبيات من الشعر، وأما القصائد المقصدة فلا ~~تصاغ ms122 منه، وإن صيغت جاء أكثرها بشعا كريها. # على أن هذه الحروف متفاوتة في كراهة الاستعمال، وأشدها كراهية أربعة ~~أحرف، وهي الخاء والصاد والظاء والغين، وأما الثاء والذال والشين والطاء ~~فإن الأمر فيهن أقرب حالا. # وهذا موضع ينبغي لصاحب الصناعة أن ينعم نظره فيه، وفيما أشرنا إليه كفاية ~~للمتعلم، فليعرفه وليقف عنده! ### ||| المبتذل من الألفاظ: # ومن أوصاف الكلمة ألا تكون مبتذلة بين العامة. # وذلك ينقسم قسمين: # الأول: ما كان من الألفاظ دالا على معنى وضع له في أصل اللغة, فغيرته ~~العامة وجعلته دالا على معنى آخر، وهو ضربان: # الأول: ما يكره ذكره، كقول أبي الطيب1: PageV01P196 # أذاق الغواني حسنه ما أذقنني %~% وعف فجازاهن عني بالصرم1 # فإن [معنى] لفظة "الصرم" في وضع اللغة هو القطع، يقال: "صرمه" إذا قطعه، ~~فغيرتها العامة وجعلتها دالة على المحل المخصوص من الحيوان دون غيره، ~~فأبدلوا السين صادا، ومن أجل ذلك استكره استعمال هذه اللفظة، وما جرى ~~مجراها، لكن المكروه منها ما يستعمل على صيغة الاسمية، كما جاءت في هذا ~~البيت، وأما إذا استعملت على صيغة الفعل كقولنا: "صرمه" و"صرمته" و"تصرمه" ~~فإنها لا تكون كريهة؛ لأن استعمال العامة لا يدخل في ذلك. # وهذا الضرب المشار إليه لا يعاب البدوي على استعماله، كما يعاب المحتضر؛ ~~لأن البدوي لم تتغير الألفاظ في زمنه، ولا تصرفت العامة فيها كما تصرفت في ~~زمن المحتضرة من الشعراء، فمن أجل ذلك عيب استعمال لفظة "الصرم" وما جرى ~~مجراها على الشاعر المحتضر، ولم يعب على الشاعر المبتدئ، ألا ترى إلى قول ~~أبي صخر الهذلي2: # قد كان صرم في الممات لنا %~% فعجلت قبل الموت بالصرم3 # فإن هذا لا يعاب على أبي صخر كما عيب على المتنبي قوله في البيت المقدم ~~ذكره. # وقد صنف الشيخ أبو منصور بن أحمد البغدادي المعروف بابن الجواليقي كتابا ~~في هذا الفن، ووسمه ب"إصلاح ما تغلط فيه العامة"، فمنه ما هذا سبيله، وهو ~~الذي أنكر استعماله لكراهته؛ ولأنه مما لم ينقل عن العرب، فهذان عيبان. # وأما الضرب الثاني: # وهو أنه وضع في ms123 أصل اللغة لمعنى, فجعلته العامة دالا على غيره، إلا أنه ~~ليس بمستقبح ولا مستكره. PageV01P197 # وذلك كتسميتهم الإنسان "ظريفا" إذا كان دمث الأخلاق حسن الصورة أو ~~اللباس، أو ما هذا سبيله، "والظرف" في أصل اللغة مختص بالنطق فقط. # وقد قيل في صفات خلق الإنسان ما أذكره ههنا، وهو: الصباحة في الوجه، ~~الوضاءة في البشرة، الجمال في الأنف، الحلاوة في العينين، الملاحة في الفم، ~~الظرف في اللسان، الرشاقة في القد، اللباقة في الشمائل، كمال الحسن في ~~الشعر. # فالظرف إنما يتعلق بالنطق خاصة، فغيرته العامة عن بابه, وممن غلط في هذا ~~الموضع أبو نواس حيث قال: # اختصم الجود والجمال %~% فيك فصارا إلى جدال # فقال هذا يمينه لي %~% للعرف والبذل والنوال # وقال هذاك وجهه لي %~% للظرف والحسن والكمال # فافترقا فيك عن تراض %~% كلاهما صادق المقال # وكذلك غلط أبو تمام، فقال1: # لك هضبة الحلم التي لو وازنت %~% أجأ إذن ثقلت وكان خفيفا # وحلاوة الشم التي لو مازجت %~% خلق الزمان الفدم عاد ظريفا # فأبو نواس غلط ههنا في أنه وصف الوجه بالظرف، وهو من صفات النطق، وأبو ~~تمام غلط في أنه وصف الخلق بالظرف، وهو من صفات النطق أيضا، إلا أن هذا غلط ~~لا يوجب في هذه اللفظة قبحا، لكنه جهل بمعرفة أصلها في وضع اللغة. ### || القسم الثاني مما ابتذلته العامة، وهو الذي لم تغيره عن وضعه: # وإنما أنكر استعماله؛ لأنه مبتذل بينهم، لا لأنه مستقبح، ولا لأنه مخالف ~~لما وضع له. # وفي هذا القسم نظر عندي؛ لأنه إن كان عبارة عما يكثر تداوله بين العامة, ~~فإن PageV01P198 # من الكثير المتداول بينهم ألفاظا فصيحة، كالسماء، والأرض، والنار، ~~والماء، والحجر، والطين، وأشباه ذلك. # وقد نطق القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، وجاءت في كلام الفصحاء نظما ~~ونثرا. # والذي ترجح في نظري أن المراد بالمبتذل من هذا القسم إنما هو الألفاظ ~~السخيفة الضعيفة، سواء تداولتها العامة أو الخاصة. فمما جاء منه قول أبي ~~الطيب المتنبي1: # وملمومة سيفية ربعية %~% يصيح الحصى فيها صياح اللقالق2 # فإن لفظة "اللقالق" مبتذلة بين العامة ms124 جدا، وكذلك قوله3: # ومن الناس من يجوز إليهم %~% شعراء كأنها الخازباز4 # وهذا البيت من مضحكات الأشعار، وهو من جملة "البرسام" الذي ذكره في شعره ~~حيث قال5: # إن بعضا من القريض هراء %~% ليس شيئا وبعضه أحكام6 # فيه ما يجلب البراعة والفهم %~% وفيه ما يجلب البرسام7 PageV01P199 # ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام وضعت من قدره، ولو كان معنى شريفا. # وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر، لكن منهم ~~المقل ومنهم المكثر، حتى إن العاربة قد استعملت هذا، إلا أنه في أشعارها ~~أقل, فمن ذلك قول النابغة الذبياني في قصيدته التي أولها: # من آل مية رائح أو مغتدي1 %~% أو دمية في مرمر مرفوعة # بنيت بآجر يشاد بقرمد2 %~% فلفظة "آجر" مبتذلة جدا. # وإن شئت أن تعلم شيئا من سر الفصاحة التي تضمنها القرآن فانظر إلى هذا ~~الموضوع، فإنه لما جيء فيه بذكر "الآجر" لم يذكر بلفظه، ولا بلفظ "القرمد" ~~أيضا، ولا بلفظ "الطوب" الذي هو لغة أهل مصر؛ فإن هذه الأسماء مبتذلة، لكن ~~ذكر في القرآن على وجه آخر وهو قوله تعالى: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما ~~علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا} 3 فعبر ~~عن الآجر بالوقود على الطين. # ومن هذا القسم المبتذل قول الفرزدق في قصيدته التي أولها: # عرفت بأعشاش وما كدت تعزف4 # وأصبح مبيض الضريب كأنه %~% على سروات النيب قطن مندف5 PageV01P200 # فقول: "مندف" من الألفاظ العامية، ومن هذا القسم قول البحتري: # وجوه حسادك مسودة %~% أم صبغت بعدي بالزاج # فلفظة: "الزاج" من أشد ألفاظ العامة ابتذالا. # وقد استعمل أبو نواس هذا النوع في شعره كثيرا، كقوله: # يا من جفاني وملا %~% نسيت أهلا وسهلا # ومات مرحب لما %~% رأيت مالي قلا # إني أظنك فيما %~% فعلت تحكي القرلى2 # وكقوله3: # وأنمر الجلدة صيرته %~% في الناس زاغا وشقراقا4 # ما زلت أجري كلكي فوقه %~% حتى دعا من تحته قاقا # وكقوله: # وملحة بالعذل تحسب أنني %~% بالجهل أترك صحبة الشطار # وقد استعمل لفظة "الشاطر" "والشاطرة" "والشطار" ms125 كثيرا، وهي من الألفاظ ~~التي ابتذلها العامة حتى سئمت من ابتذالها. # وهذه الأمثلة تمنع الواقف عليها من استعمال أشباهها وأمثالها. # ومن أوصاف الكلمة ألا تكون مشتركة بين معنيين أحدهما يكره ذكره، وإذا ~~وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة ~~تميز معناها عن القبح. PageV01P201 # فأما إذا جاءت ومعها قرينة فإنها لا تكون معيبة، كقوله تعالى: {فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} 1. ~~ألا ترى أن لفظة "التعزيز" مشتركة تطلق على التعظيم والإكرام, وعلى الضرب ~~الذي هو دون الحد، وذلك نوع من الهوان، وهما معنيان ضدان، فحيث وردت في هذه ~~الآية جاء معها قرائن من قبلها ومن بعدها, فخصت معناها بالحسن، وميزته عن ~~القبيح. ولو وردت مهملة بغير قرينة, وأريد بها المعنى الحسن لسبق إلى الوهم ~~ما اشتملت عليه من المعنى القبيح. # مثال ذلك: لو قال قائل: لقيت فلانا فعزرته، لسبق إلى الفهم أنه ضربه ~~وأهانه، ولو قال: لقيت فلانا فأكرمته وعزرته، لزال ذلك اللبس. # واعلم أنه قد جاء من الكلام ما معه قرينة فأوجب قبحه، ولو لم تجئ معه لما ~~استقبح، كقول الشريف الرضي: # أعزر علي بأن أراك وقد خلا # عن جانبيك مقاعد العواد # وقد ذكر ابن سنان الخفاجي هذا البيت في كتابه, فقال: إن إيراد هذه اللفظة ~~في هذا الموضع صحيح، إلا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشعر، لا ~~سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه، وهم العواد، ولو انفرد لكان ~~الأمر فيه سهلا، فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به، هذا حكاية ~~كلامه2، وهو مرضي واقع في موقعه. # ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك فنقول: قد جاءت هذه اللفظة المعيبة في الشعر ~~في القرآن الكريم، فجاءت حسنة مرضية، وهي قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك ~~تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} 3 وكذلك قوله تعالى: {وأنا لمسنا السماء ~~فوجدناها PageV01P202 # ملئت حرسا شديدا وشهبا، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع ms126 الآن ~~يجد له شهابا رصدا} 1 # ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه كما ~~جاءت في الشعر. # ولو قال الشاعر بدلا من "مقاعد العواد" "مقاعد الزيارة"، أو ما جرى ~~مجراه، لذهب ذلك القبح، وزالت تلك الهجنة، ولهذا جاءت هذه اللفظة في ~~الآيتين على ما تراه من الحسن، وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف ~~الرضي. # وعلى هذا ورد قول تأبط شرا: # أقول للحيان وقد صفرت لهم %~% وطابي ويومي ضيق الجحر معور2 # فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه؛ لأن "الجحر" يطلق ~~على كل ثقب كثقب الحية واليربوع، وعلى المحل المخصوص من الحيوان، فإذا ورد ~~مهملا بغير قرينة سبق إلى الوهم ما يقبح ذكره، لاشتهاره به دون غيره. # ومن ههنا ورد قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "المؤمن لا يلسع من حجر ~~مرتين" وحيث قال: "يلسع" زال اللبس؛ لأن اللسع لا يكون إلا للحية وغيرها من ~~ذوات السموم. # وأما ما ورد مهملا بغير قرينة فقول أبي تمام3: # أعطيت لي دية القتيل وليس لي %~% عقل ولا حق عليك قديم4 # فقوله: "ليس لي عقل" يظن أنه من "عقل الشي" إذا علمه، ولو قال: "ليس لي ~~عليك عقل" لزال اللبس. PageV01P203 # فيجب إذا على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع, وهو من ~~جملة الألفاظ المشتركة التي يحتاج في إيرادها إلى قرينة تخصصها ضرورة. ### ||| عدد حروف الكلمة: # ومن أوصاف الكلمة أن تكون مؤلفة من أقل الأوزان تركيبا, وهذا مما ذكره ~~ابن سنان في كتابه, ثم مثله بقول أبي الطيب المتنبي1: # إن الكرام بلا كرام منهم %~% مثل القلوب بلا سويداواتها2 # وقال: إن لفظة "سويداواتها" طويلة، فلهذا قبحت3. # وليس الأمر كما ذكره، فإن قبح هذه اللفظة لم يكن بسبب طولها، وإنما هو ~~لأنها في نفسها قبيحة، وقد كانت -وهي مفردة- حسنة، فلما جمعت قبحت، لا بسبب ~~الطول. # والدليل على ذلك أنه قد ورد في القرآن الكريم ألفاظ طوال، وهي مع ذلك ~~حسنة، كقوله تعالى: {فسيكفيكهم ms127 الله} 4 فإن هذه اللفظة تسعة أحرف، وكقوله ~~تعالى: {ليستخلفنهم في الأرض} 5 فإن هذه اللفظة عشرة أحرف، وكلتاهما حسنة ~~رائقة. # ولو كان الطول مما يوجب مما يوجب قبحا لقبحت هاتان اللفظتان، وليس كذلك. # ألا ترى أنه لو أسقط من لفظة "سويداواتها". الهاء والألف اللتين هما عوض ~~عن PageV01P204 # الإضافة لبقي منها ثمانية أحرف؟، ومع هذا فإنها قبيحة, ولفظة ~~"ليستخلفنهم" عشرة أحرف، وهي أطول منها بحرفين، ومع هذا فإنها حسنة رائقة. # والأصل في هذا الباب ما أذكره: وهو أن الأصول من الألفاظ لا تحسن إلا في ~~الثلاثي, وفي بعض الرباعي؛ كقولنا: "عذب" و"عسجد". فإن هاتين اللفظتين ~~إحداهما ثلاثية والأخرى رباعية، وأما الخماسي من الأصول فإنه قبيح، لا يكاد ~~يوجد منه شيء حسن، كقولنا: "جحمرش"، و"صهصلق"، وما جرى مجراهما. # وكان ينبغي على ما ذكره ابن سنان أن تكون هاتان اللفظتان حسنتين, ~~واللفظتان الواردتان في القرآن قبيحتين؛ لأن تلك تسعة أحرف وعشرة, وهاتان ~~خمسة وخمسة، ونرى الأمر بالضد مما ذكره، وهذا لا يعتبر فيه طول ولا قصر، ~~وإنما يعتبر نظم تأليف الحروف بعضها مع بعض، وقد تقدم الكلام على ذلك، ~~ولهذا لا يوجد في القرآن من الخماسي الأصول شيء، إلا ما كان من اسم نبي عرب ~~اسمه ولم يكن في الأصل عربيا نحو: "إبراهيم" و"إسماعيل". # ومما يدخل في هذا الباب أن تجتنب الألفاظ المؤلفة من حروف يثقل النطق ~~بها، سواء كانت طويلة أو قصيرة، ومثال ذلك قول امرئ القيس في قصيدته ~~اللامية التي هي من جملة القصائد السبع الطوال1: # غدائره مستشزرات إلى العلا %~% تضل المدارى في مثنى ومرسل2 # فلفظة "مستشزرات" مما يقبح استعمالها؛ لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق ~~بها، وإن لم تكن طويلة لأنا لو قلنا: "مستنكرات" أو "مستنفرات" على وزن ~~"مستشزرات" لما كان في هاتين اللفظتين من ثقل ولا كراهة. # ولربما اعترض بعض الجهال في هذا الموضع، وقال: إن كراهة هذه اللفظة إنما ~~هو لطولها. PageV01P205 # وليس الأمر كذلك، فإنا لو حذفنا منها الألف والتاء قلنا: "مستشزر" لكان ~~ذلك ثقيلا أيضا، وسببه ms128 أن الشين قبلها تاء، وبعدها زاي، فثقل النطق بها، ~~وإلا فلو جعلنا عوضا من الزاي راء ومن الراء فاء، فقلنا "مستشرف" لزال ذلك ~~الثقل. # ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امرئ القيس هذه اللفظة المشار إليها، ~~فأكبر ذلك، لوقوفه مع شهرة التقليد في أن امرئ القيس أشعر الشعراء، فعجبت ~~من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة، وقلت له: لا يمنع إحسان امرئ القيس من ~~استقباح ما له من القبح، ومثال هذا كمثال غزال المسك, فإنه يخرج منه المسك ~~والبعر، ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره، ولا تكون ~~لذاذة الطيب حامية للخبث من الاستكراه، فأسكت الرجل عند ذلك. # وحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود، وكنا إذ ذاك بالديار المصرية، ~~وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد، لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري ~~كذلك، فجرى ذكر اللغات، وأن العربية هي سيدة اللغات، وأنها أشرفهن مكانا، ~~وأحسنهن وضعا، فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك? وقد جاءت آخرا, فنفت ~~القبيح من اللغات قبلها, وأخذت الحسن? ثم إن واضعها تصرف في جميع اللغات ~~السالفة فاختصر ما اختصر، وخفف ما خفف، فمن ذلك اسم الجمل، فإنه عندنا في ~~اللسان العبراني "كوميل" ممالا على وزن "فوعيل"، فجاء واضع اللغة العربية ~~وحذف الثقيل المستبشع، وقال: "جمل"، فصار خفيفا حسنا، وكذلك فعل في كذا ~~وكذا، وذكر أشياء كثيرة, ولقد صدق في الذي ذكره وهو كلام عالم به. ### ||| خفة الحركات: # ومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنية من حركات خفيفة، ليخف النطق بها، وهذا ~~الوصف يترتب على ما قبله من تأليف الكلمة، ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان ~~في كلمة واحدة لم تستثقل، وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة, فإنه إذا توالى منها ~~حركتان في كلمة واحدة استثقلت. PageV01P206 # ومن أجل ذلك استثقلت الضمة على الواو, والكسرة على الياء؛ لأن الضمة من ~~جنس الواو، والكسرة من جنس الياء، فتكون عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان. # ولنمثل لك مثالا لتهتدي به في هذا الموضع، وهو أنا نقول: ms129 إذا أتينا بلفظة ~~مؤلفة من ثلاثة أحرف, وهي -ج ز ع, فإذا جعلنا الجيم مفتوحة قلنا: "الجزع", ~~أو مكسورة قلنا: "الجزع", كان ذلك أحسن من أن لو جعلنا الجيم مضمومة فقلنا: ~~"الجزع"، وكذلك إذا والينا حركة الفتح قلنا: "الجزع" كان ذلك أحسن من ~~موالاة حركة الضم عند قولنا: الجزع، ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن ~~اختلاف حركاتها مغيرا لمخارج حروفها, حتى ينسب ذلك إلى اختلاف تأليف ~~المخارج, بل وجدناها تارة تكسى حسنا، وتارة يسلب ذلك الحسن عنها، فعلمنا أن ~~ذلك حادث عن اختلاف تأليف حركاتها. # واعلم أنه قد توالت حركة الضم في بعض الألفاظ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ~~ثقلا؛ كقوله تعالى: {ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر} 1 وكقوله تعالى: ~~{إن المجرمين في ضلال وسعر} 2 وكقوله تعالى: {وكل شيء فعلوه في الزبر} 3 ~~فحركة الضم في هذه الألفاظ متوالية, وليس بها من ثقل ولا كراهة، وكذلك ورد ~~قول أبي تمام4: # نفس يحتثه5 نفس %~% ودموع ليس تحتبس # ومغان للكرى دثر %~% عطل من عهده درس6 # شهرت ما كنت أكتمه %~% ناطقات بالهوى خرس PageV01P207 # فانظر كيف جاءت هذه الألفاظ الأربعة كلها مضمومات كلها، وهي مع ذلك حسنة ~~لا ثقل بها، ولا ينبو السمع عنها؟ # وهذا لا ينقض ما أشرنا إليه؛ لأن الغالب أن يكون توالي حركة الضم ~~مستثقلا، فإذا شذ عن ذلك شيء يسير، لا ينقض الأصل المقيس عليه. PageV01P208 ### || القسم الثاني: في الألفاظ المركبة # أنواع تأليف الألفاظ # قد قدمنا القول في شرح أحوال اللفظ المفردة، وما يختص بها، وأما إذا صارت ~~مركبة, فإن لتركيبها حكما آخر، وذاك أنه يحدث عنه من فوائد التأليفات ~~والامتزاجات ما يخيل للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة. # ومثال ذلك كمن أخذ لآلئ ليست من ذوات القيم الغالية. فألفها وأحسن الوضع ~~في تأليفها، فخيل للناظر بحسن تأليفه وإتقان صنعته أنها ليست تلك التي كانت ~~منثورة مبددة. # وفي عكس ذلك من يأخذ لآلئ من ذوات القيم الغالية فيفسد تأليفها، فإنه يضع ~~من حسنها، وكذلك يجري حكم ms130 الألفاظ العالية مع فساد التأليف، وهذا موضع شريف ~~ينبغي الالتفات إليه والعناية به. # واعلم أن صناعة تأليف الألفاظ تنقسم إلى ثمانية أنواع، هي: # السجع: ويختص بالكلام المنثور. # والتصريع: ويختص بالكلام المنظوم، وهو داخل في باب السجع؛ لأنه في الكلام ~~المنظوم كالسجع في الكلام المنثور. # والتجنيس: وهو يعم القسمين جميعا. # والترصيع: وهو يعم القسمين أيضا جميعا. # ولزوم ما لا يلزم: وهو يعم القسمين أيضا. # والموازنة: وتختص بالكلام المنثور. # واختلاف صيغ الألفاظ: وهو يعم القسمين جميعا. # وتكرير الحروف: وهو يعم القسمين جميعا. PageV01P209 ### ||| النوع الأول: المسجع # وحده أن يقال: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد. # وقد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى لذلك وجها سوى عجزهم ~~أن يأتوا به, وإلا فلو كان مذموما لما ورد في القرآن الكريم، فإنه قد أتى ~~منه بالكثير، حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعها مسجوعة، كسورة الرحمن، وسورة ~~القمر، وغيرهما, وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور. # فمن ذلك قوله تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا، خالدين فيها ~~أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا} 1. # وكقوله تعالى في سورة طه: {طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إلا تذكرة ~~لمن يخشى، تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا، الرحمن على العرش استوى، ~~له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول ~~فإنه يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} 2. # وكذلك قوله تعالى في سورة ق: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج، ~~أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} 3. # وكقوله تعالى: {والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن ~~به نقعا، فوسطن به جمعا} 4 وأمثال ذلك كثيرة. # وقد ورد على هذا الأسلوب من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء كثير ~~أيضا. # فمن ذلك ما رواه ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم: ms131 "استحيوا من الله حق الحياء" , قلنا: إنا لنستحي من الله يا ~~رسول الله! قال: "ليس PageV01P210 # ذلك! ولكن الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ~~وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك الحياة الدنيا". # ومن ذلك ما رواه عبد الله بن سلام، فقال: لما قدم رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم، فجئت في الناس لأنظر إليه, فلما تبينت وجهه علمت أنه ليس بوجه ~~كذاب، فكان أول شيء تكلم به أن قال: "أيها الناس، أفشوا السلام, وأطعموا ~~الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". # فإن قيل: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لبعضهم منكرا عليه وقد كلمه ~~بكلام مسجوع: "أسجعا كسجع الكهان"؟ ولولا أن السجع مكروه لما أنكره النبي ~~-صلى الله عليه وسلم؟. # فالجواب عن ذلك أنا نقول: لو كره النبي -صلى الله عليه وسلم- السجع مطلقا ~~لقال: أسجعا؟ ثم سكت، وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لم كان، فلما ~~قال: "أسجعا كسجع الكهان" صار المعنى معلقا على أمر، وهو إنكار الفعل لم ~~كان على هذا الوجه. # فعلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان، لا غير, وأنه لم يذم ~~السجع على الإطلاق، وقد ورد في القرآن الكريم, وهو -صلى الله عليه وسلم- قد ~~نطق به في كثير من كلامه، حتى إنه غير الكلمة عن وجهها اتباعا لها بأخواتها ~~من أجل السجع، فقال لابن ابنته -رضي الله عنهما: "أعيذه من الهامة والسامة ~~وكل عين لامة" , وإنما أراد "ملمة"؛ لأن الأصل فيها من "ألم" فهو "ملم". # وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم: "ارجعن مأزورات غير مأجورات". وإنما ~~أراد "موزورات" من الوزر، فقال: "مأزورات" لمكان "مأجورات"، طلبا للتوازن ~~والسجع، وهذا مما يدلك على فضيلة السجع. # على أن هذا الحديث النبوي الذي يتضمن إنكار سجع الكهان عندي فيه نظر، فإن ~~الوهم يسبق إلى إنكاره، يقال: فما سجع الكهان الذي يتعلق الإنكار به, ونهى ~~عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟ # والجواب عن ذلك: أن النهي لم يكن عن ms132 السجع نفسه، وإنما النهي عن حكم ~~الكاهن الوارد باللفظ المسجوع، ألا ترى أنه لما أمر رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- في الجنين بغرة عبد PageV01P211 # أو أمة, قال الرجل: "أأدي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ~~ذلك يطل؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أسجعا كسجع الكهان" أي: ~~أتتبع سجعا كسجع الكهان؟ # وكذلك كان الكهنة كلهم، فإنهم كانوا إذا سئلوا عن أمر جاءوا بالكلام ~~مسجوعا كما فعل الكاهن في قصة هند بنت عتبة، فإنه قال لما امتحن قبل السؤال ~~عن قصتها "ثمرة في كمرة" فقيل له: نريد أبين من هذا! فقال: "حبة بر في ~~إحليل مهر", والحكاية مشهورة, فلهذا اختصرناها هنا. # وكذلك قال سطيح1، فإنه قال: "عبد المسيح، جاء إلى سطيح، وهو موف على ~~الضريح، لرؤيا المؤبذان وارتجاس الإيوان"، وأتم الكلام إلى آخره مسجوعا, ~~والحكاية مشهورة أيضا, فلهذا اختصرناها. # فالسجع إذا ليس بمنهي عنه، وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول ~~الكاهن, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أسجعا كسجع الكهان"؟ أي: ~~أحكما كحكم الكهان، وإلا فالسجع الذي أتى به ذلك الرجل لا بأس به، لأنه ~~قال: "أأدي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق2، ولا استهل، ومثل ذلك يطل"3؟ وهذا ~~كلام حسن من حيث السجع، وليس بمنكر لنفسه، وإنما المنكر هو الحكم الذي ~~تضمنه في امتناع الكاهن أن يدي الجنين بغرة عبد أو أمة4. # واعلم أن الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام، والاعتدال ~~مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل إليه بالطبع. # ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل ~~على حرف واحد؛ إذ لو كان ذلك هو المراد من السجع, لكان كل أديب من الأدباء ~~سجاعا، وما من أحد منهم -ولو شدا شيئا يسيرا من الأدب- إلا ويمكنه أن يؤلف ~~PageV01P212 # ألفاظا مسجوعة، ويأتي بها في كلامه، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة ~~حلوة طنانة رنانة، لا غثة ولا باردة، وأعني بقولي: "غثة باردة" أن صاحبها ~~يصرف ms133 نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة، وما ~~يشترط لها من الحسن, ولا إلى تركيبها وما يشترط له من الحسن، وهو الذي يأتي ~~به من الألفاظ المسجوعة كمن ينقش أثوابا من الكرسف1 أو ينظم عقدا من الخزف ~~الملون. # وهذا مقام تزل عنه الأقدام، ولا يستطيعه إلا الواحد من أرباب هذا الفن ~~بعد الواحد، ومن أجل ذلك كان أربابه قليلا. # فإذا صفي الكلام المسجوع من الغثاثة والبرد, فإن وراء ذلك مطلوبا آخر، ~~وهو أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى، لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ، ~~فإنه يجيء عند ذلك كظاهر مموه، على باطن مشوه، ويكون مثله كغمد من ذهب، على ~~نصل من خشب. # وكذلك يجري الحكم في الأنواع الباقية الآتي ذكرها من التجنيس والترصيع ~~وغيرهما. # وسأبين لك في هذا مثالا تتبعه، فأقول: إذا صورت في نفسك معنى من المعاني، ~~ثم أردت أن تصوغه بلفظ مسجوع, ولم يؤاتك ذلك إلا بزيادة في ذلك اللفظ, أو ~~نقصان منه، ولا يكون محتاجا إلى الزيادة ولا النقصان، إنما تفعل ذلك؛ لأن ~~المعنى الذي قصدته يحتاج إلى لفظ يدل عليه، وإذا دللت عليه بذلك اللفظ لا ~~يكون مسجوعا إلا أن تضيف إليه شيئا آخر أو تنقص منه، فإذا فعلت ذلك فإنه هو ~~الذي يذم من السجع ويستقبح، لما فيه من التكلف والتعسف. # وأما إذا كان محمولا على الطبع غير متكلف فإنه يجيء في غاية الحسن، وهو ~~أعلى درجات الكلام، وإذا تهيأ للكاتب أن يأتي به في كتابته كلها على هذه ~~الشريطة فإنه يكون قد ملك رقاب الكلم، يستعبد كرائمها، ويستولد عقائمها، ~~وفي مثل ذلك فليتنافس، وعن مقامه فليتقاعس، ولصاحبه أولى بقول أبي الطيب ~~المتنبي2: PageV01P213 # أنت الوحيد إذا ركبت طريقة %~% ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا1 # فإن قيل: فإذا كان السجع أعلى درجات الكلام على ما ذهبت إليه، فكان ينبغي ~~أن يأتي القرآن كله مسجوعا? وليس الأمر كذلك, بل منه المسجوع ومنه غير ~~المسجوع؟ # قلت في الجواب: إن أكثر القرآن مسجوع، حتى إن ms134 السورة لتأتي جميعها ~~مسجوعة، وما منع أن يأتي القرآن كله مسجوعا إلا أنه سلك به مسلك الإيجاز ~~والاختصار، والسجع لا يؤاتي في كل موضع من الكلام على حد الإيجاز ~~والاختصار، فترك استعماله في جميع القرآن لهذا السبب. # وههنا وجه آخر هو أقوى من الأول، ولذلك ثبت أن المسجوع من الكلام أفضل من ~~غير المسجوع، وإنما تضمن القرآن غير المسجوع؛ لأن ورود غير المسجوع معجزا ~~أبلغ في باب الإعجاز من ورود المسجوع، ومن أجل ذلك تضمن القرآن القسمين ~~جميعا. # واعلم أن للسجع سرا هو خلاصته المطلوبة, فإن عري الكلام المسجوع منه فلا ~~يعتد به أصلا، وهذا شيء لم ينبه عليه أحد غيري، وسأبينه ههنا، وأقول فيه ~~قولا هو أبين مما تقدم، وأمثل لك مثالا إذا حذوته أمنت الطاعن، والعائب، ~~وقيل في كلامك ليبلغ الشاهد الغائب. # والذي أقوله في ذلك هو أن تكون كل واحدة من السجعتين المزدوجتين مشتملة ~~على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه أختها، فإن كان المعنى فيهما سواء ~~فذاك التطويل بعينه؛ لأن "التطويل" إنما هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن ~~الدلالة عليه بدونها، وإذا وردت سجعتان يدلان على معنى واحد كانت إحداهما ~~كافية في الدلالة عليه، وجل كلام الناس المسجوع جار عليه. # وإذا تأملت كتابة المفلقين ممن تقدم، كالصابي وابن العميد وابن عباد، ~~وفلان PageV01P214 # وفلان، فإنك ترى أكثر المسجوع منه كذلك، والأقل منه على ما أشرت إليه. # ولقد تصفحت المقامات الحريرية والخطب النباتية، على غرام الناس بهما، ~~وإكبابهم عليهما، فوجدت الأكثر من السجع فيهما على الأسلوب الذي أنكرته. # فالكلام المسجوع إذا يحتاج إلى أربع شرائط: # الأولى: اختيار مفردات الألفاظ على الوجه الذي أشرت إليه فيما تقدم. # الثانية: اختيار التركيب على الوجه الذي أشرت إليه أيضا فيما تقدم. # الثالثة: أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعا للمعنى، لا المعنى تابعا ~~للفظ. # الرابعة: أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير ~~المعنى الذي دلت عليه أختها. # فهذه أربع شرائط لا بد منها. # وسأورد ههنا من كلامي أمثلة ms135 يحذى حذوها، فإني لما سلكت هذه الطريق, وأتيت ~~بكلامي مسجوعا توخيت أن تكون كل سجعة منه مختصة بمعنى غير المعنى الذي ~~تضمنته أختها، ولم أخل بذلك في مكاتباتي كلها، وإذا تأملتها علمت صحة ما قد ~~ذكرته. # فمن ذلك ما كتبته في صدر كتاب عن بعض الملوك إلى دار الخلافة وهو: # الخادم واقف موقف راج هائب، لازم بكتابه هذا وقار حاضر عن شخص غائب، موجه ~~وجهه إلى ذلك الجناب الذي تقسم فيه أرزاق العباد, ويتأدب به الزمان تأدب ~~ذوي الاستعباد، وتستمد الملوك من خدمته شرف الجدود, كما تستغني بنسبتها ~~إليه عن شرف الأجداد، ولو ملك الخادم نفسه لقصرها على خدمة قصره، وأحظاها ~~من النظر إليه ببرد العيش الذي عمرها محسوب من عمره، وهذا القول يقوله وكل ~~ما جد فيه حاسد، وبتأميله راكع ساجد، والديوان العزيز محسود الاقتراب، وهو ~~موطن الرغبات الذي الاغتراب إليه ليس بالاغتراب، وما ينافس في القرب من ~~أبوابه PageV01P215 # الكريمة إلا ذوو الهمم الكريمة، وقد ودت الكواكب بأسرها أن تكون له ~~منادمة فضلا عن ندماني جذيمة"1. ### |||| ومن ذلك ما كتبته من كتاب يتضمن العناية ببعض الناس، وهو: # "الكريم من أوجب لسائله حقا, وجعل كواذب آماله صدقا، وكان خرق العطايا ~~منه خلقا، ولم ير بين ذممه وبين رحمه فرقا, وكل ذلك موجود في كرم مولانا ~~أجراه الله من فضله على وتيرة، وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة، وأوطأه من ~~كل مجد سريرا كما بوأه من كل قلب سريرة، ولا زالت يده بالمكارم جديرة، ومن ~~الأيام مجيرة، ولضرائرها من البحار والسحاب معيرة، ولا برحت تستولد عقائم ~~المعاني, وتستجد أبنيتها, حتى يشهد الناس منها في كل يوم عقيقة أو وكيرة2، ~~ومن صفات كرمه أنه يسبك الأموال مآثر، ويتخذها عند السؤال ذخائر، فهي تفنى ~~لديهم بالإنفاق، وذكرها على مرور الأيام باق، ومن أربح منه صفقة وقد باع ~~صامتا بناطق، وما هو معرض لحوادث السرقات بما لا تصل إليه يد سارق، ومثله ~~من عرف الدنيا فرغب عن اقتنائها، وجد في ابتناء المحامد بهدم ms136 بنائها، وعلم ~~أن مالها ليس عن الضنين به إلا أحجارا، وأن غناه منها لا يزيده إلا ~~افتقارا، فهو لماله عبد يخدمه ولا يستخدمه، وأم ترضعه بسعيها ولا تفطمه": ~~PageV01P216 ### |||| ومنه ما كتبته في جواب كتاب يتضمن إباق غلام، وهو أول كتاب ورد من المكتوب عنه إلى المكتوب إليه، فقلت: # "وأما الإشارة الكريمة في أمر الغلام الآبق عن الخدمة فقد يفر المهر من ~~عليقه، ويطير الفراش إلى حريقه، وغير بعيد أن ينبو به مضجعه، أو يكبو به ~~مطمعه، فيرجع وقد حمد رجوعه ما ذمه من ذهابه، وعلم أن الغنيمة كل الغنيمة ~~في إيابه، فما كل شجرة تحلو لذائقها، ولا كل دار ترحب بطارقها, ومن أبق من ~~مولاه مغاضبا، وجانب محل إحسانه الذي لم يكن مجانبا، فإنه يجد من مفارقة ~~الإحسان، ما يجده من مفارقة معاهد الأوطان، وهل أضل سعيا ممن دفع في صدر ~~العافية, وغدا يسأل عن الأسقام، وألقى الثروة من يده ومضى في طلب الإعدام، ~~ومع هذا فإن الخادم يشكره على ذنب الإباق الذي أقدم على اجتراحه، وليس ذلك ~~إلا لأنه صار سببا لافتتاح باب المكاتبة الذي لم يطمع في افتتاحه، ولا جزاء ~~له عنده إلا السعي في إعادته إلى الخدمة التي تقلب في إنشائها, وهي أبر به ~~من أمه التي تقلب في أحشائها، ومن فضلها أنها تلقاه من حملها بوسيلة ~~الشافع, ومن كرمها بالوجه الضاحك والفضل الواسع". # فانظر أيها المتأمل إلى هذه الأسجاع جميعها, وأعطها حق النظر حتى تعلم أن ~~كل واحدة منها تختص بمعنى ليس في أختها التي تليها, وكذلك فليكن السجع، ~~وإلا فلا. ### |||| من سجع الصابي: # وسأورد ههنا من كلام الصابي ما ستراه. ### ||||| فمن ذلك تحميد في كتاب، فقال 1: # "الحمد لله الذي لا تدركه الأعين بألحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ~~ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها"2. PageV01P217 # ثم انتهى إلى الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم، فقال: "لم ير للكفر1 ~~أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفاه". # ولا فرق بين مرور العصور وكرور الدهور، ms137 وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء ~~الرسم. ### ||||| ومن كلامه أيضا في كتاب وهو 2: # "وقد علمت3 أن الدولة العباسية لم تزل على سالف الأيام, ومتعاقب4 ~~الأعوام، تعتل طورا وتصح أطوارا، وتلتاث5 مرة وتستقل مرارا، من حيث أصلها ~~راسخ لا يتزعزع، وبنيانها ثابت لا يتضعضع". # وهذه الأسجاع كلها متساوية المعاني، فإن الاعتلال والالتياث والطور ~~والمرة والرسوخ والثبات كل ذلك سواء. ### ||||| وكذلك ورد له في جملة كتاب كتبه عن عز الدولة بن بويه جوابا عن كتاب وصله من الأمير عبد الكريم بن المطيع لله، فقال: # "وصلني كتابه مفتتحا من الاعتزاء إلى إمارة المؤمنين، والتقلد لأمور ~~المسلمين، بما أعراقه الزكية مجوزة لاستمراره، وأرومته العلية مسوغة ~~لاستقراره، له ولكل نجيب أخذ بحظه من نسبه، وضارب بسهم في منصبه؛ إذ كان ~~جاريا على الأصول المعهودة فيه، والأسباب العاقدة له، من إجماع المؤمنين ~~كافة، فإن تعذر اجتماعهم مع انبساطهم في الأرض، وانتشارهم في الطول والعرض، ~~فلا بد من اتفاق أشراف كل قطر وأفاضله، وأعيان كل صقع وأماثله". # وهذا الكلام كله متماثل المعاني في أسجاعه، فإن إمارة المؤمنين والتقلد ~~لأمور PageV01P218 # المسلمين سواء في المعنى، وكذلك الأعراق والأرومة، والتجويز والتسويغ، ~~والأشراف والأفاضل، والأعيان والأماثل، والقطر والصقع، كل ذلك سواء. ### ||||| وعلى هذا جاء كلامه في كتاب آخر، فقال: # "يسافر رأيه وهو دان لم ينزح، ويسير تدبيره وهو ثاو لم يبرح". # وكلا هذين سواء أيضا. وما أحسن هذا المعنى لو قال: "يسافر رأيه وهو دان ~~لم يبرح، ويثخن الجراح في عدوه وسيفه في الغمد لم يجرح". فإنه لو قال مثل ~~هذا سلم من هجنة التكرار. # وأمثال ذلك في كلام الصابي كثير، وعلى منواله نسج الصاحب بن عباد. ### |||| من سجع الصاحب بن عباد: ### ||||| فمن ذلك ما ذكره في وصف مهزومين, فقال: # "طاروا واقين بظهورهم صدورهم, وبأصلابهم نحورهم". # وكلا المعنيين سواء. ### ||||| وكذلك قوله في هذا الكتاب يصف ضيق مجال الحرب: # "مكان ضنك على الفارس والراجل، ضيق على الرامح والنابل"1. ### ||||| ومن كلامه في كتاب وهو: # "لا تتوجه همته إلى أعظم مرقوب إلا طاع ms138 ودان، ولا تمتد عزيمته إلى أفخم ~~مطلوب إلا كان واستكان". # وكل هذا الذي ذكره شيء واحد. ### ||||| وله من كتاب وهو: # "وصل كتابه جامعا من الفوائد أشدهما للشكر استحقاقا، وأتمها للحمد ~~استغراقا PageV01P219 # وتعرفت من إحسان الله فيما وفره من سلامته، وهنأه من كرامته, أنفس موهوب ~~ومطلوب، وأحمد مرقوب ومخطوب". # وهذا كله متماثل المعاني، متشابه الألفاظ. # وفيما أوردته ههنا مقنع. # فأنعم نظرك أيها الواقف على هذا الكتاب فيما بينته لك، ووضعت يدك عليه، ~~حتى تعلم كيف تأتي بالمعاني في الألفاظ المسجوعة، والله الموفق للصواب. # فإن قيل: إنك اشترطت أن تكون كل واحدة من الفقرتين في الكلام المسجوع ~~دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها، وإنما اشترطت هذه الشريطة ~~فرارا من أن يكون المعنيان شيئا واحدا، ونرى قد ورد في القرآن الكريم ~~لفظتان بمعنى واحد في آخر إحدى الفقرتين المسجوعتين، كقوله تعالى: {واذكر ~~في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا} 1. وكل رسول نبي؟!. # قلت في الجواب: ليس هذا كالذي اشترطته أنا في اختصاص كل فقرة بمعنى غير ~~المعنى الذي اختصت به أختها، وإنما هذه هو إيراد لفظتين في آخر إحدى ~~الفقرتين بمعنى واحد، وهذا لا بأس به، لمكان طلب السجع. # ألا ترى أن أكثر هذه السورة التي هي مريم -عليها السلام- مسجوعة على حرف ~~الياء، وهذا يجوز لصاحب السجع أن يأتي به، وهو بخلاف ما ذكرته أنا؟ # ألا ترى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غير اللفظة عن وضعها طلبا ~~للسجع، فقال: "مأزورات" وإنما هي "موزورات"؟، وقال: "العين اللامة" , وإنما ~~هي "الملمة"؟ إلا أنه ليس في ذلك زيادة معنى، بل يفهم من لفظة "مأزورات" ~~أنها "موزورات"، وكذلك يفهم من لفظة "لامة" أنها بمعنى "ملمة". # فالسجع قد أجيز معه تغيير وضع اللفظة، وأجيز معه أن يورد لفظتان بمعنى ~~واحد في آخر إحدى الفقرتين، ومع هذا فلم يجز في استعماله أن يورد فقرتان ~~بمعنى واحد؛ لأنه تطويل محض لا فائدة فيه. PageV01P220 # وبين الذي ذكرته أنت وبين الذي ذكرته أنا فرق ظاهر. ms139 # والذي قدمته من الأمثلة المسجوعة للصابي والصاحب ابن عباد ربما كانت ~~يسيرة أتهم فيها بالتعصب، ويقال: إني التقطتها التقاطا من جملة رسائلهما! # وقد خرجت من عهدة هذه التهمة، وذاك أني وجدت للصابي تقليدا بنقابة ~~الأشراف العلويين ببغداد, وكنت أنشأت تقليدا بنقابة الأشراف العلويين ~~بالموصل، وقد أوردت التقليدين ههنا، ليتأملهما الناظر في كتابي هذا, ويحكم ~~بينهما إن كان عارفا, أو يسأل عنهما العارف إن كان مقلدا. ### |||| تقليد الصابي: # وقد أوردت تقليد الصابي أولا؛ لأنه المقدم زمانا وفضلا، وهو: # "هذا ما عهد أمير المؤمنين إلى محمد بن الحسين بن موسى العلوي، الموسوي، ~~حين وصلته به الأنساب، وتأكدت له الأسباب، وظهرت دلائل عقله ولبابته، ووضحت ~~مخايل فضله ونجابته، ومهد له بهاء الدولة وضياء الملة أبو نصر بن عضد ~~الدولة وتاج الملة, مولى أمير المؤمنين ما مكن له عند أمير المؤمنين من ~~المحل المكين، ووصفه به من الحلم الرزين، وأشاد به فيه من رفع المنزلة، ~~وتقديم المرتبة، والتأهيل لولاية الأعمال، والحمل للأعباء الثقال، وحيث ~~رغبه فيه سابقه الحسين أبيه، في الخدمة والنصيحة, والمواقف المحمودة، ~~والمقامات المشهودة، التي طابت بها أخباره، وحسنت فيها آثاره، وكان محمد ~~متخلقا بخلائقه، وذاهبا في طرائقه، علما وديانة، وورعا وصيانة، وعفة ~~وأمانة، وشهامة وصرامة، بالحظ الجزيل، من الفضل الجميل، والأدب الجزل، ~~والتوجه في الأهل، والإيفاء بالمناقب على لداته وأترابه، والإبرار على ~~قرائبه وأضرابه، فقلده ما كان داخلا في أعمال أبيه من نقابة نقباء الطالبين ~~أجمعين, بمدينة السلام وسائر الأعمال والأمصار شرقا وغربا، وبعدا وقربا، ~~واختصه ذلك جذبا بصنعه، وإنافة بقدره، وقضاء لحق رحمه، وترفيها لأبيه، ~~وإسعافا بإيثاره فيه أمير المؤمنين, واستخلافه عليه من النظر في المظالم، ~~وتسيير الحجيج في المواسم، والله يعقب أمير المؤمنين فيما أمر ودبر حسن PageV01P221 # العاقبة فيما قضى وأمضى، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله, عليه يتوكل ~~وإليه ينيب. # وأمره بتقوى الله التي هي شعار المؤمنين، وسناء الصالحين، وعصمة عباد ~~الله أجمعين، وأن يعتقدها سرا وجهرا، ويعتمدها قولا وفعلا, ويأخذ بها ~~ويعطي، ويسر بها وينوي، ويأتي ويذر، ms140 ويورد ويصدر، فإنها السبب المتين، ~~والمعقل الحصين، والزاد النافع يوم الحساب، والمسلك المفضي إلى دار الثواب، ~~وقد حض الله أولياءه عليها، وهداهم في محكم كتابه إليها، فقال عز من قائل: ~~{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} 1. # وأمره بتلاوة كتاب الله مواظبا، وتصفحه مدواما ملازما، والرجوع إلى ~~أحكامه فيما أحل وحرم، ونقض وأبرم، وأثاب وعاقب، وباعد وقارب، فقد صحح الله ~~برهانه وحجته، وأوضح منهاجه ومحجته، وجعله نجما في الظلمات طالعا، ونورا في ~~المشكلات ساطعا، فمن أخذ به نجا وسلم، ومن عدل عنه هوى وندم، قال الله ~~تعالى: {وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل ~~من حكيم حميد} 2. # وأمره بتنزيه نفسه عما تدعو إليه الشبهات، وتطلع إليه التبعات، وأن ~~يضبطها ضبط الحليم، ويكفها كف الحكيم، ويجعل عقله سلطانا عليها، وتمييزه ~~آمرا ناهيا لها، ولا يجعل لها عذرا إلى صبوة ولا هفوة، ولا يطلق منها عنانا ~~عند ثورة، لا فورة، فإنها أمارة بالسوء, منصبة إلى الغي، فمن رفضها نجا، ~~ومن اتبعها هوى، فالحازم متهم عند تحرك وطره وأربه, واهتياج غيظه، ولا يدع ~~أن يغضها بالشكيم، ويعركها عرك الأديم، ويقودها إلى مصالحها بالخزائم، ~~ويفتقدها من مقارفة المآثم والمحارم، كيما يعز بتذليلها وتأديبها, ويجل ~~برياضها وتقويمها، والمفرط تطمح به إذا طمحت، ويجمح معها إذا جمحت، ولا ~~يلبث أن تورده حيث لا يصدر، وتلجئه إلى أن تعتذر، وتقيمه مقام النادم ~~الواجم، وتتنكب به سبيل الراشد السالم، PageV01P222 # وأحق من تحلى بالمحاسن، وتصدى لاكتساب المحامد، من ضرب بمثل سهمه في نسب ~~أمير المؤمنين الشريف، ومنصبه المنيف، واجتمع معه في ذؤابة العترة الطاهرة، ~~واستظل بأوراق الدوحة الفاخرة، فذلك الذي تتضاعف به المآثر إن آثرها، ~~والمثالب إن أسف إليها, ولا سيما من كان مندوبا بالسياسة, ومرشحا للتقليد ~~على أهله؛ إذ ليس يفي بالصلاح لمن ولي عليه، ولا يفي بإصلاح ما بين جنبيه، ~~ومن أعظم الهجنة عليه أن يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا يزدجر، قال الله تعالى ~~-جل ذكره: {أتأمرون الناس بالبر ms141 وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون} 1. # وأمره أن يتصفح أحوال من ولي عليهم من استقراء مذاهبهم، والبحث عن ~~بواطنهم ودخائلهم، وأن يعرف لمن تقدمت قدمه منهم, وتظاهر فضله فيهم منزلته، ~~ويوفيه حقه وزينته، وينتهي في إكرام جماعتهم إلى الحدود التي توجبها ~~أنسابهم وأقدارهم، وتقتضيها مواقعهم وأخطارهم، فإن ذلك يلزمه لشيئين: # أحدهما: يخصه، وهو النسب الذي بينه وبينهم. # والآخر: يعمه والمسلمين جميعا, وهو قول الله -جل ذكره: {قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى} 2 فالمودة لهم الإعظام لأكابرهم، ~~والاشتمال على أصاغرهم، واجب متضاعف الوجوب عليه، متأكد اللزوم له، ومن كان ~~منهم في دون تلك الطبقة من أحداث لم يحتنكوا عليه، وجذعان لم يقرحوا, ~~ومجرين إلى ما يزري بأنسابهم، ويغض من أحسابهم عذلهم, وأنبهم، ونهاهم ~~ووعظهم، فإن نزعوا وأقلعوا فذاك المراد بهم، والمقصد فيهم، وإن أصروا ~~وتتابعوا أنا لهم من العقوبة بقدر ما يكف ويردع، فإن نفع وإلا تجاوزه إلى ~~ما يلذع ويوجع، من غير تطرق لأعراضهم، ولا امتهان لأحسابهم، فإن الغرض منهم ~~الصيانة لا الإهانة، والإدالة لا الإذالة, وإذا وجبت عليهم الحقوق, أو ~~تعلقت بهم دواعي الخصوم, قادهم إلى الإغفاء بما يصح منها ويجب، والخروج إلى ~~سنن الحق فيما يشتبه ويلتبس، ومتى لزمتهم الحدود أقامها عليهم بحسب ما أمره ~~الله تعالى فيها، بعد أن تثبت الجرائم وتصح، وتبين وتتضح، وتتجرد ~~PageV01P223 # عن الشك، وتتجلى عن الظن والتهمة، فإن الذي يستحب في حدود الله -عز وجل- ~~أن تدرأ مع نقصان اليقين والصحة، وأن تمضي عليهم مع قيام الدليل والبينة، ~~قال الله -عز وجل: {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} 1. # وأمره بحياطة أهل النسب الأطهر، والشرف الأفخر، وعن أن يدعيه الأدعياء، ~~أو يدخل فيه الدخلاء، ومن انتمى إليه كاذبا، أو انتحله باطلا، ولم يوجد له ~~بيت في الشجرة، ولا مصداق عند النسابين المهرة، أوقع به كذبه وفسقه, وشهره ~~شهرة ينكشف بها غشه ولبسه، وينزع بها غيره ممن تسول له ذلك نفسه. # وأن يحصن الفروج عن مناكحة من ليس كفؤا لها ms142 في شرفها وفخرها, حتى لا يطمع ~~في المرأة الحسيبة النسيبة إلا من كان مثلا لها مساويا، ونظيرا موازايا، ~~فقد قال الله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا} 2. # وأمره بمراعاة متبتلي أهله ومتهجديهم، وصلحائهم ومجاوريهم، وأرملهم ~~وأصاغرهم، حتى تستد الخلة من أحوالهم، وتدر الموارد عليهم, وتتعادل أقساطهم ~~فيما يصل إليهم من وجوه أموالهم، وأن يزوج الأيامى، ويربي اليتامى، ~~وليلزمهم المكاتب فليتلقنوا القرآن، ويعرفوا فرائض الإسلام والإيمان، ~~ويتأدبوا بالآداب اللائقة بذوي الأحساب، فإن شرف الأعراق محتاج إلى شرف ~~الأخلاق، ولا حمد لمن شرفه حسبه، وسخف أدبه؛ إذ كان لم يكتسب الفخر الحاصل ~~بفضل سعي, ولا طلب ولا اجتهاد، بل بصنع الله تعالى، ومزيد المنة عليه، ~~وبحسب ذلك لزوم ما يلزمه من شكره سبحانه على هذه العطية، والاعتداد بها من ~~المزية، وإعمال النفس في حيازة الفضائل والمناقب، والترفع عن الرذائل ~~والمثالب. # وأمره بإجمال النيابة عن شيخه الحسين بن موسى فيما أمره أمير المؤمنين ~~باستخلافه عليه من النظر، والأخذ للمظلوم من الظالم، وأن يجلس للمترافعين ~~إليه جلوسا عاما، ويتأمل كلامهم تأملا تاما، فما كان منها متعلقا بالحاكم ~~رده إليه، ليحمل الخصوم عليه، وما كان من طريقة الغشم والظلم، والتغلب ~~والغضب, قبض عنه اليد المبطلة، وثبت PageV01P224 # فيه اليد المستحقة, وتحرى في قضاياه أن تكون موافقة للعدل، ومجانبة ~~للخذل, فإن عادة الحكام وصاحب المظالم واحدة، وهي إقامة الحق ونصرته، ~~وإبانته وإثارته، وإنما يختلف سبيلاهما في النظر؛ إذ كان الحاكم يعمل بما ~~ثبت عنده وظهر، وصاحب المظالم يفحص عما غمض واستتر، وليس له مع ذلك أن يرد ~~للحاكم حكومة، ولا يعل له قضية، ولا يتعقب ما ينفذه ويمضيه، ولا يتتبع ما ~~يحكم به ويقضيه، والله يهديه ويوفقه، ويسدده ويرشده. # وأمره أن يسير حجيج بيت الله -عز وجل- إلى مقصدهم، ويحميهم في بدأتهم ~~وعودتهم، ويرتبهم في مسيرهم ومسلكهم، ويرعاهم في ليلهم ونهارهم، حتى لا ~~تنالهم شدة, ولا تصل إليهم مضرة، وأن يريحهم في المنازل، ويوردهم المناهل، ~~ويناوب بينهم في النهل والعلل، ويمكنهم من الارتواء ms143 والاكتفاء، مجتهدا في ~~الصيانة لهم، ومعذرا في الذب عنهم، ومتلوما على متأخرهم ومتخلفهم، ومنهضا ~~لضعيفهم ومهيضهم، فإنهم حجاج بيت الله الحرام، وزوار قبر رسوله -صلى الله ~~عليه وسلم؛ قد هجروا الأهل والأوطان، وفارقوا الجيرة والإخوان، وتجشموا ~~المغارم الثقال، وتعسفوا السهولة والجبال، يلبون دعاء الله, ويطيعون أمره، ~~ويؤدون فرضه، ويرجون ثوابه, وحقيق على المسلم أن يحرسهم متبرعا، ويحوطهم ~~متطوعا, فكيف من تولى ذلك وضمنه، وتقلده واعتقبه? قال الله تعالى: {ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} 1. # وأمره أن يراعي أمور المساجد بمدينة السلام وأطرافها وأقطارها وأكنافها، ~~وأن يجبي أموال وقفها، ويستقصي جميع حقوقها، وأن يلم شعثها، ويسد خللها، ~~بما يتحصل من هذه الوجوه قبله، لا يزيل رسما جرى، ولا ينقض عادة كانت لها, ~~وأن يكتب اسم أمير المؤمنين على ما يعمره منها، ويذكر اسمه بعده بأن ~~عمارتها جرت على يده، وصلاح أداه قول أمير المؤمنين في ذلك، تنويها باسمه، ~~وإشادة لذكره، وأن يولي ذلك من قبله من حسنت أمانته، وظهرت عفته وصيانته، ~~فقد قال الله -جل من قائل: {إنما PageV01P225 # يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم ~~يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} 1. # وأمره أن يستخلف على ما يرى استخلافه عليه من هذه الأعمال في الأمصار ~~الدانية والنائية, والبلاد القريبة والبعيدة من يثق به من صلحاء الرجال ذوي ~~الوفاء والاستقلال، وأن يعهد إليهم مثل ما عهد إليه، ويعتمد عليهم مثل ما ~~اعتمد عليه، ويستقصي في ذلك آثارهم، ويتعرف أخبارهم، فمن وجده محمودا قربه، ~~ومن وجده مذموما صرفه ولم يمهله، واعتاض من ترجى الأمانة عنده، وتكون الثقة ~~معهودة منه، وأن يختار لكتابته وحجابته, والتصرف فيما قرب منه وبعد عنه من ~~يزينه، ولا يشينه، وينصح له ولا يغشه, ويجمله ولا يهجنه، من الطبقة ~~المعروفة باللطف، المتصونة عن النطف2، ويجعل لهم من الأرزاق الكافية، ~~والأجرة الوافية، ما يصدهم عن المكاسب الذميمة، والمآكل الوخيمة، فليس تجب ~~عليهم الحجة إلا مع إعطاء الحاجة، قال الله تعالى: ms144 {وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى} 3. # وأمره أن يكتب لمن تقوم بينته عنده, وتنكشف له حجته إلى أصحاب المعارف ~~بالشد على يده، واتصال حقه إليه، وحسم الطمع الكاذب فيه، وقبض اليد الظالمة ~~عنه؛ إذ هم مندوبون للتصرف بين أمره ونهيه، والوقوف عند رسمه وحده. # هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته لك وعليك، قد أبان منه سبيلك، وأوضح ~~دليلك، وهداك لرشدك، وجعلت على بينة من أمرك، فاعمل به ولا تخالفه، وانته ~~إليه ولا تتجاوزه، وإن عرض لك عارض يعجزك الوفاء به, يشتبه عليك الخروج منه ~~أنهيته إلى أمير المؤمنين مبادرا، وكنت إلى ما يأمرك به صائرا، إن شاء الله ~~تعالى|". PageV01P226 ### ||||| التقليد بأسلوب ابن الأثير: # وأما التقليد الذي أنشأته أنا فقد أوردته بعد هذا التقليد، وهو: # "أما بعد, فإن كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم، وكل كتاب لا يرقم ~~باسمه فليس بمعلم، وعلى هذا فإن حمده يتنزل من الكلام منزلة الرقوم من ~~الثياب، وقد جمعنا في كتابنا هذا بين التسمية والتحميد، وجعلنا أحدهما ~~مفتاحا للتيمن, والآخر سببا للمزيد، ثم ردفناهما بالصلاة على سيدنا محمد ~~الذي أيده الله بالقرآن المجيد، وجعل شهادته قبل كل شهيد، وعلى آله وصحبه ~~الذين هدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد. # ومما يقترن بهذه الصلاة في أثوابها, ويجيء على أعقابها، النظر في أمر ~~الأسرة النبوية التي وصل ودها بوده، وجعلها إحدى الثقلين المخلفين من ~~بعده1، وقد تقادم الآن زمانها، وتشعبت أغصانها، ونسي ما لها في الرقاب من ~~عهدة الأمانة، ولم توضع فيما وضع الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ~~من المكانة، وأولى الناس بها من أضمر ولاءها حقا، وأوجب أن يرد معها الحوض ~~حين يقال لوارده: سحقا، وكان بمن تحت يده منها بارا رفيقا, حتى لا يسأله ~~برا ولا رفقا، ونحن نرجو أن نفوز بفضيلة هذه الحسنة، وأن يسبق إليها سبق ~~المتقرب في الجمعة ببدنة. # ومن أهم أمورها أن يختار لها زعيم يرأف بها رأفة ms145 الوالد بولده، ويقوم ~~بأمرها قيام الرأس بجسده، حتى تأتلف أصولها كلها في مغرسها، ولا يحكم عليها ~~من ليس من أنفسها، وقد اخترنا من وفقنا في اختياره، وأخذنا فيه ببيان الرأي ~~وحزمه, لا بشبهة الهوى واغتراره، ولو لم يكن من القوم الذين ولوها لكان ~~استحقاقه لها بينا، والتعويل عليه متعينا، فكيف وقدمه فيها قديمة الميلاد، ~~ووراثته إياها عن سيادة الجدود وسؤدد الأجداد، وهو أنت أيها السيد الشريف ~~الحسيب النسيب: "فلان بن فلان PageV01P227 # الحسيني" ولو شئنا لأسندنا هذه النسبة كابرا عن كابر، ونضدناها آخرا بعد ~~أول عن أول قبل آخر، حتى وصلنا هذا الفرع بشجرته الطيبة، وهذا القطر ~~بسحابته الصيبة، وشرف الأنساب أصدقه ما كان الدهر به شهيدا، وأجده ما كان ~~قديما, وأخلقه ما كان جديدا، وما تولى الروح الأمين مدحه قرآنا أكرم مما ~~تولى الشعراء مدحه قصيدا، ولا فضل للمعتزى إلى هذا النسب حتى تلحق البنوة ~~بالأبوة، ويضيف درجة الفضيلة إلى محتد النبوة، وحينئذ يقال: ما أقرب الشبه ~~على قدم عهده، وهذا ماء الورد بعد ذهاب ورده. # وأنت ذلك الرجل الذي تردد الشرف في مناسبه, تردد القمر في منازله، وزها ~~المجد بمناقبه زهو الروض في خمائله، فلآلئ حسبك تغنيك عن سؤال من وما، ~~وتملأ بودك وحمدك قلبا وفما، والحسب ما حفظت أواخره أوائله، وأوضحت الليالي ~~والأيام دلائله، وأقرت به الأعداء فما ردت فضائله، وهذه هي المآثر التي إذا ~~نظمت غارت الشعراء عليها من الشعر، وإذا نثرت وجدت في محكم الذكر، وأنت ~~صاحبها وابن صاحبها، ومن لم يرثها عن أباعدها بل عن أقاربها، ولو جانبت ~~رياستها مصانعا، ومشيت بها الضراء متواضعا, لدل عليك وصفها، وعرف منك ~~عرفها. ولو قلدناك أمر هذه الأسرة التي هي أسرتك، وأمرناك عليها وإمرتها ~~إمرتك، فتولها تولي من خفض لها جناحه، وأفاض عليها سماحه، وأنضى فيها غدوه ~~ورواحه، حتى يقال: إنك الراعي الذي تناول ثلثه فأراح حسيرها، وجبر كسيرها، ~~وارتاد لها خصبا، وأوردها رفها لا غبا، وأذكى في كلاءتها عينا وقلبا. # ومن حقها عليك أن تنظر إلى ذات ms146 شمالها وذات يمينها، وتتصفح أحوالها في ~~أمر دنياها ودينها، فأول ذلك أن تعلمها كتاب الله تعالى الذي في تعليمه نهج ~~الصواب، وفي تلاوته مضاعفة حسنات الثواب، وقد مثل قارئه بالبيت العامر, ~~وتاركه بالبيت الخراب، وهو كتاب امتاز عن الكتب بنجوم التنزيل، وتولى الله ~~حفظه من التحريف والتبديل، وافتتحه بالسبع المثاني التي لم ينزل مثلها في ~~التوراة ولا في الإنجيل، وهو الموصوف بأنه النور المستضاء به في غيابة ~~الظلماء، والحبل الممدود من الأرض إلى السماء، PageV01P228 # والبحر الذي لا يستخرج لؤلؤه ومرجانه إلا الراسخون من العلماء. # وكذلك فخذ هذه الأسرة بتعليم الفضائل التي تتفاوت بها القيم، وسسها ~~برياضة الآداب وتهذيب الشيم، ولا تتركها فوضى لا يتسم أحدها بسمة القدر ~~المنيف، ولا يرجع إلى حسب تليد ولا إلى سعي طريف، وتكون غاية ما عنده من ~~الفضيلة أن يقال: فلان الشريف. # ومن حفظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها أن توفي فضل مكانها، وتخالف ~~بين شأن غيرها من المسلمين وبين شأنها، فلا تبتذل بمجالس الولاة في انتزاع ~~ظلامة، ولا في إقامة حد يسلب معه رداء الكرامة، وأنت تتولى ذلك منها, وجب ~~عليها من حق فخذها باقتضائه، وأمض فيها حكم الله الذي أمر بإمضائه، وليكن ~~ذلك على وجه الرفق الذي يسلس له القياد، ويتوطأ له المهاد، وإن أمكنك ~~افتداء شيء من هذه الظلامات التي تتوجه عليها ففاد، وقد أتم الله فضلها ~~بمنع كرائمها إلا من كفء لا دناءة في عنصره، ولا غضاضة في مخبره، وهو الذي ~~إن فاته شرف النبوة في مغرسه, فلم يفته شرف النباهة في معشره، وإذا تباينت ~~الأقدار فلا فرق بين المناكح المخطوبة، وبين الأسلاب المسلوبة. # فاحفظ لأسرتك حرمة هذه المنزلة، واجعلها في كتاب الوصايا التي وصيت بها ~~مكان البسملة. # وكما أمرناك بالنظر في صون أقدارها، فكذلك نأمرك بالنظر في حفظ مادة ~~درهمها ودينارها، وقد علمت أن لها أوقافا وقفها قوم فحظوا بأجرها واسمها، ~~وستحظى أنت بالعدل في قسمها، فأجر على كل منها رزقه، وأعط كل ذي حق حقه. # وفي الناس طائفة ms147 أدعياء يرومون إلحاق الرأس بالذنب، والنبع بالغرب1، ~~ويلحقون أبا لغير ابن, وابنا لغير أب، كل ذلك رغبة في سحت2 يأكلونه، لا في ~~PageV01P229 # نسب يوصلونه، فنقب عن حال هؤلاء تنقيبا، واجعل النسيب نسيبا، والغريب ~~غريبا، حتى تخلص السلالة من طراقها, ويبقى الشجرة على أعراقها, ومن علمت ~~كذبه فازجره بأليم الازدجار، وأعلمه بأنه قد تبوأ مقعده من النار، واشهره ~~في الناس حتى ينتهي وينتهي غيره بذلك الاشتهار. # وههنا وصية هي أهم من هذه الوصية أمرا, وأعظم أجرا، وأجدر بأن تكون هي ~~الأولى, وتكون هذه الأخرى، وهي الأخذ على ألسنة السفهاء من الخوض فيما شجر ~~بين آل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وإظهار العصبية التي تزحزح ~~الحق عن نصابه، وترجعه على أعقابه, وليس مستندها إلا مغالاة ذوي الجهل, ~~وربما نشأ منها فتنة, والفتنة أشد من القتل، فوكل بهؤلاء غربا قاطعا, ونهيا ~~قامعا، وكن في ذلك شارعا لما كان الله شارعا، فأولئك السادات هم النجوم ~~الذين بأيهم كان الاقتداء كان به الاهتداء، وقصارى المحسن في هذا الزمان أن ~~يتعلق منها سببا، ويأخذ عنهم دينا وأدبا، ولا يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه1، ~~ولو أنفق مثل أحد ذهبا. # ونحن نعلم أنك واقف على سنن اقتصادك، وأن هذه الوصية هي محض اعتقادك, ~~والمنصف في هذا المقام من رمقه بنظر جلي، ووفى أبا بكر وعمر -رضي الله ~~عنهما- حقهما, وإن كان من نسل علي، فكل قد ذكره رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- بفضله، وهؤلاء من صحابته وهذا من أهله، ونعوذ بالله من الأهواء ~~الزائغة، والأقوال التي ليست بسائغة، ولا حجة إلا بالحق, ولله الحجة ~~البالغة. # وقد جعلنا لك في مالنا عطاء دارا تستعين به على لوازم النفقات، وتخرج ~~نافلته في وقاية عرضك التي هي محسوبة من الصدقات، فإن من ساد قوما يفتقر ~~إلى تحمل أثقالهم، والإفاضة من حاله على أحوالهم، وهذا بر يكون منا أصله ~~ومنك فرعه، وثواب يكون لك قصده ولنا شرعه، وصاحب الإحسان من سن سبيل ~~الإحسان، ولم نرض أن أريناك مكانه حتى أمددناك فيه بالإمكان, فأعط ms148 مالنا، ~~وتعلم من سنة إفضالنا، ولدولتنا بذلك ثوب جمال كلما لبس زاد جدة، وعمر ذكر ~~كلما مضت عليه PageV01P230 # مدد الأيام طال مدة، ولا ملك في الدنيا لمن لم يجعل ملكه حديثا حسنا، ~~ويشتري المحامد فيجعله لها ثمنا، ومن عرف قدر الثناء جد في تحصيله، ولو ~~أنفق الكثير في قليله، فكم من دولة أعدمت منه فدرست آثار معالمها، ولو كانت ~~منه مثرية لما ذهبت مع بقاء مكارمها". # وإذ ذكرنا هذا فلنختمه بما يكون قلادة لصاحب هذا التقليد، وهو أن نجرد ~~العناية بوجاهته, حتى يلبس تقدما بذلك التجريد، وفحوى ذلك أن يعلم الناس ما ~~له في الدولة من منزلة الكرامة، ويعرفوا أنه فيها ابن جلا1، غير محتاج إلى ~~وضع العمامة، ونحن نأمر نوابنا وولاتنا وأصحابنا أن يوفوه حق أبوته ~~الشريفة، وفضيلته التي ردفتها فأضحت وهي لها رديفة، وأن يعطوه ما شاء من ~~إعلاء شأنه, ويمضوا فعل يده وقول لسانه, إن شاء الله تعالى. # وقد وجدت للصابي أيضا تقليدا أنشأه لفخر الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة ~~أبي علي بن بويه، عن الخليفة الطائع -رحمه الله، وهو مثبت ههنا على صورته، ~~وكان عرض علي تقليد كتب للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، من الخليفة ~~المستضيء بالله -رحمه الله- في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فوجدت فيه كلاما ~~نازلا بالمرة، وسألني بعض الإخوان بمدينة دمشق أن أعارضه، فعارضته بتقليد ~~في معناه, وهو مثبت أيضا، وكلا التقليدين باسم ملك كبير، وفيهما يظهر ما ~~يظهر من فصاحة وبلاغة. ### ||||| تقليد آخر للصابي: # فأما التقليد الذي أنشأه الصابي فهو: # هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم الطائع لله أمير المؤمنين إلى فخر الدولة ~~أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي مولى أمير المؤمنين, حين عرف غناه وبلاه، ~~واستصح PageV01P231 # دينه ويقينه، ورعى قديمه وحديثه، واستنجب عوده ونجاره، وأثنى عز الدولة ~~أبو منصور بن معز الدولة أبي الحسين مولى أمير المؤمنين عليه، وأشار ~~بالمزيد في الصنيعة إليه، وأعلم أمير المؤمنين اقتداءه به في كل مذهب ذهب ~~فيه من الخدمة، وغرض رمى ms149 إليه من النصيحة، دخولا في زمرة الأولياء ~~المنصورة، وخروجا عن جماعة الأعداء المدحورة، وتصرفا على موجبات البيعة ~~التي هي بعز الدولة أبي منصور منوطة، وعلى سائر ما يتلوه ويتبعه مأخوذة ~~مشروطة، فقلده الصلاة وأعمال الحرب والمعاون والأحداث والخراج والأعشار ~~والضياع والجهبذة1 والصدقات والجوالي2، وسائر وجوه الجبايات والعرض ~~والعطاء, والنفقة في الأولياء, والمظالم وأسواق الرقيق, والعيار في دور ~~الضرب والطراز والحسبة بكور همذان, واستراباذ, والدينور, وقرميسين, ~~والإيعارين, وأعمال أذربيجان, وأران, والسحانين, وموقان3, واثقا منه ~~باستقبال النعمة واستدامتها، والاستزادة بالشكر منها4، والتجنب لغمطها ~~وجحودها، والتنكب لإيحاشها وتنفيرها، والتعمد لما يمكن له الحظوة والزلفى, ~~ويحرس عليه الأثرة والقربى، بما يظهره ويضمره من الوفاء الصحيح، والولاء ~~الصريح، والغيب الأمين، والصدر السليم، والمقاطعة لكل من قطع العصمة، وفارق ~~الجملة، والمواصلة لكل من حمى البيضة، وأخلص النية، والكون تحت ظل أمير ~~المؤمنين وذمته، ومع عز الدولة أبي منصور وفي حوزته، والله -جل اسمه- يعرف ~~لأمير المؤمنين حسن العقبى فيما أبرم ونقض، وسداد الرأي فيمن رفع وخفض، ~~ويجعل عزائمه مقرونة بالسلامة، محجوبة عن موارد الندامة، وحسب أمير ~~المؤمنين الله ونعم الوكيل. # أمره بتقوى الله التي هي العصمة المتينة، والجنة الحصينة، والطود الأرفع، ~~والمعاذ PageV01P232 # الأمنع، والجانب الأعز، والملجأ الأحرز، وأن يستشعرها سرا وجهرا، ~~ويستعملها قولا وفعلا، ويتخذها ذخرا دافعا لنوائب القدر، وكهفا حاميا من ~~حوادث الغير، فإنها أوجب الوسائل، وأقرب الذرائع، وأعودها على العبد ~~بمصالحه، وأدعاها إلى كل مناجحه، وأولاها بالاستمرار على هدايته، والنجاة ~~من غوايته، والسلامة في دنياه حين توبق موبقاتها، وتزدي مردياتها، وفي ~~آخرته حين تروع رائعاتها، وتخيف مخيفاتها. وأن يتأدب بأدب الله في التواضع ~~والإخبات والسكينة، وصدق اللهجة إذا نطق، وغض الطرف إذا رمق, وكظم الغيظ ~~إذا أحفظ، وضبط اللسان إذا أغضب، وكف اليد عن المآثم، وصون النفس عن ~~المحارم. # وأن يذكر الموت الذي هو نازل به، والموقف الذي هو صائر إليه, ويعلم أنه ~~مسئول عما اكتسب، مجزي عما تزمل واحتقب1، ويتزود من هذا الممر لذلك المقر، ~~ويستكثر من أعمال البر لتنفعه، ومن مساعي الخير لتنقذه، ms150 ويأتمر بالصالحات ~~قبل أن يأمر بها, ويزدجر عن السيئات قبل أن يزجر عنها، ويبتدئ بإصلاح نفسه ~~قبل إصلاح رعيته، فلا يبعثهم على ما يأتي ضده، ولا ينهاهم عما يقترف مثله، ~~ويجعل ربه رقيبا عليه في خلواته ومروأته, مانعة له من شهواته, فإن أحق من ~~غلب سلطان الشهوة، وأولى من ضرع لغذاء الحمية، من ملك أزمة الأمور، واقتدر ~~على سياسة الجمهور، وكان مطاعا فيما يرى، متبعا فيما يشا، يلي على الناس ~~ولا يلون عليه، ويقتص منهم ولا يقتصون منه، فإذا اطلع الله منه على نقاء ~~جيبه، وطهارة ذيله، وصحة سريرته، واستقامة سيرته، أعانه على حفظ ما ~~استحفظه، وأنهضه بثقل ما حمله وجعل له مخلصا من الشبهة، ومخرجا من الحيرة، ~~فقد قال الله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب} ~~2, وقال عز من قائل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون} 3, وقال: {اتقوا الله وكونوا مع PageV01P233 # الصادقين} 1 إلى آي كثيرة حضنا بها على أكرم الخلق، وأسلم الطرق، فالسعيد ~~من نصبها إزاء ناظره، والشقي من نبذها وراء ظهره، وأشقى منها من بعث عليها ~~وهو صادف عنها، وأهاب إليها وهو بعيد منها، وله ولأمثاله يقول الله تعالى ~~-جل ذكره: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون} 2. # وأمره أن يتخذ كتاب الله إماما متبعا، وطريقا متوقعا، ويكثر من تلاوته ~~إذا خلا بذكره، ويملأ بتأميله أرجاء صدره، فيذهب معه فيما أباح وحظر، ~~ويقتدي به إذا نهى وأمر، ويستبين ببيناته إذا استغلقت دونه المعضلات، ~~ويستضيء بمصابيحه إذا غم عليه في المشكلات، فإنه عروة الإسلام الوثقى، ~~ومحجته الوسطى، ودليله المقنع، وبرهانه المرشد، والكاشف لظلم الخطوب، ~~والشافي من مرض القلوب، والهادي لمن ضل، والمتلافي لمن زل، فمن نجا به فقد ~~فاز وسلم، ومن لها عنه فقد خاب وندم، قال الله تعالى: {وإنه لكتاب عزيز، لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} 3. # وأمره أن يحافظ على الصلوات، ويدخل فيها ms151 في حقائق الأوقات، قائما على ~~حدودها، متبعا لرسومها، جامعا فيها بين نيته ولفظه، متوقيا لمطامح سهوه ~~ولحظه، منقطعا إليها عن كل قاطع لها، مشغولا بها عن كل شاغل عنها، متثبتا ~~في ركوعها وسجودها، مستوفيا عدد مفروضها ومسنونها، موفرا عليها ذهنه، صارفا ~~إليها همه، عالما بأنه واقف بين يدي خالقه ورازقه، ومحييه ومميته، ومعاقبه ~~ومثيبه، لا تستر دونه خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإذا قضاها على هذه ~~السبيل منذ تكبيرة الإحرام إلى خاتمة التسليم, أتبعها بدعاء يرتفع ~~بارتفاعها، ويستمع باستماعها، لا يتعدى فيه مسائل الأبرار، ورغائب الأخيار، ~~من استصفاح واستغفار، واستقالة واسترحام، واستدعاء PageV01P234 # لمصالح الدين والدنيا، وعوائد الآخرة والأولى، فقد قال الله تعالى: {إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} 1, وقال تعالى: {وأقم الصلاة إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} 2. # وأمره بالسعي في أيام الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى ~~المصليات الضاحية، بعد التقدم في فرشها وكسوتها، وجمع القوام والمؤذنين ~~والمكبرين فيها، واستسعاء الناس إليها، وحضهم عليها، آخذين الأهبة، متنظفين ~~في البزة، مؤدين لفريضة الطهارة، وبالغين في ذلك أقصى الاستقصاء، معتقدين ~~خشية الله وخيفته، مدرعين تقواه ومراقبته، مكثرين من دعائه -عز وجل- ~~وسؤاله، مصلين على محمد -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله، بقلوب على اليقين ~~موقوفة، وهمم إلى الدين مصروفة، وألسن بالتقديس والتسبيح فصيحة، وآمال في ~~المغفرة والرحمة فسيحة، فإن هذه المصليات والمتعبدات بيوت الله التي فضلها، ~~ومناسكه التي شرفها، وفيها يتلى القرآن الكريم، ويتعوذ العائدون، ويتعبد ~~المتعبدون، ويتهجد المتهجدون، وحقيق على المسلمين أجمعين من وال ومولى عليه ~~أن يصونها ويعمرها، ويواصلها ولا يهجرها، وأن يقيم الدعوة على منابرها ~~لأمير المؤمنين ثم لنفسه، على الرسم الجاري فيها، قال الله تعالى في هذه ~~الصلاة: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع} 3, وقال في عمارة المساجد: {إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى ~~أولئك أن يكونوا من المهتدين} 4. # وأمره أن يراعي أحوال من يليه ms152 من طبقات جند أمير المؤمنين ومواليه، ويطلق ~~لهم الأرزاق، في أوقات الوجوب والاستحقاق، وأن يحسن في معاملتهم، ويجمل في ~~PageV01P235 # استخدامهم، ويتصرف في سياستهم بين رفق من غير ضعف، وخشونة في غير عنف، ~~مثيبا لمحسنهم ما زاد بالإثابة في حسن الأثر، وسلم معها من دواعي الأشر، ~~ومتغمدا لمسيئهم ما كان التغمد له نافعا، وفيه ناجعا، فإن تكررت زلاته، ~~وتتابعت عثراته، تناولته من عقوبته بما يكون له مصلحا، ولغيره واعظا، وأن ~~يختص أكابرهم وأماثلهم وأهل الرأي والخطر منهم بالمشاورة في الملم، ~~والاطلاع على بعض المهم، مستخلصا مخايل صدورهم بالبسط والإدناء، ومستشحذا ~~بصائرهم بالإكرام والاحتباء، فإن في مشاورة هذه الطبقة استدلالا على مواقع ~~الصواب، وتحرزا عن غلط الاستبداد، وأخذا بمجامع الحزامة، وأمنا من مفارقة ~~الاستقامة، وقد حض الله -عز وجل- على الشورى حيث قال لرسوله -صلى الله عليه ~~وسلم: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} ~~1. # وأمره بأن يصمد بما يتصل بنواحيه من ثغور المسلمين، ورباط المرابطين، ~~ويقسم لها قسما وافرا من عنايته، ويصرف إليها طرفا بل شطرا من رعايته، ~~ويختار لها أهل الجلد والشدة، وذوي البأس والنجدة، ممن عجمته الخطوب، ~~وعركته الحروب، واكتسب دربه بخدع المتنازلين، وتجربة بمكايد المتقارعين، ~~وأن يستظهر بكشف عددهم، واعتبار عددهم، وانتخاب خيلهم، واستجادة أسلحتهم، ~~غير مجمر2 بعثا إذا بعثه، ولا مستكرهه إذا وجهه، بل يناوب بين رجاله مناوبة ~~تريحهم ولا تمدهم، وترفههم ولا تئودهم، فإن في ذلك من فائدة الإجمام، ~~والعدل في الاستخدام زينا, فليسو بين رجال النوب فيما عاد عليهم بعز الظفر ~~والنصر، وبعد الصيت والذكر، وإحراز النفع والأجر، ما يحق أن يكون الولاة به ~~عاملين، وللناس عليه حاملين، وأن يكرر في أسماعهم، ويثبت في قلوبهم، مواعيد ~~الله تعالى لمن صبر ورابط, وسامح بالنفس, من حيث لا يقدمون على تورط غرة، ~~ولا يحجمون عن انتهاز فرصة، ولا ينكصون عن تورد معركة، ولا يلقون بأيديهم ~~إلى التهلكة، فقد أخذ الله ذلك على خلقه، والمرء أمين على دينه. ~~PageV01P236 # وأن يريح العملة فيما يحتاج إليه ms153 من راتب نفقات هذه الثغور وحادثها, ~~وبناء حصونها ومعاقلها، واستطراق طرقها ومسالكها، وإفاضة الأقوات والعلوفة ~~فيها للمترتبين بها، والمترددين إليها، والحامين لها. # وأن يبذل أمانة لمن طلبه، ويعرضه على من لم يطلبه، ويفي بالعهد إذا عاهد، ~~وبالعقد إذا عاقد، غير مخفر ذمة، فقد أمر الله تعالى بالوفاء، فقال -عز ~~وجل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} 1 ونهى عن النكث، فقال عز من ~~قائل: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} 2. # وأمره أن يعرض من في حبوس عمله على جرائمهم، فمن كان إقراره واجبا أقره، ~~ومن كان إطلاقه سائغا أطلقه، وأن ينظر في الشرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف، ~~ويختار لها من يخاف الله ويتقيه، ولا يجابي ولا يراقب فيه، ويتقدم إليهم ~~بقمع الجهال، وردع الضلال، وتتبع الأشرار، وطلب الزعار3، مستدلين على ~~أماكنهم، متوغلين إلى مكامنهم، متولجين عليهم في مظانهم، متوثقين ممن ~~يجدونه منهم، منفذين أحكام الله تعالى فيهم، بحسب الذي يتبين من أمرهم، ~~ويصح من فعلهم، في كبيرة ارتكبوها، وعظيمة احتقبوها4، ومهجة إن أفاظوها ~~واستهلكوها، وحرمة إن استباحوها وانتهكوها، فمن استحق حدا من حدود الله ~~المعلومة أقاموه عليه, غير مخففين منه، وأحلوه به غير مقصرين عنه، بعد ألا ~~يكون عليهم في الذي يأتونه حجة، ولا يعترضهم في وجوبه شبهة، فإن الواجب في ~~الحدود أن تقام بالبينات، وأن تدرأ بالشبهات، فأولى ما توخاه رعاة الرعايا ~~فيها ألا يقدموا عليها مع نقصان، ولا يتوقفوا عنها مع قيام الدليل، ومن وجب ~~عليه القتل احتاط بما يحتاط به على مثله من الحبس الحصين، والتوثق الشديد، ~~وكتب إلى أمير المؤمنين بخبره، وشرح جنايته PageV01P237 # وثبوتها بإقرار يكون منه، أو بشهادة تقع عليه، ولينتظر من جوابه ما يكون ~~عمله بحسبه، فإن أمير المؤمنين لا يطلق سفك دم مسلم أو معاهد إلا ما أحاط ~~به علما، وأتقنه فهما، وكان ما يمضيه فيه عن بصيرة لا يخالجها شك، ولا ~~يشوبها ريب. # ومن ألم بصغيرة من الصغائر، ويسيرة من الجرائر، من حيث لم يعرف له مثلها، ~~ولم يتقدم له أختها، وعظه ms154 وزجره، ونهاه وحذره، واستتابه وأقاله، ما لم يكن ~~عليه خصم في ذلك يطالب بقصاص منه، وجزاء له, فإن عاد تناوله من التقويم ~~والتهذيب والتعزير والتأديب بما يرى أن قد كفى فيما اجترم، ووفى بما قدم، ~~فقد قال الله تعالى: {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} 1. # وأمره أن يعطل ما في أعماله من الحانات والمواخير، ويطهرها من القبائح ~~والمناكير، ويمنع من يجمع من أهل الخنا فيها، ويؤلف شملها بها، فإنه شمل ~~يصلحه التشتيت، وجمع يحفظه التفريق، وما زالت هذه المواطن الذميمة، ~~والمطارح الدنية، داعية من يأوي إليها، ويعكف عليها، إلى ترك الصلوات، ~~وإهمال المفترضات، وركوب المنكرات، واقتراف المحظورات، وهي بيوت الشيطان ~~التي في عمارتها لله معصية، وفي إخرابها للخير مجلبة، والله تعالى يقول لنا ~~معشر المؤمنين: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر وتؤمنون بالله} 2, ويقول عز من قائل لغيرنا من المذمومين: {فخلف من ~~بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} 3. # وأمره أن يولي الحماية في هذه الأعمال أهل الكفاية والعناية من الرجال، ~~وأن يضم إليهم كل من خف ركابه، وأسرع عند الصريخ، مرتبا لهم في المسالح4، ~~وسادا بهم ثغر المسالك، وأن يوصيهم بالتيقظ، ويأخذهم بالتحفظ، ويزيح عللهم ~~في علوفة PageV01P238 # خيلهم، والمقرر من أزوادهم، وميرهم، حتى لا تنقل لهم على البلاد وطاءة, ~~ولا يدعوهم إلى تحنقهم وثلمهم حاجة، وأن يحوطوا السابلة بادئة وعائدة، ~~ويبذرقوا1 القوافل صادرة وواردة, ويحرسوا الطريق ليلا ونهارا، ويتقصوها ~~رواحا وغدوا، وينصبوا لأهل العبث الأرصاد، ويتكمنوا لهم بكل واد، ويتفرقوا ~~عليهم حيث يكون التفرق لفضائهم، ومؤديا إلى انفضاضهم، ويجتمعوا حيث يكون ~~الاجتماع مطفئا لجمرتهم، وصادعا لمروتهم، ولا يخلو هذه السبيل من حماة لها، ~~وسيارة فيها، يترددون في جوادها، ويتعسفون في عواديها، حتى تكون الدماء ~~محقونة، والأموال مصونة، والفتن محسومة، والغارات مأمونة، ومن حصل في ~~أيديهم من لص خاتل، وصعلوك خارب، ومخيف لسبيل، ومنتهك لحريم، امتثل في أمره ~~أمر أمير المؤمنين, الموافق لقول الله -عز وجل: {إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون ms155 في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم} 2. # وأمره بوضع الرصد على من يجتاز في أعماله من أباق العبيد، والاحتياط ~~عليهم وعلى ما يكون معهم، والبحث عن الأماكن التي فارقوها، والطرق التي ~~استطرقوها, ومواليهم الذين أبقوا3 منهم، ونشزوا عنهم، وأن يردوهم عليهم ~~قهرا، ويعيدوهم إليهم صغرا، وأن ينشد الضالة ما أمكن أن تنشد، ويحفظوها على ~~ربها بما جاز أن تحفظ، ويتجنبوا الامتطاء لظهورها، والانتفاع بأوبارها، ~~وألبان ما يجز ويحلب، وأن يعرفوا اللقطة، ويتبعوا أثرها، ويشيعوا خيرها، ~~فإذا حضر صاحبها وعلم أنه مستوجبها سلمت إليه، ولم يعترض فيها عليه، والله ~~-عز وجل- يقول: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} 4, ويقول ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم:$"ضالة المؤمن حرق النار"5. PageV01P239 # وأمره أن يوصي عماله بالشد على يد الحكام، وتنفيذ ما يصدر عنهم من ~~الأحكام, وأن يحضروا مجالسهم حضور الموقرين لها, الذابين عنها, المقيمين ~~لرسوم الهيبة, وحدود الطواعية فيها؛ ومن خرج عن ذلك من ذي عقل ضعيف, وحلم ~~سخيف، نالوه بما يردعه، وأحلوا به ما يزعه1، ومتى تقاعس متقاعس عن حضور مع ~~خصم يستدعيه بأمر يوجبه الحكم إليه فيه2، أو التوى ملتو بحق يحصل عليه, ~~ودين يستقر في ذمته، قادوه إلى ذلك بأزمة الصغار, وخزائم3 الاضطرار, وأن ~~يحبسوا ويطلقوا بأقوالهم، ويثبتوا الأيدي في الأملاك والفروج، وينزعوا ~~بقضاياهم, فإنهم أمناء الله في فصل ما يقضون، وبث ما يبثون4، وعن كتابه ~~وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- يوردون ويصدون، وقد قال الله -عز وجل: {يا ~~داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب} 5. # وأن يتوخى بمثل هذه المعاملة عمال الخراج في استيفاء حقوق ما استعملوا ~~عليه، واستنظاف بقاياهم فيه، والرياضة لمن تسوء طاعته من معامليهم، ~~وإحضارهم طائعين أو كارهين بين أيديهم، فمن آداب الله ms156 تعالى للعبد الذي يحق ~~عليه أن يتخذها, ويجعلها للرضا عنه سببا قوله تعالى: {وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} ~~6. # وأمره أن يجلس للرعية جلوسا عاما، وينظر في مظالمها نظرا تاما، يساوي في ~~الحق بين خاصها وعامها، ويوازي في المجالس بين عزيزها وذليلها، وينصف ~~المظلوم من PageV01P240 # ظالمه، والمغصوب من غاصبه، بعد الفحص والتأمل, والبحث والتبين، حتى لا ~~يحكم إلا بعدل، ولا ينطق إلا بفصل, ولا يثبت يدا إلا فيما وجب تثبيتها فيه، ~~ولا يقبضها إلا عما وجب قبضها عنه، وأن يسهل الإذن لجماعتهم، ويرفع الحجاب ~~بينه وبينهم، ويوليهم من حصانة الكنف، ولين المنعطف، والاشتمال والعناية، ~~والصون والرعاية، ما تتعادل به أقسامهم، وتتوازى منه أقساطهم، ولا يصل ~~الركين منهم إلى استضامة ما تأخر عنه، ولا ذو السلطان إلى هضيمة من دون حل ~~دونه، وأن يدعوهم إلى أحسن العادات والخلائق، ويحضهم على أحمد المذاهب ~~والطرائق، ويحمل عنهم كله، ويمد عليهم ظله، ولا يسومهم عسفا، ولا يلحق بهم ~~حيفا، ولا يكلفهم شططا، ولا يجشمهم مضلعا، ولا يلثم لهم معيشة، ولا يداخلهم ~~في جريمة1، ولا يأخذ بريئا بسقيم، ولا حاضرا بعديم2، فإن الله -عز وجل- ~~ينهى أن تزر وازرة وزر أخرى، ويرفع عن هذه الرعية ما عسى أن يكون سن عليها ~~من سنة ظالمة، وسلك بها من محجة جائرة، ويستقري آثار الولاة قبله عليها، ~~فيما أزلفوه من خير أو شر إليها، فيقر من ذلك ما طاب وحسن، ويزيل ما خبث ~~وقبح, فإن من غرس الخير يحظى بمعسول ثمره، ومن زرع الشر يصلى بممرور ريعه، ~~والله تعالى يقول: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج ~~إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون} 3. # وأمره بأن يصون مال الخراج، وأثمان الغلات، ووجوه الجبايات موفرا، ويزيد ~~ذلك مثمرا، بما يستعمله من الإنصاف لأهلها، وإجرائهم على صحيح الرسوم فيها، ~~فإنه مال الله الذي به قوة عباده، وحماية بلاده، ودرور حلبه، واتصال مدده، ~~وبه يحاط الحريم، ويدفع العظيم، ويحمي الذمار، ms157 ويذاد الأشرار، وأن يجعل ~~افتتاحه إياه بحسب إدراك أصنافه، وعند حضور مواقيته وأحيانه، غير مستلف ~~شيئا قبلها، ولا مؤخرا لها عنها، وأن يخص أهل الطاعة والسلامة بالترفيه ~~لهم، وأهل PageV01P241 # الاستصعاب والامتناع بالتشديد عليهم، لئلا يقع إرهاق لمذعن، أو إهمال ~~لطامع، وعلى المتولي لذلك أن يضع كلا من الأمرين موضعه، ويوقعه موقعه, ~~متجنبا إحلال الغلظة بمن لا يستحقها، وإعطاء الفسحة من ليس أهلها، والله ~~تعالى يقول: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه ~~الجزاء الأوفى} . # وأمره أن يتخير عماله على الخراج والأعشار والضياع والجهبذة والصدقات ~~والجوالي من أهل الظلف2 والنزاهة، والضبط والصيانة، والجزالة والشهامة، وأن ~~يستظهر مع ذلك عليهم بوصية تعيها أسماعهم، وعهود يقلدها أعناقهم، بألا ~~يضيعوا حقا، ولا يأكلوا سحتا، ولا يستعملوا ظلما، ولا يفارقوا غشما3، وأن ~~يقيموا العمارات، ويحتاطوا [على الغلات] 4, ويحترزوا من إتواء5 حق لازم، أو ~~تعطيل رسم عادل، مؤدين في جميع ذلك الأمانة، مجتنبين الخيانة، وأن يأخذوا ~~جهابذتهم باستيفاء وزن المال على تمامه، واستجادة نقده على عياره، واستعمال ~~الصحة في قبض ما يقبضوه، وإطلاق ما يطلقون، وأن يوعزوا إلى سعاة الصدقات في ~~أخذ الفرائض من سائمة مواشي المسلمين دون عاملتها، وكذلك الواجب فيها، وألا ~~يجمعوا فيها متفرقا، ولا يفرقوا مجتمعا، ولا يدخلوا فيها خارجا عنها، ولا ~~يضيفوا إليها ما ليس منها، من فحل إبل، وأكولة راع، أو عقيلة مال، فإذا ~~اجتبوها على حقها، واستوفوها على رسمها، أخرجوها في سبيلها، وقسموها على ~~أهلها الذين ذكرهم الله -عز وجل- في كتابه العزيز, إلا المؤلفة قلوبهم ~~الذين ذكرهم الله -عز وجل- في كتابه الكريم, وسقط سهمهم6، فإن الله تعالى ~~يقول: {إنما PageV01P242 # الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} 1. # وإلى جباة أهل الذمة أن يأخذوا منهم الجزية في المحرم من كل سنة، بحسب ~~منازلهم في الأحوال، وذات أيديهم في الأموال، وعلى الطبقات المطبقة فيها، ~~والحدود المعهودة لها، وألا يأخذوها من النساء ولا ممن لم ms158 يبلغ الحلم من ~~الرجال، ولا من ذي سن عالية، ولا ذي علة بادية، ولا فقير معدم، ولا مترهب ~~متبتل. # وأن يراعي جماعة هؤلاء العمال مراعاة يسرها ويظهرها، ويلاحظهم ملاحظة ~~يخفيها ويبديها، لئلا يزولوا عن الحق الواجب، أو يعدلوا عن السنن اللاحب2، ~~فقد قال الله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} 3. # وأمره بأن يندب لعرض الرجال وإعطائهم، وحفظ جراياتهم وأوقات إطعامهم، من ~~يعرفه بالثقة في متصرفه، والأمانة فيما يجري على يده، والبعد عن الإسفاف ~~إلى الدنية، والاتباع للدناءة, وأن يبعثه على ضبط الرجال، وشيات الخيل، ~~وتحديد العرض بعد الاستحقاق، وإيقاع الاحتياط في الإنفاق، فمن صح عرضهم, ~~ولم يبق في نفسه شيء منهم من شك يعرض له, أو ريبة يتوهمها, أطلق أموالهم ~~موفورة، وحصلها في أيديهم غير ملثومة، وأن يرد على بيت المال أرزاق من سقط ~~بالوفاة والإخلال، ناسبا ذلك إلى جهته، موردا له على حقيقته, وأن يطالب ~~الرجال بإحضار الخيل المختارة، والآلات المستكملة، على ما توجبه مبالغ ~~أرزاقهم وحسب منازلهم ومراتبهم، فإن أخر أحدهم شيئا من ذلك, قاصه به من ~~رزقه، وأغرمه مثل قيمته، فإن المقصر فيه خائن لأمير المؤمنين، ومخالف لرب ~~العالمين، إذ يقول سبحانه: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم} 4. PageV01P243 # وأمره أن يعتمد في أسواق الرقيق ودور الضرب والطرز والحسبة على من تجتمع ~~فيه آلات هذه الولايات من ثقة ودراية, وعلم وكتابة، ومعرفة ورواية، وتجربة ~~وحنكة، وحصافة ومسكة، فإنها أحوال تضارع الحكم وتناسبه، وتدانيه وتقاربه، ~~وأن يتقدم إلى ولاة أسواق الرقيق بالتحفظ فيمن يطلقون بيعه، ويمضون أمره، ~~والتحرز من وقوع تخون فيه، أو إهمال له؛ إذ كان ذلك عائدا بتحصين الفروج، ~~وتطهير الأنساب، وأن يبعدوا عنه أهل الريبة، ويقربوا أهل العفة، ولا يمضوا ~~بيعا على شبهة، ولا عقدا على تهمة. # وإلى ولاة العيار بتخليص عين الدرهم والدينار، ليكونا مضروبين على ~~البراءة من الغش، والنزاهة من المش1، وبحسب الإمام المقدر بمدينة السلام، ~~وحراسة السكك من أن تتداولها الأيدي المدغلة2، وتتناقلها الجهات ms159 الظنينة3، ~~وإثبات اسم أمير المؤمنين على ما يضرب ذهبا وفضة، وإجراء ذلك على الرسم ~~والسنة، وإلى ولاة الطرز4 أن يجروا الاستعمال في جميع المناسج على أتم ~~النيقة، وأسلم الطريقة، وأحكم الصنعة، وأثبت5 الصحة، وأن يكتبوا اسم أمير ~~المؤمنين على طرز الكسا والفرش، والأعلام والبنود. # وإلى ولاة الحسبة بتصفح أحوال العوام في حرفهم ومتاجرهم، ومجتمع أسواقهم ~~ومعاملاتهم، وأن يعايروا الموازين والمكاييل، ويفرزوها على التعديل ~~والتكميل، ومن اطلعوا منه على حيلة أو تلبيس، أو غيلة أو تدليس، أو بخس ما ~~يوفيه، واستفضال فيما يستوفيه، نالوه بغليظ العقوبة وعظمها، وخصوه بوجيعها ~~وألمها، واقفين في ذلك عند الحد الذي يرونه لذنبه مجازيا، وفي تأديبه ~~كافيا, فقد قال الله تعالى: PageV01P244 # {ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو ~~وزنوهم يخسرون} 1. # هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عليك، وقد وقفك على سواء السبيل، ~~وأرشدك إلى واضح الدليل، وأوسعك تعليما وتفهيما، ولم يألك جهدا فيما عصمك ~~وعصم على يدك، ولم يدخرك ممكنا فيما أصلح بك وأصلحك، ولا ترك لك عذرا في ~~غلط تغلطه، ولا طريقا إلى تورط تتورطه، بإلقائك في الأوامر والزواجر إلى ~~حيث يلزم الأئمة أن يندبوا الناس إليه، ويحثوهم عليه, مقيما لك على منجيات ~~المسالك, صارفا لك عن مرديات المهالك، مريدا فيك ما يسلمك في دينك ودنياك، ~~يعود بالحظ عليك في آخرتك وأولاك، فإن اعتدلت وعدلت فقد فزت وغنمت، وإن ~~تحانفت واعوججت فقد فسدت وندمت، والأولى بك عند أمير المؤمنين مع مغرسك ~~الزاكي، ومنبتك النامي, وعودك الأنجب، وعنصرك الأطيب، أن تكون لظنه محققا، ~~ولمخيلته فيك مصدقا، وأن تستزيده بالأثر الجميل قربا وثوابا يوم الدين، ~~وزلفى عند أمير المؤمنين، وثناء حسنا من المسلمين. # فخذ ما نبذ إليك أمير المؤمنين من معاذيره، وأمسك بيدك على ما أعطى من ~~مواثيقه، واجعل عهده مثالا تحتذيه، وإماما تقتفيه، واستعن بالله يعنك, ~~واستهده يهدك، وأخلص إليه في طاعته يخلص لك الحظ في معونتك، ومهما أشكل ~~عليك من الخطب, أو أعضل عليك من صعب، أو بهرك من باهر، أو ms160 بهظك من باهظ، ~~فاكتب إلى أمير المؤمنين [به] منهيا، وكن إلى ما يرد عليك من جوابه متطلعا ~~إن شاء الله تعالى, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ### ||||| التقليد بأسلوب ابن الأثير: # وأما التقليد الذي أنشأته أنا فهو هذا: # "أما بعد، فإن أمير المؤمنين يبدأ بحمد الله الذي يكون لكل خطبة قيادا، ~~ولكل أمر مهادا، ويستزيده من نعمه التي جعلت التقوى له زادا، وحملته عبء ~~الخلافة PageV01P245 # فلم يضعف عنه طوقاو ولم يأل فيه اجتهادا، وصغرت لديه أمر الدنيا, فما ~~تسورت له محرابا, ولا عرضت عليه جيادا، وحققت فيه قول الله تعالى: {تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} 1. ثم يصلي ~~على من أنزلت الملائكة لنصره إمدادا، وأسري به إلى السماء حتى ارتقى سبعا ~~شدادا، وتجلى له ربه فلم يزغ منه بصرا ولا أكذب منه فؤادا، ثم من بعده على ~~أسرته الطاهرة التي زكت أوراقا وأعوادا، وورثت النور المتين تلادا، ووصفت ~~بأنها أحد الثقلين هداية وإرشادا، وخصوصا عنه العباس المدعو له بأن يحفظ ~~نفسا وأولادا، وأن تبقى كلمة الخلافة فيها خالدة لا تخاف دركا ولا تخشى ~~نفادا. وإذا استوفى القلم مداده من هذه الحمدلة، وأسند القول فيها عن ~~فصاحته المرسلة، فإنه يأخذ في إنشاء هذا التقليد الذي جعله حليفا لقرطاسه، ~~واستدام سجوده على صفحته حتى لم يكد يرفع من راسه، وليس ذلك إلا لإفاضته في ~~وصف المناقب التي كثرت, فحسن لها مقام الإكثار، واشتبه التطويل فيها ~~بالاختصار، وهي التي لا يفتقر واصفها إلى القول المعاد، ولا يستوعر سلوك ~~أطوادها, ومن العجب وجود السهل في سلوك الأطواد، وتلك مناقبك أيها الملك ~~الناصر الأجل السيد الكبير العالم العادل المجاهد المرابط صلاح الدين أبو ~~المظفر يوسف بن أيوب، والديوان العزيز يتلوها عليك تحدثا بشكرك، ويباهي بك ~~أولياءه تنويها بذكرك، ويقول: أنت الذي تستكفي فتكون للدولة سهمها الصائب، ~~وشهابها الثاقب، وكنزها الذي تذهب الكنوز وليس بذاهب، وما ضرها وقد حضرت في ~~نصرتها إذا كان غيرك هو الغائب، فاشكر إذا مساعيك التي أهلتك ms161 لما أهلتك، ~~وفضلتك على الأولياء بما فضلتك, ولئن شوركت في الولاء بعقيدة الإضمار, فلم ~~تشارك في عزمك الذي انتصر للدولة فكان له بسطة الانتصار، وفرق بين من أمد ~~بقلبه وبين من أمد بيده في درجات الإمداد، وما جعل الله القاعدين كالذين ~~قالوا: لو أمر بنا لضربنا أكبادها إلى برك الغماد2. PageV01P246 # وقد كفاك من المساعي أنك كفيت الخلافة أمر منازعيها, وطمست على الدعوة ~~الكاذبة التي كانت تدعيها، ولقد مضى عليها زمن ومحراب حقها محفوف من الباطل ~~بمحرابين، ورأت ما رآه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من السوارين اللذين ~~أولهما كذابين، فبمصر منهما واحد تاه بمجرى أنهارها من تحته، ودعا الناس ~~إلى عبادة طاغوته وجبته، ولعب بالدين حتى لم يدر يوم جمعته من يوم أحده ولا ~~يوم سبته، وأعانه على ذلك قوم رمى الله بصائرهم بالعمي والصمم، واتخذوه ~~صنما بينهم, ولم تكن الضلالة هناك إلا بعجل أو صنم، فقمت أنت في وجه باطله ~~حتى قعد، وجعلت في جيده حبلا من مسد، وقلت ليده تبت فأصبح وهو لا يسعى بقدم ~~ولا يبطش بيد، وكذلك فعلت بالآخر الذي نجمت باليمن ناجمته، وسامت فيه ~~سائمته، فوضع بنية الكعبة اليمانية، وقال: هذا هو ذو الخلصة الثانية1، فأي ~~مقاميك يعترف الإسلام بسبقه? أم أيها يقوم بأداء حقه? # وههنا فليصبح القلم للسيف من الحساد، وليقصر مكانته عن مكانته وقد كان له ~~من الأنداد، ولم يحظ بهذه المزية إلا لأنه أصبح لك صاحبا، وفخر بك حتى طال ~~فخرا عما عز جانبا، وقضى بولايتك فكان بها قاضيا لما كان حده قاضبا. # وقد قلدك أمير المؤمنين البلاد المصرية واليمنية غورا ونجدا، وما اشتملت ~~عليه رعية وجندا، وما انتهت إليه أطرافها برا وبحرا، وما يستنقذ من ~~مجاوريها مسالمة وقهرا، وأضاف إليها بلاد الشام وما تحتوي عليه من المدن ~~الممدنة، والمراكز المحصنة، مستثنيا منها ما هو بيد نور الدين إسماعيل بن ~~نور الدين محمود -رحمه الله، وهو "حلب" وأعمالها، فقد مضى أبوه عن آثار في ~~الإسلام ترفع ذكره في الذاكرين، وتخلفه في عقبه ms162 في الغابرين، وولده هذا قد ~~هذبته الفطرة في القول والعمل، وليست هذه الربوة إلا من ذلك الجبل، فليكن ~~له منك جار يدنو منه ودادا، كما دنا أرضا، ويصبح وهو له كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا. # والذي قدمناه من الثناء عليك ربما تجاوز بك درجة الاقتصاد، ولفتك عن ~~PageV01P247 # فضيلة الازدياد، فإياك أن تنظر سعيك بالإعجاب, وتقول هذه بلاد أنا فتحتها ~~بعد أن أضرب عنها كثير من الأضراب، ولكن اعلم أن الأرض لله ولرسوله, ثم ~~لخليفته من بعده، ولا منة للعبد بإسلامه, بل المنة لله بهداية عبده، وكم ~~سلف من قبلك من لو رام ما رمته لدنا شاسعه، وأجاب مانعه، لكن ذخره الله لك ~~لتحظى من الآخرة بمفازه، وفي الدنيا برقم طرازه، فألق بيدك عند هذا القول ~~إلقاء التسليم, وقل: لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. # وقد قرن تقليدك هذا بخلعة تكون لك في الاسم شعارا، وفي الوسم فخارا، ~~وتناسب محل قلبك وبصرك, وخير ملابس الأولياء ما ناسب قلوبا وأبصارا، ومن ~~جملتها طوق يوضع في عنقك موضع العهد والميثاق، ويشير إليك بأن الإنعام قد ~~أطاف بك إطافة الأطواق بالأعناق، ثم إنك خوطبت بالملك وذلك خطاب يقضي لصدرك ~~بالانشراح، ولأملك بالانفساح، وتؤمر معه بمد يدك العليا لا بضمها إلى ~~الجناح. # وهذه الثلاثة المشار إليها هي التي تكمل بها أقسام السيادة، وهي التي لا ~~مزيد عليها في الإحسان, فيقال: إنها الحسنى وزيادة، فإذا صارت إليك فانصب ~~لها يوما يكون في الأيام كريم الأنساب، واجعله لها عيدا وقل: هذا عيد ~~الخلعة والتقليد والخطاب. # هذا, ولك عند أمير المؤمنين مكانة تجعلك لديه حاضرا وأنت ناء عن الحضور، ~~وتضن أن تكون مشتركة بينك وبين غيرك, والضنة من شيم الغيور، وهذه المكانة ~~قد عرفتك نفسها وما كنت تعرفها، وما تقول إلا أنها لك صاحبة وأنت يوسفها، ~~فاحرسها عليك حراسة تقضي بتقديمها، واعمل لها فإن الأعمال بخواتيمها. # واعلم أنك قد قلدت أمرا تعين به نفي الحلوم، ولا ينفك صاحبه عن عهدة ~~الملوم، وكثيرا ما يرى حسناته ms163 يوم القيامة وهي مقتسمة بأيدي الخصوم، ولا ~~ينجو من ذلك إلا من أخذ أهبة الحذار، وأشفق من شهادة الأسماع والأبصار، ~~وعلم أن الولاية ميزان إحدى كفتيه في الجنة والأخرى في النار، قال النبي ~~-صلى الله عليه وسلم: PageV01P248 # $"يا أبا ذر, إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين ~~مال يتيم" فانظر إلى هذا القول النبوي نظر من لم يخدع بحديث الحرص والآمال، ~~ومثل الدنيا وقد سيقت إليك بحذافيرها, أليس مصيرها إلى الزوال؟ والسعيد إذا ~~جاءته قضى بها أرب الأرواح لا أرب الجسوم، واتخذ منها -وهي السم- دواء، وقد ~~تتخذ الأدوية من السموم، وما الاغتباط بما يختلف على تلاشيه المساء ~~والصباح، وهو كما أنزلناه من السماء, فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح. # والله يعصم أمير المؤمنين وولاة أمره من تباعتها التي لابستهم ولابسوها، ~~وأحصاها الله عليهم ونسوها، ولك أنت من هذا الدعاء حظ على قدر محلك من ~~العناية التي جذبت بصبعك1، ومحلك من الولاية التي بسطت من درعك، فخذ هذا ~~الأمر الذي تقلدته أخذ من لم يتعقبه بالنسيان, وكن في رعايته ممن إذا نامت ~~عيناه كان قلبه يقظان. # وملاك ذلك كله في إسباغ العدل الذي جعله الله ثالث الحديث والكتاب، وأغنى ~~بثوابه وحده عن أعمال الثواب، وقدر يوما منه بعبادة ستين عاما في الحساب، ~~ولم يأمر به آمر إلا زيد قوة في أمره، وتحصن به من عدوه ومن دهره، ثم يجاء ~~به يوم القيامة وفي يديه كتابا أمان، ويجلس على منبر من نور عن يمين ~~الرحمن، ومع هذا, فإن مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلا من أمسك عنان نفسه ~~قبل إمساك عنانه، وغلبت لمة ملكه على لمة شيطانه، ومن أوكد فروضه أن يمحي ~~السنن السيئة التي طالت مدد أيامها، ويئس الرعايا من رفع ظلاماتها, فلم ~~يجعلوا أمدا لانحسار ظلامها، وتلك السنن هي المكوس التي أنشأتها الهمم ~~الحقيرة، ولا غنى للأيدي الغنية إذا كانت ذات نفوس فقيرة، وكلما زيدت ~~الأموال الحاصلة منها قدرا زادها الله محقا، ms164 وقد استمرت عليها العوائد حتى ~~ألحقها الظالمون بالحقوق الواجبة فسموها حقا، ولولا أن صاحبها أعظم الناس ~~جرما لما أغلظ في عقابه، ومثلت توبة المرأة الغامدية PageV01P249 # بمتابه، وهل أشقى ممن يكون السواد الأعظم له خصما، ويصبح وهو مطالب بهم ~~ما يعلم وبما لم يحط به علما؟ وأنت مأمور بأن تأتي هذه الظلامات فتنجي على ~~إبطالها، وتلحق أسماءها في المحو بأفعالها، حتى لا يبقى لها في العيان صورة ~~منظورة، ولا في الألسنة أحاديث مذكورة، فإذا فعلت ذلك كنت قد أزلت عن ~~الماضي سنة سوء سنتها يداه، وعن الآتي متابعة ظلم وجده نهجا مسلوكا فجرى ~~على مداه، فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من لم يضق ذرعا، ونظر إلى الحياة ~~الدنيا بعينه فرآها في الآخرة متاعا، واحمد الله تعالى على أن قيض للإمام ~~هدى يقف بك على هداك، ويأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عداك. # وهذه البلاد المنوطة بطرفك تشتمل على أطراف متباعدة, وتفتقر في سياستها ~~إلى أيد متساعدة، ولهذا يكثر بها قضاة الأحكام، وأولو تدبيرات السيوف ~~والأقلام، وكل من هؤلاء ينبغي أن يقف على باب الاختيار، ويسلط عليه شاهدا ~~عدل من أمانة الدرهم والدينار، فما أضل الناس شيء كحب المال الذي فورقت من ~~أجله الأديان، وهجرت بسببه الأولاد والإخوان، وكثيرا ما نرى الرجل الصائم ~~القائم وهو عابد له عبادة الأوثان، فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك ~~فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله فإن الأحوال تنتقل ~~منتقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب -رضي ~~الله عنه- بالربيع بن زياد، وكذلك أؤمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم بأن ~~يأمروا بالمعروف مواظبين، وينهوا عن المنكر حاسبين، ويعلموا أن ذلك من دأب ~~حزب الله الذين جعلهم الله الغالبين، وليبدأوا أولا بأنفسهم فيعدلوا بها عن ~~هواها، ويأمروها بما يأمرون به سواها، ولا يكونون ممن هدى إلى طريق البر ~~وهو عنه حائد، وانتصب لطلب المرضى وهو محتاج إلى طبيب وعائد، فما تنزل ~~بركات السماء إلا على من ms165 خاف مقام ربه، وألزم التقوى أعمال يده ولسانه ~~وقلبه، وإذا صلحت الولاة صلحت الرعية بصلاحهم، وهم لهم بمنزلة المصابيح ولا ~~يستضيء كل قوم إلا بمصباحهم، ومما يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم ~~إخوانا في الاصطحاب، وجيرانا في الاقتراب، وأعوانا في توزع الحمل الذي يثقل ~~على PageV01P250 # الرقاب، فالمسلم أخو المسلم وإن كان عليه أميرا، وأولى الناس باستعمال ~~الرفق من كان فضل الله عليه كثيرا، وليست الولاية لمن يستجد بها كثرة ~~اللفيف، ويتولاها بالوطء العنيف، ولكنها لمن يمال على جوانبه، ويؤكل من ~~أطايبه، ولمن إذا أغضب لم ير للغضب عنده أثر، وإذا ألحف في سؤاله لم يلق ~~الإلحاف بخلق الضجر، وإذا حضر الخصوم بين يديه عدل بينهم في قسمة القول ~~والنظر، فذلك الذي يكون من أصحاب اليمين والذي يدعى بالحفيظ العليم والقوي ~~الأمين. # ومن سعادة المرء أن تكون ولاته متأدبين بآدابه، وجارين على نهج صوابه، ~~وإذا تطايرت الكتب يوم القيامة كانوا حسنات مثبتة في كتابه. # وبعد هذه الوصية فإن ههنا حسنة هي للحسنات كالأم الولود، ولطالما أغنت عن ~~صاحبها إغناء الجنود، وتيقظت لنصره العيون رقود، وهي التي تسبغ لها الآلاء، ~~ولا يتخطاها البلاء. # ولأمير المؤمنين بها عناية تبعثها الرحمة الموضوعة في قلبه، والرغبة في ~~المغفرة لما تقدم وتأخر من ذنبه، وتلك هي الصدقة التي فضل الله بها بعض ~~عباده لمزية أفضالها، وجعلها سببا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها، وهو ~~يأمرك أن تتفقد أحوال الفقراء الذين قدرت عليهم مادة الأرزاق، وألبسهم ~~التعفف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق، فأولئك أولياء الله الذين مستهم ~~الضراء فصبروا، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذ نظروا، وينبغي ~~أن يهيئ لهم من أمرهم مرفقا، ويضرب بينهم وبين الفقر موبقا. # وما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلا إعلاما بأنها من المهم الذي يستقبل ~~ولا يستدبر، ويستكثر منه ولا يستكثر، وهذا يعد من جهاد النفس في بذل المال، ~~ويتلوه جهاد العدو الكافر في مواقف القتال، وأمير المؤمنين يعرفك من ثوابه ~~ما تجعل السيف في ms166 ملازمته أخا، وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا، ومن ~~صفاته أنه العمل المحبو بفضل الكرامة، الذي ينمى بعد صاحبه إلى يوم ~~القيامة، وبه تمتحن طاعة الخالق على المخلوق، وكل الأعمال عاطلة لا خلوق ~~لها وهو المختص دونها برتبة PageV01P251 # الخلوق، ولولا فضله لما كان محسوبا بشطر الإيمان، ولما جعل الله الجنة له ~~ثمنا وليست لغيره من الأثمان، وقد علمت أن العدو هو جارك الأدنى، والذي ~~يبلغك وتبلغه عينا وأذنا، ولا تكون للإسلام نعم الجار حتى تكون له بئس ~~الجار، ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار، وأمير ~~المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مكافحا، أو تطرق أرضه مماسيا أو مصابحا، بل ~~يريد أن تقصد البلاد التي في يده قصد المستنقذ لا قصد المغير، وأن تحكم ~~فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنضير، وعلى الخصوص ~~البيت المقدس فإنه تلاد الإسلام القديم، وأخو البيت الحرام في شرف التعظيم، ~~والذي توجهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم، وقد أصبح وهو يشكو طول ~~المدة في أسر رقبته، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها ~~عنه وغربته، فانهض إليه نهضة توغل في قرحه، وتبدل صعب قيادة بسمحه، وإن كان ~~له عام حديبية فأتبعه بعام فتحه، وهذه الاستزادة إنما تكون بعد سداد ما في ~~اليد من ثغر كان مهملا فحميت موارده، أو مستهدما فرفعت قواعده، ومن أهمها ~~ما كان حاضر البحر فإنه عورة مكشوفة، وخطة مخوفة، والعدو قريب منه على ~~بعده، وكثيرا ما يأتيه فجأة حتى يسبق برقه برعده, فينبغي أن يرتب بهذه ~~الثغور رابطة تكثر شجاعتها وتقل أقرانها، ويكون قتالها لأن تكون كلمة الله ~~هي العليا لا لأن يرى مكانها، وحينئذ يصبح كل منها وله من الرجال أسوار، ~~ويعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار, ومع هذا لا بد لها من ~~أسطول يكثر عدده، ويقوي مدده, فإنه العدة التي تستعين بها على كشف الغماء، ~~والاستكثار من سبايا العبيد والإماء، وجيشه ms167 أخو الجيش السليماني, فذاك يسير ~~على متن الريح وهذا على متن الماء، ومن صفات خيله أنها جمعت بين العوم ~~والمطار1، وتساوت أقدار خلقها على اختلاف مدة الأعمار، فإذا أشرعت قيل جبال ~~متعلقة بقطع من الغيوم، وإذا نظر إلى أشكالها قيل إنها أهلة غير أنها تهتدي ~~في مسيرها بالنجوم، ومثل هذه الخيل ينبغي أن يغالى في جيادها، ويستكثر من ~~قيادها، وليؤمر عليها أمير يلقى البحر بمثله من PageV01P252 # سعة صدره، ويسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها, ولكن قتلها بخبره، وكذلك ~~فليكن ممن أفنت الأيام تجاربه, وزحمتها مناكبه، وممن يذل الصعب إذا هو ساسه ~~وإن لان جانبه، وهذا هو الرجل يرأس على القوم فلا يجد هزة بالرياسة، وإن ~~كان في الساقة1، ففي الساقة, أو كان في الحراسة ففي الحراسة، ولقد أفلحت ~~عصابة اعتصبت من ورائه, وأيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنصر من رأيه، ~~واعلم أنه قد أخل من الجهاد بركن يقدح في عمله، وهو تمامه الذي يأتي في ~~آخره كما أن صدق النية تأتي في أوله، وذلك هو قسم الغنائم, فإن الأيدي قد ~~تداولته بالإجحاف, وخلطت فيه بغلوها فلم ترجع بالكفاف، والله قد جعل الظلم ~~في تعدي حدوده المحدودة، وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة الموعودة، ~~ونحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا زمانه, وبأسه شر باس، ولم يستخلفنا على ~~حفظ أركان دينه, ثم نهمله إهمال مضيع, ولا إهمال ناس. # والذي نأمرك به أن تجري هذا الأمر المنصوص من حكمه، وتبرئ ذمتك مما يكون ~~غيرك الفائز بفوائده وأنت المطالب بإثمه، وفي أرزاق المجاهدين بالديار ~~المصرية والشامية ما يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدا أنكالا وجحيما, ~~وطعاما ذا غصة وعذابا أليما. # فتصفح ما سطرنا لك في هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات، بل آيات ~~محكمات، وتحبب إلى الله وإلى أمير المؤمنين باقتفاء كلماتها, وابن لك منها ~~مجدا يبقى في عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها، وهذا التقليد ينطق عليك ~~بأنه لم يأل في الوصايا التي أوصاها, وأنه لم يغادر صغيرة ولا ms168 كبيرة إلا ~~أحصاها، ثم إنه قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه، وسأل فيها ~~خيرة الله التي تتنزل من كل أمر بمنزلة نظامه، ثم قال: "اللهم أني أشهدك ~~على من قلدته شهادة تكون عليه رقيبة، وله حسيبة، فإني لم آمره إلا بأوامر ~~الحق التي فيها موعظة وذكرى، وهي لمن تبعها هدى ورحمة PageV01P253 # وبشرى، وإذا أخذ بها بلج بحجته يوم يسأل عن الحجج، ولم يختلج دون رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- على الحوض من يختلج, وقيل لا حرج عليك ولا إثم ~~إن نجوت من ورطات الاسم والحرج، والسلام". # ثناء على الصابي، ومنزلته من فن الكتابة: # وهذا الذي ذكرته في كلامي وكلام الصابي في هذه التقاليد الأربعة لم أقصد ~~به الوضع من الرجل، وإنما ذكرت ما ذكرته لبيان موضع السجع الذي يثبت على ~~المحك. # ولا شك أن هذا الوصف المشار إليه في فقر الأسجاع لم يكن مقصودا في الزمن ~~القديم، إما لمكان عسره، أو لأنه لم ينتبه له. # وكيف أضع من الصابي وعلم الكتابة قد رفعه, وهو إمام هذا الفن والواحد ~~فيه? ولقد اعتبرت مكاتباته فوجدته قد أجاد في السلطانيات كل الإجادة وأحسن ~~كل الإحسان، ولو لم يكن له سوى كتابه الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن ~~بويه1 إلى سبكتكين2 عند خروجه عليه, ومجاهرته إياه بالعصيان؛ لاستحق به ~~فضيلة التقدم، كيف وله من السلطانيات ما أتى فيه بكل عجيبة? لكنه في ~~الإخوانيات مقصر وكذلك في كتب التعازي. # وعندي فيه رأي لم يره أحد غيري، ولي فيه قول لم يقله أحد سواي: وذاك أن ~~عقل الرجل في كتابته زائد على فصاحته وبلاغته، وسأبين ذلك فأقول: لينظر ~~الناظر في هذين التقليدين اللذين أوردتهما له، فإنه يرى وصايا وشروطا ~~واستدراكات PageV01P254 # وأوامر ما بين أصل وفرع, وكل وجزء، وقليل وكثير، ولا نرى ذلك في كلام ~~غيره من الكتاب، إلا أنه عبر عن تلك الوصايا والأوامر والشروط والاستدراكات ~~بعبارة في بعضها ما فيه من الضعف والركة، وقد قيل: إن زيادة العلم على ~~المنطق هجنة، ms169 وزيادة المنطق على العلم خدعة. # ومع هذا فإني أقر للرجل بالتقدم, وأشهد له بالفضل. ### |||| أقسام السجع: # وإذ فرغت مما أردت تحقيقه في هذا الموضع, فإني أرجع إلى ما كنت بصدد ذكره ~~من الكلام على السجع, وقد تقدم من ذلك ما تقدم، وبقي ما أنا ذاكر ههنا، وهو ~~أن السجع قد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ### ||||| الأول: # أن يكون الفصلان متساويين, لا يزيد أحدهما على الآخر؛ كقوله ~~تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر} 1, وقوله تعالى: ~~{والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن به نقعا، فوسطن به ~~جمعا} 2. # ألا ترى كيف جاءت هذه الفصول متساوية الأجزاء, حتى كأنها أفرغت في قالب ~~واحد؟ وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة، وهو أشرف السجع منزلة؛ للاعتدال ~~الذي فيه. ### ||||| القسم الثاني: # أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول, لا طولا يخرج به عن ~~الاعتدال خروجا كثيرا، فإنه يقبح عند ذلك ويستكره ويعد عيبا, فمما جاء منه ~~قوله تعالى: {بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا، إذا رأتهم ~~من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا، وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين ~~دعوا هنالك ثبورا} 3. PageV01P255 # ألا ترى أن الفصل الأول ثمان لفظات، والفصل الثاني والثالث تسع تسع. # ومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم ~~شيئا إدا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} 1. # وأمثال هذا في القرآن كثيرة. # ويستثنى من هذا القسم ما كان من السجع على ثلاثة فقر، فإن الفقرتين ~~الأوليين يحسبان في عدة واحدة، ثم باقي الثلاثة, فينبغي أن تكون طويلة طولا ~~يزيد عليهما، فإذا كانت الأولى والثانية أربع لفظات أربع لفظات, تكون ~~الثالثة عشر لفظات أو إحدى عشر. # مثال ذلك ما ذكرته في وصف صديق فقلت: "الصديق من لم يعتض عنك بخالف، ولم ~~يعاملك معاملة حالف، وإذا بلغته أذنه وشاية أقام عليها حد سارق أو قاذف". # فالأولى والثانية ههنا أربع لفظات؛ لأن الأولى: "لم يعتض عنك بخالف", ~~والثانية "ولم يعاملك معاملة حالف", وجاءت الثالثة ms170 عشر لفظات، وهكذا ينبغي ~~أن يستعمل ما كان من هذا القبيل. # وإن زادت الأولى والثانية عن هذه العدة فتزاد الثالثة بالحساب، وكذلك إذا ~~نقصت الأولى والثانية عن هذه العدة، فافهم ذلك، وقس عليه. # إلا أنه ينبغي أن تجعله قياسا مطردا في السجعات الثلاث أين وقعت من ~~الكلام، بل تعلم أن الجواز يعم الجانبين من التساوي في السجعات الثلاث, ومن ~~زيادة السجعة الثالثة. # ألا ترى أنه قد ورد ثلاث سجعات متساوية في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ~~{وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود} 2. ~~PageV01P256 # فهذه السجعات كلها من لفظتين لفظتين، ولو جعلت الثالثة منها خمس لفظات أو ~~ستا, لما كان ذلك معيبا. ### ||||| القسم الثالث: # أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول، وهو عندي عيب فاحش، ~~وسبب ذلك أن السجع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأول بحكم طوله، ثم يجيء ~~الفصل الثاني قصيرا عن الأول، فيكون كالشيء المبتور، فيبقى الإنسان عند ~~سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها. ### |||| # وإذ انتهينا إلى ههنا وبينا أقسام السجع ولبه وقشوره, فسنقول فيه قولا كليا، وهو أن السجع على اختلاف أقسامه ضربان: ### ||||| أحدهما: يسمى "السجع القصير" # وهو أن تكون كل واحدة من السجعتين مؤلفة من ~~ألفاظ قليلة، وكلما قلت الألفاظ كان أحسن، لقرب الفواصل المسجوعة من سمع ~~السامع. # وهذا الضرب أوعر السجع مذهبا وأبعده متناولا، ولا يكاد استعماله يقع إلا ~~نادرا. ### ||||| والضرب الآخر: يسمى "السجع الطويل" # وهو ضد الأول، لأنه أسهل متناولا. # وإنما القصير من السجع أوعر مسلكا من الطويل؛ لأن المعنى إذا صيغ بألفاظ ~~قصيرة عز مواتاة السجع فيه، لقصر تلك الألفاظ وضيق المجال في استجلابه، ~~وأما الطويل فإن الألفاظ تطول فيه, ويستجلب له السجع من حيث وليس، كما ~~يقال، وكان ذلك سهلا. # وكل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في عدة ألفاظ: # وأما السجع القصير فأحسنه ما كان مؤلفا من لفظتين لفظتين، كقوله تعالى: ~~{والمرسلات عرفا، فالعاصفات عصفا} 1 وقوله تعالى: {ياأيها المدثر، قم ~~فأنذر، وربك فكبر، وثيابك ms171 فطهر، والرجز فاهجر} 2. PageV01P257 # ومنه ما يكون مؤلفا من ثلاثة ألفاظ وأربعة وخمسة، وكذلك إلى العشرة، وما ~~زاد على ذلك فهو من السجع الطويل، فمما جاء منه قوله تعالى: {والنجم إذا ~~هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى} 1 وقوله تعالى: {اقتربت ~~الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا ~~واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر} 2. # وأما السجع الطويل فإن درجاته تتفاوت أيضا في الطول. # فمنه ما يقرب من السجع القصير، وهو أن يكون تأليفه من إحدى عشرة لفظة، ~~وأكثره خمس عشرة لفظة، كقوله تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه إنه ليئوس كفور، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب ~~السيئات عني إنه لفرح فخور} 3 فالأولى إحدى عشرة لفظة، والثانية ثلاث عشرة ~~لفظة، وكذلك قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم} 4. # ومن السجع الطويل ما يكون تأليفه من العشرين لفظة فما حولها، كقوله ~~تعالى: {إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم ~~في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور، وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور} 5. # ومن السجع الطويل أيضا ما يزيد على هذه العدة المذكورة، وهو غير مضبوط. ### |||| التصريع في الشعر: # واعلم أن "التصريع" من الشعراء بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام ~~المنثور، PageV01P258 # وفائدته في الشعر أنه قبل كمال البيت الأول من القصيدة تعلم قافيتها، ~~وشبه البيت المصرع بباب له مصراعان متشاكلان، وقد فعل ذلك القدماء ~~والمحدثون، وفيه دلالة على سعة القدرة في أفانين الكلام. # فأما إذا كثر التصريع في القصيدة فلست أراه مختارا، إلا أن هذه الأصناف ~~من التصريع والترصيع والتجنيس وغيرها, إنما يحسن منها في الكلام ما قل وجرى ~~مجرى الغرة من الوجه، أو كان كالطراز من ms172 الثوب. # فأما إذا تواترت وكثرت فإنها لا تكون مرضية، لما فيها من أمارات الكلفة1. # وهو عندي2 ينقسم إلى سبع مراتب، وذلك شيء لم يذكره على هذا الوجه أحد ~~غيري! ### ||||| فالمرتبة الأولى -وهي أعلى التصريع درجة: # أن يكون كل مصراع من البيت ~~مستقلا بنفسه في فهم معناه, غير محتاج إلى صاحبه الذي يليه، ويسمى "التصريع ~~الكامل"، وذلك كقول امرئ القيس: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل %~% وإن كنت قد أزمعت هجرا فأجملي # فإن كل مصراع من هذا البيت مفهوم المعنى بنفسه، غير محتاج إلى ما يليه، ~~وعليه ورد قول المتنبي: # إذا كان مدح فالنسيب المقدم %~% أكل فصيح قال شعرا متيم3 ### ||||| المرتبة الثانية: # أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الذي ~~يليه, فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطا به كقول امرئ القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل %~% بسقط اللوى بين الدخول فحومل PageV01P259 # فالمصراع الأول غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه، لكن لما جاء الثاني ~~صار مرتبطا به، وكذلك ورد قول أبي تمام: # ألم يأن أن تروى الظماء الحوائم %~% وأن ينظم الشمل المبدد ناظم1 # وعليه ورد قول المتنبي: # الرأي قبل شجاعة الشجعان %~% هو أول وهي المحل الثاني2 ### ||||| المرتبة الثالثة: # أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع وضع صاحبه, ويسمى ~~"التصريع الموجه" وذلك كقول ابن الحجاج البغدادي3: # من شروط الصبوح في المهرجان %~% خفة الشرب مع خلو المكان4 # فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأول ثانيا, ومصراعه الثاني أولا، وهذه ~~المرتبة كالثانية في الجودة. ### ||||| المرتبة الرابعة: # أن يكون المصراع الأول غير مستقر بنفسه، ولا يفهم معناه ~~إلا بالثاني, ويسمى "التصريع الناقص"، وليس بمرضي ولا حسن، فمما ورد منه ~~قول المتنبي: # مغاني الشعب طيبا في المغاني %~% بمنزلة الربيع من الزمان5 # فإن المصراع الأول لا يستقل بنفسه في فهم معناه دون أن يذكر المصراع ~~الثاني. PageV01P260 ### ||||| المرتبة الخامسة: # أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة وسطا وقافية، ~~ويسمى "التصريع المكرر"، وهو ينقسم قسمين، أحدهما أقر حالا من الآخر: # فالأول: أن يكون بلفظة حقيقية لا مجاز ms173 فيها، وهو أنزل الدرجتين كقول عبيد ~~بن الأبرص1: # فكل ذي غيبة يثوب %~% وغائب الموت لا يئوب # القسم الآخر: أن يكون التصريع بلفظة مجازية يختلف المعنى فيها، كقول أبي ~~تمام: # فتى كان شربا للعفاة ومرتعى %~% فأصبح للهندية البيض مرتعا2 ### ||||| المرتبة السادسة: # أن يذكر المصراع الأول ويكون معلقا على صفة يأتي ذكرها ~~في أول المصراع الثاني, ويسمى "التصريع المعلق" فمما ورد منه قول امرئ ~~القيس: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجل %~% بصبح وما الإصباح منك بأمثل # فإن المصراع الأول معلق على قوله: "بصبح"، وهذا معيب جدا، وعليه ورد قول ~~المتنبي: # قد علم البين منا البين أجفانا %~% تدمى وألف في ذا القلب أحزانا3 # فإن المصراع الأول معلق على قوله: "تدمى". ### ||||| المرتبة السابعة: # أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته، ويسمى ~~"التصريع المشطور", وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها, فمن ذلك قول أبي نواس: ~~PageV01P261 # أقلني قد ندمت على ذنوب %~% وبالإقرار عدت من الجحود1 # فصرع بحرف الباء في وسط البيت، ثم قفاه بحرف الدال، وهذا لا يكاد يستعمل ~~إلا قليلا نادرا2. PageV01P262 ### ||| النوع الثاني: في التجنيس # علم أن التجنيس غرة شادخة في وجه الكلام، وقد تصرف العلماء من أرباب هذه ~~الصناعة فيه فغربوا وشرقوا، لا سيما المحدثين منهم، وصنف الناس فيه كتبا ~~كثيرة، وجعلوه أبوابا متعددة، واختلفوا في ذلك، وأدخلوا بعض تلك الأبواب في ~~بعض، فمنهم عبد الله بن المعتز، وأبو علي الحاتمي، والقاضي أبو ~~الحسن1الجرجاني، وقدامة بن جعفر الكاتب، وغيرهم. # وإنما سمي هذا النوع من الكلام مجانسا؛ لأن حروف ألفاظه يكون تركيبها من ~~جنس واحد. # وحقيقته أن يكون اللفظ واحدا والمعنى مختلفا. # وعلى هذا فإنه هو اللفظ المشترك، وما عداه فليس من التجنيس الحقيقي في ~~شيء، إلا أنه قد خرج من ذلك ما يسمى تجنيسا، وتلك تسمية بالمشابهة؛ لا ~~لأنها دالة على حقيقة المسمى بعينه. # وعلى هذا فإني نظرت في التجنيس وما شبه به فأجري مجراه، فوجدته ينقسم إلى ~~سبعة أقسام، واحد منها يدل على حقيقة التجنيس؛ لأن لفظه واحد لا يختلف, ~~وستة أقسام مشبهة. PageV01P262 ### |||| التجنيس ms174 الحقيقي: # فأما القسم الأول: فهو أن تتساوى حروف ألفاظه في تركيبها ووزنها، كقوله ~~تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} 1 وليس في ~~القرآن الكريم سوى هذه الآية فاعرفها. # ويروى في الأخبار النبوية أن الصحابة نازعوا جرير بن عبد الله البجلي ~~زمامه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "خلوا بين جرير والجرير" أي: ~~دعوا زمامه. # ومما جاء منه في الشعر قول أبي تمام: # فأصبحت غرر الأيام مشرقة %~% بالنصر تضحك عن أيامك الغرر # "فالغرر" الأولى استعارة من غرر الوجه، "والغرر" الثانية مأخوذة من غرة ~~الشيء: أكرمه، فاللفظ إذا واحد والمعنى مختلف, وكذلك قوله: # من القوم الجعد أبيض الوجه والندى %~% وليس بنان يجتدى منه بالجعد2 # فالجعد: السيد، والبنان الجعد: ضد السبط3، فأحدهما يوصف به السخي، والآخر ~~يوصف به البخيل. وكذلك قوله: # بكل فتى ضرب يعرض للقنا %~% محييا محلى حليه الطعن والضرب4 # فالضرب: الرجل الخفيف، والضرب بالسيف: في الحرب، وكذلك قوله: # عداك حر الثغور المستضامة عن %~% برد الثغور وعن سلسالها الخصب5 ~~PageV01P263 # فالثغور: جمع ثغر، وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم ~~العدو, ثم قال في هذه القصيدة: # كم أحرزت قضب الهندي مصلتة %~% تهتز من قضب تهتز في كثب # بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت %~% أحق بالبيض أبدانا من الحجب # فالقضب: السيوف، والقضب: القدود على حكم الاستعارة، وكذلك البيض: السيوف، ~~والبيض: النساء، وهذا من النادر الذي لا يتعلق به أحد, وكذلك قوله: # إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا %~% صدور العوالي في صدور الكتائب1 # فلفظ "الصدور" في هذا البيت واحد، والمعنى مختلف, وكذلك قوله: # عامي وعام العيس بين وديقة %~% مسجورة وتنوفة صيهود # حتى أغادر كل يوم بالفلا %~% للطير عيدا من بنات العيد2 # فالعيد: فحل من فحول الإبل، والعيد: اليوم المعروف من الأيام. # وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره، فمنه ما أغرب فيه فأحسن، كالذي ~~ذكرته، ومنه ما أتى به كريها مستثقلا كقوله: # ويوم أرشق والهيجاء قد رشقت %~% من المنية رشقا وابلا قصفا3 PageV01P264 # وكقوله: # يا مضغنا خالدا لك ms175 الثكل إن %~% خلد حقدا عليك في خلده1 # وكقوله: # وأهل موقان إذ ماقوا فلا وزر %~% أنجاهم منك في الهيجا ولا سند2 # وكقوله: # مهلا بني مالك لا تجلبن إلى %~% حي الأراقم دؤلول ابنة الرقم3 # ثم قال فيها: # من الردينية اللائي إذا عسلت %~% تشم بو الصغار الأنف ذا الشمم4 # وكقوله: # قرت بقران عين الدين واشتترت %~% بالأشترين عيون الشرك فاصطلما5 # وله من هذا الغث البارد المتكلف شيء كثير لا حاجة إلى استقصائه، بل قد ~~أوردنا منه قليلا يستدل به على أمثاله. PageV01P265 # ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس: # عباس عباس إذا احتدم الوغى %~% والفضل فضل والربيع ربيع1 # وكذلك قوله: # فقل لأبي العباس إن كنت مذنبا %~% فأنت أحق الناس بالأخذ بالفضل # فلا تجحدوني ود عشرين حجة %~% ولا تفسدوا ما كان منكم من الفضل2 # وعلى هذا النهج ورد قول البحتري: # إذا العين راحت وهي عين على الجوى %~% فليس بسر ما تسر الأضالع3 # فالعين: الجاسوس، والعين: معروفة. وكذلك ورد قول بعضهم: # وترى سوابق دمعها فتواكفت %~% ساق تجاوب فوق ساق ساقا # فالساق: ساق الشجرة، والساق: القمري من الطيور. # وعلى هذا الأسلوب جاء قول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالمعري, في ~~قصيدة قصد بها التجنيس في كثير من أبياتها، فمن ذلك ما أورده في مطلعها: # لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا %~% ونحن في حفر الأجداث أحيانا # ثم قال في أبياتها: # تقول أنت امرؤ جاف مغالطة %~% فقلت لا هومت أجفان أجفانا # وكذا قال في آخرها: # لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به %~% فلا برحت لعين الدهر إنسانا PageV01P266 # ورأيت الغانمي قد ذكر في كتابه بابا، وسماه: "رد الأعجاز على الصدور" ~~خارجا عن باب التجنيس، وهو ضرب منه، وقسم من جملة أقسامه، كالذي نحن بصدد ~~ذكره ههنا، فمما روى الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم: # ونشري بجميل الصن %~% ع ذكرا على طيب النشر # ونفري بسيوف الهن %~% د من أسرف في النفر # وبحري في شرى الحمد %~% على شاكلة البحر # وكذلك قول بعضهم في الشيب: # يا بياضا أذرى دموعي حتى %~% عاد منها سواد ms176 عيني بياضا # وكذلك قول البحتري1: # وأغر في الزمن البهيم محجل %~% قد رحت منه على أغر محجل # كالهيكل المبني إلا أنه %~% في الحسن جاء كصورة في هيكل # وليس الأخذ على المعاني في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على ~~أن ينصب نفسه لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ~~ذكرناها داخلا في الآخر، فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه وهو أشهر من فلق ~~الصباح. # وربما جهل بعض الناس، فأدخل في التجنيس ما ليس منه، نظرا إلى مساواة ~~اللفظ دون اختلاف المعنى, فمن ذلك قول أبي تمام2: # أظن الدمع في خدي سيبقي %~% رسوما من بكائي في الرسوم # وهذا ليس من التجنيس في شيء، إذا حد التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف ~~المعنى, وهذا البيت المشار إليه هو اتفاق اللفظ والمعنى معا. # وهذا مما ينبغي أن ينبه عليه ليعرف. # ومن علماء البيان من جعل له اسما سماه به، وهو "الترديد", أي: إن اللفظة ~~الواحدة PageV01P267 # رددت فيه. وحيث نبهت عليه ههنا فلا أحتاج أن أعقد له بابا أفرده بالذكر ~~فيه. ### |||| ما يشبه بالتجنيس: # وأما الأقسام الستة المشبهة بالتجنيس: ### ||||| فالقسم الأول منها: # أن تكون الحروف متساوية في تركيبها مختلفة في وزنها، ~~فمما جاء من ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم:$"اللهم كما حسنت خلقي حسن ~~خلقي" ألا ترى أن هاتين اللفظتين متساويتان في التركيب، مختلفتان في الوزن؛ ~~لأن تركيب الخلق والخلق من ثلاثة أحرف، وهي الخاء واللام والقاف، إلا أنهما ~~قد اختلفا في الوزن، إذ وزن "الخلق" فعل -بفتح الفاء، ووزن "الخلق" فعل بضم ~~الفاء. # ومن هذا القسم قول بعضهم: "لا تنال غرز المعالي إلا بركوب الغرر واهتبال ~~الغرر" وقال البحتري: # وفر الخائن المغرور يرجو %~% أمانا أي ساعة ما أمان # يهاب الالتفات وقد تهيا %~% للحظة طرفه طرف السنان1 # وكذلك ورد قول الآخر: # قد ذبت بين حشاشة وذماء %~% ما بين حر هوى وحر هواء ### ||||| القسم الثاني: من المشبه بالتجنيس # وهو أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن ~~مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير، وإن زاد على ms177 ذلك خرج من باب التجنيس. # فمما جاء قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة} 2 فإن هاتين ~~اللفظتين على وزن واحد، إلا أن تركيبهما مختلف في حرف واحد. # وكذلك قوله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} 3. PageV01P268 # وكذلك قوله تعالى: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون} 1. # وعلى نحو من هذا ورد قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقود ~~بنواصيها الخير", وقال بعضهم: "لا تنال المكارم إلا بالمكاره". # وقال أبو تمام: # يمدون من أيد عواص عواصم %~% تصول بأسياف قواض قواضب2 # وقال البحتري: # من كل ساجي الطرف أغيد أجيد %~% ومهفهف الكشحين أحوى أحور3 # وكذلك قوله: # شواجر أرماح تقطع بينهم %~% شواجن أرحام ملوم قطوعها4 ### ||||| القسم الثالث: من المشبه بالتجنيس: # وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن ~~والتركيب بحرف واحد، كقوله تعالى: {والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ ~~المساق} 5. # وقوله تعالى: {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} 6. PageV01P269 # وكذلك ورد قوله -صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم الناس من لسانه ~~ويده". # ودخل ثعلب صاحب كتاب "الفصيح" على أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- ومجلسه ~~غاص، فجلس إلى جانبه ثم أقبل عليه، وقال: "أخاف أن أكون ضيقت عليك، على أنه ~~لا يضيق مجلس بمتحابين, ولا تسع الدنيا بأسرها متباغضين، فقال له أحمد: ~~"الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له". وهذا كلام حسن من كلا الرجلين، ~~والتجنيس في كلام أحمد -رحمه الله- في قوله: "يحاسب" و"يحتسب له". # وقد جاءني شيء من ذلك عليه خفة الطبع لا ثقل الطبع. # فمنه ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن ذكر الجهاد فقلت: # "وخيل الله قد اشتاقت أن يقال لها اركبي، وسيوفه قد تطلعت أن يقال لها ~~اضربي، ومواطن الجهاد قد بعد عهدها باستسقاء شآبيب النحور، وإنبات ربيع ~~الذباب والنسور، وما ذاك إلا لأن العدو إذا طلب تقمص ثوب إذلاله, وتنصل من ~~صحة نصاله، واعتصم بمعاقله التي لا فرق بينها وبين عقاله". # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، فقلت: # "وقد جعل الله حرمه ms178 ملقى الجفان، وملتقى الأجفان، فهو حمى لمن جنى عليه ~~زمانه، وجار لمن بعد عنه جيرانه". # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: # "ولقد استبان الخادم من بركة طاعته ما يعمى عنه غيره فما يراه، ووجد من ~~أثره في صلاح دنياه ما استدل به على صلاح أخراه، فهو المركب المنجي، والعمل ~~المرجو لا المرجي، والمعنى المراد بهداية الصراط المستقيم، وتأويل قوله ~~تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ~~1. # ومن ذلك ما ذكرته في أثناء كتاب إلى بعض الإخوان، وذلك وصف بعض المنعمين، ~~فقلت: PageV01P270 # "نحن من حسن شيمه وفواصل إحسانه بين هند وهنيدة، ومن يمن نقيبته وأمانة ~~غيبه بين أم معبد وأبي عبيدة". # ومن ذلك ما ذكرته في مطلع كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: # "الكتب وإن عدها قوم عرضا من الأعراض، وتقالوها حتى قالوا: هي سواد في ~~بياض، فإن لها عند الإخوان وجها وسيما، ومحلا كريما، وهي حمائم القلوب إذا ~~فارق حميم حميما، ومن أحسنها كتاب سيدنا %~% ". # ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب. # ومن هذا القسم قول أبي تمام: # أيام تدمي عينه تلك الدمى %~% فيها وتقمر لبه الأقمار1 # وكذلك قوله: # بيض فهن إذا رمقن سوافرا %~% صور وهن إذا رمقن صوار2 # وكذلك قوله: # بدر أطالت فيك بادرة النوى %~% ولعا وشمس أولعت بشماس3 # وكذلك قوله: # كادوا النبوة والهدى فتقطعت %~% أعناقهم في ذلك المضمار # جهلوا فلم يستكثروا من طاعة %~% معروفة بعمارة الأعمار4 PageV01P271 # وكذلك قوله: # إن الرماح إذا غرسن بمشهد %~% فجنى العوالي في ذراه معالي1 # وكذلك قوله: # إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا %~% بلا نعمة أحسنت أن تتطولا2 # وكذلك قوله: # أي ربع يكذب الدهر عنه %~% وهو ملقى على طريق الليالي # بين حال جنت عليه وحول %~% فهو نضو الأحوال والأحوال # شد ما استنزلتك عن دمعك الأظ %~% عان حتى استهل صوب العزالي # أي حسن في الذاهبين تولى %~% وجمال على ظهور الجمال # ودلال مخيم في ذرا الخ %~% يم وحجل معصم في الحجال3 # فالبيت الثاني والخامس هما المقصودان ms179 بالتمثيل ههنا، والأبيات الباقية ~~جاءت تبعا. PageV01P272 # ومما جاء من ذلك قول علي بن جبلة1: # وكم لك من يوم رفعت بناءه %~% بذات جفون أو بذات جفان # وكذلك قول محمد بن وهيب الحميري: # قسمت صروف الدهر بأسا ونائلا %~% فمالك موتور وسيفك واتر # وهذا من المليح النادر. # ومن هذا القسم قول البحتري: # جدير بأن تنشق عن ضوء وجهه %~% ضبابة نقع تحتها الموت ناقع2 # وكذلك قوله: # نسيم الروض في ريح شمال %~% وصوب المزن في راح شمول3 # وذم أعرابي رجلا فقال: "كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوف، يحسد على الفضل، ~~ويزهد في الإفضال". ### ||||| القسم الرابع: من المشبه بالتجنيس، ويسمى "المعكوس". # وذلك ضربان: أحدهما عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف. ### |||||| فالأول: # كقول بعضهم: # "عادات السادات سادات العادات"، وكقول الآخر: "شيم ~~الأحرار أحرار الشيم". # ومن هذا النوع مما ورد شعرا قول الأضبط بن قريع4 من شعراء الجاهلية: ~~PageV01P273 # قد يجمع المال غير آكله %~% ويأكل المال غير من جمعه # ويقطع الثوب غير لابسه %~% ويلبس الثوب غير من قطعه1 # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي: # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله %~% ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # وكذلك قول الشريف الرضي من أبيات يذم فيها الزمان: # أسف بمن يطير إلى المعالي %~% وطار بمن يسف إلى الدنايا # وكذلك قول الآخر: # إن الليالي للأنام مناهل %~% تطوى وتنشر بينها الأعمار # فقصارهن من الهموم طويلة %~% وطوالهن من السرور قصار # وأحسن من هذا كله وألطفه قول ابن الزقاق الأندلسي: # غيرتنا يد الزما %~% ن فقد شبت والتحى # فاستحال الضحى دجى %~% واستحال الدجى ضحى # وهذا الضرب من التجنيس له حلاوة، وعليه رونق، وقد سماه قدامة بن جعفر ~~الكاتب "التبديل"، وذلك اسم مناسب لمسماه؛ لأن مؤلف الكلام يأتي بما كان ~~مقدما في جزء من كلامه الأول مؤخرا في الثاني، وبما كان مؤخرا في الأول ~~مقدما في الثاني، ومثله قدامة بقول بعضهم: "اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على ~~من شكرك"3. # ومن هذا القسم قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} 4. ~~PageV01P274 # وكذلك ورد قول النبي ms180 -صلى الله عليه وسلم: "جار الدار أحق بدار الجار". # وكتب علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى عبد الله بن عباس -رضي الله ~~عنه- كتابا، فقال: "أما بعد، فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ~~ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحا، ولا بما فاتك ~~منها ترحا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، وكأن ~~قد، والسلام". # وروى عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان, ~~وامتدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها: # أهن عوادي يوسف وصواحبه1 # وأنكر عليه أبو سعيد الضرير وأبو العميثل هذا الابتداء، وقالا: "لم لا ~~يقول ما يفهم" فقال: "لم لا يفهما ما يقال"?! فاستحسن منه هذا الجواب على ~~الفور، وهو من التجنيس المشار إليه. # وقد جاءني شيء منه. # كقولي في فصل من كتاب يتضمن فتحا، وهو: # "فكم كان من افتراع عذرة الحصن من عذرة حصان، وكم حيز به من سنان لحظ ~~استرقه لحظ سنان". # وكذلك قولي في صدر كتاب إلى ديوان الخلافة وهو: # "الخادم يبلغ خدمته إلى ذلك الجناب التي تمطره الشفاه قبلا، وتوسعه ~~العفاة أملا، وترى الخول به ملوكا والملوك خولا، وطاعته هي محك الأعمال ~~التي أشير إليها بقوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} 2. PageV01P275 # وكذلك ورد قولي أيضا، وهو فصل من تقليد وزير، فقلت: # وقد صدق الله لهجة المثني عليك أن يقول إنك الرجل الذي تضرب به الأمثال، ~~والمهذب الذي لا يقال معه: أي الرجال، وإذا وازرت مملكة فقد حظيت منك بشد ~~أزرها، وسد ثغرها، وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها، فهي مزدانة منك ~~بالفضل المتين، معانة بالقوي الأمين. ### |||||| وأما الضرب الثاني من هذا القسم -وهو عكس الحروف- # فهو كقول بعضهم: # أهديت شيئا يقل لولا %~% أحدوثة الفال والتبرك # كرسي تفاءلت فيه لما %~% رأيت مقلوبه يسرك # وكذلك قول الآخر: # كيف السرور بإقبال وآخره %~% إذا تأملته مقلوب الإقبال1 # وأجود من هذا كله قول الآخر: # جاذبتها والريح تجذب عقربا %~% من فوق خد مثل قلب العقرب ms181 # وطفقت ألثم ثغرها فتمنعت %~% وتحجبت عني بقلب العقرب # وإذا قلب لفظ "عقرب" صار "برقعا". # وهذا الضرب نادر الاستعمال؛ لأنه قل ما يقع كلمة تقلب حروفها فيجيء ~~معناها صوابا. ### ||||| القسم الخامس: من المشبه بالتجنيس، ويسمى "المجنب"، # وذاك أن يجمع مؤلف الكلام بين كلمتين إحداهما كالتبع للأخرى والجنيبة لها، # كقول بعضهم: # أبا العباس لا تحسب بأني %~% لشيء من حلى الأشعار عاري # فلي طبع كسلسال معين %~% زلال من ذرا الأحجار جاري # وهذا القسم عندي فيه نظر؛ لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس، ألا ~~ترى أن التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، وههنا لم يتفق إلا جزء من ~~اللفظ، وهو PageV01P276 # أقله، وأما اللزوم في الكلام المنثور فهو تساوي الحروف التي قبل الفواصل ~~المسجوعة، وهذا هو كذلك، لأن العين والراء تساويا في البيت الأول في قوله: ~~"الأشعار" و"عار"، الجيم والراء في البيت الثاني في قوله "الأحجار" و"جار". ### ||||| القسم السادس: من المشبه بالتجنيس, وهو ما يساوي وزنه تركيبه، غير أن حروفه تتقدم وتتأخر، # وذلك كقول أبي تمام: # بيض الصفائح لا سود الصحائف في %~% متونهن جلاء الشك والريب1 # فالصفائح والصحائف مما تقدمت حروفه وتأخرت: # وقد ورد في الكلام المنثور، كقوله -صلى الله عليه وسلم- في فضيلة تلاوة ~~القرآن الكريم: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في ~~الدنيا, فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ". # فقوله -صلى الله عليه وسلم: "اقرأ" و"ارق" من التجنيس المشار إليه في هذا ~~القسم. PageV01P277 ### ||| النوع الثالث: في الترصيع # وهو مأخوذ من ترصيع العقد، وذاك أن يكون في أحد جانبي العقد من اللآلئ ~~مثل ما في الجانب الآخر، وكذلك نجعل هذا في الألفاظ المنثورة من الأسجاع، ~~وهو أن تكون لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل ~~الثاني في الوزن والقافية. # وهذا لا يوجد في كتاب الله تعالى، لما هو عليه من زيادة التكلف. # فأما قول من ذهب إلى أن في كتاب الله تعالى منه شيئا, ومثله بقوله تعالى: ~~{إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم} 1 ms182 فليس الأمر كما وقع له، فإن ~~لفظة "لفي" قد وردت في الفقرتين معا، وهذا يخالف شرط الترصيع الذي شرطناه، ~~لكنه قريب منه. # وأما الشعر فإني كنت أقول: إنه لا يتزن على هذه الشريطة، ولم أجده في ~~أشعار العرب لما فيه من تعمق الصنعة وتعسف الكلفة، وإذا جيء به في الشعر لم ~~يكن عليه محض الطلاوة التي تكون إذا جيء به في الكلام المنثور, ثم إني عثرت ~~عليه في شعر المحدثين، ولكنه قليل جدا, فمن ذلك قول بعضهم: # فمكارم أوليتها متبرعا %~% وجرائم ألغيتها متورعا # ف "مكارم" بإزاء "جرائم", و"أوليتها" بإزاء "ألغيتها", و"متبرعا" بإزاء ~~"متورعا". # وقد أجاز بعضهم أن يكون له أحد ألفاظ الفصل الأول مخالفا لما يقابله من ~~الفصل الثاني, وهذا ليس بشيء لمخالفته حقيقة الترصيع. # فمما جاء من هذا النوع منثورا قول الحريري في مقاماته: "فهو يطبع الأسجاع ~~بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه", فإنه جعل ألفاظ الفصل الأول ~~مساوية لألفاظ الفصل الثاني وزنا وقافية، فجعل "يطبع" بإزاء "يقرع"، ~~و"الأسجاع" بإزاء "الأسماع"، و"جواهر" بإزاء "زواجر"، و"لفظه" بإزاء ~~"وعظه". # ومما جاءني من هذا النوع: ### |||| ما ذكرته في جواب كتاب إلى بعض الإخوان، وهو: # "قد أعدت الجواب، ولم أستعر له نظما مفلقا، ولا جلبت إليه حسنا منمقا، بل ~~أخرجته على رسله، وغنيت بصقال حسنه عن صقله، فجاء كما تراه غير ممشوط ولا ~~مخطوط، فهو يرفل في أثواب بذلته، وقد حوى الجمال بجملته، والحسن ما وشته ~~فطرة التصوير، لا ما وحشته فكرة التزوير", والترصيع في قولي "وشته فطرة ~~التصوير", و"حشته فكرة التزوير". PageV01P278 ### |||| وكذلك ورد قولي في فصل من الكلام يتضمن تثقيف الأولاد: # فقلت: "من قوم أود أولاده، ضرم كمد حساده"، فهذه الألفاظ متكافئة في ~~ترصيعها، ف "قوم" بإزاء "ضرم"، و"أود" بإزاء "كمد"، و"أولاده" بإزاء ~~"حساده". # وكذلك قول بعضهم في الأمثال المولدة التي لم ترد عن العرب، وهو: "من أطاع ~~غضبه أضاع أدبه"، ف "أطاع" بإزاء "أضاع"، و"غضبه" بإزاء "أدبه". # وقد ورد هذا الضرب كثيرا في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم ~~بن ms183 نباتة -رحمه الله، فمن ذلك قوله في أول خطبة: "الحمد لله عاقد أزمة ~~الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره، وموفق عبيده لمغانم ~~ذكره، ومحقق مواعيده بلوازم شكره". # فالألفاظ التي جاءت في الفصلين الأولين متساوية وزنا وقافية، والتي جاءت ~~في الفصلين الآخرين فيها تخالف في الوزن، فإن "مواعيد" تخالف وزن "عبيد"، ~~ولا تخالف قافيتها التي هي الدال. # ومن ذلك قوله أيضا في جملة خطبة: "أولئك الذين أفلوا فنجمتم، ورحلوا ~~فأقمتم، وأبادهم الموت كما علمتم، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم كما ~~زعمتم، كلا والله ما أشخصوا لتقروا، ولا نغصوا لتسروا، ولا بد أن تمروا حيث ~~مروا، فلا تثقوا بخدع الدنيا ولا تغتروا". # وهذا الكلام فيه أيضا ما في الذي قبله من صحة الوزن والقافية, وصحة ~~القافية دون الوزن. # وكذلك قوله أيضا في خطبة أخرى: "أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض ~~الحكم، وأديموا النحيب على ابيضاض اللمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، ~~وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم". # وأما ما ورد في الشعر على مخالفة بعض الألفاظ بعضا, فكقول ذي الرمة: PageV01P279 # كحلاء في برج صفراء في دعج %~% كأنها فضة قد مسها ذهب1 # وصدر هذا البيت مرصع، وعجزه خال من الترصيع، وعذر الشاعر في ذلك واضح؛ ~~لأنه مقيد بالوقوف مع الوزن والقافية، ألا ترى أن ذا الرمة بنى قصيدته على ~~حرف الباء، ولو رصع هذا البيت الترصيع الحقيقي لكان يلزمه أن يأتي بألفاظه ~~على حرفين حرفين, أحدهما الباء, أو كان يقسم البيت نصفين, ويماثل بين ألفاظ ~~هذا النصف وهذا النصف، وذلك مما يعسر وقوعه في الشعر. # وأرباب هذه الصناعة قد قسموا الترصيع إلى هذين القسمين المذكورين، وهذه ~~القسمة لا أراها صوابا، لأن حقيقة الترصيع موجودة في القسم الأول دون ~~الثاني. # ومما جاء من هذا القسم الثاني قول الخنساء: # حامي الحقيقة محمود الخليقة مه %~% دي الطريقة نفاع وضرار2 # وكذلك قول الآخر3: # سود ذوائبها بيض ترائبها %~% محض ضرائبها صيغت من الكرم PageV01P280 ### ||| النوع الرابع: في لزوم ما لا يلزم # وهو من أشق هذه الصناعة مذهبا، وأبعدها مسلكا، ms184 وذاك لأن مؤلفه يلتزم ما ~~لا يلزمه، فإن اللازم في هذا الموضع وما جرى مجراه, إنما هو السجع الذي هو ~~تساوي أجزاء الفواصل من الكلام المنثور في قوافيها، وهذا فيه زيادة على ~~ذلك، وهو أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفا واحدا. # وهو في الشعر أن تتساوى الحروف التي قبل روي الأبيات الشعرية. # وقد جمع أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان1 في ذلك كتابا، وسماه ~~كتاب "اللزوم"2 فأتى فيه بالجيد الذي يحمد، والرديء الذي يذم. # وسأذكر في كتابي هذا في هذا الموضع أمثلة من المنثور والمنظوم يهتدى بها. ### |||| فمن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب في فصل يتضمن ذم جبان، فقلت: # "إذا نزل به خطب ملكه الفرق, وإذا ضل في أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه ~~الغرق". ### |||| ومن ذلك ما ذكرته في مبدأ كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: # "الخادم يهدي من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا، ويصون ~~أحدهما نفسا والآخر عرضا، وأعجب ما فيهما أنها توأمان، غير أن هذا مستنتج ~~من ضمير القلب, وهذا من نطق اللسان". # فاللزوم ههنا في الراء والضاد. PageV01P281 ### |||| وكذلك ورد قولي في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة فقلت: # "وقد علم من شيم الديوان العزيز أنه يسر بامتداد الأيدي إلى بابه، وإذا ~~أغب أحدها في المسألة نهاه عن إغبابه، حتى لا يخلو حرمه الكريم من المطاف، ~~ولا يده الكريمة من الإسعاف". # فاللزوم ههنا في لفظتي "بابه" و"إغبابه". ### |||| ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أيضا، وهو: # "ومهما شد به عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التي خولته, ولا يقوى ~~تصعد السحب إلا بكثرة غيثها الذي أنزلته، وغير خاف أن عبيد الدولة لها ~~كالعمد من طرافها1، ومركز الدائرة من أطرافها، ولا يؤيد السيف إلا بقائمه، ~~ولا ينهض الجناح إلا بقوادمه". # فاللزوم في هذا الموضع في الراء والفاء في قولي "طراف" و"أطراف". ### |||| ومن ذلك ما كتبته في صدر كتاب إلى الملك علي بن يوسف أهنئه بملك مصر في سنة خمس ms185 وتسعين وخمسمائة، فقلت: # "المملوك يهنئ مولانا بنعمة الله المؤذنة باستخلاصه واحتبائه، وتمكينه ~~حتى بلغ أشده, واستخرج كنز آياته، ولو أنصف لهنأ الأرض منه بوابلها، والأمة ~~بكافلها، وخصوصا أرض مصر التي خصت بشرف سكناه، وغدت بين بحرين من فيض البحر ~~وفيض يمناه". # وكل هذه الفصول المذكورة من هذه المكتوبات التي أنشأتها لا كلفة على ~~كلمات اللزوم فيها. # وقرأت في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج أن لقيط بن زرارة تزوج بنت قيس بن ~~خالد بن ذي الجدين، فحظيت عنده، وحظي عندها، ثم قتل فآمت بعده, وتزوجت ~~غيره، فكانت كثيرا ما تذكر لقيطا، فلامها على ذلك، فقالت: PageV01P282 # "إنه خرج في يوم دجن، وقد تطيب وشرب فطرد البقر فصرع منها، ثم أتاني وبه ~~نضح دم، فضمني ضما، وشمني شمة، فليتني مت ثمة، فلم أر منظرا كان أحسن من ~~لقيط". # فقولها: "ضمني ضمة، وشمني شمة، فليتني مت ثمة" من الكلام الحلو في باب ~~اللزوم ولا كلفة عليه. # وهكذا فليكن، فإن الكلفة وحشة تذهب برونق الصنعة، وما ينبغي لمؤلف الكلام ~~أن يستعمل هذا النوع حتى يجيء به متلكفا، ومثاله في هذا المقام كمن أخذ ~~موضوعا رديئا فأجاد فيه صنعته، فإنه يكون عند ذلك قد راعى الفرع وأهمل ~~الأصل، فأضاع جودة الصنع في رداءة الموضوع. # وقد سلك ذلك أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان، فمما جاء من ~~ذلك قوله في حرف التاء مع الخاء1: # بنت عن الدنيا ولا بنت لي %~% فيها ولا عرس ولا أخت # وقد تحملت من الوزر ما %~% تعجز أن تحمله البخت2 # إن مدحوني ساءني مدحهم %~% وخلت إني في الثرى سخت # وله من ذلك الجيد، كقوله: # لا تطلبن بآلة لك حاجة %~% قلم البليغ بغير جد مغزل # سكن السما كان3 السماء كلاهما %~% هذا له رمح وهذا أعزل # وهذا بين الاسترسال وبين الكلفة. # وأما ما تكلف له تكلفا ظاهرا -وإن أجاد- فقوله4: # تنازع في الدنيا سواك وما له %~% ولا لك شيء في الحقيقة فيها PageV01P283 # ولكنها ملك لرب مقدر %~% يعير جنوب الأرض مرتد فيها1 # ولم تحظ من ms186 ذاك النزاع بطائل %~% من الأمر إلا أن تعد سفيها # فيا نفس لا تعظم عليك خطوبها %~% فمتفقوها مثل مختلفيها # تداعوا إلى النزر القليل فجالدوا %~% عليه وخلوها لمغترفيها # وما أم صل أو حليلة ضيغم %~% بأظلم من دنياك فاعترفيها2 # تلاقي الوفود القادميها بفرحة %~% وتبكي على آثار منصرفيها # وما هي إلا شوكة ليس عندها %~% وجدك إرطاب لمخترفيها3 # كما نبذت للطير والوحش رازم %~% فألقت شرورا بين مختطفيها4 # تناؤت عن الإنصاف من ضيم لم يجد %~% سبيلا إلى غايات منتصفيها # فأطبق فما عنها وكفا ومقلق %~% وقل لغوي الناس فاك لفيها5 # ومن ذلك6: # أرى الدنيا وما وصفت ببر %~% إذا أغنت فقيرا أرهقته7 # إذا خشيت لشر عجلته %~% وإن رجيت لخير عوقته # حياة كالحبالة ذات مكر %~% ونفس المرء صيد أعلقته # فلا يخدع بحيلتها أريب %~% وإن هي سورته ونطقته # أذاقته شهيا من جناها %~% وصدت فاه عما ذوقته PageV01P284 # وقد ورد للعرب شيء من ذلك إلا أنه قليل، فمما جاء منه قول بعضهم في أبيات ~~الحماسة1: # إن التي زعمت فؤادك ملها %~% خلقت هواك كما خلقت هوى لها # بيضاء باكرها النعيم فصاغها %~% بلباقة فأدقها وأجلها # حجبت تحيتها فقلت لصاحبي %~% ما كان أكثرها لنا وأقلها # وإذا وجدت لها وساوس سلوة %~% شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها # وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه. # ومما يجري هذا المجرى قول حجر بن حية العبسي من شعراء الحماسة أيضا2: # ولا أدوم قدري بعدما نضجت %~% بخلا فتمنع ما فيها أثافيها3 # حتى تقسم شتى بين ما وسعت %~% ولا يؤنب تحت الليل عافيها4 # ومما ورد من ذلك أيضا قول طرفة بن العبد البكري: # ألم تر أن المال يكسب أهله %~% فضوحا إذا لم يعط منه نواسبه # أرى كل مال لا محالة ذاهبا %~% وأفضله ما ورث الحمد كاسبه # وكذلك قول الفرزدق: # وغير لون راحلتي ولوني %~% تردي الهواجر واعتمامي # أقول لها إذا ضجرت وغصت %~% بموركة الوراك مع الزمام # علام تلفتين وأنت تحتي %~% وخير الناس كلهم أمامي PageV01P285 # وكذلك قوله أيضا: # منع الحياة من الرجال ونفعها %~% حدق تقلبها النساء مراض # وكأن أفئدة الرجال إذا رأوا %~% حدق النساء ms187 لنبلها أغراض # وإذا شئت أن تعلم مقادير الكلام، وكان لك ذوق صحيح فانظر إلى هذا العربي ~~في كلامه السهل الذي كأنه ماء جار، وانظر إلى ما أوردته لأبي العلاء ~~المعري، فإن أثر الكلفة عليه باد ظاهر. # وممن قصد من العرب قصيدة كله من اللزوم كثير عزة، وهي القصيدة التي ~~أولها: # خليلي هذا ربع عزة فاعقلا %~% قلوصيكما ثم احللا حيث حلت1 # وهذه القصيدة تزيد على عشرين بيتا، وهي مع ذلك سهلة لينة، تكاد تترقرق من ~~لينها وسهولتها، وليس عليها من أثر الكلفة شيء، ولولا خوف الإطالة لأوردتها ~~بجملتها. # وقد ذكر بعضهم من هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة2 وهو: # وفيشة ليست كهذي الفيش %~% قد ملئت من ترف وطيش3 # إذا بدت قلت أمير الجيش %~% من ذاقها يعرف طعم العيش # وهذا ليس من باب اللزوم؛ لأن اللزوم هو أن يلتزم الناظم والناثر ما لا ~~يلزمه، كقولنا: "شرق"، و"فرق"، مثلا، فإنه لو قيل بدلا من ذلك "شرق" و"حنق" ~~لجاز ذلك. # وفي هذه الأبيات لا يقع الأمر كذلك؛ لأنه لو قيل: "طيش" و"عرش" لما جاز, ~~وهذا يقال له الردف في الشعر وهو الياء والواو قبل حرف الروي، وإذا جيء ~~PageV01P286 # بذلك في الشعر وفي الكلام المنثور لا يقال إنه التزام؛ لأن المتلزم ما لا ~~يلزم له مندوحة في العدول إلى غيره، وههنا لا مندوحة. # ومن لطيف ذلك ما يروى لامرأة من البصرة مجنت بأبي نواس، فقالت: # إن حرى حزنبل حزابيه %~% إذا قعدت فوقه نبابيه1 # كالأرنب الجاثم فوق الرابيه # وكذلك ورد قول أبي تمام، وهو2: # خدم العلا فخدمنه وهي التي %~% لا تخدم الأقوام ما لم تخدم # فإذا ارتقى في قلة من سؤدد %~% قالت له الأخرى بلغت تقدم # وعلى هذا الأسلوب قوله أيضا3: # ولو جربتني4 لوجدت خرقا %~% يصافي الأكرمين ولا يصادي # جديرا أن يكر الطرف شزرا %~% إلى بعض الموارد وهو صاد # وله من أبيات تتضمن مرثية5: # لقد فجعت عتابه وزهيره %~% وتغلبه6 أخرى الليالي ووائله # ومبتدر المعروف تسرى هباته %~% إليهم ولا تسرى إليهم7 غوائله # طواه الردى طي الرداء ms188 وغيبت %~% فضائله عن قومه وفواضله # طوى شيما كانت تروح وتغتدي %~% وسائل من أعيت عليه وسائله PageV01P287 # فيا عارضا للعرف أقلع مزنه %~% ويا واديا للجود جفت مسايله # ألم تراني أنزفت عيني على أبي %~% محمد النجم المغيب1 آفله # وأخضلتها فيه كما لو أتيته %~% طريد الليالي أخضلتني2 نوافله # وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب, وليس بمتكلف كشعر أبي العلاء، فإن ~~حسن هذا مطبوع، وحسن ذاك مصنوع. # وكذلك أقول في غير اللزوم من الأنواع المذكورة أولا، فإن الألفاظ إذا ~~صدرت فيها عن سهولة خاطر وسلاسة طبع, وكانت غير مستجلبة ولا متكلفة, جاءت ~~غير محتاجة إلى التأنق، ولا شك أن صورة الخلقة غير صورة التخلق. # فإن قيل: ما الفرق بين المتكلف من هذا الأنواع وغير المتكلف? # قلت في الجواب: # أما المتكلف فهو الذي يأتي بالفكرة والروية، وذلك أن ينضى الخاطر في ~~طلبه، ويبعث على تتبعه واقتصاص أثره، وغير المتكلف يأتي مستريحا من ذلك ~~كله، وهو أن يكون الشاعر في نظم قصيدته, أو الخطيب أو الكاتب في إنشاء ~~خطبته أو كتابته، فبينا هو كذلك إذا سنح له نوع من هذه الأنواع بالاتفاق لا ~~بالسعي والطلب، ألا ترى أن قول أبي نواس3 في مثل هذا الموضع: # أترك الأطلال لا تعبأ بها %~% إنها من كل بؤس دانيه # وانعت الراح على تحريمها %~% إنما دنياك دار فانيه # من عقار من رآها قال لي %~% صيدت الشمس لنا في آنيه4 # وعلى هذه السهولة واللطافة ورد قوله أيضا: # كم من غلام ذي تحاسين %~% أفسده ناطف ياسين5 PageV01P288 # وهذا "ياسين" كان يبيع الناطف ببغداد. # وحكى إبراهيم البندنيجي قال: رأيت شيخا يبيع ناطفا، فقلت له: يا شيخ أما ~~زلت في الصناعة? قال: مذ كنت، ولكن الحال كانت واسعة والسلعة نافقة، وكنت ~~ممن يشار إلي، حتى قال أبو نواس في، وأنشد هذا البيت. # فانظر أيها المتأمل ما أحلى لفظ أبي نواس في لزومه، وما أعراه عن الكلفة! # وكذلك فلتكن الألفاظ في اللزوم وغيره. ### |||| ما يلحق باللزوم: # واعلم أنه إذا صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر أو من ms189 فواصل الكلام المنثور, ~~فإن ذلك ملحق باللزوم، ويكون التصغير عوضا عن تساوي الحروف التي قبل روي ~~الأبيات الشعرية, والحروف التي قبل الفاصلة من النثر. # فمن ذلك قول بعضهم: # عز على ليلى بذي سدير %~% سوء مبيتي ليلة الغمير1 # مقضبا نفسي في طمير %~% تنتهز الرعدة في ظهيري # يهفو إلي الزور من صديري %~% ظمآن في ريح وفي مطير # وازر قر ليس بالغرير %~% من لد ما ظهر إلى سحير # حتى بدت لي جبهة القمير %~% لأربع خلون من شهير # وهذا من محاسن الصنعة في هذا الباب، فاعرفه. # وأحسن منه ما ورد عن أبي نواس وعن عنان جارية النطاف، وله معها حكايات ~~كثيرة غير هذه، فقال أبو نواس2: # أما ترقي لصب %~% يكفيه منك قطيره PageV01P289 # فقالت عنان: # إياي تعنى بهذا %~% عليك فاجلد عميره # فقال أبو نواس: # أخاف إن رمت هذا %~% على يدي منك غيره # فالبيتان الأول والثاني من هذا الباب، والثالث جاء تبعا. # وقد ورد في القرآن الكريم شيء من اللزوم إلا أنه يسير جدا. # فمن ذلك قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق} 1, ~~وقوله تعالى: {والطور، وكتاب مسطور} 2, وكذلك ورد قوله تعالى في هذه ~~السورة: {فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، أم يقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون} 3. # وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع، فأدخل فيه ما ليس منه؛ كقوله تعالى: ~~{إن المتقين في جنات ونعيم، فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم} 4. وهذا لا يدخل في باب اللزوم؛ لأن الأصل فيه "نعم" و"جحم". ~~والياء هي من حروف المد واللين، فلا يعتد بها ههنا. # ومن هذا الباب قوله تعالى: {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر ~~مخضود، وطلح منضود} 5. # وكذلك ورد قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ~~فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير، وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ~~نعم المولى ونعم النصير} 6. PageV01P290 # وعلى هذا الأسلوب جاء قوله تعالى في قصة إبراهيم -عليه السلام: {يا أبت ~~إني أخاف أن يمسك عذاب من ms190 الرحمن فتكون للشيطان وليا، قال أراغب أنت عن ~~آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا} 1. # وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: {قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ~~ضلال بعيد، قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد} 2, ولا تجد أمثال ~~ذلك في القرآن إلا قليلا. PageV01P291 ### ||| النوع الخامس: في الموازنة # وهي أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن، وأن يكون ~~صدر البيت الشعري وعجزه متساوي الألفاظ وزنا. # وللكلام بذلك طلاوة ورونق، وسببه الاعتدال؛ لأنه المطلوب في جميع ~~الأشياء. # وإذا كانت مقاطع الكلام معتدلة وقعت من النفس موقع الاستحسان، وهذا لا ~~مراء فيه لوضوحه. # وهذا النوع من الكلام هو أخو السجع في المعادلة دون المماثلة؛ لأن في ~~السجع اعتدالا وزيادة على الاعتدال، وهي تماثل أجزاء الفواصل لورودها على ~~حرف واحد. # وأما الموازنة ففيها الاعتدال الموجود في السجع، ولا تماثل في فواصلها؛ ~~فيقال إذا: كل سجع موازنة، وليس كل موازنة سجعا. # وعلى هذا, فالسجع أخص من الموازنة. PageV01P291 # فمما جاء منها قوله تعالى: {وآتيناهما الكتاب المستبين، وهديناهما الصراط ~~المستقيم} 1 والمستبين والمستقيم على وزن واحد. # وكذلك قوله تعالى في سورة مريم -عليها السلام: {واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا، ألم تر أنا ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا، فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا} ~~2. # وكذلك قوله تعالى في سورة طه: {من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا، ~~خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا} 3. # وكذلك قوله تعالى في سورة حم عسق: {والذين يحاجون في الله من بعد ما ~~استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد، الله الذي أنزل ~~الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب، يستعجل بها الذين لا ~~يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين ~~يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد، الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي ~~العزيز، من كان يريد حرث الآخرة نزد ms191 له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما ~~لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم، ~~ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير} 4. # وهذه الآيات جميعها على وزن واحد، فإن شديد، وقريب، وبعيد، وعزيز، ونصيب، ~~وأليم، وكبير، كل ذلك على وزن "فعيل", وإن اختلف حروف المقاطع التي هي ~~فواصلها. PageV01P292 # وأمثال هذا في القرآن كثير، بل معظم آياته جاريه على هذا النهج، حتى إنه ~~لا تخلوا منه سورة من السور، ولقد تصفحته فوجدته لا يكاد يخرج منه شيء عن ~~السجع والموازنة. # وأما ما جاء من هذا النوع شعرا فقول ربيعة بن ذؤابه1: # إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم %~% بعتيبة بن الحارث بن شهاب2 # بأشدهم بأسا على أصحابه %~% وأعزهم فقدا على الأصحاب3 # فالبيت الثاني هو المختص بالموازنة؛ فإن "بأسا" و"فقدا" على وزن واحد. ~~PageV01P293 ### ||| النوع السادس: في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها # وهو من هذه الصناعة بمنزلة علية، ومكانة شريفة، وجل الألفاظ اللفظية ~~منوطة به، ولقد لقيت جماعة من مدعي فن الفصاحة، وفاوضتهم وفاوضوني، وسألتهم ~~وسألوني، فما وجدت أحدا منهم تيقن معرفة هذا الموضع كما ينبغي، وقد استخرجت ~~فيه أشياء لم أسبق إليها، وسيأتي ذكرها ههنا. # أما اختلاف صيغ الألفاظ، فإنها إذا نقلت من هيئة إلى هيئة؛ كنقلها مثلا ~~من وزن من الأوزان إلى وزن آخر, وإن كانت اللفظة واحدة، أو كنقلها من صيغة ~~الاسم إلى صيغة الفعل، أو من الفعل إلى صيغة الاسم، أو كنقلها من الماضي ~~إلى المستقبل, أو من المستقبل إلى الماضي، أو من الواحد إلى التثنية، أو ~~إلى الجمع، أو إلى PageV01P293 # النسب أو إلى غير ذلك؛ انتقل1 قبحها فصار حسنا، وحسنها صار قبحا. # فمن ذلك لفظة "خود"2 فإنها عبارة عن المرأة الناعمة، وإذا نقلت إلى صيغة ~~الفعل قيل "خود"3 على وزن "فعل" ms192 بتشديد العين، ومعناها: أسرع، يقال: خود ~~البعير إذا أسرع؛ فهي على صيغة الاسم حسنة رائقة، وقد وردت في النظم والنثر ~~كثيرا، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن حسنة، كقول أبي تمام4: # وإلى بني عبد الكريم تواهقت %~% رتك النعام رأى الظلام فخود5 # وهذا يقال على أشباهه وأنظاره، إلا أن هذه اللفظة التي هي "خود" قد نقلت ~~عن الحقيقة إلى المجاز، فخف عنها ذلك القبح قليلا؛ كقول بعض شعراء ~~الحماسة6: # أقول لنفسي حين خود رألها %~% رويدك لما تشفقي حين مشفق7 # رويدك حتى تنظري عم تنجلي %~% غيابة هذا البارق المتألق8 # والرأل: النعام، والمراد به ههنا: أن نفسه فرت وفزعت، وشبه ذلك بإسراع ~~النعام في فراره وفزعه، ولما أورده على حكم المجاز خف بعض القبح الذي على ~~لفظة "خود"، وهذا يدرك بالذوق الصحيح، ولا خفاء بما بين اللفظة في إيرادها ~~ههنا, وإيرادها في بيت أبي تمام؛ فإنها وردت في بيت أبي تمام قبيحة سمجة، ~~ووردت ههنا بين بين. PageV01P294 # ومن هذا النوع لفظة "ودع" وهي فعل ثلاثي لا ثقل بها على اللسان، ومع ذلك ~~فلا تستعمل على صيغتها الماضية إلا جاءت غير مستحسنة، ولكنها تستعمل ~~مستقلة، وعلى صيغة الأمر، فتجيء حسنة. # أما الأمر فكقوله تعالى: { %~% يخوضوا ويلعبوا} 1 ولم تأت في القرآن ~~الكريم إلا على هذه الصيغة!! # وأما كونها مستقبلة فكقول النبي -صلى الله عليه وسلم, وقد واصل في شهر ~~رمضان فواصل معه قوم: "لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع له المتعمقون ~~تعمقهم". # وقال أبو الطيب المتنبي2: # تشقكم بقناعها كل سلهبة %~% والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع3 # وأما الماضي في هذه اللفظة فلم يستعمل إلا شاذا ولا حسن له، كقول أبي ~~العتاهية: # أثروا فلم يدخلوا قبورهم %~% شيئا من الثروة التي جمعوا # وكان ما قدموا لأنفسهم %~% أعظم نفعا من الذي ودعوا # وهذا غير حسن في الاستعمال، ولا عليه من الطلاوة شيء. # وهذه لفظة واحدة لم يتغير من حالها شيء، سوى أنها نقلت من الماضي إلى ~~المستقبل لا غير. # وكذلك لفظة "وذر"، فإنها لا تستعمل ms193 ماضية، وتستعمل على صيغة الأمر، كقوله ~~تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} 4. PageV01P295 # وتستعمل مستقبلة أيضا، كقوله تعالى: {سأصليه سقر, وما أدراك ما سقر, لا ~~تبقي ولا تذر} 1. # فهي لم ترد في القرآن إلا على هاتين الصيغتين، وكذلك في فصيح الكلام غير ~~القرآن. # وأما إذا جاءت على صيغة الماضي فإنها لا تستعمل، وهي أقبح من لفظة "ودع"؛ ~~لأن لفظة "ودع" قد استعملت ماضية، وهذه لم تستعمل. # وههنا فلينعم الخائضون في هذا الفن نظرهم، ويعلموا أن في الزوايا خبايا، ~~وإذا أنعموا الفكر في أسرار الألفاظ عند الاستعمال، وأغرقوا في الاعتبار ~~والكشف وجدوا غرائب وعجائب. # ومن هذا النوع لفظة "الأخدع"، فإنها وردت في بيتين من الشعر، وهي في ~~أحدهما حسنة رائقة، وفي الآخر ثقيلة مستكرهة، كقول الصمة بن عبد الله2 من ~~شعراء الحماسة3: # تلفت نحو الحي حتى وجدتني %~% وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا4 # وكقول أبي تمام5: # يا دهر قوم من أخدعيك فقد %~% أضججت هذا الأنام من خرقك6 # ألا ترى أنه وجد لهذه اللفظة في بيت أبي تمام من الثقل على السمع ~~والكراهة في النفس أضعاف ما وجد لها من بيت الصمة بن عبد الله7 من الروح ~~والخفة والإيناس والبهجة؟ وليس سبب ذلك إلا أنها جاءت موحدة في أحدهما ~~مثناة في الآخر، PageV01P296 # وكانت حسنة في حالة الإفراد، مستكرهة في حالة التثنية، وإلا فاللفظة ~~واحدة، وإنما اختلاف صيغتها فعل بها ما ترى. # ومن هذا النوع ألفاظ يعدل عن استعمالها من غير دليل يقوم على العدول ~~عنها، ولا يستفتى في ذلك إلا الذوق السليم، وهذا موضع عجيب لا يعلم كنه ~~سره. # فمن لفظ "اللب" الذي هو العقل، -لا لفظة "اللب" الذي تحت القشر- فإنها لا ~~تحسن في الاستعمال إلا مجموعة، وكذلك وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة ~~وهي مجموعة، ولم ترد مفردة، كقوله تعالى: {وليتذكر أولو الألباب} 1 و {إن ~~في ذلك لذكرى لأولي الألباب} 2 وأشباه ذلك. # وهذه اللفظة الثلاثية خفيفة على النطق، ومخارجها بعيدة، وليست بمستثقلة ~~ولا مكروهة. # وقد تستعمل مفردة بشرط أن تكون مضافة أو ms194 مضافا إليها؛ أما كونها مضافا ~~إليها, فكقولنا: لا يعلم ذلك إلا ذو لب، وإن في ذلك لعبرة لذي لب، وعليه ~~ورد قول جرير: # إن العيون التي في طرفها حور3 %~% قتلننا ثم لم يحينا قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به %~% وهن أضعف خلق الله أركانا # وأما كونها مضافة فكقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذكر النساء: "ما ~~رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الحازم من إحداكن يا معشر النساء". # فإن كانت هذه اللفظة عارية عن الجمع أو الإضافة فإنها لا تأتي حسنة، ولا ~~تجد دليلا على ذلك إلا مجرد الذوق الصحيح. # وإذا تأملت القرآن الكريم ودققت النظر في رموزه وأسراره وجدت مثل هذه ~~اللفظة قد روعي فيها الجمع دون الإفراد, كلفظة "كوب"، فإنها وردت في القرآن ~~مجموعة، ولم ترد مفردة، وهي وإن لم تكن مستقبحة في حال إفرادها, فإن الجمع ~~فيها أحسن. PageV01P297 # لكن قد ترد مفردة مع ألفاظ أخر تندرج معهن فيكسوها ذلك حسنا ليس لها، ~~وذلك كقولي في جملة أبيات أصف بها الخمر, وما يجري معها من آلاتها: # ثلاثة تعطي الفرح %~% كأس وكوب وقدح # ما ذبح الذوق بها %~% إلا وللهم ذبح # فلما وردت لفظة "الكوب" مع الكأس والقدح على هذا الأسلوب حسنها، وكأنه ~~جلاها في غير لباسها الذي كان لها؛ إذ جاءت بمفردها. # وكذلك وردت لفظة "رجا" بالقصر، "والرجا" الجانب، فإنها لم تستعمل موحدة, ~~وإنما استعملت مجموعة، كقوله تعالى: {والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية} 1. # فلما وردت هذه اللفظة مجموعة ألبسها الجمع ثوبا من الحسن لم يكن لها في ~~حال كونها موحدة. # وقد تستعمل موحدة بشرط الإضافة، كقولنا: "رجا البئر". # ولربما أخطأ بعض الناس في هذا الموضع, وقاس عليه ما ليس بمقيس، وذلك أنه ~~وقف على ما ذكرته ههنا واقف، وكذلك قد وردت لفظة الصوف في القرآن الكريم, ~~ولم ترد إلا مجموعة، كقوله تعالى: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ~~ومتاعا إلى حين} 2. # وهذا بخلاف ms195 ما وردت عليه في شعر أبي تمام3: # كانوا برود زمانهم فتصدعوا %~% فكأنما لبس الزمان الصوفا4 # وهذا ليس كالذي أشرت إليه, فإن لفظة "الصوف" لفظة حسنة مفردة ومجموعة، ~~وإنما أزرى بها في قول أبي تمام أنها جاءت مجازية في نسبتها إلى الزمان. ~~PageV01P298 # وعلى هذا النهج وردت لفظة "خبر" و"أخبار"، فإن هذه اللفظة مجموعة أحسن ~~منها مفردة، ولم ترد في القرآن إلا مجموعة. # وفي ضد ذلك ما ورد استعماله من الألفاظ مفردا ولم يرد مجموعا، كلفظة ~~"الأرض", فإنها لم ترد في القرآن إلا مفردة، فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء ~~بها مفردة معها في كل موضع من القرآن، ولما أريد أن يؤتى بها مجموعة قيل: ~~{ومن الأرض مثلهن} في قوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض ~~مثلهن} 1. # ومما ورد من الألفاظ مفردا فكان أحسن مما يرد مجموعا لفظة "البقعة"، قال ~~الله تعالى في قصة موسى -عليه السلام: {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد ~~الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} ~~2 والأحسن استعمالها مفردة لا مجموعة، وإن استعملت مجموعة فالأولى أن تكون ~~مضافة كقولنا: "بقاع الأرض"، أو ما جرى مجراها. # وكذلك لفظة "طيف"، في ذكر طيف الخيال، فإنها لم تستعمل إلا مفردة، وقد ~~استعملها الشعراء قديما وحديثا, فلم يأتوا بها إلا مفردة، لأن جمعها جمع ~~قبيح، فإذا قيل "طيوف" كان من أقبح الألفاظ وأشدها كراهة على السمع. # ويا لله للعجب من هذه اللفظة ومن أختها عدة ووزنا، وهي لفظة "ضيف"، فإنها ~~تستعمل مفردة ومجموعة، وكلاهما في الاستعمال حسن رائق، وهذا مما لا يعلم ~~السر فيه، والذوق السليم هو الحاكم على الفرق بين هاتين اللفظتين وما يجري ~~مجراهما. # وأما جمع المصادر فإنه لا يجيء حسنا، والإفراد فيه هو الحسن، ومما جاء في ~~المصادر مجموعا قول عنترة: # فإن يبرأ فلم أنفث عليه %~% وإن يفقد فحق له الفقود3 # قوله: "الفقود" جمع مصدر من قولنا: فقد، يفقد، فقدا، واستعمال هذه اللفظة ~~غير سائغ ولا لذيذ، وإن كان جائزا. ms196 PageV01P299 # ونحن في استعمال ما نستعمله من الألفاظ واقفون مع الحسن لا مع الجواز. ~~وهذا كله يرجع إلى حاكم الذوق السليم، فإن صاحب هذه الصناعة يصرف الألفاظ ~~بضروب التصريف، فما عذب في فمه منها استعمله، وما لفظه فمه تركه. # ألا ترى أنه يقال: "الأمة" -بالضم- عبارة عن الجمع الكثير من الناس، ~~ويقال: "الإمة" -بالكسر، وهي النعمة، فإن "الأمة" بالضم لفظة حسنة, وبالكسر ~~ليست بحسنة، واستعمالها قبيح. # ورأيت صاحب كتاب "الفصيح"1 قد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة، ويا ~~ليت شعري ما الذي رآه من فصاحتها حتى اختارها?! وكذلك قد اختار ألفاظا أخر ~~ليست بفصيحة، ولا لوم عليه؛ لأن صدور مثل ذلك الكتاب عنه كثير! # وأسرار الفصاحة لا تؤخذ من علماء العربية, وإنما تؤخذ منهم مسألة نحوية ~~أو تصريفية، أو نقل كلمة لغوية، وما جرى هذا المجرى. # وأما أسرار الفصاحة فلها قوم مخصوصون بها, وإذا شذ عن صاحب كتاب "الفصيح" ~~ألفاظ معدودة ليست بفصيحة في جملة كثيرة ذكرها من الفصيح, فإن هذا منه ~~كثير. # ومما يذكر في هذا الباب أنه يقال: "سهم صائب"، فإذا جمع الجمع الحسن الذي ~~يعذب في الفم قيل: سهام صوائب وصائبات وصيب، فإذا جمع الجمع الذي يقبح قيل: ~~"سهام صيب"، على وزن "كتب". # فقال أبو نواس2: # ما أحل الله ما صنعت %~% عينه تلك العشية بي # قتلت3 إنسانها كبدي %~% بسهام للردى صيب PageV01P300 # فقوله: "سهام صيب" من اللفظ الذي ينبو عنه السمع، ويحيد عنه اللسان، ~~ومثله ورد قول عويف القوافي1 من أبيات الحماسة: # ذهب الرقاد فما يحس رقاد %~% مما شجاك ونامت العواد # لما أتاني عن عيينة أنه %~% أمسى عليه تظاهر الأقياد2 # فقوله: "أقياد" في جمع "قيد" مما لا يحسن استعماله، بل الحسن أن يقال في ~~جمعه: "قيود". # وكذلك قول مرة بن محكان التميمي3 من أبيات الحماسة، وذلك من جملة الأبيات ~~المشهورة التي أولها: # يا ربة البيت قومي غير صاغرة %~% ضمي إليك رحال القوم والقربا4 # فقال فيها: # ماذا ترين: أندنيهم لأرحلنا %~% في جانب البيت؟ أم نبني لهم قببا؟ # فإنه جمع "قبة" على ms197 "قبب"، وذلك من المستبشع الكريه، والأحسن المستعمل هو ~~"قباب" لا "قبب"، وكذلك يجري الأمر في غير هذا. # ومن المجموع ما يختلف استعماله، وإن كان متفقا في لفظة واحدة كالعين ~~الناظرة وعين الناس وهو النبيه فيهم، فإن العين الناظرة تجمع على "عيون"، ~~وعين الناس PageV01P301 # جمع على "أعيان"، وهذا يرجع فيه إلى الاستحسان لا إلى جائز الوضع اللغوي. # وقد شذ هذا الموضع عن أبي الطيب المتنبي في قوله1: # والقوم في أعيانهم خرز %~% والخيل في أعيانها قبل2 # فجمع العين الناظرة على "أعيان"، وكان الذوق يأبى ذلك, ولا تجد له على ~~اللسان حلاوة وإن كان جائزا. # ولولا خوف الإطالة لأوردت من هذا النوع وأمثاله أشياء كثيرة, وكشفت عن ~~رموز وأسرار تخفى على كثير من متعاطي هذا الفن، لكن في الذي أشرت إليه منبه ~~لأهل الفطانة والذكاء أن يحملوه على أشباهه وأنظاره. # وأعجب من ذلك كله أنك ترى وزنا واحدا من الألفاظ، فتارة تجد مفرده حسنا، ~~وتارة تجد جمعه حسنا، وتارة تجدهما جميعا حسنين. # فالأول نحو: "حبرور" وهو فرخ الحبارى، فإن هذه اللفظة يحسن مفردها لا ~~مجموعها؛ لأن جمعها على "حبارير"، وكذلك "طنبور" و"طنابير"، و"عرقوب" ~~و"عراقيب". # وأما الثاني فنحو: "بهلول" و"بهاليل"3، و"لهموم" و"لهاميم"4، وهذا ضد ~~الأول. # وأما الثالث فنحو: "جمهور" و"جماهير"، و"عرجون" و"عراجين". # فانظر إلى الوزن الواحد كيف يختلف في أحواله مفردا ومجموعا? وهذا من أعجب ~~ما يجيء في هذا الباب. # وهكذا قد جاءت ألفاظ على وزن واحد ثلاثية مسكنة الوسط, وجميعها حسن في ~~الاستعمال، وإذا أردنا أن نثقل وسطها حسن منها شيء دون شيء. PageV01P302 # فمن ذلك لفظة الثلث، والربع %~% إلى العشر, فإن الجميع على وزن واحد، ~~وإذا ثقلنا أوساطها فقلنا: ثلث وربع وخمس %~% وكذلك إلى عشر، فإن الحسن من ~~ذلك جميعه ثلاثة، وهي الثلث والخمس والسدس، والباقي وهو الربع والسبع ~~والثمن والتسع والعشر، ليس كالأول في حسنه هذا, والجميع على وزن واحد وصيغة ~~واحدة, والجميع حسن في الاستعمال قبل أن يثقل وسطه، ولما ثقل صار بعضه حسنا ~~وبعضه غير حسن. # وكذلك تجد الأمر في ms198 أسماء الفاعلين كالثلاثي منها نحو: "فعل" -بفتح الفاء ~~والعين، "وفعل" -بفتح الفاء وكسر العين، "وفعل" -بفتح الفاء وضم العين، فإن ~~هذه الأوزان الثلاثة لها أسماء فاعلين. # أما "فعل" -بفتح الفاء والعين- فليس له إلا اسم واحد أيضا، وهو "فاعل"، ~~ولا يقع فيه اختلاف. # وكذلك "فعل" -بفتح الفاء وضم العين- فليس له إلا اسم واحد أيضا، وهو ~~"فعيل"، ولا يقع فيه اختلاف إلا ما شذ. # لكن "فعل" -بفتح الفاء وكسر العين- يقع في اسم فاعله الاختلاف استحسانا ~~واستقباحا؛ لأن له ثلاثة أوزان، نحو: "فاعل" و"فعل" و"فعلان"، تقول منه: ~~"حمد" فهو "حامد", و"حمد" و"حمدان". # وقد جاء على وزنه "فرح" تقول منه: فرح زيد، فهو فرح، وهو الأحسن، ولا ~~نحسن أن يقال: "فارح" ولا "فرحان"، وإن كان جائزا، لكن "فرحان" أحسن من ~~"فارح". # وقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم، فلم تستعمل إلا على "فرح" لا غير، ~~كقوله تعالى: {كل حزب بما لديهم فرحون} وكقوله تعالى: {إن الله لا يحب ~~الفرحين} 2. PageV01P303 # وقد جاءت هذه اللفظة في شعر بعض شعراء الحماسة1 في باب المراثي: # فما أنا من حزن2 وإن جل جازع %~% ولا بسرور بعد موتك فارح # وهذا غير حسن, وإن جاز استعماله. # وعلى نحو منه يقال: "غضب" وهو "غضبان"، ولا يقال: "غاضب"، وإن كان جائزا. # وقد تقدم القول أنا في تأليف الكلام بصدد استعمال الحسن والأحسن، لا بصدد ~~استعمال الجائز وغير الجائز. # ومما يجري هذا المجرى قولنا: "فعل" و"افتعل"، فإن لفظة "فعل" لها موضع ~~تستعمل فيه، ألا ترى أنك تقول: "قعدت إلى فلان أحدثه"، ولا تقول: "اقتعدت ~~إليه"، وكذلك تقول: "اقتعدت غارب الجمل"، ولا تقول: "قعدت على غارب الجمل"، ~~وإن جاز ذلك، لكن الأول أحسن. # وهذا لا يحكم فيه غير الذوق السليم، فإنه لا يمكن أن يقام عليه دليل. # وأما "فعل" "وافعوعل" فإنا نقول: "أعشب المكان"، فإذا كثر عشبه قلنا: ~~"اعشوشب"، فلفظة "افعوعل" للتكثير. # على أني استقريت هذه اللفظة في كثير من الألفاظ فوجدتها عذبة طيبة، على ~~تكرار حروفها كقولنا: اخشوشن المكان، واغرورقت العين، واحلولى الطعم، ~~وأشبهها. ms199 # وأما "فعلة" نحو: همزة، وجثمة، ونومة، ولكنة، ولحنة، وأشباه ذلك, فالغالب ~~على هذه اللفظة أن تكون حسنة. # وهذا أخذته بالاستقراء، وفي اللغة مواضع كثيرة هكذا لا يمكن استقصاؤها. # فانظر إلى ما يفعله اختلاف الصيغة بالألفاظ. # وعليك أن تتفقد أمثال هذه المواضع، لتعلم كيف تضع يدك في استعمالها، ~~فكثيرا ما يقع فحول الشعراء، والخطباء في مثلها، ومؤلف الكلام من كاتب ~~وشاعر إذا مرت به ألفاظ عرضها على ذوقه الصحيح، فما يجد الحسن منها مجموعا ~~جمعه، وكذلك يجري الحكم فيما سوى ذلك من الألفاظ. PageV01P304 ### ||| النوع السابع: في المعاظلة اللفظية # والمعاظلة: معاظلتان: لفظية، ومعنوية. # أما المعنوية: فسيأتي ذكرها في باب "التقديم والتأخير" من المقالة ~~الثانية، فليؤخذ من هناك. # وأما المعاظلة اللفظية: فهي1 المخصوصة بالذكر ههنا في باب صناعة الألفاظ, ~~وحقيقتها مأخوذة من قولهم: "تعاظلت الجرادتان"، إذا ركبت إحداهما الأخرى، ~~فسمي الكلام المتراكب في ألفاظه أو في معانيه "المعاظلة" مأخوذا من ذلك, ~~وهو اسم لائق بمسماه. # ووصف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- زهير بن أبي سلمى فقال: "كان لا يعاظل ~~بين الكلام". # وقد اختلف علماء البيان في حقيقة المعاظلة, فقال قدامة بن جعفر الكاتب2: ~~PageV01P305 # التعاظل في الكلام هو أن يدخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه، ولا أعرف ذلك ~~إلا فاحش الاستعارة1، كقول أوس بن حجر: # وذات هدم عار نواشرها %~% تصمت بالماء تولبا جدعا2 # فسمى الظبي "تولبا"، والتولب: ولد الحمار. # هذا ما ذكره قدامة بن جعفر، وهو خطأ؛ إذ لو كان ما ذهب إليه صوابا لكانت ~~حقيقة المعاظلة دخول الكلام فيما ليس من جنسه، وليست حقيقتها هذه، بل ~~حقيقتها ما تقدم وهو التراكب، من قولهم: تعاظلت الجرادتان، إذا ركبت ~~إحداهما الأخرى. # وهذا المثال -الذي مثل به قدامة- لا تراكب في ألفاظه ولا في معانيه. # وأما غير قدامة فإنه خالفه فيما ذهب إليه، إلا أنه لم يقسم المعاظلة إلى ~~لفظية ومعنوية، ولكنه ضرب لها مثالا كقول الفرزدق: # وما مثله في الناس إلا مملكا %~% أبو أمه حي أبوه يقاربه3 # وهذا من القسم المعنوي، لا من القسم اللفظي، ms200 ألا ترى إلى تراكب معانيه ~~بتقديم ما كان يجب تأخيره, وتأخير ما كان يجب تقديمه؛ لأن الأصل في معناه: ~~"وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه"؟ وسيجيء شرح ذلك ~~مستوفى في بابه من المقالة الثانية، إن شاء الله تعالى. # وإذا حققت القول في بيان المعاظلة، والكشف عن حقيقتها, فإني أتبع ذلك ~~بتقسيم PageV01P306 # القسم اللفظي منها الذي أنا بصدد ذكره ههنا فأقول: إني تأملت بالاستقراء ~~من الأشعار قديمها ومحدثها، ومن النظر في حقيقتها نفسها، فوجدتها تنقسم إلى ~~خمسة أقسام: ### |||| الأول منها: [ما يختص بالأدوات] # يختص بأدوات الكلام نحو: من، وإلى، وعن، وعلى، وأشباهها، فإن منها ما ~~يسهل النطق به إذا ورد مع أخواته, ومنها ما لا يسهل، بل يرد ثقيلا على ~~اللسان، ولكل موضع يخصه من السبك. # فمما جاء منه قول أبي تمام: # إلى خالد راحت بنا أرحبية %~% مرافقها من عن كراكرها نكب1 # فقوله: "من عن كراكرها" من الكلام المتعاظل الذي يثقل النطق به. # على أنه قد وردت هاتان اللفظتان، وهما "من" و"عن"، في موضع آخر، فلم يثقل ~~النطق بهما، كقول القائل: "من عن يمين الطريق"، والسبب في ذلك أنهما وردتا ~~في بيت أبي تمام مضافتين إلى لفظة "الكراكر"، فثقلت منهما، وجعلتهما ~~مكروهتين كما ترى، وإلا فقد وردتا في شعر قطري بن الفجاءة2 فكانتا خفيفتين، ~~كقوله: # ولقد أراني للرماح دريئة %~% من عن يميني مرة وأمامي3 # والأصل في ذلك راجع إلى السبك، فإذا سبكت هاتان اللفظتان أو ما يجري ~~مجراهما مع ألفاظ تسهل منهما, لم يكن بهما من ثقل، كما جاءتا في بيت قطري، ~~وإذا سبكتا مع ألفاظ تثقل منهما جاءتا كما جاءتا في بيت أبي تمام. ~~PageV01P307 # ومن هذا القسم قول أبي تمام أيضا: # كأنه لاجتماع الروح فيه له %~% في كل جارحة من جسمه روح1 # فقوله: "في" بعد قوله: "فيه له" مما لا يحسن وروده. # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي: # وتسعدني في غمرة بعد غمرة %~% سبوح لها منها عليها شواهد2 # فقوله: "لها منها عليها" من الثقيل الثقيل ms201 الثقيل. # وكذلك قوله: # تبيت وفودهم تسري إليه %~% وجدواه التي سألوه اغتفار # فخلفهم برد البيض عنهم %~% وهامهم له معهم معار3 # وقوله: "وهامهم له معهم" مما يثقل النطق به، ويتعثر اللسان فيه، لكنه ~~أقرب حالا من الأول. # ومن الحسن في هذا الموضع قول أبي تمام: # دار أجل الهوى عن أن ألم بها %~% في الركب إلا وعيني من منائحها4 ~~PageV01P308 # فقوله: "عن أن" في هذا البيت من الخفيف الحسن الذي لا بأس به. ### |||| القسم الثاني من المعاظلة اللفظية: # تختص بتكرير الحروف، وليس ذلك مما يتعلق بتكرير الألفاظ، ولا بتكرير ~~المعاني -مما يأتي ذكره في باب التكرير في المقالة الثانية- وإنما هو تكرير ~~حرف واحد أو حرفين في كل لفظة من ألفاظ الكلام المنثور أو المنظوم، فيثقل ~~حينئذ النطق به، فمن ذلك قول بعضهم: # وقبر حرب بمكان قفر %~% وليس قرب قبر حرب قبر1 # فهذه القافات والراءات كأنها في تتابعها سلسلة، ولا خفاء بما في ذلك من ~~الثقل، وكذا ورد قول الحريري في مقاماته: # وازور من كان له زائرا %~% وعاف عافي العرف عرفانه2 # فقوله: "وعاف عافي العرف عرفانه" من التكرير المشار إليه. # وكذلك ورد قوله أيضا في رسالتيه اللتين صاغهما على حرف السين3 والشين4، ~~فإنه أتى في إحداهما بالسين في كل لفظة من ألفاظها, وأتى في الأخرى بالشين ~~في كل لفظة من ألفاظها، فجاءتا كأنهما رقى العقارب، أو خذروفة العزائم، وما ~~أعلم كيف خفي ما فيهما من قبح على مثل الحريري مع معرفته بالجيد والرديء من ~~الكلام؟ # ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال في جملة كلام أورده: "جنى جنات وجنات ~~الحبيب"، فصاح رجل من الحاضرين في المجلس, وماد وتغاشى، فقال له رجل كان ~~إلى جانبه: ما الذي سمعته حتى حدث بك هذا? فقال: "سمعت جيما في جيم في جيم ~~فصحت"!!. PageV01P309 # وهذا من أقبح عيوب الألفاظ. # ومما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها: # أتراها لكثرة العشاق1 # كيف ترثي التي كل جفن %~% راءها غير جفنها غير راقي2 # وهذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصرع ms202 التي تنوب في بعض الأيام! # ومن هذا القسم قول الشاعر المعروف بكشاجم3 في قصيدته التي مطلعها: # داو خماري بكأس خمر # والزهر والقطر في رباها %~% ما بين نظم وبين نثر # حدائق كف كل ريح %~% حل بها خيط كل قطر # وهذا الباب يحتاج الناطق به إلى بركار يضعه في شدقه حتى يديره له. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم, وهو البيت المشهور الذي يتذاكره الناس: # مللت مطال مولود مفدى %~% مليح مانع مني مرادي # وهذه الميمات كأنها عقد متصلة بعضها ببعض. # وكان بعض أهل الأدب من أهل مصرنا هذا يستعمل هذا القسم في ألفاظه كثيرا ~~في كلامه نثرا ونظما, وذلك لعدم معرفته بسلوك الطريق. # وأنا أذكر نبذة من ذلك، كقوله في وصف رجل سخي: "أنت المديح, كبدا تريح، ~~والمليح إن تجهم المليح بالتكليح، عند سائل تلوح، بل يفوق إذ يروق مرأى ~~لوح، يا مغبوق كأس الحمد يا مصبوح، ضاق عن نداك اللوح, وببابك المفتوح ~~تستريح, وتريح ذا التبريح، وترفه الطليح". PageV01P310 # فانظر إلى حرف الحاء كيف قد لزمه في كل لفظة من هذه الألفاظ, فجاء كما ~~تراه من الثقل والغثاثة? # واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في ~~كثير من كلامهم، وذاك أنه إذا تكرر الحرف عندهم أدغموه استحسانا, فقالوا في ~~"جعل لك"، "جعلك"، وفي "تضربونني"، "تضربوني"، وكذلك قالوا: "استعد فلان ~~للأمر"، إذا تأهب له، والأصل فيه "استعدد" و"استتب الأمر"، إذا تهيأ، ~~والأصل فيه "استتبب"، وأشباه ذلك كثير في كلامهم، حتى إنهم لشدة كراهتهم ~~لتكرير الحروف أبدلوا أحد الحرفين المكررين حرفا آخر غيره، فقالوا: "أمليت ~~الكتاب"، والأصل فيه "أمللت"، فأبدلوا اللام ياء طلبا للخفة، وفرارا من ~~الثقل, وإذا كان قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة، فما ظنك بالألفاظ الكثيرة ~~التي يتبع بعضها بعضا? ### |||| القسم الثالث من المعاظلة: # أن ترد ألفاظ على صيغة الفعل يتبع بعضها بعضا. # فمما ما يختلف بين ماض ومستقبل، ومنها ما لا يختلف. # فالأول: كقول القاضي الأرجاني1 في أبيات يصف فيها الشمعة، وفيها معنى ms203 هو ~~له مبتدع، ولم يسمع من غيره، وذلك أنه قال عن لسان الشمع، إنه ألف العسل ~~وهو أخوه الذي ربي معه في بيت واحد، وإن النار فرقت بينه وبينه، وإنه نذر ~~أن يقتل نفسه بالنار أيضا من ألم الفراق، إلا أنه أساء العبارة فقال: # بالنار فرقت الحوادث بيننا %~% وبها نذرت أعود أقتل روحي PageV01P311 # فقوله: "نذرت أعود [أقتل] " من المعاظلة إليها. # وأما ما يرد على نهج واحد من الصيغة الفعلية فكقول أبي الطيب المتنبي: # أقل أنل أقطع احمل على سل أعد %~% زد هش بش تفضل ادن سر صل1 # فهذه الألفاظ جاءت على صيغة واحدة، وهي صيغة الأمر، كأنه قال: "افعل افعل ~~... ، هكذا إلى آخر البيت" وهذا تكرير للصيغة، وإن لم يكن تكريرا للحروف، ~~إلا أنه أخوه ولا أقول ابن عمه. # وهذه الألفاظ متراكبة متداخلة, ولو عطفها بالواو كانت أقرب حالا كما قال ~~عبد السلام بن رغبان2: # فسد الناس فاطلب الرزق بالسي %~% ف وإلا فمت شديد الهزال # أحل وامرر وضر وانفع ولن واخ %~% شن وأبرز ثم انتدب للمعالي # ألا ترى أنه لما عطف ههنا بالواو لم تتراكب الألفاظ كتراكبها في بيت أبي ~~الطيب المتقدم ذكره؟ # فإن قيل: إنك جعلت ما كان ورادا على صيغة واحدة على سبيل التكرار معاظلة، ~~وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} 3 ولو كان ~~معاظلة لما ورد في القرآن الكريم مثله؟ # فالجواب عن ذلك أني أقول: هذه الآية ليست كالذي أنكرته، فإن هذا الموضع ~~ينظر فيه إلى الكثير والقليل، فإذا كثر كان تعاظلا لتراكبه وثقله على ~~النطق، وقد PageV01P312 # عرفتك أن ما يفصل بين صيغه بواو العطف يكون أقل ثقلا مما لا يفصل، والذي ~~أنكرته من ذلك هو أن يأتي ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها عقد متصلة، ~~فحينئذ يثقل النطق بها، ويكره موقعها من السمع كبيت أبي الطيب المتنبي. # وأما هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم. # ألا ترى أنها لما ms204 وردت ألفاظها على صيغة واحدة فرق بينها بواو العطف، ثم ~~مع التفريق بينها بواو العطف لم يرد التكرير فيها إلا بين ثنتين، وهما ~~"خذوهم" "واحصروهم". # وأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر، فقيل: {اقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم} ولم يقل: اقتلوا المشركين وخذوهم، ثم لما جاءت الصيغة ~~الرابعة أضيف إليها كلام آخر أيضا فقيل: {واقعدوا لهم كل مرصد} . # لا جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة صيغة الأمر فيها ~~أربع مرار. # وهذه رموز ينبغي أن يتنبه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا. ### |||| القسم الرابع من المعاظلة: # وهو الذي يتضمن مضافات كثيرة كقولهم: "سرج فرس غلام زيد"، وإن زيد على ~~ذلك قيل: "لبد سرج فرس غلام زيد"، وهكذا أشد قبحا وأثقل على اللسان، وعليه ~~ورد قول ابن بابك1 الشاعر في مفتتح قصيدة له: # حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي %~% فأنت بمرأى من سعاد ومسمع ### |||| القسم الخامس من المعاظلة: # أن ترد صفات متعددة على نحو واحد، كقول أبي تمام في قصيدته التي مطلعها: # ما لكثيب الحمى إلى عقده2 PageV01P313 # فقال يصف جملا: # سأخرق الخرق بابن خرقاء كالهي %~% ق إذا ما استحم من نجده1 # مقابل في الجديل صلب القرا %~% لو حك من عجبه إلى كنده2 # تامكه نهده مداخله %~% ملمومه محزئله أجده3 # فالبيت الثالث من المعاظلة التي قلع الأسنان دون إيرادها. # وكذلك قال من هذه القصيدة يصف رمحا: # ومر تهفو ذؤابتاه على %~% أسمر متن يوم الوغى جسده4 # مارنه لدنه مثقفه %~% عراضه في الأكف مطرده5 # وهذا كالأول في قبحه وثقله، فقاتله الله! ما أمتن شعره! وما أسخفه في بعض ~~الأحوال! # وعلى هذا جاء من هذه القصيدة أيضا يصف الممدوح: # إليك عن سيل عارض خضل ال %~% شؤ بوب يأتي الحمام من نضده6 # مسفه ثره مسحسحه %~% وابله مستهله جرده7 # ولو لم يكن لأبي تمام من القبيح الشنيع إلا هذه الأبيات لحطت من قدره. ~~PageV01P314 # وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي1: # دان بعيد مبغض بهج %~% أغر حلو ممر لين شرس2 # ند أبي غر واف أخي ms205 ثقة %~% جعد سري ندب رضى ندس3 # وهذا كأنه سلسلة بلا شك، وقليلا ما يوجد في أشعار الشعراء، ولم أجده ~~كثيرا إلا في شعر الفرزدق، وتلك معاظلة معنوية، وسيأتي بيانها في بابها, ~~وهذه معاظلة لفظية, وهي توجد في شعر أبي الطيب كثيرا. PageV01P315 ### ||| النوع الثامن: في المنافرة بين الألفاظ في السبك # وهذا النوع لم يحقق أحد من علماء البيان القول فيه، وغاية ما يقال: إنه ~~ينبغي ألا تكون الألفاظ نافرة عن مواضعها، ثم يكتفي بها القول، من غير بيان ~~ولا تفصيل، حتى إنه قد خلط هذا النوع بالمعاظلة، وكل منهما نوع مفرد برأسه ~~له حقيقة تخصه، إلا أنهما قد اشتبها على علماء البيان, فكيف على جاهل لا ~~يعلم؟! # وقد بينت هذا النوع وفصلته عن المعاظلة، وضربت له أمثلة يستدل بها على ~~أخواتها, وما يجري مجراها. PageV01P315 # وجملة الأمر أن مدار سبك الألفاظ على النوع والذي قبله دون غيرهما من تلك ~~الأنواع المذكورة، لأن هذين النوعين أصلا سبك الألفاظ، وما عداهما فرع ~~عليهما، وإذا لم يكن الناثر أو الناظم عارفا بهما فإن مقاتله تبدو كثيرا. # وحقيقة هذا النوع الذي هو "المنافرة" أن يذكر لفظ أو ألفاظ يكون غيرها ~~مما هو في معناها أولى بالذكر. # وعلى هذا, فإن الفرق بينه وبين المعاظلة: أن المعاظلة هي التراكب ~~والتداخل, إما في الألفاظ أو في المعاني، على ما أشرت إليه، وهذا النوع لا ~~تراكب فيه، وإنما هو إيراد ألفاظ غير لائقة بموضعها الذي ترد فيه. # وهو ينقسم قسمين: # أحدهما: يوجد في اللفظة الواحدة، والآخر: في الألفاظ المتعددة. # فأما الذي يوجد في اللفظة الواحدة فإنه إذا أورد في الكلام أمكن تبديله ~~بغيره مما هو في معناه, سواء كان ذلك نثرا أو نظما. # وأما الذي يوجد في الألفاظ المتعددة فإنه لا يمكن تبديله بغيره من الشعر، ~~بل يمكن ذلك في النثر خاصة لأنه يعسر في الشعر من أجل الوزن. # فمما جاء من القسم الأول قول أبي الطيب المتنبي: # فلا يبرم الأمر الذي هو حالل %~% ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم1 ms206 # فلفظة "حالل" نافرة عن موضعها، وكانت مندوحة عنها؛ لأنه لو استعمل عوضا ~~عنها لفظة "ناقض"، فقال: # فلا يبرم الأمر الذي هو ناقض %~% ولا ينقض الأمر الذي هو يبرم # لجاءت اللفظة قارة في مكانها، غير قلقة ولا نافرة. # وبلغني عن أبي العلاء بن سليمان المعري أنه كان يتعصب لأبي الطيب، حتى ~~إنه PageV01P316 # كان يسميه "الشاعر" ويسمي غيره من الشعراء باسمه، وكان يقول: ليس في شعره ~~لفظة يمكن أن يقوم عنها ما هو في معناها, فيجيء حسنا مثلها! # فيا ليت شعري, أما وقف على هذا البيت المشار إليه!؟ لكن الهوى كما يقال ~~أعمى، وكان أبو العلاء أعمى العين خلقة وأعماها عصبية، فاجتمع له العمى من ~~جهتين. # وهذه اللفظة التي هي "حالل" وما يجري مجراها قبيحة الاستعمال, وهي فك ~~الإدغام في الفعل الثلاثي، ونقله إلى اسم فاعل، وعلى هذا, فلا يحسن أن ~~يقال: بل الثوب فهو بالل، ولا سل السيف فهو سالل، ولا أن يقال: هم بالأمر ~~فهو هامم، ولا خط الكتاب فهو خاطط، ولا حن إلى كذا فهو حانن!! # وهذا لو عرض على من لا ذوق له لأدركه وفهمه، فكيف من له ذوق صحيح كأبي ~~الطيب, لكن لا بد لكل جواد من كبوة. # وأنشد بعض الأدباء بيتا لدعبل1، وهو: # شفيعك فاشكر في الحوائج إنه %~% يصونك عن مكروهها وهو يخلق # قلت له: عجز هذا البيت حسن، وأما صدره فقبيح، لأنه سبكه قلقا نافرا، وتلك ~~الفاء التي في قوله: "شفيعك فاشكر" كأنها ركبة البعير، وهي في زيادتها ~~كزيادة الكرش. # فقال: لهذه الفاء في كتاب الله أشباه كقوله تعالى: {ياأيها المدثر، قم ~~فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر} 2. # فقلت له: بين هذه الفاء وتلك الفاء فرق ظاهر يدرك بالعلم أولا، وبالذوق ~~ثانيا. PageV01P317 # أما العلم: فإن الفاء في {وربك فكبر، وثيابك فطهر} هي الفاء العاطفة، ~~فإنها واردة بعد {قم فأنذر} وهي مثل قولك: "امش فأسرع"، و"قل فأبلغ", وليست ~~الفاء التي في "شفيعك فاشكر" كهذه الفاء؛ لأن تلك زائدة لا موضع لها، ولو ~~جاءت في السورة كما جاءت ms207 في قول دعبل -وحاش الله من ذلك- لابتدئ الكلام ~~فقيل: {ربك فكبر، وثيابك فطهر} ، لكنها جاءت بعد {قم فأنذر} ، حسن ذكرها ~~فيما يأتي بعدها {وربك فكبر، وثيابك فطهر} . # وأما الذوق: فإنه ينبو عن الفاء الواردة في قول دعبل ويستثقلها، ولا يوجد ~~ذلك في الفاء الواردة في السورة. # فلما سمع ما ذكرته أذعن بالتسليم. # ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظما كان أو نثرا لا يتفطن لها إلا ~~الراسخ في علم الفصاحة والبلاغة! # ومن هذا القسم وصل همزة القطع، وهو محسوب من جائزات الشعر التي لا تجوز ~~في الكلام المنثور، وكذلك قطع همزة الوصل، لكن وصل همزة القطع أقبح، لأنه ~~أثقل على اللسان. # فمما ورد من ذلك قول أبي تمام1: # قراني اللها والود كأنما %~% أفاد الغنى من نائلي وفوائدي2 # فأصبح يلقاني الزمان من اجله %~% بإعظام مولود ورأفة والد3 # فقوله: "من اجله" وصل الهمزة القطع. PageV01P318 # وعليه ورد قول أبي الطيب المتنبي: # يوسطه المفاوز كل يوم %~% طلاب الطالبين لا الانتظار1 # فقوله: "لا الانتظار" كلام نافر عن موضعه. # ومن هذا القسم أن يفرق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدم ذكره، كقول ~~البحتري: # حلفت لها بالله يوم التفرق %~% وبالوجد من قلبي بها المتعلق2 # تقديره "من قلبي المتعلق بها" فلما فصل بين الموصوف الذي هو "قلبي" ~~والصفة التي هي "المتعلق" بالضمير الذي هو "بها" قبح ذلك، ولو كان قال: "من ~~قلب بها متعلق" لزال ذلك القبح, وذهبت تلك الهجنة. # ومن هذا القسم أيضا أن تزاد الألف واللام في اسم الفاعل، ويقام الضمير ~~فيه مقام المفعول, كقول أبي تمام: # فلو عاينتهم والزائريهم %~% لما مزت البعيد من الحميم3 # فقوله: "الزائري" اسم فاعل، وقوله: "هم" الذي هو الضمير في موضع المفعول ~~تقديره "الزائرين أرضهم أو دارهم"، أو "الزائرين إياهم"، فاستعمال هذا مع ~~الألف واللام قبيح جدا، وإذا حذفتا زال ذلك القبح. وقد استعملها الشعراء ~~المتقدمون كثيرا. PageV01P319 # ومما جاء من القسم الثاني -الذي يوجد في الألفاظ المتعددة- قول أبي الطيب ~~أيضا: # لا خلق أكرم منك إلا عارف %~% بك راء نفسك لم ms208 يقل لك هاتها1 # فإن عجز هذا البيت نافر عن مواضعه، وأمثال هذا في الأشعار كثير. ### | المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية # وهي تنقسم قسمين: # الأول منهما: في الكلام على المعاني مجملا: # والثاني في الكلام عليها مفصلا. ### || # وقبل الكلام على ذلك لا بد من توطئة تكون شاملة لما نحن بصدد ذكره هاهنا ~~فأقول: # اعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء ~~اليونان غير أن ذلك الحصر كلي لا جزئي، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني، وما ~~يتفرع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا ~~يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم ولا يفتقر إليه، فإن البدوي البادي راعي ~~الإبل ما كان يمر شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله ومع هذا، فإنه كان يأتي ~~بالسحر الحلال إن قال شعرا أو تكلم نثرا. # فإن قيل: إن ذلك البدوي كان له ذلك طبعا وخليقة، والله فطره عليه، كما ~~فطر ضروب نوع الآدمي على فطر مختلفة هي لهم في أصل الخلقة. # فإنه فطر الترك على الإحسان في الرمي، والإصابة فيه من غير تعليم. # وكذلك فطر أهل الصين على الإحسان في صنعة اليد، فيما يباشرونه من مصوغ. # أو خشب، أو فخار، أو غير ذلك. # وكذلك فطر أهل المغرب على الشجاعة، وهذا لا نزاع فيه فإنه مشاهد. PageV02P003 # فالجواب عن ذلك أني أقول: إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب ~~بالطبع والفطرة، فماذا تقول فيمن جاء بعدهم من شاعر، وخطيب تحضروا وسكنوا ~~البلاد، ولم يروا البادية ولا خلقوا بها، وقد أجادوا في تأليف النظم ~~والشعر، وجاءوا بمعان كثيرة ما جاءت في شعر العرب، ولا نطقوا بها؟. # فإن قلت: إن هؤلاء وقفوا على ما ذكره علماء اليونان وتعلموا منه. # قلت لك في الجواب: هذا شيء لم يكن، ولا علم أبو نواس شيئا منه، ولا مسلم ~~بن الوليد، ولا أبو تمام ولا البحتري، ولا أبو الطيب المتنبي، ولا غيرهم!. # وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد1 وابن العميد2، والصابي، ~~وغيرهم. ms209 # فإن ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان قلت لك في الجواب: ~~هذا باطل بي أنا، فإني لم أعلم شيئا مما ذكره حكماء اليونان، ولا عرفته، ~~ومع هذا فانظر إلى كلامي، فقد أوردت لك نبذة منه في هذا الكتاب، وإذا وقفت ~~على رسائلي، ومكاتباتي -وهي عدة مجلدات- وعرفت أني لم أتعرض لشيء مما ذكره ~~حكماء اليونان في حصر المعاني علمت حينئذ أن صاحب هذا العلم من النظم، ~~والنثر بنجوة من ذلك كله، وأنه لا يحتاج إليه أبدا، وفي كتابي هذا ما يغنيك ~~وهو كاف. # ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي ~~PageV02P004 # ابن سينا1 في الخطابة والشعر، وذكر ضربا من ضروب الشعر اليوناني يسمى ~~"اللاغوذيا"2، وقام فأحضر كتاب "الشفاء" لأبي علي، ووقفني على ما ذكره، ~~فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طول فيه وعرض، كأنه يخاطب بعض اليونانيين، ~~وكل الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئا. # ثم مع هذا جميعه فإن معول القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد ~~على مقدمتين ونتيجة، وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال، فما صاغه من ~~شعر أو كلام مسجوع، فإن له شيئا من ذلك في كلامه، وعند إفاضته في صوغ ما ~~صاغه لم تخطر المقدمتان، والنتيجة له ببال. # ولو أنه فكر أولا في المقدمتين والنتيجة، ثم أتي بنظم أو نثر بعد ذلك لما ~~أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه!. # بل أقول شيئا آخر، وهو: أن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم ~~لم ينظموه في وقت نظمه، وعندهم فكرة من مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع ~~PageV02P005 # توضع، ويطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال: فقاقع ~~ليس لها طائل، كأنها شعر الأبيوردي1. # وحيث أوردت هذه المقدمة قبل الخوض في تقسيم المعاني، فإني راجع إلى شرح ~~ما أجملته فأقول: # أما القسم الأول2: فإن المعاني فيه على ضربين: # أحدهما يبتدعه مؤلف الكلام من غير أن يقتدي فيه بمن سبقه: # وهذا ms210 الضرب ربما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، ويتنبه له عند الأمور ~~الطارئة3، ولنشر في هذا الموضع إلى نبذة لتكون مثالا للمتوشح لهذه الصناعة. # فمن ذلك ما ورد في شعر أبي تمام في وصف مصلبين4: # بكروا وأسروا في متون ضوامر %~% قيدت لهم5 من مربط النجار # لا يبرحون ومن رآهم خالهم %~% أبدا على سفر من الأسفار PageV02P006 # وهذا المعنى مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، والخاطر في مثل هذا ~~المقام ينساق إلى المعنى المخترع من غير كبير كلفة، لشاهد الحال الحاضرة. # وكذلك قال في هذه القصيدة في صفة من أحرق بالنار: # ما زال سر الكفر بين ضلوعه %~% حتى اصطلى سر الزناد الواري # نارا يساور جسمه من حرها %~% لهب كما عصفرت شق إزار1 # طارت لها شعل يهدم لفحها %~% أركانه هدما بغير غبار # فصلن منه كل مجمع مفصل %~% وفعلن فاقرة بكل فقار2 # مشبوبة رفعت لأعظم مشرك %~% ما كان يرفع ضوءها للساري3 # صلى لها حيا وكان وقودها %~% ميتا ويدخلها مع الفجار # وهذا مما يعين على استخراج المعاني فيه شاهد الحال. # وقد ذيل البحتري على ما ذكره أبو تمام في وصف المصلبين فقال: # كم عزيز أباده فغدا ير %~% كب عودا مركبا في عود # أسلمته إلى الرقاد رجال %~% لم يكونوا عن وترهم برقود # تحسد الطير فيه ضبع البوادي %~% وهو في غير حالة المحسود # غاب عن صحبه فلا هو موجو %~% د لديهم وليس بالمفقود # وكأن امتداد كفيه فوق ال %~% جذع في محفل الردى المشهود # طائر مد مستريحا جناحي %~% ه استراحات متعب مكدود # أخطب الناس راكبا فإذا أر %~% جل خاطبت منه عين البليد PageV02P007 # وهذه أبيات حسنة قد استوعبت أقسام هذا المعنى المقصود، إلا أن فيها ~~مأخوذا من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري1، وهو قوله: # نصبته حيث ترتاب الرياح به %~% وتحسد الطير فيه أضبع البيد # لكن البحتري زاد في ذلك زيادة حسنة، وهي قوله: "وهو في غير حالة ~~المحسود". # ومن هذا الضرب ما جاء في شعر أبي الطيب المتنبي في وصفه الحمى، وهو ~~قوله2: # وزائرتي كأن بها حياء %~% فليس تزور إلا ms211 في الظلام # بذلت لها المطارف والحشايا %~% فعافتها وباتت في عظامي # كأن الصبح يطردها فتجري %~% مدامعها بأربعة سجام3 # أراقب وقتها من غير شوق %~% مراقبة المشوق المستهام # وقد شرح أبو الطيب بهذه الأبيات حاله مع الحمى. # ومن بديع ما أتي به في هذا الموضع أن سيف الدولة بن حمدان4 كان مخيما ~~PageV02P008 # بأرض ديار بكر1 على مدينة "ميا فارقين"2، فعصفت الريح بخيمته، فتطير ~~الناس لذلك، وقالوا فيه أقوالا، فمدحه أبو الطيب بقصيدة يعتذر فيها عن سقوط ~~الخيمة، أولها: # أينفع في الخيمة العذل3 # فمنه ما أحسن فيه كل الإحسان، وهو قوله: # تضيق بشخصك أرجاؤها %~% ويركض في الواحد الجحفل4 # وتقصر ما كنت في جوفها %~% وتركز فيها القنا الذبل # وكيف تقوم على راحة %~% كأن البحار لها أنمل # فليت وقارك فرقته %~% وحملت أرضك ما تحمل # فصار الأنام به سادة %~% وسدتهم بالذي يفضل # رأت لون نورك في لونها %~% كلون الغزالة لا يغسل5 # وأن لها شرفا باذخا %~% وأن الخيام بها تخجل PageV02P009 # فلا تنكرن لها صرعة %~% فمن فرح النفس ما يقتل # ولو بلغ الناس ما بلغت %~% لخانتهم حولك الأرجل # ولما أمرت بتطنيبها %~% أشيع بأنك لا ترحل1 # فما اعتمد الله تقويضها %~% ولكن أشار بما تفعل # وعرف أنك من همه %~% وأنك في نصره ترفل # فما العاندون وما أثلوا2 %~% وما الحاسدون وما قولوا3 # هم يطلبون فمن أدركوا؟ %~% وهم يكذبون فمن يقبل؟ # وهم يتمنون ما يشتهون %~% ومن دونه جدك المقبل # هذه الأبيات قد اشتملت على معان بديعة، وكفى المتنبي فضلا أن يأتي ~~بمثلها، وهذا مقام يظهر في مثله براعة الناظم والناثر. # وقرأت في كتاب "الروضة" لأبي العباس المبرد4، وهو كتاب جمعه واختار فيه ~~أشعار شعراء، بدأ فيه بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانسحب على ذيله، ~~فقال فيما أورده من شعره: وله معنى لم يسبق إليه بإجماع، وهو قوله5: ~~PageV02P010 # تدار علينا الراح في عسجدية %~% حبتها بأنواع التصاوير فارس1 # قرارتها كسرى وفي جنباتها %~% مها ثورتها بالعشي الفوارس2 # فللراح ما زرت عليه جيوبها %~% وللماء ما دارت عليه القلانس3 # وقد أكثر العلماء من وصف هذا المعنى، ms212 وقولهم فيه: إنه معنى مبتدع. # ويحكى عن الجاحظ4 أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعنى قديما وحديثا ~~إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه! # ولا أعلم أنا ما أقول لهما5 ولا بي سوى أن أقول: قد تجاوز بهم حد ~~الإكثار، ومن الأمثال السائر: بدون هذا يباع الحمار! # وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة، لا هذا المعنى، فإنه لا كبير كلفة ~~فيه؛ لأن أبا نواس رأى كأسا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره. # والذي عندي في هذا أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ~~ماء يسيرا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها ~~قليلا بقدر القلانس التي على رءوسها، وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر. ~~PageV02P011 # وكذلك ورد قوله في الخمر أيضا1: # يا شقيق النفس من حكم %~% نمت عن ليلى ولم تنم # فاسقني الخمر التي اختمرت %~% بخمار الشيب في الرحم # وهذا معنى مخترع، لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني ~~التي تستخرج من غير شاهد حال متصور. # وبلغني أنه اختلف في هذا المعنى بحضرة الرشيد هارون -رحمه الله- فقيل: ~~إنه يريد بخمار الشيب في الرحم أن الخمر تكون في جوانبها ذات زبد أبيض على ~~وجهها، فقال الأصمعي2: إن أبا نواس ألطف خاطرا من هذا، وأسد غرضا فاسألوه، ~~فأحضر وسئل، فقال: إن الكرم أول ما يجري فيه الماء يخرج شبيها بالقصنة، وهي ~~أصل العنقود، فقال الأصمعي: ألم أقل لكم إن الرجل ألطف خاطرا، وأسد غرضا!؟. # وقد جاء لابن حمديس الصقلي3 في الهلال لآخر الشهر ما لم يأت به غيره، وهو ~~من الحسن واللطافة في الغاية القصوى، وذلك قوله: # كأنما أدهم الظلماء حين نجا %~% من أشهب الصبح ألقى نعل حافره # وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر، إلا أنه أبدع في التشبيه. # وأمثال هذا كثيرة في أقوال المجيدين من الشعراء. # وجملة الأمر في ذلك أن الشاعر، أو الكاتب ينظر إلى الحال الحاضرة، ثم ~~يستنبط لها PageV02P012 # ما يناسبها من المعاني، كما فعل النابغة1 في مدح النعمان وقد ms213 أتاه وفد من ~~الوفود، فمات رجل منهم قبل أن يرفدهم، فلما رفدهم جعل عطاء ذلك الميت على ~~قبره، حتى جاء أهله وأخذوه، فقال النابغة في ذلك: # حباء شقيق فوق أحجار قبره %~% وما كان يحبى قبله قبر وافد # وهذا بيت من جملة أبيات، فانظر كيف فعل النابغة في هذا المعنى!. # وكذلك ورد قول أخت جساس، زوجة كليب، فإنه لما قتل جساس كليبا اجتمع ~~النساء إليها، وندبنه، فتحدث بعضهم إلى بعض، وقلن: هذه ليست ثاكلة، وإنما ~~هي شامتة، فإن أخاها هو القاتل، فنم ذلك إليها، فقالت: # يا ابنة الأقوام إن شئت فلا %~% تعجلي باللوم حتى تسألي # فإذا أنت تبينت الذي %~% يوجب اللوم فلومي واعذلي # إن أختا لامرئ ليمت على2 %~% شفق منها عليه فافعلي # جل عندي فعل جساس %~% حسرتا عم انجلت أو تنجلي # فعل جساس على وجدي به %~% قاطع ظهري ومدن أجلي # لو بعين فقئت عين سوى %~% أختها فانفقأت لم أحفل # يا قتيلا قوض الدهر به %~% سقف بيتي جميعا من عل PageV02P013 # هدم البيت الذي استحدثته %~% وانثنى في هدم بيتي الأول # يشتفي المدرك بالثأر وفي %~% دركي ثأري ثكل مثكلي # إنني قاتلة مقتولة %~% ولعل الله أن يرتاح لي # وهذه الأبيات لو نطق بها الفحول المعدودون من الشعراء لاستعظمت، فكيف ~~امرأة، وهي حزينة في شرح تلك الحال المشار إليها. # واعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع. # فمن ذلك قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد: # تنافس الليل فيه والنهار معا %~% فقمصاه بجلباب من المقل # وليس هذا من المعاني الغريبة، ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه. # وقد جاء بعده شاعر من أهل الموصل يقال له: ابن مسهر فاستخرج من هذا البيت ~~معنى غريبا، فقال: # ونقطته حباء كي يسالمها %~% على المنايا نعاج الرمل بالحدق # وهذا معنى غريب، لم أسمع بمثله في مقصده الذي قصد من أجله. # وقليلا ما يقع هذا في الكلام المنظوم والمنثور، وهو موضع ينبغي أن توضع ~~اليد عليه، ويتنبه له. # وكذلك فلتكن سياقة ما جرى هذا المجرى. # وقد جاءني شيء من ms214 ذلك في الكلام المنثور. ### ||| فمن ذلك ما ذكرته في وصف نساء حسان، وهو: # "أقبلت ربائب الكناس، في مخضر اللباس، فقيل: إنما يخترن الخضرة من ~~الألوان ليصح تشبيههن بالأغصان". PageV02P014 # وهذا معنى غريب وربما يكون قد سبقت إليه، إلا أنه لم يبلغني بل ابتدعته ~~ابتداعا. ### ||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن منازلة بلد، فذكرت القتال بالمنجنيق 1، وهو: # "فنزلنا بمرأى منه ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع، ونصبت ~~المنجنيقات، فأنشأت سحبا صعبة القياد، مختصة بالربا دون الوهاد، فلم تزل ~~تقذف السور بوبل من جلمودها، وتفجؤها برعودها قبل بروقها، وبروق السحب قبل ~~رعودها، حتى غادرت الحزن منه سهلا، والعامر بلقعا مخلى". # وفي هذا معنيان غريبان. # أحدهما: أن هذه السحب تخص الربا دون الوهاد. # والآخر: أن رعودها قبل بروقها، وكل ذلك يتفطن له بالمشاهدة. ### ||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، فقلت: # "إذا تخلق المرء بخلق البأس، والندى لم يخف عرضه دنسا، كما أن الماء إذا ~~بلغ قلتين لم يحمل نجسا". # وهذا المعنى مبتدع لي، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله -صلى الله ~~عليه وسلم: $"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا". PageV02P015 ### ||| ومن ذلك ما ذكرته في وصف مفازة، فقلت: # "مفازة لا توطأ بأجفان ساهر، ولا تقتل باقتحام خابر، ولولا مسير الهلال ~~من فوقها لما عرفت تمثال حافر". ### ||| ومن ذلك ما ذكرته في كتاب أصف فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد المكتوب عنه: # وكان ذلك في زمن الشتاء، فسقط على العدو ثلج كثير صار به محصورا، فقلت: ~~"وقد عاجله قتال البروق قبل البوارق، وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول بينه ~~وبين الخنادق، والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره، والسماء قد قابلته ~~بأغبر وجهها لا بأخضره، والأرض كأنها قرصة النقي، وعسى أن تكون أرض محشره". # والمعنى المخترع من هذا الكلام قولي: "والأرض كأنها قرصة النقي وعسى أن ~~تكون أرض محشره"، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله -صلى الله عليه ~~وسلم: $"إنكم تحشرون على بيضاء كقرصة النقي"، يريد ms215 الخبزة البيضاء ولما كان ~~الثلج على الأرض مماثلا لذلك، ومشابها له استنبطت أنا له هذا المعنى ~~المخترع، فجاء كما تراه، وهو من المعاني التي يدل عليها شاهد الحال. ### ||| وأحسن من هذا كله ما كتبته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، فقلت: # "ودولته هي الضاحكة، وإن كان نسبها إلى العباس، وهي خير دولة أخرجت ~~للزمن، كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل شعارها من لون الشباب ~~إلا تفاؤلا بأنها لا تهرم، وأنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالحب ~~الذي لا يسلى PageV02P016 # والوصل الذي لا يصرم، وهذا معنى استنبطه الخادم للدولة وشعارها، وهو مما ~~لم تخط به الأقلام في خطها، ولا أجالته الخواطر في أفكارها". # وغرابة هذا المعنى ظاهرة، ولم يأت بها أحد قبلي. # وبلغني من المعاني المخترعة أن عبد الملك بن مروان بنى بابا من أبواب ~~المسجد الأقصى بالبيت المقدس، وبنى الحجاج بابا إلى جانبه، فجاءت صاعقة ~~فأحرقت الباب الذي بناه عبد الملك، فتطير لذلك وشق عليه، فبلغ ذلك الحجاج، ~~فكتب إليه كتابا: بلغني كذا وكذا، فليهن أمير المؤمنين أن الله تقبل منه، ~~وما مثلي ومثله إلا كابني آدم إذ قربا قربانا، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الآخر"، فلما وقف عبد الملك على كتابه سري عنه. # وهذا معنى غريب استخرجه الحجاج من القرآن الكريم، وهو من المعاني ~~المناسبة لما ذكرت فيه، ويكفي الحجاج من فطانة الفكرة أن يكون عنده استعداد ~~لاستخراج مثل ذلك. # وأما المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة، فإنها أصعب منالا مما ~~يستخرج بشاهد الحال، ولأمر مما كان لأبكارها سر لا يهجم على مكامنه، إلا ~~جنان الشهم، ولا يفوز بمحاسنه إلا من دق فهمه حتى جل عن دقة الفهم، وللهجوم ~~على عذارى المعاني المحمية بحجب البواتر أيسر من الهجوم على عذارى المعاني ~~المحمية بحجب الخواطر، وما ذلك مما يلقيه إليك الأستاذ، وليس يقوم به قربا ~~الفذ، ولا أقول الأفذاذ، وأين الذي ينشئ فيحسن فيها الإنشاء، ويبرز فيها ~~صورا يركبها كيف يشاء?. ms216 # ومن نظر إلى هذا الموضع حق النظر، وأخذ فيه بالعين دون الأثر، علم أنه ~~مقام يزلق بمعارف الأفهام فكيف بمواقف الأقدام، وليست المعاني فيه إلا ~~كالأرواح، ولا الألفاظ إلا كالأجسام، فمن شاء أن يخلق خلقا من الكلام، ~~فليأت به على صورة PageV02P017 # الأناسي لا على صورة الأنعام، فإن من القول الغانية التي هي أحسن من ~~الغانية، ومنه البهيمة التي لا تشبه إلا بالسانية1. # فمما جاء في هذا الباب قول أبي نواس: # شرابك في السراب إذا عطشنا %~% وخبزك عند منقطع التراب # وما روحتنا لتذب عنا %~% ولكن خفت مرزئة الذباب2 # فالبيت الثاني من هذين البيتين هو المشار إليه بأنه معنى مبتدع. # ويحكى عن الرشيد هارون -رحمه الله- أنه قال: لم يهج باد ولا حاضر بمثل ~~هذا الهجاء! # ومن هذا الباب قول مسلم بن الوليد3: # تنال بالرفق ما تعيا الرجال به %~% كالموت مستعجلا يأتي على مهل # ومن هذا الباب قول علي بن جبلة: # تكفل ساكن الدنيا حميد %~% فقد أضحت له الدنيا عيالا # كأن أباه آدم كان أوصى %~% إليه أن يعولهم فعالا # وهذا معنى دندن4 حوله الشعراء، وفاز علي بن جبلة بالإفصاح عنه. ~~PageV02P018 # وقد قيل: إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعا للمعاني، وقد عدت ~~معانيه المبتدعة، فوجدت ما يزيد على عشرين معنى. # وأهل هذه الصناعة يكبرون ذلك، وما هذا من مثل أبي تمام بكبير، فإني أنا ~~عددت معاني المبتدعة التي وردت في مكاتباتي، فوجدتها أكثر من هذه العدة، ~~وهي مما لا أنازع فيه، ولا أدافع عنه! # فأما ما ورد لأبي تمام فمن ذلك قوله1: # يأيها الملك النائي برؤيته %~% وجوده لمراعي جوده كثب # ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا %~% إن السماء ترجى حين تحتجب # وكذلك قوله: # رأينا الجود فيك وما عرضنا %~% لسجل منه بعد ولا ذنوب # ولكن دارة القمر استتمت %~% فدلتنا على مطر قريب # وكذلك قوله في الهجاء2: # وأنت تدير قطب رحا مليا %~% ولم نر للرحا العلياء قطبا # ترى ظفرا بكل صراع قرن %~% إذا ما كنت أسفل منه كعبا3 PageV02P019 # وكذلك قوله1: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ms217 %~% طويت أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت %~% ما كان يعرف طيب عرف العود # وكذلك قوله2: # لا تنكروا ضربي له من دونه %~% مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره %~% مثلا من المشكاة والنبراس3 # وكذلك قوله4: # لا تنكري عطل الكريم من الغنى %~% فالسيل حرب للمكان العالي # وكذلك قوله في الشيب5: # شعلة في المفارق استودعتني %~% في صميم الفؤاد ثكلا صميما # تستثير الهموم ما اكتن منها %~% صعدا وهي تستثير الهموما # فالبيت الثاني من المعاني المخترعة، وقد تفقه فيه فجعله مسألة من مسائل ~~الدور، وهذا من إغراب أبي تمام المعروف. # وهذا القدر كاف من جملة معانيه، فإنا لم تستقصها ههنا. PageV02P020 # ومن هذا الباب قول ابن الرومي1: # كل امرئ مدح امرأ لنواله %~% وأطال فيه فقد أساء هجاءه # لو لم يقدر فيه بعد المستقى %~% عند الورود لما أطال رشاءه # وكذلك قوله2: # عدوك من صديقك مستفاد %~% فلا تستكثرن من الصحاب # فإن الداء أكثر ما تراه %~% يكون من الطعام أو الشراب # وكذلك قوله3: # لما تؤذن الدنيا به من صروفها %~% يكون بكاء الطفل ساعة يولد # وإلا فما يبكيه منها وإنها %~% لأوسع4 مما كان فيه وأرغد # إذا أبصر الدنيا استهل كأنه %~% بما هو لاق5 من أذاها يهدد # وكذلك قوله6: # رددت علي مدحي بعد مطل %~% وقد دنست ملبسه الجديدا PageV02P021 # وقلت: امدح به من شئت غيري %~% ومن ذا يقبل المدح الرديدا1 # وهل للحي في أكفان ميت %~% لبوس بعدما امتلأت صديدا2 # وقد ورد لأبي الطيب المتنبي من ذلك كقوله3: # أجزني إذا أنشدت مدحا فإنما %~% بشعري أتاك المادحون مرددا # ودع كل صوت بعد4 صوتي فإنني %~% أنا الصائح المحكي والآخر الصدى # فالبيت الأول قد توارد على معناه الشعراء قديما وحديثا، لكن البيت الثاني ~~-في التمثيل الذي مثله- ليس لأحد إلا له. # وكذلك قوله5: # بهجر سيوفك أغمادها %~% تمنى الطلى6 أن تكون الغمودا # إلى الهام تصدر عن مثله7 %~% ترى صدرا عن ورود ورودا # وكذلك قوله في بدر بن عمار يهنيه ببرئه من مرض8: # قصدت من شرقها ومغربها %~% حتى اشتكتك الركاب والسبل # لم تبق ms218 إلا قليل عافية %~% قد وفدت تجتديكها العلل PageV02P022 # وقد وقفت على ما شاء الله من أشعار الفحول من الشعراء قديما وحديثا، فلم ~~أجد لأحد منهم في ذكر المرض ما يعد معنى مخترعا، لا بل لم أجد من أقوالهم ~~شيئا مرضيا، ما عدا المتنبي، فإنه ذكر المرض في عدة مواضع من شعره فأجاد، ~~وهذا البيت الثاني من هذين البيتين معنى مخترع له، وقد أحسن فيه كل ~~الإحسان. # ومما ابتدعه بإجماع قوله في مدح عضد الدولة في قصيدته النونية التي ~~مطلعها: # مغاني الشعب طيبا في المغاني1 # قال عند ذكره: # فعاشا عيشة القمرين يحيا %~% بضوئهما ولا يتحاسدان2 # ولا ملكا سوى ملك الأعادي %~% ولا ورثا سوى من يقتلان3 # وكان ابنا عدو كاثراه %~% له ياءي حروف أنيسيان4 # أي: جعل الله ابني عدو كاثراه -يعني ابني عضد الدولة- كياءي حروف تصغير ~~"إنسان"، فإن ذلك زيادة، وهو نقص في المقدار. # إلا أن سبك هذا البيت قد شوهه، وأذهب طلاوة المعنى المندرج تحته. ~~PageV02P023 # ومن معانيه المبتدعة قوله1: # فإن تفق الأنام وأنت منهم %~% فإن المسك بعض دم الغزال # وأحسن من ذلك قوله2: # صدمتهم بخميس أنت غرته %~% وسمهريته في وجهه غمم3 # فكان أثبت ما فيهم جسومهم %~% يسقطن حولك والأرواح تنهزم # وهذا من أعاجيب أبي الطيب التي برز فيها على الشعراء. # ومن الإحسان في هذا الباب قول بعضهم: # وقد أشق الحجاب الصعب مأربه %~% دوني وآبى ولولجا فيه إن طرقا # كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحا %~% وليس يدخله إلا إذا انطبقا # ورأيت ابن حمدون البغدادي4 صاحب كتاب "التذكرة" قد أورد هذين البيتين في ~~كتابه، وقال: قد أغرب هذا الشاعر ولكنه خلط، وجرى على عادة الشعراء؛ لأن ~~الطيف لا يدخل الجفن، وإنما يتخيل إلى النفس. # وهذا كلام من لم يطعم من شجرة الفصاحة والبلاغة، وليس مثله عندي، إلا كما ~~يحكى عن ملك الروم، إذ أنشد عنده بيت المتنبي الذي هو: PageV02P024 # كأن العيس كانت فوق جفني %~% مناخات فلما ثرن سالا1 # فسأل عن المعنى، ففسر له فقال: ما سمعت بأكذب من هذا الشاعر أرأيت من ~~أناخ الجمل على ms219 عينه لا يهلكه؟!. # ومن محاسن هذا القسم قول بعضهم: # تخيره الله من آدم %~% فما زال منحدرا يرتقي # وكذلك قول الآخر: # بأبي غزال غازلته مقلتي %~% بين الغوير وبين شطي بارق2 # عاطيته والليل يسحب ذيله %~% صهباء كالمسك الفتيق لناشق3 # وضممته ضم الكمي لسيفه %~% وذؤابتاه حمائل في عاتقي # حتى إذا مالت به سنة الكرى %~% زحزحته شيئا وكان معانقي # أبعدته عن أضلع تشتاقه %~% كي لا ينام على وساد خافق # وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفت معانيه على القلوب حتى ~~كادت ترقص رقصا. # والبيت الأخير منه هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرت الأبصار بفضل ~~الأسماع! PageV02P025 # ومن هذا الضرب قول بعض المصريين يهجو إنسانا يقال له: "ابن طليل" احترقت ~~داره: # انظر إلى الأيام كيف تسوقنا %~% طوعا إلى الإقرار بالأقدار # ما أوقد ابن طليل قط بداره %~% نارا وكان هلاكها بالنار # وكذلك ورد قول ابن قلاقس1، من شعراء مصر: # زد رفعة إن قيل أنغض2 %~% وانخفض إن قيل أثرى # كالغصن يدنو ما اكتسى %~% ثمرا وينأى ما تعرى # وهذا من المعاني الدقيقة. # ومن هذا الأسلوب قول الشاعر المعروف بالحافظ في تشبيه البهار3 وهو: # عيون تبر كأنما سرقت %~% سواد أحداقها من الغسق # فإن دجا ليلها بظلمته %~% ضممن من خوفها على السرق # وهذا تشبيه بديع لم يسمع بمثله، وهو من اللطافة على ما لا خفاء به. # ومن هذا القسم قول بعض المتأخرين من أهل زماننا: # لا تضع من عظيم قدر وإن كن %~% ت مشارا إليه بالتعظيم # فالشريف العظيم ينقص قدرا %~% بالتعدي على الشريف العظيم # ولع الخمر بالعقول رمى الخم %~% ر بتنجيسها وبالتحريم PageV02P026 # ومن غريب ما سمعته في هذا الباب قول بعض الشعراء المغاربة يرثي قتيلا: # غدرت به زرق الأسنة بعدما %~% قد كن طوع يمينه وشماله # فليحذر البدر المنير نجومه %~% إذ بان غدر مثالها بمثاله # وكذلك جاء وصف بعض المغاربة في الخمر وكاساتها: # ثقلت زجاجات أتتنا فرغا %~% حتى إذا ملئت بصرف الراح # خفت فكادت أن تطير بما حوت %~% وكذا الجسوم تخف بالأرواح # وهذا معنى مبتدع أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر ms220 سكرا، ويروق كما رقت ~~لطفا، ويفوح كما فاحت نشرا. # وكذلك ورد قول ابن حمديس الصقلي: # يا سالبا قمر السماء جماله %~% ألبستني للحزن ثوب سمائه # أضرمت قلبي فارتمى بشرارة %~% وقعت بخدك فانطفت من مائه # وهذا المعنى دقيق جدا. # وقد سمعت في الخال ما شاء الله أن أسمع، فلم أجد مثل هذا!! # وقد جاءني في الكلام المنثور من هذا الضرب شيء، وسأذكر ههنا منه نبذة. # فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة، فقلت: # "ألبس من الحسن أنضر لباس، وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنا ~~فكذلك ازداد طيبا، واتفقت فيه الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبا، فلو صافح ~~الورد لتعطرت أوراقه، أو مر على النيلوفر1 ليلا لتفتحت أحداقه". ~~PageV02P027 # والمعنى الغريب ههنا أن الشمس إذا طلعت على النيلوفر تفتح أوراقه، وإذا ~~غربت عنه انضم. # ثم إني سمعت هذا في شعر الفرس لبعض شعرائهم، فحصل عندي منه تعجب. ### ||| ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب، فقلت: # "الشيب إعدام للإيسار، وظلام للأنوار، وهو الموت الأول الذي يصلى نارا من ~~الهم أشد وقودا من النار، ولئن قال قوم: إنه جلالة فإنهم دقوا به وما جلوا، ~~وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا وأضلوا، وما أراه إلا محراثا للعمر، ولم ~~تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا، ومن عجيب شأنه أنه المملول الذي يشفق من ~~بعده، والخلق الذي يكره نزع برده، ولما فقد الشباب كان عنه عوضا، ولا عوض ~~عنه في فقده". # والمعنى المخترع ههنا في قولي: "وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة ~~الحرث دار قوم إلا ذلوا". # وهو مستنبط من الحديث النبوي، وذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى آلة ~~حرث، فقال: "ما دخلت هذه دار قوم إلا ذلوا"، فأخذت أنا هذا ونقلته إلى ~~الشيب، فجاء كما تراه في أعلى درجات الحسن، وذلك لما بينه وبين الشيب من ~~المناسبة الشبيهة؛ لأن الشيب يفعل في البدن ما يفعله المحراث في الأرض، ~~وإذا نزل بالإنسان أحدث عنده ذلا. # ومن هذا الباب ما ms221 ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الناس أعبث به، فقلت: # "وإذا كتبت مثالبه1 في كتاب اجتمع عليه بنات وردان2، وحرم علي أن أبدأ ~~فيه بالبسملة؛ لأنها من القرآن". # وهذا معنى لطيف في غاية اللطافة وهو مخترع لي. PageV02P028 # وكذلك كتبت إلى بعض الناس كتابا من هذا الجنس أهزل معه، فقلت في فصل منه ~~ما أذكره، وهو: # "ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا ~~لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، ~~غير أنه من ذوات القرون، والقرن عدوه عند الخصام". # وهذا معنى ابتدعته ابتداعا، ولم أسمعه لأحد من قبلي. ### ||| ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن هزيمة الكفار، وذلك فصل منه، فقلت: # "وكانت الوقعة يوم الأحد منتصف شهر كذا وكذا، وهذا هو اليوم الذي تخيره ~~الكفار من أيام الأسبوع، ونصبوه موسما لشرع كفرهم المشروع، فحصل ارتيابهم ~~به إذ تضمن للإسلام مزيدا، وقالوا: هذه يوم قد أسلم، فلا نجعله لنا عيدا، ~~وقد أفصح لهم لسانه كما لو كانوا يعلمون، بأن الدين عند الله هو الإسلام، ~~وأن أولياءه هم المسلمون". # وهذا معنى انفردت بابتداعه، ولم يأت به أحد ممن تقدمني. ### ||| ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، وهو في وصف القلم، فقلت: # "وقلم الديوان العزيز هو الذي يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع وهو المطاع لجدع ~~أنفه وسواد لباسه، وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع، ومن أحسن صفاته أن ~~شعاره من شعار مولاه، فهو يخلع على عبيده من الكرامة ما يخلع". # في هذه الأوصاف معان حسنة لطيفة، ومنها معنى غريب لم أسبق إليه، وهو ~~قولي: "إنه المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه، وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي ~~الأجدع"، فإن هذا مما ابتكرته. PageV02P029 # وهو مستخرج من الحديث النبوي في ذكر الطاعة والجماعة، فقال -صلى الله ~~عليه وسلم: "أطع ولو عبدا حبشيا مجدعا ما أقام عليك كتاب الله"، فاستخرجت ~~أنا للقلم معنى من ذلك، وهو أن القلم يجدع، ويقمص ms222 لباس السواد، فصار حبشيا ~~أجدع. # وهذا كما فعل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في قصيدته السينية1، فإنه ~~استخرج المعنى المخترع من القرآن الكريم، وأنا استخرجت المعنى من الخبر ~~النبوي كما أريتك. # وهذا المعنى المشار إليه في وصف القلم أوردته بعبارة أخرى على وجه آخر، ~~ونبهت عليه في كتاب "الوشي المرقوم في حل المنظوم"، وهذا كتاب ألفته في ~~صناعة حل الشعر وغيره. # وبعد هذا فسأقول لك في هذا الموضع قولا لم يقله أحد غيري، وهو أن المعاني ~~المبتدعة شبيهة بمسائل الحساب المجهول من الجبر والمقابلة، فكما أنك إذا ~~وردت عليك مسألة من المجهولات تأخذها، وتقلبها ظهرا لبطن، وتنظر إلى ~~أوائلها وأواخرها، وتعتبر أطرافها وأوساطها، وعند ذلك تخرج بك الفكرة إلى ~~معلوم، فكذلك إذا ورد عليك معنى من المعاني ينبغي لك أن تنظر فيه كنظرك في ~~المجهولات الحسابية! # إلا أن هذا لا يقع في كل معنى، فإن أكثر المعاني قد طرق وسبق إليه، ~~والإبداع إنما يقع في معنى غريب لم يطرق، ولا يكون ذلك إلا في أمر غريب لم ~~يأت مثله، وحينئذ إذا كتبت فيه كتاب أو نظم فيه شعر، فإن الكاتب والشاعر ~~يعثران على مظنة الإبداع فيه. PageV02P030 # وقد لابست ذلك في مواضع كثيرة، وسأورد ههنا ما يحذى حذوه لمن استطاع إليه ~~سبيلا. ### ||| ومن ذلك ما كتبته عن نفسي إلى بعض ملوك الشام، وأهديت إليه رطبا، وهو: # "خلد الله دولة مولانا، وعمر لها مجدا وجنانا، وخولها السعادة عطاء ~~حسابا، وأنشأ الليالي لخدمتها عربا أترابا1، وأبقى شبيبتها بقاء لا يستحدث ~~معه خضابا، ولا جعل لها في محاسن الدول السابقة أشباها ولا أضرابا، وألقى ~~اليأس بين أعدائها، وحسادها حتى يبعث لهم في الأرض غرابا. # "إذا أراد العبيد أن يهدوا لمواليهم قصرت بهم يد وجدهم، وعلموا أن كل ما ~~عندهم من عندهم، لكن في الأشياء المستطرفة ما يهدي، وإن كان قدره خفيفا، ~~ولولا اختلاف البلاد فيما يوجد بها لما كان شيء من الأشياء طريفا". # "وقد أهدى المملوك من الرطب ما يتجلى في صفة الوارس، ms223 ويزهى بحسنه حتى ~~كأنه لم يدنس بيد لامس، وما سمي رطبا إلا لاشتقاقه من الرطب الذي هو ضد ~~اليابس. # "وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ثناء جما، وفضل شجرته على ~~الشجر بأن سماها أما، ولئن عدم عرفا لذيذا فإنه لم يعد منظرا لذيذا ولا ~~طعما، وله أوصاف أخرى هي لفضله بمنزلة الشهود، فمنها أنه أول غذاء يفطر ~~عليه الصائم، وأول غذاء يدخل بطن المولود". # "وأحسن من ذلك أنه معدود من الحلواء، وإن كان من ذوات الغراس، ولا فرق ~~بينهما سوى أنه من خلق الله، وتلك من خلق الناس". PageV02P031 # "وإذا أنصف واصفه، قال: ما من ثمرة إلا وهي عنه قاصرة، ولو تفاخرت البلاد ~~بمحاسن ثمارها لقامت أرض العراق به فاخرة. # "وها قد سار إلى باب مولانا، وهو مجنى المنابت سار إلى مجنى الكرم، وملك ~~الفاكهة وفد على ملك الشيم". # "ولما استقلت به الطريق أنشأ الحسد لغيره من الفواكه أربا، وما منها إلا ~~من قال: يا ليتني كنت رطبا". # "ولئن كان من الثمرات التي تختلف في الصور والأسماء، ويفضل بعضها على ~~بعض، ويسقى بشراب واحد من الماء، فكذلك تلك الشيم العريقة تتحد في عنصرها، ~~وهي مختلفة الوتيرة، ومن أفضلها شيمة السماح التي تقبل القليل من عبيدها، ~~وتسمح لهم بالعطايا الكثيرة، وقد ضرب لها المملوك مثالا، فقال هي كجنة ~~بربوة1، بل ضرب لها ما ضرب من للمثل النبوي، وهي نخلة بكبوة2. # "ولا يختم كتابه بأحسن من هذا القول الذي طاب سمعا، وزكا أصلا وفرعا، ~~وتصرف في أساليب البلاغة، فجاء به وترا وشفعا، والسلام". # وهذا كتاب غريب في معناه، وقد اشتمل على معان كثيرة: # فمن جملتها أن الرطب مشتق من "الرطب" الذي هو ضد "اليابس". # ومن جملتها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى النخلة أما، فقال: "أمكم ~~النخلة". # ومن جملتها أنه كان صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات، فإن لم يجد ~~فتمرات. # ومن جملتها أنه كان يلوك التمرة، ويحنك بها المولود عند ميلاده، ولما ولد ~~عبد الله بن الزبير ms224 جاءت أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ووضعته ~~في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلاك تمرة ووضعها في فيه. ~~PageV02P032 # ومن جملتها أنه والحلواء شيء واحد إلا أنه من خلق الله، وتلك من خلق ~~الناس. # ومن جملتها أن العباس رضي الله عنه قال: "يا رسول الله، إن قريشا تذاكرت ~~أحسابها، فضربوا لك مثالا بنخلة بكبوة1. # وكل هذه المعاني حسنة واردة في موضعها، ومن كتب في معنى من المعاني، ~~فليكتبه هكذا، وإلا فليدع. ### ||| ومن ذلك رقعة كتبتها إلى بعض حجاب السلطان في حاجة عرضت لي، وأرسلت معها هدية من ثياب ودراهم، وهي: # ما من صديق، وإن صحت صداقته %~% يوما بأنجح في الحاجات من طبق # إذا تلثم بالمنديل منطلقا %~% لم يخش نبوة بواب ولا غلق # "الهدية مشتقة من الهدى، غير أنها ترف إلى القلب لا إلى الندى، وصهارتها ~~أنفع من الصهارة، وكلما ترددت كانت بكرا فهي لا تنفك عن البكارة، ومن ~~خصائصها أنها تمسك بمعروف أمن من السراح، وإذا رامت فتح باب لا تفتقر في ~~علاجه إلى مفتاح، وقد قيل: إنها الحسناء المتأنقة في عمارة بيتها، التي ~~توصف بأن القنديل يضيء بزيتها". # "وقد أرسلتها إلى المولى وهي تتهادى في إعجابها، وتدل بكثرة دراهمها ~~وثيابها، وتقول: أنا الكريمة في قومها الشريفة في أنسابها". # "وأحسن ما فيها أنها جاءت سرا، لم تعلم بها اليد اليمنى من اليسرى". ~~PageV02P033 # "فخذها يا مولاي واكشف عن نقابها، وأمط عنها جلبابها، وقد كانت منك حرة، ~~وهي الآن في حيز المملكة، ومن السنة في مثلها أن تؤخذ بالناصية، ويدعى ~~بالبركة، والسائر بها فلان وهو في الجهل بها حامل أسفار، وناقل لها من دار ~~إلى دار، ولربما نطق لسان حالها الذي هو أفصح من نطق اللسان، وأذكرت بحاجة ~~مرسلها، وحاش فطانة الكريم من النسيان، وليس المطلوب إلا فضيلة من الجاه ~~تسفر بين السائل والمسئول، وتنقل البعيد إلى درجة القريب، والممنوع إلى ~~درجة المبذول، فإذا فعل المولى ذلك كان له منة السفارة ومنة الإنعام، وإن ~~سمع بأن سعيا ms225 واحدا فاز بشكرين اثنين، ففي مثل هذا المقام ومن الناس من ~~يقول: ليس على جانب السلطان ثقل في صنعه، وهل ههنا إلا كلمات تقال، والكلام ~~ماعون لا رخصة في منعه، ولم يدر أن ملاطفة الخطاب ضرب من الاحتيال، وأن نقل ~~الخطوات فيه أثقل من نقل الجبال، وأن صاحب الحاجة يحظى بحلاوة النجاح، ~~والحاجب يلقى مرارة السؤال". # وهذا يقوله الخادم إيجابا لإحسان المولى الذي هو إحسان شامل، ولا يعلمه ~~إلا عالم بفضله ولا يجهله إلا جاهل، والله تعالى يجعل الحاجات مغدوقة ~~ببابه، حتى لا تنفك في الدنيا من إمداد شكره، وفي الآخرة من إمداد ثوابه، ~~والسلام". # فتأمل أيها الناظر في كتابي هذا إلى ما اشتملت عليه هذه الرقعة من ~~المعاني حتى تعلم كيف تضع يدك فيما تكتبه! ### ||| ومن ذلك رقعة أخرى كتبتها في هذا المعنى المتقدم ذكره، وأرسلت معها هدية من المسك، وهي: # "الهدية رسول يخاطب عن مرسله بغير لسان، ويدخل على القلوب من غير ~~استئذان، وقد قيل: أخت السحر في ملاطفة قصدها، غير أنها لا تحتاج إلى نفثها ~~ولا إلى عقدها1، وما من قلب إلا وصورتها تجلي عليه في سرقة2، ولولا شرف ~~PageV02P034 # مكانها لما حللت للنبي -صلى الله عليه وسلم- مع تحريم الصدقة، ولها صفات ~~غير هذه كريمة الأخطار حسنة لدى الأسماع والأبصار، ومن أحسنها أنها تستجد ~~ودا، وتجعل قربا ما كان بعدا، وتقول لنا الإجنة: "يا نار كوني بردا، ~~ولهذا"، قيل: تهادوا تحابوا، ولا شك أنها وصلة بين المودات، فإذا تواصل ~~الناس تقاربوا". # وقد أرسل الخادم منها شيئا إذا كتمه ذاع، وإذا خزنه ضاع، وقد شبه به ~~الجليس الصالح بعدد أسباب الانتفاع، ومما زاد مزية على مزيته أنه وشيم ~~المولى توأمان، غير أن شيمته تنتمي إلى كرم محتدها، وهو ينتمي إلى سرر ~~الغزلان، فإذا ورد على مجلسه قيل: هذا عطر ورد على جونة1 عطار، وعرف له حق ~~المشاركة، فإن أدنى الشرك في الشيم جوار، وقد نطق الخبر النبوي بأنه أحد ~~الثلاثة التي لا ترد على من أهداها، وإذا نظر إلى ms226 محصول بقائها وفائدتها، ~~وجد أطولها عمرا وأجداها، وهذا يحكم على المولى بقبول ما استرسل الخادم في ~~إرساله، وإذا سأل غيره في قبول هديته كفاه نص الخبر مؤنة سؤاله والسلام". # وهذه الرقعة أحسن من التي قبلها. # فمما اشتملت عليه من المعاني قولي: "وما من قلب إلا وصورتها تجلى عليه في ~~سرقة، ولولا شرف مكانها لما حللت للنبي -صلى الله عليه وسلم- مع تحريم ~~الصدقة". # وهذان المعنيان مستخرجان من خبرين نبويين: # أحدهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "جاءني جبريل عليه السلام ~~ومعه سرقة من حرير -يعني حريرة بيضاء- وفيها صورة عائشة -رضي الله عنها- ~~وقال: "هذه زوجتك في الدنيا والآخرة". # والخبر الآخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "حرمت علي الصدقة، ~~وأحلت لي الهدية". # ومما اشتملت عليه أيضا قولي: "وقد أرسل الخادم منها شيئا إذا كتمه ذاع، ~~وإذا PageV02P035 # خزنه ضاع"، وهذه مغالطة حسنة؛ لأن المسك إذا كتم ذاعت رائحته، وإذا خزن ~~ضاع: أي فاح، ويقال: ضاع الشيء، إذا ذهب، فالمغالطة ههنا في الجمع بين ~~الضدين. # وكذلك قولي: "وقد شبه الجليس الصالح"، وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضا، ~~وذاك أنه قال -صلى الله عليه وسلم: "مثل الجليس الصالح مثل حامل المسك، إما ~~أن يحذيك 1، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه عرفا طيبا ومثل جليس السوء ~~مثل نافخ الكير، إما أن يحرق ثوبك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة". # ومما اشتملت عليه من المعاني أيضا قولي: "إنه أحد الثلاثة التي لا ترد ~~على من أهداها". # وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضا، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة ~~لا ترد: الطيب، والريحان، والدهن". ### ||| ومن ذلك رقعة كلفني بعض أصدقائي إملاءها عليه، وهي رقعة من عاشق إلى معشوق، وهي: # وإذا قيل من تحب؟ تخطاك لساني، وأنت في القلب ذاكا. # "يا من لا أسميه، ولا أكنيه، وأذكر غيره وهو الذي أعنيه، لا تكن ممن أوتي ~~ملكا فلم ينظر في زواله، وعرف مكانه من القلوب فجار في إدلاله، ولا تغتر ~~بقول رأى الحسن إساءة للإساءة ماحيا، واعلم ms227 أن اللاحي: يقول: كفى بالتذلل ~~لاحيا، وكثيرا ما يزول العشق بجنايات الصدود، والزيادة في الحد نقصان في ~~المحدود". # "وقد قيل: إن الحسن عليه زكاة كزكاة المال، وليست زكاته عند علماء المحبة ~~إلا عبارة عن الوصال، وهذه صدقة تقسم على أربابها، ولا ينتظر أن يحول الحول ~~في PageV02P036 # إيجابها، فهي مستمرة على تجدد الأيام، والمستحقون لها قسم واحد، ولا ~~يقال: إنهم ثمانية أقسام، وهؤلاء هم المخصوصون بفك الرقاب، ورقبة العشق أشد ~~أسرا من رقبة تتحرر بالكتاب، فأخرج يا مولاي من هذا الحق الواجب، وإلا فتأت ~~لطالب منى ومطالب، ولا تقل هذا غريم أكثر عد الليالي في مطله، وأعده ~~والمواعيد زاد لمثله، فهذه سلعة قد عاملته بها مرة ساخرا! ومرة ساحرا، ومن ~~الأقوال السائرة أن الغر تجعله التجربة ماهرا، ولعمري إن ممارسة الحب تجدد ~~لصاحبه علما، وتبصره وإن كان كما يقال: أعمى، وقد كذب القائل: # عرضن للذي تحب بحب %~% ثم دعه يروضه إبليس # فإن كانت الرياضة كما قيل: لإبليس فما أراه صنعا في الذي صنع، وأراك ~~استعصيت عليه استعصاء القارح1، وأنت جذع2، ولا شك أنك تهدم ما يشيده من ~~البناء، أو أنك مستثنى في جملة من دخل في حكم الاستثناء، وأنا الآن له ~~عائب، وعليه عاتب فأين نفثاته التي هي أخدع الحبائل؟، وأين قوله: لآتينهم ~~عن الأيمان والشمائل؟، وأين جنوده المسترقة ما في السماء، التي تجري من بني ~~آدم مجرى الدماء؟، وكل هذا قد بطل عندي خبره، كما بطل عندي أثره، فإن ~~أدركته النخوة بأني استهزئ بتصديق أفعاله، فليحلل معقول حاجتي هذه، حتى ~~أعلم أنه قادر على حل عقاله، وإلا فليخف رأسه، وليمح وسواسه، وإن كان له ~~عرش على البحر، فليقوض من عرشه، وليعلم أن السحر ليس في عقده ونفثه، ولكنه ~~في الأصفر ونقشه. # "وها أنا قد بعثت منه ما يجعل الحزم محلولا، والود مبذولا وما أقول: إلا ~~أني بعثت معشوقا إلى معشوق، وكلاهما محله القلب، بل القلب من حبهما مخلوق، ~~وما أكرمه وهو وسيلة إلى مثله، وحسنه من حسنه، وإن لم يكن ms228 شكله من شكله، ~~وما وصفه PageV02P037 # واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه، ومن أغرب أوصافه، وأحسنها أنه لم ~~ير ذو وجهين وجيها سواه، لا جرم أنه إذا سفر في أمر تلطف في فتح أبوابه، ~~وتناول وعره فبدله بسهله، وبعده فبدله باقترابه، ولو بعثت غيره لخفت ألا ~~يكون في سفارته صادقا، أو أنه كان يمضي سفيرا ويعود عاشقا، فليس على الحسن ~~أمانة، وفي مثاله تعذر الخيانة، ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة ~~رشدها، ورأت ما لا يحتمله كاهل جهدها، ومن الذي يقوى درعه على تلك السهام، ~~أو يروم النجاة منها وقد حيل بينه، وبين المرام وهذا الذي منعني أن أرسل ~~إلا كيسا وكتابا، فأحدهما يكون في السفارة والآخر على السر حجابا، والسلام ~~إن شاء الله تعالى! # وفي هذه الرقعة من المعاني الغريبة ما أذكره: # فالأول: ما ذكرته في قسم الصدقات، وفك الرقاب. # والثاني: ما ذكرته في وصف الدينار، وهو أنه وجيه ذو وجهين، وقال النبي ~~-صلى الله عليه وسلم: $"ذو الوجهين لا يكون وجيها". # وهذا معنى لم يسبقني أحد إليه. # وقد وصف الحريري الدينار في مقامة من مقاماته1، ولم يظفر بهذا المعنى، ~~ولا جاء من الأوصاف التي ذكرها بمثله. # والثالث أني بعثت معشوقا إلى معشوق! ### ||| "كتاب في التعزية بوفاة زوجة بعض الملوك وولدها": # ومن ذلك ما كتبته، وكان توفيت زوجة بعض الملوك، وتوفي معها ولد لها، وهو ~~طفل صغير، وكان بينهما يومان، وتلك المرأة بنت ملك من الملوك أيضا، فكتب ~~إليه PageV02P038 # من "في" الأطراف المجاورة يعزونه، وحضر عندي بعض الأدباء ممن يجب أن يكون ~~كاتبا، وعرض علي نسخة ما كوتب به ذلك الملك في التعزية بزوجته وولدها، ~~فوجدتها كتبا باردة غثة، لا تعرب عن الحادثة، بل بينها وبينها بعد ~~المشرقين، ومن شرط الكتابة أن يكون الكتاب مضمنا فض المعنى المقصود. # والتعازي مختلفة الأنحاء: فتعازي النساء غير تعازي الرجال، وهي من ~~مستصعبات فن الكتابة والشعر، وتعازي الرجال أيضا تختلف، فلا يعزى بالميت ~~على فراشه، كما يعزى بالميت قتيلا، ms229 ولا يعزى بالقتيل كما يعزى بالغريق. # وهكذا يجري الحكم في المعاني جميعها، وهذا شيء لا يتنبه له إلا الراسخون ~~في هذا الفن من أرباب النثر والنظم. # وسألني ذلك الرجل عن هذه التعزية المشار إليها في المرأة وولدها الصغير، ~~وقال: "أحب أن أعلم كيف تكون"؛ فأمليت عليه ثلاثة كتب، كل كتاب يتضمن معنى ~~لا يتضمنه الكتاب الآخر. ### ||| فمما جاء منها كتاب أنا ذاكره ههنا، وهو: # أشجى التعازي ما أتبع فيه المفقود بمفقود، لا سيما إذا جمع بين سعد ~~الإخبية1 وسعد السعود2، وكل منهما يعظم حزنا كما يعظم مكانا، وهذا يحسر عن ~~الوجوه خمرا، وهذا يلقي عن الرءوس تيجانا، ولم يوفهما حقهما من بكى ولا من ~~ندب، ولا من شعر ولا من كتب، وليت فدى أحدهما بصاحبه، فعاش درهما المفدى ~~بالذهب: PageV02P039 # ولو كان خطبا واحدا خف كلمه %~% ولكنه خطب أعيد على خطب # "وقد أصدر الخادم كتابه هذا، ومن حقه أن يخرج في ثوب من الحداد، وأن ~~يتعثر في أذيال كلمه، والكتاب عنوان الفؤاد، وغاية ما يقول: أحسن الله عزاء ~~المجلس السامي الملك الأجل السيد، على أن هذا الدعاء قد شهدت الحال بلحنه، ~~وكيف يملك قلبه عزاء، وقد أوثقه الهم في سجنه، وصار له ولدا دون ولده، ~~وخدنا دون خدنه، لكن يدعى له بامتداد البقاء، وأن تعامله الحوادث بعد هذه ~~معاملة الإبقاء". # "ثم نتبع ذلك بطلب الجنة لمن نقلته المنايا عن أرائك الخدور، وجعلته في ~~بطون القبور، ولمن فاجأت الأيام غصنه فقصفته، ولم يعش حتى عرف الدنيا ولا ~~عرفته، فواها لهما وقد نزلا بمنزل عديم الإيناس، وإن كان مأهولا بأكثر ~~الناس، فهو القريب دارا، البعيد مزارا، الذي حجب من اليأس بأمنع حجاب، وذهب ~~عن الوجوه المنعمة لذل التراب، فمن كان مسعدا للمجلس، فليأخذ بوله الجزع لا ~~بعزيمة الاصطبار، وليقل: هذا حادث بان فيه تحامل الأقدار، وجرت همومه مجرى ~~الخواطر من القلوب والرقاد من الأبصار، فالأسوة -إلا فيه- معدودة من ~~الإحسان، والسلوة -إلا عنه- داخلة في حيز الإمكان". # "والخادم أولى من لقي المجلس فيه بالإسعاد، وقام ms230 بما يجب من قضاء حق ~~الوداد، وفعل ما يفعله القريب الحاضر، وإن كان على شقة من البعاد، وقد أرسل ~~من ينوب عنه في التعزية، وإن لم يكف فيها المناب، وكما رخص العذر في قصر ~~الصلاة، فكذلك رخص في الاقتصار على الرسول والكتاب، وقد ورد لو حضر بنفسه، ~~فاستسقى لذلك الضريح سحابا، وعقر عنده ركابا، وسأل الله مغفرة وثوابا ~~والسلام". # في هذا الكتاب معنى غريب، وهو قولي: "سعد الأخبية" كناية عن المرأة و"سعد ~~السعود" كناية عن ولدها؛ لأن "سعد الأخبية" اسم منزلة من منازل القمر، ~~و"الأخبية": جمع "خباء"، ومن شأن المرأة أن تحتجب في الأخبية، فهي سعدها، PageV02P040 # وهذا من المعاني الغريبة في مثل هذا المقصد، وقد اتفق "سعد الأخبية" ~~و"سعد السعود" معا، وهذا أيضا غريب. ### ||| كتاب عن الملك الأفضل إلى أخيه الملك الظاهر غازي: # ومن ذلك أني كتبت كتابا عن الملك الأفضل، "علي بن يوسف" إلى أخيه الملك ~~الظاهر "غازي بن يوسف" صاحب حلب، في أمر شخص كان أبوه صاحب # مدينة "تكريت"1، وهذه تكريت كان يتولاها قديما الأمير أيوب2 جد الملك # الأفضل والملك الظاهر، وأولد بها ولده صلاح الدين يوسف أباهما، وعلى عقب ~~ولادته انتقل والده عن تكريت هو، وعشيرته لأمر طرأ لهم3، وجاء إلى الموصل، ~~ثم إلى الشام، وهناك سعدوا وكانت السعادة على يد صلاح الدين يوسف. # فلما أردت أن أكتب هذا الكتاب علمت أنه مظنة المعاني المبتدعة؛ لأن الأمر ~~المكتوب فيه غريب لم يقع مثله، فحينئذ كبتت هذا الكتاب، وهو: # رفع الله شأن مولانا الملك الظاهر، ولا زال الدهر فاخرا بمآثر سلطانه، ~~ناظما مناقبه في جيده ومحامده في لسانه، ناسخا بمساعي دولته ما تقدم من ~~مساعي آل PageV02P041 # بويه1 وآل حمدانه2،كتاب الخادم هذا وارد من يد الأمير شمس الدين بن صاحب ~~تكريت، وهي أول أرض مس جلد الوالد ترابها، ورقمت بها السعادة على جبينه ~~كتابها، ومنها ظهر نور البيت الأيوبي مشرقا، وأشام إذا خرج معرقا، وكفاه ~~بذلك وسيلة يكتنفها الإحسان والإرعاء، ويكفي صاحبها أن يقول: لا أسقي حتى ~~يصدر الرعاء، ms231 وقد قرنها بوسيلة قصد الخدمة التي توجب لقاصدها ذماما، وتقول ~~له: سلاما إذا قال: سلاما، ثم ثلث هاتين الوسيلتين بكتاب الخادم أخذا ~~بالسنة النبوية في الدعاء وعدده، وتفاؤلا بتثليث النجوم فيما يقصده المرء ~~من سعادة مقصده، ولا قدح في كرم الكريم إذا استكثر طالبه من الأسباب، فإن ~~الله على كره قد استكثر إليه من أعمال الثواب. # "وكتاب الخادم على انفراده كاف لحامله، ومكثر من حقوق وسائله، وقد صدر ~~مخاطبا عن فحوى ضميره، فإنما تحق السفارة إذا قعد بكل طالب سعي سفيره، وهو ~~مع PageV02P042 # ذلك خفيفة صفحته، وجيزة لمحته، وإذا وجد لدى مولانا معولا، فليس عليه أن ~~يرد مطولا إذ التعويل على نجح مصدره، لا على كثرة أسطره". # فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكتاب، وأعطه حقه من التأمل، حتى ترى ما ~~اشتمل عليه من المعاني، وانظر كيف ذكرت الأول، ثم الثاني، ثم الثالث. # أما المعنى الأول: فإنه يختص بذكر سعادة البيت الأيوبي ومنشئها، وأنها ~~ولدت بتكريت، وهذا الرجل ينبغي أن يرعى بسببها، إذ كان أبوه صاحبها. # وأما المعنى الثاني: فإنه قصد الخدمة الظاهرية، وهذا وسيلة ثانية توجب له ~~ذماما. # وأما المعنى الثالث: فإنه حرمة الكتاب الصادر عن يده. # ثم إني مثلت ذلك بالدعاء النبوي وبتثليث النجوم، فإن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- كان إذا دعا دعا ثلاثا. # وإنما مثلت ذلك بالدعاء لأمرين: # أحدهما أنه موضع سؤال وضراعة. # والآخر: أن الكتاب وسيلة ثالثة، والدعاء ثلاث مرار. # وأما تثليث النجوم، فإن التثليث سعد، والتربيع نحس. # وأحسن المعاني الثلاثة التي تضمنها هذا الكتاب هو الأول والثالث، وأما ~~الثاني فإنه متداول. # فتأمل ما أشرت إليه، وإذا شئت أن تكتب كتابا، فافعل كما فعلت في هذا ~~الكتاب، إن كان الأمر الذي تكتب فيه غريب الوقوع. # واعلم أنه قد يقع المعنى المبتدع في غير أمر غريب الوقوع، وذلك يكون ~~قليلا بالنسبة إلى الوقائع الغريبة التي هي مظنة المعاني المبتدعة. PageV02P043 ### ||| ومن هذا الباب ما أوردته في جملة رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها: وهو: # "فإذا تناولوها في أيديهم ms232 قيل: أهلة طالعة من أكف أقمار، وإذا مثل غناؤها ~~وغناؤهم قيل: منايا مسوقة بأيدي أقدار، وتلك قسي وضعت للعب لا للنضال، ~~ولردى الأطيار لا لردى الرجال". # "وإذا نعتها ناعت قال: إنها جمعت بين وصفي اللين والصلابة، وصنعت من ~~نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حيوان ونبات، مؤلفة منهما ~~على بعد الشتات، فهذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البر ومجاهله". # "ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشد، ولا تنطلق في شأنها إلا ~~حين تعطف وترد، ولها نثار أحكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في لونها ~~صندلية1 الإرهاب، وكأنما صيغت لقوتها من حجر لا من تراب، فإذا قذفتها إلى ~~الأطيار قيل: ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد، ولا يرى حينئذ إلا قتيل، ~~ولكن بالمثقل الذي لا يجب في مثله قود2، فهي كافلة من تلك الأطيار بقبض ~~نفوسها، منزلة لها من جو السماء على أم رءوسها". # هذا الفصل يشتمل على معان غريبة: # منها قولي: "إنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشتد، ولا تنطلق إلا حين ~~تعطف وترد". # ومنها قولي: "ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد". # وكل هذا من المعاني التي تبتدع بالنظر إلى المقصد المكتوب فيه، فإن ~~الكاتب إذا فكر فيما لديه وتأمله، وكان قادرا على استخراج المعنى، ~~والمناسبة بينه وبين مقصده جاء PageV02P044 # هكذا كما تراه، إلا أن القادر على ذلك من أقدره الله عليه، فما كان خاطر ~~بحكيم، ولا كل من أوحى إليه بكليم، وفي الأقلام هاشم لمن ناوأه، ومنها ~~هشيم! # وسأنبه في هذا الموضع على طريق يسلك إلى شيء من المعاني المخترعة، وهو ما ~~استخرجته، وانفردت باستخراجه دون غيري، فإن المعاني المخترعة لم يتكلم فيها ~~أحد بالإشارة إلى طريق يسلك فيها؛ لأن ذلك مما لا يمكن، ومن ههنا أضرب ~~علماء البيان عنه، ولم يتكلموا فيه كما تكلموا في غيره! # وكيف تتقيد المعاني المخترعة بقيد، أو يفتح إليها طريق تسلك، وهي تأتي من ~~فيض إلهي بغير تعليم? # ولهذا اختص بها بعض ms233 الناثرين والناظمين دون بعض، والذي يخص بها يكون فذا ~~واحدا يوجد في الزمن المتطاول. # ولما مارست أنا هذا الفن -أعني فن الكتابة- وقلبته ظهرا لبطن، وفتشت عن ~~دفائنه وخباياه، وأكثرت من تحصيل مواده والأسباب الموصلة إلى الغاية منه، ~~سنح لي في شيء من المعاني المخترعة طريق سلكته، وهو يستخرج من كتاب الله ~~تعالى، وأحاديث نبيه صلوات الله عليه وسلامه، وقد تقدم لي منه أمثلة في هذا ~~الكتاب. # وذلك أنه ترد الآية من كتاب الله تعالى، أو الحديث النبوي، والمراد بهما ~~معنى من المعاني، فآخذ أنا ذلك وأنقله إلى معنى آخر، فيصير مخترعا لي. # وسأورد ههنا نبذة يسيرة يعلم منها كيف فعلت حتى يسلك إليها في الطريق ~~الذي سلكته. # فمن ذلك قصة أصحاب الكهف والرقيم1، فإني أخذت ذلك ونقلته إلى الإحسان ~~والشكر. PageV02P045 # ألا ترى أن الإحسان يستعار له كهف وكنف وظل، وأشباه ذلك. # والشكر كلمات تقال في التنويه بذكر المحسن وإحسانه. # والرقيم هو الكتاب المكتوب، فهو والشكر متماثلان. # والذي أتيت به قد أوردته وهو: # فصل من كتاب إلى بعض المنعمين: # "الخادم يشكر إحسان المولى الذي ظل عنده مقيما، وغدا بمطالبه زعيما، ~~وأصبح بتواليه إليه مغرما، كما أصبح له غريما، ولما تمثل في الاشتمال عليه ~~كهفا صار شكره فيه رقيما". # فانظر كيف فعلت فيه في هذا الموضع لتعلم أني قد فتحت لك فيه طريقا تسلكه! # وأما الحديث النبوي، فإني أخذت قصة قتلى بدر، كأبي جهل وعتبة وشيبة ~~وغيرهم، ونقلتها إلى القلم. # وذاك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف على القليب الذي ألقاهم فيه ~~وناداهم بأسمائهم فقال: $"يا عتبة، يا شيبة، يا أبا جهل، يا فلان، يا ~~فلان"، والحديث مشهور فلا حاجة إلى استقصائه. # والذي أتيت به في وصف القلم هو أني قلت: # "ولقد مرح القلم في يدي وحق له أن يمرح، وأبدع فيما أتى به، وكل إناء ~~بالذي فيه ينضح، ومن شأنه أن يستقل على أعواد المنبر، فلا ينتهي من خطبتها ~~إلى فصلها، ويقف على جانب القليب إلا أنه لا ينادي من المعاني ms234 أبا جهلها". # فالدواة قليب، والقلم يقف عليه، والمعاني التي ينشئها من باب العلم، لا ~~من باب الجهل. # فتأمل هذه الكلمات التي ذكرتها فإنها لطيفة جدا، وهي مخترعة لي. PageV02P046 # وهذا القدر كاف في طريق التعليم، فليحذ حذوه -إن أمكن- والله الموفق ~~للصواب. # وأما الضرب الآخر من المعاني، وهو الذي يحتذى فيه على مثال سابق، ومنهج ~~مطروق، فذلك جل ما يستعمله أرباب هذه الصناعة، ولذلك قال عنترة: # هل غادر الشعراء من متردم1 # إلا أنه لا ينبغي أن يرسخ هذا القول في الأذهان؛ لئلا يؤيس من الترقي إلى ~~درجة الاختراع، بل يعول على القول المطمع في ذلك، وهو قول أبي تمام2: # لا زلت من شكري في حلة %~% لابسها ذو سلب فاخر # يقول من تقرع أسماعه %~% كم ترك الأول للآخر # وعلى الحقيقة فإن في زوايا الأفكار خبايا، وفي أبكار الخواطر سبايا، لكن ~~قد تقاصرت الهمم، ونكصت العزائم، وصار قصارى الآخر أن يتبع الأول، وليته ~~تبعه، ولم يقصر عنه تقصيرا فاحشا. # ووقفت على كتاب يقال له: "مقدمة ابن أفلح البغدادي"، قد قصرها على تفصيل ~~أقسام علم الفصاحة والبلاغة، وللعراقيين بها عناية وهم واصفون لها، ومكبون ~~عليها. # ولما تأملتها وجدتها قشورا لا لب تحتها؛ لأن غاية ما عند الرجل أن يقول: ~~وأما PageV02P047 # الفصاحة فإنها كقول النابغة مثلا، أو كقول الأعشى1، أو غيرهما، ثم يذكر ~~بيتا من الشعر أو أبياتا، وما بهذا تعرف حقيقة الفصاحة حتى إذا وردت في ~~كلام عرفنا أنه فصيح، بما عرفنا من حقيقتها الموجودة فيها، وكذلك يقول في ~~غير الفصاحة. # ومن أعجب ما وجدته في كتاب أنه قال: أما المعاني المبتدعة، فليس للعرب ~~منها شيء، وإنما اختص بها المحدثون، ثم ذكر للمحدثين معاني، وقال: هذا ~~المعنى لفلان، وهو غريب، وهذا القول لفلان، وهو غريب. # وتلك الأقوال التي خص قائليها بأنهم ابتدعوها قد سبقوا إليها، فإما أن ~~يكون غير عارف بالمعنى الغريب، وإما أنه لم يقف على أقوال الناظمين ~~والناثرين، ولا تبحر فيها، حتى عرف ما قاله المتقدم، مما قاله المتأخر. # وأما قوله: "إنه ليس ms235 للعرب معنى مبتدع، وإنما هو للمحدثين، فيا ليت شعري! ~~من السابق إلى المعاني? من تقدم زمانه أم من تأخر زمانه؟ # وأنا أورد ههنا ما يستدل به على بطلان ما ذكره. # وذاك أنه قد ورد من المعاني أن صور المنازل تمثلت في القلوب، فإذا عفت ~~آثارها لم تعف صورها من القلوب، وأول من أتى بذلك العرب، فقال الحرث بن ~~خالد2 من أبيات الحماسة3: PageV02P048 # إني وما نحروا غداة منى %~% عند الجمار يئودها العقل1 # لو بدلت أعلى مساكنها %~% سفلا وأصبح سفلها يعلو # لعرفت مغناها بما2 ضمنت %~% مني الضلوع لأهلها قبل # ثم جاء المحدثون من بعده، فانسحبوا على ذيله، وحذوا حذوه، فقال أبو ~~تمام3: # وقفت وأحشائي منازل للأسى %~% به وهو قفر قد تعفت منازله # وقال البحتري4: # عفت الرسوم وما عفت أحشاؤه %~% من عهد شوق ما تحول5 فتذهب # وقال المتنبي6: # لك يا منازل في القلوب منازل %~% أقفرت أنت وهن منك أواهل # وهذا المعنى قد تداوله الشعراء، حتى إنه ما من شاعر إلا ويأتي به في ~~شعره. # وكذلك ورد لبعضهم من شعراء الحماسة7: # أناخ اللؤم وسط بني رياح %~% مطيته وأقسم لا يريم8 # كذلك كل ذي سفر إذا ما %~% تناهى عند غايته يقيم9 PageV02P049 # وهذان البيتان من أبيات المعاني المبتدعة، وعلى أثرهما مشى الشعراء. # وكذلك ورد لبعضهم في شعر الحماسة1: # تركت ضأني تود الذئب راعيها %~% وأنها لا تراني آخر الأبد # الذئب يطرقها في الدهر واحدة %~% وكل يوم تراني مدية بيدي # وكذلك ورد قول الآخر: # قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا %~% للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا2 # وكم للعرب من هذه المعاني التي سبقوا إليها. # ومن أدل الدليل على فساد ما ذهب إليه3 من أن المحدثين هم المختصون ~~بابتداع المعاني، أن أول من بكى على الديار في شعره رجل يقال له: ابن حزام، ~~وكان هو المبتدئ لهذا المعنى أولا، وقد ذكره امرؤ القيس في شعره فقال4: # عوجا على الطلل المحيل لعلنا %~% نبكي الديار كما بكى ابن حذام5 # وقد أجمع نقلة الأشعار أن لامرئ القيس في صفات الفرس أشياء كثيرة لم ms236 يسبق ~~إليها، ولا قيلت من قبله. # ويكفي من هذا كله ما قدمت القول فيه، وهو أن العرب السابقون بالشعر، ~~وزمانهم هو الأول، فكيف يقال: إن المتأخرين هم السابقون إلى المعاني?! # وفي هذه الأمثلة التي أوردتها كفاية في نقض ما ذكره. PageV02P050 # ولو قال1: إن المحدثين أكثر ابتداعا للمعاني، وألطف مأخذا وأدق نظرا، ~~لكان قوله صوابا؛ لأن المحدثين عظم الملك الإسلامي في زمانهم، ورأوا ما لم ~~يره المتقدمون، وقد قيل: إن اللها تفتح اللها2، وهو كذلك فإن نفاق السوق ~~جلاب. # وقد رأيت جماعة من متخلفي هذه الصناعة يجعلون همهم مقصورا على الألفاظ ~~التي لا حاصل وراءها، ولا كبير معنى تحتها، وإذا أتى أحده بلفظ مسجوع على ~~أي وجه كان من الغثاثة، والبرد يعتقد أنه قد أتى بأمر عظيم، ولا يشك في أنه ~~صار كاتبا مفلقا. # إذا نظر إلى كتاب زماننا وجدوا كذلك، فقاتل الله القلم الذي يمشي في أيدي ~~الجهال الأغمار، ولا يعلم أنه كجواد يمشي تحت حمار. # ولو أنه لا يتطاول إليه إلا أهله لبان الفاضل من الناقص، على أنه كالرمح ~~الذي إذا اعتقله حامله بين الصفين بان به المقدم من الناكص، وقد أصبح اليوم ~~في يد قوم هم أحوج من صبيان الكاتب إلى التعليم، وقد قيل: إن الجهل بالجهل ~~داء لا ينتهي إليه سقم السقيم. # وهؤلاء لا ذنب لهم؛ لأنهم لو لم يستخدموا في الدول ويستكتبوا، وإلا ما ~~ظهرت جهالتهم، وفي أمثال العوام: لا تعر الأحمق شيئا فيظنه له، وكذلك يجري ~~الأمر مع هؤلاء، فإنهم استكتبوا في الدول، فظنوا أن الكتابة قد صارت لهم ~~بأمر حق واجب. # ومن أعجب الأشياء أني لا أرى إلا طعاما في هذا الفن، مدعيا له على خلوه ~~عن تحصيل آلاته وأسبابه، ولا أرى أحدا يطمع في فن من الفنون غيره، ولا ~~يدعيه! PageV02P051 # هذا، وهو بحر لا ساحل له، يحتاج صاحبه إلى تحصيل علوم كثيرة حتى ينتهي ~~إليه، ويحتوي عليه، فسبحان الله! هل يدعي هؤلاء أنه فقيه، أو طبيب أو حاسب ~~أو غير ذلك من غير ms237 أن يحصل آلات ذلك، ويتقن معرفتها? # فإذا كان العلم الواحد من هذه العلوم الذي يمكن تحصيله في سنة، أو سنتين ~~من الزمان، لا يدعيه أحد من هؤلاء، فكيف يجيء إلى فن الكتاب، وهو ما لا ~~تحصل معرفته إلا في سنين كثيرة، فيدعيه وهو جاهل به? # ومما رأيته من المدعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور، وقصروا ~~معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثة التي لا حاصل وراءها، أنهم إذا أنكرت ~~هذه الحال عليهم، وقيل لهم: إن الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر ~~على حرف واحد فقط، إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا ~~به من غير كلفة، وإنما هو أمر وراء هذا، وله شروط متعددة، فإذا سمعوا ذلك ~~أنكروه، لخلوهم عن معرفته، ثم لو عرفوه وأتوا به على الوجه الحسن من اختيار ~~الألفاظ المسجوعة لاحتاجوا إلى شرط آخر، قد نبهت عليه في باب "السجع". # وإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة، وهدوا إلى طريق المعاني ~~يقولون: لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة، فإنهم إنما اعتنوا ~~بالألفاظ ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءكم بها!! # فلم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه، حتى ادعوا الأسوة بالعرب فيه، فصارت ~~جهالتهم جهالتين. # ولنذكر ههنا في الرد عليهم ما إذا تأمله الناظر في كتابنا عرف منه ما ~~يؤنقه، ويذهب به الاستحسان كل مذهب، فنقول: # اعلم أن العرب كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها، وتهذبها فإن المعاني أقوى ~~عندها، وأكرم عليها، وأشرف قدرا في نفوسها، فأول ذلك عنايتها بألفاظها؛ ~~لأنها لما كانت عنوان معانيها، وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها وزينوها، ~~وبالغوا في PageV02P052 # تحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في الدلالة على القصد. # ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعا لذ لسامعه فحفظه، وإذا لم يكن مسجوعا ~~لم يأنس به أنسه في حالة السجع؟ # فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم، وحسنوها ورققوا حواشيها، وصقلوا ~~أطرافها، فلا تظن أن العناية إذا ذاك إنما هي بألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم ~~للمعاني، ونظير ذلك إبراز صورة ms238 الحسناء في الحلل الموشية والأثواب المحبرة، ~~فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما يشوه من حسنة بذاذة لفظه، وسوء العبارة ~~عنه. # فإن قيل: إنا نرى من ألفاظ العرب ما قد حسنوه وزخرفوه، ولسنا نرى تحته مع ~~ذلك معنى شريفا، فمما جاء منه قول بعضهم1: # ولما قضينا من منى كل حاجة %~% ومسح بالأركان من هو ماسح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا %~% وسالت بأعناق المطي الأباطح # ألا ترى إلى حسن هذا اللفظ وصقالته، وتدبيج أجزائه؟ ومعناه مع ذلك ليس ~~مدانيا له ولا مقاربا، فإنه إنما هو: لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق ~~راجعين وتحدثنا على ظهور الإبل، ولهذا نظائر شريفة الألفاظ خسيسة المعاني2؟ ~~PageV02P053 # فالجواب عن ذلك أنا نقول1: هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم ~~النظر فيه، ولا أرى ما رآه القوم، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وعدم معرفته ~~وهو أن في قول هذا الشاعر: "كل حاجة" مما يستفيد منه أهل النسيب والرقة ~~"وذوو"2 والأهواء، والمقة ما لا يستفيد غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس ~~منهم. # ألا ترى أن حوائج منى أشياء كثيرة؟ فمنها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها ~~التخلي للاجتماع، إلى غير ذلك مما هو تال له ومعقود الكون به، فكأن الشاعر ~~صانع عن هذا الموضع الذي أومأ له، وعقد غرضه عليه، بقوله في آخر البيت: ~~"ومسح بالأركان من هو ماسح" أي: إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا3 ~~التي بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان، وما هو لاحق به، وجار في ~~القرية من الله مجراه: أي لم نتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول ~~البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح. # وأما البيت الثاني: فإن فيه "أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا"، وفي هذا ما ~~تذكره لتعجب به، وبمن عجب منه، ووضع من معناه! PageV02P054 # وذلك أنه لو قال: "أخذنا في أحاديثنا"، أو نحو ذلك، لكان فيه ما يكبره ~~أهل النسيب، فإنه قد شاع عنهم واتسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين ~~الإلفين، والجذل بجمع شمل المتواصلين، ألا ترى إلى قول ms239 بعضهم: # وحديثها يا سعد عنها فزدتني %~% جنونا فزدني من حديثك يا سعد # وقول الآخر: # وحديثها السحر الحلال لو أنه %~% لم يجن قتل المسلم المتحرز1 # فإذا كان قدر الحديث عندهم "مرسلا"2 على ما ترى، فكيف به إذا قيدوه ~~بقوله: "أخذنا بأطراف الأحاديث"؟ فإن ذلك وحيا خفيا، ورمزا حلوا، ألا ترى ~~أنه قد يريد بأطرافها، ما يتعاطاه المحبون، ويتفاوضه ذوو الصبابة من ~~التعريض والتلويح، والإيماء دون التصريح؟ وذلك أحلى وأطيب، وأغزل وأنسب، من ~~أن يكون كشفا، ومصارحة وجهرا. # وإن كان الأمر كذلك، فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم، وأشد تقدما في ~~نفوسهم من لفظهما، وإن عذب ولذ مستمعه. # نعم في قول الشاعر: # وسالت بأعناق المطي الأباطح # من لطافة المعنى وحسنه ما لا خفاء به. # وسأنبه على ذلك، فأقول إن هؤلاء القوم لما تحدثوا، وهم سائرون على ~~المطايا شغلتهم لذة الحديث عن إمساك الأزمة، فاسترخت عن أيديهم، وكذلك شأن ~~من يشره، وتغلبه الشهوة في أمر من الأمور، ولما كان الأمر كذلك، وارتخت ~~الأزمة عن PageV02P055 # الأيدي أسرعت المطايا في المسير، فشبهت أعناقها بمرور السيل على وجه ~~الأرض في سرعته، وهذا موضع كريم حسن، لا مزيد على حسنه. # والذي لا ينعم نظره فيه لا يعلم ما اشتمل عليه من المعنى، فالعرب إنما ~~تحسن ألفاظها، وتزخرفها عناية منها بالمعاني التي تحتها. # فالألفاظ إذا خدم المعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم، فاعرف ذلك وقس ~~عليه. PageV02P056 ### || النوع الأول: في الاستعارة # ولنقدم قبل الكلام في هذا الموضع قولا جامعا، فنقول: # اعلم أن للفصاحة والبلاغة أوصافا خاصة، وأوصافا عامة. # فالخاصة: كالتجنيس فيما يرجع إلى اللفظ، وكالمطابقة فيما يرجع إلى ~~المعنى. # وأما العامة فكالسجع فيما يرجع إلى اللفظ، وكالاستعارة فيما يرجع إلى ~~المعنى. # وهذا الموضع الذي نحن بصدد ذكره -وهو الاستعارة- كثير الإشكال، غامض ~~الخفاء. # وسأورد في كتابي هذا ما استخرجته، ولم أسمع فيه قولا لغيري. # وكنت قدمت القول في الفصل السابع من مقدمة الكتاب1، فيما يختص بإثبات ~~المجاز، والرد على من ذهب إلى أن الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه، وأقمت ms240 ~~الدليل على ذلك، ولا حاجة إلى إعادته ههنا. # بل الذي أذكره ههنا هو ما يختص بالاستعارة التي هي جزء من المجاز، ولم ~~سميت بهذا الاسم، وكشفت عن حقيقتها، وميزتها عن التشبيه المضمر الأداة. # والكلام في هذا يحتاج إلى إعادة ذكر المجاز، وإدخاله فيه ليتقرر ويتبين. ### ||| أقسام المجاز: # والذي انكشف لي بالنظر الصحيح أن المجاز ينقسم قسمين: # توسع في الكلام، وتشبيه. PageV02P057 # والتشبيه ضربان: تشبيه تام، وتشبيه محذوف. # فالتشبيه التام: أن يذكر المشبه والمشبه به. # والتشبيه المحذوف: أن يذكر المشبه به، ويسمى "استعارة". # وهذا الاسم وضع للفرق بينه وبين التشبيه التام، وإلا فكلاهما يجوز أن ~~يطلق عليه اسم "التشبيه"، ويجوز أن يطلق عليه اسم "الاستعارة"، لاشتراكهما ~~في المعنى. # وأما التوسع، فإنه يذكر للتصرف في اللغة، لا لفائدة أخرى. # وإن شئت قلت: إن المجاز ينقسم إلى توسع في الكلام، وتشبيه واستعارة، ولا ~~يخرج عن أحد هذه الأقسام الثلاثة، فأيها وجد كان مجازا. # فإن قيل: إن التوسع شامل لهذه الأقسام الثلاثة؛ لأن الخروج من الحقيقة ~~إلى المجاز اتساع في الاستعمال. # قلت في الجواب: إن التوسع في التشبيه والاستعارة جاء ضمنا وتبعا، وإن لم ~~يكن هو السبب الموجب لاستعالهما. # وأما القسم الآخر -الذي هو لا تشبيه ولا استعارة- فإن النسب في استعماله ~~هو طلب التوسع لا غير. # وبيان ذلك أنه قد ثبت أن المجاز فرع عن الحقيقة، وأن الحقيقة هي الأصل، ~~وإنما يعدل عن الأصل إلى الفرع لسبب اقتضاه. # وذلك السبب الذي يعدل فيه عن الحقيقة إلى المجاز، إما أن يكون لمشاركة ~~بين المنقول، والمنقول إليه في وصف من الأوصاف، وإما أن يكون لغير مشاركة. ### ||| الفرق بين التشبيه والاستعارة: # فإن كان لمشاركة: فإما أن يذكر المنقول والمنقول إليه معا، وإما أن يذكر ~~المنقول إليه دون المنقول. # فإن ذكر المنقول والمنقول إليه معا كان ذلك تشبيها. PageV02P058 # والتشبيه تشبيهان: تشبيه مظهر الأداة، كقولنا: زيد كالأسد، وتشبيه مضمر ~~الأداة، كقولنا: زيد أسد. # وهذا التشبيه مضمر الأداة وقد خلطه قوم بالاستعارة1، ولم يفرقوا بينهما، ~~وذلك خطأ محض. # وسأوضح وجه الخطأ ms241 فيه، وأحقق القول في الفرق بينهما تحقيقا جليا، فأقول: ~~أما التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره ههنا؛ لأنه معلوم لا خلاف ~~فيه، لكن نذكر "التشبيه المضمر الأداة" الذي وقع فيه الخلاف، فنقول: # إذا ذكر المنقول والمنقول إليه على أن تشبيه مضمر الأداة قيل فيه: زيد ~~أسد، أي كالأسد، فأداة التشبيه فيه مضمرة، وإذا أظهرت حسن ظهورها، ولم تقدح ~~في الكلام الذي أظهرت فيه، ولا تزيل عنه فصاحة ولا بلاغة. # وهذا بخلاف ما إذا ذكر المنقول إليه دون المنقول، فإنه لا يحسن فيه ظهور ~~أداة التشبيه، ومتى أظهرت أزالت عن ذلك الكلام ما كان متصفا به من جنس ~~فصاحة وبلاغة، وهذا هو "الاستعارة". # ولنضرب لك مثالا نوضحه، فنقول: # قد ورد هذا البيت لبعض الشعراء، وهو: # فرعاء إن نهضت لحاجتها %~% عجل القضيب وأبطأ الدعص2 PageV02P059 # وهذا قد ذكر فيه المنقول إليه دون المنقول؛ لأن تقديره عجل قد كالقضيب، ~~وأبطأ ردف كالدعص، وبين إيراده على هذا التقدير، وبين إيراده على هيئته في ~~البيت بون بعيد في الحسن والملاحة. # والفرق إذا أن التشبيه المضمر الأداة بحسن إظهار أداة التشبيه فيه، ~~والاستعارة لا يحسن ذلك فيها. # وعلى هذا فإن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له الذي هو ~~المنقول إليه، ويكتفى بذكر المستعار الذي هو المنقول. # فإن قيل: لا نسلم أن الفرق بين التشبيه، وبين الاستعارة ما ذهبت إليه، بل ~~الفرق بينهما أن التشبيه إنما يكون بأداته كالكاف، وكأن وما جرى مجراهما، ~~فما لم يظهر فيه أداة التشبيه لا يكون تشبيها، وإنما يكون استعارة فإذا ~~قلنا: "زيد أسد" كان ذلك "استعارة"، وإذا قلنا: زيد كالأسد كان ذلك ~~"تشبيها". # قلت في الجواب عن ذلك: إذا لم نجعل قولنا: "زيد أسد" تشبيها مضمر الأداء ~~لاستحال المعنى؛ لأن زيدا ليس أسدا، وإنما هو كالأسد في شجاعته، فأداة ~~التشبيه تقدر ههنا ضرورة كي لا يستحيل المعنى. # فإن قيل: وكذلك أيضا إذا لم تقدر أداة التشبيه في الاستعارة استحال ~~المعنى؛ لأنا إذا قلنا: "عجل القضيب، وأبطأ الدعص"، ms242 فما لم نقدر فيه أداة ~~التشبيه، وإلا استحال المعنى. # قلت في الجواب عن ذلك: تقديره أداة التشبيه لا بد منه في الموضعين، لكن ~~يحسن إظهارها في التشبيه، دون الاستعارة. # وجملة الأمر أنا نرى أداة التشبيه بحسن إظهارها في موضع دون موضع، فعلمنا ~~أن الموضع الذي يحسن إظهارها فيه غير الموضع الذي لا يحسن إظهارها فيه، ~~فسمينا المواضع الذي يحسن إظهارها فيه "تشبيها مضمر الأداء"، والذي لا يحسن ~~إظهارها فيه "استعارة". PageV02P060 # وإنما فعلنا ذلك؛ لأن تسمية ما يحسن إظهار أداة التشبيه فيه ب"التشبيه" ~~أليق، وتسمية ما لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه ب"الاستعارة" أليق، فإذا ~~قلنا: "زيد أسد" حسن إظهار أداة التشبيه فيه، بأن نقول: "زيد كالأسد"، وإذا ~~قلنا كما قال الشاعر: # فرعاء إن نهضت لحاجتها %~% عجل القضيب وأبطأ الدعص # لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، على ما تقدم من ذكر ذلك أولا. # فإن قيل: إذا أجزت إضمار أداة التشبيه، وقدرت إظهارها في قولك: "زيد أسد" ~~أي كالأسد، فنحن نضمر أيضا المستعار له ونقدر إظهاره، فإنه لما قال الشاعر: ~~"عجل القضيب وأبطأ الدعص" أضمر المستعار له، وهو القد والردف، وإذا أظهر ~~قيل: "عجل قد كالقضيب، وأبطأ ردف كالدعص"، ولا فرق بين الإضمارين، فكما ~~يسعك إضمار أداة التشبيه في قولك: "زيد أسد"، فكذلك يسعنا نحن إضمار ~~المستعار له في قول الشاعر! # فالجواب عن ذلك أني أقول: نحن في هذا المقام واقفون مع الاستحسان لا مع ~~الجواز، ولو تأملت ما أوردته في أول كلامي بالعين الصحيحة لما أوردت علي ~~هذا الاعتراض ههنا، فإني قلت: التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداء ~~التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيها، ولو قلت: يجوز ~~أو لا يجوز لورد علي هذا الاعتراض الذي ذكرته، وقد علم وتحقق أن من الواجب ~~في حكم الفصاحة والبلاغة ألا يظهر المستعار له، وإذا ظهر ذهب ما على الكلام ~~من الحسن والرونق. # ألا ترى أنا إذا أوردنا هذا البيت الذي هو1: # فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت %~% وردا وعضت على العناب بالبرد ms243 # جد عليه من الحسن والرونق ما لا خفاء به، وهو من باب الاستعارة. # فإذا أظهرنا المستعار له صرنا إلى كلام غث، وذاك أنا نقول: "فأمطرت دمعا ~~PageV02P061 # كاللؤلؤ من عين كالنرجس، وسقت خدا كالورد، وعضت على أنامل مخضوبة كالعناب ~~بأسنان كالبرد، وفرق بين هذين الكلامين للمتأمل واسع. # وهكذا يجري الحكم في البيت المتقدم ذكره الذي هو: # فرعاء إن نهضت لحاجتها %~% عجل القضيب وأبطأ الدعص # فإن هذا البيت لا خفاء بما عليه من الحسن، وإذا ظهر فيه المستعار له زال ~~ذلك الحسن عنه، لا بل تبدل بضده. # وليس كذلك التشبيه المضمر الأداة، فإنا إذا أظهرنا أداة التشبيه، ~~وأضمرناها كان ذلك سواء، إذ لا فرق بين قولنا: "زيد أسد" وبين قولنا: "زيد ~~كالأسد"، وهذا لا يخفى على جاهل بعلم الفصاحة والبلاغة، فضلا عن عالم. # والمعول عليه في تأليف الكلام من المنثور، والمنظوم إنما هو حسنه ~~وطلاوته، فإذا ذهب ذلك عنه فليس بشيء. # ونحن في الذي نورده في هذا الكتاب واقفون مع الحسن لا مع الجواز. # ثم لو تنزلنا معك أيها المعترض عن درجة الحسن إلى درجة الجواز لما استقام ~~لك ما ذكرته، وذاك أن إضمار أداة التشبيه ظاهر في قولنا: "زيد أسد" أي ~~كالأسد، وهو مضمر واحد، وأما قول الشاعر: "فرعاء إن نهضت لحاجتها"، فإنه لا ~~يضمر فيه أداة التشبيه إلا بعد أن يظهر المستعار له، حينئذ يكون فيه ~~إضماران: أحدهما: المستعار له، والآخر: أداة التشبيه، وإضمار واحد أيسر من ~~إضمارين: أحدهما معلق على الآخر. # وإذا كان الأكر كذلك فالفرق بين الاستعارة، والتشبيه هو ما قدمت القول ~~فيه من أن المستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له، فتأمل ما أشرت ~~إليه وتدبره، حتى تعلم أني ذكرت ما لم يذكره أحد غيري على هذا الوجه. # إنما سمي هذا القسم من الكلام "استعارة"؛ لأن الأصل في الاستعارة ~~المجازية مأخوذة من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة، وهي أن ~~يستعير بعض الناس من بعض شيئا من الأشياء، ولا يقع ذلك إلا من شخصين ms244 بينهما ~~سبب معرفة ما يقتضي PageV02P062 # استعارة أحدهما من الآخر شيئا، وإذا لم يكن بينهما سبب معرفة بوجه من ~~الوجوه، فلا يستعير أحدهما من الآخر شيئا؛ إذ لا يعرفه حتى يستعير منه، ~~وهذا الحكم جار في استعارة الألفاظ بعضها من بعض، فالمشاركة بين اللفظين في ~~نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشخصين في نقل الشيء ~~المستعار من أحدهما الآخر. # واعلم أنه قد ورد من الكلام ما يجوز حمله على الاستعارة، وعلى التشبيه ~~المضمر الأداة معا، باختلاف القرينة، وذاك أن يرد الكلام محمولا على ضمير ~~من تقدم ذكره، فينتقل عن ذلك إلى غيره، ويرتجل ارتجالا. # فمما جاء منه قول البحتري1: # إذا سفرت أضاءت شمس دجن %~% ومالت في التعطف غصن بان2 # فلما قال: "أضاءت شمس دجن" -بنصب الشمس- كان ذلك محمولا على الضمير في ~~قوله: "أضاءت" كأنه قال: أضاءت هي، وهذا تشبيه؛ لأن المشبه مذكور، وهو ~~الضمير في "أضاءت" الذي نابت عنه التاء، ويجوز حمله على الاستعارة، بأن ~~يقال: "أضاءت شمس دجن" برفع الشمس، ولا يعود الضمير حينئذ إلى من تقدم ~~ذكره. # وإنما يكون الكلام مرتجلا ويكون البيت: # إذا سفرت أضاءت شمس دجن %~% ومال من التعطف غصن بان # وهذا الموضع فيه دقة غموض، وحرف التشبيه يحسن في الأول دون الثاني. ~~PageV02P063 ### ||| التوسع في الكلام: # وأما القسم الذي يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين ~~المنقول، والمنقول إليه فذلك لا يكون إلا لطلب التوسع في الكلام، وهو سبب ~~صالح؛ إذ التوسع في الكلام مطلوب. ### ||| ضربا التوسع: # وهو ضربان: # أحدهما: يرد على وجه الإضافة، واستعماله قبيح، لبعد ما بين المضاف ~~والمضاف إليه، وذاك؛ لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة، وإذا ورد التشبيه ~~ولا مناسبة بين المشبه، والمشبه به كان ذلك قبيحا، ولا يستعمل هذا الضرب من ~~التوسع إلا جاهل بأسرار الفصاحة والبلاغة، أو ساه غافل يذهب به خاطره إلى ~~استعماله ما لا يجوز ولا يحسن، كقول أبي نواس1: # بح صوت المال مما %~% منك يشكو ويصيح # فقوله: "بح صوت المال" من الكلام النازل بالمرة، ms245 ومراده من ذلك أن المال ~~يتظلم من إهانتك إياه بالتمزيق، فالمعنى حسن، والتعبير عنه قبيح. # وما أحسن ما قال مسلم بن الوليد2 في هذا المعنى: # تظلم المال والأعداء من يده %~% لا زال للمال والأعداء ظلاما # وكذلك ورد قول أبي نواس أيضا3: # ما لرجل المال أمست %~% تشتكي منك الكلالا PageV02P064 # فإضافة "الرجل" إلى المال من إضافة الصوت. # ومن هذا الضرب قول أبي تمام1: # وكم أحرزت منكم على قبح قدها %~% صروف النوى من مرهف حسن القد2 # فإضافة "القد" إلى "النوى" من التشبيه البعيد البعيد، وإنما أوقعه فيه ~~المماثلة بين القد والقد. # وهذا أدب الرجل في تتبع "المماثلة" تارة، "والتجنيس" أخرى، حتى إنه ليخرج ~~إلى بناء يعاب به أقبح عيب وأفحشه. # وكذلك ورد قوله3: # بلوناك أما كعب عرضك في العلا %~% فعال وأما خد4 مالك أسفل # فقوله: "كعب عرضك" و"خد مالك" مما يستقبح ويستنكر، ومراده من ذلك أن عرضك ~~مصون ومالك مبتذل، إلا أنه عبر عنه أقبح تعبير. # وأبو تمام يقع في مثل ذلك كثيرا. # وأما الضرب الآخر من التوسع: فإنه يرد على غير وجه الإضافة، وهو حسن لا ~~عيب فيه. # وقد ورد في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} 5 فنسبة القول إلى ~~السماء PageV02P065 # والأرض من باب التوسع؛ لأنهما جماد، والنطق إنما هو للإنسان لا للجماد، ~~ولا مشاركة ههنا بين المنقول والمنقول إليه. # وكذلك قوله تعالى: {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} 1. # وعليه ورد قول النبي -صلى الله عليه وسلم؛ فإنه نظر إلى أحد2 يوما فقال: ~~"هذا جبل يحبنا ونحبه"، فإضافة المحبة إلى الجبل من باب التوسع؛ إذ لا ~~مشاركة # بينه، وبين الجبل الذي هو جماد. # وعلى هذا ورد مخاطبة الطلول، ومساءلة الأحجار كقول أبي تمام3: # أميدان لهوى من أتاح لك البلى %~% فأصبحت ميدان الصبا والجنائب # وكقول أبي الطيب المتنبي4: # إثلث فإنا أيها الطلل %~% نبكي وترزم تحتنا الإبل5 # فأبو تمام سائل ربوعا عافية وأحجارا دارسة، ولا وجه لها ms246 ههنا إلا مساءلة ~~الأهل؛ كالذي في قوله تعالى: {واسأل القرية} 6 أي: أهل القرية. PageV02P066 # وكل هذا توسع في العبارة، إذ لا مشاركة بين رسوم الديار، وبين فهم السؤال ~~والجواب. # وكذلك قال أبو الطيب المتنبي في أمره الطلل بأن يكون ثالثهما لهما: أي ~~الركب والإبل، وهذا واضح لا نزاع فيه. # فإذا قد تبين وتحقق ما أشرت إليه من هذا الموضوع، فالمجاز لا يخرج عن هذه ~~الأقسام الثلاثة: إما توسع، أو تشبيه، أو استعارة، وإذا حققنا النظر في ~~الاستعارة والتشبيه، وجدناهما أمرا قياسيا في حمل فرع على أصل لمناسبة ~~بينهما، وإن كانا يفترقان بحدهما وحقيقتهما. ### ||| حد الاستعارة: # فأما حد الاستعارة فقيل: إنه نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة ~~بينهما، وهذا الحد فاسد؛ لأن التشبيه يشارك الاستعارة فيه. # ألا ترى أنا إذا قلنا: "زيد أسد" أي كأنه أسد، وهذا نقل المعنى من لفظ ~~إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما؛ لأنا نقلنا حقيقة الأسد إلى زيد فصار مجازا، ~~وإنما نقلناه لمشاركة بين زيد، وبين الأسد في وصف الشجاعة. # والذي عندي من ذلك أن يقال: حد الاستعارة نقل المعنى من لفظ إلى لفظ ~~المشاركة بينهما، مع طي ذكر المنقول إليه؛ لأنه إذا احترز فيه هذا الاحتراز ~~اختص الاستعارة، وكان حدا لها دون التشبيه، وطريقة أنك تريد تشبيه الشيء ~~بالشيء مظهرا، ومضمرا وتجيء إلى المشبه فتعيره اسم المشبه به، وتجريه عليه ~~مثال ذلك أن تقول: رأيت أسدا، وهذا كالبيت الشعر المقدم ذكره، وهو: # فرعاء إن نهضت لحاجتها %~% عجل القضيب وأبطأ الدعص # فإن هذا الشاعر أراد تشبيه القد بالقضيب، والردف بالدعص الذي هو كثيب ~~الرمل؛ فترك ذكر التشبيه مظهرا ومضمرا؛ وجاء إلى المشبه -وهو القد ~~"والردف"- فأعاره المشبه به؛ وهو القضيب والدعص، وأجراه عليه. PageV02P067 ### ||| القرينة: # إلا أن هذا الموضع لا بد له من قرينه تفهم من فحوى اللفظ؛ لأنه إذا قال ~~القائل: رأيت الأسد، وهو يريد رجلا شجاعا، فإن هذا القول لا يفهم منه ما ~~أراد، وإنما يفهم منه أنه أراد الحيوان المعروف بالأسد، لكن إذا اقترن ms247 ~~بقوله: هذا قرينة تدل على أنه أراد رجلا شجاعا اختص الكلام بما أراد، ألا ~~ترى إلى قول الشاعر: "عجل القضيب وأبطأ الدعص"، فإنه دل عليه من نفس؛ لأن ~~قوله: "فرعاء إن نهضت" دليل على أن المراد هو القد والردف؛ لأن القضيب ~~والدعص لا يكونان لامرأة فرعاء تنهض لحاجتها، وكذلك كل ما يجيء على هذا ~~الأسلوب؛ لأن المستعار له وهو المنقول إليه مطوي الذكر. ### ||| قول ابن جني في المجاز والرد عليه: # وكنت تصفحت كتاب "الخصائص" لأبي الفتح عثمان بن جني1، فوجدته قد ذكر في ~~المجاز شيئا يتطرق إليه النظر، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى ~~المجاز إلا لمعان ثلاثة، وهي الاتساع، والتشبيه، والتوكيد؛ فإن عدمت ~~الثلاثة، كانت الحقيقة ألبتة. # فمن ذلك قوله تعالى: {وأدخلناه في رحمتنا} 2 فهذا مجاز، وفيه الثلاثة ~~المذكورة: # أما الاتساع: فهو أنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسما، وهو الرحمة. ~~PageV02P068 # وأما التشبيه، فإنه شبه الرحمة -وإن لم يصح دخولها- بما يصح دخوله. # وأما التوكيد: فهو أنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة؛ ~~تعاليا بالمخبر عنه، وتفخيما له إذا صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين. # هذا مجموع قول أبي الفتح -رحمه الله- من غير زيادة ولا نقص. # والنظر يتطرق إليه من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز، بل وجود ~~واحد منها سببا لوجوده ألا ترى أنه إذا وجد التشبيه وحده كان ذلك مجازا، ~~وإذا وجد الاتساع وحده كان ذلك مجازا، ثم إن كان وجود هذه المعاني الثلاثة ~~سببا لوجود المجاز، كان عدم واحد منها سببا لعدمه. # ألا ترى أنا إذا قلنا: لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانا ناطقا؛ ~~فالحيوانية والنطق سبب لوجود الإنسان، وإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون ~~إنسانا، وكذلك كل صفات تكون متقدمة لوجود الشيء؛ فإن وجودها بوجوده، وعدم ~~واحد منها يوجب عدمه؟ # وأما الوجه الثاني: فإنه ذكر التوكيد والتشبيه، وكلاهما شيء واحد على ~~الوجه الذي ذكره؛ لأنه لما شبهت الرحمة، وهي معنى لا يدرك بالبصر، بمكان ms248 ~~يدخل، وهو صورة تدرك بالبصر، دخل تحته التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك ~~بالحاسة بما قد يدرك بالحاسة. # على أن التوكيد ههنا، على وجه ما أورده في تمثيله، لا أعلم ما الذي أراد ~~به؛ لأنه لا يؤتى به في اللغة العربية إلا لمعنيين: # أحدهما: أنه يرد أبدا فيما استقري بألفاظ محصورة نحو: نفسه، وعينه وكله، ~~وما أضيف إليها مما استقري، وهو مذكور في كتب النحاة، وقد كفيت مؤنته. # الآخر: أنه يريد على وجه التكرير، نحو: قام زيد قام زيد كرر اللفظ في ذلك ~~تحقيقا للمعنى المقصود: أي توكيدا. PageV02P069 # والذي ذكره أبو الفتح -رحمه الله تعالى- لا يدل على أن المراد به أحد ~~هذين المعنيين المشار إليهما، ولا شك أنه أراد به المبالغة، والمغالاة في ~~إبراز المعنى الموهوم إلى الصورة المشاهدة، فعبر عن ذلك بالتوكيد، ولا ~~مشاحة له في تعبيره، وإذا أراد به ذلك فهو والتشبيه سواء على ما ذكره، ولا ~~حاجة إلى ذكر توكيد مع ذكر التشبيه. # وأما الوجه الثالث: فإنه قال: "أما الاتساع فهو أنه زاد في أسماء الجهات، ~~والمحال كذا وكذا". # وهذا القول مضطرب شديد الاضطراب؛ لأنه ينبغي على قياسه أن يكون جناح الذل ~~في قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل} 1 زيادة في أسماء الطيور، وذلك أنه ~~زاد في أسماء الطيور اسما هو الذل، وهكذا يجري الحكم في الأقوال الشعرية ~~كقول أبي تمام2: # لبست سواه أقواما فكانوا %~% كما أغنى التيمم بالصعيد # فزاد في أسماء اللباس اسما، هو الآدمي، وهذا مما يضحك منك، نعوذ بالله من ~~الخطل!! # والاتساع في المجال لا يقال فيه كذا، وإنما يقال: هو أن تجري صفة من ~~الصفات على موصوف ليس أهلا لأن تجري عليه؛ لبعد بينه وبينها، كقول أبي ~~الطيب المتنبي: # إثلث فإنا أيها الطلل %~% نبكي وترزم تحتنا الإبل # فإنه أجري الكلام على ذلك، وإنما يستعمل طلبا للاتساع في أساليب الكلام، ~~لا لمناسبة بين الصفة والموصوف؛ إذ لو كان لمناسبة لما كان ذلك اتساعا، ~~وإنما كان ضربا من القياس في حمل الشيء على ms249 ما يناسبه ويشاكله، وحينئذ يكون ~~ذلك تشبيها أو استعارة، على ما أشرت إليه من قبل. PageV02P070 ### ||| اقسام المجاز عند الغزالي، واعتراضات ابن الأثير: # وكنت اطلعت في كتاب من مصنفات أبي حامد الغزالي1 -رحمه الله- ألفه في ~~أصول الفقه، ووجدته قد ذكر "الحقيقة والمجاز"، وقسم المجاز إلى أربعة عشر ~~قسما، وتلك الأربعة عشر إلى الثلاثة التي أشرت إليها، وهي: التوسع، ~~والتشبيه، والاستعارة، ولا تخرج عنها، والتقسيم لا يصح في شيء من الأشياء ~~إلا إذا اختص كل قسم من الأقسام بصفة لا يختص بها غيره، وإلا كان التقسيم ~~لغوا لا فائدة فيه. # وسأورد ما ذكره وأبين فساده. ### |||| فالقسم الأول من الأقسام التي ذكرها هو: # ما جعل للشيء بسبب المشاركة في ~~خاصة، كقولهم للشجاع: أسد، وللبليد: حمار، وهذا القسم داخل في الاستعارة، ~~إن ذكر المنقول وحده، مثل أن يقول القائل: "رأيت أسدا"، ومراده رجلا شجاعا، ~~أو "رأيت حمارا"، ومراده "رجلا بليدا"، وداخل في التشبيه المضمر الأداة، إن ~~ذكر المنقول والمنقول إليه معا، كقول القائل: زيد أسد: أي كالأسد، أو حمار: ~~أي كالحمار. ### |||| القسم الثاني: تسمية الشيء باسم ما يئول إليه # كقوله تعالى: {إني أراني أعصر خمرا} 2وإنما كان يعصر عنبا. # وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لصفة المشابهة بين المنقول والمنقول ~~إليه، وهو من باب "الاستعارة"، لا، بل أوغل في المشابهة من ذاك؛ لأن الخمر ~~من العنب، وليس من الرجل، ولا الرجل من الأسد3. PageV02P071 ### |||| القسم الثالث: تسمية الشيء باسم فرعه # كقول الشاعر: # وما العيش إلا نومة وتشوق %~% وتمر على رأس النخيل وماء # فسمى الرطب تمرا. # وهذا القسم والقسم الذي قبله سواء؛ لأن هناك سمي العنب خمرا، وههنا سمي ~~الرطب تمرا؛ فالعنب أصل، والخمر فرع، وكذلك الرطب أصل، والتمر فرع، وكلا ~~هذين القسمين داخل في القسم الأول. # وهب أن الغزالي لم يحقق أمر المجاز، وانقسامه إلى تلك الأقسام الثلاثة ~~التي أشرت إليها، ألم ينظر إلى هذين القسمين اللذين هما العنب والخمر، ~~والرطب والتمر، ويعلم أنهما شيء واحد لا فرق بينهما? ### |||| القسم الرابع: تسمية الشيء باسم أصله ms250 # كقولهم للآدمي: مضغة، وهذا ضد القسم الذي قبله؛ لأن ذاك جعل الأصل فيه ~~فرعا، وهذا جعل الفرع فيه أصلا، وهو داخل في القسم الأول أيضا. # القسم الخامس: تسمية الشيء بدواعيه # كتسميتهم الاعتقاد قولا، نحو قولهم: هذا يقول بقول الشافعي رحمه الله: أي ~~يعتقد اعتقاده. # وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن بين القول وبين الاعتقاد مناسبة ~~كالمناسبة بين السبب، والمسبب والباطن، والظاهر. PageV02P072 ### |||| القسم السادس: تسمية الشيء باسم مكانه # كقولهم للمطر: "سماء"؛ لأنه ينزل منها. # وهذا القسم داخل في الأول لصفة المناسبة بين المنقول والمنقول إليه، وهو ~~النزول من عال، وكل ما علاك، فأظلك فهو "سماء". # على أن الأغلب على ظني أن هذا القسم من الأسماء المشتركة، وتسمية المطر ~~ب"السماء" حقيقة فيه، وليس من المجاز في شيء. ### |||| القسم السابع: تسمية الشيء باسم مجاوره # كقولهم للمزادة: "رواية"، وإنما الرواية الجمل الذي يحملها1. # وهذا القسم من باب التوسع، لا من باب التشبيه، ولا من باب الاستعارة؛ لأن ~~على قياسه ينبغي أن يسمى الجمل زاملة؛ لأنه يحملها2. ### |||| القسم الثامن: تسمية الشيء باسم جزئه # كقولك لمن تبغضه: "أبعد الله وجهه عني"، وإنما تريد سائر جثته. # وهذا القسم داخل في القسم الأول، وهو شبيه بتسمية الشيء باسم فرعه. ### |||| القسم التاسع: تسمية الشيء باسم ضده # كقولهم للأسود والأبيض: "جون". # وهذا القسم ليس من المجاز في شيء ألبتة، وإنما هو حقيقة في هذين المسميين ~~معا؛ لأنه من الأسماء المشتركة، كقولهم: "شمت السيف"، إذا سللته، و"شمته" ~~إذا أغمدته، فدل الشيم على الضدين معا بالوضع الحقيقي. PageV02P073 # وفي اللغة من هذا شيء كثير، فكيف يجعل هذا القسم من المجاز? # ولا شك أن الغزالي نظر إلى الضدين لا يجتمعان في محل واحد، فقاس الاسم ~~على الذات، وظن أن الذاتين لا يجتمعان في اسم واحد، كما أنهما لا يجتمعان ~~في محل واحد. # فإن قيل: لا نسلم إن اللفظ المشترك حقيقة بالوضع في المعنيين معا؛ لأن ~~ذلك يخل بفائدة الوضع الذي هو البيان، وإنما هو حقيقة في أحد معنييه، مجاز ~~في الآخر! # فالجواب عن ms251 ذلك: أن هذا الموضع تقدم الكلام عليه في الفصل الثاني من ~~مقدمة الكتاب، وهو الفصل الذي يشمل على آلات علم البيان وأدواته، فليؤخذ من ~~هناك، فإني قد أشبعت القول فيه إشباعا لا مزيد عليه1. ### |||| القسم العاشر: تسمية الشيء بفعله كتسمية الخمر "مسكرا". # وهذا القسم داخل في القسم الأول، وأي مشاركة أقرب من هذه المشاركة? فإن ~~الإسكار صفة لازمة للخمر، وليست الشجاعة صفة لازمة لزيد؛ لأنه يمكن أن يكون ~~زيد ولا شجاعة، ولا يمكن أن يكون خمر، ولا إسكار ألا ترى أنها لم تسم خمرا ~~إلا لإسكارها، فإنها تخمر العقل: أي تستره؟ ### |||| القسم الحادي عشر: تسمية الشيء بكله # كقولك في جواب: "ما فعل زيد"؟ القيام، والقيام: جنس يتناول جميع أنواعه. ~~وهذا القسم لا ينبغي أن يوصل بأقسام المجاز؛ لأن القيام لزيد حقيقة. # فإن قيل: إن القيام يشمل جميع أنواع القيام من الماضي، والحاضر ~~والمستقبل. # قلت: وهذا من أقرب أقسام المجاز مناسبة؛ لأنه إقامة للمصدر مقام الفعل ~~الماضي، والمصدر أصل الفعل، وعلى هذا فإن هذا داخل في القسم الأول. ~~PageV02P074 ### |||| القسم الثاني عشر: الزيادة في الكلام لغير فائدة # كقوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم} 1 ف"ما" ههنا زائدة لا معنى ~~لها: أي فبرحمة من الله لنت لهم. # وهذا القول لا أراه صوابا، وفيه نظر من وجهين: # أحدهما: أن هذا القسم ليس من المجاز؛ لأن المجاز هو دلالة اللفظ على غير ~~ما وضع له في أصل اللغة، وهذا غير موجود في الآية، وإنما هي دالة على الوضع ~~اللغوي المنطوق به في أصل اللغة. # والوجه الآخر: أني لو سلمت أن ذلك من المجاز لأنكرت أن لفظة "ما" زائدة ~~لا معنى لها، ولكنها وردت تفخيما لأمر النعمة التي لان بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لهم: وهي محض الفصاحة: ولو عري الكلام منها لما كانت له تلك ~~الفخامة. # وقد ورد مثلها في كلام العرب، كالذي يحكى عن الزباء، وذاك أن الوضاح الذي ~~هو جذيمة الأبرش2 تزوجها، والحكاية في ذلك مشهورة، فلما دخل عليها ms252 كشفت له ~~عن فرجها، وقد ضفرت الشعر من فوقه ضفيرتين، وقالت: "أذات عرس ترى، إما إنه ~~ليس ذلك من عوز المواس، ولا من قلة الأواس، ولكنه شيمة ما أناس". # فمعنى الكلام: ولكنه شيمة أناس، وإنما جاءت لفظة "ما" ههنا تفخيما لشأن ~~صاحب تلك الشيمة، وتعظيما لأمره، ولو أسقطت لما كان للكلام ههنا هذه ~~الفخامة والجزالة، ولا يعرف ذلك إلا أهله من علماء الفصاحة والبلاغة. # وأما الغزالي -رحمه الله- تعالى، فإنه معذور عندي في ألا يعرف ذلك؛ لأنه ~~ليس فنه. PageV02P075 # ومن ذهب إلى أن في القرآن لفظا زائدا لا معنى له، فإما أن يكون جاهلا ~~بهذا القول، وإما أن يكون متسمحا في دينه واعتقاده. # وقول النحاة: إن "ما" في هذه الآية زائدة، فإنما يعنون به أنها لا تمنع ~~ما قبلها عن العمل، كما يسمونها في موضع آخر كافة: أي أنها تكف الحرف ~~العامل عن عمله، كقولك: إنما زيد قائم، فما قد كفت "إن" عن العمل في زيد، ~~وفي الآية لم تمنع عن العمل ألا ترى أنها لم تمنع "الباء" عن العمل في خفض ~~"الرحمة". ### |||| القسم الثالث عشر: تسمية الشيء بحكمه: # كقوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن ~~يستنكحها} 1، فسمي النكاح "هبة". # وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن النكاح هو تمكين الزوج من الوطء على ~~عوض على هيئة مخصوصة، والهبة، تمكينه من الشيء الموهوب على غير عوض، فشاركت ~~الهبة النكاح في نفس التمكين من الوطء، وإن اختلفا في الصورة. ### |||| القسم الرابع عشر: النقصان الذي لا يبطل به المعنى: # كحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، قال الله تعالى: {ومن يكسب خطيئة أو ~~إثما ثم يرم به بريئا} 2 أي: شخصا بريئا. # وكحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، قال الله تعالى: {واسأل القرية} ~~3 أي: أهل القرية. # وهذا القسم داخل في القسم الأول: أما حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه؛ ~~فلأن الصفة لازمة للموصوف، وأما حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ ~~فلأنه دل بالمسكون على الساكن، وتلك مقارنة قريبة. PageV02P076 # فهذه أقسام ms253 المجاز التي ذكرها الغزالي -رحمه الله تعالى- وقد بينت فساد ~~التقسيم فيها، وأنها ترجع إلى ثلاثة أقسام هي: التوسع والتشبيه والاستعارة. # وحيث انتهى بي الكلام إلى ههنا، وفرغت مما أردت تحقيقه، وبينت ما أردت ~~بيانه، فإني أتبع ذلك بضرب الأمثلة للاستعارة التي يستفيد بها المتعلم ما ~~لا يستفيده بذكر الحد والحقيقة. # فمما جاء من ذلك في القرآن الكريم، قوله تعالى في أول سورة إبراهيم صلوات ~~الله عليه: {الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} 1. # فالظلمات والنور: استعارة للكفر والإيمان، أو للضلال والهدى، والمستعار ~~له مطوي الذكر، كأنه قال: لتخرج الناس من الكفر الذي هو كالظلمة إلى ~~الإيمان الذي هو كالنور. # وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا: {وقد مكروا مكرهم وعند الله ~~مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} 2. # والقراءة برفع: {لتزول منه الجبال} ليست من باب الاستعارة، ولكنها في نصب ~~"تزول"، واللام لام "كي"، والجبال ههنا: استعارة طوي فيها ذكر المستعار له، ~~وهو أمر رسول الله، "وما جاء به من الآيات والمعجزات: أي أنهم مكروا مكرهم ~~لكي تزول منه هذه الآيات، والمعجزات التي هي في ثباتها، واستقرارها ~~كالجبال. # وعلى هذا ورد قوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل ~~واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون} 3. # فاستعار الأودية للفنون، والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها، ~~وإنما خص الأودية بالاستعارة، ولم يستعر الطرق والمسالك أو ما جرى مجراها؛ ~~لأن معاني الشعر PageV02P077 # تستخرج بالفكرة والروية، والفكرة والروية فيهما خفاء وغموض، فكان استعارة ~~الأودية لها أشبه وأليق. # والاستعارة في القرآن قليلة، لكن التشبيه المضمر الأداة كثير، وكذلك هي ~~في فصيح الكلام من الرسائل، والخطب والأشعار؛ لأن طي المستعار له لا يتيسر ~~في كل كلام، وأما التشبيه المضمر الأداة فكثير سهل، لمكان إظهار المشبه ~~والمشبه به معا. # ومما ورد من الاستعارة في الأخبار النبوية قول النبي -صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تستضيئوا بنار المشركين"، فاستعار النار للرأي والمشورة: أي لا ~~تهتدوا برأي # المشركين، ولا تأخذوا بمشورتهم. # وروي عنه ms254 "أنه دخل يوما مصلاه، فرأى أناسا كأنهم يكثرون، فقال: "أما إنكم ~~لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى"، وهاذم اللذات أراد به ~~الموت، وهو مطوي الذكر. # وبلغني عن العرب أنهم يقولون عند رؤية الهلال: "لا مرحبا باللجين مقرب ~~أجل ومحل"، وهذا من باب الاستعارة في طي ذكر المستعار له. # وكذلك بلغني عن الحجاج بن يوسف1 أنه خطب خطبة عند قدومه العراق في أول ~~ولايته إياه، والخطبة مشهورة من جملتها أنه قال: إن أمير المؤمنين نثل2 ~~كنانته، وعجمها3 عودا عودا، فرآني أصلبها نجارا، وأقومها عودا وأنفذها ~~PageV02P078 # نصلا، فقوله: "نثل كنانته، وعجمها عودا عودا" يريد أنه عرض رجاله، ~~واختبرهم واحدا واحدا جد اختباره، فرآني أشدهم وأمضاهم. # وهذا من الاستعارة الحسنة الفائقة. # وقد جاءني من الاستعارة في رسائلي ما أذكر شيئا منه، ولو مثالا واحدا. # وذلك أنه سألني بعض الأصدقاء أن أصف له غلامين تركيين كان يهواهما، وكان ~~أحدهما يلبس قباء أحمر، والآخر قباء أسود: فقلت: # "إذا تشعبت أسباب الهوى كانت لسره أظهر، وأضحت أمراضه خطرا كلها، ولا ~~يقال في أحدها: هذا أخطر، وقد هويت بدرين على غصنين، ولا طاقة للقلب بهوى ~~واحد، فكيف إذا حمل هوى اثنين؟، ومما شجاني أنها يتلونان في أصباغ الثياب، ~~كما يتلونان في فنون التجرم والعتاب، وقد استجدا الآن زيا لا مزيد على ~~حسنهما في حسنه، فهذا يخرج في ثوب من حمرة خده، وهذا في ثوب من سواد جفنه، ~~وما أدري من دلهما على هذا العجيب، غير أنه على فتنة المحب أهدى من حبيب". # وهذا من الفصل بجملته مما تواصفه الناس، وأغروا بحفظه. # وأما ما ورد من ذلك شعرا، فكقول مسكين الدارمي1 من شعراء الحماسة: ~~PageV02P079 # لحافي لحاف الضيف والبيت بيته %~% ولم يلهني عنه غزال مقنع # أحدثه، إن الحديث من القرى %~% وتعلم نفسي أنه سوف يهجع1 # فالغزال المقنع هذا استعارة للمرأة الحسناء. # وكذا ورد قول رجل من بني يسار في كتاب الحماسة أيضا2: # أقول لنفسي حين خود رألها %~% رويدك لما تشفقي حين مشفق # رويدك حتى تنظري عم ms255 تنجلي %~% عماية هذا العارض المتألق # فالعارض المتألق: استعارة للحرب، أو الذي أطل بمكروهه كالبارق المتألق. # ويحكى أن امرأة وقفت لعبد الملك بن مروان3، وهو سائر إلى قتال مصعب بن ~~الزبير4، فقالت: يا أمير المؤمنين فقال: رويدك حتى تنظري عم تنجلي # وأنشد البيت. # ومن هذا الباب قول عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن: # لما نظرت إلي عن حدق المها %~% وبسمت عن متفتح النوار # وعقدت بين قضيب بان أهيف %~% وكثيب رمل عقدة الزنار # عفرت خدي في الثرى لك طائعا %~% وعزمت فيك على دخول النار PageV02P080 # وهذه الأبيات لا تجد لها في الحسن شريكا؛ ولأن قائلها شحرورا أولى من ~~يسمى ديكا! # وكذلك ورد قوله: # لا، ومكان الصليب في النحر من %~% ك ومجرى الزنار في الخصر # والخال في الخد إذ أشبهه %~% وردة مسك على ثرى تبر # وحاجب مذ خطه قلم ال %~% حسن بحبر البهاء لا الحبر # وأقحوان بفيك منتظم %~% على شبيه من رائق الخمر # فالبيت الرابع هو المخصوص بالاستعارة، والمستعار له هو الثغر والريق. # ومما ورد لأبي تمام في هذا المعنى قوله1: # لما غدا مظلم الأحشاء من أشر %~% أسكنت جانحتيه كوكبا يقد2 # فالكوكب استعارة للرمح. # وكذلك ورد قوله في الاعتذار3: # أسرى طريدا للحياء من التي %~% زعموا وليس لرهبة بطريد # وغدا تبين ما براءة ساحتي %~% لو قد نقضت تهائمي ونجودي4 PageV02P081 # والتهائم والنجود: هما استعارة مما استعاره من باطن أمره وظاهره. # وكذلك ورد قوله1: # كم أحرزت قضب الهندي مصلتة %~% تهتز من قضب تهتز من كثب2 # فالقضب والكثب: استعارة للقدود والأرداف. # وكذلك ورد في هذه القصيدة أيضا عند ذكر ملك الروم، وانهزامه لما فتحت ~~مدينة عمورية، فقال: # إن يعد من حرها عدو الظليم فقد %~% أوسعت جاحمها من كثرة الحطب3 # فالحطب: استعارة للقتلى. # وقبل هذا البيت ما يدل عليه؛ لأنه قال: # أحذى قرابينه صرف الردى ومضى %~% يحتث أنجى مطاياه من الهرب4 # موكلا بيفاع الأرض يشرفه %~% من خفة الخوف لا من خفة الطرب5 # إن يعد من حرها عدو الظليم # البيت. # وأحسن من هذا كله قوله6: PageV02P082 # تطل الطلول الدمع في ms256 كل منزل %~% وتمثل بالصبر الديار المواثل1 # دوارس لم يجف الربيع ربوعها %~% ولا مر في أغفالها وهو غافل2 # يعفين من زاد العفاة إذا انتحى %~% على الحي صرف الأزمة المتحامل3 # فقوله: زاد العفاة استعارة طوى فيها ذكر المستعار له، وهو أهل الديار، ~~كأنه قال: يعفين من قوم هم زاد العفاة. # وله في الغزل من الاستعارة ما بلغ به غاية اللطافة والرقة، وذلك في ~~قصيدته التي مطلعها: # إن عهدا لو تعلمان ذميما4 # فقال: # قد مررنا بالدار وهي خلاء %~% فبكينا طلولها والرسوما # وسألنا ربوعها فانصرفنا %~% بسقام5 وما سألنا حكيما # كنت أرعى النجوم6 حتى إذا ما %~% فارقوني أمسيت أرعى النجوما # والبيت الثالث هو المخصوص بالاستعارة. PageV02P083 # وعلى هذا المنهاج ورد قول البحتري1: # وأغر في الزمن البهيم محجل %~% قد رحت منه على أغر محجل # والأغر المحجل الأول هو الممدوح، والأغر المحجل الثاني: هو الفرس الذي ~~أعطاه إياه. # وكذلك ورد قوله2: # وصاعقة في كفه تنكفي بها %~% على أرؤس الأعداء خمس سحائب3 # وهذا من النمط العالي الذي شغلت براعة معناه، وحسن سبكه عن النظر إلى ~~استعارته، والمراد بالسحائب الخمس: الأصابع. # وكذلك ورد في أبيات الحماسة: # دك طود الكفر دكا %~% صاعق من وقع سيفك # أرسلته خمس سحب %~% نشأت من بحر كفك # وكذلك ورد قوله في أبيات يصف فيها السيف: # حملت حمائله القديمة بقلة %~% من عهد عاد غضة لم تذبل4 # وهذا من الحسن على ما يشهد لنفسه، كأنه قال: حملت حمائله سيفا أخضر ~~الحديد كالبقلة. PageV02P084 # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي: # في الخد إن عزم الخليط رحيلا %~% مطر تزيد به الخدود محولا1 # وكذلك ورد قوله2: # يمد يديه في المفاضة ضيغم3 # وأحسن من هذا قوله في قصيدته التي مطلعها4: # عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم5 # وأصبحت بقرى هنزيط جائلة %~% ترعى الظبى في خصيب نبته اللمم6 # فما تركن بها خلدا له بصر %~% تحت التراب ولا بازا له قدم7 PageV02P085 # ولا هزبرا له من درعه لبد %~% ولا مهاة لها من شبهها حشم1 # وهذا من المليح النادر، فالخلد: استعارة لمن اختفى تحت التراب خائفا، ms257 ~~والباز: استعارة لمن طار هاربا، والهزبر والمهاة: استعارتان للرجال ~~المقاتلة، والنساء من السبايا. # ومن هذا الباب قوله2: # كل جريح ترجى سلامته %~% إلا جريحا دهته عيناها3 # تبل خدي كلما ابتسمت %~% من مطر برقه ثناياها4 # والبيت الثاني من الأبيات الحسان التي تتواصف، وقد حسن الاستعارة التي ~~فيه أنه جاء ذكر المطر مع البرق. # وبلغني عن أبي الفتح بن جني5 -رحمه الله- أنه شرح ذلك في كتابه الموسوم ~~بالمفسر6، الذي ألفه في شرح شعر أبي الطيب، فقال: "إنها كانت تبزق في ~~PageV02P086 # وجهه، فظن أن أبا الطيب أراد أنها كانت تبسم، فيخرج الريق من فمها ويقع ~~على وجهه، فشبهه بالمطر. # وما كنت أطن أن أحدا من الناس يذهب وهمه، وخاطره حيث ذهب وهم هذا الرجل ~~وخاطره. # وإذا كان هذا قول إمام من أئمة العربية تشد إليه الرحال، فما يقال في ~~غيره? لكن فن الفصاحة والبلاغة غير فن النحو والإعراب!! # وكذلك ورد قول الشريف الرضي1: # إذا أنت أفنيت العرانين والذرا %~% رمتك الليالي من يد الخامل الغمر # وهبك اتقيت السهم من حيث يتقى %~% فمن ليد ترميك من حيث لا تدري2 # فالعرانين والذراهما عظماء الناس وأشرافهم، كأنه قال: إذا أفنيت عظماء ~~الناس رميت من يد الخامل. # وإذ قد بينت أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له، فإنها ~~لا تجيء إلا ملائمة مناسبة، ولا يوجد فيها مباينة ولا تباعد؛ لأنها لا تذكر ~~مطوية إلا لبيان المناسبة بين المستعار منه والمستعار له، ولو طويت ولم يكن ~~هناك مناسبة بين المستعار منه، والمستعار له لعسر فهمها، ولم يبن المراد ~~منها. # ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي -رحمه الله تعالى- قد خلط ~~الاستعارة بالتشبيه المضمر الأداة، ولم يفرق بينهما، وتأسى في ذلك بغيره من ~~علماء PageV02P087 # البيان، كأبي هلال العسكري1 والغانمي2، وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي. # على أن أبا القاسم بن بشر الآمدي كان أثبت القوم قدما في فن الفصاحة ~~والبلاغة، وكتابه المسمى ب"الموازنة بين شعر الطائيين" يشهد له بذلك، وما ~~أعلم كيف خفي عليه الفرق بين الاستعارة، ms258 والتشبيه المضمر الأداة؟! # ومما أورده ابن سنان في كتابه الموسوم ب"سر الفصاحة" قول امرئ القيس في ~~صفة الليل: # فقلت له لما تمطى بصلبه %~% وأردف أعجازا وناء بكلكل # وهذا البيت من التشبيه المضمر الأداة؛ لأن المستعار له مذكور، وهو الليل، ~~وعلى الخطأ في خلطه بالاستعارة، فإن ابن سنان أخطأ في الرد على الآمدي، ولم ~~يوفق للصواب. # وأنا أتكلم على ما ذكره ولا أضايقه في الاستعارة والتشبيه، بل أنزل معه ~~على ما رآه من أنه استعارة، ثم أبين فساد ما ذهب إليه. # وذاك أن الآمدي قال في كتاب "الموازنة" "إن امرأ القيس وصف أحوال الليل ~~الطويل، فذكر امتداد وسطه! وتثاقل صدره، وترادف أعجازه، فلما جعل له وسطا ~~ممتدا، وصدرا ثقيلا وأعجازا رادفة لوسطه، استعار له اسم "الصلب"، وجعله ~~PageV02P088 # متمطيا من أجل امتداده، واسم "الكلكل" وجعله نائيا لتثاقله، واسم "العجز" ~~من أجل نهوضه"1. # فقال ابن سنان الخفاجي معترضا عليه: "إن هذا الذي ذكره الآمدي ليس بمرضي ~~غاية الرضا، وإن بيت امرئ القيس" ليس من الاستعارة الجيدة، ولا الرديئة، بل ~~هو وسط، فإن الآمدي قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل لليل وسطا ممتدا استعار ~~له الصلب، وجعله متمطيا من أجل امتداده، وحيث جعل له آخرا، وأولا استعار له ~~عجزا وكلكلا، وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض، فذكر الصلب إنما يحسن من أجل ~~العجز والوسط، والتمطي من أجل الصلب، والكلكل لمجموع ذلك، وهذه استعارة ~~مبنية على استعارة أخرى"2. # هذا حكاية كلامه في الاعتراض على الآمدي. # وفيه نظر من وجهين: PageV02P089 # الأول: أنه قال: هذا بيت من الاستعارة الوسطى التي ليست بجيدة، ولا رديئة ~~ثم جعلها استعارة مبنية على استعارة أخرى، وعنده أن الاستعارة المبنية على ~~الاستعارة من أبعد الاستعارات. # وذاك أنه قسم الاستعارة إلى قسمين: قريب مختار، وبعيد مطرح. # فالقريب المختار: ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوي وشبه واضح. # والبعيد المطرح: إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل، أو؛ لأنه ~~استعارة مبنية على استعارة أخرى، فيضعف لذلك. # هذا ما ms259 ذكره ابن سنان الخفاجي في تقسيم الاستعارة. # وإذا كانت الاستعارة المبنية على استعارة أخرى عنده بعيدة مطرحة، فكيف ~~جعلها وسطا? هذا تناقض في القول! # الوجه الثاني: أنه لم يأخذ على الآمدي في موضع الأخذ؛ لأنه لم يختر إلا ~~ما حسن اختياره. # وذاك أن حد الاستعارة على ما رآه الآمدي، وابن سنان هو نقل المعنى من لفظ ~~إلى لفظ، بسبب مشاركة بينهما، وإن كان المذهب الصحيح في حد الاستعارة غير ~~ذلك، على ما تقدم الكلام عليه. # ولكني في هذا الموضع أنزل معهما على ما رأياه، حتى يتوجه الكلام على ~~الحكم بينهما في بيت امرئ القيس. # وإذا حددنا الاستعارة بهذا الحد فبه يفرق على رأي ابن سنان بين الاستعارة ~~المرضية، والاستعارة المطرحة، فإذا وجدنا استعارة في كلام ما عرضناها على ~~هذا الحد، فما وجدنا فيه مناسبة بين المنقول عنه، والمنقول إليه حكمنا له ~~بالجودة، وما لم نجد فيه تلك المناسبة حكمنا عليه بالرداءة. # وبيت امرئ القيس من الاستعارات المرضية؛ لأنه لو لم يكن لليل صدر أعني ~~أولا، ولم يكن له وسط وآخر لما حسنت هذه الاستعارة. PageV02P090 # ولما كان الأمر كذلك استعار لوسطه صلبا، وجعله متمطيا واستعار لصدره ~~المتثاقل -أعني أوله- كلكلا، وجعله نائيا، واستعار لآخره عجزا، وجعله رادفا ~~لوسطه، وكل ذلك من الاستعارة المناسبة. # وأما قول ابن سنان الخفاجي: "إن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى ~~بعيدة مطرحة"، فإن في هذا القول نظرا. # وذاك أنه قد ثبت لنا أصل نقيس عليه في الفرق بين الاستعارة المرضية ~~والمطرحة، كما أريناك، ولا يمنع ذلك من أن تجيء استعارة مبنية على استعارة ~~أخرى، وتوجد فيها المناسبة المطلوبة في الاستعارة المرضية، فإنه قد ورد في ~~القرآن الكريم ما هو من هذا الجنس، وهو قوله تعالى: {وضرب الله مثلا قرية ~~كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها ~~الله لباس الجوع والخوف} 1. # فهذه ثلاث استعارات ينبني بعضها على بعض: # فالأولى: استعارة القرية للأهل. # والثانية: استعارة الذوق للباس. # والثالثة: استعارة اللباس للجوع والخوف. # وهذه الاستعارات ms260 الثلاث من التناسب على ما لا خفاء به. # فكيف يذم ابن سنان الخفاجي الاستعارة المبنية على استعارة أخرى؟ وما ~~أقول: إن ذلك شذ عنه، إلا؛ لأنه لم ينظر إلى الأصل المقيس عليه، وهو ~~التناسب بين المنقول عنه والمنقول إليه، بل نظر إلى التقسيم الذي هو قسمه ~~في القرب، أو البعد، ورأى أن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى تكون ~~بعيدة، فحكم عليها بالاطراح. # وإذا كان الأصل إنما هو التناسب، فلا فرق بين أن يوجد في استعارة واحدة: ~~أو في استعارة مبنية على استعارة. # ولهذا أشباه ونظائر في غير الاستعارة. PageV02P091 # ألا ترى أن المنطقي في المقدمة والنتيجة: كل إنسان حيوان، وكل حيوان نام، ~~فكل إنسان نام؟ # وكذلك يقول المهندس: في الأشكال الهندسية: إذا كان خط "أب" مثل خط "ب ج" ~~وخط "ب ج" مثل خط "ج د"، فخط "أب" مثل خط "ج د"؟ # وهكذا أقول أنا في الاستعارة: إذا كانت الاستعارة الأولى مناسبة، ثم بنى ~~عليها استعارة ثانية، وكانت أيضا مناسبة، فالجميع متناسب وهذا أمر برهاني ~~لا يتصور إنكاره. # وهذا الشكل الذي أوردته ههنا هو اعتراض على ما ذكره ابن سنان الخفاجي في ~~الاستعارة، فلا تظن أني موافقه في الأصل، وإنما وافقته قصدا لتبيين وجه ~~الخطأ في كلامه، وكيف يسوغ لي موافقته، وقد ثبت عندي بالدليل أن الاستعارة ~~لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له? # وفيما قدمته من الكلام كفاية. PageV02P092 ### || النوع الثاني: في التشبيه # وجدت علماء البيان قد فرقوا بين التشبيه والتمثيل، وجعلوا لهذا بابا ~~مفردا، ولهذا بابا مفردا، وهما شيء واحد لا فرق بينهما في أصل الوضع، يقال: ~~شبهت هذا الشيء بهذا الشيء، كما يقال: مثلته به. # وما أعلم كيف خفي ذلك على أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه؟ # وكنت قدمت القول في باب الاستعارة على الفرق بين التشبيه وبينها، ولا ~~حاجة إلى إعادته ههنا مرة ثانية. # والتشبيه ينقسم قسمين: مظهر ومضمرا. # وفي المضمر إشكال في تقدير أداة التشبيه فيه في بعض المواضع. # هو ينقسم أقساما خمسة: # فالأول: يقع موقع المبتدأ ms261 والخبر المفردين. # والثاني: يقع موقع المبتدأ والمفرد، وخبره جملة مركبة من مضاف ومضاف ~~إليه. # والثالث: يقع موقع المبتدأ والخبر جملتين. # والرابع: يرد على وجه الفعل والفاعل. # والخامس: يرد على وجه المثل المضروب. # وهذان القسمان الأخيران هما أشكل الأقسام في تقدير أداة التشبيه. # أما الأول: فكقولنا: "زيد أسد"، فهذا مبتدأ وخبره، وإذا قدرت أداة ~~التشبيه فيه كان ذلك ببديهة النظر على الفور، فقيل: زيد كالأسد. # وأما القسم الثاني والثالث: فإنهما متوسطان في تقدير أداة التشبيه فيهما. # فالثاني كقول النبي -صلى الله عليه وسلم: $"الكمأة جدري الأرض"، وهذا ~~يتنوع نوعين، فإذا كان المضاف إليه معرفة كهذا الخبر النبوي لا يحتاج في ~~تقدير التشبيه إلى تقديم المضاف PageV02P093 # إليه، بل إن شئنا قدمناه، وإن شئنا أخرناه، فقلنا: الكمأة للأرض كالجدري، ~~أو الكمأة كالجدري للأرض، وإذا كان المضاف إليه نكرة، فلا بد من تقديمه عند ~~تقدير أداة التشبيه؛ فمن ذلك قول البحتري1: # غمام سماح لا يغب له حيا %~% ومسعر حرب لا يضيع له وتر2 # فإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا: سماح كالغمام: ولا يقدر إلا هكذا، ~~والمبتدأ في هذا البيت محذوف، وهو الإشارة إلى الممدوح، كأنه قال: هو غمام ~~سماح. # ومن هذا النوع ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه، على غير العارف بهذا ~~الفن، كقول أبي تمام: # أي مرعى عين ووادي نسيب %~% لحبته الأيام في ملحوب3 # ومراد أبي تمام أن يصف هذا المكان بأنه كان حسنا، ثم زال عنه حسنه، فقال: ~~إن العين كانت تلتذ بالنظر إليه كالتذاذ السائمة بالمرعى، فإنه كان يشبب به ~~في الأشعار لحسنه وطيبه. # وإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا: كأنه كان للعين مرعى، وللنسيب منزلا ~~ومألفا. # وإذا جاء شيء من الأبيات الشعرية على هذا الأسلوب، أو ما يجري مجراه فإنه ~~يحتاج إلى عارف بوضع أداة التشبيه فيه. PageV02P094 # وأما الثالث، فكقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "وهل يكب الناس على ~~مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم"، كأنه قال: كلام الألسنة كحصائد ~~المناجل. # وهذا القسم لا يكون المشبه به مذكورا فيه، ms262 بل تذكر صفته، ألا ترى أن ~~المنجل لم يذكر ههنا، وإنما ذكرت صفته، وهي الحصد، وكل ما يجيء من هذا ~~القسم، فإنه لا يرد إلا كذلك. # وأما القسم الرابع والخامس اللذان هما أشكل الأقسام المذكورة في تقدير ~~أداة التشبيه فيهما فإنهما، لا يتفطن لهما أنهما تشبيه. # فمما جاء من القسم الرابع قوله تعالى: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من ~~قبلهم} 1 وتقدير أداة التشبيه في هذا الموضع أن يقال: هم في إيمانهم ~~كالمتبوئ دارا؛ أي أنهم قد اتخذوا الإيمان مسكنا يسكنونه، يصف بذلك تمكنهم ~~منه. # وعلى هذا ورد قول أبي تمام: # نطقت مقلة الفتى الملهوف %~% فتشكت بفيض دمع ذروف2 # وإذا أردنا أن نقدر أداة التشبيه ههنا قلنا: دمع العين كنطق اللسان، أو ~~قلنا: العين الباكية كأنما تنطق بما في الضمير. # وأما ما جاء من القسم الخامس، فكقول الفرزدق3 يهجو جريرا4: PageV02P095 # ما ضر تغلب وائل أهجوتها %~% أم بلت حيث تناطح البحران1 # فشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله في مجمع البحرين، فكما أن البول في مجمع ~~البحرين لا يؤثر شيئا، فكذلك هجاؤك هؤلاء القوم لا يؤثر شيئا. # وهذا البيت من الأبيات الذي أقر لها2 الناس بالحسن. # وكذلك ورد قوله أيضا3: # قوارص تأتيني وتحتقرونها %~% وقد يملأ القطر الإناء فيفعم # فإنه شبه القوارص التي تأتيه محتقرة بالقطر الذي يملأ الإناء على صغر ~~مقداره، يشير بذلك إلى أن الكثرة تجعل الصغير من الأمر كبيرا. # وهذا الموضع يشكل على كثير من علماء البيان، ويخلطونه بالاستعارة، كقول ~~البحتري في التعزية بولد4: # تعز فإن السيف يمضي وإن وهت %~% حمائله عنه وخلاه قائمه # وهذا ليس من التشبيه، وإنما هو استعارة؛ لأن المستعار له مطوي الذكر، وهو ~~المعزي، كأنه قال: تعز كالسيف يمضي وإن وهت حمائله، وخلاه قائمه. ~~PageV02P096 # فإن قيل: إنك قدمت في باب الاستعارة بأن التشبيه المضمر الأداة يحسن ~~تقدير أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن تقدير أداة التشبيه فيها، ~~وجعلت ذلك هو الفرق بين التشبيه المضمر الأداة بين الاستعارة، وقررت ذلك ~~تقريرا طويلا عريضا، ثم نراك قد نقضته ههنا ms263 بقولك: إن من التشبيه المضمر ~~الأداء ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه، وإنه يحتاج في تقديرها إلى نظر، ~~كهذين البيتين المذكورين للفرزدق، وما يجري مجراهما. # فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا الذي ذكرته لا ينقص علي شيئا مما قدمت ~~القول فيه في باب الاستعارة؛ لأني قلت: إن التشبيه المضمر الأداة يحسن ~~تقدير الأداة فيه، أي لا يتغير بتقديرها فيه عن صفته التي اتصف بها من ~~فصاحة وبلاغة، وليس كذلك الاستعارة، فإنها إذا قدرت أداة التشبيه فيها ~~تغيرت عن صفتها التي اتصفت بها من فصاحة وبلاغة. # وأما الذي ورد ههنا من بيتي الفرزدق، وما يجري مجراهما من التشبيه المضمر ~~الأداة، فإن أداة التشبيه لا تقدر فيه، وهو على حالته من النظم، حتى تتبين ~~هل تغيرت صفته التي اتصف بها من فصاحة وبلاغة أم لا؟، وإنما تتقدر أداة ~~التشبيه فيه على وجه آخر، وهذا لا ينقض ما أشرت إليه في باب الاستعارة. # وإذا ثبتت هذه الأقسام الأربعة فأقول: إن التشبيه المضمر أبلغ من التشبيه ~~المظهر وأوجز. # أما كونه أبلغ فلجعل المشبه مشبها به من غير واسطة أداة، فيكون هو إياه، ~~فإنك إذا قلت: "زيد أسد"، كنت قد جعلته أسدا من غير إظهار أداة التشبيه. # وأما كونه أوجز، فلحذف أداة التشبيه منه. # وعلى هذا فإن القسمين من المظهر، والمضمر كليهما في فضيلة البيان سواء، ~~فإن الغرض المقصود من قولنا: "زيد أسد" أن يتبين حال زيد في اتصافه بشهامة ~~النفس، وقوة PageV02P097 # البطش، وجراءة الإقدام وغير ذلك مما يجري مجراه، إلا أنا لم نجد شيئا ندل ~~به عليه سوى أن جعلناه شبيها بالأسد، حيث كانت هذه الصفات مختصة به، فصار ~~ما قصدناه من هذا القول أكشف، وأبين من أن لو قلنا: زيد شهم شجاع قوي البطش ~~جريء الجنان، وأشباه ذلك، لما قد عرف وعهد من اجتماع هذه الصفات في المشبه ~~-أعني الأسد- وأما زيد الذي هو المشبه، فليس معروفا بها، وإن كانت موجودة ~~فيه. # وكلا هذين القسمين أيضا يختص بفضيلة الإيجاز، وإن كان المضمر أوجز من ms264 ~~المظهر؛ لأن قولنا: "زيد أسد"، أو"كالأسد"، يسد مسد قولنا: زيد من حاله كيت ~~وكيت، وهو من الشجاعة والشدة على كذا وكذا، مما يطول ذكره. # فالتشبيه إذا يجمع صفات ثلاثة، هي: المبالغة والبيان والإيجاز، كما ~~أريتك، إلا أنه من بين أنواع علم البيان مستوعر الذهب، وهو مقتل من مقاتل ~~البلاغة. # وسبب ذلك أن حمل الشيء على الشيء بالمماثلة إما صورة، وإما معنى يعز ~~صوابه وتعمر الإجادة فيه، وقلما أكثر منه أحد إلا عثر، كما فعل ابن المعتز1 ~~من أدباء العراق، وابن وكيع2 من أدباء مصر، فإنهما أكثرا من ذلك لا سيما في ~~وصف الرياض والأشجار، والأزهار والثمار، لا جرم أنهما أتيا بالغث البارد ~~الذي لا يثبت على محك الصواب. # فعليك أن تتوقى ما أشرت إليه. PageV02P098 ### ||| فائدة التشبيه: # وأما فائدة التشبيه من الكلام فهي أنك إذا مثلت الشيء بالشيء، فإنما تقصد ~~به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبه به أو معناه، وذلك أوكد في طرفي ~~الترغيب فيه، أو التنفير عنه. # ألا ترى أنك إذا شبهت صورة بصورة هي أحسن منها كان ذلك مثبتا في النفس ~~خيالا حسنا يدعو إلى الترغيب فيها. # وكذلك إذا شبهتها بصورة شيء أقبح منها كان ذلك مثبتا في النفس خيالا ~~قبيحا يدعو إلى التنفير عنها، وهذا لا نزاع فيه. # ولنضرب له مثالا يوضحه فنقول: قد ورد عن ابن الرومي1 في مدح العسل، وذمه ~~بيت من الشعر، وهو: # تقول هذا مجاج النحل تمدحه %~% وإن تعب قلت: ذاقئ الزنابير2 # ألا ترى كيف مدح وذم الشيء الواحد بتصريف التشبيه المجازي المضمر الأداة ~~الذي PageV02P099 # خيل به إلى السامع خيالا يحسن الشيء عنده تارة، ويقبحه أخرى؟ ولولا ~~التوصل بطريق التشبيه على هذا الوجه لما أمكنه ذلك. # وهذا المثال كاف فيما أردناه. # واعلم أن محاسن التشبيه أن يجيء مصدريا، كقولنا: أقدم إقدام الأسد، وفاض ~~فيض البحر، وهو ما أحسن ما استعمل في باب التشبيه، كقول أبي نواس في وصف ~~الخمر1: # ثم لما مزجوها %~% وثبت وثب الجراد2 # ثم لما شربوها %~% أخذت أخذ الرقاد3 # وقيل: إن ms265 من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم. # ومن ههنا غلط بعض الكتاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبها له، ~~فقال: "هامة عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال ~~منها قلامة". # وهذا الكاتب حفظ شيئا، وغابت عنه أشياء!! # فإنه أخطأ في قوله: "أنملة" وأي مقدار للأنملة إلى تشبيه حصن على رأس ~~جبل؟ # وأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقلامة، وتشبيهها بالهلال. ~~PageV02P100 # فإن قيل: # إن هذا الكاتب تأسى فيما ذكره بكلام الله تعالى حيث قال: {الله نور ~~السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} 1 فمثل نوره بطاقة فيها ~~ذبالة. # وقال الله تعالى: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} 2 فمثل ~~الهلال بأصل عذق النخلة. ### ||| فالجواب عن ذلك أني أقول: # أما تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح، فإن هذا مثال ضربه للنبي ~~-صلى الله عليه وسلم- ويدل عليه أنه قال: {يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية} . # وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيها لطيفا عجيبا، وذاك أن قلب النبي ~~-صلى الله عليه وسلم، وما ألقي فيه من النور، وما هو عليه من الصفة ~~الشفافة، كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءتها. # وأما الشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربية، فإنها عبارة عن ذات النبي ~~-صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى الشرق، ولا إلى ~~الغرب. # وأما زيت هذه الزجاجة، فإنه مضيء من غير أن تمسه نار، والمراد أن فطرته ~~فطرة صافية من الأكدار، منيرة من قبل مصافحة الأنوار. # فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية. # وأما الآية الأخرى، فإنه شبه الهلال فيها بالعرجون القديم، وذلك في هيئة ~~نحوله واستدارته، لا في مقداره، فإن مقدار الهلال عظيم، ولا نسبة للعرجون ~~إليه، لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئة، لا مقدارا. PageV02P101 # وأما هذا الكاتب، فإن تشبيهه ليس على هذا النسق؛ لأنه شبه صورة الحصن ~~بأنملة في المقدار، لا في هيئة والشكل. # وهذا غير حسن ms266 ولا مناسب، وإنما ألقاه فيه أنه قصد الهلال، والقلامة مع ~~ذكر الأنملة، فأخطأ من جهة، وأصاب من جهة، لكن خطؤه غطى على صوابه. # والقول السديد في بلاغة التشبيه هو ما أذكره، وهو: أن إطلاق من أطلق قوله ~~في أن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الأصغر بالأكبر غير سديد، فإن هذا قول ~~غير حاصر للغرض المقصود؛ لأن التشبيه يأتي تارة في معرض المدح، وتارة في ~~معرض الذم، وتارة في غير معرض مدح ولا ذم، وإنما يأتي قصدا للإبانة ~~والإيضاح، ولا يكون تشبيه أصغر بأكبر، كما ذهب إليه من ذهب. # بل القول الجامع في ذلك أن يقال: إن التشبيه لا يعمد إليه إلا لضرب من ~~المبالغة: فإما أن يكون مدحا أو ذما، أو بيانا أو إيضاحا، ولا يخرج عن هذه ~~المعاني الثلاثة. # وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد فيه من تقدير لفظة "أفعل"، فإن لم تقدر لفظة ~~"أفعل"، فليس بتشبيه بليغ، ألا ترى أنا نقول في التشبيه المضمر الأداة: ~~"زيد أسد"، فقد شبهنا زيدا بأسد الذي هو أشجع منه، فإن لم يكن المشبه به في ~~هذا المقام أشجع من "زيد" الذي هو المشبه، وإلا كان التشبيه ناقصا، إذ لا ~~مبالغة فيه. # وأما التشبيه المظهر الأداة فكقوله تعالى: {وله الجوار المنشآت في البحر ~~كالأعلام} 1، وهذا تشبيه كبير بما هو أكبر منه؛ لأن خلق السفن البحرية ~~كبير، وخلق الجبال أكبر منه. PageV02P102 # وكذلك إذا شبه شيء حسن بشيء حسن، فإنه إذا لم يشبه بما هو أحسن منه، فليس ~~بوارد على طريق البلاغة. # وإن شبه قبيح بقبيح، وهكذا ينبغي أن يكون المشبه به أقبح. # وإن قصد البيان والإيضاح، فينبغي أن يكون المشبه به أبين وأوضح. # فتقدير لفظة "أفعل" لا بد منه فيما يقصد به بلاغة التشبيه؛ وإلا كان ~~التشبيه ناقصا، فاعلم ذلك وقس عليه. # أقسام التشبيه: # واعلم أنه لا يخلو تشبيه الشيئين: أحدهما بالآخر من أربعة أقسام: # 1- إما تشبيه معنى بمعنى، كالذي تقدم ذكره من قولنا: "زيد كالأسد". # 2- وإما تشبيه صورة بصورة، كقوله تعالى: {وعندهم ms267 قاصرات الطرف عين، كأنهن ~~بيض مكنون} 1. # 3- وإما تشبيه معنى بصورة، كقوله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} ~~2، وهذا القسم أبلغ الأقسام الأربعة لتمثيله المعاني الموهومة بالصور ~~المشاهدة. # 4- وإما تشبيه صورة بمعنى، كقول أبي تمام: # وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا %~% فتك الصبابة بالمحب المغرم3 # فشبه فتكه بالمال وبالعدا -وذلك صورة مرئية- بفتك الصبابة، وهو فتك ~~PageV02P103 # معنوي، وهذا القسم ألطف الأقسام الأربعة؛ لأنه نقل صورة إلى غير صورة. # وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة المشار إليها لا يخلو التشبيه فيه من ~~أربعة أقسام أيضا: # 1- إما تشبيه مفرد بمفرد. # 2- وإما تشبيه مركب بمركب. # 3- وإما تشبيه مفرد بمركب. # 4- وإما تشبيه مركب بمفرد. # والمراد بقولنا مفرد ومركب: أن المفرد يكون تشبيه شيء واحد بشيء واحد، ~~والمركب تشبيه شيئين اثنين بشيئين اثنين. # وكذلك المفرد بالمركب، والمركب بالمفرد، فإن أحدهما يكون تشبيه شيء واحد ~~بشيئين، والآخر: يكون تشبيه شيئين بشيء واحد، والآخر يكون تشبيه شيئين بشيء ~~واحد. # ولست أعني بقولي: "تشبيه شيئين بشيئين" أن لا يكون إلا كذلك، بل أردت ~~تشبيه شيئين بشيئين فما فوقهما، كقول بعضهم في الخمر. # وكأنها وكأن حامل كأسها %~% إذ قام يجلوها على الندماء # شمس الضحى رقصت وجهها %~% بدر الدجى بكواكب الجوزاء # فشبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر ~~بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب. # وإذا بينت أن التشبيه ينقسم إلى تلك الأقسام الأربعة، فإني أقول: إن ~~التشبيه المضمر الأداة قد قدمت القول في أنه ينقسم إلى خمسة أقسام1. # فالقسم الأول: لا يرد إلا في تشبيه مفرد. # بمفرد، والقسم الثاني لا يرد إلا في تشبيه مفرد بمركب. PageV02P104 # والقسم الثالث: لا يرد إلا في تشبيه مركب بمركب. # والقسم الرابع والخامس: لا يردان إلا في تشبيه مركب بمركب. # ألا ترى أنا إذا قلنا في القسم الأول: "زيد أسد"، كان ذلك تشبيه مفرد ~~بمفرد. # وإذا قلنا في القسم الثاني: ما مثلناه به من الخبر النبوي، وهو "الكمأة ~~جدري الأرض"، كان ذلك تشبيه مفرد بمركب، وكذلك بيت البحتري1، وبيت أبي ~~تمام2 المشار إليهما فيما تقدم. ms268 # وإذا قلنا في القسم الثالث: ما أشرنا إليه من الخبر النبوي أيضا الذي هو: ~~$"وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم"، كان ذلك ~~تشبيه مركب بمركب. # وإذا قلنا في القسم الرابع والخامس: ما مثلنا به من بيتي الفرزدق3 ~~والبحتري4 كان ذلك تشبيه مركب بمركب. # وإذا كان الأمر كذلك، وجاءك شيء من التشبيه المضمر الأداة، وهو من القسم ~~الأول، فاعلم أنه تشبيه مفرد، وإذا جاءك شيء من القسم الثاني، فاعلم أنه ~~تشبيه مفرد بمركب، وإذا جاءك شيء من القسم الثالث، فاعلم أنه تشبيه مركب ~~بمركب، وكذلك إذا جاءك شيء من القسم الرابع، والقسم الخامس، فإنهما من باب ~~تشبيه المركب بالمركب. PageV02P105 # ولنرجع إلى ذكر ما أشرنا إليه أولا في تقسيم التشبيه إلى الأربعة أقسام ~~الأخرى التي هي: تشبيه مفرد بمفرد، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب، ~~وتشبيه مركب بمفرد. ### |||| فالقسم الأول منها: # كقوله تعالى في المضمر الأداة: {وجعلنا الليل لباسا} ~~1، فشبه الليل باللباس، وذاك أنه يستر الناس بعضهم عن بعض لمن أراد هربا من ~~عدو، أو ثباتا لعدو أو إخفاء ما لا يحب الاطلاع عليه من أمره. # وهذا من التشبيهات التي لم يأت بها إلا القرآن الكريم، فإن تشبيه الليل ~~باللباس مما اختص به دون غيره من الكلام المنثور والمنظوم. # وكذلك قوله تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} 2، فشبه المرأة باللباس ~~للرجل، وشبه الرجل باللباس للمرأة. # ومن محاسن التشبيهات قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} 3، وهذا يكاد ينقله ~~تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة، والحرث: هو الأرض التي تحرث للزرع، ~~وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعا كما يزدرع البذر في الأرض. # ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} 4، فشبه ~~تبرأ PageV02P106 # الليل من النهار بانسلاخ الجلد المسلوخ، وذاك أنه لما كانت هوادي الصبح ~~عند طلوعه ملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ، وكان ذلك أولى من أن ~~لو قيل: "يخرج"؛ لأن السلخ أدل على الالتحام من الإخراج، وهذا تشبيه في ~~غاية المناسبة. # وكذلك ورد قوله ms269 تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} 1، فشبه انتشار الشيب باشتعال ~~النار، ولما كان الشيب يأخذ في الرأس، ويسعى فيه شيئا فشيئا، حتى يحيله إلى ~~غير لونه الأول بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم، وتسري فيه، حتى تحيله ~~إلى غير حاله الأولى. # وأحسن من هذا أن يقال: إنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار: في سرعة ~~التهابه، وتعذر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، وأنه لم يبق بعده إلا ~~الخمود. # فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به، وذلك في الغاية القصوى من ~~التناسب والتلاؤم. # وقد ورد من الأمثال "الليل جنة الهارب"، وهذا تشبيه حسن. # وكل ذلك من التشبيه المضمر الأداة. # ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي2: # وإذا اهتز للندى كان بحرا %~% وإذا اهتز للوغى كان نصلا # وإذا الأرض أظلمت كان شمسا %~% وإذا الأرض أمحلت كان وبلا # فحرف التشبيه ههنا مضمر، وتقديره: كان كأنه بحر، وكان كأنه نصل، ~~PageV02P107 # وكذلك يقال في البيت الثاني: كان كأنه شمس، وكان كأنه وبل، وهذا تشبيه ~~صورة بصورة، وهو حسن في معناه. # وكذلك ورد قول أبي نواس، وهو في تشبيه الحبب1: # فإذا ما اعترضته العين من حيث استدارا %~% خلته في جنبات الكأس واوات ~~صغارا # وهذا تشبيه صورة بصورة أيضا، وقد أبرز هذا المعنى في لباس آخر، فقال2: # وإذا3 علاها الماء ألبسها %~% حببا شبيه جلاجل الحجل # حتى إذا سكنت جوامحها %~% كتبت بمثل أكارع النمل # ومن هذا قول البحتري4: # تبسم وقطوب في ندى ووغى %~% كالرعد والبرق تحت العارض البرد5 # وهذا من أحسن التشبيه وأقربه، إلا أن فيه إخلالا من جهة الصنعة، وهي ~~ترتيب التفسير، فإن الأولى أن كان قدم تفسير التبسم على تفسير القطوب: بأن ~~كان قال: "كالبرق والرعد"6. PageV02P108 # فانظر أيهما المنتمي إلى الفن كيف ذهب على البحتري مثل هذا # الموضوع على قربه، مع تقدمه في صناعة الشعر؟، وليس في ذلك كبير أمر، سوى ~~أن كان قدم ما أخر لا غير. # وإنما يعذر الشاعر في مثل هذا المقام إذا حكم عليه الوزن والقافية، واضطر ~~إلى ترك ما يجب ms270 عليه، وأما إذا كانت الحال التي ذكرها البحتري، فحينئذ لا ~~عذر له. # وسيأتي باب مفرد في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وهو باب ~~"ترتيب التفسير". # وكذلك ورد قول البحتري1: # في معرك ضنك تخال به القنا %~% بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا # ومن تشبيه المفرد بالمفرد قول أبي الطيب المتنبي2: # خرجن من النقع في عارض %~% ومن عرق الركض في وابل3 # فلما نشفن لقين السياط %~% بمثل صفا البلد الماحل4 # وقد حوى هذان البيتان قرب التشبيه مع براعة النظم، وجزالة اللفظ. ### |||| وأما القسم الثاني: وهو تشبيه المركب بالمركب # فمما جاء منه مضمر الأداة ~~ما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث يرويه معاذ بن جبل -رضي ~~الله عنه- وهو حديث طويل: "يشتمل على فضائل أعمال متعددة، ولا حاجة إلى ~~إيراده ههنا على PageV02P109 # نصه، بل نذكر الغرض منه، وهو أنه قال له رسول الله: "أمسك عليك هذا"، ~~وأشار إلى لسانه، فقال معاذ: أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به? فقال: "ثكلتك ~~أمك يا معاذ!، وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم". # فقوله: "حصائد ألسنتهم" من تشبيه المركب بالمركب، فإنه شبه الأسنة وما ~~تمضي فيه من الأحاديث التي يؤاخذ بها بالمناجل التي تحصد النبات من الأرض. # ومما ورد منه شعرا قول أبي تمام1: # معشر أصبحوا حصون المعالي %~% ودروع الأحساب والأعراض # فقوله: "حصون المعالي" من التشبيه المركب، وذاك أنه شبههم في منعهم ~~المعالي أن ينالها أحد سواهم بالحصون في منعها من بها وحمايته، وكذلك قوله: ~~"دروع الأحساب". # وأما المظهر الأداة فمما جاء منه قوله تعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا ~~كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى ~~إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ~~ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس} 2. # فشبهت حال الدنيا في سرعة زوالها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات ~~الأرض في جفافه، وذهابه حطاما بعدما التف وتكاثف، وزين الأرض. # وذاك تشبيه صورة بصورة، وهو من ms271 أبدع ما يجيء في بابه. # ومن ذلك أيضا قوله تعالى في وصف حال المنافقين: {مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} 3. ~~PageV02P110 # تقديره أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة بمفازة، ~~فاستضاء بها ما حوله، فاتقى ما يخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، ~~فبقي مظلما خائفا، وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الإيمان استنار بها، واعتز ~~بعزها، وأمن على نفسه وماله وولده، فإذا مات عاد إلى الخوف، وبقي في العذاب ~~والنقمة. # ومما ورد في الأخبار النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمن ~~الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا ~~يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي لا ~~يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها، وطعمها مر". # وهذا من باب تشبيه المركب بالمركب، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شبه المؤمن القارئ، وهو متصف بصفتين هما الإيمان، والقراءة بالأترجة، وهي ~~ذات وصفين، هما الطعم والريح، وكذلك يجري الحكم في المؤمن غير القارئ، وفي ~~المنافق القارئ، وفي المنافق غير القارئ. # وقد جاءني شيء من ذلك أوردته في فصل من كتاب أصف فيه البر والمسير، فقلت: ~~"لم أزل أصل الذميل بالذميل، وألف الضحى بالأصيل، والأرض كالبحر في سعة ~~صدره، والمطايا كالجواري راكدة على ظهره، فمكان الركب منها كمكانهم من ~~الأكوار، ومسيرهم فيها على كرة لا تستقر بها حركة الأدوار". # وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول البحتري1: # خلق منهم تردد فيهم %~% وليته عصابة عن عصابه # كالحسام الجراز2 يبقى على الده %~% ر ويفنى في كل حين قرابه PageV02P111 # وكذلك ورد قول ابن الرومي1: # أدرك ثقاتك إنهم وقعوا %~% في نرجس معه ابنة العنب # فهم بحال لو بصرت بها %~% سبحت من عجب ومن عجب # ريحانهم ذهب على درر %~% وشرابهم درر على ذهب # وهذا تشبيه صنيع، إلا أن تشبيه البحتري أصنع، وذلك أن هذا التشبيه صدر عن ~~صورة مشاهدة، ms272 وذاك إنما استنبطه استنباطا من خاطره. # وإذا شئت أن تفرق بين صناعة التشبيه، فانظر إلى ما أشرت إليه ههنا: فإن ~~كان أحد التشبيهين عن صورة مشاهدة، والآخر عن صورة غير مشاهدة، فاعلم أن ~~الذي هو عن صورة غير مشاهدة أصنع. # ولعمري إن التشبيهين كليهما لا بد فيهما من صورة تحكي، لكن أحدهما: شوهدت ~~الصورة فيه فحكيت، والآخر استنبطت له صورة لم تشاهد في تلك الحال، وإنما ~~الفكر استنبطها. # ألا ترى أن ابن الرومي نظر إلى النرجس وإلى الخمر فشبه، وأما البحتري ~~فإنه مدح قوما بأن خلق السماح باق فيهم ينتقل عن الأول إلى الآخر، ثم ~~استنبط لذلك تشبيها، فأداه فكره إلى السيف وقربه التي تفنى في كل حين، وهو ~~باق لا يفنى بفنائها، ومن أجل ذلك كان البحتري أصنع. # وسأورد ههنا من كلامي نبذة يسيرة. # فمن ذلك ما كتبته من جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أذكر فيه نزول العدو ~~الكافر على ثغر عكا2 في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، فقلت: PageV02P112 # "وأحاط بها العدو إحاطة الشفاه بالثغور، ونزل عليها نزول الظلماء على ~~النور". # وهذا من التشبيهات المناسبة. # ثم لما جئت إلى ذكر قتال المسلمين إياه، وإزالته عن جانب الثغر قلت: # "وقد اصطدم من الإسلام والكفر ابنا شمام1، والتقى من عجاجتهما ظلام، وعند ~~ذلك أخذ العدو في التحيز إلى جانب، وكان كحاجب على عين، فصار كعين في حاجب، ~~وإذا تزعزع البناء فقد هوى، وإذا قبض من طرق البساط، فقد انطوى"، وهذا ~~التشبيه في مناسبته كالأول، بل أحسن. ### ||||| ومن ذلك ما ذكرنه في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: # "وما شبهت كتابه في وروده وانقباضه، إلا بنظر الحبيب في إقباله، وإعراضه ~~وكلا الأمرين كالسهم في ألم وقعه وألم نزعه، والمشوق من استوت صبابته في ~~حالتي وصله وقطعه، وما أزال على وجل من إرسال كتبه وإجمامها، واشتباه لممها ~~بإلمامها". # ومما جاء من هذا القسم في الشعر قول بكر بن النطاح2: # تراهم ينظرون إلى المعالي %~% كما نظرت إلى الشيب الملاح # يحدون العيون إلي شذرا %~% كأني ms273 في عيونهم السماح # وهذا بديع في حسنه، بليغ في تشبيهه. PageV02P113 # وعلى هذا النهج ورد قول أبي تمام1: # خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا %~% كالحسن شيب لمغرم بدلال # وهذا من غريب ما يأتي في هذا الباب، وقد تغالت شيعة أبي تمام في وصف هذا ~~البيت، وهو لعمري كذلك. # ومن هذا القسم أيضا قوله2: # كم نعمة لله كانت عنده %~% فكأنها في غربة وإسار # كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت %~% كتضاؤل الحسناء في الأطمار3 # وكذلك قوله4: # صدفت عنه ولم تصدف مواهبه %~% عني، وعاوده ظني فلم يخب # كالغيث إن جئته وافاك ريقه %~% وإن ترحلت عنه لج في الطلب # وعلى هذا الأسلوب، ورد قول علي بن جبلة: # إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت %~% حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع # وأسفر تحت النقع حتى كأنه %~% صباح مشى في ظلمة الليل طالع # وقد أحسن علي بن جبلة في تشبيهه هذا كل الإحسان، وكمثله في الحسن قوله ~~أيضا في تشبيهه الحبب فوق الخمر: PageV02P114 # ترى فوقها نمشا للمزاج %~% تباذير لا يتصلن اتصالا # كوجه العروس إذا خططت %~% على كل ناحية منه حالا # ومن هذا القسم قول مسلم بن الوليد: # تلقى المنية في أمثال عدتها %~% كالسيل يقذف جلمودا بجلمود1 # وعلى هذا الأسلوب ورد قول العباس بن الأحنف2: # لا جزى الله دمع عيني خيرا %~% وجزى الله كل خير لساني # نم دمعي فليس يكتم شيئا %~% ووجدت اللسان ذا كتمان # كنت مثل الكتاب أخفاه طي %~% فاستدلوا عليه بالعنوان # وهذا من اللطيف البديع. # ويروى أن أبا نواس لما دخل مصر مادحا للخصيب جلس يوما في رهط من الأدباء، ~~وتذكروا منازة بغداد، فأنشد مرتجلا: # ذكر الكرخ نازح الأوطان %~% فصبا صبوة ولات أوان3 # ثم أتم ذلك قصيدا مدح به الخصيب، فلما عاد إلى بغداد دخل عليه العباس بن ~~الأحنف، وقال: أنشدني شيئا من شعرك بمصر فأنشده: # ذكر الكرخ نازح الأوطان PageV02P115 # فلما استتم الأبيات قال له: لقد ظلمك من ناواك، وتخلف عنك من جاراك، ~~وحرام على أحد يتفوه بقول الشعر بعدك! # فقال أبو نواس: وأنت أيضا يا أبا الفضل تقول هذا? ألست القائل: ms274 # لا جزى الله دمع عيني خيرا # وأنشد الأبيات، ثم قال: ومن الذي يحسن أن يقول مثل هذا? # ومن تشبيه المركب بالمركب قول البحتري1: # جدة يذود البخل عن أطرافها %~% كالبحر يمنع ملحه عن مائه # وهذا من محاسن التشبيهات. # وكذلك ورد قوله2: # وتراه في ظلم الوغى فتخاله %~% قمرا يكر على الرجال بكوكب # وفي هذا البيت ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه العجاج بالظلمة، ~~والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب، وهذا من الحسن النادر. # وكذلك ورد قوله3: # يمشون في زغف كأن متونها %~% في كل معركة متون نهاء4 # بيض تسيل على الكماة نصولها %~% سيل السراب بقفرة بيداء5 PageV02P116 # فإذا الأسنة خالطتها خلتها %~% فيها خيال كواكب في ماء # فالبيتان الأخيران هما اللذان تضمنا تشبيه المركب بالمركب، وإنما جئنا ~~بالبيت الأول سياقة إلى معناهما، وهو من التشبيه الذي أحسن فيه البحتري ~~وأغرب. # ومن هذا الباب ما ورد لبعض الشعراء في وصف الخمر، فقال: # كانت سراج أناس يهتدون بها %~% في سالف الدهر قبل النار والنور # تهتز في الكأس من ضعف ومن هرم %~% كأنها قبس في كف مقرور # وقد يندر للناظم، أو الناثر شيء من كلامه يبلغ الغاية التي لا أمد فوقها، ~~وهذان البيتان من هذا القبيل. # ومن أغرب ما سمعته في هذا الباب قول الحسين بن مطير1 يرثي معن بن زائدة: # فتى عيش في معروفه بعد موته %~% كما كان بعد السيل مجراه مرتعا2 ### |||| القسم الثالث: في تشبيه المفرد بالمركب: # فمما ورد منه قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة ~~زيتونة لا شرقية ولا غربية} 3. # وكذلك قوله تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ~~في يوم عاصف} 4. PageV02P117 # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن استنجادا، فقلت: # "وهو إذا استصرخ أصرخ بعزم كالشهاب في رجمه، وهم كالقوس الممتلئ بنزع ~~سهمه، ويرى أن صريخه لم يخب، وأنه إذا لم يجبه بالسيف فكأنه لم يجب، فهو ~~مغري جواده وحسامه، ومسمع العدو صرير رمحه قبل ms275 قعقعة لجامه". # وكذلك أيضا ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أذم الفراق، فقلت: # "والفراق شيء لا كالأشياء، وصاحبه ميت لا كالأموات، وحي لا كالأحياء، وما ~~أراه إلا كنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، وما يجعل صاحبها في ~~ضحضاح منها إلا تواتر الكتاب التي تقيه بعض الوقاء، وتقوم له -وإن لم يسق- ~~مقام الإسقاء". # وأما ما ورد منه في الشعر، فكقول أبي نواس1: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت %~% له عن عدو في ثياب صديق # وكذلك قول أبي تمام يصف قصيدا له2: # خذها مثقفة القوافي ربها %~% لسوابغ النعماء غير كنود3 # كالدر والمرجان ألف نظمه %~% بالشذر في عنق الفتاة الرود4 # وكذلك ورد قول البحتري، وهو من جملة قصيدته المشهورة التي وصف فيها الفرس ~~والسيف، وأولها: # أهلا بذلكم الخيال المقبل5 PageV02P118 # فقال فيها من أبيات تضمنت وصف السيف بيتا أجاد في تشبيهه: # وكأنما سود النمال وحمرها %~% دبت بأيد في قواه1 وأرجل # فشبه فرند السيف بدبيب النمل سودها وحمرها، وذلك من التشبيه الحسن. # وأما ما ورد منه مضمر الأداة، فكقول النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد سئل ~~عن العزل، فقال: "هو الوأد الخفي"، وهذا تشبيه بليغ، "والوأد" هو ما كانت ~~العرب تفعله في دفن البنات أحياء، فجعل العزل في الجماع كالوأد، إلا أنه ~~خفي، وذاك أنهم كانوا يفعلون بالبنات ذلك هربا منهن، وهكذا من يعزل في ~~الجماع، فإنما يفعل ذلك هربا من الولد. # وكذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "هو الوأدة الصغرى"، وهذا من الحسن ~~إلى غاية تغص لها العيون طرفها، ولا ينتهي الوصف إليها فيكون ترك وصفها ~~كوصفها. # ومما جاءني من ذلك فصل من جملة كتاب ضمنته وصف القلم، فقلت: # "جذع أنفه فصار في الكيد قصيرا، وأرهف صدره فصار في المضاء عضبا شهيرا، ~~وقمص لباس السواد، وهو شعار الخطباء، فنطق بفصل الخطاب، ونكس رأسه وهي صورة ~~الإذلال، فاختال في مشيه من الإعجاب، وأوحى إليه بنجوى الخواطر، وهو الأصم، ~~فأفضى بما سمعه إلى الكتاب". # وهذه الأوصاف غريبة جدا ومن أغربها ذكر "قصير" عند جذع الأنف. ms276 ### |||| وأما القسم الرابع، وهو تشبيه المركب بالمفرد: # فإنه قليل الاستعمال بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة، وليس ذلك إلا لعدم ~~النظير بين المشبه والمشبه به. PageV02P119 # وعلى كثرة ما حفظته من الأشعار لم أجد ما أمثل به هذا القسم إلا مثالا ~~واحدا، وهو قول أبي تمام في وصف الربيع1: # يا صاحبي تقصيا نظريكما %~% تريا وجوه الأرض كيف تصور # تريا نهارا مشمسا قد شابه %~% زهر الربا فكأنما هو مقمر # فشبه النهار المشمس مع الزهر الأبيض بضوء القمر، وهو تشبيه حسن واقع في ~~موقعه مع ما فيه من لطف الصنعة. # ولربما اعترض في هذا الموضع معترض، وقال: إنك أوردت هذا القسم من ~~التشبيه، وذكرت أنه قليل، وليس كذلك فإن تشبيه شيئين بشيء واحد كثير، كقول ~~أبي الطيب المتنبي2: # تشرق أعراضهم وأوجههم %~% كأنها في نفوسهم شيم # فشبه إشراق الأعراض، والوجوه بإشراق الشيم. # الجواب عن ذلك أني أقول: هذا البيت المعترض به على ما ذكرته ليس كالذي ~~ذكرته، فإن أردت أن يشبه شيئان هما كشيء واحد في الاشتراك بشيء واحد. # ألا ترى أن نور الشمس مع بياض الزهر -وهما شيئان مشتركان- قد شبها بضوء ~~القمر، وأما هذا البيت الذي لأبي الطيب المتنبي، فإنه تشبيه شيئين كل واحد ~~منهما مفرد برأسه بشيء واحد؛ لأنه شبه إشراق الأعراض، وإشراق الوجوه بإشراق ~~الشيم، وهذا غير ما أردته أنا. PageV02P120 # لكن ينبغي أن تعلم أن تشبيه المركب بالمفرد ينقسم قسمين: # أحدهما: تشبيه شيئين مشتركين بشيء واحد كالذي أوردته لأبي تمام، وهو قليل ~~الاستعمال. # والآخر: تشبيه شيئين منفردين بشيء واحد، كالذي ذكرته أنت لأبي الطيب ~~المتنبي، وهو كثير الاستعمال. ### |||| من معيب التشبيه: # وإذ ذكرنا أقسام التشبيه، وبينا المحمود منها الذي ينبغي اقتفاء أثره، ~~واتباع مذهبه، فلنتبعه بضده، مما ينبغي اجتنابه، والإضراب عنه. # على أنه قدمنا القول بأن حد التشبيه هو: "أن يثبت للمشبه حكم من أحكام ~~المشبه به"، فإذا لم يكن بهذه الصفة، أو كان بين المشبه والمشبه به بعد، ~~فذلك الذي يطرح ولا يستعمل، والذي يرد منه مضمر الأداة لا يكون إلا في ms277 ~~القسم الواحد من أقسام المجازي، وهو التوسع وقد قدمت القول في ذلك في أول ~~باب "الاستعارة"، وضربت له أمثلة منها قول أبي نواس". # ما لرجل المال أمست %~% تشتكي منك الكلالا # فجعل للمال رجلا، وذلك تشبيه بعيد، ولا حاجة إلى عادة ذلك الكلام ههنا ~~بجملته1؛ لكن قد أشرت إليه إشارة خفيفة. # ومن أقبح ما سمعته من ذلك قول أبي تمام2: # وتقاسم3 الناس السخاء مجزأ %~% وذهبت أنت برأسه وسنامه PageV02P121 # وتركت للناس الإهاب وما بقي %~% من فرثه1 وعروقه وعظامه # والقبح الفاحش في البيت الثاني. # وكل هذا التعسف في التشبيه البعيد دندنة حول معنى ليس بطائل؛ فإن غرضه أن ~~يقول: ذهب بالأعلى وترك للناس الأدنى، أو ذهبت بالجيد، وتركت للناس الرديء. # وقد عيب عليه قوله2: # لا تسقني ماء الملام فإنني %~% صب قد استعذبت ماء بكائي # وقيل: إنه جعل للملام ماء، وذلك تشبيه بعيد، وما بهذا التشبيه عندي من ~~بأس، بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وهو قريب من وجه، ~~بعيد من وجه. # أما مناسب قربه فهو أن الملام هو القول الذي يعنف به الملوم لأمر جناه، ~~وذاك مختص بالسمع، فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق، كأنه ~~قال: لا تذقني الملام، ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تشبيها حسنا، ~~لكنه جاء بذكر الماء، فحط من درجته شيئا، ولما كان السمع يتجرع الملام أولا ~~كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به، وهو تشبيه معنى بصورة. # وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذ، والملام مستكره، فحصل ~~بينهما مخالفة من هذا الوجه. # فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقد قرب من وجه فيغفر هذا لهذا، ولذلك جعلته ~~من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم. # وقد روي -وهو رواية ضعيفة- أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورة؛ ~~PageV02P122 # وقال: ابعث في هذه شيئا من ماء الملام، فأرسل إليه أبو تمام، وقال: إذا ~~بعثت إلي ريشة من "جناح الذل" بعثت إليك شيئا من ماء الملام! # وما كان أبو ms278 تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين، فإنه ليس جعل ~~الجناح للذل كجعل الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب، وذاك أن الطائر إذا ~~وهن أو تعب بسط جناحه، وخفضه وألقى نفسه على الأرض، وللإنسان أيضا جناح، ~~فإن يديه جناحاه وإذا خضع، واستكان طأطأ من رأسه، وخفض من يديه، فحسن عند ~~ذلك جعل الجناح للذل، وصار تشبيها مناسبا، وأما الماء للملام، فليس كذلك في ~~مناسبة التشبيه. # وأما التشبيه المضمر الأداة من هذا الباب، فقد أوردت له أمثلة يستدل بها ~~على أشباهه وأمثاله، فإن لذكر المثال فائدة لا تكون الحد وحده. # فمن ذلك قول بعضهم: # ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه %~% ظباء جرت منها سنيح وبارح # وكذلك قول الآخر يصف السهام: # كساها رطيب الريش فاعتدلت له %~% قداح كأعناق الظباء الفوارق # فإنه شبه السهام بأعناق الظباء، وذلك من أبعد التشبيهات. # وعلى نحو منه قول الفرزدق1: # يمشون في حلق الحديد كما مشت %~% جرب الجمال بها الكحيل المشعل2 # فشبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب، وهذا من التشبيه البعيد؛ لأنه ~~إن أراد السواد، فلا مقاربة بينهما في اللون؛ لأن لون الحديد أبيض، ومن أجل ~~ذلك سميت السيوف بالبيض، ومع كون هذا التشبيه بعيدا، فإنه تشبيه سخيف. ~~PageV02P123 # ومن التشبيهات الباردة قول أبي الطيب المتنبي1: # وجرى على الورق النجيع القاني2 %~% فكأنه النارنج في الأغصان # وهذا تشبيه ينكره أهل التجسيم، وإذا قسمت التشبيهات بين البعد، والبرد ~~حاز طرفي ذلك التقسيم. # وأبشع من هذا قول أبي نواس3 في الخمر: # كأن بواسار4 رواكد حولها %~% وزرق سنانير تدير عيونها # والعجب أنه يقول مثل هذا الغث الذي لا ملاءمة بينه، وبين ما شبه به، ~~ويقرنه بالبديع الذي أحسن فيه وأبدع، وهو: # كأنا حلول بين أكناف روضة %~% إذا ما سلبناها مع الليل طينها # فانظر كيف قرن بين ورده وسعدانه، لا بل بين بعرة ومرجانة. # وقد أكثر في تشبيه الخمر، فأحسن في موضع وأساء في موضع، ومن إساءته قوله ~~أيضا في أبيات لامية5: PageV02P124 # وإذا ما الماء واقعها %~% أظهرت شكلا من الغزل # لؤلؤات ينحدرن بها %~% كانحدار ms279 الذر من جبل1 # فشبه الحبب في انحداره بنمل صغار ينحدر من جبل، وهذا من البعد على غاية ~~لا يحتاج إلى بيان وإيضاح. # واعلم أن من التشبيه ضربا يسمى "الطرد والعكس"، وهو أن يجعل المشبه به ~~مشبها والمشبه مشبها به، وبعضهم يسميه "غلبة الفروع على الأصول2"، ولا تجد3 ~~شيئا من ذلك إلا والغرض به المبالغة، فمما جاء من ذلك قول ذي الرمة4: # ورمل كأرداف العذارى قطعته %~% إذا ألبسته المظلمات الحنادس5 # ألا ترى إلى ذي الرمة6 كيف جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا? وذاك أن العادة ~~والعرف في هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء7، وهو مطرد في بابه، ~~فعكس PageV02P125 # ذو الرمة القصة في ذلك، فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء، وإنما فعل ذلك ~~مبالغة: أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء، وصار كأنه الأصل، ~~حتى شبهت به كثبان الأنقاء، وعلى نحو من هذا جاء قول البحتري1: # في طلعة البدر شيء من محاسنها %~% وللقضيب نصيب من تثنيها2 # وكذلك ورد قول عبد الله بن المعتز في قصيدته المشهورة التي أولها: # سقى المطيرة ذات الطل والشجر3 # فقال في تشبيه الهلال: # ولاح ضوء قمير كاد يفضحنا %~% مثل القلامة قد قدت من الظفر # ولما شاع ذلك في كلام العرب، واتسع صار كأنه هو الأصل، وهو موضع من علم ~~البيان حسن الموقع، لطيف المأخذ. # وهذا قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب الخصائص، وأورده هكذا مهملا. # ولما نظرت أنا في ذلك، وأنعمت نظري فيه، تبين لي ما أذكره، وهو: أنه قد ~~تقرر في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه أن يشبه الشيء بما يطلق عليه ~~لفظة "أفعل": أي يشبه بما هو أبين وأوضح، أو بما هو أحسن منه أو أقبح، ~~وكذلك يشبه الأقل بالأكثر، والأدنى بالأعلى. # وهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة؛ لأن الذي قدمناه ذكره مطرد في بابه، ~~وعليه مدار الاستعمال، وهذا غير مطرد، وإنما يحسن في عكس المعنى المتعارف، ~~وذاك أن تجعل المشبه به مشبها، والمشبه مشبها به، ولا يحسن في غير ذلك مما ~~ليس ms280 بمتعارف. PageV02P126 # ألا ترى أن من العادة، والعرف أن تشبه الأعجاز بالكثبان، فلما عكس ذو ~~الرمة هذه القضية في شعره جاء حسنا لائقا? وكذلك جاء فعل البحتري، فإن من ~~العادة والعرف أن يشبه الوجه الحسن بالبدر، والقد الحسن بالقضيب، فلما عكس ~~البحتري القضية في ذلك جاء أيضا حسنا لائقا؟ # ولو شبه ذو الرمة الكثبان بما هو أصغر منها غير الأعجاز لما حسن ذلك. # وهكذا لو شبه البحتري طلعة البدر بغير طلعة الحسناء، والقضيب بغير قدها ~~لما حسن ذلك أيضا. # وهكذا القول في تشبيه عبد الله بن المعتز صورة الهلال بالقلامة؛ لأن من ~~العادة أن تشبه القلامة بالهلال، فلما صار ذلك مشهورا متعارفا حسن عكس ~~القضية فيه1. PageV02P127 ### || النوع الثالث: في التجريد # وهذا اسم كنت سمعته، فقال القائل: التجريد في الكلام حسن، ثم سكت، فسألته ~~عن حقيقته، فقال: كذا سمعت، ولم يزد شيئا، فأنعمت حينئذ نظري في هذا النوع ~~من الكلام، فألقي في روعي أنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، وكان الذي وقع لي ~~صوابا، ثم مضى على ذلك برهة من الزمان، ووصل إلي ما ذكره أبو علي الفارسي1 ~~-رحمه الله تعالى، وقد أوردته ههنا، وذكرت ما أتيت به من ذات خاطري من ~~زيادة لم يذكرها، وستقف أيها المتأمل على كلامه وكلامي. # فأما حد "التجريد"، فإنه إخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، لا ~~المخاطب نفسه؛ لأن أصله في وضع اللغة من جردت السيف، إذا نزعته من غمده، ~~و"جردت فلانا"، إذا نزعت ثيابه، ومن ههنا قال -صلى الله عليه وسلم: "لا مد ~~ولا تجريد"، وذلك في النهي عند إقامة الحد أن يمد صاحبه على الأرض، وأن ~~تجرد عنه ثيابه: وقد نقل هذا المعنى إلى نوع من أنواع علم البيان. # وقد تأملته فوجدت له فائدتين: إحداهما أبلغ من الأخرى. # فالأولى: طلب التوسع في الكلام، فإنه إذا كان ظاهره خطابا لغيرك، وباطنه ~~خطابا لنفسك، فإن ذلك من باب التوسع، وأظن أنه شيء اختصت به اللغة العربية ~~دون غيرها من اللغات. PageV02P128 # والفائدة الثانية: وهي الأبلغ، وذاك ms281 أنه يتمكن المخاطب من إجراء الأوصاف ~~المقصودة من مدح، أو غيره على نفسه، إذ يكون مخاطبا بها غيره، ليكون أعذر ~~وأبرأ من العهدة، فيما يقوله غير محجور عليه. # وعلى هذا فإن التجريد ينقسم قسمين: # أحدهما: تجريد محض. # والآخر: تجريد غير محض. ### ||| التجريد المحض: # فالأول -وهو المحض- أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، ~~وذلك كقول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالحيص بيص1 في مطلع قصيدة ~~له: # إلام يراك المجد في زي شاعر %~% وقد نحلت شوقا فروع المنابر # كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة %~% ببعضهما ينقاد صعب المفاخر # أما وأبيك الخير إنك فارس %~% مقال ومحيي الدارسات الغوابر # وإنك أعييت المسامع والنهى %~% بقولك عما في بطون الدفاتر # فهذا من محاسن التجريد، ألا ترى أنه أجرى الخطاب إلى غيره وهو يريد نفسه، ~~كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة، وعد ما عده من الفضائل ~~التائهة. # وكل ما يجيء من هذا القبيل، فهو التجريد المحض. PageV02P129 # وأما ما قصد به التوسع خاصة، فكقول الصمة بن عبد الله من شعراء الحماسة1: # حننت إلى ريا ونفسك باعدت %~% مزارك من ريا وشعباكما معا # فما حسن أن تأتي الأمر طائعا %~% وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا # وقد ورد بعد هذين البيتين ما يدل على أن المراد بالتجريد فيهما التوسع؛ ~~لأنه قال: # وأذكر أيام الحمى ثم أنثني %~% على كبدي من خشية أن تصدعا2 # بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا %~% وما أحسن المصطاف والمتربعا # فانتقل من الخطاب التجريدي إلى خطاب النفس، ولو استمر على الحالة الأولى ~~لما قضي عليه بالتوسع، وإنما كان يقضى عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف ~~الآخر، ويتأول له بأن غرضه من خطاب غيره أن ينفي عن نفسه سمعة الهوى، ومعرة ~~العشق، لما في ذلك من الشهرة والغضاضة، لكن قد زال هذا التأويل بانتقاله عن ~~التجريد أولا إلى خطاب النفس. # وعلى هذا الأسلوب، ورد قول أبي الطيب المتنبي3: # لا خيل عندك تهديها ولا مال %~% فليسعد النطق إن لم تسعد الحال # واجز الأمير الذي نعماه فاجئة %~% بغير ms282 قول ونعمى القوم أقوال # وهذان البيتان من مطلع قصيدة يمدح بها فاتكا الإخشيدي بمصر، وكان وصله ~~بصلة سنية من نفقة وكسوة قبل أن يمدحه، ثم مدحه بعد ذلك بهذه القصيدة، وهي ~~من غرر شعره، وقد بنى مطلعها على المعنى المشار إليه من ابتداء فاتك إياه ~~بالصلة قبل المديح. PageV02P130 # وليس في التجريد المذكور في هذين البيتين ما يدل على وصف النفس، ولا على ~~تزكيتها بالمديح، كما ورد في الأبيات الرائية المتقدم ذكرها، وإنما هو توسع ~~لاغير. ### ||| التجريد غير المحض: # وأما القسم الثاني: وهو غير المحض، فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك، ولئن كان ~~بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد، لعلاقة أحدهما بالآخر. # وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر، وذاك أولى بأن يسمى تجريدا؛ لأن ~~التجريد لائق به، وهذا هو نصف تجريد؛ لأنك لم تجرد؛ لأنك لم تجرد به عن ~~نفسك شيئا، وإنما خاطبت نفسك بنفسك، كأنك فصلتها عنك وهي منك. # فمما جاء منه قول عمرو بن الإطنابة1: # أقول لها وقد جشأت وجاشت %~% رويدك تحمدي أو تستريحي2 # وكذلك قول الآخر3: # أقول للنفس تأساء وتعزية %~% إحدى يدي أصابتني ولم ترد4 # وليس في هذا ما يصلح أن يكون خطابا لغيرك كالأول، وإنما المخاطب هو ~~المخاطب بعينه، وليس ثم شيء خارج عنه. PageV02P131 # وأما الذي ذكره أبو علي الفارسي -رحمه الله- فإنه قال: إن العرب تعتقد أن ~~في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فيخرج ذلك المعنى إلى ~~ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت ~~فلانا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو عينه الأسد ~~والبحر، لا أن هناك شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه. # ثم قال: وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه، حتى كأنه يقاول غيره، ~~كما قال الأعشى: # وهل تطيق وداعا أيها الرجل1 # وهو الرجل نفسه لا غيره. # هذا خلاصة ما ذكره أبو علي رحمه الله. # والذي عندي فيه أنه أصاب في الثاني، ولم يصب في الأول؛ لأن الثاني هو ~~التجريد، ألا ms283 ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه، وهو يريدها. # وأما الأول، وهو قوله: "لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد، ولئن سألته ~~لتسألن منه البحر"، فإن هذا تشبيه مضمر الأداة، إذ يحسن تقدير أداء التشبيه ~~فيه. # وبيان ذلك أنك تقول: "لئن لقيت فلانا لتلقين منه كالأسد، ولئن سألته ~~لتسألن منه كالبحر"، وليس هذا بتجريد؛ لأن حقيقة التجريد غير موجودة فيه، ~~وإنما هو تشبيه مضمر الأداة، ألا ترى أن المذكور هو كالأسد، وهو كالبحر، ~~وليس ثم شيء مجرد عنه، كما تقدم في الأبيات الشعرية. # ويبطل على أبي علي قوله أيضا من وجه آخر، وذاك أنه قال: "إن العرب تعتقد ~~أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فخرج ذلك المعنى إلى ~~ألفاظها PageV02P132 # مجردا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو"، كالمثال الذي مثله في تشبيهه ~~بالأسد وتشبيهه بالبحر، وهذا ينتقض بقولنا: لئن رأيت الأسد لترين منه هضبة، ~~ولئن لقيته لتلقين منه الموت، فإن الصورة التي أوردها في الإنسان، وزعم أن ~~العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد، فتخصيصه ذلك ~~بالإنسان باطل. # وكلا الصورتين ليس بتجريد، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة: # وقد سبق القول بأن التجريد هو أن تطلق على غيرك، ولا يكون هو المراد، ~~وإنما المراد نفسك، وهذا لا يوجد في هذا المثال المضمر الأداة، بل المخاطب ~~هو هو لا غيره، فلا يطلق عليه إذا اسم التجريد؛ لأنه خارج عن حقيقته، ومناف ~~لموضوعه. # فإذا قال القائل: "لئن لقيته لتلقين به كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه ~~كالبحر"، لم يجرد عن المقول عنه شيئا، وإنما شبهه تارة بالأسد في شجاعته، ~~وتارة بالبحر في سخائه. # وما أعلم كيف ذهب هذا على مثل أبي علي -رحمه الله- حتى خلطه بالتجريد، ~~وأجراه مجراه؟ # وأما قوله: "إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته، ~~ومحصوله"، فأقول: وغير العرب أيضا تعتقد ذلك! # فإن عنى بالمعنى الكامن معنى الإنسانية الذي هو الاستعداد للعلوم ~~والصنائع، فما هذا من الشيء الغريب الخفي الذي علمته العرب ms284 خاصة، وانفرد ~~باستخراجه أبو علي رحمه الله! # وإن عني بالمعنى الكامن ما فيه من الأخلاق كالشجاعة، والسخاء في المثال ~~الذي ذكره، حتى يشبه بالأسد تارة، وبالبحر أخرى، فليس الإنسان مختصا بهذا ~~المعنى الكامن دون غيره من الحيوانات، بل الأسد فيه من معنى الشجاعة ما ليس ~~في الإنسان، ولهذا إذا بولغ في وصف الإنسان بالشجاعة شبه بالأسد، وكذلك في ~~بعض PageV02P133 # الحيوانات من السخاء ما ليس في الإنسان، ومن أمثال: أكرم من ديك؛ لأنه ~~إذا ظفر بحبة من الحنظة أخذها في منقاره، وطاف بها على الدجاج، حتى يضعها ~~في منقار واحدة منهن. # فالأخلاق إذا مشتركة بين الإنسان، وبين غيره من الحيوانات، غير أن ~~الإنسان يجتمع فيه ما تفرق في كثير منها. # وما أعلم ما أراد أبو علي -رحمه الله- بقوله: "إن في الإنسان معنى كامنا ~~فيه كأنه حقيقته ومحصوله"، إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت ~~إليهما. # على أن القسم الواحد الذي هو خلق الشجاعة، والسخاء وغيره من الأخلاق ليس ~~عبارة عن حقيقة الإنسان، إذ لا يقال في حده: "حيوان شجاع، ولا سخي"، بل ~~يقال: "حيوان ناطق"، فالنطق الذي هو الاستعداد للعلوم، والصنائع هو حقيقة ~~الإنسان. # فبطل إذا قول أبي علي رحمه الله تعالى في تمثيله حقيقة الإنسان بالشجاعة ~~والسخاء. # فالخطأ توجه في كلامه من وجهين: # أحدهما: أنه جعل حقيقة الإنسان عبارة عن خلقه. # والآخر: أنه أدخل في التجريد ما ليس منه. # وهذا القدر كاف في هذا الموضع فليتأمل. PageV02P134 ### || النوع الرابع: في الالتفات # وهذا النوع ما يليه1 هو خلاصة علم البيان التي حولها يدندن، وإليها تستند ~~البلاغة، وعنها يعنعن. # وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقبل بوجهه تارة ~~كذا وتارة كذا. # وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ لأنه ينتقل فيه عن صيغة، كانتقال ~~من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى ~~مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا. # يسمى أيضا "شجاعة العربية"، وإنما سمي ms285 بذلك؛ لأن الشجاعة هي الإقدام، ~~وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه، ~~وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من ~~اللغات. # وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ### ||| القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة # اعلم أن عامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى ~~الخطاب، وعن الخطاب إلى الغيبة، قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب ~~كلامها، وهذا القول هو عكاز العميان، كما يقال، ونحن إنما نسأل عن السبب ~~الذي قصدت العرب ذلك من أجله. PageV02P135 # وقال الزمخشري1 رحمه الله: إن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل ~~للتفنن في الكلام، والانتقال من أسلوب إلى أسلوب، تطرية لنشاط السامع، ~~وإيقاظا للإصغاء إليه. # وليس الأمر كما ذكره؛ لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم ~~يكن إلا تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه، فإن ذلك دليل على أن ~~السامع يمل من أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره؛ ليجد نشاطا للاستماع، وهذا قدح ~~في الكلام، لا وصف له؛ لأنه لو كان حسنا لما مل. # ولو سلمنا إلى الزمخشري ما ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك في الكلام ~~المطول، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى ~~الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ويكون ~~مجموع الجانبين معا يبلغ عشرة ألفاظ، أو أقل من ذلك. # ومفهوم قول الزمخشري في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب إنما يستعمل قصدا ~~للمخالفة بين المنتقل عنه والمنتقل إليه، لا قصدا لاستعمال الأحسن: وعلى ~~هذا فإذا وجدنا كلاما قد استعمل في جميعه الإيجاز، ولم ينتقل عنه، أو ~~استعمل فيه جميعه الإطناب ولم ينتقل عنه، وكان كلا الطرفين واقعا في موقعه، ~~قلنا: هذا ليس بحسن، إذ لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا القول فيه ~~ما فيه. # وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة؟ # والذي عندي ms286 في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، أو من الغيبة إلى ~~الخطاب، لا يكون إلا لفائدة اقتضتها، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من ~~أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد، ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع ~~منها، ليقاس عليها PageV02P136 # غيرها، فإنا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم ~~شأن المخاطب، ثم رأينا ذلك بعينه -وهو ضد الأول- قد استعمل في الانتقال من ~~الخطاب إلى الغيبة، فعلمنا حينئذ أن الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من ~~الكلام لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى ~~المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب ~~الموضع الذي ترد فيه. # وسأوضح ذلك في ضرب من الأمثلة الآتي ذكرها: # فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، فكقوله تعالى في سورة الفاتحة: {الحمد ~~لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، ~~اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم} . # هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب، وبما يختص الكلام من الفوائد قوله: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} بعد قوله: {الحمد لله رب العالمين} ، فإنه إنما عدل فيه ~~من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الحمد دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك، ولا ~~تعبده؟، فلما كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر، ~~فقال: {الحمد لله} ، ولم يقل: "الحمد لك"، ولما صار إلى العبادة التي هي ~~أقصى الطاعات قال: {إياك نعبد} فخاطب بالعبادة إصراحا بها، وتقربا منه عز ~~اسمه بالانتهاء إلى محدود منها. # وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة، فقال: {صراط الذين أنعمت عليهم} فأصرح ~~الخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال: "غير المغضوب عليهم" عطفا على الأول؛ لأن ~~الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ ~~منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا وزوى عنه لفظ الغضب تحننا ~~ولطفا. # فانظر إلى هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني الشريفة التي لا تكاد تطؤها، ~~الأفهام تدركها مع قربها. PageV02P137 # وهذه ms287 السورة قد انتقل في أولها من الغيبة إلى الخطاب، لتعظيم شأن ~~المخاطب، ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة، لتلك العلة بعينها، وهي ~~تعظيم شأن المخاطب أيضا؛ لأن مخاطبة الرب تبارك وتعالى بإسناد النعمة إليه ~~تعظيم لخطابه، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه. # فانبغى أن يكون صاحب هذا الفن من الفصاحة، والبلاغة عالما بوضع أنواعه في ~~مواضعها على اشتباهها. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئا إدا} ~~1 وإنما قيل: {لقد جئتم} ، وهو خطاب بعد قوله: {وقالوا} ، وهو خطاب للغائب ~~لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجراءة على الله تعالى، والتعرض ~~لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه ~~منكرا عليهم، وموبخا لهم. # ومما جاء من الالتفات مرارا على قصر متنه، وتقارب طرفيه قوله تعالى أول ~~سورة بني إسرائيل: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} . # فقال أولا: {سبحان الذي أسرى} بلفظ الواحد ثم قال: {الذي باركنا} بلفظ ~~الجمع، ثم قال: {إنه هو السميع البصير} ، وهو خطاب غائب، ولو جاء الكلام ~~على مساق الأول لكان: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير، وهذا ~~جميعه معطوفا "على أسرى"، فلما خولف بين المعطوف، والمعطوف عليه في ~~الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا، وتفننا في أساليب الكلام، ~~ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ. PageV02P138 # وسأذكر ما سنح لي فيه فأقول: # لما بدأ الكلام بسبحان ردفه بقوله: {الذي أسرى} ، إذ لا يجوز أن يقال: ~~الذي أسرينا، فلما جاء بلفظ الواحد والله تعالى أعظم العظماء، وهو أولى ~~بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع، استدرك الأول بالثاني، فقال: ~~{باركنا} ثم قال: {لنريه من آياتنا} ، فجاء بذلك على نسق: {باركنا} ، ثم ~~قال: {إنه هو} ، عطفا على أسرى، وذلك موضع متوسط الصفة؛ لأن السمع ms288 والبصر ~~صفتان يشاركه فيهما غيره، وتلك حال متوسطة، فخرج بهما عن خطاب العظيم، في ~~نفسه إلى خطاب غائب. # فانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة التي جاءت ~~لمعان اختصت بها، يعرفها من يعرفها، ويجهلها من يجهلها. # ومما ينخرط في هذا السلك الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقول ~~تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ~~وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم} 1. # وهذا رجوع من الغيبة إلى خطاب النفس، فإنه قال: {وزينا} ، بعد قوله: {ثم ~~استوى} ، وقوله: {فقضاهن} ، {وأوحى} ، والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس ~~غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا. # وأنها ليست حفظا ولا رجوما، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب ~~الغائب إلى خطاب النفس؛ لأنه مهم من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة ~~المكذبة المعتقدة بطلانه، وفي خلاف هذا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب ~~الغيبة. # ومما ينخرط في هذا السلك أيضا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة، ~~كقوله تعالى: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} 2. PageV02P139 # وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم؛ لأنه أبرز الكلام لهم في معرض ~~المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم؛ لأن ذلك أدخل في إمحاض ~~النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: {وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني} ، مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم؟، ألا ترى إلى ~~قوله: {إليه ترجعون} ، ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ~~ساقه ذلك المساق إلى أن قال: {إني آمنت بربكم فاسمعون} 1. # فانظر أيها المتأمل إلى هذه النكت الدقيقة التي تمر عليها في آيات القرآن ~~الكريم، وأنت تظن أنك فهمت فحواها، واستنبطت رموزها. # وعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد، ~~كقوله تعالى: {حم، والكتاب المبين، إنا ms289 أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا ~~منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم، أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين، رحمة من ربك ~~إنه هو السميع العليم} 2. # والفائدة ههنا في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد تخصيص النبي -صلى ~~الله عليه وسلم: "بالذكر، والإشارة بأن إنزال الكتاب إنما هو إليه، وإن لم ~~يكن ذلك صريحا، لكن مفهوم الكلام يدل عليه". # وإذا تأملت مطاوي القرآن الكريم، وجدت فيه من هذا وأمثاله أشياء كثيرة، ~~وإنما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها. # وقد ورد في فصيح الشعر شيء من ذلك، كقول أبي تمام3: # وركب يساقون الركاب زجاجة %~% من السير لم تقصد لها كف قاطب4 PageV02P140 # فقد أكلوا منها الغوارب بالسرى %~% وصارت لهم أشباحهم كالغوارب1 # يصرف مسراها جذيل مشارق %~% إذا آبه هم عذيق مغارب2 # يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر %~% وبالعرمس الوجناء غرة آئب3 # كأن بها ضغنا على كل جانب %~% من الأرض أو شوقا إلى كل جانب4 # إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد %~% تقطع ما بيني وبين النوائب5 # هنالك تلقى الجود من حيث قطعت %~% تمائمه والمجد مرخى الذوائب6 # ألا ترى أنه قال في الأول: "يصرف مسراها" مخاطبة للغائب، ثم قال بعد ذلك: ~~"إذا العيس لاقت بي" مخاطبا نفسه، وهي هذا من الفائدة أنه لما صار إلى ~~مشافهة للممدوح، والتصريح باسمه خاطب عند ذلك نفسه مبشرا لها بالبعد عن ~~المكروه، والقرب من المحبوب، ثم جاء بالبيت الذي يليه معدولا به عن خطاب ~~نفسه إلى خطاب غيره، وهو أيضا خطاب لحاضر، فقال: "هنالك نلقى الجود"، ~~والفائدة بذلك أنه يخبر غيره بما شهده، كأنه يصف له جود الممدوح، وما لاقاه ~~منه، إشادة بذكره، وتنويها باسمه، وحملا لغيره على قصده، وفي صفته جود ~~الممدوح بتلك الصفة الغريبة البليغة، وهي قوله: "حيث قطعت تمائمه" ما يقتضي ~~له الرجوع إلى خطاب الحاضر، والمراد بذلك أن محل الممدوح هو مألف الجود، ~~ومنشؤه ووطنه، وقد يراد به PageV02P141 # معنى آخر وهو أن هذا الجود قد أمن عليه الآفات العارضة لغيره ms290 من المن، ~~والمطل والاعتذار، وغير ذلك إذ التمائم لا تقطع إلا عمن أمنت عليه المخاوف. # على هذا النهج ورد قول أبي الطيب المتنبي في قصيدة يمدح به ابن العميد في ~~النوروز1، ومن عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في ~~آخر القصيدة: # كثر الفكر كيف تهدي كما أه %~% دت إلى ربها المليك عباده2 # والذي عندنا من المال والخيل %~% فمنه هباته وقياده # فبعثنا بأربعين مهارا %~% كل مهر ميدانه إنشاده3 # عدد عشته يرى الجسم فيه %~% أربا لا يراه فيما يزاده4 # فارتبطها فإن قلبا نماها %~% مربط تسبق الجياد جياده # وهذا من إحسان أبي الطيب المعروف، وهو رجوع عن خطاب الغائب إلى الحاضر، ~~واحتج أبو الطيب عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة، ~~وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة، والشباب وقضاء ~~الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد ~~القصيدة على هذه العدة، وهذا حسن غريب. PageV02P142 # وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح ~~عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} 1. # فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة، وهي أنه ذكر ~~لغيرهم حالهم، ليعجبهم منها كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم، ولو ~~قال: حتى إذا كنتم في الفلك، وجرين بكم بريح طيبة فرحتم بها، وساق الخطاب ~~معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة، وليس ذلك ~~بخاف عن نقدة الكلام. # ومما ينخرط في هذا السلك قوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاعبدون، وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون} 2. # الأصل في "تقطعوا" تقطعتم، عطفا على الأول، إلا أنه صرف الكلام من الخطاب ~~إلى الغيبة على طريقة "الالتفات"، كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى قوم ~~آخرين، ms291 ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في ~~دين الله تعالى، فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا؟، وذلك تمثيل لاختلافهم ~~فيه وتباينهم، ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، ~~فهو مجازيهم على ما فعلوا. # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} 3. ~~PageV02P143 # فإنه إنما قال: {فآمنوا بالله ورسوله} ، ولم يقل: فآمنوا بالله وبي، عطفا ~~على قوله: {إني رسول الله إليكم} ؛ لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه، ~~وليعلم أن الذي وجب الإيمان به، والاتباع له هو هذا الشخص الموصوف بأنه ~~النبي الأمي الذي يؤمن بالله، وبكلماته كائنا من كان أنا أو غيري، إظهارا ~~للنصفة، وبعدا من التعصب لنفسه، فقدر أولا في صدر الآية أنه رسول الله إلى ~~الناس، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين. # الأول منهما: إجراء تلك الصفات عليه. # والثاني: الخروج من تهمة التعصب لنفسه. ### ||| القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر # وهذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا ~~للتوسع في أساليب الكلام فقط، بل لأمر وراء ذلك، وإنما يقصد إليه تعظيما ~~لحال من أجري عليه الفعل المستقبل، وتفخيما لأمره، وبالضد من ذلك فيمن أجري ~~عليه فعل الأمر. # فمما جاء منه قوله تعالى: {يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا ~~عن قولك وما نحن لك بمؤمنين، إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني ~~أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون} 1. # فإنه إنما قال: {أشهد الله واشهدوا} ، ولم يقل: "وأشهدكم ليكون موازنا له ~~وبمعناه؛ لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت، وأما إشهادهم ~~فما هو إلا تهاون بهم، ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم، ولذلك عدل به لفظ ~~الأول ms292 PageV02P144 # لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى ~~بينه وبينه: "أشهد علي أني أحبك"، تهكما به، واستهانة بحاله. # وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر، إلا أنه ليس كالأول، بل إنما ~~يفعل ذلك توكيدا لما أجري عليه فعل الأمر، لمكان العناية بتحقيقه، كقوله ~~تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له ~~الدين } 1. # وكان تقدير الكلام: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن ~~ذلك إلى فعل الأمر، للعناية بتوكيده في نفوسهم، فإن الصلاة من أوكد فرائض ~~الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا ~~يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "الأعمال ~~بالنيات". # واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان، أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى ~~صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا ~~العارف برموز الفصاحة والبلاغة، الذي اطلع على أسرارها، وفتش عن دفائنها، ~~ولا تجد ذلك في كل كلام، فإنه من أشكل ضروب علم البيان، وأدقها فهما، ~~وأغمضها طريقا. ### ||| القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالماضي: # فالأول: الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي # اعلم أن الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ~~ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذاك؛ لأن الفعل المستقبل يوضح الحال ~~التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة، حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك ~~الفعل الماضي، وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه جعلا بمكانه، فإنه ليس ~~كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجرى: PageV02P145 # وسأبين ذلك فأقول: عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين: # أحدهما بلاغي: وهو إخبار عن ماض بمستقبل، وهو الذي أنا بصدد ذكره في ~~كتابي هذا الذي هو موضوع لتفصيل ضروب الفصاحة والبلاغة. # والآخر: غير بلاغي، وليس إخبار بمستقبل عن ماض، وإنما هو مستقبل دل على ~~معنى مستقبل غير ماض، ويراد ms293 به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض. # فالضرب الأول كقوله تعالى: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه ~~إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} 1. # فإنه إنما قيل: {فتثير} ، مستقبلا وما قبله وما بعده ماض، لذلك المعنى ~~الذي أشرنا إليه، وهو حكاية الحبل التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، ~~واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة. # وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز، وخصوصية كحال تستغرب، أو تهم المخاطب، ~~أو غير ذلك. # وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام -رضي الله عنه- في ~~غزوة بدر، فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو على فرس، وعليه ~~لأمة2 كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي ~~عنزة3 فأطعن بها في عينه، فوقع وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة ~~متعقفة4. # فقوله: "فأطعن بها في عينه، وأطأ برجلي" معدول به عن لفظ الماضي إلى ~~المستقبل، ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام، والجراءة ~~على قتل ذلك الفارس المستلئم. PageV02P146 # ألا ترى أنه قال أولا: "لقيت عبيدة" بلفظ الماضي، ثم قال بعد ذلك: "فأطعن ~~بها في عينه"، ولو عطف كلامه على أوله لقال: فطعنت بها في عينه! # وعلى هذا ورد قول تأبط شرا1: # بأبي قد لقيت الغول تهوي %~% بسهب كالصحيفة صحصحان2 # فأضربها بلا دهش فخرت %~% صريعا لليدين وللجران3 # فإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم ~~إياها مشاهدة، للتعجب من جراءته على ذلك الهول، ولو قال: "فضربتها" عطفا ~~على الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة. # فإن قيل: إن الفعل الماضي أيضا يتخيل منه السامع ما يتخيله من المستقبل! # قلت في الجواب: إن التخيل يقع في الفعلين معا، لكنه في أحدهما -وهو ~~المستقبل- أوكد وأشد تخيلا؛ لأنه يستحضر صورة الفعل، حتى كأن السامع ينظر ~~إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه. # ألا ترى أنه لما قال تأبط شرا: "فأضربها" تخيل السامع أنه مباشر للفعل، ms294 ~~وأنه قائم بإزاء الغول، وقد رفع سيفه ليضربها، وهذا لا يوجد في الفعل ~~الماضي؛ لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلا قد مضى من غير إحضار للصورة في ~~حالة سماع الكلام الدال عليه، وهذا لا خلاف فيه. # وهكذا يجري الحكم في جميع الأبيات المذكورة، وفي الأثر عن الزبير رضي ~~الله عنه وفي الأبيات الشعرية. PageV02P147 # وعليه ورد قوله تعالى أيضا وهو: {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ~~ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور، حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} 1. # فقال أولا: {خر من السماء} بلفظ الماضي، ثم عطف عليه المستقبل الذي هو ~~{فتخطفه} ، و {تهوي} ، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف ~~الطير إياه، وهوي الريح به، والفائدة في ذلك ما أشرت إليه فيما تقدم، ~~وكثيرا ما يراعي أمثال هذا في القرآن. # وأما الضرب الثاني -الذي هو مستقبل- فكقوله تعالى: {إن الذين كفروا ~~ويصدون عن سبيل الله} 2. # فإنه إنما عطف المستقبل على الماضي؛ لأن كفرهم كان ووجد، ولم يستجدوا ~~بعده كفرا ثانيا، وصدهم متجدد على الأيام لم يمض كونه، وإنما هو مستمر، ~~يستأنف في كل حين. # وكذلك ورد قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض ~~مخضرة إن الله لطيف خبير} 3. # ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي ههنا إلى المستقبل، فقال: {فتصبح الأرض ~~مخضرة} ، ولم يقل: فأصبحت عطفا على: {أنزل} ، وذلك لإفادة بقاء أثر المطر ~~زمانا بعد زمان، فإنزال الماء مضى وجوده، واخضرار الأرض باق لم يمض، وهذا ~~كما تقول: PageV02P148 # "أنعم علي فلان، فأروح وأغدوا شاكرا له"، ولو قلت: فرحت وغدوت شاكرا له، ~~لم يقع الموقع؛ لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى. # وهذا موضع حسن ينبغي أن يتأمل. # وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل، فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته ~~أن الفعل الماضي إذا أخبر به عن ms295 الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك ~~أبلغ، وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده؛ لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه ~~قد كان ووجد، وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة ~~التي يستعظم وجودها. # والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين ~~هيئة الفعل: واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بهذا هو ~~الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد بعد. # فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى: {ويوم ينفخ في ~~الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض} 1. # فإنه إنما قال: {ففزع} ، بلفظ الماضي بعد قوله: {ينفخ} -وهو مستقبل- ~~للإشعار بتحقيق الفزع، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضي يدل على وجود ~~الفعل، وكونه مقطوعا به. # وكذلك جاء قوله تعالى: {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم ~~نغادر منهم أحدا} 2. # وإنما قيل: {وحشرناهم} ، ماضيا بعد: {نسير} ، و {وترى} -وهما مستقبلان- ~~للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير، والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال، كأنه ~~PageV02P149 # قال: وحشرناهم قبل ذلك؛ لأن الحشر هو المهم؛ لأن من الناس من ينكره ~~كالفلاسفة وغيرهم، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي. # ومما يجري هذا المجرى الإخبار باسم المفعول عن الفعل المستقبل، وإنما ~~يفعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي، وقد سبق الكلام عليه. # فمن ذلك قوله تعالى: {إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع ~~له الناس وذلك يوم مشهود} 1. # فإنه إنما آثر اسم المفعول الذي هو: {مجموع} ، على الفعل المستقبل الذي ~~هو "يجمع" لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه الموصوف ~~بهذه الصفة، وإن شئت فوازن بين قوله تعالى: {يوم يجمعكم ليوم الجمع} 2، ~~فإنك تعثر على صحة ما قلت. PageV02P150 ### || النوع الخامس: في توكيد الضميرين # إن قيل في هذا الموضع: إن الضمائر مذكورة في كتب النحو، فأي حاجة إلى ~~ذكرها ههنا، ولم نعلم أن النحاة لا يذكرون ما ذكرته؟ # قلت: إن هذا يختص بفصاحة وبلاغة، وأولئك لا يتعرضون إليه، وإنما يذكرون ~~عدد الضمائر، وأن المنفصل ms296 منها كذا، والمتصل كذا، ولا يتجاوزون ذلك، وأما ~~أنا فإني في هذا النوع أمرا خارجا عن الأمر النحوي. # وأعني بقولي: "توكيد الضميرين" أن يؤكد المتصل بالمنفصل، كقولك: "إنك ~~أنت"، أو يؤكد المنفصل بمنفصل مثله، كقولك: "أنت أنت"، أو يؤكد المتصل ~~بمتصل مثله، كقولك: "إنك إنك لعالم"، أو"إنك إنك لجواد". # وإنما يؤتى بمثل هذه الأقوال في معرض المبالغة، وهو من أسرار علم البيان. # ولنقدم في ذلك قولا يحصره، ويجمع أطرافه، فنقول: # إذا كان المعنى المقصود معلوما ثابتا في النفوس، فأنت بالخيار في توكيد ~~أحد الضميرين فيه بالآخر، وإذا كان غير معلوم، وهو مما يشك فيه، فالأولى ~~حينئذ أن يؤكد أحد الضميرين بالآخر في الدلالة عليه، لتقرره وتثبته. # فما جاء من ذلك قوله تعالى: {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن ~~الملقين} 1. # فإن أراد السحرة الإلقاء قبل موسى لم تكن معلومة عنده؛ لأنهم لم يصرحوا ~~بما في أنفسهم من ذلك، لكنهم لما عدلوا عن مقابلة خطابهم موسى بمثله إلى ~~توكيد ما هو لهم بالضميرين اللذين هما: {نكون} ، و {نحن} ، دل ذلك على أنهم ~~يريدون التقدم عليه، PageV02P151 # والإلقاء قبله؛ لأن من شأن مقابلة خطابهم موسى بمثله أن كانوا قالوا: ~~{إما أن تلقي} ، وإما أن تلقي وإما أن تلقى، لتكون الجملتان متقابلتين، ~~فحيث قالوا عن أنفسهم: {وإما أن نكون نحن الملقين} ، استدل بهذا القول على ~~رغبتهم في الإلقاء قبله. ### ||| توكيد المتصل بالمتصل: # وأما توكيد المتصل بالمتصل، فكقوله تعالى في سورة الكهف: {فانطلقا حتى ~~إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا، قال ~~ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} 1. # وهذا بخلاف قصة السفينة، فإنه قال فيها: {ألم أقل إنك لن تستطيع معي ~~صبرا} 2. # والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى3، فقال في ~~الأولى: {ألم أقل إنك %~% } وقال في الثانية: {ألم أقل لك إنك} . # وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة على مرة، ~~والوسم بعدم الصبر. # وهذا كما ms297 لو أتى إنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته، ثم أتى ذلك مرة ثانية، ~~أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه? # وكذلك فعل ههنا، فإنه قيل في الملامة أولا: {ألم أقل إنك} ، ثم قيل ~~ثانيا: {ألم أقل لك إنك} ، وهذا موضع يدق عن العثور عليه ببادرة النظر، ما ~~لم يعط التأمل فيه حقه. PageV02P152 ### ||| توكيد المتصل بالمنفصل: # وأما توكيد المتصل بالمنفصل، فنحو قوله تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة موسى، ~~قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى} 1، فتوكيد الضميرين ههنا في قوله: {إنك أنت ~~الأعلى} ، أنفى للخوف من قلب موسى، وأثبت في نفسه للغلبة والقهر، ولو قال: ~~"لا تخف إنك الأعلى" أو"فأنت الأعلى" لم يكن له من التقرير، والإثبات لنفي ~~الخوف ما لقوله: {إنك أنت الأعلى} . # وفي هذه الكلمات الثلاث، وهي قوله: {إنك أنت الأعلى} ، ست فوائد: # الأولى: "إن" المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، كقولك: "زيد ~~قائم"، ثم تقول: "إن زيدا قائم"، ففي قولك: "إن زيدا قائم" من الإثبات ~~لقيام زيد ما ليس في قولك: "زيد قائم". # الثانية: تكرير الضمير في قوله: {إنك أنت} ، ولو اقتصر على أحد الضميرين ~~لما كان بهذه المكانة في التقرير لغلبة موسى، والإثبات لقهره. # الثالثة: لام التعريف في قوله: {الأعلى} ، ولم يقل: "أعلى" ولا "عال"؛ ~~لأنه لو قال ذلك لكان قد نكره، وكان صالحا لكل واحد من جنسه، كقولك: "رجل"، ~~فإنه يصلح أن يقع على كل واحد من الرجال، وإذا قلت: الرجل، فقد خصصته من ~~بين الرجال بالتعريف، وجعلته علما فيهم، وكذلك قوله تعالى: {إنك أنت ~~الأعلى} ، أي دون غيرك. # الرابعة: لفظ "أفعل" الذي من شأنه التفضيل، ولم يقل "العالي". # الخامسة: إثبات الغلبة له من العلو؛ لأن الغرض من قوله: {الأعلى} ، أي: ~~الأغلب، إلا أن في الأعلى زيادة، وهي الغلبة من عال. # السادسة: الاستئناف، وهو قوله تعالى: {لا تخف إنك أنت الأعلى} ، ولم يقل: ~~PageV02P153 # "لأنك أنت الأعلى"؛ لأنه لم يجعل علة انتفاء الخوف عنه كونه عاليا، وإنما ~~نفى الخوف عنه أولا بقوله: {لا تخف} ، ثم استأنف الكلام، ms298 فقال: {إنك أنت ~~الأعلى} ، فكان ذلك أبلغ في إيقان موسى عليه السلام بالغلبة والاستعلاء، ~~وأثبت لذلك في نفسه. # وربما وقع لبعض الأغمار أن يعترض على ما ذكرناه في توكيد أحد الضميرين ~~بالآخر، فيقول: لو كان توكيدهما أبلغ من الاقتصار على أحدهما لورد ذلك عند ~~ذكر الله تعالى نفسه، حيث هو أولى بما هو أبلغ وأوكد من القول، وقد رأينا ~~في القرآن الكريم مواضع تختص بذكر الله تعالى، وقد ورد فيها أحد الضميرين ~~دون الآخر، كقوله عز اسمه: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} ~~1، ولم يقل: إنك أنت على كل شيء قدير، فما الموجب لذلك إن كان توكيد أحد ~~الضميرين بالآخر أبلغ من الاقتصار على أحدهما! ? # الجواب عن ذلك أنا نقول: قد قدمنا القول في أول هذا النوع أنه إذا كان ~~المعنى المقصود معلوما ثابتا، فصاحب الكلام مخير في توكيد أحد الضميرين ~~بالآخر، فإن أكد فقد أتى بفضل بيان، وإن لم يؤكد؛ فلأن ذلك المعنى ثابت لا ~~يفتقر في تقريره إلى زيادة تأكيد، كهذه الآية المشار إليها، وهي قوله ~~تعالى: {قل اللهم مالك الملك} ، فإن العلم بأن الله على كل شيء قدير لا ~~يفتقر إلى تأكيد يقرره. # وقد ورد ما يجري مجرى هذا الآية مؤكدا، كقوله تعالى: {وإذ قال الله يا ~~عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ~~ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ~~ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} 2. # فأكد هذه الآية، ولم يؤكد في الآية الأخرى، وقد عرفتك الطريق في ذلك. ~~PageV02P154 # وأما ما إذا كان المعنى المقصود غير معلوم، وهو مما يشك فيه فالأولى أن ~~يؤكد بالضميرين في الدلالة عليه، كقوله تعالى: {قلنا لا تخف إنك أنت ~~الأعلى} ، فإن موسى لم يكن متيقنا أنه غالب للسحرة، فلذلك أكد ms299 خطابه ~~بالضميرين، ليكون أبلغ في تقرير ذلك في نفسه. ### ||| توكيد المنفصل بمنفصل: # وأما توكيد المفصل بمنفصل مثله؛ فكقول أبي تمام1: # لا أنت أنت ولا الديار ديار %~% خف الهوى وتولت الأوطار # فقوله: "لا أنت أنت ولا الديار ديار" من المليح النادر في هذا الموضع؛ ~~لأنه هو والديار الديار، وإنما البواعث التي كانت تبعث على قضاء الأوطار ~~زالت، فبقي ذلك الرجل، وليس هو على الحقيقة، ولا الديار في عينه من الحسن ~~تلك الديار. # وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي2: # قبيل أنت أنت وأنت منهم %~% وجدك بشر الملك الهمام # فقوله: "أنت أنت" من توكيد الضميرين المشار إليهما، وفائدته المبالغة في ~~مدحه، ولو مدحه بما شاء لما سد مسد قوله: "أنت أنت"، أي أنك المشار إليه ~~بالفضل دون غيرك. # وأما قوله: "وأنت منهم"، فخارج عن هذا الباب، وهو كلام مستأنف لا يتعلق ~~بتوكيد الضميرين، كأنه قال: أنت الموصوف بكذا وكذا، وأنت من هذا القبيل، ~~يريد بذلك مدح قبيله به. # وهذا البيت لم أمثل به اختيارا له واستجادة، وإنما مثلت به ليعلم مكان ~~توكيد PageV02P155 # المنفصل بالمنفصل، وإلا فالبيت ليس من المرضي؛ لأن سبكه سبك عار من ~~الحسن، وفيه تقديم وتأخير. # وقرأت في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج أن عمرو بن ربيعة، قال لزياد بن ~~الهبولة1: "يا خير الفتيان، اردد علي ما أخذته من إبلي"، فردها عليه، وفيها ~~فحلها، فنازعه الفحل إلى الإبل، فصرعه عمرو، فقال له زياد: "لو صرعتم يا ~~بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم"، فقال عمرو له: لقد ~~أعطيت قليلا، وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا"، فقوله له: "لكنتم ~~أنتم أنتم"، أي: أنتم الأشداء، أو الشجعان، أو ذوو النجدة والبأس، أو ما ~~جرى هذا المجرى، إلا أن في "أنتم" الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون ~~غيرهم، كأنه قال: لكنتم # أنتم الشجعان دون غيركم، ولو مدحهم بأي شيء مدحهم من وصف البأس، والشدة ~~والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة، أعني "أنتم" الثانية. # وهذا موضع من علم البيان تتكاثر محاسنه، فأعرفه. PageV02P156 ### || النوع ms300 السادس: في عطف المظهر على ضميره، والإفصاح به بعده # وهذا إنما يعمد إليه لفائدة، وهي تعظيم شأن الأمر الذي أظهر عنده الاسم ~~المضمر أولا. # ومثال ذلك قول القائل: "ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون، ~~فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ~~ارتدت أمثالها من الأسود، وتناجد بنو تميم علينا بحملة، فلذنا بالفرار، ~~واستبقنا إلى تولية الأدبار"، فإنه إنما قيل: "وتناجد بنو تميم" مصرحا ~~باسمهم، ولم يقل وتناجدوا كما قيل: "أقبلوا" للدلالة على التعجب من إقدامهم ~~عند الحملة، وثباتهم عند الصدمة، لا سيما وقد أردف ذلك بقوله: "لذنا ~~بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار"، كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان ~~المشاهير، والكماة المناكير، وحملوا علينا حملة واحدة، فولينا مدبرين ~~منهزمين". # ومما جاء من ذلك قوله تعالى: {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ~~ذلك على الله يسير، قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ ~~النشأة الآخرة} 1، ألا ترى كيف صرح باسمه في قوله: {ثم الله ينشئ النشأة ~~الآخرة} ، مع إيقاعه المبتدأ في قوله: {كيف يبدئ الله الخلق} ، وقد كان ~~القياس أن يقول: كيف يبدئ الله الخلق، ثم ينشئ النشأة الآخرة. # والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة، وكان صدر ~~الكلام واقعا معهم في الإبداء، وقررهم أن ذلك من الله، احتج عليهم بأن ~~الإعادة إنشاء مثل الإبداء، وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا ~~يعجزه الإبداء، PageV02P157 # فوجب أن لا تعجزه الإعادة، فللدلالة والتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو ~~الإعادة أبرز اسمه تعالى، وأوقعه مبتدأ ثانيا. # وعلى هذا ورد قوله تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء ~~الكافرين} 1. # ألا ترى أنه قال أولا: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم} ، فذكر مضمرا تقدم ~~الكلام فيه، ثم عطف المظهر ms301 الذي هو له، وهو قوله: {ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين} ، وكان العطف لو أضمر كما أضمر الأول لقيل: ثم أنزل ~~الله سكينته عليكم، وأنزل جنودا لم تروها. # وفائدة الإظهار ههنا للمعطوف بعد إضماره أولا التنويه بذكر رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- وذكر المؤمنين، أو؛ لأن الأمر عظيم، وهو الانتصار بعد ~~الفرار، فأي الأمرين قدر كان لإظهار المعطوف مناسبا. # وهكذا يكون عطف المظهر على ضميره، فإنه يستند إلى فائدة يهم ذكرها، فإن ~~يكن هناك2 مثل هذه الفائدة، وإلا فلا يحسن الإظها ر بعد الإضمار. # وكذلك جاء قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا ~~رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال ~~الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} 3، فإنه إنما قال: {وقال ~~الذين كفروا} ، ولم يقل: وقالوا كالذي قبله للدلالة على صدور ذلك عن إنكار ~~عظيم، وغضب شديد، وتعجب من كفرهم بليغ، لا سيما وقد انضاف إليه قوله: {وقال ~~الذين كفروا للحق لما جاءهم} ، وما فيه من الإشارة إلى القائلين، والمقول ~~فيه، وما في ذلك من المبادهة، كأنه قال: وقال PageV02P158 # أولئك الكفرة المتمردون بجزاءتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق ~~المبين قبل أن يتدبروه: إن هذا إلا سحر مبين. # وعلى نحو من ذلك ورد قوله تعالى: {ص والقرآن ذي الذكر، بل الذين كفروا في ~~عزة وشقاق، كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص، وعجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب} 1. # وكان القياس أن يقال: وقالوا: هذا ساحر كذاب، عطفا على: {وعجبوا} ، وإنما ~~أتى باسم الكافرين -مظهرا بعد إضماره- للإشعار بتعظيم ما اجترءوا عليه من ~~القول في أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو؛ لأن هذا القول كان أهم ~~عندهم، وأرسخ في نفوسهم، فصرح باسم قائله دلالة على ما كان في أنفسهم منه. ~~PageV02P159 ### || النوع السابع: في التفسير بعد الإبهام # اعلم أن هذا النوع لا يعمد إلى استعماله إلا لضرب من ms302 المبالغة، فإذا جيء ~~به في كلام، فإنما يفعل ذلك لتفخيم أمر مبهم وإعظامه؛ لأنه هو الذي يطرق ~~السمع أولا، فيذهب بالسامع كل مذهب كقول تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أن ~~دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} 1. # ففسر ذلك الأمر بقوله: {أن دابر هؤلاء مقطوع} ، وفي إبهامه أولا، وتفسيره ~~بعد # ذلك تفخيم للأمر، وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء ~~مقطوع، لما كان بهذه المكانة من الفخامة، فإن الإبهام أولا يوقع السامع في ~~حيرة وتفكر، واستعظام لما قرع سمعه، وتشوف إلى معرفته، والاطلاع على كنهه. # وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: {قال قد أوتيت سؤلك يا موسى، ولقد مننا ~~عليك مرة أخرى، إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى، أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه ~~في اليم فليلقه اليم} 2. # ففسر: {ما يوحى} ، بقوله: {أن اقذفيه} ، وهذا كالأول في إيهامه أولا ~~وتفسيره ثانيا. # ومثال هذا ورد قوله تعالى في سورة أم الكتاب: {اهدنا الصراط المستقيم، ~~صراط الذين أنعمت عليهم} ، فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: اهدنا صراط الذين ~~أنعمت عليهم لما في الأول من التنبيه، والإشعار بأن الصراط المستقيم هو ~~صراط المؤمنين، فدل عليه بأبلغ وجه، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس ~~وأفضلهم؟ ثم تقول: فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم، والفضل من قولك: ~~هل أدلك على فلان الأكرم PageV02P160 # الأفضل؟ لأنك تثبت ذكره مجملا ومفصلا، فجعلته علما في الكرم والفضل، كأنك ~~قلت: من أراد رجلا جامعا للخصلتين جميعا فعليه بفلان! # فإن قيل: ما الفرق بين عطف المظهر على ضميره، وبين التفسير بعد الإيهام، ~~فإن المضمر كالمبهم؟ # فالجواب عن ذلك أني أقول: إن كان سؤالك عن فائدتهما، فإنهما في الفائدة ~~سواء، وذلك أنهما إنما يرادان لتعظيم الحال، والإعلام بفخامة شأنهما. # وإن كان سؤالك عن الفرق بينهما في العبارة، فإني أقول: # المضمر يأتي بعد مظهر تقدم ذكره أولا، ثم يعطف المظهر على ضميره، أي ضمير ~~نفسه، كالمثال الذي ضربناه في بني تميم. # وأما التفسير بعد الإبهام فإن المبهم يقدم أولا، وهو أن يذكر ms303 شيء يقع ~~عليه محتملات كثيرة، ثم يفسر بإيقاعه على واحد منها، وليس كذلك عطف المظهر ~~على ضميره. # ومما جاء في التفسير بعد الإبهام قوله تعالى: {وقال الذي آمن يا قوم ~~اتبعون أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة ~~هي دار القرار، من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} 1. # ألا ترى كيف قال: {أهدكم سبيل الرشاد} ، فأبهم سبيل الرشاد، ولم يبين أي ~~سبيل هو، ثم فسر ذلك فافتتح كلامه بذم الدنيا وتصغير شأنها، ثم ثنى ذلك ~~بتعظيم الآخرة، والاطلاع على حقيقتها، ثم ثلث بذكر الأعمال سيئها، وحسنها ~~وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، كأنه قال: سبيل الرشاد ~~هو الإعراض عن الدنيا، PageV02P161 # والرغبة في الآخرة، والامتناع من الأعمال السيئة خوف المقابلة عليها، ~~والمسارعة إلى الأعمال الصالحة رجاء المجازاة عليها. # وكذلك ورد قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} 1. # فإنه إنما قال: {القواعد من البيت} ، ولم يقل: قواعد البيت لما في إبهام ~~القواعد أولا، وتبيينها بعد ذلك من تفخيم حال المبين ما ليس في الإضافة. # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى} 2. # فإنه أراد تفخيم ما أمل فرعون من بلوغه أسباب السموات أبهمها أولا، ثم ~~فسرها ثانيا؛ ولأنه لما كان بلوغها أمرا عجيبا أراد أن يورده على نفس ~~متشوفة إليه، ليعطيه السامع حقه من التعجب، فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان، ~~ثم أوضحه بعد ذلك. # وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله ~~مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد} 3. # فإنه قال أولا: {أعظكم بواحدة} ، ثم فسرها بقوله: {أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا} 4. # وهذا في القرآن الكريم كثير الاستعمال: # وأما الإبهام من غير تفسير فكثير شائع ms304 في القرآن الكريم أيضا، كقول ~~تعالى: {وفعلت فعلتك التي فعلت} 5. PageV02P162 # وكذلك ورد قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} 1، أي للطريقة، ~~أو الحالة، أو الملة التي هي أقومها وأسدها، وأي ذلك قدرت لم تجد له مع ~~الإفصاح ذوق البلاغة التي تجده مع الإبهام، وذلك لذهاب الوهم فيه كل مذهب، ~~وإيقاعه على محتملات كثيرة. # وهذا كقول القائل: "لو رأيت عليا بين الصفين"، فإنه لو وصفه مهما وصف من ~~نجدة وشجاعة وثبات وإقدام وأطال القول في ذلك لم يكن بمثابة ما يترامى إليه ~~الوهم مع الإبهام، وهذا للعارف برموز هذه الصناعة وأسرارها. # وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى: {فغشيهم من اليم ما غشيهم} 2. # وأبلغ من ذلك قوله تعالى: {والمؤتفكة أهوى، فغشاها ما غشى} 3. # فإنه قال في تلك الآية: {فغشيهم من اليم ما غشيهم} ، فذكر: {اليم} ، وهو ~~البحر، فصار الذي غشيهم إنما هو منه خاصة، وقال في هذا الآية: {فغشاها ما ~~غشى} ، فأبهم الأمر الذي غشاها به وجعله عاما وذلك أبلغ؛ لأن السامع يذهب ~~وهمه فيه كل مذهب. # وأما ما جاء من ذلك شعرا، فكقول البحتري4: # بعيد مقيل الصدر لا يقبل التي %~% يحاولها منه الأريب المخادع5 # فقوله: "التي يحاولها" من الإبهام المقدم ذكره في الآية. PageV02P163 # ومما ينتظم بذلك قول الشاعر في أبيات الحماسة1: # صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه %~% فلما علاه قال للباطل ابعد2 # فقوله: "صبا ما صبا" من الإبهام الذي لو قدرت ما قدرت تفسيره لم تجد له ~~من فضيلة البيان ما تجد له مع الإبهام. # وعليه ورد قول أبي النواس: # ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم %~% وأسمت سرح اللحظ حين أساموا # وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه %~% فإذا عصارة كل ذاك أثام # فقوله: "وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه" من هذا النمط المشار إليه، وهو من ~~المليح النادر. # ومما يجري على هذا النهج قول الآخر في وصف الخمر: # مضى بها ما مضى من عقل شاربها %~% وفي الزجاجة باق يطلب الباقي # والكلام على هذا البيت كالكلام على البيت الذي قبله. # ومثله ورد ms305 قول بعض المتأخرين: "فؤاد فيه ما فيه". # وعلى هذا ورد قولي في فصل من تقليد لبعض الوزراء، فقلت: # "وأنت مؤهل لواحدة متخلق لها غرر الجياد، وتناديها العلياء بلسان ~~الإحماد، وتفخر بها سمر الأقلام على سمر الصعاد، فابسط يدك لأخذ كتابها، ~~واسمع لطيب ذكرها بعد سعيك في طلابها، واعلم أن الخطاب إليها كثير لكنها ~~صدت بك عن خطابها، ولقد مضى عليها زمن وهي تفور، حتى استقادها تأنيسك، ولم ~~تسبق الأقدار باسمك إلا لتكون سليمانها، وهي بلقيسك". PageV02P164 # وهذا الوزير كان اسمه "سليمان"، فسقت المعنى إليه، فجاء كما تراه من ~~الحسن واللطافة. # أما قولي: "وأنت مؤهل لواحدة"، فإنه من الإبهام من غير تفسير، وذلك بخلاف ~~ما ورد في الآية المقدم ذكرها؛ لأن تلك من التفسير بعد الإبهام. # ومما ينتظم في هذا السلك "الاستثناء العددي"، وهو ضرب من المبالغة لطيف ~~المأخذ، وفائدته أن أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد من العدد، فكثير ~~موقع ذلك عنده، وهو شبيه بما ذكره من الإبهام أولا ثم التفسير بعده ثانيا، ~~وذلك كقول القائل: أعطيته مائة إلا عشرة أو أعطيته ألفا إلا مائة، فإن ذلك ~~أبلغ من أن لو قال: أعطيته تسعين، أو تسعمائة. # وعليه ورد قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما} 1، ولم يقل: تسعمائة وخمسين عاما، لفائدة حسنة، وهي ذكر ما ~~ابتلي به نوح من أمته، وما كابده من طول المصابرة، ليكون ذلك تسلية لرسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم: "فيما يلقاه من أمته وتثبيتا له"، فإن ذكر رأس ~~العدد الذي هو منتهى العقود، وأعظمها أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة ~~السامع مدة صبره، وما لاقاه من قومه. PageV02P165 ### || النوع الثامن: في استعمال العام في النفي، والخاص في الإثبات # اعلم أنه إذا كان الشيئان أحدهما خاصا والآخر عاما، فإن استعمال العام في ~~حالة النفي أبلغ من استعماله في حالة الإثبات، وكذلك استعمال الخاص في حالة ~~الإثبات أبلغ من استعماله في حالة النفي. # ومثال ذلك الإنسانية والحيوانية، فإن إثبات الإنسانية يوجب ms306 إثبات ~~الحيوانية، ولا يوجب نفيها نفي الحيوانية، وكذلك نفي الحيوانية يوجب نفي ~~الإنسانية، ولا يوجب إثباتها إثبات الإنسانية. # ومما ينتظم بذلك الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي يكون بينها، ~~وبين واحدها تاء التأنيث، فإنه متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ، ~~ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ. # وكذلك يتصل بهذا النوع الصفتان الواردتان على شيء واحد، فإنه إذا لزم من ~~وجود إحداهما وجود الأخرى اكتفي بها في الذكر، ولم يحتج إلى ذكر الأخرى؛ ~~لأنها تجيء ضمنا وتبعا، أو يبدأ بها في الذكر أولا، ثم تجيء الأخرى بعدها. # وأما الصفات المتعددة فإنه ينبغي أن يبدأ في الذكر بالأدنى مرتبة، ثم ~~بعدها بما هو أعلى منها إلى أن ينتهي إلى آخرها. # هذا في مقام المدح، فإن كان في مقام الذك عكست القضية. # فالأول -وهو الخاص والعام- نحو قوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ~~فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم} 1، ولم يقل: ذهب بضوئهم، موازنا ~~لقوله: {فلما PageV02P166 # أضاءت} ؛ لأن ذكر النور في حالة النفي أبلغ من حيث إن الضوء فيه الدلالة ~~على النور وزيادة، فلو قال: ذهب الله بضوئهم لكان المعنى يعطي ذهاب تلك ~~الزيادة، وبقاء ما يسمى نورا؛ لأن الإضاءة هي فرط الإنارة، قال الله تعالى: ~~{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} 1، فكل ضوء نور، وليس كل نور ضوءا. # فالغرض من قوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} ، إنما هو إزالة النور عنهم ~~أصلا، فهو إذا أزاله، فقد أزال الضوء. # وكذلك أيضا قوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} ، ولم يقل: "أذهب نورهم"؛ لأن ~~كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا فقد ذهب به؛ لأن الذهاب ~~بالشيء هو استصحاب له ومضي به، وفي ذلك نوع احتجار بالمذهوب به، وإمساك له ~~عن الرجوع إلى حالته، والعود إلى مكانه، وليس كذلك الإذهاب للشيء لزوال ~~معنى الاحتجار عنه. # ومما يحمل على ذلك الأوصاف الخاصة إذا وقعت على شيئين، وكان يلزم من وصف ~~أحدهما الآخر، ولا يلزم عكس ذلك، ومثاله قوله تعالى: {سارعوا إلى ms307 مغفرة من ~~ربكم وجنة عرضها السموات والأرض} 2، فإنه إنما خص العرض بالذكر دون الطول ~~للمعنى الذي أشرنا إليه، والمراد بذلك أنه إذا كان هذا عرضها، فكيف يكون ~~طولها? # وهذا في حالة الإثبات، ولو أريد حالة النفي كان له أسلوب غير ما ذكرناه، ~~وهو أنه كان يخص به الطول دون العرض. # وأما الأسماء الواقعة على الجنس، فنحو قوله تعالى في قصة نوح عليه ~~السلام: PageV02P167 # {قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين، قال يا قوم ليس بي ضلالة ~~ولكني رسول من رب العالمين} 1. # فإنه إنما قال: {ليس بي ضلالة} ، ولم يقل ليس بي ضلال، كما قالوا؛ لأن ~~نفي الضلالة أبلغ من نفي الضلال عنه، كما لو قيل: ألك تمر? فقلت في الجواب: ~~ما لي تمرة، وذلك أنفى للتمر، ولو قلت: "ما لي تمرة" لما كان يؤدي من ~~المعنى ما أداه القول الأول. # وفي هذا الموضع دقة تحتاج إلى فضل تمام، فينبغي لصاحب هذه الصناعة ~~مراعاته، والعناية به. # فإن قيل: لا فرق بين الضلالة والضلال، وكلاهما مصدر قولنا: ضل يضل ضلالا، ~~وضل يضل ضلالة كما يقال: لذ يلذ لذاذا ولذاذة! # فالجواب عن ذلك: أن الضلالة تكون مصدرا كما قلت، وتكون عبارة عن المرة ~~الواحدة، تقول: ضل ضلالة، أي مرة واحدة كما تقول: ضرب يضرب ضربة، وقام وأكل ~~يأكل أكلة: # والمراد بالضلالة في هذه الآية إنما هو عبارة عن المرة الواحدة من ~~الضلال، فقد نفى ما فوقها من المرتين والمرار الكثيرة. # وأما الصفتان الواردتان على شيء واحد، فكقول الأشتر النخعي2: PageV02P168 # بقيت وفري وانحرفت عن العلا %~% ولقيت أضيافي بوجه عبوس1 # إن لم أشن على ابن حرب غارة %~% لم تخل يوما من نهاب نفوس2 # خيلا كأمثال السعالي شزبا %~% تعدو ببيض في الكريهة شوس3 # حمي الحديد عليهم فكأنه %~% لمعان برق أو شعاع شموس4 # ألا ترى أنه رقى في التشبيه من الأدنى إلى الأعلى، فقال: "لمعان برق أو ~~شعاع شموس"؛ لأن لمعان البرق دون شعاع الشموس؟! # ومما ورد من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: {مال ms308 هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} 5، فإن وجود المؤاخذة على الصغيرة يلزم منه ~~وجود المؤاخذة على الكبيرة. # وعلى القياس المشار إليه أولا، فينبغي أن يكون لا يغادر كبيرة ولا صغيرة؛ ~~لأنه إذا لم يغادر صغيرة، فمن الأولى ألا يغادر كبيرة. # وأما إذا لم يغادر كبيرة، فإنه يجوز أن يغادر صغيرة؛ لأنه إذا لم يعف عن ~~الصغيرة فيقضي القياس أنه لا يعفو عن الكبيرة، وإذا لم يعف عن الكبيرة، ~~فيجوز أن يعفو عن الصغيرة. # غير أن القرآن الكريم أحق أن يتبع، وأجدر بأن يقاس عليه، لا على غيره ~~والذي ورد فيه من هذه الآية ناقض لما تقدم ذكره. PageV02P169 # وكذلك ورد قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} 1؛ لأن التأفيف ~~أدنى درجة. # وقد تقدم قولي في أول هذا النوع أنه إذا جاءت صفتان يلزم من وجود إحداهما ~~وجود الأخرى أن يكتفى بذكرها دون الأخرى؛ لأن الأخرى تجيء ضمنا وتبعا، وأن ~~يبدأ بها في الذكر، ثم تجيء الأخرى بعدها وعلى هذا، فيقال: أولا: فلا ~~تنهرهما ولا تقل لهما أف، لكن إذا لم يقل لهما أف امتنع أن ينهرهما. # وقد كان هذا هو المذهب عندي، حتى وجدت كتاب الله تعالى قد ورد بخلافه، ~~وحينئذ عدت عما كنت أراه وأقول به. # وأما الصفات المتعددة الواردة على شيء واحد، فكقول أبي عبادة البحتري في ~~وصف نحول الركاب2: # يترقرقن كالسراب قد خضن %~% غمارا من السراب الجاري # كالقسي المعطفات بل الأسهم %~% مبرية بل الأوتار # ألا ترى أنه رقى في تشبيه نحولها من الأدنى إلى الأعلى، فشبهها أولا ~~بالقسي، ثم بالأسهم المبرية، وتلك أبلغ في النحول، ثم بالأوتار، وهي أبلغ ~~في النحول من الأسهم. # وكذلك ينبغي أن يكون الاستعمال في مثل هذا الباب. # وقد أغفل كثير من الشعراء ذلك، فمن جملتهم أبو الطيب المتنبي في قوله3: # يا بدر يا بحر يا غمامة يا %~% ليت الشرى يا حمام يا رجل PageV02P170 # وينبغي أن يبدأ فيه بالأدنى فالأدنى، فإنه إذا فعل ذلك كان كالمرتفع من ~~محل إلى محل ms309 أعلى منه، وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه. # فأما قوله: "يا بدر" فإنه اسم ممدوح، والابتداء به أولى، ثم بعده فيجب أن ~~يقول: يا رجل، يا ليث، يا غمامة، يا بحر، يا حمام؛ لأن الليث أعظم من ~~الرجل، والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر، وهذا مقام مدح فيجب ~~أن يرقى فيه من منزلة حتى ينتهي إلى المنزلة العليا آخرا، ولو كان مقام ذم ~~لعكس القضية. # وعلى مثله ورد قول أبي تمام يفتخر1: # سما بن أوس في الفخار وحاتم %~% وزيد القنا والأثرمان ورافع2 # نجوم طوالع جبال فوارع %~% غيوث هوامع سيول دوافع3 # فإن السيول دون الغيوث، والجبال دون النجوم، ولو قدم ما أخر لما اختل ~~النظم بأن قال: # سيول دوافع غيوث هوامع %~% جبال فوارع نجوم طوالع4 # وهذا عندي أشد ملامة من المتنبي؛ لأن المتنبي لا يمكنه تقديم ألفاظ بيته ~~وتأخيرها، وأبو تمام متمكن من ذلك، وما أعلم كيف ذهب عليه هذا الموضع مع ~~معرفته بالمعاني!! PageV02P171 ### || النوع التاسع: في التقديم والتأخير # استخرجته أنا، ومنها ما وجدته في أقوال علماء البيان، وسأورد ذلك مبينا. # وهو ضربان: # الأول: يختص بدلالة الألفاظ على المعاني، ولو أخر المقدم أو قدم المؤخر ~~لتغير المعنى. # والثاني: يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ذلك، ولو أخر ~~لما تغير المعنى. # فأما الضرب الأول، فإنه ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: يكون التقديم فيه هو الأبلغ. # والآخر: يكون التأخير فيه هو الأبلغ. # فأما القسم الذي يكون التقديم فيه هو الأبلغ، فكتقديم المفعول على الفعل، ~~وتقديم الخبر على المبتدأ، وتقديم الظرف أو الحال، أو الاستثناء على ~~العامل. # فمن ذلك تقديم المفعول على الفعل، كقولك: زيدا ضربت، وضربت زيدا، فإن في ~~قولك: زيدا ضربت تخصيصا به بالضرب دون غيره، وذلك خلاف قولك: "ضرب زيدا"؛ ~~لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت، بأن تقول: ~~خالدا، أو بكرا، أو غيرهما وإذا أخرته لزم الاختصاص للمفعول. # وكذلك تقديم خبر المبتدأ عليه، كقولك: زيد قائم، وقائم ms310 زيد، فقولك: "قائم ~~زيد" قد أثبت له القيام دون غيره، وقولك: "زيد قائم" أنت بالخيار في إثبات ~~القيام له، ونفيه عنه، بأن تقول: ضارب، أو جالس، أو غير ذلك. PageV02P172 # وهكذا يجري الحكم في تقديم الظرف، كقولك: إن إلي مصير هذا الأمر، وقولك: ~~إن مصير هذا الأمر إلي، فإن تقديم الظرف دل على أن مصير الأمر ليس إلا إليك ~~بخلاف قولك: إن مصير هذا الأمر إلي، إذ يحتمل إيقاع الكلام بعد الظرف على ~~غيرك، فيقال: إلى زيد، أو عمرو، أو غيرهما. # وكذلك يجري الأمر في الحال والاستثناء. # وقال علماء البيان، ومنهم الزمخشري -رحمه الله: إن تقديم هذه الصورة ~~المذكورة إنما هو للاختصاص، وليس كذلك. # والذي عندي فيه أن يستعمل على وجهين: # أحدهما: الاختصاص. # والآخر: مراعاة نظم الكلام، وذاك أن يكون نظمه لا يحسن إلا بالتقديم، ~~وإذا أخر المقدم ذهب ذلك الحسن، وهذا الوجه أبلغ وأوكد من الاختصاص. # فأما الأول -الذي هو الاختصاص- فنحو قوله تعالى: {أفغير الله تأمروني ~~أعبد أيها الجاهلون، ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك ولتكونن من الخاسرين، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} 1. # فإنه إنما قال: {بل الله فاعبد} ، ولم يقل: "بل اعبد الله"؛ لأنه إذا ~~تقدم وجب اختصاص العبادة به دون غيره، ولو قال: "بل اعبد" لجاز إيقاع الفعل ~~على أي مفعول شاء. # وأما الوجه الثاني -الذي يختص بنظم الكلام- فنحو قوله تعالى: {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} . # وقد ذكر الزمخشري في تفسيره أن التقديم في هذا الموضع قصد به الاختصاص، ~~وليس كذلك، فإنه لم يقدم المفعول فيه على الفعل للاختصاص، وإنما قدم لمكان ~~نظم الكلام؛ لأنه لو قال: نعبدك ونستعينك لم يكن له من الحسن ما لقوله: ~~{إياك PageV02P173 # نعبد وإياك نستعين} ، ألا ترى أنه تقدم قوله تعالى: {الحمد لله رب ~~العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين} ، فجاء بعد ذلك قوله: {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} ، وذاك لمراعاة حسن النظم السجعي الذي هو على حرف النون، ولو ~~قالك نعبدك ونستعينك لذهبت تلك الطلاوة، وزال ذلك الحسن. ms311 # وهذا غير خاف على أحد من الناس، فضلا على أرباب علم البيان. # وعلى نحو منه ورد قوله تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة موسى، قلنا لا تخف إنك ~~أنت الأعلى} 1، وتقدير الكلام: فأوجس موسى في نفسه خيفة، وإنما قدم المفعول ~~على الفاعل وفصل بين الفعل، والفاعل والمفعول وبحرف الجر قصدا لتحسين ~~النظم. # وعلى هذا فليس كل تقديم لما مكانه التأخير من باب الاختصاص، فبطل إذا ما ~~ذهب إليه الزمخشري وغيره. # ومما ورد من هذا الباب قوله تعالى: {خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه} 2، فإن ~~تقديم الجحيم على التصلية، وإن كان فيه تقديم المفعول على الفعل إلا أنه لم ~~يكن ههنا للاختصاص، وإنما هو للفضيلة السجعية، ولا مراء في أن هذا النظم ~~على هذه الصورة أحسن من أن لو قيل: خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم. # فإن قيل: إنما قدمت الجحيم للاختصاص؛ لأنها نار عظيمة، ولو أخرت لجاز ~~وقوع الفعل على غيرها، كما يقال: ضربت زيدا، وزيدا ضربت، وقد تقدم الكلام ~~على ذلك. # فالجواب عن ذلك أن الدرك الأسفل أعظم من الجحيم، فكان ينبغي أن يخص ~~بالذكر دون الجحيم، على ما ذهب إليه؛ لأنه أعظم. # وهذا لا يذهب إليه إلا من هو بنجوة عن رموز الفصاحة والبلاغة، ولفظة ~~الجحيم ههنا في هذه الآية أولى بالاستعمال من غيرها؛ لأنها جاءت ملائمة ~~لنظم PageV02P174 # الكلام، ألا ترى أن من أسماء النار السعير ولظى وجهنم، ولو وضع بعض هذه ~~الأسماء مكان الجحيم لما كان له من الطلاوة والحسن ما للجحيم، والمقصود ~~بذكر الجحيم إنما هو النار، أي صلوه بالنار، وهكذا يقال في: {ثم في سلسلة ~~ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} 1. # فإنه لم يقدم السلسلة على السلك للاختصاص، وإنما قدم لمكان نظم الكلام، ~~ولا شك أن هذا النظم أحسن من أن لو قيل: ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا، والكلام على هذا كالكلام على الذي قبله. # وله في القرآن نظائر كثيرة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وآية لهم الليل ~~نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون، والشمس تجري لمستقر لها ms312 ذلك تقدير العزيز ~~العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} 2. # فقوله: {والقمر قدرناه منازل} ، ليس تقديم المفعول فيه على الفعل من باب ~~الاختصاص، وإنما هو من باب مراعاة نظم الكلام، فإنه قال: {الليل نسلخ منه ~~النهار} ، ثم قال: {والشمس تجري} ، فاقتضى حسن النظم أن يقول: {والقمر ~~قدرناه} ؛ ليكون الجميع على نسق واحد في النظم، ولو قال: وقدرنا القمر ~~منازل لما كان بتلك الصورة في الحسن. # وعليه ورد قوله تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر} 6. # وإنما قدم المفعول لمكان حسن النظم السجعي. # وأما تقديم خبر المبتدأ عليه فقد تقدمت صورته، كقولك: "زيد قائم"، "وقائم ~~زيد". # فمما ورد منه في القرآن قوله تعالى: {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} ~~4. PageV02P175 # فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم؛ لأن في ~~تقديم الخبر الذي هو "مانعتهم" على المبتدأ الذي هو "حصونهم" دليلا على فرط ~~اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم. # وفي تصويب ضميرهم اسما؛ لأن وإسناد الجملة إليه دليل على تقريرهم في ~~أنفسهم أنهم في عزة، وامتناع لا يبالي معها بقصد قاصد ولا تعرض متعرض، وليس ~~شيء من ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم مانعتهم من الله. # ومن تقديم خبر المبتدأ قوله تعالى: {قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم} ~~1. # فإنه إنما قدم خبر المبتدأ عليه في قوله: {أراغب أنت} ، ولم يقل: أأنت ~~راغب؛ لأنه كان أهم عندهم، وهو به شديد العناية2. # وفي ذلك ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته، وأن آلهته لا ~~ينبغي أن يرغب عنها، وهذا بخلاف ما لو قال: أأنت راغب عن آلهتي؟ # ومن غامض هذا الموضع قوله تعالى: {واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار ~~الذين كفروا} 3. # فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة لأمرين: ~~أحدهما تخصيص الأبصار بالشخوص دون غيرها، أما الأول فلو قال: فإذا أبصار ~~الذين كفروا شاخصة لجاز أن يضع موضع "شاخصة" غيره، فيقول: "حائرة"، أو ~~"مطموسة"، أو غير ذلك، فلما قدم ms313 الضمير اختص الشخوص بالأبصار دون غيرها. ~~PageV02P176 # وأما الثاني فإنه لما أراد أن الشخوص بهم دون غيرهم دل عليه بتقديم ~~الضمير أولا ثم بصاحبه ثانيا، كأنه قال: فإذا هم شاخصون دون غيرهم، ولولا ~~أنه أراد هذين الأمرين المشار إليهما لقال: فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة؛ ~~لأنه أخصر بحذف الضمير من الكلام. # ومن هذا النوع قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "وقد سئل عن ماء البحر، ~~فقال: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، وتقدير الكلام: هو الذي ماؤه طهور، ~~وميتته حل؛ لأن الألف واللام ههنا بمعنى الذي. # وأما تقديم الظرف، فإنه إذا كان الكلام مقصودا به الإثبات، فإن تقديمه ~~أولى من تأخيره، وفائدته إسناد الكلام الواقع بعده إلى صاحب الظرف دون ~~غيره. # فإذا أريد بالكلام النفي فيحسن فيه تقديم الظرف وتأخيره، وكلا هذين ~~الأمرين له موضع يختص به. # فأما تقديمه في النفي، فإنه يقصد به تفضيل المنفي عنه على غيره أما ~~تأخيره، فإنه يقصد به النفي أصلا من غير تفضيل. # فأما الأول -وهو تقديم الظرف في الإثبات- فكقولك في الصورة المقدمة: إن ~~إلي مصير هذا الأمر، ولو أخرت الظرف، فقلت: إن مصير هذا الأمر إلي، لم يعط ~~من المعنى ما أعطاه الأول، وذلك أن الأول دل على أن مصير الأمر ليس إلا ~~إليك، وذلك بخلاف الثاني، إذ يحتمل أن توقع الكلام بعد الظرف على غيرك، ~~فيقال: إلى زيد، أو عمرو، أو غيرهما. # على نحو منه جاء قوله تعالى: {إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم} 1. # وكذلك جاء قوله تعالى: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك ~~وله الحمد} 2. PageV02P177 # فإنه إنما قدم الظرفين ههنا في قوله {له الملك وله الحمد} ؛ ليدل ~~بتقديمها على اختصاص الملك، والحمد بالله لا بغيره. # وقد استعمل تقديم الظرف في القرآن كثيرا كقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة، ~~إلى ربها ناظرة} 1 أي تنظر إلى ربها دون غيره، فتقديم الظرف ههنا ليس ~~للاختصاص2، وإنما هو كالذي أشرت إليه في تقديم المفعول، وأنه لم يقدم ~~للاختصاص، وإنما قدم من أجل ms314 نظم الكلام؛ لأن قوله تعالى: # {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة} ، أحسن من أن لو قيل: وجوه يومئذ ~~ناضرة ناظرة إلى ربها، والفرق بين النظمين ظاهر. # وكذلك قوله تعالى: {والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق} 3، فإن ~~هذا روعي فيه حسن النظم لا الاختصاص، في تقديم الظرف. # وفي القرآن مواضع كثيرة من هذا القبيل يقيسها غير العارف بأسرار الفصاحة ~~على مواضع أخرى، وردت للاختصاص، وليست كذلك. # فمنها قوله تعالى: {إلى ربك يومئذ المستقر} 4. # وقوله تعالى: {ألا إلى الله تصير الأمور} 5، و {له الحكم وإليه ترجعون} ~~6، و {عليه توكلت وإليه أنيب} 7. # فإن هذه جميعها لم تقدم الظروف فيها للاختصاص، وإنما قدمت لمراعاة الحسن ~~في نظم الكلام، فاعرف ذلك. PageV02P178 # وأما الثاني: وهو تأخير الظرف وتقديمه في النفي، فنحو قوله تعالى: {الم، ~~ذلك الكتاب لا ريب فيه} 1، وقوله تعالى: {لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} ~~2. فإنه إنما أخر الظرف في الأول؛ لأن القصد في إيلاء حرف النفي الريب نفي ~~الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق، لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدعونه، ~~ولو قدم الظرف لقصد أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه، كما قصد في قوله: {لا ~~فيها غول} ، فتأخير الظرف يقتضي النفي أصلا من غير تفصيل، وتقديمه يقتضي ~~تفضيل المنفي عنه، وهو خمر الجنة، على غيرها من خمور الدنيا، أي ليس فيها ~~ما في غيرها من الغول، وهذا مثل قولنا: لا عيب في الدار، وقولنا لا فيها ~~عيب، فالأول نفي للعيب عن الدار فقط، والثاني تفضيل لها على غيرها: أي ليس ~~فيها ما في غيرها من العيب، فاعرف ذلك فإنه من دقائق هذا الباب. # وأما تقديم الحال فكقولك: "جاء راكبا زيد"، وهذا بخلاف قولك: "جاء زيد ~~راكبا"، إذ يحتمل أن يكون ضاحكا، أو ماشيا أو غير ذلك. # وأما الاستثناء فجار هذا المجرى، نحو قولك: "ما قام إلا زيدا أحد"، أو"ما ~~قام أحد إلا زيدا"، والكلام على ذلك كالكلام على ما سبق. ### ||| المعاظلة المعنوية: # وأما القسم الثاني: فهو أن يقدم ما ms315 الأولى به التأخير؛ لأن المعنى يختل ~~بذلك ويضطرب، وهذا هو "المعاظلة المعنوية"، وقد قدمنا القول في المقالة ~~الأولى المختصة بالصناعة اللفظية بأن المعاظلة تنقسم قسمين: أحدهما لفظي، ~~والآخر معنوي. # أما الفظي فذكرناه في بابه3. PageV02P179 # وأما المعنوي فهذا بابه وموضعه، وهو كتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على ~~الموصوف، وتقديم الصلة على الموصول، وغير ذلك مما يرد بيانه. # فمن هذا القسم قول بعضهم: # فقد والشك بين لي عناء %~% بوشك فراقهم صرد يصيح1 # فإنه قدم قوله: "بوشك فراقهم"، وهو معمول "يصيح" و"يصيح" صفة لصرد على ~~صرد، وذلك قبيح. # ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: هذا من موضع كذا رجل ورد اليوم، وإنما يجوز ~~وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، فكما لا يجوز تقديم الصفة على ~~موصوفها، فكذلك لا يجوز تقديم ما اتصل بها على موصوفها. # ومن هذا النحول قول آخر: # فأصبحت بعد خط بهجتها %~% كأن قفرا رسومها قلما # فإنه قدم خبر كأن عليها، وهو قوله "خط". # وهذا وأمثاله مما لا يجوز قياس عليه، والأصل في هذا البيت، فأصبحت بعد ~~بهجتها قفرا، كأن قلما خط رسومها، إلا أنه على تلك الحالة الأولى في الشعر ~~مختل مضطرب. # والمعاظلة في هذا الباب تتفاوت درجتها في القبح، وهذا البيت المشار إليه ~~من أقبحها؛ لأن معانيه قد تداخلت، وركب بعضها بعضا. # ومما جرى هذا المجرى قول الفرزدق: # إلى ملك ما أمه من محارب %~% أبوه ولا كانت كليب تصاهره2 PageV02P180 # وهو يريد إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، وهذا أقبح من الأول، وأكثر ~~اختلالا. # وكذلك جاء قوله أيضا: # وليست خراسان التي كان خالد %~% بها أسد إذ كان سيفا أميرها # وحدي هذا البيت ظريف، وذاك أنه، فيما ذكر، يمدح خالد بن عبد الله القسري، ~~ويهجو أسدا1، وكان أسد وليها بعد خالد، وكأنه قال: وليست خراسان بالبلدة ~~التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها. # وعلى هذا التقدير ففي "كان" الثانية ضمير الشأن والحديث، والجملة بعدها ~~خبر عنها، وقد قدم بعض ما "إذ" مضافة إليه، وهو "أسد" عليها، ms316 وفي تقديم ~~المضاف إليه، أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به. # وأيضا فإن أسدا أحد جزأي الجملة المفسرة للضمير، والضمير لا يكون تفسيره ~~إلا من بعده، ولو تقدم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير، ولما سماه ~~الكوفيون "الضمير المجهول". # وعلى هذا النحو ورد قول الفرزدق أيضا: # وما مثله في الناس إلا مملكا %~% أبو أمه حي أبوه يقاربه2 # ومعنى هذا البيت: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه. # وعلى هذا المثال المصوغ في الشعر قد جاء مشوها كما تراه. # وقد استعمل الفرزدق من التعاظل كثيرا، كأنه كان يقصد ذلك ويتعمده؛ لأن ~~مثله لا يجيء إلا متكلفا مقصودا. PageV02P181 # وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيتها، وطبعها في الاسترسال لم ~~يعرض له شيء من هذا التعقيد، ألا ترى أن المقصود من الكلام معدوم في هذا ~~الضرب المشار إليه، إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح، والإبانة وإفهام ~~المعنى، فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به. # ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية، والرومية وغيرها. # واعلم أن هذا الضرب من الكلام هو ضد الفصاحة؛ لأن الفصاحة هي الظهور ~~والبيان، وهذا عار عن هذا الوصف. # أما الضرب الثاني1 الذي يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ~~ذلك فإنه مما لا يحصره حد، ولا ينتهي إليه شرح، وقد أشرنا إلى نبذة منه في ~~هذا الكتاب؛ ليستدل بها على أشباهها ونظائرها. # فمن ذلك تقديم السبب على المسبب، كقوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~، فإنه إنما قدم العبادة على الاستعانة؛ لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب ~~الحاجة أنجح لحصول الطلب، وأسرع لوقوع الإجابة، ولو قال: إياك نستعين، ~~وإياك نعبد لكان جائزا إلا أنه لا يسد ذلك المسد، ولا يقع ذلك الموقع. # وهذا لا يخفى على المنصف من أرباب هذه الصناعة. # وعلى نحو منه جاء قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا، لنحيي به ~~بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي ms317 كثيرا} 2. PageV02P182 # فقدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس، وإن كانوا أشرف محلا؛ ~~لأن حياة الأرض هي سبب لحياة الأنعام والناس، فلما كانت بهذه المثابة جعلت ~~مقدمة في الذكر، ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش، والحياة للناس قدمها ~~في الذكر على الناس؛ لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم سقي ما هو ~~سبب نمائهم، ومعاشهم على سقيهم. # ومن هذا الضرب تقديم الأكثر على الأقل، كقوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات} 1. # وإنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته، وأن معظم الخلق عليه، ثم أتى ~~بعده بالمقتصدين؛ لأنهم قليل بالإضافة إليه، ثم أتى بالسابقين وهو أقل من ~~القليل -أعني من المقتصدين- فقدم الأكثر، وبعده الأوسط، ثم ذكر الأقل آخرا. # ولو عكست القضية المعنى أيضا واقعا في موقعه؛ لأنه يكون قد روعي فيه ~~تقديم الأفضل فالأفضل. # ولنوضح لك في هذا وأمثاله طريقا تقتفيه، فنقول: # اعلم أنه إذا كان الشيئان كل واحد منهما مختصا بصفة، فأنت بالخيار في ~~تقديم أيهما شئت في الذكر، كهذه الآية فإن السابق بالخيرات مختص بصفة ~~الفضل، والظالم لنفسه مختص بصفة الكثرة، فقس على هذا ما يأتيك من أشباهه ~~وأمثاله. # ومن هذا الجنس قوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على ~~بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع} 2. # فإنه إنما قدم الماشي على بطنه؛ لأنه أدل على القدرة من الماشي على ~~رجلين، إذ هو ماش بغير الآلة المخلوقة للمشي، ثم ذكر الماشي على رجلين، ~~وقدمه على الماشي على أربع؛ لأنه أدل على القدرة أيضا حيث كثرة آلات المشي ~~في الأربع. PageV02P183 # وهذا من باب تقديم الأعجب فالأعجب. # فإن قيل: قد ورد في القرآن الكريم في مواضع منه ما يخالف هذا الذي ذكرته، ~~كقوله تعالى في سورة هود: {وما نؤخره إلا لأجل معدود، يوم يأت لا تكلم نفس ~~إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد، فأما الذين شقوا ففي النار} 1، ثم قال: {وأما ~~الذين سعدوا ففي الجنة} ms318 2، فقدم أهل النار في الذكر على أهل الجنة، وهذا ~~مخالف للأصل الذي أصلته في هذا الموضع!! # فالجواب عن ذلك: أن هذا الذي أشرت إليه في سورة هود، وما أشبهه له أسرار ~~تحتاج إلى فضل تأمل وإمعان نظر، حتى تفهم. # أما هذا الموضع فإنه لما كان الكلام مسوقا في ذكر التخويف والتحذير، وجاء ~~على عقب قصص الأولين، وما فعل الله بهم من التعذيب والتدمير، كان الأليق أن ~~يوصل الكلام بما يناسبه في المعنى، وهو ذكر أهل النار، فمن أجل ذلك قدموا ~~في الذكر على أهل الجنة. # وإذا رأيت في القرآن شيئا من هذا القبيل، وما يجري مجراه فتأمله، وأمعن ~~نظرك فيه حتى يتبين لك مكان الصواب منه. # واعلم أنه إذا كان مطلع الكلام في معنى من المعاني، ثم يجيء بعده ذكر ~~شيئين أحدهما أفضل من الآخر، وكان المعنى المفضول مناسبا لمطلع الكلام، ~~فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت؛ لأنك إن قدمت الأفضل فهو من التقديم، وإن ~~قدمت المفضول؛ فلأن مطلع الكلام يناسبه. # وذكر الشيء مع ما يناسبه أيضا وارد في موضعه، فمن ذلك قوله تعالى: {وإنا ~~إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن ~~الإنسان كفور، لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن PageV02P184 # يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم ~~قدير} 1. # فإنه إنما قدم الإناث على الذكور من تقدمهم عليهن؛ لأنه ذكر البلاء في ~~آخر الآية الأولى، وكفران الإنسان بنسيانه للرحمة السابقة عنده، ثم عقب ذلك ~~بذكر ملكه، ومشيئته وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث؛ لأن سياق الكلام أنه ~~فاعل ما يشاء لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي هن من جملة ما ~~لا يشاؤه الإنسان، ولا يختاره أهم، والأهم واجب التقديم، وليلي الجنس الذي ~~كانت العرب تعده بلاء ذكر البلاء. # ولما أخر ذكر الذكور، وهم أحقاء بالتقديم، تدارك ذلك بتعريفه إياهم؛ لأن ~~التعريف تنويه بالذكر، كأنه قال: يهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين ms319 ~~الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم ~~والتأخير، وعرف أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض آخر، فقال: ~~"ذكرانا وإناثا"، وهذه دقائق لطيفة قل من ينتبه لها، أو يعثر على رموزها. # ومن هذا الباب قوله تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ~~ذرة في الأرض ولا في السماء} 2. # فإنه إنما قدم الأرض في الذكر على السماء ومن حقها التأخير؛ لأنه لما ذكر ~~شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم، ووصل ذلك بقوله: {وما يعزب} لاءم ~~بينهما، ليلي المعنى المعنى. # فإن قيل: قد جاء تقديم الأرض على السماء في الذكر في مواضع كثيرة من ~~القرآن!! # قلنا: إذا جاءت مقدمة في الذكر، فلا بد لتقديمها من سبب اقتضاه، وإن خفي ~~ذلك السبب، وقد يستنبطه بعض العلماء دون بعض! PageV02P185 ### || النوع العاشر: في الحروف العاطفة والجارة # وهذا موضع لطيف المأخذ، دقيق المغزى، وما رأيت أحدا من علماء هذه الصناعة ~~تعرض إليه ولا ذكره، وما أقول: إنهم لم يعرفوه، فإن هذا النوع من الكلام ~~أشهر من أن يخفى؛ لأنه مذكور في كتب العربية جميعها. # ولست أعني يإيراده ههنا ما يذكره النحويون من أن الحروف العاطفة تتبع ~~"المعطوف" المعطوف عليه في الإعراب، ولا أن الحروف الجارة تجر ما تدخل ~~عليه، بل أمرا وراء ذلك، وإن كان المرجع فيه إلى الأصل النحوي. # فأقول: إن أكثر الناس يضعون هذه الحروف في غير مواضعها، فيجعلون ما ينبغي ~~أن يجر بعلى "مجرورا"1 بفي وفي هذه الأشياء دقائق أذكرها لك. ### ||| حروف العطف: # أما حروف العطف، فنحو قوله تعالى: {والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت ~~فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين} 2. # فالأول عطفه بالواو التي هي للجمع، وتقديم الإطعام على الإسقاء، والإسقاء ~~على الإطعام جائز لولا مراعاة حسن النظم، ثم عطف الثاني بالفاء؛ لأن الشفاء ~~يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما، ثم عطف الثالث بثم؛ ms320 لأن الإحياء يكون ~~بعد الموت بزمان، ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخي. PageV02P186 # ولو قال قائل في موضع هذه الآية: الذي يطعمني ويسقين، ويمرضني ويشفين ~~ويميتني ويحيين لكان الكلام معنى تام إلا أنه لا يكون كمعنى الآية، إذ كل ~~شيء منها قد عطف بما يناسبه، ويقع موقع السداد منه. # ومما جاء من هذا الباب قوله تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء ~~خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء ~~أنشره} 1. # ألا ترى أنه لما قال: {من نطفة خلقه} ، كيف قال: {فقدره} ، ولم يقل: ثم ~~قدره؛ لأن التقدير لما كان تابعا للخلقة وملازما لها عطفه عليها بالفاء؟ ~~وذلك بخلاف قوله: {ثم السبيل يسره} ؛ لأن بين خلقته في بطن أمه، وبين ~~إخراجه منه وتسهيل سبيله مهلة وزمانا، فلذلك عطفه بثم. # وعلى هذا جاء قوله تعالى: {ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره} ؛ لأن بين ~~إخراجه من بطن أمه، وبين موته تراخيا وفسحة، وكذلك بين موته ونشوره أيضا، ~~ولذلك عطفهما بثم، ولما لم يكن بين موت الإنسان، وإقباره تراخ ولا مهلة ~~عطفه بالفاء. # وهذا موضع من علم البيان شريف، وقلما يتفطن لاستعماله كما ينبغي. # ومما جاء من ذلك أيضا قوله تعالى في قصة مريم، وعيسى عليهما السلام: ~~{فحملته فانتبذت به مكانا قصيا، فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ~~ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} 2. # وفي هذه الآية دليل على أن حملها به، ووضعها إياه كانا متقاربين؛ لأنه ~~عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت إليه، والمخاض الذي هو الطلق ~~بالفاء، وهي للفور، ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي ~~والمهلة. # ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: {قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، ~~من PageV02P187 # نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره} ، فلما كان بين تقديره في البطن ~~وإخراجه منه مدة متراخية عطف ذلك بثم، وهذا خلاف قصة مريم -عليها السلام- ~~فإنها عطفت بالفاء، وقد اختلف الناس في مدة حملها، ms321 فقيل: إنه كان كحمل ~~غيرها من النساء، وقيل: لا، بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر. # وهذه الآية مزيلة للخلاف؛ لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا ~~متقاربين على الفور من غير مهلة، وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل، أخذا ~~بما دلت عليه الآية. # ومما ورد من هذا الأسلوب قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة ~~مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر} 1. # ففي الآية المتقدم ذكرها قال: {من نطفة خلقه فقدره} ، فعطف التقدير على ~~الخلق بالفاء؛ لأنه تابع له، ولم يذكر تفاصيل حال المخلوق، وفي الآية ذكر ~~تفاصيل حاله في تنقله، فبدأ بالخلق الأول، وهو خلق آدم من طين، ولما عطف ~~عليه الخلق الثاني -الذي هو خلق النسل- عطفه بثم، لما بينهما التراخي، وحيث ~~صار إلى التقدير الذي يتبع بعضه بعضا من غير تراخ عطفه بالفاء، ولما انتهى ~~إلى جعله ذكرا، أو أنثى وهو آخر الخلق عطفه بثم. # فإن قيل: إنه قد عطف المضغة على العلقة في هذه الآية بالفاء، وفي أخرى ~~بثم، وهي قوله تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ~~من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة} 2. # فالجواب عن ذلك3. PageV02P188 # واعلم أن في حروف العطف موضعا تلتبس فيه الفاء بالواو، وهو موضع يحتاج ~~فيه إلى فضل تام. # وذلك أن فعل المطاوعة لا يعطف عليه إلا بالفاء، دون الواو، وقد يجيء من ~~الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعة، ويعطي ظاهره أنه كذلك إلا أن معناه يكون ~~مخالفا لمعنى فعل المطاوعة، فيعطف حينئذ بالواو، لا بالفاء، كقوله تعالى: ~~{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} 1. # فقوله: {أغفلنا قلبه} ههنا بمعنى صادفناه غافلا، وليس منقولا عن "غفل" ~~حتى يكون معناه صددناه؛ لأنه لو كان كذلك لكان معطوفا عليه بالفاء، وقيل: ~~فاتبع هواه، وذلك أنه يكون مطاوعا، وفعل المطاوعة ms322 لا يعطف إلا بالفاء، ~~كقولك: أعطيته فأخذ، أو دعوته فأجاب، ولا تقول: أعطيته وأخذ، ولا دعوته ~~وأجاب، كما لا يقال: كسرته وانكسر، وكذلك لو كان معنى: {أغفلنا} في الآية ~~صددنا، ومنعنا لكان معطوفا عليه بالفاء، وكان يقال: {ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} ، فلما لم يكن كذلك، وكان العطف عليه بالواو، ~~فطريقة أنه لما قال: {أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} أن يكون معناه ~~وجدناه عاقلا فقد غفل لا محالة، فكأنه قال: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه، أي لا تطع من فعل كذا وكذا، يعدد أفعاله التي توجب ترك طاعته، ~~فاعرف ذلك. ### ||| حروف الجر: # وأما حروف الجر فإن الصواب يشذ عن وضعها في مواضعها، وقد علم أن "في" ~~للوعاء، و"على" للاستعلاء كقولهم: زيد في الدار، وعمرو على الفرس، لكن إذا ~~أريد استعمال ذلك في غير هذين الموضعين مما يشكل استعماله عدل فيه عن ~~الأولى. PageV02P189 # فمما ورد منه قوله تعالى: {قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا ~~أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} 1. # ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود لمخالفة حرفي الجر ههنا، فإنه إنما ~~خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل؛ لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس ~~جواد يركض به حيث شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه: لا يدري ~~أين يتوجه، وهذا معنى دقيق، قلما يراعى مثله في الكلام. # وكثيرا ما سمعت إذا كان الرجل يلوم أخاه، أو يعاتب صديقه على كل أمر من ~~الأمور، فيقول له: أنت على ضلالك القديم كما أعهدك، فيأتي بعلى في موضع في، ~~وإن كان هذا جائزا إلا أن استعمال في ههنا أولى، لما أشرنا إليه. # ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة يوسف: {قالوا تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم} 2. # ومن هذا النوع قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين ~~عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل} 3. # فإنه إنما عدل عن اللام إلى "في" في ms323 الثلاثة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ ~~في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام؛ لأن "في" للوعاء، فنبه على ~~أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشيء في الوعاء، وأن يجعلوا ~~مظنة لها، وذلك لما في فك الرقاب، وفي الغرم من التخلص، وتكرير "في" قوله: ~~{وفي سبيل الله} ، دليل على ترجيحه على الرقاب وعلى الغارمين، وسياق الكلام ~~أن يقال: وفي الرقاب والغارمين، وسبيل الله وابن السبيل، فلما جيء بفي ~~ثانية، وفصل بها بين الغارمين وبين سبيل الله علم أن سبيل الله أوكد في ~~استحقاق النفقة فيه. # وهذه لطائف ودقائق لا توجد إلا في هذا الكلام الشريف، فاعرفها، وقس ~~عليها. PageV02P190 ### || النوع الحادي عشر: في الخطاب بالجملة الفعلية، والجملة الاسمية، والفرق بينهما # ولم أذكر هذا الموضع لأن يجري الأمر فيه على ما جرى مجراه فقط بل لأن ~~يقاس عليه مواضع أخرى مما تماثله وتشابهه، ولو كان شبها بعيدا. # وإنما يعدل عن أحد الخطا بين إلى الآخر لضرب التأكيد والمبالغة. # فمن ذلك قولنا: قام زيد، وإن زيدا قائم، فقولنا: "قام زيد" معناه الإخبار ~~عن زيد بالقيام، وقولنا: "إن زيدا قائم" معناه الإخبار عن زيد بالقيام ~~أيضا، إلا أن في الثاني زيادة ليست في الأول، وهي توكيده بإن المشددة التي ~~من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، وإذا زيد في خبرها اللام، فقيل: إن زيدا ~~لقائم، كان ذلك أكثر توكيدا في الإخبار بقيامه، وهذا مثال ينبني عليه أمثلة ~~كثيرة من غير هذا النوع. # فمما جاء من ذلك قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما} 1، فإنهم إنما خاطبوا المؤمنين ~~بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة بإن المشددة؛ لأنهم في ~~مخاطبة إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اعتقاد الكفر، ~~والبعد من أن يزلوا عنه على صدق ورغبة، ووفور نشاط، فكان ذلك متقبلا منهم، ~~ورائجا عند إخوانهم. # وأما الذي خاطبوا به المؤمنين، فإنما قالوا تكلفا وإظهارا للإيمان خوفا ~~ومداجاة، وكانوا يعلمون أنهم لو قالوه بأوكد لفظ، ms324 وأسده لما راج لهم عند ~~المؤمنين إلا رواجا ظاهرا لا PageV02P191 # باطنا؛ ولأنهم ليس لهم في عقائدهم باعث قوي على النطق في خطاب المؤمنين ~~بمثل ما خاطبوا به إخوانهم من العبارة المؤكدة، فلذلك قالوا في خطاب ~~المؤمنين: {آمنا} ، وفي خطاب إخوانهم: {إنا معكم} . # وهذه نكت تخفى على من ليس له قدم راسخة في علم الفصاحة والبلاغة. # ومما يجري هذا المجرى ورود لام التوكيد في الكلام، ولا يجيء ذلك إلا لضرب ~~من المبالغة. # وفائدته أنه إذا عبر عن أمر يعز وجوده، أو فعل يكثر وقوعه جيء باللام ~~تحقيقا لذلك. # فمما جاء منه قوله تعالى في أول سورة المنافقين: {إذا جاءك المنافقون ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون} 1. # فانظر إلى هذه اللامات الثلاثة الواردة خبر إن، والأولى وردت في قول ~~المنافقين، وإنما وردت مؤكدة؛ لأنهم أظهروا من أنفسهم التصديق برسالة النبي ~~-صلى الله عليه وسلم: "وتملقوا له، وبالغوا في التملق، وفي باطنه خلافه، ~~وأما ما ورد في الثانية والثالثة فصيح لا ريب فيه، واللام في الثانية ~~لتصديق رسالته، وفي الثالثة لتكذيب المنافقين فيما كانوا يظهرونه من ~~التصديق الذين هم على خلافه. # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف -عليه السلام: {قالوا يا أبانا ما لك ~~لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون، أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له ~~لحافظون} 2. # فإنه إنما جيء باللام ههنا لزيادة التوكيد في إظهار المحبة ليوسف عليه ~~السلام والإشفاق عليه؛ ليبلغوا الغرض من أبيهم في السماحة بإرساله معهم. # ومن هذا قوله تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون، ~~لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون} 3، ثم قال: {أفرأيتم الماء الذي ~~PageV02P192 # تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه أجاجا ~~فلولا تشكرون} 1. # ألا ترى كيف أدخلت اللام في آية المطعوم دون آية المشروب؟، وإنما جاءت ~~كذلك؛ لأن جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في العرف والعادة، والموجود من ~~الماء الملح أكثر من الماء العذب، وكثيرا ما إذا ms325 جرت المياه العذبة على ~~الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة، فلم يحتج في جعل الماء العذب ~~ملحا إلى زيادة تأكيد، فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد المفيدة زيادة ~~التحقيق، وأما المطعوم فإن جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن المعتاد، وإذا ~~وقع فلا يكون إلا عن سخط من الله شديد، فلذلك قرن بلام التأكيد زيادة في ~~تحقيق أمره، وتقرير إيجاده. # ومما يتصل بذلك قوله تعالى: {وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون} 2 ~~واللام في: {لنحن} ، هي اللام المشار إليها. # وكذلك ورد قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} 3، فإن هذه اللام في قوله: ~~{ليستخلفنهم} ، و {وليمكنن} ، و {وليبدلنهم} إنما جاءت لتحقيق الأمر، ~~وإثباته في نفوس المؤمنين، وأنه كائن لا محالة. # ومما يجري هذا المجرى في التوكيد لام الابتداء المحققة لما يأتي بعدها، ~~كقوله تعالى: {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا} 4، فاللام في: ~~{ليوسف} لام الابتداء، وفائدتها تحقيق مضمون الجملة الواردة بعدها: أي أن ~~زيادة حبه إياهما أمر ثابت لا مراء فيه. PageV02P193 # ومن هذا النوع قول بعضهم: # والشيب إن يظهر فإن وراءه %~% عمرا يكون خلاله متنفس # لم ينتقص مني المشيب قلامة %~% ولما بقي مني ألب وأكيس # فقوله: "ولما بقي مني" تقديره وما بقي مني، وإنما أدخل على "ما" هذه ~~اللام قصدا لتأكيد المعنى؛ لأنه موضع يحتاج إلى التأكيد، ألا ترى أن قوة ~~العمر في الشباب؟، ولما أراد هذا الشاعر أن يصف الشيب -وليس مما يوصف، ~~وإنما يذم- أتى باللام لتؤكد ما قصده من الصفة. # وكذلك ورد قول الشاعر1 من أبيات الحماسة: # إنا لنصفح عن مجاهل قومنا %~% ونقيم سالفة العدو الأصيد2 # ومتى نجد يوما فساد عشيرة %~% نصلح وإن نر صالحا لا نفسد3 # وهذا كثير سائغ في الكلام، إلا أنه لا يتأتى لمكان العناية بما يعبر به ~~عنه، ألا ترى إلى قول الشاعر: "إنا لنصفح عن مجاهل قومنا"، فإنه لما كان ~~الصفح ms326 مما يشق على النفس فعله؛ لأنه مقابلة الشر بالخير والإساءة بالإحسان، ~~أكده باللام، تحقيقا له. # فإن عرى الموضع الذي يؤتى فيه بهذه اللام من هذه الفائدة المشار إليها، ~~وما يجري مجراها، فإن اللام فيه لغير سبب اقتضاه. # وأكثر ما تستعمل هذه اللام في جواب القسم لتحقيق الأمر المقسم عليه، وذلك ~~في الإيجاب، دون النفي؛ لأنها لا تستعمل في النفي. # ألا ترى أنه لا يقال: والله للاقمت، وإنما يقال: والله قمت، لكن في ~~الإيجاب PageV02P194 # تستعمل، ويكون استعمالها حسنا، كقولك: والله لأقوم1، فإن أضيف إليها ~~النونان الخفيفة، والثقيلة كان ذلك أبلغ في التأكيد، كقولك: "والله ~~لأقومن". # وعلى ذلك وردت الآية المتقدم ذكرها، وهي قوله تعالى: {وعد الله الذين ~~آمنوا منكم وعملوا الصالحات} ، وإن لم يكن جوابا للقسم، فالنون الواردة بعد ~~اللام زيادة في التأكيد، وهما تأكيدان أحدهما مردف بالآخر. # وكذلك فاعلم أن النون الثقيلة متصلة بهذا الباب، فإذا استعملت في موضع، ~~فإنما يقصد بها التأكيد. # فمما جاء منها قول البحتري2 في معاتبة الفتح بن خاقان3: # هل يجلبن4 إلي عطفك موقف %~% ثبت لديك أقول فيه وتسمع # ما زال لي من حسن رأيك موئل %~% آوي إليه من الخطوب ومفزع # فعلام أنكرت الصديق وأقبلت %~% نحوي ركاب 5 الكاشحين تطلع PageV02P195 # وأقام يطمع في تهضم جانبي %~% من لم يكن من قبل فيه يطمع # إلا يكن ذنب فعدلك واسع %~% أو كان لي ذنب فعفوك أوسع # وهذه أبيات حسنة "مليحة" في بابها، يمحى بها حر الصدود، ويستمال بها صعر ~~الخدود، وإنما ذكرتها بجملتها لمكان حسنها. # والبيت الأول هو المراد، ألا ترى أنه قال: "هل يجلبن إلي عطفك موقف"، ~~فالنون جاءت قصدا للتأكيد، وهو في هذا المقام متمن، فأحب أن يؤكد هذه ~~الأمنية. # وكل ما يجيء من هذا الباب فإنه واقع هذا الموقع، وإذا استعمل عبثا لغير ~~فائدة تقتضيه، فإنه لا يكون استعماله إلا من جاهل بالأسرار المعنوية. # وأما ما يمثل به النحاة من قول القائل: "والله لأقومن، فإنه مثال نحوي ~~يضرب للجواز، وإلا فإذا قال القائل: والله لأقومن، وأكده، ms327 كان ذلك لغوا؛ ~~لأنه ليس في قيامه من الأمر العزيز، ولا من الأمر العسير ما يحتاج معه إلى ~~التأكيد، بل لو قال: والله لأقومن لك، مهددا له، لكان ذلك واقعا في موقعه. # فافهم هذا، وقس عليه. PageV02P196 ### || النوع الثاني عشر: في قوة اللفظ لقوة المعنى # هذا النوع قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب "الخصائص" إلا أنه لم يورده ~~كما أوردته أنا، ولا نبه على ما نبهت عليه من النكت التي تضمنته، وهذا يظهر ~~بالوقوف على كلامي وكلامه. # فأقول: اعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان، ثم نقل إلى وزن آخر ~~أكثر منه، فلا بد من أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا؛ لأن الألفاظ ~~أدلة على المعاني، وأمثلة للإبانة عنها، فإذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة ~~زيادة المعاني، وهذا لا نزاع فيه لبيانه. # وهذا النوع لا يستعمل إلا في مقام المبالغة. # فمن ذلك قولهم: خشن، واخشوشن، فمعنى "خشن" دون معنى "اخشوشن"، لما فيه من ~~تكرير العين، وزيادة الواو، نحو فعل، وافعوعل. # وكذلك قولهم: أعشب المكان، فإذا رأوا كثرة العشب قالوا: "اعشوشب". # ومما ينتظم بهذا السلك: قدر واقتدر، فمعنى "اقتدر" أقوى من معنى "قدر" ~~قال الله تعالى: {فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} 1، فمقتدر ههنا أبلغ من قادر، ~~وإنما عدل إليه للدلالة على تفخيم الأمر، وشدة الأخذ الذي لا يصدر إلا عن ~~قوة الغضب، أو للدلالة على بسطة القدرة، فإن المقتدر أبلغ في البسطة من ~~القادر، وذاك أن "مقتدر" اسم فاعل من "اقتدر"، و"قادر" اسم فاعل من "قدر"، ~~ولا شك أن "افتعل" أبلغ من "فعل". PageV02P197 # وعلى هذا ورد قول أبي نواس1: # فعفوت عني عفو مقتدر %~% حلت له نقم فألفاها # أي عفوت عني عفو قادر متمكن القدرة لا يرده شيء عن إمضاء قدرته، وأمثال ~~هذا كثيرة. # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة نوح عليه السلام: {فقلت استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا} 2، فإن: {غفارا} ، أبلغ في المغفرة من "غافر"؛ لأن "فعالا" يدل ~~على كثرة صدور الفعل، و"فاعلا" لا يدل على الكثرة. ms328 # وعليه ورد قوله تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} 3، فالتواب ~~هو الذي تتكرر منه التوبة مرة على مرة، وهو فعال وذلك أبلغ من التائب الذي ~~هو "فاعل"، فالتائب اسم فاعل من تاب يتوب فهو تائب، أي صدرت التوبة مرة ~~واحدة، فإذا قيل: "تواب"، كان صدور التوبة منه مرارا كثيرة. # وهذا وما يجري مجراه إنما يعمد إليه لضرب من التوكيد، ولا يوجد ذلك إلا ~~فيما فيه معنى الفعلية كاسم الفاعل والمفعول، وكالفعل نفسه، نحو قوله ~~تعالى: {فكبكبوا فيها هم والغاوون} 4، فإن معنى: {فكبكبوا} من الكب، وهو ~~القلب، إلا أنه مكرر المعنى، وإنما استعمل في الآية دلالة على شدة العقاب؛ ~~لأنه موضع يقتضي ذلك. # ولربما نظر بعض الجهال في هذا، فقاس عليه زيادة التصغير، وقال: إنها ~~زيادة، ولكنها زيادة نقص؛ لأنه في اللفظ حرف، كقولهم في الثلاثي في رجل: ~~PageV02P198 # "رجيل"، وفي الرباعي في قنديل: "قنيديل"، فالزيادة وردت ههنا، فنقصت من ~~معنى هاتين اللفظتين. # وهذا ليس من الباب الذي نحن بصدد ذكره؛ لأنه عار عن معنى الفعلية، ~~والزيادة في الألفاظ لا توجب زيادة في المعاني إلا إذا تضمنت معنى الفعلية؛ ~~لأن الأسماء التي لا معنى للفعل فيها إذا زيدت استحال معناها. # ألا ترى أنا لو نقلنا لفظة "عذب" -وهي ثلاثية- إلى الرباعي، فقلنا: ~~"عذيب"، على وزن "جعفر"، لاستحال معناها، ولم يكن لها معنى. # وكذلك لو نقلنا لفظة "عسجد"، وهي رباعية إلى الخماسي، فقلنا: "عسجدد"، ~~على وزن "جحمرش"، لاستحال معناها. # وهذا بخلاف ما فيه معنى الفعلية، كقادر ومقتدر، فإن "قادرا" اسم فاعل ~~"قدر"، وهو ثلاثي، و"مقتدر" اسم فاعل "اقتدر"، وهو رباعي، فلذلك كان معنى ~~القدرة في اقتدر أشد من معنى القدرة في قدر، وهذا لا نزاع فيه. # وهذا الباب بجملته لا يقصد به إلا المبالغة في إيراد المعاني، وقد يستعمل ~~في مقام المبالغة، فينعكس المعنى فيه إلى ضده، كما جاء لأبي كرام التميمي1 ~~من شعراء الحماسة، وهو قوله: # لله تيم أي رمح طراد %~% لاقى الحمام وأي نصل جلاد2 # ومحش حرب مقدم متعرض %~% للموت غير ms329 مكذب حياد3 PageV02P199 # فلفظة "حياد" قد وردت ههنا: وإنما أوردها هذا الشاعر، وقصد بها المبالغة ~~في وصف شجاعة هذا الرجل، فانعكس عليه المقصد الذي قصده؛ لأن "حيادا" من ~~"حيد"، فهو "حياد"، أي وجد منه الحيد ودة مرارا، كما يقال: "قتل" فهو ~~"قتال": أي وجد منه القتل مرارا، وإذا كان هذا الرجل غير حياد كان حائدا، ~~أي وجدت منه الحيدودة مرة واحدة، وإذا وجدت منه مرة كان ذلك جبنا، ولم يكن ~~شجاعة، والأولى أن كان قال: غير مكذب حائد. # وينبغي أن يعلم أنه إذا وردت لفظة من الألفاظ، ويجوز حملها على التضعيف ~~الذي هو طريق المبالغة، وحملها على غيره أن ينظر فيها، فإن اقتضى حملها على ~~المبالغة فهو الوجه. # فمن ذلك قول البحتري في قصيدته التي مطلعها: # منى النفس في أسماء لو تستطيعها1 # وهي قصيدة مدح بها الخليفة المتوكل -رحمه الله- وذكر فيها حديث الصلح بين ~~بني تغلب، فمما جاء فيها قوله: # رفعت بضبعي تغلب ابنة وائل %~% وقد يئست أن يستقل صريعها # فكنت أمين الله مولى حياتها %~% ومولاك فتح يوم ذاك شفيعها # تألفتهم من بعد ما شردت بهم %~% حفائظ أخلاق بطيء رجوعها # فأبصر غاويها المحجة فاهتدى %~% وأقصر غاليها ودانى شسوعها # فقوله: "تألفتهم من بعد ما شردت بهم" يجوز أن تخفف لفظة "شردت"، ويجوز أن ~~تثقل، والتثقيل هو الوجه؛ لأنه في مقام الإصلاح بين قوم تنازعوا واختلفوا، ~~وتباينت قلوبهم وآراؤهم. PageV02P200 # وكل ما يجيء من الألفاظ على هذا النحو، فينبغي أن يجري هذا المجرى. # وههنا نكتة لا بد من التنبيه عليها، وذلك أن قوة اللفظ لقوة المعنى لا ~~تستقيم إلا في نقل صيغة إلى صيغة أكثر منها، كنقل الثلاثي إلى الرباعي، ~~وإلا فإذا كانت صيغة الرباعي مثلا موضوعة لمعنى، فإنه لا يراد به ما أريد ~~من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة. # ألا ترى أنه إذا قيل في الثلاثي: "قتل"، ثم نقل إلى الرباعي، فقيل: "قتل" ~~بالتشديد، فإن الفائدة من هذا النقل هي التكثير: أي أن القتل وجد منه ~~كثيرا، وهذا الصيغة الرباعية بعينها لو ms330 وردت من غير نقل لم تكن دالة على ~~التكثير، كقوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} 1، فإن "كلم" على وزن ~~"قتل"، ولم يرد به التكثير، بل أريد به أنه خاطبه، سواء كان خطابه إياه ~~طويلا أو قصيرا، قليلا أو كثيرا، وهذه اللفظة رباعية، وليس لها ثلاثي نقلت ~~عنه إلى الرباعي، لكن قد وردت بعينها، ولها ثلاثي ورباعي، فكان الرباعي ~~أكثر وأقوى فيما دل عليه من المعنى، وذاك أن تكون "كلم" من الجرح: أي جرح، ~~ولها ثلاثي وهو "كلم" مخففا: أي جرح، فإذا وردت مخففة دلت على الجراحة مرة ~~واحدة، وإذا وردت مثقلة دلت على التكثير. # وكذلك ورد قوله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} 2، فإن لفظة "رتل" على وزن ~~لفظة "قتل"، ومع هذا ليست دالة على كثرة القراءة، وإنما المراد بها أن تكون ~~القراءة على هيئة التأني والتدبر، وسبب ذلك أن هذه اللفظة لا ثلاثي لها حتى ~~تنقل عنه إلى رباعي، وإنما هي رباعية موضوعة لهذه الهيئة المخصوصة من ~~القراءة. # وعلى هذا فلا يستقيم معنى الكثرة، والقوة في اللفظ، والمعنى إلا بالنقل ~~من وزن إلى وزن أعلى منه، فاعرف ذلك. # ومن ههنا شذ الصواب عمن شذ عنه في "عالم"، و"عليم"، فإن جمهور علماء ~~العربية يذهبون إلى أن "عليما" أبلغ في معنى العلم من "عالم"، وقد تأملت ~~ذلك، وأنعمت نظري فيه، فحصل عندي شك في الذي ذهبوا إليه، والذي أوجب ذلك ~~PageV02P201 # الشك هو أن عالما، وعليما على عدة واحدة، إذ كل منهما أربعة أحرف، وليس ~~بينهما زيادة ينقل فيها الأدنى إلى الأعلى. # والذي يوجبه النظر أن يكون الأمر على عكس ما ذكروه، وذاك أن يكون "عالم" ~~أبلغ من "عليم"، وسببه أن عالما اسم فاعل من "علم" وهو متعد، وأن عليما اسم ~~فاعل من "علم"، إلا أنه أشبه وزن الفعل القاصر، نحو شرف فهو شريف. # وكرم فهو كريم، وعظم فهو عظيم، فهذا الوزن لا يكون إلا في الفعل القاصر، ~~فلما أشبهه "عليم" انحط عن رتبة "عالم" الذي هو متعد، ألا ترى أن "فعل" ~~-بفتح الفاء ms331 وكسر العين- يكون متعديا نحو علم وحمد، ويكون قاصرا غير متعد، ~~نحو غضب وشبع، وأما "فعل" -بفتح الفاء وضم العين- فإنه لا يكون إلا قاصرا ~~غير متعد، ولما كان "فعل" -بفتح الفاء وكسر العين- مترددا بين المتعدي ~~والقاصر، وكان "فعل" بفتح الفاء وضم العين قاصرا غير متعد، صار القاصر أضعف ~~مما يدور بين المتعدي والقاصر، وحيث كان الأمر كذلك، وأشبه وزن المتعدي وزن ~~القاصر حط ذلك من درجته، وجعله في الرتبة دون المتعدي الذي ليس بقاصر. # هذا هو الذي أوجب التشكيك فيما ذهب إليه غيري من علماء العربية، ولربما ~~كان ما ذهبوا إليه لأمر خفي عني، ولم أطلع عليه. PageV02P202 ### || النوع الثالث عشر: في عكس الظاهر # وهو نفي الشيء بإثباته، وهو من مستطرفات علم البيان، وذاك أنك تذكر كلاما ~~يدل ظاهره أنه نفي لصفة الموصوف، وهو نفي للموصوف أصلا. # فمما جاء منه قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في وصف مجلس رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم: "لا تنثى فلتاته" أي لا تذاع سقطاته. # فظاهر هذا اللفظ أنه كان ثم فلتات، غير أنها لا تذاع، وليس المراد ذلك، ~~بل المراد أنه لم يكن ثم فلتات فتثنى. # وهذا من أغرب ما توسعت فيه اللغة العربية، وقد ورد في الشعر كقول بعضهم1: # ولا ترى الضب بها ينجحر2 # فإن ظاهر المعنى من هذا البيت أنه كان هناك ضب، ولكنه غير منجحر، وليس ~~كذلك، بل المعنى أنه لم يكن هناك ضب أصلا. # وهذا النوع من الكلام قليل الاستعمال، وسبب ذلك أن الفهم يكاد يأباه، ولا ~~يقبله إلا بقرينة خارجة عن دلالة لفظه على معناه، وما كان عاريا عن قرينة، ~~فإنه لا يفهم منه ما أراد قائله. # وسأوضح ذلك فأقول: أما قولنا عن مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تنثى فلتاته"، فإن مفهوم هذا اللفظ أنه كان هناك فلتات إلا أنها تطوى، ولا ~~تنشر، وتكتم ولا تذاع، ولا يفهم منه أنه لم يكن هناك فلتات إلا بقرينة ~~خارجة عن اللفظ، وهي أنه قد ثبت في النفوس، ms332 وتقرر عند العقول، أن مجلس رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم: منزه عن فلتات تكون به PageV02P203 # وهو أكرم من ذلك وأوقر، فلما قيل: إنه "لا تنثى فلتاته"، فهمنا منه أنه ~~لم يكن هناك فلتات أصلا، وأما قول القائل: # ولا ترى الضب بها ينجحر # فإنه لا قرينة تخصصه حتى يفهم منه ما فهم من الأول، بل المفهوم أنه كان ~~هناك ضب، ولكنه غير منجحر. # ولقد مكثت زمانا أطوف على أقوال الشعراء قصدا للظفر بأمثلة من الشعر ~~جارية هذا المجرى، فلم أجد إلا بيتا لامرئ القيس1، وهو: # على لاحب لا يهتدى لمناره %~% إذا سافه العود الديافي جرجرا2 # فقوله: "لا يهتدى لمناره" أي أن له منارا إلا أنه لا يهتدى به، وليس ~~المراد ذلك، بل المراد أنه لا منار له يهتدى به. # ولي أنا في هذا بيت من الشعر، وهو: # أدنين جلباب الحياء فلن يرى %~% لذيولهن على الطريق غبار # وظاهر هذا الكلام أن هؤلاء النساء يمشين هونا لحيائهن، فلا يظهر لذيولهن ~~غبار على الطريق، وليس المراد ذلك، بل المراد أنهن لا يمشين على الطريق ~~أصلا، أي أنهن مخبئات لا يخرجن من بيوتهن، فلا يكون إذا لذيولهن على الطريق ~~غبار، وهذا حسن رائق، وهو أظهر بيانا من قوله: # ولا ترى الضب بها ينجحر # فمن استعمل هذا النوع من الكلام، فليستعمله هكذا وإلا فليدع، على أن ~~الإكثار من استعماله عسر؛ لأنه لا يظهر المعنى فيه. PageV02P204 ### || النوع الرابع عشر: في الاستدراج # وهذا الباب أنا استخرجته من كتاب الله تعالى، وهو مخادعات الأقوال التي ~~تقوم مقام مخادعات الأفعال، والكلام فيه وإن تضمن بلاغة، فليس الغرض ههنا ~~ذكر بلاغته فقط، بل الغرض ذكر ما تضمنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم ~~إلى الإذعان والتسليم، وإذا حقق النظر فيه علم أن مدار البلاغة كلها عليه؛ ~~لأنه انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة، والمعاني اللطيفة الدقيقة دون ~~أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها. # والكلام في مثل هذا ينبغي أن يكون قصيرا في خلابه، ولا قصيرا في خطابه. # فإذا لم يتصرف ms333 الكاتب في استدراج الخصم إلى إلقاء يده، وإلا فليس1 بكاتب، ~~ولا شبيه له إلا صاحب الجدل، فكما أن ذاك يتصرف في المغالطات القياسية، ~~فكذلك هذا يتصرف في المغالطات الخطابية. # وقد ذكرت هذا النوع ما يتعلم منه سلوك هذه الطريق. # فمن ذلك قوله تعالى: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات ~~من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن ~~الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} 2. # ألا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام وألطفه، فإنه أخذهم بالاحتجاج على طريقة ~~التقسيم، فقال: لا يخلو هذا الرجل من أن يكون كاذبا، فكذبه يعود عليه، ولا ~~PageV02P205 # يتعداه، أو يكون صادقا، فيصيبكم1 بعض الذي يعدكم إن تعرضتم له. # وفي هذا الكلام من حسن الأدب، والإنصاف ما أذكره لك، فأقول: إنما قال: ~~{يصبكم بعض الذي يعدكم} ، وقد علم أنه نبي صادق، وأن كل ما يعدهم به لا بد ~~وأن يصيبهم، لا بعضه؛ لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى عليه السلام، أن يسلك ~~معهم طريق الإنصاف والملاطفة في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، ليكون ~~أدعى إلى سكونهم إليه، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في ~~تصديقهم إياه، فقال: {وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم} ، وهو كلام ~~المنصف في مقابلة غير المشتط، وذلك أنه حين فرضه صادقا، فقد أثبت أنه صادق ~~في جميع ما يعد به، لكنه أردف بقوله: {يصبكم بعض الذي يعدكم} ، ليهضمه بعض ~~حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا، فضلا عن أن ~~يتعصب له، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل، كأنه برطلهم2 في صدر ~~الكلام بما يزعمونه؛ لئلا ينفروا منه. # وكذلك قوله في آخر الآية: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} ، أي هو على ~~الهدى، ولو كان مسرفا كذابا لما هداه الله للنبوة، ولا عضده بالبينات. # وفي هذا الكلام من ms334 خداع الخصم، واستدراجه ما لا خفاء به، وقد تضمن من ~~اللطائف الدقيقة ما إذا تأملته حق التأمل أعطيته حقه من الوصف. # ومما يجري على هذا الأسلوب قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان ~~صديقا نبيا، إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، ~~يا أبت لا PageV02P206 # تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب ~~من الرحمن فتكون للشيطان وليا} 1. # هذا كلام يهز أعطاف السامعين، وفيه من الفوائد ما أذكره، وهو لما أراد ~~إبراهيم عليه السلام أن ينصح أباه ويعظه، وينقذه مما كان متورطا فيه من ~~الخطأ العظيم الذي عصى به أمر العقل، رتب الكلام معه في أحسن نظام، مع ~~استعمال المجاملة واللطف، والأدب الحميد والخلق الحسن، مستنصحا في ذلك ~~بنصيحة ربه، وذاك أنه طلب منه أولا العلة في خطيئته طلب منبه على تماديه ~~موقظ غفلته؛ لأن المعبود لو كان حيا مميزا سميعا بصيرا مقتدرا على الثواب، ~~والعقاب إلا أنه بعض الخلق يستخف عقل من أهله للعبادة، ووصفه بالربوبية، ~~ولو كان أشرف الخلائق كالملائكة والنبيين، فكيف بمن جعل المعبود جمادا لا ~~يسمع ولا يبصر، يعني به الصنم. # ثم ثنى ذلك بدعوته إلى الحق مترفقا به، فلم يسم أباه بالجهل المطلق، ولا ~~نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: إن معي لطائفة من العلم وشيئا منه، وذلك ~~علم الدلالة على سلوك الطريق، فلا تستنكف وهب أني، وإياك في مسير وعندي ~~معرفة بهداية الطرق دونك، فاتبعني أنجك من أن تضل. # ثم ثلث ذلك بتثبيطه عما كان عليه ونهيه، فقال: إن الشيطان الذي استعصى ~~على ربك، وهو عدوك وعدو أبيك آدم هو الذي ورطك في هذه الورطة، وألقاك في ~~هذه الضلالة، وإنما ألقى إبراهيم عليه السلام ذكر معاداة الشيطان إلا التي ~~تختص بالله، وهي عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته آدم وذريته. # ثم ربع ذلك بتخويفه ms335 إياه سوء العاقبة، فلم يصرح بأن العقاب لاحق به، ~~ولكنه قال: {إني أخاف أن يمسك عذاب} ، فنكر العذاب ملاطفة لأبيه، وصدر كل ~~نصيحة من هذه النصائح بقوله: {يا أبت} توسلا إليه، واستعظاما. PageV02P207 # وهذا بخلاف ما أجابه به أبوه، فإنه قال: {قال أراغب أنت عن آلهتي يا ~~إبراهيم} 1، فأقبل عليه بفظاظة الكفر، وغلظ العناد، فناداه باسمه، ولم ~~يقابل قوله: {يا أبت} ، بقوله: يا بني، وقدم الخبر على المبتدأ في قوله: ~~{قال أراغب} ؛ لأنه كان أهم عنده، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبة ~~إبراهيم عن آلهته. # وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة من هذا الجنس، لا سيما في مخاطبات ~~الأنبياء -صلوات الله عليهم- للكفار، والرد عليهم، وفي هذين المثالين ~~المذكورين ههنا كفاية ومقنع. # وبلغني حديث تفاوض فيه الحسين بن علي -رضي الله عنهما- ومعاوية بن أبي ~~سفيان في أمر ولده يزيد، وذاك أن معاوية قال للحسين: "أما أمك فاطمة فإنها ~~خير من أمه، وبنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير من امرأة من كلب، ~~وأما حبي يزيد فإني لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة2 لما رضيت، وأما أبوك ~~وأبوه، فإنهما تحاكما إلى الله، فحكم لأبيه على أبيك". # وهذا كلام من معاوية كلما أمررته بفكري عجبت من سداده، فضلا عن بلاغته ~~وفصاحته، فإن معاوية علم ما لعلي -رضي الله عنه- من السبق إلى الإسلام ~~والأثر فيه، وما عنده من فضيلة العلم، فلم يعرض في المنافرة إلى شيء من ~~ذلك، ولم يقل أيضا: إن الله أعطاني الدنيا ونزعها منكم؛ لأن هذا لا فضل ~~فيه، إذ الدنيا ينالها البر والفاجر، وإنما صانع عن ذلك كله بقوله: "إن ~~أباك وأباه تحاكما إلى الله، فحكم لأبيه على أبيك"، وهذا قول إيهامي يوهم ~~شبهة من الحق. # وإذا شاء من شاء أن ينافر خصمه، ويستدرجه إلى الصمت عن الجواب، فليقل ~~هكذا. PageV02P208 ### || النوع الخامس عشر: في الإيجاز # وهو حذف زيادات الألفاظ، وهذا نوع من الكلام شريف، لا يتعلق به إلا فرسان ~~البلاغة من سبق الى غايتها وما صلى، وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلى، ms336 ~~وذلك لعلو مكانه، وتعذر إمكانه. # والنظر فيه إنما هو إلى المعاني لا إلى الألفاظ، ولست أعني بذلك أن تهمل ~~الألفاظ، بحيث تعرى عن أوصافها الحسنة، بل أعني أن مدار النظر في هذا النوع ~~إنما يختص بالمعاني، فرب لفظ قليل يدل على معنى كثير، ورب لفظ كثير يدل على ~~معنى قليل. # ومثال هذا كالجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم الكثيرة، فمن ينظر إلى ~~طول الألفاظ يؤثر الدراهم بكثرتها، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر الجوهرة ~~الواحدة لنفاستها، ولهذا سمى النبي -صلى اله عليه وسلم- الفاتحة "أم ~~الكتاب"، وإذا نظرنا إلى مجموعها، وجدناه يسيرا، وليست من الكثرة إلى غاية ~~تكون بها أم "البقرة"، و"آل عمران"، وغيرهما من السور الطوال، فعلمنا حينئذ ~~أن ذلك الأمر يرجع إلى معانيها. ### ||| معاني القرآن: # والكلام في هذا الموضع يخرج بنا إلى غير ما نحن بصدده؛ لأنه يحتاد فيه ~~إلى ذكر المراد بالقرآن الكريم، وما يشتمل عليه سوره، وآياته إلى حصر أقسام ~~معانيه، لكنا نشير في ذلك إشارة خفيفة، فنقول: # المراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى الله تعالى، ولذلك انحصرت سوره، ~~وآياته في ستة أقسام ثلاثة منها هي الأصول، وثلاثة هي الفروع. PageV02P209 # أما الأصول: # فالأول منها: تعريف المدعو إليه، وهو الله تعالى، ويشتمل هذا الأصل على ~~ذكر ذاته وصفاته وأفعاله. # والأصل الثاني: تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إلى ~~الله تعالى، ويشتمل هذا الأصل على التبتل بعبادة الله بأفعال القلوب، ~~وأفعال الجوارح. # والأصل الثالث: تعريف الحال بعد الوصول إلى الله تعالى، أعني بعد الموت، ~~ويشتمل هذا الأصل على تفصيل أحوال الدار الآخرة من الجنة، والنار والصراط ~~والميزان، والحساب، وأشباه ذلك. # فهذه الأصول الثلاثة. # وأما الفروع: # فالأول منها: تعريف أحوال المجيبين للدعوة، ولطائف صنع الله بهم من ~~النصرة والإدالة، وتعريف أحوال المخالفين للدعوة والمحادين لها، وكيفية صنع ~~الله في التدمير عليهم، والتنكير بهم. # والفرع الثاني: ذكر مجادلة الخصوم ومحاجتهم، وحملهم بالمجادلة والمحاجة ~~على طريق الحق، وهؤلاء هم اليهود والنصارى، ومن يجري مجراهم من أرباب ~~الشرائع، والفلاسفة والملحدة من غير ms337 أرباب الشرائع. # والفرع الثالث: تعريف عمارة منازل الطريق، وكيفية أخذ الزاد والأهبة ~~للاستعداد، وذاك قياس الشريعة وتبيين الحكمة في أوامرها التي تتعلق بأفعال ~~أهل التكليف. # فهذه الأقسام الستة المشار إليها هي التى تدور معاني القرآن عليها، ولا ~~تتعداها. وههنا تقسيم آخر يطول الخطاب فيه، ولا حاجة إلى ذكره. # وإذا نظرنا إلى سورة الفاتحة، وتأملنا ما فيها من المعاني وجدناها مشتملة ~~على أربعة أقسام من الستة المذكورة، ولذلك سماها النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- "أم الكتاب". PageV02P210 # كما أنه قال: "إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن"، وإذا نظرنا في الأقسام ~~الستة، وجدنا سورة الإخلاص بمنزلة ثلث القرآن. # وكذلك قال -صلى الله عليه وسلم: "آية الكرسي سيدة آي القرآن". # ويروى أنه سأل أبي بن كعب1 -رضي الله عنه- فقال: "أي آية معك في كتاب ~~الله أعظم" ? فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} 2، فضرب على صدره، ~~وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر"، وكل هذا يرجع إلى المعاني لا إلى الألفاظ، ~~فاعرف ذلك وبينه لرموزه وأسراره. # واعلم أن جماعة من مدعي علم البيان ذهبوا إلى أن الكلام ينقسم قسمين: ~~فمنه ما يحسن فيه الإيجاز، كالأشعار والمكاتبات. # ومنه ما يحسن فيه التطويل كالخطب والتقليدات، وكتب الفتوح التي تقرأ في ~~ملأ من عوام الناس، فإن الكلام إذا طال في مثل ذلك أثر عندهم وأفهمهم، ولو ~~اقتصر فيه على الإيجاز، والإشارة لم يقع لأكثرهم، حتى يقال في ذكر الحرب: ~~"التقى الجمعان، وتطاعن الفريقان، واشتد القتال .... # " وحمي النضال، وما جرى هذا المجرى. # والمذهب عندي في ذلك ما أذكره، وهو أن يفهم العامة ليس شرطا معتبرا في ~~اختيار الكلام؛ لأنه لو كان شرطا لوجب على قياسه أن يستعمل في الكلام ~~الألفاظ العامية المبتذلة عندهم، ليكون ذلك أقرب إلى فهمهم؛ لأن العلة في ~~اختيار تطويل الكلام إذا كانت فهم العامة إياه، فكذلك تجعل تلك العلة ~~بعينها في اختيار المبتذل من الكلام، فإنه لا خلاف في أن العامة إلى فهمه ~~أقرب من فهم ما يقل ابتذالهم إياه، وهذا شيء مدفوع. PageV02P211 # وأما الذي يجب ms338 توخيه واعتماده، فهو أن يسلك المذهب القويم في تركيب ~~الألفاظ على المعاني، بحيث لا تزيد هذه على هذه، مع الإيضاح والإبانة، وليس ~~على مستعمل ذلك أن يفهم العامة كلامه، فإن نور الشمس إذا لم يره الأعمى لا ~~يكون ذلك نقصا في استنارته، وإنما النقص في بصر الأعمى، حيث لم يستطع النظر ~~إليه. # علي نحت القوافي من معادنها %~% وما علي بأن لا تفهم البقر # وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع، فلنرجع إلى ما هو غرضنا، ومهمنا من ~~الكلام على الإيجاز وحده وأقسامه، ونوضح ذلك إيضاحا جليا، والله الموفق ~~للصواب، فنقول: ### ||| حد الإيجاز: # هو دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه. # والتطويل هو ضد ذلك، وهو أن يدل المعنى بلفظ يكفيك بعضه في الدلالة عليه، ~~كقول الهجير السلولي1 من أبيات الحماسة: # طلوع الثنايا بالمطايا وسابق %~% إلى غاية من يبتدرها يقدم2 # فصدر هذا البيت فيه تطويل لا حاجة إليه، وعجزه من محاسن الكلام ~~المتواصفة، وموضع التطويل من صدره أنه قال: "طلوع الثنايا بالمطايا"، فإن ~~لفظة المطايا فضلة لا حاجة إليها. PageV02P212 # وبيان ذلك أنه لا يخلو الأمر فيها من وجهين: # إما أن يريد أنه سابق الهمة إلى معالي الأمور، كما قال الحجاج على المنبر ~~عند وصوله العراق: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا1 # أي: أنا الرجل المشهور السابق إلى معالي الأمور: # فإن أراد العجير بقوله: "طلوع الثنايا" ما أشرت إليه، فذكر "المطايا" ~~يفسد ذلك المعنى؛ لأن معالي الأمور لا يرقى إليها بالمطايا. # وإن أراد الوجه الآخر، وهو أنه كثير الأسفار، فاختصاصه الثنايا بالذكر ~~دون الأرض من المفاوز وغيرها لا فائدة فيه. # وعلى كلا الوجهين فإن ذكر المطايا فضلة لا حاجة إليه، وهو تطويل بارد عث. # فقس على هذا المثال ما يجري مجراه من التطويلات التي إذا أسقطت من الكلام ~~بقي على حاله لم يتغير شيء. # وكذلك يجري الأمر في ألفاظ يوصل بها الكلام، فتارة تجيء لفائدة، وذلك ~~قليل، وتارة تجيء لغير فائدة، وذلك كثير، وأكثر ما ترد في الأشعار ليوزن ~~بها الأبيات ms339 الشعرية، وذلك نحو قولهم: أعمري، ولعمرك، ونحو: أصبح، وظل ~~وأضحى وبات، وأشبها ذلك، ونحو: يا صاحبي ويا خليلي، وما يجري هذا المجرى. # فمما جاء منه قول أبي تمام: # أقروا -لعمري- لحكم السيوف %~% وكانت أحق بفضل القضاء2 PageV02P213 # فإن قوله: "لعمري" زيادة لا حاجة للمعنى إليها، وهي حشو في الكلام، لا ~~فائدة فيه إلا إصلاح الوزن لا غير. # ألا ترى أنها من باب القسم، وإنما يرد القسم في موضع يؤكد به المعنى ~~المراد، إما أنه مما يشك فيه، أو مما يعز وجوده، أو ما جرى هذا المجرى، ~~وهذا البيت الشعري لا يفتقر معناه إلى توكيد قسمي، إذ لا شك في أن السيوف ~~حاكمة، وأن كل أحد يقر لحكمها، ويذعن لطاعتها. # وكذلك قوله: أيضا: # إذا أنا لم ألم عثرات الدهر %~% بليت به الغداة فمن ألوم1 # فقوله: "الغداة" زيادة لا حاجة بالمعنى إليها؛ لأنه يتم بدونها؛ لأن ~~عثرات الدهر لم تنله الغداة ولا العشي، وإنما نالته، ونيلها إياه لا بد، ~~وأن يقع في زمن من الأزمنة كائنا ما كان، ولا حاجة إلى تعيينه بالذكر. # وعلى هذا ورد قول البحتري: # ما أحسن الأيام إلا أنها %~% يا صاحبي إذا مضت لم ترجع2 # فقوله: "يا صاحبي" زيادة لا حاجة بالمعنى إليها، إلا أنها وردت لتصحيح ~~الوزن لا غير. # وهذه الألفاظ التي ترد في الأبيات الشعرية لتصحيح الوزن لا عيب فيها؛ ~~لأنا لو عبناها على الشعراء لحجرنا عليهم وضيقنا، والوزن يضطر في بعض ~~الأحوال إلى مثل ذلك. PageV02P214 # لكن إذا وردت في الكلام المنثور، فإنها إن وردت حشوا، ولم ترد لفائدة ~~كانت عيبا. # وقد ترد في الأبيات الشعرية، ويكون ورودها لفائدة، وذلك هو الأحسن، كقول ~~البحتري: # قوم أهانوا الوفر حتى أصبحوا %~% أولى الأنام بكل عرض وافر1 # فقوله: "أصبحوا" بمعنى صاروا أولى الناس بالأعراض الوافرة، وهذه اللفظة ~~لم ترد في هذا البيت حشوا كما وردت في بيتي أبي تمام المقدم ذكرهما. # وسأزيد هذا الموضع بيانا بمثال أضربه للتطويل، حتى يستدل به على أمثاله ~~وأشباهه، والمثال الذي أضربه هو حكاية أوردت بمحضر ms340 مني، وذاك أنه جلس إلي ~~في بعض الأيام جماعة من الإخوان، وأخذوا في مفاوضة الأحاديث، وانساق ذلك ~~إلى ذكر غرائب الوقائع التي تقع في العالم، فذكر كل من الجماعة شيئا، فقال ~~شخص منهم: إني كنت بالجزيرة العمرية في زمن الملك فلان، وكنت إذ ذاك صبيا ~~صغيرا، فاجتمعت أنا ونفر من الصبيان في الحارة الفلانية، وصعدنا إلى سطح ~~طاحون لبني فلان، وأخذنا نلعب على السطح، فوقع صبي منا إلى أرض الطاحون، ~~فوطئه بغل من بغال الطاحون، فخفنا أن يكون أذاه فأسرعنا النزول إليه، ~~فوجدناه قد وطئه البغل، فختنه ختانة صحيحة حسنة لا يستطيع الصانع الخاذق أن ~~يفعل خيرا منها، فقال له شخص من الحاضرين: والله إن هذا عي فاحش، وتطويل ~~كثير لا حاجة إليه، فإنه بصدد أن تذكر أنك كنت صبيا تلعب مع الصبيان على ~~سطح الطاحون، فوقع صبي منكم إلى أرض الطاحون فوطئه بغل من بغال الطاحون، ~~فختنه ولم يؤذه، ولا فرق بين أن تكون هذه الواقعة في بلد نعرفه أو في بلد ~~لا نعرفه، ولو كانت بأقصى المشرق أو بأقصى المغرب لم يكن ذلك قدحا في ~~غرابتها، وأما أن تذكر أنها PageV02P215 # كانت بالجزيرة العمرية في الحارة الفلانية في طاحون بني فلان، وكان زمن ~~الملك فلان، فإن مثل هذا كله تطويل لا حاجة إليه، والمعنى المقصود يفهم ~~دونه!! # فاعلم أيها الناظر في كتابي هذا أن التطويل هو زيادات الألفاظ في الدلالة ~~على المعاني، ومهما أمكنك حذف شيء من اللفظ في الدلالة على معنى من ~~المعاني، فإن ذلك اللفظ هو التطويل بعينه1. ### ||| قسما الإيجاز: # وأما الإيجاز فقد عرفتك أنه دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه. # وهو ينقسم قسمين: # أحدهما: الإيجاز بالحذف، وهو ما يحذف منه المفرد والجملة؛ لدلالة فحوى ~~الكلام على المحذوف، ولا يكون فيما زاد معناه على لفظه. # والقسم الآخر: ما لا يحذف منه شيء وهو ضربان: # أحدهما: ما ساوى لفظه معناه، ويسمى "التقدير". # والآخر: ما زاد معناه على لفظه، ويسمى "القصر". # واعلم أن القسم الأول -الذي ms341 هو الإيجاز بالحذف- يتنبه له من غير كبير ~~كلفة في استخراجه لمكان المحذوف عنه. # وأما القسم الثاني فإن التنبه له عسر؛ لأنه يحتاج إلى فضل تأمل، وطول ~~فكرة، PageV02P216 # لخفاء ما يستدل عليه، ولا يستنبط ذلك إلا من رسخت قدمه في ممارسة علم ~~البيان، وصار له خليقة وملكة. # ولم أجد أحدا علم هذين القسمين بعلامة، ولا قيدهما بقيد، وقد أشرت إلى ~~ذلك فيما يأتي من هذا الباب عند تفصيل أمثلتهما، فليؤخذ من هناك. # فإن قيل: إن هذا التقسيم الذي قسمته في المحذوف، وغير المحذوف ليس بصحيح؛ ~~لأن المعاني ليس أجساما كالألفاظ حتى يصح التقدير بينهما، ثم لو سلمت جواز ~~التقدير في المساواة لم أسلم لجواز الزيادة، فليس لقائل أن يقول: هذا ~~المعنى زائد على هذا اللفظ؛ لأنه إن قال ذلك قيل: فمن أين فهمت تلك الزيادة ~~الخارجة عن اللفظ، وقد علم أن الألفاظ إنما وضعت للدلالة على إفهام ~~المعاني؟، فإن قال: إنها فهمت من شيء خارج عن اللفظ، قيل له: فتلك الزيادة ~~بإزاء ذلك الشيء الخارج عن اللفظ، والباقي مساو للفظ، وإن قال: إنها فهمت ~~من اللفظ، قيل: فكيف تفهم منه وهي زائدة عليه، فإن قال: إنها فهمت من ~~تركيبه؛ لأن التركيب أمر زائد على اللفظ، قيل: الألفاظ تدل بانفرادها على ~~معنى، وبتركيبها على معنى آخر، واللفظ المركب يدل على معنى مركب، واللفظ ~~المفرد يدل على معنى مفرد، وتلك الزيادة إن أريد بها زيادة معنى المركب على ~~المركب، فلا يخلو: إما أن تكون تلك الزيادة مفهومة من دلالة اللفظ المركب ~~عليها، أو دلالة شيء خارج، فإن كانت مفهومة من دلالته عليها لم تكن زائدة ~~عليه، إذ لو كانت زائدة عليه لما دل عليها، وإن كانت مفهومة من دلالة الشيء ~~الخارج عنه، فهي بإزاء ذلك الشيء الخارج، والباقي مساو للباقي! # فالجواب عن ذلك أن نقول: # هذا الذي ذكره كلام شبيه بالسفسطة، وهو باطل من وجهين: # أحدهما: أن المعاني إذا كانت لا تزيد على الألفاظ، فيلزم من ذلك أن ~~الألفاظ لا تزيد أيضا على ms342 المعاني؛ لأنهما متلازمان على قياسك، ونحن نرى ~~معنى قد دل عليه PageV02P217 # بألفاظ، فإذا أسقط من تلك الألفاظ شيء لا ينقص ذلك المعنى، بل يبقى على ~~حاله. # والوجه الآخر: أن الإيجاز بالحذف أقوى دليلا على زيادة المعاني على ~~الألفاظ؛ لأنا نرى اللفظ يدل على معنى لم يتضمنه، وفهم ذلك المعنى ضرورة لا ~~بد منه، فعلمنا حينئذ أن ذلك المعنى الزائد على اللفظ مفهوم من دلالته ~~عليه. # فإن قيل: إن المعنى الزائد على اللفظ المحذوف لا بد له من تقدير لفظ آخر ~~يدل عليه، وتلك الزيادة بإزاء اللفظ المقدر. # قلت في الجواب عن ذلك: # هذا لا ينقض ما ذهبت إليه من زيادة المعنى على اللفظ؛ لأن المعنى ظاهر، ~~واللفظ الدال عليه مضمر، وإذا كان مضمرا فلا ينطق به، وإذا لم ينطق به ~~فكأنه لم يكن، وحينئذ يبقى المعنى موجودا، واللفظ الدال عليه غير موجود، ~~وكذلك كل ما يعلم من المعاني بمفهوم الخطاب. # ألا ترى أنك إذا قلت لمن دخل عليك: "أهلا وسهلا"، علم أن الأهل والسهل ~~منصوبان بعامل محذوف، تقديره: "وجدت أهلا ولقيت سهلا"، إلا أن لفظتي "وجدت" ~~و"لقيت" محذوفتان، والمعنى الذي دل عليه باق، فصار المعنى حينئذ مفهوما مع ~~حذفهما، فهو إذا زائد لا محالة، وكذلك جميع المحذوفات على اختلافها، وتشعب ~~مقاصدها، وهذا لا نزاع فيه لبيانه ووضوحه. # وقد سنح لي في زيادة المعنى على اللفظ في غير المحذوفات دليل أنا ذاكره، ~~وهو أنا نجد من الكلام ما يدل على معنيين وثلاثة، واللفظ واحد، والمعاني ~~التي تحته متعددة. # فأما الذي يدل على معنيين: فالكنايات جميعها، كالذي ورد في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه -رضي الله عنهم- أنهم كانوا إذا ~~خرجوا من عنده لا يتفرقون إلا عن ذواق، وهذا يدل على معنيين: # أحدهما: إطعام الطعام أي أنهم لا يخرجون من عنده حتى يطعموا. PageV02P218 # الآخر: أنهم لا يتفرقون إلا عن استفادة علم، وأدب يقوم لأنفسهم مقام ~~الطعام لأجسامهم. # وأما الذي يدل على ثلاثة معان، فكقول أبي الطيب المتنبي: # وأظلم أهل ms343 الظلم من بات حاسدا %~% لمن بات في نعمائه يتقلب1 # فهذا يدل على معان: # الأول: أنه يحسد من أنعم عليه. # الثاني: ضد الأول. # الثالث: أنه يحسد كل رب نعمة كائنا من كان: أي يحسد من بات في نعماء نفسه ~~يتقلب. # وهذا وأمثاله من أدل الدليل على زيادة المعنى على اللفظ، وهو شيء ~~استخرجته، ولم يكن لأحد فيه قول سابق! # وحيث فرغنا من الكلام على هذا الموضع، فلنتبعه بذكر أقسام الإيجاز المشار ~~إليها أولا، وما ينصرف إليه، فنقول: ### |||| الايجاز بالحذف: # أما الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر شبيه بالسحر، وذاك أنك ترى فيه ترك ~~الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة. # وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون مبينا إذا لم تبين، وهذه ~~جملة تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر. PageV02P219 # والأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل ~~على المحذوف، فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف، فإنه لغو من الحديث، لا ~~يجوز بوجه، ولا سبب. # ومن شرط المحذوف في حكم البلاغة أنه متى أظهر صار الكلام إلى شيء غث، لا ~~يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة والحسن. # وقد يظهر المحذوف بالإعراب كقولنا: أهلا وسهلا، فإن نصب الأهل والسهل يدل ~~على ناصب محذوف، وليس هذا من الحسن ما للذي لا يظهر بالإعراب، وإنما يظهر ~~بالنظر إلى تمام المعنى، كقولنا: فلان يحل ويعقد، فإن ذلك لا يظهر المحذوف ~~فيه بالإعراب، وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى، أي أنه يحل الأمور ~~ويعقدها. # والذي يظهر بالإعراب يقع في المفردات من المحذوفات كثيرا، والذي لا يظهر ~~بالإعراب يقع في الجمل من المحذوفات كثيرا. # وسأذكر في كتابي هذا ما وصل إلي علمه، وهو ينقسم قسمين: # أحدهما: حذف الجمل. # والأخر: حذف المفردات. # وقد يرد كلام بعض المواضع، ويكون مشتملا على القسمين معا. PageV02P220 ### ||||| القسم الأول: حذف الجمل # فأما القسم الأول، وهو الذي تحذف منه الجمل، فإنه ينقسم إلى قسمين أيضا: # أحدهما: حذف الجمل المفيدة التي تستقل بنفسها كلاما، وهذا ms344 أحسن المحذوفات ~~جميعها، وأدلها على الاختصار ولا تكاد تجده إلا في كتاب الله تعالى. # والقسم الآخر: حذف الجمل غير المفيدة، وقد وردا ههنا مختلطين. # وجملتهما أربعة أضرب: ### |||||| الضرب الأول: حذف السؤال المقدر "ويسمى الاستئناف" # ويأتي على وجهين: ### ||||||| الوجه الأول: إعادة الأسماء والصفات # وهذا يجيء تارة بإعادة اسم من تقدم الحديث عنه، كقولك: أحسنت إلى زيد زيد ~~حقيق بالإحسان. # وتارة يجيء بإعادة صفته، كقولك: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك ~~منك. # وهو أحسن من الأول وأبلغ، لانطوائه على بيان موجب للإحسان وتخصيصه. # فمما ورد من ذلك قوله تعالى: {الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، ~~الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون} 1. # والاستئناف واقع في هذا الكلام على: {وأولئك} ؛ لأنه لما قال: {الم، ذلك ~~الكتاب} إلى قوله: {وبالآخرة هم يوقنون} ، اتجه لسائل أن يقول: ما بال ~~المستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى? فأجيب بأن أولئك الموصوفين غير ~~مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا، وبالفلاح آجلا. ### ||||||| الوجه الثاني: الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات # وذلك كقوله تعالى: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون، أأتخذ من ~~دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون، إني إذا ~~لفي ضلال PageV02P221 # مبين، إني آمنت بربكم فاسمعون، قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون، ~~بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} 1. # فمخرج هذا القول مخرج الاستئناف؛ لأن ذلك من مظان المسألة عن حاله عند ~~لقاء ربه. # وكأن قائلا قال: كيف حال هذا الرجل عند لقاء ربه بعد ذلك التصلب في دينه، ~~والتسخي لوجهه بروحه? فقيل: {قيل ادخل الجنة} ، ولم يقل: قيل له، لانصباب ~~الغرض إلى المقول لا إلى المقول له مع كونه معلوما. # وكذلك قوله تعالى: {يا ليت قومي يعلمون} ، مرتب على تقدير سؤال سائل عما ~~وجد. # ومن هذا النحو قوله عزوجل: {يا قوم اعملوا على ms345 مكانتكم إني عامل سوف ~~تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب} 2. # والفرق بين إثبات الفاء في سوف كقوله تعالى: {يا قوم اعملوا على مكانتكم ~~إني عامل فسوف تعلمون، من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم} 3. وبين ~~حذف الفاء ههنا في هذه الآية أن إثباتها وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، وحذفها ~~وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: فماذا ~~يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا، وعملت أنت? فقال: {سوف تعلمون} ، فوصل ~~تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف للتفنن في البلاغة، وأقوى الوصلين وأبلغهما ~~الاستئناف? وهو قسم من أقسام علم البيان تكثر محاسنه، فاعرفه إن شاء الله ~~تعالى. PageV02P222 ### |||||| الضرب الثاني: الاكتفاء بالسبب عن المسبب، وبالمسبب عن السبب # فأما الاكتفاء بالسبب عن المسبب، فكقوله تعالى: {وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين، ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول ~~عليهم العمر} 1، كأنه قال: وما كنت شاهدا لموسى، وما جرى له وعليه ولكنا ~~أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة، ودل به على المسبب ~~الذي هو الوحي، على عادة اختصارات القرآن؛ لأن تقدير الكلام: ولكنا أنشأنا ~~بعد عهد الوحي إلى موسى إلى عهدك قرونا كثيرة، فتطاول على آخرهم -وهو القرن ~~الذي أنت فيهم- العمر: أي أمد انقطاع الوحي، فاندرست العلوم، فوجب إرسالك ~~إليهم، فأرسلناك، وعرفناك العلم بقصص الأنبياء، وقصة موسى، فالمحذوف إذا ~~جملة مفيدة، وهي جملة مطولة دل السبب فيها على المسبب. # وكذلك ورد قوله تعالى عقيب هذه الآية أيضا: {وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم ~~يتذكرون} 2. # فإن في هذا الكلام محذوفا لولاه لما فهم؛ لأنه قال: {وما كنت بجانب الطور ~~إذ نادينا ولكن رحمة من ربك} ، وهذا لا بد له من محذوف حتى يستقيم نظم ~~الكلام، وتقديره: ولكن عرفناك ذلك، وأوحينا إليك رحمة من ربك؛ لتنذر قوما ~~ما أتاهم من نذير من قبلك، فذكر الرحمة التي هي سبب ms346 إرساله إلى الناس، ودل ~~بها على المسبب الذي هو الإرسال. # وأما حذف الجملة غير المفيدة من هذا الضرب، فنحو قوله تعالى حكاية عن ~~مريم عليها السلام: {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا، ~~قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا} ~~3. PageV02P223 # فقوله: {ولنجعله آية للناس} ، تعليل معلله محذوف: أي وإنما فعلنا ذلك ~~لنجعله آية للناس، فذكر السبب الذي صدر الفعل من أجله، وهو جعله آية للناس، ~~ودل به على المسبب الذي هو الفعل. # ومما ورد من ذلك في الأخبار النبوية قصة الزبير بن العوام -رضي الله عنه- ~~والرجل الأنصاري الذي خاصمه في شراح الحرة1 التي يسقي منها النخل، فلما ~~حضرا بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال للزبير: "اسق ثم أرسل ~~الماء إلى جارك"، فغضب الأنصاري، وقال: "يا رسول الله إن كان ابن عمتك"؟، ~~فتلون وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: "اسق يا زبير، ثم احبس ~~الماء حتى يرجع إلى الجدر"، وفي هذا الكلام محذوف تقديره، أن كان ابن عمتك ~~حكمت له؟، أوقضيت له، أو ما جرى هذا المجرى، فذكر السبب الذي هو كونه ابن ~~عمته، ودل به على المسبب الذي هو الحكم أو القضاء، لدلالة الكلام عليه. # وأما الاكتفاء بالمسبب عن السبب، فكقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم} 2، أي: إذا أردت قراءة القرآن، فاكتفى بالمسبب ~~الذي هو القراءة، عن السبب الذي هو الإرادة. # والدليل على ذلك أن الاستعاذة قبل القراءة، والذي دلت عليه أنها بعد ~~القراءة، كقول القائل: "إذا ضربت زيدا فاجلس"، فإن الجلوس إنما يكون بعد ~~الضرب، لا قبله. # وهذا أولى من تأول من ذهب إلى أنه أراد فإذا تعوذت فاقرأ، فإن "في" ذلك ~~قلبا لا ضرورة تدعو إليه، وأيضا فليس كل مستعيذ واجبة عليه القراءة. # وعلى هذا ورد قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} 3. ~~PageV02P224 # والوضوء إنما يكون قبل الصلاة، لا عند القيام إليها؛ لأن القيام إليها هو ~~مباشرة لأفعالها ms347 من الركوع والسجود، والقراءة وغير ذلك، وهذا إنما يكون بعد ~~الوضوء، وتأويل الآية: إذا أردت القيام إلى الصلاة فاغسل، فاكتفى بالمسبب ~~عن السبب. # وكذلك ورد قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة ~~فليتوضأ". # أي: إذا أراد القيام إلى الصلاة، وإنما عبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل؛ ~~لأن الفعل مسبب عن الإرادة، وهو مع القصد إليه موجود، فكان منه بسبب ~~وملابسة ظاهرة. # ومن ذلك قوله تعالى: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا} 1. # أي: فضرب فانفجرت منه، فاكتفى بالمسبب -الذي هو الانفجار- عن السبب الذي ~~هو الضرب. PageV02P225 ### |||||| الضرب الثالث: وهو الإضمار على شريطة التفسير # وهو أن يحذف من صدر الكلام ما يؤتى به في آخره، فيكون الآخر دليلا على ~~الأول. # وهو ينقسم إلى ثلاثة أوجه: ### ||||||| الوجه الأول: أن يأتي على طريق الاستفهام # فتذكر الجملة الأولى دون ~~الثانية، كقوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ~~فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} ، تقدير الآية: أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام كمن أقسى قلبه، ويدل على المحذوف قوله: {فويل ~~للقاسية قلوبهم} . PageV02P225 ### ||||||| الوجه الثاني: يرد على حد النفي والإثبات # كقوله تعالى: {لا يستوي منكم ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا} 1، تقديره: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق ~~من بعده وقاتل، ويدل على المحذوف قوله: {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا ~~من بعد وقاتلوا} . ### ||||||| الوجه الثالث: أن يرد على غير هذين الوجهين # فلا يكون استفهاما، ولا نفيا ~~وإثباتا، وذلك كقول أبي تمام2: # يتجنب الآثام ثم يخافها %~% فكأنما حسناته آثام # وهذا البيت تختلف نسخ ديوانه في إثباته، فمنها ما يجيء فيه: # يتجنب الأيام خيفة غيها %~% فكأنما حسناته آثام # وليس بشيء؛ لأن المعنى لا يصح به. # وكنت سئلت عن معناه، وقيل: كيف ينطبق عجز البيت على صدره، وإذا تجنبت ~~الآثام وخافها، فكيف تكون حسناته آثاما? ففكرت فيه، وأنعمت نظري، فسنح لي ms348 ~~في القرآن الكريم آية مثله، وهي قوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة} 3، وفي صدر البيت إضمار فسر في عجزه، وتقديره أنه يتجنب الآثام، ~~فيكون قد أتى بحسنة، ثم يخاف تلك الحسنة، فكأنما حسناته آثام، وهو على طباق ~~الآية سواء. # ومن الإضمار على شريطة التفسير قال أبي النواس: # سنة العشاق واحدة %~% فإذا أحببت فاستكن # فحذف لفظ الاستكانة من الأول، وذكره في الثاني: أي سنة العشاق واحدة، وهي ~~الاستكانة، فإذا أحببت فاستكن، ومن الناس من يقول: "فإذا أحببت فاستنن"، ~~وهذا لا معنى له؛ لأنه إذا لم يبين سنة العشاق ما هي، فبأي شيء يستن المسنن ~~منها، لكنه ذكر السنة في صدر البيت من غير بيان، ثم بينها في عجزه. ~~PageV02P226 ### |||||| الضرب الرابع: ما ليس بسبب ولا مسبب، ولا إضمار على شريطة التفسير، ولا استئناف # فأما ما حذف فيه من الجمل المفيدة، فكقوله تعالى في سورة يوسف عليه ~~السلام: {قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما ~~تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، وقال الملك ~~ائتوني به} 1. # قد حذف من هذا الكلام جملة مفيدة تقديرها: فرجع الرسول إليهم، فأخبرهم ~~بمقالة يوسف، فعجبوا لها، أو فصدقوه عليها، وقال الملك: ائتوني به. # والمحذوف إذا كان كذلك دل عليه دلالة ظاهرة؛ لأنه إذا ثبتت حاشيتا الكلام ~~وحذف وسطه ظهر المحذوف لدلالة الحاشيتين عليه. # وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا: {فلما أن جاء البشير ألقاه على ~~وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون، قالوا يا ~~أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين، قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو ~~الغفور الرحيم، فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين} 2. PageV02P227 # قد حذف أيضا من هذا الكلام جملة مفيدة، تقديرها: ثم إنهم تجهزوا وساروا ~~إلى مصر، فلما ms349 دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه. # وقد ورد هذا الضرب في القرآن الكريم كثيرا، كقوله تعالى في سورة القصص: ~~{وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم ~~له ناصحون، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها} 1. # في هذا محذوف، وهو جواب الاستفهام؛ لأنها لما قالت: {فقالت هل أدلكم على ~~أهل بيت يكفلونه لكم} ؟ احتاج إلى جواب لينتظم بما بعده من رده إلى أمه، ~~والجواب: فقالوا: نعم، فدلتهم على امرأة، فجيء بها وهي أمه، ولم يعلموا ~~بمكانها، فأرضعته، وهذه الجملة الثانية -أعني قوله تعالى: {فرددناه إلى ~~أمه} - تدل على المحذوف؛ لأن رده إلى أمه لم يكن إلا بعد رد الجواب على ~~أخته، ودلالتها إياهم على امرأة ترضعه. # ويكفي هذا الموضع وحده لمن تبصر في مواقع المحذوفات وكيفيتها. # ومما يجري على هذا المنهج قوله تعالى في قصة سليمان -عليه السلام- وقصة ~~الهدهد في إرساله بالكتاب إلى بلقيس: {قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، ~~اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون، قالت يا أيها ~~الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم} 2. # وفي هذا محذوف تقديره: فأخذ الكتاب وذهب به، فلما ألقاه إلى المرأة، ~~وقرأته قالت: يا أيها الملأ. # ومن حذف الجمل المفيدة ما يعسر تقدير المحذوف منه، بخلاف ما تقدم. # ألا ترى أن الآيات المذكورة كلها إذا تأملها المتأمل وجد معانيها متصلة ~~من غير PageV02P228 # تقدير للمحذوفات التي حذفت منها، ثم إذا قدر تلك المحذوفات سهل تقديرها ~~ببديهة النظر. # والذي أذكره الآن ليس كذلك، بل إذا تأمله المتأمل وجده غير متصل المعنى، ~~وإذا أراد أن يقدر المحذوف عسر عليه. # فمما جاء منه قوله تعالى: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من ~~فواق، وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، اصبر على ما يقولون واذكر ~~عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب} 1، فهذا الكلام إذا تأمله المتأمل لم يجده ~~متصل المعنى، ولم يتبين له مجيء ذكر داود عليه السلام ردفا لقوله تعالى: ~~{اصبر على ما ms350 يقولون} ، وإذا أراد أن يقدر ههنا محذوفا يوصل به المعنى عسر ~~عليه، وتقديره يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قال: {اصبر على ما يقولون} ، ~~وخوفهم أمر معصية الله، وعظمها في عيونهم بذكر قصة داود الذي كان نبيا من ~~الأنبياء، وقد آتاه الله ما آتاه من النبوة والملك العظيم، ثم لما زل زلة ~~قوبل بكذا وكذا، فما الظن بكم أنتم مع كفركم? # الوجه الآخر: أنه قال: {اصبر على ما يقولون} ، واحفظ نفسك أن تزل في شيء ~~مما كلفته من مصابرتهم، واحتمال أذاهم واذكر أخاك داود، وكرامته على الله ~~كيف زل تلك الزلة، فلقي من توبيخ الله ما لقي!! # فهذا الكلام كما تراه يحتاج إلى تقدير حتى يتصل بعضه ببعض، وهو من أغمض ~~ما يأتي من المحذوفات، وبه تنبيه على مواضع أخرى غامضة. # وأما ما ورد من هذا الضرب في حذف الجمل التي ليست بمفيدة، فنحو قوله ~~تعالى: {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا، قال ~~رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا، قال كذلك ~~قال ربك هو علي PageV02P229 # هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا، قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاث ليال سويا، فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة ~~وعشيا، يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا} 1. # هذا الكلام قد حذف منه جملة دل عليها صدره، وهو البشرى بالغلام، ~~وتقديرها: ولما جاءه الغلام ونشأ وترعرع قلنا له: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، ~~فالجملة المحذوفة ليست من الجمل المفيدة. # على هذا النهج ورد قوله تعالى: {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما ~~فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري، قالوا لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا، ألا ~~تتبعن أفعصيت أمري، قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن ~~تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ms351 ترقب قولي} 2. # وقد حذف من هذا الكلام جملة، إلا أنها غير مفيدة، وتقديرها: فلما رجع ~~موسى، ورآهم على تلك الحالة من عبادة العجل قال لأخيه هارون: ما منعك إذ ~~رأيتهم ضلوا ألا تتبعني؟ # وكذلك ورد قوله تعالى في قصة سليمان -عليه السلام- من سورة النمل: {قال ~~يا أيها الملأ 3 أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريت من ~~الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين، قال الذي عنده ~~علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال ~~هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن ربي غني كريم، قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا ~~يهتدون} 4. PageV02P230 # وفي هذا محذوف تقديره: فلما جاء به قال: {نكروا لها عرشها} ؛ لأن تنكيره ~~لم يكن إلا بعد أن جيء به إليه، وقد أغنى عن المحذوف # صدر الكلام وآخره، وكان ذلك دليلا عليه. # ومما ورد على ذلك شعرا قول أبي الطيب المتنبي1: # لا أبغض العيس لكني وقيت بها %~% قلبي من الهم أو جسمي من السقم2 # وهذا البيت فيه محذوف، تقديره: لا أبغض العيس لإنضائي إياها في الأسفار، ~~ولكني وقيت بها كذا وكذا، فالثاني دليل على حذف الأول. # وهذا موضع يحتاج فيه استخراجه، واستخراج أمثاله إلى فكرة وتدقيق نظر. # ومما يتصل بهذا الضرب حذف ما يجيء بعد "أفعل"، كقولنا: "الله أكبر"، فإن ~~هذا # يحتاج إلى تمام أي أكبر من كل كبير، أو أكبر من كل شيء يتوهم كبيرا، أو ~~ما جرى هذا المجرى. # ومثله يرد قولهم: زيد أحسن وجها، وأكرم خلقا، تقديره أحسن وجها من غيره، ~~وأكرم خلقا من غيره، أو ما يسد هذا المسد من الكلام. # وعليه ورد قول البحتري3: # الله أعطاك المحبة في الورى %~% وحباك بالفضل الذي لا ينكر # ولأنت أملأ في العيون لديهم %~% وأجل قدرا في الصدور وأكبر # أي: أنت أملأ في العيون من غيرك. PageV02P231 ### ||||| القسم الثاني: ms352 حذف المفردات # أما القسم الثاني المشتمل على حذف المفردات، فإنه يتصرف على أربعة عشر ~~ضربا: ### |||||| الضرب الأول: حذف الفاعل والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل # كقول العرب: "أرسلت"، وهم يريدون جاء المطر، ولا يذكرون السماء، ومنه قول ~~حاتم1: # أما وي، ما يغني الثراء عن الفتى %~% إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # يريد: النفس، ولم يجر لها ذكر. # وعلى هذا ورد قوله تعالى: {كلا إذا بلغت التراقي، وقيل من راق} 2، ~~والضمير في: {بلغت} للنفس، ولم يجر لها ذكر. # وقد نص عثمان بن جني -رحمه الله تعالى- على عدم الجواز في حذف الفاعل، ~~وهذه الآية وهذا البيت الشعري، وهذه الكلمة الواردة عن العرب على خلاف ما ~~ذهب إليه3. # إلا أن حذف الفاعل لا يجوز على الإطلاق، بل يجوز فيما هذا سبيله، وذاك ~~أنه لا يكون إلا فيما لا يكون إلا فيما دل الكلام عليه. # ألا ترى أن التي تبلغ التراقي إنما هي النفس، وذلك عند الموت، فعلم حينئذ ~~أن PageV02P232 # النفس هي المرادة، وإن كان الكلام خاليا عن ذكرها، وكذلك قول حاتم" ~~حشرجت"، فإن الحشرجة إنما تكون عند الموت. # وأما قول العرب: "أرسلت" -وهم يريدون أرسلت السماء- فإن هذا يقولونه نظرا ~~إلى الحال، وقد شاع فيما بينهم أن هذه كلمة تقال عند مجيء المطر، ولم ترد ~~في شيء من أشعارهم، ولا في كلامهم المنثور، وإنما يقولها بعضهم لبعض إذا ~~جاء المطر. # فالفرق بينها وبين "حشرجت"، وبين: {بلغت التراقي} ظاهر، وذاك أن "حشرجت"، ~~و {بلغت التراقي} يفهم منها أن النفس التي حشرجت، وأنها هي التي بلغت ~~التراقي. # وأما "أرسلت"، فلولا شاهد الحال، وإلا لم يجز أن تكون دالة على مجيء ~~المطر، ولو قيل في معرض الاستسقاء: "إنا خرجنا نسأل لله، فلم نزل حتى ~~أرسلت"، لفهم من ذلك أن التي أرسلت هي السماء، ولا بد في الكلام من دليل ~~على المحذوف، وإلا كان لغوا لا يلتفت إليه. PageV02P233 ### |||||| الضرب الثاني: حذف الفعل وجوابه # اعلم أن حذف الفعل ينقسم قسمين: # أحدهما يظهر بدلالة المفعول عليه، كقولهم في المثل: "أهلك ms353 والليل"، فنصب، ~~"أهلك" و"الليل" يدل على محذوف ناصب، تقديره: "الحق أهلك وبادر الليل"، ~~وهذا مثل يضرب في التحذير. # وعليه ورد قوله تعالى: {فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها} 1. # ومما ورد منه في الأخبار النبوية أن جابرا تزوج، فقال له رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم: "ما تزوجت"؟ قال: ثيبا؛ فقال له: "فهلا جارية تلاعبها ~~وتلاعبك"، يريد فهلا تزوجت جارية، فحذف الفعل لدلالة الكلام عليه. ~~PageV02P233 # ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يمتدح بها عضد ~~الدولة أبا شجاع بن بويه، ومطلعها1: # فدى لك من يقصر عن مداكا2 # وسأذكر الموضع الذي حذف منه الفعل، وجوابه لتعلق الأبيات بعضها ببعض، وهي ~~من محاسن ما يؤتى به في معنى الوداع، ولم يأت لغيره مثلها، وهي: # إذا التوديع أعرض قال قلبي %~% عليك الصمت لا صاحبت فاكا3 # ولولا أن أكثر ما تمنى %~% معاودة لقلت ولا مناكا4 # قد استشفيت من داء بداء %~% وأقتل ما أعلك ما شفاكا # فأكتم منك نجوانا وأخفي %~% هموما قد أطلت لها العراكا5 # إذا عاصيتها كانت شدادا %~% وإن طوعتها كانت ركاكا6 # وكم دون الثوية من حزين %~% يقول له قدومي: ذا بذاكا7 PageV02P234 # ومن عذب الرضاب إذا أنخنا %~% يقبل رحل تروك والوراكا1 # يحرم أن يمس الطيب بعدي %~% وقد عبق العبير به وصاكا2 # يحدث مقلتيه النوم عني %~% فليت النوم حدث عن نداكا # وما أرضى لمقلته بحلم %~% إذا انتبهت توهمه ابتشاكا3 # ولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي %~% فليتك لا يتيمه هواكا # فقوله: "ولا مناكا" فيه محذوف، تقديره: ولا صاحبت مناكا، وكذلك قوله: ~~"ولا # إلا بأن يصغي وأحكي" فإن فيه محذوفا، تقديره: ولا أرضى إلا بأن يصغي ~~وأحكي. # أما القسم الأخر: فإنه لا يظهر فيه قسم الفعل؛ لأنه لا يكون هناك منصوب ~~يدل عليه، وإنما يظهر بالنظر إلى ملاءمة الكلام. # فمما جاء منه قوله تعالى: {وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم ~~أول مرة} 4. # فقوله: {لقد جئتمونا} ، لقد جئتمونا"يحتاج إلى إضمار فعل: أي فقيل لهم: ~~لقد جئتمونا، أو فقلنا لهم. # وقد استعمل هذا ms354 القرآن الكريم في غير موضع، كقوله تعالى: # {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} 5. ~~PageV02P235 # فقوله: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} يحتاج إلى تقدير الفعل المضمر. # وكذلك ورد قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ~~ما ليس لك به علم فلا تطعهما} 1، فقوله: {وإن جاهداك} ، لا بد له من إضمار ~~القول، أي: وقلنا له: {وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} . # ومن هذا الضرب: إيقاع الفعل على شيئين، وهو لأحدهما، كقوله تعالى: ~~{فأجمعوا أمركم وشركاءكم} 2. # وهو3 لأمركم وحده، وإنما المراد أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ لأن معنى ~~"أجمعوا" من "أجمع الأمر"، إذا نواه، وعزم عليه. # وقد قرأ أبي -رضي الله عنه: "فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم"، وهذا دليل ~~على ما أشرت إليه، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه4. # ومن حذف الفعل باب يسمى "باب إقامة المصدر مقام الفعل". # وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة والتوكيد، كقوله تعالى: {فإذا لقيتم ~~الذين كفروا فضرب الرقاب} 5، قوله: {فضرب الرقاب} ، أصله: فاضربوا الرقاب ~~PageV02P236 # ضربا، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وفي ذلك اختصار، مع إعطاء معنى ~~التوكيد المصدري. # وأما حذف جواب الفعل، فإنه لا يكون في الأمر المحتوم، كقوله تعالى: ~~{فذرهم يخوضوا ويلعبوا} 1، فجزم: {يخوضوا} ، و {ويلعبوا} ؛ لأنهما جواب أمر ~~{فذرهم} . # وحذف الجواب في هذا لا يدخل في باب الإيجاز؛ لأنا إذا قلنا: ذرهم أي: ~~اتركهم لا يحتاج ذلك إلى جواب، وكذلك ما يجري مجراه. # وإنما يكون الجواب بالفاء في ماض، كقولنا: "قلت له: اذهب فذهب"، وحينئذ ~~يظهر الجواب المحذوف، كقوله تعالى: {آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه ~~هارون وزيرا، فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا} ~~2. # ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؟، فإن تقديره: فقلنا اذهبا إلى ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا، فذهبا إليهم، فكذبوهما فدمرناه تدميرا، فذكر ~~حاشيتي القصة أولها وآخرها؛ لأنهما المقصود من القصة بطولها، أعني إلزام ~~الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. # ومن ms355 هذا الضرب قوله تعالى: {قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا ~~له لناصحون، أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون، قال إني ليحزنني ~~أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون، قالوا لئن أكله الذئب ~~ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون، فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة ~~الجب} 3. PageV02P237 # فجواب الأمر من هذا الكلام محذوف، تقديره: فأرسله معهم، ويدلنا على ذلك ~~ما جاء بعده من قوله: {فلما ذهبوا به} . # كما حذف أيضا من قوله عزوجل: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا ~~أنبئكم بتأويله فأرسلون، يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان} 1. ~~الآية. # فجواب الأمر من هذا الموضع محذوف، وتقديره: فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه، ~~فقال له: {يوسف أيها الصديق} . # وكذلك قوله تعالى: {وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ~~ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم، قال ما ~~خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه} 2 الآية. # ففي هذا الكلام حذف، واختصار استغني عنه بدلالة الحال عليه، وتقديره: ~~فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك بالنسوة، وقال لهن: ما ~~خطبكن .... # وهكذا ورد قوله تعالى: {ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين} 3. # وقد حذف جواب الأمر ههنا، وتقديره: فأتوه به، فلما كلمه ..... # وفي سورة يوسف -عليه السلام- محذوفات كثيرة من أولها إلى آخرها. # فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات المذكورة ههنا التي كأنها لم تحذف ~~من هذا الكلام، لظهور معناها وبيانه؟، ودلالة الحال عليه. # وعلى النحو من ذلك ينبغي أن تكون محذوفات الكلام. PageV02P238 ### |||||| الضرب الثالث: حذف المفعول به # وذلك مما نحن بصدده أخص، فإن اللطائف فيه أكثر وأعجب، كقولنا: فلان يحل ~~ويعقد، ويبرم وينقض، ويضر وينفع، والأصل في ذلك على إثبات المعنى المقصود ~~في نفسك للشيء على الإطلاق. # وعلى هذا جاء قوله تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا} 1. # ومن بديع قوله عزوجل: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه ms356 أمة من الناس يسقون ~~ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء ~~وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من ~~خير فقير} 2. # فإن في هاتين الآيتين قد حذف المفعول به في أربعة أماكن، إذ المعنى: وجد ~~أمة3 من الناس يسقون مواشيهم، وامرأتين تذودان مواشيهما، وقالتا: لا نسقي ~~مواشينا، فسقى لهما مواشيهما؛ لأن الغرض أن يعلم أنه كان من الناس سقي: ومن ~~الامرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء4، وأنه كان ~~من موسى عليه السلام بعد ذلك السقي، فأما كون المسقي غنما، وإبلا أو غير ~~ذلك فخارج عن الغرض. # وقد ورد في الشعر من هذا النوع قول البعيث بن حريث5 من أبيات الحماسة6: ~~PageV02P239 # دعاني يزيد بعد ما ساء ظنه %~% وعبس وقد كانا على حد منكب1 # وقد علما أن العشيرة كلها %~% سوى محضري من حاضرين وغيب2 # فالمفعول الثاني من "علما" محذوف؛ لأن قوله: "أن العشيرة" في موضع مفعول ~~"علما" الأول، وتقدير الكلام قد علما أن العشيرة سوى محضري من حاضرين وغيب ~~لا غناء عندهم، أو سواء حضورهم وغيبتهم، أو ما جرى هذا المجرى. # ومن هذا الضرب أيضا: حذف المفعول الوارد بعد المشيئة، والإرادة كقوله ~~تعالى: {لو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} 3. # فمفعول: {شاء} ههنا محذوف، وتقديره ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم ~~لذهب بها. # وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: {لو شاء الله لجمعهم على الهدى} 4. # ومما جاء على مثال ذلك شعرا قول البحتري5: # لو شئت لم تفسد سماحة حاتم %~% كرما ولم تهدم مآثر خالد # الأصل في ذلك: لو شئت ألا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، فحذف ذلك من الأول، ~~استغناء بدلالته عليه في الثاني. # وقد تقدم أن من الواجب في حكم البلاغة ألا تنطق بالمحذوف، ولا تظهره إلى ~~اللفظ، ولو أظهرت لصرت إلى كلام غث. PageV02P240 # ومجيء المشيئة بعد "لو"، وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معداة إلى شيء ~~كثير شائع بين ms357 البلغاء. # ولقد تكاثر هذا الحذف في "شاء" و"أراد" حتى إنهم لا يكادون يبرزون ~~المفعول، إلا في الشيء المستغرب، كقوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا ~~لاصطفى مما يخلق ما يشاء} 1. # على هذا الأسلوب جاء قول الشاعر2: # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته %~% عليه ولكن ساحة الصبر أوسع3 # فلو كان على حد قوله تعالى: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} لوجب أن ~~يقول: ولو شئت لبكيت دما، ولكنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه؛ لأنه أليق ~~في هذا الموضع، وسبب ذلك أنه كان بدعا عجيبا أن يشاء الإنسان أن يبكي دما، ~~فلما كان مفعول المشيئة مما يستعظم، ويستغرب كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر. ~~PageV02P241 ### |||||| الضرب الرابع: وهو حذف المضاف والمضاف إليه، وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر # وذلك باب عريض طويل شائع في كلام العرب، وإن كان أبو الحسن الأخفش1 -رحمه ~~الله- لا يرى القياس عليه. # فأما حذف المضاف، فكقوله تعالى: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل ~~حدب ينسلون} 2، فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج3، وهو سدهما، كما حذف المضاف ~~إلى القرية في قوله تعالى: {واسأل القرية} 4، أي: أهل القرية5. # ومن ذلك أيضا قوله عزوجل: {ولكن البر من اتقى} 6، أي: خصلة من اتقى، وإن ~~شئت كان تقديره، ولكن ذا البر من اتقى، والأول أولى؛ لأن حذف المضاف ~~PageV02P242 # ضرب من الاتساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن الاتساع بحذف الأعجاز ~~أولى منه بحذف الصدور. # وقد حذف المضاف مكررا في قوله تعالى: {فقبضت قبضة من أثر الرسول} 1. # أي: من أثر حافر فرس الرسول. # وهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره. # ومما جاء منه شعرا قول بعضهم2 من شعراء الحماسة: # إذا لاقيت قومي فاسأليهم %~% كفى قوما بصاحبهم خبيرا3 # هل اعفو عن أصول الحق فيهم %~% إذا عسرت وأقتطع الصدورا4 # أراد: أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن والأوغام5؛ أي يزيل ذلك بإحسانه ~~من عفو وغيره، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. # أما حذف المضاف إليه، فإنه قليل الاستعمال. # فمما جاء منه تعالى: {لله الأمر من ms358 قبل ومن بعد} 6، أي: من قبل ذلك ومن ~~بعده. # وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه، كقوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله ~~الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} 7، قيل: أراد ظهر الأرض، فحذف ~~المضاف PageV02P243 # إليه، وليس كذلك، وفإن الهاء والألف قائمة مقام الأرض، ألا ترى أن قوله: ~~"ظهرها" يريد الأرض؛ لأنه ضمير راجع إليها. # وكذلك ورد قول جرير1: # إذا أخذت قيس عليك وخندف %~% بأقطارها لم تدر من أين تسرح2 # وهذا لا يسمى إيجازا، وإنما هو تعويض3 بالضمير عن الضمير. PageV02P244 ### |||||| الضرب الخامس: وهو حذف الموصوف والصفة، وإقامة كل منهما مقام الآخر # ولا يكون اطراده في كل موضع، وأكثره يجيء في الشعر، وإنما كانت كثرته في ~~الشعر دون الكلام المنثور لامتناع القياس في اطراده. # فمما جاء منه في الشعر قول البحتري في أبيات في صفة إيوان كسرى، فقال في ~~ذكر التصاوير التي في الإيوان -وذلك أن الفرس كانت تحارب الروم، فصوروا ~~صورة مدينة "أنطاكية"1 في الإيوان وحرب الروم، والفرس عليها- فمما ذكره في ~~ذلك قوله2: PageV02P244 # وإذا ما رأيت صورة أنط %~% كية ارتعت بين روم وفرس1 # والمنايا مواثل وأنوشر %~% وان يزجي الصفوف تحت الدرفس2 # في اخضرار من اللباس على أص %~% فر يختال في صبيغة ورس # فقوله: "على أصفر" أي: على فرس أصفر، وهذا مفهوم من قرينة الحال؛ لأنه ~~لما قال: "على أصفر" علم بذلك أنه أراد فرسا أصفر. # والصفة تأتي في الكلام على ضربين: # 1- إما للتأكيد والتخصيص. # 2- وإما للمدح والذم. # وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل، لا من مقامات الإيجاز والاختصار، ~~وإذا كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به، هذا، مع ما ينضاف إليه من الالتباس، ~~وضد البيان. # ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بطويل لم يبن من هذا اللفظ الممرور به إنسان ~~هو أم رمح، أم ثوب، أم غير ذلك. # وإذا كان الأمر على هذا فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه، أو ~~شهدت به الحال، وإذا استبهم كان حذفه غير لائق. # ومما يؤكد عندك ضعف حذفه أنك تجد من ms359 الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه، وذاك ~~أن تكون الصفة جملة نحو: مررت برجل قام أبوه، ولقيت غلاما وجهه حسن، ألا ~~تراك لو قلت: مررت بقام أبوه، ولقيت وجهه حسن، لم يجز؟. # وقد ورد حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه في غير موضع من القرآن الكريم، ~~كقوله تعالى: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} 3، فإنه لم يرد أن الناقة كانت ~~مبصرة، ولم PageV02P245 # تكن عمياء، وإنما يريد آية مبصرة، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه. # ولقد تأملت حذف الموصوف في مواضع كثيرة، فوجدت أكثر وقوعه في النداء، وفي ~~المصدر. # أما النداء فكقولهم: يا أيها الظريف، تقديره: يا أيها الرجل الظريف. # وعليه ورد قوله تعالى: {يا أيها الساحر} 1 تقديره: يا أيها الرجل الساحر، ~~وكذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} 2 تقديره: يا أيها القوم الذين ~~آمنوا. # وأما المصدر فكقوله تعالى: {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله ~~متابا} 3، تقديره: ومن تاب وعمل عملا صالحا. # وقد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله تعالى: ~~{وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك} 4 أي: قوم دون ذلك. # وأما حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها: فإنه أقل وجودا من حذف الموصوف، ~~وإقامة الصفة مقامه، ولا يكاد يقع في الكلام إلا نادرا، لمكان استبهامه. # فمن ذلك ما حكاه سيبويه5 -رحمه الله- من قولهم: "سير عليه ليل"، ~~PageV02P246 # يريدون: ليل طويل، وإنما حذفت الصفة في هذا الموضع لما دل من الحال عليه، ~~وذاك أنه يحسن في كلام القائل لذلك من التصريح، والتطويح والتفخيم والتعظيم ~~ما يقوم مقام قوله: طويل، وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وهو أن يكون في ~~مدح إنسان، والثناء عليه فتقول: "كان والله رجلا" أي: رجلا فاضلا، أو شجاعا ~~أو كريما، أو ما جرى هذا المجرى من الصفات، وكذلك تقول: "سألناه فوجدناه ~~إنسانا" أي: إنسانا سمحا، أو جوادا، أو ما أشبهه، فعلى هذا ونحوه تحذف ~~الصفة، فأما إن عريت عن الدلالة عليها من اللفظ أو الحال، فإن حذفها لا ~~يجوز. # وقد تأملت حذفها فوجدته لا يسوغ ms360 إلا في صفة تقدمها ما يدل عليها، أو تأخر ~~عنها، أو فهم ذلك من شيء خارج عنها. # أما الصفة التي تقدمها ما يدل عليها، فقوله تعالى: {أما السفينة فكانت ~~لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ~~غصبا} 1، فحذف الصفة: أي كان يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدل على المحذوف ~~قوله: "فأردت أن أعيبها"، فإن عيبه إياها لم يخرجها عن كونها سفينة، وإنما ~~المأخوذ هو الصحيح دون المعيب، فحذفت الصفة ههنا؛ لأنه تقدمها ما يدل ~~عليها. # وأما التي تأخر عنها ما يدل عليها فقول بعض شعراء الحماسة2: # كل امرئ ستئيم من %~% ه العرس أو منها يئيم3 PageV02P247 # فإنه أراد كل امرئ متزوج، إذ دل عليه ما بعده من قوله: "ستئيم منه"، أو ~~"منها يئيم" إذ لا تئيم هي إلا من زوج، ولا يئيم هو إلا من زوجة، فجاء بعد ~~الموصوف ما دل عليه، ولولا ذلك لما صح معنى البيت، إذ ليس كل امرئ يئيم من ~~عرس ولا تئيم منه عرس إلا إذا كان متزوجا. # وأما ما يفهم حذف الصفة فيه من شيء خارج عن الكلام، فقول النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فإنه قد علم جواز صلاة ~~جار المسجد في غير المسجد من غير هذا الحديث، فعلم حينئذ أن المراد به ~~الفضيلة والكمال، وهذا شيء لم يعلم من نفس اللفظ، وإنما علم من شيء خارج ~~عنه. PageV02P248 ### |||||| الضرب السادس: وهو حذف الشرط وجوابه # فأما حذف الشرط فنحو قوله تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ~~فإياي فاعبدون} 1. # فالفاء في قوله تعالى: {فاعبدون} ، جواب شرط محذوف؛ لأن المعنى: إن أرضي ~~واسعة، فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرض فأخلصوها في غيرها، ثم حذف الشرط، ~~وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية} ~~2: أي: فحلق فعليه فدية. # وكذلك قولهم: "الناس مجزيون بأعمالهم: إن خيرا ms361 فخير، وإن شرا فشر" أي: إن ~~فعل المرء خيرا جزي خيرا، وإن فعل شرا جزي شرا. # وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~PageV02P248 # أيام أخر} 1 تقدير ذلك: فأفطر فعدة من أيام أخر، ولهذا ذهب داود الظاهري2 ~~إلى الأخذ بظاهر الآية، ولم ينظر إلى حذف الشرط، فأوجب القضاء على المريض ~~والمسافر، سواء أفطر أم لم يفطر. # ومن حذف الشرط قوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ~~ساعة كذلك كانوا يؤفكون، وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في ~~كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون} 3. # اعلم أن هذه الفاء التي في قول الشاعر: # فقد جئنا خراسانا4 # وحقيقتها أنها في جواب شرط محذوف يدل عليه الكلام، كأنه قال: إن صح ما ~~قلتم: إن خراسان أقصى ما يراد بنا، فقد جئنا خراسان، وآن لنا أن نخلص. # وكذلك هذه الآية، يقول: إن كنتم منكرين للبعث، فهذا يوم البعث، أي: قد ~~تبين بطلان قولكم. # أما حذف جواب الشرط، فكقوله تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم ~~به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين} 5، فإن جواب الشرط ههنا محذوف، تقديره: إن كان القرآن من ~~عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟، ويدل على المحذوف قوله تعالى: {إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين} . PageV02P249 ### |||||| الضرب السابع: وهو حذف القسم وجوابه # فأما حذف القسم فنحو قولك: "لأفعلن"، أو غير ذلك من الأقسام المحلوف بها. # وأما حذف جوابه فكقوله تعالى: {والفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل ~~إذا يسر، هل في ذلك قسم لذي حجر، ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد} 1. # فجواب القسم ههنا محذوف، تقديره: ليعذبن، أو نحوه، ويدل على ذلك ما بعده ~~من قوله: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} ، إلى قوله: {سوط عذاب} . # ومما يتنظم في هذا السلك قوله تعالى: {ق ms362 والقرآن المجيد، بل عجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب} 2، فإن معناه: ق، والقرآن ~~المجيد لتبعثن، والشاهد على ذلك ما بعده من ذكر البعث في قوله: {أئذا متنا ~~وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} 3. # وقد ورد هذا الضرب في القرآن كثيرا، كقوله تعالى في سورة النازعات: ~~{والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا، ~~فالمدبرات أمرا، يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة} 4. # فجواب القسم ههنا محذوف، تقديره: لتبعثن أو لتحشرن، ويدل على ذلك ما أتى ~~من بعده من ذكر القيامة في قوله: {يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة} ، ~~وكذلك إلى آخر السورة. PageV02P250 ### |||||| الضرب الثامن: وهو حذف "لو" وجوابها # وذاك من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها. # فأما حذف "لو" فكقوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ~~إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} 1. # تقدير ذلك: إذ لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق. # وكذلك ورد قوله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~إذا لارتاب المبطلون} 2. # تقديره: إذ لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون. # وهذا من أحسن المحذوفات. # ومما جاء من ذلك شعرا قول بعضهم3 في صدر الحماسة: # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي %~% بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا4 ~~PageV02P251 # إذا لقام بنصري معشر خشن %~% عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا1 # ف"لو" في البيت الثاني محذوفة؛ لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها ~~بقوله: "لم تستبح إبلي" ثم حذفها في الثاني، وتقدير حذفها: إذا لو كنت منهم ~~لقام بنصري معشر خشن، أو: إذ لو كانوا قومي لقام بنصري معشر خشن. # وأما حذف جواب "لو" فإنه كثير شائع، وذلك كقولك: لو زرتنا، لو ألممت بنا، ~~معناه لأحسنا إليك، أو لأكرمناك أو ما جرى هذا المجرى. # ومما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا ~~من مكان قريب} 2. # فإن جواب "لو" ههنا محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما، وحالا هائلة، أو ~~غير ذلك، مما جرى مجراه. ms363 # ومما جاء على نحو من هذا قوله عز وجل: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين، لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ~~ولا هم ينصرون} 3. # تقديره: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه، وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه ~~النار من وراء وقدام، ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ~~ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر، والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم ~~به هو الذي هونه عليهم. PageV02P252 # ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى: {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن ~~شديد} 1. # فجواب "لو" في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى: {ولو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال} 2. # أي: لو أن لي بكم قوة لدفعتكم، أو منعتكم، أو ما أشبهه، وكذلك قوله: {ولو ~~أن قرآنا سيرت به الجبال} لكان هذا القرآن. # وهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة، وأوضحها، لعلم المخاطب ~~به؛ لأن قوله تعالى -حكاية عن لوط عليه السلام: {لو أن لي بكم قوة أو آوي ~~إلى ركن شديد} يتسارع الفهم فيه إلى أن الكلام يحتاج إلى جواب. # ومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية3، التي يمدح بها ~~المعتصم عند فتحه مدينة عمورية4: # لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت %~% له المراقب بين السمر والقضب5 # فإن هذا محذوف الجواب، تقديره: لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار، أو ~~غير ذلك. # واعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام، وإنما يحذف ~~ما دل عليه مكان المحذوف. # ألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف، كقوله تعالى: {ولو فتحنا ~~عليهم PageV02P253 # بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم ~~مسحورون} 1. # وهذا ليس كالذي تقدم من الآيات؛ لأن تلك علم مكان المحذوف منها، وهذه ~~الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه؛ لأنه يحتمل وجوها، منها أن يقال: ~~لما آمنوا، أو لطلبوا ما وراء ذلك، وقد تقدم القول ms364 في أول باب الإيجاز أنه ~~لا بد من دلالة الكلام على المحذوف. PageV02P254 ### |||||| الضرب التاسع: وهو حذف جواب لولا # فمن ذلك قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنت الله ~~عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم} 1. # جواب "لولا" ههنا محذوف، تقديره: لما أنزل عليكم هذا الحكم بطريق ~~التلاعن، وستر عليكم هذه الفاحشة بسببه. # وكذلك ورد قوله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ~~لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم} 2. # تقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعجل لكم العذاب، أو فعل بكم كذا ~~وكذا. PageV02P254 ### |||||| الضرب العاشر: وهو حذف جواب "لما" وجواب "أما" # فأما حذف جواب"لما" فكقوله تعالى: {فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن ~~يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين} 1. # فإن جواب" لما" ههنا محذوف وتقديره: {فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه ~~أن يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا} كان ما كان مما ينطق به الحال، ولا يحيط به ~~الوصف من استبشارهما، واغتباطهما وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع ~~البلاء العظيم بعد حلوله، وما أشبه ذلك مما اكتسباه بهذه المحنة من عظائم ~~الوصف دنيا وآخرة، وقوله: "إنا كذلك نجزي المحسنين" تعليل لتخويل ما خولهما ~~من الفرح، والسرور بعد تلك الشدة العظيمة. # وأما حذف جواب "أما"، فنحو قوله تعالى: {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ~~بعد إيمانكم} 2. PageV02P255 ### |||||| الضرب الحادي عشر: وهو حذف جواب "إذا" # فمما جاء منه قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ~~لعلكم ترحمون، وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} 1. # ألا ترى كيف حذف الجواب عن "إذا " في هذا الكلام، وهو مدلول ms365 عليه بقوله: ~~{إلا كانوا عنها معرضين} ، كأنه قال: وإذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم ~~وما خلفكم أعرضوا، ثم قال: ودأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة. PageV02P255 ### |||||| الضرب الثاني عشر: حذف المبتدأ والخبر # أما حذف المبتدأ فلا يكون مفردا، والأحسن هو حذف الخبر؛ لأن منه ما يأتي ~~جملة، كقوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} 1. # وههنا قد حذف خبر المبتدأ، وهو جملة من مبتدأ وخبر، وتقديرها: واللائي لم ~~يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر. # ومما ورد منه شعرا قول أبي عبادة البحتري2: # كل عذر من كل ذنب ولكن %~% أعوز العذر من بياض العذار # وهذا قد حذف منه خبر المبتدأ، إلا أنه مفرد غير جملة، وتقديره: كل عذر من ~~كل ذنب مقبول، أو مسموع، أو ما جرى هذا المجرى. PageV02P256 ### |||||| الضرب الثالث عشر: وهو حذف "لا" من الكلام وهي مرادة # وذلك كقوله تعالى: {قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف} 1يريد به: لا تفتأ، أي: ~~لا تزال، فحذفت "لا" من الكلام وهي مرادة. # وعلى هذا جاء قول امرئ القيس2: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا %~% ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أي: لا أبرح قاعدا، فحذفت "لا" في هذا الموضع، وهي مرادة. PageV02P256 # ومما جاء منه قول أبي محجن الثقفي1 لما نهاه سعد بن أبي وقاص2 -رضي الله ~~عنه- عن شرب الخمر، وهو إذ ذاك في قتال الفرس بالقادسية3: # رأيت الخمر صالحة وفيها %~% مناقب تهلك الرجل الحليما # فلا والله أشربها حياتي %~% ولا أسقي بها أبدا نديما # يريد: "لا أشربها"، فحذف "لا" من الكلام، وهي مفهومة منه. PageV02P257 ### |||||| الضرب الرابع عشر: وهو حذف الواو من الكلام وإثباتها # وأحسن حذوفها في المعطوف والمعطوف عليه، وإذا لم يذكر الحرف المعطوف به ~~كان ذلك بلاغة وإيجازا، كقول أنس بن مالك1 -رضي الله عنه: "كان أصحاب رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون"، أو قال: ثم يصلون ~~لا يتوضئون". PageV02P257 # فقوله: "لا يتوضئون" بحذف الواو أبلغ في تحقيق عدم الوضوء ms366 من قوله "ولا ~~يتوضئون" بإثباتها، كأنه جعل ذلك حالة لهم لازمة: أي أنها داخلة في الجملة، ~~وليست جملة خارجة عن الأولى؛ لأن واو العطف تؤذن بانفراد المعطوف عن ~~المعطوف عليه، وإذا حذفت في مثل هذا الموضع صار المعطوف، والمعطوف عليه ~~جملة واحدة. # وقد جاء في القرآن الكريم، وذلك أنه يذكر جمل من القول كل واحدة منها ~~مستقلة بنفسها، ثم تسرد سردا بغير عاطف، كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من ~~أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} 1. # تقدير هذا الكلام: لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم، وقد بدت البغضاء من ~~أفواههم، فلما حذفت الواو جاء الكلام أوجز وأحسن طلاوة، وأبلغ تأليفا ~~ونظما. # وأمثاله في القرآن الكريم كثير. # واعلم أنه قد حذف الواو، وأثبتت في مواضع. # فأما إثباتها فنحو قوله تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} ~~2. # وأما حذفها فنحو قوله تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون} 3. # وعلى هذا فلا يجوز حذف الواو وإثباتها في كل موضع، وإنما يجوز ذلك فيما ~~هذا سبيله من هاتين الآيتين. # ولنبين لك في ذلك رسما تتبعه، فنقول: # اعلم أن كل اسم نكرة جاء خبره بعد إلا" يجوز إثبات الواو في خبره وحذفها، ~~وكقولك: ما رأيت رجلا إلا وعليه ثياب، وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب، بغير ~~واو، PageV02P258 # فإن كان الذي يقع على النكرة ناقصا فلا يكون إلا بحذف الواو، نحو قولك: ~~ما أظن درهما إلا هو كافيك، ولا يجوز إلا وهو كافيك، بالواو؛ لأن الظن ~~يحتاج إلى شيئين، فلا يعترض فيه بالواو؛ لأنه يصير كالمكتفي من الأفعال ~~باسم واحد. # وكذلك جواب ظننت وكان، وإن وأشباهها، فخطأ أن تقول: إن رجلا وهو قائم، ~~ونحو ذلك. # ويجوز هذا في "ليس" خاصة، تقول: ليس أحد إلا وهو قائم؛ لأن الكلام يتوهم ~~تمامه بليس وبحرف ونكرة، ألا ترى أنك تقول: ليس أحد، وما من أحد، فجاز فيها ~~إثبات الواو، ولم يجوز في أظن؛ ms367 لأنك لا تقول: ما أظن أحدا، فأما أصبح وأمسى ~~ورأى، فإن الواو فيهن أسهل؛ لأنهن توأم في حال، وكان وأظن ونحوهما بنين على ~~النقص، إلا إذا "كانت" تامة. # وكذلك "لا" في التنزيه وغيرها، نحو لا رجل، وما من رجل، فيجوز إثبات ~~الواو فيها وحذفها. # واعلم أن العرب قد حذفت من أصل الألفاظ شيئا لا يجوز القياس عليه، كقول ~~بعضهم1: # كأن إبريقهم ظبي على شرف %~% مفدم بسبا الكتان ملثوم2 # فقوله: "بسبا الكتان" يريد بسبائب الكتان3. PageV02P259 # وكذلك قول الآخر: # يذرين جندل حائر، لجنوبها %~% فكأنما تذكي سنابكها الحبا1 # فهذا وأمثاله مما يقبح ولا يحسن، وإن كانت العرب قد استعملته، فإنه لا ~~يجوز لنا أن نستعمله. PageV02P260 ### ||||| القسم الثاني: من الإيجاز ما لا يحذف منه الشيء # وأما القسم الثاني من الإيجاز فهو ما لا يحذف منه شيء # وذلك ضربان: # أحدهما: ما ساوى لفظه معناه1، ويسمى "التقدير". # والآخر: ما زاد معناه على لفظه، ويسمى "الإيجاز بالقصر". # فأما الإيجاز بالتقدير، فإنه الذي يمكن التعبير عن معناه بمثل ألفاظه وفي ~~عدتها. # أما الإيجاز بالقصر، فإنه ينقسم قسمين: # أحدهما: ما دل لفظه على محتملات متعددة، وهذا يمكن التعبير عنه بمثل ~~ألفاظه وفي عدتها، والآخر: ما يدل لفظه على محتملات متعددة، ولا يمكن ~~التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها، لا، بل يستحيل ذلك. PageV02P260 ### |||||| الضرب الأول: الايجاز بالتقدير # ولنورد الآن الضرب الأول الذي هو "الإيجاز بالتقدير": # فمما جاء منه قوله تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من ~~نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره، كلا ~~لما يقض ما أمره} 1. # فقوله: {قتل الإنسان} دعاء عليه، وقوله: {ما أكفره} تعجب من إفراطه في ~~كفران نعمة الله عليه. # ولا نرى أسلوبا أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أخشن مسا، ولا أدل على ~~سخط مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة على قصر متنه! # ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه، فقال: {من أي ~~شيء خلقه} ؟ # ثم بين الشيء الذي خلق منه ms368 بقوله: {من نطفة خلقه فقدره} ، أي: هيأه لما ~~يصلح له. # {ثم السبيل يسره} أي: سهل سبيله، وهو مخرجه من بطن أمه، أو السبيل الذي ~~يختار سلوكه من طريق الخير والشر، والأول أولى؛ لأنه تال لخلقته وتقديره، ~~ثم بعد ذلك يكون تيسير سبيله لما يختاره من طريقي الخير والشر. # {ثم أماته فأقبره} ، أي: جعله ذا قبر يوارى فيه. # {ثم إذا شاء أنشره} أي: أحياه. # {كلا} ، ردع للإنسان عما هو عليه. # {لما يقض ما أمره} أي: لم يقض مع تطاول زمانه ما أمر الله به، يعني أن ~~إنسانا لم يخل من تقصير قط. PageV02P261 # ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت ~~على ذلك؛ لأنك كنت تذهب بجزء من معناه؟. # والإيجاز هو ألا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه1. # والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة، كقوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ~~ربه فانتهى فله ما سلف} 2. # فقوله: {فله ما سلف} من جوامع الكلم، ومعناه أن خطاياه الماضية قد غفرت ~~له وتاب الله عليه فيها، إلا أن قوله: {فله ما سلف} أبلغ: أي أن السالف من ~~ذنوبه لا يكون عليه إنما هو له. # وكذلك ورد قوله تعالى: {من كفر فعليه كفره} 3. # ف"عليه كفره" كلمة جامعة تغني عن ذكر ضروب من العذاب؛ لأن من أحاط به ~~كفره، فقد أحاطت به كل خطيئة. # وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ~~ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} 4. # فهذا الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم. # وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأها على الوليد بن المغيرة، فقال ~~له: يا ابن أخي، أعده، فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم قراءتها عليه، فقال ~~له: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما ~~هو بقول البشر. # ومن هذا النحو قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى ms369 المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد، ما يلفظ PageV02P262 # من قول إلا لديه رقيب عتيد، وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد، ~~ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، لقد كنت في ~~غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} 1. # وهذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة التي دلت على تخويف، وإرهاب ترق ~~القلوب، وتقشعر منه الجلود، وهي مشتملة على قصرها على حال الإنسان منذ خلقه ~~إلى حين حشره وحشر غيره من الناس، وتصوير ذلك الأمر الفظيع في أسهل لفظ ~~وأقربه، وما مررت عليها ألا جدت لي موعظة، وأحدثت عندي إيقاظا. # ومن هذا الضرب، ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعائه لأبي سلمة2 ~~عند موته، فقال: "اللهم ارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه في ~~الغابرين لنا، وله يا رب العالمين". # وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها، فأوله ~~مفتتح بالمهم الذي يفتقر إليه المدعو له في تلك الحال، وهو رفع درجته في ~~الآخرة، وثانيه مردف بالمهم الذي يؤثر المدعو له من صلاح حاله عقبه من بعده ~~في الدنيا، وثالثه مختتم بالجمع بين الداعي والمدعو له. # وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما قصد له. # وكلام النبي -صلى الله عليه وسلم- هكذا كما قال: "أوتيت جوامع الكلم". # وكذلك ورد قوله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر، فإنه قال: "هذا يوم له ما ~~بعده"، وهو شبيه بقوله تعالى: {فله ما سلف} . PageV02P263 # ولما جرح عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الجراحة التي مات بها اجتمع إليه ~~الناس، فجاءه شاب من الأنصار وقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، لك ~~من صحبة رسول الله وقدم في الإعلام ما علمت، ووليت فعدلت، ثم شهادة. # وهذا كلام سديد قد حوى المعنى المقصود، وأتى به في أوجز لفظ وأحسنه، ومع ~~ما فيه من الإيجاز فإنه مستغرب، وسبب استغرابه أنه جعل المساءة بشرى، ~~وأخرجها مخرج المسرة، وتلطف في ذلك فأبلغ، ولو أراد الكاتب البليغ والخطيب ~~المصقع، أن يأتي ms370 بذلك على هذا الوجه لأعوزه. # ومن هذا النمط ما كتبه طاهر بن الحسين1 إلى المأمون2 عند لقائه "علي بن" ~~عيسى بن ماهان3 وهزمه إياه وقتله، فكتب إليه: "كتابي إلى أمير المؤمنين ~~ورأس "علي بن" عيسى بن ماهان3 بين يدي، وخاتمه في يدي، وعسكره مصرف تحت ~~أمري، والسلام"4. # وهذا من الكتب المختصرة التي حوت الغرض المطول، وما يكتب في هذا المقام ~~مثله. PageV02P264 # ولما أرسل المهلب بن أبي صفرة1 أبا الحسن المدائني2 إلى الحجاج بن يوسف ~~يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، وذاك أن ~~الحجاج سأله، فقال: كيف تركت المهلب? فقال: ما أدرك ما أمل، وأمن مما خاف. # فقال: كيف هو لجنده? قال: والد رءوف. # قال: كيف جنده له? قال: أولاد بررة. # قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله3. # قال: كيف تصنعون إذا لقيتم عدوا?4 قال: نلقاهم بجدنا "فنطمع فيهم"5، ~~ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا"5، قال: كذلك الجد إذا لقي الجد. # "قال: فما حال قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه. # قال: فما منعكم من اتباعه، قال: رأينا المقام من ورائه خيرا من اتباعه"5. ~~PageV02P265 # قال: فأخبرني عن بني1 المهلب، قال: هم أحلاس2 القتال بالليل، حماة السرح3 ~~بالنهار. # قال: أيهم أفضل4 "قال: ذلك إلى أبيهم. # قال: لتقولن"5. # قال: هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها6. # فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله هو الكلام الفصل الذي ليس بمصنوع6. # وقد ورد في الأخبار النبوية من هذا الضرب شيء كثير، وسأورد منه أمثلة ~~يسيرة. # فمن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "الحلال بين، والحرام بين، ~~وبينهما أمور متشابهات". # وهذا الحديث من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة، وذاك أنه يشتمل على جل ~~الأحكام الشرعية، فإن الحلال والحرام إما أن يكون الحكم فيهما بينا لا خلاف ~~فيه بين العلماء؛ وإما أن يكون خافيا يتجاذبه وجوه التأويلات، فكل منهم ~~يذهب فيه مذهبا. # وكذلك جاء قوله -صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ~~ما نوى". # فإن هذا الحديث أيضا من جوامع الأحاديث للأحكام الشرعية. # ومن ms371 ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم: "المضعف أمير الركب"، وقد ورد آخر هذا ~~الحديث بلفظ آخر، فقال -صلى الله عليه وسلم: "سيروا بسير أضعفكم" إلا أن ~~الأول أحسن؛ لأنه أبلغ PageV02P266 # معنى، فإن الأمير واجب الحكم فهو يتبع، وإذا كان المضعف أمير الركب كانوا ~~مؤتمرين له في سيرهم ونزولهم، وهذا المعنى لا يوجد في قوله: "سيروا بسير ~~أضعفكم". # وأحسن من هذا كله ما ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- في حديث مطول يتضمن ~~سؤال جبريل عليه السلام، فقال من جملته: "ما الإحسان? قال: "أن تعبد الله ~~كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". # فقوله: "تعبد الله كأنك تراه" من جوامع الكلم؛ لأنه ينوب مناب كلام كثير، ~~كأنه قال: تعبد الله مخلصا في نيتك، واقفا عند أدب الطاعة من الخضوع ~~والخشوع، آخذا أهبة الحذر، وأشباه ذلك؛ لأن العبد إذا خدم مولاه ناظرا إليه ~~استقصى في آداب الخدمة بكل ما يجد إليه السبيل، وما ينتهي إليه الطوق. # ومما أطربني من ذلك حديث الحديبية، وهو أنه جاء بديل بن ورقاء1 إلى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، فقال له: "إني تركت كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي معهم ~~العوذ2 المطافيل3، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال له النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "إن قريشا قد نهكتهم الحرب، فإن شاءوا ماددناهم مدة، ويدعوا ~~بيني وبين الناس، فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، ~~وإلا كانوا قد جموا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا، ~~حتى تنفرد سالفتي هذه، ولينفذن الله أمره". # وهذا الحديث من جوامع الكلم، وهو من الفصاحة والبلاغة على غاية لا ينتهي ~~إليها وصف الواصف. PageV02P267 # وأما ما ورد من ذلك شعرا، فقول النابغة1: # وإنك2 كالليل الذي هو مدركي %~% وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وتخصيصه الليل دون النهار مما يسأل عنه! # وكذلك قوله3: # ولست بمستبق أخا لا تلمه %~% على شعث، أي الرجال المهذب # وعلى هذا الأسلوب ورد قول الأعشى في اعتذاره إلى أوس بن لام عن هجائه ~~إياه: ms372 # وإني على ما كان مني لنادم %~% وإني إلى أوس بن لام لتائب # وإني إلى أوس ليقبل عذرتي %~% ويصفح عني ما حييت لراغب # فهب لي حياتي، فالحياة لقائم %~% بشكرك فيها خير ما أنت واهب # سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق %~% كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب # وهذا من المعاني الشريفة في الألفاظ الخفيفة، وهو من طنانات الأعشى ~~المشهورة. # وعلى نحو منه جاء قول الفرزدق4: # صبحناهم الشعث الجياد كأنها %~% قطا هيجته يوم ريح أجادله5 PageV02P268 # إلى كل حي قد خطبنا بناتهم %~% بأر عن جرار كثير صواهله1 # إذا ما التقينا أنكحتنا رماحنا %~% من القوم أبكارا كراما عقائله2 # وإنا لمناعون تحت لوائنا %~% حمانا إذا ما عاد بالسيف حامله # وهذا من محاسن ما يجيء في هذا الباب. # ومما يجري هذا المجرى قول جرير3: # تمنى رجال من تميم منيتي %~% وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي4 # فلو شاء قومي كان حلمي فيهم %~% وكان على جهال أعدائهم جهلي5 # وكذلك ورد قوله متغزلا، وهو من محاسن أقواله6: # سرت الهموم فبتن غير نيام %~% وأخو الهموم يروم كل مرام # ذم المنازل بعد منزلة اللوى %~% والعيش بعد أولئك الأقوام # ولقد أراك وأنت جامعة الهوى %~% أثني7 بعهدك خير دار مقام # طرقتك صائدة القلوب فليس ذا %~% حين الزيارة8 فارجعي بسلام PageV02P269 # تجري السواك على أغر كأنه %~% برد تحدر من متون غمام # لو كان عهدك كالذي حدثتنا %~% لوصلت ذاك فكان خير زمام1 # ولقد أراني والجديد إلى بلى %~% في موكب2 طرف الحديث كرام # لولا مراقبة العيون أريتنا %~% حدق المها3 وسوالف الآرام # وإذا صرفن عيونهن بنظرة %~% نفذت نوافذها بغير سهام # هل تنفعنك إن قتلن مرقشا4 %~% أو ما فعلن بعروة بن حزام5 # وحلاوة هذا الكلام أحسن من إيجازه، ولقد أعوز غيره أن يأتي بمثله حتى أقر ~~عوازه. # ومن باب الإيجاز الذي يسمى "التقدير" قول علي بن جبلة: # وما لأمرئ حاولته عنك مهرب %~% ولو حملته في السماء المطالع PageV02P270 # بلى هارب ما يهتدي لمكانه %~% ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع # فهذا هو الكلام الذي ألفاظه وفاق معانيه، فإنه قد اشتمل على مدح ms373 رجل ~~بشمول ملكه وعموم سلطانه، وأنه لا مهرب عنه لمن يحاوله، وإن صعد السماء، ثم ~~ذكر جميع المهارب في المشارق والمغارب، وأشار إلى أنه يبلغ الظلام والضياء، ~~وذلك مما لم تزد عبارته على المعنى المندرج تحته، ولا قصرت عنه. # ومن هذا الضرب قول أبي النواس1، وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا %~% بها أثر منهم جديد ودارس # مساحب من جر الزقاق على الثرى %~% وأضغاث ريحان2 جني ويابس # حبست بها صحبي فجددت عهدهم %~% وإني على أمثال تلك لحابس # تدار3 علينا الراح في عسجدية %~% حبتها بأنواع التصاوير فارس # قراراتها4 كسرى وفي جنباتها %~% مها تدريها5 بالقسي الفوارس # فللراح6 ما زرت عليه جيوبها7 %~% وللماء ما دارت عليه القلانس ~~PageV02P271 # ومما انتهى إلي من أخبار ابن المزرع1، قال: سمعت الجاحظ يقول: لا أعرف ~~شعرا يفضل هذه الأبيات التي لأبي نواس، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، ~~فقال: والله يا أبا عثمان، إن هذا لهو الشعر، ولو نقر لطن، فقلت له: ويحك! ~~ما تفارق عمل الجرار والخزف! # ولعمري إن الجاحظ عرف فوصف وخبر فشكر، والذي ذكره هو الحق. # وعلى هذا الأسلوب جاء قول أبي تمام2: # إن القوافي والمساعي لم تزل %~% مثل النظام3 إذا أصاب فريدا # هي جوهر نثر فإن ألفته %~% بالشعر صار قلائدا وعقودا # في كل معترك وكل مقامة %~% يأخذن منه ذمة وعهودا # فإذا القصائد لم تكن خفراءها %~% لم ترض منها مشهدا مشهودا # من أجل ذلك كانت العرب الألى %~% يدعون هذا سوددا محدودا # وتند عندهم العلا إلا علا %~% جعلت لها مرر القريض4 قيودا PageV02P272 ### |||||| الضرب الثاني: الايجاز بالقصر # وأما الضرب الثاني: وهو الإيجاز بالقصر؛ فإن القرآن الكريم ملآن منه، وقد ~~تقدم القول أنه قسمان1: ### ||||||| أحدهما: ما يدل على محتملات متعددة # فمن ذلك قوله تعالى: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم ~~طريقا PageV02P272 # في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى، فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من ~~اليم ما غشيهم، وأضل فرعون قومه وما هدى} 1. # فقوله: {فغشيهم من اليم ما غشيهم} من جوامع الكلم ms374 التي يستدل على قلتها ~~بالمعاني الكثيرة، أي غشيهم من الأمور الهائلة، والخطوب الفادحة ما لا يعلم ~~كنهه إلا الله، ولا يحيط به غيره. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} 2. # فجمع في الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن في الأمر بالمعروف صلة الرحم، ~~ومنع اللسان عن الغيبة وعن الكذب، وغض الطرف عن المحرمات، وغير ذلك، وفي ~~الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم، وغيرهما. # وقال بعض الأعراب في دعائه: "اللهم هب لي حقك، وأرض عني خلقك"، فقال ~~النبي -صلى الله عليه وسلم: "هذا هو البلاغة". # ومن ذلك قوله عز وجل: {أولئك لهم الأمن} 3. # فإنه دخل تحت الأمن جميع المحبوبات، وذلك أنه نفى به أن يخافوا شيئا من ~~الفقر، والموت وزوال النعمة، ونزول النقمة، وغير ذلك من أصناف المكاره. # وأشباه هذا في القرآن الكريم كثيرة، فهو يكثر في بعض الصور، ويقل في بعض، ~~قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "من شاء يرتع في الرياض الأنائق فعليه بآل ~~حم". # ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان"، وذاك أن رجلا ~~اشترى عبدا، فأقام عنده مدة، ثم وجد به عيبا، فخاصم البائع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فرده عليه، فقال: يا رسول الله إنه استغل غلامي، فقال: ~~"الخراج بالضمان"، ومعنى قوله: "الخراج بالضمان" أن الرجل إذا اشترى عبدا ~~فاستغله، ثم وجد به عيبا دلسه عليه البائع فله أن يرده، ويسترجع الثمن ~~جميعه، PageV02P273 # ولو مات العبد أو أبق، أو سرقه سارق كان في مال المشتري، وضمانه عليه، ~~وإذا كان ضمانه عليه فخراجه له: أي له ما تحصل من أجرة عمله. # وأما ما ورد شعرا، فقول السموءل بن عادياء الغساني1 من جملة أبياته ~~الرمية المشهورة2، وذلك قوله منها: # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها %~% فليس إلى حسن الثناء سبيل # فإن هذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق جميعها، من سماحة وشجاعة، ~~وعفة، وتواضع، وحلم، وصبر، وغير ذلك، فإن هذه الأخلاق كلها من ضيم النفس؛ ~~لأنها تجد بحملها ضيما، أي ms375 مشقة وعناء. # وقد تقدم القول أن الإيجاز بالقصر يكون فيما تضمن لفظه محتملات كثيرة، ~~وهذا البيت من ذلك القبيل، ولا أعلم أن شاعرا قديما ولا حديثا أتى بمثله، ~~وقد أخذه أبو تمام، فأحسن في أخذه، وهو: # وظلمت نفسك طالبا إنصافها %~% فعجبت من مظلومة لم تظلم # ففاز في بيته هذا بالمقابلة بين الضدين في الظلم والإنصاف، ثم قال: ~~"فعجبت من مظلومة لم تظلم"، وهذا أحسن من الأول. # ومعنى قوله: "ظلمت نفسي طالبا إنصافها" أي: أنك أكرهتها على مشاق الأمور، ~~وإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها، ثم إنك مع ظلمك إياها قد أنصفتها؛ لأنك جلبت ~~إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا، ومجدا مؤثلا، فأنت منصف لها في صورة ~~ظالم. # وكذلك قوله: # "فعجبت من مظلومة لم تظلم" PageV02P274 # أي أنك ظلمتها وما ظلمتها؛ لأن ظلمك إياها أدى إلى ما هو جميل حسن. # وهذا القدر في الأمثلة كاف في هذا الباب. ### ||||||| القسم الآخر من الضرب الثاني، في الإيجاز بالقصر: # وهو الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وهو ~~أعلى طبقات الإيجاز مكانا، وأعوزها إمكانا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء، ~~فإنما يوجد شاذا نادرا. # فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} 1. # فإنه قوله تعالى: {القصاص حياة} ، لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة؛ ~~لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل، فأوجب ذلك حياة للناس. # ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب من قولهم: القتل أنفى للقتل، فإن من لا ~~يعلم يظن أن هذا على وزن الآية، وليس كذلك، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه: # الوجه الأول: أن {القصاص حياة} لفظتان، و"القتل أنفى للقتل" ثلاثة ألفاظ. # الوجه الثاني: أن في قولهم: "القتل أنفى للقتل" تكريرا ليس في الآية. ~~PageV02P275 # الوجه الثالث: أنه ليس كل قتل نافيا للقتل، إلا إذا كان على حكم القصاص1. # وقد صاغ أبو تمام هذا الوارد عن العرب في بيت من شعره، فقال2: # وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم %~% إن الدم المعتر3 يحرسه الدم ms376 # فقوله: "إن الدم المعتر3 يحرسه الدم"، أحسن مما ورد عن العرب من قولهم: ~~"القتل أنفى للقتل". # ويروى عن معن بن زائدة4 أنه سأله أبو جعفر المنصور، فقال له: أيما أحب ~~إليك: دولتنا أو دولة بني أمية، فقال: ذاك إليك! # فقوله: "ذاك إليك" من الإيجاز بالقصر الذي لا يمكن التعبير عنه إلا ~~بألفاظ كثيرة، PageV02P276 # لأن معنى قوله: "ذاك إليك"، وهو لفظتان، أنه إن زاد إحسانك # على إحسان بني أمية، فأنتم أحب إلي، وهذه عشرة ألفاظ. # فإن قيل: كيف لا يمكن التعبير عن ألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وفي ~~المترادف من الألفاظ ما هو دليل على خلاف ذلك? فإنه إذا قيل: راح ثم قيل: ~~مدامة أو سلافة كان ذلك سواء، وقامت هذه اللفظة مقام هذه اللفظة. # قلت في الجواب: ليس كل الألفاظ المترادفة يقوم بعضها مقام بعض، ألا ترى ~~أن لفظة "القصاص" لا يمكن التعبير عنها بما يقوم مقامها، ولما عبر عنها ~~بالقتل في قول العرب: "القتل أنفى للقتل" ظهر الفرق بين ذلك، وبين الآية في ~~قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} ، فالذي أردته أنا إنما هو الكلام الذي ~~لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، فإن كان كذلك، ~~وإلا كان داخلا في هذا القسم المشار إليه. PageV02P277 ### || النوع السادس عشر: في الإطناب # هذا النوع من الكلام أنعمت النظر فيه، وفي التكرير، وفي التطويل، فملكتني ~~حيرة الشبه بينها طويلا، وكنت في ذلك كعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في ~~الكلالة، حيث قال: قد أعياني أمر الكلالة1، وكنت سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عنها كثيرا، حتى ضرب في صدري، وقال: "ألا يكفيك آية الصيف"؟ # وبعد أن أنعمت نظري في هذا النوع الذي هو "الإطناب"، وجدته2 ضربا من ضروب ~~التأكيد التي يؤتى بها في الكلام قصدا للمبالغة، ألا ترى أنه ضرب مفرد من ~~بينها برأسه لا يشاركه فيه غيره؛ لأن من التأكيد ما يتعلق بالتقديم ~~والتأخير، كتقديم المفعول، وبالاعتراض، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين ~~المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك وسيأتي الكلام ms377 عليه في بابه. # وهذا الضرب الذي هو الإطناب ليس كذلك. ### ||| اختلاف علماء البيان في الإطناب: # ورأيت علماء البيان قد اختلفوا فيه، فمنهم من ألحقه بالتطويل الذي هو ضد ~~الإيجاز3، وهو عنده قسم غيره، فأخطأ من حيث لا يدري، كأبي هلال PageV02P278 # العسكري، والغانمي، حتى إنه قال: إن كتب الفتوح وما جرى مجراها مما يقرأ ~~على عوام الناس ينبغي أن تكون مطولة مطنبا فيها1. # وهذا القول فاسد؛ لأنه إن عنى بذلك أنها تكون ذات معان متعددة قد استقصى ~~فيها شرح تلك الحادثة من فتح، أو غيره فذلك مسلم، وإن عني بذلك أنها تكون ~~مكررة المعاني مطولة الألفاظ قصدا لإفهام العامة، فهذا غير مسلم، وهو مما ~~لا يذهب إليه من عنده أدنى معرفة بعلم الفصاحة والبلاغة. # ويكفي في بطلانه كتاب الله تعالى، فإنه لم يجعل لخواص الناس فقط، وإنما ~~جعل لعوامهم وخواصهم، وأكثره لا بل جميعه مفهوم الألفاظ للعوام، إلا كلمات ~~معدودة، وهي التي تسمى غريب القرآن، وقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة ~~الأولى المختصة بالألفاظ2. # وعلى هذا فينبغي أن تكون الكتب جميعها مما يقرأ على عوام الناس، وخواصهم ~~ذات ألفاظ سهلة مفهومة، وكذلك الأشعار والخطب، ومن ذهب إلى غير ذلك، فإنه ~~بنجوة عن هذا الفن. # وعلى هذا فإن الإطناب لا يختص به عوام الناس، وإنما هو للخواص كما هو ~~للعوام. # وسأبين حقيقته في كتابي هذا، وأحقق القول فيه، بحيث تزول الشبهة التي خبط ~~أرباب علم البيان من أجلها، وقالوا أقوالا لا تعرب عن فائدة. PageV02P279 ### ||| حقيقة معنى الإطناب: # والذي عندي فيه أنه إذا رجعنا إلى الأسماء واشتقاقها، وجدنا هذا الاسم ~~مناسبا لمسماه، وهو في أصل اللغة مأخوذ من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه، ~~ويقال: أطنبت الريح، إذا اشتدت في هبوبها، وأطنب السير، إذا اشتد فيه. # وعلى هذا فإن حملناه على مقتضى مسماه كان معناه المبالغة في إيراد ~~المعاني، وهذا لا يختص بنوع واحد من أنواع علم البيان، وإنما يوجد فيها ~~جميعها، إذ ما من نوع منها إلا ويمكن المبالغة فيه. # وإذا ms378 كان الأمر كذلك فينبغي أن يفرد هذا النوع من بينها، ولا يتحقق ~~إفراده إلا بذكر حده الدال على حقيقته. ### ||| حد الإطناب: # والذي يحد به أن يقال: هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة. # فهذا حده الذي يميزه عن "التطويل"، إذ التطويل هو: زيادة اللفظ عن المعنى ~~لغير فائدة1. PageV02P280 # وأما "التكرير"، فإنه: دلالة على المعنى مرددا، كقولك لمن تستدعيه: أسرع ~~أسرع، فإن المعنى مردد واللفظ واحد. # وسيرد بيان ذلك مفصلا في بابه بعد باب الإطناب؛ لأني ذكرت الإيجاز، ثم ~~الإطناب، ثم التكرير، وهي أبواب يتبع بعضها بعضا. # وإذا كان "التكرير" هو إيراد المعنى مرددا، فمنه ما يأتي لفائدة، ومنه ما ~~يأتي لغير فائدة. # فأما الذي يأتي لفائدة، فإنه جزء من الإطناب، وهو أخص منه، فيقال حينئذ: ~~إن كل تكرير يأتي لفائدة، فهو إطناب وليس كل إطناب تكريرا يأتي لفائدة، ~~وأما الذي يأتي من التكرير لغير فائدة فإنه جزء من التطويل، وهو أخص منه، ~~فيقال حينئذ: إن كل تكرير يأتي لغير فائدة تطويل، وليس كل تطويل يأتي لغير ~~فائدة. # وكنت قدمت القول في باب الإيجاز بأن الإيجاز هو: دلالة اللفظ على المعنى ~~من غير زيادة عليه. # وإذا تقررت هذه الحدود الثلاثة المشار إليها، فإن مثال الإيجاز والإطناب، ~~والتطويل مثال مقصد يسلك إليه في ثلاثة طرق: فالإيجاز هو أقرب الطلاب ~~الثلاثة إليه، والإطناب والتطويل هما الطريقان المتساويان في البعد إليه، ~~إلا أن طريق الإطناب تشتمل على منزه من المنازه لا يوجد في طريق التطويل1، ~~وسيأتي بيان ذلك بضرب الأمثلة التي تسهل من معرفته. # والإطناب يوجد تارة في الجملة الواحدة من الكلام، ويوجد تارة في الجمل ~~المتعددة. # والذي يوجد في الجمل المتعددة أبلغ، لاتساع المجال في إيراده. # وعلى هذا فإنه بجملته ينقسم قسمين: PageV02P281 ### ||| القسم الأول: الذي يوجد في الجملة الواحدة من الكلام # وهو يرد حقيقة، ومجازا. # أما الحقيقة فمثل قولهم: رأيته بعيني، وقبضته بيدي، ووطئته بقدمي، وذقته ~~بفمي، وكل هذا يظن الظان أنه زيادة لا حاجة إليها، ويقول: إن الرؤية لا ~~تكون إلا بالعين، والقبض ms379 لا يكون إلا باليد، والوطء لا يكون إلا بالقدم، ~~والذوق لا يكون إلا بالفم، وليس الأمر كذلك، بل هذا يقال في كل شيء يعظم ~~مناله، ويعز الوصول إليه، فيؤكد الأمر فيه على هذا الوجه دلالة على نيله ~~والحصول عليه، كقول أبي عبادة البحتري1: # تأمل من خلال السجف وانظر %~% بعينك ما شربت ومن سقاني2 # تجد شمس الضحى تدنو بشمس %~% إلي من الرحيق الخسرواني # ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده، وكان الساقي فيه على هذه ~~الصفة من الحسن، قال: انظر بعينك. # وعلى هذا ورد قوله تعالى: {ذلكم قولكم بأفواهكم} 3. # فإن هذا القول لما كان فيه افتراء عظم الله تعالى على قائله: # ألا ترى إلى قوله تعالى في قصة الإفك: {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون ~~بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} 4. # فصرح في هذه الآية بما أشرت إليه من تعظيم الأمر المقول. PageV02P282 # وفي مساق الآية المشار إليها جاء قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين ~~في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} 1. # ألا ترى أن مساق الكلام أن الإنسان يقول لزوجته: "أنت علي كظهر أمي"، ~~ويقول لمملوكه: "يا بني"، فضرب الله لذلك مثلا، فقال: كيف تكون الزوجة أما? ~~وكيف يكون المملوك ابنا? والجمع بين الزوجة والأمومة، وبين العبودية ~~والبنوة في حالة واحدة كالجمع بين القلبين في الجوف، وهذا تعظيم لما قالوه، ~~وإنكار له، ولما كان الكلام في حال الإنكار، والتعظيم أتى بذكر الجوف، وإلا ~~فقد علم أن القلب لا يكون إلا في الجوف، والتمثيل يصح بقوله: {ما جعل الله ~~لرجل من قلبين} وهو تام، لكن في ذكر الجوف فائدة، وهي ما أشرت إليها، وفيها ~~أيضا زيادة تصوير للمعنى المقصود؛ لأنه إذا سمعه المخاطب به صور لنفسه جوفا ~~يشتمل على قلبين، فكان ذلك أسرع إلى إنكاره. # وعليه ورد قوله تعالى: {فخر عليهم السقف من فوقهم} 2. # فكما أن القلب لا يكون ms380 إلا في الجوف، فكذلك السقف لا يكون إلا من فوق، ~~وهذا مقام ترهيب وتخويف، كما أن ذاك مقام إنكار وتعظيم. # ألا ترى إلى هذه الآية بكمالها وهي قوله تعالى: {قد مكر الذين من قبلهم ~~فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون} 2، ولذكر لفظة: {فوقهم} ، فائدة لا توجد مع إسقاطها من هذا ~~الكلام، وأنت تحس هذا من نفسك، فإنك إذا تلوت هذه الآية يخيل إليك أن سقفا ~~خر على أولئك من فوقهم، وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاط تلك ~~اللفظة. PageV02P283 # وفي القرآن الكريم من هذا النوع كثير، كقوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور ~~نفخة واحدة، وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} 1. # وقوله: {أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى} 2. # وكل هذه الآيات إنما أطنب فيها بالتأكيد لمعان اقتضتها، فإن النفخ في ~~الصور الذي تقوم به الأموات من القبور مهول عظيم، دل على القدرة الباهرة، ~~وكذلك حمل الأرض والجبال. # فلما كانا بهذه الصفة قيل فيهما: {نفخة واحدة} ، و {دكة واحدة} ، أي: أن ~~هذا الأمر المهول العظيم سهل يسير على الله تعالى يفعل ويمضي الأمر فيه ~~بنفخة واحدة ودكة واحدة، ولا يحتاج فيه إلى طول مدة، ولا كلفة ولا مشقة. # فجيء بذكر الواحدة لتأكيد الإعلام بأن ذلك هين سهل على عظمه. # وهذه المواضع وأمثالها ترد في القرآن الكريم، ويتوهم بعض الناس أنها ترد ~~لغير فائدة اقتضتها، وليس الأمر كذلك، فإن هذه الأسرار البلاغية لا ينتبه ~~لها إلا العارفون بها، وهكذا يرد ما يرد منها في كلام العرب. # وههنا نكتة لا بد من الإشارة إليها، وذاك أني نظرت في قوله تعالى: {نفخة ~~واحدة} ، و {دكة واحدة} ، وفي قوله تعالى: {ومناة الثالثة الأخرى} ، فوجدت ~~ذلك غير مقيس على ما تقدم، وسأبينه ببيان شاف، فأقول: # إن قوله تعالى: {ومناة الثالثة الأخرى} ، إنما جيء به لتوازن الفقر التي ~~نظمت السورة كلها عليها، وهي: {والنجم إذا هوى} ، ولو قيل: {أفرأيتم اللات ~~والعزى، ومناة} ، ولم يقل: "الثالثة ms381 الأخرى"؛ لكان الكلام عاريا عن الطلاوة ~~والحسن، وكذلك لو قيل: ومناة الأخرى، من غير أن يقال: "الثالثة"؛ لأنه نقص ~~في الفقرة الثانية عن الأولى، وذاك PageV02P284 # قبيح وقد تقدم الكلام عليه في باب السجع1، لكن التأكيد في هذه الآية جاء ~~ضمنا لتوازن الفقر وتبعا. # وأما: {نفخة واحدة} ، و {دكة واحدة} ، فإنما جيء بلفظ الواحدة فيهما -وقد ~~علم أن النفخة هي واحدة، والدكة هي واحدة- لمكان نظم الكلام؛ لأن السورة ~~التي هي: {الحاقة} جارية على هذا المنهاج في توازنها السجعي، ولو قيل: نفخة ~~من غير واحدة، ودكة -من غير واحدة- ثم قيل بعدها: {فيومئذ وقعت الواقعة} ، ~~لكان الكلام منثورا2 محتاجا إلى تمام، لكن التأكيد جاء فيهما ضمنا وتبعا. # وإذا تبين ذلك واتضح، فاعلم أن الفرق بين هذه الآيات، وبين قوله تعالى: ~~{ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} ظاهر، وذاك أن "نفخة" هي واحدة ~~"ومناة" هي ثالثة. # وأما ما جاء منه على سبيل المجاز، فقوله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} 3. # ففائدة ذكر: {الصدور} ههنا أنه قد تعورف، وعلم أن العمى على الحقيقة ~~مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب ~~تشبيه، ومثل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى ~~القلوب حقيقة، ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف، ~~ليتقرر أن مكان العمي إنما هو القلوب، لا الأبصار. # وهذا الموضع من علم البيان كثيرة محاسنه، وافرة لطائفه، والمجاز فيه أحسن ~~من الحقيقة، لمكان زيادة التصوير في إثبات وصف الحقيقي للمجازي، ونفيه عن ~~الحقيقي. PageV02P285 ### ||| وأما القسم الثاني المختص بالجمل، فإنه يشتمل على ضروب أربعة: ### |||| الضرب الأول: أن يذكر الشيء فيؤتي فيه بمعان متداخلة، إلا أن كل معنى يختص بخصيصة ليست للآخر # وذلك كقول أبي تمام1: # قطعت إلى الزابيين هباته %~% والتاث مأمول السحاب السبل2 # من منة مشهورة وصنيعة %~% بكر وإحسان أغر محجل # فقوله: "منة مشهورة، وصنيعة بكر، وإحسان أغر محجل" تداخلت معانيه، إذ ~~المنة، والصنيعة والإحسان، متقارب بعضه من ms382 بعض، وليس ذلك بتكرير؛ لأنه لو ~~اقتصر على قوله: منة وصنيعة، وإحسان لجاز أن يكون تكريرا، ولكنه وصف كل ~~واحدة من هذه الثلاث بصفة أخرجتها عن حكم التكرير، فقال: "منة مشهورة"، ~~فوصفها بالاشتهار لعظم شأنها، و"صنيعة بكر"، فوصفها بالبكارة، أي أنها لم ~~يؤت بمثلها من قبل، و"إحسان أغر محجل"، فوصفه بالغرة والتحجيل: أي هو ذو ~~محاسن متعددة، فلما وصف هذه المعاني المتداخلة التي تدل على شيء واحد ~~بأوصاف متباينة صار ذلك إطنابا، ولم يكن تكريرا. # ولم أجد في ضروب الإطناب أحسن من هذا الموضع، ولا ألطف وقد استعمله أبو ~~تمام في شعره كثيرا، بخلاف غيره من الشعراء كقوله3: # زكي سجاياه4 تضيف ضيوفه %~% ويرجى مرجيه ويسأل سائله # فإن غرضه من هذا القول إنما هو ذكر الممدوح بالكرم وكثرة العطاء، إلا أنه ~~وصفه بصفات متعددة، فجعل ضيوفه تضيف، وراجيه يرجى وسائله يسأل، وليس هذا ~~تكريرا؛ لأنه يلزم من كون ضيوفه تضيف أن يكون راجيه مرجوا، ولا أن يكون ~~سائله مسؤلا؛ لأن ضيفه يستصحب ضيفا، طمعا في كلام مضيفه، وسائله يسأل: أي ~~أنه يعطي السائل عطاء كثيرا يصير به معطيا، وراجيه يرجى: أي أنه إذا تعلق ~~به رجاء راج، فقد أيقن بالفلاح والنجاح، فهو حقيق بأن يرجى لمكان رجائه ~~إياه، وهذا أبلغ الأوصاف الثلاثة PageV02P286 ### |||| الضرب الثاني: يسمى النفي والإثبات # وهو أن يذكر الشيء على سبيل النفي ثم يذكر على سبيل الإثبات، أو بالعكس، ~~ولا بد أن يكون في أحدهما زيادة في الآخر، وإلا كان تكريرا، والغرض به ~~تأكيد المعنى المقصود. # فمما جاء منه قوله تعالى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين، إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون} 1. # واعلم أن لهذا الضرب من الإطناب فائدة كبيرة، وهو من أوكد وجوهه، ألا ترى ~~أنه قال: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم} ، ثم قال: {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر} ، ~~والمعنى في ذلك ms383 سواء، إلا أنه في الثانية قوله: {وارتابت قلوبهم فهم في ~~ريبهم يترددون} ، ولولا هذه الزيادة لكان حكم هاتين الآيتين حكم التكرير. # وهذا الموضع ينبغي أن يتأمل، وينعم النظر فيه. # وعليه ورد قوله تعالى: {الم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~PageV02P287 # سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون، ~~بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة ~~هم غافلون} 1. # فقوله: {يعلمون} ، بعد قوله: {لا يعلمون} ، من الباب الذي نحن بصدد ذكره، ~~ألا ترى أنه نفى العلم عن الناس بما خفي عنهم من تحقيق وعده، ثم أثبت لهم ~~العلم بظاهر الحياة الدنيا، فكأنهم علموا وما علموا، إذ العلم بظاهر الأمور ~~ليس بعلم، وإنما العلم هو ما كان بالباطن من الأمور. PageV02P288 ### |||| الضرب الثالث: وهو أن يذكر المعنى الواحد تاما لا يحتاج إلى زيادة ثم يضرب له مثال من التشبيه # كقول أبي عبادة البحتري1: # ذات حسن لو استزادت من الحس %~% ن إليه لما أصابت مزيدا # فهي كالشمس بهجة، والقضيب اللدن قدا، والريم طرفا وجيدا2. # ألا ترى أن الأول كاف في بلوغ الغاية في الحسن؛ لأنه لما قال: "لو ~~استزادت لما أصابت مزيدا" دخل تحته كل شيء من الأشياء الحسنة، إلا أن ~~للتشبيه مزية أخرى تفيد السامع تصويرا، وتخييلا لا يحصل له من الأول. # وهذا الضرب من أحسن ما يجيء في باب الإطناب. PageV02P288 # وكذلك ورد قوله1: # تردد2 في خلقي سودد %~% سماحا مرجى وبأسا مهيبا # فكالسيف إن جئته صارخا %~% وكالبحر إن جئته مستثيبا # فالبيت الثاني يدل على معنى الأول؛ لأن البحر والسيف للبأس المهيب، إلا ~~أن في الثاني زيادة التشبيه التي تفيد تخيلا وتصويرا. PageV02P289 ### |||| الضرب الرابع: أن يستوفي معاني الغرض المقصود من كتاب، أو خطبة أو قصيدة # وهذا أصعب الضروب الأربعة طريقا، وأضيقها بابا؛ لأنه يتفرع إلى أساليب ~~كثيرة من المعاني، وأرباب النظم والنثر يتفاوتون فيه، وليس الخاطر الذي ms384 ~~يقذف بالدرر في مثله إلا معدوم الوجود، ومثاله ومثال الإيجاز مثال مجمل ~~ومفصل، وقد تقدم القول أن الإيجاز والإطناب، والتطويل بمنزلة مقصد يسلك ~~إليه ثلاثة طرق. # وقد أوردت ههنا أمثلة لهذه الأساليب الثلاثة، وجعلتها على هيئة المقصد ~~الذي تسلك إليه الطرق الثلاثة. # فمن ذلك ما ذكرته في وصف بستان ذات فواكه متعددة. # فإذا أريد وصفه على حكم الإيجاز قيل: "فيه من كل فاكهة زوجان"، وهذا كلام ~~الله تعالى1، وقد جمع جميع أنواع الفاكهة بأحسن لفظ وأخصره. # وإذا أريد وصف ذلك البستان على حكم "الإطناب" قيل فيه ما أذكره، وهو فصل ~~من كتاب أنشأته، وهو: # "جنة علت أرضها أن تمسك ماء، وغنيت بينبوعها أن تستجدي سماء، وهي ذات ~~ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة، وما كل تربة توصف بالنجابة. PageV02P289 # "ففيها المشمش الذي يسبق غيره بقدومه، ويقذف أيدي الجانين بنجومه، فهو ~~يسمو بطيب الفرع والنجار1، ولو نظم في جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار2، ~~وله زمن الربيع الذي هو أعدل الأزمان، وقد شبه بسن الصبا في الأسنان. # "وفيها التفاح الذي رق جلده، وعظم قده، وتورد خده، وطابت أنفاسه، فلا بان ~~الوادي ولا رنده3، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر، ونسبته من سرر ~~الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر. # "وفيها العنب الذي هو أكرم الثمار طينة، وأكثرها ألوان زينة، وأول غرس ~~اغترسه نوح -عليه السلام- عند خروجه من السفينة، فقطفه يميل بكف قاطفه، ~~ويغري بالوصف لسان واصفه. # "وفيها الرمان الذي هو طعام وشراب، وبه شبهت نهود الكعاب، ومن فضله أنه ~~لا نوى له فيرمى نواه، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه. # وفيها التين الذي أقسم الله به تنويها بذكره، واستتر آدم عليه السلام ~~بورقه إذ كشفت المعصية من ستره، وخص بطول الأعناق فما يرى بها من ميل، فهو ~~نشوة من سكره، وقد وصف بأنه راق طعما، ونعم جسما، وقيل: هذا كنيف مليء شهدا ~~لا كنيف ملئ علما. # وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله، ويشغل بلذة منظره عن لذة ~~أكله، ms385 وهو الذي فضل ذوات الأفنان بعرجونه، ولا تماثل بينه وبين الحلواء: ~~"هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه"4. # وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها، وكلها معدود من أوساطها لا من ~~أطرافها. PageV02P290 # ولقد دخلتها فاستهوتني حسدا، ولم أصاحبها على قوله: "لن تبيد هذه أبدا"1. # فهذا الوصف على هذه الصورة يسمى "إطنابا"؛ لأنه لم يعر عن فائدة. # وذاك الأول هو "الإيجاز"؛ لأنه اشتمل باختصاره على جميع أصناف الفاكهة. # وأما "التطويل": فهو أن تعد الأصناف المذكورة تعدادا من غير وصف لطيف، ~~ولا نعت رائق فيقال: مشمش، وتفاح وعنب ورمان، ونخل وكذا، وكذا. # وانظر أيها المتأمل إلى ما أشرت إليه من هذه الأقسام الثلاثة في الإيجاز، ~~والإطناب والتطويل، وقس عليها ما يأتي منها. # وسأزيد ذلك بيانا بمثال آخر، فأقول: # قد ورد في باب "الإيجاز" كتاب كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون -رحمه ~~الله تعالى- يخبره بهزيمة "علي بن"2 عيسى بن ماهان وقتله إياه، وهو: "كتابي ~~إلى أمير المؤمنين، ورأس "علي بن" عيسى بن ماهان بين يدي، وخاتمه بين يدي، ~~وعسكره مصرف تحت أمري، والسلام". # وهذا كتاب جامع للمعنى، شديد الاختصار. # وإذا كتب ما هو في معناه على وجه "الإطناب" قيل فيه ما أذكره، وهو ما ~~أنشأته مثالا في هذا الموضع، ليعلم به الفرق بين الإيجاز والإطناب، وهو: # "أصدر كتابه هذا، وقد نصر بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وانقلب ~~باليد الملأى PageV02P291 # والعين القريرة، وكان انتصاره بجد أمير المؤمنين لا بحد نصله، والجد أغنى ~~من الجيش، وإن كثرت أمداد خيله ورجله، وجيء برأس "علي بن" عيسى بن ماهان ~~وهو على جسد غير جسده، وليس له قدم، فيقال: إنه يسعى بقدمه ولا يد، فيقال: ~~إنه يبطش بيده، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه، وحسدت الضباع الطير على ~~مكانها منه، وهو غير محسود على مكانه، وأحضر خاتمه، وهو الخاتم الذي كان ~~الأمر يجري على نقش أسطره، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه، فحال ورود ~~المنية دون مصدره، وكذلك البغي مرتعه وبيل ومصرعه جليل، وسيفه وإن ms386 مضى فإنه ~~عند الضرب كليل، وقد نطق الفأل بأن الخاتم، والرأس مشيران بالحصول على خاتم ~~الملك ورأسه، وهذا الفتح أساس لما يستقبل بناؤه، ولا يستقر البناء إلا على ~~أساسه، والعساكر التي كانت على أمير المؤمنين حربا صارت له سلما، وأعطته ~~البيعة علما بفضله، وليس من تابع تقليدا كمن تابع علما، وهم الآن مصروفون ~~تحت الأوامر، ممتحنون بكشف السرائر، مطيفون باللواء الذي خصه الله باستفتاح ~~المقالد واستيطاء المنابر، وكما سرت خطوات القلم في أثناء هذا القرطاس، ~~فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع في قلوب الناس، وليس في البلاد ما يغلق ~~بمشيئة الله بابا، ولا يحسر نقابا، وعلى الله إتمام النعم التي افتتحها، ~~وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التي اقترحها، والسلام. # وهذا الكتاب يشتمل على ما اشتمل عليه كتاب طاهر بن الحسين من المعنى، إلا ~~أنه فصل ذلك الإجمال. # ولو كتبت على وجه "التطويل" الذي لا فائدة فيه لقيل: "أصدر كتابه في يوم ~~كذا من شهر كذا، والتقى عسكر أمير المؤمنين، وعسكر عدوه الباغي. # وتطاعن الفريقان، وتزاحف الجمعان، وحمي القتال، واشتد النزال، وترادفت ~~الكتائب، وتلاحقت المقانب1، وقتل "علي بن" عيسى بن ماهان، واحتز رأسه وقطع، ~~PageV02P292 # ونزع الخاتم من يده وخلع، وترك جسده طعاما للطيور والسباع، والذئاب ~~والضباع، وانجلت الوقعة عن غلب أمير المؤمنين ونصره، وخذلان عدوه وقهره، ~~والسلام. # فهذا الكتاب يشتمل على تطويل لا فائدة فيه؛ لأنه كرر فيه معاني يتم الغرض ~~بدونها، وذكر ما لا حاجة إليه في الإعلام بالواقعة. # فانظر إلى هذه الكتب الثلاثة، وتأملها كما تأملت الذي تقدمها. # وبعد ذلك إني أورد لك كتابا، وتقليدا يوضحان لك فائدة الإطناب، أما ~~الكتاب فإنه كتاب كتبته عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -رحمه ~~الله تعالى- إلى ديوان الخلافة ببغداد يتضمن فتح بيت المقدس، واستنقاذه من ~~أيدي الكفار، وذلك في معارضة كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني1 عنه، ~~وكان الفتح في السابع والعشرين من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. # "خلد الله سلطان الديوان العزيز النبوي، وجعل أيام دولته ms387 أترابا، ومناقب ~~مجدها هضابا وزادها على مرور الأيام شبابا، وأوسعها توشية وذهابا، إذا أوسع ~~غيرها تلاشيا وذهابا، ومنحها في الدنيا والآخرة عطاء وفاقا لا عطاء حسابا، ~~ومثل جدودها في عيون الأعداء شيئا عجابا، وأراهم منها وراءهم في اليقظة ~~إرهابا وإرعابا، وفي المنام إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، لو جمعت العصور في ~~صعيد واحد لكان هذا العصر عليها فاخرا، وفاز بسبق أوائلها وإن جاء آخرا، ~~وليس ذلك إلا لخطوته بالدولة الناصرية التي كسته خبرا وقلدته دررا، ودونت ~~له من المحامد سيرا، وجعلت في كل ناحية من وجهه شمسا وقمرا. # "وقيض الله لها من الخادم وليا يوصل يومه في طاعتها بأمسه، ولا يرى إلا ~~ومن نفسه في خدمتها رقيب على نفسه، وطالما سعى بين يديها بمساع تغص ~~بأخبارها محافل PageV02P293 # القوم، ويقال له فيها: ما ضرك ما صنعت بعد اليوم، وقد سلفت منها آيات ~~تتمايل في أشباهها وأضرابها، واستؤنف لها الآن واحدة تدعى بأم كتابها، وهي ~~فتح البيت المقدس الذي تفتحت له أبواب السماء، وكثرت بأحاديث مجده كواكب ~~ظلماء، واسترد حق الإسلام، وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماء، ومن ~~أحسن ما أتي به أنه آنس قبلته الثانية بقبلته الأولى، وأطال منه كل ما ~~قصرته يد الكفر، وكانت هي الطولى، وبه صح لهذا البيت معنى اسمه، وانتقل إلى ~~الطهارة ونزاهتها عن الرجس ووصمه، ولم يحزه الخادم حتى طوى ما حوله من ~~البلاد المنجدة والغائرة، وكان مركزا لدائرتها فغادره وهو طرف من أطراف ~~الدائرة، ولما شارفه نظر منه إلى ظلة من الظلل، ورأى بلدا قد استقر على متن ~~الجبل مثل الجبل، ويطيف به واد يستهزئ عصمته بنوب الدهر، وقد انعطف على ~~جوانبه انعطاف الحبوة على الظهر1، والمسالك إليه مع ذلك ذات تعاريج ومعارج، ~~وهي ضيقة مستوعرة يطلق عليها اسم الطرق، ولا يطلق عليها اسم المناهج، فلما ~~رآه قال: هذا أمنية لمن يرى، وعلم حينئذ أن كل الصيد في جوف الفرا2، إلا أن ~~لسان حاله خاطبه، وهو أفصح الخطاب، وقال: امدد يدك فليس دونها من ms388 حجاب. # وكان قد برز من السلاح في لباس رائع من المنعة، وأخرج من السواد الأعظم ~~ما خدع العيون والحرب خدعة، وما يمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، ولا يحمى ~~بعوالي الأسوار بل بعوالي الصعاد، وفي يوم كذا وكذا خيم المسلمون في عقر ~~داره، ونزلوا منه نزول الجار إلى جانب جاره، ثم ارتادوا موقفا للقتال، وإن ~~لم يكن هناك موقف يقرب مناله، ولا يتسع مجاله، واتفق الرأي على لسان ~~المنجنيق في خطبة عقيلية أبلغ خطابا. PageV02P294 # وأدنى من المطلوب طلابا، وأنه إذا ضرب بعصاه الحجر انبجست عيون أهله ~~دماء، كما انبجست عيون الحجر ماء. # هذا والعزائم تنظر إلى هذا الرأي نظر المستجهل، وتصد عنه صدود المستعجل، ~~وتقول: ما بارتياد السهل تملك الصعاب، ومن ابتنى السيف صرحا لم ينأ عنه ~~بلوغ الأسباب، والحديد لا يفلح إلا بالحديد، والركن الشديد لا يصدم إلا ~~بركن شديد، فعندها صمم الخادم أن يلقى البلد مواصبا لا مواربا، وأن يجعل ~~للزحف جانبا وللمنجنيق جانبا، ونوى أن يبدي صفحة وجهه أمام الناس، وتأسى ~~برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الاتقاء به إذا اشتد البأس، ولا شك أن ~~قلوب الجيوش بمنزلة قلوبها، وأن النفاذ لأسنة الرماح لا لكعوبها، ولا يشتفي ~~من الوغى إلا من كان طرفه أمام طرفه، ومن وقف خلف جنوده، فقد جعل عزائمها ~~من خلفه. # ولما وقع الزحف صورع البلد صراعا، بعد أن قورع قراعا، ثم هز هزة طوته ~~بيمينها ونشرته بشمالها، وأذاقته العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر من ~~نكالها، وبدون ذلك يكون عرك أديمه، وعطف شكيمه، ولم يكن قتاله بالسهام التي ~~غايتها أن تصف أجنحتها للمطار، وتنال بكلومها من فوق الأسوار، بل بالسيوف ~~التي إذا جالدت بلدا أخذت بكظمه، وتوغلت في هجمه، وأغنت بسرعة خطواتها إليه ~~عن المنجنيق وإبطاء هدمه، والسيف ليس بمرتو من النفس التي تظل طائشة عند ~~لقائها، جائشة عند استيفائها، فالقلوب توصف بأنها تجيش إذا كانت أعدادا، ~~والنفوس لا تجيش إلا إذا كانت ثمادا، وما يستوي وجوه الأقران في إقدامها ~~وإحجامها، فمنها المظلم إذا رابها ms389 الروع بإشراقها، ومنها المشرق إذا شابها ~~الروع بإظلامها، وكانت وجوه المؤمنين في هذا المقام أحظى بلباس الإشراق، ~~وأتم أبدرا، والبدور لا يكون تمامها في المحاق، فما منهم إلا من عرض نفسه ~~ليوم العرض، ومشى إلى جنة عرضها السموات والأرض، حتى اتسع المكر، وضاق ~~بأعداء الله المقر، وحرقت أوعار الخنادق، وصار الرجال لمنطقة السور ~~كالمناطق، ولم يستشهد منهم إلا عدد يسير لا تدخله لام التعريف، وكانت أجنحة ~~الملائكة مطيفة بهم، فأكرم المطاف به وبالمطيف. PageV02P295 # وقد أسعد الله أولئك بالشهادة التي هي الفوز الأكبر، وقرنها بإدناء ~~مضاجعهم من الأرض المقدسة، التي هي أرض المحشر، فما يسرهم أن يعودوا إلى ~~الدنيا إلا للاستزادة من ثواب الجهاد، وأيسر ذلك أن أرواحهم في حواصل طير ~~خضر تعلق من ثمار الجنة إلى يوم المعاد. # ولما رأى الكفار أن صليبهم قد صار خوارا، وأن زئيرهم قد انقلب خوارا، ~~أذعنت أيديهم باستسلامها، وصانعت بالمال عن الرقاب واسترقاقها، وبالبلد عن ~~النفوس وحمامها، فأبى السيف أن يترك رقابا تغذي بأكلها، ويحل من عشقها على ~~مداومة وصلها. # وذكر الخادم أن سلف هؤلاء انتزاع هذا البلد قسرا، وفتك بمن كان به من ~~المسلمين غدرا، وذلك ثأر ذخره الله لك حتى تحظى في الآخرة بثوابه، وتتجمل ~~في الدنيا بزينة أثوابه، والمسلم أخو المسلم يأخذ بدمه، وإن تطاولت أمداد ~~السنين على قدمه، فيا بعد عهد هذا الثأر من ثائره، ويا طيب خبره عند سامعه، ~~وحسن أثره عند ناظره. # ولما تحقق العزم على ذلك أشار ذوو الرأي بقبول الفدية المبذولة، وألا ~~يحمل العدو على ما ليست نفسه عليه بمحمولة، فإن النقد1 إذا أخرج صار ذا ~~أنياب وأظفار، واستضرى حتى يلتحق بالسباع الضوار، وهؤلاء إذا رأوا عين ~~القتل تجردوا للقتال، وركبوا الأهوال للنجاة من الأهوال، ومن يدع إلى خطة ~~رشد فليقبلها، ومن أنشط له عقل الأمور فلا يعقلها، وعلى كل حال فإن الفدية ~~للمسلمين أرغب، وأموال يتقوى بها على العدو خير من دماء تذهب. # هذا، وبالبلد من أسارى المسلمين من حياة أحدهم بحياة كل نفس، ومن ms390 حرمته ~~PageV02P296 # عند الله مما طلعت عليه الشمس، ولا يوازى فتحه عنوة أن يتعدى إليهم ~~أضراره، ولا شك أنهم يعاجلون بالقتل قبل أن تدخل أقطاره. # فرأى الخادم عند ذلك أن الرأي مشترك، وأن له معتركا كما أن السيف له ~~معترك، وتقرر تسليم البلد ودموع أهله قد خضبت أحداقها، وأقرحت آماقها1 ولم ~~تطب أنفسهم بفراق قمامه حتى كادت الهام تفارق أعناقها، فعلى حسب ذلك التراب ~~تقوم قيامتهم، وتشيل نعامتهم، ولطالما ابتهلوا عنده أيام الحصار، واستنصروه ~~فلم يحظوا منه بمعونة الانتصار، وكيف يرجى النصر من معبود تقر شيعته ~~بقتله؟، أم كيف يدفع عن غيره من كان هو مبتلى بمثله، وهذه عقول سخيفة نفذ ~~فيها كيد شيطانها، وأخفى عنها محجة الحق على وضوح بيانها. # ولقد كان يوم التسليم عريض الفخار، زائد العمر على عمر أبويه من الليل ~~والنهار، واشتق من اسمه معنى السلامة للمسلمين والهلاك للكفار، وزاده فخرا ~~إلى فخره أنه وافق اليوم المسفر عن ليلة المعراج النبوي الذي كان في تلك ~~الأرض موعده، ومن صخرتها مصعده، وذلك هو الإسراء الذي ركب إليه ظهر ~~البراق2، واستفتح له أبواب السبع الطباق، ولقي فيه الأنبياء على اختلاف ~~درجاتهم، فظفر خير ملقى بخير لاق، وبركة ذلك اليوم سرت إلى هذا، فأطالت من ~~شهرته، وضمنته نصرة الدين الحنيف الذي لله عناية بنصرته، وجعلته تاريخا ~~يؤرخ بفتحه كما أرخ النبي -صلى الله عليه وسلم- بدار هجرته، وإذا أنصف ~~واصفه قال: إنه لليوم البدري في اقتراب النسب، وإنه العجيبة التي لم تجفل ~~عنها الأيام في صفر، وإنما أجفلت عنها في رجب، فما أكثر الفائز فيه ~~والمغبون، والمسرور والمحزون فيمن جد راكب ومن جد راجل، ومن عز قادم وذل ~~راحل. PageV02P297 # ولطالما جد الخادم في السعي له وأبصار العدا تزلقه، وألسنتهم تسلقه، وما ~~منهم إلا من أكثر الشناعة بأن ذلك السعي للاستكثار من البلاد، والله يعلم ~~أنه لم يكن إلا للاستكثار من موارد الجهاد، لا جرم أن صدق النية كان له ~~عقبى الدار، وتلك الأقوال الكاذبة كان لها عقبى البوار، ويوم هذا الفتح ms391 ~~يفتقر قبله إلى أيام تجلو بياضه عن سوادها، ويلقح لها بطون المساعي حتى ~~يكون هو نتيجة ميلادها، ولما ظفر به الخادم لم يكن لأهل النجامة1 فيه قول ~~يرد كذابه، ولا يقبل صوابه، والشهب الطالعة على ذوات السروج، أصدق نبأ من ~~الشهب الطالعة من ذوات البروج، على أنهما وإن اتفقا رجما فإنهما يختلفان ~~علما، فعلم هذه يسأل عنه ثغر الأعناق، وعلم هذه يسأل عنه بطون الأوراق. # ولما دخل البلد وجد به أمما لولا أن ضربت عليهم الذلة لدافعوا المنايا ~~مكاثرة، وغالبوا السيوف مصابرة، وهم طوائف مختلفو الألسنة والألوان، وإن ~~قيل: إنهم أناسي فإن صورهم صور الجان، ومنهم طائفة استشعرت حبس نفوسها، ~~وفحصت الشعر عن أوساط رءوسها، وتوحشت بالرهبانية حتى ارتاعت العيون من ~~أشكالها ولبوسها. # ولما رأوا طليعة الإسلام داخلة عليهم أعلنوا بالجؤار2، واصطرخوا جميعا ~~كما يصطرخون غدا في النار، وزادهم غيظا إلى غيظهم أنهم رأوا الصلاة قائمة، ~~وقد صار الناقوس أذانا، وكلمة الكفر إيمانا، وأقيمت الجمعة، وهي أول جمعة ~~حظي الأقصى بمشهدها، وحضرتها الأمة الإسلامية بأحمرها وأسودها، فمن باك ~~بدمعة سروره الباردة، ومن مجيل نظره في نعمة الله الواردة، ومن شاكر للزمن ~~الذي أبقاه إلى يومه هذا الذي كل الأيام له حاسدة، من كان ولده تقدم قبله ~~أو بعده فكأنه لم يولد، وكانت هذه الجمعة في رابع شعبان، وهو الشهر الذي ~~جعله الله طليعة لشهر الصيام، وليلة نصفه هي الليلة المعروفة بإحياء قيامها ~~إلى حين وفاة شخص الظلام، والتي يغفر فيها لأكثر من شعر غنم كلب من ذوي ~~الذنوب والآثام. PageV02P298 # وجيء باللواء الأسود، فركز من المنبر في أعلاه، ونطق لسان حاله، فقال: من ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاه فأنا مولاه، ولم يكن لسان الخطيب ~~بأفصح بيانا من لسانه، غير أن هذا يزهى ببلاغ موعظته، وهذا يزهى بعزة ~~سلطانه، ولما ذكرت سمات الخلافة المعظمة أتبعها الناس بالدعاء الذي ملأ ~~المسجد بعجيجه، وسبق الكرام الكاتبون بزميله إلى السماء ووشيجه، وكان اليوم ~~فصلا، والموقف حفلا، وذلك الدعاء فرضا لا نفلا. # ولا ms392 ينتهي النصف إلا ما شوهد بالبلد من الآثار العجيبة التي تستلبث ~~العجلان، وتستحلب الأذهان، وتستنطق الألسنة بالتسبيح لله الذي فطر الإنسان، ~~ومن جملة ذلك ما تبوهي في حسنه من البيع والصوامع، ذوات الأبنية الروائع، ~~التي روضت بالزخارف ترويض الأزهار، ورفعت معاقدها حتى كادت النجوم توحي ~~إليها بالأسرار، وما منها إلا ما يقال: إنه إرم ذات العماد، التي لم يخلق ~~مثلها في البلاد، ولقد ألان الله لهم الحجارة حتى تخيروا في توسيعها بضروب ~~الاختيار، وجعلوها أعاجيب للأسماع والأبصار، وقيل فيها: هذه روضات جنان لا ~~أفنية ديار. # هذا إلى غيره مما وجد من معبودات القوم الموصوفة بأنها آلة الصلب، اللاتي ~~من ذوات النصب، وأكثر ذلك وجد في المسجد موضوعا، وعلى قبته مرفوعا، فأنزلت ~~على قرونها، واستن بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في طعن عيونها، ~~واستوطن المؤمن مكان الكفور، وبدلت الظلمات بالنور، وقالت الصخرة: الآن جمع ~~بيني وبين الحجر الأسود لخاطب الإسلام، والجمع بين الأختين في هذا الأمر من ~~الحلال لا من الحرام، وقال الأقصى: سبحان الذي أسرى إلي بجنده، كما أسرى ~~بعبده، وأعاد لي عهود الفتح الأول بهذا الفتح الذي أتى من بعده، وعود ~~الذاهب أرجى لدوام أحقابه، وخلود الإنسان لا يكون إلا في مآبه، وهذا هو ~~الخطب الذي جدد للإسلام عهود ابن خطابه1 -رضي الله عنه- إلا أن مستنقذ ~~الطريدة أولى بها من صاحبها، ولئن غصبتها يد غالبة، فقد جاء الله باليد ~~التي غصبتها من غاصبها. PageV02P299 # هذا ولم يستنقذها الخادم إلا بإنضاء سلاح أنفته الوقعة الأولى التي ~~استأصلت حماة البلاد، واستباحت أغيالها بقتل الآساد، فكانت لهذا الفتح ~~عنوانا، ولتقرير أصوله بنيانا، ولم ينج بها من طواغيت الكفر إلا طاغية ~~ترابلس، فإن السيوف أسأرته وبفؤاده قلق من أوجالها، وفي عينه دهش من ~~أهوالها، وقد قرن الله هذا الفتح ببشرى موته. # وكفى المسلمين مؤنة الاهتمام لفوته، ففر من الوقعة، ولم ينج بذلك الفرار، ~~واعتصم بذات جداره، فقتله الخوف من وراء الجدار، ولا فرق بين قتيل خوف ~~السفار، وبين قتيل الشفار، ولقد فر من ms393 المكروه إلى مثله، لكنه انتقل من ~~ميتة عزه إلى ميتة ذله. # وكذلك آثار الخادم في أعداء الله فهم هلكى بسيفه في مواقف الطراد، فإن ~~فروا فبخوفه على جنوب الوساد، وبعد هذه فهل يمترون في أن دمائهم قد استجابت ~~لمراده، وأن سواء لديه من أمكن منها في دنوه، ومن امتنع منها في بعاده، وكل ~~ذلك مستمد من الاستنصار بعناية الديوان العزيز التي من شأنها أن تجعل ~~الرؤيا حقا، وأحاديث الآمال صدقا، وتقرب بعيدات الأمور حتى تجعل الشرق غربا ~~والغرب شرقا، فهذا الفتح منسوب إليها، وإن كان الخادم هو الساعي في تسهيله، ~~والمجاهد بنفسه وماله في سبيله، فعلى عطف دولتها ترقم أعلامه، وفي أيامها ~~تؤرخ أيامه. # ولو أبيح للقلم الخيلاء في مقام المقال، كما أبيح لصاحبه في مقام القتال، ~~لاختالت مشيته في هذا الكتاب، ولقال: وأسهب فليس الإكثار ههنا من الإسهاب، ~~لكنه منعه من ذلك أن يكون ممن فخر بعمله فأبطله، وأرسل خطابه إلى الديوان ~~العزيز، فلم يقبضه بالأدب حين أرسله، وقد ارتاد من يبلغ عنه مشاريح هذه ~~الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ~~ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي، فأحسن الناس ~~بيانا مؤهل لإيداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي ~~صحبها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والأيام ~~والليالي رواة، فما الظن برواية الأيام والليال؟ PageV02P300 # وستتلو هذه الأخبار الصادقة بمشيئة الله أخبار مثلها صادقة، وما دامت ~~السيوف ناطقة في يد الخادم فالألسنة عنها ناطقة، وللآراء العالية مزيد ~~العلو، إن شاء الله تعالى. ### ||||| وأما التقليد، فإنه تقليد أنشأته لمنصب الحسبة، وهو: # "أما بعد، فقد جعل الله جزاء التمكين في أرضه أن يقام بحدود فرضه، ونحن ~~نسأله التوفيق لهذا الأمر الذي ثقل حمله وعدم أهله، فقد جيء بنا في زمن ~~أصبح الناس فيه سدى، وعاد الإسلام فيه غريبا كما بدا، وهو الزمن الذي كثرت ~~فيه أشراط1 اليوم الأخير، وغربلت فيه الأمة حتى لم يبق إلا حثالة2 التمر ~~والشعير. ms394 # ومن أهم ما نقرر بناءه، ونقدم عناءه، ونصلح به الزمن وأبناءه، أن نمضي ~~أحكام الشريعة المطهرة على ما قررته، في تعريف ما عرفته، وتنكير ما نكرته، ~~ومدار ذلك على النظر في أمر الحسبة التي تتنزل منه بمنزلة السلك من العقد، ~~والكف من الزند، وقد أخلصنا النية في ارتياد من فيها ويكفيها، ويصطفى لها ~~ولا يصطفيها، وهو أنت أيها الشيخ الأجل "فلان" أحسن الله لك الأثر، وصدق ~~فيك النظر، فتولها غير موكول إليها، بل معانا عليها. # واعلم أن الناس قد أماتوا سننا وأحيوا بدعا، وتفرقوا فيما أحدثوه من ~~المحدثات شيعا؛ وأظلم منهم من أقرهم على أمرهم، ولم يأخذ بقوارع زجرهم، فإن ~~السكوت عن البدعة رضا بمكانها، وترك النهي عنها كالأمر بإتيانها، ولم يأت ~~بنا لله تعالى إلا ليعيد الدين قائما على أصوله، صادعا بحكم الله فيه وحكم ~~رسوله. # ونحن نأمرك أن تتصفح أحوال الناس في أمر دينهم الذي هو عصمة مالهم، وأمر ~~معاشهم الذي يتميز به حرامهم عن حلالهم، فابدأ أولا بالنظر في العقائد، ~~واهد فيها PageV02P301 # إلى سبيل الفرقة الناجية1 الذي هو سبيل واحد، وتلك الفرقة هي السلف ~~الصالح الذين لزموا مواطن الحق فأقاموا، وقالوا: ربنا الله ثم استقاموا، ~~ومن عداهم شعب دانوا أديانا، وعبدوا من الأهواء أوثانا، واتبعوا ما لم ينزل ~~به الله سلطانا "ولو نشاء لأريناكهم، فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن ~~القول، والله يعلم أعمالكم"2، فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله، ولا ~~تسمع له قولا، ولا تقبل منه صرفا ولا عدلا، وليكن قتله على رءوس الأشهاد ما ~~بين حاضر وباد، فما تكدرت الشرائع بمثل مقالته، ولا تدنست علومها بمثل أثر ~~جهالته، والمنتمي إليها يعرف بنكره، ويستدل عليه بظلمة كفره، وتلك الظلمة ~~تدرك بالقلوب لا بالأبصار، وتظهر زيادتها ونقصها بحسب ما عند رائيها من ~~الأنوار، وما تجده من كتبها التي هي سموم ناقعة، لا علوم نافعة وأفاعي ~~ملقفة، لا أقوال مؤلفة، فاستأصل شأفتها3 بالتمزيق، وافعل بها ما يفعله الله ~~بأهلها من التحريق، ولا يقنعك ذلك حتى تجتهد في تتبع ms395 آثارها، والكشف عن ~~مكامن أسرارها، فمن وجدت في بيته فليؤخذ جهارا، ولينكل به إشهارا، وليقل: ~~هذا جزاء من استكبر استكبارا، ولم يرج لله وقارا. # وأما من تحدث في القدر، وقال فيه بمخالفة نص الخبر، فليس في شيء من ربقة ~~الإسلام، وإن تنسك بمداومة الصلاة والصيام، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ~~"القدرية مجوس هذه الأمة"، والمراد بذلك أنهما ماثلوا بين الله والعبد، ~~والضياء والظلمة، فعلاج هذه الطائفة أن تجزى بأن تخزى، فليقابل جمعها ~~بالتكسير، واسمها بالتصغير، ولتنقل إلى ثقل الحدود عن خفة التعزير، ومن كان ~~منها ذا مكانة نابهة فليهبط، أو شهادة عادلة فليسقط: PageV02P302 # وكذلك يجري الحكم فيمن قال بالتشبيه والتجسيم، أو قال بحدوث القرآن ~~القديم، ومن ملحدي القرآن فرقة فرقت بين المعنى والخط، وفرقة قالت فيه ~~بالشكل والنقط، وكل هؤلاء قوم خبثت سرائرهم، وعميت أبصارهم، وعظمت عند الله ~~جرائمهم، فخذهم بالتوبة التي تطهر أهلها، وتجب ما قبلها، وليست التوبة ~~عبارة عن ذكرى اللسان، والقلب لاه في قبضة النسيان، بل هي عبارة عن الندم ~~على ما فات، واستئناف الإخلاص فيما هو آت، وقد جعل الله التائب من أحبابه، ~~ووصفه في مواضع كثيرة من كتابه، ومن فضله أن الملائكة يستغفرون لذنبه، ~~ويشفعون له إلى ربه، فإن أبت هذه الطوائف إلا إصرارا، ولم يزدهم دعاؤك إلا ~~فرارا، فاعلم أن الله قد طبع على قلوبهم طبعا، وألحقهم بالذين كانت أعينهم ~~في غطاء عن ذكره، وكانوا لا يستطيعون سمعا، فخذهم عند ذلك بحد الجلد، فإن ~~لم ينجع فبحد ذوات الحد، فإن هذه أمراض عمى لا ترجى لها الإفاقة، ولا تبرئ ~~منها إلا الدماء المراقة. # وأما الفرقة المدعوة بالرافضة، التي هي لما رفعه الله خافضة، فإنهم أناس ~~ليس لهم من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه، وإذا نقب عن مذهبهم ~~وجد على العصبية موضوعا، ولغير ما شرعه الله ورسوله مشروعا، ذبوا عن علي ~~-رضي الله عنه- فأسلموه، وأخروه إذ قدموه، وهؤلاء وضعوا أحاديث فنقلوها، ~~وأولوا على ما أولوها، فتبع الآخر منهم الأول على غمة، ms396 وقالوا: إنا وجدنا ~~آبائنا على أمة. # وههنا غير ما ذكرناه من عقائد محلولة، ومذاهب غير منقولة ولا مقبولة، ~~وبالهدي يتبين طريق الضلال، وبالصحة يظهر أثر الاعتلال ولا عقيدة إلا عقيدة ~~السنة والكتاب، ولا دين إلا دين العجائز الماء والمحراب. # وإذا فرغنا من الوصية بالأصول التي هي للدين ملاك، فلنتبعها بالفروع التي ~~هي له مساك: # وأول ذلك الصلاة، وهي في مباني الإسلام الخمس أوكد خمسه، وآخر ما وصى به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مفارقة نفسه، ومن فضلها أنها العمل الذي PageV02P303 # ينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا عذر في تركها لأحد من الناس فيقال: إنه ~~يعذر، فاجمع الناس إليها، واحملهم عليها، ومرهم بالاجتماع لها في المساجد، ~~وناد فيهم بفضيلة صلاة الجماعة على صلاة الواحد، وراقبهم عند أوقات الأذان ~~في الأسواق التي هي معركة الشيطان، فمن شغل بتثمير مكسبه، ولها عنها ~~بالإقبال على لهوه ولعبه، فخذه بالآلة العمرية التي تضع من قدره، وتذيقه ~~وبال أمره، ولا يمنعك عن ذي هيبة هيبته، ولا عن ذي شيبة شيبته، فإنما أهلك ~~الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم ~~الضعيف أقاموا عليه الحد. # ومن مهمات الصلاة يوم الجمعة الذي هو في الأيام بمنزلة الأعياد في ~~الأعوام، وفيه الساعة المخصوصة بالدعاء المجاب، التي ما صادفها عبد إلا ظفر ~~بالطلاب، فمر الناس بابتداره في البواكر، والفوز فيه بقربان البدنات1 ~~الأخاير، فإنه اليوم الذي لم تطلع الشمس على مثله، وبه فضل هذا الدين على ~~أهل الكتاب من قبله -فهو واسطة عقد الأيام السبعة، ولاشتماله على مجموع ~~فضلها سمي يوم الجمعة، وفي الأعوام مواسم لصلوات مخصوصة كالتراويح في شهر ~~رمضان، والرغائب في أول جمعة من رجب، وليلة النصف من شعبان، فلتملأ المساجد ~~في هذه المواسم التي تكثر فيها شهادات الأقلام، في كتب الطاعات ومحو ~~الآثام، ومن حضرها وليس همه إلا أن يمر بها طروقا، ويواعد إليه أخدانه رفثا ~~وفسوقا، فهؤلاء هم الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فابعث عليهم ~~قوما يسلبونهم سلبا، ويوجعونهم ms397 ضربا، ويملئون عيونهم مهابة وقلوبهم رعبا، ~~فبيوت الله مطهرة من هذه الأدناس، ولم تعمر لشياطين الإنس وإنما عمرت ~~للناس، فلا يحضرها إلا راكع وساجد، أو ذاكر وحامد. # وههنا عظيمة عضيهة2، وفاحشة يفقه لها من ليست نفسه بفقيهة، وهي الربا، ~~فإنه قد كثر أكله، وتظاهر به فاعله، وقال فساق الفقهاء بتأويله؛ وتوصلوا ~~إلى PageV02P304 # شبهة تحليله، ولا يتسارع إلى ذلك إلا من أعمى الله قلبه، ومحق كسبه، قال ~~النبي -صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها، ~~وباعوها وأكلوا أثمانها"، ونحن نأمرك أن تشمر في هذا الأمر تشميرا يرهبه ~~الناس، ولا تدع ربا حتى تضعه، وأول ربا تضعه ربا العباس1؛ فتأديب الكبير ~~قاض بتهذيب الصغير، والأسوة بالرفيع خلاف الأسوة بالنظير؛ وجل معاملة الربا ~~تجري في سوق الصرف الذي تختلف به النقود، وتفترض فيه العقود، ويخاض في نار ~~نيره إلى النار ذات الوقود، وبه قوم أوسعوا عيون الموازين غمزا، وألسنتها ~~همزا ولمزا، وأصبح الدرهم والدينار عندهم بمنزلة الصنمين: اللات والعزى، ~~ولا يرى منهم إلا من الحرص مفاض على ثيابه، وقد جمع بين المعرفة بالحرام ~~والهجوم على ارتكابه، فعدل ميل هؤلاء تعديلا، وتخولهم على مرور الأيام ~~تخويلا، واعلم أنك قد وليت من الكيل، والميزان أمرين هلكت فيهما الأمم ~~السالفة، فباشرهما بيدك مباشرة الاختبار والاختيار، ولا تقل أهلهما عثرة، ~~فإن الإقالة لا تنتهى عن العثار، وكل هؤلاء من سواد الناس ممن لم يزك غرسه، ~~ولا فقهت نفسه، وليس همه إلا فرجه وضرسه، فخذهم بآلة التعزيز التي هي نزاعة ~~للشوى، تدعو من أدبر وتولى، ومن آثارها أنها ترج أرض الرأس رجا، وتفرج ~~سماءه فرجا، ويسلك بصاحبه هديا ونهجا. وقد كثر في الأسواق الخلابة والنجش2، ~~وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، وتنفيق السلعة باليمين الكاذبة، وكل هذه ~~من المحظورات التي وردت الأخبار النبوية ببيانها، والنهي عن تورد مكانها، ~~فمن قارف شيئا منها جاهلا بتحريمه فقومه بالتعليم، واهده إلى الصراط ~~المستقيم، ومن عرف ما اقترف، فأذقه حر التأديب، قبل أن يذاق غدا حر ~~التعذيب، وأعلمه أن ms398 الأرزاق بيد الله تعالى لا ينقصها عجز PageV02P305 # القاعد، ولا يزيدها حرص الكادح، وقد ينقلب الجاهد فيها بصفقة الخاسر، ~~والوادع بصفقة الرابح، ومن سنة الله تعالى أن ينمي الحلال وإن كان يسيرا، ~~ويمحق الحرام، وإن كان كثيرا. # ومن الناس من آتاه الله مالا فبث في الأسواق جنود ذهبه وورقه، واحتكر ما ~~حمله الميزان من ذوات رطله، ووسعه الكيل من ذوات وسقه، فأصبح فقراء بلده في ~~ضيق من عدم الرفق، ومدد الرزق، فليمنع هؤلاء أن يجعلوا رزق الله محتكرا، ~~ومعاش عباده محتجرا، وليؤمروا بأن يتراحموا، ولا يتزاحموا، وأن يأخذ الغني ~~منهم بقدر الكفاف، ويترك للفقير ما يعينه على الإسعاف، قال عمر بن الخطاب ~~-رضي الله عنه: "لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى ~~رزق من أرزاق الله تعالى ينزل بساحتنا، فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب ~~جلب على عمود كبده، فذلك ضيف عمر، فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء ~~الله". # وأما التسعير فإنه وإن آثره القاسطنون، وحكم به القاسطون، وقيل: إن في ~~ذلك للفقير تيسير العسير، فليس لأحد أن يكون يد الله في حفظ ما رفع، وبذل ~~ما منع، فقف أنت حيث أوقفك حكم الحق، ودع ما يعن من مصلحة الخلق، ولا تكن ~~ممن اتبع الرأي والنظر، وترك الآية والخبر، فحكمة الله مطوية فيما يأمر به ~~على ألسنة رسله، وليست مما يستنبطه ذو العلم بعلمه، ولا يستدل عليه ذو ~~العقل بعقله، "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"1. # ومما نأمرك به أن تمحو الصغيرة، كما تمحو الكبيرة، فإن لمم الذنوب كالقطر ~~يصير مجتمعه سيلا متدفقا، وكان أوله قطرا متفرقا. # وقد استمر في الناس عوائد تهاونوا باستمرارها، ولم ينظروا إلى ثقل ~~أوزارها، فمن ذلك لبس الذهب، والحرير الذي لم يلبسه إلا من عدم عند الله ~~خلاقا، وإن قيل: إنه PageV02P306 # شعار للغني فلم يزد صاحبه من الحسنات إلا إملاقا، وللبس عباءة مع التقوى ~~أحسن في العيون شعارا، وأعظم في الصدور وقارا. # ويلتحق بهذه المعصية صوغ الذهب، ms399 والفضة آنية يمنع منها حق الصدقات، وهو ~~حق يقاتل مانعه، ويعصى في استعمالها أمر الله، وهو حد من حدوده يعاقب ~~عاصيه، ويثاب طائعه. # وكذلك يجري الحكم في الصور المرقومة في البيوت والثياب، وعلى الستور ~~المغلقة على الأبواب، وإخراجها في ضروب أشكال الحيوان لملاعبة الصبيان، ~~وذلك مماثلة لخلق الله في التقدير، ولهذا يؤمر صانعه بنفخ الروح فيما صوره ~~من التصوير. # ومما يغلظ نكيره إطالة الذيول للاجترار، والمباهاة لما فيها من عنجهية ~~التيه والاستكبار، ولن يخرق صاحبها الأرض بإعجابه، ولا يبلغ الجبال بإطالة ~~ثيابه1، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى من جر ثوبه ~~خيلاء". # ومما هو أشد نكيرا أمر الحمامات، فإن الناس قد أصروا بها على الإجهار، ~~وترك الاستتار، والتهاون بأمر العورات التي لصاحبها اللعنة، وله سوء الدار. # والنساء في هذا المقام أشد تهالكا من الرجال، وقد ابتذلن أنفسهن حتى ~~أفرطن في فاحشة الابتذال، ولهن محدثات من المنكر أحدثها كثرة الإرفاه ~~والإتراف، وأهمل إنكارها حتى سرت في الأوساط والأطراف، وقد أحدثن الآن من ~~الملابس ما لا يخطر للشيطان في حساب، وتلك من لباس الشهرة الذي لا يستر منه ~~إسبال مرط2، ولا إدناء جلباب. # ومن جملتها أنهن يعتصبن عصائب كأمثال الأسنمة، ويخرجن من جهارة ~~PageV02P307 # أشكالها في الصور المعلمة، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم "بها ~~فيما ورد عنه من الأخبار، وجعل صاحبها معدودا من زمرة أصحاب النار. # ومما حيد به عن السنن قراءة القرآن بضروب الألحان، وتلك قراءة تخرج ~~حروفها من غير مخرج، وتبدو معوجة وهو قرآن عربي غير ذي عوج، وقد أمر الله ~~بترتيله، وإيراده على هيئة تنزيله، فمن قرأه بالترجيع والترديد، وزلزل ~~حروفه بالتمطيط والتمديد، فقد ألحقه بدرجات الأغاني، وذهب بما فيه من طلاوة ~~الألفاظ والمعاني، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "اقرءوا القرآن بلحون ~~العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدي ~~قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء، والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، ~~وقلوب الذين يعجبهم شأنهم". # ويلتحق بذلك اقتناء ms400 القينات المغنيات اللاتي يلعبن بالعقول لعبهن ~~بالأسماع، ويغنين الشياطين بغنائهن عن بث الجنود والأشياع، وفتيا النفس ~~الأمارة في ذلك أن تقول: هؤلاء إماء يحل نغمة سماعهن، كما يحل ما تحت ~~قناعهن، وقد علم أن لكل شيء تماما، وقد ينقلب فيصير حراما، ومن حام حول ~~الحمى يوشك أن يقع فيه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا القينات ~~المغنيات ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام". ~~وفي مثل هذا أنزلت: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} 1. # وكذلك يجري الحكم في المواشط اللاتي يجعلن الحسن موفورا، والقبح مستورا، ~~ويخدعن الناظر حتى يجعلنه مسحورا، فهن يبدين صدقا من كذب، وجدا من لعب، ~~وفعلهن هذا من الغش الذي نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم عنه، وقال: ~~"إنه ليس منه" 2، وقد لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ~~والواشرة والمستوشرة3. PageV02P308 # ومن غش المنكرات أيضا خضاب الشيب الذي يخالف فيه الظاهر الباطن، ويتخلق ~~صاحبه بخلق الكاذب الخائن، وهب أنه أخفى لون شعره، وهل يخفي أخلاق لباسه، ~~وإذا استسن ملائم المرء، فلا يغنيه سواد عارضه، ولا سواد رأسه، وقد جعل ~~الله الشيب من نعمه المبشرة بطول الأعمار، وسماه نورا للونه وهدايته، ولا ~~تستوي الظلمات والأنوار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: " قوم يخضبون ~~بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة" %~% والأولى بصاحب1 الشيب ~~أن يشتغل بتغيير صيغة الكتاب2، ويدأب في محو سواد العقاب ببياض الثواب، ففي ~~بقية عمره مندوحة لادخار ما يحمد ذخره، وتبديل ما تقدم سطره. # ومما خولفت فيه السنة عقد مجالس التعازي لحضور الناس، وإظهار شعار ~~الأسود، والأزرق من اللباس، والتشبيه3 بالجاهلية في النوح والندب، ومجاوزة ~~دمع العين وخشوع القلب إلى الإعلان بإسخاط الرب، وقد تواطأ النساء على ضرب ~~الخيام على القبور، وجعل الأعياد مواسم لاجتماع الزائر والمزور، فصارت ~~المآتم بينهم ولائم، والمنادب عندهم مآدب، وربما نشأ من ذلك ما يغض طرفا، ~~ويجدع أنفا، ويوجب حدا وقذفا، وهكذا أهمل أمر الإسلام في تشبه أهل الذمة ~~بأهله، وما كانوا ليشابهوه في زي ms401 غرته، ويخالفوه في سلوك سبله، ولا بد من ~~الغيار بأن يشد النصراني عقدة زناره، ويصفر اليهودي أعلى إزاره. # وليمنعوا من الظاهر4 بطغيان النعمة وعلو الهمة، ويؤمروا بالوقوف عند ما ~~حكم عليهم من الأحكام، وأخذوا فيه بالاختفاء والاكتتام، فخمورهم تستر، ~~PageV02P309 # وشعائر دينهم لا تظهر، وموتاهم تقبر بالخمول قبل أن تقبر، فلا يوقد خلف ~~ميتهم مصباح، ولا يتبع بندب ولا صياح. # ومما عرف الناس منكره إثارة التحريش بين الحيوانات، وهي ذوات أكباد رطبة، ~~وأخلاق صعبة وما منها إلا ما يحل أكله، ولا يحل قتله، كالكبش والحجلة ~~والديك، والسماني وما أشبهها، وقد أكثر الناس من اقتنائها، والمواظبة على ~~إضرام شحنائها، وربما نشأ من ذلك فتنة تئول إلى ضراب، وشق ثياب، وإحداث ~~شجاج، وإثارة عجاج وتحزب إلى أحزاب كثيرة وأفواج. # ويتصل بهذه المنكرات المذكورة أشياء أخرى تجري مجراها في التقديم، وتتنزل ~~منزلتها في التحريم، فاحكم فيها بحكمك، وامض في شبهاتها بدليل علمك، ونب ~~عنا في التذكير والتحذير، والتعريف والتنكير، حتى يتقود الأود، ويتضح الرشد ~~ويمكث في الأرض ما ينفع ويذهب الزبد، وليكن عملك لله الذي يسمع ويرى، وله ~~ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى. # واعلم أن الأمر بالمعروف عبادة يتعدى نفع صاحبها إلى غيره، وتستضيف خير ~~المأمور بها إلى خيره، وهي الجهاد الأكبر الذي تقاتل فيه عواصي النفوس، ~~وتضرب به رءوس الشهوات التي هي أمنع من معاقد الرءوس، فقتيله يحيا بقتله، ~~وجريحه يؤسى بجراحة نصله، وبمثل هذا الجهاد تستنزل أمداد النعم مضعفة، كما ~~تستنزل أمداد النصر مردفة، فأقدم عليه ذا عزم باتر، وطرف ساهر، وقدم ثابت ~~صابر، حتى تظل لمعاقل الشيطان فاتحا، وتكون فيمن دعا إلى الله وعمل صالحا. # واعلم أنك في صبيحة كل يوم يبتدرك الملك والشيطان، وكل منهما يقول: يأيها ~~الإنسان، فإن أجبت نداء الملك كتبك في زمرة من مهد لجنبه، وخاف مقام ربه، ~~وعرج بعملك1 إلى الله طيبا نشره، مضاعفا أجره، وإن أجبت نداء الشيطان ~~PageV02P310 # كتبك في زمرة من أغواه، وقرنك بمن أغفل الله قلبه واتبع ms402 هواه، ثم نزل به ~~إلى الأرض خبيثا مخثبا، وأقبل به على إخوانه من الشياطين محدثا. # وهذا آخر ما عهدناه إليك من العهد الذي طوقت اليوم بكتابه، وستناقش غدا ~~على حسابه، وكما جعلناه لك في الدنيا ذكرا، فاجعله لك في الآخرة ذخرا، إن ~~شاء الله تعالى والسلام. # وهذا الذي ذكرته في هذين من الكتاب، والتقليد يتضمن إطنابا مستوفى ~~الأقسام، ولولا خوف الإطالة التي لا حاجة إليها لأوردت قصائد من الشعر ~~أيضا، حتى لا يخلو الموضع من ضرب أمثلة من المنظوم والمنثور، لكن في الذي ~~ذكرته كفاية لمن يحمله على أشباهه ونظائره. # فإن قيل: إن الإطناب في الكلام وضعتموه اسما على غير مسمى، فإن الكلام لا ~~يخلو من حالتين: إما أن لا يزيد لفظه على معناه، وهو "الإيجاز"، أو يزيد ~~لفظه على معناه، وهو "التطويل"، وليس ههنا قسم ثالث، فما الإطناب إذا ...... # قلت في الجواب: اعلم أن "الإيجاز" هو ضد "التطويل"، كما أن السواد ضد ~~البياض، غير أن بين الضدين مراتب، ومنازل ليست أضدادا، فالإطناب لا إيجاز ~~هو ولا تطويل، كما أن الحمرة أو الخضرة ليست بياضا ولا سوادا. # وقد قدمنا القول أن الإطناب يأتي في الكلام مؤكدا كالذي يأتي بزيادة ~~التصوير للمعنى المقصود، إما حقيقة وإما مجازا، والتطويل ليس كذلك، فإنه ~~التعبير عن المعنى بلفظ زائد عليه يفهم ذلك المعنى بدونه، فإذا حذفت تلك ~~الزيادة بقي المعنى المعبر عنه على حاله لم يتغير منه شيء. # وهذا بخلاف الإطناب، فإنه إذا حذفت منه تلك الزيادة المؤكدة للمعنى تغير ~~ذلك المعنى، وزال ذلك التأكيد عنه، وذهبت فائدة التصوير، والتخييل التي ~~تفيد السامع ما لم يكن إلا بها. PageV02P311 # ألا ترى إلى قوله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي ~~في الصدور} ، وهذا لا يسمى إيجازا؛ لأنه أتى فيه بزيادة لفظ، وهو ذكر ~~الصدور، وقد علم أن القلوب لا تكون إلا في الصدور ولا يسمى تطويلا؛ لأن ~~التطويل لا فائدة فيه أصلا، وهذا فيه فائدة، وهي ما أشرنا إليه، وكذلك باقي ~~أقسام الإطناب ms403 التي نبهنا عليها، وهذا لا نزاع فيه. PageV02P312 ### || النوع السابع عشر: في التكرار # قد تقدم الكلام في صدر كتابي هذا على تكرار الحروف، وما [أشبه] ذلك مما ~~يختلط بهذا النوع الذي هو "تكرار المعاني والألفاظ". # واعلم أن هذا النوع من مقاتل علم البيان، وهو دقيق المأخذ. # وحده هو: دلالة اللفظ على المعنى مرددا، وربما اشتبه على أكثر الناس ~~بالإطناب مرة، وبالتطويل أخرى، وقد تقدم الكلام على الفرق بين هذه الأنواع ~~الثلاثة في باب الإطناب1، فلا حاجة إلى إعادته ههنا. # وأما التكرير فقد عرفتكه, وهو ينقسم قسمين: # أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى. # والآخر يوجد في المعنى دون اللفظ. فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى ~~فكقولك لمن تستدعيه "أسرع أسرع" ومنه قول أبي الطيب المتنبي2: # ولم أر مثل جيراني ومثلي %~% لمثلي عند مثلهم مقام # وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك: "أطعني ولا تعصني". فإن ~~الأمر بالطاعة نهي عن المعصية. PageV03P003 # وكل من هذين القسمين ينقسم إلى مفيد وغير مفيد: # ولا أعني بالمفيد ههنا ما يعنيه النحاة، فإنه عندهم عبارة عن اللفظ ~~المركب، إما من الاسم مع الاسم، بشرط أن يكون للأول بالثاني علاقة معنى يسع ~~مكلفا جهله، وإما من الاسم مع الفعل التام المتصرف على هذا الشرط أيضا، ~~وإما من حرف النداء مع الاسم، فهذا هو المفيد عند النحاة. # وأنا لم أقصد ذلك ههنا، بل مقصودي من المفيد أن يأتي لمعنى، وغير المفيد ~~أن يأتي لغير معنى. # واعلم أن المفيد من التكرير يأتي في الكلام تأكيدا له، وتشييدا من أمره، ~~وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشيء الذي كررت فيه كلامك، إما ~~مبالغة في مدحه أو في ذمه أو غير ذلك، ولا يأتي إلا في أحد طرفي الشيء ~~المقصود بالذكر، والوسط عار منه؛ لأن أحد الطرفين هو المقصود بالمبالغة إما ~~بمدح أو ذم أو غيرهما، والوسط ليس من شرط المبالغة، وغير المفيد لا يأتي في ~~الكلام إلا عيا وخطلا من غير حاجة إليه. PageV03P004 ### ||| التكرير في اللفظ والمعنى # فأما الأول وهو الذي يوجد ms404 في اللفظ والمعنى, فإنه ينقسم إلى ضربين: مفيد ~~وغير مفيد. # فالأول المفيد, وهو فرعان: ### |||| الأول: إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد، والمقصود به غرضان مختلفان: # كقوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق ~~الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} 1. # هذا تكرير في اللفظ والمعنى، وهو قوله: "يحق الحق وليحق الحق" وإنما جيء ~~به ههنا لاختلاف المراد, وذاك أن الأول تمييز بين الإرادتين, والثاني بيان ~~لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها، وأنه ما نصرهم وخذل أولئك ~~إلا لهذا الغرض. # ومن هذا الباب قوله تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين، ~~وأمرت لأن أكون أول المسلمين، قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، قل ~~الله أعبد مخلصا له ديني، فاعبدوا ما شئتم من دونه} 2. # فكرر قوله تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} وقوله: {قل ~~الله أعبد مخلصا له ديني} والمراد به غرضان مختلفان، وذلك أن PageV03P005 # الأول: إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة والإخلاص في دينه، والثاني ~~إخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره بعبادته, مخلصا له دينه، ولدلالته على ~~ذلك قدم المعبود على فعل العبادة في الثاني، وأخره في الأول؛ لأن الكلام ~~أولا وقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانيا فيمن يفعل الفعل من أجله، ولذلك ~~رتب عليه {فاعبدوا ما شئتم من دونه} . # وعليه ورد قوله تعالى: # {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} ~~1. # وظاهر الأول والثاني أنهما سواء في المعنى، وليس كذلك؛ لأن الثاني فيه ~~تخصيص غير موجود في الأول، ألا ترى أنا إذا قلنا: "زيد الأفضل"، وقلنا: ~~"الأفضل زيد"، كان في الثاني تخصيص له بالفضل، وهذا التخصيص لا يوجد في ~~القول الأول الذي هو "زيد الأفضل"، ويجوز أن تبدل ms405 صفة الفضل فيه بغيرها أو ~~بضدها، فيقال: "زيد الأجمل"، أو "زيد الأنقص"، وإذا قلنا: "الأفضل زيد"، ~~وجب تخصيصه بالنفس، ولم يمكن تغيير عنه. # وكذلك يجري الحكم في هذه الآيات، فإن الله تعالى قال: {إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله} ثم قال: {لم يذهبوا حتى يستأذنوه} فوصفهم ~~بالامتناع عن الذهاب إلا بإذنه، وهذه صفة يجوز أن تبدل بغيرها PageV03P006 # من الصفات، كما قال تعالى في موضع آخر: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا} 1. # فجاء بصفة غير تلك الصفة، ولما قال: {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين ~~يؤمنون بالله ورسوله} وجب تخصيصهم بذلك الوصف دون غيره، وهذا موضع حسن في ~~تكرير المعاني. # ومما يعد من هذا الباب قوله تعالى: {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما ~~تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد، لكم دينكم ولي دين} 2. # وقد ظن قوم أن هذه الآية تكرير لا فائدة فيه, وليس الأمر كذلك، فإن معنى ~~قوله: {لا أعبد} يعني في المستقبل: من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ~~ما أطلبه منكم من عبادة إلهي، {ولا أنا عابد ما عبدتم} أي: وما كنت عابدا ~~قط فيما سلف ما عبدتم، يعني أنه لم يعهد مني عبادة صنم في الجاهلية في وقت ~~ما, فكيف يرجى ذلك مني في الإسلام? {ولا أنتم عابدون} في الماضي في وقت ما ~~ما أنا على عبادته الآن. # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب ~~العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين} 3. PageV03P007 # فكرر"الرحمن الرحيم" مرتين, والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا، ~~والثاني بأمر الآخرة. # فما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كلا منهم على ~~أكمل صفة, وأعطاه جميع ما يحتاج إليه حتى البقة والذباب، وقد يرجع إلى غير ~~الخلق كإدرار الأرزاق وغيرها. # وأما ما يتعلق بأمر الآخرة فهو إشارة إلى الرحمة الثانية في يوم القيامة ~~الذي هو يوم الدين. # وبالجملة فاعلم أنه ليس ms406 في القرآن مكرر لا فائدة في تكريره، فإن رأيت ~~شيئا منه تكرر من حيث الظاهر فأنعم نظرك فيه، فانظر إلى سوابقه ولواحقه، ~~لتنكشف لك الفائدة منه. # ومما ورد في القرآن الكريم مكررا قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين، إذ ~~قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون، إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون، وما ~~أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، فاتقوا الله وأطيعون} 1. # فكرر قوله: {فاتقوا الله وأطيعون} 2 ليؤكده عندهم, ويقرره في نفوسهم، مع ~~تعليق كل واحد منهما بعلة، فجعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وجعل علة ~~الثاني حسم طمعه فيهم، وخلوه من الأغراض فيما يدعوهم إليه. PageV03P008 # ومن هذا النحو قوله تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد، ~~وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب، إن كل إلا كذب الرسل فحق ~~عقاب} 1. # وإنما كرر تكذيبهم ههنا؛ لأنه لم يأت به على أسلوب واحد، بل تنوع فيه ~~بضروب من الصنعة، فذ كره أولا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء ~~بالجملة الاستثنائية, فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل؛ لأنهم ~~إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد ~~إبهامه, والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولا, وبالاستثناء ثانيا, وما ~~في الاستثناء من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص المبالغة المسجلة عليهم ~~باستحقاق العذاب وأبلغه. # وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى حسن غامض، وبه تعرف مواقع التكرير، ~~والفرق بينه وبين غيره، فافهمه إن شاء الله تعالى. # الفرع الثاني من الضرب الأول 2: # إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد, والمراد به غرض ~~واحد، كقوله تعالى: {فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر} 3. # والتكرير دلالة على التعجب من تقديره, وإصابته الغرض, وهذا كما يقال: ~~"قتله الله ما أشجعه أو ما أشعره! " PageV03P009 # وعليه ورد قول الشاعر: # ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي1 # وهذا مبالغة في الدعاء لها بالسلامة، وكل هذا يجاء به لتقرير المعنى ~~المراد إثباته. # وعليه ورد الحديث ms407 النبوي، وذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن بني ~~هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليا, فلا آذن ثم لا آذن ثم لا ~~آذن إلا أن يطلق علي ابنتي وينكح ابنتهم". # فقوله: "لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن" من التكرير الذي هو أشد موقعا من ~~الإيجاز، لانصباب العناية إلى تأكيد القول في منع علي رضي الله عنه من ~~التزويج بابنة أبي جهل بن هشام. # وهذا مثل قوله تعالى: {أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى} 2. # ومن أجل ذلك نقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"؛ لأن قولنا: "لا ~~إله إلا الله" مثل قولنا: " وحده لا شريك له" وهما في المعنى سواء، وإنما ~~كررنا القول فيه لتقرير المعنى وإثباته؛ وذاك لأن من الناس من يخالف فيه ~~كالنصارى والثنوية. PageV03P010 # والتكرير في مثل هذا المقام أبلغ من الإيجاز، وأحسن وأشد موقعا. # ومما جاء في مثل هذا قوله تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ~~فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب ~~به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون، وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من ~~قبله لمبلسين} 1. # فقوله: {من قبله} بعد قوله: {من قبل} فيه دلالة على أن عهدهم بالمطر قد ~~بعد وتطاول، فاستحكم بأسهم، وتمادى إبلاسهم2، فكان الاستبشار على قدر ~~اغتمامهم بذلك. # وعلى ذلك ورد قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق} 3. # فقوله: {لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} يقوم مقام قوله: {ولا يدينون ~~دين الحق} ؛ لأن من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يدين دين الحق، ~~وإنما كرر ههنا للخطب على المأمور بقتالهم، والتسجيل عليهم بالذم، ورجمهم ~~بالعظائم، ليكون ذلك أدعى لوجوب قتالهم وحربهم. # وقد قلنا: إن التكرير إنما يأتي لما أهم من الأمر, بصرف العناية إليه ~~ليثبت ويتقرر. # وكذلك ورد قوله تعالى: {وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا PageV03P011 # ترابا أئنا ms408 لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في ~~أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} 1. # فتكرير لفظة "أولئك" من هذا الباب الذي أشرنا إليه، لمكان شدة النكير، ~~وإغلاظ العقاب بسبب إنكارهم البعث. # وعلى هذا ورد قوله تعالى: {أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم ~~الأخسرون} 2. # فإنه إنما تكررت لفظة "هم" للإيذان بتحقيق الخسار، والأصل فيها وهم في ~~الآخرة الأخسرون، لكن لما أريد تأكيد ذلك جيء بتكرير هذه اللفظة المشار ~~إليها. # وكذلك قوله تعالى: {فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها} 3. # وأمثال هذا في القرآن كثير. # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة القصص: # {فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له ~~موسى إنك لغوي مبين، فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى ~~أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس} 4. PageV03P012 # فقوله تعالى: {فلما أن أراد أن يبطش} بتكرير "أن" مرتين دليل على أن موسى ~~عليه السلام لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل ~~الأول، بل كان عنه إبطاء في بسط يده إليه، فعبر القرآن عن ذلك في قوله ~~تعالى: {فلما أن أراد أن يبطش} . # وجرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية، فقال: إن "أن" ~~الأولى زائدة، ولو حذفت فقيل: لما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء، ألا ترى ~~إلى قوله تعالى: {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه} 1. # وقد اتفق النحاة على أن "أن" الواردة بعد "لما" وقبل الفعل زائدة. # فقلت له: النحاة لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة ~~بأسرارهما، من حيث إنهم نحاة، ولا شك أنهم وجدوا "أن" ترد بعد "لما" وقبل ~~الفعل في القرآن الكريم, وفي كلام فصحاء العرب, فظنوا أن المعنى بوجودها ~~كالمعنى إذا أسقطت فقالوا: هذه زائدة، وليس الأمر كذلك، بل إذا وردت "لما" ~~وورد الفعل بعدها بإسقاط "أن" دل ذلك على الفور، وإذا لم تسقط لم يدلنا ذلك ~~على أن الفعل كان على ms409 الفور، وإنما كان فيه تراخ وإبطاء. # وبيان ذلك من وجهين: # أحدهما: أني أقول: فائدة وضح الألفاظ أن تكون أدلة على المعاني، فإذا ~~وردت لفظة من الألفاظ في كلام مشهود له بالفصاحة والبلاغة, فالأولى ~~PageV03P013 # أن تحمل تلك اللفظة على معنى، فإن لم يوجد معنى بعد التنقيب والتنقير ~~والبحث الطويل قيل: هذه زائدة دخولها في الكلام كخروجها منه. # ولما نظرت أنا في هذه الآية وجدت لفظة "أن" الواردة بعد "لما" وقبل الفعل ~~دالة على معنى, فكيف يسوغ أن يقال: إنها زائدة؟. # فإن قيل: إنها إذا كانت دالة على معنى فيجوز أن تكون دالة على غير ما ~~أشرت أنت إليه. # قلت في الجواب: إذا ثبت أنها دالة على معنى فالذي أشرت إليه معنى مناسب ~~واقع في موقعه، وإذا كان مناسبا واقعا في موقعه فقد حصل المراد منه، ودل ~~الدليل حينئذ أنها ليست زائدة. # الوجه الآخر: أن هذه اللفظة لو كانت زائدة لكان ذلك قدحا في كلام الله ~~تعالى، وذاك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها، والمعنى يتم ~~بدونها، وحينئذ لا يكون كلامه معجزا، إذ من شرط الإعجاز عدم التطويل الذي ~~لا حاجة إليه، وإن التطويل عيب في الكلام، فكيف يكون ما هو عيب في الكلام ~~من باب الإعجاز? هذا محال. # وأما قوله تعالى: {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه} فإنه إذا نظر في ~~قصة يوسف عليه السلام مع إخوته منذ ألقوه في الجب إلى أن جاء البشير إلى ~~أبيه عليه السلام وجد أنه كان ثم إبطاء بعيد، وقد اختلف المفسرون حول تلك ~~المدة، ولو لم يكن ثم مدة بعيدة وأمد متطاول لما جيء بأن بعد "لما" وقبل ~~الفعل، بل كانت تكون الآية: فلما جاء البشير ألقاه على وجهه. PageV03P014 # وهذه دقائق ورموز لا تؤخذ من النحاة؛ لأنها ليست من شأنهم. # واعلم أن من هذا النوع قسما يكون المعنى فيه مضافا إلى نفسه مع اختلاف ~~اللفظ، وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة. # وقد ورد في القرآن الكريم، واستعمل في فصيح الكلام. ms410 فمنه قوله تعالى: ~~{والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم} 1 والرجز هو ~~العذاب. # وعليه ورد قول أبي تمام2: # نهوض بثقل العبء مضطلع به %~% وإن عظمت فيه الخطوب وجلت # والثقل هو العبء، والعبء هو الثقل. # وكذلك ورد قول البحتري3: # ويوم تثنت للوداع وسلمت %~% بعينين موصولا بلحظهما السحر # توهمتها ألوى بأجفانها الكرى %~% كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر # فإن الكرى هو النوم. PageV03P015 # وربما أشكل هذا الموضع على كثير من متعاطي هذه الصناعة, وظنوه مما لا ~~فائدة فيه, وليس كذلك، بل الفائدة فيه هي التأكيد للمعنى المقصود، ~~والمبالغة فيه. # أما الآية فالمراد بقوله تعالى: {عذاب من رجز} أي: عذاب مضاعف من عذاب. ~~وأما بيت أبي تمام فإنه يتضمن المبالغة في وصف الممدوح بحمله للأثقال. # وأما بيت البحتري فإنه أراد أن يشبه طرفها لفتوره بالنائم، فكرر المعنى ~~على طريق المضاف والمضاف إليه تأكيدا له, وزيادة في بيانه. # وهذا الموضع لم ينبه عليه أحد سواي. # ولربما أدخل في التكرير من هذا النوع ما ليس منه، وهو موضع لم ينبه عليه ~~أيضا أحد سواي. # فمنه قوله تعالى: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} 1 فلما تكرر "إن ربك" مرتين علم ~~أن ذلك أدل على المغفرة. # وكذلك قوله تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} 2. # ومثل هذا قوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون ~~PageV03P016 # أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} 1. # وهذه الآيات يظن أنها من باب التكرير، وليست كذلك. # وقد أنعمت نظري فيها فرأيتها خارجة عن حكم التكرير، وذلك أنه أطال الفصل ~~من الكلام، وكان أوله يفتقر إلى تمام إلا يفهم إلا به، فالأولى في باب ~~الفصاحة أن يعاد لفظ الأول مرة ثانية، ليكون مقارنا لتمام الفصل، كي لا ~~يجيء الكلام منثورا، لا سيما في "إن وأخواتها". # فإذا وردت "إن" وكان ms411 بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام فإعادة "إن" ~~أحسن في حكم البلاغة والفصاحة، كالذي تقدم من هذه الآيات. # وعليه ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة2: # أسجنا وقيدا واشتياقا وغربة %~% ونأي حبيب إن ذا لعظيم # وإن امرأ دامت مواثيق عهده %~% على مثل هذا إنه لكريم3 # فإنه لما طال الكلام بين اسم إن وخبرها أعيدت "إن" مرة ثانية؛ لأن تقدير ~~الكلام: وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل هذا لكريم، PageV03P017 # لكن بين الاسم والخبر مدى طويل، فإذا لم تعد "إن" مرة ثانية لم يأت على ~~الكلام بهجة ولا رونق. # وهذا لا يتنبه لاستعماله إلا الفصحاء إما طبعا وإما علما. # وكذلك يجري الأمر إذا كان خبر "إن" عاملا في معمول يطول ذكره، فإن إعادة ~~الخبر ثانية هو الأحسن. # وعلى هذا جاء قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: {إذ قال يوسف لأبيه ~~يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} 1. # فلما قال: {إني رأيت} ثم طال الفصل كان الأحسن أن يعيد لفظ الرؤية فيقول: ~~{رأيتهم لي ساجدين} . # وكذلك جاءت الآية المذكورة ههنا مثل هذه، وهي قوله تعالى: {لا تحسبن ~~الذين يفرحون بما أتوا} 2 فإنه لما طال الفصل أعاد قوله: {فلا تحسبنهم ~~بمفازة من العذاب} فاعلم ذلك وضع يدك عليه. # وكذلك الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهالة} 3. PageV03P018 # وكذلك الآية الأخرى وهي: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} . # ومن باب التكرير في اللفظ والمعنى الدال على معنى واحد عز وجل: {وقال ~~الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا ~~متاع وإن الآخرة هي دار القرار} 1. # فإنه إنما كرر نداء قومه ههنا لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة ~~الغفلة؛ ولأنهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم من الضلال، وهو يعلم وجه ~~خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك ألا ~~يتهموه، فإن سرورهم سروره, وغمهم غمه، وأن ينزلوا على نصيحته لهم. # وهذا ms412 من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز, وأشد موقعا من الاختصار، ~~فاعرفه إن شاء الله تعالى. # وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر: {فذوقوا عذابي ونذر، ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} 2. # فإنه قد تكرر ذلك في السورة كثيرا، وفائدته أن يجددوا عند استماع كل نبإ ~~من أنباء الأولين ادكارا وإيقاظا، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا, إذا سمعوا ~~الحث على ذلك والبعث إليه، وأن تقرع لهم العصا مرات؛ لئلا يغلبهم السهو, ~~وتستولي عليهم الغفلة. PageV03P019 # وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن: {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} . # وذلك عند كل نعمة عددها على عباده. # وأمثال هذا في القرآن الكريم كثير. # ومما ورد من هذا النوع شعرا قول بعض شعراء الحماسة1: # إلى معدن العز المؤثل والندى %~% هناك هناك الفضل والخلق الجزل2 # فقوله: "هناك هناك" من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز؛ لأنه في معرض ~~مدح، فهو يقرر في نفس السامع ما عند الممدوح من هذه الأوصاف المذكورة مشيرا ~~إليها، كأنه قال: أدلكم على معدن كذا وكذا ومقره ومفاده. # وكذلك ورد قول المساور بن هند3: # جزى الله عني غالبا من عشيرة %~% إذا حدثان الدهر نابت نوائبه4 ~~PageV03P020 # فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت %~% علي وموج قد علتني غواربه1 # فصدر البيت الثاني وعجزه يدلان على معنى واحد؛ لأن تلاحم الكرب عليه ~~كتعالي الموج من فوقه، وإنما سوغ ذلك؛ لأنه مقام مدح وإطراء, ألا ترى أنه ~~يصف إحسان هؤلاء القوم عند حدثان دهره في التكرير، وفي قبالته لو كان ~~القائل هاجيا، فإن الهجاء في هذا كالمدح، والتكرير إنما يحسن في كلا ~~الطرفين لا في الوسط. # واعلم أنه إذا وردت "إن" المكسورة المخففة قبل "ما" كانت بمعناها سواء. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {إن هم إلا كالأنعام} ف"إن" و"ما" بمعنى واحد، ~~وإذا أوردت من بعد "ما" كانت من باب التكرير كقولنا: "ما إن كذا وكذا" أي: ~~ما يكون كذا وكذا، وإذا وردت في الكلام فإنما ترد في مثل ما أشرنا إليه من ~~التكرير، فإن ms413 استعملت في غير ما يكون منها لفائدة ينتجها تكريرها كان ~~استعمالها لغوا لا فائدة فيه. # وقد زعم قوم من مدعي هذه الصناعة أن أبا الطيب المتنبي أتى في هذا البيت ~~بتكرير لا حاجة به إليه، وهو قوله2: # العارض الهتن ابن العارض الهتن اب %~% ن العارض الهتن ابن العارض الهتن ~~PageV03P021 # وليس في هذا البيت من تكرير، فإنه كقولك: "الموصوف بكذا وكذا ابن الموصوف ~~بكذا وكذا"، أي: إنه عريق النسب في هذا الوصف. # وقد ورد في الحديث النبوي مثل ذلك، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف ~~يوسف الصديق عليه السلام: "الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم". # ولقد فاوضني في هذا البيت المشار إليه بعض علماء الأدب، وأخذ الطعن من ~~جهة تكراره، فوقفته على مواضع الصواب فيه، وعرفته أنه كالخبر النبوي من جهة ~~المعنى سواء بسواء، لكن لفظه ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه، ~~فإن الألفاظ إذا كانت حسانا في حال انفرادها فإن استعمالها في حال التركيب ~~يزيدها حسنا على حسنها، أو يذهب الحسن عنها. # وقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة الأولى من الصناعة اللفظية1. # ولو تهيأ لأبي الطيب المتنبي أن يبدل لفظة "العارض"2 بلفظة "السحاب"، أو ~~ما يجري مجراها، لكان أحسن. # وكذلك لفظة "الهتن"3 فإنها ليست بمرضية في هذا الموضع على هذا الوجه، ~~ولفظة "العارض"، وإن كانت قد وردت في القرآن, PageV03P022 # وهي لفظة حسنة, فالفرق بين ورودها في القرآن الكريم وورودها في هذا البيت ~~الشعري ظاهر. # وقد تقدم الكلام على مثلها من آية وبيت لأبي الطيب أيضا، وهو في المقالة ~~اللفظية عند الكلام على الألفاظ المفردة فليؤخذ من هناك.1 # وكثيرا ما يقع الجهال في مثل هذه المواضع, وهم الذين قيل فيهم: # وكذا كل أخي حذلقة %~% ما مشى في يابس إلا زلق # فترى أحدهم قد جمع نفسه وظن على جهله أنه عالم، فيسرع في وصف كلام ~~بالإيجاز, وكلام بالتطويل, أو بالتكرير، وإذا طولب بأن يبدي سببا لما ذكره ~~لم يوجد عنده من القول ms414 شيء, إلا تحكما محضا صادرا عن جهل محض. PageV03P023 ### |||| الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى # وهو غير المفيد، فمن ذلك قول مروان الأصغر1: # سقى الله نجدا والسلام على نجد %~% ويا حبذا نجد على النأي والبعد # نظرت إلى نجد وبغداد دونها %~% لعلي أرى نجدا وهيهات من نجد # وهذا من العي الضعيف، فإنه كرر ذكر "نجد" في البيت الأول ثلاثا، ~~PageV03P023 # وفي البيت الثاني ثلاثا، ومراده في الأول الثناء على نجد، وفي الثاني أنه ~~تلفت إليها ناظرا من بغداد، وذلك مرمى بعيد. # وهذا المعنى لا يحتاج إلى مثل هذا التكرير. # أما البيت الأول فيحمل على الجائز من التكرير؛ لأنه مقام تشوق وتحزن ~~وموجدة بفراق نجد، ولما كان كذلك أجيز فيه التكرير، على أنه قد كان يمكنه ~~أن يصوغ هذا المعنى الوارد في البيتين معا من غير أن يأتي بهذا التكرير ~~المتتابع ست مرات. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي نواس1: # أقمنا بها يوما ويوما وثالثا %~% ويوما له يوم الترحل خامس2 # ومراده من ذلك أنهم أقاموا بها أربعة أيام، ويا عجبا له يأتي بمثل هذا ~~البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات العجيبة الحسن التي ~~تقدم ذكرها في باب الإيجاز3 وهي: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... # ........................... # ومن هذا الباب أيضا ما أوردناه في صدر هذا النوع, وهو قول أبي الطيب: ~~PageV03P024 # ولم أر مثل جيراني ومثلي %~% لمثلي عند مثلهم مقام1 # فهذا هو التكرير الفاحش الذي يؤثر في الكلام نقصا. # ألا ترى أنه يقول: لم أر مثل جيراني في سوء الجوار، ولا مثلي في مصابرتهم ~~ومقامي عندهم، إلا أنه قد كرر هذا المعنى في البيت مرتين. # وعلى نحو من ذلك جاء قوله أيضا: # وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا %~% قلاقل عيس كلهن قلاقل PageV03P025 ### ||| التكرير في المعنى دون اللفظ # وأما القسم الثاني من التكرير، وهو الذي يوجد في المعنى دون اللفظ, فذلك ~~ضربان: مفيد وغير مفيد: # الضرب الأول: المفيد. # وهو نوعان: ### |||| الأول: إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين مختلفين # وهو موضع من التكرير مشكل؛ ms415 لأنه يسبق إلى الوهم أنه تكرير يدل على معنى ~~واحد. # فمما جاء منه حديث حاطب بن أبي بلتعة1 في غزوة الفتح, وذاك PageV03P025 # أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب والزبير1 والمقداد2 رضي ~~الله عنهم فقال: "اذهبوا إلى روضة خاخ 3، فإن بها ظعينة معها كتاب، فأتوني ~~به" , قال علي رضي الله عنه: فخرجنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، ~~وإذا فيها الظعينة، فأخذنا الكتاب من عقاصها4، وأتينا به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم, وإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة ~~يخبرهم ببعض شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "ما هذا يا حاطب?" ~~, فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من ~~أنفسهم، وكان من # معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة، فأحببت إذ ~~فاتني ذلك من النسب أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك ~~كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إنه قد صدقكم". PageV03P026 # فقوله: "ما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد ~~الإسلام. من التكرير الحسن. # وبعض الجهال يظنه تكريرا لا فائدة فيه، فإن الكفر والارتداد عن الدين ~~سواء، وكذلك الرضا بالكفر بعد الإسلام، وليس كذلك، والذي يدل عليه اللفظ هو ~~أني لم أفعل ذلك وأنا كافر, أي: باق على الكفر، ولا مرتدا, أي: إني كفرت ~~بعد إسلامي، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام, أي: ولا إيثارا لجانب الكفار على ~~جانب المسلمين، وهذا حسن في مكانه، واقع في موقعه. # وهو يحمل التكرير فيه على غير هذا الفرع الذي نحن بصدد ذكره ههنا، وهو ~~الذي يكون التكرير فيه يدل على معنى واحد، وسيأتي بيانه في الفرع الثاني ~~الذي يلي هذا الفرع الأول. # والذي يجوزه أن هذا المقام هو مقام اعتذار وتنصل عما رمي به من تلك ~~القارعة العظيمة التي هي نفاق وكفر، ms416 فكرر المعنى في اعتذاره قصدا للتأكيد ~~والتقرير لما ينفي عنه ما رمي به. # ومما ينتظم بهذا السلك أنه إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين: ~~أحدهما خاص والآخر عام كقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} 1. # فإن الأمر بالمعروف خير, وليس كل خير أمرا بالمعروف، وذاك أن الخير أنواع ~~كثيرة من جملتها الأمر بالمعروف. PageV03P027 # فائدة التكرير ههنا أنه ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضله، كقوله ~~تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} 1. # وكقوله تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} 2. # وكقوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها} 3. # فإن الجبال داخلة في جملة الأرض، لكن لفظ الأرض عام والجبال خاص، وفائدته ~~ههنا تعظيم شأن الأمانة المشار إليه، وتفخيم أمرها. # وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا. # ومما ورد منه شعرا قول [المقنع الكندي4] من أبيات الحماسة5: # وإن الذي بيني وبين بني %~% أبيوبين بني عمي لمختلف جدا # إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم %~% وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا6 ~~PageV03P028 # وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم # وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا # فهذا من الخاص والعام، فإن كل لحم يؤكل للإنسان فهو تضييع لغيبه، وليس كل ~~تضييع لغيبه أكلا للحمه. # ألا ترى أن أكل اللحم هو كناية عن الاغتياب، وأما تضييع الغيب فمنه ~~الاغتياب ومنه التخلي عن النصرة والإعانة, ومنه إهمال السعي في كل ما يعود ~~بالنفع كائنا ما كان. # وعلى هذا فإن هذين البيتين من الخاص والعام المشار إليه في الآية المتقدم ~~ذكرها، وهو موضع يرد في الكلام البليغ ويظن أنه لا فائدة فيه. ### |||| الفرع الثاني: إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنى واحد لا غير # وقد سبق مثال ذلك في أول هذا الباب، كقولك: "أطعني ولا تعصني"، فإن الأمر ~~بالطاعة نهي عن المعصية، والفائدة في ذلك تثبيت الطاعة في نفس المخاطب. # والكلام في هذا الموضع كالكلام في الموضع الذي قبله من تكرير اللفظ ~~والمعنى إذا كان الغرض به شيئا واحدا، ولا ms417 نجد شيئا من ذلك يأتي في الكلام ~~إلا لتأكيد الغرض المقصود به، كقوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن ~~تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} 1. PageV03P029 # فإنه إنما كرر العفو والصفح والمغفرة، والجميع بمعنى واحد للزيادة في ~~تحسين عفو الوالد عن ولده والزوج عن زوجته. # وهذا وأمثاله ينظر في الغرض المقصود به، وهو موضع يكون التكرير فيه أوجز ~~من لمحة الإيجاز، وأولى بالاستعمال. وقد ورد في القرآن الكريم كثيرا، كقوله ~~تعالى في سورة يوسف عليه السلام: {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم ~~من الله ما لا تعلمون} 1. # فإن البث والحزن بمعنى واحد، وإنما كرره ههنا لشدة الخطب النازل به، ~~وتكاثر سهامه النافذة في قلبه، وهذا المعنى كالذي قبله. # وكذلك ورد قوله تعالى: {تلك عشرة كاملة} 2 بعد ثلاثة وسبعة تنوب مناب ~~قوله ثلاثة وسبعة مرتين؛ لأن "عشرة" هي ثلاثة وسبعة، ثم قال "كاملة" وذلك ~~توكيد ثالث، والمراد به إيجاب صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق على ~~الفور، لا عند الوصول إلى البلد كما ذهب إليه بعض الفقهاء. # وبيانه أني أقول: إذا صدر الأمر من الآمر على المأمور بلفظ التكرير مجردا ~~من قرينة تخرجه عن وصفه, ولم يكن مؤقتا بوقت معين, كان ذلك حثا له على ~~المبادرة إلى امتثال الأمر على الفور فإنك إذا قلت لمن تأمره بالقيام، "قم ~~قم قم" فإنما تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في تلك الحال ~~الحاضرة. PageV03P030 # فإن قلت: الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه مراد منه، وليس ~~الغرض الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر. # قلت في الجواب: إن المرة الواحدة كافية في معرفة المأمور أن الذي أمر به ~~مراد منه، والزيادة على المرة الواحدة لا تخلو إما أن تكون دالة على ما دلت ~~عليه المرة الواحدة, أو دالة على زيادة معنى لم تكن في المرة الواحدة. # فإن كانت دالة عليه المرة الواحدة كان ذلك تطويلا في الكلام لا حاجة ~~إليه. ms418 # وقد ورد مثله في القرآن الكريم، كهذه الآية المشار إليها وغيرها من ~~الآيات, والتطويل في الكلام عيب فاحش عند البلغاء والفصحاء، والقرآن معجز ~~ببلاغته وفصاحته، فكيف يكون فيه تطويل لا حاجة إليه، فينبغي أن تكون تلك ~~الزيادة دالة على معنى زائد على ما دلت عليه المرة الواحدة، وإذا ثبت هذا ~~فتلك الزيادة هي الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر. # فإن سلمت لي ذلك, وإلا فبين معنى تلك الزيادة ببيان غير ما ذكرته أنا، ~~ولا أراك أن تستطيع ذلك. فإن قلت: إن الواو في قوله تعالى: {وسبعة إذا ~~رجعتم} لولا أن تؤكد بقوله: {تلك عشرة} لظن أنها وردت بمعنى "أو" أي: ~~فثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم، فلما قيل {تلك عشرة} زال هذا الظن، ~~وتحققت الواو أنها عاطفة، وليست بمعنى "أو". # قلت في الجواب: هذا باطل من أربعة أوجه: # الوجه الأول: أن الواو العاطفة لا تجعل بمعنى "أو" أين وردت من PageV03P031 # الكلام، وإنما تجعل بمعنى "أو" حال ضرورة ترجيح جانبها على جانب جعلها ~~عاطفة؛ لأن الأصل منها أن تكون عاطفة، فإذا عدل بها عن أصلها احتاج إلى ~~ترجيح، ولا ترجيح ههنا. # الوجه الثاني: بلاغي، وذاك أن القرآن الكريم منتهى البلاغة والفصاحة ~~لمكان إعجازه، فلو كان معنى الواو في هذه الآية بمعنى "أو" لقيل: فثلاثة ~~أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، ولم يحتج إلى هذا التطويل، في قوله: {فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} . # الوجه الثالث: أن هذا الصوم حكم من أحكام العبادات، والعبادات يجب فيها ~~الاحتياط, وأن تؤدى على أكمل صورة، لئلا يدخلها النقص، وإذا كان الأمر على ~~ذلك فكيف يظن أن الواو في هذه الآية بمعنى "أو"?. # الوجه الرابع: أن السبعة ليست مماثلة للثلاثة حتى تجعل قبالتها؛ لأن معنى ~~الآية إذا كانت الواو فيها بمعنى "أو" إما أن تصوموا ثلاثة أيام في الحج أو ~~سبعة إذا رجعتم. # فإن قلت: هذه تعبد لا يعقل معناه كغيره من التعبدات التي لا يعقل معناها؟ ~~قلت في ms419 الجواب: إن لنا من التعبدات ما لا يعقل معناه، كعدد ركعات الصلوات، ~~وعدد الطواف والسعي وأشباه ذلك، ولنا ما يعقل معناه كهذه الآية، فإنا نعقل ~~التفاوت بين الصوم في الحصر والسفر، ونعقل التفاوت بين العدد الكثير والعدد ~~القليل. # وعلى هذا فلا يخلو إما أن يكون صوم الأيام السبعة عند الرجوع في PageV03P032 # الطريق، أو عند الوصول إلى البلد، فإن كان في الطريق فإنه أشق من الصوم ~~بمكة؛ لأن الصوم في السفر أشق من الصوم في الحضر، فكيف يجعل صوم سبعة أيام ~~في السفر في مقابلة صوم ثلاثة أيام بمكة? وإن كان الصوم عند الوصول إلى ~~البلد فلا فرق بين الصوم بمكة والصوم عند الوصول إلى البلد؛ لأن كليهما صوم ~~في المقام ببلد من البلاد, لا تفاوت بينهما حتى يجعل صوم ثلاثة أيام في ~~مقابلة سبعة أيام, على غير مثال ولا تساو. # فعلى كلا التقديرين لا يجوز أن تكون الواو في {سبعة إذا رجعتم} بمعنى ~~"أو"، فتحقق أنها إذا للعطف خاصة. # وإذا كانت للعطف خاصة فتأكيدها بعشرة كاملة دليل على أن المراد وجوب صوم ~~الأيام السبعة في الطريق قبل الوصول إلى البلد. # فإن قلت: إن الصوم بمكة أشق من الصوم في الطريق؛ لأن الواجب عليه الصوم ~~بمكة في نصب وتعب بتصريف زمانه في السعي والطواف والصلاة والعمرة وغير ذلك. ~~قلت في الجواب: هذا لا يلزم، إذ الواجب عليه سعي واحد، وطواف واحد، وما عدا ~~ذلك نافلة لا يلزم، ونحن في هذا المقام ناظرون إلى ما يجب لا إلى النافلة، ~~والذي يجب أداؤه بمكة يفرغ منه في ساعة واحدة، فكيف تجعل الزيادة على ذلك ~~دليلا يورد في هذا المقام? هذا غير وارد, وهذا ورد في قوله تعالى: {فإذا ~~نقر في الناقور، فذلك يومئذ يوم عسير، على الكافرين غير يسير} 1 فقوله: ~~{غير يسير} بعد قوله: {عسير} من هذا النوع المشار إليه، وإلا فقد علم أن ~~العسير لا يكون يسيرا، وإنما ذكرها ههنا على هذا الوجه لتعظيم PageV03P033 # شأن ذلك اليوم في عسره وشدته على ms420 الكافرين. # وكذلك ورد قوله تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} 1 فإن البغضاء ~~والعداوة بمعنى واحد، وإنما حسن إيرادهما معا في معرض واحد, لتأكيد البراءة ~~بين إبراهيم صلوات الله عليه والذين آمنوا به, وبين الكفار من قومهم، حيث ~~لم يؤمنوا بالله وحده. # وللمبالغة في إظهار القطيعة والمصادفة ورد مثل ذلك في مثل هذا الموضع ~~كالإيجاز في موضعه، ولن ترى شيئا يرد في القرآن الكريم من هذا القبيل إلا ~~وهو لأمر اقتضاه، وإن خفي عنك موضع السر فيه, فاسأل عنه أهله العارفين. # ومما ورد منه شعرا قول بعضهم في أبيات الحماسة2: # نزلت على آل المهلب شاتيا %~% بعيدا عن الأوطان في زمن المحل # فما زال بي إكرامهم وافتقادهم %~% وإحسانهم حتى حسبتهم أهلي # فإن الإكرام والافتقار داخلان تحت الإحسان، وإنما كرر ذلك للتنويه بذكر ~~الصنيع، والإيجاب لحقه. وعلى هذا ورد قول الأعشى في قصيدته المشهورة التي ~~يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال منها3: PageV03P034 # فآليت لا أرثي لها من كلالة %~% ولا من وجى حتى تلاقي محمدا # فإن الوجى والكلالة معناهما سواء، وإنما حسن تكريره ههنا للإشعار ببعد ~~المسافة. ### ||||| الضرب الثاني من القسم الثاني في تكرير المعنى دون اللفظ: # وهو غير مفيد، فمن ذلك قول أبي تمام: # قسم الزمان ربوعها بين الصبا %~% وقبولها ودبورها أثلاثا1 # وليس ذلك مثل التكرير في قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى} 2 فيما يرجع إلى تكرير اللفظ والمعنى، ولا مثل التكرير في قوله ~~تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف} 3 فيما يرجع إلى ~~تكرار المعنى دون اللفظ، وقول أبي تمام: الصبا والقبول لا يشتمل إلا على ~~معنى واحد لا غير. # وهذا الضرب من التكرير قد خبط فيه علماء البيان خبطا كثيرا، والأكثر منهم ~~أجازه، فقالوا: إذا كانت الألفاظ متغايرة والمعنى المعبر عنه واحدا فليس ~~استعمال ذلك بمعيب، ms421 وهذا القول فيه نظر، والذي عندي PageV03P035 # فيه أن الناثر يعاب على استعماله مطلقا إذا أتى لغير فائدة، أما الناظم ~~فإنه يعاب عليه في موضع دون موضع. # أما الموضع الذي يعاب استعماله فيه فهو صدور الأبيات الشعرية وما والاها، ~~وأما الموضع الذي لا يعاب فيه فهو الأعجاز من الأبيات لمكان القافية، وإنما ~~جاز ذلك ولم يكن عيبا؛ لأنه قافية، والشاعر مضطر إليها، والمضطر يحل له ما ~~حرم عليه، كقول امرئ القيس في قصيدته اللامية التي مطلعها: # ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي # فقال: # وهل ينعمن إلا سعيد مخلد %~% قليل الهموم لا يبيت بأوجال1 # وإذا كان قليل الهموم فإنه لا يبيت بأوجال، وهذا تكرير للمعنى، إلا أنه ~~ليس بمعيب؛ لأنه قافية. # وكذلك قال الحطيئة: # قالت أمامة لا تجزع فقلت لها %~% إن العزاء وإن الصبر قد غلبا # هلا التمست لنا إن كنت صادقة %~% ما لا نعيش به في الناس أو نشبا2 # فالبيت الأول معيب؛ لأنه كرر العزاء والصبر، إذ معناهما واحد، ولم يردا ~~PageV03P036 # قافية؛ لأن القافية هي الباء وأما البيت الثاني فليس بمعيب؛ لأن التكرير ~~جاء في النشب وهو قافية. # ومما يجري هذا المجرى قول المنخل اليشكري: # ولقد دخلت على الفتا %~% ة الخدر في اليوم المطير # الكاعب الحسناء تر %~% فل في الدمقس وفي الحرير1 # فإن الدمقس والحرير سواء، وقد ورد قافية فلا بأس به من أجل ذلك. فإن قيل: ~~إن الحرير هو الإبريسم المنسوج، بدليل قوله تعالى: {وجزاهم بما صبروا جنة ~~وحريرا} 2 فإنه لم يرد خيوط إبريسم، وإنما أراد أثوابا من الإبريسم، وأما ~~الدمقس فإنه خيوط الإبريسم محلولة، بدليل قول امرئ القيس: # وشحم كهداب الدمقس المفتل3 # فإنه لم يرد إبريسما منسوجا, وإنما أراد خيوط الإبريسم, فالجواب عن ذلك: ~~أنه لو حمل بيت المنخل على ذلك لفسد معناه؛ لأن المرأة لا ترفل في خيوط من ~~الإبريسم، وإنما ترفل في الأثواب منه، وأما قول امرئ القيس "كهداب الدمقس" ~~فإنه لو كان الدمقس هو الخيوط المحلولة من الإبريسم لما PageV03P037 # احتاج أن يقول كهداب, فإن الهداب ms422 جمع هدب، ثم قال "المفتل", فدل بذلك على ~~أن الدمقس يطلق على الإبريسم، سواء كان منسوجا أو غير منسوج، وكذلك الحرير ~~أيضا، وعند الاستعمال يفهم المراد منه بالقرينة، ألا ترى أنه لما قال ~~المنخل: # ترفل في الدمقس وفي الحرير # فهم من ذلك أنه أراد أثوابا من الدمقس ومن الحرير؛ لأن الرفول لا يكون في ~~خيوط من الإبريسم، وإنما يكون في أثوابه. # ومما يجري على هذا المنهج قول الآخر من شعراء الحماسة1: # إني وإن كان ابن عمي غائبا %~% لمقاذف من خلفيه وورائه # فإن خلفا ووراء بمعنى واحد، وإنما جاز تكرارهما؛ لأنهما قافية, وعلى هذا ~~ورد قول أبي تمام: # دمن كأن البين أصبح طالبا %~% دمنا لدى آثارنا وحقودا2 # فإن الدمنة هي الحقد. وكذلك قول أبي الطيب المتنبي: # بحر تعود أن يذم لأهله %~% من دهره وطوارق الحدثان PageV03P038 # فتركته وإذا أذم من الورى %~% راعاك واستثنى بني حمدان1 # فإن الدهر وطوارق الحدثان سواء، وإنما جاز استعمال ذلك لأنه قافية. # وأما ما ورد في أثناء الأبيات الشعرية فكقول عنترة: # حييت من طلل تقادم عهده %~% أقوى وأقفر بعد أم الهيثم2 # فقوله أقوى وأقفر من المعيب؛ لأنهما لفظان وردا بمعنى واحد لغير ضرورة، ~~إذ الضرورة لا تكون إلا في القافية كما أريتك. # وأما ما ورد من صدور الأبيات فكقول البحتري: # ألمت وهل إلمامها بك نافع %~% وزارت خيالا والعيون هواجع3 # فإن قوله: "ألمت" وقوله: "زارت خيالا" سواء, فلا فرق إذا بين صدر البيت ~~وعجزه, فإن قيل: إنه أراد بالإلمام زيارة اليقظة، ثم قال: "وزارت خيالا" ~~فالجواب عن ذلك أنه لم يرد إلا زيارة المنام في الحالتين؛ لأنه قال: "ألمت ~~وهل PageV03P039 # إلمامها بك نافع" ولو كان في اليقظة لما قال: وهل إلمامها بك نافع, فإنه ~~لا نفع أنفع من زيارة المحبوب في اليقظة، وهذا غير خاف لا يحتاج إلى السؤال ~~عنه. فإن قيل: لم أجزت ذلك للناظم وحظرته على الناثر? # قلت في الجواب: أما الناثر فإنه إذا سجع كلامه فالغالب أن يأتي به مزدوجا ~~على فقرتين من الفقر، ويمكنه إبدال ms423 تلك الفقرتين بغيرهما، فيسلم منه، وأما ~~الشاعر فإنه يصوغ قصيدا ذا أبيات متعددة على قافية من القوافي، فإذا تكرر ~~لديه شيء من الكلام في آخر بيت من الأبيات عسر إبداله من أجل القافية، وهذا ~~غير خاف، والسؤال عنه غير وارد. # وهذا الذي ذكرته إذا ورد في غير القافية سمي إخلاء، ويقال إن البحتري كان ~~يخلي كثيرا في شعره، وهو لعمري كذلك، إلا أن حسن سبكه ورونق ديباجته يغفر ~~له ذلك. ويروى عنه أنه كان إذا مثل بين يدي الفتح بن خاقان وزير المتوكل ~~مادحا له اختال بين يديه معجبا بنفسه، فتقدم خطوات ثم تأخر، وقال: أي شيء ~~تسمعون؟ فنقم عليه ذلك بعض حسدته، وحمل الفتح بن خاقان عليه، فقال له ~~الفتح: لو رمانا بالحجارة لكان ذلك مغفورا له فيما يقوله. PageV03P040 ### || النوع الثامن عشر في الاعتراض: # وبعضهم يسميه الحشو, وحده: كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو سقط ~~لبقي الأول على حاله. # مثال ذلك أن تقول: زيد قائم، فهذا كلام مفيد، وهو مبتدأ وخبر، فإذا ~~أدخلنا فيه لفظا مفردا قلنا: زيد والله قائم، ولو أزلنا القسم منه بقي على ~~حاله، وإذا أدخلنا في هذا الكلام لفظا مركبا قلنا: زيد على ما به من المرض PageV03P040 # قائم، فأدخلنا بين المبتدأ والخبر لفظا مركبا، وهو قولنا على ما به من ~~المرض, فهذا هو الاعتراض، وهذا حده. # واعلم أن الجائز منه وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب العربية، فإنه يكون ~~مستقصى فيها، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين الصفة والموصوف، وبين ~~المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك مما يحسن استعماله، وكالاعتراض بين ~~المضاف والمضاف إليه، وبين إن واسمها، وبين الجار والمجرور، وأمثال ذلك مما ~~يقبح استعماله، وليس هذا مكانه؛ لأن كتابنا هذا موضوع لمن استكمل معرفة ذلك ~~وغيره مما أشرنا إليه في صدر الكتاب. # وليس المراد ههنا من الاعتراض إلا ما يفرق به بين الجيد والرديء, لا ما ~~يعلم به الجائز وغير الجائز؛ لأن كتابي هذا موضوع لذكر ما يتضمنه الكلام ~~على اختلاف أنواعه من ms424 وصفي الفصاحة والبلاغة، فالذي أذكره في باب الاعتراض ~~إنما هو ما اشتمل على شيء من هذين الوصفين المشار إليهما. ### ||| قسما الاعتراض: # واعلم أن الاعتراض ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: لا يأتي في الكلام إلا لفائدة وهو جار مجرى التوكيد. # والآخر: أن يأتي في الكلام لغير فائدة، فإما أن يكون دخوله فيه كخروجه ~~منه، وإما أن يؤثر في تأليفه نقصا وفي معناه فسادا. # القسم الأول: # وهو الذي يأتي في الكلام لفائدة كقوله تعالى: {فلا أقسم بمواقع النجوم، ~~وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريم} 1، وذلك اعتراض بين القسم ~~PageV03P041 # الذي هو {فلا أقسم بمواقع النجوم} وبين جوابه الذي هو {إنه لقرآن كريم} ~~وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو قسم وبين صفته التي ~~هي عظيم, وهو قوله: {تعلمون} فذانك اعتراضان كما ترى. # وفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هي تعظيم شأن المقسم به في ~~نفس السامع، ألا ترى إلى قوله: {لو تعلمون} اعتراضا بين الصفة والموصوف, ~~وذلك الأمر بحيث لو علم وفي حقه من التعظيم. # وهذا مثل قولنا: إن هذا الأمر لعظيم, بحيث لو تعلم يا فلان عظمه لقدرته ~~حق قدره، فإن ذلك يكبره في نفس المخاطب, ويظل متطلعا إلى معرفة عظمه. وكذلك ~~ورد قوله تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} 1. # وتقديره: ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، فاعترض بين المفعولين ~~بسبحانه، وهو مصدر يدل على التنزيه، فكأنه قال: ويجعلون لله البنات وهو ~~منزه عن ذلك، ولهم ما يشتهون، وفائدة هذا ههنا ظاهرة. # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: {قالوا نفقد صواع الملك ~~ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم، قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد ~~في الأرض وما كنا سارقين} 2 فقوله: {لقد علمتم} اعتراض بين القسم وجوابه، ~~وفائدته تقرير إثبات البراءة من الفساد والنزاهة من تهمة السرقة، أي: إنكم ~~قد علمتم هذا منا، ونحن مع علمكم به نقسم بالله على صدقه. # وقد ورد الاعتراض في القرآن كثيرا، وذلك في ms425 كل موضع يتعلق بنوع من خصوصية ~~المبالغة في المعنى المقصود. # ومن هذا القسم قوله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ~~PageV03P042 # قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون} 1 فهذا الاعتراض بين إذا ~~وجوابها؛ لأن تقدير الكلام وإذا بدلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر، ~~فاعترض بينهما بقوله تعالى: {والله أعلم بما ينزل} وهو مبتدأ وخبر، وفائدته ~~إعلام القائلين أنه مفتر أن ذلك من الله وليس منه، وأنه أعلم بذلك منهم. # ومن هذا الباب قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على ~~وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك} 2. # ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي قد طبق مفصل البلاغة، وفائدته أنه لما ~~أوصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق في حمل الولد وفصاله، إيجابا ~~للتوصية بها، وتذكيرا بحقها، وإنما خصها بالذكر دون الأب؛ لأنها تتكلف من ~~أمر الولد ما لا يتكلفه, ومن ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له: ~~من أبر? فقال: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك". # ومما جاء على هذا الأسلوب قوله عز وجل: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ~~ويريكم آياته لعلكم تعقلون} 3. # فقوله: {والله مخرج ما كنتم تكتمون} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، ~~وفائدته أن يقرر في نفوس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في ~~قتل تلك النفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه؛ لأن الله تعالى مظهر ~~لذلك، ولو جاء الكلام غير معترض فيه لكان: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها} ~~, {فقلنا اضربوه ببعضها} ، ولا يخفى على البليغ الفرق بين ذلك وبين كونه ~~معترضا فيه. # ومما ورد من ذلك شعرا قول امرئ القيس: # ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة %~% كفاني ولم أطلب قليل من المال ~~PageV03P043 # ولكنما أسعى لمجد مؤثل %~% وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي1 # تقديره: كفاني قليل من المال، فاعترض بين الفعل والفاعل بقوله: "ولم ~~أطلب" وفائدته تحقير المعيشة, وأنها تحصل ms426 بغير طلب وعناء، وإنما الذي يحتاج ~~إلى الطلب هو المجد المؤثل. # وكذلك قول جرير: # ولقد أراني والجديد إلى بلى %~% في موكب طرف الحديث كرام2 # تقديره: في موكب طرف الحديث، فاعترض بين المفعولين، وإنما جاء بهذا ~~الاعتراض تعزيا عما مضى من تلك اللذة وذلك النعيم الذي فاز به من عشرة ~~أولئك الأحباب، "فكأنه قال"3: ولقد أعهدني في كذا وكذا من اللذة، وذلك قد ~~مضى وسلف وبلي جديده، وكذلك كل جديد فإنه إلى بلى. # والاعتراض إذا كان هكذا كسا الحديث لطفا إن كان غزلا، وكساه أبهة وجلالا ~~إن كان مديحا, أما ما يجري مجراه من أساليب الكلام، وإن كان هجاء كساه ~~تأكيدا وإثباتا، كقول كثير عزة: # لو أن الباخلين وأنت منهم %~% رأوك تعلموا منك المطالا4 PageV03P044 # فقوله: وأنت منهم, من محمود الاعتراض ونادره، وفائدته ههنا التصريح بما ~~هو المراد، وتقدير هذا الكلام قبل الاعتراض: لو أن الباخلين رأوك، فاعترض ~~بين اسم أن وهو الباخلين, وبين خبرها وهو رأوك بالمبتدأ, أو الخبر الذي هو ~~"وأنت منهم". # ومن محاسن ما جاء في هذا الباب قول المضرب السعدي: # فلو سألت سراة الحي سلمى %~% على أن قد تلون بي زماني # لخبرها ذوو أحساب قومي %~% وأعدائي فكل قد بلاني1 # وهذا اعتراض بين لو وجوابها، وهو من فائق الاعتراض ونادره، وتقديره: فلو ~~سألت سراة الحي سلمى لخبرها ذوو أحساب قومي وأعدائي، وفائدة: "على أن قد ~~تلون بي زماني" أي: إنهم يخبرون عني على تلون الزمان، يريد تنقل حالاته من ~~خير وشر، وليس من عجمه الزمان وأبان عن جوهره كغيره ممن لم يعجمه ولا أبان ~~عنه. # ومن ذلك قول أبي تمام: # وإن الغنى لي إن لحظت مطالبي %~% من الشعر إلا في مديحك أطوع2 ~~PageV03P045 # وهذا البيت فيه اعتراضان: # الأول: بين اسم إن وخبرها، تقديره: وإن الغنى أطوع لي من الشعر، فاعترض ~~بين الاسم والخبر بقوله: "إن لحظت مطالبي". # وأما الاعتراض الثاني: فقوله: "إلا في مديحك" فجاء بالجملة الاستثنائية ~~مقدمة، وموضعها التأخير، فاعترض بها بين الجملة التي هي خبر إن. # وتقدير البيت ms427 بجملته: "وإن الغنى أطوع لي من الشعر إن لحظت مطالبي إلا في ~~مديحك" وفائدة قوله: إلا في مديحك, من الاعتراض الذي اكتسب به الكلام رقة ~~وفائدة حسنة، والمراد به وصف جود الممدوح بالإسراع، ووصف خاطر شعره ~~بالإسراع إذا كان في مدحه خاصة دون غيره، فهذا الاعتراض يتضمن مدح الممدوح ~~والمادح معا، وهو من محاسن ما يجيء في هذا الموضع. # وكذلك ورد قوله: # رددت رونق وجهي في صحيفته %~% رد الصقال بهاء الصارم الخذم # وما أبالي وخير القول أصدقه %~% حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي1 # فقوله: "وخير القول أصدقه" اعتراض بين المفعول والفعل؛ لأن موضع حقنت ~~نصب، إذ هو مفعول أبالي، وفائدته إثبات ما ماثل به بين ماء الوجه والدم أي: ~~إن هذا القول صدق ليس بكذب. # القسم الثاني: # وأما القسم الثاني وهو والذي يأتي في الكلام لغير فائدة فهو ضربان: ~~PageV03P046 # الضرب الأول: يكون دخوله في الكلام كخروجه منه لا يكتسب به قبحا ولا ~~حسنا، فمن ذلك قول النابغة: # يقول رجال يجهلون خليقتي %~% لعل زيادا لا أبا لك غافل1 # فقوله: لا أبا لك, من الاعتراض الذي لا فائدة فيه، وليس مؤثرا في البيت ~~حسنا ولا قبحا. # ومثله جاء قول زهير: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش %~% ثمانين حولا لا أبا لك يسأم2 # وقد وردت هذه اللفظة وهي "أبا لك" في موضع آخر فكان للاعتراض بها فائدة ~~حسنة كقول أبي همام: # عتابك عني لا أبا لك واقصدي3 # فإنه لما كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق ~~الذم. # الضرب الثاني: وهو الذي يؤثر في الكلام نقصا، وفي المعنى فسادا, وقد تقدم ~~ذكر أمثاله وأنظاره في باب التقديم والتأخير، وإنما جيء بذكره ههنا مكررا ~~لإتمام التقسيم الاعتراضي فيما أفاد وفيما لا يفيد، وقد ذكرت من ذلك مثالا ~~واحدا أو مثالين، فمما ورد منه قول بعضهم: PageV03P047 # فقد والشك بين لي عناء %~% بوشك فراقهم صرد يصيح1 # فإن في هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك، وهو الفصل بين قد والفعل ~~الذي هو ms428 بين، وذلك قبيح، لقوة اتصال قد بما تدخل عليه من الأفعال ألا تراها ~~تعد مع الفعل كالجزء منه، ولذلك أدخلت عليه اللام المراد بها توكيد الفعل، ~~كقوله تعالى: {لقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك} 2 وكقوله تعالى: {ولقد ~~علموا لمن اشتراه} 3 وقول الشاعر: # ولقد أجمع رجلي بها %~% حذر الموت وإني لفرور4 # إلا أن فصل بين قد والفعل بالقسم, فإن ذلك لا بأس به، نحو قولك: قد والله ~~كان ذاك, وقد فصل في هذا البيت أيضا بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر ~~الذي هو عناء بقوله: بين لي، وفصل بين الفعل الذي هو بين, وبين فاعله الذي ~~هو صرد بخبر المبتدأ الذي هو عناء، فجاء معنى البيت كما تراه كأنه صورة ~~مشوهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض. # ومن هذا الضرب قول الآخر: # نظرت وشخصي مطلع الشمس ظله %~% إلى الغرب حتى ظله الشمس قد عقل # أراد نظرت مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب حتى عقل الشمس أي: حاذاها، ~~وعلى هذا التقرير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو شخصي وبين خبره ~~الجملة، وهو قوله: ظله إلى الغرب، وأغلظ من ذلك أنه PageV03P048 # فصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي، وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويورثها ~~اختلالا. # واعلم أن الناثر في استعمال ذلك أكثر ملاءمة من الناظم، وذاك أن الناظم ~~مضطر إلى إقامة ميزان الشعر، وربما كان مجال الكلام عليه ضيقا، فيلقيه طلب ~~الوزن في مثل هذه الورطات، وأما الناثر فلا يضطر إلى إقامة الميزان الشعري، ~~بل يكون مجال الكلام عليه واسعا، ولهذا إذا اعترض في كلامه اعتراضا يفسده ~~توجه عليه الإنكار، وحق عليه الذم. PageV03P049 ### || النوع التاسع عشر: في الكناية والتعريض # وهذا النوع مقصور على الميل مع المعنى وترك اللفظ جانبا, وقد تكلم علماء ~~البيان فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريض، ولم يفرقوا بينهما، ولا حدوا ~~كلا منهما بحد يفصله عن صاحبه، بل أوردوا لهما أمثلة من النظم والنثر، ~~وأدخلوا أحدهما في الآخر فذكروا للكناية أمثلة من التعريض، وللتعريض أمثلة ~~من ms429 الكناية، فممن فعل ذلك الغانمي1 وابن سنان الخفاجي2 والعسكري3، فأما ابن ~~سنان فإنه ذكر في الكناية قول امرئ القيس: # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامها %~% ورضت فذلت صعبة أي إذلال4 PageV03P049 # وهذا مثال ضربه للكناية على المباضعة، وهو مثال للتعريض1. # ووجدت في كتاب التذكرة لابن حمدون البغدادي وكان مشارا إليه عندهم بفضيلة ~~ومعرفة، لا سيما فن الكتابة، فوجدت في كتابه بابا مقصورا على ذكر الكناية ~~والتعريض، وما قيل فيهما نظما ونثرا، وهو محشو بالخلط بين هذين القسمين من ~~غير فصل بينهما، وقد أورد أيضا في بعضه أمثلة غثة باردة. # وسأذكر ما عندي في الفرق بينهما، وأميز أحدهما عن الآخر، ليعرف كل منهما ~~على انفراده، فأقول: ### ||| الكناية: # أما الكناية فقد حدت بحد، فقيل: هي اللفظ الدال على الشيء على غير الوضع ~~الحقيقي, بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه، كاللمس والجماع، فإن الجماع ~~اسم موضوع حقيقي, واللمس كناية عنه، وبينهما الوصف الجامع، إذ الجماع لمس ~~وزيادة، فكان دالا عليه بالوضع المجازي. # وهذا الحد فاسد؛ لأنه يجوز أن يكون حدا للتشبيه، فإن التشبيه هو اللفظ ~~الدال على غير الوضع الحقيقي لجامع بين المشبه والمشبه به وصفة من الأوصاف، ~~ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد أسد، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضح الحقيقي، ~~بوصف جامع بين زيد والأسد، وذلك الوصف هو الشجاعة, ومن ههنا وقع الغلط لمن ~~أشرت إليه في الذي ذكره في حد الكناية. PageV03P050 # وأما علماء أصول الفقه فإنهم قالوا في حد الكناية: إنها اللفظ المحتمل، ~~يريدون بذلك أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى وعلى خلافه, وهذا ~~فاسد أيضا, فإنه ليس كل لفظ يدل على المعنى وعلى خلافه بكناية. # دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تستح فافعل ما شئت" فإن ~~هذا اللفظ يدل على المعنى وعلى خلافه، وبيان ذلك أنه يقول في أحد معنييه: ~~إنك إذا لم يكن لك وازع يزعك عن الحياء فافعل ما شئت، وأما معناه الآخر ~~فإنه يقول: إذا لم تفعل فعلا يستحى منه فافعل ما ms430 شئت، وهذا ليس من الكناية ~~في شيء, فبطل إذا هذا الحد. # ومثال الفقيه في قوله: إن الكناية هي اللفظ المحتمل, مثال من أراد أن يحد ~~الإنسان فأتى بحد الحيوان، فعبر بالأعم عن الأخص, فإنه يقال كل إنسان ~~حيوان, وليس كل حيوان إنسانا, وكذلك يقال ههنا، فإن كل كناية لفظ محتمل، ~~وليس كل لفظ محتمل كناية. # والذي عندي في ذلك أن الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز ~~حملها على الجانبين معا، ألا ترى أن اللمس في قوله تعالى: {أو لامستم ~~النساء} يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكل منهما يصح به المعنى، ولا ~~يختل، ولهذا ذهب الشافعي رحمه الله إلى أن اللمس هو مصافحة الجسد الجسد، ~~فأوجب الوضوء على الرجل إذا لمس المرأة، وذلك هو الحقيقة في اللمس، وذهب ~~غيره إلى أن المراد باللمس هو الجماع، وذلك مجاز فيه، وهو الكناية، وكل ~~موضع ترد فيه الكناية فإنه يتجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، ويجوز حمله على ~~كليهما معا، وأما التشبيه فليس كذلك، ولا غيره من أقسام المجاز؛ لأنه لا ~~يجوز حمله إلا على جانب المجاز خاصة، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال ~~المعنى، ألا ترى أنا إذا قلنا: "زيد أسد"، لا يصح إلا على المجاز خاصة، ~~وذلك أنا شبهنا زيدا بالأسد في شجاعته، ولو حملناه على جانب الحقيقة ~~لاستحال المعنى؛ لأن PageV03P051 # زيدا ليس بالحيوان ذا الأربع والذنب والوبر والأنياب والمخالب. # وإذا كان الأمر كذلك فحد الكناية الجامع لها هو: أنها كل لفظة دلت على ~~معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز, ~~والدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشيء وتريد غيره، يقال: ~~كنيت بكذا عن كذا، فهي تدل على ما تكلمت به، وعلى ما أردته في غيره، وعلى ~~هذا فلا تخلو إما أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، أو في لفظ ~~تجاذبه جانبا مجاز ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة، وليس لنا ~~قسم رابع، ولا يصح أن تكون في لفظ ms431 تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة؛ لأن ذلك هو ~~اللفظ المشترك، وإذا أطلق من غير قرينة تخصصه كان مبهما غير مفهوم، وإذا ~~أضيف إليه القرينة صار مختصا بشيء بعينه، والكناية أن تتكلم بشيء وتريد ~~غيره، وذلك مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إليه القرينة؛ لأنه يختص بشيء واحد ~~بعينه لا يتعداه إلى غيره، وكذلك لا يصح أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه ~~جانبا مجاز ومجاز؛ لأن المجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها؛ لأنه فرع عليها. # وذلك اللفظ الدال على المجازين إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه ~~أو لا يكون لها شركة، فإن كان لها شركة في الدلالة فيكون اللفظ الواحد قد ~~دل على ثلاثة أشياء: أحدها الحقيقة، وهذا مخالف لأصل الوضع؛ لأن أصل الوضع ~~أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، وههنا تكون قد تكلمت بشيء وأنت تريد شيئين ~~غيره، وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا للوضع أيضا؛ لأن ~~أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، فيكون الذي تكلمت به دالا على ما ~~تكلمت به وعلى غيره، وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم ~~يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به، وهذا محال، فتحقق حينئذ أن ~~الكناية أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز، وهذا الكلام PageV03P052 # في حقيقة الدليل على تحقيق أمر الكناية لم يكن لأحد فيه قول سابق. # واعلم أن الكناية مشتقة من الستر، يقال: كنيت الشيء إذا سترته, وأجري هذا ~~الحكم في الألفاظ التي يستر فيها المجاز بالحقيقة، فتكون دالة على الساتر ~~وعلى المستور معا، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أو لامستم النساء} فإنه إن حمل ~~على الجماع كان كناية؛ لأنه ستر الجماع بلفظ اللمس الذي حقيقته مصافحة ~~الجسد الجسد، وإن حمل على الملامسة التي هي مصافحة الجسد الجسد كان حقيقة، ~~ولم يكن كناية، وكلاهما يتم به المعنى. # وقد تأولت الكناية بغير هذا، وهي أنها مأخوذة من الكنية التي يقال فيها: ~~أبو فلان، فإنا إذا نادينا رجلا اسمه ms432 عبد الله وله ولد اسمه محمد فقلنا: يا ~~أبا محمد، كان ذلك مثل قولنا: يا عبد الله، فإن شئنا ناديناه بهذا، أو شئنا ~~ناديناه بهذا، فكلاهما واقع عليه، وكذلك يجري الحكم في الكناية، فإنا إذا ~~شئنا حملناها على جانب المجاز، وإذا شئنا حملناها على الحقيقة، إلا أنه لا ~~بد من الوصف لجامع بينهما، لئلا يلحق بالكناية ما ليس منها، ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة} 1 فكنى بذلك ~~عن النساء، والوصف الجامع بينهما هو التأنيث، ولولا ذلك لقيل في مثل هذا ~~الموضع: إن أخي له تسع وتسعون كبشا ولي كبش واحد، وقيل: هذه كناية عن ~~النساء، ومن أجل ذلك لم يلتفت إلى تأويل من تأول قوله تعالى: {وثيابك فطهر} ~~2 أنه أراد بالثياب القلب على حكم الكناية؛ لأنه ليس بين الثياب والقلب وصف ~~جامع، ولو كان بينهما وصف جامع لكان التأويل صحيحا. PageV03P053 # فإن قيل فما الدليل على اشتقاق الكناية من كنيت الشيء، إذا سترته ومن ~~الكنية? # قلت في الجواب: أما اشتقاقها من كنيت الشيء إذا سترته, فإن المستور فيها ~~هو المجاز؛ لأن الحقيقة تفهم أولا، ويتسارع إليها الفهم قبل المجاز؛ لأن ~~دلالة اللفظ عليها وضعية، وأما المجاز فإنه يفهم بعد فهم الحقيقة، وإنما ~~يفهم بالنظر والفكرة، ولهذا يحتاج إلى دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ ~~فالحقيقة أظهر، والمجاز أخفى، وهو مستور بالحقيقة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~{أو لامستم النساء} فإن الفهم يتسارع فيه إلى الحقيقة التي هي ملامسة الجسد ~~الجسد، وأما المجاز الذي هو الجماع فإنه يفهم بالنظر والفكر، ويحتاج الذاهب ~~إليه إلى دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ. # وأما اشتقاقها من الكنية فلأن محمدا في هذه الصورة المذكورة هو حقيقة هذا ~~الرجل، أي: الاسم الموضوع بإزائه أولا، وأما أبو محمد فإنه طارئ عليه بعد ~~عبد الله1؛ لأنه لم يكن له إلا بعد أن صار له ولد اسمه محمد، وكذلك ~~الكناية، فإن الحقيقة لها هو الاسم الموضوع أولا في أصل ms433 الوضع، وأما المجاز ~~فإنه طارئ عليها بعد ذلك؛ لأنه فرع، والفرع إنما يكون بعد الأصل، وإنما ~~يعمد إلى ذلك الفرع للمناسبة الجامعة بينه وبين الأصل على ما تقدم الكلام ~~فيه، وهذا القدر كاف في الدلالة على اشتقاق الكناية من ذينك المعنيين ~~المشار إليهما. # فإن قيل: إنك قد ذكرت أقسام المجاز في باب الاستعارة التي قدمت ذكرها في ~~كتابك هذا، وحصرتها في أقسام ثلاثة وهي: التوسع في الكلام، والاستعارة، ~~والتشبيه، ونراك قد ذكرت الكناية في المجاز أيضا، فهل هي قسم رابع لتلك ~~PageV03P054 # الأقسام الثلاثة أم هي من جملتها? فإن كانت قسما رابعا، فذلك نقض للحصر ~~الذي حصرته، وإن كانت من جملتها فإنك أعدت ذكرها ههنا مرة ثانية، وهذا ~~المكرر لا حاجة إليه. # فالجواب عن ذلك أني أقول: أما الحصر الذي ذكرته في باب الاستعارة فهو ~~ذاك، ولا زيادة عليه، وأما الكناية فهي جزء من الاستعارة، ولا تأتي إلا على ~~حكم الاستعارة الخاصة؛ لأن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار ~~له، وكذلك الكناية، فإنها لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المكنى عنه، ونسبتها ~~إلى الاستعارة نسبة خاص إلى عام، فيقال: كل كناية استعارة، وليس كل استعارة ~~كناية، ويفرق بينهما من وجه آخر، وهو أن الاستعارة لفظها صريح, والصريح هو: ~~ما دل عليه ظاهر لفظه، والكناية: ضد الصريح؛ لأنها عدول عن ظاهر اللفظ، ~~وهذه ثلاثة فروق: أحدها الخصوص والعموم، والآخر الصريح، والآخر الحمل على ~~جانب الحقيقة والمجاز. وقد تقدم القول في باب الاستعارة أنها جزء من ~~المجاز، وعلى ذلك تكون نسبة الكناية إلى المجاز نسبة جزء الجزء وخاص الخاص. # وكان ينبغي أن تذكر الكناية عند ذكر الاستعارة في النوع الأول من هذه ~~الأنواع المذكورة في المقالة الثانية، وإنما أفردتها بالذكر ههنا من أجل ~~التعريض؛ لأن من العادة أن يذكرا جميعا في مكان واحد. # وقد يأتي في الكلام ما يجوز أن يكون كناية، ويجوز أن يكون استعارة، وذلك ~~يختلف باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده، كقول نصر بن سيار في ms434 ~~أبياته المشهورة التي يحرض بها بني أمية عند خروج أبي مسلم: # أرى خلل الرماد وميض جمر %~% ويوشك أن يكون له ضرام # فإن النار بالزندين تورى %~% وإن الحرب أولها كلام PageV03P055 # أقول من التعجب ليت شعري %~% أأيقاظ أمية أم نيام # فإن هبوا فذاك بقاء ملك %~% وإن رقدوا فإني لا أنام1 # فالبيت الأول لوروده بمفرده كان كناية؛ لأنه يجوز حمله على جانب الحقيقة ~~وحمله على جانب المجاز أما الحقيقة فإنه أخبر أنه رأى وميض جمر في خلل ~~الرماد، وأنه سيضطرم, وأما المجاز فإنه أراد أن هناك ابتداء شر كامن, ومثله ~~بوميض جمر من خلل الرماد، وإذا نظرنا إلى الأبيات في جملتها اختص البيت ~~الأول منها بالاستعارة دون الكناية، وكثيرا ما يرد مثل ذلك ويشكل، لتجاذبه ~~بين الكناية والاستعارة، على أنه لا يشكل إلا على غير العارف. ### ||| التعريض: # وأما التعريض: فهو اللفظ الدال على الشيء من طريق المفهوم بالوضع الحقيقي ~~والمجازي، فإنك إذا قلت لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب: والله إني ~~لمحتاج, وليس في يدي شيء، وأنا عريان والبرد قد آذاني، فإن هذا وأشباهه ~~تعريض بالطلب، وليس هذا اللفظ موضوعا في مقابلة الطلب، لا حقيقة ولا مجازا، ~~إنما دل عليه من طريق المفهوم، بخلاف دلالة اللمس على الجماع، وعليه ورد ~~التعريض في PageV03P056 # خطبة النكاح، كقولك للمرأة: إنك لخلية وإني لعزب، فإن مثل هذا لا يدل على ~~طلب النكاح حقيقة ولا مجازا. # والتعريض أخفى من الكناية؛ لأن دلالة الكناية لفظية وضعية من جهة المجاز، ~~ودلالة التعريض من جهة المفهوم لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي، وإنما سمي ~~التعريض تعريضا؛ لأن المعنى فيه يفهم من عرضه أي: من جانبه، وعرض كل شيء ~~جانبه. # واعلم أن الكناية تشمل اللفظ المفرد والمركب معا، فتأتي على هذا تارة، ~~وعلى هذا تارة أخرى، وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب، ولا يأتي في ~~اللفظ المفرد ألبتة. # والدليل على ذلك أنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ولا من جهة ~~المجاز، وإنما يفهم من جهة التلويح والإشارة، وذلك لا يستقل به ms435 اللفظ ~~المفرد، ولكنه يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب، وعلى هذا فإن بيت ~~امرئ القيس الذي ذكره ابن سنان مثالا للكناية هو مثال للتعريض, فإن غرض ~~امرئ القيس من ذلك أن يذكر الجماع، غير أنه لم يذكره، بل ذكر كلاما آخر ~~يفهم الجماع من عرضه؛ لأن المصير إلى الحسنى ورقة الكلام لا يفهم منهما ما ~~أراده امرؤ القيس من المعنى لا حقيقة ولا مجازا، وهذا لا خفاء به فاعرفه. # وحيث فرقنا بين الكناية والتعريض وميزنا أحدهما عن الآخر فلنفصلهما ونذكر ~~أقسامهما، ولنبدأ أولا بالكناية فنقول: PageV03P057 ### ||| الكناية # اعلم أن الكناية تنقسم قسمين: أحدهما ما يحسن استعماله، والآخر ما لا ~~يحسن استعماله، وهو عيب في الكلام فاحش, وقد ذهب قوم إلى أن الكناية تنقسم ~~أقساما ثلاثة: تمثيلا وإردافا، ومجاورة. # فأما التمثيل: # فهو أن تراد الإشارة إلى معنى, فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك مثالا ~~للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه، كقولهم: فلان نقي الثوب أي: منزه من ~~العيوب. # وأما الإرداف: # فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك إردافا ~~للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه ولازما له، كقولهم: فلان طويل النجاد أي: ~~طويل القامة، فطول النجاد رادف لطول القامة ولازم له، بخلاف نقاء الثوب في ~~الكناية عن النزاهة من العيوب؛ لأن نقاء الثوب لا يلزم منه النزاهة من ~~العيوب، كما يلزم من طول النجاد طول القامة. # وأما المجاورة: # فهي أن تريد ذكر الشيء فتتركه إلى ما جاوره كقول عنترة: # بزجاجة صفراء ذات أسرة %~% قرنت بأزهر في الشمال مفدم1 # يريد بالزجاجة الخمر، فذكر الزجاجة وكنى بها عن الخمر؛ لأنها مجاورة لها. ~~PageV03P058 # وهذا التقسيم ليس صحيح؛ لأن من شرط التقسيم أن يكون كل قسم منه مختصا ~~بصفة خاصة تفصله عن عموم الأصل، كقولنا: الحيوان ينقسم أقساما منها ~~الإنسان، وحقيقته كذا وكذا، ومنها الأسد وحقيقته كذا وكذا، ومنها الفرس ~~وحقيقته كذا وكذا، ومنها غير ذلك، وههنا لم يكن التقسيم كذلك فإن التمثيل ~~على ما ذكر عبارة عن مجموع الكناية؛ لأن الكناية إنما ms436 هي أن تراد الإشارة ~~إلى معنى, فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك اللفظ مثالا للمعنى الذي أريدت ~~الإشارة إليه. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة} ~~1 فإنه أراد الإشارة إلى النساء، فوضع لفظا لمعنى آخر وهو النعاج، ثم مثل ~~به النساء، وهكذا يجري الحكم في جميع ما يأتى من الكنايات، لكن منها ما ~~يتضح التمثيل فيه, وتكون الشبهية، بين الكناية والمكنى عنه شديدة المناسبة، ~~ومنه ما يكون دون ذلك في الشبهية، وقد تأملت ذلك، وحققت النظر فيه، فوجدت ~~الكناية إذا وردت على طريق اللفظ المركب كانت شديدة المناسبة واضحة ~~الشبهية، وإذا وردت على طريق اللفظ المفرد لم تكن بتلك الدرجة في قوة ~~المناسبة والمشابهة، ألا ترى إلى قولهم: "فلان نقي الثوب"، وقولهم: "اللمس" ~~كناية عن الجماع، فإن نقاء الثوب أشد مناسبة وأوضح شبها؛ لأنا إذا قلنا: ~~نقاء الثوب من الدنس كنزاهة العرض من العيوب اتضحت المشابهة, ووجدت ~~المناسبة بين الكناية والمكنى عنه شديدة الملاءمة، وإذا قلنا: "اللمس ~~كالجماع" لم يكن بتلك الدرجة في قوة المشابهة، وهذا الذي ذكر في أن من ~~الكناية تمثيلا وهو كذا وكذا، غير سائغ ولا وارد، بل الكناية كلها هي ذاك، ~~والذي قدمته من القول هو الحاصر لها، ولم يأت به أحدي غيري كذلك. ~~PageV03P059 ### |||| وأما الإرداف: # فإنه ضرب من اللفظ المركب, إلا أنه اختص بصفة تخصه، وهي أن تكون الكناية ~~دليلا على المكنى عنه ولازمة له، بخلاف غيرها من الكنايات، ألا ترى أن طول ~~النجاد دليل على طول القامة ولازم له، وكذلك يقال: فلان عظيم الرماد أي: ~~كثير إطعام الطعام، وعليه ورد قول الأعرابية في حديث أم زرع في وصف زوجها: ~~"له إبل قليلات المسارح, كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن ~~هوالك"1. # وغرض الأعرابية من هذا القول أن تصف زوجها بالجود والكرم، إلا أنها لم ~~تذكر ذلك باللفظ الصريح، وإنما ذكرته من طريق الكناية على وجه الإرداف الذي ~~هو لازم له. # وكذلك ورد في الأخبار ms437 النبوية أيضا، وذاك أن امرأة جاءت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسألته عن غسلها من الحيض، فأمر أن تغتسل، ثم قال: "خذي ~~فرصة من مسك فتطهري بها" 2 قالت: كيف أتطهر بها? فقال: "تطهري بها" قالت: ~~كيف أتطهر بها? قال: "سبحان الله تطهري بها". فاجتذبتها عائشة رضي الله ~~تعالى عنها إليها، وقالت: تتبعي بها أثر الدم، فقولها: "أثر الدم" كناية عن ~~الفرج على طريق الإرداف، لأن أثر الدم في الحيض لا يكون إلا في الفرج، فهو ~~رادف له. # ومما ورد في ذلك شعرا قول عمر بن أبي ربيعة: # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل %~% أبوها وإما عبد شمس وهاشم2 PageV03P060 # فإن بعد مهوى القرط دليل على طول العنق. # ومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظة مثل، كقول الرجل إذا نفى عن ~~نفسه القبيح: "مثلي لا يفعل هذا" أي: أنا لا أفعله، فنفى ذلك عن مثله, ~~ويريد نفيه عن نفسه؛ لأنه إذا نفاه عمن يماثله ويشابهه فقد نفاه عن نفسه لا ~~محالة، إذ هو ينفي ذلك عنه أجدر، وكذلك يقال: "مثلك إذا سئل أعطى" أي: أنت ~~إذا سئلت أعطيت، وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنه يجعل من جماعة هذه ~~أوصافهم وتثبيتا للأمر وتوكيدا، ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم يرس ~~فيه قدمه. # وهذا مثل قول القائل إذا كان في مدح إنسان: "أنت من القوم الكرام" أي: لك ~~في هذا الفعل سابقة، وأنت حقيق به، ولست دخيلا فيه. # وقد ورد هذا في القرآن الكريم في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير} 1 والفرق بين قوله: {ليس كمثله شيء} وبين قوله: ليس كالله شيء, هو ~~ما أشرت إليه، وإن كان سبحانه وتعالى لا مثل له حتى يكون لمثله مثل، وإنما ~~ذكر ذلك على طريق المجاز قصدا للمبالغة. # وقد يأتي هذا الموضع بغير لفظة مثل وهي مقصودة، كقولك للعربي: العرب لا ~~تخفر الذمم أي: "أنت لا تخفر الذمم"، وهذا أبلغ من قولك: أنت لا تخفر ~~الذمم، لما أشرت ms438 إليه. وعلى نحو من هذا جاء قول أبي الطيب المتنبي: # ألست من القوم الذي من رماحهم %~% نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل2 ~~PageV03P061 # وإذا فرغت من ذكر الأصول التي قدمت ذكرها فإني أتبعها بضرب الأمثلة نثرا ~~ونظما، حتى يزداد ما ذكرته وضوحا. # فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: {أيحب أحدكم أن يأكل ~~لحم أخيه ميتا} 1، فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم ~~لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا ~~بالمحبة، فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت ~~من أجله. # فأما جعل الغيبة كأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا؛ ~~لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل ~~لأكل لحم الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة، وأما ~~جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة؛ لأن العقل والشرع مجتمعان على ~~استكراهها, آمران بتركها والبعد عنها، ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ ~~في كراهته، ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا ~~يكون مثل كراهته لحم أخيه، وهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة، وأما جعل ~~اللحم ميتا فمن أجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها، وأما جعله ما ~~هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة, فلما جبلت عليه النفوس من الميل ~~إلى الغيبة والشهوة لها مع العلم بقبحها. # فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبها؛ لأنك ~~إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها وجدتها ~~مناسبة لما قصدت له. # وكذلك ورد قوله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم PageV03P062 # وأرضا لم تطئوها} 1 والأرض التي لم يطئوها كناية عن مناكح النساء، وذلك ~~من حسن الكناية ونادره. # وكذلك ورد قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل ~~السيل زبدا رابيا} 2 فكنى بالماء عن العلم, وبالأودية عن القلوب ms439 وبالزبد عن ~~الضلال، وهذه الآية قد ذكرها أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الموسوم ~~بإحياء علوم الدين, وفي كتابه الموسوم بالجواهر, والأربعين, فأشار بها إلى ~~أن في القرآن الكريم إشارات وإيماءات لا تنكشف إلا بعد الموت، وهذا يدل على ~~أن الغزالي رحمه الله لم يعلم أن هذه الآية من باب الكنايات التي لفظها ~~يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز, وقد رأيت جماعة من أئمة الفقه لا ~~يحققون أمر الكناية، وإذا سئلوا عنها عبروا عنها بالمجاز, وليس الأمر كذلك، ~~وبينهما وصف جامع, كهذه الآية وما جرى مجراها، فإنه يجوز حمل الماء على ~~المطر النازل من السماء، وعلى العلم، وكذلك يجوز حمل الأودية على مهابط ~~الأرض وعلى القلوب، وهكذا يجوز حمل الزبد على الغثاء الرابي الذي تقذفه ~~السيول، وعلى الضلال، وليس في أقسام المجاز شيء يجوز حمله على الطرفين معا ~~سوى الكناية. # وبلغني عن الفراء النحوي أنه ذكر في تفسيره آية، وزعم أنها كناية، وهي ~~قوله تعالى: {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال} 3 فقال: إن الجبال كناية عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما ~~جاء به من الآيات. # وهذه الآية من باب الاستعارة، لا من باب الكناية؛ لأن الكناية لا تكون ~~إلا فيما جاز حمله على جانبي المجاز والحقيقة، والجبال ههنا لا يصح بها ~~المعنى إلا إذا حملت على جانب المجاز خاصة؛ لأن مكر أولئك لم يكن لتزول منه ~~جبال الأرض، فإن ذلك محال. PageV03P063 # وأما ما ورد منها في الأخبار النبوية فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"إنه كانت امرأة فيمن كان من قبلنا، وكان لها ابن عم يحبها، فراودها عن ~~نفسها، فامتنعت عليه، حتى إذا أصابتها شدة فجاءت إليه تسأله، فراودها، ~~فمكنته من نفسها، فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة قالت له: لا يحل لك ~~أن تفض الخاتم إلا بحقه, فقام عنها وتركها"، وهذه كناية واقعة في موقعها. # ومن ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رويدك سوقك بالقوارير" ms440 1, ~~يريد بذلك النساء، فكنى عنهن بالقوارير، وذاك أنه كان في بعض أسفاره وغلام ~~أسود اسمه أنجشة يحدو، فقال له: "يا أنجشة رويدك بالقوارير" وهذه كناية ~~لطيفة. # وكذلك ورد حديث الحديبية وذاك أنه لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الركية2, جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من أهل تهامة، ~~فقال: "تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ ~~المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت"3, وهذه كناية عن النساء والصبيان، ~~والعوذ: جمع عائذ، وهي الناقة التي وضعت وقوي ولدها، وهذا يجوز حمله ~~PageV03P064 # على طريق الحقيقة، كما جاز حمله على طريق المجاز, أي: معهم الأموال من ~~الإبل، وهي كانت جل أموال العرب: أي إنهم أحضروا أموالهم ليقاتلوا دونها، ~~ولما جاز حمل العوذ المطافيل على النساء والصبيان وعلى الأموال كان من باب ~~الكناية. # ومن ذلك ما ورد في إقامة الحد على الزاني، وهو أن يشهد عليه برؤية الميل ~~في المكحلة وذلك كناية عن رؤية الفرج في الفرج. # ومن لطيف الكنايات أن امرأة جاءت إلى عائشة رضي الله عنها فقالت لها: ~~"أقيد جملي?" فقالت عائشة رضي الله عنها: "لا", أرادت المرأة أن تضع لزوجها ~~شيئا يمنعه عن غيرها أي: تربطه أن يأتي غيرها، فظاهر هذا اللفظ هو تقييد ~~الجمل، وباطنه ما أرادته المرأة وفهمته عائشة منها. # وكذلك يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وذاك أنه جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: "وما أهلكك" قال: حولت رحلي ~~البارحة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أقبل وأدبر واتق الدبر ~~والحيضة". # ويروى أن عمرو بن العاص زوج ولده عبد الله رضي الله عنه، فمكثت المرأة ~~عنده ثلاث ليال لم يدن منها، وإنما كان ملتفتا إلى صلاته، فدخل عمرو بعد ~~ثلاث، فقال: كيف ترين بعلك? فقالت: نعم البعل إلا أنه لم يفتش لنا كنفا ولا ~~قرب لنا مضجعا، فقولها: لم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا من ms441 الكناية ~~الغراء الظاهرة. # ومن ألطف ما بلغني في هذا قول عبد الله بن سلام، فإنه رأى على رجل ثوبا ~~معصفرا، فقال: "لو أن ثوبك في تنور أهلك أو تحت قدرهم كان خيرا"، فذهب ~~الرجل وأحرقه، نظرا إلى حقيقة قول عبد الله, وظاهر مفهومه، وإنما أراد PageV03P065 # المجاز منه، وهو أنك لو صرفت ثمنه إلى دقيق تخبزه أو حطب تطبخ به كان ~~خيرا، والمعنى متجاذب بين هذين الوجهين، فالرجل فهم منه الظاهر الحقيقي ~~فمضى وأحرق ثوبه، ومراد عبد الله غيره. # ومن هذا القسم ما ورد من أمثال العرب كقولهم: إياك وعقيلة الملح، وذاك ~~كناية عن المرأة الحسناء في منبت السوء، فإن عقيلة الملح هي اللؤلؤة وتكون ~~في البحر فهي حسنة وموضعها ملح. # وكذلك قولهم: لبس له جلد النمر، كناية عن العداوة. # وقد يقاس على هذا أن يقال: لبس له جلد الأسد، ولبس له جلد الذئب، ولبس له ~~جلد الأرقم؛ لأن هذا كله مثل قولهم: لبس له جلد النمر، إذ العداوة محتملة ~~في الجميع. # وكذلك قولهم: "قلب له ظهر المجن" كناية عن تغيير المودة. # ومما ورد في ذلك شعرا قول أبي نواس: # لا أذود الطير عن شجر %~% قد بلوت المر من ثمره1 # وهذا له حكاية، وهو أنه كان لأبي نواس صديقة تغشاه، فقيل له: إنها تختلف ~~إلى آخر من أهل الريب، فلم يصدق ذلك حتى تبعها يوما من الأيام, فرآها تدخل ~~منزل ذلك الرجل، ثم إن ذلك الرجل جاءه، وكان صديقا له، فكلمه، فصرف وجهه ~~عنه، ثم نظم قصيدته المشهورة التي مطلعها: # أيها المنتاب عن عفره # وهذا البيت من جملة أبياتها. # وكذلك ورد قوله أيضا: PageV03P066 # وناظرة إلي من النقاب %~% تلاحظني بطرف مستراب # كشفت قناعها فإذا عجوز %~% مموهة المفارق بالخضاب # فما زالت تحمسني طويلا %~% وتأخذ في أحاديث التصابي # تحاول أن يقوم أبو زياد %~% ودون قيامه شيب الغراب # أتت بجرابها تكتال فيه %~% فقامت وهي فارغة الجراب1 # فقوله: أتت بجرابها تكتال فيه كناية، إذ الجراب يجوز حمله على الحقيقة ~~والمجاز، وكذلك الكيل أيضا. # ومما جاء من ms442 هذا الباب أيضا قول أبي تمام في قصيدته التي يستعطف بها مالك ~~بن طوق على قومه، ومطلعها: # أرض مصردة وأرض منجم # ما لي رأيت ترابكم يبس الثرى %~% ما لي أرى أطوادكم تتهدم2 # فيبس الثرى كناية عن تنكر ذات البين، تقول: يبس الثرى بيني وبين فلان، ~~إذا تنكر الود الذي بينك وبينه، وكذلك "تهدم الأطواد" فإنه كناية عن خفة ~~الحلوم وطيش العقول. PageV03P067 # ومن الكناية الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يعاتب فيها سيف ~~الدولة بن حمدان التي مطلعها: # واحر قلباه ممن قلبه شبم # وشر ما قنصته راحتي قنص %~% شهب البزاة سواء فيه والرخم1 # يشير بذلك إلى أن سيف الدولة يستوي في المنال منه هو وغيره، فهو البازي، ~~وغيره الرخمة، وإن حمل المعنى على جانب الحقيقة كان جائزا. # وعلى هذا ورد قول الأقيشر الأسدي، وكان عنينا لا يأتي النساء وكان كثيرا ~~ما يصف ذلك من نفسه، فجلس إليه يوما رجل من قيس، فأنشد الأقيشر: # ولقد أروح بمشرف ذي ميعة %~% عسر المكرة ماؤه يتفصد # مرح يطير من المراح لعابه %~% ويكاد جلد إهابه يتقدد2 PageV03P068 # ثم قال له: أتبصر الشعر? قال: نعم، قال: فما وصفت? قال: فرسا، قال: أفكنت ~~تركبه لو رأيته? قال: إي والله وأثني عطفه، فكشف له عن أيره، وقال: هذا ~~وصفت، فقم فاركبه، فوثب الرجل من مكانه، وقال: قبحك الله من جليس سائر ~~اليوم. # وكذلك أيضا يحكى أنه وفد سعيد بن عبد الرحمن على هشام بن عبد الملك، وكان ~~جميل الوجه، فاختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن يزيد، ~~فراوده عن نفسه، فوثب من عنده، ودخل على هشام وهو يقول: # إنه والله لولا أنت لم %~% ينج مني سالما عبد الصمد # فقال هشام: ولم ذلك? قال: # إنه قد رام مني خطة %~% لم يرمها قبله مني أحد # قال: ما هي? قال: # راح جهلا بي وجهلا بأبي %~% يدخل الأفعى على حبس الأسد1 # قال: فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك. # ومن ألطف ما سمعته في هذا الباب ms443 قول أبي النواس في الهجاء: # إذا ما كنت جار أبي حسين %~% فنم ويداك في طرف السلاح # فإن له نساء سارقات %~% إذا ما بتن أطراف الرماح # سرقن وقد نزلت عليه أيري %~% فلم أظفر به حتى الصباح PageV03P069 # فجاء وقد تخدش جانباه %~% يئن إلي من ألم الجراح1 # فتعبيره عن العضو المشار إليه بأطراف الرماح تعبير في غاية اللطافة ~~والحسن. # وقد أدخل في باب الكناية ما ليس منه، كقول نصيب: # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله %~% ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب2 # فهذا يروى عن الجاحظ، وما أعلم كيف ذهب عليه مع شهرته بالمعرفة بفن ~~الفصاحة والبلاغة، فإن الكناية هو ما جاز حمله على جانب الحقيقة, كما يجوز ~~حمله على جانب المجاز، وههنا لا يصح ذلك، ولا يستقيم؛ لأن الثناء للحقائب ~~لا يكون إلا مجازا، وهذا من باب التشبيه المضمر الأداة الخارج عن الكناية، ~~والمراد به أن في الحقائب من عطاياك ما يعرب عن الثناء لو سكت أصحابها عنه. # ما يقبح ذكره من الكناية: # وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية فإنه لا يحسن استعماله؛ لأنه ~~عيب في الكلام فاحش، وذلك لعدم الفائدة المرادة من الكناية فيه. # فما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة: # إن لم تكن نصلا فغمد نصال3 PageV03P070 # وفي هذا من سوء الكناية ما لا خفاء به، فإن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ~~ما يقبح ذكره، وهذا المعنى أخذه من قول الفرزدق فمسخه وشوه صورته، فإن ~~الفرزدق رثى امرأته فقال: # وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح %~% عليه ولم أبعث إليه البواكيا # وفي جوفه من دارم ذو حفيظة %~% لو أن المنايا أمهلته لياليا1 # وهذا حسن بديع في معناه، وما كني عن امرأة ماتت بجمع2 أحسن من هذه ~~الكناية ولا أفخم شأنا، فجاء الشريف الرضي فأخذ معناها وفعل به ما ترى، ~~وليس كل من تصرف في المعاني أحسن في تصريفها، وأبقى هذه الرموز في تأليفها. # وقد عكس هذه القصة مع أبي الطيب المتنبي فأحسن فيما أساء به أبو الطيب ~~طريق الكناية فأخطأ حيث ms444 قال: # إني على شغفي بما في خمرها %~% لأعف عما في سراويلاتها3 # وهذه كناية عن النزاهة والعفة، إلا أن الفجور أحسن منها. # وقد أخذ الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أحسن صورة حيث قال: ~~PageV03P071 # أحن إلى ما تضمن الخمر والحلى %~% وأصدف عما في ضمان المآزر1 # وأمثال هذا كثير، وفيما ذكرناه من هذين المثالين مقنع. # وأما التعريض فقد سبق الإعلام به، وعرفناك الفرق بينه وبين الكناية, فما ~~جاء منه قوله تعالى: {قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله ~~كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} 2, وغرض إبراهيم عليه السلام من هذا ~~الكلام إقامة الحجة عليهم؛ لأنه قال: {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} وذلك على ~~سبيل الاستهزاء، وهذا من رموز الكلام، والقول فيه أن قصد إبراهيم عليه ~~السلام لم يرد به نسبة الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقديره لنفسه ~~وإثباته على أسلوب تعريض يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجة عليهم والاستهزاء ~~بهم، وقد يقال في هذا غير ما أشرت إليه، وهو أن كبير الأصنام غضب أن تعبد ~~معه هذه الأصنام الصغار فكسرها، وغرض إبراهيم عليه السلام من ذلك أنه لا ~~يجوز أن يعبد مع الله تعالى من هو دونه، فإن من هو دونه مخلوق من مخلوقاته، ~~فجعل إحالة القول إلى كبير الأصنام مثالا لما أراده. # ومن هذا القسم أيضا قوله تعالى: {قال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك ~~إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى ~~لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين} 3 فقوله: {ما نراك إلا بشرا مثلنا} ~~تعريض بأنهم أحق بالنبوة، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر ~~لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة فما جعلك ~~أحق منهم بها? ألا ترى إلى قولهم: {وما نرى لكم علينا من فضل} . ~~PageV03P072 # وكان مروان بن الحكم واليا على المدينة من قبل معاوية فعزله, فلما قدم ~~عليه قال له: عزلتك لثلاث لو لم تكن إلا ms445 واحدة منهن لأوجبت عزلك: إحداهن ~~أني أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه، ~~والثانية كراهتك أمر زياد، والثالثة أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمر ~~بن عثمان فلم تعدها. # فقال له مروان: أما عبد الله بن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني، ولكن ~~إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه، وأما كراهتي أمر زياد فإن سائر بني أمية ~~كرهوه، وأما استعداء رملة على عمر بن عثمان فوالله إنه لتأتي على سنة وأكثر ~~وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا، يريد بذلك أن رملة بنت معاوية إنما ~~استعدت لطلب الجماع، فقال له معاوية: يابن الوزغ1 لست هناك، فقال له مروان: ~~هو ذاك، وهذا من التعريضات اللطيفة. # ومثله في اللطافة ما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذاك أنه كان ~~يخطب يوم جمعة، فدخل عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال له عمر: أية ~~ساعة هذه? فقال عثمان: يا أمير المؤمنين انقلبت من أمر السوق فسمعت النداء، ~~فما زدت على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يأمرنا بالغسل2. # فقوله: "أية ساعة هذه" تعريض بالإنكار عليه لتأخره عن المجيء إلى الصلاة ~~وترك السبق إليها، وهو من التعريض المعرب عن الأدب. # ووقفت في كتاب العقد3 على حكاية تعريضية حسنة الموقع، هي أن PageV03P073 # امرأة وقفت على قيس بن عبادة فقالت: "أشكو إليك قلة الفأر في بيتي" فقال: ~~ما أحسن ما ورت عن حاجتها، املئوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما. # ومن خفي التعريض وغامضه ما ورد في الحديث الشريف، وهو أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج وهو محتضن أحد ابني بنته، وهو يقول: "والله إنكم لتجبنون ~~وتبخلون وتجهلون، وإنكم من ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها الله بوج" 1. # اعلم أن وجا واد بالطائف, والمراد به غزوة حنين، وحنين: واد قبل وج؛ لأن ~~غزوة حنين آخر غزوة أوقع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ms446 المشركين، ~~وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة، أي: ~~قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدو ولا قتال. # ووجه عطف هذا الكلام وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "وإن آخر وطأة وطئها ~~الله بوج" على ما قبله من الحديث هو التأسف على مفارقة أولاده لقرب وفاته؛ ~~لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته صلى الله عليه وسلم كانت في ~~ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال: وإنكم من ريحان ~~الله أي: من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانع عن قوله: وأنا ~~مفارقكم عن قريب بقوله: "وإن آخر وطأة وطئها الله بوج " وكان ذلك تعريضا ~~بما أراده وقصده من قرب وفاته صلى الله عليه وسلم. # ومما ورد في هذا الباب شعرا قول الشميذر الحارثي: # بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما %~% دفنتم بصحراء الغمير القوافيا2 ~~PageV03P074 # وليس قصده ههنا الشعر، بل قصده ما جرى لهم في هذا الموضع من الظهور عليهم ~~والغلبة، إلا أنه لم يذكر ذلك بل ذكر الشعر، وجعله تعريضا لما قصده: أي لا ~~تفخروا بعد تلك الواقعة التي جرت لكم ولنا بذلك المكان. # ومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة الكاتب إلى المأمون في أمر بعض ~~أصحابه، وهو: "أما بعد، فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطول في ~~إلحاقه بنظرائه من الخاصة، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب ~~المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته". # فوقع المأمون في ظهر كتابه: "قد عرفت تصريحك وتعريضك لنفسك، وقد أجبناك ~~إليهما"1. # واعلم أن هذين القسمين من الكناية والتعريض قد وردا في غير اللغة ~~العربية، ووجدتهما في اللغة السريانية، فإن الإنجيل الذي في أيدي النصارى ~~قد أتى منهما بالكثير. # ومما وجدته من الكناية في لغة الفرس: أنه كان رجل من أساورة2 كسرى ~~وخواصه, فقيل له: إن الملك يختلف إلى امرأتك، فهجرها لذلك، وترك فراشها، ~~فأخبرت كسرى، فدعاه وقال له: قد بلغني أن لك عينا عذبة ms447 وأنك لا تشرب منها، ~~فما سبب ذلك? قال: أيها الملك، بلغني أن الأسد يردها فخفته، فاستحسن كسرى ~~منه هذا الكلام وأسنى عطاءه. PageV03P075 ### || النوع العشرون في المغالطات المعنوية: # وهذا النوع من أحلى ما استعمل في الكلام وألطفه، لما فيه من التورية, ~~وحقيقته أن يذكر معنى من المعاني له مثل في شيء آخر ونقيض، والنقيض أحسن ~~موقعا، وألطف مأخذا. فالأول الذي يكون له مثل يقع في الألفاظ المشتركة، فمن ~~ذلك قول أبي الطيب المتنبي: # يشلهم بكل أقب نهد %~% لفارسه على الخيل الخيار # وكل أصم يعسل جانباه %~% على الكعبين منه دم ممار # يغادر كل ملتفت إليه %~% ولبته لثعلبه وجار1 # فالثعلب هو هذا الحيوان المعروف، والوجار اسم بيته، والثعلب أيضا هو طرف ~~سنان الرمح، فلما اتفق الاسمان بين الثعلبين حسن ذكر الوجار في طرف السنان، ~~وهذا نقل المعنى من مثله إلى مثله. # وعليه ورد قول المتنبي: # برغم شبيب فارق السيف كفه %~% وكانا على العلات يصطحبان PageV03P076 # كأن رقاب الناس قالت لسيفه %~% رفيقك قيسي وأنت يماني1 # فإن شبيبا الخارجي الذي خرج على كافور الإخشيدي، وقصد دمشق وحاصرها، وقتل ~~على حصارها، كان من قيس، ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب، وأخبار ذلك ~~مشهورة. # والسيف يقال له يماني في نسبته إلى اليمن، ومراد المتنبي من هذا البيت أن ~~شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه: أنت يماني وصاحبك ~~قيسي، ولهذا جانبه السيف وفارقه, وهذه مغالطة حسنة, وهي كالأولى إلا أنها ~~أدق وأغمض. # وكذلك ورد قول بعضهم من أبيات يهجو بها شاعرا، فجاء من جملتها قوله: # وخلطتم بعض القرآن ببعضه %~% فجعلتم الشعراء في الأنعام # ومعنى هذا أن الشعراء اسم سورة من القرآن الكريم, والأنعام اسم سورة ~~أيضا، والشعراء جمع شاعر، والأنعام ما كان من الإبل والبقر. وكذلك ورد قول ~~بعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ثم انتقل ~~إلى مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه: # من مبلغ عني الوجيه رسالة %~% وإن ms448 كان لا تجدي لديه الرسائل PageV03P077 # تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل %~% وفارقته إذ أعوزتك المآكل # وما اخترت رأي الشافعي تدينا %~% ولكنما تهوى الذي منه حاصل # وعما قليل أنت لا شك صائر %~% إلى مالك فافطن لما أنا قائل # ومالك هو مالك بن أنس صاحب المذهب رضي الله عنه، ومالك هو خازن النار ~~وهذه مغالطة لطيفة. # ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل1: # صلب العصا بالضرب قد دماها %~% تود أن الله قد أفناها # إذا أرادت رشدا أغواها %~% محاله من رقه إياها2 # فالضرب: لفظ مشترك، يطلق على الضرب بالعصا، وعلى الضرب في الأرض، وهو ~~السير فيها، وكذلك دماها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين: أحدهما يقال دماه، ~~إذا أسال دمه، ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة، وكذلك لفظ الفناء فإنه ~~يطلق على عنب الثعلب، وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية، يقال: أفناه ~~إذا أذهبه، وأفناه إذا أطعمه الفنا، وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى ~~PageV03P078 # نبتان1 يقال: أغواه إذا أضله، وأغواه إذا أطعمه الغوى، ويقال: طلب رشدا، ~~إذا طلب ذلك النبت، وطلب رشدا إذا طلب الهداية، وبعض الناس يظن هذه الأبيات ~~من باب اللغز، وليس كذلك؛ لأنها تشتمل على ألفاظ مشتركة، وذلك معنى ظاهر ~~يستخرج من دلالة اللفظ عليه، واللغز هو الذي يستخرج من طريق الحزر والحدس، ~~لا من دلالة اللفظ عليه، وسأوضح ذلك إيضاحا جليا في النوع الحادي والعشرين، ~~وهو الذي يتلو هذا الباب, فليؤخذ من هناك. # ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~سائرا بأصحابه يقصد بدرا، فلقيهم رجل من العرب، فقال: ممن القوم? فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "من ماء" فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ~~ماء لينظر أي بطون العرب يقال لها ماء، فسار النبي صلى الله عليه وسلم ~~لوجهته، وكان قصده أن يكتم أمره. # وهذا من المغالطة المثلية؛ لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء، ~~ويجوز أن يكون المراد أن ms449 خلقهم من ماء. # وقد جاءني شيء من ذلك الكلام المنثور, فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند ~~دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج، فقلت: "ومن صفات هذا البرد أنه ~~يعقد الدر في خلفه، والدمع في طرفه، وربما تعدى إلى قليب الخاطر فأجفه أن ~~يجري بوصفه، فالشمس مأسورة, والنار مقرورة، والأرض شهباء غير أنها حولية، ~~ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة لم تخض". ومكان المغالطة من هذا ~~الكلام في قولي: "والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض" فإن الشهباء من ~~الخيل يقال فيها حولية أي: لها حول، ويقال إنها مروضة أي: ذللت للركوب، ~~وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية، وقولي: لم ترض, أي: لم ~~تسلك بعد. PageV03P079 # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، فقلت: "ولقد نزلت منه بمهلبي الصنع، أحنفي ~~الأخلاق1، ولقيته فكأني لم أرع ممن أحب بلوعة الفراق، ولا كرامة للأهل ~~والوطن حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا، وعهدي بالأيام وهي من ~~الإحسان فاطمة, فاستولدتها بجواره حسنا". # وهذه تورية لطيفة, فإن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن ~~رضي الله عنهما ولدها، وفاطمة هي اسم فاعل من الفطام، يقال: فطمت فهي ~~فاطمة، كما يقال: فطم فهو فاطم2، والحسن: هو الشيء الحسن الأسلوب. # ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "وعهدي ~~بقلمي وهو يتحلى من البيان بأسمائه، وتبرز أنوار المعاني من ظلمائه، وقد ~~أصبحت يدي منه وهي حمالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن كان أبا لهب". # وهذا أحسن من الأول، وأخلب عبارة، فانظر أيها المتأمل إلى ما فيه من ~~التورية اللطيفة، ألا ترى أن الخاطر يحمد فيوصف بأنه وقاد وملتهب، ويذم ~~فيوصف بأنه بليد وجاهل، وأبو لهب وأبو جهل هما الرجلان المعروفان، وكذلك ~~حمالة الحطب هي المرأة المعروفة، وإذا ذم القلم قيل: إنه حطب، وإن صاحبه ~~حاطب، فلما نقلت أنا هذا المعنى الذي قصدته جئت به على حكم المغالطة، ووريت ~~فيه تورية. # والمسلك ms450 إلى مثل هذه المعاني وتصحيح المقصد فيها عسر جدا، لا جرم أن ~~الإجادة فيها قليلة. PageV03P080 # ومما يجري هذا المجرى ما ذكرته في وصف شخص بمعالي الأمور، وهو: "من أبر ~~مساعيه أنه حاز قفل المكرمات ومفتاحها، فإذا سئل منقبة كان مناعها, وإذا ~~سئل موهبة كان مناحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنة الصعاب وألان ~~جماحها، فإذا شهد حومة حرب كان منصورها, وإذا لقي مهجة خطب كان سفاحها". # والمغالطة في هذا الكلام في ذكر المنصور والسفاح، فإنهما لقب خليفتين من ~~بني العباس، والسفاح أول خلفائهم، والمنصور أخوه الذي ولي الخلافة من بعده، ~~وهما أيضا من النصر في حومة الحرب, والسفح الذي هو الإراقة، والمهجة دم ~~القلب، فكأني قلت: هو منصور في حومة الحرب، ومريق لدم الخطوب، وقد اجتمع في ~~هذا الكلام المنصور والمنصور، والسفاح والسفاح، وهذا من المغالطة المثلية ~~لا من النقيضية، ولا خفاء بما فيها من الحسن. # ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "وقد علمت أن ذلك الأنس ~~بقربه يعقب إيحاشا، وأن تلك النهلة من لقائه تجعل الأكباد عطاشا، فإن شيمة ~~الدهر أن يبدل الصفو كدرا، ويوسع أيام عقوقه طولا, وأيام بره قصرا، وما ~~أقول إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها حد القطع، ورأى العيش ~~فيها خفضا فأزاله بعامل الرفع". # والمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفع، فإن الخفض هو سعة ~~العيش، والخفض هو أحد العوامل النحوية، والرفع: هو من قولنا رفعت الشيء، ~~إذا أزلته، والرفع هو أحد العوامل النحوية أيضا، وهذا من المغالطات الخفية. # ومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمى، وكنت إذ ذاك بحصن سميساط، وهو ~~بلد من بلاد الأرمن، فقلت: "ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض أن الحمى ~~خيمت بها فاستقرت، ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها, فترى PageV03P081 # وقد أخذتها النافض1 فاقشعرت، ولم يشكل أمرها إلا لأنها حمى أرمنية ~~مستعجمة اللسان، وقد تشتبه الأمراض وأهل بلادها في الإبان، وإذا كانت الحمى ~~كافرة لم تزل للمسلم ms451 حربا، وشكاتها لا تسمى شكاة, وإنما تسمى طعنا وضربا، ~~ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست بأدوية، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير ~~مبتدأة بأيام تروية، وليس موسمها في فصل معلوم بل كل فصول العام من ~~مواسمها، ولو كاتبتها نصيبين أو ميا فارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها". # والمغالطة ههنا في قولي: وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام ~~تروية. والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير ترو أي: من غير تلبث، ويوم ~~النحرهو يوم عيد الأضحى، وقبله يوم يسمى يوم التروية، فالمغالطة حصلت بين ~~نحر الحمى للناس ونحر الضحايا، إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم التروية، ولا ~~خفاء بما في هذه المغالطة من الحسن واللطافة. # وأما القسم الآخر وهو النقيض فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله؛ لأنه ~~لا يتهيأ استعماله كثيرا. # فمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم، وهو قوله: # وما أشياء تشريها بمال %~% فإن نفقت فأكسد ما تكون # يقال: نفقت السلعة إذا راجت، وكان لها سوق، ونفقت الدابة إذا ماتت، وموضع ~~المناقضة ههنا في قوله: إنها إذا نفقت كسدت، فجاء بالشيء ونقيضه، وجعل هذا ~~سببا لهذا، وذلك من المغالطة الحسنة. # ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من ~~PageV03P082 # بلاد الكفار، فقلت في آخر الكتاب: وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح ~~هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ~~ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس ~~بيانا مؤهل لإبداع حسانها، والسائر بها فلان, وهو راوي أخبار نصرها التي ~~صحتها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرف العوال، والليالي ~~والأيام لها رواة, فما الظن برواية الأيام والليال. # وفي هذا الفصل مغالطة نقيضية، ومغالطة مثلية، أما المغالطة المثلية فهي ~~في قولي: "وعوالي إسنادها مأخوذة من طرف العوالي" وقد تقدم الكلام على هذا ~~وما يجري مجراه في القسم الأول، وأما المغالطة النقيضية فهي قولي: "وهو ~~راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال" وموضع المغالطة منه ms452 أنه يقال ~~في رواة الأخبار: فلان عدل صحيح الرواية، وفلان مجروح: أي سقيم الرواية, ~~غير موثوق به، فأتيت بهذا المعنى على وجه النقيض، فقلت صحة أخبار هذه ~~الفتوح في تجريح الرجل أي: تجريحهم في الحرب، وفي هذا من الحسن ما لا خفاء ~~به. # وقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع. # فإن قيل: إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد ومعناه ~~مختلف كالمثال الذي مثلته, وفي قول أبي الطيب المتنبي ثعلب ووجار، فإن ~~الثعلب هو الحيوان المعروف، وهو أيضا طرف السنان وكذلك باقي الأمثلة, قلت ~~في الجواب إن الفرق بين هذين النوعين ظاهر، وذاك أن التجنيس يذكر فيه اللفظ ~~الواحد مرتين، فهو يستوي في الصورة ويختلف في المعنى، كقول أبي تمام: # بكل فتى ضرب يعرض للقنا %~% محيا محلى حليه الطعن والضرب1 PageV03P083 # فالضرب الرجل الخفيف، والضرب هو الضرب بالسيف في القتال، فاللفظ لا بد من ~~ذكره مرتين والمعنى فيه مختلف، والمغالطة ليست كذلك، بل يذكر فيها اللفظ ~~مرة واحدة، ويدل به على مثله، وليس بمذكور. PageV03P084 ### || النوع الحادي والعشرون: في الأحاجي # وهي الأغاليط من الكلام, وتسمى الألغاز جمع لغز1, وهو الطريق الذي يلتوي ~~ويشكل على سالكه، وقيل: جمع لغز بفتح اللام وهو ميلك بالشيء عن وجهه، وقد ~~يسمى هذا النوع أيضا المعمى، وهو يشتبه بالكناية تارة، وبالتعريض أخرى، ~~ويشتبه أيضا بالمغالطات المعنوية، ووقع في ذلك عامة أرباب هذا الفن, فمن ~~ذلك أن أبا الفرج الأصفهاني ذكر بيتي الأقيشر الأسدي في جملة الألغاز وهما: # ولقد أروح بمشرف ذي ميعة %~% عسر المكرة ماؤه يتفصد # مرح يطير من المراح لعابه %~% ويكاد جلد إهابه يتقدد2 # وهذان البيتان من باب الكناية؛ لأنهما يحملان على الفرس، وعلى العضو ~~المخصوص، وإذا حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز فكيف يعد من جملة الألغاز? ~~وكذلك فعل الحريري في مقاماته، فإنه ذكر في الأحاجي التي جعلها حكم الفتاوي ~~كناية ومغالطة معنوية، وظن أنهما من الأحاجي الملغزة، كقوله: PageV03P084 # "أيحل للصائم أن يأكل نهارا"1 والنهار: من الأسماء المشتركة بين النهار ms453 ~~الذي هو ضد الليل وبين فرخ الحبارى، فإنه يسمى نهارا، وإذا كان من الأسماء ~~المشتركة صار من باب المغالطات المعنوية، لا من باب الأحاجي، والألغاز شيء ~~منفصل عن ذلك كله، ولو كان من جملته لما قيل لغز وأحجية، وإنما قيل كناية، ~~وتعريض، ومنه ما يطلق عليه المغالطة، ومنه شيء آخر خارج عن ذلك فجعل لغزا ~~وأحجية. # وكنت قدمت القول بأن الكناية هي اللفظ الدال على جانب الحقيقة وعلى جانب ~~المجاز، فهو يحمل عليهما معا، وأن التعريض هو ما يفهم من عرض اللفظ لا من ~~دلالته عليه حقيقة ولا مجازا، وأن المغالطة هي التي تطلق ويراد بها شيئان: ~~أحدهما دلالة اللفظ على معنيين بالاشتراك الوضعي، والآخر دلالة اللفظ على ~~المعنى ونقيضه. وأما اللغز والأحجية فإنهما شيء واحد، وهو كل معنى يستخرج ~~بالحدس والحزر، لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ومجازا، ولا يفهم من عرضه؛ لأن ~~قول القائل في الضرس: # وصاحب لا أمل الدهر صحبته %~% يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد # ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت %~% عيني عليه افترقنا فرقة الأبد # لا يدل على أنه الضرس، لا من طريق الحقيقة ولا من طريق المجاز ولا من ~~PageV03P085 # طريق المفهوم، وإنما هو شيء يحدس ويحزر، والخواطر تختلف في الإسراع ~~والإبطاء عند عثورها عليه. # فإن قيل إن اللغز يعرف من طريق المفهوم, وهذان البيتان يعلم معناهما ~~بالمفهوم. # قلت في الجواب: إن الذي يعلم بالمفهوم إنما هو التعريض، كقول القائل: إني ~~لفقير، وإني لمحتاج, فإن هذا القول لا يدل على المسألة والطلب، لا حقيقة ~~ولا مجازا، وإنما فهم منه أن صاحبه متعرض للطلب، وهذان البيتان ليسا كذلك، ~~فإنهما لا يشتملان على ما يفهم منه شيء إلا بالحدس والحزر لا غير, وكذلك كل ~~لغز من الألغاز. # وإذا ثبت هذا فاعلم أن هذا الباب الذي هو اللغز والأحجية والمعمى يتنوع ~~أنواعا: # فمنه المصحف، ومنه المعكوس، ومنه ما ينقل إلى اللغات غير العربية، كقول ~~القائل: اسمي إذا صحفته بالفارسية آخر، وهذا اسمه اسم تركي، وهو دنكر، ~~بالدال المهملة والنون، ms454 وأخر بالفارسية ديكر بالدال المهملة والياء المعجمة ~~بثنتين من تحت, وإذا صحفت هذه الكلمة صارت دنكر بالنون, فانقلبت الياء نونا ~~بالتصحيف، وهذا غير مفهوم إلا لبعض الناس دون بعض. # وإنما وضع واستعمل؛ لأنه مما يشحذ القريحة، ويحد الخاطر؛ لأنه يشتمل على ~~معان دقيقة يحتاج في استخراجها إلى توقد الذهن، والسلوك في معاريج خفية من ~~الفكر, وقد استعمله العرب في أشعارهم قليلا, ثم جاء المحدثون فأكثروا منه. ~~وربما أتي منه بما يكون حسنا وعليه مسحة من البلاغة، وذلك عندي بين بين، ~~فلا أعده من الأحاجي، ولا أعده من فصيح الكلام. # فما جاء منه قول بعضهم: # قد سقيت آبالهم بالنار %~% والنار قد تشفي من الأوار PageV03P086 # ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم الذين هم أصحاب الإبل ذوو وجاهة وتقدم، ولهم ~~وسم معلوم، فلما وردت إبلهم الماء عرفت بذلك الوسم، فأفرج لها الناس حتى ~~شربت، وقد اتفق له أنه أتى في هذا البيت بالشيء وضده، وجعل أحدهما سببا ~~للآخر، فصار غريبا عجيبا، وذاك أنه قال: سقيت بالنار، وقال: إن النار تشفي ~~من الأوار، وهو العطش وهذا من محاسن ما يأتي في هذا الباب. # ومما يجري على هذا النهج قول أبي نواس في شجر الكرم: # لنا هجمة لا يدرك الذئب سخلها %~% ولا راعها نزو الفحالة والخطر # إذا امتحنت ألوانها مال صفوها %~% إلى الحو إلا أن أوبارها خضر1 # ومن هذا القبيل قول بعضهم: # سبع رواحل ما ينخن من الونا %~% شيم تساق بسبعة زهر # متواصلات لا الدءوب يملها %~% باق تعاقبها على الدهر2 # هذان البيتان يتضمنان وصف أيام الزمان ولياليه، وهي الأسبوع، فإن الزمان ~~عبارة عنه، وذلك من الألغاز الواقعة في موقعها. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي في السفن من جملة قصيدته ~~التي مدح بها سيف الدولة عند ذكر عبوره الفرات وهي: # الرأي قبل شجاعة الشجعان # فقال: PageV03P087 # وحشاه عادية بغير قوائم %~% عقم البطون حوالك الألوان # تأتي بما سبت الخيول كأنها %~% تحت الحسان مرابض الغزلان1 # وهذا حسن في بابه. # ومن ذلك قول بعضهم في حجر المحك: # ومدرع ms455 من صبغة الليل برده %~% يفوف طورا بالنضار ويطلس # إذا سألوه عن عويصين أشكلا %~% أجاب بما أعيا الورى وهو أخرس # وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه، وكان سمعه بعض المتأخرين من أهل ~~زماننا، فأجاب عنه ببيتين على وزنه وقافيته وهما: # سؤالك جلمود من الصخر أسود %~% خفيف لطيف ناعم الجسم أطلس # أقيم بسوق الصرف حكما كأنه %~% من الزنج قاض بالخلوق مطلس # وقد رأيت هذا الشاعر، وهو حائك بجزيرة ابن عمر، وليس عنده من أسباب الأدب ~~شيء سوى أنه قد أصلح لسانه بطرف يسير من علم النحو لا غير, وهو مع ذلك يقول ~~الشعر طبعا، وكان يجيد في الكثير منه. # ومن الألغاز ما يرد على حكم المسائل الفقهية، كالذي أورده الحريري في ~~مقاماته2، وكنت سئلت عن مسألة منه وهي: PageV03P088 # ولي خالة وأنا خالها %~% ولي عمة وأنا عمها # فأما التي أنا عم لها %~% فإن أبي أمه أمها # أبوها أخي وأخوها أبي %~% ولي خالة هكذا حكمها # فأين الفقيه الذي عنده %~% فنون الدراية أو علمها # يبين لنا نسبا خالصا %~% ويكشف للنفس ما همها # فلسنا مجوسا ولا مشركين %~% شريعة أحمد نأتمها # وهذه المسألة كتبت إلي فتأملتها تأمل غير ملجلج في الفكر، ولم ألبث أن ~~انكشف لي ما تحتها من اللغز، وهو أن الخالة التي الرجل خالها تصور على هذه ~~الصورة، وذاك أن رجلا تزوج امرأتين: اسم إحداهما عائشة، واسم الأخرى فاطمة، ~~فأولد عائشة بنتا، وأولد فاطمة ابنا، ثم زوج بنته من أبي امرأته فاطمة، ~~فجاءت ببنت، فتلك البنت هي خالة ابنه، وهو خالها؛ لأنه أخو أمها. # وأما العمة التي هو عمها فصورتها أن رجلا له ولد، ولولده أخ من أمه، فزوج ~~أخاه من أمه أم أبيه، فجاءت ببنت، فتلك البنت هي عمته؛ لأنها أخت أبيه، وهو ~~عمها؛ لأنه أخو أبيها. # وأما قوله: ولي خالة هكذا حكمها, فهو أن تكون أمها أخته، وأختها أمه، كما ~~قال: أبوها أخي وأخوها أبي, وصورتها أن رجلا له ولد ولولده أخت من أمه، ~~فزوجها من أبي أمه، فجاءت ببنت، فأختها أمه، ms456 وأمها أخته. # وأحسن من ذلك كله وألطف وأحلى قول بعضهم في الخلخال: # ومضروب بلا جرم %~% مليح اللون معشوق # له قد الهلال على %~% مليح القد ممشوق # وأكثر ما يرى أبدا %~% على الأمشاط في السوق PageV03P089 # وبلغني أن بعض الناس سمع هذه الأبيات، فقال: قد دخلت السوق فما رأيت على ~~الأمشاط شيئا، وظن أنها الأمشاط التي يرجل بها الشعر، وأن السوق سوق البيع ~~والشراء. # واعلم أنه قد يأتي من هذا النوع ما هو ضروب وألوان، فمنه الحسن الذي ~~أوردت شيئا منه كما تراه، ومنه المتوسط الذي هو دونه في الدرجة، فلا يوصف ~~بحسن ولا قبح، كقول بعضهم: # راحت ركائبهم وفي أكوارها %~% ألفان من عم الأثيل الواعد # ما إن رأيت ولا سمعت بأركب %~% حملت حدائق كالظلام الراكد1 # وهذا يصف قوما وفدوا على ملك من الملوك فأعطاهم نخلا، وكتب لهم بها ~~كتابا، والأثيل: الموضع الذي كتب لهم إليه، والعم: العظام الرءوس من ~~النخيل، والواعد: الأقناء2 من النخل، فلما حملوا الكتب في أكوارهم فكأنهم ~~حملوا النخل، وهذا من متوسط الألغاز. # وقد جاء من ذلك ما هو بشع بارد، فلا يستخرج إلا بمسائل الجبر والمقابلة، ~~أو بخطوط الرمل من القبض الداخل أو القبض الخارج والبياض والحمرة وغيرها، ~~ولئن كان معناه دقيقا يدل على فرط الذكاء فإني لا أعده من اللغة العربية، ~~فضلا عن أن يوصف بصفات الكلام المحمودة, ولا فرق بينه وبين لغة الفرس ~~والروم وغيرهما من اللغات في عدم الفهم. # وأما ما ورد من الألغاز نثرا فقد ألغز الحريري في مقاماته ألغازا ضمنها ~~ذكر PageV03P090 # الإبرة والمرود وذكر الدينار، وهي أشهر كما يقال من "قفا نبك"1 فلا حاجة ~~إلى إيرادها في كتابي هذا. # وقد ورد في الألغاز شيء في كلام العرب المنثور, غير أنه قليل بالنسبة إلى ~~ما ورد في أشعارها. # وقد تأملت القرآن الكريم فلم أجد فيه شيئا منها، ولا ينبغي أن يتضمن منها ~~شيئا؛ لأنه لا يستنبط بالحدس والحزر كما تستنبط الألغاز. # وأما ما ورد للعرب فيروى عن امرئ القيس وزوجته عدة من الألغاز، وذاك ms457 أنه ~~سألها قبل أن يتزوجها، فقال: ما اثنان وأربعة وثمانية? فقالت: أما الاثنان ~~فثديا المرأة، وأما الأربعة فأخلاف الناقة، وأما الثمانية فأطباء الكلبة، ~~ثم إنه تزوجها وأرسل إليها هدية على يد عبد له، وهي حلة من عصب2 اليمن ونحي ~~من عسل ونحي من سمن، فنزل العبد ببعض المياه ولبس الحلة فعلق طرفها بسمرة3 ~~فانشق، وفتح النحيين وأطعم أهل الماء، ثم قدم على المرأة وأهلها خلوف4, ~~فسأل عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها الهدية، فقالت له: أعلم مولاك أن ~~أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا، وأن أمي ذهبت تشق النفس لنفسين، وأن أخي ~~يرقب الشمس، وأخبره أن سماءكم انشقت، وأن وعاءيكم نضبا. # فعاد العبد إلى امرئ القيس وأخبره بما قالته له، فقال: أما أبوها فإنه ~~ذهب يحالف قوما على قومه، وأما أمها فإنها ذهبت تقبل امرأة5، وأما أخوها ~~فإنه في سرح يرعاه إلى أن تغرب الشمس، وأما قولها: إن سماءكم انشقت, فإن ~~PageV03P091 # الحلة انشقت، وأما قولها: إن وعاءيكم نضبا, فإن النحيين نقصا، ثم قال ~~للعبد: اصدقني، فقال له: إني نزلت بماء من مياه العرب، وفعلت كذا وكذا. # فهذا وأمثاله قد ورد عنهم إلا أنه يسير. # وكذلك يروى عن شن بن أفصى، وكان ألزم نفسه ألا يتزوج إلا امرأة تلائمه، ~~فصاحبه رجل في بعض أسفاره، فلما أخذ منهما السير قال له شن: أتحملني أم ~~أحملك? فقال له الرجل: يا جاهل، هل يحمل الراكب راكبا? فأمسك عنه، وسارا ~~حتى أتيا على زرع، فقال شن: أترى هذا الزرع قد أكل? فقال له: يا جاهل، أما ~~تراه في سنبله، فأمسك عنه. # ثم سارا, فاستقبلتهما جنازة، فقال شن: أترى صاحبها حيا? فقال له الرجل: ~~ما رأيت أجهل منك, أتراهم حملوا إلى القبر حيا? # ثم إنهما وصلا إلى قرية الرجل، فسار به إلى بيته، وكانت له بنت، فأخذ ~~يطرفها بحديث رفيقه، فقالت ما نطق إلا بالصواب، ولا استفهم إلا عما يستفهم ~~عن مثله، أما قوله: أتحملني أم أحملك, فإنه أراد أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع ~~الطريق بالحديث. ms458 # وأما قوله: أترى هذا الزرع قد أكل, فإنه أراد هل استلف ربه ثمنه أم لا؟ ~~وأما استفهامه عن صاحب الجنازة فإنه أراد هل خلف له عقبا يحيا بذكره أم لا؟ ~~فلما سمع كلام ابنته خرج إلى شن وحدثه بتأويلها, فخطبها فزوجه إياها. # وأدق من هذا كله وألطف ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب شيرز وهو أولهم ~~الذي استنقذه من أيدي الروم بالمكر والخديعة، ولذلك قصة طريفة وليس هذا ~~موضع ذكرها، وكان قبل ملكه في خدمة محمود بن صالح صاحب حلب، وكان إذ ذاك ~~يلقب بسديد الملك، فنبا به مكانه، وحدثت له حادثة أوجبت له أن هرب ومضى إلى ~~مدينة طرابلس1 في زمن بني عمار أصحاب PageV03P092 # البلد، فأرسل إليه ابن صالح واستعطفه ليعود إليه، فخافه ولم يعد، فأحضر ~~ابن صالح رجلا من أهل حلب صديقا لابن منقذ وبينه وبينه لحمة مودة أكيدة, ~~وأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب إليه كتابا عن نفسه يوثقه من جهة ابن صالح ~~ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب، وهو يعلم أن باطن الأمر في ذلك خلاف ظاهره، ~~وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب هلك، فأفكر وهو يكتب في إشارة عمياء لا ~~تفهم، ليضعها فيه يحذر بها ابن منقذ، فأداه فكره أن كتب في آخر الكتاب عند ~~إنهائه: "إن شاء الله تعالى" وشدد إن وكسرها، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح، ~~فوقف عليه وأرسله إلى ابن منقذ، فلما صار في يده وعلم ما فيه قال: هذا كتاب ~~صديقي وما يغشني، ولو أنه يعلم صفاء قلب ابن صالح لي لما كتب إلي ولا غرني، ~~ثم عزم على العود، وكان عنده ولده، فأخذ الكتاب وكرر نظره فيه: ثم قال له: ~~يا أبت مكانك، فإن صديقك قد حذرك وقال لا تعد، فقال: وكيف! قال: إنه قد كتب ~~"إن شاء الله تعالى" في آخر الكتاب، وشدد إن وكسرها، وضبطها ضبطا صحيحا لا ~~يصدر مثله عن سهو، ومعي ذلك أنه يقول: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} 1 وإن ~~شككت في ms459 ذلك فأرسل إلى حلب. # وهذه من أعجب ما بلغني من حدة الذهن وفطانة الخاطر، ولولا أنه صاحب ~~الحادثة المخوفة لما تفطن إلى مثل ذلك أبدا،؛ لأنه ضرب من علم الغيب، وإنما ~~الخوف دله على استنباط ما استنبطه. # ووجد لبعض الأدباء لغز في حمام، فمنه ما أجاد فيه كقوله: "وقد أظلتها ~~PageV03P093 # سماء ذات نجوم، لا استراق لها ولا رجوم، وهي مركبة في ذلك صحت استدارته، ~~وسكنت إدارته. # أعجب بها من أنجم %~% عند الصباح ظاهره # لكنها إذا بدا %~% نجم الظلام غاره # فهي على القياس جنة نعيم، مبنية على لظى جحيم، لا خلود فيها ولا مقام، ~~ولا تزاور بين أهلها ولا سلام، أنهارها متدفقة، ومياهها مترقرقة، والأكواب ~~بها موضوعة، والنمارق عنها منزوعة. # يطبع بها المولى أوامر عبده %~% ويصبح طوعا في يديه مقاتله # ويرفع عنه التاج عند دخوله %~% وتسلب من قبل الجلوس غلائله # التجمل بها معدوم، والخادم فيها مخدوم، ينكر بها التستر من البرد، ويكره ~~حرها إذا جاوز الحد. # هذا اللغز من فصيح الألغاز، ولا يقال إن صاحبه في العمى صانع العكاز، ~~وإذا تطرز غيره بلمعة من الوشى فهذا كله طراز. # ومما سمعته من الألغاز الحسان التي تجري في المحاورات ما يحكى عن عمر بن ~~هبيرة وشريك النميري، وذاك أن عمر بن هبيرة كان سائرا على برذون له وإلى ~~جانبه شريك النميري على بغلة، فتقدمه شريك في المسير فصاح به عمر: اغضض من ~~لجامها، فقال: أصلح الله الأمير إنها مكتوبة1, فتبسم عمر PageV03P094 # ثم قال: ويحك، لم أرد هذا، فقال له شريك: ولا أنا أردته. # وكان عمر أراد قول جرير: # فغض الطرف إنك من نمير %~% فلا كعبا بلغت ولا كلابا1 # فأجابه شريك بقول الآخر: # لا تأمنن فزاريا غزلت به %~% على قلوصك واكتبها بأسيار2 # وهذا من الألغاز اللطيفة، وتلطف كل من هذين الرجلين لمثله ألطف وأحسن. # ومما يجري هذا لمجرى أن رجلا من تميم قال لشريك النميري: ما في الجوارح ~~أحب إلي من البازي. فقال له شريك: إن كان يصيد القطا. # وكان التميمي أراد قول جرير: ms460 # أنا البازي المطل على نمير %~% أتيح من السماء لها انصبابا3 # وأراد شريك قول الطرماح. # تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا %~% ولو سلكت طرق المكارم ضلت PageV03P095 # واعلم أن خواطر الناس تتفاضل كتفاضل الأشخاص، ومن هنا قيل: سبحان خالق ~~أبي موسى وعمرو بن العاص1. PageV03P096 ### || النوع الثاني والعشرون: في المبادئ والافتتاحات # هذا النوع هو أحد الأركان الخمسة البلاغية المشار إليها في الفصل التاسع ~~من مقدمة الكتاب. # وحقيقة هذا النوع: أن يجعل مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالا على ~~المعنى المقصود من هذا الكلام إن كان فتحا ففتحا، وإن كان هناء فهناء، أو ~~كان عزاء فعزاء، وكذلك يجري الحكم في غير ذلك من المعاني. # وفائدته أن يعرف من مبدأ الكلام ما المراد به ولم هذا النوع؟ # والقاعدة التي يبني عليها أساسه أنه يجب على الشاعر إذا نظم قصيدا أن ~~ينظر، فإن كان مديحا صرفا لا يختص بحادثة من الحوادث فهو مخير بين أن ~~يفتتحها بغزل أو لا يفتتحها بغزل، بل يرتجل المديح ارتجالا من أولها كقول ~~القائل: PageV03P096 # إن حارت الألباب كيف تقول %~% في ذا المقام فعذرها مقبول # سامح بفضلك مادحيك فما لهم %~% أبدا إلى ما تستحق سبيل # إن كان لا يرضيك إلا محسن %~% فالمحسنون إذا لديك قليل # فإن هذا الشاعر ارتجل المديح من أول القصيدة فأتى به كما ترى حسنا لائقا. # وأما إذا كان القصيد في حادثة من الحوادث كفتح معقل1 أو هزيمة جيش أو غير ~~ذلك، فإنه لا ينبغي أن يبدأ فيها بغزل، وإن فعل ذلك دل على ضعف قريحة ~~الشاعر وقصوره عن الغاية، أو على جهله بوضع الكلام في مواضعه. # فإن قيل: إنك قلت: يجب على الشاعر كذا وكذا فلم ذلك? # قلت في الجواب: إن الغزل رقة محضة، والألفاظ التي تنظم في الحوادث المشار ~~إليها من فحل الكلام ومتين القول، وهي ضد الغزل، وأيضا فإن الأسماع تكون ~~متطلعة إلى ما يقال في تلك الحوادث والابتداء بالخوض في ذكرها لا الابتداء ~~بالغزل, إذ المهم واجب التقديم. # ومن أدب هذا النوع ألا يذكر ms461 الشاعر في افتتاح قصيدة بالمديح ما يتطير ~~منه، وهذا يرجع إلى أدب النفس، لا إلى أدب الدرس، فينبغي أن يحترز منه في ~~مواضعه، كوصف الديار بالدثور والمنازل بالعفاء، وغير ذلك من تشتت الآلاف ~~وذم الزمان, لا سيما إذا كان في التهاني، فإنه يكون أشد قبحا، وإنما يستعمل ~~ذلك في الخطوب النازلة والنوائب الحادثة، ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا ~~بشيء من ذلك تطير منه سامعه. PageV03P097 # وإنما خصت الابتداءات بالاختيار؛ لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام، ~~فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استماعه. # ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن الكريم، كالتحميدات ~~المفتتح بها في أوائل السور، وكذلك الابتداءات بالنداء كقوله تعالى في ~~مفتتح سورة النساء: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} ~~وكقوله تعالى في أول سورة الحج: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم} فإن هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه. # وكذلك الابتداءات بالحروف كقوله تعالى: "ألم وطس وحم" وغير ذلك، فإن هذا ~~أيضا يبعث على الاستماع إليه؛ لأنه يقرع السمع شيء غريب ليس له بمثله عادة، ~~فيكون ذلك سببا للتطلع نحوه والإصغاء إليه. # ومن قبيح الابتداءات قول ذي الرمة: # ما بال عينك منها الماء ينسكب1 # لأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لا خفاء بقبحه وكراهته. # ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي أولها: # خف القطين فراحوا منك أو بكروا2 # قال له عند ذلك: لا، بل منك، وتطير PageV03P098 # من قوله، فغيرها ذو الرمة، وقال: # خف القطين فراحوا اليوم أو بكروا # ومن شاء أن يذكر الديار والأطلال في شعره فليتأدب بأدب القطامي على جفاء ~~طبعه، وبعده عن فطانة الأدب فإنه قال: # إنا محيوك فاسلم أيها الطلل1 # فبدأ قبل ذكر الطلل بذكر التحية والدعاء له بالسلامة. # وقد قيل: إن امرأ القيس كان يجيد الابتداء كقوله: # ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي2 # وكقوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل3 # ومما يكره من الابتداءات قول أبي تمام: # تجرع أسى ms462 قد أقفر الجرع الفرد4 # وإنما ألقى أبا تمام في مثل هذا المكروه تتبعه للتجنيس بين تجرع والجرع، ~~وهذا دأب الرجل، فإنه كثيرا ما يقع في ذلك: # وكذلك استقبح قول البحتري: # فؤاد ملاه الحزن حتى تصدعا5 # فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع، وهو أجدر بأن يكون ~~ابتداء مرثية لا مديح، وما أعلم كيف يخفى على مثل البحتري وهو من مفلقي ~~الشعراء. PageV03P099 # وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه, وجميع أهله ~~وأصحابه، وأمرهم أن يخرجوا في زينتهم، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، ~~فاستأذن إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد، فأذن له، فأنشد شعرا حسنا ~~أجاد فيه، إلا أنه استفتحه بذكر الديار وعفائها فقال: # يا دار غيرك البلى ومحاك %~% يا ليت شعري ما الذي أبلاك # فتطير المعتصم بذلك، وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم كيف ذهب عليه مثل ~~ذلك مع معرفته وعلمه وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم وانصرفوا، فما عاد ~~منهم اثنان إلى ذلك المجلس وخرج المعتصم إلى سر من رأى، وخرب القصر1. # فإذا أراد الشاعر أن يذكر دارا في مديحه فليذكر كما ذكر أشجع السلمي حيث ~~قال: # قصر عليه تحية وسلام %~% خلعت عليه جمالها الأيام2 # وما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم، ~~فإنه لو ذكر هذا أو ما جرى مجراه لكان حسنا لائقا. PageV03P100 # وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء فقال: من أجاد الابتداء والمطلع، ألا ترى إلى ~~قصيدة أبي نواس التي أولها: # يا دار ما فعلت بك الأيام %~% لم تبق فيك بشاشة تستام1 # فإنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة، وهي مع ذلك مستكرهة الابتداء؛ لأنها في ~~مدح الخليفة الأمين، وافتتاح المديح بذكر الديار ودثورها مما يتطير منه، لا ~~سيما في مشافهة الخلفاء والملوك, ولهذا يختار في ذكر الأماكن والمنازل ما ~~رق لفظه وحسن النطق به، كالعذيب والغوير ورامة وبارق والعقيق، وأشباه ذلك2, ~~ويختار أيضا أسماء النساء في الغزل نحو: سعاد وأميم وفوز وما جرى هذا ~~المجرى. # وقد عيب ms463 على الأخطل في تغزله بقذور، وهو اسم امرأة، فإنه مستقبح في ~~الذكر، وقد عيب على غيره التغزل باسم تماضر، فإنه وإن لم يكن مستقبحا في ~~معناه فإنه ثقيل على اللسان، كما قال البحتري: # إن للبين منة لا تؤدى %~% ويدا في تماضر بيضاء3 # فتغزله بهذا الاسم مما يشوه رقة الغزل، ويثقل من خفته، وأمثال هذه ~~الأشياء يجب مراعاتها والتحرز منها. # وقد استثنى من ذلك ما كان اسم موضع تضمن وقعة من الوقائع، فإن ~~PageV03P101 # ذكره لا يكره، وإن كان في اسمه كراهة، كما ذكر أبو تمام في شعره مواضع ~~مكروهة الأسماء لضرورة ذكر الوقائع التي كانت بها، كذكر الحشال وعقوقس ~~وأمثالهما، وكذلك ذكر أبو الطيب المتنبي هنزيط وشميصاط وما جرى مجراهما، ~~وهذا لا عيب في ذكره, لمكان الضرورة التي تدعو إليه. # وهكذا يسامح الشاعر والكاتب أيضا في ذكر ما لا بد من ذكره وإن قبح، ومهما ~~أمكنه من التورية في هذا المقام فليسلكها، وما لا يمكنه فإنه معذور فيه. # واعلم أنه ليس من شرط الابتداء ألا يكون مما يتطير منه فقط، فإن من ~~الابتداءات ما يستقبح وإن لم يتطير منه، كقول أبي تمام: # قدك اتئب أربيت في الغلواء1 # وكقوله: # تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي # وكقول أبي الطيب المتنبي: # أقل فعالي بله أكثره مجد2 PageV03P102 # وكقوله: # كفي أراني ويك لومك ألوما1 # والعجب أن هذين الشاعرين المفلقين يبتدئان بمثل ذلك ولهما من الابتداءات ~~الحسنة ما أذكره. # أما أبو تمام فإنه افتتح قصيدته التي مدح بها المعتصم عند فتحه مدينة ~~عمورية فقال: # السيف أصدق أنباء من الكتب %~% في حده الحد بين الجد واللعب # بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... # متونهن جلاء الشك والريب # هذه الأبيات لها قصة، وذاك أنه لما حضر المعتصم مدينة عمورية زعم أهل ~~النجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت، وأفاضوا في هذا حتى شاع، وصار أحدوثة ~~بين الناس، فلما فتحت بنى أبو تمام مطلع قصيدته على هذا المعنى، وجعل السيف ~~أصدق من الكتب التي خبرت بامتناع البلد واعتصامها، ولذلك قال فيها: # والعلم ms464 في شهب الأرماح لامعة %~% بين الخميسين لا في السبعة الشهب # أين الرواية أم أين النجوم وما %~% صاغوه من زخرف فيها ومن كذب # تخرصا وأحاديثا ملفقة %~% ليست بنبع إذا عدت ولا غرب2 # وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب. PageV03P103 # وكذلك قوله في قصيدة يمدحه بها أيضا، ويذكر فيها خروج بابك الخرمي عليه ~~وظفره به، وهي من أمهات شعره قال: # الحق أبلج والسيوف عوار %~% فحذار من أسد العرين حذار1 # وكذلك قوله متغزلا: # عسى وطن يدنو بهم ولعلما %~% وأن تعتب الأيام فيهم فربما2 # وهذا من الأغزال الحلوة الرائقة، وهو من محاسن أبي تمام المعروفة. # وكذلك قوله في أول مرثية: # أصم بك الناعي وإن كان أسمعا %~% وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا3 # وأما أبو الطيب فإنه أكثر من الابتداءات الحسنة في شعره، كقوله في قصيدة ~~يمدح بها كافورا، وكان قد جرت بينه وبين ابن سيده نزغة، فبدأ قصيدته بذكر ~~الغرض المقصود فقال: # حسم الصلح ما اشتهته الأعادي %~% وأذاعته ألسن الحساد4 # وهذا من بديع الابتداء ونادره PageV03P104 # وكذلك ورد قوله في سيف الدولة، وكان ابن الشمشقيق حلف ليلقينه كفاحا، ~~فلما التقيا لم يطق ذلك، وولى هاربا فافتتح أبو الطيب قصيدته بفحوى الأمر ~~فقال: # عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم %~% ماذا يزيدك في إقدامك القسم # وفي اليمين على ما أنت واعده %~% ما دل أنك في الميعاد متهم1 # وكذلك قوله وقد فارق سيف الدولة وسار إلى مصر، فجمع بين ذكر فراقه إياه ~~ولقائه كافورا في أول بيت من القصيدة، فقال: # فراق ومن فارقت غير مذمم %~% وأم ومن يممت خير ميمم2 # ومن البديع النادر في هذا الباب قوله متغزلا في مطلع قصيدته القافية وهي: # أتراها لكثرة العشاق %~% تحسب الدمع خلقة في المآقي3؟ # وله مواضع أخر كثيرة لا حاجة إلى ذكرها. # ومن محاسن الابتداءات التي دلت على المعنى من أول بيت في القصيدة ما ~~قرأته في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد، فإنه ذكر غزوة غزاها الرشيد ~~هارون رحمه الله في بلاد الروم، وأن نقفور ملك الروم خضع له، وبذل الجزية، ms465 ~~فلما عاد عنه PageV03P105 # واستقر بمدينة الرقة وسقط الثلج نقض نقفور العهد، فلم يجسر أحد على إعلام ~~الرشيد، لمكان هيبته في صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال على ~~أن يقولوا أشعارا في إعلامه، فكلهم أشفق من لقائه بمثل ذلك، إلا شاعرا من ~~أهل جدة يكنى أبا محمد، وكان شاعرا مفلقا، فنظم قصيدة وأنشدها الرشيد ~~أولها: # نقض الذي أعطيته نقفور %~% فعليه دائرة البوار تدور # أبشر أمير المؤمنين فإنه %~% فتح أتاك به الإله كبير # نقفور إنك حين تغدر أن نأى %~% عنك الإمام لجاهل مغرور # أظننت حين غدرت أنك مفلت %~% هبلتك أمك ما ظننت غرور # فلما أنهى الأبيات قال الرشيد: أوقد فعل? ثم غزاه في بقية الثلج وفتح ~~مدينة هرقلة. # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ما رواه من شعر سديف في تحريض ~~الخليفة السفاح رحمه الله على بني أمية، فقال: قدم سديف من مكة إلى الحيرة ~~والسفاح بها، ووافق قدومه جلوس السفاح للناس، وكان بنو أمية يجلسون على ~~الكراسي تكرمة لهم، فلما دخل عليه سديف حسر لثامه، وأنشده أبياتا من الشعر، ~~فالتفت رجل من أولاد سليمان بن عبد الملك وقال لآخر إلى جانبه: قتلنا والله ~~العبد، فلما أنهى الأبيات أمر بهم السفاح فأخرجوا من بين يديه, وقتلوا عن ~~آخرهم، وكتب إلى عماله بالبلاد يأمرهم بقتل من وجدوه منهم. PageV03P106 # ومن الأبيات: # أصبح الدين ثابتا في الأساس %~% بالبهاليل من بني العباس # أنت مهدي هاشم وهداها %~% كم أناس رجوك بعد إياس # لا تقيلن عبد شمس عثارا %~% واقطعن كل رقلة وغراس # أنزلوها بحيث أنزلها الله %~% بدار الهوان والإتعاس # خوفهم أظهر التودد منهم %~% وبهم منكم كحز المواسي # أقصهم أيها الخليفة واحسم %~% عنك بالسيف شأفة الأرجاس # واذكرن مصرع الحسين وزيد %~% وقتيلا بجانب المهراس # ولقد ساءني وساء سوائي %~% قربهم من منابر وكراسي1 # وهذه الأبيات من فاخر الشعر ونادره افتتاحا وابتداء وتحريضا وتأليبا، ولو ~~وصفتها بما شاء الله وشاء الإسهاب والإطناب لما بلغت مقدار ما لها من ~~الحسن. # ومن لطيف الابتداءات ما ذكره مهيار وهو: # أما وهواها عذرة ms466 وتنصلا %~% لقد نقل الواشي إليها فامحلا # سعى جهده، لكن تجاوز حده %~% وكثر فارتابت، ولو شاء قللا2 PageV03P107 # فإنه أبرز الاعتذار في هيئة الغزل، وأخرجه في معرض النسيب، وكان قد وشي ~~به إلى الممدوح, فافتتح قصيدته بهذا المعنى فأحسن. # ومما جاء على نحو ذلك قول بعض المتأخرين من العراقيين: # وراءك أقوال الوشاة الفواجر %~% ودونك أحوال الغرام المخامر # ولولا ولوع منك بالصد ما سعوا ... # ولولا الهوى لم أنتدب للمعاذر # فسلك في هذا القول مسلك مهيار، إلا أنه زاد عليه زيادة حسنة، وهي ~~المعاتبة على الإصغاء إلى أقوال الوشاة والاستماع منهم، وذلك من أغرب ما ~~قيل في هذا المعنى. # ومن الحذاقة في هذا الباب أن تجعل التحميدات في أوائل الكتب السلطانية ~~مناسبة لمعاني تلك الكتب، وإنما خصصت الكتب السلطانية دون غيرها؛ لأن ~~التحاميد لا تصدر في غيرها، فإنها تكون قد تضمنت أمورا لائقة بالتحميد، ~~كفتح معقل1، أو هزيمة جيش، أو ما جرى هذا المجرى. # ووجدت أبا إسحاق الصابي على تقدمه في فن الكتابة قد أخل بهذا الركن الذي ~~هو من أوكد أركان الكتابة, فإذا أتى بتحميدة في كتاب من هذه الكتب لا تكون ~~مناسبة لمعنى ذلك الكتاب، وإنما تكون في واد والكتاب في واد، إلا ما قل من ~~كتبه. فما خالف فيه معناه أنه كتب كتابا يتضمن فتح بغداد وهزيمة الأتراك ~~عنها، وكان ذلك فتحا عظيما فابتدأ بالتحميد، فقال: "الحمد لله رب العالمين، ~~الملك الحق المبين، الوحيد الفريد، العلي المجيد، PageV03P108 # الذي لا يوصف إلا بسلب الصفات، ولا ينعت إلا برفع النعوت، الأزلي بلا ~~ابتداء الأبدي بلا انتهاء، القديم لا منذ أمد محدود، الدائم لا إلى أجل ~~معدود، الفاعل لا من مادة استمدها, ولا بآلة استعملها، الذي لا تدركه ~~الأعين بلحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا ~~تهرمه الدهور بكرورها، ولا تصارعه الأجسام بأقطارها، ولا تجانسه الصور ~~بأعراضها، ولا تجاريه أقدام النظر أو الأشكال، ولا تزاحمه مناقب القرناء ~~والأمثال، بل هو الصمد الذي لا كفء له، والفذ الذي لا توأم معه، والحي ms467 الذي ~~لا تخرمه المنون، والقيوم الذي لا تشغله الشئون، والقدير الذي لا تؤده ~~المعضلات، والخبير الذي لا تعييه المشكلات". # وهذه التحميدة لا تناسب الكتاب الذي افتتح بها، ولكنها تصلح أن توضع في ~~صدر مصنف من مصنفات أصول الدين، ككتاب الشامل للجويني، أو كتاب الاقتصار، ~~أو ما جرى مجراها، وأما أن توضع في صدر كتاب فتح فلا. # وهو وإن أساء في هذا الموضع فقد أحسن في مواضع أخرى، وذاك أنه كتب كتابا ~~عن الخليفة الطائع رحمه الله تعالى إلى الأطراف عند عوده إلى كرسي ملكه، ~~وزوال ما نزل به وبأبيه المطيع رحمه الله تعالى من فادحة الأتراك، فقال: ~~"الحمد لله ناظم الشمل بعد شتاته، وواصل الحبل بعد بتاته، وجابر الوهن إذا ~~انثلم1، وكاشف الخطب إذا أظلم، والقاضي للمسلمين بما يضم نشرهم، ويشد ~~أزرهم، ويصلح ذات بينهم، ويحفظ الألفة عليهم، وإن PageV03P109 # شابت ذلك في الأحيان الشوائب من الحدثان, فلن تتجاوز بهم الحد الذي يوقظ ~~غافلهم، وينبه ذاهلم، ثم إنهم عائدون إلى فضل ما أولاهم الله وعودهم، ووثق ~~لهم ووعدهم، من إيمان سربهم وإعذاب شربهم، وإعزاز جانبهم، وإذلال مجانبهم، ~~وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون". # وهذه تحميدة مناسبة لموضوع الكتاب، وإن كانت المعاني فيها مكررة كالذي ~~أنكرته عليه وعلى غيره من الكتاب، وقدمت القول فيه في باب السجع، فليؤخذ من ~~هناك. # ومن المبادئ التي قد أخلقت وصارت مزدراة أن يقال في أوائل التقليدات، إن ~~أحق الخدم بأن ترعى خدمة كذا وكذا، وإن أحق من قلد الأعمال من اجتمع فيه ~~كذا وكذا، فإن هذا ليس من المبادي المستحسنة، ومن استعمله أولا فقد ضعفت ~~فكرته عن اقتراح ما يحسن استعماله من المبادئ، والذي تبعه في ذلك إما مقلد ~~ليس عنده قدرة على أن يختار لنفسه، وإما جاهل لا يفرق بين الحسن والقبيح ~~والجيد والرديء. # وأهل زماننا هذا من الكتاب قد قصروا مبادئ تقاليدهم على هذه الفاتحة دون ~~غيرها، وإن أتوا بتحميدة من التحاميد كانت مباينة لمعنى التقليد الذي وضعت ~~في صدره. # وكذلك قد ms468 كان الكتاب يستعملون في التقليدات مبدأ واحدا لا يتجاوزونه إلى ~~غيره، وهو "هذا ما عهد فلان إلى فلان" والتحميد خير ما افتتح به التقليدات ~~وكتب الفتوح وما جرى مجراها، وقد أنكرت ذلك على مستعمله في مفتتح تقليد ~~أنشأته بولاية وال فقلت: "كانت التقليدات تفتتح بكلام ليس PageV03P110 # بذي شأن، ولا يوضع في ميزان، ولا يجتنى من أفنان، وغاية ما يقال: هذا ما ~~عهد فلان إلى فلان، وتلك فاتحة لم تكن جديدة فتخلق1 بتطاول الأيام، ولا ~~حسنة النظم فيضاهى بمثلها من ذوات النظام، وهذا التقليد مفتتح بحمد الله ~~الذي تكفل لحامده بالزيادة، وبدأ النعمة ثم قرنها من فضله بالإعادة، وهو ~~الذي بلغ بنا من مآرب الدنيا منتهى الإرادة، وسلم إلينا مقادها فذلل لنا ~~بها كل مقادة، ووسد الأمر منا إلى أهله فاستوطأت الرعايا منه على وسادة، ~~ونرجو أن يجمع لنا بين سعادة الأولى والأخرى حتى تتصل هذه السعادة بتلك ~~السعادة، ثم نصلي على نبيه محمد الذي ميزه الله على الأنبياء بشرف السيادة، ~~وجعل انشقاق القمر له من آيات النبوة وانشقاق الإيوان من آيات الولادة، ~~وعلى آله وأصحابه الذين شادوا الدين من بعده فأحسنوا في الإشادة، وبسطت ~~عليهم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلهم فلم يحولوا عن خلق الزهادة، أما ~~بعد كذا وكذا"، ثم أنهيت التقليد إلى آخره. # ومن الحذاقة في هذا الباب أن يجعل الدعاء في أول الكتاب من السلطانيات ~~والإخوانيات وغيرهما متضمنا من المعنى ما بني عليه ذلك الكتاب، وهذا شيء ~~انفردت بابتداعه، وتراه كثيرا فيما أنشأته من المكاتبات، فإني توخيته فيها ~~وقصدته. # فمن ذلك ما كتبته في الهناء بفتح، وهو: "هذا الكتاب مشافه بخدمة الهناء ~~للمجلس السامي الفلاني جدد الله له في كل يوم فتحا، وبدل عرش كل ذي سلطان ~~لديه صرحا، وجعل كل موقف من مواقف جوده, وبأسه يوم فطر ويوم أضحى، وكتب له ~~على لسان الإسلام ولسان الأيام ثناء خالدا ومدحا، PageV03P111 # وأسكنه بعد العمر الطويل دارا لا يظمأ فيها ولا يضحى"، ثم أخذت بعد ذلك ~~في إنشاء ms469 الكتاب المتضمن ما يقتضيه معاني ذلك الفتح. # ومن ذلك ما ذكرته في الهناء بمولود، وهو: "جدد الله مسرات المجلس السامي ~~الفلاني ووصل صبوح هنائه بغبوقه، وأمتعه بسليله المبشر بطروقه، وأبقاه حتى ~~يستضيء بنوره, ويرمي عن فوقه، وسر به أبكار المعاني حتى تخلق أعطافها ~~بخلوقه، وجعله كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه"، ثم أخذت في ~~إتمام الكتاب بالهناء بالمولود على حسب ما اقتضاه ذلك المعنى. # فتأمل ما أوردته ههنا من هذين المثالين، وانسج على منوالهما فيما تقصده ~~من المعاني التي تبني عليها كتبك، فإن ذلك من دقائق هذه الصناعة. # وأما فواتح الكتب التي أنشأتها فمنها ما اخترعته اختراعا ولم أسبق إليه، ~~وهي عدة كثيرة, وقد أوردت ههنا بعضها. # ومن ذلك مفتتح كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: "نشأت سحابة من سماء الديوان ~~العزيز النبوي جعل الله الخلود لدولته أوطانا، والحدود لها أركانا، ونصب ~~أيامها في أيام الدهر أعيانا، وصورها في وجهه عينا وفي عينه إنسانا، ومد ~~ظلها على الناس عدلا وإحسانا، وجمع الأمم على دين طاعتها وإن تفرقوا ~~أديانا، وآتاها من معجزات سلطانه ما لم يترك به لغيرها سلطانا، فارتاح ~~الخادم لالتقائها، وبسط يده لاستسقائها، وقال رحمة مرسلة لا تخشى رعودها، ~~ولا تخلف وعودها، ومن شأنها ترويض الصنائع التي تبقي آثارها، لا الخمائل ~~التي تذوي أزهارها، وقد يعبر عن الكتاب ونائله بالسحاب ووابله، فإن صدر عن ~~يد كيد الديوان العزيز فقد وقع التشبيه موقع الصواب، وصدق حينئذ قول ~~القائل: إن البحر عنصر السحاب، PageV03P112 # لكن فرق بين ما يجود بمائه، وما يجود بنعمائه، وبين ما يسم الأرض ~~الماحلة، وبين ما يسمي الأدار الخاملة، وما زالت كتب الديوان العزيز تضرب ~~لها الأمثال، وتصرف نحوها الآمال، ويرى الحسد فيها حسنا، وإن عد في غيرها ~~من سيئ الأعمال", وهذا فصل من أول الكتاب. # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان, وأرسلته ~~إليه من الموصل إلى أرض الشمال من بلاد الروم، وهو: "طلع كوكب من أفق ~~المجلس السامي لا خلت سيادته ms470 من عدو وحاسد، ولا شينت بتوأم يخرجها من حكم ~~الواحد، ولا عدمت صحبة الجدود المتيقظة في الزمن الراقد، ولا أوحشت الدنيا ~~من ذكره الخالد, الذي هو عمر خالد، ولا زال مرفوعا إلى المحل الذي يعلم به ~~أن الدهر للناس ناقد، والكواكب تختلف مطالعها في الشمال والجنوب، فمنها ما ~~يطلع دائما في أحدهما وهو في الآخر دائم الغروب، وكتاب المجلس كوكب لم ير ~~بهذه الأرض مطلعه، وإن علم من السماء أين موضعه، ولما ظهر الآن للخادم سبح ~~له حامدا، وخر له ساجدا، وقال قد عبدت الكواكب من قبلي فلا عجب أن أكون ~~لهذا الكوكب عابدا، وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس ~~هذا ابن كبشة الكتاب لا ابن أبي كبشة الشعري". وهذا مطلع غريب، والسياقة ~~التالية لمطلعه أغرب. # ومن أغرب ما فيها قولي: "وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال ~~الناس هذا ابن أبي كبشة الكتاب لا ابن أبي كبشة الشعري" والمراد بذلك أن ~~أبا كبشة كان رجلا في الجاهلية يعبد الشعري فخالف بذلك دين قومه، ولما بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالت قريش: هذا قد خالف ديننا، وسموه PageV03P113 # ابن أبي كبشة, أي: إنه قد خالفنا كما خالف أبو كبشة قومه في عبادة ~~الشعرى، فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابي هذا فجاء كما تراه مبتدعا ~~غريبا. # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: ~~"طلعت من الغرب شمس فقيل: قد آذنت أشراط الساعة بالاقتراب، ولم يعلم أن تلك ~~الأنوار إنما هي أنوار الكتاب، لم تألف الأبصار من قبله أن تطلع لشمس من ~~المغرب، وليس ذلك إلا كتاب المجلس لا سلبه الله مزية هذا الوصف الكريم، ~~وأتاه من الفضل ما يقال معه وفوق كل ذي علم عليم، وأحيا النفوس من كلمها ~~بروح كلمه كما شفى غليلها من أقلامه بسقيا الكليم، ولما ورد عن الخادم صار ~~ليله نهارا، وأصبح الناس في الحديث به أطوارا، والمنصف منهم يقول: قد جرت ~~الشمس إلى مستقرها, والشمس ms471 لا تجد قرارا". وهذا الكتاب في الحسن والغرابة ~~كالذي قبله. # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى الإخوان، وهو: "تأوب ~~زور من جانب المجلس السامي أدنى الله داره، وجعل كلماته التامة جاره، وأشهد ~~أفعال التقوى ليله وأفعال المكارم نهاره، ووهبه من أعمار العمر طواله, ومن ~~أعمار العيش قصاره، ولا أقدر السابقين إلى المعالي أن يجروا معه, ولا أن ~~يشقوا غباره، وليس ذلك الزور إلا سطورا في قرطاس, ولا فرق بين الكتاب وبين ~~مرسله في ملاطفة الإيناس، والله لا يصغر ممشى هذا الزائر، ويقر عيني برؤيته ~~حتى لا أزال به قرير الناظر، ومع هذا فإني عاتب لتأخره, وههنا مظنة العتاب، ~~ومن تأخر عنه كتاب صديقه فلا بد أن يخطر له خاطر الارتياب، والظنين بالمودة ~~لا يرى إلا ظنينا، وقد قيل إنها وديعة وقليلا ما نجد على الودائع أمينا". ~~وهذا فصل من أول الكتاب. PageV03P114 # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: ~~"سنحت روضة من جانب المجلس السامي جعل الله المعالي له رداء، ونهايات ~~المساعي له ابتداء، وفداه بمن يقصر عن درجته حتى تكون الأكارم له فداء، ~~وهدى المحامد لأفعاله وأهدى البقاء لأيامه, حتى يجتمع الأمران له هدى ~~وإهداء، وآتاه من السيادة ما يجعل أعداءه أصادق, ومن السعادة ما يجعل ~~أصدقاءه أعداء، فاستنشق الخادم رياها1، وتلقى بالتحية محياها، واستمتع ~~بأزهارها التي أنبتها سقيا الأقلام, لا سقي الغمام، وقال هذا ربيع الأرواح ~~لا ربيع الأجسام، ولو رام الإحاطة بوصفها لكانت الأقوال المطولة فيها ~~مختصرة، ولكنه اكتفى بأن رفعها على رأسه حتى يتمثل أن الجنة في شجرة، ومن ~~أوصافها أنها جاءت رائدة ومن شأن الروض أن يرتاد، وحلت محاسنها التي هي في ~~غيرها من حظ البصر, وفيها من حظ السمع والبصر والفؤاد، ولما سرح فيها نظره ~~وجد شوقه حمامة تغرد في أكنافها، وتردد الشجا لبعد أليفها إذا رددته ~~الحمائم لقرب ألافها، وهذا قول له عند إخوان الصفاء علامة، وإذا تمثل كتاب ~~الحبيب روضة فهل يتمثل شوق محبه إلا ms472 حمامة؟ وأي فرق بين هذه وبين أخواتها ~~من ذوات الأطواق? إلا أنها تملي شجوها على صفحات القلوب وتلك تمليه على ~~عذبات الأوراق". # وهذا فصل من الكتاب، وهو غريب عجيب, وفيه معنيان مبتدعان، وأعجبهما ~~وأغربهما قولي: "حتى يتمثل أن الجنة في شجرة" وهذا مستخرج من الحديث ~~النبوي. # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وهو: ~~"تضوعت نفحة من تلقاء المجلس السامي رعى الله عهده وسقاه، وصان وده ~~PageV03P115 # ووقاه، ويسر لي إلقاء العصا بملقاه، فعطرت الطريق التي سايرتها، والريح ~~التي جاورتها، فأفرشتها خدي، وضممت عليها ودي، وجعلتها ردنا1 لجيبي ولطيمة ~~لردني, وسخابا2 لعقدي، وعلمت أنها ليست بنفحة طيب، ولكنها كتاب حبيب، فإن ~~مناشق الأرواح غير مناشق الأجسام، ولا يستوي عرف الطيب وعرف الأقلام، ثم ~~مددت يدي إلى الكتاب بعد أن صافحت يد موصله، كما صافحت عبق مندله3، وقلت ~~أهلا بمن أدنى من الحبيب مزارا، وأهدى لعيني قرة ولقلبي قرارا". # وهذا في الغرابة كأخواته التي تقدمت, ولم أستقص ما اخترعته من هذا الباب ~~في مطالع الكتب. # وأما ما أتيت فيه بالحسن من المعاني ولكنه غير مخترع، فمن ذلك مطلع كتاب ~~كتبته عن الملك نور الدين أرسلان بن مسعود صاحب الموصل إلى الملك الأفضل ~~علي بن يوسف يتضمن تعزية وتهنئة, أما التعزية فبوفاة أخيه الملك العزيز ~~عثمان صاحب مصر، وأما التهنئة فبوراثة الملك من بعده، وهو: "لا يعلم القلم ~~أينطق بلسان التعزية أم بلسان التهنئة، لكنه جمعهما جميعا فأتى بهما على ~~حكم التثنية، وفي مثل هذا الخطب يظل القلم حائرا، وقد وقف موقف السخط ~~والرضا فسخط أولا ثم رضي آخرا، وهذا البيت الناصري يتداول درجات العلى فما ~~تمضي إلا وإليه ترجع، وشموسه وأقماره تتناقل مطالع السعود فما يغيب منها ~~غائب إلا وآخر يطلع، والناس إن فجعوا بماجد, ردفه من بعده ماجد، وإن قيل إن ~~الماضي كان واحدا PageV03P116 # قيل بل الآتي هو الواحد". وهذا فصل من أول الكتاب. # ثم كتبت في هذا المعنى كتابين آخرين، وفي الذي أوردته من هذا الفصل ms473 مقنع. # ومن هذا الأسلوب ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وكانت الكتب ~~قد انقطعت بيني وبينه زمانا، وهو: "لقاء كتب الأحباب كلقاء الأحباب، وقد ~~تأتي بعد يأس منها فيشتبه دمع السرور بدمع الاكتئاب، ومن أحسنها كتاب ~~المجلس السامي الفلاني جعل الله الليالي له صحبا, والمعاني له عقبا، ورفع ~~مجده فوق كل ماجد حتى تكون حسناتهم لدى حسناته ذنبا، ولا زال اسمه في ~~الأفواه عذبا وذكره في الألسنة رطبا، ووده لكل إنسان إنسانا ولكل قلب ~~قلبا". ثم انتهيت إلى آخر الكتاب على هذا النسق، وإنما ذكرت ههنا مبتدأه؛ ~~لأنه الغرض المقصود في هذه الموضع. # ومن ذلك ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وهو: "البشرى تعطى ~~للكتاب كما تعطى لمرسله، وكل منهما يوفى حق قدره وينزل في منزله، وكذلك فعل ~~الخادم بكتاب المجلس السامي الفلاني لا زال محله أنيسا، وذكره للفرقدين ~~جليسا، وسعيه على المكارم حبيسا، ومجده جديد الملابس إذا كان المجد لبيسا", ~~وههنا ذكرت في هذا الكتاب كما ذكرته من الذي قبله, فإني لم أذكر إلا مبدأه ~~الذي هو الغرض. # ومما ينتظم في هذا السلك ما كتبته في صدر كتاب يتضمن تعزية، وهو: "لو لم ~~يلبس قلمي ثوب الحداد لهجر مداده، ونضا عنه سواده، وبعد عن قرينته، وعاد ~~إلى طينته, وحرم على نفسه أن يمتطي يدا، أو يجري إلى مدى، لكنه أحد فندب ~~وبكى فسكب، وسطر هذا الكتاب من دموعه، وضمنه ما حملته أحناء ضلوعه، وإنما ~~استعار ذلك من صاحبه الذي أعداه، وأبدى إليه من عزمه PageV03P117 # ما أبداه، وهو نائب في تعزية سيدنا أحمد الله صبره، ويسر أمره، وأرضى عنه ~~دهره"، ثم أنهيت الكتاب إلى آخره. # ومن محاسن هذا الباب أن يفتتح الكتاب بآية من القرآن الكريم، أو بخبر من ~~الأخبار النبوية، أو ببيت من الشعر، ثم يبني الكتاب عليه, فمن ذلك ما كتبته ~~في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح، وهو: # ومن طلب الفتح الجليل فإنما %~% مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم1 # وقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم، وجعلنا ms474 السيف وسيلة إلى استنتاج الملك ~~العقيم، وراية المجد لا تنصب إلا على النصب، والراحة الكبرى لا تنال إلا ~~على جسر من التعب2، وكتابنا هذا وقد استولينا على مملكة فلانة، وهي المملكة ~~التي تمسي الآمال دونها صرعى، وإذا قيس إليها غيرها من الممالك كانت أصلا ~~وكان غيرها فرعا"، وهذا فصل من أول الكتاب. # ومن ذلك ما كتبته في مفتتح تقليد بالحسبة، وهو: {ولتكن منكم أمة يدعون ~~إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} 3. ~~PageV03P118 # هذا أمر يشتمل على معنى الخصوص دون العموم، ولا يختص به إلا ذوو الأوامر ~~المطاعة وذوو العلوم, وقد جمع الله لنا هذين الوصفين كليهما، وجعلنا من ~~المستخلفين عليهما، فلنبدأ أولا بحمده الذي هو سبب للمزيد، ثم لنأخذ في ~~القيام بأمره الذي هو على كل نفس رقيب عتيد، ولا ريب أن إصلاح العباد يسري ~~إلى الأرض حتى تزكو بطونها وتنام عيونها، ويشترك في بركات السماء ساكنها ~~ومسكونها، والأمر بذلك حمل إن لم تتوزعه الأكف ثقل على الرقاب، وإذا انتشرت ~~أطراف البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب، وقد اخترنا لمدينة ~~فلانة رجلا لم نأل في اختياره جهدا، وقدمنا فيه خيرة الله التي إذا صدقت ~~نيتها صادفت رشدا، وهو أنت أيها الشيخ فلان، فابسط يدك بقوة إلى أخذ هذا ~~الكتاب، وكن كحسنة من حسناتنا التي يرجح بها ميزان الثواب، وحقق نظرنا فيك ~~فإنه من الله الذي ليس دونه حجاب". # فتأمل كيف فعلت في هذه الآية التي بنيت التقليد عليها، وهو من محاسن ~~المبادئ والافتتاحات. # وكذلك فعلت في موضع آخر، وهو مفتتح كتاب كتبته إلى شخص كلفته السفارة إلى ~~مخدومه في حاجة عرضت، وهو: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا ~~النبي والذين آمنوا 1} . هذا القول تتبع آثاره، وتحمل عليه أنظاره، وأولى ~~الناس بسيدنا من شاركه في لحمة أدبه، وإن لم يشاركه في لحمة نسبه، فإن ~~المناقب أقارب, والمآثر أواصر: # وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي %~% إلا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب PageV03P119 # ونتيجة هذه المقدمة بعث ms475 خلقه الكريم على عوارف أفضاله، واستهداء صنيعة ~~جاهه التي هي أكرم من صنيعة ماله، ولا تجارة أربح من هذه التجارة، والساعي ~~فيها شريك في الكسب بريء من الخسارة". # وأما الأخبار النبوية فيسلك بها هذا المسلك: بأن يذكر الخبر في صدر ~~الكتاب، ثم يبني عليه, ولنذكر منها ولو مثالا واحدا، وهو توقيع كتبته لولد ~~رجل من أصحاب السلطان, وتوفي والده ونقل ما كان باسمه إليه، فقلت: "قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم, فمن مات وترك ~~مالا فلورثته, ومن ترك دينا أو كلا أو ضياعا فإلي وعلي" , وهذا خلق من ~~الأخلاق النبوية لا مزيد على حسنه، وأساليب المكارم بأسرها موضوعة في ضمنه، ~~ونحن نرجو أن نمشي على أثره, فنتنزل منزلة رديفه، أو نتشبه به فنبلغ مبلغ ~~مده أو نصيفه، وقد أرانا الله ذلك في قوم صحبونا فأسعفناهم بمباغي الإنعام، ~~وأحمدناهم صحبة الليالي والأيام، وتكلفنا أيتامهم من بعدهم حتى ودوا أن ~~يكونوا هم الأيتام، وهذا فلان ابن فلان رحمه الله ممن كان له في خدمة ~~الدولة قدم صدق، وأولية سبق، وحفظ كتاب المحافظة عليها, فقيل له في تلاوته ~~اقرأ وارق". # ثم أنهيت التوقيع إلى آخره، فتأمل مفتتح هذا التوقيع, فإنه تضمن نص الخبر ~~من غير تغيير، وقد ضمنته بعض خبر آخر من الأخبار النبوية، وهو قوله: اقرأ ~~وارق, قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل ~~كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها". وقد مثلت لك ههنا ~~أمثالا يقتدى بها، فاحذ حذوها، وامض على نهجها, والله الموفق للصواب. PageV03P120 ### || النوع الثالث والعشرون: في التخلص والاقتضاب # وهذا النوع أيضا كالذي قبله في أنه أحد الأركان الخمسة التي تقدمت ~~الإشارة إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب, وينبغي لك أيها المتوشح ~~لهذه الفضيلة أن تصرف إليه جل همتك، فإنه مهم عظيم من مهمات البلاغة. ### ||| التخلص: # أما التخلص فهو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني, فبينا هو فيه إذ ~~أخذ في معنى ms476 آخر غيره, وجعل الأول سببا إليه, فيكون بعضه آخذا برقاب بعض، ~~من غير أن يقطع كلامه، ويستأنف كلاما آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ ~~إفراغا، وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوة تصرفه، من أجل أن نطاق الكلام ~~يضيق عليه، ويكون متبعا للوزن والقافية فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته، ~~وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء، فلذلك يشق التخلص على الشاعر ~~أكثر مما يشق على الناثر. # وأما الاقتضاب فإنه ضد التخلص، وذاك أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ~~ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك، ولا يكون للثاني علاقة ~~بالأول, وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين. PageV03P121 # وأما المحدثون فإنهم تصرفوا في التخلص فأبدعوا وأظهروا منه كل غريبة. # فمن ذلك قول أبي تمام: # يقول في قومس صحبي وقد أخذت %~% منا السرى وخطا المهرية القود # أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا %~% فقلت كلا ولكن مطلع الجود1 # وهذان البيتان من بديع ما يأتي في هذا الباب ونادره. # وكذلك قوله أيضا في وصف أيام الربيع ثم خرج من ذكره الربيع وما وصفه به ~~من الأوصاف فقال: # خلق أطل من الربيع كأنه %~% خلق الإمام وهديه المتيسر # في الأرض من عدل الإمام وجوده %~% ومن النبات الغض سرج تزهر # تنسي الرياض وما يروض جوده %~% أبدا على مر الليالي يذكر2 # وهذا من ألطف التخلصات وأحسنها. PageV03P122 # وكذلك قوله في قصيدته الفائية التي أولها "أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا" # فقال فيها1: # غيداء جاد ولي الحسن سنتها %~% فصاغها بيديه جنة أنفا # يضحي العذول على تأنيبه كلفا %~% بعذر من كان مشغوفا بها كلفا # ودع فؤادك توديع الفراق فما %~% أراه من سفر التوديع منصرفا # يجاهد الشوق طورا ثم يجذبه %~% جهاده للقوافي في أبي دلفا # وهذا أحسن من الذي قبله، وأدخل في باب الصنعة. # وكذلك جاء قوله: # زعمت هواك عفا الغداة كما عفت %~% منها طلول باللوى ورسوم # لا والذي هو عالم أن النوى %~% صبر وأن أبا الحسين كريم # ما زلت عن سنن الوداد ولا ms477 غدت %~% نفسي على إلف سواك تحوم2 # وهذا خروج من غزل إلى مديح أغزل منه. PageV03P123 # ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة قصيدته المشهورة التي ~~أولها: # أجارة بيتينا أبوك غيور # فقال عند الخروج إلى ذكر الممدوح: # تقول التي من بيتها خف مركبي %~% عزيز علينا أن نراك تسير # أما دون مصر للغنى متطلب %~% بلى إن أسباب الغنى لكثير # فقلت لها واستعجلتها بوادر %~% جرت فجرى في جريهن عبير # ذريني أكثر حاسديك برحلة %~% إلى بلد فيها الخصيب أمير1 # ومما جاء من التخلصات الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الدالية ~~التي أولها: # عواذل ذات الخال في حواسد # وأورد نفسي والمهند في يدي %~% موارد لا يصدرن من لا يجالد # ولكن إذا لم يحمل القلب كفه %~% على حالة لم يحمل الكف ساعد # خليلي إني لا أرى غير شاعر %~% فلم منهم الدعوى ومني القصائد # فلا تعجبا إن السيوف كثيرة %~% ولكن سيف الدولة اليوم واحد2 PageV03P124 # وهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض. # ألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات كأنه أفرغ في قالب ~~واحد، ثم إن أبا الطيب جمع بين مدح نفسه ومدح سيف الدولة ببيت واحد، هو من ~~بدائعه المشهورة. # وكذلك قوله أيضا، وهو من أحسن ما أتى به من التخلصات، وهو في قصيدته ~~التائية التي أولها: # سرب محاسنه حرمت ذواتها # فقال في أثنائها: # ومطالب فيها الهلاك أتيتها %~% ثبت الجنان كأنني لم آتها # ومقانب بمقانب غادرتها %~% أقوات وحش كن من أقواتها # أقبلتها غرر الجياد كأنما %~% أيدي بني عمران في جبهاتها # الثابتين فروسة كجلودها %~% في ظهرها والطعن في لباتها # فكأنها نتجت قياما تحتهم %~% وكأنهم ولدوا على صهواتها # تلك النفوس الغالبات على العلا %~% والمجد يغلبها على شهواتها # سقيت منابتها التي سقت الورى %~% بيدي أبي أيوب خير نباتها1 PageV03P125 # فانظر إلى هذين التخلصين البديعين، فالأول خرج به إلى مدح قوم الممدوح، ~~والثاني خرج به إلى نفس الممدوح، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب. # وعلى هذا جاء قوله: # إذا صلت لم أترك مصالا لصائل %~% وإن قلت ms478 لم أترك مقالا لعالم # وإلا فخانتني القوافي وعاقني %~% عن ابن عبيد الله ضعف العزائم1 # والشعراء متفاوتون في هذا الباب، وقد يقصر عنه الشاعر المفلق المشهور ~~بالإجادة في إيراد الألفاظ واختيار المعاني، كالبحتري، فإن مكانه من الشعر ~~لا يجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريبا ضوؤها بعيدا ~~مكانها، وكالقناة لينا مسها خشنا سنانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في ~~الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب، ومع هذا فإنه لم يوفق في التخلص من الغزل ~~إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا. # ولقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئا مرضيا إلا اليسير، كقوله # في قافية الباء من قصيدة: # وكفاني إذا الحوادث أظلم %~% ن شهابا بغرة ابن شهاب2 # وكقوله في قافية الدال من قصيدة: # قصدت لنجران العراق ركابنا %~% يطلبن أرحبها محلة ماجد PageV03P126 # آليت لا تلقين جدا صاعدا %~% في مطلب حتى تنخن بصاعد1 # وكقوله في قصيدته التي أولها: # حلفت لها بالله يوم التفرق # فإنه تشوق فيها إلى العراق من الشام، ووصف العراق ومنازله ورياضه، فأحسن ~~في ذلك كله، ثم خرج إلى مدح الفتح بن خاقان بسياقة آخذة بعضها برقاب بعض ~~فقال: # رباع من الفتح بن خاقان لم تزل %~% غنى لقديم أو فكاكا لموثق2 # ثم أخذ في مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني, وكذلك ورد قوله في قصيدته التي ~~أولها: # ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها # فإنه وصف البركة فأبدع في أوصافها، ثم خرج منها إلى مدح الخليفة المتوكل، ~~فقال: # كأنها حين لجت في تدفقها %~% يد الخليفة لما سال واديها3 # وأحسن ما وجدته له، وهو مما تلطف فيه كل التلطف قوله في قصيدته التي يمدح ~~بها ابن بسطام ومطلعها: # نصيب عينك من سح وتسجام # فقال عند تخلصه إلى المديح: # هل الشباب ملم بي فراجعة %~% أيامه لي في أعقاب أيام؟ # لو أنه بابل عمر يجاذبه %~% إذا تطلبته عند ابن بسطام4 PageV03P127 # وهذا من الملائح في هذا الباب. # وله مواضع أخرى يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره. # وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي1: إن كتاب الله خال ms479 من ~~التخلص. وهذا القول فاسد؛ لأن حقيقة التخلص إنما هي الخروج من كلام إلى ~~كلام آخر غيره بلطيفة تلائم الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه، ~~وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة كالخروج من الوعظ والتذكير بالإنذار ~~والبشارة بالجنة إلى أمر ونهي ووعد ووعيد، ومن محكم إلى متشابه، ومن صفة ~~لنبي مرسل وملك منزل إلى ذم شيطان مريد وجبار عنيد، بلطائف دقيقة، ومعان ~~آخذ بعضها برقاب بعض. # فما جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ ~~إبراهيم، إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها ~~عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون، قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ~~ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر ~~لي خطيئتي يوم الدين، رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق ~~في الآخرين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لأبي إنه كان من الضالين، ~~ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب ~~سليم، وأزلفت الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين، وقيل لهم أين ما كنتم ~~تعبدون PageV03P128 # من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون، فكبكبوا فيها هم والغاوون، وجنود ~~إبليس أجمعون، قالوا وهم فيها يختصمون، تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ ~~نسويكم برب العالمين، وما أضلنا إلا المجرمون، فما لنا من شافعين، ولا صديق ~~حميم، فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} 1. # هذا كلام يسكر العقول، ويسحر الألباب، وفيه كفاية لطالب البلاغة، فإنه ~~متى أنعم فيه نظره وتدبر أثناءه ومطاوي حكمته علم أن في ذلك غنى عن تصفح ~~الكتب المؤلفة في هذا الفن، ألا ترى ما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام ~~كلامه مع المشركين حين سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا سؤال مستفهم، ثم ~~أنحى على آلهتهم، فأبطل ms480 أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع, ولا تبصر ولا تسمع، ~~وعلى تقليد آبائهم الأقدمين فكسره, وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون ~~حجة، ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكر الإله الذي لا تجب العبادة إلا له، ولا ~~ينبغي الرجوع والإنابة إلا إليه، فصور المسألة في نفسه دونهم، بقوله: ~~"فإنهم عدو لي" على معنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو ~~وهو الشيطان، فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله في يده، وأواهم بذلك ~~أنها نصيحة ينصح بها نفسه، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح ~~به نفسه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه، ~~ولو قال فإنهم عدو لكم لم يكن بتلك المثابة، فتخلص عند تصويره المسألة في ~~نفسه إلى ذكر الله تعالى، فأجرى عليه تلك الصفات العظام من تفخيم ~~PageV03P129 # شأنه, وتعديد نعمه, من لدن خلقه وأنشأه إلى حين وفاته, مع ما يرجى في ~~الآخرة من رحمته، ليعلم من ذلك أن من هذه صفاته حقيق بالعبادة، واجب على ~~الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته. # ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه، فدعا الله بدعوات المخلصين، وابتهل ~~إليه ابتهال الأوابين؛ لأن الطالب من مولاه إذا قدم قبل سؤاله وتضرعه ~~الاعتراف بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطلبة. # ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث, ويوم القيامة، ومجازاة الله تعالى من ~~آمن به واتقاه بالجنة ومن ضل عن عباده بالنار، فجمع بين الترغيب في طاعته ~~والترهيب من معصيته. # ثم سأل المشركين عما كانوا يعبدون سؤالا ثانيا عند معاينة الجزاء، وهو ~~سؤال موبخ لهم مستهزئ بهم، وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة ~~على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني العودة ليؤمنوا. # فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض، مع ~~احتوائه على ضروب من المعاني, فيخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ~~ملائمة، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد، فخرج عن ذكر الأصنام وتنفير أبيه ~~وقومه ms481 من عبادتهم إياها, مع ما هي فيه من التعري عن صفات الإلهية, حيث لا ~~تضر ولا تنفع, ولا تبصر ولا تسمع إلى ذكر الله تعالى فوصفه بصفات الإلهية, ~~فعظم شأنه وعدد نعمه، ليعلم بذلك أن العبادة لا تصح إلا له، ثم خرج من هذا ~~إلى دعائه إياه وخضوعه له، ثم خرج منه إلى ذكر يوم PageV03P130 # القيامة وثواب الله وعقابه، فتدبر هذه التخلصات اللطيفة المودعة في أثناء ~~هذا الكلام. # وفي القرآن مواضع كثيرة من التخلصات، كالذي ورد في سورة الأعراف، فإنه ~~ذكر فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية من آدم إلى نوح عليهما السلام، وكذلك ~~إلى قصة موسى عليه السلام، حتى انتهى إلى آخرها الذي هو: # {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، ~~واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به ~~من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} 1. # هذا تخلص من التخلصات الحسان، فإن الله تعالى ذكر الأنبياء والقرون ~~PageV03P131 # الماضية إلى عهد موسى عليه السلام، فلما أراد ذكر نبينا صلوات الله عليه ~~وسلامه ذكره بتخلص انتظم به بعض الكلام ببعض. # ألا ترى أنه قال: قال موسى عليه السلام: {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة} فأجيب بقوله تعالى: {قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل ~~شيء فسأكتبها للذين} من حالهم كذا وكذا، ومن صفتهم كيت وكيت، وهم الذين ~~{يتبعون الرسول النبي الأمي} ثم وصفه صلوات الله عليه ms482 بصفاته إلى آخر ~~الكلام. # ويالله العجب كيف يزعم الغانمي أن القرآن خال من التخلص? ألم يكفه سورة ~~يوسف عليه السلام, فإنها قصة برأسها، وهي مضمنة شرح حاله مع إخوته من أول ~~أمره إلى آخره، وفيها عدة تخلصات في الخروج من معنى إلى معنى، وكذلك إلى ~~آخرها. # ولو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت، ومن أنعم نظره ~~فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة1. # وقد جاءني من التخلصات في الكلام المنثور أشياء كثيرة، وسأذكر ههنا نبذة ~~يسيرة منها. فمن ذلك ما أوردته في كتاب إلى بعض الإخوان أصف فيه الربيع، ثم ~~خرجت من ذلك إلى ذكر الأشواق، فقلت: "وكما أن هذه PageV03P132 # الأوصاف في شأنها بديعة، فكذلك شوقي في شأنه بديع، غير أنه لحره فصل صيف ~~وهذا فصل ربيع، فأنا أملي أحاديثه العجيبة على النوى، وقد عرفت حديث من ~~قتله الشوق فلا أستغض حديث من قتله الهوى". # ومن هذا الأسلوب ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أيضا، وأرسلته إليه من ~~بلاد الروم، وهو كتاب يشتمل على وصف البرد وما لاقيته منه، ثم خرجت من ذلك ~~إلى ذكر الشوق، فقلت: "ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس إلا في شهر ~~ناجر، وهو قائم مقام الظل الذي يتبرد به من لفح الهواجر، ولفرط شدته لم أجد ~~ما يحققه فضلا عما يذهبه، فإن النار المعدة له تطلب من الدفء أيضا ما ~~أطلبه، لكن وجدت نار أشواقي أشد حرا, فاصطليت بجمرها التي لا تذكى بزناد, ~~ولا تئول إلى رماد، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشد من حر الفؤاد، ~~غير أني كنت في ذلك كمن سد خلة بخلة، واستشفى من علة بعلة، وأقتل ما أعلك ~~ما شفاك, فما ظنك بمن يصطلي نار الأشواق، وقد قنع من أخيه بالأوراق فضن ~~عليه بالأوراق". # ومما ينتظم في هذا العقد ما ذكرته في مفتتح كتاب يتضمن عناية ببعض ~~المتظلمين، فاستطردت فيه إلى ذكر المكتوب إليه، وهو: "هدايا المكارم أنفس ~~من هدايا الأموال، وأبقى على ms483 تعاقب الأيام والليال، وقد حمل هذا الكتاب ~~منها هدية تورث حمدا وتكسب مجدا، وهي خير ثوابا وخير مردا، ولا يسير بها ~~إلا سجية طبعت على الكرم، وخلقت من عنصر الديم، كسجية مولانا أعلاه الله ~~علوا تفخر به الأرض على السماء، وتحسده شمس النهار ونجوم الظلماء، ولا زالت ~~أياديه مخجلة صوب الغمام، معدية على نوب الأيام، مغنية بشرف فضلها على شرف ~~الأخوال والأعمام، وتلك الهدية هي تجديد الشفاعة في أمر PageV03P133 # فلان ومن إيمان المرء سعيه في حاجة أخيه، وإن لم يمسه بشيء من أسباب ~~أواخيه، فإن المؤمنين إخوة وإن تباينت مناسبهم، وتفاوتت مراتبهم، ومن صفتهم ~~أن يسعى بذمتهم أدناهم، وخيرهم من عناه من الأمر ما عناهم"، ثم مضيت على ~~هذا النهج إلى آخر الكتاب. # ومن ذلك ما كتبته من كتاب إلى صديق استحدثت مودته، وهو من أهل العراق، ~~وكنت اجتمعت به بالموصل, ثم سار عني فكتبت إليه أستهد به رطبا، فقلت: "هذه ~~المكاتبة ناطقة بلسان الشوق الذي تزف كلمه زفيف الأوراق، وتسجع سجع ذوات ~~الأطواق، وتهتف وهي مقيمة بالموصل فتسمع من هو مقيم بالعراق، وأبرح الشوق ~~ما كان عن فراق غير بعيد، وود استجدت حلته, واللذة مقترنة بكل شيء جديد، ~~وأرجو ألا يبلى قدم الأيام لهذه الجدة لباسا، وأن يعاذ في نظرة الجن والإنس ~~حتى لا يخشى جنة ولا بأسا، وقد قيل: إن للمودات طعما, كما أن لها وسما، وإن ~~ذا اللب يصادق نفسا قبل أن يصادق جسما، وإني لأجد لمودة سيدنا حلاوة يستلذ ~~دوامها، وقد أذكرتني الآن بحلاوة الرطب الذي هو من أرضها، وغير عجيب ~~لمناسبة الأشياء أن يذكر بعضها ببعضها، إلا أن هذه الحلاوة تنال بالأفواه, ~~وتلك تنال بالأسرار، وفرق بين ما يغترس بالأرض وما يغترس بالقلب في شرف ~~الثمار، فلا ينظر سيدنا علي في هذا التمثيل، ولربما كان ذلك تعريضا ينوب ~~مناب التطفيل". # وهذا من التخلصات البديعة، فانظر أيها المتأمل كيف سقت الكلام إلى ~~استهداء الرطب, وجعلت بعضه آخذا برقاب بعض، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد? ~~وكذلك ms484 فليكن التخلص من معنى إلى معنى. # وهذا القدر من الأمثلة كاف للتعلم. PageV03P134 # ومما أستظرف من هذا النوع في الشعر قول "ابن الزمكرم"1 الموصلي وهو: # وليل كوجه البرقعيدي مظلم %~% وبرد أغانيه وطول قرونه # سريت ونومي فيه نوم مشرد %~% كعقل سليمان بن فهد ودينه # على أولق فيه التفات كأنه %~% أبو جابر في خبطه وجنونه2 # إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه %~% سنا وجه قرواش وضوء جبينه3 # وهذه الأبيات لها حكاية، وذاك أن هذا الممدوح، وهو شرف الدولة قرواش ملك ~~العرب، وكان صاحب الموصل، فاتفق أنه كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي ~~الشتاء، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنيا، ~~PageV03P135 # وسليمان بن فهد وزيرا، وأبو جابر حاجبا، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر ~~أن يهجوه المذكورين ويمدحه، فأنشد هذه الأبيات ارتجالا، وهي غريبة في ~~بابها: لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في ~~معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول يهجو البرقعيدي، فجاءه ~~في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها، وهي الظلمة والبرد والطول، ثم ~~إن هذه الأوصاف الثلاثة جاءت ملائمة لما شبهت به مطابقة له، وكذلك البيت ~~الثاني والثالث، ثم خرج إلى المديح بألطف وجه، وأدق صنعة, وهذا يسمى ~~الاستطراد، وما سمعت في هذا الباب بأحسن من هذه الأبيات. # ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن الحجاج البغدادي، وهي أبيات لطيفة ~~جدا: # ألا يا ماء دجلة لست أدري %~% بأني حاسد لك طول عمري # ولو أني استطعت سكرت سكرا %~% عليك فلم تكن يا ماء تجري # فقال الماء ما هذا عجيب %~% بم استوجبته يا ليت شعري # فقلت له لأنك كل يوم %~% تمر على أبي الفضل بن بشر # تراه ولا أراه وذاك شيء %~% يضيق عن احتمالك فيه صبري1 # وما علمت معنى في هذا المقصد ألطف ولا أرق ولا أعذب ولا أحلى من هذا ~~اللفظ، ويكفي ابن الحجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات. ~~PageV03P136 # ولا تظن أن هذا شيء انفرد به المحدثون لما عندهم ms485 من الرقة واللطافة، وفات ~~من تقدمهم لما عندهم من قشف العيش وغلظ الطبع، بل قد تقدم أولئك إلى هذا ~~الأسلوب، وإن أقلوا منه وأكثر منه المحدثون، وأي حسن من محاسن البلاغة ~~والفصاحة لم يسبقوا إليه? وكيف لا وهم أهله ومنهم علم وعنهم أخذ? # فمن ذلك ما جاء للفرزدق وهو: # وركب كأن الريح تطلب عندهم %~% لها ترة من جذبها بالعصائب # سروا يخبطون الليل وهي تلفهم %~% على شعب الأكوار من كل جانب # إذا ما رأوا نارا يقولون ليتها %~% وقد خصرت أيديهم نار غالب1 # فانظر إلى هذا الاستطراد ما أفحله وأفخمه. # واعلم أنه قد يقصد الشاعر التخلص فيأتي به قبيحا، كما فعل أبو الطيب ~~المتنبي في قصيدته التي أولها: # ملث القطر أعطشها ربوعا # فقال عند الخروج من الغزل إلى المديح: # غدا بك كل خلو مستهاما %~% وأصبح كل مستور خليعا # أحبك أو يقولوا جر نمل %~% ثبيرا وابن إبراهيم ريعا2 PageV03P137 # هذا تخلص كما تراه بارد، ليس عليه من مسحة الجمال شيء، وههنا يكون ~~الاقتضاب أحسن من التخلص. # فينبغي لسالك هذه الطرق أن ينظر إلى ما يصوغه، فإن واتاه التخلص حسنا كما ~~ينبغي وإلا فليدعه، ولا يستكرهه حتى يكون مثل هذا، كما فعل أبو الطيب ولهذا ~~نظائر وأشباه، وقد استعمل ذلك في موضع آخر في قصيدته التي أولها: # أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا # فقال: # عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي %~% إلى التي تركتني في الهوى مثلا1 # والإضراب عن مثل هذا التخلص خير من ذكره، وما ألقاه في هذه الهوه إلا أبو ~~نواس فإنه قال: # سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد %~% هواك لعل الفضل يجمع بيننا2 # على أن أبا نواس أخذ ذلك من قيس بن ذريح، لكنه أفسده ولم يأت به كما أتى ~~به قيس، ولذلك حكاية، وهو أنه لما هام بلبنى في كل واد وجن بها رق له الناس ~~ورحموه، فسعى له ابن أبي عتيق إلى أن طلقها من زوجها، وأعادها إلى قيس ~~فزوجها إياه فقال عند ذلك: # جزى الرحمن أفضل ما يجازي %~% على ms486 الإحسان خيرا من صديق # فقد جربت إخواني جميعا %~% فما ألفيت كابن أبي عتيق # سعى في جمع شملي بعد صدع %~% ورأي حدت فيه عن طريقي # وأطفا لوعة كانت بقلبي %~% أغصتني حرارتها بريقي3 PageV03P138 # وبين هذا الكلام وبين كلام أبي نواس بون بعيد، وقد حكي عن ابن أبي عتيق ~~أنه قال: يا حبيبي أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلا ظنني قوادا. PageV03P139 ### ||| الاقتضاب # وأما الاقتضاب فهو الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع، وهو قطع الكلام ~~واستئناف كلام آخر غيره، بلا علاقة تكون بينه وبينه. # فمن ذلك ما يقرب من التخلص، وهو فصل الخطاب، والذي أجمع عليه المحققون من ~~علماء البيان أنه أما بعد؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن بذكر ~~الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر ~~الله تعالى بقوله: أما بعد. # ومن الفصل الذي هو أحسن من الوصل لفظه هذا, وهي علاقة وكيدة بين الخروج ~~من كلام إلى كلام آخر غيره، كقوله تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار، وإنهم عندنا ~~لمن المصطفين الأخيار، واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار، هذا ~~ذكر وإن للمتقين لحسن مآب، جنات عدن مفتحة لهم الأبواب} 1. ألا ترى إلى ما ~~ذكر قبل "هذا"؟ ذكر من ذكر من الأنبياء عليهم السلام، وأراد أن يذكر على ~~عقبه بابا آخر غيره، وهو ذكر الجنة وأهلها، فقال: {هذا ذكر} ثم قال: {وإن ~~للمتقين لحسن مآب} ثم لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد PageV03P139 # أن يعقبه بذكر أهل النار قال: {هذا وإن للطاغين لشر مآب} وذلك من فصل ~~الخطاب الذي هو ألطف موقعا من التخلص. # وقد وردت لفظة "هذا" في الشعر, إلا أن ورودها فيه قليل بالنسبة إلى ~~الكلام المنثور، فمن ذلك قول الشاعر المعروف بالخباز البلدي1 في قصيدة ~~أولها: # العيش غض والزمان غرير # إني ليعجبني الزنا في سحرة %~% يروق لي بالجاشرية زير2 # وأكاد من فرح السرور إذا بدا %~% ضوء الصباح من ms487 الستور أطير # وإذا رأيت الجو في فضية %~% للغيم في جنباتها تكسير # منقوشة صدر البزاة كأنه %~% فيروزج قد زانه بلور # نادت بي اللذات ويحك فانتهز %~% فرص المنى يا أيها المغرور # مل بي إلى جور السقاة فإنني %~% أهوى سقاة الكأس حين تجور # هذا وكم لي بالجنينة سكرة %~% أنا من بقايا شربها مخمور # باكرتها وغصونها مغروزة %~% والماء بين مروزها3 مذعور # في ستة أنا والنديم وقينة %~% والكأس والمزمار والطنبور PageV03P140 # هذه الأبيات حسنة، وخروجها من شدق هذا الرجل الخباز عجيب، ولو جاءت في ~~شعر أبي نواس لزانت ديوانه. # والاقتضاب الوارد في الشعر كثير لا يحصى, والتخلص بالنسبة إليه قطرة من ~~بحر، ولا يكاد يوجد التخلص في شعر الشاعر المجيد إلا قليلا بالنسبة إلى ~~المقتضب من شعره. # فمن الاقتضاب قول أبي نواس في قصيدته النونية التي أولها: # يا كثير النوح في الدمن # وهذه القصيدة هي عين شعره, والملاحة للعيون، وهي تنزل منه منزلة الألف لا ~~منزلة النون، إلا أنه لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح، بل ~~اقتضبه اقتضابا، فبينا هو يصف الخمر ويقول: # فاسقني كأسا على عذل %~% كرهت مسموعه أذني # من كميت اللون صافية %~% خير ما سلسلت في بدني # ما استقرت في فؤاد فتى %~% فدرى ما لوعة الحزن # حتى قال: # تضحك الدنيا إلى ملك %~% قام بالآثار والسنن # سن للناس الندى فندوا %~% فكأن البخل لم يكن1 # فأكثر مدائح أبي نواس مقتضبة هكذا، والتخلص غير ممكن في كل الأحوال، وهو ~~من مستصعبات علم البيان. # ومن هذا الباب الذي نحن بصدد ذكره قول البحتري في قصيدته المشهورة ~~بالجودة التي مدح بها الفتح بن خاقان وذكر لقاءه الأسد وقتله إياه، وأولها ~~PageV03P141 # أجدك ما ينفك يسري لزينبا # وهي من أمهات شعره، ومع ذلك لم يوفق فيها للتخلص من الغزل إلى المديح، ~~فإنه بينما هو في تغزله وهو يقول: # عهدتك إن منيت منيت موعدا %~% جهاما وإن أبرقت أبرقت خلبا # وكنت أرى أن الصدود الذي مضى %~% دلال فما إن كان إلا تجنبا # فوا أسفا حتام أسأل مانعا %~% وآمن خوافا وأعتب مذنبا ms488 # حتى قال في أثر ذلك: # أقول لركب معتفين تدرعوا %~% على عجل قطعا من الليل غيا # ردوا نائل الفتح بن خاقان إنه %~% أعم ندى فيكم وأيسر مطلبا1 # فخرج إلى المديح بغير وصلة ولا سبب. # وكذلك قوله في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها بن خاقان أيضا، وذكر ~~نجاته عند انخساف الجسر به، وقد أغرب فيها كل الإغراب، وأحسن كل الإحسان ~~وأولها: # متى لاح برق بدا طلل قفر # فبينا هو في غزلها حتى قال: # لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدى %~% إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر2 # فخرج إلى المديح مقتضبا له متعلقا به، وأمثال هذا في شعره كثير. ~~PageV03P142 ### || النوع الرابع والعشرون: في التناسب بين المعاني # وينقسم إلى ثلاثة أقسام: # القسم الأول في المطابقة وهذا النوع يسمى البديع أيضا، وهو في المعاني ضد ~~التجنيس في الألفاظ؛ لأن التجنيس هو أن يتحد اللفظ مع اختلاف المعنى، وهذا ~~هو أن يكون المعنيان ضدين. # وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أن المطابقة في الكلام هي الجمع بين ~~الشيء وضده، كالسواد والبياض، والليل والنهار. # وخالفهم في ذلك قدامة بن جعفر الكاتب فقال: المطابقة إيراد لفظين ~~متساويين في البناء والصيغة مختلفين في المعنى. # وهذا الذي ذكره هو التجنيس بعينه, غير أن الأسماء لا مشاحة فيها، إلا إذا ~~كانت مشتقة. # ولننظر نحن في ذلك، وهو أن نكشف عن أصل المطابقة في وضع اللغة، وقد وجدنا ~~الطباق في اللغة من طابق البعير في سيره، إذا وضع رجله موضع يده، وهذا يؤيد ~~ما ذكره قدامة؛ لأن اليد غير الرجل لا ضدها، والموضع الذي يقعان فيه واحد، ~~وكذلك المعنيان يكونان مختلفين واللفظ الذي يجمعهما واحد، فقدامة سمى هذا ~~النوع من الكلام مطابقا، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، وذلك مناسب وواقع ~~في موقعه، إلا أنه جعل للتجنيس اسما آخر، وهو المطابقة، ولا بأس به، إلا إن ~~كان مثله بالضدين، كالسواد والبياض، فإنه يكون قد خالف الأصل الذي أصله ~~بالمثال الذي مثله1. PageV03P143 # وأما غيره من أرباب هذه الصناعة فإنهم سموا هذا الضرب من ms489 الكلام مطابقا ~~لغير اشتقاق ولا مناسبة بينه وبين مسماه، هذا الظاهر لنا من هذا القول، إلا ~~أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن. # ولنرجع إلى ذكر هذا القسم من التأليف وإيضاح حقيقته، فنقول: الأليق من ~~حيث المعنى أن يسمى هذا النوع المقابلة؛ لأنه لا يخلو الحال فيه من وجهين: ~~إما أن يقابل الشيء بضده، أو يقابل بما ليس بضده، وليس لنا وجه ثالث. # فأما الأول وهو مقابلة الشيء بضده كالسواد والبياض، وما جرى مجراهما فإنه ~~ينقسم قسمين: أحدهما مقابلة في اللفظ والمعنى, والآخر مقابلة في المعنى دون ~~اللفظ. ### ||| المقابلة في اللفظ والمعنى: # أما المقابلة في اللفظ والمعنى فكقوله تعالى: {فليضحكوا قليلا وليبكوا ~~كثيرا} 1 فقابل بين الضحك والبكاء والقليل والكثير. # وكذلك قوله تعالى: {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} 2 ~~وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير المال عين ساهرة لعين نائمة". ~~PageV03P144 # ومن الحسن المطبوع الذي ليس بمتكلف قول علي رضي الله عنه لعثمان رضي الله ~~عنه: "إن الحق ثقيل مري, والباطل خفيف وبي، وأنت رجل إن صدقت سخطت، وإن ~~كذبت رضيت"، فقابل الحق بالباطل، والثقيل المري بالخفيف الوبي، والصدق ~~بالكذب، والسخط بالرضا، وهذه خمس مقابلات في هذه الكلمات القصار. # وكذلك ورد قوله رضي الله عنه لما قال الخوارج: لا حكم إلا لله تعالى: ~~"هذه كلمة حق أريد بها باطل". وقال الحجاج بن يوسف لسعيد بن جبير رضي الله ~~عنه, وقد أحضره بين يديه ليقتله، فقال له: ما اسمك? قال: سعيد بن جبير، ~~قال: بل أنت شقي بن كسير، وقد كان الحجاج من الفصحاء المعدودين، وفي كلامه ~~هذا مطابقة حسنة، فإنه نقل الاسمين إلى ضدهما، فقال في سعيد: شقي، وفي ~~جبير: كسير. # وهذا النوع من الكلام لم تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات. # ومما وجدته في لغة الفرس أنه لما مات قباذ أحد ملوكهم قال وزيره: "حركنا ~~بسكونه". # وأول كتاب الفصول لأبقراط ms490 في الطب قوله: العمر قصير، والصناعة طويلة. ~~وهذا الكتاب على لغة اليونان. # ومن كلامي في هذا الباب ما كتبته في صدر مكتوب إلى بعض الإخوان، وهو: ~~"صدر هذا الكتاب عن قلب مقيم, وجسد سائر، وصبر مليم, وجزع عذر، وخاطر ~~أدهشته لوعة الفراق فليس بخاطر". # وكذلك كتبت إلى بعض الإخوان أيضا، فقلت: صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس ~~بلقائه, وطرف مستوحش لفراقه، فهذا مروع بكآبة إظلامه، وهذا ممتع ببهجة ~~إشراقه، غير أن لقاء القلوب لقاء عنيت بمثله خواطر PageV03P145 # الأفكار، وتتناجى به من وراء الأستار، وذلك أخو الطيف الملم في المنام، ~~الذي يموه بلقاء الأرواح على لقاء الأجسام". # ومن هذا النوع ما ذكرته في كتاب أصف المسير من دمشق إلى الموصل على طريق ~~المناظر، فقلت في جملته: "ثم نزلت أرض الخابور فغربت الأرواح وشرفت الجسوم، ~~وحصل الإعدام من المسار والإنزال من الهموم، وطالبتني النفس بالعود والقدرة ~~مفلسة، وأويت إلى ظل الآمال والآمال مشمسة". # ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب إلى بعض الإخوان، وعرضت فيه بذكر جماعة من ~~أهل الأدب، فقلت: "وهم مسئولون ألا ينسوني في نادي فضلهم الذي هو منبع ~~الآمال، وملتقط اللآل, فوجوه ألفاظه مشرقة بأيدي الأقلام المتسودة، وقلوب ~~معانيه مستنبطة بنار الخواطر المتوقدة، والواغل إليه بشكر من خمرته التي ~~تنبه العقول من إغفائها، ولا يشعر بها أحد غير أكفائها". # وهذه الفصول المذكورة لا خفاء بما تضمنته من محاسن المقابلة. # ومما ورد من هذا النوع شعرا قول جرير: # وأعور من نبهان أما نهاره %~% فأعمى وأما ليله فبصير1 # وكذلك ورد قول الفرزدق: # قبح الإله بني كليب إنهم %~% لا يغدرون ولا يفون بجار # يستيقظون إلى نهيق حمارهم %~% وتنام أعينهم عن الأوتار2 # فقابل بين الغدر والوفاء، وبين التيقظ والنوم، وفي البيت الأول معنى يسأل ~~عنه. PageV03P146 # وكذلك ورد قول بعضهم: # فلا الجود يفني المال والجد مقبل %~% ولا البخل يبقي المال والجد مدبر # وقد أكثر أبو تمام من هذا في شعره فأحسن في موضع وأساء في موضع، فمن ~~إحسانه قوله: # ما إن ترى الأحساب بيضا ms491 وضحا %~% إلا بحيث ترى المنايا سودا # وكذلك قال من هذه القصيدة أيضا: # شرف على أولى الزمان وإنما %~% خلق المناسب أن يكون جديدا1 # وعلى هذا النهج ورد قوله: # إذا كانت النعمى سلوبا من امرئ %~% غدت من خليجي كفه وهي متبع # وإن عثرت سود الليالي وبيضها %~% بوحدته ألفيتها وهي مجمع # ويوم يظل العز يحفظ وسطه %~% بسمر العوالي والنفوس تضيع # مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغى %~% ولكنه من وابل الدم مربع2 # ومن هذا الأسلوب قوله أيضا: # تقرب الشقة القصوى إذا أخذت %~% سلاحها وهو الإرقال والرمل # إذا تظلمت من أرض فصلت بها %~% كانت هي العز إلا أنها ذلل PageV03P147 # المرضياتك ما أرغمت آنفها %~% والهادياتك وهي الشرد الضلل1 # وعلى هذا النحو ورد قوله: # وناضرة الصبا حين اسبكرت %~% طلاع المرط والدرع اليدي # تشكى الأين من نصف سريع %~% إذا قامت ومن نصف بطي2 # وقد جاء لأبي نواس ذلك فقال: # أقلني قد ندمت على الذنوب %~% وبالإقرار عذت من الجحود # أنا استهديت عفوك من قريب %~% كما استعفيت سخطك من بعيد3 # فقابل بين الأضداد من الجحود والإقرار، والعفو والسخط، والقرب والبعد. # وعلى نحو من ذلك ورد قول علي بن جبلة في أبي دلف العجلي4 وهو: # أيم المهير ونكاح الأيم %~% يوماك يوم أبؤس وأنعم # وجمع مجد وندى مقسم # وكذلك قوله أيضا: # هو الأمل المبسوط والأجل الذي %~% يمر على أيامه الدهر أو يحلو ~~PageV03P148 # ولا تحسن الأيام تفعل فعله %~% وإن كان في تصريفها النقض والفعل # فعش واحدا أما الشراء فمسلم %~% مباح وأما الجار فهو حمى بسل # ومما جاء من هذا القسم قول البحتري: # أحسن الله في ثوابك عن ثغ %~% ر مضاع أحسنت فيه البلاء # كان مستضعفا فعز ومحرو %~% ما فأجدى ومظلما فأضاء1 # ومن أحسن ما ورد له في هذا الباب قوله: # أشكو إليك أناملا ما تنطوي %~% بخلا وإملاقا تقصفها اليد # أرضيهم قولا ولا يرضونني %~% فعلا وتلك قضية لا تقصد # فأذم منهم ما يذم وربما %~% سامحتهم فحمدت ما لا يحمد2 # وعلى هذا النهج ورد قوله: # وتوقعي منك الإساءة جاهدا %~% والعدل أن أتوقع الإحسانا # وكما يسرك ms492 لين مسي راضيا %~% فكذاك فاخش خشونتي غضبانا3 # وأما أبو الطيب المتنبي فإنه استعمل هذا النوع قليلا في شعره، فمن ذلك ~~قوله: # ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا %~% كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا4 ~~PageV03P149 # وكذلك قوله: # إلى رب مال كلما شت شمله %~% تجمع في تشتيته للعلا شمل1 # ومما استعذبته قوله في هذا الباب: # كأن سهاد الليل يعشق مقلتي %~% فبينهما في كل هجر لنا وصل2 # ومما جاء من هذا الباب: # لما اعتنقنا للوداع وأعربت %~% عبراتنا عنا بدمع ناطق # فرقن بين معاجر ومحاجر %~% وجمعن بين بنفسج وشقائق3 # وهذا تحته معنى يسأل عنه غير المقابلة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد ~~بالبنفسج والشقائق هو عارض الرجل وخد المرأة؛ لأن من العادة أن يشبه العارض ~~بالبنفسج. وهذا قول غير سائغ؛ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند أول ~~ظهوره, فإذا طر وظهرت خضرته في ابتداء سن الشباب شبه بالبنفسج؛ لأنه يكون ~~بين الأخضر والأسود، وليس في الشعر ما يدل على أن المودع كان شابا قد طر ~~عارضه، والذي يقتضيه المعنى أن المرأة قامت للوداع فمزقت خمارها, ولطمت ~~PageV03P150 # حدها، فجمعت بين أثر اللطم، وهو شبيه بالبنفسج، وبين لون الخد وهو شبيه ~~الشقائق، وفرقت بين خمارها وبين وجهها بالتمزيق ولها وموجدة على الوداع، ~~هذا هو معنى البيت لا ما ذهب إليه هذا الرجل. ### ||| المقابلة في المعنى دون اللفظ: # وأما المقابلة في المعنى دون اللفظ في الأضداد فمما جاء منه قول المقنع ~~الكندي من شعراء الحماسة: # لهم جل مالي إن تتابع لي غنى %~% وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا1 # فقوله: تتابع لي غنى, بمعنى قوله: كثر مالي, فهو إذا مقابلة من جهة ~~المعنى، لا من جهة اللفظ؛ لأن حقيقة الأضداد اللفظية إنما هي في المفردات ~~من الألفاظ، نحو: قام وقعد وحل وعقد، وقل وكثر، فإن القيام ضد القعود، ~~والحل ضد العقد، والقليل ضد الكثير، فإذا ترك المفرد من الألفاظ وتوصل إلى ~~مقابلته بلفظ مركب كان ذلك مقابلة معنوية لا لفظية، فاعرف ذلك. # مقابلة الشيء بما ليس بضده: # وأما ms493 مقابلة الشيء بما ليس بضده فهي ضربان: أحدهما ألا يكون مثلا، والآخر ~~أن يكون مثلا, فالضرب الأول يتفرع إلى فرعين: # الأول: ما كان بين المقابل والمقابل نوع مناسبة وتقارب، كقول قريط بن ~~أنيف: PageV03P151 # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة %~% ومن إساءة أهل السوء إحسانا1 # فقابل الظلم بالمغفرة، وليس ضدا لها، وإنما هو ضد العدل، إلا أنه لما ~~كانت المغفرة قريبة من العدل حسنت المقابلة بينهما وبين الظلم, وعلى هذا ~~جاء قوله تعالى: {أشداء على الكفار رحماء بينهم} 2 فإن الرحمة ليست ضد ~~الشدة، وإنما ضد الشدة اللين، إلا أنه لما كانت الرحمة من مسببات اللين ~~حسنت المقابلة بينها وبين الشدة. # وكذلك ورد قوله تعالى: {إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد ~~أخذنا أمرنا من قبل} 3. فإن المصيبة سيئة؛ لأن كل مصيبة سيئة، وليس كل سيئة ~~مصيبة، فالتقابل ههنا من جهة العام والخاص. # النوع الثاني: ما كان بين المقابل والمقابل به بعد، وذاك مما لا يحسن ~~استعماله، كقول أم النحيف، وهو سعد بن قرط، وقد تزوج امرأة كانت نهته عنها، ~~فقالت من أبيات تذمها فيها: # تربص بها الأيام عل صروفها %~% سترمي بها في جاحم متسعر # فكم من كريم قد مناه إلهه %~% بمذمومة الأخلاق واسعة الحر4 PageV03P152 # فقولها: بمذمومة الأخلاق واسعة الحر, من المقابلة البعيدة، بل الأولى أن ~~كانت قالت: بضيقة الأخلاق واسعة الحر, حتى تصح المقابلة. # وهذا مما يدل على أن العربي غير مهتد إلى استعمال ذلك بصنعته، وإنما يجيء ~~له منه ما يجيء بطبعه لا بتكلفه, وإذا أخطأ فإنه لا يعلم الخطأ ولا يشعر ~~به، والدليل على ذلك أنه لو أبدلت لفظة مذمومة بلفظة ضيقة لصح الوزن، وحصلت ~~المقابلة، وإنما يعذر من يعذر في ترك المقابلة في مثل هذا المقام إذا كان ~~الوزن لا يواتيه. # وأما المحدثون من الشعراء فإنهم اعتنوا بذلك خلاف ما كانت العرب عليه، لا ~~جرم أنهم أشد ملامة من العرب. # فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي: # لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها %~% سرور محب ms494 أو إساءة مجرم1 # فإن المقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض، لا بين المحب والمجرم، وليست ~~متوسطة أيضا حتى يقرب الحال فيها، وإنما هي بعيدة، فإنه ليس كل من أجرم ~~إليك كان مبغضا لك. ### ||| المواخاة بين المعاني: # ومما يتصل بهذا الضرب ضرب من الكلام يسمى المواخاة بين المعاني، ~~والمواخاة بين المباني, وكان ينبغي أن نعقد له بابا مفردا, لكنا لما رأيناه ~~ينظر إلى التقابل من وجه وصلناه به. PageV03P153 # أما المواخاة بين المعاني فهو أن يذكر المعنى مع أخيه, لا مع الأجنبي، ~~مثاله أن تذكر وصفا من الأوصاف وتقرنه بما يقرب منه ويلتئم به، فإن ذكرته ~~مع ما يبعد منه كان ذلك قدحا في الصناعة وإن كان جائزا. # فمن ذلك قول الكميت: # أم هل ظعائن بالعلياء رافعة %~% وإن تكامل فيها الدل والشنب1 # فإن الدال يذكر مع الغنج وما أشبهه، والشنب يذكر مع اللعس وما أشبهه، ~~وهذا موضع يغلط فيه أرباب النظم والنثر كثيرا، وهو مظنة الغلظ؛ لأنه يحتاج ~~إلى ثاقب فكرة وحذق, بحيث توضع المعاني مع أخواتها، لا مع الأجنبي منها. # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج أنه اجتمع نصيب والكميت وذو الرمة، ~~فأنشد الكميت # أم هل ظعائن البيت # فعقد نصيب واحدة، فقال له الكميت: ماذا تحصي? قال: خطأك، فإنك تباعدت في ~~القول، أين الدل من الشنب? ألا قلت كما قال ذو الرمة. # لمياء في شفتيها حوة لعس %~% وفي للثاث وفي أنيابها شنب2 # ورأيت أبا نواس يقع في ذلك كثيرا، كقوله في وصف الديك: # له اعتدال وانتصاب قد %~% وجلده يشبه وشي البرد PageV03P154 # كأنها الهداب في الفرند %~% محدودب الظهر كريم الجد1 # فإنه ذكر الظهر وقرنه بذكر الجد، وهذا لا يناسب هذا؛ لأن الظهر من جملة ~~الخلق، والجد من النسب، وكان ينبغي أن يذكر مع الظهر ما يقرب منه ويواخيه. # وكذلك أخطأ أبو نواس في قوله أيضا: # وقد حلفت يمينا %~% مبرورة لا تكذب # برب زمزم والحو %~% ض والصفا والمحصب2 # فإن ذكر الحوض مع زمزم والصفا والمحصب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع ~~الصراط والميزان وما ms495 جرى مجراهما، وأما زمزم والصفا، والمحصب فيذكر معها ~~الركن والحطيم، وما جرى مجراهما. # وعلى هذا الأسلوب ورد قوله أيضا: # أحسن من منزل بذي قار %~% منزل خمارة وخمار # وشم ريحانه ونرجسة %~% أحسن من أينق بأكوار3 # فالبيت الثاني لا مقارنة بين صدره وعجزه، وأين شم الريحان من الأينق ~~PageV03P155 # بالأكوار? وكان ينبغي له أن يقول: شم الريحان أحسن من شم الشيح والقيصوم، ~~وركوب الفتيات الرود أحسن من ركوب الأينق بالأكوار، وكل هذا لا يتفطن لوضعه ~~في مواضعه في كل الأوقات، وقد كان يغلب علي السهو في بعض الأحوال حتى أسلك ~~هذه الطريق في وضع المعاني مع غير أنسابها وأقاربها، ثم إني كنت أتأمل ما ~~صنعته بعد حين فأصلح ما سهوت عنه. ### ||| المؤاخاة بين المباني: # المؤاخاة بين المباني فإنه يتعلق بمباني الألفاظ. # فمن ذلك قول أبي تمام في وصف الرماح: # مثقفات سلبن العرب سمرتها %~% والروم زرقتها والعاشق القضفا1 # وهذا البيت من أبيات أبي تمام الأفراد، غير أن فيه نظرا، وهو قوله العرب ~~والروم ثم قال العاشق، ولو صح أن يقول العشاق لكان أحسن، إذ كانت الأوصاف ~~تجري على "نهج" واحد، وكذلك قوله سمرتها وزرقتها, ثم قال القضفا، وكان ~~ينبغي أن يقول: قضفها أو دقتها. # وعلى هذا ورد قول مسلم بن الوليد: # نفضت بك الأحلاس نفض إقامة %~% واسترجعت نزاعها الأمصار # فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة %~% يثني عليها السهل والأوعار2 PageV03P156 # والأحسن أن يقال: السهل والوعر، أو السهول والأوعار، ليكون البناء اللفظي ~~واحدا, أي: أن يكون اللفظان واردين على صيغة الجمع أو الإفراد، ولا يكون ~~أحدهما مجموعا والآخر مفردا. # وكذلك ورد قول أبي نواس في الخمر: # صفراء مجدها مرازبها %~% جلت عن النظراء والمثل1 # فجمع وأفرد في معنى واحد، وهو أنه قال النظراء مجموعا, ثم قال المثل ~~مفردا، وكان الأحسن أن يقول: النظير والمثل، أو النظراء والأمثال. # وعلى ذلك ورد قوله أيضا، والإنكار يتوجه فيه أكثر من الأول، وهو: # ألا يابن الذين فنوا فماتوا %~% أما والله ما ماتوا لتبقى # وما لك فاعلمن فيها مقام %~% إذا استكملت آجالا ورزقا2 ms496 # وموضع الإنكار ههنا أنه قال: آجالا ورزقا, وكان ينبغي أن يقول: أرزاقا، ~~أو أن يقول: آجلا ورزقا، وقد زاده إنكارا أنه جمع الأجل فقال: آجالا, ~~والإنسان ليس له إلا أجل واحد، ولو قال أجلا وأرزاقا, لما عيب؛ لأن الأجل ~~واحد والأرزاق كثيرة، لاختلاف ضروبها وأجناسها. PageV03P157 # وإذا أنصفنا في هذا الموضع وجدنا الناثر مطالبا به دون الناظم، لمكان ~~إمكانه من التصرف, وقد كنت أرى هذا الضرب من الكلام واجبا في الاستعمال، ~~وأنه لا يحسن المحيد عنه، حتى مر بي في القرآن الكريم ما يخالفه، كقوله ~~تعالى في سورة النحل: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن ~~اليمين والشمائل} 1 ولو كان الأحسن لزوم البناء اللفظي على سنن واحد لجمع ~~اليمين كما جمع الشمال أو أفرد الشمال كما أفرد اليمين. # وكذلك ورد قوله تعالى: # {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون} 2 ~~فجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع. # وكذلك ورد قوله تعالى: {حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم ~~وجلودهم} 3 فذكر السمع بلفظ الإفراد وذكر الأبصار والجلود بلفظ الجمع. # وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة هكذا، ولو كان هذا معتبرا في الاستعمال ~~لورد في كلام الله تعالى الذي هو أفصح من كل الكلام، والأخذ في مقام ~~الفصاحة والبلاغة إنما يكون منه، والمعول عليه. # وينبغي أن يقاس على هذا قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ ~~لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} 4. ~~PageV03P158 # وربما قيل: إن هذه الآية اشتملت على تثنية وجمع وإفراد، وظن أنها من هذا ~~الباب، وليس كذلك؛ لأنها مشتملة على خطاب موسى وهارون عليهما السلام أولا ~~في اتخاذ المساجد لقومهما، ثم ثنى الخطاب لهما ولقومهما جميعا، ثم أفرد ~~موسى عليه السلام ببشارة المؤمنين؛ لأنه صاحب الرسالة. PageV03P159 ### ||| مقابلة الشيء بمثله # الضرب الثاني في مقابلة الشيء مثله، وهو يتفرع إلى فرعين: أحدهما: مقابلة ~~المفرد بالمفرد، والآخر مقابلة الجملة بالجملة. ### |||| النوع الأول: # كقوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم} 1, وكقوله تعالى: {ومكروا ~~مكرا ms497 ومكرنا مكرا} 2 وقد روعي هذا الموضع في القرآن الكريم كثيرا، فإذا ورد ~~في صدر آية من الآيات ما يحتاج إلى جواب كان جوابه مماثلا، كقوله تعالى: ~~{من كفر فعليه كفره} 3 وكقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} 4, وهذا هو ~~الأحسن، وإلا فلو قيل من كفر فعليه ذنبه, كان ذلك جائزا، لكن الأحسن هو ما ~~ورد في كتاب الله تعالى، وعليه مدار الاستعمال. # وهذا الحكم يجري في النظم والنثر من الأسجاع والأبيات الشعرية, فأما إن ~~كان ذلك غير جواب، فإنه لا يلتزم فيه هذه المراعاة اللفظية، ألا ترى أنه قد ~~قوبلت الكلمة بكلمة هي في معناها، وإن تكن مساوية لها في اللفظ، وهذا يقع ~~في الألفاظ المترادفة، ولذا يستعمل ذلك في الموضع الذي ترد فيه الكلمة غير ~~جواب. PageV03P159 # فمما جاء منه قوله تعالى: {ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون} 1 ~~ولو كان لا تورد الكلمة إلا مثلا لقيل وهو أعلم بما تعلمون. # وكذلك قوله تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب، إذ دخلوا على ~~داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض} 2 فقال: لا تخف بعد ~~قوله: ففزع, ولما كان هذا في معنى هذا قوبل أحدهما بالآخر، ولم يقابل اللفظ ~~بنفسه. # وكذلك جاء قوله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} 3 فذكر الاستهزاء الذي هو في معنى ~~الخوض واللعب, وقابل به الخوض واللعب، ولو ذكره على حد المماثلة والمساواة ~~لقال: أفي الله وآياته ورسوله كنتم تخوضون وتلعبون. # فإن قيل: إنك قد احتججت بالقرآن الكريم فيما ذكرته، ونرى قد ورد في ~~القرآن الكريم ما ينقضه، كقوله تعالى: {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة ~~بمثلها} 4 ولم يقل جزاء سيئة سيئة مثلها, فالجواب على ذلك أني أقول: أردت ~~أن تنقض على ما ذكرته فلم تنقضه، ولكنك شيدته، والذي ذكرته هو PageV03P160 # دليل لي لا لك، ألا ترى أنه لا فرق بين قوله تعالى: {جزاء سيئة بمثلها} ~~وبين قوله: ms498 {وجزاء سيئة سيئة مثلها} إذ المعنى واحد لا يختلف، ولو جاء عوضا ~~عن السيئة لفظة أخرى في معناها كالأذى والسوء أو ما جرى مجراهما لصح لك ما ~~ذهبت إليه. # وقد ذهب بعض المتصدرين في علم البيان أنه إذا ذكرت اللفظة في أول كلام ~~يحتاج إلى تمام، وإن لم يكن جوابا كالذي تقدم، فينبغي أن تعاد بعينها في ~~آخره، ومتى عدل عن ذلك كان معيبا، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام وقول أبي الطيب ~~المتنبي، فقال: إن أبا تمام أخطأ في قوله: # بسط الرجاء لنا برغم نوائب %~% كثرت بهن مصارع الآمال1 # فحيث ذكر الرجاء في صدر البيت فكان ينبغي أن يعيد ذكره أيضا في عجزه، أو ~~كان ذكر الآمال في صدر البيت وعجزه. # وكذلك أخطأ أبو الطيب المتنبي في قوله: # إني لأعلم واللبيب خبير %~% أن الحياة وإن حرصت غرور2 # فإنه قال: # إني لأعلم واللبيب خبير # وكان ينبغي أن يقول: إني لأعلم واللبيب عليم، ليكون ذلك تقابلا صحيحا. # وهذا الذي ذكره هذا الرجل ليس بشيء، بل المعتمد عليه في هذا الباب أنه ~~PageV03P161 # إذا كانت اللفظة في معنى أختها جاز استعمالها في المقابلة بينهما، ~~والدليل على ذلك ما قدمناه من آيات القرآن الكريم, وكفى به دليلا, وهذه ~~الرموز التي هي أسرار الكلام لا يتفطن لاستعمالها إلا أحد رجلين: إما فقيه ~~في علم البيان قد مارسه، وإما مشقوق اللسان في الفصاحة قد خلق عارفا ~~بلطائفها, مستغنيا عن مطالعة صحائفها، وهذا لا يكون إلا عربي الفطرة يقول ~~ما يقوله طبعا، على أنه لا يسدد في جميع أقواله، ما لم تكن معرفته الفطرية ~~ممزوجة بمعرفته العرفية. ### |||| الفرع الثاني في مقابلة الجملة بالجملة: # اعلم أنه إذا كانت الجملة من الكلام مستقبلة قوبلت بمستقبلة، وإن كانت ~~ماضية قوبلت بماضية، وربما قوبلت الماضية بالمستقبلة, والمستقبلة بالماضية، ~~إذا كانت إحداهما في معنى الأخرى. # فمن ذلك قوله تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما ~~يوحي إلي ربي} 1, فإن هذا تقابل من جهة المعنى، ولو كان التقابل من ms499 جهة ~~اللفظ لقال: وإن اهتديت فإنما أهتدي لها. # وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى هو أن النفس كل ما عليها فهو بها، ~~أعني أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بسببها ومنها؛ لأنها الأمارة ~~بالسوء، وكل ما هو لها مما ينفعها, فبهداية ربها وتوفيقه إياها، وهذا حكم ~~عام لكل مكلف، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسند ذلك إلى ~~نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع علو محله وسداد طريقته كان غيره أولى به. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: {ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا} 2, فإنه لم يراع التقابل في قوله "ليسكنوا فيه ومبصرا"؛ لأن ~~PageV03P162 # القياس يقتضي أن يكون "والنهار ليبصروا فيه" وإنما هو مراعى من جهة ~~المعنى لا من جهة اللفظ، وهذا النظم المطبوع غير المتكلف؛ لأن معنى قوله: ~~مبصرا لتبصروا فيه طرق التقلب في الحاجات. # واعلم أن في تقابل المعاني بابا عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل، وزيادة ~~نظر، وهو يختص بالفواصل من الكلام المنثور، وبالأعجاز من الأبيات الشعرية. # فمما جاء من ذلك قوله تعالى في ذم المنافقين: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} 1 ~~وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} 2. # ألا ترى كيف فصل الآية الأخرى بيعلمون, والآية التي قبلها بيشعرون، وإنما ~~فعل ذلك؛ لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على ~~الباطل, يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك، ~~وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر ~~دنيوي مبني على العادات, معلوم عند الناس خصوصا عند العرب, وما كان فيهم من ~~التجارب والتغاور، وفهو كالمحسوس عندهم، فلذلك قال فيه: {لا يشعرون} وأيضا ~~فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل, كان ذكر العلم معه أحسن ~~طباقا, فقال: {لا ms500 يعلمون} . # وآيات القرآن جميعها فصلت هكذا، كقوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير} 3 وكقوله تعالى: ~~PageV03P163 # {له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد} 1. وكقوله: ~~{ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم} 2. # فإنه إنما فصلت الآية الأولى بلطيف خبير؛ لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه ~~بإنزال الغيث وغيره، وأما الآية الثانية فإنما فصلت بغني حميد؛ لأنه قال: ~~{له ما في السماوات وما في الأرض} له لا لحجة، بل هو غني عنها، جواد بها؛ ~~لأنه ليس كل غني نافعا لغناه, إلا إذا كان جوادا منعما، وإذا جاد وأنعم ~~حمده المنعم عليه، واستحق عليه الحمد، فذكر الحميد ليدل على أنه الغني ~~النافع بغناه خلقه. # وأما الآية الثالثة فإنها فصلت برءوف رحيم؛ لأنه لما عدد للناس ما أنعم ~~به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم وإجراء الفلك في البحر بهم, وتسييرهم في ~~ذلك الهول العظيم, وخلقه السماء فوقهم, وإمساكه إياهن عن الوقوع, حسن أن ~~يفصل ذلك بقوله: "رءوف رحيم" أي: إن هذا الفعل فعل رءوف بكم رحيم لكم. # واعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا أنه قلما توجد هذه الملاءمة والمناسبة في ~~كلام ناظم أو ناثر. # ومن الآيات ما تشكل فاصلته فتحتاج إلى فكرة وتأمل, كقوله تعالى: {والذين ~~يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين، ~~ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة ~~أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله تواب حكيم} 3. PageV03P164 # فإنه قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بتواب رحيم، ويظن الظان أن هذا ~~كذلك، ويقول إن التوبة مع الرحمة لا مع الحكمة، وليس كما يظن، بل الفاصلة ms501 ~~بتواب حكيم أولى من تواب رحيم؛ لأن الله عز وجل حكم بالتلاعن على الصورة ~~التي أمر بها، وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده، وذلك حكمة منه، ففصلت ~~الآية الواردة في آخر الآيات بتواب حكيم، فجمع فيها بين التوبة المرجوة من ~~صاحب المعصية وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة. # وهذا الباب ليس في علم البيان أكثر منه نفعا ولا أعظم فائدة. # ومما جاء من هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي: # وقفت وما في الموت شك لواقف %~% كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة %~% ووجهك وضاح وثغرك باسم # وقد أوخذ على ذلك، وقيل: لو جعل آخر البيت الأول آخرا للبيت الثاني وآخر ~~البيت الثاني آخرا للبيت الأول لكان أولى. # ولذلك حكاية, وهي أنه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها: # على قدر أهل العزم تأتي العزائم1 # فلما بلغ إلى هذين البيتين قال: قد انتقدتهما عليك, كما انتقد على امرئ ~~القيس قوله: # كأني لم أركب جوادا للذة %~% ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال PageV03P165 # ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل %~% لخيلي كري كرة بعد إجفال1 # فبيتاك لم يلتئم شطراهما، كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس، وكان ينبغي ~~لك أن تقول: # وقفت وما في الموت شك لواقف %~% ووجهك وضاح وثغرك باسم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة %~% كأنك في جفن الردى وهو نائم # فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلم بالشعر منه ~~فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز ~~كما يعلمه الحائك؛ لأن البزاز يعرف جملته، والحائك يعرف تفاصيله، وإنما قرن ~~امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف ~~بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول ~~أتبعته بذكر الردى في آخره، ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم ~~الجريح عبوسا وعينه باكية قلت: ووجهك وضاح وثغرك باسم؛ لأجمع بين الأضداد. ### ||| صحة التقسيم وفساده # ولسنا نريد بذلك ههنا ما تقتضيه القسمة ms502 العقلية، كما يذهب إليه ~~المتكلمون, فإن ذلك يقتضي أشياء مستحيلة كقولهم: الجواهر لا تخلو إما تكون ~~مجتمعة أو مفترقة، أو لا مجتمعة ولا مفترقة، أو مجتمعة ومفترقة، أو بعضها ~~مجتمعة وبعضها مفترقة. # ألا ترى أن هذه القسمة صحيحة من حيث العقل، لاستيفاء الأقسام جميعها, وإن ~~كان من جملتها ما يستحيل وجوده. PageV03P166 # وإنما نريد بالتقسيم ههنا ما يقتضيه المعنى مما يمكن وجوده من غير أن ~~يترك منها قسم واحد، وإذا ذكرت قام كل قسم منها بنفسه، ولم يشارك غيره، ~~فتارة يكون التقسيم بلفظة إما, وتارة بلفظة بين, كقولنا: بين كذا وكذا، ~~وتارة بلفظة منهم، كقولنا: منهم كذا ومنهم كذا، وتارة بأن يذكر العدد ~~المراد أولا بالذكر، ثم يقسم، كقولنا: فانشعب القوم شعبا أربعا، فشعبة ذهبت ~~يمينا, وشعبة ذهبت شمالا وشعبة وقفت بمكانها، وشعبة رجعت إلى ورائها. # فمما جاء من هذا القسم قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} 1. # وهذه قسمة صحيحة، فإنه لا يخلو العباد من هذه الثلاثة, فإما عاص ظالم ~~لنفسه، وإما مطيع مبادر إلى الخيرات، وإما مقتصد بينهما. # ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {وكنتم أزواجا ثلاثة، فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون} 2. وهذه ~~الآية منطبقة المعنى على الآية التي قبلها، فأصحاب المشأمة هم الظالمون ~~لأنفسهم، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون، والسابقون هم السابقون بالخيرات. # وعلى نحو ذلك جاء قوله تعالى: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} 3. فإن ~~الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، وليس لنا قسم ثالث. # فإن قيل: إن استيفاء الأقسام ليس شرطا، وترك بعض الأقسام لا يقدح في ~~الكلام، وقد ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى: {لا يستوي أصحاب ~~PageV03P167 # النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} 1, فذكر أصحاب الجنة دون ~~أصحاب النار, فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا لا ينقض علي ما ذكرته، فإن ~~استيفاء الأقسام يلزم فيما استبهم الإجمال فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا ms503 من عبادنا فمنهم} فإنه حيث قال "فمنهم" ~~لزم استيفاء الأقسام الثلاثة، ولو اقتصر على قسمين منها لم يجز، وأما هذه ~~الآية التي هي {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} فإنه إنما خص أصحاب ~~الجنة بالذكر, للعلم بأن أصحاب النار لا فوز لهم، ولو خص أصحاب النار ~~بالذكر لعلم أيضا ما لأصحاب الجنة. # وكذلك كل ما يجري هذا المجرى، فإنه إنما ينظر فيه إلى المستبهم وغير ~~المستبهم فاعرفه. # وكان جماعة من أرباب هذه الصناعة يعجبون بقول بعض الأعراب، ويزعمون أن ~~ذلك من أصح التقسيمات، وهو قولهم: "النعم ثلاث: نعمة في حال كونها، ونعمة ~~ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأبقى الله عليك ما أنت فيه، وحقق ~~ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه". # وهذا القول فاسد، فإن في أقسام النعم التي قسمها نقصا لا بد منه، وزيادة ~~لا حاجة إليها، فأما النقص فإغفال النعمة الماضية، وأما الزيادة فقوله بعد ~~المستقبلة: "ونعمة تأتي غير محتسبة"؛ لأن النعمة التي تأتي غير محتسبة ~~داخلة في قسم النعمة المستقبلة, وذاك أن النعمة المستقبلة تنقس قسمين: ~~أحدهما يرجى حصوله، والآخر لا يحتسب، فقوله: "ونعمة تأتي غير محتسبة"، يوهم ~~أن هذا القسم غير المستقبل، وهو داخل فيه. PageV03P168 # وعلى هذا فكان ينبغي له أن يقول: النعم ثلاث: نعمة ماضية، ونعمة في حال ~~كونها، ونعمة تأتي مستقبلة، فأحسن الله آثار النعمة الماضية، وأبقى عليك ~~النعمة التي أنت فيها، ووفر حظك من النعمة التي تستقبلها. # ألا تراه لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب? # وقد استوفى أبو تمام هذا المعنى في قوله: # جمعت لنا فرق الأماني منكم %~% بأبر من روح الحياة وأوصل # فصنيعة في يومها وصنيعة %~% قد أحولت وصنيعة لم تحول # كالمزن من ماء الرباب فمقبل %~% متنظر ومخيم متهلل1 # ووقف أعرابي على مجلس الحسن البصري رضي الله عنه فقال: "رحم الله عبدا ~~أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلة"، فقال الحسن البصري: ما ترك ~~لأحد عذرا. # وقد عاب أبو هلال العسكري على جميل ms504 قوله: # لو كان في قلبي كقدر قلامة %~% حبا وصلتك أو أتتك رسائلي2 # فقال أبو هلال: إن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل3. وليس الأمر ~~PageV03P169 # كما وقع له، فإن جميلا إنما أراد بقوله: وصلتك أي: أتيتك زائرا وقاصدا, ~~أو كنت راسلتك مراسلة، والوصل لا يخرج عن هذين الوصفين, إما زيارة، وإما ~~رسالة. # ومن أعجب ما وجدته في هذا الباب ما ذكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف ~~بالغانمي هو قول العباس بن الأحنف: # وصالكم هجر وحبكم قلى %~% وعطفكم صد وسلمكم حرب1 # ثم قال الغانمي: هذا والله أصح من تقسيمات إقليدس2. # ويالله العجب, أين التقسيم من هذا البيت? هذا والله في واد والتقسيم في ~~واد، ألا ترى أنه لم يذكر شيئا تحضره القسمة، وإنما ذم أحبابه في سوء ~~صنيعهم به، فذكر بعض أحواله معهم، ولو قال أيضا: # ولينكم عنف وقربكم نوى %~% وإعطاؤكم منع وصدقكم كذب # لكان هذا جائزا، وكذلك لو زاد بيتا آخر لجاز، ولو أنه تقسيم لما احتمل ~~زيادة، والأولى أن يضاف هذا البيت الذي ذكره الغانمي إلى باب المقابلة، ~~فإنه أولى به؛ لأنه قابل الوصل بالهجر، والعطف بالصد، والسلم بالحرب. # ومن فساد التقسيم قول البحتري في قصيدته التي مطلعها: # ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا # فقال: PageV03P170 # قف مشوقا أو سعدا أو حزينا %~% أو معينا أو عاذرا أو عذولا1 # فإن المشوق يكون حزينا، والمسعد يكون معينا، وكذلك يكون عاذرا، وكثيرا ما ~~يقع البحتري في مثل ذلك. # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي وهو: # فافخر فإن الناس فيك ثلاثة %~% مستعظم أو حاسد أو جاهل2 # فإن المستعظم يكون حاسدا، والحاسد يكون مستعظما, ومن شرط التقسيم ألا ~~تتداخل أقسامه بعضها في بعض. # ومن هذا الأسلوب ما ورد في أبيات الحماسة3، وهو: # وكنت امرأ إما ائتمنتك خاليا %~% فخنت وإما قلت قولا بلا علم # فأنت من الأمر الذي قد أتيته %~% بمنزلة بين الخيانة والإثم # فإن الخيانة من الإثم، وهذا تقسيم فاسد. PageV03P171 # ومما جاء من ذلك نثرا قول بعضهم في ذكر منهزمين: "فمن جريح متضرج بدمائه، ~~وهارب لا ms505 يلتفت إلى ورائه"، فإن الجريح قد يكون هاربا، والهارب قد يكون ~~جريحا، ولو قال: فمن بين قتيل ومأسور وناج، لصح له التقسيم, أو لو قال: فمن ~~بين قتيل ومأسور لصح له التقسيم أيضا, لعدم الناجي بينهما. # وقد أحسن البحتري في هذا المعنى حيث قال: # غادرتهم أيدي المنية صبحا %~% بالقنا بين ركع وسجود # فهم فرقتان بين قتيل %~% قنصت نفسه بحد الحديد # أو أسير غدا له السجن لحدا %~% فهو حي في حالة الملحود # فرقة للسيوف ينفذ فيها الحكم قصدا أو فرقة للقيود1. # ومن فساد التقسيم قول أبي تمام: # وموقف بين حكم الذل منقطع %~% صاليه أو بحبال الموت متصل2 # فإنه جعل صالي هذا الموقف إما ذليلا عنه أو هالكا فيه، وههنا قسم ثالث، ~~وهو ألا يكون ذليلا ولا هالكا، بل يكون مقدما فيه ناجيا. # وفي هذا نظر على من ادعى فساد تقسيمه، فإن أبا تمام قصد الغلو في وصف هذا ~~الموقف، فقال: إن الناس فيه أحد رجلين: إما ذليل عن مورده، وإما هالك فيه ~~أي: إنه لا ينجو منه أحد يرده. # وهذا تقسيم صحيح لا فساد فيه. PageV03P172 ### ||| ترتيب التغير: # والقسم الثالث في ترتيب التفسير وما يصح من ذلك وما يفسد. # اعلم أن صحة الترتيب في ذلك أن يذكر في الكلام معان مختلفة، فإذا عيد ~~إليها بالذكر لتفسر قدم المقدم وأخر المؤخر، وهو الأحسن، إلا أنه قد ورد في ~~القرآن الكريم وغيره من الكلام الفصيح ولم يراع فيه تقديم المقدم ولا تأخير ~~المؤخر، كقوله تعالى: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية ~~لكل عبد منيب} 1, ولو قدم تفسير المقدم في هذه الآية وأخر تفسير المؤخر ~~لقيل: إن نشأ نسقط عليهم كسفا من السماء أو نخسف بهم الأرض. # وكذلك ورد قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأما الذين ~~ابيضت وجوههم} 2, فقدم المؤخر وأخر ms506 المقدم. # والقسمان وردا جميعا في القرآن الكريم: # فمما روعي فيه تقديم المقدم وتأخير المؤخر قوله تعالى: {وما نؤخره إلا ~~لأجل معدود، يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد، فأما الذين ~~شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين ~~PageV03P173 # فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} 1. # ومن ذلك قوله تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ~~وجعلنا آية النهار مبصرة} 2. # وكذلك قوله تعالى: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} 3, ~~فلما قدم الليل في الذكر على النهار قدم سبب الليل، وهو السكون على سبب ~~النهار، وهو التعيش. # ومن ذلك ما كتبته في كتاب تعزية، وهو فصل منه فقلت: ولقد أوحشت منه ~~المعالي كما أوحشت المنازل، وآمت المكارم كما آمت الحلائل، وعمت لوعة خطبه ~~فما تشتكي ثكلى إلا إلى ثاكل، وما أقول فيمن عدمت الأرض منه حياها، ~~والمحامد محياها، فلو نطق الجماد بلسان، وتصور المعنى لعيان، لأعربت تلك عن ~~ظمأ صعيدها، وبرزت هذه حاسرة حول فقيدها. # ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "وما زالت أيادي ~~سيدنا متنوعة في زيادة جودها وكتابها، فهذه متطولة بترقية وردها, وهذه آخذة ~~بسنة أغبابها، وأحسن ما في الأولى أنها تأتي متحلية بفواضل الإكثار، وفي ~~الثانية أنها تأتي متحلية بفضائل الاختصار، فاختصار هذه في فوائد أقلامها، ~~كتطويل تلك في عوائد إنعامها، وقد أصبحت خواطري مستغرقة بإنشاء القول ~~المبتكر، في شكر الفضل المطول وجواب البيان المختصر، PageV03P174 # وما جعل الله لها من سلطان البلاغة ما يستغل بأداء حقوق تنقل على الرقاب، ~~ومقابلة بلاغات تثقل على الألباب". # ومما جاء من ذلك شعرا قول إبراهيم بن العباس: # لنا إبل كوم يضيق بها الفضا %~% ويفتر عنها أرضها وسماؤها # فمن دونها أن تستباح دماؤنا %~% ومن دوننا أن تستباح دماؤها # حمى وقرى فالموت دون مرامها %~% وأيسر خطب يوم ms507 حق فناؤها1 # وهذه الأبيات من نادر ما يجيء في هذا الباب معنى وترتيب تفسير. # ومما جاء منه أيضا قول أبي تمام: # وما هو إلا الوحي أو حد مرهف %~% تميل ظباه أخدعي كل ماثل # فهذا دواء الداء من كل عالم %~% وهذا دواء الداء من كل جاهل # وكذلك قوله أيضا: # وكان لهم غيثا وعلما فمعدم %~% فيسأله أو باحث فيسائله2 # وهذا من بديع ما يأتي في هذا الباب. # ومما ورد منه قول علي بن جبلة: # فتى وقف الأيام بالسخط والرضا %~% على بذل عرف أو على حد منصل3 # ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس: PageV03P175 # يزجو ويخشى حالتيك الورى %~% كأنك الجنة والنار1 # وكذلك ورد قول بعض المتأخرين، وهو القاضي الأرجاني: # يوم المتيم فيك حول كامل %~% يتعاقب الفصلان فيه إذا أتى # ما بين حر جوى وماء مدامع %~% إن حن صاف وإن بكى وجدا شتا2 # ومما أخذ على الفرزدق في هذا الباب قوله: # لقد جئت قوما لو لجأت إليهم %~% طريد دم أو حاملا ثقل مغرم # لألفيت منهم معطيا أو مطاعنا %~% وراءك شزرا بالوشيج المقوم3 # لأنه أصاب في التفسير وأخطأ في الترتيب، وذاك أنه أتى بتفسير ما هو أول ~~في البيت الأول ثانيا في البيت الثاني، والأولى أن كان أتى بتفسير ذلك ~~مرتبا، ففسر ما هو أول في البيت الأول بما هو مكان في البيت الثاني. ~~PageV03P176 # واعلم أن الناظم لا ينكر عليه الذي ينكر على الناثر؛ لأن الناظم يضطره ~~الوزن والقافية إلى ترك الأولى. # وأما فساد التفسير فإنه أقبح من فساد ترتيبه، وذاك أن يؤتى بكلام ثم يفسر ~~تفسيرا لا يناسبه، وهو عيب لا تسامح فيه بحال، وذلك كقول بعضهم: # فيا أيها الحيران في ظلمة الدجى %~% ومن خاف أن يلقاه بغي من العدا # تعال إليه تلق من نور وجهه %~% ضياء ومن كفيه بحرا من الندى # وكان يجب لهذا الشاعر أن يقول بإزاء بغي العدا ما يناسبه من النصرة ~~والإعانة، أو ما جرى مجراهما، ليكون ذلك تفسيرا له, كما جعل بإزاء الظلمة ~~الضياء, وفسرها به، فأما أن ms508 جعل بإزاء ما يتخوف منه بحرا من الندى, فإن ذلك ~~غير لائق. PageV03P177 ### || النوع الخامس والعشرون: في الاقتصاد والتفريط والإفراط # اعلم أن هذه المعاني الثلاثة من الاقتصاد والتفريط والإفراط توجد في كل ~~شيء من علم وصناعة وخلق، ولا بد لنا من ذكر حقيقتها في أصل اللغة, حتى ~~تتبين نقلها إلى هذا النوع من الكلام. # فأما الاقتصاد في الشيء فهو من القصد الذي هو الوقوف على الوسط الذي لا ~~يميل إلى أحد الطرفين، قال الله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات} 1, فظلم النفس والسبق بالخيرات طرفان، والاقتصاد وسط ~~بينهما. PageV03P177 # وقال تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما} 1 فالإسراف والإقتار طرفان، والقوام وسط بينهما. # وقال الشاعر2: # عليك بالقصد فيما أنت فاعله %~% إن التخلق يأتي دونه الخلق # وأما التفريط فهو التقصير والتصنيع، ولهذا قال الله تعالى: {ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء} 3 أي: ما أهملنا ولا ضيعنا. # وأما الإفراط فهو: الإسراف وتجاوز الحد، فيقال: أفرط في الشيء إذا أسرف ~~وتجاوز الحد, والتفريط والإفراط هما الطرفان البعيدان، والاقتصاد هو الوسط ~~المعتدل. # وقد نقلت هذه المعاني الثلاثة إلى هذا النوع من علم البيان. # أما الاقتصاد فهو أن يكون المعنى المضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه ~~المعبر عنه في منزلته. # وأما التفريط والإفراط فهما ضدان: أحدهما: أن يكون المعنى المضمر في ~~العبارة دون ما يقتضيه منزلة المعبر عنه، والآخر: أن يكون المعنى فوق ~~منزلته. PageV03P178 ### ||| التفريط # والتفريط في إيراد المعاني الخطابية قبيح لا يجوز استعماله بوجه من ~~الوجوه، والإفراط يجوز استعماله، فمنه الحسن، ومنه دون ذلك. PageV03P178 # فمما جاء من التفريط قول الأعشى: # وما مزبد من خليج الفرا %~% ت جون غواربه تلتطم # بأجود منه بماعونه %~% إذا ما سماؤهم لم تغم1 # فإنه مدح ملكا بالجود بماعونه، والماعون كل ما يستعار من قدوم أو قصعة أو ~~قدر، أو ما أشبه ذلك، وليس للملوك في بذله مدح، ولا لأوساط الناس أيضا، وفي ~~مدح السوقة به قولان، ومدح الملوك به عيب وذم ms509 فاحش، وهذا من أقبح التفريط. # ومما يجري هذا المجرى قول الفرزدق: # ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد %~% على حاضر إلا نشل ونقذف # كلانا به عر يخاف قرافه %~% على الناس مطلي المشاعر أخشف2 PageV03P179 # هذا رجل ذهب عقله حين نظم هذين البيتين، فإن مراده منهما التغزل بمحبوبه, ~~وقد قصر تمنيه على أن يكون هو ومحبوبه كبعيرين أجربين، لا يقربهما أحد، ولا ~~يقربان أحدا، إلا طردهما، وهذا من الأماني السخيفة، وله في غير هذه الأمنية ~~مندوحات كثيرة. # وما أشبه هذا بقول القائل: # يا رب إن قدرته لمقبل %~% غيري فللأقداح أو للأكؤس # وإذا حكمت لنا بعين مراقب %~% في الدهر فلتك من عيون النرجس # فانظركم بين هاتين الأمنيتين. # ومما أخذ على أبي نواس في قصيدته الميمية الموصوفة التي مدح بها الأمين ~~محمد بن الرشيد، وهو قوله: # أصبحت يابن زبيدة ابنة جعفر %~% أملا لعقد حباله استحكام1 # فإن ذكر أم الخليفة في مثل هذا الموضع قبيح. # وكذلك قوله في موضع آخر: # وليس كجدتيه أم موسى %~% إذا نسبت ولا كالخيزران2 PageV03P180 # وهذا لغو من الحديث لا فائدة فيه، فإن شرف الأنساب إنما هو إلى الرجال، ~~لا إلى النساء، ويا ليت شعري أما سمع أبو نواس قول قتيلة بنت النضر في ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # أمحمد ولأنت نجل كريمة %~% من قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما %~% من الفتى وهو المغيظ المحنق1 # فإنها ذكرت الأم بغير اسم الأم، وأبرزت هذا الكلام في هذا اللباس الأنيق. # وكذلك فليكن المادح إذا مدح، وأبو نواس مع لطافة طبعه وذكائه وما كان ~~يوصف به من الفطنة قد ذهب عليه مثل هذا الموضع مع ظهوره. # وليس لقائل أن يعترض على ما ذكرته بقوله تعالى حكاية عن موسى وأخيه هارون ~~عليهما السلام: {قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} 2 فإن الفرق بين ~~الموضعين ظاهر؛ لأن المنكر على أبي نواس إنما هو التلفظ باسم الأم، وهي ~~زبيدة، وكذلك اسم الجدة، وهي الخيزران وليس كذلك ما ورد في الآية. فإن قيل: ms510 ~~قد ورد في القرآن الكريم ما يسوغ لأبي نواس مقالته، وهو قوله تعالى ~~PageV03P181 # {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله} 1 فناداه باسم أمه, قلت الجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما أن عيسى عليه السلام لم يكن له أب، فنودي باسم أمه ضرورة، إذ لو ~~كان له أب لنودي باسم أبيه. # الوجه الآخر: أن هذا النداء إنما هو من الأعلى إلى الأدنى، إذ الله ~~سبحانه وتعالى هو الرب، وعيسى عليه السلام عبده، وهذا لا يكون تفريطا؛ لأنه ~~لم يعبر عنه بما هو دون منزلته. # على أن أبا نواس لم يوقعه في هذه العثرة إلا ما سمعه عن جرير في مدح عمر ~~بن عبد العزيز كقوله: # وتبني المجد يا عمر ابن ليلى %~% وتكفي الممحل السنة الجمادا2 # وكذلك قال فيه كثير عزة أيضا. # وليس المعيب من هذا بخاف، فإن العرب قد كان يعير بعضها بعضا بنسبته إلى ~~أمه دون أبيه، ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقال له: ابن ~~حنتمة، وإنما كان يقول ذلك من يغض منه، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~للزبير ابن صفية: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" فإن صفية كانت عمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وإنما نسبه إليها رفعا لقدره في قرب نسبه منه، وأنه ابن ~~عمته، وليس هذا كالأول في الغض من عمر رضي الله عنه في نسبه إلى أمه3. ~~PageV03P182 # وقد عاب بعض من يتهم نفسه بالمعرفة قول أبي نواس في قصيدته السينية التي ~~أولها: # نبه نديمك قد نعس # فقال من جملتها: # ورث الخلافة خامسا %~% وبخير سادسهم سدس1 # قال: وفي ذكر السادس نظر، ويا عجبا له مع معرفته بالشعر كيف ذهب عليه هذا ~~الموضع? أما قرأ سورة الكهف، يريد قوله تعالى: {ويقولون خمسة سادسهم كلبهم} ~~2 وهذا ليس بشيء؛ لأنه قد ورد في القرآن الكريم ما ينقضه، وهو قوله تعالى: ~~{ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما ms511 يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} 3. # ومما عبته على البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان في قصيدته المشهورة ~~عند لقائه الأسد التي مطلعها: # أجدك ما ينفك يسري لزينبا # فقال: # شهدت لقد أنصفته حين تنبري %~% له مصلتا عضبا من البيض مقضبا # فلم أر ضرغامين أصدق منكما %~% عراكا إذا الهيابة النكس كذبا4 # قوله: "إذا الهيابة النكس" تفريط في المدح، بل كان الأولى أن يقول: إذا ~~البطل كذب، وإلا فأي مدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفر منه الجبان? ~~PageV03P183 # وألا قال كما قال أبو تمام: # فتى كلما أرتاد الشجاع من الردى %~% مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا1 # وعلى أسلوب البحتري ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة: # وإني لقوال لعافي مرحبا %~% وللطالب المعروف إنك واجده # وإني لممن أبسط الكف بالندى %~% إذا شنجت كف البخيل وساعده2 # وهذا معيب من جهة أنه لا فضل في بسط يده عند قبض يد البخيل، وإنما ~~الفضيلة في بسطها عند قبض الكرام أيديهم. # ومن هذا الباب قول أبي تمام: # يقظ وهو أكثر الناس إغضا %~% ء على نائل له مسروق3 # فإنه أراد أن يمدح فذم. # ومما هو أقبح من ذلك قوله أيضا: # تثفى الحرب منه حين تغلي %~% مراجلها بشيطان رجيم4 # وقد استعمل هذا في شعره حتى أفحش، كقوله: PageV03P184 # أنت دلو وذو السماح أبو مو %~% سى قليب وأنت دلو القليب1 # ومراده من ذلك أنه جعله سببا لعطاء المشار إليه كما أن الدلو سبب في ~~امتياح الماء من القليب، ولم يبلغ هذا المعنى من الإغراب إلى حد يدندن أبو ~~تمام حوله هذه الدندنة، ويلقيه في هذا المثال السخيف، على أنه لم يقنع بهذه ~~السقطة القبيحة في شعره، بل أوردها في مواضع أخرى منه، فمن ذلك قوله: # ما زال يهذي بالمكارم والعلا %~% حتى ظننا أنه محموم2 # فإنه أراد أن يبالغ في ذكر الممدوح باللهج بالمكارم والعلا، فقال: "ما ~~زال يهذي" وما أعلم ما كانت حاله عند نظم هذا البيت: # وعلى نحو منه جاء قول بعض المتأخرين: # ويلحقه ms512 عند المكارم هزة %~% كما انتفض المجهود من أم ملدم3 # وهذا وأمثاله لا يجوز استعماله، وإن كان المعنى المقصود به حسنا، وكم ممن ~~يتأول معنى كريما فأساء في التعبير عنه حتى صار مذموما، كهذا وأمثاله. ~~PageV03P185 # ومن أحسن ما قيل في مثل هذا الموضع قول ابن الرومي: # ذهب الذين تهزهم مداحهم %~% هز الكماة عوالي المران # كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم %~% فالأريحية منهم بمكان1 # ومن شاء أن يمدح فليمدح هكذا، وإلا فليسكت. # ووجدت أبا بكر محمد بن يحيى المعروف بالصولي قد عاب على حسان بن ثابت رضي ~~الله عنه قوله: # لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى %~% وأسياقنا يقطرن من نجدة دما2 # وقال إنه جمع الجفنات، والأسياف جمع قلة، وهو في مقام فخر، وهذا مما يحط ~~من المعنى ويضع منه، وقد ذهب إلى هذا غيره أيضا، وليس بشيء؛ لأن الغرض إنما ~~هو الجمع، فسواء أكان جمع قلة أم جمع كثرة. PageV03P186 # ويدل على ذلك قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} 1 أفترى نعم الله ~~أكانت قليلة على إبراهيم صلوات الله عليه؟ # وكذلك ورد قوله عز وجل في سورة النمل: {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من ~~غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين، فلما جاءتهم ~~آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} 2 فقال: {واستيقنتها أنفسهم} فجمع النفس جمع ~~قلة، وما كان قوم فرعون بالقليل حتى تجمع نفوسهم جمع قلة، بل كانوا مئين ~~ألوفا، وهذا أيضا مما يبطل قول الصولي وغيره في مثل هذا الموضوع. # وكذلك ورد قوله عز وجل: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها} 3 والنفوس المتوفاة والنائمة لا ينتهي إلى كثرتها كثرة؛ لأنها نفوس ~~كل من في العالم. # واعلم أن للمدح ألفاظا تخصه، وللذم ألفاظا تخصه، وقد تعمق قوم في ذلك حتى ~~قالوا: من الأدب ألا تخاطب الملوك ms513 ومن يقاربهم بكاف الخطاب، وهذا غلط بارد، ~~فإن الله الذي هو ملك الملوك قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز فقيل: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} . # وقد ورد أمثال هذا في مواضع من القرآن الكريم غير محصورة، إلا أني قد ~~راجعت نظري في ذلك، فرأيت الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم4، والعوائد لا ~~حكم لها، PageV03P187 # ولا شك أن العادة أوجبت للناس مثل هذا التعمق في ترك الخطاب بالكاف، لكني ~~تأملت أدب الشعراء والكتاب في هذا الموضع فوجدت الخطاب لا يعاب في الشعر ~~ويعاب في الكتابة إذا كان المخاطب دون المخاطب درجة، وأما إن كان فوقه فلا ~~عيب في خطابه إياه بالكاف؛ لأنه ليس من التفريط في شيء, فمن خطاب الكاف قول ~~النابغة: # وإنك كالليل الذي هو مدركي وإن %~% خلت أن المنتأى عنك واسع1 # وكذلك ورد قوله أيضا: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة %~% وليس وراء الله للمرء مذهب2 # وعليه جاء قول بعض المتأخرين أيضا، فقال أبو نواس: # إليك أبا المنصور عذبت ناقتي %~% زيارة خل وامتحان كريم # لأعلم ما تأتي وإن كنت عالما %~% بأنك مهما نأت غير ملوم3 # وكذلك ورد قول السلامي4: # إليك طوى عرض البسيطة جاعل %~% قصارى المطايا أن يلوح لها القصر # وبشرت آمالي بملك هو الورى %~% ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر5 ~~PageV03P188 # وعليه ورد قوله البحتري: # ولقد أتيتك طالبا فبسطت من %~% أملي وأطلب جود كفك مطلبي1 # وجل خطاب الشعراء للممدوحين إنما هو بالكاف. # وذلك محظور على الكتاب، فإنه ليس من الأدب عندهم أن يخاطب الأدنى الأعلى ~~بالكاف، وإنما يخاطبه مخاطبة الغائب لا مخاطبة الحاضر. # على أن هذا الباب بجملته يوكل النظر فيه إلى فطانة الخطيب والشاعر، وليس ~~مما يوقف فيه على المسموع خاصة. # ومن ألطف ما وجدته أنك إذا خاطبت الممدوح أن تترك الخطاب بالأمر بأن ~~تقول: افعل كذا وكذا، وتخرجه مخرج الاستفهام، وهذا الأسلوب حسن جدا، وعليه ~~مسحة من جمال، بل عليه الجمال كله. # فمما جاء منه قول البحتري في قصيدة أولها: # بودي لو يهوى العذول ويعشق # فقال منها: # فهل أنت ms514 يابن الراشدين مختمي %~% بياقوتة تبهى علي وتشرق2 # وهذا من الأدب الحسن في خطاب الخليفة، فإنه لم يخاطبه بأن قال: ختمني ~~بياقوتة، على سبيل الأمر بل خاطبه على سبيل الاستفهام، وقد أعجبني هذا ~~المذهب، وحسن عندي. PageV03P189 # وقد حذا حذو البحتري شاعر من شعراء عصرنا فقال في مدح الخليفة الناصر ~~لدين الله أبي العباس أحمد من قصيدة له على قافية الدال، فقال من أبيات يصف ~~بها قصيدته: # أمقبولة يابن الخلائف من فمي %~% لديك بوصفي غادة الشعر رؤده1 # فقوله: "أمقبولة" من الأدب الحسن الذي نسج فيه على منوال البحتري. # وهذا باب مفرد، وهو باب الاستفهام في الخطاب، وإذا كان الشاعر فطنا عالما ~~بما يضعه من الألفاظ والمعاني تصرف في هذا الباب بضروب التصرفات، واستخرج ~~من ذات نفسه شيئا لم يسبقه إليه أحد. # واعلم أن من المعاني ما يعبر عنه بألفاظ متعددة ويكون المعنى المندرج ~~تحتها واحدا، فمن تلك الألفاظ ما يليق استعماله بالمدح ومنها ما يليق ~~استعماله بالذم، ولو كان هذا الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ ~~الدالة عليه سواء في الاستعمال، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف دون الأصل. # ولنضرب له مثالا فنقول: هل يجوز أن يخاطب الملك فيقال له: وحق دماغك، ~~قياسا على وحق رأسك? وهذا يرجع إلى أدب النفس دون أدب الدرس. فإذا أراد ~~مؤلف الكلام أن يمدح ذكر الرأس والهامة والكاهل، وما جرى هذا المجرى، فإذا ~~أراد أن يهجو ذكر الدماغ والقفا والقذال2، وما جرى هذا المجرى، وإن كانت ~~معاني الجميع متقاربة، ومن أجل ذلك حسنت الكناية في الموضع الذي يقبح فيه ~~التصريح. PageV03P190 # ومن أحسن ما بلغني من أدب النفس في الخطاب أن عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~سأل قباث بن أشيم، فقال له: أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ? ~~فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد. # فانظر إلى أدب هذا العربي الذي من شأنه وشأن أمثاله جفاء الخلق والبعد عن ~~فطانة الآداب. ### ||| الإفراط # وأما الإفراط ms515 فقد ذمه قوم من أهل هذه الصناعة، وحمده آخرون، والمذهب عندي ~~استعماله فإن أحسن الشعر أكذبه، بل أصدقه أكذبه، لكنه تتفاوت درجاته، فمنه ~~المستحسن الذي عليه مدار الاستعمال، ولا يطلق على الله سبحانه وتعالى؛ لأنه ~~مهما ذكر به من المغالاة1 في صفاته فإنه دون ما يستحقه. # ومما ورد من ذلك في الشعر قول عنترة: # وأنا المنية في المواطن كلها %~% والطعن مني سابق الآجال2 # وقد يروى3 بالياء، وكلا المعنيين حسن، إلا أن الياء أكثر غلوا. # ومما جاء على نحو من ذلك قول بشار: # إذا ما غضبنا غضبة مضرية %~% هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما4 PageV03P191 # ومنه ما يستهجن كقول النابغة الذبياني: # إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها %~% ومن يتعلق حيث علق يفرق1 # وهذا يصف طول قامتها2، لكنه من الأوصاف المنكرة التي خرجت بها المغالاة ~~عن حيز الاستحسان. # وكذلك ورد قول أبي نواس: # وأخفت أهل الشرك حتى إنه %~% لتخافك النطف التي لم تخلق3 # وهذا أشد إفراطا من قول النابغة. # ويروى أن العتابي لقي أبا نواس فقال له: أما استحييت الله حيث تقول، ~~وأنشده البيت، فقال له: وأنت ما راقبت الله حيث قلت: # ما زلت في غمرات الموت مطرحا %~% يضيق عني وسيع الرأي من حيلي # فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي %~% حتى اختلست حياتي من يدي أجلي # قال له العتابي: قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك، ولكنك قد أعددت ~~لكل ناصح جوابا. PageV03P192 # وقد أراد أبو نواس هذا المعنى في قالب آخر فقال: # كدت منادمة الدماء سيوفه %~% فلقلما تحتازها الأجفان # حتى الذي في الرحم لم يك صورة %~% لفؤاده من خوفه خفقان1 # وما يجيء في هذا الباب ما يجري هذا المجرى. # وقد استعمل أبو الطيب المتنبي هذا القسم في شعره كثيرا، فأحسن في مواضع ~~منه، فمن ذلك قوله: # عجاجا تعثر العقبان فيه %~% كأن الجو وعث أو خبار2 # ثم أعاد هذا المعنى في موضع آخر، فقال: # عقدت سنابكها عليها عثيرا %~% لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا3 PageV03P193 # وهذا أكثر مغالاة من الأول. # ومن ذلك قوله أيضا: # كأنما ms516 تتلقاهم لتسلكهم %~% فالطعن يفتح في الأجواف ما يسع1 # وعلى هذا ورد قول قيس بن الخطيم: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها %~% يرى قائم من دونها ما وراءها2 # لكن أبو الطيب أكثر غلوا في هذا المعنى، وقيس بن الخطيم، أحسن لأنه قريب ~~من الممكن، فإن الطعنة تنفذ حتى يتبين فيها الضوء، وأما أن يجعل المطعون ~~مسلكا يسلك كما قال أبو الطيب، فإن ذلك مستحيل، ولا يقال فيه بعيد. ~~PageV03P194 ### ||| الاقتصاد # وأما الاقتصاد فهو وسط بين المنزلتين، والأمثلة له كثيرة لا تحصى، إذ كل ~~ما خرج عن الطرفين من الإفراط والتفريط فهو اقتصاد. # ومن أحسنه أن يجعل الإفراط مثلا، ثم يستثنى فيه بلو أو بكاد وما جرى ~~مجراهما. # فمن ذلك قوله تعالى: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} 1 وكذلك قوله عز وجل: ~~{وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} 2 وقد ورد هذا في ~~القرآن الكريم كثيرا. PageV03P194 # ومما ورد منه شعرا قول الفرزدق: # يكاد يمسكه عرفان راحته %~% ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم1 # وكذلك ورد قول البحتري: # لو أن مشتاقا تكلف فوق ما %~% في وسعه لسعى إليك المنبر2 # وهذا هو المذهب المتوسط. PageV03P195 ### || النوع السادس والعشرون: في الاشتقاق # اعلم أن جماعة علماء البيان يفصلون الاشتقاق عن التجنيس، وليس الأمر ~~كذلك، بل التجنيس أمر عام لهذين النوعين من الكلام، وذاك أن التجنيس في أصل ~~الوضع من قولهم: جانس الشيء الشيء، إذا ماثله وشابهه، ولما كانت PageV03P195 # الحال كذلك ووجدنا من الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبنائه علمنا ~~أن ذلك يطلق عليه اسم التجنيس. # وكذلك لما وجدنا من المعاني ما يتماثل ويتشابه علمنا أن ذلك يطلق عليه ~~اسم التجنيس أيضا. # فالتجنيس إذا ينقسم قسمين: أحدهما تجنيس في اللفظ، والآخر تجنيس في ~~المعنى. # فأما الذي يتعلق باللفظ فإنه لم ينقل عن بابه ولا غير اسمه، وقد تقدم ~~ذكره في باب الصناعة اللفظية. # وأما الذي يتعلق بالمعنى فإنه نقل عن بابه في التجنيس، وسمي الاشتقاق أي: ~~أحد المعنيين مشتق من الآخر. وهو على ضربين: صغير وكبير. فالصغير: ms517 أن تأخذ ~~أصلا من الأصول فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغته ومبانيه، كترتيب "س ل ~~م" فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه، نحو: سلم وسالم وسلمان وسلمى، ~~والسليم اللديغ أطلق عليه ذلك تفاؤلا بالسلامة. # والأصل في ذلك أن يضع واضع اللغة اسما أول لمسمى أول، ثم يجد مسمى آخر أو ~~مسميات شبيهة بالمسمى الأول فيضع لها اسما كالاسم الأول، كقوله ضرير اسم ~~للأعمى، والضر: ضد النفع، والضراء: الشدة من الأمر، والضر بالضم: الهزال ~~وسوء الحال، والضرر: الضيق، والضرة: إحدى الزوجتين، فإن هذه المسميات كلها ~~تدل على الأذى والشر، وأسماؤها متشابهة لم تخرج عن الضاد والراء، إلا أنا ~~الآن لا نعلم ما هو الأول منها حتى نحكم على الثاني أنه مشتق منه، لكن نعلم ~~في السليم اللديغ أنه مشتق من السلامة؛ لأنه PageV03P196 # ضدها، قيل: من أجل التفاؤل بالسلامة، وعلى هذا جاء غيره من الأصول، ~~كقولنا: هشمك هاشم، وحاربك محارب، وسالمك سالم، وأصاب الأرض صيب، فهذه ~~الألفاظ كلها لفظها واحد ومعناها واحد، أما هاشم فإنه لم يسم بهذا الاسم ~~إلا لأنه هشم الثريد في عام محل فسمي بذلك، وأما محارب فإنه اسم فاعل من ~~حارب فهو محارب، وأما سالم فمن السلام، وهو اسم فاعل من سلم، وأما الصيب ~~فهو المطر الذي يشتد صوبه أي: وقعه على الأرض. # ولا يقاس على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أسلم سالمها الله، ~~وغفار غفر الله، وعصية عصت الله" فإن أسلم وغفار وعصية أسماء قبائل، ولم ~~تسم أسلم من المسالمة، ولا غفار من المغفرة، ولا عصية من تصغير عصا، وهذا ~~هو التجنيس، وليس بالاشتقاق، والنظر في مثل ذلك يحتاج إلى فكرة وتدبر كي لا ~~يختلط التجنيس بالاشتقاق. # ومما جاء من ذلك شعرا قول البحتري: # أمحلتي سلمى بكاظمة اسلما1 # وكذلك قول الآخر: # وما زال معقولا عقال عن الندى %~% وما زال محبوسا عن الخير حابس2 # وربما ظن أن هذا البيت وما يجري مجراه تجنيس، حيث قيل فيه: معقول وعقال، ~~ومحبوس وحابس، وليس الأمر كذلك. # وهذا الموضوع ms518 يقع فيه الاشتباه كثيرا على من لم يتقن معرفته. وقد تقدم ~~القول PageV03P197 # أن حقيقة التجنيس هي: اتفاق اللفظ واختلاف المعنى, وعقال ومعقول وحابس ~~ومحبوس اللفظ فيهما واحد والمعنى أيضا واحد، فهذا مشتق من هذا أي: قد شق ~~منه. # وكذلك ورد قول عنترة: # لقد علم القبائل أن قومي %~% لهم حد إذا لبس الحديد1 # فإن حدا وحديدا لفظهما واحد ومعناهما واحد. # وأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلا من الأصول فتعقد عليه وعلى ~~تراكيبه معنى واحدا يجمع تلك التراكيب, وما تصرف منها, وإن تباعد شيء من ~~ذلك عنها رد بلطف الصنعة والتأويل إليها. ولنضرب لذلك مثالا، فنقول: إن ~~لفظة "ق م ر" من الثلاثي لها ست تراكيب، وهي: "ق ر م، ق م ر، ر ق م، ر م ق، ~~م ق ر، م ر ق"، فهذه التراكيب الست يجمعها معنى واحد، وهو القوة والشدة، ~~فالقرم: شدة شهوة اللحم، وقمر الرجل، إذا غلب من يقامره، والرقم: الداهية، ~~وهي الشدة التي تلحق الإنسان من دهره، وعيش مرمق أي: ضيق، وذلك نوع من ~~الشدة أيضا، والمقر: شبه الصبر، يقال: أمقر الشيء، إذا أمر، وفي ذلك شدة ~~على الذائق وكراهة، ومرق السهم، إذا نفذ من الرمية، وذلك لشدة مضائه وقوته. ~~واعلم أنه إذا سقط من تراكيب الكلمة شيء فجائز ذلك في الاشتقاق؛ لأن ~~الاشتقاق ليس من شرطه كمال تركيب الكلمة، بل من شرطه أن الكلمة كيف تقلبت ~~بها تراكيبها من تقديم حروفها وتأخيرها أدت إلى معنى واحد يجمعها. # فمثال ما سقط من تركيب الثلاثي لفظة "وس ق" فإن لها خمس تراكيب، وهي: "وس ~~ق، وق س، س وق، ق س و، ق وس"، وسقط من جملة التراكيب PageV03P198 # قسم واحد، وهو س ق و، وجميع الخمسة المذكورة تدل على القوة والشدة أيضا، ~~فالوسق من قولهم: استوسق الأمر أي: اجتمع وقوي، والوقس: ابتداء الجرب، وفي ~~ذلك شدة على من يصيبه وبلاء، والسوق: متابعة السير، وفي هذا عناء وشدة على ~~السائق والمسوق، والقسوة: شدة القلب وغلظه، والقوس معروفة، ms519 وفيها نوع من ~~الشدة والقوة، لنزعها السهم وإخراجه إلى ذلك المرمى المتباعد. # واعلم أنا لا ندعي أن هذا يطرد في جميع اللغة، بل قد جاء شيء منها كذلك، ~~وهذا مما يدل على شرفها وحكمتها؛ لأن الكلمة الواحدة تتقلب على ضروب من ~~التقاليب، وهي مع ذلك دالة على معنى واحد، وهذا من أعجب الأسرار التي توجد ~~في لغة العرب وأغربها، فاعرفه. # إلا أن الاستعمال في النظم والنثر إنما يقع في الاشتقاق الصغير دون ~~الكبير، وسبب ذلك أن الاشتقاق الصغير تكثر الألفاظ الواردة عليه، والاشتقاق ~~الكبير لا يكاد يوجد في اللغة إلا قليلا، وأيضا فإن الحسن اللفظي الذي هو ~~الفصاحة إنما يقع في الاشتقاق الصغير، ولا يقع في الاشتقاق الكبير، ألا ترى ~~إلى هذين الأصلين الواردين ههنا، وهما "ق ر م" و"وس ق" إذا نظرنا إلى ~~تراكيبهما وأردنا أن نسبكهما في الاستعمال لم يأت منهما مثل ما يأتي في ~~الاشتقاق الصغير حسنا ورونقا؛ لأن ذاك لفظه لفظ تجنيس، ومعناه معنى اشتقاق ~~والاشتقاق الكبير ليس كذلك. PageV03P199 ### || النوع السابع والعشرون: في التضمين # وهذا النوع فيه نظر بين حسن يكتسب به الكلام طلاوة وبين معيب عند قوم، ~~وهو عندهم معدود من عيوب الشعر، ولكل من هذين القسمين مقام. ### ||| التضمين الحسن: # فأما الحسن الذي يكتسب به الكلام طلاوة فهو أن يضمن الآيات والأخبار ~~النبوية، وذلك يرد على وجهين: أحدهما تضمين كلي، والآخر تضمين جزئي. # فأما التضمين الكلي فهو أن تذكر الآية والخبر بجملتهما، وأما التضمين ~~الجزئي فهو أن تدرج بعض الآية والخبر في ضمن كلام، فيكون جزأ منه كالذي ~~أوردته في حل الآيات والأخبار في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب. # وقد قيل: إنه لا يجوز درج آيات القرآن الكريم في غضون الكلام من غير ~~تبيين، كي لا يشتبه، وهذا القول لا أقول به، فإن القرآن الكريم أبين من أن ~~يحتاج إلى بيان، وكيف يخفى وهو المعجز الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثله لا يأتون بمثله، فإن كانت المفاوضة في التفرقة بينه وبين غيره ms520 ~~من الكلام إذا أدرج فيه مع جاهل لا يعرف الفرق فذاك لا كلام معه، وإن كان ~~الكلام مع عالم بذلك فذاك لا يخفى عنه القرآن الكريم من غيره. ومذهبي في ~~هذا هو ما تقدم ذكره في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب، وهو أحسن الوجهين ~~عندي، وذاك أنه لا تؤخذ الآية بكمالها، بل يؤخذ جزء منها ويجعل أولا لكلام ~~أو آخرا، هذا إذا لم يقصد به التضمين، فأما إذا PageV03P200 # قصد التضمين فتؤخذ الآية بكمالها, وتدرج درجا، وهذا ينكره من لم يذق ما ~~ذقته من طعم البلاغة ولا رأى ما رأيته. ### ||| التضمين المعيب: # وأما المعيب عند قوم فهو تضمين الإسناد، وذلك يقع في بيتين من الشعر، أو ~~فصلين من الكلام المنثور، على أن يكون الأول منهما مسندا إلى الثاني فلا ~~يقوم الأول بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني، وهذا هو المعدود من عيوب ~~الشعر، وهو عندي غير معيب؛ لأنه إن كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على ~~الثاني فليس ذلك بسبب يوجب عيبا، إذ لا فرق بين البيتين من الشعر في تعلق ~~أحدهما بالآخر وبين الفقرتين من الكلام المنثور في تعلق إحداهما بالأخرى؛ ~~لأن الشعر هو كل لفظ موزون مقفى دل على معنى، والكلام المسجوع هو كل لفظ ~~مقفى دل على معنى، فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير. # والفقر المسجوعة التي يرتبط بعضها ببعض، قد وردت في القرآن الكريم في ~~مواضع منه، فمن ذلك قوله عز وجل في سورة الصافات: {فأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون، قال قائل منهم إني كان لي قرين، يقول أإنك لمن المصدقين، أإذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون} 1. # فهذه الفقر الثلاث الأخيرة مرتبط بعضها ببعض، فلا تفهم كل واحدة منهن إلا ~~بالتي تليها، وهذا كالأبيات الشعرية في ارتباط بعضها ببعض، ولو كان عيبا ~~لما ورد في كتاب الله عز وجل. # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة الصافات أيضا: {فإنكم وما تعبدون، ما أنتم ~~عليه بفاتنين، إلا من هو صال الجحيم} 2. # فالآيتان الأوليان لا تفهم إحداهما ms521 إلا بالأخرى. PageV03P201 # وهكذا ورد قوله عز وجل في سورة الشعراء: {أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم ~~جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} 1 فهذه ثلاث آيات لا ~~تفهم الأولى ولا الثانية إلا بالثالثة، ألا ترى أن الأولى والثانية في معرض ~~استفهام يفتقر إلى جواب، والجواب هو في الثالثة؟. # ومما ورد من ذلك شعرا قول بعضهم: # ومن البلوى التي لي %~% س لها في الناس كنه # أن من يعرف شيئا %~% يدعي أكثر منه # ألا ترى أن البيت الأول لم يقم بنفسه ولا يتم معناه إلا بالبيت الثاني؟ ~~وقد استعمله العرب كثيرا، وورد في شعر فحول شعرائهم، فمن ذلك قول امرئ ~~القيس: # فقلت له لما تمطى بصلبه %~% وأردف أعجازا وناء بكلكل # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي %~% بصبح وما الإصباح منك بأمثل2 # وكذلك ورد قول الفرزدق: # وما أحد من الأقوام عدوا %~% عروق الأكرمين إلى التراب # بمحتفظين إن فضلتمونا %~% عليهم في القديم ولا غضاب3 PageV03P202 # وكذلك ورد قول بعض شعراء الحماسة: # لعمري لرهط المرء خير بقية %~% عليه وإن عالوا به كل مركب # من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى %~% جزيل ولم يخبرك مثل مجرب1 # الضرب الثاني من التضمين, وهو أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاما ~~آخر لغيره، قصدا للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود، ولو لم يذكر ذلك ~~التضمين لكان المعنى تاما. # وربما ضمن الشاعر البيت من شعره بنصف بيت، أو أقل منه، كما قال جحظة: # قم فاسقينها يا غلام وغنني %~% ذهب الذين يعاش في أكنافهم2 # ... # ألا ترى أنه لو لم يقل في هذا البيت # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # لكان المعنى تاما لا يحتاج إلى شيء آخر، فإن قوله: # قم فاسقينها يا غلام وغنني # فيه كفاية، إذ لا حاجة له إلى تعيين الغناء؛ لأن في ذلك زيادة على المعنى ~~المفهوم لا على الغرض المقصود. # وقد ورد هذا في عدة مواضع من شعر أبي نواس في الخمريات، كقوله في مخاطبة ~~بعض خلطائه على مجلس الشراب: # فقلت هل لك في الصهباء تأخذها %~% من ms522 كف ذات حر فالعيش مقتبل # حيرية كشعاع الشمس صافية %~% تطير بالكأس من لألائها شعل PageV03P203 # فقال هات وأسمعنا على طرب %~% ودع هريرة إن الركب مرتحل1 # وكذلك قوله أيضا: # وظبي خلوب اللفظ حلو كلامه %~% مقبله سهل وجانبه وعر # نحلت له منها فخر لوجهه %~% وأمكن منه ما تحيط به الأزر # فقمت إليه والكرى كحل عينه %~% فقبلته والصب ليس له صبر # إلى أن تجلى نومه عن جفونه %~% وقال كسبت الذنب قلت لي العذر # فأعرض مزورا كأن بوجهه %~% تفقؤ رمان وقد برد الصدر # فما زلت أرقيه وألثم خده %~% إلى أن تغنى راضيا وبه سكر # ألا فاسلمي يا دار مي على البلى %~% ولا زال منهلا بجرعائك القطر2 # وقد استعمل هذا الضرب كثيرا الخطيب عبد الرحمن بن نباتة رحمه الله، فمن ~~ذلك قوله في بعض خطبه، وهو: "فيأيها الغفلة المطرقون أما أنتم بهذا الحديث ~~مصدقون، فما لكم منه لا تشفقون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم ~~تنطقون3". PageV03P204 # وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: "فيومئذ تغدو الخلائق على الله ~~بهما، فيحاسبهم على ما أحاط به علما, وينفذ في كل عامل بعمله حكما، وعت ~~الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما"1. # ألا ترى إلى براعة هذا التضمين الذي كأنه قد رصع في هذا الموضع رصعا؟. # وعلى نحو من ذلك جاء قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: "هناك يقع الحساب على ~~ما أحصاه الله كتابا، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا، يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا2". # ومما ينتظم بهذا السلك قوله في خطبة أخرى، وهو: "أسكتهم الله الذي ~~أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، يوم ~~يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا، ويوم ~~تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، يوم تجد كل نفس ما عملت ~~من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا"3. # ومن هذا الباب قوله أيضا: "هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ms523 ويجمع من ~~وجب له الثواب، ومن حق عليه العقاب، فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه ~~الرحمة وظاهره من قبله العذاب4". # وأمثال هذه التضمينات في خطبه كثيرة وهي من محاسن ما يجيء في هذا النوع. ~~PageV03P205 ### || النوع الثامن والعشرون: الإرصاد # وحقيقته أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية قد أرصدها له أي: أعدها ~~في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي في قافيته. وذلك من محمود ~~الصنعة، فإن خير الكلام ما دل بعضه على بعض. # وفي الافتخار بذلك يقول ابن نباتة السعدي: # خذها إذا أنشدت في القوم من طرب %~% صدورها عرفت منها قوافيها # ينسى لها الراكب العجلان حاجته %~% ويصبح الحاسد الغضبان يطريها1 # فمن هذا الباب قول النابغة: # فداء لامرئ سارت إليه %~% بعذرة ربها عمي وخالي # ولو كفي اليمين بغتك خونا %~% لأفردت اليمين عن الشمال2 # ألا ترى أنه يعلم إذا عرفت القافية في البيت الأول أن في البيت الثاني ~~ذكرا الشمال؟. # وكذلك جاء قول البحتري: # أحلت دمي من غير جرم وحرمت %~% بلا سبب يوم اللقاء كلامي # فليس الذي حللته بمحلل %~% ليس الذي حرمته بحرام3 PageV03P206 # فليس يذهب على السامع -وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني- أن عجزه ~~هو ما قاله البحتري. # وقد جاء الإرصاد في الكلام المنثور كما جاء في الشعر. # فمن ذلك قوله تعالى: {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} 1. # فإذا وقف السامع على قوله تعالى: {لقضي بينهم فيما فيه} عرف أن بعده ~~"يختلفون" لما تقدم من الدلالة عليه. # ومن ذلك أيضا قوله عز وجل: {فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته ~~الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون} 2 وعلى نحو منه جاء قوله تعالى: {مثل الذين اتخذوا من ~~دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} ~~3 فإذا وقع السامع على قوله عز وجل: {وإن أوهن البيوت} يعلم أن بعده بيت ~~العنكبوت. ms524 # ورأيت أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع التوشيح4، وليس PageV03P207 # كذلك بل تسميته بالإرصاد أولى، وذلك حيث ناسب الاسم مسماه، ولاق به, وأما ~~التوشيح فإنه نوع آخر من علم البيان، وسيأتي ذكره بعد هذا النوع إن شاء ~~الله تعالى. # واعلم أنه قد اختلف جماعة من أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم ~~البيان، حتى إن أحدهم يضع لنوع واحد منه اسمين، اعتقادا منه أن ذلك النوع ~~نوعان مختلفان، وليس الأمر كذلك، بل هما نوع واحد. # فممن غلط في ذلك الغانمي1 فإنه ذكر بابا من أبواب علم البيان وسماه ~~التبليغ وقال: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون ~~للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه، فيبلغ ~~بذلك الغاية القصوى في الجودة، كقول امرئ القيس: # كأن عيون الوحش حول خبائنا %~% وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب2 # فإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية، ولما جاء بها بلغ الأمد الأقصى في ~~المبالغة. # ثم إن الغانمي ذكر بعد هذا الباب بابا آخر، وسماه الإشباع، فقال: هو أن ~~يأتي الشاعر بالبيت معلق القافية على آخر أجزائه، ولا يكاد يفعل ذلك إلا ~~حذاق الشعراء، وذاك أن الشاعر إذا كان بارعا جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى ~~البيت -وقد تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه- قافية متممة لأعاريضه ووزنه ~~فجعلها نعتا للمذكور، كقول ذي الرمة: PageV03P208 # قف العيس في أطلال مية فاسأل %~% رسوما كأخلاق الرداء المسلسل1 # هذا كلام الغانمي بعينه, والبابان المذكوران سواء، لا فرق بينهما بحال. # والدليل على ذلك أن بيت امرئ القيس يتم معناه قبل أن يؤتى بقافيته، وكذلك ~~بيت ذي الرمة، ألا ترى أن امرأ القيس لما قال: # كأن عيون الوحش حول خبائنا %~% وأرحلنا الجزع # ................... # أتى بالتشبيه أيضا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة ~~حسنة وهي قوله: "لم يثقب". # وهكذا ذو الرمة، فإنه لما قال: # قف العيس في أطلال مية فاسأل %~% رسوما كأخلاق الرداء # ......... # أتى بالتشبيه أيضا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء ms525 بزيادة ~~حسنة وهي قوله: "المسلسل". # واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما الإيغال2، وقال: ~~هو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع ~~PageV03P209 # فيزيد فيه معنى آخر، وأصل الإيغال من أوغل في الأمر، إذا أبعد الذهاب ~~فيه، ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة: # قف العيس في أطلال مية فاسأل # وهذا البيت أقرب أمدا من الغانمي؛ لأنه ذكره في باب واحد، وسماه باسم ~~واحد، ولم يذكره في باب آخر كما فعل الغانمي. # وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على ~~أن ينتصب لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرها ~~داخلا في الآخر فيذهب عنه ويخفى عليه1، وهو أشهر من فلق الصباح. # وههنا ما هو أغرب من ذاك، وذلك أنه قد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه ~~طرقا خارجة عن موضوع علم البيان، وهي بنجوة عنه؛ لأنها في واد وعلم البيان ~~في واد. # فممن فعل ذلك الحريري صاحب المقامات، فإنه ذكر تلك الرسالة2 التي هي ~~PageV03P210 # كلمة معجمة وكلمة مهملة، والرسالة التي حرف من حروف ألفاظها معجم والآخر ~~غير معجم، ونظم غيره شعرا آخر كل بيت منه أول للبيت الذي يليه، وكل هذا وإن ~~تضمن مشقة من الصناعة، فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة؛ لأن الفصاحة هي ~~ظهور الألفاظ مع حسنها، على ما أشرت إليه في مقدمة كتابي هذا، وكذلك ~~البلاغة فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعاني، من قولنا بلغت المكان ~~إذا انتهيت إليه. # وهذا الكلام المصوغ مما أتى به الحريري في رسالته وأورده ذلك الشاعر في ~~شعره لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة، وإنما يأتي ومعانيه غثة باردة، وسبب ذلك ~~أنها تستكره استكراها، وتوضع في غير مواضعها، وكذلك ألفاظه، فإنها تجيء ~~مكرهة أيضا غير ملائمة لأخواتها، وعلم البيان إنما هو الفصاحة والبلاغة في ~~الألفاظ والمعاني، فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع المشار إليها لا يكون ~~معدودا منه، ولا داخلا في بابه. # ولو كان ذلك مما يوصف ms526 بحسن ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب الله عز وجل الذي ~~هو معدن الفصاحة والبلاغة أو ورد في كلام العرب الفصحاء، ولم نره في شيء من ~~أشعارهم ولا خطبهم. # ولقد رأيت رجلا أديبا من أهل المغرب، وقد تغلغل في شيء عجيب وذاك أنه شجر ~~شجرة ونظمها شعرا، وكل بيت من ذلك الشعر يقرأ على ضروب من الأساليب اتباعا ~~لشعب تلك الشجرة وأغصانها، فتارة تقرأ كذا، وتارة تقرأ كذا، وتارة يكون جزء ~~منه ههنا، وتارة ههنا، وتارة يقرأ مقلوبا، وكل ذلك الشعر وإن كان له معنى ~~يفهم إلا أنه ضرب من الهذيان، والأولى به وبأمثاله أن يلحق بالشعبذة ~~والمعالجة والمصارعة، لا بدرجة الفصاحة والبلاغة. PageV03P211 # ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي قد ذكر بابا من الأبواب في ~~كتابه1 فقال: ينبغي ألا تستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ المتكلمين ~~والنحويين والمهندسين ومعانيهم، ولا الألفاظ التي تختص بها بعض المهن ~~والعلوم؛ لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ~~ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة2، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام: # مودة ذهب أثمارها شبه %~% وهمة جوهر معروفها عرض3 # وبقوله أيضا: # خرقاء يلعب بالعقول حبابها %~% كتلعب الأفعال بالأسماء4 # وهذا الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة: # إن الذي تكرهون منه %~% هو الذي يشتهيه قلبي # وسأبين فساد ما ذهب إليه، فأقول: أما قوله إنه يجب على الإنسان إذا خاض ~~في علم أو تكلم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك ~~الصناعة, PageV03P212 # فهذا مسلم إليه، ولكنه شذ عنه أن صناعة المنظوم والمنثور مستمدة من كل ~~علم وكل صناعة؛ لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له يضبطه، ~~ولا حاصر يحصره، فإذا أخذ مؤلف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنى من ~~المعاني وأداه ذلك إلى استعمال معنى فقهي أو نحوي أو حسابي أو غير ذلك فليس ~~له أن يتركه ويحيد عنه؛ لأنه من مقتضيات هذا المعنى الذي قصده. # ألا ترى ms527 إلى قول أبي تمام في الاعتذار: # فإن يك جرم عن أو تك هفوة %~% على خطأ مني فعذري على عمد1 # فإن هذا من أحسن ما يجيء في باب الاعتذار عن الذنب، وكان ينبغي له على ما ~~ذكره ابن سنان أن يترك ذلك ولا يستعمله، حيث فيه لفظتا "الخطأ" و"العمد" ~~اللتان هما من أخص ألفاظ الفقهاء. # وكذلك قول أبي الطيب المتنبي: # ولقيت كل الفاضلين كأنما %~% رد الإله نفوسهم والأعصرا # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما %~% وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا2 PageV03P213 # وهذا من المعاني البديعة، وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا ~~الموضع بلفظة "فذلك" التي هي من ألفاظ الحساب، بل كان يترك هذا المعنى ~~الشريف الذي لا يتم إلا بتلك اللفظة موافقة لابن سنان فيما رآه وذهب إليه، ~~وهذا محض الخطأ وعين الغلط. # وأما ما أنكره على أبي تمام في قوله: # مودة ذهب أثمارها شبه %~% وهمة جوهر معروفها عرض # فإن هذا البيت ليس منكرا لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين ~~هما من خصائص ألفاظ المتكلمين، بل لأنه في نفسه ركيك، لتضمنه لفظة "الشبه" ~~فإنها لفظة عامية ركيكة، وهي التي أسخفت بالبيت بجملته، ورب قليل أفسد ~~كثيرا، وأما لفظتا الجوهر والعرض فلا عيب فيهما، ولا ركاكة عليهما. # وأما البيت الآخر، وهو: # خرقاء يلعب بالعقول حبابها %~% كتلعب الأفعال بالأسماء # فليس بمنكر، وهل يشك في أن التشبيه الذي تضمنه واقع في موقعه? ألا ترى أن ~~الفعل ينقل الاسم من حال إلى حال، وكذلك تفعل الخمر بالعقول في تنقل ~~حالاتها، فما الذي أنكره ابن سنان من ذلك? # وقد جاء لبعض المتأخرين من هذا الأسلوب ما لا يدافع في حسنه، وهو قوله: # عوامل رزق أعربت لغة الردى %~% فجسم له خفض ورأس له نصب # فإنه لما حصل له المشابهة في الاسمية بين عوامل الرماح والعوامل النحوية ~~حسن موقع ما ذكره من الخفض والنصب، وعلى ما ذكره ابن سنان فإن ذلك غير ~~جائز، وهو من مستحسنات المعاني، هذا من أعجب الأشياء. PageV03P214 # وعلى هذا الأسلوب ورد ms528 قول بعضهم: # وفتى من مازن %~% فاق أهل البصره # أمه معرفة %~% وأبوه نكره # وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته? # وكذلك ورد من هذا النوع في شعر بعض العراقيين يهجو طبيبا فقال: # قال حمار الطبيب توما %~% لو أنصفوني لكنت أركب # لأنني جاهل بسيط %~% وراكبي جهله مركب # وهذا من المعنى الذي أغرب في الملاحة، وجمع بين خفة السخرية ووقار ~~الفصاحة. # وقد تقدم القول في صدر كتابي هذا أنه يجب على صاحب هذه الصناعة أن يتعلق ~~بكل علم وكل صناعة، ويخوض في كل فن من الفنون؛ لأنه مكلف بأن يخوض في كل ~~معنى من المعاني، فاضمم يدك على ما ذكرته ونصصت عليه، واترك ما سواه، فليس ~~القائل بعلمه واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده. # وهذا النوع إذا استعمل على الوجه المرضي كان حسنا، وإذا استعمل بخلاف ذلك ~~كان قبيحا، كما جاء كلام أبي العلاء بن سليمان المعري، وهو قوله في رسالة ~~كتبها إلى بعض إخوانه: "حرس الله سعادته ما أدغمت التاء في الظاء، وتلك ~~سعادة بغير انتهاء"، وهذا من الغث البارد، لكن قد جاء في الشعر ما هو حسن ~~فائق، كقوله: # فدونكم خفض الحياة فإننا %~% نصبنا المطايا في الفلاة على القطع1 ~~PageV03P215 # والخفض والنصب من الإعراب النحوي، والخفض: رفاهة العيش، والقطع: من ~~منصوبات النحو، والقطع: قطع الشيء، يقال: قطعته إذا بترته. PageV03P216 ### || النوع التاسع والعشرون: في التوشيح # وهو أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين، فإذا وقف من البيت ~~على القافية الأولى كان شعرا مستقيما من بحر على عروض، وإذا أضاف إلى ذلك ~~ما بنى عليه شعره من القافية الأخرى كان أيضا شعرا مستقيما من بحر آخر على ~~عروض، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح، وكذلك يجري الأمر في ~~الفقرتين من الكلام المنثور، فإن كان فقرة منهما تصاغ من سجعتين, وهذا لا ~~يكاد يستعمل إلا قليلا وليس من الحسن في شيء، واستعماله في الشعر أحسن منه ~~في الكلام المنثور، # فمن ذلك قول بعضهم: # اسلم ودمت على الحوادث ما رسا %~% ركنا ثبير أو هضاب حراء1 ms529 # ونل المراد ممكنا منه على %~% رغم الدهور وفز بطول بقاء # وهذا من الجيد الذي يأتي في هذا النوع، إلا أن أثر التكلف عليه باد ظاهر، ~~وإذا نظر إلى هذين البيتين وجدا وهما يذكران على قافية أخرى وبحر آخر، وذاك ~~أن يقال: PageV03P216 # أسلم ودمت على الحوا %~% دث مارسا ركنا ثبير # ونل المراد ممكنا %~% منه على رغم الدهور # وقد استعمل ذلك الحرير في مقاماته، نحو قوله: # يا خاطب الدنيا الدنية إنها %~% شرك الردى وقرارة الأكدار # دار متى ما أضحكت في يومها %~% أبكت غدا بعدا لها من دار # وإذا أظل سحابها لم ينتفع %~% منه صدى، لجهامه الغرار1 # واعلم أن هذا النوع لا يستعمل إلا متكلفا عند تعاطي التمكن من صناعة ~~النظم، وحسنه منوط بما فيه من الصناعة، لا بما فيه من البراعة. # ألا ترى أنه لو نظم عليه قصيد من أوله إلى آخره يتضمن غزلا ومديحا على ما ~~جرت به عادة القصائد أليس أنه كان يجيء باردا غثا لا يسلم منه على محك ~~النظر عشره? والعشر كثير، وما كان على هذه الصورة من الكلام فإنما يستعمل ~~أحيانا على الطبع، لا على التكلف، وهو وأمثاله لا يحسن إلا إذا كان يسيرا، ~~كالرقم في الثوب أو الشية في الجلد. PageV03P217 ### || النوع الثلاثون: في السرقات الشعرية # ولربما اعترض معترض في هذا الموضوع فقال: قد تقدم نثر الشعر في أول ~~الكتاب، وهو أخذ الناثر من الناظم، ولا فرق بينه وبين أخذ الناظم من ~~الناظم، فلم يكن إلى ذكر السرقات الشعرية إذن حاجة. ولو أنعم هذا المعترض ~~نظره لظهر له الفرق وعلم أن نثر الشعر لم يتعرض فيه إلى وجوه المأخذ وكيفية ~~التوصل إلى مدخل السرقات، وهذا النوع يتضمن ذكر ذلك مفصلا. # واعلم أن الفائدة من هذا النوع أنك تعلم أين تضع يدك في أخذ المعاني إذ ~~لا يستغني الآخر عن الاستعارة من الأول1، لكن لا ينبغي لك أن تعجل في سبك ~~اللفظ على المعنى المسروق فتنادي على نفسك بالسرقة، فكثيرا ما رأينا من عجل ~~في ذلك فعثر، وتعاطى ms530 فيه البديهة فعقر. # والأصل المعتمد عليه في هذا الباب التورية والاختفاء2 بحيث يكون ذلك أخفى ~~من سفاد الغراب، وأظرف من عنقاء مغرب في الإغراب. PageV03P218 # وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه ليس لقائل أن يقول: إن لأحد من ~~المتأخرين معنى مبتدعا، فإن قول الشعر قديم منذ نطق باللغة العربية، وإنه ~~لم يبق معنى من المعاني إلا وقد طرق مرارا. # وهذا القول وإن دخل في حيز الإمكان إلا أنه لا يلتفت إليه؛ لأن الشعر من ~~الأمور المتناقلة، والذي نقلته الأخبار وتواردت عليه أن العرب كانت تنظم ~~المقاطيع من الأبيات فيما يعن لها من الحاجات، ولم يزل الحال على هذه ~~الصورة إلى عهد امرئ القيس، وهو قبل الإسلام بمائة سنة زائدا فناقصا، فقصد ~~القصائد، وهو أول من قصد، ولو لم يكن له معنى اختص به سوى أنه أول من قصد ~~القصائد لكان في ذلك كفاية، وأي فضيلة من هذه الفضيلة? ثم تتابع المقصدون، ~~واختير من القصائد تلك السبع التي علقت على البيت، وانفتح للشعراء هذا ~~الباب في التقصيد، وكثرت المعاني المقولة بسببه، ولم يزل الأمر ينمي ويزيد ~~ويؤتي بالمعاني الغريبة، واستمر ذلك إلى عهد الدولة العباسية وما بعدها إلى ~~الدولة الحمدانية، فعظم الشعر، وكثرت أساليبه، وتشعبت طرقه، وكان ختامه على ~~الثلاثة المتأخرين، وهم: أبو تمام حبيب بن أوس، وأبو عبادة الوليد بن عبيد ~~البحتري، وأبو الطيب المتنبي. # فإذا قيل: إن المعاني المبتدعة سبق إليها ولم يبق معنى مبتدع، عورض ذلك ~~بما ذكرته. # والصحيح أن باب الابتداع للمعاني مفتوح إلى يوم القيامة، ومن الذي يحجر ~~على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له? إلا أن من المعاني ما يتساوى ~~الشعراء فيه، ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأول قبل آخر؛ لأن الخواطر تأتي ~~به من غير حاجة إلى اتباع الآخر قول الأول، كقولهم في الغزل: # عفت الديار وما عفت %~% آثارهن من القلوب # وكقولهم إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه، وإن الواشي لو علم بمزار PageV03P219 # الطيف لساءه، وكقولهم في المديح: إن عطاءه كالبحر، وكالسحاب، ms531 وإنه لا ~~يمنع عطاء اليوم عطاء غد، وإنه يجود ابتداء من غير مسألة، وأشباه ذلك ~~وكقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أول حادث، وإنه استوى فيه الأباعد ~~والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، وإن بعد هذا الذاهب لا ~~يعد للمنية ذنب، وأشباه ذلك. # وكذلك يجري الأمر في غير ما أشرت إليه من معان ظاهرة تتوارد الخواطر ~~عليها من غير كلفة، وتستوي في إيرادها، ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم ~~السرقة من الأول، وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص كقول أبي تمام: # لا تنكروا ضربي له من دونه %~% مثلا شردوا في الندى والياس # فالله قد ضرب الأقل لنوره %~% مثلا من المشكاة والنبراس # فإن هذا المعنى مخصوص ابتدعه أبو تمام، وكان لابتداعه سبب، والحكاية فيه ~~مشهورة، وهي أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السينية التي مطلعها: "ما ~~في وقوفك ساعة من باس"1 انتهى إلى قوله: # إقدام عمرو في سماحة حاتم %~% في حلم أحنف في ذكاء إياس # فقال الحكيم الكندي: وأي فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب? ~~فأطرق أبو تمام ثم أنشد هذين البيتين معتذرا عن تشبيهه إياه بعمرو وحاتم ~~وإياس، وهذا معنى يشهد به الحال أنه ابتدعه، فمن أتى من بعده بهذا المعنى ~~أو بجزء منه فإنه يكون سارقا له. PageV03P220 # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة وولديه: # وأنت الشمس تبهر كل عين %~% فكيف وقد بدت معها اثنتان # فعاشا عيشة القمرين يحيا %~% بضوئهما ولا يتحاسدان # ولا ملكا سوى ملك الأعادي %~% ولا ورثا سوى من تقتلان # وكان ابنا عدو كاثراه %~% له ياءي حروف أنيسيان1 # وهذا معنى لأبي الطيب، وهو الذي ابتدعه أي: إن زيادة أولاد عدوك كزيادة ~~التصغير، فإنها زيادة نقص. # وما ينبغي أن يقال إن ابن الرومي ابتدع هذا المعنى الذي هو: # تشكى المحب وتلفى الدهر شاكية2 %~% كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان # فإن علماء البيان يزعمون أن هذا المعنى مبتدع لابن الرومي، وليس كذلك، ~~ولكنه مأخوذ من المثل المضروب، وهو قولهم: ms532 "يلدغ ويصي"3، ويضرب ذلك لمن ~~يبتدئ بالأذى ثم يشكو، وإنما ابن الرومي قد ابتدع معاني PageV03P221 # آخر غير ما ذكرته، وليس الغرض أن يؤتى على جميع ما جاء به هو ولا غيره من ~~المعاني المبتدعة، بل الغرض أن يبين المعنى المبتدع من غيره. والذي عندي في ~~السرقات أنه متى أورد الآخر شيئا من ألفاظ الأول في معنى من المعاني، ولو ~~لفظة واحدة فإن ذلك من أدل الدليل على سرقته. # واعلم أن علماء البيان قد تكلموا في السرقات الشعرية فأكثروا،1 وكنت ألفت ~~فيها كتابا، وقسمته ثلاثة أقسام: نسخا، وسلخا، ومسخا. # أما النسخ فهو: أخذ اللفظ والمعنى برمته، من غير زيادة عليه، مأخوذا ذلك ~~من نسخ الكتاب. # وأما السلخ هو: أخذ بعض المعنى, مأخوذا ذلك من سلخ الجلد الذي هو بعض ~~الجسم المسلوخ. # وأما المسخ فهو: إحالة المعنى إلى ما دونه، مأخوذا ذلك من مسخ الآدميين ~~قردة. # وههنا قسمان آخران أخللت بذكرهما في الكتاب الذي ألفته، فأحدهما أخذ ~~المعنى مع الزيادة عليه، والآخر عكس المعنى إلى ضده، وهذان القسمان ليسا ~~بنسخ ولا سلخ ولا مسخ. PageV03P222 # وكل قسم من هذه الأقسام يتنوع ويتفرع، وتخرج به القسمة إلى مسالك دقيقة، ~~وقد استأنفت ما فاتني من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. # ومن المعلوم أن السرقات الشعرية لا يمكن الوقوف عليها إلا بحفظ الأشعار ~~الكثيرة التي لا يحصرها عدد، فمن رام الأخذ بنواصيها، والاشتمال على ~~قواصيها، بأن يتصفح الأشعار تصفحا، ويقتنع بتأملها ناظرا، فإنه لا يظفر ~~منها إلا بالحواشي والأطراف. # وكنت سافرت إلى الشام سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ودخلت مدينة دمشق فوجدت ~~جماعة من أدبائها يلهجون ببيت من شعر ابن الخياط في قصيد له أولها: # خذا من صبا نجد أمانا لقلبه1 # ويزعمون أنه من المعاني الغريبة وهو: # أغار إذا آنست في الحي أنة %~% حذارا عليه أن تكون لحبه PageV03P223 # فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي في قوله: # لو قلت للدنف المشوق فديته %~% مما به لأعزته بفدائه1 # وقول أبي الطيب أدق معنى، وإن ms533 كان قول ابن الخياط أرق لفظا، ثم إني ~~وقفتهم على مواضع كثيرة من شعر ابن الخياط قد أخذها من شعر المتنبي. # وسافرت إلى الديار المصرية في سنة ست وتسعين فوجدت أهلها يعجبون ببيت من ~~الشعر يعزونه إلى شاعر من أهل اليمن يقال له عمارة2، وكان حديث عهد بزماننا ~~هذا في آخر الدولة العلوية بمصر، وذلك البيت من جملة قصيدة له يمدح بها بعض ~~خلفائها عند قدومه عليه من اليمن، وهو: # فهل درى البيت أني بعد فرقته %~% ما سرت من حرم إلا إلى حرم3 # فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي تمام في قوله مادحا لبعض ~~PageV03P224 # الخلفاء في حجة حجها، وذلك بيت من جملة أبيات خمسة: # يا من رأى حرما يسري إلى حرم %~% طوبى لمستلم يأتي وملتزم1 # ثم قلت في نفسي: يالله العجب! ليس أبو تمام وأبو الطيب من الشعراء الذين ~~درست أشعارهم، ولا هما ممن لم يعرف ولا اشتهر أمره، بل هما كما يقال: أشهر ~~من الشمس والقمر، وشعرهما دائر في أيدي الناس، بخلاف غيرهما، فكيف خفي على ~~أهل مصر ودمشق بيتا ابن الخياط وعمارة المأخوذان من شعرهما? وعلمت حينئذ أن ~~سبب ذلك عدم الحفظ للأشعار، والاقتناع بالنظر في دواوينها. # ولما نصبت نفسي للخوض في علم البيان ورمت أن أكون معدودا من علمائه علمت ~~أن هذه الدرجة لا تنال إلا بنقل ما في الكتب إلى الصدور, والاكتفاء ~~بالمحفوظ عن المسطور: # ليس بعلم ما حوى القمطر %~% ما العلم إلا ما حواه الصدر # ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع، وأنفذت شطرا من العمر في ~~المحفوظ منه والمسموع، فألفيته بحرا لا يوقف على ساحله، وكيف ينتهى إلى ~~إحصاء قول لم تحص أسماء قائله؟ فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده، ~~وتتشعب مقاصده، ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم في اتباع من قصر نظره ~~على الشعر القديم، إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف، في ~~اللفظ الجزل واللطيف، فمتى وجدت ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل. PageV03P225 # وقد اكتفيت ms534 في هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس وأبي عبادة بن الوليد ~~"البحتري" وأبي الطيب المتنبي، وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته1، ~~الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين. ~~PageV03P226 # إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء. # أما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان وقد شهد له بكل معنى ~~مبتكر، لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه ~~على الأضراب. # ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير، ولم أقل ما أقول فيه إلا عن تنقيب ~~وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه, أطاعته أعنة ~~الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام، فخذ مني في ذلك قول حكيم، ~~وتعلم ففوق كل ذي علم عليم. # وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن ~~يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينا يكون في شظف ~~نجد إذ تشبت بريف العراق. # وسئل أبو الطيب المتنبي عنه، وعن أبي تمام، وعن نفسه، فقال: أنا وأبو ~~تمام حكيمان، والشاعر البحتري، ولعمري إنه أنصف في حكمه، وأعرب بقوله هذا ~~عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة ~~الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام، مع قربه ~~إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية1، ورقى في ~~ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية. # وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ~~ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، لكنه حظي في شعره بالحكم PageV03P227 # والأمثال، واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال. # وأنا أقول قولا لست فيه متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف ~~معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع ~~مقام أفعالها، حتى تظن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقه في ~~ذلك تضل بسالكه، وتقوم بعذر تاركه، ms535 ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف ~~الدولة ابن حمدان فيصف لسانه، ما أدى إليه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس ~~عادلين فيه عن سنن التوسط، فإما مفرط في وصفه وإما مفرط. # وهو وإن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره، ~~وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء. # ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة: # لا تطلبن كريما بعد رؤيته %~% إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا # ولا تبال بشعر بعد شاعره %~% قد أفسد القول حتى أحمد الصمم1 # ولما تأملت شعره بعين المعدلة البعيدة عن الهوى، وعين المعرفة التي ما ضل ~~صاحبها وما غوى، وجدته أقساما خمسة، خمس في الغاية التي انفرد بها دون ~~غيره، وخمس من جيد الشعر الذي يساويه فيه غيره، وخمس من متوسط الشعر، وخمس ~~دون ذلك، وخمس في الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها, وعدمها خير من ~~وجودها، PageV03P228 # ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها، فإنها التي ألبسته لباس الملام ~~وجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام. ولسائل ههنا أن يسأل ويقول: لما عدلت إلى ~~شعر هؤلاء الثلاثة دون غيرهم? # فأقول: إني لم أعدل إليهم اتفاقا، وإنما عدلت إليهم نظرا واجتهادا، وذلك ~~أني وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم أترك ديوانا لشاعر مفلق ~~يثبت شعره على المحل إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام ~~وأبي الطيب للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض ~~والمقاصد، ولم أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنقش ديباجة، ولا ~~أبهج سبكا، فاخترت حينئذ دواوينهم، لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني ~~والألفاظ، ولما حفظتها ألغيت ما سواها مع ما بقي على خاطري من غيرها. # وقد أوردت في هذا الموضوع من السرقات الشعرية ما لو يورده غيري، ونبهت ~~على غوامض منها, # وكنت قدمت القول أني قسمتها إلى خمسة أقسام، منها الثلاثة الأول وهي: ~~النسخ، والسلخ، والمسخ، ومنهما القسمان الآخران، وها أنا أبين ms536 ما تنقسم ~~إليه هذه الأقسام من تشعبها وتفريعها فأقول: PageV03P229 ### ||| النسخ # ": # فأما النسخ فإنه لا يكون إلا في أخذ المعنى واللفظ جميعا، أو في أخذ ~~المعنى وأكثر اللفظ؛ لأنه مأخوذ من نسخ الكتاب، وعلى ذلك فإنه ضربان: # الأول: # يسمى وقوع الحافر1 على الحافر، كقول امرئ القيس: # وقوفا بها صحبي على مطيهم %~% يقولون لا تهلك أسى وتجمل2 # وكقول طرفة: # وقوفا بها صحبي علي مطيهم %~% يقولون لا تهلك أسى وتجلد3 # وقد أكثر الفرزدق وجرير من هذا في شعرهما، فمنه ما وردا فيه مورد امرئ ~~القيس وطرفة في تخالفهما في لفظة واحدة، كقول الفرزدق: # أتعدل أحسابا لئاما حماتها %~% بأحسابنا إني إلى الله راجع4 # وكقول جرير: # أتعدل أحسابا كراما حماتها %~% بأحسابكم إني إلى الله راجع5 PageV03P230 # ومنه ما تساويا فيه لفظا بلفظ كقول الفرزدق: # وغر قد نسقت مشمرات %~% طوالع لا تطيق لها جوابا # بكل ثنية وبكل ثغر %~% غرائبهن تنتسب انتسابا # بلغن الشمس حين تكون شرقا %~% ومسقط رأسها من حيث غابا1 # وكذلك قال جرير من غير أن يزيد. # وقد حكي أن امرأة من عقيل يقال لها "ليلى" كان يتحدث إليها الشباب، فدخل ~~الفرزدق إليها، وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه، فدخل إليها، ~~فأقبلت عليه وتركت الفرزدق, فغاظه ذلك، فقال للفتى: أتصارعني? فقال: ذلك ~~إليك، فقام إليه، فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه، وجلس على صدره، فضرط، ~~فوثب الفتى عنه، وقال: يا أبا فراس، هذا مقام العائذ بك والله ما أردت ما ~~جرى، فقال: ويحك والله ما بي أنك صرعتني، ولكن كأني بابن الأتان، يعني ~~جريرا وقد بلغه خبري فقال يهجوني: # جلست إلى ليلى لتحظى بقربها %~% فخانك دبر لا يزال يخون # فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه %~% كما شد جربان الدلاص قيون # قال: فوالله ما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين ~~البيتين2، وهذا من أغرب ما يكون في مثل هذا الموضع وأعجبه. PageV03P231 # ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد, وهذا ~~عندي مستبعد، فإن ظاهر الأمر يدل على ms537 خلافه، والباطن لا يعلمه إلا الله ~~تعالى, وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر ~~أتى من بعده علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه، وهب أن الخواطر تتفق في ~~استخراج المعاني الظاهرة المتداولة، فكيف تتفق الألسنة في صوغها الألفاظ? # ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء1 ... # دارت على فتية ذل الزمان لهم %~% فما يصيبهم إلا بما شاءوا # وهذا من عالي الشعر, ثم وقفت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت ~~في أصوات معبد، وهو: # لهفي على فتية ذل الزمان لهم %~% فما أصابهم إلا بما شاءوا # وما أعلم كيف هذا2. PageV03P232 # الضرب الثاني من النسخ: # وهو الذي يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ، كقول بعض المتقدمين يمدح معبدا ~~صاحب الغناء: # أجاد طويس والسريجي بعده %~% وما قصبات السبق إلا لمعبد # ثم قال أبو تمام: # محاسن أصناف المغنين جمة %~% وما قصبات السبق إلا لمعبد # وهذه قصيدة أولها: # غدت تستجير الدمع خوف نوى غد # فقال: # وقائع أصل النصر فيها وفرعه %~% إذا عدد الإحسان أو لم يعدد # فمهما تكن من وقعة بعد لا تكن %~% سوى حسن مما فعلت مردد1 # محاسن أصناف المغنين جمة البيت PageV03P233 ### ||| السلخ # وأما السلخ فإنه ينقسم إلى اثني عشر ضربا، وهذا تقسيم أوجبته القسمة، ~~وإذا تأملته علمت أنه لم يبق شيء خارج عنه. # فالأول: أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه، ولا يكون هو إياه، وهذا من ~~أدق السرقات مذهبا، وأحسنها صورة ولا يأتي إلا قليلا. فمن ذلك قول بعض ~~شعراء الحماسة: # لقد زادني حبا لنفسي أنني %~% بغيض إلى كل امرئ غير طائل1 # أخذ المتنبي هذا المعنى واستخرج منه معنى آخر غيره إلا أنه شبيه به، ~~فقال: # وإذا أتتك مذمتي من ناقص %~% فهي الشهادة لي بأني فاضل2 # والمعرفة بأن هذا المعنى أصله من ذاك المعنى عسر غامض، وهو غير متبين إلا ~~لمن أعرق في ممارسة الأشعار، وغاص في استخراج المعاني وبيانه أن الأول ~~يقول: إن بغض الذي ms538 هو غير طائل إياي مما زاد نفسي حبا إلي, أي: جملها في ~~عيني وحسنها عندي كون الذي هو غير طائل مبغضي. والمتنبي يقول: إن ذم الناقص ~~إياي شاهد بفضلي، فذم الناقص إياه كبغض الذي هو غير طائل ذلك PageV03P234 # الرجل، وشهادة ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك ~~الرجل عنده. # ومن هذا الضرب ما هو أظهر مما ذكرته وأبين، كقول أبي تمام: # رعته الفيافي بعد ما كان حقبة %~% رعاها وماء الروض ينهل ساكبه1 # أخذ البحتري هذا المعنى واستخرج منه ما يشابهه، كقوله في قصيدة يفخر فيها ~~بقومه: # شيخان قد ثقل السلاح عليهما %~% وعداهما رأي السميع المبصر # ركبا القنا من بعد ما حملا القنا %~% في عسكر متحامل في عسكر2 # فأبو تمام ذكر أن الجمل رعى الأرض ثم سار فيها فرعته أي: أهزلته، فكأنها ~~فعلت به مثل ما فعل بها، والبحتري نقل هذا إلى وصف الرجل بعلو السن والهرم، ~~فقال: إنه كان يحمل الرمح في القتال ثم صار يركب عليه أي: يتوكأ منه على ~~عصا، كما يفعل الشيخ الكبير. # وكذلك ورد قول الرجلين أيضا، فقال أبو تمام: # لا أظلم النأي قد كانت خلائقها %~% من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا3 ~~PageV03P235 # أخذه البحتري فقال: # أعاتك ما كان الشباب مقربي %~% إليك فألحى الشيب إذ هو مبعدي1 # وهذا أوضح من الذي تقدمه، وأكثر بيانا. # الضرب الثاني من السلخ: # أن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ، وذلك مما يصعب جدا، ولا يكاد يأتي إلا ~~قليلا. # فمنه قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة: # ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا %~% من المال يطرح نفسه كل مطرح # ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة %~% ومبلغ نفس عذرها مثل منجح2 # أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال: # فتى مات بين الضرب والطعن ميتة %~% تقوم مقام النصر إذ فاته النصر3 # فعروة بن الورد جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح، ~~PageV03P236 # وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدو ~~قائما مقام الانتصار، وكلا ms539 المعنيين واحد, غير أن اللفظ مختلف. # وهذا الضرب في سرقات المعاني من أشكلها، وأدقها وأغربها، وأبعدها مذهبا، ~~ولا يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض. وقد يجيء منه ~~ما هو ظاهر لا يبلغ في الدقة مبلغ هذه الأبيات المشار إليها، كقول ابن ~~المقفع في باب الرثاء من كتاب الحماسة: # فقد جر نفعا فقدنا لك أننا %~% أمنا على كل الرزايا من الجزع1 # وجاء بعده من أخذ هذا المعنى فقال: # وقد عزى ربيعة أن يوما %~% عليها مثل يومك لا يعود # وهذا من البديع النادر. # وههنا ما هو أشد ظهورا من هذين البيتين في هذا الضرب من السرقات الشعرية، ~~وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة التي يقوم بعضها مقام بعض، وذاك لا اعتداد ~~به لمكان وضوحه. PageV03P237 # لكن قد يجيء منه ما هو صفة من صفات الترادف, لا الاسم نفسه، فيكون حسنا ~~كقول جرير: # ولا تمنعك من أرب لحاهم %~% سواء ذو العمامة والخمار1 # أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى فقال: # ومن في كفه منهم قناة %~% كمن في كفه منهم خضاب2 # الضرب الثالث من السلخ: # وهو أخذ المعنى ويسير من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات وأظهرها شناعة على ~~السارق, فمن ذلك قول البحتري في غلام. # فوق ضعف الصغير إن وكل الأمر %~% إليه ودون كيد الكبار3 # سبقه أبو نواس فقال: # لم يخف من كبر عما يراد به %~% من الأمور ولا أزرى من الصغر4 # وكذلك قوله "البحتري" أيضا: # كل عيد له انقضاء وكفي %~% كل يوم من جوده في عيد5 PageV03P238 # أخذه من علي بن جبلة: # للعيد يوم من الأيام منتظر %~% والناس في كل يوم منك في عيد1 # وكذلك قوله "البحتري": # جاد حتى أفنى السؤال فلما %~% باد منا السؤال جاد ابتداء2 # أخذه من علي بن جبلة: # أعطيت حتى لم تدع لك سائلا %~% وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها # وقد افتضح البحتري في هذه المآخذ غاية الافتضاح، هذا على بسطة باعه في ~~الشعر وغناه عن مثلها. # وقد سلك هذه الطريق فحول الشعراء ولم يستنكفوا من سلوكها، فممن فعل ذلك ms540 ~~أبو تمام فإنه قال: # قد قلصت شفتاه من حفيظته ... # فخيل من شدة التعبيس مبتسما3 # سبقه عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن فقال: # وإذا شئت أن ترى الموت في صو %~% رة ليث في لبدتي رثبال # فالقه غير أنما لبدتاه %~% أبيض صارم وأسمر غال # تلق ليثا قد قلصت شفتاه %~% فيرى ضاحكا لعبس الصيال PageV03P239 # وكذلك قال أبو تمام: # فلم أمدحك تفحيما بشعري %~% ولكني مدحت بك المديحا1 # أخذه من حسان بن ثابت في مدحه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: # ما إن مدحت محمدا بمقالتي %~% لكن مدحت مقالتي بمحمد2 # ولا شك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سمع قول حسان بن ثابت حيث استخلف ~~عمر رضي الله عنه فقال له عمر: استخلف غيري، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما ~~حبوناك بها وإنما حبوناها بك. # وهكذا فعل ابن الرومي، فمما جاء له قوله: # جرحته العيون فاقتص منها %~% بجوى في القلوب دامي الندوب3 # سبقه أبو تمام فقال: # أدميت باللحظات وجنته %~% فاقتص ناظره من القلب4 PageV03P240 # وكذلك قول ابن الرومي: # وكلت مجدك في اقتضائك حاجتي %~% وكفى به متقاضيا ووكيلا1 # سبقه أبو تمام فقال: # وإذا المجد كان عوني على المر %~% ء تقاضيته بترك التقاضي2 # وكذلك قال ابن الرومي: # وما لي عزاء عن شبابي علمته %~% سوى أنني من بعده لا أخلد3 # سبقه منصور النمري فقال: # قد كدت أقضي على فوت الشباب أسى %~% لولا تعزي أن العيش منقطع4 # وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي فمما جاء منه قوله: # فدى نفسه بضمان النضار %~% وأعطى صدور القنا الذابل5 PageV03P241 # أخذه من قول الفرزدق: # كان الفداء له صدور رماحنا %~% والخيل إذ رهج الغبار مثار1 # وكذلك قوله "المتنبي" أيضا: # أين أزمعت أيهذا الهمام %~% نحن نبت الربا وأنت الغمام2 # أخذه من بشار حيث قال: # كأن الناس حين تغيب عنهم %~% نبات الأرض أخطأه القطار3 # وكذلك قوله "المتنبي": # فلا زالت ديارك مشرقات %~% ولا دانيت يا شمس الغروبا # لأصبح آمنا فيك الرزايا %~% كما أنا آمن فيك العيوبا4 PageV03P242 # أخذه ابن الرومي حيث قال: # أسالم قد سلمت من العيوب ms541 %~% ألا فاسلم كذاك من الخطوب1 # والذي عندي في الضرب المشار إليه أنه لا بد من مخالفة المتأخر المتقدم، ~~إما بأن يأخذ المعنى فيزيده على معنى آخر، أو يوجز في لفظه، أو يكسوه عبارة ~~أحسن من عبارته. # ومن هذا الضرب ما يستعمل على وجه يزداد قبحه، وتكثر البشاعة به، وهو أن ~~يأخذ الشاعرين معنى من قصيدة لصاحبه على وزن وقافية، فيودعه قصيدة له على ~~ذلك الوزن وتلك القافية، ومثاله في ذلك كمن سرق جوهرة من طوق أو نطاق ثم ~~صاغها في مثل ما سرقها منه، والأولى به أن كان نظم تلك الجوهرة في عقد، أو ~~صاغها في سوار أو خلخال ليكون أكتم لأمرها. # وممن فعل ذلك من الشعراء فافتضح أبو الطيب المتنبي حيث قال في قصيدته ~~التي أولها: # غيري بأكثر هذا الناس ينخدع2 # لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته %~% إن كان أسلمها الأصحاب والشيع # وهذه القصيدة مصوغة على قصيدة لأبي تمام في وزنها وقافيتها أولها: # أي القلوب عليكم ليس ينصدع3 PageV03P243 # وهذا المعنى الذي أورده أبو الطيب مأخوذ من بيت منها وهو: # ما غاب عنكم من الإقدام أكرمه %~% في الروع إذ غابت الأنصار والشيع # وليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة، فإنه لم يكتف الشاعر فيها ~~بأن يسرق المعنى حتى ينادي على نفسه أنه قد سرقه. # الضرب الرابع من السلخ: # وهو أن يؤخذ المعنى فيعكس، وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حد السرقة, # فمن ذلك قول أبي نواس: # قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم %~% أشهى المطي إلي ما لم يركب # كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة %~% لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب1 # فقال مسلم بن الوليد في عكس ذلك: # إن المطية لا يلذ ركوبها %~% حتى تذلل بالزمام وتركبا # والحب ليس بنافع أربابه %~% حتى يفصل في النظام ويثقبا2 # ومن هذا الباب قول ابن جعفر: # ولما بدا لي أنها لا تريدني %~% وأن هواها ليس عني بمنجلي # تمنيت أن تهوى سواي لعلها %~% تذوق صبابات الهوى فترق لي3 PageV03P244 # وقال غيره: # ولقد سرني صدودك عني %~% في طلابيك وامتناعك مني # حذرا ms542 أن أكون مفتاح غيري %~% وإذا ما خلوت كنت التمني1 # أما ابن جعفر فإنه تذاءب2 وألقى عن منكبه رداء الغيرة، وأما الآخر فجاء ~~بالضد من ذلك وتغالى به غاية الغلو. # وكذلك ورد قول أبي الشيص: # أجد الملامة في هواك لذيذة %~% شغفا بذكرك فليلمني اللوم3 # أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى وعكسه فقال: # أأحبه وأحب فيه ملامة %~% إن الملامة فيه من أعدائه4 # وهذا من السرقات الخفية جدا، ولأن يسمى ابتداعا أولى من أن يسمى سرقة, ~~وقد توخيته في شيء من شعري فجاء حسنا، فمن ذلك قولي: PageV03P245 # لولا الكرام وما سنوه من كرم %~% لم يدر قائل شعر كيف يمتدح # أخذته من قول أبي تمام: # لولا خلال سنها الشعر ما درى %~% بناة العلا من أين تؤتى المكارم1 # الضرب الخامس من السلخ: # وهو أن يؤخذ بعض المعنى، فمن ذلك قول أمية بن الصلت يمدح عبد الله بن ~~جدعان: # عطاؤك زين لامرئ إن حبوته %~% ببذل وما كل العطاء يزين # وليس بشين لامرئ بذل وجهه %~% إليك كما بعض السؤال يشين2 # أخذه أبو تمام فقال: # تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت %~% كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا # ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا %~% حتى رأيت سؤالا يجتني شرفا3 # فأمية بن الصلت أتى بمعنيين اثنين: أحدهما أن عطاءك زين، والآخر أن ~~PageV03P246 # عطاء غيرك شين، وأما أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير. # ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة: # وآثل ما لم يحوه متقدم %~% وإن نال منه آخر فهو تابع # فقال أبو الطيب المتنبي: # ترفع عن عون المكارم قدره %~% فما يفعل الفعلات إلا عذاريا1 # فعلي بن جبلة اشتمل ما قاله على معنيين: أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ~~ممن تقدمه، وإن نال منه الآخر شيئا فإنما هو مقتد به، وتابع له، وأما أبو ~~الطيب المتنبي فإنه لم يأت إلا بالمعنى الواحد، وهو أنه يفعل ما لا يفعله ~~غيره، غير أنه أبرزه في صورة حسنة. # ومن ذلك قول أبي تمام: # كلف برب المجد يعلم أنه %~% لم يبتدأ عرف إذا لم ms543 يتمم2 # فقال البحتري: # ومثلك إن أبدى الفعال أعاده %~% وإن صنع المعروف زاد وتمما3 # فأبو تمام قال: إن الممدوح يرب صنيعه أي: يستديمه، ويعلم أنه إذا لم ~~PageV03P247 # يستدمه فما ابتدأه, والبحتري قال: إنه يستديم صنيعه لا غيره، وذلك بعض ما ~~ذكره أبو تمام. # وكذلك قال البحتري: # ادفع بأمثال أبي غالب %~% عادية العدم أو استعفف1 # أخذه ممن تقدمه حيث قال: # انتج الفضل أو تخال عن الدنيا %~% فهاتان غاية الهمم # فالبحتري أخذ بعض هذا المعنى ولم يستوفه. # وكذلك ورد قول ابن الرومي: # زلتم على هام المعالي إذا ارتقى %~% إليها أناس غيركم بالسلالم2 # أخذه أبو الطيب المتنبي فقال: # فوق السماء وفوق ما طلبوا %~% فإذا أرادوا غاية نزلوا3 # وهذا بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي؛ لأنه قال: إنكم نزلتم على ~~هام المعالي، وإن غيركم يرقى إليها رقيا، وأما المتنبي فإنه قال: إنكم إذا ~~أردتم غاية نزلتم، وأما قوله: "فوق السماء" فإنه يغني عنه قول ابن الرومي: ~~"نزلتم على هام المعالي" إذ المعالي فوق كل شيء؛ لأنها مختصة بالعلو مطلقا. ~~PageV03P248 # الضرب السادس من السلخ: # وهو أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر, فمما جاء منه قول الأخنس بن ~~شهاب: # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها %~% خطانا إلى أعدائنا فنضارب1 # أخذه مسلم بن الوليد فزاد عليه وهو قوله: # إن قصر الرمح لم يمش الخطا عددا %~% أو عرد السيف لم يهمم بتعريد2 # وكذلك ورد قول جرير في وصف أبيات من شعره: # غرائب ألاف إذا حان وردها %~% أخذن طريقا للقصائد معلما3 # أخذه أبو تمام فزاد عليه، إذ قال في وصف قصيد له، وقرن ذلك بالممدوح: # غرائب لاقت في فنائك أنسها %~% من المجد فهي الآن غير غرائب4 PageV03P249 # وكذلك ورد قول ولد مسلمة بن عبد الملك: # أذل الحياة وكره الممات %~% وكلا أراه طعاما وبيلا # فإن لم يكن غير إحداهما %~% فسيرا إلى الموت سيرا جميلا # أخذه أبو تمام فقال: # مثل الموت بين عينيه والذ %~% ل وكلا رآه خطبا عظيما # ثم سارت به الحمية قدما %~% فأمات العدا ومات كريما1 # فزاد عليه بقوله: # فأمات ms544 العدا ومات كريما # ويروى أنه نظر عبد الله بن علي رضي الله عنه عند قتال المروانية إلى فتى ~~عليه أبهة الشرف، وهو يبلي في القتال بلاء حسنا، فناداه: يا فتى لك الأمان ~~ولو كنت مروان بن محمد فقال: إلا أكنه فلست بدونه. # قال: فلك الأمان ولو كنت من كنت، فأطرق ثم تمثل بهذين البيتين المذكورين. # وكذلك ورد قول أبي تمام: # يصد عن الدنيا إذا عن سودد %~% ولو برزت في زي عذراء ناهد2 # أخذه من قول ابن المعذل بن غيلان: # ولست بنظار إلى جانب العلا %~% إذا كانت العلياء في جانب الفقر3 ~~PageV03P250 # إلا أنه زاده زيادة حسنة بقوله: # ولو برزت في زي عذراء ناهد # ومما يجري هذا المجرى قول البحتري: # خل عنا فإنما أنت فينا %~% واو عمرو أو كالحديث المعاد1 # أخذه من قول أبي نواس: # قل لمن يدعي سليمى سفاها %~% لست منها ولا قلامة ظفر # إنما أنت ملصق مثل واو %~% ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو2 # إلا أن البحتري زاد على أبي نواس قوله: أو كالحديث المعاد. # وهكذا ورد قول البحتري أيضا: # ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا %~% جذلان يبدع في السماح ويغرب3 # أخذه من مسلم بن الوليد في قوله: # ركبت إليه البحر في مؤخراته %~% فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر4 ~~PageV03P251 # إلا أن البحتري زاد عليه بقوله: # جذلان يبدع في السماح ويغرب # وكذلك ورد قول أبي نواس: # وليس لله بمستنكر %~% أن يجمع العالم في واحد1 # وهذا البيت قد لهج به الناس لهجا كثيرا، ومنهم من ظنه مبتدعا لأبي نواس، ~~ويحكى عن أبي تمام أنه دخل على ابن أبي داود2، فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا ~~تمام، فقال إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا، قال: من أين هذه يا أبا ~~تمام? قال: من قول الحاذق أبي نواس، وأنشده البيت، وهذه الحكاية عندي ~~موضوعة؛ لأن أبا تمام كان عارفا بالشعر، حتى إنه قال: لم أنظم شعرا حتى ~~حفظت سبعة عشر ديوانا للنساء خاصة دون الرجال، وما كان يخفى عنه أن هذا ~~المعنى ليس لأبي ms545 نواس، وإنما هو مأخوذ من قول جرير: # إذا غضبت عليك بنو تميم %~% حسبت الناس كلهم غضابا3 # إلا أن أبا نواس زاد زيادة حسنة، وذاك أن جريرا جعل الناس كلهم بني تميم، ~~وأبا نواس جعل العالم كله في واحد، وذلك أبلغ. # ومما ينتظم في هذا السلك قول الفرزدق: PageV03P252 # علام تلفتين وأنت تحتي %~% وخير الناس كلهم أمامي # متى تأتي الرصافة تستريحي %~% من الأنساع والدبر الدوامي1 # أخذه أبو نواس فصار أملك به، وأحسن فيه غاية الإحسان، فقال: # وإذا المطي بنا بلغن محمدا %~% فظهورهن على الرجال حرام2 # فالفرزدق قال: # تستريحي من الأنساع والدبر الدوامي # وليست استراحتها بمانعة من معاودة إتعابها مرة أخرى، وأما أبو نواس فإنه ~~حرم ظهورهن على الرجال، أي: إنها تعفى من السفر إعفاء مستمرا، ولا شك أن ~~أبا نواس لم يتنبه لهذه الزيادة إلا من فعل العرب في السائبة والبحيرة3. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول المتنبي: # وملومة زرد ثوبها %~% ولكنه بالقنا مخمل4 PageV03P253 # أخذه من أبي نواس في قوله: # أمام خميس أرجوان كأنه %~% قميص محوك من قنا وجياد1 # فزاد أبو الطيب زيادة صار بها أحق من أبي نواس بهذا المعنى. # وكذلك قال أبو الطيب المتنبي: # وإن جاد قبلك قوم مضوا %~% فإنك في الكرم الأول2 # فأخذته أنا وزدت عليه فقلت: # أنت في الجود أول وقضى الل %~% ه بألا يرى لك الدهر ثان # وهذا النوع من السرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره. # الضرب السابع من السلخ: # وهو أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى, وهذا هو المحمود ~~الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة. # فمن ذلك قول أبي تمام: # جذلان من ظفر حران إن رجعت %~% مخضوبة منكم أظفاره بدم3 PageV03P254 # أخذه البحتري فقال: # إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها %~% تذكرت القربى ففاضت دموعها1 # ومن هذا الأسلوب قولهما أيضا، فقال أبو تمام: # إن الكرام كثير في البلاد وإن %~% قلوا كما غيرهم قلوا وإن كثروا2 # وقال البحتري: # قل الكرام فصار يكثر فذهم %~% ولقد يقل الشيء حتى يكثرا3 # وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس: # يدل على ms546 ما في الضمير من الفتى %~% تقلب عينيه إلى شخص من يهوى4 # أخذه أبو الطيب المتنبي فقال: # وإذا خامر الهوى قلب صب %~% فعليه لكل عين دليل5 PageV03P255 # ومما ينتظم في هذا السلك قول أبي الطيب المتنبي: # إذا ما ازددت من بعد التناهي %~% فقد وقع انتقاصي في ازدياد1 # أخذه ابن نباتة السعدي2 فقال: # إذا كان نقصان الفتى من تمامه %~% فكل صحيح في الأنام عليل # وكذلك ورد قول أبي العلاء بن سليمان في مرثية: # وما كلفة البدر المنير قديمة %~% ولكنها في وجهه أثر اللطم3 # أخذه الشاعر المعروف بالقيسراني، فقال: # وأهوى التي أهوى لها البدر ساجدا %~% ألست ترى في وجهه أثر الترب # وكذلك قول ابن الرومي: # إذا شنئت عين امرئ شيب نفسه %~% فعين سواه بالشاءة أجدر PageV03P256 # أخذه من تأخر زمانه عنه، فقال: # إذا كان شيبي بغيضا إلي %~% فكيف يكون إليها حبيبا1 # ومما ينخرط في هذا السلك قول بعضهم: # مخصرة الأوساط زانت عقودها %~% بأحسن مما زينتها عقودها # أخذه أبو تمام، فقال: # كأن عليها كل عقد ملاحة %~% وحسنا وإن أضحت وأمست بلا عقد2 # ثم أخذه البحتري فقال: # إذا أطفأ الياقوت إشراق وجهها %~% فإن عناء ما توخت عقودها3 # أمثال هذا كثيرة، وفيما أوردناه مقنع. # الضرب الثامن من السلخ: # وهو أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا، # وذلك من أحسن السرقات، لما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول، ~~وسعة باعه في البلاغة. PageV03P257 # فمن ذلك قول بشار: # من راقب الناس لم يظفر بحاجته %~% وفاز بالطيبات الفاتك اللهج1 # أخذه سلم الخاسر -وكان تلميذه- فقال: # من راقب الناس مات غما %~% وفاز باللذة الجسور2 # فبين البيتين لفظتان في التأليف. # ومن هذا الأسلوب قول أبي تمام: # برزت في طلب المعالي واحدا %~% فيها تسير مغورا أو منجدا # عجبا بأنك سالم في وحشة %~% في غاية ما زلت فيها مفردا3 PageV03P258 # أخذه ابن الرومي فقال: # غربته الخلائق الزهر في النا %~% س وما أوحشته بالتغريب1 # وكذلك ورد قول أبي نواس: # وكلت بالدهر عينا غير غافلة %~% من جود كفك تأسو كل ما جرحا2 # أخذه ابن الرومي فقال: # الدهر يفسد ما ms547 استطاع وأحمد %~% يتتبع الإفساد بالإصلاح3 # وعلى هذا ورد قول ابن الرومي: # كأني أستدني بك ابن حنية %~% إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا4 # أخذه بعض شعراء الشام، وهو ابن قسيم الحموي5، فقال: # فهو كالسهم كلما زدته منك %~% دنوا بالنزع زادك بعدا PageV03P259 # ولقيت جماعة من الأدباء بالشام، ووجدتهم يزعمون أن ابن قسيم هو الذي ~~ابتدع هذا المعنى، وليس كذلك، وإنما هو لابن الرومي. # ومما يجري هذا المجرى قول أبي العتاهية: # وإني لمعذور على فرط حبها %~% لأن لها وجها يدل على عذري1 # أخذه أبو تمام فقال: # له وجه إذا أبصر %~% ته ناجاك عن عذري2 # فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز. # ومما يجري على هذا النهج قول أبي تمام: # كانت مساءلة الركبان تخبرني %~% عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر # حتى التقينا فلا والله ما سمعت %~% أذني بأحسن مما قد رأى بصري ~~PageV03P260 # أخذه أبو الطيب المتنبي فأوجز، حيث قال: # وأستكبر الأخبار قبل لقائه %~% فلما التقينا صغر الخبر الخبر1 # وكذلك قولهما في موضع آخر، فقال أبو تمام: # كم صارما عضب أناف على فتى %~% منهم لأعباء الوغى حمال # سبق المشيب إليه حتى ابتزه %~% وطن النهى من مفرق وقذال2 # أخذه أبو الطيب فزاد وأحسن حيث قال: # يسابق القتل فيهم كل حادثة %~% فما يصيبهم موت ولا هرم3 # ومن هذا الضرب قول بعض الشعراء: # أمن خوف فقر تعجلته %~% وأخرت إنفاق ما تجمع # فصرت الفقير وأنت الغني %~% وما كنت تعدو الذي تصنع PageV03P261 # أخذه أبو الطيب المتنبي فقال: # ومن ينفق الساعات في جمع ماله %~% مخافة فقر فالذي فعل الفقر1 # الضرب التاسع من السلخ: # وهو أن يكون المعنى عاما فيجعل خاصا، أو خاصا فيجعل عاما, وهو من السرقات ~~التي يسامح صاحبها. # فمن ذلك قول الأخطل: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله %~% عار عليك إذا فعلت عظيم2 # أخذه أبو تمام فقال: # أألوم من بخلت يداه وأغتدي %~% للبخل تربا ساء ذاك صنيعا3 # وهذا من العام الذي جعل خاصا، ألا ترى أن الأول نهى عن الإتيان بما ينهى ~~عنه مطلقا، وجاء بالخلق منكرا فجعله شائعا في ms548 بابه، وأما أبو تمام فإنه خصص ~~ذلك بالبخل، وهو خلق واحد من جملة الأخلاق. PageV03P262 # وأما جعل الخاص عاما فكقول أبي تمام: # ولو حاردت شول عذرت لقاحها %~% ولكن منعت الدر والضرع حافل1 # أخذه أبو الطيب المتنبي فجعله عاما إذ يقول: # وما يؤلم الحرمان من كف حارم %~% كما يؤلم الحرمان من كف رازق2 # الضرب العاشر من السلخ: # وهو زيادة البيان مع المساواة في المعنى، وذاك أن يؤخذ المعنى فيضرب له ~~مثال يوضحه. # فمما جاء منه قول أبي تمام: # هو الصنع إن يعجل فنفع وإن يرث %~% فللريث في بعض المواطن أنفع3 ~~PageV03P263 # أخذه أبو الطيب المتنبي فأوضحه بمثال ضربه له وذلك قوله: # ومن الخير بطء سيبك عني %~% أسرع السحب في المسير الجهام1 # وهذا من المبتدع، لا من المسروق، وما أحسن ما أتى بهذا المعنى في المثال ~~المناسب له. # وكذلك قولهما في موضع آخر فقال أبو تمام: # قد قلصت شفتاه من حفيظته %~% فخيل من شدة التعبيس مبتسما2 # أخذه أبو الطيب المتنبي فقال: # وجاهل مده في جهله ضحكي %~% حتى أتته يد فراسة وفم # إذا رأيت نيوب الليث بارزة %~% فلا تظنن أن الليث مبتسم3 # ومما ينخرط في هذا السلك قول أبي تمام: # وكذاك لم تفرط كآبة عاطل %~% حتى يجاورها الزمان بحال4 PageV03P264 # أخذه أبو عبادة البحتري فقال: # وقد زادها إفراط حسن جوارها %~% لأخلاق أصفار من المجد خيب # وحسن دراري الكواكب أن ترى %~% طوالع في داج من الليل غيهب1 # فإنه أتى بالمعنى مضروبا له هذا المثال الذي أوضحه وزاده حسنا. # الضرب الحادي عشر من السلخ: # وهو اتحاد الطريق واختلاف المقصد، ومثاله أن يسلك الشاعران طريقا واحدة، ~~فتخرج بهما إلى موردين أو روضتين، وهناك يتبين فضل أحدهما على الآخر. # فمما جاء من ذلك قول أبي تمام في مرثية بولدين صغيرين: # مجد تأوب طارقا حتى إذا %~% قلنا أقام الدهر أصبح راحلا # نجمان شاء الله ألا يطلعا %~% إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا # إن الفجيعة بالرياض نواضرا %~% لأجل منها بالرياض ذوابلا # لهفي على تلك الشواهد فيهما %~% لو أخرت حتى تكون شمائلا # إن الهلال ms549 إذا رأيت نموه %~% أيقنت أن سيكون بدرا كاملا # قل للأمير وإن لقيت موقرا %~% منه بريب الحادثات حلاحلا # إن ترز في طرفي النهار واحد %~% رزأين هاجا لوعة وبلابلا # فالثقل ليس مضاعفا لمطية %~% إلا إذا ما كان وهما بازلا # لا غرو إن فننان من عيدانه %~% لقيا حماما للبرية آكلا PageV03P265 # إن الأشاء إذا أصاب مشذب %~% منه انمهل ذرا وأث أسافلا # شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ %~% أو أن تذكر ناسيا أو غافلا # إلا مواعظ قادها لك سمحة %~% إسجاح لبك سامعا أو قائلا # هل تكلف الأيدي بهز مهند %~% إلا إذا كان الحسام القاصلا1 # وقال أبو الطيب في مرثية بطفل صغير: # فإن تك في قبر فإنك في الحشا %~% وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل # ومثلك لا يبكى على قدر سنه %~% ولكن على قدر الفراسة والأصل # ألست من القوم الذي من رماحهم %~% نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل # بمولودهم صمت اللسان كغيره %~% ولكن في أعطافه منطق الفصل # تسليهم علياؤهم عن مصابهم %~% ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل # عزاءك سيف الدولة المقتدى به %~% فإنك نصل والشدائد للنصل # تخون المنايا عهده في سليله %~% وتنصره بين الفوارس والرجل PageV03P266 # بنفسي وليد عاد من بعد حمله %~% إلى بطن أم لا تطرق بالحمل # بدا وله وعد السحابة بالروى %~% وصد وفينا غلة البلد المحل # وقد مدت الخيل العتاق عيونها %~% إلى وقت تبديلي الركاب من النعل # وريع له جيش العدو وما مشى %~% وجاشت له الحرب الضروس وما تغلي1 # فتأمل أيها الناظم إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف ~~هام كل واحد منهما في واد منه، مع اتفاقهما في بعض معانيه؟. # وسأبين لك ما اتفقا فيه، وما اختلفا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: ~~أما الذي اتفقا فيه فإن أبا تمام قال: # لهفي على تلك الشواهد فيهما %~% لو أخرت حتى تكون شمائلا # وأما أبو الطيب فإنه قال: # بمولودهم صمت اللسان كغيره %~% ولكن في أعطافه منطق الفصل PageV03P267 # فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهي ~~المطابقة في قوله صمت اللسان ومنطق الفصل. # وقال ms550 أبو تمام: # نجمان شاء الله ألا يطلعا %~% إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا # وقال أبو الطيب: # بدا وله وعد السحابة بالروى %~% وصد وفينا غلة البلد المحل # فوافقه في المعنى وزاد عليه بقوله: # وصد فينا غلة البلد المحل # لأنه بين قدر حاجتهم إلى وجوده وانتفاعهم بحياته. # وأما ما اختلفا فيه فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضا، وذاك أن ~~معناه أمتن من معناه، ومبناه أحكم من مبناه. # وربما أكبر هذا القول جماعة من المقلدين الذين يقفون مع شبهة الزمان ~~وقدمه، لا مع فضيلة القول وتقدمه، وأبو تمام وإن كان أشعر عندي من أبي ~~الطيب فإن أبا الطيب أشهر منه في هذا الموضع. # وبيان ذلك أنه قد تقدم على ما اتفقا فيه من المعنى. # وأما الذي اخلتفا فيه فإن أبا الطيب قال: # عزاءك سيف الدولة المقتدى به %~% فإنك نصل والشدائد للنصل # وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام اللذين هما: # إن ترزفي طرفي نهار واحد %~% رزأين هاجا لوعة وبلابلا PageV03P268 # فالثقل ليس مضاعفا لمطية %~% إلا إذا ما كان وهما بازلا # فإن قول أبي الطيب "والشدائد للنصل" أكرم لفظا ومعنى من قول أبي تمام: # إن الثقل إنما يضاعف للبازل من المطايا # وقوله أيضا: # تخون المنايا عهده في سليله %~% وتنصره بين الفوارس والرجل # وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما: # لا غرو إن فننان من عيدانه %~% لقيا حماما للبرية آكلا # إن الأشاء إذا أصاب مشذب %~% منه انمهل ذرا وأث أسافلا # وكذلك قال أبو الطيب: # ألست من القوم الذين من رماحهم %~% نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل # تسليهم علياؤهم عن مصابهم %~% ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل # وهذان البيتان خير من بيتي أبي تمام اللذين هما: # شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ %~% أو أن تذكر ناسيا أو غافلا # إلا مواعظ قادها لك سمحة %~% إسجاح لبك سامعا أو قائلا # واعلم أن التفضيل بين المعنيين المتفقين أيسر خطبا من التفضيل بين ~~المعنيين المختلفين. PageV03P269 # وقد ذهب قوم إلى منع المفاضلة بين المعنيين المختلفين، واحتجوا على ذلك ~~بأن قالوا: المفاضلة ms551 بين الكلامين لا تكون إلا باشتراكهما في المعنى، فإن ~~اعتبار التأليف في نظم الألفاظ لا يكون إلا باعتبار المعاني المندرجة ~~تحتها، فما لم يكن بين الكلامين اشتراك في المعنى فإنه لايعلم مواقع النظم ~~في قوة ذلك المعنى أو ضعفه، أو اتساق ذلك اللفظ أو اضطرابه، وإلا فكل كلام ~~له تأليف يخصه بحسب المعنى المندرج تحته، وهذا مثل قولنا: العسل أحلى من ~~الخل، فإنه ليس في الخل حلاوة حتى تقاس حلاوة العسل عليها. # وهذا القول فاسد، فإنه لو كان ما ذهب إليه هؤلاء من منع المفاضلة حقا ~~لوجب أن تسقط التفرقة بين جيد الكلام ورديئه وحسنه وقبيحه، وهذا محال. # وإنما خفي عليهم ذلك؛ لأنهم لم ينظروا إلى الأصل الذي تقع المفاضلة فيه، ~~سواء اتفقت المعاني أو اختلفت ومن هنا وقع لهم الغلط. # وسأبين ذلك فأقول: من المعلوم أن الكلام لا يختص بمزية من الحسن حتى تتصف ~~ألفاظه ومعانيه بوصفين هما الفصاحة والبلاغة، فثبت بهذا أن النظر إنما هو ~~في هذين الوصفين اللذين هما الأصل في المفاضلة بين الألفاظ والمعاني على ~~اتفاقهما واختلافهما فمتى وجدا في أحد الكلامين دون الآخر أو كانا أخص به ~~من الآخر حكم له بالفضل. # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج في تفضيل الشعر أشياء تتضمن خبطا ~~كثيرا، وهو مروي عن علماء العربية لكن عذرتهم في ذلك، فإن معرفة الفصاحة ~~والبلاغة شيء خلاف معرفة النحو والإعراب. PageV03P270 # فمما وقفت عليه أنه سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال: لو أدرك يوما ~~واحدا من الجاهلية ما قدمت عليه أحدا1. # وهذا تفضيل بالأعصار، لا بالأشعار، وفيه ما فيه ولولا أن أبا عمرو عندي ~~بالمكان العلي لبسطت لساني في هذا الموضع. # وسئل جرير عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل، فقال: أما الفرزدق ففي يده نبعا ~~من الشعر وهو قابض عليها، وأما الأخطل فأشدنا اجتراء، وأرمانا للفرائص2، ~~وأما أنا فمدينة الشعر. # وهذا القول في التفضيل قول إقناعي3 لا يحصل منه على تحقيق، لكنه أقرب ~~حالا مما روي عن أبي عمرو بن العلاء. # وسئل ms552 الأخطل عن أشعر الناس، فقال: الذي إذا مدح رفع، وإذا هجا وضع، فقيل: ~~فمن ذاك? قال: الأعشى، قيل: ثم من? قال: طرفة. # وهذا قول فيه بعض التحقيق، إذ ليس كل من رفع بمدحه ووضع بهجائه كان أشعر ~~الناس؛ لأن المعاني الشعرية كثيرة والمدح والهجاء منها. # وسئل الشريف الرضي عن أبي تمام وعن البحتري وعن أبي الطيب، فقال: أما أبو ~~تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر4, وأما المتنبي فقاتل عسكر. ~~PageV03P271 # وهذا كلام حسن واقع في موقعه فإنه وصف كلا منهم بما فيه من غير تفضيل. # ويروى عن بشار أنه وصف نفسه بجودة الشعر والتقدم على غيره، فقيل له: ولم ~~ذاك? فقال: لأني نظمت اثني عشر ألف قصيدة وما تخلو واحدة منهن من بيت واحد ~~جيد، فيكون لي حينئذ اثنا عشر ألف بيت. # وقد تأملت هذا القول فوجدته على بشار لا له؛ لأن باقلا الذي يضرب به ~~المثل في العي لو نظم قصيدا لما خلا من بيت واحد جيد، ومن الذي ينظم قصيدا ~~واحدا من الشعر ولا يسلم منه بيت واحد? # لكن كان الأولى ببشار أن قال: لي اثنا عشر ألف قصيدة ليس واحدة منهن إلا ~~وجيدها أكثر من رديئها، وليس في واحدة منهن ما يسقط، فإنه لو قال ذلك وكان ~~محقا لاستحق التقدم على الشعراء، ومع هذا فقد وصل إلي ما في أيدي الناس من ~~شعره مقصدا ومقطعا فما وجدته بتلك الغاية التي ادعاها، لكن وجدت جيده قليلا ~~بالنسبة إلى رديئه، وتندر1 له الأبيات اليسيرة. # وبلغني عن الأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما أنهم قالوا: هو أشعر الشعراء ~~المحدثين قاطبة، وهم عندي معذورون؛ لأنهم ما وقفوا على معاني أبي تمام، ولا ~~على معاني أبي الطيب، ولا وقفوا على ديباجة أبي عبادة البحتري. # وهذا الموضع لا يستفتى فيه علماء العربية، وإنما يستفتى فيه كاتب بليغ، ~~أو شاعر مفلق، فإن أهل كل علم أعلم به، وكما لا يسأل الفقيه عن مسألة ~~حسابية فكذلك لا يسأل الحاسب عن مسألة فقهية، وكما لا يسأل النحوي عن ms553 مسألة ~~طبية PageV03P272 # فكذلك لا يسأل الطبيب عن مسألة نحوية، ولا يعلم كل علم إلا صاحبه الذي ~~قلب ظهره لبطنه وبطنه لظهره. # على أن علم البيان من الفصاحة والبلاغة محبوب إلى الناس قاطبة، وما من ~~أحد إلا ويحب أن يتكلم فيه، حتى إني رأيت أجلاف العامة ممن لم يخط بيده، ~~ورأيت أغتام1 الأجناس ممن لا ينطق بالكلمة صحيحة، كلهم يخوض في فن الكتابة ~~والشعر، ويأتون فيه بكل مضحكة، وهم يظنون أنهم عالمون به، ولا لوم عليهم، ~~فإنه بلغني عن ابن الأعرابي2 -وكان من مشاهير العلماء- أنه عرض عليه أرجوزة ~~أبي تمام اللامية التي مطلعها: # وعاذل عذلته في عذله # وقيل له هذه لفلان من شعراء العرب، فاستحسنها غاية الاستحسان، وقال هذا ~~هو الديباج الخسرواني3، ثم استكتبها، فلما أنهاها قيل له هذه لأبي تمام، ~~فقال: من أجل ذلك أرى عليها أثر الكلفة. ثم ألقى الورقة من يده، وقال: يا ~~غلام خرق خرق4. PageV03P273 # فإذا كان ابن الأعرابي مع علمه وفضله لا يدري أي طرفيه أطول في هذا الفن، ~~ولا يعلم أين يضع يده فيه, ويبلغ به الجهل إلى أن يقف مع التقليد الشنيع ~~الذي هذا غايته, فما الذي يقول غيره? وما الذي يتكلم فيه سواه? # والمذهب عندي في تفضيل الشعراء أن الفرزدق وجريرا والأخطل أشعر العرب ~~أولا وآخرا، ومن وقف على الأشعار, ووقف على دواوين هؤلاء الثلاثة, علم ما ~~أشرت إليه. # ولا ينبغي أن يوقف مع شعر امرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى، فإن كلا من ~~أولئك أجاد في معنى اختص به، حتى قيل في وصفهم: امرؤ القيس إذا ركب، ~~والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب، والأعشى إذا شرب. # وأما الفرزدق وجرير والأخطل فإنهم أجادوا في كل ما أتوا به من المعاني ~~المختلفة وأشعر منهم عندي الثلاثة المتأخرون، وهم أبو تمام، وأبو عبادة ~~البحتري، وأبو الطيب المتنبي1، فإن هؤلاء الثلاثة لا يدانيهم مدان في طبقة ~~الشعراء. # أما أبو تمام وأبو الطيب فربا المعاني، وأما أبو عبادة فرب الألفاظ في ~~ديباجتها وسبكها. وبلغني أن أبا عبادة البحتري ms554 سأل ولده أبا الغوث عن ~~الفرزدق وجرير أيهما أشعر، فقال: جرير أشعر، قال: وبم ذلك? PageV03P274 # قال: لأن حوكه شبيه بحوكك1. قال ثكلتك أمك، أوفى الحكم عصبية؟ قال: يا ~~أبت فمن أشعر؟ قال: الفرزدق. قال: وبم ذاك؟ قال: لأن أهاجي جرير كلها تدور ~~على أربعة أشياء: هي القين، والزنا وضرب الرومي بالسيف، والنفي من المسجد، ~~ولا يهجو الفرزدق بسوى ذلك، وأما الفرزدق فإنه يهجو جريرا بأنحاء مختلفة، ~~ففي كل قصيد يرميه بسهام غير السهام التي يرميه بها في القصيد الآخر2، وأنا ~~أستكذب راوي هذه الحكاية، ولا أصدقه، فإن البحتري عندي ألب من ذلك، وهو ~~عارف بأسرار الكلام، خبير بأوساطه وأطرافه، وجيده ورديئه، وكيف يدعي على ~~جرير أنه لم يهج الفرزدق إلا بتلك المعاني الأربعة التي ذكرها وهو القائل: # لما وضعت على الفرزدق ميسمي %~% وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل3 # فجمع بين هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد. # ولقد تأملت كتاب النقائض فوجدت جريرا رب تغزل ومديح وهجاء وافتخار، وقد ~~كسا كل معنى من هذه المعاني ألفاظا لائقة به ويكفيه من ذلك قوله: # وعاد عوى من غير شيء رميته %~% بقارعة أنفاذها تقطر الدما # وإني لقوال لكل غريبة %~% ورود إذا الساري بليل ترنما # خروج بأفواه الرواة كأنها %~% شبا هندواني إذا هز صمما PageV03P275 # غرائب ألاف إذا حان وردها %~% أخذن طريقا للقصائد معلما1 # ولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها الشعراء, وسأذكر من هجائه ~~الفرزدق ما ليس فيه شيء من تلك المعاني الأربعة التي أشار البحتري إليها ~~فمن ذلك قوله: # وقد زعموا أن الفرزدق حية %~% وما قتل الحيات من أحد قبلي # ألم تر أني لا تبل رميتي %~% فمن أرم لا تخطئ مقاتله نبلي # رأيتك لا تحمي عقالا ولم ترد %~% قتالا فما لاقيت شر من القتل2 # وقوله: # أبلغ هديتي الفرزدق إنها %~% عبء يزاد على حسير مثقل # إني انصببت من السماء عليكم %~% حتى اختطفتك يا فرزدق من عل3 PageV03P276 # وقوله: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا %~% أبشر بطول سلامة يا مربع # ورأيت نبلك يا فرزدق قصرت %~% ورأيت قوسك ms555 ليس فيها منزع # إن الفرزدق قد تبين لؤمه %~% حيث التقت حششاؤه والأخدع1 # وقوله: # أحارث خذ من شئت منا ومنهم %~% ودعنا نقس مجدا تعد فواضله # لبست سلاحي والفرزدق لعبة %~% عليه وشاحا كرج وجلاجله # فلست بذي عز ولا ذي أرومة %~% وما تعط من ضيم فإنك قابله2 # وقوله: # لا يخفين عليك أن مجاشعا %~% لو ينفخون من الخؤورة طاروا PageV03P277 # قد يؤسرون فلا يفك أسيرهم %~% ويقتلون فتسلم الأوتار1 # وقوله: # بني مالك إن الفرزدق لم يزل %~% يلقى المخازي من لدن أن تيفعا # مددت له الغايات حتى تركته %~% قعود القوافي ذا علوب موقعا2 # وقوله: # ألا إنما كان الفرزدق ثعلبا %~% ضغا وهو في أشداق ليث ضبارم3 # وقوله: # مهلا فرزدق إن قومك فيهم %~% خور القلوب وخفة الأحلام # الظاعنون على العمى بجميعهم %~% والنازلون بشر دار مقام4 PageV03P278 # قوله: # إذا سفرت يوما نساء مجاشع %~% بدت سوأة مما تجن البراقع # مباشيم عن غب الخرير كأنما %~% تصوت في أعفاجهن الضفادع # رأت مالك نبل الفرزدق قصرت %~% عن العلو لا يأبى عن العلو بارع # أتعدل أحسابا كراما حماتها %~% بأحسابكم إني إلى الله راجع # إذا قيل أي الناس شر قبيلة %~% وأعظم عارا قيل تلك مجاشع1 # وقوله: # علق الأخيطل في حبالي بعد ما %~% عثر الفرزدق لا لعا للعاثر # لقي الفرزدق ما لقيت وقبله %~% طاح البعيث بغير عرض وافر # وإذا رجوا أن ينقضوا لي مرة %~% مرست قواي عليهم ومرائري2 # ولجرير مواضع كثيرة في هجاء الفرزدق غير هذه، ولولا خوف الإطالة ~~PageV03P279 # لاستقصيتها جميعها. # ولو سلمت إلى البحتري ما زعم من أن جريرا ليس له في هجاء الفرزدق إلا تلك ~~المعاني الأربع لاعترضت عليه بأنه قد أقر لجرير بالفضيلة. # وذاك أن الشاعر المفلق أو الكاتب البليغ هو الذي إذا أخذ معنى واحدا تصرف ~~فيه بوجوه التصرفات، وأخرجه في ضروب الأساليب، وكذلك فعل جرير، فإنه أبرز ~~من هجاء الفرزدق بالقين كل غريبة، وتصرف فيه تصرفا مختلف الأنحاء، فمن ذلك ~~قوله: # ألهى أباك عن المكارم والعلا %~% لي الكتائف وارتفاع المرجل1 # وقوله: # وجد الكتيف ذخيرة في قبره %~% والكلبتان جمعن والمئشار # يبكي صداه إذا تصدع ms556 مرجل %~% أو إن تفلق برمة أعشار # قال الفرزدق رقعي أكيارنا %~% قالت وكيف ترقع الأكيار2 # وقوله: # إذا آباؤنا وأبوك عدوا %~% أبان المقرفات من العراب PageV03P280 # فأورثك العلا وأورثوني %~% رباط الخيل أفنية القباب # وسيف أبي الفرزدق فاعلموه %~% قدوم غير ثابتة النصاب1 # فانظر أيها الواقف على كتابي هذا إلى هذه الأساليب التي تصرف فيها جرير ~~وأدارها على هجاء الفرزدق بالقين، فقال أولا: إن أباه شغل عن المكارم ~~بصناعة القيون، ثم قال ثانيا: إنه يبكي عليه ويندبه بعد الموت المرجل ~~والبرمة الأعشار التي يصلحها، ثم قال ثالثا: إن أباك أورثك آلة القيون، ~~وأورثني أبي رباط الخيل. # وقد أورد جرير هذا المعنى على غير هذه الأساليب التي ذكرتها، ولا حاجة ~~إلى التطويل بذلك ههنا، وهذا القدر فيه كفاية. # وحيث انتهى بنا القول إلى ههنا فلنرجع إلى النوع الذي نحن بصدد ذكره، وهو ~~اتحاد الطريق واختلاف المقصد، فمما جاء منه قول النابغة: # إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه %~% عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيله %~% إذا ما التقى الجمعان أول غالب2 # وهذا المعنى قد توارد عليه الشعراء قديما وحديثا، وأوردوه بضروب ~~العبارات. PageV03P281 # فقال أبو نواس: # تتمنى الطير غزوته %~% ثقة باللحم من جزره1 # وقال مسلم بن الوليد: # قد عود الطير عادات وثقن بها %~% فهن يتبعنه في كل مرتحل2 # وقال أبو تمام: # وقد ظللت أعناق أعلامه ضحى %~% بعقبان طير في الدماء نواهل # أقامت مع الرايات حتى كأنها %~% من الجيش إلا أنها لم تقاتل3 # وقد ذكر هذا المعنى غير هؤلاء، إلا أنهم جاءوا بشيء واحد لا تفاضل بينهم ~~فيه، إلا من جهة حسن السبك، أو من جهة الإيجاز في اللفظ، ولم أر أحدا أغرب ~~في هذا المعنى فسلك هذه الطريق مع اختلاف مقصده إليها إلا مسلم بن الوليد، ~~فقال: # أشربت أرواح العدا وقلوبها %~% خوفا فأنفسها إليك تطير PageV03P282 # لو حاكمتك فطالبتك بذحلها %~% شهدت عليك ثعالب ونسور1 # فهذا من المليح البديع الذي فضل به مسلم غيره في هذا المعنى، وكذلك فعل ~~أبو الطيب المتنبي، فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك ms557 هذه الطريق التي سلكها ~~من تقدمه، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه، فأغرب وأبدع وحاز ~~الإحسان بجملته، وصار كأنه مبتدع لهذا المعنى دون غيره. # فمما جاء منه قوله: # تفدى أتم الطير عمرا سلاحه %~% نسور الملا أحداثها والقشاعم # وما ضرها خلق بغير مخالب %~% وقد خلقت أسيافه والقوائم2 # ثم أورد هذا المعنى في موضع آخر من شعره، فقال: # سحاب من العقبان ترجف تحتها %~% سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه3 # وهذا معنى قد حوى طرفي الإغراب والإعجاب. PageV03P283 # وقال في موضع آخر: # وذي لجب لا ذو الجناح أمامه %~% بناج ولا الوحش المثار بسالم # تمر عليه الشمس وهي ضعيفة %~% تطالعه من بين ريش القشاعم # إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة %~% تدور فوق البيض مثل الدراهم1 # وهذا من إعجاز أبي الطيب المشهور، ولو لم يكن له من الإحسان في شعره إلا ~~هذه الأبيات لاستحق بها فضيلة التقدم. # ومما ينتظم بهذا النوع ما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب ~~المتنبي في وصف الأسد، وقصيدتاهما مشهورتان، فأول إحداهما: # أجدك ما ينفك يسري لزينبا # وأول الأخرى: # في الخد إن عزم الخليط رحيلا # أما البحتري فإنه ألم بطرف مما ذكر بشر بن عوانة في أبياته الرائية التي ~~أولها: # أفاطم لو شهدت ببطن خبت %~% وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا2 # وهذه الأبيات من النمط العالي الذي لم يأت أحد بمثله، وكل الشعراء لم تسم ~~قرائحهم إلى استخراج معنى ليس بمذكور فيها، ولولا خوف الإطالة لأوردتها ~~بجملتها، لكن الغرض إنما هو المفاضلة بين البحتري وأبي الطيب PageV03P284 # فيما أورداه من المعاني في هذا القصد المشار إليه. # فمما جاء للبحتري من قصيدته: # وما تنقم الحساد إلا أصالة %~% لديك وعزما أريحيا مهذبا # وقد جربوا بالأمس منك عزيمة %~% فضلت بها السيف الحسام المجربا # غداة لقيت الليث والليث مخدر %~% يحدد نابا للقاء ومخلبا # إذا شاء غادى عانة أو غدا على %~% عقائل سرب أو تقنص ربربا # شهدت لقد أنصفته حين تنبري %~% له مصلتا عضبا من البيض مقضبا # فلم أر ضرغامين أصدق منكما %~% عراكا إذا الهيابة النكس ms558 كذبا # هزبرا مشى يبغي هزبرا وأغلبا %~% من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا # أدل بشغب ثم هالته صوله %~% رآك لها أمضى جنانا وأشغبا # فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا %~% وأقدم لما لم يجد عنك مهربا # فلم يغنه أن كر نحوك مقبلا %~% ولم ينجه أن حاد عنك منكبا # حملت عليه السيف لا عزمك انثنى %~% ولا يدك ارتدت ولا حده نبا1 # ومما جاء لأبي الطيب المتنبي في قصيدته: # أمعفر الليث الهزبر بسوطه %~% لمن ادخرت الصارم المصقولا # ورد إذا ورد البحيرة شاربا %~% ورد الفرات زئيره والنيلا PageV03P285 # متخضب بدم الفوارس لابس %~% في غيله من لبدتيه غيلا # ما قوبلت عيناه إلا ظنتا %~% تحت الدجى نار الفريق حلولا # في وحدة الرهبان إلا أنه %~% لا يعرف التحريم والتحليلا # يطأ الثرى مترفقا من تيهه %~% فكأنه آس يجس عليلا # ويرد غفرته إلى يافوخه %~% حتى تصير لرأسه إكليلا # قصرت مخافته الخطا فكأنما %~% ركب الكمي جواده مشكولا # ألقى فريسته وزمجر دونها %~% وقربت قربا خاله تطفيلا # فتشابه القربان في إقدامه %~% وتخالفا في بذلك المأكولا # أسد يرى عضويه فيك كليهما %~% متنا أزل وساعدا مفتولا # ما زال يجمع نفسه في زوره %~% حتى حسبت العرض منه الطولا # وكأنما غرته عين فادنى %~% لا يبصر الخطب الجليل جليلا # أنف الكريم من الدنية تارك %~% من عينه العدد الكثير قليلا # والعار مضاض وليس بخائف %~% من حتفه من خاف مما قيلا # خذلته قوته وقد كافحته %~% فاستنصر التسليم والتجديلا # سمع ابن عمته به وبحاله %~% فمضى يهرول أمس منك مهولا # وأمر مما فر منه فراره %~% وكقتله ألا يموت قتيلا # تلف الذي اتخذ الجراءة خلة %~% وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا1 PageV03P286 # وسأحكم بين هاتين القصيدتين، والذي يشهد به الحق وتتقيه العصبية أذكره، ~~وهو أن معاني أبي الطيب أكثر عددا، وأسد مقصدا، ألا ترى أن البحتري قد قصر ~~مجموع قصيدته على وصف شجاعة الممدوح في تشبيهه بالأسد مرة، وتفضيله عليه ~~أخرى، ولم يأت بشيء سوى ذلك، وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيت واحد، ~~وهو قوله: # أمعفر الليث الهزبر بسوطه %~% لمن ادخرت الصارم المصقولا؟ # ثم ms559 إنه تفنن في ذكر الأسد، فوصف صورته وهيئته، ووصف أحواله في انفراده في ~~جنسه وفي هيئه مشيه واختياله، ووصف خلق نجله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في ~~الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء، ثم إنه عطف بعد ذلك على ذكر الأنفة والحمية ~~التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج ذلك في أحسن مخرج، ~~وأبرزه في أشرف معنى. # وإذا تأمل العارف بهذه الصناعة أبيات الرجلين عرف ببديهة النظر ما أشرت ~~إليه. # والبحتري وإن كان أفضل من المتنبي في صوغ الألفاظ وطلاوة السبك, فالمتنبي ~~أفضل منه في الغوص على المعاني. PageV03P287 # ومما يدلك على ذلك أنه لم يعرض لما ذكره في أبياته الرائية, لعلمه أن ~~بشرا قد ملك رقاب تلك المعاني واستحوذ عليها، ولم يترك لغيره شيئا يقوله ~~فيها، ولفطانة أبي الطيب لم يقع فيما وقع فيه البحتري من الانسحاب على ذبل ~~بشر؛ لأنه قصر عنه تقصيرا كثيرا، ولما كان الأمر كذلك عدل أبو الطيب عن ~~سلوك الطريق وسلك غيرها، فجاء فيما أورد مبرزا. # واعلم أن من أبين البيان في المفاضلة بين أرباب النظم والنثر أن يتوارد ~~اثنان منهما على مقصد من المقاصد يشتمل على عدة معان، كتوارد البحتري ~~والمتنبي ههنا على وصف الأسد، وهذا أبين في المفاضلة من التوارد على معنى ~~واحد يصوغه هذا في بيت من الشعر وفي بيتين، ويصوغه الآخر في مثل ذلك، فإن ~~بعد المدى يظهر ما في السوابق من الجواهر1، وعنده يتبين ربح الرابح وخسر ~~الخاسر. # فإذا شئت أن تعلم فضل ما بين هذين الرجلين فانظر إلى قصيدتيهما في مراثي ~~النساء التي مفتتح إحداهما: # يا أخت خير أخ يا بنت خير أب %~% كناية بهما عن أكرم العرب2 # وهي لأبي الطيب, ومفتتح الأخرى: # غروب دمع من الأجفان ينهمل %~% وحرقة بغليل الحزن تشتعل3 # وهي للبحتري، فإن أبا الطيب انفرد بابتداع ما أتى به في معاني قصيدته، ~~والبحتري أتى بما أكثره غث بارد، والمتوسط منه لا فرق فيه بين رثاء امرأة ~~ورجل. # ومن الواجب أنه إذا سلك الناظم أو الناثر مسلكا ms560 في غرض من الأغراض ~~PageV03P288 # ألا يخرج عنه، كالذي سلكه هذان الرجلان في الرثاء بامرأة، فإن من حذاقة ~~الصنعة أن يذكر ما يليق بالمرأة دون الرجل. # وهذا الموضع لم يأت فيه أحد بما يثبت على المحك إلا أبو الطيب وحده، وأما ~~غيره من مفلقي الشعراء قديما وحديثا فإنهم قصروا عنه. # وله في هذا المعنة قصيدة أخرى مفتتحها: # نعد المشرفية والعوالي %~% وتقتلنا المنون بلا قتال1 # وكفى بها شاهدا على ما ذكرته من انفراده بالإبداع فيما أتى به. # والفتيا عندي بينه وبين البحتري أن أبا الطيب أنفذ في المضيق، وأعرف ~~باستخراج المعنى الدقيق، وأما البحتري فإنه أعرف بصوغ الألفاظ، وحوك ~~ديباجتها. # وقد قدمت أن الحكم بين الشاعرين في اتفاقهما في المعنى أبين من الحكم ~~بينهما فيما اختلفا فيه؛ لأنهما مع الاتفاق في المعنى يتبين قولاهما، ~~ويظهران ظهورا يعلم ببديهة النظر، ويتسارع إليه فهم من ليس بثاقب الفهم، ~~وأما اختلافهما في المعنى فإنه يحتاج في الحكم بينهما فيه إلى كلام طويل ~~يعز فهمه، ولا يتفطن له إلا بعض الناس دون بعض، بل لا يتفطن له إلا الفذ ~~الواحد من الناس. # ولي في هذا مقالة مفردة ضمنتها الحكم بين المعنيين المختلفين، وتكلمت ~~عليه كلاما طويلا عريضا، وأقمت الدليل على ما نصصت عليه، وما منعني من ~~إيرادها في كتابي هذا إلا أنها سنحت لي بعد تصنيفه وشيوعه في أيدي الناس، ~~وتناقل النسخ به. # وعلى هذا الأسلوب توارد البحتري والشريف الرضي على ذكر الذئب في قصيدة ~~للبحتري دالية أولها. PageV03P289 # سلام عليكم لا وفاء ولا عهد1 # ومقطوعة للشريف الرضي أولها: # وعاري الشوى والمنكبين من الطوى %~% أتيح له بالليل عاري الأشاجع2 # وقد أجاد البحتري في وصف حاله مع الذئب، والشريف أجاد في وصف الذئب نفسه. ~~PageV03P290 ### ||| المسخ # وأما المسخ فهو: قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة، # والقسمة تقتضي أن يقرن إليه ضده، وهو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة. # فالأول كقول أبي تمام: # فتى لا يرى أن الفريصة مقتل %~% ولكن يرى أن العيوب مقاتل1 PageV03P290 # وقول أبي الطيب المتنبي: # يرى أن ms561 ما بان منك لضارب %~% بأقتل مما بان منك لعائب1 # فهو وإن لم يشوه المعنى فقد شوه الصورة، ومثاله في ذلك كمن أودع الوشي ~~شملا، وأعطى الورد جعلا2، وهذا من أرذل السرقات. وعلى نحو منه جاء قول عبد ~~السلام بن رغبان: # نحن نعزيك ومنك الهدى %~% مستخرج والصبر مستقبل # نقول بالعقل وأنت الذي %~% نأوي إليه وبه نعقل # إذا عفا عنك وأودى بنا الد %~% هر فذاك المحسن المجمل3 # أخذه أبو الطيب فقلب أعلاه أسفله، فقال: # إن يكن صبر ذي الرزية فضلا %~% تكن الأفضل الأعز الآجلا # أنت يا فوق أن تعزى عن الأح %~% باب فوق الذي يعزيك عقلا # وبألفاظك اهتدى فإذا عزا %~% ك قال الذي له قلت قبلا4 # والبيت الأخير من هذه الأبيات هو الآخر قدرا، وهو المخصوص بالمسخ. # وأما قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة فهذا لا يسمى سرقة، بل يسمى ~~إصلاحا وتهذيبا. PageV03P291 # فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي: # لو كان ما تعطيهم من قبل أن %~% تعطيهم لم يعرفوا التأميلا1 # وقول ابن نباتة السعدي: # لم يبق جودك لي شيئا أؤمله %~% تركتني أصحب الدنيا بلا أمل2 # وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس في أرجوزة يصف فيها اللعب بالكرة ~~والصولجان فقال من جملتها: # جن على جن وإن كانوا بشر %~% كأنما خيطوا عليها بالإبر2 # ثم جاء المتنبي فقال: # فكأنها نتجت قياما تحتهم %~% وكأنهم ولدوا على صهواتها4 # وبين القولين كما بين السماء والأرض، فإنه يقال: ليس للأرض إلى السماء ~~نسبة محسوسة، وكذلك يقال ههنا أيضا، فإن بقدر ما في قول أبي نواس من النزول ~~والضعف، فكذلك في قول أبي الطيب من العلو والقوة. PageV03P292 # المجلد الرابع ### ||| تكملة باب السرقات # وربما ظن بعض الجهال أن قول الشماخ: # إذا بلغتني وحملت رحلي %~% عرابة فاشرقي بدم الوتين1 # وقول أبي نواس: # وإذا المطي بنا بلغن محمدا %~% فظهورهن على الرجال حرام2 # من هذا القبيل الذي هو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة، وليس كذلك فإن ~~قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة هو أن يؤخذ المعنى الواحد فيكسى عبارتين ~~إحداهما قبيحة والأخرى حسنة، ms562 فالحسن والقبح إنما يرجع إلى التعبير، لا إلى ~~المعنى نفسه، وقول أبي نواس هو عكس قول الشماخ، وقد تقدم مثل ذلك فيما مضى ~~من ضروب السرقات. PageV04P003 # ألا ترى إلى قول أبي الطيب المتنبي وقول الشريف الرضي، فقال أبو الطيب: # إني على شغفي بما في خمرها %~% لأعف عما في سرا ويلاتها1 # وقول الشريف الرضي: # أحن إلي ما تضمن الخمر والحلى %~% وأصدف عما في ضمان المآزر2 # فالمعنى واحد، والعبارة مختلفة في الحسن والقبح. # وهذه السرقات وهي ستة عشر نوعا لا يكاد يخرج عنها شيء، وإذا أنصف الناظر ~~في الذي أتيت به ههنا علم أني قد ذكرت ما لم يذكره غيري، وأنا أسأل الله ~~التوفيق لأن أكون لفضله شكورا، وألا أكون مختالا فخورا. # وإذ فرغت من تصنيف هذا الكتاب وحررت القول في تفصيل أقسام الفصاحة ~~والبلاغة والكشف عن دقائقهما وحقائقهما، فينبغي أن أختمه بذكر فضليهما ~~فأقول: # اعلم أن هذا الفن هو أشرف الفضائل وأعلاها درجة، ولولا ذلك لما فخر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة مواقف، فقال تارة: "أنا أفصح من نطق ~~بالضاد" وقال تارة: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث في قومه ~~بعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، PageV04P004 # وجعلت لي الأرض طيبة وطهورا، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأوتيت ~~جوامع الكلم". # وما سمع بأن رسول الله "افتخر بشيء من العلوم سوى علم الفصاحة والبلاغة، ~~فلم يقل إنه أفقه الناس، ولا أعلم الناس بالحساب، ولا بالطب ولا بغير ذلك، ~~كما قال: أنا أفصح من نطق بالضاد. # وأيضا فلو لم تكن هذه الفضيلة من أعلى الفضائل درجة لما اتصل الإعجاز بها ~~دون غيرها، فإن كتاب الله تعالى نزل عليها، ولم ينزل بمعجز من مسائل الفقه، ~~ولا من مسائل الحساب، ولا من مسائل الطب، ولا غير ذلك من العلوم, ولما كانت ~~هذه الفضيلة بهذه المكانة صارت في الدرجة العالية. # والمنثور منها أشرف من المنظوم، لأسباب من جملتها أن الإعجاز لم يتصل ~~بالمنظوم، وإنما اتصل بالمنثور. ms563 # الآخر أن أسباب النظم أكثر، ولهذا نجد المجيدين منهم أكثر من المجيدين من ~~الكتاب، بل لا نسبة لهؤلاء إلى هؤلاء، ولو شئت أن تحصي أرباب الكتابة من ~~أول الدولة الإسلامية إلى الآن لما وجدت منهم ممن يستحق اسم الكاتب عشرة، ~~وإذا أحصيت الشعراء في تلك المدة وجدتهم عددا كثيرا، حتى لقد كان يجتمع ~~منهم في العصر الواحد جماعة كثيرة كل منهم شاعر مفلق، وهذا لا نجده في ~~الكتاب، بل ربما ندر الفرد الواحد في الزمن الطويل. # وليس ذلك إلا لوعورة المسلك من النثر، وبعد مناله، والكاتب هو أحد دعامتي ~~الدولة، فإن كل دولة لا تقوم إلا على دعامتين من السيف والقلم، وربما لا ~~يفتقر الملك في ملكه إلى السيف إلا مرة أو مرتين، وأما القلم فإنه PageV04P005 # يفتقر إليه على الأيام، وكثيرا ما يستغني به عن السيف، وإذا سئل عن ~~الملوك الذين غبرت أيامهم لا يوجد منهم من حسن اسمه من بعده، إلا من حظي ~~بكاتب خطب عنه، وفخم أمر دولته، وجعل ذكرها خالدا يتناقله الناس،؛ رغبة في ~~فصل خطابه، واستحسانا لبداعة كلامه، فيكون ذكرها في خفارة ما دونه قلمه، ~~ورقمته أساطيره. # وليس الكاتب بكاتب حتى يضطر عدو الدولة أن يروي أخبار مناقبها في حفله، ~~ويصبح ولسانه حامد لمساعيها وبقلبه ما به من غله. # ولقد أحسن أبو تمام في هذا المعنى حيث قال: # سأجهد حتى أبلغ الشعر شأوه %~% وإن كان طوعا لي ولست بجاهد # فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا %~% عدو فاعلم أنني غير حامد1 # وهذا الذي ذكرته حق وصدق، لا ينكره إلا جاهل به، وأنا أسأل الله الزيادة ~~من فضله، وإن لم أكن أهلا له فإنه هو من أهله. # ووقفت على كلام لأبي إسحاق الصابي في الفرق بين الكتابة والشعر، وهو جواب ~~لسائل سأله، فقال: إن طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف PageV04P006 # طريق الإحسان في منظومه؛ لأن الترسل هو ما وضح معناه، وأعطاك سماعه في ~~أول وهلة ما تضمنته ألفاظه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد ~~مماطلة ms564 منه. # ثم قال بعد ذلك: ولسائل أن يسأل فيقول: من أية جهة صار الأحسن في معنى ~~الشعر الغموض، وفي معاني الترسل الوضوح؟. # فالجواب أن الشعر بني على حدود مقررة وأوزان مقدرة وفصلت أبياته، فكان كل ~~بيت منها قائما بذاته، وغير محتاج إلى غيره، إلا ما جاء على وجه التضمين، ~~وهو عيب، فلما كان النفس لا يمتد في البيت الواحد بأكثر من مقدار عروضه ~~وضربه، وكلاهما قليل، احتيج إلى أن يكون الفصل في المعنى، فاعتمد أن يلطف ~~ويدق. # والترسل مبني على مخالفة هذه الطريق؛ إذ كان كلاما واحدا لا يتجزأ ولا ~~يتفصل إلا فصولا طوالا، وهو موضوع وضع ما يهذهذ1 أو يمر به على أسماع شتى ~~من خاصة ورعية، وذوي أفهام ذكية وأفهام غبية، فإذا كان متسلسلا ساغ فيها ~~وقرب، فجميع ما يستحب في الأول يكره في الثاني، حتى إن التضمين عيب في ~~الشعر وهو فضيلة في الترسل. # ثم قال بعد ذلك: والفرق بين المترسلين والشعراء أن الشعراء إنما أغراضهم ~~التي يرمون إليها وصف الديار والآثار والحنين إلى الأهواء والأوطار، ~~والتشيب بالنساء، والطلب والاجتداء، والمديح والهجاء، وأما المترسلون فإنما ~~يترسلون في أمر سداد ثغر، وإصلاح فساد، أو تحريض على جهاد، أو احتجاج على ~~فئة، أو مجادلة لمسألة، أو دعاء إلى ألفة، أو نهي عن فرقة، أو تهنئة بعطية، ~~أو تعزية برزية، أو ما شاكل ذلك. PageV04P007 # هذا ما انتهى إليه كلام أبي إسحاق في الفرق بين الترسل والشعر. # ولقد عجبت من ذلك الرجل الموصوف بذلاقة اللسان، وبلاغة البيان، كيف يصدر ~~عنه مثل هذا القول الناكب عن الصواب الذي هو في باب ونصي النظر في باب، ~~اللهم غفرا. # وسأذكر ما عندي في ذلك، لا إرادة للطعن عليه، بل تحقيقا لمحل النزاع ~~فأقول: أما قوله: إن الترسل هو ما وضح معناه والشعر ما غمض معناه، فإن هذه ~~دعوى لا مستند لها، بل الأحسن في الأمرين معا إنما هو الوضوح والبيان. # على أن إطلاق القول على هذا الوجه من غير تقييد لا يدل على الغرض ms565 الصحيح، ~~بل صواب القول في هذا أن يقال: كل كلام من منثور ومنظوم فينبغي أن تكون ~~مفردات ألفاظه مفهومة؛ لأنها إن لم تكن مفهومة فلا تكون فصيحة، لكن إذا ~~صارت مركبة نقلها التركيب عن تلك الحال في فهم معانيها، فمن المركب منها ما ~~يفهمه الخاصة والعامة، ومنه ما لا يفهمه إلا الخاصة، وتتفاوت درجات فهمه، ~~ويكفي من ذلك كتاب الله تعالى، فإنه أفصح الكلام، وقد خوطب به الناس كافة ~~من خاص وعام، ومع هذا فمنه ما يتسارع الفهم إلى معانيه، ومنه يغمض فيعز ~~فهمه، والألفاظ المفردة ينبغي أن تكون مفهومة، سواء كان الكلام نظما أو ~~نثرا، وإذا تركبت فلا يلزم فيها ذلك، وقد تقدم في كتابي هذا أدلة كثيرة على ~~هذا، فتؤخذ من مواضعها. # وأما الجواب الذي أجاب به في الدلالة على غموض الشعر ووضوح الكلام ~~المنثور فليس ذلك بجواب، وهب أن الشعر كان كل بيت منه قائما بذاته، PageV04P008 # فلم كان مع ذلك غامضا? وهب أن الكلام المنثور كان واحدا لا يتجزأ، فلم ~~كان واضحا? ثم لو سلمت إليه هذا، فماذا يقول في الكلام المسجوع الذي كل ~~فقرة منه بمنزلة بيت من شعر?. # وأما قوله في الفرق بين الشاعر والكاتب "إن الشاعر من شأنه وصف الديار ~~والآثار والحنين إلى الأهواء والأوطار والتشبيب بالنساء والطلب والاجتداء ~~والمديح والهجاء، وإن الكاتب من شأنه الإفاضة في سداد ثغر أو إصلاح فساد أو ~~تحريض على حياد أو احتجاج على فئة أو مجادلة لمسألة أو دعاء إلى ألفة أو ~~نهي عن فرقة أو تهنئة بعطية أو تعزية برزية" فإن هذا تحكم محض لا يستند إلى ~~شبهة، فضلا عن بينة. # وأي فرق بين الشاعر والكاتب في هذا المقام? فكما يصف الشاعر الديار ~~والآثار، ويحن إلى الأهواء فكذلك الكاتب في الاشتياق إلى الأوطان، ومنازل ~~الأحباب والإخوان، ويحن إلى الأهواء والأوطار، ولهذا كانت الكتب الإخوانيات ~~بمنزلة الغزل والنسيب من الشعر. # وكما يكتب الكاتب في إصلاح فساد، أو سداد ثغر، أو دعاء إلى ألفة، أو نهي ~~عن فرقة، أو ms566 تهنئة، أو تعزية، فكذلك الشاعر. # فإن شذ عن الصابي قصائد الشعراء في أمثال هذه المعاني فكيف خفي عنه قصيدة ~~أبي تمام في استعطاف مالك بن طوق على قومه التي مطلعها: # لو أن دهرا رد رجع جوابي1 PageV04P009 # أم كيف بالنظر في ديوان أبي الطيب المتنبي وهما في زمن واحد، فما تأمل ~~قصيدته في الإصلاح يبن كافور الإخشيدي وبين مولاه الذي مطلعها: # حسم الصلح ما اشتهته الأعادي1 # وكذلك لا شك أنه لم يقف على قصيدة أبي عبادة البحتري في غزو البحر التي ~~مطلعها: # ألم تر تغليس الربيع المبكر2 # ولو أخذت في تعداد قصائد الشعراء في الأغراض التي أشار إليها وخص بها ~~الكاتب لأطلت، وذكرت الكثير الذي يحتاج إلى أوراق كثيرة، وكل هذه الفروق ~~التي نص عليها وعددها فليست بشيء، ولا فرق بين الكناية والشعر # فيها. # والذي عندي في الفرق بينهما هو من ثلاثة أوجه: # الأول: من جهة نظم أحدهما ونثر الآخر وهذا فرق ظاهر. # الثاني: أن من الألفاظ ما يعاب استعماله نثرا، ولا يعاب نظما، وذلك شيء ~~استخرجته ونبهت عليه في القسم الأول المختص باللفظة المفردة في المقالة ~~الأولى من هذا الكتاب، وسأعيد ههنا منه شيئا فأقول: قد ورد في شعر أبي تمام ~~قوله: PageV04P010 # هي العرمس الوجناء وابن ملمة %~% وجأش على ما يحدث الدهر خافض1 # وكذلك ورد في شعر أبي الطيب المتنبي كقوله: # ومهمة جبته على قدمي %~% تعجز عه العرامس الذلل2 # فلفظة المهمة والعرامس لا يعاب استعمالها في الشعر، ولو استعملا في كتاب ~~أو خطبة كان استعمالها معيبا، وكذلك ما يشاكلهما ويناسبهما من الألفاظ، وكل ~~ذلك قد ضبطته بضوابط وحددته بحدود تفصله من غيره من الألفاظ فليؤخذ من ~~المقالة الأولى، ولولا خوف التكرار لأعدته ههنا. # الثالث: أن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورا متعددة ذوات معان مختلفة في ~~شعره واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك فإنه لا ~~يجيد في الجميع، ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل، والكثير من ذلك ~~رديء غير مرضي، والكاتب ms567 لا يؤتي من ذلك، بل يطيل الكتاب الواحد إطالة واسعة ~~تبلغ عشر طبقات من القراطيس، أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو ~~أربعمائة أو خمسمائة، وهو مجيد في ذلك كله، وهذا لا نزاع فيه لأننا رأيناه، ~~وسمعناه وقلناه. PageV04P011 # وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها، فإن ~~شاعرهم يذكر كتابا مصنفا من أوله إلى آخره شعرا، وهو شرح قصص وأحوال، ويكون ~~مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم ~~الكتاب المعروف بشاه نامه، وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ ~~الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه1، ~~وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن ~~لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر. # اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه الطيبين الطاهرين، وسلم ~~تسليما كثيرا إلى يوم الدين. PageV04P012 ms568