######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023794 #META# 000.BookURI :: #0637.IbnAthirDiyaDin.MathalSair #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، الجزري، أبو الفتح، ضياء الدين، المعروف بابن الأثير الكاتب (المتوفى: 637هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 637 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023794 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23794 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23794 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد محي الدين عبد الحميد #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتبة العصرية للطباعة والنشر - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1420 هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الجزء الأول # بسم الله الرحمن الرحيم* ### | المقدمة # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. # أما بعد؛ فإن بي من حب العربية والشغف بها ما يدفعني إلى احتمال المصاعب ~~والرضا بركوب المخاطر والأهوال، وبذل النفيسين الوقت والراحة. # وإني لأجد من السرور بهذا ما لا يبلغ معشاره غريب ألقى بين أهله عصا ~~الترحال، أو محب لقي حبيبه بعد طول افتراق، وواصله بعد طول تجن وجهود. # وقد أخذت على عاتقي أن أقوم لهذه اللغة بما يسعه جهدي من خدمة، فلم أجد ~~أنبل مقصدا، ولا أسمى غرضا، ولا أقرب عند الله قبولا؛ من أن أتوفر على كتب ~~أسلافنا من علماء هذه اللغة، فأحققها وأحاول ردها إلى الصورة التي خرجت ~~عليها من أيدي مؤلفيها قبل أن يصيبها تحريف النساخ وتصحيف الناشرين، أو ~~مسحهم. # وأردت أن أجمع بذلك بين خلال أربع: # أولاها: أن أبتعد عن الغرور بالنفس والتفاخر بالتأليف. # وثانيتها: أن أظهر شباب هذه الأمة على تراثنا الذي ورثناه عن آباء لنا ~~كانوا قادة العالم وأهل الرأي فيه يوم كان الناس كلهم يتيهون في بيداوات ~~الجهالة ويعيشون عيش السائمة والأنعام، وأنا أعلم أن شبابنا اليوم ليس لهم ~~الصبر والجلد على قراءة هذه الذخائر في منظرها الذي يختاره لهم الوراقون ~~وتجار الكتب، وأن من حسن الرأي أن نضع بين أيديهم كتبا بهيجة المنظر بديعة ~~الرواية؛ ليقلبوا عليها، وينتفعوا بما فيها من علم. # PageV01P005 # وثالثتها: أن أثبت لهؤلاء الذين ينتقصون من قدر آبائنا وينالون منهم أن ~~لأولئك الآباء من المجد والمنزلة ما يفاخر به الأبناء؛ وليس يضير الغادة ~~الهيفاء ضنانة أهلها وبخلهم ولؤم أنفسهم، ولا يغض من جمالها أن تظهر في ~~أطمار مهلهلة ولكن على من تكون من نصيبه أن ينفض عنها غبار الإهمال، ~~ويجلوها في فاخر الديباج؛ ليظهر له بديع ما أنعمها الله من فتنة وجمال. # ورابعتها: أن أنفي عن نفسي تهمة التقصير في وقت نحن أحوج ما نكون إلى ~~التساند والتضافر على إعادة رسومنا الدارسة إلى ما كانت عليه يوم كنا قادة ~~الشعوب ms001 وسادة هذا العالم؛ وليس للبلاد العربية كلها من بد أن تسلك لوحدتها ~~طريق الاتحاد في المشاعر والمعارف، وأقرب ما يصل بنا إلى هذه الغاية معاودة ~~معارفنا القديمة مع اختيار أقربها إلى أنفسنا وقلوبنا في فروع العلم كلها. # ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أنبهك إلى حقيقة قد تغفلها أو تتشكك فيها ~~إذا عرضت لك؛ أحب أن تعلم أن الجهد الذي يبذله من يحقق كتابا من كتب ~~أسلافنا لا يقل عن الجهد الذي يبذله مؤلف كتاب حديث، بل أنا أجاهر بأن جهد ~~الأول فوق جهد الثاني، وفرق بين من يعمد إلى المعارف فيختار منها ما يشاء ~~ويدع منها ما يشاء، ثم يعبر عما اختاره بالأسلوب الذي يرضاه، وبين آخر لا ~~يسعه إلا إثبات ما بين يديه بالأسلوب الذي اختاره صاحبه منذ مئات السنين، ~~وهو بين عبارات شوهها التحريف وغير الكثير منها تعاقب أيدي الكتاب ~~والصفافين، وأكثرهم ممن لا يتصل بالعلم من قريب أو بعيد. # والكتاب الذي أضعه اليوم بين يديك هو كتاب «المثل السائر، في أدب الكاتب ~~والشاعر» الذي صنفه في علم البلاغة الأديب الكاتب أبو الفتح نصر الله ضياء ~~الدين بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، ~~المعروف بابن الأثير؛ وهو كتاب «جمع فيه فأوعى. ولم يترك شيئا يتعلق بفن ~~الكتابة إلا ذكره» «1» وهو كتاب امرىء: # PageV01P006 # أطاعته أنواع البلاغة فاهتدى ... إلى الشعر من نهج إليه قويم «1» # وستقف على رأينا في هذا الكتاب عند الكلام على ترجمة المؤلف، ولكنا نذكر ~~لك ههنا عملنا في هذا الكتاب لتدرك مقدار الجهد المضني الذي بذلناه في ~~إخراجه على هذه الصورة التي نتمنى أن تخرج عليها كتب العربية، بل كتب ~~الثقافة الإسلامية عامة؛ لتنقطع ألسنة الأفاكين الذين يتهمون آباءنا بقلة ~~الإنتاج الصحيح، وإذا اعترف أحدهم لهم ذكر في جانب اعترافه هذا أن الإنتاج ~~محدود لا أثر فيه لشخصية المنتج، ولا برهان فيه على الاستقلال والحرية ~~الفكرية، في الوقت يسطو هو على إنتاجهم وعصارة أذهانهم فينتحلها وينسبها ~~لنفسه، وهو ms002 بمأمن من أن يعرف ذلك سواد الناس ودهماؤهم؛ لأنهم لا يقرءون هذه ~~الكتب. # لم يكن من رأيي أن أعمل على نشر هذا الكتاب الآن: فقد كنت أرى أن غيره من ~~كتب العربية أحق بالتقديم وأكثر عائدة؛ ذلك لأن الكتاب قد طبع من قبل مرارا ~~في بولاق وفي غير بولاق، ولأن الذين ينتفعون به عدد قليل من قراء العربية، ~~وهم- أو أكثرهم- مستطيعون أن ينتفعوا منه على حاله التي كان عليها. ولكن ~~بعض الإخوان رجاني أن يكون هذا الكتاب في مقدمة ما أخرجه من كتب العربية، ~~وذكر لي أنه وكثيرا من المشتغلين بتحصيل العلم يجدون العنت والمشقة في ~~تقويم عبارته التي عدت عليها عوادي المسخ والتشويه؛ فوعدته بأن أقبل؛ وكنت ~~أظن الأمر هينا حين قطعت على نفسي ذلك العهد؛ ولكني حينما شرعت في مراجعة ~~أصول الكتاب وجدت العجب العاجب؛ فمن عبارات مشوهة، إلى أعلام محرفة تحريفا ~~أبعدها كثيرا عن أصلها؛ إلى نصوص من الحديث النبوي والشعر العربي قد بدلتها ~~الأيدي التي تناولت الكتاب، إلى غير ذلك بما ستراه في أثناء قراءتك؛ فلما ~~رأيت ذلك هالني الأمر وترددت كثيرا في المضي فيه، ولكني لم أشأ أن أنقض ما ~~قطعته من عهد، أو لم أشأ أن تضعف عزيمتي عن إتمام ما شرعت فيه. # PageV01P007 # الكتاب إذا كثير التحريف برغم أنه طبع مرارا، فما من بد لي من مراجعة ~~أصوله على عدة نسخ، وما من بد لي من مراجعة جميع ما ورد فيه من النصوص على ~~مصادرها الأولى، ثم ما من بد لي من الأناة والروية في تفهم عبارات المؤلف ~~والوقوف عند كل جملة منها؛ وذلك أمر شاق يورث الضنى والكلال، ولكنه- مع ~~ذلك- ميسور لمن لا يبالي بما يجد في هذا السبيل؛ ولما لم يكن بد من ذلك كله ~~أقدمت عليه وثابرت فيه مثابرة الحريص على إدراك الغاية والوصول إلى ~~النتيجة؛ وأعتقد أنني أدركت- بمعونة الله وتوفيقه- ما أردت، وبلغت ما أملت. # في دار الكتب المصرية جزء من نسخة خطية كتبها أبو المكارم بن منصور ~~الباوشناي الموصلي، وفرغ من كتابته ms003 في يوم السبت الحادي والعشرين من شهر ~~جمادى الأولى سنة (622) اثنتين وعشرين وستمائة من الهجرة، وفي أول هذا ~~الجزء إجازة بخط المؤلف كتبها بالموصل في شهر شعبان من عام كتابته أجاز بها ~~الشيخ أبا محمد المظفر عضد الدين بن محمد بن علي بن جعفر بن زهير الدمشقي. ~~وفي الدار نسخة كاملة مكتوبة بقلم معتاد، ولم أعرف عن زمن كتابتها ولا عن ~~قيمتها الأثرية شيئا؛ فراجعت نسختي على هاتين النسختين، وهما المرموز لهما ~~في الحواشي بحرف د. # وعند صديقي الأستاذ الفاضل الشيخ أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي نسخة خطية ~~تمت كتابتها في نهار الأربعاء الموافق اليوم الخامس والعشرين من شهر جمادى ~~الثانية في عام (1093) ثلاث وتسعين بعد الألف، وكاتبها محيي الدين بن ناصر ~~الدين الصفوري، وهذه النسخة منقولة عن نسخة كتبها أحمد بن علي بن محمد بن ~~علي بن محمد بن علي بن مهران القويسني وفرغ من كتابتها في مستهل جمادى ~~الأولى من سنة سبع وعشرين وستمائة، ويقول محيي الدين بن ناصر الدين الصفوري ~~في شأن النسخة التي نقل عنها نسخته: «وهي نسخة صحيحة، رحم الله مؤلفها ~~وكاتبها رحمة واسعة، وهي على هذا التاريخ مكتوبة قبل موت المؤلف بعشر سنين ~~أو ما يقرب منها» اه، ثم كتب على حاشية آخر ورقة: «بلغ مقابلة على # PageV01P008 # أصله الذي كتب منه والله الموفق» اه. وقد تفضل الأستاذ الشيخ أحمد محمد ~~شاكر- حين علم قيامي على تحقيق الكتاب- فأعارني هذه النسخة فراجعت عليها ~~نسختي هذه، وهي المرموز إليها في حواشي الكتاب بحرف أ. # والكتاب مطبوع بمطبعة بولاق عام (1282) اثنين وثمانين ومائتين وألف من ~~الهجرة، بتصحيح الشيخ محمد الصباغ، وهذه النسخة هي المرموز إليها في حواشي ~~الكتاب بحرف ب. # والنسخ المطبوعة- عدا نسخة بولاق- هي المرموز إليها في الحواشي بحرف ج. # راجعت نسختي على هذه النسخ كلها، وراجعت جميع النصوص التي اشتمل عليها ~~الكتاب في مظانها الأولى، فراجعت الحديث على أمهات كتب الحديث، وراجعت ~~الشعر على دواوين الشعراء وكتب التراجم والشعر، مثل كتاب «الأغاني» وكتاب ~~«ديوان الحماسة» وشرحه الذي صنفه ms004 أبو زكرياء يحيى بن علي الخطيب التبريزي، ~~وكتاب «طبقات الشعراء» لابن قتيبة، وكتاب «وفيات الأعيان» لابن خلكان ~~وغيرها، ودللتك في أكثر الأحوال على مكان النص لترجع إليه إن شئت. وبينت لك ~~اختلاف النسخ في الكثير الغالب مع بيان النسخة التي اعتمدتها في إثبات ~~العبارة التي أثبتها في صلب الكتاب. # وضبطت جميع النصوص، وهي كثيرة جدا، وفسرت غريبها تفسيرا بقدر ما تمس له ~~الحاجة. # ولم أشأ أن أناقش المؤلف في آرائه، كما لم أشأ أن أترجم للأعلام التي ~~ذكرها المؤلف؛ لأن ذلك يخرج بنا عن الغرض الأصلي من تحقيق الكتاب وإخراج ~~صورة صحيحة منه بقدر ما وسعه الجهد، ثم إن الأعلام التي وردت فيه ليست مما ~~يعسر على المتأدبين معرفتها والوصول إلى تراجمها إن كانت بهم حاجة إلى ~~معرفة ذلك. # ولا أدعي أنني بلغت بالكتاب درجة الكمال التي تتوق إليها نفسي، # PageV01P009 # ولكني أدعي غير متحرج أنني بذلت فيه جهدا ليس بالقليل، وأدعي- مع ذلك- أن ~~هذه المطبوعة أدق ما يتداوله الناس من نسخ الكتاب، وأقر بها إلى الصورة ~~التي أرادها المؤلف منه، وأصح ما يعول عليه أهل العلم. # فإن حاز عملي هذا قبول إخوان في الأقطار العربية فذلك من نعمة الله تعالى ~~وتوفيقه وفضله، وإن كانت الأخرى فمعذرتي أنني بذلت المستطاع، ولم أترك جهدا ~~كان من الممكن أن أبذله؛ وبحسب المرء من عمله أن تحسن نيته، وأن يقوم فيه ~~بالأسباب التي تبلغ القصد عادة، وليس عليه أن يدرك النجح أو تتم له ~~المطالب. # رب إني أبرأ من الحول إلا بك، وأسألك أن تبلغ بي من خير الدنيا والآخرة ~~ما لا سلطان عليه إلا لك، رب اغفر لي ولوالدي، ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا. # القاهرة 26 من رجب الفرد 1358 ه- 10 من سبتمبر 1939 م كتبه المعتز بالله ~~تعالى أبو رجاء محمد محيي الدين عبد الحميد # PageV01P010 ### | ترجمة ابن الأثير # صاحب كتاب المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر (558- 637 ه) ### | نسبه: # هو أبو الفتح نصر الله ضياء الدين بن ms005 أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد ~~الكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير، الجزري، الموصلي. ### | مولده: # ولد نصر الله بن الأثير في يوم الخميس العشرين من شعبان عام ثمان وخمسين ~~وخمسمائة؛ بجزيرة ابن عمر. # وجزيرة ابن عمر- على ما يقول ياقوت الحموي معاصر أبناء الأثير الثلاثة-: ~~«بلدة فوق الموصل، بينهما ثلاثة أيام، ولها رستاق مخصب واسع الخيرات، وأحسب ~~أن أول من عمرها الحسن بن عمر بن خطاب التغلبي، وكانت له إمرة بالجزيرة ~~وذكر، قرابة سنة 250 ه، وهذه الجزيرة تحيط بها دجلة إلا من ناحية واحدة شبه ~~الهلال؛ ثم عمل هناك خندق أجري فيه الماء، ونصبت عليه رحى فأحاط بها الماء ~~من جميع جوانبها بهذا الخندق» «1» ويقول ابن خلكان «2» : «أكثر الناس ~~يقولون إنها جزيرة ابن عمر، ولا أدري من ابن عمر، وقيل إنها منسوبة إلى ~~يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين؛ ثم إني # PageV01P011 # ظفرت بالصواب في ذلك، وهو أن رجلا من أهل برقعيد من أعمال الموصل بناها ~~وهو عبد العزيز بن عمر، فأضيفت إليه، ورأيت في بعض التواريخ أنها جزيرة ~~ابني عمر أوس وكامل، ولا أدري أيضا من هما، ثم رأيت في تاريخ ابن المستوفي ~~في ترجمة أبي السعادات المبارك بن محمد (هو أخو نصر الله بن الأثير الذي ~~نترجمه) أنه من جزيرة أوس وكامل ابني عمر بن أوس الثعلبي» . # فالجزري في نسب ابن الأثير نسبة إلى جزيرة ابن عمر هذه. ### | نشأته وحياته: # نشأ أبو الفتح نصر الله بن الأثير بجزيرة ابن عمر، ثم انتقل مع والده إلى ~~الموصل، وبها اشتغل بحفظ القرآن الكريم وتحصيل العلوم، فحفظ القرآن، وكثيرا ~~من الأحاديث النبوية، وطرفا صالحا من النحو واللغة وعلم البيان، وشيئا ~~كثيرا من الشعر قديمه وحديثه. # ولما كملت له الأدوات قصد في شهر ربيع الأول من عام سبع وثمانين وخمسمائة ~~جناب السلطان الملك الناصر أبي المظفر صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم ~~الدين أيوب بن شادي بن مروان؛ فاستعان بالقاضي الفاضل أبي علي عبد الرحيم ~~بن علي بن محمد بن ms006 حسن اللخمي البيساني «1» ، وهو يومئذ آثر الناس عند صلاح ~~الدين؛ فوصله القاضي بخدمة صلاح الدين في جمادى الآخرة من العام نفسه، ولم ~~تطل به الإقامة في خدمة صلاح الدين، حتى أرسل الملك الأفضل نور الدين علي ~~بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى أبيه صلاح الدين، يطلب أن يرسل إليه ابن ~~الأثير، فخيره صلاح الدين بين أن يقيم في خدمته وأن ينتقل إلى خدمة ولده ~~نور الدين؛ فاختار أن ينتقل إلى خدمة نور الدين، فمضى إليه في شوال من ~~العام نفسه، وهو يومئذ شاب لم يكمل العقد الثالث من عمره؛ فاستوزره الملك ~~الأفضل، وحسنت حالته عنده. # PageV01P012 # ولما خلص للملك الأفضل ملك دمشق بعد وفاة أبيه: «استقل ضياء الدين بن ~~الأثير بالوزراة، وردت أمور الناس إليه، وصار الاعتماد في جميع الأحوال ~~عليه» «1» فأساء ضياء الدين السيرة ويقول ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة ~~«2» . إنه: «شغف قلوب الجند إلى مصر حتى ساروا إليها فلقيهم الملك العزيز ~~عماد الدين عثمان بن صلاح الدين، وأكرم مثواهم» : «ولما انفصل الجند عن ~~دمشق فوض الملك الأفضل أمر الدولة إلى وزيره ابن الأثير وحاجبه الجمال ~~محاسن ابن العجمي، ولم يكن أحدهما أحسن سياسة من الآخر، فأفسدا عليه ~~الأحوال وكانا سببا في زوال دولته» «3» ، ويقال «4» : «إن أهل البلاد حينما ~~خرج الأفضل هموا بقتل ضياء الدين بن الأثير، وإن الحاجب ابن العجمي أخرجه ~~مستخفيا في صندوق مقفل عليه، ثم صار إليه وصحبه إلى مصر» ؛ ويقال: «إن ~~الملك الأفضل حينما عاد إلى البلاد الشرقية طلب إلى ضياء الدين أن يخرج معه ~~ليعود إلى خدمته، فلم يقبل ذلك لأنه خاف على نفسه من جماعة كانوا يقصدونه» ~~. ولما استقر الملك الأفضل في سميساط عاد إلى خدمته، ولكنه لم يطل مقامه ~~عنده، وما عتم أن فارقه، واتصل بخدمة الملك الظاهر غازي صاحب حلب، وهو أخو ~~الملك الأفضل، ولم يطل مقامه عنده أيضا، ولا انتظم أمره، فعاد إلى الموصل، ~~فلم يستقم حاله أيضا، فترك الموصل إلى إربل، ثم فارقها إلى سنجار، ثم عاد ~~إلى ms007 الموصل واتخذها دار إقامته وكتب الإنشاء لصاحبها ناصر الدين محمود ابن ~~الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه. ويقول تقي الدين ~~أحمد بن علي المقريزي في كتاب السلوك «5» : «واستوزر الأفضل الوزير ضياء ~~الدين نصر الله بن محمد بن الأثير، وفوض إليه أموره كلها؛ فحسن له طرد ~~أمراء أبيه وأكابر أصحابه، وأن يستجد أمراء غيرهم؛ ففارقه جماعة منهم ~~الأمير فخر الدين جهاركس، وفارس الدين ميمون القصري، # PageV01P013 # وشمس الدين سنقر الكبير، وكانوا عظماء الدولة. فصاروا إلى الملك العزيز ~~بالقاهرة فأكرمهم، وولي فخر الدين أستا داره وفوض إليه أمره؛ وجعل فارس ~~الدين وشمس الدين على صيداء وأعمالها، وكان ذلك لهما، وزادهما نابلس ~~وبلادها؛ وسار القاضي الفاضل أيضا من دمشق ولحق بالقاهرة، فخرج العزيز إلى ~~لقائه، وأجل قدومه وأكرمه، فشرع القوم في تقرير قواعد ملك العزيز، والأفضل ~~في شغل عنهم» ، ويقول أيضا: إنه في سنة 590 تسعين وخمسمائة قويت الوحشة بين ~~العزيز وأخيه الأفضل، وتنافرت القلوب، واضطربت أحوال الأفضل، وخرج العزيز ~~من القاهرة بعساكر مصر يريد الشام لينتزعها من أخيه الأفضل، «وهم الأفضل ~~بمراسلة أخيه العزيز واستعطافه؛ فمنعه من ذلك وزيره ابن الأثير وعدة من ~~أصحابه، وحسنوا له محاربته» «1» ، ويقول أيضا «2» : «وفي سنة اثنتين وتسعين ~~وخمسمائة وصل الملك الأفضل إلى دمشق، وتفرقت العساكر إلى بلادها، ولزم ~~الأفضل الزهد، وأقبل على العبادة. وصارت أمور الدولة بأسرها مفوضة إلى ~~وزيره ضياء الدين بن الأثير، فاختلت به الأحوال غاية الاختلال، وكثر شاكوه» ~~. # ومؤرخو هذا العصر مجمعون على أن ضياء الدين بن الأثير كان في وزارته سيىء ~~السيرة مع رجال الدولة، وأن أحوال السلطنة كانت تسوء بسببه، ونحن نأخذ عليه ~~أمرين: أحدهما: أنه كان يحاول الإيقاع بين الملك الأفضل وأخيه العزيز صاحب ~~مصر، وكلما هم الأفضل بالاتفاق مع أخيه وإعادة الصفاء بينهما اجتهد ضياء ~~الدين في تنفيره وإبقاء الجفاء، مع ما كانت تتطلبه حال المسلمين في ذلك ~~الوقت من اتحاد الكلمة واجتماع الشمل؛ إذ كان الصليبيون في نزاع دائم معهم ~~وكانوا يهتبلون فرصة انقسامهم واختلافهم ms008 ليغيروا على البلاد وينتقصوها من ~~أطرافها؛ والأمر الثاني: أنه كان سببا في إغضاب القاضي الفاضل وخروجه من ~~دمشق إلى مصر، مع أن القاضي هو الذي قربه من الملوك وفتح له باب الاتصال ~~بصلاح الدين على ما سبق بيانه. # PageV01P014 # ولسنا ندري أكان ذلك راجعا إلى المحيط الذي كان يعيش فيه ضياء الدين، وهو ~~محيط مضطرب دائم الاصطخاب كثير المنازعات والمشاكل، أم كان يرجع إلى خلق ~~فيه؛ فإنا نلمح في كتابته آثار الكبرياء والصلف والاعتداد بالنفس، وهذا خلق ~~ينأى بصاحبه كثيرا عن الحكمة والاتزان والنظر إلى الأمور بعين الإنصاف ~~ووزنها بميزان الروية والعقل. ### | مؤلفات ابن الأثير: # ذكر ابن خلكان لابن الأثير عدة مؤلفات، وصدر كلامه عليها بقوله «1» : # «ولضياء الدين من التصانيف الدالة على غزارة فضله وتحقيق نبله» . # ونحن نذكر لك ما ذكره ابن خلكان وغيره من مصنفاته؛ فنقول: ### | 1- # أشهر هذه المؤلفات هو كتاب «المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر» ، وهو ~~كتابنا هذا الذي نقدمه الآن؛ ويقول عنه ابن خلكان «2» : «وهو في مجلدين جمع ~~فيه فأوعى، ولم يترك شيئا يتعلق بفن الكتاب إلا ذكره» . ### | 2- # ومن مؤلفاته كتاب «الوشي المرقوم، في حل المنظوم» ، ويقول عنه ابن خلكان ~~«3» : «وهو مع وجازته في غاية الحسن والإفادة» ، وقد طبع هذا الكتاب في عام ~~1298 من الهجرة بمطبعة ثمرات الفنون بمدينة بيروت؛ ويقول المؤلف في أوله: ~~«ولما ألفت كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر قصرت فصلا منه على ذكر ~~هذه الطريقة «4» وأتيت فيها بالمعاني الجليلة التي تفتقر إلى الفهم الدقيق، ~~غير أني أحلت في مواضع منه على هذا الكتاب؛ وجعلت لذلك رمز الاختصار ولهذا ~~مكاشفة الإسهاب ... وبنيته على مقدمة وثلاثة فصول: الفصل الأول، في حل ~~الشعر؛ الفصل الثاني، في حل آيات القرآن؛ الفصل الثالث، في حل الأخبار ~~النبوية» اه. # PageV01P015 ### | 3- # ومن مؤلفاته كتاب «المعاني المخترعة، في صناعة الإنشاء» ، يقول عنه ابن ~~خلكان «1» : «وهو أيضا نهاية في بابه» . ### | 4- # ومن مؤلفاته مجموع اختار فيه شعر أبي تمام والبحتري وديك الجن والمتنبي؛ ~~ويقول عنه ابن خلكان: وهو في مجلد واحد كبير، ms009 وحفظه مفيد؛ وقال أبو البركات ~~ابن المستوفي في تاريخ إربل: نقلت من خطه في آخر كتابه المختار ما مثاله: # تمتع به علقا نفيسا فإنه اخ- ... - تيار بصير بالأمور حكيم # أطاعته أنواع البلاغة فاهتدى ... إلى الشعر من نهج إليه قويم ### | 5- # ومن مؤلفاته «ديوان ترسل» ويقول عنه ابن خلكان: وهو في عدة مجلدات؛ وذكر ~~المؤلف نفسه في كتاب المثل السائر أن رسائله تبلغ كثيرا من المجلدات. ### | 6- # ومن مؤلفاته «المختار من ديوان الترسل» ويقول عنه ابن خلكان: # «وهو في مجلد واحد» . # هذا ما ذكره ابن خلكان من مؤلفاته، وابن خلكان معاصر لابن الأثير، وإن لم ~~يقابله، وهو يقول في شأنه «2» : «ولقد ترددت إلى الموصل من إربل أكثر من ~~عشر مرات، وهو مقيم بها، وكنت أود الاجتماع به لآخذ عنه شيئا لما كان بينه ~~وبين الوالد رحمه الله تعالى من المودة الأكيدة، فلم يتفق ذلك، ثم فارقت ~~بلاد المشرق، وانتقلت إلى الشام، وأقمت به مقدار عشر سنين، ثم انتقلت إلى ~~الديار المصرية، وهو في قيد الحياة، ثم بلغني بعد ذلك خبر وفاته وأنا ~~بالقاهرة» اه. # ومن مؤلفاته التي لم يذكرها ابن خلكان، ووقفنا عليها ما نذكره لك: ### | 7- # منها كتاب «الجامع الكبير، في صناعة المنظوم والمنثور» وهو # PageV01P016 # يقول في مفتتحه: «أما بعد فلما كان تأليف الكلام مما لا يوقف على غوره، ~~ولا يعرف كنه أمره، إلا بالاطلاع على علم البيان، الذي هو لهذه الصناعة ~~بمنزلة الميزان؛ احتجت حين سدوت نبذة من الكلام المنثور، إلى معرفة هذا ~~العلم المذكور، لشرعت عند ذلك في تطلبه، والبحث عن تصانيفه وكتبه، فلم أترك ~~في تحصيله سبيلا إلا نهجته، ولا غادرت في إدراكه بابا إلا ولجته، حتى اتضح ~~عندي باديه وخافيه، وانكشفت لي أقوال الأئمة المشهورين فيه؛ كأبي الحسن علي ~~بن عيسى الرماني، وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وأبي عثمان الجاحظ، ~~وقدامة بن جعفر الكاتب، وأبي هلال العسكري، وأبي العلاء محمد بن غانم ~~المعروف بالغانمي، وأبي محمد عبد الله بن سنان الخفاجي، وغيرهم ممن له كتاب ~~يشار إليه، وقول تعقد ms010 الخناصر عليه؛ ثم لما مضى على ذلك ملاوة من الدهر، ~~وانقضى دونه برهة من العمر، لمحت في أثناء القرآن الكريم من هذا النحو ~~أشياء ظريفة، ووجدت في مطاويه من هذا النوع نكتا دقيقة لطيفة، فعرضتها عند ~~ذلك على الأقسام التي ذكرها هؤلاء العلماء وشرحوها، والأصناف التي بينوها ~~في تصانيفهم وأوضحوها؛ فألفيتهم قد غفلوا عنها، ولم ينبهوا على شيء منها، ~~فكان ذلك باعثا لي على تصفح آيات القرآن العزيز والكشف عن سره المكنون؛ ~~فاستخرجت منه حينئذ ثلاثين ضربا من علم البيان، لم يأت به أحد من أولئك ~~العلماء الأعيان، وكان ما ظفرت به أصل هذا الفن وعمدته، وخلاصة هذا العلم ~~وزبدته» . # وفي دار الكتب المصرية نسختان خطيتان من هذا الكتاب: إحداهما: # مكتوبة في عام 1314 من الهجرة، وهي تحت رقم (370 بلاغة) ، والثانية ~~مكتوبة في عام 1205 من الهجرة، وهي تحت رقم (166 مجاميع م) ؛ وفي مكتبتي ~~الخاصة قطعة من هذا الكتاب. # وفي دار الكتب نسخة من كتاب «البديع» منسوبة إلى المبارك أبي السعادات ~~مجد الدين بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري؛ ~~وهو أخو ضياء الدين نصر الله بن الأثير صاحب المثل السائر؛ وأبو السعادات ~~المبارك هو مؤلف كتاب «النهاية، في غريب الحديث # PageV01P017 # والأثر» ومؤلف كتاب «جامع الأصول، في أحاديث الرسول» ولم يعرف عنه أن له ~~في البلاغة كتابا، فإذا صح أن هذا الكتاب لأحد أبناء الأثير فالغالب أنه ~~لضياء الدين نصر الله الذي نترجمه. ### | نقد المثل السائر وشروحه: # ولم يكد كتاب «المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر» يظهر حتى تداوله ~~الناس وكتبوه، وأخذوا في التقريظ له، والانتفاع به، وذاع أمره في البلاد، ~~حتى نقله الناس إلى بغداد، وفيها الفقيه الأديب الشيخ عز الدين أبو حامد ~~عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين، المعروف بابن أبي الحديد، وهو ~~شديد الاتصال بالوزير مؤيد الدين محمد أبي طالب بن أحمد بن محمد العلقمي، ~~فلما رأى تقريظ الناس للكتاب واشتغالهم بدراسته وتهافتهم على انتساخه تصدى ~~لمؤاخذته ms011 والرد عليه، وعنته، وجمع هذه المؤاخذات في كتاب سماه: «الفلك ~~الدائر، على المثل السائر» ، وهو يقول في مفتتح هذا الكتاب: «وبعد؛ فقد ~~وقفت على كتاب نصر الدين «1» بن محمد الموصلي المعروف بابن الأثير الجزري ~~المسمى كتاب «المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر» ؛ فوجدت فيه المحمود ~~والمقبول، والمردود والمرذول؛ أما المحمود منه فإنشاؤه وصناعته، فإنه لا ~~بأس بذلك؛ إلا في الأقل النادر، وأما المردود منه فنظره وجدله واحتجاجه ~~واعتراضه؛ فإنه لم يأت في ذلك في الأكثر الأغلب بما يلتفت إليه، ولا بما ~~يعتمد عليه؛ فحداني على تتبعه ومناقضته في هذه المواضع النظرية أمور: منها ~~إزراؤه «2» على الفضلاء؛ وغضه منهم، وعيبه لهم، وطعنه عليهم؛ فإن في ذلك ما ~~يدعو إلى الغيرة عليهم، والانتصار لهم ومنها إفراطه في الإعجاب بنفسه، ~~والتبجح برأيه، # PageV01P018 # والتقريظ لمعرفته وصناعته، وهذا عيب قبيح يحبط عمل الإنسان، ويوجب المقت ~~من الله والعباد؛ ومنها أنه قد أومأ مرارا في كتابه إلى عتاب دهره، إذ لم ~~يعطه على قدر استحقاقه، فأردنا أن نعرفه أن الأرزاق ليست على مقادير ~~الاستحقاق، وأن الرزق مقسوم لا يجلبه الفضل، ولا يرده النقص؛ ومنها أن ~~جماعة من أكابر الموصل قد حسن ظنهم في هذا الكتاب جدا، وتعصبوا له حتى ~~فضلوه على أكثر الكتب المصنفة في هذا الفن، وأوصلوا منه نسخا معدودة إلى ~~مدينة السلام (بغداد) وأشاعوه، وتداوله كثير من أهلها؛ فاعترضت عليه بهذا ~~الكتاب، وتقربت به إلى الخزانة الشريفة المقدسة النبوية الإمامية ~~المستنصرية، عمر الله تعالى بعمارتها أندية الفضل ورباعه وأطال بطول بقاء ~~مالكها يد العلم وباعه، وجعل ملائكة السماء أنصاره وأشياعه، كما جعل ملوك ~~الأرض أعوانه وأتباعه؛ وكان أكثر قصدي في ذلك أن يعلم مصنف هذا الكتاب ~~ورؤساء بلدته أن من أصاغر خدم هذه الدولة الشريفة- ولا أعني نفسي فالعجب ~~مبير، ولا أنبىء عني فمثلي كثير (ثم أخذ في مديح رجال مملكته بما يطول) - ~~وهذا الكتاب وقع إلي في غرة ذي الحجة من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة؛ فتصفحته ~~أولا أولا في ضمن الأشغال الديوانية التي أنا ms012 بصددها، وعلقت هذا الكتاب في ~~أثناء تصفحه على المواضع المستدركة فيه إلى نصف الشهر المذكور فكان مجموع ~~مطالعتي له واعتراضي عليه خمسة عشر يوما، ولم أعاود النظر فيه دفعة ثانية، ~~وربما يسنح لي عند المعاودة نكت أخرى، وإن وقع ذلك ألحقتها، وقد سميت هذا ~~الكتاب «الفلك الدائر، على المثل السائر» ؛ لأنه شاع في كلامهم وكثر في ~~استعمالهم أن يقولوا لما باد ودثر: قد دار عليه الفلك، كأنهم يريدون أنه قد ~~طحنه ومحا صورته، ومن ذلك قول أبي العتاهية: # إن كنت تنشدهم فإنهم ... همدوا ودار عليهم الفلك # وأنا أسأل الله المعونة والتوفيق، وأستمنحه الهداية إلى سواء الطريق؛ ~~بمنه وكرمه» اه كلامه بحروفه. # PageV01P019 # ولا أحب أن أعلق على هذا الكلام، ولكني أقول: إني لما قرأت الكتاب- وكنت ~~أفكر في نشره بأسفل صفحات هذا الكتاب عند مواطن النقد- لم أجد فيه ما يبعث ~~على تحقيقه وبذل الجهد فيه. # ولم يكتف ابن أبي الحديد بهذا الكتاب، بل هو ينتهز الفرصة في شرحه على ~~نهج البلاغة؛ فينقل كلام ابن الأثير ويعترض عليه، أسمع إليه يقول فيه (1- ~~441) : «وأنا أحكي ههنا كلام نصر الله بن محمد بن الأثير الجزري في كتابه ~~المسمى بالمثل السائر في الكناية والتعريض، وأذكر ما عندي فيه» اه، ثم هو ~~ينقل كلاما طويلا يقع في نسخة المثل السائر التي نقدمها لك اليوم في الجزء ~~الثاني (من 180 إلى 203) ثم يأخذ بعد ذلك في نقد كلامه نقدا يرجع إلى ~~العبارة وإلى طريق عرضها، ولا يرجع إلى لبابها وحقيقتها، مثل أن يقول: «إنه ~~(يعني ابن الأثير) اختار حد الكناية، وشرع يبرهن على التحديد، والحدود لا ~~يبرهن عليها، ولا هي من باب الدعاوى التي تحتاج إلى الدولة؛ لأن من وضع لفظ ~~الكناية لمفهوم مخصوص لا يحتاج إلى دليل، كمن وضع لفظ الجدار للحائط لا ~~يحتاج إلى دليل» اه، وأنت- أيها القارئ- لو رجعت إلى كلام ابن الأثير وجدت ~~كلامه يتلخص في أن القوم الذين صنفوا في علم البيان من قبله قد عرفوا ~~الكناية بتعريف، وأنه لا يرتضي هذا التعريف، وهو ms013 يرى تعريفها بتعريف آخر، ~~ويرى تعريفه خيرا من تعريف السابقين؛ وهو يبين أولا ما ينطبق عليه تعريف ~~السابقين، وما ينطبق عليه تعريفه هو؛ ثم يبرهن في أثناء ذلك على دعواه أن ~~تعريفه خير من تعريف غيره؛ فهذا البرهان- إن صح أن يكون برهانا بالمعنى ~~المعروف في علم الجدل- ليس على الحد كما زعم ابن أبي الحديد، ولكنه على ~~دعوى ادعاها، إن صراحة وإن ضمنا، وهي أن ما ارتضاه من التعريف خير مما ذكره ~~المتقدمون؛ والواقع أن كتاب «الفلك الدائر» يبدو لمن يتصفحه وهو منصف أن ~~روح التحامل هي التي أملته على مؤلفه، وأنه كتب مع رغبة ملحة في النيل من ~~ابن الأثير والغض من عمله. وليس معنى هذا الكلام أن ابن الأثير قد أصاب في ~~الكتاب كله، وأنه لا مطعن عليه، ولكن الذي نريد أن نقرره في # PageV01P020 # طمأنينة هو أن ابن أبي الحديد قد تعرض في الغالب لما لا ينبغي أن يتعرض ~~له أديب يؤثر اللباب على القشور، وترك أشياء هي أولى بالنظر والرعاية، ~~وعذره أنه قرأ الكتاب وكتب نقده عليه في خمسة عشر يوما هو مشتغل في أثنائها ~~بعمله في الدولة؛ فهو- فيما نرى اليوم- أشبه بتقرير من تقريرات حضرات ~~«الموظفين» في أمر من الأمور التي يكلفون مباشرة تنفيذها؛ إذ يكتبونه وهم ~~يعلمون أنه لن يقرأ، وإن قرئ فلن يعمل بما فيه؛ ومن قرأ كتاب «الفلك ~~الدائر» ثم قرأ عشرة أوراق من شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة في مكان ~~أي مكان منه يتبين له الفرق بين الكتابين، ويدرك تمام الإدراك قيمة رأينا ~~هذا في هذا الكتاب. # قال صاحب كشف الظنون (2- 222 بولاق مصر) : «وشرحه أبو منصور موهوب بن أبي ~~طاهر الجواليقي «1» المتوفى في عام ... ه، وصنف بعضهم كتابا سماه «الروض ~~الزاهر، في محاسن المثل السائر» وصنف عز الدين بن أبي الحديد كتابا سماه ~~«الفلك الدائر، على المثل السائر» وصنف أبو القاسم محمود بن الحسين الركن ~~السنجاري المتوفى في عام 640 ه كتابا يرد فيه عليه وسماه «نشر المثل ~~السائر، وطي الفلك ms014 الدائر» وصنف صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى في ~~عام 764 ه- كتابا سماه «نصرة الثائر، على المثل السائر» ، وصنف عبد العزيز ~~بن عيسى كتابا سماه «قطع الدابر، عن الفلك الدائر» اه. # رب اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. # رب ولا تخزني يوم القيامة؛ واجعلني عندك من المقبولين؛ آمين. # كتبه المعتز بالله تعالى أبو رجاء محمد محيي الدين عبد الحميد # PageV01P021 ### | مقدمة الكتاب # (بسم الله الرحمن الرحيم) نسأل الله ربنا أن يبلغ بنا من الحمد ما هو ~~أهله، وأن يعلمنا من البيان ما يقصر عنه مزية الفضل «1» وأصله، وحكمة ~~الخطاب وفضله؛ ونرغب إليه أن يوفقنا للصلاة على نبينا ومولانا محمد رسوله ~~الذي هو أفصح من نطق بالضاد، ونسخ هديه شريعة كل هاد، وعلى آله وصحبه الذي ~~منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر وصبر، ومنهم من آوى ونصر «2» . # وبعد؛ فإن علم البيان لتأليف النظم والنثر بمنزلة أصول الفقه للأحكام ~~وأدلة الأحكام؛ وقد ألف الناس فيه كتبا، وجلبوا ذهبا وحطبا، وما من تأليف ~~إلا وقد تصفحت شينه وسينه «3» ، وعلمت غثه وسمينه؛ فلم أجد ما ينتفع به في ~~ذلك إلا كتاب الموازنة لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وكتاب سر الفصاحة ~~لأبي محمد عبد الله بن سنان الخفاجي، غير أن كتاب الموازنة أجمع أصولا، ~~وأجدى # PageV01P023 # محصولا، وكتاب سر الفصاحة- وإن نبه فيه على نكت منيرة- فإنه قد أكثر، مما ~~قل به مقدار كتابه، من ذكر الأصوات والحروف والكلام عليها، ومن الكلام على ~~اللفظة المفردة وصفاتها مما لا حاجة إلى أكثره، ومن الكلام في مواضع شذ عنه ~~الصواب فيها، وسيرد بيان ذلك كله في مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله ~~تعالى. # على أن كلا الكتابين قد أهملا «1» من هذا العلم أبوابا، ولربما ذكرا في ~~بعض المواضع قشورا وتركا لبابا، وكنت عثرت على ضروب كثيرة منه في غضون ~~القرآن الكريم، ولم أجد أحدا ممن تقدمني تعرض لذكر شيء منها، وهي إذا عدت ~~كانت في هذا العلم بمقدار شطره، وإذا نظر إلى فوائدها وجدت محتوية عليه ms015 ~~بأسره، وقد أوردتها ههنا، وشفعتها بضروب أخر مدونة في الكتب المتقدمة، بعد ~~أن حذفت منها ما حذفته، وأضفت إليها ما أضفته، وهداني الله لابتداع أشياء ~~لم تكن من قبلي مبتدعة، ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة ~~وإنما هي متبعة، وكل ذلك يظهر عند الوقوف على كتابي هذا وعلى غيره من ~~الكتب. # وقد بنيته على مقدمة ومقالتين؛ فالمقدمة تشتمل على أصول علم البيان؛ ولا ~~أدعي فيما ألفته من ذلك فضيلة الإحسان، ولا السلامة من سلق «2» اللسان؛ فإن ~~الفاضل من تعد سقطاته، وتحصى غلطاته. # ويسيء بالإحسان ظنا، لا كمن ... هو بابنه وبشعره مقتون «3» # PageV01P024 # وإذا تركت الهوى قلت: إن هذا الكتاب بديع في إغرابه، وليس له صاحب في ~~الكتب فيقال: إنه من أخدانه أو من أترابه، مفرد بين أصحابه، ومع هذا فإني ~~أتيت بظاهر هذا العلم دون خافيه، وحمت حول حماه ولم أقع فيه؛ إذ الغرض إنما ~~هو الحصول على تعليم الكلم التي بها تنظم العقود وترصع، وتخلب العقول ~~فتخدع، وذلك شيء تحيل عليه الخواطر، لا تنطق به الدفاتر. # واعلم- أيها الناظر في كتابي- أن مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم، ~~الذي هو أنفع من ذوق التعليم، وهذا الكتاب- وإن كان فيما يلقيه إليك ~~أستاذا، وإذا سألت عما ينتفع به في فنه قيل لك هذا- فإن الدربة والإدمان ~~أجدى عليك نفعا، وأهدى بصرا وسمعا، وهما يريانك الخبر عيانا، ويجعلان عسرك ~~من القول إمكانا، وكل جارحة منك قلبا ولسانا، فخذ من هذا الكتاب ما أعطاك، ~~واستنبط بإدمانك ما أخطاك، وما مثلي فيما مهدته لك من هذه الطريق إلا كمن ~~طبع سيفا ووضعه في يمينك لتقاتل به، وليس عليه أن يخلق لك قلبا، فإن حمل ~~النصال، غير مباشرة القتال. # وإنما يبلغ الإنسان غايته ... ما كل ماشية بالرحل شملال «1» # ولنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول: أما مقدمة الكتاب، فإنها تشتمل على عشرة ~~فصول: # PageV01P025 ### | الفصل الاول في موضوع علم البيان # موضوع كل علم: هو الشيء الذي يسأل فيه عن أحواله التي تعرض لذاته؛ فموضوع ~~الفقه هو أفعال المكلفين، ms016 والفقيه يسأل عن أحوالها التي تعرض لها: من الفرض ~~والنفل والحلال والحرام والندب والمباح، وغير ذلك، وموضوع الطب هو بدن ~~الإنسان، والطبيب يسأل عن أحواله التي تعرض له من صحته وسقمه، وموضوع ~~الحساب هو الأعداد، والحاسب يسأل عن أحوالها التي تعرض لها من الضرب ~~والقسمة والنسبة، وغير ذلك، وموضوع النحو هو الألفاظ والمعاني، والنحوي ~~يسأل عن أحوالهما في الدلالة من جهة الأوضاع اللغوية، وكذلك يجري الحكم في ~~كل علم من العلوم، وبهذا الضابط انفرد كل علم برأسه، ولم يختلط بغيره، وعلى ~~هذا فموضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة، وصاحبه يسأل عن أحوالهما ~~اللفظية والمعنوية، وهو والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في دلالة ~~الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة، وصاحب علم ~~البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي دلالة خاصة، والمراد بها أن يكون ~~على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء النحو والإعراب، ألا ترى أن ~~النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور ويعلم مواقع إعرابه، ومع ذلك ~~فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة، ومن ههنا غلط مفسر والأشعار في ~~اقتصارهم على شرح المعنى وما فيها من الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع ~~الإعراب منها، دون شرح ما تضمنته من أسرار الفصاحة والبلاغة. # PageV01P026 ### | الفصل الثاني في آلات علم البيان وأدواته # اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة، ~~وقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم، حتى قيل: كل ذي علم يسوغ له أن ~~ينسب نفسه إليه فيقول: فلان النحوي، وفلان الفقيه، وفلان المتكلم، ولا يسوغ ~~له أن ينسب نفسه إلى الكتابة فيقول: فلان الكاتب، وذلك لما يفتقر إليه من ~~الخوض في كل فن. # وملاك هذا كله الطبع «1» ؛ فإنه إذا لم يكن ثم طبع فإنه لا تغني تلك ~~الآلات شيئا؛ ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد والحديدة التي يقدح ~~بها؛ ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تفيد تلك الحديدة شيئا؟. # وكثيرا ما رأينا وسمعنا من غرائب الطباع ms017 في تعلم العلوم، حتى إن بعض ~~الناس يكون له نفاذ في تعلم علم مشكل المسلك صعب المأخذ، فإذا كلف تعلم ما ~~هو دونه من سهل العلوم نكص على عقبيه، ولم يكن له فيه نفاذ. # وأغرب من ذلك أن صاحب الطبع في المنظوم يجيد في المديح دون الهجاء، أو في ~~الهجاء دون المديح، أو يجيد في المراثي دون التهاني، أو في التهاني دون ~~المراثي، وكذلك صاحب الطبع في المنثور؛ هذا ابن الحريري صاحب المقامات؛ قد ~~كان- على ما ظهر عنه من تنميق المقامات- واحدا في فنه، فلما حضر ببغداد ~~ووقف على مقاماته قيل: هذا يستصلح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة، ويحسن ~~أثره فيه، فأحضر، وكلف كتابة كتاب، فأفحم، ولم يجر لسانه في طويلة ولا ~~قصيرة، فقال فيه بعضهم: # PageV01P027 # شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس # أنطقه الله بالمشان وقد ... ألجمه في بغداد بالخرس # وهذا مما يعجب منه. # وسئلت عن ذلك فقلت: لا عجب؛ لأن المقامات مدارها جميعها على حكاية تخرج ~~إلى مخلص. وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له؛ لأن المعاني تتجدد فيها ~~بتجدد حوادث الأيام، وهي متجددة على عدد الأنفاس، ألا ترى أنه إذا خطب ~~الكاتب المفلق عن دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور، ~~وسعي مذكور، ومكث على ذلك برهة يسيرة لا تبلغ عشر سنين، فإنه يدون عنه من ~~المكاتبات ما يزيد على عشرة أجزاء، كل جزء منها أكبر من مقامات الحريري ~~حجما؛ لأنه إذا كتب في كل يوم كتابا واحدا اجتمع من كتبه أكثر من هذه العدة ~~المشار إليها، وإذا نخلت وغربلت واختير الأجود منها إذ تكون كلها جيدة ~~فيخلص منها النصف، وهو خمسة أجزاء، والله يعلم ما اشتملت عليه من الغرائب ~~والعجائب، وما حصل في ضمنها من المعاني المبتدعة، على أن الحريري قد كتب في ~~أثناء مقاماته رقاعا في مواضع عدة، فجاء بها منحطة عن كلامه في حكاية ~~المقامات، لا، بل جاء بالغث البارد الذي لا نسبة له إلى باقي كلامه فيها، ~~وله أيضا كتابة ms018 أشياء خارجة عن المقامات، وإذا وقف عليها أقسم أن قائل هذه ~~ليس قائل هذه؛ لما بينهما من التفاوت البعيد. # وبلغني عن الشيخ أبي محمد [عبد الله بن أحمد] بن الخشاب النحوي رحمه الله ~~أنه كان يقول: ابن الحريري رجل مقامات: أي أنه لم يحسن من الكلام المنثور ~~سواها، وإن أتى بغيرها لا يقول شيئا. # فانظر أيها المتأمل إلى هذا التفاوت في الصناعة الواحدة من الكلام ~~المنثور؛ ومن أجل ذلك قيل: شيئان لا نهاية لهما: البيان، والجمال. # وعلى هذا فإذا ركب الله تعالى في الإنسان طبعا قابلا لهذا الفن فيفتقر ~~حينئذ إلى ثمانية أنواع من الآلات. # PageV01P028 ### | النوع الأول: # معرفة علم العربية من النحو والتصريف. ### | النوع الثاني: # معرفة ما يحتاج إليه من اللغة، وهو المتداول المألوف استعماله في فصيح ~~الكلام غير الوحشي الغريب ولا المستكره المعيب. # النوع الثالث: معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي جاءت في ~~حوادث خاصة بأقوام؛ فإن ذلك جرى مجرى الأمثال أيضا. # النوع الرابع: الاطلاع على تأليفات من تقدمه من أرباب هذه الصناعة ~~المنظومة منه والمنثورة، والتحفظ للكثير منه. # النوع الخامس: معرفة الأحكام السلطانية: الإمامة، والإمارة، والقضاء، ~~والحسبة، وغير ذلك. # النوع السادس: حفظ القرآن الكريم، والتدرب باستعماله وإدراجه في مطاوي ~~كلامه. # النوع السابع: حفظ ما يحتاج إليه من الأخبار الواردة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والسلوك بها مسلك القرآن الكريم في الاستعمال. # النوع الثامن: وهو مختص بالناظم دون الناثر- وذلك علم العروض والقوافي ~~الذي يقام به ميزان الشعر. # ولنذكر بعد ذلك فائدة كل نوع من هذه الأنواع؛ ليعلم أن معرفته مما تمس ~~الحاجة إليه، فنقول: # النوع الأول: # أما علم النحو فإنه في علم البيان من المنظوم والمنثور بمنزلة أبجد في ~~تعليم الخط وهو أول ما ينبغي إتقان معرفته لكل أحد ينطق باللسان العربي، ~~ليأمن معرة اللحن، ومع هذا فإنه، وإن احتيج إليه في بعض الكلام دون بعض ~~لضرورة الإفهام، فإن الواضع لم يخص منه شيئا بالوضع، بل جعل الوضع عاما، ~~وإلا فإذا نظرنا إلى ضرورته وأقسامه المدونة وجدنا ms019 أكثرها غير محتاج إليه ~~في إفهام المعاني، ألا ترى أنك لو أمرت رجلا بالقيام فقلت له: قوم، بإثبات ~~الواو ولم # PageV01P029 # تجزم، لما اختل من فهم ذلك شيء، وكذلك الشرط لو قلت: إن تقوم أقوم، ولم ~~تجزم، لكان المعنى مفهوما، والفضلات كلها تجري هذا المجرى، كالحال والتمييز ~~والاستثناء، فإذا قلت: جاء زيد راكب، وما في السماء قدر راحة سحاب، وقام ~~القوم إلا زيد، فلزمت السكون في ذلك كله، ولم تبين إعرابا؛ لما توقف الفهم ~~على نصب الراكب والسحاب، ولا على نصب زيد، وهكذا يقال في المجرورات، وفي ~~المفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه، وفي المبتدإ والخبر، وغير ذلك من ~~أقسام أخر لا حاجة إلى ذكرها. # لكن قد خرج عن هذه الأمثلة ما لا يفهم إلا بقيود تقيده، وإنما يقع ذلك في ~~الذي تدل صيغته الواحدة على معان مختلفة، ولنضرب لذلك مثالا يوضحه فنقول: # اعلم أن من أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلا بعلامة كتقديم المفعول ~~على الفاعل؛ فإنه إذا لم يكن ثم علامة تبين أحدهما من الآخر وإلا أشكل ~~الأمر كقولك: ضرب زيد عمرو، ويكون زيد هو المضروب؛ فإنك إذا لم تنصب زيدا ~~وترفع عمرا، وإلا لا يفهم ما أردت؛ وعلى هذا ورد قوله تعالى: إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء. # وكذلك لو قال قائل: ما أحسن زيد، ولم يبين الإعراب في ذلك، لما علمنا ~~غرضه منه؛ إذ يحتمل أن يريد به التعجب من حسنة، أو يريد به الاستفهام عن أي ~~شيء منه أحسن، ويحتمل أن يريد به الإخبار بنفي الإحسان عنه، ولو بين ~~الإعراب في ذلك فقال: ما أحسن زيدا، وما أحسن زيد، وما أحسن زيد؛ علمنا ~~غرضه، وفهمنا مغزى كلامه؛ لانفراد كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة بما يعرف ~~به من الإعراب؛ فوجب حينئذ بذلك معرفة النحو؛ إذ كان ضابطا لمعاني الكلام، ~~حافظا لها من الاختلاف. # وأول من تكلم في النحو أبو الأسود الدؤلي، وسبب ذلك أنه دخل على ابنة له ~~بالبصرة فقالت له: يا أبت ما أشد ms020 الحر، متعجبة، ورفعت أشد، فظنها مستفهمة، ~~فقال: شهر ناجر؛ فقالت: يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك! فأتى علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهبت لغة العرب، # PageV01P030 # ويوشك إن تطاول عليها زمان أن تضمحل، فقال له: وما ذاك؟ فأخبره خبر ~~ابنته، فقال: هلم صحيفة، ثم أملى عليه «الكلام لا يخرج عن اسم وفعل وحرف ~~جاء لمعنى» ثم رسم له رسوما فنقلها النحويون في كتبهم. # وقيل: «إن أبا الأسود دخل على زياد ابن أبيه بالبصرة فقال: إني أرى العرب ~~قد خالطت العجم، وتغيرت ألسنتها، أفتأذن لي أن أصنع ما يقيمون به كلامهم؟ # فقال: لا، فقام من عنده، ودخل عليه رجل فقال: أيها الأمير، مات أبانا، ~~وخلف بنون، فقال زياد: مات أبانا وخلف بنون!! مه، ردوا علي أبا الأسود. ~~فردوه، فقال له: اصنع ما كنت نهيتك عنه، فوضع شيئا. # ثم جاء بعده ميمون الأقران فزاد عليه، ثم جاء بعده عنبسة بن معدان ~~المهري، فزاد عليه، ثم جاء بعده عبد الله بن أبي إسحق الحضرمي، وأبو عمرو ~~بن العلاء، فزادا عليه، ثم جاء بعدهما الخليل بن أحمد الأزدي، وتتابع ~~الناس، واختلف البصريون والكوفيون في بعض ذلك. # فهذا ما بلغني من أمر النحو في أول وضعه، وكذلك العلوم كلها: يوضع منها ~~في مبادي أمرها شيء يسير، ثم يزاد بالتدريج إلى أن يستكمل آخرا. # فإن قيل: أما علم النحو فمسلم إليك أنه تجب معرفته، لكن التصريف لا حاجة ~~إليه؛ لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها، ~~وهذا لا يضر جهله، ولا تنفع معرفته، ولنضرب لذلك مثالا كيف اتفق، فنقول: ~~إذا قال القائل: رأيت سرداحا «1» ، لا يلزمه أن يعرف الألف في هذه الكلمة ~~زائدة هي أم أصليه؛ لأن العرب لم تنطق بها إلا كذلك، ولو قالت سردحا، بغير ~~ألف، لما جاز لأحد أن يزيد الألف فيها من عنده فيقول سرداحا، فعلم بهذا أنه ~~إنما ينطق الألفاظ # PageV01P031 # كما سمعت عن العرب، من غير زيادة فيها ولا نقص، وليس يلزم بعد ms021 ذلك أن ~~يعلم أصلها ولا زيادتها؛ لأن ذلك أمر خارج تقتضيه صناعة تأليف الكلام. # فالجواب عن ذلك أنا نقول: اعلم أنا لم نجعل معرفة التصريف كمعرفة النحو؛ ~~لأن الكاتب أو الشاعر إذا كان عارفا بالمعاني، مختارا لها، قادرا على ~~الألفاظ، مجيدا فيها، ولم يكن عارفا بعلم النحو؛ فإنه يفسد ما يصوغه من ~~الكلام ويختل عليه ما يقصده من المعاني، كما أريناك في ذلك المثال المتقدم، ~~وأما التصريف فإنه إذا لم يكن عارفا به لم تفسد عليه معاني كلامه، وإنما ~~تفسد عليه الأوضاع، وإن كانت المعاني صحيحة، وسيأتي بيان ذلك في تحرير ~~الجواب، فنقول: أما قولك إن التصريف لا حاجة إليه، واستدلالك بما ذكرته من ~~المثال المضروب؛ فإن ذلك لا يستمر لك الكلام فيه، ألا ترى أنك مثلت كلامك ~~في لفظة سرداح، وقلت: إنه لا يحتاج إلى معرفة الألف زائدة هي أم أصلية ~~لأنها إنما نقلت عن العرب على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقص، وهذا لا ~~يطرد إلا فيما هذا سبيله من نقل الألفاظ على هيئتها من غير تصرف فيها بحال، ~~فأما إذا أريد تصغيرها أو جمعها والنسبة إليها فإنه إذا لم يعرف الأصل في ~~حروف الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها يضل حينئذ عن السبيل، وينشأ من ذلك ~~مجال للعائب والطاعن، ألا ترى أنه إذا قيل للنحوي وكان جاهلا بعلم التصريف ~~كيف تصغير لفظة اضطراب فإنه يقول: ضطيرب، ولا يلام على جهله بذلك، لأن الذي ~~تقتضيه صناعة النحو قد أتى به، وذلك أن النحاة يقولون: إذا كانت الكلمة على ~~خمسة أحرف وفيها حرف زائد أو لم يكن حذفته «1» نحو قولهم في منطلق: مطيلق، ~~وفي جحمرش: جحيمر؛ # PageV01P032 # فلفظة منطلق على خمسة أحرف، وفيها حرفان زائدان هما الميم والنون إلا أن ~~الميم زيدت فيها لمعنى؛ فلذلك لم تحذف، وحذفت النون، وأما لفظة جحمرش ~~فخماسية لا زيادة فيها وحذف منها حرف أيضا، ولم يعلم النحوي أن علماء النحو ~~إنما قالوا ذلك مهملا اتكالا منهم على تحقيقه من علم الصرف؛ لأنه لا يلزمهم ms022 ~~أن يقولوا في كتب النحو أكثر مما قالوا، وليس عليهم أن يذكروا في باب من ~~أبواب النحو شيئا من التصريف؛ لأن كلا من النحو والتصريف علم منفرد برأسه، ~~غير أن أحدهما مرتبط بالآخر، ومحتاج إليه. # وإنما قلت: إن النحوي إذا سئل عن تصغير لفظة اضطراب يقول: ضطيرب؛ لأنه لا ~~يخلو إما أن يحذف من لفظة اضطراب الألف أو الضاد أو الطاء أو الراء أو ~~الباء، وهذه الحروف المذكورة غير الألف ليست من حروف الزيادة؛ فلا تحذف، بل ~~الأولى أن يحذف الحرف الزائد ويترك الحرف الذي ليس بزائد؛ فلذلك قلنا: # إن النحوي يصغر لفظة اضطراب على ضطيرب؛ فيحذف الألف التي هي حرف زائد، ~~دون غيرها مما ليس من حروف الزيادة، وأما أن يعلم أن الطاء في اضطراب مبدلة ~~من تاء، وأنه إذا أريد تصغيرها تعاد إلى الأصل الذي كانت عليه، وهو التاء، ~~فيقال: ضتيرب؛ فإن هذا لا يعلمه إلا التصريفي، وتكليف النحوي الجاهل بعلم ~~التصريف معرفة ذلك كتكليفه علم ما لا يعلمه؛ فثبت بما ذكرناه أنه يحتاج إلى ~~علم التصريف؛ لئلا يغلط في مثل هذا. # ومن العجب أن يقال: إنه لا يحتاج إلى معرفة التصريف، ألم تعلم أن نافع ~~ابن أبي نعيم، وهو من أكبر القراء السبعة قدرا، وأفخمهم شأنا، قال في ~~معايش: # معائش، بالهمز» # ، ولم يعلم الأصل في ذلك؛ فأوخذ عليه، وعيب من أجله، ومن # PageV01P033 # جملة من عابه أبو عثمان المازني؛ فقال في كتابه في التصريف: إن نافعا لم ~~يدر ما العربية، وكثيرا ما يقع أولو العلم في مثل هذه المواضع، فكيف الجهال ~~الذين لا معرفة لهم بها ولا اطلاع لهم عليها؟ وإذا علم حقيقة الأمر في ذلك ~~لم يغلط فيما يوجب قدحا ولا طعنا، وهذه لفظة معايش لا يجوز همزها بإجماع من ~~علماء العربية، لأن الياء فيها ليست مبدلة من همزة، وإنما الياء التي تبدل ~~من الهمزة في هذا الموضع تكون بعد ألف الجمع المانع من الصرف، ويكون بعدها ~~حرف واحد، ولا تكون عينا، نحو سفائن، وفي هذا الموضع ms023 غلط نافع رحمة الله ~~عليه، لأنه لا شك اعتقد أن معيشة بوزن فعيلة وجمع فعيلة هو على فعائل، ولم ~~ينظر إلى أن الأصل في معيشة معيشة على وزن مفعلة، وذلك لأن أصل هذه الكلمة ~~من عاش التي أصلها عيش على وزن فعل، ويلزم مضارع فعل المعتل العين يفعل ~~لتصح الياء، نحو يعيش، ثم تنقل حركة العين إلى الفاء فتصير يعيش، ثم يبني ~~من يعيش مفعول فيقال: معيوش به، كما يقال: مسيور به، ثم يخفف ذلك بحذف ~~الواو؛ فيقال: معيش به، كما يقال: مسير به، ثم تؤنث هذه اللفظة فتصير ~~معيشة. # ومع هذا فلا ينبغي لصاحب هذه الصناعة من النظم والنثر أن يهمل من علم ~~العربية ما يخفى عليه بإهماله اللحن الخفي؛ فإن اللحن الظاهر قد كثرت ~~مفاوضات الناس فيه حتى صار يعلمه غير النحوي، ولا شك أن قلة المبالاة ~~بالأمر واستشعار القدرة عليه توقع صاحبه فيما لا يشعر أنه وقع فيه؛ فيجهل ~~بما يكون عالما به. # ألا ترى أن أبا نواس كان معدودا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات ~~الشعراء، وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه، فقال في صفة الخمر: # كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب # PageV01P034 # وهذا لا يخفى على مثل أبي نواس؛ فإنه من ظواهر علم العربية، وليس من ~~غوامضه في شيء؛ لأنه أمر نقلي يحمل ناقله فيه على النقل من غير تصرف، وقول ~~أبي نواس «صغرى وكبرى» غير جائز، فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام ~~منها، وإنما يجوز حذفها من فعلى التي لا أفعل لها، نحو حبلى؛ إلا أن تكون ~~فعلى أفعل مضافة، وههنا قد عريت عن الإضافة وعن الألف واللام، فانظر كيف ~~وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته؟. # وقد غلط أبو تمام في قوله: # بالقائم الثامن المستخلف اطأدت ... قواعد الملك ممتدا لها الطول # ألا ترى أنه قال: اطأدت، والصواب اتطدت؛ لأن التاء تبدل من الواو في ~~موضعين: أحدهما مقيس عليه، كهذا الموضع، لأنك إذا ms024 بنيت افتعل من الوعد قلت: ~~اتعد، ومثله ما ورد في هذا البيت؛ فإنه من وطد يطد، كما يقال: وعد يعد؛ ~~فإذا بني منه افتعل قيل: اتطد، ولا يقال اطأد، وأما غير المقيس فقولهم في ~~وجاه: # تجاه، وقالوا: تكلان، وأصله الواو؛ لأنه من وكل يكل؛ فأبدلت الواو تاء ~~للاستسحان، فهذه الأمثلة قد أشرت إليها ليعلم مكان الفائدة في أمثالها ~~وتتوقى. # على أني لم أجد أحدا من الشعراء المفلقين سلم من مثل ذلك؛ فإما أن يكون ~~لحن لحنا يدل على جهله مواقع الإعراب، وإما أن يكون أخطأ في تصريف الكلمة، ~~ولا أعني بالشعراء من هو قريب عهد بزماننا، بل أعني بالشعراء من تقدم ~~زمانه، كالمتنبي «1» ، ومن كان قبله، كالبحتري «2» ، ومن تقدمه، كأبي تمام ~~«3» ، ومن سبقه، كأبي نواس، والمعصوم من عصمه الله تعالى. # PageV01P035 # على أن المخطىء في التصريف أندر «1» وقوعا من المخطىء في النحو؛ لأنه ~~قلما يقع له كلمة يحتاج في استعمالها إلى الإبدال والنقل في حروفها، وأما ~~النحو فإنه يقع الخطأ فيه كثيرا حتى إنه ليشذ في ظاهره في بعض الأحوال، ~~فكيف خافيه؟ # كقول أبي نواس في الأمين «2» محمد رحمه الله: # يا خير من كان ومن يكون ... إلا النبي الطاهر الميمون # فرفع في الاستثناء من الموجب، وهذا من ظواهر النحو، وليس من خافيه في ~~شيء، وكذلك قال أبو الطيب المتنبي: # أرأيت همة ناقتي في ناقة ... نقلت يدا سرحا وخفا مجمرا «3» # تركت دخان الرمث في أوطانها ... طلبا لقوم يوقدون العنبرا «4» # وتكرمت ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه وليس مسكا أذفرا «5» # فجمع في حال التثنية؛ لأن الناقة ليس لها إلا ركبتان، فقال: ركبات، وهذا ~~من أظهر ظواهر النحو، وقد خفي على مثل المتنبي. # PageV01P036 # ومع هذا فينبغي لك أن تعلم أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة، ~~ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه؛ لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه، وهم الناطقون ~~باللغة، فوجب اتباعهم؛ والدليل على ذلك أن الشاعر لم ينظم شعره وغرضه منه ~~رفع الفاعل ونصب المفعول أو ما جرى مجراهما، وإنما غرضه إيراد ms025 المعنى الحسن ~~في اللفظ الحسن المتصفين بصفة الفصاحة والبلاغة، ولهذا لم يكن اللحن قادحا ~~في حسن الكلام؛ لأنه إذا قيل: جاء زيد راكب، إن لم يكن حسنا إلا بأن يقال: ~~جاء راكبا- بالنصب- لكان النحو شرطا في حسن الكلام، وليس كذلك. # فتبين بهذا أنه ليس الغرض من نظم الشعر إقامة إعراب كلماته، وإنما الغرض ~~أمر وراء ذلك، وهكذا يجري الحكم في الخطب والرسائل من الكلام المنثور. # وأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب، لكن الشاعر ربما احتاج إليه؛ لأنه قد ~~يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف، وإلى فك إدغام؛ من أجل إقامة الميزان ~~الشعري. ### | النوع الثاني: # وهو قولنا: «إنه يحتاج إلى معرفة اللغة مما تداول استعماله» فسيرد بيانه ~~عند ذكر اللفظة الواحدة، والكلام على جيدها ورديئها في المقالة المختصة ~~بالصناعة اللفظية. # ويفتقر أيضا مؤلف الكلام إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في النظم ~~والنثر؛ ليجد إذا ضاق به موضع في كلامه بإيراد بعض الألفاظ [سعة في] العدول ~~عنه إلى غيره، مما هو في معناه، وهذه الأسماء تسمى المترادفة، وهي اتحاد ~~المسمى واختلاف أسمائه، كقولنا: الخمر، والراح، والمدام؛ فإن المسمى بهذه ~~الأسماء شيء واحد، وأسماؤه كثيرة. # وكذلك يحتاج إلى معرفة الأسماء المشتركة ليستعين بها على استعمال التجنيس ~~في كلامه، وهي اتحاد الاسم واختلاف المسميات، كالعين؛ فإنها تطلق على العين ~~الناظرة، وعلى ينبوع الماء، وعلى المطر، وغيره، إلا أن المشتركة تفتقر # PageV01P037 # في الاستعمال إلى قرينة تخصصها؛ كي لا تكون مبهمة، لأنا إذا قلنا: عين؛ ~~ثم سكتنا، وقع ذلك على محتملات كثيرة من العين الناظرة والعين النابعة ~~والمطر وغيره مما هو موضوع بإزاء هذا الاسم، وإذا قرنا إليه قرينة تخصه زال ~~ذلك الإبهام؛ بأن نقول: عين حسناء، أو عين نضاخة «1» ، أو ملثة «2» ، أو ~~غير ذلك. # وهذا موضع للعلماء فيه مجاذبات جدلية: # فمنهم من ينكر أن يكون اللفظ المشترك حقيقة في المعنيين جميعا، ويقول: # إن ذلك يخل بفائدة وضع اللغة؛ لأن اللغة إنما هي وضع الألفاظ في دلالتها ~~«3» على المعاني: أي وضع الأسماء على المسميات ms026 لتكون منبئة عنها عند إطلاق ~~اللفظ، والاشتراك لا بيان فيه، وإنما هو ضد البيان، لكن طريق البيان أن ~~يجعل أحد المعنيين في اللفظ المشترك حقيقة والآخر مجازا؛ فإذا قلنا «هذه ~~كلمة» ، وأطلقنا القول؛ فهم منه اللفظة الواحدة، وإذا قيدنا اللفظ فقلنا ~~«هذه كلمة شاعرة» فهم منه القصيدة المقصدة من الشعر، وهي مجموع كلمات ~~كثيرة، ولو أطلقنا من غير تقييد وأردنا القصيدة من الشعر لما فهم مرادنا ~~ألبتة. # هذا خلاصة ما ذهب إليه من ينكر وقوع اللفظ المشترك في المعنيين حقيقة، ~~وفي ذلك ما فيه، وسأبين ما يدخله من الخلل؛ فأقول في الجواب عن ذلك ما ~~استخرجته بفكري، ولم يكن لأحد فيه قول من قبلي. # وهو أما قولك «إن فائدة وضع اللغة إنما هو البيان عند إطلاق اللفظ، ~~واللفظ المشترك يخل بهذه الفائدة» ، فهذا غير مسلم، بل فائدة وضع اللغة هو ~~البيان والتحسين. # أما البيان فقد وفى [به] الأسماء المتباينة التي هي كل اسم واحد دل على # PageV01P038 # مسمى واحد، فإذا أطلق اللفظ في هذه الأسماء كان بينا مفهوما لا يحتاج إلى ~~قرينة، ولو لم يضع الواضع من الأسماء شيئا غيرها لكان كافيا في البيان. # وأما التحسين فإن الواضع لهذه اللغة العربية التي هي أحسن اللغات نظر إلى ~~ما يحتاج إليه أرباب الفصاحة والبلاغة فيما يصوغونه من نظم ونثر، ورأى أن ~~من مهمات ذلك التجنيس، ولا يقوم به إلا الأسماء المشتركة التي هي كل اسم ~~واحد دل على مسميين فصاعدا، فوضعها من أجل ذلك، وهذا الموضع يتجاذبه جانبان ~~يترجح أحدهما على الآخر، وبيانه أن التحسين يقضي بوضع الأسماء المشتركة، ~~ووضعها يذهب بفائدة البيان عند إطلاق اللفظ، وعلى هذا فإن وضعها الواضع ذهب ~~بفائدة البيان، وإن لم يضع ذهب بفائدة التحسين، لكنه إن وضع استدرك ما ذهب ~~من فائدة البيان بالقرينة، وإن لم يضع لم يستدرك ما ذهب من فائدة التحسين، ~~فترجح حينئذ جانب الوضع؛ فوضع. # فإن قيل: فلم لا تنسب الأسماء المشتركة إلى اختلاف القبائل لا إلى واضع ~~واحد؟. # قلت في الجواب ms027 «1» : هذا تعسف لا حاجة إليه، وهو مدفوع من وجهين: # أحدهما: ما قدمت القول فيه من الترجيح الذي سوغ للواضع أن يضع. الآخر: ~~أنا نرى أنه قد ورد من الجموع ما يقع على مسميين اثنين، كقولهم: كعاب، جمع ~~كعب الذي هو كعب الرجل، وجمع كعبة وهي البنية المعروفة، وإذا أطلقنا اللفظ ~~فقلنا «كعاب» من غير قرينة لا يدرى ما المراد بذلك: أكعب الرجل أم البنية ~~المعروفة؟ وكذلك ورد واحد وجمع على وزن واحد، كقولهم: راح، اسم للخمر، وراح ~~جمع راحة وهي الكف؛ وكقولهم: عقاب، وهو الجزاء على الذنب، وجمع عقبة أيضا؛ ~~وفي اللغة من هذا شيء كثير، وهو بالإجماع من علماء العربية أنه لم يجر فيه ~~خلاف بين القبائل، فاتضح بهذا أن الأسماء المشتركة من واضع واحد. # PageV01P039 # فإن قلت: إن الواضع إنما وضع المفرد من الألفاظ والجمع وضعه غيره. # قلت في الجواب: إن الذي وضع المفرد هو الذي وضع الجمع؛ لأن من قواعد وضع ~~اللغة أن يوضع المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، والمصغر، والمكبر، ~~والمصادر، وأسماء الفاعلين، وما جرى هذا المجرى، وإذا أخل بشيء من ذلك كان ~~قد أخل بقاعدة من قواعد وضع اللغة، ثم لو سلمت إليك أن واضع الجمع غير واضع ~~المفرد لكان ذلك قدحا في الواضع الثاني؛ إذ جاء بالإبهام عند إطلاق اللفظ، ~~لأنه جمع كعبة التي هي البنية وكعب الرجل، على كعاب؛ وهذا لفظ مشترك مبهم ~~عند الإطلاق، ولا فرق بين أن يضعه الواضع الأول أو واضع ثان؛ فإن الإبهام ~~حاصل منه. # وكان فاوضني بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: صفراء فاقع لونها ~~تسر الناظرين # وقال: إن لون البقرة كان أسود، والأصفر هو الأسود، فأنكرت عليه هذا ~~القول، فأخذ يجادل مجادلة غير عارف، ويعزو ذلك إلى تفسير النقاش، وتفسير ~~البلاذري، فقلت له: اعلم أن هذا الاسم الذي هو الأصفر لا يخلو في دلالته ~~على الأسود من وجهين: إما أنه من الأسماء المتباينة التي يدل كل اسم منها ~~على مسمى واحد كالإنسان والأسد والفرس وغير ذلك، وإما ms028 أنه من الأسماء ~~المشتركة التي يدل الاسم منها على مسميين فصاعدا، ولا يجوز أن يكون من ~~الأسماء المتباينة؛ لأنا نراه متجاذبا بين لونين: أحدهما: هذا اللون ~~الزعفراني الشكل، والآخر: اللون المظلم الشكل، وعلى هذا فإنه يكون من ~~الأسماء المشتركة، وإذا كان من الأسماء المشتركة فلا بد له من قرينة تخصصه ~~باللون الزعفراني دون اللون المظلم؛ لأن الله تعالى قال: صفراء فاقع لونها # والفاقع من صفات اللون الزعفراني خاصة؛ لأنه قد ورد للألوان صفات متعددة ~~لكل لون منها صفة، فقيل: أبيض يقق، وأسود حالك، وأحمر قان، وأصفر فاقع، ولم ~~يقل أسود فاقع، ولا أصفر حالك، فعلم حينئذ أن لون البقرة لم يكن أسود، ~~وإنما كان أصفر، فلما تحقق عند ذلك الفقيه ما أشرت إليه أذعن بالتسليم. ### | وأما النوع الثالث: # فهو معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي # PageV01P040 # وردت في حوادث خاصة بأقوام، وقولي هذا لا يقتضي كل الأمثال الواردة عنهم؛ ~~فإن منها ما لا يحسن استعماله، كما أن من ألفاظهم أيضا ما لا يحسن ~~استعماله، وكنت جردت من كتاب الأمثال للميداني أوراقا خفيفة تشتمل على ~~الحسن من الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال؛ وسبيل المتصدي لهذا الفن أن ~~يسلك ما سلكته، وليعلم أن الحاجة إليها شديدة، وذلك أن العرب لم تضع ~~الأمثال إلا لأسباب أوجبتها، وحوادث اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من ~~الأمور عندهم كالعلامة التي يعرف بها الشيء، وليس في كلامهم أوجز منها، ولا ~~أشد اختصارا. # وسبب ذلك ما أذكره لك لتكون من معرفته على يقين، فأقول: قد جاء عن العرب ~~من جملة أمثاله «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» وهو مثل يضرب للأمر ~~الظاهر المشهور، والأصل فيه كما قال المفضل بن محمد «1» : أنه بلغنا أن بني ~~ثعلبة بن سعد بن ضبة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة أربع عشرة ~~من الشهر؛ فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر يرى، وقالت طائفة: يغيب القمر ~~قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجل جعلوه حكما، فقال واحد منهم: إن قومي ~~يبغون علي، ms029 فقال الحكم: إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» . فذهبت مثلا، ~~ومن المعلوم أن قول القائل: «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» إذا أخذ ~~على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به والأسباب التي قيل من أجلها ~~لا يعطي من المعنى ما قد أعطاه المثل، وذلك أن المثل له مقدمات وأسباب قد ~~عرفت، وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم، وحيث كان الأمر كذلك جاز إيراد ~~هذه اللفظات في التعبير عن المعنى المراد، ولولا تلك المقدمات المعلومة ~~والأسباب المعروفة، لما فهم من قول القائل: «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك ~~القمر» ما ذكرناه من المعنى المقصود، بل ما كان يفهم من هذا القول معنى ~~مفيد، لأن البغي هو الظلم، والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدا، فكان يصير ~~معنى المثل: إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر، وهذا كلام مختل المعنى، ليس ~~بمستقيم، فلما كانت الأمثال كالرموز والإشارات التي يلوح بها على المعاني ~~تلويحا # PageV01P041 # صارت من أوجز الكلام، وأكثره اختصارا، ومن أجل ذلك قيل في حد المثل: إنه ~~القول الوجيز المرسل ليعمل عليه، وحيث هي بهذه المثابة فلا ينبغي الإخلال ~~بمعرفتها. # وأما أيام العرب فإنها تتنوع وتتشعب، فمنها أيام فخار، ومنها أيام ~~محاربة، ومنها أيام منافرة، ومنها غير ذلك، ولا يخلو الناظم والناثر من ~~الانتصاب لوصف يوم يمر به في بعض الأحوال شبيها بيوم من تلك الأيام، ~~ومماثلا له؛ فإذا جاء بذكر بعض تلك الأيام المناسبة لمراده الموافقة له، ~~وقاس عليه يومه؛ فإنه يكون في غاية الحسن والرونق؛ هذا لا خفاء به. # وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام، فإنها كالأمثال في ~~الاستشهاد بها، وسأبين لك نبذة منها حتى تعلم مقدار الفائدة بها: # فمن ذلك أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث بيعة الحديبية تحت ~~الشجرة، وكان أرسل عثمان رضي الله عنه إلى مكة في حاجة عرضت له، ولم يحضر ~~البيعة، فضرب رسول الله بيده الشمال على اليمين وقال: «هذه عن عثمان، ~~وشمالي ms030 خير من يمينه» . # وقد استعلمت أنا هذا في جملة كتاب فقلت: ولا يعد البر برا حتى يلحق الغيث ~~بالحصور، ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور؛ فزنة الغائب بالشاهد من كرم ~~الإحسان، ولهذا نابت شمال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمين عثمان. # ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استدعى أبا موسى ~~الأشعري ومن يليه من العمال، وكان منهم الربيع بن زياد الحارثي، فمضى إلى ~~يرفأ مولى عمر «1» ، وسأله عما يروج عنده، وينفق عليه، فأشار إلى خشونة ~~العيش، فمضى ولبس جبة صوف، وعمامة دسماء، وخفا مطابقا، وحضر بين يديه في ~~جملة # PageV01P042 # العمال، فصوب عمر نظره وصعده، فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله، ~~ثم أوصى أبا موسى الأشعري به. # وقد استعملت أنا هذا في جملة تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت: # وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من ~~مبدأ حاله؛ فإن الأحوال تتنقل تنقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر ~~كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد. # فانظر كيف فعلت في هاتين القصتين؟ وكيف أوردتهما في الغرض الذي قصدته؟ ~~وامض أنت على هذا النهج، فإنه من محاسن هذه الصنعة. # وعرض علي كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني «1» رحمه الله عن الملك ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله إلى ديوان الخلافة ببغداد في سنة إحدى ~~وسبعين وخمسمائة، وضمنه ما أبلاه في خدمة الدولة من فتح الديار المصرية، ~~ومحو الدولة العلوية، وإقامة الدعوى العباسية، وشرح فيه ما قاساه في الفتح ~~من الأهوال، ولما تأملته وجدته كتابا حسنا قد وفى فيه الخطابة حقها؛ إلا ~~أنه أخل بشيء واحد، وهو أن مصر لم تفتح إلا بعد أن قصدت من الشام ثلاث ~~مرات، وكان الفتح في المرة الثالثة، وهذا له نظير في فتح النبي صلى الله ~~عليه وسلم مكة، فإنه قصدها عام الحديبية، ثم سار إليها في عمرة القضاء، ثم ~~سار إليها عام الفتح ففتحها. # وقد سألني ms031 بعض الإخوان أن أنشىء في ذلك كتابا إلى ديوان الخلافة معارضا ~~للكتاب الذي أنشأه عبد الرحيم بن علي رحمه الله، فأجبته إلى سؤاله، وعددت ~~مساعي صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله، فقلت: # ومن جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية وقد قام بها منبر وسرير، ~~وقالت: منا أمير ومنكم أمير، فرد الدعوة العباسية إلى معادها، وأذكر ~~المنابر ما نسيته بها من زهو أعوادها، وكانت أخرجت منها إخراج النبي صلى ~~الله عليه وسلم من قريته، وقذف # PageV01P043 # الشيطان على حقها بباطله وعلى صدقها بغويته «1» ، ثم طوتها الليالي طي ~~السجل للكتاب، وكثر عليها مرور الدهر حتى نسي لها عدد السنين والحساب، ولم ~~يعدها إلى وطنها حتى تغربت لها الأرواح عن أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف ~~سهر العيون عن أجفانها، وتطاردت الآراء في تسهيل أمرها قبل مطاردة أقرانها، ~~وحتى تقدمتها غربات ثلاث كلها ذوات غروب «2» ، وكل خطب من خطوبها ذو خطوب، ~~إلى أن تمخض ليلها عن صبحه، وأصبحت في الإسلام في الإسلام كعام حديبيته ~~وعمرة قضائه وعام فتحه، وفي ذكر أخبارها ما يطبع الأسنة في رءوس الأقلام، ~~ويرهب سامعها، ولم ينله شيء من مكروهها سوى الكلام، ويومها للدولة هو اليوم ~~الذي أرخ فيه معاد «3» نصرها، وميعاد بشرها، فإذا عدت لياليها السالفة كانت ~~كسائر الليالي وهذه ليلة قدرها. # فهذا فصل من فصول الكتاب؛ فانظر كيف ماثلت بين الفتح المصري وفتح مكة؟ ~~وذكرت أيضا حديث الحباب بن المنذر الأنصاري حيث قال بعد وفاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم: منا أمير ومنكم أمير؛ وذلك لما حضر أبو بكر وعمر وأبو ~~عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم في سقيفة بني ساعدة، والقصة مشهورة، فقال ~~الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بل نحن ~~الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الذي ذكرته هو نكتة هذا الفتح التي عليها ~~المعول، ومركزه الذي عليه يدور، وعجبت من عبد الرحيم بن علي البيساني- مع ~~تقدمه في فن الكتابة- كيف فاته أن يأتي به في الكتاب الذي كتبه. # وكذلك وجدت ms032 لابن زياد البغدادي كتابا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف المقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وضمنه فصولا تشتمل على ~~أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة، فمن تلك الأمور التي أنكرت عليه أنه ~~تلقب بالملك الناصر، وذلك اللقب هو لأمير المؤمنين خاصة، فإنه الإمام ~~الناصر # PageV01P044 # لدين الله، فلما وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابا حسنا قد أجاد فيه كل ~~الإجادة، ولم أجد فيه مغمزا إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب، فإنه ~~لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى فيه بكلام فيه غثاثة، ~~كقوله: # ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام، وشيئا من هذا النسق، وكان الأليق ~~والأحسن أن يحتج بحجة فيها روح، ويذكر كلاما فيه ذلاقة ورشاقة. # وحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني، وجرى حديث ذلك، فسألني عما كان ~~ينبغي أن يكتب في هذا الفصل، فذكرت ما عندي، وهو: قد علم أن للأنبياء ~~والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن ~~يشاركهم فيها مشاركة الأنداد، وقد أجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ~~في أشياء نص عليها بحكمه، ومن جملتها أنه نهى غيره أن يجتمع بين كنيته وبين ~~اسمه، وهذا مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهورا، وعلى غيره ~~محظورا، وقد وسم نفسه بسمة نزلت عليه من السماء، وتميزت به من بين المسميات ~~والأسماء، ثم استمرت عليها الأيام حتى خوطب بها من الحاضر والباد، ورفعها ~~الخطباء على المنابر في أيام الجمع ومواسم الأعياد، وقد شاركته أنت فيها ~~غير مراقب لمزية التعظيم، ولا فارق بين فسحة التحليل «1» وحرج التحريم «2» ~~، والشرع والأدب يحكمان عليك بأن تلقى ما فرط منك بالمتاب، ولا تحوج فيه ~~إلى التقريع الذي هو أشد العتاب، ومثلك من عرف الحق فأمسكه بيده، ونسخ ~~إغفال أمسه باستئناف التيقظ في غده، والله قد رفع المؤاخذة عمن أتى الشيء ~~خطأ لا عمدا، وقبل التوبة ممن أخذ على نفسه بالإخلاص عهدا. # فانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي، وجعلته ms033 شاهدا على هذا الموضع؟ ~~ولا يمكن أن يحتج في مثل ذلك إلا بمثل هذا الاحتجاج، وما أعلم كيف شذ عن ~~ابن زياد أن يأتي به مع أنه كان كاتبا مفلقا أرتضي كتابته، ولم أجد في ~~متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفن. # PageV01P045 ### | وأما النوع الرابع: # - وهو الاطلاع على كلام المتقدمين من المنظوم والمنثور- فإن في ذلك فوائد ~~جمة؛ لأنه يعلم منه أغراض الناس، ونتائج أفكارهم، ويعرف به مقاصد كل فريق ~~منهم، وإلى أين ترامت به صنعته في ذلك، فإن هذه الأشياء مما تشحذ القريحة، ~~وتذكي الفطنة، وإذا كان صاحب هذه الصناعة عارفا بها تصير المعاني التي ذكرت ~~وتعب في استخراجها كالشيء الملقى بين يديه يأخذ منه ما أراد ويترك ما أراد، ~~وأيضا فإنه إذا كان مطلعا على المعاني المسبوق إليها قد ينقدح له من بينها ~~معنى غريب لم يسبق إليه، ومن المعلوم أن خواطر الناس وإن كانت متفاوتة في ~~الجودة والرداءة فإن بعضها لا يكون عاليا على بعض أو منحطا عنه إلا بشيء ~~يسير، وكثيرا ما تتساوى القرائح والأفكار في الإتيان بالمعاني، حتى إن بعض ~~الناس قد يأتي بمعنى موضوع بلفظ، ثم يأتي الآخر بعده بذلك المعنى واللفظ ~~بعينهما من غير علم منه بما جاء به الأول، وهذا الذي يسميه أرباب هذه ~~الصناعة وقوع الحافر على الحافر، وسيأتي لذلك باب مفرد في آخر كتابنا هذا؛ ~~إن شاء الله تعالى. ### | وأما النوع الخامس: # - وهو معرفة الأحكام السلطانية من الإمامة والإمارة والقضاء والحسبة وغير ~~ذلك- فإنما أوجبنا معرفتها والإحاطة بها لما يحتاج إليه الكاتب في تقليدات ~~الملوك والأمراء والقضاة والمحتسبين ومن يجري مجراهم، وأيضا فإنه قد يحدث ~~في الإمامة حادث في بعض الأوقات: بأن يموت الإمام القائم بأمر المسلمين، ثم ~~يتولى من بعده من لم تكمل فيه شرائط الإمامة، أو يكون كامل الشرائط غير أن ~~الإمام الذي كان قبله عهد بها إلى آخر غيره وهو ناقص الشرائط، أو يكون قد ~~تنازع الإمامة اثنان، أو يكون أرباب الحل والعقد قد اختاروا إماما وهم غير ~~كاملي ms034 الشرائط التي تجب أن توجد فيهم، أو يكون أمر غير ما ذكرناه، فتختلف ~~الأطراف في ذلك، وينتصب ملك من الملوك له عناية بالإمام الذي قد قام ~~للمسلمين، فيأمر كاتبه أن يكتب كتابا في أمره إلى الأطراف المخالفة له، ~~وإذا لم يكن الكاتب عند ذلك عارفا بالحكم في هذه الحوادث، واختلاف أقوال ~~العلماء فيها، وما هو رخصة في ذلك وما ليس برخصة؛ لا يكتب كتابا ينتفع به، ~~ولسنا نعني بهذا القول أن يكون الكتاب مقصورا على فقه محض فقط؛ لأنا لو ~~أردنا ذلك لما # PageV01P046 # كنا نحتاج فيه إلى كتب كتاب بلاغي، بل كنا نقتصر على إرسال مصنف من ~~مصنفات الفقه عوضا عن الكتاب، وإنما قصدنا أن يكون الكاتب الذي يكتب في هذا ~~المعنى مشتملا على الترغيب والترهيب، والمسامحة في موضع والمحاقة «1» في ~~موضع، مشحونا ذلك بالنكت الشرعية المبرزة في قوالب البلاغة والفصاحة، كما ~~فعل الكاتب الصابي في الكتاب الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن معز الدولة ~~ابن بويه إلى الإمام الطائع لما خلع المطيع؛ فإنه من محاسن الكتب التي تكتب ~~في هذا الفن. ### | وأما النوع السادس:- # وهو حفظ القرآن الكريم- فإن صاحب هذه الصناعة ينبغي له أن يكون عارفا ~~بذلك؛ لأن فيه فوائد كثيرة، منها أنه يضمن كلامه بالآيات في أماكنها ~~اللائقة بها ومواضعها المناسبة لها، ولا شبهة فيما يصير للكلام بذلك من ~~الفخامة والجزالة والرونق؛ ومنها أنه إذا عرف مواقع البلاغة وأسرار الفصاحة ~~المودعة في تأليف القرآن اتخذه بحرا يستخرج منه الدرر والجواهر ويودعها ~~مطاوي كلامه، كما فعلته أنا فيما أنشأته من المكاتبات، وكفى بالقرآن الكريم ~~وحده آلة وأداة في استعمال أفانين الكلام؛ فعليك أيها المتوشح لهذه الصناعة ~~بحفظه والفحص عن سره وغامض رموزه وإشاراته؛ فإنه تجارة لن تبور، ومنبع لا ~~يغور، وكنز يرجع إليه، وذخر يعول عليه. ### | وأما النوع السابع: # - وهو حفظ الأخبار النبوية مما يحتاج إلى استعماله- فإن الأمر في ذلك ~~يجري مجرى القرآن الكريم، وقد تقدم القول عليه، فاعرفه. ### | وأما النوع الثامن: # - وهو ما يختص بالناظم دون الناثر، وذلك ms035 معرفة العروض وما يجوز فيه من ~~الزحاف وما لا يجوز- فإن الشاعر محتاج إليه، ولسنا نوجب عليه المعرفة بذلك ~~لينظم بعلمه؛ فإن النظم مبني على الذوق، ولو نظم بتقطيع الأفاعيل لجاء شعره ~~متكلفا غير مرضي، وإنما أريد للشاعر معرفة العروض لأن الذوق قد ينبو # PageV01P047 # عن بعض الزحافات، ويكون ذلك جائزا في العروض، وقد ورد للعرب مثله، فإذا ~~كان الشاعر غير عالم به لم يفرق بين ما يجوز من ذلك وما لا يجوز، وكذلك ~~أيضا يحتاج الشاعر إلى العلم بالقوافي والحركات؛ ليعلم الروي والردف وما ~~يصح من ذلك وما لا يصح. # فإذا أكمل صاحب هذه الصناعة معرفة هذه الآلات، وكان ذا طبع مجيب وقريحة ~~مواتية، فعليه بالنظر في كتابنا هذا، والتصفح لما أودعناه من حقائق علم ~~البيان، ونبهنا عليه من أصول ذلك وفروعه، على أن الذي ذكرناه من هذه الآلات ~~الثمان هو كالأصل لما يحتاج إليه الخطيب والشاعر، ومعرفته ضرورية لا بد ~~منها، وههنا أشياء أخر هي كالتوابع والروادف. # وبالجملة فإن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فن من الفنون؛ حتى ~~إنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء، والماشطة عند جلوة ~~العروس، وإلى ما يقوله المنادي في السوق على السلعة، فما ظنك بما فوق هذا، ~~والسبب في ذلك أنه مؤهل لأن يهيم في كل واد؛ فيحتاج أن يتعلق بكل فن. # PageV01P048 ### | الفصل الثالث في الحكم على المعاني # وفائدة هذا الفصل الإحاطة بأساليب المعاني على اختلافها وتباينها، وصاحب ~~هذه الصناعة مفتقر إلى هذا الفصل والذي يليه، بخلاف غيرهما من هذه الفصول ~~المذكورة، لا سيما مفسري الأشعار؛ فإنهم به أعنى. # واعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهره لفظه، ومن يذهب إلى التأويل ~~يفتقر إلى دليل، كقوله تعالى: «وثيابك فطهر» # فالظاهر من لفظ الثياب هو ما يلبس، ومن تأول ذهب إلى أن المراد هو القلب، ~~لا الملبوس، وهذا لا بد له من دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ، وكذلك ورد عن ~~عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال: إذا أردت أن ms036 تصلي فادخل بيتك وأغلق ~~بابك، فالظاهر من هذا هو البيت والباب، ومن تأول ذهب إلى أنه أراد أنك تجمع ~~عليك هم قلبك وتمنع أن يخطر به سوى أمر الصلاة، فعبر عن القلب بالبيت، وعن ~~منع الخواطر التي تخطر له بإغلاق الباب، وهذا يحتاج إلى دليل؛ لأنه عدول عن ~~ظاهر اللفظ؛ فالمعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف، والمعنى ~~المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف؛ إذ باب التأويل غير محصور، ~~والعلماء متفاوتون في هذا، فإنه قد يأخذ بعضهم وجها ضعيفا من التأويل ~~فيكسوه بعبارته قوة تميزه على غيره من الوجود القوية؛ فإن السيف بضاربه: # إن السيوف مع الذين قلوبهم ... كقلوبهن إذا التقى الجمعان # تلقى الحسام على جراءة حده ... مثل الجبان بكف كل جبان # وذهب بعضهم في الفرق بين التفسير والتأويل إلى شيء غير مرضي، فقال: # التفسير: بيان وضع اللفظ حقيقة، كتفسير الصراط بالطريق، والتأويل: إظهار ~~باطن # PageV01P049 # اللفظ، كقوله تعالى: «إن ربك لبالمرصاد» # فتفسيره من الرصد، يقال: رصدته؛ إذا رقبته، وتأويله تحذير العباد من تعدي ~~حدود الله ومخالفة أوامره، والذي عندي في ذلك أنه أصاب في الآخر، ولم يصب ~~في الأول؛ لأن قوله: «التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة» لا مستند لجوازه، بل ~~التفسير يطلق على بيان وضع اللفظ حقيقة ومجازا؛ لأنه من الفسر، وهو الكشف، ~~كتفسير الرصد في الآية المشار إليها بالرقبة وتفسيره بالتحذير من تعدي حدود ~~الله ومخالفة أوامره. وأما التأويل فإنه أحد قسمي التفسير، وذاك أنه رجوع ~~عن ظاهر اللفظ، وهو مشتق من الأول، وهو الرجوع، يقال: آل يؤل، إذا رجع، ~~وعلى هذا فإن التأويل خاص والتفسير عام؛ فكل تأويل تفسير، وليس كل تفسير ~~تأويلا، ولهذا يقال: تفسير القرآن، ومن تفسيره ظاهر وباطن، وهذا الفصل الذي ~~نحن بصدد ذكره ههنا يرجع أكثره إلى التأويل؛ لأنه أدق. # ولا يخلو تأويل المعنى من ثلاثة أقسام: إما أن يفهم منه شيء واحد لا ~~يحتمل غيره، وإما أن يفهم منه الشيء وغيره، وتلك الغيرية: إما أن تكون ضدا، ~~أو لا ms037 تكون ضدا، وليس لنا قسم رابع. # فالأول: يقع عليه أكثر الأشعار، ولا يجري في الدقة واللطافة مجرى القسمين ~~الآخرين. # وأما القسم الثاني: فإنه قليل الوقوع جدا، وهو من أظرف التأويلات ~~المعنوية؛ لأن دلالة اللفظ على المعنى وضده أغرب من دلالته على المعنى ~~وغيره مما ليس بضده، فمما جاء منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة في ~~مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام» ؛ فهذا ~~الحديث يستخرج منه معنيان ضدان: أحدهما: أن المسجد الحرام أفضل من مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر: أن مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أفضل من المسجد الحرام: أي أن صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة في ~~المسجد الحرام، بل تفضل ما دونها، بخلاف المساجد الباقية فإن ألف صلاة فيها ~~تقصر عن صلاة واحدة فيه. # PageV01P050 # وكذلك جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضا: «من كلام النبوة الأولى ~~إذا لم تستح فاصنع ما شئت» وهذا يشتمل على معنيين ضدين: أحدهما: أن المراد ~~به إذا لم تفعل فعلا تستحي منه فافعل ما شئت، والآخر: أن المراد به إذا لم ~~يكن لك حياء يزعك «1» عن فعل ما يستحى منه فافعل ما شئت، وهذان معنيان ضدان ~~أحدهما مدح والآخر ذم. # ومثله ورد في الحديث النبوي أيضا، وذلك أنه ذكر شريح الحضرمي عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يتوسد القرآن» وهذا يحتمل مدحا وذما؛ أما ~~المدح فالمراد به أنه لا ينام الليل عن القرآن فيكون القرآن متوسدا معه لم ~~يتهجد به، وأما الذم فالمراد به أنه لا يحفظ من القرآن شيئا، فإذا نام لم ~~يتوسد معه القرآن، وهذان التأويلان من الأضداد. # وكثيرا ما يرد أمثال ذلك في الأحاديث النبوية. # ويجري على هذا النهج من الشعر قول أبي الطيب في قصيدة يمدح بها كافورا: # وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب # وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان: أحدهما: أن المنعم عليه يحسد المنعم، ~~والآخر: ms038 أن المنعم يحسد المنعم عليه. # وكذلك ورد قوله أيضا من قصيدة يمدحه: # فإن نلت ما أملت منك فربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده # فإن هذا البيت يحتمل مدحا وذما، وإذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله ~~فإنه يكون بالذم أولى منه بالمدح؛ لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد والشذوذ، ~~وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية، وقد أجيب بلفظة رب التي معناها التقليل: أي ~~لست من # PageV01P051 # نوالك على يقين، فإن نلته فربما وصلت إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده، ~~وإذا نظر إلى ما قبل هذا البيت دل على المدح خاصة؛ لارتباطه بالمعنى الذي ~~قبله. # وكثيرا ما كان يقصد المتنبي هذا القسم في شعره، كقوله من قصيدة أولها: # عدوك مذموم بكل لسان ... ولو كان من أعدائك القمران # ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان # ثم قال: # فما لك تعنى بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنان!؟ # فإن هذا بالذم أشبه منه بالمدح؛ لأنه يقول: لم تبلغ ما بلغته بسعيك ~~واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا لا فضل فيه؛ لأن السعادة تنال الخامل ~~والجاهد، ومن لا يستحقها، وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا القسم في قصائده ~~الكافوريات. # وحكى أبو الفتح بن جني قال: قرأت على أبي الطيب ديوانه، إلى أن وصلت إلى ~~قصيدته التي أولها: # أغالب فيك الشوق والشوق أغلب # فأتيت منها على هذا البيت، وهو: # وما طربي لما رأيتك بدعة ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب # فقلت له: يا أبا الطيب، لم تزد على أن جعلته أبا رنة، فضحك لقولي. # وهذا القسم من الكلام يسمى الموجه: أي له وجهان، وهو مما يدل على براعة ~~الشاعر وحسن تأتيه. # وأما القسم الثالث: فإنه يكون أكثر وقوعا من القسم الثاني، وهو واسطة بين ~~طرفين؛ لأن القسم الأول كثير الوقوع، والقسم الثاني قليل الوقوع، وهذا ~~القسم الثالث وسط بينهما. # PageV01P052 # فمما جاء منه قوله تعالى: «ولا تقتلوا أنفسكم» # فإن هذا له وجهان من التأويل: أحدهما: القتل الحقيقي الذي هو معروف، ~~والآخر: هو القتل المجازي، وهو ms039 الإكباب على المعاصي، فإن الإنسان إذا أكب ~~على المعاصي قتل نفسه في الآخرة. # ومن ذلك ما ورد في قصة إبراهيم وذبح ولده عليهما السلام، فقال الله تعالى ~~حكاية عنه: «وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين. رب هب لي من الصالحين. # فبشرناه بغلام حليم. فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام ~~أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين. فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا ~~إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم. ~~وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين. إنه من ~~عبادنا المؤمنين. وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين» # فقوله تعالى: «وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين» # قد يكون بشارة بنبوته بعد البشارة بميلاده، وقد يكون استئنافا بذكره بعد ~~ذكر إسمعيل عليه السلام وذبحه، والتأويل متجاذب بين هذين الأمرين، ولا دليل ~~على الاختصاص بأحدهما، ولم يرد في القرآن ما يدل على أن الذبيح إسمعيل ولا ~~إسحق عليهما السلام، وكذلك لم يرد في الأخبار التي صحت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وأما ما يروى عنه أنه قال: «أنا ابن الذبيحين» فخارج عن ~~الأخبار الصحيحة، وفي التوراة أن إسحق عليه السلام هو الذبيح. # ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه: «أطولكن يدا أسرعكن لحوقا ~~بي» فلما مات صلوات الله عليه جعلن يطاولن بين أيديهن حتى ينظرن أيتهن أطول ~~يدا، ثم كانت زينب أسرعهن لحوقا به، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمن حينئذ أنه ~~لم يرد الجارحة، وإنما أراد الصدقة؛ فهذا القول يدل على المعنيين المشار ~~إليهما. # ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: خدمت # PageV01P053 # رسول الله عشر سنين فلم يقل لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لا ~~فعلته، وهذا القول يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: وصف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالصبر على خلق من يصحبه، والآخر: ms040 أنه وصف نفسه بالفطنة والذكاء ~~فيما يقصده من الأعمال، كأنه متفطن لما في نفس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ فيفعله من غير حاجة إلى استئذانه. # ومن ذلك ما ورد في الأدعية النبوية؛ فإنه صلى الله عليه وسلم دعا على رجل ~~من المشركين فقال: «اللهم اقطع أثره» وهذا يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل: ~~الأول: أنه دعا عليه بالزمانة، لأنه إذا زمن لا يستطيع أن يمشي على الأرض، ~~فينقطع حينئذ أثره؛ الوجه الثاني: أنه دعا عليه بأن لا يكون له نسل من بعده ~~ولا عقب؛ الوجه الثالث: أنه دعا عليه بأن لا يكون له أثر من الآثار مطلقا ~~وهو أن لا يفعل فعلا يبقى أثره من بعده كائنا ما كان من عقب أو بناء أو ~~غراس أو غير ذلك. # وظفرت الحرورية برجل فقالوا له: ابرأ من علي وعثمان، فقال: أنا من علي ~~ومن عثمان أبرأ، فهذا يدل على معنيين: أحدهما: أنه بريء من عثمان وحده، ~~والآخر: أنه بريء منهما جميعا، والرجل لم يرد إلا الوجه الأول. # ومن ذلك ما يحكي عن عبد المسيح بن بقيلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على ~~الحيرة، وذاك أنه خرج إليه عبد المسيح بن بقيلة، فلما مثل بين يديه قال: # انعم صباحا أيها الملك، فقال له خالد: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه بسلام ~~عليكم، ثم قال له: من أين أقصي أثرك؟ قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت؟ ~~قالت: من بطن أمي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ~~ثيابي، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قط، ~~أنا أسأله عن الشيء وهو ينحو في غيره، وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن، ~~وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل، ويصلح أن يكون جوابا لغيره مما ذكره ~~عبد المسيح بن بقيلة. # وقد ورد في التوراة أن لا يؤكل الجدي بلبن أمه، وهذا يحتمل التحريم في # PageV01P054 # وجهين: أحدهما: ما دل عليه ظاهر لفظه، ms041 وهو تحريم لحم الجدي بلبن أمه ~~خاصة، وإذا أكل بلبن غير لبن أمه جاز ذلك، ولم يكن حراما، وهذا لا يأخذ به ~~أحد من اليهود، والوجه الآخر- وهو الذي يؤخذ به عند اليهود جميعهم-: أن أكل ~~اللحم باللبن حرام، كائنا ما كان من اللحوم، إلا طائفة منهم يسمون ~~القرائين؛ فإنهم تأولوا فأكلوا لحم الطير باللبن، وقالوا: إنما حرم اللحم ~~باللبن من اللحوم ذوات الألبان، والطير من ذوات البيض لا من ذوات الألبان. # ومما يجري على هذا النهج ما يحكى عن أفلاطون أنه قال: ترك الدواء دواء؛ ~~فذهب بعض الأطباء أنه أراد: إن لطف المزاج، وانتهى إلى غاية لا يحتمل ~~الدواء، فتركه حينئذ والإضراب عنه دواء، وذهب آخرون إلى أنه أراد بالترك ~~الوضع: أي وضع الدواء على الداء دواء، يشير بذلك إلى حذق الطبيب في أوقات ~~علاجه. # ومثله في الشعر قول الفرزدق: # إذا جعفر مرت على هضبة الحمى ... فقد أخزت الأحياء منها قبورها # وهذا يدل على معنيين: أحدهما: ذم الأحياء، والآخر: ذم الأموات؛ أما ذم ~~الأحياء فهو أنهم خذلوا الأموات، يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقوما آخرين ~~ففر الأحياء عنهم وأسلموهم، أو أنهم استنجدوهم فلم ينجدوهم، وأما ذم ~~الأموات فهو أن لهم مخازي وفضائح توجب عارا وشنارا، فهم يعيرون بها الأحياء ~~ويلصقونها بهم. # وعلى هذا ورد قول أبي تمام: # بالشعر طول إذا اصطكت قصائده ... في معشر، وبه عن معشر قصر # فهذا البيت يحتمل تأولين: أحدهما: أن الشعر يتسع مجاله بمدحك ويضيق بمدح ~~غيرك، يريد بذلك أن مآثره كثيرة، ومآثر غيره قليلة؛ والآخر: أن الشعر يكون ~~ذا فخر ونباهة بمدحك، وذا خمول بمدح غيرك، فلفظة الطول يفهم منها ضد القصر، ~~ويفهم منها الفخر، من قولنا: «طال فلان على فلان» أي فخر عليه. # PageV01P055 # ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي: # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر # وهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضي ~~الأوقات مدة الوصال، فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته ms042 في السكون ~~والبطء؛ والآخر: أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات، ~~فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية، وهذا من باب وضع ~~المضاف إليه مكان المضاف، كقوله تعالى: «وسئل القرية» # أي أهل القرية. # ومن الدقيق المعني في هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة من ~~جملة قصيدته التي أولها: # أوه بديل من قولتي واها # فقال: # لو فطنت خيله لنائله ... لم يرضها أن تراه يرضاها # وهذا يستنبط منه معنيان غيران: أحدهما: أن خيله لو علمت مقدار عطاياه؛ ~~لأن عطاياه أنفس منها، والآخر: أن خيله لو علمت أنه يهبها من جملة عطاياه ~~لما رضيت ذلك؛ إذ تكره خروجها عن ملكه، وهذان الوجهان أنا ذكرتهما وإنما ~~المذكور منهما أحدهما. # وهذا الذي أشرت إليه من الكلام على المعاني وتأويلاتها كاف لمن عنده ذوق ~~وله قوة على حملها على أشباهها ونظائرها. # PageV01P056 ### | الفصل الرابع في الترجيح بين المعاني # وهذا الفصل هو ميزان الخواطر الذي يوزن به نقد درهمها ودينارها، بل المحك ~~الذي يعلم منه مقدار عيارها، ولا يزن به إلا ذو فكرة متقدة، ولمحة منتقدة، ~~فليس كل من حمل ميزانا سمي صرافا، ولا كل من وزن به سمي عرافا، والفرق بين ~~هذا الترجيح الفقهي أن هناك يرجح بين دليلي الخصمين في حكم شرعي، وههنا ~~يرجح بين جانبي فصاحة وبلاغة في ألفاظ ومعان خطابية؛ وبيان ذلك أن صاحب ~~الترجيح الفقهي يرجع بين خبر التواتر مثلا وبين خبر الآحاد، أو بين المسند ~~والمرسل، أو ما جرى هذا المجرى، وهذا لا يعرض إليه صاحب علم البيان؛ لأنه ~~ليس من شأنه، ولكن الذي هو من شأنه أن يرجع بين حقيقة ومجاز، أو بين ~~حقيقتين، أو بين مجازين، ويكون ناظرا في ذلك كله إلى الصناعة الخطابية، ~~ولربما اتفق هو وصاحب الترجيح الفقهي في بعض المواضع؛ كالترجيح بين عام ~~وخاص، أو ما شابه ذلك. # وكنا قد قدمنا القول في الحكم على المعاني وانقسامها، ولنبين في هذا ~~الفصل مواضع الترجيح بين وجوه تأويلاتها؛ فنقول: # أما القسم ms043 الأول من المعاني فلا تعلق للترجيح به، إذا ما دل عليه ظاهر ~~لفظه ولا يحتمل إلا وجها واحدا فليس من هذا الباب في شيء، والترجيح إنما ~~يقع بين معنيين يدل عليهما لفظ واحد. # ولا يخلو الترجيح بينهما من ثلاثة أقسام: إما أن يكون اللفظ حقيقة في ~~أحدهما مجازا في الآخر، أو حقيقة فيهما جميعا، أو مجازا فيهما جميعا، وليس ~~لنا قسم رابع، والترجيح بين الحقيقتين أو بين المجازين يحتاج إلى نظر، وأما ~~الترجيح بين # PageV01P057 # الحقيقة والمجاز، فإنه يعلم ببديهة النظر؛ لمكان الاختلاف بينهما، ~~والشيئان المختلفان يظهر الفرق بينهما، بخلاف ما يظهر بين الشيئين ~~المشتبهين. # فمثال الحقيقة والمجاز قوله تعالى: «ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم ~~يوزعون، حتى إذا ما جاوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا ~~يعملون» # فالجلود ههنا تفسر حقيقة ومجازا: أما الحقيقة فيراد بها الجلود مطلقا، ~~وأما المجاز فيراد بها الفروج خاصة، وهذا هو الجانب البلاغي الذي يرجح جانب ~~المجاز على الحقيقة؛ لما فيه من لطف الكناية عن المكنى عنه، وقد يسأل ههنا ~~في الترجيح بين الحقيقة والمجاز عن غير الجانب البلاغي، ويقال: ما بيان هذا ~~الترجيح؟ فيقال: طريقه لفظ الجلود عام فلا يخلو إما أن يراد به الجلود ~~مطلقا أو يراد به الجوارح التي هي أدوات الأعمال خاصة، ولا يجوز أن يراد به ~~الجلود على الإطلاق؛ لأن شهادة غير الجوارح التي هي الفاعلة شهادة باطلة؛ ~~إذ هي شهادة غير شاهد، والشهادة غير شاهد، والشهادة هنا يراد بها الإقرار، ~~فتقول اليد: أنا فعلت كذا وكذا، وتقول الرجل: أنا مشيت إلى كذا وكذا، وكذلك ~~الجوارح الباقية تنطق مقرة بأعمالها، فترجح بهذا أن يكون المراد به شهادة ~~الجوارح، وإذا أريد به الجوارح فلا يخلو إما أن يراد به الكل أو البعض؛ فإن ~~أريد به الكل دخل تحته السمع والبصر، ولم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة، وإن ~~أريد به البعض فهو بالفرج أخص منه بغيره من الجوارح؛ لأمرين: أحدهما: أن ~~الجوارح كلها قد ذكرت في القرآن الكريم شاهدة على صاحبها ms044 بالمعصية ما عدا ~~الفرج، فكان حمل الجلد عليه أولى؛ ليستكمل ذكر الجميع؛ الآخر: أنه ليس في ~~الجوارح ما يكره التصريح بذكره إلا الفرج، فكني عنه بالجلد؛ لأنه موضع يكره ~~التصريح فيه بالمسمى على حقيقته. # فإن قيل: إن تخصيص السمع والبصر بالذكر من باب التفصيل، كقوله تعالى: ~~«فاكهة ونخل ورمان» # والنخل والرمان من الفاكهة. # قلت في الجواب: هذا القول عليك لا لك؛ لأن النخل والرمان إنما ذكر ~~التفضيل لهما في الشكل أو في الطعم، والفضيلة ههنا في ذكر الشهادة إنما هي # PageV01P058 # تعظيم لأمر المعصية، وغير السمع والبصر أعظم في المعصية؛ لأن معصية السمع ~~إنما تكون في سماع غيبة، أو في سماع صوت مزمار أو وتر، أو ما جرى هذا ~~المجرى، ومعصية البصر إنما تكون في النظر إلى محرم، وكلتا المعصيتين لا حد ~~فيهما، وأما المعاصي التي توجد من غير السمع والبصر فأعظم؛ لأن معصية اليد ~~توجب القطع، ومعصية الفرج توجب جلد مائة أو الرجم، وهذا أعظم، فكان ينبغي ~~أن تخص بالذكر دون السمع والبصر، وإذا ثبت فساد ما ذهبت إليه فلم يكن ~~المراد بالجلود إلا الفروج خاصة. # وأما مثال المعنيين إذا كانا حقيقيين فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«التمسوا الرزق في خبايا الأرض» والخبايا: جمع خبيئة، وهو كل ما يخبأ كائنا ~~ما كان، وهذا يدل على معنيين حقيقيين: أحدهما: الكنوز المخبوأة في بطون ~~الأرض، والآخر: الحرث والغراس؛ وجانب الحرث والغراس أرجح؛ لأن مواضع الكنوز ~~لا تعلم حتى تلتمس، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بذلك؛ لأنه شيء ~~مجهول غير معلوم، فبقي المراد بخبايا الأرض ما يحرث ويغرس. # وكذلك ورد قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ابتلت النعال فالصلاة في ~~الرحال» وهذا الحديث مرخص في ترك صلاة الجماعة بسبب المطر، وله تأويلان: ~~أحدهما: أنه أراد نعال الأرض، وهو ما غلظ منها، والآخر: أنه أراد الأحذية، ~~والوجه هو الثاني؛ لظهوره في الدلالة على المعنى، وأكثر العلماء عليه، ولو ~~كان المراد به غلظ من الأرض لخرج عن هذا الحكم كل بلد تكون ms045 أرضه سهلة لا ~~غلظ فيها. # وأما مثال المعنيين المجازيين فقول أبي تمام: # قد بلونا أبا سعيد حديثا ... وبلونا أبا سعيد قديما # ووردناه ساحلا وقليبا ... ورعيناه بارضا وجميما «1» # PageV01P059 # فعلمنا أن ليس إلا بشق الن ... فس صار الكريم يدعى كريما # فالساحل والقليب يستخرج منهما تأويلان مجازيان: أحدهما: أنه أراد بهما ~~الكثير والقليل بالنسبة إلى الساحل والقليب، والآخر: أنه أراد بهما السبب ~~وغير السبب؛ فإن الساحل لا يحتاج في ورده إلى سبب، والقليب يحتاج في ورده ~~إلى سبب، وكلا هذين المعنيين مجاز؛ فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما، ~~والوجه هو الثاني؛ لأنه أدل على بلاغه القائل ومدح المقول فيه، أما بلاغة ~~القائل فالسلامة من هجنة التكرير بالمخالفة بين صدر البيت وعجزه، فإن عجزه ~~يدل على القليل والكثير، لأن البارض هو أول النبت حين يبدو، فإذا كثر ~~وتكاثف سمي جميما «1» ، فكأنه قال: أخذنا منه تبرعا ومسألة، وقليلا وكثيرا، ~~وأما مدح المقول فيه فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه وسؤاله وإكثاره ~~وإقلاله، وما في معاناة هذه الأحوال من المشاق. # فهذا ما يتعلق بالترجيح البلاغي بين الحقيقة والحقيقة، وبين المجاز ~~والمجاز، وبين الحقيقة والمجاز. # وههنا ترجيح آخر لا يتعلق بما أشرنا إليه؛ إذ هو خارج عما تقتضيه المعاني ~~الخطابية من جهة الفصاحة أو البلاغة، وذلك أن يرجح بين معنيين: أحدهما: ~~تام، والآخر: مقدر، أو يكون أحدهما: مناسبا لمعنى تقدمه أو تأخر عنه، ~~والآخر: غير مناسب، أو بأن ينظر في الترجيح بينهما إلى شيء خارج عن اللفظ؛ ~~فمثال المعنيين المشار إليهما أن المعنى التام هو الذي يدل عليه لفظه ولا ~~يتعداه، وأما المقدر فهو الذي لا يدل عليه لفظه بل يستدل عليه بقرينة أخرى، ~~وتلك القرينة قد تكون من توابعه وقد لا تكون. # PageV01P060 # فمما جاء من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «في سائمة «1» الغنم ~~زكاة» ؛ فهذا اللفظ يستخرج منه معنيان: أحدهما: تام، والآخر: مقدر، فالتام ~~دلالته على وجوب الزكاة في السائمة لا غير، والمقدر دلالته على سقوط الزكاة ~~عن المعلوفة، إلا أنه ليس مفهوما من نفس اللفظ، ms046 بل من قرينة أخرى هي ~~كالتابعة له، وهي أنه لما خصت السائمة بالذكر دون المعلوفة علم من مفهوم ~~ذلك أن المعلوفة لا زكاة فيها، وللفقهاء في ذلك مجاذبات جدلية يطول الكلام ~~فيها، وليس هذا موضعها، والذي يترجح عندي هو القول بفحوى المعنى المقدر، ~~وهو الذي يسميه الفقهاء مفهوم الخطاب. # وله في الشعر أشباه ونظائر: # فمما ورد من ذلك شعرا قول جزء بن كليب الفقعسي «2» من شعراء الحماسة، وقد ~~خطب إليه ابن كوز ابنته فرده: # تبغى ابن كوز والسفاهة كاسمها ... ليستاد منا أن سنونا لياليا «3» # فلا تطلبنها يا ابن كوز فإنه ... غذا الناس مذ قام النبي الجواريا «4» # PageV01P061 # وهذا البيت الثاني يشتمل على المعنيين التام والمقدر، أما التام فإن ابن ~~كوز سأل أبا هذه الجارية أن يزوجه إياها في سنة، والسنة: الجدب؛ فرده وقال: ~~قد غذا الناس البنات مذ قام النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أيضا أغذو هذه، ~~ولولا ذلك لوأدتها كما كانت الجاهلية تفعل، وفيه وجه آخر، وهو أنهم كانوا ~~يئدون البنات قبل الإسلام، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ~~فقوله: «غذا الناس مذ قام النبي الجواريا» أي في النساء كثرة، فتزوج بعضهن ~~وخل ابنتي، وهذان المعنيان هما اللذان دل عليهما ظاهر اللفظ، وأما المعنى ~~المقدر الذي يعلم من مفهوم الكلام، فإنه يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر بإحياء البنات، ونهى عن الوأد، ولو أنكحتكها لكنت قد وأدتها؛ إذ لا فرق ~~بين إنكاحك إياها وبين وأدها، وهذا ذم للمخاطب، وهو معنى دقيق، ومجيء ~~المعاني المستخرجة من المفهومة قليل من الشعر. # وأما ما يستدل عليه بقرينة ليست من توابعه فإن ذلك أدق من الأول، وألطف ~~مأخذا. # فمما ورد منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من جعل قاضيا بين الناس فقد ~~ذبح بغير سكين» فهذا يستخرج منه المعنيان المشار إليهما، فالتام منهما يدل ~~على أنه من جعل قاضيا فقد عرض نفسه لخطر عظيم كالذبح بغير سكين، وأما ~~المقدر فإنه يدل على أنه من جعل قاضيا ms047 فقد أمر بمفارقة هواه، وهذا لا يدل ~~عليه اللفظ بنفسه، بل يستدل عليه بقرينة أخرى، ولكنها ليست من توابعه، ووجه ~~ذلك أن لفظ الحديث عام يشتمل القضاة على الإطلاق، ولا يخلو إما أن يراد به ~~عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا، ولا يجوز أن يكون المراد به عذاب الآخرة؛ لأنه ~~ليس كل قاض معذبا في الآخرة، بل المعذب منهم قضاة السوء، فوضع بهذا أن ~~المراد بالحديث عذاب الدنيا، وعلى هذا فلا يخلو إما أن يكون العذاب صورة أو ~~معنى، ولا يجوز أن يكون صورة؛ لأنا نرى الإنسان إذا جعل قاضيا لا يذبح ولا ~~يناله شيء من ذلك، فبقي أن يكون المراد به عذابا معنويا، وهو الذبح المجازي ~~غير الحقيقي، وفحوى ذلك أن نفس الإنسان مركبة على حب هواها، فإذا جعل قاضيا ~~فقد أمر بترك ما جبل على حبه: من الامتناع عن الرشوة، والحكم لصديقه على ~~عدوه، ورفع # PageV01P062 # الحجاب بينه وبين الناس، والجلوس للحكم في أوقات راحته، وغير ذلك من ~~الأشياء المكروهة التي تشق على النفس وتجدد لها ألما مبرحا، والذبح هو قطع ~~الحلقوم، والألم حاصل به، وهو كالذبح الحقيقي، بل أشد منه؛ لأن ألم الذبح ~~الحقيقي يكون لحظة واحدة ثم ينقضي ويزول، وألم قطع النفس عن هواها يدوم ولا ~~ينقضي، وهو أشد العذاب. قال الله في عذاب أهل النار: «وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون» # وقال في نعيم أهل الجنة: «وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين» . # وكثيرا ما رأينا وسمعنا من حمله حب الشيء على إتلاف نفسه في طلبه، وركوب ~~الأهوال من أجله، فإذا امتنع عنه مع حبه إياه فقد ذبح نفسه: أي قطعها عنه ~~كما يقطع الذابح حلق الذبيحة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«انتقلنا عن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» فسمى جهاد الكفار الجهاد ~~الأصغر وجهاد النفس الجهاد الأكبر، فكما أن مجاهدة النفس عن هواها قتال ~~بغير سيف فكذلك قطعها عن هواها ذبح بغير سكين، وهذا موضع غامض، والترجيح ~~فيه مختص بالوجه الآخر؛ لاشتماله على المعنى المقصود، وهو ms048 المراد من القضاة ~~على الإطلاق. # وأما مثال المعنيين إذا كان أحدهما مناسبا لمعنى تقدمه أو لمعنى تأخر عنه ~~والآخر غير مناسب: فالأول: هو ما كان مناسبا لمعنى تقدمه كقوله تعالى: «لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا» # فالدعاء ههنا يدل على معنيين: # أحدهما: النهي أن يدعى الرسول باسمه؛ فيقال: يا محمد، كما يدعو بعضهم ~~بعضا بأسمائهم، وإنما يقال له: يا رسول الله، أو يا نبي الله؛ الآخر: النهي ~~أن يجعلوا حضورهم عنده إذا دعاهم لأمر من الأمور كحضور بعضهم عند بعض، بل ~~يتأدبون معه؛ بأن لا يفارقوا مجلسه إلا بإذنه، وهذا الوجه هو المراد؛ ~~لمناسبة معنى الآبة التي قبله وهو قوله تعالى: «إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه» # وأما الثاني: وهو ما كان مناسبا لمعنى تأخر عنه فكقوله تعالى: «والتين ~~والزيتون. وطور سينين» # فالتين والزيتون هما هذا الشجر المعروف، وهما اسما جبلين أيضا، وتأويلهما ~~بالجبلين أولى؛ # PageV01P063 # للمناسبة بينهما وبين ما أتى بعدهما من ذكر الجبل الذي هو الطور. # وعلى هذا ورد قول الشاعر في أبيات الحماسة «1» : # ولو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... علي لإنسان من الناس درهما # ولكنني مولى قضاعة كلها ... فلست أبالي أن أدين وتغرما # فإذا نظرنا إلى البيت الأول وجدناه يحتمل مدحا وذما: أي أنهم كانوا ~~يغنونه بعطائهم أن يدين، أو أنه كان يخاف الدين حذر أن لا يقوموا عنه ~~بوفائه، لكن البيت الثاني حقق أن الأول ذم وليس بمدح «2» ؛ فهذا المعنى لا ~~يتحقق فهمه إلا بآخره. # وأما الذي يكون الترجيح فيه بسبب شيء خارج عن مفهوم اللفظ فقوله تعالى: ~~«وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم» # ؛ فهذا مستنبط منه معنيان: أحدهما: أن الله يعلم السر والجهر في السموات ~~والأرض، وفي ذلك تقديم وتأخير: أي يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض؛ ~~والآخر: أنه في السموات، وأنه يعلم السر والجهر في الأرض من بني آدم؛ لأن ~~الوقف يكون على السموات ثم يستأنف الكلام، فيقول: ms049 يعلم سركم وجهركم في ~~الأرض، إلا أن هذا يمنع منه اعتقاد التجسيم، وذلك شيء خارج عن مفهوم اللفظ. # PageV01P064 ### | الفصل الخامس في جوامع الكلم # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوتيت جوامع الكلم» فالكلم: جمع كلمة، ~~والجوامع: # جمع جامعة، والجامعة: اسم فاعلة من جمعت فهي جامعة، كما يقال في المذكر: # جمع فهو جامع، والمراد بذلك أنه صلى الله عليه وسلم أوتي الكلم الجوامع ~~للمعاني، وهو عندي ينقسم قسمين: القسم الأول منهما هو ما استخرجته ونبهت ~~عليه، ولم يكن لأحد فيه قول سابق، وهو أن لنا ألفاظا تتضمن من المعنى ما لا ~~تتضمنه أخواتها مما يجوز أن يستعمل في مكانها؛ فمن ذلك ما يأتي على حكم ~~المجاز، ومنه ما يأتي على حكم الحقيقة: # أما ما يأتي على حكم المجاز فقوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين: «الآن ~~حمي الوطيس» ؛ وهذا لم يسمع من أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ~~أتينا بمجاز غير ذلك في معناه فقلنا: «استعرت الحرب» لما كان مؤديا من ~~المعنى ما يؤديه «حمي الوطيس» والفرق بينهما أن الوطيس هو التنور، وهو موطن ~~الوقود ومجتمع النار، وذلك يخيل إلى السامع أن هناك صورة شبيهة بصورته في ~~حميها وتوقدها، وهذا لا يوجد في قولنا: «استعرت الحرب» أو ما جرى مجراه. # وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت في نفس الساعة» فقوله: «نفس الساعة» ~~من العبارة العجيبة التي لا يقوم غيرها مقامها؛ لأن المراد بذلك أنه بعث ~~والساعة قريبة منه، لكن قربها منه لا يدل على ما دل عليه النفس، وذاك أن ~~النفس يدل على أن الساعة منه بحيث يحس بها كما يحس الإنسان بنفس من هو إلى ~~جانبه، وقد قال صلى الله عليه وسلم في موضع آخر: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ~~وجمع بين أصبعيه السبابة والوسطى، ولو قال بعثت على قرب من الساعة أو ~~والساعة قريبة مني لما دل ذلك على ما دل عليه نفس الساعة، وهذا لا يحتاج ~~إلى الإطالة في بيانه؛ لأنه بين واضح. # وقد ورد ms050 شيء من ذلك في أقوال الشعراء المفلقين، ولقد تصفحت الأشعار # PageV01P065 # قديمها وحديثها، وحفظت ما حفظت منها، وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من ~~الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوة كنشوة الخمر، وطربا ~~كطرب الألحان، وكثير من الناظمين والناثرين يمر على ذلك ولا يتفطن له، سوى ~~أنه يستحسنه من غير نظر فيما نظرت أنا فيه، ويظنه كغيره من الألفاظ ~~المستحسنة. # فمما جاء من ذلك قول أبي تمام «1» : # كم صارم عضب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمال «2» # سبق المشيب إليه حتى ابتزه ... وطن النهى من مفرق وقذال «3» # فقوله: «وطن النهى» من الكلمات الجامعة، وهي عبارة عن الرأس، ولا يجاء ~~بمثلها في معناها مما يسد «4» مسدها: # وكذلك ورد قول البحتري: # قلب يطل على أفكاره، ويد ... تمضي الأمور، ونفس لهوها التعب # فقوله: «قلب يطل على أفكاره» من الكلمات الجوامع، ومراده بذلك أن قلبه لا ~~تملؤه الأفكار، ولا تحيط به، وإنما هو عال عليها، يصف بذلك عدم احتفاله # PageV01P066 # بالقوادح، وقلة مبالاته بالخطوب التي تحدث أفكارا تستغرق القلوب، وهذه ~~عبارة عجيبة لا يؤمن بمثلها مما يسد مسدها. # وأما ما يأتي على حكم الحقيقة فكقول ابن الرومي: # سقى الله أوطارا لنا ومآربا ... تقطع من أقرانها ما تقطعا # ليال تنسيني الليالي حسابها ... بلهنية أقضي بها الحول أجمعا # سوى غرة لا أعرف اليوم باسمه ... وأعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا «1» # فقوله: «لا أعرف اليوم باسمه» من الكلمات الجامعة: أي أني قد شغلت ~~باللذات عن معرفة الليالي والأيام، ولو وصف اشتغاله باللذات مهما وصف لم ~~يأت بمثل قوله: «لا أعرف اليوم باسمه» . # وأما القسم الثاني من جوامع الكلم، فالمراد به الإيجاز الذي يدل به ~~بالألفاظ «2» القليلة على المعاني الكثيرة: أي أن ألفاظه صلوات الله عليه ~~جامعة للمعاني المقصودة على إيجازها واختصارها، وجل كلامه جار هذا المجرى؛ ~~فلا يحتاج إلى ضرب الأمثلة به، وسيأتي في باب الإيجاز منه ما فيه كفاية ~~ومقنع. # فإن قيل: فما الفرق بين هذين القسمين اللذين ذكرتهما؛ فإنهما في النظر ~~سواء؟. # قلت في ms051 الجواب: إن الإيجاز هو أن يؤتى بألفاظ دالة على معنى من غير أن ~~تزيد على ذلك المعنى، ولا يشترط في تلك الألفاظ أنها لا نظير لها؛ فإنها ~~تكون قد اتصفت بوصف آخر خارج عن وصف الإيجاز، وحينئذ يكون إيجازا وزيادة. ~~وأما # PageV01P067 # هذا القسم الآخر فإنه ألفاظ أفراد في حسنها لا نظير لها «1» ، فتارة تكون ~~موجزة، وتارة لا تكون موجزة، وليس الغرض منها الإيجاز، وإنما الغرض مكانها ~~من الحسن الذي لا نظير لها فيه، ألا ترى إلى قول أبي تمام «وطن النهي» فإن ~~ذلك عبارة عن الرأس، ولا شك أن الرأس أوجز؛ لأن الرأس لفظة واحدة، و «وطن ~~النهي» لفظتان، إلا أن «وطن النهي» أحسن في التعبير عن الرأس من الرأس، ~~فبان بهذا أن أحد هذين القسمين غير الآخر. # PageV01P068 ### | الفصل السادس في الحكمة التي هي ضالة المؤمن # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحكمة «1» ضالة المؤمن فهو أحق بها إذا ~~وجدها» ؛ والمراد بذلك أن الحكمة قد يستفيدها أهلها من غير أهلها، كما ~~يقال: رب رمية من غير رام، وهذا لا يخص علما واحدا من العلوم، بل يقع في كل ~~علم، والمطلوب منه ههنا هو ما يخص علم البيان من الفصاحة والبلاغة، دون ~~غيره، ومذ سمعت هذا الخبر النبوي جعلت كدي في تتبع أقوال الناس في ~~مفاوضاتهم ومحاوراتهم، فإنه قد تصدر الأقوال البليغة والحكم والأمثال ممن ~~لا يعلم مقدار ما يقوله، فاستفدت بذلك فوائد كثيرة لا أحصرها عددا، وأنا ~~أذكر منها طرفا يستدل به على أشباهه ونظائره. # فمن ذلك أني سرت في بعض الطرق وفي صحبتي رجل بدوي من الأنباط لا يعتد ~~بقوله، فكان يقول: غدا ندخل البلد وتشتغل عني، وكان الأمر كما قال، فدخلت ~~مدينة حلب وشغلت عنه أياما، ثم لقيني فقال لي: من تروى فترت عظامه، وهذا ~~القول من الأقوال البليغة، وهي من الحكمة التي هي الضالة المطلوبة عند ~~مؤمني الفصاحة والبلاغة. # ثم إني سمعت منه بعد ذلك شيئا يناسب قوله الأول، فإني سفرت له إلى صاحب ~~في حلب في ms052 شيء أخذته منه، فاستقله، وقال: الماء أروى لشدوق النيب «2» وهذا ~~أيضا من الحكمة في بابها. # وسافرت مرة أخرى على طريق المناظر، وكان في صحبتي رجل بدوي، # PageV01P069 # فسألته عن مسافة ما بين تدمر وأراك، فقال: إذا خرج سرحاهما تلاقيا «1» ، ~~فعبر عن قرب المسافة بينهما بأوجز عبارة وأبلغها. # ثم سألته ليلة من الليالي عن الصبح لنرتحل من موضعنا، فقال: قد ظهر الصبح ~~إلا أنه لم يملك الإنسان بصره، وهذا القول من الحكمة أيضا. # وكان تزوج غلام من غلماني بدمشق، فوقعت المرأة منه بموقع، وشغف بها، ثم ~~إني سافرت عن دمشق لمهم عرض لي، وسافر ذلك الغلام في صحبتي، فلما عدنا من ~~السفر شغل بامرأته والمقام عندها، فسألته عن حاله، فقال: إنها قد طالت ~~وحسنت، وهي كذا وكذا، وأخذ يصفها؛ فقال أخ له كان حاضرا: يا مولاي، هي تلك ~~لم تزد شيئا، وإنما هي في عينه جبار من الجبابرة «2» ، وهذا القول قد ورد ~~في بعض أبيات الحماسة، وهو معدود من أبيات المعاني: # أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها # فكثيرا ما يصدر مثل هذه الأقوال عن ألسنة الجهال. # وسمعت ما يجري هذا المجرى من بعض العبيد الأحابيش الذين لا يستطيعون ~~تقويم صيغ الألفاظ، فضلا عما وراء ذلك، وذاك أنه رأى صبيا في يده طاقة ~~ريحان، فقال: هذه طاقة آس تحمل طاقة ريحان، فلما سمعت ذلك منه أخذتني هزة ~~التعجب، وذكرت شعر أبي نواس الذي تواصفه الناس في هذا المعنى، وهو قوله: # ووردة جاء بها شادن ... في كفه اليمنى فحيانا # سبحت ربي حين أبصرتها ... ريحانة تحمل ريحانا # وحضر عندي في بعض الأيام رجل نصراني موسوم بالطب، وكان لا يحسن # PageV01P070 # أن يقول كلمة واحدة، وهو أقلف اللسان «1» ، يسيء العبارة، فسألته عن ~~زيارة شخص وهل يتردد إليه أم لا، فقال: ظلام الليل يهديني إلى باب من أوده، ~~وضوء النهار يضل بي عن باب من لا أوده، وهذا من ألطف المعاني وأحسنها، وهو ~~من الحكمة المطلوبة. # وكنت قصدت زيارة بعض الإخوان من الأجناد وهو ms053 من الأغتام «2» الأعجام، ~~فسألته عن حاله، وكان توالت عليه نكبات طالت أيامها، وعظمت آلامها، فقال لي ~~في الجواب ما معناه: إنه لم يبق عندي ارتياع لوقوع نائبة من النوائب؛ وهذا ~~معنى لو أتى به شاعر مفلق، أو كاتب بليغ؛ لاستحسن منه غاية الاستحسان. # وكنت في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بأرض فلسطين في الجيش الذي كان قبالة ~~العدو الكافر من الفرنج لعنهم الله، وتقابل الفريقان على مدينة يافا، وكان ~~إلى جانبي ثلاثة فرسان من المسلمين، فتعاقدوا على الحملة إلى نحو العدو، ~~فلما حملوا صدق منهم اثنان وتلكأ واحد، فقيل له في ذلك، فقال: الموت طعام ~~لا تجشه المعدة «3» فلما سمعت هذه الكلمة استحسنتها، وإذا هي صادرة عن رجل ~~من أهل بصرى فدم من الأفدام «4» . # ولو أخذت في ذكر ما سمعته من هذا لأطلت، وإنما دللت بيسير ما ذكرته على ~~المراد، وهو أنه يجب على المتصدي للشعر والخطابة أن يتتبع أقوال الناس # PageV01P071 # في محاوراتهم؛ فإنه لا يعدم مما يسمعه منهم حكما كثيرة، ولو أراد استخراج ~~ذلك بفكره لأعجزه. # ويحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي أولها: # على مثلها من أربع وملاعب «1» # انتهى منها إلى قوله: # يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلة خائب # ثم قال: # وأحسن من نور يفتحه الصبا # ووقف عند صدر هذا البيت يردده، وإذا سائل يسأل على الباب، وهو يقول: # من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا، فقال أبو تمام: # بياض العطايا في سواد المطالب # فأتم صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل. # وسمعت امرأة قد توفي لها ولد، وهو بكرها الذي هو أول أولادها، فقالت: # كيف لا أحزن لذهابه وهو أول درهم وقع في الكيس، فأخذت أنا هذا المعنى ~~وأودعته كتابا من كتبي في التعازي، وهو كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وقد ~~توفي بكره من الأولاد؛ فقلت: وهو أول درهم ادخرته في كيس الادخار، وأعددته ~~لحوادث الليل والنهار. # PageV01P072 # وبلغني عن الشيخ أبي محمد بن أحمد المعروف «1» بابن الخشاب البغدادي، ~~وكان إماما في علم ms054 العربية وغيره؛ فقيل: إنه كان كثيرا ما يقف على حلق ~~القصاص والمشعبذين، فإذا أتاه طلبة العلم لا يجدونه في أكثر أوقاته إلا ~~هناك، فليم على ذلك، وقيل له: أنت إمام الناس في العلم، وما الذي يبعثك على ~~الوقوف بهذه المواقف الرذيلة؛ فقال: لو علمتم ما أعلم لما لمتم، ولطالما ~~استفدت من هؤلاء الجهال فوائد كثيرة [فإنه] «2» تجري في ضمن هذيانهم معان ~~غريبة لطيفة، ولو أردت أنا وغيري أن نأتي بمثلها لما استطعنا ذلك، ولا شك ~~أن هذا الرجل رأى ما رأيته، ونظر إلى ما نظرت إليه. # PageV01P073 ### | الفصل السابع في الحقيقة والمجاز # وهذا الفصل مهم كبير من مهمات علم البيان، لا، بل هو علم البيان بأجمعه؛ ~~فإن في تصريف العبارات على الأسلوب المجازي فوائد كثيرة، وسيرد بيانها في ~~مواضعها من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى، وقد نبهنا في هذا الموضع على ~~جملتها دون تفصيلها. # فأما الحقيقة فهي: اللفظ الدال على موضوعه الأصلي. # وأما المجاز فهو ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة، وهو ~~مأخوذ من جاز من هذا الموضع إلى هذا الموضع؛ إذا تخطاه إليه؛ فالمجاز إذا ~~اسم للمكان الذي يجاز فيه كالمعاج والمزار وأشباههما، وحقيقته هي الانتقال ~~من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل، كقولنا: زيد أسد؛ ~~فإن زيدا إنسان، والأسد هو هذا الحيوان المعروف، وقد جزنا من الإنسانية إلى ~~الأسدية: أي عبرنا من هذه إلى هذه لوصلة بينهما، وتلك الوصلة هي صفة ~~الشجاعة، وقد يكون العبور لغير وصلة، وذلك هو الاتساع، كقولهم في كتاب ~~كليلة ودمنة: قال الأسد، وقال الثعلب؛ فإن القول لا وصلة بينه وبين هذين ~~بحال من الأحوال، وإنما أجرى عليهما اتساعا محضا لا غير، ولهذا مثال في ~~المجاز الحقيقي الذي هو المكان المجاز فيه، فإنه لا يخلو إما أن يجاز من ~~سهل إلى سهل، أو من وعر إلى وعر، أو من سهل إلى وعر؛ فالجواز من سهل إلى ~~سهل أو من وعر إلى وعر هو كقولنا: زيد ms055 أسد؛ فالمشابهة الحاصلة «1» في ذات ~~بينهما كالمشابهة الحاصلة في المكان، والجواز من سهل إلى وعر كقولهم: قال ~~الأسد، وقال # PageV01P074 # الثعلب، فكما أنه لا مشابهة بين القول وبين هذين، فكذلك لا مشابهة بين ~~السهل والوعر، وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك وإشباع القول في تحقيقه في باب ~~الاستعارة، فليؤخذ من هناك. # وقد ذهب قوم إلى أن الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه، وذهب آخرون إلى أنه ~~كله مجاز لا حقيقة فيه، وكلا هذين المذهبين فاسد عندي. # وسأجيب الخصم عما ادعاه فيهما، فأقول: # محل النزاع هو أن اللغة كلها حقيقة أو أنها كلها مجاز، ولا فرق عندي بين ~~قولك إنها كلها حقيقة أو إنها كلها مجاز، فإن كلا الطرفين عندي سواء؛ لأن ~~منكرهما غير مسلم لهما، وأنا بصدد أن أبين أن في اللغة حقيقة ومجازا، ~~والحقيقة اللغوية هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني، وليست بالحقيقة ~~التي هي ذات الشيء أي نفسه وعينه؛ فالحقيقة اللفظية إذا هي دلالة اللفظ على ~~المعنى الموضوع له في أصل اللغة، والمجاز هو نقل المعنى عن اللفظ الموضوع ~~له إلى لفظ آخر غيره. # وتقرير ذلك بأن أقول: # المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدل بها عليها؛ ليعرف كل منها باسمه، ~~من أجل التفاهم بين الناس، وهذا يقع ضرورة لا بد منها؛ فالاسم الموضوع ~~بإزاء المسمى هو حقيقة له، فإذا نقل إلى غيره صار مجازا، ومثال ذلك: أنا ~~إذا قلنا شمس أردنا به هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء، وهذا الاسم له ~~حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه، وكذلك إذا قلنا بحر أردنا به هذا الماء العظيم ~~المجتمع الذي طعمه ملح، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه، فإذا نقلنا ~~الشمس إلى الوجه المليح استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة، وكذلك إذا ~~نقلنا البحر إلى الرجل الجواد استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة. # فإن قيل: إن الوجه المليح يقال له شمس، وهو حقيقة فيه، وكذلك البحر يقال ~~للرجل الجواد، وهو حقيقة فيه. # PageV01P075 # فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: نظري، والآخر: وضعي. ms056 # أما النظري: فهو أن الألفاظ إنما جعلت أدلة على إفهام المعاني» ولو كان ~~ما ذهبت إليه صحيحا لكان البحر يطلق على هذا الماء العظيم الملح، وعلى ~~الرجل الجواد، بالاشتراك، وكذلك الشمس أيضا؛ فإنها كانت تطلق على هذا ~~الكوكب العظيم الكثير الضوء، وعلى الوجه المليح، بالاشتراك، وحينئذ فإذا ~~ورد أحد هذين اللفظين مطلقا بغير قرينة تخصصه فلا يفهم المراد به ما هو من ~~أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ فإنا ~~إذا قلنا شمس أو بحر وأطلقنا القول لا يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد، ~~وإنما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم، لا غير، فبطل إذا ~~ما ذهبت إليه بما بيناه وأوضحناه. # فإن قلت: إن العرف يخالف ما ذهبت إليه؛ فإن من الألفاظ ما إذا أطلق لم ~~يذهب الفهم منه إلا إلى المجاز دون الحقيقة، كقولهم الغائط، فإن العرب خصص ~~ذلك بقضاء الحاجة دون غيره من المطمئن من الأرض. # قلت في الجواب: هذا شيء ذهب إليه الفقهاء، وليس الأمر كما ذهبوا إليه؛ ~~لأنه إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامة الناس من إسكاف وحداد ونجار وخباز ~~ومن جرى مجراهم فهؤلاء لا يفهمون من الغائط إلا قضاء الحاجة؛ لأنهم لم ~~يعلموا أصل وضع هذه الكلمة وأنها مطمئن من الأرض، وأما خاصة الناس الذين ~~يعلمون أصل الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلى الحقيقة لا غير، ألا ~~ترى أن هذه اللفظة لما وردت في القرآن الكريم وأريد بها قضاء الحاجة قرنت ~~بألفاظ تدل على ذلك، كقوله تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط* # فإن قوله: أو جاء أحد منكم من الغائط* # دليل على أنه أراد قضاء الحاجة دون المطمئن من الأرض، فالكلام في هذا ~~وأمثاله إنما هو مع علم أصل الوضع حقيقة والنقل عنه مجازا، وأما الجهال فلا ~~اعتبار بهم، ولا اعتداد بأقوالهم. # والعجب عندي من الفقهاء الذين دونوا ذلك على ما دونوه، وذهبوا إلى ما ~~ذهبوا إليه. # PageV01P076 # وأما الوجه الوضعي: فهو أن المرجع في ms057 هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة ~~التي هي وضع الأسماء على المسميات، ولم يوجد فيها أن الوجه المليح يسمى ~~شمسا، ولا أن الرجل الجواد يسمى بحرا، وإنما أهل الخطابة والشعر توسعوا في ~~الأساليب المعنوية، فنقلوا الحقيقة إلى المجاز، ولم يكن ذلك من واضع اللغة ~~في أصل الوضع، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية. # هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئا لم يكن قبله؛ فمن ذلك أنه أول من عبر عن ~~الفرس بقوله: «قيد الأوابد» «1» ولم يسمع ذلك لأحد من قبله. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم حنين: «الآن حمي ~~الوطيس» وأراد بذلك شدة الحرب؛ فإن الوطيس في أصل الوضع هو التنور، فنقل ~~إلى الحرب استعارة، ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وواضع اللغة ما ذكر شيئا من ذلك؛ فعلمنا حينئذ أن من اللغة حقيقة بوضعه، ~~ومجازا بتوسعات أهل الخطابة والشعر. # وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم تكن من ~~قبل، ولو كان هذا موقوفا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده، ولا ~~زيد فيه، ولا نقص منه. # وأما الفرق بينه وبين الحقيقة فهو أن الحقيقة جارية على العموم في نظائر؛ ~~ألا ترى أنا إذا قلنا: «فلان عالم» صدق على كل ذي علم، بخلاف وسئل القرية # لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد أهل القرية، # PageV01P077 # لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال: واسأل الحجر والتراب، وقد ~~يحسن أن يقال: واسأل الربع والطلل «1» . # واعلم أن كل مجاز فله حقيقة؛ لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلا ~~لنقله عن حقيقة موضوعة له؛ إذ المجاز هو اسم للموضع الذي ينتقل فيه من مكان ~~إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها. # وإذا كان كل مجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية فكذلك ~~ليس من ضرورة كل حقيقة ms058 أن يكون لها مجاز، فإن من الأسماء ما لا مجاز له، ~~كأسماء الأعلام؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات. # وكذلك فاعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة ~~والبلاغة؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه حيث ~~هو فرع عليها، وليس الأمر كذلك؛ لأنه قد ثبت وتحقق أن فائدة الكلام الخطابي ~~هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر ~~إليه عيانا، ألا ترى أن حقيقة قولنا: «زيد أسد» هي قولنا: «زيد شجاع» لكن ~~فرق بين القولين في التصوير والتخييل وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع؛ ~~لأن قولنا: # PageV01P078 # «زيد شجاع» لا يتخيل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام، فإذا قلنا: «زيد ~~أسد» يخيل عند ذلك صورة الأسد وهيئته وما عنده من البطش والقوة، ودق ~~الفرائس، وهذا لا نزاع فيه. # وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض ~~الأحوال؛ حتى إنها ليسمح بها البخيل، ويشجع بها الجبان، ويحكم بها الطائش ~~المتسرع، ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ~~ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال أو ترك عقوبة أو إقدام على ~~أمر مهول، وهذا هو فحوى السحر الحلال، المستغني عن إلقاء العصا والحبال. # واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يحمل معناه على طريق الحقيقة وعلى ~~طريق المجاز باختلاف لفظه؛ فانظر: فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق ~~المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلا على طريق الحقيقة؛ لأنها هي الأصل والمجاز هو ~~الفرع، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلا لفائدة. # مثال ذلك قول البحتري: # مهيب كحد السيف لو ضربت به ... ذرى أجإ ظلت وأعلامها وهد «1» # ويروى أيضا: «لو ضربت به طلى أجإ» جمع طلية، وهي العنق، فهذا البيت لا ~~يجوز حمله على المجاز؛ لأن الحقيقة أولى به، ألا ترى أن الذرى جمع ذروة، ~~وهو أعلى الشيء، يقال: ذروة الجبل، ms059 أعلاه، والطلى: جمع طلية، وهي العنق، ~~والعنق: أعلى الجسد، ولا فرق بينهما في صفة العلو هنا، فلا يعدل إذا إلى ~~المجاز؛ إذ لا مزية له على الحقيقة. # وهكذا كل ما يجيء من الكلام الجاري هذا المجرى؛ فإنه إن لم يكن في المجاز ~~زيادة فائدة على الحقيقة لا يعدل إليه. # PageV01P079 ### | الفصل الثامن في الفصاحة والبلاغة # اعلم أن هذا باب متعذر على الوالج، ومسلك متوعر على الناهج، ولم يزل ~~العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه والبحث عنه، ولم أجد من ذلك ~~ما يعول عليه إلا القليل. # وغاية ما يقال في هذا الباب: إن الفصاحة هي الظهور والبيان في أصل الوضع ~~اللغوي، يقال: أفصح الصبح، إذا ظهر، ثم إنهم يقفون عند ذلك، ولا يكشفون عن ~~السر فيه. # وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة؛ لأنه يعترض عليه بوجوه من ~~الاعتراضات: # أحدها: أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بينا لم يكن فصيحا، ثم إذا ظهر وتبين ~~صار فصيحا. # الوجه الآخر: أنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين فقد صار ذلك ~~بالنسب والإضافات إلى الأشخاص؛ فإن اللفظ قد يكون ظاهرا لزيد، ولا يكون ~~ظاهرا لعمرو، فهو إذا فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا، وليس كذلك، بل ~~الفصيح هو فصيح عند الجميع، لا خلاف فيه بحال من الأحوال؛ لأنه إذا تحقق حد ~~الفصاحة وعرف ما هي لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف. # الوجه الآخر: أنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع، وهو مع ذلك ظاهر ~~بين، ينبغي أن يكون فصيحا، وليس كذلك؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ، لا وصف ~~قبح. # فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل: «إن اللفظ الفصيح هو ~~الظاهر البين» من غير تفصيل. # PageV01P080 # ولما وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة فيها، ولم يثبت ~~عندي منها ما أعول عليه، ولكثرة ملابستي هذا الفن ومعاركتي إياه انكشف لي ~~السر فيه، وسأوضحه في كتابي هذا، وأحقق القول فيه؛ فأقول: إن الكلام الفصيح ~~هو الظاهر البين، وأعني بالظاهر ms060 البين أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في ~~فهمها إلى استخراج من كتاب لغة، وإنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة ~~الاستعمال بين أرباب النظم والنثر دائرة في كلامهم، وإنما كانت مألوفة ~~الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها، وذلك أن ~~أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها، وسبروا وقسموا، فاختاروا ~~الحسن من الألفاظ فاستعملوه، ونفووا القبيح منها فلم يستعملوه، فحسن ~~الألفاظ «1» سبب استعمالها دون غيرها، واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها ~~وبيانها؛ فالفصيح إذا من الألفاظ هو الحسن. # فإن قيل: من أي وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى ~~استعملوه، وعلموا القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه؟. # قلت في الجواب: إن هذا من الأمور المحسوسة التي شاهدها من نفسها؛ لأن ~~الألفاظ داخلة في حيز الأصوات؛ فالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو ~~الحسن، والذي يكرهه وينفر عنه هو القبيح؛ ألا ترى أن السمع يستلذ صوت ~~البلبل من الطير وصوت الشحرور، ويميل إليهما، ويكره صوت الغراب، وينفر عنه، ~~وكذلك يكره نهيق الحمار، ولا يجد ذلك في صهيل الفرس، والألفاظ جارية هذا ~~المجرى؛ فإنه لا خلاف في أن لفظة المزنة والديمة حسنة يستلذها السمع، وأن ~~لفظة البعاق «2» قبيحة يكرهها السمع، وهذه اللفظات الثلاثة من صفة المطر، ~~وهي تدل على معنى واحد، ومع هذا فإنك ترى لفظتي المزنة والديمة وما جرى ~~مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكا لا ~~يستعمل؛ وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير ذوق ~~سليم، لا جرم # PageV01P081 # أنه ذم وقدح فيه، ولم يلتفت إليه، وإن كان عربيا محضا من الجاهلية ~~الأقدمين؛ فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها، ولم يعرج على ما خرج ~~عنها. # وإذن ثبت أن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، وإنما كان ظاهرا بينا ~~لأنه مألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه، وحسنه مدرك ~~بالسمع، والذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ؛ لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف، ~~فما استلذه السمع منه فهو ms061 الحسن، وما كرهه فهو القبيح، والحسن هو الموصوف ~~بالفصاحة، والقبيح غير موصوف بفصاحة؛ لأنه ضدها لمكان قبحه، وقد مثلت ذلك ~~في المثال المتقدم بلفظة المزنة والديمة ولفظة البعاق، ولو كانت الفصاحة ~~لأمر يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة عليه سواء: ليس منها ~~حسن ومنها قبيح، ولما لم يكن كذلك علمنا أنها تخص اللفظ دون المعنى. # وليس لقائل ههنا أن يقول: لا لفظ إلا بمعنى، فكيف فصلت أنت بين اللفظ ~~والمعنى؟ فإن لم أفصل بينهما، وإنما خصصت اللفظ بصفة هي له، والمعنى يجيء ~~فيه ضمنا وتبعا. # الوجه الثاني: أن وزن فعيل هو اسم فاعل من فعل- بفتح الفاء وضم العين- ~~نحو كرم فهو كريم، وشرف فهو شريف، ولطف فهو لطيف، وهذا مطرد في بابه، وعلى ~~هذا فإن اللفظ الفصيح هو اسم فاعل من فصح فهو فصيح، واللفظ هو الفاعل ~~للإبانة عن المعنى، فكانت الفصاحة مختصة به. # فإن قيل: إنك قلت: «إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، أي المفهوم» ، ~~ونرى من آيات القرآن ما لا يفهم ما تضمنه من المعنى إلا باستنباط وتفسير، ~~وتلك الآيات فصيحة لا محالة، وهذا بخلاف ما ذكرته. # قلت: لأن الآيات التي تستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلا ومفردات ~~ألفاظه كلها ظاهرة واضحة؛ وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من جهة ~~التركيب، لا من جهة ألفاظه المفردة، لأن معنى المفردة يتداخل بالتركيب، ~~ويصير له هيئة تخصه، وهذا ليس قدحا في فصاحة تلك الألفاظ؛ لأنها إذا اعتبرت ~~لفظة لفظة وجدت كلها فصيحة: أي ظاهرة واضحة. # PageV01P082 # وأعجب ما في ذلك أن تكون الألفاظ المفردة التي تركبت منها المركبة واضحة ~~كلها، وإذا نظر إليها مع التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير، وهذا لا يختص ~~به القرآن وحده، بل في الأخبار النبوية والأشعار والخطب والمكاتبات كثير من ~~ذلك. # وسأورد ههنا منه شيئا؛ فأقول: قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون» وهذا ~~الكلام مفهومة مفردات ألفاظه، لأن الصوم والفطر ms062 والأضحى مفهوم كله، وإذا ~~سمع هذا الخبر من غير فكرة قيل: علمنا أن صومنا يوم نصوم، وفطرنا يوم نفطر، ~~وأضحانا يوم نضحي، فما الذي أعلمنا به مما لم نعلمه؟ وإذا أمعن الناظر نظره ~~فيه علم أن معناه يحتاج إلى استنباط، والمراد به أن إذا اجتمع الناس على أن ~~أول شهر رمضان يوم كذا، ولم يكن ذلك اليوم أوله، فإن الصوم صحيح، وأوله هو ~~ذلك اليوم الذي اجتمع الناس إليه، وكذا يقال في يوم الفطر، ويوم الأضحى. # ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة تفهم معاني ألفاظها المفردة، وإذا ~~تركبت تحتاج في فهمها إلى استنباط. # وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول أبي تمام: # ولهت فأظلم كل شيء دونها ... وأضاء منها كل شيء مظلم «1» # فإن الوله والظلمة والإضاءة كل ذلك مفهوم المعنى، لكن البيت بجملته يحتاج ~~في فهمه إلى استنباط، والمراد به أنها ولهت فأظلم ما بيني وبينها، لما ~~نالني من الجزع لولهها؛ كما يقول الجازع: أظلمت الأرض علي: أي أني صرت ~~كالأعمى الذي لا يبصر، وأما قوله: «وأضاء منها كل شيء مظلم» أي وضح لي منها ~~ما كان مستترا عني من حبها إياي. # PageV01P083 # وكذلك ورد قول أبي عبادة البحتري في منهزم: # إذا سار سهبا عاد ظهرا عدوه ... وكان الصديق بكرة ذلك السهب «1» # فإن السير والسهب والظهر والعدو والصديق كل ذلك مفهوم المعنى، لكن البيت ~~بمجموعه يحتاج معناه إلى استنباط، والمراد أن هذا المنهزم يرى ما بين يديه ~~محبوبا إليه، وما خلفه مكروها عنده؛ لأنه يطلب النجاة فيؤثر البعد مما خلفه ~~والقرب مما أمامه، فإذا قطع سهبا وخلفه وراءه صار عنده كالعدو، وقبل أن ~~يقطعه كان له صديقا: أي يطلب لقاءه ويحب الدنو منه. # فانظر أيها المتأمل إلى ما ذكرته من هذه الأمثلة حتى يثبت عندك ما أردت ~~بيانه. # وأما البلاغة فإن أصلها في وضع اللغة من الوصول والانتهاء، يقال: بلغت ~~المكان، إذا انتهيت إليه، ومبلغ الشيء: منتهاه، وسمي الكلام بليغا من ذلك؛ ~~أي أنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية. # والبلاغة شاملة ms063 للألفاظ والمعاني، وهي أخص من الفصاحة، كالإنسان من ~~الحيوان، فكل إنسان حيوان، وليس كل حيوان إنسانا، وكذلك يقال: كل كلام بليغ ~~فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغا. # ويفرق بينها وبين الفصاحة من وجه آخر غير الخاص والعام، وهو أنها لا تكون # PageV01P084 # إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب؛ فإن اللفظة الواحدة لا يطلق عليها ~~اسم البلاغة، ويطلق عليها اسم الفصاحة؛ إذ يوجد فيها الوصف المختص ~~بالفصاحة، وهو الحسن. وأما وصف البلاغة فلا يوجد فيها؛ لخلوها من المعنى ~~المفيد الذي ينتظم كلاما. # مسألة تتعلق بهذا الفصل: # هل أخذ علم البيان من ضروب الفصاحة والبلاغة بالاستقراء من أشعار العرب ~~أم بالنظر وقضية العقل؟. # الجواب عن ذلك أنا نقول؛ لم يؤخذ علم البيان بالاستقراء، فإن العرب الذين ~~ألفوا الشعر والخطب لا يخلو أمرهم من حالين: إما أنهم ابتدعوا ما أتوا به ~~من ضروب الفصاحة والبلاغة بالنظر وقضية العقل، أو أخذوه بالاستقراء ممن كان ~~قبلهم. # فإن كانوا ابتدعوه عند وقوفهم على أسرار اللغة، ومعرفة جيدها من رديئها، ~~وحسنها من قبيحها، فذلك هو الذي أذهب إليه. # وإن كانوا أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم، فهذا يتسلسل إلى أول من ~~ابتدعه ولم يستقره، فإن كل لغة من اللغات لا تخلو من وصفي الفصاحة والبلاغة ~~المختصين بالألفاظ والمعاني، إلا أن للغة العربية مزية على غيرها؛ لما فيها ~~من التوسعات التي لا توجد في لغة أخرى سواها. # مسألة أخرى تتعلق بهذا الفصل أيضا: # هل علم البيان من الفصاحة والبلاغة جار مجرى علم النحو أم لا؟. # الجواب عن ذلك أنا نقول: الفرق بينهما ظاهر، وذاك أن أقسام النحو أخذت من ~~واضعها بالتقليد، حتى لو عكس القضية فيها لجاز له ذلك، ولما كان العقل ~~يأباه ولا ينكره؛ فإنه لو جعل الفاعل منصوبا والمفعول مرفوعا قلد في ذلك ~~كما قلد في رفع الفاعل ونصب المفعول؛ وأما علم البيان من الفصاحة والبلاغة ~~فليس كذلك؛ لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل، من غير واضح اللغة، ولم يفتقر ~~فيه إلى التوقيف # PageV01P085 # منه، بل أخذت ألفاظ ومعان على ms064 هيئة مخصوصة، وحكم لها العقل بمزية من ~~الحسن لا يشاركها فيها غيرها، فإن كل عارف بأسرار الكلام من أي لغة كانت من ~~اللغات يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة يلذها السمع ولا ينبو ~~عنها الطبع، خير من إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع، ولو ~~أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه. # فإن قيل: لو أخذت أقسام النحو بالتقليد من واضعها لما أقيمت الأدلة عليها ~~وعلم بقضية النظر أن الفاعل يكون مرفوعا والمفعول منصوبا؟. # فالجواب عن ذلك أنا نقول: هذه الأدلة واهية «1» لا تثبت على محك الجدل؛ ~~فإن هؤلاء الذين تصدوا لإقامتها سمعوا عن واضع اللغة رفع الفاعل ونصب ~~المفعول من غير دليل أبداه لهم، فاستخرجوا لذلك أدلة وعللا، وإلا فمن أين ~~علم هؤلاء أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي التي ~~ذكروها. # PageV01P086 ### | الفصل التاسع في أركان الكتابة # اعلم أن للكتابة شرائط وأركانا: # أما شرائطها فكثيرة، وهذا التأليف موضوع لمجموعها، وللقسم الآخر من ~~الكلام المنظوم، وليس يلزم الكاتب أن يأتي بالجميع في كتاب واحد، بل يأتي ~~بكل نوع من أنواعها في موضعه الذي يليق به، كما أريناه فيما يأتي من هذا ~~التأليف. # وأما الأركان التي لا بد من إيداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فخمسة: # الأول: أن يكون مطلع الكتاب عليه جدة ورشاقة؛ فإن الكاتب من أجاد المطلع ~~والمقطع، أو يكون مبنيا على مقصد الكتاب، ولهذا باب يسمى باب المبادي ~~والافتتاحات فليحذ حذوه، وهذا الركن يشترك فيه الكاتب والشاعر. # الركن الثاني: أن يكون الدعاء المودع في صدر الكتاب مشتقا من المعنى الذي ~~بني عليه الكتاب. # وقد نبهنا على طرف من ذلك في باب يخصه أيضا، فليطلب من هناك، وهو مما يدل ~~على حذاقة الكاتب وفطانته، وكثيرا ما تجده في مكاتباتي التي أنشأتها؛ فإني ~~قصدته فيها وتوخيته، بخلاف غيري من الكتاب؛ لأنه ربما يوجد في كتابة غيري ~~قليلا، وتجده في كتابتي كثيرا. # الركن الثالث: أن يكون خروج الكاتب من معنى إلى معنى برابطة؛ ms065 لتكون رقاب ~~المعاني آخذة بعضها ببعض، ولا تكون مقتضبة، ولذلك باب مفرد أيضا يسمى باب ~~التخلص والاقتضاب، وهذا الركن أيضا يشترك فيه الكاتب والشاعر. # الركن الرابع: أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال، ولا # PageV01P087 # أريد بذلك أن تكون ألفاظا غريبة؛ فإن ذلك عيب فاحش، بل أريد أن تكون ~~الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكا غريبا، يظن السامع أنها غير ما في أيدي ~~الناس، وهي مما في أيدي الناس، وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيه الخواطر ~~براعتها، والأقلام شجاعتها، كما قال البحتري: # باللفظ يقرب فهمه في بعده ... عنا ويبعد نيله في قربه «1» # وهذا الموضع بعيد المنال، كثير الإشكال، يحتاج إلى لطف ذوق وشهامة خاطر، ~~وهو شبيه بالشيء الذي يقال: إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم، فلفظه هو ~~الذي يستعمل، وليس بالذي يستعمل: أي أن مفردات ألفاظه هي المستعملة ~~المألوفة، ولكن سبكه وتركيبه هو الغريب العجيب. # وإذا سموت أيها الكاتب إلى هذه الدرجة، واستطعمت طعم هذا الكلام المشار ~~إليه؛ علمت حينئذ أنه كالروح الساكنة في بدنك التي قال الله فيها: قل الروح ~~من أمر ربي # وليس كل خاطر براق إلى هذه الدرجة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم. # ومع هذا فلا تظن أيها الناظر في كتابي أني أردت بهذا القول إهمال جانب ~~المعاني، بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة ولا تكون تحته من ~~المعنى ما يماثله ويساويه، فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في ~~حسنها إلا أن صاحبها بليد أبله، والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها ~~جسما لمعنى شريف، على أن تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه ~~أيسر من تحصيل الألفاظ المشار إليها. # ويحكى عن المبرد رحمه الله تعالى أنه قال: ليس أحد في زماني إلا وهو ~~يسألني عن مشكل من معاني القرآن، أو مشكل من معاني الحديث النبوي، أو غير # PageV01P088 # ذلك من مشكلات علم العربية، فأنا إمام الناس في زماني هذا، وإذا عرضت لي ~~حاجة إلى بعض إخواني وأردت أن أكتب ms066 إليه شيئا في أمرها أحجم عن ذلك؛ لأني ~~أرتب المعنى ثم أحاول أن أصوغه بألفاظ مرضية فلا أستطيع ذلك. # ولقد صدق في قوله هذا، وأنصف غاية الإنصاف. # ولقد رأيت كثيرا من الجهال الذين هم من السوقة أرباب الحرف والصنائع، وما ~~منهم إلا من يقع له المعنى الشريف، ويظهر من خاطره المعنى الدقيق، ولكنه لا ~~يحسن أن يزاوج بين لفظتين. # فالعبارة عن المعاني هي التي تخلب بها العقول، وعلى هذا فالناس كلهم ~~مشتركون في استخراج المعاني؛ فإنه لا يمنع الجاهل الذي لا يعرف علما من ~~العلوم أن يكون ذكيا بالفطرة، واستخراج المعاني إنما هو بالذكاء لا بتعلم ~~العلم. # وبلغني أن قوما ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على ~~الحارات، وينادون بالسحور، ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر وإن ~~لم يكن من بحار الشعر المنقولة عن العرب، وسمعت شيئا منه فوجدت فيه معاني ~~حسنة مليحة، ومعاني غريبة، وإن لم تكن الألفاظ التي صيغت به فصيحة «1» . # وهذا الركن أيضا يشترك فيه الكاتب والشاعر. # الركن الخامس: أن لا يخلو الكتاب من معنى من معاني القرآن الكريم ~~والأخبار النبوية؛ فإنها معدن الفصاحة والبلاغة، وإيراد ذلك على الوجه الذي ~~أشرت إليه في الفصل الذي يلي هذا الفصل من حل معاني القرآن الكريم والأخبار ~~النبوية أحسن من إيراده على وجه التضمين، وتوخي ذلك في كل كتاب عسر جدا، ~~وأنا انفردت بذلك دون غيري من الكتاب، فإني استعملته في كل كتاب، حتى إنه ~~ليأتي في الكتاب الواحد في عدة مواضع منه، ولقد أنشأت تقليدا لبعض الملوك ~~مما يكتب من ديوان الخلافة، ثم إني اعتبرت ما ورد فيه من معاني الآيات ~~والأخبار # PageV01P089 # النبوية، فكان ما يزيد على الخمسين، وهذا لا أتكلفه تكلفا، وإنما يأتي ~~على حسب ما يقتضيه الموضع الذي يذكر فيه، وقد عرفتك أيها الكاتب كيف تستعمل ~~ما تستعمله من ذلك في الفصل الذي يأتي بعد هذا الفصل، فخذه من هناك. # وهذا الركن يختص بالكاتب دون الشاعر؛ لأن الشاعر لا يلزمه ذلك؛ إذ ms067 الشعر ~~أكثره مدائح، وأيضا فإنه لا يتمكن من صوغ معاني القرآن والأخبار في المنظوم ~~كما يتمكن منه في المنثور، ولربما أمكن ذلك في الشيء اليسير في بعض ~~الأحيان. # وإذا استكملت معرفة هذه الأركان الخمسة وأتيت بها في كل كتاب بلاغي ذي ~~شأن فقد استحققت حينئذ فضيلة التقدم، ووجب لك أن تسمي نفسك كاتبا. # PageV01P090 ### | الفصل العاشر في الطريق إلى تعلم الكتابة # هذا الفصل هو كنز الكتابة ومنبعها، وما رأيت أحدا تكلم فيه بشيء، ولما ~~حببت إلي هذه الفضيلة، وبلغني الله منها ما بلغني؛ وجدت الطريق ينقسم فيها ~~إلى ثلاث شعب: # الأولى: أن يتصفح الكاتب كتابة المتقدمين، ويطلع على أوضاعهم في استعمال ~~الألفاظ والمعاني، ثم يحذو حذوهم، وهذه أدنى الطبقات عندي. # الثانية: أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنة: إما ~~في تحسين ألفاظ، أو في تحسين معان، وهذه هي الطبقة الوسطى، وهي أعلى من ~~التي قبلها. # الثالثة: أن لا يتصفح كتابة المتقدمين، ولا يطلع على شيء منها، بل يصرف ~~همه إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية وعدة من دواوين فحول ~~الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ، ثم يأخذ في ~~الاقتباس من هذه الثلاثة، أعني القرآن والأخبار النبوية والأشعار، فيقوم ~~ويقع، ويخطىء ويصيب، ويضل ويهتدي، حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه، ~~وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها، ~~وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد، وصاحبها يعد إماما في فن الكتابة، كما يعد ~~الشافعي وأبو حنيفة ومالك رضي الله تعالى عنهم وغيرهم من الأئمة المجتهدين ~~في علم الفقه، إلا أنها مستوعرة جدا، ولا يستطيعها إلا من رزقه الله تعالى ~~لسانا هجاما، وخاطرا رقاما، وقد سهلت لك صعابها، وذللت محاجها» # ، وكنت أشح «2» بإظهار ذلك لما عانيت # PageV01P091 # في نيله من العناء؛ فإني سلكت إليه كل طريق حتى بلغته آخرا، وإنما تكون ~~نفاسة الأشياء لعزة حصولها ومشقة وصولها: # ليس حلوا وجودك الشيء تبغي ... ه طلابا حتى يعز طلابه «1» # ولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي ms068 عن أسرارها، وأظفرتني بكنوز جواهرها؛ ~~إذ لم يظفر غيري بأحجارها؛ فما وجدت أعون الأشياء عليها إلا حل آيات القرآن ~~الكريم والأخبار النبوية، وحل الأبيات الشعرية، وقد قصرت هذا الفصل على ذكر ~~وجوهها، وتقسيمها، وتمهيد الطريق إلى تعليمها، فمن وقف على ما ذكرته علم ~~أني لم آت شيئا فريا، وأن الله قد جعل تحت خواطري من بنات الأفكار سريا، ~~وهذه الطريق يجهلها كثير من متعاطي هذه الصناعة، والذي يعلمها منهم يرضى ~~بالحواشي والأطراف، ويقنع من لآلئها بمعرفة ما في الأصداف، ولو استخرج منها ~~ما استخرجت، واستنتج ما استنتجت؛ لهام بها في كل واد، وتزود إلى سلوك ~~طريقها كل زاد: # لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعا وسجودا «2» # ولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطا في كتابته بما يستخرجه من ~~القرآن الكريم، والأخبار النبوية، والشعر، بحيث إنه لا ينشىء كتابا إلا من ~~ذلك، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم وأكثر من حفظ الأخبار النبوية ~~والأشعار، ثم نقب عن ذلك تنقيب مطلع على معانيه، مفتش عن دفائنه، وقلبه ~~ظهرا لبطن؛ عرف # PageV01P092 # حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه، واستعان بالمحفوظ على ~~الغريزة الطبيعية، ألا ترى أن صاحب الاجتهاد من الفقهاء يفتقر إلى معرفة ~~آيات الأحكام، وأخبار الأحكام، وإلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب ~~والسنة، وإلى معرفة علم العربية، وإلى معرفة الفرائض والحساب من المعلوم ~~والمجهول من أجل مسائل الدور والوصايا وغيرها، وإلى معرفة إجماع الصحابة، ~~فهذه أدوات الاجتهاد، فإذا عرفها استخرج بفكرته حينئذ ما يؤديه إليه ~~اجتهاده، كما فعل أبو حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم من أئمة الاجتهاد، وكذلك ~~يجري الحكم في الكتاب إذا أحب الترقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة؛ فإنه ~~يحتاج إلى أشياء كثيرة قد ذكرتها في صدر كتابي هذا، إلا أن رأسها وعمودها ~~وذروة سنامها ثلاثة أشياء: هي حفظ القرآن الكريم، والإكثار من حفظ الأخبار ~~النبوية، والأشعار. # وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فأول ما أبدأ به على عقب ذلك أن ~~أقول: # حل الأبيات ms069 الشعرية ينقسم إلى ثلاثة أقسام: # الأول: منها، وهو أدناها مرتبة، أن يأخذ الناثر بيتا من الشعر فينثره ~~بلفظه من غير زيادة؛ وهذا عيب فاحش، ومثاله كمن أخذ عقدا قد أتقن نظمه ~~وأحسن تأليفه فأوهاه وبدده، وكان يقوم عذره في ذلك أن لو نقله عن كونه عقدا ~~إلى صورة أخرى مثله أو أحسن منه وأيضا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه ~~مشهور السرقة، فيقال: هذا شعر فلان بعينه، لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها ~~شيء، وقد سلك هذا المسلك بعض العراقيين فجاء مستهجنا لا مستحسنا. كقوله في ~~بعض أبيات الحماسة: # وألد ذي حنق علي كأنما ... تغلي عداوة صدره في مرجل # أرجيته عني فأبصر قصده ... وكويته فوق النواظر من عل # فقال في نثر هذين البيتين: فكم لقي ألد ذي حنق كأنه ينظر إلى الكواكب من ~~عل، وتغلي عداوة صدره في مرجل، فكواه فوق ناظريه، وأكبه لفمه ويديه. فلم ~~يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن وطلاوة النظم لا غير. # PageV01P093 # ومن هذا القسم ضرب محمود لا عيب فيه، وهو أن يكون البيت من الشعر قد تضمن ~~شيئا لا يمكن تغيير لفظه، فحينئذ يعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ، ومثاله ~~قول الشاعر في أول الحماسة: # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # وقد نثرت ذلك فقلت: لست ممن تستبيح إبله بنو اللقيطة، ولا الذي إذا هم ~~بأمر كانت الآمال إليه وسيطة، ولكني أحمل الهمل، وأقرب الأمل، وأقول: سبق ~~السيف العذل؛ فذكر بني اللقيطة ههنا لا بد منه على حسب ما ذكره الشاعر، ~~وكذلك الأمثال السائرة؛ فإنه لا بد من ذكرها على ما جاءت في الشعر. # وأما القسم الثاني: وهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة، وهو أن ينثر ~~المعنى المنظوم ببعض ألفاظه، ويعزم «1» عن البعض بألفاظ أخر، وهناك تظهر ~~الصنعة في المماثلة والمشابهة ومؤاخاة الألفاظ الباقية بالألفاظ المرتجلة؛ ~~فإنه إذا أخذ لفظا لشاعر مجيد قد نقحه وصححه فقرنه بما لا يلائمه كان كمن ~~جمع بين لؤلؤة ms070 وحصاة، ولا خفاء بما في ذلك من الانتصاب للقدح، والاستهداف ~~للطعن. # والطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض بيت من الأبيات الشعرية هو ~~أحسن ما فيه ثم تماثله. # وسأورد ههنا مثالا واحدا ليكون قدوة للمتعلم، فأقول: # قد ورد هذا البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له: # حذاء تملأ كل أذن حكمة ... وبلاغة وتدر كل وريد «2» # PageV01P094 # فقوله: «تملأ كل أذن حكمة» من الكلام الحسن، وهو أحسن ما في البيت، فإذا ~~أردت أن تنثر هذا المعنى فلا بد من استعمال لفظه بعينه؛ لأنه في الغاية ~~القصوى من الفصاحة والبلاغة، فعليك حينئذ أن تؤاخذه بمثله، وهذا عسر جدا ~~وهو عندي أصعب منالا من ناثر الشعر بغير لفظه؛ لأنه مسلك مضيق؛ لما فيه من ~~التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة، وأما نثر الشعر بغير لفظه؛ ~~فذلك يتصرف فيه ناثره على حسب ما يراه، ولا يكون مقيدا فيه بمثال يضطر إلى ~~مؤاخاته. # وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها وأتيت بها في جملة كتاب فقلت: # وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر، وفاق مسير الشمس والقمر، وإذا عوف ~~الكلام صارت المعرفة له علامة، وأمن من سرقته إذ لو سرق لدلت عليه الوسامة، ~~ومن خصائص صفاته أن يملأ كل أذن حكمة، ويجعل فصاحة كل لسان عجمة، وإذا جرت ~~نفثاته في الأفهام قالت: أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة. # فانظر كيف فعلت في هذا الموضع؟ فإني لما أخذت تلك الكلمات من البيت ~~الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها، فجئت بهذا الفصل كما ~~تراه، وكذلك ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله. # وأما القسم الثالث: وهو أعلى من القسمين الأولين، فهو أن يؤخذ المعنى ~~فيصاغ بألفاظ غير ألفاظه، وثم يتبين حذق الصائغ في صياغته، ويعلم مقدار ~~تصرفه في صناعته؛ فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك الدرجة العالية، وإلا ~~أحسن التصرف، وأتقن التأليف؛ ليكون أولى بذلك المعنى من صاحبه الأول. # واعلم أن من أبيات الشعر ما يتسع المجال لناثره، فيورده بضروب من ~~العبارات، ms071 وذلك عندي شبيه بالمسائل السيالة في الحساب التي يجاب عنها بعدة ~~من الأجوبة، ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى يكاد الماهر في هذه ~~الصناعة ألا يخرج عن ذلك اللفظ، وإنما يكون هذا لعدم النظير. # فأما ما يتسع المجال في نثره فكقول أبي الطيب المتنبي: # PageV01P095 # لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه «1» # وقد نثرت هذا المعنى، فمن ذلك قولي: لا تعذل المحب فيما يهواه، حتى تطوي ~~القلب على ما طواه؛ ومن ذلك وجه آخر، وهو: إذا اختلفت العينان في النظر، ~~فالعذل ضرب من الهذر. # ومن هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي أيضا: # إن القتيل مضرجا بدموعه ... مثل القتيل مضرجا بدمائه «2» # أخذت هذا المعنى فنثرته؛ فمن ذلك قولي: القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف ~~المنون، غير أن ذلك لا يجرد من غمده، ولا يقاد صاحبه بعمده؛ فزدت على ~~المعنى الذي تضمنه البيت، وغيرت اللفظ؛ ومن ذلك وجه آخر، وهو: دمع المحب ~~ودم القتيل، متفقان في التشبيه والتمثيل، ولا تجد بينهما بونا، إلا أنهما ~~يختلفان لونا. وهذا أحسن من الأول. # وأما ما يضيق فيه المجال فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه؛ فكقول أبي تمام: # تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر «3» # PageV01P096 # وقول أبي الطيب المتنبي: # وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم # وأمثال هذا لا تأتي إلا قليلا؛ وسببه أن المعنى ينحصر في مقصد من المقاصد ~~حتى لا يكاد يأتي إلا قدا، كهذين البيتين، ألا ترى أن أبا تمام قصد ~~المؤاخاة في ذكر لوني الثياب من الأحمر والأخضر وجاء ذلك واقعا على المعنى ~~الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة، فإذا فك نظم هذا البيت وأريد ~~صوغه بغير لفظه لا يمكن ذلك، وبيت أبي الطيب جار هذا المجرى؛ فإنه بناه على ~~واقعة من الوقائع، وذاك أن حصنا من حصون سيف الدولة قصده الروم وانتزعوه ~~وأخربوه فنهد «1» سيف الدولة إليه واسترجعه، وجدد بناءه، وهزم الروم، ونصب ~~من جثث القتلى على السور، فنظم ms072 المتنبي في هذا قصيدا أوله: # على قدر أهل العزم تأتي العزائم «2» # فلما انتهى إلى ذكر الحصن جاء بهذا البيت في جملة أبيات؛ فشرح صورة الحال ~~في إزعاج الحصن بالقتال، وتعليق القتلى عليه، وأبرز ذلك في معنى التمثيل ~~بالجنون والتمائم، وهذا لا يمكن تبديل لفظه؛ وهو وأمثاله مما يجب على ~~الناثر أن يحسن الصنعة في فك نظامه؛ لأنه يتصدى لنثره بألفاظه؛ فإن كان ~~عنده قوة تصرف وبسطة عبارة فإنه يأتي به حسنا رائقا. # وقد نثرت هذين البيتين: أما بيت أبي تمام فإني قلت في نثره: لم تكسه ~~المنايا نسج شفارها، حتى كسته الجنة نسج شعارها؛ فبدل أحمر ثوبه بأخضره، ~~وكأس حمامه بكأس كوثره؛ وهذا من الحسن على غاية يكون كمد حسودها، من جملة ~~شهودها؛ وأما بيت أبي الطيب المتنبي فإني قلت في نثره: سرى إلى حصن # PageV01P097 # كذا مستعيدا منه سبية نزعها العدو اختلاسا، وأخذها مخادعة لا افتراسا، ~~فما نزلها حتى استقادها، ولا نزلها حتى استعادها، وكأنما كان بها جنون فبعث ~~لها من عزائمه عزائم، وعلق عليها من رءوس القتلى تمائم. # وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به؛ فمن شاء أن ينثر شعرا فلينثر هكذا، وإلا ~~فليترك. # وقد جئت بهذا المعنى على وجه آخر، وأبرزته في صورة أخرى، وذاك أني أضفت ~~إلى هذا البيت البيت الذي قبله، وهو: # بناها فأعلى والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم # ولما نثرت هذين البيتين قلت في نثرهما ما أذكره، وهو: # بناها والأسنة في بنائها متخاصمة، وأمواج المنايا فوق أيدي البانين ~~متلاطمة، وما أحلت الحرب عنها «1» حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت ~~بمثل الجنون فعلقت عليها تمائم من الرءوس والأجساد، ولا شك أن الحرب تعرد ~~«2» عمن عز جانبه، وتقول: ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه. # وهذا أحسن من الأول وأتم معنى. # وقد تصرفت في هذا الموضع بزيادة في معناه، ونثرته على أسلوب أحسن من هذا ~~الأسلوب، فقلت: بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا ~~يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلا ms073 بعد أن هدمت رءوس عن أعناق، ~~وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم أو شينت بعطل فعلقت ~~مكان الأطواق. # PageV01P098 # وهذا الفصل فيه زيادة على الفصل الذي قبله. # وإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر، وكيفية نثره، ~~وذكر ما يسهل منه وما يعسر؛ فلنتبع ذلك بقول كلي في هذا الباب؛ فنقول: # من أحب أن يكون كاتبا، أو كان عنده طبع مجيب؛ فعليه بحفظ الدواوين ذوات ~~العدد، ولا يقنع بالقليل من ذلك، ثم يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته، وطريقه ~~أن يبتدىء فيأخذ قصيدا من القصائد؛ فينثره بيتا بيتا على التوالي، ولا ~~يستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه أو بأكثرها؛ فإنه لا يستطيع إلا ~~ذلك، وإذا مرنت نفسه، وتدرب خاطره؛ ارتفع عن هذه الدرجة، وصار يأخذ المعنى ~~ويكسوه عبارة من عنده، ثم يرتفع عن ذلك حتى يكسوه ضروبا من العبارات ~~المختلفة، وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاح فيستنتج منها معاني غير ~~تلك المعاني، وسبيله أن يكثر الإدمان ليلا ونهارا، ولا يزال على ذلك مدة ~~طويلة، حتى يصير له ملكة، فإذا كتب كتابا أو خطب خطبة تدفقت المعاني في ~~أثناء كلامه، وجاءت ألفاظه معسولة لا مغسولة، وكان عليها حدة حتى تكاد ترقص ~~رقصا، وهذا شيء خبرته بالتجربة، ولا ينبئك مثل خبير. # فإن قيل: الكلام قسمان: منظوم، ومنثور؛ فلم حضضت على حفظ المنظوم وجعلته ~~مادة للمنثور، وهلا كان الأمر بالعكس؟. # قلت في الجواب: إن الأشعار أكثر، والمعاني فيها أغزر، وسبب ذلك أن العرب ~~الذين هم أصل الفصاحة جل كلامهم شعر، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلا ~~يسيرا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر، فأودعوا ~~أشعارهم كل المعاني، كما قال الله تعالى: ألم تر أنهم في كل واد يهيمون # ثم جاء الطراز الأول من المخضرمين فلم يكن لهم إلا الشعر، ثم استمرت ~~الحال على ذلك، فكان الشعر هو الأكثر، والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة ~~من بحر، ولهذا صارت المعاني كلها مودعة في الأشعار، ms074 وحيث كانت بهذه الصورة، ~~فكان حثي على حفظها واستعمال معانيها في الخطب والمكاتبات لهذا السبب. # PageV01P099 # وقد نثرت في هذا الموضع أبياتا تكون قدوة للمتعلم: # فمن ذلك قولي في فصل من فصول الكلام يتضمن ذكر السيادة، وهو: # الشريف من شرف بنفسه، لا بما دفن مع أبيه في رمسه؛ فإن تلك مكارم أتت ~~فتجمل الزمان بمأتاها، ثم مات أربابها فدفنت مع موتاها، ولو ساد الناس ~~بآبائهم لكانت السيادة للطينة الأولى، ولقد خلق الأبناء من الآباء مجبولا، ~~وهذا المعنى مأخوذ من قول الشاعر: # وما الفخر بالعظم الرميم، وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه # غير أن الفصل الذي ذكرته يتضمن من المعنى زيادة على ما تضمنه هذا البيت. # ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب يتضمن معاتبة أخ لإخوته وتنصله إليهم، ~~فقلت: جرحوا قلبي وحبهم يذهب بألم الجراحة، وطرفوا عيني وهم يزيدون في ~~نظرها ملاحة، وإذا صدرت الإساءة عن الأحباب لم يكن وقرها وقرا، وأصبحت وهي ~~منسية إذا تجددت الإساءة بالذكرى، وما منهم إلا من سيط دمي بدمه ولحمي ~~بلحمه، ولو أن الأسماء معارف الأشخاص لكان اسمي واردا على اسمه، وكيف أخشن ~~عليهم وقد جبلني الله لهم على اللين، أم كيف أذود النفس عنهم وهي مشتقة ~~منهم وآدم بين الماء والطين، ومتى أؤمل من شجرتي أغصانا كهذه الأغصان، وقد ~~أصيبت جرثومتها بالجداد، ولهذا قيل: إن الإخوة يتعذر الاعتياض عنهم ولا ~~يتعذر الاعتياض عن الأولاد. # آخر هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله: # تعزيت عمن أثمرتك حياته ... ووشك التعزي عن ثمارك أجدر # تعذر أن نعتاض عن أمهاتنا ... وأبنائنا والنسل لا يتعذر # غير أن ابن الرومي ذكر ذلك في تعزية إنسان بابنه، فتصرفت أنا في هذا ~~المعنى ونقلته إلى هذا الفصل في تضمنه معاتبه أخ لإخوته. # PageV01P100 # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن ذم المشيب، فقلت: والعيش كل العيش ~~في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلا بسن الغثاثة، وليس بعد ~~الأربعين من مصيف للذة ولا مربع، وهي نهاية القوة ms075 الصالحة من الطبائع ~~الأربع، فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على خرصها، وصارت زيادته كزيادة ~~التصغير التي هي زيادة تدل على نقصها، وأصبح بعد ذلك يدعى أبا بعد أن كان ~~يدعى ابنا، وتقمص ثوبا من المشيب لا يجر ثوبه خيلاء ولا يزهى به حسنا، وإن ~~قيل إن أحسن الثياب شعار البياض قيل إلا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من ~~الفظاظة أن ينظر الأحباب إليه نظر القتال، ولولا أن الخمود بعده لما استعير ~~له لفظة الاشتمال، ومن الناس من يدلس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلا ~~حدادا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب ولا يخفى أنس الصادق من وحشة ~~الكذاب، وخداع النفس أن تسلو عن بئره المعطلة وقصره المشيد، ويحسن لها ~~الخروج في ثوب مرقع وهي تراه بعين الثوب الجديد. # وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله: # رأيت خضاب المرء بعد مشيبه ... حدادا على شرخ الشبيبة يلبس # غير أن في هذا الفصل معاني كثيرة لطيفة لا توجد في كلام آخر. # ومن ذلك قولي في وصف الجود والسخاء، وهذا الفصل يشتمل على معان متعددة؛ ~~فمنها قولي في العطاء، وهو: شافهتني أسباب الغنى برؤيته حتى كادت تنطق، ~~واخضرت أكنان منزلي بعطائه حتى كادت تورق، ومن فضيلة بره أنه لا يأتي به ~~على أعين الناس، وإذا غرسه عند إنسان رب ذلك الغراس؛ فلا يستكثر ما جادت به ~~سحاب يده، ولا يمنعه عطاء يومه عن عطاء غده. # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس: # كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا ... لم يهدموا لبنائهم أسسا # ومن هذا المعنى أيضا قولي، وهو: أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام ~~بنفلها في الناس وفرضها، وتحلى ببعض أسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدا # PageV01P101 # لبعضها، فالمحرم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في سعادة قدمه، وربيع لرائد ~~نواله، ورجب لأقوال عذاله. # وهذا مأخوذ من قول الفرزدق: # يداك بد ربيع الناس فيها ... وفي الأخرى الشهور من المحرم # وقد قال الشعراء في ذلك كثيرا، إلا أني أنا تصرفت في هذا ms076 المعنى تصرفا لم ~~يتصرف فيه أحد غيري. # ومن هذا المعنى ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو: ولقد سوى بين أعدائه في ~~البغض وبين أمواله؛ فهذه معنية بوقع نصاله، وهذه معنية «1» بصنائع نواله، ~~ولو أحب المال لكان أحبه إليه ما يبذله، كما أن أحب الناس إليه منح يسأله، ~~ومن أحسن ما سنه من الكرم أنه جاد حتى بدل رغب العافين «2» زهدا، ورأى ~~الحمد عوضا من الصنيعة فأبى أن يعتاض من صنائعه حمدا. # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس، وهو: # ليت أعدائي كانوا ... لأبي إسحق مالا # ومن ذلك قولي في وصف القتال وموطن الحرب ووصف الشجاعة والأنجاد، وما ~~يتعلق بذلك ويجري معه، وهذا الفصل يشتمل على معاني مختلفة: # فمن ذلك ما ذكرته في وصف العسكر، وهو: فسرنا في غمامة من الكتائب، تظلها ~~غمامة من الطيور الأشائب، فهذه يضمها بحر من حديد، وهذه يضمها بر من صعيد ~~«3» وما مرت ببلد إلا أزالت أرضه من سمائه، وألبست نهاره ثوب ظلمائه، # PageV01P102 # وبدلت أحراره بعبيده وحرائره بإمائه، وكذلك فعلت بمدينة فلانة وقد ضرب ~~الأمن عليها أسوارا، وبعد عهدها بالنوائب فلم تدخل لها ديارا، فهي تخبر عن ~~بلهنية الخفض ولم ترع عنه بالانتقال، ولا رأت السيف وقد ألقى لونه في ذوائب ~~الأطفال «1» ، فما شعر أهلها إلا وقد رجمها الجيش بكاهله، ورماها بوابله ~~قبل طله وطل السحاب قبل وابله، وبرزت خيل القوم ولها زي فرسانها، وهي ~~مستبقة إلى طرادها كاستباقها إلى ميدانها، إلا من تتأود القناة من يده بين ~~لهذمين، وتستقل السرج منه ومن جواده بين مطهمين، فجرت المغاوير إلى ~~المغاوير، وتلاقت الرياح بالأعاصير، وكان الطعن بينهم عناقا، واللبث وفاقا، ~~وسبق ألم الموت ألم الجراح، ونفذت غير مخضبة لسرعتها أسنة الرماح، وحصل ~~القوم [في] القبضة، وذموا عقبى النهضة، وجيء بالأسرى مقرنين في الأصفاد، ~~موقنين أن رءوسهم عواري على تلك الأجساد، ولو استطاع رأس أحدهم أن ينكر ~~عنقه لأنكره، ولا يود وهو المعظم أن يقال ما أعظمه بل يقال ما أحقره، ~~وتصرفت أيدي المسلمين في القتل ms077 والنهاب، وكان للسيف رقاب وللسبي رقاب. # في هذا الفصل معان كثيرة مستحسنة، ومنها ما أخذ من شعر المتنبي، كقوله: # سحاب من العقبان ترجف تحتها ... سحاب إذ استسقت سقتها صوارمه «2» # وكقوله: # واستعار الحديد لونا وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال «3» # PageV01P103 # ومن ذلك ما ذكرته في وصف المسلوبين في فصل من جملة كتاب يتضمن البشرى ~~بهزيمة الكفار، وهو: فسلبوا وعاضتهم الدماء عن اللباس، فهم في صورة عار ~~وزيهم زي كاس، وما أسرع ما خيط لهم لباسها المحمر، غير أنه لم يجب عليهم ~~ولم يزر، وما لبسوه حتى لبس الإسلام شعار النصر، الباقي على الدهر، وهو ~~شعار نسجه السنان الخارق، لا الصنع الحاذق، ولم يغب عن لابسه إلا ريثما ~~غابت البيض في الطلى والهام، وألف الطعن بين ألف الخط واللام. # وهذه معان حسنة رائقة، ومنها معنى واحد مأخوذ من شعر البحتري؛ وهو: # سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا «1» # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن فتحا، وهو: أصدر هذا الكتاب والفتح ~~غض طري لم تنصل حمرة يومه، ولا أغمدت سيوف قومه، فسطوره متربة بمثار عجاجه، ~~ممتلئة بخط ضربه وإعجام زجاجه. # وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام: # كتبت أوجههم مشقا ونمنمة ... ضربا وطعنا يقات الهام والصلفا «2» # كتابة ما تني مقروءة أبدا ... وما خططت بها لاما ولا ألفا «3» # إن أن أبا تمام مثل آثار الضرب والطعان في الوجوه بالكتابة، وأنا مثلت ~~الكتابة # PageV01P104 # وإعجامه بالضرب والطعن، فكأنني عكست المعنى الذي ذكره أبو تمام، وهذا ~~مقصد في حل الأبيات الشعرية حسن، فإن استخراج المعنى من عكسه أدق من ~~استخراجه من نفسه، وقد نبهت على ذلك في مواضع أخر من هذا الباب. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن فتحا من فتوح الكفار، وهو: # وأقبلت أحزاب الكفر وهي معتصمة بصليبها، ورفعته على أعواد عالية كهيئة ~~خطيبها، ولم تعلم أن الله كتب عليه الهوان بعد تلك الكرامة، وأنه ذو شعب ~~أربع والتربيع نحس في حكم النجامة «1» وكيف ترجو بكفرها ظهورا ولها منه ~~معنى الاختفاء ms078 وللإسلام معنى السلامة؛ ولما التقى الجمعان اصطفقت يمين ~~وشمال، وزحفت جبال إلى جبال، وكثرت النفوس على المنايا حتى كادت لا تفي ~~بالآجال، وأقدمت الخيل إقدام فرسانها، وأظلم النقع فلا تبصر إلا بآذانها، ~~ونالت النحور ثأرها من كعوب الرماح، واشتكت الأسنة فلا طريق بينها لمهب ~~الرياح، واستؤصلت شجرة الكافرين بالقطع لا بالجداد، وحال حد السيف دون حديد ~~الأصفاد، ونقلوا إلى جهنم يصلونها وبئس المهاد، وانقلب المسلمون وقد ملئوا ~~الأغماد نصرا، والصحائف أجرا، والأيدي وقرأ، والقلوب جذلا والألسنة شكرا، ~~وكان ذلك اليوم في الأيام علما، وفي الأقسام قسما، ولم يره الزمان منسوبا ~~إليه إلا راجع شبابا بعد أن ناهز هرما. # في هذا الفصل شيء من معاني الشعر، وذلك من قول أبي الطيب المتنبي «2» : # PageV01P105 # أتاهم بأوسع من أرضهم ... طوال السبيب قصار العسب «1» # تغيب الشواهق في جيشه ... وتبدو صغارا إذا لم تغب «2» # ولا تعبر الريح في جوه ... إذا لم تخط القنا أو تثب «3» # ومن قوله أيضا «4» : # في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان» # ومن ذلك ما ذكرته في الإنجاد وإجابة الصريخ، وهو: إذا استصرخ بعزم غذته ~~صحبة الجيش، عن لذة العيش، فهو يستعذب حر الثغور، على برد «6» الثغور، ~~ويلهو بالبيض الذكور، عن بيض الخدور «7» ، ولا طيب عنده إلا ريح # PageV01P106 # العجاج «1» . ولاعناق إلا أطراف الزجاج «2» ، ولا أرب له في الرقاد إلا ~~على صهوات الجياد، فعسكر قلبه أمضى في الوغى من عسكر، ونجدة بأسه تأبى لقاء ~~الأقران في درع أو مغفر. # وهذه المعاني مأخوذة من أبيات الحماسة، ومن شعر مسلم بن الوليد. # ومن ذلك ما ذكرته في وصف المخبر دون المنظر، وهو: إذا سموت لأمر فكن ~~واحدا في مكانك، ولا ترض بكثرة الشركاء فيقال فلان من أقرانك، ألم تر إلى ~~الحرباء الذي هو دويبة حقيرة الشأن، ضعيفة الأركان، فإنه ارتفع في هواه عن ~~الأرض وأنسها، إلى السماء وشمسها، وقال: لا أحب من تفسد الأيام من حسنه، ~~ولا من أحد بسمة خله ولا خدنه، والهمم ليست منوطة بجهارة المناظر، والتعويل ~~على الخبر المستتر في الأفئدة الباطنة ms079 لا على الظواهر، ومن ههنا قيل: إن ~~وضاءة النفوس أنضر من وضاءة الأجساد، ورقم الشيم أحسن من رقم الأبراد. # وآخر هذا الفصل ينظر إلى قوم سحيم عبد بني الحسحاس. # إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق # إلا أن الفصل يتضمن معنى غريبا لم يسبقني إليه أحد. # ومن ذلك ما ذكرته في الحسد في فصل من كتاب، وهو: حاسد سيدنا ينظر إلى ~~زهرة دنياه ولا ينظر إلى استحقاقه، وهو كالناظر إلى الاطواق الموضوعة في ~~الحيد ولا يدري أن الجيد أحسن من أطواقه، ولو قاس الدنيا بالاستحقاق لذهب ~~الحسد من صدره، وقال: ما لي أحسد من لم ينته قدر دنياه إلى معشار قدره. # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن الأعذار عن تواتر المكاتبات، وهو: ~~إذا اعتذر من انقطاع الكتب اعتذار الخادم من اتصالها، ولو كانت واردة على # PageV01P107 # غير ذلك الباب الكريم لخاف من إملالها، وقد عد احتمال تثقيلها من جملة ~~الأيادي التي أثقلته، وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما أمهلته، ~~وهو الآن مرتهن بين قديم وجديد، وأصبح كخراش إذ تكاثرت عليه الظباء فلم يدر ~~لكثرتها ما يصيد، فإن أمسك سيدنا من أياديه وإلا فليتفضل على الشكر ~~بالإنظار، وليعلم أن ذمة وفائه كذمة ديوان المال في الإعسار. # هذا فصل في هذا المعنى قلما يؤتى بمثله، وفيه معنى واحد من قول الشاعر: # تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد # ومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة، فقلت: كنت عنده بالمنزلة التي آمن بها ~~ما أجنيه فصرت أخاف ما لم أجنه، وكان لا يقبل علي شهادة عينه فأصبح الآن ~~يقبل على شهادة أذنه، لكن لم يجعل الله القلوب بين أصبعين من أصابعه إلا ~~ليذهب بها كل واد، ومن ههنا كانت تنتقل من وداد إلى قلى ومن قلى إلى وداد، ~~ولا شك أن لها بين الحالتين عمرا تنتهي إليه كما تنتهي أعمار الأجساد، ~~والصبر خير ما استعمل في جفاء الإخوان، والماء إذا جرى في مكان ms080 ثم انحرف ~~عنه فلا بد أن يعود إلى ذلك المكان. # وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي [وهو قوله] : # عهدتك لا تعتد بالعين شاهدا ... علي فلم أصبحت تعتد بالأذن # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الملوك على يد بعض العفاة، وهو: ~~الشيم الكريمة للإنسان بمنزلة المسك في سرر الغزلان، غير أن طيب هذه يعبق ~~بالأنوف وطيب هذه يعبق بالآذان، وقد جعل تفاوت المزية بين هذين الطيبين ~~فرقا، فأحدهما يبقى دائما ولا يذهب والآخر يذهب ولا يبقى، ونصيب مولانا من ~~الطيب الباقي نصيب زكت معادنه، وكثرت خزائنه، وسارت في الأرض محاسنه، ورفعه ~~الله به إلى محل يبعد شأوه على الطالب، ولا يرى إلا في لسان شاعر أو لسان ~~خاطب، وهو مما استثني من خلق الناس الذي هو من طين لازب، # PageV01P108 # ومن أجل ذلك يرون أشباها ما عداه، وما منهم إلا من يقر بفضله ولو كان من ~~حساده أو عداه، وقد أصبحوا وهم يقلون لديه حين يكثرون، ويقول كل منهم ~~لصاحبه أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون. # هذا الفصل وإن تضمن شيئا من القرآن الكريم فليس المراد ههنا القرآن ~~الكريم، بل منه شيء مأخوذ من الشعر، وهو قول المتنبي: # الناس ما لم يروك أشباه ... والدهر لفظ وأنت معناه # ومن ذلك ما ذكر في وصف الخمر، وهو: الخمر لا تفي لذة إسكارها، بتنغيص ~~خمارها، فهي خرقاء البيان، بذية اللسان، وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات ~~العقول والأديان، وقد عرف منها سنة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما ~~استأثرت من الرءوس بجناية أقدامها. # وهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف، لأنه قال: # ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... وهنا تداس بأرجل العصار # لانت لهم حتى انتشوا فتحكمت ... فيهم فنادت فيهم بالثار # وكذلك قلت في وصفها أيضا، وهو: مدامة تنفي خواطر الهموم، وتسري مسرى ~~الأرواح في الجسوم، وتشهد بأن الكرم مستمد من ماء الكروم، ويتمثل حببها «1» ~~نجوما إلا أنها مضلة والهداية للنجوم. # وبعض هذا مأخوذ من قول أبي نواس: # إذا هي حلت في ms081 اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل # وما زال الشعراء يتواردون على هذا المعنى حتى سمج، لكن الذي ذكرته بعد ~~هذا المعنى من محاسن المعاني في وصفها، وكذلك ما ذكرته في وصفها، وهو: # الخمر كالعذراء في نفورها، وملازمة خدورها، ولهذا تشمئز من نكاح المزاج، # PageV01P109 # وتصخب لمس الماء صخب الأبكار لمس الأزواج، ومن شأنها أن تلبس عند الزفاف ~~إكليلا على رأسها، وكذلك شأن العرائس عند زفافها إلى أعراسها. # وهذه المماثلة بين الخمر وبين البكر على هذا النسق لم يأت بها أحد غيري، ~~وإنما وصفت بأنها بكر، كقول أبي نواس: # فقلت لشيخ منهم متكلم ... له دين قسيس وفي نطقه كفر # أعندك بكر مرة الطعم قرقف ... صنيعة دهقان تراخى له العمر # فقال عروس كان كسرى ربيبها ... معتقة من دونها الباب والستر # ووصفت بالنكاح والزواج، كقوله أيضا: # وقهوة كالعقيق صافية ... يطير من كأسها لها شرر # زوجتها الماء كي تذل له ... فامتعضت حين مسها الذكر # ومن ذلك ما ذكرته في الحزم، وهو: لا ينبغي للحازم أن يساور المورد المؤذن ~~بمضيقه وإن أفضى الصدر إلى رحيبه، فإن توقي الداء خير من التعرض له مع وجود ~~طبيبه، ولندع قول من يقعد على تل السلامة ثم يلبس الكتائب بالكتائب، ويقول: ~~ليس للعزم إلا تمام الصدور وليس عليه تمام العواقب. # بعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام «1» : # وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه # لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الرأي والكيد، وهو: أخفى على العدو كيده # PageV01P110 # حتى لم يدع كائدا، وأعمى عليه سلوك الطريق حتى ظنه حائدا، فسيوفه تسطو ~~على بعدها، ولا تقطع إلا وهي في غمدها. # وبعض هذا المعنى أخذته من شعر أبي تمام «1» ، وهو: # سكن الكيد فيهم إن من أع ... ظم كيد أن لا يسمى أريبا # وكذلك قولي في هذا المعنى، وهو: أخذ بسمع العدو وبصره، وسد مطلع ورده ~~وصدره، فيداه مغلولة مع أنها مطلقة السراح، ومقاتله بادية على أنها شاكية ~~السلاح. # وهذا ms082 المعنى ينظر إلى المعنى الذي قبله. # وكذلك قولي أيضا، وهو: يبيت برأيه العدو قبل جيشه، وتلقاه يطيش قلمه الذي ~~كل الحلم في طيشه، فإذا أطلت وجوه الآراء كان رأيه لها صباحا، وإذا جهزت ~~الجحافل لحرب كان قلمه لها سلاحا. # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر البحتري «2» : # وهو المرء ما غزا بلدا بال- ... - رأي إلا كفاه غزو الجنود # ومن ذلك ما ذكرته في وصف السير والركاب والخيل والقفار وما يتعلق بها. # PageV01P111 # فمنه ما يتعلق بالسير، وهو: ركب ظهر الليل يباري مسير شهبه بمسير أشهبه ~~«1» ، ويستقرب بعد المدى في نيل مطلبه، غير أن تلك تفري أديم الغياهب، وهذا ~~يفري أديم السباسب «2» : # وهذا مأخوذ من قول المتنبي «3» : # يباري نجوم القذف في كل ليلة ... نجوم له منهن ورد وأدهم # ومن هذا المعنى أيضا قولي، وهو: اتخذ الليل ظهرا، واستلان خشونة المسرى، ~~فلم يزل يقذف صبغة سواده، بصبغة جواده، حتى بدت في أديم الليل شيات صباحه، ~~وشابه الأدهم في غرته وأوضاحه، فعند ذلك أخذ أحدهما في رحيله، وأخذ الآخر ~~في نزوله. # وهذا المعنى ينظر إلى الذي قبله، وفيه من شرف الصنعة ما لا خفاء به. # ومن ذلك ما ذكرته أيضا في فصل من كتاب، وهو: سرت وتحتي بنت قفرة لا يذهب ~~السرى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من مراحها، فهي طموح بأثناء الزمام، وإذا ~~سارت بين الآكاد قيل هذه واحدة من الآكام، ولم تسم جسرة إلا لأنها تقطع عرض ~~الفلاة كما يقطع الجسر عرض الماء، ولا سميت حرفا إلا لأنها جاءت لمعنى في ~~العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء، وخلفها جنيب من الخيل يقبل بجذع ~~ويدبر بصخره، وينظر من عين جحظة ويسمع بأذن حشره، ويجري مع # PageV01P112 # الريح الزعزع فيذرها وقد ظهر فيها أثر القتره، وما قيد خلفها إلا وهو ~~يهتدي بها في المسالك المضلة، ويطأ على أثرها فيرقم وجوه البدور بأشكال ~~الأهلة، هذا والليل قد ألقى جرانه فلم يبرح، والكواكب قد ركدت فيه فلم ~~تسبح، وأنا أود لو زاد طوله، ولم تظهر غرة أدهمه ولا حجوله، فقد ms083 قيل: إنه ~~أدنى للبعد وأكتم للأسرار، ودل عليه القول النبوي بأن الأرض تطوى فيه ما لا ~~تطوى في النهار، وما زلت أسير بريدها تنوء به حتى كاد ينضولون السواد، وظهر ~~لون السرحان فأغار على سرح السماء كما يغير السرحان على سرح النقاد، فعند ~~ذلك نهلت العين من الكرى نهلة الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة ~~وإنما كان على الظهر السائر. # في هذا الفصل كل مليحة من المعاني، ولو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان ~~كافيا، وبعضه مأخوذ من الشعر، كقول أبي تمام «1» : # طموح بأثناء الزمام كأنما ... يخال بها من عدوها طيف جنة «2» # وكقوله «3» : # بالشذقميات العتاق كأنما ... أشباحها بين الأكام أكام «4» # ومن ذلك ما ذكرته في النسب في فضل من كتاب، وهو: لهم نسب لا تدخله لام ~~التعريف، وهو موضوع لا يجري على سنن التوقيف، فإذا ذكر أوله وقفت من عرفانه ~~على طلل، ووجدته مهملا في جملة الهمل، وإن قيل إنه من نجوم السماء قلت لكنه ~~لا يخرج عن الثور أو الحمل، فما أرهف لوصفه لسان إلا نبا، ولا اقتدح له ~~زناد خاطر إلا كبا، وهم منه كآوى الذي يرى الناس له ابنا ولا يرون لابنه ~~أبا. # PageV01P113 # وهذا من أغرب ما يؤتى به في ذم النسب، وهو من باب توليد المعاني الذي ~~يسمى الكيمياء، وبعضه مستولد من قول أبي نواس في هجاء الخصيب «1» : # وما خبزه إلا كآوى يرى ابنه ... ولم يرآوى في حزون ولا سهل «2» # فأبو نواس ذم خبز الخصيب في عدم رؤيته، وأنا نقلت ذلك إلى النسب، فجاء ~~ألطف وأحسن وأليق وأدخل في باب الصنعة، وإذا حقق النظر فيما ذكره أبو نواس ~~في هذا المعنى لم يوجد مناسبا، فإن الخبز في عدم رؤيته لا يحمل على ابن ~~آوى، وإنما المناسبة تقع في النسب من أجل ذكر الابن والأب. # ومن ذلك ما ذكرته في ذم قوم، وهو فصل من كتاب، فقلت: تركت قوما لم ينقعوا ~~صدى، ولم يجروا إلى مدى، فأعراضهم نكرة العارف، وأموالهم حنظلة الناقف، لا ~~تمطر ms084 سحبهم على كثرة مائها، ولا تزكو الذريعة بأرضهم على نمائها. # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر الشريف الرضي «3» : # تركت أناسا لم يهشوا لمنة ... ولم ينقعوا غل الظماء الخوامس # على القرب فيهم إنني غير طامع ... ومنك على بعد المدى غير آيس «4» # PageV01P114 # ومن هذا الباب أيضا قولي، وهو: تركت قوما يسلون الحبيب، ويملون القريب، ~~ولا يرعون من يرعاهم، ولا يدر اللبن على مرعاهم، فنوالهم تحايا، وأعراضهم ~~ضحايا، ومن أحسن صفاتهم أنهم يعاقبون على الظنة، ولا يرتاحون لمنة، ~~فالذرائع لديهم مدفونة، والصنائع غير مسنونة. # وبعض هذه المعاني مأخوذ من شعر أبي الطيب «1» المتنبي: # رأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يدر على مرعاكم اللبن # جزاء كل قريب منكم ملل ... وحظ كل محب منكم ضغن # ومن ذلك ما ذكرته على الحث على الاغتراب، وهو: لولا التغرب لما ارتقت ~~بنات الأصداف إلى شرف الأعناق، ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق. # وكذلك قولي في هذا المعنى، وهو: في الانتقال تنويه لخامل الأقدار، ولولا ~~ذلك لم يكس الهلال حلة الأبدار، والمندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دم في ~~سرر غزلانه، ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة، ولولا فراق الوشيج ~~منبته لم يتحل بعز السنان ولا شرف الذؤابة. # وهذا الفصل فصل من القول في معناه، ومما لم ينبش للخواطر ابتناء مبناه؛ ~~فمنه ما هو مأخوذ من الشعر، ومنه ما منح به الخاطر على غير مثال، وهو يشهد ~~لنفسه. # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الأيام، وهو: أيام تعد بأعوام «2» لقصر أعمارها، ~~وشهور لا يشعر بأنصافها ولا سرارها؛ فالأوقات بها أصائل، والمحاسن فيها # PageV01P115 # شمائل، والمآرب في ساعاتها رياض في خمائل؛ فما أدري أهي خيالات أحلام ~~غرت، أم أحاديث أمان مرت. # وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة «1» : # شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار «2» # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الإخوان، وهو: ليس الصديق من عد سقطات قرينه، ~~وجازاه بغثه وسمينه، بل الصديق من ماشى أخاه على عرجه، واستقام له على ~~عوجه، فذلك الذي إن رأى ms085 سيئة وطئها بالقدم، وإن رأى حسنة رفعها على علم. # وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة «3» : # PageV01P116 # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... عني، وما سمعوا من صالح دفنوا «1» # إلا أن الذي ذكرته ضد هذا المعنى، وقد يستخرج المعنى من ضده. وهو أحسن ~~مما يستخرج من نفسه. # ومن هذا قولي أيضا، وهو: ليس الصديق من صرى أخلاف وده «2» وغش في صفقة ~~عهده بل الصديق من لا ترد سلعة وده بإقالة ولا عيب، ولا تخص محافظة إخائه ~~بشهادة دون غيب «3» فذلك أخي من غير نسب، وكنزي من غير نشب. # وهذا مأخوذ من الفقه في تصرية ضرع الشاة عند البيع، وذلك يوجب الرد. # ومما ينتظم بهذا السلك قولي، وهو: الانتقال عن خلة الوداد، كالانتقال عن ~~نسب الميلاد، وكما يحرم هذا في نص الحكم المشروع، فكذا يحرم هذا في خلق ~~الكرم المطبوع، على أن نسب الخلة الذي ينميه القلب إلى القلب، أوصل من نسب ~~الرحم الذي ينميه الابن إلى الأب، ولهذا كانت مودة سلمان قربى، ونسب أبي ~~لهب سبا وتبا. # وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي نواس، وهو: # كانت مودة سلمان له نسبا ... ولم يكن بين نوح وابنه رحم # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الديار، وهو: دار كانت مقاصر جنة، فأصبحت وهي ~~ملاعب جنة، ولقد عميت أخبار قطانها، وأنشاز أوطانها، حتى شابهت إحداهما في ~~الخفاء، الأخرى في العفاء، وكنت أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع ~~عنها جلباب ظلام، غير أن السحاب بكاهم فجرت بها سوافح دموعه، والليل شق ~~عليهم ثوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه. # PageV01P117 # وهذه معان لطيفة جدا، وبعضها مأخوذ من شعر الشريف الرضي رحمه الله تعالى ~~«1» : # أمرابع الغزلان غيرك البلى ... حتى غدوت مراتعع الغزلان «2» # ومما يلتئم بهذا المعنى قولي أيضا، وهو: دار أصبحت مراتع أذواد، بعد أن ~~كانت مناجع رواد، فلو تصورت الآمال التي مثلت بفنائها، كما تصورت الآثار ~~المماثلة من بنائها؛ لرأيت رسومها مع رسوم القباب. وعلمت كم غار بها من بحر ~~ونضب من سحاب. # وهذا معنى حسن ms086 له من نفسه مثن وحامد، ومن سامعه يمين وشاهد، وهو من معاني ~~المستخرجة. # ومن ذلك قولي أيضا، وهو: النقص موكل بكمال النعماء، ولذلك كان الوخم ~~مقترنا بالمرعى والماء وقلما ترى ثمرة إلا ومعها زنبور، ولا لذة إلا وإلى ~~جانبها شيء محذور. # وكذلك قولي أيضا، وهو: لا يظفر الرجل بمطالبه شفعا، ولا تؤتيه من كل جهة ~~نفعا، بل يرى مرعى بلا ماء وماء بلا مرعى، ولذلك كانت النحلة مع الشهدة، ~~والشوكة مع الوردة. # PageV01P118 # وبعض هذه المعاني مأخوذ من قول أبي تمام «1» : # أرض بها عشب زاك وليس بها ... ماء وأخرى بها ماء ولا عشب «2» # إلا أن في الكلام المنثور زيادة على ما تضمنه الشعر، وكأنه ينظر إليه ~~نظرا بعيدا. # ومن سبيل المتصدي لهذا الفن أن يأخذ المعنى من الشعر فيجعله مثل الإكسير ~~في صناعة الكيمياء، ثم يخرج منه ألوانا مختلفة من جوهر وذهب وفضة، كما فعلت ~~في هذا الموضع؛ فإني أخذت معنى هذا البيت من الشعر فاستخرجت منه ما ليس ~~منه، وهذا أعلى الدرجات في نثر المعاني الشعرية. # وقد بسطت القول في هذا الموضع، وكشفت عن دفائنه، في الكتاب الذي وسمته ب ~~«الوشي المرقوم في حل المنظوم» وهو كتاب مفرد [في] هذا الفن خاصة. # ومن هذا الضرب الذي هو الكيمياء في توليد المعاني ما ذكرته في وصف الربيع ~~فقلت: فصل الربيع هو أحد ميزاني عامه، والمستقيد لسامه من حامه، وقد وصف ~~بأنه ميعاد نطق الأطيار، وميلاد أجنة الأزهار، والذي تستوفي به حولها سلافة ~~العقار، فإذا سلت السحب فيه سيوفها كان ذلك للرضا لا للغضب، وإذا خلعت على ~~الأرض غلالتها الدكناء لبست منها ديباجة منسوجة بالذهب. # وهذا المعنى مستولد من قول أبي تمام في وصف السحاب «3» : # PageV01P119 # سلبته الجنوب والدين والدنيا وصافي الحياة في سلبه «1» إلا أن في الذي ~~ذكرته معنيين غريبين إذا أمعن الناظر نظره فهمهما. # ومن ذلك ما ذكرته في لين القول وإعادته، وما يجري مجراه، كقولي في فصل من ~~كتاب، وهو: لم أعد عليه القول لأنه لا يبلغ مدى ميدانه، إلا ms087 بتحريك سوطه ~~وعنانه، بل أخذا بأدب الله في اذكار القرآن، واتباعا لسنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم في تثويب الأذان. # وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام «2» : # لو رأينا التأكيد خطة عجز ... ما شفعنا الأذان بالتثويب «3» # وكذلك قولي أيضا، وهو: وقد علم أن لين القول أنجع قبولا، وهو من أدب كليم ~~الله إذ بعثه إلى فرعون رسولا، ألا ترى أن الحداء يبلغ من المطايا بلطفه، ~~ما لا يبلغه السوط على عنفه. # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي تمام «4» : # PageV01P120 # وخذهم بالرقى إن المهارى ... يهيجها على السير الحداء «1» # ومن ذلك ما ذكرته في ذم الدنيا، وهو: أنكاد الدنيا مشوبة بالأشياء التي ~~جبلت النفوس على حبها، وكل ما تستلذه الأبدان من مأكلها فإنه يضرها من جهة ~~طبها، ولهذا يذمم من منفعة الهليلج، ومضرة اللوزينج. وأعجب من ذلك أنه لا ~~ينتفع الإنسان بشيء من لذاتها إلا ضره من جهة ثوابه، وهو كالذي ينتفع ~~باصطلاء النار وهي محرقة لأثوابه، وقد ضرب لذلك مثل من الأمثال، وقيل: إن ~~كل ما ينفع الكبد مضر بالطحال. # وهذا مأخوذ من الأمثال العربية والمولدة. # ومن ذلك ما ذكرته في الزهد، وهو: الناس في الدنيا أبناء الساعة الراهنة، ~~وكما أن النفوس ليست فيها بقاطنة فكذلك الأحوال ليست بقاطنة، ولهذا كانت ~~المآتم بها كالأعراس يتفرق ندي جمعها، فهذه تنسي ما مضى من لذة سرورها وهذه ~~تنسي ما مضى من ألم فجعها، ولا شبيه لها على ذلك إلا الأحلام التي يتلاشى ~~خيالها عاجلا، وتجعل اليقظة حقها باطلا، وما ينبغي حينئذ أن يفرح بها مقبلة ~~ولا يؤسى عليها مدبرة، وكل ما تراه العين منها ثم يذهب فكأنها لم تره، ~~وغاية مطلوب الإنسان منها أن يمد له في مدة عمره، ويملى له في امتداد كثره، ~~أما تعميره فيعترضه المشيب الذي هو عدم في وجود، وهو أخو الموت في كل شيء ~~إلا في سكنى اللحود، فالجوارح التي يدرك بها الشهوات ترى وكل منها قد تحول، ~~وأصبح كالطلل الدارس الذي ليس عنده من «2» معول، فلا ليلى ms088 بليلى ولا النوار ~~بالنوار، ولا الأسماع أسماع ولا الأبصار أبصار، وأما ماله فإن أمسكه فهو ~~عرضة لوارث يأكله، أو # PageV01P121 # لحادث يستأصله، وإن أنفقه كان عليه في الحلال حسابا، وفي الحرام عقابا، ~~فهذه زهرة الدنيا الناضرة، وهذه عقباها الخاسرة. # وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر صالح بن عبد القدوس: # وإذا الجنازة والعروس تلاقيا ... ألفيت جمعا كله يتفرق # ومن قول أبي العتاهية: # أنما أنت طول عمرك ما عمرت في الساعة التي أنت فيها ومن ذلك ما ذكرته في ~~فصل من كتاب يتضمن تعزية، وهو: كيف يظلم ذلك اللحد وبه من أعمال ساكنه ~~أنوار؟ أم كيف يجدب وبه من فيض يمينه سحاب مدرار؟ أم كيف توحش أقطاره ~~والملائكة داخلة عليه من تلك الأقطار؟ أم كيف يخفيه طول العهد على زواره ~~وطيب ترابه هاد للزوار، وما أعلم ما أقوله في هذا الخطب الجليل، الذي دق ~~فيه الحزن الجليل، وسمحت له النفوس بالفدية على حب الحياة وذلك من الفداء ~~القليل، وقد قيل: إنه لم يخلق الدمع إلا إنذارا بأن نوائب الزمان ستنوب، ~~وقد جعله الله ذخرا للقائها وإنما يذخر السلاح للقاء الحروب، والذي ذخرته ~~منه لم يغن عني في هذه النائبة، وأي جنة تقوم في وجه سهامها الصائبة، لا ~~جرم أني أصبحت بين يديها هدفا للرماء، ولم يبق مني إلا ذماء الحشاشة ومن ~~العجب بقاء الذماء. # وشيء من هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي: # لم يخلق الدمع لامرئ عبثا ... الله أدرى بلوعة الحزن # وكذلك ذكرت فصلا في كتاب آخر يتضمن تعزية، وهو: فيا ويح أيد أسلمته إلى ~~الثرى وما كان يسلمها إلى الإعدام، وألبسته ظلمة اللحد وطالما جلا عنها ~~غيابة الظلم والإظلام، وغادرته بوحدته مستوحشا وقد كان يؤنسها بنوافل ~~الإنعام، ومثله لا يوارى القبر منه إلا صورة يدركها النفاد، وتبلى كما يبلى ~~غيرها من الأجساد، ولكنه لا يستطيع مواراة الذكر الخالد الذي يذهب بشماتة ~~الحساد، ويتمثل في السماء بصورة الكواكب وفي الأرض بصورة الأطواد. # PageV01P122 # وبعض هذا مأخوذ من قول بعض شعراء الحماسة «1» : # فإن تدفنوا ms089 البكري لا تدفنوا اسمه ... ولا تدفنوا معروفه في القبائل «2» # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام بالفصاحة، وهو فصل من كتاب؛ فقلت: # وله البيان الذي يغض من نسق الفريد، ولا يخلق نضرة لباسه الجديد، وهو فرق ~~كلام المجيد ودون القرآن المجيد، وإذا اختصروا صفته قيل: إنه يستميل سمع ~~الطروب، ويستحق وقار القلوب، ويتمثل آيات بيضاء من غير ضم إلى الجيوب، ويرى ~~في الأرض غير لاغب إذا مس غيره فترة اللغوب، ولا تزال الناس في عشق معانيه ~~ضربا واحدا والعاشقون ضروب، ولما وقفت عليه قلت: سبحان من أعطى سيدنا فلم ~~يبخل، وخصه بنبوة البيان إلا أنه لم يرسل، ولولا أن الوحي قد سد بابه لقيل: ~~هذا كتاب منزل، ولقد خار الله لأولي الفصاحة إذ لم يحيوا إلى عصره، ولم ~~يبتلوا فيه بداء الحسد الذي يصليهم بتوقد جمره، ولئن سلموا من ذلك فما سلمت ~~أقوالهم من أقواله التي محتها محو المداد، وقد كانت باقية بعدهم فلما أتى ~~صارت كما صاروا إلى الألحاد. # وفي هذا الفصل شيء من المعاني الشعرية كقول البحتري «3» : # PageV01P123 # مستميل سمع الطروب المعنى ... عن أغاني معبد وعقيد «1» # وقول الشريف الرضي رحمه الله «2» : # عشقت ومالي يعلم الله حاجة ... سوى نظري، والعاشقون ضروب # وفيه أيضا شيء من معاني القرآن الكريم، إلا أنها جاءت ضمنا وتبعا، ~~وموضعها يأتي بعد الأبيات الشعرية. # وكذلك ذكرت فصلا آخر من هذا الأسلوب، وهو: إن للكلمة طعما يعرف مذاقه من ~~بين الكلام، وخفة الأرواح معلومة من بين ثقل الأجسام، فلو لم نعرفه بطعمه، ~~عرفناه بوسمه، والصباح لا يتمارى في إسفاره، ولا يفتقر إلى دليل على إشراق ~~أنواره، وقد علم أن العرف يعرف بغصنه، وأن القول يعرف بلحنه، ونفائس هذه ~~العقود لا يبرزها إلا أنفاسه، فدررها لفظه وسلوكها قرطاسه. # ومن هذا الباب قولي أيضا، وهو: ألفاظ كخفق البنود، أو زأر الأسود، ومعان ~~تدل بإرهافها أنها هي السيوف وأن قلوبا نمتها هي العمود، فيخالها المتأمل ~~حومة طعان، أو حلبة رهان. # وبعض هذا مأخوذ من شعر البحتري «3» : # يقظان ينتخب الكلام كأنه ms090 ... جيش لديه يريد أن يلقى به # PageV01P124 # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان من أهل الكتابة كان ~~اعتدى عليه شخص يدعي الكتابة وليس من أهلها، فقلت: وقد نيط بسيدنا قلما ~~الخط اللذان ينسب أحدهما إلى المداد وينسب الآخر إلى الصعاد «1» ، فهو يدير ~~هذا في معركة المقال وهذا في معركة الطراد، ولربما صهل أحد قلميه من فوق ~~صفحات الدروج، كما تصهل الجياد من تحت أعواد السروج، فله احتفال المواطن ~~والمجالس، وإليه غناء أصحاب العمائم والقلانس، لا كمن لا يجاوز همه طرفي ~~ردائه، وإذا نودي لفضيلة قيل: إنما يسمع الحي بندائه، وكم في الناس من صور ~~لا تجد لمعناها أثرا، وإذا رأيتها قلت أرى خالا ولا أرى مطرا، وأي جمال عند ~~من ليس له إلا جمال ثيابه، وهل ينفع السيف الكهام أن تجعل من الذهب حلية ~~قرابه، وكل من هؤلاء ذنب يسعى بغير رأس، ولا له هم إلا في عيشة الطاعم ~~الكاس «2» وإذا اعتبر حاله وجد من البهائم وإن كان منسوبا إلى الناس، ~~والسيادة ليست في وشي الثياب، ولا في طيب الطعام والشراب، وإنما هي في ~~شيئين: إما شهامة قلم تفرق لها قلوب الغمود، أو شهامة رمح تفرق لها قلوب ~~الأسود، وكأني بقوم يسمعون هذا وكلهم يمتعض امتعاض المغضب، وتتابع نفسه ~~تتابع المتعب، ويعترض الشجى في حلقه حتى يغص من غير أن يشرب، ولم يزل ~~بالحساد من سيدنا داء يورثهم أرقا، ويوسعهم شرقا، وكثيرا ما تعرق له جباههم ~~وكذا الميت يندى جبينه عرقا، وما أرى لهؤلاء دواء إلا أن يطرحوا عن مناكبهم ~~ثقل المساجلة، والحسد إنما يكون ممن يجري مع صاحبه في مضمار المماثلة، وكنت ~~أحب أن يقام على الكتابة # PageV01P125 # محتسب حتى يتفلس منها خلق كثير، وتستريح جياد كثيرة من ركوب حمير، وفي ~~مثل هذا السوق يظهر أهل الخلابة والنجش، وما منهم إلا من هو في الحضيض ~~الأسفل وقد أجلس نفسه قائمة العرش، ونار الآلة العمرية تميز خالص النقود من ~~زيفها، ولا حيف في هذا المقام على من ms091 أسرفت دعواه الكاذبة في حتفها. # وبعض هذا الفصل مأخوذ من شعر عبد السلام بن رغبان عرف بديك الجن «1» : # يزهى به القلمان إلا أن ذا ... لدن المجس وأن ذا بكعوب «2» # عودان: يقضب ذا الطلى بلعابه، ... ويجوب ذا المهجات بالتركيب # ويكفيك أيها المتوشح لنثر الشعر أن تنظر إلى هذا الفصل، وتتأمل الموضع ~~الذي أخذت معنى هذين البيتين ووضعته فيه؛ فإن فيه غناء ومقنعا. # وأما حل آيات القرآن العزيز فليس كنثر المعاني الشعرية؛ لأن ألفاظه ينبغي ~~أن يحافظ عليها، لمكان فصاحتها، إلا أنه لا ينبغي أن يؤخذ لفظ الآية ~~بجملته؛ فإن ذلك من باب التضمين، وإنما يؤخذ بعضه، فإما أن يجعل أولا لكلام ~~أو آخرا، على حسب ما يقتضيه موضعه، وكذلك تفعل بالأخبار النبوية. # على أنه قد يؤخذ معنى الآية والخبر فيكسى لفظا غير لفظه، وليس لذلك من ~~الحسن ما للقسم الأول؛ للفائدة التي أشرنا إليها. # وقد سلكت في ذلك طريقا اخترعتها، وكنت أبا ابن عذرتها، وعند تأمل ما ~~أوردته منها في هذا الكتاب يظهر للمتأمل صحة دعاوي، ولئن كان من تقدمني أتى ~~بشيء من ذلك فإني ركبت فيه جوادا وركب جملا، ونال من مورده نهلة واحدة ونلت ~~منه نهلا وعللا، ومن آتاه الله في القرآن بصيرة فإنه يسبك ألفاظه ومعانيه ~~في كلامه، ويستغني به عن غيره، إلا أنه ينبغي أن يكون فيه صواغا يخرج منه ~~ضروب # PageV01P126 # المصوغات، أو صرافا يتجهبذ في نقوده المختلفة من الذهب المختلف الألوان، ~~ولا أقول من الفضة؛ فإنه ليس فيه من الفضة شيء، وهو أعلى من ذلك، أو يكون ~~فيه تاجرا يديره على يده، ويتصرف في أرباحه، ويخرج من الأمتعة المجلوبة من ~~مناسجه كل غريبة عجيبة، وكل هذا يفهمه من عرف فلزم، وحكم بما علم. # وما كل من قال القريض بشاعر ... ولا كل من عانى الهوى بمتيم # واعلم أن المتصدي لحل معاني القرآن يحتاج إلى كثرة الدرس؛ فإنه كلما ديم ~~على درسه ظهر من معانيه ما لم يظهر من قبل، وهذا شيء جربته وخبرته؛ فإني ~~كنت آخذ سورة ms092 من السور وأتلوها، وكلما مر بي معنى أثبته في ورقة مفردة، حتى ~~أنتهي إلى آخرها؛ ثم آخذ في حل تلك المعاني التي أثبتها واحدا بعد واحد، ~~ولا أقنع بذلك حتى أعاود تلاوة تلك السورة، وأفعل مثل ما فعلته أولا، وكلما ~~صقلتها التلاوة مرة بعد مرة، ظهر في كل مرة من المعاني ما لم يظهر لي في ~~المرة التي قبلها. # وسأورد في هذا الموضع سورة من السور، ثم أردفها بآيات أخرى من سور ~~متفرقة، حتى يتبين لك أيها المتعلم ما فعلته فتحذو حذوه، وقد بدأت بالسورة ~~أولا، وهي سورة يوسف عليه السلام؛ لأنها قصة مفردة برأسها، وفيها معان ~~كثيرة: # فالأول: ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو: وصل كتاب الحضرة السامية ~~أحسن الله أثرها، وأعلى خطرها، وقضى من العلياء وطرها، وأظهر على يدها آيات ~~المكارم وسورها، وأسجد لها كواكب السيادة وشمسها وقمرها. # وهذا أول معنى في السورة، وقد نقلته عن قصة المنام إلى الدعاء. # ثم أبرزت هذا المعنى في صورة أخرى، وهو: أكرم النعم ما كان فيها ذكرى ~~للعابدين، وتقدمه إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # ، فهذه النعمة هي التي تأتي بتيسير العسير، وتجلو ظلمة الخطب بالصباح ~~المنير؛ فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها، إن ذلك لمحيي ~~الموتى وهو على كل شيء قدير. # PageV01P127 # ثم تصرفت في هذا المعنى فأخرجته في معرض آخر، وهو فصل من جملة تقليد يكتب ~~من ديوان الخلافة لبعض الوزراء، فقلت: وقد علمه أمير المؤمنين فأدنى مجلسه ~~من سمائه، وآنسه على وحدة الانفراد بحفل نعمائه، وذلك مقام لا تستطيع ~~الجدود أن ترقى إلى رتبته، ولا الآمال أن تطوف حول كعبته، ولا الشفاه أن ~~تتشرف بتقبيل تربته، فليزد إعحابا بما نالته مواطىء أقدامه، ولينظر إلى ~~سجود الكواكب له في يقظته لا في منامه. # ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو: لم أر كمواهب فلان ملأت أملي بطمع ~~وعودها، وفرغت يدي من نيل جودها، فلم أحظ إلا بلامع سرابها، وكانت ms093 كدم ~~القميص في كذابها. # ومن ذلك ما ذكرته في تزكية إنسان مما رمي به، وهو: لم ترم بذنب إلا نابت ~~البراءة له مناب الشهود، وجيء من أهلها بشهادة القميص المقدود. # ومن ذلك ما ذكرته في عذر الهوى، وهو: لم يهو حبيبا إلا كان لأهل التقى ~~فيه أسوة، ولا ليم من أجله إلا اعتذر عذر امرأة العزيز إلى النسوة. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من جواب كتاب إلى بعض الإخوان، وهو: إن كان ~~الكلام كما قيل ذكرا والجواب أنثى فجوابي هذا عروس تجلى في حللها المحبرة، ~~وعقودها المشذرة، وتزهي بما آتاها الله من الحسن الذي ليس بالمجلوب، ولا ~~ترضى بتقطيع الأيدي دون تقطيع القلوب، وها قد أرسلتها إلى سيدنا حتى يعلم ~~أن نتائج خاطري على الفطرة، وأنها معشوقة الصور فكل الناس في هواها بنو ~~عذرة. # وفي هذا الفصل معنى الآية والخبر النبوي والبيت من الشعر. # ومن ذلك ما ذكرت في تقلب الأيام، وهو: لقينا أياما ضاحكات، وليتها أيام ~~عابسات، فكانت كسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، وهو: ليس ممن يرقب عجف الزمان # PageV01P128 # فيذر الحب في سنبله، ولكنه يستأنف الصبر في آخره ويستهلك المال في أوله، ~~فلا يبقي من يومه لغده، ولا يتهم ربه فيما بيده. # ومن ذلك ما ذكرته في حب الرشوة، وهو: الرشوة تحل عقد القلوب، وتهون فراق ~~المحبوب، ألا ترى أن رد البضاعة، حكم على أخي يوسف بالإضاعة. # ومن ذلك ما ذكرته في الاستسلام لحكم الأقدار، وهو: لا تحترس من جنود ~~الأقدار بالآراء المتعمقة، وسواء عندها الباب الواحد والأبواب المتفرقة. # ومن ذلك ما ذكرته في تتابع الإساءة، وهو: لم يزل يرشقني بقوارصه حتى ~~تكاثر النبل واستحكم التبل، ولم يكفه الإلقاء في غيابة الحب حتى قال: إن ~~يسرق فقد سرق أخ له من قبل. # ومن ذلك ما ذكرته في التوكل، وهو: إذا طلب أمرا أجمل في المطلوب، ووكله ~~إلى الذي بيده مفاتيح الغيوب، وتأسى في حاجته منه بالحاجة التي كانت في نفس ~~يعقوب. ms094 # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الكيد، وهو: لم يأت أمرا إلا أخفى أسباب أواخيه، ~~وبدأ فيه بالأوعية قبل وعاء أخيه. # وهذه ثلاثة عشر معنى من سورة يوسف عليه السلام. # وأما الآيات التي هي من سور متفرقة فأولها ما كتبته في صدر كتاب إلى بعض ~~الإخوان جوابا عن كتابه، وهو: ورد كتابه عشية يوم كذا فعرض علي عرض الجياد ~~على سليمان، وتساوينا في الاشتغال منه ومنها بالاستحسان، غير أن الجياد وإن ~~حسنت فإنها لا تبلغ في الحسن مبلغ الكتاب، لكن قلت كما قال إني أحببت حب ~~الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب، ولئن قضي الاشتغال هناك بمسح سوق ~~وأعناق، فإنه لم يقض ههنا بمسح سطور ولا أوراق، وإنما اشتغلت عن عبادة ~~بعبادة، ولو شئت لقلت عن إفادة بإفادة. # وهذا مأخوذ من قصة سليمان عليه السلام في سورة ص، وهي قوله تعالى: # ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب. إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ~~الجياد. # PageV01P129 # فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب. ردوها علي فطفق ~~مسحا بالسوق والأعناق # ، فانظر كيف أخذت هذه القصة وقابلت بينها وبين الكتاب، ثم إني تصرفت فيها ~~بالموافقة بينهما تارة والمخالفة بينهما أخرى، وهكذا ينبغي أن يفعل فيما ~~هذا سبيله. # ومن ذلك ما كتبته عن الملك الأفضل علي بن يوسف إلى الديوان العزيز النبوي ~~ببغداد في فصل من كتاب، وهو: وقد علم أن المال الذي يختزن، كالماء الذي ~~يحتقن، فكما أن هذا يأجن بتعطيل الأيدي عن امتياح مشاربه، فكذلك يأجن هذا ~~بتعطيل الأيدي عن امتياح مواهبه، وأي فرق بين وجوده وعدمه لولا أن تملك به ~~القلوب، وتقل به الخطوب، ويركب به ظهر العزم الذي ليس بركوب، ومن بسط الله ~~يده فيه ثم قبضها بحله فإنه يقف دون الرجال مغمورا، ويقعد عن نيل المعالي ~~ملوما محسورا، وإذا أدركته منية مضى وكأنه لم يكن شيئا مذكورا، ومذ ناط ~~الله بيد الخادم ما ناطه من أمر بلاده لم يدخر منها إلا مربط أشقره، ومركز ~~أسمره، ms095 وما عداهما فإنه مصروف إلى قوة الإسلام في سد ثغوره وتكثير جنوده، ~~وإيقاد حرب عدوه بعد خمودها واستباحة جمرها عند وقوده، وما يفضل عن ذلك ~~فإنه للناس يشتركون في وشله وغمره، والمسلم أخو المسلم يساويه في حقه من ~~بيت المال وإن خالفه في مزية قدره، ولا سبيل على الخادم وهو يفعل ما يفعله ~~أن يدلس من هذا المال بتبعة المطلوب، أو يلتحق بالقوم الذين يكنزونه فيجزي ~~عليه بكي الجباه والظهور والجنوب، ولم يأت به الله على فترة من مثله إلا ~~ليمحو به سيئات الدين ويعيد به الإسلام إلى وطنه بعد أن طال عهده بمفارقة ~~الوطن، ولا يكون حسنة من حسنات أمير المؤمنين، ترقمها الدنيا في ديوانه، ~~وتثقل بها في الآخرة كفة ميزانه. # وفي هذا الفصل معنى آيتين: إحداهما: في سورة هل أتى، والأخرى: في سورة ~~براءة. # ومن ذلك ما كتبته عنه إلى عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب من كتاب ~~يتضمن استعطافه والتنصل إليه، وهو من شيمة الأقدار أن تذهب ببصائر ذوي ~~الألباب، ويمثل لهم الخطأ في مثال الصواب، ولولا ذلك لما زل الحكيم واعوج # PageV01P130 # المستقيم، والمملوك يقبل اليد الكريمة المولوية الملكية العادلية لا زال ~~عرفها مأمولا، وإحسانها عند الله مقبولا، وفعلها في المكرمات مبتدعا إذا ~~كان فعل الأيادي مفعولا، ونستغيث إلى عفوها الذي يكفي فيه لفظة الاعتذار، ~~ولا ينفد بمواظبة الآصار، ولو عرف ذنبه باديا لقرع له سن الندامة، وعاد على ~~نفسه بالملامة. ولما كان عجيبا أن يكون مليما، وأن يكون مولانا كريما، لكنه ~~حمل آصرة الذنب وهو بريء من حملها، وخاف أن تكون هذه كأخواتها التي سلفت من ~~قبلها، والأمور المتشابهة يقاس البعض منها على البعض، والملسوع لا يستطيع ~~أن يرى مجر حبل على الأرض، ولم يجترم الملوك الآن جريمة سوى أن فر إلى ~~الاعتصام، وألقى بيده إلى أقوام لم يكونوا له بأقوام، وإذا ضاق على المرء ~~أقربه كان الأبعد له من ذوي الأرحام. # وليس بأول من ذهب هذا المذهب، ولا بأول من حمل نفسه على ركوب ms096 هذا المركب، ~~ولئن قال بعض الناس إنه عجل في اعتصامه وفراره، وإنه لو صبر ابتلي بما ~~ابتلي به من قوارص مولانا مرة بعد أخرى، ولقد تكاثرت عليه هذه الأقوال ~~المؤنبة حتى ملأت طرفه كحل السهاد، وجنبه شوك القتاد، وأصبح وهو يرى أنه ~~زلق في خطيئته زلقا، وغص بندمه من أجلها شرقا، وبدت له سوأته حتى طفق يخصف ~~عليها ورقا، ومع هذا فإنه واثق أن حلم مولانا لا يؤتى من الزلل، وأن حصاة ~~الذنوب لا تخف بوزن ذلك الجبل، وها هو قد جاء نازعا وللنازع العتبى، وعاد ~~مستشفعا ولا شفيع أكرم من القربى. # ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب. # وفي الذي أوردته من هذا الفصل معنى آية من القرآن في سورة الأعراف، وهي ~~قوله تعالى: فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة. # ومن ذلك ما كتبته عن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان بن مسعود ~~صاحب الموصل إلى الديوان العزيز ببغداد بعد وفاة والده يسأل في التقليد، ~~وكان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة؛ فمما جاء في صدر الكتاب بعد الدعاء قولي، ~~وهو: # إذا توفي ولي من أولياء الدولة فمن السنة أن يعزى بفقده، ويستخرج إذنها ~~في سليله # PageV01P131 # القائم من بعده، حتى لا تخلو أرضها من رواسي الجبال، ولا سماؤها من مطالع ~~الكواكب التي تجلو ظلمة الليال، وقد مضى والد العبد إلى رحمة الله وهو ~~متزود من الطاعة خير زاد، غير خائف من إحصاء الرقيب العتيد إذ جعلها له من ~~العتاد، وما عليه وقد ثقلت كفة ميزانه ما كان في الكفة الأخرى من السجلات ~~الكثيرة الأعداد، ومضمون وصيته التي عهدتها أن نمشي في الطاعة على أثره، ~~ونهتدي بالأوامر الشريفة في مورد الأمر ومصدره، وقد جعلها العبد نجي فكره ~~إذا قام وإذا قعد، وسبحة صلاته إذا ركع وإذا سجد، وهو يرى أنه لم يمض والده ~~حتى أبقى للدولة من يثبت قدمه موضع قدمه، وعند ذلك يقال: إن غصن الشجرة ~~كالشجرة في ثبات أصله وقوة معجمه، وهذا مقام ms097 لا تمتاز فيه الآباء عن ~~الأبناء، وليست المزية لاكتهال السن إنما هي لشبيبة الغناء، وقد أوتي يحيى ~~الحكم قبل أن يجري القلم في كتابه، وشهد له بالتزكية قبل أن ينتصب في ~~محرابه، وكذلك قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة على فتاء عمره، ~~وشهد أنه خليق بما أسند إليه من أمره، والعبد وإن بسط الاستحقاق لسانه فإن ~~الأدب يحكم بانقباضه، ويريه أن التفويض إلى إنعام الديوان العزيز أسرع في ~~نجح أغراضه، ولا شك أن منتهى الآمال لا يبلغ أدنى تلك المواهب، ولو جمعت في ~~صعيد واحد ثم سألت مطالبها لما نقصت خزائن العطايا من تلك المطالب. # وهذا الفصل من أول الكتاب، وفيه معنى آيتين من سورة مريم عليها السلام: # أما الأول: فقوله تعالى عند ذكر يحيى عليه السلام: وآتيناه الحكم صبيا # وأما الثانية: فقوله تعالى: وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا # وفي هذا الفصل أيضا معاني ثلاثة من الأخبار النبوية، وليس هذا موضعها، ~~وإنما جاءت ضمنا وتبعا. # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الغبار في الحرب، وهو: وعقد العجاج شفقا فانعقد، ~~وأرانا كيف رفع السماء بغير عمد، غير أنها سماء بنيت بسنابك الجياد، وزينت ~~بنجوم الصعاد، ففيها مما يوعد من المنايا لا ما يوعد من الأرزاق، ومنها ~~تقذف شياطين الحرب لا شياطين الاستراق. # وهذه المعاني مأخوذة من سورة الرعد، وسورة الصافات، وسورة الذاريات. # PageV01P132 # ومن ذلك ما ذكرته في وصف طعام، وهو فصل من كتاب، فقلت: طعام لا يمل إذا ~~شينت الأطعمة بمللها، وكأنما تولته يد الخلقة ولم تباشره الأيدي بعملها، ~~فهو من بقايا المائدة التي نزلت من السماء، وقد طاب حتى لا يحتاج من بعده ~~إلى استعمال الماء، وما رآه ذو شبع إلا رأى تركه غبنا، وود لو زيد إلى بطنه ~~بطنا. # وبعض هذا مأخوذ من سورة المائدة. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: قد تكاثرت ~~وسائل الخادم حتى لا يدري ما يجعله لطلابه سفيرا، وما منها إلا ما يقال: ~~إنه أول ms098 وليس فيها ما يجعل أخيرا، غير أنه لا يذكر منها إلا ما هو توأم ~~إيمانه، والذي لا ينظر الله من ابن آدم إلا إلى مكانه، وفي ذلك كاف عن ~~الوسائل التليدة والطريفة، وقول لا إله إلا الله لا يعدله شيء من الحسنات ~~المودعة في الصحيفة، وقد تجدد الآن للخادم مطلب هو بالنسبة إلى مواهب ~~الديوان العزيز يسير، ولو قامت مطالب الناس في صعيد واحد لأعطي كلا منها ~~مرامه ولم يقل ذلك كثير، وكتابه هذا سائر إلى تلك المواهب التي يضيق عنها ~~صدر الأرض باتساعه، وليس الذي يسأله ممنعا فيحال على النظر إلى الجبل في ~~امتناعه، وكما أن عبيد الديوان العزيز أطوار فكذلك مطالبهم أطوار، وقد جعل ~~الله الأشياء متفاوتة في مراتبها وكل شيء عنده بمقدار. # وهذا الفصل من أحسن ما يكتب في استنجاز مطلوب، وفيه معاني ثلاثة: # أخبار نبوية، ومعنى آيتين من القرآن الكريم، وليس هذا موضع الأخبار، ~~وإنما جاء ضمنا وتبعا؛ فالآية الأولى في سورة الأعراف، والآية الثانية في ~~سورة الرعد. # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب، وهو: إذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه نجوم ~~كلمه، لم يقعد له شيطان بلاغة مقعدا، إلا وجد له شهابا مرصدا، فأسرارها ~~مصونة عن كل خاطف، مطوية عن كل قائف. # وهذا المعنى مأخوذ من سورة الجن. # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب أيضا، فقلت: له بنت فكر ما تمخضت # PageV01P133 # بمعنى إلا أنتجته من غير ما تهمله، وأتت به قومها تحمله، ولم يعرض على ~~ملأ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره لا أيهم يكفله. # وفي هذين السطرين آيتان من القرآن الكريم: الأولى في سورة مريم، وقصتها ~~وقصة ولدها عليهما السلام، وهي قوله تعالى: فأتت به قومها تحمله # والثانية في سورة آل عمران في قوله: إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن وصف القلم، فقلت: وقد أوحى الله ~~تعالى إلى قلمه ما أوحاه إلى النحل، غير أنها تأوي إلى المكان الوعر وهو ~~يأوي إلى ms099 البيان السهل، ومن شأنه أن يجتني من ثمرات ذات أرواح لا ذات ~~أكمام، ويخرج من نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام، وأين ما تنبته ~~كثافة الخشب مما تنبته لطافة المعنى، ولا تستوي نضارة هذا الثمر وهذا الثمر ~~ولا طيب هذا المجنى وهذا المجنى، وقد أرخص الله ما يكثر وجوده فيذهب في ~~لهوات الأفواه، وأغلى ما يعز وجوده فيبقى خالدا على ألسنة الرواه، وكل هذه ~~الأوصاف لا تصح إلا في قلم سيدنا الذي إذا خلا بخاطره امتلأت بحديثه ~~المحافل، وإذا حلا كتابه وحدت الكتب الحالية من قبله وهي عواطل، فله حينئذ ~~أن ينظر إلى غيره بعين الاحتقار، ولواصفه أن يسهب وهو قائم مقام الاختصار. # هذا الفصل غريب عجيب، وقد جمع بين الأضداد، فمناله بعيد، وفهمه قريب، وهو ~~مأخوذ من سورة النحل. # ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو: له شيمة في الجود لا يشام نائلها، ~~وإذا هزها سائلها قال: إنها كلمة هو قائلها. # وهذا مأخوذ من سورة المؤمنين. # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو: وصل كتابه فوقف منه على اللفظ ~~الرخيم، والمعنى الذي هو في كل واد يهيم، وقال: يا أيها الملأ إني ألقي إلي ~~كتاب كريم، ثم أخذ في إعلاء قدره، وتنويه ذكره، ولم يستفت الملأ في الإذعان ~~لأمره، ولا أهدى في قبالته سوى هدية لسانه وصدره، لا جرم أنها تقبل ولا ~~ترد، # PageV01P134 # ويعتد بها ولا تعد، فإنها مال لا ينفده الإنفاق، وجوهر تتحلى به الأخلاق ~~لا الأعناق. # وهذا مأخوذ من قصة سليمان عليه السلام في كتابه إلى بلقيس، وهي مذكورة في ~~سورة النمل، وفي هذا من شرف الصنعة أنه خولف بين معانيه ومعاني ما أتى به ~~القرآن الكريم. # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن ذكر معركة حرب بين المسلمين والكفار، ~~وهو: إذا خطب القلم عن الرمح الذي هو نديده قام محتفلا، وأسهب مترويا ~~ومرتجلا، حتى يأتي في خطابته بالمعاني الأخائر، وأصدق القول ما صدر عن ~~شهادة الضرائر للضرائر، وكتابنا هذا يصف معركة احمرت ms100 ضبابتها، وضاقت ~~بالأسود غابتها، فالطعن بها محتضر، والموت محتقر، والنصر من كلا الفريقين ~~مقتسر، وكان الإسلام هناك زجر السنيح، وفوز القدح المنيح، وليس الذي يرقب ~~المعونة من الله الذي هو رب المسيح كمن يرقبها من المسيح، ولقد نفذت الرماح ~~في أعداء الله تعالى حتى اعتدلت من جانبي الصدور والظهور، وتركت الناجي ~~منهم وهو لا ينظر إلى الصليب إلا نظر الخائف المذعور، فليس لهم من بعدها ~~جيش يجمع، ولا لواء يرفع، وقد كانت بلادهم من قبل مانعة وهي الآن لا تذب ~~عنها ولا تمنع، وهذه معركة قلت بها الرقاب المأسورة، وكثرت النفوس ~~المقتولة، وقربت بها القرابين التي تأكلها النار لا لأنها مقبولة. # ومعنى الآية في هذا الفصل مأخوذ من سورة آل عمران، إلا أنها تخالفه، وذاك ~~أن القربان كان يقبل فتنزل النار تأكله وأجساد هؤلاء الكفار قربان تأكله ~~النار لكنها لا تأكله لأنه مقبول، وباقي الفصل يتضمن معنى حسنا رقيقا. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن الشكوى من خلق بعض الإخوان، وهو: ~~ولقد صبرت على أخلاقه العائثة، وعاملته بالخليقة الرائثة، وعالجته بضروب ~~المعالجات فلم تنفع فيه رقى الراقية ولا نفث النافثة، ولما أعيا علي إصلاحه ~~أخذت بمقالة الخضر لموسى في المرة الثالثة. # وهذا مأخوذ من قصة موسى عليه السلام وقصة الخضر في سورة الكهف. # PageV01P135 # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو: تجمعوا في نار الندم يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا، وصار الأمر الذي كانوا يرجونه مخشيا، وأضحوا كأهل النار الذين ~~صاروا أعداء وكانوا شيعا، وقال ضعفاؤهم للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعا. # وهذا مأخوذ من سورة حم المؤمن، ومن سورة سبأ. # ومن ذلك ما ذكرته في ذم غلام أبله كنت أقاسي من بلهه نكذا فكتبت يوما من ~~الأيام إلى بعض إخواني كتابا وعرضت فيه بذكره، فقلت: ولقد ملكه النسيان حتى ~~كأنه يقظ في صورة نائم، وحتى حقق قول التناسخ في نقل أرواح الأناسي إلى ~~البهائم، فما أرسل في حاجة إلا ذهبت عن قلبه يمنة ويسرة، ولا طلب ms101 منه ما ~~استحفظه إلا قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة. # وهذا فصل يشتمل على عدة معان؛ منها ما هو مأخوذ من القرآن الكريم من سورة ~~الكهف. # ومن ذلك ما ذكرته في تقليد قاض، وهو فصل منه، فقلت: والفضائل ما بقيت ~~موجودة ولم تفقد، وهي حية وإن أودى أربابها، ولا يموت من لم يولد، ومن أكرم ~~ما أوتيه منها فضيلة التقوى التي الكرم من شعارها، والعاقبة والحسنى كلاهما ~~من آثارها، وما نقول إلا أنه اتخذها حارسا يمنع الخصم من تسور محرابه، ~~ويؤمن قلبه من الفتنة الداعية إلى استغفاره ومتابه، وقد قرن الله له هذه ~~الفضيلة بالعلم الذي أعلمه بعلامته، ووسمه بوسامته، وقذف في روعه ما لا ~~يسأل معه عن السفينة وخرقها والغلام وقتله والجدار وإقامته، وعلى ما بلغه ~~منه فإنه فيه أحد المنهومين اللذين لا يشبعان، وإذا كان لغيره فيه نظر واحد ~~ومسمع فله فيه نظران ومسمعان. # وفي هذا الفصل المختصر معاني عدة آيات، وخبر من الأخبار النبوية؛ أما ~~الآية الأولى: فقوله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم # وأما الآية الثانية: فقوله تعالى: والعاقبة للتقوى # وأما الثالثة: فقوله تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب # وأما الآية الرابعة: فقوله تعالى: فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها # وكذلك إلى آخر القصة، وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب. # PageV01P136 # ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن عناية ببعض الفقراء، فقلت بعد ~~الابتداء بصدر الكتاب: وقد علم منه أنه يعد لطالب فضله فضلا، ويرى التبرع ~~بمعروفه فرضا إذا رآه غيره مع المساءلة نفلا، وما ذاك إلا لمزية خلق توجد ~~بطيب التربة، وشرف الرتبة، وأوتي من كنوز الكرم ما إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة، ولهذا خرج على قومه من الأخلاق في زينته، وفضل الخلق بطينة غير ~~طينته، ومن فضله أنه يسأل عن السائلين، ويحتال في استنباط أمل الآملين. # ثم مضيت على هذا النهج حتى أنهيت الكتاب. # والغرض أن تعلم أيها المتعلم كيف تضع يدك في أخذ ما تأخذه من بعض الآية، ~~ثم ms102 تضيف إليه كلاما من عندك، وتجعله مسجوعا كما قد فعلت أنا في هذا الموضع، ~~ألا ترى أني أخذت بعض هذه الآية في قصة من سورة القصص، وهي قوله تعالى: إن ~~قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ ~~بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين # فهذه الآية أخذت بعضها وأضفت إليه كلاما من عندي حتى جاء كما تراه ~~مسجوعا، وكذلك فعلت بالآية الأخرى من هذه السورة أيضا، وهي قوله: فخرج على ~~قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي ~~قارون إنه لذو حظ عظيم # وهكذا ينبغي لك إذا أردت أن تسلك هذه الطريق، وقدرت على سلوكها، وهي من ~~محاسن الصناعة البلاغية، وليس فوقها من الكلام ما هو أعلى درجة منها؛ لأنها ~~ممزوجة بالقرآن لا على وجه التضمين بل على وجه الانتظام به، والله يختص بها ~~من يشاء من عباده. # وفيما ذكرته من نثر هذه الآيات كفاية للمتعلم. # وأما الأخبار النبوية فكالقرآن العزيز في حل معانيها. # فإن قلت: إن الأخبار النبوية لا يجري فيها الأمر مجرى القرآن؛ إذ القرآن ~~له حاصر وضابط، وكل آياته تدخل في الاستعمال، كما قال بعضهم: لو ضاع مني ~~عقال لوجدته في القرآن الكريم، وأما الأخبار فليست كذلك؛ لأنها كثيرة لا # PageV01P137 # تنحصر، ولو انحصرت لكان منها ما يدخل في الاستعمال ومنها ما لا يدخل، ولا ~~بد من بيان يمكن الإحاطة به، والوقوف عنده. # قلت في الجواب عن هذا: إنك أول ما تحفظه من الأخبار هو كتاب الشهاب؛ فإنه ~~كتاب مختصر، وجميع ما فيه يستعمل؛ لأنه يتضمن حكما وآدابا؛ فإذا حفظته ~~وتدربت باستعماله كما أريتك ههنا حصل عندك قوة على التصرف والمعرفة بما ~~يدخل في الاستعمال وما لا يدخله، وعند ذلك تتصفح كتاب صحيح البخاري ومسلم ~~والموطأ والترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي وغيرها من كتب الحديث، وتأخذ ~~ما يحتاج إليه، وأهل مكة أخبر بشعابها، والذي تأخذه إن أمكنك ms103 حفظه والدرس ~~عليه فهو المراد؛ لأن ما لا تحفظه فلست منه على ثقة، وإن كان لك محفوظات ~~كثيرة كالقرآن الكريم ودواوين كثيرة من الشعر وما ورد من الأمثال السائرة ~~وغير ذلك مما أشرنا إليه فعليك بمداومة المطالعة للأخبار والإكثار من ~~استعمالها في كلامك حتى ترقم على خاطرك، فتكون إذا احتجت منها إلى شيء ~~وجدته، وسهل عليك أن تأتي به ارتجالا، فتأمل ما أوردته عليك واعمل به. # وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر كلها تدخل ~~في الاستعمال، وما زلت أواظب [على] مطالعته مدة تزيد على عشر سنين فكنت ~~أنهي مطالعته في كل أسبوع مرة، حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على ~~خمسمائة مرة، وصار محفوظا لا يشذ عني منه شيء، وهذا الذي أوردته ههنا في حل ~~معاني الأخبار هو من هناك. # وسأذكر ما دار بينى وبين بعض علماء الأدب في هذا الأسلوب الذي أنا بصدده ~~ههنا، وذاك أنه استوعره وأنكره، وقال: هذا لا يتهيأ إلا في الشيء اليسير من ~~الأخبار النبوية، فقلت: لا، بل يتهيأ في الأكثر منها؛ فقال: قد ورد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه اختصم إليه في جنين فقضى على من أسقطه بغرة ~~عبد أو أمة، فأين يستعمل هذا؟ فأفكرت فيما ذكره، ثم أنشأت هذا الفصل من ~~الكلام، وأودعته فيه: قد كثر الجهل حتى لا يقال فلان عالم وفلان جاهل، وضرب ~~المثل بباقل وكم في هذه الصورة الممثلة من باقل، ولو عرف كل إنسان قدره لما ~~مشى بدن إلا تحت رأسه ولا انتصب رأس إلا على بدنه، ولكان صاحب العمامة ~~[أحق] بعمامته وصاحب # PageV01P138 # الرسن أحق برسنه، وكنت سمعت بكاتب من الكتاب كلمه إلى غثاثة، وقلمه بغاثة ~~لا يستنسر «1» وأي بطش لبغاثة، وإذا وجب الوضوء على غيره بالخارج من ~~السبيلين وجب عليه من سبل ثلاثة، هذا وهو يدعي أنه في الفصاحة أمة وحده «2» ~~، ومن قس إياد وسحبان وائل عنده؟ وإذا كشف عن خاطره وجد بليدا لا يخرج عن ~~العمه والكمه، وإن رام ms104 أن يستنتجه في حين من الأحيان قضى عليه بغرة عبد أو ~~أمه، وكثيرا ما يتقدم ونقيصته هذه على الأفاضل من العلماء، وقد صار الناس ~~إلى زمان يعلو فيه حضيض الأرض على هام السماء. # فلما أوردته عليه ظهرت أمارة الحسد على صفحات وجهه وفلتات لسانه، مع ~~إعجابه به، واستغرابه إياه، ثم قال: وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذا الحديث، وهو: # «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا تمثال» فهذا أين يستعمل من ~~المكاتبات؟. # فترويت في قوله ترويا يسيرا، ثم قلت: هذا يستعمل في كتاب إلى ديوان ~~الخلافة، وأمليت عليه الكتاب، فجاء هذا الحديث في فصل منه، وهو: إذا أفاض ~~الخادم في وصف ولائه نكصت همم الأولياء عن مقامه، وعلموا أنه أخذ الأمر ~~بزمامه، فقد أصبح وليس بقلبه سوء الولاء والإيمان؛ فهذا يظهر أثره في طاعة ~~السر وهذا في طاعة الإعلان، وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء ~~المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتا فيه تمثال ولا صورة، فليعول الديوان ~~العزيز على سيف من سيوف الله يفري بلا ضارب ويسري بلا حامل، ولا يسل إلا ~~بيد حق ولا يغمد إلا في ظهر باطل، وليعلم أنه كرشه وعيبته في تضمن الأسرار، ~~وأنه أحد سعديه إذا عدت مواقف الأنصار. # PageV01P139 # فلما رأى هذا الفصل بهت له، وأعجب منه، ثم إني لم أقنع بإيراد ذلك الحديث ~~حتى قرنت به حديثا آخر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأنصار كرشي ~~وعيبتي» . # وحيث عرفتك أيها المتعلم ما تقتدي به في هذا الموضع فقد ذكرت لك أمثلة ~~كثيرة تتدرب بها. # فمن ذلك ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو: أعاذ الله أيامه من الغير، ~~وبين بخطر مجده نقص كل خطر، وجعل ذكره زادا لكل ركب وأنسا لكل سمر، ومنحه ~~من فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. # وهذا المعنى مأخوذ من الحديث في وصف نعيم الجنة فنقلته إلى الدعاء. # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الحلم، وهو: تركته ms105 حتى جال في الميدان، وامتد في ~~الأشطان، ولم أنتصر خوفا من قيام الملك وقعود الشيطان، والحليم لا يظهر أثر ~~حلمه إلا عند تلدده، والكظيم هو أشد ما يخاف من تبدده. # وهذا المعنى أخذته من قصة أبي بكر رضي الله عنه في خصامه، فإنه بغي عليه ~~ثلاث مرات وهو ساكت، ففي الثالثة انتصر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«كان الملك جالسا إلى جانب أبي بكر يكذب خصمه بما يقول فلما انتصر قام ~~الملك وقعد الشيطان» . # ومن ذلك ما ذكرته في النصرة على العدو في موطن القتال، وهو: أخذنا بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في النصر الذي نرجوه، ونبذنا في وجه العدو ~~كفا من التراب وقلنا: # شاهت الوجوه، فثبت الله ما تزلزل من أقدامنا، وأقدم حيزوم فأغنى عن ~~إقدامنا. # وهذان المعنيان أحدهما: مأخوذ من حديث غزوة حنين، وما فعله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أخذ قبضة من التراب وألقاها في وجوه الكفار وقوله: «شاهت ~~الوجوه» ؛ والمعنى الآخر: مأخوذ من حديث غزوة بدر، وذاك أن رجلا من ~~المسلمين لاقى رجلا من الكفار وأراد أن يضربه فخر على الأرض ميتا قبل أن ~~يصل إليه، وسمع الرجل المسلم صوتا من فوقه، وهو يقول: «أقدم حيزوم» فجاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال: «ذاك من مدد السماء الثالثة» . # PageV01P140 # ومن ذلك ما ذكرته في ضيق مجال الحرب، وهو: وضاق الضرب بين الفريقين حتى ~~اتصلت مواقع البيض الذكور، وتصافحت الفور بالفور والصدور بالصدور، واستظل ~~حينئذ بالسيوف لاشتباك مجالها، وتبوئت مقاعد الجنة التي هي تحت ظلالها. # وهو مأخوذ من الحديث النبوي، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الجنة ~~تحت ظلال السيوف» . # ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب أذم فيه الزمان؛ فقلت: ولكنها الأيام تبدي ~~لنا من جوهرها كل غريبة، وتسوسنا سياسة العبد المجدع الذي كأن رأسه زبيبة، ~~وليس للمرء فيما يلقاه من أحداثها نعمى كانت أو بوسى، إلا أن يكل الأمور ~~إلى وليها فيقول: حاج آدم موسى. # وهذا مأخوذ من ms106 الخبر النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم: «حاج آدم موسى، ~~فقال له موسى: أنت أخرجت الناس بخطيئتك من الجنة وأشقيتهم، فقال له آدم: ~~أنت الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلامه؟ أتلومني على أمر كتبه الله ~~تعالى علي قبل أن يخلقني؟» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فحج آدم ~~موسى» . # ومن ذلك ما ذكرته في وصف بعض الكتاب؛ وهو فصل من كتاب كتبته إليه؛ فقلت: ~~ولقد سردت عليه أحاديث البلاغة فاستغنى عن بسط ردائه، وهدي إلى جوامع كلها ~~فاقتدى الناس باهتدائه، فإذا اشتبهت عنده مسالك طرقها لم يملكه سلطان ~~الحيرة، وإن أغرب في أساليبها لم يقل فيه ما قيل في رواية أبي هريرة. # وهذا الفصل من أحسن ما يؤتى به في صناعة نثر المعاني، وهو مأخوذ من حديث ~~أبي هريرة؛ قال: قلت: يا رسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها، فقال: ~~«ابسط رداءك» فبسطته فحدث حديثا كثيرا فما نسيت شيئا حدثني به؛ وأما رواية ~~أبي هريرة فشك فيها قوم لكثرتها. # وقد اجتمع في هذا الفصل معنى الحديث النبوي وغيره، ومثل هذا لا يتفطن # PageV01P141 # له عند الوقوف إلا من تبحر في الوقوف على الأخبار النبوية؛ ومن أجل ذلك ~~جعلته ركنا من أركان الكتاب في الفصل التاسع. # ومن ذلك ما ذكرته في ذم بعض البلاد الوخمة، فقلت: ومن صفاتها أنها مدرة ~~مستوبلة الطينة، مجموع لها بين حر مكة ولأواء المدينة، إلا أنها لم يأمن ~~حرمها في الخطفة، ولا نقلت حماها إلى الجحفة. # في هذه الكلمات القصار آية من القرآن الكريم، وخبران من الأخبار النبوية؛ ~~فالآية من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم # وهذا موضع يختص بالأخبار لا بالآيات، غير أن الآية جاءت ضمنا وتبعا، وأما ~~الخبران فالأول منهما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صبر على حر مكة ~~ولأواء المدينة ضمنت له على الله الجنة» وأما الثاني فقوله صلى الله عليه ~~وسلم في دعائه للمدينة: «اللهم حببها إلينا كما حببت إلينا ms107 مكة وانقل حماها ~~إلى الجحفة» . # فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكلمات حتى تعلم أن عدتها مصوغة من الآية ~~والخبرين سواء بسواء، وهذا طريق لو ادعيت الانفراد بسلوكه لما اختلف علي في ~~الاعتراف به اثنان. # ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان جوابا عن كتاب ورد، وكان كتابه ~~تأخر عني زمانا طويلا، فقلت: ولما تأملته ضممته إلي والتزمته، ثم استلمته ~~والتثمته، وعلمت أن المعارف وإن قدمت أيامها أنساب وشيجة، وتأسيت «1» ~~بالخلق النبوي في العجوز التي كانت تأتي في زمن خديجة. # وهذا مأخوذ من الخبر المنقول عن عائشة رضي الله عنها، وهو أنها قالت: # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح الشاة فيعضيها «2» أعضاء ويقسمها ~~في أصدقاء خديجة، وكانت تأتيه عجوز فيكرمها ويبسط لها راءه، فسألته عن ذلك، ~~فقال: «هذه كانت تأتينا في زمن خديجة وحسن العهد من الإيمان» . # PageV01P142 # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كتاب، وهو: كل سطر منه روضة غير أنها ليل في ~~صباح، وكل معنى منه دمية غير أن ليس على مصورها من جناح. # وهذا مأخوذ من الحديث في تحريم الصور «1» . # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، وهو: فأغنى بجوده إغناء المطر، وسما إلى ~~المعالي سمو الشمس وسار في منازلها مسير القمر، ونتج من أبكار فضائله ما ~~إذا ادعاه غيره قيل: للعاهر الحجر. # وهذا المعنى من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر» . # ومن ذلك ما ذكرته في وصف الفصاحة، فقلت: أفكار الخواطر لا تستولد على ~~انفرادها، وغايتها أن يتناكح في استنتاج أولادها، وأنا أنكح فكري لفكر نكاح ~~الأنساب، ولا أخاف أن أضوي فأميل إلى الاغتراب. # وهذا مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بنكاح البعيدة ~~النسب فقال: «غربوا لا تضووا» يريد بذلك أن الإنسان إذا نكح المرأة القريبة ~~إليه حصل بينهما حياء يمنع من قضاء الشهوة كما ينبغي فيجيء الولد ضاويا: أي ~~هزيلا، وهذا معنى غريب لي استخرجته من الحديث النبوي. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من ms108 كتاب إلى بعض الإخوان، جوابا عن كتاب ورد منه ~~يتضمن الشكوى من شخص جرت بينه وبينه مخاصمة، فقلت: وصل كتابه وهو كتاب من ~~أكثر الشكوى، وطلب العدوى، ونزل من التظلم بالعدوة الدنيا وأنزل خصمه ~~القصوى، والقاضي لا يحكم لأحد الخصمين حتى يحضر صاحبه، وإن فقئت عين أحدهما ~~فربما فقئت عين الآخر وهشم جانبه، على أنه قد اعترف أن كليهما كان للحم ~~أخيه آكلا، وعليه في حال محضره جاهلا، وسباب المؤمن معدود من فسوقه، ~~وإطراقه عن تورد هذا المقام أولى من طروقه، ولولا تغليظ النكير لما # PageV01P143 # جعل اللسان واليد سواء فيما جرحا، ولما أخر الله المغفرة عن ألخائضين ~~فيها حتى يصطلحا؛ فكن أنت ممن أطاع تقواه لا هواه، واتبع من علم الحق فرآه ~~أو سمعه فرواه، واعلم أن تهاجر الأخوين فوق الثلاثة من منهيات الحرام، وأن ~~الفائز بالأجر منهما هو البادئ بالسلام، ودفع السيئة بالحسنة يجعل العدو ~~وليا حميما، وقد جعل الله المتخلق بهذا الخلق صابرا وجعل له حظا عظيما، ~~والشيطان إنما يحوم على آثاره مواقع الشنآن، ولا يحمد من أعمال بنيه شيئا ~~إلا ما زيل بين الإخوان. # في هذا الفصل معاني آيات وأخبار، وهذا الموضع مختص بذكر الأخبار دون ~~الآيات؛ فأول المعاني المأخوذة من الأخبار قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا أتاك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تحكم له، فربما أتى خصمه وقد فقئت ~~عيناه» ؛ وأما المعنى الثاني فقوله صلى الله عليه وسلم: «سباب المؤمن فسوق ~~وقتاله كفر» ؛ وأما المعنى الثالث فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الأعمال ~~تعرض على الله يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا ~~إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء؛ فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا» ؛ ~~وأما المعنى الرابع فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه ~~فوق ثلاث» ؛ وأما المعنى الخامس فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى ~~المتهاجران فأعرض هذا وأعرض هذا فخيرهما الذي يبدأ بالسلام» ؛ وأما المعنى ~~السادس فقوله صلى الله عليه وسلم: ms109 «إن إبليس له عرش على البحر فيبث بنيه في ~~آفاق الأرض، فيأتي أحدهم فيقول: فعلت كذا وفعلت كذا؛ فيقول: ما فعلت شيئا، ~~ويأتي أحدهم فيقول: زينت بينه وبين أخيه أو بينه وبين زوجته؛ فيقول: نعم ~~الولد أنت» . # فانظر كم في هذه الأسطر اليسيرة من معنى خبر نبوي، هذا سوى ما فيها من ~~معاني الآيات، وإذا عددت هذه الكلمات المذكورة في هذه الأسطر وجدتها جميعا ~~منتظمة من الآية والخبر، وهذا مما يدلك على الإكثار من المحفوظ واستحضاره ~~عند الحاجة إليه على الفور. # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو جواب عن كتاب يتضمن تهديدا وتخويفا، ~~فقلت: ورد الكتاب مضمنا من الوعد والوعيد ما آنس نفس المملوك # PageV01P144 # وأوحشها، ونقع ضلوعه وأعطشها، وأقام له من الظنون السيئة جنودا تقاتله، ~~وتأخذ عليه شعب الأفكار فلا تزاوله، وكانت كلماته طوالا وأوراقه ثقالا، وما ~~أفلت سطر من سطوره إلا كان الآخر له عقالا، ولما استكمل الوقوف عليه ثقلت ~~أطوار الخوف والرجاء من أطواره، وعرضت عليه الجنة والنار في قرطاسه كما ~~عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرض جداره، ولولا وثوقه بأناة ~~مولانا لذهبت نفسه فرقا، وابتغى في السماء سلما وفي الأرض نفقا، لكنه قد ~~توسم في كرمه مخابل الصنع الوسيم، وغره منه ما غره من ربه الكريم، وعلم أن ~~خلق حلمه يغلب خلق غضبه إذ هذا حادث وذاك قديم وفي هذا الفصل معنى خبر من ~~الأخبار النبوية، وهو أنه كان صلوات الله عليه يخطب فمال بيده إلى الجدار، ~~وقال: «عرضت علي الجنة والنار في عرض هذا الجدار فلم أر كاليوم في الخير ~~والشر» . # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان، وهو: الخادم يواصل ~~بالدعاء الذي لا يزال لقلبه زميلا، وللسانه رسيلا، وإذا رفع أدنته الملائكة ~~قربا إذا تباعدت من غيره ميلا، ولا اعتداد بالدعاء إلا إذا صدر عن أكرم ~~مصدر، ووجد له فوق السماء مظهرا وإن لم يكن هناك من مظهر، ووصف باطنه بأنه ~~الأبيض الناصع الذي هو خير ms110 من ظاهر الأشعث الأغبر، ولا يعامل الخادم أهل ~~وده إلا بهذه المعاملة، ومن خلقه المجازفة في بذل المودة إذ أخذ الناس نسبة ~~المكايلة. # في هذا معنى خبرين: أحدهما: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه إذا كذب ~~الكاذب تباعد الملك عنه ميلا لنتن كذبه» ، والآخر: قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» . # ومن هذا الباب ما ذكرته في كتاب يتضمن خطبة مودة، فابتدأت الكلام فيه بعد ~~تصدره بالدعاء، فقلت: لولا العادة لرفع الخادم كتابه هذا أن يسطر في ورقة، ~~وليس ذلك إلا لإرساله في خطبة مودة رأى صورتها في سرقة، ولما تأملها قال: ~~إن يكن ذلك من عند الله يمضه، وأبدى لها صفحة الرضا وإن كانت كل مودة لم ~~ترضه، وخير المودات ما ليس لها ضرة تشاركها في وسامتها، ولا تضاهيها في ~~درجة # PageV01P145 # كرامتها؛ فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا، ولم يغله مهرها ولو بذل ~~فيه نفسا لا مالا، وما يظنها الخادم إلا هذه المودة التي خطبها، وقد علت أن ~~تكون راغبة ولكن هو الذي أرغبها، على أنه لم يترشح لها إلا من هو من ~~أكفائها، وليست الكفاءة ههنا إلا ما تبذله الضمائر من صفائها، وقد أتاح ~~الله لها كفئا يكثر من إيناسها، ويضعها من البر في محلة ناسها، ويجعل كل ~~يوم من أيامها عرسا حتى تتصل مواسم أعراسها. # ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب، والمعنى المأخوذ فيه من الخبر ~~النبوي في موضعين: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله ~~عنها: «إن جبريل عليه السلام عرض علي صورتك في سرقة» والسرقة: حريرة بيضاء ~~«وقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، فقلت: إن يكن ذلك من عند الله يمضه» ~~فأخذت أنا هذا المعنى ونقلته إلى خطبة مودة، ولا يأتي في خطبة المودات شيء ~~أحسن منه، ولا ألطف، ولا أشد مقصدا؛ الخبر النبوي الثاني: قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «إنما تنكح المرأة لأربع لحسبها أو لدينها أو ms111 لمالها أو ~~لجمالها» فقلت أنا: فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا: أي قد جمعت ~~الحسب والجمال. # ومن ذلك ما ذكرته في سبب حب المال، وهو: بين المال علاقة وكيدة وبين ~~القلوب، وهي له بمنزلة المحب وهو لها بمنزلة المحبوب، وليس ذلك إلا لأن ~~الله قبض قبضة من جميع الأرض فخلق آدم من تلك القبضة، ويوشك حينئذ أن صورة ~~قلبه تكونت من معدن الذهب والفضة، ولولا أن يكون منهما عنصرا بدائه، لما ~~جعلهما الأطباء دواءه من دائه، فلا تستغرب إذن أن تكون على حبهما مطبوعا، ~~إذ كان منهما مصنوعا. # وهذا المعنى من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم من قبضة ~~قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض: منهم الأحمر والأبيض ~~والأسود وبين ذلك، والحزن والسهل، والخبيث والطيب» غير أني استنبطت أنا حب ~~المال من هذا الحديث، وهو معنى غريب لم أسبق إليه. # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام، وهو: ليس السحر ما أودع في جف # PageV01P146 # طلعة، بل ما أودع في صوغ معنى أو نظم سجعة، ولذلك لبيد في شعره، أسحر من ~~لبيد في سحره «1» وكلا صنعهما من الغريب العجيب، غير أن ما يستنبط من القلب ~~أعجب مما يدفن في القليب. # وهذا المعنى مأخوذ من قصة لبيد بن الأعصم في سحره النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ومن عرف القصة وصورتها علم ما قد ذكرته في نثر هذه الكلمات البديعة. # ومن ذلك ما ذكرته في وصف المنجنيق في جملة كتاب، فقلت: ونصب المنجنيق ~~فجثم بين يدي السور مناصيا، وبسط كفه إليه مواتيا، ثم تولى عقوبته بعصاه ~~التي تفتك بأحجاره، وإذا عصى عليها بلد أخذت في تأديب أسواره، فما كان إلا ~~أن استمرت عقوبتها عليه حتى صار قائمه حصيدا وعاصيه مستقيدا، وقال: # ألم يكن نهى عن المد والتجريد فمالي لا أرى إلا مدا وتجريدا، وعند ذلك ~~أذعن لفتح الأبواب، وتلا قوله تعالى: «لكل أجل كتاب» # ، وكذلك لم نأت صعبا إلا استسهل، ولا حثثنا مطيا إلا ms112 استعجل، ولطالما وقف ~~غيرنا على هذا البلد فشقه طول الانتظار، ولم يحظ منه إلا بمساءلة المنصب ~~أحجار الديار. # في هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية، وهو قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في النهي عن ضرب المحدود: «لا مد ولا تجريد» : أي لا يمد على الأرض ~~ولا يجرد عنه ثوبه. # PageV01P147 # ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى الديوان العزيز النبوي، وهو: # خلد الله دولة الديوان العزيز النبوي، ولا زالت أكنافها وادعة، وعلياؤها ~~جامعة، وجدودها كالنجوم التي ترى في كل حين طالعة، وأيامها كالليالي ساكنة ~~ولياليها كالأيام ناصعة، وأبوابها كأبواب الجنة التي يقال فيها ثامن وثامنة ~~إذا قيل في أبواب غيرها سابع وسابعة، وهذا الدعاء قد استجابه الله قبل أن ~~ترفع إليه يد أو ينطق به ضمير، فإذا دعا به الخادم وجد صنع الله قد سبقه ~~أولا وجاء هو في الزمن الأخير، فليس له حينئذ إلا أن يدعو لما خوله الديوان ~~العزيز بالدوام، وأن يعيذه من النقص من التمام، ثم يستهدي ما يؤهل له من ~~الخدم التي يعتدها من لطائف الإحسان، وإذا ندب لتكليف أوامرها قال: والحمد ~~والشكر يسجدان، ولا شك أن درجات الأولياء تتفاوت في الصفات والأسماء؛ فمنها ~~ما يكون ببطن الأرض ومنها ما يرى كالكوكب في أفق السماء، ولولا النهي عن ~~تزكية المرء نفسه لادعى الخادم أن له أعلاها، وجاء بالأولياء من بعده فقال: ~~«والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها» # ، لكنه لا يمن بما يعتده عند الله من ذخره، وسر الولاء في هذا المقام ~~أكرم من جهره، وليس الذي يمن بصلاته وصيامه كالذي يمن بسر وقر في صدره، ~~والله لا ينظر إلى الأعمال وإنما ينظر إلى القلوب، وفرق بين المطيع بمحضر ~~الشهادة وبين المطيع بظهر الغيوب، ولو اطلع الديوان العزيز على ضمير الخادم ~~في الطاعة لسره، وعلم أنه الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبره. # في هذا الفصل من الآيات والأخبار عدة مواضع؛ وهذا الموضع مختص بالأخبار ~~فلنذكرها دون الآيات: أما الأول منها فقوله النبي صلى الله ms113 عليه وسلم: ~~«إنكم ترون أهل الدرجات العلى في الجنة كما ترون المواكب في أفق السماء» ؛ ~~وأما الخبر الثاني: # فقوله صلى الله عليه وسلم: «ما فضلكم أبو بكر بصلاة ولا صيام ولكن فضلكم ~~بسر وقر في صدره» ؛ وأما الخبر الثالث: فقوله صلى الله عليه وسلم: «رب أشعث ~~أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره» . # وفيما أوردته من حل المعاني الشعرية وحل آيات القرآن والأخبار النبوية ~~طريق واضح لمن يقوى على سلوكه، والله الموفق للصواب. # PageV01P148 ### | المقالة الأولى في الصناعة اللفظية # وهي تنقسم إلى قسمين: ### | القسم الأول: في اللفظة المفردة: # إعلم أنه يحتاج صاحب هذه الصناعة في تأليفه إلى ثلاثة أشياء: الأول منها: # اختيار الألفاظ المفردة، وحكم ذلك اللآلىء المبددة؛ فإنها تتخير وتنتقي ~~قبل النظم؛ الثاني: نظم كل كلمة مع أختها المشاكلة «1» لها- لئلا يجيء ~~الكلام قلقا نافرا عن مواضعه؛ وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كل ~~لؤلؤة منها بأختها المشاكلة لها؛ الثالث: الغرض المقصود من ذلك الكلام على ~~اختلاف أنواعه، وحكم ذلك حكم الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم، فتارة ~~يجعل إكليلا على الرأس، وتارة يجعل قلادة في العنق، وتارة يجعل شنفا في ~~الأذن» # ، ولكل موضع من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه. # فهذه ثلاثة أشياء لا بد للخطيب والشاعر من العناية بها، وهي الأصل ~~المعتمد عليه في تأليف الكلام من النظم والنثر؛ فالأول والثاني من هذه ~~الثلاثة المذكورة هما المراد بالفصاحة، والثلاثة بجملتها هي المراد ~~بالبلاغة. # وهذا الموضع يضل في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم # PageV01P149 # والنثر، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحة؟ ومن الذي يؤتيه الله فطرة ~~ناصعة يكاد زيتها يضيء ولم لم تمسه نار حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من ~~الألفاظ فيضعها في موضعها. # ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في ~~الاستعمال، وهما على وزن واحد وعدة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في ~~كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك، وهذا لا يدركه ms114 إلا ~~من دق فهمه وجل نظره. # فمن ذلك قوله تعالى: «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» # وقوله تعالى: «رب إني نذرت لك ما في بطني محررا» # فاستعمل الجوف في الأولى والبطن في الثانية، ولم يستعمل الجوف موضع ~~البطن، ولا البطن موضع الجوف، واللفظتان سواء في الدلالة، وهما ثلاثيتان في ~~عدد واحد، ووزنهما واحد أيضا، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف تفعل؟. # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: «ما كذب الفؤاد ما رأى» # وقوله: «إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد» # فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة، وإن كانا مختلفين في الوزن؛ ولم يستعمل ~~في القرآن أحدهما في موضع الآخر. # وعلى هذا ورد قول الأعرج من أبيات الحماسة: # نحن بنو الموت إذا الموت نزل ... لا عار بالموت إذا حم الأجل # الموت أحلى عندنا من العسل «1» # PageV01P150 # وقال أبو الطيب المتنبي «1» : # إذا شئت حفت بي على كل سابح ... رجال كأن الموت في فمها شهد «2» # فهاتان لفظتان هما العسل والشهد، وكلاهما حسن مستعمل لا يشك في حسنه ~~واستعماله، وقد وردت لفظة العسل في القرآن، دون لفظة الشهد؛ لأنها أحسن ~~منها، ومع هذا فإن لفظة الشهد وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة ~~العسل في بيت الأعرج. # وكثيرا ما نجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وغيرهم، ومن بلغاء ~~الكتاب ومصقعي الخطباء. # وتحته دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها أشباهها ونظائرها كان صاحب الكلام ~~في النظم والنثر قد انتهى إلى الغاية القصوى في اختيار الألفاظ ووضعها في ~~مواضعها اللائقة بها. # واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها؛ ~~لأن التركيب أعسر وأشق، ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم من حيث انفرادها قد ~~استعملها العرب ومن بعدهم، ومع ذلك فإنه يفوق جميع كلامهم ويعلو عليه، وليس ~~ذلك إلا لفضيلة التركيب. # PageV01P151 # وهل تشك أيها المتأمل لكتابنا هذا إذا فكرت في قوله تعالى: وقيل يا أرض ~~ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت ms115 على الجودي وقيل ~~بعدا للقوم الظالمين # أنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزية الظاهرة إلا لأمر يرجع إلى ~~تركيبها، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، ~~والثالثة بالرابعة، وكذلك إلى آخرها، فإن ارتبت في ذلك فتأمل هل ترى لفظة ~~منها لو أخذت من مكانها وأفردت من بين أخواتها كانت لابسة من الحسن ما ~~لبسته في موضعها من الآية. # ومما يشهد لذلك ويؤيده أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، ثم تراها في كلام ~~آخر فتكرهها؛ فهذا ينكره من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في ~~تركيبها وانفرادها. # وسأضرب لك مثالا يشهد بصحة ما ذكرته، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية ~~من القرآن وبيت من الشعر؛ فجاءت في القرآن جزلة متينة، وفي الشعر ركيكة ~~ضعيفة، فأثر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين؛ أما الآية فهي قوله تعالى: # فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي ~~منكم والله لا يستحيي من الحق. # وأما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي «1» : # تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام «2» # وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة، إلا أن لفظة «تؤذي» قد جاءت فيه # PageV01P152 # وفي الآية من القرآن فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها وحسن موقعها في ~~تركيب الآية. # فأنصف أيها المتأمل لما ذكرناه، واعرضه على طبعك السليم حتى تعلم صحته، ~~وهذا موضع غامض يحتاج إلى فضل فكرة، وإمعان نظر، وما تعرض للتنبيه عليه أحد ~~قبلي، وهذه اللفظة التي هي «تؤذي» إذا جاءت في الكلام فينبغي أن تكون ~~مندرجة مع ما يأتي بعدها متعلقة به كقوله تعالى: إن ذلكم كان يؤذي النبي # وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة، ألا ترى أنه قال: «تلذ له المروءة وهي ~~تؤذي» ثم قال: «ومن يعشق يلذ له الغرام» فجاء بكلام مستأنف، وقد جاءت هذه ~~اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأضيف إليها كاف الخطاب؛ فأزال ما بها من ~~الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي صلى ms116 الله عليه وسلم، فجاءه جبريل عليه ~~السلام ورقاه، فقال: بسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك؛ فانظر إلى السر في ~~استعمال اللفظة الواحدة، فإنه لما زيد على هذه اللفظة حرف واحد أصلحها ~~وحسنها، ومن ههنا تزاد الهاء في بعض المواضع، كقوله تعالى: فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه. إني ظننت أني ملاق حسابيه # ثم قال: ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه # فإن الأصل في هذه الألفاظ كتابي وحسابي ومالي وسلطاني، فلما أضيفت الهاء ~~إليها- وتسمى هاء السكت- أضافت إليها حسنا زائدا على حسنها، وكستها لطافة ~~ولباقة. # وكذلك ورد في القرآن الكريم: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة # فلفظة «لي» أيضا مثل لفظة «يؤذي» وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما ~~بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب أيضا «1» : # تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي # PageV01P153 # وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع فأدخل فيه ما ليس منه، كقول أبي ~~الطيب «1» : # ما أجدر الأيام والليالي ... بأن تقول ما له وما لي # فإن لفظة «لي» ههنا قد وردت بعد «ما» وقبلها «ما له» ثم قال «وما لي» ~~فجاء الكلام على نسق واحد، ولو جاءت لفظة «لي» ههنا كما جاءت في البيت ~~الأول لكانت منقطعة عن النظير والشبيه، فكان يعلوها الضعف والركة، وبين ~~ورودها ههنا وورودها في البيت الأول فرق يحكم فيه الذوق السليم. # وههنا من هذا النوع لفظة أخرى قد وردت في آية من القرآن الكريم، وفي بيت ~~من شعر الفرزدق؛ فجاءت في القرآن حسنة، وفي البيت الشعر غير حسنة، وتلك ~~اللفظة هي لفظة «القمل» أما الآية فقوله تعالى: فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات # ؛ وأما البيت الشعر فقول الفرزدق: # من عزه احتجرت كليب عنده ... زربا كأنهم لديه القمل «2» # وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون هذا البيت من الشعر لأنها جاءت في ~~الآية مندرجة في ضمن الكلام، ولم ينقطع الكلام عندها، وجاءت في الشعر ~~قافية: ms117 # أي آخرا انقطع الكلام عندها. # وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غصنا منه في بحر ~~عميق لا قرار له. # PageV01P154 # فمن ذلك هذه الآية المشار إليها؛ فإنها قد تضمنت خمسة ألفاظ، هي الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطوفان ~~والجراد والدم؛ فلما وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قدم منها لفظة ~~الطوفان والجراد، وأخرت لفظة الدم آخرا، وجعلت لفظة القمل والضفادع في ~~الوسط؛ ليطرق السمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة، وينتهي إليه آخرا؛ ثم إن ~~لفظة الدم أحسن من لفظتي الطوفان والجراد، وأخف في الاستعمال، ومن أجل ذلك ~~جيء بها آخرا، ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من ~~القدرة البشرية. # وقد ذكر من تقدمني من علماء البيان للألفاظ المفردة خصائص وهيآت تتصف ~~بها، واختلفوا في ذلك، واستحسن أحدهم شيئا فخولف فيه، وكذلك استقبح الآخر ~~شيئا فخولف فيه، ولو حققوا النظر ووقفوا على السر في اتصاف بعض الألفاظ ~~بالحسن وبعضها بالقبح لما كان بينهم خلاف في شيء منها، وقد أشرت إلى ذلك في ~~الفصل الثامن من مقدمة كتابي هذا الذي يشتمل على ذكر الفصاحة، وفي الوقوف ~~عليه والإحاطة به غنى عن غيره، لكن لا بد أن نذكر ههنا تفصيلا لما أجملناه ~~هناك؛ لأنا ذكرنا في ذلك الفصل أن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات؛ لأنها ~~مركبة من مخارج الحروف؛ فما استلذه السمع منها فهو الحسن، وما كرهه ونبا ~~عنه فهو القبيح، وإذا ثبت ذلك فلا حاجة إلى ما ذكر من تلك الخصائص والهيآت ~~التي أوردها علماء البيان في كتبهم؛ لأنه إذا كان اللفظ لذيذا في السمع كان ~~حسنا، وإذا كان حسنا دخلت تلك الخصائص والهيآت في ضمن حسنه. # وقد رأيت جماعة من الجهال إذا قيل لأحدهم إن هذه اللفظة حسنة وهذه قبيحة ~~أنكر ذلك، وقال: كل الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنا، ومن يبلغ جهله ~~إلى أن لا يفرق بين لفظة الغصن ولفظة العسلوج وبين لفظة المدامة ولفظة ~~الإسفنط وبين لفظة السيف ولفظة ms118 الخنشليل وبين لفظة الأسد ولفظة الفدوكس فلا ~~ينبغي أن يخاطب بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه، كما قيل: اتركوا ~~الجاهل بجهله ولو ألقى الجعر في رحله، وما مثاله في هذا المقام إلا كمن ~~يسوي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد شوهاء الخلق ذات عين محمرة وشفة ~~غليظة # PageV01P155 # كأنها كلوة، وشعر قطط «1» كأنه زبيبة، وبين صورة رومية بيضاء مشربة ~~بحمرة، ذات خد أسيل، وطرف كحيل، ومبسم كأنما نظم من أقاح، وطرة كأنها ليل ~~على صباح، فإذا كان بإنسان من سقم النظر أن يسوي بين هذه الصورة وهذه فلا ~~يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين هذه الألفاظ وهذه، ولا فرق بين ~~النظر والسمع في هذا المقام؛ فإن هذا حاسة وهذا حاسة، وقياس حاسة على حاسة ~~مناسب. # فإن عاند معاند في هذا، وقال: أغراض الناس مختلفة فيما يختارونه من هذه ~~الأشياء، وقد يعشق الإنسان صورة الزنجية التي ذممتها ويفضلها على صورة ~~الرومية التي وصفتها قلت في الجواب: نحن لا نحكم على الشاذ النادر الخارج ~~عن الاعتدال، بل نحكم على الكثير الغالب، وكذلك إذا رأينا شخصا يحب أكل ~~الفحم مثلا أو أكل الجص والتراب ويختار ذلك على ملاذ الأطعمة، فهل نستجيد ~~هذه الشهوة أو نحكم عليه بأنه مريض قد فسدت معدته وهو يختار إلى علاج ~~ومداواة؟. # ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار، ~~وصوتا منكرا كصوت حمار، وأن لها في الفم أيضا حلاوة كحلاوة العسل، ومرارة ~~كمرارة الحنظل، وهي على ذلك تجري مجرى النغمات والطعوم. # ولا يسبق وهمك أيها المتأمل إلى قول القائل الذي غلب عليه غلظ الطبع، ~~وفجاجة الذهن «2» بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا، فهذا دليل ~~على أنه حسن، بل ينبغي أن تعلم أن الذي نستحسنه نحن في زماننا هذا هو الذي ~~كان عند العرب مستحسنا، والذي نستقبحه هو الذي كان عندهم مستقبحا؛ ~~والاستعمال # PageV01P156 # ليس بدليل على الحسن، فإنا نحن نستعمل الآن من الكلام ما ليس بحسن، وإنما ~~نستعمله ms119 لضرورة، فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال، وهذا طريق يضل ~~فيه غير العارف بمسالكه، ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده صاحبها ~~من الكلمة في صوغ الألفاظ واختيارها فإنه معذور في أن يقول ما قال: # لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها # ومع هذا فإن قول القائل: «بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا ~~وهذا دليل على أنه حسن» قول فاسد لا يصدر إلا عن جاهل؛ فإن استحسان الألفاظ ~~واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب؛ لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال، ~~وإنما هو شيء له خصائص وهيآت وعلامات إذا وجدت علم حسنه من قبحه، وقد تقدم ~~الكلام على ذلك في باب الفصاحة والبلاغة، وأما الذي نقلد العرب فيه من ~~الألفاظ فإنما هو الاستشهاد بأشعارها على ما ينقل من لغتها، والأخذ ~~بأقوالها في الأوضاع النحوية في رفع الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه ~~وجزم الشرط وأشباه ذلك، وما عداه فلا. # وحسن الألفاظ وقبحها ليس إضافيا إلى زيد دون عمرو أو إلى عمرو دون زيد؛ ~~لأنه وصف ذووي لا يتغير بالإضافة؛ ألا ترى أن لفظة المزنة مثلا حسنة عند ~~الناس كافة من العرب وغيرهم، وهلم جرا، لا يختلف أحد في حسنها، وكذلك لفظة ~~البعاق «1» فإنها قبيحة عند الناس كافة من العرب وغيرهم؛ فإذا استعملتها ~~العرب لا يكون استعمالهم إياها مخرجا لها عن القبح، ولا يلتفت إذن إلى ~~استعمالهم إياها، بل يعاب مستعملها، ويغلظ له النكير حيث استعملها. # وقد ذكر ابن سنان الخفاجي «2» ما يتعلق باللفظة الواحدة من الأوصاف، ~~وقسمها إلى عدة أقسام: كتباعد مخارج الحروف، وأن تكون الكلمة جارية على ~~العرف العربي غير شاذة، وأن تكون مصغرة في موضع يعبر به عن شيء لطيف أو خفي ~~أو ما جرى مجراه، وألا تكون مبتذلة بين العامة، وغير ذلك من الأوصاف. # PageV01P157 # وفي الذي ذكره ما لا حاجة إليه: أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة ~~العربية دائر عليه؛ لأن الواضع قسمها في وضعه ثلاثة أقسام: ثلاثيا، ~~ورباعيا، وخماسيا، ms120 والثلاثي من الألفاظ هو الأكثر، ولا يوجد فيه ما يكره ~~استعماله إلا الشاذ النادر، وأما الرباعي فإنه وسط بين الثلاثي والخماسي في ~~الكثرة عددا واستعمالا؛ وأما الخماسي فإنه الأقل، ولا يوحد فيه ما يستعمل ~~إلا الشاذ النادر، وعلى هذا التقدير فإن أكثر اللغة مستعمل على غير مكروه، ~~ولا تقتضي حكمة هذه اللغة الشريفة التي هي سيدة اللغات إلا ذلك، ولهذا أسقط ~~الواضع حروفا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقال واستكراه «1» ، فلم يؤلف ~~بين حروف الحلق كالحاء والخاء والعين، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف، ولا ~~بين اللام والراء، ولا بين الزاء والسين، وكل هذا دليل على عنايته بتأليف ~~المتباعد المخارج، دون المتقارب، ومن العجب أنه كان يخل بمثل هذا الأصل ~~الكلي في تحسين اللغة، وقد اعتنى بأمور أخرى جزئية: كمماثلته بين حركات ~~الفعل في الوجود وبين حركات المصدر في النطق، كالغليان والضربان والنقدان ~~والنزوان، وغير ذلك مما جرى مجراه، فإن حروفه جميعها متحركات، وليس فيها ~~حرف ساكن، وهي مماثلة لحركات الفعل في الوجود، ومن نظر في حكمة وضع هذه ~~اللغة إلى هذه الدقائق التي هي كالأطراف والحواشي فكيف كان يخل بالأصل ~~المعول عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض؟ على أنه لو أراد الناظم أو ~~الناظر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ وهل هي متباعدة أو ~~متقاربة لطال الخطب في ذلك وعسر، ولما كان الشاعر ينظم قصيدا ولا الكاتب ~~ينشئ كتابا إلا في مدة طويلة تمضي عليها أيام وليال ذوات عدد كثير، ونحن ~~نرى الأمر بخلاف ذلك؛ فإن حاسة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ما ~~يحسن من الألفاظ وقبح ما يقبح. # وسأضرب لك في هذا مثالا، فأقول: إذا سئلت عن لفظة من الألفاظ، وقيل لك: ~~ما تقول في هذه اللفظة أحسنة هي أم قبيحة؟ فإني لا أراك عند ذلك إلا تفتي ~~بحسنها أو قبحها على الفور، ولو كنت لا تفتي بذلك حتى تقول للسائل: اصبر ~~إلى # PageV01P158 # أن أعتبر مخارج حروفها ثم أفتيك بعد ذلك بما فيها ms121 من حسن أو قبح؛ لصح ~~لابن سنان ما ذهب إليه من جعل مخارج الحروف المتباعدة شرطا في اختيار ~~الألفاظ، وإنما شذ عنه الأصل في ذلك، وهو أن الحسن من الألفاظ يكون متباعد ~~المخارج؛ فحسن الألفاظ إذن ليس معلوما من تباعد المخارج، وإنما علم قبل ~~العلم بتباعدها، وكل هذا راجع إلى حاسة السمع؛ فإذا استحسنت لفظا أو ~~استقبحته وجد ما تستحسنه متباعد المخارج وما تستقبحه متقارب المخارج، ~~واستحسانها واستقباحها إنما هو قبل اعتبار المخارج لا بعده. # على أن هذه قاعدة قد شذ عنها شواذ كثيرة؛ لأنه قد يجيء في المتقارب ~~المخارج ما هو حسن رائق. # ألا ترى أن الجيم والشين والياء مخارج متقاربة، وهي من وسط اللسان بينه ~~وبين الحنك، وتسمى ثلاثتها الشجرية، وإذا تركب منها شيء من الألفاظ جاء ~~حسنا رائقا، فإن قيل جيش كانت لفظة محمودة، أو قدمت الشين على الجيم فقيل ~~شجي كانت أيضا لفظة محمودة. # ومما هو أقرب مخرجا من ذلك الباء والميم والفاء، وثلاثتها من الشفة، ~~وتسمى الشفهية، فإذا نظم منها شيء من الألفاظ كان جميلا حسنا، كقولنا: فم، ~~فهذه اللفظة من حرفين هما الفاء والميم، وكقولنا: ذقته بفمي، وهذه اللفظة ~~مؤلفة من الثلاثة بجملتها، وكلاهما حسن لا عيب فيه. # وقد ورد من المتباعد المخارج شيء قبيح أيضا، ولو كان التباعد سببا للحسن ~~لما كان سببا للقبح؛ إذ هما ضدان لا يجتمعان. # فمن ذلك أنه يقال: ملع؛ إذا عدا، فالميم من الشفة، والعين من حروف الحلق، ~~واللام من وسط اللسان، وكل ذلك متباعد، ومع هذا فإن هذه اللفظة مكروهة ~~الاستعمال، ينبو عنها الذوق السليم، ولا يستعملها من عنده معرفة بفن ~~الفصاحة. # وههنا نكتة غريبة، وهو أنا إذا عكسنا حروف هذه اللفظة صارت علم، وعند # PageV01P159 # ذلك تكون حسنة لا مزيد على حسنها، وما ندري كيف صار القبح حسنا؛ لأنه لم ~~يتغير من مخارجها شيء، وذاك أن اللام لم تزل وسطا والميم والعين يكتنفانها ~~من جانبيها، ولو كان مخارج الحروف معتبرا في الحسن والقبح لما تغيرت هذه ~~اللفظة ms122 في ملع وعلم. # فإن قيل: إن إخراج الحروف من الحلق إلى الشفة أيسر من إدخالها من الشفة ~~إلى الحلق؛ فإن ذلك انحدار وهذا صعود، والانحدار أسهل. # فالجواب عن ذلك أني أقول: لو استمر لك هذا لصح ما ذهبت إليه، لكنا نرى من ~~الألفاظ ما إذا عكسنا حروفه من الشفة إلى الحلق أو من وسط اللسان أو من ~~آخره إلى الحلق لا يتغير، كقولنا غلب؛ فإن الغين من حروف الحلق، واللام من ~~وسط اللسان، والباء من الشفة، وإذا عكسنا ذلك صار بلغ، وكلاهما حسن مليح، ~~وكذلك تقول: حلم من الحلم، وهو الأناة، وإذا عكسنا هذه الكلمة صارت ملح، ~~على وزن فعل- بفتح الفاء وضم العين- وكلاهما أيضا حسن مليح، وكذلك تقول: ~~عقر ورقع، وعرف وفرع، وحلف وفلح، وقلم وملق، وكلم وملك، ولو شئت لأوردت من ~~ذلك شيئا كثيرا تضيق عنه هذه الأوراق، ولو كان ما ذكرته مطردا لكنا إذا ~~عكسنا هذه الألفاظ صار حسنها قبحا، وليس الأمر كذلك. # وأما ما ذكره ابن سنان من جريان اللفظة على العرف العربي فليس ذلك مما ~~يوجب لها حسنا ولا قبحا، وإنما يقدح في معرفة مستعملها بما ينقله من ~~الألفاظ فكيف يعد ذلك من جملة الأوصاف الحسنة؟. # وأما تصغير اللفظة فيما يعبر به عن شيء لطيف أو خفي أو ما جرى مجراه فهذا ~~مما لا حاجة إلى ذكره؛ فإن المعنى يسوق إليه، وليست معاني التصغير من ~~الأشياء الغامضة التي يفتقر إلى التنبيه عليها؛ فإنها مدونة في كتب النحو، ~~وما من كتاب نحو إلا والتصغير باب من أبوابه، ومع هذا فإن صاحب هذه الصناعة ~~مخير في ذلك: إن شاء أن يورده بلفظ التصغير، وإن شاء بمعناه، كقول بعضهم: # لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو لبد # PageV01P160 # فهل كان يمكن هذا الشاعر أن يصغر من هؤلاء القوم ويحقر من شأنهم بألفاظ ~~التصغير ويجيء هكذا كما جاء بيته هذا؟ فالوصية به إذن ملغاة لا حاجة إليها. # وأما الأوصاف الباقية التي ذكرت فهي التي ينبغي أن ينبه ms123 عليها؛ فمنها ألا ~~تكون الكلمة وحشية، وقد خفي الوحشي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم ~~والنثر، وظنوه المستقبح من الألفاظ، وليس كذلك، بل الوحشي ينقسم قسمين: ~~أحدهما: غريب حسن، والآخر: غريب قبيح، وذلك أنه منسوب إلى اسم الوحش الذي ~~يسكن القفار، وليس بأنيس، وكذلك الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال، ~~وليس من شرط الوحش أن يكون مستقبحا، بل أن يكون نافرا لا يألف الإنس؛ فتارة ~~يكون حسنا، وتارة يكون قبيحا، وعلى هذا فإن أحد قسمي الوحشي- وهو الغريب ~~الحسن- يختلف باختلاف النسب والإضافات؛ وأما القسم الآخر من الوحشي الذي هو ~~قبيح فإن الناس في استقباحه سواء، ولا يختلف فيه عربي باد ولا قروي متحضر، ~~وأحسن الألفاظ ما كان مألوفا متداولا إلا لمكان حسنه، وقد تقدم الكلام على ~~ذلك في باب الفصاحة؛ فإن أرباب الخطابة والشعر نظروا إلى الألفاظ ونقبوا ~~عنها، ثم عدلوا إلى الأحسن منها فاستعملوه، وتركوا ما سواه، وهو أيضا ~~يتفاوت في درجات حسنه؛ فالألفاظ إذن تنقسم ثلاثة أقسام: # قسمان حسنان، وقسم قبيح؛ فالقسمان الحسنان أحدهما: ما تداول استعماله ~~الأول والآخر، من الزمن القديم إلى زماننا هذا، ولا يطلق عليه أنه وحشي، ~~والآخر: ما تداول استعماله الأول دون الآخر، ويختلف في استعماله بالنسبة ~~إلى الزمن وأهله، وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب؛ لأنه لم يكن ~~عندهم وحشيا، وهو عندنا وحشي، وقد تضمن القرآن الكريم منه كلمات معدودة، ~~وهي التي تطلق عليها غريب القرآن، وكذلك تضمن الحديث النبوي منه شيئا، وهو ~~الذي يطلق عليه غريب الحديث. # وحضر عندي في بعض الأيام رجل متفلسف فجرى ذكر القرآن الكريم، فأخذت في ~~وصفه، وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة، فقال ذلك ~~الرجل: وأي فصاحة هناك وهو يقول: تلك إذا قسمة ضيزى # ؟ فهل في لفظة (ضيزى) من الحسن ما يوصف؟ فقلت له: اعلم أن لاستعمال ~~الألفاظ # PageV01P161 # أسرارا لم تقف عليها أنت ولا أئمتك، مثل ابن سينا والفارابي، ولا من ~~أضلهم مثل أرسطاليس وأفلاطون، وهذه اللفظة التي أنكرتها في القرآن، وهي ms124 ~~لفظة (ضيزى) فإنها في موضعها لا يسد غيرها مسدها؛ ألا ترى أن السورة كلها ~~التي هي سورة النجم مسجوعة على حرف الياء، فقال تعالى: والنجم إذا هوى. ما ~~ضل صاحبكم وما غوى # وكذلك إلى آخر السورة، فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان يزعمه ~~الكفار قال: ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى # فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة جميعها عليه، وغيرها لا ~~يسد مسدها في مكانها، وإذا نزلنا معك أيها المعاند على ما تريد قلنا: إن ~~غير هذه اللفظة أحسن منها، ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها، ~~ولا مناسبة؛ لأنها تكون خارجة عن حرف السورة، وسأبين ذلك فأقول: إذا جئنا ~~بلفظة في معنى هذه اللفظة قلنا: قسمة جائرة أو ظالمة ولا شك أن جائرة أو ~~ظالمة أحسن من ضيزى، إلا أنا إذا نظمنا الكلام قلنا: ألكم الذكر وله الأنثى ~~تلك إذا قسمة ظالمة لم يكن النظم كالنظم الأول وصار الكلام كالشيء المعوز ~~الذي يحتاج إلى تمام، وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام، فلما ~~سمع ذلك الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحاما، ولم يكن عنده في ~~ذلك شيء سوى العناد الذي مستنده تقليد بعض الزنادقة الذين يكفرون تشهيا، ~~ويقولون ما يقولونه جهلا وإذا حوققوا عليه ظهر عجزهم وقصورهم. # وحيث انتهى القول إلى ههنا فإني أرجع إلى ما كنت بصدد ذكره فأقول: # وأما القبيح من الألفاظ الذي يعاب استعماله فلا يسمى وحشيا فقط، بل يسمى ~~الوحشي الغليظ، وسيأتي ذكره، وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح ~~الكلام وجدناه سهلا سلسا، وما تضمنه من الكلمات الغريبة يسير جدا، هذا، وقد ~~أنزل في زمن العرب العرباء وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ، وأقربها ~~استعمالا، وكفى به قدوة في هذا الباب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ~~أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني» ، ~~يريد بذلك فاتحة الكتاب؛ وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه ms125 من الألفاظ وجدناها ~~سهلة قريبة المأخذ يفهمها كل # PageV01P162 # أحد حتى صبيان المكاتب وعوام السوقة، وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار ~~الفصاحة والبلاغة؛ فإن أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامة معناه، ~~وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها، والمقتدي ~~بألفاظ القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة. # وأما ما ورد من اللفظ الوحشي في الأخبار النبوية فمن جملة ذلك حديث طهفة ~~بن أبي زهير النهدي، وذاك أنه لما قدمت وفود العرب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم قام طهفة بن أبي زهير فقال: أتيناك يا رسول الله من غوري تهامة على ~~أكوار الميس «1» ، ترتمي بنا العيس «2» ، نستجلب الصبير «3» ، ونستخلب ~~الخبير «4» ، ونستعضد البرير «5» ، ونستخيل الرهام «6» ، ونستخيل الجهام ~~«7» ، في أرض غائلة # PageV01P163 # النطاء «1» ، غليظة الوطاءة، قد نشف المدهن «2» ، ويبس الجعثن «3» ، وسقط ~~الأملوج «4» ، ومات العسلوج «5» ، وهلك الهدي «6» وفاد الودي «7» ، برئنا ~~إليك يا رسول الله من الوثن والفتن، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، ~~وشريعة الإسلام، ما طمى البحر وقام تعار «8» ، ولنا نعم همل أغفال «9» ما ~~تبض ببلال «10» ، # PageV01P164 # ووقير «1» كثير الرسل، قليل الرسل «2» ، أصابتنا سنية حمراء مؤزلة «3» ~~ليس لها علل ولا نهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لهم ~~في محضها «4» ومخضها «5» ومذقها «6» وفرقها «7» ، وابعث راعيها في الدثر ~~«8» بيانع الثمر، وافجر له الثمد «9» ، وبارك له في المال والولد، ومن أقام ~~الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله ~~كان مخلصا، لكم يا بني نهد ودائع الشرك «10» ، ووضائع «11» الملك، لا تلطط ~~في الزكاة «12» ، ولا تلحد في الحياة «13» ، ولا تثتاقل عن الصلاة. # PageV01P165 # وكتب معه كتابا إلى بني نهد: «من محمد رسول الله إلى بني نهد، السلام على ~~من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة «1» ، ولكم الفارض ~~والفريش «2» وذو العنان الركوب والفلو الضبيس «3» ، لا يمنع سرحكم «4» ، ~~ولا يعضد طلحكم «5» ، ولا يحبس دركم، ولا يؤكل أكلكم، ما لم تضمروا الإمآق ~~«6» ، وتأكلوا الرباق «7» ، من أقر بما في هذا الكتاب ms126 فله من رسول الله ~~الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة» «8» . # PageV01P166 # وفصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ، ولا ~~تكاد توجد في كلامه، إلا جوابا لمن يخاطبه بمثلها، كهذا الحديث وما جرى ~~مجراه، على أنه قد كان في زمنه متداولا بين العرب، ولكنه صلى الله عليه ~~وسلم لم يستعمله إلا يسيرا؛ لأنه أعلم بالفصيح والأفصح. # وهذا الكلام هو الذي نعده نحن في زماننا وحشيا لعدم الاستعمال، فلا تظن ~~أن الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك، ويثقل عليك النطق به، وإنما هو الغريب ~~الذي يقل استعماله، فتارة يخف على سمعك ولا تجد به كراهة، وتارة يثقل على ~~سمعك وتجد منه الكراهة، وذلك في اللفظ عيبان: أحدهما: أنه غريب الاستعمال، ~~والآخر: أنه ثقيل على السمع كريه على الذوق، وإذا كان اللفظ بهذه الصفة فلا ~~مزيد على فظاظته وغلاظته، وهو الذي يسمى الوحشي الغليظ، ويسمى أيضا ~~المتوعر، وليس وراءه في القبح درجة أخرى، ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن ~~لم يخطر بباله معرفة هذا الفن أصلا. # فإن قيل: فما هذا النوع من الألفاظ؟. # قلت: قد ثبت لك أنه ما كرهه سمعك، وثقل على لسانك النطق به، وسأضرب لك في ~~ذلك مثالا؛ فمنه ما ورد لتأبط شرا في كتاب الحماسة «1» : # يظل بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المسالك «2» # PageV01P167 # فإن لفظة «جحيش» من الألفاظ المنكرة القبيحة، ويا لله العجب: أليس أنها ~~بمعنى فريد، وفريد لفظة حسنة رائقة، ولو وضعت في هذا البيت موضع جحيش لما ~~اختل شيء من وزنه، فتأبط شرا ملوم من وجهين في هذا الموضع: أحدهما: # أنه استعمل القبيح، والآخر: أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل ~~عنها. # ومما هو أقبح منها ما ورد لأبي تمام [من] قوله «1» : # قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا دهاريسا «2» # فلفظة «اطلخم» من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين في أنها ~~غريبة وأنها غليظة في السمع كريهة على الذوق، وكذلك لفظة «دهاريس» أيضا، ~~وعلى هذا ورد قوله من أبيات ms127 يصف فرسا من جملتها «3» : # نعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لا حيدر ولا جبس «4» # فلفظة «حيدر» غليظة، وأغلظ منها قول أبي الطيب المتنبي «5» : # جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل «6» # PageV01P168 # فإن لفظة «جفخ» مرة الطعم، وإذا مرت على السمع أقشعر منها، وأبو الطيب في ~~استعمالها كاستعمال تأبط شرا لفظة جحيش؛ فإن تأبط شرا كانت له مندوحة عن ~~استعمال تلك اللفظة، كما أشرنا إليها فيما تقدم، وكذلك أبو الطيب في ~~استعمال هذه اللفظة التي هي جفخت؛ فإن معناها فخرت، والجفخ: الفخر، يقال: ~~جفخ فلان؛ إذا فخر، ولو استعمل عوضا عن جفخت فخرت لاستقام وزن البيت وحظي ~~في استعماله بالأحسن، وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على مثل هؤلاء الفحول ~~من الشعراء؟. # وهذا الذي ذكرته وما يجري مجراه من الألفاظ هو الوحشي اللفظ الغليظ الذي ~~ليس له ما يدانيه في قبحه وكراهته، وهذه الأمثلة دليل على ما أوردناه، ~~والعرب إذن لا تلام على استعمال الغريب الحسن من الألفاظ، وإنما تلام على ~~الغريب القبيح، وأما الحضري فإنه يلام على استعمال القسمين معا، وهو في ~~أحدهما أشد ملامة من الآخر. # على أن هذا الموضع يحتاج إلى قيد آخر، وذلك شيء استخرجته أنا دون غيري؛ ~~فإن وجدت الغريب الحسن يسوغ استعماله في الشعر، ولا يسوغ في الخطب ~~والمكاتبات، وهذا ينكره من يسمعه حتى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة، ~~ولربما أنكره بعد ذلك إما عنادا وإما جهلا؛ لعدم الذوق السليم عنده. # فمن ذلك قول الفرزدق «1» : # ولولا حياء زدت رأسك شجة ... إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي «2» # شرنبثة شمطاء من يرتمي بها ... تشبه ولو بين الخماسي والطفل «3» # PageV01P169 # فقوله «شرنبثة» من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ~~ههنا غير مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة لعيبت ~~على مستعملها. # وكذلك وردت لفظة «مشمخر» فإن بشرا «1» قد استعملها في أبياته التي يصف ~~فيها لقاءه الأسد، فقال: # وأطلقت المهند عن يميني ... فقد له من الأضلاع عشرا # فخر مضرجا بدم ms128 كأني ... هدمت به بناء مشمخرا # وعلى هذا ورد قول البحتري في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى «2» ، ~~فقال: # مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت فهي رءوس رضوى وقدس # فإن لفظة «مشمخر» لا يحسن استعمالها في الخطب والمكاتبات، ولا بأس بها ~~ههنا في الشعر، وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباته، كقوله في خطبة ~~يذكر فيها أهوال يوم القيامة، فقال: «اقمطر وبالها، واشمخر نكالها» فما ~~طابت ولا ساغت. # ومن هذا الأسلوب لفظة «الكنهور» في وصف السحاب، كقول أبي الطيب «3» : # يا ليت باكية شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا # PageV01P170 # وترى الفضيلة لا ترد فضيلة ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا «1» # فلفظة «الكنهور» لا تعاب نظما، وتعاب نثرا، وكذلك يجري الأمر في لفظة ~~«العرمس» وهي اسم الناقة الشديدة؛ فإن هذه اللفظة يسوغ استعمالها في الشعر، ~~ولا يعاب مستعملها، كقول أبي الطيب أيضا «2» : # ومهمه جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل «3» # فإنه جمع هذه اللفظة، ولا بأس بها، ولو استعملت في الكلام المنثور لما ~~طابت ولا ساغت، وقد جاءت موحدة في شعر أبي تمام، كقوله «4» : # هي العرمس الوجناء وابن ملمة ... وجأش على ما يحدث الدهر خافض «5» # وكذلك ورد قوله أيضا: # يا موضع الشدنية الوجناء «6» # PageV01P171 # فإن «الشدنية» لا تعاب شعرا، وتعاب شعرا، وتعاب لو وردت في كتاب أو خطبة، ~~وهكذا يجري الحكم في أمثال هذه الألفاظ المشار إليها. # وعلى هذا فاعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور من الألفاظ ~~يسوغ استعماله في الكلام المنظوم، وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام ~~المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور، وذلك شيء استنبطته، واطلعت عليه؛ ~~لكثرة ممارستي لهذا الفن، ولأن الذوق الذي عندي دلني عليه؛ فمن شاء ~~فليقلدني فيه، وإلا فليدمن النظر حتى يطلع على ما اطلعت عليه، والأذهان في ~~مثل هذا المقام تتفاوت. # وقد رأيت جماعة من مدعي هذه الصناعة يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي ~~يعز فهمه، ويبعد متناوله، وإذا رأوا كلاما وحشيا غامض الألفاظ يعجبون به ~~ويصفونه بالفصاحة، وهو بالضد من ذلك؛ لأن الفصاحة ms129 هي الظهور والبيان؛ لا ~~الغموض والخفاء. # وسأبين لك ما تعتمد عليه في هذا الموضع؛ فأقول: # الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن ~~استعماله فيه. # فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، ~~وأشباه ذلك. # وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق وذكر أيام البعاد، وفي ~~استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك. # ولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيا متوعرا عليه عنجهية البداوة، ~~بل أعني بالجزل أن يكون متينا على عذوبته في الفم ولذاذته في السمع، وكذلك ~~لست أعني بالرقيق أن يكون ركيكا سفسفا، وإنما هو اللطيف الرقيق الحاشية ~~الناعم الملمس، كقول أبي تمام «1» : # PageV01P172 # ناعمات الأطراف لو أنها تلبس ... أغنت عن الملاء الرقاق «1» # وسأضرب لك مثالا للجزل من الألفاظ والرقيق، فأقول: # انظر إلى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط، وعند ~~ذكر الموت ومفارقة الدنيا، وما جرى هذا المجرى؛ فإنك لا ترى شيئا من ذلك ~~وحشي الألفاظ، ولا متوعرا، ثم انظر إلى ذكر الرحمة والرأفة والمغفرة، ~~والملاطفات في خطاب الأنبياء، وخطاب المنيبين والتائبين من العباد، وما جرى ~~هذا المجرى؛ فإنك لا ترى شيئا من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسفا. # فمثال الأول:- وهو الجزل من الألفاظ- قوله تعالى: ونفخ في الصور فصعق من ~~في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون، وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي ~~بينهم بالحق وهم لا يظلمون، ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون، ~~وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاوها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين، قيل ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين، وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~حتى إذا جاوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين، وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا ms130 الأرض نتبوأ من الجنة ~~حيث نشاء فنعم أجر العاملين. # PageV01P173 # فتأمل هذه الايات المضمنة ذكر الحشر على تفاصيل أحواله وذكر النار ~~والجنة. وانظر هل فيها لفظة إلا وهي سهلة مستعذبة على ما بها من الجزالة. # وكذلك ورد قوله تعالى: ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد ~~تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون. # وأما مثال الثاني:- وهو الرقيق الألفاظ- فقوله تعالى في مخاطبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم: والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى # إلى آخر السورة، وكذلك قوله تعالى في ترغيب المسألة: وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان. # وهكذا ترى سبيل القرآن الكريم في كلا هذين الحالين من الجزالة والرقة، ~~وكذلك كلام العرب الأول في الزمن القديم مما ورد عنها نثرا، ويكفي من ذلك ~~كلام قبيصة بن نعيم لما قدم على امرئ القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفو ~~عن دم «1» أبيه، فقال: إنك في المحل والقدر من المعرفة «2» بتصرف الدهر وما ~~تحدثه أيامه وتنتقل به أحواله بحيث لا تحتاج لا تذكير من واعظ، ولا تبصير ~~من مجرب «3» ولك من سؤدد منصبك وشرف أعراقك وكرم أصلك في العرب محتد «4» ~~يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة ورجوع عن الهفوة «5» ، ولا تتجاوز الهمم ~~إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح ~~«6» # PageV01P174 # ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي ~~عمت رزيته نزارا واليمن ولم تخصص بذلك كندة دوننا للشرف البارع الذي كان ~~لحجر «1» ، ولو كان يفدي هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها ~~على مثله «2» ، ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه ~~أدناه، فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما ~~أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتا، فقدناه ~~إليك بنسعة تذهب مع ms131 شفرات حسامك بباقي قصرته «3» ، فنقول: رجل امتحن بها لك ~~عزيز فلم يستل سخيمته إلا بمكنته «4» من الانتقام، أو فداء بما يروح على ~~بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة «5» ، فكان ذلك فداء رجعت به القضب ~~إلى أجفانها لم يرددها تسليط الإحن على البرآء، وإما أن وادعتنا إلى أن تضع ~~الحوال، فتسدل الأزر، وتعقد الخمر فوق الرايات، قال: فبكى ساعة ثم رفع ~~رأسه، فقال: # لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض [به] جملا ولا ناقة ~~فأكتسب به سبة الأبد، وفت العضد، وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون ~~أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببا، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في ~~القلوب حنقا، وفوق الأسنة علقا: # إذا جالت الحرب في مأزق ... تصافح فيه المنايا النفوسا «6» # أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار، ~~بمكروه وأذية، وحرب وبلية، ثم نهضوا عنه وقبيصة يتمثل: # PageV01P175 # لعلك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا في مأزق الحرب تمطر «1» # فقال امرؤ القيس: لا والله، ولكن أستعذبه، فرويدا ينفرج لك دجاها عن ~~فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى؛ إذ كنت نازلا ~~بربعي، ولكنك قلت فأوجبت «2» [فقال قبيصة: ما نتوقع فوق المعاتبة والإعتاب] ~~«3» فقال امرؤ القيس: هو ذاك. # فلتنظر إلى هذا الكلام من الرجلين قبيصة وامرئ القيس، حتى يدع المتعمقون ~~تعمقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ؛ فإن هذا الكلام قد كان في الزمن ~~القديم قبل الإسلام بما شاء الله، وكذلك كلام كل فصيح من العرب مشهور، وما ~~عداه فليس بشيء، وهذا المشار إليه ههنا هو جزل كلامهم، وعلى ما تراه من ~~السلاسة والعذوبة. # وإذا تصفحت أشعارهم أيضا وجدت الوحشي من الألفاظ قليلا بالنسبة إلى ~~المسلسل في الفم والسمع، ألا ترى إلى هذه الأبيات الواردة للسموأل بن ~~عاديا، وهي: # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت ms132 لها إن الكرام قليل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل # PageV01P176 # علونا إلى خير الظهور وحطنا ... لوقت إلى خير البطون نزول # فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل # إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول # وأيامنا مشهورة في عدونا ... لها غرر مشهورة وحجول # وأسيافنا في كل غرب ومشرق ... بها من قراع الدارعين فلول # معودة ألا يسل نصالها ... فتغمد حتى يستباح قبيل # فإذا نظرنا إلى ما تضمنته من الجزالة خلناها زبرا من الحديد، وهي مع ذلك ~~سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة. # وكذلك قد ورد للعرب في جانب الرقة من الأشعار ما يكاد يذوب لرقته، كقول ~~عروة بن أذينة «1» : # إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها # بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها # حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها # وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها # وكذلك ورد قول الآخر «2» : # أقول لصاحبي والعيس تهوي ... بنا بين المنيفة فالضمار # تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه غب القطار «3» # PageV01P177 # وأهلك إذ يحل الحي نجدا ... وأنت على زمانك غير زار # شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار # فأما ليلهن فخير ليل ... وأطيب ما يكون من النهار # ومما ترقص الأسماع له، ويرن على صفحات القلوب، قول يزيد بن الطثرية في ~~محبوبته من جرم: # بنفسي من لو مر برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله # ومن هابني في كل شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله # وإذا كان هذا قول ساكن في الفلاة لا يرى إلا شيحة أو قيصومة، ولا يأكل ~~إلا ضبا أو يربوعا، فما بال قوم سكنوا الحضر، ووجدوا رقة العيس، يتعاطون ~~وحشي الألفاظ، وشظف العبارات، ولا يخلد إلى ذلك إلا إما ms133 جاهل بأسرار ~~الفصاحة، وإما عاجز عن سلوك طريقها؛ فإن كل أحد ممن شدا شيئا من علم الأدب ~~يمكنه أن يأتي بالوحشي من الكلام، وذاك أنه يلتقطه من كتب اللغة، أو يتلقفه ~~من أربابها، وأما الفصيح المتصف بصفة الملاحة فإنه لا يقدر عليه، ولو قدر ~~عليه لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه. # فإن مارى في ذلك ممار فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممن كان مشارا إليه ~~حتى يعلم صحة ما ذكرته. # هذا ابن دريد، قد قيل: إنه أشعر علماء الأدب، وإذا نظرت إلى شعره وجدته ~~بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطا، مع أن أولئك الشعراء لم يعرفوا من ~~علم الأدب عشر معشار ما علمه. # هذا العباس بن الأحنف، قد كان من أوائل الشعراء المجيدين، وشعره كمر نسيم ~~على عذبات أغصان، وكلؤلؤات طل على طرر ريحان، وليس فيه لفظة واحدة غريبة ~~يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة، فمن ذلك قوله: # وإني ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كان لا أرضى لكم بقليل # PageV01P178 # بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الود إلا عدتم بجميل # وهكذا ورد قوله في فوز التي كان يشبب بها في شعره: # يا فوز، يا منية عباس ... قلبي يفدي قلبك القاسي # أسأت إذ أحسنت ظني بكم ... والحزم سوء الظن بالناس # يقلقني شوقي فآتيكم ... والقلب مملوء من اليأس # وهل أعذب من هذه الأبيات وأعلق بالخاطر وأسرى في السمع؟ ولمثلها تخف ~~رواجح الأوزان، وعلى مثلها تسهر الأجفان، وعن مثلها تتأخر السوابق عند ~~الرهان، ولم أجرها بلساني يوما من الأيام إلا ذكرت قول أبي الطيب المتنبي. # إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحق # ومن الذي يستطيع أن يسلك هذه الطريق التي هي سهلة وعرة قريبة بعيدة؟. # وهذا أبو العتاهية؛ كان في عزة الدولة العباسية، وشعراء العرب إذ ذاك ~~موجودون كثيرا، وكانت مدائحه في المهدي بن المنصور، وإذا تأملت شعره وجدته ~~كالماء الجاري رقة ألفاظ ولطافة سبك، وليس بركيك ولا واه. # وكذلك أبو نواس، وبهذا قدم على شعراء عصره، ms134 وناهيك بعصره وما جمعه من ~~فحول الشعراء، ويكفي منهم مسلم بن الوليد الذي كان فارس الشعر، وله الأسلوب ~~الغريب العجيب، غير أنه كان يتعنجه في أكثر ألفاظه. # ويحكى أن أبا نواس جلس يوما إلى بعض التجار ببغداد هو وجماعة من الشعراء، ~~فاستسقى ماء، فلما شرب قال: # عذب الماء وطابا # ثم قال: أجيزوه، فأخذ أولئك الشعراء يترددون في إجازته، وإذا هم بأبي ~~العتاهية، فقال: ما شأنكم مجتمعين؟ فقالوا: هو كيت وكيت، وقد قال أبو نواس: # عذب الماء وطابا # PageV01P179 # فقال أبو العتاهية: # حبذا الماء شرابا # فعجبوا لقوله على الفور من غير تلبث. # وكل شعر أبي العتاهية كذلك سهل الألفاظ، وسأورد منه ههنا شيئا يستدل به ~~على سلاسة طبعه وترويق خاطره: # فمن ذلك قصيدته التي يمدح فيها المهدي؛ ويشبب فيها بجاريته عتب: # ألا ما لسيدتي ما لها ... تدل فأحمل إدلالها # ألا إن جارية للإما ... م قد سكن الحسن سربالها # لقد أتعب الله قلبي بها ... وأتعب في اللوم عذالها # كأن بعيني في حيثما ... سلكت من الأرض تمثالها # فلما وصل إلى المديح قال من جملته: # أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها # ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها # ولو لم تطعه نيات القلوب ... لما قبل الله أعمالها # ويحكى أن بشارا كان شاهدا عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات، فلما سمع ~~المديح قال: انظروا إلى أمير المؤمنين، هل طار عن أعواده؟ يريد هل زال عن ~~سريره طربا بهذا المديح، ولعمري إن الأمر كما قال بشار، وخير القول ما أسكر ~~السامع حتى ينقله عن حالته، سواء كان في مديح أو غيره، وقد أشرت إلى ذلك ~~فيما يأتي من هذا الكتاب عند ذكر الاستعارة؛ فليؤخذ من هناك. # وأعلم أن هذه الأبيات المشار إليها ههنا من رقيق الشعر غزلا ومديحا، وقد ~~أذعن لمديحها الشعراء من أهل ذلك العصر، ومع هذا فإنك تراها من السلاسة # PageV01P180 # واللطافة على أقصى الغايات، وهذا هو الكلام الذي يسمى السهل الممتنع، ~~فتراه يطمعك ثم إذا ms135 حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثعلب، وهكذا ينبغي أن ~~يكون من خاض في كتابة أو شعر؛ فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذن. # وأما البداوة والعنجهية في الألفاظ فتلك أمة قد خلت؛ ومع أنها قد خلت ~~وكانت في زمن العرب العاربة فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت، فكيف ~~الآن وقد غلب على الناس رقة الحضر؟. # وبعد هذا، فاعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، ~~فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ ~~الرقيقة تتخيل كأشخاص ذي دماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ ~~أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا «1» سلاحهم، وتأهبوا ~~للطراد، وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهن غلائل «2» مصبغات وقد ~~تحلين بأصناف الحلي، وإذا أنعمت نظرك فيما ذكرته ههنا وجدتني قد دللتك على ~~الطريق، وضربت لك أمثالا مناسبة. # واعلم أنه يجب على الناظم والناثر أن يجتنبا ما يضيق به مجال الكلام في ~~بعض الحروف، كالثاء والذال والخاء والشين والصاد والطاء والظاء والغين؛ فإن ~~في الحروف الباقية مندوحة عن استعمال ما لا يحسن من هذه الأحرف المشار ~~إليها، والناظم في ذلك أشد ملامة؛ لأنه يتعرض لأن ينظم قصيدة ذات أبيات ~~متعددة فيأتي في أكثرها بالبشع الكريه الذي يمجه السمع لعدم استعماله، كما ~~فعل أبو تمام في قصيدته الثائية التي مطلعها. # قف بالطلول الدارسات علاثا «3» # PageV01P181 # وكما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته الشينية التي مطلعها: # مبيتي من دمشق على فراش «1» # وكما فعل ابن هانئ المغربي في قصيدته الخائية التي مطلعها: # سرى وجناح الليل أقتم أفتخ «2» # والناظم لا يعاب إذا لم ينظم هذه الأحرف في شعره، بل يعاب إذا نظمها ~~وجاءت كريهة مستبشعة، وأما الناثر فإنه أقرب حالا من الناظم، لأن غاية ما ~~يأتي به سجعتان أو ثلاث أو أربع على حرف من هذه الأحرف، وما يعدم في ذلك ما ~~يروق إذا كان بهذه العدة اليسيرة، فإن كلفت أيها الشاعر أن تنظم شيئا على ~~هذه الحروف فقل: هذه الحروف ms136 هي مقاتل الفصاحة، وعذري واضح في تركها، فإن ~~واضع اللغة لم يضع عليها ألفاظا تعذب في الفم، ولا تلذ في السمع والذي هو ~~بهذه الصفة منها فإنما هو قليل جدا، ولا يصاغ منه إلا مقاطيع أبيات من ~~الشعر، وأما القصائد المقصدة فلا تصاغ منه، وإن صيغت جاء أكثرها بشعا ~~كريها، على أن هذه الحروف متفاوتة في كراهة الاستعمال، وأشدها كراهية أربعة ~~أحرف، وهي الخاء والصاد والظاء والغين، وأما الثاء والذال والشين والطاء ~~فإن الأمر فيهن أقرب حالا، وهذا موضع ينبغي لصاحب الصناعة أن ينعم نظره ~~فيه، وفيما أشرنا إليه كفاية للمتعلم؛ فليعرفه وليقف عنده. # PageV01P182 # ومن أوصاف الكلمة ألا تكون مبتذلة بين العامة، وذلك ينقسم قسمين: # الأول: ما كان من الألفاظ دالا على معنى وضع له في أصل اللغة فغيرته ~~العامة وجعلته دالا على معنى آخر، وهو ضربان: # الأول: ما يكره ذكره، كقول أبي الطيب «1» : # أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهن عني بالصرم «2» # فإن لفظة «الصرم» في وضع اللغة هو القطع، يقال: صرمه إذا قطعه، فغيرتها ~~العامة وجعلتها دالة على المحل المخصوص من الحيوان دون غيره، فأبدلوا السين ~~صادا، ومن أجل ذلك استكره استعمال هذه اللفظة، وما جرى مجراها، لكن المكروه ~~منها ما يستعمل على صيغة الاسمية، كما جاءت في هذا البيت، وأما إذا استعملت ~~على صيغة الفعل كقولنا صرمه وصرمته وتصرمه فإنها لا تكون كريهة؛ لأن ~~استعمال العامة لا يدخل في ذلك، وهذا الضرب المشار إليه لا يعاب البدوي على ~~استعماله كما يعاب المحتضر؛ لأن البدوي لم تتغير الألفاظ في زمنه، ولا ~~تصرفت العامة فيها كما تصرفت في زمن المحتضرة من الشعراء؛ فمن أجل ذلك عيب ~~استعمال لفظة الصرم وما جرى مجراها على الشاعر المحتضر، ولم يعب على الشاعر ~~المتبدي «3» ، ألا ترى إلى قول أبي صخر الهذلي «4» : # قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم # PageV01P183 # فإن هذا لا يعاب على صخر كما عيب على المتنبي قوله في البيت المقدم ذكره. # وقد صنف الشيخ أبو منصور بن أحمد ms137 البغدادي المعروف بابن الجواليقي كتابا ~~في هذا الفن، ووسمه بإصلاح ما تغلط فيه العامة؛ فمنه ما هذا سبيله، وهو ~~الذي أنكره استعماله؛ لكراهته، ولأنه مما لم ينقل عن العرب، فهذان عيبان. # وأما الضرب الثاني، وهو أنه وضع في أصل اللغة لمعنى فجعلته العامة دالا ~~على غيره، إلا أنه ليس بمستقبح ولا مستكره، وذلك كتسميتهم الإنسان ظريفا ~~إذا كان دمث الأخلاق حسن الصورة أو اللباس، أو ما هذا سبيله، والظرف في أصل ~~اللغة مختص بالنطق فقط. # وقد قيل في صفات خلق الإنسان ما أذكره ههنا، وهو الصباحة في الوجه، ~~الوضاءة في البشرة، الجمال في الأنف، الحلاوة في العينين، الملاحة في الفم، ~~الظرف في اللسان، الرشاقة في القد، اللباقة في الشمائل، كمال الحسن في ~~الشعر؛ فالظرف إنما يتعلق بالنطق خاصة، فغيرته العامة عن بابه. # وممن غلط في هذا الموضع أبو نواس حيث قال: # اختصم الجود والجمال ... فيك فصارا إلى جدال # فقال هذا يمينه لي ... للعرف والبذل والنوال # وقال هذاك وجهه لي ... للظرف والحسن والكمال # فافترقا فيك عن تراض ... كلاهما صادق المقال # وكذلك غلط أبو تمام، فقال «1» : # PageV01P184 # لك هضبة الحلم التي لو وازنت ... أجأ إذن ثقلت وكان خفيفا «1» # وحلاوة الشيم التي لو مازجت ... خلق الزمان الفدم عاد ظريفا # فأبو نواس غلط ههنا في أنه وصف الوجه بالظرف، وهو من صفات النطق، وأبو ~~تمام غلط في أنه وصف الخلق بالظرف، وهو من صفات النطق أيضا، إلا أن هذا غلط ~~لا يوجب في هذه اللفظة قبحا، لكنه جهل بمعرفة أصلها في وضع اللغة. # القسم الثاني مما ابتذلته العامة؛ وهو الذي لم تغيره عن وصفه، وإنما أنكر ~~استعماله لأنه مبتذل بينهم، لا لأنه مستقبح، ولا لأنه مخالف لما وضع له، ~~وفي هذا القسم نظر عندي؛ لأنه إن كان عبارة عما يكثر تداوله بين العامة فإن ~~من الكثير المتداول بينهم ألفاظا فصيحة، كالسماء والأرض والنار والماء ~~والحجر والطين، وأشباه ذلك، وقد نطق بها القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، ~~وجاءت في كلام الفصحاء نظما ونثرا، والذي ترجح ms138 في نظري أن المراد بالمبتذل ~~من هذا القسم إنما هو الألفاظ السخيفة الضعيفة، سواء تداولتها العامة أو ~~الخاصة. # فمما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي «2» : # وملمومة سيفية ربعية ... يصيح الحصا فيها صياح اللقالق «3» # فإن لفظة «اللقالق» مبتذلة بين العامة جدا، وكذلك قوله «4» : # PageV01P185 # ومن الناس من يجوز إليهم ... شعراء كأنها الخازباز «1» # وهذا البيت من مضحكات الأشعار، وهو من جملة البرسام الذي ذكره في شعره ~~حيث قال «2» : # إن بعضا من القريض هراء ... ليس شيئا وبعضه أحكام «3» # فيه ما يجلب البراعة والفهم وفيه ما يجلب البرسام ومثل هذه الألفاظ إذا ~~وردت في الكلام وضعت من قدره، ولو كان معنى شريفا. # وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر، لكن منهم ~~المقل ومنهم المكثر، حتى إن العاربة قد استعملت هذا، إلا أنه في أشعارها ~~أقل. # فمن ذلك قول النابغة الذبياني في قصيدته التي أولها: # من آل مية رائح أو مغتدي ... أو دمية في مرمر مرفوعة # بنيت بآجر يشاد بقرمد # فلفظة «آجر» مبتذلة جدا، وإن شئت أن تعلم شيئا من سر الفصاحة التي تضمنها ~~القرآن فانظر إلى هذا الموضع، فإنه لما جيء فيه بذكر الآجر لم يذكر بلفظه، ~~ولا بلفظ القرمد أيضا، ولا بلفظ الطوب الذي هو لغة أهل مصر؛ فإن هذه # PageV01P186 # الأسماء مبتذلة، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر وهو قوله تعالى: وقال ~~فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين ~~فاجعل لي صرحا # فعبر عن الآجر بالوقود على الطين. # ومن هذا القسم المبتذل قول الفرزدق في قصيدته التي أولها: # عزفت بأعشاش وما كدت تعزف «1» ... وأصبح مبيض الضريب كأنه # على سروات النيب قطن مندف «2» # فقوله «مندف» من الألفاظ العامية. # ومن هذا القسم قول البحتري «3» : # وجوه حسادك مسودة ... أم صبغت بعدي بالزاج # فلفظة «الزاج» من أشد ألفاظ العامة ابتذالا، وقد استعمل أبو نواس هذا ~~النوع في شعره كثيرا، كقوله: # يا من جفاني وملا ... نسيت أهلا وسهلا # ومات مرحب لما ... رأيت مالي قلا # إني ms139 أظنك فيما ... فعلت تحكي القرلى # PageV01P187 # وكقوله: # وأنمر الجلدة صيرته ... في الناس زاغا وشقراقا # ما زلت أجري كلكي فوقه ... حتى دعا من تحته قاقا # وكقوله: # وملحة بالعذل تحسب أنني ... بالجهل أترك صحبة الشطار # وقد استعمل لفظة الشاطر والشاطرة والشطار كثيرا؛ وهي من الألفاظ التي ~~ابتذلها العامة حتى سئمت من ابتذالها. # وهذه الأمثلة تمنع الواقف عليها من استعمال أشباهها وأمثالها. # ومن أوصاف الكلمة ألا تكون مشتركة بين معنيين: أحدهما: يكره ذكره وإذا ~~وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة ~~تميز معناها عن القبح، فأما إذا جاءت ومعها قرينة فإنها لا تكون معيبة، ~~كقوله تعالى: فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~أولئك هم المفلحون # ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة تطلق على التعظيم والإكرام وعلى الضرب ~~الذي هو دون الحد، وذلك نوع من الهوان، وهما معنيان ضدان، فحيث وردت في هذه ~~الآية جاء معها قرائن من قبلها ومن بعدها فخصت معناها بالحسن؛ وميزته عن ~~القبيح، ولو وردت مهملة بغير قرينة وأريد بها المعنى الحسن لسبق إلى الوهم ~~ما اشتملت عليه من المعنى القبيح. مثال ذلك لو قال قائل: لقيت فلانا ~~فعزرته، لسبق إلى الفهم أنه ضربه وأهانه، ولو قال: لقيت فلانا فأكرمته ~~وعزرته، لزال ذلك اللبس. # واعلم أنه قد جاء من الكلام ما معه قرينة فأوجب قبحه، ولو لم تجيء معه ~~لما استقبح، كقول الشريف الرضي «1» : # PageV01P188 # أعزر علي بأن أراك وقد خلا ... عن جانبيك مقاعد العواد «1» # وقد ذكر ابن سنان الخفاجي هذا البيت «2» في كتابه فقال: إن إيراد هذه ~~اللفظة في هذا الموضع صحيح، إلا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشعر، ~~لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه، وهم العواد، ولو انفرد لكان ~~الأمر فيه سهلا، فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به؛ هذا حكاية ~~كلامه، وهو مرضي واقع في موقعه، ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك فنقول: قد جاءت ~~هذه اللفظة المعيبة في ms140 الشعر في القرآن الكريم، فجاءت حسنة مرضية، وهي قوله ~~تعالى: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال # وكذلك قوله تعالى: # وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها ~~مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه كما ~~جاءت في الشعر، ولو قال الشاعر بدلا من مقاعد العواد: مقاعد الزيارة، أو ما ~~جرى مجراه؛ لذهب ذلك القبح، وزالت تلك الهجنة، ولهذا جاءت هذه اللفظة في ~~الآيتين على ما تراه من الحسن، وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف ~~الرضي. # وعلى هذا ورد قول تأبط شرا «3» : # أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الجحر معور «4» # فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه، لأن الجحر يطلق على # PageV01P189 # كل ثقب كثقب الحية واليربوع، وعلى المحل المخصوص من الحيوان، فإذا ورد ~~مهملا بغير قرينة تخصصه سبق إلى الوهم ما يقبح ذكره؛ لاشتهاره به دون غيره، ~~ومن ههنا ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن لا يلسع من جحر مرتين» ~~وحيث قال: # «يلسع» زال اللبس؛ لأن اللسع لا يكون إلا للحية وغيرها من ذوات السموم. # وأما ما ورد مهملا بغير قرينة فقول أبي تمام «1» : # أعطيت لي دية القتيل وليس لي ... عقل ولا حق عليك قديم» # فقوله: «ليس لي عقل» يظن أنه من عقل الشيء إذا علمه، ولو قال ليس لي عليك ~~عقل لزال اللبس. # فيجب إذا على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع، وهو من ~~جملة الألفاظ المشتركة التي يحتاج في إيرادها إلى قرينة تخصصها ضرورة. # ومن أوصاف الكلمة أن تكون مؤلفة من أقل الأوزان تركيبا، وهذا مما ذكره ~~ابن سنان في كتابه «3» ، ثم مثله بقول أبي الطيب المتنبي «4» : # إن الكرام بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها «5» # PageV01P190 # وقال: إن لفظة «سويداواتها» طويلة، فلهذا قبحت؛ وليس الأمر كما ذكره، فإن ~~قبح هذه اللفظة لم يكن بسبب طولها، ms141 وإنما هو لأنها في نفسها قبيحة، وقد ~~كانت وهي مفردة حسنة، فلما جمعت قبحت، لا بسبب الطول، والدليل على ذلك أنه ~~قد ورد في القرآن الكريم ألفاظ طوال، وهي مع ذلك حسنة، كقوله تعالى: # فسيكفيكهم الله # فإن هذه اللفظة تسعة أحرف، وكقوله تعالى: ليستخلفنهم في الأرض # فإن هذه اللفظة عشرة أحرف، وكلتاهما حسنة رائقة، ولو كان الطول مما يوجب ~~قبحا لقبحت هاتان اللفظتان، وليس كذلك، ألا ترى أنه لو أسقط من لفظة ~~«سويداواتها» الهاء والألف اللتين هما عوض عن الإضافة لبقي منها ثمانية ~~أحرف، ومع هذا فإنها قبيحة ولفظة (ليستخلفنهم) عشرة أحرف، وهي أطول منها ~~بحرفين؛ ومع هذا فإنها حسنة رائقة. # والأصل في هذا الباب ما أذكره، وهو أن الأصول من الألفاظ لا تحسن إلا في ~~الثلاثي وفي بعض الرباعي، كقولنا: عذب وعسجد، فإن هاتين اللفظتين إحداهما ~~ثلاثية والأخرى رباعية، وأما الخماسي من الأصول فإنه قبيح، ولا يكاد يوجد ~~منه شيء حسن، كقولنا: جحمرش «1» وصهصلق «2» وما جرى مجراهما، وكان ينبغي ~~على ما ذكره ابن سنان أن تكون هاتان اللفظتان حسنتين واللفظتان الواردتان ~~في القرآن قبيحتين؛ لأن تلك تسعة أحرف وعشرة وهاتان خمسة وخمسة، ونرى الأمر ~~بالضد مما ذكره، وهذا لا يعتبر فيه طول ولا قصر، وإنما يعتبر نظم تأليف ~~الحروف بعضها مع بعض، وقد تقدم الكلام على ذلك، ولهذا لا يوجد في القرآن من ~~الخماسي الأصول شيء، إلا ما كان من اسم نبي عرب اسمه ولم يكن في الأصل ~~عربيا نحو إبراهيم وإسمعيل. # ومما يدخل في هذا الباب أن تجتنب الألفاظ المؤلفة من حروف يثقل النطق ~~بها، سواء كانت طويلة أو قصيرة، ومثال ذلك قول امرئ القيس في قصيدته ~~اللامية التي هي من جملة القصائد السبع الطوال: # PageV01P191 # غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المدارى في مثنى ومرسل «1» # فلفظة «مستشزرات» مما يقبح استعمالها؛ لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق ~~بها، وإن لم تكن طويلة؛ لأنا لو قلنا «مستنكرات» أو «مستنفرات» على وزن ~~«مستشزرات» لما كان في هاتين اللفظتين من ثقل ولا كراهة. ms142 # ولربما اعترض بعض الجهال في هذا الموضع، وقال: إن كراهة هذه اللفظة إنما ~~هو لطولها، وليس الأمر كذلك؛ فإنا لو حذفنا منها الألف والتاء وقلنا: # «مستشزر» لكان ذلك ثقيلا أيضا، وسببه أن الشين قبلها تاء، وبعدها زاي، ~~فثقل النطق بها، وإلا فلو جعلنا عوضا من الزاي راء ومن الراء فاء، فقلنا: ~~«مستشرف» لزال ذلك الثقل. # ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امرئ القيس هذه اللفظة المشار إليها، ~~فأكبر ذلك؛ لوقوفه مع شهرة التقليد في أن امرئ القيس أشعر الشعراء، فعجبت ~~من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة، وقلت له: لا يمنع إحسان امرئ # PageV01P192 # القيس من استقباح ما له من القبح، ومثال هذا كمثال غزال المسك فإنه يخرج ~~منه المسك والبعر، ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره، ~~ولا تكون لذاذة ذلك الطيب حامية للخبث من الاستكراه، فأسكت الرجل عند ذلك. # وحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود، وكنت إذ ذاك بالديار المصرية، ~~وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد؛ لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري ~~كذلك، فجرى ذكر اللغات، وأن اللغة العربية هي سيدة اللغات، وأنها أشرفهن ~~مكانا، وأحسنهن وضعا؛ فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك، وقد جاءت آخرا ~~فنفت القبيح من اللغات قبلها وأخذت الحسن؟ ثم إن واضعها تصرف في جميع ~~اللغات السالفة؛ فاختصر ما اختصر، وخفف ما خفف، فمن ذلك اسم الجمل؛ فإنه ~~عندنا في اللسان العبراني «كوميل» ممالا على وزن فوعيل، فجاء واضع اللغة ~~العربية وحذف منها الثقيل المستبشع، وقال: جمل، فصار خفيفا حسنا، وكذلك فعل ~~في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة، ولقد صدق في الذي ذكره؛ وهو كلام عالم به. # ومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنية من حركات خفيفة، ليخف النطق بها، وهذا ~~الوصف يترتب على ما قبله من تأليف الكلمة، ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان ~~في كلمة واحدة لم تستثقل، وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة، فإنه إذا توالى منها ~~حركتان في كلمة واحدة استثقلت، ومن أجل ذلك استثقلت ms143 الضمة على الواو ~~والكسرة على الياء؛ لأن الضمة من جنس الواو، والكسرة من جنس الياء، فتكون ~~عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان. # ولنمثل لك مثالا لتهتدي به في هذا الموضع، وهو أنا نقول: إذا أتينا بلفظة ~~مؤلفة من ثلاثة أحرف، وهي «ج ز ع» فإذا جعلنا الجيم مفتوحة فقلنا: الجزع أو ~~مكسورة فقلنا: الجزع كان ذلك أحسن من أن لو جعلنا الجيم مضمومة فقلنا: # الجزع، وكذلك إذا والينا حركة الفتح فقلنا: الجزع كان ذلك أحسن من موالاة ~~حركة الضم عند قولنا: الجزع، ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن اختلاف ~~حركاتها مغيرا لمخارج حروفها، حتى ينسب ذلك إلى اختلاف تأليف المخارج، بل # PageV01P193 # وجدناها تارة تكتسى حسنا، وتارة يسلب ذلك الحسن عنها، فعلمنا أن ذلك حادث ~~عن اختلاف تأليف حركاتها. # واعلم أنه قد توالت حركة الضم في بعض الألفاظ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ~~ثقلا، كقوله تعالى: ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر # وكقوله تعالى: إن المجرمين في ضلال وسعر # وكقوله تعالى: وكل شيء فعلوه في الزبر # فحركة الضم في هذه الألفاظ متوالية، وليس بها من ثقل ولا كراهة، وكذلك ~~ورد قول أبي تمام «1» : # نفس يحتثه نفس ... ودموع ليس تحتبس # ومغان للكرى دثر ... عطل من عهده درس # شهرت ما كنت أكتمه ... ناطقات بالهوى خرس # فانظر كيف جاءت هذه الألفاظ الأربعة مضمومات كلها، وهي مع ذلك حسنة لا ~~ثقل بها، ولا ينبو السمع عنها. # وهذا لا ينقض ما أشرنا إليه؛ لأن الغالب أن يكون توالي حركة الضم ~~مستثقلا، فإذا شذ عن ذلك شيء يسير لا ينقض الأصل المقيس عليه. ### | القسم الثاني: الألفاظ المركبة: # قد قدمنا القول في شرح أحوال اللفظ المفردة، وما يختص بها، وأما إذا صارت ~~مركبة فإن لتركيبها حكما آخر؛ وذاك أنه يحدث عنه من فوائد التأليفات ~~والامتزاجات ما يخيل للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة، ~~ومثال ذلك كمن أخذ لآلىء ليست من ذوات القيم الغالية فألفها، وأحسن الوضع ~~في تأليفها؛ فخيل للناظر بحسن تأليفه وإتقان صنعته أنها ليست ms144 تلك التي كانت ~~منثورة مبددة، وفي عكس ذلك من يأخذ لآلىء من ذوات القيم الغالية فيفسد ~~تأليفها؛ فإنه يضع من حسنها، وكذلك يجري حكم الألفاظ العالية مع فساد ~~التأليف؛ وهذا موضع شريف ينبغي الالتفات إليه، والعناية به. # PageV01P194 # واعلم أن صناعة تأليف الألفاظ تنقسم إلى ثمانية أنواع؛ هي السجع: # ويختص بالكلام المنثور، والتصريع، ويختص بالكلام المنظوم، وهو داخل في ~~باب السجع؛ لأنه في الكلام المنظوم كالسجع في الكلام المنثور، والتجنيس، ~~وهو يعم القسمين جميعا، والترصيع، وهو يعم القسمين أيضا جميعا، ولزوم ما لا ~~يلزم، وهو يعم القسمين أيضا، والموازنة، وتختص بالكلام المنثور، واختلاف ~~صيغ الألفاظ، وهو يعم القسمين جميعا، وتكرير الحروف، وهو يعم القسمين ~~جميعا. ### | النوع الأول: السجع؛ # وحده أن يقال: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد. # وقد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى ذلك وجها سوى عجزهم ~~أن يأتوا به، وإلا فلو كان مذموما لما ورد في القرآن الكريم؛ فإنه قد أتى ~~منه بالكثير، حتى إنه ليؤتي بالسورة جميعها مسجوعة، كسورة الرحمن، وسورة ~~القمر، وغيرهما، وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور؛ فمن ذلك قوله تعالى: # إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا، خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ~~ولا نصيرا # وكقوله تعالى في سورة طه: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إلا تذكرة لمن ~~يخشى، تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى، الرحمن على العرش استوى، له ~~ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول ~~فإنه يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى # وكذلك قوله تعالى في سورة ق: بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج، ~~أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج # وكقوله تعالى: والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن به ~~نقعا، فوسطن به جمعا # وأمثال ذلك كثيرة. # وقد ورد على هذا الأسلوب من كلام ms145 النبي صلى الله عليه وسلم شيء كثير ~~أيضا: # فمن ذلك ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # PageV01P195 # «استحيوا من الله حق الحياء» قلنا: إنا لنستحيي من الله يا رسول الله، ~~قال: # «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما ~~حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا» . # ومن ذلك ما رواه عبد الله بن سلام فقال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما تبينت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب، ~~فكان أول شيء تكلم به أن قال: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، ~~وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» . # فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعضهم منكرا عليه وقد كلمه ~~بكلام مسجوع: # «أسجعا كسجع الكهان» ولولا أن السجع مكروه لما أنكره النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # فالجواب عن ذلك أنا نقول: لو كره النبي صلى الله عليه وسلم السجع مطلقا ~~لقال: «أسجعا» ثم سكت، وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لم كان، فلما ~~قال: «أسجعا كسجع الكهان» صار المعنى معلقا على أمر، وهو إنكار الفعل لم ~~كان على هذا الوجه، فعلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان، لا ~~غير، وأنه لم يذم السجع على الإطلاق، وقد ورد في القرآن الكريم، وهو صلى ~~الله عليه وسلم قد نطق به في كثير من كلامه، حتى إنه غير الكلمة عن وجهها ~~إتباعا لها بأخواتها من أجل السجع، فقال لابن ابنته عليهما السلام: «أعيذه ~~من الهامة، والسامة، وكل عين لامة» وإنما أراد ملمة، لأن الأصل فيها من ألم ~~فهو ملم، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ارجعن مأزورات غير مأجورات» ~~وإنما أراد موزورات من الوزر، فقال: «مأزورات» لمكان مأجورات، طلبا للتوازن ~~والسجع، وهذا مما يدلك على فضيلة السجع. # على أن هذا الحديث النبوي الذي يتضمن إنكار سجع الكهان عندي فيه نظر؛ فإن ms146 ~~الوهم يسبق إلى إنكاره، يقال: فما سجع الكهان الذي يتعلق الإنكار به ونهى ~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والجواب عن ذلك: أن النهي لم يكن عن ~~السجع نفسه، وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع؛ ألا ترى أنه ~~لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة قال ~~الرجل: «أأدي من لا شرب ولا # PageV01P196 # أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك يطل» فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أسجعا كسجع الكهان» أي: أتتبع سجعا كسجع الكهان «1» . # وكذلك كان الكهنة كلهم؛ فإنهم كانوا إذا سئلوا عن أمر جاءوا بالكلام ~~مسجوعا، كما فعل الكاهن في قصة هند بنت عتبة، فإنه قال لما امتحن قبل ~~السؤال عن قصتها: «ثمرة في كمرة» فقيل له: نريد أبين من هذا؟ فقال: «حبة بر ~~في إحليل مهو» والحكاية مشهورة، فلهذا اختصرناها ههنا. # وكذلك قال سطيح؛ فإنه قال: عبد المسيح، جاء إلى سطيح، وهو موف على ~~الضريح، لرؤيا الموبذان، وارتجاس الإيوان، وأتم الكلام إلى آخره مسجوعا؛ ~~والحكاية مشهورة أيضا فلهذا اختصرناها. # فالسجع إذا ليس بمنهي عنه، وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول ~~الكاهن؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسجعا كسجع الكهان» أي: أحكما ~~كحكم الكهان، وإلا فالسجع الذي أتى به ذلك الرجل لا بأس به؛ لأنه قال: ~~«أأدي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك يطل» وهذا كلام حسن ~~من حيث السجع، وليس بمنكر لنفسه؛ وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في ~~امتناع الكاهن أن يدي الجنين بغرة عبد أو أمة. # واعلم أن الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام؛ والاعتدال ~~مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل إليه بالطبع، ومع هذا فليس الوقوف في ~~السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد؛ إذ لو كان ~~ذلك هو المراد من السجع لكان كل أديب من الأدباء سجاعا، وما من أحد منهم ~~ولو شدا شيئا يسيرا من الأدب ms147 إلا ويمكنه أن يؤلف ألفاظا مسجوعة، ويأتي بها ~~في كلامه، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة طنانة رنانة، لا ~~غثة ولا باردة، وأعني بقولي غثة باردة أن صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه ~~من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة، وما يشترط لها من الحسن، ولا إلى ~~تركيبها وما # PageV01P197 # يشترط له من الحسن، وهو في الذي يأتي به من الألفاظ المسجوعة كمن ينقش ~~أثوابا من الكرسف «1» ، أو ينظم عقدا من الخزف الملون. # وهذا مقام تزل عنه الأقدام، ولا يستطيعه إلا الواحد من أرباب هذا الفن ~~بعد الواحد، ومن أجل ذلك كان أربابه قليلا. # فإذا صفي الكلام المسجوع من الغثاثة والبرد فإن وراء ذلك مطلوبا آخر، وهو ~~أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى، لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ؛ فإنه ~~يجيء عند ذلك كظاهر مموه، على باطن مشوه، ويكون مثله كغمد من ذهب، على نصل ~~من خشب، وكذلك يجري الحكم في الأنواع الباقية الآتي ذكرها من التجنيس ~~والترصيع وغيرهما. # وسأبين لك في هذا مثالا تتبعه؛ فأقول: إذا صورت في نفسك معنى من المعاني، ~~ثم أردت أن تصوغه بلفظ مسجوع ولم يؤاتك ذلك إلا بزيادة في ذلك اللفظ أو ~~نقصان منه، ولا يكون محتاجا إلى الزيادة ولا إلى النقصان، إنما تفعل ذلك ~~لأن المعنى الذي قصدته يحتاج إلى لفظ يدل عليه، وإذا دللت عليه بذلك اللفظ ~~لا يكون مسجوعا إلا أن تضيف إليه شيئا آخر أو تنقص منه، فإذا فعلت ذلك فإنه ~~هو الذي يذم من السجع ويستقبح؛ لما فيه من التكلف والتعسف، وأما إذا كان ~~محمولا على الطبع غير متكلف فإنه يجيء في غاية الحسن، وهو أعلى درجات ~~الكلام، وإذا تهيأ للكتاب أن يأتي به في كتابته كلها على هذه الشريطة فإنه ~~يكون قد ملك رقاب الكلم: يستعبد كرائمها، ويستولد عقائمها، وفي مثل ذلك ~~فليتنافس، وعن مقامه فليقاعس، ولصاحبه أولى بقول أبي الطيب المتنبي «2» : # أنت الوحيد إذا ركبت طريقة ... ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا؟ «3» # PageV01P198 # فإن قيل: فإذا كان ms148 السجع أعلى درجات الكلام على ما ذهبت إليه، فكان ينبغي ~~أن يأتي القرآن كله مسجوعا؟ وليس الأمر كذلك، بل منه المسجوع ومنه غير ~~المسجوع. # قلت في الجواب: إن أكثر القرآن مسجوع، حتى إن السورة لتأتي جميعها ~~مسجوعة، وما منع أن يأتي القرآن كله مسجوعا إلا أنه سلك [به] مسلك الإيجاز ~~والاختصار، والسجع لا يؤاتي في كل موضع من الكلام على حد الإيجاز ~~والاختصار، فترك استعماله في جميع القرآن لهذا السبب. # وههنا وجه آخر هو أقوى من الأول، ولذلك ثبت أن المسجوع من الكلام أفضل من ~~غير المسجوع، وإنما تضمن القرآن غير المسجوع لأن ورود غير المسجوع معجزا ~~أبلغ في باب الإعجاز من ورود المسجوع، ومن أجل ذلك تضمن القرآن القسمين ~~جميعا. # واعلم أن للسجع سرا هو خلاصته المطلوبة فإن عري الكلام المسجوع منه فلا ~~يعتد به أصلا، وهذا شيء لم ينبه عليه أحد غيري، وسأبينه ههنا، وأقول فيه ~~قولا هو أبين مما تقدم، وأمثل لك مثالا إذا حذوته أمنت الطاعن، والعائب، ~~وقيل في كلامك: ليبلغ الشاهد الغائب، والذي أقوله في ذلك هو أن تكون كل ~~واحدة من السجعتين المزدوجتين مشتملة على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه ~~أختها، فإن كان المعنى فيهما سواء فذاك هو التطويل بعينه؛ لأن التطويل إنما ~~هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها، وإذا وردت سجعتان ~~يدلان على معنى واحد كانت إحداهما كافية في الدلالة عليه، وجل كلام الناس ~~المسجوع جار عليه، وإذا تأملت كتابة المفلقين ممن تقدم كالصابي وابن العميد ~~وابن عباد وفلان وفلان فإنك ترى أكثر المسجوع منه كذلك، والأقل منه على ما ~~أشرت إليه. # ولقد تصفحت المقامات الحريرية والخطب النباتية، على غرام الناس بهما، ~~وإكبابهم عليهما، فوجدت الأكثر من السجع فيهما على الأسلوب الذي أنكرته. # فالكلام المسجوع إذا يحتاج إلى أربع شرائط: الأولى: اختيار مفردات ~~الألفاظ على الوجه الذي أشرت إليه فما تقدم، الثانية: اختيار التركيب على ~~الوجه # PageV01P199 # الذي أشرت إليه أيضا فيما تقدم، الثالثة: أن يكون اللفظ في الكلام ~~المسجوع ms149 تابعا للمعنى، لا المعنى تابعا للفظ، الرابعة: أن تكون كل واحدة من ~~الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها؛ فهذه ~~أربع شرائط لابد منها. # وسأورد ههنا من كلامي أمثلة تحذي حذوها، فإني لما سلكت هذه الطريق وأتيت ~~بكلامي مسجوعا توخيت أن تكون كل سجعة منه مختصة بمعنى غير المعنى الذي ~~تضمنته أختها، ولم أخل بذلك في مكاتباتي كلها، وإذا تأملتها علمت صحة ما قد ~~ذكرته. # فمن ذلك ما كتبته في صدر كتاب عن بعض الملوك إلى دار الخلافة، وهو: # الخادم واقف موقف راج هائب، لازم بكتابه هذا وقار حاضر عن شخص غائب، موجه ~~وجهه إلى ذلك الجناب الذي تقسم فيه أرزاق العباد، ويتأدب به الزمان تأدب ~~ذوي الاستعباد، وتستمد الملوك من خدمته شرف الجدود كما تستغني بنسبها إليه ~~عن شرف الأجداد، ولو ملك الخادم نفسه لقصرها على خدمة قصره، وأحظاها من ~~النظر إليه ببرد العيش الذي عمرها محسوب من عمره، وهذا القول يقوله وكل ما ~~جد فيه حاسد، وبتأميله راكع ساجد، والديوان العزيز محسود الاقتراب، وهو ~~موطن الرغبات الذي الاغتراب إليه ليس بالاغتراب، وما ينافس في القرب من ~~أبوابه الكريمة إلا ذوو الهمم الكريمة، وقد ودت الكواكب بأسرها أن تكون له ~~منادمة فضلا عن ندماني جذيمة. # ومن ذلك ما كتبته من كتاب يتضمن العناية ببعض الناس، وهو: الكريم من أوجب ~~لسائله حقا، وجعل كواذب آماله صدقا؛ وكان خرق العطايا منه خلقا، ولم ير بين ~~ذممه وبين رحمه فرقا، وكل ذلك موجود في كرم مولانا أجراه الله من فضله على ~~وتيرة، وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة، وأوطأه من كل مجد سريرا كما بؤأه ~~من كل قلب سريرة، ولا زالت يده بالمكارم جديرة، ومن الأيام مجيرة، ~~ولضرائرها من البحار والسحاب معيرة، ولا برحت تستولد عقائم المعاني وتستجد ~~أبنيتها حتى يشهد الناس منها في كل يوم عقيقة أو وكيرة، ومن صفات كرمه أنه # PageV01P200 # يسبك الأموال مآثر، ويتخذها عند السؤال ذخائر، فهي تفنى لديهم بالإنفاق، ~~وذكرها على مرور ms150 الأيام باق، ومن أربح منه صفقة وقد باع صامتا بناطق، وما ~~هو معرض لحوادث السرقات بما لا تصل إليه يد سارق، ومثله من عرف الدنيا فرغب ~~عن اقتنائها، وجد في ابتناء المحامد بهدم بنائها، وعلم أن مالها ليس عند ~~الضنين به إلا أحجارا، وأن غناه منها لا يزيده إلا افتقارا؛ فهو لماله عبد ~~يخدمه ولا يستخدمه، وأم ترضعه بسعيها ولا تفطمه. # ومنه ما كتبته في جواب كتاب يتضمن إباق غلام، وهو أول كتاب ورد من ~~المكتوب عنه إلى المكتوب إليه؛ فقلت: وأما الإشارة الكريمة في أمر الغلام ~~الآبق عن الخدمة فقد يفر المهر من عليقه، ويطير الفراش إلى حريقه، وغير ~~بعيد أن ينبو مضجعه، أو يكبو به مطمعه، فيرجع وقد حمد من رجوعه ما ذمه من ~~ذهابه، وعلم أن الغنيمة كل الغنيمة في إيابه، فما كل شجرة تحلو لذائقها، ~~ولا كل دار ترحب بطارقها، ومن أبق عن مولاه مغاضبا، وجانب محل إحسانه الذي ~~لم يكن مجانبا، فإنه يجد من مفارقة الإحسان، ما يجده من مفارقة معاهد ~~الأوطان، وهل أضل سعيا ممن دفع في صدر العافية وغدا يسأل عن الأسقام، وألقى ~~الثروة من يده ومضى في طلب الإعدام، ومع هذا فإن الخادم يشكره على ذنب ~~الإباق الذي أقدم على اجتراحه، وليس ذلك إلا لأنه صار سببا لافتتاح باب ~~المكاتبة الذي لم يطمع في افتتاحه، ولا جزاء له عنده إلا السعي في إعادته ~~إلى الخدمة التي تقلب في إنشائها، وهي أبر به من أمه التي تقلب في أحشائها، ~~ومن فضلها أنها تلقاه من حلمها بوسيلة الشافع، ومن كرمها بالوجه الضاحك ~~والفضل الواسع. # فانظر أيها المتأمل إلى هذه الأسجاع جميعها وأعطها حق النظر حتى تعلم أن ~~كل واحدة منها تختص بمعنى ليس في أختها التي تليها، وكذلك فليكن السجع، ~~وإلا فلا. # وسأورد ههنا من كلام الصابي ما ستراه: # فمن ذلك تحميد في كتاب؛ فقال: «الحمد لله الذي لا تدركه الأعين # PageV01P201 # بألحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا ~~تهرمه الدهور بكرورها» ms151 . # ثم أنتهى إلى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: «لم ير للكفر ~~أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفاه» . # ولا فرق بين مرور العصور وكرور الدهور، وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء ~~الرسم. # ومن كلامه أيضا في كتاب، وهو: «وقد علمت أن الدولة العباسية لم تزل على ~~سالف الأيام، وتعاقب الأعوام «1» ، تعتل طورا وتصح أطوارا، وتلتاث مرة ~~وتستقل مرارا، من حيث أصلها راسخ لا يتزعزع، وبنيانها ثابت لا يتضعضع» . # وهذه الأسجاع كلها متساوية المعاني، فإن الاعتدال والالتياث والطور ~~والمرة والرسوخ والثبات، كل ذلك سواء. # وكذلك ورد له في جملة كتاب كتبه عن عز الدولة بن بويه جوابا عن كتاب وصله ~~من الأمير عبد الكريم بن المطيع لله، فقال: «وصلني كتابه مفتتحا من ~~الاعتزاء إلى إمارة المؤمنين، والتقلد لأمور المسلمين، بما أعراقه الزكية ~~مجوزة لاستمراره، وأرومته العلية مسوغة لاستقراره، له ولكل نجيب أخذ بحظه ~~من نسبه، وضارب بسهم في منصبه؛ إذ كان ذلك جاريا على الأصول المعهودة فيه، ~~والأسباب العاقدة له، من إجماع المؤمنين كافة، فإن تعذر اجتماعهم مع ~~انبساطهم في الأرض، وانتشارهم في الطول والعرض؛ فلا بد من اتفاق أشراف كل ~~قطر وأفاضله، وأعيان كل صقع وأماثله» . # وهذا الكلام كله متماثل المعاني في أسجاعه، فإن إمارة المؤمنين والتقلد ~~لأمور المسلمين سواء في المعنى، وكذلك الأعراق والأرومة، والتجويز ~~والتسويغ، والأشراف والأفاضل، والأعيان والأماثل، والقطر والصقع، كل ذلك ~~سواء. # PageV01P202 # وعلى هذا جاء كلامه في كتاب آخر، فقال: «يسافر رأيه وهو دان لم ينزح، ~~ويسير تدبيره وهو ثاو لم يبرح» . # وكلا هذين سواء أيضا. وما أحسن هذا المعنى لو قال: يسافر رأيه وهو دان لم ~~يبرح، ويثخن الجراح في عدوه وسيفه في الغمد لم يجرح؛ فإنه لو قال مثل هذا ~~سلم من هجنة التكرار. وأمثال ذلك في كلام الصابي كثير. # وعلى منواله نسج الصاحب ابن عباد. # فمن ذلك ما ذكره في وصف مهزومين، فقال: «طاروا واقين بظهورهم صدورهم، ~~وبأصلابهم نحورهم» «1» وكلا المعنيين سواء. # وكذلك قوله في هذا الكتاب ms152 يصف ضيق مجال الحرب: «مكان ضنك على الفارس ~~والراجل، ضيق على الرامح والنابل» . # ومن كلامه في كتاب، وهو: «لا تتوجه همته إلى أعظم مرقوب إلا طاع ودان، ~~ولا تمتد عزيمته إلى أفخم مطلوب إلا كان واستكان» . # وكل هذا الذي ذكره شيء واحد. # وله من كتاب، وهو: «وصل كتابه جامعا من الفوائد أشدهما للشكر استحقاقا، ~~وأتمها للحمد استغراقا، وتعرفت من إحسان الله فيما وفره من سلامته، وهنأه ~~من كرامته، أنفس موهوب ومطلوب، وأحمد مرقوب ومخطوب» . # وهذا كله متماثل المعاني، متشابه الألفاظ. # وفيما أوردته ههنا مقنع؛ فأنعم نظرك أيها الواقف على هذا الكتاب فيما ~~بينته لك، ووضعت يدك عليه، حتى تعلم كيف تأتي بالمعاني في الألفاظ ~~المسجوعة، والله الموفق للصواب. # فإن قيل: إنك اشترطت أن تكون كل واحدة من الفقرتين في الكلام المسجوع ~~دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها، وإنما اشترطت هذه # PageV01P203 # الشريطة فرارا من أن يكون المعنيان شيئا واحدا، ونرى قد ورد في القرآن ~~الكريم لفظتان بمعنى واحد في آخر إحدى الفقرتين المسجوعتين، كقوله تعالى: ~~واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا» # وكل رسول نبي. # قلت في الجواب: ليس هذا كالذي اشترطته أنا في اختصاص كل فقرة بمعنى غير ~~المعنى الذي اختصت به أختها، وإنما هذا هو إيراد لفظتين في آخر إحدى ~~الفقرتين بمعنى واحد، وهذا لا بأس به؛ لمكان طلب السجع، ألا ترى أن أكثر ~~هذه السورة التي هي سورة مريم عليها السلام مسجوعة على حرف الياء، وهذا ~~يجوز لصاحب السجع أن يأتي به، وهو بخلاف ما ذكرته أنا؛ ألا ترى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد غير اللفظة عن وضعها طلبا للسجع، فقال: «مأزورات» ~~وإنما هي موزورات، وقال: «العين اللامة» وإنما هي الملمة، إلا أنه ليس في ~~ذلك زيادة معنى، بل يفهم من لفظة مأزورات أنها قائمة موزورات، وكذلك يفهم ~~من لفظة لامة أنها بمعنى ملمة؛ فالسجع قد أجيز معه تغيير وضع اللفظة، وأجيز ~~معه أن يورد لفظتان بمعنى واحد في ms153 آخر إحدى الفقرتين، ومع هذا فلم يجز في ~~استعماله أن يورد فقرتان بمعنى واحد؛ لأنه تطويل محض لا فائدة فيه، وبين ~~الذي ذكرته أنت وبين الذي ذكرته أنا فرق ظاهر. # والذي قدمت من الأمثلة المسجوعة للصابي والصاحب ابن عباد ربما كانت يسيرة ~~أتهم فيها بالتعصب، ويقال: إني التقطتها التقاطا من جملة رسائلهما، وقد ~~خرجت من عهدة هذه التهمة، وذاك أني وجدت للصابي تقليدا بنقابة الأشراف ~~العلويين ببغداد، وكنت أنشأت تقليدا بنقابة الأشراف العلويين بالموصل؛ وقد ~~أوردت التقليدين ههنا؛ ليتأملهما الناظر في كتابي هذا، ويحكم بينهما إن كان ~~عارفا أو يسأل عنهما العارف إن كان مقلدا. # وقد أوردت تقليد الصابي أولا؛ لأنه المقدم زمانا وفضلا، وهو: «هذا ما عهد ~~أمير المؤمنين إلى محمد بن الحسين بن موسى العلوي، الموسوي، حين وصلته به ~~الأنساب، وتأكدت له الأسباب، وظهرت دلائل عقله ولبابته، ووضحت مخايل فضله ~~ونجابته، ومهد له بهاء الدولة وضياء الملة أبو نصر بن عضد الدولة وتاج # PageV01P204 # الملة مولى أمير المؤمنين ما مكن له عند أمير المؤمنين من المحل المكين، ~~ووصفه به من الحلم الرزين، وأشاد به فيه من رفع المنزلة، وتقديم المرتبة، ~~والتأهيل لولاية الأعمال، والحمل للأعباء الثقال، وحيث رغبه فيه، سابقة ~~الحسين أبيه، في الخدمة والنصيحة والمواقف المحمودة، والمقامات المشهودة، ~~التي طابت بها أخباره، وحسنت فيها آثاره، وكان محمد متخلقا بخلائقه، وذاهبا ~~في طرائقه، علما وديانة، وورعا وصيانة، وعفة وأمانة، وشهامة وصرامة، بالحظ ~~الجزيل، من الفضل الجميل، والأدب الجزل، والتوجه في الأهل، والإيفاء ~~بالمناقب على لداته وأترابه، والإبرار على قرائبه وأضرابه، فقلده ما كان ~~داخلا في أعمال أبيه من نقابة نقباء الطالبين أجمعين بمدينة السلام وسائر ~~الأعمال والأمصار شرقا وغربا، وبعدا وقربا، واختصه ذلك جذبا بصنعه «1» ، ~~وإنافة بقدره، وقضاء لحق رحمه، وترفيها لأبيه، وإسعافا بإيثاره فيه، إلى ~~أمير المؤمنين واستخلافه عليه من النظر في المظالم، وتسيير الحجيج في ~~المواسم، والله يعقب أمير المؤمنين فيما أمر ودبر حسن العاقبة فيما قضى ~~وأمضى، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكل وإليه ms154 ينيب. # أمره بتقوى الله التي هي شعار المؤمنين، وسنا الصالحين، وعصمة عباد الله ~~أجمعين، وأن يعتقدها سرا وجهرا، ويعتمدها قولا وفعلا، ويأخذ بها ويعطي، ~~ويسر بها وينوي، ويأتي ويذر، ويورد ويصدر؛ فإنها السبب المتين، والمعقل ~~الحصين، والزاد النافع يوم الحساب، والمسلك المفضي إلى دار الثواب، وقد حض ~~الله أولياءه عليها، وهداهم في محكم كتابه إليها، فقال عز من قائل: يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. # وأمره بتلاوة كتاب الله مواظبا، وتصفحه مداوما ملازما، والرجوع إلى ~~أحكامه فيما أحل وحرم، ونقض وأبرم، وأثاب وعاقب، وباعد وقارب، فقد صحح الله ~~برهانه وحجته، وأوضح منهاجه ومحجته، وجعله نجما في الظلمات طالعا، ونورا في ~~المشكلات ساطعا، فمن أخذ به نجا وسلم، ومن عدل عنه هوى وندم، # PageV01P205 # قال الله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد. # وأمره بتنزيه نفسه عما تدعو إليه الشبهات، وتطلع إليه التبعات، وأن ~~يضبطها ضبط الحليم، ويكفها كف الحكيم، ويجعل عقله سلطانا عليها، وتمييزه ~~آمرا ناهيا لها، ولا يجعل لها عذرا إلى صبوة، ولا هفوة، ولا يطلق منها ~~عنانا عند ثورة، لا فورة، فإنها أمارة بالسوء، منصبة إلى الغي؛ فمن رفضها ~~نجا، ومن اتبعها هوى، فالحازم متهم عند تحرك وطره وأربه واهتياج غيظه، ولا ~~يدع أن يغضها بالشكيم، ويعركها عرك الأديم، ويقودها إلى مصالحها بالخزائم، ~~ويفتقدها من مقارفة المآثم والمحارم «1» ، كيما يعز بتذليلها وتأديبها، ~~ويجل برياضها وتقويمها، والمفرط [في أمر] تطمح به إذا طمحت، ويجمح معها إذا ~~جمحت، ولا يلبث أن تورده حيث لا يصدر، وتلجئه إلى أن يعتذر، وتقيمه مقام ~~النادم الواجم، وتتنكب به سبيل الراشد السالم، وأحق من تحلى بالمحاسن، ~~وتصدى لاكتساب المحامد، من ضرب بمثل سهمه في نسب أمير المؤمنين الشريف، ~~ومنصبه المنيف، واجتمع معه في ذؤابة العترة الطاهرة، واستظل بأوراق الدوحة ~~الفاخرة، فذلك الذي تتضاعف به المآثر إن آثرها، والمثالب إن أسف إليها، ولا ~~سيما من كان مندوبا بالسياسة ومرشحا للتقليد على أهله؛ إذ ms155 ليس يفي بالصلاح ~~لمن ولي عليه، ولا يفي بإصلاح ما بين جنبيه، ومن أعظم الهجنة عليه أن يأمر ~~ولا يأتمر، ويزجر ولا يزدجر، قال الله تعالى جل ذكره: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون. # وأمره أن يتصفح أحوال من ولي عليهم: من استقراء مذاهبهم، والبحث عن ~~بواطنهم ودخائلهم، وأن يعرف لمن تقدمت قدمه منهم وتظاهر فضله فيهم منزلته، ~~ويوفيه حقه وزينته، وينتهي في إكرام جماعتهم إلى الحدود التي توجبها ~~أنسابهم وأقدارهم، وتقتضيها مواقعهم وأخطارهم، فإن ذلك يلزمه لشيئين: ~~أحدهما: # يخصه، وهو النسب الذي بينه وبينهم، والآخر: يعمه والمسلمين جميعا، وهو ~~قول الله جل ذكره: قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى # فالمودة لهم # PageV01P206 # الإعظام لأكابرهم، والاشتمال على أصاغرهم؛ واجب متضاعف الوجوب عليه، ~~متأكد اللزوم له، ومن كان منهم في دون تلك الطبقة من أحداث لم يحتنكوا ~~عليه، وجذعان لم يقرحوا، ومجرين إلى ما يزري بأنسابهم، ويغض من أحسابهم، ~~عذلهم وأنبهم، ونهاهم ووعظهم، فإن نزعوا وأقلعوا فذاك المراد بهم، والمقصد ~~فيهم، وإن أصروا وتتابعوا أنالهم من العقوبة بقدر ما يكف ويردع؛ فإن نفع ~~وإلا تجاوزه إلى ما يلذع ويوجع، من غير تطرق لأعراضهم، ولا امتهان ~~لأحسابهم؛ فإن المغرض منهم الصيانة، لا الإهانة، والإدالة، لا الإذالة، ~~وإذا وجبت عليهم الحقوق، أو تعلقت بهم دواعي الخصوم، قادهم إلى الإغفاء بما ~~يصح منها ويجب، والخروج إلى سنن الحق فيما يشتبه ويلتبس، ومتى لزمتهم ~~الحدود أقامها عليهم بحسب ما أمره الله تعالى فيها، بعد أن تثبت الجرائم ~~وتصح، وتبين وتتضح، وتتجرد عن الشك، وتتجلى من الظن والتهمة، فإن الذي ~~يستحب في حدود الله عز وجل أن تدرأ مع نقصان اليقين والصحة، وأن تمضى عليهم ~~مع قيام الدليل والبينة؛ قال الله عز وجل: ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون. # وأمره بحياطة أهل النسب الأطهر، والشرف الأفخر، عن أن يدعيه الأدعياء، أو ~~يدخل فيه الدخلاء، ومن أنتمى إليه كاذبا، أو انتحله باطلا، ولم يوجد له بيت ~~في الشجرة، ولا مصداق ms156 عند النسابين المهرة، أوقع به كذبه وفسقه وشهره شهرة ~~ينكشف بها غشه ولبسه، وينزع بها غيره ممن تسول له ذلك نفسه، وأن يحصن ~~الفروج عن مناكحة من ليس كفئا لها في شرفها وفخرها، حتى لا يطمع في المرأة ~~الحسيبة النسيبة إلا من كان مثلا لها مساويا، ونظيرا موازيا، فقد قال الله ~~تعالى: # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. # وأمره بمراعاة متبتلي أهله ومتهجديهم، وصلحائهم ومجاوريهم، وأراملهم ~~وأصاغرهم، حتى تستد الخلة من أحوالهم، وتدر المواد عليهم وتتعادل أقساطهم ~~فيما يصل إليهم من وجوه أموالهم، وأن يزوج الأيامى، ويربي اليتامى، ~~وليلزمهم المكاتب فيتلقنوا القرآن، ويعرفوا فرائض الإسلام والإيمان، ~~ويتأدبوا بالآداب اللائقة بذوي الأحساب؛ فإن شرف الأعراق، محتاج إلى شرف ~~الأخلاق، ولا حمد لمن شرفه حسبه، وسخف أدبه، إذ كان لم يكتسب الفخر الحاصل ~~بفضل سعي ولا # PageV01P207 # طلب ولا اجتهاد، بل بصنع الله تعالى له، ومزيد المنة عليه، وبحسب ذلك ~~لزوم ما يلزمه من شكره سبحانه على هذه العطية، والاعتداد بما فيها من ~~المزية. وإعمال النفس في حيازة الفضائل والمناقب، والترفع عن الرذائل ~~والمثالب. # وأمره بإجمال النيابة عن شيخه الحسين بن موسى فيما أمره أمير المؤمنين ~~باستخلافه عليه من النظر، والأخذ للمظلوم من الظالم، وأن يجلس للمترافعين ~~إليه جلوسا عاما، ويتأمل كلامهم تأملا تاما؛ فما كان منها متعلقا بالحاكم ~~رده إليه، ليحمل الخصوم عليه، وما كان من طريقة الغشم والظلم، والتغلب ~~والغصب، قبض عنه اليد المبطلة، وثبت فيه اليد المستحقة، وتحرى في قضاياه أن ~~تكون موافقة للعدل، ومجانبة للخذل، فإن عادة الحكام وصاحب المظالم واحدة، ~~وهي إقامة الحق ونصرته، وإبانته وإثارته، وإنما يختلف سبيلاهما في النظر، ~~إذ كان الحاكم يعمل بما ثبت عنده وظهر، وصاحب المظالم يفحص عما غمض واستتر، ~~وليس له مع ذلك أن يرد للحاكم حكومة، ولا يعل له قضية، ولا يتعقب ما ينفذه ~~ويمضيه، ولا يتتبع ما يحكم به ويقضيه، والله يهديه ويوفقه، ويسدده ويرشده. # وأمره أن يسير حجيج بيت الله عز وجل إلى مقصدهم، ويحميهم ms157 في بدأتهم ~~وعودتهم، ويرتبهم في مسيرهم ومسلكهم، ويرعاهم في ليلهم ونهارهم، حتى لا ~~تنالهم شدة، ولا تصل إليهم مضرة، وأن يريحهم «1» في المنازل، ويوردهم ~~المناهل، ويناوب بينهم في النهل والعلل، ويمكنهم من الارتواء والاكتفاء، ~~مجتهدا في الصيانة لهم، ومعذرا في الذب عنهم، ومتلوما على متأخرهم ~~ومتخلفهم، ومنهضا لضعيفهم ومهيضهم، فإنهم حجاج بيت الله الحرام، وزوار قبر ~~رسوله عليه الصلاة والسلام، قد هجروا الأهل والأوطان، وفارقوا الجيرة ~~والإخوان، وتجشموا المغارم الثقال، وتعسفوا السهولة والجبال، يلبون دعاء ~~الله، ويطيعون أمره، ويؤدون فرضه، ويرجون ثوابه، وحقيق على المسلم أن ~~يحرسهم متبرعا، ويحوطهم متطوعا، فكيف من تولى ذلك وضمنه، وتقلده واعتقبه؟ ~~قال الله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا. # PageV01P208 # وأمره أن يراعي أمور المساجد بمدينة السلام وأطرافها، وأقطارها وأكنافها؛ ~~وأن يجبي أموال وقفها، ويستقصي جميع حقوقها، وأن يلم شعثها، ويسد خللها، ~~بما يتحصل من هذه الوجوه قبله، لا يزيل رسما جرى، ولا ينقض عادة كانت لها، ~~وأن يكتب اسم أمير المؤمنين على ما يعمره منها، ويذكر اسمه بعده بأن ~~عمارتها جرت على يده، وصلاح أداه قول أمير المؤمنين في ذلك، تنويها باسمه، ~~وإشادة لذكره، وأن يولي ذلك من قبله من حسنت أمانته، وظهرت عفته وصيانته؛ ~~فقد قال الله جل من قائل: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين. # وأمره أن يستخلف على ما يرى استخلافه عليه من هذه الأعمال في الأمصار ~~الدانية والنائية والبلاد القريبة والبعيدة من يثق به من صلحاء الرجال، ذوي ~~الوفاء والاستقلال، وأن يعهد إليهم مثل ما عهد إليه، ويعتمد عليهم مثل ما ~~اعتمد عليه، ويستقصي في ذلك آثارهم، ويتعرف أخبارهم؛ فمن وجده محمودا قربه، ~~ومن وجده مذموما صرفه ولم يمهله، واعتاض من ترجى الأمانة عنده، وتكون الثقة ~~معهودة منه، وأن يختار لكتابته وحجابته والتصرف فيما قرب منه وبعد عنه من ~~يزينه، ولا يشينه، وينصح له ولا يغشه، ويجمله ولا يهجنه، ms158 من الطبقة ~~المعروفة باللطف، المتصونة عن النطف، ويجعل لهم من الأرزاق الكافية، ~~والأجرة الوافية، ما يصدهم عن المكاسب الذميمة، والمآكل الوخيمة؛ فليس تجب ~~عليهم الحجة إلا مع إعطاء الحاجة، قال الله تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى. # وأمره أن يكتب لمن تقوم بينته عنده وتنكشف له حجته إلى أصحاب المعارف ~~بالشد على يده، واتصال حقه إليه، وحسم الطمع الكاذب فيه، وقبض اليد الظالمة ~~عنه؛ إذ هم مندوبون للتصرف بين أمره ونهيه، والوقوف عند رسمه وحده. # هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته لك وعليك، قد أبان منه سبيلك، وأوضح ~~دليلك، وهداك لرشدك، وجعلت على بينة من أمرك، فاعمل به ولا تخالفه، وانته ~~إليه ولا تجاوزه، وإن عرض لك عارض يعجزك الوفاء به ويشتبه # PageV01P209 # عليك الخروج منه أنهيته إلى أمير المؤمنين مبادرا، وكنت إلى ما يأمرك به ~~صائرا؛ إن شاء الله تعالى. # وأما التقليد الذي أنشأته أنا فقد أوردته بعد هذا التقليد، وهو: # أما بعد فإن كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم، وكل كتاب لا يرقم ~~باسمه فليس بمعلم، وعلى هذا فإن حمده يتنزل من الكلام، منزلة الأعضاء من ~~الأجسام، واسمه يتنزل من الكتاب، منزلة الرقوم من الثياب، وقد جمعنا في ~~كتابنا هذا بين التسمية والتحميد، وجعلنا أحدهما مفتاحا للتيمن والآخر سببا ~~للمزيد، ثم ردفناهما بالصلاة على سيدنا محمد الذي أيده الله بالقرآن ~~المجيد، وجعل شهادته قبل كل شهيد، وعلى آله وصحبه الذين هدوا إلى الطيب من ~~القول وهدوا إلى صراط الحميد، ومما يقترن بهذه الصلاة في ثوابها، ويجيء على ~~أعقابها، النظر في أمر الأسرة النبوية التي وصل ودها بوده، وجعلها إحدى ~~الثقلين المخلفين من بعده، وقد تقادم الآن زمانها، وتشعبت أغصانها، ونسي ~~مالها في الرقاب من عهدة الأمانة، ولم توضع فيما وضع الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم من المكانة، وأولى الناس بها من أضمر ولاءها حقا، وأوجب أن ~~يرد معها الحوض حين يقال لوارده: سحقا، وكان بمن ms159 تحت يده منها بارا رفيقا ~~حتى لا يسأله برا ولا رفقا، ونحن نرجو أن نفوز بفضيلة هذه الحسنة، وأن نسبق ~~إليها سبق المتقرب في الجمعة ببدنه، ومن أهم أمورها أن يختار لها زعيم يرأف ~~بها رأفة الوالد بولده، ويقوم بأمرها قيام الرأس بجسده، حتى تأتلف أصولها ~~كلها في مغرسها، ولا يحكم عليها من ليس من أنفسها، وقد اخترنا من وفقنا في ~~اختياره، وأخذناه فيه ببيان الرأي وحزمه لا بشبهة الهوى واغتراره، ولو لم ~~يكن من القوم الذين ولوها لكان استحقاقه لها بينا، والتعويل عليه متعينا، ~~فكيف وقدمه فيها قديمة الميلاد، ووراثته إياها عن سيادة الجدود وسؤدد ~~الأجداد، وهو أنت أيها السيد الأجل الشريف الحسيب النسيب فلان بن فلان ~~الحسيني، ولو شئنا لأسندنا هذه النسبة كابرا عن كابر، ونضدناها آخرا بعد ~~أول عن أول قبل آخر، حتى وصلنا هذا الفرع بشجرته الطيبة، وهذا القطر ~~بسحابته الصيبة، وشرف الأنساب أصدقه ما كان الدهر به شهيدا، وأجده ما كان ~~قديما وأخلقه ما كان جديدا، وما تولى الروح الأمين مدحه قرآنا أكرم مما ~~تولى # PageV01P210 # الشعراء مدحه قصيدا، ولا فضل للمعتزي إلى هذا النسب حتى تلحق البنوة ~~بالأبوة، ويضيف درجة الفضيلة إلى محتد النبوة، وحينئذ يقال: ما أقرب الشبه ~~على قدم عهده، وهذا ماء الورد بعد ذهاب ورده، وأنت ذلك الرجل الذي تردد ~~الشرف في مناسبه تردد القمر في منازله، وزها المجد بمناقبه زهو الروض في ~~خمائله، فلآليء حسبك تغنيك عن سؤال من وما، وتملأ بودك وحمدك قلبا وفما، ~~والحسب ما حفظت أواخره أوائله، وأوضحت الليالي والأيام دلائله، وأقرت به ~~الأعداء فما ردت فضائله، وهذه هي المآثر التي إذا نظمت غارت الشعرى عليها ~~من الشعر، وإذا نثرت وجدت في محكم الذكر، وأنت صاحبها وابن صاحبها، ومن لم ~~يرثها عن أباعدها بل عن أقاربها، ولو جانبت رياستها مصانعا، ومشيت بها ~~الضراء متواضعا؛ لدل عليك وصفها، وعرف منك عرفها. # وقد قلدناك أمر هذه الأسرة الطاهرة التي هي أسرتك، وأمرناك عليها وإمرتها ~~إمرتك، فتولها تولي من خفض لها ms160 جناحه، وأفاض عليها سماحه، وأنضى فيها غدوه ~~ورواحه، حتى يقال: إنك الراعي الذي تناول ثلثه فأراح حسيرها، وجبر كسيرها، ~~وارتاد لها خصبا، وأوردها رفها لا غبا، وأذكى في كلاءتها عينا وقلبا. # ومن حقها عليك أن تنظر إلى ذات شمالها وذات يمينها، وتتصفح أحوالها في ~~أمر دنياها ودينها؛ فأول ذلك أن تعلمها كتاب الله تعالى الذي في تعليمه نهج ~~الصواب، وفي تلاوته مضاعفة حسنات الثواب، وقد مثل قارئه بالبيت العامر ~~وتاركه بالبيت الخراب، وهو كتاب امتاز عن الكتب بنجوم التنزيل، وتولى الله ~~حفظه من التحريف والتبديل، وافتتحه بالسبع المثاني التي لم ينزل مثلها في ~~التوراة ولا في الإنجيل، وهو الموصوف بأنه النور المستضاء به في غيابة ~~الظلماء، والحبل الممدود من الأرض إلى السماء، والبحر الذي لا يستخرج لؤلؤه ~~ومرجانه إلا الراسخون من العلماء. # وكذلك فخذ هذه الأسرة بتعليم الفضائل التي تتفاوت بها القيم، وسسها ~~برياضة الآداب وتهذيب الشيم، ولا تتركها فوضى لا يتسم أحدها بسمة القدر ~~المنيف، ولا يرجع إلى حسب تليد ولا إلى سعي طريف، وتكون غاية ما عنده من # PageV01P211 # الفضيلة أن يقال فلان الشريف، ومن حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ~~أن توفي فضل مكانها، وتخالف بين شأن غيرها من المسلمين وبين شأنها؛ فلا ~~تبتذل بمجالس الولاة في انتزاع ظلامة، ولا في إقامة حد يسلب معه رداء ~~الكرامة، وأنت تتولى ذلك منها وجب عليها من حق فخذها باقتضائه، وأمض فيها ~~حكم الله الذي أمر بإمضائه، وليكن ذلك على وجه الرفق الذي يسلس له القياد، ~~ويتوطأ له المهاد، وإن أمكنك افتداء شيء من هذه الظلامات التي تتوجه عليها ~~ففاد، وقد أتم الله فضلها بمنع كرائمها إلا من كفء لا دناءة في عنصره، ولا ~~غضاضة في مخبره، وهو الذي إن فاته شرف النبوة في مغرسه فلم يفته شرف ~~النباهة في معشره، وإذا تباينت الأقدار فلا فرق بين المناكح المخطوبة، وبين ~~الأسلاب المسلوبة، فاحفظ لأسرتك حرمة هذه المنزلة، واجعلها في كتاب الوصايا ~~التي وصيت بها مكان البسملة، وكما أمرناك بالنظر ms161 في صون أقدارها، فكذلك ~~نأمرك بالنظر في حفظ مادة درهمها ودينارها، وقد علمت أن لها أوقافا وقفها ~~قوم فحظوا بأجرها واسمها، وستحظى أنت بالعدل في قسمها، فأجر على كل منها ~~رزقه، وأعط كل ذي حق حقه، وفي الناس طائفة أدعياء يرومون إلحاق الرأس ~~بالذنب، والنبع بالغرب، ويلحقون أبا لغير ابن وابنا لغير أب، كل ذلك رغبة ~~في سحت يأكلونه، لا في نسب يوصلونه، فنقب عن حال هؤلاء تنقيبا، واجعل ~~النسيب نسيبا، والغريب غريبا، حتى تخلص السلالة من طراقها، وتبقى الشجرة ~~قائمة على أعراقها، ومن علمت كذبه فازجره بأليم الازدجار، وأعلمه بأنه قد ~~تبوأ مقعده من النار، وأشهره في الناس حتى ينتهي وينتهي غيره بذلك ~~الاشتهار. وههنا وصية هي أهم من هذه الوصية أمرا وأعظم أجرا، وأجدر بأن ~~تكون هي الأولى وتكون هذه الأخرى، وهي الأخذ على ألسنة السفهاء من الخوض ~~فيما شجر بين آل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإظهار العصبية التي ~~تزحزح الحق عن نصابه، وترجعه على أعقابه، وليس مستندها إلا مغالاة ذوي ~~الجهل، وربما نشأ منها فتنة والفتنة أشد من القتل؛ فوكل بهؤلاء غربا قاطعا، ~~ونهيا قامعا، وكن في ذلك شارعا لما كان الله شارعا، فأولئك السادات هم ~~النجوم الذين بأيهم كان الاقتداء كان به الاهتداء، وقصارى المحسن في هذا ~~الزمان أن يتعلق منها سببا، ويأخذ عنهم دينا أو أدبا، ولا يبلغ مد أحدهم ~~ولا نصيفه ولو أنفق مثل أحد ذهبا، ونحن نعلم أنك واقف على سنن اقتصادك، وأن ~~هذه الوصية هي محض # PageV01P212 # اعتقادك، والمنصف في هذا المقام من رمقه بنظر جلي، ووفى أبا بكر وعمر رضي ~~الله عنهما حقهما وإن كان من نسل علي؛ فكل قد ذكره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بفضله، وهؤلاء من صحابته وهذا من أهله، ونعوذ بالله من الأهواء ~~الزائغة، والأقوال التي ليست بسائغة، ولا حجة إلا بالحق ولله الحجة ~~البالغة، وقد جعلنا لك في مالنا عطاء دارا تستعين به على لوازم النفقات، ~~وتخرج نافلته في وقاية عرضك التي هي محسوبة ms162 من الصدقات، فإن من ساد قوما ~~يفتقر إلى تحمل أثقالهم، والإفاضة من حاله على أحوالهم، وهذا بر يكون منا ~~أصله ومنك فرعه، وثواب يكون لك قصده ولنا شرعه، وصاحب الإحسان من سن سبيل ~~الإحسان، ولم نرض أن أريناك مكانه حتى أمددناك فيه بالإمكان، فأعط ما لنا، ~~وتعلم من سنة إفضالنا، ولدولتنا بذلك ثوب جمال كلما لبس زاد جدة، وعمر ذكر ~~كلما مضت عليه مدد الأيام طال مدة، ولا ملك في الدنيا لمن لم يجعل ملكه ~~حديثا حسنا، ويشتري المحامد فيجعله لها ثمنا، ومن عرف قدر الثناء جد في ~~تحصيله، ولو أنفق الكثير في قليله، فكم من دولة أعدمت منه فدرست آثار ~~معالمها، ولو كانت منه مثرية لما ذهبت مع بقاء مكارمها، وإذ ذكرنا هذا ~~فلنختمه بما يكون قلادة لصاحب هذا التقليد، وهو أن نجرد العناية بوجاهته ~~حتى يلبس تقدما بذلك التجريد، وفحوى ذلك أن يعلم الناس ما له في الدولة من ~~منزلة الكرامة، ويعرفوا أنه فيها ابن جلا غير محتاج إلى وضع العمامة، ونحن ~~نأمر نوابنا وولاتنا وأصحابنا أن يوفوه حق أبوته الشريفة، وفضيلته التي ~~ردفتها فأضحت وهي لها رديفة، وأن يعطوه ما شاء من إعلاء شأنه، ويمضوا فعل ~~يده وقول لسانه، إن شاء الله تعالى. # وقد وجدت للصابي أيضا تقليدا أنشأه لفخر الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة ~~أبي علي بن بويه، عن الخليفة الطائع رحمه الله، وهو مثبت ههنا على صورته، ~~وكان عرض على تقليد كتب للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، من الخليفة ~~المستضىء بالله رحمه الله في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فوجدت فيه كلاما ~~نازلا بالمرة، وسألني بعض الإخوان بمدينة دمشق أن أعارضه، فعارضته بتقليد ~~في معناه، وهو مثبت ههنا أيضا، وكلا التقليدين باسم ملك كبير، وفيهما يظهر ~~ما يظهر من فصاحة وبلاغة. # PageV01P213 # فأما التقليد الذي أنشأه الصابي فهو: هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم ~~الطائع لله أمير المؤمنين إلى فخر الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي ~~مولى أمير المؤمنين حين عرف ms163 غناه، وبلاه، واستصح دينه ويقينه. ورعى قديمه ~~وحديثه، واستنجب عوده ونجاره، وأثنى عز الدولة أبو منصور بن معز الدولة أبي ~~الحسين مولى أمير المؤمنين عليه، وأشار بالمزيد في الصنيعة إليه، وأعلم ~~أمير المؤمنين اقتداءه به في كل مذهب ذهب فيه من الخدمة، وغرض رمى إليه من ~~النصيحة، دخولا في زمرة الأولياء المنصورة، وخروجا عن جماعة الأعداء ~~المدحورة، وتصرفا على موجبات البيعة التي هي بعز الدولة أبي منصور منوطة، ~~وعلى سائر ما يتلوه ويتبعه مأخوذة مشروطة، فقلده الصلاة وأعمال الحرب ~~والمعاون والأحداث والخراج والأعشار والضياع والجهبذة والصدقات والجوالي ~~وسائر وجوه الجبايات والعرض والعطاء والنفقة في الأولياء والمظالم وأسواق ~~الرقيق والعيار في دور الضرب والطرز والحسبة، بكور همذان واستراباذ ~~والدينور وقرميسين والإيعارين وأعمال أذربيجان وأزان والسحانين وموقان، ~~واثقا منه باستقبال [النعمة] واستدامتها، والاستزادة بالشكر منها، والتجنب ~~لغمطها وجحودها، والتنكب لإيحاشها وتنفيرها، والتعمد لما يمكن له الحظوة ~~والزلفى، ويحرس عليه الأثرة والقربى، بما يظهره ويضمره من الوفاء الصحيح، ~~والولاء الصريح، والغيب الأمين، والصدر السليم، والمقاطعة لكل من قطع ~~العصمة، وفارق الجملة، والمواصلة لكل من حمى البيضة، وأخلص النية، والكون ~~تحت ظل أمير المؤمنين وذمته، ومع عز الدولة أبي منصور وفي حوزته، والله جل ~~اسمه يعرف لأمير المؤمنين حسن العقبى فيما أبرم ونقض، وسداد الرأي فيمن رفع ~~وخفض، ويجعل عزائمه مقرونة بالسلامة، محجوبة عن موارد الندامة، وحسب أمير ~~المؤمنين الله ونعم الوكيل. # أمره بتقوى الله التي هي العصمة المتينة، والجنة الحصينة، والطود الأرفع، ~~والمعاذ الأمنع، والجانب الأعز، والملجأ الأحرز، وأن يستشعرها سرا وجهرا، ~~ويستعملها قولا وفعلا، ويتخذها ذخرا دافعا لنوائب القدر، وكهفا حاميا من ~~حوادث الغير؛ فإنها أوجب الوسائل، وأقرب الذرائع، وأعودها على العبد ~~بمصالحه، وأدعاها إلى كل مناجحه، وأولاها بالاستمرار على هدايته، والنجاة ~~من غوايته، # PageV01P214 # والسلامة في دنياه حين توبق موبقاتها، وتردهي مردياتها، وفي آخرته حين ~~تروع رائعاتها، وتخيف مخيفاتها، وأن يتأدب بأدب الله في التواضع والإخبات ~~والسكينة، وصدق اللهجة إذا نطق، وغض الطرف إذا رمق، وكظم الغيظ إذا أحفظ، ~~وضبط اللسان إذا ms164 أغضب، وكف اليد عن المآثم، وصون النفس عن المحارم، وأن ~~يذكر الموت الذي هو نازل به، والموقف الذي هو صائر إليه، ويعلم أنه مسئول ~~عما اكتسب، مجزى عما تزمل واحتقب، ويتزود من هذا الممر لذلك المقر، ويستكثر ~~من أعمال البر لتنفعه، ومن مساعي الخير لتنقذه، ويأتمر بالصالحات قبل أن ~~يأمر بها، ويزدجر عن السيئات قبل أن يزجر عنها، ويبتدئ بإصلاح نفسه قبل ~~إصلاح رعيته، فلا يبعثهم على ما يأتي ضده، ولا ينهاهم عما يقترف مثله، ~~ويجعل ربه رقيبا عليه في خلواته، ومروأته مانعة له من شهواته، فإن أحق من ~~غلب سلطان الشهوة، وأولى من ضرع لغذاء «1» الحمية؛ من ملك أزمة الأمور، ~~واقتدر على سياسة الجمهور، وكان مطاعا فيما يرى، متبعا فيما يشاء، يلي على ~~الناس ولا يلون عليه، ويقتص منهم ولا يقتصون منه، فإذا اطلع الله منه على ~~نقاء جيبه، وطهارة ذيله، وصحة سريرته، واستقامة سيرته، أعانه على حفظ ما ~~استحفظه، وأنهضه بثقل ما حمله، وجعل له مخلصا من الشبهة، ومخرجا من الحيرة، ~~فقد قال الله تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب # وقال عز من قائل: # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون # وقال: # اتقوا الله وكونوا مع الصادقين # إلى آي كثيرة حضنا بها على أكرم الخلق، وأسلم الطرق، فالسعيد من نصبها ~~إزاء ناظره، والشقي من نبذها وراء ظهره، وأشقى منها من بعث عليها وهو صادف ~~عنها، وأهاب إليها وهو بعيد منها، وله ولأمثاله يقول الله تعالى ذكره: ~~أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون. # وأمره أن يتخذ كتاب الله إماما متبعا، وطريقا متوقعا، ويكثر من تلاوته ~~إذا خلا بذكره، ويملأ بتأميله أرجاء صدره، فيذهب معه فيما أباح وحظر، ~~ويقتدي به # PageV01P215 # إذا نهى وأمر، ويستبين ببيناته إذا استغلقت دونه المعضلات، ويستضيء ~~بمصابيحه إذا غم عليه في المشكلات؛ فإنه عروة الإسلام الوثقى، ومحجته ~~الوسطى، ودليله المقنع، وبرهانه المرشد، والكاشف لظلم الخطوب، والشافي من ~~مرض القلوب، والهادي ms165 لمن ضل، والمتلافي لمن زل؛ فمن نجا به فقد فاز وسلم، ~~ومن لها عنه فقد خاب وندم، قال الله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. # وأمره أن يحافظ على الصلوات، ويدخل فيها في حقائق الأوقات، قائما على ~~حدودها، متبعا لرسومها، جامعا فيها بين نيته ولفظه، متوقيا لمطامح سهوه ~~ولحظه، منقطعا إليها عن كل قاطع لها، مشغولا بها عن كل شاغل عنها، متثبتا ~~في ركوعها وسجودها، مستوفيا عدد مفروضها ومسنونها، موفرا عليها ذهنه، صارفا ~~إليها همه، عالما بأنه واقف بين يدي خالقه ورازقه، ومحييه ومميته، ومعاقبه ~~ومثيبه، لا تستر دونه خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإذا قضاها على هذه ~~السبيل منذ تكبيرة الإحرام إلى خاتمة التسليم أتبعها بدعاء يرتفع ~~بارتفاعها، ويستمع باستماعها، لا يتعدى فيه مسائل الأبرار، ورغائب الأخيار، ~~من استصفاح واستغفار، واستقالة واسترحام، واستدعاء لمصالح الدين والدنيا، ~~وعوائد الآخرة والأولى؛ فقد قال الله تعالى: إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا # وقال تعالى: وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. # وأمره بالسعي في أيام الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى ~~المصليات الضاحية، بعد التقدم في فرشها وكسوتها، وجمع القوام والمؤذنين ~~والمكبرين فيها، واستسعاء الناس إليها، وحضهم عليها، آخذين الأهبة، متنظفين ~~في البزة، مؤدين لفريضة الطهارة، وبالغين في ذلك أقصى الاستقصاء، معتقدين ~~خشية الله وخيفته، مدرعين تقواه ومراقبته، مكثرين من دعائه عز وجل وسؤاله، ~~مصلين على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله، بقلوب على اليقين موقوفة، ~~وهمم إلى الدين مصروفة، وألسن بالتقديس والتسبيح فصيحة، وآمال في المغفرة ~~والرحمة فسيحة؛ فإن هذه المصليات والمتعبدات بيوت الله التي فضلها، ومناسكه ~~التي شرفها، وفيها # PageV01P216 # يتلى القرآن الكريم، ويتعوذ العائذون، ويتعبد المتعبدون، ويتهجد ~~المتهجدون، وحقيق على المسلمين أجمعين من وال ومولى عليه أن يصونها ~~ويعمرها، ويواصلها ولا يهجرها، وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين ~~ثم لنفسه، على الرسم الجاري فيها؛ قال الله تعالى في هذه الصلاة: يا أيها ~~الذين آمنوا ms166 إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع # وقال في عمارة المساجد: # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين. # وأمره أن يراعي أحوال من يليه من طبقات جند أمير المؤمنين ومواليه، ويطلق ~~لهم الأرزاق، في أوقات الوجوب والاستحقاق، وأن يحسن في معاملتهم، ويجمل في ~~استخدامهم، ويتصرف في سياستهم بين رفق من غير ضعف، وخشونة في غير عنف، ~~مثيبا لمحسنهم ما زاد بالإثابة في حسن الأثر، وسلم معها من دواعي الأشر، ~~ومتغمدا لمسيئهم ما كان التغمد له نافعا، وفيه ناجعا، فإن تكررت زلاته، ~~وتتابعت عثراته، تناولته من عقوبته بما يكون له مصلحا، ولغيره واعظا، وأن ~~يختص أكابرهم وأماثلهم وأهل الرأي والخطر منهم بالمشاورة في الملم، ~~والإطلاع على بعض المهم، مستخلصا مخايل صدورهم بالبسط والإناء، ومستشحذا ~~بصائرهم بالإكرام والاجتباء؛ فإن في مشاورة هذه الطبقة استدلالا على مواقع ~~الصواب، وتحرزا عن غلط الاستبداد، وأخذا بمجامع الحزامة، وأمنا من مفارقة ~~الاستقامة، وقد حض الله عز وجل على الشورى حيث قال لرسوله عليه الصلاة ~~والسلام: # وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين. # وأمره بأن يصمد بما يتصل «1» بنواحيه من ثغور المسلمين، ورباط المرابطين، ~~ويقسم لها قسما وافرا من عنايته، ويصرف إليها طرفا بل شطرا من رعايته، ~~ويختار لها أهل الجلد والشدة، وذوي البأس والنجدة، ممن عجمته الخطوب، ~~وعركته الحروب، واكتسب دربة بخدع المتنازلين، وتجربة بمكايد المتقارعين، ~~وأن يستظهر # PageV01P217 # بكشف عددهم، واعتبار عددهم، وانتخاب خيلهم، واستجادة أسلحتهم، غير مجمر ~~بعثا إذا بعثه، ولا مستكرهه إذا وجهه، بل يناوب بين رجاله مناوبة تريحهم ~~ولا تمدهم، وترفههم ولا تئودهم؛ فإن في ذلك من فائدة الإجمام، والعدل في ~~الاستخدام، زينا، فليسوبين رجال النوب فيما عاد عليهم بعز الظفر والنصر، ~~وبعد الصيت والذكر، وإحراز النفع والأجر، ما يحق أن يكون الولاة به عاملين، ~~وللناس عليه حاملين، وأن يكرر في أسماعهم، ويثبت في قلوبهم؛ مواعيد الله ms167 ~~تعالى لمن صبر ورابط وسامح بالنفس من حيث لا يقدمون على تورط غرة، ولا ~~يحجمون عن انتهاز فرصة، ولا ينكصون عن تورد معركة، ولا يلقون بأيديهم إلى ~~التهلكة، فقد أخذ الله ذلك على خلقه، والمرء أمين على دينه، وأن يريح ~~العملة فيما يحتاج إليه من راتب نفقات هذه الثغور وحادثها وبناء حصونها ~~ومعاقلها، واستطراق طرقها ومسالكها، وإفاضة الأقوات والعلوفة فيها ~~للمترتبين بها، والمترددين إليها، والحامين لها، وأن يبذل أمانة لمن طلبه، ~~ويعرضه على من لم يطلبه، ويفي بالعهد إذا عاهد، وبالعقد إذا عاقد، غير مخفر ~~ذمة، ولا جارح أمانة، فقد أمر الله تعالى بالوفاء، فقال عز وجل: يا أيها ~~الذين آمنوا أوفوا بالعقود # ونهى عن النكث؛ فقال عز من قائل: # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. # وأمره أن يعرض من في حبوس عمله على جرائمهم، فمن كان إقراره واجبا أقره، ~~ومن كان إطلاقه سائغا أطلقه، وأن ينظر في الشرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف، ~~ويختار لها من يخاف الله ويتقيه، ولا يجابي ولا يراقب فيه، ويتقدم إليهم ~~بقمع الجهال، وردع الضلال، وتتبع الأشرار، وطلب الدعار، مستدلين على ~~أماكنهم، متوغلين إلى مكامنهم، متولجين عليهم في مظانهم، متوثقين ممن ~~يجدونه منهم، منفذين أحكام الله تعالى فيهم، بحسب الذي يتبين من أمرهم، ~~ويصح من فعلهم، في كبيرة ارتكبوها، وعظيمة احتقبوها، ومهجة إن أفاظوها ~~واستهلكوها، وحرمة إن استباحوها وانتهكوها؛ فمن استحق حدا من حدود الله ~~المعلومة أقاموه عليه غير مخففين منه، وأحلوه به غير مقصرين عنه، بعد ألا ~~يكون عليهم في الذي يأتونه حجة، ولا يعترضهم في وجوبه مشبهة، فإن الواجب في ~~الحدود أن تقام بالبينات، وأن تدرأ بالشبهات، فأولى ما توخاه رعاة الرعايا ~~فيها ألا يقدموا عليها مع # PageV01P218 # نقصان، ولا يتوقفوا عنها مع قيام الدليل، ومن وجب عليه القتل احتاط بما ~~يحتاط به على مثله من الحبس الحصين، والتوثق الشديد، وكتب إلى أمير ~~المؤمنين بخبره، وشرح جنايته وثبوتها بإقرار يكون منه أو بشهادة تقع عليه، ~~ولينتظر من جوابه ما يكون عمله بحسبه؛ فإن أمير ms168 المؤمنين لا يطلق سفك دم ~~مسلم أو معاهد، إلا ما أحاط به علما، وأتقنه فهما، وكان ما يمضيه فيه عن ~~بصيرة لا يخالجها شك، ولا يشوبها ريب، ومن ألم بصغيرة من الصغائر، ويسيرة ~~من الجرائر، من حيث لم يعرف له مثلها، ولم يتقدم له أختها، وعظه وزجره، ~~ونهاه وحذره، واستتابه وأقاله، ما لم يكن عليه خصم في ذلك يطالب بقصاص منه، ~~وجزاء له، فإن عاد تناوله من التقويم والتهذيب والتعزير والتأديب بما يرى ~~أن قد كفى فيما اجترم، ووفى بما قدم؛ فقد قال الله تعالى: ومن يتعد حدود ~~الله فأولئك هم الظالمون. # وأمره أن يعطل ما في أعماله من الحانات والمواخير، ويطهرها من القبائح ~~والمناكير، ويمنع من يجمع أهل الخنا فيها، ويؤلف شملها بها، فإنه شمل يصلحه ~~التشتيت، وجمع يحفظه التفريق، وما زالت هذه المواطن الذميمة، والمطارح ~~الدنية، داعية من يأوي إليها، ويعكف عليها، إلى ترك الصلوات، وإهمال ~~المفترضات، وركوب المنكرات، واقتراف المحظورات، وهي بيوت الشيطان التي في ~~عمارتها لله معصية، وفي إخرابها للخير مجلبة، والله تعالى يقول لنا معشر ~~المؤمنين: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله # ويقول عز من قائل لغيرنا من المذمومين: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا. # وأمره أن يولي الحماية في هذه الأعمال، أهل الكفاية والعناية من الرجال، ~~وأن يضم إليهم كل من خف ركابه، وأسرع عند الصريخ، مرتبا لهم في المسالح ~~وسادا بهم ثغر المسالك، وأن يوصيهم بالتيقظ، ويأخذهم بالتحفظ، ويزيح عللهم ~~في علوفة خيلهم، والمقرر من أزوادهم وميرهم، حتى لا تثقل لهم على البلاد ~~وطأة ولا يدعوهم إلى تحنقهم «1» وثلمهم حاجة، وأن يحوطوا السابلة بادئة ~~وعائدة، # PageV01P219 # ويبذرقوا القوافل صادرة وواردة، ويحرسوا الطريق ليلا ونهارا، ويتفصوها ~~رواحا وغدوا، وينصبوا لأهل العبث الأرصاد، ويتكمنوا لهم بكل واد، ويتفرقوا ~~عليهم حيث يكون التفرق مضيقا لفضائهم، ومؤديا إلى انفضاضهم، ويجتمعوا حيث ~~يكون الاجتماع مطفئا لجمرتهم، وصادعا لمروتهم، ولا يخلوا هذه السبل من حماة ~~لها، وسيارة فيها، يترددون ms169 في جوادها، ويتعسفون في عواديها «1» ، حتى تكون ~~الدماء محقونة، والأموال مصونة، والفتن محسومة، والغارات مأمونة، ومن حصل ~~في أيديهم من لص خاتل، وصعلوك خارب، ومخيف لسبيل، ومنتهك لحريم؛ امتثل في ~~أمره أمر أمير المؤمنين الموافق لقول الله عز وجل: إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم. # وأمره بوضع الرصد على من يجتاز في أعماله من أباق العبيد، والاحتياط ~~عليهم وعلى ما يكون معهم، والبحث عن الأماكن التي فارقوها، والطرق التي ~~استطرقوها، ومواليهم الذين أبقوا منهم، ونشزوا عنهم، وأن يردوهم عليهم ~~قهرا، ويعيدوهم إليهم صغرا، وأن ينشد الضالة ما أمكن أن تنشد، ويحفظوها على ~~ربها بما جاز أن تحفظ، ويتجنبوا الامتطاء لظهورها، والانتفاع بأوبارها، ~~وألبان ما يجز ويحلب، وأن يعرفوا اللقطة، ويتبعوا أثرها، ويشيعوا خبرها؛ ~~فإذا حضر صاحبها وعلم أنه مستوجبها سلمت إليه، ولم يعترض فيها عليه، والله ~~عز وجل يقول: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها # ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضالة المؤمن حرق النار» . # وأمره أن يوصي عماله بالشد على يد الحكام، وتنفيذ ما يصدر عنهم من ~~الأحكام، وأن يحضروا مجالسهم حضور الموقرين لها الذابين عنها المقيمين ~~لرسوم الهيبة وحدود الطواعية فيها، ومن خرج عن ذلك من ذي عقل ضعيف وحلم # PageV01P220 # سخيف، نالوه بما يردعه، وأحلوا به ما يزعه، ومتى تقاعس متقاعس عن حضور مع ~~خصم يستدعيه بأمر يوجبه الحكم إليه، أو التوى ملتو بحق يحصل عليه ودين ~~يستقر في ذمته؛ قادوه إلى ذلك بأزمة الصغار وخزائم الاضطرار، وأن يحبسوا ~~ويطلقوا بأقوالهم، ويثبتوا الأيدي في الأملاك والفروج، وينزعوا بقضاياهم؛ ~~فإنهم أمناء الله في فصل ما يقضون، وبث ما يبثون، وعن كتابه وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم يوردون ويصدرون، وقد قال الله عز وجل: يا داود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ms170 فيضلك عن سبيل الله ~~إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب. # وأن يتوخى بمثل هذه المعاملة عمال الخراج في استيفاء حقوق ما استعملوا ~~عليه، واستنطاف بقاياهم فيه، والرياضة لمن تسوء طاعته من معامليهم، ~~وإحضارهم طائعين أو كارهين بين أيديهم؛ فمن آداب الله تعالى للعبد الذي يحق ~~عليه أن يتخذها ويجعلها للرضا عنه سببا قوله تعالى: وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب. # وأمره أن يجلس للرعية جلوسا عاما، وينظر في مظالمها نظرا تاما؛ يساوي في ~~الحق بين خاصها وعامها، ويوازي في المجالس بين عزيزها وذليلها، وينصف ~~المظلوم من ظالمه، والمغصوب من غاصبه، بعد الفحص والتأمل، والبحث والتبين، ~~حتى لا يحكم إلا بعدل، ولا ينطق إلا بفصل، ولا يثبت يدا إلا فيما وجب ~~تثبيتها فيه، ولا يقبضها إلا عما وجب قبضها عنه، وأن يسهل الإذن لجماعتهم، ~~ويرفع الحجاب بينه وبينهم، ويوليهم من حصانة الكنف، ولين المنعطف، ~~والاشتمال والعناية، والصون والرعاية؛ ما تتعادل به أقسامهم، وتتوازى منه ~~أقساطهم، ولا يصل الركين منهم إلى استضامة ما تأخر عنه، ولا ذو السلطان إلى ~~هضيمة من حل دونه، وأن يدعوهم إلى أحسن العادات والخلائق، ويحضهم على أحمد ~~المذاهب والطرائق، ويحمل عنهم كله، ويمد عليهم ظله، ولا يسومهم عسفا، ولا ~~يلحق بهم حيفا، ولا يكلفهم شططا، ولا يجشمهم مضلعا، ولا يثلم لهم معيشة، ~~ولا يداخلهم في جريمة، ولا يأخذ بريئا بسقيم، ولا حاضرا بعديم؛ # PageV01P221 # فإن الله عز وجل ينهى أن تزر وازرة وزر أخرى، ويرفع عن هذه الرعية ما عسى ~~أن يكون سن عليها من سنة ظالمة، وسلك بها من محجة جائرة، ويستقري آثار ~~الولاة قبله عليها، فيما أزلفوه «1» من خير أو شر إليها؛ فيقر من ذلك ما ~~طاب وحسن، ويزيل ما خبث وقبح فإن من غرس الخير يحظى بمعسول ثمره، ومن زرع ~~الشر يصلى بممرور ريعه «2» ، والله تعالى يقول: والبلد الطيب يخرج نباته ~~بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ms171 كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون. # وأمره بأن يصون مال الخراج وأثمان الغلات ووجوه الجبايات موفرا، ويزيد ~~ذلك مثمرا، بما يستعمله من الإنصاف لأهلها، وإجرائهم على صحيح الرسوم فيها؛ ~~فإنه مال الله لذي به قوة عباده، وحماية بلاده، ودرور حلبه، واتصال مدده، ~~وبه يحاط الحريم، ويدفع العظيم، ويحمي الذمار، ويذاد الأشرار، وأن يجعل ~~افتتاحه إياه بحسب إدراك أصنافه، وعند حضور مواقيته وأحيانه، غير متسلف ~~شيئا قبلها، ولا مؤخر لها عنها، وأن يخص أهل الطاعة والسلامة بالترقية لهم، ~~وأهل الاستصعاب والامتناع بالتشديد عليهم؛ لئلا يقع إرهاق لمذعن، أو إهمال ~~لطامع، وعلى المتولي لذلك أن يضع كلا من الأمرين موضعه، ويوقعه موقعه، ~~متجنبا إحلال الغلظة بمن لا يستحقها، وإعطاء الفسحة من ليس أهلها، والله ~~تعالى يقول: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه ~~الجزاء الأوفى. # وأمره أن يتخير عماله على الخراج والأعشار والضياع والجهبذة والصدقات ~~والجوالي من أهل الظلف والنزاهة، والضبط والصيانة، والجزالة والشهامة، وأن ~~يستظهر مع ذلك عليهم بوصية تعيها أسماعهم، وعهود يقلدها أعناقهم، بألا ~~يضيعوا حقا، ولا يأكلوا سحتا، ولا يستعملوا ظلما، ولا يقارفوا غشما، وأن ~~يقيموا العمارات، ويحتاطوا ويحترزوا من إتواء حق لازم، أو تعطيل رسم عادل، ~~مؤدين في جميع ذلك الأمانة، مجتنبين للخيانة، وأن يأخذوا جهابذتهم باستيفاء ~~وزن المال على تمامه، واستجادة نقده على عياره، واستعمال الصحة في قبض ما ~~يقبضوه، # PageV01P222 # وإطلاق ما يطلقون، وأن يوعزوا إلى سعاة الصدقات في أخذ الفرائض من سائمة ~~مواشي المسلمين دون عاملتها، وكذلك الواجب فيها، وألا يجمعوا فيها متفرقا، ~~ولا يفرقوا مجتمعا، ولا يدخلوا فيها خارجا عنها، ولا يضيفوا إليها ما ليس ~~منها، من فحل إبل، وأكولة راع، أو عقيلة مال؛ فإذا اجتبوها على حقها، ~~واستوفوها على رسمها؛ أخرجوها في سبيلها، وقسموها على أهلها الذين ذكرهم ~~الله عز وجل في كتابه العزيز: إلا المؤلفة قلوبهم الذين ذكرهم الله عز وجل ~~في كتابه الكريم وسقط سهمهم؛ فإن الله تعالى يقول: إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ms172 الرقاب والغارمين وفي سبيل ~~الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم # ؛ وإلى جباة أهل الذمة أن يأخذوا منهم الجزية في المحرم من كل سنة، بحسب ~~منازلهم في الأحوال، وذات أيديهم في الأموال، وعلى الطبقات المطبقة فيها، ~~والحدود المعهودة لها، وألا يأخذوها من النساء، ولا ممن لم يبلغ الحلم من ~~الرجال، ولا من ذي سن عالية، ولا ذي علة بادية، ولا فقير معدم، ولا مترهب ~~متبتل، وأن يراعي جماعة هؤلاء العمال مراعاة يسرها ويظهرها، ويلاحظهم ~~ملاحظة يخفيها ويبديها؛ لئلا يزولوا عن الحق الواجب، أو يعدلوا عن السنن ~~اللاحب، فقد قال الله تعالى: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسولا. # وأمره بأن يندب لعرض الرجال وإعطائهم، وحفظ جراياتهم، وأوقات إطعامهم، من ~~يعرفه بالثقة في متصرفه، والأمانة فيما يجري على يده، والبعد عن الإسفاف ~~إلى الدنية، والاتباع للدناءة «1» ، وأن يبعثه على ضبط الرجال، وشيات ~~الخيل، وتجديد العرض بعد الاستحقاق، وإيقاع الاحتياط في الإنفاق، فمن صح ~~عرضه ولم يبق في نفسه شيء منهم من شك يعرض له أو ريبة يتوهمها أطلق أموالهم ~~موفورة، وحصلها في أيديهم غير مثلومة، وأن يرد على بيت المال أرزاق من سقط ~~بالوفاة والإخلال، ناسبا ذلك إلى جهته، موردا له على حقيقته، وأن يطالب ~~الرجال بإحضار الخيل المختارة، والآلات المستكملة، على ما توجبه مبالغ ~~أرزاقهم، وحسب منازلهم ومراتبهم، فإن أخر أحدهم شيئا من ذلك قاصه به من # PageV01P223 # رزقه، وأغرمه مثل قيمته، فإن المقصر فيه خائن لأمير المؤمنين، ومخالف لرب ~~العالمين؛ إذ يقول سبحانه: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم. # وأمره أن يعتمد في أسواق الرقيق ودور الضرب والطرز والحسبة على من تجتمع ~~فيه آلات هذه الولايات من ثقة ودراية، وعلم وكتابة، ومعرفة ورواية، وتجربة ~~وحنكة، وحصافة ومسكة، فإنها أحوال تضارع الحكم وتناسبه، وتدانيه وتقاربه، ~~وأن يتقدم إلى ولاة أسواق الرقيق بالتحفظ فيمن يطلقون بيعه، ويمضون أمره، ~~والتحرز من وقوع تخون فيه، أو إهمال له؛ إذ كان ذلك عائدا بتحصين الفروج، ~~وتطهير ms173 الأنساب، وأن يبعدوا عنه أهل الريبة، ويقربوا أهل العفة، ولا يمضوا ~~بيعا على شبهة، ولا عقدا على تهمة، وإلى ولاة العيار، بتخليص عين الدرهم ~~والدينار؛ ليكونا مضروبين على البراءة من الغش، والنزاهة من المش «1» ، ~~وبحسب الإمام المقدر بمدينة السلام، وحراسة السكك من أن تتداولها الأيدي ~~الزغلة، وتتناقلها الجهات المنبية، وإثبات اسم أمير المؤمنين على ما يضرب ~~ذهبا وفضة، وإجراء ذلك على الرسم والسنة؛ وإلى ولاة الطرز أن يجروا ~~الاستعمال في جميع المناسج على أتم النيقة، وأسلم الطريقة، وأحكم الصنعة، ~~وأفضل الصحة، وأن يكتبوا اسم أمير المؤمنين على طرر الكسا والفرش، والأعلام ~~والبنود، وإلى ولاة الحسبة بتصفح أحوال العوام في حرفهم ومتاجرهم، ومجتمع ~~أسواقهم ومعاملاتهم، وأن يعايروا الموازين والمكاييل، ويفرزوها على التعديل ~~والتكميل، ومن اطلعوا منه على حيلة أو تلبيس، أو غيلة أو تدليس، أو بخس ما ~~يوفيه، واستفضال فيما يستوفيه؛ نالوه بغليظ العقوبة وعظمها، وخصوه بوجيعها ~~وألمها، واقفين في ذلك عند الحد الذي يرونه لذنبه مجازيا، وفي تأديبه ~~كافيا، فقد قال الله تعالى: ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. # PageV01P224 # هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عليك، وقد وقفك على سواء السبيل، ~~وأرشدك إلى واضح الدليل، وأوسعك تعليما وتحكيما، وأقنعك تعريفا وتفهيما «1» ~~، ولم يألك جهدا فيما عصمك وعصم على يدك، ولم يدخرك ممكنا فيما أصلح بك ~~وأصلحك، ولا ترك لك عذرا في غلط تغلطه، ولا طريقا إلى تورط تتورطه، بالغا ~~بك في الأوامر والزواجر إلى حيث يلزم الأئمة أن يندبوا الناس إليه، ويحثوهم ~~عليه، مقيما لك على منجيات المسالك، صارفا لك عن مرديات المهالك، مريدا فيك ~~ما يسلمك في دينك ودنياك، يعود بالحظ عليك في آخرتك وأولاك، فإن اعتدلت ~~وعدلت فقد فزت وغنمت، وإن تجانفت واعوججت فقد فسدت وندمت، والأولى بك عند ~~أمير المؤمنين مع مغرسك الزاكي، ومنبتك النامي وعودك الأنجب، وعنصرك ~~الأطيب، أن تكون لظنه محققا، ولمخيلته فيك مصدقا، وأن تستزيده بالأثر ~~الجميل قربا [من رب العالمين] وثوابا يوم الدين، وزلفى عند أمير ms174 المؤمنين، ~~وثناء حسنا من المسلمين، فخذ ما نبذ إليك أمير المؤمنين من معاذيره، وأمسك ~~بيدك على ما أعطى من مواثيقه، واجعل عهده مثالا تحتذيه، وإماما تقتفيه، ~~واستعن بالله يعنك، واستهده يهدك، وأخلص إليه في طاعته يخلص لك الحظ في ~~معونتك، ومهما أشكل عليك من خطب، أو أعضل عليك من صعب، أو بهرك من باهر، أو ~~بهظك من باهظ، فاكتب إلى أمير المؤمنين منهيا، وكن إلى ما يرد عليك [من ~~جوابه متطلعا] إن شاء الله تعالى؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # وأما التقليد الذي أنشأته أنا فهو هذا: أما بعد، فإن أمير المؤمنين يبدأ ~~بحمد الله الذي يكون لكل خطبة قيادا، ولكل أمر مهادا، ويستزيده من نعمه ~~التي جعلت التقوى له زادا، وحملته عبء الخلافة فلم يضعف عنه طوقا ولم يأل ~~فيه اجتهادا، وصغرت لديه أمر الدنيا فما تسورت له محرابا ولا عرضت عليه ~~جيادا، وحققت فيه قول الله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا # ، ثم يصلي على من أنزلت الملائكة لنصره أمدادا، وأسري به إلى السماء حتى ~~ارتقى سبعا شدادا، وتجلى له ربه فلم يزغ منه بصرا ولا أكذب منه # PageV01P225 # فؤادا، ثم من بعده على أسرته الطاهرة التي زكت أوراقا وأعوادا، وورثت ~~النور المتين تلادا، ووصفت بأنها أحد الثقلين هداية وإرشادا، وخصوصا عمه ~~العباس المدعو له بأن يحفظ نفسا وأولادا، وأن تبقى كلمة الخلافة فيهم خالدة ~~لا تخاف دركا ولا تخشى نفادا. # وإذا استوفى القلم مداده من هذه الحمدلة، وأسند القول فيها عن فصاحته ~~المرسلة، فإنه يأخذ في إنشاء هذا التقليد الذي جعله حليفا لقرطاسه، واستدام ~~سجوده على صفحته حتى لم يكد يرفع من رأسه، وليس ذلك إلا لإفاضته في وصف ~~المناقب التي كثرت فحسن لها مقام الإكثار، واشتبه التطويل فيها بالاختصار، ~~وهي التي لا يفتقر واصفها إلى القول المعاد، ولا يستوعر سلوك أطوادها ومن ~~العجب وجود السهل في سلوك الأطواد، وتلك مناقبك أيها الملك الناصر الأجل ~~السيد الكبير العالم العادل المجاهد المرابط ms175 صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن ~~أيوب، والديوان العزيز يتلوها عليك تحدثا بشكرك، ويباهي بك أولياءه تنويها ~~بذكرك، ويقول: أنت الذي تستكفي فتكون للدولة سهمها الصائب، وشهابها الثاقب، ~~وكنزها الذي تذهب الكنوز وليس بذاهب، وما ضرها وقد حضرت في نصرتها إذا كان ~~غيرك هو الغائب، فاشكر إذا مساعيك التي أهلتك لما أهلتك، وفضلتك على ~~الأولياء بما فضلتك، ولئن شوركت في الولاء بعقيدة الإضمار، فلم تشارك في ~~عزمك الذي انتصر للدولة فكان له بسطة الانتصار، وفرق بين من أمد بقلبه وبين ~~من أمد بيده في درجات الأمداد، وما جعل الله القاعدين كالذين قالوا لو ~~أمرتنا لضربنا أكبادها إلى برك الغماد، وقد كفاك من المساعي أنك كفيت ~~الخلافة أمر منازعيها، وطمست على الدعوة الكاذبة التي كانت تدعيها، ولقد ~~مضى عليها زمن ومحراب حقها محفوف من الباطل بمحرابين، ورأت ما رآه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من السوارين اللذين أولهما كذابين، فمبصر منهما ~~واحد تاه بمجرى أنهارها من تحته، ودعا الناس إلى عبادة طاغوته وجبته، ولعب ~~بالدين حتى لم يدر يوم جمعته من يوم أحده ولا يوم سبته، وأعانه على ذلك قوم ~~رمى الله بصائرهم بالعمي والصمم، واتخذوه صنما بينهم ولم تكن الضلالة هناك ~~إلا بعجل أو صنم، فقمت أنت في وجه باطله حتى قعد، وجعلت في جيده حبلا من ~~مسد، وقلت ليده تبت فأصبح وهو # PageV01P226 # لا يسعى بقدم ولا يبطش بيد، وكذلك فعلت بالآخر الذي نجمت باليمن ناجمته، ~~وسامت فيه سائمته، فوضع بنية موضع الكعبة اليمانية، وقال: هذا ذو الخلصة ~~الثانية، فأي مقاميك يعترف الإسلام بسبقه؟ أم أيها يقوم بأداء حقه؟ وههنا ~~فليصبح القلم للسيف من الحساد، وليقصر مكانته عن مكانته وقد كان له من ~~الأنداد، ولم يحظ بهذه المزية إلا لأنه أصبح لك صاحبا، وفخر بك حتى طال ~~فخرا عما عز جانبا، وقضى بولايتك فكان بها قاضيا لما كان حده قاضبا. # وقد قلدك أمير المؤمنين البلاد المصرية واليمنية غورا ونجدا، وما اشتملت ~~عليه رعية وجندا، وما انتهت إليه أطرافها برا ms176 وبحرا، وما يستنقذ من ~~مجاوريها مسالمة وقهرا، وأضاف إليها بلاد الشام، وما تحتوي عليه من المدن ~~الممدنة، والمراكز المحصنة، مستثنيا منها ما هو بيد نور الدين إسمعيل بن ~~نور الدين محمود رحمه الله، وهو حلب وأعمالها، فقد مضى أبوه عن آثار في ~~الإسلام ترفع ذكره في الذاكرين، وتخلفه في عقبه في الغابرين، وولده هذا قد ~~هذبته الفطرة في القول والعمل، وليست هذه الربوة إلا من ذلك الجبل، فليكن ~~له منك جار يدنو منه ودادا كما دنا أرضا، ويصبح وهو له كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا. # والذي قدمناه من الثناء عليك ربما تجاوز بك درجة الاقتصاد، ولفتك عن ~~فضيلة الازدياد، فإياك أن تنظر سعيك بالإعجاب، وتقول هذه بلاد أنا فتحتها ~~بعد أن أضرب عنها كثير من الأضراب، ولكن اعلم أن الأرض لله ولرسوله ثم ~~لخليفته من بعده، ولا منة للعبد بإسلامه بل المنة لله بهداية عبده، وكم سلف ~~من قبلك من لو رام ما رمته لدنا شاسعه، وأجاب مانعه، لكن ذخره الله لك ~~لتحظى في الآخرة بمفازه، وفي الدنيا برقم طرازه، فألق بيدك عند هذا القول ~~إلقاء التسليم، وقل لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. # وقد قرن تقليدك هذا بخلعة تكون لك في الاسم شعارا، وفي الوسم فخارا، ~~وتناسب محل قلبك وبصرك وخير ملابس الأولياء ما ناسب قلوبا وأبصارا، ومن ~~جملتها طوق يوضع في عنقك موضع العهد والميثاق، ويشير إليك بأن الإنعام قد ~~أطاف بك إطافة الأطواق بالأعناق، ثم إنك خوطبت بالملك وذلك خطاب يقضي # PageV01P227 # لصدرك بالانشراح، ولأملك بالانفساح، وتؤمر معه بمد يدك إلى العليا لا ~~بضمها إلى الجناح، وهذه الثلاثة المشار إليها هي التي تكمل بها أقسام ~~السيادة، وهي التي لا مزيد عليها في الإحسان فيقال إنها الحسنى وزيادة، ~~فإذا صارت إليك فانصب لها يوما يكون في الأيام كريم الأنساب، واجعله لها ~~عيدا وقل هذا عيد الخلعة والتقليد والخطاب. # هذا، ولك عند أمير المؤمنين مكانة تجعلك لديه حاضرا وأنت ناء عن الحضور، ~~وتضن أن تكون مشتركة بينك ms177 وبين غيرك والضنة من شيم الغيور، وهذه المكانة قد ~~عرفتك نفسها وما كنت تعرفها، وما تقول إلا أنها لك صاحبة وأنت يوسفها، ~~فاحرسها عليك حراسة تقضي بتقديمها، واعمل لها فإن الأعمال بخواتيمها. # واعلم أنك قد تقلدت أمرا تعين به نفي الحلوم، ولا ينفك صاحبه عن عهدة ~~الملوم، وكثيرا ما يرى حسناته يوم القيامة وهي مقتسمة بأيدي الخصوم، ولا ~~ينجو من ذلك إلا من أخذ أهبة الحذار، وأشفق من شهادة الأسماع والأبصار، ~~وعلم أن الولاية ميزان إحدى كفتيه في الجنة والأخرى في النار، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على ~~اثنين، ولا تولين مال يتيم» ، فانظر إلى هذا القول النبوي نظر من لم يخدع ~~بحديث الحرص والآمال، ومثل الدنيا وقد سيقت إليك بحذافيرها أليس مصيرها إلى ~~زوال، والسعيد إذا جاءته قضى بها أرب الأرواح لا أرب الجسوم، واتخذ منها ~~وهي السم دواء وقد تتخذ الأدوية من السموم، وما الاغتباط بما يختلف على ~~تلاشيه المساء والصباح، وهو كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ~~فأصبح هشيما تذروه الرياح، والله يعصم أمير المؤمنين وولاة أمره من تباعتها ~~التي لابستهم ولا بسوها، وأحصاها الله عليهم ونسوها، ولك أنت من هذا الدعاء ~~حظ على قدر محلك من العناية التي جذبت بضبعك، ومحلك من الولاية التي بسطت ~~من درعك، فخذ هذا الأمر الذي تقلدته أخذ من لم يتعقبه بالنسيان، وكن في ~~رعايته ممن إذا نامت عيناه كان قلبه يقظان. # وملاك ذلك كله في إسباغ العدل الذي جعله الله ثالث الحديث والكتاب، وأغنى ~~بثوابه وحده عن أعمال الثواب، وقدر يوما منه بعبادة ستين عاما في # PageV01P228 # الحساب، ولم يأمر به آمر إلا زيد قوة في أمره، وتحصن به من عدوه ومن ~~دهره، ثم يجاء به يوم القيامة وفي يديه كتابا أمان، ويجلس على منبر من نور ~~عن يمين الرحمن، ومع هذا فإن مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلا من أمسك عنان ~~نفسه قبل إمساك عنانه، ms178 وغلبت لمة ملكه على لمة شيطانه، ومن أوكد فروضه أن ~~تمحي السنن السيئة التي طالت مدد أيامها، ويئس الرعايا من رفع ظلاماتها فلم ~~يجعلوا أمدا لانحسار ظلامها، وتلك السنن هي المكوس التي أنشأتها الهمم ~~الحقيرة، ولا غني للأيدي الغنية إذا كانت ذات نفوس فقيرة، وكلما زيدت ~~الأموال الحاصلة منها قدرا زادها الله محقا، وقد استمرت عليها العوائد حتى ~~ألحقها الظالمون بالحقوق الواجبة فسموها حقا، ولولا أن صاحبها أعظم الناس ~~جرما لما أغلظ في عقابه، ومثلت توبة المرأة الغامدية بمتابه، وهل أشقى ممن ~~يكون السواد الأعظم له خصما، ويصبح وهو مطالب بهم بما يعلم وبما لم يحط به ~~علما؛ وأنت مأمور بأن تأتي هذه الظلامات فتنحي على أبطالها «1» ، وتلحق ~~أسماءها في المحو بأفعالها، حتى لا يبقى لها في العيان صور منظورة، ولا في ~~الألسنة أحاديث مذكورة، فإذا فعلت ذلك كنت قد أزلت عن الماضي سنة سوء سنتها ~~يداه، وعن الآتي متابعة ظلم وجده نهجا مسلوكا فجرى على مداه، فبادر إلى ما ~~أمرت به مبادرة من لم يضق ذراعا، ونظر إلى الحياة الدنيا بعينه فرآها في ~~الآخرة متاعا، وأحمد الله تعالى على أن قيض للإمام هدى يقف بك على هداك، ~~ويأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عداك. # وهذه البلاد المنوطة بطرفك تشتمل على أطراف متباعدة، وتفتقر في سياستها ~~إلى أيد متساعدة، ولهذا يكثر بها قضاة الأحكام، وأولو تدبيرات السيوف ~~والأقلام، وكل من هؤلاء ينبغي أن يقف على باب الاختيار، ويسلط عليه شاهدا ~~عدل من أمانة الدرهم والدينار، فما أضل الناس شيء كحب المال الذي فورقت من ~~أجله الأديان، وهجرت بسببه الأولاد والإخوان، وكثيرا ما نرى الرجل الصائم ~~القائم وهو عابد له عبادة الأوثان، فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك ~~فاضرب عليه بالأرصاد، # PageV01P229 # ولا ترض بما عرفته من مبدإ حاله فإن الأحوال تنتقل منتقل الأجساد، وإياك ~~أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالربيع بن زياد. # وكذلك اؤمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم بأن يأمروا ms179 بالمعروف مواظبين، ~~وينهوا عن المنكر محاسبين، ويعلموا أن ذلك من دأب حزب الله الذين جعلهم ~~الله الغالبين، وليبدأوا أولا بأنفسهم فيعدلوا بها عن هواها، ويأمروها بما ~~يأمرون به سواها، ولا يكونوا ممن هدى إلى طريق البر وهو عنه حائد، وانتصب ~~لطلب المرضى وهو محتاج إلى طبيب وعائد، فما تنزل بركات السماء إلا على من ~~خاف مقام ربه، وألزم التقوى أعمال يده ولسانه وقلبه، وإذا صلحت الولاة صلحت ~~الرعية بصلاحهم، وهم لهم بمنزلة المصابيح ولا يستضيء كل قوم إلا بمصباحهم، ~~ومما يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم إخوانا في الاصطحاب، وجيرانا في ~~الاقتراب، وأعوانا في توزع الحمل الذي يثقل على الرقاب، فالمسلم أخو المسلم ~~وإن كان عليه أميرا، وأولى الناس باستعمال الرفق من كان فضل الله عليه ~~كثيرا، وليست الولاية لمن يستجد بها كثرة اللفيف، ويتولاها بالوطء العنيف، ~~ولكنها لمن يمال على جوانبه، ويؤكل من أطايبه، ولمن إذا أغضب لم ير للغضب ~~عنده أثر، وإذا ألحف في سؤاله لم يلق الإلحاف بخلق الضجر، وإذا حضر الخصوم ~~بين يديه عدل بينهم في قسمة القول والنظر، فذلك الذي يكون في أصحاب اليمين، ~~والذي يدعى بالحفيظ العليم والقوي الأمين، ومن سعادة المرء أن تكون ولاته ~~متأدبين بآدابه، وجارين على نهج صوابه، وإذا تطايرت الكتب يوم القيامة ~~كانوا حسنات مثبتة في كتابه. # وبعد هذه الوصية فإن ههنا حسنة هي للحسنات كالأم الولود، ولطالما أغنت عن ~~صاحبها إغناء الجنود، وتيقظت لنصره والعيون رقود، وهي التي تسبغ لها ~~الآلاء، ولا يتخطاها البلاء، ولأمير المؤمنين بها عناية تبعثها الرحمة ~~الموضوعة في قلبه، والرغبة في المغفرة لما تقدم وتأخر من ذنبه، وتلك هي ~~الصدقة التي فضل الله بها بعض عباده لمزية إفضالها، وجعلها سببا إلى ~~التعويض عنها بعشر أمثالها، وهو يأمرك أن تتفقد أحوال الفقراء الذين قدرت ~~عليهم مادة الأرزاق، وألبسهم التعفف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق، ~~فأولئك أولياء الله الذين # PageV01P230 # مستهم الضراء فصبروا، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذ ~~نظروا، وينبغي أن ms180 يهيئ لهم من أمرهم مرفقا، ويضرب بينهم وبين الفقر موبقا، ~~وما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلا إعلاما بأنها من المهم الذي يستقبل ~~ولا يستدبر، ويستكثر منه ولا يستكثر، وهذا يعد من جهاد النفس في بذل المال، ~~ويتلوه جهاد العدو الكافر في مواقف القتال، وأمير المؤمنين يعرفك من ثوابه ~~ما تجعل السيف في ملازمته أخا، وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا، ومن ~~صفاته أنه العمل المحبو بفضل الكرامة، الذي ينمي بعد صاحبه إلى يوم ~~القيامة، وبه تمتحن طاعة الخالق على المخلوق، وكل الأعمال عاطلة لا خلوق ~~لها وهو المختص دونها برتبة الخلوق، ولولا فضله لما كان محسوبا بشطر ~~الإيمان، ولما جعل الله الجنة له ثمنا وليست لغيره من الأثمان، وقد علمت أن ~~العدو هو جارك الأدنى، والذي يبلغك وتبلغه عينا وأذنا، ولا تكون للإسلام ~~نعم الجار حتى تكون له بئس الجار، ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا ~~قامت لغيرك الأعذار، وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مكافحا، أو تطرق ~~أرضه مماسيا أو مصابحا، بل يريد أن تقصد البلاد التي في يده قصد المستنقذ ~~لا قصد المغير، وأن تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني ~~قريظة والنضير، وعلى الخصوص البيت المقدس فإنه تلاد الإسلام القديم، وأخو ~~البيت الحرام في شرف التعظيم، والذي توجهت إليه الوجوه من قبل بالسجود ~~والتسليم، وقد أصبح وهو يشكو طول المدة في أسر رقبته، وأصبحت كلمة التوحيد ~~وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته، فانهض إليه نهضة توغل في قرحه، ~~وتبدل صعب قياده بسمحه، وإن كان له عام حديبية فأتبعه بعام فتحه، وهذه ~~الاستزادة إنما تكون بعد سداد ما في اليد من ثغر كان مهملا فحميت موارده، ~~أو متهدما فرفعت قواعده، ومن أهمها ما كان حاضر البحر فإنه عورة مكشوفة، ~~وخطة مخوفة، والعدو قريب منه على بعده، وكثيرا ما يأتيه فجأة حتى يسبق برقه ~~برعده، فينبغي أن يرتب بهذه الثغور رابطة تكثر شجاعتها وتقل أقرانها، ms181 ويكون ~~قتالها لأن تكون كلمة الله هي العليا لا لأن يرى مكانها، وحينئذ يصبح كل ~~منها وله من الرجال أسوار، ويعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار، ~~ومع هذا لا بد لها من أصطول يكثر عدده، ويقوي مدده، فإنه العدة التي # PageV01P231 # تستعين بها على كشف الغماء، والاستكثار من سبايا العبيد والإماء، وجيشه ~~أخو الجيش السليماني فذاك يسير على متن الريح وهذا على متن الماء، ومن صفات ~~خيله أنها جمعت بين العوم والمطار، وتساوت أقدار خلقها على اختلاف مدة ~~الأعمار؛ فإذا أشرعت قيل جبال متعلقة بقطع من الغيوم، وإذا نظر إلى أشكالها ~~قيل إنها أهلة غير أنها تهتدي في مسيرها بالنجوم، ومثل هذه الخيل ينبغي أن ~~يغالى في جيادها، ويستكثر من قيادها، وليؤمر عليها أمير يلقى البحر بمثله ~~من سعة صدره، ويسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها ولكن قتلها بخبره، وكذلك ~~فليكن ممن أفنت الأيام تجاربه وزحمتها مناكبه، وممن يذل الصعب إذا هو ساسه ~~وإن لان جانبه، وهذا هو الرجل يرأس على القوم فلا يجد هزة بالرياسة، وإن ~~كان في الساقة ففي الساقة أو كان في الحراسة ففي الحراسة، ولقد أفلحت عصابة ~~اعتصبت من ورائه وأيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنصر من رأيه. # واعلم أنه قد أخل من الجهاد بركن يقدح في عمله، وهو تمامه الذي يأتي في ~~آخره كما أن صدق النية تأتي في أوله، وذلك هو قسم الغنائم فإن الأيدي قد ~~تداولته بالإجحاف، وخلطت جهادها فيه بغلوها فلم ترجع بالكفاف، والله قد جعل ~~الظلم في تعدي حدوده المحدودة، وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة ~~الموعودة، ونحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا زمانه وبأسه شرباس، ولم ~~يستخلفنا على حفظ أركان دينه ثم نهمله إهمال مضيع ولا إهمال ناس، والذي ~~نأمرك به أن تجري هذا الأمر المنصوص من حكمه، وتبرئ ذمتك مما يكون غيرك ~~الفائز بفوائده وأنت المطالب بإثمه، وفي أرزاق المجاهدين بالديار المصرية ~~والشامية ما يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدا أنكالا وجحيما، وطعاما ms182 ذا ~~غصة وعذابا أليما. # فتصفح ما سطرنا لك في هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات، بل آيات ~~محكمات، وتحبب إلى الله وإلى أمير المؤمنين باقتفاء كلماتها، وابن لك منها ~~مجدا يبقى في عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها، وهذا التقليد ينطق عليك ~~بأنه لم يأل في الوصايا التي أوصاها، وأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها، ثم إنه قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه، وسأل فيها ~~خيرة الله التي تتنزل من كل أمر بمنزلة نظامه، ثم قال: اللهم إني أشهدك على ~~من قلدته شهادة تكون # PageV01P232 # عليه رقيبة، وله حسيبة، فإني لم آمره إلا بأوامر الحق التي فيها موعظة ~~وذكرى، وهي لمن تبعها هدى ورحمة وبشرى، وإذا أخذ بها بلج بحجته يوم يسأل عن ~~الحجج، ولم يختلج دون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحوض في جملة من ~~يختلج، وقيل لا حرج عليك ولا إثم إن نجوت من ورطات الاسم والحرج، والسلام. # وهذا الذي ذكرته من كلامي وكلام الصابي في هذه التقاليد الأربعة لم أقصد ~~به الوضع من الرجل، وإنما ذكرت ما ذكرته لبيان موضع السجع الذي يثبت على ~~المحك، ولا شك أن هذا الوصف المشار إليه في فقر الأسجاع لم يكن مقصودا في ~~الزمن القديم، إما لمكان عسره، أو لأنه لم يتنبه له، وكيف أضع من الصابي ~~وعلم الكتابة قد رفعه وهو إمام هذا الفن والواحد فيه؟ ولقد اعتبرت مكاتباته ~~فوجدته قد أجاد في السلطانيات كل الإجادة، وأحسن كل الإحسان، ولو لم يكن له ~~سوى كتابه الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن بويه إلى سبكتكين عند خروجه ~~عليه ومجاهرته إياه بالعصيان لاستحق به فضيلة التقدم، كيف وله من ~~السلطانيات ما أتى فيه بكل عجيبة؟ لكنه في الإخوانيات مقصر وكذلك في كتب ~~التعازي. # وعندي فيه رأي لم يره أحد غيري، ولي فيه قول لم يقله أحد سواي، وذاك أن ~~عقل الرجل في كتابته زائد على فصاحته وبلاغته، وسأبين ذلك فأقول: لينظر ~~الناظر في هذين التقليدين ms183 اللذين أرودتهما له، فإنه يرى وصايا وشروطا ~~واستدراكات، وأوامر ما بين أصل وفرع وكل وجزء وقليل وكثير، ولا نرى ذلك في ~~كلام غيره من الكتاب، إلا أنه عبر عن تلك الوصايا والأوامر والشروط ~~والاستدراكات بعبارة في بعضها ما فيه من الضعف والركة، وقد قيل: إن زيادة ~~العلم على المنطق هجنة، وزيادة المنطق على علم خدعة، ومع هذا فإني أقر ~~للرجل بالتقدم، وأشهد له بالفضل. # وإذ فرغت مما أردت تحقيقه في هذا الموضع، فإني أرجع إلى ما كنت بصدد ذكره ~~من الكلام على السجع، وقد تقدم من ذلك ما تقدم، وبقي ما أنا ذاكر ههنا. # وهو أن السجع قد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ### | الأول: أن يكون الفصلان متساويين # لا يزيد أحدهما على الآخر، كقوله # PageV01P233 # تعالى: فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر # وقوله تعالى: والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن به ~~نقعا، فوسطن به جمعا # ألا ترى كيف جاءت هذه الفصول متساوية الأجزاء حتى كأنها أفرغت في قالب ~~واحد، وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة، وهو أشرف السجع منزلة؛ للاعتدال ~~الذي فيه. ### | القسم الثاني: أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول، # لا طولا يخرج به عن الاعتدال خروجا كثيرا؛ فإنه يقبح عند ذلك ويستكره ~~ويعد عيبا. # فمما جاء من ذلك قوله تعالى: بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا، إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا، وإذا ألقوا منها ~~مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا # ألا ترى أن الفصل الأول ثمان لفظات، والفصل الثاني والثالث تسع تسع. # ومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم ~~شيئا إدا، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا # وأمثال هذا في القرآن كثيرة. # ويستثنى من هذا القسم ما كان من السجع على ثلاثة فقر؛ فإن الفقرتين ~~الأوليين يحسبان في عدة واحدة، ثم باقي الثلاثة فينبغي أن تكون طويلة طولا ~~يزيد عليهما؛ فإذا كانت الأولى والثانية أربع لفظات أربع لفظات تكون ~~الثالثة عشر لفظات ms184 أو إحدى عشرة. # مثال ذلك ما ذكرته في وصف صديق فقلت: الصديق من لم يعتض عنك بخالف، ولم ~~يعاملك معاملة حالف، وإذا بلغته أذنه وشاية أقام عليها حد سارق أو قاذف؛ ~~فالأولى والثانية ههنا أربع لفظات أربع لفظات لأن الأولى: «لم يعتض عنك ~~بخالف» والثانية: «ولم يعاملك معاملة حالف» وجاءت الثالثة عشر لفظات. وهكذا ~~ينبغي أن يستعمل ما كان من هذا القبيل؛ وإن زادت الأولى والثانية عن هذه ~~العدة # PageV01P234 # فتزاد الثالثة بالحساب، وكذلك إذا نقصت الأولى والثانية عن هذه العدة، ~~فافهم ذلك وقس عليه. # إلا أنه لا ينبغي أن تجعله قياسا مطردا في السجعات الثلاث أين وقعت من ~~الكلام، بل تعلم أن الجواز يعم الجانبين من التساوي في السجعات الثلاث ومن ~~زيادة السجعة الثالثة، ألا ترى أنه قد ورد ثلاث سجعات متساويات في القرآن ~~الكريم، كقوله تعالى: وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود، وطلح ~~منضود، وظل ممدود # فهذه السجعات كلها من لفظتين لفظتين، ولو جعلت الثالثة منها خمس لفظات أو ~~ستا لما كان ذلك معيبها. ### | القسم الثالث: أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول، # وهو عندي عيب فاحش، وسبب ذلك أن السجع يكون قد استوفى أمده من الفصل ~~الأول بحكم طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيرا عن الأول، فيكون كالشيء ~~المبتور؛ فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها. # وإذ انتهينا إلى ههنا وبينا أقسام السجع ولبه وقشوره فسنقول فيه قولا ~~كليا، وهو أن السجع على اختلاف أقسامه ضربان: # أحدهما: يسمى السجع القصير، وهو أن تكون كل واحدة من السجعتين مؤلفة من ~~ألفاظ قليلة، وكلما قلت الألفاظ كان أحسن، لقرب الفواصل المسجوعة من سمع ~~السامع، وهذا الضرب أوعر السجع مذهبا، وأبعده متناولا، ولا يكاد استعماله ~~يقع إلا نادرا. # والضرب الآخر: يسمى السجع الطويل، وهو ضد الأول؛ لأنه أسهل متناولا. # وإنما القصير من السجع أوعر مسلكا من الطويل لأن المعنى إذا صيغ بألفاظ ~~قصيرة عز مواتاة السجع فيه؛ لقصر تلك الألفاظ، وضيق المجال في استجلابه، ~~وأما ms185 الطويل فإن الألفاظ تطول فيه ويستجلب له السجع من حيث وليس، كما يقال، ~~وكان ذلك سهلا. # PageV01P235 # وكل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في عدة ألفاظ. # وأما السجع القصير فأحسنه ما كان مؤلفا من لفظتين لفظتين، كقوله تعالى: # والمرسلات عرفا، فالعاصفات عصفا # وقوله تعالى: يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز ~~فاهجر # ، ومنه ما يكون مؤلفا من ثلاثة ألفاظ وأربعة وخمسة، وكذلك إلى العشرة. # وما زاد على ذلك فهو من السجع الطويل. # فمما جاء منه قوله تعالى: والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ~~ينطق عن الهوى # وقوله تعالى: اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا ~~سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر. # وأما السجع الطويل فإن درجاته تتفاوت أيضا في الطول؛ فمنه ما يقرب من ~~السجع القصير، وهو أن يكون تأليفه من إحدى عشرة إلى اثنتي عشرة لفظة، ~~وأكثره خمس عشرة لفظة. # كقوله تعالى: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليوس كفور، ~~ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور # فالأولى إحدى عشرة لفظة، والثانية ثلاث عشرة لفظة. # وكذلك قوله تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم بالمؤمنين روف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم. # ومن السجع الطويل ما يكون تأليفه من العشرين لفظة فما حولها؛ كقوله ~~تعالى: إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم ~~في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور، وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور. # PageV01P236 # ومن السجع الطويل أيضا ما يزيد على هذه العدة المذكورة، وهو غير مضبوط. # واعلم أن التصريع في الشعر بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور، ~~وفائدته في الشعر أنه قبل كمال البيت الأول من القصيدة تعلم قافيتها، وشبه ~~البيت المصرع بباب ms186 له مصراعان متشاكلان. # وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون، وفيه دلالة على سعة القدرة في أفانين ~~الكلام؛ فأما إذا كثر التصريع في القيدة فلست أراه مختارا؛ إلا أن هذه ~~الأصناف من التصريع والترصيع والتجنيس وغيرها إنما يحسن منها في الكلام ما ~~قل وجرى مجرى الغرة من الوجه، أو كان كالطراز من الثوب، فأما إذا تواترت ~~وكثرت فإنها لا تكون مرضية؛ لما فيها من أمارات الكلفة وهو عندي ينقسم إلى ~~سبع مراتب، وذلك شيء لم يذكره على هذا الوجه أحد غيري: # فالمرتبة الأولى:- وهي أعلى التصريع درجة- أن يكون كل مصراع من البيت ~~مستقلا بنفسه في فهم معناه غير محتاج إلى صاحبه الذي يليه، ويسمى التصريع ~~الكامل، وذلك كقول امرئ القيس «1» : # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجرا فأجملي # فإن كل مصراع من هذا البيت مفهوم المعنى بنفسه غير محتاج إلى ما يليه. # وعليه ورد قول المتنبي «2» : # إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعرا متيم # PageV01P237 # المرتبة الثانية: أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الذي ~~يليه، فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطا به، كقول امرئ القيس «1» : # قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل # فالمصراع الأول غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه، لكن لما جاء الثاني ~~صار مرتبطا به. # وكذلك ورد قول أبي تمام «2» : # ألم يأن أن تروى الظماء الحوائم ... وأن ينظم الشمل المبدد ناظم # وعليه ورد قول المتنبي «3» : # الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني # المرتبة الثالثة: أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع موضع صاحبه، ~~ويسمى التصريع الموجه، وذلك كقول ابن الحجاج البغدادي: # من شروط الصبوح في المهرجان ... خفة الشرب مع خلو المكان # فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأول ثانيا ومصراعه الثاني أولا؛ وهذه ~~المرتبة كالثانية في الجودة. # المرتبة الرابعة: أن يكون المصراع الأول غير مستقل بنفسه، ولا يفهم معناه ~~إلا بالثاني، ويسمى التصريع الناقض، وليس بمرضي ولا حسن. # PageV01P238 # فمما ورد منه قول المتنبي «1» : # مغاني الشعب طيبا في المغاني ms187 ... بمنزلة الربيع من الزمان # فإن المصراع الأول لا يستقل بنفسه في فهم معناه دون أن يذكر المصراع ~~الثاني. # المرتبة الخامسة: أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة وسطا وقافية، ~~ويسمى التصريع المكرر، وهو ينقسم قسمين: أحدهما: أقرب حالا من الآخر، ~~فالأول أن يكون بلفظة حقيقية لا مجاز فيها، وهو أنزل الدرجتين؛ كقول عبيد ~~بن الأبرص «2» : # فكل ذي غيبة يثوب ... وغائب الموت لا يثوب # القسم الآخر: أن يكون التصريع بلفظة مجازية يختلف المعنى فيها؛ كقول أبي ~~تمام «3» : # فتى كان شربا للعفاة ومرتعا ... فأصبح للهندية البيض مرتعا # المرتبة السادسة: أن يذكر المصراع الأول ويكون معلقا على صفة يأتي ذكرها # PageV01P239 # في أول المصراع الثاني، ويسمى التصريع المعلق؛ فمما ورد منه قول امرئ ~~القيس «1» : # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل # فإن المصراع الأول معلق على قوله: «بصبح» ؛ وهذا معيب جدا. # وعليه ورد قول المتنبي «2» : # قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى وألف في ذا القلب أحزانا # فإن المصراع الأول معلق على قوله: «تدمى» . # المرتبة السابعة: أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته، ويسمى ~~التصريع المشطور، وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها. # فمن ذلك قول أبي نواس: # أقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عدت عن الجحود # فصرع بحرف الباء في وسط البيت، ثم قفاه بحرف الدال، وهذا لا يكاد يستعمل ~~إلا قليلا نادرا. # PageV01P240 ### | النوع الثاني في التجنيس # اعلم أن التجنيس غرة شادخة في وجه الكلام، وقد تصرف العلماء من أرباب هذه ~~الصناعة فيه فغربوا وشرقوا، لا سيما المحدثين منهم، وصنف الناس فيه كتبا ~~كثيرة، وجعلوه أبوابا متعددة، واختلفوا في ذلك، وأدخلوا بعض تلك الأبواب في ~~بعض؛ فمنهم عبد الله بن المعتز، وأبو علي الحاتمي، والقاضي أبو الحسين ~~الجرجاني، وقدامة بن جعفر الكاتب، وغيرهم. # وإنما سمي هذا النوع من الكلام مجانسا لأن حروف ألفاظه يكون تركيبها من ~~جنس واحد. # وحقيقته أن يكون اللفظ واحدا والمعنى مختلفا، وعلى هذا فإنه هو: اللفظ ~~المشترك، وما عداه فليس من التجنيس الحقيقي في شيء، إلا أنه ms188 قد خرج من ذلك ~~ما يسمى تجنيسا، وتلك تسمية بالمشابهة لا لأنها دالة على حقيقة المسمى ~~بعينه. # وعلى هذا فإني نظرت في التجنيس وما شبه به فأجرى مجراه فوجدته ينقسم إلى ~~سبعة أقسام: واحد منها يدل على حقيقة التجنيس؛ لأن لفظه واحد لا يختلف، ~~وستة أقسام مشبهة. ### | فأما القسم الأول # فهو أن تتساوى حروف ألفاظه في تركيبها ووزنها، كقوله تعالى: ويوم تقوم ~~الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة # وليس في القرآن الكريم سوى هذه الآية، فاعرفها، ويروى في الأخبار النبوية ~~أن الصحابة نازعوا جرير بن عبد الله البجلي زمامه فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «خلوا بين جرير والجرير» أي: دعوا زمامه. # PageV01P241 # ومما جاء منه في الشعر قول أبي تمام «1» : # فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر # فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه، والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء ~~أكرمه؛ فاللفظ إذا واحد والمعنى مختلف. # وكذلك قوله «2» : # من القوم جعد أبيض الوجه والندى ... وليس بنان يجتدى منه بالجعد # فالجعد: السيد، والبنان الجعد: ضد السبط؛ فأحدهما يوصف به السخي، والآخر ~~يوصف به البخيل. # وكذلك قوله «3» : # بكل فتى ضرب يعرض للقنا ... محيى محلى حليه الطعن والضرب # فالضرب: الرجل الخفيف، والضرب بالسيف في الحرب. # وكذلك قوله «4» : # عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب # PageV01P242 # فالثغور: جمع ثغر، وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم ~~العدو. # ثم قال في هذه القصيدة: # كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب # بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب # فالقضب: السيوف، والقضب: القدود على حكم الاستعارة، وكذلك البيض: السيوف، ~~والبيض: النساء، وهذا من النادر الذي لا يتعلق به أحد. # وكذلك قوله «1» : # إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب # فلفظ الصدور في هذا البيت واحد، والمعنى مختلف. # وكذلك قوله «2» : # عامي وعام العيس بين وديقة ... مسجورة وتنوفة صيهود «3» # وعداك: صرفك، والثغور الثانية: مواضع المخافة في البلاد، والثغور الأولى: ~~جمع ثغر، ms189 وهو الفم، والخصب: وقع في بعض نسخ الديوان بالخاء المعجمة، وفي ~~بعضها بالحاء المهملة، وفسرت تفسيرا بعيدا. # PageV01P243 # حتى أغادر كل يوم بالفلا ... للطير عيدا من بنات العيد «1» # فالعيد: فحل من فحول الإبل، والعيد: اليوم المعروف من الأيام. # وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره؛ فمنه ما أغرب فيه فأحسن؛ كالذي ~~ذكرته، ومنه ما أتى به كريها مستثقلا، كقوله «2» : # ويوم أرشق والهيجاء قد رشقت ... من المنية رشقا وابلا قصفا «3» # وكقوله «4» : # يا مضغنا خالدا لك الثكل إن ... خلد حقدا عليك في خلده «5» # وكقوله «6» : # وأهل موقان إذ ماقوا فلا وزر ... أنجاهم منك في الهيجا ولا سند «7» # PageV01P244 # وكقوله «1» : # مهلا بني مالك لا تجلبن إلى ... حي الأراقم دؤلول ابنة الرقم «2» # ثم قال فيها: # من الردينية اللائي إذا عسلت ... تشم بو الصغار الأنف ذا الشمم «3» # وكقوله «4» : # قرت بقران عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما «5» # وله من هذا الغث البارد المتكلف شيء كثير لا حاجة إلى استقصائه، بل قد ~~أوردنا منه قليلا يستدل به على أمثاله. # ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس: # عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع # PageV01P245 # وكذلك قوله: # فقل لأبي العباس إن كنت مذنبا ... فأنت أحق الناس بالأخذ بالفضل # فلا تجحدوني ود عشرين حجة ... ولا تفسدوا ما كان منكم من الفضل # وعلى هذا النهج ورد قول البحتري «1» : # إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسر ما تسر الأضالع # فالعين: الجاسوس؛ والعين: معروفة. # وكذلك ورد قول بعضهم: # وترى سوابق دمعها فتواكفت ... ساق تجاوب فوق ساق ساقا # فالساق: ساق الشجرة، والساق: القمري من الطيور. # وعلى هذا الأسلوب جاء قول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالمعري في ~~قصيدة قصد بها التجنيس في كثير من أبياتها، فمن ذلك ما أورده في مطلعها: # لوزارنا طيف ذات الخال أحيانا ... ونحن في حفر الأجداث أحيانا # ثم قال في أبياتها: # تقول: أنت امرؤ جاف مغالطة ... فقلت: لا هومت أجفان أجفانا «2» # وكذا قال في آخرها: # لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا ms190 # PageV01P246 # ورأيت الغانمي قد ذكر في كتابه بابا، وسماه «رد الأعجاز على الصدور» ~~خارجا عن باب التجنيس، وهو ضرب منه، وقسم من جملة أقسامه، كالذي نحن بصدد ~~ذكره ههنا، فمما أورده الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم: # ونشري بجميل الصنع ... ذكرا طيب النشر # ونفري بسيوف الهند ... من أسرف في النفر # وبحري في شرى الحمد ... على شاكلة البحر # وكذلك قول بعضهم في الشيب: # يا بياضا أذرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني بياضا # وكذلك قول البحتري: # وأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل # كالهيكل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل # وليس الأخذ على المعاني في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على ~~أن ينصب نفسه لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي «1» ~~ذكرناها داخلا في الآخر؛ فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه، وهو أشهر من فلق ~~الصباح. # وربما جهل بعض الناس فأدخل في التجنيس ما ليس منه؛ نظرا إلى مساواة اللفظ ~~دون اختلاف المعنى؛ فمن ذلك قول أبي تمام «2» : # أظن الدمع في خدي سيبقي ... رسوما من بكائي في الرسوم # وهذا ليس من التجنيس في شيء؛ إذا حد التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف # PageV01P247 # المعنى، وهذا البيت المشار إليه هو اتفاق اللفظ والمعنى معا، وهذا مما ~~ينبغي أن ينبه عليه ليعرف. # ومن علماء البيان من جعل له اسما سماه به، وهو الترديد: أي أن اللفظة ~~الواحدة رددت فيه. # وحيث نبهت عليه ههنا فلا أحتاج أن أعقد له بابا أفرده بالذكر فيه. # وأما الأقسام الستة المشبهة بالتجنيس؛ فالقسم الأول منها: أن تكون الحروف ~~متساوية في تركيبها مختلفة في وزنها، فمما جاء من ذلك قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «اللهم كما حسنت خلقي حسن خلقي» ألا ترى أن هاتين اللفظتين ~~متساويتان في التركيب، مختلفتان في الوزن؛ لأن تركيب الخلق والخلق من ثلاثة ~~أحرف، وهي الخاء واللام والقاف، إلا أنهما قد اختلفا في الوزن، إذ وزن ~~الخلق فعل بفتح الفاء، ووزن الخلق فعل بضم الفاء. # ومن هذا ms191 القسم قول بعضهم: «لا تنال غرز المعالي إلا بركوب الغرر واهتبال ~~الغرر» . # وقال البحتري «1» : # وفر الحائن المغرور يرجو ... أمانا أي ساعة ما أمان «2» # يهاب الإلتفات وقد تهيا ... للحظة طرفه طرف السنان «3» # وكذلك ورد قول الآخر: # قد ذبت بين حشاشة وذماء ... ما بين حر هوى وحر هواء # PageV01P248 ### | القسم الثاني # من المشبه بالتجنيس، وهو أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن مختلفة في ~~التركيب بحرف واحد لا غير، وإن زاد على ذلك خرج من باب التجنيس. # فمما جاء قوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة» # فإن هاتين اللفظتين على وزن واحد؛ إلا أن تركيبهما مختلف في حرف واحد، ~~وكذلك قوله تعالى: «وهم ينهون عنه وينأون عنه» # وكذلك قوله تعالى: «ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون» . # وعلى نحو من هذا ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود ~~بنواصيها الخير» وقال بعضهم: لا تنال المكارم إلا بالمكاره. # وقال أبو تمام «1» : # يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب «2» # وقال البحتري «3» : # من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور «4» # PageV01P249 # وكذلك قوله «1» : # شواجر أرماح تقطع بينهم ... شواجن أرحام ملوم قطوعها ### | القسم الثالث من المشبه بالتجنيس، # وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن والتركيب بحرف واحد، كقوله تعالى: ~~«والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق» # وقوله تعالى: «وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» # وكذلك ورد قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده» ~~. # ودخل ثعلب صاحب كتاب الفصيح على أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، ومجلسه ~~غاص، فجلس إلى جانبه، ثم أقبل عليه، وقال: أخاف أن أكون ضيقت عليك، على أنه ~~لا يضيق مجلس بمتحابين ولا تسع الدنيا بأسرها متباغضين؛ فقال له أحمد: ~~الصديق لا يحاسب والعدو لا يحتسب له، وهذا كلام حسن من كلا الرجلين، ~~والتجنيس في كلام أحمد رحمه الله في قوله: «يحاسب ويحتسب له» . # وقد جاءني شيء من ذلك عليه خفة الطبع؛ لا ثقل التطبع. # فمنه ما ذكرته في فصل من ms192 كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن ذكر الجهاد فقلت: ~~وخيل الله قد اشتاقت أن يقال لها اركبي، وسيوفه قد تطلعت أن يقال لها ~~اضربي، ومواطن الجهاد قد بعد عهدها باستسقاء شآبيب النحور، وإنبات ربيع ~~الذباب والنسور، وما ذاك إلا لأن العدو إذا طلب تقمص ثوب إذلاله، وتنصل من ~~صحة نصاله، واعتصم بمعاقله التي لا فرق بينها وبين عقاله. # PageV01P250 # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم؛ فقلت: وقد جعل الله حرمه ملقى الجفان، ~~وملتقى الأجفان، فهو حمى لمن جنى عليه زمانه، وجار لمن بعد عنه جيرانه. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: ولقد استبان ~~الخادم من بركة طاعته ما يعمى عنه غيره فما يراه، ووجد من أثره في صلاح ~~دنياه ما استدل به على صلاح أخراه، فهو المركب المنجي، والعمل المرجو لا ~~المرجي، والمعنى المراد بهداية الصراط المستقيم، وتأويل قوله تعالى: ~~«فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم» . # ومن ذلك ما ذكرته في أثناء كتاب إلى بعض الإخوان وذلك وصف بعض المنعمين، ~~فقلت: نحن من حسن شيمه وفواصل إحسانه بين هند وهنيدة، ومن يمن نقيبته ~~وأمانة غيبه بين أم معبد وأبي عبيدة. # ومن ذلك ما ذكرته في مطلع كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: الكتب وإن عدها ~~قوم عرضا من الأعراض، وتقالوها حتى قالوا هي سواد في بياض؛ فإن لها عند ~~الإخوان وجها وسيما، ومحلا كريما، وهي حمائم القلوب إذا فارق حميم حميما، ~~ومن أحسنها كتاب سيدنا ... ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب. # ومن هذا القسم قول أبي تمام «1» : # أيام تدمي عينه تلك الدما ... فيها وتقمر لبه الأقمار # وكذلك قوله «2» : # PageV01P251 # بيض # فهن إذا رمقن سوافرا ... صور وهن إذا رمقن صوار «1» # وكذلك قوله «2» : # بدر أطالت فيك بادرة النوى ... ولعا وشمس أولعت بشماس «3» # وكذلك قوله «4» : # كادوا النبوة والهدى فتقطعت ... أعناقهم في ذلك المضمار # جهلوا فلم يستكثروا من طاعة ... معروفة بعمارة الأعمار # وكذلك قوله «5» : # إن الرماح إذا غرسن بمشهد ... فجنى العوالي في ذراه ms193 معالي # PageV01P252 # وكذلك قوله «1» : # إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا ... بلا نعمة أحسنت أن تتطولا «2» # وكذلك قوله «3» : # أي ربع يكذب الدهر عنه ... وهو ملقى على طريق الليالي # بين حال جنت عليه وحول ... فهو نضو الأحوال والأحوال # شد ما استنزلتك عن دمعك الأ ... ظعان حتى استهل صوب العزالي # أي حسن في الذاهبين تولى ... وجمال على ظهور الجمال # ودلال مخيم في ذرى الخيم ... وحجل معصم في الحجال # فالبيت الثاني والخامس هما المقصودان بالتمثيل ههنا، والأبيات الباقية ~~جاءت تبعا. # PageV01P253 # ومما جاء من ذلك قول علي بن جبلة: # وكم لك من يوم رفعت بناءه ... بذات جفون أو بذات جفان # وكذلك قول محمد بن وهيب الحميري: # قسمت صروف الدهر بأسا ونائلا ... فمالك موتور وسيفك واتر # وهذا من المليح النادر. # ومن هذا القسم قول البحتري «1» : # جدير بأن تنشق عن ضوء وجهه ... ضبابة نقع تحتها الموت ناقع # وكذلك قوله «2» : # نسيم الروض في ريح شمال ... وصوب المزن في راح شمول # وذم أعرابي رجلا فقال: كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوف، يحسد على الفضل، ~~ويزهد في الإفضال. ### | القسم الرابع # من المشبه بالتجنيس، ويسمى المعكوس، وذلك ضربان: # أحدهما: عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف. # فالأول كقول بعضهم: عادات السادات سادات العادات؛ وكقول الآخر: شيم ~~الأحرار أحرار الشيم. # PageV01P254 # ومن هذا النوع مما ورد شعرا قول الأضبط بن قريع من شعراء الجاهلية «1» : # قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه # ويقطع الثوب غير لابسه ... ويلبس الثوب غير من قطعه # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي «2» : # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # وكذلك قول الشريف الرضي من أبيات يذم فيها الزمان: # أسف بمن يطير إلى المعالي ... وطار بمن يسف إلى الدنايا # وكذلك قول الآخر: # إن الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الأعمار # فقصارهن من الهموم طويلة ... وطوالهن من السرور قصار # وأحسن من هذا كله وألطف قول ابن الزقاق الأندلسي: # غيرتنا يد الزما ... ن فقد شبت والتحى # فاستحال الضحى دجا ... واستحال الدجا ضحى # وهذا الضرب من ms194 التجنيس له حلاوة، وعليه رونق، وقد سماه قدامة بن جعفر ~~الكاتب التبديل، وذلك اسم مناسب لمسماه؛ لأن مؤلف الكلام يأتي بما كان ~~مقدما في جزء كلامه الأول مؤخرا في الثاني، وبما كان مؤخرا في الأول مقدما ~~في الثاني، ومثله قدامة بقول بعضهم: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك. # PageV01P255 # ومن هذا القسم قوله تعالى: «يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي» * # وكذلك ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جار الدار أحق بدار الجار» . # وكتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه ~~كتابا؛ فقال: أما بعد فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ~~ما لم يكن ليدركه؛ فلا تكن بما نلت من دنياك فرحا، ولا بما فاتك منها ترحا، ~~ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، وكأن قد؛ ~~والسلام. # وروي عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان ~~وامتدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها: # أهن عوادي يوسف وصواحبه # أنكر عليه أبو سعيد الضرير وأبو العميثل هذا الابتداء. وقالا: لم لا يقول ~~ما يفهم؟ فقال: لم لا يفهما ما يقال؟ فاستحسن منه هذا الجواب على الفور، ~~وهو من التجنيس المشار إليه. # وقد جاءني شيء منه، كقولي في فصل من كتاب يتضمن فتحا، وهو: فكم كان من ~~افتراع عذرة الحصن من افتراع عذرة حصان، وكم حيز به من سنان لحظ استرقه لحظ ~~سنان. # وكذلك قولي في صدر كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: الخادم يبلغ خدمته إلى ~~ذلك الجناب التي تمطره الشفاه قبلا، وتوسعه العفاة أملا، وترى الخول به ~~ملوكا والملوك خولا، وطاعته هي محك الأعمال التي أشير إليها بقوله تعالى: # «ليبلوكم أيكم أحسن عملا» *. # وكذلك ورد قولي أيضا، وهو فصل من تقليد وزير، فقلت: وقد صدق الله لهجة ~~المثني عليك أن يقول: إنك الرجل الذي تضرب به الأمثال، والمهذب الذي لا ~~يقال معه: أي الرجال، وإذا وازرت مملكة فقد حظيت منك ms195 بشد أزرها، وسد ثغرها، ~~وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها، فهي مزدانة منك بالفضل المتين، معانة ~~بالقوي الأمين. # PageV01P256 # وأما الضرب الثاني من هذا القسم، وهو عكس الحروف، فهو كقول بعضهم: # أهديت شيئا يقل لولا ... أحدوثة الفال والتبرك # كرسي تفاءلت فيه لما ... رأيت مقلوبه يسرك # وكذلك قول الآخر: # كيف السرور بإقبال وآخره ... إذا تأملته مقلوب إقبال «1» # وأجود من هذا كله قول الآخر: # جاذبتها والريح تجذب عقربا ... من فوق خد مثل قلب العقرب # وطفقت ألثم ثغرها فتمنعت ... وتحجبت عني بقلب العقرب # وإذا قلب لفظ عقرب صار برقعا. # وهذا الضرب نادر الاستعمال «2» ؛ لأنه قل ما يقع كلمة تقلب حروفها فيجيء ~~معناها صوابا. ### | القسم الخامس # من المشبه بالتجنيس، ويسمى المجنب، وذاك أن يجمع مؤلف الكلام بين كلمتين ~~إحداهما كالتبع للأخرى والجنيبة لها، كقول بعضهم: # أبا العباس لا تحسب بأني ... لشيء من حلى الأشعار عاري # فلي طبع كسلسال معين ... زلال من ذرا الأحجار جاري # وهذا القسم عندي فيه نظر؛ لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس، ألا ~~ترى أن التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، وههنا لم يتفق إلا جزء من ~~اللفظ، وهو أقله، وأما اللزوم في الكلام المنثور فهو تساوي الحروف التي قبل # PageV01P257 # الفواصل المسجوعة، وهذا هو كذلك؛ لأن العين والراء تساويا في البيت الأول ~~في قوله الأشعار وعار والجيم والراء في البيت الثاني في قوله الأحجار وجار. ### | القسم السادس # من المشبه بالتجنيس، وهو ما يساوي وزنه تركيبه غير أن حروفه تتقدم ~~وتتأخر، وذلك كقول أبي تمام «1» : # بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب # فالصفائح والصحائف مما تقدمت حروفه وتأخرت. # وقد ورد في الكلام المنثور، كقوله صلى الله عليه وسلم في فضيلة تلاوة ~~القرآن الكريم: # «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك ~~عند آخر آية تقرأ» فقوله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ وارق» من التجنيس ~~المشار إليه في هذا القسم. ### | النوع الثالث في الترصيع # وهو مأخوذ من ترصيع العقد، وذاك أن يكون فى أحد ms196 جانبي العقد من اللآلئ ~~مثل ما في الجانب الآخر، وكذلك نجعل هذا في الألفاظ المنثورة من الأسجاع، ~~وهو أن تكون كل لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل ~~الثاني في الوزن والقافية، وهذا لا يوجد في كتاب الله تعالى؛ لما هو عليه ~~من زيادة التكلف؛ فأما قول من ذهب إلى أن في كتاب الله منه شيئا ومثله ~~بقوله تعالى: «إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم» # فليس الأمر كما وقع له؛ فإن لفظه (لفي) قد وردت في الفقرتين معا، وهذا ~~يخالف شرط الترصيع الذي شرطناه، لكنه قريب منه، وأما الشعر فإني كنت أقول: ~~إنه لا يتزن على هذه الشريطة، ولم أجده في أشعار العرب؛ لما فيه من تعمق ~~الصنعة وتعسف الكلفة، وإذا جيء به في الشعر لم يكن عليه محض الطلاوة التي ~~تكون إذا جيء به في # PageV01P258 # الكلام المنثور، ثم إني عثرت عليه في شعر المحدثين، ولكنه قليل جدا؛ فمن ~~ذلك قول بعضهم: # فمكارم أوليتها متبرعا ... وجرائم ألغيتها متورعا «1» # فمكارم بإزاء جرائم، وأوليتها بإزاء ألغيتها، ومتبرعا بإزاء متورعا. # وقد أجاز بعضهم أن يكون أحد ألفاظ الفصل الأول مخالفا لما يقابله من ~~الفصل الثاني، وهذا ليس بشيء؛ لمخالفته حقيقة الترصيع. # فمما جاء من هذا النوع منثورا قول الحريري في مقاماته: «فهو يطبع الأسجاع ~~بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه» ؛ فإنه جعل ألفاظ الفصل الأول ~~مساوية لألفاظ الفصل الثاني وزنا وقافية؛ فجعل يطبع بإزاء يقرع، والأسجاع ~~بإزاء الأسماع، وجواهر بإزاء زواجر، ولفظه بإزاء وعظه. # ومما جاءني من هذا النوع ما ذكرته في جواب كتاب إلى بعض الإخوان، وهو: قد ~~أعدت الجواب ولم أستعر له نظما ملفقا، ولا جلبت إليه حسنا منمقا، بل أخرجته ~~على رسله، وغنيت بصقال حسنه عن صقله، فجاء كما تراه غير ممشوط ولا مخطوط، ~~فهو يرفل في أثواب بذلته، وقد حوى الجمال بجملته، والحسن ما وشته فطرة ~~التصوير، لا ما حشته فكرة التزوير. # والترصيع في قولي: «وشته فطرة التصوير» و «حشته فكرة التزوير» . # وكذلك ms197 ورد قولي في فصل من الكلام يتضمن تثقيف الأولاد؛ فقلت: من قوم أود ~~أولاده، ضرم كمد حساده؛ فهذه الألفاظ متكافئة في ترصيعها، فقوم بإزاء ضرم، ~~وأود بإزاء كمد، وأولاده بإزاء حساده. # وكذلك قول بعضهم في الأمثال المولدة التي لم ترد عن العرب، وهو: من أطاع ~~غضبه أضاع أدبه؛ فأطاع بإزاء أضاع، وغضبه بإزاء أدبه. # PageV01P259 # وقد ورد هذا الضرب كثيرا في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم ~~بن نباتة رحمه الله: # فمن ذلك قوله في أول خطبة: الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره، ~~وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره، وموفق عبيده لمغانم ذكره، ومحقق مواعيده ~~بلوازم شكره؛ فالألفاظ التي جاءت في الفصلين الأولين متساوية وزنا وقافية، ~~والتي جاءت في الفصلين الآخرين فيها تخالف في الوزن؛ فإن مواعيد تخالف وزن ~~عبيد، ولا تخالف قافيتها التي هي الدال. # ومن ذلك قوله أيضا في جملة خطبة: أولئك الذين أفلوا فنجمتم، ورحلوا ~~فأقمتم، وأبادهم الموت كما علمتم، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم كما ~~زعمتم، كلا! والله ما أشخصوا لتقروا، ولا نغصوا لتسروا، ولا بد أن تمروا ~~حيث مروا، فلا تثقوا بخدع الدنيا ولا تغتروا؛ وهذا الكلام فيه أيضا ما في ~~الذي قبله من صحة الوزن والقافية وصحة القافية دون الوزن. # وكذلك قوله أيضا في خطبة أخرى: أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض الحكم، ~~وأديموا النحيب على ابيضاض اللمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، وأجيلوا ~~الأفكار في انقراض الأمم. # وأما ما ورد في الشعر على مخالفة بعض الألفاظ بعضا فكقول ذي الرمة «1» : # كحلاء في برج صفراء في دعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب «2» # وصدر هذا البيت مرصع، وعجزه خال من الترصيع؛ وعذر الشاعر في ذلك واضح؛ ~~لأنه مقيد بالوقوف مع الوزن والقافية، ألا ترى أن ذا الرمة بنى قصيدته على # PageV01P260 # حرف الباء؛ ولو رصع هذا البيت الترصيع الحقيقي لكان يلزمه أن يأتي ~~بألفاظه على حرفين حرفين أحدهما الباء، أو كان يقسم البيت نصفين ويماثل بين ~~ألفاظ هذا النصف وهذا النصف، وذلك مما يعسر وقوعه في الشعر. ms198 # وأرباب هذه الصناعات قد قسموا الترصيع إلى هذين القسمين المذكورين، وهذه ~~القسمة لا أراها صوابا؛ لأن حقيقة الترصيع موجودة في القسم الأول دون ~~الثاني. # ومما جاء من هذا القسم الثاني قول الخنساء «1» : # حامي الحقيقة محمود الخليفة مه ... دي الطريقة نفاع وضرار # وكذلك قول الآخر «2» : # سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت من الكرم ### | النوع الرابع في لزوم ما لا يلزم # وهو من أشق هذه الصناعة مذهبا، وأبعدها مسلكا، وذاك لأن مؤلفه يلتزم ما ~~لا يلزمه، فإن اللازم في هذا الموضع وما جرى مجراه إنما هو السجع الذي هو ~~تساوي أجزاء الفواصل من الكلام المنثور في قوافيها، وهذا فيه زيادة على ~~ذلك، # PageV01P261 # وهو أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفا واحدا، وهو في الشعر أن تتساوى ~~الحروف التي قبل روى الأبيات الشعرية. # وقد جمع أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في ذلك كتابا، وسماه كتاب ~~اللزوم، فأتى فيه بالجيد الذي يحمد، والرديء الذي يذم. # وسأذكر في كتابي هذا في هذا الموضع أمثلة من المنثور والمنظوم يهتدى بها. # فمن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب في فصل يتضمن ذم جبان، فقلت: إذا نزل به ~~خطب ملكه الفرق، وإذا ضل في أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق. # ومن ذلك ما ذكرته في مبدأ كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: الخادم يهدي من ~~دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا، ويصون أحدهما نفسا والآخر ~~عرضا، وأعجب ما فيهما أنهما تؤأمان، غير أن هذا مستنتج من ضمير القلب وهذا ~~من نطق اللسان؛ فاللزوم ههنا في الراء والضاد. # وكذلك ورد قولي في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة، فقلت: وقد علم من شيم ~~الديوان العزيز أنه يسر بامتداد الأيدي إلى بابه، وإذا أغب أحدها في ~~المسألة نهاه عن إغبابه، حتى لا يخلو حرمه الكريم من المطاف، ولا يده ~~الكريمة من الإسعاف؛ فاللزوم ههنا في لفظتي «بابه» و «إغبابه» . # ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أيضا، وهو: ومهما شد به ~~عضد ms199 الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التي خولته، ولا يقوى تصعد السحب إلا ~~بكثرة غيثها الذي أنزلته، وغير خاف أن عبيد الدولة لها كالعمد من طرافها، ~~ومركز الدائرة من أطرافها، ولا يؤيد السيف إلا بقائمه، ولا ينهض الجناح إلا ~~بقوادمه؛ فاللزوم في هذا الموضع في الراء والفاء في قولي «طراف» و «أطراف» ~~. # ومن ذلك ما كتبته في صدر كتاب إلى الملك الأفضل علي بن يوسف أهنئه بملك ~~مصر في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فقلت: المملوك يهنئ مولانا بنعمة الله ~~المؤذنة باستخلاصه واحتبائه، وتمكينه حتى بلغ أشده واستخرج كنز # PageV01P262 # آبائه، ولو أنصف لهنأ الأرض منه بوابلها، والأمة بكافلها، وخصوصا أرض مصر ~~التي خصت بشرف سكناه، وغدت بين بحرين من فيض البحر وفيض يمناه. # وكل هذه الفصول المذكورة من هذه المكتوبات التي أنشأتها لا كلفة على ~~كلمات اللزوم فيها. # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج: أن لقيط بن زرارة تزوج بنت قيس بن ~~خالد بن ذي الجدين، فحظيت عنده وحظي عندها، ثم قتل فآمت بعده وتزوجت زوجا ~~غيره، فكانت كثيرا ما تذكر لقيطا، فلامها على ذلك؛ فقالت: إنه خرج في يوم ~~دجن وقد تطيب وشرب، فطرد البقر فصرع منها، ثم أتاني وبه نضح دم، فضمني ضما، ~~وشمني شمة، فليتني مت ثمة، فلم أر منظرا كان أحسن من لقيط، فقولها: «ضمني ~~ضمة، وشمني شمة، فليتني مت ثمة» من الكلام الحلو في باب اللزوم، ولا كلفة ~~عليه. # وهكذا فليكن؛ فإن الكلفة وحشة تذهب برونق الصنعة، وما ينبغي لمؤلف الكلام ~~أن يستعمل هذا النوع حتى يجيء به متكلفا؛ ومثاله في هذا المقام كمن أخذ ~~موضوعا رديئا فأجاد فيه صنعته؛ فإنه يكون عند ذلك قد راعى الفرع وأهمل ~~الأصل، فأضاع جودة الصنعة في رداءة الموضوع. # وقد سلك ذلك أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان؛ فمما جاء من ~~ذلك قوله في حرف التاء مع الخاء: # بنت عن الدنيا ولا بنت لي ... فيها ولا عرس ولا أخت # وقد تحملت من الوزر ما ... تعجز أن تحمله ms200 البخت # إن مدحوني ساءني مدحهم ... وخلت أني في الثرى سخت # وله من ذلك الجيد، كقوله: # لا تطلبن بآلة لك حاجة ... قلم البليغ بغير جد مغزل # سكن السما كان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل # PageV01P263 # وهذا بين الاسترسال وبين الكلفة. # وأما ما تكلف له تكلفا ظاهرا وإن أجاد فقوله: # تنازع في الدنيا سواك وما له ... ولا لك شيء في الحقيقة فيها «1» # ولكنها ملك لرب مقدر ... يعير جنوب الأرض مرتد فيها # ولم تحظ من ذاك النزاع بطائل ... من الأمر إلا أن تعد سفيها «2» # فيا نفس لا تعظم عليك خطوبها ... فمتفقوها مثل مختلفيها «3» # تداعوا إلى النزر القليل فجالدوا ... عليه وخلوها لمغترفيها # وما أم صل أو حليلة ضيغم ... بأظلم من دنياك فاعترفيها # تلاقي الوفود القادميها بفرحة ... وتبكي على آثار منصرفيها «4» # وما هي إلا شوكة ليس عندها ... وجدك إرطاب لمختر فيها «5» # كما نبذت للطير والوحش رازم ... فألقت شرورا بين مختطفيها # تناؤت عن الإنصاف من ضيم لم ... يجد سبيلا إلى غايات منتصفيها «6» # PageV01P264 # فأطبق فما عنها وكفا ومقلة ... وقل لغوي الناس فاك لفيها «1» # ومن ذلك «2» : # أرى الدنيا وما وصفت ببر ... إذا أغنت فقيرا أرهقته «3» # إذا خشيت لشر عجلته ... وإن رجيت لخير عوقته «4» # حياة كالحبالة ذات مكر ... ونفس المرء صيد أعلقته # فلا يخدع بحيلتها أريب ... وإن هي سورته ونطقته «5» # أذاقته شهيا من جناها ... وصدت فاه عما ذوقته # وقد ورد للعرب شيء من ذلك إلا أنه قليل؛ فمما جاء منه قول بعضهم في أبيات ~~الحماسة «6» : # إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها # بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها # حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها # وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها # وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه: # ومما يجري هذا المجرى قول حجر بن حية العبسي من شعر الحماسة أيضا «7» : # PageV01P265 # ولا أدوم قدري بعدما نضجت ... بخلا فتمنع ما فيها أثافيها «1» # حتى تقسم شتى بين ما وسعت ... ولا يؤنب تحت الليل عافيها # ومما ورد من ذلك أيضا ms201 قول طرفة بن العبد البكري «2» : # ألم تر أن المال يكسب أهله ... فضوحا إذا لم يعط منه نواسبه # أرى كل مال لا محالة ذاهبا ... وأفضله ما ورث الحمد كاسبه # وكذلك قول الفرزدق «3» : # وغير لون راحلتي ولوني ... تردي الهواجر واعتمامي «4» # أقول لها إذا ضجرت وعضت ... بموركة الوراك مع الزمام «5» # علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي «6» # وكذلك قوله أيضا «7» : # PageV01P266 # منع الحياة من الرجال ونفعها ... حدق تقلبها النساء مراض # وكأن أفئدة الرجال إذا رأوا ... حدق النساء لنبلها أغراض # وإذا شئت أن تعلم مقادير الكلام وكان لك ذوق صحيح فانظر إلى هذا العربي ~~في كلامه السهل الذي كأنه ماء جار، وانظر إلى ما أوردته لأبي العلاء ~~المعري؛ فإن أثر الكلفة عليه باد ظاهر. # وممن قصد من العرب قصيدة كله من اللزوم كثير عزة، وهي القصيدة التي ~~أولها: # خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم احللا حيث حلت «1» # وهذه القصيدة تزيد على عشرين بيتا، وهي مع ذلك سهلة لينة تكاد تترقرق من ~~لينها وسهولتها، وليس عليها من أثر الكلفة شيء، ولولا خوف الإطالة لأوردتها ~~بجملتها. # وقد ذكر بعضهم من هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة، وهو «2» : # وفيشة ليست كهذي الفيش ... قد ملئت من ترف وطيش «3» # إذا بدت قلت أمير الجيش ... من ذاقها يعرف طعم العيش # وهذا ليس من باب اللزوم؛ لأن اللزوم هو أن يلتزم الناظم والناثر ما لا ~~يلزمه؛ كقولنا: شرق، وفرق؛ مثلا؛ فإنه لو قيل بدلا من ذلك شرق وحنق لجاز ~~ذلك، وفي # PageV01P267 # هذه الأبيات لا يقع الأمر كذلك؛ لأنه لو قيل: طيش وعرش لما جاز، وهذا ~~يقال له الردف في الشعر، وهو الياء والواو قبل حرف الروي، وإذا جيء بذلك في ~~الشعر وفي الكلام المنثور لا يقال إنه التزام ما لا يلزم؛ لأن الملتزم ما ~~لا يلزم له مندوحة في العدول إلى غيره، وههنا لا مندوحة. # ومن لطيف ذلك ما يروى لامرأة من البصرة مجنت بأبي نواس، فقالت: # إن جري حزنبل حزابيه ... إذا قعدت فوقه نبابيه # كالأرنب الجاثم فوق الرابيه ms202 # وكذلك ورد قول أبي تمام «1» ، وهو: # خدم العلا فخدمنه وهي التي ... لا تخدم الأقوام ما لم تخدم # فإذا ارتقى في قلة من سود ... قالت له الأخرى بلغت تقدم # وعلى هذا الأسلوب قوله أيضا «2» : # ولو جربتني لوجدت خرقا ... يصافي الأكرمين ولا يصادي «3» # جديرا أن يكر الطرف شزرا ... إلى بعض الموارد وهو صادي «4» # وله من أبيات تتضمن مرثية «5» : # PageV01P268 # لقد فجعت عتابه وزهيره ... وتغلبه أخرى الليالي ووائله «1» # ومبتدر المعروف تسري هباته ... إليهم ولا تسري إليهم غوائله # طواه الردى طي الرداء وغيبت ... فضائله عن قومه وفواضله # طوى شيما كانت تروح وتغتدي ... وسائل من أعيت عليه وسائله # فيا عاضا للعرف أقلع مزنه ... ويا واديا للجود جفت مسايله # ألم ترني أنزفت عيني على أبي ... محمد النجم المشرق آفله «2» # وأخضلتها فيه كما لو أتيته ... طريد الليالي أخضلتني نوافله «3» # وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب، وليس بمتكلف كشعر أبي العلاء؛ فإن ~~حسن هذا مطبوع، وحسن ذاك مصنوع، وكذلك أقول في غير اللزوم من الأنواع ~~المذكورة أولا؛ فإن الألفاظ إذا صدرت فيها عن سهولة خاطر وسلاسة طبع وكانت ~~غير مستجلبة ولا متكلفة جاءت غير محتاجة إلى التألف، ولا شك أن صورة الخلقة ~~غير صورة التخلق. # فإن قيل: ما الفرق بين المتكلف من هذا الأنواع وغير المتكلف؟. # قلت في الجواب: أما المتكلف فهو الذي يأتي بالفكرة والروية، وذلك أن ينضى ~~الخاطر في طلبه، ويبعث على تتبعه واقتصاص أثره، وغير المتكلف يأتي مستريحا ~~من ذلك كله، وهو أن يكون الشاعر في نظم قصيدته أو الخطيب أو الكاتب في ~~إنشاء خطبته أو كتابته، فبينا هو كذلك إذا سنح له نوع من هذه الأنواع ~~بالاتفاق لا بالسعي والطلب؛ ألا ترى أن قول أبي نواس في مثل هذا الموضع: # أترك الأطلال لا تعبأ بها ... إنها من كل بؤس دانيه # وانعت الراح على تحريمها ... إنما دنياك دار فانيه # PageV01P269 # من عقار من رآها قال لي ... صيدت الشمس لنا في آنيه # وعلى هذه السهولة واللطافة ورد قوله أيضا: # كم من غلام ذي تحاسين ... أفسده ناطف ms203 ياسين # وهذا ياسين كان يبيع الناطف ببغداد. # وحكى إبراهيم البندنيجي قال: رأيت شيخا ضعيفا يبيع ناطفا، فقلت له: يا ~~شيخ، أما زلت في الصناعة؟ قال: مذ كنت، ولكن الحال كانت واسعة والسلعة ~~نافقة، وكنت ممن يشار إلي، حتى قال أبو نواس في، وأنشد هذا البيت. # فانظر أيها المتأمل ما أحلى لفظ أبي نواس في لزومه، وما أعراه عن الكلفة، ~~وكذلك فلتكن الألفاظ في اللزوم وغيره. # واعلم أنه إذا صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر أو من فواصل الكلام المنثور ~~فإن ذلك ملحق باللزوم، ويكون التصغير عوضا عن تساوي الحروف التي قبل روى ~~الأبيات الشعرية والحروف التي قبل الفاصلة من النثر؛ فمن ذلك قول بعضهم: # عز على ليلى بذي سدير ... سوء مبيتي ليلة الغمير # مقضبا نفسي في طمير ... تنتهز الرعدة في ظهيري «1» # يهفو إلي الزور من صديري ... ظمآن في ريح وفي مطير # وازر قر ليس بالغرير ... من لد ما ظهر إلى سحير «2» # حتى بدت لي جبهة القمير ... لأربع خلون من شهير # PageV01P270 # وهذا من محاسن الصنعة في هذا الباب فاعرفه. # وأحسن منه ما ورد عن أبي نواس وعن عنان جارية النطاف، وله معها حكايات ~~كثيرة غير هذه، فقال أبو نواس: # أما ترقي لصب ... يكفيه منك نظيره «1» # فقالت عنان: # إياي تعني بهذا ... عليك فاجلد عميره # فقال أبو نواس: # أخاف إن رمت هذا ... على يدي منك غيره # فالبيتان الأول والثاني من هذا الباب، والثالث جاء تبعا. # وقد ورد في القرآن الكريم شيء من اللزوم إلا أنه يسير جدا. # فمن ذلك قوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق» # وقوله تعالى: «والطور وكتاب مسطور» # وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة: «فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا ~~مجنون، أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون» . # وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع؛ فأدخل فيه ما ليس منه؛ كقوله تعالى: ~~«إن المتقين في جنات ونعيم، فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم» # وهذا لا يدخل في باب اللزوم؛ لأن الأصل فيه نعم ms204 وجحم. # والياء هي من حروف المد واللين، فلا يعتد بها ههنا. # ومن هذا الباب قوله تعالى: «وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر ~~مخضود، وطلح منضود» . # PageV01P271 # وكذلك ورد قوله تعالى: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ~~فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير، وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ~~نعم المولى ونعم النصير» . # وعلى هذا الأسلوب جاء قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: «يا أبت ~~إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا، قال أراغب أنت عن ~~آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا» . # وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: «قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ~~ضلال بعيد، قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد» . # ولا تجد أمثال ذلك في القرآن إلا قليلا. ### | النوع الخامس في الموازنة # وهي أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن، وأن يكون ~~صدر البيت الشعري وعجزه متساوي الألفاظ وزنا، وللكلام بذلك طلاوة ورونق، ~~وسببه الاعتدال؛ لأنه مطلوب في جميع الأشياء، وإذا كانت مقاطع الكلام ~~معتدلة وقعت من النفس موقع الاستحسان، وهذا لا مراء فيه لوضوحه. # وهذا النوع من الكلام هو أخو السجع في المعادلة دون المماثلة؛ لأن في ~~السجع اعتدالا وزيادة على الاعتدال، وهي تماثل أجزاء الفواصل لورودها على ~~حرف واحد، وأما الموازنة ففيها الاعتدال الموجود في السجع، ولا تماثل في ~~فواصلها؛ فيقال إذا: كل سجع موازنة، وليس كل موازنة سجعا، وعلى هذا فالسجع ~~أخص من الموازنة. # PageV01P272 # فمما جاء منها قوله تعالى: «وآتيناهما الكتاب المستبين، وهديناهما الصراط ~~المستقيم» # فالمستبين والمستقيم على وزن واحد. # وكذلك قوله تعالى في سورة مريم عليها السلام: «واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا، ألم تر أنا ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا، فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا» ~~. # وكذلك قوله تعالى في سورة طه: «من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا، ~~خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة ms205 حملا» . # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة حم عسق: «والذين يحاجون في الله من بعد ما ~~استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد، الله الذي أنزل ~~الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب، يستعجل بها الذين لا ~~يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين ~~يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد، الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي ~~العزيز، من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما ~~لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم، ~~ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~في روضات الجنات لهم ما يشاون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير» # ، وهذه الآيات جميعها على وزن واحد؛ فإن «شديد» و «قريب» و «بعيد» و ~~«عزيز» و «نصيب» و «أليم» و «كبير» كل ذلك على وزن فعيل، وإن اختلف حروف ~~المقاطع التي هي فواصلها. # وأمثال هذا في القرآن كثير، بل معظم آياته جارية على هذا النهج، حتى إنه ~~لا تخلو منه سورة من السور، ولقد تصفحته فوجدته لا يكاد يخرج منه شيء عن ~~السجع والموازنة. # PageV01P273 # وأما ما جاء من هذا النوع شعرا فقول ربيعة بن ذؤابة «1» : # إن يقتلوك فقد ثلت عروشهم ... بعتيبة بن الحرث بن شهاب # بأشدهم بأسا على أصحابه ... وأعزهم فقدا على الأصحاب «2» # فالبيت الثاني هو المختص بالموازنة؛ فإن بأسا وفقدا على وزن واحد. ### | النوع السادس في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها # وهو من هذه الصناعة بمنزلة علية، ومكانة شريفة، وجل الألفاظ اللفظية ~~منوطة به، ولقد لقيت جماعة من مدعي فن الفصاحة، وفاوضتهم وفاوضوني، وسألتهم ~~وسألوني، فما وجدت أحدا منهم تيقن معرفة هذا الموضع كما ينبغي، وقد استخرجت ~~فيه أشياء لم أسبق إليها، وسيأتي ذكرها ههنا. # أما اختلاف صيغ الألفاظ فإنها إذا نقلت من هيئة ms206 إلى هيئة؛ كنقلها مثلا من ~~وزن من الأوزان إلى وزن آخر وإن كانت اللفظة واحدة، أو كنقلها من صيغة ~~الاسم إلى صيغة الفعل، أو من صيغة الفعل إلى صيغة الاسم، أو كنقلها من ~~الماضي إلى المستقبل أو من المستقبل إلى الماضي، أو من الواحد إلى التثنية ~~أو إلى الجمع أو إلى النسب أو إلى غير ذلك؛ انتقل قبحها فصار حسنا، وحسنها ~~صار قبحا. # فمن ذلك لفظة «خود» فإنها عبارة عن المرأة الناعمة، وإذا نقلت إلى صيغة ~~الفعل قيل خود على وزن فعل- بتشديد العين- ومعناها أسرع، يقال: خود # PageV01P274 # البعير؛ إذا أسرع؛ فهي على صيغة الاسم حسنة رائقة، وقد وردت في النظم ~~والنثر كثيرا، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن حسنة، كقول أبي تمام «1» : # وإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النعام رأى الظلام فخودا # وهذا يقال عليه أشباهه وأنظاره، إلا أن هذه اللفظة التي هي خود قد نقلت ~~عن الحقيقة إلى المجاز، فخف عنها ذلك القبح قليلا؛ كقول بعض شعراء الحماسة ~~«2» : # أقول لنفسي حين خود رألها ... رويدك لما تشفقي حين مشفق # رويدك حتى تنظري عم تنجلي ... غيابة هذا البارق المتألق «3» # والرأل: النعام، والمراد به ههنا أن نفسه فرت وفزعت، وشبه ذلك بإسراع ~~النعام في فراره وفزعه، ولما أورده على حكم المجاز خف بعض القبح الذي على ~~لفظة خود، وهذا يدرك بالذوق الصحيح، ولا خفاء بما بين هذه اللفظة في ~~إيرادها ههنا وإيرادها في بيت أبي تمام؛ فإنها وردت في بيت أبي تمام قبيحة ~~سمحة، ووردت ههنا بين بين. # ومن هذا النوع لفظة ودع وهي فعل ماض ثلاثي لا ثقل بها على اللسان، ومع ~~ذلك فلا تستعمل على صيغتها الماضية إلا جاءت غير مستحسنة، ولكنها تستعمل ~~مستقبلة، وعلى صيغة الأمر، فتجيء حسنة، أما الأمر فكقوله تعالى: «فذرهم ~~يخوضوا ويلعبوا» * # «4» ولم تأت في القرآن الكريم إلا على هذه الصيغة؛ وأما كونها # PageV01P275 # مستقبلة فكقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد واصل في شهر رمضان فواصل معه ~~قوم: «لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع له ms207 المتعمقون تعمقهم» وقال أبو ~~الطيب المتنبي «1» : # تشقكم بقناها كل سلهبة ... والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع «2» # وأما الماضي من هذه اللفظة فلم يستعمل إلا شاذا ولا حسن له، كقول أبي ~~العتاهية: # أثروا فلم يدخلوا قبورهم ... شيئا من الثروة التي جمعوا # وكان ما قدموا لأنفسهم ... أعظم نفعا من الذي ودعوا # وهذا غير حسن في الاستعمال، ولا عليه من الطلاوة شيء، وهذه لفظة واحدة لم ~~يتغير من حالها شيء، سوى أنها نقلت من الماضي إلى المستقبل لا غير. # وكذلك لفظة وذر، فإنها لا تستعمل ماضية، وتستعمل على صيغة الأمر، كقوله ~~تعالى: «ذرهم يأكلوا ويتمتعوا» # وتستعمل مستقبلة أيضا، كقوله تعالى: # «سأصليه سقر، وما أدراك ما سقر، لا تبقى ولا تذر» # فهي لم ترد في القرآن إلا على هاتين الصيغتين، وكذلك في فصيح الكلام غير ~~القرآن، وأما إذا جاءت على صيغة الماضي فإنها لا تستعمل، وهي أقبح من لفظة ~~ودع، لأن لفظة ودع قد استعملت ماضية، وهذه لم تستعمل. # وههنا فلينعم الخائضون في هذا الفن نظرهم، ويعلموا أن في الزوايا خبايا، ~~وإذا أنعموا الفكر في أسرار الألفاظ عند الاستعمال، وأغرقوا في الاعتبار ~~والكشف؛ وجدوا غرائب وعجائب. # PageV01P276 # ومن هذا النوع لفظة الأخدع، فإنها وردت في بيتين من الشعر، وهي في أحدهما ~~حسنة رائقة، وفي الآخر ثقيلة مستكرهة، كقول الصمة بن عبد الله من شعراء ~~الحماسة «1» : # تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا «2» # وكقول أبي تمام «3» : # يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك # ألا ترى أنه وجد لهذه اللفظة في بيت أبي تمام من الثقل على السمع ~~والكراهة في النفس أضعاف ما وجد لها من بيت الصمة بن عبد الله من الروح ~~والخفة والإيناس والبهجة، وليس سبب ذلك إلا أنها جاءت موحدة في أحدهما ~~مثناة في الآخر، وكانت حسنة في حالة الإفراد، مستكرهة في حالة التثنية، ~~وإلا فاللفظة واحدة، وإنما اختلاف صيغتها فعل بها ما ترى. # ومن هذا النوع ألفاظ يعدل عن استعمالها من عير دليل يقوم على العدول ms208 ~~عنها، ولا يستفتي في ذلك إلا الذوق السليم، وهذا موضع عجيب لا يعلم كنه ~~سره. # فمن ذلك لفظة اللب الذي هو العقل، لا لفظة اللب الذي تحت القشر، فإنها لا ~~تحسن في الاستعمال إلا مجموعة، وكذلك وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة ~~وهي مجموعة، ولم ترد مفردة، كقوله تعالى: «وليتذكر أولوا الألباب» # PageV01P277 # و «إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب» # وأشباه ذلك، وهذه اللفظة الثلاثية خفيفة على النطق، ومخارجها بعيدة، ~~وليست بمستثقلة ولا مكروهة وقد تستعمل مفردة بشرط أن تكون مضافة أو مضافا ~~إليها؛ أما كونها مضافا إليها فكقولنا: # لا يعلم ذلك إلا ذو لب، وإن في ذلك لعبرة لذي لب، وعليه ورد قول جرير: # إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا # وأما كونها مضافة فكقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر النساء: «ما ~~رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الحازم من إحداكن يا معشر النساء» ؛ فإن ~~كانت هذه اللفظة عارية عن الجمع أو الإضافة فإنها لا تأتي حسنة؛ ولا تجد ~~دليلا على ذلك إلا مجرد الذوق الصحيح، وإذا تأملت القرآن الكريم ودققت ~~النظر في رموزه وأسراره وجدت مثل هذه اللفظة قد روعي فيها الجمع دون ~~الإفراد كلفظة كوب، فإنها وردت في القرآن مجموعة، ولم ترد مفردة، وهي وإن ~~لم تكن مستقبحة في حال إفرادها فإن الجمع فيها أحسن، لكن قد ترد مفردة مع ~~ألفاظ أخر تندرج معهن فيكسوها ذلك حسنا ليس لها؛ وذلك كقولي في جملة أبيات ~~أصف بها الخمر وما يجري معها من آلاتها: # ثلاثة تعطي الفرح ... كأس وكوب وقدح # ما ذبح الذوق بها ... إلا وللهم ذبح # فلما وردت لفظة الكوب مع الكأس والقدح على هذا الأسلوب حسنها، وكأنه ~~جلاها في غير لباسها الذي كان لها إذ جاءت بمفردها. # وكذلك وردت لفظة رجا بالقصر، والرجا: الجانب، فإنها لم تستعمل موحدة ~~وإنما استعملت مجموعة، كقوله تعالى: «والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك ms209 ~~فوقهم يومئذ ثمانية» # فلما وردت هذه اللفظة مجموعة ألبسها الجمع ثوبا من الحسن لم يكن لها في ~~حال كونها موحدة، وقد تستعمل موحدة بشرط الإضافة، كقولنا: رجا البئر. # PageV01P278 # ولربما أخطأ بعض الناس في هذا الموضع وقاس عليه ما ليس بمقيس؛ وذلك أنه ~~وقف على ما ذكرته ههنا واقف؛ وكذلك قد وردت لفظة الصوف في القرآن الكريم، ~~ولم ترد إلا مجموعة، كقوله تعالى: «وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ~~ومتاعا إلى حين» # وهذا بخلاف ما وردت عليه في شعر أبي تمام «1» : # كانوا برود زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا # وهذا ليس كالذي أشرت إليه؛ فإن لفظة الصوف لفظة حسنة مفردة ومجموعة، ~~وإنما أزرى بها في قول أبي تمام أنها جاءت مجازية في نسبتها إلى الزمان. # وعلى هذا النهج وردت لفظة خبر وأخبار؛ فإن هذه اللفظة مجموعة أحسن منها ~~مفردة، ولم ترد في القرآن إلا مجموعة. # وفي ضد ذلك ما ورد استعماله من الألفاظ مفردا ولم يرد مجموعا، كلفظة ~~الأرض؛ فإنها لم ترد في القرآن إلا مفردة فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها ~~مفردة معها في كل موضع من القرآن، ولما أريد أن يؤتى بها مجموعة قيل: «ومن ~~الأرض مثلهن» # في قوله تعالى: «الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن» . # ومما ورد من الألفاظ مفردا فكان أحسن مما يرد مجموعا لفظة البقعة، قال ~~الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: «فلما أتاها نودي من شاطئ الواد ~~الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله» # والأحسن استعمالها مفردة لا مجموعة، وإن استعملت مجموعة فالأولى أن تكون ~~مضافة كقولنا: بقاع الأرض، أو ما جرى مجراها. # PageV01P279 # وكذلك لفظة طيف، في ذكر طيف الخيال؛ فإنها لم تستعمل إلا مفردة، وقد ~~استعملها الشعراء قديما وحديثا فلم يأتوا بها إلا مفردة، لأن جمعها جمع ~~قبيح؛ فإذا قيل طيوف كان من أقبح الألفاظ وأشدها كراهة على السمع، ويا لله ~~العجب من هذه اللفظة ومن ms210 أختها عدة ووزنا وهي لفظة ضيف؛ فإنها تستعمل مفردة ~~ومجموعة، وكلاهما في الاستعمال حسن رائق، وهذا مما لا يعلم السر فيه؛ ~~والذوق السليم هو الحاكم في الفرق بين هاتين اللفظتين وما يجري مجراهما. # وأما جمع المصادر فإنه لا يجيء حسنا، والإفراد فيه هو الحسن، ومما جاء في ~~المصادر مجموعا قول عنترة «1» : # فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقود # قوله: الفقود جمع مصدر من قولنا: فقد يفقد فقدا، واستعمال مثل هذه اللفظة ~~غير سائغ ولا لذيذ، وإن كان جائزا، ونحن في استعمال ما نستعمله من الألفاظ ~~واقفون مع الحسن، لا مع الجواز. # وهذا كله يرجع إلى حاكم الذوق السليم؛ فإن صاحب هذه الصناعة يصرف الألفاظ ~~بضروب التصريف، فما عذب في فمه منها استعمله، وما لفظه فمه تركه، ألا ترى ~~أنه يقال: الأمة بالضم عبارة عن الجمع الكثير من الناس، ويقال: الإمة ~~بالكسر وهي النعمة، فإن الأمة بالضم لفظة حسنة، وبالكسر ليست بحسنة، ~~واستعمالها قبيح. # ورأيت صاحب كتاب الفصيح قد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة؛ ويا ~~ليت شعري! ما الذي رآه من فصاحتها حتى اختارها؟ وكذلك قد اختار ألفاظا أخر ~~ليست بفصيحة، ولا لوم عليه؛ لأن صدور مثل ذلك الكتاب عنه كثير، وأسرار ~~الفصاحة لا تؤخذ من علماء العربية، وإنما تؤخذ منهم مسألة نحوية أو ~~تصريفية، أو # PageV01P280 # نقل كلمة لغوية، وما جرى هذا المجرى؛ وأما أسرار الفصاحة فلها قوم ~~مخصوصون بها. وإذا شذ عن صاحب كتاب الفصيح ألفاظ معدودة ليست بفصيحة في ~~جملة كثيرة ذكرها من الفصيح فإن هذا منه كثير. # ومما يذكر في هذا الباب أنه يقال: سهم صائب؛ فإذا جمع الجمع الحسن الذي ~~يعذب في الفم قيل: سهام صوائب وصائبات وصيب؛ فإذا جمع الجمع الذي يقبح قيل: ~~سهام صيب، على وزن كتب، قال أبو نواس: # ما أحل الله ما صنعت ... عينه تلك العشية بي # قتلت إنسانها كبدي ... بسهام للردى صيب # فقوله: «سهام صيب» من اللفظ الذي ينبو عنه السمع، ويحيد عنه اللسان، ~~ومثله ورد قول عويف ms211 القوافي «1» من أبيات الحماسة: # ذهب الرقاد فما يحس رقاد ... مما شجاك ونامت العواد # لما أتاني من عيينة أنه ... أمست عليه تظاهر الأقياد «2» # فقوله: «أقياد» في جمع قيد مما لا يحسن استعماله، بل الحسن أن يقال في ~~جمعه: قيود، وكذلك قول مرة بن محكان التميمي من أبيات الحماسة، وذلك من ~~جملة الأبيات المشهورة التي أولها «3» : # يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والقربا # فقال فيها: # ماذا ترين أندنيهم لأرحلنا ... في جانب البيت أم نبني لهم قببا # PageV01P281 # فإنه جمع قبة على قبب، وذلك من المستبشع الكريه، والأحسن المستعمل هو ~~قباب لا قبب، وكذلك يجري الأمر في غير هذا. # ومن المجموع ما يختلف استعماله، وإن كان متفقا في لفظة واحدة، كالعين ~~الناظرة وعين الناس وهو النبيه فيهم؛ فإن العين الناظرة تجمع على عيون، ~~وعين الناس تجمع على أعيان، وهذا يرجع فيه إلى الاستحسان، لا إلى جائز ~~الوضع اللغوي. # وقد شذ هذا الموضع عن أبي الطيب المتنبي في قوله «1» : # والقوم في أعيانهم خزر ... والخيل في أعيانها قبل # فجمع العين الناظرة على أعيان، وكان الذوق يأبى ذلك، ولا تجد له على ~~اللسان حلاوة وإن كان جائزا. # ولولا خوف الإطالة لأوردت من هذا النوع وأمثاله أشياء كثيرة، وكشفت عن ~~رموز وأسرار تخفى على كثير من متعاطي هذا الفن؛ لكن في الذي أشرت إليه منبه ~~لأهل الفطانة والذكاء أن يحملوه على أشباهه وأنظاره. # وأعجب من ذلك كله أنك ترى وزنا واحدا من الألفاظ؛ فتارة تجد مفرده حسنا، ~~وتارة تجد جمعه حسنا، وتارة تجدهما جميعا حسنين؛ فالأول نحو حبرور وهو فرخ ~~الحبارى؛ فإن هذه اللفظة يحسن مفردها لا مجموعها؛ لأن جمعها على حبارير، ~~وكذلك طنبور وطنابير، وعرقوب وعراقيب؛ وأما الثاني فنحو بهلول وبهاليل، ~~ولهموم ولهاميم، وهذا ضد الأول؛ وأما الثالث فنحو جمهور وجماهير، وعرجون ~~وعراجين، فانظر إلى الوزن الواحد كيف يختلف في أحواله مفردا ومجموعا؟ وهذا ~~من أعجب ما يجيء في هذا الباب. # وهكذا قد جاءت ألفاظ على وزن واحد ثلاثية مسكنة الوسط وجميعها حسن ms212 في ~~الاستعمال، وإذا أردنا أن نثقل وسطها حسن منها شيء دون شيء. # PageV01P282 # فمن ذلك لفظة الثلث والربع إلى العشر فإن الجميع على وزن واحد، وإذا ~~ثقلنا أوساطها فقلنا ثلث وربع وخمس، وكذلك إلى عشر؛ فإن الحسن من ذلك جميعه ~~ثلاثة، وهي الثلث والخمس والسدس، والباقي وهو الربع والسبع والثمن والتسع ~~والعشر، ليس كالأول في حسنه، هذا، والجميع على وزن واحد وصيغة واحدة، ~~والجميع حسن في الاستعمال قبل أن يثقل وسطه، ولما ثقل صار بعضه حسنا وبعضه ~~غير حسن. # وكذلك تجد الأمر في أسماء الفاعلين كالثلاثي منها نحو فعل بفتح الفاء ~~والعين وفعل بفتح الفاء وكسر العين وفعل بفتح الفاء وضم العين، فإن هذه ~~الأوزان الثلاثة لها أسماء فاعلين، أما فعل بفتح الفاء والعين فليس له إلا ~~اسم واحد أيضا وهو فاعل، لا غير، ولا يقع فيه اختلاف، وكذلك فعل بفتح الفاء ~~وضم العين فليس له إلا اسم واحد أيضا، وهو فعيل، ولا يقع فيه اختلاف إلا ما ~~شذ، لكن فعل بفتح الفاء وكسر العين يقع في اسم فاعله الاختلاف استحسانا ~~واستقباحا، لأن له ثلاثة أوزان نحو فاعل وفعل وفعلان، تقول منه: حمد فهو ~~حامد وحمد وحمدان، وقد جاء على وزنه فرح، تقول منه: فرح زيد فهو فرح، وهو ~~الأحسن، ولا يحسن أن يقال: فارح، ولا فرحان، وإن كان جائزا، لكن فرحان أحسن ~~من فارح، وقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم فلا تستعمل إلا على فرح لا ~~غير، كقوله تعالى: # «كل حزب بما لديهم فرحون» * # وكقوله تعالى: «إن الله لا يحب الفرحين» # وقد جاءت هذه اللفظة في شعر بعض شعراء الحماسة في باب المراثي «1» : # فما أنا من حزن وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح # وهذا غير حسن، وإن جاز استعماله. # وعلى نحو منه يقال: غضب وهو غضبان، ولا يقال: غاضب، وإن كان # PageV01P283 # جائزا، وقد تقدم القول أنا في تأليف الكلام بصدد استعمال الحسن والأحسن. ~~لا بصدد استعمال الجائز وغير الجائز. # ومما يجري هذا المجرى قولنا: فعل وافتعل، فإن ms213 لفظة فعل لها موضع تستعمل ~~فيه، ألا ترى أنك تقول: قعدت إلى فلان أحدثه، ولا تقول: اقتعدت إليه، وكذلك ~~تقول: اقتعدت غارب الجمل، ولا تقول: قعدت على غارب الجمل، وإن جاز ذلك، لكن ~~الأول أحسن، وهذا لا يحكم فيه غير الذوق السليم، فإنه لا يمكن أن يقام عليه ~~دليل. # وأما فعل وافعوعل فإنا نقول: أعشب المكان «1» ، فإذا كثر عشبه قلنا: # اعشوشب، فلفظة افعوعل للتكثير، على أني استقريت هذه اللفظة في كثير من ~~الألفاظ فوجدتها عذبة طيبة على تكرار حروفها، كقولنا: اخشوشن المكان، ~~واغرورقت العين، واحلولى الطعم، وأشباهها. # وأما فعلة نحو همزة ولمزة وجثمة ونومة ولكنة ولجنة، وأشباه ذلك؛ فالغالب ~~على هذه اللفظة أن تكون حسنة، وهذا أخذته بالاستقراء، وفي اللغة مواضع ~~كثيرة هكذا لا يمكن استقصاؤها. # فانظر إلى ما يفعله اختلاف الصيغة بالألفاظ، وعليك أن تتفقد أمثال هذه ~~المواضع، لتعلم كيف تضع يدك في استعمالها، فكثيرا ما يقع فحول الشعراء، ~~والخطباء في مثلها، ومؤلف الكلام من كاتب وشاعر إذا مرت به ألفاظ عرضها على ~~ذوقه الصحيح، فما يجد الحسن منها مجموعا جمعه، وكذلك يجري الحكم فيما سوى ~~ذلك من الألفاظ. # PageV01P284 ### | النوع السابع في المعاظلة اللفظية # والمعاظلة معاظلتان: لفظية، ومعنوية. ### | أما المعنوية: # فسيأتي ذكرها في باب التقديم والتأخير من المقالة الثانية، فليؤخذ من ~~هناك. ### | وأما المعاظلة اللفظية: # - وهي المخصوصة بالذكر ههنا في باب صناعة الألفاظ- وحقيقتها مأخوذة من ~~قولهم: تعاظلت الجرادتان؛ إذا ركبت إحداهما الأخرى، فسمي الكلام المتراكب ~~في ألفاظه أو في معانيه المعاظلة مأخوذا من ذلك، وهو اسم لائق بمسماه. # ووصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه زهير بن أبي سلمى فقال: كان لا يعاظل ~~بين الكلام. # وقد اختلف علماء البيان في حقيقة المعاظلة: # فقال قدامة بن جعفر الكاتب «1» : التعاظل في الكلام هو أن يدخل بعض ~~الكلام فيما ليس من جنسه، ولا أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة، كقول أوس بن ~~حجر «2» : # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا «3» # PageV01P285 # فسمي الظبي تولبا، والتولب: ولد الحمار. # هذا ما ذكره قدامة بن جعفر، ms214 وهو خطأ؛ إذ لو كان ما ذهب إليه صوابا لكانت ~~حقيقة المعاظلة دخول الكلام فيما ليس من جنسه، وليست حقيقتها هذه، بل ~~حقيقتها ما تقدم، وهو التراكب، من قولهم: تعاظلت الجرادتان، إذا ركبت ~~إحداهما الأخرى، وهذا المثال الذي مثل به قدامة لا تركب في ألفاظه ولا في ~~معانيه. # وأما غير قدامة فإنه خالفه فيما ذهب إليه، إلا أنه لم يقسم المعاظلة إلى ~~لفظية ومعنوية، ولكنه ضرب لها مثالا، كقول الفرزدق «1» : # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # وهذا من القسم المعنوي، لا من القسم اللفظي، ألا ترى إلى تراكب معانيه ~~بتقديم ما كان يجب تأخيره وتأخير ما كان يجب تقديمه؛ لأن الأصل في معناه: ~~وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، وسيجيء شرح ذلك ~~مستوفى في بابه من المقالة الثانية؛ إن شاء الله تعالى. # وإذ حققت القول في بيان المعاظلة والكشف عن حقيقتها فإني أتبع ذلك بتقسيم ~~القسم اللفظي منها الذي أنا بصدد ذكره ههنا، فأقول: # إني تأملته بالاستقراء من الأشعار قديمها ومحدثها، ومن النظر في حقيقتها ~~نفسها، فوجدتها تنقسم إلى خمسة أقسام: ### | الأول منها: # يختص بأدوات الكلام، نحو من وإلى وعن وعلى، وأشباهها؛ فإن منها ما يسهل ~~النطق به إذا ورد مع أخواته، ومنها ما لا يسهل، بل يرد ثقيلا على اللسان، ~~ولكل موضع يخصه من السبك. # PageV01P286 # فمما جاء منه قول أبي تمام «1» : # إلى خالد راحت بنا أرحبية ... مرافقها من عن كراكرها نكب «2» # فقوله: «من عن كراكرها» من الكلام المتعاظل الذي يثقل النطق به، على أنه ~~قد وردت هاتان اللفظتان، وهما من وعن، في موضع آخر فلم يثقل النطق بهما، ~~كقول القائل: من عن يمين الطريق، والسبب في ذلك أنهما وردتا في بيت أبي ~~تمام مضافتين إلى لفظة الكراكر، فثقلت منهما، وجعلتهما مكروهتين كما ترى، ~~وإلا فقد وردتا في شعر قطري بن الفجاءة فكانتا خفيفتين، كقوله «3» : # ولقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي # والأصل في ذلك راجع إلى السبك، ms215 فإذا سبكت هاتان اللفظتان أو ما يجري ~~مجراهما مع ألفاظ تسهل منهما لم يكن بهما من ثقل، كما جاءتا في بيت قطري، ~~وإذا سبكتا مع ألفاظ تثقل منهما جاءتا كما جاءتا في بيت أبي تمام. # ومن هذا القسم قول أبي تمام أيضا «4» : # كأنه لاجتماع الروح فيه له ... في كل جارحة من جسمه روح # فقوله في بعد قوله فيه له مما لا يحسن وروده. # PageV01P287 # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي: # وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد # فقوله: «لها منها عليها» من الثقيل الثقيل الثقيل. # وكذلك قوله «1» : # تبيت وفودهم تسري إليه ... وجدواه التي سألوا اغتفار # فخلفهم برد البيض عنهم ... وهامهم له معهم معار # وقوله: «وهامهم له معهم» مما يثقل النطق به، ويتعثر اللسان فيه، لكنه ~~أقرب حالا من الأول. # ومن الحسن في هذا الموضع قول أبي تمام «2» : # دار أجل الهوى عن أن ألم بها ... في الركب إلا وعيني من منائحها # فقوله: «عن أن» في هذا البيت من الخفيف الحسن الذي لا بأس به. ### | القسم الثاني # من المعاظلة اللفظية، تختص بتكرير الحروف، وليس ذلك مما يتعلق بتكرير ~~الألفاظ، ولا بتكرير المعاني، مما يأتي ذكره في باب التكرير في المقالة ~~الثانية، وإنما هو تكرير حرف واحد أو حرفين في كل لفظة من ألفاظ الكلام ~~المنثور أو المنظوم، فيثقل حينئذ النطق به. # فمن ذلك قول بعضهم «3» : # PageV01P288 # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر # فهذه القافات والراآت كأنها في تتابعها سلسلة، ولا خفاء بما في ذلك من ~~الثقل. # وكذا ورد قول الحريري في مقاماته: # وازور من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه # فقوله: «وعاف عافى العرف عرفانه» من التكرير المشار إليه. # وكذلك ورد قوله أيضا في رسالتيه اللتين صاغهما على حرف السين والشين، ~~فإنه أتى في إحداهما بالسين في كل لفظة من ألفاظها وأتى في الأخرى بالشين ~~في كل لفظة من ألفاظها، فجاءتا كأنهما رقى العقارب، أو خذروفة العزائم، وما ~~أعلم كيف خفي ما فيهما من القبح على مثل ms216 الحريري مع معرفته بالجيد والرديء ~~من الكلام. # ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال في جملة كلام أورده: جنى جنات وجنات الحبيب، ~~فصاح رجل من الحاضرين في المجلس وماد وتغاشى، فقال له رجل كان إلى جانبه: ~~ما الذي سمعت حتى حدث بك هذا؟ فقال: سمعت جيما في جيم في جيم فصحت. # وهذا من أقبح عيوب الألفاظ. # ومما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها: # أتراها لكثرة العشاق «1» ... كيف ترثي التي ترى كل جفن # راءها غير جفنها غير راقي «2» # PageV01P289 # وهذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصرع التي تنوب في بعض الأيام. # ومن هذا القسم قول الشاعر المعروف بكشاجم في قصيدته التي مطلعها: # داو خماري بكأس خمر «1» ... والزهر والقطر في رباها # ما بين نظم وبين نثر «2» ... حدائق كف كل ريح # حل بها خيط كل قطر «3» # وهذا البيت يحتاج الناطق به إلى بركار يضعه في شدقه حتى يديره له. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم وهو البيت المشهور الذي يتذاكره الناس: # مللت مطال مولود مفدى ... مليح مانع مني مرادي # وهذه الميمات كأنها عقد متصلة بعضها ببعض. # وكان بعض أهل الأدب من أهل مصرنا هذا يستعمل هذا القسم في ألفاظه كثيرا ~~في كلامه نثرا ونظما، وذلك لعدم معرفته بسلوك الطريق. # وأنا أذكر نبذة من ذلك، كقوله في وصف رجل سخي: أنت المديح كبدا تريح، ~~والمليح إن تجهم المليح بالتكليح، عند سائل تلوح، بل يفوق إذ يروق مرأى ~~لوح، يا مغبوق كأس الحمد يا مصبوح، ضاق عن نداك اللوح، وببابك المفتوح ~~تستريح، وتريح ذا التبريح، وترفه الطليح. # PageV01P290 # فانظر إلى حرف الحاء كيف قد لزمه في كل لفظة من هذه الألفاظ فجاءكما ~~تراءه من الثقل والغثاثة؟. # واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في ~~كثير من كلامهم، وذاك أنه إذا تكرر الحرف عندهم أدغموه استحسانا فقالوا في ~~جعل لك: جعلك، وفي تضربونني، تضربوني، وكذلك قالوا: استعد فلان للأمر؛ إذا ~~تأهب له، والأصل فيه استعدد، واستتب الأمر؛ ms217 إذا تهيأ، والأصل فيه استتبب، ~~وأشباه ذلك كثير في كلامهم، حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا ~~أحد الحرفين المكررين حرفا آخر غيره، فقالوا: أمليت الكتاب، والأصل فيه ~~أمللت، فأبدلوا اللام ياء طلبا للخفة، وفرارا من الثقل، وإذا كان قد فعلوا ~~ذلك في اللفظة الواحدة فما ظنك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضا؟. ### | القسم الثالث من المعاظلة: # أن ترد ألفاظ على صيغة الفعل يتبع بعضها بعضا؛ فمنها ما يختلف بين ماض ~~ومستقبل، ومنها ما لا يختلف. # فالأول كقول القاضي الأرجاني في أبيات يصف فيها الشمعة، وفيها معنى هو له ~~مبتدع، ولم يسمع من غيره، وذلك أنه قال عن لسان الشمع: إنه ألف العسل وهو ~~أخوه الذي ربي معه في بيت واحد، وإن النار فرقت بينه وبينه، وإنه نذر أن ~~يقتل نفسه بالنار أيضا من ألم الفراق، إلا أنه أساء العبارة؛ فقال «1» : # بالنار فرقت الحوادث بيننا ... وبها نذرت أعود أقتل روحي # PageV01P291 # فقوله «نذرت أعود [أقتل] » من المعاظلة المشار إليها. # وأما ما يرد على نهج واحد من الصيغة الفعلية: فكقول أبي الطيب المتنبي ~~«1» : # أقل أنل أقطع احمل عل سل أعد ... زد هش بش تقضل أدن سرصل «2» # فهذه ألفاظ جاءت على صيغة واحدة، وهي صيغة الأمر، كأنه قال: افعل افعل، ~~هكذا إلى آخر البيت، وهذا تكرير للصيغة وإن لم يكن تكريرا للحروف، إلا أنه ~~أخوه، ولا أقول ابن عمه، وهذه ألفاظ متراكبة متداخلة، ولو عطفها بالواو ~~لكانت أقرب حالا، كما قال عبد السلام بن رغبان «3» : # فسد الناس فاطلب الرزق بالسيف وإلا فمت شديد الهزال احل وامرر وضر وانفع ~~ولن واخشن وأبرر ثم انتدب للمعالي. # PageV01P292 # ألا ترى أنه لما عطف ههنا بالواو لم تتراكب الألفاظ كتراكبها في بيت أبي ~~الطيب المتقدم ذكره. # فإن قيل: إنك جعلت ما كان واردا على صيغة واحدة على سبيل التكرار معاظلة، ~~وقد ورد ذلك في القرآن الكريم، كقوله تعالى: «فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد» # ولو كان معاظلة لما ورد في ms218 القرآن الكريم مثله. # فالجواب عن ذلك أني أقول: هذه الآية ليست كالذي أنكرته؛ فإن هذا الموضع ~~ينظر فيه إلى الكثير والقليل، فإذا كثر كان تعاظلا؛ لتراكبه وثقله على ~~النطق، وقد عرفتك أن ما يفصل بين صيغه بواو العطف يكون أقل ثقلا مما لا ~~يفصل، والذي أنكرته من ذلك هو أن تأتي ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها ~~عقد متصلة، فحينئذ يثقل المنطق بها، ويكره موقعها من السمع، كبيت أبي الطيب ~~المتنبي، وأما هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم، ألا ترى ~~أنها لما وردت ألفاظها على صيغة واحدة فرق بينها بواو العطف، ثم مع التفريق ~~بينها بواو العطف لم يرد التكرير فيها إلا بين ثنتين، وهما «خذوهم ~~واحصروهم» # ، وأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر، فقيل: «اقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم» # ولم يقل اقتلوا المشركين وخذوهم، ثم لما جاءت الصيغة الرابعة أضيف إليها ~~كلام آخر أيضا فقيل: «واقعدوا لهم كل مرصد» # لا جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة الأمر فيها أربع ~~مرار، وهذه رموز ينبغي أن يتنبه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا. ### | القسم الرابع من المعاظلة: # وهو الذي يتضمن مضافات كثيرة، كقولهم: # سرج فرس غلام زيد، وإن زيد على ذلك قيل: لبد سرج فرس غلام زيد، وهذا أشد ~~قبحا وأثقل على اللسان، وعليه ورد قول ابن بابك الشاعر في مفتتح قصيدة له: # حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع # PageV01P293 ### | القسم الخامس من المعاظلة: # أن ترد صفات متعددة على نحو واحد، كقول أبي تمام في قصيدته التي مطلعها: # ما لكثيب الحمى إلى عقده «1» # فقال يصف جملا: # سأخرق الخرق بابن خرقاء ... كالهيق إذا ما استحم من نجده «2» # مقابل في الجديل صلب القرا ... لو حك من عجبه إلى كتده «3» # تامكه نهده مداخله ... ملمومه محزئله أجده «4» # فالبيت الثالث من المعاظلة التي قلع الأسنان دون إيرادها. # وكذلك قال من هذه القصيدة يصف رمحا: # ومر تهفو ذؤابتاه على ... أسمر متن يوم الوغى جسده «5» # PageV01P294 # مارنه ms219 لدنه مثقفه ... عراصه في الأكف مطرده «1» # وهذا كالأول في قبحه وثقله، فقاتله الله!! ما أمتن شعره! وما أسخفه في ~~بعض الأحوال!. # وعلى هذا جاء من هذه القصيدة أيضا يصف الممدوح: # إليك عن سيل عارض خضل الشؤبوب ... يأتي الحمام من نضده «2» # مسفه ثره مسحسحه ... وابله مستهله جرده «3» # ولو لم يكن لأبي تمام من القبيح الشنيع إلا هذه الأبيات لحطت من قدره. # وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي «4» : # دان بعيد محب مبغض بهج ... أغر حلو ممرلين شرس «5» # PageV01P295 # ند أبي غر واف أخي ثقة ... جعد سري ندب رضى ندس «1» # وهذا كأنه سلسلة بلا شك، وقليلا ما يوجد في أشعار الشعراء، ولم أجده ~~كثيرا إلا في شعر الفرزدق، وتلك معاظلة معنوية، وسيأتي بيانها في بابها، ~~وهذه معاظلة لفظية، وهي توجد في شعر أبي الطيب كثيرا. ### | النوع الثامن في المنافرة بين الألفاظ في السبك # وهذا النوع لم يحقق أحد من علماء البيان القول فيه، وغاية ما يقال: إنه ~~ينبغي ألا تكون الألفاظ نافرة عن مواضعها، ثم يكتفي بها القول، من غير بيان ~~ولا تفصيل، حتى إنه قد خلط هذا النوع بالمعاظلة، وكل منهما نوع مفرد برأسه ~~له حقيقة تخصه، إلا أنهما قد اشتبها على علماء البيان، فكيف على جاهل لا ~~يعلم. # وقد بينت هذا النوع وفصلته عن المعاظلة، وضربت له أمثلة يستدل بها على ~~أخواتها وما يجري مجراها. # وجملة الأمر أن مدار سبك الألفاظ على هذا النوع والذي قبله دون غيرهما من ~~تلك الأنواع المذكورة؛ لأن هذين النوعين أصلا سبك الألفاظ، وما عداهما فرع ~~عليهما، وإذا لم يكن الناثر أو الناظم عارفا بهما فإن مقاتله تبدو كثيرا. # وحقيقة هذا النوع الذي هو المنافرة: أن يذكر لفظ أو ألفاظ يكون غيرها مما ~~هو في معناها أولى بالذكر. # PageV01P296 # وعلى هذا فإن الفرق بينه وبين المعاظلة أن المعاظلة هي التراكب والتداخل ~~إما في الألفاظ أو في المعاني، على ما أشرت إليه، وهذا النوع لا تراكب فيه، ~~وإنما هو إيراد ألفاظ غير لائقة بموضعها الذي ترد فيه. # وهو ms220 ينقسم قسمين: أحدها: يوجد في اللفظة الواحدة، والآخر: في الألفاظ ~~المتعددة. # فأما الذي يوجد في اللفظة الواحد فإنه إذا أورد في الكلام أمكن تبديله ~~بغيره مما هو في معناه، سواء كان ذلك نثرا أو نظما. # وأما الذي يوجد في الألفاظ المتعددة فإنه لا يمكن تبديله بغيره في الشعر، ~~بل يمكن ذلك في النثر خاصة؛ لأنه يعسر في الشعر من أجل الوزن. # فمما جاء من القسم الأول قول أبي الطيب المتنبي «1» : # فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم # فلفظة «حالل» نافرة عن موضعها، وكانت له مندوحة عنها؛ لأنه لو استعمل ~~عوضا عنها لفظة «ناقض» فقال: # فلا يبرم الأمر الذي هو ناقض ... ولا ينقض الأمر الذي هو يبرم # لجاءت اللفظة قارة في مكانها، غير قلقة ولا نافرة. # وبلغني عن أبي العلاء بن سليمان المعري أنه كان يتعصب لأبي الطيب، حتى ~~إنه كان يسميه «الشاعر» ويسمي غيره من الشعراء باسمه، وكان يقول: ليس في ~~شعره لفظة يمكن أن يقوم عنها ما هو في معناها فيجيء حسنا مثلها؛ فيا ليت ~~شعري أما وقف على هذا البيت المشار إليه، لكن الهوى كما يقال أعمى؛ وكان ~~أبو العلاء أعمى العين خلقة وأعماها عصبية، فاجتمع له العمى من جهتين. # PageV01P297 # وهذه اللفظة التي هي «حالل» وما يجري مجراها قبيحة الاستعمال، وهي فك ~~الإدغام في الفعل الثلاثي، ونقله إلى اسم الفاعل، وعلى هذا فلا يحسن أن ~~يقال: # بل الثوب فهو بالل، ولا سل السيف فهو سالل، ولا أن يقال: هم بالأمر فهو ~~هامم، ولا خط الكتاب فهو خاطط، ولا حن إلى كذا فهو حانن، وهذا لو عرض على ~~من لا ذوق له لأدركه وفهمه، فكيف من له ذوق صحيح كأبي الطيب، لكن لا بد لكل ~~جواد من كبوة. # وأنشد بعض الأدباء بيتا لدعبل، وهو: # شفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق # فقلت له: عجز هذا البيت حسن، وأما صدره فقبيح؛ لأنه سبكه قلقا نافرا، ~~وتلك الفاء التي في قوله: «شفيك فاشكر» ms221 كأنها ركبة البعير، وهي في زيادتها ~~كزيادة الكرش، فقال: لهذه الفاء في كتاب الله أشباه، كقوله تعالى: «يا أيها ~~المدثر. # قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر» # فقلت له: بين هذه الفاء وتلك الفاء فرق ظاهر يدرك بالعلم، أولا، وبالذوق ~~ثانيا؛ أما العلم فإن الفاء في (وربك فكبر وثيابك فطهر) هي الفاء العاطفة؛ ~~فإنها واردة بعد (قم فأنذر) وهي مثل قولك: امش فأسرع، وقل فأبلغ، وليست ~~الفاء التي في «شفيعك فاشكر» كهذه الفاء؛ لأن تلك زائدة لا موضع لها، ولو ~~جاءت في السورة كما جاءت دعبل- وحاش لله من ذلك- لابتدئ الكلام، فقيل: ربك ~~فكبر وثيابك فطهر؛ لكنها لما جاءت بعد (قم فأنذر) حسن ذكرها فيما يأتي ~~بعدها (وربك فكبر وثيابك فطهر) ؛ وأما الذوق فإنه ينبو عن الفاء الواردة في ~~قول دعبل ويستثقلها، ولا يوجد ذلك في الفاء الواردة في السورة، فلما سمع ما ~~ذكرته أذعن بالتسليم. # ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظما كان أو نثرا لا يتفطن لها إلا ~~الراسخ في علم الفصاحة والبلاغة. # ومن هذا القسم وصل همزة القطع، وهو محسوب من جائزات الشعر التي لا تجوز ~~في الكلام المنثور، وكذلك قطع همزة الوصل، لكن وصل همزة القطع أقبح؛ لأنه ~~أثقل على اللسان. # PageV01P298 # فمما ورد من ذلك قول أبي تمام «1» : # قراني اللها والود حتى كأنما ... أفاد الغنى من نائلي وفوائدي # فأصبح يلقاني الزمان من اجله ... بإعظام مولود ورأفة والد «2» # فقوله: «من اجله» وصل الهمزة القطع. # وعليه ورد قول أبي الطيب المتنبي «3» : # توسطه المفاوز كل يوم ... طلاب الطالبين لا الانتظار # فقوله: «لا الانتظار» كلام نافر عن موضعه. # ومن هذا القسم أن يفرق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدم ذكره، كقول ~~البحتري «4» : # حلفت لها بالله يوم التفرق ... وبالوجد من قلبي بها المتعلق # تقديره: «من قلبي المتعلق بها» فلما فصل بين الموصوف الذي هو قلبي والصفة ~~التي هي المتعلق بالضمير الذي هو بها قبح ذلك، ولو كان قال: «من قلب بها ~~متعلق» لزال ذلك القبح وذهبت تلك الهجنة. # PageV01P299 # ومن هذا القسم أيضا ms222 أن تزاد الألف واللام في اسم الفاعل، ويقام الضمير ~~فيه مقام المفعول، كقول أبي تمام «1» : # فلو عاينتهم والزائريهم ... لما مزت البعيد من الحميم «2» # فقوله: «الزائري» اسم فاعل، وقوله: «هم» الذي هو الضمير في موضع المفعول، ~~تقديره الزائرين أرضهم أو دارهم أو الزائرين إياهم؛ فاستعمال هذا مع الألف ~~واللام قبيح جدا، وإذا حذفتا زال ذلك القبح، وقد استعملها الشعراء ~~المتقدمون كثيرا. # ومما جاء من القسم الثاني الذي يوجد في الألفاظ المتعددة قول أبي الطيب ~~أيضا «3» : # لا خلق أكرم منك إلا عارف ... بك راء نفسك لم يقل لك هاتها «4» # فإن عجز هذا البيت نافر عن مواضعه، وأمثال هذا في الأشعار كثير. # PageV01P300 ### | المقالة الثانية في الصناعة المعنوية # وهي تنقسم إلى قسمين: الأول منها في الكلام على المعاني مجملا، والثاني ~~في الكلام عليها مفصلا. # وقبل الكلام على ذلك لا بد من توطئة تكون شاملة لما نحن بصدد ذكره ههنا، ~~فأقول: # اعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء ~~اليونان، غير أن ذلك الحصر كلي لا جزئي، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني وما ~~يتفرع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا ~~يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم، ولا يفتقر إليه؛ فإن البدوي البادي راعي ~~الإبل ما كان يمر شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله، ومع هذا فإنه كان يأتي ~~بالسحر الحلال إن قال شعرا أو تكلم نثرا. # فإن قيل: إن ذلك البدوي كان له ذلك طبعا وخليقة، والله فطره عليه كما فطر ~~ضروب نوع الآدمي على فطر مختلفة هي لهم في أصل الخلقة؛ فإنه فطر الترك على ~~الإحسان في الرمي والإصابة فيه من غير تعليم، وكذلك فطر أهل الصين على ~~الإحسان في صنعة اليد فيما يباشرونه من مصوغ أو خشب أو فخار أو غير ذلك، ~~وكذلك فطر أهل المغرب على الشجاعة، وهذا لا نزاع فيه، فإنه مشاهد. # فالجواب عن ذلك أني أقول: إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب ~~بالطبع والفطرة فماذا تقول ms223 فيمن جاء بعدهم من شاعر وخطيب تحضروا وسكنوا ~~البلاد، ولم يروا البادية ولا خلقوا بها، وقد أجادوا في تأليف النظم ~~والشعر، وجاءوا بمعان كثيرة ما جاءت في شعر العرب ولا نطقوا بها. # فإن قلت: إن هؤلاء وقفوا على ما ذكره علماء اليونان وتعلموا منه. # PageV01P301 # قلت لك في الجواب: هذا شيء لم يكن، ولا علم أبو نواس شيئا منه، ولا مسلم ~~بن الوليد، ولا أبو تمام، ولا البحتري، ولا أبو الطيب المتنبي، ولا غيرهم، ~~وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد، وابن العميد، والصابي، ~~وغيرهم، فإن ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان قلت لك في ~~الجواب: هذا باطل بي أنا؛ فإني لم أعلم شيئا مما ذكره حكماء اليونان، ولا ~~عرفته، ومع هذا فانظر إلى كلامي، فقد أوردت لك نبذة منه في هذا الكتاب، ~~وإذا وقفت على رسائلي ومكاتباتي وهي عدة مجلدات، وعرفت أني لم أتعرض لشيء ~~مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني علمت حينئذ أن صاحب هذا العلم من ~~النظم والنثر بنجوة من ذلك كله، وأنه لا يحتاج إليه أبدا؛ وفي كتابي هذا ما ~~يغنيك، وهو كاف. # ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي ~~بن سنا في الخطابة والشعر، وذكر ضربا من ضروب الشعر اليوناني يسمى ~~اللاغوذيا، وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي علي، ووقفني على ما ذكره، فلما ~~وقفت عليه استجهلته؛ فإنه طول فيه وعرض، كأنه يخاطب بعض اليونان، وكل الذي ~~ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئا، ثم مع هذا جميعه فإن معول ~~القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة، وهذا مما ~~لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال فما صاغه من شعر أو كلام مسجوع، فإن له شيئا ~~من ذلك في كلامه، وعند إفاضته في صوغ ما صاغه لم تخطر المقدمتان والنتيجة ~~له ببال، ولو أنه أفكر أولا في المقدمتين والنتيجة ثم أتى بنظم أو نثر بعد ~~ذلك لما أتى بشيء ينتفع ms224 به، ولطال الخطب عليه، بل أقول شيئا آخر، وهو: أن ~~اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه ~~وعندهم فكرة في مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع توضع ويطول بها مصنفات ~~كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال: فقاقع ليس لها طائل، كأنها شعر ~~الأبيوردي. # وحيث أوردت هذه المقدمة قبل الخوض في تقسيم المعاني فإني راجع إلى شرح ما ~~أجملته، فأقول: # PageV01P302 # أما القسم الأول: فإن المعاني فيه على ضربين: أحدهما: يبتدعه مؤلف الكلام ~~من غير أن يقتدي فيه بمن سبقه، وهذا الضرب ربما يعثر عليه عند الحوادث ~~المتجددة، ويتنبه له عند الأمور الطارئة، ولنشر في هذا الموضع إلى نبذة ~~لتكون مثالا للمتوشح لهذه الصناعة. # فمن ذلك ما ورد في شعر أبي تمام في وصف مصلبين «1» : # بكروا وأسروا في متون ضوامر ... قيدت لهم من مربط النجار # لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدا على سفر من الأسفار # وهذا المعنى مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، والخاطر في مثل هذا ~~المقام ينساق إلى المعنى المخترع من غير كبير كلفة؛ لشاهد الحال الحاضرة. # وكذلك قال في هذه القصيدة في صفة من أحرق بالنار: # ما زال سر الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سر الزناد الواري # نارا يساور جسمه من حرها ... لهب كما عصفرت شق إزار # طارت لها شعل يهدم لفحها ... أركانه هدما بغير غبار # فصلن منه كل مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكل فقار # مشبوبة رفعت لأعظم مشرك ... ماكان يرفع ضوءها للساري # صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجار # وهذا مما يعين على استخراج المعاني فيه شاهد الحال. # وقد ذيل البحتري على ما ذكره أبو تمام في وصف المصلبين فقال: # كم عزيز أباده فغدا ير ... كب عودا مركبا في عود # PageV01P303 # أسلمته إلى الرقاد رجال ... لم يكونوا عن وترهم برقود # تحسد الطير فيه ضبع البوادي ... وهو في غير حالة المحسود # غاب عن صحبه فلا هو موجو ... د لديهم وليس بالمفقود # وكأن امتداد كفيه فوق ال- ... جذع في محفل الردى المشهود # طائر ms225 مد مستريحا جناحي- ... ه استراحات متعب مكدود # أخطب الناس راكبا فإذا أر ... جل خاطبت منه عين البليد # وهذه أبيات حسنة قد استوعبت أقسام هذا المعنى المقصود، إلا أن فيها ~~مأخوذا من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري، وهو قوله «1» : # نصبته حيث ترتاب الرياح به ... وتحسد الطير فيه أضبع البيد «2» # لكن البحتري زاد في ذلك زيادة حسنة، وهي قوله: «وهو في غير حالة المحسود» ~~. # ومن هذا الضرب ما جاء في شعر أبي الطيب المتنبي في وصفه الحمى، وهو قوله ~~«3» : # وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام # بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي # PageV01P304 # كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام # أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام # وقد شرح أبو الطيب بهذه الأبيات حاله مع الحمى. # ومن بديع ما أتى به في هذا الموضع أن سيف الدولة بن حمدان كان مخيما بأرض ~~ديار بكر على مدينة ميافارقين، فعصفت الريح بخيمته، فتطير الناس لذلك، ~~وقالوا فيه أقوالا، فمدحه أبو الطيب بقصيدة يعتذر فيها عن سقوط الخيمة ~~أولها: # أينفع في الخيمة العذل «1» # فمنه ما أحسن فيه كل الإحسان، وهو قوله: # تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل # وتقصر ما كنت في جوفها ... وتركز فيها القنا الذبل # وكيف تقوم على راحة ... كأن البحار لها أنمل # فليت وقارك فرقته ... وحملت أرضك ما تحمل # فصار الأنام به سادة ... وسدتهم بالذي يفضل # رأت لون نورك في لونها ... كلون الغزالة لا يغسل # وأن لها شرفا باذخا ... وأن الخيام بها تخجل # فلا تنكرن لها صرعة ... فمن فرح النفس ما يقتل # ولو بلغ الناس ما بلغت ... لخانتهم حولك الأرجل # ولما أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل # فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل # وعرف أنك من همه ... وأنك في نصره ترفل # PageV01P305 # فما العاندون وما أملوا ... وما الحاسدون وما قولوا # هم يطلبون فمن أدركوا ... وهم يكذبون فمن يقبل # وهم يتمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل # هذه الأبيات قد اشتملت على معان بديعة، وكفى المتنبي فضلا أن يأتي ms226 ~~بمثلها، وهذا مقام يظهر في مثله براعة الناظم والناثر. # وقرأت في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد، وهو كتاب جمعه واختار فيه ~~أشعار شعراء بدأ فيه بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانسحب على ذيله، ~~فقال فيما أورده من شعره: وله معنى لم يسبق إليه بإجماع، وهو قوله «1» : # تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس # قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسي الفوارس «2» # فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس # ه وقد أكثر العلماء من وصف هذا المعنى وقولهم فيه: إنه معنى مبتدع. # ويحكى عن الجاحظ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعنى قديما وحديثا، ~~إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بابداعه، وما أعلم أنا ما أقول لها ~~ولأبي «3» سوى أن أقول: قد تجاوز بهم حد الإكثار، ومن الأمثال السائرة: ~~بدون هذا يباع الحمار، وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة، لا هذا المعنى؛ ~~فإنه لا كبير كلفة فيه؛ لأن أبا نوس رأى كأسا من الذهب ذات تصاوير فحكاها ~~في شعره، والذي عندي في هذا أنه من المعاني المشاهدة؛ فإن هذه الخمر لم ~~تحمل إلا ماء # PageV01P306 # يسيرا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها ~~قليلا بقدر القلانس التي على رءوسها، وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر. # وكذلك ورد قوله في الخمر أيضا: # يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم تنم # فاسقني الخمر التي اختمرت ... بخمار الشيب في الرحم # وهذا معنى مخترع لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني ~~التي تستخرج من غير شاهد حال متصور. # وبلغني أنه اختلف في هذا المعنى بحضرة الرشيد هرون رحمه الله، فقيل: # إنه يريد بخمار الشيب في الرحم أن الخمر تكون في جوانبها ذات زبد أبيض ~~على وجهها، فقال الأصمعي: إن أبا نواس ألطف خاطرا من هذا، وأسد غرضا، ~~فاسألوه، فأحضر وسئل، فقال: إن الكرم أول ما يجري فيه الماء يخرج شبيها ~~بالقطنة، وهي أصل العنقود؛ فقال الأصمعي: ألم أقل لكم إن ms227 الرجل ألطف خاطرا ~~وأسد غرضا. # وقد جاء لابن حمديس الصقلي في الهلال لآخر الشهر ما لم يأت به غيره، وهو ~~من الحسن واللطافة في الغاية القصوى، وذلك قوله: # كأنما أدهم الظلماء حين نجا ... من أشهب الصبح ألقى نعل حافره # وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر، إلا أنه أبدع في التشبيه. # وأمثال هذا كثيرة في أقوال المجيدين من الشعراء. # وجملة الأمر في ذلك أن الشاعر أو الكاتب ينظر إلى الحال الحاضرة ثم ~~يستنبط لها ما يناسبها من المعاني، كما فعل النابغة في مدح النعمان وقد ~~أتاه وفد من الوفود فمات رجل منهم قبل أن يرفدهم «1» ، فلما رفدهم جعل عطاء ~~ذلك الميت # PageV01P307 # على قبره، حتى جاء أهله وأخذوه، فقال النابغة في ذلك «1» : # حباء شقيق فوق أحجار قبره ... وما كان يحبى قبله قبر وافد # وهذا بيت من جملة أبيات، فانظر كيف فعل النابغة في هذا المعنى؟. # وكذلك ورد قول أخت جساس زوجة كليب؛ فإنه لما قتل جساس كليبا اجتمع النساء ~~إليها وندبنه، فتحدث بعضهم إلى بعض، وقلن: هذه ليست ثاكلة، وإنما هي شامتة؛ ~~فإن أخاها هو القاتل، فنم ذلك إليها، فقالت: # يا ابنة الأقوام إن شئت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي # فإذا أنت تبينت الذي ... يوجب اللوم فلومي واعذلي # إن أختا لامرئ ليمت على ... شفق منها عليه فافعلي «2» # جل عندي فعل جساس فوا ... حسرتا عم انجلت أو تنجلي # فعل جساس على وجدي به ... قاطع ظهري ومدن أجلي # لو بعين فقئت عين سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل # يا قتيلا قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعا من عل # هدم البيت الذي استحدثته ... وانثنى في هدم بيتي الأول # يشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي ثأري ثكل مثكلي # PageV01P308 # إنني قاتلة مقتولة ... ولعل الله أن يرتاح لي # وهذه الأبيات لو نطق بها الفحول المعدودون من الشعراء لاستعظمت، فكيف ~~امرأة وهي حزينة في شرح تلك الحال المشار إليها. # واعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع. # فمن ذلك قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد: # تنافس الليل فيه ms228 والنهار معا ... فقمصاه بجلباب من المقل # وليس هذا من المعاني الغريبة، ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه. # وقد جاء بعده شاعر من أهل الموصل يقال له ابن مسهر فاستخرج من هذا البيت ~~معنى غريبا، فقال: # ونقطته حباء كي يسالمها ... على المنايا نعاج الرمل بالحدق # وهذا معنى غريب لم أسمع بمثله في مقصده الذي قصد من أجله، وقليلا ما يقع ~~هذا في الكلام المنظوم والمنثور، وهو موضع ينبغي أن توضع اليد عليه، ويتنبه ~~له، وكذلك فلتكن سياقة ما جرى هذا المجرى. # وقد جاءني شيء من ذلك في الكلام المنثور. # فمن ذلك ما ذكرته في وصف نساء حسان، وهو: أقبلت ربائب الكناس، في مخضر ~~اللباس، فقيل: إنما يخترن الخضرة من الألوان، ليصح تشبيههن بالأغصان. # وهذا معنى غريب، وربما يكون قد سبقت إليه، إلا أنه لم يبلغني، بل ابتدعته ~~ابتداعا. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن منازلة بلد؛ فذكرت القتال ~~بالمنجنيق، وهو: فنزلنا بمرأى منه ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم ~~بالإصبع، ونصبت المنجنيقات فأنشأت سحبا صعبة القياد، مختصة بالربا دون ~~الوهاد، فلم تزل تقذف السور بوبل من جلمودها، وتفجوه برعودها قبل بروقها ~~وبروق السحب قبل رعودها، حتى غادرت الحزن منه سهلا، والعامر بلقعا مخلى. # PageV01P309 # وفي هذا معنيان غريبان: أحدهما: أن هذه السحب تخص الربا دون الوهاد، ~~والآخر: أن رعودها قبل بروقها، وكل ذلك يتفطن له بالمشاهدة. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، فقلت: إذا تخلق المرء بخلق البأس ~~والندى لم يخف عرضه دنسا، كما أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل نجسا. # وهذا المعنى مبتدع لي، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» . # ومن ذلك ما ذكرته في وصف مفازة، فقلت: مفازة لا توطأ بأجفان ساهر، ولا ~~تقتل باقتحام خابر، ولولا مسير الهلال من فوقها لما عرفت تمثال حافر. # ومن ذلك ما ذكرته في كتاب أصف فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد ~~المكتوب عنه، وكان ms229 ذلك في زمن الشتاء فسقط على العدو ثلج كثير صار به ~~محصورا، فقلت: # وقد عاجله قتال البروق قبل البوارق، وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول بينه ~~وبين الخنادق، والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره، والسماء قد قابلته ~~بأغبر وجهها لا بأخضره، والأرض كأنها قرصة النقي وعسى أن تكون أرض محشره. # والمعنى المخترع من هذا الكلام قولي: «والأرض كأنها قرصة النقي وعسى أن ~~تكون أرض محشره» وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«إنكم تحشرون على أرض بيضاء كقرصة النقي» يريد الخبزة البيضاء «1» ولما كان ~~الثلج على الأرض مماثلا لذلك ومشابها له استنبطت أنا له هذا المعنى ~~المخترع، فجاء كما تراه، وهو من المعاني التي يدل عليها شاهد الحل. # وأحسن من هذا كله ما كتبته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، ~~فقلت: ودولته هي الضاحكة وإن كان نسبها إلى العباس، وهي خير دولة أخرجت ~~للزمن كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل شعارها من لون الشباب # PageV01P310 # إلا تفاؤلا بأنها لا تهرم، وأنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالحب ~~الذي لا يسلى والوصل الذي لا يصرم، وهذا معنى استنبطه الخادم للدولة ~~وشعارها، وهو مما لم تخط به الأقلام في خطها ولا أجالته الخواطر في ~~أفكارها. # وغرابة هذا المعنى ظاهرة، ولم يأت بها أحد قبلي. # وبلغني من المعاني المخترعة أن عبد الملك بن مروان بنى بابا من أبواب ~~المسجد الأقصى بالبيت المقدس، وبنى الحجاج بابا إلى جانبه، فجاءت صاعقة ~~فأحرقت الباب الذي بناه عبد الملك، فتطير لذلك، وشق عليه، فبلغ ذلك الحجاج ~~فكتب إليه كتابا: بلغني كذا وكذا، فليهن أمير المؤمنين أن الله تقبل منه، ~~وما مثلي ومثله إلا كابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من ~~الآخر؛ فلما وقف عبد الملك على كتابه سري عنه. وهذا معنى غريب استخرجه ~~الحجاج من القرآن الكريم، وهو من المعاني المناسبة لما ذكرت فيه؛ ويكفي ~~الحجاج من فطانة الفكرة أن يكون عنده استعداد ms230 لاستخراج مثل ذلك. # وأما المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة فإنها أصعب مثالا مما ~~يستخرج بشاهد الحال، ولأمر ما كان لأبكارها سر لا يهجم على مكامنه إلا جنان ~~الشهم، ولا يفوز بمحاسنه إلا من دق فهمه حتى جل عن دقة الفهم، وللهجوم على ~~عذارى المعاني المحمية بحجب البواتر أيسر من الهجوم على عذارى المعاني ~~المحمية بحجب الخواطر، وما ذلك مما يلقيه إليك الأستاذ، وليس يقوم به إلا ~~الفذ ولا أقول الأفذاذ، وأين الذي ينشئ فيحسن فيها الإنشاء، ويبرز فيها ~~صورا يركبها كيف يشاء؟ ومن نظر إلى هذا الموضع حق النظر، وأخذ فيه بالعين ~~دون الأثر، علم أنه مقام يزلق بمعارف الأفهام، فكيف بمواقف الأقدام، وليست ~~المعاني فيه إلا كالأرواح، ولا الألفاظ إلا كالأجسام، فمن شاء أن يخلق خلقا ~~من الكلام فليأت به على صورة الأناسي لا على صورة الأنعام، فإن من القول ~~الغانية التي هي أحسن من الغانية، ومنه البهيمة التي لا تشبه إلا بالسانية. # فمما جاء في هذا الباب قول أبي نواس «1» : # PageV01P311 # شرابك في السراب إذا عطشنا ... وخبزك عند منقطع التراب # وما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب # فالبيت الثاني من هذين البيتين هو المشار إليه بأنه معنى مبتدع، ويحكى عن ~~الرشيد هرون رحمه الله أنه قال: لم يهج باد ولا حاضر بمثل هذا الهجاء. # ومن هذا الباب قول مسلم بن الوليد «1» : # تنال بالرفق ما تعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل # ومن هذا الباب قول علي بن جبلة: # تكفل ساكن الدنيا حميد ... فقد أضحت له الدنيا عيالا # كأن أباه آدم كان أوصى ... إليه أن يعولهم فعالا # وهذا معنى دندن حوله الشعراء، وفاز علي بن جبلة بالإفصاح عنه. # وقد قيل: إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعا للمعاني، وقد عدت ~~معانيه المبتدعة فوجدت ما يزيد على عشرين معنى. # وأهل هذه الصناعة يكبرون ذلك، وما هذا من مثل أبي تمام بكبير؛ فإني أنا ~~عددت معاني المبتدعة التي وردت في مكاتباتي فوجدتها أكثر من هذه العدة، وهي ms231 ~~مما لا أنازع فيه، ولا أدافع عنه؛ فأما ما ورد لأبي تمام فمن ذلك قوله «2» ~~: # PageV01P312 # يأيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب # ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجي حين تحتجب # وكذلك قوله» # رأينا الجود فيك وما عرضنا ... لسجل منه بعد ولا ذنوب # ولكن دارة القمر استتمت ... فدلتنا على مطر قريب # وكذلك قوله في الهجاء «2» : # وأنت تدير قطب رحا عليا ... ولم نر للرحا العلياء قطبا # ترى ظفرا بكل صراع قرن ... إذا ما كنت أسفل منه جنبا «3» # وكذلك قوله «4» : # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # وكذلك قوله «5» : # لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والبأس # PageV01P313 # فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس # وكذلك قوله «1» : # لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي # وكذلك له في الشيب «2» : # شعلة في المغارق استودعتني ... في صميم الفؤاد ثكلا صميما # يستثير الهموم ما اكتن منها ... صعدا وهي تستثير الهموما # فالبيت الثاني من المعاني المخترعة، وقد تفقه فيه فجعله مسألة من مسائل ~~الدور، وهذا من إغراب أبي تمام المعروف. # وهذا القدر كاف من جملة معانيه؛ فإنا لم نستقصها ههنا. # ومن هذا الباب قول ابن الرومي «3» : # PageV01P314 # كل امرئ مدح امرأ لنواله ... وأطال فيه فقد أساء هجاءه # لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه # وكذلك قوله «1» : # عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب # فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب # وكذلك قوله: # لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد # وإلا فما يبكيه منها وإنه ... لأوسع مما كان فيه وأرغد # إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما هو لاق من أذاها يهدد # PageV01P315 # وكذلك قوله: # رددت علي مدحي بعد مطل ... وقد دنست ملبسه الجديدا # وقلت امدح به من شئت غيري ... ومن ذا يقبل المدح الرديدا # وهل للحي في أكفان ميت ... لبوس بعدما امتلأت صديدا # وقد ms232 ورد لأبي الطيب المتنبي من ذلك كقوله «1» : # أجزني إذا أنشدت مدحا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا # ودع كل صوت بعد صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى # فالبيت الأول قد توارد على معناه الشعراء قديما وحديثا، لكن البيت الثاني ~~في التمثيل الذي مثله ليس لأحد إلا له. # وكذلك قوله «2» : # بهجر سيوفك أغمادها ... تمنى الطلى أن تكون الغمودا «3» # إلى الهام تصدر عن مثله ... ترى صدرا عن ورود ورودا «4» # PageV01P316 # وكذلك قوله في بدر بن عمار يهنيه ببرئه من مرض «1» : # قصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك الركاب والسبل # لم تبق إلا قليل عافية ... قد وفدت تجتديكها العلل # وقد وقفت على ما شاء الله من أشعار الفحول من الشعراء قديما وحديثا فلم ~~أجد لأحد منهم في ذكر المرض ما يعد معنى مخترعا، لا، بل لم أجد من أقوالهم ~~شيئا مرضيا، ما عدا المتنبي؛ فإنه ذكر المرض في عدة مواضع من شعره فأجاد، ~~وهذا البيت الثاني من هذين البيتين معنى مخترع له؛ وقد أحسن فيه كل ~~الإحسان. # ومما ابتدعه بإجماع قوله في مدح عضد الدولة في قصيدته النونية التي ~~مطلعها: # مغاني الشعب طيبا في المغاني «2» # قال عند ذكره: # فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان # ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من يقتلان # وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان # أي: جعل الله ابني عدو كاثراه يعني ابني عضد الدولة كياءي حروف تصغير ~~إنسان؛ فإن ذلك زيادة، وهو نقص في المقدار، إلا أن سبك هذا البيت قد شوهه ~~وأذهب طلاوة المعنى المندرج تحته. # PageV01P317 # ومن معانيه المبتدعة قوله «1» : # فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال # وأحسن من ذلك قوله «2» : # صدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريته في وجهه غمم # فكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم # وهذا من أعاجيب أبي الطيب التي برز فيها على الشعراء. # ومن الإحسان في هذا الباب قول بعضهم: # وقد أشق الحجاب الصعب مأربه ... دوني وآبى ولوجا فيه إن طرقا «3» # كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحا ... وليس ms233 يدخله إلا إذا انطبقا # ورأيت ابن حمدون البغدادي صاحب كتاب التذكرة قد أورد هذين البيتين في ~~كتابه، وقال: قد أغرب هذا الشاعر، ولكنه خلط وجرى على عادة الشعراء؛ لأن # PageV01P318 # الطيف لا يدخل الجفن، وإنما يتخيل إلى النفس؛ وهذا كلام من لم يطعم من ~~شجرة الفصاحة والبلاغة، وليس مثله عندي إلا كما يحكى عن ملك الروم إذ أنشد ~~عنده بيت المتنبي الذي هو «1» : # كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخاة فلما ثرن سالا # فسأل عن المعنى ففسر له، فقال: ما سمعت بأعذب من هذا الشاعر: أرأيت من ~~أناخ الجمل على عينه لا يهلكه. # ومن محاسن هذا القسم قول بعضهم: # تخيره الله من آدم ... فما زال منحدرا يرتقي # وكذلك قول الآخر: # بأبي غزال غازلته مقلتي ... بين الغوير وبين شطي بارق # عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق لناشق # وضممته ضم الكمي لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي # حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئا وكان معانقي # أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق # وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفت معانيه على القلوب حتى ~~كادت ترقص رقصا، والبيت الأخير منه هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرت ~~الأبصار بفضل الأسماع. # ومن هذا الضرب قول بعض المصريين يهجو إنسانا يقال له ابن طليل احترقت ~~داره: # PageV01P319 # انظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... طوعا إلى الإقرار بالأقدار # ما أوقد ابن طليل قط بداره ... نارا وكان هلاكها بالنار # وكذلك ورد قول ابن قلاقس من شعراء مصر: # زد رفعة إن قيل أنغ ... ض وانخفض إن قيل أثرى # كالغصن يدنو ما اكتسى ... ثمرا وينأى ما تعرى # وهذا من المعاني الدقيقة. # ومن هذا الأسلوب قول الشاعر المعروف بالحافظ في تشبيه البهار، وهو: # عيون تبر كأنما سرقت ... سواد أحداقها من الغسق # فإن دجا ليلها بظلمته ... ضممن من خوفها على السرق # وهذا تشبيه بديع لم يسمع بمثله، وهو من اللطافة على ما لا خفاء به. # ومن هذا القسم قول بعض المتأخرين من أهل زماننا: # لا تضع من عظيم قدر وإن ms234 كن ... ت مشارا إليه بالتعظيم # فالشريف العظيم ينقص قدرا ... بالتعدي على الشريف العظيم # ولع الخمر بالعقول رمى الخم ... ر بتنجيسها وبالتحريم # ومن غريب ما سمعته في هذا الباب قول بعض الشعراء المغاربة يرثي قتيلا: # غدرت به زرق الأسنة بعدما ... قد كن طوع يمينه وشماله # فليحذر البدر المنير نجومه ... إذ بان غدر مثالها بمثاله # وكذلك جاء قول بعض المغاربة في الخمر وكاساتها: # ثقلت زجاجات أتتنا فرعا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح # خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح # PageV01P320 # وهذا معنى مبتدع أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرا، ويروق كما رقت ~~لطفا، ويفوح كما فاحت نشرا. # وكذلك ورد قول ابن حمديس الصقلي: # يا سالبا قمر السماء جماله ... ألبستني للحزن ثوب سمائه # أضرمت قلبي فارتمى بشرارة ... وقعت بخدك فانطفت من مائه # وهذا المعنى دقيق جدا. # وقد سمعت في الخال ما شاء الله أن أسمع، فلم أجد مثل هذا. # وقد جاءني في الكلام المنثور من هذا الضرب شيء، وسأذكر ههنا منه نبذة. # فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة، فقلت: ألبس من الحسن أنضر لباس، ~~وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنا فكذلك ازداد طيبا، واتفقت فيه ~~الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبا، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، أو مر ~~على النيلوفر ليلا لتفتحت أحداقه. # والمعنى الغريب ههنا أن الشمس إذا طلعت على النيلوفر تفتح أوراقه، وإذا ~~غربت عنه انضم، ثم إني سمعت هذا في شعر الفرس لبعض شعرائهم، فحصل عندي منه ~~تعجب. # ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب، فقلت: الشيب إعدام للإيسار، وظلام ~~للأنوار؛ وهو الموت الأول الذي يصلى نارا من الهم أشد وقودا من النار، ولئن ~~قال قوم إنه جلالة فإنهم دقوا به وما جلوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا ~~وأضلوا، وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا، ~~ومن عجيب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع برده، ~~ولما فقد الشباب كان ms235 عنه عوضا ولا عوض عنه في فقده. # والمعنى المخترع ههنا في قولي: «وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة ~~الحرث دار قوم إلا ذلوا» وهو مستنبط من الحديث النبوي، وذاك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى # PageV01P321 # آلة حرث فقال: «ما دخلت هذه دار قوم إلا ذلوا» فأخذت أنا هذا ونقلته إلى ~~الشيب، فجاء كما تراه في أعلى درجات الحسن، وذلك لما بينه وبين الشيب من ~~المناسبة الشبيهة؛ لأن الشيب يفعل في البدن ما يفعله المحراث في الأرض، ~~وإذا نزل بالإنسان أحدث عنه ذلا. # ومن هذا الباب ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الناس أعبث به، فقلت: ~~وإذا كتبت مثالبه في كتاب اجتمع عليه بنات وردان، وحرم على أن أبدأ فيه ~~بالبسملة لأنها من القرآن. # وهذا معنى لطيف في غاية اللطافة، وهو مخترع لي. # وكذلك كتبت إلى بعض الناس كتابا من هذا الجنس أهزل معه، فقلت في فصل منه ~~ما أذكره، وهو: ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم ~~أسمه إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة ~~الأنعام، غير أنه من ذوات القرون والقرن عدوه عند الخصام. # وهذا معنى ابتدعته ابتداعا، ولم أسمعه لأحد من قبلي. # ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن هزيمة الكفار، وذلك فصل منه، فقلت: ~~وكانت الوقعة يوم الأحد منتصف شهر كذا وكذا، وهذا هو اليوم الذي تخيره ~~الكفار من أيام الأسبوع، ونصبوه موسما لشرع كفرهم المشروع، فحصل ارتيابهم ~~به إذ تضمن للإسلام مزيدا، وقالوا: هذا يوم قد أسلم فلا نجعله لنا عيدا، ~~وقد أفصح لهم لسانه لو كانوا يعلمون، بأن الدين عند الله هو الإسلام وأن ~~أولياءه هم المسلمون. # وهذا معنى انفردت بابتداعه، ولم يأت به أحد ممن تقدمني. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، وهو في وصف ~~القلم، فقلت: وقلم الديوان العزيز هو الذي يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، وهو ~~المطاع لجدع أنفه وسواد ms236 لباسه وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع، ومن أحسن ~~صفاته أن شعاره من شعار مولاه، فهو يخلع على عبيده من الكرامة ما يخلع. # PageV01P322 # في هذه الأوصاف معان حسنة لطيفة، ومنها معنى غريب لم أسبق إليه، وهو ~~قولي: «إنه المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي ~~الأجدع» فإن هذا مما ابتكرته، وهو مستخرج من الحديث النبوي في ذكر الطاعة ~~والجماعة، فقال صلى الله عليه وسلم: «أطع ولو عبدا حبشيا مجدعا ما أقام ~~عليك كتاب الله» فاستخرجت أنا للقلم معنى من ذلك، وهو أن القلم يجدع ويقمص ~~لباس السواد فصار حبشيا أجدع، وهذا كما فعل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في ~~قصيدته السينية، فإنه استخرج المعنى المخترع من القرآن الكريم، وأنا ~~استخرجت المعنى من الخبر النبوي كما أريتك، وهذا المعنى المشار إليه في وصف ~~القلم أوردته بعبارة أخرى على وجه آخر ونبهت عليه في كتاب «الوشي المرقوم ~~في حل المنظوم» وهذا كتاب ألفته في صناعة حل الشعر وغيره. # وبعد هذا فسأقول لك في هذا الموضع قولا لم يقله أحد غيري، وهو أن المعاني ~~المبتدعة شبيهة بمسائل الحساب المجهول من الجبر والمقابلة، فكما أنك إذا ~~وردت عليك مسألة من المجهولات تأخذها وتقلبها ظهرا لبطن، وتنظر إلى أوائلها ~~وأواخرها، وتعتبر أطرافها وأوساطها، وعند ذلك تخرج بك الفكرة إلى معلوم؛ ~~فكذلك إذا ورد عليك معنى من المعاني ينبغي لك أن تنظر فيه كنظرك في ~~المجهولات الحسابية، إلا أن هذا لا يقع في كل معنى؛ فإن أكثر المعاني قد ~~طرق وسبق إليه، والإبداع إنما يقع في معنى غريب لم يطرق، ولا يكون ذلك إلا ~~في أمر غريب لم يأت مثله، وحينئذ إذا كتب فيه كتاب أو نظم فيه شعر فإن ~~الكاتب والشاعر يعثران على مظنة الإبداع فيه، وقد لابست ذلك في مواضع كثيرة ~~وسأورد ههنا ما يحذى حذوه لمن استطاع إليه سبيلا. # ومن ذلك ما كتبته عن نفسي إلى بعض ملوك الشام، وأهديت إليه رطبا، وهو: ~~خلد الله دولة مولانا، وعمر لها ms237 مجدا وجنانا، وخولها السعادة عطاء حسابا، ~~وأنشأ الليالي لخدمتها عربا أترابا، وأبقى شبيهتها بقاء لا يستحدث معه ~~خضابا، ولا جعل لها في محاسن الدول السابقة أشباها ولا أضرابا، وألقى البأس ~~بين أعدائها وحسادها حتى يبعث لهم في الأرض غرابا، إذا أراد العبيد أن ~~يهدوا لمواليهم قصرت بهم يد وجدهم، وعلموا أن كل ما عندهم من عندهم، لكن في ~~الأشياء # PageV01P323 # المستطرفة ما يهدي وإن كان قدره خفيفا، ولولا اختلاف البلاد فيما يوجد ~~بها لما كان شيء من الأشياء طريفا، وقد أهدى المملوك من الرطب ما يتجلى في ~~صفة الوارس، ويزهى بحسنه حتى كأنه لم يدنس بيد لامس، وما سمي رطبا إلا ~~لاشتقاقه من الرطب الذي هو ضد اليابس، وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عليه ثناء جما، وفضل شجرته على الشجر بأن سماها أما، ولئن عدم عرفا ~~لذيذا فإنه لم يعد منظرا لذيذا ولا طعما، وله أوصاف أخرى هي لفضله بمنزلة ~~الشهود، فمنها أنه أول غذاء يفطر عليه الصائم وأول غذاء يدخل بطن المولود، ~~وأحسن من ذلك أنه معدود من الحلواء وإن كان من ذوات الغراس، ولا فرق بينهما ~~سوى أنه من خلق الله وتلك من خلق الناس، وإذا أنصف واصفه قال: ما من ثمرة ~~إلا وهي عنه قاصرة، ولو تفاخرت البلاد بمحاسن ثمارها لقامت أرض العراق به ~~فاخرة، وها قد سار إلى باب مولانا وهو مجني المنابت سار إلى مجني الكرم، ~~وملك الفاكهة وفد على ملك الشيم، ولما استقلت به الطريق أنشأ الحسد لغيره ~~من الفواكه أربا، وما منها إلا من قال: يا ليتني كنت رطبا، ولئن كان من ~~الثمرات التي تختلف في الصور والأسماء، ويفضل بعضها على بعض ويسقي بشراب ~~واحد من الماء، فكذلك تلك الشيم العريقة تتحد في عنصرها وهي مختلفة ~~الوتيرة، ومن أفضلها شيمة السماح التي تقبل القليل من عبيدها، وتسمح لهم ~~بالعطايا الكثيرة، وقد ضرب لها المملوك مثالا فقال هي: # كجنة بربوة، بل ضرب لها ما ضرب للمثل النبوي، وهي نخلة بكبوة، ولا يختم ms238 ~~كتابه بأحسن من هذا القول الذي طاب سمعا، وزكا أصلا وفرعا، وتصرف في أساليب ~~البلاغة فجاء به وترا وشفعا؛ والسلام. # وهذا كتاب غريب في معناه، وقد اشتمل على معان كثيرة؛ فمن جملتها أن الرطب ~~مشتق من الرطب الذي هو ضد اليابس، ومن جملتها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سمى النخلة أما فقال: «أمكم النخلة» ، ومن جملتها أنه كان صلى الله عليه ~~وسلم يفطر على رطبات فإن لم يجد فتمرات، ومن جملتها أنه كان يلوك التمرة ~~ويحنك بها المولود عند ميلاده، ولما ولد عبد الله بن الزبير جاءت أمه أسماء ~~بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه ووضعته في حجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلاك تمرة ووضعها في فيه، ومن جملتها أنه والحلواء شيء واحد، إلا أنه ~~من خلق الله وتلك من خلق الناس، ومن جملتها أن # PageV01P324 # العباس رضي الله عنه قال: يا رسول الله؛ إن قريشا تذاكرت أحسابها فضربوا ~~لك مثالا بنخلة بكبوة، وكل هذه المعاني حسنة واردة في موضعها، ومن كتب في ~~معنى من المعاني حسنة واردة في موضعها، ومن كتب في معنى من المعاني فليكتبه ~~هكذا، وإلا فليدع. # ومن ذلك رقعة كتبتها إلى بعض حجاب السلطان في حاجة عرضت لي، وأرسلت معها ~~هدية من ثياب ودراهم، وهي: # ما من صديق وإن صحت صداقته ... يوما بأنجح في الحاجات من طبق # إذا تلثم بالمنديل منطلقا ... لم يخش نبوة بواب ولا غلق # الهدية مشتقة من الهدى، غير أنها ترف إلى القلب لا إلى الندى، وصهارتها ~~أنفع من الصهارة، وكلما ترددت كانت بكرا فهي لا تنفك عن البكارة، ومن ~~خصائصها أنها تمسك بمعروف أمن من السراح، وإذا رامت فتح باب لا تفتقر في ~~علاجه إلى مفتاح، وقد قيل: إنها الحسناء المتأنقة في عمارة بيتها، التي ~~توصف بأن القنديل يضيء بزيتها، وقد أرسلتها إلى المولى وهي تتهادى في ~~إعجابها، وتدل بكثرة دراهمها وثيابها، وتقول: أنا الكريمة في قومها الشريفة ~~في أنسابها، وأحسن ما فيها أنها جاءت سرا، لم تعلم بها ms239 اليد اليمنى من ~~اليسرى؛ فخذها يا مولاي واكشف نقابها، وأمط عنها جلبابها، وقد كانت منك حرة ~~وهي الآن في حيز المملكة، ومن السنة في مثلها أن تؤخذ بالناصية ويدعى [لها] ~~بالبركة، والسائر بها فلان وهو في الجهل بها حامل أسفار، وناقل لها من دار ~~إلى دار، ولربما نطق لسان حالها الذي هو أفصح من نطق اللسان، وأذكرت بحاجة ~~مرسلها وحاش فطانة الكريم من النسيان، وليس المطلوب إلا فضيلة من الجاه ~~تسفر بين السائل والمسئول، وتنقل البعيد إلى درجة القريب والممنوع إلى درجة ~~المبذول، فإذا فعل المولى ذلك كان له منة السفارة ومنة الإنعام، وإن سمع ~~بأن سعيا واحدا فاز بشكرين اثنين ففي مثل هذا المقام، ومن الناس من يقول: ~~ليس على جانب السلطان ثقل في صنعه، وهل ههنا إلا كلمات تقال والكلام ماعون ~~لا رخصة في منعه، ولم يدر أن ملاطفة الخطاب ضرب من الاحتيال، وأن نقل ~~الخطوات فيه أثقل من نقل # PageV01P325 # الجبال، وأن صاحب الحاجة يحظى بحلاوة النجاح والحاجب يلقى مرارة السؤال. # وهذا يقوله الخادم إيجابا لإحسان المولى الذي هو إحسان شامل، ولا يعلمه ~~إلا عالم بفضله ولا يجهله إلا جاهل، والله تعالى يجعل الحاجات مغدوقة ~~ببابه، حتى لا تنفك في الدنيا من إمداد شكره وفي الآخرة من إمداد ثوابه؛ ~~والسلام. # فتأمل أيها الناظر في كتابي هذا إلى ما اشتملت عليه هذه الرقعة من ~~المعاني حتى تعلم كيف تضع يدك «1» فيما تكتبه. # ومن ذلك رقعة أخرى كتبتها في هذا المعنى المتقدم ذكره، وأرسلت معها هدية ~~من المسك، وهي: الهدية رسول يخاطب عن مرسله بغير لسان، ويدخل على القلوب من ~~غير استئذان، وقد قيل: أخت السحر في ملاطفة قصدها، غير أنها لا تحتاج إلى ~~نفثها ولا إلى عقدها، وما من قلب إلا وصورتها تجلي عليه في سرقة، ولولا شرف ~~مكانها لما حللت للنبي صلى الله عليه وسلم مع تحريم الصدقة، ولها صفات غير ~~هذه كريمة الأخطار، حسنة لدى الأسماع والأبصار، ومن أحسنها أنها تستجد ودا، ~~وتجعل قربا ما كان بعدا ms240 «2» . وتقول لنا الإحنة: يا نار كوني بردا، ولهذا ~~قيل: تهادوا تحابوا، ولا شك أنها وصلة بين المودات فإذا تواصل الناس ~~تقاربوا، وقد أرسل الخادم منها شيئا إذا كتمه ذاع، وإذا خزنه ضاع، وقد شبه ~~به الجليس الصالح بعدد أسباب الانتفاع، ومما زاد مزية على مزيته أنه وشيم ~~المولى توأمان، غير أن شيمته تنتمي إلى كرم محتدها وهو ينتمي إلى سرر ~~الغزلان، فإذا ورد على مجلسه قيل: # هذا عطر ورد على جونة عطار، وعرف له حق المشاركة فإن أدنى الشرك في الشيم ~~جوار، وقد نطق الخبر النبوي بأنه أحد الثلاثة التي لا ترد على من أهداها، ~~وإذا نظر إلى محصول بقائها وفائدتها وجد أطولها عمرا وأجداها، وهذا يحكم ~~على المولى بقبول ما استرسل الخادم في إرساله، وإذا سأل غيره في قبول هديته ~~كفاه نص الخبر مؤنة سؤاله؛ والسلام. # PageV01P326 # وهذه الرقعة أحسن من التي قبلها؛ فمما اشتملت عليه من المعاني قولي: # «وما من قلب إلا وصورتها تجلى عليه في سرقة، ولولا شرف مكانها لما حللت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مع تحريم الصدقة» وهذا المعنيان مستخرجان من ~~خبرين نبويين: # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جاءني جبريل عليه السلام ومعه ~~سرقة من حرير» يعني حريرة بيضاء «وفيها صورة عائشة» رضي الله تعالى عنها ~~وقال: «هذه زوجتك في الدنيا والآخرة» والخبر الآخر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «حرمت علي الصدقة، وأحلت لي الهدية» . # ومما اشتملت عليه أيضا قولي: «وقد أرسل الخادم منها شيئا إذا كتمه ذاع ~~وإذا خزنه ضاع» وهذه مغالطة حسنة؛ لأن المسك إذا كتم ذاعت رائحته، وإذا خزن ~~ضاع: أي فاح، ويقال: ضاع الشيء؛ إذا ذهب، فالمغالطة ههنا في الجمع بين ~~الضدين. # وكذلك قولي: «وقد شبه الجليس الصالح» وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضا، ~~وذاك أنه قال صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح مثل حامل المسك، إما ~~أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه عرفا طيبا، ومثل جليس السوء ~~مثل نافخ الكير، إما ms241 أن يحرق ثوبك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة» . # ومما اشتملت عليه من المعاني أيضا قولي: «إنه أحد الثلاثة التي لا ترد ~~على من أهداها» وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضا، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «ثلاثة لا ترد: # الطيب، والريحان، والدهن» . # ومن ذلك رقعة كلفني بعض أصدقائي إملاءها عليه، وهي رقعة من عاشق إلى ~~معشوق، وهي: # وإذا قيل من نحب تخطا ... ك لساني وأنت في القلب ذاكا # يا من لا أسميه، ولا أكنيه، وأذكر غيره وهو الذي أعنيه، لا تكن ممن أوتي ~~ملكا فلم ينظر في زواله، وعرف مكانه من القلوب فجار في إدلاله، ولا تغتر ~~بقول # PageV01P327 # من رأى الحسن للاساءة ماحيا «1» ، واعلم أن اللاحي يقول: كفى بالتذلل ~~لاحيا، وكثيرا ما يزول العشق بجنايات الصدود، والزيادة في الحد نقصان في ~~المحدود، وقد قيل: إن الحسن عليه زكاة كزكاة المال، وليست زكاته عند علماء ~~المحبة إلا عبارة عن الوصال، وهذه صدقة تقسم على أربابها، ولا ينتظر أن ~~يحول الحول في إيجابها، فهي مستمرة على تجدد الأيام، والمستحقون لها قسم ~~واحد ولا يقال: # إنهم ثمانية أقسام، وهؤلاء هم المخصوصون بفك الرقاب، ورقبة العشق أشد ~~أسرا من رقبة تتحرر بالكتاب، فأخرج يا مولاي من هذا الحق الواجب، وإلا فتأت ~~لطالب منى ومطالب، ولا تقل هذا غريم أكثر عد الليالي في مطله، وأعده ~~والمواعيد زاد لمثله، فهذه سلعة قد عاملتني بها مرة ساخرا ومرة ساحرا، ومن ~~الأقوال السائرة أن الغر تجعله التجربة ماهرا، ولعمري إن ممارسة الحب تجدد ~~لصاحبه علما، وتبصره وإن كان كما يقال أعمى، وقد كذب القائل: # عرضن للذي تحب بحب ... ثم دعه يروضه إبليس # فإن كانت الرياضة كما قيل لإبليس فما أراه صنعا في الذي صنع، وأراك ~~استعصيت عليه استعصاء القارح وأنت جذع، ولا شك أنك تهدم ما يشيده من ~~البناء، أو أنك مستثنى في جملة من دخل في حكم الاستثناء، وأنا الآن له ~~عائب، وعليه عاتب، فأين نفثاته التي هي أخدع من الحبائل، وأين قوله: ~~لآتينهم عن الأيمان ms242 والشمائل، وأين جنوده المسترقة ما في السماء، التي تجري ~~من بني آدم مجرى الدماء، وكل هذا قد بطل عندي خبره، كما بطل عندي أثره؛ فإن ~~أدركته النخوة بأني أستهزئ بتصديق أفعاله، فليحلل معقول حاجتي هذه حتى أعلم ~~أنه قادر على حل عقاله، وإلا فليخف رأسه، وليمح وسواسه، وإن كان له عرش على ~~البحر فليقوض من عرشه، وليعلم أن السحر ليس في عقده ونفثه ولكنه في الأصفر ~~ونقشه، وها أنا قد بعثت منه ما يجعل العزم محلولا، والود مبذولا، وما أقول ~~إلا # PageV01P328 # أني بعثت معشوقا إلى معشوق، وكلاهما محله القلب بل القلب من حبهما مخلوق، ~~وما أكرمه وهو وسيلة إلى مثله، وحسنه من حسنه وإن لم يكن شكله من شكله، وما ~~وصف واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه، ومن أغرب أوصافه وأحسنها أنه لم ~~ير ذو وجهين وجيها سواه، لا جرم أنه إذا سفر في أمر «1» تلطف في فتح ~~أبوابه، وتناول وعره بسهله وبعده فبدله باقترابه، ولو بعثت غيره لخفت ألا ~~يكون في سفارته صادقا، أو أنه كان يمضي سفيرا ويعود عاشقا، فليس على الحسن ~~أمانة، وفي مثله تعذر الخيانة، ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة ~~رشدها، ورأت مالا يحتمله كاهل جهدها، ومن الذي يقوى درعه على تلك السهام، ~~أو يروم النجاة منها وقد حيل بينه وبين المرام، وهذا الذي منعني أن أرسل ~~إلا كيسا وكتابا، فأحدهما يكون في السفارة والآخر على السر حجابا، والسلام ~~إن شاء الله تعالى. # وفي هذه الرقعة من المعاني الغريبة ما أذكره؛ فالأول: ما ذكرته في قسم ~~الصدقات وفك الرقاب، والثاني: ما ذكرته في وصف الدينار وهو أنه وجيه ذو ~~وجهين؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذو الوجهين لا يكون وجيها» وهذا ~~معنى لم يسبقني أحد إليه، وقد وصف الحريري الدينار في مقامة من مقاماته ولم ~~يظفر بهذا المعنى ولا جاء من الأوصاف التي ذكرها بمثله، والثالث أني بعثت ~~معشوقا إلى معشوق. # ومن ذلك ما كتبته، وكان توفيت زوجة بعض ms243 الملوك وتوفي معها ولد لها وهو ~~طفل صغير، وكان بينهما يومان، وتلك المرأة بنت ملك من الملوك أيضا، فكتب ~~إليه من الأطراف المجاورة يعزونه، وحضر عندي بعض الأدباء ممن يجب أن يكون ~~كاتبا، وعرض علي نسخة ما كوتب به ذلك الملك في التعزية بزوجته وولدها، ~~فوجدتها كتبا باردة غثة لا تعرب عن الحادثة، بل بينها وبينها بعد المشرقين، ~~ومن شرط الكتاب أن يكون الكتاب مضمنا فض المعنى المقصود، والتعازي مختلفة ~~الأنحاء: فتعازي النساء غير تعازي الرجال، وهي من مستصعبات فن الكتابة ~~والشعر، وتعازي الرجال أيضا تختلف، فلا يعزى بالميت على فراشه كما يعزى ~~بالميت قتيلا، ولا يعزى بالقتيل كما يعزى بالغريق، وهكذا يجري الحكم في # PageV01P329 # المعاني جميعها، وهذا شيء لا يتنبه له إلا الراسخون في هذا الفن من أرباب ~~النثر والنظم، وسألني ذلك الرجل عن هذه التعزية المشار إليها في المرأة ~~وولدها الصغير، وقال: أحب أن أعلم كيف تكون، فأمليت عليه ثلاثة كتب، كل ~~كتاب يتضمن معنى لا يتضمنه الكتاب الآخر. # فمما جاء منها كتاب أنا ذاكره ههنا، وهو: أشجى التعازي ما أتبع فيه ~~المفقود بمفقود، لا سيما إذا جمع بين سعد الأخبية وسعد السعود، وكل منهما ~~يعظم حزنا كما يعظم مكانا، وهذا يحسر عن الوجوه خمرا وهذا يلقي عن الرءوس ~~تيجانا، ولم يوفهما حقهما من بكي ولا من ندب، ولا من شعر ولا من كتب، وليت ~~فدى أحدهما بصاحبه فعاش درهما المفدي بالذهب. # ولو كان خطبا واحدا خف كلمه ... ولكنه خطب أعيد على خطب # وقد أصدر الخادم كتابه هذا ومن حقه أن يخرج في ثوب من الحداد، وأن يتعثر ~~في أذيال كلمه والكتاب عنوان الفؤاد، وغاية ما يقول: أحسن الله عزاء المجلس ~~السامي الملك الأجل السيد، على أن هذا الدعاء قد شهدت الحال بلحنه، وكيف ~~يملك قلبه عزاء وقد أوثقه الهم في سجنه، وصار له ولدا دون ولده وخدنا دون ~~خدنه، لكن يدعى له بامتداد البقاء، وأن تعامله الحوادث بعد هذه معاملة ~~الإبقاء، ثم نتبع ذلك بطلب الجنة لمن ms244 نقلته المنايا عن أرائك الخدور، ~~وجعلته في بطون القبور، ولمن فاجأت الأيام غصنه فقصفته، ولم يعش حتى عرف ~~الدنيا ولا عرفته؛ فواها لهما وقد نزلا بمنزل عديم الإيناس، وإن كان مأهولا ~~بأكثر الناس؛ فهو القريب دارا، البعيد مزارا، الذي حجب من اليأس بأمنع ~~حجاب، وذهب عن الوجوه المنعمة لذل التراب، فمن كان مسعدا للمجلس فليأخذ ~~بوله الجزع لا بعزيمة الاصطبار، وليقل: هذا حادث بان فيه تحامل الأقدار، ~~وجرت همومه مجرى الخواطر من القلوب والرقاد من الأبصار، فالأسوة إلا فيه ~~معدودة من الإحسان، والسلوة إلا عنه داخلة في حيز الإمكان، والخادم أولى من ~~لقي المجلس فيه بالإسعاد، وقام بما يجب من قضاء حق الوداد، وفعل ما يفعله ~~القريب الحاضر وإن كان على شقة من البعاد، وقد أرسل من ينوب عنه في التعزية ~~وإن لم يكف # PageV01P330 # فيها المناب، وكما رخص العذر في قصر الصلاة فكذلك رخص في الاقتصار على ~~الرسول والكتاب، وقد ود لو حضر بنفسه فاستسقى لذلك الضريح سحابا، وعقر عنده ~~ركابا، وسأل الله له مغفرة وثوابا؛ والسلام. # في هذا الكتاب معنى غريب، وهو قولي: «سعد الأخبية» كناية عن المرأة، و ~~«سعد السود» كناية عن ولدها؛ لأن سعد الأخبية اسم منزلة من منازل القمر، ~~والأخبية: جمع خباء، ومن شأن المرأة أن تحتجب في الأخبية، فهي سعدها، وهذا ~~من المعاني الغريبة في مثل هذا المقصد، وقد اتفق سعد الأخبية وسعد السعود ~~معا، وهذا أيضا غريب. # ومن ذلك أني كتبت كتابا عن الملك الأفضل علي بن يوسف إلى أخيه الملك ~~الظاهر غازي بن يوسف صاحب حلب، في أمر شخص كان أبوه صاحب مدينة تكريت، ~~وتكريت هذه كان يتولاها قديما الأمير أيوب جد الملك الأفضل والملك الظاهر، ~~وأولد بها ولده صلاح الدين يوسف أباهما، وعلى عقب ولادته انتقل والده عن ~~تكريت هو وعشيرته لأمر طرأ لهم، وجاء إلى الموصل، ثم إلى الشام، وهناك ~~سعدوا، وكانت السعادة على يد صلاح الدين يوسف، فلما أردت أن أكتب هذا ~~الكتاب علمت أنه مظنة المعاني المبتدعة؛ لأن الأمر ms245 المكتوب فيه غريب لم يقع ~~مثله، فحينئذ كتبت هذا الكتاب، وهو: رفع الله شأن مولانا الملك الظاهر ولا ~~زال الدهر فاخرا بمآثر سلطانه، ناظما مناقبه في جيده ومحامده في لسانه، ~~ناسخا بمساعي دولته ما تقدم من مساعي آل بويه وآل حمدانه، كتاب الخادم هذا ~~وارد من يد الأمير شمس الدين ابن صاحب تكريت، وهي أول أرض مس جلد الوالد ~~ترابها، ورقمت بها السعادة على جبينه كتابها، ومنها ظهر نور البيت الأيوبي ~~مشرقا، وأشام إذا خرج معرقا، وكفاه بذلك وسيلة يكتنفها الإحسان والإرعاء، ~~ويكفي صاحبها أن يقول لا أسقي حتى يصدر الرعاء، وقد قرنها بوسيلة قصد ~~الخدمة التي توجب لقاصدها ذماما، وتقول له: سلاما إذا قال سلاما، ثم ثلث ~~هاتين الوسيلتين بكتاب الخادم أخذا بالسنة النبوية في الدعاء وعدده، ~~وتفاؤلا بتثليث النجوم فيما يقصده المرء من سعادة مقصده، ولا قدح في كرم ~~الكريم إذا استكثر طالبه من الأسباب؛ فإن الله على كره قد استكثر إليه من ~~أعمال الثواب، وكتاب # PageV01P331 # الخادم على انفراده كاف لحامله، ومكثر من حقوق وسائله، وقد صدر مخاطبا عن ~~فحوى ضميره، فإنما تحق السفارة إذا قعد بكل طالب سعي سفيره، وهو مع ذلك ~~خفيفة صفحته، وجيزة لمحته، وإذا وجد لدى مولانا معولا، فليس عليه أن يرد ~~مطولا، إذ التعويل على نجح مصدره، لا على كثرة أسطره. # فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكتاب، وأعطه حقه من التأمل، حتى ترى ما ~~اشتمل عليه من المعاني، وانظر كيف ذكرت الأول، ثم الثاني، ثم الثالث؛ أما ~~المعنى الأول: فإنه يختص بذكر سعادة البيت الأيوبي ومنشئها وأنها ولدت ~~بتكريت، وهذا الرجل ينبغي أن يرعى بسببها، إذ كان أبوه صاحبها، وأما المعنى ~~الثاني: فإنه قصد الخدمة الظاهرية، وهذا وسيلة ثانية توجب له ذماما، وأما ~~المعنى الثالث: فإنه حرمة الكتاب الصادر على يده، ثم إني مثلت ذلك بالدعاء ~~النبوي وبتثليث النجوم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا دعا ~~ثلاثا، وإنما مثلت ذلك بالدعاء لأمرين: أحدهما: # أنه موضع سؤال وضراعة، والآخر: أن الكتاب ms246 وسيلة ثالثة، والدعاء ثلاث ~~مرار، وأما تثليث النجوم فإن التثليث سعد، والتربيع نحس، وأحسن المعاني ~~الثلاثة التي تضمنها هذا الكتاب هو الأول والثالث، وأما الثاني فإنه ~~متداول، فتأمل ما أشرت إليه، وإذا شئت أن تكتب كتابا فافعل كما فعلت في هذا ~~الكتاب إن كان الأمر الذي تكتب فيه غريب الوقوع. # واعلم أنه قد يقع المعنى المبتدع في غير أمر غريب الوقوع، وذلك يكون ~~قليلا بالنسبة إلى الوقائع الغريبة التي هي مظنة المعاني المبتدعة. # ومن هذا الباب ما أوردته في جملة رسالة طردية في وصف قسي البندق ~~وحامليها، وهو: فإذا تناولوها في أيديهم قيل: أهلة طالعة من أكف أقمار، ~~وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل: منايا مسوقة بأيدي أقدار، وتلك قسي وضعت للعب ~~لا للنضال، ولردى الأطيار لا لردى الرجال، وإذا نعتها ناعت قال: إنها جمعت ~~بين وصفي اللين والصلابة، وصنعت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة، فهي ~~مركبة من حيوان ونبات، مؤلفة منهما على بعد الشتات، فهذا من سكان البحر ~~وسواحله، وهذا من سكان البر ومجاهله، ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش ~~إلا # PageV01P332 # حين تشد، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد، ولها نثار أحكم تصويرها، ~~وصحح تدويرها، فهي في لونها صندلية الإهاب، وكأنما صيغت لقوتها من حجر لا ~~من تراب، فإذا قذفتها إلى الأطيار قيل ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد، ~~ولا يرى حينئذ إلا قتيل ولكن بالمثقل الذي لا يجب في مثله قود، فهي كافلة ~~من تلك الأطيار بقبض نفوسها، منزلة لها من جو السماء على أم رءوسها. # هذا الفصل يشتمل على معان غريبة، منها قولي: «إنها لا تتمكن من البطش إلا ~~حين تشد، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد» ومنها قولي: «ويصعد من ~~الأرض من جبال فيها من برد» ؛ وكل هذا من المعاني التي تبتدع بالنظر إلى ~~المقصد المكتوب فيه، فإن الكاتب إذا أفكر فيما لديه وتأمله وكان قادرا على ~~استخراج المعنى والمناسبة بينه وبين مقصده جاء هكذا كما تراه، إلا أن ms247 ~~القادر على ذلك من أقدره الله عليه؛ فما كان خاطر بحكيم، ولا كل من أوحى ~~إليه بكليم، وفي الأقلام هاشم لمن ناوأه ومنها هشيم. # وسأنبه في هذا الموضع على طريق يسلك إلى شيء من المعاني المخترعة، وهو ما ~~استخرجته وانفردت باستخراجه دون غيري، فإن المعاني المخترعة لم يتكلم فيها ~~أحد بالإشارة إلى طريق يسلك فيها؛ لأن ذلك مما لا يمكن، ومن ههنا أضرب ~~علماء البيان عنه، ولم يتكلموا فيه كما تكلموا في غيره، وكيف تتقيد المعاني ~~المخترعة بقيد أو يفتح إليها طريق تسلك وهي تأتي من فيض إلهي بغير تعليم؟ # ولهذا اختص بها بعض الناثرين والناظمين دون بعض، والذي يخص بها يكون فذا ~~واحدا يوجد في الزمن المتطاول، ولما مارست أنا هذا الفن- أعني فن الكتاب- ~~وقلبته ظهرا لبطن، وفتشت عن دفائنه وخباياه، وأكثرت من تحصيل مواده ~~والأسباب الموصلة إلى الغاية منه؛ سنح لي في شيء من المعاني المخترعة طريق ~~سلكته، وهو يستخرج من كتاب الله تعالى وأحاديث نبيه صلوات الله عليه ~~وسلامه، وقد تقدم لي منه أمثلة في هذا الكتاب، وذلك أنه ترد الآية من كتاب ~~الله، أو الحديث النبوي، والمراد بهما معنى من المعاني، فآخذ أنا ذلك ~~وأنقله إلى معنى آخر؛ فيصير مخترعا لي. # PageV01P333 # وسأورد ههنا منه نبذة يسيرة يعلم منها كيف فعلت حتى يسلك إليها في الطريق ~~الذي سلكته. # فمن ذلك قصة أصحاب الكهف والرقيم؛ فإني أخذت ذلك ونقلته إلى الإحسان ~~والشكر، ألا ترى أن الإحسان يستعار له كهف وكنف وظل، وأشباه ذلك، والشكر ~~كلمات تقال في التنويه بذكر المحسن وإحسانه، والرقيم هو الكتاب المكتوب، ~~فهو والشكر متماثلان، والذي أتيت به قد أوردته، وهو فصل من كتاب إلى بعض ~~المنعين: # الخادم يشكر إحسان المولى الذي ظل عنده مقيما، وغدا بمطالبه زعيما، وأصبح ~~بتواليه إليه مغرما كما أصبح له غريما، ولما تمثل في الاشتمال عليه كهفا ~~صار شكره فيه رقيما. # فانظر كيف فعلت فيه في هذا الموضع؛ لتعلم أني قد فتحت لك فيه طريقا ~~تسلكه. # وأما الحديث النبوي فإني أخذت ms248 قصة قتلى بدر كأبي جهل وعتبة وشيبة وغيرهم ~~ونقلتها إلى القلم، وذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على القليب الذي ~~ألقاهم فيه وناداهم بأسمائهم فقال: يا عتبة، يا شيبة، يا أبا جهل، يا فلان، ~~يا فلان؛ والحديث مشهور فلا حاجة إلى استقصائه، والذي أتيت به في وصف القلم ~~هو أني قلت: # ولقد مرح القلم في يدي وحق له أن يمرح، وأبدع فيما أتى به وكل إناء بالذي ~~فيه ينضح، ومن شأنه أن يستقل على أعواد المنبر فلا ينتهي من خطبتها إلى ~~فصلها، ويقف على جانب القليب إلا أنه لا ينادي من المعاني أبا جهلها. # فالدواة قليب، والقلم يقف عليه، والمعاني التي ينشئها من باب العلم، لا ~~من باب الجهل؛ فتأمل هذه الكلمات التي ذكرتها فإنها لطيفة جدا، وهي مخترعة ~~لي. # PageV01P334 # وهذا القدر كاف في طريق التعليم؛ فليحذ حذوه إن أمكن، والله الموفق ~~للصواب. # وأما الضرب الآخر من المعاني:- وهو الذي يحتذى فيه على مثال سابق، ومنهج ~~مطروق- فذلك جل ما يستعمله أرباب هذه الصناعة، ولذلك قال عنترة: # هل غادر الشعراء من متردم «1» # إلا أنه لا ينبغي أن يرسخ هذا القول في الأذهان؛ لئلا يؤيس من الترقي إلى ~~درجة الاختراع، بل يعول على القول المطمع في ذلك، وهو قول أبي تمام «2» : # لا زلت من شكري في حلة ... لابسها ذو سلب فاخر # يقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر # وعلى الحقيقة فإن في زوايا الأفكار خبايا، وفي أبكار الخواطر سبايا، لكن ~~قد تقاصرت الهمم ونكصت العزائم، وصار قصارى الآخر أن يتبع الأول، وليته ~~تبعه ولم يقصر عنه تقصيرا فاحشا. # ووقفت على كتاب يقال له «مقدمة ابن أفلح البغدادي» قد قصرها على تفصيل ~~أقسام علم الفصاحة والبلاغة، وللعراقيين بها عناية، وهم واصفون لها، ومكبون ~~عليها، ولما تأملتها وجدتها قشورا لا لب تحتها؛ لأن غاية ما عند الرجل أن ~~يقول: وأما الفصاحة فإنها كقول النابغة مثلا، أو كقول الأعشى، أو غيرهما، ~~ثم يذكر بيتا من الشعر أو أبياتا، وما بهذا تعرف حقيقة الفصاحة، ms249 حتى إذا ~~وردت في # PageV01P335 # كلام عرفنا أنه فصيح بما عرفنا من حقيقتها الموجودة فيه، وكذلك يقول في ~~غير الفصاحة. # ومن أعجب ما وجدته في كتاب أنه قال: أما المعاني المبتدعة فليس للعرب ~~منها شيء، وإنما اختص بها المحدثون، ثم ذكر للمحدثين معاني، وقال: هذا ~~المعنى لفلان، وهو غريب، وهذا القول لفلان، وهو غريب، وتلك الأقوال التي خص ~~قائليها بأنهم ابتدعوها قد سبقوا إليها؛ فإما أن يكون غير عارف بالمعنى ~~الغريب، وإما أنه لم يقف على أقوال الناظمين والناثرين ولا تبحر فيها حتى ~~عرف ما قاله المتقدم، مما قاله المتأخر، وأما قوله: «إنه ليس للعرب معنى ~~مبتدع وإنما هو للمحدثين» فيا ليت شعري من السابق إلى المعاني؟ من تقدم ~~زمانه أم من تأخر زمانه؟!. # وأنا أورد ههنا ما يستدل به على بطلان ما ذكره، وذاك أنه قد ورد من ~~المعاني أن صور المنازل تمثلت في القلوب فإذا عفت آثارها لم تعف صورها من ~~القلوب، وأول من أتى بذلك العرب، فقال الحرث بن خالد من أبيات الحماسة «1» ~~: # إني وما نحروا غداة منى ... عند الجمار يؤدها العقل «2» # لو بدلت أعلى مساكنها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو # لعرفت مغناها بما ضمنت ... مني الضلوع لأهلها قبل» # ثم جاء المحدثون من بعده فانسحبوا على ذيله وحذوا حذوه؛ فقال أبو تمام ~~«4» : # PageV01P336 # وقفت وأحشائي منازل للأسى ... به وهو قفر قد تعفت منازله # وقال البحتري «1» : # عفت الرسوم وما عفت أحشاؤه ... من عهد شوق ما تحول فتذهب # وقال المتنبي «2» : # لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل # وهذا المعنى قد تداوله الشعراء، حتى إنه ما من شاعر إلا ويأتي به في ~~شعره. # وكذلك ورد لبعضهم من شعراء الحماسة «3» : # أناخ اللؤم وسط بني رياح ... مطيته وأقسم لا يريم «4» # كذلك كل ذي سفر إذا ما ... تناهى عند غايته يقيم # وهذان البيتان من أبيات المعاني المبتدعة، وعلى أثرهما مشى الشعراء. # PageV01P337 # وكذلك ورد لبعضهم في شعر الحماسة «1» : # تركت ضأني تود الذئب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد # الذئب يطرقها في الدهر واحدة ms250 ... وكل يوم تراني مدية بيدي # وكذلك ورد قول الآخر: # قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا # وكم للعرب من هذه المعاني التي سبقوا إليها. # ومن أدل الدليل على فساد ما ذهب إليه من أن المحدثين هم المختصمون ~~بابتداع المعاني أو أول من بكى على الديار في شعره رجل يقال له ابن حزام، ~~وكان هو المبتدي لهذا المعنى أولا، وقد ذكره امرؤ القيس في شعره فقال: # عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حزام «2» # وقد أجمع نقلة الأشعار أن لامرئ القيس في صفات الفرس أشياء كثيرة لم يسبق ~~إليها ولا قيلت من قبله. # ويكفي من هذا كله ما قدمت القول فيه، وهو أن العرب السابقون بالشعر، ~~وزمانهم هو الأول، فكيف يقال: إن المتأخرين هم السابقون إلى المعاني؟ وفي ~~هذه الأمثلة التي أوردتها كفاية في نقض ما ذكره، ولو قال: إن المحدثين أكثر ~~ابتداعا للمعاني، وألطف مأخذا، وأدق نظرا؛ لكان قوله صوابا؛ لأن المحدثين ~~عظم الملك الإسلامي في زمانهم، ورأوا ما لم يره المتقدمون، وقد قيل: إن ~~اللها تفتح اللها؛ وهو كذلك فإن نفاق السوق جلاب. # PageV01P338 # وقد رأيت جماعة من متخلقي هذه الصناعة يجعلون همهم مقصورا على الألفاظ ~~التي لا حاصل وراءها، ولا كبير معنى تحتها، وإذا أتى أحده بلفظ مسجوع على ~~أي وجه كان من الغثاثة والبرد يعتقد أنه قد أتى بأمر عظيم، ولا يشك في أنه ~~صار كاتبا مفلقا، وإذا نظر إلى كتاب زماننا وجدوا كذلك؛ فقاتل الله القلم ~~الذي يمشي في أيدي الجهال الأغمار، ولا يعلم أنه كجواد يمشي تحت حمار، ولو ~~أنه لا يتطاول إليه إلا أهله لبان الفاضل من الناقص، على أنه كالرمح الذي ~~إذا اعتقله حامله بين الصفين بان به المقدم من الناكص، وقد أصبح اليوم في ~~يد قوم هم أحوج من صبيان الكاتب إلى التعليم، وقد قيل: إن الجهل بالجهل داء ~~لا ينتهي إليه سقم السقيم، وهؤلاء لا ذنب لهم؛ لأنهم لو لم يستخدموا في ~~الدول ويستكتبوا، وإلا ms251 ما ظهرت جهالتهم، وفي أمثال العوام: لا تعر الأحمق ~~شيئا فيظنه له، وكذلك يجري الأمر مع هؤلاء؛ فإنهم استكتبوا في الدول فظنوا ~~أن الكتابة قد صارت لهم بأمر حق واجب. # ومن أعجب الأشياء أني لا أرى إلا طامعا في هذا الفن، مدعيا له على خلوه ~~عن تحصيل آلاته وأسبابه، ولا أرى أحدا يطمع في فن من الفنون غيره ولا ~~يدعيه، هذا، وهو بحر لا ساحل له، يحتاج صاحبه إلى تحصيل علوم كثيرة حتى ~~ينتهي إليه، ويحتوي عليه؛ فسبحان الله! فسبحان الله! هل يدعى بعض هؤلاء أنه ~~فقيه أو طبيب أو حاسب أو غير ذلك من غير أن يحصل آلات ذلك ويتقن معرفتها؟ # فإذا كان العلم الواحد من هذه العلوم الذي يمكن تحصيله في سنة أو سنتين ~~من الزمان لا يدعيه أحد من هؤلاء فكيف يجيء إلى فن الكتاب وهو ما لا تحصل ~~معرفته إلا في سنين كثيرة فيدعيه وهو جاهل به؟. # ومما رأيته من المدعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور، وقصروا ~~معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثة التي لا حاصل وراءها؛ أنهم إذا أنكرت ~~هذه الحال عليهم، وقيل لهم: إن الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر ~~على حرف واحد فقط؛ إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا ~~به من غير كلفة، وإنما هو أمر وراء هذا، وله شروط متعددة؛ فإذا سمعوا ذلك ~~أنكروه؛ # PageV01P339 # لخلوهم عن معرفته، ثم لو عرفوه وأتوا به على الوجه الحسن من اختيار ~~الألفاظ المسجوعة لاحتاجوا إلى شرط آخر قد نبهت عليه في باب السجع؛ وإذا ~~أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة، وهدوا إلى طريق المعاني؛ ~~يقولون: لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة، فإنهم إنما اعتنوا ~~بالألفاظ ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءكم بها، فلم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه ~~حتى ادعوا الأسوة بالعرب فيه، فصارت جهالتهم جهالتين. # ولنذكر ههنا في الرد عليهم ما إذا تأمله الناظر في كتابنا عرف منه ما ~~يؤنقه، ويذهب به الاستحسان كل مذهب؛ فنقول: # اعلم أن العرب ms252 كما كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذبها فإن المعاني أقوى ~~عندها، وأكرم عليها، وأشرف قدرا في نفوسها؛ فأول ذلك عنايتها بألفاظها، ~~لأنها لما كانت عنوان معانيها وطريقها إلى اظهار أغراضها أصلحوها وزينوها، ~~وبالغوا في تحسينها؛ ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في الدلالة ~~على القصد، ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعا لذ لسامعه فحفظه، وإذا لم يكن ~~مسجوعا لم يأنس به أنسه في حالة السجع، فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم ~~وحسنوها، ورققوا حواشيها، وصقلوا أطرافها، فلا تظن أن العناية إذا ذاك إنما ~~هي بألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني، ونظير ذلك إبراز صورة الحسناء في ~~الحلل الموشية والأثواب المحبرة؛ فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما يشوه ~~من حسنه بذاذة لفظه وسوء العبارة عنه. # فإن قيل: إنا نرى من ألفاظ العرب ما قد حسنوه وزخرفوه، ولسنا نرى تحته مع ~~ذلك معنى شريفا، فمما جاء منه قول بعضهم «1» : # PageV01P340 # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح # ألا ترى إلى حسن هذا اللفظ وصقالته، وتدبيج أجزائه، ومعناه مع ذلك ليس ~~مدانيا له ولا مقاربا، فإنه إنما هو لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين ~~وتحدثنا على ظهور الإبل، ولهذا نظائر شريفة الألفاظ خسيسة المعاني. # فالجواب عن ذلك أنا نقول: هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم ~~النظر فيه، ولا رأى ما رآه القوم، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وعدم ~~معرفته، وهو أن في قول هذا الشاعر «كل حاجة» مما يستفيد منه أهل النسيب ~~والرقة والأهواء والمقة ما لا يستفيد غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم، ~~ألا ترى أن حوائج منى أشياء كثيرة: فمنها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها ~~التخلي للاجتماع، إلى غير ذلك مما هو تال له ومعقود الكون به، فكأن الشاعر ~~صانع عن هذا الموضع الذي أومأ له وعقد غرضه عليه بقوله في آخر البيت «ومسح ~~بالأركان من هو ماسح» أي: إنما كانت ms253 حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي ~~بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به وجار في القرية ~~من الله مجراه: أي لم نتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من ~~التعريض الجاري مجرى التصريح، وأما البيت الثاني فإن فيه: «أخذنا بأطراف ~~الأحاديث بيننا» وفي هذا ما نذكره لتعجب به وبمن عجب منه ووضع من معناه، ~~وذلك أنه لو قال أخذنا في أحاديثنا أو نحو ذلك لكان فيه ما يكبره أهل ~~النسيب؛ فإنه قد شاع عنهم واتسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الإلفين ~~والجذل بجمع شمل المتواصلين، ألا ترى إلى قول بعضهم: # وحديثها يا سعد عنها فزدتني ... جنونا فزدني من حديثك يا سعد # وقول الآخر: # وحديثها السحر الحلال لو انه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز # فإذا كان قدر الحديث عندهم على ما ترى فكيف به إذا قيده بقوله: «أخذنا # PageV01P341 # بأطراف الأحاديث» ؟ فإن في ذلك وحيا خفيا، ورمزا حلوا، ألا ترى أنه قد ~~يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ويتفاوضه ذوو الصبابة من التعريض ~~والتلويح والإيماء دون التصريح، وذلك أحلى وأطيب، وأغزل وأنسب، من أن يكون ~~كشفا ومصارحة وجهرا، وإن كان الأمر كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم، ~~وأشد تقدما في نفوسهم، من لفظهما، وإن عذب ولذ مستمعه، نعم في قول الشاعر: # وسالت بأعناق المطي الأباطح # من لطافة المعنى وحسنه ما لا خفاء به، وسأنبه على ذلك فأقول: إن هؤلاء ~~القوم لما تحدثوا وهم سائرون على المطايا شغلتهم لذة الحديث عن إمساك ~~الأزمة فاسترخت عن أيديهم، وكذلك شأن من يشره وتغلبه الشهوة في أمر من ~~الأمور، ولما كان الأمر كذلك وارتخت الأزمة عن الأيدي أسرعت المطايا في ~~المسير، فشبهت أعناقها بمرور السيل على وجه الأرض في سرعته، وهذا موضع كريم ~~حسن لا مزيد على حسنه، والذي لا ينعم نظره فيه لا يعلم ما اشتمل عليه من ~~المعنى، فالعرب إنما تحسن ألفاظها وتزخرفها عناية منها بالمعاني التي ~~تحتها، فالألفاظ إذا خدم المعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم، ms254 فاعرف ~~ذلك وقس عليه. ### | النوع الأول في الاستعارة # ولنقدم قبل الكلام في هذا الموضع قولا جامعا، فنقول: اعلم أن للفصاحة ~~والبلاغة أوصافا خاصة، وأوصافا عامة؛ فالخاصة كالتجنيس فيما يرجع إلى ~~اللفظ، وكالمطابقة فيما يرجع إلى المعنى، وأما العامة فكالسجع فيما يرجع ~~إلى اللفظ، وكالاستعارة فيما يرجع إلى المعنى، وهذا الموضع الذي نحن بصدد ~~ذكره- وهو الاستعارة- كثير الإشكال، غامض الخفاء. # وسأورد في كتابي هذا ما استخرجته، ولم أسمع فيه قولا لغيري، وكنت قدمت ~~القول في الفصل السابع من مقدمة الكتاب فيما يختص بإثبات المجاز، والرد # PageV01P342 # على من ذهب إلى أن الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه، وأقمت الدليل على ذلك، ~~ولا حاجة إلى إعادته ههنا، بل الذي أذكره ههنا هو ما يختص بالاستعارة التي ~~هي جزء من المجاز، ولم سميت بهذا الاسم، وكشفت عن حقيقتها، وميزتها عن ~~التشبيه المضمر الأداة، والكلام في هذا يحتاج إلى إعادة ذكر المجاز، ~~وإدخاله فيه، ليتقرر ويتبين. # والذي انكشف لي بالنظر الصحيح أن المجاز ينقسم قسمين: توسع في الكلام، ~~وتشبيه، والتشبيه ضربان: تشبيه تام، وتشبيه محذوف؛ فالتشبيه التام: أن يذكر ~~المشبه والمشبه به والتشبيه المحذوف: أن يذكر المشبه به، ويسمى استعارة، ~~وهذا الاسم وضع للفرق بينه وبين التشبيه التام، وإلا فكلاهما يجوز أن يطلق ~~عليه اسم التشبيه، ويجوز أن يطلق عليه اسم الاستعارة؛ لاشتراكهما في ~~المعنى، وأما التوسع فإنه يذكر للتصرف في اللغة، لا لفائدة أخرى، وإن شئت ~~قلت: إن المجاز ينقسم إلى: توسع في الكلام، وتشبيه، واستعارة، ولا يخرج عن ~~أحد هذه الأقسام الثلاثة، فأيها وجد كان مجازا. # فإن قيل: إن التوسع شامل لهذه الأقسام الثلاثة؛ لأن الخروج من الحقيقة ~~إلى المجاز اتساع في الاستعمال. # قلت في الجواب: إن التوسع في التشبيه والاستعارة جاء ضمنا وتبعا، وإن لم ~~يكن هو السبب الموجب لاستعمالهما؛ وأما القسم الآخر الذي هو لا تشبيه ولا ~~استعارة فإن النسب في استعماله هو طلب التوسع لا غير، وبيان ذلك أنه قد ثبت ~~أن المجاز فرع عن الحقيقة، وأن الحقيقة هي الأصل، وإنما ms255 يعدل عن الأصل إلى ~~الفرع لسبب اقتضاه، وذلك السبب الذي يعدل فيه عن الحقيقة إلى المجاز: إما ~~أن يكون لمشاركة بين المنقول إليه في وصف من الأوصاف، وإما أن يكون لغير ~~مشاركة؛ فإن كان لمشاركة: فإما أن يذكر المنقول والمنقول إليه معا، وإما أن ~~يذكر المنقول إليه دون المنقول؛ فإن ذكر المنقول والمنقول إليه معا كان ذلك ~~تشبيها، والتشبيه تشبيهان: تشبيه مظهر الأداة؛ كقولنا: زيد كالأسد، وتشبيه ~~مضمر الأداة، # PageV01P343 # كقولنا: زيد أسد، وهذا التشبيه المضمر الأداة قد خلطه قوم بالاستعارة، ~~ولم يفرقوا بينهما، وذلك خطأ محض. # وسأوضح وجه الخطأ فيه، وأحقق القول في الفرق بينهما تحقيقا جليا، فأقول: ~~أما التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره ههنا؛ لأنه معلوم لا خلاف ~~فيه، لكن نذكر التشبيه المضمر الأداة الذي وقع فيه الخلاف، فنقول: إذا ذكر ~~المنقول والمنقول إليه على أنه تشبيه مضمر الأداة قيل فيه: زيد أسد، أي ~~كالأسد، فأداة التشبيه فيه مضمرة، وإذا أظهرت حسن ظهورها، ولم تقدح في ~~الكلام الذي أظهرت فيه، ولا تزيل عنه فصاحة ولا بلاغة، وهذا بخلاف ما إذا ~~ذكر المنقول إليه دون المنقول، فإنه لا يحسن فيه ظهور أداة التشبيه، ومتى ~~أظهرت أزالت عن ذلك الكلام ما كان متصفا به من جنس فصاحة وبلاغة، وهذا هو ~~الاستعارة، ولنضرب لك مثالا نوضحه، فنقول: قد ورد هذا البيت لبعض الشعراء، ~~وهو: # فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص # وهذا قد ذكر فيه المنقول إليه دون المنقول؛ لأن تقديره عجل قد كالقضيب ~~وأبطأ ردف كالدعص، وبين إيراده على هذا التقدير وبين إيراده على هيئته في ~~البيت بون بعيد في الحسن والملاحة، والفرق إذا أن التشبيه المضمر الأداة ~~بحسن إظهار أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن ذلك فيها، وعلى هذا فإن ~~الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له الذي هو المنقول إليه ~~ويكتفي بذكر المستعار الذي هو المنقول. # فإن قيل: لا نسلم أن الفرق بين التشبيه وبين الاستعارة ما ذهبت إليه، بل ~~الفرق بينهما أن ms256 التشبيه إنما يكون بأداته كالكاف وكأن وما جرى مجراها؛ فما ~~لم يظهر فيه أداة التشبيه لا يكون تشبيها، وإنما يكون استعارة، فإذا قلنا: ~~زيد أسد، كان ذلك استعارة، وإذا قلنا: زيد كالأسد، كان ذلك تشبيها. # قلت في الجواب عن ذلك: إذا لم نجعل قولنا: «يد أسد» تشبيها مضمر الأداء ~~استحال المعنى؛ لأن زيدا ليس أسدا، وإنما هو كالأسد في شجاعته؛ فأداة ~~التشبيه لقدر ههنا ضرورة كي لا يستحيل المعنى. # PageV01P344 # فإن قيل: وكذلك أيضا إذا لم تقدر أداة التشبيه في الاستعارة استحال ~~المعنى؛ لأنا إذا قلنا: «عجل القضيب وأبطأ الدعص» فما لم نقدر فيه أداة ~~التشبيه وإلا استحال المعنى. # قلت في الجواب عن ذلك: تقدير أداة التشبيه لا بد منه في الموضعين؛ لكن ~~يحسن إظهارها في التشبيه، دون الاستعارة، وجملة الأمر أنا نرى أداة التشبيه ~~بحسن إظهارها في موضع دون موضع؛ فعلمنا أن الموضع الذي يحسن إظهارها فيه ~~غير الموضع الذي لا يحسن إظهارها فيه، فسمينا المواضع الذي يحسن إظهارها ~~فيه تشبيها مضمر الأداء، والذي لا يحسن إظهارها فيه استعارة، وإنما فعلنا ~~ذلك لأن تسمية ما يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بالتشبيه أليق، وتسمية ما لا ~~يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بالاستعارة أليق، فإذا قلنا: «زيد أسد» حسن ~~إظهار أداة التشبيه فيه، بأن نقول: زيد كالأسد، وإذا قلنا كما قال الشاعر: # فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص # لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، على ما تقدم من ذكر ذلك أولا. # فإن قيل: إذا أجزت إضمار أداة التشبيه وقدرت إظهارها في قولك: «زيد أسد» ~~أي: كالأسد، فنحن نضمر أيضا المستعار له ونقدر إظهاره؛ فإنه لما قال ~~الشاعر: «عجل القضيب وأبطأ الدعص» أضمر المستعار له، وهو القد والردف، وإذا ~~أظهر قيل: عجل قد كالقضيب، وأبطأ ردف كالدعص؛ ولا فرق بين الإضمارين، فكما ~~يسعك إضمار أداة التشبيه في قولك «زيد أسد» فكذلك يسعنا نحن إضمار المستعار ~~له في قول الشاعر. # فالجواب عن ذلك أني أقول: نحن في هذا المقام واقفون مع الاستحسان ms257 لامع ~~الجواز، ولو تأملت ما أوردته في أول كلامي بالعين الصحيحة لما أوردت علي ~~هذا الاعتراض ههنا؛ فإني قلت: التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداء ~~التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيها، ولو قلت: يجوز ~~أو لا يجوز لورد علي هذا الاعتراض الذي ذكرته، وقد علم وتحقق أن من الواجب ~~في حكم # PageV01P345 # الفصاحة والبلاغة ألا يظهر المستعار له، وإذا أظهر ذهب ما على الكلام من ~~الحسن والرونق، ألا ترى أنا إذا أوردنا هذا البيت الذي هو: # فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد # وجد عليه من الحسن والرونق ما لا خفاء به، وهو من باب الاستعارة، فإذا ~~أظهرنا المستعار له صرنا إلى كلام غث، وذاك أنا نقول: فأمطرت دمعا كاللؤلؤ ~~من عين كالنرجس وسقت خدا كالورد وعضت على أنامل مخضوبة كالعناب بأسنان ~~كالبرد، وفرق بين هذين الكلامين للمتأمل واسع. # فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص # فإن هذا البيت لا خفاء بما عليه من الحسن، وإذا ظهر فيه المستعار له زال ~~ذلك الحسن عنه، لا، بل تبدل بضده، وليس كذلك التشبيه المضمر الأداة، فإنا ~~إذا أظهرنا أداة التشبيه وأضمرناها كان ذلك سواء؛ إذ لا فرق بين قولنا: ~~«زيد أسد» وبين قولنا: «زيد كالأسد» وهذا لا يخفى على جاهل بعلم الفصاحة ~~والبلاغة، فضلا عن عالم، والمعول عليه في تأليف الكلام من المنثور والمنظوم ~~إنما هو حسنه وطلاوته، فإذا ذهب ذلك عنه فليس بشيء، ونحن في الذي نورده في ~~هذا الكتاب واقفون مع الحسن، لا مع الجواز. # ثم لو تنزلنا معك أيها المعترض عن درجة الحسن إلى درجة الجواز لما استقام ~~لك ما ذكرته، وذاك أن إضمار إداة التشبيه ظاهر في قولنا: «يد أسد» أي ~~كالأسد، وهو مضمر واحد، وأما قول الشاعر: «فرعاء إن نهضت لحاجتها» فإنه لا ~~يضمر فيه أداة التشبيه إلا بعد أن يظهر المستعار له، وحينئذ يكون فيه ~~إضماران: # أحدهما: المستعار له، والآخر: أداة التشبيه، وإضمار واحد أيسر من ~~إضمارين: # أحدهما معلق على ms258 الآخر، وإذا كان الأكر كذلك فالفرق بين الاستعارة ~~والتشبيه هو ما قدمت القول فيه من أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر ~~المستعار له، # PageV01P346 # فتأمل ما أشرت إليه وتدبره حتى تعلم أني ذكرت ما لم يذكره أحد غيري على ~~هذا الوجه. # وإنما سمي هذا القسم من الكلام استعارة لأن الأصل في الاستعارة المجازية ~~مأخوذ من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة، وهي أن يستعير بعض ~~الناس من بعض شيئا من الأشياء، ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة ~~ما يقتضي استعارة أحدهما من الآخر شيئا، وإذا لم يكن بينهما سبب معرفة بوجه ~~من الوجوه فلا يستعير أحدهما من الآخر شيئا؛ إذ لا يعرفه حتى يستعير منه، ~~وهذا الحكم جار في استعارة الألفاظ بعضها من بعض، فالمشاركة بين اللفظين في ~~نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشخصين في نقل الشيء ~~المستعار من أحدهما إلى الآخر. # واعلم أنه قد ورد من الكلام ما يجوز حمله على الاستعارة وعلى التشبيه ~~المضمر الأداة معا، باختلاف القرينة، وذاك أن يرد الكلام محمولا على ضمير ~~من تقدم ذكره فينتقل عن ذلك إلى غيره ويرتجل ارتجالا. # فمما جاء منه قول البحتري «1» : # إذا سفرت أضاءت شمس دجن ... ومالت في التعطف غصن بان # فلما قال: «أضاءت شمس دجن» بنصب الشمس كان ذلك محمولا على الضمير في ~~قوله: «أضاءت» كأنه قال أضاءت هي، وهذا تشبيه؛ لأن المشبه مذكور، وهو ~~الضمير في «أضاءت» الذي نابت عنه التاء، ويجوز حمله على الاستعارة بأن ~~يقال: «أضاءت شمس دجن» برفع الشمس، ولا يعود الضمير حينئذ إلى من تقدم ~~ذكره، وإنما يكون الكلام مرتجلا، ويكون البيت: # إذا سفرت أضاءت شمس دجن ... ومال من التعطف غصن بان # PageV01P347 # وهذا الموضع فيه دقة غموض، وحرف التشبيه يحسن في الأول دون الثاني. # وأما القسم الذي يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين ~~المنقول والمنقول إليه فذلك لا يكون إلا لطلب التوسع في الكلام، وهو سبب ~~صالح؛ إذ التوسع في الكلام ms259 مطلوب. # وهو ضربان: أحدهما: يرد على وجه الإضافة، واستعماله قبيح؛ لبعد ما بين ~~المضاف والمضاف إليه، وذاك لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة، وإذا ورد ~~التشبيه ولا مناسبة بين المشبه والمشبه به كان ذلك قبيحا، ولا يستعمل هذا ~~الضرب من التوسع إلا جاهل بأسرار الفصاحة والبلاغة، أو ساه غافل يذهب به ~~خاطره إلى استعمال ما لا يجوز ولا يحسن، كقول أبي نواس «1» : # بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح # فقوله: «بح صوت المال» من الكلام النازل بالمرة، ومراده من ذلك أن المال ~~يتظلم من إهانتك إياه بالتمزيق، فالمعنى حسن، والتعبير عنه قبيح، وما أحسن ~~ما قال مسلم بن الوليد في هذا المعنى «2» : # تظلم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما # وكذلك ورد قول أبي نواس أيضا «3» : # PageV01P348 # ما لرجل المال أمست ... تشتكي منك الكلالا # فإضافة الرجل إلى المال أقبح من إضافة الصوت. # ومن هذا الضرب قول أبي تمام «1» : # وكم أحرزت منكم على قبح قدها ... صروف النوى من مرهف حسن القد # فإضافة القد إلى النوى من التشبيه البعيد البعيد، وإنما أوقعه فيه ~~المماثلة بين القد والقد، وهذا أدب الرجل في تتبع المماثلة تارة والتجنيس ~~أخرى، حتى إنه ليخرج إلى بناء يعاب به أقبح عيب وأفحشه. # وكذلك ورد قوله «2» : # بلوناك أما كعب عرضك في العلا ... فعال وأما خد مالك أسفل «3» # PageV01P349 # فقوله: كعب عرضك وخد مالك مما يستقبح ويستنكر، ومراده من ذلك أن عرضك ~~مصون ومالك مبتذل، إلا أنه عبر عنه أقبح تعبير، وأبو تمام يقع في مثل ذلك ~~كثيرا. # وأما الضرب الآخر من التوسع فإنه يرد على غير وجه الإضافة، وهو حسن لا ~~عيب فيه، وقد ورد في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: «ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين» # فنسبة القول إلى السماء والأرض من باب التوسع؛ لأنهما جماد، والنطق إنما ~~هو للإنسان لا للجماد، ولا مشاركة ههنا بين المنقول والمنقول إليه. # وكذلك قوله تعالى: «فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين» ms260 . # وعليه ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه نظر إلى أحد يوما فقال: ~~«هذا جبل يحبنا ونحبه» فإضافة المحبة إلى الجبل من باب التوسع؛ إذ لا ~~مشاركة بينه وبين الجبل الذي هو جماد. # وعلى هذا ورد مخاطبة الطلول، ومساءلة الأحجار، كقول أبي تمام «1» : # أميدان لهوي من أتاح لك البلى ... فأصبحت ميدان الصبا والجنائب # وكقول أبي الطيب المتنبي «2» : # إثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل «3» # PageV01P350 # فأبو تمام سائل ربوعا عافية وأحجارا دارسة، ولا وجه لها ههنا إلا مساءلة ~~الأهل؛ كالذي في قوله تعالى: «وسئل القرية» # أي: أهل القرية، وكل هذا توسع في العبارة؛ إذ لا مشاركة بين رسوم الديار ~~وبين فهم السؤال والجواب، وكذلك قال أبو الطيب المتنبي في أمره الطلل بأن ~~يكون ثالثا لهما: أي الركب والإبل، وهذا واضح لا نزاع فيه. # فإذا قد تبين وتحقق ما أشرت إليه من هذا الموضع فالمجاز لا يخرج عن هذه ~~الأقسام الثلاثة: إما توسع، أو تشبيه، أو استعارة، وإذا حققنا النظر في ~~الاستعارة والتشبيه وجدناهما أمرا قياسيا في حمل فرع على أصل لمناسبة ~~بينهما، وإن كانا يفترقان بحدهما وحقيقتهما. # فأما حد الاستعارة فقيل: إنه نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة ~~بينهما، وهذا الحد فاسد؛ لأن التشبيه يشارك الاستعارة فيه، ألا ترى أنا إذا ~~قلنا: # «زيد أسد» أي كأنه أسد، وهذا نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة ~~بينهما؛ لأنا نقلنا حقيقة الأسد إلى زيد فصار مجازا، وإنما نقلناه لمشاركة ~~بين زيد وبين الأسد في وصف الشجاعة. # والذي عندي من ذلك أن يقال: حد الاستعارة نقل المعنى من لفظ إلى لفظ ~~المشاركة بينهما مع طي ذكر المنقول إليه؛ لأنه إذا احترز فيه هذا الاحتراز ~~اختص الاستعارة، وكان حدا لها دون التشبيه، وطريقه أنك تريد تشبيه الشيء ~~بالشيء مظهرا ومضمرا، وتجيء إلى المشبه فتعيره اسم المشبه به، وتجريه عليه، ~~مثال ذلك أن تقول: رأيت أسدا، وهذا كالبيت الشعر المقدم ذكره، وهو: # فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص # فإن ms261 هذا الشاعر أراد تشبيه القد بالقضيب، والردف بالدعص الذي هو كثيب ~~الرمل؛ فترك ذكر التشبيه مظهرا ومضمرا، وجاء إلى المشبه- وهو القد ~~[والردف]- فأعاره المشبه به- وهو القضيب والدعص- وأجراه عليه. # إلا أن هذا الموضع لا بد له من قرينة تفهم من فحوى اللفظ؛ لأنه إذا قال # PageV01P351 # القائل: رأيت أسدا، وهو يريد رجلا شجاعا؛ فإن هذا القول لا يفهم منه ما ~~أراد، وإنما يفهم منه أنه أراد الحيوان المعروف بالأسد، لكن إذا اقترن ~~بقوله: هذا قرينة تدل على أنه أراد رجلا شجاعا اختص الكلام بما أراد، ألا ~~ترى إلى قول الشاعر: «عجل القضيب وأبطأ الدعص» فإنه دل عليه من نفس؛ لأن ~~قوله: «فرعاء إن نهضت» دليل على أن المراد هو القد والردف «1» ؛ لأن القضيب ~~والدعص لا يكونان لامرأة فرعاء تنهض لحاجتها، وكذلك كل ما يجيء على هذا ~~الأسلوب؛ لأن المستعار له وهو المنقول إليه مطوي الذكر. # وكنت تصفحت كتاب «الخصائص» لأبي الفتح عثمان بن جني، فوجدته قد ذكر في ~~المجاز شيئا يتطرق إليه النظر، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى ~~المجاز إلا لمعان ثلاثة، وهي الاتساع، والتشبيه، والتوكيد؛ فإن عدمت ~~الثلاثة كانت الحقيقة ألبتة. # فمن ذلك قوله تعالى: «وأدخلناه في رحمتنا» # فهذا مجاز، وفيه الثلاثة المذكورة: أما الاتساع فهو أنه زاد في أسماء ~~الجهات والمحال اسما، وهو الرحمة، وأما التشبيه فإنه شبه الرحمة وإن لم يصح ~~دخولها بما يصح دخوله، وأما التوكيد فهو أنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما ~~يدرك بالحاسة؛ تعاليا بالمخبر عنه، وتفخيما له إذا صير بمنزلة ما يشاهد ~~ويعاين. # هذا مجموع قول أبي الفتح رحمه الله من غير زيادة ولا نقص. # والنظر يتطرق إليه من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز، بل وجود ~~واحد منها سببا لوجوده؛ ألا ترى أنه إذا وجد التشبيه وحده كان ذلك مجازا، ~~وإذا وجد الاتساع وحده كان ذلك مجازا، ثم إن كان وجود هذه المعاني الثلاثة ~~سببا # PageV01P352 # لوجود المجاز كان عدم واحد منها سببا لعدمه، ألا ترى ms262 أنا إذا قلنا: لا ~~يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانا ناطقا؛ فالحيوانية والنطق سبب لوجود ~~الإنسان، وإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون إنسانا، وكذلك كل صفات تكون ~~متقدمة لوجود الشيء؛ فإن وجودها بوجوده، وعدم واحد منها يوجب عدمه. # وأما الوجه الثاني: فإنه ذكر التوكيد والتشبيه، وكلاهما شيء واحد على ~~الوجه الذي ذكره؛ لأنه لما شبهت الرحمة، وهي معنى لا يدرك بالبصر، بمكان ~~يدخل، وهو صورة تدرك بالبصر، دخل تحته التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك ~~بالحاسة بما قد يدرك بالحاسة، على أن التوكيد ههنا، على وجه ما أورده في ~~تمثيله، لا أعلم ما الذي أراد به، لأنه لا يؤتى به في اللغة العربية إلا ~~لمعنيين: أحدهما: أنه يرد أبدا فيما استقري بألفاظ محصورة نحو نفسه وعينه ~~وكله، وما أضيف إليها مما استقري، وهو مذكور في كتب النحاة، وقد كفيت ~~مؤنته، الآخر: أنه يريد على وجه التكرير، نحو: قام زيد قام زيد، كرر اللفظ ~~في ذلك تحقيقا للمعنى المقصود: أي توكيدا، والذي ذكره أبو الفتح رحمه الله ~~تعالى لا يدل على أن المراد به أحد هذين المعنيين المشار إليهما، ولا شك ~~أنه أراد به المبالغة والمغالاة في إبراز المعنى الموهوم إلى الصورة ~~المشاهدة، فعبر عن ذلك بالتوكيد، ولا مشاحة له في تعبيره، وإذا أراد به ذلك ~~فهو والتشبيه سواء على ما ذكره، ولا حاجة إلى ذكر التوكيد مع ذكر التشبيه. # وأما الوجه الثالث: فإنه قال: «أما الاتساع فهو أنه زاد في أسماء الجهات ~~والمحال كذا وكذا» وهذا القول مضطرب شديد الاضطراب؛ لأنه ينبغي على قياسه ~~أن يكون جناح الذل في قوله تعالى: «واخفض لهما جناح الذل» # زيادة في أسماء الطيور، وذلك أنه زاد في أسماء الطيور اسما هو الذل، ~~وهكذا يجري الحكم في الأقوال الشعرية كقول أبي تمام «1» : # PageV01P353 # لبست سواه أقواما فكانوا ... كما أغنى التيمم بالصعيد # فزاد في أسماء اللباس اسما، هو الآدمي، وهذا مما يضحك منك، نعوذ بالله من ~~الخطل!! والاتساع في المجال لا يقال فيه كذا، وإنما ms263 يقال: هو أن تجرى صفة ~~من الصفات على موصوف ليس أهلا لأن تجرى عليه؛ لبعد ما بينه وبينها؛ كقول ~~أبي الطيب المتنبي: # إثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل «1» # فإنه أجري الكلام على ذلك، وإنما يستعمل طلبا للاتساع في أساليب الكلام، ~~لا لمناسبة بين الصفة والموصوف؛ إذ لو كان لمناسبة لما كان ذلك اتساعا، ~~وإنما كان ضربا من القياس في حمل الشيء على ما يناسبه ويشاكله، وحينئذ يكون ~~ذلك تشبيها أو استعارة، على ما أشرت إليه من قبل. # وكنت اطلعت في كتاب من مصنفات أبي حامد الغزالي رحمه الله ألفه في أصول ~~الفقه، ووجدته قد ذكر الحقيقة والمجاز، وقسم المجاز إلى أربعة عشر «2» # PageV01P354 # قسما، وتلك الأربعة عشر ترجع إلى الثلاثة التي أشرت إليها، وهي: التوسع، ~~والتشبيه، والاستعارة، ولا تخرج عنها؛ والتقسيم لا يصح في شيء من الأشياء ~~إلا إذا اختص كل قسم من الأقسام بصفة لا يختص بها غيره، وإلا كان التقسيم ~~لغوا لا فائدة فيه. # وسأورد ما ذكره وأبين فساده. # فالقسم الأول من الأقسام التي ذكرها هو: ما جعل للشيء بسبب المشاركة في ~~خاصة، كقولهم للشجاع: أسد، وللبليد: حمار، وهذا القسم داخل في الاستعارة، ~~إن ذكر المنقول وحده، مثل أن يقول القائل: رأيت أسدا، ومراده رجلا شجاعا، ~~أو رأيت حمارا، ومراده رجلا بليدا، وداخل في التشبيه المضمر الأداة، إن ذكر ~~المنقول والمنقول إليه معا، كقول القائل: زيد أسد: أي كالأسد، أو حمار: # أي كالحمار. # القسم الثاني: تسمية الشيء باسم ما يئول إليه، كقوله تعالى: «إني أراني ~~أعصر خمرا» # وإنما كان يعصر عنبا، وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لصفة المشابهة بين ~~المنقول والمنقول إليه، وهو من باب الاستعارة «1» ، لا، بل أوغل في ~~المشابهة من ذاك؛ لأن الخمر من العنب، وليس الأسد من الرجل، ولا الرجل من ~~الأسد. # القسم الثالث: تسمية الشيء باسم فرعه، كقول الشاعر: # وما العيش إلا نومة وتشرق ... وتمر على رأس النخيل وماء # PageV01P355 # فسمى الرطب تمرا، وهذا القسم والقسم الذي قبله سواء؛ لأن هناك سمى العنب ms264 ~~خمرا، وههنا سمى الرطب تمرا؛ فالعنب أصل، والخمر فرع، وكذلك الرطب أصل ~~والتمر فرع، وكلا هذين القسمين داخل في القسم الأول. # وهب أن الغزالي لم يحقق أمر المجاز وانقسامه إلى تلك الأقسام الثلاثة ~~التي أشرت إليها، ألم ينظر إلى هذين القسمين اللذين هما العنب والخمر ~~والرطب والتمر ويعلم أنهما شيء واحد لا فرق بينهما؟. # القسم الرابع: تسمية الشيء باسم أصله، كقولهم للآدمي: مضغة، وهذا ضد ~~القسم الذي قبله؛ لأن ذاك جعل الأصل فيه فرعا، وهذا جعل الفرع فيه أصلا، ~~وهو داخل في القسم الأول أيضا. # القسم الخامس: تسمية الشيء بدواعيه، كتسميتهم الاعتقاد قولا، نحو قولهم: ~~هذا يقول بقول الشافعي رحمه الله: أي يعتقد اعتقاده، وهذا القسم داخل في ~~القسم الأول؛ لأن بين القول وبين الاعتقاد مناسبة كالمناسبة بين السبب ~~والمسبب والباطن والظاهر. # القسم السادس: تسمية الشيء باسم مكانه، كقولهم للمطر: سماء؛ لأنه ينزل ~~منها، وهذا القسم داخل في الأول؛ لصفة المناسبة بين المنقول والمنقول إليه، ~~وهو النزول من عال، وكل ما علاك فأظلك فهو سماء، على أن الأغلب على ظني أن ~~هذا القسم من الأسماء المشتركة، وتسمية المطر بالسماء حقيقة فيه، وليس من ~~المجاز في شيء. # القسم الرابع: تسمية الشيء باسم مجاوره، كقولهم للمزادة: راوية، وإنما ~~الراوية الجمل الذي يحملها، وهذا القسم من باب التوسع، لا من باب التشبيه، ~~ولا من باب الاستعارة؛ لأن على قياسه ينبغي أن يسمى الجمل زاملة لأنه ~~يحملها. # القسم الثامن: تسمية الشيء باسم جزئه، كقولك لمن تبغضه: أبعد الله وجهه ~~عني، وإنما تريد سائر جثته، وهذا القسم داخل في القسم الأول، وهو شبيه ~~بتسمية الشيء باسم فرعه. # PageV01P356 # القسم التاسع: تسمية الشيء باسم ضده، وكقولهم للأسود والأبيض: جون، وهذا ~~القسم ليس من المجاز في شيء ألبتة، وإنما هو حقيقة في هذين المسميين معا؛ ~~لأنه من الأسماء المشتركة، كقولهم: شمت السيف، إذا سللته، وشمته، إذا ~~أغمدته، فدل الشيم على الضدين معا بالوضع الحقيقي؛ وفي اللغة من هذا شيء ~~كثير، فكيف يجعل هذا القسم من المجاز؟. # ولا شك ms265 أن الغزالي نظر إلى أن الضدين لا يجتمعان في محل واحد، فقاس الاسم ~~على الذات، وظن أن الذاتين لا يجتمعان في اسم واحد، كما أنهما لا يجتمعان ~~في محل واحد. # فإن قيل: لا نسلم أن اللفظ المشترك حقيقة بالوضع في المعنيين معا؛ لأن ~~ذلك يخل بفائدة الوضع الذي هو البيان، وإنما هو حقيقة في أحد معنييه مجاز ~~في الآخر. # فالجواب عن ذلك: أن هذا الموضع تقدم الكلام عليه في الفصل الثاني من ~~مقدمة الكتاب، وهو الفصل الذي يشتمل على آلات علم البيان وأدواته، فليؤخذ ~~من هناك، فإني قد أشبعت القول فيه إشباعا لا مزيد عليه. # القسم العاشر: تسمية الشيء بفعله، كتسمية الخمر مسكرا، وهذا القسم داخل ~~في القسم الأول، وأي مشاركة أقرب من هذه المشاركة؟ فإن الإسكار صفة لازمة ~~للخمر، وليست الشجاعة صفة لازمة لزيد؛ لأنه يمكن أن يكون زيد ولا شجاعة، ~~ولا يمكن أن يكون خمر ولا إسكار، ألا ترى أنها لم تسم خمرا إلا لإسكارها، ~~فإنها تخمر العقل: أي تستره. # القسم الحادي عشر: تسمية الشيء بكله، كقولك في جواب: «ما فعل زيد» : ~~القيام، والقيام جنس يتناول جميع أنواعه، وهذا القسم لا ينبغي أن يوصل ~~بأقسام المجاز؛ لأن القيام لزيد حقيقة. # فإن قيل: إن القيام يشمل جميع أنواع القيام من الماضي والحاضر والمستقبل. # PageV01P357 # قلت: وهذا من أقرب أقسام المجاز مناسبة؛ لأنه إقامة للمصدر مقام الفعل ~~الماضي، والمصدر أصل الفعل، وعلى هذا فإن هذا داخل في القسم الأول. # القسم الثاني عشر: الزيادة في الكلام لغير فائدة، كقوله تعالى: فبما رحمة ~~من الله لنت لهم # فما ههنا زائدة لا معنى لها: أي فبرحمة من الله لنت لهم، وهذا القول لا ~~أراه صوابا، وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن هذا القسم ليس من المجاز؛ لأن ~~المجاز هو دلالة اللفظ على غير ما وضع له في أصل اللغة، وهذا غير موجود في ~~الآية، وإنما هي دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل اللغة؛ والوجه ~~الآخر: أني لو سلمت أن ذلك من المجاز ms266 لأنكرت أن لفظة «ما» زائدة لا معنى ~~لها، ولكنها وردت تفخيما لأمر النعمة التي لان بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم له، وهي محض الفصاحة، ولو عرى الكلام منها لما كانت له تلك الفخامة، ~~وقد ورد مثلها في كلام العرب، كالذي يحكى عن الزباء، وذاك أن الوضاح الذي ~~هو جذيمة الأبرش تزوجها، والحكاية في ذلك مشهورة، فلما دخل عليها كشفت له ~~عن فرجها وقد ضفرت الشعر من فوقه ضفيرتين، وقالت: أذات عرس ترى «1» ؛ أما ~~إنه ليس ذلك من عوز المواس، ولا من قلة الأواس، ولكنه شيمة ما أناس، فمعنى ~~الكلام ولكنه شيمة أناس، وإنما جاءت لفظة «ما» ههنا تفخيما لشأن صاحب تلك ~~الشيمة وتعظيما لأمره، ولو أسقطت لما كان للكلام ههنا هذه الفخامة ~~والجزالة، ولا يعرف ذلك إلا أهله من علماء الفصاحة والبلاغة، وأما الغزالي ~~رحمه الله تعالى فإنه معذور عندي في ألا يعرف ذلك؛ لأنه ليس فنه، ومن ذهب ~~إلى أن في القرآن لفظا زائدا لا معنى له فإما أن يكون جاهلا بهذا القول، ~~وإما أن يكون متسمحا في دينه واعتقاده، وقول النحاة إن «ما» في هذه الآية ~~زائدة فإنما يعنون به أنها لا تمنع ما قبلها عن العمل؛ كما يسمونها في موضع ~~آخر كافة: أي أنها تكف الحرف العامل عن عمله؛ كقولك: إنما زيد قائم، فما قد ~~كفت إن عن العمل في زيد، وفي الآية لم تمنع عن العمل، ألا ترى أنها لم تمنع ~~الباء عن العمل في خفض الرحمة. # PageV01P358 # القسم الثالث عشر: تسمية الشيء بحكمه، كقوله تعالى: «وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها» # فسمي النكاح هبة، وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن النكاح هو تمكين ~~الزوج من الوطء على عوض على هيئة مخصوصة، والهبة، تمكينه من الشيء الموهوب ~~على غير عوض، فشاركت الهبة النكاح في نفس التمكين من الوطء، وإن اختلفا في ~~الصورة. # القسم الرابع عشر: النقصان الذي لا يبطل به المعنى، كحذف الموصوف وإقامة ~~الصفة مقامه، قال الله تعالى: ms267 «ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا» # أي: شخصا بريئا، وكحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ قال الله تعالى: ~~«وسئل القرية» # أي: أهل القرية؛ وهذا القسم داخل في القسم الأول: # أما حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه فلأن الصفة لازمة للموصوف، وأما حذف ~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فلأنه دل بالمسكون على الساكن، وتلك ~~مقارنة قريبة. # فهذه أقسام المجاز التي ذكرها الغزالي رحمه الله تعالى، وقد بينت فساد ~~التقسيم فيها، وأنها ترجع إلى ثلاثة أقسام، هي: التوسع، والتشبيه، ~~والاستعارة. # وحيث انتهى بي الكلام إلى ههنا، وفرغت مما أردت تحقيقه، وبينت ما أردت ~~بيانه؛ فإني أتبع ذلك بضرب الأمثلة للاستعارة التي يستفيد بها المتعلم ما ~~لا يستفيده بذكر الحد والحقيقة. # فمما جاء من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى في أول سورة إبراهيم صلوات ~~الله عليه: «الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور» # فالظلمات والنور: استعارة للكفر والإيمان، أو للضلال والهدى، والمستعار ~~له مطوي الذكر، كأنه قال: لتخرج الناس من الكفر الذي هو كالظلمة إلى ~~الإيمان الذي هو كالنور. # وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا: «وقد مكروا مكرهم وعند الله ~~مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال» # والقراءة برفع لتزول منه # PageV01P359 # الجبال ليست من باب الاستعارة، ولكنها في نصب تزول، واللام لام كي، ~~والجبال ههنا: استعارة طوى فيها ذكر المستعار له، وهو أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وما جاء به من الآيات والمعجزات: أي أنهم مكروا مكرهم لكي، ~~تزول منه هذه الآيات والمعجزات التي هي في ثباتها واستقرارها كالجبال. # وعلى هذا ورد قوله تعالى: «والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل ~~واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون» # فاستعار الأودية للفنون والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها، ~~وإنما خص الأودية بالاستعارة ولم يستعر الطرق والمسالك أو ما جرى مجراها ~~لأن الشعر تستخرج بالفكرة والروية، والفكرة والروية فيهما خفاء وغموض؛ فكان ~~استعارة الأودية لها أشبه وأليق. # والاستعارة في القرآن قليلة، لكن التشبيه المضمر ms268 الأداة كثير، وكذلك هي ~~في فصيح الكلام من الرسائل والخطب والأشعار؛ لأن طي المستعار له لا يتيسر ~~في كل كلام، وأما التشبيه المضمر الأداة فكثير سهل؛ لمكان إظهار المشبه ~~والمشبه به معا. # ومما ورد من الاستعارة في الأخبار النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«لا تستضيئوا بنار المشركين» فاستعار النار للرأي والمشورة: أي لا تهتدوا ~~برأي المشركين ولا تأخذوا بمشورتهم. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل يوما مصلاه فرأى أناسا كأنهم ~~يكثرون، فقال: «أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى» ~~وهاذم اللذات أراد به الموت، وهو مطوي الذكر. # وبلغني عن العرب أنهم يقولون عند رؤية الهلال: لا مرحبا باللجين مقرب أجل ~~ومحل، وهذا من باب الاستعارة في طي ذكر المستعار له. # وكذلك بلغني عن الحجاج بن يوسف أنه خطب خطبة عند قدومه العراق في أول ~~ولايته إياه، والخطبة مشهورة، من جملتها أنه قال: إن أمير المؤمنين نثل ~~كنانته وعجمها عودا عودا، فرآني أصلبها نجارا وأقومها عودا وأنفذها نصلا، ~~فقوله: «نثل # PageV01P360 # كنانته وعجمها عودا عودا» يريد أنه عرض رجاله واختبرهم واحدا واحدا جد ~~اختباره «1» فرآني أشدهم وأمضاهم، وهذا من الاستعارة الحسنة الفائقة. # وقد جاءني من الاستعارة في رسائلي ما أذكر شيئا منه، ولو مثالا واحدا، ~~وذلك أنه سألني بعض الأصدقاء أن أصف له غلامين تركيين كان يهواهما، وكان ~~أحدهما يلبس قباء أحمر، والآخر قباء أسود، فقلت: إذا تشعبت أسباب الهوى ~~كانت لسره أظهر، وأضحت أمراضه خطرا كلها ولا يقال في أحدها هذا أخطر، وقد ~~هويت بدرين على غصنين، ولا طاقة للقلب بهوى واحد فكيف إذا حمل هوى اثنين، ~~ومما شجاني أنهما يتلونان في أصباغ الثياب، كما يتلونان في فنون التجرم ~~والعتاب، وقد استجدا الآن زيا لا مزيد على حسنهما في حسنه، فهذا يخرج في ~~ثوب من حمرة خده وهذا في ثوب من سواد جفنه، وما أدري من دلهما على هذا ~~العجيب، غير أنه ليس على فتنة المحب أهدى من حبيب. # وهذا الفصل بجملته مما ms269 تواصفه الناس وأغروا بحفظه. # وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول مسكين الدارمي من شعراء الحماسة «2» : # لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنع # أحدثه؛ إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع # فالغزال المقنع هذا استعارة للمرأة الحسناء. # وكذا ورد قول رجل من بني يسار في كتاب الحماسة أيضا» # PageV01P361 # أقول لنفسي حين خود رألها ... رويدك لما تشفقي حين مشفق «1» # رويدك حتى تنظري عم تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق «2» # فالعارض المتألق: استعارة للحرب، أو الذي أطل بمكروهه كالبارق المتألق. # ويحكى أن امرأة وقفت لعبد الملك بن مروان وهو سائر إلى قتال مصعب بن ~~الزبير، فقالت: يا أمير المؤمنين؛ فقال: رويدك حتى تنظري عم تنجلي، وأنشد ~~البيت. # ومن هذا الباب قول عبد السلام بن رغبان «3» المعروف بديك الجن: # لما نظرت إلي عن حدق المها ... وبسمت عن متفتح النوار # وعقدت بين قضيب بان أهيف ... وكثيب رمل عقدة الزنار # عفرت خدي في الثرى لك طائعا ... وعزمت فيك على دخول النار # وهذه الأبيات لا تجد لها في الحسن شريكا، ولأن يسمى قائلها شحرورا أولى ~~من أن يسمى ديكا. # وكذلك ورد قوله: # لا ومكان الصليب في النحر من- ... ك ومجرى الزنار في الخصر # والخال في الخد إذ أشبهه ... وردة مسك على ثرى تبر # PageV01P362 # وحاجب مذ خطه قلم ال- ... - حسن بحبر البهاء لا الحبر # وأقحوان بفيك منتظم ... على شبيه من رائق الخمر # فالبيت الرابع هو المخصوص بالاستعارة، والمستعار له هو الثغر والريق. # ومما ورد لأبي تمام في هذا المعنى قوله «1» : # لما غدا مظلم الأحشاء من أشر ... أسكنت جانحتيه كوكبا يقد # فالكوكب: استعارة للرمح. # وكذلك ورد قوله في الاعتذار «2» : # أسرى طريدا للحياء من التي ... زعموا وليس لرهبة بطريد # وغدا تبين ما براءة ساحتي ... لو قد نفضت تهائمي ونجودي # والتهائم والنجود: هما استعارة مما استعارة مما استعاره من باطن أمره ~~وظاهره. # وكذلك ورد قوله «3» . # كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب # فالقضب والكثب: استعارة للقدود والأرداف. # PageV01P363 # وكذلك ورد في هذه القصيدة أيضا عند ms270 ذكر ملك الروم وانهزامه لما فتحت ~~مدينة عمورية، فقال: # إن يعد من حرها عدو الظليم فقد ... أوسعت جاحمها من كثرة الحطب # فالحطب: استعارة للقتلى. # وقبل هذا البيت ما يدل عليه؛ لأنه قال: # أحذى قرابينه صرف الردى ومضى ... يحتث أنجى مطاياه من الهرب # موكلا بيفاع الأرض يشرفها ... من خفة الخوف لا من خفة الطرب # إن يعد من حرها عدو الظليم ... ### | ............... # .. البيت وأحسن من هذا كله قوله «1» : # تطل الطلول الدمع في كل منزل ... وتمثل بالصبر الديار المواثل # دوارس لم يجف الربيع ربوعها ... ولا مر في أغفالها وهو غافل # يعفين من زاد العفاة إذا انتحى ... على الحي صرف الأزمة المتحامل «2» # فقوله: «زاد العفاة» : استعارة طوى فيها ذكر المستعار له، وهو أهل ~~الديار، كأنه قال: يعفين من قوم هم زاد العفاة. # وله في الغزل من الاستعارة ما بلغ به غاية اللطافة والرقة، وذلك في ~~قصيدته التي مطلعها: # إن عهدا لو تعلمان ذميما «3» # PageV01P364 # فقال: # قد مررنا بالدار وهي خلاء ... فبكينا طلولها والرسوما # وسألنا ربوعها فانصرفنا ... بسقام وما سألنا حكيما «1» # كنت أرعى النجوم حتى إذا ما ... فارقوني أمسيت أرعى النجوما «2» # والبيت الثالث هو المخصوص بالاستعارة. # وعلى هذا المنهاج ورد قول البحتري: # وأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل # والأغر المحجل الأول: هو الممدوح، والأغر المحجل الثاني: هو الفرس الذي ~~أعطاه إياه. # وكذلك ورد قوله «3» : # وصاعقة في كفه تنكفي بها ... على أرؤس الأعداء خمس سحائب # وهذا من النمط العالي الي شغلت براعة معناه وحسن سبكه عن النظر إلى ~~استعارته؛ والمراد بالسحائب الخمس الأصابع. # وكذلك ورد في أبيات الحماسة «4» : # PageV01P365 # دك طود الكفر دكا ... صاعق من وقع سيفك # أرسلته خمس سحب ... نشأت من بحر كفك # وكذلك ورد قوله في أبيات يصف فيها السيف: # حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضة لم تذبل # وهذا من الحسن على ما يشهد لنفسه، كأنه قال: حملت حمائله سيفا أخضر ~~الحديد كالبقلة. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي «1» : # في الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به ms271 الخدود محولا «2» # وكذلك ورد قوله: # يمد يديه في المفاضة ضيغم # وأحسن من هذا قوله في قصيدته التي مطلعها: # عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم «3» # PageV01P366 # وأصبحت بقرى هنزيط جائلة ... ترعى الظبى في خصيب نبته اللمم «1» # فما تركن بها خلدا له بصر ... تحت التراب ولا بازا له قدم «2» # ولا هزبرا له من درعه لبد ... ولا مهاة لها من شبهها حشم «3» # وهذا من المليح النادر؛ فالخلد: استعارة لمن اختفى تحت التراب خائفا، ~~والباز: استعارة لمن طار هاربا، والهزبر والمهاة: استعارتان للرجال ~~المقاتلة والنساء من السبايا. # ومن هذا الباب قوله «4» : # كل جريح ترجى سلامته ... إلا جريحا دهته عيناها «5» # تبل خدي كلما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها «6» # PageV01P367 # والبيت الثاني من الأبيات الحسان التي تتواصف، وقد حسن الاستعارة التي ~~فيه أنه جاء ذكر المطر مع البرق. # وبلغني عن أبي الفتح بن جني رحمه الله أنه شرح ذلك في كتابه الموسوم ~~بالمفسر الذي ألفه في شرح شعر أبي الطيب؛ فقال: إنها كانت تبزق في وجهه؛ ~~فظن أن أبا الطيب أراد أنها كانت تبسم فيخرج الريق من فمها ويقع على وجهه ~~فشبهه بالمطر، وما كنت أظن أن أحدا من الناس يذهب وهمه وخاطره حيث ذهب وهم ~~هذا الرجل وخاطره، وإذا كان هذا قول إمام من أئمة العربية تشد إليه الرحال ~~فما يقال في غيره؟ لكن فن الفصاحة والبلاغة غير فن النحو والإعراب. # وكذلك ورد قول الشريف الرضي «1» : # إذا أنت أفنيت العرانين والذرى ... رمتك الليالي من يد الخامل الغمر # وهبك اتقيت السهم من حيث يتقى ... فمن ليد ترميك من حيث لا تدري # فالعرانين والذرى: هما عظماء الناس وأشرافهم، كأنه قال: إذا أفنيت عظماء ~~الناس رميت من يد الخامل. # وإذا قد بينت أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له فإنها ~~لا تجيء إلا ملائمة مناسبة، ولا يوجد فيها مباينة ولا تباعد؛ لأنها لا تذكر ~~مطوية إلا لبيان المناسبة بين المستعار منه والمستعار له، ولو طويت ولم يكن ~~هناك مناسبة بين المستعار منه والمستعار له لعسر فهمه، ولم ms272 يبن المراد ~~منها. # PageV01P368 # ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي رحمه الله تعالى قد خلط ~~الاستعارة بالتشبيه المضمر الأداة، ولم يفرق بينهما، وتأسى في ذلك بغيره من ~~علماء البيان، كأبي هلال العسكري والغانمي وأبي القاسم الحسن بن بشر ~~الآمدي، على أن أبا القاسم بن بشر الآمدي كان أثبت القوم قدما في فن ~~الفصاحة والبلاغة، وكتابه المسمى ب «الموازنة بين شعر الطائيين» يشهد له ~~بذلك، وما أعلم كيف خفي عليه الفرق بين الاستعارة والتشبيه المضمر الأداة. # ومما أورده ابن سنان في كتابه الموسوم ب «سر الفصاحة» «1» قول امرئ القيس ~~في صفة الليل: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل «2» # وهذا البيت من التشبيه المضمر الأداة؛ لأن المستعار له مذكور، وهو الليل، ~~وعلى الخطأ في خلطه بالاستعارة فإن ابن سنان أخطأ في الرد على الآمدي، ولم ~~يوفق للصواب، وأنا أتكلم على ما ذكره ولا أضايقه في الاستعارة والتشبيه، بل ~~أنزل معه على ما رآه من أنه استعارة، ثم أبين فساد ما ذهب إليه. # وذاك أن الآمدي قال في كتاب الموازنة «3» : «إن امرأ القيس وصف أحوال # PageV01P369 # الليل الطويل، فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره، وترادف أعجازه، فلما جعل ~~له وسطا ممتدا وصدرا ثقيلا وأعجازا رادفة لوسطه استعار له اسم الصلب، وجعله ~~متمطيا من أجل امتداده، واسم الكلكل وجعله نائيا لتثاقله، واسم العجز من ~~أجل نهوضه» . # فقال ابن سنان الخفاجي معترضا عليه «1» : «إن هذا الذي ذكره الآمدي ليس ~~بمرضي غاية الرضا؛ وإن بيت امرئ القيس ليس من الاستعارة الجيدة، ولا ~~الرديئة، بل هو وسط؛ فإن الآمدي قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل لليل «2» ~~وسطا ممتدا استعار له اسم الصلب وجعله متمطيا من أجل امتداده، وحيث جعل له ~~آخرا وأولا استعار له عجزا وكلكلا، وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض؛ فذكر ~~الصلب إنما يحسن من أجل العجز والوسط، والتمطي من أجل الصلب، والكلكل ~~لمجموع ذلك، وهذه استعارة مبنية على استعارة أخرى» . # هذا حكاية كلامه في الاعتراض على الآمدي. # وفيه نظر من ms273 وجهين: # PageV01P370 # الأول: أنه قال: «هذا بيت من الاستعارة الوسطى التي ليست بجيدة ولا ~~رديئة» ثم جعلها استعارة مبنية على استعارة أخرى، وعنده أن الاستعارة ~~المبنية على الاستعارة من أبعد الاستعارات، وذاك أنه قسم الاستعارة إلى ~~قسمين: قريب مختار، وبعيد مطرح، فالقريب المختار: ما كان بينه وبين ما ~~استعير له تناسب قوي وشبه واضح، والبعيد المطرح: إما أن يكون لبعده مما ~~استعير له في الأصل، أو لأنه استعارة مبنية على استعارة أخرى؛ فيضعف لذلك؛ ~~هذا ما ذكره ابن سنان الخفاجي في تقسيم الاستعارة، وإذا كانت الاستعارة ~~المبنية على استعارة أخرى عنده بعيدة مطرحة فكيف جعلها وسطا؟ هذا تناقض في ~~القول. # الوجه الثاني: أنه لم يأخذ على الآمدي في موضع الأخذ؛ لأنه لم يختر إلا ~~ما حسن اختياره، وذاك أن حد الاستعارة على ما رآه الآمدي وابن سنان هو نقل ~~المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما، وإن كان المذهب الصحيح في حد ~~الاستعارة غير ذلك، على ما تقدم الكلام عليه، ولكني في هذا الموضع أنزل ~~معهما على ما رأياه حتى يتوجه الكلام على الحكم بينهما في بيت امرئ القيس، ~~وإذا حددنا الاستعارة بهذا الحد فبه يفرق على رأي ابن سنان بين الاستعارة ~~المرضية والاستعارة المطرحة؛ فإذا وجدنا استعارة في كلام ما عرضناها على ~~هذا الحد؛ فما وجدنا فيه مناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه حكمنا له ~~بالجودة، وما لم نجد فيه تلك المناسبة حكمنا عليه بالرداءة، وبيت امريء ~~القيس من الاستعارات المرضية؛ لأنه لو لم يكن لليل صدر أعني أولا ولم يكن ~~له وسط وآخر لما حسنت هذه الاستعارة، ولما كان الأمر كذلك استعار لوسطه ~~صلبا وجعله متمطيا واستعار لصدره المتثاقل- أعني أوله- كلكلا وجعله نائيا، ~~واستعار لآخره عجزا وجعله رادفا لوسطه؛ وكل ذلك من الاستعارة المناسبة. # وأما قول ابن سنان الخفاجي: «إن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى ~~بعيدة مطرحة» فإن في هذا القول نظرا، وذاك أنه قد ثبت لنا أصل نقيس عليه في ~~الفرق بين الاستعارة المرضية والمطرحة، كما أريناك، ولا ms274 يمنع ذلك من أن ~~تجيء استعارة مبنية على استعارة أخرى وتوجد فيها المناسبة المطلوبة في ~~الاستعارة المرضية فإنه قد ورد في القرآن الكريم ما هو من هذا الجنس، وهو ~~قوله تعالى: # PageV01P371 # «وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف» # ؛ فهذه ثلاث استعارات ينبني بعضها على بعض؛ فالأولى: استعارة القرية ~~للأهل، والثانية: استعارة الذوق للباس، والثالثة: # استعارة اللباس للجوع والخوف، وهذه الاستعارات الثلاث من التناسب على ما ~~لا خفاء به، فكيف يذم ابن سنان الخفاجي الاستعارة المبنية على استعارة ~~أخرى؟ وما أقول إن ذلك شذ عنه، إلا لأنه لم ينظر إلى الأصل المقيس عليه، ~~وهو التناسب بين المنقول عنه والمنقول إليه، بل نظر إلى التقسيم الذي هو ~~قسمه في القرب أو البعد، ورأى أن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى تكون ~~بعيدة، فحكم عليها بالاطراح، وإذا كان الأصل إنما هو التناسب فلا فرق بين ~~أن يوجد في استعارة واحدة أو في استعارة مبنية على استعارة، ولهذا أشباه ~~ونظائر في غير الاستعارة، ألا ترى أن المنطقي في المقدمة والنتيجة: كل ~~إنسان حيوان، وكل حيوان نام، فكل إنسان نام، وكذلك يقول المهندس في الأشكال ~~الهندسية: إذا كان خط أب مثل خط بج، وخط بج مثل خط جد؛ فخط أب مثل خط جد، ~~وهكذا أقول أنا في الاستعارة: إذا كانت الاستعارة الأولى مناسبة ثم بنى ~~عليها استعارة ثانية وكانت أيضا مناسبة فالجميع متناسب، وهذا أمر برهاني لا ~~يتصور إنكاره. # وهذا الشكل الذي أوردته ههنا هو اعتراض على ما ذكره ابن سنان الخفاجي في ~~الاستعارة، فلا تظن أني موافقه في الأصل، وإنما وافقته قصدا لتبيين وجه ~~الخطأ في كلامه، وكيف يسوغ لي موافقته، وقد ثبت عندي بالدليل أن الاستعارة ~~لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له؟. # وفيما قدمته من الكلام كفاية. # PageV01P372 ### | النوع الثاني في التشبيه # وجدت علماء البيان قد فرقوا بين التشبيه والتمثيل، وجعلوا لهذا بابا ~~مفردا، ولهذا بابا مفردا، وهما شيء ms275 واحد لا فرق بينهما في أصل الوضع، يقال: ~~شبهت هذا الشيء بهذا الشيء، كما يقال: مثلته به، وما أعلم كيف خفي ذلك على ~~أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه. وكنت قدمت القول في باب الاستعارة على ~~الفرق بين التشبيه وبينها، ولا حاجة إلى إعادته ههنا مرة ثانية. # والتشبيه ينقسم قسمين: مظهر، ومضمر، وفي المضمر إشكال في تقدير أداة ~~التشبيه فيه في بعض المواضع. # وهو ينقسم أقساما خمسة؛ فالأول: يقع موقع المبتدأ والخبر مفردين، ~~والثاني: يقع موقع المبتدأ المفرد وخبره جملة مركبة من مضاف ومضاف إليه، ~~والثالث: يقع موقع المبتدأ والخبر جملتين، والرابع: يرد على وجه الفعل ~~والفاعل، والخامس: يرد على وجه المثل المضروب. # وهذان القسمان الأخيران هما أشكل الأقسام في تقدير أداة التشبيه. # أما الأول: فكقولنا: زيد أسد؛ فهذا مبتدأ وخبره، وإذا قدرت أداة التشبيه ~~فيه كان ذلك ببديهة النظر على الفور، فقيل: زيد كالأسد. # وأما القسم الثاني والثالث: فإنهما متوسطان في تقدير أداة التشبيه فيهما؛ ~~فالثاني كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الكمأة جدري الأرض» وهذا يتنوع ~~نوعين، فإذا كان المضاف إليه معرفة كهذا الخبر النبوي لا يحتاج في تقدير ~~أداة التشبيه إلى تقديم المضاف إليه، بل إن شئنا قدمناه، وإن شئنا أخرناه، ~~فقلنا: الكمأة للأرض كالجدري، أو الكمأة كالجدري للأرض، وإذا كان المضاف ~~إليه نكرة فلا بد من تقديمه عند تقدير أداة التشبيه. # PageV01P373 # فمن ذلك قول البحتري «1» : # غمام سماح لا يغب له حيا ... ومسعر حرب لا يضيع له وتر «2» # فإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا: سماح كالغمام: ولا يقدر إلا هكذا، ~~والمبتدأ في هذا البيت محذوف، وهو الإشارة إلى الممدوح، كأنه قال: هو غمام ~~سماح. # ومن هذا النوع ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه على غير العارف بهذا الفن؛ ~~كقول أبي تمام «3» : # أي مرعى عين ووادي نسيب ... لحبته الأيام في ملحوب # ومراد أبي تمام أن يصف هذا المكان بأنه كان حسنا ثم زال عنه حسنه، فقال: ~~إن العين كانت تلتذ بالنظر إليه كالتذاذ السائمة بالمرعى؛ فإنه كان يشبب به ms276 ~~في الأشعار لحسنه وطيبه، وإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا: كأنه كان ~~للعين مرعى وللنسيب منزلا ومألفا. # وإذا جاء شيء من الأبيات الشعرية على هذا الأسلوب أو ما يجري مجراه فإنه ~~يحتاج إلى عارف بوضع أداة التشبيه فيه. # PageV01P374 # وأما الثالث فكقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل يكب الناس على مناخرهم ~~في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» كأنه قال: كلام الألسنة كحصائد المناجل. # وهذا القسم لا يكون المشبه به مذكورا فيه، بل تذكر صفته، ألا ترى أن ~~المنجل لم يذكر ههنا، وإنما ذكرت صفته، وهي الحصد؛ وكل ما يجيء من هذا ~~القسم فإنه لا يرد إلا كذلك. # وأما القسم الرابع والخامس اللذان هما أشكل الأقسام المذكورة في تقدير ~~أداة التشبيه فيهما فإنهما لا يتفطن لهما أنهما تشبيه. # فمما جاء من القسم الرابع قوله تعالى: «والذين تبوؤا الدار والإيمان من ~~قبلهم» # وتقديره أداة التشبيه في هذا الموضع أن يقال: هم في إيمانهم كالمتبوئ ~~دارا: أي أنهم قد اتخذوا الإيمان مسكنا يسكنونه، يصف بذلك تمكنهم منه. # وعلى هذا ورد قول أبي تمام «1» : # نطقت مقلة الفتى الملهوف ... فتشكت بفيض دمع ذروف # وإذا أردنا أن نقدر أداة التشبيه ههنا قلنا: دمع العين كنطق اللسان، ~~الباكية كأنما تنطق بما في الضمير. # PageV01P375 # وأما ما جاء من القسم الخامس فكقول الفرزدق يهجو جريرا «1» : # ما ضر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران # فشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله في مجمع البحرين، فكما أن البول في مجمع ~~البحرين لا يؤثر شيئا فكذلك هجاؤك هؤلاء القوم لا يؤثر شيئا، وهذا البيت من ~~الأبيات الذي أقر له الناس بالحسن «2» . # وكذلك ورد قوله أيضا «3» : # قوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم # فإنه شبه القوارص التي تأتيه محتقرة بالقطر الذي يملأ الإناء على صغر ~~مقداره، يشير بذلك إلى أن الكثرة تجعل الصغير من الأمر كبيرا. # وهذا الموضع يشكل على كثير من علماء البيان ويخلطونه بالاستعارة، كقول ~~البحتري في التعزية بولد «4» : # PageV01P376 # تعز فإن السيف يمضي وإن وهت ... حمائله عنه وخلاه قائمه ms277 # وهذا ليس من التشبيه، وإنما هو استعارة؛ لأن المستعار له مطوي الذكر، وهو ~~المعزى، كأنه قال: تعز فإنك كالسيف الذي يمضي وإن وهت حمائله وخلاه قائمه. # فإن قيل: إنك قدمت القول في باب الاستعارة بأن التشبيه المضمر الأداة ~~يحسن تقدير أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن تقدير أداة التشبيه فيها، ~~وجعلت ذلك هو الفرق بين التشبيه المضمر الأداة بين الاستعارة، وقررت ذلك ~~تقريرا طويلا عريضا، ثم نراك قد نقضته ههنا بقولك: إن من التشبيه المضمر ~~الأداء ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه، وإنه يحتاج في تقديرها إلى نظر، ~~كهذين البيتين المذكورين للفرزدق وما يجري مجراهما. # فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا الذي ذكرته لا ينقص علي شيئا مما قدمت ~~القول فيه في باب الاستعارة؛ لأني قلت: إن التشبيه المضمر الأداة يحسن ~~تقدير الأداة فيه: أي لا يتغير بتقديرها فيه عن صفته التي اتصف بها من ~~فصاحة وبلاغة؛ وليس كذلك الاستعارة؛ فإنها إذا قدرت أداة التشبيه فيها ~~تغيرت عن صفتها التي اتصفت بها من فصاحة وبلاغة، وأما الذي ورد ههنا من ~~بيتي الفرزدق وما يجري مجراهما من التشبيه المضمر الأداة فإن أداة التشبيه ~~لا تتقدر فيه، وهو على حالته من النظم، حتى تتبين هل تغيرت صفته التي اتصف ~~بها من فصاحة وبلاغة أم لا، وإنما تتقدر أداة التشبيه فيه على وجه آخر، ~~وهذا لا ينقض ما أشرت إليه في باب الاستعارة. # وإذا ثبتت هذه الأقسام الأربعة فأقول: إن التشبيه المضمر أبلغ من التشبيه ~~المظهر وأوجز: أما كونه أبلغ فلجعل المشبه مشبها به من غير واسطة أداة؛ ~~فيكون هو إياه؛ فإنك إذا قلت: زيد أسد، كنت قد جعلته أسدا من غير إظهار ~~أداة التشبيه، # PageV01P377 # وأما كونه أوجز فلحذف أداة التشبيه منه، وعلى هذا فإن القسمين من المظهر ~~والمضمر كليهما في فضيلة البيان سواء؛ فإن الغرض المقصود من قولنا: «زيد ~~أسد» أن يتبين حال زيد في اتصافه بشهامة النفس وقوة البطش وجراءة الإقدام ~~وغير ذلك مما يجري مجراه، إلا أنا لم نجد شيئا ms278 ندل به عليه سوى أن جعلناه ~~شبيها بالأسد؛ حيث كانت هذه الصفات مختصة به، فصار ما قصدناه من هذا القول ~~أكشف وأبين من أن لو قلنا: زيد شهم شجاع قوي البطش جريء الجنان، وأشباه ~~ذلك، لما قد عرف وعهد من اجتماع هذه الصفات في المشبه، أعني الأسد، وأما ~~زيد الذي هو المشبه فليس معروفا بها وإن كانت موجودة فيه. # وكلا هذين القسمين أيضا يختص بفضيلة الإيجاز، وإن كان المضمر أوجز من ~~المضمر؛ لأن قولنا: زيد أسد، أو كالأسد، يسد مسد قولنا: زيد من حاله كيت ~~وكيت، وهو من الشجاعة والشدة على كذا وكذا، مما يطول ذكره. # فالتشبيه إذا يجمع صفات ثلاثة، هي: المبالغة، والبيان، والإيجاز، كما ~~أريتك، إلا أنه من بين أنواع علم البيان مستوعر الذهب، وهو مقتل من مقاتل ~~البلاغة، وسبب ذلك أن حمل الشيء على الشيء بالمماثلة إما صورة وإما معنى ~~يعز صوابه وتعمر الإجادة فيه، وقلما أكثر منه أحد إلا عثر، كما فعل ابن ~~المعتز من أدباء العواق، وابن وكيع من أدباء مصر؛ فإنهما أكثرا من ذلك لا ~~سيما في وصف الرياض والأشجار والأزهار والثمار، لا جرم أنهما أتيا بالغث ~~البارد الذي لا يثبت على محك الصواب؛ فعليك أن تتوقى ما أشرت إليه. # وأما فائدة التشبيه من الكلام فهي أنك إذا مثلت الشيء بالشيء فإنما تقصد ~~به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبه به أو بمعناه، وذلك أوكد في طرفي ~~الترغيب فيه، أو التنفير عنه، ألا ترى أنك إذا شبهت صورة بصورة هي أحسن ~~منها كان ذلك مثبتا في النفس خيالا حسنا يدعو إلى الترغيب فيها، وكذلك إذا ~~شبهتها بصورة شيء أقبح منها كان ذلك مثبتا في النفس خيالا قبيحا يدعو إلى ~~التنفير عنها، وهذا لا نزاع فيه. # PageV01P378 # ولنضرب له مثالا يوضحه فنقول: قد ورد عن ابن الرومي في مدح العسل وذمه ~~بيت من الشعر، وهو: # تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت ذا قيء الزنابير # ألا ترى كيف مدح وذم الشيء الواحد بتصريف التشبيه المجازي ms279 المضمر الأداة ~~الذي خيل به إلى السامع خيالا يحسن الشيء عنده تارة ويقبحه أخرى، ولولا ~~التوصل بطريق التشبيه على هذا الوجه لما أمكنه ذلك، وهذا المثال كاف فيما ~~أردناه. # واعلم أن محاسن التشبيه أن يجيء مصدريا؛ كقولنا: أقدم إقدام الأسد، وفاض ~~فيض البحر، وهو أحسن ما استعمل في باب التشبيه، كقول أبي نواس في وصف الخمر ~~«1» : # وإذا ما مزجوها ... وثبت وثب الجراد # وإذا ما شربوها ... أخذت أخذ الرقاد # وقيل: إن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، ومن ~~ههنا غلط بعض الكتاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبها له؛ فقال: ~~هامة عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل فكان الهلال منها قلامة؛ ~~وهذا الكاتب حفظ شيئا وغابت عنه أشياء؛ فإنه أخطأ في قوله: «أنملة» وأي ~~مقدار للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؛ وأصاب في المناسبة بين ~~ذكر الأنملة والقلامة وتشبيهها بالهلال. # PageV01P379 # فإن قيل: إن هذا الكاتب تأسى فيما ذكره بكلام الله تعالى حيث قال: «الله ~~نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح» # فمثل نوره بطاقة فيها ذبالة، وقال الله تعالى: «والقمر قدرناه منازل حتى ~~عاد كالعرجون القديم» # فمثل الهلال بأصل عذق النخلة. # فالجواب عن ذلك أني أقول: أما تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح ~~فإن هذا مثال ضربه للنبي صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه أنه قال: «يوقد من ~~شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية» # وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيها لطيفا عجيبا، وذاك أن قلب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وما ألقى فيه من النور وما هو عليه من الصفة الشفافة ~~كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءتها؛ وبما الشجرة المباركة التي لا ~~شرقية ولا غربية فإنها عبارة عن ذات النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من أرض ~~الحجاز التي لا تميل إلى الشرق ولا إلى الغرب، وأما زيت هذه الزجاجة فإنه ~~مضيء من غير أن تمسه نار، والمراد بذلك أن فطرته فطرة صافية، من ms280 الأكدار، ~~منيرة من قبل مصافحة الأنوار؛ فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه ~~الآية. # وأما الآية الأخرى فإنه شبه الهلال فيها بالعرجون القديم، وذلك في هيئة ~~نحوله واستدارته، لا في مقداره؛ فإن مقدار الهلال عظيم، ولا نسبة للعرجون ~~إليه، لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئة، لا مقدارا. # وأما هذا الكاتب فإن تشبيهه ليس على هذا النسق؛ لأنه شبه صورة الحصن ~~بأنملة في المقدار، لا في هيئة والشكل، وهذا غير حسن ولا مناسب، وإنما ~~ألقاه فيه أنه قصد الهلال والقلامة مع ذكر الأنملة، فأخطأ من جهة، وأصاب من ~~جهة، لكن خطؤه غطى على صوابه. # والقول السديد في بلاغة التشبيه هو ما أذكره، وهو: أن إطلاق من أطلق قوله ~~في أن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الأصغر بالأكبر غير سديد؛ فإن هذا قول ~~غير حاصر للغرض المقصود؛ لأن التشبيه يأتي تارة في معرض المدح، وتارة في ~~معرض الذم، وتارة في غير معرض مدح ولا ذم، وإنما يأتي قصدا للإبانة ~~والإيضاح، ولا يكون تشبيه أصغر بأكبر، كما ذهب إليه من ذهب، بل القول ~~الجامع في ذلك أن # PageV01P380 # يقال: إن التشبيه لا يعمد إليه إلا لضرب من المبالغة: فإما أن يكون مدحا، ~~أو ذما، أو بيانا وإيضاحا، ولا يخرج عن هذه المعاني الثلاثة، وإذا كان ~~الأمر كذلك فلا بد فيه من تقدير لفظة أفعل، فإن لم تقدر فيه لفظة أفعل فليس ~~بتشبيه بليغ، ألا ترى أنا نقول في التشبيه المضمر الأداة: زيد أسد، فقد ~~شبهنا زيدا بأسد الذي هو أشجع منه، فإن لم يكن المشبه به في هذا المقام ~~أشجع من زيد الذي هو المشبه، وإلا كان التشبيه ناقصا؛ إذ لا مبالغة فيه. # وأما التشبيه المظهر الأداة فكقوله تعالى: «وله الجوار المنشآت في البحر ~~كالأعلام» # وهذا تشبيه كبير بما هو أكبر منه؛ لأن خلق السفن البحرية كبير وخلق ~~الجبال أكبر منه، وكذلك إذا شبه شيء حسن بشيء حسن، فإنه إذا لم يشبه بما هو ~~أحسن منه فليس بوارد على طريق البلاغة، وإن ms281 شبه قبيح بقبيح، وهكذا «1» ~~ينبغي أن يكون المشبه به أقبح، وإن قصد البيان والإيضاح فينبغي أن يكون ~~المشبه به أبين وأوضح، فتقدير لفظة أفعل لا بد منه فيما يقصد به بلاغة ~~التشبيه، وإلا كان التشبيه ناقصا، فاعلم ذلك وقس عليه. # واعلم أنه لا يخلو تشبيه الشبيئين: أحدهما بالآخر من أربعة أقسام: إما ~~تشبيه معنى بمعنى، كالذي تقدم ذكره من قولنا: زيد كالأسد، وإما تشبيه صورة ~~بصورة، كقوله تعالى: «وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون» # ، وإما تشبيه معنى بصورة، كقوله تعالى: «والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة» # وهذا القسم أبلغ الأقسام الأربعة؛ لتمثيله المعاني الموهومة بالصور ~~المشاهدة، وإما تشبيه صورة بمعنى، كقول أبي تمام «2» : # وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم # فشبه فتكه بالمال وبالعدا وذلك صورة مرئية بفتك الصبابة وهو فتك معنوي، ~~وهذا القسم ألطف الأقسام الأربعة؛ لأنه نقل صورة إلى غير صورة. # PageV01P381 # وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة المشار إليها لا يخلو التشبيه فيه من ~~أربعة أقسام أيضا: إما تشبيه مفرد بمفرد، وإما تشبيه مركب بمركب، وإما ~~تشبيه مفرد بمركب، وإما تشبيه مركب بمفرد. # والمراد بقولنا مفرد ومركب: أن المفرد يكون تشبيه شيء واحد بشيء واحد، ~~والمركب تشبيه شيئين اثنين، وكذلك المفرد بالمركب، والمركب بالمفرد؛ فإن ~~أحدهما: يكون تشبيه شيء واحد بشيئين، والآخر: يكون تشبيه شيئين بشيء واحد، ~~ولست أعني بقولي: «تشبيه شيئين بشيئين» أنه لا يكون إلا كذلك، بل أردت ~~تشبيه شيئين بشيئين فما فوقهما، كقول بعضهم في الخمر: # وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء # شمس الضحى رقصت فنقط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء # فشبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء؛ فإنه شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر ~~بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب. # وإذا بينت أن التشبيه ينقسم إلى تلك الأقسام الأربعة فإني أقول: إن ~~التشبيه المضمر الأداة قد قدمت القول في أنه ينقسم إلى خمسة أقسام؛ فالقسم ~~الأول: لا يرد إلا في تشبيه مفرد بمفرد، والقسم الثاني: لا يرد إلا في ~~تشبيه مفرد بمركب، والقسم ms282 الثالث: لا يرد إلا في تشبيه مركب بمركب، والقسم ~~الرابع والخامس: لا يردان إلا في تشبيه مركب بمركب؛ ألا ترى أنا إذا قلنا ~~في القسم الأول: زيد أسد، كان ذلك تشبيه مفرد بمفرد، وإذا قلنا في القسم ~~الثاني: ما مثلناه به من الخبر النبوي وهو «الكمأة جدري الأرض» كان ذلك ~~تشبيه مفرد بمركب، وكذلك بيت البحتري، وبيت أبي تمام المشار إليهما فيما ~~تقدم، وإذا قلنا في القسم الثالث ما أشرنا إليه من الخبر النبوي أيضا الذي ~~هو: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» كان ذلك ~~تشبيه مركب بمركب، وإذا قلنا في القسم الرابع والخامس: ما مثلنا به من بيتي ~~الفرزدق والبحتري كان ذلك تشبيه مركب بمركب، وإذا كان الأمر كذلك وجاءك شيء ~~من التشبيه المضمر الأداة وهو من القسم الأول فاعلم أنه تشبيه مفرد بمفرد ~~بمركب، وإذا جاءك شيء من القسم الثالث # PageV01P382 # فاعلم أنه تشبيه مركب بمركب، وكذلك إذا جاءك شيء من القسم الرابع والقسم ~~الخامس؛ فإنهما من باب تشبيه المركب بالمركب. # ولنرجع إلى ذكر ما أشرنا إليه أولا في تقسيم التشبيه إلى الأربعة الأقسام ~~الأخرى التي هي: تشبيه مفرد بمفرد، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب، ~~وتشبيه مركب بمفرد. # فالقسم الأول منها: كقوله تعالى في المضمر الأداة: «وجعلنا الليل لباسا» # فشبه الليل باللباس. وذاك أنه يستر الناس بعضهم عن بعض لمن أراد هربا من ~~عدو أو ثباتا لعدو أو إخفاء ما لا يحب الإطلاع عليه من أمره، وهذا من ~~التشبيهات التي لم يأته بها إلا القرآن الكريم، فإن تشبيه الليل باللباس ~~مما اختص به دون غيره من الكلام المنظوم والمنثور. # وكذلك قوله تعالى: «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» # فشبه المرأة باللباس للرجل وشبه الرجل باللباس للمرأة. # ومن محاسن التشبيهات قوله تعالى: «نساؤكم حرث لكم» # وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة، والحرث: هو الأرض ~~التي تحرث للزرع، وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعا كما يزدرع البذر في ~~الأرض. # ومن هذا الأسلوب ms283 قوله تعالى: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار» # فشبه تبرؤ الليل من النهار بانسلاخ الجلد المسلوخ، وذاك أنه لما كانت ~~هوادي الصبح عند طلوعه ملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ، وكان ~~ذلك أولى من أن لو قيل «يخرج» لأن السلخ أدل على الالتحام من الإخراج، وهذا ~~تشبيه في غاية المناسبة. # وكذلك ورد قوله تعالى: «واشتعل الرأس شيبا» # فشبه انتشار الشيب باشتعال النار، ولما كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى ~~فيه شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأول بمنزلة النار التي تشتعل في ~~الجسم وتسري فيه حتى تحيله إلى غير حاله الأولى، وأحسن من هذا أن يقال: إنه ~~شبه انتشار الشيب باشتعال النار: في سرعة # PageV01P383 # التهابه، وتعذر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، وأنه لم يبق بعده إلا ~~الخمود، فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به، وذلك في الغاية ~~القصوى من التناسب والتلاؤم. # وقد ورد في الأمثال: «الليل جنة الهارب» وهذا تشبيه حسن. # وكل ذلك من التشبيه المضمر الأداة. # ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي «1» : # وإذا اهتز للندى كان بحرا ... وإذا اهتز للوغى كان نصلا # وإذا الأرض أظلمت كان شمسا ... وإذا الأرض أمحلت كان وبلا # فحرف التشبيه ههنا مضمر، وتقديره كان كأنه بحر، وكان كأنه نصل. وكذلك ~~يقال في البيت الثاني: كان كأنه شمس، وكان كأنه وبل، وهذا تشبيه صورة ~~بصورة، وهو حسن في معناه. # وكذلك ورد قول أبي نواس، وهو في تشبيه الحبب «2» : # فإذا ما اعترضته ال- ... عين من حيث استدارا # خلته في جنبات ال- ... كأس واوات صغارا # وهذا تشبيه صورة بصورة أيضا. # PageV01P384 # وقد أبرز هذا المعنى في لباس آخر؛ فقال «1» : # وإذا علاها الماء ألبسها ... حببا شبيه جلاجل الحجل # حتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النمل # ومن هذا قول البحتري «2» : # تبسم وقطوب في ندى ووغى ... كالرعد والبرق تحت العارض البرد # وهذا من أحسن التشبيه وأقربه، إلا أن فيه إخلالا من جهة الصنعة، وهي ~~ترتيب التفسير؛ فإن الأولى أن كان قدم تفسير التبسم على تفسير القطوب: ms284 بأن ~~كان قال: كالبرق والرعد، فانظر أيهما المنتمي إلى الفن كيف ذهب على البحتري ~~مثل هذا الموضوع على قربه، مع تقدمه في صناعة الشعر، وليس في ذلك كبير أمر، ~~سوى أن كان قدم ما أخر لا غير، وإنما يعذر الشاعر في مثل هذا المقام إذا ~~حكم عليه الوزن والقافية واضطر إلى ترك ما يجب عليه، وأما إذا كانت الحال ~~كالتي ذكرها البحتري فحينئذ لا عذر له، وسيأتي لذلك باب مفرد في موضعه من ~~هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وهو باب ترتيب التفسير. # وكذلك ورد قول البحتري «3» : # PageV01P385 # في معرك ضنك تخال به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا # ومن تشبيه المفرد بالمفرد قول أبي الطيب المتنبي «1» : # خرجن من النقع في عارض ... ومن عرق الركض في وابل «2» # فلما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحل «3» # وقد حوى هذان البيتان قرب التشبيه مع براعة النظم وجزالة اللفظ. # وأما القسم الثاني:- وهو تشبيه المركب بالمركب- فمما جاء منه مضمر الأداة ~~ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث يرويه معاذ بن جبل رضي الله ~~عنه، وهو حديث طويل يشتمل على فضائل أعمال متعددة، ولا حاجة إلى إيراده ~~ههنا على نصه، بل نذكر الغرض منه، وهو أنه قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أمسك عليك هذا» وأشار إلى لسانه، فقال معاذ: أو نحن مؤاخذون بما ~~نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك امك # PageV01P386 # يا معاذ! وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» ~~فقوله: # «حصائد ألسنتهم» من تشبيه المركب بالمركب؛ فإنه شبه الألسنة وما تمضي فيه ~~من الأحاديث التي يؤاخذ بها بالمناجل التي تحصد النبات من الأرض، وهذا ~~تشبيه بليغ عجيب لم يسمع إلا من النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما ورد منه شعرا قول أبي تمام «1» : # معشر أصبحوا حصون المعالي ... ودروع الأحساب والأعراض # فقوله: «حصون المعالي» من التشبيه المركب، وذاك أنه شبههم في منعهم ~~المعالي أن ينالها أحد سواهم بالحصون في منعها من بها وحمايته، وكذلك قوله: # «دروع الأحساب» . # وأما المظهر ms285 الأداة فمما جاء منه قوله تعالى: «إنما مثل الحياة الدنيا ~~كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى ~~إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ~~ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس» # فشبهت حال الدنيا في سرعة زوالها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات ~~الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعد ما التف وتكاثف وزين الأرض، وذاك تشبيه ~~صورة بصورة، وهو من أبدع ما يجيء في بابه. # ومن ذلك أيضا قوله تعالى في وصف حال المنافقين: «مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون» # تقديره أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة بمفازة ~~فاستضاء بها ما حوله، فاتقى ما يخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، # PageV01P387 # فبقي مظلما خائفا، وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الإيمان استنار بها واعتز ~~بعزها وأمن على نفسه وماله وولده، فإذا مات عاد إلى الخوف وبقي في العذاب ~~والنقمة. # ومما ورد منه في الأخبار النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل ~~المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن ~~الذي لا يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب ولا طعم لها، ومثل المنافق ~~الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر» وهذا من باب تشبيه ~~المركب بالمركب، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه المؤمن القارئ ~~وهو متصف بصفتين- هما الإيمان والقراءة- بالأترجة، وهي ذات وصفين، هما ~~الطعم والريح، وكذلك يجري الحكم في المؤمن غير القارئ، وفي المنافق القارئ، ~~والمنافق غير القارئ. # وقد جاءني شيء من ذلك أوردته في فصل من كتاب أصف فيه البر والمسير، فقلت: ~~لم أزل أصل الذميل بالذميل، وألف الضحى بالأصيل، والأرض كالبحر في سعة ~~صدره، والمطايا كالجواري راكدة على ظهره، فمكان الركب منها كمكانهم من ~~الأكوار، ومسيرهم فيها على كرة لا تستقر بها حركة الأدوار. # وأما ما ورد من ms286 ذلك شعرا فكقول البحتري «1» : # خلق منهم تردد فيهم ... وليته عصابة عن عصابه «2» # PageV01P388 # كالحسام الجراز يبقى على الده ... - ر ويفني في كل حين قرابه # وكذلك ورد قول ابن الرومي «1» : # أدرك ثقاتك إنهم وقعوا ... في نرجس معه ابنة العنب # فهم بحال لو بصرت بها ... سبحت من عجب ومن عجب # ريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم درر على ذهب # وهذا تشبيه صنيع، إلا أن تشبيه البحتري أصنع، وذلك أن هذا التشبيه صدر عن ~~صورة مشاهدة، وذاك إنما استنبطه استنباطا من خاطره، وإذا شئت أن تفرق بين ~~صناعة التشبيه فانظر إلى ما أشرت إليه ههنا: فإن كان أحد التشبيهين عن صورة ~~مشاهدة والآخر عن صورة غير مشاهدة فاعلم أن الذي هو عن صورة غير مشاهدة ~~أصنع، ولعمري إن التشبيهين كليهما لا بد فيهما من صورة تحكي، لكن أحدهما: # شوهدت الصورة فيه فحكيت، والآخر: استنبطها، ألا ترى أن ابن الرومي نظر ~~إلى النرجس وإلى الخمر فشبه، وأما البحتري فإنه مدح قوما بأن خلق السماح ~~باق فيهم ينتقل عن الأول إلى الآخر، ثم استنبط لذلك تشبيها، فأداه فكره إلى ~~السيف وقربه التي تفنى في كل حين وهو باق لا يفنى بفنائها، ومن أجل ذلك كان ~~البحتري أصنع في تشبيهه. # وسأورد ههنا من كلامي نبذة يسيرة؛ فمن ذلك ما كتبته من جملة كتاب إلى ~~ديوان الخلافة أذكر فيه نزول العدو الكافر على ثغر عكا في سنة خمس وثمانين ~~وخمسمائة، فقلت: وأحاط بها العدو إحاطة الشفاه بالثغور، ونزل عليها نزول # PageV01P389 # الظلماء على النور. وهذا من التشبيهات المناسبة، ثم لما جئت إلى ذكر قتال ~~المسلمين إياه وإزالته عن جانب الثغر قلت: وقد اصطدم من الإسلام والكفر ~~ابنا شمام، والتقى من عجاجتهما ظلام، وعند ذلك أخذ العدو في التحيز إلى ~~جانب، وكان كحاجب على عين فصار كعين في حاجب، وإذا تزعزع البناء فقد هوى، ~~وإذا قبض من طرق البساط فقد انطوى. وهذا التشبيه في مناسبته كالأول، بل ~~أحسن. # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: وما ms287 شبهت كتابه ~~في وروده وانقباضه، إلا بنظر الحبيب في إقباله وإعراضه، وكلا الأمرين ~~كالسهم في ألم وقعه وألم نزعه، والمشوق من استوت صبابته في حالتي وصله ~~وقطعه، وما أزال على وجل من إرسال كتبه وإجمامها واشتباه لمها بإلمامها. # ومما جاء من هذا القسم في الشعر قول بكر بن النطاح: # تراهم ينظرون إلى المعالي ... كما نظرت إلى الشيب الملاح # يحدون العيون إلي شذرا ... كأني في عيونهم السماح # وهذا بديع في حسنه بليغ في تشبيهه. # وعلى هذا النهج ورد قول أبي تمام «1» : # خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا ... كالحسن شيب لمغرم بدلال # وهذا من غريب ما يأتي في هذا الباب، وقد تغالت شيعة أبي تمام في وصف هذا ~~البيت، وهو لعمري كذلك. # ومن هذا القسم أيضا قوله «2» : # PageV01P390 # كم نعمة لله كانت عنده ... فكأنها في غربة وإسار # كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت ... كتضاؤل الحسناء في الأطمار «1» # وكذلك قوله «2» : # صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني، وعاوده ظني فلم يخب # كالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن ترحلت عنه لج في الطلب # وعلى هذا الأسلوب ورد قول علي بن جبلة: # إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع # وأسفر تحت النقع حتى كأنه ... صباح مشى في ظلمة الليل طالع # وقد أحسن علي بن جبلة في تشبيهه هذا كل الإحسان. # وكمثله في الحسن قوله أيضا في تشبيهه الحبب فوق الخمر: # ترى فوقها نمشا للمزاج ... تباذير لا يتصلن اتصالا # كوجه العروس إذا خططت ... على كل ناحية منه خالا # PageV01P391 # ومن هذا القسم قول مسلم بن الوليد «1» : # تلقى المنية في أمثال عدتها ... كالسيل يقذف جلمودا بجلمود # وعلى هذا الأسلوب ورد قول العباس بن الأحنف «2» : # لا جزى الله دمع عيني خيرا ... وجزى الله كل خير لساني # نم دمعي فليس يكتم شيئا ... ووجدت اللسان ذا كتمان # كنت مثل الكتاب أخفاه طي ... فاستدلوا عليه بالعنوان # وهذا من اللطيف البديع. # ويروى أن أبا نواس لما دخل مصر مادحا للخصيب جلس يوما في رهط من الأدباء، ~~وتذكروا منازه بغداد، فأنشد مرتجلا «3» : # ذكر الكرخ نازح الأوطان ms288 ... فصبا صبوة ولات أوان «4» # PageV01P392 # ثم أتم ذلك قصيدا مدح به الخصيب، فلما عاد إلى بغداد دخل عليه العباس ابن ~~الأحنف، وقال: أنشدني شيئا من شعرك بمصر، فأنشده: # ذكر الكرخ نازح الأوطان # فلما استتم الأبيات قال له: لقد ظلمك من ناواك، وتخلف عنك من جاراك، ~~وحرام على أحد يتفوه بقول الشعر بعدك، فقال أبو نواس: وأنت أيضا يا أبا ~~الفضل تقول هذا؟ ألست القائل: # لا جزى الله دمع عيني خيرا # وأنشد الأبيات، ثم قال: ومن الذي يحسن أن يقول مثل هذا؟ # ومن تشبيه المركب بالمركب قول البحتري «1» : # جدة يذود البخل عن أطرافها ... كالبحر يمنع ملحه عن مائه # وهذا من محاسن التشبيهات. # وكذلك ورد قوله «2» : # وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكر على الرجال بكوكب «3» # وفي هذا البيت تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء؛ فإنه شبه العجاج بالظلمة، ~~والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب، وهذا من الحسن النادر. # PageV01P393 # وكذلك ورد قوله «1» : # يمشون في زغف كأن متونها ... في كل معركة متون نهاء «2» # بيض تسيل على الكماة نصولها ... سيل السراب بقفرة بيداء «3» # فإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب في ماء # فالبيتان الأخيران هما اللذان تضمنا تشبيه المركب بالمركب، وإنما جئنا ~~بالبيت الأول سياقة إلى معناهما، وهو من التشبيه الذي أحسن فيه البحتري ~~وأغرب. # ومن هذا الباب ما ورد لبعض الشعراء في وصف الخمر، فقال: # كانت سراج أناس يهتدون بها ... في سالف الدهر قبل النار والنور # تهتز في الكأس من ضعف ومن هرم ... كأنها قبس في كف مقرور # وقد يندر للناظم أو الناثر شيء من كلامه يبلغ الغاية التي لا أمد فوقها، ~~وهذان البيتان من هذا القبيل. # ومن أغرب ما سمعته في هذا الباب قول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة ~~«4» : # PageV01P394 # فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا # القسم الثالث: في تشبيه المفرد بالمركب. # فمما ورد منه قوله تعالى: «الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة ~~زيتونة لا ms289 شرقية ولا غربية» . # وكذلك قوله تعالى: «مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ~~في يوم عاصف» . # ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن استنجادا؛ فقلت: وهو إذا استصرخ ~~أصرخ بعزم كالشهاب في رجمه، وهم كالقوس الممتلئ بنزع سهمه، ويرى أن صريخه ~~لم يخب، وأنه إذا لم يجبه بالسيف فكأنه لم يجب؛ فهو مغري جواده وحسامه، ~~ومسمع العدو صرير رمحه قبل قعقعة لجامه. # وكذلك أيضا ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أذم الفراق، فقلت: # والفراق شيء لا كالأشياء، وصاحبه ميت لا كالأموات وحي لا كالأحياء، وما ~~أراه إلا كنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، وما يجعل صاحبها في ~~ضحضاح منها إلا تواتر الكتاب التي تقيه بعض الوقاء، وتقوم له وإن لم يسق ~~مقام الإسقاء. # وأما ما ورد منه في الشعر فكقول أبي نواس «1» : # PageV01P395 # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # وكذلك قول أبي تمام يصف قصيدا له «1» : # خذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود «2» # كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الفتاة الرود «3» # وكذلك ورد قول البحتري، وهو من جملة قصيدته المشهورة التي وصف فيها الفرس ~~والسيف، وأولها: # أهلا بذلكم الخيال المقبل «4» # فقال فيها من أبيات تضمنت وصف السيف بيتا أجاد في تشبيهه: # وكأنما سود النمال وحمرها ... دبت بأيد في قواه وأرجل # فشبه فرند السيف بدبيب النمل سودها وحمرها، وذلك من التشبيه الحسن. # PageV01P396 # وأما ما ورد منه مضمر الأداة فكقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ~~العزل فقال: # «هو الوأد الخفي» وهذا تشبيه بليغ، والوأد: هو ما كانت العرب تفعله في ~~دفن البنات أحياء، فجعل العزل في الجماع كالوأد إلا أنه خفي، وذاك أنهم ~~كانوا يفعلون بالبنات ذلك هربا منهن، وهكذا من يعزل في الجماع فإنما يفعل ~~ذلك هربا من الولد. # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو الوأدة الصغرى» وهذا من الحسن ~~إلى غاية تغض لها العيون طرفها، ولا ينتهي الوصف إليها فيكون ترك وصفها ~~كوصفها. ms290 # ومما جاءني من ذلك فصل من جملة كتاب ضمنته وصف القلم، فقلت: # جدع أنفه فصار في الكيد قصيرا، وأرهف صدره فصار في المضاء غضبا شهيرا، ~~وقمص لباس السواد وهو شعار الخطباء فنطق بفصل الخطاب، ونكس رأسه وهي صورة ~~الإذلال فاختال في مشيه من الإعجاب، وأوحى إليه بنجوى الخواطر وهو الأصم ~~فأفضى بما سمعه إلى الكتاب. # وهذه الأوصاف غريبة جدا، ومن أغربها ذكر قصير عند جدع الأنف. # وأما القسم الرابع، وهو تشبيه المركب بالمفرد؛ فإنه قليل الاستعمال ~~بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة، وليس ذلك إلا لعدم النظير بين المشبه والمشبه ~~به، وعلى كثرة ما حفظته من الأشعار لم أجد ما أمثل به هذا القسم إلا مثالا ~~واحدا، وهو قول أبي تمام في وصف الربيع «1» : # يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور # تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر # PageV01P397 # فشبه النهار المشمس مع الزهر الأبيض بضوء القمر، وهو تشبيه حسن واقع في ~~موقعه، مع ما فيه من لطف الصنعة. # ولربما اعترض في هذا الموضع معترض، وقال: إنك أوردت هذا القسم من ~~التشبيه، وذكرت أنه قليل، وليس كذلك؛ فإن تشبيه شيئين بشيء واحد كثير، كقول ~~أبي الطيب المتنبي «1» : # تشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها في نفوسهم شيم «2» # فشبه إشراق الأعراض والوجوه بإشراق الشيم. # PageV01P398 # الجواب عن ذلك أني أقول: هذا البيت المعترض به على ما ذكرته ليس كالذي ~~ذكرته؛ فإن أردت أن يشبه شيئان هما كشيء واحد في الاشتراك بشيء واحد، ألا ~~ترى أن نور الشمس مع بياض الزهر وهما شيئان مشتركان قد شبها بضوء القمر؛ ~~وأما هذا البيت الذي لأبي الطيب المتنبي فإنه تشبيه شيئين كل واحد منهما ~~مفرد برأسه بشيء واحد؛ لأنه شبه إشراق الأعراض وإشراق الوجوه بإشراق الشيم، ~~وهذا غير ما أردته أنا. # لكن ينبغي أن تعلم أن تشبيه المركب بالمفرد ينقسم قسمين: أحدهما: تشبيه ~~شيئين مشتركين بشيء واحد، كالذي أوردته لأبي تمام؛ وهو قليل الاستعمال، ~~والآخر: تشبيه شيئين منفردين بشيء واحد، كالذي ذكرته أنت لأبي الطيب ~~المتنبي، وهو ms291 كثير الاستعمال. # وإذ ذكرنا أقسام التشبيه، وبينا المحمود منها الذي ينبغي اقتفاء أثره ~~واتباع مذهبه، فلنتبعه بضده مما ينبغي اجتنابه والإضراب عنه، على أنه قد ~~قدمنا القول بأن حد التشبيه هو: أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به، ~~فإذا لم يكن بهذه الصفة، أو كان بين المشبه والمشبه به بعد؛ فذلك الذي يطرح ~~ولا يستعمل، والذي يرد منه مضمر الأداة لا يكون إلا في القسم الواحد من ~~أقسام المجازي، وهو التوسع، وقد قدمت القول في ذلك في أول باب الاستعارة، ~~وضربت له أمثلة منها قول أبي نواس «1» : # ما لرجل المال أمست ... تشتكي منك الكلالا # فجعل للمال رجلا، وذلك تشبيه بعيد، ولا حاجة إلى إعادة ذلك الكلام ههنا ~~بجملته، لكن قد أشرت إليه إشارة خفيفة. # ومن أقبح ما سمعته من ذلك قول أبي تمام «2» : # PageV01P399 # وتقاسم الناس السخاء مجزأ ... وذهبت أنت برأسه وسنامه «1» # وتركت للناس الإهاب وما بقى ... من فرثه وعروقه وعظامه «2» # والقبح الفاحش في البيت الثاني، فإن غرضه أن يقول: ذهب بالأعلى وترك ~~للناس الأدنى، أو ذهبت بالجيد وتركت للناس الرديء. # وقد عيب عليه قوله «3» : # لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي # وقيل: إنه جعل للملام ماء، وذلك تشبيه بعيد، وما بهذا التشبيه عندي من ~~بأس، بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وهو قريب من وجه ~~بعيد من وجه: أما مناسب قربه فهو أن الملام هو القول الذي يعنف به الملوم ~~لأمر جناه، وذاك مختص بالسمع، فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة ~~بالحلق، كأنه قال: لا تذقني الملام، ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان ~~تشبيها حسنا، لكنه جاء بذكر الماء فحط من درجته شيئا، ولما كان السمع يتجرع ~~الملام أولا أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به، وهو تشبيه معنى ~~بصورة؛ وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذ، والملام مستكره، فحصل ~~بينهما مخالفة من هذا الوجه، فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقرب من وجه، ~~فيغفر ms292 هذا لهذا، ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم. # PageV01P400 # وقد روي- وهو رواية ضعيفة- أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورة، ~~وقال: ابعث في هذه شيئا من ماء الملام، فأرسل إليه أبو تمام، وقال: إذا ~~بعثت إلي ريشة من جناح الذل بعثت إليك شيئا من ماء الملام، وما كان أبو ~~تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين؛ فإنه ليس جعل الجناح للذل كجعل ~~الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب، وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط ~~جناحه وخفضه وألقى نفسه على الأرض، وللإنسان أيضا جناح، فإن يديه جناحاه، ~~وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه، وخفض من يديه؛ فحسن عند ذلك جعل الجناح ~~للذل، وصار تشبيها مناسبا، وأما الماء للملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه. # وأما التشبيه المضمر الأداة من هذا الباب فقد أوردت له أمثلة يستدل بها ~~على أشباهه وأمثاله؛ فإن لذكر المثال فائدة لا تكون لذكر الحد وحده. # فمن ذلك قول بعضهم: # ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه ... ظباء جرت منها سنيح وبارح # وكذلك قول الآخر يصف السهام «1» : # كساها رطيب الريش فاعتدلت له ... قداح كأعناق الظباء الفوارق # فإنه شبه السهام بأعناق الظباء، وذلك من أبعد التشبيهات. # وعلى نحو منه قول الفرزدق: # يمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل # فشبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب، وهذا من التشبيه البعيد؛ لأنه ~~إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما في اللون؛ لأن لون الحديد أبيض، ومن أجل ~~ذلك سميت السيوف بالبيض؛ ومع كون هذا التشبيه بعيدا فإنه تشبيه سخيف. # PageV01P401 # ومن التشبيهات الباردة قول أبي الطيب المتنبي «1» : # وجرى على الورق النجيع القاني ... فكأنه النارنج في الأغصان» # وهذا تشبيه ينكره أهل التجسيم، وإذا قسمت التشبيهات بين البعد والبرد «3» ~~حاز طرفي ذلك التقسيم. # وأبشع من هذا قول أبي نواس في الخمر «4» : # كأن برانسا رواكد حولها ... وزرق سنانير تدير عيونها «5» # والعجب أنه يقول مثل هذا الغث الذي لا لاءمة بينه وبين ما شبه به ويقرنه ~~بالبديع الذي «6» أحسن فيه ms293 وأبدع، وهو: # كأنا حلول بين أكناف روضة ... إذا ما سلبناها مع الليل طينها # فانظر كيف قرن بين ورده وسعدانه، لا، بل بين بعره ومرجانه، وقد أكثر في ~~تشبيه الخمر فأحسن في موضع وأساء في موضع، ومن إساءته قوله أيضا في أبيات ~~لامية «7» : # PageV01P402 # وإذا ما الماء واقعها ... أظهرت شكلا من الغزل # لؤلؤات ينحدرن بها ... كانحدار الذر من جبل «1» # فشبه الحبب في انحداره بنمل صغار ينحدر من جبل، وهذا من البعد على غاية ~~لا يحتاج إلى بيان وإيضاح. # واعلم أن من التشبيه ضربا يسمى الطرد والعكس، وهو أن يجعل المشبه به ~~مشبها والمشبه مشبها به، وبعضهم يسميه غلبة الفروع على الأصول، ولا تجد ~~شيئا من ذلك إلا والغرض به المبالغة. # فمما جاء من ذلك قول ذي الرمة «2» : # ورمل كأرداف العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس # ألا ترى إلى ذي الرمة كيف جعل الأصل فرعا والفرع أصلا؟ وذاك أن العادة ~~والعرف في هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء، وهو مطرد في بابه، ~~فعكس ذو الرمة القصة في ذلك، فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء، وإنما فعل ~~ذلك مبالغة: # أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء وصار كأنه الأصل حتى ~~شبهت به كثبان الأنقاء. # PageV01P403 # وعلى نحو من هذا جاء قول البحتري «1» : # في طلعه البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها # وكذلك ورد قول عبد الله بن المعتز في قصيدته المشهورة التي أولها: # سقى المطيرة ذات الطل والشجر «2» # فقال في تشبيه الهلال: # ولاح ضوء قمير كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر # ولما شاع ذلك في كلام العرب واتسع صار كأنه هو الأصل، وهو موضع من علم ~~البيان حسن الموقع، لطيف المأخذ. # وهذا قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب الخصائص، وأورده هكذا مهملا. # ولما نظرت أنا في ذلك، وأنعمت نظري فيه؛ تبين لي ما أذكره، وهو: أنه قد ~~تقرر في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه أن يشبه الشيء بما يطلق عليه ~~لفظة أفعل: أي يشبه بما هو أبين وأوضح، ms294 أو بما هو أحسن منه أو أقبح، وكذلك ~~يشبه الأقل بالأكثر، والأدنى بالأعلى. # وهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة؛ لأن الذي قدمناه ذكره مطرد في بابه، ~~وعليه مدار الاستعمال، وهذا غير مطرد، وإنما يحسن في عكس المعنى المتعارف، ~~وذاك أن تجعل المشبه به مشبها، والمشبه مشبها به، ولا يحسن في غير ذلك مما # PageV01P404 # ليس بمتعارف، ألا ترى أن من العادة والعرف أن تشبه الأعجاز بالكثبان، ~~فلما عكس ذو الرمة هذه القضية في شعره جاء حسنا لائقا؟ وكذلك فعل البحتري؛ ~~فإن من العادة والعرف أن يشبه الوجه الحسن بالبدر والقد الحسن بالقضيب، ~~فلما عكس البحتري القضية في ذلك جاء أيضا حسنا لائقا، ولو شبه ذو الرمة ~~الكثبان بما هو أصغر منها غير الأعجاز لما حسن ذلك؛ وهكذا لو شبه البحتري ~~طلعة البدر بغير طلعة الحسناء والقضيب بغير قدها لما حسن ذلك أيضا، وهكذا ~~القول في تشبيه عبد الله بن المعتز صورة الهلال بالقلامة؛ لأن من العادة أن ~~تشبه القلامة بالهلال، فلما صار ذلك مشهورا متعارفا حسن عكس القضية فيه. ### | النوع الثالث في التجريد # وهذا اسم كنت سمعته؛ فقال القائل: التجريد في الكلام حسن، ثم سكت، فسألته ~~عن حقيقته، فقال: كذا سمعت، ولم يزد شيئا؛ فأنعمت حينئذ نظري في هذا النوع ~~من الكلام، فألقي في روعي أنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، وكان الذي وقع لي ~~صوابا، ثم مضى على ذلك برهة من الزمان، ووصل إلى ما ذكره أبو علي الفارسي ~~رحمه الله تعالى، وقد أوردته ههنا، وذكرت ما أتيت به من ذات خاطري من زيادة ~~لم يذكرها، وستقف أيها المتأمل على كلامه وكلامي. # فأما حد التجريد فإنه إخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، لا المخاطب ~~نفسه؛ لأن أصله في وضع اللغة من جردت السيف؛ إذا نزعته من غمده، وجردت ~~فلانا؛ إذا نزعت ثيابه، ومن ههنا قال صلى الله عليه وسلم: «لا مد ولا ~~تجريد» وذلك في النهي عند إقامة الحد أن يمد صاحبه على الأرض وأن تجرد عنه ~~ثيابه، وقد ms295 نقل هذا المعنى إلى نوع من أنواع علم البيان. # وقد تأملته فوجدت له فائدتين: إحداهما أبلغ من الأخرى: # فالأولى: طلب التوسع في الكلام، فإنه إذا كان ظاهره خطابا لغيرك وباطنه # PageV01P405 # خطابا لنفسك فإن ذلك من باب التوسع؛ وأظن أنه شيء اختصت به اللغة العربية ~~دون غيرها من اللغات. # والفائدة الثانية:- وهي الأبلغ- وذاك أنه يتمكن المخاطب من إجراء الأوصاف ~~المقصودة من مدح أو غيره على نفسه؛ إذ يكون مخاطبا بها غيره؛ ليكون أعذر ~~وأبرأ من العهدة فيما يقوله غير محجور عليه. # وعلى هذا فإن التجريد ينقسم قسمين: أحدهما: تجريد محض، والآخر: # تجريد غير محض. # فالأول:- وهو المحض- أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك، ~~وذلك كقول بعض المتأخرين وهو الشاعر المعروف بالحيص بيص في مطلع قصيدة له ~~«1» : # إلام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر # كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر # أما وأبيك الخير إنك فارس ال- ... - مقال ومحيي الدارسات الغوابر # وإنك أعييت المسامع والنهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر # فهذا من محاسن التجريد، ألا ترى أنه أجرى الخطاب على غيره وهو يريد نفسه، ~~كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة، وعد ما عده من الفضائل ~~التائهة، وكل ما يجيء من هذا القبيل فهو التجريد المحض. # وأما ما قصد به التوسع خاصة فكقول الصمة بن عبد الله من شعراء الحماسة ~~«2» : # PageV01P406 # حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معا # فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا # وقد ورد بعد هذين البيتين ما يدل على أن المراد بالتجريد فيهما التوسع، ~~لأنه قال «1» : # وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا # بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا ... وما أحسن المصطاف والمتربعا # فانتقل من الخطاب التجريدي إلى خطاب النفس، ولو استمر على الحالة الأولى ~~لما قضي عليه بالتوسع، وإنما كان يقضى عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف ~~الآخر، ويتأول له بأن غرضه من خطاب غيره أن ينفي عن نفسه ms296 سمعة الهوى ومعرة ~~العشق؛ لما في ذلك من الشهرة والغضاضة، لكن قد زال هذا التأويل بانتقاله عن ~~التجريد أولا إلى خطاب النفس. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي: # لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال # PageV01P407 # واجز الأمير الذي نعماه فاجئة ... بغير قول ونعمى القوم أقوال # وهذان البيتان من مطلع قصيدة يمدح بها فاتكا الإخشيدي بمصر، وكان وصله ~~بصلة سنية من نفقة وكسوة قبل أن يمدحه، ثم مدحه بعد ذلك بهذه القصيدة وهي ~~من غرر شعره، وقد بنى مطلعها على المعنى المشار إليه من ابتداء فاتك إياه ~~بالصلة قبل المديح، وليس في التجريد المذكور في هذين البيتين ما يدل على ~~وصف النفس ولا على تزكيتها بالمديح، كما ورد في الأبيات الرائية المتقدم ~~ذكرها، وإنما هو توسع لا غير. # وأما القسم الثاني:- وهو غير المحض- فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك، ولئن كان ~~بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد، لعلاقة أحدهما بالآخر. # وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر، وذاك أولى بأن يسمى تجريدا؛ لأن ~~التجريد لائق به، وهذا هو نصف تجريد؛ لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئا، وإنما ~~خاطبت نفسك بنفسك، كأنك فصلتها عنك وهي منك. # فمما جاء منه قول عمرو بن الإطنابة «1» : # أقول لها وقد جشأت وجاشت ... رويدك تحمدي أو تستريحي # PageV01P408 # وكذلك قول الآخر «1» : # أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد # وليس في هذا ما يصلح أن يكون خطابا لغيرك كالأول، وإنما المخاطب هو ~~المخاطب بعينه، وليس ثم شيء خارج عنه. # وأما الذي ذكره أبو علي الفارسي رحمه الله فإنه قال: إن العرب تعتقد أن ~~في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فيخرج ذلك المعنى إلى ~~ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت ~~فلانا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو عينه الأسد ~~والبحر، لا أن هناك شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه. # ثم قال: وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب ms297 نفسه حتى كأنه يقاول غيره كما ~~قال الأعشى: # وهل تطيق وداعا أيها الرجل «2» # وهو الرجل نفسه لا غيره. # هذا خلاصة ما ذكره أبو علي رحمه الله. # PageV01P409 # والذي عندي فيه أنه أصاب في الثاني، ولم يصب في الأول؛ لأن الثاني هو ~~التجريد، ألا ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه وهو يريدها، وأما الأول- ~~وهو قوله: «لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر» ~~- فإن هذا تشبيه مضمر الأداة؛ إذ يحسن تقدير أداء التشبيه فيه؛ وبيان ذلك ~~أنك تقول: # لئن لقيت فلانا لتلقين منه كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر، وليس ~~هذا بتجريد؛ لأن حقيقة التجريد غير موجودة فيه، وإنما هو تشبيه مضمر ~~الأداة، ألا ترى أن المذكور هو كالأسد، وهو كالبحر، وليس ثم شيء مجرد عنه، ~~كما تقدم في الأبيات الشعرية. # ويبطل على أبي علي قوله أيضا من وجه آخر، وذاك أنه قال: «إن العرب تعتقد ~~أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فخرج ذلك المعنى إلى ~~ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو» كالمثال الذي مثله في تشبيهه ~~بالأسد وتشبيهه بالبحر، وهذا ينتقض بقولنا: لئن رأيت الأسد لترين منه هضبة، ~~ولئن لقيته لتلقين منه الموت؛ فإن الصورة التي أوردها في الإنسان وزعم أن ~~العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد؛ فتخصيصه ذلك ~~بالإنسان باطل، وكلا الصورتين ليس بتجريد، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة، وقد ~~سبق القول بأن التجريد هو أن تطلق الخطاب على غيرك ولا يكون هو المراد، ~~وإنما المراد نفسك، وهذا لا يوجد في هذا المثال المضمر الأداة، بل المخاطب ~~هو هو لا غيره؛ فلا يطلق عليه إذا اسم التجريد؛ لأنه خارج عن حقيقته، ومناف ~~لموضوعه، فإذا قال القائل: لئن لقيته لتلقين به كالأسد، ولئن سألته لتسألن ~~منه كالبحر؛ لم يجرد عن المقول عنه شيئا، وإنما شبهه تارة بالأسد في شجاعته ~~وتارة بالبحر في سخائه. # وما أعلم كيف ذهب هذا على مثل أبي علي رحمه الله حتى خلطه ms298 بالتجريد ~~وأجراه مجراه. # وأما قوله: «إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ~~ومحصوله» فأقول: وغير العرب أيضا تعتقد ذلك: فإن عنى بالمعنى الكامن معنى ~~الإنسانية الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع، فما هذا من الشيء الغريب ~~الخفي # PageV01P410 # الذي علمته العرب خاصة وانفرد باستخراجه أبو على رحمه الله، وإن عنى ~~بالمعنى الكامن ما فيه من الأخلاق كالشجاعة والسخاء في المثال الذي ذكره ~~حتى يشبه بالأسد، تارة وبالبحر أخرى فليس الإنسان مختصا بهذا المعنى الكامن ~~دون غيره من الحيوانات، بل الأسد فيه من معنى الشجاعة ما ليس في الإنسان؛ ~~ولهذا إذا بولغ في وصف الإنسان بالشجاعة شبه بالأسد، وكذلك في بعض ~~الحيوانات من السخاء ما ليس في الإنسان، ومن أمثال: أكرم من ديك؛ لأنه إذا ~~ظفر بحبة من الحنطة أخذها في منقاره وطاف بها على الدجاج حتى يضعها في ~~منقار واحدة منهن؛ فالأخلاق إذا مشتركة بين الإنسان وبين غيره من ~~الحيوانات، غير أن الإنسان يجتمع فيه ما تفرق في كثير منها. # وما أعلم ما أراد أبو علي رحمه الله بقوله: «إن في الإنسان معنى كامنا ~~فيه كأنه حقيقته ومحصوله» إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت ~~إليهما. # على أن القسم الواحد الذي هو خلق الشجاعة والسخاء وغيره من الأخلاق ليس ~~عبارة عن حقيقة الإنسان؛ إذ لا يقال في حده: حيوان شجاع، ولا سخي، بل يقال: ~~حيوان ناطق، فالنطق الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع هو حقيقة الإنسان؛ ~~فبطل إذا قول أبي علي رحمه الله في تمثيله حقيقة الإنسان بالشجاعة والسخاء. # فالخطأ توجه في كلامه من وجهين: أحدهما: أنه جعل حقيقة الإنسان عبارة عن ~~خلقه، والآخر: أنه أدخل في التجريد ما ليس منه. # وهذا القدر كاف في هذا الموضع؛ فليتأمل. # PageV01P411 # قد تم- بحمد الله تعالى وحسن توفيقه- الجزء الأول من كتاب: # المثل الثائر في أدب الكاتب والشاعر ويليه- إن شاء الله تعالى- الجزء ~~الثاني: # مفتتحا ب «النوع الرابع في الالتفات» # PageV01P412 ### | فهرس الأبواب الواردة في الجزء الأول من كتاب «المثل الثائر، في أدب الكاتب والشاعر» ms299 # الموضوع الصفحة # خطبة المؤلف وتتضمن أن الغرض من الكتاب يقع في مقدمة ومقالتين 5 # مقدمة الكتاب وهي تشتمل على أصول علم البيان، ويقع ذلك في عشرة فصول: 11 # الفصل الأول: في موضوع علم البيان # الفصل الثاني: في آلات علم البيان وأدواته 27 # الفصل الثالث: في الحكم على المعاني 49 # الفصل الرابع: في الترجيح بين المعاني 57 # الفصل الخامس: في جوامع الكلم 65 # الفصل السادس: في الحكمة التي هي ضالة المؤمن 69 # الفصل السابع: في الحقيقة والمجاز 74 # الفصل الثامن: في الفصاحة والبلاغة 80 # الفصل التاسع: في أركان الكتابة 87 # الفصل العاشر: في الطريق إلى تعلم الكتابة 91 # المقالة الأولى: في الصناعة اللفظية، وهي قسمان 149 # القسم الأول: في اللفظة المفردة # القسم الثاني: في الألفاظ المركبة 194 # PageV01P413 # الموضوع الصفحة # صناعة تأليف الألفاظ تنقسم إلى ثمانية أنواع: 195 # النوع الأول: السجع. # السجع ينقسم إلى ثلاثة أقسام 233 # السجع بأقسامه ضربان قصير وطويل 235 # التصريع في الشعر بمنزلة السجع في الكلام 237 # التصريع على سبع مراتب # النوع الثاني: التجنيس 241 # التجنيس وما جرى مجراه ينقسم إلى سبعة أقسام. # النوع الثالث: الترصيع 258 # النوع الرابع: في لزوم ما لا يلزم 261 # النوع الخامس: في الموازنة 272 # النوع السادس: في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها 274 # النوع السابع: في المعاظلة اللفظية 285 # النوع الثامن: في المنافرة بين الألفاظ في السبك 296 # المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية 301 # النوع الأول: في الاستعارة 342 # النوع الثاني: في التشبيه 373 # النوع الثالث: في التجريد 405 # PageV01P414 ### | الجزء الثاني ### | النوع الرابع في الالتفات # وهذا النوع ما يليه خلاصة علم البيان التي حولها يدندن، وإليها تستند ~~البلاغة، وعنها يعنعن، وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، ~~فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ ~~لأنه ينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة، كالانتقال من خطاب حاضر إلى غائب، أو من ~~خطاب غائب إلى حاضر. أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو ms300 ~~غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا، ويسمى أيضا «شجاعة العربية» وإنما سمي بذلك ~~لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ~~ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام؛ فإن اللغة ~~العربية تختص به دون غيرها من اللغات. # وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ### | القسم الأول: # في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة. # اعلم أن عامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى ~~الخطاب وعن الخطاب إلى الغيبة، قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب ~~كلامها، وهذا القول هو عكاز العميان، كما يقال، ونحن إنما نسأل عن السبب ~~الذي قصدت العرب ذلك من أجله. # وقال الزمخشري رحمه الله: إن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل ~~للتفنن في الكلام، والانتقال من أسلوب إلى أسلوب، تطرية لنشاط السامع، ~~وإيقاظا للإصغاء إليه. # وليس الأمر كما ذكره، لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم # PageV02P003 # يكن إلا تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه؛ فإن ذلك دليل على أن ~~السامع يمل من أسلوب واحد فينتقل إلى غيره ليجد نشاطا للاستماع، وهذا قدح ~~في الكلام، لا وصف له؛ لأنه لو كان حسنا لما مل، ولو سلمنا الى الزمخشري ما ~~ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك في الكلام المطول، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ ~~لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، في ~~مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ويكون مجموع الجانبين مما يبلغ عشرة ألفاظ، ~~أو أقل من ذلك، ومفهوم قول الزمخشري في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب إنما ~~يستعمل قصدا للمخالفة بين المنتقل عنه والمنتقل إليه، لا قصدا لاستعمال ~~الأحسن، وعلى هذا فإذا وجدنا كلاما قد استعمل في جميعه الإيجاز ولم ينتقل ~~عنه، أو استعمل فيه جميعه الإطناب ولم ينتقل عنه، وكان كلا الطرفين واقعا ~~في موقعه؛ قلنا: هذا ليس بحسن؛ إذ لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا ~~قول فيه ما فيه، وما أعلم ms301 كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة ~~والبلاغة. # والذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، أو من الغيبة إلى ~~الخطاب؛ لا يكون إلا لفائدة اقتضته، وتلك لفائدة أمر وراء الانتقال من ~~أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد، ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع ~~منها ليقاس عليها غيرها؛ فإنا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد ~~استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم رأينا ذلك بعينه وهو ضد الأول قد استعمل في ~~الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، فعلمنا حينئذ أن الغرض الموجب لاستعمال هذا ~~النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية ~~بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها ~~على حسب الموضع الذي ترد فيه. # وسأوضح ذلك في ضرب من الأمثلة الآتي ذكرها. # فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى في سورة الفاتحة: # الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك ~~نستعين اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم # هذا رجوع من الغيبة إلى # PageV02P004 # الخطاب، وبما يختص به هذا الكلام من الفوائد قوله: إياك نعبد وإياك ~~نستعين # بعد قوله: الحمد لله رب العالمين # فإنه إنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب لأن الحمد دون العبادة، ألا تراك ~~تحمد نظيرك ولا تعبده، فلما كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع ~~الغيبة في الخبر فقال: الحمد لله # ولم يقل «الحمد لك» ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال: إياك ~~نعبد # فخاطب بالعبادة إصراحا بها وتقربا منه عز اسمه بالانتهاء إلى محدود منها، ~~وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة، فقال: صراط الذين أنعمت عليهم # فأصرح الخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال: غير المغضوب عليهم # عطفا على الأول؛ لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ~~ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب؛ فأسند النعمة إليه لفظا، وزوى ~~عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا، فانظر إلى ms302 هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني ~~الشريفة التي الأقدام لا تكاد تطؤها، والأفهام مع قربها صافحة عنها، وهذه ~~السورة قد انتقل في أولها من الغيبة إلى الخطاب؛ لتعظيم شأن المخاطب، ثم ~~انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة؛ لتلك العلة بعينها، وهي تعظيم شأن ~~المخاطب أيضا؛ لأن مخاطبة الرب تبارك وتعالى بإسناد النعمة إليه تعظيم ~~لخطابه، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه، فانبغى أن يكون ~~صاحب هذا الفن من الفصاحة والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على ~~اشتباهها. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا # وإنما قيل: لقد جئتم # وهو خطاب للحاضر بعد قوله: وقالوا # وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجراءة على الله ~~تعالى والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين ~~بين يديه منكرا عليهم وموبخا لهم. # ومما جاء من الالتفات مرارا على قصر متنه، وتقارب طرفيه، قوله تعالى أول ~~سورة بني إسرائيل: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير # فقال # PageV02P005 # أولا: سبحان الذي أسرى # بلفظ الواحد، ثم قال: الذي باركنا # بلفظ الجمع، ثم قال: إنه هو السميع البصير # وهو خطاب غائب، ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان: سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من ~~آياته إنه هو السميع البصير، وهذا جميعه يكون معطوفا على أسرى، فلما خولف ~~بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا ~~وتفننا في أساليب الكلام، ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ. # وسأذكر ما سنح لي فيه فأقول: لما بدأ الكلام بسبحان ردفه بقوله الذي ~~أسرى، إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا؛ فلما جاء بلفظ الواحد والله تعالى ~~أعظم العظماء، وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع، استدرك ~~الأول بالثاني؛ فقال: باركنا # ثم قال: لنريه من آياتنا ms303 # فجاء بذلك على نسق باركنا # ثم قال: إنه هو # عطفا على أسرى، وذلك موضع متوسط الصفة؛ لأن السمع والبصر صفتان يشاركه ~~فيهما غيره، وتلك حال متوسطة، فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب ~~نائب، فانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة التي جاءت ~~لمعان اختصت بها، يعرفها من يعرفها ويجهلها من يجهلها. # ومما ينخرط في هذا السلك الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقوله ~~تعالى: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا او كرها ~~قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ~~وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم # وهذا رجوع من الغيبة إلى خطاب النفس، فإنه قال: وزينا # بعد قوله: ثم استوى # وقوله: # فقضاهن # وأوحى # والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست ~~في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظا ولا رجوما، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل ~~به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس؛ لأنه مهم من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب ~~للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه، وفي خلاف هذا الرجوع من خطاب النفس إلى ~~خطاب الغيبة. # PageV02P006 # ومما ينخرط في هذا السلك أيضا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة، ~~كقوله تعالى: وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون # وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه الى خطابهم لأنه أبرز الكلام لهم في معرض ~~المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم، لأن ذلك أدخل في إمحاض ~~النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني # مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، ألا ترى إلى قوله: وإليه ~~ترجعون # ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى ~~أن قال: إني آمنت بربكم فاسمعون # فانظر أيها المتأمل إلى هذه النكت الدقيقة التي تمر عليها في آيات القرآن ~~الكريم وأنت تظن أنك فهمت فحواها واستنبطت رموزها. # وعلى ms304 هذا الأسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد، ~~كقوله تعالى: حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا ~~منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك ~~إنه هو السميع العليم # والفائدة ههنا في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد تخصيص النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالذكر، والإشارة بأن إنزال الكتاب إنما هو إليه، وإن لم ~~يكن ذلك صريحا، لكن مفهوم الكلام يدل عليه. # وإذا تأملت مطاوي القرآن الكريم وجدت فيه من هذا وأمثاله أشياء كثيرة، ~~وإنما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها. # وقد ورد في فصيح الشعر شيء من ذلك، كقول أبي تمام «1» : # PageV02P007 # وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السير لم تقصد لها كف قاطب «1» # فقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... وصارت لها أشباحهم كالغوارب «2» # يصرف مسراها جذيل مشارق ... إذا آبه هم عذيق مغارب «3» # يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرة آئب «4» # كأن بها ضغنا على كل جانب ... من الأرض أو شوقا إلى كل جانب «5» # إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد ... تقطع ما بيني وبين النوائب «6» # هنالك تلقى الجود من حيث قطعت ... تمائمه والمجد مرخى الذوائب «7» # PageV02P008 # ألا ترى أنه قال في الأول: «يصرف مسراها» مخاطبة للغائب، ثم قال بعد ذلك: # «إذا العيس لاقت بي» مخاطبا نفسه، وفي هذا من الفائدة أنه لما صار إلى ~~مشافهة للمدوح والتصريح باسمه خاطب عند ذلك نفسه مبشرا لها بالبعد عن ~~المكروه والقرب من المحبوب، ثم جاء بالبيت الذي يليه معدولا به عن خطاب ~~نفسه إلى خطاب غيره، وهو أيضا خطاب لحاضر، فقال: «هنالك تلقى الجود» ~~والفائدة بذلك أنه يخبر غيره بما شهده، كأنه يصف له جود الممدوح وما لاقاه ~~منه؛ إشادة بذكره، وتنويها باسمه، وحملا لغيره على قصده، وفي صفته جود ~~الممدوح بتلك الصفة الغريبة البليغة، وهي قوله: «حيث قطعت تمائمه» ما يقتضي ~~له الرجوع إلى خطاب الحاضر، والمراد بذلك أن محل الممدوح هو مألف ms305 الجود ~~ومنشؤه ووطنه، وقد يراد به معنى آخر، وهو أن هذا الجود قد أمن عليه الآفات ~~العارضة لغيره من المن والمطل والاعتذار وغير ذلك، إذ التمائم لا تقطع إلا ~~عمن أمنت عليه المخاوف. # على هذا النهج ورد قول أبي الطيب المتنبي في قصيد «1» يمدح به ابن العميد ~~في النوروز، ومن عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في ~~آخر القصيد: # كثر الفكر كيف نهدي كما أه ... دت إلى ربها المليك عباده «2» # والذي عندنا من المال والخ ... يل فمنه هباته وقياده «3» # فبعثنا بأربعين مهارا ... كل مهر يدانه إنشاده «4» # PageV02P009 # عدد عشته يرى الجسم فيه ... أربا لا يراه فيما يزاده» # فارتبطها فإن قلبا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده «2» # وهذا من إحسان أبي الطيب المعروف، وهو رجوع عن خطاب الغائب الى الحاضر، ~~واحتج أبو الطيب عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة، ~~وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة والشباب وقضاء ~~الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد ~~القصيد على هذه العدة، وهذا حسن غريب. # وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة فكقوله تعالى: هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح ~~عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين # فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة، وهي أنه ذكر ~~لغيرهم حالهم ليعجبهم منها كالمخبر لهم ويستدعي منهم الإنكار عليهم، ولو ~~قال: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها، وساق الخطاب ~~معهم إلى آخر الآية؛ لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة، وليس ذلك ~~بخاف عن نقدة الكلام. # ومما ينخرط في هذا السلك قوله تعالى: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاعبدون. وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون # الأصل في تقطعوا تقطعتم، عطفا على الأول، ms306 إلا أنه صرف «3» الكلام من ~~الخطاب إلى الغيبة على طريقة # PageV02P010 # الالتفات، كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبح عندهم ما ~~فعلوه، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى، فجعلوا ~~أمر دينهم فيما بينهم قطعا، وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم، ثم توعدهم ~~بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون؛ فهو مجازيهم على ما فعلوا. # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون # فإنه إنما قال: # فآمنوا بالله ورسوله # ولم يقل فآمنوا بالله وبي عطفا على قوله إني رسول الله إليكم لكي تجري ~~عليه الصفات التي أجريت عليه، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والاتباع له ~~هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وبكلماته كائنا من ~~كان أنا أو غيري؛ إظهارا للنصفة، وبعدا من التعصب لنفسه، فقدر أولا في صدر ~~الآية إني رسول الله إلى الناس، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة ~~لغرضين: الأول منهما إجراء تلك الصفات عليه، والثاني الخروج من تهمة التعصب ~~لنفسه. ### | القسم الثاني: # في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل ~~الأمر. # وهذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا ~~للتوسع في أساليب الكلام فقط، بل لأمر وراء ذلك، وإنما يقصد إليه تعظيما ~~لحال من أجري عليه الفعل المستقبل، وتفخيما لأمره، وبالضد من ذلك فيمن أجري ~~عليه فعل الأمر. # فمما جاء منه قوله تعالى: يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا ~~عن قولك وما نحن لك بمؤمنين. إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني ~~أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون # فإنه إنما قال: أشهد الله واشهدوا # ولم يقل وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده الله على البراءة من ~~الشرك ms307 # PageV02P011 # صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم، ودلالة على قلة المبالاة ~~بأمرهم، ولذلك عدل به عن لفظ الأول؛ لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ ~~الأمر، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: اشهد علي أني أحبك، تهكما ~~به، واستهانة بحاله. # وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر؛ إلا أنه ليس كالأول، بل إنما ~~يفعل ذلك توكيدا لما أجري عليه فعل الأمر؛ لمكان العناية بتحقيقه، كقوله ~~تعالى: قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له ~~الدين # الآية، وكان تقدير الكلام أمر؛ ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، ~~فعدل عن ذلك إلى فعل الأمر؛ للعناية بتوكيده في نفوسهم؛ فإن الصلاة من أوكد ~~فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل ~~الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«الأعمال بالنيات» . # واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان، أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى ~~صيغة اخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا ~~العارف برموز الفصاحة والبلاغة، الذي اطلع على أسرارهما، وفتش عن دفائنهما، ~~ولا تجد ذلك في كل كلام؛ فإنه من أشكل ضروب علم البيان، وأدقها فهما، ~~وأغمضها طريقا. ### | القسم الثالث: # في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالماضي، فالأول ~~الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي: اعلم أن. الفعل المستقبل إذا أتي به في ~~حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذاك ~~لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن ~~السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي، وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس ~~منه جعلا بمكانه، فإنه ليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجرى. # PageV02P012 # وسأبين ذلك فأقول: عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين: # أحدهما بلاغي، وهو إخبار عن ماض بمستقبل، وهو الذي أنا بصدد ذكره في ~~كتابي هذا الذي هو موضوع لتفصيل ms308 ضروب الفصاحة والبلاغة، والآخر غير بلاغي، ~~وليس إخبار بمستقبل عن ماض، وإنما هو مستقبل دل على معنى مستقبل غير ماض، ~~ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض. # فالضرب الأول كقوله تعالى: والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه ~~إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور # فإنه إنما قال: فتثير # مستقبلا وما قبله وما بعده ماض لذلك المعنى الذي أشرنا إليه، وهو حكاية ~~الحبل التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة ~~الدالة على القدرة الباهرة، وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية، ~~كحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك. # وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه في غزوة ~~بدر: فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص وهو على فرس وعليه لأمة «1» ~~كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي عنزة ~~«2» فأطعن بها في عينه، فوقع، وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة متعقفة ~~«3» ؛ فقوله: «فأطعن بها في عينه، وأطأ برجلي» معدول به عن لفظ الماضي إلى ~~المستقبل؛ ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام والجراءة ~~على قتل ذلك الفارس المستلئم، ألا ترى أنه قال أولا: لقيت عبيدة، بلفظ ~~الماضي، ثم قال بعد ذلك: فأطعن بها في عينه، ولو عطف كلامه على أوله لقال: ~~فطعنت بها في عينه. # PageV02P013 # وعلى هذا ورد قول تأبط شرا «1» : # بأبي قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان «2» # فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران «3» # فإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم ~~إياها مشاهدة، للتعجب من جراءته على ذلك الهول، ولو قال فضربتها عطفا على ~~الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة. # فإن قيل: إن الفعل الماضي أيضا يتخيل منه السامع ما يتخيله من المستقبل ~~قلت في الجواب: إن التخيل يقع في الفعلين معا، لكنه في أحدهما- وهو ~~المستقبل- أوكد وأشد تخيلا؛ لأنه يستحضر صورة الفعل حتى كأن السامع ms309 ينظر ~~إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه، ألا ترى أنه لما قال تأبط شرا «فأضربها» ~~تخيل السامع أنه مباشر للفعل، وأنه قائم بإزاء الغول، وقد رفع سيفه ~~ليضربها، وهذا لا يوجد في الفعل الماضي؛ لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلا ~~قد مضى من غير إحضار للصورة في حالة سماع الكلام الدال عليه، وهذا لا خلاف ~~فيه، وهكذا # PageV02P014 # يجري الحكم في جميع الآيات المذكورة، وفي الأثر عن الزبير رضي الله عنه، ~~وفي الأبيات الشعرية. # وعليه ورد قوله تعالى أيضا، وهو: ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ~~ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق # فقال أولا: «خر من السماء» بلفظ الماضي، ثم عطف عليه المستقبل الذي هو ~~«فتخطفه» و «تهوي» ، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف ~~الطير إياه وهوي الريح به، والفائدة في ذلك ما أشرت إليه فيما تقدم، وكثيرا ~~ما يراعى أمثال هذا في القرآن. # وأما الضرب الثاني- الذي هو مستقبل- فكقوله تعالى: إن الذين كفروا ويصدون ~~عن سبيل الله # فإنه إنما عطف المستقبل على الماضي لأن كفرهم كان ووجد، ولم يستجدوا بعده ~~كفرا ثانيا، وصدهم متجدد على الأيام لم يمض كونه، وإنما هو مستمر يستأنف في ~~كل حين، وكذلك ورد قوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح ~~الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير # ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي ههنا إلى المستقبل فقال: فتصبح الأرض ~~مخضرة # ولم يقل فأصبحت عطفا على أنزل، وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد ~~زمان، فإنزال الماء مضى وجوده، واخضرار الأرض باق لم يمض، وهذا كما تقول: ~~أنعم علي فلان فأروح وأغدو شاكرا له، ولو قلت: فرحت وغدوت شاكرا له، لم يقع ~~ذلك الموقع؛ لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى وهذا موضع حسن ينبغي ms310 أن يتأمل. # وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته ~~أن الفعل الماضي إذا أخبر به عن الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك ~~ابلغ وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده؛ لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه ~~قد كان ووجد، وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة ~~التي يستعظم وجودها. # PageV02P015 # والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين ~~هيئة الفعل واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بهذا هو ~~الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد. # فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى: ويوم ينفخ في ~~الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض # فإنه إنما قال ففزع # بلفظ الماضي بعد قوله ينفخ # وهو مستقبل للإشعار بتحقيق الفزع، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضي ~~يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به. # وكذلك جاء قوله تعالى: ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم ~~نغادر منهم أحدا # وإنما قيل وحشرناهم # ماضيا بعد نسير # وترى # وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسير والبروز ليشاهدوا تلك ~~الأحوال، كأنه قال: وحشرناهم قبل ذلك؛ لأن الحشر هو المهم؛ لأن من الناس من ~~ينكره كالفلاسفة وغيرهم، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي. # ومما يجري هذا المجرى الإخبار باسم المفعول عن الفعل المستقبل، وإنما ~~يفعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي، وقد سبق الكلام عليه. # فمن ذلك قوله تعالى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له ~~الناس وذلك يوم مشهود # فإنه إنما آثر اسم المفعول الذي هو (مجموع) على الفعل المستقبل الذي هو ~~يجمع لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه الموصوف بهذه ~~الصفة، وإن شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى: يوم يجمعكم ليوم الجمع # فإنك تعثر على صحة ما قلت. # PageV02P016 # وقد أغفل كثير من الشعراء ذلك، فمن جملتهم أبو الطيب المتنبي في قوله «1» ~~: # يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليت الشرى يا ms311 حمام يا رجل «2» # وينبغي أن يبدأ فيه بالأدنى فالأدنى، فإنه إذا فعل ذلك كان كالمرتفع من ~~محل إلى محل أعلى منه، وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه، ~~فأما قوله «يا بدر» فإنه اسم الممدوح، والابتداء به أولى، ثم بعده فيجب أن ~~يقول: يا رجل، يا ليث، يا غمامة، يا بحر، يا حمام؛ لأن الليث أعظم من ~~الرجل، والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر، وهذا مقام مدح فيجب ~~أن يرقى فيه من منزلة إلى منزلة حتى ينتهي إلى المنزلة العليا آخرا «3» ، ~~ولو كان مقام ذم لعكس القضية. # وعلى مثله ورد قول أبي تمام يفتخر «4» : # سما بي أوس في الفخار وحاتم ... وزيد القنا والأثرمان ورافع «5» # PageV02P033 # نجوم طوالع جبال فوارع ... غيوث هوامع سيول دوافع «1» # فإن السيول دون الغيوث، والجبال دون النجوم، ولو قدم ما أخر لما اختل ~~النظم «2» بأن قال: # سيول دوافع غيوث هوامع ... جبال فوارع نجوم طوالع # وهذا عندي أشد ملامة من المتنبي، لأن المتنبي لا يمكنه تقديم ألفاظ بيته ~~وتأخيرها، وأبو تمام متمكن من ذلك، وما أعلم كيف ذهب عليه هذا الموضع مع ~~معرفته بالمعاني. # PageV02P034 ### | النوع التاسع في التقديم والتأخير # وهذا باب طويل عريض، يشتمل على أسرار دقيقة، منها ما استخرجته أنا، ومنها ~~ما وجدته في أقوال علماء البيان، وسأورد ذلك مبينا. # وهو ضربان: الأول يختص بدلالة الألفاظ على المعاني، ولو أخر المقدم أو ~~قدم المؤخر لتغير المعنى، والثاني يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما ~~يوجب له ذلك، ولو أخر لما تغير المعنى. # فأما الضرب الأول فإنه ينقسم إلى قسمين: أحدهما يكون التقديم فيه هو ~~الأبلغ؛ والآخر يكون التأخير فيه هو الأبلغ. # فأما القسم الذي يكون التقديم فيه هو الأبلغ فكتقديم المفعول على الفعل، ~~وتقديم الخبر على المبتدأ، وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء على العامل. # فمن ذلك تقديم المفعول على الفعل، كقولك: زيدا ضربت، وضربت زيدا، فإن في ~~قولك «زيدا ضربت» تخصيصا به بالضرب دون غيره، وذلك بخلاف قولك «ضرب زيدا» ؛ ~~لأنك إذا ms312 قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت، بأن تقول: ~~ضربت خالدا، أو بكرا، أو غيرهما، وإذا أخرته لزم الاختصاص للمفعول. # وكذلك تقديم خبر المبتدأ عليه، كقولك: زيد قائم، وقائم زيد؛ فقولك «قائم ~~زيد» قد أثبت له القيام دون غيره، وقولك «زيد قائم» أنت بالخيار في إثبات ~~القيام له ونفيه عنه؛ بأن تقول: ضارب، أو جالس، أو غير ذلك. # وهكذا يجري الحكم في تقديم الظرف، كقولك: إن إلي مصير هذا الأمر، وقولك: ~~إن مصير هذا الأمر إلي؛ فإن تقديم الظرف دل على أن مصير الأمر ليس # PageV02P035 # إلا إليك، وذلك بخلاف قولك: إن مصير هذا الأمر إلي؛ إذ يحتمل إيقاع ~~الكلام بعد الظرف على غيرك؛ فيقال: إلى زيد، أو عمرو، أو غيرهما. # وكذلك يجري الأمر في الحال والاستثناء. # وقال علماء البيان- ومنهم الزمخشري رحمه الله-: إن تقديم هذه الصورة ~~المذكورة إنما هو للاختصاص، وليس كذلك، والذي عندي فيه أن يستعمل على ~~وجهين: أحدهما الاختصاص، والآخر مراعاة نظم الكلام، وذاك أن يكون نظمه لا ~~يحسن إلا بالتقديم، وإذا أخر المقدم ذهب ذلك الحسن، وهذا الوجه أبلغ وأوكد ~~من الاختصاص. # فأما الأول الذي هو الاختصاص فنحو قوله تعالى: أفغير الله تأمروني أعبد ~~أيها الجاهلون. ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين. بل الله فاعبد وكن من الشاكرين # فإنه إنما قيل بل الله فاعبد # ولم يقل «بل اعبد الله» لأنه إذا تقدم وجب اختصاص العبادة به دون غيره، ~~ولو قال «بل اعبد» لجاز إيقاع الفعل على أي مفعول شاء. # وأما الوجه الثاني الذي يختص بنظم الكلام فنحو قوله تعالى: إياك نعبد ~~وإياك نستعين # وقد ذكر الزمخشري في تفسيره أن التقديم في هذا الموضع قصد به الاختصاص، ~~وليس كذلك؛ فإنه لم يقدم المفعول فيه على الفعل للاختصاص وإنما قدم لمكان ~~نظم الكلام؛ لأنه لو قال نعبدك ونستعينك لم يكن له من الحسن ما لقوله: إياك ~~نعبد وإياك نستعين # ألا ترى أنه تقدم قوله تعالى: الحمد لله رب ms313 العالمين. الرحمن الرحيم. ~~مالك يوم الدين # فجاء بعد ذلك قوله: إياك نعبد وإياك نستعين # وذاك لمراعاة حسن النظم السجعي الذي هو على حرف النون، ولو قال نعبدك ~~ونستعينك لذهبت تلك الطلاوة، وزال ذلك الحسن، وهذا غير خاف على أحد من ~~الناس، فضلا عن أرباب علم البيان. # وعلى نحو منه ورد قوله تعالى: فأوجس في نفسه خيفة موسى، قلنا لا تخف إنك ~~أنت الأعلى # وتقدير الكلام فأوجس موسى في نفسه خيفة، وإنما قدم # PageV02P036 # المفعول على الفاعل وفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول وبحرف الجر قصدا ~~لتحسين النظم، وعلى هذا فليس كل تقديم لما مكانه التأخير من باب الاختصاص؛ ~~فبطل إذا ما ذهب إليه الزمخشري وغيره. # ومما ورد من هذا الباب قوله تعالى: خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه # فإن تقديم الجحيم على التصلية وإن كان فيه تقديم المفعول على الفعل إلا ~~أنه لم يكن ههنا للاختصاص، وإنما هو للفضيلة السجعية، ولا مراء في أن هذا ~~النظم على هذه الصورة أحسن من أن لو قيل خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم. # فإن قيل: إنما قدمت الجحيم للاختصاص؛ لأنها نار عظيمة، ولو أخرت لجاز ~~وقوع الفعل على غيرها، كما يقال: ضربت زيدا، وزيدا ضربت، وقد تقدم الكلام ~~على ذلك. # فالجواب عن ذلك أن الدرك الأسفل أعظم من الجحيم؛ فكان ينبغي أن يخص ~~بالذكر دون الجحيم، على ما ذهب إليه؛ لأنه أعظم، وهذا لا يذهب إليه إلا من ~~هو بنجوة عن رموز الفصاحة والبلاغة، ولفظة الجحيم ههنا في هذه الآية أولى ~~بالاستعمال من غيرها؛ لأنها جاءت ملائمة لنظم الكلام، ألا ترى أن من أسماء ~~النار السعير ولظى وجهنم، ولو وضع بعض هذه الأسماء مكان الجحيم لما كان له ~~من الطلاوة والحسن ما للجحيم، والمقصود بذكر الجحيم إنما هو النار: أي صلوه ~~النار، وهكذا يقال في ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه # فإنه لم يقدم السلسلة على السلك للاختصاص، وإنما قدمت لمكان نظم الكلام، ~~ولا شك أن هذا النظم أحسن من أن لو قيل ثم اسلكوه في ms314 سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا، والكلام على هذا كالكلام على الذي قبله، وله في القرآن نظائر كثيرة، ~~ألا ترى إلى قوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. ~~والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى ~~عاد كالعرجون القديم # فقوله: والقمر قدرناه منازل # ليس تقديم المفعول فيه على الفعل من باب الاختصاص، وإنما هو من باب ~~مراعاة نظم الكلام؛ فإنه قال: الليل نسلخ منه النهار # ثم قال: والشمس تجري # فاقتضى حسن النظم أن يقول: والقمر قدرناه # PageV02P037 # ليكون الجميع على نسق واحد في النظم، ولو قال وقدرنا القمر منازل لما كان ~~بتلك الصورة في الحسن، وعليه ورد قوله تعالى: فأما اليتيم فلا تقهر. وأما ~~السائل فلا تنهر # وإنما قدم المفعول لمكان حسن النظم السجعي. # وأما تقديم خبر المبتدأ عليه فقد تقدمت صورته، كقولك: زيد قائم، وقائم ~~زيد؛ فمما ورد منه في القرآن قوله تعالى: وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من ~~الله # فإنه إنما قال ذلك ولم يقل وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم لأن في ~~تقديم الخبر الذي هو مانعتهم على المبتدأ الذي هو حصونهم دليلا على فرط ~~اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم، وفي تصويب ضميرهم اسما ~~لأن وإسناد الجملة إليه دليل على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة وامتناع لا ~~يبالى معها بقصد قاصد ولا تعرض متعرض، وليس شيء من ذلك في قولك: وظنوا أن ~~حصونهم مانعتهم من الله. # ومن تقديم خبر المبتدأ قوله تعالى: قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم # «1» فإنه إنما قدم خبر المبتدأ عليه في قوله: أراغب أنت # ولم يقل أأنت راغب لأنه كان أهم عندهم، وهو به شديد العناية، وفي ذلك ضرب ~~من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته، وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب ~~عنها، وهذا بخلاف ما لو قال أأنت راغب عن آلهتي. # ومن غامض هذا الموضع قوله تعالى: واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار ~~الذين كفروا # فإنه إنما قال ذلك ولم يقل فإذا أبصار ms315 الذين كفروا شاخصة لأمرين: أحدهما ~~تخصيص الأبصار بالشخوص دون غيرها؛ أما الأول فلو قال فإذا أبصار الذين ~~كفروا شاخصة لجاز أن يضع موضع شاخصة غيره، فيقول: حائرة، أو # PageV02P038 # مطموسة، أو غير ذلك، فلما قدم الضمير اختص الشخوص بالأبصار دون غيرها، ~~وأما الثاني فإنه لما أراد أن الشخوص خاص بهم دون غيرهم دل عليه بتقديم ~~الضمير أولا ثم بصاحبه ثانيا، كأنه قال: فإذا هم شاخصون دون غيرهم، ولولا ~~أنه أراد هذين الأمرين المشار إليهما لقال فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة؛ ~~لأنه أخصر بحذف الضمير من الكلام. # ومن هذا النوع قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ماء البحر؛ فقال: ~~«هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وتقدير الكلام: هو الذي ماؤه طهور وميتته حل؛ ~~لأن الألف واللام ههنا بمعنى الذي. # وأما تقديم الظرف، فإنه إذا كان الكلام مقصودا به الإثبات فإن تقديمه ~~أولى من تأخيره، وفائدته إسناد الكلام الواقع بعده إلى صاحب الظرف دون ~~غيره، فإذا أريد بالكلام النفي فيحسن فيه تقديم الظرف وتأخيره، وكلا هذين ~~الأمرين له موضع يختص به. # فأما تقديمه في النفي فإنه يقصد به تفضيل المنفي عنه على غيره. # أما تأخيره فإنه يقصد به النفي أصلا من غير تفضيل. # فأما الأول- وهو تقديم الظرف في الإثبات- فكقولك في الصورة المقدمة: # إن إلي مصير هذا الأمر، ولو أخرت الظرف فقلت: إن مصير هذا الأمر إلي؛ لم ~~يعط من المعنى ما أعطاه الأول، وذلك أن الأول دل على أن مصير الأمر ليس إلا ~~إليك، وذلك بخلاف الثاني؛ إذ يحتمل أن توقع الكلام بعد الظرف على غيرك؛ ~~فيقال: إلى زيد، أو عمرو، أو غيرهما، وعلى نحو منه جاء قوله تعالى: إن ~~إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم # وكذلك جاء قوله تعالى: يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك ~~وله الحمد # فإنه إنما قدم الظرفين ههنا في قوله له الملك وله الحمد # ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك والحمد بالله لا بغيره. # وقد استعمل تقديم الظرف في القرآن كثيرا كقوله تعالى: ms316 وجوه يومئذ ناضرة. ~~إلى ربها ناظرة # أي: تنظر إلى ربها دون غيره، فتقديم الظرف ههنا ليس # PageV02P039 # للاختصاص «1» ، وإنما هو كالذي أشرت إليه في تقديم المفعول، وأنه لم يقدم ~~للاختصاص، وإنما قدم من أجل نظم الكلام، لأن قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة. ~~إلى ربها ناظرة # أحسن من أن لو قيل: وجوه يومئذ ناضرة ناظرة إلى ربها، والفرق بين النظمين ~~ظاهر، وكذلك قوله تعالى: والتفت الساق بالساق. إلى ربك يومئذ المساق # فإن هذا روعي فيه حسن النظم، لا الاختصاص، في تقديم الظرف، وفي القرآن ~~مواضع كثيرة من هذا القبيل يقيسها غير العارف بأسرار الفصاحة على مواضع ~~أخرى وردت للاختصاص وليست كذلك، فمنها قوله تعالى: # إلى ربك يومئذ المستقر # وقوله تعالى: ألا إلى الله تصير الأمور # وله الحكم وإليه ترجعون* # وعليه توكلت وإليه أنيب* # فإن هذه جميعها لم تقدم الظروف فيها للاختصاص، وإنما قدمت لمراعاة الحسن ~~في نظم الكلام؛ فاعرف ذلك. # وأما الثاني- وهو تأخير الظرف وتقديمه في النفي- فنحو قوله تعالى: الم ~~ذلك الكتاب لا ريب فيه # وقوله تعالى: لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # فإنه إنما أخر الظرف في الأول لأن القصد في إيلاء حرف النفي الريب نفي ~~الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق، لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدعونه، ~~ولو أولاه الظرف لقصد أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه، كما قصد في قوله ~~تعالى: لا فيها غول # فتأخير الظرف يقتضي النفي أصلا من غير تفضيل، وتقديمه يقتضي تفضيل المنفي ~~عنه، وهو خمر الجنة، على غيرها من خمور الدنيا: أي ليس فيها ما في غيرها من ~~الغول، وهذا مثل قولنا: لا عيب في الدار، وقولنا: لا فيها عيب، فالأول نفي ~~للعيب عن الدار فقط، والثاني تفضيل لها على غيرها: أي ليس فيها ما في غيرها ~~من العيب، فاعرف ذلك فإنه من دقائق هذا الباب. # وأما تقديم الحال فكقولك: جاء راكبا زيد، وهذا بخلاف قولك: جاء زيد ~~راكبا؛ إذ يحتمل أن يكون ضاحكا أو ماشيا أو غير ذلك. # PageV02P040 # وأما الاستثناء فجار ms317 هذا المجرى، نحو قولك: ما قام إلا زيدا أحد، أو ما ~~قام أحد إلا زيدا، والكلام على ذلك كالكلام على ما سبق. # وأما القسم الثاني فهو أن يقدم ما الأولى به التأخير لأن المعنى يختل ~~بذلك ويضطرب، وهذا هو المعاظلة المعنوية، وقد قدمنا القول في المقالة ~~الأولى المختصة بالصناعة اللفظية بأن المعاظلة تنقسم قسمين: أحدهما لفظي، ~~والآخر معنوي، أما اللفظي فذكرناه في بابه، وأما المعنوي فهذا بابه وموضعه، ~~وهو كتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على الموصوف، وتقديم الصلة على الموصول، ~~وغير ذلك مما يرد بيانه. # فمن هذا القسم قول بعضهم: # فقد والشك بين لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح # فإنه قدم قوله «بوشك فراقهم» وهو معمول «يصيح» و «يصيح» صفة لصرد على ~~صرد، وذلك قبيح؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: هذا من موضع كذا رجل ورد ~~اليوم، وإنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل؛ فكما لا يجوز تقديم ~~الصفة على موصوفها فكذلك لا يجوز تقديم ما اتصل بها على موصوفها. # ومن هذا النحول قول الآخر: # فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرا رسومها قلما # فإنه قدم خبر كأن عليها وهو قوله «خط» ؛ وهذا وأمثاله مما لا يجوز قياس ~~عليه، والأصل في هذا البيت: فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خط رسومها، ~~إلا أنه على تلك الحالة الأولى في الشعر مختل مضطرب. # والمعاظلة في هذا الباب تتفاوت درجاتها في القبح، وهذا البيت المشار إليه ~~من أقبحها؛ لأن معانيه قد تداخلت وركب بعضها بعضا. # ومما جري هذا المجرى قول الفرزدق: # إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره # PageV02P041 # وهو يريد: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، وهذا أقبح من الأول، وأكثر ~~اختلالا. # وكذلك جاء قوله أيضا: # وليست خراسان التي كان خالد ... بها إذ كان سيفا أميرها # وحديث هذا البيت ظريف، وذاك أنه، فيما ذكر، يمدح خالد بن عبد الله ~~القسري، ويهجو أسدا، وكان أسد وليها بعد خالد، وكأنه قال: وليست خراسان ~~بالبلدة التي كان خالد ms318 بها سيفا إذ كان أسد أميرها، وعلى هذا التقدير ففي ~~«كان» الثانية ضمير الشأن والحديث، والجملة بعدها خبر عنها، وقد قدم بعض ما ~~إذ مضافة إليه وهو «أسد» عليها، وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على ~~المضاف من القبح ما لا خفاء به، وأيضا فإن أسدا أحد جزأي الجملة المفسرة ~~للضمير، والضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده، ولو تقدم تفسيره قبله لما ~~احتاج إلى تفسير، ولما سماه الكوفيون الضمير المجهول. # وعلى هذا النحو ورد قول الفرزدق أيضا: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # ومعنى هذا البيت: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، ~~وعلى هذا المثال المصوغ في الشعر قد جاء مشوها كما تراه. # وقد استعمل الفرزدق من التعاظل كثيرا، كأنه كان يقصد ذلك ويتعمده؛ لأن ~~مثله لا يجيء ألا متكلفا مقصودا، وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على ~~سجيتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد، ألا ترى أن ~~المقصود من الكلام معدوم في هذا الضرب المشار إليه؛ إذ المقصود من الكلام ~~إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى، فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من ~~الكلام ذهب المراد به، ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية ~~والرومية وغيرهما. # PageV02P042 # واعلم أن هذا الضرب من الكلام هو ضد الفصاحة؛ لأن الفصاحة هي الظهور ~~والبيان، وهذا عار عن هذا الوصف. # أما الضرب الثاني الذي يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ~~ذلك فإنه مما لا يحصره حد، ولا ينتهي إليه شرح، وقد أشرنا إلى نبذة منه في ~~هذا الكتاب ليستدل بها على أشباهها ونظائرها. # فمن ذلك تقديم السبب على المسبب، كقوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين # فإنه إنما قدم العبادة على الاستعانة لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب ~~الحاجة أنجح لحصول الطلب، وأسرع لوقوع الإجابة ولو قال إياك نستعين وإياك ~~نعبد لكان جائزا إلا أنه لا يسد ذلك المسد، ولا يقع ذلك الموقع، ms319 وهذا لا ~~يخفى على المنصف من أرباب هذه الصناعة، وعلى نحو منه جاء قوله تعالى: ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما ~~وأناسي كثيرا # فقدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس، وإن كانوا أشرف محلا؛ ~~لأن حياة الأرض هي سبب لحياة الأنعام والناس، فلما كانت بهذه المثابة جعلت ~~مقدمة في الذكر، ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش والحياة للناس قدمها في ~~الذكر على الناس؛ لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم سقي ما هو سبب ~~نمائهم ومعاشهم على سقيهم. # ومن هذا الضرب تقديم الأكثر على الأقل، كقوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات # . وإنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته، وأن معظم الخلق عليه، ثم أتى ~~بعده بالمقتصدين لأنهم قليل بالإضافة إليه، ثم أتى بالسابقين وهم أقل من ~~القليل أعني من المقتصدين؛ فقدم الأكثر، وبعده الأوسط، ثم ذكر الأقل آخرا، ~~ولو عكست القضية المعنى أيضا واقعا في موقعه؛ لأنه يكون قد روعي فيه تقديم ~~الأفضل فالأفضل. # ولنوضح لك في هذا وأمثاله طريقا تقتفيه، فنقول: اعلم أنه إذا كان الشيئان ~~كل واحد منهما مختصا بصفة فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت في الذكر، كهذه # PageV02P043 # الآية؛ فإن السابق بالخيرات مختص بصفة الفضل، والظالم لنفسه مختص بصفة ~~الكثرة، فقس على هذا ما يأتيك من أشباهه وأمثاله. # ومن هذا الجنس قوله تعالى: والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على ~~بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع # فإنه إنما قدم الماشي على بطنه لأنه أدل على القدرة من الماشي على رجلين؛ ~~إذ هو ماش بغير الآلة المخلوقة للمشي، ثم ذكر الماشي على رجلين وقدمه على ~~الماشي على أربع؛ لأنه أدل على القدرة أيضا حيث كثرت آلات المشي في الأربع، ~~وهذا من باب تقديم الأعجب فالأعجب. # فإن قيل: قد ورد في القرآن الكريم في مواضع منه ما يخالف هذا الذي ذكرته، ~~كقوله تعالى ms320 في سورة هود: وما نؤخره إلا لأجل معدود. يوم يأت لا تكلم نفس ~~إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد. فأما الذين شقوا ففي النار # ثم قال: وأما الذين سعدوا ففي الجنة # فقدم أهل النار في الذكر على أهل الجنة، وهذا مخالف للأصل الذي أصلته في ~~هذا الموضع. # فالجواب عن ذلك أن هذا الذي أشرت إليه في سورة هود وما أشبهه له أسرار ~~تحتاج ألى فضل تأمل وإمعان نظر، حتى تفهم: أما هذا الموضع فإنه لما كان ~~الكلام مسوقا في ذكر التخويف والتحذير، وجاء على عقب قصص الأولين وما فعل ~~الله بهم من التعذيب والتدمير؛ كان الأليق أن يوصل الكلام بما يناسبه في ~~المعنى، وهو ذكر أهل النار؛ فمن أجل ذلك قدموا في الذكر على أهل الجنة، ~~وإذا رأيت في القرآن شيئا من هذا القبيل وما يجري مجراه فتأمله وأمعن نظرك ~~فيه حتى يتبين لك مكان الصواب منه. # واعلم أنه إذا كان مطلع الكلام في معنى من المعاني ثم يجيء بعده ذكر ~~شيئين أحدهما أفضل من الآخر وكان المعنى المفضول مناسبا لمطلع الكلام، فأنت ~~بالخيار في تقديم أيهما شئت؛ لأنك إن قدمت الأفضل فهو في موضعه من التقديم، ~~وإن قدمت المفضول فلأن مطلع الكلام يناسبه، وذكر الشيء مع ما يناسبه أيضا ~~وارد في موضعه. # PageV02P044 # فمن ذلك قوله تعالى: وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور. لله ملك السماوات والأرض يخلق ما ~~يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير # فإنه إنما قدم الإناث على الذكور مع تقدمهم عليهن لأنه ذكر البلاء في آخر ~~الآية الأولى وكفران الإنسان بنسيانه للرحمة السابقة عنده، ثم عقب ذلك بذكر ~~ملكه ومشيئته وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث لأن سياق الكلام أنه فاعل ما ~~يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان فكان ذكر الإناث اللاتي هن من جملة ما لا يشاؤه ~~الإنسان ولا يختاره أهم، والأهم واجب التقديم، ms321 وليلي الجنس الذي كانت العرب ~~تعده بلاء ذكر البلاء، ولما أخر ذكر الذكور، وهم أحقاء بالتقديم، تدارك ذلك ~~بتعريفه إياهم؛ لأن التعريف تنويه بالذكر، كأنه قال ويهب لمن يشاء الفرسان ~~الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه ~~من التقديم والتأخير، وعرف أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض ~~آخر، فقال (ذكرانا وإناثا) وهذه دقائق لطيفة قل من يتنبه لها أو يعثر على ~~رموزها. # ومن هذا الباب قوله تعالى: وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ~~ذرة في الأرض ولا في السماء # فإنه إنما قدم الأرض في الذكر على السماء، ومن حقها التأخير، لأنه لما ~~ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم ووصل ذلك بقوله: وما يعزب # لاءم بينهما؛ ليلي المعنى المعنى. # فإن قيل: قد جاء تقديم الأرض على السماء في الذكر في مواضع كثيرة من ~~القرآن. # قلنا: إذا جاءت مقدمة في الذكر فلا بد لتقديمها من سبب اقتضاه، وإن خفي ~~ذلك السبب، وقد يستنبطه بعض العلماء دون بعض. # PageV02P045 ### | النوع العاشر في الحروف العاطفة والجارة # وهذا موضع لطيف المؤخذ، دقيق المغزى، وما رأيت أحدا من علماء هذه الصناعة ~~تعرض إليه، ولا ذكره، وما أقول إنهم لم يعرفوه؛ فإن هذا النوع من الكلام ~~أشهر من أن يخفى؛ لأنه مذكور في كتب العربية جميعها، ولست أعني بإيراده ~~ههنا ما يذكره النحويون من أن الحروف العاطفة تتبع [المعطوف] المعطوف عليه ~~في الإعراب، ولا أن الحروف الجارة تجر ما تدخل عليه، بل أمرا وراء ذلك، وإن ~~كان المرجع فيه الى الأصل النحوي، فأقول: # إن أكثر الناس يضعون هذه الحروف في غير مواضعها؛ فيجعلون ما ينبغي أن يجر ~~بعلى بفي في حروف الجر، وفي هذه الأشياء دقائق أذكرها لك. # أما حروف العطف فنحو قوله تعالى: والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو ~~يشفين. والذي يميتني ثم يحيين # فالأول عطفه بالواو ms322 التي هي للجمع، وتقديم الإطعام على الإسقاء والإسقاء ~~على الإطعام جائز لولا مراعاة حسن النظم، ثم عطف الثاني بالفاء؛ لأن الشفاء ~~يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما، ثم عطف الثالث بثم؛ لأن الإحياء يكون ~~بعد الموت بزمان، ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخي، ولو قال قائل في ~~موضع هذه الآية الذي يطعمني ويسقين ويمرضني ويشفين ويميتني ويحيين لكان ~~للكلام معنى تام إلا أنه لا يكون كمعنى الآية؛ إذ كل شيء منها قد عطف بما ~~يناسبه ويقع موقع السداد منه. # ومما جاء من هذا الباب قوله تعالى: قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه ~~من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره # ألا ترى أنه لما قال: من نطفة خلقه # كيف قال: فقدره # ولم يقل ثم قدره؛ لأن التقدير لما كان تابعا للخلقة وملازما لها عطفه ~~عليها بالفاء، وذلك بخلاف قوله: # PageV02P046 # ثم السبيل يسره # ؛ لأن بين خلقته وتقديره في بطن أمه وبين إخراجه منه وتسهيل سبيله مهلة ~~وزمانا؛ فلذلك عطفه بثم، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ثم أماته فأقبره ثم إذا ~~شاء أنشره # ؛ لأن بين إخراجه من بطن أمه وبين موته تراخيا وفسحة، وكذلك بين موته ~~ونشوره أيضا، ولذلك عطفهما بثم، ولما لم يكن بين موت الإنسان وإقباره تراخ ~~ولا مهلة عطفه بالفاء، وهذا موضع من علم البيان شريف، وقلما يتفطن ~~لاستعماله كما ينبغي. # ومما جاء من ذلك أيضا قوله تعالى في قصة مريم وعيس عليهما السلام: # فحملته فانتبذت به مكانا قصيا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ~~ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا # وفي هذه الآية دليل على أنه حملها به ووضعها إياه كانا متقاربين؛ لأنه ~~عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت إليه والمخاض الذي هو الطلق ~~بالفاء، وهي للفور، ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي ~~والمهلة، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى قتل الإنسان ما أكفره. من أي شيء ~~خلقه من ms323 نطفة خلقه فقدره. ثم السبيل يسره # فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه منه مدة متراخية عطف ذلك بثم، وهذا ~~بخلاف قصة مريم عليها السلام، فإنها عطفت بالفاء، وقد اختلف الناس في مدة ~~حملها؛ فقيل: إنه كان كحمل غيرها من النساء، وقيل: لا، بل كان مدة ثلاثة ~~أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف؛ لأنها دلت صريحا ~~على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة، وربما كان ذلك ~~في يوم واحد أو أقل؛ أخذا بما دلت عليه الآية. # ومما ورد من هذا الأسلوب قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ~~ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ~~فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر # ففي الآية المتقدم ذكرها قال: من نطفة خلقه فقدره # فعطف التقدير على الخلق بالفاء؛ لأنه تابع له، ولم يذكر تفاصيل حال ~~المخلوق، وفي هذه الآية ذكر تفاصيل حاله في تنقله، فبدأ بالخلق الأول، وهو ~~خلق آدم من طين، ولما عطف عليه الخلق الثاني الذي هو # PageV02P047 # خلق النسل عطفه بثم؛ لما بينهما التراخي، وحيث صار إلى التقدير الذي يتبع ~~بعضه بعضا من غير تراخ عطفه بالفاء، ولما انتهى إلى جعله ذكرا أو أنثى- وهو ~~آخر الخلق- عطفه بثم. # فإن قيل: إنه قد عطف المضغة على العلقة في هذه الآية بالفاء، وفي أخرى ~~بثم، وهي قوله تعالى: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ~~من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة. # فالجواب عن ذلك «1» . # واعلم أن في حروف العطف موضعا تلتبس [فيه] الفاء بالواو، وهو موضع يحتاج ~~فيه إلى فضل تأمل، وذلك أن فعل المطاوعة لا يعطف عليه إلا بالفاء، دون ~~الواو، وقد يجيء من الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعة، ويعطي ظاهره أنه كذلك ~~إلا أن معناه يكون مخالفا لمعنى فعل المطاوعة فيعطف حينئذ بالواو؛ لا ~~بالفاء، كقوله تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ms324 واتبع هواه # فقوله: أغفلنا قلبه # ههنا بمعنى صادفناه غافلا، وليس منقولا عن غفل حتى يكون معناه صددناه؛ ~~لأنه لو كان كذلك لكان معطوفا عليه بالفاء، وقيل: فاتبع هواه، وذلك أنه ~~يكون مطاوعا، وفعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء، كقولك: أعطيته فأخذ أو ~~دعوته فأجاب، ولا تقول: أعطيته وأخذ، ولا دعوته وأجاب، كما لا يقال: كسرته ~~وانكسر. وكذلك لو كان معنى أغفلنا في الآية صددنا ومنعنا لكان معطوفا عليه ~~بالفاء، وكان يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه، فلما لم ~~يكن كذلك وكان العطف عليه # PageV02P048 # بالواو؛ فطريقة أنه لما قال: أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه # أن يكون معناه وجدناه غافلا؛ فقد غفل لا محالة؛ فكأنه قال: ولا تطع من ~~غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه: أي لا تطع من فعل كذا وكذا، يعدد أفعاله ~~التي توجب ترك طاعته، فاعرف ذلك. # وأما حروف الجر فإن الصواب يشذ عن وضعها في مواضعها، وقد علم أن «في» ~~للوعاء، و «على» للاستعلاء، كقولهم: زيد في الدار، وعمرو على الفرس، لكن ~~إذا أريد استعمال ذلك في غير هذين الموضعين مما يشكل استعماله عدل فيه عن ~~الأولى. # فمما ورد منه قوله تعالى: قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا ~~أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود لمخالفة حرفي الجر ههنا؛ فإنه إنما ~~خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس ~~جواد يركض به حيث شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه لا يدري ~~أين يتوجه، وهذا معنى دقيق قلما يراعى مثله في الكلام، وكثيرا ما سمعت إذا ~~كان الرجل يلوم أخاه أو يعاتب صديقه على أمر من الأمور؛ فيقول له: أنت على ~~ضلالك القديم كما أعهدك، فيأتي بعلى في موضع في، وإن كان هذا جائزا، إلا أن ~~استعمال «في» ههنا أولى؛ لما أشرنا إليه، ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة ~~يوسف: قالوا تالله إنك ms325 لفي ضلالك القديم. # ومن هذا النوع قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين ~~عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل # فإنه إنما عدل عن اللام إلى «في» في الثلاثة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ ~~في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام؛ لأن «في» للوعاء، فنبه على ~~أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشيء في الوعاء، وأن يجعلوا ~~مظنة لها، وذلك لما في فك الرقاب وفي الغرم من التخلص، وتكرير «في» في ~~قوله: وفي سبيل # PageV02P049 # الله # دليل على ترجيحه على الرقاب وعلى الغارمين، وسياق الكلام أن يقال: وفي ~~الرقاب والغارمين وسبيل الله وابن السبيل، فلما جيء بفي ثانية وفصل بها بين ~~الغارمين وبين سبيل الله علم أن سبيل الله أوكد في استحقاق النفقة فيه، ~~وهذه لطائف ودقائق لا توجد إلا في هذا الكلام الشريف، فاعرفها وقس عليها. # PageV02P050 ### | النوع الحادي عشر في الخطاب بالجملة الفعلية والجملة الاسمية والفرق بينهما # ولم أذكر هذا الموضع لأن يجري الأمر فيه على ما يجري مجراه فقط، بل لأن ~~يقاس عليه مواضع أخرى مما تماثله وتشابهه، ولو كان شبها بعيدا. # وإنما يعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر لضرب التأكيد والمبالغة. # فمن ذلك قولنا: قام زيد وإن زيدا قائم، فقولنا «قام زيد» معناه الإخبار ~~عن زيد بالقيام، وقولنا «إن زيدا قائم» معناه الإخبار عن زيد بالقيام أيضا، ~~إلا أن في الثاني زيادة ليست في الأول، وهي توكيده بإن المشددة التي من ~~شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، وإذا زيد في خبرها اللام فقيل: إن زيدا ~~لقائم؛ كان ذلك أكثر توكيدا في الإخبار بقيامه، وهذا مثال ينبني عليه أمثلة ~~كثيرة من غير هذا النوع. # فمما جاء من ذلك قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم # فإنهم إنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالجملة الاسمية ~~المحققة بإن المشددة لأنهم في مخاطبة إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من ~~الثبات على اعتقاد الكفر والبعد من أن يزلوا عنه ms326 على صدق ورغبة ووفور نشاط، ~~فكان ذلك متقبلا منهم، ورائجا عند إخوانهم؛ وأما الذي خاطبوا به المؤمنين، ~~فإنما قالوا تكلفا وإظهارا للإيمان خوفا ومداجاة، وكانوا يعلمون أنهم لو ~~قالوه بأوكد لفظ وأسده لما راج لهم عند المؤمنين إلا رواجا ظاهرا لا باطنا، ~~ولأنهم ليس لهم في عقائدهم باعث قوي على النطق في خطاب المؤمنين بمثل ما ~~خاطبوا به إخوانهم من العبارة المؤكدة؛ فلذلك قالوا في خطاب المؤمنين آمنا # وفي خطاب إخوانهم إنا معكم # وهذه نكت تخفى على من ليس له قدم راسخة في علم الفصاحة والبلاغة. # PageV02P051 # ومما يجري هذا المجرى ورود لام التوكيد في الكلام، ولا يجيء ذلك إلا لضرب ~~من المبالغة، وفائدته أنه إذا عبر عن أمر يعز وجوده أو فعل يكثر وقوعه جيء ~~باللام تحقيقا لذلك. # فمما جاء منه قوله تعالى في أول سورة المنافقين: إذا جاءك المنافقون ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون # فانظر إلى هذه اللامات الثلاثة الواردة في خبر إن، والأولى وردت في قول ~~المنافقين، وإنما وردت مؤكدة لأنهم أظهروا من أنفسهم التصديق برسالة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وتملقوا، وبالغوا في التملق، وفي باطنهم خلافه، وأما ~~ما ورد في الثانية والثالثة فصحيح لا ريب فيه، والسلام في الثانية لتصديق ~~رسالته، وفي الثالثة لتكذيب المنافقين فيما كانوا يظهرونه من التصديق الذين ~~هم على خلافه. # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: قالوا يا أبانا ما لك لا ~~تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون. أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له ~~لحافظون # فإنه إنما جيء باللام ههنا لزيادة التوكيد في إظهار المحبة ليوسف عليه ~~السلام والإشفاق عليه؛ ليبلغوا الغرض من أبيهم في السماحة بإرساله معهم. # ومن هذا الباب قوله تعالى: أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون. لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون # ثم قال: أفرأيتم الماء الذي تشربون. أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن ~~المنزلون. لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون # ألا ترى كيف ms327 أدخلت اللام في آية المطعوم دون آية المشروب! وإنما جاءت ~~كذلك لأن جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في العرف والعادة والموجود من ~~الماء الملح أكثر من الماء العذب، وكثيرا ما إذا جرت المياه العذبة على ~~الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة فلم يحتج في جعل الماء العذب ~~ملحا إلى زيادة تأكيد، فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد المفيدة زيادة ~~التحقيق، وأما المطعوم فإن جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن المعتاد، وإذا ~~وقع فلا يكون إلا عن سخط من الله شديد، فلذلك قرن بلام التأكيد زيادة في ~~تحقيق أمره وتقريره إيجاده. # PageV02P052 # ومما يتصل بذلك قوله تعالى: وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون # فاللام في لنحن # هي اللام المشار إليها. # وكذلك ورد قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا # فإن هذه اللام في قوله: # ليستخلفنهم # وليمكنن # وليبدلنهم # إنما جاءت لتحقيق الأمر وإثباته في نفوس المؤمنين وأنه كائن لا محالة. # ومما يجري هذا المجرى في التوكيد لام الابتداء المحققة لما يأتي بعدها، ~~كقوله تعالى: إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا # فاللام في ليوسف # لام الابتداء، وفائدتها تحقيق مضمون الجملة الواردة بعدها: أي أن زيادة ~~حبه إياهما أمر ثابت لامراء فيه. # ومن هذا النوع قول بعضهم: # والشيب إن يظهر فإن وراءه ... عمرا يكون خلاله متنفس # لم ينتقص مني المشيب قلامة ... ولما بقى مني ألب وأكيس # فقوله «ولما بقى مني» تقديره وما بقي مني، وإنما أدخل على «ما» هذه اللام ~~قصدا لتأكيد المعنى؛ لأنه موضع يحتاج ألى التأكيد، ألا ترى أن قوة العمر في ~~الشباب، ولما أراد هذا الشاعر أن يصف المشيب، وليس مما يوصف وإنما يذم، أتى ~~باللام لتؤكد ما قصده من الصفة. # وكذلك ورد قول الشاعر من أبيات الحماسة «1» : # إنا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدو الأصيد «2» # PageV02P053 # ومتى نجد يوما فساد عشيرة ... نصلح وإن نر صالحا لا نفسد ms328 «1» # وهذا كثير سائغ في الكلام، إلا أنه لا يتأتى لمكان العناية بما يعبر به ~~عنه، ألا ترى إلى قول الشاعر: «إنا لنصفح عن مجاهل قومنا» فإنه لما كان ~~الصفح مما يشق على النفس فعله؛ لأنه مقابلة الشر بالخير والإساءة بالإحسان؛ ~~أكده باللام، تحقيقا له. فإن عرى الموضع الذي يؤتى فيه بهذه اللام من هذه ~~الفائدة المشار إليها وما يجري مجراه، فإن ورود اللام فيه لغير سبب اقتضاه. # وأكثر ما تستعمل هذه اللام في جواب القسم لتحقيق الأمر المقسم عليه، وذلك ~~في الإيجاب، دون النفي؛ لأنها لا تستعمل في النفي، ألا ترى أنه لا يقال: # والله للاقمت، وإنما يقال: والله لا قمت، لكن في الإيجاب تستعمل، ويكون ~~استعمالها حسنا، كقولك: والله لأقوم، فإن أضيف «2» إليها النونان الخفيفة ~~والثقيلة كان ذلك أبلغ في التأكيد كقولك: والله لأقومن، وعلى ذلك وردت ~~الآية المتقدم ذكرها، وهي قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات # ؛ وإن لم يكن جوابا لقسم فالنون الواردة بعد اللام زيادة في التأكيد، ~~وهما تأكيدان أحدهما مردف بالآخر. # وكذلك فاعلم أن النون الثقيلة متصلة بهذا الباب، فإذا استعملت في موضع ~~فإنما يقصد بها التأكيد. # فمما جاء منها قول البحتري في معاتبة الفتح بن خاقان «3» : # PageV02P054 # هل يجلبن إلي عطفك موقف ... ثبت لديك أقول فيه وتسمع «1» # ما زال لي من حسن رأيك موئل ... آوي إليه من الخطوب ومفزع # فعلام أنكرت الصديق وأقبلت ... نحوي جناب الكاشحين تطلع «2» # وأقام يطمع في تهضم جانبي ... من لم يكن من قبل فيه يطمع # إلا يكن ذنب فعدلك واسع ... أو كان لي ذنب فعفوك أوسع # وهذه أبيات حسنة مليحة في بابها، يمحى بها حر الصدود، ويستمال بها صعر ~~الخدود، وإنما ذكرتها بجملتها لمكان حسنها، والبيت الأول هو المراد، ألا ~~ترى أنه قال: «هل يجلبن ألى عطفك موقف» فالنون جاءت قصدا للتأكيد، وهو في ~~هذا المقام متمن، فأحب أن يؤكد هذه الأمنية، وكل ما يجيء من هذا الباب فإنه ~~واقع هذا الموقع، وإذا استعمل عبثا لغير فائدة تقتضيه فإنه ms329 لا يكون ~~استعماله إلا من جاهل بالأسرار المعنوية، وأما ما يمثل به النحاة من قول ~~القائل: والله لأقومن، فإنه مثال نحوي يضرب للجواز، وإلا فإذا قال القائل: ~~والله لأقومن، وأكده، كان ذلك لغوا، لأنه ليس في قيامه من الأمر العزيز ولا ~~من الأمر العسير ما يحتاج معه إلى التأكيد، بل لو قال: والله لأقومن إليك، ~~مهددا له، لكان ذلك واقعا في موقعه، فافهم هذا وقس عليه. # PageV02P055 ### | النوع الثاني عشر في قوة اللفظ لقوة المعنى # هذا النوع قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب «الخصائص» ، إلا أنه لم ~~يورده كما أوردته أنا، ولا نبه على ما نبهت عليه من النكت التي تضمنته، ~~وهذا يظهر بالوقوف على كلامي. وكلامه، فأقول: # اعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أكثر منه ~~فلا بد من أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا؛ لأن الألفاظ أدلة على ~~المعاني، وأمثلة للإبانة عنها، فإذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة ~~المعاني، وهذا لا نزاع فيه، لبيانه، وهذا النوع لا يستعمل إلا في مقام ~~المبالغة. # فمن ذلك قولهم: خشن واخشوشن، فمعنى خشن دون معنى اخشوشن؛ لما فيه من ~~تكرير العين وزيادة الواو نحو فعل وافعوعل، وكذلك قولهم: أعشب المكان، فإذا ~~رأوا كثرة العشب قالوا: اعشوشب. # ومما ينتظم بهذا السلك قدر واقتدر، فمعنى اقتدر أقوى من معنى قدر قال ~~الله تعالى: فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر # فمقتدر ههنا أبلغ من قادر، وإنما عدل إليه للدلالة على تفخيم الأمر وشدة ~~الأخذ الذي لا يصدر إلا عن قوة الغضب، أو للدلالة على بسطة القدرة، فإن ~~المقتدر أبلغ في البسطة من القادر، وذاك أن مقتدرا اسم فاعل من اقتدر، ~~وقادر اسم فاعل من قدر، ولا شك أن افتعل أبلغ من فعل. # على هذا ورد قول أبي نواس: # فعفوت عني عفو مقتدر ... حلت له نقم فألفاها # أي: عفوت عني عفو قادر متمكن القدرة لا يرده شيء عن إمضاء قدرته؛ وأمثال ~~هذا كثيرة. # PageV02P056 # وكذلك ورد قوله تعالى ms330 في سورة نوح عليه السلام: فقلت استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا # فإن غفارا أبلغ في المغفرة من غافر، لأن فعالا يدل على كثرة صدور الفعل، ~~وفاعلا لا يدل على الكثرة. # عليه ورد قوله تعالى: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين # فالتواب هو الذي تتكرر منه التوبة مرة على مرة، وهو فعال، وذلك أبلغ من ~~التائب الذي هو فاعل، فالتائب اسم فاعل من تاب يتوب فهو تائب: أي صدرت منه ~~التوبة مرة واحدة؛ فإذا قيل: تواب؛ كان صدور التوبة منه مرارا كثيرة. # وهذا وما يجري مجراه إنما يعمد إليه لضرب من التوكيد، ولا يوجد ذلك إلا ~~فيما معنى الفعلية؛ كاسم الفاعل والمفعول، وكالفعل نفسه، نحو قوله تعالى: # فكبكبوا فيها هم والغاوون # فإن معنى كبكبوا من الكب، وهو القلب، إلا أنه مكرر المعنى، وإنما استعمل ~~في الآية دلالة على شدة العقاب؛ لأنه موضع يقتضي ذلك. # ولربما نظر بعض الجهال في هذا فقاس عليه زيادة التصغير وقال: إنها زيادة، ~~ولكنها زيادة نقص، لأنه يزاد في اللفظ حرف، كقولهم في الثلاثي في رجل: ~~رجيل، وفي الرباعي في قنديل: قنيديل، فالزيادة وردت ههنا فنقصت من معنى ~~هاتين اللفظتين، وهذا ليس من الباب الذي نحن بصدد ذكره؛ لأنه عار عن معنى ~~الفعلية، والزيادة في الألفاظ لا توجب زيادة في المعاني، الا إذا تضمنت ~~معنى الفعلية، لأن الأسماء التي لا معنى للفعل فيها إذا زيدت استحال ~~معناها، ألا ترى أنا لو نقلنا لفظة عذب، وهي ثلاثية، الى الرباعي فقلنا: ~~عذيب، على وزن جعفر؛ لاستحال معناها، ولم يكن لها معنى، وكذلك لو نقلنا ~~لفظة عسجد، وهي رباعية، الى الخماسي فقلنا: عسجدد، على وزن جحمرش؛ لاستحال ~~معناها، وهذا بخلاف ما فيه معنى الفعلية؛ كقادر ومقتدر؛ فإن قادرا اسم فاعل ~~قدر، وهو ثلاثي، ومقتدرا اسم فاعل اقتدر، وهو رباعي؛ فلذلك كان معنى القدرة ~~في اقتدر أشد من معنى القدرة في قدر، وهذا لا نزاع فيه. # وهذا الباب بجملته لا يقصد به إلا المبالغة في إيراد المعاني، وقد يستعمل # PageV02P057 # في مقام ms331 المبالغة فينعكس المعنى فيه إلى ضده، كما جاء لأبي كرام «1» ~~التميمي من شعراء الحماسة وهو قوله «2» : # لله تيم أي رمح طراد ... لاقى الحمام وأي نصل جلاد «3» # ومحش حرب قدم متعرض ... للموت غير مكذب حياد «4» # فلفظة «حياد» قد وردت ههنا: وإنما أوردها هذا الشاعر وقصد بها المبالغة ~~في وصف شجاعة هذا الرجل فانعكس عليه المقصد الذي قصده، لأن حيادا من حيد ~~فهو حياد: أي وجد منه الحيدودة مرارا، كما يقال: قتل فهو قتال: أي وجد منه ~~القتل مرارا، وإذا كان هذا الرجل غير حياد كان حائدا: أي وجدت منه الحيدودة ~~مرة واحدة، وإذا وجدت منه مرة كان ذلك جبنا، ولم يكن شجاعة، والأولى أن كان ~~قال: غير مكذب حائد. # وينبغي أن يعلم أنه إذا وردت لفظة من الألفاظ ويجوز حملها على التضعيف ~~الذي هو طريق المبالغة وحملها على غيره أن ينظر فيها؛ فإن اقتضى حملها على ~~المبالغة فهو الوجه. # فمن ذلك قول البحتري في قصيدته التي مطلعها: # PageV02P058 # منى النفس في أسماء لو تستطيعها «1» # وهي قصيدة مدح بها الخليفة المتوكل رحمه الله، وذكر فيها حديث الصلح بين ~~بني تغلب؛ فمما جاء فيها قوله: # رفعت بضبعي تغلب ابنة وائل ... وقد يئست أن يستقل صريعها # فكنت أمين الله مولى حياتها ... ومولاك فتح يوم ذاك شفيعها # تألفتهم من بعد ما شردت بهم ... حفائظ أخلاق بطيء رجوعها # فأبصر غاويها المحجة فاهتدى ... وأقصر غاليها ودانى شسوعها # فقوله «تألفتهم من بعد ما شردت بهم» يجوز أن تخفف لفظة «شردت» ويجوز أن ~~تثقل، والتثقيل هو الوجه؛ لأنه في مقام الإصلاح بين قوم تنازعوا واختلفوا، ~~وتباينت قلوبهم وآراؤهم، وكل ما يجيء من الألفاظ على هذا النحو فينبغي أن ~~يجري هذا المجرى. # وههنا نكتة لا بد من التنبيه عليها، وذلك أن قوة اللفظ لقوة المعنى لا ~~تستقيم إلا في نقل صيغة إلى صيغة أكثر منها، كنقل الثلاثي إلى الرباعي، ~~وإلا فإذا كانت صيغة الرباعي مثلا موضوعة لمعنى فإنه لا يراد به ما أريد من ~~نقل الثلاثي ألى مثل تلك الصيغة، ألا ms332 ترى أنه إذا قيل في الثلاثي قتل ثم ~~نقل إلى الرباعي فقيل قتل- بتشديد التاء- فإن الفائدة من هذا النقل هي ~~التكثير: أي أن القتل وجد منه كثيرا، وهذه الصيغة الرباعية بعينها لو وردت ~~من غير نقل لم تكن دالة على التكثير، كقوله تعالى: وكلم الله موسى تكليما # فإن كلم على وزن قتل، ولم يرد به التكثير، بل أريد به أنه خاطبه، سواء ~~كان خطابه إياه طويلا أو قصيرا، قليلا أو كثيرا، وهذه اللفظة رباعية، وليس ~~لها ثلاثي نقلت عنه إلى الرباعي، لكن قد وردت بعينها ولها ثلاثي ورباعي ~~فكان الرباعي أكثر وأقوى فيما دل عليه من المعنى؛ وذاك # PageV02P059 # أن تكون كلم من الجرح: أي جرح، ولها ثلاثي وهو كلم مخففا: أي جرح؛ فإذا ~~وردت مخففة دلت على الجراحة مرة واحدة، وإذا وردت مثقلة دلت على التكثير. # وكذلك ورد قوله تعالى: ورتل القرآن ترتيلا # فإن لفظة «رتل» على وزن لفظة قتل، ومع هذا ليست دالة على كثرة القراءة، ~~وإنما المراد بها أن تكون القراءة على هيئة التأني والتدبر، وسبب ذلك أن ~~هذه اللفظة لا ثلاثي لها حتى تنقل عنه إلى رباعي، وإنما هي رباعية موضوعة ~~لهذه الهيئة المخصوصة من القراءة؛ وعلى هذا فلا يستقيم معنى الكثرة والقوة ~~في اللفظ والمعنى إلا بالنقل من وزن إلى وزن أعلى منه، فاعرف ذلك. # ومن ههنا شذ الصواب عمن شذ عنه في عالم وعليم؛ فإن جمهور علماء العربية ~~يذهبون إلى أن عليما أبلغ في معنى العلم من عالم، وقد تأملت ذلك وأنعمت ~~نظري فيه، فحصل عندي شك في الذي ذهبوا إليه، والذي أوجب ذلك الشك هو أن ~~عالما وعليما على عدة واحدة؛ إذ كل منهما أربعة أحرف، وليس بينهما زيادة ~~ينقل فيها الأدنى إلى الأعلى، والذي يوجبه النظر أن يكون الأمر على عكس ما ~~ذكروه، وذاك أن يكون عالم أبلغ من عليم، وسببه أن عالما اسم فاعل من علم، ~~وهو متعد، وأن عليما اسم فاعل من علم، إلا أنه أشبه وزن الفعل القاصر، نحو ~~شرف فهو ms333 شريف، وكرم فهو كريم، وعظم فهو عظيم؛ فهذا الوزن لا يكون إلا في ~~الفعل القاصر؛ فلما أشبهه عليم انحط عن رتبة عالم الذي هو متعد؛ ألا ترى أن ~~فعل- بفتح الفاء وكسر العين- يكون متعديا نحو علم وحمد، ويكون قاصرا غير ~~متعد نحو عضب وشبع، وأما فعل- بفتح الفاء وضم العين- فإنه لا يكون إلا ~~قاصرا غير متعد، ولما كان فعل- بفتح الفاء وكسر العين- مترددا بين المتعدي ~~والقاصر، وكان فعل- بفتح الفاء وضم العين- قاصرا غير متعد؛ صار القاصر أضعف ~~مما يدور بين المتعدي والقاصر، وحيث كان الأمر كذلك، وأشبه وزن المتعدي وزن ~~القاصر؛ حط ذلك من درجته، وجعله في الرتبة دون المتعدي الذي ليس بقاصر، هذا ~~هو الذي أوجب لي التشكيك فيما ذهب إليه غيري من علماء العربية، ولربما كان ~~ما ذهبوا إليه لأمر خفي عني ولم أطلع عليه. # PageV02P060 ### | النوع الثالث عشر في عكس الظاهر # وهو نفي الشيء بإثباته، وهو من مستطرفات علم البيان، وذاك أنك تذكر كلاما ~~يدل ظاهره أنه نفي لصفة موصوف، وهو نفي للموصوف أصلا. # فمما جاء منه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصف مجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لا تنثى فلتاته» «1» أي لا تذاع سقطاته، فظاهر هذا ~~اللفظ أنه كان ثم فلتات غير أنها لا تذاع، وليس المراد ذلك، بل المراد أنه ~~لم يكن ثم فلتات فتنثى، وهذا من أغرب ما توسعت فيه اللغة العربية، وقد ورد ~~في الشعر كقول بعضهم: # ولا ترى الضب بها ينجحر «2» # فإن ظاهر المعنى من هذا البيت أنه كان هناك ضب ولكنه غير منحجر، وليس ~~كذلك، بل المعنى أنه لم يكن هناك ضب أصلا. # وهذا النوع من الكلام قليل الاستعمال، وسبب ذلك أن الفهم يكاد يأباه، ولا ~~يقبله إلا بقرينة خارجة عن دلالة لفظه على معناه، وما كان عاريا عن قرينة ~~فإنه لا يفهم منه ما أراد قائله. # PageV02P061 # وسأوضح ذلك فأقول: أما قولنا عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ~~تنثى فلتاته» فإن مفهوم هذا اللفظ أنه كان هناك ms334 فلتات إلا أنها تطوى ولا ~~تنشر، وتكتم ولا تذاع، ولا يفهم منه أنه لم يكن هناك فلتات إلا بقرينة ~~خارجة عن اللف، وهي أنه قد ثبت في النفوس، وتقرر عند العقول، أن مجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم منزه عن فلتات تكون به، وهو أكرم من ذلك وأوقر؛ ~~فلما قيل: «إنه لا تنثى فلتاته» فهمنا منه أنه لم يكن هناك فلتات أصلا، ~~وأما قول القائل: # ولا ترى الضب بها ينجحر # فإنه لا قرينة تخصصه حتى يفهم منه ما فهم من الأول، بل المفهوم أنه كان ~~هناك ضب ولكنه غير منجحر. # ولقد مكثت زمانا أطوف على أقوال الشعراء قصدا للظفر بأمثلة من الشعر ~~جارية هذا المجرى فلم أجد إلا بيتا لامريء القيس «1» ، وهو: # على لاحب لا يهتدى لمناره ... إذا سافه العود الديافي جرجرا «2» # فقوله «لا يهتدي لمناره» أي: أن له منارا إلا أنه لا يهتدي به، وليس ~~المراد ذلك، بل المراد أنه لا منار له يهتدي به. # ولي أنا في هذا بيت من الشعر، وهو: # أدنين جلباب الحياء فلن يرى ... لذيولهن على الطريق غبار # وظاهر هذا الكلام أن هؤلاء النساء يمشين هونا لحيائهن فلا يظهر لذيولهن ~~غبار على # PageV02P062 # الطريق، وليس المراد ذلك، بل المراد أنهن لا يمشين على الطريق أصلا: أي ~~أنهن مخبات لا يخرجن من بيوتهن؛ فلا يكون إذا لذيولهن على الطريق غبار، ~~وهذا حسن رائق، وهو أظهر بيانا من قوله: # ولا ترى الضب بها ينجحر # فمن استعمل هذا النوع من الكلام فليستعمله هكذا، وإلا فليدع، على أن ~~الإكثار من استعماله عسر؛ لأنه لا يظهر المعنى فيه. # PageV02P063 ### | النوع الرابع عشر في الاستدراج # وهذا الباب أنا استخرجته من كتاب الله تعالى، وهو مخادعات الأقوال التي ~~تقوم مقام مخادعات الأفعال؛ والكلام فيه وإن تضمن بلاغة فليس الغرض ههنا ~~ذكر بلاغته فقط، بل الغرض ذكر ما تضمنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم ~~إلى الإذعان والتسليم، وإذا حقق النظر فيه علم أن مدار البلاغة كلها عليه؛ ~~لأنه انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة ms335 ولا المعاني اللطيفة الدقيقة ~~دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها، والكلام في مثل هذا ينبغي أن ~~يكون قصيرا في خلابه، لا قصيرا في خطابه، فإذا لم يتصرف الكاتب في استدراج ~~الخصم إلى إلقاء يده، وإلا «1» فليس بكاتب، ولا شبيه له إلا صاحب الجدل ~~فكما أن ذاك يتصرف في المغالطات القياسية فكذلك هذا يتصرف في المغالطات ~~الخطابية. # وقد ذكرت في هذا النوع ما يتعلم منه سلوك هذه الطريق. # فمن ذلك قوله تعالى: وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا ~~أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن ~~يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب # ألا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام وألطفه؛ فإنه أخذهم بالاحتجاج على طريقة ~~التقسيم؛ فقال: لا يخلو هذا الرجل من أن يكون كاذبا فكذبه يعود عليه ولا ~~يتعداه، أو يكون صادقا [وإن يكن صادقا] يصبكم بعض الذي يعدكم إن تعرضتم له، ~~وفي هذا الكلام من حسن الأدب والإنصاف ما أذكره لك فأقول: إنما قال يصبكم ~~بعض الذي # وقد علم أنه نبي صادق وأن كل ما يعدهم به لابد وأن يصيبهم، لا # PageV02P064 # بعضه؛ لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى عليه السلام أن يسلك معهم طريق ~~الإنصاف والملاطفة في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، ليكون أدعى إلى ~~سكونهم إليه؛ فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم ~~إياه، فقال: وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم # وهو كلام المنصف في مقابلة غير المشتط، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت ~~أنه صادق في جميع ما يعد به، لكنه أردف بقوله: يصبكم بعض الذي يعدكم # ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه ~~وافيا، فضلا عن أن يتعصب له، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل؛ كأنه ~~برطلهم في صدر الكلام بما يزعمونه؛ لئلا ينفروا منه، وكذلك قوله في آخر ~~الآية: إن الله ms336 لا يهدي من هو مسرف كذاب # أي: هو على الهدى، ولو كان مسرفا كذابا لما هداه الله للنبوة، ولا عضده ~~بالبينات، وفي هذا الكلام من خداع الخصم واستدراجه ما لا خفاء به، وقد تضمن ~~من اللطائف الدقيقة ما إذا تأملته حق التأمل أعطيته حقه من الوصف. # ومما يجري على هذا الأسلوب قوله تعالى: واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان ~~صديقا نبيا. إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا. # يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا ~~أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا. يا أبت إني أخاف أن يمسك ~~عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا # هذا كلام يهز أعطاف السامعين، وفيه من الفوائد ما أذكره، وهو لما أراد ~~إبراهيم عليه السلام أن ينصح أباه ويعظه وينقذه مما كان متورطا فيه من ~~الخطأ العظيم الذي عصى به أمر العقل؛ رتب الكلام معه في أحسن نظام، مع ~~استعمال المجاملة واللطف والأدب الحميد والخلق الحسن، مستنصحا في ذلك ~~بنصيحة ربه، وذاك أنه طلب منه أولا العلة في خطيئته طلب منبه على تماديه ~~موقظ من غفلته؛ لأن المعبود لو كان حيا مميزا سميعا بصيرا مقتدرا على ~~الثواب والعقاب إلا أنه بعض الخلق يستخف عقل من أهله للعبادة ووصفه ~~بالربوبية، ولو كان أشرف الخلائق كالملائكة والنبيين، فكيف بمن جعل المعبود ~~جمادا لا يسمع ولا يبصر، يعني به الصنم، ثم ثنى ذلك بدعوته إلى الحق مترفقا ~~به، فلم يسم أباه # PageV02P065 # بالجهل المطلق، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: إن معي لطائفة من ~~العلم وشيئا منه، وذلك علم الدلالة على سلوك الطريق، فلا تستنكف؛ وهب أني ~~وإياك في مسير، وعندي معرفة بهداية الطريق دونك، فاتبعني أنجك من أن تضل، ~~ثم ثلث ذلك بتثبيطه عما كان عليه ونهيه، فقال: إن الشيطان الذي استعصى على ~~ربك وهو عدوك وعدو أبيك آدم هو الذي ورطك في هذه الورطة، وألقاك في هذه ~~الضلالة، ms337 وإنما ألغى إبراهيم عليه السلام ذكر معاداة الشيطان آدم وذريته في ~~نصيحة أبيه لأنه لإمعانه في الإخلاص لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي ~~تختص بالله، وهي عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته آدم وذريته، ~~ثم ربع ذلك بتخويفه إياه سوء العاقبة، فلم يصرح بأن العقاب لاحق به، ولكنه ~~قال: إني أخاف أن يمسك عذاب # فنكر العذاب ملاطفة لأبيه، وصدر كل نصيحة من هذه النصائح بقوله: يا أبت # توسلا إليه واستعطافا، وهذا بخلاف ما أجابه به أبوه، فإنه قال: أراغب أنت ~~عن آلهتي يا إبراهيم # فأقبل عليه بفظاظة الكفر، وغلظ العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل قوله يا ~~أبت بقوله يا بني وقدم الخبر على المبتدأ في قوله: أراغب أنت # لأنه كان أهم عنده، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته. # وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة من هذا الجنس، لا سيما في مخاطبات ~~الأنبياء صلوات الله عليهم للكفار، والرد عليهم، وفي هذين المثالين ~~المذكورين ههنا كفاية ومقنع. # وبلغني حديث تفاوض فيه الحسين بن علي رضي الله عنهما ومعاوية بن أبي ~~سفيان في أمر ولده يزيد، وذاك أن معاوية قال للحسين: أما أمك فاطمة فإنها ~~خير من أمه، وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من امرأة من كلب، وأما ~~حبي يزيد فإني لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة لما رضيت، وأما أبوك وأبوه ~~فإنهما تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك؛ وهذا كلام من معاوية كلما ~~أمررته بفكري عجبت من سداده، فضلا عن بلاغته وفصاحته، فإن معاوية علم ما ~~لعلي رضي الله عنه من السبق إلى الإسلام والأثر فيه، وما عنده من فضيلة ~~العلم، فلم يعرض في المنافرة # PageV02P066 # إلى شيء من ذلك، ولم يقل أيضا: إن الله أعطاني الدنيا ونزعها منكم؛ لأن ~~هذا لا فضل فيه؛ إذ الدنيا ينالها البر والفاجر، وإنما صانع عن ذلك كله ~~بقوله: «إن أباك وأباه تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك» وهذا قول ~~إيهامي يوهم شبهة من الحق، وإذا شاء من ms338 شاء أن ينافر خصمه ويستدرجه إلى ~~الصمت عن الجواب فليقل هكذا. # PageV02P067 ### | النوع الخامس عشر في الإيجاز # وهو حذف زيادات الألفاظ؛ وهذا نوع من الكلام شريف لا يتعلق به إلا فرسان ~~البلاغة من سبق إلى غايتها وما صلى، وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلى، ~~وذلك لعلو مكانه، وتعذر إمكانه. # والنظر فيه إنما هو إلى المعاني لا إلى الألفاظ، ولست أعني بذلك أن تهمل ~~الألفاظ بحيث تعرى عن أوصافها الحسنة، بل أعني أن مدار النظر في هذا النوع ~~إنما يختص بالمعاني؛ فرب لفظ قليل يدل على معنى كثير، ورب لفظ كثير يدل على ~~معنى قليل، ومثال هذا كالجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم الكثيرة؛ فمن ~~ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم بكثرتها، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر ~~الجوهرة الواحدة لنفاستها، ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم الفاتحة أم ~~الكتاب، وإذا نظرنا الى مجموعها وجدناه يسيرا، وليست من الكثرة إلى غاية ~~تكون بها أم البقرة وآل عمران وغيرها من السور الطوال؛ فعلمنا حينئذ أن ذلك ~~الأمر يرجع إلى معانيها. # والكلام في هذا الموضع يخرج بنا إلى غير ما نحن بصدده؛ لأنه يحتاج فيه ~~إلى ذكر المراد بالقرآن الكريم وما يشتمل عليه سوره وآياته إلى حصر أقسام ~~معانيه، لكنا نشير في ذلك إشارة خفيفة؛ فنقول: # المراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى الله تعالى، ولذلك انحصرت سوره وآياته ~~في ستة أقسام: ثلاثة منها هي الأصول، وثلاثة هي الفروع. # أما الأصول فالأول منها: تعريف المدعو إليه، وهو الله تعالى، ويشتمل هذا ~~الأصل على ذكر ذاته وصفاته وأفعاله؛ والأصل الثاني: تعريف الصراط المستقيم ~~الذي تجب ملازمته في السلوك إلى الله تعالى ويشتمل هذا الأصل على التبتل ~~بعبادة الله بأفعال القلب وأفعال الجوارح؛ والأصل الثالث: تعريف الحال بعد ~~الوصول إلى # PageV02P068 # الله تعالى، أعني بعد الموت، ويشتمل هذا الأصل على تفصيل أحوال الدار ~~الآخرة من الجنة والنار والصراط والميزان والحساب، وأشباه ذلك؛ فهذه الأصول ~~الثلاثة. # وأما الفروع فالأول منها: تعريف أحوال المجيبين للدعوة، ولطائف صنع الله ~~بهم من ms339 النصرة والإدالة، وتعريف أحوال المخالفين للدعوة والمحادين لها، ~~وكيفية صنع الله في التدمير عليهم والتنكير بهم، والفرع الثاني: ذكر مجادلة ~~الخصوم ومحاجتهم، وحملهم بالمجادلة والمحاجة على طريق الحق، وهؤلاء هم ~~اليهود والنصارى ومن يجري مجراهم من أرباب الشرائع، والفلاسفة والملحدة من ~~غير أرباب الشرائع؛ والفرع الثالث: تعريف عمارة منازل الطريق، وكيفية أخذ ~~الزاد والأهبة للاستعداد، وذاك قياس الشريعة، وتبيين الحكمة في أوامرها ~~التي تتعلق بأفعال أهل التكليف. # فهذه الأقسام الستة المشار إليها هي التي تدور معاني القرآن عليها ولا ~~تتعداها وههنا تقسيم آخر يطول الخطب فيه، ولا حاجة إلى ذكره. # وإذا نظرنا إلى سورة الفاتحة وتأملنا ما فيها من المعاني وجدناها مشتملة ~~على أربعة أقسام من الستة المذكورة، ولذلك سماها النبي صلى الله عليه وسلم ~~«أم الكتاب» كما أنه قال: # «إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن» وإذا نظرنا في الأقسام الستة وجدنا ~~سورة الإخلاص بمنزلة ثلث القرآن، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: «آية ~~الكرسي سيدة آي القرآن» ويروى أنه سأل أبي بن كعب رضي الله عنه فقال: «أي ~~آية معك في كتاب الله أعظم؟» فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم؛ فضرب ~~في صدره، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر» وكل هذا يرجع إلى المعاني لا إلى ~~الألفاظ، فاعرف ذلك وبينه لرموزه وأسراره. # واعلم أن جماعة من مدعي علم البيان ذهبوا إلى أن الكلام ينقسم قسمين: # فمنه ما يحسن فيه الإيجاز كالأشعار والمكاتبات، ومنه ما يحسن فيه التطويل ~~كالخطب والتقليدات وكتب الفتوح التي تقرأ في ملإ من عوام الناس؛ فإن الكلام ~~إذا طال في مثل ذلك أثر عندهم وأفهمهم، ولو اقتصر فيه على الإيجاز والإشارة ~~لم # PageV02P069 # يقع لأكثرهم حتى يقال في ذكر الحرب: التقى الجمعان، وتطاعن الفريقان، ~~واشتد القتال، وحمي النضال، وما جرى هذا المجرى. # والمذهب عندي في ذلك ما أذكره، وهو أن فهم العامة ليس شرطا معتبرا في ~~اختيار الكلام؛ لأنه لو كان شرطا لوجب على قياسه أن يستعمل في الكلام ~~الألفاظ العامية المبتذلة عندهم؛ ليكون ذلك أقرب ms340 إلى فهمهم؛ لأن العلة في ~~اختيار تطويل الكلام إذا كانت فهم العامة إياه فكذلك تجعل تلك العلة بعينها ~~في اختيار المبتذل من الكلام؛ فإنه لا خلاف في أن العامة إلى فهمه أقرب من ~~فهم ما يقل ابتذالهم إياه، وهذا شيء مدفوع، وأما الذي يجب توخيه واعتماده ~~فهو أن يسلك المذهب القويم في تركيب الألفاظ على المعاني، بحيث لا تزيد هذه ~~على هذه، مع الإيضاح والإبانة، وليس على مستعمل ذلك أن يفهم العامة كلامه؛ ~~فإن نور الشمس إذا لم يره الأعمى لا يكون ذلك نقصا في استنارته، وإنما ~~النقص في بصر الأعمى حيث لم يستطع النظر إليه: # علي نحت القوافي من معادنها ... وما علي بأن لا تفهم البقر # وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فلنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمنا من ~~الكلام على الإيجاز، وحده وأقسامه، ونوضح ذلك إيضاحا جليا، والله الموفق ~~للصواب. # فنقول: حد الإيجاز هو دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه، ~~والتطويل هو ضد ذلك، وهو أن يدل المعنى بلفظ يكفيك بعضه في الدلالة عليه، ~~كقول الهجير السلولي من أبيات الحماسة «1» : # طلوع الثنايا بالمطايا وسابق ... إلى غاية من يبتدرها يقدم «2» # PageV02P070 # فصدر هذا البيت فيه تطويل لا حاجة إليه، وعجزه من محاسن الكلام ~~المتواصفة، وموضع التطويل من صدره أنه قال: «طلوع الثنايا بالمطايا» فإن ~~لفظة المطايا فضلة لا حاجة إليها، وبيان ذلك أنه لا يخلو الأمر فيها من ~~وجهين: إما أن يريد أنه سابق الهمة إلى معالي الأمور، كما قال الحجاج على ~~المنبر عند وصوله العراق: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # أي: أنا الرجل المشهور السابق إلى معالي الأمور؛ فإن أراد العجير بقوله ~~«طلوع الثنايا» ما أشرت إليه فذكر المطايا يفسد ذلك المعنى؛ لأن معالي ~~الأمور لا يرقى إليها بالمطايا، وإن أراد الوجه الآخر، وهو أنه كثير ~~الأسفار؛ فاختصاصه الثنايا بالذكر دون الأرض من المفاوز وغيرها لا فائدة ~~فيه، وعلى كلا الوجهين فإن ذكر المطايا فضلة لا حاجة إليه، وهو تطويل بارد ~~غث. # فقس على هذا ms341 المثال ما يجري مجراه من التطويلات التي إذا أسقطت من الكلام ~~بقي على حاله لم يتغير شيء. # وكذلك يجري الأمر في ألفاظ يوصل بها الكلام؛ فتارة تجيء لفائدة، وذلك ~~قليل، وتارة تجيء لغير فائدة، وذلك كثير؛ وأكثر ما ترد في الأشعار ليوزن ~~بها الأبيات الشعرية، وذلك نحو قولهم: لعمري، ولعمرك، ونحو أصبح وأمسى وظل ~~وأضحى وبات، وأشباه ذلك، ونحو يا صاحبي ويا خليلي، وما يجري هذا المجرى. # فمما جاء منه قول أبي تمام «1» : # أقروا لعمري لحكم السيوف ... وكانت أحق بفضل القضاء «2» # PageV02P071 # فإن قوله «لعمري» زيادة لا حاجة للمعنى إليها، وهي حشو في هذا البيت، لا ~~فائدة فيه إلا إصلاح الوزن لا غير، ألا ترى أنها من باب القسم، وإنما يرد ~~القسم في موضع يؤكد به المعنى المراد، إما لأنه مما يشك فيه أو مما يعز ~~وجوده أو ما جرى هذا المجرى، وهذا البيت الشعري لا يفتقر معناه إلى توكيد ~~قسمي؛ إذ لا شك في أن السيوف حاكمة، وأن كل أحد يقر لحكمها، ويذعن لطاعتها ~~وكذلك قوله أيضا «1» . # إذا أنا لم ألم عثرات دهر ... بليت به الغداة فمن ألوم # فقوله «الغداة» زيادة لا حاجة للمعنى إليها؛ لأنه يتم بدونها؛ لأن عثرات ~~الدهر لم تنله الغداة ولا العشي، وإنما نالته، ونيلها إياه لا بد وأن يقع ~~في زمن من الأزمنة كائنا ما كان، ولا حاجة إلى تعيينه بالذكر. # وعلى هذا ورد قول البحتري «2» : # ما أحسن الأيام إلا أنها ... يا صاحبي إذا مضت لم ترجع «3» # فقوله «يا صاحبي» زيادة لا حاجة بالمعنى إليها؛ إلا أنها وردت لتصحيح ~~الوزن لا غير. # وهذه الألفاظ التي ترد في الأبيات الشعرية لتصحيح الوزن لا عيب فيها، ~~لأنا لو عبناها على الشعراء لحجرنا عليهم وضيقنا، والوزن يضطر في بعض ~~الأحوال إلى مثل ذلك، لكن أذا وردت في الكلام المنثور فإنها إن وردت حشوا ~~ولم ترد لفائدة كانت عيبا. # PageV02P072 # وقد ترد في الأبيات الشعرية ويكون ورودها لفائدة وذلك هو الأحسن، كقول ~~البحتري «1» : # قوم أهانوا الوفر حتى أصبحوا ... أولى الأنام ms342 بكل عرض وافر «2» # فقوله «أصبحوا» بمعنى صاروا: أي أنهم صاروا أولى الناس بالأعراض الوافرة، ~~وهذه اللفظة لم ترد في هذا البيت حشوا كما وردت في بيتي أبي تمام المقدم ~~ذكرهما. # وسأزيد هذا الموضع بيانا بمثال أضربه للتطويل، حتى يستدل به على أمثاله ~~وأشباهه، والمثال الذي أضربه هو حكاية أوردت بمحضر مني، وذاك أنه جلس إلي ~~في بعض الأيام جماعة من الإخوان، وأخذوا في مفاوضة الأحاديث، وانساق ذلك ~~إلى ذكر غرائب الوقائع التي تقع في العالم، فذكر كل من الجماعة شيئا، فقال ~~شخص منهم: إني كنت بالجزيرة العمرية في زمن الملك فلان، وكنت إذ ذاك صبيا ~~صغيرا، فاجتمعت أنا ونفر من الصبيان في الحارة الفلانية، وصعدنا ألى سطح ~~طاحون لبني فلان، وأخذنا نلعب على السطح، فوقع صبي منا الى أرض الطاحون، ~~فوطئه بغل من بغال الطاحون، فخفنا أن يكون آذاه، فأسرعنا النزول إليه، ~~فوجدناه قد وطئه البغل؛ فختنه ختانة صحيحة حسنة لا يستطيع الصانع الحاذق أن ~~يفعل خيرا منها؛ فقال له شخص من الحاضرين: والله إن هذا عي فاحش، وتطويل ~~كثير لا حاجة إليه؛ فإنه بصدد أن تذكر أنك كنت صبيا تلعب مع الصبيان على ~~سطح طاحون فوقع صبي منكم إلى أرض الطاحون، فوطئه بغل من # PageV02P073 # بغال الطاحون فختنه ولم يؤذه، ولا فرق بين أن تكون هذه الواقعة في بلد ~~نعرفه أو في بلد لا نعرفه، ولو كانت بأقصى المشرق أو بأقصى المغرب لم يكن ~~ذلك قدحا في غرابتها، وأما أن تذكر أنها كانت بالجزيرة العمرية في الحارة ~~الفلانية في طاحون بني فلان، وكان زمن الملك فلان، فإن مثل هذا كله تطويل ~~لا حاجة إليه، والمعنى المقصود يفهم بدونه. # فاعلم أيها الناظر في كتابي هذا أن التطويل هو زيادات الألفاظ في الدلالة ~~على المعاني، ومهما أمكنك حذف شيء من اللفظ في الدلالة على معنى من المعاني ~~فإن ذلك اللفظ هو التطويل بعينه. # وأما الإيجاز فقد عرفتك أنه دلالة اللفظ على المعنى، من غير أن يزيد ~~عليه. # وهو ينقسم قسمين: أحدهما: الإيجاز ms343 بالحذف، وهو ما يحذف منه المفرد، ~~والجملة؛ لدلالة فحوى الكلام على المحذوف، ولا يكون إلا فيما زاد معناه على ~~لفظه؛ والقسم الآخر: ما لا يحذف منه شيء، وهو ضربان: أحدهما: مأساوي لفظه ~~معناه، ويسمى التقدير، والآخر ما زاد معناه على لفظه، ويسمى القصر. # واعلم أن القسم الأول الذي هو الإيجاز بالحذف يتنبه له من غير كبير كلفه ~~في استخراجه؛ لمكان المحذوف منه. # وأما القسم الثاني فإن التنبه له عسر؛ لأنه يحتاج إلى فضل تأمل، وطول ~~فكرة؛ لخفاء ما يستدل عليه، ولا يستنبط ذلك إلا من رست قدمه في ممارسة علم ~~البيان، وصار له خليفة وملكة، ولم أجد أحدا علم هذين القسمين بعلامة، ولا ~~قيدهما بقيد، وقد أشرت إلى ذلك فيما يأتي من هذا الباب عند تفصيل أمثلتهما ~~فليؤخذ من هناك. # فإن قيل: إن هذا التقسيم الذي قسمته في المحذوف وغير المحذوف ليس بصحيح؛ ~~لأن المعاني ليس أجساما كالألفاظ حتى يصح التقدير بينهما، ثم لو سلمت جواز ~~التقدير في المساواة لم أسلم جواز الزيادة، فليس لقائل أن يقول: هذا المعنى ~~زائد على هذا اللفظ؛ لأنه إن قال ذلك قيل: فمن أين فهمت تلك الزيادة ~~الخارجة عن اللفظ، وقد علم أن الألفاظ إنما وضعت للدلالة على إفهام ~~المعاني، # PageV02P074 # فإن قال: إنها فهمت من شيء خارج عن اللفظ، قيل له: فتلك الزيادة بإزاء ~~ذلك الشيء الخارج عن اللفظ، والباقي مساو للفظ، وإن قال: إنها فهمت من ~~اللفظ، قيل: فكيف تفهم منه وهي زائدة عليه؟ فإن قال: إنها فهمت من تركيبه، ~~لأن التركيب أمر زائد على اللفظ، قيل: الألفاظ تدل بانفرادها على معنى، ~~وبتركيبها على معنى آخر، واللفظ المركب يدل على معنى مركب، واللفظ المفرد ~~يدل على معنى مفرد، وتلك الزيادة إن أريد بها زيادة معنى المركب على المركب ~~فلا يخلو: # إما أن تكون تلك الزيادة مفهومة من دلالة اللفظ المركب عليها، أو من ~~دلالة شيء خارج؛ فإن كانت مفهومه من دلالته عليها لم تكن زائدة عليه؛ إذ لو ~~كانت زائدة عليه لما دل ms344 عليها، وإن كانت مفهومة من دلالة الشيء الخارج عنه ~~فهي بإزاء ذلك الشيء الخارج، والباقي مساو للباقي. # فالجواب عن ذلك أن نقول: هذا الذي ذكره كلام شبيه بالسفسطة، وهو باطل من ~~وجهين: أحدهما: أن المعاني إذا كانت لا تزيد على الألفاظ فيلزم من ذلك أن ~~الألفاظ لا تزيد أيضا على المعاني؛ لأنهما متلازمان على قياسك، ونحن نرى ~~معنى قد دل عليه بألفاظ، فإذا أسقط من تلك الألفاظ شيء لا ينقص ذلك المعنى، ~~بل يبقى على حاله، والوجه الآخر: إن الإيجاز بالحذف أقوى دليلا على زيادة ~~المعاني على الألفاظ؛ لأنا نرى اللفظ يدل على معنى لم يتضمنه، وفهم ذلك ~~المعنى ضرورة لا بد منه، فعلمنا حينئذ أن ذلك المعنى الزائد على اللفظ ~~مفهوم من دلالته عليه. # فإن قيل: إن المعنى الزائد على اللفظ المحذوف لا بد له من تقدير لفظ آخر ~~يدل عليه، وتلك الزيادة بإزاء ذلك اللفظ المقدر. # قلت في الجواب عن ذلك: هذا لا ينقض ما ذهبت إليه من زيادة المعنى على ~~اللفظ؛ لأن المعنى ظاهر، واللفظ الدال عليه مضمر، وإذا كان مضمرا فلا ينطق ~~به، وإذا لم ينطق به فكأنه لم يكن، وحينئذ يبقى المعنى موجودا، واللفظ ~~الدال عليه غير موجود، وكذلك كل ما يعلم من المعاني بمفهوم الخطاب؛ ألا ترى ~~أنك إذا قلت لمن دخل عليك: أهلا وسهلا، علم أن الأهل والسهل منصوبان بعامل ~~محذوف تقديره وجدت أهلا ولقيت سهلا، إلا أن لفظتي وجدت ولقيت # PageV02P075 # محذوفتان، والمعنى الذي دلا عليه باق، فصار المعنى حينئذ مفهوما مع ~~حذفهما فهو إذا زائد لا محالة، وكذلك جميع المحذوفات على اختلافها وتشعب ~~مقاصدها، وهذا لا نزاع فيه؛ لبيانه ووضوحه. # وقد سنح لي في زيادة المعنى على اللفظ في غير المحذوفات دليل أنا ذاكره، ~~وهو أنا نجد من الكلام ما يدل على معنيين وثلاثة، واللفظ واحد، والمعاني ~~التي تحته متعددة. # فأما الذي يدل على معنيين فالكنايات جميعها، كالذي ورد في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضي الله عنهم ms345 أنهم كانوا إذا خرجوا ~~من عنده لا يتفرقون إلا عن ذواق، وهذا يدل على معنيين: أحدهما: إطعام ~~الطعام: أي أنهم لا يخرجون من عنده حتى يطعموا، الآخر: أنهم لا يتفرقون إلا ~~عن استفادة علم وأدب يقوم لأنفسهم مقام الطعام لأجسامهم. # وأما الذي يدل على ثلاثة معان فكقول أبي الطيب المتنبي «1» : # وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب # فهذا يدل على ثلاثة معان: الأول: أنه يحسد من أنعم عليه، الثاني: ضد ~~الأول، الثالث: أنه يحسد كل رب نعمة كائنا من كان: أي يحسد من بات في نعماء ~~نفسه يتقلب. # وهذا وأمثاله من أدل الدليل على زيادة المعنى على اللفظ، وهو شيء ~~استخرجته، ولم يكن لأحد فيه قول سابق. # وحيث فرغنا من الكلام على هذا الموضع فلنتبعه بذكر أقسام الإيجاز المشار ~~إليها أولا وما ينصرف إليه؛ فنقول: أما الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر، ~~شبيه # PageV02P076 # بالسحر، وذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة ~~أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون مبينا إذا لم ~~تبين، وهذه جملة تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر. # والأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل ~~على المحذوف؛ فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف فإنه لغو من الحديث لا يجوز ~~بوجه، ولا سبب، ومن شرط المحذوف في حكم البلاغة أنه متى أظهر صار الكلام ~~الى شيء غث لا يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة والحسن؛ وقد يظهر المحذوف ~~بالإعراب كقولنا: وسهلا، فإن نصب الأهل والسهل يدل على ناصب محذوف، وليس ~~لهذا من الحسن ما للذي لا يظهر بالإعراب، وإنما يظهر بالنظر إلى تمام ~~المعنى، كقولنا: فلان يحل ويعقد؛ فإن ذلك لا يظهر المحذوف فيه بالإعراب، ~~وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى: أي أنه يحل الأمور ويعقدها، والذي يظهر ~~بالإعراب يقع في المفردات من المحذوفات كثيرا، والذي لا يظهر بالإعراب يقع ~~في الجمل من المحذوفات كثيرا. # وسأذكر في كتابي ms346 هذا ما وصل إلي علمه، وهو ينقسم قسمين: أحدهما: # حذف الجمل، والآخر: حذف المفردات، وقد يرد كلام في بعض المواضع ويكون ~~مشتملا على القسمين معا. ### | فأما القسم الأول، وهو الذي تحذف منه الجمل؛ # فإنه ينقسم ألى قسمين أيضا: أحدهما: حذف الجمل المفيدة التي تستقل بنفسها ~~كلاما، وهذا أحسن المحذوفات جميعها، وأدلها على الاختصار، ولا تكاد تجده ~~إلا في كتاب الله تعالى؛ والقسم الآخر: حذف الجمل غير المفيدة، وقد وردا ~~ههنا مختلطين، وجملتهما أربعة أضرب: ### | الضرب الأول: حذف السؤال المقدر، # ويسمى الاستئناف، ويأتي على وجهين: ### | الوجه الأول: إعادة الأسماء والصفات، # وهذا يجيء تارة باعادة اسم من تقدم # PageV02P077 # الحديث عنه، كقولك: أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان، وتارة يجيء بإعادة ~~صفته، كقولك: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك؛ وهو أحسن من الأول ~~وأبلغ؛ لانطوائه على بيان الموجب للإحسان وتخصيصه. # فمما ورد من ذلك قوله تعالى: الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون # والاستئناف واقع في هذا الكلام على أولئك # لأنه لما قال ألم ذلك الكتاب # إلى قوله بالآخرة هم يوقنون # اتجه لسائل أن يقول: ما بال المستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ ~~فأجيب بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا ~~وبالفلاح آجلا. ### | الوجه الثاني: # الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات، وذلك كقوله تعالى: # وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون. أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون. إني إذا لفي ضلال مبين. ~~إني آمنت بربكم فاسمعون. قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون. بما غفر ~~لي ربي وجعلني من المكرمين # فمخرج هذا القول مخرج الاستئناف؛ لأن ذلك من مظان المسألة عن حاله عند ~~لقاء ربه، وكأن قائلا قال: كيف حال هذا الرجل عند لقاء ربه بعد ذلك التصلب ms347 ~~في دينه والتسخي لوجهه بروحه؟ فقيل: قيل ادخل الجنة؛ ولم يقل قيل له ~~لانصباب الغرض إلى المقول لا إلى المقول له مع كونه معلوما، وكذلك قوله ~~تعالى يا ليت قومي يعلمون # مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد. # ومن هذا النحو قوله عز وجل: يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف ~~تعلمون. من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب # والفرق بين إثبات الفاء في سوف كقوله تعالى: قل يا قوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون. من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم # وبين حذف الفاء ههنا في هذه الآية أن إثباتها وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، # PageV02P078 # وحذفها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: ~~فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون، فوصل ~~تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف؛ للتفنن في البلاغة، وأقوى الوصلين وأبلغهما ~~الاستئناف؛ وهو قسم من أقسام علم البيان تتكاثر محاسنه، فاعرفه إن شاء الله ~~تعالى. ### | الضرب الثاني: # الاكتفاء بالسبب عن المسبب، وبالمسبب عن السبب: # فأما الاكتفاء بالسبب عن المسبب فكقوله تعالى: وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين. ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول ~~عليهم العمر # كأنه قال: وما كنت شاهدا لموسى وما جرى له وعليه ولكنا أوحيناه إليك، ~~فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة، ودل به على المسبب الذي هو الوحي، ~~على عادة اختصارات القرآن؛ لأن تقدير الكلام: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي ~~إلى موسى إلى عهدك قرونا كثيرة فتطاول على آخرهم- وهو القرن الذي أنت فيهم- ~~العمر: أي أمد انقطاع الوحي، فاندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك، ~~وعرفناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى؛ فالمحذوف إذا جملة مفيدة، وهي جملة ~~مطولة دل السبب فيها على المسبب. # وكذلك ورد قوله تعالى عقيب هذه الآية أيضا: وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم ~~يتذكرون # فإن في هذا الكلام ms348 محذوفا لولاه لما فهم، لأنه قال: وما كنت بجانب الطور ~~إذ نادينا ولكن رحمة من ربك # وهذا لا بد له من محذوف حتى يستقيم نظم الكلام، وتقديره: ولكن عرفناك ذلك ~~وأوحيناه إليك رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك؛ فذكر ~~الرحمة التي هي سبب إرساله ألى الناس، ودل بها على المسبب الذي هو الإرسال. # وأما حذف الجملة غير المفيدة من هذا الضرب فنحو قوله تعالى حكاية عن مريم ~~عليها السلام: قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا. قال كذلك ~~قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا # PageV02P079 # فقوله ولنجعله آية للناس # تعليل معلله محذوف: أي وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس، فذكر السبب ~~الذي صدر الفعل من أجله، وهو جعله آية للناس، ودل به على المسبب الذي هو ~~الفعل. # ومما ورد من ذلك في الأخبار النبوية قصة الزبير بن العوام رضي الله عنه ~~والرجل الأنصاري الذي خاصمه في شراح الحرة التي يسقي منها النخل، فلما حضرا ~~بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للزبير: «اسق ثم أرسل الماء إلى ~~جارك» فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله؛ أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى ~~الجدر» وفي هذا الكلام محذوف تقديره: أن كان ابن عمتك حكمت له، أو قضيت له، ~~أو ماجرى هذا المجرى، فذكر السبب الذي هو كونه ابن عمته، ودل به على المسبب ~~الذي هو الحكم أو القضاء؛ لدلالة الكلام عليه. # وأما الاكتفاء بالمسبب عن السبب فكقوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم # أي: إذا أردت قراءة القرآن، فاكتفى بالمسبب الذي هو القراءة عن السبب ~~الذي هو الإرادة، والدليل على ذلك أن الاستعاذة قبل القراءة، والذي دلت ~~عليه أنها بعد القراءة، كقول القائل: إذا ضربت زيدا فاجلس؛ فإن الجلوس إنما ~~يكون بعد الضرب، لا قبله، وهذا أولى ms349 من تأول من ذهب إلى أنه أراد فإذا ~~تعوذت فاقرأ، فإن ذلك قلبا لا ضرورة تدعو إليه، وأيضا فليس كل مستعيذ واجبة ~~عليه القراءة. # وعلى هذا ورد قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # والوضوء إنما يكون قبل الصلاة، لا عند القيام إليها؛ لأن القيام إليها هو ~~مباشرة لأفعالها من الركوع والسجود والقراءة وغير ذلك، وهذا إنما يكون بعد ~~الوضوء، وتأويل الآية إذا أردت القيام الى الصلاة فاغسل، فاكتفى بالمسبب عن ~~السبب. # وكذلك ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة ~~فليتوضأ» أي: إذا أراد القيام إلى الصلاة، وإنما يعبر عن إرادة الفعل بلفظ ~~الفعل لأن الفعل مسبب عن الإرادة، وهو مع القصد إليه موجود، فكان منه بسبب ~~وملابسة ظاهرة. # PageV02P080 # ومن ذلك قوله تعالى: فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا # أي: فضرب فانفجرت منه، فاكتفى بالمسبب الذي هو الانفجار عن السبب الذي هو ~~الضرب. ### | الضرب الثالث: # وهو الإضمار على شريطة التفسير، وهو أن يحذف من صدر الكلام ما يؤتى به في ~~آخره؛ فيكون الآخر دليلا على الأول. # وهو ينقسم ألى ثلاثة أوجه: ### | الأول: أن يأتي على طريق الاستفهام، فتذكر الجملة الأولى دون الثانية، # كقوله تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين # تقدير الآية: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن أقسى قلبه، ويدل على ~~المحذوف قوله: فويل للقاسية قلوبهم. ### | الوجه الثاني: # يرد على حد النفى والإثبات، كقوله تعالى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا # تقديره: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن أنفق من بعده ~~وقاتل، ويدل على المحذوف قوله: أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا. ### | الوجه الثالث: # أن يرد على غير هذين الوجهين؛ فلا يكون استفهاما، ولا نفيا وإثباتا، وذلك ~~كقول أبي تمام «1» : # يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام ms350 # وهذا البيت تختلف نسخ ديوانه في إثباته؛ فمنها ما يجيء فيه: # يتجنب الأيام خيفة غيها ... فكأنما حسناته آثام # PageV02P081 # وليس بشيء؛ لأن المعنى لا يصح به، وكنت سئلت عن معناه، وقيل: كيف ينطبق ~~عجز البيت على صدره، وإذا تجنب الآثام وخافها فكيف تكون حسناته آثاما؟ # فأفكرت فيه وأنعمت نظري فسنح لي في القرآن الكريم آية مثله، وهي قوله ~~تعالى: # والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة # وفي صدر البيت إضمار فسر في عجزه، وتقديره أنه يتجنب الآثام فيكون قد أتى ~~بحسنة، ثم يخاف تلك الحسنة، فكأنما حسناته آثام، وهو على طباق الآية سواء. # ومن الإضمار على شريطة التفسير قول أبي نواس: # سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن # فحذف لفظ الاستكانة من الأول، وذكره في الثاني: أي سنة العشاق واحدة، وهي ~~الاستكانة، فإذا أحببت فاستكن، ومن الناس من يقول: «فإذا أحببت فاستنن» ~~وهذا لا معنى له؛ لأنه إذا لم يبين سنة العشاق ما هي فبأي شيء يستن المستن ~~منها؛ لكنه ذكر السنة في صدر البيت من غير بيان ثم بينها في عجزه. ### | الضرب الرابع: # ما ليس بسبب ولا مسبب، ولا إضمار على شريطة التفسير، ولا استئناف. # فأما ما حذف فيه من الجمل المفيدة، فكقوله تعالى في سورة يوسف عليه ~~السلام: قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما ~~تأكلون. ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحصنون. # ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. وقال الملك ائتوني ~~به # قد حذف من هذا الكلام جملة مفيدة، تقديرها: فرجع الرسول إليهم فأخبرهم ~~بمقالة يوسف، فعجبوا لها، أو فصدقوه عليها، وقال الملك ائتوني به، والمحذوف ~~إذا كان كذلك دل عليه الكلام دلالة ظاهرة؛ لأنه إذا ثبتت حاشيتا الكلام ~~وحذف وسطه ظهر المحذوف؛ دلالة الحاشيتين عليه. # وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا: فلما أن جاء البشير ألقاه على ~~وجهه فارتد بصيرا. قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ms351 ما لا تعلمون. قالوا ~~يا أبانا # PageV02P082 # استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور ~~الرحيم فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله ~~آمنين # قد حذف أيضا من هذا الكلام جملة مفيدة، تقديرها: ثم إنهم تجهزوا وساروا ~~الى مصر، فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه. # وقد ورد هذا الضرب في القرآن الكريم كثيرا، كقوله تعالى في سورة القصص: ~~وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ~~ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها # في هذا محذوف، وهو جواب الاستفهام؛ لأنها لما قالت: هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم # احتاج الى جواب لينتظم بما بعده من رده ألى أمه، والجواب: فقالوا نعم، ~~فدلتهم على امرأة، فجيء بها وهي أمه ولم يعلموا بمكانها، فأرضعته، وهذه ~~الجملة الثاينة- أعني قوله تعالى: فرددناه إلى أمه # - تدل على المحذوف؛ لأن رده إلى أمه لم يكن إلا بعد رد الجواب على أخته، ~~ودلالتها إياهم على امرأة ترضعه، ويكفي هذا الموضع وحده لمن يتبصر في مواقع ~~المحذوفات وكيفيتها. # ومما يجري على هذا المنهج قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام وقصة ~~الهدهد في إرساله بالكتاب إلى بلقيس قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون. قالت يا ~~أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم # وفي هذا محذوف، تقديره: فأخذ الكتاب وذهب به، فلما ألقاه إلى المرأة ~~وقرأته قالت يا أيها الملأ. # ومن حذف الجمل المفيدة ما يعسر تقدير المحذوف منه، بخلاف ما تقدم، ألا ~~ترى أن الآيات المذكورة كلها إذا تأملها المتأمل وجد معانيها متصلة من غير ~~تقدير للمحذوفات التي حذفت منها، ثم إذا قدر تلك المحذوفات سهل تقديرها ~~ببديهة النظر، والذي أذكره الآن ليس كذلك، بل إذا تأمله المتأمل وجده غير ~~متصل المعنى، وإذا أراد أن يقدر المحذوف عسر عليه. # فمما جاء منه قوله تعالى: وما ينظر ms352 هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من # PageV02P083 # فواق، وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب. اصبر على ما يقولون ~~واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب # فهذا الكلام إذا تأمله المتأمل لم يجده متصل المعنى، ولم يتبين له مجيء ~~ذكر داود عليه السلام ردفا لقوله تعالى: اصبر على ما يقولون # وإذا أراد أن يقدر ههنا محذوفا يوصل به المعنى عسر عليه، وتقديره يحتمل ~~وجهين: أحدهما: أنه قال: اصبر على ما يقولون # وخوفهم أمر معصية الله وعظمها في عيونهم بذكر قصة داود الذي كان نبيا من ~~الأنبياء وقد آتاه الله ما آتاه من النبوة والملك العظيم، ثم لما زل زلة ~~قوبل بكذا وكذا، فما الظن بكم أنتم مع كفركم؟ الوجه الآخر: أنه قال: اصبر ~~على ما يقولون # واحفظ نفسك أن تزل في شيء مما كلفته من مصابرتهم واحتمال أذاهم، واذكر ~~أخاك داود وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة فلقي من توبيخ الله ما لقي؛ ~~فهذا الكلام كما تراه يحتاج إلى تقدير حتى يتصل بعضه ببعض، وهو من أغمض ما ~~يأتي من المحذوفات، وبه يتنبه على مواضع أخرى غامضة. # وأما ما ورد من هذا الضرب في حذف الجمل التي ليست بمفيدة فنحو قوله ~~تعالى: يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا. قال رب ~~أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا. قال كذلك قال ~~ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا. قال رب اجعل لي آية قال آيتك ~~ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن ~~سبحوا بكرة وعشيا. يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا # هذا الكلام قد حذف منه جملة دل عليها صدره، وهو البشرى بالغلام، ~~وتقديرها: ولما جاءه الغلام ونشأ وترعرع قلنا له: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، ~~فالجملة المحذوفة ليس من الجمل المفيدة. # على هذا النهج ورد قوله تعالى: ولقد قال لهم هارون من قبل ms353 يا قوم إنما ~~فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين ~~حتى يرجع إلينا موسى. قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ~~أفعصيت أمري # PageV02P084 # يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي # وقد حذف من هذا الكلام جملة، إلا أنها غير مفيدة، وتقديرها: فلما رجع ~~موسى ورآهم على تلك الحال من عبادة العجل قال لأخيه هرون: ما منعك إذ ~~رأيتهم ضلوا ألا تتبعني. # وكذلك ورد قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام من سورة النمل: قال يا ~~أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن ~~أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم ~~من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا ~~من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ~~ربي غني كريم قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون # وفي هذا محذوف، وتقديره: فلما جاء به قال نكروا لها عرشها؛ لأن تنكيره لم ~~يكن إلا بعد أن جيء به إليه، وقد أغنى عن المحذوف صدر الكلام وآخره، وكان ~~ذلك دليلا عليه. # ومما ورد على ذلك شعرا قول أبي الطيب المتنبي «1» : # لا أبغض العيس لكني وقيت بها ... قلبي من الهم أو جسمي من السقم # وهذا البيت فيه محذوف، تقديره: لا أبغض العيس لإنضائي إياها في الأسفار، ~~ولكني وقيت بها كذا وكذا؛ فالثاني دليل على حذف الأول. # وهذا موضع يحتاج في استخراجه واستخراج أمثاله إلى فكرة وتدقيق نظر. # ومما يتصل بهذا الضرب حذف ما يجيء بعد أفعل؛ كقولنا: «الله أكبر» فإن هذا ~~يحتاج إلى تمام: أي أكبر من كل كبير، أو أكبر من كل شيء يتوهم كبيرا، أو ما ~~جرى هذا المجرى، ومثله يرد قولهم: زيد أحسن وجها، وأكرم خلقا، ms354 تقديره أحسن ~~وجها من غيره، وأكرم خلقا من غيره، أو ما يسد هذا المسد من الكلام. # PageV02P085 # وعليه ورد قول البحتري «1» : # الله أعطاك المحبة في الورى ... وحباك بالفضل الذي لا ينكر # ولأنت أملأ في العيون لديهم ... وأجل قدرا في الصدور وأكبر # أي: أنت أملأ في العيون من غيرك. ### | أما القسم الثاني المشتمل على حذف المفردات # فإنه يتصرف على أربعة عشر ضربا: ### | الأول: حذف الفاعل، # والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل، كقول العرب: # أرسلت، وهم يريدون جاء المطر؛ ولا يذكرون السماء، ومنه قول حاتم: # أماوي؛ ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # يريد النفس، ولم يجر لها ذكر وعلى هذا ورد قوله تعالى: كلا إذا بلغت ~~التراقي وقيل من راق # والضمير في بلغت # للنفس، ولم يجر لها ذكر. # وقد نص عثمان بن جني رحمه الله تعالى على عدم الجواز في حذف الفاعل، وهذه ~~الآية وهذا البيت الشعري وهذه الكلمة الواردة عن العرب على خلاف «2» ما ذهب ~~إليه، إلا أن حذف الفاعل لا يجوز على الإطلاق، بل يجوز فيما # PageV02P086 # هذا سبيله؛ وذاك أنه لا يكون إلا فيما دل الكلام عليه، ألا ترى أن التي ~~تبلغ التراقي إنما هي النفس، وذلك عند الموت، فعلم حينئذ أن النفس هي ~~المرادة، وإن كان الكلام خاليا عن ذكرها، وكذلك قول حاتم «حشرجت» فإن ~~الحشرجة إنما تكون عند الموت. # وأما قول العرب «أرسلت» وهم يريدون أرسلت السماء فإن هذا يقولونه نظرا ~~إلى الحال، وقد شاع فيما بينهم أن هذه كلمة تقال عند مجيء المطر، ولم ترد ~~في شيء من أشعارهم، ولا في كلامهم المنثور، وإنما يقولها بعضهم لبعض إذا ~~جاء المطر، فالفرق بينها وبين «حشرجت» وبين (بلغت التراقي) ظاهر، وذاك أن ~~«حشرجت» و (بلغت التراقي) يفهم منها أن النفس التي حشرجت، وأنها هي التي ~~بلغت التراقي، وأما «أرسلت» فلولا شاهد الحال وإلا لم يجز أن تكون دالة على ~~مجيء المطر، ولو قيل في معرض الاستسقاء: إنا خرجنا نسأل الله فلم نزل حتى ~~أرسلت؛ لفهم ms355 من ذلك أن التي أرسلت هي السماء، ولا بد في الكلام من دليل على ~~المحذوف، وإلا كان لغوا لا يلتفت إليه. ### | الضرب الثاني: # حذف الفعل وجوابه؛ اعلم أن حذف الفعل ينقسم قسمين: # أحدهما يظهر بدلالة المفعول عليه، كقولهم في المثل: أهلك والليل، فنصب ~~«أهلك والليل» يدل على محذوف ناصب، تقديره: الحق أهلك وبادر الليل، وهذا ~~مثل يضرب في التحذير؛ وعليه ورد قوله تعالى: فقال لهم رسول الله ناقة الله ~~وسقياها # ومما ورد منه في الأخبار النبوية أن جابرا تزوج فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما تزوجت؟ # PageV02P087 # قال: ثيبا؛ فقال له: «فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك» يريد فهلا تزوجت ~~جارية، فحذف الفعل لدلالة الكلام عليه. # ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الكافية التي يمتدح ~~بها عضد الدولة أبا شجاع بن بويه، ومطلعها: # فدى لك من يقصر عن مداكا «1» # وسأذكر الموضع الذي حذف منه الفعل وجوابه لتعلق الأبيات بعضها ببعض، وهي ~~من محاسن ما يؤتى به في معنى الوداع، ولم يأت لغيره مثلها، وهي: # إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمت لا صاحبت فاكا # ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا مناكا # قد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا # فأكتم؟ منك نجوانا وأخفي ... هموما قد أطلت لها العراكا # إذا عاصيتها كانت شدادا ... وإن طاوعتها كانت ركاكا # وكم دون الثوية من حزين ... يقول له قدومي: ذا بذاكا # ومن عذب الرضاب إذا أنخنا ... يقبل رحل تروك والوراكا «2» # يحرم أن يمس الطيب بعدي ... وقد عبق العبير به وصاكا «3» # يحدث مقلتيه النوم عني ... فليت النوم حدث عن نداكا # وما أرضى لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا «4» # PageV02P088 # ولا إلا بأن يصغي وأحكي ... فليتك لا يتيمه هواكا # فقوله «ولا مناكا» فيه محذوف، تقديره: ولا صاحبت مناكا، وكذلك قوله «ولا ~~إلا بأن يصغي وأحكي» فإن فيه محذوفا، تقديره: ولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي. # أما القسم الآخر؛ فإنه لا يظهر فيه قسم الفعل؛ لأنه لا يكون هناك منصوب ~~يدل ms356 عليه، وإنما يظهر بالنظر إلى ملاءمة الكلام. # فمما جاء منه قوله تعالى عرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول ~~مرة # فقوله د جئتمونا # يحتاج إلى إضمار فعل: أي فقيل لهم لقد جئتمونا، أو فقلنا لهم. # وقد استعمل هذا القرآن الكريم في غير موضع؛ كقوله تعالى: ويوم يعرض الذين ~~كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا # فقوله: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا # يحتاج إلى تقدير الفعل المضمر. # وكذلك ورد قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ~~ما ليس لك به علم فلا تطعهما # فقوله: وإن جاهداك # لا بد له من إضمار القول: أي وقلنا إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما. # ومن هذا الضرب إيقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، كقوله تعالى: # فأجمعوا أمركم وشركاءكم # وهو لأمركم وحده، وإنما المراد أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ لأن معنى ~~أجمعوا من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه، وقد قرأ أبي رضي الله عنه ~~فاجمعوا أمركم وشركاءكم # وهذا دليل على ما أشرت اليه، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه. # ومن حذف الفعل باب يسمى باب إقامة المصدر مقام الفعل؛ وإنما يفعل ذلك ~~لضرب من المبالغة والتوكيد، كقوله تعالى: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب # قوله: فضرب الرقاب # أصله فاضربوا الرقاب ضربا؛ فحذف الفعل # PageV02P089 # وأقيم المصدر مقامه، وفي ذلك اختصار مع إعطاء معنى التوكيد المصدري. # وأما حذف جواب الفعل فإنه لا يكون في الأمر المحتوم، كقوله تعالى: # فذرهم يخوضوا ويلعبوا* # فجزم يخوضوا ويلعبوا لأنهما جواب أمر فذرهم # وحذف الجواب في هذا لا يدخل في باب الإيجاز؛ لأنا إذا قلنا ذرهم أي ~~اتركهم لا يحتاج ذلك إلى جواب، وكذلك ما يجري مجراه، وإنما يكون الجواب ~~بالفاء في ماض، كقولنا: قلت له اذهب فذهب، وحينئذ يظهر الجواب المحذوف، ~~كقوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا. فقلنا ~~اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا # ألا ترى ms357 كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؛ فإن تقديره فقلنا اذهبا إلى ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميرا، فذكر ~~حاشيتي القصة أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها، أعني إلزام ~~الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم. # ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى: قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف ~~وإنا له لناصحون. أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون. قال إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون. قالوا لئن ~~أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون. فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في ~~غيابت الجب # فجواب الأمر من هذا الكلام محذوف، تقديره: فأرسله معهم، ويدلنا على ذلك ~~ما جاء بعده من قوله: فلما ذهبوا به # كما حذف أيضا في قوله عز وجل: وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا ~~أنبئكم بتأويله فأرسلون. يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان # الآية، فجواب الأمر من هذا الموضع محذوف، وتقديره: فأرسلوه إلى يوسف، ~~فأتاه، فقال له: يوسف أيها الصديق؛ وكذلك قوله تعالى: وقال الملك ائتوني به ~~فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ~~إن ربي بكيدهن عليم. قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه # الآية؛ ففي هذا الكلام حذف واختصار استغنى عنه بدلالة الحال عليه، ~~وتقديره: فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك بالنسوة، وقال ~~لهن: ما خطبكن. # PageV02P090 # وهكذا ورد قوله تعالى: ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين # وقد حذف جواب الأمر ههنا، وتقديره: فأتوه به، فلما كلمه، وفي سورة يوسف ~~عليه السلام محذوفات كثيرة من أولها إلى آخرها. # فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات المذكورة ههنا التي كأنها لم تحذف ~~من هذا الكلام؛ لظهور معناها وبيانه، ودلالة الحال عليه، وعلى نحو من ذلك ~~ينبغي أن تكون محذوفات الكلام. ### | الضرب الثالث: # حذف المفعول به، وذلك مما نحن بصدده أخص؛ فإن اللطائف فيه أكثر وأعجب، ~~كقولنا: ms358 فلان يحل ويعقد، ويبرم وينقض ويضر وينفع، والأصل في ذلك على إثبات ~~المعنى المقصود في نفسك للشيء على الإطلاق. # وعلى هذا جاء قوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا. # ومن بديع ذلك قوله عز وجل: ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر ~~الرعاء وأبونا شيخ كبير. فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت ~~إلي من خير فقير # فإن في هاتين الآيتين قد حذف المفعول به في أربعة أماكن؛ إذ المعنى وجد ~~أمة من الناس يسقون مواشيهم، وامرأتين تذودان مواشيهما، وقالتا لا نسقي ~~مواشينا، فسقى لهما مواشيهما؛ لأن الغرض «1» أن يعلم أنه كان من الناس سقي ~~ومن الامرأتين ذود وأنهما قالتا لا يكون منا سقى حتى يصدر الرعاء وأنه كان ~~من موسى عليه السلام بعد ذلك سقي؛ فأما كون المسقي غنما أو إبلا أو غير ذلك ~~فخارج عن الغرض. # وقد ورد في الشعر من هذا النوع قول البعيث بن حريث من أبيات الحماسة «2» ~~: # PageV02P091 # دعاني يزيد بعد ما ساء ظنه ... وعبس وقد كانا على جد منكب # وقد علما أن العشيرة كلها ... سوى محضري من حاضرين وغيب # فالمفعول الثاني من «علما» محذوف؛ لأن قوله: «أن العشيرة» في موضع مفعول ~~علما الأول، وتقدير الكلام: قد علما أن العشيرة سوى محضري من حاضرين وغيب ~~لا غناء عندهم، أو سواء حضورهم وغيبتهم، أو ما جرى هذا المجرى. # ومن هذا الضرب أيضا حذف المفعول الوارد بعد المشيئة والإرادة، كقوله ~~تعالى: لو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم # فمفعول شاء ههنا محذوف، وتقديره ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم ~~لذهب بها. # وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى # ومما جاء على مثال ذلك شعرا قول البحتري «1» : # لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد # الأصل في ذلك: لو شئت ألا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها؛ فحذف ms359 ذلك من الأول ~~استغناء بدلالته عليه في الثاني. # وقد تقدم أن من الواجب في حكم البلاغة ألا تنطق بالمحذوف ولا تظهره إلى ~~اللفظ، ولو أظهرت لصرت إلى كلام غث. # ومجيء المشيئة بعد «لو» وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معداة إلى شيء ~~كثير شائع بين البلغاء، ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» و «أراد» حتى إنهم ~~لا يكادون يبرزون المفعول، إلا في الشيء المستغرب، كقوله تعالى: لو أراد ~~الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء. # PageV02P092 # على هذا الأسلوب جاء قول الشاعر» # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # فلو كان على حد قوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى # لوجب أن يقول: # ولو شئت لبكيت دما، ولكنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه لأنه أليق في هذا ~~الموضع، وسبب ذلك أنه كان بدعا عجيبا أن يشاء الإنسان أن يبكي دما؛ فلما ~~كان مفعول المشيئة مما يستعظم ويستغرب كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر. ### | الضرب الرابع: # وهو حذف المضاف والمضاف إليه، وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر، وذلك باب ~~عريض طويل شائع في كلام العرب، وإن كان أبو الحسن الأخفش رحمه الله لا يرى ~~القياس عليه. # فأما حذف المضاف فكقوله تعالى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون # فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج، وهو سدهما، كما حذف المضاف إلى القرية في ~~قوله تعالى: وسئل القرية # أي: أهل القرية. # ومن ذلك أيضا قوله عز وجل: ولكن البر من اتقى # أي: خصلة من اتقى، وإن شئت كان تقديره ولكن ذا البر من اتقى، والأولى ~~أولى؛ لأن حذف المضاف ضرب من الاتساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن ~~الاتساع بحذف الأعجاز أولى منه بحذف الصدور. # وقد حذف المضاف مكررا في قوله تعالى: فقبضت قبضة من أثر الرسول # أي: من أثر حافر فرس الرسول؛ وهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره. # ومما جاء منه شعرا قول بعضهم من شعراء الحماسة «2» : # PageV02P093 # إذا لا قيت قومي فاسأليهم ... كفى ms360 قوما بصاحبهم خبيرا «1» # هل اعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصدورا # أراد أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن والأوغام: أي يزيل ذلك بإحسانه ~~من عفو وغيره، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. # أما حذف المضاف إليه فإنه قليل الاستعمال؛ لله الأمر من قبل ومن بعد # أي: من قبل ذلك ومن بعده. # وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه، كقوله تعالى: ولو يؤاخذ الله الناس ~~بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة # قيل: أراد ظهر الأرض، فحذف المضاف إليه، وليس كذلك؛ فإن الهاء والألف ~~قائمة مقام الأرض، ألا ترى أن قوله: ظهرها # يريد الأرض؛ لأنه ضمير راجع إليها. # وكذلك ورد قول جرير «2» : # إذا أخذت قيس عليك وخندف ... بأقطارها لم تدر من أين تسرح «3» # وهذا لا يسمى إيجازا، وإنما هو تعويض «4» بالضمير عن الضمير. ### | الضرب الخامس: # وهو حذف الموصوف والصفة، وإقامة كل منهما مقام الآخر، ولا يكون اطراده في ~~كل موضع، وأكثره يجيء في الشعر، وإنما كانت كثرته في الشعر دون الكلام ~~المنثور لامتناع القياس في اطراده. # فمما جاء منه في الشعر قول البحتري من أبيات في صفة إيوان كسرى «5» ؛ ~~فقال في # PageV02P094 # ذكر التصاوير التي في الإيوان، وذلك أن الفرس كانت تحارب الروم فصوروا ~~صورة مدينة أنطاكية في الإيوان وحرب الروم والفرس عليها؛ فمما ذكره في ذلك ~~قوله: # وإذا ما رأيت صورة أنطا ... كية ارتعت بين روم وفرس # والمنايا مواثل وأنوشر ... وان يزجي الصفوف تحت الدرفس «1» # في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة ورس # فقوله «على أصفر» أي: على فرس أصفر، وهذا مفهوم من قرينة الحال؛ لأنه لما ~~قال «على أصفر» علم بذلك أنه أراد فرسا أصفر. # والصفة تأتي في الكلام على ضربين: إما للتأكيد والتخصيص، وإما للمدح ~~والذم، وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل، لا من مقامات الإيجاز ~~والاختصار، وإذا كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به، هذا، مع ما ينضاف إليه من ~~الالتباس وضد البيان، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بطويل، لم ms361 يبن من هذا ~~اللفظ الممرور به إنسان هو أم رمح أم ثوب أم غير ذلك، وإذا كان الأمر على ~~هذا فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه أو شهدت به الحال، وإذا ~~استبهم كان حذفه غير لائق. # ومما يؤكد عندك ضعف حذفه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه، وذاك ~~أن تكون الصفة جملة، نحو: مررت برجل قام أبوه، ولقيت غلاما وجهه حسن، ألا ~~تراك لو قلت: مررت بقام أبوه، ولقيت وجهه حسن؛ لم يجز. # وقد ورد حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في غير موضع من القرآن الكريم، ~~كقوله تعالى: وآتينا ثمود الناقة مبصرة # فإنه لم يرد أن الناقة كانت # PageV02P095 # مبصرة، ولم تكن عمياء، وإنما يريد آية مبصرة، فحذف الموصوف وأقام الصفة ~~مقامه. # ولقد تأملت حذف الموصوف في مواضع كثيرة فوجدت أكثر وقوعه في النداء وفي ~~المصدر؛ أما النداء فكقولهم: يا أيها الظريف، تقديره: يا أيها الرجل ~~الظريف، وعليه ورد قوله تعالى: يا أيها الساحر # تقديره: يا أيها الرجل الساحر، وكذلك قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا* # تقديره: يا أيها القوم الذين آمنوا، وأما المصدر فكقوله تعالى: ومن تاب ~~وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا # تقديره: # ومن تاب وعمل عملا صالحا. # وقد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله تعالى: # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك # أي: قوم دون ذلك. # وأما حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها، فإنه أقل وجودا من حذف الموصوف ~~وإقامة الصفة مقامه، ولا يكاد يقع في الكلام إلا نادرا؛ لمكان استبهامه. # فمن ذلك ما حكاه سيبويه رحمه الله من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون ~~ليل طويل، وإنما حذفت الصفة في هذا الموضع لما دل من الحال عليه، وذاك أنه ~~يحسن في كلام القائل لذلك من التطريح والتطويح والتفخيم والتعظيم ما يقوم ~~مقام قوله: طويل، وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وهو أن يكون في مدح ~~إنسان والثناء عليه فتقول: «كان والله رجلا» أي رجلا فاضلا، أو شجاعا، أو ~~كريما، ms362 أو ما جرى هذا المجرى من الصفات، وكذلك تقول: «سألناه فوجدناه ~~إنسانا» أي إنسانا سمحا، أو جوادا، أو ما أشبهه، فعلى هذا ونحوه تحذف ~~الصفة، فأما إن عريت عن الدلالة عليها من اللفظ أو الحال فإن حذفها لا ~~يجوز. # وقد تأملت حذفها فوجدته لا يسوغ إلا في صفة تقدمها ما يدل عليها، أو تأخر ~~عنها، أو فهم ذلك من شيء خارج عنها: # أما الصفة التي تقدمها ما يدل عليها فقوله تعالى: أما السفينة فكانت ~~لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ~~غصبا # PageV02P096 # فحذف الصفة: أي كان يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدل على المحذوف قوله: ~~فأردت أن أعيبها # فإن عيبه إياها لم يخرجها عن كونها سفينة، وإنما المأخوذ هو الصحيح دون ~~المعيب، فحذفت الصفة ههنا لأنه تقدمها ما يدل عليها. # وأما التي تأخر عنها ما يدل عليها فقول بعض شعراء الحماسة «1» : # كل امريء ستئيم من ... ه العرس أو منها يئيم «2» # فإنه أراد كل امريء متزوج؛ إذ دل عليه ما بعده من قوله: «ستئيم منه أو ~~منها يئيم» إذ لا تئيم هي إلا من زوج ولا يئيم هو إلا من زوجة، فجاء بعد ~~الموصوف ما دل عليه، ولولا ذلك لما صح معنى البيت؛ إذ ليس كل امريء يئيم من ~~عرس إلا إذا كان متزوجا. # وأما ما يفهم حذف الصفة فيه من شيء خارج عن الكلام فقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» فإنه قد علم علم جواز صلاة جار ~~المسجد في غير المسجد من غير هذا الحديث؛ فعلم حينئذ أن المراد به الفضيلة ~~والكمال، وهذا شيء لم يعلم من نفس اللفظ، وإنما علم من شيء خارج عنه. ### | الضرب السادس: # وهو حذف الشرط وجوابه. # فأما حذف الشرط فنحو قوله تعالى: يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ~~فإياي فاعبدون # فالفاء في قوله تعالى: فاعبدون # جواب شرط محذوف، لأن المعنى إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا لى العبادة في ~~أرض فأخلصوها ms363 في غيرها، # PageV02P097 # ثم حذف الشرط وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص ~~والإخلاص. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية # أي: فحلق فعليه فدية. # وكذلك قولهم: الناس مجزيون بأعمالهم: إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا: # أي إن فعل المرء خيرا جزي خيرا، وإن فعل شرا جزي شرا. # وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر # تقدير ذلك: فأفطر فعدة من أيام أخر؛ ولهذا ذهب داود الظاهري إلى الأخذ ~~بظاهر الآية، ولم ينظر إلى حذف الشرط؛ فأوجب القضاء على المريض والمسافر، ~~سواء أفطر أم لم يفطر. # ومن حذف الشرط قوله تعالى: يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ~~ساعة كذلك كانوا يؤفكون. وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في ~~كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون # اعلم أن هذه الفاء التي في قول الشاعر: «فقد جئنا خراسانا» «1» وحقيقتها ~~أنها في جواب شرط محذوف يدل عليه الكلام، كأنه قال: إن صح ما قلتم إن ~~خراسان أقصى ما يراد بنا فقد جئنا خراسان وآن لنا أن نخلص، وكذلك هذه ~~الآية، يقول: إن كنتم منكرين للبعث فهذا يوم البعث: أي قد تبين بطلان ~~قولكم. # أما حذف جواب الشرط فكقوله تعالى: قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم ~~به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين # فإن جواب الشرط ههنا محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند # PageV02P098 # الله وكفرتم به ألستم ظالمين، ويدل على المحذوف قوله تعالى: إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين. ### | الضرب السابع: # وهو حذف القسم وجوابه: # فأما حذف القسم فنحو قولك «لأفعلن» أي والله لأفعلن، أو غير ذلك من ~~الأقسام المحلوف بها. # وأما حذف جوابه فكقوله تعالى: والفجر. وليال عشر. والشفع والوتر والليل ~~إذا يسر. هل في ذلك قسم لذي حجر ألم تر كيف فعل ms364 ربك بعاد. إرم ذات العماد. ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # فجواب القسم ههنا محذوف، تقديره: # ليعذبن، أو نحوه، ويدل على ذلك ما بعده من قوله: ألم تر كيف فعل ربك بعاد # ؛ إلى قوله: سوط عذاب. # ومما ينتظم في هذا السلك قوله تعالى: ق. والقرآن المجيد، بل عجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب # فإن معناه ق والقرآن المجيذ لتبعثن، والشاهد على ذلك ما بعده من ذكر ~~البعث في قوله: أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد. # وقد ورد هذا الضرب في القرآن كثيرا؛ كقوله تعالى في سورة النازعات: # والنازعات غرقا. والناشطات نشطا. والسابحات سبحا. فالسابقات سبقا. ~~فالمدبرات أمرا. يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة # فجواب القسم ههنا محذوف، تقديره: # لتبعثن أو لتحشرن، ويدل على ذلك ما أتى من بعده من ذكر القيامة في قوله: ~~يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة # وكذلك إلى آخر السورة. ### | الضرب الثامن: # وهو حذف «لو» وجوابها، وذاك من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها. # فأما حذف «لو» فكقوله تعالى: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله # PageV02P099 # لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض # تقديره ذلك إذا لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق. # وكذلك ورد قوله تعالى: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~إذا لارتاب المبطلون # تقديره: إذا لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون، وهذا من أحسن المحذوفات. # ومما جاء من ذلك شعرا قول بعضهم في صدر الحماسة «1» : # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا # فلو في البيت الثاني محذوفة؛ لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها ~~بقوله: «لم تستبح إبلي» ثم حذفها في الثاني، وتقدير حذفها إذا لو كنت منهم ~~لقام بنصري معشر خشن، وإذا لو كانوا قومي لقام بنصري معشر حسن. # وأما حذف جواب «لو» فإنه كثير شائع، وذلك كقولك: لو زرتنا لو ألممت بنا، ~~معناه لأحسنا ms365 إليك، أو لأكرمناك، أو ما جرى هذا المجرى. # ومما ورد منه في القرآن الكريم قوله تعالى: ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ~~وأخذوا من مكان قريب # ؛ فإن جواب «لو» ههنا محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما، وحالا هائلة، أو ~~غير ذلك مما جرى مجراه. # ومما جاء على نحو من هذا قوله عز وجل: ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين. لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ~~ولا هم ينصرون # تقديره لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه، وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه ~~النار من وراء وقدام ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم ولا يجدون ناصرا ~~ينصرهم؛ لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم ~~به هو الذي هونه عليهم. # PageV02P100 # ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن ~~شديد # فجواب لو في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى: # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # أي: لو أن لي بكم قوة لدفعتكم، أو منعتكم، أو ما أشبهه، وكذلك قوله: ولو ~~أن قرآنا سيرت به الجبال # لكان هذا القرآن. # وهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة وأوضحها؛ لعلم المخاطب به؛ ~~لأن قوله تعالى حكاية عن لوط عليه السلام: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن ~~شديد # يتسارع الفهم [فيه] إلى أن الكلام يحتاج الى جواب. # ومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية التي يمدح بها المعتصم ~~عند فتحه مدينة عمورية «1» . # لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له العواقب بين السمر والقضب «2» # فإن هذا محذوف الجواب، تقديره: لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار، أو ~~غير ذلك. # واعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام، وإنما يحذف ~~ما دل عليه مكان المحذوف، ألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف، ~~كقوله تعالى: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا ~~إنما ms366 سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون # وهذا ليس كالذي تقدم من الآيات؛ لأن تلك علم مكان المحذوف منها، وهذه ~~الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه؛ لأنه يحتمل وجوها، منها أن يقال: ~~لما آمنوا، أو لطلبوا ما وراء ذلك، وقد تقدم القول في أول باب الإيجاز أنه ~~لا بد من دلالة الكلام على المحذوف. ### | الضرب التاسع: # وهو حذف جواب «لولا» # PageV02P101 # فمن ذلك قوله تعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنت الله ~~عليه إن كان من الكاذبين. ويدروا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله ~~إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم # فجواب «لولا» ههنا محذوف، تقديره: لما أنزل عليكم هذا الحكم بطريق ~~التلاعن وستر عليكم هذه الفاحشة بسببه. # وكذلك ورد قوله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ~~لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله روف رحيم # تقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعجل لكم العذاب، أو فعل بكم كذا ~~وكذا. ### | الضرب العاشر: # وهو حذف جواب «لما» وجواب «أما» . # فأما حذف جواب «لما» فكقوله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن ~~يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين # فإن جواب «لما» ههنا محذوف، وتقديره: فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ~~يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف ~~من استبشارهما واغتباطهما وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء ~~العظيم بعد حلوله، وما أشبه ذلك مما اكتسباه بهذه المحنة من عظائم الوصف ~~دنيا وآخرة، وقوله «إنا كذلك نجزي المحسنين» تعليل لتخويل ما خولهما من ~~الفرح والسرور بعد تلك الشدة العظيمة. # وأما حذف جواب «أما» فنحو قوله تعالى: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ~~بعد إيمانكم. ### | الضرب الحادي ms367 عشر: # وهو حذف جواب «إذا» . # فمما جاء منه قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ~~لعلكم ترحمون. وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين # ألا ترى كيف حذف الجواب عن «إذا» في هذا الكلام، وهو مدلول عليه بقوله: ~~إلا كانوا # PageV02P102 # عنها معرضين # كأنه قال: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا، ثم قال: ~~ودأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة. ### | الضرب الثاني عشر: # حذف المبتدأ والخبر. # أما حذف المبتدأ فلا يكون إلا مفردا، والأحسن هو حذف الخبر؛ لأن منه ما ~~يأتي جملة؛ كقوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # وههنا قد حذف خبر المبتدأ، وهو جملة من مبتدأ وخبر، وتقديرها: # واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر «1» . # ومما ورد منه شعرا قول أبي عبادة البحتري «2» : # كل عذر من كل ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار # وهذا قد حذف منه خبر المبتدأ، إلا أنه مفرد غير جملة، وتقديره كل عذر من ~~كل ذنب مقبول، أو مسموع، أو ما جرى هذا المجرى. ### | الضرب الثالث عشر: # وهو حذف «لا» من الكلام، وهي مرادة. # وذلك كقوله تعالى: قالوا تالله تفتوا تذكر يوسف # يريد به لا تفتؤ: فحذفت «لا» من الكلام وهي مرادة. # وعلى هذا جاء قول امريء القيس «3» : # PageV02P103 # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أي: لا أبرح قاعدا، فحذفت «لا» في هذا الموضع وهي مرادة. # ومما جاء منه قول أبي مججن الثقفي لما نهاه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ~~عن شرب الخمر، وهو إذ ذاك في قتال الفرس بالقادسية «1» : # رأيت الخمر صالحة وفيها ... مناقب تهلك الرجل الحليما # فلا والله أشربها حياتي ... ولا أسقي بها أبدا نديما # يريد «لا أشربها» ؛ فحذف «لا» من الكلام وهي مفهومه منه. ### | الضرب الرابع عشر: # وهو حذف الواو من الكلام وإثباتها. # وأحسن حذوفها في المعطوف والمعطوف عليه، وإذا لم ms368 يذكر الحرف المعطوف به ~~كان ذلك بلاغة وإيجازا، كقول أنس بن مالك رضي الله عنه: كان أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ينامون يصلون ولا يتوضئون، أو قال: ثم يصلون لا ~~يتوضئون، فقوله «لا يتوضئون» - بحذف الواو- أبلغ في تحقيق عدم الوضوء من ~~قوله «ولا يتوضئون» بإثباتها؛ كأنه جعل ذلك حالة لهم لازمة: أي أنها داخلة ~~في الجملة، وليست جملة خارجة عن الأولى؛ لأن واو العطف تؤذن بانفراد ~~المعطوف عن المعطوف عليه، وإذا حذفت في مثل هذا الموضع صار المعطوف ~~والمعطوف عليه جملة واحدة. # وقد جاء مثل ذلك في القرآن الكريم، وذلك أنه يذكر جمل من القول كل واحدة ~~منها مستقلة بنفسها، ثم تسرد سردا بغير عاطف، كقوله تعالى: يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت ~~البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر # تقدير هذا الكلام: لا يألونكم وودوا ما عنتم # PageV02P104 # وقد بدت البغضاء من أفواههم، فلما حذفت الواو جاء الكلام أوجز، وأحسن ~~طلاوة، وأبلغ تأليفا ونظما، وأمثاله في القرآن الكريم كثير. # واعلم أنه قد حذفت الواو وأثبتت في مواضع؛ فأما إثباتها فنحو قوله تعالى: # وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم # ، وأما حذفها فنحو قوله تعالى: وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون. # وعلى هذا فلا يجوز حذف الواو وإثباتها في كل موضع، وإنما يجوز ذلك فيما ~~هذا سبيله من هاتين الآيتين. # ولنبين لك في ذلك رسما تتبعه، فنقول: اعلم أن كل اسم نكرة جاء خبره بعد ~~«إلا» يجوز إثبات الواو في خبره وحذفها، كقولك: ما رأيت رجلا إلا وعليه ~~ثياب، وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب، بغير واو؛ فإن كان الذي يقع على النكرة ~~ناقصا فلا يكون إلا بحذف الواو، نحو قولك: ما أظن درهما إلا هو كافيك، ولا ~~يجوز إلا وهو كافيك، بالواو؛ لأن الظن يحتاج ألى شيئين، فلا يعترض فيه ~~بالواو؛ لأنه يصير كالمكتفي من الأفعال باسم واحد، وكذلك جواب ظننت وكان ~~وإن وأشباهها، فخطأ ms369 أن تقول: إن رجلا وهو قائم، ونحو ذلك، ويجوز هذا في ~~«ليس» خاصة، تقول: ليس أحد إلا وهو قائم؛ لأن الكلام يتوهم تمامه بليس ~~وبحرف ونكرة «1» ألا ترى أنك تقول: ليس أحد، وما من أحد، فجاز فيها إثبات ~~الواو، ولم يجوز في أظن؛ لأنك لا تقول: ما أظن أحدا، فأما أصبح وأمسى ورأى ~~فإن الواو فيهن أسهل؛ لأنهن توأم في حال «2» ، وكان وأظن ونحوهما بنين على ~~النقص، إلا إذا كانت تامة، وكذلك «لا» في التنزيه وغيرها، نحو: لا رجل، وما ~~من رجل؛ فيجوز إثبات الواو فيها وحذفها. # PageV02P105 # واعلم أن العرب قد حذفت من أصل الألفاظ شيئا لا يجوز القياس عليه، كقول ~~بعضهم «1» : # كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم «2» # فقوله «بسبا الكتان» يريد بسبائب الكتان «3» ، وكذلك قول الآخر: # يذرين جندل حائر لجنوبها ... فكأنما تذكي سنابكها الحبا «4» # فهذا وأمثاله مما يقبح ولا يحسن، وإن كانت العرب قد استعملته فإنه لا ~~يجوز لنا أن نستعمله. # PageV02P106 # وأما القسم الثاني من الإيجاز فهو ما لا يحذف منه شيء، وذلك ضربان: # أحدهما: مأساوي لفظه معناه، ويسمى التقدير، والآخر: ما زاد معناه على ~~لفظه، ويسمى الإيجاز بالقصر. # فأما الإيجاز بالتقدير فإنه الذي يمكن التعبير عن معناه بمثل ألفاظه وفي ~~عدتها. # أما الإيجاز بالقصر فإنه ينقسم قسمين: أحدهما: ما دل لفظه على محتملات ~~متعددة، وهذا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها، والآخر: ما يدل لفظه ~~على محتملات متعددة، ولا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها، لا، بل ~~يستحيل ذلك. # ولنورد الآن الضرب الأول الذي هو الإيجاز بالتقدير، فمما جاء منه قوله ~~تعالى: قتل الإنسان ما أكفره. من أي شيء خلقه. من نطفة خلقه فقدره. ثم ~~السبيل يسره. ثم أماته فأقبره. ثم إذا شاء أنشره. كلا لما يقض ما أمره # فقوله قتل الإنسان # دعاء عليه، وقوله ما أكفره # تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله عليه، ولا نرى أسلوبا أغلظ من هذا ~~الدعاء والتعجب، ولا أخشن مسا، ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه، ms370 ولا أجمع ~~للائمة على قصر متنه، ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى ~~زمانه، فقال من أي شيء خلقه # ثم بين الشيء الذي خلق منه بقوله من نطفة خلقه فقدره # أي: هيأه لما يصلح له ثم السبيل يسره # أي: سهل سبيله وهو مخرجه من بطن أمه، أو السبيل الذي يختار سلوكه من ~~طريقي الخير والشر، والأول أولى؛ لأنه تال لخلقته وتقديره، ثم بعد ذلك يكون ~~تيسير سبيله لما يختاره من طريقي الخير والشر ثم أماته فأقبره # أي: جعله ذا قبر يوارى فيه ثم إذا شاء أنشره # أي: أحياه كلا # ردع للإنسان عما هو عليه لما يقض ما أمره # أي: لم يقض مع تطاول زمانه ما أمره الله به، يعني أن إنسانا لم يخل من ~~تقصير قط، ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما ~~قدرت على ذلك، لأنك كنت تذهب بجزء من معناه، والإيجاز: هو ألا يمكنك أن ~~تسقط شيئا من ألفاظه. # PageV02P107 # والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة، كقوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه ~~فانتهى فله ما سلف # فقوله فله ما سلف # من جوامع الكلم، ومعناه أن خطاياه الماضية قد غفرت له وتاب الله عليه ~~فيها، إلا أن قوله فله ما سلف # أبلغ: أي أن السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنما هو له، وكذلك ورد قوله ~~تعالى من كفر فعليه كفره* # فعليه كفره كلمة جامعة تغني عن ذكر ضروب من العذاب؛ لأن من أحاط به كفره ~~فقد أحاطت به كل خطيئة. # وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون # فهذه الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم؛ وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قرأها على الوليد بن المغيرة فقال له: يا ابن أخي، أعد، ~~فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم قراءتها عليه، فقال له: إن له لحلاوة، وإن ~~عليه لطلاوة، وإن ms371 أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر. # ومن هذا النحو قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد. # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد. وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت ~~منه تحيد. ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد. وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد. ~~لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد # وهذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة التي دلت على تخويف وإرهاب ترق ~~القلوب، وتقشعر منه الجلود، وهي مشتملة مع قصرها على حال الإنسان منذ خلقه ~~إلى حين حشره وحشر غيره من الناس، وتصوير ذلك الأمر الفظيع في أسهل لفظ ~~وأقربه، وما مررت عليها ألا جدت لي موعظة وأحدثت عندي إيقاظا. # ومن هذا الضرب ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه لأبي سلمة ~~عند موته فقال: # «اللهم ارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه في الغابرين لنا وله يا ~~رب العالمين» وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها؛ ~~فأوله مفتتح بالمهم الذي يفتقر إليه المدعو له في تلك الحال، وهو رفع درجته ~~في # PageV02P108 # الآخرة، وثانيه مردف بالمهم الذي يؤثر المدعو له من صلاح حال عقبه من ~~بعده في الدنيا، وثالثه مختتم بالجمع بين الداعي والمدعو له، وهذا من ~~الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما قصد له، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~هكذا كما قال: «أوتيت جوامع الكلم» . # وكذلك ورد قوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر؛ فإنه قال: «هذا يوم له ما ~~بعده» وهو شبيه بقوله تعالى: فله ما سلف. # ولما جرح عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجراحة التي مات بها اجتمع إليه ~~الناس، فجاءه شاب من الأنصار، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، لك ~~من صحبة رسول الله وقدم في الإعلام ما علمت، ووليت فعدلت، ثم شهادة. # وهذا كلام سديد قد حوى المعنى ms372 المقصود، وأتى به في أوجز لفظ وأحسنه؛ ومع ~~ما فيه من الإيجاز فإنه مستغرب، وسبب استغرابه أنه جعل المساءة بشرى، ~~وأخرجها مخرج المسرة، وتلطف في ذلك فأبلغ، ولو أراد الكاتب البليغ والخطيب ~~المصقع، أن يأتي بذلك على هذا الوجه لأعوزه. # ومن هذا النمط ما كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون عند لقائه عيسى بن ~~ماهان وهزمه إياه وقتله؛ فكتب إليه: كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى بن ~~ماهان بين يدي، وخاتمه في يدي، وعسكره مصرف تحت أمري، والسلام. # وهذا من الكتب المختصرة التي حوت الغرض المطول، وما يكتب في هذا المقام ~~مثله. # ولما أرسل المهلب بن أبي صفرة أبا الحسن المدائني إلى الحجاج بن يوسف ~~يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، وذاك أن ~~الحجاج سأله فقال: كيف تركت المهلب؟ فقال: أدرك ما أمل، وأمن مما خاف؛ ~~فقال: كيف هو لجنده؟ قال: والد رءوف، قال: كيف جنده له؟ قال: أولاد بررة؛ ~~قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله؛ قال: كيف تصنعون إذا ~~لقيتم العدو؟ قال: نلقاهم بجدنا، ويلقوننا بجدهم، قال: كذلك الجد إذا لقي ~~الجد؛ قال: فأخبرني عن بني المهلب؛ قال: هم أحلاس القتال بالليل، حماة # PageV02P109 # السرج بالنهار، قال: أيهم أفضل؟ قال: هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها؛ ~~فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله هو الكلام الفصل الذي ليس بمصنوع. # وقد ورد في الأخبار النبوية من هذا الضرب شيء كثير، وسأورد منه أمثلة ~~يسيرة. # فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين، والحرام بين وبينهما ~~أمور متشابهات» وهذا الحديث من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة، وذاك أنه ~~يشتمل على جل الأحكام الشرعية؛ فإن الحلال والحرام إما أن يكون الحكم فيهما ~~بينا لا خلاف فيه بين العلماء، وإما أن يكون خافيا يتجاذبه وجوه التأويلات؛ ~~فكل منهم يذهب فيه مذهبا. # وكذلك جاء قوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ~~مانوى» فإن هذا الحديث أيضا من جوامع الأحاديث للأحكام الشرعية. # ومن ذلك قوله صلى ms373 الله عليه وسلم: «المضعف أمير الركب» وقد ورد آخر هذا ~~الحديث بلفظ آخر، فقال صلى الله عليه وسلم: «سيروا بسير أضعفكم» إلا أن ~~الأول أحسن؛ لأنه أبلغ معنى فإن الأمير واجب الحكم فهو يتبع، وإذا كان ~~المضعف أمير الركب كانوا مؤتمرين له في سيرهم ونزولهم، وهذا المعنى لا يوجد ~~في قوله: «سيروا بسير أضعفكم» . # وأحسن من هذا كله ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في حديث مطول يتضمن سؤال ~~جبريل عليه السلام فقال من جملته: «ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» فقوله: «تعبد الله كأنك تراه» من جوامع ~~الكلم؛ لأنه ينوب مناب كلام كثير، كأنه قال: تعبد الله مخلصا في نيتك، ~~واقفا عند أدب الطاعة من الخضوع والخشوع، آخذا أهبة الحذر، وأشباه ذلك؛ لأن ~~العبد إذا خدم مولاه ناظرا إليه استقصى في آداب الخدمة بكل ما يجد إليه ~~السبيل وما ينتهي إليه الطوق. # ومما أطربني من ذلك حديث الحديبية، وهو أنه جاء بديل بن ورقاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال له: إني تركت كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي معهم ~~العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت؛ فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن قريشا قد نهكتهم # PageV02P110 # الحرب، فإن شاءوا ماددناهم مدة ويدعوا بيني وبين الناس فإن أظهر عليهم ~~وأحبوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس وإلا كانوا قد جموا، وإن أبوا فو الذي ~~نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي هذه ولينفذن الله أمره» ~~وهذا الحديث من جوامع الكلم، وهو من الفصاحة والبلاغة على غاية لا ينتهي ~~إليها وصف الواصف. # وأما ما ورد من ذلك شعرا فقول النابغة «1» : # وإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وتخصيصه الليل دون النهار مما يسأل عنه. # وكذلك قوله «2» : # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب # وعلى هذا الأسلوب ورد قول الأعشى في اعتذاره إلى أوس بن لام عن هجائه ~~إياه «3» : # وإني ms374 على ما كان مني لنادم ... وإني إلى أوس بن لام لتائب # وإني إلى أوس ليقبل عذرتي ... ويصفح عني ما حييت لراغب # فهب لي حياتي فالحياة لقائم ... بشكرك فيها خير ما أنت واهب # سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق ... كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب # وهذا من المعاني الشريفة في الألفاظ الخفيفة، وهو من طنانات الأعشى ~~المشهورة. # PageV02P111 # وعلى نحو منه جاء قول الفرزدق «1» : # صبحناهم الشعث الجياد كأنها ... قطا هيجته يوم ريح أجادله» # إلى كل حي قد خطبنا بناتهم ... بأرعن جرار كثير صواهله «3» # إذا ما التقينا أنكحتنا رماحنا ... من القوم أبكارا كراما عقائله # وإنا لمناعون تحت لوائنا ... حمانا إذا ما عاد بالسيف حامله # وهذا من محاسن ما يجيء في هذا الباب. # ومما يجري هذا المجرى قول جرير «4» : # تمنى رجال من تميم منيتي ... وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي «5» # فلو شاء قومي كان حلمي فيهم ... وكان على جهال أعدائهم جهلي «6» # PageV02P112 # وكذلك ورد قوله متغزلا، وهو من محاسن أقواله «1» : # سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام # ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام # ولقد أراك وأنت جامعة الهوى ... أثني بعهدك خير دار مقام # طرقتك صائدة القلوب فليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام # تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام # لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان خير ذمام # ولقد أراني والجديد إلى بلى ... في موكب طرف الحديث كرام «2» # لولا مراقبة العيون أريتنا ... حدق المها وسوالف الآرام «3» # وإذا صرفن عيونهن بنظرة ... نفذت نوافذها بغير سهام «4» # هل تنفعنك إن قتلن مرقشا ... أو ما فعلن بعروة بن حزام # وحلاوة هذا الكلام أحسن من إيجازه، ولقد أعوز غيره أن يأتي بمثله حتى أقر ~~بإعوازه. # PageV02P113 # ومن باب الإيجاز الذي يسمى التقدير قول علي بن جبلة: # وما لامريء حاولته عنك مهرب ... ولو حملته في السماء المطالع # بلى هارب ما يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع # فهذا هو الكلام الذي ألفاظه وفاق معانيه؛ فإنه قد اشتمل على مدح رجل ~~بشمول ms375 ملكه وعموم سلطانه، وأنه لا مهرب عنه لمن يحاوله، وإن صعد السماء، ثم ~~ذكر جميع المهارب في المشارق والمغارب، وأشار إلى أنه يبلغ الظلام والضياء، ~~وذلك مما لم تزد عبارته على المعنى المندرج تحته، ولا قصرت عنه. # ومن هذا الضرب قول أبي نواس «1» ، وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس # مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جني ويابس # حبست بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس # تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس # قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسي الفوارس «2» # فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس # ومما انتهى إلي من أخبار ابن المزرع قال: سمعت الجاحظ يقول: لا أعرف شعرا ~~يفضل هذه الأبيات التي لأبي نواس، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلاق فقال: ~~والله يا أبا عثمان إن هذا لهو الشعر، ولو نقر لطن، فقلت له: ويحك!! ما ~~تفارق عمل # PageV02P114 # الجرار والخزف، ولعمري إن الجاحظ عرف فوصف، وخبر فشكر، والذي ذكره هو ~~الحق. # وعلى هذا الأسلوب جاء قول أبي تمام «1» : # إن القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا «2» # هي جوهر نثر فإن ألفته ... بالشعر صار قلائدا وعقودا # في كل معترك وكل مقامة ... يأخذن منه ذمة وعهودا # فإذا القصائد لم تكن خفراءها ... لم ترض منها مشهدا مشهودا # من أجل ذلك كانت العرب الألى ... يدعون هذا سوددا محدودا # وتند عندهم العلا إلا علا ... جعلت لها مرر القريض قيودا # وأما الضرب الثاني: وهو الإيجاز بالقصر؛ فإن القرآن الكريم ملآن منه، وقد ~~تقدم القول أنه قسمان: أحدهما: ما يدل على محتملات متعددة. # فمن ذلك قوله تعالى: لقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا ~~في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى. فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ~~ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى # فقوله: فغشيهم من اليم ما غشيهم # من جوامع الكلم التي يستدل على قلتها بالمعاني الكثيرة: ms376 أي غشيهم من ~~الأمور الهائلة والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه ألا الله، ولا يحيط به ~~غيره. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # فجمع في الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن في الأمر بالمعروف صلة الرحم، ~~ومنع اللسان عن الغيبة وعن الكذب، وغض # PageV02P115 # الطرف عن المحرمات، وغير ذلك، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم، ~~وغيرهما. # وقال بعض الأعراب في دعائه: اللهم هب لي حقك، وأرض عني خلقك؛ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «هذا هو البلاغة» . # ومن ذلك قوله عزل وجل: أولئك لهم الأمن # ؛ فإنه دخل تحت الأمن جميع المحبوبات، وذلك أنه نفى به أن يخافوا شيئا من ~~الفقر والموت وزوال النعمة ونزول النقمة، وغير ذلك من أصناف المكاره. # وأشباه هذا في القرآن الكريم كثيرة؛ فهو يكثر في بعض الصور، ويقل في بعض، ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شاء يرتع في الرياض الأنائق فعليه بآل ~~حم» . # ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الخراج بالضمان» ؛ وذاك أن رجلا ~~اشترى عبدا، فأقام عنده مدة، ثم وجد به عيبا، فخاصم البائع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فرده عليه؛ فقال: # يا رسول الله، إنه استغل غلامي، فقال: «الخراج بالضمان» ومعنى قوله: ~~«الخراج بالضمان» أن الرجل إذا اشترى عبدا فاستغله ثم وجد به عيبا دلسه ~~عليه البائع فله أن يرده ويسترجع الثمن جميعه، ولو مات العبد أو أبق أو ~~سرقه سارق كان في مال المشتري، وضمانه عليه، وإذا كان ضمانه عليه فخراجه ~~له: أي له ما تحصل من أجرة عمله. # وأما ما ورد شعرا، فقول السموءل بن عاديا الغساني من جملة أبياته اللامية ~~المشهورة، وذلك قوله منها «1» : # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل # فإن هذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق جميعها: من سماحة، وشجاعة، ~~وعفة، وتواضع، وحلم، وصبر، وغير ذلك؛ فإن هذه الأخلاق كلها من ضيم النفس؛ ~~لأنها تجد بحملها ضيما: أي مشقة وعناء. # PageV02P116 # وقد تقدم القول أن ms377 الإيجاز بالقصر يكون فيما تضمن لفظه محتملات كثيرة، ~~وهذا البيت من ذلك القبيل، ولا أعلم أن شاعرا قديما ولا حديثا أتى بمثله، ~~وقد أخذه أبو تمام فأحسن في أخذه، وهو: # وظلمت نفسك طالبا إنصافها ... فعجبت من مظلومة لم تظلم # ففاز في بيته هذا بالمقابلة بين الضدين في الظلم والإنصاف، ثم قال: ~~«فعجبت من مظلومة لم تظلم» وهذا أحسن من الأول، ومعنى قوله: «ظلمت نفسك ~~طالبا إنصافها» أي: أنك أكرهتها على مشاق الأمور وإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها، ~~ثم إنك مع ظلمك إياها قد أنصفتها؛ لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا ~~جميلا ومجدا مؤثلا، فأنت منصف لها في صورة ظالم، وكذلك قوله: «فعجبت من ~~مظلومة لم تظلم» أي أنك ظلمتها وما ظلمتها لأن ظلمك إياها أدى إلى ما هو ~~جميل حسن. # وهذا القدر في الأمثلة كاف في هذا الباب. # القسم الآخر من الضرب الثاني؛ في الإيجاز بالقصر وهو الذي لا يمكن ~~التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وهو أعلى طبقات الإيجاز ~~مكانا، وأعوزها إمكانا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء فإنما يوجد شاذا ~~نادرا. # فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: ولكم في القصاص حياة # فإنه قوله تعالى: القصاص حياة # لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة، لأن معناه أنه إذا قتل القاتل ~~امتنع غيره عن القتل؛ فأوجب ذلك حياة للناس، ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب ~~من قولهم: القتل أنفى للقتل؛ فإن من لا يعلم يظن أن هذا على وزن الآية، ~~وليس كذلك، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه: الأول: أن (القصاص حياة) لفظتان، ~~و «القتل أنفى للقتل» ثلاثة ألفاظ؛ الوجه الثاني: أن في قولهم «القتل أنفى ~~للقتل» تكريرا ليس في الآية؛ الثالث: أنه ليس كل قتل نافيا للقتل؛ إلا إذا ~~كان على حكم القصاص. # وقد صاغ أبو تمام هذا الوارد عن العرب في بيت من شعره، فقال «1» : # PageV02P117 # وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم ... إن الدم المعتر يحرسه الدم «1» # فقوله «إن الدم المعتر يحرسه الدم» أحسن ms378 مما ورد عن العرب من قولهم ~~«القتل أنفى للقتل» . # ويروى عن معن بن زائدة أنه سأله أبو جعفر المنصور فقال له: أيما أحب إليك ~~دولتنا أو دولة بني أمية؟ فقال: ذاك إليك، فقوله «ذاك إليك» من الإيجاز ~~بالقصر الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة؛ لأن معنى قوله «ذاك ~~إليك» وهو لفظتان أنه زاد إحسانك على إحسان بني أمية فأنتم أحب ألي، وهذه ~~عشرة ألفاظ. # فإن قيل: كيف لا يمكن التعبير عن ألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها وفي ~~المترادف من الألفاظ ما هو دليل على خلاف ذلك؟ فإنه إذا قيل راح ثم قيل ~~مدامة أو سلافة كان ذلك سواء، وقامت هذه اللفظة مقام هذه اللفظة. # قلت في الجواب: ليس كل الألفاظ المترادفة يقوم بعضها مقام بعض، ألا ترى ~~أن لفظة «القصاص» لا يمكن التعبير عنها بما يقوم مقامها، ولما عبر عنها ~~بالقتل في قول العرب «القتل أنفى للقتل» ظهر الفرق بين ذلك وبين الآية في ~~قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة # فالذي أردته أنا إنما هو الكلام الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ ~~أخرى مثلها وفي عدتها، فإن كان كذلك وإلا فليس داخلا في هذا القسم المشار ~~إليه. # PageV02P118 ### | النوع السادس عشر في الإطناب # هذا النوع من الكلام أنعمت نظري فيه، وفي التكرير، وفي التطويل؛ فملكتني ~~حيرة الشبه بينها طويلا، وكنت في ذلك كعمر بن الخطاب رضي الله عنه في ~~الكلالة حيث قال: قد أعياني أمر الكلالة، وكنت سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عنها كثيرا حتى ضرب في صدري، وقال: «ألا يكفيك آية الصيف «1» » . # وبعد أن أنعمت نظري في هذا النوع الذي هو الإطناب وجدت ضربا «2» من ضروب ~~التأكيد التي يؤتى بها في الكلام قصدا للمبالغة، ألا ترى أنه ضرب مفرد من ~~بينها برأسه لا يشاركه فيه غيره؛ لأن من التأكيد ما يتعلق بالتقديم ~~والتأخير؛ كتقديم المفعول، وبالاعتراض «3» ؛ كالاعتراض بين القسم وجوابه ~~وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك، وسيأتي الكلام عليه في بابه. وهذا ~~الضرب الذي هو ms379 الإطناب ليس كذلك. # ورأيت علماء البيان قد اختلفوا فيه؛ فمنهم من ألحقه بالتطويل الذي هو ضد ~~الإيجاز، وهو عنده قسم غيره، فأخطأ من حيث لا يدري؛ كأبي هلال العسكري، ~~والغانمي، حتى إنه قال: إن كتب الفتوح وما جرى مجراها مما يقرأ على عوام ~~الناس ينبغي أن تكون مطولة مطنبا فيها؛ وهذا القول فاسد؛ لأنه إن عنى بذلك ~~أنها تكون ذات معان متعددة قد استقصى فيها شرح تلك الحادثة من فتح أو غيره ~~فذلك مسلم، وإن عني بذلك أنها تكون مكررة المعاني مطولة الألفاظ قصدا ~~لإفهام العامة فهذا غير مسلم، وهو مما لا يذهب إليه من عنده أدنى معرفة ~~بعلم الفصاحة # PageV02P119 # والبلاغة، ويكفي في بطلانه كتاب الله تعالى؛ فإنه لم يجعل لخواص الناس ~~فقط، وإنما جعل لعوامهم وخواصهم، وأكثره لا بل جميعه مفهوم الألفاظ للعوام، ~~إلا كلمات معدودة، وهي التي تسمى غريب القرآن، وقد تقدم الكلام على ذلك في ~~المقالة الأولى المختصة بالألفاظ، وعلى هذا فينبغي أن تكون الكتب جميعها ~~مما يقرأ على عوام الناس وخواصهم ذات ألفاظ سهلة مفهومة، وكذلك الأشعار ~~والخطب، ومن ذهب إلى غير ذلك فإنه بنجوة عن هذا الفن، وعلى هذا فإن الإطناب ~~لا يختص به عوام الناس، وإنما هو للخواص كما هو للعوام. وسأبين حقيقته في ~~كتابي هذا، وأحقق القول فيه بحيث تزول الشبهة التي خبط أرباب علم البيان من ~~أجلها، وقالوا أقوالا لا تعرب عن فائدة. # والذي عندي فيه أنه إذا رجعنا إلى الأسماء واشتقاقها وجدنا هذا الاسم ~~مناسبا لمسماه، وهو في أصل اللغة مأخوذ من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه، ~~ويقال: # أطنبت الريح؛ إذا اشتدت في هبوبها، وأطنب في السير؛ إذا اشتد فيه، وعلى ~~هذا فإن حملناه على مقتضى مسماه كان معناه المبالغة في إيراد المعاني، وهذا ~~لا يختص بنوع واحد من أنواع علم البيان، وإنما يوجد فيها جميعها؛ إذ ما من ~~نوع منها إلا ويمكن المبالغة فيه، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يفرد هذا ~~النوع من بينها، ولا يتحقق إفراده الا ms380 بذكر حده الدال على حقيقته. # والذي يحد به أن يقال: هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة؛ فهذا حده الذي ~~يميزه عن التطويل؛ إذ التطويل هو: زيادة اللفظ عن المعنى لغير فائدة، وأما ~~التكرير فإنه: دلالة على المعنى مرددا، كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع؛ فإن ~~المعنى مردد واللفظ واحد، وسيرد بيان ذلك مفصلا في بابه بعد باب الإطناب ~~بعضها بعضا؛ وإذا كان التكرير هو إيراد المعنى مرددا فمنه ما يأتي لفائدة ~~ومنه ما يأتي لغير فائدة؛ فأما الذي يأتي لفائدة «1» فإنه جزء من الإطناب ~~وهو أخص منه؛ فيقال حينئذ: إن كل تكرير يأتي لفائدة فهو إطناب وليس كل ~~إطناب تكريرا يأتي لفائدة، # PageV02P120 # وأما الذي يأتي من التكرير لغير فائدة فإنه جزء من التطويل، وهو أخص منه، ~~فيقال حينئذ: إن كل تكرير يأتي لغير فائدة تطويل، وليس كل تطويل تكريرا ~~يأتي لغير فائدة. # وكنت قدمت القول في باب الإيجاز بأن الإيجاز هو: دلالة اللفظ على المعنى ~~من غير زيادة عليه. # وإذا تقررت هذه الحدود الثلاثة المشار إليها فإن مثال الإيجاز والإطناب ~~والتطويل مثال مقصد يسلك إليه في ثلاثة طرق؛ فالإيجاز هو أقرب الطرق ~~الثلاثة إليه، والإطناب والتطويل هما الطريقان المتساويان في البعد إليه، ~~إلا أن طريق الإطناب تشتمل على منزه من المنازه لا يوجد في طريق التطويل، ~~وسيأتي بيان ذلك بضرب الأمثلة التي تسهل من معرفته. # والإطناب يوجد تارة في الجملة الواحدة من الكلام، ويوجد تارة في الجمل ~~المتعددة، والذي يوجد في الجمل المتعددة أبلغ؛ لاتساع المجال في إيراده. # وعلى هذا فإنه بجملته ينقسم قسمين: ### | القسم الأول: # الذي يوجد في الجملة الواحدة من الكلام؛ وهو يرد حقيقة، ومجازا؛ أما ~~الحقيقة فمثل قولهم: رأيته بعيني، وقبضته بيدي، ووطئته بقدمي، وذقته بفمي، ~~وكل هذا يظن الظان أنه زيادة لا حاجة إليها، ويقول: إن الرؤية لا تكون إلا ~~بالعين، والقبض لا يكون إلا باليد، والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا ~~يكون ألا بالفم، وليس الأمر كذلك، بل هذا يقال في كل شيء يعظم مناله ms381 «1» ~~ويعز الوصول اليه، فيؤكد الأمر فيه على هذا الوجه دلالة على نيله والحصول ~~عليه، كقول أبي عبادة البحتري «2» ؛ # PageV02P121 # تأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني «1» # تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إلي من الرحيق الخسرواني # ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده، وكان الساقي فيه على هذه ~~الصفة من الحسن؛ قال: أنظر بعينك. # وعلى هذا ورد قوله تعالى: ذلكم قولكم بأفواهكم # ؛ فإن هذا القول لما كان فيه افتراء عظم الله تعالى على قائله، ألا ترى ~~إلى قوله تعالى في قصة الإفك: # إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا ~~وهو عند الله عظيم # فصرح في هذه الآية بما أشرت أليه من تعظيم الأمر المقول. # وفي مساق الآية المشار إليها جاء قوله تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين ~~في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل # ألا ترى أن مساق الكلام أن الإنسان يقول لزوجته: أنت علي كظهر أمي، ويقول ~~لمملوكه: يا بني؛ فضرب الله لذلك مثالا، فقال: كيف تكون الزوجة أما؟ وكيف ~~يكون المملوك ابنا؟ والجمع بين الزوجية والأمومة وبين العبودية والبنوة في ~~حالة واحدة كالجمع بين القلبين في الجوف، وهذا تعظيم لما قالوه، وإنكار له؛ ~~ولما كان الكلام في حال الإنكار والتعظيم أتى بذكر الجوف، وإلا فقد علم أن ~~القلب لا يكون الا في الجوف، والتمثيل يصح بقوله: ما جعل الله لرجل من ~~قلبين # وهو تام، لكن في ذكر الجوف فائدة، وهي ما أشرت اليها وفيها أيضا زيادة ~~تصوير للمعنى المقصود؛ لأنه إذا سمعه المخاطب به صور لنفسه جوفا يشتمل على ~~قلبين، فكان ذلك أسرع إلى إنكاره. # وعليه ورد قوله تعالى: فخر عليهم السقف من فوقهم # فكما أن القلب لا يكون إلا في الجوف فكذلك السقف لا يكون إلا من فوق، ~~وهذا مقام ترهيب # PageV02P122 # وتخويف، كما أن ذاك مقام إنكار وتعظيم، ألا ترى إلى هذه الآية ms382 بكمالها ~~وهي قوله تعالى: قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر ~~عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون # ولذكر لفظة فوقهم # فائدة لا توجد مع إسقاطها من هذا الكلام، وأنت تحس هذا من نفسك؛ فإنك إذا ~~تلوت هذه الآية يخيل اليك أن سقفا خر على أولئك من فوقهم، وحصل في نفسك من ~~الرعب ما لا يحصل مع إسقاط تلك اللفظة. # وفي القرآن الكريم من هذا النوع كثير؛ كقوله تعالى: فإذا نفخ في الصور ~~نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # وقوله: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى # وكل هذه الآيات إنما أطنب فيها بالتأكيد لمعان اقتضتها؛ فإن النفخ في ~~الصور الذي تقوم به الأموات من القبور مهول عظيم دل على القدرة الباهرة، ~~وكذلك حمل الأرض والجبال، فلما كانا بهذه الصفة قيل فيهما: نفخة واحدة # ودكة واحدة # أي: أن هذا الأمر المهول العظيم سهل يسير على الله تعالى يفعل ويمضي ~~الأمر فيه بنفخة واحدة ودكة واحدة، ولا يحتاج فيه الى طول مدة ولا كلفة ~~مشقة، فجيء بذكر الواحدة لتأكيد الإعلام بأن ذلك هين سهل على عظمه. # وهذه المواضع وأمثالها ترد في القرآن الكريم ويتوهم بعض الناس أنها ترد ~~لغير فائدة اقتضتها، وليس الأمر كذلك؛ فإن هذه الأسرار البلاغية لا يتنبه ~~لها إلا العارفون بها، وهكذا يرد ما يرد منها في كلام العرب. # وههنا نكتة لا بد من الإشارة إليها؛ وذاك أني نظرت في قوله تعالى: نفخة ~~واحدة # ودكة واحدة # وفي قوله تعالى: ومناة الثالثة الأخرى # فوجدت ذلك غير مقيس على ما تقدم، وسأبينه ببيان شاف؛ فأقول: إن قوله ~~تعالى: ومناة الثالثة الأخرى # إنما جيء به لتوازن الفقر التي نظمت السورة كلها عليها، وهي: # والنجم إذا هوى # ولو قيل: أفرأيتم اللات والعزى ومناة # ولم يقل الثالثة الأخرى لكان الكلام عاريا عن الطلاوة والحسن، وكذلك لو ~~قيل: ومناة الأخرى، من غير أن يقال الثالثة لأنه نقص في الفقرة الثانية عن ~~الأولى، وذاك قبيح، وقد # PageV02P123 # تقدم ms383 الكلام عليه في باب السجع، لكن التأكيد في هذه الآية جاء ضمنا ~~لتوازن الفقر وتبعا، وأما نفخة واحدة # ودكة واحدة # فإنما جيء بلفظ الواحدة فيهما وقد علم أن النفخة هي واحدة والدكة هي ~~واحدة لمكان نظم الكلام؛ لأن السورة التي هي الحاقة # جارية على هذا المنهاج في توازنها السجعي، ولو قيل نفخة من غير واحدة ~~ودكة من غير واحدة ثم قيل بعدهما: فيومئذ وقعت الواقعة # لكان الكلام منثورا «1» محتاجا إلى تمام، لكن التأكيد جاء فيهما ضمنا ~~وتبعا، وإذا تبين ذلك واتضح فاعلم أن الفرق بين هذه الآيات وبين قوله ~~تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه # ظاهر، وذاك أن نفخة هي واحدة ومناة هي الثالثة. # وأما ما جاء منه على سبيل المجاز فقوله تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # ففائدة ذكر الصدور ههنا أنه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه ~~البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب تشبيه، ~~ومثل؛ فلما أريد إثبات ما هو خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ~~ونفيه عن الأبصار احتاج هذا الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف؛ ليتقرر أن مكان ~~العمي إنما هو القلوب لا الأبصار. # وهذا موضع من علم البيان كثيرة محاسنه، وافرة لطائفه، والمجاز فيه أحسن ~~من الحقيقة؛ لمكان زيادة التصوير في إثبات وصف الحقيقي للمجازي، ونفيه عن ~~الحقيقي. ### | وأما القسم الثاني المختص بالجمل فإنه يشتمل على ضروب أربعة: ### | الأول منها: # أن يذكر الشيء فيؤتى فيه بمعاني متداخلة، إلا أن كل معنى يختص بخصيصة ~~ليست للآخر، وذلك كقول أبي تمام «2» : # PageV02P124 # قطعت إلي الزابيين هباته ... والتاث مأمول السحاب السبل «1» # من منة مشهورة وصنيعة ... بكر وإحسان أغر محجل # فقوله: «منة مشهورة وصنيعة بكر وإحسان أغر محجل» تداخلت معانيه؛ إذ المنة ~~والصنيعة والإحسان متقارب بعضه من بعض، وليس ذلك بتكرير؛ لأنه لو اقتصر على ~~قوله منة وصنيعة وإحسان لجاز أن يكون تكريرا، ولكنه وصف كل واحدة من هذه ~~الثلاث بصفة أخرجتها عن حكم ms384 التكرير، فقال: «منة مشهورة» فوصفها بالاشتهار ~~لعظم شأنها، و «صنيعة بكر» فوصفها بالبكارة: أي أنها لم يؤت بمثلها من قبل، ~~و «إحسان أغر محجل» فوصفه بالغرة والتحجيل: أي هو ذو محاسن متعددة، فلما ~~وصف هذه المعاني المتداخلة التي تدل على شيء واحد بأوصاف متباينة صار ذلك ~~إطنابا، ولم يكن تكريرا. # ولم أجد في ضروب الإطناب أحسن من هذا الموضع، ولا ألطف، وقد استعمله أبو ~~تمام في شعره كثيرا، بخلاف غيره من الشعراء، كقوله «2» : # زكي سجاياه تضيف ضيوفه ... ويرجى مرجيه ويسأل سائله «3» # فإن غرضه من هذا القول إنما هو ذكر الممدوح بالكرم وكثرة العطاء، إلا أنه ~~وصفه بصفات متعددة؛ فجعل ضيوفه تضيف، وراجيه يرجى، وسائله يسأل، وليس هذا # PageV02P125 # تكريرا؛ لأنه لا يلزم من كون ضيوفه تضيف أن يكون راجيه مرجوا، ولا أن ~~يكون سائله مسئولا؛ لأن ضيفه يستصحب ضيفا طمعا في كلام مضيفه، وسائله يسأل: # أي [أنه] يعطي السائل عطاء كثيرا يصير به معطيا، وراجيه يرجى: أي أنه إذا ~~تعلق به رجاء راج فقد أيقن بالفلاح والنجاح فهو حقيق بأن يرجى؛ لمكان رجائه ~~إياه، وهذا أبلغ الأوصاف الثلاثة. ### | الضرب الثاني: # يسمى النفي والإثبات، وهو أن يذكر الشيء على سبيل النفي، ثم يذكر على ~~سبيل الإثبات، أو بالعكس، ولا بد أن يكون في أحدهما زيادة ليست في الآخر، ~~وإلا كان تكريرا، والغرض به تأكيد ذلك المعنى المقصود. # فمما جاء منه قوله تعالى: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون. # واعلم أن لهذا الضرب من الإطناب فائدة كبيرة، وهو من أوكد وجوهه، ألا ترى ~~أنه قال: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم # ثم قال: إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر # والمعنى في ذلك سواء، إلا أنه في الثانية قوله: وارتابت قلوبهم فهم في ~~ريبهم يترددون # ولولا هذه الزيادة لكان حكم هاتين الآيتين حكم التكرير، وهذا ms385 الموضع ~~ينبغي أن يتأمل وينعم النظر فيه. # وعليه ورد قوله تعالى: ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. # بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة ~~هم غافلون # فقوله: يعلمون # بعد قوله: لا يعلمون # من الباب الذي نحن بصدد ذكره، الا ترى أنه نفى العلم عن الناس بما خفي ~~عنهم من تحقيق وعده، ثم أثبت لهم العلم # PageV02P126 # بظاهر الحياة الدنيا؛ فكأنهم علموا وما علموا؛ إذ العلم بظاهر الأمور ليس ~~بعلم، وإنما العلم هو ما كان بالباطن من الأمور. ### | الضرب الثالث: # هو أن يذكر المعنى الواحد تأما لا يحتاج إلى زيادة، ثم يضرب له مثال من ~~التشبيه، كقول أبي عبادة البحتري» # ذات حسن لو استزادت من الحسن ... إليه لما أصابت مزيدا # فهي كالشمس بهجة والقضيب اللدن قدا والريم طرفا وجيدا «2» ألا ترى أن ~~الأول كاف في بلوغ الغاية في الحسن؛ لأنه لما قال: «لو استزادت لما أصابت ~~مزيدا» دخل تحته كل شيء من الأشياء الحسنة، إلا أن للتشبيه مزية أخرى تفيد ~~السامع تصويرا وتخييلا لا يحصل له من الأول، وهذا الضرب من أحسن ما يجيء في ~~باب الإطناب. # وكذلك ورد قوله «3» : # تردد في خلقي سودد ... سماحا مرجى وبأسا مهيبا # فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا # فالبيت الثاني يدل على معنى الأول؛ لأن البحر والسيف للبأس المهيب، إلا ~~أن في الثاني زيادة التشبيه التي تفيد تخيلا وتصويرا. ### | الضرب الرابع: # أن يستوفي معاني الغرض المقصود من كتاب أو خطبة أو # PageV02P127 # قصيدة، وهذا أصعب الضروب الأربعة طريقا، وأضيقها بابا؛ لأنه يتفرع إلى ~~أساليب كثيرة من المعاني، وأرباب النظم والنثر يتفاوتون فيه، وليس الخاطر ~~الذي يقذف بالدرر في مثله إلا معدوم الوجود، ومثاله ومثال الإيجاز مثال ~~مجمل ومفصل؛ وقد تقدم القول بأن الإيجاز والإطناب والتطويل بمنزلة مقصد ~~يسلك ms386 إليه ثلاثة طرق، وقد أوردت ههنا أمثلة لهذه الأساليب الثلاثة، وجعلتها ~~على هيئة المقصد الذي تسلك إليه الطرق الثلاثة. # فمن ذلك ما ذكرته في وصف بستان ذات فواكه متعددة؛ فإذا أريد وصفه على حكم ~~الإيجاز قيل: فيه من كل فاكهة زوجان؛ وهذا كلام الله تعالى؛ وقد جمع جميع ~~أنواع الفاكهة بأحسن لفظ وأخصره. وإذا أريد وصف ذلك البستان على حكم ~~الإطناب قيل فيه ما أذكره، وهو فصل من كتاب أنشأته، وهو: جنة علت أرضها أن ~~تمسك ماء، وغنيت بينبوعها أن تستجدي سماء، وهي ذات ثمار مختلفة الغرابة، ~~وتربة منجبة وما كل تربة توصف بالنجابة، ففيها المشمش الذي يسبق غيره ~~بقدومه، ويقذف أيدي الجانين بنجومه، فهو يسمو بطيب الفرع والنجار، ولو نظم ~~في جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار، وله زمن الربيع الذي هو أعدل ~~الأزمان، وقد شبه بسن الصبا في الأسنان، وفيها التفاح الذي رق جلده، وعظم ~~قده، وتورد خده، وطابت أنفاسه فلابان الوادي ولا رنده، وإذا نظر إليه وجد ~~منه حظ الشم والنظر، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر، ~~وفيها العنب الذي هو أكرم الثمار طينة، وأكثرها ألوان زينة، وأول غرس ~~اغترسه نوح عليه السلام عند خروجه من السفينة فقطفه يميل بكف قاطفه، ويغري ~~بالوصف لسان واصفه، وفيها الرمان الذي هو طعام وشراب، وبه شبهت نهود ~~الكعاب، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من ~~فاكهة سواه، وفيها التين الذي أقسم الله به تنويها بذكره، واستتر آدم عليه ~~السلام بورقه إذا كشفت المعصية من ستره، وخص بطول الأعناق فما يرى بها من ~~ميل فهو نشوة من سكره، وقد وصف بأنه راق طعما، ونعم جسما، وقيل هذا كنيف ~~مليء شهدا لا كنيف ملىء علما، وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله، ~~ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله، وهو الذي فضل ذوات الأفنان بعرجونه، ولا ~~تماثل بينه وبين الحلواء هذا خلق الله فأروني ماذا # PageV02P128 # خلق الذين من دونه، وفيها غير ذلك ms387 من أشكال الفاكهة وأصنافها، وكلها ~~معدود من أوساطها لا من أطرافها، ولقد دخلتها فاستهوتني حسدا، ولم أصاحبها ~~على قوله لن تبيد هذه أبدا. # فهذا الوصف على هذه الصورة يسمى إطنابا؛ لأنه لم يعر عن فائدة، وذاك ~~الأول هو الإيجاز؛ لأنه اشتمل باختصاره على جميع أصناف الفاكهة. # وأما التطويل فهو أن تعد الأصناف المذكورة تعدادا من غير وصف لطيف، ولا ~~نعت رائق، فيقال: مشمش وتفاح وعنب ورمان ونخل، وكذا وكذا. # وانظر أيها المتأمل إلى ما أشرت إليه من هذه الأقسام الثلاثة في الإيجاز ~~والإطناب والتطويل، وقس عليها ما يأتي منها. # وسأزيد ذلك بيانا بمثال آخر؛ فأقول: # قد ورد في باب الإيجاز كتاب كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون رحمه الله ~~تعالى، يخبره بهزيمة عيسى بن ماهان وقتله إياه، وهو: كتابي إلى أمير ~~المؤمنين ورأس عيسى بن ماهان بين يدي، وخاتمه في يدي، وعسكره مصرف تحت ~~أمري، والسلام. # وهذا كتاب جامع للمعنى، شديد الاختصار. # وإذا كتب ما هو في معناه على وجه الإطناب قيل فيه ما أذكره، وهو ما ~~أنشأته مثالا في هذا الموضع؛ ليعلم به الفرق بين الإيجاز والإطناب، وهو: ~~أصدر كتابه هذا وقد نصر بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وانقلب باليد ~~الملأى والعين القريرة، وكان انتصاره بجد أمير المؤمنين لا بحد نصله، والجد ~~أغنى من الجيش وإن كثرت أمداد خيله ورجله، وجيء برأس عيسى بن ماهان وهو على ~~جسد غير جسده، وليس له قدم فيقال إنه يسعى بقدمه ولا يد فيقال إنه يبطش ~~بيده، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه ~~وهو غير محسود على مكانه، وأحضر خاتمه وهو الخاتم الذي كان الأمر يجري على ~~نقش أسطره، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه فحال ورود المنية دون ~~مصدره، وكذلك البغي مرتعه وبيل # PageV02P129 # وصرعه جليل، وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل، وقد نطق الفأل بأن ~~الخاتم والرأس مشيران بالحصول على خاتم الملك ورأسه، وهذا الفتح أساس لما ~~يستقبل بناؤه ولا يستقر البناء إلى على ms388 أساسه، والعساكر التي كانت على أمير ~~المؤمنين حربا صارت له سلما، وأعطته البيعة علما بفضله وليس من تابع تقليدا ~~كمن تابع علما، وهم الآن مصرفون تحت الأوامر، ممتحنون بكشف السرائر، مطيفون ~~باللواء الذي خصه الله باستفتاح المقالد واستيطاء المنابر، وكما سرت خطوات ~~القلم في أثناء هذا القرطاس، فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع في قلوب ~~الناس، وليس في البلاد ما يغلق بمشيئة الله بابا، ولا يحسر نقابا، وعلى ~~الله إتمام النعم التي افتتحها، وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التي ~~اقترحها، والسلام. # وهذا الكتاب يشتمل على ما اشتمل عليه كتاب طاهر بن الحسين من المعنى؛ إلا ~~أنه فصل ذلك الإجمال. # ولو كتبت على وجه التطويل الذي لا فائدة فيه لقيل: أصدر كتابه في يوم كذا ~~من شهر كذا، والتقى عسكر أمير المؤمنين وعسكر عدوه الباغي، وتطاعن ~~الفريقان، وتزاحف الجمعان، وحمي القتال، واشتد النزال، وترادفت الكتائب، ~~وتلاحقت المقانب، وقتل عيسى بن ماهان واحتز رأسه وقطع، ونزع الخاتم من يده ~~وخلع، وترك جسده طعاما للطيور والسباع، والذئاب والضباع، وانجلت الوقعة عن ~~غلب أمير المؤمنين ونصره، وخذلان عدوه وقهره؛ والسلام. # فهذا الكتاب يشتمل على تطويل لا فائدة فيه؛ لأنه كرر فيه معاني يتم الغرض ~~بدونها، وذكر ما لا حاجة إليه في الإعلام بالواقعة. # فانظر إلى هذه الكتب الثلاثة وتأملها كما تأملت الذي تقدمها. # وبعد ذلك إني أورد لك كتابا وتقليدا يوضحان لك فائدة الإطناب، أما الكتاب ~~فإنه كتاب كتبته عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله إلى ~~ديوان الخلافة ببغداد يتضمن فتح البيت المقدس واستنقاذه من أيدي الكفار، ~~وذلك في معارضة كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني عنه، وكان الفتح في ~~السابع والعشرين من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة: خلد الله سلطان ~~الديوان العزيز النبوي، وجعل أيام دولته أترابا، ومناقب مجدها هضابا، ~~وزادها على # PageV02P130 # مرور الأيام شبابا، وأوسعها توشية وإذهابا، إذا أوسع غيرها تلاشيا ~~وذهابا، ومنحها في الدنيا والآخرة عطاء وفاقا لاعطاء حسابا، ومثل جدودها في ~~عيون الأعداء ms389 شيئا عجابا، وأراهم منها وراءهم في اليقظة إرهابا وإرعابا، ~~وفي المنام إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، لو جمعت العصور في صعيد واحد لكان ~~هذا العصر عليها فاخرا، وفاز بسبق أوائلها وإن جاء آخرا، وليس ذلك إلا ~~لخظوته بالدولة الناصرية التي كسته حبرا وقلدته دررا؛ ودونت له من المحامد ~~سيرا، وجعلت في كل ناحية من وجهه شمسا وقمرا، وقيض الله لها من الخادم وليا ~~يوصل يومه في طاعتها بأمسه؛ ولا يرى إلا ومن نفسه في خدمتها رقيب على نفسه، ~~وطالما سعى بين يديها بمساع نغص بأخبارها محافل القوم، ويقال له فيها: ما ~~ضرك ما صنعت بعد اليوم، وقد سلفت منها آيات تتمايل في أشباهها وأضرابها، ~~واستؤنف لها الآن واحدة تدعى بأم كتابها، وهي فتح البيت المقدس الذي تفتحت ~~له أبواب السماء، وكثرت بأحاديث مجده كواكب الظلماء، واسترد حق الإسلام ~~وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماء، ومن أحسن ما أتى به أنه آنس قبلته ~~الثانية بقبلته الأولى، وأطال منه كل ما قصرته يد الكفر وكانت هي الطولى، ~~وبه صح لهذا البيت معنى اسمه، وانتقل إلى الطهارة ونزاهتها عن الرجس ووصمه، ~~ولم يحزه الخادم حنى طوى ما حوله من البلاد المنجدة والغاثرة، وكان مركزا ~~لدائرتها فغادره وهو طرف من أطراف الدائرة، ولما شارفه نظر منه إلى ظلة من ~~الظلل، ورأى بلدا قد استقر على متن الجبل مثل الجبل، ويطيف به واد تستهزيء ~~عصمته بنوب الدهر، وقد انعطف على جوانبه انعطاف الحبوة على الظهر، والمسالك ~~إليه مع ذلك ذات تعاريح ومعارج، وهي ضيقة مستوعرة يطلق عليها اسم الطرق ولا ~~يطلق عليها اسم المناهج؛ فلما رآه قال: هذا أمنية لمن يرى، وعلم حينئذ أن ~~كل الصيد في جوف الفرا، الا أن لسان حاله خاطبه وهو أفصح الخطاب، وقال: ~~امدد يدك فليس دونها من حجاب، وكان قد برز من السلاح في لباس رائع من ~~المنعة، وأخرج من السواد الأعظم ما خدع العيون والحرب خدعة، وما يمنع رقاب ~~البلاد بكثرة السواد، ولا يحمى بعوالي الأسوار بل ms390 بعوالي الصعاد، وفي يوم ~~كذا وكذا خيم المسلمون في عقد داره، ونزلوا منه نزول الجار ألى جانب جاره، ~~ثم ارتادوا موقفا للقتال وإن لم يكن هناك موقف يقرب مناله ولا يتسع محاله، ~~واتفق الرأي على لسان المنجنيق في خطبة عقيلية أبلغ # PageV02P131 # خطابا، وأدنى من المطلوب طلابا، وأنه إذا ضرب بعصاه الحجر انبجست عيون ~~أهله دماء، كما انبجست عيون الحجر ماء، هذا والعزائم تنظر إلى هذا الرأي ~~نظر المستجهل، وتصد عنه صدود المستعجل، وتقول: ما بارتياد السهل تملك ~~الصعاب، ومن ابتنى السيف صرحا لم ينأ عنه بلوغ الأسباب، والحديد لا يفلح ~~إلا بالحديد، والركن الشديد لا يصدم إلا بركن شديد، فعندها صمم الخادم أن ~~يلقى البلد مواثبا لا مواربا، وأن يجعل للزحف جانبا وللمنجنيق جانبا، ونوى ~~أن يبدي صفحة وجهه أمام الناس، وتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الاتقاء به إذا اشتد الباس، ولا شك أن قلوب الجيوس بمنزلة قلوبها، وأن ~~النفاذ لأسنة الرماح لا لكعوبها، ولا يشتفي من الوغى إلا من كان طرفه أمام ~~طرفه، ومن وقف خلف جنوده فقد جعل عزائمها من خلفه، ولما وقع الزحف صورع ~~البلد صراعا، بعد أن قورع قراعا، ثم هز هزة طوته بيمينها ونشرته بشمالها، ~~وأذاقته العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر من نكالها، وبدون ذلك يكون عذرك ~~أديمه، وعطف شكيمه، ولم يكن قتاله بالسهام التي غايتها أن تصف أجنحتها ~~للمطار، وتنال بكلومها من فوق الأسوار، بل بالسيوف التي إذا جالدت بلدا ~~أخذت بكظمه، وتوغلت في هجمه، وأغنت بسرعة خطواتها إليه عن المنجنيق وإبطاء ~~هدمه، والسيف ليس بمرتو من النفس التي تظل طائشة عند لقائها، جائشة عند ~~استيفائها؛ فالقلوب توصف بأنها تجيش إذا كانت أعدادا، والنفوس لا تجيش إلا ~~ذا كانت ثمادا، وما يستوي وجوه الأقران في إقدامها وإحجامها، فمنها المظلم ~~إذا رابها الروع بإشراقها، ومنها المشرق إذا شابها الروع بإظلامها، وكانت ~~وجوه المؤمنين في هذا المقام أحظى بلباس الإشراق، وأتم أبدرا والبدور لا ~~يكون تمامها في المحاق؛ فما منهم إلا من عرض ms391 نفسه ليوم العرض، ومشى الى جنة ~~عرضها السموات والأرض، حتى اتسع المكر وضاق بأعداء الله المقر، وحرقت أوعار ~~الخنادق، وصار الرجال لمنطقة السور كالمناطق، ولم يستشهد منهم إلا عدد يسير ~~لا تدخله لام التعريف، وكانت أجنحة الملائكة مطيفة بهم فأكرم بالمطاف به ~~وبالمطيف، وقد أسعد الله أولئك بالشهادة التي هي الفوز الأكبر، وقرنها ~~بإدناء مضاجعهم من الأرض المقدسة التي هي أرض المحشر، فما يسرهم أن يعودوا ~~إلى الدنيا إلا للاستزادة من ثواب الجهاد، وأيسر ذلك أن أرواحهم في حواصل ~~طير خضر تعلق من ثمار الجنة إلى يوم المعاد، ولما رأى الكفار أن صليبهم قد ~~صار # PageV02P132 # خوارا، وأن زئيرهم قد انقلب خوارا؛ أذعنت أيديهم باستسلامها، وصانعت ~~بالمال عن الرقاب واسترقاقها، وبالبلد عن النفوس وحمامها، فأبى السيف أن ~~يترك رقابا تغذي بأكلها، ويحل من عشقها على مداومة وصلها، وذكر الخادم أن ~~سلف هؤلاء انتزاع هذا البلد قسرا، وفتك بمن كان به من المسلمين غدرا، وذلك ~~ثأر ذخره الله لك حتى تحظى في الآخرة بثوابه، وتتجمل في الدنيا بزينة ~~أثوابه، والمسلم أخو المسلم يأخذ بدمه، وإن تطاولت أمداد السنين على قدمه، ~~فيا بعد عهد هذا الثأر من ثائره، ويا طيب خبره عند سامعه وحسن أثره عند ~~ناظره، ولما تحقق العزم على ذلك أشار ذوو الرأي بقبول الفدية المبذولة، ~~وألا يحمل العدو على ما ليست نفسه عليه بمحمولة، فإن النقد إذا أخرج صار ذا ~~أنياب وأظفار، واستضرى حتى يلتحق بالسباع الضوار، وهؤلاء إذا رأوا عين ~~القتل تجردوا للقتال، وركبوا الأهوال للنجاة من الأهوال، ومن يدع إلى خطة ~~رشد فليقبلها، ومن أنشط له عقل الأمور فلا يعقلها، وعلى كل حال فإن الفدية ~~للمسلمين أرغب، وأموال يتقوى بها على العدو خير من دماء تذهب، هذا، وبالبلد ~~من أسارى المسلمين من حياة أحدهم بحياة كل نفس، ومن حرمته عند الله مما ~~طلعت عليه الشمس، ولا يوازى فتحه عنوة أن يتعدى إليهم أضراره، ولا شك أنهم ~~يعاجلون بالقتل قبل أن تدخل أقطاره، فرأى الخادم عند ذلك أن الرأي ms392 مشترك، ~~وأن له معتركا كما أن السيف له معترك، وتقرر تسليم البلد ودموع أهله قد ~~خضبت أحداقها وأقرحت آماقها ولم تطب أنفسهم بفراق قمامه حتى كادت الهام ~~تفارق أعناقها، فعلى حب ذلك التراب تقوم قيامتهم، وتشيل نعامتهم، ولطالما ~~ابتهلوا عنده أيام الحصار، واستنصروه فلم يحظوا منه بمعونة الانتصار، وكيف ~~يرجى النصر من معبود تقر شيعته بقتله، أم كيف يدفع عن غيره من كان هو مبتلى ~~بمثله، وهذه عقول سخيفة نفذ فيها كيد شيطانها، وأخفى عنها محجة الحق على ~~وضوح بيانها، ولقد كان يوم التسليم عريض الفخار، زائد العمر على عمر أبويه ~~من الليل والنهار، واشتق من اسمه معنى السلامة للمسلمين والهلاك للكفار، ~~وزاده فخرا إلى فخره أنه وافق اليوم المسفر عن ليلة المعراج النبوي الذي ~~كان في تلك الأرض موعده ومن صخرتها مصعده، وذلك هو الإسراء الذي ركب إليه ~~ظهر البراق، واستفتح له أبواب السبع الطباق، ولقي فيه الأنبياء على اختلاف ~~درجاتهم فظفر خير ملقى بخير لاق، وبركة ذلك اليوم سرت إلى هذا # PageV02P133 # فأطالت من شهرته، وضمنته نصرة الدين الحنيف الذي لله عناية بنصرته، ~~وجعلته تاريخا بؤرخ بفتحه كما أرخ للنبي صلى الله عليه وسلم بدار هجرته، ~~وإذا أنصف واصفه قال: إنه لليوم البدري في اقتراب النسب، وإنه العجيبة التي ~~لم تجفل عنها الأيام في صفر وإنما أجفلت عنها في رجب، فما أكثر الفائز فيه ~~والمغبون، والمسرور والمحزون فمن جد راكب ومن جد راجل، ومن عز قادم وذل ~~راحل، ولطالما جد الخادم في السعي له وأبصار العدا تزلقه، وألسنتهم تسلقه، ~~وما منهم إلا من أكثر الشناعة بأن ذلك السعي للاستكثار من البلاد، والله ~~يعلم أنه لم يكن إلا للاستكثار من موارد الجهاد، لا جرم أن صدق النية كان ~~له عقبى الدار، وتلك الأقوال الكاذبة كان لها عقبى البوار، ويوم هذا الفتح ~~يفتقر قبله إلى أيام تجلو بياضه عن سوادها، ويلقح لها بطون المساعي حتى ~~يكون هو نتيجة ميلادها، ولما ظفر به الخادم لم يكن لأهل النجامة فيه قول ~~يرد كذابه، ms393 ولا يقبل صوابه والشهب الطالعة على ذوات السروج، أصدق نبأ من ~~الشهب الطالعة من ذوات البروج، على أنهما وإن اتفقا رجما فإنهما يختلفان ~~علما، فعلم هذه يسأل عنه ثغر الأعناق، وعلم هذه يسأل عنه بطون الأوراق، ~~ولما دخل البلد وجد به أمما لولا أن ضربت عليهم الذلة لدافعوا المنايا ~~مكاثرة، وغالبوا السيوف مصابرة، وهم طوائف مختلفو الألسنة والألوان، وإن ~~قيل إنهم أناسى فإن صورهم صور الجان، ومنهم طائفة استشعرت حبس نفوسها، ~~وفحصت الشعر عن أوساط رءوسها، وتوحشت بالرهبانية حتى ارتاعت العيون من ~~أشكالها ولبوسها، ولما رأوا طلعة الإسلام داخلة عليهم أعلنوا بالجؤار ~~واصطرخوا جميعا كما يصطرخون غدا في النار، وزادهم غيظا إلى غيظهم أنهم رأوا ~~الصلاة قائمة، وقد صار الناقوس أذانا، وكلمة الكفر إيمانا، وأقيمت الجمعة، ~~وهي أول جمعة حظي الأقصى بمشهدها، وحضرتها الأمة الإسلامية بأحمرها ~~وأسودها، فمن باك بدمعة سروره الباردة، ومن مجيل نظره في نعمة الله ~~الواردة، ومن شاكر للزمن الذي أبقاه إلى يومه هذا الذي كل الأيام له حاسدة ~~من كان ولده تقدم قبله أو بعده فكأنه لم يولد، وكانت هذه الجمعة في رابع ~~شعبان، وهو الشهر الذي جعله الله طليعة لشهر الصيام، وليلة نصفه هي الليلة ~~المعروفة بإحياء قيامها إلى حين وفاة شخص الظلام، والتي يغفر فيها لأكثر من ~~شعر غنم كلب من ذوي الذنوب والآثام، وجيء باللواء الأسود فركز من المنبر في ~~أعلاه، ونطق لسان حاله فقال: من كان # PageV02P134 # رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاه فأنا مولاه، ولم يكن لسان الخطيب ~~بأفصح بيانا من لسانه، غير أن هذا يزهى ببلاغ موعظته وهذا يزهى بعزة ~~سلطانه، ولما ذكرت سمات الخلافة المعظمة أتبعها الناس بالدعاء الذي ملأ ~~المسجد بعجيجه، وسبق الكرام الكاتبون بزميله إلى السماء ووشيجه، وكان اليوم ~~فصلا، والموقف حفلا، وذلك الدعاء فرضا لا نفلا، ولا ينتهي النصف إلى ما ~~شوهد بالبلد من الآثار العجيبة التي تستلبث العجلان وتستحلب الأذهان ~~وتستنطق الألسنة بالتسبيح لله الذي فطر الإنسان، ومن جملة ذلك ما تبوهي في ~~حسنه من ms394 البيع والصوامع، ذوات الأبنية الروائع، التي روضت بالزخارف ترويض ~~الأزهار، ورفعت معاقدها حتى كادت النجوم توحي إليها بالأسرار، وما منها إلا ~~ما يقال: إنه إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، ولقد ألان ~~الله لهم الحجارة حتى تخيروا في توسيعها بضروب الاختيار، وجعلوها أعاجيب ~~للأسماع والأبصار، وقيل فيها: هذه روضات جنان لا أفنية ديار، هذا إلى غيره ~~مما وجد من معبودات القوم الموصوفة بأنها آلة الصلب، اللاتي من ذوات النصب، ~~وأكثر ذلك وجد في المسجد موضوعا، وعلى قبته مرفوعا، فأنزلت على قرونها، ~~واستن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في طعن عيونها، واستوطن المؤمن ~~مكان الكفور، وبدلت الظلمات بالنور، وقالت الصخرة: الآن جمع بيني وبين ~~الحجر الأسود لخاطب الإسلام، والجمع بين الأختين في هذا الأمر من الحلال لا ~~من الحرام، وقال الأقصى: سبحان الذي أسرى إلي بجنده، كما أسرى بعبده، وأعاد ~~لي عهود الفتح الأول بهذا الفتح الذي أتى من بعده، وعود الذاهب أرجى لدوام ~~أحقابه، وخلود الإنسان لا يكون إلا في مآبه، وهذا هو الخطب الذي جدد ~~للإسلام عهود ابن خطابه، رضي الله عنه! إلا أن مستنقذ الطريدة أولى بها من ~~صاحبها، ولئن غصبتها يد غالبة فقد جاء الله باليد التي غصبتها من غاصبها، ~~هذا، ولم يستنقذها الخادم إلا بإنضاء سلاح أنفته الوقعة الأولى التي ~~استأصلت حماة البلاد، واستباحت أغيالها بقتل الآساد، فكانت لهذا الفتح ~~عنوانا، ولتقرير أصوله بنيانا، ولم ينج بها من طواغيت الكفر إلا طاغية ~~ترابلس، فإن السيوف أسأرته وبفؤاده قلق من أوجالها، وفي عينه دهش من ~~أهوالها، وقد قرن الله هذا الفتح ببشرى موته، وكفى المسلمين مؤنة الاهتمام ~~لفوته؛ ففر من الوقعة ولم ينج بذلك الفرار، واعتصم بذات جداره، فقتله الخوف ~~من وراء الجدار، ولا فرق بين قتيل خوف السفار، وبين قتيل # PageV02P135 # الشفار، ولقد فر من المكروه إلى مثله، لكنه انتقل من ميتة عزه ألى ميتة ~~ذله، وكذلك آثار الخادم في أعداء الله فهم هلكى بسيفه في مواقف الطراد، فإن ~~فروا فبخوفه على ms395 جنوب الوساد، وبعد هذه فهل يمترون في أن دماءهم قد استجابت ~~لمراده، وأن سواء لديه من أمكن منها في دنوه ومن امتنع منها في بعاده، وكل ~~ذلك مستمد من الاستنصار بعناية الديوان العزيز التي من شأنها أن تجعل ~~الرؤيا حقا، وأحاديث الأمال صدقا، وتقرب بعيدات الأمور حتى تجعل الشرق غربا ~~والغرب شرقا، فهذا الفتح منسوب إليها، وإن كان الخادم هو الساعي في تسهيله، ~~والمجاهد بنفسه وماله في سبيله، فعلى عطف دولتها ترقم أعلامه، وفي أيامها ~~تؤرخ أيامه، ولو أبيح للقلم الخيلاء في مقام المقال، كما أبيح لصاحبه في ~~مقام القتال، لاختالت مشيته في هذا الكتاب، ولقال وأسهب فليس الإكثار ههنا ~~من الإسهاب، لكنه منعه من ذلك أن يكون ممن فخر بعمله فأبطله، وأرسل خطابه ~~إلى الديوان العزيز فلم يقبضه بالأدب حين أرسله، وقد ارتاد من يبلغ عنه ~~مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن ~~حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن ~~الناس بيانا مؤهل لإيداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها ~~التي صحبها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والأيام ~~والليالي رواة فما الظن برواية الأيام والليال، وستتلو هذه الأخبار الصادقة ~~بمشيئة الله أخبار مثلها صادقة، وما دامت السيوف ناطقة في يد الخادم ~~فالألسنة عنها ناطقة، وللآراء العالية مزيد العلو، إن شاء الله تعالى. # وأما التقليد فإنه تقليد أنشأته لمنصب الحسبة، وهو: أما بعد؛ فقد جعل ~~الله جزاء التمكين في أرضه، أن يقام بحدود فرضه، ونحن نسأله التوفيق لهذا ~~الأمر الذي ثقل حمله، وعدم أهله، فقد جيء بنا في زمن أصبح الناس فيه سدى، ~~وعاد الإسلام فيه غريبا كما بدا، وهو الزمن الذي كثرت فيه أشراط اليوم ~~الأخير، وغربلت فيه الأمة حتى لم يبق إلا حثالة التمر والشعير، ومن أعم ما ~~نقرر بناءه ونقدم عناءه، ونصلح به الزمن وأبناءه، أن نمضي أحكام الشريعة ~~المطهرة على ما قررته، في تعريف ما عرفته وتنكير ما نكرته، ومدار ms396 ذلك على ~~النظر في أمر الحسبة التي تتنزل # PageV02P136 # منه بمنزلة السلك من العقد، والكف من الزند، وقد أخلصنا النية في ارتياد ~~من يقوم فيها ويكفيها، ويصطفى لها ولا يصطفيها، وهو أنت أيها الشيخ الأجل ~~فلان أحسن الله لك الأثر، وصدق فيك النظر؛ فتولها غير موكول إليها، بل ~~معانا عليها. واعلم أن الناس قد أماتوا سننا وأحيوا بدعا، وتفرقوا فيما ~~أحدثوه من المحدثات شيعا، وأظلم منهم من أقرهم على أمرهم، ولم يأخذهم ~~بقوارع زجرهم، فإن السكوت عن البدعة رضا بمكانها، وترك النهي عنها كالأمر ~~بإتيانها، ولم يأت بنا الله تعالى إلا ليعيد الدين قائما على أصوله، صادعا ~~بحكم الله فيه وحكم رسوله. # ونحن نأمرك أن تتصفح أحوال الناس في أمر دينهم الذي هو عصمة مالهم، وأمر ~~معاشهم الذي يتميز به حرامهم من حلالهم، فابدأ أولا بالنظر في العقائد واهد ~~فيها ألى سبيل الفرقة الناجية الذي هو سبيل واحد، وتلك الفرقة هي السلف ~~الصالح الذين لزموا مواطن الحق فأقاموا، وقالوا ربنا الله ثم استقاموا، ومن ~~عداهم شعب دانوا أديانا، وعبدوا من الأهواء أوثانا، واتبعوا ما لم ينزل به ~~الله سلطانا، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ~~والله يعلم أعمالكم؛ فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله ولا تسمع له ~~قولا، ولا تقبل منه صرفا ولا عدلا، وليكن قتله على رءوس الأشهاد، ما بين ~~حاضر وباد، فما تكدرت الشرائع بمثل مقالته، ولا تدنست علومها بمثل أثر ~~جهالته، والمنتمي إليها يعرف بنكره، ويستدل عليه بظلمة كفره، وتلك ظلمة ~~تدرك بالقلوب لا بالأبصار، وتظهر زيادتها ونقصها بحسب ما عند رائيها من ~~الأنوار، وما تجده من كتبها التي هي سموم ناقعة، لا علوم نافعة، وأفاعي ~~ملففة، لا أقوال مؤلفة؛ فاستأصل شافتها بالتمزيق، وافعل بها ما يفعله الله ~~بأهلها من التحريق؛ ولا يقنعك ذلك حتى تجتهد في تتبع آثارها، والكشف عن ~~مكامن أسرارها؛ فمن وجدت في بيته فليؤخذ جهارا، ولينكل به إشهارا، وليقل: ~~هذا جزاء من استكبر استكبارا، ولم يرج لله وقارا، وأما من ms397 تحدث في القدر، ~~وقال فيه بمخالفة نص الخبر، فليس في شيء من ربقة الإسلام، وإن تنسك بمداومة ~~الصلاة والصيام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القدرية مجوس هذه الأمة» . # والمراد بذلك أنهما ماثلوا بين الله والعبد والضياء والظلمة، فعلاج هذه ~~الطائفة أن تجزى بأن تخزى فليقابل جمعها بالتكسير، واسمها بالتصغير، ولتنقل ~~ألى ثقل # PageV02P137 # الحدود عن خفة التعزير، ومن كان منها ذا مكانة نابهة فليهبط، أو شهادة ~~عادلة فليسقط، وكذلك يجري الحكم فيمن قال بالتشبيه والتجسيم، أو قال بحدوث ~~القرآن القديم. # ومن ملحدي القرآن فرقة فرقت بين المعنى والخط، وفرقة قالت فيه بالشكل ~~والنقط، وكل هؤلاء قوم خبثت سرائرهم، وعميت بصائرهم، وعظمت عند الله ~~جرائمهم، فخذهم بالتوبة التي تطهر أهلها، وتجب ما قبلها، وليست التوبة ~~عبارة عن ذكرى اللسان، والقلب لاه في قبضة النسيان، بل هي عبارة عن الندم ~~على ما فات، واستئناف الإخلاص فيما هو آت، وقد جعل الله التائب من أحبابه، ~~ووصفه في مواضع كثيرة من كتابه، ومن فضله أن الملائكة يستغفرون لذنبه، ~~ويشفعون له الى ربه، فإن أبت هذه الطوائف إلا إصرارا، ولم يزدهم دعاؤك إلا ~~فرارا؛ فاعلم أن الله قد طبع على قلوبهم طبعا، وألحقهم بالذين كانت أعينهم ~~في غطاء عن ذكره وكانوا لا يستطيعون سمعا، فخذهم عند ذلك بحد الجلد، فإن لم ~~ينجع فبحد ذوات الحد؛ فإن هذه أمراض عمى لا ترجى لها الإفاقة، ولا تبريء ~~منها إلا الدماء المراقة. # وأما الفرقة المدعوة بالرافضة، التي هي لما رفعه الله خافضة، فإنهم أناس ~~ليس لهم من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه، وإذا نقب عن مذهبهم ~~وجد على العصبية موضوعا، ولغير ما شرعه الله ورسوله مشروعا، ذبوا عن علي ~~رضي الله عنه فأسلموه، وأخروه إذ قدموه، وهؤلاء وضعوا أحاديث فنقلوها، ~~وأولوها على ما أولوها، فتبع الآخر منهم الأول على غمة، وقالوا: إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة، وههنا غير ما ذكرناه من عقائد محلولة «1» ؛ ومذاهب غير ~~منقولة ولا مقبولة، وبالهدي يتبين طريق الضلال، وبالصحة يظهر أثر ms398 الاعتلال، ~~ولا عقيدة إلا عقيدة السنة والكتاب، ولا دين إلا دين العجائز الماء ~~والمحراب. # وإذا فرغنا من الوصية بالأصول التي هي للدين ملاك، فلنتبعها بالفروع التي ~~هي له مساك، وأول ذلك الصلاة، وهي في مباني الإسلام الخمس أوكد خمسه، # PageV02P138 # وآخر ما وصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مفارقة نفسه، ومن فضلها ~~أنها العمل الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا عذر في تركها لأحد من الناس ~~فيقال إنه يعذر، فاجمع الناس إليها، واحملهم عليها، ومرهم بالاجتماع لها في ~~المساجد، وناد فيهم بفضيلة صلاة الجماعة على صلاة واحد، وراقبهم عند أوقات ~~الأذان! في الأسواق التي هي معركة الشيطان؛ فمن شغل بتثمير مكسبه، ولها ~~عنها بالإقبال على لهوه ولعبه؛ فخذه بالآلة العمرية التي تضع من قدره، ~~وتذيقه وبال أمره، ولا يمنعك عن ذي هيبة هيبته، ولا عن ذي شيبة شيبته، ~~فإنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق ~~فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ومن مهمات الصلاة يوم الجمعة الذي هو في ~~الأيام بمنزلة الأعياد في الأعوام، وفيه الساعة المخصوصة بالدعاء المجاب، ~~التي ما صادفها عبد إلا ظفر بالطلاب، فمر الناس بابتداره في البواكر، ~~والفوز فيه بقربان البدنات الأخاير، فإنه اليوم الذي لم تطلع الشمس على ~~مثله، وبه فضل هذا الدين على أهل الكتاب من قبله، فهو واسطة عقد الأيام ~~السبعة، ولاشتماله على مجموع فضلها سمي يوم الجمعة، وفي الأعوام مواسم ~~لصلوات مخصوصة كالتراويح في شهر رمضان والرغائب في أول جمعة من رجب وليلة ~~النصف من شعبان، فلتملأ المساجد في هذه المواسم التي تكثر فيها شهادات ~~الأقلام، في كتب الطاعات ومحو الآثام، ومن حضرها وليس همه إلا أن يمر بها ~~طروقا، ويواعد إليه أخدانه رفثا أو فسوقا؛ فهؤلاء هم الخلف الذين أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات، فابعث عليهم قوما يسلبونهم سلبا، ويوجعونهم ضربا، ~~ويملئون عيونهم مهابة وقلوبهم رعبا، فبيوت الله مطهرة من هذه الأدناس، ولم ~~تعمر لشياطين الإنس وإنما عمرت للناس، فلا يحضرها إلا راكع وساجد، أو ms399 ذاكر ~~وحامد. # وههنا عظيمة عضيهة، وفاحشة يفقه لها من ليست نفسه بفقيهة، وهي الربا، ~~فإنه قد كثر أكله، وتظاهر به فاعله، وقال فساق الفقهاء بتأويله، وتوصلوا ~~إلى شبهة تحليله، ولا يتسارع إلى ذلك إلا من أعمى الله قلبه، ومحق كسبه، ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها» ~~ونحن نأمرك # PageV02P139 # أن تشمر في هذا الأمر تشميرا يرهبه الناس «1» ، ولا تدع ربا حتى تضعه ~~وأول ربا تضعه ربا العباس، فتأديب الكبير قاض بتهذيب الصغير، والأسوة ~~بالرفيع خلاف الأسوة بالنظير، وجل معاملة الربا تجري في سوق الصرف الذي ~~تختلف به النقود، وتفترض فيه العقود، ويخاض في نار نيره إلى النار ذات ~~الوقود، وبه قوم أوسعوا عيون الموازين غمزا، وألسنتها همزا ولمزا، وأصبح ~~الدرهم والدينار عندهم بمنزلة الصنمين اللات والعزى، ولا يرى منهم إلا من ~~الحرص مفاض على ثيابه، وقد جمع بين المعرفة بالحرام والهجوم على ارتكابه، ~~فعدل ميل هؤلاء تعديلا، وتخولهم على مرور الأيام تخويلا واعلم أنك قد وليت ~~من الكيل والميزان أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة فباشرهما بيدك مباشرة ~~الاختيار والاختبار، ولا تقل أهلهما عثرة فإن الإقالة لا تنهى عن العثار، ~~وكل هؤلاء من سواد الناس ممن لم يزك غرسه، ولا فقهت نفسه، وليس همه إلا ~~فرجه أو ضرسه، فخذهم بآلة التعزيز التي هي نزاعة للشوى، تدعو من أدبر ~~وتولى، ومن آثارها أنها ترج أرض الرأس رجا، وتفرج سماءه فرجا، ويسلك بصاحبه ~~هديا ونهجا. # وقد كثر في الأسواق الخلابة والنجس وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي ~~وتنفيق السلعة باليمين الكذابة، وكل هذه من المحظورات التي وردت الأخبار ~~النبوية ببيانها، والنهي عن تورد مكانها، فمن قارف شيئا منها جاهلا بتحريمه ~~فقومه بالتعليم، واهده إلى الصراط المستقيم، ومن عرف ما اقترف فأذقه حر ~~التأديب، قبل أن يذاق غدا حر التعذيب، وأعلمه أن الأرزاق بيد الله تعالى لا ~~ينقصها عجز القاعد ولا يزيدها حرص الكادح، وقد ينقلب الجاهد فيها بصفقة ~~الخاسر والوادع بصفقة الرابح، ومن سنة الله ms400 تعالى أن ينمي الحلال وإن كان ~~يسيرا، ويمحق الحرام وإن كان كثيرا، ومن الناس من آتاه الله مالا فبث في ~~الأسواق جنود ذهبه وورقه، واحتكر ما حمله الميزان من ذوات رطله ووسعه الكيل ~~من ذوات وسقه، فأصبح فقراء بلده في ضيق من عدم الرفق، ومدد الرزق، فليمنع ~~هؤلاء أن يجعلوا رزق الله محتكرا، # PageV02P140 # ومعاش عباده محتجرا، وليؤمروا بأن يتراحموا، ولا يتزاحموا، وأن يأخذ ~~الغني منهم بقدر الكفاف، ويترك للفقير ما يعينه على الإسعاف، قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: «لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من ~~أذهاب إلى رزق من أرزاق الله تعالى ينزل بساحتنا فيحتكرونه علينا، ولكن ~~أيما جالب جلب على عمود كبده فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف ~~شاء الله» وأما التسعير فإنه وإن آثره القاطنون، وحكم به القاسطون، وقيل: ~~إن في ذلك للفقير تيسير العسير؛ فليس لأحد أن يكون يد الله في حفظ ما رفع، ~~وبذل ما منع، فقف أنت حيث أوقفك حكم الحق، ودع ما يعن من مصلحة الخلق، ولا ~~تكن ممن اتبع الرأي والنظر، وترك الآية والخبر، فحكمة الله مطوية فيما يأمر ~~به على ألسنة رسله، وليست مما يستنبطه ذو العلم بعلمه ولا يستدل عليه ذو ~~العقل بعقله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # ومما نأمرك به أن تمحو الصغيرة، كما تمحو الكبيرة؛ فإن لمم الذنوب كالقطر ~~يصير مجتمعه سيلا متدفقا، وكان أوله قطرا متفرقا. # وقد استمر في الناس عوائد تهاونوا باستمرارها، ولم ينظروا ألى ثقل ~~أوزارها؛ فمن ذلك لبس الذهب والحرير الذي لم يلبسه إلا من عدم عند الله ~~خلاقا، وإن قيل إنه شعار للغني فلم يزد صاحبه من الحسنات إلا إملاقا، وللبس ~~عباءة مع التقوى أحسن في العيون شعارا، وأعظم في الصدور وقارا، ويلتحق بهذه ~~المعصية صوغ الذهب والفضة آنية يمنع منها حق الصدقات وهو حق يقاتل مانعه، ~~ويعصى في استعمالها أمر الله وهو حد من حدوده يعاقب عاصيه ويثاب طائعه، ~~وكذلك ms401 يجري الحكم في الصور المرقومة في البيوت والثياب، وعلى الستور ~~المغلقة على الأبواب، وإخراجها في ضروب أشكال الحيوان لملاعبة الصبيان، ~~وذلك مماثلة لخلق الله في التقدير، ولهذا يؤمر صانعه بنفخ الروح فيما صوره ~~من التصوير. # ومما يغلظ نكيره إطالة الذيول للاجترار، والمباهاة لما فيها من عنجهية ~~التيه والاستكبار، ولن يخرق صاحبها الأرض بإعجابه، ولا يبلغ طول الجبال ~~بإطالة # PageV02P141 # ثيابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر يوم القيامة إلى ~~من جر ثوبه خيلاء» . # ومما هو أشد نكيرا أمر الحمامات؛ فإن الناس قد أصروا بها على الإجهار، ~~وترك الاستتار، والتهاون بأمر العورات التي لصاحبها اللعنة وله سوء الدار، ~~والنساء في هذا المقام أشد تهالكا من الرجال، وقد ابتذلن أنفسهن حتى أفرطن ~~في فاحشة الابتذال، ولهن محدثات من المنكر أحدثها كثرة الإرفاه والإتراف، ~~وأهمل إنكارها حتى سرت في الأوساط والأطراف، وقد أحدثن الآن من الملابس ما ~~لم يخطر للشيطان في حساب، وتلك من لباس الشهرة الذي لا يستر منه إسبال مرط ~~ولا إدناء جلباب، ومن جملتها أنهن يعتصبن عصائب كأمثال الأسنمة، ويخرجن من ~~جهارة أشكالها في الصور المعلمة، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بها فيما ورد عنه من الأخبار، وجعل صاحبها معدودا من زمرة أصحاب النار. # ومما حيد فيه عن السنن قراءة القرآن بضروب الألحان، وتلك قراءة تخرج ~~حروفها من غير مخرج، وتبدو معوجة وهو قرآن عربي غير ذي عوج، وقد أمر الله ~~بترتيله، وإيراده على هيئة تنزيله؛ فمن قرأه بالترجيع والترديد، وزلزل ~~حروفه بالتمطيط والتمديد؛ فقد ألحقه بدرجات الأغاني، وذهب بما فيه من طلاوة ~~الألفاظ والمعاني، قال النبي صلى الله عليه وسلم؛ «اقرءوا القرآن بلحون ~~العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدي ~~قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم ~~وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» ويلتحق بذلك اقتناء القينات المغنيات اللاتي ~~يلعبن بالعقول لعبهن بالأسماع، ويغنين الشيطان بغنائهن عن بث الجنود ~~والأشياع، وفتيا النفس الأمارة في ذلك أن تقول: ms402 هؤلاء إماء يحل نغمة ~~سماعهن، كما يحل ما تحت قناعهن، وقد علم أن لكل شيء نماما، وقد ينقلب ~~الحلال فيصير حراما، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «لا تبيعوا القينات المغنيات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا ~~خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام» وفي مثل هذا أنزلت: ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث # وكذلك يجري الحكم في المواشط اللاتي يجعلن الحسن موفورا، والقبح مستورا، ~~ويخدعن نظر الناظر حتى يجعلنه مسحورا؛ فهن يبدين # PageV02P142 # صدقا من كذب، وجدا من لعب، وفعلهن هذا من الغش الذي نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنه، وقال: إنه ليس منه، وقد لعن الواصلة والمستوصلة ~~والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة، ومن غش المنكرات أيضا خضاب الشيب ~~الذي يخالف فيه الظاهر الباطن، ويتخلق صاحبه بخلق الكاذب الخائن، وهب أنه ~~أخفى لون شعره وهل يخفي أخلاق لباسه، وإذا استسن ملائم المرء فلا يغنيه ~~سواد عارضه ولا سواد رأسه، وقد جعل الله الشيب من نعمه المبشرة بطول ~~الأعمار، وسماه نورا للونه وهدايته ولا تستوي الظلمات والأنوار، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم «1» الشيب أن يشتغل بتغيير صيغة الكتاب، ويدأب في محو ~~سواد العقاب ببياض الثواب، ففي بقية عمره مندوحة لادخار ما يحمد ذخره، ~~وتبديل ما تقدم سطره. # ومما خولفت فيه السنة عقد مجالس التعازي لحضور الناس، وإظهار شعار الأسود ~~والأزرق من اللباس، والتشبيه بالجاهلية في النوح والندب، ومجاوزة دمع العين ~~وخشوع القلب إلى الإعلان بإسخاط الرب، وقد تواطأ النساء على ضرب الخيام على ~~القبور، وجعل الأعياد مواسم لاجتماع الزائر والمزور، فصارت المآتم بينهم ~~ولائم والمنادب عندهم مآدب، وربما نشأ من ذلك ما يغض طرفا، ويجدع أنفا، ~~ويوجب حدا وقذفا. # وهكذا أهمل أمر الإسلام في تشبيه أهل الذمة بأهله، وما كانوا ليشابهوه في ~~زي غرته ويخالفوه في سلوك سبله، ولا بد من الغيار بأن يشد النصراني عقدة ~~زناره، ويصفر اليهودي أعلى إزاره، وليمنعوا من الظاهر بطغيان النعمة وعلو ~~الهمة، ويؤمروا بالوقوف عند ما حكم ms403 عليهم من الأحكام، وأخذوا فيه بالاختفاء ~~والاكتتام، فخمورهم تستر، وشعائر دينهم لا تظهر، وموتاهم تقبر بالخمول قبل ~~أن تقبر؛ فلا يوقد خلف ميتهم مصباح، ولا يتبع بندب ولا صياح. # PageV02P143 # ومما عرف الناس منكره إثارة التحريش بين الحيوانات، وهي ذوات أكباد رطبة، ~~وأخلاق صعبة، وما منها إلا ما يحل أكله، ولا يحل قتله، كالكبش والحجلة ~~والديك والسماني وما أشبهها، وقد أكثر الناس من اقتنائها، والمواظبة على ~~إضرام شحنائها، ولربما نشأ من ذلك فتنة تؤل إلى ضراب، وشق ثياب، وإحداث ~~شجاج، وإثارة عجاج، وتحزب إلى أحزاب كثيرة وأفواج. # ويتصل بهذه المنكرات المذكورة أشياء أخرى تجري مجراها في التقديم، وتتنزل ~~منزلتها في التحريم، فاحكم فيها بحكمك، وامض في شبهاتها بدليل علمك، ونب ~~عنا في التذكير والتحذير، والتعريف والتنكير، حتى يتقوم الأود، ويتضح ~~الرشد، ويمكث في الأرض ما ينفع ويذهب الزبد، وليكن عملك لله الذي يسمع ~~ويرى، وله ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. # واعلم أن الأمر بالمعروف عبادة يتعدى نفع صاحبها إلى غيره، وتستضيف خير ~~المأمور بها إلى خيره، وهي الجهاد الأكبر الذي تقاتل فيه عواصي النفوس، ~~وتضرب به رءوس الشهوات التي هي أمنع من معاقد الرءوس، فقتيله يحيا بقتله، ~~وجريحه يوسي بجراحة نصله، وبمثل هذا الجهاد تستنزل أمداد النعم مضعفة، كما ~~تستنزل أمداد النصر مردفة، فأقدم عليه ذا عزم باتر، وطرف ساهر، وقدم ثابت ~~صابر، حتى تظل لمعاقل الشيطان فاتحا، وتكون فيمن دعا إلى الله وعمل صالحا. # واعلم أنك في صبيحة كل يوم يبتدرك الملك والشيطان، وكل منهما يقول: # يأيها الإنسان، فإن أجبت نداء الملك كتبك في زمرة من مهد لجنبه، وخاف ~~مقام ربه، وعرج بك ألى الله طيبا نشره، مضاعفا أجره، وإن أجبت نداء الشيطان ~~كتبك في زمرة من أغواه، وقرنك بمن أغفل الله قلبه واتبع هواه، ثم نزل به ~~إلى الأرض خبيثا مخبثا، وأقبل به على إخوانه من الشياطين محدثا. # وهذا آخر ما عهدناه إليك من العهد الذي طوقت اليوم بكتابه، وستناقش غدا ~~على حسابه، ms404 وكما جعلناه لك في الدنيا ذكرا، فاجعله لك في الآخرة ذخرا، إن ~~شاء الله تعالى؛ والسلام. # وهذا الذي ذكرته في هذين من الكتاب والتقليد يتضمن إطنابا مستوفى # PageV02P144 # الأقسام، ولولا خوف الإطالة التي لا حاجة إليها لأوردت قصائد من الشعر ~~أيضا، حتى لا يخلو الموضع من ضرب أمثلة من المنظوم والمنثور، لكن في الذي ~~ذكرته كفاية لمن يحمله على أشباهه ونظائره. # فإن قيل: إن الإطناب في الكلام وضعتموه اسما على غير مسمى؛ فإن الكلام لا ~~يخلو من حالين: إما ألا يزيد لفظه على معناه، وهو الإيجاز، أو يزيد لفظه ~~على معناه، وهو التطويل، وليس ههنا قسم ثالث، فما الإطناب إذا؟ # قلت في الجواب: اعلم أن الإيجاز هو ضد التطويل، كما أن السواد ضد البياض، ~~غير أن بين الضدين مراتب ومنازل ليست أضدادا؛ فالإطناب لا إيجاز هو ولا ~~تطويل، كما أن الحمرة أو الخضرة ليست بياضا ولا سوادا، وقد قدمنا القول أن ~~الإطناب يأتي في الكلام مؤكدا كالذي يأتي بزيادة التصوير للمعنى المقصود ~~إما حقيقة وإما مجازا، والتطويل ليس كذلك؛ فإنه التعبير عن المعنى بلفظ ~~زائد عليه يفهم ذلك المعنى بدونه، فإذا حذفت تلك الزيادة بقي المعنى المعبر ~~عنه على حاله لم يتغير منه شيء، وهذا بخلاف الإطناب، فإنه إذا حذفت منه تلك ~~الزيادة المؤكدة للمعنى تغير ذلك المعنى وزال ذلك التأكيد عنه، وذهبت فائدة ~~التصوير والتخييل التي تفيد السامع ما لم يكن إلا بها، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # وهذا لا يسمى إيجازا؛ لأنه أتى فيه بزيادة لفظ، وهو ذكر الصدور، وقد علم ~~أن القلوب لا تكون إلا في الصدور، ولا يسمى تطويلا؛ لأن التطويل لا فائدة ~~فيه أصلا، وهذا فيه فائدة، وهي ما أشرنا إليه، وكذلك باقي أقسام الإطناب ~~التي نبهناه عليها، وهذا لا نزاع فيه. # PageV02P145 ### | النوع السابع عشر في التكرير # قد تقدم الكلام في صدر كتابي هذا على تكرار الحروف، وما [أشبه] ذلك مما ~~يختلط بهذا النوع الذي هو ms405 تكرار المعاني والألفاظ. # واعلم أن هذا النوع من مقاتل على البيان، وهو دقيق المأخذ. # وحده هو: دلالة اللفظ على المعنى مرددا، وربما اشتبه على أكثر الناس ~~بالإطناب مرة، وبالتطويل أخرى، وقد تقدم الكلام على الفرق بين هذه الأنواع ~~الثلاثة في باب الإطناب، فلا حاجة إلى إعادته ههنا، وأما التكرير فقد ~~عرفتكه. # وهو ينقسم قسمين: أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى، والآخر يوجد في المعنى ~~دون اللفظ. # فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى فكقولك لمن تستدعيه أسرع أسرع، ومنه قول ~~أبي الطيب المتنبي «1» . # ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام # وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك: أطعني ولا تعصني، فإن الأمر ~~بالطاعة نهي عن المعصية. # وكل من هذين القسمين ينقسم إلى مفيد وغير مفيد، ولا أعني بالمفيد ههنا ما ~~يعنيه النحاة، فإنه عندهم عبارة عن اللفظ المركب؛ إما من الاسم مع الاسم، ~~بشرط أن يكون للأول بالثاني علاقة معنى يسع مكلفا جهله، وإما من الاسم مع # PageV02P146 # الفعل التام المتصرف، على هذا الشرط أيضا، وإما من حرف النداء مع الاسم؛ ~~فهذا هو المفيد عند النحاة، وأنا لم أقصد ذلك ههنا، بل مقصودي من المفيد أن ~~يأتي لمعنى، وغير المفيد أن يأتي لغير معنى. # واعلم أن المفيد من التكرير يأتي في الكلام تأكيدا له، وتشييدا من أمره، ~~وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشيء الذي كررت فيه كلامك؛ إما ~~مبالغة في مدحه أو في ذمه، أو غير ذلك، ولا يأتي إلا في أحد طرفي الشيء ~~المقصود بالذكر، والوسط عار منه؛ لأن أحد الطرفين هو المقصود بالمبالغة إما ~~بمدح أو ذم أو غيرهما، والوسط ليس من شرط المبالغة؛ وغير المفيد لا يأتي في ~~الكلام إلا عيا وخطلا من غير حاجة إليه. ### | فأما الأول- وهو الذي يوجد في اللفظ والمعنى- # فإنه ينقسم الى ضربين: # مفيد، وغير مفيد. ### | فالأول المفيد وهو فرعان: ### | الأول: إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد، والمقصود به غرضان مختلفان، # كقوله تعالى: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها ms406 لكم وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق ~~الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون # هذا تكرير في اللفظ والمعنى، وهو قوله: يحق الحق # وليحق الحق # ، إنما جيء به ههنا لاختلاف المراد، وذاك أن الأول تمييز بين الإرادتين، ~~والثاني بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها، وأنه ما ~~نصرهم وخذل أولئك إلا لهذا الغرض. # ومن هذا الباب قوله تعالى: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ~~وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. # قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه # فكرر قوله تعالى: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين # وقوله: قل الله أعبد مخلصا له ديني # والمراد به غرضان مختلفان، وذلك أن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله ~~بالعبادة # PageV02P147 # والإخلاص في دينه، والثاني إخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره بعبادته ~~مخلصا له دينه؛ ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة في الثاني، ~~وأخره في الأول؛ لأن الكلام أولا واقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانيا فيمن ~~يفعل من أجله، ولذلك رتب عليه فاعبدوا ما شئتم من دونه. # وعليه ورد قوله تعالى: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا ~~كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك ~~الذين يؤمنون بالله ورسوله # وظاهر الأول والثاني أنهما سواء في المعنى، وليس كذلك؛ لأن الثاني فيه ~~تخصيص غير موجود في الأول، ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد الأفضل، وقلنا: ~~الأفضل زيد، كان في الثاني تخصيص له بالفضل، وهذا التخصيص لا يوجد في القول ~~الأول الذي هو زيد الأفضل، ويجوز أن تبدل صفة الفضل فيه بغيرها أو بضدها؛ ~~فيقال: زيد الأجمل، أو زيد الأنقص، وإذا قلنا: الأفضل زيد، وجب تخصيصه ~~بالفضل، ولم يمكن تغييره عنه، وكذلك يجري الحكم في هذه الآية؛ فإن الله ~~تعالى قال: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ms407 ورسوله # ، ثم قال: لم يذهبوا حتى يستأذنوه # فوصفهم بالامتناع عن الذهاب إلا بإذنه، وهذه صفة يجوز أن تبدل بغيرها من ~~الصفات، كما قال تعالى في موضع آخر: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا # فجاء بصفة غير تلك الصفة، ولما قال: # إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله # وجب تخصيصهم بذلك الوصف دون غيره، وهذا موضع حسن في تكرير المعاني. # ومما يعد من هذا الباب قوله تعالى: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما ~~تعبدون. # ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد. لكم دينكم ولي دين # وقد ظن قوم أن هذه الآية تكرير لا فائدة فيه، وليس الأمر كذلك؛ فإن معنى ~~قوله لا أعبد # يعني في المستقبل: من عبادة آلهتكم، وإلا أنتم فاعلون فيه ما أطلبه منكم ~~من عبادة إلهي، ولا أنا عابد ما عبدتم # أي: وما كنت عابدا قط فيما سلف ما عبدتم فيه، يعني أنه لم يعهد مني عبادة ~~صنم في الجاهلية في وقت # PageV02P148 # ما فكيف يرجى ذلك مني في الإسلام؟ ولا أنتم عابدون # في الماضي في وقت ما ما أنا على عبادته الآن. # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب ~~العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين # فكرر الرحمن الرحيم # مرتين والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا، والثاني يتعلق بأمر ~~الآخرة؛ فما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كلا منهم ~~على أكمل صفة، وأعطاه جميع ما يحتاج إليه، حتى البقة والذباب، وقد يرجع إلى ~~غير الخلق كإدرار الأرزاق وغيرها، وأما ما يتعلق بأمر الآخرة فهو إشارة إلى ~~الرحمة الثانية في يوم القيامة الذي هو يوم الدين. # وبالجملة فاعلم أنه ليس في القرآن مكرر لا فائدة في تكريره؛ فإن رأيت ~~شيئا منه تكرر من حيث الظاهر فأنعم نظرك فيه؛ فانظر إلى سوابقه ولواحقه؛ ~~لتنكشف لك الفائدة منه. # ومما ورد في القرآن الكريم مكررا قوله تعالى: كذبت ms408 قوم نوح المرسلين إذ ~~قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون # [فكرر قوله: فاتقوا الله وأطيعون # ] ليؤكده عندهم ويقرره في نفوسهم، مع تعليق كل واحد منهما لعلة؛ فجعل ~~الأول كونه أمينا فيما بينهم، وجعل علة الثاني حسم طمعه عنهم، وخلوه من ~~الأغراض فيما يدعوهم أليه. # من هذا النحو قوله تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ~~وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب # وإنما كرر تكذيبهم ههنا لأنه لم يأت به على أسلوب واحد، بل تنوع فيه ~~بضروب من الصنعة، فذكره أولا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء ~~بالجملة الاستثنائية فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل؛ لأنهم ~~إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد ~~إبهامه والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولا وبالاستثنائية ثانيا وما في ~~الاستثناء من الوضع # PageV02P149 # على وجه التوكيد والتخصيص المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العذاب ~~وأبلغه. # وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى حسن غامض، وبه تعريف موقع التكرير، ~~والفرق بينه وبين غيره؛ فافهمه إن شاء الله تعالى. ### | الفرع الثاني من الضرب الأول: # إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد، والمراد به غرض ~~واحد؛ كقوله تعالى: فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر # والتكرير دلالة [على] التعجب من تقديره وإصابته الغرض، وهذا كما يقال: # قتله الله ما أشجعه! أو ما أشعره! وعليه ورد قوله الشاعر: # ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي «1» # وهذا مبالغة في الدعاء لها بالسلامة، وكل هذا يجاء به لتقرير المعنى ~~المراد وإثباته. # وعليه ورد الحديث النبوي؛ وذاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بني ~~هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليا فلا آذن ثم لا آذن إلا أن ~~يطلق علي ابنتي وينكح ابنتهم» فقوله: «لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن» من ~~التكرير الذي هو أشد موقعا من الإيجاز؛ لانصباب العناية إلى ms409 تأكيد القول في ~~منع علي رضي الله عنه من التزوج بابنة أبي جهل بن هشام. # وهذا مثل قوله تعالى: أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى # ومن أجل ذلك نقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لأن قولنا: «لا إله ~~إلا الله» مثل قولنا: # «وحده لا شريك له» وهما في المعنى سواء، وإنما كررنا القول فيه لتقرير ~~المعنى وإثباته، وذاك لأن من الناس من يخالف فيه كالنصارى والثنوية، ~~والتكرير في مثل هذا المقام أبلغ من الإيجاز، وأحسن، وأسد موقعا. # ومما جاء في مثل هذا قوله تعالى: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا # PageV02P150 # فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا ~~أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون. وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم ~~من قبله لمبلسين # فقوله: من قبله # بعد قوله: من قبل # فيه دلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول؛ فاستحكم بأسهم، وتمادى ~~إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك. # وعلى ذلك ورد قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق # فقوله: لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر # يقوم مقام قوله: ولا يدينون دين الحق # لأن من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يدين دين الحق، وإنما كرر ههنا ~~للخطب على المأمور بقتالهم، والتسجيل عليهم، بالذم، ورجمهم بالعظائم؛ ليكون ~~ذلك أدعى لوجوب قتالهم وحربهم، وقد قلنا: إن التكرير إنما يأتي لما أهم من ~~الأمر الذي بصرف العناية إليه يثبت ويتقرر. # كذلك ورد قوله تعالى: وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق ~~جديد. أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون # فتكرير لفظه أولئك # من هذا الباب الذي أشرنا إليه؛ لمكان شدة النكير، وإغلاظ العقاب بسبب ~~إنكارهم البعث. # وعلى هذا ورد قوله تعالى: أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم ~~الأخسرون # فإنه إنما تكررت لفظة ms410 هم # للإيذان بتحقيق الخسار، والأصل فيها وهم في الآخرة الأخسرون؛ لكن لما ~~أريد تأكيد ذلك جيء بتكرير هذه اللفظة المشار اليها. # كذلك قوله تعالى: فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها. # أمثال هذا في القرآن كثير. # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة القصص: فأصبح في المدينة خائفا # PageV02P151 # يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين فلما ~~أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت ~~نفسا بالأمس # فقوله تعالى: فلما أن أراد أن يبطش # بتكرير أن مرتين دليل على أن موسى عليه السلام لم تكن مسارعته إلى قتل ~~الثاني كما كانت مسارعته الى قتل الأول، بل كان عنده إبطاء في بسط يده ~~إليه، فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: # فلما أن أراد أن يبطش. # وجرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية؛ فقال: إن أن الأولى ~~زائدة، ولو حذفت فقيل فلما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء، ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه # وقد اتفق النحاة على أن أن الواردة بعد لما وقبل الفعل زائدة، فقلت له: ~~النحاة لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارهما، ~~من حيث إنهم نحاة، ولا شك أنهم وجدوا أن ترد بعد لما وقبل الفعل في القرآن ~~الكريم وفي كلام فصحاء العرب فظنوا أن المعنى بوجودها كالمعنى إذا أسقطت، ~~فقالوا: هذه زائدة، وليس الأمر كذلك، بل إذا وردت لما وورد الفعل بعدها ~~بإسقاط أن دل ذلك على الفور، وأذا لم تسقط لم يدلنا ذلك على أن الفعل كان ~~على الفور، وإنما كان فيه تراخ وإبطاء. # وبيان ذلك وجهين: # أحدهما: أني أقول: فائدة وضع الألفاظ أن تكون أدلة على المعاني، فإذا ~~أوردت لفظة من الألفاظ في كلام مشهود له بالفصاحة والبلاغة فالأولى أن تحمل ~~تلك اللفظة على معنى، فإن لم يوجد لها معنى بعد التنقيب والتنقير والبحث ~~الطويل قيل: هذه زائدة دخولها في ms411 الكلام كخروجها منه، ولما نظرت أنا في هذه ~~الآية وجدت لفظة «أن» الواردة بعد «لما» وقبل الفعل دالة على معنى، وإذا ~~كانت دالة على معنى فكيف يسوغ أن يقال: إنها زائدة. # فإن قيل: إنها إذا كانت دالة على معنى فيجوز أن تكون دالة على غير ما ~~أشرت أنت إليه. # قلت في الجواب: إذا ثبت أنها دالة على معنى فالذي أشرت إليه معنى # PageV02P152 # مناسب واقع في موقعه، وإذا كان مناسبا واقعا في موقعه فقد حصل المراد ~~منه، ودل الدليل حينئذ أنها ليست بزائدة. # الوجه الآخر: أن هذه اللفظة لو كانت زائدة لكان ذلك قدحا في كلام الله ~~تعالى، وذاك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجه إليها، والمعنى يتم ~~بدونها، وحينئذ لا يكون كلامه معجزا؛ إذ من شرط الإعجاز عدم التطويل الذي ~~لا حاجة إليه، وإن التطويل عيب في الكلام، فكيف يكون ما هو عيب في الكلام ~~من باب الإعجاز؟ هذا محال. # وأما قوله تعالى: فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه # فإنه إذا نظر في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته منذ ألقوه في الجب وإلى ~~أن جاء البشير إلى أبيه عليه السلام وجد أنه كان ثم إبطاء بعيد، وقد اختلف ~~المفسرون في طول تلك المدة، ولو لم يكن ثم مدة بعيدة وأمد متطاول لما جيء ~~بأن بعد لما وقبل الفعل، بل كانت تكون الآية فلما جاء البشير ألقاه على ~~وجهه. # وهذه دقائق ورموز لا تؤخذ من النحاة؛ لأنها ليست من شأنهم. # واعلم أن من هذا النوع قسما يكون المعنى فيه مضافا إلى نفسه مع اختلاف ~~اللفظ، وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة، وقد ورد في القرآن الكريم، واستعمل ~~في فصيح الكلام. # فمنه قوله تعالى: والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز ~~أليم # والرجز هو العذاب. # وعليه ورد قول أبي تمام «1» : # نهوض بثقل العبء مضطلع به ... وإن عظمت فيه الخطوب وجلت # PageV02P153 # والثقل: هو العبء، والعبء: هو الثقل، وكذلك ورد قول البحتري «1» : # ويوم تثنت للوداع وسلمت ... بعينين ms412 موصول بلحظهما السحر # توهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر # فإن الكرى هو النوم. # وربما أشكل هذا الموضع على كثير من متعاطي هذه الصناعة وظنوه مما لا ~~فائدة فيه، وليس كذلك، بل الفائدة فيه هي التأكيد للمعنى المقصود، ~~والمبالغة فيه. # أما الآية فالمراد بقوله تعالى: عذاب من رجز # أي: عذاب مضاعف من عذاب. # وأما بيت أبي تمام فإنه تضمن المبالغة في وصف الممدوح بحمله للأثقال. # وأما بيت البحتري فإنه أراد أن يشبه طرفها لفتوره بالنائم؛ فكرر المعنى ~~فيه على طريق المضاف والمضاف إليه تأكيدا له وزيادة في بيانه. # وهذا الموضع لم ينبه عليه أحد سواي. # ولربما أدخل في التكوير من هذا النوع ما ليس منه، وهو موضع لم ينبه عليه ~~أيضا أحد سواي. # فمنه قوله تعالى: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم # فلما تكرر إن ربك # مرتين علم أن ذلك أدل على المغفرة. # PageV02P154 # وكذلك قوله تعالى: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم. # ومثل قوله تعالى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب. # وهذه الآيات يظن أنها من باب التكرير، وليست كذلك، وقد أنعمت نظري فيها ~~فرأيتها خارجة عن حكم التكرير، وذاك أنه إذا طال الفصل من الكلام، وكان ~~أوله يفتقر إلى تمام لا يفهم إلا به؛ فالأولى في باب الفصاحة أن يعاد لفظ ~~الأول مرة ثانية؛ ليكون مقارنا لتمام الفصل؛ كي لا يجيء الكلام منثورا؛ لا ~~سيما في إن وأخواتها؛ فإذا وردت إن وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من ~~الكلام فإعادة إن أحسن في حكم البلاغة والفصاحة؛ كالذي تقدم من هذه الآيات. # وعليه ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة «1» : # أسجنا وقيدا واشتياقا وغربة ... ونأي حبيب إن ذا لعظيم # وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل هذا إنه لكريم # فإنه لما طال ms413 الكلام بين اسم إن وخبرها أعيدت إن مرة ثانية؛ لأن تقدير ~~الكلام، وإن آمرا دامت مواثيق عهده على مثل هذا لكريم؛ لكن بين الاسم ~~والخبر مدى طويل؛ فإذا لم تعد إن مرة ثانية لم يأت على الكلام بهجة ولا ~~رونق، وهذا لا يتنبه لاستعماله إلا الفصحاء إما طبعا وإما علما. # وكذلك يجري الأمر إذا كان خبر إن عاملا في معمول يطول ذكره؛ فإن إعادة ~~الخبر ثانية هو الأحسن. # وعلى هذا جاء قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: إذ قال يوسف لأبيه يا ~~أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # فلما # PageV02P155 # قال إني رأيت # ثم طال الفصل كان الأحسن أن يعيد لفظ الرؤية فيقول رأيتهم لي ساجدين. # وكذلك جاءت الآية المذكورة ههنا قبل هذه، وهي قوله تعالى: لا تحسبن الذين ~~يفرحون بما أتوا # فإنه لما طال الفصل أعاد قوله فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب # فاعلم ذلك، وضع يدك عليه. # وكذلك الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهالة. # وكذلك الآية الأخرى، وهي: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا. # ومن باب التكرير في اللفظ والمعنى الدال على معنى واحد قوله عز وجل: # وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد. يا قوم إنما هذه الحياة ~~الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار # ؛ فإنه إنما كرر نداء قومه ههنا لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة ~~الغفلة، ولأنهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم من الضلال، وهو يعلم وجه ~~خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة؛ فهو يتحزن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك ألا ~~يتهموه؛ فإن سرورهم سروره، وغمهم غمه، وأن ينزلوا على نصيحته لهم، وهذا من ~~التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز وأسد موقعا من الاختصار؛ فاعرفه إن شاء ~~الله تعالى. # وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر: فذوقوا عذابي ونذر. ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # فإنه قد تكرر ذلك في السورة كثيرا، وفائدته أن يجددوا عند استماع كل ms414 نبأ ~~من أنباء الأولين ادكارا وإيقاظا، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا ~~الحث على ذلك والبعث إليه، وأن تقرع لهم العصا مرات لئلا يغلبهم السهو ~~وتستولي عليهم الغفلة. # وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن: فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان* # وذلك عند كل نعمة عددها على عباده. # PageV02P156 # أمثال هذا في القرآن الكريم كثير. # ومما ورد من هذا النوع شعرا قول بعض شعراء الحماسة «1» : # إلى معدن العز المؤثل والندى ... هناك هناك الفضل والخلق الجزل # فقوله «هناك هناك» من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز؛ لأنه في معرض ~~مدح، فهو يقرر في نفس السامع ما عند الممدوح من هذه الأوصاف المذكورة مشيرا ~~إليها، كأنه قال: أدلكم على معدن كذا وكذا ومقره ومفاده. # وكذلك ورد قول المساور بن هند: # جزى الله عني غالبا من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه # فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت ... علي وموج قد علتني غواربه # فصدر البيت الثاني وعجزه يدلان على معنى واحد؛ لأن تلاحم الكرب عليه ~~كتعالي الموج من فوقه، وإنما سوغ ذلك لأنه مقام مدح وإطراء، ألا ترى أنه ~~يصف إحسان هؤلاء القوم عند دثان دهره في التكرير، وفي قبالته لو كان القائل ~~هاجيا؛ فإن الهجاء في هذا كالمدح، والتكرير إنما يحسن في كلا الطرفين، لا ~~في الوسط. # واعلم أنه إذا وردت «إن» المكسورة المخففة بعد «ما» كانت بمعناها سواء، ~~ألا ترى إلى قوله تعالى: إن هم إلا كالأنعام # فإن وما بمعنى واحد، وإذا أوردت من بعد ما كانت من باب التكرير، كقولنا: ~~ما إن يكون كذا وكذا: أي ما يكون كذا وكذا، وإذا وردت في الكلام فإنما ترد ~~في مثل ما أشرنا إليه من التكرير؛ فإن استعملت في غير ما يكون منها لفائدة ~~ينتجها تكريرها كان استعمالها لغوا لا فائدة فيه. # PageV02P157 # وقد زعم قوم من مدعي هذه الصناعة أن أبا الطيب المتنبي أتى في هذا البيت ~~بتكرير لا حاجة به إليه، وهو قوله «1» : # العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن العارض الهتن ابن ms415 العارض الهتن # وليس في هذا البيت من تكرير؛ فإنه كقولك: الموصوف بكذا وكذا ابن الموصوف ~~بكذا وكذا: أي أنه عريق النسب في هذا الوصف. # وقد ورد في الحديث النبوي مثل ذلك؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف ~~يوسف الصديق عليه السلام: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ~~بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم» . # ولقد فاوضني في هذا البيت المشار إليه بعض علماء الأدب، وأخذ يطعن فيه من ~~جهة تكراره، فوقفته على مواضع الصواب منه، وعرفته أنه كالخبر النبوي من جهة ~~المعنى سواء بسواء، لكن لفظه ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه؛ ~~فإن الألفاظ إذا كانت حسانا في حال انفرادها فإن استعمالها في حال التركيب ~~يزيدها حسنا على حسنها، أو يذهب ذلك الحسن عنها، وقد تقدم الكلام على ذلك ~~في المقالة الأولى من الصناعة اللفظية، ولو تهيأ لأبي الطيب المتنبي أن ~~يبدل لفظة العارض بلفظة السحاب، أو ما يجري مجراها؛ لكان أحسن، وكذلك لفظة ~~الهتن، فإنها ليست بمرضية في هذا الموضع على هذا الوجه، ولفظة العارض، وإن ~~كانت قد وردت في القرآن وهي لفظة حسنة فالفرق بين ورودها في القرآن الكريم ~~وورودها في هذا البيت الشعري ظاهر؛ وقد تقدم الكلام على مثلها من آية وبيت ~~لأبي الطيب أيضا، وهو في المقالة اللفظية عند الكلام على الألفاظ المفردة ~~فليؤخذ من هناك، وكثيرا ما يقع الجهال في مثل هذه المواضع، وهم الذين قيل ~~فيهم: # PageV02P158 # وكذا كل أخي حذلقة ... ما مشى في يابس إلا زلق # فترى أحدهم قد جمع نفسه وظن على جهله أنه عالم، فيسرع في وصف كلام ~~بالإيجاز وكلام بالتطويل أو بالتكرير، وإذا طولب بأن يبدي سببا لما ذكره لم ~~يوجد عنده من القول شيء إلا تحكما محضا صادرا عن جهل محض. # الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى، وهو غير المفيد؛ فمن ذلك قول ~~مروان الأصغر: # سقى الله نجدا والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على النأي والبعد # نظرت إلى نجد وبغداد دونها ... لعلي ms416 أرى نجدا وهيهات من نجد # وهذا من العي الضعيف، فإنه كرر ذكر نجد في البيت الأول ثلاثا، وفي البيت ~~الثاني ثلاثا، ومراده في الأول الثناء على نجد، وفي الثاني أنه تلفت إليها ~~ناظرا من بغداد، وذلك مرمى بعيد، وهذا المعنى لا يحتاج إلى مثل هذا ~~التكرير؛ أما البيت الأول فيحمل على الجائز من التكرير؛ لأنه مقام تشوق ~~وتحرق وموجدة بفراق نجد، ولما كان كذلك أجيز فيه التكرير، على أنه قد كان ~~يمكنه أن يصوغ هذا المعنى الوارد في البيتين معا من غير أن يأتي بهذا ~~التكرير المتتابع ست مرات. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي نواس: # أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس # ومراده من ذلك أنهم أقاموا بها أربعة أيام، ويا عجبا له يأتي بمثل هذا ~~البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات «1» العجيبة الحسن ~~التي تقدم ذكرها في باب الإيجاز، وهي: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا # PageV02P159 # ومن هذا الباب أيضا ما أوردناه في صدر هذا النوع وهو قول أبي الطيب «1» ~~المتنبي: # ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام # فهذا هو التكرير الفاحش الذي يؤثر في الكلام نقصا، ألا ترى أنه يقول: لم ~~أر مثل جيراني في سوء الجوار، ولا مثلي في مصابرتهم ومقامي عندهم، إلا أنه ~~قد كرر هذا المعنى في البيت مرتين. # وعلى نحو من ذلك جاء قوله أيضا: # وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشى ... قلاقل عيس كلهن قلاقل ### | وأما القسم الثاني من التكرير، وهو الذي يوجد في المعنى دون اللفظ؛ # فذلك ضربان: مفيد، وغير مفيد. ### | الضرب الأول: # المفيد، وهو فرعان. ### | الأول: إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين مختلفين، # وهو موضع من التكرير مشكل؛ لأنه يسبق إلى الوهم أنه تكرير يدل على معنى ~~واحد. # فمما جاء منه حديث حاطب بن أبي بلتعة في غزوة الفتح، وذاك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب والزبير والمقداد رضي الله عنهم فقال: ~~«اذهبوا إلى روضة خاخ؛ فإن بها ms417 ظعينة معها كتاب، فأتوني به» قال علي رضي ~~الله عنه: فخرجنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، وإذا فيها الظعينة، ~~فأخذنا الكتاب من عقاصها، وأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا هو ~~من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض شأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما هذا يا حاطب؟ فقال: يا رسول الله، لا تعجل ~~علي، إني كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من ~~المهاجرين لهم قرابة تحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك ~~من النسب أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك # PageV02P160 # كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # «إنه قد صدقكم» فقوله: ما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا ~~بالكفر بعد الإسلام، من التكرير الحسن، وبعض الجهال يظنه تكريرا لا فائدة ~~فيه، فإن الكفر والارتداد عن الدين سواء، وكذلك الرضا بالكفر بعد الإسلام، ~~وليس كذلك، والذي يدل عليه اللفظ هو أني لم أفعل ذلك وأنا كافر: أي باق على ~~الكفر، ولا مرتدا: أي أني كفرت بعد إسلامي، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام: أي ~~ولا إيثارا لجانب الكفار على جانب المسلمين، وهذا حسن في مكانه، واقع في ~~موقعه؛ وقد يحمل التكرير فيه على غير هذا الفرع الذي نحن بصدد ذكره ههنا، ~~وهو الذي يكون التكرير فيه يدل على معنى واحد، وسيأتي بيانه في الفرع ~~الثاني الذي يلي هذا الفرع الأول، والذي يجوزه أن هذا المقام هو مقام ~~اعتذار وتنصل عما رمي به من تلك القارعة العظيمة التي هي نفاق وكفر؛ فكرر ~~المعنى في اعتذاره قصدا للتأكيد والتقرير لما ينفي عنه ما رمي به. # ومما ينتظم بهذا السلك أنه إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين ~~أحدهما خاص والآخر عام كقوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر # فإن الأمر ms418 بالمعروف داخل تحت الدعاء إلى الخير؛ لأن الأمر بالمعروف خاص، ~~والخير عام، فكل أمر بالمعروف خير، وليس كل خير أمرا بالمعروف، وذاك أن ~~الخير أنواع كثيرة من جملتها الأمر بالمعروف، ففائدة التكرير ههنا أنه ذكر ~~الخاص بعد العام للتنبيه على فضله، كقوله تعالى: حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى # وكقوله تعالى: فيهما فاكهة ونخل ورمان # ، وكقوله تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها # فإن الجبال داخلة في جملة الأرض، لكن لفظ الأرض عام، والجبال خاص، ~~وفائدته ههنا تعظيم شأن الأمانة المشار إليه، وتفخيم أمرها، وقد ورد هذا في ~~القرآن الكريم كثيرا. # ومما ورد منه شعرا قول [المقنع الكندي «1» ] من أبيات الحماسة: # PageV02P161 # وإن الذي بيني وبين بني أبي ... بين بني عمي لمختلف جدا # إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا # وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غي هويت لهم رشدا # فهذا من الخاص والعام؛ فإن كل لحم يؤكل للإنسان فهو تضييع لغيبه، وليس كل ~~تضييع لغيبه أكلا للحمه، ألا ترى أن أكل اللحم هو كناية عن الاغتياب، وأما ~~تضييع الغيب فمنه الاغتياب ومنه التخلي عن النصرة والإعانة ومنه إهمال ~~السعي في كل ما يعود بالنفع كائنا ما كان، وعلى هذا فإن هذين البيتين من ~~الخاص والعام المشار إليه في الآية المقدم ذكرها، وهو موضع يرد في الكلام ~~البليغ ويظن أنه لا فائدة فيه. ### | الفرع الثاني: # إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنى واحد لا غير، وقد سبق مثال ذلك ~~في أول هذا الباب، كقولك: أطعني ولا تعصني؛ فإن الأمر بالطاعة نهي عن ~~المعصية، والفائدة في ذلك تثبيت الطاعة في نفس المخاطب. # والكلام في هذا الموضع كالكلام في الموضع الذي قبله من تكرير اللفظ ~~والمعنى إذا كان الغرض به شيئا واحدا، ولا نجد شيئا من ذلك يأتي في الكلام ~~إلا لتأكيد الغرض المقصود به؛ كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن ms419 الله ~~غفور رحيم # فإنه إنما كرر العفو والصفح والمغفرة، والجميع بمعنى واحد؛ للزيادة في ~~تحسين عفو الوالد عن ولده والزوج عن زوجته، وهذا وأمثاله ينظر في الغرض ~~المقصود به، وهو موضع يكون التكرير فيه أوجز من لمحة الإيجاز وأولى ~~بالاستعمال. # وقد ورد في القرآن الكريم كثيرا، كقوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: # إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون # فإن البث والحزن بمعنى واحد، وإنما ههنا لشدة الخطب النازل به، وتكاثر ~~سهامه النافذة في قلبه، وهذا المعنى كالذي قبله. # وكذلك ورد قوله تعالى: تلك عشرة كاملة # بعد ثلاثة وسبعة تنوب مناب قوله ثلاثة وسبعة مرتين لأن عشرة هي ثلاثة ~~وسبعة، ثم قال (كاملة) وذلك توكيد # PageV02P162 # ثالث، والمراد به إيجاب صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق على ~~الفور، لا عند الوصول إلى البلد كما ذهب إليه بعض الفقهاء، وبيانه أني ~~أقول: إذا صدر الأمر من الأمر على المأمور بلفظ التكرير مجردا من قرينة ~~تخرجه عن وصفه ولم يكن موقتا بوقت معين كان ذلك حثا على المبادرة إلى ~~امتثال الأمر على الفور؛ فإنك إذا قلت لمن تأمره بالقيام: قم، قم، قم، ~~فإنما تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في تلك الحال الحاضرة. # فإن قلت: الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه مراد منه، وليس ~~الغرض الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر. # قلت في الجواب: إن المرة الواحدة كافية في معرفة المأمور أن الذي أمر به ~~مراد منه، والزيادة على المرة الواحدة لا تخلو: إما أن تكون دالة على ما ~~دلت عليه المرة الواحدة أو دالة على زيادة معنى لم تكن في المرة الواحدة؛ ~~فإن كانت دالة على ما دلت عليه المرة الواحدة كان ذلك تطويلا في الكلام لا ~~حاجة إليه، وقد ورد مثله في القرآن الكريم، كهذه الآية المشار إليها وغيرها ~~من الآيات، والتطويل في الكلام عيب فاحش عند البلغاء والفصحاء، والقرآن ~~معجز ببلاغته وفصاحته، فكيف يكون فيه تطويل لا حاجة ms420 إليه، فينبغي أن تكون ~~تلك الزيادة دالة على معنى زائد على ما دلت عليه المرة الواحدة، وإذا ثبت ~~هذا فتلك الزيادة هي الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر؛ فإن سلمت لي ذلك ~~وإلا فبين معنى تلك الزيادة ببيان غير ما ذكرته أنا، ولا أراك أن تستطيع ~~ذلك. # فإن قلت: إن الواو في قوله تعالى: وسبعة إذا رجعتم # لولا أن تؤكد بقوله (تلك عشرة) لظن أنها وردت بمعنى أو: أي فثلاثة أيام ~~في الحج أو سبعة إذا رجعتم، فلما قيل (تلك عشرة) زال هذا الظن، وتحققت ~~الواو أنها عاطفة، وليست بمعنى أو. # قلت في الجواب: هذا باطل من أربعة أوجه: الوجه الأول: أن الواو العاطفة ~~لا تجعل بمعنى أو أين وردت من الكلام، وإنما تجعل بمعنى أو حال ضرورة # PageV02P163 # ترجيح جانبها على جانب جعلها عاطفة؛ لأن الأصل فيها أن تكون عاطفة، فإذا ~~عدل بها عن أصلها احتاج إلى ترجيح، ولا ترجيح ههنا؛ الوجه الثاني: بلاغي، ~~وذاك أن القرآن الكريم منتهى البلاغة والفصاحة لمكان إعجازه، فلو كان معنى ~~الواو في هذه الآية بمعنى أو لقيل فثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، ~~ولم يحتج إلى هذا التطويل، في قوله فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة # الوجه الثالث: أن هذا الصوم حكم من أحكام العبادات، والعبادات يجب فيها ~~الاحتياط أن تؤدى على أكمل صورة؛ لئلا يدخلها النقص، وإذا كان الأمر على ~~ذلك فكيف يظن أن الواو في هذه الآية بمعنى أو؟ الوجه الرابع: أن السبعة ~~ليست مماثلة للثلاثة، حتى تجعل في قبالتها؛ لأن معنى الآية إذا كانت الواو ~~فيها بمعنى أو إما أن تصوموا ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم. # فإن قلت: هذا تعبد لا يعقل معناه كغيره من التعبدات التي لا يعقل معناها. # قلت في الجواب: إن لنا من التعبدات ما لا يعقل معناه؛ كعدد ركعات ~~الصلوات، وعدد الطواف والسعي، وأشباه ذلك، ولنا ما يعقل معناه، كهذه الآية، ~~فإنا نعقل التفاوت بين الصوم في الحضر ms421 والسفر، ونعقل التفاوت بين العدد ~~الكثير والعدد القليل، وعلى هذا فلا يخلو: إما أن يكون صوم الأيام السبعة ~~عند الرجوع في الطريق، أو عند الوصول إلى البلد؛ فإذا كان في الطريق فإنه ~~أشق من الصوم بمكة؛ لأن الصوم في السفر أشق من الصوم في الحضر؛ فكيف يجعل ~~صوم سبعة أيام في السفر في مقابلة صوم ثلاثة أيام بمكة؟ وإن كان الصوم عند ~~الوصول إلى البلد فلا فرق بين الصوم بمكة والصوم عند الوصول إلى البلد؛ لأن ~~كليهما صوم في المقام ببلد من البلاد لا تفاوت بينهما حتى يجعل صوم ثلاثة ~~أيام في مقابلة سبعة أيام على غير مثال ولا تساو؛ فعلى كلا التقديرين لا ~~يجوز أن تكون الواو في وسبعة إذا رجعتم # بمعنى أو؛ فتحقق إذا أنها للعطف خاصة، وإذا كانت للعطف خاصة فتأكيدها ~~بعشرة كاملة دليل على أن المراد وجود صوم الأيام السبعة في الطريق قبل ~~الوصول إلى البلد. # فإن قلت: إن الصوم بمكة أشق من الصوم في الظريق؛ لأن الواجب عليه # PageV02P164 # الصوم بمكة في نصب وتعب بتصريف زمانه في السعي والطواف والصلاة والعمرة ~~وغير ذلك. # قلت في الجواب: هذا لا يلزم؛ إذ الواجب عليه سعي واحد، وطواف واحد، لا ~~غير، وما عدا ذلك نافلة لا يلزم، ونحن في هذا المقام ناظرون إلى ما يجب لا ~~إلى النافلة، والذي يجب أداؤه بمكة يفرغ منه في ساعة واحدة، فكيف تجعل ~~الزيادة على ذلك دليلا يورد في هذا المقام؟ هذا غير وارد. # هكذا ورد قوله تعالى: فإذا نقر في الناقور. فذلك يومئذ يوم عسير. على ~~الكافرين غير يسير # فقوله غير يسير # بعد قوله عسير # من هذا النوع المشار إليه، وإلا فقد علم أن العسير لا يكون يسيرا، وإنما ~~ذكر ههنا على هذا الوجه لتعظيم شأن ذلك اليوم في عسره وشدته على الكافرين. # وكذلك ورد قوله تعالى: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآوا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم ms422 العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده # فإن البغضاء والعداوة بمعنى واحد، وإنما حسن إيرادهما معا في معرض واحد ~~لتأكيد البراءة بين إبراهيم صلوات الله عليه والذين آمنوا به وبين الكفار ~~من قومهم؛ حيث لم يؤمنوا بالله وحده، وللمبالغة في إظهار القطيعة ~~والمصارمة. # وورود مثل ذلك في مثل هذا الموضع كالإيجاز في موضعه، ولن ترى شيئا يرد في ~~القرآن الكريم من هذا القبيل إلا وهو لأمر اقتضاه؛ وإن خفي عنك موضع السر ~~فيه فاسأل عنه أهله العارفين به. # ومما ورد منه شعرا قول بعضهم في أبيات الحماسة «1» # PageV02P165 # نزلت على آل المهلب شاتيا ... بعيدا عن الأوطان في زمن المحل «1» # فما زال بي إكرامهم وافتقادهم ... وإحسانهم حتى حسبتهم أهلي «2» # فإن الإكرام والافتقاد داخلان تحت الإحسان، وإنما كرر ذلك للتنويه بذكر ~~الصنيع، والإيجاب لحقه. # وعلى هذا ورد قول الأعشى في قصيدته المشهورة التي يمدح بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ فقال منها «3» : # فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من وجى حتى تلاقي محمدا # فإن الوجى والكلالة معناهما سواء، وإنما حسن تكريره ههنا للإشعار ببعد ~~المسافة. ### | الضرب الثاني من القسم الثاني: # في تكرير المعنى دون اللفظ، وهو غير المفيد؛ فمن ذلك قول أبي تمام «4» : # قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا # فإن الصبا هي القبول، وليس ذلك مثل التكرير في قوله تعالى: حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى # فيما يرجع إلى تكرير اللفظ والمعنى، ولا مثل التكرير في قوله تعالى: ~~ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف # فيما يرجع إلى تكرير المعنى دون اللفظ، وقول أبي تمام الصبا والقبول لا ~~يشتمل إلا على معنى واحد لا غير. # وهذا الضرب من التكرير قد خبط فيه علماء البيان خبطا كثيرا، والأكثر منهم # PageV02P166 # أجازه؛ فقالوا: إذا كانت الألفاظ متغايرة والمعنى المعبر عنه واحدا فليس ~~استعمال ذلك بمعيب، وهذا القول فيه نظر؛ والذي عندي فيه أن الناثر يعاب على ~~استعماله مطلقا إذا أتى لغير فائدة، وأما الناظم فإنه يعاب عليه في موضع ~~دون موضع؛ أما الموضع ms423 الذي يعاب استعماله فيه فهو صدور الأبيات الشعرية وما ~~والاها، وأما الموضع الذي لا يعاب استعماله فيه فهو الأعجاز من الأبيات؛ ~~لمكان القافية، وإنما جاز ذلك ولم يكن عيبا لأنه قافية، والشاعر مضطر ~~إليها، والمضطر يحل له ما حرم عليه؛ كقول امريء القيس في قصيدته اللامية ~~التي مطلعها: # ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي # فقال: # وهل ينعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم لا يبيت بأوجال # وإذا كان قليل الهموم فإنه لا يبيت بأوجال، وهذا تكرير للمعنى، إلا أنه ~~ليس بمعيب؛ لأنه قافية؛ وكذلك ورد قول الحطيئة «1» : # قالت أمامة لا تجزع فقلت لها ... إن العزاء وإن الصبر قذ غلبا # هلا التمست لنا إن كنت صادقة ... مالا نعيش به في الناس أو نشبا # فالبيت الأول معيب؛ لأنه كرر العزاء والصبر؛ إذ معناهما واحد، ولم يردا ~~قافية؛ لأن القافية هي الباء، وأما البيت الثاني فليس بمعيب؛ لأن التكرير ~~جاء في النشب وهو قافية. # ومما يجري هذا المجرى قول المنخل اليشكري «2» : # PageV02P167 # ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير # الكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير # فإن الدمقس والحرير سواء، وقد ورد قافية فلا بأس به من أجل ذلك. # فإن قيل: إن الحرير هو الإبريسم المنسوج، بدليل قوله تعالى: وجزاهم بما ~~صبروا جنة وحريرا # فإنه لم يرد خيوط إبريسم، وإنما أراد أثوابا من الإبريسم، وأما الدمقس ~~فإنه خيوط الإبريسم محلولة، بدليل قول امريء القيس: # وشحم كهداب الدمقس المفتل «1» # فإنه لم يرد إبريسما منسوجا، وإنما أراد خيوط الإبريسم. # فالجواب عن ذلك: أنه لو حمل بيت المنخل على ذلك لفسد معناه؛ لأن المرأة ~~لا ترفل في خيوط من الإبريسم، وإنما ترفل في الأثواب منه، وأما قول امريء ~~القيس «كهداب الدمقس» فإنه لو كان الدمقس هو الخيوط المحلولة من الإبريسم ~~لما احتاج أن يقول «كهداب» فإن الهداب جمع هدب، ثم قال «المفتل» فدل بذلك ~~على أن الدمقس يطلق على الإبريسم، سواء كان منسوجا أو غير منسوج؛ وكذلك ~~الحرير أيضا، وعند الاستعمال يفهم المراد منه بالقرينة، ms424 ألا ترى أنه لما ~~قال المنخل «ترفل في الدمقس وفي الحرير» فهم من ذلك أنه أراد أثوابا من ~~الدمقس ومن الحرير؛ لأن الرفول لا يكون في خيوط من الإبريسم، وإنما يكون في ~~أثوابه. # ومما يجري على هذا النهج قول الآخر من شعراء الحماسة «2» : # PageV02P168 # إني وإن كان ابن عمي غائبا ... لمقادف من خلفه وورائه # فإن خلفا ووراء بمعنى واحد، وإنما جاز تكرارهما لأنهما قافية. # وعلى هذا ورد قول أبي تمام «1» : # دمن كأن البين أصبح طالبا ... دمنا لدى آرامها وحقودا «2» # فإن الدمنة هي الحقد. # وكذلك قول أبي الطيب المتنبي «3» : # بحر تعود أن يذم لأهله ... من دهره وطوارق الحدثان # فتركته وإذا أذم من الورى ... راعاك واستثنى بني حمدان # فإن الدهر وطوارق الحدثان سواء، وإنما جاز استعمال ذلك لأنه قافية. # وأما ما ورد في أثناء الأبيات الشعرية فكقول عنترة» # حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # PageV02P169 # فقوله «أقوى وأقفر» من المعيب؛ لأنهما لفظان وردا بمعنى واحد لغير ضرورة؛ ~~إذ الضرورة لا تكون إلا في القافية كما أريتك. # وأما ما ورد من صدور الأبيات فكقول البحتري في قصيدته العينية «1» : # ألمت وهل إلمامها بك نافع ... وزارت خيالا والعيون هواجع # فإن قوله «ألمت» وقوله «زارت خيالا» سواء، ولا فرق إذا بين صدر البيت ~~وعجزه. # فإن قيل: إنه أراد بالإلمام زيارة اليقظة، ثم قال «وزارت خيالا» . # فالجواب عن ذلك أنه لم يرد إلا زيارة المنام في الحالتين؛ لأنه قال «ألمت ~~وهل إلمامها بك نافع» ولو كان الإلمام في اليقظة لما قال «وهل إلمامها بك ~~نافع» ؛ فإنه لا نفع من زيارة المحبوب في اليقظة، وهذا غير خاف لا يحتاج ~~إلى السؤال عنه. # فإن قيل: لم أجزت ذلك للناظم وحظرته على الناثر؟. # قلت في الجواب: أما الناثر إذا سجع كلامه فالغالب أن يأتي به مزدوجا على ~~فقرتين من الفقر، ويمكنه إبدال تلك الفقرتين بغيرهما، فيسلم منه؛ وأما ~~الشاعر فإنه يصوغ قصيدا ذا أبيات متعددة على قافية من القوافي؛ فإذا تكرر ~~لديه شيء من الكلام في آخر بيت ms425 من الأبيات عسر إبداله من أجل القافية، وهذا ~~غير خاف، والسؤال عنه غير وارد. # وهذا الذي ذكرته إذا ورد في غير القافية سمي إخلاء، ويقال: إن البحتري ~~كان يخلي كثيرا في شعره، وهو لعمري كذلك، إلا أن حسن سبكه ورونق ديباجته ~~يغفر له ذلك. # PageV02P170 # ويروى عنه أنه كان إذا مثل بين يدي الفتح بن خاقان وزير المتوكل مادحا له ~~اختال بين يديه معجبا بنفسه، فتقدم خطوات ثم تأخر، وقال: أي شيء تسمعون، ~~فنقم عليه ذلك بعض حسدته، وحمل الفتح بن خاقان عليه، فقال له الفتح: لو ~~رمانا بالحجارة لكان ذلك مغفورا له فيما يقوله. # PageV02P171 ### | النوع الثامن عشر في الاعتراض # وبعضهم يسميه الحشو. # وحده: كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو أسقط لبقي الأول على حاله. # مثال ذلك أن تقول: زيد قائم؛ فهذا كلام مفيد، وهو مبتدأ وخبر؛ فإذا ~~أدخلنا فيه لفظا مفردا قلنا: زيد والله قائم، ولو أزلنا القسم منه لبقي ~~الأول على حاله، وإذا أدخلنا في هذا الكلام لفظا مركبا قلنا: زيد على ما به ~~من المرض قائم، فأدخلنا بين المبتدأ والخبر لفظا مركبا، وهو قولنا «على ما ~~به من المرض» فهذا هو الاعتراض، وهذا حده. # واعلم أن الجائز منه وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب العربية؛ فإنه يكون ~~مستقصى فيها، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين الصفة والموصوف، وبين ~~المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك مما يحسن استعماله، وكالاعتراض بين ~~المضاف والمضاف إليه، وبين إن واسمها، وبين حرف الجر ومجروره، وأمثال ذلك ~~مما يقبح استعماله، وليس هذا مكانه؛ لأن كتابنا هذا موضوع لمن استكمل معرفة ~~ذلك وغيره مما أشرنا إليه في صدر الكتاب. # وليس المراد ههنا من الاعتراض إلا ما يفرق به بين الجيد والرديء، لا ما ~~يعلم به الجائز وغير الجائز؛ لأن كتابي هذا موضوع لذكر ما يتضمنه الكلام ~~على اختلاف أنواعه من وصفي الفصاحة والبلاغة، فالذي أذكره في باب الاعتراض ~~إنما هو ما اشتمل على شيء من هذين الوصفين المشار إليهما. # واعلم أن الاعتراض ينقسم قسمين: ms426 أحدهما: لا يأتي في الكلام إلا لفائدة، # PageV02P172 # وهو جار مجرى التوكيد، والآخر: أن يأتي في الكلام لغير فائدة؛ فإما أن ~~يكون دخوله فيه كخروجه منه، وإما أن يؤثر في تأليفه نقصا وفي معناه فسادا. ### | فالقسم الأول- # وهو الذي يأتي الكلام لفائدة- كقوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه ~~لقسم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون # ؛ ففي هذا الكلام اعتراضان: أحدهما قوله: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # وذلك اعتراض بين القسم الذي هو فلا أقسم بمواقع النجوم # وبين جوابه الذي هو إنه لقرآن كريم # وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو قسم # وبين صفته التي هي عظيم # وهو قوله: لو تعلمون # فذانك اعتراضان كما ترى، وفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هي ~~تعظيم لشأن المقسم به في نفس السامع، ألا ترى إلى قوله: لو تعلمون # اعتراضا بين الموصوف والصفة وذلك الأمر بحيث لو علم وفي حقه من التعظيم، ~~وهذا مثل قولنا: إن هذا الأمر لعظيم بحيث لو تعلم يا فلان عظمه لقدرته حق ~~قدره؛ فإن ذلك يكبر في نفس المخاطب، ويظل متطلعا إلى معرفة عظمه. # وكذلك ورد قوله تعالى: ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون # وتقديره: ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون؛ فاعترض بين المفعولين «1» ~~بسبحانه، وهو مصدر يدل على التنزيه «2» فكأنه قال: ويجعلون لله البنات، وهو ~~منزه عن ذلك، ولهم ما يشتهون، وفائدة هذا الاعتراض ههنا ظاهرة. # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: قالوا نفقد صواع الملك ~~ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في ~~الأرض وما كنا سارقين # فقوله: لقد علمتم # اعتراض بين القسم وجوابه، وفائدته تقرير إثبات البراءة من الفساد ~~والنزاهة من تهمة السرقة: أي إنكم قد علمتم هذا منا، ونحن مع علمكم به نقسم ~~بالله على صدقه. # PageV02P173 # وقد ورد الاعتراض في القرآن كثيرا، وذلك في كل موضع يتعلق بنوع من خصوصية ~~المبالغة في المعنى المقصود. # ومن هذا القسم قوله تعالى: ms427 وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ~~قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون # فهذا الاعتراض بين إذا وجوابها؛ لأن تقدير الكلام وإذا بدلنا آية مكان ~~آية قالوا إنما أنت مفتر، فاعترض بينهما بقوله تعالى: والله أعلم بما ينزل # وهو مبتدأ وخبر، وفائدته إعلام القائلين إنه مفتر أن ذلك من الله وليس ~~منه، وأنه أعلم بذلك منهم. # ومن هذا الباب قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على ~~وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك # ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي قد طبق مفصل البلاغة، وفائدته أنه لما وصى ~~بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق في حمل الولد وفصاله؛ إيجابا ~~للتوصية بها، وتذكيرا بحقها، وإنما خصها بالذكر دون الأب لأنها تتكلف من ~~أمر الولد ما لا يتكلفه، ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له: ~~من أبر؟ فقال: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك» . # ومما جاء على هذا الأسلوب قوله عز وجل: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون. فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحى الله الموتى ~~ويريكم آياته لعلكم تعقلون # فقوله: والله مخرج ما كنتم تكتمون # اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفائدته أن يقرر في نفوس المخاطبين ~~وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعا لهم في ~~إخفائه وكتمانه؛ لأن الله تعالى مظهر لذلك، ولو جاء الكلام غير معترض فيه ~~لكان: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها، ولا يخفى على ~~البليغ الفرق بين ذلك وبين كونه معترضا فيه. # ومما ورد من ذلك شعرا قول امريء القيس «1» : # PageV02P174 # ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # تقديره: كفاني قليل من المال؛ فاعترض بين الفعل والفاعل بقوله: «ولم ~~أطلب» وفائدته تحقير المعيشة وأنها تحصل بغير طلب ولا عناء، وإنما الذي ~~يحتاج الى الطلب هو المجد المؤثل. # وكذلك قول جرير «1» : # ولقد ms428 أراني والجديد إلى بلى ... في موكب طرف الحديث كرام # تقديره: ولقد أراني في موكب طرف الحديث؛ فاعترض بين المفعولين، وإنما جاء ~~بهذا الاعتراض تعزيا عما مضى من تلك اللذة وذلك النعيم الذي فاز به من عشرة ~~أولئك الأحباب، ولقد أعهدني في كذا وكذا من اللذة، وذلك قد مضى وسلف وبلي ~~جديده، وكذلك كل جديد فإنه إلى بلى. # والاعتراض إذا كان هكذا كسا الكلام لطفا إن كان غزلا، وكساه أبهة وجلالا ~~إن كان مديحا أو ما يجري مجراه من أساليب الكلام، وإن كان هجاء كساه تأكيدا ~~وإثباتا، كقول كثير «2» : # لو ان الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا # فقوله «وأنت منهم» من محمود الاعتراض ونادره، وفائدته ههنا التصريح بما ~~هو المراد، وتقدير هذا الكلام قبل الاعتراض: لو أن الباخلين رأوك؛ فاعترض ~~بين اسم إن وهو الباخلين وبين خبرها وهو رأوك بالمبتدأ والخبر الذي هو ~~«وأنت منهم» . # ومن محاسن ما جاء في هذا الباب قول المضرب السعدي «3» : # PageV02P175 # فلو سألت سراة الحي سلمى ... على أن قد تلون بي زماني # لخبرها ذوو أحساب قومي ... وأعدائي فكل قد بلاني # وهذا اعتراض بين «لو» وجوابها، وهو من فائق الاعتراض ونادره، وتقديره: ~~فلو سألت سراة الحي سلمى لخبرها ذوو أحساب قومي وأعدائي، وفائدة قوله: «على ~~أن قد تلون بي زماني» أي: أنهم يخبرون عني على تلون الزمان بي، يريد تنقل ~~حالاته من خير وشر، وليس من عجمه الزمان وأبان عن جوهره كغيره ممن لم يعجمه ~~ولا أبان عنه. # ومن ذلك قول أبي تمام «1» : # وإن الغنى لي إن لحظت مطالبي ... من الشعر إلا في مديحك أطوع # وهذا البيت في اعتراضان: الأول بين اسم «إن» وخبرها، تقديره: وإن الغنى ~~أطوع لي من الشعر، فاعترض بين الاسم والخبر بقوله: «إن لحظت مطالبي» وأما ~~الاعتراض الثاني فقوله: «إلا في مديحك» فجاء بالجملة الاستثنائية مقدمة، ~~وموضعها التأخير، فاعترض بها بين الجملة التي هي خبر إن، وتقدير البيت ~~بجملته: وأن الغنى أطوع لي من الشعر إن لحظت مطالبي إلا في مديحك، وفائدة ~~قوله: ms429 «إلا في مديحك» من الاعتراض الذي اكتسب به الكلام [رقة] فائدة حسنة، ~~والمراد به وصف جود الممدوح بالإسراع، ووصف خاطر شعره بالإسراع إذا كان في ~~مدحه خاصة دون غيره، فهذا الاعتراض يتضمن مدح الممدوح والمادح معا، وهو من ~~محاسن ما يجيء في هذا الموضع. # وكذلك ورد قوله «2» : # PageV02P176 # رددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم # وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي # فقوله «وخير القول أصدقه» اعتراض بين المفعول والفعل؛ لأن موضع حقنت نصب؛ ~~إذ هو مفعول أبالي، وفائدته إثبات ما ماثل به بين ماء الوجه والدم: أي أن ~~هذا القول صدق ليس بكذب. ### | وأما القسم الثاني- # وهو والذي يأتي في الكلام لغير فائدة- فهو ضربان: ### | الضرب الأول: # يكون دخوله في الكلام كخروجه منه لا يكتسب به حسنا ولا قبحا؛ فمن ذلك قول ~~النابغة «1» : # يقول رجال يجهلون خليقتي ... لعل زيادا لا أبالك غافل # فقوله «لا أبالك» من الاعتراض الذي لا فائدة فيه، وليس مؤثرا في هذا ~~البيت حسنا ولا قبحا. # ومثله جاء قول زهير «2» : # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبالك يسأم # وقد وردت هذه اللفظة- وهي «لا أبالك» - في موضع آخر فكان للاعتراض بها ~~فائدة حسنة، كقول أبي تمام: # عتابك عني لا أبالك وأقصدي # PageV02P177 # فإنه لما كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق ~~الذم. ### | الضرب الثاني- # وهو الذي يؤثر في الكلام نقصا، وفي المعنى فسادا- وقد تقدم ذكر أمثاله ~~وأنظاره في باب التقديم والتأخير، وإنما جيء بذكره ههنا مكررا لإتمام ~~التقسيم الاعتراضي فيما أفاد وفيما لا يفيد، وقد ذكرت من ذلك مثالا واحدا ~~أو مثالين؛ فمما ورد منه قول بعضهم «1» : # فقد والشك بين لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح # فإن هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك، وهو الفصل بين قد والفعل ~~الذي هو بين، وذلك قبيح؛ لقوة اتصال قد بما تدخل عليه من الأفعال ألا تراها ~~تعد مع الفعل كالجزء منه، ولذلك أدخلت عليها اللام المراد بها توكيد الفعل، ms430 ~~كقوله تعالى: لقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك # وقوله تعالى: ولقد علموا لمن اشتراه # وقول الشاعر «2» : # ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور «3» # إلا إن فصل بين قد والفعل بالقسم فإن ذلك لا بأس به، نحو قوله: قد والله ~~كان ذاك، وقد فصل في هذا البيت أيضا بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر ~~الذي هو عناء بقوله بين لي، وفصل بين الفعل الذي هو بين وبين فاعله الذي هو ~~صرد بخبر المبتدأ الذي هو عناء؛ فجاء معنى البيت كما تراه، كأنه صورة مشوهة ~~قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض. # PageV02P178 # ومن هذا الضرب قول الآخر: # نظرت وشخصي مطلع الشمس ظله ... إلى الغرب حتى ظله الشمس قد عقل # أراد نظرت مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب حتى عقل الشمس: أي حاذاها، ~~وعلى هذا التقدير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو شخصي وبين خبره ~~الجملة، وهو قوله ظله إلى الغرب، وأغلظ من ذلك أنه فصل بين الفعل وفاعله ~~بالأجنبي، وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويورثها اختلالا. # واعلم أن الناثر في استعمال ذلك أكثر ملامة من الناظم، وذاك أن الناظم ~~مضطر إلى إقامة ميزان الشعر، وربما كان مجال الكلام عليه ضيقا، فيلقيه طلب ~~الوزن في مثل هذه الورطات؛ وأما الناثر فلا يضطر إلى إقامة الميزان الشعري، ~~بل يكون مجال الكلام عليه واسعا، ولهذا إذا اعترض في كلامه اعتراضا يفسده ~~توجه عليه الإنكار، وحق عليه الذم. # PageV02P179 ### | النوع التاسع عشر في الكناية والتعريض # وهذا النوع مقصور على الميل مع المعنى وترك اللفظ جانبا. # وقد تكلم علماء البيان فيه؛ فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريص، ولم ~~يفرقوا بينهما، ولا حدوا كلا منهما بحد يفصله عن صاحبه، بل أوردوا لهما ~~أمثلة من النظم والنثر، وأدخلوا أحدهما في الآخر؛ فذكروا للكناية أمثلة من ~~التعريض، وللتعريض أمثلة من الكناية؛ فممن فعل ذلك الغانمي وابن سنان ~~الخفاجي والعسكري؛ فأما ابن سنان فإنه ذكر في كتابه «1» قول امريء القيس: # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامها ... ورضت فذلت صعبة ms431 أي إذلال «2» # وهذا مثال ضربه للكناية عن المباضعة، وهو مثال للتعريض. # ووجدت في كتاب التذكرة لابن حمدون البغدادي، وكان مشارا إليه عندهم ~~بفضيلة ومعرفة، لا سيما فن الكتابة؛ فوجدت في كتابه ذلك بابا مقصورا على ~~ذكر الكناية والتعريض، وما قيل فيهما نظما ونثرا، وهو محشو بالخلط بين هذين ~~القسمين من غير فصل بينهما، وقد أورد أيضا في بعضه أمثلة غثة باردة. # PageV02P180 # وسأذكر ما عندي في الفرق بينهما، وأميز أحدهما عن الآخر؛ ليعرف كل منهما ~~على انفراده؛ فأقول: ### | أما الكناية # فقد حدت بحد؛ فقيل: هي اللفظ الدال على الشيء على غير الوضع الحقيقي بوصف ~~جامع بين الكناية والمكنى عنه، كاللمس والجماع؛ فإن الجماع اسم موضوع حقيقي ~~واللمس كناية عنه، وبينهما الوصف الجامع، إذ الجماع لمس وزيادة، فكان دالا ~~عليه بالوضع المجازي. # هذا الحد فاسد؛ لأنه يجوز أن يكون حدا للتشبيه؛ فإن التشبيه هو اللفظ ~~الدال على غير الوضع الحقيقي لجامع بين المشبه والمشبه به وصفة من الأوصاف؛ ~~ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد أسد، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضح الحقيقي، ~~بوصف جامع بين زيد والأسد، وذلك الوصف هو الشجاعة، ومن ههنا وقع الغلط لمن ~~أشرت إليه في الذي ذكره في حد الكناية. # وأما علماء أصول الفقه فإنهم قالوا في حد الكناية: إنها اللفظ المحتمل، ~~يريدون بذلك أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى وعلى خلافه. # وهذا فاسد؛ فإنه ليس كل لفظ يدل على المعنى وعلى خلافه بكناية، دليل ذلك ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم «إذا لم تستح فافعل ما شئت» فإن هذا اللفظ ~~يدل على المعنى وعلى خلافه، وبيان ذلك أنه يقول في أحد معنييه: إنك إذا لم ~~يكن لك وازع يزعك عن الحياء فافعل ما شئت، وأما معناه الآخر فإنه يقول: إذا ~~لم تفعل فعلا يستحى منه فافعل ما شئت، وهذا ليس من الكناية في شيء؛ فبطل ~~إذا هذا الحد؛ ومثال الفقيه في قوله «إن الكناية هي اللفظ المحتمل» مثال من ~~أراد أن يحد الإنسان فأتى بحد ms432 الحيوان؛ فعبر بالأعم وكذلك يقال ههنا، فإن ~~كل كناية لفظ محتمل، وليس كل لفظ محتمل كناية. # والذي عندي في ذلك أن الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز ~~حملها على الجانبين معا، ألا ترى أن اللمس في قوله تعالى: أو لامستم ~~النساء* # يجوز حمله على الحقيقة والمجاز؛ وكل منهما يصح به المعنى، ولا يختل، ~~ولهذا ذهب الشافعي رحمه الله ألى أن اللمس هو مصافحة الجسد الجسد، فأوجب # PageV02P181 # الوضوء على الرجل إذا لمس المرأة، وذلك هو الحقيقة في اللمس، وذهب غيره ~~إلى أن المراد باللمس هو الجماع، وذلك مجاز فيه، وهو الكناية، وكل موضع ترد ~~فيه الكناية فإنه يتجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، ويجوز حمله على كليهما معا، ~~وأما التشبيه فليس كذلك، ولا غيره من أقسام المجاز؛ لأنه لا يجوز حمله إلا ~~على جانب المجاز خاصة، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، ألا ترى ~~أنا إذا قلنا: زيد أسد، لا يصح إلا على جانب المجاز خاصة، وذاك أنا شبهنا ~~زيدا بالأسد في شجاعته، ولو حملناه على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، لأن ~~زيدا ليس ذلك الحيوان ذا الأربع والذنب والوبر والأنياب والمخالب. # وإذا كان الأمر كذلك فحد الكناية الجامع لها هو: أنها كل لفظة دلت على ~~معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز، بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز. # والدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشيء وتريد غيره، ~~يقال: كنيت بكذا عن كذا، فهي تدل على ما تكلمت به، وعلى ما أردته من غيره، ~~وعلى هذا فلا تخلو: إما أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، أو في ~~لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة، وليس ~~لنا قسم رابع، ولا يصح أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة؛ لأن ذلك ~~هو اللفظ المشترك، وإذا أطلق من غير قرينة تخصصه كان مبهما غير مفهوم، وإذا ~~أضيف إليه القرينة صار مختصا بشيء بعينه، والكناية أن تتكلم بشيء وتريد ~~غيره، وذلك مخالف للفظ المشترك ms433 إذا أضيف إليه القرينة؛ لأنه يختص بشيء واحد ~~بعينه لا يتعداه إلى غيره، وكذلك لا يصح أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه ~~جانبا مجاز ومجاز؛ لأن المجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها؛ لأنه فرع عليها، ~~وذلك اللفظ الدال على المجازين إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه ~~أو لا يكون لها شركة، فإن كان لها شركة في الدلالة فيكون اللفظ الواحد قد ~~دل على ثلاثة أشياء أحدها الحقيقة، وهذا مخالف لأصل الوضع؛ لأن أصل الوضع ~~أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، وههنا تكون قد تكلمت بشيء وأنت تريد شيئين ~~غيره؛ وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا للوضع أيضا؛ لأن ~~أصل الوضع أن # PageV02P182 # تتكلم بشيء وأنت تريد غيره؛ فيكون الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به ~~وعلى غيره، وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي ~~تكلمت به دالا على ما تكلمت به، وهذا محال؛ فتحقق حينئذ أن الكناية أن ~~تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز، وهذا الكلام في حقيقة الدليل على تحقيق ~~أمر الكناية لم يكن لأحد فيه قول سابق. # واعلم أن الكناية مشتقة من الستر، يقال: كنيت الشيء؛ إذا سترته، وأجري ~~هذا الحكم في الألفاظ التي يستر فيها المجاز بالحقيقة؛ فتكون دالة على ~~الساتر وعلى المستور معا، ألا ترى إلى قوله تعالى: أو لامستم النساء* # فإنه إن حمل على الجماع كان كناية؛ لأنه ستر الجماع بلفظ اللمس الذي ~~حقيقته مصافحة الجسد الجسد، وإن حمل على الملامسة التي هي مصافحة الجسد ~~الجسد كان حقيقة، ولم يكن كناية، وكلاهما يتم به المعنى، وقد تأولت الكناية ~~بغير هذا، وهي أنها مأخوذة من الكنية التي يقال فيها: أبو فلان، فإنا إذا ~~نادينا رجلا اسمه عبد الله وله ولد اسمه محمد فقلنا: يا أبا محمد، كان ذلك ~~مثل قولنا: يا عبد الله؛ فإن شئنا ناديناه بهذا، وإن شئنا ناديناه بهذا، ~~وكلاهما واقع عليه، وكذلك يجري الحكم في الكناية، فإنا إذا شئنا حملناها ms434 ~~على جانب المجاز، وإذا شئنا حملناها على الحقيقة، إلا أنه لا بد من الوصف ~~لجامع بينهما، لئلا يلحق بالكناية ما ليس منها، ألا ترى إلى قوله تعالى: إن ~~هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة # فكنى بذلك عن النساء، والوصف الجامع بينهما هو التأنيث، ولولا ذلك لقيل ~~في مثل هذا الموضع: إن أخي له تسع وتسعون كبشا ولي كبش واحد، وقيل: هذه ~~كناية عن النساء، ومن أجل ذلك لم يلتفت إلى تأويل من تأول قوله تعالى: ~~وثيابك فطهر # أنه أراد بالثياب القلب، على حكم الكناية؛ لأنه ليس بين الثياب والقلب ~~وصف «1» جامع، ولو كان بينهما وصف جامع لكان التأويل صحيحا. # PageV02P183 # فإن قيل: فما الدليل على اشتقاق الكناية من كنيت الشيء، إذا سترته، ومن ~~الكنية؟ # قلت في الجواب: أما اشتقاقها من كنيت الشي إذا سترته فإن المستور فيها هو ~~المجاز؛ لأن الحقيقة تفهم أولا، ويتسارع الفهم إليها قبل المجاز؛ لأن دلالة ~~اللفظ عليها دلالة وضعية، وأما المجاز فإنه يفهم منه بعد فهم الحقيقة، ~~وإنما يفهم بالنظر والفكرة، ولهذا يحتاج إلى دليل، لأنه عدول عن ظاهر ~~اللفظ؛ فالحقيقة أظهر، والمجاز أخفي، وهو مستور بالحقيقة، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: أو لامستم النساء* # فإن الفهم يتسارع فيه إلى الحقيقة التي هي مصافحة الجسد الجسد، واما ~~المجاز الذي هو الجماع فإنه يفهم بالنظر والفكر، ويحتاج الذاهب إليه إلى ~~دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ. وأما اشتقاقها من الكنية فلأن محمدا في هذه ~~الصورة المذكورة هو حقيقة هذا الرجل: أي الاسم الموضوع بإزائه أولا، وأما ~~أبو عبد الله فإنه طار عليه بعد محمد؛ لأنه لم يكن له إلا بعد أن صار له ~~ولد اسمه عبد الله، وكذلك الكناية؛ فإن الحقيقة لها هو الاسم الموضوع ~~بإزائها أولا في أصل الوضع، وأما المجاز فإنه طار عليها بعد ذلك؛ لأنه فرع، ~~والفرع إنما يكون بعد الأصل، وإنما يعمد إلى ذلك الفرع للمناسبة الجامعة ~~بينه وبين الأصل على ما تقدم الكلام فيه، وهذا القدر كاف في الدلالة ms435 على ~~اشتقاق الكناية من ذينك المعنيين المشار إليهما. # فإن قيل: إنك قد ذكرت أقسام المجاز في باب الاستعارة التي قدمت ذكرها في ~~كتابك هذا، وحصرتها في أقسام ثلاثة، وهي: التوسع في الكلام، والاستعارة، ~~والتشبيه، ونراك قد ذكرت الكناية في المجاز أيضا، فهل هي قسم رابع لتلك ~~الأقسام الثلاثة أم هي من جملتها؟ فإن كانت قسما رابعا، فذلك نقض للحصر ~~الذي حصرته، وإن كانت من جملتها فقد أعدت ذكرها ههنا مرة ثانية، وهذا ~~المكرر لا حاجة إليه. # فالجواب عن ذلك أني أقول: أما الحصر الذي حصرته في باب الاستعارة فهو ~~ذاك، ولا زيادة عليه، وأما الكناية فإنها جزء من الاستعارة، ولا تأتي إلا ~~على حكم الاستعارة خاصة، لأن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار ~~له، # PageV02P184 # وكذلك الكناية، فإنها لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المكنى عنه، ونسبتها إلى ~~الاستعارة نسبة خاص إلى عام؛ فيقال: كل كناية استعارة، وليس كل استعارة ~~كناية، ويفرق بينهما من وجه آخر، وهو أن الاستعارة لفظها صريح والصريح هو: ~~ما دل عليه ظاهر لفظه، والكناية: ضد الصريح؛ لأنها عدول عن ظاهر اللفظ، ~~وهذه ثلاثة فروق: أحدهما: الخصوص والعموم، والآخر الصريح، والآخر الحمل على ~~جانب الحقيقة والمجاز. # وقد تقدم القول في باب الاستعارة أنها جزء من المجاز، وعلى ذلك فتكون ~~نسبته الكناية إلى المجاز نسبة جزء الجزء وخاص الخاص. # وكان ينبغي أن نذكر الكناية عند ذكر الاستعارة في النوع الأول من هذه ~~الأنواع المذكورة في المقالة الثانية، وإنما أفردتها بالذكر ههنا من أجل ~~التعريض؛ لأن من العادة أن يذكرا جميعا في مكان واحد. # وقد يأتي في الكلام ما يجوز أن يكون كناية ويجوز أن يكون استعارة، وذلك ~~يختلف باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده، كقول نصر بن سيار في ~~أبياته المشهورة التي يحرض بها بني أمية عند خروج أبي مسلم: # أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام # فإن النار بالزندين تورى ... وإن الحرب أولها كلام # أقول من التعجب: ليت شعري ... أأيقاظ ms436 أمية أم نيام # فإن هبوا فذاك بقاء ملك ... وإن رقدوا فإني لا ألام # فالبيت الأول لو ورد بمفرده كان كناية؛ لأنه يجوز حمله على جانب الحقيقة ~~وحمله على جانب المجاز: أما الحقيقة فإنه أخبر أنه رأى وميض جمر في خلل ~~الرماد، وأنه سيضطرم، وأما المجاز فإنه أراد أن هناك ابتداء شر كامن ومثله ~~بوميض جمر من خلل الرماد، وإذا نظرنا إلى الأبيات جملتها اختص البيت الأول ~~منها بالاستعارة دون الكناية. # PageV02P185 # وكثيرا ما يرد مثل ذلك ويشكل؛ لتجاذبه بين الكناية والاستعارة، على أنه ~~لا يشكل إلا على غير العارف. ### | وأما التعريض: # فهو اللفظ الدال على الشيء من طريق المفهوم، لا بالوضع الحقيقي ولا ~~المجازي، فإنك إذا قلت لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب: والله إني لمحتاج ~~وليس في يدي شيء وأنا عريان والبرد قد آذاني؛ فإن هذا وأشباهه تعريض ~~بالطلب، وليس هذا اللفظ موضوعا في مقابلة الطلب، لا حقيقة ولا مجازا، إنما ~~دل عليه من طريق المفهوم، بخلاف دلالة اللمس على الجماع، وعليه ورد التعريض ~~في خطبة النكاح، كقولك للمرأة: إنك لخلية وإني لعزب؛ فإن هذا وأمثاله لا ~~يدل على طلب النكاح حقيقة ولا مجازا، والتعريض أخفي من الكناية؛ لأن دلالة ~~الكناية لفظية وضعية من جهة المجاز، ودلالة التعريض من جهة المفهوم لا ~~بالوضع الحقيقي ولا المجازي، وإنما سمي التعريض تعريضا لأن المعنى فيه يفهم ~~من عرضه: أي من جانبه، وعرض كل شيء: جانبه. # واعلم أن الكناية تشمل اللفظ المفرد والمركب معا؛ فتأتي على هذا تارة، ~~وعلى هذا أخرى، وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب، ولا يأتي في اللفظ ~~المفرد ألبتة، والدليل على ذلك أنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ولا ~~من جهة المجاز، وإنما يفهم من جهة التلويح والإشارة، وذلك لا يستقل به ~~اللفظ المفرد، ولكنه يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب، وعلى هذا فإن ~~بيت امريء القيس «1» الذي ذكره ابن سنان مثالا للكناية هو مثال للتعريض؛ ~~فإن غرض امريء القيس من ذلك أن يذكر الجماع، غير ms437 أنه لم يذكره، بل ذكر ~~كلاما آخر يفهم الجماع من عرضه؛ لأن المصير إلى الحسنى ورقة الكلام لا يفهم ~~منهما ما أراده امرؤ القيس من المعنى لا حقيقة ولا مجازا، وهذا لا خفاء به ~~فاعرفه. # PageV02P186 # وحيث فرقنا بين الكناية والتعريض وميزنا أحدهما عن الآخر فلنفصلهما، ~~ونذكر أقسامهما، ولنبدأ أولا بالكناية؛ فنقول: # اعلم أن الكناية تنقسم قسمين: أحدهما: ما يحسن استعماله، والآخر ما لا ~~يحسن استعماله، وهو عيب في الكلام فاحش. # وقد ذهب قوم إلى أن الكناية تنقسم أقساما ثلاثة: تمثيلا، وإردافا، ~~ومجاورة. # فأما التمثيل فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ~~ذلك مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه، كقولهم: فلان نقي الثوب: أي ~~منزه من العيوب. # وأما الإرداف فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ~~ذلك رادفا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه ولازما له، كقولهم: فلان طويل ~~النجاد: أي طويل القامة؛ فطول النجاد رادف لطول القامة ولازم له، بخلاف ~~نقاء الثوب في الكناية عن النزاهة من العيوب؛ لأن نقاء الثوب لا يلزم منه ~~النزاهة من العيوب، كما يلزم من طول النجاد طول القامة. # وأما المجاورة فهي أن تريد ذكر الشيء فتتركه إلى ما جاوره، كقول عنترة ~~«1» : # بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مفدم # يريد بالزجاجة الخمر، فذكر الزجاجة وكنى بها عن الخمر؛ لأنها مجاورة لها. # وهذا التقسيم غير صحيح؛ لأن من شرط التقسيم أن يكون كل قسم منه # PageV02P187 # مختصا بصفة خاصة تفصله عن عموم الأصل، كقولنا: الحيوان ينقسم أقساما منها ~~الإنسان، وحقيقته كذا وكذا، ومنها الأسد وحقيقته كذا وكذا، ومنها الفرس ~~وحقيقته كذا وكذا، ومنها غير ذلك؛ وههنا لم يكن التقسيم كذلك؛ فإن التمثيل ~~على ما ذكر عبارة عن مجموع الكناية؛ لأن الكناية إنما هي أن تراد الإشارة ~~إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك اللفظ مثالا للمعنى الذي أريدت ~~الإشارة إليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي ~~نعجة واحدة # فإنه أراد ms438 الإشارة إلى النساء، فوضع لفظا لمعنى آخر، وهو النعاج، ثم مثل ~~به النساء، وهكذا يجري الحكم في جميع ما يأتي من الكنايات؛ لكن منها ما ~~يتضح التمثيل فيه وتكون الشبهية بين الكناية والمكنى عنه شديدة المناسبة، ~~ومنه ما يكون دون ذلك في الشبهية، وقد تأملت ذلك، وحققت النظر فيه؛ فوجدت ~~الكناية إذا وردت على طريق اللفظ المركب كانت شديدة المناسبة واضحة ~~الشبهية، وإذا وردت على طريق اللفظ المفرد لم تكن بتلك الدرجة في قوة ~~المناسبة والمشابهة، ألا ترى إلى قولهم: فلان نقي الثوب، وقولهم اللمس ~~كناية عن الجماع؛ فإن نقاء الثوب أشد مناسبة وأوضح شبها؛ لأنا إذا قلنا ~~نقاء الثوب من الدنس كنزاهة العرض من العيوب اتضحت المشابهة ووجدت المناسبة ~~بين الكناية والمكنى عنه شديدة الملاءمة، وإذا قلنا اللمس كالجماع لم يكن ~~بتلك الدرجة في قوة المشابهة، وهذا الذي ذكر من أن من الكناية تمثيلا وهو ~~كذا وكذا غير سائغ ولا وارد، بل الكناية كلها هي ذاك، والذي قدمته من القول ~~فيها هو الحاصر لها، ولم يأت به أحد غيري كذلك. # وأما الإرداف فإنه ضرب من اللفظ المركب، إلا أنه اختص بصفة تخصه، وهي أن ~~تكون الكناية دليلا على المكنى عنه ولازمه له، بخلاف غيرها من الكنايات، ~~ألا ترى أن طول النجاد دليل على طول القامة ولازم له، وكذلك يقال: # فلان عظيم الرماد: أي كثير إطعام الطعام، وعليه ورد قول الأعرابية في ~~حديث أم زرع في وصف زوجها: له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك، إذا سمعن ~~صوت # PageV02P188 # المزهر أيقن أنهن هوالك، وغرض الأعرابية من هذا القول أن تصف زوجها ~~بالجود والكرم، إلا أنها لم تذكر ذلك بلفظه الصريح، وإنما ذكرته من طريق ~~الكناية على وجه الإرداف الذي هو لازم له. # وكذلك ورد في الأخبار النبوية أيضا، وذاك أن امرأة جاءت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسألته عن غسلها من الحيض، فأمرها أن تغتسل، ثم قال: «خذي ~~فرصة من مسك فتطهري بها» قالت: كيف أتطهر بها؟ فقال: «تطهري بها» قالت: ms439 كيف ~~أتطهر بها؟ # قال: «سبحان الله! تطهري بها» فاجتذبتها عائشة رضي الله عنها إليها، ~~وقالت: # تتبعي بها أثر الدم، فقولها «أثر الدم» كناية عن الفرج على طريق الإرداف؛ ~~لأن أثر الدم في الحيض لا يكون إلا في الفرج، فهو رادف له. # ومما ورد من ذلك شعرا قول عمر بن أبي ربيعة «1» : # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم # فإن بعد مهوى القرط دليل على طول العنق. # ومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظه مثل؛ كقول الرجل إذا نفى عن ~~نفسه القبيح: مثلي لا يفعل هذا: أي أنا لا أفعله، فنفى ذلك عن مثله ويريد ~~نفيه عن نفسه؛ لأنه إذا نفاه عمن يماثله ويشابهه فقد نفاه عن نفسه لا ~~محالة؛ إذ هو ينفي ذلك عنه أجدر، وكذلك يقال: مثلك إذا سئل أعطى: أي أنت ~~إذا سئلت أعطيت، وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنه يجعل من جماعة هذه ~~أوصافهم تثبيتا للأمر وتوكيدا، ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم يرس ~~فيه قدمه، وهذا مثل قول القائل إذا كان في مدح إنسان: أنت من القوم الكرام: ~~أي لك في هذا الفعل سابقة، وأنت حقيق به، ولست دخيلا فيه. # PageV02P189 # وقد ورد هذا في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير # والفرق بين قوله ليس كمثله شيء # وبين قوله ليس كالله شيء هو ما أشرت إليه، وإن كان الله سبحانه وتعالى لا ~~مثل له حتى يكون لمثله مثل، وإنما ذكر ذلك على طريق المجاز قصدا للمبالغة. # وقد يأتي هذا الموضع بغير لفظة مثل وهي مقصودة، كقولك للعربي: العرب لا ~~تخفر الذمم: أي أنت لا تخفر الذمم، وهذا أبلغ من قولك: أنت لا تخفر الذمم، ~~وهذا أبلغ من قولك: أنت لا تخفر الذمم؛ لما أشرت إليه. # وعلى نحو من هذا جاء قول أبي الطيب المتنبي «1» : # ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل «2» # وإذا فرغت من ذكر الأصول التي قدمت ذكرها فإني أتبعها ms440 بضرب الأمثلة نثرا ~~ونظما، حتى يزداد ما ذكرته وضوحا. # PageV02P190 # فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: أيحب أحدكم أن يأكل ~~لحم أخيه ميتا # فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ~~ذلك حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة؛ ~~فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله؛ ~~فأما جعل الغيبة كأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا؛ لأن ~~الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل ~~الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة، وأما جعله كلحم ~~الأخ فلما في الغيبة من الكراهة، لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها ~~آمران بتركها والبعد عنها، ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته، ~~ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل ~~كراهته لحم أخيه، فهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة، وأما جعل اللحم ~~ميتا فمن أجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها، وأما جعله ما هو في ~~الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى ~~الغيبة والشهوة لها مع العلم بقبحها؛ فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية ~~تجدها من أشد الكنايات شبها؛ لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات ~~الأربع التي أشرنا إليها وجدتها مناسبة لما قصدت له. # وكذلك ورد قوله تعالى: وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطوها # والأرض التي لم يطئوها كناية عن مناكح النساء، وذلك من حسن الكناية ~~ونادره. # وكذلك ورد قوله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل ~~السيل زبدا رابيا # فكني بالماء عن العلم وبالأودية عن القلوب وبالزبد عن الضلال، وهذه الآية ~~قد ذكرها أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الموسوم ب «إحياء الله علوم ~~الدين» وفي كتابه الموسوم ب «الجواهر» و «الأربعين» وأشار بها إلى أن في ~~القرآن الكريم ms441 إشارات وإيماآت لا تنكشف إلا بعد الموت، وهذا يدل على أن ~~الغزالي رحمه الله لم يعلم أن هذه الآية من باب الكنايات الذي لفظها يجوز ~~حمله على جانبي الحقيقة والمجاز. # PageV02P191 # وقد رأيت جماعة من أئمة الفقه لا يحققون أمر الكناية، وإذا سئلوا عنها ~~عبروا عنها بالمجاز، وليس الأمر كذلك، وبينهما وصف جامع، كهذه الآية وما ~~جرى مجراها، فإنه يجوز حمل الماء على المطر النازل من السماء، وعلى العلم، ~~وكذلك يجوز حمل الأودية على مهابط الأرض، وعلى القلوب، وهكذا يجوز حمل ~~الزبد على الغثاء الرابي الذي تقذفه السيول، وعلى الضلال، وليس في أقسام ~~المجاز شيء يجوز حمله على الطرفين معا سوى الكناية. # وبلغني عن الفراء النحوي أنه ذكر في تفسيره آية، وزعم أنها كناية، وهي ~~قوله تعالى: وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال # فقال: إن الجبال كناية عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به ~~من الآيات، وهذه الآية من باب الاستعارة، لا من باب الكناية؛ لأن الكناية ~~لا تكون إلا فيما جاز حمله على جانبي المجاز والحقيقة، والجبال ههنا لا يصح ~~بها المعنى إلا إذا حملت على جانب المجاز خاصة؛ لأن مكر أولئك لم يكن لتزول ~~منه جبال الأرض؛ فإن ذلك محال. # وأما ما ورد منها في الأخبار النبوية فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إنه كانت امرأة فيمن كان من قبلنا، وكان لها ابن عم يحبها، فراودها عن ~~نفسها، فامتنعت عليه، حتى إذا أصابتها شدة فجاءت إليه تسأله، فراودها، ~~فمكنته من نفسها؛ فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة قالت له: لا يحل لك ~~أن تفض الخاتم إلا بحقه» فقام عنها وتركها، وهذه كناية واقعة في موقعها. # ومن ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رويدك سوقك بالقوارير» يريد ~~بذلك النساء، فكنى عنهن بالقوارير، وذاك أنه كان في بعض أسفاره وغلام أسود ~~اسمه أنجشة يحدو، فقال له: «يا أنجشة، رويدك سوقك بالقوارير» وهذه كناية ~~لطيفة. # وكذلك ورد حديث الحديبية، ms442 وذاك أنه لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الركية جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من أهل تهامة، فقال: ~~تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ ~~المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، وهذه كناية عن النساء والصبيان، ~~والعوذ: جنع عائذ، # PageV02P192 # وهي الناقة التي وصعت وقوي ولدها، وهذا يجوز حمله على طريق الحقيقة، كما ~~جاز حمله على طريق المجاز: أي معهم الأموال من الإبل، وهي كانت جل أموال ~~العرب: أي أنهم قد أحضروا أموالهم ليقاتلوا دونها؛ ولما جاز حمل العوذ ~~المطافيل على النساء والصبيان وعلى الأموال كان من باب الكناية. # ومن ذلك ما ورد في إقامة الحد على الزاني، وهو أن يشهد عليه برؤية الميل ~~في المكحلة، وذلك كناية عن رؤية الفرج في الفرج. # ومن لطيف الكناية أن امرأة جاءت إلى عائشة رضي الله عنها فقالت لها: أقيد ~~جملي؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: لا، أرادت المرأة أنها تصنع لزوجها شيئا ~~يمنعه عن غيرها: أي تربطه أن يأتي غيرها، فظاهر هذا اللفظ هو تقييد الجمل، ~~وباطنه ما أرادته المرأة وفهمته عائشة منها. # وكذلك يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذاك أنه جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: «وما أهلكك» قال: حولت رحلي ~~البارحة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «أقبل وأدبر واتق الدبر ~~والحيضة» . # ويروى أن عمرو بن العاص زوج ولده عبد الله رضي الله عنه، فمكثت المرأة ~~عنده ثلاث ليال لم يدن منها، وإنما كان ملتفتا إلى صلاته، فدخل عليها عمرو ~~بعد ثلاث، فقال: كيف ترين بعلك؟ فقالت: نعم البعل إلا أنه لم يفتش لنا كنفا ~~ولا قرب لنا مضجعا، فقولها «لم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا» من ~~الكناية الغراء الظاهرة. # ومن ألطف ما بلغني في هذا قول عبد الله بن سلام، فإنه رأى على رجل ثوبا ~~معصفرا، فقال: لو أن ثوبك في تنور أهلك أو ms443 تحت قدرهم كان خيرا، فذهب الرجل ~~فأحرقه، نظرا ألى حقيقة قول عبد الله وظاهر مفهومه، وإنما أراد المجاز منه، ~~وهو أنك لو صرفت ثمنه إلى دقيق تخبزه أو حطب تطبخ به كان خيرا، والمعنى ~~متجاذب بين هذين الوجهين، فالرجل فهم منه الظاهر الحقيقي فمضى فأحرق ثوبه، ~~ومراد عبد الله غيره. # PageV02P193 # ومن هذا القسم ما ورد في أمثال العرب كقولهم: إياك وعقيلة الملح، وذاك ~~كناية عن المرأة الحسناء في منبت السوء؛ فإن عقيلة الملح هي اللؤلؤة وتكون ~~في البحر، فهي حسنة وموضعها ملح. # وكذلك قولهم: لبس له جلد النمر، كناية عن العداوة، وقد يقاس على هذا أن ~~يقال: ليس له جلد الأسد، ولبس له جلد الذئب، ولبس له جلد الأرقم؛ لأن هذا ~~كله مثل قولهم: لبس له جلد النمر، إذا العداوة محتملة في الجميع. # وكذلك قولهم: قلب له ظهر المجن، كناية عن تغيير المودة. # ومما ورد في ذلك شعرا قول أبي نواس. # لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره # وهذا له حكاية، وهو أنه كان لأبي نواس صديقة تغشاه، فقيل له: إنها تختلف ~~إلى آخر من أهل الريب، فلم يصدق ذلك حتى تبعها يوما من الأيام فرآها تدخل ~~منزل ذلك الرجل، ثم إن ذلك الرجل جاءه، وكان صديقا له، فكلمه، فصرف وجهه ~~عنه، ثم نظم قصيدته المشهورة التي مطلعها: # أيها المنتاب عن عفره «1» # وهذا البيت من جملة أبياتها. # وكذلك ورد قوله أيضا: # وناظرة إلي من النقاب ... تلاحظني بطرف مستراب # كشفت قناعها فإذا عجوز ... مموهة المفارق بالخضاب # فما زالت تحمسني طويلا ... وتأخذ في أحاديث التصابي # PageV02P194 # تحاول أن يقوم أبو زياد ... ودون قيامه شيب الغراب # أتت بجرابها تكتال فيه ... فقامت وهي فارغة الجراب # فقوله «أتت بجرابها تكتال فيه» من باب الكناية؛ إذا الجراب يجوز حمله على ~~الحقيقة والمجاز، وكذلك الكيل أيضا. # ومما جاء من هذا الباب قول أبي تمام في قصيدته التي يستعطف بها مالك بن ~~طوق على قومه؛ ومطلعها: # أرض مصردة وأرض تثج «1» ... ما لي رأيت ترابكم يبس الثرى ms444 # ما لي أرى أطوادكم تتهدم «2» # «فيبس الثرى» كناية عن تنكر ذات البين، تقول: يبس الثرى بيني وبين فلان؛ ~~إذا تنكر الود الذي بينك وبينه، وكذلك «تهدم الأطواد» ؛ فإنه كناية عن خفة ~~الحلوم وطيش العقول. # ومن الكناية الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يعاتب فيها سيف ~~الدولة بن حمدان التي مطلعها: # PageV02P195 # واحر قلباه ممن قلبه شبم» ... وشر ما قنصته راحتي قنص # شهب البزاة سواء فيه والرحم # يشير بذلك إلى أن سيف الدولة يستوي في المنال منه هو وغيره؛ فهو البازي، ~~وغيره الرخمة، وإن حمل المعنى على جانب الحقيقة كان جائزا. # وعلى هذا ورد قول الأقيشر الأسدي ... ، وكان عنينا لا يأتي النساء، وكان # كثيرا ما يصف ذلك من نفسه، فجلس إليه يوما رجل من قيس، فأنشده الأقيشر ~~«2» : # ولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد # مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد # ثم قال له: أتبصر الشعر؟ قال: نعم، قال: فما وصفت؟ قال: فرسا، قال: أفكنت ~~تركبه لو رأيته؟ قال: إي والله وأثني عطفه، فكشف له عن أيره، وقال: هذا ~~وصفت، فقم فاركبه، فوثب الرجل عن مكانه، وقال: قبحك الله من جليس سائر ~~اليوم!. # وكذلك أيضا يحكى أنه وفد سعيد بن عبد الرحمن على هشام بن عبد الملك، وكان ~~جميل الوجه، فاختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن يزيد، ~~فراوده عن نفسه، فوثب من عنده، ودخل على هشام مغضبا، وهو يقول: # إنه والله لولا أنت لم ... ينج مني سالما عبد الصمد # PageV02P196 # فقال هشام: ولم ذلك؟ قال: # إنه قد رام مني خطة ... لم يرمها قبله مني أحد # قال: ما هي؟ قال: # راح جهلا بي وجهلا بأبي ... يدخل الأفعى على حبس الأسد # قال: فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك. # ومن ألطف ما سمعته في هذا الباب قول أبي نواس في الهجاء: # إذا ما كنت جار أبي حسين ... فنم ويداك في طرف السلاح # فإن له نساء سارقات ... - إذا ما بتن أطراف- الرماح # سرقن وقد ms445 نزلت عليه أيري ... فلم أظفر به حتى الصباح # فجاء وقد تخدش جانباه ... يئن إلي من ألم الجراح # فتعبيره عن العضو المشار إليه بأطراف الرماح تعبير في غاية اللطافة ~~والحسن. # وقد أدخل في باب الكناية ما ليس منه، كقول نصيب: # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # وهذا يروى عن الجاحظ، وما أعلم كيف ذهب عليه مع شهرته بالمعرفة بفن ~~الفصاحة والبلاغة؛ فإن الكناية هي ما جاز حمله على جانب الحقيقة كما يجوز ~~حمله على جانب المجاز، وههنا لا يصح ذلك، ولا يستقيم؛ لأن الثناء للحقائب ~~لا يكون إلا مجازا، وهذا من باب التشبيه المضمر الأداة الخارج عن الكناية، ~~والمراد به أن في الحقائب من عطاياك ما يعرب عن الثناء لو سكت أصحابها عنه ~~«1» . # وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية، فإنه لا يحسن استعماله؛ ~~لأنه عيب في الكلام فاحش، وذلك لعدم الفائدة المرادة من الكناية فيه. # PageV02P197 # فما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة: # إن لم تكن نصلا فغمد نصال «1» # وفي هذا من سوء الكناية ما لا خفاء به؛ فإن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ~~ما يقبح ذكره، وهذا المعنى أخذه من قول الفرزدق فمسخه وشوه صورته؛ فإن ~~الفرزدق رثى امرأته فقال «2» : # وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث إليه البواكيا «3» # وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو ان المنايا أمهلته لياليا «4» # وهذا حسن بديع في معناه، وما كني عن امرأة ماتت بجمع أحسن من هذه ~~الكناية، ولا أفخم شأنا، فجاء الشريف الرضي فأخذ معناها وفعل به ما ترى، ~~وليس كل من تصرف في المعاني أحسن في تصريفها، وأبقى هذه الرموز في تأليفها. # وقد عكس هذه القصة مع أبي الطيب المتنبي فأحسن فيما أساء به أبو الطيب ~~طريق الكناية فأخطأ حيث قال «5» : # PageV02P198 # إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها # وهذه كناية عن النزاهة والعفة، إلا أن الفجور أحسن منها. # وقد أخذ الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أجمل صورة حيث ms446 قال «1» : # أحن إلى ما تضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما في ضمان المآزر «2» # وأمثال هذا كثير، وفيما ذكرناه من هذين المثالين مقنع. # وأما التعريض فقد سبق الإعلام به، وعرفناك الفرق بينه وبين الكناية. # فما جاء منه قوله تعالى: قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل ~~فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون # وغرض إبراهيم صلوات الله عليه من هذا الكلام إقامة الحجة عليهم؛ لأنه ~~قال: فسئلوهم إن كانوا ينطقون # وذلك على سبيل الاستهزاء، وهذا من رموز الكلام، والقول فيه أن قصد ~~إبراهيم عليه السلام لم يرد به نسبة الفعل الصادر عنه إلى الضم، وإنما قصد ~~تقريره لنفسه، وإثباته على أسلوب تعريض يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجة ~~عليهم، والاستهزاء بهم، وقد يقال في هذا غير ما أشرت إليه، وهو أن كبير ~~الأصنام غضب أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها، وغرض إبراهيم عليه ~~السلام من ذلك أنه لا يجوز أن يعبد مع الله تعالى من هو دونه؛ فإن من دونه ~~مخلوق من مخلوقاته، فجعل إحالة القول إلى كبير الأصنام مثالا لما أراده. # ومن هذا القسم أيضا قوله تعالى: قال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك # PageV02P199 # إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى ~~لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين # فقوله: ما نراك إلا بشرا مثلنا # تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من ~~البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة فما ~~جعلك أحق منهم بها؟ ألا ترى إلى قولهم: وما نرى لكم علينا من فضل. # وكان مروان بن الحكم واليا على المدينة من قبل معاوية فعزله؛ فلما قدم ~~عليه قال له: عزلتك لثلاث لو لم تكن إلا واحدة منهن لأوجبت عزلك: إحداهن ~~أني أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه، ~~والثانية كراهتك أمر زياد، والثالثة أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمر ms447 ~~بن عثمان فلم تعدها؛ فقال له مروان: أما عبد الله بن عامر فإني لا أنتصر ~~منه في سلطاني، ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه، وأما كراهتي أمر ~~زياد فإن سائر بني أمية كرهوه، وأما استعداء رملة على عمر بن عثمان فو الله ~~إنه لتأتي على سنة وأكثر وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا، يريد بذلك أن ~~رملة بنت معاوية إنما استعدت لطلب الجماع، فقال له معاوية: يا ابن الوزغ ~~لست هناك، فقال له مروان: # هو ذاك؛ وهذا من التعريضات اللطيفة. # ومثله في اللطافة ما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذاك أنه كان ~~يخطب يوم جمعة، فدخل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال عمر: أية ساعة هذه؟ ~~فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، انقلبت من أمر السوق فسمعت النداء، فما زدت ~~على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يأمرنا بالغسل؛ فقوله «أية ساعة هذه» تعريض بالإنكار عليه ~~لتأخره عن المجيء إلى الصلاة وترك السبق إليها؛ وهو من التعريض المعرب عن ~~الأدب. # ووقفت في كتاب العقد على حكاية نعريضية حسنة الموقع، وهي أن امرأة وقفت ~~على قيس بن عبادة؛ فقالت، أشكو إليك قلة الفأر في بيتي؛ فقال: ما أحسن ما ~~ورت عن حاجتها، املئوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما. # ومن خفي التعريض وغامضه ما ورد في الحديث النبوي، وهو أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج # PageV02P200 # وهو محتضن أحد ابني ابنته، وهو يقول: «والله إنكم لتجبنون وتبخلون ~~وتجهلون، وإنكم لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها الله بوج» اعلم أن وجا ~~واد بالطائف، والمراد به غزاة حنين، وحنين: واد قبل وج؛ لأن غزاة حنين آخر ~~غزاة أوقع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين، وأما غزوتا ~~الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة: أي قتال، وإنما ~~كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدو ولا قتال، ووجه عطف هذا ~~الكلام وهو ms448 قوله صلى الله عليه وسلم «وإن آخر وطأة وطئها الله بوج» على ما ~~قبله من الحديث هو التأسف على مفارقة أولاده؛ لقرب وفاته؛ لأن غزوة حنين ~~كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته صلى الله عليه وسلم كانت في ربيع الأول من ~~سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال: وإنكم لمن ريحان الله: أي ~~من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانع عن قوله وأنا مفارقكم عن قريب ~~بقوله «إن آخر وطأة وطئها الله بوج» وكان ذلك تعريضا بما أراده وقصده من ~~قرب وفاته صلى الله عليه وسلم. # ومما ورد من هذا الباب شعرا قول الشميذر الحارثي «1» : # بني عمنا، لا تذكروا الشعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا «2» # وليس قصده ههنا الشعر، بل قصده ما جرى لهم في هذا الموضع من الظهور عليهم ~~والغلبة، إلا أنه لم يذكر ذلك بل ذكر الشعر، وجعله تعريضا بما قصده: أي لا ~~تفخروا بعد تلك الواقعة التي جرت لكم ولنا بذلك المكان. # ومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة الكاتب إلى المأمون في أمر بعض ~~أصحابه، وهو: أما بعد؛ فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين ليتطول في ~~إلحاقه بنظرائه من الخاصة، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب ~~المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته، فوقع المأمون في ظهر كتابه: قد ~~عرفت تصريحك وتعريضك لنفسك، وقد أجبناك إليهما. # PageV02P201 # واعلم أن هذين القسمين من الكناية والتعريض قد وردا في غير اللغة ~~العربية، ووجدتهما كثيرا في اللغة السريانية؛ فإن الإنجيل الذي في أيدي ~~النصارى قد أتى منهما بالكثير. # ومما وجدته من الكناية في لغة الفرس أنه كان رجل من أساورة كسرى وخواصه ~~فقيل: إن الملك يختلف إلى امرأتك، فهجرها لذلك، وترك فراشها، فأخبرت كسرى، ~~فدعاه وقال له: قد بلغني أن لك عينا عذبة وأنك لا تشرب منها؛ فما سبب ذلك؟ ~~قال: أيها الملك، بلغني أن الأسد يردها فخفته، فاستحسن كسرى منه هذا ~~الكلام، وأسنى عطاءه. # PageV02P202 ### | النوع العشرون في المغالطات المعنوية # وهذا النوع من ms449 أحلى ما استعمل من الكلام وألطفه؛ لما فيه من التورية. # وحقيقته: أن يذكر معنى من المعاني له مثل في شيء آخر ونقيض، والنقيض أحسن ~~موقعا، وألطف مأخذا. # فالأول الذي يكون له مثل يقع في الألفاظ المشتركة، فمن ذلك قول أبي الطيب ~~المتنبي «1» : # يشلهم بكل أقب نهد ... لفارسه على الخيل الخيار «2» # وكل أصم يعسل جانباه ... على الكعبين منه دم ممار «3» # يغادر كل ملتفت إليه ... ولبته لثعلبه وجار «4» # فالثعلب: هو هذا الحيوان المعروف، والوجار: اسم بيته، والثعلب أيضا هو ~~طرف # PageV02P203 # سنان الرمح؛ فلما اتفق الاسمان بين الثعلبين حسن «1» ذكر الوجار في طرف ~~السنان، وهذا نقل المعنى من مثل إلى مثله. # وعليه ورد قول المتنبي أيضا «2» : # برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان «3» # أن رقاب الناس قالت لسيفه: ... رفيقك قيسي وأنت يماني # فإن شبيبا الخارجي الذي خرج على كافور الإخشيدي، وقصد دمشق وحاصرها، وقتل ~~على حصارها؛ كان من قيس، ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب، وأخبار ذلك ~~مشهورة، والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن، ومراد المتنبي من هذا ~~البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه: أنت يماني ~~وصاحبك قيسي، ولهذا جانبه السيف وفارقه. وهذه مغالطة حسنة، وهي كالأولى إلا ~~أنها أدق وأغمض. # وكذلك ورد قول بعضهم من أبيات يهجو بها شاعرا، فجاء من جملتها قوله: # وخلطتم بعض القران ببعضه ... فجعلتم الشعراء في الأنعام # ومعنى ذلك أن الشعراء اسم سورة من القرآن الكريم والأنعام اسم سورة أيضا، ~~والشعراء: جمع شاعر، والأنعام: ما كان من الإبل والبقر. # PageV02P204 # وكذلك ورد قول بعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل رضي ~~الله عنه، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، ثم انتقل إلى مذهب ~~الشافعي رضي الله عنه: # من مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي لديه الرسائل # تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وفارقته إذ أعوزتك المآكل # وما اخترت رأي الشافعي تدينا ... ولكنما تهوى الذي منه حاصل # وعما قليل أنت لا شك ms450 صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل # ومالك: هو مالك ابن أنس صاحب المذهب رضي الله عنه، ومالك: هو خازن النار، ~~وهذه مغالطة لطيفة. # ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل: # صلب العصا بالضرب قد دماها ... تود أن الله قد أفناها # إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها # فالضرب: لفظ مشترك؛ يطلق على الضرب بالعصا، وعلى الضرب في الأرض، وهو ~~المسير فيها، وكذلك دماها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين: أحدهما يقال: # دماه؛ إذا أسال دمه، ودماه؛ إذا جعله كالدمية، وهي الصورة، وهكذا لفظ ~~الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب، وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية، ~~يقال: # أفناه؛ إذا أذهبه، وأفناه؛ إذا أطعمه الفناء، وهو عنب الثعلب، والرشد ~~والغوى: # نبتان، يقال: أغواه؛ إذا أضله، وأغواه؛ إذا أطعمه الغوى، ويقال: طلب ~~رشدا؛ إذا طلب ذلك النبت، وطلب رشدا؛ إذا طلب الهداية، وبعض الناس يظن هذه ~~الأبيات من باب اللغز، وليس كذلك؛ لأنها تشتمل على ألفاظ مشتركة، وذلك معنى ~~ظاهر يستخرج من دلالة اللفظ عليه، واللغز: هو الذي يستخرج من طريق الحزر ~~والحدس، لا من دلالة اللفظ عليه، وسأوضح ذلك إيضاحا جليا في النوع الحادي ~~والعشرين، وهو الذي يتلو هذا النوع؛ فليؤخذ من هناك. # PageV02P205 # ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~سائرا بأصحابه يقصد بدرا، فلقيهم رجل من العرب، فقال: ممن القوم؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «من ماء» ، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء، ~~من ماء؛ لينظر أي بطون العرب يقال لها ماء، فسار النبي صلى الله عليه وسلم ~~لوجهته، وكان قصده أن يكتم أمره، وهذا من المغالطة المثلية؛ لأنه يجوز أن ~~يكون بعض بطون العرب يسمى ماء، ويجوز أن يكون المراد أن خلقهم من ماء. # وقد جاءني شيء من ذلك من الكلام المنثور. # فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد ~~والثلج؛ فقلت: ومن ms451 صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه، والدمع في طرفه، ~~وربما تعدى إلى قليب الخاطر فأجفه أن يجري بوصفه؛ فالشمس مأسورة، والنار ~~مقرورة، والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض، ومسيلات الجبال أنهار غير ~~أنها جامدة لم تخض. # ومكان المغالطة من هذا الكلام في قولي: «والأرض شهباء غير أنها حولية لم ~~ترض» فإن الشهباء من الخيل يقال فيها حولية: أي لها حول، ويقال: إنها ~~مروضة: # أي ذللت للركوب، وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية؛ وقولي: ~~«لم ترض» أي لم تسلك بعد. # ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم؛ فقلت: ولقد نزلت منه بمهلبي الصنع، أحنفي ~~الأخلاق، ولقيته فكأني لم أرع ممن أحب بلوعة الفراق، ولا كرامة للأهل ~~والوطن حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا، وعهدي بالأيام وهي من ~~الإحسان فاطمة فاستولدتها بجواره حسنا. # وهذه تورية لطيفة فإن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن رضي ~~الله عنهما ولدها، وفاطمة: هي اسم فاعلة من الفطام، يقال: فطمت فهي فاطمة، ~~كما يقال: # فطم فهو فاطم، والحسن: هو الشيء الحسن. # ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: # PageV02P206 # وعهده بقلمي وهو يتحلى من البيان بأسمائه، وتبرز أنوار المعاني من ~~ظلمائه، وقد أصبحت يدي منه وهي حمالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن ~~كان أبا لهب. # وهذا أحسن من الأول، وأخلب عبارة، فانظر أيها المتأمل إلى ما فيه من ~~التورية اللطيفة، ألا ترى أن الخاطر يحمد فيوصف بأنه وقاد وملتهب، ويذم ~~فيوصف بأنه بليد وجاهل؛ وأبو لهب وأبو جهل: هما الرجلان المعروفان، وكذلك ~~حمالة الحطب هي المرأة المعروفة، وإذا ذم القلم قيل: إنه حطب، وإن صاحبه ~~حاطب؛ فلما نقلت أنا هذا إلى المعنى الذي قصدته جئت به على حكم المغالطة، ~~ووريت فيه تورية، والمسلك إلى مثل هذه المعاني وتصحيح المقصد فيها عسر جدا، ~~لا جرم أن الإجادة فيها قليلة. # ومما يجري هذا المجرى ما ذكرته في وصف شخص بمعالي الأمور، ms452 وهو: # من أبر مساعيه أنه حاز قفل المكرمات ومفتاحها، فإذا سئل منقبة كان مناعها ~~وإذا سئل موهبة كان مناحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنة الصعاب وألان ~~جماحها، فإذا شهد حومة حرب كان منصورها وإذا لقي مهجة خطب كان سفاحها. # والمغالطة في هذا الكلام في ذكر المنصور والسفاح؛ فإنهما لقب خليفتين من ~~بني العباس، والسفاح: أول خلفائهم، والمنصور: أخوه الذي ولي الخلافة من ~~بعده، وهما أيضا من النصر في حومة الحرب والسفح الذي هو الإراقة، والمهجة: # دم القلب؛ فكأني قلت: هو منصور في حومة الحرب، ومريق لدم الخطوب، وقد ~~اجتمع في هذا الكلام المنصور والمنصور، والسفاح والسفاح «1» ، وهذا من ~~المغالطة المثلية لا من النقيضية، ولا خفاء بما فيها من الحسن. # ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان؛ فقلت: وقد علمت أن ذلك الأنس ~~بقربه يعقب إيحاشا، وأن تلك النهلة من لقائه تجعل الأكباد عطاشا؛ فإن من ~~شيمة الدهر أن يبدل الصفو كدرا، ويوسع أيام عقوقه طولا وأيام بره قصرا، وما ~~أقول # PageV02P207 # إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها حد القطع، ورأى العيش فيها ~~خفضا فأزاله بعامل الرفع. # والمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفع؛ فإن الخفض: هو سعة ~~العيش، والخفض: هو أحد العوامل النحوية، والرفع: هو من قولنا: رفعت الشيء، ~~إذا أزلته، والرفع: هو أحد العوامل النحوية أيضا، وهذا من المغالطات ~~الخفية. # ومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمى، وكنت إذ ذاك بحصن سميساط، وهو ~~بلد من بلاد الأرمن، فقلت: ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض أن الحمى ~~خيمت بها فاستقرت، ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها فترى وقد أخذتها ~~النافض فاقشعرت، ولم يشكل أمرها إلا لأنها حمى أرمنية مستعجمة اللسان، وقد ~~تشتبه الأمراض وأهل بلادها في الأبان، وإذا كانت الحمى كافرة لم تزل للمسلم ~~حربا، وشكاتها لا تسمى شكاة وإنما تسمى طعنا وضربا، ولهذا صارت الأدوية في ~~علاجها ليست بأدوية، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية، ms453 ~~وليس موسمها في فصل معلوم بل كل فصول العام من مواسمها، ولو كاتبتها نصيبين ~~أو ميافارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها. # والمغالطة ههنا في قولي: «وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام ~~تروية» والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير ترو: أي من غير تلبث، ويوم ~~النحر: هو يوم عيد الأضحى، وقبله يوم يسمى يوم التروية؛ فالمغالطة حصلت بين ~~نحر الحمى للناس ونحر الضحايا، إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم تروية، ولا ~~خفاء بما في هذه المغالطة من الحسن واللطافة. # وأما القسم الآخر- وهو النقيض- فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله؛ ~~لأنه لا يتهيأ استعماله كثيرا. # فمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم، وهو قوله: # وما أشياء تشريها بمال ... فإن نفقت فأكسد ما تكون # PageV02P208 # يقال: نفقت السلعة؛ إذا راجت، وكان لها سوق، ونفقت الدابة؛ إذا ماتت، ~~وموضع المناقضة ههنا في قوله: إنها إذا نفقت كسدت، فجاء بالشيء ونقيضه، ~~وجعل هذا سببا لهذا، وذلك من المغالطة الحسنة. # ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من بلاد ~~الكفار؛ فقلت في آخر الكتاب «1» : وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح هذه ~~الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ~~ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس ~~بيانا مؤهل لإبداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي ~~صحتها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والليالي ~~والأيام لها رواة فما الظن برواية الأيام والليال. # في هذا الفصل مغالطة نقيضية، ومغالطة مثلية؛ أما المغالطة المثلية فهي في ~~قولي: «وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال» «2» وقد تقدم الكلام على هذا ~~وما يجري مجراه في القسم الأول؛ وأما المغالطة النقيضية فهي قولي: «وهو ~~راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجل» وموضع المغالطة منه أنه يقال ~~في رواة الأخبار: فلان عدل صحيح الرواية، وفلان مجروح: أي سقيم الرواية غير ~~موثوق به، فأتيت بهذا المعنى على وجه النقيض، فقلت: صحة أخبار هذه ms454 الفتوح ~~في تجريح الرجل: أي تجريحهم في الحرب، وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به. # وقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع. # فإن قيل: إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد # PageV02P209 # ومعناه مختلف، كالمثال الذي مثلته في قول أبي الطيب المتنبي ثعلب ووجار؛ ~~فإن الثعلب هو الحيوان المعروف، وهو أيضا طرف السنان، وكذلك باقي الأمثلة. # قلت في الجواب: إن الفرق بين هذين النوعين ظاهر، وذاك أن التجنيس يذكر ~~فيه اللفظ الواحد مرتين؛ فهو يستوي في الصورة ويختلف في المعنى، كقول أبي ~~تمام «1» : # بكل فتى ضرب يعرض للقنا ... محيا محلى حليه الطعن والضرب # فالضرب: الرجل الخفيف، والضرب: هو الضرب بالسيف في القتال، فاللفظ لا بد ~~من ذكره مرتين والمعنى فيه مختلف، والمغالطة ليست كذلك، بل يذكر فيها اللفظ ~~مرة واحدة، ويدل به على مثله، وليس بمذكور. # PageV02P210 ### | النوع الحادي والعشرون في الأحاجي # وهي الأغاليط من الكلام، وتسمى الألغاز، جمع لغز، وهو: الطريق الذي يلتوي ~~ويشكل على سالكه، وقيل: جمع لغز- بفتح اللام- وهو: ميلك بالشيء عن وجهه، ~~وقد يسمى هذا النوع أيضا المعمى، وهو يشتبه بالكناية تارة، وبالتعريض أخرى، ~~ويشتبه أيضا بالمغالطات المعنوية، ووقع في ذلك عامة أرباب هذا الفن. # فمن ذلك أن أبا الفرج الأصفهاني ذكر بيتي الأقيشر الأسدي «1» في جملة ~~الألغاز، وهما: # ولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد «2» # مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد «3» # وهذان البيتان من باب الكناية؛ لأنهما يحملان على الفرس، وعلى العضو ~~المخصوص، وإذا حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز فكيف يعد من جملة الألغاز؟. # PageV02P211 # وكذلك فعل الحريري في مقاماته؛ فإنه ذكر في الأحاجي التي جعلها على حكم ~~الفتاوي كناية ومغالطة معنوية، وظن أنهما من الأحاجي الملغزة، كقوله: # أيحل للصائم أن يأكل نهارا، والنهار: من الأسماء المشتركة بين النهار ~~الذي هو ضد الليل وبين فرخ الحبارى؛ فإنه يسمى نهارا، وإذا كان من الأسماء ~~المشتركة صار من باب المغالطات المعنوية، لا من باب الأحاجي، والإلغاز شيء ~~منفصل عن ms455 ذلك كله، ولو كان من جملته لما قيل: لغز، وأحجية، وإنما قيل: ~~كناية، وتعريض، أو مغالطة، ولكن وجد من الكلام ما يطلق عليه الكناية، ومنه ~~ما يطلق عليه التعريض، ومنه ما يطلق عليه المغالطة، ومنه شيء آخر خارج عن ~~ذلك؛ فجعل لغزا وأحجية. # وكنت قدمت القول بأن الكناية هي اللفظ الدال على جانب الحقيقة وعلى جانب ~~المجاز، فهو يحمل عليهما معا، وأن التعريض هو ما يفهم من عرض اللفظ لا من ~~دلالته عليه حقيقة ولا مجازا، وأن المغالطة هي التي تطلق ويراد بها شيئان: # أحدهما دلالة اللفظ على معنيين بالاشتراك الوضعي، والآخر دلالة اللفظ على ~~المعنى ونقيضه. # وأما اللغز والأحجية فإنهما شيء واحد، وهو: كل معنى يستخرج بالحدس ~~والحزر، لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجازا، ويفهم من عرضه؛ لأن قول ~~القائل في الضرس: # وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد «1» # ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد # لا يدل على أنه الضرس، لا من طريق الحقيقة، ولا من طريق المجاز، ولا من ~~طريق المفهوم، وإنما هو شيء يحدس ويحزر، والخواطر تختلف في الإسراع ~~والإبطاء عند عثورها عليه. # PageV02P212 # فإن قيل: إن اللغز يعرف من طريق المفهوم، وهذان البيتان يعلم معناهما ~~بالمفهوم. # قلت في الجواب: إن الذي يعلم بالمفهوم إنما هو التعريض، كقول القائل: # إني لفقير، وإني لمحتاج؛ فإن هذا القول لا يدل على المسألة والطلب، لا ~~حقيقة ولا مجازا، وإنما فهم منه أن صاحبه متعرض للطلب، وهذان البيتان ليسا ~~كذلك؛ فإنهما لا يشتملان على ما يفهم منه شيء إلا بالحدس والحزر، لا غير، ~~وكذلك كل لغز من الألغاز. # وإذا ثبت هذا فاعلم أن هذا الباب الذي هو اللغز والأحجية والمعمى يتنوع ~~أنواعا: فمنه المصحف، ومنه المعكوس، ومنه ما ينقل إلى لغة من اللغات غير ~~العربية، كقول القائل: إسمي إذا صحفته بالفارسية آخر، وهذا اسمه اسم تركي، ~~وهو دنكر- بالدال المهملة والنون، وآخر بالفارسية ديكر- بالدال المهملة ~~والياء المعجمة بثنتين من تحت- وإذا صفحت هذه الكلمة ms456 صارت دنكر، بالنون، ~~فانقلبت الياء نونا بالتصحيف، وهذا غير مفهوم إلا لبعض الناس دون بعض. # وإنما وضع واستعمل لأنه مما يشحذ القريحة، ويحد الخاطر؛ لأنه يشتمل على ~~معان دقيقة يحتاج في استخراجها إلى توقد الذهن، والسلوك في معاريج خفية من ~~الفكر. # وقد استعمله العرب في أشعارهم قليلا، ثم جاء المحدثون فأكثروا منه. # وربما أتي منه بما يكون حسنا وعليه مسحة من البلاغة، وذلك عندي بين بين؛ ~~فلا أعده من الأحاجي، ولا أعده من فصيح الكلام. # فما جاء منه قول بعضهم: # قد سقيت آبالهم بالنار ... والنار قد تشقي من الأوار # ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم الذين هم أصحاب الإبل ذوو وجاهة وتقدم، ولهم ~~وسم معلوم؛ فلما وردت إبلهم الماء عرفت بذلك الوسم؛ فأفرج لها الناس حتى ~~شربت؛ وقد اتفق له أنه أتى في هذا البيت بالشيء وضده، وجعل أحدهما سببا ~~للآخر؛ # PageV02P213 # فصار غريبا عجيبا، وذاك أنه قال: سقيت بالنار، وقال: إن النار تشفي من ~~الأوار، وهو العطش، وهذا من محاسن ما يأتي في هذا الباب. # ومما يجري على هذا النهج قول أبي نواس في شجر الكرم «1» : # لنا هجمة لا يدري الذئب سخلها ... ولا راعها غض الفحالة والحظر # إذا امتحنت ألوانها مال صفوها ... إلى الحو إلا أن أوبارها خضر # ومن هذا القبيل قول بعضهم: # سبع رواحل ما ينخن من الونا ... شيم تساق بسبعة زهر # متواصلات لا الدءوب يملها ... باق تعاقبها على الدهر # هذان البيتان يتضمنان وصف أيام الزمان ولياليه، وهي الأسبوع؛ فإن الزمان ~~عبارة عنه، وذلك من الألغاز الواقعة في موقعها. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي في السن من جملة قصيدته التي ~~مدح بها سيف الدولة عند ذكر عبوره الفرات، وهي: # الرأي قبل شجاعة الشجعان «2» # PageV02P214 # فقال: # وحشاه عادية بغير قوائم ... عقم البطون حوالك الألوان «1» # تأتي بما سبت الخيول كأنها ... تحت الحسان مرابض الغزلان «2» # وهذا حسن في بابه. # ومن ذلك قول بعضهم في حجر المحك: # ومدرع من صنعة الليل برده ... يفوق طورا بالنضار ويطلس «3» # إذا سألوه عن عويصين أشكلا ... أجاب ms457 بما أعيا الورى وهو أخرس # PageV02P215 # وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه، وكان سمعه بعض المتأخرين من أهل ~~زماننا، فأجاب عنه ببيتين على وزنه وقافيته، وهما: # سؤالك جلمود من الصخر أسود ... خفيف لطيف ناعم الجسم أطلس # أقيم بسوق الصرف حكما كأنه ... من الزنج قاض بالخلوق مطلس # وقد رأيت هذا الشاعر، وهو حائك بجزيرة ابن عمر، وليس عنده من أسباب الأدب ~~شيء سوى أنه قد أصلح لسانه بطرف يسير من علم النحو لا غير، وهو مع ذلك يقول ~~الشعر طبعا، وكان يجيد في الكثير منه. # ومن الألغاز ما يرد على حكم المسائل الفقهية، كالذي أورده الحريري في ~~مقاماته، وكنت سئلت عن مسألة منه، وهي: # ولي خالة وأنا خالها ... ولي عمة وأنا عمها # فأما التي أنا عم لها ... فإن أبي أمه أمها # أبوها أخي وأخوها أبي ... ولي خالة هكذا حكمها # فأين الفقيه الذي عنده ... فنون الدراية أو علمها # يبين لنا نسبا خالصا ... ويكشف للنفس ما همها # فلسنا مجوسا ولا مشركين ... شريعة أحمد نأتمها # وهذه المسألة كتبت إلي فتأملتها تأمل غير ملجلج في الفكر، ولم ألبث أن ~~أنكشف لي ما تحتها من اللغز، وهو أن الخالة التي الرجل خالها تصور على هذه ~~الصورة، وذاك أن رجلا تزوج امرأتين: اسم إحداهما عائشة، واسم الأخرى فاطمة، ~~فأولد عائشة بنتا، وأولد فاطمة ابنا، ثم زوج بنته من أبي امرأته فاطمة، ~~فجاءت ببنت، فتلك البنت هي خالة ابنه، وهو خالها؛ لأنه أخو أمها. وأما ~~العمة التي هو عمها فصورتها أن رجلا له ولد، ولولده أخ من أمه، فزوج أخاه ~~من أمه أم أبيه، فجاء بنت، فتلك البنت هي عمته؛ لأنها أخت أبيه، وهو عمها؛ ~~لأنه أخو أبيها، وأما قوله «ولي خالة هكذا حكمها» فهو أن تكون أمها أخته، ~~وأختها أمه، كما قال «أبوها أخي # PageV02P216 # وأخوها أبي» وصورتها أن رجلا له ولد، ولولده أخت من أمه، فزوجها من أبي ~~أمه، فجاءت ببنت؛ فأختها أمه، وأمها أخته. # وأحسن من ذلك كله وألطف وأحلى قول بعضهم في الخلخال: # ومضروب بلا ms458 جرم ... مليح اللون معشوق # له قد الهلال على ... مليح القد ممشوق # وأكثر ما يرى أبدا ... على الامشاط في السوق # وبلغني أن بعض الناس سمع هذه الأبيات؛ فقال: قد دخلت السوق فما رأيت على ~~الأمشاط شيئا، وظن أنها الأمشاط التي يرجل بها الشعر، وأن السوق سوق البيع ~~والشراء. # واعلم أنه قد يأتي من هذا النوع ما هو ضروب وألوان؛ فمنه الحسن الذي ~~أوردت شيئا منه كما تراه، ومنه المتوسط الذي هو دونه في الدرجة، فلا يوصف ~~بحسن ولا قبح؛ كقول بعضهم «1» : # راحت ركائبهم وفي أكوارها ... ألفان من عم الأثيل الواعد # ما إن رأيت ولا باركب هكذا ... حملت حدائق كالظلام الراكد # وهذا يصف قوما وفدوا على ملك من الملوك فأعطاهم نخلا، وكتب لهم بها ~~كتابا، والأثيل: الموضع الذي كتب لهم إليه، والعم: العظام الرءوس من ~~النخيل، والواعد: الأقناء من النخل، فلما حملوا الكتب في أكوارهم فكأنهم ~~حملوا النخل، وهذا من متوسط الألغاز. # وقد جاء من ذلك ما هو بشع بارد؛ فلا يستخرج إلا بمسائل الجبر والمقابلة، ~~أو بخطوط الرمل من القبض الداخل أو القبض الخارج والبياض والحمرة وغيرها، # PageV02P217 # ولئن كان معناه دقيقا يدل على فرط الذكاء فإني لا أعده من اللغة العربية، ~~فضلا عن أن يوصف بصفات الكلام المحمودة، ولا فرق بينه وبين لغة الفرس ~~والروم وغيرهما من اللغات في عدم الفهم. # وأما ما ورد من الألغاز نثرا فقد ألغز الحريري في مقاماته ألغازا ضمنها ~~ذكر الإبرة والمرود «1» وذكر الدينار، وهي أشهر كما يقال من قفا نبك؛ فلا ~~حاجة إلى إيرادها في كتابي هذا. # وقد ورد من الألغاز شيء في كلام العرب المنثور غير أنه قليل بالنسبة إلى ~~ما ورد في أشعارها، وقد تأملت القرآن الكريم فلم أجد فيه شيئا منها، ولا ~~ينبغي أن يتضمن منها شيئا؛ لأنه لا يستنبط بالحدس والحزر كما تستنبط ~~الألغاز. # وأما ما ورد للعرب فيروى عن امرىء القيس وزوجته عدة من الألغاز، وذاك أنه ~~سألها قبل أن يتزوجها؛ فقال: ما اثنان وأربعة وثمانية؟ فقالت: أما الإثنان ~~فثديا ms459 المرأة، وأما الأربعة فأخلاف الناقة، وأما الثمانية فأطباء الكلبة؛ ~~ثم إنه تزوجها وأرسل إليها هدية على يد عبد له، وهي حلة من عصب اليمن ونحي ~~من عسل ونحي من سمن، فنزل العبد ببعض المياه، ولبس الحلة فعلق طرفها بسمرة ~~فانشق، وفتح النحيين وأطعم أهل الماء، ثم قدم على المرأة وأهلها خلوف، فسأل ~~عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها الهدية، فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ~~ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي يرقب ~~الشمس، وأخبره أن سماءكم انشقت، وأن وعاءيكم نضبا؛ فعاد العبد إلى امرىء ~~القيس وأخبره بما قالته له، فقال: أما أبوها فإنه ذهب يحالف قوما على قومه، ~~وأما أمها فإنها ذهبت تقبل امرأة، وأما أخوها فإنه في سرح يرعاه إلى أن ~~تغرب الشمس، وأما قولها: «إن # PageV02P218 # سماءكم انشقت» فإن الحلة انشقت، وأما قولها: «إن وعاءيكم نضبا» فإن ~~النحيين نقصا، ثم قال للعبد: أصدقني، فقال له: إني نزلت بماء من مياه ~~العرب، وفعلت كذا وكذا. # فهذا وأمثاله قد ورد عنهم إلا أنه يسير. # وكذلك يروى عن شن بن أقصى، وكان ألزم نفسه ألا يتزوج إلا امرأة تلائمه، ~~فصاحبه رجل في بعض أسفاره، فلما أخذ منهما السير قال له شن: # أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل؛ هل يحمل الراكب راكبا؟ فأمسك ~~عنه، وسارا حتى أتيا على زرع، فقال شن: أترى هذا الزرع قد أكل؟ فقال له: يا ~~جاهل؛ أما تراه في سنبله، فأمسك عنه، ثم سارا، فاستقبلتهما جنازة، فقال شن: # أترى صاحبها حيا؟ فقال له الرجل: ما رأيت أجهل منك! أتراهم حملوا إلى ~~القبر حيا؟ ثم إنهما وصلا إلى قرية الرجل، فسار به إلى بيته، وكانت له بنت، ~~فأخذ يطرفها بحديث رفيقه، فقالت: ما نطق إلا بالصواب، ولا استفهم إلا عما ~~يستفهم عن مثله، أما قوله: «أتحملني أم أحملك» فإنه أراد أتحدثني أم أحدثك ~~حتى نقطع الطريق بالحديث، وأما قوله: «أترى هذا الزرع قد أكل» فإنه أراد هل ~~استسلف ربه ثمنه أم ms460 لا، وأما استفهامه عن صاحب الجنازة فإنه أراد هل خلف له ~~عقبا يحيا بذكره أم لا، فلما سمع كلام ابنته خرج إلى شن وحدثه بتأويلها، ~~فخطبها، فزوجه إياها. # وأدق من هذا كله وألطف ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب شيرز، وهو أولهم ~~الذي استنقذه من أيدي الروم بالمكر والخديعة، ولذلك قصة ظريفة، وليس هذا ~~موضع ذكرها، وكان قبل ملكه إياها في خدمة محمود بن صالح صاحب حلب، وكان إذ ~~ذاك يلقب بسديد الملك، فنبا به مكانه، وحدثت له حادثة أوجبت له أن هرب ومضى ~~إلى مدينة ترابلس في زمن بني عمار أصحاب البلد، فأرسل إليه ابن صالح ~~واستعطفه ليعود إليه، فخافه ولم يعد، فأحضر ابن صالح رجلا من أهل حلب صديقا ~~لابن منقذ وبينه وبينه لحمة مودة أكيدة، وأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب ~~إليه كتابا عن نفسه يوثقه من جهة ابن صالح ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب وهو ~~يعلم أن باطن الأمر في ذلك خلاف ظاهره، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب # PageV02P219 # هلك، فأفكر وهو يكتب في إشارة عمياء لا تفهم؛ ليضعها فيه يحذر بها ابن ~~منقذ، فأداه فكره أن كتب في آخر الكتاب عند إنهائه «إن شاء الله تعالى» ، ~~وشدد إن وكسرها، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح، فوقف عليه، وأرسله إلى ابن ~~منقذ، فلما صار في يده وعلم ما فيه قال: هذا كتاب صديقي، وما يغشني، ولولا ~~أنه يعلم صفاء قلب ابن صالح لي لما كتب إلي ولا غرني، ثم عزم على العود، ~~وكان عنده ولده، فأخذ الكتاب وكرر نظره فيه، ثم قال له: يا أبت، مكانك، فإن ~~صديقك قد حذرك، وقال: لا تعد، فقال: وكيف؟ قال: إنه قد كتب إن شاء الله ~~تعالى في آخر الكتاب، وشدد إن وكسرها، وضبطها ضبطا صحيحا لا يصدر مثله عن ~~سهو، ومعنى ذلك أنه يقول: إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك، وإن شككت في ذلك ~~فأرسل إلى حلب. # وهذا من أعجب ما بلغني من حدة الذهن وفطانة الخاطر، ms461 ولولا أنه صاحب ~~الحادثة المخوفة لما تفطن إلى مثل ذلك أبدا؛ لأنه ضرب من علم الغيب، وإنما ~~الخوف دله على استنباط ما استنبطه. # ووجد لبعض الأدباء لغز في حمام؛ فمنه ما أجاد فيه؛ كقوله: وقد أظلتها ~~سماء ذات نجوم، لا استراق لها ولا رجوم، وهي مركبة في فلك صحت استدارته، ~~وسكنت إدارته: # أعجب بها من أنجم ... عند الصباح ظاهره # لكنها إذا بدا ... نجم الظلام غائره # فهي على القياس جنة نعيم، مبنية على لظى جحيم، لا خلود فيها ولا مقام، ~~ولا تزاور بين أهلها ولا سلام، أنهارها متدفقة، ومياهها مترقرقة، والأكواب ~~بها موضوعة، والنمارق عنها منزوعة: # يطيع بها المولى أوامر عبده ... ويصبح طوعا في يديه مقاتله # ويرفع عنه التاج عند دخوله ... وتسلب من قبل الجلوس غلائله # PageV02P220 # هذا اللغز من فصيح الألغاز، ولا يقال: إن صاحبه في العمى صانع العكاز، ~~وإذا تطرز غيره بلمعة من الوشي فهذا كله طراز. # ومما سمعته من الألغاز الحسان التي تجري في المحاورات ما يحكى عن عمر بن ~~هبيرة وشريك النميري، وذاك أن عمر بن هبيرة كان سائرا على برذون له، وإلى ~~جانبه شريك النميري على بغلة، فتقدمه شريك في المسير، فصاح به عمر: # اغضض من لجامها، فقال: أصلح الله الأمير، إنها مكتوبة «1» ، فتبسم عمر ثم ~~قال له: ويحك! لم أرد هذا، فقال له شريك: ولا أنا أردته. # وكان عمر أراد قول جرير «2» : # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # فأجابه شريك بقول الآخر «3» : # لا تأمنن فزاريا نزلت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار «4» # وهذا من الألغاز اللطيفة، وتفطن كل من هذين الرجلين لمثله ألطف وأحسن. # ومما يجري هذا المجرى أن رجلا من تميم قال لشريك النميري: ما في الجوارح ~~أحب إلي من البازي؟ فقال له شريك: إذا كان يصيد القطا. # PageV02P221 # وكان التميمي أراد قول جرير «1» ؛ # أنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء لها انصبابا # وأراد شريك قول الطرماح «2» : # تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت # واعلم أن خواطر الناس ms462 تتفاضل كتفاضل الأشخاص، ومن ههنا قيل: سبحان خالق ~~أبي موسى وعمرو بن العاص. # PageV02P222 ### | النوع الثاني والعشرون في المبادي والافتتاحات # هذا النوع هو أحد الأركان الخمسة البلاغية المشار إليها في الفصل التاسع ~~من مقدمة الكتاب. # وحقيقة هذا النوع: أن يجعل مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالا على ~~المعنى المقصود من ذلك الكلام: إن كان فتحا ففتحا، وإن كان هناء فهناء، أو ~~كان عزاء فعزاء، وكذلك يجري الحكم في غير ذلك من المعاني. # وفائدته أن يعرف من مبدأ الكلام ما المراد به ولم هذا النوع. # والقاعدة التي يبني عليها أساسه أنه يجب على الشاعر إذا نظم قصيدا أن ~~ينظر؛ فإن كانت مديحا صرفا لا يختص بحادثة من الحوادث فهو مخير بين أن ~~يفتتحها بغزل أو لا يفتتحها بغزل، بل يرتجل المديح ارتجالا من أولها، كقول ~~القائل: # إن حارت الألباب كيف تقول ... في ذا المقام فعذرها مقبول # سامح بفضلك مادحيك فما لهم ... أبدا إلى ما تستحق سبيل # إن كان لا يرضيك إلا محسن ... فالمحسنون إذا لديك قليل # فإن هذا الشاعر ارتجل المديح من أول القصيدة فأتى به كما ترى حسنا لائقا. # وأما إذا كان القصيد في حادثة من الحوادث؛ كفتح مقفل أو هزيمة جيش أو غير ~~ذلك؛ فإنه لا ينبغي أن يبدأ فيها بغزل، وإن فعل ذلك دل على ضعف قريحة ~~الشاعر وقصوره عن الغاية، أو على جهله بوضع الكلام في مواضعه. # فإن قيل: إنك قلت: يجب على الشاعر كذا وكذا، فلم ذلك؟ # PageV02P223 # قلت في الجواب: إن الغزل رقة محضة، والألفاظ التي تنظم في الحوادث المشار ~~إليها من فحل الكلام ومتين القول، وهي ضد الغزل، وأيضا فإن الأسماع تكون ~~متطلعة إلى ما يقال في تلك الحوادث، والابتداء بالخوض في ذكرها، لا ~~الابتداء بالغزل؛ إذ المهم واجب التقديم. # ومن أدب هذا النوع ألا يذكر الشاعر في افتتاح قصيدة المديح ما يتطير منه، ~~وهذا يرجع إلى أدب النفس، لا إلى أدب الدرس؛ فينبغي أن يحترز منه في ~~مواضعه، كوصف الديار بالدثور والمنازل بالعفاء، وغير ms463 ذلك من تشتت الآلاف ~~وذم الزمان، لا سيما إذا كان في التهاني؛ فإنه يكون أشد قبحا، وإنما يستعمل ~~ذلك في الخطوب النازلة والنوائب الحادثة، ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا ~~بشيء من ذلك تطير منه سامعه. # وإنما خصت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام؛ فإذا ~~كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استماعه، ويكفيك ~~من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن، كالتحميدات المفتتح بها أوائل ~~السور، وكذلك الابتداءات بالنداء، كقوله تعالى في مفتتح سورة النساء: يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة # وكقوله تعالى في أول سورة الحج: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة ~~الساعة شيء عظيم # فإن هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه، وكذلك الابتداءات ~~بالحروف، كقوله تعالى: ألم* # وطس # وحم* # وغير ذلك؛ فإن هذا أيضا مما يبعث على الاستماع إليه؛ لأنه يقرع السمع شيء ~~غريب ليس له بمثله عادة؛ فيكون ذلك سببا للتطلع نحوه والإصغاء إليه. # ومن قبيح الابتداءات قول ذي الرمة: # ما بال عينك منها الماء ينسكب «1» # PageV02P224 # لأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لا خفاء بقبحه وكراهته. # ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي أولها: # خف القطين فراحوا منك أو بكروا «1» # قال له عند ذلك: لا، بل منك، وتطير من قوله؛ فغيرها ذو الرمة؛ وقال: # خف القطين فراحوا اليوم أو بكروا # ومن شاء أن يذكر الديار والأطلال في شعره فليتأدب بأدب القطامى على جفاء ~~طبعه، وبعده عن فطانة الأدب؛ فإنه قال: # إنا محيوك فاسلم أيها الطلل «2» # فبدأ قبل ذكر الطلل بذكر التحية والدعاء له بالسلامة، وقد قيل: إن امرأ ~~القيس كان يجيد الابتداء، كقوله: # ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي «3» # وكقوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «4» # PageV02P225 # ومما يكره من الابتداءات قول أبي تمام: # تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد «1» # وإنما ألقى أبا تمام في مثل هذا المكروه تتبعه للتجنيس بين تجرع والجرع، ~~وهذا دأب الرجل؛ فإنه كثيرا ما يقع في مثل ذلك. # وكذلك استقبح قول ms464 البحتري: # فؤاد ملاه الحزن حتى تصدعا «2» # فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع، وهو أجدر بأن يكون ~~ابتداء مرئية لا مديح، وما أعلم كيف يخفى على مثل البحتري وهو من مفلقي ~~الشعراء. # وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه وجمع أهله ~~وأصحابه، وأمرهم أن يخرجوا في زينتهم؛ فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم؛ ~~فاستأذن إسحق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد، فأذن له، فأنشد شعرا حسنا ~~أجاد فيه، إلا أنه استفتحه بذكر الديار وعفائها، فقال: # يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك # فتطير المعتصم بذلك، وتغامز الناس على إسحق بن إبراهيم كيف ذهب عليه مثل ~~ذلك مع معرفته وعلمه وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم وانصرفوا، فما عاد ~~منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سر من رأى، وخرب القصر. # فإذا أراد الشاعر أن يذكر دارا في مديحه فليذكر كما ذكر أشجع السلمي حيث ~~قال: # PageV02P226 # قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام # وما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم؛ فإنه ~~لو ذكر هذا أو ما جرى مجراه لكان حسنا لائقا. # وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال: من أجاد الابتداء والمطلع؛ ألا ترى ~~إلى قصيدة أبي نواس التي أولها: # يا دار؛ ما فعلت بك الأيام ... لم تبق فيك بشاشة تستام # فإنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة، وهي مع ذلك مستكرهة الابتداء؛ لأنها في ~~مدح الخليفة الأمين، وافتتاح المديح بذكر الديار ودثورها مما يتطير منه، لا ~~سيما في مشافهة الخلفاء والملوك. # ولهذا يختار في ذكر الأماكن والمنازل ما رق لفظه، وحسن النطق به، كالعذيب ~~والغوير ورامة وبارق والعقيق، وأشباه ذلك. # ويختار أيضا أسماء النساء في الغزل نحو سعاد وأميم وفوز، وما جرى هذا ~~المجرى. # وقد عيب على الأخطل في تغزله بقذور، وهو اسم امرأة؛ فإنه مستقبح في ~~الذكر، وقد عيب على غيره التغزل باسم تماضر، فإنه وإن لم يكن مستقبحا في ~~معناه فإنه ثقيل على ms465 اللسان، كما قال البحتري: # إن للبين منة لا تؤدى ... ويدا في تماضر بيضاء # فتغزله بهذا الاسم مما يشوه رقة الغزل، ويثقل من خفته، وأمثال هذه ~~الأشياء يجب مراعاتها والتحرز منها. # وقد استثنى من ذلك ما كان اسم موضع تضمن وقعة من الوقائع؛ فإن ذكره لا ~~يكره، وإن كان في اسمه كراهة، كما ذكر أبو تمام في شعره مواضع مكروهة ~~الأسماء لضرورة ذكر الوقائع التي كانت بها، كذكر الحشال وعقوقس وأمثالهما، ~~وكذلك ذكر أبو الطيب المتنبي هنزيط وشميصاط وما جرى مجراهما، وهذا لا عيب # PageV02P227 # في ذكره؛ لمكان الضرورة التي تدعو إليه، وهكذا يسامح الشاعر والكاتب أيضا ~~في ذكر ما لا بد من ذكره وإن قبح، ومهما أمكنه من التورية في هذا المقام ~~فليسلكها، وما لا يمكنه فإنه معذور فيه. # واعلم أنه ليس من شرط الابتداء ألا يكون مما يتطير منه فقط؛ فإن من ~~الابتداءات ما يستقبح وإن لم يتطير منه، كقول أبي تمام: # قدك اتئب أربيت في الغلواء «1» # وكقوله «2» : # تقي جماتي لست طوع مؤنبى «3» # وكقول أبي الطيب المتنبي: # أقل فعالي بله أكثره مجد «4» # وكقوله: # كفي أراني ويك لومك ألوما «5» # PageV02P228 # والعجب أن هذين الشاعرين المفلقين يبتدئان بمثل ذلك، ولهما من الابتداءات ~~الحسنة ما أذكره. # أما أبو تمام فإنه افتتح قصيدته التي مدح بها المعتصم عند فتحه مدينة ~~عمورية فقال: # السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب # بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب # وهذه الأبيات لها قصة، وذاك أنه لما حضر المعتصم مدينة عمورية زعم أهل ~~النجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت، وأفاضوا في هذا، حتى شاع، وصار أحدوثة ~~بين الناس، فلما فتحت بنى أبو تمام مطلع قصيدته على هذا المعنى، وجعل السيف ~~أصدق من الكتب التي خبرت بامتناع البلد واعتصامها؛ ولذلك قال فيها: # والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب # أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب # تخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ms466 ولا غرب # وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب. # وكذلك قوله في أول قصيدة يمدحه بها أيضا، ويذكر فيها خروج بابك الخرمي ~~عليه، وظفره به، وهي من أمهات شعره، فقال: # الحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار # وكذلك قوله متغزلا: # عسى وطن يدنو بهم ولعلما ... وأن تعتب الأيام فيهم فربما # وهذا من الأغزال الحلوة الرائقة، وهو من محاسن أبي تمام المعروفة. # وكذلك قوله في أول مرثية: # أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا # PageV02P229 # وأما أبو الطيب فإنه أكثر من الابتداءات الحسنة في شعره؛ كقوله في قصيدة ~~يمدح بها كافورا؛ وكان قد جرت بينه وبين ابن سيده نزغة، فبدأ قصيدته بذكر ~~الغرض المقصود، فقال: # حسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحساد # وهذا من بديع الابتداء ونادره. # وكذلك ورد قوله في سيف الدولة، وكان ابن الشمشقيق «1» حلف ليلقينه كفاحا، ~~فلما التقيا لم يطق ذلك، وولى هاربا، فافتتح أبو الطيب قصيدته بفحوى الأمر، ~~فقال: # عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم # وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم # وكذلك قوله وقد فارق سيف الدولة وسار إلى مصر، فجمع بين ذكر فراقه إياه ~~ولقائه كافورا في أول بيت من القصيدة، فقال: # فراق ومن فارقت غير مدمم ... وأم ومن يممت خير ميمم # ومن البديع النادر في هذا الباب قوله متغزلا في مطلع قصيدته القافية، ~~وهي: # أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي # وله مواضع أخر كثيرة لا حاجة إلى ذكرها. # PageV02P230 # ومن محاسن الابتداءات التي دلت على المعنى من أول بيت في القصيدة ما ~~قرأته في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد، فإنه ذكر غزوة غزاها الرشيد هرون ~~رحمه الله في بلاد الروم، وأن نقفور ملك الروم خضع له، وبذل الجزية، فلما ~~عاد عنه واستقر بمدينة الرقة وسقط الثلج نقض نقفور العهد، فلم يجسر أحد على ~~إعلام الرشيد؛ لمكان هيبته في صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء ~~الأموال ms467 على أن يقولوا أشعارا في إعلامه، فكلهم أشفق من لقائه بمثل ذلك، ~~إلا شاعرا من أهل جدة يكنى أبا محمد، وكان شاعرا مفلقا، فنظم قصيدا وأنشدها ~~الرشيد، أولها: # نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور # أبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير # نقفور؛ إنك حين تغدر- أن نأى ... عنك الإمام- لجاهل مغرور # أظننت حين غدرت أنك مفلت ... هبلتك أمك! ما ظننت غرور # فلما أنهى الأبيات قال الرشيد: أو قد فعل؟ ثم غزاه في بقية الثلج وفتح ~~مدينة هرقلة. # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصبهاني ما رواه من شعر سديف في ~~تحريض الخليفة السفاح رحمه الله علي بني أمية، فقال: قدم سديف من مكة إلى ~~الحيرة، والسفاح بها، ووافق قدومه جلوس السفاح للناس، وكان بنو أمية يجلسون ~~عنده على الكراسي تكرمة لهم؛ فلما دخل عليه سديف حسر لثامه، وأنشده أبياتا ~~من الشعر؛ فالتفت رجل من أولاد سليمان بن عبد الملك، وقال لآخر إلى جانبه: # قتلنا والله العبد، فلما أنهى الأبيات أمر بهم السفاح فأخرجوا من بين ~~يديه وقتلوا عن آخرهم، وكتب إلى عماله بالبلاد يأمرهم بقتل من وجدوه منهم، ~~ومن الأبيات: # أصبح الدين ثابتا في الأساس ... بالبهاليل من بني العباس «1» # PageV02P231 # أنت مهدي هاشم وهداها ... كم أناس رجوك بعد إياس # لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس # أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإتعاس # خوفهم أظهر التودد فيهم ... وبهم منكم كحز المواسي # أقصهم أيها الخليفة واحسم ... عنك بالسيف شأفة الأرجاس # واذكرن مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس «1» # ولقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من منابر وكراسي # وهذه الأبيات من فاخر الشعر ونادره افتتاحا وابتداء وتحريضا وتأليبا، ولو ~~وصفتها من الأوصاف بما شاء الله وشاء الإسهاب والإطناب لما بلغت مقدار ما ~~لها من الحسن. # ومن لطيف الابتداءات ما ذكره مهيار «2» ، وهو: # PageV02P232 # أما وهواها عذرة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا # سعى جهده، لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت، ولو شاء قللا # فإنه أبرز الاعتذار في هيئة الغزل، وأخرجه في معرض النسيب، ms468 وكان وشي به ~~إلى الممدوح، فافتتح قصيدته بهذا المعنى فأحسن. # ومما جاء على نحو من ذلك قول بعض المتأخرين من العراقيين: # وراءك أقوال الوشاة الفواجر ... ودونك أحوال الغرام المخامر # ولولا ولوع منك بالصد ما سعوا ... ولولا الهوى لم أنتدب للمعاذر # فسلك في هذا القول مسلك مهيار، إلا أنه زاد عليه زيادة حسنة، وهي ~~المعاتبة على الإصغاء إلى أقوال الوشاة والاستماع منهم، وذلك من أغرب ما ~~قيل في هذا المعنى. # ومن الحذاقة في هذا الباب أن تجعل التحميدات في أوائل الكتب السلطانية ~~مناسبة لمعاني تلك الكتب، وإنما خصصت الكتب السلطانية دون غيرها لأن ~~التحاميد لا تصدر في غيرها؛ فإنها تكون قد تضمنت أمورا لائقة بالتحميد، ~~كفتح مقفل أو هزيمة جيش، أو ما جرى هذا المجرى. # ووجدت أبا إسحق الصابي- على تقدمه في فن الكتابة- قد أخل بهذا الركن الذي ~~هو من أوكد أركان الكتابة، فإذا أتى بتحميدة في كتاب من هذه الكتب لا تكون ~~مناسبة لمعنى ذلك الكتاب، وإنما تكون في واد والكتاب في واد، إلا ما قل من ~~كتبه. # فما خالف فيه مطلع معناه «1» أنه كتب كتابا يتضمن فتح بغداد وهزيمة ~~الأتراك «2» عنها، وكان ذلك فتحا عظيما؛ فابتدأ بالتحميد، فقال: الحمد لله ~~رب # PageV02P233 # العالمين، الملك الحق المبين، الوحيد الفريد، العلي المجيد، الذي لا يوصف ~~إلا بسلب الصفات، ولا ينعت إلا برفع النعوت، الأزلي بلا ابتداء، الأبدي بلا ~~انتهاء، القديم لا منذ أمد محدود، الدائم لا إلى أجل معدود، الفاعل لا من ~~مادة استمدها، ولا بآلة استعملها، الذي لا تدركه الأعين بلحاظها، ولا تحده ~~الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها، ولا ~~تضارعه الأجسام بأقطارها، ولا تجانسه الصور بأعراضها، ولا تجاريه أقدام ~~النظر أو الأشكال، ولا تزاحمه مناكب القرناء والأمثال، بل هو الصمد الذي لا ~~كفء له، والفذ الذي لا توأم معه، والحي الذي لا تخرمه المنون، والقيوم الذي ~~لا تشغله الشئون، والقدير الذي لا تئوده المعضلات، والخبير الذي لا تعييه ~~المشكلات. # وهذه التحميدة لا تناسب الكتاب الذي افتتح بها، ms469 ولكنها تصلح أن توضع في ~~صدر مصنف من مصنفات أصول الدين، ككتاب الشامل للجويني، أو كتاب الاقتصاد، ~~أو ما جرى مجراهما، وأما أن توضع في صدر كتاب فتح فلا. # وهو وإن أساء في هذا الموضع فقد أحسن في مواضع أخر، وذاك أنه كتب كتابا ~~عن الخليفة الطائع رحمه الله تعالى إلى الأطراف عند عوده إلى كرسي ملكه، ~~وزوال ما نزل به وبأبيه المطيع رحمه الله من فادحة الأتراك؛ فقال «1» : ~~الحمد لله ناظم الشمل بعد شتاته، وواصل الحبل بعد بتاته، وجابر الوهن إذا ~~ثلم «2» ، وكاشف الخطب إذا أظلم، والقاضي للمسلمين بما يضم نشرهم، ويشد ~~أزرهم، ويصلح ذات بينهم «3» ، ويحفظ الألفة عليهم، وإن شابت ذلك في الأحيان ~~شوائب من الحدثان فلن يتجاوز «4» بهم الحد الذي يوقظ غافلهم، وينبه ذاهلهم، ~~ثم إنهم عائدون إلى فضل «5» ما أولاهم الله وعودهم، ووثق لهم ووعدهم، من ~~إيمان # PageV02P234 # سربهم «1» ، وإعذاب شربهم، وإعزاز جانبهم، وإذلال مجانبهم، وإظهار دينهم ~~على الدين كله ولو كره المشركون. # وهذه تحميدة مناسبة لموضوع الكتاب، وإن كانت المعاني فيها مكررة كالذي ~~أنكرته عليه وعلى غيره من الكتاب، وقدمت القول فيه في باب السجع؛ فليؤخذ من ~~هناك. # ومن المبادي التي قد أخلقت وصارت مزدراة أن يقال في أوائل التقليدات: # إن أحق الخدم بأن ترعى خدمة كذا وكذا، وإن أحق من قلد الأعمال من اجتمع ~~فيه كذا وكذا؛ فإن هذا ليس من المبادي المستحسنة، ومن استعمله أولا فقد ~~ضعفت فكرته عن اقتراح ما يحسن استعماله من المبادىء، والذي تبعه في ذلك إما ~~مقلد ليس عنده قوة على أن يختار لنفسه، وإما جاهل لا يفرق بين الحسن ~~والقبيح والجيد والرديء، وأهل زماننا هذا من الكتاب قد قصروا مبادي ~~تقاليدهم على هذه الفاتحة دون غيرها، وإن أتوا بتحميدة من التحاميد كانت ~~مباينة لمعنى التقليد الذي وضعت في صدره، وكذلك قد كان الكتاب يستعملون في ~~التقليدات مبدأ واحدا لا يتجاوزونه إلى غيره، وهو «هذا ما عهد فلان إلى ~~فلان» والتحميد خير ما افتتح به التقليدات وكتب الفتوح وما جرى ms470 مجراهما، ~~وقد أنكرت ذلك على مستعمله في مفتتح تقليد أنشأته بولاية وال فقلت: كانت ~~التقليدات تفتتح بكلام ليس بذي شأن، ولا يوضع في ميزان، ولا يجتنى من ~~أفنان، وغاية ما يقال هذا ما عهد فلان إلى فلان، وتلك فاتحة لم تكن جديدة ~~فتخلق بتطاول الأيام، ولا حسنة النظم فيضاهى بمثلها من ذوات النظام، وهذا ~~التقليد مفتتح بحمد الله الذي تكفل لحامده بالزيادة، وبدأ النعمة ثم قرنها ~~من فضله بالإعادة، وهو الذي بلغ بنا [من] مآرب الدينا منتهى الإرادة، وسلم ~~إلينا مقاده فذلل لنا بها كل مقادة، ووسد الأمر منا إلى أهله فاستوطأت ~~الرعايا منه على وسادة، ونرجو أن يجمع لنا بين سعادة الأولى والأخرى حتى ~~تتصل هذه السعادة بتلك السعادة، ثم نصلي على نبيه محمد الذي ميزه الله # PageV02P235 # على الأنبياء بشرف السيادة، وجعل انشقاق القمر له من آيات النبوة وانشقاق ~~الإيوان من آيات الولادة، وعلى آله وأصحابه الذين شادوا الدين من بعده ~~فأحسنوا في الإشادة، وبسطت عليهم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلهم فلم ~~يحولوا عن خلق الزهادة، أما بعد كذا وكذا، ثم أنهيت التقليد إلى آخره. # ومن الحذاقة في هذا الباب أن يجعل الدعاء في أول الكتاب من السلطانيات ~~والإخوانيات وغيرهما مضمنا من المعنى ما بني عليه ذلك الكتاب، وهذا شيء ~~انفردت بابتداعه، وتراه كثيرا فيما أنشأته من المكاتبات؛ فإني توخيته فيها ~~وقصدته. # فمن ذلك ما كتبته في الهناء بفتح، وهو: هذا الكتاب مشافه بخدمة الهناء ~~للمجلس السامي الفلاني جدد الله له في كل يوم فتحا، وبدل عرش كل ذي سلطان ~~لديه صرحا، وجعل كل موقف من مواقف جوده وبأسه يوم فطر ويوم أضحى، وكتب له ~~على لسان الإسلام ولسان الأيام ثناء خالدا ومدحا، وأسكنه بعد العمر الطويل ~~دارا لا يظمأ فيها ولا يضحى، ثم أخذت بعد ذلك في إنشاء الكتاب المتضمن ما ~~يقتضيه معاني ذلك الفتح. # ومن ذلك ما ذكرته في الهناء بمولود، وهو: جدد الله مسرات المجلس السامي ~~الفلاني ووصل صبوح هنائه بغبوقه، وأمتعه بسليله المبشر ms471 بطروقه، وأبقاه حتى ~~يستضىء بنوره ويرمي عن فوقه، وسر به أبكار المعاني حتى تخلق أعطافها ~~بخلوقه، وجعله كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، ثم أخذت في ~~إتمام الكتاب بالهناء بالمولود على حسب ما اقتضاه ذلك المعنى. # فتأمل ما أوردته ههنا من هذين المثالين، وانسج على منوالهما فيما تقصده ~~من المعاني التي تبني عليها كتبك؛ فإن ذلك من دقائق هذه الصناعة. # وأما فواتح الكتب التي أنشأتها فمنها ما اخترعته اختراعا ولم أسبق إليه، ~~وهي عدة كثيرة، وقد أوردت ههنا بعضها. # فمن ذلك مفتتح كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: نشأت سحابة من سماء الديوان ~~العزيز النبوي جعل الله الخلود لدولته أوطانا، والحدود لها أركانا، ونصب # PageV02P236 # أيامها في أيام الدهر أحيانا، وصورها في وجهه عينا وفي عينه إنسانا، ومد ~~ظلها على الناس عدلا وإحسانا، وجمع الأمم على دين طاعتها وإن تفرقوا ~~أديانا، وأتاها من معجزات سلطانه ما لم ينزل به لغيرها سلطانا، فارتاح ~~الخادم لا لتقائها، وبسط يده لاستسقائها، وقال: رحمة مرسلة لا تخشى رعودها، ~~ولا تخلف وعودها، ومن شأنها ترويض الصنائع التي تبقي آثارها، لا الحمائل ~~التي تذوي أزهارها، وقد يعبر عن الكتاب ونائله، بالسحاب ووابله؛ فإن صدر عن ~~يد كيد الديوان العزيز فقد وقع التشبيه موقع الصواب، وصدق حينئذ قول ~~القائل: إن البحر عنصر السحاب، لكن فرق بين ما يجود بمائه، وما يجود ~~بنعمائه، وبين ما يسم الأرض الماحلة، وبين ما يسمي الأقدار الخاملة، وما ~~زالت كتب الديوان العزيز تضرب لها الأمثال، وتصرف نحوها الآمال، ويرى الحسد ~~فيها حسدا وإن عد في غيرها من سييء الأعمال. وهذا فصل من أول الكتاب. # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وأرسلته ~~إليه من الموصل إلى أرض الشمال من بلاد الروم، وهو: طلع كوكب من أفق المجلس ~~السامي لا خلت سيادته من عدو وحاسد، ولا شينت بتوأم يخرجها عن حكم الواحد، ~~ولا عدمت صحبة الجدود المتيقظة في الزمن الراقد، ولا أوحشت الدينا من ذره ~~الخالد الذي هو عمر ms472 خالد، ولا زال مرفوعا إلى المحل الذي يعلم به أن الدهر ~~للناس ناقد، والكواكب تختلف مطالعها في الشمال والجنوب؛ فمنها ما يطلع ~~دائما في أحدهما وهو في الآخر دائم الغروب، وكتاب المجلس كوكب لم ير بهذه ~~الأرض مطلعه، وإن علم من السماء أين موضعه، ولما ظهر الآن للخادم سبح له ~~حامدا، وخر له ساجدا، وقال: قد عبدت الكواكب من قبلي فلا عجب أن أكون لهذا ~~الكوكب عابدا، وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس: # هذا ابن كبشة الكتاب «1» لا ابن أبي كبشة الشعرى. # وهذا مطلع غريب، والسياقة التالية لمطلعه أغرب، ومن أغرب ما فيها قولي ~~«وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس هذا ابن كبشة # PageV02P237 # الكتاب لا ابن أبي كبشة الشعري» والمراد بذلك أن ابن كبشة «1» كان رجلا ~~في الجاهلية يعبد الشعرى فخالف بذلك دين قومه، ولما بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالت قريش: # هذا قد خالف ديننا، وسموه «ابن أبي كبشة» أي أنه قد خالفنا كما خالف أبو ~~كبشة قومه في عبادة الشعرى، فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابي هذا فجاء ~~كما تراه مبتدعا غريبا. # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان بالشام، ~~وهو: طلعت من الغرب شمس فقيل: قد آذنت أشارط الساعة بالاقتراب، ولم يعلم أن ~~تلك الأنوار إنما هي أنوار الكتاب، لم تألف الأبصار من قبله أن تطلع الشمس ~~من المغرب، وليس ذلك إلا كتاب المجلس لا سلبه الله مزية هذا الوصف الكريم، ~~وأتاه من الفضل ما يقال معه وفوق كل ذي علم عليم، وأحيا النفوس من كلمها ~~بروح كلمه كما شفي غليلها من أقلامه بسقيا الكليم، ولما ورد عن الخادم صار ~~ليله نهارا، وأصبح الناس في الحديث به أطوارا، والمنصف منهم يقول: قد جرت ~~الشمس إلى مستقرها والشمس لا تجد قرارا. # وهذا الكتاب في الحسن والغرابة كالذي قبله. # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: # تأوب زور من جانب المجلس ms473 السامي أدنى الله داره، وجعل كلماته التامة ~~جاره، وأشهد أفعال التقوى ليله وأفعال المكارم نهاره، ووهبه من أعوام العمر ~~طواله ومن أعوام العيش قصاره، ولا أقدر السابقين إلى المعالي أن يجروا معه ~~ولا أن يشقوا غباره، وليس ذلك الزور إلا سطورا في قرطاس، ولا فرق بين ~~الكتاب وبين مرسله في ملاطفة الإيناس، والله لا يصغر ممشى هذا الزائر، ويقر ~~عيني برؤيته حتى لا أزال به قرير الناظر، ومع هذا فإني عاتب لتأخره وههنا ~~مظنة العتاب، ومن تأخر عنه كتاب صديقه فلا بد أن يخطر له خاطر الارتياب، ~~والضنين بالمودة «2» لا يرى إلا ظنينا، وقد قيل إنها وديعة وقليلا ما تجد ~~على الودائع أمينا. # PageV02P238 # وهذا فصل من أول الكتاب. # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: # سنحت روضة من جانب المجلس السامي جعل الله المعالي له رداء، ونهايات ~~المساعي له ابتداء، وفداه بمن يقصر عن درجته حتى تكون الأكارم له فداء، ~~وهدى المحامد لأفعاله وأهدى البقاء لأيامه حتى يجتمع له الأمران هدى ~~وإهداء، وأتاه من السيادة ما يجعل أعداءه أصادق ومن السعادة ما يجعل ~~أصدقاءه أعداء، فاستنشق الخادم رباها، وتلقى بالتحية محياها، واستمتع ~~بأزهارها التي أنبتها سقيا الأقلام لا سقي الغمام، وقال: هذا ربيع الأرواح ~~لا ربيع الأجسام، ولو رام الإحاطة بوصفها لكانت الأقوال المطولة فيها ~~مختصرة، ولكنه اكتفى بأن رفعها على رأسه حتى يتمثل أن الجنة في شجرة، ومن ~~أوصافها أنها جاءت رائدة ومن شأن الروض أن يرتاد، وحلت محاسنها التي هي في ~~غيرها من حظ البصر وفيها من حظ السمع والبصر والفؤاد، ولما سرح فيها نظره ~~وجد شوقه حمامة تغرد في أكنافها، وتردد الشجى لبعد أليفها إذا رددته ~~الحمائم لقرب ألافها، وهذا قول له عند إخوان الصفاء علامة، وإذا تمثل كتاب ~~الحبيب روضة فهل يتمثل شوق محبه إلا حمامة، وأي فرق بين هذه وبين أخواتها ~~من ذوات الأطواق؟ لولا أنها تملي شجوها على صفحات القلوب وتلك تمليه على ~~عذبات الأوراق. # وهذا فصل من الكتاب، ms474 وهو غريب عجيب، وفيه معنيان مبتدعان، وأعجبهما ~~وأغربهما قولي: «حتى يتمثل أن الجنة في شجرة» وهذا مستخرج من الحديث ~~النبوي. # ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: # تضوعت نفحة من تلقاء المجلس السامي رعى الله عهده وسقاه، وصان وده ووفاه، ~~ويسر لي إلقاء العصا بملقاه، فعطرت الطريق التي سايرتها، والريح التي ~~جاورتها، وأتت فأفرشتها خدي، وضممت عليها ودي، وجعلتها درعا لجيبي ولطيمة ~~لردني وسخابا لعقدي، وعلمت أنها ليست بنفحة طيب، ولكنها كتاب حبيب، فإن ~~مناشق الأرواح غير مناشق الأجسام، ولا يستوي عرف الطيب وعرف الأقلام، ثم ~~مددت # PageV02P239 # يدي إلى الكتاب بعد أن صافحت يد موصله، كما صافحت عبقة مندله، وقلت: # أهلا بمن أدنى من الحبيب مزارا، وأهدى لعيني قرة ولقلبي قرارا. # وهذا في الغرابة كأخواته التي تقدمت. # ولم أستقص ما اخترعته من هذا الباب في مطالع الكتب. # وأما ما أتيت فيه بالحسن من المعاني ولكنه غير مخترع؛ فمن ذلك مطلع كتاب ~~كتبته عن الملك نور الدين أرسلان بن مسعود صاحب الموصل إلى الملك الأفضل ~~علي بن يوسف يتضمن تعزية وتهنئة: أما التعزية فبوفاة أخيه الملك العزيز ~~عثمان صاحب مصر، وأما التهنئة فبوراثة الملك من بعده، وهو: لا يعلم القلم ~~أينطق بلسان التعزية أم بلسان التهنية، لكنه جمعهما جميعا فأتى بهما على ~~حكم التثنية، وفي مثل هذا الخطب يظل القلم حائرا، وقد وقف موقف السخط ~~والرضا فسخط أولا ثم رضي آخرا، وهذا البيت الناصري يتداول درجات العلى فما ~~تمضي إلا وإليه ترجع، وشموسه وأقماره تتناقل مطالع السعود فما يغيب منها ~~غائب إلا وآخر يطلع، والناس إن فجعوا بماجد ردفه من بعده ماجد، وإن قيل إن ~~الماضي كان واحدا قيل بل الآتي هو الواحد. # وهذا فصل من أول الكتاب، ثم كتبت في هذا المعنى كتابين آخرين، وفي الذي ~~أوردته من هذا الفصل مقنع. # ومن هذا الأسلوب ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وكانت الكتب ~~قد انقطعت بيني وبينه زمانا، وهو: لقاء كتب الأحباب كلقاء الأحباب، ms475 وقد ~~تأتي بعد يأس منها فيشتبه لها دمع السرور بدمع الاكتئاب، ومن أحسنها كتاب ~~المجلس السامي الفلاني جعل الله الليالي له صحبا والمعاني له عقبا، ورفع ~~مجده فوق كل ماجد حتى تكون حسناتهم لدى حسناته ذنبا، ولا زال اسمه في ~~الأفواه عذبا وذكره في الألسنة رطبا، ووده لكل إنسان إنسانا ولكل قلب قلبا. # ثم انتهيت إلى آخر الكتاب على هذا النسق. وإنما ذكرت ههنا مبتدأه لأنه ~~الغرض المقصود في هذا الموضع. # ومن ذلك ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وهو: البشرى تعطى # PageV02P240 # للكتاب كما تعطى لمرسله، وكل منهما يوفى حق قدره وينزل في منزله، وكذلك ~~فعل الخادم بكتاب المجلس السامي الفلاني لا زال محله أنيسا، وذكره للفرقدين ~~جليسا، وسعيه على المكارم حبيسا، ومجده جديد الملابس إذا كان المجد لبيسا. # وههنا ذكرت من هذا الكتاب «1» كما ذكرته من الذي قبله فإني لم أذكر إلا ~~مبدأه الذي هو الغرض. # ومما ينتظم في هذا السلك ما كتبته في صدر كتاب يتضمن تعزية، وهو: لو لم ~~يلبس قلمي ثوب الحداد لهجر مداده، ونضي عنه سواده، وبعد عن قرينته، وعاد ~~إلى طينته، وحرم على نفسه أن يمتطي يدا، أو يجري إلى مدى، لكنه أحد فندب، ~~وبكى فسكب، وسطر هذا الكتاب من دموعه، وضمنه ما حملته أحناء ضلوعه، وإنما ~~استعار ذلك من صاحبه الذي أعداه، وأبدى إليه من حزنه ما أبداه، وهو نائب ~~عنه في تعزية سيدنا أحسن الله صبره، ويسر أمره، وأرضى عنه دهره.. ثم أنهيت ~~الكتاب إلى آخره. # ومن محاسن هذا الباب أن يفتتح الكتاب بآية من القرآن الكريم، أو بخبر من ~~الأخبار النبوية، أو ببيت من الشعر، ثم يبني الكتاب عليه. # فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح، وهو: # ومن طلب الفتح الجليل فإنما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم «2» # وقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم، وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك ~~العقيم، وراية المجد لا تنصب إلا على النصب، والراحة الكبرى لا تنال إلا ~~على جسر من التعب «3» ، وكتابنا ms476 هذا وقد استولينا على مملكة فلانة، وهي ~~المملكة التي # PageV02P241 # تمسي الآمال دونها صرعى، وإذا قيس إليها غيرها من الممالك كانت أصلا وكان ~~غيرها فرعا. وهذا فصل من أول الكتاب. # ومن ذلك ما كتبته في مفتتح تقليد بالحسبة، وهو: ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون # هذا أمر يشتمل على معنى الخصوص دون العموم، ولا يختص به إلا ذوو الأوامر ~~المطاعة وذوو العلوم، وقد جمع الله لنا هذين الوصفين كليهما، وجعلنا من ~~المستحلفين عليهما، فلنبدأ أولا بحمده الذي هو سبب للمزيد، ثم لنأخذ في ~~القيام بأمره الذي هو على كل نفس منه رقيب عتيد، ولا ريب أن إصلاح العباد ~~يسري إلى الأرض حتى تزكو بطونها وتنام عيونها، ويشترك في بركات السماء ~~ساكنها ومسكونها، والأمر بذلك حمل إن لم تتوزعه الأكف ثقل على الرقاب، وإذا ~~انتشرت أطراف البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب، وقد اخترنا ~~لمدينة فلانة رجلا لم نأل في اختياره جهدا، وقدمنا فيه خيرة الله التي إذا ~~صدقت نيتها صادفت رشدا، وهو أنت أيها الشيخ فلان، فابسط يدك بقوة إلى أخذ ~~هذا الكتاب، وكن كحسنة من حسناتنا التي يرجح بها ميزان الثواب، وحقق نظرنا ~~فيك فإنه من نور الله الذي ليس دونه حجاب. فتأمل كيف فعلت في هذه الآية ~~التي بنيت التقليد عليها، وهو من محاسن المبادي والافتتاحات. # وكذلك فعلت في موضع آخر، وهو مفتتح كتاب كتبته إلى شخص كلفته السفارة إلى ~~مخدومه في حاجة عرضت، وهو: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا # هذا القول تتبع آثاره، وتحمل عليه أنظاره، وأولى الناس بسيدنا من شاركه ~~في لحمة أدبه، وإن لم يشاركه في لحمة نسبه؛ فإن المناقب أقارب والمآثر ~~أواصر: # وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي ... إلا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب # ونتيجة هذه المقدمة بعث خلقه الكريم على عوارف أفضاله، واستهداء صنيعة ~~جاهه # PageV02P242 # التي هي أكرم من صنيعة ماله «1» ، ولا تجارة أربح من هذه التجارة، ~~والساعي ms477 فيها شريك في الكسب بريء من الخسارة. # وأما الأخبار النبوية فيسلك بها هذا المسلك: بأن يذكر الخبر في صدر ~~الكتاب، ثم يبني عليه. # ولنذكر منها ولو مثالا واحدا، وهو توقيع كتبته لولد رجل من أصحاب السلطان ~~توفي والده ونقل ما كان باسمه إليه، فقلت: قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فلورثته ومن ترك دينا ~~أوكلا أو ضياعا فإلي وعلي» وهذا خلق من الأخلاق النبوية لا مزيد على حسنه، ~~وأساليب المكارم بأسرها موضوعة في ضمنه، ونحن نرجو أن نمشي على أثره فنتنزل ~~منزلة رديفه، أو أن نتشبه به فنبلغ مبلغ مده أو نصيفه، وقد أرانا الله ذلك ~~في قوم صحبونا فأسعفناهم بمباغي الإنعام، وأحمدناهم صحبة الليالي والأيام، ~~وتكفلنا أيتامهم من بعدهم حتى ودوا أن يكونوا هم الأيتام، وهذا فلان ابن ~~فلان رحمه الله ممن كان له في خدمة الدولة قدم صدق، وأولية سبق، وحفظ كتاب ~~المحافظة عليها فقيل له في تلاوته اقرأ وارق؛ ثم أنهيت التوقيع إلى آخره، ~~فتأمل مفتتح هذا التوقيع فإنه تضمن نص الخبر من غير تغيير، وقد ضمنته بعض ~~خبر آخر من الأخبار النبوية، وهو قوله «اقرأ وارق» قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن ~~منزلتك عند آخر آية تقرؤها» . # وقد مثلت لك ههنا أمثالا يقتدى بها، فاحذ حذوها، وامض على نهجها. # والله الموفق للصواب. # PageV02P243 ### | النوع الثالث والعشرون في التخلص والاقتضاب # وهذا النوع أيضا كالذي قبله في أنه أحد الأركان الخمسة التي تقدمت ~~الإشارة إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب. # وينبغي لك أيها المتوشح لهذه الفضيلة أن تصرف إليه جل همتك؛ فإنه مهم ~~عظيم من مهمات البلاغة. # أما التخلص- وهو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني فبينا هو فيه إذ ~~أخذ في معنى آخر غيره وجعل الأول سببا إليه- فيكون بعضه آخذا برقاب بعض؛ من ~~غير أن يقطع كلامه، ويستأنف كلاما آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما ms478 أفرغ ~~إفراغا، وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوة تصرفه؛ من أجل أن نطاق الكلام ~~يضيق عليه، ويكون متبعا للوزن والقافية فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته، ~~وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء؛ فلذلك يشق التخلص على الشاعر ~~أكثر مما يشق على الناثر. # وأما الاقتضاب فإنه ضد التخلص، وذاك: أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ~~ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك، ولا يكون للثاني علاقة ~~بالأول. # وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين، وأما المحدثون فإنهم تصرفوا في ~~التخلص فأبدعوا وأظهروا منه كل غريبة. # فمن ذلك قول أبي تمام «1» : # PageV02P244 # يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود «1» # أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت: كلا! ولكن مطلع الجود «2» # وهذان البيتان من بديع ما يأتي في هذا الباب ونادره وكذلك قوله «3» أيضا ~~في وصف أيام الربيع ثم خرج من ذكر الربيع وما وصفه به من الأوصاف؛ فقال: # خلق أطل من الربيع كأنه ... خلق الإمام وهديه المتنشر «4» # في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النبات الغض سرج تزهر «5» # تنسي الرياض وما يروض؛ جوده ... أبدا على مر الليالي يذكر «6» # PageV02P245 # وهذا من ألطف التخلصات وأحسنها. # وكذلك قوله في قصيدته الفائية التي أولها: # أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا «1» # فقال فيها: # غيداء جاد ولي الحسن سنتها ... فصاغها بيديه روضة أنفا # يضحي العذول على تأنيبه كلفا ... بعذر من كان مشغوفا بها كلفا # ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا # تجاهد الشوق طورا ثم تجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا # وهذا أحسن من الذي قبله، وأدخل في باب الصنعة. # وكذلك جاء قوله «2» : # زعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلول باللوى ورسوم # لا والذي هو عالم أن النوى ... أجل وأن أبا الحسين كريم «3» # ما حلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم «4» # وهذا خروج من غزل إلى مديح أغزل منه. # ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة ms479 قصيدته المشهورة التي ~~أولها: # PageV02P246 # أجارة بيتينا أبوك غيور «1» # فقال عند الخروج إلى ذكر الممدوح: # تقول التي من بيتها خف مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير # أما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير # فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في جريهن عبير: # ذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيها الخصيب أمير # ومما جاء من التخلصات الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الدالية ~~التي أولها: # عواذل ذات الخال في حواسد «2» # وأورد نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد # ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعد # خليلي إني لا أرى غير شاعر ... فكم منهم الدعوى ومني القصائد # فلا تعجبا إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد # وهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض؛ ألا ترى إلى الخروج إلى مدح ~~الممدوح في هذه الأبيات كأنه أفرغ في قالب واحد؛ ثم إن أبا الطيب جمع بين ~~مدح نفسه ومدح سيف الدولة في بيت واحد، وهو من بدائعه المشهورة. # PageV02P247 # وكذلك قوله أيضا، وهو من أحسن ما أتى به من التخلصات؛ وهو في قصيدته التي ~~أولها: # سرب محاسنه حرمت ذواتها «1» # فقال في أثنائها: # ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها # ومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحش كن من أقواتها # أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها # الثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها # فكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها # تلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها # سقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي أبي أيوب خير نباتها # فانظر إلى هذين التخلصين البديعين؛ فالأول خرج به إلى مدح قوم الممدوح، ~~والثاني خرج به إلى نفس الممدوح، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب. # وعلى هذا جاء قوله «2» : # إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالم «3» # PageV02P248 # وإلا فخانتتي القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم # والشعراء متفاوتون في هذا الباب، وقد يقصر عنه الشاعر المفلق ms480 المشهور ~~بالإجادة في إيراد الألفاظ واختيار المعاني، كالبحتري؛ فإن مكانه من الشعر ~~لا يجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريبا ضوؤها بعيدا ~~مكانها، وكالقناة لينا مسها خشنا سنانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في ~~الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب، ومع هذا فإنه لم يوفق في التخلص من الغزل ~~إلى المديح، بل اقتضبه اقتضابا، ولقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئا ~~مرضيا إلا اليسير، كقوله في قافية الباء من قصيدة «1» : # وكفاني إذا الحوادث أظل ... من شهابا بغرة ابن شهاب # وكقوله في قافية الدال من قصيدة «2» : # قصدت لنجران العراق ركابنا ... يطلبن أرحبها محلة ما جد «3» # آليت لا تلقين جدا صاعدا ... في مطلب حتى تناخ بصاعد «4» # وكقوله في قصيدته التي أولها: # حلفت لها بالله يوم التفرق «5» # PageV02P249 # فإنه تشوق فيها إلى العراق من الشام، ووصف العراق ومنازله ورياضه، فأحسن ~~في ذلك كله، ثم خرج إلى مدح الفتح بن خاقان بسياقة آخذ بعضها برقاب بعض، ~~فقال: # رباع من الفتح بن خاقان لم تزل ... غنى لعديم أو فكاكا لموثق # ثم أخذ في مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني. # وكذلك ورد قوله في قصيدته التي أولها «1» : # ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها # فإنه وصف البركة فأبدع في أوصافها، ثم خرج منها إلى مدح الخليفة المتوكل؛ ~~فقال: # كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها # وأحسن ما وجدته له، وهو مما لطف فيه كل التلطيف، قوله في قصيدته التي ~~يمدح بها ابن بسطام ومطلعها: # نصيب عينك من سح وتسجام # فقال عند تخلصه إلى المديح: # هل الشباب ملم بي فراجعة ... أيامه لي في أعقاب أيام # لو أنه بابل عمر يجاذبه ... إذا تطلبته عند ابن بسطام # وهذا من الملائح في هذا الباب. # وله مواضع أخرى يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره. # PageV02P250 # وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي: إن كتاب الله خال من ~~التخلص. # وهذا القول فاسد؛ لأن حقيقة التخلص إنما هي الخروج من كلام [إلى] آخر ~~غيره بلطيفة تلائم بين الكلام الذي خرج منه ms481 والكلام الذي خرج إليه، وفي ~~القرآن الكريم مواضع كثيرة من ذلك، كالخروج من الوعظ والتذكير بالإنذار ~~والبشارة بالجنة إلى أمر ونهي ووعد ووعيد، ومن محكم إلى متشابه، ومن صفة ~~لنبي مرسل وملك منزل إلى ذم شيطان مريد وجبار عنيد، بلطائف دقيقة، ومعان ~~آخذ بعضها برقاب بعض. # فما جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى: واتل عليهم نبأ إبراهيم ~~إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون. قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون. قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون. فإنهم عدو لي ~~إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت ~~فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين. رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين. واجعل لي لسان صدق في الآخرين. ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم. # واغفر لأبي إنه كان من الضالين. ولا تخزني يوم يبعثون. يوم لا ينفع مال ~~ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم. وأزلفت الجنة للمتقين. وبرزت الجحيم ~~للغاوين. وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون. من دون الله هل ينصرونكم أو ~~ينتصرون. فكبكبوا فيها هم والغاوون. وجنود إبليس أجمعون. قالوا وهم فيها ~~يختصمون. تالله إن كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين. وما أضلنا ~~إلا المجرمون. فما لنا من شافعين. ولا صديق حميم. فلو أن لنا كرة فنكون من ~~المؤمنين. # هذا كلام يسكر العقول، ويسحر الألباب، وفيه كفاية لطالب البلاغة، فإنه ~~متى أنعم فيه نظره وتدبر أثناءه ومطاوي حكمته على أن في ذلك غنى عن تصفح ~~الكتب # PageV02P251 # المؤلفة في هذا الفن، ألا ترى ما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه ~~مع المشركين حين سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا سؤال مستفهم، ثم أنحى ~~على آلهتهم؛ فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع، وعلى ~~تقليد آبائهم الأقدمين فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا ms482 عن أن يكون حجة، ~~ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكره الإله الذي لا تجب العبادة إلا له، ولا ~~ينبغي الرجوع والإنابة إلا إليه، فصور المسألة في نفسه دونهم، بقوله: فإنهم ~~عدو لي # على معنى إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو وهو الشيطان؛ ~~فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله في يده، وأراهم بذلك أنها نصيحة ينصح ~~بها نفسه؛ لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، فيكون ~~ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه، ولو قال فإنهم عدو ~~لكم لم يكن بتلك المثابة، فتخلص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر الله ~~تعالى؛ فأجرى عليه تلك الصفات العظام: من تفخيم شأنه وتعديد نعمه مر لدن ~~خلقه وأنشأه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته؛ ليعلم من ذلك أن ~~من هذه صفاته حقيق بالعبادة، واجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته؛ ~~ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه، فدعا الله بدعوات المخلصين، وابتهل ~~إليه ابتهال الأوابين؛ لأن الطالب من مولاه إذا قدم قبل سؤاله وتضرعه ~~الاعتراف بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطلبة، ثم أدرج في ~~ضمن دعائه ذكر البعث ويوم القيامة، ومجازاة الله تعالى من آمن به واتقاه ~~بالجنة ومن ضل عن عبادته بالنار، فجمع بين الترغيب في طاعته والترهيب من ~~معصيته؛ ثم سأل المشركين عما كانوا يعبدون سؤالا ثانيا عند معاينة الجزاء، ~~وهو سؤال موبخ لهم مستهزىء بهم، وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم ~~والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنى العودة؛ ليؤمنوا؛ فانظر أيها ~~المتأمل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض، مع احتوائه على ضروب ~~من المعاني فيخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ملائمة، حتى كأنه أفرغ ~~في قالب واحد، فخرج من ذكر الأصنام وتنفير أبيه وقومه من عبادتهم إياها مع ~~ما هي فيه من التعري عن صفات الإلهية حيث لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا ~~تسمع ms483 إلى ذكر الله تعالى فوصفه بصفات الإلهية فعظم شأنه # PageV02P252 # وعدد نعمه؛ ليعلم بذلك أن العبادة لا تصح إلا له، ثم خرج من هذا إلى ~~دعائه إياه وخضوعه له؛ ثم خرج منه إلى ذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه، ~~فتدبر هذه التخلصات اللطيفة المودعة في أثناء هذا الكلام. # وفي القرآن مواضع كثيرة من التخلصات، كالذي ورد في سورة الأعراف؛ فإنه ~~ذكر فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية من آدم إلى نوح عليهما السلام، وكذلك ~~إلى قصة موسى عليه السلام، حتى انتهى إلى آخرها الذي هو واختار موسى قومه ~~سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي ~~من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي ~~وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. ~~الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون. # هذا تخلص من التخلصات الحسان؛ فإن الله تعالى ذكر الأنبياء والقرون ~~الماضية إلى عهد موسى عليه السلام؛ فلما أراد ذكر نبينا صلوات الله عليه ~~وسلامه ذكره بتخلص انتظم به بعض الكلام ببعض؛ ألا ترى أنه قال موسى عليه ~~السلام: # (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة) فأجيب بقوله تعالى: قال عذابي ~~أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين # من حالهم كذا وكذا، ومن صفتهم كيت وكيت، وهم الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي # ثم وصفه صلوات الله عليه بصفاته إلى آخر الكلام. # ويالله العجب!! كيف يزعم الغانمي أن القرآن خال من التخلص؟ ألم يكفه # PageV02P253 # سورة يوسف عليه السلام فإنها قصة ms484 برأسها، وهي مضمنة شرح حاله مع إخوته من ~~أول أمره إلى آخره، وفيها عدة تخلصات في الخروج من معنى إلى معنى، وكذلك ~~إلى آخرها! ولو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت، ومن ~~أنعم نظره فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة. # وقد جاءني من التخلصات في الكلام المنثور أشياء كثيرة، وسأذكر ههنا نبذة ~~يسيرة منها. # فمن ذلك ما أوردته في كتاب إلى بعض الإخوان أصف فيه الربيع، ثم خرجت من ~~ذلك إلى ذكر الأشواق، فقلت: وكما أن هذه الأوصاف في شأنها بديعة، فكذلك ~~شوقي في شأنه بديع، غير أنه لحره فصل مصيف وهذا فصل ربيع، فأنا أملي ~~أحاديثه العجيبة على النوى، وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستفض حديث من ~~قتله الهوى. # ومن هذا الأسلوب ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أيضا، وأرسلته إليه من ~~بلاد الروم، وهو كتاب يشتمل على وصف البرد وما لاقيته منه، ثم خرجت من ذلك ~~إلى ذكر الشوق، فقلت: ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس إلا في شهر ~~ناجر، وهو قائم مقام الظل الذي يتبرد به من لفح الهواجر، ولفظ شدته لم أجد ~~ما يحققه فضلا عما يذهبه، فإن النار المعدة له تطلب من الدفء أيضا ما ~~أطلبه، لكن وجدت نار أشواقي أشد حرا فاصطليت بجمرها التي لا تذكي بزناد ولا ~~تئول إلى رماد، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشد من حر الفؤاد، غير ~~أني كنت في ذلك كمن سد خلة بخلة، واستشفى من علة بعلة، وأقتل ما أغلك ما ~~شفاك «1» فما ظنك بمن يصطلي نار الأشواق، وقد قنع من أخيه بالأوراق فضن ~~عليه بالأوراق. # PageV02P254 # ومما ينتظم في هذا العقد ما ذكرته في مفتتح كتاب يتضمن عناية ببعض ~~المتظلمين، فاستطردت فيه المعنى إذ ذكر المكتوب إليه؛ وهو: هدايا المكارم ~~أنفس من هدايا الأموال، وأبقى على تعاقب الأيام والليال، وقد حمل هذا ~~الكتاب منها هدية تورث حمدا وتكسب مجدا، وهي خير ثوابا وخير مردا، ولا يسير ~~بها ms485 إلا سجية طبعت على الكرم، وخلقت من عنصر الديم، كسجية مولانا أعلاه ~~الله علوا تفخر به الأرض على السماء، وتحسده شمس النهار ونجوم الظلماء، ولا ~~زالت أياديه مخجلة صوب الغمام، معدية على نوب الأيام. مغنية بشرف فضلها على ~~شرف الأخوال والأعمام، وتلك الهدية هي تجريد الشفاعة في أمر فلان ومن إيمان ~~المرء سعيه في حاجة أخيه، وإن لم يمسه بشيء من أسباب أواخيه؛ فإن المؤمنين ~~إخوة وإن تباينت مناسبهم، وتفاوتت مراتبهم، ومن صفتهم أن يسعى بذمتهم ~~أدناهم، وخيرهم من عناه من الأمر ما عناهم. ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر ~~الكتاب. # ومن ذلك ما كتبته من كتاب إلى صديق استحدثت مودته، وهو من أهل العراق، ~~وكنت اجتمعت به بالموصل ثم سارعني، فكتبت إليه أستهديه رطبا؛ فقلت: هذه ~~المكاتبة ناطقة بلسان الشوق الذي تزف كلمه زفيف الأوراق، وتسجع سجع ذوات ~~الأطواق، وتهتف وهي مقيمة بالموصل فتسمع من هو مقيم بالعراق، وأبرح الشوق ~~ما كان عن فراق غير بعيد، وود استجدت حلته واللذة مقترنة بكل شيء جديد، ~~وأرجو ألا يبلى قدم الأيام لهذه الجدة لباسا، وأن يعاذ من نظرة الجن والإنس ~~حتى لا يخشى جنة ولا بأسا، وقد قيل: إن للمودات طعما كما أن لها وسما، وإن ~~ذا اللب يصادق نفسا قبل أن يصادق جسما، وإني لأجد لمودة سيدنا حلاوة يستلذ ~~دوامها، ولا يمل استطعامها، وقد أذكرتني الآن بحلاوة الرطب الذي هو من ~~أرضها، وغير عجيب لمناسبة الأشياء أن يذكر بعضها ببعضها، إلا أن هذه ~~الحلاوة تنال بالأفواه وتلك تنال بالأسرار، وفرق بين ما يغترس بالأرض وما ~~يغترس بالقلب في شرف الثمار؛ فلا ينظر سيدنا علي في هذا التمثيل، ولربما ~~كان ذلك تعريضا ينوب مناب التطفيل. # وهذا من التخلصات البديعة؛ فانظر أيها المتأمل كيف سقت الكلام إلى # PageV02P255 # استهداء الرطب، وجعلت بعضه آخذا برقاب بعض، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد؟ ~~وكذلك فليكن التخلص من معنى إلى معنى. # وهذا القدر من الأمثلة كاف للمتعلم. # ومما أستظرف من هذا النوع في الشعر قول ms486 ابن الزمكرم الموصلي، وهو: # وليل كوجه البرقعيدي مظلم ... وبرد أغانيه وطول قرونه # سريت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه # على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه # إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه # وهذه الأبيات لها حكاية، وذاك أن هذا الممدوح، وهو شرف الدولة قرواش ملك ~~العرب، وكان صاحب الموصل؛ فاتفق أنه كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي ~~الشتاء، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنيا، ~~وسليمان بن فهد وزيرا، وأبو جابر حاجبا، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر ~~أن يهجو المذكورين ويمدحه؛ فأنشد هذه الأبيات ارتجالا، وهي غريبة في بابها: ~~لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في معانيه ~~المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول يهجو البرقعيدي؛ فجاءه في ضمن ~~مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها، وهي الظلمة والبرد والطول، ثم إن هذه ~~الأوصاف الثلاثة جاءت ملائمة لما شبهت به مطابقة له، وكذلك البيت الثاني ~~والثالث، ثم خرج إلى المديح بألطف وجه، وأدق صنعة، وهذا يسمى الاستطراد، ~~وما سمعت في هذا الباب بأحسن من هذه الأبيات. # ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن الحجاج البغدادي، وهي أبيات لطيفة ~~جدا «1» : # ألا يا ماء دجلة لست تدري ... بأني حاسد لك طول عمري # PageV02P256 # ولو أني استطعت سكرت سكرا ... عليك فلم تكن يا ماء تجري # فقال الماء: ما هذا عجيب ... بم استوجبته يا ليت شعري «1» # فقلت له: لأنك كل يوم ... تمر على أبي الفضل بن بشر # تراه ولا أراه، وذاك شيء ... يضيق عن احتمالك فيه صبري # وما علمت معنى في هذا المقصد ألطف ولا أرق ولا أعذب ولا أحلى من هذا ~~اللفظ، ويكفي ابن الحجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات. # ولا تظن أن هذا شيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة، وفات ~~من تقدمهم لما عندهم من قشف العيش وغلظ الطبع، بل قد تقدم أولئك إلى هذا ~~الأسلوب، ms487 وإن أقلوا منه وأكثر منه المحدثون، وأي حسن من محاسن البلاغة ~~والفصاحة لم يسبقوا إليه؟ وكيف لا وهم أهله، ومنهم علم، وعنهم أخذ؟ # فمن ذلك ما جاء للفرزدق، وهو «2» : # وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب «3» # سروا يخبطون الليل وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب «4» # PageV02P257 # إذا آنسوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب «1» # فانظر إلى هذا الاستطراد ما أفحله وأفخمه!!. # واعلم أنه قد يقصد الشاعر التخلص فيأتي به قبيحا، كما فعل أبو الطيب ~~المتنبي في قصيدته التي أولها: # ملث القطر أعطشها ربوعا «2» # فقال عند الخروج من الغزل إلى المديح: # غدا بك كل خلو مستهاما ... وأصبح كل مستور خليعا # أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا # وهذا تخلص كما تراه بارد، ليس عليه من مسحة الجمال شيء، وههنا يكون ~~الاقتضاب أحسن من التخلص؛ فينبغي لسالك هذه الطريق أن ينظر إلى ما يصوغه؛ ~~فإن واتاه التخلص حسنا كما ينبغي وإلا فليدعه، ولا يستكرهه حتى يكون مثل ~~هذا، كما فعل أبو الطيب، ولهذا نظائر وأشباه، وقد استعمل ذلك في موضع آخر ~~في قصيدته التي أولها: # أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا «3» # PageV02P258 # فقال: # عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا «1» # والإضراب عن مثل هذا التخلص خير من ذكره، وما ألقاه في هذه الهوة إلا أبو ~~نواس؛ فإنه قال «2» : # سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا «3» # على أن أبا نواس أخذ ذلك من قيس بن ذريح، لكنه أفسده ولم يأت به كما أتى ~~به قيس، ولذلك حكاية، وهو أنه لما هام بلبنى في كل واد وجن بها رق له الناس ~~ورحموه، فسعى له ابن أبي عتيق إلى أن طلقها من زوجها، وأعادها إلى قيس، ~~فزوجها إياه؛ فقال عند ذلك: # جزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيرا من صديق # وقد جربت إخواني جميعا ... فما ألفيت كابن أبي عتيق # سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حرت ms488 فيه عن طريقي # وأطفى لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي # وبين هذا الكلام وبين كلام أبي نواس بون بعيد؛ وقد حكي عن ابن أبي عتيق ~~أنه قال: يا حبيبي أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلا ظنني قوادا. # PageV02P259 # وأما الاقتضاب فهو الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع، وهو: قطع الكلام ~~واستئناف كلام آخر غيره؛ بلا علاقة تكون بينه وبينه. # فمن ذلك ما يقرب من التخلص، وهو فصل الخطاب، والذي أجمع عليه المحققون من ~~علماء البيان أنه «أما بعد» ؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن ~~بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ~~ذكر الله تعالى بقوله «أما بعد» . # ومن الفضل الذي هو أحسن من الوصل لفظه «هذا» وهي علاقة وكيدة بين الخروج ~~من كلام إلى كلام آخر غيره، كقوله تعالى: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب أولي الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار. وإنهم عندنا ~~لمن المصطفين الأخيار. واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار. # هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب. جنات عدن مفتحة لهم الأبواب # ألا ترى إلى ما ذكر قبل هذا ذكر # من ذكر من الأنبياء عليهم السلام، وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر غيره، ~~وهو ذكر الجنة وأهلها، فقال: هذا ذكر # ثم قال: وإن للمتقين لحسن مآب # ثم لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار قال: هذا وإن ~~للطاغين لشر مآب # وذلك من فصل الخطاب الذي هو ألطف موقعا من التخلص. # وقد وردت لفظة «هذا» في الشعر إلا أن ورودها فيه قليل بالنسبة إلى الكلام ~~المنثور؛ فمن ذلك قول الشاعر المعروف بالخباز البلدي في قصيدة أولها: # العيش غض والزمان غرير ... إني ليعجبني الزنا في سحرة # ويروق لي بالجاشرية زيره ... وأكاد من فرح السرور إذا بدا # ضوء الصباح من الستور أطير ... وإذا رأيت الجو في فضية # للغيم في جنباتها تكسير ... منقوشة صدر البزاة كأنه # فيروزج قد زانه بلور # PageV02P260 # نادت بي اللذات ms489 ويحك فانتهز ... فرص المنى يأيها المغرور # مل بي إلى جور السقاة فإنني ... أهوى سقاة الكأس حين تجور # هذا، وكم لي بالجنينة سكرة ... أنا من بقايا شربها مخمور # باكرتها وغصونها مغروزة ... والماء بين مروزها مذعور # في ستة: أنا، والنديم، وقينة، ... والكأس، والمزمار، والطنبور # هذه الأبيات حسنة، وخروجها من شدق هذا الرجل الخباز عجيب، ولو جاءت في ~~شعر أبي نواس لزانت ديوانه. # والاقتضاب الوارد في الشعر كثير لا يحصى، والتخلص بالنسبة إليه قطرة من ~~بحر؛ ولا يكاد يوجد التخلص في شعر الشاعر المجيد إلا قليلا بالنسبة إلى ~~المقتضب من شعره. # فمن الاقتضاب قول أبي نواس في قصيدته النونية التي أولها «1» : # يا كثير النوح في الدمن # وهذه القصيدة هي عين شعره والملاحة للعيون، وهي تنزل منه منزلة الألف لا ~~منزلة النون، إلا أنه لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح، بل ~~اقتضبه اقتضابا؛ فبينا هو يصف الخمر ويقول: # فاسقني كأسا على عذل ... كرهت مسموعه أذني # من كميت اللون صافية ... خير ما سلسلت في بدني # ما استقرت في فؤاد فتى ... فدرى ما لوعة الحزن # PageV02P261 # حتى قال: # تضحك الدنيا إلى ملك ... قام بالآثار والسنن # سن للناس الندى فندوا ... فكأن البخل لم يكن # فأكثر مدائح أبي نواس مقتضبة هكذا، والتخلص غير ممكن في كل الأحوال، وهو ~~من مستصعبات علم البيان. # ومن هذا الباب الذي نحن بصدد ذكره قول البحتري في قصيدته المشهورة ~~بالجودة التي مدح بها الفتح بن خاقان وذكر لقاءه الأسد وقتله إياه، وأولها: # أجدك ما ينفك يسري لزينبا «1» # وهي من أمهات شعره، ومع ذلك لم يوفق فيها للتخلص من الغزل إلى المديح، ~~فإنه بينما هو في تغزله وهو يقول: # عهدتك إن منيت موعدا ... جهاما وإن أبرقت أبرقت خلبا # وكنت أرى أن الصدود الذي مضى ... دلال فما إن كان إلا تجنبا # فوا أسفا حتام أسأل مانعا ... وآمن خوافا وأعتب مذنبا # حتى قال في أثر ذلك: # أقول لركب معتفين تدرعوا ... على عجل قطعا من الليل غيهبا # ردوا نائل الفتح بن خاقان إنه ... أعم ندى فيكم ms490 وأيسر مطلبا # فخرج إلى المديح بغير وصلة ولا سبب. # وكذلك قوله في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها الفتح بن خاقان # PageV02P262 # أيضا، وذكر نجاته عند انخساف الجسر به، وقد أغرب فيها كل الإغراب، وأحسن ~~كل الإحسان، وأولها: # متى لاح برق أو بدا طلل قفر «1» # فبينا هو في غزلها حتى قال: # لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدى ... إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر # فخرج إلى المديح مقتضبا له، لا متعلقا به، وأمثال هذا في شعره كثير. # PageV02P263 ### | النوع الرابع والعشرون في التناسب بين المعاني # وينقسم إلى ثلاثة أقسام: ### | القسم الأول: في المطابقة. # وهذا النوع يسمى البديع أيضا، وهو في المعاني ضد التجنيس في الألفاظ؛ لأن ~~التجنيس هو أن يتحد اللفظ مع اختلاف المعنى، وهذا هو أن يكون المعنيان ~~ضدين. # وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أن المطابقة في الكلام هي الجمع بين ~~الشيء وضده؛ كالسواد والبياض، والليل والنهار. # وخالفهم في ذلك قدامة بن جعفر الكاتب فقال: المطابقة إيراد لفظين ~~متساويين في البناء والصيغة مختلفين في المعنى. # وهذا الذي ذكره هو التجنيس بعينه، غير أن الأسماء لا مشاحة فيها، إلا إذا ~~كانت مشتقة. # ولننظر نحن في ذلك، وهو أن نكشف عن أصل المطابقة في وضع اللغة، وقد وجدنا ~~الطباق في اللغة من طابق البعير في سيره؛ إذا وضع رجله موضع يده، وهذا يؤيد ~~ما ذكره قدامة؛ لأن اليد غير الرجل، لا ضدها، والموضع الذي يقعان فيه واحد، ~~وكذلك المعنيان يكونان مختلفين واللفظ الذي يجمعهما واحد؛ فقدامة سمى هذا ~~النوع من الكلام مطابقا، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، وذلك مناسب وواقع ~~في موقعه، إلا أنه جعل للتجنيس اسما آخر، وهو المطابقة، ولا بأس به، إلا إن ~~كان مثله بالضدين؛ كالسواد والبياض؛ فإنه يكون قد خالف الأصل الذي أصله ~~بالمثال الذي مثله. # PageV02P264 # وأما غيره من أرباب هذه الصناعة فإنهم سموا هذا الضرب من الكلام مطابقا ~~لغير اشتقاق ولا مناسبة بينه وبين مسماه، هذا الظاهر لنا من هذا القول، إلا ~~أن يكونوا قد علموا لذلك ms491 مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن. # ولنرجع إلى ذكر هذا القسم من التأليف وإيضاح حقيقته؛ فنقول: # الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع المقابلة؛ لأنه لا يخلو الحال ~~فيه من وجهين: إما أن يقابل الشيء بضده، أو يقابل بما ليس بضده، وليس لنا ~~وجه ثالث. ### | فأما الأول- وهو مقابلة الشيء بضده، # كالسواد والبياض، وما جرى مجراهما- فإنه ينقسم قسمين: أحدهما مقابلة في ~~اللفظ والمعنى، والآخر مقابلة في المعنى دون اللفظ. # أما المقابلة في اللفظ والمعنى فكقوله تعالى: فليضحكوا قليلا وليبكوا ~~كثيرا # ؛ فقابل بين الضحك والبكاء والقليل والكثير، وكذلك قوله تعالى: لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم # ؛ وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب، وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «خير المال عين ساهرة لعين نائمة» . # ومن الحسن المطبوع الذي ليس بمتكلف قول علي رضي الله عنه لعثمان رضي الله ~~عنه: إن الحق ثقيل مرىء والباطل خفيف وبيء، وأنت رجل إن صدقت سخطت، وإن ~~كذبت رضيت؛ فقابل الحق بالباطل، والثقيل المريء بالخفيف الوبيء، والصدق ~~بالكذب، والسخط بالرضا. وهذه خمس مقابلات في هذه الكلمات القصار. # وكذلك ورد قوله رضي الله عنه لما قال الخوارج: لا حكم إلا لله تعالى: هذه ~~كلمة حق أريد بها باطل. # وقال الحجاج بن يوسف لسعيد بن جبير رضي الله عنه وقد أحضره بين يديه ~~ليقتله، فقال له: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: بل أنت شقي بن كسير، # PageV02P265 # وقد كان الحجاج من الفصحاء المعدودين، وفي كلامه هذا مطابقة حسنة؛ فإنه ~~نقل الاسمين إلى ضدهما، فقال في سعيد: شقي، وفي جبير: كسير وهذا النوع من ~~الكلام لم تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات. # ومما وجدته في لغة الفرس أنه لما مات قباذ أحد ملوكهم قال وزيره: حركنا ~~بسكونه. # وأول كتاب الفصول لأبقراط في الطب قوله: العمر قصير، والصناعة طويلة. # وهذا الكتاب على لغة اليونان. # ومن كلامي في هذا الباب ما كتبته في صدر مكتوب إلى بعض الإخوان، وهو: صدر ~~هذا الكتاب عن ms492 قلب مقيم وجسد سائر، وصبر مليم وجزع عاذر، وخاطر أدهشته لوعة ~~الفراق فليس بخاطر. # وكذلك كتبت إلى بعض الإخوان أيضا، فقلت: صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس ~~بلقائه، وطرف مستوحش لفراقه، فهذا مروع بكآبة إظلامه، وهذا ممتنع ببهجة ~~إشراقه، غير أن لقاء القلوب لقاء عنيت بمثله خواطر الأفكار، وتتناجى به من ~~وراء الأستار، وذلك أخو الطيف الملم في المنام، الذي يموه بلقاء الأرواح ~~على لقاء الأجسام. # ومن هذا النوع ما ذكرته في كتاب أصف المسير من دمشق إلى الموصل على طريق ~~المناظر، فقلت من جملته: ثم نزلت أرض الخابور فغربت الأرواح وشرقت الجسوم، ~~وحصل الإعدام من المسار والإنزال من الهموم، وطالبتني النفس بالعود والقدرة ~~مفلسة، وأويت إلى ظل الآمال والآمال مشمسة. # ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب إلى بعض الإخوان، وعرضت فيه بذكر جماعة من ~~أهل الأدب، فقلت: وهم مسئولون ألا ينسوني في نادي فضلهم الذي هو منبع ~~الآمال، وملتقط اللآل، فوجوه ألفاظه مشرقة بأيدي الأقلام المتسودة، وقلوب ~~معانيه مستنبطة بنار الخواطر المتوقدة، والواغل إليه يسكر من خمرته التي ~~تنبه العقول من إغفائها، ولا يشربها أحد غير أكفائها. # PageV02P266 # وهذه الفصول المذكورة لا خفاء بما تضمنته من محاسن المقابلة. # ومما ورد من هذا النوع شعرا قول جرير «1» : # وأعور من نبهان أما نهاره ... فأعمى، وأما ليله فبصير # وهكذا ورد قول الفرزدق «2» ؛ # قبح الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون بجار «3» # يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار «4» # فقابل بين الغدر والوفاء، وبين التيقظ والنوم، وفي البيت الأول معنى يسأل ~~عنه. # وكذلك ورد قول بعضهم «5» ؛ # PageV02P267 # فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر # وقد أكثر أبو تمام من هذا في شعره فأحسن في موضع وأساء في موضع؛ فمن ~~إحسانه قوله «1» : # ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا # وكذلك قال من هذه القصيدة أيضا: # شرف على أولى الزمان وإنما ... خلق المناسب ما يكون جديدا «2» # وعلى هذا النهج ورد قوله «3» : # إذا كانت النعمى سلوبا ms493 من امرىء ... غدت من خليجي كفه وهي متبع «4» # وإن عثرت بيض الليالي وسودها ... بوحدته ألفيتها وهي مجمع «5» # ويوم يظل العز يحفظ وسطه ... بسمر العوالي والنفوس تضيع «6» # مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغى ... ولكنه من وابل الدم مربع «7» # PageV02P268 # ومن هذا الأسلوب قوله أيضا «1» : # تقرب الشقة القصوى إذا أخذت ... سلاحها وهو الإرقال والرمل # إذا تظلمت من أرض فصلت بها ... كانت هي العز إلا أنها ذلل # المرضياتك ما أرغمت آنفها ... والهادياتك وهي الشرد الضلل # وعلى هذا النحو ورد قوله «2» : # وناضرة الصباحين اسبكرت ... طلاع المرط والدرع البدي # تشكى الأين من نصف سريع ... إذا قامت ومن نصف بطي # وقد جاء لأبي نواس ذلك فقال: # أقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عدت من الجحود # أنا استهديت عفوك من قريب ... كما استعفيت سخطك من بعيد # فقابل بين الأضداد: من الجحود والإقرار، والعفو والسخط، والقرب والبعد. # PageV02P269 # وعلى نحو من ذلك ورد قول علي بن جبلة في أبي دلف العجلي، وهو: # أيم المهير ونكاح الأيم ... يوماك يوم أبؤس وأنعم # وجمع مجد وندى مقسم # وكذلك قوله أيضا: # هو الأمل المبسوط والأجل الذي ... يمر على أيامه الدهر أو يحلو # ولا تحسن الأيام تفعل فعله ... وإن كان في تصريفها النقض والفعل # فعش واحدا أما الشراء فمسلم ... مباح وأما الجار فهو حمى بسل «1» # ومما جاء من هذا القسم قول البحتري «2» : # أحسن الله في ثوابك عن ثغر مضاع أحسنت فيه البلاء # كان مستضعفا فعز ومحرو ... ما فأجدى ومظلما فأضاء # ومن أحسن ما ورد له في هذا الباب قوله «3» : # أشكو إليك أناملا ما تنطوي ... بخلا وإملاقا تقصفها اليد «4» # PageV02P270 # أرضيهم قولا ولا يرضونني ... فعلا وتلك قضية لا تقصد # فأذم منهم ما يذم وربما ... سامحتهم فحمدت ما لا يحمد # وعلى هذا النهج ورد قوله «1» : # وتوقعي منك الإساءة جاهدا ... والعدل أن أتوقع الإحسانا # وكما يسرك لين مسي راضيا ... فكذاك فاخش خشونتي غضبانا # وأما أبو الطيب المتنبي فإنه استعمل هذا النوع قليلا في شعره؛ فمن ذلك ~~قوله «2» : # ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا ms494 # وكذلك قوله «3» : # إلى رب مال كلما شنت شمله ... تجمع في تشتيته للعلا شمل # PageV02P271 # ومما استعذبته من قوله في هذا الباب «1» : # كأن سهاد الليل يعشق مقلتي ... فيينهما في كل هجر لنا وصل # ومما جاء من هذا الباب: # لما اعتنقنا للوداع وأعربت ... عبراتنا عنا بدفع ناطق # فرقن بين معاجر ومحاجر ... وجمعن بين بنفسج وشقائق # وهذا تحته معنى يسأل عنه غير المقابلة. # وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالبنفسج والشقائق هو عارض الرجل وخد ~~المرأة؛ لأن من العادة أن يشبه العارض بالبنفسج. # وهذا قول غير سائغ؛ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند أول ظهوره، فإذا ~~طر وظهرت خضرته في ابتداء سن الشباب شبه بالبنفسج؛ لأنه يكون بين الأخضر ~~والأسود، وليس في الشعر ما يدل على أن المودع كان شابا قد طر عارضه؛ والذي ~~يقتضيه المعنى أن المرأة قامت للوداع فمزقت خمارها ولطمت خدها؛ فجمعت بين ~~أثر اللطم، وهو شبيه بالبنفسج، وبين لون الخد، وهو شبيه الشقائق، وفرقت بين ~~خمارها وبين وجهها بالتمزيق ولها وموجدة على الوداع؛ هذا هو معنى البيت، لا ~~ما ذهب إليه هذا الرجل. # وأما المقابلة في المعنى دون اللفظ في الأضداد فمما جاء منه قول المقنع ~~الكندي من شعراء الحماسة «2» . # PageV02P272 # لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا # فقوله «تتابع لي غنى» بمعنى قوله «كثر مالي» فهو إذا مقابلة من جهة ~~المعنى؛ لا من جهة اللفظ؛ لأن حقيقة الأضداد اللفظية إنما هي في المفردات ~~من الألفاظ، نحو: # قام وقعد، وحل وعقد، وقل وكثر؛ فإن القيام ضد القعود، والحل ضد العقد، ~~والقليل ضد الكثير؛ فإذا ترك المفرد من الألفاظ وتوصل إلى مقابلته بلفظ ~~مركب كان ذلك مقابلة من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ كقول هذا الشاعر ~~«تتابع لي غنى» في معنى كثر مالي، وهذه مقابلة معنوية، لا لفظية، فاعرف ~~ذلك. ### | وأما مقابلة الشيء بما ليس بضده # فهي ضربان: أحدهما ألا يكون مثلا، والآخر أن يكون مثلا. # فالضرب الأول يتفرع إلى فرعين: ### | الأول: ما كان ms495 بين المقابل والمقابل نوع مناسبة وتقارب، # كقول قريط بن أنيف «1» : # PageV02P273 # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا # فقابل الظلم بالمغفرة، وليس ضدا لها، وإنما هو ضد العدل، إلا أنه لما ~~كانت المغفرة قريبة من العدل حسنت المقابلة بينها وبين الظلم. # وعلى هذا جاء قوله تعالى: أشداء على الكفار رحماء بينهم # ؛ فإن الرحمة ليست ضدا للشدة، وإنما ضد الشدة اللين، إلا أنه لما كانت ~~الرحمة من مسببات اللين حسنت المقابلة بينها وبين الشدة. # وكذلك ورد قوله تعالى: إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد ~~أخذنا أمرنا من قبل # ؛ فإن المصيبة سيئة؛ لأن كل مصيبة سيئة، وليس كل سيئة مصيبة؛ فالتقابل ~~ههنا من جهة العام والخاص. ### | الفرع الثاني: ما كان بين المقابل والمقابل به بعد، # وذاك مما لا يحسن استعماله، كقول أم النحيف «1» ، وهو سعد بن قرط «2» ، ~~وقد تزوج امرأة كانت نهته عنها، فقالت من أبيات تذمها فيها «3» : # تربص بها الأيام عل صروفها ... سترمي بها في جاحم متسعر # فكم من كريم قد مناه إلهه ... بمذمومة الأخلاق واسعة الحر # PageV02P274 # فقولها «بمذمومة الأخلاق واسعة الحر» من المقابلة البعيدة، بل الأولى أن ~~كانت قالت «بضيقة الأخلاق واسعة الحر» حتى تصح المقابلة. # وهذا مما يدل على أن العربي غير مهتد إلى استعمال ذلك بصنعته، وإنما يجيء ~~له منه ما يجيء بطبعه، لا بتكلفه، وإذا أخطأ فإنه لا يعلم الخطأ، ولا يشعر ~~به، والدليل على ذلك أنه لو أبدلت لفظة مذمومة بلفظة ضيقة لصح الوزن، وحصلت ~~المقابلة، وإنما يعذر من يعذر في ترك المقابلة في مثل هذا المقام إذا كان ~~الوزن لا يواتيه. # وأما المحدثون من الشعراء فإنهم اعتنوا بذلك خلاف ما كانت العرب عليه، لا ~~جرم أنهم أشد ملامة من العرب. # فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي «1» : # لمن يطلب الدنيا إذا لم يرد بها ... سرور محب أو مساءة مجرم «2» # فإن المقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض، لا بين المحب والمجرم، وليست ~~متوسطة أيضا حتى يقرب الحال فيها، وإنما هي بعيدة؛ فإنه ms496 ليس كل من أجرم ~~إليك كان مبغضا لك. # PageV02P275 # ومما يتصل بهذا الضرب ضرب من الكلام يسمى «المواخاة بين المعاني، ~~والمواخاة بين المباني» وكان ينبغي أن نعقد له بابا مفردا لكنا لما رأيناه ~~ينظر إلى التقابل من وجه وصلناه به. # أما المواخاة بين المعاني فهو: أن يذكر المعنى مع أخيه، لا مع الأجنبي؛ ~~مثاله أن تذكر وصفا من الأوصاف، وتقرنه بما يقرب منه ويلتئم به، فإن ذكرته ~~مع ما يبعد منه كان ذلك قدحا في الصناعة، وإن كان جائزا. # فمن ذلك قول الكميت «1» : # أم هل ظعائن بالعلياء رافعة ... وإن تكامل فيها الدل والشنب «2» # فإن الدل يذكره مع الغنج وما أشبهه، والشنب يذكر مع اللعس وما أشبهه، ~~وهذا موضع يغلط فيه أرباب النظم والنثر كثيرا، وهو مظنة الغلط؛ لأنه يحتاج ~~إلى ثاقب فكرة وحذق بحيث توضع المعاني مع أخواتها، لا مع الأجنبي منها. # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج «3» أنه اجتمع نصيب والكميت وذو الرمة، ~~فأنشد الكميت «أم هل ظعائن- البيت» فقعد نصيب واحدة؛ فقال له الكميت: ماذا ~~تحصي؟ قال: خطأك؛ فإنك تباعدت في القول، أين الدل من الشنب؟ ألا قلت كما ~~قال ذو الرمة. # PageV02P276 # لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثاث وفي أنيابها شنب # ورأيت أبا نواس يقع في ذلك كثيرا؛ كقوله في وصف الديك «1» : # له اعتدال وانتصاب قد ... وجلده يشبه وشي البرد # كأنها الهداب في الفرند ... محدودب الظهر كريم الجد # فإنه ذكر الظهر وقرنه بذكر الجد، وهذا لا يناسب هذا؛ لأن الظهر من جملة ~~الخلق، والجد من النسب، وكان ينبغي أن يذكر مع الظهر ما يقرب منه ويواخيه ~~أيضا. # وكذلك أخطأ أبو نواس في قوله: # وقد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذب # برب زمزم والحو ... ض والصفا والمحصب # فإن ذكر الحوض مع زمزم والصفا والمحصب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع ~~الصراط والميزان، وما جرى مجراهما، وأما زمزم والصفا والمحصب فيذكر معها ~~الركن والحطيم، وما جرى مجراهما. # PageV02P277 # وعلى هذا الأسلوب ورد قوله أيضا: # أحسن من منزل بذي قار ... منزل حمارة وحمار «1» . # وشم ms497 ريحانة ونرجسة ... أحسن من أينق بأكوار # فالبيت الثاني لا مقارنة بين صدره وعجزه، وأين شم الريحان من الأينق ~~بالأكوار؟ # وكان ينبغي له أن يقول: شم الريحان أحسن من شم الشيح والقيصوم، وركوب ~~الفتيات الرود أحسن من ركوب الأينق بالأكوار، وكل هذا لا يتفطن لوضعه في ~~مواضعه في كل الأوقات، وقد كان يغلب علي السهو في بعض الأحوال حتى أسلك هذه ~~الطريق في وضع المعاني مع غير أنسابها وأقاربها، ثم إني كنت أتأمل ما صنعته ~~بعد حين فأصلح ما سهوت عنه. # وأما المواخاة بين المباني فإنه يتعلق بمباني الألفاظ. # فمن ذلك قول أبي تمام في وصف الرماح «2» : # مثقفات سلبن العرب سمرتها ... والروم زرقتها والعاشق القضفا «3» # PageV02P278 # وهذا البيت من أبيات أبي تمام الأفراد، غير أن فيه نظرا، وهو قوله العرب ~~والروم ثم قال العاشق، ولو صح أن يقول العشاق لكان أحسن؛ إذ كانت الأوصاف ~~تجري على [سنن] واحد، وكذلك قوله سمرتها وزرقتها ثم قال القضفا، وكان ينبغي ~~أن يقول: قضفها أو دقتها. # وعلى هذا ورد قول مسلم بن الوليد: # نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزاعها الأمصار # فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... يثني عليها السهل والأوعار # والأحسن أن يقال: السهل والوعر؛ أو السهول والأوعار؛ ليكون البناء اللفظي ~~واحدا: أي أن يكون اللفظان واردين على صيغة الجمع أو الإفراد، ولا يكون ~~أحدهما مجموعا والآخر مفردا. # وكذلك ورد قول أبي نواس في الخمر «1» : # صفراء مجدها مرازبها ... جلت عن النظراء والمثل «2» # فجمع وأفرد في معنى واحد، وهو أنه قال «النظراء» مجموعا ثم قال «المثل» ~~مفردا، وكان الأحسن أن يقول: النظير والمثل، أو النظراء والأمثال. # وعلى ذلك ورد قوله أيضا، والإنكار يتوجه فيه أكثر من الأول، وهو «3» : # PageV02P279 # ألا يا ابن الذين فنوا فماتوا ... أما والله ما ماتوا لتبقى # ومالك فاعلمن فيها مقام ... إذا استكملت آجالا ورزقا # وموضع الإنكار ههنا أنه قال «آجالا ورزقا» وكان ينبغي أن يقول: أرزاقا، ~~أو أن يقول: أجلا ورزقا، وقد زاده إنكارا أنه جمع الأجل فقال «آجالا» ~~والإنسان ليس له إلا أجل ms498 واحد، ولو قال أجلا وأرزاقا لما عيب؛ لأن الأجل ~~واحد والأرزاق كثيرة؛ لاختلاف ضروبها وأجناسها. # وإذا أنصفنا في هذا الموضع وجدنا الناثر مطالبا به دون الناظم؛ لمكان ~~إمكانه من التصرف. # وقد كنت أرى هذا الضرب من الكلام واجبا في الاستعمال، وأنه لا يحسن ~~المحيد عنه، حتى مر بي في القرآن الكريم ما يخالفه، كقوله تعالى في سورة ~~النحل: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيوا ظلاله عن اليمين والشمائل # ولو كان الأحسن لزوم البناء اللفظي على سنن واحد لجمع اليمين كما جمع ~~الشمال أو أفرد الشمال كما أفرد اليمين، وكذلك ورد قوله تعالى: أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون # فجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع، وكذلك ورد قوله تعالى: حتى إذا ما ~~جاوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم # فذكر السمع بلفظ الإفراد وذكر الأبصار والجلود بلفظ الجمع؛ وفي القرآن ~~الكريم مواضع كثيرة هكذا، ولو كان هذا معتبرا في الاستعمال لورد في كلام ~~الله تعالى الذي هو أفصح من كل كلام، والأخذ في مقام الفصاحة # PageV02P280 # والبلاغة إنما يكون منه، والمعول عليه، وما ينبغي أن يقاس على هذا قوله ~~تعالى: # وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة ~~وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين # وربما قيل: إن هذه الآية اشتملت على تثنية وجمع وإفراد، وظن أنها من هذا ~~الباب، وليس كذلك: لأنها مشتملة على خطاب موسى وهرون عليهما السلام أولا في ~~اتخاذ المساجد لقومهما، ثم ثنى الخطاب لهما ولقومهما جميعا، ثم أفرد موسى ~~عليه السلام ببشارة المؤمنين؛ لأنه صاحب الرسالة. ### | الضرب الثاني: في مقابلة الشيء مثله، # وهو يتفرع إلى فرعين: أحدهما: # مقابلة المفرد بالمفرد، والآخر مقابلة الجملة بالجملة. ### | الفرع الأول: # كقوله تعالى: نسوا الله فنسيهم # وكقوله تعالى: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا # وقد روعي هذا الموضع في القرآن الكريم كثيرا؛ فإذا ورد في صدر آية من ~~الآيات ما يحتاج إلى جوانب كان جوابه مماثلا، كقوله تعالى: من كفر فعليه ~~كفره* # وكقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة ms499 مثلها # وهذا هو الأحسن، وإلا فلو قيل من كفر فعليه ذنبه كان ذلك جائزا، لكن ~~الأحسن هو ما ورد في كتاب الله تعالى، وعليه مدار الاستعمال. # وهذا الحكم يجري في النظم والنثر من الأسجاع والأبيات الشعرية. # فأما إن كان ذلك غير جواب؛ فإنه لا يلتزم فيه هذه المراعاة اللفظية، ألا ~~ترى أنه قد قوبلت الكلمة بكلمة هي في معناها، وإن لم تكن مساوية لها في ~~اللفظ، وهذا يقع في الألفاظ المترادفة؛ ولذا يستعمل ذلك في الموضع الذي ترد ~~فيه الكلمة غير جواب. # فما جاء منه قوله تعالى: ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون # ولو كان لا تورد الكلمة إلا مثلا لقيل وهو أعلم بما تعملون، وكذلك قوله ~~تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض # فقال لا تخف # بعد قوله # PageV02P281 # ففزع # ولما كان هذا في معنى هذا قوبل أحدهما بالآخر، ولم يقابل اللفظ بنفسه. # وكذلك جاء قوله تعالى: ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزون # فذكر الاستهزاء الذي هو في معنى الخوض واللعب وقابل به الخوض واللعب، ولو ~~ذكره على حد المماثلة والمساواة لقال: أفي الله وآياته ورسوله كنتم تخوضون ~~وتلعبون. # فإن قيل: إنك قد احتججت بالقرآن الكريم فيما ذكرته، ونرى قد ورد في ~~القرآن الكريم ما ينقضه، كقوله تعالى: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة ~~بمثلها # ولم يقل جزاء سيئة سيئة مثلها. # الجواب عن ذلك أني أقول: أردت أن تنقض علي ما ذكرته فلم تنقضه، ولكنك ~~شيدته، والذي ذكرته هو دليل لي لا لك، ألا ترى أنه لا فرق بين قوله تعالى ~~جزاء سيئة بمثلها # وبين قوله جزاء سيئة سيئة مثلها؛ إذ المعنى واحد لا يختلف، ولو جاء عوضا ~~عن السيئة لفظة أخرى في معناها كالأذى والسوء أو ما جرى مجراهما لصح لك ما ~~ذهبت إليه. # وقد ذهب بعض المتصدرين في علم البيان أنه إذا ذكرت اللفظة ms500 في أول كلام ~~يحتاج إلى تمام، وإن لم يكن جوابا كالذي تقدم؛ فينبغي أن تعاد بعينها في ~~آخره، ومتى عدل عن ذلك كان معيبا، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام وقول أبي الطيب ~~المتنبي، فقال: إن أبا تمام أخطأ في قوله «1» : # بسط الرجاء لنا برغم نوائب ... كثرت بهن مصارع الآمال «2» # PageV02P282 # فحيث ذكر الرجاء في صدر البيت فكان ينبغي أن يعيد ذكره أيضا في عجزه، أو ~~كان ذكر الآمال في صدر البيت وعجزه، وكذلك أخطأ أبو الطيب المتنبي في قوله ~~«1» : # إني لا علم واللبيب خبير ... أن الحياة وإن حرصت غرور # فإنه قال «إني لأعلم واللبيب خبير» وكان ينبغي أن يقول: إني لأعلم ~~واللبيب عليم؛ ليكون ذلك تقابلا صحيحا. # وهذا الذي ذكره هذا الرجل ليس بشيء، بل المعتمد عليه في هذا الباب أنه ~~إذا كانت اللفظة في معنى أختها جاز استعمالها في المقابلة بينهما، والدليل ~~على ذلك ما قدمناه من آيات القرآن الكريم، وكفى به دليلا. # وهذه الرموز التي هي أسرار الكلام لا يتفطن لاستعمالها إلا أحد رجلين: ~~إما فقيه في علم البيان قد مارسه، وإما مشقوق اللسان في الفصاحة قد خلق ~~عارفا بلطائفها مستغنيا عن مطالعة صحائفها، وهذا لا يكون إلا عربي الفطرة ~~يقول ما يقوله طبعا، على أنه لا يسدد في جميع أقواله، ما لم تكن معرفته ~~الفطرية ممزوجة بمعرفته العرفية. ### | الفرع الثاني في مقابلة الجملة بالجملة: # اعلم أنه إذا كانت الجملة من الكلام مستقبلة قوبلت بمستقبلة، وإن كانت ~~ماضية قوبلت بماضية، وربما قوبلت الماضية بالمستقبلة، والمستقبلة بالماضية؛ ~~إذا كانت إحداهما في معنى الأخرى. # فمن ذلك قوله تعالى: قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي ~~إلي ربي # فإن هذا تقابل من جهة المعنى، ولو كان التقابل من جهة اللفظ لقال: وإن ~~اهتديت فإنما أهتدي لها، وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى # PageV02P283 # هو أن النفس كل ما عليها فهو بها؛ أعني أن كل ما هو وبال عليها وضار لها ~~فهو بسببها ومنها: لأنها الأمارة بالسوء، وكل ms501 ما هو لها مما ينفعها فبهداية ~~ربها وتوفيقه إياها، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يسند ذلك إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع علو محله وسداد ~~طريقته كان غيره أولى به. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا # فإنه لم يراع التقابل في قوله ليسكنوا فيه ومبصرا؛ لأن القياس يقتضي أن ~~يكون والنهار لتبصروا فيه، وإنما هو مراعى من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ، ~~وهذا النظم المطبوع غير المتكلف؛ لأن معنى قوله مبصرا لتبصروا فيه طرق ~~التقلب في الحاجات. # واعلم أن في تقابل المعاني بابا عجيب الأمر، يحتاج إلى فضل تأمل، وزيادة ~~نظر، وهو يختص بالفواصل من الكلام المنثور، وبالأعجاز من الأبيات الشعرية. # فما جاء من ذلك قوله تعالى في ذم المنافقين: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون # وقوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون # ألا ترى كيف فصل الآية الأخرى بيعلمون والآية التي قبلها بيشعرون، وإنما ~~فعل ذلك لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل ~~يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك، وأما النفاق ~~وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على ~~العادات معلوم عند الناس خصوصا عند العرب وما كان فيهم من التحارب ~~والتغاور، وفهو كالمحسوس عندهم، فلذلك قال فيه لا يشعرون # وأيضا فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل كان ذكر العلم معه ~~أحسن طباقا فقال لا يعلمون. # وآيات القرآن جميعها فصلت هكذا، كقوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير # وكقوله: # PageV02P284 # له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد # وكقوله: ألم تر أن ms502 الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ~~ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لروف رحيم # فإنه إنما فصلت الآية الأولى بلطيف خبير لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه ~~بإنزال الغيث وغيره، وأما الآية الثانية فإنما فصلت بغني حميد لأنه قال: له ~~ما في السماوات وما في الأرض # له لا لحاجة، بل هو غني عنها، جواد بها؛ لأنه ليس كل غني نافعا بغناه إلا ~~إذا كان جوادا منعما، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه، واستحق عليه الحمد، ~~فذكر الحميد ليدل على أنه الغني النافع بغناه خلقه، وأما الآية الثالثة «1» ~~فإنها فصلت برءوف رحيم؛ لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما ~~في الأرض لهم وإجراء الفلك في البحر بهم وتسييرهم في ذلك الهول العظيم ~~وخلقه السماء فوقهم وإمساكه إياهن الوقوع حسن أن يفصل ذلك قوله لروف رحيم # أي: أن هذا الفعل فعل رؤوف بكم رحيم لكم. # واعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا أنه قلما توجد هذه الملاءمة والمناسبة في ~~كلام ناظم أو ناثر. # ومن الآيات ما يشكل فاصلته فيحتاج إلى فكرة وتأمل، كقوله تعالى: # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين. # ويدروا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. ~~والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته وأن الله تواب حكيم # فإنه قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بتواب رحيم، ويظن الظان أن هذا ~~كذا، ويقول: إن التوبة مع الرحمة، لا مع الحكمة؛ وليس كما يظن، بل الفاصلة ~~بتواب حكيم أولى من تواب رحيم؛ لأن الله عز وجل حكم بالتلاعن على الصورة ~~التي أمر بها، وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده، وذلك حكمة منه، # PageV02P285 # ففصلت الآية الواردة في آخر الآيات بتواب حكيم، فجمع فيها بين التوبة ~~المرجوة من صاحب المعصية ms503 وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة. # وهذا الباب ليس في علم البيان أكثر منه نفعا، ولا أعظم فائدة. # ومما جاء من هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي: # وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم # وقد أوخذ على ذلك، وقيل: لو جعل آخر البيت الأول آخرا للبيت الثاني وآخر ~~البيت الثاني آخر للبيت الأول لكان أولى. # ولذلك حكاية، وهي أنه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها: # على قدر أهل العزم تأتي العزائم «1» # فلما بلغ إلى هذين البيتين قال: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرىء ~~القيس قوله «2» : # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال # فبيتاك لم يلتئم شطراهما، كما لم يلتئم شطرا بيتي امرىء القيس، وكان ~~ينبغي لك أن تقول: # وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم # PageV02P286 # فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرىء القيس هذا هو أعلم بالشعر ~~منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه ~~البزاز كما يعلمه الحائك؛ لأن البزاز يعرف جملته، والحائك يعرف تفاصيله، ~~وإنما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد؛ وقرن السماحة بسباء الخمر ~~للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت ~~الأول اتبعته بذكر الردى في آخره، ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم ~~الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد. ### | القسم الثاني: في صحة التقسيم وفساده. # ولسنا نريد بذلك ههنا ما تقتضيه القسمة العقلية، كما يذهب إليه ~~المتكلمون؛ فإن ذلك يقتضي أشياء مستحيلة، كقولهم: الجواهر لا تخلو: إما أن ~~تكون مجتمعة، أو مفترقة، أو لا مجتمعة ولا مفترقة، أو مجتمعة ومفترقة معا، ~~أو بعضها مجتمعة وبعضها مفترقة؛ ألا ترى أن هذه القسمة ms504 صحيحة من حيث العقل؛ ~~لاستيفاء الأقسام جميعها وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده. # وإنما نريد بالتقسيم ههنا ما يقتضيه المعنى مما يمكن وجوده من غير أن ~~يترك منها قسم واحد، وإذا ذكرت قام كل قسم منها بنفسه، ولم يشارك غيره، ~~فتارة يكون التقسيم بلفظة «إما» وتارة بلفظة بين كقولنا: بين كذا وكذا، ~~وتارة منهم، كقولنا: # منهم كذا، ومنهم كذا، وتارة بأن يذكر العدد المراد أولا بالذكر، ثم يقسم؛ ~~كقولنا: # فانشعب القوم شعبا أربعة؛ فشعبة ذهبت يمينا، وشعبة ذهبت شمالا، وشعبة ~~وقفت بمكانها، وشعبة رجعت إلى ورائها. # فمما جاء من هذا القسم قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات # وهذه قسمة صحيحة؛ فإنه لا يخلو أقسام العباد من هذه الثلاثة: فإما عاص ~~ظالم لنفسه، وإما مطيع مبادر إلى الخيرات، وإما مقتصد بينهما. # ومن ذلك أيضا قوله تعالى: وكنتم أزواجا ثلاثة. فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة. وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة. والسابقون السابقون # PageV02P287 # وهذه الآية منطبقة المعنى على الآية التي قبلها؛ فأصحاب المشأمة هم ~~الظالمون لأنفسهم، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون، والسابقون هم السابقون ~~بالخيرات. # وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا # فإن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، وليس لنا قسم ثالث. # فإن قيل: إن استيفاء الأقسام ليس شرطا، وترك بعض الأقسام لا يقدح في ~~الكلام، وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: لا يستوي أصحاب النار ~~وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون # فذكر أصحاب الجنة دون أصحاب النار. # فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا لا ينقض على ما ذكرته؛ فإن استيفاء الأقسام ~~يلزم فيما استبهم الإجمال فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم # فإنه حيث قال فمنهم # لزم استيفاء الأقسام الثلاثة، ولو اقتصر على قسمين منها لم يجز، وأما هذه ~~الآية التي هي لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة # فإنه إنما خص أصحاب الجنة بالذكر للعلم ms505 بأن أصحاب النار لا فوز لهم، ولو ~~خص أصحاب النار بالذكر لعلم أيضا ما لأصحاب الجنة، وكذلك كل ما يجري هذا ~~المجرى؛ فإنه إنما ينظر فيه إلى المستبهم وغير المستبهم، فاعرفه. # وكان جماعة من أرباب هذه الصناعة يعجبون بقول بعض الأعراب، ويزعمون أن ~~ذلك من أصح التقسيمات، وهو قولهم: النعم ثلاثة: نعمة في حال كونها، ونعمة ~~ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأبقى الله عليك ما أنت فيه، وحقق ~~ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه. # وهذا القول فاسد؛ فإن في أقسام النعم التي قسمها نقصا لا بد منه، وزيادة ~~لا حاجة إليها، فأما النقص فإغفال النعمة الماضية، وأما الزيادة فقوله بعد ~~المستقبلة: ونعمة تأتي غير محتسبة؛ لأن النعمة التي تأتي غير محتسبة داخلة ~~في قسم النعمة المستقبلة، وذاك أن النعمة المستقبلة تنقسم قسمين: أحدهما ~~يرجى # PageV02P288 # حصوله، والآخر لا يحتسب، فقوله: ونعمة تأتي غير محتسبة؛ يوهم أن هذا ~~القسم غير المستقبل، وهو داخل فيه، وعلى هذا فكان ينبغي له أن يقول النعم ~~ثلاث: # نعمة ماضية، ونعمة في حال كونها، ونعمة تأتي مستقبلة؛ فأحسن الله آثار ~~النعمة الماضية، وأبقى عليك النعمة التي أنت فيها، ووفر حظك من النعمة التي ~~تستقبلها؛ ألا تراه لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب؟ # وقد استوفى أبو تمام هذا المعنى في قوله «1» : # جمعت لنا فرق الأماني منكم ... بأبر من روح الحياة وأوصل «2» # فصنيعة في يومها وصنيعة ... قد أحولت وصنيعة لم تحول # كالمزن من ماء الرباب فمقبل ... متنظر ومخيم متهلل «3» # ووقف أعرابي على مجلس الحسن البصري رضي الله عنه فقال: رحم الله عبدا ~~أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلة، فقال الحسن البصري: ما ترك ~~لأحد عذرا. # وقد عاب أبو هلال العسكري على جميل قوله «4» : # PageV02P289 # لو كان في قلبي كقدر قلامة ... حبا وصلتك أو أتتك رسائلي «1» # فقال أبو هلال «2» : إن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل. وليس الأمر ~~كما وقع له؛ فإن جميلا إنما أراد بقوله وصلتك أي أتيتك زائرا ms506 وقاصدا أو كنت ~~راسلتك مراسلة، وبالوصل لا يخرج عن هذين الوصفين: إما زيارة، وإما رسالة. # ومن أعجب ما وجدته في هذا الباب ما ذكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف ~~بالغانمي، وهو قول العباس بن الأحنف «3» : # وصالكم هجر وحبكم قلا ... وعطفكم صد وسلمكم حرب «4» # ثم قال الغانمي: هذا والله أصح من تقسيمات إقليدس، ويالله العجب! أين ~~التقسيم من هذا البيت؟ هذا والله في واد والتقسيم في واد، ألا ترى أنه لم ~~يذكر شيئا تحصره القسمة، وإنما ذم أحبابه في سوء صنيعهم به، فذكر بعض ~~أحواله معهم، ولو قال أيضا: # ولينكم عنف وقربكم نوى ... وإعطاؤكم منع وصدقكم كذب # لكان هذا جائزا، وكذلك لو زاد بيتا آخر لجاز، ولو أنه تقسيم لما احتمل ~~زيادة، والأولى أن يضاف هذا البيت الذي ذكره الغانمي إلى باب المقابلة؛ ~~فإنه أولى به؛ لأنه قابل الوصل بالهجر، والعطف بالصد، والسلم بالحرب. # ومن فساد التقسيم قول البحتري في قصيدته التي مطلعها: # PageV02P290 # ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا «1» # فقال: # قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا ... أو معينا أو عاذرا أو عذولا # فإن المشوق يكون حزينا، والمسعد يكون معينا، وكذلك يكون المسعد عاذرا، ~~وكثيرا ما يقع البحتري في مثل ذلك. # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي، وهو «2» : # فافخر فإن الناس فيك ثلاثة ... مستعظم أو حاسد أو جاهل «3» # فإن المستعظم يكون حاسدا، والحاسد يكون مستعظما. # ومن شرط التقسيم ألا تتداخل أقسامه بعضها في بعض. # ومن هذا الأسلوب ما ورد في أبيات الحماسة، وهو «4» : # PageV02P291 # وكنت امرأ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم «1» # فأنت من الأمر الذي قد أتيته ... بمنزلة بين الخيانة والإثم # فإن الخيانة من الإثم، وهذا تقسيم فاسد. # ومما جاء من ذلك نثرا قول بعضهم في ذكر منهزمين: فمن جريح متضرج بدمائه، ~~وهارب لا يلتفت إلى ورائه؛ فإن الجريح قد يكون هاربا، والهارب قد يكون ~~جريحا، ولو قال: فمن بين قتيل ومأسور وناج؛ لصح له التقسيم، أو لو قال: # فمن بين قتيل ومأسور؛ لصح له التقسيم أيضا؛ لعدم الناجي ms507 بينهما. # وقد أحسن البحتري في هذا المعنى حيث قال: # غادرتهم أيدي المنية صبحا ... بالقنا بين ركع وسجود # فهم فرقتان بين قتيل ... قنصت نفسه بحد الحديد # أو أسير غدا له السجن لحدا ... فهو حي في حالة الملحود # فرقة للسيوف ينفذ فيها الحكم قصدا وفرقة للقيود ومن فساد التقسيم قول أبي ~~تمام «2» : # وموقف بين حكم الذل منقطع ... صاليه أو بحبال الموت متصل «3» # فإنه جعل صالي هذا الموقف إما ذليلا عنه أو هالكا فيه، وههنا قسم ثالث، ~~وهو ألا يكون ذليلا ولا هالكا، بل يكون مقدما فيه ناجيا. # وفي هذا نظر على من ادعى فساد تقسيمه؛ فإن أبا تمام قصد الغلو في وصف # PageV02P292 # هذا الموقف، فقال: إن الناس فيه أحد رجلين: إما ذليل عن مورده، وإما هالك ~~فيه: أي أنه لا ينجو منه أحد يرده، وهذا تقسيم صحيح لا فساد فيه. # القسم الثالث: في ترتيب التفسير، وما يصح من ذلك وما يفسد. # اعلم أن صحة الترتيب في ذلك أن يذكر في الكلام معان مختلفة، فإذا عيد ~~إليها بالذكر لتفسر قدم المقدم وأخر المؤخر، وهو الأحسن، إلا أنه قد ورد في ~~القرآن الكريم وغيره من الكلام الفصيح ولم يراع فيه تقديم المقدم ولا تأخير ~~المؤخر؛ كقوله تعالى: أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية ~~لكل عبد منيب # ولو قدم تفسير المقدم في هذه الآية وأخر تفسير المؤخر لقيل: # إن يشأ يسقط عليهم كسفا من السماء أو يخسف بهم الأرض. # وكذلك ورد قوله تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم ~~أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت ~~وجوههم # فقدم المؤخر وأخر المقدم. # والقسمان قد وردا جميعا في القرآن الكريم: # فمما روعي فيه تقديم المقدم وتأخير المؤخر قوله تعالى: وما نؤخره إلا ~~لأجل معدود. يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد. فأما الذين ~~شقوا ففي النار لهم ms508 فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ~~إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ. # ومن ذلك قوله تعالى: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا ~~آية النهار مبصرة. # وكذلك قوله تعالى: ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه # PageV02P293 # ولتبتغوا من فضله # فلما قدم الليل في الذكر على النهار قدم سبب الليل، وهو السكون، على سبب ~~النهار، وهو التعيش. # ومن ذلك ما كتبته في كتاب تعزية، وهو فصل منه، قلت: ولقد أوحشت منه ~~المعالي كما أوحشت المنازل، وآتت المكارم كما آمت الحلائل، وعمت لوعة خطبه ~~فما تشتكي ثكلى إلا إلى ثاكل، وما أقول فيمن عدمت الأرض منه حياها، ~~والمحامد محياها، فلو نطق الجماد بلسان، أو تصور المعنى لعيان؛ لأعربت تلك ~~من ظمأ صعيدها، وبرزت هذه حاسرة حول فقيدها. # ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان؛ فقلت: وما زالت أيادي ~~سيدنا متنوعة في زيادة جودها وكتابها، فهذه متطولة بترقية وردها وهذه آخذة ~~بسنة أغبابها، وأحسن ما في الأولى أنها تأتي متحلية بفواضل الإكثار، وفي ~~الثانية أنها تأتي متحلية بفضائل الاختصار؛ فاختصار هذه في فوائد أقلامها، ~~كتطويل تلك في عوائد إنعامها، وقد أصبحت خواطري مستغرقة بإنشاء القول ~~المبتكر، في شكر الفضل المطول وجواب البيان المختصر، وما جعل الله لها من ~~سلطان البلاغة ما يستقل بأداء حقوق تنقل على الرقاب، ومقابلة بلاغات تثقل ~~على الألباب. # ومما جاء من ذلك شعرا قول إبراهيم بن العباس «1» : # لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويفتر عنها أرضها وسماؤها # فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستباح دماؤها «2» # حمى وقرى فالموت دون مراحها ... وأيسر خطب يوم حق فناؤها «3» # وهذه الأبيات من نادر ما يجيء في هذا الباب معنى وترتيب تفسير. # PageV02P294 # ومما جاء منه أيضا قول أبي تمام «1» . # وما هو إلا الوحي أو حد مرهف ... تميل ظباه أخدعي كل مائل «2» # فهذا ms509 دواء الداء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل # وكذلك قوله أيضا: # وكان لهم غيثا وعلما فمعدم ... فيسأله أو باحث فيسائله # وهذا من بديع ما يأتي في هذا الباب. # ومما ورد منه قول علي بن جبلة: # فتى وقف الأيام بالسخط والرضا ... على بذل عرف أو على حد منصل # ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس «3» : # يرجو ويخشى حالتيك الورى ... كأنك الجنة والنار # وكذلك ورد قول بعض المتأخرين، وهو القاضي الأرجاني «4» : # PageV02P295 # يوم المتيم فيك حول كامل ... يتعاقب الفضلان فيه إذا أتى # ما بين حر جوى وماء مدامع ... إن حن صاف وإن بكى وجدا شتا # ومما أخذ على الفرزدق في هذا الباب قوله «1» : # لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم «2» # لألفيت منهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم «3» # لأنه أصاب في التفسير وأخطأ في الترتيب، وذاك أنه أتى بتفسير ما هو أول ~~في البيت الأول ثانيا في البيت الثاني، والأولى أن كان أتى بتفسير ذلك ~~مرتبا؛ ففسر ما هو أول في البيت الأول بما هو ثان في البيت الثاني. # واعلم أن الناظم لا ينكر عليه مثل هذا ما ينكر على الناثر؛ لأن الناظم ~~يضطره الوزن والقافية إلى ترك الأولى. # وأما فساد التفسير فإنه أقبح من فساد ترتيبه، وذاك أن يؤتى بكلام ثم يفسر ~~تفسيرا لا يناسبه، وهو عيب لا تسامح فيه بحال، وذلك كقول بعضهم «4» : # فيأيها الحيران في ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدى # PageV02P296 # تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى # وكان يجب لهذا الشاعر أن يقول بإزاء بغي العدا ما يناسبه من النصرة ~~والإعانة، أو ما جرى مجراهما؛ ليكون ذلك تفسيرا له، كما جعل بإزاء الظلمة ~~الضياء وفسرها به، فأما أن جعل بإزاء ما يتخوف منه بحرا من الندى فإن ذلك ~~غير لائق. # PageV02P297 ### | النوع الخامس والعشرون في الاقتصاد والتفريط والإفراط # اعلم أن هذه المعاني الثلاثة من الاقتصاد والتفريط والإفراط توجد في كل ~~شيء: من ms510 علم، وصناعة، وخلق؛ ولا بد لنا من ذكر حقيقتها في أصل اللغة حتى ~~يتبين نقلها إلى هذا النوع من الكلام. # فأما الاقتصاد في الشيء فهو من القصد الذي هو الوقوف على الوسط الذي لا ~~يميل إلى أحد الطرفين، قال الله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات # فظلم النفس والسبق بالخيرات طرفان، والاقتصاد وسط بينهما، وقال تعالى: ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما # فالإسراف والإقتار طرفان، والقوام وسط بينهما، وقال الشاعر «1» : # عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق # وأما التفريط فهو التقصير والتضييع، ولهذا قال الله تعالى: ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء # أي: ما أهملنا ولا ضيعنا. # وأما الإفراط فهو: الإسراف وتجاوز الحد، يقال: أفرط في الشيء؛ إذا أسرف ~~وتجاوز الحد. # PageV02P298 # والتفريط والإفراط هما الطرفان البعيدان، والاقتصاد هو الوسط المعتدل؛ ~~وقد نقلت هذه المعاني الثلاثة إلى هذا النوع من علم البيان. # أما الاقتصاد فهو: أن يكون المعنى المضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه ~~المعبر عنه في منزلته. # أما التفريط والإفراط فهما ضدان: أحدهما: أن يكون المعنى المضمر في ~~العبارة دون ما تقتضيه منزلة المعبر عنه، والآخر: أن يكون المعنى فوق ~~منزلته. # والتفريط في إيراد المعاني الخطابية قبيح لا يجوز استعماله بوجه من ~~الوجوه، والإفراط يجوز استعماله؛ فمنه الحسن، ومنه دون ذلك. # فمما جاء من التفريط قول الأعشى «1» : # وما مزبد من خليج الفرا ... ت جون غواربه تلتطم «2» # بأجود منه بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم «3» # PageV02P299 # فإنه مدح ملكا بالجود بماعونه، والماعون: كل ما يستعار من قدوم أو قصعة ~~أو قدر، أو ما أشبه ذلك، وليس للملوك في بذله مدح، ولا لأوساط الناس أيضا، ~~وفي مدح السوقة به قولان، ومدح الملوك به عيب وذم فاحش، وهذا من أقبح ~~التفريط. # ومما يجري هذا المجرى قول الفرزدق «1» : # ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلا نشل ونقذف «2» # كلانا به عر يخاف قرافه ... على الناس مطلي المساعر أخشف «3» # PageV02P300 # هذا رجل ذهب عقله ms511 حين نظم هذين البيتين؛ فإن مراده منهما التغزل بمحبوبه، ~~وقد قصر تمنيه على أن يكون هو ومحبوبه كبعيرين أجربين: لا يقربهما أحد، ولا ~~يقربان أحدا، إلا طردهما، وهذا من الأماني السخيفة، وله في غير هذه الأمنية ~~مندوحات كثيرة، وما أشبه هذا بقول القائل: # يا رب إن قدرته لمقبل ... غيري فللأقداح أو للأكؤس # وإذا حكمت لنا بعين مراقب ... في الدهر فلتك من عيون النرجس # فانظركم بين هاتين الامنيتين. # ومما أخذ على أبي نواس في قصيدته الميمية الموصوفة التي مدح بها الأمين ~~محمد بن الرشيد، وهو قوله «1» ؛ # أصبحت يابن زبيدة ابنة جعفر ... أملا لعقد حباله استحكام «2» # فإن ذكر أم الخليفة في مثل هذا الموضع قبيح. # وكذلك قوله في موضع آخر «3» . # وليس كجدتيه أم موسى ... إذا نسبت ولا كالخيزران «4» # PageV02P301 # وهذا لغو من الحديث لا فائدة فيه؛ فإن شرف الأنساب إنما هو إلى الرجال، ~~لا إلى النساء، وياليت شعري أما سمع أبو نواس قول قتيلة بنت النضر في النبي ~~صلى الله عليه وسلم «1» : # أمحمد؛ ولأنت نجل كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # فإنها ذكرت الأم بغير اسم الأم، وأبرزت هذا الكلام في هذا اللباس الأنيق. # وكذلك فليكن المادح إذا مدح، وأبو نواس- مع لطافة طبعه، وذكائه، وما كان ~~يوصف به من الفطنة- قد ذهب عليه مثل هذا الموضع مع ظهوره. # وليس لقائل أن يعترض على ما ذكرته بقوله تعالى حكاية عن موسى وأخيه هرون ~~عليهما السلام: ل يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي # فإن الفرق بين الموضعين ظاهر؛ لأن المنكر على أبي نواس إنما هو التلفظ ~~باسم الأم، وهي زبيدة، وكذلك اسم الجدة، وهي الخيزران، وليس كذلك ما ورد في ~~الآية. # فإن قيل: قد ورد في القرآن الكريم ما يسوغ لأبي نواس مقالته، وهو قوله ~~تعالى: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله # فناداه باسم أمه. # قلت: الجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن ms512 عيسى عليه السلام لم يكن له أب، ~~فنودي باسم أمه ضرورة؛ إذ لو كان له أب لنودي باسم أبيه؛ الوجه الآخر: # PageV02P302 # أن هذا النداء إنما هو من الأعلى إلى الأدنى؛ إذ الله سبحانه وتعالى هو ~~الرب، وعيسى عليه السلام عبده، وهذا لا يكون تفريطا؛ لأنه لم يعبر عنه بما ~~هو دون منزلته. # على أن أبا نواس لم يوقعه في هذه العثرة إلا ما سمعه عن جرير في مدح عمر ~~بن عبد العزيز، كقوله «1» : # وتبني المجد يا عمر ابن ليلى ... وتكفي الممحل السنة الجمادا «2» # وكذلك قال فيه كثير عزة أيضا «3» . # وليس المعيب من هذا بخاف؛ فإن العرب قد كان يعير بعضها بعضا بنسبته إلى ~~أمه دون أبيه، ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقال له: ابن ~~حنتمة، وإنما كان يقول ذلك من يغض منه، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~للزبير بن صفية: # «بشر قاتل ابن صفية بالنار» فإن صفية كانت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وإنما نسبه إليها رفعا لقدره في قرب نسبه منه، وأنه ابن عمته، وليس هذا ~~كالأول في الغض من عمر رضي الله عنه في نسبه إلى أمه. # PageV02P303 # وقد عاب بعض من يتهم نفسه بالمعرفة قول أبي نواس في قصيدته السينية التي ~~أولها: # نبه نديمك قد نعس «1» # فقال من جملتها: # ورث الخلافة خامسا ... وبخير سادسهم سدس # قال: وفي ذكر السادس نظر، ويا عجبا له! مع معرفته بالشعر كيف ذهب عليه ~~هذا الموضع؟ أما قرأ سورة الكهف، يريد قوله تعالى: ويقولون خمسة سادسهم ~~كلبهم # وهذا ليس بشيء؛ لأنه قد ورد في القرآن الكريم ما ينقضه، وهو قوله تعالى: ~~ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم. # ومما عبته على البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان في قصيدته المشهورة ~~عند لقائه الأسد التي مطلعها: # أجدك ما ينفك يسري لزينبا «2» # فقال: # شهدت لقد أنصفته حين تنبري ... له ms513 مصلتا عضبا من البيض مقضبا «3» # فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النكس كذبا «4» # PageV02P304 # قوله «إذا الهيابة النكس» تفريط في المدح، بل كان الأولى أن يقول: إذا ~~البطل كذب، وإلا فأي مدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفر منه الجبان؟ ~~وألا [قال] كما قال أبو تمام «1» : # فتى كلما أرتاد الشجاع من الردى ... مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا «2» # وعلى أسلوب البحتري ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة «3» : # وإني لقوال لعافي مرحبا ... وللطالب المعروف إنك واجده # وإني لممن أبسط الكف بالندى ... إذا شنجت كف البخيل وساعده «4» # وهذا معيب من جهة أنه لا فضل في بسط يده عند قبض يد البخيل، وإنما ~~الفضيلة في بسطها عند قبض الكرام أيديهم. # PageV02P305 # ومن هذا الباب قول أبي تمام «1» : # يقظ وهو أكثر الناس إغضا ... ء على نائل له مسروق «2» # فإنه أراد أن يمدح فذم. # ومما هو أقبح من ذلك قوله أيضا «3» : # تثفى الحرب منه حين تغلي ... مراجلها بشيطان رجيم «4» # PageV02P306 # وقد استعمل هذا في شعره حتى أفحش، كقوله «1» ؛ # أنت دلو وذو السماح أبو مو ... سى قليب وأنت دلو القليب # ومراده من ذلك أنه جعله سببا لعطاء المشار إليه كما أن الدلو سبب في ~~امتياج الماء من القليب، ولم يبلغ هذا المعنى من الإغراب إلى حد يدندن أبو ~~تمام حوله هذه الدندنة، ويلقيه في هذا المثال السخيف، على أنه لم يقنع بهذه ~~السقطة القبيحة في شعره، بل أوردها في مواضع أخرى منه؛ فمن ذلك قوله «2» : # ما زال يهذي بالمكارم والعلا ... حتى ظننا أنه محموم «3» # فإنه أراد أن يبالغ في ذكر الممدوح باللهج بالمكارم والعلا، فقال «ما زال ~~يهذي» وما أعلم ما كانت حاله عند نظم هذا البيت. # وعلى نحو منه جاء قول بعض المتأخرين: # PageV02P307 # ويلحقه عند المكارم هزة ... كما انتفض المجهود من أم ملدم # وهذا وأمثاله لا يجوز استعماله، وإن كان المعنى المقصود به حسنا، وكم ممن ~~يتأول معنى كريما فأساء في التعبير عنه حتى صار مذموما، كهذا وأمثاله. # ومن أحسن ما قيل في مثل هذا الموضع ms514 قول ابن الرومي: # ذهب الذين تهزهم مداحهم ... هز الكماة عوالي المران # كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم ... فالأريحية منهم بمكان # ومن شاء أن يمدح فليمدح هكذا، وإلا فليسكت. # ووجدت أبا بكر محمد بن يحيى المعروف بالصولي قد عاب على حسان بن ثابت رضي ~~الله عنه قوله: # لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما «1» # PageV02P308 # وقال: إنه جمع الجفنات والأسياف جمع قلة، وهو في مقام فخر، وهذا مما يحط ~~من المعنى ويضع منه، وقد ذهب إلى هذا غيره أيضا، وليس بشيء؛ لأن الغرض إنما ~~هو الجمع؛ فسواء أكان جمع قلة أم جمع كثرة، ويدل على ذلك قوله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين. شاكرا لأنعمه ~~اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم # أفترى نعم الله أكانت قليلة على إبراهيم صلوات الله عليه، وكذلك ورد قوله ~~عز وجل في سورة النمل: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات ~~إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين. فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا ~~هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين # فقال: واستيقنتها أنفسهم # فجمع النفس جمع قلة، وما كان قوم فرعون بالقليل حتى تجمع نفوسهم جمع قلة، ~~بل كانوا مئين ألوفا، وهذا أيضا مما يبطل قول الصولي وغيره في مثل هذا ~~الموضع؛ وكذلك ورد قوله عز وجل: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها # والنفوس المتوفاة والنائمة لا ينتهي إلى كثرتها كثرة؛ لأنها نفوس كل من ~~في العالم. # واعلم أن للمدح ألفاظا تخصه، وللذم ألفاظا تخصه، وقد تعمق قوم في ذلك حتى ~~قالوا: من الأدب ألا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب، وهذا غلط بارد؛ ~~فإن الله الذي هو ملك الملوك قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز فقيل: # إياك نعبد وإياك نستعين # وقد ورد أمثال هذا في مواضع من القرآن غير محصورة، إلا أني قد راجعت نظري ~~في ذلك، فرأيت الناس بزمانهم ms515 أشبه منهم بأيامهم، والعوائد لا حكم لها، ولا ~~شك أن العادة أوجبت للناس مثل هذا التعمق في ترك الخطاب بالكاف، لكني تأملت ~~أدب الشعراء والكتاب في هذا الموضع فوجدت الخطاب لا يعاب في الشعر ويعاب في ~~الكتابة إذا كان المخاطب دون المخاطب درجة، وأما إن كان فوقه فلا عيب في ~~خطابه إياه بالكاف؛ لأنه ليس من التفريط في شيء. # PageV02P309 # فمن خطاب الكاف قول النابغة «1» : # وإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع «2» # وكذلك قوله أيضا «3» : # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب «4» # وعليه جاء قول بعض المتأخرين أيضا؛ فقال أبو نواس «5» : # إليك أبا المنصور عذبت ناقتي ... زيارة خل وامتحان كريم «6» # لأعلم ما تأتي وإن كنت عالما ... بأنك مهما نأت غير ملوم «7» # PageV02P310 # وكذلك ورد قول السلامي: # إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر «1» # وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر # وعليه ورد قول البحتري «2» : # ولقد أتيتك طالبا فبسطت من ... أملي وأطلب جود كفك مطلبي «3» # وجل خطاب الشعراء للممدوحين إنما هو بالكاف، وذلك محظور على الكتاب؛ فإنه ~~ليس من الأدب عندهم أن يخاطب الأدنى الأعلى بالكاف، وإنما يخاطبه مخاطبة ~~الغائب، لا مخاطبة الحاضر، على أن هذا الباب بجملته يوكل النظر فيه إلى ~~فطانة الخطيب والشاعر، وليس مما يوقف فيه على المسموع خاصة. # ومن ألطف ما وجدته أنك إذا خاطبت الممدوح أن تترك الخطاب بالأمر بأن ~~تقول: افعل كذا وكذا، وتخرجه مخرج الاستفهام، وهذا الأسلوب حسن جدا، وعليه ~~مسحة من جمال، بل عليه الجمال كله. # فما جاء منه قول البحتري في قصيدة أولها: # بودي لو يهوى العذول ويعشق «4» # PageV02P311 # فقال منها: # فهل أنت يا ابن الراشدين مختمي ... بياقوتة تبهى علي وتشرق «1» # وهذا من الأدب الحسن في خطاب الخليفة؛ فإنه لم يخاطبه بأن قال: ختمني ~~بياقوتة، على سبيل الأمر، بل خاطبه على سبيل الاستفهام، وقد أعجبني هذا ~~المذهب، وحسن عندي. # وقد حذا حذو البحتري شاعر من شعراء عصرنا فقال في مدح ms516 الخليفة الناصر ~~لدين الله أبي العباس أحمد من قصيدة له على قافية الدال؛ فقال من أبيات يصف ~~بها قصده: # أمقبولة يا ابن الخلائف من فمي ... لديك بوصفي غادة الشعر رؤده # فقوله «أمقبولة» من الأدب الحسن الذي نسج فيه على منوال البحتري. # وهذا باب مفرد، وهو باب الاستفهام في الخطاب، وإذا كان الشاعر فطنا عالما ~~بما يضعه من الألفاظ والمعاني تصرف في هذا الباب بضروب التصرفات، واستخرج ~~من ذات نفسه شيئا لم يسبقه إليه أحد. # واعلم أن من المعاني ما يعبر عنه بألفاظ متعددة ويكون المعنى المندرج ~~تحتها واحدا؛ فمن تلك الألفاظ ما يليق استعماله بالمدح ومنها ما يليق ~~استعماله # PageV02P312 # بالذم، ولو كان هذا الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ الدالة ~~عليه سواء في الاستعمال، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف دون الأصل. # ولنضرب له مثالا فنقول: هل يجوز أن يخاطب الملك فيقال له: وحق دماغك؛ ~~قياسا على وحق رأسك؟ وهذا يرجع إلى أدب النفس دون أدب الدرس. # فإذا أراد مؤلف الكلام أن يمدح ذكر الرأس والهامة والكاهل، وما جرى هذا ~~المجرى، فإذا أراد أن يهجو ذكر الدماغ والقفا والقذال، وما جرى هذا المجرى، ~~وإن كانت معاني الجميع متقاربة، ومن أجل ذلك حسنت الكناية في الموضع الذي ~~يقبح فيه التصريح. # ومن أحسن ما بلغني من أدب النفس في الخطاب أن عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~سأل قباث بن أشيم، فقال له: أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد، ~~فانظر إلى أدب هذا العربي الذي من شأنه وشأن أمثاله جفاء الأخلاق والبعد عن ~~فطانة الآداب. # وأما الإفراط فقد ذمه قوم من أهل هذه الصناعة، وحمده آخرون، والمذهب عندي ~~استعماله؛ فإن أحسن الشعر أكذبه، بل أصدقه أكذبه، لكنه تتفاوت درجاته؛ فمنه ~~المستحسن الذي عليه مدار الاستعمال، ولا يطلق على الله سبحانه وتعالى؛ لأنه ~~مهما ذكر به من المعاملات في صفاته فإنه دون ما يستحقه. ms517 # ومما ورد من ذلك في الشعر قول عنترة «1» : # وأنا المنية في المواطن كلها ... والطعن مني سابق الآجال «2» # PageV02P313 # وقد يروى بالياء، وكلا المعنيين حسن، إلا أن الياء أكثر غلوا. # ومما جاء على نحو من ذلك قول بشار «1» : # إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما «2» # ومنه ما يستهجن، كقول النابغة الذبياني «3» : # إذا ارتعشت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث غلق يفرق «4» # وهذا يصف طول قامتها، لكنه من الأوصاف المنكرة التي خرجت بها المغالاة عن ~~حيز الاستحسان. # وكذلك ورد قول أبي نواس «5» : # PageV02P314 # وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق «1» # وهذا أشد إفراطا من قول النابغة. ويروى أن العتابي لقي أبا نواس فقال له: ~~أما استحييت الله حيث تقول، وأنشده البيت، فقال له: وأنت ما راقبت الله حيث ~~قلت: # ما زلت في غمرات الموت مطرحا ... يضيق عني وسيع الرأي من حيلي # فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي # قال له العتابي: قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك، ولكنك قد أعددت ~~لكل ناصح جوابا، وقد أراد «2» أبو نواس هذا المعنى في قالب آخر، فقال «3» : # كدت منادمة الدماء سيوفه ... فلقلما تحتازها الأجفان «4» # حتى الذي في الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان «5» # وما يجيء في هذا الباب ما يجري هذا المجرى. # وقد استعمل أبو الطيب المتنبي هذا القسم في شعره كثيرا، فأحسن في مواضع ~~منه؛ فمن ذلك قوله «6» : # PageV02P315 # عجاجا تعثر العقبان فيه ... كأن الجو وعث أو خبار «1» # ثم أعاد هذا المعنى في موضع آخر؛ فقال «2» : # عقدت سنابكها عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا «3» # وهذا أكثر مغالاة من الأول. # ومن ذلك قوله أيضا «4» : # كأنما تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الأجواف ما يسع «5» # PageV02P316 # وعلى هذا ورد قول قيس بن الخطيم: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها «1» # لكن أبو الطيب أكثر غلوا في هذا المعنى، وقيس بن الخطيم «2» أحسن؛ لأنه ~~قريب من الممكن؛ فإن الطعنة تنفذ حتى يتبين ms518 فيها الضوء، وأما أن يجعل ~~المطعون مسلكا يسلك كما قال أبو الطيب؛ فإن ذلك مستحيل، ولا يقال فيه بعيد. # وأما الاقتصاد فهو وسط بين المنزلتين، والأمثلة به كثيرة لا تحصى؛ إذ كل ~~ما خرج عن الطرفين من الإفراط والتفريط فهو اقتصاد، ومن أحسنه أن يجعل ~~الإفراط مثلا، ثم يستثنى فيه بلو أو بكاد وما جرى مجراهما؛ فمن ذلك قوله ~~تعالى: يكاد البرق يخطف أبصارهم # وكذلك قوله عز وجل: وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا # ؛ وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا، ومما ورد منه شعرا قول الفرزدق ~~«3» : # يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # PageV02P317 # وكذلك ورد قول البحتري «1» : # لو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر # وهذا هو المذهب المتوسط. # PageV02P318 ### | النوع السادس والعشرون في الاشتقاق # اعلم أن جماعة علماء البيان يفصلون الاشتقاق عن التجنيس، وليس الأمر ~~كذلك، بل التجنيس أمر عام لهذين النوعين من الكلام، وذاك أن التجنيس في أصل ~~الوضع من قولهم: جانس الشيء الشيء؛ إذا ماثله وشابهه، ولما كانت الحال كذلك ~~ووجدنا من الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبنائه علمنا أن ذلك يطلق ~~عليه اسم التجنيس، وكذلك لما وجدنا من المعاني ما يتماثل ويتشابه علمنا أن ~~ذلك يطلق عليه اسم التجنيس أيضا؛ فالتجنيس إذن ينقسم قسمين: أحدهما تجنيس ~~في اللفظ، والآخر تجنيس في المعنى؛ فأما الذي يتعلق باللفظ فإنه لم ينقل عن ~~بابه ولا غير اسمه، وقد تقدم ذكره في باب الصناعة اللفظية، وأما الذي يتعلق ~~بالمعنى فإنه نقل عن بابه في التجنيس، وسمي الاشتقاق: أي أحد المعنيين مشتق ~~من الآخر. # وهو على ضربين: صغير، وكبير. # فالصغير: أن تأخذ أصلا من الأصول فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغه ~~ومبانيه، كترتيب س ل م؛ فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه؛ نحو سلم ~~وسالم وسلمان وسلمى، والسليم اللديغ أطلق عليه ذلك تفاؤلا بالسلامة. # والأصل في ذلك أن يضع واضع اللغة اسما أولا لمسمى أول، ثم يجد مسمى آخر ms519 ~~أو مسميات شبيهة بالمسمى الأول فيضع لها اسما كالاسم الأول، كقوله ضرير اسم ~~للأعمى، والضر: ضد النفع، والضراء: الشدة من الأمر، والضر- بالضم-: الهزال ~~وسوء الحال، والضرر: الضيق، والضرة: إحدى الزوجتين؛ فإن هذه المسميات كلها ~~تدل على الأذى والشر، وأسماؤها متشابهة لم تخرج عن الضاد والراء، إلا أنا ~~الآن لا نعلم ما هو الأول منها حتى نحكم على الثاني أنه مشتق منه، # PageV02P319 # لكن نعلم في السليم اللديغ أنه مشتق من السلامة؛ لأنه ضدها؛ قيل: من أجل ~~التفاؤل بالسلامة، وعلى هذا جاء غيره من الأصول، كقولنا: هشمك هاشم، وحاربك ~~محارب، وسالمك سالم، وأصاب الأرض صيب، فهذه الألفاظ كلها لفظها واحد ~~ومعناها واحد؛ أما هاشم فإنه لم يسم بهذا الاسم إلا لأنه هشم الثريد في عام ~~محل فسمي بذلك، وأما محارب فإنه اسم فاعل من حارب فهو محارب، وأما سالم فمن ~~السلامة، وهو اسم فاعل من سلم، وأما الصيب فهو المطر الذي يشتد صوبه: أي ~~وقعه على الأرض، ولا يقاس على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «أسلم ~~سالمها الله، وغفار غفر الله، وعصية عصت الله» فإن أسلم وغفار وعصية أسماء ~~قبائل، ولم تسم أسلم من المسالمة، ولا غفار من المغفرة، ولا عصية من تصغير ~~عصا، وهذا هو التجنيس، وليس بالاشتقاق، والنظر في مثل ذلك يحتاج إلى فكرة ~~وتدبر كي لا يختلط التجنيس بالاشتقاق. # ومما جاء من ذلك شعرا قول البحتري: # أمحلتي سلمى بكاظمة اسلما» # وكذلك قول الآخر «2» : # وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس «3» # وربما ظن أن هذا البيت وما يجري مجراه تجنيس؛ حيث قيل فيه: معقول وعقال، ~~ومحبوس وحابس، وليس الأمر كذلك، وهذا الموضع يقع فيه الاشتباه كثيرا على من ~~لم يتقن معرفته. # PageV02P320 # وقد تقدم القول أن حقيقة التجنيس هي: اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، وعقال ~~ومعقول وحابس ومحبوس اللفظ فيهما واحد والمعنى أيضا واحد، فهذا مشتق من ~~هذا: أي قد شق منه. # وكذلك ورد قول عنترة «1» : # لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس ms520 الحديدا «2» # فإن حدا وحديدا لفظهما واحد ومعناهما واحد. # وأما الاشتقاق الكبير فهو: أن تأخذ أصلا من الأصول فتعقد عليه وعلى ~~تراكيبه معنى واحدا يجمع تلك التراكيب وما تصرف منها وإن تباعد شيء من ذلك ~~عنها رد بلطف الصنعة والتأويل إليها. # ولنضرب لذلك مثالا؛ فنقول: إن لفظة «ق م ر» من الثلاثي لها ست تراكيب، ~~وهي: ق ر م، ق م ر، ر ق م، ر م ق، م ق ر، م ر ق؛ فهذه التراكيب الست يجمعها ~~معنى واحد، وهو القوة والشدة، فالقرم: شدة شهوة اللحم، وقمر الرجل؛ إذا غلب ~~من يقامره، والرقم: الداهية، وهي الشدة التي تلحق الإنسان من دهره، وعيش ~~مرمق: أي ضيق، وذلك نوع من الشدة أيضا، والمقر: شبه الصبر، يقال: # أمقر الشيء، إذا أمر، وفي ذلك شدة على الذائق وكراهة، ومرق السهم؛ إذا ~~نفذ من الرمية، وذلك لشدة مضائه وقوته. # واعلم أنه إذا سقط من تراكيب الكلمة شيء فجائز ذلك في الاشتقاق؛ لأن ~~الاشتقاق ليس من شرطه كمال تركيب الكلمة، بل من شرطه أن الكلمة كيف تقلبت ~~بها تراكيبها من تقديم حروفها وتأخيرها أدت إلى معنى واحد يجمعها؛ فمثال ما ~~سقط من تركيب الثلاثي لفظة «وس ق» فإن لها خمس تراكيب، وهي: وس ق، # PageV02P321 # وق س، س وق، ق س و، ق وس، وسقط من جملة التراكيب قسم واحد، وهو س ق و، ~~وجميع الخمسة المذكورة تدل على القوة والشدة أيضا؛ فالوسق من قولهم: استوسق ~~الأمر: أي اجتمع وقوي، والوقس: ابتداء الجرب «1» . وفي ذلك شدة على من ~~يصيبه وبلاء، والسوق: متابعة السير، وفي هذا عناء وشدة على السائق والمسوق، ~~والقسوة: شدة القلب وغلظه، والقوس معروفة، وفيها نوع من الشدة والقوة؛ ~~لنزعها السهم وإخراجه إلى ذلك المرمى المتباعد. # واعلم أنا لا ندعي أن هذا يطرد في جميع اللغة، بل قد جاء شيء منها كذلك، ~~وهذا مما يدل على شرفها وحكمتها؛ لأن الكلمة الواحدة تتقلب على ضروب من ~~التقاليب، وهي مع ذلك دالة على معنى واحد، وهذا من ms521 أعجب الأسرار التي توجد ~~في لغة العرب وأغربها، فاعرفه. # إلا أن الاستعمال في النظم والنثر إنما يقع في الاشتقاق الصغير دون ~~الكبير، وسبب ذلك أن الاشتقاق الصغير تكثر الألفاظ الواردة عليه، والاشتقاق ~~الكبير لا يكاد يوجد في اللغة إلا قليلا، وأيضا فإن الحسن اللفظي الذي هو ~~الفصاحة إنما يقع في الاشتقاق الصغير، ولا يقع في الاشتقاق الكبير، ألا ترى ~~إلى هذين الأصلين الواردين ههنا، وهما «ق ر م» و «وس ق» إذا نظرنا إلى ~~تراكيبهما وأردنا أن نسبكهما في الاستعمال لم يأت منهما مثل ما يأتي في ~~الاشتقاق الصغير حسنا ورونقا؛ لأن ذاك لفظه لفظ تجنيس، ومعناه معنى اشتقاق، ~~والاشتقاق الكبير ليس كذلك. # PageV02P322 ### | النوع السابع والعشرون في التضمين # وهذا النوع فيه نظر بين حسن يكتسب به الكلام طلاوة وبين معيب عند قوم، ~~وهو عندهم معدود من عيوب الشعر، ولكل من هذين القسمين مقام. # فأما الحسن الذي يكتسب به الكلام طلاوة فهو: أن يضمن الآيات والأخبار ~~النبوية، وذلك يرد على وجهين: أحدهما: تضمين كلي، والآخر تضمين جزئي. # فأما التضمين الكلي فهو: أن تذكر الآية والخبر بجملتهما، وأما التضمين ~~الجزئي فهو: أن تدرج بعض الآية والخبر في ضمن كلام؛ فيكون جزأ منه كالذي ~~أوردته في حل الآيات والأخبار في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب، وقد قيل: ~~إنه لا يجوز درج آيات القرآن الكريم في غضون الكلام من غير تبيين، كي لا ~~يشتبه، وهذا القول لا أقول به؛ فإن القرآن الكريم أبين من أن يحتاج إلى ~~بيان، وكيف يخفى وهو المعجز الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ~~لا يأتون بمثله، فإن كانت المفاوضة في التفرقة بينه وبين غيره من الكلام ~~إذا أدرج فيه مع جاهل لا يعرف الفرق فذاك لا كلام معه، وإن كان الكلام مع ~~عالم بذلك فذاك لا يخفي عنه القرآن الكريم من غيره. # ومذهبي في هذا هو ما تقدم ذكره في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب، وهو ~~أحسن الوجهين عندي، وذاك أنه لا تؤخذ الآية بكمالها، بل ms522 يؤخذ جزء منها ~~ويجعل أولا لكلام أو آخرا، هذا إذا لم يقصد به التضمين؛ فأما إذا قصد ~~التضمين فتؤخذ الآية بكمالها وتدرج درجا، وهذا ينكره من لم يذق ما ذقته من ~~طعم البلاغة، ولا رأى ما رأيته. # PageV02P323 # وأما المعيب عند قوم فهو تضمين الإسناد، وذلك يقع في بيتين من الشعر، أو ~~فصلين من الكلام المنثور، على أن يكون الأول منهما مسندا إلى الثاني؛ فلا ~~يقوم الأول بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني، وهذا هو المعدود من عيوب ~~الشعر، وهو عندي غير معيب؛ لأنه إن كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على ~~الثاني فليس ذلك بسبب يوجب عيبا؛ إذ لا فرق بين البيتين من الشعر في تعلق ~~أحدهما بالآخر وبين الفقرتين من الكلام المنثور في تعلق إحداهما بالأخرى؛ ~~لأن الشعر هو: كل لفظ موزون مقفى دل على معنى، والكلام المسجوع هو: كل لفظ ~~مقفى دل على معنى؛ فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير. # والفقر المسجوعة التي يرتبط بعضها ببعض قد وردت في القرآن الكريم في ~~مواضع منه؛ فمن ذلك قوله عز وجل في سورة الصافات: فأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون. قال قائل منهم إني كان لي قرين. يقول أإنك لمن المصدقين. أإذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون # فهذه الفقر الثلاث الأخيرة مرتبط بعضها ببعض؛ فلا تفهم كل واحدة منهن إلا ~~بالتي تليها، وهذا كالأبيات الشعرية في ارتباط بعضها ببعض، ولو كان عيبا ~~لما ورد في كتاب الله عز وجل. # وكذلك ورد قوله تعالى في سورة الصافات أيضا: فإنكم وما تعبدون. ما أنتم ~~عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم # فالآيتان الأوليان لا تفهم إحداهما إلا بالأخرى. # وهكذا ورد قوله عز وجل في سورة الشعراء: أفرأيت إن متعناهم سنين. ثم ~~جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون # فهذه ثلاث آيات لا تفهم الأولى ولا الثانية إلا بالثالثة، ألا ترى أن ~~الأولى والثانية في معرض استفهام يفتقر إلى جواب، والجواب هو في الثالثة. # ومما ورد من ذلك ms523 شعرا قول بعضهم: # PageV02P324 # ومن البلوى التي لي ... س لها في الناس كنه # أن من يعرف شيئا ... يدعي أكثر منه # ألا ترى أن البيت الأول لم يقم بنفسه ولا تم معناه إلا بالبيت الثاني: # وقد استعملته العرب كثيرا، وورد في شعر فحول شعرائهم؛ فمن ذلك قول امرىء ~~القيس «1» : # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل # وكذلك ورد قول الفرزدق «2» : # وما أحد من الأقوام عدوا ... عروق الأكرمين إلى التراب «3» # بمحتفظين إن فضلتمونا ... عليهم في القديم ولا غضاب «4» # PageV02P325 # وكذلك ورد قول بعض شعراء الحماسة «1» : # لعمري لرهط المرء خير بقية «2» ... عليه وإن عالوا به كل مركب # من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب # الضرب الثاني من التضمين: وهو أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاما ~~آخر لغيره؛ قصدا للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود، ولو لم يذكر ذلك ~~التضمين لكان المعنى تاما، وربما ضمن الشاعر البيت من شعره بنصف بيت، أو ~~أقل منه، كما قال جحظة: # قم فاسقنيها يا غلام وغنني ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم «3» # ألا ترى أنه لو لم يقل في هذا البيت «ذهب الذين يعاش في أكنافهم» لكان ~~المعنى تاما لا يحتاج ألى شيء آخر، فإن قوله «قم فاسقنيها يا غلام وغنني» ~~فيه كفاية؛ إذ لا حاجة له إلى تعيين الغناء؛ لأن في ذلك زيادة على المعنى ~~المفهوم، لا على الغرض المقصود. # وقد ورد هذا في عدة مواضع من شعر أبي نواس في الخمريات، كقوله في مخاطبة ~~بعض خلطائه على مجلس الشراب «4» : # فقلت هل لك في الصهباء تأخذها ... من كف ذات حر فالعيش مقتبل «5» # PageV02P326 # حيرية كشعاع الشمس صافية ... تطير بالكأس من لألائها شعل «1» # فقال هات وغنينا على طرب ... ودع هريرة إن الركب مرتحل «2» # وكذلك قوله أيضا «3» : # وظبي خلوب اللفظ حلو كلامه ... مقبله سهل وجانبه وعر # نحلت له منها فخر لوجهه ... وأمكن منه ما يحيط به الأزر «4» # فقمت إليه والكرى كحل عينه ... فقبلته والصب ليس ms524 له صبر # إلى أن تجلى نومه عن جفونه ... وقال كسبت الذنب قلت لي العذر # PageV02P327 # فأعرض مزورا كأن بوجهه ... تفقؤ رمان وقد برد الصدر # فما زلت أرقيه وألثم خده ... إلى أن تغنى راضيا وبه سكر # ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر «1» # وقد استعمل هذا الضرب كثيرا الخطيب عبد الرحمن بن نباتة رحمه الله؛ فمن ~~ذلك قوله في بعض خطبه، وهو: فيأيها الغفلة المطرقون، أما أنتم بهذا الحديث ~~مصدقون، فما لكم منه لا تشفقون، فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم ~~تنطقون. # وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: فيومئذ تغدو الخلائق على الله بهما، ~~فيحاسبهم على ما أحاط به علما، وينفذ في كل عامل بعمله حكما، وعت الوجوه ~~للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما. # ألا ترى إلى براعة هذا التضمين الذي كأنه قد رصع في هذا الموضع رصعا. # وعلى نحو من ذلك جاء قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: هناك يقع الحساب على ~~ما أحصاه الله كتابا، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا، يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا. # ومما ينتظم بهذا السلك قوله في خطبة أخرى، وهو: أسكتهم الله الذي أنطقهم، ~~وأبادهم الذي خلقهم وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، يوم يعيد الله ~~العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا، يوم تكونون شهداء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ~~وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا. # ومن هذا الباب قوله أيضا: هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من وجب ~~له الثواب، ومن حق عليه العقاب، فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب. # وأمثال هذه التضمينات في خطبه كثيرة، وهي من محاسن ما يجيء في هذا النوع. # PageV02P328 ### | النوع الثامن والعشرون في الإرصاد # وحقيقته: أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية قد أرصدها له: أي أعدها ms525 ~~في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي به في قافيته. # وذلك من محمود الصنعة؛ فإن خير الكلام ما دل بعضه على بعض، وفي الافتخار ~~بذلك يقول ابن نباتة السعدي: # خذها إذا أنشدت في القوم من طرب ... صدورها عرفت منها قوافيها # ينسى لها الراكب العجلان حاجته ... ويصبح الحاسد الغضبان يطريها # فمن هذا الباب قول النابغة «1» : # فداء لامريء سارت إليه ... بعذرة ربها عمي وخالي # ولو كفي اليمين بغتك خونا ... لأفردت اليمين عن الشمال «2» # ألا ترى أنه يعلم إذا عرفت القافية في البيت الأول أن في البيت الثاني ~~ذكر الشمال. # وكذلك جاء قول البحتري «3» : # PageV02P329 # أحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي «1» # فليس الذي حللته بمحلل ... ليس الذي حرمته بحرام # فليس يذهب على السامع وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني أن عجزه هو ~~ما قاله البحتري. # وقد جاء الإرصاد في الكلام المنثور كما جاء في الشعر؛ فمن ذلك قوله ~~تعالى: وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي ~~بينهم فيما فيه يختلفون # فإذا وقف السامع على قوله تعالى لقضي بينهم فيما فيه # عرف أن بعده يختلفون # لما تقدم من الدلالة عليه. # ومن ذلك أيضا قوله عز وجل: فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته ~~الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون. # على نحو منه جاء قوله تعالى: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت # فإذا وقع السامع على قوله عز وجل وإن أوهن البيوت # يعلم أن بعده بيت العنكبوت. # ورأيت أبا هلال العسكري «2» قد سمى هذا النوع التوشيح؛ وليس كذلك، بل # PageV02P330 # تسميته بالإرصاد أولى، وذلك حيث ناسب الاسم مسماه، ولاق به، وأما التوشيح ~~فإنه نوع آخر من علم البيان، وسيأتي ذكره بعد هذا النوع، إن شاء الله ~~تعالى. # واعلم أنه قد اختلف جماعة من أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم ~~البيان، ms526 حتى إن أحدهم يضع لنوع واحد منه اسمين، اعتقادا منه أن ذلك النوع ~~نوعان مختلفان، وليس الأمر كذلك، بل هما نوع واحد. # فممن غلط في ذلك الغانمي؛ فإنه ذكر بابا من أبواب علم البيان وسماه ~~التبليغ وقال: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون ~~للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه، فيبلغ ~~بذلك الغاية القصوى في الجودة؛ كقول امريء القيس «1» : # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب «2» # فإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية، ثم لما جاء بها بلغ الأمد الأقصى في ~~المبالغة. # ثم إن الغانمي ذكر بعد هذا الباب بابا آخر، وسماه الإشباع، فقال: هو أن ~~يأتي الشاعر بالبيت معلق القافية على آخر أجزائه، ولا يكاد يفعل ذلك إلا ~~حذاق الشعراء، وذاك أن الشاعر إذا كان بارعا جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى ~~البيت وقد # PageV02P331 # تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه قافية متممة لأعاريضه ووزنه فجعلها ~~نعتا للمذكور، كقول ذي الرمة «1» : # قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل «2» # هذا كلام الغانمي بعينه. # والبابان المذكوران سواء، لا فرق بينهما بحال؛ والدليل على ذلك أن بيت ~~امريء القيس يتم معناه قبل أن يؤتى بقافيته، وكذلك بيت ذي الرمة، ألا ترى ~~أن امرأ القيس لما قال: # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع ... ... # أتى بالتشبيه قبل القافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة، وهي قوله ~~«لم يثقب» ، وهكذا ذو الرمة، فإنه لما قال: # قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء ... ... # أتى بالتشبيه أيضا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة ~~حسنة وهي قوله «المسلسل» . # واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما الإيغال؛ وقال ~~«3» : هو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي # PageV02P332 # بالمقطع فيزيد فيه معنى آخر، وأصل الإيغال من أوغل في الأمر؛ إذا أبعد ~~الذهاب فيه، ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة: # قف العيس ms527 في أطلال مية فاسأل # البيت. # وهذا أقرب أمرا من الغانمي؛ لأنه ذكره في باب واحد، وسماه باسم واحد، ولم ~~يذكره في باب آخر كما فعل الغانمي، وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة ~~على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينتصب لإيراد علم البيان وتفصيل ~~أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلا في الآخر فيذهب عليه ويخفي ~~عنه، وهو أشهر من فلق الصباح. # وههنا ما هو أغرب من ذاك؛ وذلك أنه قد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه ~~طرقا خارجة عن موضوع علم البيان، وهي بنجوة عنه؛ لأنها في واد وعلم البيان ~~في واد. # فممن فعل ذلك الحريري صاحب المقامات؛ فإنه ذكر تلك الرسالة التي هي # PageV02P333 # كلمة معجمة وكلمة مهملة، والرسالة التي حرف من حروف ألفاظها معجم والآخر ~~غير معجم، ونظم غيره شعرا آخر كل بيت منه أول للبيت الذي يليه، وكل هذا- ~~وإن تضمن مشقة من الصناعة- فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة؛ لأن الفصاحة ~~هي ظهور الألفاظ مع حسنها، على ما أشرت إليه في مقدمة كتابي هذا، وكذلك ~~البلاغة فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعاني؛ من قولنا: بلغت المكان؛ ~~إذا انتهيت إليه، وهذا الكلام المصوغ بما أتى به الحريري في رسالته وأورده ~~ذلك الشاعر في شعره لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة، وإنما يأتي ومعانيه غثة ~~باردة، وسبب ذلك أنها تستكره استكراها، وتوضع في غير مواضعها، وكذلك ~~ألفاظه؛ فإنها تجيء مكرهة أيضا غير ملائمة لأخواتها، وعلم البيان إنما هو ~~الفصاحة والبلاغة في الألفاظ والمعاني، فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع ~~المشار إليها لا يكون معدودا منه، ولا داخلا في بابه، ولو كان ذلك مما يوصف ~~بحسن في ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب الله عز وجل الذي هو معدن الفصاحة ~~والبلاغة، أو ورد في كلام العرب الفصحاء، ولم نره في شيء من أشعارهم ولا ~~خطبهم. # ولقد رأيت رجلا أديبا من أهل المغرب، وقد تغلغل في شيء عجيب، وذاك أنه ~~شجر شجرة ونظمها شعرا، وكل بيت من ذلك الشعر يقرأ على ضروب من ms528 الأساليب ~~اتباعا لشعب تلك الشجرة وأغصانها؛ فتارة تقرأ كذا، وتارة تقرأ كذا، وتارة ~~يكون جزء منه ههنا، وتارة ههنا، وتارة يقرأ مقلوبا، وكل ذلك الشعر وإن كان ~~له معنى يفهم إلا أنه ضرب من الهذيان، والأولى به وبأمثاله أن يلحق ~~بالشعبذة والمعالجة والمصارعة، لا بدرجة الفصاحة والبلاغة. # ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي قد ذكر بابا من الأبواب في ~~كتابه؛ فقال «1» : ينبغي ألا تستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ ~~المتكلمين والنحويين والمهندسين، ومعانيهم، ولا الألفاظ التي تختص بها بعض ~~المهن والعلوم؛ لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن ~~يستعمل # PageV02P334 # ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام «1» : # مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض «2» # وبقوله أيضا «3» : # خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء «4» # PageV02P335 # وهذا الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة: # إن الذي تكرهون منه ... هو الذي يشتهيه قلبي # وسأبين فساد ما ذهب إليه، فأقول: أما قوله «إنه يجب على الإنسان إذا خاض ~~في علم أو تكلم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك ~~الصناعة» فهذا مسلم إليه، ولكنه شذ عنه أن صناعة المنظوم والمنثور مستمدة ~~من كل علم وكل صناعة؛ لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له ~~يضبطه، ولا حاصر يحصره، فإذا أخذ مؤلف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنى ~~من المعاني وأداه ذلك الى استعمال معنى فقهي أو نحوي أو حسابي أو غير ذلك ~~فليس له أن يتركه ويحيد عنه؛ لأنه من مقتضيات هذا المعنى الذي قصده، ألا ~~ترى إلى قول أبي تمام في الاعتذار «1» : # فإن يك جرم عن أو تك هفوة ... على خطإ مني فعذري على عمد «2» # PageV02P336 # فإن هذا من أحسن ما يجيء في باب الاعتذار عن الذنب، وكان ينبغي له- على ~~ما ذكره ابن سنان- أن يترك ذلك ولا يستعمله، حيث فيه لفظتا «الخطأ» و ~~«العمد» اللتان هما من أخص ألفاظ الفقهاء. # وكذلك قول ms529 أبي الطيب المتنبي «1» : # ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا «2» # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا # وهذا من المعاني البديعة، وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا ~~الموضع بلفظة «فذلك» التي هي من ألفاظ الحساب، بل كان يترك هذا المعنى ~~الشريف الذي لا يتم إلا بتلك اللفظة موافقة لابن سنان فيما رآه وذهب إليه، ~~وهذا محض الخطأ وعين الغلط. # وأما ما أنكره على أبي تمام في قوله: # مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض # فإن هذا البيت ليس منكرا لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين ~~هما من خصائص ألفاظ المتكلمين، بل لأنه في نفسه ركيك؛ لتضمنه لفظة «الشبه» ~~فإنها لفظة عامية ركيكة، وهي التي أسخفت بالبيت بجملته، ورب قليل أفسد ~~كثيرا، وأما لفظتا الجوهر والعرض فلا عيب فيهما، ولا ركاكة عليهما. # PageV02P337 # وأما البيت الآخر، وهو: # خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء # فليس بمنكر، وهل يشك في أن التشبيه الذي تضمنه واقع في موقعه؟ ألا ترى أن ~~الفعل ينقل الاسم من حال إلى حال، وكذلك تفعل الخمر بالعقول في تنقل ~~حالاتها، فما الذي أنكره ابن سنان من ذلك؟ # وقد جاء لبعض المتأخرين من هذا الأسلوب ما لا يدافع في حسنه، وهو قوله: # عوامل رزق أعربت لغة الردى ... فجسم له خفض ورأس له نصب # فإنه لما حصل له المشابهة في الاسمية بين عوامل الرماح والعوامل النحوية ~~حسن موقع ما ذكره من الخفض والنصب، وعلى ما ذكره ابن سنان فإن ذلك غير ~~جائز، وهو من مستحسنات المعاني، هذا من أعجب الأشياء!!. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم: # وفتى من ازن ... فاق أهل البصره # أمه معرفة ... وأبوه نكره # وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته؟. # وكذلك ورد من هذا النوع في شعر بعض العراقيين يهجو طبيبا فقال: # قال حمار الطبيب توما ... لو أنصفوني لكنت أركب «1» # لأنني جاهل بسيط ... وراكبي جهله مركب # وهذا من المعنى الذي أغرب في الملاحة، وجمع بين خفة السخرية ms530 ووقار # PageV02P338 # الفصاحة. وقد تقدم القول في صدر كتابي هذا أنه يجب على صاحب هذه الصناعة ~~أن يتعلق بكل علم وكل صناعة، ويخوض في كل فن من الفنون؛ لأنه مكلف بأن يخوض ~~في كل معنى من المعاني؛ فاضمم يدك على ما ذكرته ونصصت عليه، واترك ما سواه؛ ~~فليس القائل بعلمه واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده. # وهذا النوع إذا استعمل على الوجه المرضي كان حسنا، وإذا استعمل بخلاف ذلك ~~كان قبيحا، كما جاء في كلام أبي العلاء بن سليمان المعري، وهو قوله في ~~رسالة كتبها إلى بعض إخوانه: حرس الله سعادته ما أدغمت التاء في الظاء، ~~وتلك سعادة بغير انتهاء؛ وهذا من الغث البارد، لكن قد جاءه في الشعر ما هو ~~حسن فائق، كقوله «1» : # فدونكم خفض الحياة فإننا ... نصبنا المطايا في الفلاة على القطع # والخفض والنصب من الإعراب النحوي، والخفض: رفاهة العيش، والقطع: من ~~منصوبات النحو، والقطع: قطع الشيء، يقال: قطعته؛ إذا بترته. # PageV02P339 ### | النوع التاسع والعشرون في التوشيح # وهو: أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين؛ فإذا وقف من البيت ~~على القافية الأولى كان شعرا مستقيما من بحر على عروض، وأذا أضاف إلى ذلك ~~ما بنى عليه شعره من القافية الأخرى كان أيضا شعرا مستقيما من بحر آخر على ~~عروض، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح، وكذلك يجري الأمر في ~~الفقرتين من الكلام المنثور؛ فإن كل فقرة منهما تصاغ من سجعتين. # وهذا لا يكاد يستعمل إلا قليلا، وليس من الحسن في شيء، واستعماله في ~~الشعر أحسن منه في الكلام المنثور؛ فمن ذلك قول بعضهم «1» : # PageV02P340 # اسلم ودمت على الحوادث ما رسا ... ركنا ثبير، أو هضاب حراء # ونل المراد ممكنا منه على ... رغم الدهور، وفز بطول بقاء # وهذا من الجيد الذي يأتي في هذا النوع، إلا أن أثر التكلف عليه باد ظاهر، ~~وإذا نظر إلى هذين البيتين، وجدا وهما يذكران على قافية أخرى وبحر آخر، ~~وذاك أن يقال: # اسلم ودمت على الحوا ... دث مارسا ركنا ثبير # ونل المراد ممكنا ... منه على رغم ms531 الدهور # وقد استعمل ذلك الحرير في مقاماته، نحو قوله: # يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى، وقرارة الأكدار # دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا، بعدا لها من دار # وإذا أظل سحابها لم ينتفع ... منه صدى، لجهامه الغرار # واعلم أن هذا النوع لا يستعمل إلا متكلفا عند تعاطي التمكن من صناعة ~~النظم، وحسنه منوط بما فيه من الصناعة، لا بما فيه من البراعة؛ ألا ترى أنه ~~لو نظم عليه قصيد من أوله إلى آخره يتضمن غزلا ومديحا على ما جرت به عادة ~~القصائد أليس أنه كان يجيء باردا غثا لا يسلم منه على محك النظر عشره؟ ~~والعشر كثير، وما كان على هذه الصورة من الكلام فإنما يستعمل أحيانا على ~~الطبع، لا على التكلف، وهو وأمثاله لا يحسن إلا إذا كان يسيرا، كالرقم في ~~الثوب أو الشية في الجلد. # PageV02P341 ### | النوع الثلاثون في السرقات الشعرية # ولربما اعترض معترض في هذا الموضوع فقال: قد تقدم نثر الشعر في أول ~~الكتاب، وهو أخذ الناثر من الناظم، ولا فرق بينه وبين أخذ الناظم من ~~الناظم، فلم يكن إلى ذكر السرقات الشعرية إذن حاجة. ولو أنعم هذا المعترض ~~نظره لظهر له الفرق، وعلم أن نثر الشعر لم يتعرض فيه إلى وجوه المأخذ ~~وكيفية التوصل إلى مداخل السرقات؛ وهذا النوع يتضمن ذكر ذلك مفصلا. # واعلم أن الفائدة من هذا النوع أنك تعلم أين تضع يدك في أخذ المعاني؛ إذ ~~لا يستغني الآخر عن الاستعارة من الأول، لكن لا ينبغي لك أن تعجل في سبك ~~اللفظ على المعنى المسروق فتنادي على نفسك بالسرقة، فكثيرا ما رأينا من عجل ~~في ذلك فعثر، وتعاطى فيه البديهة فعقر، والأصل المعتمد عليه في هذا الباب ~~التورية والاختفاء بحيث يكون ذلك أخفى من سفاد الغراب، وأظرف من عنقاء مغرب ~~في الإغراب. # وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه ليس لقائل أن يقول: إن لأحد من ~~المتأخرين معنى مبتدعا؛ فإن قول الشعر قديم منذ نطق باللغة العربية، وإنه ~~لم يبق معنى من المعاني ms532 إلا وقد طرق مرارا. # وهذا القول وإن دخل في حيز الإمكان إلا أنه لا يلتفت إليه؛ لأن الشعر من ~~الأمور المتناقلة، والذي نقلته الأخبار وتواردت عليه أن العرب كانت تنظم ~~المقاطيع من الأبيات فيما يعن لها من الحاجات، ولم يزل الحال على هذه ~~الصورة إلى عهد امريء القيس، وهو قبل الإسلام بمائة سنة زائدا فناقصا؛ فقصد ~~القصائد، وهو أول من قصد، ولو لم يكن له معنى اختص به سوى أنه أول من قصد ~~القصائد لكان في ذلك كفاية، وأي فضيلة أكبر من هذه الفضيلة؟ ثم تتابع ~~المقصدون، واختير من # PageV02P342 # القصائد تلك السبع التي علقت على البيت، وانفتح للشعراء هذا الباب في ~~التقصيد، وكثرت المعاني المقولة بسببه، ولم يزل الأمر ينمي ويزيد ويؤتي ~~بالمعاني الغريبة، واستمر ذلك إلى عهد الدولة العباسية وما بعدها ألى ~~الدولة الحمدانية؛ فعظم الشعر، وكثرت أساليبه، وتشعبت طرقه، وكان ختامه على ~~الثلاثة المتأخرين، وهم: أبو تمام حبيب بن أوس، وأبو عبادة الوليد بن عبيد ~~البحتري، وأبو الطيب المتنبي؛ فإذا قيل: إن المعاني المبتدعة سبق إليها ولم ~~يبق معنى مبتدع؛ عورض ذلك بما ذكرته. # والصحيح أن باب الابتداع للمعاني مفتوح إلى يوم القيامة، ومن الذي يحجر ~~على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له؟ إلا أن من المعاني ما يتساوى ~~الشعراء فيه، ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأول قبل آخر؛ لأن الخواطر تأتي ~~به من غير حاجة إلى اتباع الآخر الأول، كقولهم في الغزل: # عفت الديار وما عفت ... آثارهن من القلوب # وكقولهم: إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه؛ وإن الواشي لو علم بمرار ~~الطيف لساءه، وكقولهم في المديح: إن عطاءه كالبحر، وكالسحاب، وإنه لا يمنع ~~عطاء اليوم عطاء غد، وإنه يجود ابتداء من غير مسألة، وأشباه ذلك وكقولهم في ~~المراثي: # إن هذا الرزء أول حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم ~~يكن واحدا وإنما كان قبيلة، وإن بعد هذا الذاهب لا يعد للمنية ذنب، وأشباه ~~ذلك. # وكذلك يجري الأمر في غير ما أشرت إليه من ms533 معان ظاهرة تتوارد الخواطر ~~عليها من غير كلفة، وتستوي في إيرادها، ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم ~~السرقة من الأول، وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص، كقول أبي تمام: # لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس # فإن هذا معنى مخصوص ابتدعه أبو تمام، وكان لابتداعه سبب، والحكاية فيه ~~مشهورة، وهي أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السينية التي مطلعها: # PageV02P343 # ما في وقوفك ساعة من باس «1» # انتهى إلى قوله: # إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس # فقال الحكيم الكندي: وأي فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟ # فأطرق أبو تمام ثم أنشد هذين البيتين معتذرا عن تشبيهه إياه بعمرو وحاتم ~~وإياس، وهذا معنى يشهد به الحال أنه ابتدعه، فمن أتى من بعده بهذا المعنى ~~أو بجزء منه فإنه يكون سارقا له. # وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة وولديه «2» : # وأنت الشمس تبهر كل عين ... فكيف وقد بدت معها اثنتان # فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان # ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من يقتلان # وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان # وهذا معنى لأبي الطيب، وهو الذي ابتدعه: أي أن زيادة أولاد عدوك كزيادة ~~التصغير؛ فإنها زيادة نقص. # وما ينبغي أن يقال إن ابن الرومي ابتدع هذا المعنى الذي هو «3» : # PageV02P344 # تشكو المحب وتلفى الدهر شاكية ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان «1» # فإن علماء البيان يزعمون أن هذا المعنى مبتدع لابن الرومي، وليس كذلك، ~~ولكنه مأخوذ من المثل المضروب، وهو قولهم: يلدغ ويصي، ويضرب ذلك لمن يبتديء ~~بالأذى ثم يشكو، وإنما ابن الرومي قد ابتدع معاني أخر غير ما ذكرته، وليس ~~الغرض أن يؤتى على جميع ما جاء به هو ولا غيره من المعاني المبتدعة، بل ~~الغرض أن يبين المعنى المبتدع من غيره. # والذي عندي في السرقات أنه متى أورد الآخر شيئا من ألفاظ الأول في ms534 معنى ~~من المعاني، ولو لفظة واحدة؛ فإن ذلك من أدل الدليل على سرقته. # واعلم أن علماء البيان قد تكلموا في السرقات الشعرية فأكثروا، وكنت ألفت ~~فيه كتابا، وقسمته ثلاثة أقسام: نسخا، وسلخا، ومسخا. # أما النسخ فهو: أخذ اللفظ والمعنى برمته، من غير زيادة عليه، مأخوذا ذلك ~~من نسخ الكتاب. # أما السلخ فهو: أخذ بعض المعنى، مأخوذا ذلك من سلخ الجلد الذي هو بعض ~~الجسم المسلوخ. # وأما المسخ فهو: إحالة المعنى إلى ما دونه، مأخوذا ذلك من مسخ الآدميين ~~قردة. # وههنا قسمان آخرن أخللت بذكرهما في الكتاب الذي ألفته؛ فأحدهما: أخذ ~~المعنى مع الزيادة عليه، والآخر عكس المعنى إلى ضده؛ وهذان القسمان ليسا ~~بنسخ ولا سلخ ولا مسخ. # PageV02P345 # وكل قسم من هذه الأقسام يتنوع ويتفرع، وتخرج به القسمة إلى مسالك دقيقة، ~~وقد استأنفت ما فاتني من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. # ومن المعلوم أن السرقات الشعرية لا يمكن الوقوف عليها إلا بحفظ الأشعار ~~الكثيرة التي لا يحصرها عدد، فمن رام الأخذ بنواصيها، والاشتمال على ~~قواصيها، بأن يتصفح الأشعار تصفحا، ويقتنع بتأملها ناظرا؛ فإنه لا يظفر ~~منها إلا بالحواشي والأطراف؛ وكنت سافرت إلى الشام في سنة سبع وثمانين ~~وخمسمائة، ودخلت مدينة دمشق؛ فوجدت جماعة من أدبائها يلهجون ببيت من شعر ~~ابن الخياط في قصيد له أولها «1» : # خذا من صبا نجد أمانا لقلبه # ويزعمون أنه من المعاني الغريبة، وهو: # أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا عليه أن تكون لحبه # فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي في قوله «2» : # PageV02P346 # لو قلت للدنف المشوق فديته ... مما به لأغرته بفدائه «1» # وقول أبي الطيب أدق معنى، وإن كان قول ابن الخياط أرق لفظا، ثم إني ~~وقفتهم على مواضع كثيرة من شعر ابن الخياط قد أخذها من شعر المتنبي. # وسافرت الى الديار المصرية في سنة ست وتسعين فوجدت أهلها يعجبون ببيت من ~~الشعر يعزونه إلى شاعر من أهل اليمن يقال له عمارة، وكان حديث عهد بزماننا ~~هذا في آخر الدولة العلوية بمصر، ms535 وذلك البيت من جملة قصيدة له يمدح بها بعض ~~خلفائها عند قدومه عليه من اليمن، وهو «2» : # فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم # فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي تمام في قوله مادحا لبعض الخلفاء ~~في حجة حجها، وذلك بيت من جملة أبيات حسنة: # يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم # ثم قلت في نفسي: بالله العجب! ليس أبو تمام وأبو الطيب من الشعراء الذين ~~درست أشعارهم، ولا هما ممن لم يعرف ولا اشتهر أمره، بل هما كما يقال: أشهر ~~من الشمس والقمر، وشعرهما دائر في أيدي الناس، بخلاف غيرهما، فكيف خفي على ~~أهل مصر ودمشق بيتا ابن الخياط وعمارة المأخوذان من شعرهما؟ # PageV02P347 # وعلمت حينئذ أن سبب ذلك عدم الحفظ للأشعار، والاقتناع بالنظر في ~~دواوينهما، ولما نصبت نفسي للخوض في علم البيان ورمت أن أكون معدودا من ~~علمائه علمت أن هذه الدرجة لا تنال إلا بنقل ما في الكتب الى الصدور ~~والاكتفاء بالمحفوظ عن المسطور: # ليس بعلم ما حوى القمطر ... ما العلم إلا ما حواه الصدر # ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع، وانفدت شطرا من العمر في ~~المحفوظ منه والمسموع، فألفيته بحرا لا يوقف على ساحله، وكيف ينتهي إلى ~~إحصاء قول لم تحص أسماء قائله، فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده، ~~وتتشعب مقاصده، ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم، في اتباع من قصر نظره ~~على الشعر القديم؛ إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف، في ~~اللفظ الجزل واللطيف، فمتى وجد ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل، وقد اكتفيت في ~~هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس وأبي عبادة الوليد وأبي الطيب المتنبي، ~~وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ~~ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين ~~الأمثال السائرة وحكمة الحكماء. # أما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل ms536 معنى ~~مبتكر، لم يمش فيه على أثر؛ فهو غير مدافع عن مقام الإغراب، الذي برز فيه ~~على الأضراب، ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير، ولم أقل ما أقول فيه إلا ~~عن تنقيب وتنقير؛ فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته ~~أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام؛ فخذ مني في ذلك قول حكيم، ~~وتعلم ففوق كل ذي علم عليم. # وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن ~~يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينا يكون في شظف ~~نجد إذ تشبث بريف العراق، وسئل أبو الطيب المتنبي عنه، وعن أبي تمام، وعن ~~نفسه؛ فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري، ولعمري إنه أنصف في # PageV02P348 # حكمه، وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه؛ فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى ~~المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد ~~المرام، مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط ~~الغالية، ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية. # وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ~~ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، لكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال، ~~واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال، وأنا أقول قولا لست فيه متأثما، ولا ~~منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، ~~وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى تظن الفريقين قد ~~تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقه في ذلك تضل بسالكه، وتقوم بعذر تاركه، ~~ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان فيصف لسانه، ما أدى ~~إليه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن سنن التوسط، فإما مفرط ~~في وصفه وإما مفرط، وهو وإن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل ~~كانت أكبر من شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو ms537 فوق ~~الوصف وفوق الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة «1» : # لا تطلبن كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا # ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم # ولما تأملت شعره بعين المعدلة البعيدة عن الهوى، وعين المعرفة التي ما ضل ~~صاحبها وما غوى، وجدته أقساما خمسة؛ خمس في الغاية التي انفرد بها دون ~~غيره، وخمس من جيد الشعر الذي يساويه فيه غيره، وخمس من متوسط الشعر، وخمس ~~دون ذلك، وخمس في الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها وعدمها خير من # PageV02P349 # وجودها، ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها، فإنها هي التي ألبسته ~~لباس الملام، وجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام. # ولسائل ههنا أن يسأل ويقول: لم عدلت إلى شعر هؤلاء الثلاثة دون غيرهم؟ # فأقول: إني لم أعدل إليهم اتفاقا، وإنما عدلت إليهم نظرا واجتهادا، وذلك ~~أني وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم أترك ديوانا لشاعر مفلق ~~يثبت شعره على المحل إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام ~~وأبي الطيب للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض ~~والمقاصد، ولم أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنقش ديباجة، ولا ~~أبهج سبكا، فاخترت حينئذ دواوينهم، لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني ~~والألفاظ، ولما حفظتها ألغيت ما سواها مع ما بقي على خاطري من غيرها. # وقد أوردت في هذا الموضع من السرقات الشعرية ما لم يورده غيري، ونبهت على ~~غوامض منها. # وكنت قدمت القول أني قسمتها ألى خمسة أقسام؛ منها الثلاثة الأول، وهي: # النسخ، والسلخ، والمسخ، ومنها القسمان الآخران، وها أنا أبين ما تنقسم ~~إليه هذه الأقسام من تشعبها وتفريعها؛ فأقول: ### | فأما النسخ # فإنه لا يكون إلا في أخذ المعنى واللفظ جميعا، أو في أخذ المعنى وأكثر ~~اللفظ؛ لأنه مأخوذ من نسخ الكتاب، وعلى ذلك فإنه ضربان: ### | الأول: يسمى وقوع الحافر على الحافر، # كقول امريء القيس «1» : # وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتحمل # وكقول ms538 طرفة «2» : # PageV02P350 # وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد # وقد أكثر الفرزدق وجرير من هذا في شعرهما، فمنه ما وردا فيه مورد امريء ~~القيس وطرفة في تخالفهما في لفظة واحدة، كقول الفرزدق: # أتعدل أحسابا لئاما حماتها ... بأحسابنا إني إلى الله راجع # وكقول جرير: # أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إني إلى الله راجع # ومنه ما تساويا فيه لفظا بلفظ، كقول الفرزدق: # وغر قد نسقت مشهرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا «1» # بكل ثنية وبكل ثغر ... غرائبهن تنتسب انتسابا # بلغن الشمس حين تكون شرقا ... ومسقط رأسها من حيث غابا # وكذلك قال جرير من غير أن يزيد. # وقد حكي أن امرأة من عقيل يقال لها «ليلى» كان يتحدث إليها الشباب، فدخل ~~الفرزدق إليها، وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه، فدخل إليها، ~~فأقبلت عليه وتركت الفرزدق، فغاظه ذلك، فقال للفتى: # أتصارعني؟ فقال: ذاك إليك، فقام إليه، فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه، ~~وجلس على صدره، فضرط، فوثب الفتى عنه، وقال: يا أبا فراس، هذا مقام العائذ ~~بك والله ما أردت ما جرى، فقال: ويحك! والله ما بي أنك صرعتني، ولكن كأني ~~بابن الأتان- يعني جريرا- وقد بلغه خبري فقال يهجوني: # جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دبر لا يزال يخون # PageV02P351 # فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه ... كما شد جربان الدلاص قيون # قال: فو الله ما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين ~~البيتين، وهذا من أغرب ما يكون في مثل هذا الموضع وأعجبه. # ويقال: إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد. # وهذا عندي مستبعد؛ فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه، والباطن لا يعلمه إلا ~~الله تعالى. # وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى ~~من بعده علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه، وهب أن الخواطر تتفق في استخراج ~~المعاني الظاهرة، المتداولة؛ فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغها الألفاظ؟. # ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها: ms539 # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء # دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا # وهذا من عالي الشعر، ثم وقفت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت ~~في أصوات معبد، وهو: # لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا # وما أعلم كيف هذا. ### | الضرب الثاني من النسخ: # وهو الذي يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ، كقول بعض المتقدمين يمدح معبدا ~~صاحب الغناء: # أجاد طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد # ثم قال أبو تمام: # محاسن أصناف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد # PageV02P352 # وهذه قصيدة أولها: # غدت تستجير الدمع خوف نوى غد «1» # فقال: # وقائع أصل النصر فيها وفرعه ... إذا عدد الإحسان أو لم يعدد # فمهما تكن من وقعة بعد لا تكن ... سوى حسن مما فعلت مردد # محاسن أصناف المغنين جمة # البيت. ### | وأما السلخ: # فإنه ينقسم إلى اثني عشر ضربا، وهذا تقسيم أوجبته القسمة، وإذا تأملته ~~علمت أنه لم يبق شيء خارج عنه. ### | فالأول: أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه، # ولا يكون هو إياه، وهذا من أدق السرقات مذهبا، وأحسنها صورة، ولا يأتي ~~إلا قليلا. # فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة: # لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امريء غير طائل # أخذ المتنبي هذا المعنى واستخرج منه معنى آخر غيره إلا أنه شبيه به، ~~فقال: # وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل # والمعرفة بأن هذا المعنى أصله من ذاك المعنى عسر غامض، وهو غير متبين إلا ~~لمن أعرق في ممارسة الأشعار، وغاص في استخراج المعاني، وبيانه أن الأول ~~يقول: # إن بغض الذي هو غير طائل إياي مما زاد نفسي حبا إلى: أي جملها في عيني ~~وحسنها عندي كون الذي هو غير طائل مبغضي والمتنبي يقول: إن ذم الناقص إياي ~~شاهد بفضلي؛ فذم الناقص إياه كبغض الذي هو غير طائل ذلك الرجل، وشهادة ذم ~~الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك الرجل عنده. # PageV02P353 # ومن هذا الضرب ms540 ما هو أظهر مما ذكرته وأبين، كقول أبي تمام: # رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه # أخذ البحتري هذا المعنى واستخرج منه ما يشابهه، كقوله في قصيدة يفخر فيها ~~بقومه: # شيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأي السميع المبصر # ركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر # فأبو تمام ذكر أن الجمل رعى الأرض ثم سار فيها فرعته: أي أهزلته، فكأنها ~~فعلت به مثل ما فعل بها، والبحتري نقل هذا إلى وصف الرجل بعلو السن والهرم؛ ~~فقال: # إنه كان يحمل الرمح في القتال ثم صار يركب عليه: أي يتوكأ منه على عصا، ~~كما يفعل الشيخ الكبير. # وكذلك ورد قول الرجلين أيضا؛ فقال أبو تمام: # لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا # أخذه البحتري فقال: # أعاتك، ما كان الشباب مقربي ... إليك فألحى الشيب إذ هو مبعدي # وهذا أوضح من الذي تقدمه، وأكثر بيانا. ### | الضرب الثاني من السلخ: # أن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ، وذلك مما يصعب جدا، ولا يكاد يأتي إلا ~~قليلا. # فمنه قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة: # ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح # ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح # أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال: # PageV02P354 # فتى مات بين الضرب والطعن ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر # فعروة بن الورد جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح، وأبو ~~تمام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدو قائما ~~مقام الانتصار، وكلا المعنيين واحد، غير أن اللفظ مختلف. # وهذا الضرب في سرقات المعاني من أشكلها، وأدقها، وأغربها، وأبعدها مذهبا، ~~ولا يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض. # وقد يجيء منه ما هو ظاهر لا يبلغ في الدقة مبلغ هذه الأبيات المشار ~~اليها؛ كقول ابن المقفع في باب الرثاء من كتاب الحماسة: # فقد جر نفعا فقدنا لك؛ ms541 أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع # وجاء بعده من أخذ هذا المعنى فقال: # وقد عزى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود # وهذا من البديع النادر. # وههنا ما هو أشد ظهورا من هذين البيتين في هذا الضرب من السرقات الشعرية؛ ~~وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة التي يقوم بعضها مقام بعض، وذاك الاعتداد ~~به لمكان وضوحه، لكن قد يجيء منه ما هو صفة من صفات الترادف لا الاسم نفسه، ~~فيكون حسنا، كقول جرير: # ولا يمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار # أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى فقال: # ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب ### | الضرب الثالث من السلخ: # وهو أخذ المعنى ويسير من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات وأظهرها شناعة على ~~السارق. # PageV02P355 # فمن ذلك قول البحتري في غلام. # فوق ضعف الصغير إن وكل الأمر إليه ودون كيد الكبار سبقه أبو نواس فقال: # لم يخف من كبر عما يراد به ... من الأمور ولا أزرى من الصغر # وكذلك قوله أيضا: # كل عيد له انقضاء؛ وكفي ... كل يوم من جوده في عيد # أخذه من علي بن جبلة [في قوله] : # للعيد يوم من الأيام منتظر ... والناس في كل يوم منك في عيد # وكذلك قوله: # جاد حتى أفنى السؤال؛ فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء # أخذه من علي بن جبلة [في قوله] : # أعطيت حتى لم تدع لك سائلا ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها # وقد افتضح البحتري في هذه المآخذ غاية الافتضاح، هذا على بسطة باعه في ~~الشعر وغناه عن مثلها، وقد سلك هذه الطريق فحول الشعراء ولم يستنكفوا من ~~سلوكها؛ فممن فعل ذلك أبو تمام؛ فإنه قال: # قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من التعبيس مبتسما # سبقه عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن فقال: # وإذا شئت أن ترى الموت في صو ... رة ليث في لبدتي رئبال # فالقه غير أنما لبدتاه ... أبيض صارم وأسمر عال # تلق ليثا قد قلصت شفتاه ... فيرى ضاحكا لعبس الصيال # PageV02P356 # وكذلك قال أبو تمام: # فلم ms542 أمدحك تفحيما بشعري ... ولكني مدحت بك المديحا # أخذه من حسان بن ثابت في مدحه للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: # ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد # ولا شك أن أبا بكر رضي الله عنه سمع قول حسان حيث استخلف عمر رضي الله ~~عنه؛ فقال له عمر: استخلف غيري، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما حبوناك بها ~~وإنما حبوناها بك. # وهكذا فعل ابن الرومي؛ فمما جاء له قوله: # جرحته العيون فاقتص منها ... بجوى في القلوب دامي الندوب # سبقه أبو تمام فقال: # أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب # وكذلك قول ابن الرومي: # وكلت مجدك في اقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضيا ووكيلا # سبقه أبو تمام فقال: # وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي # وكذلك قال ابن الرومي: # ومالي عزاء عن شبابي علمته ... سوى أنني من بعده لا أخلد # سبقه منصور النمري فقال: # قد كدت أقضي على فوت الشباب أسا ... لولا تعزي أن العيش منقطع # PageV02P357 # وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي؛ فمما جاء منه قوله: # فدى نفسه بضمان النضار ... وأعطى صدور القنا الذابل # أخذه من قول الفرزدق: # كان الفداء له صدور رماحنا ... والخيل إذ رهج الغبار مثار # وكذلك قوله أيضا: # أين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام # أخذه من بشار حيث قال: # كأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار # وكذلك قوله: # فلا زالت ديارك مشرقات ... ولا دانيت يا شمس الغروبا # لأصبح آمنا فيك الرزايا ... كما أنا آمن فيك العيوبا # أخذه من ابن الرومي حيث قال: # أسالم قد سلمت من العيوب ... ألا فاسلم كذاك من الخطوب # والذي عندي في الضرب المشار إليه أنه لا بد من مخالفة المتأخر المتقدم: # إما بأن يأخذ المعنى فيزيده معنى آخر، أو يوجز في لفظه، أو يكسوه عبارة ~~أحسن من عبارته. # ومن هذا الضرب ما يستعمل على وجه يزداد قبحه، وتكثر البشاعة به، وهو: # أن يأخذ الشاعرين معنى من قصيدة لصاحبه على وزن وقافية؛ فيودعه قصيدة له ~~على ms543 ذلك الوزن وتلك القافية، ومثاله في ذلك كمن سرق جوهرة من طوق أو نطاق ~~ثم صاغها في مثل ما سرقها منه، والأولى به أن كان نظم تلك الجوهرة في عقد، ~~أو صاغها في سوار أو خلخال؛ ليكون أكتم لأمرها. # PageV02P358 # وممن فعل ذلك من الشعراء فافتضح أبو الطيب المتنبي حيث قال في قصيدته ~~التي أولها: # غيري بأكثر هذا الناس ينخدع # لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته ... إن كان أسلمها الأصحاب والشيع # وهذه القصيدة مصوغة على قصيدة لأبي تمام في وزنها وقافيتها أولها: # أي القلوب عليكم ليس ينصدع # وهذا المعنى الذي أورده أبو الطيب مأخود من بيت منها، وهو: # ما غاب عنكم من الإقدام أكرمه ... في الروع إذ غابت الأنصار والشيع # وليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة؛ فإنه لم يكتف الشاعر فيها ~~بأن يسرق المعنى حتى ينادي على نفسه أنه قد سرقه. ### | الضرب الرابع من السلخ: # وهو أن يؤخذ المعنى فيعكس، وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حد السرقة. # فمن ذلك قول أبي نواس: # قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم يركب # كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب # فقال مسلم بن الوليد في عكس ذلك: # إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركبا # والحب ليس بنافع أربابه ... حتى يفصل في النظام ويثقبا # ومن هذا الباب قول ابن جعفر: # ولما بدا لي أنها لا تريدني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي # تمنيت أن تهوى سواي لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي # PageV02P359 # وقال غيره: # ولقد سرني صدودك عني ... في طلابيك وامتناعك مني # حذرا أن أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت كنت التمني # أما ابن جعفر فإنه تداءب وألقى عن منكبه رداء الغيرة، وأما الآخر فجاء ~~بالضد من ذلك وتغالى به غاية الغلو. # وكذلك ورد قول أبي الشيص: # أجد الملامة في هواك لذيذة ... شغفا بذكرك فليلمني اللوم # أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى وعكسه فقال: # أأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه # وهذا من السرقات ms544 الخفية جدا، ولأن يسمى ابتداعا أولى من أن يسمى سرقة. # وقد توخيته في شيء من شعري فجاء حسنا؛ فمن ذلك قولي: # لولا الكرام وما سنوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح # أخذته من قول أبي تمام: # لولا خلال سنها الشعر ما درى ... بناة العلى من أين تؤتى المكارم ### | الضرب الخامس من السلخ: # وهو أن يؤخذ بعض المعنى؛ فمن ذلك قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن ~~جدعان: # عطاؤك زين لامريء إن حبوته ... ببذل وما كل العطاء يزين # وليس بشين لامريء بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين # أخذه أبو تمام فقال: # تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا # PageV02P360 # ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتى رأيت سؤالا يجتني شرفا «1» # فأمية بن أبي الصلت أتى بمعنيين اثنين: أحدهما أن عطاءك زين، والآخر أن ~~عطاء غيرك شين، وأما أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير ومن هذا الضرب ~~قول علي بن جبلة: # وآثل ما لم يحوه متقدم ... وإن نال منه آخر فهو تابع # فقال أبو الطيب المتنبي: # ترفع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا # فعلي بن جبلة اشتمل ما قاله على معنيين أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ~~ممن تقدمه، وإن نال منه الآخر شيئا فإنما هو مقتد به، وتابع له، وأما أبو ~~الطيب المتنبي فإنه لم يأت إلا بالمعنى الواحد، وهو أنه يفعل ما لا يفعله ~~غيره، غير أنه أبرزه في صورة حسنة. # ومن ذلك قول أبي تمام: # كلف برب المجد يعلم أنه ... لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم «2» # فقال البحتري: # ومثلك إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما # فأبو تمام قال: إن الممدوح يرب صنيعه: أي يستديمه، ويعلم أنه إذا لم ~~يستدمه فما ابتدأه، والبحتري قال: إنه يستديم صنيعه لا غير، وذلك بعض ما ~~ذكره أبو تمام. # PageV02P361 # وكذلك قال البحتري: # ادفع بأمثال أبي غالب ... عادية العدم أو استعفف # أخذه ممن تقدمه حيث قال: # انتج الفضل أو ms545 تخل عن الدنيا ... فهاتان غاية الهمم # فالبحتري أخذ بعض هذا المعنى ولم يستوفه. # وكذلك ورد قول ابن الرومي: # نزلتم على هام المعالي إذا ارتقى ... إليها أناس غيركم بالسلالم # أخذه أبو الطيب المتنبي فقال: # فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا # وهذا بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي؛ لأنه قال: إنكم نزلتم على ~~هام المعالي، وإن غيركم يرقى إليها رقيا، وأما المتنبي فإنه قال: إنكم إذا ~~أردتم غاية نزلتم، وأما قوله «فوق السماء» فإنه يغني عنه قول ابن الرومي ~~«نزلتم على هام المعالي» ؛ إذ المعالي فوق كل شيء؛ لأنها مختصة بالعلو ~~مطلقا. ### | الضرب السادس من السلخ: # وهو أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر. # فمما جاء منه قول الأخنس بن شهاب «1» : # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب # أخذه مسلم بن الوليد فزاد عليه، وهو قوله: # إن قصر الرمح لم يمش الخطا عددا ... أو عرد السيف لم يهمم بتعريد # وكذلك ورد قول جرير في وصف أبيات من شعره: # PageV02P362 # غرائب آلاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما # أخذه أبو تمام فزاد عليه؛ إذ قال في وصف قصيد له وقرن ذلك بالممدوح: # غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب # وكذلك ورد قول ولد مسلمة بن عبد الملك: # أذل الحياة وكره الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا # فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيرا إلى الموت سيرا جميلا # أخذه أبو تمام فقال: # مثل الموت بين عينيه وال ... ذل وكلا رآه خطبا عظيما # ثم سارت به الحمية قدما ... فأمات العدا ومات كريما # فزاد عليه بقوله: # فأمات العدا ومات كريما # ويروى أنه نظر عبد الله بن علي رضي الله عنه عند قتال المروانية ألى فتى ~~عليه أبهة الشرف، وهو يبلي في القتال بلاء حسنا، فناداه: يا فتى، لك الأمان ~~ولو كنت مروان بن محمد، فقال: إلا أكنه فلست بدونه، قال: فلك الأمان ولو ~~كنت من كنت، فأطرق ثم تمثل بهذين البيتين المذكورين. # وكذلك ورد قول أبي تمام: # يصد ms546 عن الدنيا إذا عن سودد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد # أخذه من قول المعذل بن غيلان: # ولست بنظار إلى جانب العلا ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر # إلا أنه زاده زيادة حسنة بقوله: # PageV02P363 # ولو برزت في زي عذراء ناهد # ومما يجري هذا المجرى قول البحتري: # خل عنا فإنما أنت فينا ... واو عمرو أو كالحديث المعاد # أخذه من قول أبي نواس: # قل لمن يدعي سليما سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر # إنما أنت ملصق مثل واو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو # إلا أن البحتري زاد على أبي نواس في قوله «أو كالحديث المعاد» . # هكذا ورد قول البحتري أيضا: # ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا ... جذلان يبدع في السماح ويغرب # أخذه من مسلم بن الوليد في قوله: # ركبت إليه البحر في مؤخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر # إلا أن البحتري زاد عليه بقوله: # جذلان يبدع في السماح ويغرب # وكذلك ورد قول أبي نواس: # وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد «1» # وهذا البيت قد لهج به الناس لهجا كثيرا، ومنهم من ظنه مبتدعا لأبي نواس، ~~ويحكى عن أبي تمام أنه دخل على ابن أبي داود، فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا # PageV02P364 # تمام، فقال: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا، قال: من أين هذه يا ~~أبا تمام؟ قال: من قول الحاذق أبي نواس، وأنشده البيت، وهذه الحكاية عندي ~~موضوعة؛ لأن أبا تمام كان عارفا بالشعر، حتى إنه قال: لم أنظم شعرا حتى ~~حفظت سبعة عشر ديوانا للنساء خاصة دون الرجال، وما كان يخفى عنه أن هذا ~~المعنى ليس لأبي نواس، وإنما هو مأخوذ من قول جرير: # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم عضابا # إلا أن أبا نواس زاده زيادة حسنة، وذاك أن جريرا جعل الناس كلهم بني ~~تميم، وأبا نواس جعل العالم كله في واحد، وذلك أبلغ. # ومما ينتظم في هذا السلك قول الفرزدق: # علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي # متى تأتي الرصافة تستريحي ... من الأنساع ms547 والدبر الدوامي # أخذه أبو نواس فصار أملك به، وأحسن فيه غاية الإحسان، فقال: # وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام # فالفرزدق قال: «تستريحي من الأنساع والدبر الدوامي» وليس استراحتها ~~بمانعة من معاودة إتعابها مرة أخرى: وأما أبو نواس فإنه حرم ظهورهن على ~~الرجال: أي أنها تعفى من السفر إعفاء مستمرا، ولا شك أن أبا نواس لم يتنبه ~~لهذه الزيادة إلا من فعل العرب في السائبة والبحيرة. # وعلى هذا الأسلوب ورد قول المتنبي: # وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل # أخذه من أبي نواس في قوله: # أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد # فزاد أبو الطيب زيادة صار بها أحق من أبي نواس بهذا المعنى. # PageV02P365 # وكذلك قال أبو الطيب المتنبي: # وإن جاد قبلك قوم مضوا ... فإنك في الكرم الأول # فأخذته أنا وزدت عليه؛ فقلت: # أنت في الجود أول وقضى الل ... ه بألا يرى لك الدهرثان # وهذا النوع من السرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره. ### | الضرب السابع من السلخ: # وهو أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى وهذا هو المحمود ~~الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة؛ فمن ذلك قول أبي تمام: # جذلان من ظفر حران إن رجعت ... مخضوبة منكم أظفاره بدم # أخذه البحتري؛ فقال: # إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها # ومن هذا الأسلوب قولهما أيضا؛ فقال أبو تمام: # إن الكرام كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قلوا وإن كثروا # وقال البحتري: # قل الكرام فصار يكثر مدهم ... ولقد يقل الشيء حتى يكثرا «1» # PageV02P366 # وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس: # يدل على ما في الضمير من الفتى ... تقلب عينيه إلى شخص من يهوى # أخذه أبو الطيب المتنبي؛ فقال: # وإذا خامر الهوى قلب صب ... فعليه لكل عين دليل # ومما ينتظم في هذا السلك قول أبي الطيب المتنبي: # إذا ما ازددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازدياد «1» # أخذه ابن نباتة السعدي؛ فقال: # إذا كان نقصان الفتى من تمامه ... فكل صحيح في الأنام عليل # وكذلك ms548 ورد قول أبي العلاء بن سليمان في مرثية: # وما كلفة البدر المنير قديمة ... ولكنها في وجهه أثر اللطم «2» # أخذه الشاعر المعروف بالقيسراني، فقال: # وأهوى التي أهوى لها البدر ساجدا ... ألست ترى في وجه أثر الترب # وكذلك قول ابن الرومي: # إذا شنئت عين امريء شيب نفسه ... فعين سواه بالشناءة أجدر # أخذه من تأخر زمانه عنه؛ فقال: # إذا كان شيبي بغيضا إلي ... فكيف يكون إليها حبيبا # PageV02P367 # ومما ينخرط في هذا السلك قول بعضهم: # مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها # أخذه أبو تمام؛ فقال: # كأن عليها كل عقد ملاحة ... وحسنا وإن أضحت وأمست بلا عقد # ثم أخذه البحتري؛ فقال: # إذا أطفأ الياقوت إشراق وجهها ... فإن عناء ما توخت عقودها # أمثال هذا كثيرة، وفيما أوردناه مقنع. ### | الضرب الثامن من السلخ: # وهو أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا. # وذلك من أحسن السرقات؛ لما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول، ~~وسعة باعه في البلاغة؛ فمن ذلك قول بشار: # من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج # أخذه سلم الخاسر، وكان تلميذه، فقال: # من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور # فبين البيتين لفظتان في التأليف: # ومن هذا الأسلوب قول أبي تمام: # برزت في طلب المعالي واحدا ... فيها تسير مغورا ومنجدا # عجب بأنك سالم في وحشة ... في غاية ما زلت فيها مفردا «1» # PageV02P368 # أخذه ابن الرومي؛ فقال: # غربته الخلائق الزهر في النا ... س وما أوحشته بالتغريب # وكذلك ورد قول أبي نواس: # وكلت بالدهر غير غافلة ... من جود كفك تأسو كل ما جرحا # أخذه ابن الرومي؛ فقال: # الدهر يفسد ما استطاع وأحمد ... يتتبع الإفساد بالإصلاح # وعلى هذا ورد قول ابن الرومي: # كأني أستدني بك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا # أخذه بعض شعراء الشام، وهو ابن قسيم الحموي، فقال: # فهو كالسهم كلما زدته منك دنوا بالنزع زادك بعدا ولقيت جماعة من الأدباء ~~بالشام، ووجدتهم يزعمون أن ابن قسيم هو الذي ابتدع هذا المعنى، وليس كذلك، ~~وإنما هو لابن الرومي. # ومما يجري ms549 هذا المجرى قول أبي العتاهية: # وإني لمعذور على فرط حبها ... لأن لها وجها يدل على عذري # أخذه أبو تمام؛ فقال: # له وجه إذا أبصر ... ته ناجاك عن عذري # فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز. # ومما يجري على هذا النهج قول أبي تمام: # كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر # PageV02P369 # حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري # أخذه أبو الطيب المتنبي فأوجز؛ حيث قال: # وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر # وكذلك قولهما في موضع آخر؛ فقال أبو تمام: # كم صارما عضبا أناف على قفا ... منهم لأعباء الوغى حمال # سبق المشيب إليه حتى ابتزه ... وطن النهى من مفرق وقذال # أخذه أبو الطيب فزاد وأحسن؛ حيث قال: # يسابق القتل فيهم كل حادثة ... فما يصيبهم موت ولا هرم # ومن هذا الضرب قول بعض الشعراء؛ # أمن خوف فقر تعجلته ... وأخرت إنفاق ما تجمع # فصرت الفقير وأنت الغني ... وما كنت تعدو الذي تصنع # أخذه أبو الطيب المتنبي؛ فقال: # ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر ### | الضرب التاسع من السلخ: # وهو أن يكون المعنى عاما فيجعل خاصا، أو خاصا فيجعل عاما. # وهو من السرقات التي يسامح صاحبها؛ فمن ذلك قول الأخطل «1» : # PageV02P370 # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # أخذه أبو تمام؛ فقال: # أألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل تربا؟ ساء ذاك صنيعا # وهذا من العام الذي جعل خاصا؛ ألا ترى أن الأول نهى عن الإتيان بما ينهى ~~عنه مطلقا، وجاء بالخلق منكرا فجعله شائعا في بابه؛ وأما أبو تمام فإنه خصص ~~ذلك بالبخل، وهو خلق واحد من جملة الأخلاق. # وأما جعل الخاص عاما فكقول أبي تمام: # ولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن منعت الدر والضرع حافل # أخذه أبو الطيب المتنبي فجعله عاما إذ يقول: # وما يؤلم الحرمان من كف حارم ... كما يؤلم الحرمان من كف رازق ### | الضرب العاشر من السلخ: # وهو زيادة البيان مع المساواة في المعنى؛ وذلك ms550 بأن يؤخذ المعنى فيضرب له ~~مثال يوضحه، فمما جاء منه قول أبي تمام: # هو الصنع إن يعجل فنفع وإن يرث ... فللريث في بعض المواطن أنفع # أخذه أبو الطيب فأوضحه بمثال ضربه له، وذلك قوله: # ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام # وهذا من المبتدع، لا من المسروق، وما أحسن ما أتى بهذا المعنى في المثال ~~المناسب له!. # وكذلك قولهما في موضع آخر؛ فقال أبو تمام «1» : # PageV02P371 # قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التعبيس مبتسما # أخذه أبو الطيب المتنبي؛ فقال: # وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم # إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم # ومما ينخرط في هذا السلك قول أبي تمام: # وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتى يجاورها الزمان بحال # أخذه أبو عبادة البحتري؛ فقال: # وقد زادها إفراط حسن جوارها ... لأخلاق أصفار من المجد خيب # وحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب # فإنه أتى بالمعنى مضروبا له هذا المثال الذي أوضحه وزاده حسنا. ### | الضرب الحادي عشر من السلخ: # وهو اتحاد الطريق واختلاف المقصد، ومثاله أن يسلك الشاعران طريقا واحدة، ~~فتخرج بهما إلى موردين أو روضتين وهناك يتبين فضل أحدهما على الآخر. # فمما جاء من ذلك قول أبي تمام في مرثية بولدين صغيرين: # مجد تأوب طارقا حتى إذا ... قلنا أقام الدهر أصبح راحلا # نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا # إن الفجيعة بالرياض نواضرا ... لأجل منها بالرياض ذوابلا # لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أخرت حتى تكون شمائلا # إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا # قل للأمير وإن لقيت موقرا ... منه يريب الحادثات حلاحلا # إن ترز في طرفي نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلابلا # PageV02P372 # فالثقل ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كان وهما بازلا # لا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبرية آكلا «1» # إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه اتمهل ذرا وأث أسافلا # شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن ms551 تذكر ناسيا أو غافلا # إلا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبك سامعا أو قائلا # هل تكلف الأيدي بهز مهند ... إلا إذا كان الحسام القاصلا # وقال أبو الطيب في مرثية بطفل صغير: # فإن تك في قبر فإنك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل # ومثلك لا يبكى على قدر سنه ... ولكن على قدر الفراسة والأصل # ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل # بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفصل # تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل # عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل # تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل # بنفسي وليد عاد من بعد حمله ... إلى بطن أم لا تطرق بالحمل # بدا وله وعد السحابة بالروى ... وصد وفينا غلة البلد المحل # وقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الركاب من النعل # وريع له جيش العدو وما مشى ... وجاشت له الحرب الضروس وما تغلي # فتأمل أيها الناظم إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف ~~هام كل واحد منهما في واد منه، مع اتفاقهما في بعض معانيه؟. # PageV02P373 # وسأبين لك ما اتفقا فيه، وما اختلفا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: # أما الذي اتفقا فيه فإن أبا تمام قال: # لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أخرت حتى تكون شمائلا # وأما أبو الطيب فإنه قال: # بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفضل # فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهي ~~المطابقة في قوله «صمت اللسان» و «منطق الفصل» . # وقال أبو تمام: # نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا # وقال أبو الطيب: # بدا وله وعد السحابة بالروى ... وصد وفينا غلة البلد المحل # فوافقه في المعنى، وزاد عليه بقوله: # وصد فينا غلة البلد المحل # لأنه بين قدر حاجتهم إلى وجوده وانتفاعهم بحياته. # وأما ما اختلفا فيه فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضا، وذاك أن ~~معناه أمتن من معناه، ms552 ومبناه أحكم من مبناه، وربما أكبر هذا القول جماعة من ~~المقلدين الذين يقفون مع شبهة الزمان وقدمه، لا مع فضيلة القول وتقدمه، ~~وأبو تمام وإن كان أشعر عندي من أبي الطيب فإن أبا الطيب أشهر منه في هذا ~~الموضع؛ وبيان ذلك أنه قد تقدم القول على ما اتفقا فيه من المعنى، وأما ~~الذي اختلفا فيه فإن أبا الطيب قال: # عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل # PageV02P374 # وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام اللذين هما: # إن ترز في طرفي نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلا بلا # فالثقل ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كان وهما بازلا # فإن قول أبي الطيب «والشدائد للنصل» أكرم لفظا ومعنى من قول أبي تمام: # إن الثقل إنما يضاعف من المطايا، وقوله أيضا: # تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل # وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما: # لا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبرية آكلا # إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه اتمهل ذرا وأث أسافلا # وكذلك قال أبو الطيب: # ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل # تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل # وهذان البيتان خير من بيتي أبي تمام اللذان هما: # شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا # إلا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبك سامعا أو قائلا # واعلم أن التفضيل بين المعنيين المتفقين أيسر خطبا من التفضيل بين ~~المعنيين المختلفين. # وقد ذهب قوم إلى منع المفاضلة بين المعنيين المختلفين، واحتجوا على ذلك ~~بأن قالوا: المفاضلة بين الكلامين لا تكون إلا باشتراكهما في المعنى؛ فإن ~~اعتبار التأليف في نظم الألفاظ لا يكون إلا باعتبار المعاني المندرجة ~~تحتها؛ فما لم يكن بين الكلامين اشتراك في المعنى حتى يعلم مواقع النظم في ~~قوة ذلك المعنى # PageV02P375 # أو ضعفه واتساق ذلك اللفظ أو اضطرابه، وإلا فكل كلام له تأليف يخصه بحسب ~~المعنى المندرج تحته، وهذا مثل قولنا: العسل أحلى من الخل؛ ms553 فإنه ليس في ~~الخل حلاوة حتى تقاس حلاوة العسل عليها. # وهذا القول فاسد؛ فإنه لو كان ما ذهب إليه هؤلاء من منع المفاضلة حقا ~~لوجب أن تسقط التفرقة بين جيد الكلام ورديئه وحسنه وقبيحه، وهذا محال، ~~وإنما خفي عليهم ذلك لأنهم لم ينظروا إلى الأصل الذي تقع المفاضلة فيه، ~~سواء اتفقت المعاني أو اختلفت، ومن ههنا وقع لهم الغلط. # وسأبين ذلك فأقول: من المعلوم أن الكلام لا يختص بمزية من الحسن حتى تتصف ~~ألفاظه ومعانيه بوصفين هما الفصاحة والبلاغة، فثبت بهذا أن النظر إنما هو ~~في هذين الوصفين اللذين هما الأصل في المفاضلة بين الألفاظ والمعاني على ~~اتفاقهما واختلافهما؛ فمتى وجدا في أحد الكلامين دون الآخر أو كانا أخص به ~~من الآخر حكم له بالفضل. # وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج في تفضيل الشعر أشياء تتضمن خبطا ~~كثيرا، وهو مروي عن علماء العربية، لكن عذرتهم في ذلك؛ فإن معرفة الفصاحة ~~والبلاغة شيء خلاف معرفة النحو والإعراب. # فمما وقفت عليه أنه سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال: لو أدرك يوما ~~واحدا من الجاهلية ما قدمت عليه أحدا. وهذا تفضيل بالأعصار، لا بالأشعار، ~~وفيه ما فيه، ولو [لا] أن أبا عمرو عندي بالمكان العلى لبسطت لساني في هذا ~~الموضع. # وسئل جرير عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل، فقال: أما الفرزدق ففي يده نبعة ~~من الشعر وهو قابض عليها، وأما الأخطل فأشدنا اجتراء وأرمانا للقرائض، وأما ~~أنا فمدينة الشعر. وهذا القول في التفضيل قول إقناعي لا يحصل منه على ~~تحقيق، لكنه أقرب حالا مما روي عن أبي عمرو بن العلاء. # وسئل الأخطل عن أشعر الناس، فقال: الذي إذا مدح رفع، وإذا هجا وضع، فقيل: ~~فمن ذاك؟ قال: الأعشى، قيل: ثم من؟ قال: طرفة. وهذا قول فيه بعض # PageV02P376 # التحقيق؛ إذ ليس كل من رفع بمدحه ووضع بهجائه كان أشعر الناس؛ لأن ~~المعاني الشعرية كثيرة والمدح والهجاء منها. # وسئل الشريف الرضي عن أبي تمام وعن البحتري وعن أبي الطيب، فقال: # أما أبو تمام فخطيب ms554 منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر، وأما المتنبي فقاتل ~~عسكر، وهذا كلام حسن واقع في موقعه؛ فإنه وصف كلا منهم بما فيه من غير ~~تفضيل. # ويروى عن بشار أنه وصف نفسه بجودة الشعر والتقدم على غيره، فقيل له: # ولم ذاك؟ فقال: لأني نظمت اثني عشر ألف قصيدة وما تخلو واحدة منهن من بيت ~~واحد جيد، فيكون لي حينئذ اثنا عشر ألف بيت؛ وقد تأملت هذا القول فوجدته ~~على بشار لا له؛ لأن باقلا الذي يضرب به المثل في العي لو نظم قصيدا لما ~~خلا من بيت واحد جيد، ومن الذي ينظم قصيدا واحدا من الشعر ولا يسلم له منه ~~بيت واحد؟! لكن كان الأولى ببشار أن قال: لي اثنتا عشرة ألف قصيدة ليس ~~واحدة منهن إلا وجيدها أكثر من رديئها، وليس في واحدة منهم ما يسقط؛ فإنه ~~لو قال ذلك وكان محقا لاستحق التقدم على الشعراء، ومع هذا فقد وصل إلي ما ~~في أيدي الناس من شعره مقصدا ومقطعا فما وجدته بتلك الغاية التي ادعاها، ~~لكن وجدت جيده قليلا بالنسبة إلى رديئة، وتندر له الأبيات اليسيرة. # وبلغني عن الأصمعي وأبي عبيد وغيرهما أنهم قالوا: هو أشعر الشعراء ~~المحدثين قاطبة، وهم عندي معذورون؛ لأنهم ما وقفوا على معاني أبي تمام، ولا ~~على معاني أبي الطيب، ولا وقفوا على ديباجة أبي عبادة البحتري، وهذا الموضع ~~لا يستفتى فيه علماء العربية، وإنما يستفتى فيه كاتب بليغ، أو شاعر مفلق؛ ~~فإن أهل كل علم أعلم به، وكما لا يسأل الفقيه عن مسألة حسابية فكذلك لا ~~يسأل الحاسب عن مسألة فقهية، وكما لا يسأل أيضا النحوي عن مسألة طيبة فكذلك ~~لا يسأل الطبيب عن مسألة نحوية، ولا يعلم كل علم إلا صاحبه الذي قلب ظهره ~~لبطنه وبطنه لظهره. # على أن علم البيان من الفصاحة والبلاغة محبوب إلى الناس قاطبة، ما من أحد ~~إلا ويحب أن يتكلم فيه، حتى إني رأيت أجلاف العامة ممن لم يخط بيده # PageV02P377 # ورأيت أغتام الأجناس ممن لا ينطق بالكلمة صحيحة، كلهم يخوض ms555 في فن الكتابة ~~والشعر، ويأتون فيه بكل مضحكة، وهم يظنون أنهم عالمون به، ولا لوم عليهم ~~فإنه بلغني عن ابن الأعرابي وكان من مشاهير العلماء- أنه عرض عليه أرجوزة ~~أبي تمام اللامية التي مطلعها: # وعاذل عذلته؟ في عذله # وقيل له: هذه لفلان، من شعراء العرب، فاستحسنها غاية الاستحسان، وقال: ~~هذا هو الديباج الخسرواني، ثم استكتبها، فلما أنهاها قيل له: هذه لأبي ~~تمام؛ فقال: # من أجل ذلك أرى عليها أثر الكلفة، ثم ألقى الورقة من يده، وقال: يا غلام، ~~خرق، فإذا كان ابن الأعرابي مع علمه وفضله لا يدري أي طرفيه أطول في هذا ~~الفن ولا يعلم أين يضع يده فيه ويبلغ به الجهل إلى أن يقف مع التقليد ~~الشنيع الذي هذا غايته فما الذي يقول غيره؟! وما الذي يتكلم فيه سواه؟! ~~والمذهب عندي في تفضيل الشعراء أن الفرزدق وجريرا والأخطل أشعر العرب أولا ~~وآخرا، ومن وقف على الأشعار ووقف على دواوين هؤلاء الثلاثة علم ما أشرت ~~اليه، ولا ينبغي أن يوقف مع شعر امريء القيس وزهير والنابغة والأعشى؛ فإن ~~كلا من أولئك أجاد في معنى اختص به، حتى قيل في وصفهم: امرؤ القيس إذا ركب، ~~والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا شرب؛ وأما الفرزدق وجرير ~~والأخطل فإنهم أجادوا في كل ما أتوا من المعاني المختلفة، وأشعر منهم عندي ~~الثلاثة المتأخرون، وهم: أبو تمام، وأبو عبادة البحتري، وأبو الطيب ~~المتنبي؛ فإن هؤلاء الثلاثة لا يدانيهم مدان في طبقة الشعراء، أما أبو تمام ~~وأبو الطيب فربا المعاني، وأما أبو عبادة فرب الألفاظ في ديباجتها وسبكها. # وبلغني أن أبا عبادة البحتري سأل ولده أبا الغوث عن الفرزدق وجرير أيهما ~~أشعر، فقال: جرير أشعر، قال: وبم ذلك؟ قال: لأن حوكه شبيه بحوكك، قال: # ثكلتك أمك! أو في الحكم عصبية؟ قال: يا أبت، فمن أشعر؟ قال: الفرزدق، ~~قال: وبم ذاك؟ قال: لأن أهاجي جرير كلها تدور على أربعة أشياء: هي القين، ~~والزنا، وضرب الرومي بالسيف، والنفي من المسجد، ولا يهجو الفرزدق بسوى # PageV02P378 # ذلك، وأما ms556 الفرزدق فإنه يهجو جريرا بأنحاء مختلفة ففي كل قصيد يرميه ~~بسهام غير السهام التي يرميه بها في القصيد الآخر؛ وأنا أستكذب راوي هذه ~~الحكاية، ولا أصدقه؛ فإن البحتري عندي ألب من ذلك، وهو عارف بأسرار الكلام، ~~خبير بأوساطه وأطرافه، وجيده ورديئه، وكيف يدعي على جرير أنه لم يهج ~~الفرزدق إلا بتلك المعاني الأربعة التي ذكرها وهو القائل: # لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل «1» # فجمع بين هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد. # ولقد تأملت كتاب النقائض فوجدت جريرا رب تغزل ومديح وهجاء وافتخار، وقد ~~كسا كل معنى من هذه المعاني ألفاظا لائقة به ويكفيه من ذلك قوله: # وعاو عوى من غير شيء رميته ... بقافية أنفاذها تقطر الدما «2» # وإني لقوال لكل غريبة ... ورود إذا الساري بليل ترنما # خروج بأفواه الرواة كأنها ... شبا هندواني إذا هز صمما «3» # غرائب آلاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما # ولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها الشعراء. # وسأذكر من هجاء الفرزدق ما ليس فيه شيء من تلك المعاني الأربعة التي أشار ~~البحتري إليها؛ فمن ذلك قوله: # وقد زعموا أن الفرزدق حية ... وما قتل الحيات من أحد قبلي # PageV02P379 # ألم تر أني لا أنبل رميتي ... فمن أرم لا تخطيء مقاتله نبلي «1» # رأيتك لا تحمي عقالا ولم ترد ... قتالا فما لاقيت شر من القتل «2» # وقوله: # أبلغ هديتي الفرزدق إنها ... عبء تزاد على حسير مثقل «3» # إني انصببت من السماء عليكم ... حتى اختطفتك يا فرزدق من عل # وقوله: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع # ورأيت نبلك يا فرزدق قصرت ... ورأيت قوسك ليس فيها منزع # إن الفرزدق قد تبين لؤمه ... حيث التقت خششاؤه والأخدع # وقوله: # أحارث؛ خذ من شئت منا ومنهم ... ودعنا نقس مجدا تعد فضائله «4» # لبست سلاجي والفرزدق لعبة ... عليه وشاحا كرج وجلاجله # فلست بذي عز ولا ذي أرومة ... وما تعط من ضيم فإنك قابله # وقوله: # لا يخفين عليك أن مجاشعا ... لو ينفخون من الخؤرة طاروا # قد يؤسرون فلا يفك أسيرهم ms557 ... ويقتلون فتسلم الآثار # PageV02P380 # وقوله: # بني مالك؛ إن الفرزدق لم يزل ... يلقي المخازي من لدن أن تيفعا «1» # مددت له الغايات حتى تركته ... قعود القوافي ذا علوب موقعا «2» # وقوله: # ألا إنما كان الفرزدق ثعلبا ... ضغا وهو في أشداق ليث ضبارم «3» # وقوله: # مهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفة الأحلام «4» # الظاعنون على العمى بجميعهم ... والنازلون بشر دار مقام # وقوله: # إذا سفرت يوما نساء مجاشع ... بدت سوأة مما تجن البراقع # مباشيم عن غب الهرير كأنما ... تصوت في أعفاجهن الضفادع # رأت مللا مثل الفرزدق قصرت ... عن العلو لا يأبى عن العلو بارع # أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إني إلى الله راجع # إذا قيل أي الناس شر قبيلة ... وأعظم عارا قيل تلك مجاشع # PageV02P381 # وقوله: # علق الأخيطل في حبالي بعد ما ... عثر الفرزدق؛ لا لعا للعاثر! # لقي الفرزدق ما لقيت وقبله ... طاح التعيس بغير عرض وافر # وإذا رجوا أن ينقضوا لي مرة ... مرست قواي عليهم ومرائري # ولجرير مواضع كثيرة في هجاء الفرزدق غير هذه؛ ولولا خوف الإطالة ~~لاستقصيتها جميعها، ولو سلمت إلى البحتري ما زعم من أن جريرا ليس له في ~~هجاء الفرزدق إلا تلك المعاني الأربعة لاعترضت عليه بأنه قد أقر لجرير ~~بالفضيلة، وذاك أن الشاعر المفلق أو الكاتب البليغ هو الذي إذا أخذ معنى ~~واحد تصرف فيه بوجوه التصرفات، وأخرجه في ضروب الأساليب، وكذلك فعل جرير؛ ~~فإنه أبرز من هجاء الفرزدق بالقين كل غريبة، وتصرف فيه تصرفا مختلف ~~الأنحاء؛ فمن ذلك قوله: # ألهى أباك عن المكارم والعلا ... لي الكتائف وارتفاع المرجل # قوله: # وجد الكتيف ذخيرة في قبره ... والكلبتان جمعن والمنشار «1» # يبكي صداه إذا تصدع مرجل ... أو إن تفلق برمة أعشار # قال الفرزدق رقعي أكيارنا ... قالت وكيف ترقع الأكيار # وقوله: # إذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب «2» # PageV02P382 # فأورثك العلاة وأورثوني ... رباط الخيل أفنية القباب # وسيف أبي الفرزدق فاعلموه ... قدوم غير ثابتة النصاب # فانظر أيها الواقف على كتابي هذا إلى هذه الأساليب التي تصرف فيها جرير ~~وأدارها على هجاء الفرزدق بالقين؛ فقال أولا: إن أباه ms558 شغل عن المكارم ~~بصناعة القيون، ثم قال ثانيا: إنه يبكي عليه ويندبه بعد الموت المرجل ~~والبرمة الأعشار التي يصلحها، ثم قال ثالثا: إن أباك أورثك آلة القيون، ~~وأورثني أبي رباط الخيل؛ وقد أورد جرير هذا المعنى على غير هذه الأساليب ~~الذي ذكرتها، ولا حاجة إلى التطويل بذلك ههنا، وهذا القدر فيه كفاية. # وحيث انتهى بنا القول إلى ههنا فلنرجع إلى النوع الذي نحن بصدد ذكره، وهو ~~اتحاد الطريق واختلاف المقصد؛ فمما جاء منه قول النابغة: # إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # وهذا المعنى قد توارد عليه الشعراء قديما وحديثا، وأوردوه بصروب من ~~العبارات؛ فقال أبو نواس: # تتمنى الطير غزوته ... ثقة باللحم من جزره # وقال مسلم بن الوليد: # قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل # وقال أبو تمام: # وقد ظللت أعناق أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل # أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل # وقد ذكر في هذا المعنى غير هؤلاء، إلا أنهم جاءوا بشيء واحد لا تفاضل ~~بينهم # PageV02P383 # فيه، إلا من جهة حسن السبك، أو من جهة الإيجاز في اللفظ، ولم أر أحدا ~~أغرب في هذا المعنى فسلك هذه الطريق مع اختلاف مقصده إليها إلا مسلم بن ~~الوليد، فقال: # أشربت أرواح العدا وقلوبها ... خوفا فأنفسها إليك تطير # لو حاكمتك فطالبتك بذحلها ... شهدت عليك ثعالب ونسور # فهذا من المليح البديع الذي فضل به مسلم غيره في هذا المعنى؛ وكذلك فعل ~~أبو الطيب المتنبي؛ فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك هذه الطريق التي سلكها ~~من تقدمه «1» ، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه، فأغرب وأبدع، ~~وحاز الإحسان بجملته، وصار كأنه مبتدع لهذا المعنى دون غيره، فمما جاء من ~~قوله: # يفدي أتم الطير عمرا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم # وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم # ثم أورد هذا المعنى في موضع آخر من شعره؛ ms559 فقال: # سحاب من العقبان ترجف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه # وهذا معنى قد حوى طرفي الإغراب والإعجاب؛ وقال في موضع آخر: # وذي لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم # تمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم # إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم # وهذا من إعجاز أبي الطيب المشهور، ولو لم يكن له من الإحسان في شعره إلا ~~هذه الأبيات لاستحق بها فضيلة التقدم. # ومما ينتظم بهذا النوع ما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب ~~المتنبي في وصف الأسد، وقصيدتاهما مشهورتان؛ فأول إحداهما: # PageV02P384 # أجدك ما ينفك يسري لزينبا «1» # وأول الأخرى: # في الخد إن عزم الخليط رحيلا «2» # أما البحتري فإنه ألم بطرف مما ذكر بشر بن عوانة في أبياته الرائية التي ~~أولها: # أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا # وهذه الأبيات من النمط العالي الذي لم يأت أحد بمثلها، وكل الشعراء لم ~~تسم قرائحهم إلى استخراج معنى ليس بمذكور فيها، ولولا خوف الإطالة لأوردتها ~~بجملتها، لكن الغرض إنما هو المفاضلة بين البحتري وأبي الطيب فيما أورداه ~~من المعاني في هذا المقصد المشار إليه. # فمما جاء للبحتري من قصيدته: # وما تنقم الحساد إلا أصالة ... لديك وعزما أريحيا مهذبا «3» # وقد جربوا بالأمس منك عزيمة ... فضلت بها السيف الحسام المجربا «4» # غداة لقيت الليث والليث مخدر ... يحدد نابا للقاء ومخلبا # إذا شاء غادى عانة أو عدا على ... عقائل سرب أو تقنص ربربا # شهدت لقد أنصفته حين تنبري ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا # PageV02P385 # فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إدا الهيابة النكس كذبا # زبرا مشى يبغي هزبرا وأغلبا ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا # أدل بشغب ثم هالته صولة ... رآك لها أمضى جنانا وأشغبا # فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا # فلم يثنه أن كر نحوك مقبلا ... ولم ينجه أن حاد عنك منكبا # حملت عليه السيف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا ms560 # ومما جاء لأبي الطيب المتنبي في قصيدته: # أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا # ورد إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفرات زئيره والنيلا # متخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا # ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا # في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا # يطأ البرى مترفقا من تيهه ... فكأنه آس يجس عليلا # ويرد غفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا # قصرت مخافته الخطا فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا # ألقى فريسته وزمجر دونها ... وقربت قربا خاله تطفيلا # فتشابه القربان في إقدامه ... وتخالفا في بذلك المأكولا # أسد يرى عضويه فيك كليهما ... متنا أزل وساعدا مفتولا # ما زال يجمع نفسه في زوره ... حتى حسبت العرض منه الطولا # وكأنما غرته عين فادنى ... لا يبصر الخطب الجليل جليلا # أنف الكريم من الدنية تارك ... في عينه العدد الكثير قليلا # والعار مضاض وليس بخائف ... من حتفه من خاف مما قيلا # PageV02P386 # خذلته قوته وقد كافحته ... فاستنصر التسليم والتجديلا # سمع ابن عمته به وبحاله ... فمضى يهرول أمس منك مهولا # وأمر مما فر منه فراره ... وكقتله ألا يموت قتيلا # تلف الذي اتخذ الجراءة خلة ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا # وسأحكم بين هاتين القصيدتين، والذي يشهد به الحق وتتقيه العصبية أذكره، ~~وهو أن معاني أبي الطيب أكثر عددا، وأسد مقصدا، ألا ترى أن البحتري قد قصر ~~مجموع قصيدته على وصف شجاعة الممدوح: في تشبيهه بالأسد مرة، وتفضيله عليه ~~أخرى، ولم يأت بشيء سوى ذلك، وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيت واحد، ~~وهو قوله: # أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا # ثم إنه تفنن في ذكر الأسد؛ فوصف صورته وهيئته، ووصف أحواله في انفراده في ~~جنسه وفي هيئة مشيه واختياله، ووصف خلق نجله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في ~~الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء، ثم إنه عطف بعد ذلك على ذكر الأنفة والحمية ~~التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج ذلك في أحسن مخرج، ~~وأبرزه في أشرف معنى، وإذا ms561 تأمل العارف بهذه الصناعة أبيات الرجلين عرف ~~ببديهة النظر ما أشرت إليه، والبحتري وإن كان أفضل من المتنبي في صوغ ~~الألفاظ وطلاوة السبك فالمتنبي أفضل منه في الغوص على المعاني، ومما يدلك ~~على ذلك أنه لم يعرض لما ذكره في أبياته الرائية لعلمه أن بشرا قد ملك رقاب ~~تلك المعاني واستحوذ عليها، ولم يترك لغيره شيئا يقوله فيها، ولفطانة أبي ~~الطيب لم يقع فيما وقع فيه البحتري من الانسحاب على ذيل بشر؛ لأنه قصر عنه ~~تقصيرا كثيرا، ولما كان الأمر كذلك عدل أبو الطيب عن سلوك الطريق وسلك ~~غيرها، فجاء فيما أورد مبرزا. # واعلم أن من أبين البيان في المفاضلة بين أرباب النظم والنثر أن يتوارد ~~اثنان منهما على مقصد من المقاصد يشتمل على عدة معان؛ كتوارد البحتري ~~والمتنبي # PageV02P387 # ههنا على وصف الأسد، وهذا أبين في المفاضلة من التوارد على معنى واحد ~~يصوغه هذا في بيت من الشعر وفي بيتين ويصوغه الآخر في مثل ذلك؛ فإن بعد ~~المدى يظهر ما في السوابق من الجواهر، وعنده يتبين ربح الرابح وخسر الخاسر. # فإذا شئت أن تعلم فضل ما بين هذين الرجلين فانظر إلى قصيدتهما في مراثي ~~النساء التي مفتتح إحداهما. # يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية عن أكرم العرب «1» # وهي لأبي الطيب، ومفتتح الأخرى: # غروب دمع من الأجفان ينهمل ... وحرقة بغليل الحزن تشتعل # وهي للبحتري؛ فإن أبا الطيب انفرد بابتداع ما أتى به من معاني قصيدته، ~~والبحتري أتى بما أكثره غث بارد، والمتوسط منه لا فرق فيه بين رثاء امرأة ~~أو رجل. # ومن الواجب أنه إذا سلك الناظم أو الناثر مسلكا في غرض من الأغراض ألا ~~يخرج عنه، كالذي سلكه هذان الرجلان في الرثاء بامرأة، فإن من حذاقة الصنعة ~~أن يذكر ما يليق بالمرأة دون الرجل، وهذا الموضع لم يأت فيه أحد بما يثبت ~~على المحك إلا أبو الطيب وحده، وأما غيره من مفلقي الشعراء قديما وحديثا ~~فإنهم قصروا عنه. # وله في هذا المعنى قصيدة أخرى مفتتحها: # نعد المشرفية ms562 والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال # وكفى بهما شاهدا على ما ذكرته من انفراده بالإبداع فيما أتى به، والفتيا ~~عندي بينه وبين البحتري أن أبا الطيب أنفذ في المضيق، وأعرف باستخراج ~~المعنى الدقيق، وأما البحتري فإنه أعرف بصوغ الألفاظ، وحوك ديباجتها، وقد ~~قدمت أن الحكم بين # PageV02P388 # الشاعرين في اتفاقهما في المعنى أبين من الحكم بينهما فيما اختلفا فيه؛ ~~لأنهما مع الاتفاق في المعنى يتبين قولاهما، ويظهران ظهورا يعلم ببديهة ~~النظر ويتسارع إليه فهم من ليس بثاقب الفهم، وأما اختلافهما في المعنى فإنه ~~يحتاج في الحكم بينهما فيه إلى كلام طويل يعز فهمه، ولا يتفطن له إلا بعض ~~الناس دون بعض، بل لا يتفطن له إلا الفذ الواحد من الناس، ولي في هذا مقالة ~~مفردة ضمنتها الحكم بين المعنيين المختلفين، وتكلمت عليه كلاما طويلا ~~عريضا، وأقمت الدليل على ما نصصت عليه، وما منعني من إيرادها في كتابي هذا ~~إلا أنها سنحت لي بعد تصنيفه وشياعه في أيدي الناس، وتناقل النسخ به. # وعلى هذا الأسلوب توارد البحتري والشريف الرضي على ذكر الذئب في قصيدة ~~للبحتري دالية أولها: # سلام عليكم لا وفاء ولا عهد # ومقطوعة للشريف الرضي أولها: # وعاري الشوى والمنكبين من الطوى ... أتيح له بالليل عاري الأشاجع # وقد أجاد البحتري في وصف حاله مع الذئب، والشريف أجاد في وصف الذئب نفسه. ### | وأما المسخ فهو: قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة. # والقسمة تقتضي أن يقرن إليه صده، وهو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة. # فالأول كقول أبي تمام: # فتى لا يرى أن الفريصة مقتل ... ولكن يرى أن العيوب مقاتل # وقول أبي الطيب المتنبي: # يرى أن ما مابان منك لضارب ... بأقتل مما بان منك لعائب # PageV02P389 # فهو وإن لم يشوه المعنى فقد شوه الصورة؛ ومثاله في ذلك كمن أودع الوشي ~~شملا، وأعطى الورد جعلا، وهذا من أرذل السرقات، وعلى نحو منه جاء قول عبد ~~السلام بن رغبان: # نحن نعزيك ومنك الهدى ... مستخرج والصبر مستقبل # قول بالعقل وأنت الذي ... نأوي إليه وبه نعقل # إذا عفا عنك وأودى ms563 بنا ... الدهر فذاك المحسن المجمل # أخذه أبو الطيب فقلب أعلاه أسفله، فقال: # إن يكن صبر ذي الرزية فضلا ... فكن الأفضل الأعز الأجلا # أنت يا فوق أن تعزى عن الأح ... باب فوق الذي يعزيك عقلا # وبألفاظك اهتدى فإذا عز ... اك قال الذي له قلت قبلا # والبيت الأخير من هذه الأبيات هو الآخر قدرا، وهو المخصوص بالمسخ. # وأما قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة فهذا لا يسمى سرقة، بل يسمى ~~إصلاحا وتهذيبا. # فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي: # لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا # وقول ابن نباتة السعدي: # لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل # وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس في أرجوزة يصف فيها اللعب بالكرة ~~والصولجان فقال من جملتها: # جن على جن وإن كانوا بشر ... كأنما خيطوا عليها بالإبر # ثم جاء المتنبي فقال: # PageV02P390 # فكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها # وبين القولين كما بين السماء والأرض؛ فإنه يقال: ليس للأرض إلى السماء ~~نسبة محسوسة، وكذلك يقال ههنا أيضا؛ فإن بقدر ما في قول أبي نواس من النزول ~~والضعف، فكذلك في قول أبي الطيب من العلو والقوة. # وربما ظن بعض الجهال أن قول الشماخ: # إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين # وقول أبي نواس: # وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام # من هذا القبيل الذي هو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة، وليس كذلك؛ فإن ~~قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة هو أن يؤخذ المعنى الواحد فيكسى عبارتين ~~إحداهما قبيحة والأخرى حسنة؛ فالحسن والقبح إنما يرجع إلى التعبير، لا إلى ~~المعنى نفسه، وقول أبي نواس هو عكس قول الشماخ، وقد تقدم مثل ذلك فيما مضى ~~من ضروب السرقات؛ ألا ترى الى قول أبي الطيب المتنبي وقول الشريف الرضي؛ ~~فقال أبو الطيب: # إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها # وقول الشريف الرضي: # أحن إلي ما تضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما في ضمان المآزر # فالمعنى واحد، ms564 والعبارة مختلفة في الحسن والقبح. # وهذه السرقات- وهي ستة عشر نوعا- لا يكاد يخرج عنها شيء، وإذا أنصف ~~الناظر في الذي أتيت به ههنا علم أني قد ذكرت ما لم يذكره غيري، وأنا أسأل ~~الله التوفيق لأن أكون لفضله شكورا، وألا أكون مختالا فخورا. # وإذ فرغت من تصنيف هذا الكتاب، وحررت القول في تفصيل أقسام # PageV02P391 # الفصاحة والبلاغة والكشف عن دقائقهما وحقائقهما، فينبغي أن أختمه بذكر ~~فضليهما؛ فأقول: # اعلم أن هذا الفن هو أشرف الفضائل، وأعلاها درجة، ولولا ذلك لما فخر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة مواقف، فقال تارة: «أنا أفصح من نطق ~~بالضاد» ، وقال تارة: # «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث في قومه بعثت إلى كل ~~أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طيبة وطهورا، ونصرت بالرعب ~~بين يدي مسيرة شهر، وأوتيت جوامع الكلم» ؛ وما سمع بأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم افتخر بشيء من العلوم سوى علم الفصاحة والبلاغة، فلم يقل إنه ~~أفقه الناس، ولا أعلم الناس بالحساب، ولا بالطب، ولا بغير ذلك، كما قال: ~~«أنا أفصح من نطق بالضاد» . # وأيضا فلو لم تكن هذه الفضيلة من أعلى الفضائل درجة لما اتصل الإعجاز بها ~~دون غيرها؛ فإن كتاب الله تعالى نزل عليها، ولم ينزل بمعجز من مسائل الفقه، ~~ولا من مسائل الحساب، ولا من مسائل الطب، ولا غير ذلك من العلوم. # ولما كانت هذه الفضيلة بهذه المكانة صارت في الدرجة العالية، والمنثور ~~منها أشرف من المنظوم؛ لأسباب: من جملتها أن الإعجاز لم يتصل بالمنظوم، ~~وإنما اتصل بالمنثور؛ الآخر: أن أسباب النظم أكثر، ولهذا نجد المجيدين منهم ~~أكثر من المجيدين من الكتاب، بل لا نسبة لهؤلاء إلى هؤلاء، ولو شئت أن تحصي ~~أرباب الكتابة من أول الدولة الإسلامية إلى الآن لما وجدت منهم ممن يستحق ~~اسم الكاتب عشرة، وإذا أحصيت الشعراء في تلك المدة وجدتهم عددا كثيرا، حتى ~~لقد كان يجتمع منهم في العصر الواحد جماعة كثيرة كل منهم شاعر مفلق، وهذا ms565 ~~لا نجده في الكتاب، بل ربما ندر الفرد الواحد في الزمن الطويل، وليس ذلك ~~إلا لوعورة المسلك من النثر، وبعد مناله، والكاتب هو أحد دعامتي الدولة؛ ~~فإن كل دولة لا تقوم إلا على دعا متين من السيف والقلم؛ وربما لا يفتقر ~~الملك في ملكه إلى السيف إلا مرة أو مرتين، وأما القلم فإنه يفتقر إليه على ~~الأيام، وكثيرا ما يستغني به عن السيف، وإذا سئل عن الملوك الذين غبرت ~~أيامهم لا يوجد منهم من # PageV02P392 # حسن اسمه من بعده، إلا من حظي بكاتب خطب عنه، وفخم أمر دولته، وجعل ذكرها ~~خالدا يتناقلة الناس، رغبة في فصل خطابه، واستحسانا لبداعة كلامه، فيكون ~~ذكرها في خفارة ما دونه قلمه، ورقمته أساطيره، وليس الكاتب بكاتب حتى يضطر ~~عدو الدولة أن يروي أخبار مناقبها في حفله، ويصبح ولسانه حامدا لمساعيها ~~وبقلبه ما به من غله، ولقد أحسن أبو تمام في هذا المعنى حيث قال: # سأجهد حتى أبلغ الشعر شأوه ... وإن كان طوعا لي ولست بجاهد # فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا ... عدوك فاعلم أنني غير حامد # وهذا الذي ذكرته حق وصدق، لا ينكره إلا جاهل به، وأنا أسأل الله الزيادة ~~من فضله، وإن لم أكن أهلا له فإنه هو من أهله. # ووقفت على كلام لأبي إسحق الصابي في الفرق بين الكتابة والشعر، وهو جواب ~~لسائل سأله؛ فقال: إن طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في ~~منظومه، لأن الترسل هو ما وضح معناه، وأعطاك سماعه في أول وهلة ما تضمنته ~~ألفاظه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه. # ثم قال بعد ذلك: ولسائل أن يسأل فيقول: من أية جهة صار الأحسن في معنى ~~الشعر الغموض، وفي معاني الترسل الوضوح؛ فالجواب) أن الشعر بني على حدود ~~مقررة، وأوزان مقدرة، وفصلت أبياته؛ فكان كل بيت منها قائما بذاته، وغير ~~محتاج إلى غيره، إلا ما جاء على وجه التضمين، وهو عيب، فلما كان النفس لا ~~يمتد في البيت الواحد بأكثر من مقدار عروضه ms566 وضربه، وكلاهما قليل؛ احتيج إلى ~~أن يكون الفصل في المعنى، فاعتمد أن يلطف ويدق، والترسل مبني على مخالفة ~~هذه الطريق؛ إذ كان كلاما واحدا لا يتجزأ ولا يتفصل إلا فصولا طوالا، وهو ~~موضوع وضع ما يهذهذ أو يمر به على أسماع شتى من خاصة ورعية، وذوي أفهام ~~ذكية وأفهام غبية؛ فإذا كان متسلسلا ساغ فيها وقرب، فجميع ما يستحب في ~~الأول يكره في الثاني، حتى إن التضمين عيب في الشعر، وهو فضيلة في الترسل. # ثم قال بعد ذلك: والفرق بين المترسلين والشعراء أن الشعراء إنما أغراضهم # PageV02P393 # التي يرمون إليها وصف الديار والآثار، والحنين إلى الأهواء والأوطار، ~~والتشبيب بالنساء، والطلب والاجتداء، والمديح والهجاء، وأما المترسلون ~~فإنما يترسلون في أمر سداد ثغر، وإصلاح فساد، أو تحريض على جهاد، أو احتجاج ~~على فئة، أو مجادلة لمسألة، أو دعاء إلى ألفة، أو نهي عن فرقة، أو تهنئة ~~بعطية، أو تعزية برزية، أو ما شاكل ذلك. # هذا ما انتهى إليه كلام أبي إسحق في الفرق بين الترسل والشعر. # ولقد عجبت من مثل ذلك الرجل الموصوف بذلاقة اللسان، وبلاغة البيان، كيف ~~يصدر عنه مثل هذا القول الناكب عن الصواب الذي هو في باب ونصى النظر في ~~باب؟ اللهم غفرا، وسأذكر ما عندي في ذلك، لا إرادة للطعن عليه، بل تحقيقا ~~لمحل النزاع، فأقول: # أما قوله «إن الترسل هو ما وضح معناه والشعر ما غمض معناه» فإن هذه دعوى ~~لا مستند لها، بل الأحسن في الأمرين معا إنما هو الوضوح والبيان، على أن ~~إطلاق القول على هذا الوجه من غير تقييد لا يدل على الغرض الصحيح، بل صواب ~~القول في هذا أن يقال: كل كلام من منثور ومنظوم فينبغي أن تكون مفردات ~~ألفاظه مفهومة؛ لأنها إن لم تكن مفهومة فلا تكون فصيحة، لكن إذا صارت مركبة ~~نقلها التركيب عن تلك الحال في فهم معانيها؛ فمن المركب منها ما يفهمه ~~الخاصة والعامة، ومنه ما لا يفهمه إلا الخاصة، وتتفاوت درجات فهمه، ويكفي ~~من ذلك كتاب الله تعالى، وتتفاوت ms567 درجات فهمه، ويكفي من ذلك كتاب الله ~~تعالى؛ فإنه أفصح الكلام، وقد خوطب به الناس كافة من خاص وعام، ومع هذا ~~فمنه ما يتسارع الفهم إلى معانيه، ومنه يغمض فيعز فهمه، والألفاظ المفردة ~~ينبغي أن تكون مفهومة، سواء كان الكلام نظما أو نثرا، وإذا تركبت فلا يلزم ~~فيها ذلك، وقد تقدم في كتابى هذا أدلة كثيرة على هذا؛ فتؤخذ من مواضعها. # وأما الجواب الذي أجاب به في الدلالة على غموض الشعر ووضوح الكلام ~~المنثور فليس ذلك بجواب، وهب أن الشعر كان كل بيت منه قائما بذاته، فلم كان ~~مع ذلك غامضا؟ وهب أن الكلام المنثور كان واحدا لا يتجزأ، فلم كان مع ذلك # PageV02P394 # واضحا؟ ثم لو سلمت إليه هذا، فماذا يقول في الكلام المسجوع الذي كل فقرة ~~منه بمنزلة بيت من شعر؟ # وأما قوله في الفرق بين الشاعر والكاتب «إن الشاعر من شأنه وصف الديار ~~والآثار والحنين إلى الأهواء والأوطار والتشبيب بالنساء والطلب والاجتداء ~~والمديح والهجاء، وإن الكاتب من شأنه الإفاضة في سداد ثغر أو إصلاح فساد أو ~~تحريض على حياد أو احتجاج على فئة أو مجادلة لمسألة أو دعاء إلى ألفة أو ~~نهي عن فرقة أو تهنئة بعطية أو تعزية برزية» فإن هذا تحكم محض لا يستند الى ~~شبهة، فضلا عن بينة، وأي فرق بين الشاعر والكاتب في هذا المقام؟ فكما يصف ~~الشاعر الديار والآثار، ويحن إلى الأهواء، فكذلك يكتب الكاتب في الاشتياق ~~إلى الأوطان، ومنازل الأحباب والإخوان، ويحن إلى الأهواء والأوطار؛ ولهذا ~~كانت الكتب الإخوانيات بمنزلة الغزل والنسيب من الشعر وكما يكتب الكاتب في ~~إصلاح فساد، أو سداد ثغر، أو دعاء إلى ألفه، أو نهي عن فرقة، أو تهنئة، أو ~~تعزية؛ فكذلك الشاعر؛ فإن شذ عن الصابي قصائد الشعراء في أمثال هذه المعاني ~~فكيف خفي عنه قصيدة أبي تمام في استعطاف مالك بن طوق على قومه التي مطلعها: # لو أن دهرا رد رجع جوابي «1» # أم كيف أخل بالنظر في ديوان أبي الطيب المتنبي، وهما في زمن واحد، فما ms568 ~~تأمل قصيدته في الإصلاح بين كافور الإخشيدي وبين مولاه الذي مطلعها: # حسم الصلح ما اشتهته الأعادي «2» # وكذلك لا شك أنه لم يقف على قصيدة أبي عبادة البحتري في غزو البحر التي ~~مطلعها: # PageV02P395 # ألم تر تغليس الربيع المبكر «1» # ولو أخذت في تعداد قصائد الشعراء في الأغراض التي أشار إليها وخص بها ~~الكاتب لأطلت وذكرت الكثير الذي يحتاج إلى أوراق كثيرة، وكل هذه الفروق ~~التي نص عليها وعددها فليست بشيء، ولا فرق بين الكتابة والشعر فيها. # والذي عندي في الفرق بينهما هو من ثلاثة أوجه: # الأول: من جهة نظم أحدهما ونثر الآخر، وهذا فرق ظاهر. # الثاني: أن من الألفاظ ما يعاب استعماله نثرا، ولا يعاب نظما، وذلك شيء ~~استخرجته، ونبهت عليه في القسم الأول المختص باللفظة المفردة في المقالة ~~الأولى من هذا الكتاب «2» ، وسأعيد ههنا منه شيئا؛ فأقول: # قد ورد في شعر أبي تمام قوله: # هي العرمس الوجناء وابن ملمة ... وجأش على ما يحدث الدهر خافض # وكذلك ورد في شعر أبي الطيب المتنبي، كقوله: # ومهمه جبته على قدمي ... تعجزعه العرامس الذلل # فلفظة المهمه والعرامس لا يعاب استعمالها في الشعر، ولو استعملا في كتاب ~~أو خطبة كان استعمالها معيبا، وكذلك ما يشاكلهما ويناسبهما من الألفاظ؛ وكل ~~ذلك قد ضبطته بضوابط وحددته بحدود تفصله من غيره من الألفاظ؛ فليؤخذ من ~~المقالة الأولى، ولولا خوف التكرار لأعدته ههنا. # الثالث: أن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورا متعددة ذوات معان مختلفة في ~~شعره واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك ~~فإنه لا يجيد في الجميع، ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل، والكثير ~~من ذلك # PageV02P396 # رديء غير مرضي، والكاتب لا يؤتي من ذلك، بل يطيل في الكتاب الواحد إطالة ~~واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس، أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر ~~أو أربعمائة أو خمسمائة، وهو مجيد في ذلك كله، وهذا لا نزاع فيه؛ لأننا ~~رأيناه، وسمعناه وقلناه. # وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه ms569 النكتة المشار إليها؛ فإن ~~شاعرهم يذكر كتابا مصنفا من أوله إلى آخره شعرا، وهو شرح قصص وأحوال، ويكون ~~مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم ~~الكتاب المعروف بشاه نامه، وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ ~~الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، ~~وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن ~~لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر. # اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه الطيبين الطاهرين، وسلم ~~تسليما كثيرا إلى يوم الدين. # PageV02P397 # قد تم- بحمد الله تعالى، وحسن توفيقه- الجزء الثاني من كتاب: # المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر الذي صنفه الوزير أبو الفتح نصر ~~الله ضياء الدين المعروف بابن الأثير المتوفى في عام 637 من الهجرة # PageV02P398 ### | فهرس الأبواب الواردة في الجزء الثاني من كتاب «المثل الثائر، في أدب الكاتب والشاعر» # الموضوع الصفحة # النوع الرابع: في الالتفات 3 # النوع الخامس: في توكيد الضميرين 17 # النوع السادس: في عطف المظهر على ضميره والإفصاح به بعده 22 # النوع السابع: في التفسير بعد الإبهام 24 # النوع الثامن: في استعمال العام في النفي، والخاص في الإثبات 29 # النوع التاسع: في التقديم والتأخير 35 # النوع العاشر: في الحروف العاطفة والجارة 46 # النوع الحادي عشر: في الخطاب بالجملة الفعلية، والجملة الاسمية والفرق ~~بينهما 51 # النوع الثاني عشر: في قوة اللفظ لقوة المعنى 56 # النوع الثالث عشر: في عكس الظاهر 61 # النوع الرابع عشر: في الاستدراج 64 # النوع الخامس عشر: في الإيجاز 68 # النوع السادس عشر: في الإطناب 119 # النوع السابع عشر: في التكرير 146 # النوع الثامن عشر: في الاعتراض 172 # PageV02P399 # الموضوع الصفحة # النوع التاسع عشر: في الكتابة والتعريض 180 # النوع العشرون: في المغالطات المعنوية 203 # النوع الحادي والعشرون: في الأحاجي 211 # النوع الثاني والعشرون: في المبادي والافتتاحات 223 # النوع الثالث والعشرون: في التخلص والاقتضاب 244 # النوع الرابع والعشرون: في التناسب بين المعاني 264 # النوع ms570 الخامس والعشرون: في الاقتصاد والتفريط والإفراط 298 # النوع السادس والعشرون: في الاشتقاق 319 # النوع السابع والعشرون: في التضمين 223 # النوع الثامن والعشرون: في الإرصاد 329 # النوع التاسع والعشرون: في التوشيح 340 PageV02P400 ms571