######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0026539 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الحرالي أبو الحسن علي بن أحمد بن حسن التجيبي الأندلسي (المتوفى: 638هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 638 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي في التفسير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0026539 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-26539 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/26539 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمادي بن عبد السلام الخياطي، أستاذ بكلية أصول الدين تطوان #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1418 هـ - 1997 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي - الرباط #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم # الحمد لله الذي أنزل القرآن على أحرفه السبعة إحاطة وكمالا، وتولى جمعه ~~فهما وقرآنه مقالا، وبيانه فعالا، وأقام به حكم الدين وخلق الدنيا وخلق ~~النفس وأدب الرب وحمد الله تفصيلا وإجمالا، وجعل لصلاة علمه وفهمه وهداه ~~طهور التقوى منالا، وفك عن من رضى قلبه أن يسعه بتبارك تدبره أقفالا، ~~وعلمه، بعد التزكية، كتابه وحكمته، ومالم يكن يعلم إتماما لنعمته وإفضالا. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، في شيء من ملك الدنيا وملكها ~~وتدبيرها، ولا في أمر من أمر العقبى وفصلها، وإيساعها وتقديرها، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله الذي بين، - صلى الله عليه وسلم -، بخاص سنته من تلك ~~الحروف أجمعها وأعلاها، وبعام أحكام شرعته أنزلها وأدناها، وبسعة حنيفيتها ~~البيضاء النقية ما بين ذينك الحرفين فأوضحها وجلاها، فعدل بالأكثر عن خصوصا ~~تعريفه بها وتبيينه لها فقل أو فقد عندهم جدواها، وأوجد برد اليقين وطيب ~~التبين والتبيين لمن بصره إياها، وذلك ببركة إيثار المأثور عنه، - صلى الله ~~عليه وسلم -، للمتحقق من حيطة علمه ومضاء حكمه حين سماها، وإعراض عن أقوال ~~واختلافات يسوقها الحدس ويقودها الظن، ولا يثلج القلب بمعناها، صلاة تعود ~~على الخاص والعام بركتها وزلفاها. # وإنه لما تقدم إملاء كتاب: "مفتاح الباب المقفل، لفهم القرآن المنزل" ~~أعلق به القول في الحروف السبعة، وفي شرط منال علمها وحالها وبيانها، في ~~بابين وفصول، عروة توثق إمساكه، وتشرب القلب، بتأييد الله، ملاكه، وتكمل؛ ~~بحول الله، فائدته، وتيسر، على قرب تيسير الله، عائدته، ولتعلق العروة ~~بمفتاحها، ولتنتهي الأفهام في القرآن بما أسرج، بتوفيق الله، من مصباحها ~~إلى ضحى صباحها، والله ولي التأييد، وهو الولي الحميد. # PageV01P056 ### | الباب الأول # في بيان الأحرف السبعة # ويشتمل على تمهيد، وسبعة فصول، بحول الله تعالى. # القول في التمهيد: اعلم أن القرآن منزل عند انتهاء الخلق وكمال الأمر ~~بدءا، فكان المتخلق به جامعا لانتهاء كل خلق وكمال كل أمر، فلذلك هو، - صلى ~~الله عليه وسلم -، قثم الكون، ms001 وهو الجامع الكامل، ولذلك كان خاتما، وكان ~~كتابه ختما، وبدأ المعاد من حد ظهوره {إنه هو يبدئ ويعيد} فاستوى صلاح هذه ~~الجوامع الثلاث، التي قد خلت في الأولين بداياتها، وتمت عنده غاياتها، ~~"بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وهي صلاح الدين والدنيا، والمعاد الذي جمعها في ~~قوله، - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم أصلح لي ديني، الذي هو عصمة أمري، ~~وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي". # وفي كل صلاح إقدام وإحجام، فتصير الثلاثة الجوامع ستة مفصلات هي حروف ~~القرآن الستة التي لم يبرح يستزيدها من ربه حرفا حرفا، فلما استوفى الستة ~~وهبه ربه حرفا جامعا سابعا فردا لا زوج له، فتم إنزاله على سبعة أحرف، هي ~~ما فسرها، - صلى الله عليه وسلم -، في الحديث الوارد الغني عن تطلبها ~~بالحدس، وفي بيانه، - صلى الله عليه وسلم -، شفاء العي وثلج اليقين، ونور ~~التبصرة، فأدنى تلك الحروف هو حرفا صلاح الدنيا، فلها حرفان: # PageV01P057 # أحدهما: حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهر منه لبعده عن ~~تقويمها. # والثاني حرف الحلال: الذي تصلح النفس والبدن عليه، لموافقته لتقويمها. ~~وأصل هذين الحرفين في التوراة، وتمامها في القرآن. # ثم يلي هذين حرفا صلاح المعاد: # أحدهما: حرف الزجر والنهي الذي لاتصلح الآخرة إلا بالتطهر منه، لبعده عن ~~حسناها. # والثاني: حرف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه، لتقاضيه لحسناها. وقد تتضرر ~~على ذلك حال الدنيا، لأنه يأتي على كثير من حلالها، لوجوب إيثار الآخرة ~~لبقائها وكليتها على الدنيا لفنائها وجزئيتها، لكون خير الدنيا جزءا من ~~مائة، وشر الدنيا جزء من سبعين، ولا يؤثر هذا الجزء الأدنى لحضوره على ذلك ~~الكل الأنهى لغايته إلا أن من سفه وضعف إيمانه، فتخلص المرء من حرف الحرام ~~طهره، وتخلصه من النهي طيبه. # وأصل هذين الحرفين في الإنجيل، وتمامها في القرآن. ثم يلي هذين حرفا صلاح ~~الدين: أحدهما حرف المحكم، الذي بان للعبد فيه خطاب ربه من جهة أحوال قلبه، ~~وأخلاق نفسه، وأعمال بدنه، فيما بينه وبين ربه، من غير التفات ms002 لغرض النفس ~~في عاجل الدنيا ولا لأملها. # والثاني حرف المتشابه: الذي لايتبين للعبد فيه خطاب من جهة قصور عقله # PageV01P058 # عن إدراكه، ووجوب تسبيح ربه عن تمثل عبده إلى أن يؤيده الله بتأييده. # فالحروف الخمسة للاستعمال، وهذا الحرف السادس للوقوف، ليكون العبد قد وقف ~~لله بقلبه عن حرف، كما قد كان أقدم لله على تلك الحروف، ولينسخ بعجزه ~~وإيمانه، عند هذا الحرف السادس، انتهاء ما تقدم من طوقه وعلمه في تلك ~~الحروف ابتداء. # وأصل هذين الحرفين في الكتب المتقدمة كلها، وتمامها في القرآن. فهده ~~الحروف الستة يشترك فيها القرآن مع سائر الكتب، ويزيد عليها تمامها وبركة ~~جمعها، ويختص القرآن بالحرف السابع الجامع مبين المثل الأعلى، ومظهر ~~الممثول الأعظم. حرف الحمد الخاص بمحمد، - صلى الله عليه وسلم -، وبكتاب ~~محمد، وهو حرف المثل، وعن جمعه وكمالة جمعه لمحمد في قلبه، وقرآنه على ~~لسانه، وبيانه في ذاته، ظهرت عليه خواص خلقه الكريم، وخلقه العظيم، ولا ~~ينال إلا موهبة من الله لعبده بلا واسطة، والستة تتنزل بتوسطات من استواء ~~الطبع، وصفاء العقل، ومتانة وحي النبي، وإلهام الولي. # ولما كان حرف الحمد هو سابعها الجامع، افتتح الله، سبحانه، به الفاتحة أم ~~القرآن وأم الكتاب، وجمع فيها جوامع الحروف السبعة التي بثها في القرآن، ~~كما جمع في القرآن ما بث في جميع الكتب المتقدمة، كما ضرب الله، سبحانه، ~~مثلها لنبيه، حيث أعلمه أن مثل الكتب المتقدمة كفضة كثيرة ثقلت على مريد ~~السفر بها، فابتاع بها ذهبا، فذلك مثل القرآن، ثم ثقل عليه الذهب، فابتاع ~~به جوهرا، فذلك مثل أم القرآن، فإذن كمال الحروف الذي أنزل عليها القرآن ~~موجود في جوامع أم القرآن: # فالآية الأولى تشتمل على حرف الحمد السابع، والثانية تشتمل على حرفي ~~الحلال والحرام التي أقامت الرحمانية بهما الدنيا [والرحيمية الآخرة]، ~~والآية الثالثة # PageV01P059 # تشتمل على أمر الملك القيم، على حرفي الأمر والنهي، اللذين يبدو أمرهما ~~في يوم الدين، والآية الرابعة تشتمل على حرفي المحكم، في قوله: {إياك نعبد} ~~والمتشابه في قوله: {وإياك نستعين}. # ولما كانت نبأ ms003 خطاب محاضرة لم تردد مسألتهما في السورة، فانفرد هذان ~~الحرفان عن الدعاء فيهما، وعادت مسألة الآبه الخامسة على حرف الحمد، ومسألة ~~الآية السادسة على آية النعمة من حرفي الحلال والحرام، ومسألة الآية ~~السابعة على آية الملك من حرفي الأمر والنهي، فجمعت الفاتحة جوامع الحروف ~~السبعة، وكما ابتدأت الفاتحة بالسابع الجامع الموهوب، ابتدئ القرآن بالحرف ~~السادس المعجوز عنه، وهو حرف المتشابه، لأن إظهار العجز ومحض الإيمان كانت ~~الهبة والتأييد، وليكون العبد يفتتح القرآن بالإيمان بغيب متشابهه في قوله: ~~{الم} فيكون أتم انقيادا لما دونه، وبريئا من الدعوى في مستطاعه في سائر ~~الحروف. # ثم ولى السادس المفتتح به القرآن الخامس المحكم من وجه، في قوله تعالى: ~~{ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} لأن من عمل بها من قلبه شعبة إيمان ~~وعلم، كانت له من المحكم، ومن عمل بها ائتمارا وإلجاء، ولم يدخل الإيمان في ~~قلبه، كانت له حرف أمر. {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم ~~شيئا}. # وهذا إنما وقع ترتيبه هكذا في القرآن المتلو، وأما تنزيله في ترتيب ~~البيان فإن أول ما أنزل على النبي، - صلى الله عليه وسلم -، هو من حرف ~~المحكم، وهو قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} الآيات الخمس. # وأول ما أنزل إلى الأمة في ترتيل البيان هو من حرف الزجر والنهي، وهو ~~قوله # PageV01P060 # تعالى: {يا أيها المدثر (1) قم فأنذر}. {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد}. أعلمهم بما يخاف عاقبته في الآخرة، وإن كان قد اتخذوا في الدنيا ~~مودة بأوثانهم، وقال: (إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في ~~الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض} الآية، فابتدأ، تعالى ترتيل ~~الأمة بإصلاح المعاد الأهم، لأن عليه يصلح أمر الدنيا: "من اشتغل بآخرته ~~كفاه الله أمر دنياه" وبدأ منها بحرف الزجر والنهي، وهو المبدوء به في ~~الحديث، وهو ما رواه ابن وهب من طريق ابن مسعود، عن رسول الله، - صلى الله ~~عليه وسلم -، قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد، على وجه ms004 واحد، ونزل ~~القرآن على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، ~~فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتهم عنه، ~~واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به، كل ~~من عند ربنا" وفي حديث آخر، من طريق ابن عمر: "أن الكتب كانت تنزل من باب ~~واحد، وأن هذا القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف" وردد النبي، - صلى ~~الله عليه وسلم -، لفظ الزجر بلفظ النهي، لأن المقصود منهما واحد، وهو ~~الردع عما يضر في المعاد، إلا أن الردع على وجهين: خطاب لمعرض، ويسمى زجرا، ~~كما يسمى في حق البهائم، وخطاب لمقبل على التفهم، ويمسي نهيا، فكأن الزجر ~~يريع الطبع، والنهي يريع العقل. # فنفرد لكل واحد من هذه الحروف والوجوه فصلا على ترتيب إيراد الحديث، بحول ~~الله والتأييد بروح منه. # PageV01P061 ### | الفصل الأول # في حرف الزجر والنهي # وجه إنزال هذا الحرف كف الخلق عما يهلكهم في أخراهم، وعما يخرجهم عن ~~السلامة في موتهم وبعثهم، مما رضوا به واطمأنوا عليه، أو أثروه من دنياهم. # فمتوجهه للمطمئن بدنياه، المعرض عن داعيه إلى اجتناب ما هو عليه، يسمى ~~زجرا، ومتوجهه للمتلفت المستشعر ببعض الخلل، فيما هو عليه، يسمى نهيا، وهما ~~يجتمعان في معنى واحد، ومقصود واحد، إلا أنه متفاوت، ولذلك رددها النبي، - ~~صلى الله عليه وسلم -، على المعنى الجامع في هذا الحديث. # وأولاهما بالبدء به في الإنزال الزجل، لأن النبي، - صلى الله عليه وسلم ~~-، إنما بعثه الله حين انتهى الضلال المبين في الخلق، ونظر الله، سبحانه، ~~إلى جميع أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، كما ورد ~~في الحديث الصحيح إسنادا ومتنا ولذلك كان أول منزل الرسالة سورة {يا يا ~~أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) والرجز ~~فاهجر}. وهي أول قوارع الأمر، كما أن فجأة الساعة أول قوارع الخلق، ولذلك ~~انتظم ذكرهما في قوله تعالى: {فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير ~~(9) على الكافرين غير يسير}. # PageV01P062 # وللمزجور حالان: إما أن ينفر عند ms005 الزجرة توحشا، كما قال تعالى: {كأنهم ~~حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة} وإما أن يدبر بعد فكرة تكبرا، كما قال ~~تعالى: {ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر} وربما شارف أن يبصر ~~فصرف، كما قال عمر، رضي الله عنه: "لكنها عقول كادها باريها". {سأصرف عن ~~آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} ~~صرفوا عن آيات الحق السماوية على ظهورها عقوبة على ذنب تكبرهم على الخلق، ~~مع الإحساس بظهور آية انضمام الأرحام في الأرض ووضوحها. # وكل قادعة لنوعي الكافرين: النافرين والمدبرين، من هذا الحرف، وتمام هذا ~~المعنى بنهي المتأنس المحاضر عن الفواحش الظاهرة والباطنة الضارة في ~~العقبى، وإن تضرروا بتركها في الدنيا، نحو قوله تعالى: {ولا تقربوا} في أكل ~~مال اليتيم، والزنا وإيتاء الحائض، إلى ما دون ذلك من النهي عما يعدونه في ~~دنياهم كيسا، نحو قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} {لا ~~تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} {ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا} و {لا يسخر ~~قوم من قوم} وما لحق بهذا النمط، إلى ما دون ذلك على اتصال التفاوت من ~~النهي عن سوء التأويل # PageV01P063 # لطية غرض النفس، نحو قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا} إلى ما دون ذلك من النهي عما يقدح في ~~الفضل، وإن كان من حكم العدل، نحو قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم ~~والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} إلى تمام ~~مالا تحصل السلامة إلا به، من النهي عما زاد على الكفاف والبلغة في الدنيا ~~الذي به يصح العمل بالحكمة، نحو قوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا} إلى ~~قوله: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} ونحو قوله تعالى: {ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} لأن كل زائد ~~على الكفاف فتنة. # وهذا هو أساس ما تتفاوت به درجات العلم في الدنيا، ودرجات الجنة في ~~الآخرة، ولا تصح ms006 الوجوه والحروف التي بعده علما وعملا وثباتا وقبولا عند ~~التمحيص إلا بحسب الإحكام في قراءة هذا الحرف وجمعه وبيانه، لأنه طهور لا ~~بعده من صلاة حرف الأمر، وما قصر بعشرات فرق الأمة إلا التقصير في حرف ~~النهي، لأن الملة الحنيفية مبنية على الإكتفاء باليسير من المأمورات ~~والمبالغة في الحمية من عموم ما لايتناهى من المنهيات، لكثرة مداخل الآفات ~~منها على الخلق، فيما بعد الموت. # ويصعب هذا الحرف على الخلق ما استقر في أوهامهم أن دنياهم لا تصلح إلا ~~بالمثابرة على صفوف المنهيات لنظرهم لجدواها في الدنيا، وعماهم عن وبالها ~~في الأخرى، وما حوفظ على الرياضات والتأديبات والتهذيبات إلا لوفاء الحمية ~~منها. والحمية أصل # PageV01P064 # الدواء، فمن لم يحتم عن المنهيات، لم ينفعه تداويه بالمأمورات، كالذي ~~يتداوى ولا يحتمي يخسر الدواء ويتضاعف الداء، {هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ~~(103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} جاءوا ~~بحسنات كأمثال الجبال، وكانوا يصومون ويصلون، وياخذون وهنا من الليل، لكن ~~ذلك تداو بغير حمية، لما لم يحتموا من الدنيا التي نهوا عن زهرتها، فكانوا ~~إذا لاحت لهم وثبوا عليها فيصيبون منا الشهوات، ويعملون المعصيات، فلم ~~تنفعهم المداواة. # فمن احتمى فقد قرأ هذا الحرف، وهو حسبه، {فاقرءوا ما تيسر منه} أحب ~~العبادات إلى الله ترك الدنيا، وحمية النفس من هوى جاهها ومالها. "بل نبيا ~~عبدا، أجوع يوما وأشبع يوما". "من رغب عن سنتي فليس مني". والقرآن حجة لمن ~~عمل به فصار أمامه يقوده إلى الجنة، وحجة على من لم يعمل به يصير خلفه، ~~فيسوقه إلى نار الحية التي في جب وادي جهنم، التي تستعيذ منها جهنم والوادي ~~والجب في كل يوم سبع مرات {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا}. ~~{يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا}. {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}. "أعوذ ~~بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك" والحمد لله رب العالمين. # PageV01P065 ### | الفصل الثاني # في حرف الأمر # وجه إنزال هذا ms007 الحرف حمل الخلق على صدق التذلل لله، إثر التطهر من زجرهم، ~~ليعود بذلك وصل ما انقطع وكشف ما انحجب، وهو حرف العبادة المتلقاة ~~بالإيمان، المثابر عليها بسابق الخوف، المبادر لها تشوقا بصدق المحبة، ~~فالعابد ما ساقه الخوف إليها، والمعارف من قاده الحب لها، وهو بناء ذو عمود ~~وأركان، وله حظيرة تحوطه، فأما عموده فإفراد التذلل لله توحيدا، وطليعة آيه ~~ما كان نحو قوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا}. طهرهم حرف ~~الزجر من رجز عبادة إله آخر، فأثبت لهم حرف الأمر التفريد حين لايشركون معه ~~في التذلل شيئا، أي شيء كان آخر، وهو أول ما أقام الله من بناء الدين، ولم ~~يفرض غيره نحو العشر من السنين، في إنزال ما أنزل بمكة من القرآن وسن مع ~~فرضه. # الركن الأول وهو الصلاة: وبدئت بالوضوء عملا من حذو [تطهر القلب والنفس ~~بحرف النهي، وأعقب بالصلاة عملا من حذو] حضور القلب بالتوحيد بين يدي الرب، ~~فالوضوء وجه عمل حرف الزجر، والصلاة وجه عمل حرف الأمر، وسن على تأسيس بدار ~~الحب، لتبدو قوة الإيمان في مشهود ملازمة خدمة الأبدان، فكان أقواهم إيمانا ~~أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتا، من أحب ملكا خدمه ولازمه، ولا تخدم الملوك ~~بالكسل والتهاون، وإنما تخدم بالجهد والتذلل، فكانت الصلاة علم الإيمان، ~~تكثر # PageV01P066 # بقوته وتقل بضعفه، لأنها لو فرصت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق ~~الحب، كما لا يظهر بعد فرضها إلا في النوافل، ولإجهاد النبي، - صلى الله ~~عليه وسلم -، نفسه وبدنه في ذلك، أنزل عليه: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ~~(2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) ~~الرحمن على العرش استوى}. إلى قوله: {الله لا إله إلا هو له الأسماء ~~الحسنى}. # هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول، وذلك قبل إسلام عمر، ~~رضي الله عنه، وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين، فلما دخل الإسلام من لا ~~يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو نحوها، فرضت الصلاة، فاستوى ~~في فرضها المحب والخائف، وسن رسول الله، ms008 - صلى الله عليه وسلم -، التطوع ~~على ما كان أصلها. وذلك صبيحة ليلة الإسراء. # وأول منزل هذا الحرف، والله أعلم، في فرض هذا الركن، أو من أول منزله، ~~قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر} اختص لهم ~~بها أوقات الرحمة، وجنبهم بها أوقات الفتنة، ومنه جميع آي إقامة الصلاة ~~وإتمامها. # الركن الآخر الصوم: وهو إذلال النفس لله بإمساكها عن كل ما تشوف إليه من ~~خاص أمرها، نهارا للمقتصر، ودواما للمعتكف، وهو صلة بين العبد وبين نفسه، ~~ووصل لشتاته في ذاته. # [وأول إنزال هذا الركن من هذا الحرف بالمدينة، بعد مدة من الهجرة] وأول ~~منزله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم}. # وإنما فرض، والله أعلم، بالمدينة، لأنهم لما أمنوا من عداوة الأمثال ~~والأغيار، وعام # PageV01P067 # الفتنة بالمدينة، عادت الفتنة خاصة في الأنفس، بالتبسط في الشهوات، وذلك ~~لا يليق بالمؤمنين المؤثرين للدين على الدنيا، ثم أنزل إتمامه بقوله: {شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن} إلى ما يختص من الآي بأحكام الصيام. # الركن الآخر الزكاة: وهو كسر أنفة الغني بما يؤخذ بأخذه منه من حق ~~أصنافها أطهارا، لأن المشتغلين بالدين آثر عند الله من القيمين على ~~الأموال، وليميز بها الذين آمنوا من المنافقين، لتمكنهم من الرياء في ~~العمود والركنين، ولم يشهد الله بالنفاق جهرا أعظم من شهادته على مانع ~~الزكاة، ومن منع زكاة المال عن الخلق كان كمن أمتنع عن زكاة قواه بالصلاة ~~من الحق، فلذلك لا صلاة لمن لا زكاة له، وكما كانت الصلاة حبا قبل فرضها، ~~كذلك كان الإنفاق لما زاد على الفضل عزما مشهورا عندهم لا يعرفون غيره، ولا ~~يشعرون في الإسلام بسواه، فلما شمل الإسلام أخلاط الناس، وشحت النفوس، فرضت ~~الزكاة، وعين أصنافها، وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم، وكثر خير الله ~~عندهم، وحين نجم نفاق قوم بها أنفة # PageV01P068 # من حظ رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصرة لخلق الله، وتثنى فيها الخطاب؛ ~~مرة لأرباب الأموال بقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} ليكون لهم قربة، ms009 إذا أتوها ~~سماحا، ومرة للقائم بالأمر بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} حين يؤنس من ~~نفوسهم شح، وشدد الله، سبحانه، فيها الوعيد في القرآن جبرا لضعف أصنافها. ~~ويتسق بذلك جميع ما أنزل في شأن النفقات والصدقات؛ بدارا عن حب، أو ائتمارا ~~عن خوف. # الركن الآخر الحج: وهو حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في ~~خاتمة سنيهم ومشارفة وفاتهم، ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم، فكمل به ~~بناء الدين، وذلك في أواخر سنين الهجرة، ومن آخر المنزل بالمدينة. # وأول خطابه: {ولله على الناس حج البيت} تثنية على أذان إبراهيم، عليه ~~السلام، {وأذن في الناس بالحج} إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه. # الحظيرة الحائطة: وهي الجهاد، ولم تزل مصاحبة للأركان كلها، إما مع ضعف، ~~كما بمكة، أو مع قوة، كما بالمدينة. # PageV01P069 # ومن أول تصريح منزله: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} إلى قوله، ~~{وقاتلوا المشركين كافة}. {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} إلى قوله تعالي: ~~{جاهد الكفار والمنافقين} إلى انتهاء قتال أهل الكتاب، في قوله نعالى: ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى تمام المنزل في شأنه ~~في قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وهو تمام ~~حرف الأمر. # ولكل من ذلك الظاهر في الإسلام موقع حذوه في الإيمان، وموقع في الإحسان، ~~الذي ثلاثتها هو كمال الدين، كل ذلك من منزل القرآن من بين إفصاح وإفهام في ~~هذا الحرف، وهو وفاء الدين، والتعبد لرب العالمين، والحمد لله رب العالمين. # PageV01P070 ### | الفصل الثالث # في حرف الحلال # وجه إنزال هذا الحرف توسيع الاستمتاع للخلق، بما خلق الله في الأرض من ~~خيره ونعمه الموافقة لطباعهم وأمزجتهم، وقبول نفوسهم في جميع جهات ~~الاستمتاع، من طعام وشراب ولباس ومركب ومأوى، وسائر ما ينتفع به مما أخرجه ~~الله، ومما بثه في الأرض،، ومما عملته أيديهم في ذلك، من صنعة وتركيب ومزج ~~ونحو ذلك، ليشهد دوام لبس الخلق الجديد في كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه. # ولما كان ms010 الإنسان مخلوقا من صفاوة كل شيء، توسع له جهات الانتفاع بكل ~~شيء، إلا ما استثنى منه لحرف الحرام، ووجهه، كما استثنى لآدم أكل الشجرة من ~~متسع رغد الجنة، فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه، أو خبث نفسه، أو ~~أران على قلبه، وذلك بأن يسوغ له طبعا، وتحسن مغبته في أخلاق نفسه، ويسنده ~~قلبه لمنعمه الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة، ثم كمل القرآن ذلك ~~بإلزام إخلاصه للمنعم به من غير أثر لما سواه فيه. # PageV01P071 # وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا}. # ومن أوائله بحسب ترتيب البيان - والله أعلم - {هو الذي أنزل من السماء ~~ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون} الآية، وسائر الآيات الواردة في ~~سورة النحل، وفي سورة "يس" إذ هي القلب الذي منه مداد القرآن كله، في قوله ~~تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون} ~~الآيات، إلى سائر ما في القرآن من نحوه. # وفي متسع حلال هذا الحرف وقعت الفتنة على الخلق بمازين لهم منه: {زين ~~للناس حب الشهوات} الآية. # ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من طيب الآخرة. {أذهبتم طيباتكم ~~في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}. "إنما يلبس هذه من خلاق له" {فاستمتعوا ~~بخلاقهم} ومن رؤية سوء هذا المخسر نشأ زهد الزاهدين، ومن رؤية حسن المتجر ~~وربحه وتضاعفه إلى مالا يدرك مداه ونعيمه في بيع خلاق الدنيا بخلاق الآخرة، ~~نشأ ورع المورعين، فاستراحت قلوبهم بالزهد، وانكفوا بالورع عن الكد، وتفرغت ~~قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد، وتميز الشقي من السعيد بالرغبة فيه أو عنه، فمن ~~رغب في الحلال شقي، ومن رغب عنه سعد. # وهو الحرف الذي قبض بسطه حرف النهي، حتى لم يبق لابن آدم حظ فيما زاد # PageV01P072 # على حلف الطعام، وهي كسرة، وثوب يستره وبيت يكنه، وما زاد عليه متجر، إن ~~أنفقه ربحه، وقدم عليه، وإن ادخره خسره وندم ولذلك لم يأذن الله لأحد في ~~أكله حتى يتصف بالطيب للناس الذين هم ms011 أدنى المخاطبين، بانسلاخ أكثرهم من ~~العقل والشكر # والإيمان. {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} ومحا اسمه من ~~الذين آمنوا، وهم الذين لايثبتون ولا يدومون على خير أحوالهم، بل يخلطون، ~~وذلك في قوله: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} وهو ما طيبه ~~حرف النهي - علما، وبريء من حوار القلوب طصأنينة، وتمم وأنهى صفوه للمرسلين ~~فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات}، وورد جوايا لسؤالهم في قوله: ~~{يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} فمن آثر حرف النهي حرف الحلال، ~~فقد تزكى واتبع الأحسن، ووضح هداه، وصفا لبه، ومن آثر حرف الحلال على حرف ~~النهي، فقد تدسى وحرم هدي الكتاب وعلم الحكمة ومزيد التأييد، بما فاته من ~~التزكية، وتورط فيه من التدسية. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. # PageV01P073 ### | الفصل الرابع # في حرف الحرام # وجه إنزال هذا الحرف طهرة الخلق من مضار أبدانهم، ورجاسة نفوسهم، ومجهلة ~~قلوبهم، فما اجتمعن فيه كان أشده تحريما، وما وجد فيه شيء منها كان تحريمه ~~بحسب تأكد الضرورة إلى طهرته. # وكما اختلفت أحوال بني آدم، بحسب اختلاف طينتهم، من بين خبيث وطيب، وما ~~بين ذلك، اختلفت أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من رزقهم. فمن اغتذى بدنه من ~~شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذي به وأوصافه في نفسه، ورين على القلب أوصفا، ~~لتقوته بما يسمى عليه من ذكر الله، أو كفر به بذكر غيره. # وجامع منزله على حده من استثناء قليله من متع الحلال، قوله تعالى: {قل لا ~~أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} ~~هذا لمضرته بالبدن، "أو لحم خنزير" وهذا لتخبيثه للنفس وترجيسه لها، كما ~~قال تعالى: {فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به}. فهذا لريته على القلب. # PageV01P074 # وهذه الآية مدنية، وأثبتها الله في سورة مكية إشعارا بأن التحريم كان ~~مستحقا في أول الدين، ولكن أخر إلى حين اجتماع جمة الإسلام بالمدينة؛ ~~تأليفا لقلوب المشركين، وتيسيرا على ضعفاء الذين آمنوا، ms012 واكتفاء للمؤمنين ~~بتنزههم عن ذلك وعما يشبهه؛ استبصارا منهم، حتى إن الصديق، رضي الله عنه، ~~كان قد حرم الخمر على نفسه في زمن الجاهلية، لما رأى فيها من نزف العقل، ~~فكيف بأحوالهم بعد الإسلام، وألحق بها في سورة {الذين آمنوا} ما كان قتله ~~سطوة من غير ذكر الله عليه، من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما ~~أكل السبع، إلا ما تدورك بالتذكية المنهرة للدم المؤصل في التحريم، لفساد ~~مسفوحه بما هو خارج عن حدي الطعام في الابتداء والأعضاء في الانتهاء، ~~المستدركة ببركة التسمية إثر ما أصابها من مفاجأة السطوة، وألحق بها أيضا ~~في هذه السورة تحريم الخمر لرجسها، كالخنزير، كما ألحقت المقتولة بالميتة. # وكما حرم الله ما كان فيه جماع الرجس من الخنزير، وجماع الإثم من الخمر، ~~حرم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ما كان فيه حظ من ذلك، فألحق ~~بالخنزير السباع، حماية من سورة غضبها، لشدة المضرة في ظهور الغضب من ~~العبيد، لأنه لا يصلح إلا لسيدهم، وحرم الحمر الأهلية حماية من بلادتها ~~وحرانها، الذي هو علم غريزة الخرق في الخلق، وألحق، - صلى الله عليه وسلم ~~-، بتحريم الخمر، الذي سكرها مطبوع، تحريم المسكر الذي سكره مصنوع. # PageV01P075 # وكما حرم الله مايضر العبد في ظاهره وباطنه، حرم عليه، فيما بينه وبينه، ~~ما يقطعه عنه من أكل الربا. "الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك". ~~وجامع منزله في قوله تعالى: {الذين يأكلون الربا} إلى قوله: {وأحل الله ~~البيع وحرم الربا} إلى انتهاء ذكره، إلى ما ينتظم بذلك في قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} الآية. إلى ما يلحق بذلك ~~في قوله تعالى: {وما آتيتم من ربا} الآية. ولما كان تحريم الربا لما بين ~~الرب والعبد، كان فيه الوعيد بالإيذان بحرب من الله ورسوله، ولذلك حمت ~~الأئمة ذرائعه أشد الحماية، وكان أشدهم في ذلك عالم المدينة، حتى إنه حمى ~~من صورته، مع الثقة بسلامة الباطن منه، وعمل بضد ذلك في محرمات ما بين ~~العبد ونفسه. # وكما حرم الله ms013 الربا، فيما بينه وبين عبده، من هذا الوجه الأعلى، كذلك ~~حرم أكل المال بالباطل، فيما بين العبد وبين غيره من الطرف الأدنى. # وجامع منزله في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} إلى ما ينتظم به من قوله ~~تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} إلى ما ينتظم بذلك من قوله ~~تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} الآيات في أموال اليتامى، فحرمه الله تعالى ~~من جهة الأعلى والمثيل والأدنى، وانتظم التحريم في ثلاثة أصول: من جهة ما ~~بين الله وبين عبده، ومن جهة ما بين العبد وبين نفسه، ومن جهة ما بين العبد ~~وبين غيره، مما تستقرى جملة آيه في القرآن، وأحاديثه في السنة، ومسائله في ~~فقه الأيمة. # PageV01P076 # ولما كان له متسع وقع فيما بين الحلال الصرف والحرام المحض، أمور ~~متشابهات، لا يعلمها كثر من الناس، لأنها تشبه الحلال من وجه، وتشبه الحرام ~~من وجه، فلوقوعها بينهما تختلف فيها الأيمة علما، ويتجنب جميعها الصالحون ~~عملا. "من اتقى الشبهات استبرأ لدينه في العقبى، ولعرضه في الأولى". # وعن حماية الله عباده عن وبيل الحرام، تحقق لهم اسمه الطبيب، فلم يتطبب ~~بطب الله من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها، وهو الورع الذي هو ملاك ~~الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. # PageV01P077 ### | الفصل الخامس # في حرف المحكم # وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به في صدق وجهته ~~إلى الحق بانقطاعه عن نفسه، وبراءته منها، والتجائه إلى ربه استسلاما، ~~وحفده في خدمته إكبارا، واستناده إليه اتكالا، وسكونه له طمأنينة: {يا ~~أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية}. # ويتأكد تحلي العبد بمستحق أوصافه بقراءة هذا الحرف، والعمل به بحسب ~~براءته من التعرض لنظيره المتشابه، [لأن اتباع المتشابه] زيغ، لقصور العقل ~~والفهم عن نيله ووجوب الاقتصار على الإيمان به، من غير موازنة بين ما خاطب ~~الله تعالى به عباده للتعرف، وبين ما خلقه للعبد للاعتبار. "سبحان من لم ~~يجعل سبيلا إلى معرفته ms014 إلا بالعجز عن معرفته". # وجامع منزل المحكم ما افتتح به التنزيل في قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك} ~~الآيات. وما قدم في الترتيب في قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} ~~إلى ما # PageV01P078 # ينتظم بذلك من ذكر عبادة القلب، التي هي المعرفة. {وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون}، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله. فإذا عرفوا الله، ومن ~~ذكر عبادة النفس، التي هي الإجمال في الصبر، وحسن الجزاء {واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم} {ويدرءون بالحسنة السيئة} ومن ذكر عبادة الجوارح ~~بالخشوع: {قد قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون}. "لو خشع ~~قلب هذا لخشعت جوارحه". إلى سائر أحوال العبد، التي يتحقق بها في حال ~~الوجهة إلى الرب. # وما تقدم من حرفي الحرام والحلال لإصلاح الدنيا، وحرفي الأمر والنهي ~~لإصلاح العقبى معاملة كتابة. # والعمل بهذا الحرف اغتباط بالرق، وعياذ من العتق، فلذلك هو أول الاختصاص، ~~ومبدأ الاصطفاء، وإفراد موالاة الله وحده من غير شرك من نفس ولا غير، ولذلك ~~بديء بتنزيله النبي العبد، وهو ثمرة ما قبله، وأساس ما بعده، وهو للعبد ~~أحوال محققة، لا يشركه فيها ذو رياء ولا نفاق، ويشركه في الأربعة المتقدمة، ~~لأنها أعمال ظاهرة، فيتحلى بها المنافق، وليس يمكنه مع نفاقه التحلي ~~بالمعرفة، ولا # PageV01P079 # بالخشوع، ولا بالخضوع، ولا بالشوق للقاء، ولا بالحزن في الإبطاء، ولا ~~بالرضا بالقضاء، ولا بالحب الجاذب للبقاء في طريق الفناء، ولا بشيء مما ~~شمله آيات المحكم المنزلة في القرآن، وأحاديثه الواردة للبيان. # وإنما يتصف بهذا الحرف عباد الرحمان: {وعباد الرحمن الذين يمشون على ~~الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} الذين ليس للشيطان عليهم ~~سلطان: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}. # ولما كان حرف المحكم مستحق العبد في حق الرب، في فطرته التي فطر عليها، ~~كان ثابتا في كل ملة وفي كل شرعة، فكانت آياته لذلك هن أم الكتاب، المشتمل ~~على الأحرف الأربعة، لتبدلها وتناسخها وتناسيها في الشرع والملل، واختلافها ~~في مذاهب الأيمة في الملة الجامعة، مع اتفاق الكل في الشرع ms015 المحكم، فهو ~~أمها وقيامها الثابت حال تبدلها، وهو حرف الهدى، الذي يهدي الله به من ~~يشاء. وقراؤه العملة له هم المهتدون أهل السنة والجماعة، كما أن المتبعين ~~لحرف المتشابه، هم المفترقون في الملل، وهم أهل البدع والأهواء، المشتغلون ~~بها لا يعنيهم. وبهذا الحرف المتشابه يضل الله من يشاء. فحرف المحكم ~~للاجتماع والهدى، وحرف المتشابه للافتراق والضلال. والله يقول الحق، وهو ~~يهدي السبيل. # PageV01P080 ### | الفصل السادس # في حرف المتشابه # وجه إنزال هذا الحرف تعرف الحق للخلق، بمعتبر ما خلقهم عليه، ليلقنوا عنه ~~وليفهموا خطابه، وليتضح لهم نزول رتبتهم عن علو ما تعرف به لهم ولينختم ~~بعجزهم عن إدراك هذا الحرف علمهم بالأربعة وحسهم بالخامس، [وبوقوفهم عنه ~~والاكتفاء بالإيمان منه ما تقدم من عملهم بالأربعة، واتصافهم بالخامس] لتتم ~~لهم العبادة بالوجهين: من العمل والوقوف، والإدراك والعجز: {فارجع البصر هل ~~ترى من فطور}؛ علما وحسا، {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو ~~حسير} وقوفا وعجزا، أعلمهم بحظ من علم أنفسهم وغيرهم، بعد أن أخرجهم من ~~بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ثم أعجزهم عن علم أمره وأيامه الماضية الآتية ~~وغائب الحاضرة، ليسلموا له اختيارا، فيرزقهم اليقين بأمره وغائب أيامه، كما ~~أسلموا له في الصغر اضطرارا، فرزقهم حظا من علم خلقه، فمن لم يوقفه في حد ~~الإيمان اشتباه خطابه تعالى عن نفسه، وما بينه وبين خلقه، وحاول تدركه ~~بدليل أو فكر أو تأويل، حرم اليقين بعلى الأمر والتحقيق في علم الخلق، وأخذ ~~بما أضاع # PageV01P081 # من محكم ذلك المتشابه، حين اشتغل عما يعنيه من حال نفسه، بما لا يعنيه من ~~أمر ربه، وكان كالمتشاغل بالنظر في زي الملك وتنظيره بزي نفسه، عن مراقبة ~~ما يلزمه من تفهم حدوده، وتذلله لحرمته. # وجوامع منزل هذا الحرف في رتبتين: مبهمة، ومفصلة. # أما انبهامه فلوقوف العلم به على تعريف الله بغير واسطة من وسائط النفس ~~من فكر ولا استدلال، وليتدرب المخاطب، بتوقفه عن المبهم، على توقفه عن ~~مفصله. # ومبهمه هو جوامع الحروف المنزلة في أوائل السور التسعة والعشرين من ms016 سوره، ~~وبه افتتح الترتيب في القرآن، ليلقى الخلق بادئ أمر الله بالعجز والوقوف ~~والاستسلام، إلى أن يمن الله بعلمه بفتح من لدنه، ولذلك لم يكن في تنزيله ~~في هذه الرتبة ريب لمن علمه الله كنهه، من حيث لم يكن للنفس مدخل في علمه، ~~وذلك قوله تعالى: {الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه} لمن علمه الله إياه {هدى ~~للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب} وقوفا عن محاولة علم ما ليس في وسع الخلق ~~علمه، حتى تلحقه العناية من ربه، فيعلمه مالم يكن يعلم. # وأما الرتبة الثانية فمتشابه الخطاب المفصل، المشتمل على إخبار الله عن ~~نفسه وتنزلات أمره، ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته، وتصيير حكمته، وباطن ~~ملكوته، وعزيز جبروته، وأحوال أيامه. # وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في قوله تعالى: {ثم استوى ~~إلى # PageV01P082 # السماء وهي دخان} إلى قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} إلى سائر ما ~~أخبر عنه من عظيم شأنه، في جملة آيات متعددات كقوله تعالى: {إلا لنعلم من ~~يتبع الرسول} {فإني قريب} {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة} {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. {فأذنوا بحرب من الله} {هو ~~الذي يصوركم في الأرحام} {ويحذركم الله نفسه} {ولله ملك السماوات والأرض ~~والله على كل شيء قدير} {وكان الله سميعا بصيرا}. {بل يداه مبسوطتان ينفق ~~كيف يشاء} {وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم}. {خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش}. {قل الروح من ~~أمر ربي}. {الرحمن على العرش استوى}. {ولتصنع على عيني} {قل من # PageV01P083 # بيده ملكوت كل شيء}. {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله}. {كل شيء هالك إلا وجهه}. {هو ~~الذي يصلي عليكم وملائكته}. {إن الله وملائكته يصلون على النبي}. {ما منعك ~~أن تسجد لما خلقت بيدي}. {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}. {وسخر ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه}. {وله ms017 الكبرياء في السماوات ~~والأرض}. {كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك}. {هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن}. {وهو معكم أين ما كنتم}. {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما ~~كانوا}. {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا}. {تبارك الذي بيده الملك}. {تعرج ~~الملائكة والروح إليه}. {وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة}. {وما ~~تشاءون إلا # PageV01P084 # أن يشاء الله} {وجاء ربك والملك صفا صفا} إلى سائر ما أخبر فيه عن تنزلات ~~أمره وتسوية خلقه، وما أخبر عنه حبيبه محمد، - صلى الله عليه وسلم -، من ~~محفوظ الأحاديث التي عرف بها أمته ما يحملهم في عبادتهم على الانكماش والجد ~~والخشية والوجل والاشفاق، وسائر الأحوال المشار إليها في حرف المحكم، من ~~نحو حديث النزول والنعلين والصورة والضحك والكف والأنامل، وحديث التقرب ~~بالنوافل، وغير ذلك من الأحاديث التي ورد بعضها في الصحيحين، واعتنى بجمعها ~~الحافظ المتفنن أبو الحسين الدارقطني رحمه الله، ودون بعض المتكلمين جملة ~~منها لمقصد التأويل. # وشدد النكير في ذلك أيمة المحدثين، يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله ~~عنه، أنه قال: آيات الصفات، وأحاديث الصفات صناديق مقفلة، مفاتيحها بيد ~~الله، تأويلها تلاوتها، وعلى ذلك أيمة الفقهاء وفتياهم لعامة المؤمنين. # والذي أجمعت عليه الصحابة ولقنته العرب كلها أن ورود ذلك من الله، ومن ~~رسوله، ومن الأيمة، إنما لمقصد الإفهام، لا لقصد الإعلام، فلذلك لم تستشكل ~~الصحابة منه شيئا قط، بل كلما كان وارده عليهم أكثر، كانوا به أفرح، ~~وللخطاب به أفهم، حتى قال بعضهم، لما ذكر النبي، - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أن الله يضحك من عبده" # PageV01P085 # لانعدم الخير من رب يضحك. وهم وسائر العلماء بعدهم صنفان: # إما متوقف عنه في حد الإيمان، قانع بما أفاد من الإفهام. # وإما مفتوح عليه بما هو هو في صفاء الإيقان، وذلك أن الله، سبحانه، تعرف ~~لعباده في الأفعال والآثار في الآفاق، وفي أنفسهم تعليما، وتعرف للخاصة ~~منهم بالأوصاف العليا والأسماء الحسنى، مما ms018 يمكنهم اعتباره تعجيزا، فجاوزوا ~~حدود التعلم بالإعلام إلى عجز الإدراك، فعرفوا أن لا معرفة لهم. وذلك هو حد ~~العرفان، وإحكام قراءة هذا الحرف المتشابه في منزل القرآن، وتحققوا أن {ليس ~~كمثله شيء} {ولم يكن له كفوا أحد} فتهدفوا بذلك لما يفتحه الله على من يحبه ~~من صفاء الإيقان، والله يحب المحسنين. # PageV01P086 ### | الفصل السابع # في حرف المثل # هذا الحرف لإحاطته أنزل وترا، وسائر الحروف أشفاع، لاختصاصها. # ووجه إنزاله تفهيم ما غمض من المغيبات، بضرب مثل من المشهودات، ولما كان ~~للأمر تنزلات، وللخلق تطورات، كان الأظهر منها مثلا لما هو دونه في الظهور، ~~وكلما ظهر ممثول صار مثلا لما هو أخفى منه، فكان لذلك أمثالا عددا، منها ~~مثل ليس بممثول لظهوره، وممثولات تصير أمثالا لما هو أخفى منها، إلى أن ~~تنتهي الأمثال إلى غاية محسوس أو معلوم، فتكون تلك الغاية مثلا أعلى، ~~كالسموات والأرض فيما يحس، والعرش والكرسي فيما يعلم، {وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض}. {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم}. # وذلك المثل الأعلى لإحاطته اسمه الحمد {وله الحمد في السماوات والأرض} ~~وأحمده أنهاه وأدناه إلى الله، بحيث لا يكون بينه وبين الله واسطة، فلذلك ~~ما استحق أكمل الخلق وأجمعه، وأكمل الأمر وأجمعه الاختصاص بالحمد، فكان ~~[أكمل الأمر سورة الحمد، وكان] أكمل الخلق "صورة محمد" "كان خلقه # PageV01P087 # القرآن" {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم}. # ودون المثل الأعلى الجامع، الأمثال العلية المفصلة منه. {ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم}. ولإحاطة أمر الله وكماله في كل شيء، يصح أن يضربه مثلا: {إن الله ~~لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}. {مثل الذين اتخذوا من دون ~~الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا}. # وللمثل حكم من ممثوله، إن كان حسنا حسن مثله، وإن كان سيئا ساء مثله، ~~ولما كان أعلى الأمثال الحمد، كان أول الفاتحة: الحمد، ولما كان أخفى أمر ~~الخلق النفاق، كان أول مثل في الترتيب مثل المنافق، وهو أدنى مثل لما خفي ~~من أمر الخلق، كما أن الحمد أعلى ms019 مثل لما غاب من أمر الخلق. # وبين الحدين أمثال حسنة وسيئة، {مثل الجنة التي وعد المتقون} الآيتين. ~~{مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها}. {فمثله كمثل الكلب} الآيتين. # وبقدر علو المثل أو دنوه أو توسطه يتزايد للمؤمن الإيمان، وللعالم العلم، ~~وللفاهم الفهم، وبضد ذلك لمن اصتف بأضداد تلك الأوصاف {فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا}. # PageV01P088 # ومعرفة أمثال القرآن المعرفة إحاطة ممثولاتها، وعلم آياته المعلمة اختصاص ~~معلوماتها، هو حظ العقل واللب، وحرفه من القرآن، ولكل حرف اختصاص بحظ من ~~تدرك الإنسان وأعمال القلوب، والأنفس، والأبدان، فمن يسر له القراءة والعمل ~~بحرف منه اكتفى، ومن جمع له قراءة جميع أحرفه علما وعملا، فقد أتم ووفى، ~~وبذلك يكون القارئ من القراء الذين قال فيهم رسول الله، - صلى الله عليه ~~وسلم - "إنهم أعز من الكبريت الأحمر". # يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، هذا وفاء القول في الباب ~~الأول. # PageV01P089 ### | الباب الثاني # في شرط منال قراءة هذه الحروف وعلمها والعمل بها # ويشتمل كالأول على تمهيد وسبعة فصول. # القول في التمهيد: اعلم أن الله، سبحانه، خلق آدم بيده، ونفخ فيه من ~~روحه، ورزقه نورا من نوره، فلأنه خلقه بيده، كان في أحسن تقويم، خلقا، ~~ولأنه نفخ فيه من روحه، كان أكمل حياة قبضا وبسطا، ولأنه رزقه نورا من ~~نوره، كان أصفى عقلا وأخلص لبا، وأفصح نطقا وأعرب بيانا، جمعا وفصلا، ~~وأطلعه على ما كتب من حروف مخلوقاته إدراكا وحسا، وعقله ما أقام من أمره ~~فهما وعلما، ونبهه على ما أودعه في ذاته عرفانا ووجدا، ثم جعل له فيما سخر ~~له من خلقه متاعا، وأنسا، فأناسه وردده ما بين إقبال وإدبار وقبول وإعراض، ~~فمن شغل بالاستمتاع الأدنى عن الاطلاع الأعلى كان [سفيها، ومن شغله الاطلاع ~~الأعلى عن الاستمتاع الأدنى كان] حنيفا. # {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ~~سفه نفسه} {إن إبراهيم ms020 كان أمة قانتا لله حنيفا}. # PageV01P090 # ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين، وشغل أكثرهم أكلهم وتمنعهم، ~~وأنهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية، بما أوتي العقل من التبليغ عن الله ~~نظرا واعتبارا - اصطفى الله، سبحانه، من الحنفاء الذين قرأوا كتاب الخلق ~~منبهين على النظر الذي اشتغل عنه المعرضون، وأنف منه واستكبر عنه المدبرون، ~~وأكدوا تنبيههم بما اسمعوهم من نبأ ما وراء يوم الدنيا من أمر الله في ~~اليوم الآخر، وما تتمادى إليه أيام الله، وذكروهم بما مضى من أيام الله، ~~وأنزل الله، سبحانه، معهم كتبا يتلونها عليهم، ويبينونها لهم علما، وعملا، ~~وحالا، فقبل ما جاءوا به وصدقه واستبشر به الحنفيون، وأنذر به المدبرون ~~والمعرضون: {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} آمن من تنبه للنظر والاعتبار، ~~وألقى السمع وهو شهيد، وكفر من آثر متاعه بالعاجلة التي تراها الأعين على ~~وعد الله ووعيده في الآجله التي إنما يعيها القلب، وتسمعها الأذن، وكما شغل ~~المدعوين إلى الإسلام كفرهم ودنياهم، كذلك شغل المولدين في الإسلام غفلتهم ~~ودنياهم، لعبهم في صباهم، ولهوهم في شبابهم، وتفاخرهم في أشدهم واستوائهم، ~~وتكاثرهم في الأموال في اكتهالهم، وتكاثرهم في الأولاد في شيخهم، فاشترك ~~المدعو إلى الإسلام، والمولد فيه الغافل، في عدم الإقبال والقبول، وفي ترك ~~الاهتمام بالآجلة، واقتصارهما على الاهتمام بالعاجلة، وكلاهما جعل القرآن ~~وراء ظهره، المدعو لفظا وعلما، والمولد الغافل علما وعملا، فلم يسمعه ~~المدعو، ولم يفهمه الغافل، فجعله بالحقيقة وراء ظهره، ومن جعل القرآن خلفه ~~ساقه إلى النار، وإنما جعله أمامه من قرأه علما وحالا وعملا، # PageV01P091 # ومن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة. ولما قامت الحجة عليهم بقراءته، ~~إذا لم يجاوز حناجرهم، كانوا أشد من الكفار عذابا في النار "أكثر منافقي ~~أمتي قراؤها". {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}. # فإذن لابد في قراءة القرآن من تجديد إقبال، وتهيئ لقبول وتحقيق تقوى، ~~لأنه إنما هو هدى للمتقين، وإجماع على الاهتمام، وكما أن أمور الدنيا لا ~~تحصل لأهلها إلا على قدر عزائمهم واهتمامهم، فأحرى أن لا يحصل أمر ms021 الأخرى ~~إلا بأشد عزيمة وأجمع اهتمام. # فلا يقرأ القرآن من لم يقبل عليه بكلية ظاهره، ويجمع اهتمامه له بكلية ~~باطنه {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة}. ~~{يا يحيى خذ الكتاب بقوة}. (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك}. # فشرط منال قراءته اهتمام القلب بتفهمه، وإقبال الحس على استماعه وتدبره. ~~ولكل حرف شرط يخصه، يفرد لكل شرط فصل، بحول الله، ونبدأ بشرطي أحرف صلاح ~~الدنيا، والله ولي التأييد والتسديد. # PageV01P092 ### | الفصل الأول # فيما به تحصل قراءة حرف الحلال تماما في العلم والحال والعلم # اعلم أن الإنسان لما كان خلقا جامعا، كانت فيه بزرتان: بزرة للخير، وبزرة ~~للشر، وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة نبات بزرة الشر، تنمو فيه وتزكو بزرة ~~الحير، ولكل واحدة من البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده. # فأول الحروف في الترتيب العملي والأساس لما بعده، هو قراءة حرف الحرام. ~~ليحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان، فمن غذي بالحرام في ~~طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته، إلا أن يطهره الله بما شاء من ~~نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء، فهو الأساس الذي ينبني عليه تطهر ~~النفس من المناهي، وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل. # والذي به تحصل قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم. ويؤذي ~~النفس، وما يكره الخلق وما يغضب الرب. فمن أصاب شيئا من ذلك ولم يبادر الله ~~بالتوبة عذب بكل آية قرأها، وهو مخالف لحكمها، من لم يبال من أي باب دخل ~~عليه رزقه، لم يبال الله من أي باب أدخله النار. # PageV01P093 # ولما كان الورع كف اليد، ظاهرا، عن الشيء الضار، كانت الجوارح لا تنقاد ~~إلا عن تأثر من النفس، لم يصح الورع ظاهرا إلا أن تقع في النفس روعة باطنة ~~من تناول ذلك الشيء. # ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصرة القلب، لم يصح أن تقع روعة النفس ~~إلا عن تبصر القلب في الشيء الضار، كما لا تنكف اليد إلا عند تقذر ms022 النفس ~~لما تدرك العين قذره، حتى إن النفس الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف ~~المنتظف من المستقذرات، فأكلة الحرام هم دود جيفة الدنيا، تستقذرهم أهل ~~البصائر، كما يستقذرون هم دود جيف المزابل. # ولما كان الحرام ما يضر العبد في جسمه، كالميتة، تيسر على المتبصر كف يده ~~عنها، لما يدري من مضرتها بجسمه، وكذلك الدم المسفوح، لأنه ميتة بانفصاله ~~عن الحي، ومفارقته لروح الحياة، التي تخالطه في العروق، وكذلك ما يضر بنفسه ~~كلحم الخنزير، لأنه رجس، والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند العقلاء أقبح ~~من خبائث الأبدان، وذلك لأن من اغتذى جسمه من لحم حيوان اغتذت نفسه ~~بنفسانية ذلك الحيوان، وتخلق من أخلاقه، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل ~~الأخلاق، من الإباء والحران والمكر، والإقدام على ما يعاين فيه الهلاك، ~~ومتابعة الفساد، والانكباب على ما يقبل عليه من أدنى الأشياء، على ما ظهرت ~~في خلقته آياته، فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق. # وكذلك ما يضر بهما وبالعقل، كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس، ~~وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس، ولذلك هي جماع الإثم، فالمتبصر في ~~المحرمات يأنف # PageV01P094 # منها، لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر، وفي مغبتها في يوم ~~الدنيا، إلى ما أخبر به من سوء عقابها في يوم الدين: "من شرب الخمر ومات، ~~ولم يتب منها، كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". وهي عصارة أهل ~~النار، ولو هدد شاربها في الدنيا من له عليه إمرة، بأن يسقيه من بوله ~~ورجيعه لوجد من الروع ما يحمله على الورع عنها. # وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره في ذاته، فأنف منه رعاية لنفسه، لحق له ~~بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له منه درك من جهة غيره، فيتورع عن أكل ~~أموال الناس بالباطل، لما يدري من المؤاخذة عليها في العاجل، وما أخبر به ~~من المعاقبة عليها في الآجل، ولها في ذاته مضرة في الوقت، يتعرفها من موارد ~~القرآن بنور الإيمان. {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في ~~بطونهم ms023 نارا} فهو آكل نارا، وإن لم يحس بها، وليس تأويله الوعيد بالنار، ~~لأن ذلك أنبأ عنه قوله تعالى: {وسيصلون سعيرا} وكذلك إذا أنف مما يضره في ~~نفسه، وخاف مما يتطرق إليه ضره من غيره، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه ~~السطوة من ربه لأجله، وذلك فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه، وعدم التفاوت ~~في أثر رحمانيته في محرم الربا، ولما فيه أيضا من مضرة وقته الحاضر التي ~~يقبلها بالإيمان من تعريف ربه، فإنه # PageV01P095 # تعالى، كما عرف أن [أكل مال الغير بالباطل نار في البطن، عرف أن] أكل ~~الربا جنون في العقل، وخيال في النفس: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا ~~كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}. # وأعظم من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق روحه، لأنه مأخوذ من ~~غير الله، وما أخذ من غير الله كان مأكله فسق وكفر لأنه تناول الروح من يد ~~من لايملكها، [ولذلك فرضت التسمية في التذكية، ونقلت فيها سوى # ذلك]. # فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه، وروعة النفس منه، وورع ~~اليد عنه، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه، ويضيعون حدوده، الذين قال فيهم ~~رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، "كثر هؤلاء من القراء لا كثرهم الله". ~~ومن لم يصح له قراءة [هذا الحرف لم تصح له قراءة] حرف سواه، ولا تصح له ~~عبادة، وهو الذي "لا تزيده صلاته من الله إلا بعدا" ولا يقبل منه دعاء، ~~والرجل يكون مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، "يقول ~~يارب، يارب، فأنى يستجاب لذلك". # فهذا وجه قراءة هذا الحرف وشرطه، والله ولي التوفيق. # PageV01P096 ### | الفصل الثاني # فيما به تحصل قراءة حرف الحلال # اعلم أن الإنسان لما كان جامعا كان بكل شيء منتفعا؛ إما في حال السعة، ~~فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه، أو غيره، أو ربه، على ما ~~ذكر في الفصل الأول {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا}. {قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي ms024 محرما}. الآية. # وإما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا ~~إثم عليه}. {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}. والذي ~~به تحصل قراءة هذا الحرف. # أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله في المتناول من مخلوقاته، ومعرفة أخص ~~منافعها، مما خلقه، ليكون غذاء في سعة أو ضرورة، أو إداما أو فاكهة، أو ~~دواء كذلك، ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم ~~الأغلب من منفعته، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته {قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}. وذلك مدرك عن الله، سبحانه، باعتبار ~~العقل، # PageV01P097 # وإدراك الحس في مخلوقاته، كما أدركه الحنيفيون، كان الصديق، رضي الله ~~عنه، قد حرم الخمر في الجاهلية، وكان إذا أخذ عليه في ذلك يقول: والله لو ~~أصبت شيئا أشتريه بمالي كله، يزيد في عقلي، لفعلت، فكيف أشتري بمالي شيئا ~~ينقص من عقلي. # وكان، - صلى الله عليه وسلم -، كثيرا ما ينبه على حكمة الله في الأشياء ~~التي بها تتناول أو تجتنب، عملا بقوله تعالى {ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة}. فقال لطلحة، وقد ناوله سفرجلة: "إنها تذهب بطخاء الفؤاد". وقال ~~لأبي هريرة، وهو رمد، في خبز الشعير والسلق: "كل من هذا، فإنه أوفق لك" ~~وقال في التمر والقثاء: "حر هذا يكسر برد هذا" أو قال: "برد هذا يكسر حر ~~هذا" وقال لرمد: "أتأكل التمر وأنت رمد". وقال لعائشة في الماء المشمس: "لا ~~تفعلي هذا ياحميراء فإنه يولد البرص". وقال: "استاكوا بكل عود، ما خلا الآس ~~والرمان، فإنهما يهيجان عرق الجذام". وقال لامرأة، وقد استطلقت بالشبرم: ~~"حار جار ألا استطلقت بالسنا، فإنه لو كان شيء يذهب الداء لأذهبه السنا" ~~إلى غير # PageV01P098 # ذلك مما إذا أباحه أو حظره نبه على حكمته. وكانت عائشة، رضي الله عنها، ~~تقول للمريض: اصنعوا له خزيرة فإنها مجمة لفؤاد المريض، وتذهب بعض الحزن، ~~ومثل ذلك كثير من كلام العلماء ومجربات الحكماء، ومعارف الحنفاء. قال ~~الشافعي رضي الله عنه، في ms025 قوله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث} الطيبات ما استطابته نفوس العرب، والخبائث ما استخبثته نفوس ~~العرب. # هذا من جهة القلب، وأما من جهة النفس فسخاؤها بما يقع فيه الاشتراك من ~~المنتفعات المحللات، لأن الشح بالحلال عن مستحقه محظر له على المختص به، ~~الضيافة على أهل الوبر. {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم منه}. {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل}. {فكلوا منها ~~وأطعموا القانع والمعتر}. # وكذلك صبرها عما تشتهيه من المضرات من الوجوه المذكورة: {إنما الخمر ~~والميسر} إلى قوله: {لعلكم تفلحون}. {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}. ~~{ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}. # وكذلك التراضي وطيب النفس فيما يقع فيه الاشتراك {إلا أن تكون تجارة عن # PageV01P099 # تراض منكم}. {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا}. # هذه الشروط الثلاثة: من السخاء، والصبر، والتراضي، في النفس. # وأما في العمل وتناول اليد، فأول ذلك ذكر الله والتسمية عند كل متناول، ~~لأن كل شيء لله، فما تناول باسمه أحد بإذنه، وما تنوول بغير أخذ تلصصا على ~~غير وجهه، وشارك الشيطان في تناوله، فتبعه المتناول معه في خطواته. ~~{وشاركهم في الأموال والأولاد}. جاء صبي وأعرابي ليأكلا طعاما بين يدي ~~النبي، - صلى الله عليه وسلم -، بغير تسمية، فأخذ يأيديهما وقال: "إن ~~الشيطان جاء يستحل بهما هذا الطعام، والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع ~~أيديهما"، فسمي النبي، - صلى الله عليه وسلم -، وأكل، ثم أطلقهما وقال: ~~"كلا باسم الله". وقال لغلام أكل معه: "ياغلام، سم الله". # والثاني: التناول باليمين، لأن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ~~واليمن خادم ما علا من الجسد، والشمال خادم ما سفل منه. # والثالث: أن يتناول تناول تقنع وترفع عن تناول التهمة، كان رسول الله، - ~~صلى الله عليه وسلم -، يأكل بثلاثة أصابع، ويشرب مصا في ثلاث، وقال: "هو ~~أبرأ وأمرأ وأهنأ" # PageV01P100 # وقال: "الكباد من العب". # والرأبع: الاكتفاء بما دون الشبع، لما في ذلك من حسن اعتداء البدن وحفظ ~~الحواس الظاهرة والباطنة. # ومن علامات الساعة ظهور السمن ms026 عن الأكل في الرجال و"ما ملأ ابن آدم وعاء ~~شرا من بطنه". وما دخلت الحكمة معدة ملئت طعاما. # و"المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" لتوكل المؤمن في ~~قوامه، ولاتكال الكافر على الغذاء في قوته. و"حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه، ~~فإن كان، ولابد فاعلا، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس". # والخامس حمد الله في الختام. لأن من لم يحمد الله في الختام. كفر بنعمته، ~~ومن حمد غير الله آمن بطاغوته. # فبهذه الأمور؛ معرفة في القلب، وحالا في النفس، وأدبا في العمل، تصح ~~قراءة حرف الحلال، ويحصل خير الدنيا، ويتمهد الأساس لبناء خير الآخرة، ~~والله ولي التوفيق. # PageV01P101 ### | الفصل الثالث # فيما به تحصل قراءة حرف النهي # اعلم أن الموفي بقراءة حرفي الحلال والحرام المنزلين لإصلاح أمر الدنيا ~~وتحسين حالة الجسم والنفس، تحصل له عادة بالخير، تيسر عليه قراءة حرفي صلاح ~~الآخرة، من الأمر والنهي، وكما أقتضت الحكمة والعلم إقامة أمر الدنيا ~~بقراءة حرفي صلاحها تماما افتضى الإيمان بالغيب، وتصديق الوعد والوعيد، ~~تجارة اشتراء الغيب الموعود من عظيم خلاق الأخرى، بما ملك العبد من منفوذ ~~متاع الدنيا، فكل الحلال، ماعدا الكفاف بالسنة، متجر للعبد، إن أنفقه ربحه ~~وأبقاه فقدم عليه، وإن استمتع به أفناه فندم عليه. {فاستمتعوا بخلاقهم ~~فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} {لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين}. {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}. ~~"بخ بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح". # وكما أن حرف الحلال موسع، ليحصل به الشكر، فحرف النهي مضيق لمتسع حرف ~~الحلال، ليحصل به الصبر، ليكون العبد شاكرا صابرا. فالذي تحصل به قراءة حرف ~~النهي: # PageV01P102 # أما في جهة القلب، ورؤيا الفؤاد، فمشاهدة البصيرة لوعود الجزاء، حتى كأنه ~~ينظر إليه لترتاح النفس لخيره، وترتاع من شره، كما قال حارثة: "كأني أنظر ~~إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون". فأثمر له ~~ذلك ما أخبر به عن نفسه في قوله: "وعزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ms027 ذهبها ~~وخزفها"، وخصوصا من أيد بالمبشرات من الرويا الصالحة، والكشف الصادق، ليدع ~~الفاني للباقي على يقين ومشاهدة. # وأما من جهة حال النفس، فالصبر يحسبها عما تشتهيه طبعا، مما هو محلل ~~شرعا، قال، - صلى الله عليه وسلم -، لعمر، رضي الله عنه، لما رثى لحاله: ~~"ياعمر، ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة". {واستعينوا بالصبر} ~~وصبر النفس عن شهواتها، وإن كانت حلالا، هو حقيقة تزكيتها، وقتلها بإضنائها ~~منها هو حياتها، وإطلاقها ترتع في شهواتها هو تدسيسها: {قد أفلح من زكاها ~~(9) وقد خاب من دساها}. # والنفس مطية يقويها إنضاؤها، ويضعفها استمتاعها وحبسها عن ذلك شائع في ~~جهات وجوه الحلال كلها، إلا في شيئين: في النساء بكلمة الله، لأنهن من ذات ~~نفس الرجل، ولسن غيرا لهم. {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ~~ليسكن إليها}. {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا}. # والثاني في الطيب لأنه غذاء للروح، وتقوية للحواس، ونسمة من باطن ~~الملكوت، إلى ظاهر الملك، وما عداهما فالاستمتاع به واتباع النفس هواها ~~فيه، علامة تكذيب وعد الرحمن، وتصديق وعد الشيطان: {وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن # PageV01P103 # السبيل}. {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} هذا من جهة النفس. # وأما من جهة العمل وتناول اليد فرفعها عما زاد على الكفاف، وتخليته لذوي ~~الحاجة، ليتخذوه، معاشا، وأن يكون التمول، من غير القوام، تجارة نقل وضرب ~~في الأرض، أو إرصاد لوقت الحاجة، لا حكرة وتضييقا، اتخاذ أكثر من لبستين، ~~للمهنة، والجمعة، علامة ضعف الإيمان، وخلاف السنة، وانقطاع عن آثار النبوة، ~~وعدول عن سنة الخلفاء، وترك لشعار الصالحين، وكذلك تصفية لباب الطعام، وقصد ~~المستحسن في الصورة، دون المستحسن في العلم، وإيثار الطيب في المطعم على ~~الطيب في الورع، وتكثير الأدم وتلوين الأطعمة، وكذلك اتخاذ أكثر من مسكن ~~واحد، وأكثر من مزدرع كاف، ورفع البناء والاستشراف بالمباني، امتنع النبي، ~~- صلى الله عليه وسلم -، من رد السلام على رجل اتخذ قبة في المدينة، حتى ~~هدمها وسواها مع بيوت أهل المدينة، وإنما الدنيا للمؤمن سجن، إن ms028 شعر به ~~وضيق فيه على نفسه طلبت الراح منه إلى الآخرة، فيسعد، ومن لم يشعر بأنها ~~سجن فوسع فيها نفسه، طلبت البقاء فيها، وليست بباقية، فيشقى. # والخيل ثلاثة: أجر للمجاهد، ووزر على المتباهي، وعفو للمستكفي بها فيما ~~يعنيه من شأنه. # والزيادة على الكفاف من النعم السائدة انقطاع عن آثار النبوة، وتضييق على ~~ذوي الحاجة، وتمول لما وضع لإقامة المعاش، وإن يتخذ منه الكفاف، قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ~~ذبحنا مكانها شاة". # PageV01P104 # والطعام لايتمول وكذلك ما اتخذ للقوام، لا يحتكر إلا خاطىء ["من احتكر ~~طعاما أربعين يوما فقد برئ من الله، وبوئ الله منه" فالأمتعة تجلب وتختزن، ~~ويستنمى فيها الدينار والدراهم، والطعام والقوام يجلب ولا يختزن، فيستنمى ~~فيه الدينار والدرهم، ومن اختزنه يستنمي فيه الدينار والدرهم فقد احتكره]، ~~وما منع فيه من مد العين، فأحرى أن يمنع فيه مد اليد {ولا تمدن عينيك} ~~الآيتين. # فبهذه الأمور؛ من إيمان القلب، ورؤية الفؤاد، وصبر النفس، وكف اليد عن ~~الانبساط في التمول فيما به القوام، تحصل قراءة حرف النهي، والله ولي ~~التأييد. # PageV01P105 ### | الفصل الرابع # فيما به تحصل قراءة حرف الأمر # اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماما، يفرغ لقراءة حرف الأمر، لأن ~~المقتنع في معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل الأخرى، والمتوسع في متاع ~~الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الأخرى، لما بينهما من التضار والتضاد. # والذي تحصل به قراءة هذا الحرف: # أما من جهة القلب: فالتوحيد والإخلاص، وأعم ذلك البراءة من الشرك العظيم، ~~بأن لا يتخذ مع الله إلها آخر، لأن المشرك في الإلهية لا تصح منه المعاملة ~~بالعبادة. {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء}. # وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي، بأن لا يرى لله شريكا في شيء ~~من أسمائه الظاهرة، لأن المشرك، في سائر أسمائه الظاهرة، لايصح له القبول، ~~والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو ms029 أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل ~~الله منه، حتى يؤمن بالقدر. # PageV01P106 # ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص، كإخلاص المنفق بأن الإنعام ~~من الله، لا من العبد [المنفق، وكإخلاص المجاهد بأن النصرة من الله، لا من ~~العبد] المجاهد: {وما النصر إلا من عند الله}. # وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص في اسم من الأسماء، يكون أملك بذلك ~~العمل. # وأما من جهة أحوال النفس: فأولها وأساسها طمأنينة النفس بربها في قوامها ~~من غير طمأنينة بشيء سواه، فمتى اطمأنت النفس بما تقدر عليه، وما لها من ~~منة، أو بما تملكه من مملوك، أو بما تستند إليه من غير، ردت جميع عبادتها ~~لما اطمأنت إليه، وكتب اسمها على وجهه، وكانت أمته لا أمة ربها، وكان المرء ~~عبده لا عبد ربه: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة". # وهذا هو الذي أحبط أعمال العاملين، من حيث لا يشعرون، # وأما من جهة ما يخص كل واحد من الأوامر في أحوال النفس: فما يناسبه من ~~أحوالها وأخلاقها، كاجتماعها في الصلاة بأن لا تصغي لوسواس الشيطان، وأن لا ~~تتحدث في تسويلها، وكسماحها وسخائها في الإنفاق وإيتاء الزكاة، وكصبرها في ~~الصوم. والصوم الصبر كله، ويصحبها كل ذلك في الحج، مع زيادة اليقين، ~~ويصحبها الجميع في الجهاد، مع غريزة الشجاعة. هذا من جهة حال النفس. # PageV01P107 # وأما من جهة العمل وأحوال الجوارح: فإن أدب الناطق بكلمة الشهادة أن يجمع ~~حواسه إلى قلبه، ويحضر في قلبه كل جارحة فيه، وينطق بلسانه عن جميع ذاته: ~~أحوال نفس، وجوارح بدن، حتى يأخذ كل عضو منه وكل جارحة فيه، وكل حال لنفسه، ~~قسطه منها، كما أشار إليه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وأعلم بأن ~~بذلك تتحاث عنه الذنوب، كما يتحاث الورق عن الشجر. فلم يقرأ تهليل القرآن ~~من لم يكن ذلك حاله فيه، وكذلك في تشهد الأذان، وبذلك يهدم التهليل سيئاته ~~في الإسلام، كما هدم من المخلص به جرائم الكفران، سمع النبي، - صلى الله ~~عليه وسلم -، رجلا يؤذن، فلما قال: الله ms030 أكبر، الله أكبر، قال: على الفطرة، ~~فلما قال: لا إله إلا الله، قال: خرجت من النار. # وأما أدب الصلاة: فخشوع الجوارح، والهدوء في الأركان، وإتمام كل ركن ~~بأذكاره المخصوصة به، وجمع الحواس إلى القلب، كحاله في الشهادة، حتى لا ~~يحقق مدرك حاسة غفلة. # وأما أدب الإنفاق: فحسن المناولة، كان، - صلى الله عليه وسلم - يناول ~~السائل بيده، ولا يكله إلى غيره، والإسرار أتم: {وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم}. وينفق من كل شيء بحسب ما رزثه، مياومة أو مشاهرة، أو ~~مسانهة: {ومما رزقناهم ينفقون}. # وأما أدب الصوم: فالسحور مؤخرا، والفطر معجلا، وصوم الأعضاء كلها عن # PageV01P108 # العدل، فأحرى عن الجور، وترك العناية بما يفطر عليه إلى ما بعد الزوال، ~~والأخذ فيه بشهوة العيال. # وأما أدب الحج: فاستطابة الزاد، والاعتماد على مابيد الله، لا على حاصل ~~ما بيد العبد، وهو تزود التقوى، والرفق مع الرفيق، والرفق بالظهر، وتحسين ~~الأخلاق، والإنفاق في الهدي، وهو الثج، والإعلان بالتلبية، وهو العج، وتتبع ~~أركانه على ما تقتضيه أحكامه، وإقامة شعائره على معلوم السنة لا على معهود ~~العادة. # وأما أدب الجهاد: فاستطابة الزاد، وإصلاح العدة ومياسرة الخلطاء، وحسن ~~القيام على الخيل، وتطييب علفها تصفية وورعا، وتناوله بيده، كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يتناول علف فرسه بيده، ويمسحه بردائه. والتزام ما ~~يجد معه المنة؛ من أن يكون فارسا، أو راجلا، أو رامحا، أو نابلا، ومن تكلف ~~غير ما يجد منته فقد ضيع الحق، وعمل بالتكلف، والصمت عند اللقاء، وغض البصر ~~عند النظر إلى الأعداء. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أكثبوكم فارموهم ~~بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم". وكف اليد عما للغير فيه حق، وهو ~~الغلول، وأن لا يدعو للبراز، وأن يجيب إذا دعى، وقال - صلى الله عليه وسلم ~~-: "يقول الله عز وجل: عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه". # ولكل أمر وتلبس بمأمور أدب يخصه، على ما يستقرأ في السنن النبوية، وآثار ~~الخلفاء، وصالحي الأمراء. # فبهذه الأمور، من إخلاص القلب، وطيب النفس، وأدب الجوارح، ms031 تصح قراءة حرف ~~الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # PageV01P109 ### | الفصل الخامس # فيما به تحصل قراءة حرف المحكم # اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة، هو حظ العامة من الأمة، المعاملين ~~لربهم على الجزاء، المقارضين له على المضاعفة. # وقراءة هذا الحرف تماما، هو حظ المتحققين بالعبودية، المتعبدين بالأحوال ~~الصادقة، المشفقين من وهم المعاملة، لشعورهم أن العبد لسيده، مصرف فيما ~~شاء، وكيف شاء، ليس له في نفسه حق ولا حكم، ولا حجة له على سيده، فيما ~~أقامه فيه من صورة سعادة أو شقاوة {في أي صورة ما شاء ركبك}. {على أن نبدل ~~أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون}. والذي تحصل به قراءة هذا الحرف: # أما من جهة القلب: فالمعرفة بعبودية الخلق للحق؛ رق خلق ورزق وتصريف فيما ~~شاء، مما بينه وبين ربه، ومما بينه وبين نفسه، ومما بينه وبين أمثاله، من ~~سائر العباد. "لا يملك لنفسه ضرا ولانفعا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا" ~~ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده، ولا يتقي إلا ما وقاه سيده، ولا يكشف السوء ~~عنه إلا هو، فيسلم له مقاليد أمره في ظاهره وباطنه، وذلك هو الدين عند الله ~~الذي لا يعمل سواه: {إن الدين # PageV01P110 # عند الله الإسلام}. {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} وهو دين ~~النبي العبد، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار العقل وخصوص اللب، هي الملة ~~الحنيفية؛ ملة النبي الخليل. هذا من جهة القلب. # وأما من جهة حال النفس: فجميع أحوال العبد القن، المغرق في الملك: "إنما ~~أنا عبد آكل كما يأكل العبد". وجماع ذلك وأصله الذل انكسار، والذل عطفا، ~~والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق، والتحقق بالضعة دونهم، وعلى وصف ~~النفس بذلك ينبني حسن التخلق مع الخلق، وصدق التعبد للحق. # وأما من جهة العمل وتصرف الجوارح: فإسلامها، لله قولا وفعلا وبذلا، ~~ومسالمة الخلق لسانا ويدا، وهو تمام الإسلام وثبته، "لايكتب أحدكم في ~~المسلمين حتى يسلم الناس من لسانه ويده" ويخص الهيئة من ذلك ما هو أولى ~~بهيآت ms032 العبيد. كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة، من الإطراق في القيام، ووضع ~~اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر؛ هيئة العبد المتأدب المنتظر لما لا يدري ~~خبره من أمر سيده، وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس العبد، وكذلك كان ~~النبي، - صلى الله عليه وسلم -، يجلس # PageV01P111 # لطعامه، لتستوي حال تعبده في أمر دنياه وأخراه، ويقول: "إنما أنا عبد، ~~آكل كما يأكل العبد". ويؤثر جميع ما هو هيئة العبد في تعبده ومطعمه ومشربه ~~وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته. {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله}. # فبهذه الأمور؛ من تحقيق العبودية في [القلب، وذل]، النفس وانكسار ~~الجوارح، تحصل قراءة حرف المحكم، والله الولي الحميد. # PageV01P112 ### | الفصل السادس # فيما به تحصل قراءة حرف المتشابه # اعلم أن تحقيق الإسلام بقراءة حرف المحكم، لا يتم إلا بكمال الإيمان ~~بقراءة حرف المتشابه تماما، لأن حرف المحكم حال تتحقق للعبد، ولما كان حرف ~~المتشابه إخبار الحق، عن نفسه، بما يتعرف به لخلقه، من أسماء وأوصاف، كانت ~~قراءته أن يتحقق العبد أن تلك الأسماء والأوصاف ليست مما تدركه حواس الخلق، ~~ولا مما تناله عقولهم، وإن أجرى بعض تلك الأسماء والأوصاف على الخلق، فبوجه ~~لايلحق أسماء الحق، ولا أوصافه منها، تشبيه في وهم، ولا تمثيل في عقل، {ليس ~~كمثله شيء}. {ولم يكن له كفوا أحد} فالذي تصح به قراءة هذا الحرف. # أما من جهة القلب: فالمعرفة بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها ~~إدراكات الخلق، ويقف عن تأويلها إجلالا وإعظاما معلوماتهم، وأن حسبها ~~معرفتها بأنها لا تعرفها. # وأما من جهة حال النفس: فالاستكانة لما يوجبه تعرف الحق بتلك الأسماء ~~والأوصاف من التحقق بما يقابلها، والبراءة من الاتصاف بها، لأن ما صلح ~~للسيد حرم على العبد، كتحقق فقر الخلق من تسمي الحق بالغنى، ولا يتسمى ~~بالغنى، فيقدح في # PageV01P113 # تقواه، فيهلك باسمه ودعواه، وكتحقق ذنهم من تسمية تعالى بالعزة، وعجزهم ~~عن تسميه بالقدرة، واستحقاق تخليهم من جميع ما تعرف به من أوصاف الملك ~~والسلطان، كالرضا والغضب، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، إلى سائر ما ~~تسمى به ms033 في جميع تعرفاته، مما ذكر في المتشابه من الآي، وما أشير إليه من ~~الأحاديث، وما عليه اشتملت واردات الأخبار في جميع الكتب والصحف، ومرأى ~~الصالحين، ومواقف المحدثين، ومواجد المروعين. # وأما من جهة العمل: فحفظ اللسان عن إطلاق ألفاظ التمثيل والتشبيه تحقيقا ~~لما في مضمون قوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد}، لأن مقتضاها الرد على ~~المشبهة من هذه الأمة. # وليس لعمل الجوارح في هذا الحرف مظهر، سوى ما ذكر من لفظ اللسان، فقراءته ~~كالتوطئة لتخليص العبادة بالقلب، في قراءة مفرد حرف الأمثال، والله العلي ~~الكبير. # PageV01P114 ### | الفصل السابع # فيما به تحصل قراءة حرف الأمثال # اعلم أن قراءة الأحرف الستة تماما، وفاء بتفصيل العبادة، لأنها أشفاع: ~~ثلاثة للتخلص والتخلي، وثلاثة للعمل والتحلي، لأن ترك الحرام طهرة البدن، ~~وترك النهي طهرة للنفس، وترك التعرض للمتشابه طهرة القلب، ولأن تناول ~~الحلال زكاء البدن، وطاعة الأمر زكاء النفس، وتحقق العبودية، بمقتضى حرف ~~المحكم، نور القلب. # وأما قراءة حرف الأمثال فهو وفاء العبادة بالقلب جمعا ودواما، {وله الدين ~~واصبا}. {الذين هم على صلاتهم دائمون}. # فالذي تحصل به قراءة هذا الحرف، إنما هو خاص بالقلب، لأن أعمال الجوارح ~~وأحوال النفس قد استوفتها الأحرف الستة التفصيلية. # والذي يخص القلب لقراءة هذا الحرف هو المعرفة التامة المحيطة بأن كل ~~الخلق، دقيقه وجليله، خلق الله وحده، لا شريك له في شيء منه، وأنه جميعه ~~مثل لكلية أمر الله # PageV01P115 # القائم بكلية ذلك الخلق، وأن كلية ذلك الأمر الذي هو ممثول لمثل الخلق، ~~هو مثل لله. {وله المثل الأعلى}، وأن تفاصيل ذلك الخلق المحيطات [أمثال ~~لقيامها من تفاصيل ذلك الأمر المحيطات بها، وأن تفاصيل الأمر المحيطات] ~~وأمثال لأسماء الله الحسنى، بما هي محيطة، ولجميع هذا الحرف لم يصح إنزاله ~~إلا على الخلق الجامع الآدمي، الذي هو صفوة الله وفطرته، وعلى سيد الآدميين ~~محمد خاتم النبيئين، وهو خاصته خاصة آله، وعنه كمل الدين بالإحسان، وصفا ~~العلم بالإيقان، وشوهد في الوقت الحاضر ما بين حدي الأزل الماضي، والأبد ~~الغابر، وعن هذا اليقين الإحسان، تحقق ms034 الفناء لكل فان، وبقي وجه رب محمد، ~~ذي الجلال والإكرام. # وكان هذا الحرف، بما اسمه الحمد، هو لكل شيء بدء وختام. # هذا وفاء القول في البابين والفصول، والحمد لله رب العالمين. ### | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم # بعد حمد الله، والصلاة على سيدنا محمد عبده، ورسوله، وعلى آله الطيبين، ~~ورضي الله عن أصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فهذه فصول تشتمل بحول الله على: "توفية وتوشية" لما تقدم إثباته من كتاب ~~العروة ومفتاحها، توشية له وتوفير لتحبير نصاحها، تتمم بعون الله مقصد ~~التأيد في فهم الكتاب، وتعرف وجوها من الخطاب، والله ولي التأييد بروح منه. ~~آمين. # PageV01P120 ### | فصل توشية # تشتمل على تفاوت وجه الخطاب فيما بين ما أنزل على وفق الوصية، أو أنزل ~~على حكم الكتاب # اعلم أن الله سبحانه بعث محمدا، - صلى الله عليه وسلم -، بالرحمة لجميع ~~العالمين، وخلقه بالعفو والمعروف، كما ورد في الكتب السابقة من قوله تعالى: ~~"وأجعل العفو والمعروف خلقه" وبذلك وصاه، كما ورد عنه، - صلى الله عليه ~~وسلم -، أنه قال: "أوصاني ربي، بغير ترجمان ولا واسطة، بسبع خصال: بخشية ~~الله في السر والعلانية، وأن أصل من قطعني، وأصفح عمن ظلمني، وأعطي من ~~حرمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة". # فكان فيما أوصاه به ربه، تبارك وتعالى، من غير ترجمان ولا واسطة، بأن يصل ~~من قطعه، ويصفح عمن ظلمه، ولا أقطع له ممن كفر به وصد عنه، فكان هو، - صلى ~~الله عليه وسلم -، بحكم ما بعث له وجبل عليه ووصى به، ملتزما للعفو عمن ~~ظلمه، والوصل لمن قطعه، إلا أن يعلن عليه بالإكراه على ترك ذلك والرجوع إلى ~~حق العدل، والاقتصاص والانتصاف المخالف لسعة وصيته، الموافق لما نقل من ~~أحكام سنن الأولين، في مؤاخذتهم وأخذهم بالحق والعدل، إلى جامع شرعته ليوجد ~~فيها نحو مما تقدم من الحق والعدل، وإن قل، ولتفضل شرعته بما اختص هو به، - ~~صلى الله عليه ms035 وسلم -، من البعثة بسعة الرحمة والفضل. والله {يأمر بالعدل ~~والإحسان}. {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}. # PageV01P121 # فمن القرآن ما أنزل على الوجه الذي بعث له، وجبل عليه ووصى به، نحو قوله ~~تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة}. وقوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين}. وقوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ~~فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}. وقوله تعالى: {فاصفح الصفح ~~الجميل}. وقوله تعالى: {فاصفح عنهم وقل سلام}. # وأصل معناه في مضمون قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم}. # فما كان من المنزل على هذا الوجه تعاضدت فيه الوصية والكتاب، وقبله هو، - ~~صلى الله عليه وسلم -، جبلة وحالا وعملا، ولم تكن له عنه وقفة، لتظافر ~~الأمرين، وتوافق الخطابين: خطاب الوصية، وخطاب الكتاب. وهذا الوجه من ~~المنزل خاص بالقرآن العظيم، الذي هو خاص به، - صلى الله عليه وسلم -، لم ~~يوته أحد قبله. {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم}. # ومن القرآن ما أنزل على حكم العدل والحق المتقدم فضله في سنن الأولين، ~~وكتب المتقدمين، وإمضاء عدل الله، سبحانه، في المؤاخدين، والاكتفاء بوصل ~~الواصل، وإبعاد المستغني، والإقبال على القاصد، والانتقام من الشارد، وذلك ~~خلاف ما جبل الله عليه نبيه، وما وصى به حبيبه، فكان، - صلى الله عليه وسلم ~~-، إذا أنزل عليه أي من الكتاب على مقتضى الحق وإمضاء العدل، ترقب تخفيفه، ~~وترجى تيسيره، حتى يعلن عليه بالإكراه في أخذه، والتزام حكمه، فحينئذ يقوم ~~لله به، ويظهرعذره في إمضائه، فيكون له في خطاب التشديد عليه في أخذه أعظم ~~مدح، وأبلغ ثناء من الله، ضد ما يتوهمه الجاهلون. # PageV01P122 # فمما أنزل إنباء عن مدحه بتوقفه عن إمضاء حكم العدل والحق، رجاء تدارك ~~الخلق، واستعطاف الحق، ما هو نحو قوله تعالى: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم ~~إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}. ونحو قوله تعالى: {لعلك باخع نفسك ألا ~~يكونوا مؤمنين}. ونحو قوله تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون}. # ومما أنزل على ms036 وجه الإعلان عليه، بما هو عليه من الرحمة، وتوقفه عن الأخذ ~~بسنن الأولين، حتى يكره عليه، ليقوم عذره في الاقتصار على حكم الوصية، وحال ~~الجبلة، ما هو نحو قوله تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا ~~تك في مرية منه إنه الحق من ربك}. ونحو قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من ~~في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}. ونحو قوله ~~تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ~~لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين}. # أي لا تتوقف لطلب الرحمة لهم، كما يتوقف الممتري في الشيء أو الشاك فيه، ~~لما قد علم أنه لابد لأمته من حظ من مضاء كلمة العدل فيهم، وحق كلمة العذاب ~~عليهم، وإجراء بعضهم، دون كلهم، على ستة من تقدمهم من أهل الكتب الماضية في ~~المؤاخذة بذنوب، وإنفاذ حكم السطوة فيهم، فأخذهم الله بذنوبهم. {فكلا أخذنا ~~بذنبه}. ولم يئفعهم الرجوع عند مشاهدة الآيات: {آلآن وقد عصيت # PageV01P123 # قبل}. {لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه}. وذلك أن كل مطالع بالعذاب ~~راجع ولابد عن باطله، حين لاينفعه. {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا ~~يرجعون}. {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا}. لما أبطن، تعالى، في قلب نبيهم عليهم عزما على هلاكهم، أظهر تعالى ~~رحمته عليهم، ولما ملأ نبيه عن تألفهم، وأحسبه بمؤمنهم دون كافرهم ~~ومنافقهم، {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين}. وكل ذلك معلوم ~~عنده، - صلى الله عليه وسلم -، قبل وقوعه، بمضمون قوله تعالى: {سنة من قد ~~أرسلنا قبلك من رسلنا}. {سنة الله التي قد خلت من قبل}. {فما كانوا ليؤمنوا ~~بما كذبوا به من قبل}. {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد ~~خلت سنة الأولين}. # ولذلك قال، - صلى الله عليه وسلم -، حين أنزل عليه: {فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك} "أما أنا فلا أشك ولا أسأل"، لأنه قد علم جملة أمر الله ms037 في أن ~~منهم من تتداركه الرحمة، ومن تحق عليه كلمة العذاب، ولكنه لا يزال ملتزما ~~لتألفهم واستجلابهم حتى يكره على ترك ذلك بعلن خطاب نحو قوله تعالى: {عبس ~~وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) # PageV01P124 # وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) ~~فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى ~~(9) فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة}. ونحو قوله: {ما كان لنبي أن يكون ~~له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز ~~حكيم (67) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا ~~مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله}. # فهذه الآي ونحوها، يسمعها العالم، بموقعها على إكراه لنبي الرحمة حتى ~~يرجع إلى عدل الملحمة، من جملة أمداح القرآن له، والشهادة له بوفائه بعهد ~~وصيته، حتى تحقق له تسميته بنبي المرحمة، ثباتا على الوصية، وبنبي الملحمة، ~~إمضاء في وقت لحكم الحق، وإظهار العدل، فهو، - صلى الله عليه وسلم -، بكل ~~القرآن ممدوح، وموصوف بالخلق العظيم، جامع لما تضمنته كتب الماضين، وما ~~اختصه الله به من سعة القرآن العظيم. # فهذا وجه تفاوت ما بين الوصية والكتاب في محكم الخطاب، والله سميع عليم. # PageV01P125 ### | فصل توفية # تشتمل على تناول كلية القرآن لكلية الأمة # ولكل قارئ يقرؤه من أهل الفهم والإيقان # اعلم أن الله، سبحانه، أنزل القرآن نبأ عن جميع الأكوان، وأن جميع ما ~~أنبأ عنه من أمر آدم إلى زمن محمد، - صلى الله عليه وسلم -، من أمر النبوات ~~والرسالات والخلافات وأصناف الملوك والفراعنة والطغاة، وأصناف الجناة، ~~وجميع ما أصابهم من المثوبات والمثلات في يوم آدم، عليه السلام، إلى زمن ~~محمد، - صلى الله عليه وسلم -، الذي هو ستة آلاف سنة، ونحوها، كل ذلك متكرر ~~بجملته في يوم محمد، - صلى الله عليه وسلم -، الذي هو ألف سنة أو نحوها، ~~أعدادا بأعداد، وأحوالا بأحوال، في خير أو شر، فلكل من الماضين مثل متكرر ~~في هذه الأمة الخاتمة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "لكل نبي قبلي، ms038 في ~~أمتي نظير" ثم ذكر، - صلى الله عليه وسلم -، نظراء مثل إبراهيم كأبي بكر، ~~ومثل موسى كعمر، ومثل هرون كعثمان، ومثل نوح كعلي، ومثل عيسى كأبي ذر. وقال ~~- صلى الله عليه وسلم -: "إني لأعرف النظراء من أمتي بأسمائهم وأسماء ~~آبائهم وعشائرهم، كافرهم ومومنهم، ممن كان وممن سيكون بعد، ولو شئت أن ~~أسميهم لفعلت". # فمما صد أكثر هذه الأمة عن تفهم القرآن ظنهم أن الذي فيه من قصص الأولين ~~وأخبار المثابين والمعاقبين، من أهل الأديان أجمعين، أن ذلك إنما مقصوده ~~الأخبار والقصص فقط، كلا، وليس كذلك، إن ذلك إنما مقصوده الاعتبار والتنبيه # PageV01P126 # بمشاهدة متكرره في هذه الأمة، من نظائر جميع أولئك الأعداد وتلك الأحول ~~والآثار، حتى يسمع السامع جميع القرآن من أوله إلى خاتمته منطبقا على هذه ~~الأمة وأيمتها، هداتها وضلالها، فحينئذ ينفتح له باب الفهم، ويضيء له نور ~~العلم، وتتجه له حال الخشية، ويرى في أصناف هذه الأمة ما سمع من أحوال ~~القرون الماضية، وإنه كما قيل في المثل السائر: "إياك أعني، واسمعي ~~ياجارة". ثم إذا شهد انطباق القرآن على كلية الأمة، فكان بذلك عالما، ينفتح ~~له باب ترق، فيترقى سمعه إلى أن يجد جميع كلية القرآن المنطبق على كلية ~~الأمة منطبقا على ذاته، في أحوال نفسه وتقلباته، وتصرفات أفعاله وازدحام ~~خواطره، حتى يسمع القرآن منطبقا عليه، فينتفع بسماع جميعه، ويعتبر بأي آية ~~سمعها منه، فيطلب موقعها في نفسه، فيجدها بوجه ما، رغبة كانت أو رهبة، ~~تقريبا كانت أو تبعيدا، إلى أرفع الغايات، أو إلى أنزل الدركات، فيكون بذلك ~~عارفا. # هذا مقصود التنبيه في هذا الفصل جملة، ولنتخذ لذلك مثالا يرشد لتفهم ذلك ~~الانطباق على كلية الأمة علما، وعلى خصوص ذات القارىء السامع عرفانا. # اعلم أن أصول الأديان المزدوجة التي لم تترق إلى ثبات حقائق المومنين، ~~فمن فوقهم من المحسنين والموقنين، التي جملتها تحت حياطة الملك والجزاء ~~والمداينة، الذين تروعهم رائعة الموت أولا، ثم رائعة القيامة ثانيا، إلى ما ~~يشتمل عليه يوم الدين من أهوال المواقف الخمسين، التي كل موقف ms039 منها ألف من ~~السنين. {في يوم كان مقداره ألف سنة}. # فعدد هذه الأديان سبعة، ما من دين منها إلا ويوجد في صنف من أصناف # PageV01P127 # هذه الأمة، ويجده المعتبر في نفسه في وقت ما بقلة أو كثرة، بدوام أو ~~خطرة، بضعف أو شدة، عن أثر رين غالب، أو عن لمح غين زائل. وهذه الأديان ~~السبعة هي: # دين الذين آمنوا، من هذه الأمة، ولم يتحققوا بحقيقة الإيمان، فيكونوا من ~~المومنين، الذين صار الإيمان وصفا ثابتا في قلوبهم، الموحدين المتبرئين من ~~الحول والقوة، المتحققين لمضاء أقدار الله عليهم بما شاء، لا بما يشاءون: ~~{الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ~~ربهم يتوكلون}. {أولئك هم المؤمنون حقا}. # وأما الذين آمنوا فهم الذين لايثبتون على حال إيمانهم، ولكنهم تارة ~~وتارة، ولذلك هم المنادون والمنهيون والمأمورون في جميع القرآن، الذين ~~يتكرر عيلهم النداء في السورة الواحدة مرات عديدة، من نحو ما بين قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}. إلى قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه}. إلى ما بين ذلك من نحو ~~قوله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا}. فهؤلاء هم أهل دين غير ~~ثابت، ينتظمون به مع من ليس له ثبات من ماضي الأديان المنتظمين مع من له ~~أصل في الصحة من الأديان الثلاثة، في نحو قوله تعالى: {إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن} المنتظمين أيضا مع المغيرين ~~لأديانهم، والمفترين لدين لم ينزل الله به من سلطان، في نحو قوله تعالى: ~~{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا}. # PageV01P128 # فهذا هو الدين الأول. # وأما الدين الثاني: فهو دين الذين هادوا، الذين منهم: {الذين حملوا ~~التوراة ثم لم يحملوها}. والذين: {ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ~~ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه}. والذين: {يكتبون الكتاب ~~بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله}. والذين: {يحسدون الناس على ما آتاهم ~~الله من فضله}. والذين ms040 ياكلون الربا: {وقد نهوا عنه}. والذين: {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}. فهؤلاء أهل الدين الثاني. # وأما الدين الثالث: فدين {الذين قالوا إنا نصارى}، الذين منهم الذين ضلوا ~~عن سواء السبيل الذين غلوا في دينهم، وقالوا: {على الله غير الحق}، واتخذوا ~~رهبانهم {أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم}. # وأما الدين الرابع: فدين الصابئة الذين منهم متألهو النجوم، عباد الشمس ~~والقمر، والكواكب ومغيروهم، هم بالترتيب أول من عبد محسوسا سماويا. # وأما الدين الخامس: فدين المجوس الثنوية، الذين جعلوا إلهين: نورا وظلمة، ~~وعبدوا محسوسا أفاقيا. # PageV01P129 # وأما الدين السادس: فدين الذين أشركوا، وهم الذين عبدوا محسوسا أرضيا، ~~غير مصور، وهم الوثنية، أو مصورا وهم الصنمية. # فهذه هي الأديان الستة الموفية لعد الست، لما جاء فيه. # وأما الدين السابع: فاعلم أن الله، سبحانه، جعل السابع أبدا جامعا لسته، ~~خيرا كانت أو شرا، فالدين السابع هو دين المنافقين، الذين ظاهرهم مع الذين ~~آمنوا، وباطنهم مع أحد سائر الأديان الخمسة المذكورة، إلى أدنى دين شركها ~~الدين {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم}. فهذه الأديان السبعة متكررة بكليتها في هذه الأمة، بنحو مما وقع قبل ~~في الأمم الماضية، وهو مضمون الحديث الجامع لذكر ذلك في قوله، - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لتاخذن، كما أخذت الأمم من قبلكم، ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، ~~وباعا بباع، حتى لو أن أحدا من أولئك دخل في جحر الضب لدخلتموه، قالوا ~~يارسول الله، كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب قال: وهل الناس إلا هم". # وما بينه النبي، - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، هو من مضمون قوله ~~تعالى: {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا ~~فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضوا} وأهل هذه الأديان السبعة هم، أو منهم، هم عمرة دركات ~~جهنم السبع، على ترتيبهم، والناجون بالكلية الفائزون هم المومنون، فمن ~~فوقهم من المحسنين والموقنين. # ومزيد تفصيل في ذلك وتثنية قول بما ينبه عليه، ms041 بحول الله، من جهات تتبع # PageV01P130 # طوائف من هذه الأمة صنن من تقدمهم في ذلك. # أما وجه تكرار دين الذين أشركوا في هذه الأمة، فباتخاذهم أصناما وآلهة ~~يعبدونها من دون الله، محسوسة جمادية، كما اتخذ المشركون الأصنام والأوثان ~~من الحجارة والخشب، فاتخذت هذه الأمة بوجه ألطف وأخفى، أصناما وأوثانا، ~~فإنها اتخذت الدينار والدرهم أصناما، والسبائك والنقر أوثانا، من حيث أن ~~الصنم هو ماله صورة، والوثن ما ليس له صورة، قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"صنم أمتي الدينار والدرهم" وقال، - صلى الله عليه وسلم -: "لكل أمة عجل ~~يعبدونه من دون الله، وعجل أمتي الدينار والدرهم" فلا فرق بين ظن المشرك أن ~~الصنم الذي صنعه بيده ينفعه، وظنه المفتونين، من هذه الأمة، أن ما اكتسبوا ~~من الدينار والدرهم ينفعهم، حتى يسير مثلهم: "ما ينفعك إلا درهمك" {يحلفون ~~بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم}. فما من آية ~~نزلت في المشركين، في ذكر أحوالهم، وتبيين ضلالهم، وتفاصيل سرهم وإعلانهم، ~~إلا وهي منطبقة على كل مفتون بديناره ودرهمه، فموقع قول المشركين في ~~أصنامهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}. مثله موقع نظيره من قول ~~المفتون: ما أحب المال إلا لأعمل الخير، واستعين به على وجوه البر، ولو ~~أراد البر لكان ترك التكسب والتمول له أبر، قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إنما أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم، وهما مهلكاكم" فكل من أحبهما ~~وأعجب # PageV01P131 # بجمعهما، فهو مشرك هذه الأمة، وهما لاتاه وعزاه، اللتان تبطلان عليه قول ~~كلمة لا إله إلا الله، لأنه تأله ماله، قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~إله إلا الله نجاة لعباد الله من عذاب الله، مالم يؤثروا صفقة دنياهم على ~~دينهم". # فمن وجد من هذا سمة فليستمع جميع ما أنزل في المشركين من القرآن منطبقا ~~عليه، ومنزلا إليه، وحاقا به، حتى يخلصه الله من خاص شركه، كما خلص من ~~أخرجه من الظلمات إلى النور من الأولين، فيخلص هذا المشرك بما له من ظلمته، ~~التي غشيت ضعيف إيمانه، إلى ms042 صفاء نور الإيمان، بما في مضمون قوله تعالى: ~~{ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور}. # فهذا وجه تفصيل يبين نحوا من تكرر دين الشرك في هذه الأمة. # وأما وجه وقوع المجوسية ونظيرها في هذه الأمة: فإطباق الناس على رؤية ~~الأفعال من أنفسهم؛ خيرها وشرها، وإسنادهم أفعال الله إلى خلقه، حيث ~~استحكمت عقائدهم على أن فلانا فاعل خير، وفلانا فاعل شر، وفلانا يعطي، ~~وفلانا يمنع، وفلانا حرمني، وفلانا أعطاني، حتى ملأوا الدواوين من الأشعار ~~والخطب والرسائل أمداحا لخلق الله على ما لم يفعلوا، وذما لهم على ما لم ~~يمنعون، يحمدون الخلق على رزق الله، ويذمونهم على ما لم يؤته الله، ويلحدون ~~في أسمائه، حتى يكتب بعضهم لبعض: سيدي وسندي، وأسنى عددي، وعبدك ومملوكك، ~~يبطلون بذلك أخوة الإيمان، ويكفرون تسوية خلق الرحمان، ويدعون لأنفسهم ~~أفعال الله، فيقولون: فعلنا وصنعنا، وأحسنا وعاقبنا، كلمة نمرودية أن أتاهم ~~الله ما لم يشعروا باختصاص الله تعالى فيه بأمره، كالذي "حاج إبراهيم في ~~ربه أن أتاه الله الملك" حين "قال: أنا أحيي وأميت". وهذه هي المجوسية ~~الصرف والقدرية المحضة، التي لايصح دين الإسلام معها، لأن المسلم من أسلم ~~الخلق # PageV01P132 # والأمر لربه، {أسلمت وجهي لله ومن اتبعن}. {ألا له الخلق والأمر}. # وما سوى ذلك قدرية، هي مجوسية هذه الأمة، حيث جعلوا للعبد شركة في فعل ~~الرب، وجعلوا له معه، تعالى، قدرة وقوة، ومشيئة واختيارا وتدبيرا، ولم ~~يعلموا أن المقدور منع التدبير، وأنه هو، تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض} قال: - صلى الله عليه وسلم -: "القدرية مجوس هذه الأمة". # فكل ما أنزل الله، عز وجل، في القرآن الجامع لذكر جميع الملل والأديان، ~~مما عزاه لمن وزع الأفعال بين الحق والخلق، من كلام ذي فرعنة أو نمرودية، ~~أو ذي سلطان، فلمعتقد المدح والذم للخلق حظ منه، على حسب توغلهم واستغراقهم ~~في الذين زعموا أنهم فيهم شركاء، فخافوهم ورجوهم، فكل خائف من الخلق أو راج ~~منهم، من عداد الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة، فهو من مجوس ms043 هذه ~~الأمة. # فليسمع السامع ما يقرؤه من ذلك حجة عليه، يسأل الله التخلص منها، وليعلم ~~أن ذلك لم يزل حجة عليه، وإن كان لم يشعر به قبل. # فهذا وجه من وقوع المجوسية في هذه الأمة. # وأما وجه وقوع الصائبة ونظيرها في هذه الأمة: فيما غلب على أكثرها، ~~وخصوصا ملوكها وسلاطينها، وذوي الرئاسة منها، من النظر في النجوم، والعمل ~~بحسب ما تظهره هيئتها عندهم من سعد ونحس، والاستمطار بالنجوم، والاعتماد ~~على الأنواء، وإقبال القلب على الآثار الفلكية، قضاء بها وحكما، بحسب ما ~~جرى عليه # PageV01P133 # النحليون الذين {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} ~~من العناية بها. قال، - صلى الله عليه وسلم -: "أربعة في أمتي هن بهم كفر، ~~وليسوا بتاركيهن". فذكر منها الاستمطار بالنجوم، فالمتعلق خوفهم ورجاؤهم ~~بالآثار الفلكية هم صابئة هذه الأمة، [كما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم ~~بأنفسهم وغيرهم من الخلق، هم مجوس هذه الأمة]، وكما أن المتعلق خوفهم ~~ورجاؤهم بدرهمهم ودينارهم هم مشركو هذه الأمة، وما انطوى عليه سر كل طائفة ~~منهم، مما تعلق به خوفهم ورجاؤهم، فهو ربهم ومعبودهم الذي إليه تصرف جميع ~~أعمالهم، واسم كل امرئ مكتوب على وجه ما اطمأن به قلبه، فكل ما أنزل في ~~القرآن من تزييف آراء الصابئة فهو حجة عليه، حين يقرؤه أو يسمعه، من حيث لا ~~يشعر، حتى يقرأ قوم القرآن وهو نذير لهم بين يدي عذاب شديد وهم لا يشعرون، ~~ويحسبون أنهم يرحمون به، وهم به الأخسرون {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}، ~~فمما يختص بهذه الطائفة المتصبئة ما هو نحو قوله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السماوات والأرض} الآيات في ذكر الكوكب والقمر والشمس، إلى آيات ذكر ~~التسخير لهن، نحو قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر} {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره}. {وسخر لكم الشمس ~~والقمر دائبين}. {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا ~~عدد السنين # PageV01P134 # والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} {وأنه هو رب الشعرى}. # كل ذلك ms044 ليصرف، تعالى، خوف الخلق ورجاءهم عن الأفلاك والنجوم المسخرة، إلى ~~المسخر القاهر فوق عباده. الذي استوى على جميعها. # فهذا وجه من وقوع الصابئة في الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة. # وأما وجه وقوع ما غلب على هذه الأمة: وكثر فيها، وفشا في أعمالها ~~وأحوالها، من تمادي طوائف منهم على نظير ما كان عليه اليهود والنصارى في ~~اختلافهم، وغلبة أحوال ملوكهم وسلاطينهم، على أحوال أنبيائهم وعلمائهم ~~وأوليائهم، فهو الذي حذرته هذه الأمة، وأشعر أولو الفهم بوقوعه منهم، بنحو ~~ما في مضمون قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات} وما أنبأ به، - صلى الله عليه وسلم - في قوله "لتتعبن سنن ~~من كان قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم" ~~وفي بعض طرقه: "حتى لو كان فيهم من أتى أمه جهارا لكان فيكم ذلك. قلنا: يا ~~رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " # وإنما قوى وكثر في هذه الأمة حال هاتين الملتين، لما أتاهما الله من ~~الكتاب والعلم والحكمة، فاختلفوا فيها بالأغراض والأهواء، وإيثار عرض ~~الدنيا، وسامحوا الملوك والولاة، وحللوا لهم ما حرم الله، وحرموا لهم ما ~~حلل الله، وتوصلوا بهم إلى أغراضهم في الإعتداء على من حسدوه من أهل الصدق ~~والتقوى، وكثر البغي بينهم، فاستقر حالهم على مثل حالهم، وسلطت عليهم ~~عقوبات مثل عقوبتهم، وتمادى ذلك فيهم، منذ تبدلت الخلافة # PageV01P135 # ملكا، إلى أن تضع الحرب أوزارها، وتصير الملل كلها ملة واحدة، ويرجع ~~الافتراق إلى ألفة التوحيد. # فكل من اقتطع واقتصر من هذه الشريعة المحمدية الجامعة للظاهر والباطن حظا ~~مختصا من ظاهر أو باطن، ولم يجمع بينهما في عمله وحاله وعرفانه، فهو، بما ~~لزم الظاهر الشرعي، دون حقيقة باطنه، من يهود هذه الأمة، كالمقيمين لظاهر ~~الأحوال الظاهرة، التي بها تستمر الدنيا على حسب ما يرضي ملوك الوقت ~~وسلاطينهم، المضيعين لأعمال السرائر، المنكرين لأحوال أهل الحقائق، الشاهد ~~عليهم تعلق خوفهم ورجائهم بأهل الدنيا، المؤثرين لعرض هذا الأدنى. # فبهذا ظهرت أحوال اليهود في هذه الأمة، ms045 مر الأعراب مع النبي، - صلى الله ~~عليه وسلم -، بسدرة خضراء نضرة، وكان لأهل الجاهلية سدرة يعظمونها، ~~ويجتمعون عندها، وينيطون بها أسلحتهم، ويسمونها: "ذات أنواط" فقالوا يا ~~رسول الله، اجعل لنا هذه السدرة ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال، - صلى ~~الله عليه وسلم -: "قلتموها ورب الكعبة". "اجعل لنا إلها كما لهم آلهة". # إنها السنن، فبحيث ظهرت أحداث اليهود من البغي والحسد، وتعظيم ما ظهر ~~تعظيمه، من حيث الدنيا واستحقار ضعفاء المؤمنين، فهنالك أعلام اليهودية. # وكذلك أيضا من اقتصر، من هذه الشريعة الجامعة المحمدية، على باطن: من ~~إصلاح حال أو قلب، مع تضييع ظاهر الأمر، ومجامع الخير، وتعاضد الإسلام، ~~واكتفى بما استبطن وتهاون بما استظهر، فهو من نصارى هذه الأمة، ليس بصاحب ~~فرقان، فكيف أن يكون صاحب قرآن، وذلك أن هذا الدين الجامع، إنما يقوم ~~بمعالم إسلام ظاهرة، وشعائر إيمان في القلوب، وأحوال نفس باطنة، وحقائق ~~إحسان شهودية، لايشهد المحسن مع الله سواه، ولا يومن المؤمن مع الله بغيره، ~~ولا يخضع المسلم إلى شيء من دونه، فبذلك يتم الدين. # PageV01P136 # وقد التزم بمعالم الإسلام طوائف يسمون: المتفقهة، والتزم بشعائر الإيمان ~~طوائف يسمون: الأصوليين والمتكلمين، وترامى إلى الإحسان طوائف يسمون: ~~المتصوفة، فمتى كان المتفقه منكرا لصدق أحوال الصوفية، لما لعله يراه من ~~خلل في أحوال المتصوفة، فقد تسنن بسنن اليهودية، ومتى كان المتصوف غير مجل ~~للفقهاء، لما لعله يراه من خلل في أحوال المتفقهة، فقد تسنن بسنن النصارى، ~~وكذلك حال المتكلم بين الفرقتين لأيهما مال، وإنما أيمة الدين الذين جمع ~~لهم الله إقامة معالم الإسلام، وإيمان أهل الإيمان، وشهود أهل الإحسان، ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، فتأتم بهم الصوفية، وتظهر أنوار قلوبهم ~~على ظلم المتشابهات، فيأتم بهم أهل الإيمان، وتبدو في أعمالهم معالم ~~الإسلام تامة، فيأتم بهم أهل الإسلام. {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} أفضل الناس مؤمن في خلق حسن، وشر ~~الناس كافر في خلق سيء، فأولو الفرقان جامعون ومستبصرون. # فمن اقتصر على ظاهر وأنكر ms046 باطنا، لزمه مذام اليهود، فيما أنزل من القرآن ~~فيهم، بحسب توغله أو اقتصاره. # ومن اقتصر على باطن دون ظاهر، لزمته مذام النصارى، فيما أنزل من القرآن ~~فيهم. يذكر أن رجلا من صلحاء المسلمين دخل كنيسة، فقال لراهب فيها: دلني ~~على موضع طاهر أصلي فيه، قال الراهب: طهر قلبك، مما سواه، وقم حيث شئت. قال ~~ذلك الصالح المسلم: فخجلت منه. # فاعلم أن كل واحد من هذين الحالين ليس صاحب فرقان، ولا حال صاحب قرآن، ~~لأن صاحب القرآن لا يخجل لهذا القول، لأنه حاله، وقلبه مطهر مما سوى الله، ~~وبعد ذلك لابد أن ينظف ظاهره، لأن الله، سبحانه، كما أنه الباطن، فيحب صفاء ~~البواطن، فإنه الظاهر يحب صلاح الظواهر. # PageV01P137 # فصاحب القرآن إذا دعى إلى صفاء الباطن أجاب ولم يتلعثم، وإذا دعى إلى ~~صلاح ظاهر أجاب ولم يتلكأ، لقيامه بالفرقان، وحق القرآن. # يذكر أن مالكا، رحمه الله، دخل المسجد بعد العصر، وهو ممن لا يرى الركوع ~~بعد العصر، فجلس ولم يركع، فقال له صبي: يا شيخ، قم فاركع، فقام فركع، ولم ~~يحاجه بما يراه مذهبا، فقيل له في ذلك؛ فقال: خشيت أن أكون من الذين إذا ~~{قيل لهم اركعوا لا يركعون}. ووقف النبي، - صلى الله عليه وسلم -، على ~~سقاية زمزم، وقد صنع العباس أحواضا من شراب فضيح، والمسلمون يردون عليه، ~~وقد خاضوا فيه بأيدهم، فأهوى النبي، - صلى الله عليه وسلم -، يشرب من ~~شرابهم، فقال له العباس: يا رسول الله، "ألا نسقيك من شراب لنا في أسقية" ~~فقال، - صلى الله عليه وسلم -: أشرب من هذا ألتمس بركة أيدي المسلمين، فشرب ~~منه - صلى الله عليه وسلم -. # فصاحب القرآن يعبد الله بقلبه وجسمه، لا يقتصر على باطن دون ظاهر، ولا ~~على ظاهر دون باطن، ولا على أول دون آخر، ولا على آخر دون أول. قال، - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره". # فمن حق القارىء أن يعتبر القرآن في نفسه، ويلحظ مواقع مذامه للفرق، ويزن ~~به أحوال نفسه من هذه الأديان، ms047 لئلا يكون ممن يسب نفسه بالقرآن، وهو لا ~~يشعر. فهذا وجه من وقوع هذه الأديان الستة في هذه الأمة. # وأما وجه وقوع النفاق وأحوال المنافقين: فهي داهية القراء وآفة الخليقة، ~~قال، - صلى الله عليه وسلم -: "أكثر مناففي أمتي قراؤها". وقال بعض كبار ~~التابعين: أدركت سبعين ممن رأى # PageV01P138 # النبي، - صلى الله عليه وسلم -، كلهم يخاف النفاق على نفسه، وأصل مداخله ~~على الخلق من إيثار حرمة الخلق على حرمة الحق، جهلا بالله، واعتزارا ~~بالناس، فيلتزم لذلك محاسنة أولي البر والصدق ظاهرا، وتكرمهم بقلبه باطنا، ~~وتتبع ذلك من الذبذبة بين الحالين ما وصفه الله، سبحانه، من أحوالهم، وما ~~نبه النبي، - صلى الله عليه وسلم -، عليه من علاماتهم، حتى قال: "بيننا ~~وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما" كما قال تعالى: {ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون}. ينظر المنافق إلى ~~ما يستسقط به فضائل أهل الفضل، ويتعامى عن محاسنهم، كما روى أن الله يبغض ~~التارك لحسنة المؤمن الآخر لسيئته. والمؤمن الصادق يتغافل عن مساوئ أهل ~~المساوئ، فكيف بمعايب أهل المحاسن. ومن أظهر علامات المنافق تبرمه بأعمال ~~الصادق، كما ذكر، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جنبه ~~منافق يكره عمله، وعن ذلك المنافق غماز لماز، بخيل جبان، مرتاع مستثقل في ~~مجامع الخير، أجنبي منها، مستخف في مواطن الشر متقدم فيها، طلق اللسان ~~بالغيبة والبهتان، ثقيل اللسان عن مداومة ذكر الله، عم عن الله في كل حال، ~~ناظر إلى الناس بكل وجه، وهو مع ذلك يصانعهم ولا يصادقهم، ياخذ من الدين ما ~~ينفع في الدنيا، ولا ياخذ ما ينفع في العقبى، ويجتنب في الدين ما يضر في ~~الدنيا، ولا يجتنب ما يضر في العقبى مما يضر في الدنيا. # PageV01P139 # فهذا وجه من وقوع شياع النفاق في هذه الأمة: فلذلك من حق القارئ أن ~~يستشعر مواقع آي القرآن من نفسه في ذات قلبه، وفي أحوال نفسه وأعمال بدنه، ~~وفي سره مع ربه، وفي علانيته مع خلقه، فإنه بذلك ms048 يجد القرآن كله منطبقا ~~عليه، خاصا به، حتى كأن جميعه لم ينزل إلا إليه، حتى إذا رغب في أمر رغب هو ~~فيه، من وجه ما، ولا يقول هذا إنما أنزل في كذا، وإذا أرهب القرآن في أمر ~~رهبه من وجه ما. وإذا أعلى فكذلك، وإذا أسفل فكذلك، ولا يقول هذا إنما أنزل ~~في كذا، حتى يجد لكل القرآن موقعا في عمله، أي عمل كان. ومحلا في نفسه أي ~~حال كان، ومشعرا لقلبه، أي ملحظ كان، فيسمع القرآن بلاغا من الله بغير ~~واسطة بينه وبينه، فعند ذلك يوشك أن يكون ممن يقشعر له جلده ابتداء، ثم ~~يلين له جلده وقلبه انتهاء، وربما يجد من الله، سبحانه، نفح رحمة، يفتح له ~~بابا إلى التخلق بالقرآن؛ إسوة بالنبي، - صلى الله عليه وسلم -، سئلت ~~عائشة، - رضي الله عنها -، عن خلق رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقالت: "كان خلقه القرآن". وبذلك هو ذو الخلق العظيم، والله واسع عليم، ~~والحمد لله رب العالمين. # * * * * # PageV01P140 # آخر نسخة باريس المكتبة الوطنية: ب: # [آخر الكتاب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم] # * * * * # آخر نسخة المكتبة العامة بالرباط: ط: # [كمل القفل والمفتاح والعروة والتوشية، للشيخ الإمام العلامة: أبي الحسن ~~علي بن أحمد بن الحسن الحرالي التجيبي. # وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره ~~الغافلون، آمين، آمين، آمين، آمين]. # PageV01P141 # صفحة فارغة # PageV01P142 # نصوص تفسير الحرالي المفقود # المستخرجة من الجزء الأول من تفسير البقاعي # "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" # PageV01P143 ### | [تقديم البقاعي]: # وانتفعت في هذا الكتاب - كثيرا - بتفسير على وجه كلي، للإمام الرباني: ~~أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن التجيبي الحرالي - بمهملتين مفتوحتين، ومد ~~وتشديد اللام - المغربي، نزيل حماة من بلاد الشام، سماه: "مفتاح الباب ~~المقفل لفهم القرآن المنزل" وكتاب: "العروة" لهذا المفتاح، يذكر فيه وجه ~~إنزال الأحرف السبعة، وما تحصل به قراءتها، وكتاب: "التوشية والتوفية" في ~~فصول تتعلق بذلك. # وقد ذكرت أكثر هذا الكتاب في تضاعيف كتابي [هذا] معزوا إليه في مواضيع ~~تليق [به]، ثم ms049 بعد وصولي إلى سورة الأنفال ملكت جزءا من تفسيره، فيه من ~~أوله إلى "إن الله اصطفى" في آل عمران، فرأيته عديم النظير. # وقد ذكرت فيه المناسبات، وقد ذكرت ما أعجبني فيها، وعزوته إليه، يسر الله ~~الاطلاع على بقيته، بحوله وقوته [انتهى كلام البقاعي]. # * * * ### | سورة (الفاتحة) # * * * ### | وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في تفسيره في غريب ألفاظ البسملة: # الباء معناها أظهره الله، سبحانه، من حكمة التسبيب. الاسم ظهور ما غاب أو ~~غمض للقلوب بواسطة الآذان على صورة الأفراد، {الله} اسم ما تعنو إليه ~~القلوب عند # PageV01P144 # موقف العقول، فتأله فيه أي تتحير فتتالهه وتلهو به أي تغنى به عن كل شيء. ~~{الرحمن} شامل الرحمة لكافة ما تتناوله الربوبية. {الرحيم} خاص الرحمة بما ~~ترضاه الإلهية. # وقال في غريب معناها: لما أظهر الله سبحانه حكمة التسبيب، وأرى الخلق ~~استفادة بعض الأشياء من أشياء أخر متقدمة عليها، كأنها أسبابها، وقف بعض ~~الناس عند أول سبب، فلم ير ما قبله، ومنهم من وقف عند سبب السبب إلى ما ~~عساه ينتهي إليه عقله فطوى الحق تعالى تلك الأسباب وأظهر بالبسملة، أي ~~بتقديم الجار، أن كل شيء باسمه لا بسبب سواه. # وقال استفتح أم القرآن بالبسملة لما كانت نسبتها من متلو الصحف والكتب ~~الماضية نسبة أم القرآن من القرآن: الكتاب الجامع للصحف والكتب لموضع طيها ~~الأسباب، كما تضمنت أم القرآن سر ظهور الأفعال بالعناية من الحميد المجيد ~~في آية {إياك نعبد وإياك نستعين}. # هذا في ظاهر الخطاب، إلى ما وراء ذلك من باطنه، فإن لكل آية ظهرا وبطنا. ~~وليلزمها الخلق في ابتداء أقوالهم وأفعالهم، هكذا قال. # PageV01P145 # قال الحرالي: و"الحمد" المدح الكامل الذي يحيط بجميع الأفعال والأوصاف، ~~على أن جميعها إنما هو من الله سبحانه وتعالى، وأنه كله مدح لايتطرق إليه ~~ذم، فإذا أضمحل ازدواج المدح بالذم، وعلم سريان المدح في الكل استحق عند ~~ذلك ظهور اسم الحمد مكملا معرفا بكلمة "ال" وهي كلمة دالة فيما اتصلت به، ~~على انتهائه وكماله. ### | {مالك يوم الدين} # قال الحرالي: واليوم مقدار ما يتم ms050 فيه أمر ظاهر ثم قال: و {يوم الدين} في ~~الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة، حيث تسقط دعوى المدعين، ~~وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد، وهو في الحقيقة من أول يوم نفوذ ~~الجزاء عند مقارفة الذنب في باطن العامل إثر العمل إلى أشد انتهائه في ~~ظاهره، لأن الجزاء لايتأخر عن الذنب، وإنما يخفى لوقوعه في الباطن، وتأخره ~~عن معرفة ظهوره في الظاهر، ولذلك يؤثر عنه، عليه الصلاة والسلام: "أن العبد ~~إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء". وأيضا فكل عقاب يقع في الدنيا على أيدي ~~الخلق فإنما هو جزاء من الله، وإن كان أصحاب الغفلة ينسبونه للعوائد، كما ~~قالوا: {مس آباءنا الضراء والسراء} ويضيفونه للمعتدين عليهم بزعمهم، وإنما ~~هو كما قال # PageV01P146 # تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وكما ورد عنه عليه الصلاة ~~والسلام: "الحمى من فيح جهنم، وإن شدة الحر والقر من نفسها"، وهي سوط ~~الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم مضروبون به، ومنهل التجهم الذي أجمعهم ~~واردوه من حيث لا يشعر به أكثرهم، قال عليه الصلاة والسلام: "المرض سوط ~~الله في الأرض يؤدب الله به عباده"، وكذلك ما يصيبهم من عذاب النفس بنوع ~~الغم والهم والقلق والحرص، وغير ذلك. # وهو تعالى ملك ذلك كله ومالكه، سواء ادعى فيه مدع أو لم يدع، فهو تعالى ~~بمقتضى ذلك [كله ملك] يوم الدين ومالكه مطلقا في الدنيا والآخرة، وإلى ~~الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي، لأن به رجع الأمر عودا على بدء ~~بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال، # PageV01P147 # كما قال تعالى: {سيجزيهم وصفهم} و {جزاء بما كانوا يعملون}. وبه تم ~~انتهاء الشرف العلي، وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى: {مجدني عبدي} ~~انتهى. ### | {إياك نعبد}: # ومعنى "نعبد" كما # قال الحرالي، نبلغ الغاية في أنحاء التذلل، وأعقبه بقوله مكررا للضمير، ~~حثا على المبالغة في طلب العون {وإياك نستعين}. إشارة إلى أن عبادته لا ~~تتهيأ إلا بمعونته، وإلى أن ملاك الهداية ms051 بيده، فانظر كيف ابتدأ سبحانه ~~بالذات، ثم دل عليه بالأفعال، ثم رقى إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات "إيماء ~~إلى أنه الأول [و] الآخر المحيط، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الأفعال ~~والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلبت ~~الإعانة. # قال الحرالي: وهذه الآيات، أي هذه وما بعدها، مما جاء كلام الله فيه ~~جاريا على لسان خلقه، فإن القرآن كله كلام الله، لكن منه ما هو كلام الله ~~عن نفسه، ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق به الخلق على اختلاف ~~ألسنتهم وأحوالهم وترقي # PageV01P148 # درجاتهم ورتب تفاضلهم، مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه، لقصورهم وعجزهم، ~~فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم، مما لا يبلغ ~~إليه وسع خلقه، وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلا لهم منزلة أن ~~لو كان ذلك النطق ظاهرا منهم؛ لطفا بهم، وإتماما للنعمة عليهم، لأنه، ~~تعالى، لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ~~ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما ~~يلقنهم من كلامه، مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا كانوا لا ~~يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم، فكيف بما يكون نبأ ~~عن تحميد الله وتمجيده، فإذا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ~~ذلك أو بغير فهم، وتلك هي صلاتهم المقسمة التي [عبر] عنها فيما صح عنه عليه ~~الصلاة والسلام من قوله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، ثم تلا ~~هذه السورة. فجاءت الآيات الأولى الثلاث الأول بحمد الله تعالى نفسه، فإذا ~~تلاها العبد قبل الله # PageV01P149 # منه تلاوة عبده كلامه، وجعلها منه حمدا وثناء وتمجيدا، وجاءت هذه الآيات ~~على لسان خلقه، فكان ظاهرها التزام عهد العبادة، وهو ما يرجع إلى العبد، ~~وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه، وهو ما يرجع إلى الحق، فكانت بينه ~~وبين عبده وتقدمت بينيته تعالى ms052 لأن المعونة متقدمة على العبادة وواقعة بها، ~~وهو مجاب فيما طلب من المعونة، فمن كانت عليه مؤنة شيء فاستعان الله فيها ~~على مقتضى هذه الآية جاءته المعونة على قدر مؤنته، فلا يقع لمن اعتمد مقتضى ~~هذه الآية عجز عن مرام أبدا، وإنما يقع العجز ببخس الحظ من الله تعالى، ~~والجهل بمقتضى ما أحكمته هذه الآية، والغفلة عن النعمة بها، وفي قوله: ~~"نعبد" بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع. انتهى. ### | {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} # قال الحرالي: مرجع الضال إلى ما ضل عنه، والصراط الطريق الخطر السلوك. ~~والآية من كلام الله تعالى، على لسان العلية من خلقه، وجاء مكملا بكلمة ~~"ال" لأنه الصراط الذي لا يضل بمهتديه لإحاطته ولشمول سريانه وفقا لشمول ~~معنى الحمد في الوجود كله، وهو الذي تشتت الآراء وتفرقت الفرق بالميل إلى ~~واحد من جانبيه، وهو الذي ينصب # PageV01P150 # مثاله - وعلى حذو معناه - بين ظهراني جهنم يوم الجزاء للعيان، وتحفه مثل ~~تلك الآراء خطاطيف وكلاليب، تجري أحوال الناس معها في المعاد على حسب ~~مجراهم مع حقائقها، التي ابتداء في يوم العمل، وهذا الصراط الأكمل، وهو ~~المحيط المترتب على الضلال الذي يعبر به عن حال من لا وجهة له، وهو ضلال ~~ممدوح، لأنه يكون عن سلامة الفطرة، لأن من لا علم له بوجهة، فحقه الوقوف عن ~~كل وجهة، وهو ضلال يلتزم هدى محيطا، منه {ووجدك ضالا فهدى} وأما من هدى ~~وجهة ما فضل عن مرجعها فهو ضلال مذموم، لأنه ضلال بعد هدي، وهو يكون عن ~~اعوجاج في الجبلة - انتهى. # قال الحرالي: {المغضوب عليهم} الذين ظهر منهم المراغمة، وتعمد المخالفة، ~~فيوجب ذلك الغضب من الأعلى، والبغض من الأدنى، و (الضالين} الذين وجهوا ~~وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك {آمين} كلمة عزم من الأمن، مدلولها ~~أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه، لأنه لا يعجزه # PageV01P151 # شيء ولا يمنعه، وهي لا تصلح إلا لله، لأن مادونه لا ينفك عن عجز أو منع ~~[انتهى] وهو صوت سمى به الفعل ms053 الذي هو استجب. وقد انعطف المنتهى على ~~المبتدأ بمراقبة القسم الأول اسم الله، فحازوا ثمرة الرحمة، وخالف هذان ~~القسمان، فكانوا من حزب الشيطان، فأخذتهم النقمة. # وعلم أن نظم القرآن، على ما هو عليه، معجز، ومن ثم اشترط في الفاتحة في ~~الصلاة، لكونها واجبة فيها، الترتيب، فلو قدم فيها أو أخر لم تصح الصلاة ~~[وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم] ه. # وقال في تفسيره: القرآن باطن، وظاهره، محمد - صلى الله عليه وسلم -، قالت ~~عائشة رضي الله عنها "كان خلقه القرآن" فمحمد، - صلى الله عليه وسلم -، ~~صورة باطن صورة القرآن، فالقرآن باطنه وهو ظاهره، {نزل به الروح الأمين ~~(193) على قلبك}. # وقال في تفسير الفاتحة: وكانت سورة الفاتحة أما للقرآن، لأن القرآن جميعه ~~مفصل من مجملها، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء ~~الحسنى، والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها، ~~والآيات الثلاث الأخر من قوله {اهدنا} شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في ~~الأصول إلى الله، والتحيز # PageV01P152 # إلى رحمة الله، والانقطاع دون ذلك، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع ~~هذه، وكل ما يكون وصلة بين ذلك، مما ظاهرهن وهذه من الخلق ومبدأه وقيامه من ~~الحق، فمفصل من آية {إياك نعبد وإياك نستعين} انتهى. # * * * ### | سورة (البقرة) # * * * ### | "الم" # وقال الحرالي في تفسيره "ألف" اسم للقائم الأعلى المحيط، ثم لكل مستحلف ~~في القيام، كآدم والكعبة، "ميم" اسم للظاهر الأعلى الذي من أظهره ملك يوم ~~الدين، واسم للظاهر الكامل الموتى جوامع الكلم، محمد، - صلى الله عليه وسلم ~~-، ثم لكل ظاهر دون ذلك، كالسماء والفلك والأرض، "لام" اسم لما بين باطن ~~الإلهية التي هي محار العقول، وظاهر الملك الذي هو متجلي يوم الجزاء، من ~~مقتضى الأسماء الحسنى، والصفات العلى، التي هي وصل تنزل ما بينهما كاللطيف ~~ونحوه، ثم للوصل الذي كالملائكة وما تتولاه من أمر الملكوت. وهذه الألفاظ ~~عند انعجام معناها تسمى حروفا، والحرف طرف الشيء الذي لا يؤخد منفردا، وطرف ~~القول الذي لا يفهم وحده، ms054 وأحق ما تسمى حروفا إذا نظر إلى صورها، ووقوعها ~~أجزاء من الكلم ولم تفهم لها دلالة فتضاف إلى مثلها جزء من كلمة مفهومة ~~تسمى عند ذلك حروفا، وعند النطق بها هكذا: ألف، لام، ميم، [فينبغي أن يقال ~~فيها أسماء، # PageV01P153 # وإن كانت غير معلومة الدلالة كحروف ألف باء تام] فإنها كلها أسماء على ما ~~فهمه الخليل، وإنها تسمى حروفا عندما تكون أجزاء كلمة محركة للابتداء أو ~~مسكنة للوقف والانتهاء. # وأما حقيقتها فهي جوامع أصلها في ذكر أول من كلام الله تعالى فنزلت إلى ~~الكلم العربية، وترجمت بها، ونظم منها هذا القرآن العربي المبين، فهي في ~~الكتب العلوية الملكوتيه المترتبة في الجمع والتفصيل آية وكلم وذات كتاب، ~~فلما نزلت إلى غاية مفصل القرآن أبقيت في افتتاحه لتكون علما على نقله ~~للتفصيل من ذلك الكتاب، ولأنها أتم وأوجز في الدلالة على الجمع من المفصل ~~منها، ودلالتها جامعة للوجود كله من أبطن قيمه إلى أظهره، وأظهر مقامه، ~~ومابينهما من الوصلة [و] الواصلة، وهي جامعة الدلالة على الكون المرئي ~~للعين بالعين والوحي المسموع، ولأجل ما اقتضته من الجمع لم تنزل في كتاب ~~متقدم، لأن كتاب كل وقت مطابق بحال الكون فيه، والكون كان بعد لم يكمل، ~~فكانت كتبه وصحفه بحسبه، ولما كمل الكون في وقت سيدنا محمد، - صلى الله ~~عليه وسلم -، كان كتابه كاملا جامعا، فوجب ظهور هذه الجوامع فيه ليطابق ~~الختم البدء، لأنهما طرفا كمال، وما بينهما تدرج إليه، وقد كان وعد # PageV01P154 # بإنزالهما في بعض تلك الكتب، فكان نزولها نجازا لذلك، انتهى. ### | {ذلك الكتاب لا ريب}: # قال الحرالي: "ذا" اسم مدلوله المشار إليه، واللام مدلوله معها بعد ما ~~"الكتاب": من الكتب، وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفية من أصله، كالخرز في ~~الجلد بقد منه، والخياطة في الثوب بشيء من جنسه، ليكون أقرب لصورة اتصاله ~~الأول، فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام، وما أثبت بالرقوم من الكلام، ~~"لا": لنفي ما هو ممتنع مطلقا، أو في وقت. "الريب" التردد بين موقعي تهمة، ~~بحيث يمتنع من ms055 الطمأنينة على كل واحد منهما. انتهى. # {فيه هدى للمتقين} # قال الحرالي: جمع المتقي، وهو المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره ~~بتقصيره عن الاستبداد، وعلمه بأنه غير مستغن بنفسه، فهو متق لوصفه وحسن ~~فطرته، والمتقي كذا متوقف لأجل ذلك، والتقوى أصل يتقدم الهدى وكل عبادة، ~~لأنها فطرة توقف، تستحق الهدى وكل خير، وهي وصية الله [لأهل الكتاب]. ~~انتهى. ### | {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}. # وقال الحرالي: "يؤمنون" من الإيمان، وهو مصدر آمنه يؤمنه إيمانا، وإذا ~~آمن من ينبهه على أمر ليس عنده أن يكذبه أو يرتاب فيه. و"الغيب" ما غاب عن ~~الحس، ولم يكن عليه علم يهتدي به العقل، فيحصل به العلم، وصيغة "يؤمنون" و # PageV01P155 # "يقيمون" تقتضي الدوام إلى الختم، وإدامة العمل إلى الختم تقتضي ظهوره عن ~~فطرة أو جبلة، وأنه ليس عن ئعمل ومراءاة، وعند ذلك يكون علما على الجزاء، ~~و"الصلاة" الإقبال بالكلية على أمر، فتكون من الأعلى عطفا شاملا، ومن ~~الأدنى وفاء بأنحاء التذلل، والإقبال بالكلية على التلقي، وإيمانهم بالغيب ~~قبولهم من النبي، - صلى الله عليه وسلم -، ما تلقاه بالوحي من أمر غائب ~~الدنيا الذي هو الآخرة وما فيها، وأمر غائب الملكوت وما فيه، إلى غيب ~~الجبروت وما به، بحيث يكون عملهم على الغائب الذي تلقته قلوبهم على سبيل ~~آذانهم، كعملهم على ما تلقته أنفسهم على سبيل أعينهم، وسائر حواسهم، وداموا ~~على عملهم ذلك على حكم إيمانهم إلى الخاتمة. # ولما كانت الصلاة التزام عهد العبادة مبنيا على تقدم الشهادة متممة بجماع ~~الذكر وأنواع التحيات لله، من القيام له، تعالى، والركوع له والسجود الذي ~~هو أعلاها، والسلام بالقول الذي هو أدنى التحيات، كانت لذلك تعهدا للإيمان ~~وتكرارا، ولذلك من لم يدم الصلاة ضعف إيمانه، وران عليه كفر، فلا إيمان لمن ~~لا صلاة له، [والتقوى وحده أصل] والإيمان فالصلاة ثمرته، والإنفاق خلافة، ~~ولذلك البخل عزل عن خلافة الله، {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} وهذا ~~الأمر بتمامه هو الذي جعلت الخلافة لآدم به إلى ما وراء ذلك من كمال ms056 أمر ~~الله الذي أكمله بمحمد، - صلى الله عليه وسلم -، فالتقوى قلب باطن، ~~والإنفاق وجه ظاهر. والإيمان فالصلاة وصلة بينهما. # PageV01P156 # ووجه ترتب الإيمان بالغيب على التقوى أن المتقي لما كان متوقفا غير متمسك ~~بأمر، كان أذا أرشد إلى غيب لايعلمه، لم يدفعه بمقتضى ما تقدم له علمه؛ ~~ووجه ترتب الإنفاق على الإيمان بالغيب أن المدد غيب، لأن الإنسان لما كاد ~~لا يطلع على جميع رزقه، كان رزقه غيبا. فإذا أيقن بالخلف جاد بالعطية، فمتى ~~أمد بالأرزاق تمت خلافته، وعظم فيها سلطانه، وانفتح له باب إمداد برزق أعلى ~~وأكمل من الأول، فإذا أحسن الخلافة فيه بالإنفاق منه أيضا، انفتح له باب ~~إلى أعلى إلى أن ينتهي إلى حيث ليس وراءه مرأى. وذلك هو الكمال المحمدي. # وإن بخل فلم ينفق، واستغنى بما عنده، فلم يتق فكذب، تضاءل أمر خلافته، ~~وانقطع عنه المدد من الأعلى، فبحق سمي الإنفاق زكاة، وفي أول الشورى كلام ~~في الإيمان عن علي، رضي الله عنه، نفيس. انتهى. # {وبالآخرة هم يوقنون} # قال الحرالي: الآخرة معاد الأمر بعد تمامه على أوليته. انتهى. # والإيقان، كما # قال الحرالي: صفاء العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه، من يقن الماء، ~~وهو ما نزل من السماء فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا وارد ~~انتهى. ### | {وأولئك هم المفلحون} # قال الحرالي: وخرج الخطاب في هذه الآية مخرج المخاطبة للنبي، - صلى الله ~~عليه وسلم -، ومخرج إحضار المؤمنين بموضع الإشارة، وهي مكانة حضرة دون ~~مكانة حضرة المخاطب. انتهى. # قال الحرالي: فحصل بمجموع قوله: {سواء عليهم} إلى آخره، وبقوله: # PageV01P157 # {لا يؤمنون} خبر تام عن سابقة أمرهم، ولاحقة كونهم، فتم بالكلامين الخبر ~~عنهم خبرا واحدا ملتئما، كتبا سابقا، وكونا لاحقا. انتهى. ### | {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} # قال الحرالي: وشركه في الختم مع القلب، لأن أحدا لايسمع إلا ما عقل. ~~انتهى. # {ولهم عذاب عظيم} # قال الحرالي: وفي قوله: "ولهم" إعلام بقوة تداعي حالهم لذلك العذاب، ~~واستحقاقهم له، وتنشؤ ذواتهم إليه، حتى يشهد عيان المعرفة به - أي العذاب - ~~وبهم أنه ms057 لهم، وكان عذابهم عظيما آخذا في عموم ذواتهم، لكونهم لم تلتبس ~~أبدانهم ولانفوسهم ولا أرواحهم بما يصد عنهم شيئا من عذابها، كما يكون ~~للمعاقبين من مذنبي مؤمني الأمم، حيث يتنكب العذاب عن وجوههم ومواضع وضوئهم ~~ونحو ذلك. انتهى. # قال الحرالي: "الكفر" تغطية ما حقه الإظهار، و "الإنذار" الإعلام بما ~~يحذر، و"الختم" إخفاء خبر الشيء بجمع أطرافه عليه على وجه يتحفظ به، ~~والقلب" مبدأ كيان الشيء من غيب قوامه، فيكون تغير كونه بحسب تقلب قلبه في ~~الانتهاء، ويكون تطوره وتكامله بحسب مدده في الابتداء والنماء، والقلب من ~~الإنسان، بمنزلة السكان من السفينة، بحسب تقلبه يتصرف سائره، وبوضعه للتقلب ~~والتقليب سمى قلبا. وللطيف معناه في ذلك كان أكثر قسمه، - صلى الله عليه ~~وسلم -، بمقلب القلوب و"الغشاوة" غطاء مجلل # PageV01P158 # لا يبدو معه من المغطى شيء، و"العذاب" إيلام لا إجهاز فيه. و"العظيم" ~~الآخذ في الجهات كلها. انتهى. # لما ذكر طرفي الإيمان والكفر وأحوال المؤمنين، وأحوال الذين كفروا، ذكر ~~المنافقين المترددين بين الاتصاف بالطرفين بلفظ الناس، لظهور معنى النوس ~~فيهم، لاضطرابهم بين الحالين، لأن النوس هو حركة الشيء اللطيف المعلق في ~~الهواء، كالخيط المعلق الذي ليس في طرفه الأسفل ما يثقله، فلا يزال مضطربا ~~بين جهتين، ولم يظهر هذا المعنى في الفريقين لتحيزهم إلى جهة واحدة. قاله ~~الحرالي. ### | {يخادعون الله} # قال الحرالي: وجاء بصيغة المفاعلة لمكان إحاطة علم الله بخداعهم، ولم ~~يقرأ غيره ولا ينبغي، والخداع إظهار خير يتوسل به إلى إبطان شر، يؤول إليه ~~أمر ذلك الخير المظهر. انتهى. # و"النفس" # قال الحرالي: ما به ينفس المرء على غيره، استبدادا منه واكتفاء بموجود ~~نفاسته على من سواه. انتهى. # {وما يخدعون إلا أنفسهم} وعبر هنا بصيغة المفاعلة لشعورهم، كما # قال الحرالي، بفساد أحوالهم في بعض الأوقات ومن بعض الأشخاص، وبصيغة ~~المجرد لعمههم عن فساد أحوالهم في أكثر أوقاتهم وعمه عامتهم، ولا يكون من ~~الله # PageV01P159 # سبحانه إلا بلفظ الخدع، لأنهم لا يعلمون ما يخفى عنهم من أمره، ولذلك جاء ~~في آية النساء: {يخادعون الله وهو خادعهم} انتهى. ms058 # و"الشعور" كما # قال الحرالي: أول الإحساس بالعلم، كأنه مبدأ إنباته قبل أن تكمل صورته ~~تتميز وانتهى. # {في قلوبهم مرض} لأن المرض كما # قال الحرالي: ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال. {فزادهم الله ~~مرضا} والزيادة # قال الحرالي: استحداث أمر لم يكن في موجود الشيء ه انتهى. # {عذاب أليم} في الآخرة، أي شديد الألم، وهو الوجع اللازم. قاله الحرالي. # {بما كانوا} # قال الحرالي: [من كان الشيء، وكان الشيء كذا، إذ ظهر وجوده، وتمت صورته، ~~أو ظهر ذلك الكذا من ذات نفسه. انتهى]. ### | {لا تفسدوا في الأرض} # والفساد انتقاض صورة الشيء. قاله الحرالي. # {إنما نحن مصلحون} والإصلاح تلافي خلل الشيء، قاله الحرالي. # {ألا إنهم هم المفسدون} # وقال الحرالي: ولما كان حال الطمأنينة بالإيمان إصلاحا، وجب أن يكون ~~اضطرابهم فيه إفسادا، لاسيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة، ومع هؤلاء ~~تارة، من الحكمة والإصلاح، وهو عين الإفساد، لأنه بالحقيقة مخالفة هؤلاء ~~وهؤلاء، فقد أفسدوا طرفي الإيمان والكفر، وكذلك قيل: ما يصلح المنافق؛ لأنه # PageV01P160 # لا حبيب مصاف، ولا عدو مبائن، فلا يعتقد منه على شيء. انتهى. # {كما آمن الناس} والإيمان المضاف إلى الناس أدنى مراتب الإيمان. قاله ~~الحرالي. # {ولكن لا يعلمون} والعلم # قال الحرالي: ما أخذ بعلامة وأمارة نصبت آية عليه. انتهى. ### | {وإذا لقوا الذين آمنوا} # ولكن إيمانهم كما # قال الحرالي: فعل من أفعالهم، لم ينته إلى أن يصير صفة لهم، وأما ~~المؤمنون الذين صار إيمانهم صفة لهم، فلا يكادون يلقونهم بمقتضاه، لأنهم لا ~~يجدون معهم مدخلا في قول ولا مؤانسة، لأن اللقاء لابد فيه من إقبال ما من ~~الملتقيين. ### | {وإذا خلوا إلى شياطينهم} # والشيطان: هو الشديد البعد عن محل الخير، قاله الحرالي. # {إنما نحن مستهزئون} والهزء: إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه. قاله الحرالي. # {ويمدهم} # وقال الحرالي: من المدد، وهو مزيد متصل في الشيء من جنسه. # {في طغيانهم} # وقال الحرالي: إفراط اعتدائهم حدود الأشياء ومقاديرها. انتهى. # {يعمهون} # قال الحرالي: من العمه، وهو اتبهام الأمور التي فيها دلالات ينتفع بها ~~عند فقد الحس، ms059 فلا يبقى له سبب يرجعه عن طغيانه، فلا يتعدون حدا إلا عمهوا، ~~فلم يرجعوا عنه، فهم أبدا متزايدو الطغيان. انتهى. # PageV01P161 ### | {أو كصيب} # وقال الحرالي: سحاب ممطر دار. # {من السماء} وهو كما # قال الحرالي: ما علا فوق الرأس. # {وبرق} أي نور مبهت للمعانه وسرعته، قاله الحرالي. # {من الصواعق} # وقال الحرالي: جمع صاعقة، وهو الصوت الذي يميت سامعه أو يكاد. # {قدير} # قال الحرالي: القدرة إظهار الشيء من غير سبب ظاهر. انتهى. # {كمثل الذي ينعق} وجعل الحرالي: المثلين للمنافقين فقال: ضرب لهم مثلين ~~لما كان لهم حالان، وللقرآن عليهم تنزلان: منه ما يرغبون فيه لما فيه من ~~مصلحة دنياهم، فضرب لهم المثل الأول، وقدمه لأنه سبب دخولهم مع الذين ~~آمنور، لما رأرا من معالجة عقاب الذين كفروا في الدنيا؛ ومنه ما يرهبونه ~~ولا يستطيعون سماعه، لما يتضمنه من أمور شاقة عليهم، لا يحملها إلا مؤمن ~~حقا، ولا يتحملها إلا من أمن، ولما يلزم منه من فضيحة خداعهم، فضرب لهم ~~المثل الثاني؛ فلن يخرج حالهم عند نزول نجوم القرآن عن مقتضى هذين المثلين. ~~انتهى. ### | {يا أيها الناس} # قال الحرالي في تفسيره: "يا" تنبيه من يكون بمسمع من المنبه ليقبل على ~~الخطاب. وهو تنبيه في ذات نفس المخاطب، ويفهم توسط البعد بين "آيا" ~~الممدودة، وأي المقصورة. "أي" اسم مبهم، مدلوله اختصاص ما وقع عليه من ~~مقتضى اسم شامل. "ها" كلمة مدلولها تنبيه على أمر يستفيده المنبه - انتهى. # PageV01P162 # وقال الحرالي: اعلم أنه كما اشتمل على القرآن كله فاتحة الكتاب، فكذلك ~~أيضا جعل لكل سورة ترجمة جامعة تحتوي على جميع مثاني أيها، وخاتمة تلتئم ~~وتنتظم بترجمتها، ولذلك تترجم السورة عدة سور، وسيقع التنبيه على ذلك في ~~موضعه، إن شاء الله تعالى. # واعلم مع ذلك أن كل نبي منبأ - يقرأ بالهمز - من النبأ، وهو الخبر، فإنه ~~شرع في دعوته وهو غير عالم بطية أمره وخبر قومه، وأن الله عز وجل جعل نبيه ~~محمدا، - صلى الله عليه وسلم -، نبيا منبيا من النبوة - يقرأ بغير همز - ~~ومعناه رفعة القدر والعلو، ms060 فيما أعلاه الله به أن قدم له بين يدي دعوته علم ~~طية أمره، ومكنون علمه، تعالى، في سر التقديم الذي لم يزل خبأ في كل كتاب، ~~فأعلمه بأنه، تعالى، جبل المدعوين الذين هم بصفة النوس مترددين بين ~~الاستغراق في أحوال أنفسهم، وبين مرجع إلى ذكر ربهم، على ثلاثة أضرب: منهم ~~من فطر على الإيمان، ولم يطبع عليه أي على قبله، فهو مجيب ولابد. ومنهم من ~~طبع على الكفر، فهو آب ولابد. ومنهم من ردد بين طرفي الإيمان ظاهرا، والكفر ~~باطنا، وأن كلا ميسر لما خلق له؛ فكان بذلك انشراح صدره في حال دعوته، وزال ~~به ضيق صدره الذي شارك به الأنبياء - بالهمز، ثم علا بعد ذلك إلى مستحق ~~رتبته العلية، فكان أول ما افتتح له كتابه أن عرفه معنى ما تضمنته "الم" ثم ~~فصل من ذلك ثلاثة أحوال المدعوين بهذا # PageV01P163 # الكتاب، وحينئذ شرع في تلقينه الدعوة العامة للناس، فافتتح بعد ذلك ~~الدعوة والنداء والدعوة إلى العبادة، يعني بهذه الآية، وتولى الله، سبحانه، ~~دعوة الخلق في هذه الدعوة العامة التي هي جامعة لكل دعوة في القرآن. # ولما ضمن صدرها من الوعيد في حق رسوله فلم يجر خطاب ذلك على لسانه، ولما ~~فيها من السطوة وخطاب الملك والجزاء، ومحمد، - صلى الله عليه وسلم -، رحمة ~~للعالمين، فلم ينبغ إجراؤها على لسانه لذلك، وغيره من الرسل فعامة دعوة من ~~خص الله، سبحانه، خبر في دعوته فهي مجراة على ألسنتهم، ولذلك كثرت مقاواة ~~قومهم ومدعويهم لهم، ولما أجرى الحق، تعالى، هذه الدعوة من قبله، كان فيها ~~بشري بالغلبة وإظهار دينه، لأن الله، سبحانه وتعالى، لا يقاويه، خلقه. # ولما انتهى إلى البشري التي هي رحمة أجرى الكلام على مخاطبته، عليه ~~السلام، بقوله: {وبشر} ومع إجراء دعوة المرسلين على ألسنتهم علقت باسم الله ~~بلفظ: {أن اعبدوا الله} ونحوه، فعز على أكثر النفوس الإجابة لفوات اسم الله ~~عن إدراك # PageV01P164 # العقول، ومع تولي الله، سبحانه، لهذه الدعوة بسلطانه العلي أجراها باسم ~~الربوبية وهو أسم أقرب مثالا على النفوس، لأنها ms061 تشاهد آياته بمعنى التربية ~~والربابة، ومع ذلك أيضا فذكر اسم الله في دعوة المرسلين غير متبع ولا موصوف ~~بآيات الإلهية، ولو ذكر لما قرب مثال علمها، فهي كالشمس والقمر، ونحو ذلك، ~~وذكر تعالى الربوبية في هذه الدعوة متبعة بآياتها الظاهرة التي لا تفوت ~~العقل والحس، ولا يمكن إنكارها، ووجه بعد النفوس عن الانقياد عند الدعوة ~~باسم الله أن آيات الربوبية التي يسهل عليها الانقياد من جهتها التي بيسير ~~منها تنقاد للملوك وأولي الإحسان، لأنها جبلت على حب من أحسن إليها، تبقى ~~عند الدعوة باسم الله بمعزل عن الشعور بإضافتها لاسم الله، ويحار العقل في ~~المتوجه له بالعبادة، وتضيف النفوس الغافلة آيات الربوبية إلى ما تشاهده من ~~أقرب الأسباب في العوائد، كالفصول التي نيطت الموالد والأقوات بها في مقتضى ~~حكمة الله سبحانه، أو إلى أسباب هذه الأسباب كالنجوم ونحو ذلك، فلا يلتئم ~~للمدعو حال قوامه بعبادته فيكثر التوقف والإباء. واقتضى اليسر الذي أراد ~~الله بهذه الأمة ذكر الربوبية منوطا بآياتها - انتهى. # {الذي خلقكم} # قال الحرالي: {الذي} اسم مبهم، مدلوله ذات موصوف # PageV01P165 # بوصف يعقبه، وهي الصلة اللازمة له، والخلق تقدير أمشاج ما يريد إظهاره، ~~بعد الامتزاج والتركيب، صورة {والذين من قبلكم} القبل ما إذا عاد المتوجه ~~إلى مبدأ وجهته أقبل عليه. انتهى. # {لعلكم تتقون} # وقال الحرالي: لعل كلمة ترج لما تقدم سببه، وبدأ من آيات الربوبيه بذكر ~~الخلق لأنه في ذواتهم، ووصل ذلك بخلق من قبلهم [حتى لا يستندوا بخلقهم إلى ~~من قبلهم]، وترجى لهم التقوى لعبادتهم ربهم، من حيث نظرهم إلى خلقهم وتقدير ~~أمشاجهم، لأنهم إذا أسندوا خلقهم لربهم كان أحق أن يسندوا إليه ثمرة ذلك من ~~صفاتهم وأفعالهم، فيتوقفون عن الاستغناء بأنفسهم، فينشأ لهم بذلك تقوى. ~~انتهى. ### | {الذي جعل} # قال الحرالي: من الجعل، وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير. {لكم الأرض} أي ~~المحل الجامع لنبات كل نابت: ظاهر أو باطن، فالظاهر كالموالد وكل ما الماء ~~أصله، والباطن كالأعمال والأخلاق، وكل ما أصله ماء الماء آيته، كالهدى ~~والعلم، ونحو ذلك، ولتحقق ms062 دلالة اسمها على هذا المعنى جاء وصفها بذلك من ~~لفظ اسمها، فقيل أرض أريضة، للكريمة المنبتة، وأصل معناها: ما سفل في ~~مقابلة معنى السماء الذي هو ما علا على سفل الأرض، كأنها لوح قلمه الذي ~~يظهر فيها # PageV01P166 # كتابه. انتهى. # {فراشا} وأصله # قال الحرالي: بساط يضطجع عليه للراحة ونحو ذلك. # {وأنزل} # قال الحرالي: من الإنزال وهو الإهواء بالأمر من علو إلى سفل - انتهى. # {ماء} # قال الحرالي: وهو أول ظاهر للعين من أشباح الخلق {فأخرج} من الإخراج وهو ~~إظهار من حجاب، وفي سوقه بالفاء تحقيق للتسبيب في الماء. انتهى. # {من الثمرات رزقا لكم} والثمر: كما # قال الحرالي مطعومات النجم والشجر، وهي عليها، وعبر بمن لأن ليس كل ~~الثمرات رزقا، [لما يكون عليه، وفيه من العصف والقشر والنوى، وليس أيضا من ~~كل الثمرات رزقا] فمنه ماهو للمداواة، ومنه سموم، وغير ذلك. وفي قوله {لكم} ~~إشعار بأن في الرزق تكملة لذواتهم، ومصيرا إلى أن يعود بالجزاء منهم. # وقد وصف الرب في هذه الآية بموصولين، ذكر صلة الثاني بلفظ الجعل، لأن حال ~~القوام مرتب على حال الخلق ومصير منه، فلا يشك ذو عقل في استحقاق الانقياد ~~لمن تولى خلقه وأقام تركيبه، ولايشك ذو حس إذا تيقظ من نوم أو غفلة فوجد # PageV01P167 # بساطا قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه، وعولج له طعام وشراب قدم له، أن ~~نفسه تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها، ولتقلد نعمته وإكباره، فلتنزيل ~~هذه الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان، ويدخل العلم ~~بمقتضاها في رتبة الضرورة والوجدان، كانت هذه الدعوة دعوة عربية جارية على ~~مقتضى أحوال العرب، لأن العرب لاتعدو بأنفسها العلم الضروري، وليس من شأنها ~~تكلف الأفكار والتسبب إلى تواني العلوم النظرية المأخوذة من مقتضى الأمارات ~~والأدلة، فعوملت بما جبلت عليه، فتنزل لها لتكون نقلتها من فطرة إلى فطرة، ~~ومن علم وجداني إلى علم وجداني علي، لتحفظ عليها رتبة الإعراب والبيان بأن ~~لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها، لأن كل علم مكتسب يتكلف التسبب ms063 له ~~بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس، وأوائل هجوم العقل تتعارض عليه الأدلة، ~~ويعتاده الريب، فحفظت هذه الدعوة العربية عن التكلف، وأجريت على ما أحكمه ~~صدر السورة في قوله تعالى: {لا ريب فيه}. # واعلم أن حال المخلوق في رزقه محاذي به حاله في كونه، فيعلم بالاعتبار ~~والتناسب، الذي شأنه أن تتعلم من جهته المجهولات، أن الماء بزر كون ~~الإنسان، كما أن الماء أصل رزقه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام، لمن سأله: ~~ممن هو؟ فلم يرد أن يعين له نفسه: نحن من ماء. ويعلم كذلك أيضا أن للأرض ~~والسماء مدخلا في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها في كون رزقه، وفي ذكر ~~الأرض # PageV01P168 # معرفة أخذ للأرض إلى نهايتها وكمالها، ولذلك قال عليه السلام: "من أغتصب ~~شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين" وكذلك ذكر السماء أخذ لها إلى نهايتها ~~وكمالها، وقدم الأرض لأن نظر النفوس إلى ما تحتها أسبق لها من نظرها إلا ما ~~علا عليها. # ثم قال: ولوضوح آية الربوبية تقلدها الأكثر، وإنما توقفوا في الرسالة، ~~ولذلك وصل ذكر الرسالة بالتهديد. انتهى. ### | {أندادا} # قال الحرالي: جمع ند، وهو المقاوم في صفة القيام والدوام، وعبر بالجعل ~~لأن بالجعل والمصير، من حال إلى حال أدنى منها، ترين الغفلة على القلوب، ~~حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق من ملك أو ذي إمرة، أو من أي ذي يد ~~عليا كان، ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم رجاؤهم وخوفهم، وعاقبهم ربهم على ~~ذلك بأيديهم، فاشتد داعي رجائهم لهم، وسائق خوفهم منهم، فتذللوا لهم ~~وخضعوا، فصاروا بذلك عبدة الطاغوت، وجعلوهم لله أندادا. انتهى. # {وأنتم تعلمون} وفيه كما # قال الحرالي: إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل الند لما يشاهد أن جميع الخلق ~~أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء وفي الأرض ومن الماء، فمن جعل لله ندا، ~~مما حوته السماء والأرض، واستمد من الماء، فقد خالف العلم الضروري الذي به ~~تقلد التذلل للربوبية في نفسه، فإن يحكم بذلك على غيره مما حاله كحاله أحق ~~في العلم. انتهى. # {مما ms064 نزلنا} # قال الحرالي: من التنزيل، وهو التقريب للفهم بتفصيل وترجمة، ونحو ذلك. ~~انتهى. # PageV01P169 # {فأتوا بسورة} # قال الحرالي: الآتي بالأمر يكون عن مكنة وقوة. # {بسورة} # قال الحرالي: السورة تمام جملة من المسموع يحيط بمعنى تام، بمنزلة إحاطة ~~السور بالمدينة. انتهى. # {والشهيد} كما # قال الحرالي: من يكثر الحضور لديه، واستبصاره فيمن حضره. انتهى. # {من دون الله} # قال الحرالي: والدون: منزلة القريب، فالقريب من جهة سفل، وقد عقلت العرب ~~أن "اسم الله" لا يطلق على ما ناله إدراك العقل فكيف بالحس، فقد تحققوا أن ~~كل ما أدركته حواسهم، ونالته عقولهم، فإنه من دون الله. انتهي. # {إن كنتم صادقين} # قال الحرالي: والصادق الذي يكون قول لسانه وعمل جوارحه مطابقا لما احتوى ~~عليه قلبه، مما له حقيقة ثابتة بحسبه. # وقال: واتسقت آية تنزيل الوحي بآية إنزال الرزق [لما كان نزول ما نزل على ~~الرسول المخصص بذلك ينبغي اعتباره بمقابلة نزول الرزق] لأنهما رزقان: ~~أحدهما ظاهر، يعم الكافر في نزوله، والآخر وهو الوحي، رزق باطن، يخص الخاصة ~~بنزوله ويتعين له أيهم أتمهم فطرة وأكملهم ذاتا؟ ولم يصلح أن يعم بنزول هذا ~~الرزق الباطن كعموم الظاهر، فتبطل حكمة الاختصاص في الرزقين، فإن نازعهم ~~ريب في الاختصاص فيفرضون أنه عام فيحاولون معارضته، وكما أنهم يشهدون ~~بتمكنهم من الحس عند محاولتهم عمومه، فكذلك يجب أن يشهدوا بعجزهم عن سورة ~~من # PageV01P170 # مثله. تحقق اختصاص من نزل عليه به، وأجرى ذكره باسم العبودية إعلاما ~~بوفائه بأنحاء التذلل، وإظهار المزية انفراده بذلك دونهم، ليظهر به سبب ~~الاختصاص. # وانتظم النون في {نزلنا} من يتنزل بالوحي من روح القدس والروح الأمين ~~ونحو ذلك، لأنها تقتضي الاستتباع، واقتضت النون في لفظ {عبدنا} ما يظهره ~~النبي، - صلى الله عليه وسلم -، لهم من الانقياد والاتباع. وما اقتضاه خلقه ~~العظيم عن خفض الجناح، حتى إنه يوافق من وقع على وجه من الصواب من أمته، - ~~صلى الله عليه وسلم -، وحتى إنه يتصف بأوصاف العبد في أكله، كما قال: "آكل ~~كما يأكل العبد". انتهى. # {ولن تفعلوا} والفعل: # قال الحرالي: ما ms065 ظهر عن داعية من الموقع، كان عن علم أو في علم، لتدين ~~كان أو لغيره كما تقدم مرارا. انتهى. # {فاتقوا النار} # قال الحرالي: وهي جوهر لطيف يفرط لشدة لطافته في تفريط المتجمد بالحر ~~المفرط، وفي تجميد المتمتع بالبرد المفرط. انتهى. # {الناس والحجارة} # وقال الحرالي: الحجارة ما تحجر أي اشتد تصام أجزائه من الماء والتراب، ~~{واتقوا} أي توقفوا عن هذه التفرقة بين الله ورسوله، حيث تذعنون لربوبيته ~~وترتابون في رسوله، فالنار معدة للعذاب بأشد التفريق لألطف الأجزاء الذي هو ~~معنى الحرق لمن فرق وقطع ما يجب وصله، أي لما فاتتكم التقوى بداعي العلم، # PageV01P171 # فلا تفتكم التقوى بسائق الموجع المخصوص المناسب عذابه لفعلكم، فإنها نار ~~غذاؤها واشتعالها بالكون كله، أنهاه تركيبا، وهم الناس الملائمون لمارجها ~~بالنوس، وأطرفه وأجمده، وهي الحجارة، فهي تسع ما بين ذلك من باب الأولى، ~~وفيه إشعار بمنتها وقوتها، وأنها بحكم هذا الوسع للالتصاق بخلق، يعني وليست ~~كنار الدنيا التي غذاؤها من ضعيف الموالد، وهو النبات، ولا تفعل في الطرفين ~~إلا بواسطة، وكان غذاؤها ووقودها النبات إذ كانت متقدحة منه، كما قال: ~~{الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا} وتقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد ~~المرخ والعفار، وذلك على حكم ما تحقق أن الغذاء للشيء مما منه أصل كونه، ~~وقال: {وقودها} لأن النار أشد فعلها في وقودها، لأن بتوسطه تفعل فيما سواه، ~~فإذا كان وقودها محرقها كانت # PageV01P172 # فيه أشد عملا لتقويها به عليه، ويفهم اعتبارها بنار الدنيا انقداحها من ~~أعمال المجزيين بها ومن كونهم، فهم منها مخلوقون، وبها مغتذون، إلا أنها ~~منطفية الظاهر في الدنيا، متأججة في يوم الجزاء ومثال كل مجزي منها بمقدار ~~ما في كونه من جوهرها. # قال: وفي ذكر الحجارة إفهام عموم البعث والجزاء لما حوته السماء والأرض، ~~وأن كل شيء، ليس الثقلين فقط، يعمه القسم بين الجنة والنار، كما عمه القسم ~~بين الخبيث والطيب، وإنما اقتصر في مبدأ عقيدة الإيمان على الإيمان ببعث ~~الثقلين وجزائهم تيسيرا واستفتاحا، وما سوى ذلك فمن زيادة الإيمان وتكامله، ms066 ~~كما قال: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} ومن العلماء من وقف بإيمانه على بعث ~~الثقلين وجزائهما، حتى إن منهم من ينكر جزاء ما سواهما، ويتكلف تأويل مثل ~~قوله عليه السلام: "يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء". انتهى. # {أعدت للكافرين} # قال الحرالي: وهي عدة الملك الديان لهم بمنزلة سيف الملك من ملوك الدنيا. ~~انتهى. ### | {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} # قال الحرالي: والبشرى إظهار غيب المسرة بالقول. {وعملوا} # قال الحرالي: من العمل وهو فعل بني على علم أو زعمه. # {الصالحات}: # قال الحرالي جمع صالحة وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل فيه، وإذا ~~كانت البشرى لهؤلاء فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى، وإنما يبشر من يكون على ~~خطر، والمؤمن مطمئن، فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان، إلى مالا عين رأت ~~ولا أذن سمعت، وما لايناله علم نفس، ولا خطر على قلب بشر. # PageV01P173 # {أن لهم جنات} # قال الحرالي: لتعدد رتب أفعالهم التي يطابق الجزاء ترتبها وتعددها [كما] ~~قال عليه الصلاة والسلام للتي سألت عن ابنها: "إنها جنان، وإن ابنك أصاب ~~الفردوس الأعلى". وفي التعبير بلهم إشعار بأن ذلك الذي لهم ينبغي لحاقه ~~بذواتهم ليحصل به من كمال أمرهم، وصلاح حالهم نحو مما يحصل بكمال خلقهم ~~وتسويتهم. # والجنات مبهجات للنفوس، تجمع ملاذ جميع حواسها، تجن المتصرف فيها، أي ~~تخفيه، وتجن وراء نعيمها مزيدا دائما. انتهى. # {تجري} # قال الحرالي: من الجري وهو إسراع حركة الشيء ودوامها. {من تحتها} أي من ~~تحت غرفها، والتحت ما دون المستوى. {الأنهار} جمع نهر، وهو المجرى الواسع ~~للماء. انتهى. # قال الحرالي: وإذا تعرف حال العامل من وصف جزائه علم أن أعمالهم كانت ~~مبنية على الإخلاص الذي هو حظ العاملين من التوليد الذي الماء أيته - ~~انتهى. # {وأتوا به متشابها} وجعل الحرالي هذا خاصا بثمار الجنة فقال: من قبل ~~إعلام بأن أشخاص ثمر الجنة وآحادها لا تتمايز، لأنها على أعلى صورتها لا ~~تتفاوت بأعلى وأدنى، ولا يتراخى زمان عودها، فهي تتخلف لأن قطفها، ولا ~~تتمايز صور المقطوف من الخالف، حتى يظن القاطف أن ms067 المتخلف عين الأول؛ فحال ~~ثمر الجنة كحال الماء الذي هو أصله، وبسرعة الخلف من ثمر الجنة وأنه متصل ~~جرية الوجود، قال # PageV01P174 # عليه السلام في عنقود من ثمرها: "لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا" ~~ويشعر ذلك عند اعتبار العمل به بأن نياتهم في الأعمال صالحة ثابتة مرابطة ~~حتى جروا بها هذا الاتصال وكمال الصورة في الرزق، ومنه [حديث مرفوع أخرجه ~~الطبراني عن سهل بن سعد]: "نية المؤمن خير من عمله". {وأتوا به متشابها} ~~أظهر عذرهم في توهم اتحاد الثمر، وعرف بأمنتهم من العناء، لأنه لو تفاوت ~~تبعه الكراهة للأدنى، وتكلف للانتقاء للأعلى، وذلك إنما هو لائق بكيد ~~الدنيا لا بنعيم الجنة. # وقد ذكر بعض العلماء اطراد هذا التشابه في ثمر الجنة، وإن اختلفت أصنافه، ~~ويضعفه ما يلزم منه كمال الدلالة في المعنى والصورة في نحو قوله تعالى: ~~{فيهما فاكهة ونخل ورمان} وما يجري مجراه. انتهى. # {ولهم فيها أزواج مطهرة} # قال الحرالي: والزوج مالا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من ~~الاشتراك والتعاون، والتطهير تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشىء، ولما ~~ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الدين آمنوا وصل به ذكر الأزواج ~~المستثمرة من حال نفوسهم من حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في # PageV01P175 # الدنيا، وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن ~~إلا بها - انتهى. ### | {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} # وقال الحرالي: لما كانت الدعوة تحوج مع المتوقف فيها والآبي لها إلى ~~تقريب للفهم بضرب الأمثال، وكانت هذه الدعوة جامعة الدعوات، وصل بها هذه ~~الآية الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال، وأن ذلك من الحق، سبحانه: ~~{والله لا يستحيي من الحق} وليختم ذكر ما تضمنه صدر السورة من الحروف التي ~~أنزل عليها القرآن بسابعها الذي هو حرف المثل، وبين تعالى أن مقدار الحكمة ~~الشاهد للممثل في البعوضة، وفيما هو أظهر للحس وآخذ في العلم. # وإنما يجب الالتفات للقدر لا للمقدار، ولوقع المثل على ممثله قل أو جل، ms068 ~~دنا أو علا، فتنزه، تعالى، عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم أن ~~يظهروا أمرا فيتوهمون فيه نقصا فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولا أو فعلا - ~~انتهى. # والحياء # قال الحرالي: انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن، # PageV01P176 # لمواجهة ما تراه نقصا، حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن. "أن" كلمة مدلولها ~~ممن أجريت عليه حقيقة باطن من ذاته وعلمه يفصل بها ما يظهرها، وسيبويه، ~~رحمه الله، يراها اسما، وعامة النحاة، لا نعجام معناها عليهم، يرونها حرفا. ~~"يضرب" من ضرب المثل، وهو وقع المثل على الممثل لأن أصل الضرب وقع شيء على ~~شيء، والمعنى أن يوجد الضرب متجددا مستمرا، وهذا لا يساويه أن يقال من ضربه ~~مثلا، فإنه يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق. # ... وإلى هذا القيد الأخير ينظر قول الحرالي: إن الحياء من أن يضرب المثل ~~استحياء من وقعه في الباطن، والحياء من ضربه المثل استحياء من إظهاره ~~بالقول، ففي الأصل الأبلغ الذي بنفيه يكون نفي الضرب أحق، فيراجع هذا ~~المعنى مع تكرار "أن" فإنها كثيرة الدور في القرآن، جليلة قدر المعنى في ~~مواقعها، وإنما يجري على ترك الالتفات إلى موقع معناها ما يقوله النحاة في ~~معنى التقريب [إن أن والفعل في] معنى المصدر، والواجب في الإعراب والبيان ~~الإفصاح عن ترتب معانيهما، وعند هذا يجب أن تكون أن اسما والفعل صلتها، نحو ~~"من" و "ما". # {مثلا ما} مثل أمر ظاهر للحس ونحوه، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم ~~معناه باعتباره، و"ما" في هذا الموقع لمعنى الاستغراق، فهي هنا لشمول ~~الأدنى والأعلى من الأمثال - انتهى. # PageV01P177 # وقال الحرالي: ولما كان ضرب المثل متعلقا بمثل وممثل كان الضرب واقعا ~~عليهما، فكان لذلك متعديا إلى مفعولين: مثلا ما، وبعوضة، والبعوض جنس ~~معروف، من أدنى الحيوان الطائر مقدارا، وفيه استقلال وتمام خلقة، يشعر به ~~معنى البعض الذي منه لفظه، لأن البعض يوجد فيه جميع أجزاء الكل، فهو بذلك ~~كل. {فما فوقها} أي من معنى يكون أظهر منها. والفاء تدل على ارتباط ما، إما ~~تعقيب واتصال، أو ms069 تسبيب، ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال والتدرج ~~إلى أنهى ما يكون. انتهى. # {فأما} # قال الحرالي: كأنها مركبة من "أن" دالة على باطن ذات، و"ما" دالة على ~~ظاهر مبهم، يؤتى به للتقسيم - انتهى. # قال الحرالي: لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب، وكان ضرب المثل تأكيد ~~دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف، حصل للذين آمنوا استبصار بنور الإيمان في ~~ضربة المثل، فصاروا عالمين بموقع الحق فيه، وكما استبصر فيه الذين آمنوا ~~استغلق معناه على الذين كفروا وجهلوه، فاستفهموا عنه استفهام إنكار لموقعه ~~- انتهى. # {يضل به كثيرا} # وقال الحرالي: وكان إضلالا لهم، لأن في ضرب المثل بما يسبق لهم استزراؤه ~~بنحو الذباب والعنكبوت الذي استزروا ضرب المثل وبه تطبيق لهم إلى الجهالة، ~~فكان ذلك إضلالا، وقدم الجواب لأنه مستحق # PageV01P178 # المستفهم، والإضلال التطريق للخروج عن الطريق الجادة المنجية. انتهى. # {إلا} # قال الحرالي: كأنها مركبة من "إن" و"لا" مدلولها: نفي حقيقة ذات عن حكم ~~ما قبلها. انتهى. # {الفاسقين} # وقال الحرالي: الذين خرجوا عن إحاطة الاستبصار، وجهات تلقي الفطرة والعهد ~~الموثق وحسن الرعاية، لأن الفسق خروج عن محيط، كالكمام للثمرة، والجحر ~~للفأرة - انتهى. ### | {الذين ينقضون} # من النقض وهو حل أجزاء الشيء بعضها عن بعض، {عهد الله} أي الذي أخذه ~~عليهم على ماله من العظمة بما ركز فيهم من العقول، ونصب لهم من الدلائل، ~~والعهد التقدم في الأمر - قاله الحرالي. # {من بعد ميثاقه} والوثاق شدة الربط، وقوة ما به يربط - قاله الحرالي. # {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} # قال الحرالي: والقطع الإبانة في الشيء الواحد، والوصل مصير التكملة مع ~~المكمل شيئا واحدا، كالذي يشاهد في إيصال الماء ونحوه، وهو إعلام بأنهم ~~يقطعون متصل الفطرة ونحوها، فيسقطون عن مستواها، وقد أمر الله أن يوصل ~~بمزيد علم يتصل بها، حتى يصل نشؤها إلى أتم ما تنتهي إليه، وكذلك حالهم في ~~كل أمر يجب أن يوصل، فيأتون فيما يطلب فيه الأمر الأكمل بضده الأنقص - ~~انتهى. # {ويفسدون في الأرض} # قال الحرالي، ولما كانت الأرض موضوعة للنشيء ms070 # PageV01P179 # منها وفيها وموضع ظهور عامة الصور الرابية اللازمة الجسمية، ومحل تنشؤ ~~صورة النفس بالأعمال والأخلاق، وكان الإفساد نقض الصور، كما قال تعالى: ~~{وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد} كان فعلهم فيها من نحو فعلهم في وضع الضد السيء موضع ضده الأكمل، ~~والتقصير بما شأنه التكملة، فكان إفسادا لذلك - انتهى. # {أولئك هم الخاسرون} والخسارة: النقص فيما شأنه النماء. قاله الحرالي. # قال الحرالي: ولما كان الخاسر من كان عنده رأس مال مهيأ للنماء والزيادة ~~فنقصه عن سوء تدبير، وكان أمرهم في الأحوال الثلاث المنسوقة حال من نقص ما ~~شأنه النماء، كانوا بذلك خاسرين، فلذلك انختمت الآية بهذا، وأشير إليهم ~~بأداة البعد لوضعهم في أبعد المواضع عن محل الخير - انتهى. ### | {كيف تكفرون بالله} # وقال الحرالي: لما تقدمت الدعوة للناس فأجاب مبادر وتوقف متوقف، فضربت ~~الأمثال فاستدرك وآمن وتمادى متماد على كفره، صرف وجه الخطاب عن المواجهة ~~من الحق تعالى، وأجرى على لسان لؤم وإنكار، فجاء هذا الاستفهام لإيضاح ~~انقطاع العذر في التمادي على الكفر، وجاء بلفظ "كيف" لقصور نظرهم على ~~الكيفيات المحسوسة، فإن "كيف" كلمة مدلولها استفهام عن عموم الأحوال التي ~~شأنها أن تدرك بالحواس، فكأنه يقال لهم بمدرك: أي حاسة تماديتم على الكفر ~~بالله؟ على ما تقتضيه صيغة الفعل الدائم في تكفرون - انتهى. # PageV01P180 # {بالله} # قال الحرالي: وأعلى هذا الخطاب فأبعدوا عن تيسيره بذكر اسم "الله"، لما ~~لم يكونوا من أهل قبول التنزل بدعوى اسم الربوبية، حيث لم يكونوا ممن أجاب ~~مبادرا ولا تاليا، حسبما تشعر به آية تحقيق ضرب الأمثال. # ولما جرى هذا الخطاب بذكر اسم الله أعقب بذكر الأفعال الإلهية التي هي ~~غابات، من الموت والإحياء المعروف اللذين لا ينكر الكفار أمرهما - انتهى. # {وكنتم أمواتا} # قال الحرالي: من الموت، وهو حال خفاء وغيب، يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه ~~أو يتقدمه، تفقد فيه خواص ذلك الظهور الظاهرة - انتهى. # {فأحياكم} # قال الحرالي: رجاء بالفاء المشعرة بالتعقيب، لما لم يكن لهم معرفة بمهل ~~الموت الذي ms071 قبل حياة الولادة. والحياء تكامل في ذات ما، أدناه حياة النبات ~~بالنمو والاهتزاز مع انغراسه، إلى حياة ما يدب بحركته وحسه، إلى غاية حياة ~~الإنسان في تصرفه وتصريفه، إلى ما وراء ذلك من التكامل - انتهى. # {ثم يميتكم} # قال الحرالي وهذه الأحوال الثلاثة: أي الموت المعبر به عن العدم، ثم ~~الحياة، ثم الموت، معروفة لهم، لا يمكنهم انكارها، وإذا صح منهم الإقرار ~~بحياة موت لزمهم الإقرار بحياة موت آخر، لوجوب الحكم بصحة وجود ما قد سبق ~~مثله، كما قال تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم} ولدن ذلك من العلم أن الموت والحياة مزدوجان متضايقان، وإذا استوفى ~~الموت الأول إحياءه، فلا بد من استيفاء الموت الثاني إحياءه أيضا، لأنه ~~لولا # PageV01P181 # استقبال الحياة لما كان موتا، بل بطلا وفقدا واضمحلالا، لأن حقيقة الموت ~~حال غيب بين يديه ظهور، والحياة نهاية ثابتة، والموت مبدأ غيب زائل، فجنس ~~الموت كله متقض ونهاية، والحياة ثابتة دائمة، ولذلك ورد ما صح عنه، عليه ~~الصلاة والسلام، في أن الموت يذبح، إعلام بانقضاء جنسه، وثبات الحياة، ~~ولذلك قدم في الذكر، وأعقب بالحياة، حيث استغرقتهما كلمة "ال" في قوله: ~~{خلق الموت والحياة} وثبت الخطاب على إقرار الحياة والكمال، كما ورد عنه، - ~~صلى الله عليه وسلم -، في قوله: "نعيم الجنة لا آخر له" فوجب بظاهر ما أحسه ~~الكفار وباطن ما أقتضاه هذا النحو من العلم دونه انتشار حياة ثانية بعد ~~ميتة الدنيا - انتهى. # {ثم إليه ترجعون} وفي هذا، كما # قال الحرالي: إعلام بأنهم إن لم يرجعوا إلى الله، سبحانه، بداعي العلم في ~~الدنيا، فبعد مهل من الإحياء الثاني يرجعون إليه قهرا، حيث يشاهدون انقطاع ~~أسبابهم ممن تعلقوا به، ويتبرأ منهم ما عبدوه من دون الله. وإنما جاء هذا ~~المهل بعد البعث لما يبقى لهم من الطمع في شركائهم، حيث يدعونهم فلم ~~يستجيبوا لهم، فحينئذ يضطرهم انقطاع أسبابهم إلى الرجوع إلى الله، فيرجعون ~~قسرا وسوقا، فحينئذ يجزيهم بما كسبوا في دنياهم. كما قال تعالى في خطاب يعم ms072 ~~كافة أهل الجزاء: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون} وهذا آخر خطاب الإقبال عليهم من دعوة الله لهم، ولسان ~~النكير عليهم، ولذلك كانت آية: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} أخر آية ~~أنزلت في # PageV01P182 # القرآن، لأنها نهاية ليس وراءه قول يعم أهل الجزاء، والرجع عود الشيء عند ~~انتهاء غايته إلى مبدئها. انتهى. # {هو} # قال الحرالي: وهي كلمة مدلولها العلي غيب الإلهية القائم بكل شيء الذي لا ~~يظهر لشيء، فذاته أبدا غيب، وظاهره الأسماء المظهرة من علو إحاطة اسم ~~"الله" إلى تنزل اسم الملك، فما بينهما من الأسماء المظهرة. # ثم قال: لما انتهى الخطاب بذكر إرجاعهم إلى الله، وكان هذا خطابا خاصا مع ~~المتمادي على كفره، اتبع عند إعراضه وإدباره بهذا الحتم، تهديدا رمى به بين ~~أكتافهم وتسبيب ### | ا ني # ط بهم ومد لهم، كالمرخى له في السبب الذي يراد أن يجذب به، إما بأن ~~يتداركه لطف فيرجع عليه طوعا، أو يراد به قسرا عند انتهاء مدى إدباره. # وانتظم به ختم آية الدعوة بنحو من ابتدائها، إلا أن هذه على نهاية ~~الاقتطاع بين طرفيها، وتلك على أظهر الاتساق؛ فأبعدوا في هذه كل البعد ~~بإسناد الأمر إلى اسم "هو" الذي هو غيب اسم الله، وأسند إليه خلق ما خلق ~~لهم في الأرض الذي هو أظهر شيء للحس - انتهى. ### | {ما في الأرض جميعا} # قال الحرالي: وقوله: {جميعا} إعلام بأن حاجة الإنسان لاتقوم بشيء دون ~~شيء، وإنما تقوم بكلية ما في الأرض، حتى لو بطل منها شيء تداعى سائرها - ~~انتهى. # {ثم استوى إلى السماء} # وقال الحرالي: أعلى الخطاب بذكر الاستواء إلى # PageV01P183 # السماء الذي هو موضع التخوف لهم، لنزول المخوفات منه عليهم، فقيل لهم: ~~هذا المحل الذي تخافون منه هو استوى إليه، ومجرى لفظ الاستواء في الرتبة ~~والمكانة أحق بمعناه من موقعه في المكان والشهادة؛ وبالجملة، فالأحق بمجرى ~~الكلم وقوعها نبأ عن الأول الحق، ثم وقوعها نبأ عما في أمره وملكوته، ثم ~~وقوعها نبأ عما في ms073 ملكه وإشهاده، فلذلك حقيقة اللفظ لا تصلح أن تختص ~~بالمحسوسات البادية في الملك دون الحقائق التي من ورائها من عالم الملكوت، ~~وما به ظهر الملك والملكلوت من نبأ الله عن نفسه من الاستواء ونحوه، في ~~نباء الله عن نفسه أحق حقيقة، ثم النبأ به عن الروح مثلا، واستوائها على ~~الجسم، ثم على الرأس مثلا، واستوائه على الجثة، فليس تستحق الظواهر حقائق ~~الألفاظ على بواطنها، بل كانت البواطن أحق باستحقاق الألفاظ، وبذلك يندفع ~~كثير من لبس الخطاب على المقتصرين بحقائق الألفاظ على محسوساتهم. # {فسواهن} التسوية إعطاء أجزاء الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء. # {سبع سماوات} أعطى لكل واحدة منهن حظها: {وأوحى في كل سماء أمرها}. ~~انتهى. # وقال الحرالي: لما جعل الله، تعالى، نور العقل هاديا لآيات ما ظهر في ~~الكون، وكان # PageV01P184 # من الخلق مهتد به، ومعرض عنه، بعث الله النبيئين مبشرين لمن اهتدى بنور ~~العقل بمقتضى الآيات المحسوسه، وتلك هي الحنيفية والملة الإبراهيمية، ~~ومنذرين لمن أعرض عن ذلك، وشغلته شهوات دنياه فترتب لذلك خطاب الكتاب؛ بين ~~ما يخاطب به الأعلين المهتدين، وبين ما يخاطب به الأدنين المعرضين، وكذلك ~~تفاوت الخطاب بين ما يخاطب به الأيمة المهتدين والمؤتمون بهم، فكان أعلى ~~الخطاب ما يقبل على إمام الأيمة وسيد السادات، وأحظى خلق الله عند الله، ~~محمد، - صلى الله عليه وسلم -، فكان أول الخطاب ب {الم ذلك الكتاب} إقبالا ~~عليه وإيتاء له من الذكر الأول، كما قال عليه السلام: "أوتيت البقرة وآل ~~عمران من الذكر الأول" وهو أول مكتوب حين كان الله ولا شيء معه، وكتب في ~~الذكر الأول كل شيء، فخاطبه الله، عز وجل، بما في الذكر الأول، وأنزله ~~قرآنا، ليكون آخر المنزل الخاتم هو أول الذكر السابق، ليكون الآخر الأول في ~~كتابه كما هو في ذاته، فمن حيث كان الخطاب الأول من أعلى خطاب الله لمحمد، ~~- صلى الله عليه وسلم -، انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات الدعوة، تنبها ~~لمن أعرض عن الاستفادة بنور العقل، لما بين الطرفين من تناسب التقابل. ms074 ثم ~~عاد وجه الخطاب إليه، - صلى الله عليه وسلم -، بما هو إعلام بغائب الماضي ~~عن كائن الوقت من أمر ابتداء مفاوضة الحق ملائكته في خلق آدم، ليكون ذلك ~~ترغيبا للمبشرين في علو الرتب إلى التكامل، كما كانت آية الدعوة تنبيها ~~للمعرضين ليعودوا إلى الإقبال، وخصوص الإنزال إنما هو في الإنباء بغيب ~~الكون من ملكوته، وغائب أيام الله الماضية، ومنتظر أيام الله الآتية، فذلك # PageV01P185 # الذي يخص المهتدين بنور العقل ليترقوا من حد الايمان إلى رتبة اليقين، ~~وإنما يرد التنبيه والتنزيل بما في نور العقل هدايته من أجل المعرضين؛ فكان ~~ما شمله التنزيل بذلك أربعة أمور: # أحدها: التنبيه على الآيات بمقتضى أسماء من اسمه الملك، إلى اسمه الرحمن ~~الرحيم، إلى اسمه رب العالمين، إلى اسمه العظيم الذي هو الله. # والثاني: التنبيه على غائب المنتظر الذي الخلق صائرون إليه ترغيبا ~~وترهيبا. # والثالث: الإعلام بماضي أمر الله، جمعا للهمم للجد والانكماش في عبادة ~~الله. # والرابع: التبصير ببواطن كائن الوقت الذي في ظاهره إعلامه، فكان أول ~~النزيل في هذه السورة أمر أول يوم من ذكر الله، وهو كتب مقتضى العلم والقدر ~~في قسمه تعالى عباده بين: مؤمن، وكافر، ومنافق، ثم أنزل الخطاب إلى آية ~~الدعوة من وراء حجاب الستر بسابق التقدير، فعم به الناس ونبههم على آيات ~~ربوبيته وحيا أوحاه الله منه إليه، ثم عطف على ذلك إعلاما لابتداء المفاوضة ~~في خلق آدم عطفا على ذلك الذي يعطيه إفهام هذا الإفصاح، فلذلك قال تعالى: ~~"وإذ" فإن الواو حرف يجمع ما بعده مع شيء قبله؛ إفصاحا في اللفظ أو إفهاما ~~في المعنى، وإنما يقع ذلك لن يعلو خطابه ولا يرتاب في إبلاغه، "وإذ" اسم ~~مبهم لما مضى من الأمر والوقت، "قال" من القول، وهو إبداء صور الكلم نظما، ~~بمنزلة ائتلاف الصور المحسوسة # PageV01P186 # جمعا، فالقول مشهود القلب بواسطة الأذن، كما أن المحسوس مشهود القلب ~~بواسطة العين وغيره. # ثم قال: لما أنبأ الله، عز وجل، نبيه، - صلى الله عليه وسلم -، بما في ~~الذكر من التقدير الذي هو خبء ms075 الشرعة، ونظم به ما أنزل من دعوة الخلق إلى ~~حكمه، فانتظم ذلك رتبتي أمر، نظم، تعالى، بذلك إنزال ذكر خلق معطوفا على ~~ذكر خلق أعلى رتبة منه، نسبته منه كنسبة الدعوة من خبئها، فذكر خلق آدم ~~ظاهر خبء ما عطف عليه، وهو، والله أعلم، ذكر خلق محمد، - صلى الله عليه ~~وسلم -، الذي هو خبء خلق آدم، فكأنه، تعالى، أعلم نبيه، - صلى الله عليه ~~وسلم -، بأمر خلقه له بدء وحي سر، ثم أعلن بما عطف عليه من ذكر خلق آدم وحي ~~علن، ليكون أمر خلق محمد، - صلى الله عليه وسلم -، عند الخاصة، فهما، كما ~~كان خلق آدم عند العامة إفصاحا، وكان المفهوم: اذكر يا محمد، إذ كان في ~~خلقك كذا، وإذ قال {ربك} أي المحسن إليك برحمة العباد بك الذي خبأك في ~~إظهار خلق آدم، {للملائكة} ما أنزل. # وتأويل الملائكة عند أهل العربية أنه جمع ملأك، مقلوب من مألك، من الألك، ~~وهي الرسالة فتكون الميم زائدة، ويكون وزنه معافلة، ويكون الملك من الملك ~~وهو إحكام ما منه التصوير، من ملكت العجين، وجمعه أملاك، تكون فيه الميم ~~أصلية، فليكن اسم ملائكة جامعا للمعنيين، منحوتا من الأصلين، فكثيرا ما ~~يوجد ذلك في أسماء الذوات الجامعة، كلفظ إنسان، بما ظهر فيه من أنه من ~~الأنس والنسيان معا، وهو وضع للكلم على مقصد أفصح وأعلى مما يخص به اللفظ ~~معنى واحدا. فللكلام رتبتان: رتبة عامة، ورتبة خاصة، أفصح وأعلى كلما ~~وكلاما. # قال فيه أي هذا الخطاب مع ذلك استخلاص لبواطن أهل الفطانة من أن تعلق # PageV01P187 # بواطنهم بأحد من دونه، حين أبدى لهم انفراده بإظهارهم خلقا دون ملائكته ~~الأكرمين، حتى لا تعلق قلوبهم بغيره من أهل الاصطفاء، فكيف بمن يكون في محل ~~البعد والإقصاء؟ توطئة لقبيح ما يقع من بعضهم من أتباع خطوات الشيطان، وذلك ~~لأن في كل آية معنى تنتظم به بما قبلها، ومعنى تتهيأ به للانتظام بما ~~بعدها، وبذلك كان انتظام الآي داخلا معنى الإعجاز الذي لا يأتي الخلق ~~يمثله، ولو كان بعضهم لبعض ms076 ظهيرا. ### | {إني} # إن حرف يفهم توكيدا من ذات نفس المؤكد وعلمه، والياء اسم على يخص المضيف ~~إلى نفسه الذي يضيف الأشياء إليه. {جاعل في الأرض} ولما كانت خلافة آدم، ~~عليه السلام، كاملة في جميع الأرض بنفسه وبذريته وحد لذلك، مع أنه يصح أن ~~يراد به الجنس، فقال: {خليفة} الخليفة ذات قائم بما يقوم به المستخلف على ~~حسب رتبة ذلك الخليفة منه، فهو خليقة الله في كونه، ملكه وملكوته، وهم أيضا ~~بعضهم خلفاء بعض، فهو خليفة بالمعنيين. انتهى. # {ويسفك الدماء} # قال الحرالي: (السفك) وهو سكب بسطوة. "الدماء" أي بغير حقها بالقوة ~~الغضبية، لعدم عصمتهم وخلقهم جوفا، يتمالكون، وأصحاب شهوات عليها يتهالكون. # PageV01P188 # {والدم} # قال الحرالي: رزق البدن الأقرب إليه المحوط فيه. # {ونحن} وهذا الضمير كما # قال الحرالي: اسم القائل المستتبع لمن هو في طوع أمره لا يخالفه. # {نسبح بحمدك} # وقال الحرالي: التسبيح تنزيه الحق، تعالى، عن بادية نقص في خلق أو رتبة، ~~وحمد الله استواء أمره علوا وسفلا، ومحو الذم عنه والنقص منه، وذلك تسبيح ~~أيضا في علو أمر الله، فما سبح بالحمد إلا أهل الحمد من آدم ومحمد، - صلى ~~الله عليه وسلم -، فغاية المسبح الحمد، والحمد تسبيح لمن غايته وراء ذلك ~~الاستواء - انتهى. # {ونقدس لك} # قال الحرالي: القدس طهارة دائمة لا يلحقها نجس ظاهر، ولا رجس باطن، ~~واللام تعلن للشيء، لأجله كان ما أضيف به. انتهى. # {قال إني أعلم ما لا تعلمون} # وقال الحرالي: وأعلم، تعالى، بما أجرى عليه خلقه من القضاء بما ظهر، ~~والحكم على الآتي بما مضى، حيث أنبأ عن ملائكته بأنهم قضوا على الخليفة في ~~الأرض بحال من تقدمهم في الأرض من الجبلة الأولين من الجن الذين أبقى منهم ~~عزازيل وغيرهم، ليتحقق أن أمر الله جديد، وأنه كل يوم هو في شأن، لا يقضى ~~على آتي وقت بحكم ما فيه، ولا بما مضى قبله - انتهى. ### | {وعلم آدم الأسماء كلها} # "الأسماء" أي التي للأشياء "كلها"، وهو جمع اسم، وهو ما يجمع اشتقاقين من ~~السمة والسمو، فهو بالنظر إلى اللفظ ms077 وسم، وبالنظر إلى الحظ من ذات الشيء ~~سمو، وذلك السمو هو مدلول الاسم [الذي هو الوسم] الذي ترادفه التسمية، قاله ~~الحرالي. # وقال في كتاب له في "أصول الفقه " الاسم يقال على لفظ التسمية، ويقال على ~~حظ # PageV01P189 # ونصيب من ذوات الأشياء، وتلك هي المعروضة على الملائكة، واسم التسمية ~~يحاذي به المسمى معلومه من الشيء المسمى الذي هو الاسم المعروض، وهو عند ~~آدم علم، وعند الملائكة ومن لايعلم حقيقة الاسم المعروض توقيف ونبأ - ~~انتهى. # {ثم عرضهم على الملائكة} # قال الحرالي: أظهرهم عن جانب، وهو العرض والناحية، # وقال الحرالي: لما ذكر، تعالى، مراجعة الملائكية في خلق هذا الخليفة ذكر ~~إبداءه لهم وجه حكمة علية بما أعلى هذا الخليفة من تعليمه إياه حقائق جميع ~~الذوات المشهودة لهم على إحاطتهم بملكوت الله وملكه شهودا، فأراهم إحاطة ~~علم آدم بما شهدوا صوره، ولم يشهدوا حقيقة مدلول تسميتها، وعلمه حكمة ما ~~بين تلك الأسماء التي هي حظ من الذوات، وبين تسمياتها من النطق، ليجتمع في ~~علمه خلق كل شيء صورة وأمره كلمة، فيكمل علمه في قبله على سبيل سمعه وبصره، ~~واستخلفه في علم ماله من الخلق والأمر، وذلك في بدء كونه، وكيف يحكم حكمة ~~الله فيما يتناهى إليه كمال خلقه إلى خاتمة أمره فيما انتهى إليه أمر محمد، ~~- صلى الله عليه وسلم -، مما هو مبهم في قوله تعالى {وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما} فأبدى الله، عز وجل، لهم بذلك وجه خلافة علمية ~~وعملية في التسمية إعلاء له عندهم، وقد جعلهم الله، عز وجل، مذعنين مطيعين، ~~فانقادوا للوقت # PageV01P190 # بفضل آدم على جميع الخلق، وبدا لهم علم أن الله يعلي من يشاء بما يشاء من ~~خلافة أمره وخلقه، وتلك الأسماء التي هي حظوظ من صور الموجودات هي المعروضة ~~التي شملها اسم الضمير في قوله تعالى: {ثم عرضهم} وأشار إليه: {هؤلاء} عند ~~كمال عرضهم، وأجرى على الجميع ضمير {هم} لاشتمال تلك الكائنات على العاقلين ~~وغيرهم، وبالتحقيق فكل خلق ناطق، حين يستنطقه الحق، كما قال تعالى: ms078 {اليوم ~~نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} وإنما العجمة والجمادية ~~بالإضافة إلى ما بين بعض الخلق وبعضهم - انتهى. # قال الحرالي: هذه الأسماء المواطئة للتسمية من السمة، والأسماء الأول هي ~~الحظوظ من الذوات التي المتسم بها هو المسمى، ومع ذلك فبين التسمية والاسم ~~مناسبة مجعول الحكمة بينهما بمقتضى أمر العليم الحكيم - انتهى. ### | {سبحانك} # قال الحرالي: وفي هذا المعنى إظهار لفضلهم وانقيادهم وإذعانهم توطئة لما ~~يتصل به من إباء إبليس - انتهى. # {لا علم لنا إلا ما علمتنا} # قال الحرالي ردا لبدء الأمر لمن له البدء، ولذلك ورد في أثارة من علم: ~~"من لم يختم 566 علمه بالجهل لم يعلم" وذلك الجهل هو البراءة من العلم إلا ~~ما علم الله. # PageV01P191 # {إنك أنت العليم الحكيم} # قال الحرالي: توكيد وتخليص وإخلاص للعلم والحكمة لله وحده، وذلك من أرفع ~~الإسلام، لأنه إسلام القلوب ما حلاها الحق، سبحانه، به فإن العلم والحكمة ~~نور القلوب الذي تحيا به، كما أن الماء رزق الأبدان الذي تحيا به، والحكمة ~~جعل تسبيب بين أمرين يبدو بينهما تقاض من السابق، واستناد من اللاحق - ~~انتهى. ### | {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} # قال الحرالي: ولم يقل: علمهم، فكان آدم عليما بالأسماء، وكانوا هم مخبرين ~~بها لا معلميها، لأنه لا يتعلمها من آدم إلا من خلقه محيط كخلق آدم، ليكون ~~من كل شيء، ومنه كل شيء، فإذا عرض عليه شيء مما منه آنس علمه عنده؛ فلذلك ~~اختصوا بالإنباء دون التعليم، فلكل شيء عند آدم، عليه السلام، - بما علمه ~~الله وأظهر له علاماته في استبصاره الشيء - اسمان جامعان: اسم يبصره من ~~موجود الشيء، واسم يذكره لإبداء معنى ذلك الشيء إلى غاية حقيقته، ولكل اسم ~~جامع عنده وجوه متعددة، يحاذي كل وجه منها بتسمية تخصه، وبحسب تلك الوجوه ~~تكثرت عنده الألسنة، وتكثرت الألسن الأعجمية، فأفصحها وأعربها الاسم ~~الجامع، وذلك الاسم هو العربي، الذي به أنزل خاتم الكتب، على خاتم ~~المرسلين، وأبقى دائما في مخاطبة أهل الجنة لمطابقة الخاتمة إحاطة البادئة: ~~{حم حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا ms079 لعلكم تعقلون (3) ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} وطابق الختم البدء إحاطة لإحاطة - ~~انتهى. # PageV01P192 # {فلما أنبأهم} و"لما" كلمة تفهم وجوب أمر لأمر في حين، فتجمع معنى الشرط ~~والظرف - قاله الحرالي. # قال الحرالي في التفسير، وكتاب له في أصول الفقه: هذه التسميات ليس ~~الأسماء التي هي موجودة من الذوات، لأن تلك لا ينالها إلا العلم وشهود ~~البصيرة، وقد جرى ذلك في وراثة في ولد آدم، حتى كان رؤبة وأبوه العجاج ~~يرتجلان اللغة ارتجالا، ويتعلمها منهم من سواهم من العرب، لأن التسمية التي ~~ينالها الإنباء للاسم الذي يناله العلم كالمثل له المبدي لصورة معناه للأذن ~~لمناسبة ومواصلة بين خصوص التسمية واسمها من الذات، فيعلم ما يحاذي الشيء ~~المفرد من منتظم الحروف، كما يعلم الواصف ما يحاذي الشيء ويحاكيه من منتظم ~~الكلم، فيحاذيه ويحاكيه الواصف بكلام، ويحاذيه ويسميه المسمى له بكلمة ~~واحدة، وكما أنه ليس لكل أحد منة أن يصف، فكذلك ليس لكل أحد منة أن يسمى، ~~ومنه ما يجري من ألسنة العامة من النبز والألقاب، وقد كان يجب الاكتفاء بما ~~في هذه الآية من العلم ببدء أمر المسميات عما وقع فيها من الاختلاف بين ~~التوقيف والاصطلاح، فقد تبين أنها عن علم علمه الله آدم، لا عن توقيف، كما ~~هو عند الملائكة من آدم، ولا عن اصطلاح كما قيل - انتهى. # PageV01P193 # {إني أعلم غيب السماوات والأرض} # قال الحرالي: قررهم حتى لا يكون لهم ثانية، وأعلم بذلك عباده من ولد آدم ~~حتى يستنوا بحكم التسليم لله فيما يبديه من غير تعرض ولا اعتراض {فمنهم من ~~آمن ومنهم من كفر}. انتهى. # قال الحرالي: وفي صيغة تكتمون من الدلالة على تمادي ذلك في كيانهم، ما في ~~صيغة تبدون من تمادي بادي ذلك منهم - انتهى. # وقال الحرالي: لما أنبأ تعالى بأمر مفاوضة الملائكة وما كان من ادعائهم ~~وتسليمهم الأمر لله ولمن علمه الله وهو آدم، عليه السلام، نظم بذلك نبأ ~~انقيادهم لآدم فعلا، كما انقادوا له علما، تماما لكمال حالهم في التسليم ~~علما وعملا، فقال تعالى: انتهى. ms080 ### | {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا} # قال الحرالي: فجعله بابا إليه وكعبة يجلونه بجلاله تعالى، ومحرابا وقبلة، ~~يكون سجودهم له سجودا لله تجاه آدم، كسجود آدم تجاه الكعبة، وظهر بذلك سوء ~~إباء إبليس عن السجود، حين خالفهم في طينة الكيان، لأن الملائكة خلقت من ~~نور، والنور طوع لا يحوزه أين، ولا يختصه جهة، ولأن الجان خلقت من نار وهي ~~مما يحوزه أين وتختصه جهة لا يرجع عنها إلا بقهر وقسر، فلم ينزل عن رتبة ~~قيامه في جبلته لمخلوق الطين، حيث لم يشعر بإحاطة خلق آدم كما تلقته ~~الملائكة - انتهى. # PageV01P194 # {فسجدوا إلا إبليس} # قال الحرالي: من الإبلاس، وهو انقطاع سبب الرجاء الذي يكون به اليأس، من ~~حيث قطع ذلك السبب - انتهى. # {أبى} من الإباء وهو امتناع عمل حقه الإجابة فيه. قاله الحرالي. # {واستكبر} من الاستكبار، وهو استجلاب الكبر، والكبر بطر الحق، وغمض الناس ~~وغمطهم، وموجب ذلك استحقار الغير من وجه، واستكمال النفس من ذلك الوجه. ~~قاله الحرالي. # {من} وهي كلمة تفهم اقتباس الشيء مما جعل منه. قاله الحرالي. # وقال الحرالي: لما أظهر الله، سبحانه، فضيلة آدم فيما أشاد به عند ~~الملائكة من علمه وخلافته والإسجاد له، وإباء إبليس عنه، أظهر، تعالى، أثر ~~ذلك ما يقابل، من أحوال آدم حال ما ظهر للملائكة بما فيه من حظ مخالفة، ~~ليشارك بها إفراط ما في الشيطان من الإباء، لإحاطة خلق آدم بالكون كله علوا ~~وسفلا، وليظهر فضل آدم في حال مخالفته على إبليس في حال إبائه بما يبدو على ~~آدم من الرجوع بالتوبة، كحال رجوع الملائكة بالتسليم، فيظهر في الجمع بين ~~الطرفين، والفضل في الحالين: حال علمه، وحال توبته في مخالفته، فجعل، ~~تعالى، إسكان الجنة توطئة لإظهار ذلك من أمره، فقال تعالى: {وقلنا يا آدم ~~اسكن} من السكن وهو الهدو في الشيء الذي في طيه إقلاق "أن" في قوله: "أنت" ~~اسم باطن الذات علما، وهي المشتركة في أنا وأنت وأنت، وأن تفعل كذا، والألف ~~في أنا إشارة ذات المتكلم، وفي مقابلتها التاء إشارة لذات ms081 المخاطب ذكرا أو ~~أنثى. # PageV01P195 ### | {وزوجك الجنة} # فأجنت لآدم ما فيها من خبء استخراج أمر معصيته، ليكون ذلك توطئة لكمال ~~باطنه باطلاعه على سر من أسرار ربه في علم التقدير إيمانا، ولكمال ظاهره ~~يكون ذلك توطئة لفضيلة توبته إسلاما، ليس لبنيه التوبة أثر المعصية مخالفة ~~لإصرار إبليس بعد إبائه، وشهادة عليه بجهله في ادعائه، وجعل له ذلك فيما هو ~~متنزل عن رتبة علمه، فلم تلحقه فيه فتنة حفيظة على خلافته، وأنزلت معصيته ~~إلى محل مطعمه الذي هو خصوص حال المرء من جهة أجوفية خلقه، ليبدو نقص ~~الأجوف، ويبدي ذلك إكبار الصمد الذي يطعم ولا يطعم، فكان ذلك من فعله ~~تسبيحا بحمد ربه، لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له - انتهى. # {وكلا منها رغدا} # قال الحرالي: وأطلق له الرغد إطلاقا، وجعل النهي عطفا، ولم يجعله استثناء ~~ليكون آدم أعذر في النسيان، لأن الاستثناء أهم في الخطاب من التخصيص، وقال: ~~{ولا تقربا} ولم يقل: ولا تأكلا؛ نهيا عن حماها، ليكون ذلك أشد في النهي - ~~انتهى. ### | {فأزلهما الشيطان} # قال الحرالي: من الزلل، وهو تزلق الشيء الذي لا يستمسك على الشيء الذي لا ~~مستمسك فيه، كتزلل الزلال عن الورق وهو ما يجتمع من الطل فيصير ما على ~~الأوراق والأزهار، وأزالهما من الزوال، وهو التنحية عن المكان أو المكانة، ~~وهو المصير بناحية منه {الشيطان} هو مما أخذ من أصلين: من الشطن وهو البعد، ~~الذي منه سمي الحبل الطويل، ومن الشيط الذي هو الإسراع في الاحتراق والسمن، ~~فهو من المعنيين مشتق، كلفظ الإنسان وملائكة، {عنها} # PageV01P196 # أي عن مواقعة الشجرة، و"عن " كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت، كقولهم: ~~رميت عن القوس - انتهى. # {مما كانا فيه} # قال الحرالي: "في" كلمة تقتضي وعاء مكان أو مكانة، ثم قال: أنبأ الله عز ~~وجل بما في خبء أمره مما هو من وراء علم الملائكة، بما أظهر من أمر آدم، ~~عليه السلام، وبما وراء علم آدم بما أبدى من حال الشيطان باستنزلاله لآدم ~~حسن ظن من آدم بعباد الله مطلقا، حين ms082 قاسمهما على النصيحة. # وفيه انتظام بوجه ما بتوقف الملائكة في أمر خلق آدم، فحذرت الملائكة إلى ~~الغاية، فجاء من وراء حذرها حمد أظهرت الله من آدم، وجاء من وراء حسن ظن ~~آدم ذنب أظهره الله من الشيطان، على سبيل سكن الجنة، فرمى بهما عن سكنها، ~~وبما أظهر له بما فيها من حب الشجرة التي أطلع عليها. # ثم قال: وحكمة ذلك، أي نسبة هذا الذنب إلى الشيطان بتسببه، أن الله، عز ~~وجل، يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة، ولا ينالهم شر إلا بواسطة نفس، ~~كما وقع من الإباء للشيطان، فكانت خطيئته في ذات نفسه، أو بواسطة شيطان، ~~كما كانت مخالفة آدم، فكانت خطيئته ليست من ذات نفسه، وعارضة عليه من قبل ~~عدو تسبب له بأدنى ما منه من زوجه التي هي من أدنى خلقه، فمحت التوبة الذنب ~~العارض لآدم، وأثبت الإصرار الإباء النفساني للشيطان، وذكر الحق، تعالى، ~~الإزلال منه باسمه الشيطان، لا باسمه إبليس، لما في معنى الشيطنة من البعد ~~والسرعة # PageV01P197 # التي تقبلا التلافي، ولما في معنى الإبلاس من قطع الرجاء، فكان في ذلك ~~بشري استدراك آدم بالتوبة - انتهى. ### | {وقلنا اهبطوا} # والهبوط، # قال الحرالي: سعى في درك، والدرك ما يكون نازلا عن مستوى، فكأنه أمسك ~~حقيقته - أي آدم - في حياطته، تعالى، وحفظه وتوفيقه لضراعته وبكائه وسر ما ~~أودعه من أمر توبته؛ وأهبط صورته، ليظهر في ذلك فوق ما بين هبوط آدم وهبوط ~~إبليس، على ما أظهر من ذلك سرعة عود آدم توبة وموتا إلى محله من أنسه ~~المعهود وقربه المألوف له من ربه، وإنظار إبليس في الأرض مصرا منقطعا عن ~~مثل معاد آدم، لما نال إبليس من اللعنة التي هي مقابل التوبة، {بعضكم لبعض} ~~البعض ما اقتطع من جملة، وفيه ما في تلك الجملة. {عدو} من العداء أي ~~المجاوزة عن حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين من حق المعاونة - ~~انتهى. # قال الحرالي: وفيه إشعار بما تمادى من عدوان الشيطان على ذرء من ولد آدم ~~حتى صاروا من حزبه، وفيه ms083 أيضا بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء إبليس ~~فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة، فيهتدون بهداه من حيث عم بالعداوة، ~~فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه على أهل الشر خيرا، واعتدى ذو الشيطنة فصارت ~~عدواه على أهل الخير شرا. {ولكم في الأرض مستقر} تكونون فيه، وهو من ~~القرار، وهو كون الشيء فيما له فيه تنام وظهور وعيش موافق، {ومتاع} # PageV01P198 # تتمتعون به، والمتاع هو الانتفاع بالمنتفع به وقتا منقطعا، يعرف نقصه بما ~~هو أفضل منه، يعني ففيه إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا، ونقص ما ~~به الانتفاع عن محل ما كانا به، من حيث إن لفظ المتاع أطلق في لسان العرب ~~على الجيفة التي هي متاع المضطر، وأرزاق سباع الحيوان وكلابها، فكذلك ~~الدنيا هي جيفة متع بها، أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة، وجعلها حظا من لا ~~خلاق له في الآخرة. {إلى حين} أي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي إبهام الحين ~~إشعار باختلاف الآجال في ذرء الفريقين، فمنهم الذي يناله الأجل صغيرا، ~~ومنهم الذي يناله كبيرا - انتهى. ### | {فتلقى آدم} # والتلقي ما يتقبله القلب باطنا وحيا، أو كالوحي، أبطن من التلقن الذي ~~يتلقنه لفظا وعلما، ظاهرا أو كالظاهر. قاله الحرالي. # {من ربه كلمات} وتطلق الكلمة أيضا على إمضاء أمر الله من غير تسبيب حكمة ~~ولا ترتيب حكم. قاله الحرالي. # ثم قال: في عطف الفاء في هذه الآية إشعار بما استند إليه التلقي من تنبيه ~~قلب آدم وتوفيقه مما أثبته له إمساك حقيقته عند ربه، ويعاضد معناه رفع ~~الكلمات وتلقيها آدم في إحدى القراءتين، فكأنه تلقى الكلمات بما في باطنه، ~~فتلقته الكلمات بما أقبل بها عليه، فكان مستحقا لها، فكانت متلقية له بما ~~جمعت القراءتان من المعنى. # PageV01P199 # {فتاب} من التوب وهو الرجوع بظاهر باطنه الإنابة، وهو رجوع بعلم باطنه ~~الأوبه، وهو رجوع بتقوى قلب - انتهى. # {التواب الرحيم} # قال الحرالي: وكان إقراره بلفظه أدبا وإذعانا لقيام حجة الله على عباده، ~~بما أنبأ عنه من قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا} الآية، وهذه توبة قلب وعمل، لا ms084 ~~ينقض مخصوص حال القلب منها ناقض وهي التوبة النصوح، التي تبرئ من الذنب ~~بتحقيق توحيد القلب، وتوجب تكفير الخطايا الظاهرة، التي لا أصل لها في ~~القلب؛ من حجاب دعوى في الأفعال وشرك في أمر الله، فبمقتضى ما في باطنه ظهر ~~فيه اسمه الرحيم، الذي هو من الرحمة، وهو اختصاص فضله بالمؤمن، وبمقتضى ما ~~ظهر عليه من الضراعة والإقرار ظهر فيه مقتضى اسمه التواب، فجمعت توبته ~~الأمرين - انتهى. ### | {قلنا اهبطوا منها جميعا} # وقال الحرالي: مورد هذه الآية بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم ~~يتقدمه إيحاء بباطن، كما تقدم في السابقة، وتكرر الإهباطان، من حيث إن ~~الأول إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء فيها، وذرء الذرية وأعمال ~~أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس، وهذا الإهباط الثاني ~~إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية، التي كانت خفية في # PageV01P200 # أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس، وفي قوله {جميعا} إشعار بكثرة ذرء الخلقين ~~وكثرة الأحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى. # {فمن اتبع} والتبع السعي أثر علم الهدى. قاله الحرالي. # {هداي} قال: وجاء "هداي" شائعا ليعم. رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما من ~~الحق الجامع، وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا فيما بينه وبين ~~الحق، وفيما بينه وبين الخلق - انتهى. # {فلا خوف عليهم} فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضار. قاله الحرالي. # {ولا هم يحزنون} والحزن، كما # قال الحرالي: توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به روح، والقرب منه ~~راحة، وجاء في الحزن بلفظ "هم " لاستبطانه، وبالفعل لأنه باد من باطن ~~تفكرهم في فائتهم، وجاء نفي الخوف منعزلا عن فعلهم، لأنه من خوف باد عليهم ~~من غيرهم - انتهى. ### | {والذين كفروا} # قال الحرالي: هذا من أسوأ الكفر لأنه كفر بالآيات التي جعلها الله، عز ~~وجل، علما على غيب عهده، وهي ما تدركه جميع الحواس من السماء والأرض، كما ~~قال تعالى: {ومن آياته خلق السماوات # PageV01P201 # والأرض وما بث فيهما من دابة} لأن الحق، تعالى، أظهر الكون كتابة دالة ms085 ~~على أمره، وجعل في العقل نورا يقرأ به كتابه، فمن لا نور له فهو من أصحاب ~~النار، فهو إما تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان، وإما صاحب نار، فقال: ~~{وكذبوا بآياتنا} لأنه لما كان من الذين كفروا بكتاب الخلق من تقبل الإيمان ~~بتنزيل الأمر، اختصت كلمة العذاب بالذين تأكد كفرهم بالآيات المرئية ~~بتكذيبهم بالآيات المنزلة، فكفروا بما رأوا فكانوا عميا، وكذبوا بما سمعوا ~~فكانوا صما - انتهى. # {هم فيها خالدون} # قال الحرالي: وقوله "هم" فيه إشعار بإشراب العذاب بواطنهم، وبلاغه إلى ~~أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس، وغير ذلك من إحراق النار بواطنهم، وفيه ~~إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من حيث لا يشعرون. "الذي يشرب في آنية ~~الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله، ~~فهم فيها خالدون، وإن لم يحسوا في الدنيا بحقيقتها، كما أن المهتدين في جنة ~~في الدنيا، وإن لم يشاهدوا عيانها، فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيبا، ~~وفي الآخرة عيانا، وفي القبر عرضا. {لترون لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين ~~اليقين}. {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا}. وهنا انتهى خطاب الفرقان # PageV01P202 # المخصوص بدعوة العرب، الذين هم رأس أهل الدعوة المحمدية، قال، عليه ~~الصلاة والسلام: "الناس كلهم تبع لقريش، مؤمنهم لمؤمنهم، وكافرهم لكافرهم" ~~- انتهى. ### | {يا بني إسرائيل} # وقال الحرالي: ثم أقبل الخطاب عام بني إسرائيل منتظما بابتداء خطاب العرب ~~من قوله: {يا أيها الناس} وكذلك انتظام القرآن إنما ينتظم رأس الخطاب فيه ~~برأس خطاب آخر يناسبه في جملة معناه، وينتظم تفصيله بتفصيله، فكان أول ~~وأولى من خوطب بعد العرب الذين هم ختام بني إسرائيل الذين هم ابتداء بما هم ~~أول من أنزل عليهم الكتاب الأول من التوراة، التي افتتح الله بها كتبه تلو ~~صحفه وألواحه. # ثم قال: لما انتظم إقبال الخطاب على العرب التي لم يتقدم لها هدى بما ~~تقدمه من الخطاب للنبي، - صلى الله عليه وسلم -، انتظم بخطاب العرب خطاب ~~بني إسرائيل بما تقدم لها من هدي في وقتها. {إنا أنزلنا ms086 التوراة فيها هدى ~~ونور} وبما عهد إليها من تضاعف الهدي بما تقدم لها في ارتقائه من كمال ~~الهدي بمحمد، - صلى الله عليه وسلم -، وبهذا القرآن، فكان لذلك الأولى ~~مبادرتهم إليه حتى يهتدي بهم العرب، ليكونوا أول مؤمن، بما عندهم من علمه ~~السابق - انتهى. # {اذكروا نعمتي} # وقال الحرالي: من الذكر، وهو استحضار ما سبقه النسيان # PageV01P203 # {نعمتي} وهي إنالة الشخص ما يوافق نفسه وبدنه، وعند المتفطن، ما يوافق ~~باطنه وظاهره، مما بين قلبه وشعوبه من أهله وحشمه. {التي} "تي" منها إشارة ~~لباطن نازل متخيل مبهم، تفسره صلته بمنزلة "ذي"، و"ال" منها إشارة لذلك ~~المعنى بالإشارة المتخيلة - انتهى. # {وأوفوا} من الوفاء وهو عمل لاحق بمقتضى تقدم علم سابق. قاله الحرالي. # {بعهدي} والعهد التقدم في الشيء خفية اختصاصا لمن يتقدم له فيه. قاله ~~الحرالي. # {وإياي فارهبون} والرهب حذر النفس مما شأنها منه الهرب لأذى تتوقعه، ~~وخوطبوا بالرهبة لاستبطانها فيما يختص لمخالفة العلم. # قال الحرالي. ### | {مصدقا لما معكم} # وأمروا، كما # قال الحرالي تجديد الإيمان بالقرآن، لما فيه من إنباء بأمور من المغيبات ~~التي لم تكن في كتابهم كتفاصيل أمور الآخرة التي استوفاها القرآن، لأنه ~~خاتم، ليس وراءه كتاب ينتظر فيه بيان، وقد أبقى لكل كتاب قبله بقية أحيل ~~فيها على ما بعده، ليتناءى البيان إلى غاية ما أنزل به القرآن، حين لم يعهد ~~إليهم إلا في أصله على الجملة - انتهى. # {ثمنا قليلا} والقلة ما قصر عن الكفاية. قاله الحرالي. # {ولا تلبسوا} واللبس إبداء الشيء في غير صورته، ومنه اللباس لإخفائه # PageV01P204 # الأعضاء حتى لا تبين هيئتها - قاله الحرالي. # {الحق بالباطل} والحق # قال الحرالي: ما يقر ويثبت حتى يضمحل مقابله، فكل زوجين فأثبتهما حق، ~~وأذهبهما باطل وذلك الحق، فالباطل هو ما أمد إدارته قصير، بالإضافة إلى طول ~~أمد زوجه القار - انتهى. # {وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} وجعله الحرالي على ظاهره فقال: لما طلبهم، ~~تعالى، بالوفاء بالعهد نهاهم عن سوء العمل وما لبسوا به الأمر عند أتباعهم ~~من ملتهم، وعند من استرشدهم من العرب، فلبسوا بأتباعهم حق الإيمان بموسى ms087 ~~عليه، الصلاة والسلام، والتوراة بباطل ما اختذلوه من كتابهم من إثبات ~~الإيمان لمحمد، - صلى الله عليه وسلم -، وبالقرآن، فكتموا الحق التام ~~الجامع، ولبسوا الحق الماضي المعهود بالباطل الأعرق الأفرط، لأن باطل الحق ~~الكامل باطل مفرط معرق بحسب مقابله، وعرفهم بأن ذلك منهم كتمان شهادة عليهم ~~بعلمهم ذلك إفهاما، ثم أعقبه بالشهادة عليهم بالعلم نصريحا - انتهى. ### | {وآتوا الزكاة} # والزكاة: # قال الحرالي: نماء في ظاهر حس، وفي باطن ذات نفس، {واركعوا} من الركوع، ~~وهو توسط بين قيام وسجود، يقع في ظاهر من القامة، وفي حال من القلب، تخص به ~~الأمة المتوسطة الجامعة للطرفين. {مع} معناه الصحبة من الأعلى بالحياطة ومن ~~الأدنى بحسن التبع، ومن المماثل بحسن النصفة - انتهى. # PageV01P205 # وقال الحرالي: والمتسق بذلك أي بما مضى خطاب إفهام يفهمه عطف إقامة ~~الصلاة التي هي تلو الإيمان، فكأن خطابه الإفهام فارجعوا واستدركوا وأعلنوا ~~بما كتمتم، وبينوا ما لبستم، وانصحوا من استنصحكم، وأقيموا وجهتكم لله ~~بالصلاة، وتعطفوا على الأتباع بعد تعليمهم بالزكاة، وكملوا صلاتهم بما به ~~كمال الصلاة؛ من الركوع العدل في الفعل بين حال قيام الصلاة وسجودها المظهر ~~آية عظمة الله مع الراكعين، الذين هم العرب الذين وضعت أولى صلاتهم على ~~كمال - انتهى. ### | {أتأمرون} # من الأمر، وهو الإلزام بالحكم. قاله الحرالي. # وقال الحرالي: ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية لاتباع ~~محمد، - صلى الله عليه وسلم -، ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم، ~~أعلن، تعالى، عليهم بذلك نظما لما، تقدم من نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم بما ~~ظهر من نقص عقولهم الذي هو أدنى أحوال المخاطبين. # {وأنتم تتلون الكتاب} من التلاوة، وهو تتبع قول قائل أول من جهة أوليته. ~~قاله الحرالي. # قال الحرالي: فيه إشعار بأن أمر النبي، - صلى الله عليه وسلم -، في منطوق ~~تلاوته ليس في خفي إفهامه، فكان في ذلك خروج عن حكم نور العقل - انتهى. # PageV01P206 # {أفلا تعقلون} والعقل إدراك حقائق ما نال الحس ظاهره. قاله الحرالي. # وقال الحرالي: فكأنهم إنما حملهم على مخالفة حكم العقل ما تعودت به ~~أنفسهم من ms088 الرياسة والتقدم، فلما في ذلك عليهم من المشقة أن يصيروا أتباعا ~~للعرب بعد ما كانوا يرون أن جميع الأرض تبع لهم، نسق بخطابهم في ذلك الأمر ~~بالاستعانة بالصبر الذي يكره أنفسهم على أن تصير تابعة بعد أن كانت متبوعة، ~~فقال تعالى - انتهى. ### | {واستعينوا بالصبر والصلاة} # والصبر: حبس النفس عن حاجتها وعادتها، وعلى إصلاحها وتزكيتها، وهو ضياء ~~للقلوب، تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن العادة فيما تنزع إليه ~~الأنفس - قاله الحرالي. # وثنى بالصلاة لأنها استرزاق يغنيهم عن اشتراء ثمن كانوا يأخذونه من ~~أتباعهم في اللبس والكتمان. {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا ~~نحن نرزقك}. قاله الحرالي. # {وإنها لكبيرة} والكبير ما جل قدره أو مقداره في حس ظاهر أو في معنى ~~باطن. قاله الحرالي. # {إلا على الخاشعين} # قال الحرالي: وهو، أي الخشوع، هدو الجوارح والخواطر فيما هو الأهم في ~~الوقت، وأنبأ تعالى بكبر قدر الصلاة عن أن يتناول عملها إلا خاشع خرج عن حظ ~~نفسه، وألزم نفسه ذل العبودية التي ختمت بها النبوة، وفي إشارة كمال الصلاة ~~إشعار بصلاة العصر التي هي صلاة النبي الخاتم الذي زمنه وقت # PageV01P207 # العصر، وحالة العبودية، وذلك مما يكبر على من قرن بنبوته وبملته الملك، ~~إلا أن يخشع لما يكبر على النفس، وخصت الصلاة بالكبر دون الصبر، لأن الصبر ~~صغار للنفس، والصلاة وجهة للحق، والله هو العلي الكبير - انتهى. ### | {يظنون} # من الظن، وهو رجحان في اعتقاد مع بقاء منازع من مقابله، قاله الحرالي. # {وأنهم إليه راجعون} والرجوع معاد الذاهب على مدارج مذهبه، وترقيه على ~~معارج مهبطه. قاله الحرالي. # وقال الحرالي: ولما كان في الصلاة مناجاة لله على الغيب، كانت إنما تتيسر ~~على من يظن القبول الذي يشعر به اللقاء لربه بعد موته، وذلك حال من رجحت ~~الآخرة على الدنيا في عمله وحاله، فكان حاله وعمله حال الظان إبقاء على ~~أحوال من دون رتبة اليقين، ومقصود اللقاء ليس البعث، لأنهم هم من المؤمنين ~~بالبعث، ولكنه من معنى القبول بعد البعث، وفيه إشارة إلى ms089 حال الموت ويوم ~~البرزخ، وهو الجزاء الأول، فعطف على المرجع الآخر بعد البعث - انتهى. ### | {وأني فضلتكم} # والتفضيل الزيادة من خطوة جانب القرب والرفعة فيما يقبل الزيادة والنقصان ~~منه - قاله الحرالي. # PageV01P208 # {على العالمين} # وقال الحرالي: لما دعاهم إلى الوفاء بالعهد تنبيها لهمة من له فضل باطن ~~يرجع إلى فضائل النفس، فأجاب من وفق، وتمادى على حاله من خذل، ثني الخطاب ~~لهم بالتنبيه على النعمة الظاهرة، ليتنبه لذلك من يخاف تغيير النعمة ~~الظاهرة، حين لم يخف السقوط عن رتبة الفضيلة في الخطاب، فذكرهم بالنعمة ~~والتفضيل الذي فضلهم به على العالمين، وهم من ظهرت أعلام وجودهم في زمانهم، ~~وكذلك كل تفضيل يقع في القرآن والسنة، إنما العالم من شمله الوجود، لا ما ~~أحاط به العلم بعد، لأن ذلك لم يرفع في الشهود علم وجوده؛ وفيه إشعار بأنهم ~~كما فضلوهم على عالمى زمانهم، فليس ذلك بمقصور عليهم، بل كذلك يفضل الله ~~العرب في زمان نبوتها على بني إسرائيل، وعلى جميع الموجودين في زمانهم. # وحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهر النعمة بعد التذكير بباطن الفضيلة، لم ~~يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد الآخرة؛ عطفا على تهديد تقتضيه الأفهام ~~بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في الدنيا، فكان مفهوم الخطاب: فاحذروا أن ~~يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في الدنيا - انتهى. # قال الحرالي: والنفس لكل امرئ لزمته نفاسة على غيره، فهؤلاء الذين، لا ~~يغني بعضهم عن بعض، بخلاف من آثر غيره وذهبت نفاسة نفسه، فإنه يغني عمن ~~دونه بالشفاعة والإحسان في الدنيا والآخرة؛ وفيه إعلام بأن ضعة النفس مبدأ ~~التوفيق، # PageV01P209 # ونفاستها مبدأ الخذلان: {أذلة على المؤمنين} فذل العبد - بالضم - لله، ~~وذله - بالكسر - لعباد الله بشرى فوزه، وإعراضه عن ذكر الله، وصعر خده ~~للناس نذارة هلاكه - انتهى. ### | {شفاعة} # وهي من الشفع، وهو إرفاد الطالب بتثنية الرغبة له فيما رغب فيه، ليصير ~~كالإمام له في وجهة حاجته - قاله الحرالي. # {عدل} وهو ما يعدل الشيء، ويكون معه كالعدلين المتكافئ القدر على ~~الحمولة، فكأن العدل - بالكسر - في الشيء المحسوس، والعدل - بالفتح ms090 - في ~~الشيء المعقول، وكذلك عادة العرب، تفرق بين ما في الحس وما في المعنى ~~بعلامة إعراب في ذات نفس الكلمة، لا في آخرها - قاله الحرالي. # {ولا هم ينصرون} والنصر تأييد المقاوم في الأمر بما هو أقوي من مقاومة، ~~وهما طرفان ليصير كالمتقدم له بحكم استقلاله فيما يتوقع عجز المنصور فيه - ~~قاله الحرالي. # قال الحرالي: ولما كانت أسباب النجاة للمرء بأحد ثلاث: إما شفاعة من فوقه ~~في العلم والفضل، وإما نصرة من فوقه في الأيد والقوة، وإما فكاك من يده ~~لنفسه؛ إذ من هو مثله لايغني، وأحرى من هو دونه - استوفى الخطاب جميع # PageV01P210 # الوجوه الثلاثة ليسد على ذي النفس المستمسك بنفاسته جميع الوجوه الثلاثة ~~من الشفاعة والفدية والنصرة - انتهى. # وقال الحرالي: ولما استوفى خطاب النداء لهم وجهي التذكير بأصل فضيلة ~~النفس الباطنة بالوفاء، وغرض النفس الظاهر في النعمة والرئاسة، جاء ما بعد ~~ذلك من تفاصيل النعم عطفا من غير تجديد نداء إلى منتهى خاتمة الخطاب معهم، ~~حيث ثنى لهم الخطاب الأدنى بالتذكير بالنعمة ختما لمتسق خطابه بما تضمنه ~~تذكيرهم بتكرار قوله: "وإذا ### | ، وإذ" # واحدة بعد أخرى، إلى جملة منها، ولما ذكرهم بالنعمة الظاهرة، فانتبه من ~~تداركته الهداية، وتمادى من استحق العقوبة، ذكر أهل الاستحقاق بما عوقبوا ~~به بما يستلزمه معنى النجاة، وبما فسره مما أخذوا به على ذنوب تشاكل ما هم ~~عليه في معاندتهم القرآن، فحين لم ينفع فيهم التذكيران: بالعهد والنعمة، ~~هددوا بتقريرهم على مواقع ما أصيبوا به من البلاء من عدوهم لما اقترفوه من ~~ذنوبهم. {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى ~~إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا}. # فكان في تكذيبهم بالرسالة الأولى، وشكهم ما أصابهم من العقوبة من آل ~~فرعون، حتى أنقذهم الله بموسى، عليه السلام، فقال تعالى: {وإذ} أي واذكروا ~~إذ {نجيناكم} وهو من التنجية، وهي تكرار النجاة، والنجاة معناه رفع على ~~النجوة، وهو المرتفع من الأرض، الذي هو مخلص مما ينال من في الوهاد وخبت ~~الأرض ms091 من هلاك بسيل ماء ونحوه، {من آل} آل الرجل من تبدو فيهم أحواله # PageV01P211 # وأعماله وأفعاله، حتى كأنهم هو في غيبته، من معنى آل الذي هو السراب الذي ~~يظهر فيه ما بعد، ويتراءى مالم يكن يرى لولاه، {فرعون} اسم ملك مصر في ~~الجاهلية، علم جنس لملوكها، بمنزلة أسماء الأجناس في الحيوان وغيره - ~~انتهى. # {يذبحون} من التذبيح، وهو تكرار الذبح، والذبح قطع بالغ في العنق. قاله ~~الحرالي. # {ويستحيون} # قال الحرالي: من الاستحياء، وهو استبقاء الحياة. {نساءكم} من معنى ~~الاتخاذ للتأهل الملابس في معنى ما جرى منه اشتقاق الإنس والإنسان والنسوة، ~~باشتراكها في أحد الحروف الثلاثة؛ من الهمزة، أو الواو، أو الياء، مع ~~اجتماعها في النون والسين - انتهى. # {بلاء من ربكم عظيم} # قال الحرالي: البلاء: الاختبار، وهو إبداء خبرة الشيء بشدة ومحنة، وفيه ~~إشعار باستحقاقهم ذلك واستصلاحهم بشدته، دون ما هو أيسر منه، وذكره بالعظم ~~لشياعه في الأجسام والأنفس والأرواح، وذكر معنى النجاة، ثم فصله تفصيلا ~~لكيفيته بعد ذلك؛ تعدادا لنعمة النجاة التي هي تلو رحمة الإنعام، التي هي ~~تلو رفعة التقدم بالعهد، فانتهى الخطاب نهايته في المعنى، يعني فلما قررهم، ~~تعالى، على ما اقترفوه، قبل موسى، عليه السلام، حين أصابهم من آل فرعون ما ~~أصابهم، استجد لهم تذكيرا بنعمة نجاة من عقوبة مقدم أعمالهم - انتهى. ### | {وإذ فرقنا} # من الفرق، وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل - قاله الحرالي. # {بكم البحر} # قال الحرالي: هو المتسع الرحب البراح مما هو ظاهر كالماء، # PageV01P212 # ومما هو باطن كالعلم الذي منه الحبر، تشاركا بحروف الاشتقاق في المعنى. ~~{فأنجيناكم} من الإنجاء، وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى نجوة الفوز - ~~انتهى. # قال الحرالي: وجعل البحر مفروقا بهم كأنهم سبب فرقه، فكأن نجاتهم هي ~~السبب، وضرب موسى، عليه السلام، بالعصاة هي الأمارة والعلامة التي انفلق ~~البحر عندها بسببهم، وجعل النجاة من بلاد فرعون تنجية لما كان على تدريج، ~~وجعل النجاة من البحر إنجاء لما كان وحيا في سرعة وقت - انتهى. # قال الحرالي: {وأغرقنا} من الغرق، وهو البلاغ في الشيء إلى ms092 غايته بحسبه، ~~فإن كان في الهلاك فهو غاية، وظهر معناه في الماء والبحر لبعد قعره، وهو في ~~الماء بمنزلة الخسف في الأرض؛ والنظر: التحديق للصورة من غير تحقق ولا بصر ~~- انتهى. # {وأنتم تنظرون} # قال الحرالي: وقررهم على نظرهم إليهم، وفيه إشعار بفقد بصرهم لضعف ~~بصائرهم، من حيث لم يقل: {وأنتم تبصرون} ولذلك عادوا بعدها إلى أمثال ما ~~كانوا فيه من الشك والإباء على أنبيائهم بعد ذلك - انتهى. # وقال الحرالي: لما ذكرهم، تعالى، بأمر الوفاء بالعهد الذي هو خاتمة ~~أمرهم، وبالتفضيل الذي كان بادية أمرهم، نظم ذلك بالأمر المتوسط بين ~~الطرفين، الذي أعلاه مواعدة موسى، عليه السلام، ربه الذي النعمة عليه نعمة ~~عليهم، فقال ### | : {وإذ واعدنا} # من الوعد، وهو الترجية بالخير. {وواعدنا} من المواعدة، وهي التقديم في ~~اللقاء والاجتماع والمفاوضة ونحوه. {موسى} كلمة معربة من لفظ العبراني بما ~~تفسيره - فيما يقال - ماء وشجر، سمي به لما أودع فيه من التابوت المقذوف # PageV01P213 # في اليم. {أربعين ليلة} هي كمال وقت الليل، والليل وقت انطماس المدركات ~~الظاهرة - انتهى. # قال الحرالي: وفيه إشعار بأن المناجاة إنما يتهيأ لها لميقات حبس النفس ~~عما به قوامها، وكمال ذلك إنما هو الصوم، وكمال العدد الذي هو طور مصير من ~~حال إلى حال، وهو الأربعون، وذكر الميقات بالليالي يشعر أن مناجاته صباح من ~~ظلمة الكون، في حال خصوص الخلقة، من حيث إن الظلمة آية على فوت مرام نور ~~الحق، والنهار آية على ظهور نور الحق، وأول باد بدأ من الحق للخلق كلامه ~~لمصطفى من خلقه بغير واسطة، وهو بعد في دنياه، وفي أرضه التي كانت سجنا، ~~فلما جاءها الحق لعبد من عبيده مناجيا له، كما ياتيها يوم الجزاء بعد ~~البعث، صارت موطن رحمة وهدى ونرر، وهو مجيئ الله، سبحانه، من سيناء المذكور ~~في الكتاب الأول - انتهى. # {ثم اتخذتم} # قال الحرالي: من الاتخاذ، وهو افتعال مما منه المواخذة، كأنه الوخذ، وهو ~~تصيير في المعنى نحو الأخذ في الحس، وفيه تكلف. {العجل} وذكر في هذا ~~التقرير أصل المواعدة، وذكر الميقات، وتجاوز ms093 الخطاب ما بعد ذلك من مهل، ~~حسبما تفهمه كلمة "ثم". فاقتضى إفهام ذلك ما نالوه من الخير، ثم تعقبوا ذلك ~~بالتزام عادتهم في معاودة ما اعتادوه من أعمالهم إلى أدنى عمل من لا عقل ~~له، ولا بقية نظر له، من اتخاذ جسد عجل إلها، بعد معرفة آثار الإلهية على ~~الغيب، ففيه تعجيب من أن موسى، عليه السلام، إنما واعده الله بالمناجاة بعد ~~ميقات أربعين صوما ونسكا وتحنتا # PageV01P214 # وانقطاعا إلى ربه، ثم يرونهم أنهم شهدوا الإله مصورا محسوسا، على أن موسى ~~الذي ناجاه ربه منع الرؤية، فكيف بهم؟! وذلك هو ظلمهم، فوضعوا الإله محل ~~الشيء المحسوس، وهو، تعالى، قد تعالى عن أن يراه صفيه الذي ناجاه في دنياه، ~~وإنما ناجاه بعد ميقاته، وهم يهمون في تأله مرئي من غير مواعدة ولا اختصاص! ~~وفي قوله تعالى: {من بعده} أي من بعد إتيانه لميعادنا إضمار لذكر موسى، ~~عليه السلام، تقريرا لما كان ينبغي أن يكونوا عليه من الارتقاب لما يأتيهم ~~به موسى من فوائد المناجاة، كما يكون من تعلق قلبه بمن هو قدوته، والبعد ~~بعد عن حد يتخذ مبدأ، ليكون سابقه قبل، ولا حقه بعد - انتهى. ### | {ثم عفونا} # وقال الحرالي: ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من العقوبة على اتخاذهم إلى ذكر ~~العفو تقريرا على تكرر تلافيهم حالا بعد حال، وقتا بعد وقت، كلما أحدثوا ~~خطيئة تداركهم منه عفو، وخصه باسم العفو لما ذكر ذنوبهم، لأن المغفور له لا ~~يذكر ذنبه، فإن العفو رفع العقوبة دون رفع ذكرها، والغفر إماتة ذكر الذنب ~~مع رفع العقوبة. - انتهى. # وفي قوله تعالى: {من بعد ذلك} أي الذنب العظيم، إشعار بما أصابهم من ~~العقوبة، # PageV01P215 # وخطاب لبقية المعفو عنهم، لينتهي الأمر فيهم إلى غاية يترجى معها لبقيتهم ~~الشكر. قاله الحرالي. # {لعلكم تشكرون} # قال الحرالي: وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر، يقال: دابة شكور، إذا ~~أنجح مأكلها بظهور سمنها، وفيه إشعار بأن منهم من يشكر، وفيهم من يتمادى، ~~بما في ترجي كلمة {لعل} من الإبهام المشعر بالقسمين، والمهيئ لإمكان ظهور ms094 ~~الفريقين، حتى يظهر ذلك لميقاته، لأن كل ما كان في حق الخلق ترددا، فهو من ~~الله، سبحانه، إبهام لمعلومه فيهم، على ذلك تجري كلمة لعل وعسى ونحوها - ~~انتهى. # وقال الحرالي: لما ذكر، تعالى، أمر موسى، عليه السلام، وهو خاص أمرهم، ~~فصل لهم أمر ما جاء به موسى وما كان منهم فيما جاء به - انتهى. ### | {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} # قال الحرالي: فقررهم على أمرين: من الكتاب الذي فيه أحكام الأعمال، ~~والفرقان الذي فيه أمر العلم، وهما ملاك حال إقامة الدين بالعلم والعمل. ~~"والفرقان": فعلان لفظ مبالغة، يفهم استغراقا وامتلاء وعظما فيما استعمل ~~فيه، وهو في هذا اللفظ من الفرق، وهو إظهار ما ألبسته الحكمة الظاهرة ~~للأعين بالتبيان لفرقان لبسه بما تسمعه الأذن، وجاء فيه بكلمة "لعل" إشعارا ~~بالإبهام في أمرهم، وتفرقتهم بين مثبت لحكم الكتاب # PageV01P216 # عامل به، عالم بطية الفرقان خبير به، وبين تارك لحكم الكتاب، غافل عن علم ~~الفرقان - انتهى. ### | {وإذ قال موسى} # قال الحرالي: لما تكمل إقبال الخطاب عليهم مرات؛ بما تقدم من ندائهم ~~والعطف على ما في صلته، صرف الحق وجه الخطاب عنهم إلى ذكر خطاب نبيه، - صلى ~~الله عليه وسلم -، لهم، فإن الله يخاطب العباد بإسقاط الواسطة بينه وبينهم، ~~ترفيعا لأقدارهم لديه، فيرفع من شاء فيجيبه بما شاء، ويوقف من شاء، فيجعل ~~بينه وبينه في الخطاب واسطة من نبيه، فلما قررهم بما مضى من التذكير على ما ~~واجههم به الحق، تعالى، ذكر في هذه الآية تقريرهم على ما خاطبهم به نبيهم، ~~حين أعرض الحق عن خطابهم بما أصابوه من قبيح خطيئتهم - انتهى. # {لقومه} والقوم، # قال الحرالي: اسم من لهم منة في القيام بما هم مذكورون به، ولذلك يقابل ~~بلفظ النساء، لضعفهن فيما يحاولنه، وفيه تخويف لهذه الأمة أن يصيبهم مثل ما ~~أصابهم في خطاب ربهم، فيعرض عنهم - انتهى. # {باتخاذكم العجل} هذا هو أسوأ الظلم، فإن المرء لا يصلح أن يتذلل ويتعبد ~~لمثله، فكيف لمن دونه من حيوان، فكيف بما يشبه الحيوان من جماد الذهب، الذي ~~هو ms095 من المعادن، وهو أخفض المواليد رتبة، حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق ~~الأرض، كالنبات من النجم والشجر، ولما فيه من الانتفاع بما يكون # PageV01P217 # من الحب والثمر الذي ينتفع به غذاء ودواء، والمعادن لا ينتفع بها إلا ~~آلات ونقودا، منفعتها إخراجها لا إثباتها - قاله الحرالي. # {فتوبوا إلى بارئكم} # وقال الحرالي: البارئ: اسم قائم بمعنى البرء، وهو إصلاح المواد للتصوير، ~~كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفا وقميصا، وكالذي يطحن القمح، ويعجن ~~الطين ليجعله خبزا وفخارا ونحو ذلك، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ ~~لصورته انتهى. # {فاقتلوا أنفسكم} # قال الحرالي: والقتل قصل الحيوان قبل انتهاء قوته، بمنزله قصل الزرع قبل ~~استحصاده - انتهى. # {ذلكم خير لكم} والخير. # قال الحرالي: ما يصلح في الاختيار من محسوس الأشياء، وما هو الأصلح وما ~~هو الأخير، وربما استعملت منه خير محذوفة، فيقال: هو خير في نفسه، أي مما ~~يختار، ويقال: هذا خير من هذا، أي أخير منه، أي أصلح في الاختيار، وكذلك ~~لفظ شر في مقابله، وهما مشعران بمتوسط من الأشياء، لا يختار لأجل زيادة ~~صلاح، ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة: "عند" كلمة تفهم اختصاص ما أضيفت إليه ~~بوجه ما عام، وأخص منه لدن، فلدن خاصتها، وعند عامتها، كالذي يملك الشيء، ~~فهو عنده، وإن لم يكن في حضرته - انتهى. # {هو التواب الرحيم} # قال الحرالي: وفي إظهار هو مفصولة من ضمير # PageV01P218 # وصلها إثبات معنى الرحمة لله ثبتا لا يتبدل ولا يتغير، إلا أنه من وراء ~~غيب ما شاء الله من أدب وامتحان وعقاب، فلذلك ختمه باسمه الرحيم، لأن الختم ~~أبدى إظهار للمعنى الأخفى من مضمون ما فيه الختم - انتهى. ### | {لن نؤمن لك} # لن: وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن، كأنها "لا أن" يسر بالتخفيف لفظها. ~~قاله الحرالي. # قال الحرالي: وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به، فتوقفوا عن الإيمان ~~له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به، فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور ~~لأجله، ومن آمن يه فقد قبل أصل رسالته. {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين}. # {حتى} كلمة ms096 تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها، مقابل معنى ~~لكن. # {نرى} من الرؤية، وهي اطلاع على باطن الشيء الذي أظهر منه مبصره، الذي ~~أظهره منه منظره، ومنه يقال في مطلع المنام: رؤيا، لأن ذوات المرئي في ~~المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة - انتهى. # {الله جهرة} # قال الحرالي: من الجهر، وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة وبلاغه لمن لا ~~يقصده، قي مقابلة السر المختص بمن يقصد به، وهذا المطلوب مما لا يليق ~~بالجهر، لتحقق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوزه القرب، من خاصة ~~من يقبل عليه النداء، من خاصة من يقع عنه الإعراض، فكيف أن يطلب ذلك جهرا، ~~حتى يصله من هو في محل البعد والطرد! وفيه شهادة بتبلدهم عن # PageV01P219 # موقع الرؤية، فإن موسى، عليه السلام، قال: {رب أرني} وقال تعالى: {وجوه ~~يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة} وقال، عليه الصلاة والسلام: "إنكم ترون ~~ربكم" فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب، لما في اسم {الله}، ~~تعالى، من الغيب الذي لا يذكر لأجله إلا مع ما هو فوت، لا مع ما هو في ~~المعنى نيل. وذلك لسر من أسرار العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى، فيما ~~يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به ~~خطاب القرآن، حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به، وإن كانت ~~الأسماء كلها ترجع معاني بعضها لبعض. # {فأخذتكم} من الأخذ، وهو تناول الشيء بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى. # {ثم بعثناكم} # قال الحرالي: من البعث، وهو الاستثارة من غيب وخفاء؛ أشده البعث من ~~القبور، ودونه البعث من النوم. # قال: وتجاوز الخطاب ما كان من سبب بعثهم، وكذلك كل موضع يقع فيه "ثم"، ~~ففيه خطاب متجاوز مديد الأمد، كثير رتب العدد، مفهوم لمن استوفى # PageV01P220 # مقاصد ما وقعت كلمة "ثم" بينه في الكلامين المتعاطفين؛ ففي معنى التجاوز ~~من الخطاب سؤال موسى، عليه السلام، ربه في بعثهم، حتى لا يكون ذلك فتنة على ~~سائرهم ms097 - انتهى. # {لعلكم تشكرون} # وقال الحرالي: وفي "لعل" إبهام معلومه فيهم بأن منهم من يشكر، ومنهم من ~~لا يشكر - انتهى. # قال الحرالي: وفيه، أي هذا الخطاب، آية على البعث الآخر الذي وعد به جنس ~~بني آدم كلهم؛ فجأة صعق وسرعة بعث، فإن ما صح لأحدهم ولطائفة منهم أمكن ~~عمومه في كافتهم - انتهى. # وقال الحرالي: وعطف، تعالى، على ذكر البعث ذكر حال من مثل أحوال أهل ~~الجنة الذي ينالونه بعد البعث، فكأن عامتهم الذين لم يموتوا إنما شركوا ~~هؤلاء المبعوثين، لكونهم كأنهم ماتوا بموتهم، وبعثوا ببعثهم، فذكر ظل ~~الغمام، وهر من أمر مابعد البعث، والإرزاق بغير كلفة، وهو من حال ما بعد ~~البعث، وأفهم ذلك أمورا أخر في أحوالهم، كما يقال إن ملابسهم كانت تطول ~~معهم كلما طالوا، فكأنهم أخرجوا من أحوال أهل الدنيا بالجملة، إلى شبه ~~أحوال أهل الجنة، في محل تيههم ومستحق منال العقوبة لهم، كل ذلك إنعاما ~~عليهم، ثم لم يزيدوا مع ذلك إلا بعدا عن التبصرة في كل ما أبدى لهم من ~~العجائب: "حدث عن بني إسرائيل ولا حرج فقال: {وظللنا} من الظلمة وهي وقاية ~~مما ينزل من سماء # PageV01P221 # الموفي. {عليكم الغمام} من الغم، وهو ما يغم النور أي يغطيه - انتهى. ### | {وأنزلنا عليكم المن} # قال الحرالي: هو ما جاء بغير كلفة؛ الكمأة من المن. {والسلوى} # قال الحرالي: والسلوى اسم صنف من الطير، يقال هو السماني أو غيره - ~~انتهى. # {كلوا من طيبات} # قال الحرالي: والطيب ما خلص من منازع يشارك فيه وطيبه من سوى الأكل له، ~~أي لم ينازعه وليس فيه حق لغيره، ومنه الطيب في المذاق، وهو الذي لا ينازعه ~~تكره في طعمه؛ وهذا زاد على ذلك بكونه لم يكن عن عمل حرث ولا معاملة مع خلق ~~- انتهى. # وقال الحرالي: ثم أعرض بالخطاب عنهم، وأقبل به على محمد، - صلى الله عليه ~~وسلم -، ومن معه - انتهى. # {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}. # قال الحرالي: وفيه إشعار بتحذير هؤلاء أن يروا نحوا مما رأوا، فينالهم ~~نحو مما نالوه، لأن قصص ms098 القرآن ليس مقصوده مقصورا على ذكر الأولين فقط، بل ~~كل قصة منه إنما ذكرت لما يلحق هذه الأمة في أمد يومها من شبه أحوال من قص ~~عليهم قصصه انتهى. # وقال الحرالي: لما ذكر، تعالى، عظيم فضله عليهم في حال استحقاق عقوبتهم ~~في تظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وهو مبتدأ أمر تيههم، حين أبوا أن ~~يقاتلوا الجبارين - نظم به آخر أمر تيههم بعد وفاة موسى وهارون، عليهما ~~السلام، حين دخولهم مع يوشع، عليه السلام، وما أمروا به من دخول البلد ~~المقدس، متذللين بالسجود الذي هو أخص رتب العبادة، وكمال عمل العامل، ودنو ~~من الحق - انتهى. # PageV01P222 ### | {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} # قال الحرالي: الدخول الولوج في الشيء بالكلية حسا بالجسم، ومعنى بالنظر ~~والرأي، والقرية من القرى، وهو الجمع للمصالح التي بها يحصل قوام الدنيا ~~لقرى أهل الدنيا، والتي تجمع مصالح أهل الآخرة، لقرى أهل الآخرة، قال، عليه ~~السلام: "أمرت بقرية تأكل القرى" باستيطانها، كأنها تستقري القرى تجمعها ~~إليها، وقد تناوبت الياء والهمزة، والواو مع القاف والراء على عام هذا ~~المعنى - انتهى. # {فكلوا منها حيث شئتم رغدا} # قال الحرالي: وفيه أي هذا الخطاب تثنية في ذكر الأرض، لما تقدم من نحوه ~~لآدم في السماء، فكان تبديلهم لذلك عن فسق لا عن نسيان، كما كان أمر آدم، ~~عليه السلام، فكأنهم اقتطعوا عن سنته إلى حال الشيطان الذي {كان من الجن ~~ففسق عن أمر ربه} فتحقق ظلمهم حين لم يشبهوا آباءهم وأشبهوا عدو أبيهم ~~وعدوهم - انتهى. # {وادخلوا الباب سجدا} وهو كما # قال الحرالي: أول مستفتح الأشياء والأمور المستغلقة حسا أو معنى. # {وقولوا حطة} # قال الحرالي: من الحط، وهو وضع الحمل الثقيل بمنة وجمام قوة يكون في ~~الجسم، والمعنى: أمروا بقول ما يحط عنهم ذنوبهم التي عوقتهم من رسول الله، ~~- صلى الله عليه وسلم -، مع من معه من المهاجرين والأنصار بشعب من الشعاب، ~~مترددا بين الحرمين الشريفين - يعني في عمرة الحديبية - فقال: قولوا: لا ~~إله إلا الله - وعند ذلك دخول الشعب الذي هو باب المدخل من ms099 نجد الأرض إلى ~~سهلها - فقالوها، # PageV01P223 # فقال: والذي نفسي بيده، إنها للحظة التي عرضت على بني إسرائيل أن يقولوها ~~فبدلوها - انتهى. # {يغفر} والغفر، # قال الحرالي: ستر الذنب أن يظهر منه أثر على المذنب، لا عقوبة ولا ذكر، ~~ثم قال: ففي قراءة {نغفر} قول من الحق ومن هو من حزبه من الملائكة والرسل، ~~وفي قراءة: {تغفر} إبلاغ أمر خطابهم بما يفهمه التأنيث من نزول القدر، وفي ~~قراءة الياء توسط بين طرفي ما يفهمه علو قراءة النون، ونزول قراءة التاء، ~~ففي ذلك بجملته إشعار بأن خطاياهم كانت في كل رتبة مما يرجع إلى عبادة ربهم ~~وأحوال أنفسهم ومعاملتهم مع غيرهم من أنبيائهم وأمثالهم، حتى جمعت خطاياهم ~~جميع جهات الخطايا الثلاث، فكأنهم ثلاثة أصناف: صنف بدلوا، وصنف اقتصدوا، ~~وصنف أحسنوا، فيزيدهم الله مالا يسعه القول: و {هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان}. انتهى. # {خطاياكم} والخطايا جمع خطيئة، من الخطأ، وهو الزلل عن الحد عن غير تعمد، ~~بل مع عزم الإصابة، أو ود أن لا يخطىء - هكذا # قال الحرالي. # {وسنزيد المحسنين} # قال الحرالي: جمع محسن، من الإحسان وهو البلوغ إلى الغاية في حسن العمل، ~~فيكون مع الخلق رؤية المرء نفسه في غيره، فيوصل له من البر ما يجب أن يفعل ~~معه، ورؤية العبد ربه في عبادته، فالإحسان فيما بين العبد وربه أن يغيب عن ~~نفسه، ويرى ربه، والإحسان فيما بين العبد وغيره أن يغيب عن # PageV01P224 # غيره ويري نفسه، فمن رأى نفسه في حاجة الغير، ولم ير نفسه في عبادة الرب ~~فهو محسن، وذلك بلوغ في الطرفين إلى غاية الحسن في العمل بمنزلة الحسن في ~~الصورة - انتهى. # قال الحرالي: أمروا بالإخلاص لله نظرا إلى حياة قلوبهم، فطلبوا الحنطة، ~~نظرا إلى حياة جسومهم، فقال تعالى ### | : {فبدل} # من التبديل، وهو تعويض شيء مكان شيء - انتهى. # {غير الذي قيل لهم} فإن غيرا، كما # قال الحرالي، كلمة تفهم انتفاء وإثبات ضد ما انتفى. وقال: ذكر، تعالى، ~~عدولهم عن كل ذلك، واشتغالهم ببطونهم وعاجل دنياهم، فطلبوا طعام بطونهم ~~التي قد فرغ منها ms100 التقدير، وأظهر لهم الغناء عنها في حال التيه بإنزال المن ~~والسلوى؛ إظهارا لبلادة طباعهم، وغلبة حب العائلة عليهم، فبدلوا كلمة ~~التوحيد، وهي: {لا إله إلا الله} وهي الحطة بطلب الحنطة، {ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} ~~{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}. "من ~~شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما" أعطي السائلين" - انتهى. # PageV01P225 # {رجزا} # قال الحرالي: هو أشد العذاب، وما جره أيضا يسمى رجزا مما يجب أن يزجر ~~عنه، والزجر كف البهائم عن عدواها - انتهى. # {بما كانوا يفسقون} # قال الحرالي: فبحق يجب على من دخل من باب جبل أو قرية أن يقول في وصيدها: ~~{لا إله إلا الله} ليحط عنه ماضي ذنوبه، فكأن ذكر الله في باب المدينة ~~والشعب ذكاة لذلك المدخل، فمن لم يدخله مذكيا دخله فاسقا. {ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} فلذلك ما انختم ذكرهم في الآية بالفسق ~~انتهى. ### | {وإذ استسقى} # قال الحرالي: والسقيا فعلى صيغة مبالغة، فيما يحصل به الري من السقي، ~~والسقي إحياء موات شأنه أن يطلب الإحياء حالا أو مقالا، قال، - صلى الله ~~عليه وسلم -: "اللهم اسق عبادك"! ثم قال: "وأحي بلدك الميت" - انتهى. # {فقلنا اضرب} # قال الحرالي: من الضرب، وهو وضع الشيء على الشيء بقوة، {بعصاك} والعصا ~~كأنها ما يكف به العاصي، وهو من ذوات الواو، والواو فيه إشعار بعلو، كأنها ~~آلة تعلو من قارف ما تشعر فيه الياء بنزول عمله بالمعصية، كأن العصو أدب ~~العاصي، يقال عصا يعصو أي ضرب بالعصا؛ اشتقاق ثان، وعصى يعصي إذا خالف ~~الأمر - انتهى. # PageV01P226 # {فانفجرت} # قال الحرالي: الانفجار انبعاث وحي من شيء موعي، أو كأنه موعى انشق وانفلق ~~عنه وعاؤه، ومنه الفجر وانشقاق الليل عنه - انتهى. # {اثنتا عشرة عينا} والعين، # قال الحرالي: هو باد نام قيم يبدو فيه غيره فما أجزأ من الماء في ري أو ~~زرع فهو عين، وما مطر من السماء فأغنى فهو عين، يقال ms101 إن العين مطر أيام ~~لايقلع، وإنما هو مطر يغني وينجع، وما تبدو به الموزونات عين، وما تبدو به ~~المرئيات من الشمس عين، وما تنال به الأعيان من الحواس عين، والركية، وهي ~~بئر السقيا، عين، وهي التي يصحفها بعضهم فيقول "الركبة" بالباء يعني ~~الموحدة - وإنما هي الركية - بالياء المشددة - كذا قال. # {قد علم كل أناس} # قال الحرالي: وهو اسم جمع من الأنس - بالضم - كالناس اسم جمع من النوس، ~~قال: فلم يسمهم باسم من أسماء الدين، لأن الأسماء تجري على حسب الغالب على ~~المسمين بها، من أحوال تدين أو حال طبع أو تطبع، {مشربهم} مكتفاهم من الشرب ~~المردد مع الأيام ومع الحاجات في كل وقت بما يفهمه المفعل، اسم مصدر ثان ~~مشتق من مطلق الشرب، أو اسم محل يلزمه التكرار عليه والتردد، فجعل، سبحانه، ~~سقياهم آية من آياته في عصاه، كما كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر، فكان ~~فيها نقمة ورحمة، وظهر بذلك كمال تمليكه تعالى لمحمد، - صلى الله عليه وسلم ~~-، حين كان ينبع من بين أصابعه الماء غنيا في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر، ~~وتمليك الماء من أعظم التمكين، لأنه تمكين فيما هو بزر كل شيء، ومنه كل حي، ~~وفيه كل مجعول ومصور - انتهى. # {كلوا واشربوا من رزق الله} # قال الحرالي: لما لم يكن في مأكلهم ومشربهم جري العادة حكمته في الأرض، ~~فكان من غيب، فأضيف ذكره لاسم الله الذي # PageV01P227 # هو غيب. {ولا تعثوا} من العثو، وهو أشد الفساد، وكذلك العثي، إلا أنه ~~يشعر هذا التقابل بين الواو والياء، أن العثو إفساد أهل القوة بالسطوة، ~~والعثى إفساد أهل المكر بالحيلة - انتهى. # قال الحرالي: وفيه إشعار بوقوع ذلك منهم، لأن في كل نهى إشعارا بمخالفته، ~~إلا ما شاء الله، وفي كل أمر إشعارا بموافقته إلا ما شاء الله، لأن ما جبل ~~عليه المرء لا يؤمر به؛ لاكتفاء إجباره فيه طبعا عن أمره، وما منع منه ~~لاينهى عنه، لاكتفاء إجباره عن أمره، وإنما مجرى الأمر والنهي توطئة لإظهار ~~الكيان في التفرقة ms102 بين مطيع وعاص، فكان منهم لذلك من العثي ما أوجب ما أخبر ~~به الحق عنهم من الهوان، وأشد الإفساد إفساد بنيان الحق الذي خلقه بيده، ~~وهي مباني أجساد بني آدم، فكيف بالمؤمنين منهم؟! فكيف بالأنبياء منهم؟! ~~انتهى. ### | {لن نصبر على طعام واحد} # قال الحرالي: الطعام ما يقوت المتطعم، ويصير جزاء منه {فلينظر الإنسان ~~إلى طعامه} الآية - انتهى. # {فادع لنا} # قال الحرالي: من الدعاء، وهو نداء لاقتضاء غلبة لما تدعو الحاجة إليه من ~~القائم على الداعي بتذلل وافتقار، وهو في مقابلة الأمر من الأعلى، لأنه ~~اقتضاء لما لا تدعو إليه الحاجة من الآمر، لأن الآمر بالحقيقة إنما هو ~~الغني لا المفتقر لما يقتضيه - انتهى. # {مما تنبت الأرض} من الإنبات، وهو التغذية والتنمية. قاله الحرالي. # {من بقلها} # قال الحرالي: البقل ما يكثر به الأدم، والأدم الأشياء الدسمة، فما يصلح ~~معها من نجم الأرض فهو بقل - انتهى. # PageV01P228 # {وقثائها وفومها} # وقال الحرالي: يقال هو الحب الذي يخبر - انتهى. # {اهبطوا مصرا} # قال الحرالي: المصر هو البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدنيا، ~~الذي يجمع هذه المطالب التى طلبوها، لأن ما دون الأمصار لا يكون فيها إلا ~~بعضها، ومنه سميت مصر، لجماع أمر ما في الدنيا فيها، وغرابة سقياها، وإن ~~وافق ذلك ما يقال: إنها سميت مصر باسم رجل، فالوفاق في حكمة الله، لأن كل ~~دقيق وجليل فيها جار بعلم الله وحكمته، حيث كانت من وراء حجاب يخفيها، أو ~~ظاهرة بادية لأهل النظر والاستبصار - انتهى. # {فإن لكم ما سألتم} والسؤال # قال الحرالي: طلب ما تدعو إليه الحاجة، وتقع به الكفاية، قال: وذكر ~~تعالى: أن مطلبهم إنما يجدونه في الأمصار التي أقر فيها حكمته، لا في ~~المفاوز التى تظهر فيها كلمته، ولذلك كثيرا ما تنخرق العادة لأولياء هذه ~~الأمة في المفاوز، وقل ما تنخرق في الأمصار، والقرى، لما في هذه الآية ~~مضمونه، ولذلك حرص السالكون على السياحة والانقطاع عن العمائر، لما يجدون ~~في ذلك من روح رزق الله عن كلمته، دون كلفة حكمته. # ولما نظم سبحانه ms103 بنبأ موسى، عليه السلام، ما كان من نبأهم مع يوشع، عليه ~~السلام، بعده نظم في هذه الآية بخطاب موسى، عليه السلام، ما كان منهم بعد ~~يوشع، عليه السلام، إلى آخر اختلال أمرهم، وانقلاب أحوالهم، من حسن ~~المظاهرة لنبيهم، إلى حال الاعتداء والقتل لأنبيائهم، عليهم السلام، وفي ~~جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم إلا لأجل إيثار الدنيا، [و] رئاستها ~~ومالها، على الآخرة؛ إيثارا للعاجلة على الآجلة، وفي طيه أشد التحذير لهذه ~~الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب # PageV01P229 # في مثل أحوالهم، ولذلك انتظم بها الآية الجامعة، وابتدأ بذكر الذين آمنوا ~~من هذه الأمة، ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفا إن شاء الله ~~تعالى - انتهى. # {وضربت عليهم الذلة} # قال الحرالي: وفي عطفه إفهام لمجاوزة أنباء عديدة، غايتها في الظهور ما ~~عطف عليها، كأن الخطاب يفهم: فأنزلناهم حيث أنزلوا أنفسهم، ومنعناهم ما لا ~~يليق عن حاله مثل حالهم، فظهر منهم وجوه من الفساد، فسلط عليهم العدو ~~فاستأصل منهم ما شاء الله، ومن بقي منهم أخذوا بأنواع من الهوان - انتهى. # {والمسكنة} # قال الحرالي: وهي ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة؛ ~~سكونا وانكعاف حراك - انتهى. # {وباءوا بغضب} # قال الحرالي: معناه إجماع القاهر على الانتقام في حق مراغمة - انتهى. # {من الله} # قال الحرالي: وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدنيا منهم، من مثل ~~أحوالهم باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام، والمتشابه بالأعلى من الطيب ~~والأطيب المأخوذ عفوا واقتناعا - انتهى. # وقال الحرالي: ولما كان الغضب إنما يكون على من راغم الجليل في معصيته، ~~ووقعت منه المراغمة في معصيتهم واعتدائهم - ذكر فعلهم - انتهى. # {يكفرون بآيات الله} # قال الحرالي: والكفر بالآيات أبعد الرتب من الإيمان، لأنه أدنى من الكفر ~~بالله، لأن الكفر بالله كفر بغيب، والكفر بآيات الله كفر بشهادة، {والذين ~~كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة} - انتهى. # PageV01P230 # {ويقتلون النبيين} # قال الحرالي: وهذا جمع نبىء، وهو من النبأ، وهو الإخبار عن غيب عجز عنه ~~المخبر به، من حيث أخبر - انتهى. # {بما ms104 عصوا} # قال الحرالي: وهو مخالفة الأمر - انتهى. # {وكانوا يعتدون} # قال الحرالي: وهو أي الاعتداء تكلف العداء، والعداء مجاوزة الحد فيما ~~يفسح فيه إلى حد لاعذر لمجاوره، من حيث فسح له سعة ما فسح، وحد له ما حد - ~~انتهى. # وقال الحرالي: لما أنهى الحق، تعالى، نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته؛ مما ~~بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول، إلى أدنى الغضب عليهم بهذا النبأ الآخر ~~عنهم إعراضا، في مقابلة ذلك الإقبال الأول، وكانوا هم أول أهل كتاب - أشعر، ~~تعالى، بهذا الختم أن جميع من بعدهم يكون لهم تبعا، لنحو مما أصابهم من ~~جميع أهل الملل الأربعة - انتهى. ### | {والذين هادوا} # قال الحرالي: وهو من الهود، وهو رجوع بالباطن وثبات فيه - انتهى. # {والنصارى} # قال الحرالي: جمع نصران، فإن كان من النصرة فهو فعلان - انتهى. # {والصابئين} # قال الحرالي: بالهمز من: صبأ يصبأ صبأ، وبغير همز من: صبا يصبو صبوا، ~~تعاقبت الهمزة والياء مع الصاد والباء لعام معنى، هو عود إلى حال صغر بعد ~~كبر - انتهى. # {وعمل صالحا} # قال الحرالي: وهو العمل المراعى من الخلل، وأصله الإخلاص # PageV01P231 # في النية، وبلوغ الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وإحكامه، وقال: ~~والعمل ما دبر بالعلم - انتهى. ### | {وإذ أخذنا ميثاقكم} # من الوثيقة، وهي تثنية العهد تأكيدا كإثباته بالكتاب - قاله الحرالي. # {بقوة} والقوة باطن القدرة من القوى، وهي طاقات الحبل التي يمتن بها ~~ويؤمن انقطاعه. قاله الحرالي. # {ثم توليتم} وهو هنا الإعراض المتكلف، بما يفهمه التفعل - قاله الحرالي. # {وما خلفها} والخلف ما يخلفه المتوجه في توجهه، فينطمس عن حواس إقباله ~~شهوده - قاله الحرالي. # {قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} والعوذ اللجاء من متخوف لكاف ~~يكفيه، والجهل التقدم في الأمور المنبهمة بغير علم. قاله الحرالي. # {يبين} من التبيين، وهو اقتطاع الشيء والمعنى مما يلابسه ويداخله. قاله ~~الحرالي. # {ما لونها} واللون تكيف ظاهر الأشياء في العين. قاله الحرالي. # {فاقع لونها} # قال الحرالي: نعت تخليص للون الأصفر بمنزلة قانيء في الأحمر. # {لا ذلول} من الذل، وهو حسن الانقياد. قاله الحرالي. # PageV01P232 ### | {تثير الأرض} # قال الحرالي: ms105 وهي إظهار الشيء من الثري، كأنها تخرج الثرى من محتوى ~~اليبس، ولما كان الذل وصفا لازما عبر في وصفها بانتفائه بالاسم المبالغ ~~فيه. # {فذبحوها وما كادوا يفعلون}، وقال الإمام أبو الحسن الحرالي: وفي ذلك ~~تشام بين أحوالهم في اتخاذهم العجل، وفي طلبهم ذلك، وفي كل ذلك مناسبة بين ~~طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكد وعمل الأرض التي معها التعب والذل، ~~والتصرف فيما هو من الدنيا توغلا فيها، وفيه نسمة مطلبهم ما تنبت الأرض ~~الذي هو أثر الحرث، يعني الذي أبدلوا الحطة به، وهو حبة في شعرة، فكأنهم ~~بذلك أرضيون ترابيون، لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية، ~~فإن جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان. {جعل لكم ~~من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا} - انتهى. # وقال الحرالي: قدم نبأ قول موسى، عليه السلام، على ذكر تدارؤهم في ~~القتيل، ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع، الذي هو القائم على أفعال ~~الاعتداء، وأقوال الخصومة - انتهى. ### | {كالحجارة أو أشد قسوة} " # أو" # قال الحرالي: هي كلمة تدل على بهم الأمر وخفيته، فيقع الإبهام والإيهام - ~~انتهى. # {وإن منها لما يشقق} والتفعل من التشقق، وهو تفعل صيغة التكلف من الشق، ~~وهو مصير الشيء في الشقين، أي ناحيتين متقابلتين. قاله الحرالي. # PageV01P233 # {من خشية الله} # قال الحرالي: والحشية: وجل نفس العالم مما يستعظمه. ### | {فريق منهم} # قال الحرالي: من الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن يتصل به ويكون ~~معه - انتهى. # {يسمعون كلام الله} والكلام: # قال الحرالي: هو إظهار ما في الباطن على الظاهر، لمن يشهد ذلك الظاهر بكل ~~نحو من أنحاء الإظهار - انتهى. # {بما فتح الله} والفتح: # قال الحرالي: توسعة الضيق حسا ومعنى. # {إلا أماني} وهي تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل، ويقال: إن معناه ~~يجري في التلاوة للفظ كأنها تقدير بالإضافة لمن يتحقق له المعنى. قاله ~~الحرالي. # {فويل} والويل جماع الشر كله. قاله الحرالي. # {مما يكسبون} # قال الحرالي: والكسب ما يجري من الفعل والقول والعمل والآثار، على إحساس ~~بمنة فيه وقوة عليه ms106 - انتهى. ### | {إلا أياما معدودة} # قال الحرالي: والعد اعتبار الكثرة بعضها ببعض، واقتصر على الوصف بالمفرد ~~لكفايته في هذا المعنى، بخلاف ما في آل عمران. # {بلى} فإن بلى كلمة تدل على تقرير يفهم من إضراب عن نفي، كأنها بل، وصلت ~~بها الألف إثباتا لما أضرب عن نفيه - قاله الحرالي. # [انتهت نصوص تفسير الحرالي المستخرجة من الجزء الأول من تفسير البقاعي] # "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" # من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية بالهند، 1 4 3 # ط 1 - 1391 ه - 1971 م # PageV01P234 # نصوص تفسير الحرالي المفقود # المستخرجة من الجزء الثاني من تفسير البقاعي # "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" # PageV01P235 # بداية نصوص تفسير الحرالي # المستخرجة من الجزء الأول من تفسير البقاعي # 6"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" # * * * ### | {وبالوالدين إحسانا} # قال الحرالي: تثنية والد، من الولادة، لاستبقاء ما يتوقع ذهابه بظهور ~~صورة منه تخلف صورة نوعه - انتهى. # {وذي القربى واليتامى} # قال الحرالي: واليتم فقد الأب حين الحاجة، ولذلك أثبته مثبت في الذكر إلى ~~البلوغ، وفي البنت إلى الثيوبة، لبقاء حاجتها بعد البلوغ، {القربى} فعلى من ~~القرابة، وهو قرب في النسب الظاهر أو الباطن - انتهى. # {من دياركم} # قال الحرالي: وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة، استحفاظا لما ~~تحويه من أموالها - انتهى. # {ثم أقررتم} والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الحرالي. # {تظاهرون} من التظاهر وهو تكلف المظاهرة، وهي تساند القوة، كأنه استناد ~~ظهر إلى ظهر - قاله الحرالي. # PageV01P236 # {عليهم بالإثم} والإثم الخمر، لما يقع بها من العداوة والعدوى. قاله ~~الحرالي. # {تفادوهم} من المفاداة وهي الاستواء في العوضين. قاله الحرالي. # {وهو محرم} من التحريم، وهو تكرار الحرمة بالكسر، وهي المنع من الشيء ~~لدنايته، والحرمة بالضم: المنع من الشيء لعلوه. قاله الحرالي. # {إلا خزي} والخزي: إظهار القبائح التي يستحي من إظهارها عقوبة - قاله ~~الحرالي. # {يردون} والرد: هو الرجوع إلى ما كان منه بدء المذهب. قاله الحرالي. # {الحياة الدنيا} والدنيا: فعلى من الدنو، وهو الأنزل رتبة، في مقابلة ~~عليا، ولأنه لزمتها العاجلة، صارت في مقابلة الأخرى اللازمة للعلو، ms107 ففي ~~الدنيا نزول قدر وتعجل، وفي الأخرى علو قدر وتأخر، فتقابلتا على ما يفهم ~~تقابلين من معنى كل منها. قاله الحرالي. # {فلا يخفف} من التخفيف وهو مصير الثقيل والمستفل إلى حال الطافي ~~المستعلي، كحال ما بين الحجر والهواء. قاله الحرالي. # {ولقد} هي لوقوع مرتقب مما كان خبرا، أو مما سيكون علما. قاله الحرالي. # PageV01P237 ### | {وقفينا} # من التقفية، وهي متابعة شيء شيئا، كأنه يتلو قفاه، وقفاء الصورة منها ~~خلفها المقابل للوجه. قاله الحرالي. # {البينات} والبينة من القول والكون مالا ينازعه منازع لوضوحه. قاله ~~الحرالي. # {وأيدناه} من التأييد، وهو من الأيد، وهو القوة، كأنه يأخذ معه بيده في ~~الشيء الذي يقويه فيه، كأخذ قوة المظاهر من الظهر، لأن الظهر موضع قوة ~~الشيء في ذاته، واليد موضع قوة تناوله لغيره. قاله الحرالي. # {بروح القدس} # قال الحرالي: والروح لمحة من لمحات أمر الله قيوميته في كلية خلقه ملكا ~~وملكوتا، فما هو قوام الخلق كله ملكا وملكوتا هو الأمر. {ألا له الخلق ~~والأمر} وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو الروح الذي هو لمحة من ذلك ~~الأمر، ولقيام عالم الملكوت، وخصوصا جملة العرش بعالم الملك، وخصوصا أمر ~~الدين الباقي، سماهم الله روحا، ومن أخصهم روح القدس، والقدس الطهارة ~~العلية التي لا يلحقها تنجس على ما تقدم، ومن أخص الروح به جبريل، عليه ~~السلام، بما له من روح الأمر الديني، وإسرافيل، عليه السلام، بما له من روح ~~النفخ الصوري - انتهى. # {بما لا تهوى أنفسكم} من الهوى، وهو نزوع النفس لسفل شهوتها، في مقابلة ~~معتلي الروح لمنبعث انبساطه، كأن النفس ثقيل الباطن بمنزلة الماء والتراب، ~~والروح خفيف الباطن بمنزلة الهواء والنار، وكأن العقل متسع الباطن، بمنزلة ~~اتساع النور في كلية الكون علوا وسفلا. قاله الحرالي. # {قلوبنا غلف} جمع أغلف، وهو المغشى الذكر بالقلفة التي هي جلدته كأن # PageV01P238 # الغلفة في طرفي المرء: ذكره وقلبه، حتى يتم الله كلمته في طرفين بالختان ~~والإيمان. قاله الحرالي. # {لعنهم الله} لأن اللعن إبعاد في المعنى والمكانة والمكان، إلى أن يصير ~~الملعون بمنزلة ms108 النعل في أسفل القامة، يلاقي به ضرر الموطي. قاله الحرالي. # {بكفرهم} # قال الحرالي: أعظم الذنوب ما تكون عقوبة الله، تعالى، عليها الإلزام ~~بذنوب أشد منها، فأعقب استكبارهم اللعن، كما كان في حق إبليس مع آدم، عليه ~~السلام، فانتظم صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجن والإنس الذي انختم ~~به القرآن في قوله: {من الجنة والناس} ليتصل طرفاه، فيكون ختما لا أول له ~~ولا آخر، والفاتحة محيطة به، لا يقال هي أوله ولا آخره. ولذلك ختم بعض ~~القراء بوصله حتى لا يتبين له طرف، كما قالت العربية، لما سئلت عن بنيها، ~~[هم]: كالحلقة المفرغة، لأبدرى أين طرفاها. # {بغيا} # قال الحرالي: هو اشتداد في طلب شيء ما - انتهى. # {ويكفرون بما وراءه} # وقال الحرالي: وراء مالا يناله الحس ولا العلم، حيث ما كان من المكان، ~~فربما اجتمع أن يكون الشيء وراء، من حيث إنه لايعلم، ويكون أماما في المكان ~~- انتهى. # {وهو الحق} # قال الحرالي: فأنهاه لغاية الحق بكلمة "ال" لأن ما ثبت # PageV01P239 # ولا زوال له لانتهائه هو "الحق"، وما ثبت وقتا ما ثم يتعقبه تكملة أو ~~يقبل زيادة، فإنما هو "حق" منكر اللفظ، فإن بين المعرف بكلمة "ال" وبين ~~المنكر أشد التفاوت في المعنى - انتهى. # {خالصة} من الخلول، وهو تصفية الشيء مما يمازجه في خلقته مما هو دونه. ~~قاله الحرالي. ### | {فتمنوا الموت} # قال الحرالي: فعلى قدر نقرة النفس من الموت يكون ضعف منال النفس من ~~المعرفة التي بها تأنس بربها، فتتمنى لقاءه وتحبه، "ومن أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءها"، يقع ذلك لعامة المؤمنين ~~عند الكشف حال الغرغرة، ولخاصة المؤمنين في مهل الحياة، لأنهم لو كشف لهم ~~الغطاء لم يزدادوا يقينا، فما هو للمؤمن بعد الكشف من محبة لقاء الله، فهو ~~للموقن في حياته ويقظته، لكمال الكشف له مع وجود حجاب الملك الظاهر، ولذلك ~~ما مات نبي حتى يخير فيختار لقاء الله، لتكون وفادته على الله وفادة محب ~~مبادر، ولتقاصر المؤمن عن يقين النبي يتولى الله ms109 الخيرة في لقائه لأنه ~~وليه، ومنه ما ورد: "ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره ~~الموت، # PageV01P240 # وأنا أكره مساءته، ولابد له منه" ففي ضمن ذلك اختيار الله للمؤمن لقاءه، ~~لأنه وليه، يختار له فيما لا يصل إليه إدراكه - انتهى. # {بما قدمت} وهو من التقدمة وهي وضع الشيء قداما، وهو جهة القدم الذي هو ~~الأمام والتجاه أي قبالة الوجه. قاله الحرالي. # {أحرص} صيغة مبالغة من الحرص وهو طلب الاستغراق فيما يختص فيه الحظ. قاله ~~الحرالي. # {ومن الذين أشركوا} والشرك # قال الحرالي: إسناد الأمر المختص بواحد إلى ما ليس له معه أمر - انتهى. # {يود} من الود، وهو صحة نزوع النفس للشيء المستحق نزوعها له. قاله ~~الحرالي. # قال الحرالي: وهو نحو من خطاب القرآن، لا يصل إليه إبلاغ الخلق. # {لو يعمر} من التعمير، وهو تمادي العمر، كأنه تكرار، والعمر أمد ما بين ~~بدو الشيء وانقطاعه. قاله الحرالي. # {ألف سنة} والألف: كمال العدد بكمال ثالثة رتبة، والسنة أمد تمام دورة ~~الشمس، وتمام ثنتي عشرة دورة القمر. قاله الحرالي. # PageV01P241 ### | {وما هو بمزحزحه من العذاب} # والزحزحة: إبعاد الشيء المستثقل المترامي لما يبعده عنه. قاله الحرالي. # {من} وهي اسم مبهم، يشمل الذوات العاقلة؛ آحادا وجموعا واستغراقا. قاله ~~الحرالي. # {وجبريل} # قال الحرالي: يقال هو اسم عبودية، لأن "إيل" اسم من أسماء الله عز وجل، ~~في الملأ الأعلى، وهو يد بسط لروح الله في القلوب، بما يحييها الله به من ~~روح أمره؛ إرجاعا إليه في هذه الدار، قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض، من ~~عزرائيل، عليه السلام - انتهى. # {بإذن الله} والإذن: رفع المنع وإيتاء المكنة كونا وخلقا، ما لم يمنعه ~~حكم تصريف. قاله الحرالي. # {بين يديه} والبين: حد فاصل في حس أو معنى - قاله الحرالي. # {وميكال} يقال هو اسم عبودية أيضا، وهو يد بسط للأرزاق، المقيمة للأجسام، ~~كما أن إسرافيل يد بسط للأرواح، التي بها الحياة. قاله الحرالي. # {ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} والسحر: # قال الحرالي: من حيث أن حقيقته أمر يبطل بذكر اسم ms110 الله، ويظهر أثره فيما ~~قصر عليه من التخييل والتمريض ونحوه، بالاقتصار به من دون اسم الله الذي هو ~~كفر - انتهى. # {وما كفر سليمان} # قال الحرالي: يقال هو من السلامة، فإنه من سلامة # PageV01P242 # صدره من تعلقه بما خوله الله، تعالى، من ملكه {هذا من فضل ربي ليبلوني ~~أأشكر أم أكفر} وهو واحد كمال في ملك العالم المشهود من الأركان الأربعة، ~~وما منها من المخلوقات. انتهى. ### | {يعلمون الناس السحر}، # والسحر، # قال الحرالي: هو قلب الحواس في مدركاتها عن الوجه المعتاد لها في صحتها، ~~عن سبب باطل، لا يثبت مع ذكر الله عليه. # {وما أنزل على الملكين} # قال الحرالي: فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان: مودع في الكون، هو أمر ~~الشياطين، ومنزل من غيب، هو المتعلم من الملكين. # وعبارة الحرالي: ملكان جعلا ملكين في الأرض، والآية من إظهار الله ~~للملائكة فضل الخليقة. # {إنما نحن فتنة} # قال الحرالي: وأصل معناها من فتن الذهب، وهو تسخيره ليظهر جوهره، ويتخلص ~~طيبه من خبيثه - انتهى. # {بين المرء وزوجه} والمرء اسم من أسنان الطبع، يشارك الرجل به المرأة، ~~ويكون له فيه فضل ما، ويسمى معناه المروة. قاله الحرالي. # {وما هم بضارين} وهو من الضر - بالفتح بالضم - وهو ما يؤلم الظاهر من ~~الجسم، وما يتصل بمحسوسه، في مقابلة الأذى، وهو إيلام النفس وما يتصل ~~بأحوالها، وتشعر الضمة في الضر بأنه عن علو وقهر، والفتحة بأنه ما يكون عن ~~مماثل # PageV01P243 # ونحوه، وقل ما يكون عن الأدنى إلا أذى، ومنه: {لن يضروكم إلا أذى} قاله ~~الحرالي. # {ما يضرهم ولا ينفعهم} والنفع وصول موافق للجسم الظاهر وما يتصل به، في ~~مقابلة الضر، ولذلك يخاطب به الكفار كثيرا؛ لوقوع معنيهما في الظاهر الذي ~~هو مقصدهم من ظاهر الحياة الدنيا. قاله الحرالي. # {من خلاق} والخلاق، الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب من الشيء، كأنه موازن ~~به خلق نفسه وخلق جسمه. قاله الحرالي. # {لمثوبة} وفي الصيغة إشعار بعلو وثبات، قاله الحرالي. # {خير} # قال الحرالي: وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند ~~الله؛ ms111 تشريفا لهذه المثوبة، وإلحاقا لها بالنمط العلي من علمه وحكمته ومضاء ~~كلمته - انتهى. # {لو كانوا يعلمون} # وقال الحرالي: فيه إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت ~~تصرفهم عن أخذ السحر، لأن تلك الرتبة تزهد في علم ما هو شر، وهذه ترغب في ~~منال ما هو خير؛ وفيه بشرى لهذه الأمة بما في كيانها من قبول هذا العلم ~~الذي هو أعلم الأسماء، ومنافع القرآن يكون لهم عوضا من علم السيمياء، الذي ~~هو باب من السحر، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين، قال # PageV01P244 # - صلى الله عليه وسلم -: "من أقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر، ~~زاد ما زاد". # وحقيقة السيماء أمر من أمر الله، أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل ~~أسماء وأرواح خبيثة، من واطن الفتن في العلويات من النيرات والكواكب ~~والصور، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى، بل ~~يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره، والقيام بحقه، وصرف التحنثات ~~والوجهة إلى ما دونه، فهو لذلك كفر موضوع فتنة من الله، تعالى، لمن شاء أن ~~يفتنه به، حتى كانت فتنة اسم السيمياء من هدي الاسم بمنزلة اسم اللات ~~والعزى من هداية اسم الله العزيز، ولله كلية الخلق والأمر هدى وإضلالا، ~~إظهارا لكلمته الجامعة الشاملة لمقابلات الأزواج التي منتهاها قسمة إلى ~~دارين: دار نور رحماني، من اسمه العزيز الرحيم، ودار نار انتقامي، من اسمه ~~الجبار المنتقم، {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} ولما جعل، سبحانه، من ~~المضرة في السحر ونحوه، كان من المثوبة لمن آمن واتقى من هذه الأمة سورة ~~الفلق والناس - المعوذتان - حرزا وإبطالا وتلقفا لما يأفك سحر الساحرات؛ ~~عوضا دائما باقيا لهذه الأمة من عصا موسى، فهما عصا هذه الأمة التي تلقف ما ~~يأفك سحر الساحرات عوضا دائما بما # PageV01P245 # فيهما من التعويذ الجامع للعوذة من شر الفلق الذي من لمحة منه كان السحر ~~مفرقا، فهما عوذتان من وراء ما وراء السحر ونحوه، وذلك من مثوبة الدفع، مع ms112 ~~ما أوتوا من مثوبه النفع، ويكاد أن لايقف من جاءه هذه الآية عند غاية من ~~منال الخيرات ووجوه الكرامات - انتهى. # ولما كان من الحق، كما # قال الحرالي، إجراء الأمور على حكم ما أثبتها الحق. ### | {وقولوا انظرنا} # قال الحرالي: فيه إلزام بتصحيح الصور لتطابق تصحيح المقاصد، وليقع الفرق ~~بين الصورتين، كما وقع الفرق بين المعنيين، فهي آية فرقان، خاصة بالعرب. # {يختص برحمته من يشاء} والاختصاص: عناية تعين المختص لمرتبة ينفرد بها ~~دون غيره، والرحمة: نحلة ما يوافي المرحوم في ظاهره وباطنه، أدناه كشف ~~الضر، وكف الأذى، وأعلاه الاختصاص برفع الحجاب. قاله الحرالي. # {ما ننسخ} والنسخ # قال الحرالي: نقل باد من أثر أو كتاب ونحوه من محله بمعاقب يذهبه، أو ~~باقتباس يغني عن غيبته، وهو وارد الظهور في المعنيين في موارد الخطاب، ~~والمعاقبة في هذا أظهر. انتهى. # وفي صيغة نفعل إشعار بأن من تقدم ربما نسخ عنهم مالم يعوضون به مثلا ولا ~~خيرا، # PageV01P246 # ففي طيه ترغيب للذين آمنوا في كتابهم الخاص بهم، وأن يكون لهم عند النسخ ~~حسن قبول، فرحا بجديد أو اغتباطا بما هو خير من المنسوخ، ليكون حالهم عند ~~تناسخ الآيات مقابل حال الآبين من قبوله المستمسكين بالسابق المتقاصرين عن ~~خير لاحق وجدته. قاله الحرالي. ### | {أو ننسها} # وقال الحرالي: - وهو الحق إن شاء الله، تعالى - والنسء تأخير عن وقت إلى ~~وقت، ففيه مدار بين السابق واللاحق، بخلاف النسخ، لأن النسخ معقب للسابق، ~~والنسء مداول للمؤخر، وهو نمط عن الخطاب على خفي المنحى، لم يكد يتضح معناه ~~لأكثر العلماء، إلا للأئمة من آل محمد، - صلى الله عليه وسلم -، لخفاء ~~الفرقان بين ما شأنه المعاقبة، وما شأنه المداولة. # ومن أمثاله ما وقع في النسء من نهي النبي، - صلى الله عليه وسلم -، عن ~~لحوم الأضاحي، فتقبله الذين آمنوا نسخا، وإنما كان إنساء وتأخيره لحكم ~~الاستمتاع بها بعد ثلاث إلى وقت زوال الدافة، التي كانت دفت عليهم من ~~البوادي، فلم يلقن ذلك عن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، حتى فسره فقال: ~~"إنما نهيتكم من ms113 أجل الدافة" ففي متسع # PageV01P247 # فقهه أن أحكاما تؤخر، فتشابه النسخ من وجه، ثم تعاد فتخالفه من هذا ~~الوجه، من حيث أن حكمة المنسوخ منقطعة، وحكمة المنسئ متراجعة، ومنه ~~المقاتلة للعدو عند وجدان المنة والقوة، والمهادنة عند الضعف عن المقاومة، ~~هو من أحكم المنسئ، وكل ما شأنه أن يمتنع في وقت لمعنى ما، ثم يعود في وقت ~~لزوال ذلك المعنى، فهو من المنسئ الذي أهمل علمه أكثر الناظرين، وربما ~~أضافوا أكثره إلى نمط النسخ لخفاء الفرقان بينهما. # فبحق أن هذه الآية من جوامع آي الفرقان، فهذا حكم النسء والإنساء، وهو في ~~العلم بمنزلة تعاقب الفصول، بما اشتملت عليه من الأشياء المتعاقبة في وجه ~~المتداولة في الجملة. # قال: وأما النسيان والتنسية فمعناه أخفى من النسىء، وهو ما يظهره الله من ~~البيانات على سبيل إدخال النسيان على من ليس شأنه أن ينسى، كالسنن التي ~~أبداها النبي، - صلى الله عليه وسلم -، عن تنسيته، كما ورد من قوله: "إني ~~لأنسى # PageV01P248 # لأسن " وقال عليه الصلاة والسلام، في إفصاح القول فيه: "بئس لأحدكم أن ~~يقول: "نسيت، بل هو نسي" ومنه قيامه من اثنتين، وسلامه من اثنتين، حتى أظهر ~~الله سنة ذلك لأمته، وكانت تلك الصلاة بسهوها ليست بدونها من غير سهو، بل ~~هي مثلها أو خير، ومن نحوه منامه عن الصلاة، حتى أظهر الله توقيت الصلاة ~~بالذكر، كما كان قد أظهرها بالوقت الزماني، فصار لها وقتان: وقت نور عياني ~~من مداره الشمس، ووقت نور وجداني من مدارها مع الذكر، ولصحة وقوعها للوقتين ~~كانت المؤقتة بالذكر أداء بحسبه، قضاء بحسب فوت الوقت الزماني. فلله، ~~تعالى، على [هذه] الأمة فضل عظيم، فيما يكمل لها على طريق النسخ، وعلى سبيل ~~النسء، وعلى جهة النسيان الذي ليس عن تراخ ولا إهمال، وإنما يوقعه إجبارا ~~مع إجماع العزم. # وفي كل ذلك إنباء بأن ما وقع من الأمر بعد هذا النسيان خير من موقع ذلك ~~الأمر الذي كان يقع على إجماع ورعاية، لتستوي أحوال هذه الأمة في جميع ~~تقلبات أنفسها، كل ذلك من ms114 إختصاص رحمته وفضله العظيم - انتهى. # {له ملك السماوات والأرض} # قال الحرالي: فهو بما هو على كل شيء قدير، يفصل الآيات، وهو بماله ملك ~~السموات والأرض يدبر الأمر. انتهى. # PageV01P249 # {من ولي} # قال الحرالي: وهي القيام بالأمر عن وصلة واصلة. # {ولا نصير} وفي ذلك تعريض بالتحذير للذين آمنوا، ولم يبلغوا درجة ~~المؤمنين، من مخالفة أمره، إذا حكم عليهم بما أراد، كائنا ما كان، لئلا ~~تلقن بواطنهم عن اليهود نحوا مما لقنت ظواهر ألسنتهم، بأن تستمسك بسابق ~~فرقانها، فتتثاقل عن قبول لاحقه ومكمله، فيكون ذلك تبعا لكثرة أهل الكتاب ~~في إبائها نسخ ما لحقه التغيير من أحكام كتابها - أفاده الحرالي. # وقال: وهو في الحقيقة خطاب جامع لتفصيل ما يرد من النسخ في تفاصيل ~~الأحكام والأموال، بمنزلة الخطاب المتقدم في صدر السورة، المشتمل على جامع ~~ضرب الأمثال في قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما} الآية، ~~وذلك لأن هذه السورة هي فسطاط القرآن الجامعة لجميع ما تفصل فيه؛ وهي سنام ~~القرآن، وسنام الشيء أعلاه، وهي سيدة سور القرآن، ففيها لذلك جوامع ينتظم ~~بعضها ببعض إثر تفاصيله خلالها في سنامية معانيها، وسيادة خطابها، نحوا # PageV01P250 # من انتظام آي سورة الفاتحة المنتظمة من غير تفصيل وقع أثناءها ليكون بين ~~المحيط الجامع والابتداء الجامع مشاكلة ما - انتهى. ### | {أم تريدون} # والإرادة في الخلق، نزوع النفس لباد تستقبله. قاله الحرالي. # {فقد ضل سواء السبيل} وفيه إشعار بأن الخطاب للذين آمنوا، لأن المؤمنين ~~المعرفين بالوصف لا يتبدل أحوالهم من إيمان لكفر، لأن أحدا لا يرتد عن دينه ~~بعد أن خالط الإيمان بشاشه قلبه: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى} وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا ينتزع ~~العلم انتزاعا بعد أن أعطا كموه" فبذلك يتضح مواقع خطاب القرآن مع ~~المترتبين في أسنان القلوب، بحسب الحظ من الإيمان والإسلام والإحسان. قاله ~~الحرالي. # {إن الله بما تعملون بصير} وأظهر الاسم في موضع الإضمار، ms115 إشعارا ~~بالاستئناف للخير، ليكون ختما جامعا، لأنه لو عاد على خصوص هذا الخطاب لكان ~~"إنه" # PageV01P251 # وذلك لأن تجديد الإظهار يقع بمعنى رد ختم الخطاب على إحاطة جملته. قاله ~~الحرالي. ### | {قل هاتوا برهانكم} # بلفظ البرهان # قال الحرالي: وهو علم قاطع الدلالة، غالب القوة، بما تشعر به صيغة ~~الفعلان، ضم أولها وزيادتا آخرها. # {قل أتخذتم} وفي ذلك إعلام بأنه تعالى ما غيب شيئا إلا وأبدى عليه علما، ~~ليكون في العالم المشهود شفاف عن العالم الغائب. قاله الحرالي. # {بلى من أسلم وجهه لله} والإسلام: # قال الحرالي: الإلقاء بما يكون من منة في باطن أو ظاهر، "والوجه" مجتمع ~~حواس الحيوان، وأحسن ما في الموتان - وهو ماعدا الحيوان -، وموقع الفتنة من ~~الشيء الفتان، وهو أول ما يحاول إبداؤه من الأشياء لذلك. {لله} من أجل أنه ~~الله الجامع للكمال. # {وقالت اليهود ليست} أنث فعلهم لضعف قولهم وجمع أمرهم {النصارى على شيء} ~~أي يعتد به لكونه صحيحا، وليس مخففة من وزن فرح، ومعناها مطلق النفي لمتقدم ~~إثبات أو مقدرة. قاله الحرالي. # PageV01P252 # {فالله يحكم بينهم} والحكم: قصر المصرف على بعض ما يتصرف فيه، وعن بعض ما ~~تشوف إليه. قاله الحرالي. # {فيه يختلفون} والاختلاف: افتعال من الخلاف، وهو تقابل بين رأيين فيما ~~ينبغي إنفراد الرأي فيه. قاله الحرالي. ### | {ممن منع مساجد الله} # والمنع: الكف عما يترامى إليه، والمسجد مفعل لموضع السجود، وهو أخفض محط ~~القائم، والسعي الإسراع في الأمر حسا أو معنى، "والخراب" ذهاب العمارة، ~~والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له. قاله الحرالي. # {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} # قال الحرالي: وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجها من وجوه العذاب. ~~فنالهم من العذاب العظيم ما نال الكافرين، حتى كان ما كان لهم من ملة وكتاب ~~لم يكن، وذلك أسوأ الخسار. # قال: ومن الموعود أن من أعلام قيام الساعة تضييع المساجد، لذلك كل أمة ~~وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجرم في مسجد يكون فعله سببا لخلائه، فإن ~~الله، عز وجل، يعاقبه بروعة ومخافة تناله في الدنيا، حتى ينتظم ms116 بذلك من خرب ~~مدينة من مدن الإسلام، أو كانت أعماله سبب خرابها، وفي ضمن ذلك ما كان # PageV01P253 # من أحداث المسلطين على البيت المقدس، بما جرت إليه أعمال يهود فيها. # وقال: كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة مساجده شرده منها، وأحوجه ~~لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه، كما قد شهدت مشاهدة بصائر أهل التبصرة، ~~وخصوصا في الأرض المقدسة المتناوب فيها دول الغلب بين هذه الأمة، وأهل ~~الكتاب {الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ~~(3) في بضع سنين} فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها شردت منه، ~~ودخلته في بضع الأخرى خائفة، كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين، حين يفرح ~~المؤمنون بنصر الله. # قال: وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها وحجرها على القاصدين ~~للتحنت فيها والخلوة بذكر الله، وليس رفع المساجد منعها، بل رفعها أن لا ~~يذكر فيها غير اسم اللة، قال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع} # PageV01P254 # قال عمر، رضي الله عنه، لما بنى الرحبة: من أراد أن يلغط أو يتحدث أو ~~ينشد شعرا فليخرج إلى هذه الرحبة. وقال، - صلى الله عليه وسلم -: "جنبوا ~~مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وسل سيوفكم، وبيعكم وشراءكم، وابنوا على ~~أبوابها المطاهر" ففي كل ذلك إنباء بأن من عمل في مساجد الله بغير ما وضعت ~~له من ذكر الله كان ساعيا في خرابها، وناله الخوف في محل الأمن انتهى. ### | {ولله المشرق والمغرب} # فأنبأ تعالى، كما # قال الحرالي: بإضافة جوامع الآفاق إليه إعلاما بأن الوجهة لوجهه لا ~~للجهة، من حيث إن الجهة له. انتهى. # {فأينما تولوا فثم وجه الله} # وقال الحرالي: وأبهم المولى ليقع تولي القلب لوجه الله، حين تقع محاذاة ~~وجه الموجه الظاهر للجهة المضافة لله - انتهى. # {إن الله واسع عليم} # قال الحرالي: في "شرح الأسماء" والسعة: المزيد على الكفاية من نحوها، إلى ~~أن ينبسط إلى ما وراء؛ امتداد [و] رحمة وعلما، {ورحمتي وسعت كل شيء}. ~~{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}. {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد}. ولا تقع ms117 ~~السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال الحلم، وإفاضة الخير والنعمة، ~~لمقتضى كمال الرحمة، ولمسرى النعمة في وجوه # PageV01P255 # الكفايات ظاهرا وباطنا، خصوصا وعموما، لم يكد يصل الخلق إلى حظ من السعة، ~~أما ظاهرا فلا تقع منهم ولا تكاد: "إنكم لن تسعوا الناس بمعروفكم" وأما ~~باطنا بخصوص حسن الخلق فعساه بكاد. # وقال في تفسيره: قدم تعالى المشرق لأنه موطن بدو الأنوار التي منها رؤية ~~الأبصار، وأعقبه بالمغرب الذي هو مغرب الأنوار الظاهرة، وهو مشرق الأنوار ~~الباطنة، [فيعود التعادل إلى أن مشرق الأنوار الظاهرة هو مغرب الأنوار ~~الباطنة] "والفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان"، وأشار بيده نحو المشرق. ~~"لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق" - انتهى. # {كل له قانتون} # قال الحرالي: فجاء بالجمع المشعر، كما يقال، بالعقل والعلم، لما تقدم من ~~أنه لاعجمة ولا جمادية بين الكون والمكون، إنما يقع جمادية وعجمية بين آحاد ~~من المقصرين في الكون عن الإدراك التام، والقنوت: ثبات القائم بالأمر على ~~قيامه تحققا بتمكنه فيه - انتهى. # {بديع السماوات والأرض} وما أبدع كلية أمر كان أحرى أن يكون ما في طيه ~~وإحاطته وإقامته من الأشياء المقامة به من مبدعه، فكيف يجعل له شبيه منه؟ ~~لأن الوالد مستخرج شبيه بما استخرج من عينه - ذكره الحرالي. # PageV01P256 ### | {إذا قضى أمرا} # والقضاء: إنفاذ المقدر، والمقدر ما حد من مطلق المعلوم - قاله الحرالي. # {كن فيكون} # قال الحرالي: وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان، يمتد تواليها ~~في المكون إلى غاية كمال - انتهى. # {لقوم يوقنون} # قال الحرالي: وفيه إشارة لما حصل للعرب من اليقين، كما قال سيد العرب، ~~علي، رضي الله عنه: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا" استظهارا لما بطن من ~~عالم الملكوت، على ظاهر عالم الملك، إكمالا للفهم عن واضح هذا البيان الذي ~~تولاه الله ومن اصطفاه، الذي اشتمل عليه استتباع ضمير "بينا"، وفي استواء ~~العالم وغيره في الجهل بعد البيان، دليل على مضمون التي قبلها في أن ما ~~أراد كان. ### | {إنا أرسلناك بالحق} # قال الحرالي: [والحق] التام المكمل بكلمة "ال" ms118 هو استنطاق الخلق عن أمر ~~الله فيهم على وجه أعلى لرسالته العلية الخاصة به عن عموم ما وقعت به رسالة ~~المرسلين من دون هذا الخصوص، وذلك {حق} منكر، كما تقدم أي عند قوله: {وهو ~~الحق مصدقا لما معهم} لأن ما أحق غيبا مما أنزله الله فهو "حق" حتى السحر، ~~وما أظهر غيب القضاء والتقدير وأعلن بإبداء حكمة الله على ما أبداها من ~~نفوذ مشيئته في متقابل ما أبداه من خلقه، فهو {الحق} الذي خلقت به السموات ~~والأرض ابتداء، وبه ختمت الرسالة انتهاء، ليتطابق الأول والآخر كمالا؛ حال ~~كونك {بشيرا ونذيرا}. # وقال الحرالي: لما أجرى الله سبحانه من الخطاب عن أهل الكتاب والعرب # PageV01P257 # نبأ ردهم لما أنزل أولا وآخرا،، ونبأ ما افتروه مما لا شبهة في دعواه، ~~أعرض بالخطاب عن الجميع، وأقبل به على النبي - صلى الله عليه وسلم -، تسلية ~~له، وتأكيدا لما أعلمه به في أول السورة من أن الأمر مجرى على تقديره ~~وقسمته الخلق: بين مؤمن: وكافر، ومنافق، فأنبأه، تعالى، أنه ليس مضمون ~~رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه، وأن مضمون رسالته أن يستظهر ~~خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال، فيبشر المهتدي والثابت على ~~هدي سابق، وينذر الآبي والمنكر لما سبق إقراره به قبل، فعم بذلك الأولين ~~والآخرين من المبشرين والمنذرين - انتهى. # {أصحاب الجحيم} والجسم، # قال الحرالي: انضمام الشيء وعظم فيه، ومن معنى حروفه الحجم، وهو التضام ~~وظهور المقدار، إلا أن الحجم فيما ظهر كالأجسام، والجحم - بتقديم الجيم - ~~فيما يلطف كالصوت والنار. ### | {ولن ترضى} # من الرضى، وهو إقرار ما ظهر عن إرادة - قاله الحرالي. # {ملتهم} والملة، # قال الحرالي: الأخذ والعمل بما في العقل هدايته من أعلام المحسوسات. # {ولئن اتبعت أهواءهم} # قال الحرالي: فأظهر إفصاحا ما أفهمته إضافة الملة إليهم، من حيث كانت ~~وضعا بالهوى، لا هداية نور عقل، كما هي في حق الحنيفيين - انتهى. # {بعد الذي} # قال الحرالي: أشارت كلمة "الذي" إلى معنى قريب من الظاهر # PageV01P258 # المحسوس، كأنه علم ظاهر، ففيه إنباء بأن أدنى ما جاءه ms119 من العلم مظهر ~~لإبطال ما هم عليه في وجوه تلبيسهم وأهوائهم. # {حق تلاوته} # قال الحرالي: وحقية الأمر هي وفاؤه إلى غايته، والإحاطة به إلى جماع ~~حدوده حتى لا يسقط منه شيء، ولا يقصر فيه غاية، إشعارا باشتمال الكتاب على ~~أمر محمد، - صلى الله عليه وسلم -. # {فأولئك هم الخاسرون} # قال الحرالي: فلبعده بالتقدم كرره تعالى؛ إظهارا لمقصد التئام آخر الخطاب ~~بأوله، وليتخذ هذا الإفصاح والتعليم أصلا لما يمكن أن يرد من نحوه في سائر ~~القرآن، حتى كأن الخطاب إذا انتهى إلى غاية خاتمة، يجب أن يلحظ القلب بداية ~~تلك الغاية فيتلوها، ليكون في تلاوته جامعا لطرفي البناء، وفي تفهمه جامعا ~~لمعاني طرفي المعنى - انتهى. # {ولا هم ينصرون} # قال الحرالي: أجراها، تعالى، في هذا التكرار على حدها في الأول، إلا ما ~~خالف بين الإيرادين في قوله: {واتقوا يوما} إلى آخره، ليجمع النبأ في كل ~~واحد من الشفاعة والعدل بين مجموع الردين من الأخذ والقبول، فيكون شفاعتها ~~لا مقبولة ولا نافعة، ويكون عدلها لا مأخوذا ولا مقبولا، وذلك لأن # PageV01P259 # المعروض للقبول أول ما يؤخذ أخذا بحسبه من أخذ سمع أو عين، ثم ينظر إليه ~~نظر تحقيق في المسموع، وتبصر في المنظور، فإذا صححه التحقيق والتبصير قبل، ~~وإذا لم يصححه رد، وإنما يكون ذلك لمن في حاله حظ صحة ظاهرة لا يثبت مع ~~الخبرة، فأنبأ، تعالى، بمضمون الآيتين - الفاتحة والخاتمة - أن هؤلاء ليس ~~في حالهم حظ صحة البتة، لا في شفاعة ولا في عدل، فلا يقبل ولا يؤخذ إنباء ~~بغرائه عن لبسه ظاهر صحة يقتضي أخذه بوجه ما، ففيه تبرئة ممن حاله حال ما ~~نبئ به عنهم، على ما تقدم معناه في مضمون الآية. # وبهذه الغاية انصرف الخطاب عنهم على خصوص ما أوتوا من الكتاب الذي كان ~~يوجب لهم أن يتدينوا بقبول ما جاء مصدقا لما معهم، فاتخذوا لهم بأهوائهم ~~ملة افتعلتها أهواؤهم، فنظم، تعالى، بذلك ذكر صاحب الملة التي يرضاها، ~~وافتتح بابتداء أمره في ابتلائه، ليجتمع عليهم الحجتان: السابقة بحسب الملة ~~الحنيفية # PageV01P260 # الإبراهيمية، ms120 واللاحقة بحسب الدين المحمدي، كان - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول في الصباح: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا ~~محمد، - صلى الله عليه وسلم -، وعلى ملة أبينا إبراهيم، - صلى الله عليه ~~وسلم - " فخص المحمدية بالدين، والإبراهيمية بالملة، لينتظم ابتداء الأبوة ~~الإبراهيمية بطرائف أهل الكتاب، سابقهم ولاحقهم، بنبأ ابتداء الأبوة ~~الآدمية في متقدم قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة} الآيات. لينتظم رؤس الخطابات بعضها بببعض، وتفاصيلها بتفاصيلها، ~~وليكون إظهار ذلك في سورة سنام القرآن أصلا لما في سائره من ذلك، وذكر قبل ~~ذلك أن الملة ما يدعو إليه هدى العقل المبلغ عن الله توحيده من ذوات ~~الحنيفيين، وأن الدين الإسلام، والإسلام إلقاء ما باليد ظاهرا وباطنا، وذلك ~~إنما يكون عن بادي غيب التوحيد. انتهى. # وقال الحرالي: لما وصل الحق، تعالى، بالدعوة العامة الأولى في قوله ~~تعالى: {يا أيها الناس} ذكر أمر آدم، وافتتاح استخلافه، ليقع بذلك جمع ~~الناس كافة في طرفين، في اجتماعهم في أب واحد ولدين واحد - نظم تعالى بذلك ~~وصل خطاب أهل الكتاب بذكر إبراهيم، ليقع بذلك اجتماعهم أيضا في أب واحد، ~~وملة واحدة، اختصاصا بتبعية [الإمامة] الإبراهيمية من عموم تبعية الخلافة ~~الآدمية، تنزيلا للكتاب، وترفيعا للخلق إلى علو اختصاص الحق، فكما ذكر، ~~تعالى، في # PageV01P261 # الابتداء تذكيرا معطوفا على أمور تجاوزها الإفصاح [في أمر آدم، عطف أيضا ~~التذكير بابتداء أمر إبراهيم، عليه السلام، على أمور تجاوزها الإفصاح] هي ~~أخص من متجاور الأول، كما أن إفصاحها أخص من إفصاحها، وأعلى رتبة، من حيث ~~إن الخلق والأمر مبدوء من حد، لم يزل ولا يزال، يتكامل إلى غاية ليس وراءها ~~مرمى، فقال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه} - انتهى. ### | {بكلمات فأتمهن} # والإتمام: التوفية لما له صورة تلتئم من أجزاء وآحاد. قاله الحرالي. # {إماما} والإمام: ما يتبع هداية إلى سداد. قاله الحرالي. # {قال ومن ذريتي} والذرية: مما يجمع معنى الذر والذرء، والذري مختلف وزنه ~~على وجوه اشتقاقه، فيكون فعلولة كأنه ذرورة، ثم خفف بقلب الراء ياء ~~استثقالا ms121 للتضعيف، ثم كسر ما قبل الياءين تحقيقا لهما، لأنه اجتمع بعد ~~القلب واو وياء سبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، أو تكون # PageV01P262 # فعلية من الذر منسوبا، ومن الذرء مخفف فعولة، بقلب الهمزة ياء، ثم الواو ~~ياء، لاجتماعها معها سابقة إحداهما بالسكون ثم الإدغام، أو فعلية، إن يكن ~~في الكلام، لما فيه من ثقل اجتماع الضم والكسر. قاله الحرالي وفيه تصرف. ### | {مثابة للناس} # قال الحرالي: وهو مفعلة من الثوب، وهو الرجوع، تراميا إليه بالكلية، وفي ~~صيغة المفعلة دوام المعاودة مثابرة. # {وأمنا} والأمن: براءة عيب من تطرق أذى إليه. قاله الحرالي. # {أن طهرا بيتي} والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل، ~~المختص من البلد. قاله الحرالي. # {للطائفين والعاكفين} والعكوف: الإقبال على الشيء وملازمته والاقتصار ~~عليه. والطواف التحليق بالشيء في غيب، أو لمعنى غيب. قاله الحرالي. # {والركع السجود} # قال الحرالي: وفي ذكر الركوع تخصيص للعرب الذين إنما شرع الركوع في ~~دينهم، وفي ذلك تبكيت لمن أخرج المؤمنين ومنعهم من البيت، وفي تكرير تفصيل ~~هذه الآيات "بإذ" تنبيه على توبيخهم بترك دينه، وهو الخليل، واتباع من لا ~~يعلم، وهو العدو. # {القواعد من البيت} # قال الحرالي: عدد، تعالى، وجوه عنايته بسابقة العرب في هذه الآيات، كما ~~عدد وجوه نعمته على بني إسرائيل في سابقة الخطاب، فكانت هذه في إقامة دين ~~الله، وكانت تلك في محاولة مدافعته، ليظهر بذلك تفاوت ما بين الاصطفاء ~~والعنابة. # {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} # قال الحرالي: لما تحقق مرجو الإيمان في ذريته في قوله: {من آمن منهم} طلب ~~التكملة بإسلام الوجه، والمسألة له ولابنه، ولمن # PageV01P263 # رزق الإيمان من ذريته وذرية ابنه، فإن الإسلام لما كان ظاهر الدين، كان ~~سريع الانثلام لأجل مضايقة أمر الدنيا، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخلق من ~~يد العبد ولسانه، والإلقاء بكل ما بيده لربه، مما ينازع فيه وجود النفس ~~ومتضايق الدنيا، ولذلك هو مطلب لأهل الصفوة في خاتمة العمر، ليكون الخروج ~~من الدنيا عن إلقاء للحق، وسلامة للخلق. # {وأرنا مناسك} والمنسك مفعل من النسك، وهو ms122 مايفعل قربة وتدينا، تشارك ~~حروفه حروف السكون. قاله الحرالي. # {ويزكيهم} والتزكية: إكساب الزكاة، وهي نماء النفس بما هو لها بمنزلة ~~الغذاء للجسم. قاله الحرالي. # {العزيز الحكيم} لأن العزة، كما # قال الحرالي: الغلبة الآتية على كلية الظاهر والباطن. ### | {إلا من سفه نفسه} # قال الحرالي: والسفاهة: خفة الرأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة ~~والقوة، وفي نصب النفس إنباء بلحاق السفاهة بكلية ذي النفس، لأن من سفهت ~~نفسه اختص السفه بها، ومن سفه نفسه - بالنصب - استغرقت السفاهة ذاته ~~وكليته، وكان بدء ذلك وعاديته من جهة نفسه، يفهم ذلك نصبها، وذلك لأن الله، ~~عز وجل، جعل النفس مبدأ كل شر أبداه في ذات ذي النفس، فإنه، تعالى، يعطي ~~الخير بواسطة وبغير واسطة، ولا يحذى الشر إلا بواسطة نفس، ليكون في ذلك حجة ~~الله على خلقه، وإنما استحق السفاهة من يرغب عن ملة إبراهيم لظهور # PageV01P264 # شاهدها في العقل وعظيم بركتها في التجربة، لأن من ألقى بيده لم يؤاخذ في ~~كل مرتبة من رتب الدنيا والآخرة، فلا عذر لمن رغب عن ذلك، لظهوره في شاهدي ~~العقل والحس، اللذين هما أظهر حجج الله على خلقه. {وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه} - انتهى. # {عما كانوا يعملون} # قال الحرالي: لأنهما متناوبان في الأديان، تناوب المتقابلات في الأجسام. # {قل بل ملة إبراهيم} # قال الحرالي: ففيه كمال لسنن محمد، - صلى الله عليه وسلم -، في ملته بملة ~~إبراهيم، عليه السلام، الذي هو الأول لمناسبة ما بين الأول والآخر، وقد ذكر ~~أن الله ما أظهره نور العقل من الهدي في ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر ~~الدنيا، فكان أتم ما أبداه نور العقل ملة إبراهيم. # {حنيفا} # وقال الحرالي: الحنيف: المائل عن متغير ما عليه الناس عادة، إلى ما ~~تقتضيه الفطرة، حنان قلب إلى صدق حسه الباطن. # {وما كان من المشركين} # قال الحرالي: فيه إنباء بتبرئة كيانه من أمر الشرك في ثبت الأمور ~~والأفعال والأحوال، وفي إفهامه أنه من أمر محمد، - صلى الله عليه وسلم -، ~~في الكمال الخاتم، كما أن محمدا، ms123 - صلى الله عليه وسلم -، منه في الابتداء ~~الفاتح، قال، تعالى، لمحمد، - صلى الله عليه وسلم -: {قل إن صلاتي} إلى ~~قوله: {وأنا أول المسلمين} فهذه أولية رتبة الكمال التي هي خاصة به، ومن ~~سواه فهو منه فيها، لأن نفي الشيء يفهم البراءة واللحاق بالمتأصل في ~~مقابله، فمن لم يكن مثلا من الكافرين، فهو من المؤمنين، # PageV01P265 # لأنه لو كان هو المؤمن لذكر بالصفة المقابلة لما نفى عنه، لما في ذلك من ~~مغني إثبات الوصف ونفي مقابله، ومثل هذا كثير الدور في خطاب القرآن، وبين ~~من له الوصف ومن هو منه تفاوت ما بين السابق واللاحق في جميع ما يرد من ~~نحوه، يعني ومثل هذا التفاوت ظاهر للفهم، خفي عن مشاهد هذا العلم، لأن ~~العلم من العقل بمنزلة النفس، والفهم من العقل بمنزلة الروح، فللفهم مدرك ~~لايناله العلم، كما أن للروح معتلي لاتصل إليه النفس، لتوجه النفس إلى ظاهر ~~الشهود، ووجهة الروح إلى على الوجود - انتهى. ### | {وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} # قال الحرالي: فلقن العرب الاميين المحسودين على ما آتاهم الله من فضله، ~~نسق ما أجرى من لفظ بني إسرائيل في عهده لهم، فكان فيه وصل العرب الذين هم ~~أبناء إسماعيل بإبراهيم وبنيه، وقطع بني إسرائيل عنهم، وفيه إظهار لمزية ~~فضل الله على العرب، حين يلقنهم ولا يستنطقهم، فيقصروا في مقالهم، فأغناهم ~~بما لقنهم، فتلوه عما كانوا يقولونه لو وكلوا إلى أنفسهم فسكنهم ربهم، ~~فأقرأهم ما يصلح من القول لهم، وقال: {ويعقوب والأسباط} تكملة لما تقدم في ~~العهد السابق - انتهى. # {ونحن له مسلمون} # قال الحرالي: فأجرى على ألسنة الذين آمنوا من هذه الأمة تلقينا لهم ما ~~أجراه على ألسنة الأسباط قولا منهم، فكانت العرب أحق بهم من أبناء إسرائيل ~~بما استووا في الدين، وإن افترقوا في نسب الإسرائيلية - انتهى. # PageV01P266 # {وإن تولوا} # قال الحرالي: فيه إشعار بإيمان مؤمن منهم، وتولي متول منهم، لأن الله، ~~تعالى، إذا صنف الخطاب كان نبأ عن تصنيف الكيان، فهو، تعالى، لا يخرج نبأه ~~على غير كائن، فيكون نبأ ms124 لا كون له، إنما ذلك من أدنى أوصاف بعض الخلق. ### | {فسيكفيكهم الله} # والكفاية: إغناء المقاوم عن مقاومة عدوه بما لا يحوجه إلى دفع له. قاله ~~الحرالي. # {صبغة الله} وجعل الحرالي: صبغة الله أي هيئة صبغ الملك الأعلى التي هي ~~حلية المسلم وفطرته، كما أن الصبغة حلية المصبوغ، حالا تقاضاها معنى ~~الكلام، وعاب على النحاة كونهم لا يعرفون الحال إلا من الكلم المفردة، ولا ~~يكادون يتفهمون الأحوال من جملة الكلام. # وقال: الصبغة تطوير معاجل بسرعة وحيه. # وقال: فلما كان هذا التلقين تلقينا وحيا سريع التصيير من حال الضلال ~~المبين، الذي كانت فيه العرب في جاهليتها، إلى حال الهدي المبين، الذي كانت ~~فيه الأنبياء في هدايتها، من غير مدة، جعله، تعالى، صبعة كما يصبغ الثوب في ~~الوقت، فيستحيل من لون إلى لون، في مقابلة ما يصبغه أهل الكتاب بأتباعهم ~~المتبعين لهم في أهوائهم، في نحو الذي يسمونه "الغطاس". # {ومن أحسن من الله} أي الذي له الكمال كله {صبغة} لأنها صبغة قلب لا تزول ~~لثباتها، بما تولاها الحفيظ العليم، وتلك صبغة جسم لا تنفع، وفيه إفهام بما # PageV01P267 # يختص به الذين آمنوا من انقلاب جوهرهم نورا، كما قال عليه الصلاة ~~والسلام: "اللهم اجعلني نورا" فكان ما انقلب إليه جوهر الأيمة انصبغت به ~~قلوب الأمة {ونحن له} [أي خاصة] {عابدون} تكملة لرد الخطاب على خطاب عهد ~~إسرائيل حين قال: {ما تعبدون من بعدي} إلا أن العبادة في عهد إسرائيل ~~سابقة، والإسلام ختم. # والإسلام في هذا التلقين بدء، لتقع العبادة شكرا - يختص برحمته من يشاء - ~~وجاء به بالوصف الثابت الدائم، ففيه إشعار بأن أحدا منهم لا يرتد عن دينه ~~سخطة له، بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه، وهو حظ عام من العصمة الثابت ~~خاصها للنبي، - صلى الله عليه وسلم -، في على أمره - انتهى. # {ما ولاهم عن قبلتهم} # قال الحرالي: القبلة: ما تجعل قبالة الوجه، والقبل ما أقبل من الجسد في ~~مقابلة الدبر لما أدبر منه. ### | {جعلناكم أمة} # قال الحرالي: من الأم، وهو تتبع الجملة والعدد بعضها ms125 لبعض إلى أن ينتهي ~~لإمام أول، فالإمام والأمة كالمتقابلين، الإمام قاصد أمما، والأمة قاصدة ~~إمامها الذي هو أممها، والأمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - ~~انتهى. # {القبلة} # قال الحرالي: في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ~~ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم، لا بالعمل المحكم، ~~فالوجهة الظاهرة، ليكون ذلك علما على المتبع عن صدق، فيثبت عند # PageV01P268 # تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله، والتوجه له أيان ما وجهه، ~~وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت ~~عند تغيره - انتهى. # {إلا لنعلم} # وقال الحرالي: لنجعل علما ظاهرا على الصادق وغيره، يشمل العلم به من علم ~~الغيب إلا عن علم، بما ينبىء عنه نون الاستتباع، فهذا وجهه ووجه ما يرد من ~~نحوه في القرآن والسنة - انتهى. # {ليضيع} # قال الحرالي: مما منه الضياع والضيعة، وهو التقريط فيما له غناء وثمرة، ~~إلى أن لايكون له غناء ولا ثمرة. # {لرءوف} فإن الرأفة، كما # قال الحرالي في التفسير: عطف العاطف على من [لم] يجد عنده منه وصلة، فهي ~~رحمة ذي الصلة بالراحم. # قال: والرحمة: تعم من لا صلة له بالراحم. # وقال في "شرح الأسماء": إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ ~~بسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو لأجله على علنه - انتهى. ### | {قد نرى تقلب وجهك} # قال الحرالي: فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمرا أو خبرا يفيد مع المستقبل ~~ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، لما انطوى ~~ضميره # PageV01P269 # على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس، حين كان هو رسولا لكافة ~~الناس، وكان، - صلى الله عليه وسلم -، على ملة أبيه إبراهيم، عليه السلام، ~~يكتفي بعلم الله عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة، وللمكتفين بعلم ~~الله عبادة - أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه، على ما تشعر به ~~"قد" بالتقليل للتقلب والرؤية. {في السماء} فيه إعلام بما جعله من اختصاص ~~السماء بوجه الداعي، ms126 كما اختص غيب القلوب بوجهة المصلي، فالمصلي يرجع إلى ~~غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى ~~السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم" والداعي يتوجه إلى السماء ويمد يديه، ~~كما قال: "حتى رأينا عفرة إبطيه" انتهى ملخصا. # {قبلة} # قال الحرالي: نكرها لما كان من ورائها قبلة التوجه العام في تنقله، فتلك ~~هي القبلة التي هي توجه لوجه الله، لا توجه لمنظر باد من خلق الله، فكان ~~متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى قيام القبلة الحجازية، إلى ~~إحاطة القبلة العامة الآفاقية. ### | وفي قوله: {ترضاها} # إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة، لأن الرضى وصف المقر # PageV01P270 # لما يريد، فكل واقع بإرادة لايكون رضى إلى أن يستدركه الإقرار، فإن تعقبه ~~الرفع والتغيير، فهو مراد غير مرضى - انتهى. # {المسجد الحرام} # قال الحرالي: سماه الله حراما لحرمته، حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه، ولم ~~يدخل إلا دخول تعبد وذلة، فكان حراما على من يدخله دخول متكبر أو متحير - ~~انتهى. # {وما الله بغافل عما تعملون} # قال الحرالي: بالياء أي التحتانية إعراضا عنهم، وبالتاء إقبالا عليهم، ~~ففيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين: في متماد على سوء هدد فيه ~~لما أقبل عليه، وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه، ~~والإقبال على غيره، ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض ~~عنه. ### | {من بعد ما جاءك من العلم} # قال الحرالي: فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه: {بعد الذي} لظهور ~~ما ذكر في الأول، وخفاء ما وقعت إليه الإشارة في هذا، وجاءت فيه "من" التي ~~هي لابتداء من أولية، لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا، وظهور ذلك ~~الأول، لأن ذلك كان في أمر الملة التي مأخذها العقل، وهذه في أمر التوجيه ~~الذي مأخذه الدين والغيب. # قال الحرالي: قال تعالى: {إنك إذا لمن الظالمين} على حد ما ذكر من أنه من ~~لمح لمحا ما وصف كان من الموصوف به بألطف لطف، ووصف كل رتبة ms127 بحسبها، فما ~~يرفع عنه النبي، - صلى الله عليه وسلم -، من باب إظهار رغبته وحرصه على ~~هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه، وطلب المسامحة في التقاصر عنه، نظرا ~~منه إلى حق الله، تعالى، ومضمون وصية الله، تعالى، حين أوصاه بغير ترجمان ~~ولا واسطة، أن يصفح عمن # PageV01P271 # ظلمه، ويصل من قطعه، فكان، - صلى الله عليه وسلم -، يطلب وصل المنقطع ~~عنه، حتى يعلن عليه بالإكراه في ترك ذلك، وودعه فيجيبه حكما، وإن كان معه ~~علما، ومنه قوله: "اللهم [اغفر] لقومي فإنهم لا يعلمون" ففي طي كل خطاب له ~~يظهر الله، عز وجل، فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء العدل، أعظم مدحة ~~له، والتزام لوصيته إياه، فهو ممدوح بما هو مخاطب بخطاب الإكراه على إمضاء ~~العدل، أعظم مدحة له، والاختصار في أمر رحمته للعالمين، فرفعه الله أن يكون ~~ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة، فذلك الذى يجمع معناه بين متقابل ~~الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة، فيكون أدنى الظلم، أو من يضع الرحمة ~~في موضع النقمة فيكون منه بتغيير الوضع، بوضع الفضل موضع العدل، وعلى ذلك ~~جميع ما ورد في القرآن من نحو قوله: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل ~~الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك} أي في إمضاء العدل - ~~{فلا تكونن من الممترين} في طلب الفضل لأهل العدل، فإن الله يمضي عدله كما ~~يفيض فضله، وكذلك قوله: {عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى} فيه إظهار لمدحته ~~بحرصه على تألف الأبعدين، ووصل القاطعين، حتى ينصرف عنهم بالحكم وإشادة ~~الإكراه عليه في ذلك، فلا ينصرف عن حكم الوصية إلى حكم # PageV01P272 # الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه، فهو محمود بما هو منهى عنه، لأن ~~خطابه أبدا في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل، وخطاب سائر الخلق جار ~~فيما بين العدل والجور، فبين الخطابين ما بين درج العلو ودرك السفل في ~~مقتضى الخطابين المتشابهين في القول، المتباينين في العلم - انتهى. ### | {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ms128 أبناءهم} # ولذلك # قال الحرالي في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره، لأن العارف ~~بالشيء هو الذي كان له به أدراك ظاهر بأدلة، تم أنكره لاشتباهه عليه، ثم ~~عرفه لتحقق ذكره، لما تقدم من ظهوره في إدراكه، فلذلك معنى المعرفة لتعلقها ~~بالحس، وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر، وإنما لم تجز في ~~أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة، ولذلك يقال: المعرفة حد بين ~~علمين: علم علي تشهد الأشياء ببواديها، وعلم دون يستدل على الأشياء ~~بأعلامها. # وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كيانا كيانا إلى ~~ظهوره، ولو لم يكن شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل ~~الشدائد من أرض الحجار لارتقابه وانتظاره {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} ~~وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه لاعتلاقه بفؤاده، ~~ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه {وإن فريقا منهم} أي أهل الكتاب ~~{ليكتمون الحق} أي يخفونه ولا يعلنونه. # ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به، ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند ~~الكتمان قال: {وهم يعلمون} أي أنه حق، وأنهم آثمون بكتمانه، فجعلهم أصنافا: ~~صنفا عرفوه فاتبعوه، وصنفا عرفوه فأنكروه، كما في إفهامه، وفريقا عرفوه ~~فكتموه، وفي تخصيص # PageV01P273 # هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين حال من يعرف، وحال من يعلم، فلذلك ~~كانوا ثلاثة أصناف: عارف ثابت، وعارف منكر هو أرداهم، وعالم كاتم لاحق به. # وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار بتماديهم في العلم، وتماديهم في الكتمان، ~~ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخلق بما شاء منهم من هدي وفتنة، لتظهر ~~فيها رحمته ونقمته، وهو الحق الذي هو ماضي الحكم، الذي جبلة محمد، - صلى ~~الله عليه وسلم -، تتقاضى التوقف فيه، لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم ~~الوصية، خاطبه الحق بقوله: {الحق} أي هذا التفريق والتصنيف، الموجب لعمارات ~~درجات الجنة، وعمارات دركات النار، هو الحق، أو يكون المعنى: الحق الذي ~~أخبرت به في هذه السورة، أو الآيات، أو جنس الحق، ms129 كائن {من ربك} المحسن ~~إليك بطرد ما يضر أتباعه، كما هو محسن إليك بالإقبال بمن ينفع أتباعه {فلا ~~تكونن من الممترين} فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين: الواقعة منه فيما ~~بين الفضل والعدل، والواقعة من غيره فيما بين الجور والعدل - انتهى. وفيه ~~زيادة وتغيير. # قال الحرالي: والممتري: من الامتراء، وهو تكلف المرية، وهي مجادلة تستخرج ~~السوء من خبيئة المجادل، من امتراء ما في الضرع، وهو استئصاله حلبا، ولأنه ~~حال الشاك ربما أطلق عليه. ### | {ولكل وجهة هو موليها} # قال الحرالي: في قراءة موليها - بالكسر - إشعار باختلاف جبلات أهل الملل، ~~وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وفي قراءة # PageV01P274 # مولاها إظهار حقيقة ذلك، وأنه ليس ذلك منهم، بل بما أقامهم فيه المولى ~~لهم حيث شاء، وأبهم فيه المولى لما كان في طوائف منهم حظ هوى، وهو من ~~التولية، وهو ما يجعل مما يلي الجسد، أو القصد أي يكون ميالا بين يديه، ~~ملاصقا له - انتهى. # قال الحرالي: من حيث يرد الخلق في البعث إلى موطن القبلة السابقة من أرض ~~الشام، فيكون موطن الحق والعدل أولى القبلتين بذلك، لأن أعلى القبلتين موطن ~~أمنة، من حيث إن من دخله كان آمنا، فكان المحشر إلى قبلتهم الأولى التي هي ~~بداية الأمر، ليطابق الآخر من القبلتين الأولى، من حيث كان الآخر في الدنيا ~~للفضل، والأول في الآخرة للعدل، ومن الدعوتين، من حيث كانت الدعوة الأولى ~~في الأول حكما وعلما، والإتيان الآخر في العقبى قهرا وملكا. # قال الحرالي: ومن التفت بقلبه [في صلاته إلى غير ربه لم تنفعه وجهة وجه ~~بدنه إلى الكعبة، لأن ذلك حكم حق، حقيقته توجه القلب، ومن التفت بقلبه -] ~~إلى شيء من الخلق في صلاته فهو مثل الذي استدبر بوجهه عن شطر قبلته، فكما ~~يتداعى الإجزاء الفقهي باستدبار الكعبة حسا، فكذلك يتداعى القبول باستدبار ~~وجه القلب عن الرب غيبا، فلذلك أقبل هذا الخطاب على الذين آمنوا والذين ~~أسلموا، لأنه هو، - صلى الله عليه وسلم -، مبرأ عن مثله - انتهى. # {وحيث ما كنتم} # قال الحرالي: وذكر ms130 في أمته بالكون، لا بالخروج، إشعارا # PageV01P275 # بتقاصر الأمة عن علو أحوال الأيمة، وأن حال الأمة في خلوتهم كحالهم في ~~جلوتهم - انتهى. ### | {فولوا وجوهكم} # قال الحرالي: وفيه إشعار يلحظ صحة صلواتكم فرادى وفي بيوتكم، كما قال: ~~"إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت في أهلك" بخلاف هو، - صلى الله ~~عليه وسلم -، فإن صلاته لاتقع إلا جمعا، من حيث إنه يصلي لهم، وإنه إمام ~~لاتقع صلاته فذا - انتهى. # {اليوم أكملت لكم دينكم} # قال الحرالي: في طيه بشرى بفتح مكة واستيلائه على جزيرة العرب كلها، ~~وتمكنه بذلك من سائر أهل الأرض، لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح ~~الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها، التي انتهى إليها ملك أمته - انتهى. # {ولعلكم تهتدون} # قال الحرالي: وفي كلمة "لعل"، على ما تقدم، إيهام يشعر بتصنيفهم صنفين: ~~مهتد للثبات على السنة، ومتغير فيه بوجه من وجوه البدعة، لما ذكر من أن ~~ماهو للخلق نردد فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف، ~~ففيه إعلام لقوم بالاهتداء الدائم، بما تفهمه صيغة الدوام، وإشعار # PageV01P276 # بانقطاع قوم عن ذلك التمادي، بما يفهمه ماهو للخلق بموضع الترجي، وفي طيه ~~إشعار باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي، - صلى الله عليه وسلم -، ~~وانقسامهم فيه بين ثابت عليه، دائم الاهتداء فيه، ومتغير عنه، كما ظهر فيما ~~كان من ثبات من ثبت بعده، وردة من أرتد - انتهى. # {يتلو عليكم آياتنا} # قال الحرالي: وفيه أخذهم بما هو في طباعهم من إيثار أمر السمع على أمر ~~العين الذي عليه جبلت العرب، لأنها أمة تؤثر مسموع المدح والثناء من الخلق ~~على ما تناله من الراحة، فتجهد في طلب الثناء من الخلق ما لم تجهد أمة ~~غيرها، فكيف بها إذا كان ما دعيت إليه ثناء الحق عليها، وتخليد ذلك لها في ~~كلام ربها، فتنال بذلك ماهو فوق مقصودها، مما جبلت عليه من إيثار السماع ~~على العين، بخلاف ما عليه سائر الأمم. # ثم قال: وفيه إغناء العرب عن أعمال أفكارها في تكسب العلم والحكمة، ~~لتستخرج منه أحكاما، ms131 فكان في تلاوة الآيات عليهم إغناؤهم عن الاستدلال ~~بالدلائل، وأخذ الأمور بالشواهد، وتولى الله ورسوله تعليمهم ليكون شرف ~~المتعلم بحسب علاء من علمه، ففضل علماء العرب على سائر العلماء كفضل النبي، ~~- صلى الله عليه وسلم -، على معلمهم ممن سواه، - صلى الله عليه وسلم - ~~انتهى. ### | {ويزكيكم} # قال الحرالي: أنبأهم بأن هذا التنزيل لأنفسهم بمنزلة الغذاء للأبدان، ~~فكما تتنامى أجسادهم بماء المزن، ومامنه، فكذلك تتنامى أنفسهم بأحكام ~~الكتاب وتلاوة # PageV01P277 # الآيات، وذلك زكاؤها ونماؤها، لتتأكد فيهم رغبتهم، لأن للمغتذي رغبة في ~~الغذاء إذا تحققه، فمن علم أن التزام الأحكام غذاء لنفسه حرص عليها، ومتى ~~نمت النفس وزكت قويت على ما شأنها أن تناله قواها، كما أن البدن إذا قوى ~~بالغذاء تمكن مما شأنه عمله - انتهى. ### | {ويعلمكم الكتاب} # قال الحرالي: أي الفقه فيه. # {والحكمة} # قال الحرالي: فخص تعليم الحكمة من عموم تعليم الكتاب، لأن التوسل ~~بالأحكام جهد عمل، والتوسل بعلم الحكمة يسر منال عقل، لأن الحكمة منال ~~الأمر الذي فيه [عسر، بسبب فيه] يسر، فينال الحكيم بحكمته، لاطلاعه على ~~إفضاء مجعول الأسباب بعضها لبعض، مما بين أسباب عاجل الدنيا ومسببات آجل ~~الآخرة - ما لا يصل إليه جهد العامل الكادح، وفي تكملة الكتاب والحكمة ~~بكلمة "ال" إنهاء إلى الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة، بما يعلمه الأولون ~~والآخرون. # ثم قال: وبذلك كان، - صلى الله عليه وسلم -، يتكلم في علوم الأولين ~~بكلمات يعجز عنها إدراك # PageV01P278 # الخلق، نحو قوله، - صلى الله عليه وسلم -: "استاكوا بكل عود، ما خلا الآس ~~والرمان، فإنهما يهيجان عرق الجذام" لأن الخلق لا يستطيعون حصر كليات ~~المحسوسات، غاية إدراكهم حصر كليات المعقولات، ومن استجلى أحواله، - صلى ~~الله عليه وسلم -، علم اطلاع حسه على إحاطة المحسوسات، وإحاطة حكمها ~~وألسنتها؛ ناطقها وأعجمها حيها وجمادها جمعا، لما في العادة حكمة ولما في ~~خلق العادة آية. # ثم قال: فعلى قدر ما وهب الله، سبحانه وتعالى، العبد من العقل يعلمه من ~~الكتاب والحكمة، يؤثر عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: "كان رسول ~~الله، يكلم أبا بكر، رضي ms132 الله تعالى عنه، فكأنما يتكلمان بلسان أعجمي، لا ~~أفهم مما يقولان شيئا". # ولما كان انتهاء ما في الكتاب عند هذه الغاية أنبأ تعالى أن رسوله، - صلى ~~الله عليه وسلم - يعلمهم مالم يكن في كتابهم مثال علمه، ففيه إشعار بفتح ~~وتجديد فطرة يترقون لها إلى مالم يكن في كتابهم علمه - انتهى. # PageV01P279 # ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم، ولوقائعهم ولأيامهم، جعل، سبحانه ~~وتعالى، ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، كما جعل كتابه عوضا من أشعارهم، وهز ~~عزائمهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم - انتهى. ### | {إن الله مع الصابرين} # قال الحرالي: وأيسر الصبر صبر النفس عن كسلها، بأخذها بالنشاط فيما كلفت ~~به، {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} و {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ~~فمتى يسر الله، سبحانه وتعالى، عليها الجد والعزيمة جعل لها فيما كانت تصبر ~~عليه في الابتداء الاستحلاء فيه، وخفت عنها وظيفة الصبر، ومتى لم تصبر في ~~كسلها، وعلى جدها تدنست فنالها عقوبات يكون الصبر عليها أشد من الصبر ~~الأول، كما أن [من] صبر عن حلو الطعام لم يحتج أن يصبر على مر الدواء، فإن ~~تحملت الصبر على عقوبات ضياع الصبر الأول، تداركها نجاة من اشتداد العقوبة ~~عليها، وإن لم تتصبر على تلك العقوبات وقعت في مهالك شدائد العذاب، فقيل ~~لأهلها: {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم}. # ثم قال: فبداية الدين صبر، وخاتمته يسر، فإن من كان من الله، سبحانه # PageV01P280 # وتعالى، معه رفع عنه مرارة الصبر، بوضع حلاوة الصحبة التي تشعر بها كلمة ~~[مع]- انتهى. # قال الحرالي: ولما كان الصبر لله إنما هو حمل النفس على ما تعهد فيه ~~كرهها، أنبأهم الحق، تعالى، أن الصبر له ليس على المعهود، وأنه يوجد فيه ~~عند تجشمه حلاوة لذة الحياة، وإن كان ذلك مما لا يناله شعور الذين آمنوا، ~~لخفائه عن إدراك العقول، فأنبأهم بما يحملهم على تجشم الصبر في الجهاد في ~~سبيل الله فقال: {ولا تقولوا} عطفا على متجاوز أمور تقتضيها بركة الجهاد - ~~انتهى. ### | {أموات بل أحياء} # قال الحرالي: فكأنه، ms133 تعالى، ينفي عن المجاهد مثال المكروه من كل وجه، حتى ~~في أن يقال عنه إنه ميت، فحماه من القول الذي هو عندهم من أشد غرض أنفسهم، ~~لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر. # ثم قال: وأبهم أمرهم في هذه السورة، ونفى عنهم القول، لأن هذه سورة ~~الكتاب المدعو به الخلق، وصرح بتفضيله في آل عمران، لأنها سورة قيام الله ~~الذي به تجلى الحق، فأظهر غيب أمره في سورة إظهار أمره، وأخفاه في سورة ~~ظاهر دعوتهم - انتهى. # {ولكن لا تشعرون} # قال الحرالي: قال ذلك نفيا بكلمة "لا " ومثال الدوام، ففيه # PageV01P281 # إعلام بأن الذين آمنوا ليس في رتبتهم الشعور به أصلا، إلا أن يرقيهم الله ~~بنماء سن القلوب، وصفاء الأنفس، إلى ما فوق ذلك من سن المؤمنين إلى سن ~~المحسنين، الذين يشهدون من الغيب مالا يشهده من في رتبة الذين آمنوا - ~~انتهى. ### | {ولنبلونكم} # قال الحرالي: فالصبر الأول أي في: {إن الله مع الصابرين} عن الكسل وعلى ~~العمل، والصبر الثاني أي في: {وبشر الصابرين} على مصائب الدنيا، فلذلك ~~انتظم بهذه الآية؛ آية: {ولنبلونكم} عطفا وتجاوزا لأمور يؤخذ بها من لم ~~يجاهد في سبيل الله ضعفا عن صبر النفس عن كره القتال: {يا أيها الذين ~~آمنوا} {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} فمن لم يحمل الصبر الأول على الجهاد ~~أخذ بأمور هي بلايا في باطنه، تجاوزها الخطاب فانعطف عليها {ولنبلونكم بشيء ~~من الخوف} وهو حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها {والجوع} وهو غلبة الحاجة إلى ~~الغذاء على النفس، حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته، فإذا كان على ~~غير غلبة مع حاجة فهو الغرث، فلذلك في الجوع بلاء ما، والغرث عادة جارية. # وقال أيضا: الجوع: فراغ الجسم عما به قوامه، كفراغ النفس عن الأمنة التي ~~لها قوام ما، فأفقدها القوامين: في ذات نفسها بالخوف، وفي بدنها بالجوع، ~~لما لم تصبر على كره الجهاد، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه أهون من الصبر ~~على الخوف # PageV01P282 # والجوع. وإنما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف، حيث خافوا الأعداء ~~على ms134 أنفسهم، فجاءهم إلى مواطنهم، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح، جاء الطبيب ~~لهلاكه، وشتان بين خوف الغازي للعدو في عقره، وبين خوف المحصر في أهله، ~~وكذلك شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده، و {خير الزاد التقوى} في سبيله ~~لجهاده، وبين جوع المتخلف في عيلته - انتهى. # {ونقص من الأموال} # قال الحرالي: لأن ذلك عرف استعمالهم في لفظ المال. # وقال أيضا: [والمال] ماهو للمتمول بمنزلة الجزء منه عنده لماله لذلك منه، ~~تضاعف، تعالى، مثال البلاء في ذوات أنفسهم وأبدانهم، ليقطع عنهم راحة تطلع ~~الكفاية من الأموال، في مقابلة ما ينال المجاهد من الغناء والرزق، فالمجاهد ~~آمن في جيشه، متزود في رحله، غانم من عدوه، والمتخلف خائف في أهله، جائع في ~~عيلته، ناقص المال من ذات يده - انتهى. # {والأنفس} # قال الحرالي: فيه إشعار بأن من جاهد كثر عدده ونما ولده، وأن من تكاسل قل ~~عدده، ودرج خلفه، وفي ضمنه إشعار بمنال # PageV01P283 # المتكاسل حواصد من جوارف الآجال من الوباء والطاعون وغيره - انتهى. # {وبشر الصابرين} # وقال الحرالي: ولما كان هذا البلاء في تكاسل من الصبر الأول، كما قال ~~تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وكان مما يتداركه ~~صبر عليه، تدارك، تعالى، هذه الرتبة ببشرى الصابرين من هلكة ما ينال من لم ~~يصبر على هذه المصيبة وضجر منها وتسخط فيها، فكان للصابر الأول الصحبة ~~بقوله: {إن الله مع الصابرين}. # ولما كان للصابر الثاني البشرى بالسلامة من عقوبة الآخرة ومنالهم لما ~~نولهم، وشتان بين من كان الله معه، وبين من قيل لنبيه: بشره بصبره على بلاء ~~التخلف. # ولما كان للأنفس مدخل في تحمل الصبر شرفا وحفيظة على الأحساب والرتب ~~الدنيوية - خلص، تعالى، الصابرين له من الصابرين تطبعا وتحاملا فقال: ~~{الذين إذا # PageV01P284 # أصابتهم} من الإصابة وهو وقوع المسدد على حد ما سدد له من موافق لغرض ~~النفس أو مخالف لها. "مصيبة" خصيصة، عرف الاستعمال بما لا يوافق تكرها ~~لخصوص ذكره - انتهى. # {إنا لله وإنا إليه راجعون} # قال الحرالي: لتكون ذلك غاية في إسلام ثمراتهم ms135 وأموالهم وما نقصوا من ~~أنفسهم، فحين لم يجاهدوا في سبيل الله فأصابتهم المصائب كان تلافهم أن ~~يسلموا أمرهم لله ويذكروا مرجعهم إليه، ويشعروا أن ما أخذ من أنفسهم وما ~~معها ذخيرة عنده، فيكون ذلك شاهد إيمانهم ورجائهم للقائهم، فتقع مجاهدتهم ~~لأنفسهم في ذلك بموقع جهادهم في سبيل الله الذي فاتهم، وجعلها جامعة مطلقة ~~لكل من أصابته مصيبة فاسترجع بها ثبت أجره بما أصيب، وتلاقاه الله ~~بالاهتداء إلى ما تقاصر عنه قبل ذلك، قال: {أولئك} خطابا لنبيه، واستحضارا ~~لهم بمحل بعد عن قربه وغيبة عن إقباله عليهم، قال: {عليهم صلوات} صلاة الله ~~على عباده هي إقباله عليهم بعطفه؛ إخراجا لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور، ~~قال: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} فبصلاتهم ~~عليهم إخراجهم من جهات ما أوقعهم في وجوه تلك # PageV01P285 # الابتلاءات، فلذلك كان ذلك صلوات بالجمع، ولم يكن صلاة، ليعدد ما أصابهم ~~منه عدد تلك الابتلاءات. # وفي قوله تعالى: {من ربهم} إشعار بتدريجهم في ذلك بحكم تربية وتدارك ~~الأحوال ما أصابهم، قال تعالى: {ورحمة} إفرادا لمنالها لهم بعد متقدم ~~الصلوات عليهم، فنالتهم الرحمة جمعا، حين أخرجتهم الصلوات أفرادا. # قال تعالى: {وأولئك} إشارة إلى الذين نالتهم الصلوات والرحمة، فأبقاهم مع ~~ذلك في محل بعد في الحضرة، وغيبة في الخطاب، {هم المهتدون} فجاء بلفظ "هم " ~~إشعار بصلاح بواطنهم عما جره الابتلاء من أنفسهم - انتهى. ### | {إن الصفا والمروة من شعائر الله} # اسم "الصفا" من الصفوة، وهو ما يخلص من الكدر، واسم "المروة" من المرو، ~~وهو ما تحدد من الحجارة. قاله الحرالي. # وقال الحرالي: لما تقدم ذكر جامعة من أمر الحج في قوله، سبحانه وتعالى: ~~{ولأتم نعمتي عليكم} من حيث إن النعمة المضافة إليه أحق بنعمة الدين، وفي ~~ضمنها نعمة الدنيا التي لم يتهيأ الحج إلا بها من الفتح والنصر والاستيلاء ~~على كافة # PageV01P286 # العرب، كما قال، تعالى، فيما أنزل يوم تمام الحج الذي هو يوم عرفة: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} وذلك بما أتم الله سبحانه ms136 ~~وتعالى، عليهم من نعمة تمام معالم الدين، وتأسيس الفتح بفتح أم القرى، التي ~~في فتحها فتح جميع الأرض، لأنها قيام الناس. نظم، تعالى، بما تلاه من ~~الخطاب تفصيلا من تفاصيل أمر الحج، انتظم بأمر الذين آمنوا، من حيث ما في ~~سبب إنزاله من التحرج للذين أعلموا برفع الجناح عنهم، وهم طائفة من ~~الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، فتحرجوا من التطوف بين ~~الصفا والمروة، وطائفة أيضا خافوا أن يلحقهم في الإسلام بعملهم، نحو ما ~~كانوا يعملونه في الجاهلية، نقص في عمل الإسلام، فأعلمهم الله، سبحانه ~~وتعالى أن ذلك موضوع عنهم، لمختلف نياتهم، فإن الأعمال بالنيات، فما نوى ~~لله كان لله، ولم يبل فيه بموافقه ما كان من عادتهم في الجاهلية. # وفي فقهه صحة السجود لله، سبحانه وتعالى، لمن أكره على السجود للصنم، وفي ~~طي ذلك صحة التعبد لله بكلمة الكفر لمن أكره عليه، أذن، # PageV01P287 # - صلى الله عليه وسلم -، غير مرة في أن يقول فيه قائل ما يوافق الكفار ~~بحسن نية للقائل في ذلك، ولقضاء حاجة له من حوائج دنياه عند الكفار، فظهر ~~بذلك كونه، - صلى الله عليه وسلم -، رحمة للعالمين، يقبل الضمائر، ولم يبال ~~بالظواهر في أحوال الضرائر، فرفع الله، سبحانه وتعالى، عنهم الجناح بحسن ~~نياتهم وإخلاصهم لله، سبحانه وتعالى، عملهم، فبهذا النحو من التقاصر في هذه ~~الرتبة، انتظم افتتاح هذا الخطاب بما قبله من أحوال الذين آمنوا من ~~المبتلين بما ذكر - انتهى. # وقال الحرالي: وهي "أي الشعائر" ما أحست به القلوب من حقه. وقال: ~~والشعيرة: ما شعرت به القلوب من أمور باطنة. {ذلك ومن يعظم شعائر الله ~~فإنها من تقوى القلوب} وإنما ذكرها، تعالى، بالشعائر وعملها معلم [من] ~~معالم الإسلام وحرمة من حرم الله، لما كان حكم في أمر القلوب التي كان في ~~ضمائرها تحرجهم، فمن حيث ذكرها بالشعيرة صححها الإخلاص والنية. # {فمن حج البيت} ذكر البيت في الحج، والمسجد الحرام في التوجه لانتهاء ~~الطواف إلى البيت، واتساع المصلى من حد المقام إلى ما وراءه، لكون الطائف ms137 ~~منتهيا إلى البيت، وكون المصلي قائما بمحل أدب يؤخره عن منتهى الطائف ~~مداناة المبيت، # PageV01P288 # وذكره، تعالى، بكلمة "من" المطلقة المستغرقة لأولي العقل، تنكبا بالخطاب ~~عن خصوص المتحرجين، ففي إطلاقه أشعار بأن الحج لا يمنعه شيء مما يعرض في ~~مواطنه من مكروه الدين، لاشتغال الحاج بما هو فيه عما سواه، ففي خفي فقهه ~~إعراض الحاج عن مناكر تلك المواطن التي تعرض فيها بحسب الأزمان والأعصار، ~~ويؤكد ذلك أن الحج آية الحشر، وأهل الحشر: {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} ~~فكذلك حكم ماهو آيته، وحج البيت إتيانه في خاتمة السنة من الشهور، الذي هو ~~شهر ذي الحجة أنه ختم العمر، كما كان النبي، - صلى الله عليه وسلم -، حيث ~~ختم الله، سبحانه وتعالى، عمره بعمل الحج؛ قال سبحانه وتعالى: {أو اعتمر} ~~فذكر العمرة مع الحج لما كان الطواف بين الصفا والمروة من شعائر العملين ~~{فلا جناح} وهو المؤاخذة على الجنوح، والجنوح الميل عن جادة القصد - انتهى. # {عليه أن يطوف بهما} # قال الحرالي رفع الجناح عن الفعل حكم يشترك فيه الجائز والواجب والفرض ~~والمباح، حتى يصح أن يقال: لا جناح عليك أن تصلي الظهر، كما يقال: لا جناح ~~عليك أن تطعم إذا جعت، وإنما يشعر بالجواز والتخيير # PageV01P289 # نفي الجناح عن الترك لا عن الفعل، كما قال، عليه الصلاة والسلام، للذين ~~سألوه عن العزل: "لا جناح عليكم ان تفعلو" أي أن لا تنزلوا، لأن الفعل ~~كناية عن الثبوت لا عن الترك الذي هو معنى العزل، وهو الذي قررته عائشة، ~~رضي الله تعالى عنها، لما قال عروة: ما أرى على أحد شيئا أن لايطوف بهما، ~~فقالت: لو كان كما تقول كان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما - الحديث. # قال الحرالي: وما روى من قراءة من قرأ: "أن لا يطوف بهما" فليست "لا" ~~نافية، على حد ما نفت معناه عائشة، رضي الله عنها، وإنما هي مؤكدة للإثبات، ~~بمنزلة: {ما منعك ألا تسجد} و {ليلا لئلا يعلم أهل الكتاب} لأن من تمام ~~المبهم استعماله في المتقابلين من ms138 النفي والإثبات، وكذلك جاءت "لا" في لسان ~~العرب بمنزلتها في الاستعمال، وإن كان دون ذلك في الشهرة، فوارد القرآن ~~معتبر بأعلى رتبة لغة العرب وأفصحها، لا يصل إلى تصحيح عربيته من اقتصر من ~~النحو والأدب على ما دون الغاية، لعلوه في رتبته العربية: {إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} - انتهى. # قال الحرالي: وذكره، تعالى، بالتطرف الذي هو تفعل أي تشبه بالطواف، ومع ~~البيت بالطواف في قوله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين} لما كان السعي ترددا # PageV01P290 # في طول، والمراد الإحاطة بهما، فكان في المعنى كالطواف لا في الصورة، ~~فجعله لذلك تطوفا أي تشبها بالطواف - انتهى. # {ومن تطوع} # قال الحرالي أي كلف نفسه معاهدة البر والخير من غير استدعاء له، {خيرا} ~~فيه إعلام بفضيلة النفقة في الحج والعمرة بالهدي ووجوه المرافق للرفقاء، ~~بما يفهمه لفظ الخير، لأن عرف استعماله في خير الرزق والنفقة، كما قال ~~تعالى: {وإنه لحب الخير لشديد}. و {إن ترك خيرا}. # ولما كان رفع الجناح تركا عادلها في الخطاب بإثبات عمل خير، ليقع في ~~الخطاب إثبات يفيد عملا حين لم يفد الأول إلا تركا، فمن تحقق بالإيمان أجزل ~~نفقاته في الوفادة على ربه واختصر في أغراض نفسه، ومن حرم النصف من دنياه ~~اقتصر في نفقاته في وفادته على ربه، وأجزل نفقاته في أغراض نفسه وشهوات ~~عياله، فذلك علم من أعلام المؤمنين، وأعلام الجاهلين، من وفد على الملك ~~أجزل ما يقدم بين يديه، وإنما قدمه بالحقيقة لنفسه لا لربه، فمن شكر نعمة ~~الله بإظهارها حين الوفادة عليه، في آية بعثه إليه ولقائه له، شكر الله له ~~ذلك يوم # PageV01P291 # يلقاه، فكانت هدايا الله له يوم القيامة أعظم من هديه إليه يوم الوفادة ~~عليه في حجه وعمرته. # {فإن الله شاكر عليم} # قال الحرالي: وقوله {عليم} فيه تحذير من مداخل الرياء والسمعة في إجزال ~~النفقات، لما يغلب على النفس من التباهي في إظهار الخير - انتهى. ### | {إن الذين يكتمون ما أنزلنا} # قال الحرالي: فانتظمت هذه الآية أي في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في ms139 أوله ~~من قوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} فكانت ~~البداية خاصة، وكان الختم عاما، ليكون ما في كتاب الله أمرا على نحو ما كان ~~أمر محمد، - صلى الله عليه وسلم -، ومن تقدمه من الرسل خلقا، لينطبق الأمر ~~على الخلق بدءا وختما، انطباقا واحدا، فعم كل كاتم من الأولين والآخرين - ~~انتهى. # {من البينات} # قال الحرالي: ففي إفهامه إذن في كتم ما يخفى من العلم عن عقول لم تصل ~~إليه - انتهى. # {من بعد ما بيناه للناس} # قال الحرالي: لأن المسمين بالناس من أصاغر سن القلوب، لما ذكر من نوسهم، ~~وأكثر ما يخص به، كما تقدم، الملوك ورؤساء # PageV01P292 # القبائل وأتباعهم الذين زين لهم حب الشهوات - انتهى. # {في الكتاب} # قال الحرالي: فما بينه الله، سبحانه وتعالى، في الكتاب لايحل كتمه، لما ~~ذكر من أن الكتاب هو ما احتوى على الأحكام والحدود، بخلاف ما يختص ~~بالفرقان، أو يعلو إلى رتبة القرآن - انتهى. # {ويلعنهم اللاعنون} واللعن: إسقاط الشيء إلى أردى محاله، حتى يكون في ~~الرتبة الفعل من العامة. قاله الحرالي. # {فأولئك أتوب عليهم} وفي الربط بالفاء إشارة إلى إسراع استنفاذ توبة الله ~~عليهم، من نار الخوف والندم، رحمة منه لهم برفعهم إلى موطن الإنس، لأن نار ~~الخوف في الدنيا للمقترف رحمة من عذاب النار؛ تفدية من نار السطوة في ~~الآخرة، من لم يحترق بنار المجاهدة أحرقته نار الخوف، فمن لم يحترق بنار ~~الخوف أحرقته نار السطوة. أفاده الحرالي. ### | {وماتوا وهم كفار} # قال الحرالي: ففي إشعاره يسر توبة الكافرين وعسر توبة المنافقين، من حيث ~~صرح بذكر توبة الكاتم، وتجاوز في الذكر توبة الكافر، فكان الذين كفروا ~~يتوبون إلا الأقل، والذين يكتمون يتمادون إلا الأقل، فلذلك # PageV01P293 # [وقع] الاستثناء في الكاتم، والتخصيص من الكافر - انتهى. # {لا يخفف عنهم العذاب} # وقال الحرالي: ذكر وصف العذاب بذكر ما لزمهم من اللعنة، ليجمع لهم بين ~~العقابين: عقابا من الوصف، وعقابا من الفعل، كما يكون لمن يقابله نعيم ورضى ~~- انتهى. # {ولا هم ينظرون} # قال الحرالي: من النظرة، وهو التأخير المرتقب ms140 نجازه. # قال الحرالي: ففيه إشعار بطائفة، أي من عصاة المؤمنين، يؤخر عذابهم، وفي ~~مقابلة علم الجزاء بأحوال [أهل] الدنيا تصنيفهم بأصناف في اقتراف السوء، ~~فمن داومه داومه العذاب، ومن أخره وقتا ما في دنياه أخر عنه العذاب، ومن ~~تزايد فيه تزايد عذابه، وذلك لكون الدنيا مرزعة الآخرة، وأن الجزاء بحسب ~~الوصف: {سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم} - انتهى. ### | {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} # وقال الحرالي: ولما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، والتعريف بحق ~~الحق على الخلق، وإظهار مزايا من اصطفاه الله، تعالى، ممن شملهم أصل ~~الإيمان، من ملائكته وأنبيائه ورسله، ومن يلحق بهم من أهل ولايتهم، وإظهار ~~شواهد ذلك منهم، وإقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم أتباعهم، وكان ~~الضار للخلق إنما هو الشتات، كان النافع لهم إنما هو الوحدة، فلما أظهر ~~لهم، تعالى، مرجعهم إلى وحدة أبوة آدم، عليه السلاة والسلامة، في # PageV01P294 # جمع الذرية ووحدة أبوة إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، في جمع الإسلام، ~~ووحدة أحمدية محمد، - صلى الله عليه وسلم -، في جمع الدين، فاتضج لهم عيب ~~الشتات والتفرق، وتحقق لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات - كان ذلك آية ~~على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية في أمر الحق. # وفي إفهام ذلك وحدات مايظن في ظاهر الوحدات الظاهرة؛ من وحدة الروح ووحدة ~~النفس والعقل، فقال، تعالى، عطفا على ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة، وما ~~أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة: {وإلهكم إله واحد} فإذا قبح الشتات مع ~~وحدة الأب الوالد، فكيف به مع وحدة الأب المدين! فكيف به مع وحدة النبي ~~المكمل! فكيف به مع وحدة الإله الذي هو: {الرحمن} الذي شمل خلقه رحمانية! ~~{الرحيم} الذي اختص أولياءه وأصفياءه عناية، فجمعهم بوحدته التي هي قائم كل ~~وحدة دونه! فجميع أسمائه لها وحدة تنتهي # PageV01P295 # وحدتها إلى وحدة الإله الذي انتهى إليه الإله، وهو تعبد الظاهر، لإلجاء ~~المتعبد إليه في كل حاجاته، وإقامات الظاهرة والباطنة، ولا أتم من وحدة ما ~~لا يتصوره العقل، ولا يدركه ms141 الحس في علو وحدة الغيب، الذي لا يبدو فيه ذات، ~~فيكون لها أو فيها كميات ولا كيفيات. # ثم قال: وقد صح بالتجربة أن الراحة في صحبة الواحد، وأن التعب في اتباع ~~العدد، لاختصاص كل واحد بقصد في التابع. يتشاكس عليه لذلك حال أتباعهم، ~~فكان أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية؛ انتظاما بما ~~دعوا إليه من الاجتماع في اسم الربوبية في قوله، تعالى، متقدما: {يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم} فإعلام الخطاب من رتبة الربوبية إلى رتبة هذه الدعوة ~~بالإلهية لتعلو من هذا الحد إلى الدعوة إلى الله الأحد، الذي أحديته مركوزة ~~في كافة فطر الخلق وجبلاتهم، حين لم يقع الشرك فيه بوجه، وإنما وقع في رتبة ~~الإلهية، فكان هذا أوسط الدعوة بالاجتماع في وحدة الإلهية، وفي إضافة اسم ~~الإله إليهم أتم تنزل بمقدار معقولهم من تعبدهم الذي هو تألههم. ولما كان ~~في الإلهية دعوى كثرة توهم الضلال المبين اتبع ذلك بكلمة التوحيد، بناء على ~~اسمه المضمر في باطن ظاهر الإلهية، فقال # PageV01P296 # تعالى: {لا إله إلا هو} ردا على إضمار ما في الأول، ولم يذكر اسمه المظهر ~~ليكون للدعوة إليه رتبة عالية، تكون هذه منقولا إليها. # ولما كان هذا التوحيد الإلهي أمر غيب من الإله أظهره، سبحانه وتعالى، ~~بمظهر الرحمانية المحيطة الشاملة، والرحيمية، الاختصاصية لما عند الخلق من ~~شاهد ذلك فيما يجدونه من أثر الرحمانية في دنياهم وأثارهم، وما يجدون من ~~آثار الرحيمية [في اختصاصهم المزية في تضاعف رحمته، فكان في مجموع هذه ~~الآية أعظمية من غيب الإلهية إلى تمام الاختصاص الرحيمية -]، فلذلك كانت ~~هذه الآية مع آية الإحاطة في [أول] آل عمران الجامعة لمقابلة ما في هذه ~~الآية من خصوص الرحيمية، مع خصوص مقابلها من وصف الانتقام الظاهر عن وصف ~~العزة الذي أبداه قوله سبحانه وتعالى: {والله عزيز ذو انتقام} فكانت هذه ~~الآية لذلك مع: {الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم} اسم الله الأعظم ~~المحيط بالغيب والشهادة جمعا للرحمة والنقمة في الظاهر، وإحاطة عظمة في ms142 ~~الباطن، فكان هذا الحد من علو الخطاب ابتداء رفع الخلق إلى التعلق باسم ~~الله # PageV01P297 # الأعظم، الذي يرفعهم عن سفل تقيدهم بأنفسهم المحقرة؛ إظهارا لمبدإ ~~العناية بهذه الأمة الخاتمة - انتهى. # وقال الحرالي: ولما كان من سنة الله أن من دعاه إليه وإلى رسله بشاهد خرق ~~عادة في خلق أو أمر، عاجله بالعقوبة في الدنيا، وجدد بعده أمة أخرى، كما ~~قال، سبحانه وتعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} ~~وكانت هذه الأمة خاتمة ليس بعدها أمة غيرها، أعفاها ربها من احتياجها إلى ~~خرق العوائد، قال عليه الصلاة والسلام: "ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ~~ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان الذي أتاني الله وحيا أوحاه الله سبحانه ~~وتعالى إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا" فكان أمر الاعتبار أعم إجابة، ~~وأسمح مخالفة، وكفاها بما قد أظهره [لها] في خلقه بالإبداء والتخير من ~~الشواهد، ليكونوا علماء منقادين لروح العلم، لا لسلطان القهر، فيكون ذلك من ~~مزاياهم على غيرهم، ولم ينجبها إلى ما سألته من ذلك. # فلما وضل، تعالى، بدعوة الربوبية ذكر الخلق والرزق، وذكر الأرض بأنها # PageV01P298 # فراش، والسماء بأنها بناء، على عادة العرب في رتبة حس ظاهر - أعلاهم في ~~هذا الخطاب بإيراد آياته وشواهده على علو رتبة معنى معقول فوق رتبة الأمر ~~المحسوس [السابق فقال: {إن في خلق السماوات والأرض} خطابا مع من له نظر ~~عقلي، يزيد على نظر الحس] باعتبار السموات أفلاكها، وعددها بشواهد نجومها، ~~حتى يتعرف أنها سموات معدودة، وذلك مما يظهر موقعه عند من له اعتبار في ~~مخلوق السموات، ولما لم يكن للأرضين شواهد محسوسة بعددها، كما في السموات، ~~لم يجر ذكرها في القرآن إلا مفردة، وجاء ذكر السموات معددة لأهل النظر ~~العقلي، ومفردة لأهل النظر الحسي، وأيسر معتبر مابين السموات والأرض في ~~مقابلة حظيهما في كون السموات في حد من العلو والصفاء والنورانية والحركة، ~~والأرض في مقابل ذلك من السفل والكثافة والظلمانية والسكون، فيقع الاعتبار ~~بحصول مشهود التعاون من مشهود التقابل، وذلك مما ms143 يعجز الخلق، فيعلمون أنه ~~من أمر الحق، لأن الخلق إنما يقع لهم التعاون بالمتناسب لا بالمتقابل، فمن ~~آلته الماء مثلا تفسد عليه النار، ومن آلته النار يفسد عليه الماء والحق، ~~سبحانه وتعالى، أقام للخلق # PageV01P299 # والموجودات والموالد آحادا مجتمعة، قد قهر فيها متنافرات موجودات ~~الأركان، وموجود خلق السماء والأرض المشهود تقابلهما، فما وقع اجتماع النار ~~بالماء على تقابل مابين الحار والبارد، واجتماع الهواء بالأرض على تقابل ~~مابين الكثيف واللطيف، واجتماع الكل في شيء واحد من جسم واحد، وعضو واحد، ~~حتى في جزء واحد من أدق أجزائه، إلا بأمر يعجز عنه الخلق، ولا يقدر عليه ~~إلا الحق، الذي يحار فيه الخلق، فهو إذن إلههم الذي هو إله واحد، آثاره ~~موجودة في أنفسهم، وشواهده مبصرة بأعينهم، وحقائق تلك الشواهد بادية ~~لعقولهم، فكأنه، سبحانه وتعالى، أقرأهم ذكره الحكيم المرئي لأعينهم كشفا ~~لغطاء أعينهم، ليتميزوا عن الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره. # ولما ذكر، سبحانه وتعالى، خلق متقابل العلو والسفل، في ذكر السموات ~~والأرض، نظم بها اختلاف الأفقين اللذين فيهما ظهور مختلفي الليل والنهار، ~~ليتربع اعتبارهم بين اعتبار الأعلى والأسفل، والمشرق والمغرب، فيقع شواهد ~~الإحاطة بهم عليهم في توحيد ربهم، وإرجاع ذلك إليه، دون أن يعزى ذلك إلى ~~شيء من دونه، مما هو داخل في حصر موجود هذه الإحاطة من المحيط الأعلى، ~~والمحيط # PageV01P300 # الأسفل، والمحيط بالجوانب كلها من ملبس الآفاق من الليل والنهار: خطاب ~~إجمال يناسب مورد السورة التي في موضوعها إجمالات ما يتفسر فيها، وفي سائر ~~القرآن، من حيث إنها فسطاطه وسنامه - انتهى. ### | {والفلك} # قال الحرالي: استوى واحده وجمعه، حركات الواحد أول في الضمير، وحركات ~~الجمع ثوان في الضمير، من حيث إن الواحد أول، والجمع ثان مكسر - انتهى. # {التي تجري في البحر} # وقال الحرالي: ولما ذكر، سبحانه وتعالى، جملة الخلق وجملة الاختلاف في ~~الوجهين، وصل يذلك إحاطة البحر بالأرض، وتخلل التجار فيها، لتوصل المنافع ~~المحمولة في الفلك، مما يوصل من منافع المشرق للمغرب، ومنافع المغرب ~~للمشرق، ومنافع الشمال للجنوب وبالعكس، فما حملت جارية ms144 شيئا ينتفع به إلا ~~وقد تضمن ذكره مبهم كلمة {ما} في قوله تعالى: {بما ينفع الناس} وذكرهم باسم ~~الناس الذي هو أول سن يقع فيه الاجتماع والتعاون والتبصر بوجه ما، أدنى ذلك ~~في منافع الدنيا الذي هو شاهد هذا القول - انتهى. # قال الحرالي: أبهم تعالى أمر الخلق والاختلاف والإجراء، فلم يسنده إلى ~~اسم من # PageV01P301 # أسمائه يظهره، وأسند إنزال الماء من السماء إلى اسمه العظيم الذي هو: ~~{الله} لموقع ظهور القهر على الخلق في استدرار أرزاق الماء واستجداده وقتا ~~بعد وقت، بخلاف مستمر ما أبهم من خلق السموات والأرض الدائم على حالة، ~~واختلاف الليل والنهار المستمر على وجهة، واحتيال إجراء الفلك الماضي على ~~حكم عادته، فأظهر اسمه فيما يشهد به عليهم ضرورتهم في كل حول، ليتوجهوا في ~~العبادة إلى علو المحل الذي منه ينزل الماء، فينقلهم بذلك من عبادة ما في ~~الأرض إلى عبادة من في السماء {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} ~~وقال، عليه الصلاة والسلام للأمة: "أين الله؟ قالت في السماء. قال: أعتقها؟ ~~فإنها مؤمنة" فإذن أدنى الإيمان التوجه إلى عبادة من في السماء، ترقيا إلى ~~علو المستوى على العرش، إلى غيب الموجود في أسرار القلوب، فكان في هذه ~~التوطئة توجيه الخلق إلى الإله الذي ينزل الماء من السماء، وهو الله الذي ~~لم يشرك به أحد سواه، ليكون ذلك توطئة لتوحيد الإله، ولذلك ذكر، تعالى، آية ~~الإلهية التي هي الإحياء، والحياة كل خروج عن الجمادية، من حيث إن معنى ~~الحياة في الحقيقة إنما هي تكامل في الناقص، فالمهتز حي بالإضافة إلى ~~الجماد، ترقيا إلى مافوق ذلك من رتب الحياة، من نحو حياة الحيوان ودواب ~~الأرض، فلذلك ذكر، تعالى، الإحياءين بالمعنى، وأظهر الاسم مع الأرض لظهوره ~~في الحيوان، فأظهر حيث خفى عن الخلق، ولم يذكره # PageV01P302 # حيث هو ظاهر بخلق، فنبههم على الاعتبارين إنزال الماء الذي لهم منه تراب، ~~ومنه شجر، وبه حياة الحيوان، ومنه مرعاهم. # {وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات} # وقال الحرالي: لما ذكر، تعالى، ms145 الأعلى والأسفل، ومطلع الليل والنهار من ~~الجانبين، وإنزال الماء إهواء، ذكر ما يملأ ما بين ذلك من الريح والسحاب ~~الذي هو ما بين حركة هوائية إلى استنارة مائية، إلى ما يلزم ذلك من بوادي ~~نيراته؛ من نحو صواعقه وجملة أحداثه. فكان في هذا الخطاب اكتفاء بأصول من ~~مبادئ الاعتبار، فذكر السماء والأرض والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب ~~والماء المنزل الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم، ليجعل لهم ذلك آية ~~على علو أمر وراءه، ويكون كل وجه منه آية على أمر من [أمر] الله، فيكون ~~آيات، لتكون في السماء آية على علو أمر الله، فيكون أعلى من الأعلى، وتكون ~~الأرض آية على باطن أمر الله، فيكون أبطن من الأبطن، ويكون اختلاف الليل ~~والنهار آية على نور بدوه وظلمة غيبته، مما وراء أمر الليل والنهار، ويكون ~~ما أنزل من الماء لإحياء الأرض وخلق الحيوان، آية ما ينزل من نور علمه على ~~القلوب، فتحيا بها حياة تكون حياة الظاهر # PageV01P303 # آية عليه، ويكون تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات على ~~تصريف ما بين أرض العبد الذي هو ظاهره، وسمائه الذي هو باطنه، وتسخير بعضه ~~لبعض ليكون ذلك آية على علو الله على سمائه العلي في الحس، وعلى سماء ~~القلوب العلية في الوجدان. # فلجملة ذلك جعل، تعالى، صنوف هذه الاعتبارات {لآيات لقوم} وهم الذين ~~يقومون في الأمر حق القيام، ففيه إشعار بأن ذلك لا يناله من هو في سن ~~الناس، حتى يتنامى طبعه وفضيلة عقله، إلى أن يكون من قوم يقومون في ~~الاعتبار قيام المنتهضين في أمور الدنيا، لأن العرب عرف استعمالها في القوم ~~إنما هو لأجل النجدة والقوة، حتى يقولون: قوم أو نساء، تقابلا بين ~~المعنيين، وذكر، تعالى، العقل الذي هو نور من نوره هدى لمن أقامه من حد ~~تردد حال الناس إلى الاستضاءة بنوره في قراءة حروف كتابه الحكيم، التي ~~كتبها بيده، وأغنى الأميين، بقراءة ما كتب لهم، عن قراءة كتاب ما كتبه ~~الخلق - انتهى. ### | {والذين آمنوا أشد حبا ms146 لله} # وقال الحرالي: ولما استحق القوم القائمون في أمر الله، سبحانه وتعالى، ~~هذا الاعتبار بما آتاهم الله من العقل، لم يكن من اتخذ من دون الله أندادا ~~مما يقال فيهم: قوم، بل يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدد، فكأنه، ~~سبحانه وتعالى، عجب ممن لم يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة ~~شواهده، البينة آثاره، فأنبأ أن طائفة من الناس، على المقابلة من ذلك ~~الاعتبار الظاهر لنور العقل في أخذهم لمقابل العقل، من الحرق الذي يقدم # PageV01P304 # في موضع الإحجام، ويحجم في موضع الإقدام، ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى ~~بواطنهم [فصار حبا كأنه وصلة بين بواطنهم] وقلوبهم وما اتخذوه من دون الله ~~أندادا. # ففيه إشعار بنحو مما أفصح به لبني إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد ~~قسوة، ففي كرم هذا الخطاب في حق العرب ستر عليهم، رعاية لنبيهم في أن يصرح ~~عليهم بما صرح على بني إسرائيل، ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ [ندا] من دون ~~الله فتلك لوصلة بين حال قلبه وحال ما اتخذ من دون الله، فمن عبد حجرا ~~فقلبه في القلوب حجر، ومن عبد نباتا فقلبه في القلوب نبات، وكذا من عبد ~~دابة، {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} كذلك إلى ما يقع معبودا من دون ~~الله مما بين أعلى النيرين، الذي هو الشمس، إلى أدنى الأوثان، إلى ما يقع ~~في الخلق من عبادة بعضهم بعضا، من نحو عبادة الفراعنة والنماردة، إلى ما ~~يلحق بذلك من نحو رتبة العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأهم، وفي ~~هذه الأمة، لأن من غلب عليه هوى شيء فقد عبده، فكأن عابد الشمس قلبه سعير، ~~وعابد النار قلبه نار، وعابد القمر قلبه زمهرير، ومن عبد مثله من الخلق فقد ~~عبد هواه. # PageV01P305 # {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} فمن عبد الله فهو الذي علا عن سواه من ~~المخلوقات، فعادل، سبحانه وتعالى، خطاب الأولين المعتبرين العقلاء بهذا ~~الصنف الذي انتهى أمرهم في الكفر إلى الحب، من حيث اعتلقت بواطنهم بهم فيما ~~شأنه ms147 أن يختص بالله من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء، والإعانة ~~للأولياء، فلما توهموا فيهم مرجى الإلهية ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله، ~~لأن المتعبد مؤتمر، ومبادر: فالمبادر قبل الأمر محب، والمجيب للأمر مطيع، ~~فالمحب أعلى في الطرفين. انتهى. # وقال الحرالي: قال تعالى: {ولو ترى} عطفا على متجاوز أمور من أمور ~~جزائهم، مما نالهم من عقوبات إثر كفرهم في الدنيا، قال، عليه الصلاة ~~والسلام: "إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء" إلى متمادي غاية رؤيتهم ~~العذاب، وفي قوله "ترى" بالتاء، إقبالا على النبي، - صلى الله عليه وسلم -، ~~تعجيب له بما ينالهم مما أصابوه، وفيه إشعار بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلي ~~محل رؤيته التي هي أتم الرؤية، وفي قوله: {يرى} بالياء تحسر عليهم، يشعر ~~بأن منالهم من رؤية العذاب، مما كان يزجرهم عما هم عليه، لو رأوه - انتهى. # {وأن الله شديد العذاب} # وقال الحرالي: موضع الرؤية في الحقيقة هو أن القوة لله جميعا، سلبا عن ~~جميع أندادهم الذين أحبوهم، وعن أنفسهم، كما قال # PageV01P306 # قائلهم: {نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} لكن لما كان رؤيتهم لذلك عن رؤية ~~مشهود العذاب الذي هو أتم العذاب، ذكر العذاب الذي هو ظاهر مرأى أن القوة ~~لله جميعا، وفي {أن القوة} إعلام باطلاعهم يوم هذه الرؤية على بواطن ~~أندادهم، وسلبها ما شأن البواطن أن تتحلى به من القوة، من حيث وصفهم لهم ~~بالحب الباطن، أطلعهم على سلب قواهم الباطنة بالرؤية التي هي باطن البصر ~~الذي هو باطن النظر. # ولما ذكر أمر القوة عطف عليه ما هو أمر القدرة فقال: {وأن الله شديد ~~العذاب} إكمالا للخطاب بظاهره، واستأنف معه الاسم العظيم لإظهار ما بين ~~غايتي الباطن والظاهر في أمر القدرة والقوة، ليكون مع المنظر الظاهر ~~بالقدرة اسم أظهره واستأنفه وقدم ذكره، كما كان مع المرأى الباطن بالقوة ~~اسم أضاف إليه وأنهى له، ليقع ما ولى أول الخطاب مقابل ما ختم به الخطاب، ~~فينعطف أوله على آخره، وآخره على أوله، باطنا لظاهر، وظاهرا لباطن، في ~~المتعاطفين جميعا ms148 في قوله: {أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} - ~~انتهى. ### | {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} # وقال الحرالي: قال ذلك إظهارا لإفصاح ما أفهمه مضمون الخطاب الأول، لتتسق ~~الآيات بعضها ببعض، فتظهر الآية ما في ضمن سابقتها، وتجمع الآية ما في ~~تفصيل لاحقتها، وإعلاء للخطاب # PageV01P307 # بما هو المعقول علمه، المتقدم إلى ما في الإيمان نبؤه، ليتم نور العقل ~~الذي وقع به الاعتبار بنور الإيمان، الذي يقع به القبول لما في الآخرة ~~عيانه، فمن عقل عبرة الكون الظاهر استحق إسماع نبأ الغيب الآتي. # ثم قال: بذا يتبرأ المتبرع في الذكر، لأنه الآخر في الكون، فكأنه في ~~المعنى: إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه في الآخرة، كما كان عهد منه [أن ~~يعيذه في الدنيا فيتبرأ منه] لما ذكر، تعالى، من {أن القوة لله جميعا} ~~ولذلك اتصل ذكر التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم - انتهى. # {ورأوا العذاب} # وقال الحرالي: قاله ردا للإضمار على الجميع، وفيه إشعار بأن ذلك قبل غلبة ~~العذاب عليهم، وفي حال الرؤية، ففيه إنباء بأن بين رؤيتهم العذاب وبين ~~أخذهم به مهل يقع في خصومتهم وتبرؤهم وإدراكهم للحق الذي كان متغيبا عنهم ~~في الدنيا، بما فتن بعضهم ببعض - انتهى. # {وتقطعت} أي تكلفت وتعمدت القطع، وهو بين المتصل. أشار إليه الحرالي. # {بهم الأسباب} # قال الحرالي: وفيه إشعار بخلو بواطنهم من التقوى، ومن # PageV01P308 # استنادهم إلى الله، سبحانه وتعالى، في دنياهم، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا ~~تسبب بعضهم ببعض، فتقطعت بهم الأسباب، ولم يكن "لهم"، لأن ذلك واقع بهم في ~~أنفسهم، لا واقع لهم في غيرهم، فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا ~~منها، وأسبابهم وصل ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت في الآخرة، لأنها من ~~الوصل الفانية، لا من الوصل الباقية، لأن متقاضي ما في الدنيا، ما كان منه ~~بحق، فهو من الباقيات الصالحات، وما كان منه عن هوى، فهو من الفاني الفاسد ~~- انتهى. ### | {لو أن لنا كرة} # وقال الحرالي: هي رجع وعودة إلى عند غاية فرة - انتهى. # {فنتبرأ منهم ms149 كما تبرءوا منا} # وقال الحرالي: فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم، ممن اتبعوا، ~~وإجراء لتأسفهم على وجه متوهم غير محقق، على حد ما كان تمسكهم بهم متوهم ~~انتفاع غير محقق، ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم في الدنيا ~~من الأخذ بالموهرم والغيبة عن المعلوم - انتهى. # {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} # وقال الحرالي: لما كانت عقائدهم فيهم حسرات، أراهم أعمالهم التي عملوها ~~لابتغاء الخير في الدنيا # PageV01P309 # حسرات: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} كما كان عمل من ~~قلبه محب ومتأله لما دون الله، وفي إشعار بأن عمل كل عامل مردود إلى ما ~~اطمأن به قلبه، وسكنت إليه نفسه، ويتعلق به خوفه ورجاؤه، فمن غلب على سره ~~شيء فهو ربه الذي يصرف عمله إليه، فلا يجد عنده جزاء لتبرئه منه، فيصير ~~حسرة عليه، فأنبأ، سبحانه وتعالى، بأنهم لا ينصرونهم في الآخرة، ولا ~~يجزونهم على أعمالهم، فلم ينفعهم تألههم إياهم، والمتبوع منهم متأله لنفسه، ~~فلم يجد عندها جزاء عمله، فتحسر كل منهم على ما عمل من عمل الخير لإحباطه: ~~{ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} والحسرة أشد ~~الأسف على الفائت الذي يحسر المتلهف، أي يقطعه عما تحسر عليه - انتهى. # {وما هم بخارجين من النار} # قال الحرالي: وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج، كما قال، سبحانه ~~وتعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} فأنبأ، تعالى، أن وجهتهم ~~للخروج لا تنفعهم، فلم تبق لهم # PageV01P310 # منه تنهضهم منها حتى ينتظم قطع رجائهم من منة أنفسهم بقطع رجائهم ممن ~~اعتلقوا به من شركائهم، ولم يكن: {وما هم منها بمخرجين} كما قال في أهل ~~الجنة، للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع منهم على أنفسهم، فكما كان بوادي ~~أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم، جرى نبأ جزائها على حد ذلك في المعنى، ~~كما قال: أعمال أهل الجنة عندهم من توفيق ربهم - جرى ذكر جزائهم على حد ذلك ~~من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف الصيغتين ms150 - انتهى. ### | {يا أيها الناس} # وقال الحرالي: لما استوفى، سبحانه وتعالى، ذكر أمر الدين إلى أنهاه من ~~رتبة دين الإسلام الذي رضيه، وكان الدين هو غذاء القلوب، وزكاة الأنفس، نظم ~~به ذكر غذاء الأبدان من الأقوات، ليتم بذكر النماءين نماء الذوات: ظاهرها ~~البدني، وباطنها الديني، لما بين تغذي الأبدان وقوام الأديان من التعاون ~~على جمع أمري صلاح العمل ظاهرا وقبوله باطنا، قال، عليه الصلاة # PageV01P311 # والسلام "لا يقبل الله عملا إلا بالورع الشافي" وكما قيل: ملاك الدين ~~الورع، وهلاكه الترف، ونقصه السرف، فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل ~~متضرفاتهم في التدين، اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت. # ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين: من الناس، والذين آمنوا، انتظم به ذكر ~~المأكل في صنفيهما، فقال: {يا أيها الناس} فانتظم بخطاب قوله تعالى: {يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم} لما بين العبادة والمأكل من الالتزام - انتهى. # {كلوا مما في الأرض حلالا} # قال الحرالي: وهو ما انتفى عنه حكم التحريم، فينتظم بذلك ما يكره ومالا ~~يكره، والتحريم المنع مما يلحق الأكل منه ضرر في جسمه كالميتة، أو في نفسه ~~كلحم الخنزير، أو رين على قلبه كما أهل لغير الله به. # {طيبا} # قال الحرالي: الحلال مطلوب ليكتسب، لا ليؤكل حتى يطيب، والطيب مالا منازع ~~فيه - انتهى. # {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} فهو يبعدهم - كما # قال الحرالي - عن وطن ما هم عليه من الائتمار في مأكلهم إلى التناول ~~بشهواتهم، ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى، فيتداعى ~~منها إلى المحرمات - انتهى. # وفي قوله: {يأمركم} كما # قال الحرالي: إنباء بما مكنه الله، سبحانه وتعالى حتى صار أمرا {بالسوء} ~~وهو خبائث الأنفس الباطنة التي يورث فعلها مساءة. # {والفحشاء} # قال الحرالي: وهو ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال # PageV01P312 # الظاهرة، كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه آيات الله ~~الثلاث: من الشرع، والعقل، والطبع، بذلك يفحش الفعل. # {نتبع ما ألفينا} # قال الحرالي: من الإلفاء، وهو وجدان الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو ~~الناظر إليه. # {عليه آباءنا} ms151 قال: ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد ~~أبوة الدين، ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي ~~شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى. ### | {ومثل الذين كفروا} # قال الحرالي: المثل ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة، ~~فيكون ألطف من الشيء المحسوس، فيقع لذلك جاليا لمعنى مثل المعنى المعقول، ~~ويكون الأظهر منهما مثلا للأخفى، فلذلك يأتي استجلاء المثل بالمثل، ليكون ~~فيه تلطيف للظاهر المحسوس، وتنزيل للغائب المعلوم. # ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين لا بين الممثولين، لتقارب ~~المثلين؛ يعني وهو وجه الشبه، وتباعد الممثولين، وفي ذكر هذين المثلين ~~تقابل يفهم مثلين آخرين، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد، كأن وفاء اللفظ، ~~الذي أفهمه [هذا الإيجار: مثل الذين كفروا ومثل راعيهم، كمثل الراعي ومثل ~~ما يرعى من البهائم، وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب، ومن لا يصل فهمه] إلى ~~جمع المثلين يقتصر على # PageV01P313 # تأويله بمثل واحد، فيقدر في الكلام: ومثل داعي الذين كفروا {كمثل الذي ~~ينعق} أي يصيح، وذلك لأن التأويل يحمل على الإضمار والتقدير، والفهم يمنع ~~منه، ويوجب فهم إيراد القرآن على حده ووجهه. # وقال: {بما} أي بسبب شيء البهائم إلى "لا" عقل لها، فهو {لا يسمع إلا ~~دعاء} أي من الناطق فيما يدعى إليه من قوام غذائه ونسله {ونداء} فيما ساق ~~إليه بمحل دعائه، من حيث إن النداء [يشعر بالبعد، والدعاء يشعر]- بالشروع ~~في القصد - انتهى. # {فهم لا يعقلون} لأنهم لا ينتفعون بعقولهم، كما أن هذا الأصم كذلك، ونفاه ~~بلا النافية للممتنع، وصيغة المضارع المنبئة عن الدوام - قاله الحرالي. ### | {يا أيها الذين آمنوا} # قال الحرالي: لما كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين: أولاهما: {يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم} وثانيتهما: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} ~~فأمر الناس بالعبادة، وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية مع النبي، # PageV01P314 # - صلى الله عليه وسلم -، كذلك هنا، أمر الناس بالأكل مما في الأرض، ونهى ~~عن اتباع خطوات الشيطان، وأشعر الخطاب بأنهم ms152 ممن يتوجه الشيطان نحوهم للأمر ~~بالسوء والفحشاء والقول بالهوى، وأمر الذين آمنوا بالأكل {من طيبات} فأعرض ~~في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء، فإن أدنى الإيمان عبادة ~~من في السماء، واسترزاق من في السماء، كما قال للسوداء: "أين الله؟ قالت في ~~السماء. قال: أعتقها، فإنها مؤمنة" قال، سبحانه وتعالى: {وفي السماء رزقكم} ~~فأطعم الأرضيين، وهم الناس، مما في الأرض، وأطعم السماويين، وهم الذين ~~آمنوا من رزق السماء كذلك، وخص هذا الخطاب بلفظ الحلال لما كان آخذا رزقه ~~من السماء متناولا طيبة لبراءته من حال مما في الأرض مما شأنه ضر في ظاهر، ~~أو أذى في باطن، ولذلك "لو كانت الدنيا دما عبيطا لكان قوت المؤمن منها ~~حلالا" فالمسترزق من السماء يصير المحرم له حلالا، لأخذه منه عند الضرورة ~~تقوتا لا تشهيا، ويصير الحلال له طيبا، لاقتناعه منه بالكفاف دون التشهي ~~{يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} وفي مورد # PageV01P315 # هذين الخطابين بيان أن كلمة {الناس} واقعة على سن من أسنان القلوب، وكلمة ~~{الذين آمنوا} واقعة على سن فوقه، وليس يقع على عموم يشمل جميع الأسنان ~~القلبية، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي تمنع تدبر القرآن، لأن خطاب ~~القرآن يتوجه لكل أولي سن [على حسب سن] قلوبهم، لا يصلح خطاب كل سن إلا له، ~~يتقاصر عنه من دونه، ولا يحتاج إليه من فوقه، وهي أسنان متعددة: سن ~~الإنسان، ثم سن الناس، ثم سن الذين آمنوا، ثم سن الذين يؤمنون، ثم سن ~~المؤمنين، [ثم سن المؤمنين] حقا، ثم سن المحسنين، هذه أسنان سبعة، خطاباتها ~~مترتبة بعضها فوق بعض، ومن وراء ذلك أسنان فوقها، من سن الموقنين، وما وراء ~~ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان، من حال الذين أسلموا والمسلمين، ومن يوصف ~~بالعقل والذكر والفكر والسماع، وغيرذلك من الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان ~~في رتب متراقية لايشمل أدناها أعلاها، ولاينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها، ~~إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي، - صلى الله عليه وسلم -، فيه، بما لا ~~يليق ms153 إلا به، وبمن هو منه من إله. # وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من معناه في سائر القرآن - ~~انتهى. ### | {واشكروا لله} # وقال الحرالي: ولما كان هذا الخطاب منتظما لتناول الطبيب والشكر، وحقيقته ~~البذل من الطيب، فشكر كل نعمة إظهارها على حدها # PageV01P316 # من مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره، وإنفاق فضلها، والاقتناع ~~منها بالأدنى، والتجارة [بفضلها] لمبتغى الأجر، وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي ~~الأمانة، لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد "دعوا الناس يرزق الله بعضهم ~~من بعض" فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة الله [سبحانه وتعالى] المخلف على ~~من أنفق، كما قال: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} نبهوا على عهدهم الذي ~~لقنوه في سورة الفاتحة في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} فقيل لهم: كلوا ~~واشكروا إن كنتم إياه تعبدون، فمن عرف الله بالكرم هان عليه أن يتكرم، ومن ~~عرف الله بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن، وهو شكره لله، من أيقن ~~بالخلف جاد بالعطية - انتهى. ### | {إنما حرم عليكم} # وقال الحرالي: ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك الناس، ~~خاطبهم، تعالى، بذكر ما حرم عليهم، فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع ~~خطوات الشيطان فقال: {إنما حرم} وأجرى إضماره على الاسم # PageV01P317 # العظيم الأول إعلاما بأن الذي أذن لهم، إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم ~~بكل وجه، لشدة مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها، لما ذكر أن ~~المحرم إما لحرمته علوا كالبلد الحرام، وتحريم الأمر أو لحرمته دناءة، ~~كتحريم هذه المحرمات، ففي كلمة {إنما} نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم بما ~~دون المذكور هنا. كأن قائلا يقول: حرم كذا، وحرم كذا، من نحو ما حرمته ~~الكتب الماضية، أو حرمته الأهواء المختلفة، أو حرمه نظر علمي، كالذي حرمه ~~إسرائيل على نفسه، فكان الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى. # {الميتة} # قال الحرالي: وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة، ~~وهي أشد مفسد للجسم، لفساد تركيبها بالموت، وذهاب تلذذ أجزائها وعتقها، ms154 ~~وذهاب روح الحياة والطهارة منها، {والدم} أي الجاري، لأنه جوهر مرتكس عن ~~حال الطعام، ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء، فهو ميتة من [خاص حياته] مرتكس ~~في جوهره إلا من طيب الله كليته، كما في محمد، - صلى الله عليه وسلم -، ~~وفيمن نزع عنه خبث الظاهر والباطن طبعا ونفسا. # PageV01P318 # {ولحم الخنزير} لأداه للنفس، كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم، لأن من ~~حكمة الله في خلقه أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك ~~الشيء: "الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم" ~~فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم ~~الأخلاق، واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه، وما انتهى ~~إليه ظاهره من سطح جلد، وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر، وهو هنا على ~~أصله في اللفة، يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد الجلد، ~~وما اشتمل عليه ما بين الطرفين من أجزاء الرطوبات، وإذا حرم لحمه الذي هو ~~المقصود بالأكل، وهو أطيب ما فيه، كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم. # {وما أهل به لغير الله} # قال الحرالي لأن ما لم يذكر عليه اسم # PageV01P319 # الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه، وليس ذلك خالقه ومالكه، إنما خالقه ~~ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذنا في الانتفاع به، وذكر على إزهاقا ~~الروح من هي من نفخته، لا من لا يجد للدعوى فيها سبيلا من الخلق، وذكر ~~الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد المحرم، ففي إفهامه ~~تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر: "قالوا يا رسول الله إن ناسا ياتوم ~~بلحام، لا ندري أسموا الله عليها أم لا؟ فقال رسول الله، - صلى الله عليه ~~وسلم -: سموا الله أنتم وكلوا" فكان المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر ~~عليه، بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن به عليه، وفي تقدم إضمار المحرم ~~في قوله: "به" ms155 تأكيد لمعناه، لأنهم يقدمون ما هم به أهم، وهم ببيانه أعنى. ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: "ابدأوا بما بدأ الله به". # ولما كان هذا الدين يسرا لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح، [رفع حكم # PageV01P320 # هذا التحريم عن المضطر، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعا من الخلق ~~أنبأهم، تعالى، بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم، لا يبرأ من كلية ~~الأحكام، بل يبقى مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان -] فقال: ~~{فمن اضطر} أي [أحوجه محوج، وألجأه ملجئ، بأي ضرورة كانت -] إلى أكل شيء ~~مما حرم بأن أشرف على التلف، فأكل من شيء منه، حال كونه {غير باغ} أي قاصد ~~فسادا بمكيدة يكيد بها لضعفه، آخدا من تلك الميتة هو أقوى منه، كأن يحيله ~~على غيرها خداعا منه، ليستأثر عليه بالأحسن منها، {ولا عاد} على غيره، بأن ~~يكون أقوى منه فيدفعه عنها، ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة، ويدخل في ~~الآية أن من بغى على إمام أو قصد بضربه في الأرض فسادا، أو عدا على أحد ~~ظلما # PageV01P321 # فحصل له، بسبب ذلك، مخمصة لا يحل له ما كان حراما، لأن في ذلك إعانة له ~~على معصيته، فإن تاب استباح. {فلا إثم عليه} لا من التحريم الأول، ولا من ~~الحكم الآخر، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين المضطرين من ~~البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين، فانتفى الإثم على صحة من ~~الأمرين وارتفاع الحكمين، ففي السعة يجتنب ما يضر، وفي الضرورة يؤثر ضرورة ~~الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته، وفي إفهامه أن من اضطر للشيء مما ~~حرم عليه فأكله لم تنله مضرة، لأن الله سبحانه وتعالى، إذا أباح شيئا أذهب ~~ضره: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" ففيه تنبيه لتغيير هذه ~~الأعيان للمضطر عما كانت عليه، حتى تكون رخصة في الظاهر، وتطيبا في الباطن، ~~فكما رفع عنه حكمها الكتابي، يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي. # ثم علل هذا الحكم مرهبا مرغبا بقوله: ms156 {إن الله} فأتى بهذا الاسم المحيط ~~إشارة # PageV01P322 # إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع، وفي قوله {غفور} إشعار بأنه لا يصل ~~إلى حال الاضطرار، إلى ما حرم عليه، أحد إلا عن ذنب أصابه، فلولا المغفرة ~~لتممت عليه عقوبته، لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة، لأن الله، سبحانه ~~وتعالى، لا يعجزه شيء، وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه، {وإن كانوا من ~~قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة، إنما يقع ~~لمن هو دون رتبة اليقين، ودون رتبة الإيمان، "جهز رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، [جيشا] ففنيت أزوادهم، فأقاموا أياما يتقوتون بيسير حتى ~~تقوتوا بتمرة تمرة، فأخرج الله لهم العنبر دابة من البحر" فلم يحوجهم في ~~ضرورتهم إلى ما حرم عليهم، بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب مأكلهم في حال ~~السعة من صيد البحر، الذي (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) وفي قوله. {رحيم} ~~إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئا لم يبغ فيه ولم يعد، تناله من ~~الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدها إلى مثله، فيغفر له الذنب السابق الذي # PageV01P323 # أوجب الضرورة، ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما ~~وقع ممن اضطر إلى مثله - انتهى وتصرفت فيه. ### | {ويشترون به ثمنا} # قال الحرالي: والثمن مالا ينتفع بعينه حتى يصرف إلى غيره من الأعواض، ~~فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه باستكسابه بالعلم وإجرائه في غير ~~ما أجراه الله تعالى على ألسنة أنبيائه، {وما أسألكم عليه من أجر} ولما كان ~~كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة، وإن جل، حقيرا قال: {قليلا} هذا ~~المراد، لا تقييده بالقليل. # ولما كانوا قد بعدوا عن مواطن الرحمة ببخلهم بما لا ينقصه الإنفاق، أشار ~~إليهم بأداة البعد فقال: {أولئك} وفي خطاب النبي، - صلى الله عليه وسلم -، ~~به إشعار بوقوع ذلك من طائفة من أمته حرصا على الدنيا، {ما يأكلون} أي في ~~هذه الحال، على مادلت عليه {ما}. ولما كان الأكل ms157 يطلق على مجرد الإفساد حقق ~~معناه بقوله: {في بطونهم} جمع بطن، وهو فضاء جوف الشيء الأجوف لغيبته عن ~~ظاهره الذي هو ظهر ذلك البطن {إلا النار} كما أحاط # PageV01P324 # علمه، سبحانه وتعالى، بالغيب أن ذلك على الحقيقة، وبصره لعيون أهل الكشف، ~~الذين يرون العواقب في الأوائل، والغيب في الشهادة، وفي ذكره بصيغة الحصر ~~نفي لتأويل المتأول بكونه سببا، وصرف له إلى وجه التحقيق الذي يناله الكشف، ~~ويقصر عنه الحس، فكانوا في ذلك كالحذر الذي يجعل يده في الماء الحار، ولا ~~يحس به، فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه. # ولما قدم الوعيد في الثمن لكونه الحامل على الكتم، أتبعه وعيد نفس الكتم ~~فقال: {ولا يكلمهم الله} أي الملك الأعظم الذي من كلمه أقبل كل شيء عليه، ~~كلاما يدل على مرضى لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم، وقال: {يوم ~~القيامة} تأكيدا لما أشارت إليه "ما" من أن المراد بالذي قبله الحال، {ولا ~~يزكيهم} أي يطهرهم من دنس الذنوب، أو يثني عليهم، أو ينمي أعمالهم بما يحصل ~~لهم من الميثاق في يوم التلاق، كما يزكي بذلك من يشاء من عباده، لأنهم ~~كتموا عن العباد ما يزكيهم، وفي هذا تعظيم لذنب كتموا العلم {ولهم} مع هذا ~~العذاب {عذاب أليم} لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم عنهم ما يقيمهم ~~على المحجة السهلة. # PageV01P325 # ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم، مؤكدا لبعدهم فقال: {أولئك الذين ~~اشتروا} أي لجاجا وتماديا في الغي {الضلالة} عن طريق الخير، {بالهدى} ولما ~~ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال: {والعذاب} بارتكابهم هذه ~~الموبقة {بالمغفرة} التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم، لو سلموا من هذه ~~العضلة التي كانت سببا لضلال خلق وكثير، فكان عليهم وزرهم. # ولما جعل سبحانه وتعالى، أول مأكلهم نارا، وآخر أمرهم عذابا، وترجمة ~~حالهم عدم المغفرة، فكان بذلك أيضا أوسط حالهم نارا، سبب عنه التعجيب من ~~أمرهم، بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر؛ لالتباسهم بالنار حقيقة، ~~أو بموجباتها من غير مبالاة، فقال: {فما ms158 أصبرهم} أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ~~ما أجرأهم {على النار} التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى. ذكر ~~كثيرا من ذلك الحرالي، غير أني تصرفت فيه. # انتهت نصوص تفسير الحرالي المستخرجة من الجزء الثاني # من تفسير البقاعي: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" # من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية 1 4 3 بالهند # ط 1 - 1391 ه - 1971 م # PageV01P326 # نصوص تفسير الحرالي المفقود # المستخرجة من الجزء الثالث من تفسير البقاعي # "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" ### | {ولكن البر من آمن} # قال الحرالي: ففيه أي الإيمان بهم وبما قبلهم، قهر النفس للإذعان لمن هو ~~من جنسها، والإيمان بغيب من ليس من جنسها، ليكون في ذلك ما يزع النفس عن ~~هواها - انتهى. # قال الحرالي: فمن ظن أن حاجته يسدها المال، فليس برا، إنما البر الذي ~~أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي - انتهى. # {وفي الرقاب} # قال الحرالي: جمع رقبة، وهو ما ناله الرق من بني آدم، فالمراد الرقاب ~~المسترقة التي يرام فكها بالكتابة، وفك الأسرى منه، وقدم عليهم أولئك لأن ~~حاجتهم لإقامة البينة. # {والموفون بعهدهم} # قال الحرالي: من الإيفاء وهو الأخذ بالوفاء، والوفاء نجاز الموعود في أمر ~~المعهود - انتهى. # {والصابرين} # قال الحرالي: وفيه إشعار بأن من تحقق بالصبر على الإيثار، فكان # PageV01P327 # شاكرا، تحقق منه الصبر في الابتلاء والجهاد تاييدا من الله، سبحانه ~~وتعالى، لمن شكره ابتداء، بإعانته على الصبر والمصابرة انتهاء، كأنه لما ~~جاد بخير الدنيا على حبه، أصابه الله ببلائها تكرمة له، ليوفيه حظه من ~~مقدوره في دنياه، فيكون ممن يستريح عند موته، وبأنه إن جاهد ثبت بما يحصل ~~في نفس الشاكر الصابر من الشوق إلى لقاء الله، سبحانه وتعالى، تبرؤا من ~~الدنيا، وتحققا وبمنال الخير من الله - انتهى. # {في البأساء والضراء} # وقال الحرالي البأساء فعلاء من البؤس، وهو سوء الحال والفاقة وفقد المنة ~~عن إصلاحه، والضراء مرض البدن وآفاته، فكان البأساء في الحال، والضراء في ~~البدن - انتهى. # {وحين البأس} # وقال الحرالي: البأس الشدة في الحرب. # {كتب عليكم القصاص} ms159 # قال الحرالي: كأنه يتبع بالجاني إثر ما جنى، فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته ~~- انتهى. ### | {والأنثى بالأنثى} # قال الحرالي: لأن غير الجاني ليس قصاصا، بل اعتداء ثانيا، ولا ترفع ~~العدوى بالعدوى، إنما ترفع العدوى بالقصاص، على نحوه وحده # PageV01P328 # - انتهى. # قال الحرالي: نقلا من عقاب الآخرة إلى ابتلاء الدنيا، ونقلا من ابتلاء ~~الدنيا في الدم إلى الكفارة بأخذ حظ من المال، كما كان في الغداء الأول ~~لذبح إبراهيم عليه الصلاة والسلام، من ولده. فقال: {فمن عفي له} عن جنايته، ~~من العفو وهو جاء بغير تكلف ولا كره - انتهى. # {من أخيه شيء} وفي التعبير بلفظ الأخ، كما # قال الحرالي: تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه، من حيث {وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} وإن لم يكن خطأ الطبع، فهو خطأ القصد، من حيث ~~لم يقصد أن يقتل مؤمنا، إنما قصد أن يقتل عدوا وشاتما، أو عاديا على أهله ~~وماله أو ولده، فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوه الإيمان، {فاتباع} أي ~~فالأمر في ذلك اتباع من ولي الدم {بالمعروف} فيه توطين النفس على كسرها عن ~~حدة ما تجره # PageV01P329 # إليها أحقاد الجنايات، والمعروف ما شهد عيانه لموافقته وبقبول موقعه بين ~~الأنفس؛ فلا يلحقها منه تنكر. # ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال: {وأداء إليه بإحسان} لئلا يجمع بين ~~جنايته، أو جناية وليه، وسوء قضائه، وفي إعلامه إلزام لأولياء الجاني ~~بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول، بما لهم من السلطان: {فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا} فيراقبون فيهم رحمة الله التى رحمهم بها، فلم يأخذ الجاني ~~بجنايته - انتهى. # {من ربكم} وجمع الضمير مراعاة، كما # قال الحرالي، للجانبين، لأن كل طائفة معرضة لأن تصيب منها الأخرى - ~~انتهى. # {فمن اعتدى} # قال الحرالي: وفي الآية دليل على أن القاتل عمدا لا يصير بذلك كافرا. ### | {ولكم في القصاص حياة} # وقال الحرالي: فالحياة لمن سوى الجاني من عشيرته ممن كان يعتدى عليه ~~بجناية في الدنيا، والحياة للجاني، بما اقتص منه، في # PageV01P330 # الأخرى، لأن من يكفر ذنبه حتى في الآخرة، ومن بقي عليه ms160 جناية فأخذ بها ~~فهو في حال ذلك ممن لا يموت فيها ولا يحيى، لأن المعاقب في حال عقوبته لا ~~يجد طعم الحياة لغلبة ألمه، ولا هو في الموت لإحساسه بعقوبته - انتهى. # {يا أولي الألباب} # قال الحرالي: وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في المشهودات، ~~كما شأن ظاهر العقل [أن] يلحظ الحقائق من المخلوقات، فهم الناظرون إلى ربهم ~~في آياته - انتهى. # {لعلكم تتقون} # قال الحرالي: وفي إبهام {لعل} التي هي من الخلق، كما تقدم، تردد، إعلام ~~بتصنيفهم صنفين: [بين من -] يثمر ذلك له تقوى. وبين من يحمله ذلك ويزيده في ~~الاعتداء - انتهى. # وقال الحرالي: لما أظهر، سبحانه وتعالى وجوه التزكية في هذه الخطابات. ~~وما ألزمه من الكتاب، وعلمه من الحكمة، وأظهر استناد ذلك كله إلى تقوى تكون ~~وصفا ثابتا، أو استجداد معالجا، حسبما ختم به آية: {ليس البر} # PageV01P331 # من قوله: {هم المتقون} وما ختم به آية القصاص في قوله: {لعلكم تتقون} رفع ~~رتبة الخطاب إلى ما هو حق على المتقين، حين كان الأول مكتوبا على المترجين ~~لأن يتقوا [تربية وتزكية بخطاب يتسول به إلى خطاب أعلى في التزكية، لينتهي ~~في الخطاب من رتبة -] إلى رتبة [إلى -] أن يستوفي نهايات رتب أسنان القلوب ~~وأحوالها، كما تقدمت الإشارة إليه، ولما كان في الخطاب السابق ذكر القتل ~~والقصاص الذي هو حال حضرة الموت، انتظم به ذكر الوصفين، لأنه حال من حضرة ~~الموت. انتهى. # ... {والأقربين بالمعروف} # قال الحرالي: وكل ذلك في المحتضر، والمعروف ما تقبله الأنفس ولا تجد منه ~~تكرها - انتهى. # ... {فمن بدله} # وقال الحرالي: لما ولى المتقين إيصال متروكهم إلى والديهم وقراباتهم ~~فأمضوه بالمعروف، تولى عنهم التهديد لمن بدل عليهم، وفي إفهامه أن الفرائض ~~إنما أنزلت عن تقصير وقع في حق الوصية، فكأنه لو بقي على ذلك لكان كل # PageV01P332 # المال حظا للمتوفى، فلما فرضت الفرائض اختزل من يديه الثلثان، وبقي الثلث ~~على الحكم الأول، وبين أن الفرض عين الوصية، فلا وصية لوارث، لأن الفرض ~~بدلها. انتهى. ### | {فمن خاف من موص جنفا} ms161 # قال الحرالي: وكأن حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - انتهى. # {فأصلح بينهم} # وقال الحرالي: وفي إشعاره بذكر الخوف من الموصي ما يشعر أن [ذلك -] في ~~حال حياة الموصي، ليس بعد قرار الوصية على جنف بعد الموت، فإن ذلك لا يعرض ~~له مضمون هذا الخطاب. # وفي إيقاع الإصلاح على لفظة {بين} إشعار بأن الإصلاح نأئل البين، الذي هو ~~وصل ما بينهم، فيكون من معنى ما يقوله النحاة: مفعول على السعة، حيث لم يكن ~~فأصلح بينه وبينهم - انتهى. ### | {يا أيها الذين آمنوا} # فخاطب بما يتوجه بادىء بدئ إلى أدنى الطبقات التي التزمت [أمر الدين -]، ~~لأنه لم يكن لم باعث حب وشوق # PageV01P333 # يبعثهم على فعله، من غير فرض، بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين ~~والمحسنين، فإنهم كانوا يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام. فكانوا يصومون ~~على قدر ما يجدون من الروح فيه - قاله الحرالي. # وقال: فلذلك لم ينادوا في القرآن نداء بعد، ولا ذكروا إلا ممدوحين، ~~والذين ينادون في القرآن هم الناس، الذين انتبهوا لما أشار به بعضهم على ~~بعض، والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار، متقاصرين عن البدار، فلذلك كل ~~نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين، إلا ما توجه للإنسان بوصف ذم في ~~قليل من الآي - انتهى. # {كتب عليكم الصيام} # وقال الحرالي: فرض لما فيه من التهيئ لعلم الحكمة، وعلم ما لم تكونوا ~~تعلمون، وهو الثبات على تماسك عما من شأن الشيء أن يتصرف فيه، ويكون شأنه ~~كالشمس في وسط السماء، يقال: صامت - إذا لم يظهر لها حركة لصعود ولا لنزول ~~التي [هي] من شأنها، وصامت الخيل # PageV01P334 # - إذا لم تكن [مركوضة ولا -] مركوبة، فتماسك المرء عما شأنه فعله من حفظ ~~بدنه بالتغذي، وحفظ نسله بالنكاح، وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو صومه. # وفي الصوم خلاء من الطعام، وانصراف عن حال الإنعام، وانقطاع شهوات الفرج، ~~وتمامه الإعراض عن أشغال الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته، ليحصل ~~بذلك نبوع الحكمة من القلب، وجعل كتبا حتى لا يتقاصر عنه ms162 من كتب عليه إلا ~~انشرم دينه، كما ينشرم خرم القربة المكتوب فيها - انتهى. # {لعلكم تتقون} # قال الحرالي: وفي إشعاره تصنيف المأخوذين بذلك صنفين: من يثمر له صومه، ~~على وجه الشدة، تقوى، ومن لا يثمر ذلك. # ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتب والصحف كانت مبادئ أحكامها على حكم # PageV01P335 # الأحكام المتقدمة، فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء، ثم ختم لهم ~~بالوجهة إلى الكعبة انتهاء، كذلك صوموا صوم أهل الكتاب ### | {أياما معدودة} # أي قلائل مقدرة بعدد معلوم ابتداء، ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة ~~قدرا انتهاء، وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب، لما فيه حصول أمر الدنيا ~~فكانت أعوامهم شمسية، كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر، وفي إعلامه إلزام ~~بتجديد النية لكل يوم، حيث هي أيام معدودة، [و -] في إفهامه منع من تمادي ~~الصوم في زمن الليل، الذي هو معنى الوصال، الذي يشعر صحته رفع رتبة الصوم ~~إلى صوم الشهر الذي هو دورة القمر، يقنع الفطر في ليلة رخصة للضعيف، لا ~~عزما على الصائم، وكان فيه من الكلفة ما في صوم أهل الكتاب، من حيث لم يكن ~~فيه أكل ولا نكاح بعد نوم، فكان فيه كلفة ما في الكتب، لينال رأس هذه الأمة ~~وأوائلها حظا من منال أوائل الأمم، ثم يرقيها الله إلى حكم ما يخصها، فتكون ~~مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر. انتهى. وفيه تصرف. # PageV01P336 # قال الحرالي: قأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر، لتنتقل وجبة الفطر التي ~~توافق حال أهل الكتاب إلى وجبة السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى. # قال الحرالي: وفي تأسيسه على العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي ~~هو الهلال، كما سيأتي التصريح به، فصار لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم ~~في الطهور، يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية، كما يرجعون إلى الصعيد ~~عند فقد الماء. # {فمن كان منكم مريضا} # قال الحرالي: فبقى على حكم التحمل بيقين مما يغذو المؤمن، ويسقيه من غيب ~~بركة الله، سبحانه وتعالى، كما قال، عليه الصلاة ms163 والسلام: "أبيت عند ربي ~~يطعمني ويسقيني" فللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه، بحكم يقينه فيما لا يصل ~~إليه من لم يصل إلى محله، فعلى قدر ما تستمد بواطن الناس من ظواهرهم، يستمد ~~ظاهر الموقن من باطنه، حتى # PageV01P337 # يقوي في أعضائه بمدد نور باطنه، كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة، ~~فكان فطر المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه. # {وأن تصوموا خير لكم} # قال الحرالي: ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه ~~حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة، كما أشار إليه الحديث القدسي: "كل عمل ابن ~~آدم له إلا الصوم، فإنه لي" وذلك لأنه لما كانت الأعمال: أفعالا، وإنفاقا، ~~ويسيرا، وأحوالا، مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه، وكان من ~~شأنه، [كانت له. ولما كان الصوم ليس من شأنه لم يكن له، فالصلاة مثلا أفعال ~~وأقوال، وذلك من شأن المرء، والزكاة إنفاق، وذلك من شأنه، والحج ضرب في ~~الأرض، وذلك من شأنه، وليس من شأنه] أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح، ولا ~~ينتصف ممن يعتدي عليه، "فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم" فليس ~~جملة مقاصد الصوم من شأنه، وحقيقته إذبال جسمه، وإضعاف نفسه، وإماتته، ~~[ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ، لينال بالصوم - من قتل نفسه] بوجه ما ~~-[ما -] جرى على يده # PageV01P338 # خطأ من القتل، فكان في الصوم تنقص ذات الصائم، فلذلك قال تعالى: "فإنه ~~لي" حين لم يكن من جنس عمل الآدمي، قال، سبحانه وتعالى: "وأنا أجزي به" ففي ~~إشارته أن جزاءه من غيب الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر، كل ذلك في مضمون [قوله]: {إن كنتم تعلمون} - انتهى. # قال الحرالي: كان خيرا حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند، بل ~~تعاضد، لما يشعر به لفظ الخير - انتهى. ### | {شهر رمضان} # قال الحرالى: والشهر هو الهلال الذي شأنه [أن -] يدور دورة من حين أن يهل ~~إلى أن يهل ثانيا، سواء كانت عده أيامه تسعا ms164 وعشرين أو ثلاثين، كلا العددين ~~في صحة التسمية بالشهر واحد، فهو شائع في فردين متزايدي العدد بكامل العدة، ~~كما يأتي أحد الفردين لمسماه رمضان. # يقال هو اسم من أسماء الله [سبحانه وتعالى] واشتقاقه من الرمضاء، وهو ~~اشتداد حر الحجارة من الهاجرة، كأن هذا الشهر سمي بوقوعه زمن اشتداد الحر، ~~بترتيب أن يحسب المحرم من أول فصل الشتاء، أي ليكون ابتداء العام الأول ~~ابتداء خلق بإحياء الأرض بعد موتها. # PageV01P339 # قال: وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي السابق، حين تنزل الشمس الحوت، ~~والسماوي اللاحق، حين تنزل الشمس الحمل. # وقال: إنه لما وقع لسابقة هذه الأمة صوم كصوم أهل الكتاب، كما وجهوا إلى ~~القبلة أولا بوجه أهل الكتاب، تداركه الإرفاع إلى حكم الفرقان المختص [بهم ~~-] فجعل صومهم القار لهم بالشهر، لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة، ليسوا ~~بالمستغرقين في حساب الشمس، فجعل صومهم لرؤية الشهر، وجعل لهم الشهر [يوما ~~واحدا، كأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات إلى صوم -] يوم واحد غير معدود ~~لوحدته، لأنهم أمة أمية، {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} هي ميقات أمه محمد، - ~~صلى الله عليه وسلم -، {وأتممناها بعشر} هي ميقات موسى، عليه الصلاة ~~والسلام، وأمته ومن بعده من الأمم إلى هذه الأمة. انتهى. # قال الحرالي: وأظهر فيه وجه القصد في الصوم وحكمته الغيبية التي لم تجر ~~في الكتب الأول الكتابي فقال: {الذي أنزل فيه القرآن} فأشعر أن في الصوم ~~حسن تلق لمعناه، ويسرا لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار، وتهجد ~~الليل، وهو صيغة مبالغة من القرء، وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح - ~~انتهى. # PageV01P340 # {هدى للناس} # قال الحرالي: فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم، أي بالتهيئة ~~للتدبر والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين، [ويرقيهم -] ~~إلى رتبة المحسنين، فهو هدى يغذو فيه فقد الغذاء القلب، كما يغذو وجوده ~~الجسم، ولذلك أجمع مجربة أعمال الديانة، من {الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه} أن مفتاح الهدى إنما هو الجوع، وأن المعدة والأعضاء ~~متى أوهنت لله، نور الله، سبحانه وتعالى، القلب، ms165 وصفي النفس، وقوي الجسم، ~~ليظهر من أمر الإيمان بقلب العادة جديد عادة، هي لأوليائه أجل في القوة ~~والمنة من عادته في الدنيا لعامة خلقه. # وفي إشارته لمح لما يعان به الصائم من سد أبواب النار وفتح أبواب الجنة، ~~وتصفيد الشياطين كل ذلك بما يضيق من مجاري الشياطين من الدم الذي ينقصه ~~الصوم، فكان فيه مفتاح الخير كله، وإذا هدى الناس كان للذين آمنوا أهدى، ~~وكان نورا لهم وللمؤمنين أنور، كذلك إلى أعلى رتب الصائمين # PageV01P341 # العاكفين الذاكرين الله كثيرا، الذين تماسكوا بالصوم عن كل ما سوى مجالسة ~~الحق بذكره. # وفي قوله: {وبينات} إعلام بذكر ما يجده الصائم من نور قلبه، وانكسار نفسه ~~وتهيئة فكره لفهمه، ليشهد تلك البينات في نفسه، وكونها {من الهدى} الأعم ~~الأتم الأكمل الشامل لكافة الخلق {والفرقان} الأكمل، وفي حصول الفرقان عن ~~بركة الصوم والذي هو بيان رتب ما أظهر الحق رتبه على وجهه إشعار بما يؤتاه ~~الصائم من الجمع الذي هو من اسمه الجامع الذي لا يحصل ألا بعد تحقق ~~الفرقان، [فإن -] المبني على التقوى المنولة للصائم في قوله في الكتب الأول ~~{لعلكم تتقون} فهو صوم ينبني عليه تقوى ينبني عليها فرقان، كما قال تعالى: ~~{إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} ينتهي إلى جمع يشعر به نقل الصوم من عدد ~~الأيام إلى وحدة الشهر - انتهى. # فعلى ما قلته المراد بالهدى الحقيقة، وعلى ما قاله الحرالي هو مجاز ~~علاقته السببية، لأن الصوم مهيئ للفهم، وموجب للنور. {والهدى} # PageV01P342 # المعرف الوحي، أعم من الكتاب والسنة، أو أم الكتاب، أو غير ذلك، وعلى ما # قال الحرالي يصح أن يراد به القرآن الجامع للكتب كلها، فيعم الكتب الأول ~~للأيام، والفرقان هو الخاص بالعرب الذي أعرب عن وحدة الشهر. # {فمن شهد} # قال الحرالي: وفي شياعه إلزام لمن رأى الهلال وحده بالصوم، وقوله: {منكم} ~~خطاب الناس ومن فوقهم، حين كان الصيام معليا لهم، {الشهر} هو المشهود على ~~حد ما تقول النحاة مفعول على السعة، لما فيه من حسن الإنباء وإبلاغ المعنى، ~~ويظهر معناه قوله ms166 تعالى: {فليصمه} فجعله واقعا على الشهر، لا واقعا على ~~معنى فيه، حيث لم [يكن: فليصم فيه -] وفي إعلامه صحة صوم ليلة، ليصير ما ~~كان في الصوم الأول من السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعا هنا بين صوم ~~الليل وفطره لمن رزق القوة بروح من الله تعالى - انتهى. # {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة} # قال الحرالي: فمرد هذا الخطاب من مضمون أوله فمعناه: فصومه عدة، من حيث ~~لم يذكر في هذا # PageV01P343 # الخطاب الكتب، ليجري مرد كل خطاب على حد مبدئه، وفي قوله: {من أيام أخر} ~~إعلام بأن القضاء لم يجر على وحدة شهر، لاختصاص الوحدة بشهر رمضان، ونزول ~~قضائه منزلة الصوم الأول، [و -] في عدده، وفي إطلاقه أشعار بصحة وقوعه ~~متتابعا وغير متتابع - انتهى. # {ولا يريد بكم العسر} # قال الحرالي: اليسر عمل لا يجهد النفس، ولا يثقل الجسم، والعسر ما يجهد ~~النفس ويضر الجسم. # وقال: فيه إعلام برفق الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر، وفي باطن هذا ~~الظاهر إشعار لأهل القوة بأن اليسر في صومهم، وأن العسر في فطر المفطر، ~~ليجري الظاهر على حكمته في الظهور، ويجري الباطن على حكمته في البطون، إذ ~~لكل آية منه ظهر وبطن، فلذلك، والله، سبحانه وتعالى، أعلم، كان النبي، - ~~صلى الله عليه وسلم -، يصوم في رمضان في السفر، ويأمر بالفطر، وكان أهل ~~القوة من العلماء يصومون ولا ينكرون الفطر - انتهى. # {ولتكملوا العدة} # قال الحرالي: التقدير: لتوفوا الصوم بالرؤية، ولتكملوا إن أغمى عليكم، ~~ففي هذا الخطاب تعادل ذكر الصحو في الإبتداء بقوله: {شهد} وذكر الغيم في ~~الانتهاء بالإكمال - انتهى. # PageV01P344 # {ولتكبروا الله} والتكبير إشراف القدر، أو المقدار، حسا أو معنى - قاله ~~الحرالي. # قال الحرالي: وفيه إشارة إلى ما يحصل للصائم بصفاء باطنه من شهود ما يليح ~~له أثر صومه من هلال نوره العلي، فكما كبر في ابتداء الشهر لرؤية الهلال ~~يكبر في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ربه، فكان عمل ذلك هو صلاة ~~ضحوة يوم العيد، وأعلن فيها بالتكبير، وكرر لذلك، وجعل في براح ms167 من متسع ~~الأرض لمقصد التكبير، لأن تكبير الله سبحانه وتعالى إنما هو بما جل من ~~مخلوقاته، فكان في لفظه إشعار لما أظهرته السنة من صلاة العيد على اختصاصها ~~بتكبير الركعتين والجهر، لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنما يكون علنا - ~~انتهى. # {على ما هداكم} # وقال الحرالي: إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم، وما ~~يشهده الله من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة، # PageV01P345 # أو آيات بينة لأهل التبصرة، أو بآية بادية لأهل المراقبة، كلا على حكم ~~وجده؛ من استغراق تماسكه وخلوته، واستغراق ذكره في صومه، فأعظم الهدى هدى ~~المرء لأن يذبل جسمه ونفسه، وتفنى ذاته في حق ربه، كما يقول: "يدع طعامه ~~وشرابه من أجلي" فكل عمل فعل وثبت إلا الصوم، فإنه محو وفقد، فناسب تحقيق ~~ما هو الإسلام والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى. # {ولعلكم تشكرون} # وقال الحرالي: فيه تصنيف في الشكر نهاية، كما كان فيه تصنيف للتقوى ~~بداية، كما قال: {لعلكم تتقون} فمن صح له التقوى ابتداء، صح منه الشكر ~~انتهاء، وفي إشعاره إعلام بإظهار نعمة الله وشكر الإحساس الذي هو مضمون ~~[فرض -] زكاة الفطر عن كل صائم، وعمن يطعمه الصائم، فكان في الشكر إخراجه ~~فطره بختم صومه، واستقبال فطره بأمر ربه، وإظهار شكره بما خوله بما إطعام ~~عيلته، فلذلك جرت فيمن يصوم، وفيمن يعوله الصائم - انتهى. # PageV01P346 ### | {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} # وقال الحرالي: لما أثبت الحق، سبحانه وتعالى، كتاب الصيام لعباده، لما ~~أرادهم [له -] من إعلائهم إلى خبء جزائه، وأطلعهم على ما شاء في صومهم من ~~ملكوته بحضور ليلة القدر، فأنهاهم إلى التكبير على عظيم ما هداهم إليه، ~~واستخلفهم في فضله وشكر نعمته، بما خولهم من عظيم فضله، وأظهر عليهم من ~~رواء بركاته ما يدعو الناظرين لهم إلى سؤالهم عما نالوه من ربهم، فيليحون ~~لمن دونهم ما به يليق بهم [رتبة -] رتبة، يؤثر عن عمر، رضي الله تعالى عنه، ~~أنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يكلم أبا ms168 بكر، رضي الله ~~تعالى عنه، فكأنما يتكلمان بلسان أعجم، لا أفهم مما يقولان شيئا" إلى أن ~~ينتهي الأمر إلى أدنى # PageV01P347 # السائلين الذين هم في رتبة حضرة [بعد -]، فيثرون بمطالعة القرب، فقال: ~~{وإذا} عطفا على أمور متجاورة، كأنه يقول: إذا خرجت من معتكفك فصليت وظهرت ~~زينة الله التي باهى بها ملائكته، ليست زينة الدنيا التي يتمقتها أهل حضرته ~~من ملائكته، فإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا. وإذا سألك من حاله كذا ~~فأنبئه بكذا، وإذا سألك من حاله كذا فأئبئه بكذا، [وإذا -] {سألك عبادي ~~عني} أي هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم، ~~فأخبرهم أني لست كذلك. # {فإني قريب} # قال الحرالي: بشر أهل صفوة البعد بالقرب، لما رقى أهل القرب إلى الوصول ~~بالقرب، فكان المبشر وأصلا، وكان المتقاصر عن القرب مبشرا به، ومعلوم أن ~~قرب الله وبعد المخلوق منه ليس بعد مسافة، ولا قرب مسافة، فالذي يمكن إلا ~~حته من معنى القرب أن من سمع، فيما يخاطب به، خطاب ربه، فهو قريب ممن كان ~~ذلك الخطاب منه، ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ~~ومحسوسه فسمعه من دون ربه، كان بعيدا بحسب تلك الواسطة، من بعد دون بعد إلى ~~أبعد البعد، ولذلك يعلن للنبي، - صلى الله عليه وسلم -: {فإنما عليك # PageV01P348 # البلاغ} وكان أن ما يتلوه لأمته إنما هو كلام ربهم، يتلو لهم كلام ربه، ~~يسمعوه من ربهم، لأمته، حتى لا يكون، - صلى الله عليه وسلم -، واسطة بين ~~العبد وربه، بل يكون يوصل العبد إلى ربه، وللإشارة بهذا المعنى يتلى كلمة ~~{قل} في القرآن، ليكون إفصاحا لسماع كلام الله، سبحانه وتعالى، ممن سمع، ~~كائنا من كان. # وفي إشعاره إهزار القلوب والأسماع إلى نداء الحج إثر الصوم، لأنه جعل، ~~تعالى، أول يوم من شهور الحج إثر يوم من أيام الصوم، فكأن منادي الله ينادي ~~يوم الفطر بالحج، ففي خفي إشارته إعلاء نداء إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، ~~الذي تقدم أساس أمر الإسلام، على حنيفيته وملته، وليكون ms169 في هذه الآية ~~الجامعة توطئة لذكر الحج، لما تقدم من أن هذه السورة تنتظم جوامعها خلال ~~تفاصيلها انتظاما عجيبا، يليح المعنى لأهل الفهم، ويفصله لأهل العلم، ثم ~~يحكم به على أهل الحكم. # قال: {أجيب} من الإجابة، وهي اللقاء بالقول ابتداء شروع # PageV01P349 # لتمام اللقاء بالمواجهة، {دعوة الداع} ففيه إشعار بإجابة الداعي [أي الحج ~~-] عند خاتمة الصوم، يعني لما بين العبادتين من تمام المناسبة، فإن حال ~~الصوم التابع لآية الموت في كونه محوا لحال البرزخ، وحال الحج في كونه سفرا ~~إلى مكان مخصوص على حال التجرد كحال الحشر. # قال: وجاء الفطر، يعني بعد إكمال الصوم، بما يعين على إجابة دعوة الوفادة ~~على الله، سبحانه وتعالى، إثر الخلوة في بيت الله، ليكون انتقالهم من بيت ~~خلوته بالعكوف إلى موقف تجليه في الحج، وفيه تحقيق للداعي من حاله ليس ~~الداعي من أغراضه وشهواته، فإن الله، سبحانه وتعالى، يجيب دعوة العبد إذا ~~كان فيه رشد، وإلا ادخرها له أو كفر بها عنه، كما بينه، - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ولما كان كل خلق داعيا لحاجته، وإن لم ينطق بها، أشار، تعالى، إلى مقصد ~~إظهار الدعاء مقالا وابتهالا، فقال: {إذا دعان} ليكون حاله صدقا بمطابقة ~~حاله [مقالا -]. # PageV01P350 # وفي قراءة الاكتفاء بكسرة {الداع} و {دعان} عن ياءيهما، وقراءة تمكينهما ~~توسعة القراءة بما تيسر على قبائل العرب، بحسب ما في ألسنة بعضها من ~~التمكين، وما في ألسنة بعضها من الحذف. {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر}. # وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده كان إجابة العبد ~~لسيده أوجب التزاما، لاستغناء السيد، وحاجة العبد، فحين كان الغني مجيبا، ~~كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيبا، يعني فلذلك سبب عنه قوله، إشارة إلى ~~شرط الإجابة: {فليستجيبوا لي} إنباء عما قد دعاهم إليه من قربه وقصد بيته، ~~بما جبلهم عليه من حاجتهم إليه، جاء بصيغة الاستفعال المشعر باستخراج ~~الإجابة مما شأنه الإباء، لما في الأنفس من كره فيما تحمل عليه من الوصول ~~إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا بشق ms170 الأنفس - انتهى وفيه تصرف. # {لعلهم يرشدون} # قال الحرالي: والرشد: حسن التصرف في الأمر حسا أو معنى، في دين أو دنيا، ~~ومن [مقتضى -] هذه الآية تتفضل جميع أحوال السالكين إلى الله، سبحانه ~~وتعالى، من توبة التائب من حد بعده إلى سلوك # PageV01P351 # سبيل قربه [إلى -] ما يؤتيه الله من وصول العبد إلى ربه - انتهى. ### | {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم} # قال الحرالي: ففيه يسر، من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة جبلاتهم، ~~فعذرهم بعلمه فيهم، ولم يؤاخذهم بكتابه عليهم، وفي التوب رجوع إلى مثل ~~الحال قبل الذنب، "التائب من الذنب كمن لا ذنب له". # وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار، ليجتمع اليمن في ~~الطائفتين، فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها ~~بوسيلة مخالفته، كما في هذه الآية التي أظهر الله، سبحانه وتعالى، الرفق ~~فيها بهذه الأمة، من حيث شرع لها ما يوافق كيانها، وصرف عنها ما علم أنها ~~تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه، وكذلك حال الآمر، إذا شاء أن يطيعه ~~مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها، وينهاه عن الأشياء التي ~~لو ترك ودواعيه لاجتنبها، فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة، وإذا شاء # PageV01P352 # الله، تعالى، أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه، ونهاها عما ~~جبلها على فعله، فتفشو فيهم المخالفة لذلك، وهر من أشد الآصار التي كانت ~~على الأمم، فخففت عن هذه الأمة بإجراء شرعتها على ما يوافق خلقتها، فسارع، ~~سبحانه وتعالى، لهم إلى حظ من هواهم، كما قالت عائشة، رضي الله تعالى عنها، ~~للنبي: "إن ربك يسارع إلى هواك" ليكون لهم حظ مما لنبيهم كليته، وقال، عليه ~~الصلاة والسلام، لعلي رضي الله تعالى، عنه: "اللهم أدر الحق معه حيث دار" ~~كان، - صلى الله عليه وسلم -، يأمر الشجاع بالحرب، ويكف الجبان عنه، حتى لا ~~تظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء طبع، لا يزعه وازع الرفق، وذلك قصد ~~العلماء الربانيين الذين يجرون المجرب والمدرب على ms171 ما هو أليق بحاله وجبلة ~~نفسه، وأوفق لخلقه، وخلقه، ففيه أعظم اللطف لهذه الأمة من ربها ومن نبيها ~~ومن أئمة زمانها، ومنه قوله، عليه الصلاة والسلام: "لقد هممت أن أنهي عن ~~الغيلة، حتى سمعت [أن] فارس [و] الروم يصنعون ذلك، فلا يضر ذلك # PageV01P353 # أولادهم شيئا" لتجري الأحكام على ما يوافق الجبلات، وطباع الأمم، لكونه ~~رسولا إلى الناس كافة على اختلاف طبائعهم، وما في السنة والفقه من ذلك فمن ~~مقتبسات هذا الأصل العلي الذي أجرى الله، سبحانه وتعالى، الحكم فيه لأمة ~~محمد، - صلى الله عليه وسلم -، على وفق ما تستقر فيه أمانتهم، وتندفع عنهم ~~خيانتهم. وفي [قوله -] {وعفا عنكم} أي [بمحو -] أثر الذنب [إشعار لما كان ~~يستحق ذلك من تطهر منه من نحو كفارة وشبهها، ولما كان ما أعلى إليه -] خطاب ~~الصوم صوم الشهر على حكم وحدته الآتية على ليلة ونهاره إعلاء عن رتبة الكتب ~~الأول التي هي أيام معدودات مفصول ما بين أيامها بلياليها، ليجري النهار ~~على حكم العبادة، والليل على حكم الطبع والحاجة، فكان في هذا الإعلاء إطعام ~~الضعيف مما يطعمه الله ويسقيه، لا لأنه منه أخذ # PageV01P354 # يطبع، بل بأنه حكم عليه بشرع، حين جعل الشرعة على حكم طباعهم، كما قال في ~~الساهي: "إنما أطعمه الله وسقاه". وفيه إغناء القوي عن الطعام والشراب، كما ~~قال، عليه الصلاة والسلام: "إني لست كهيئتكم" فكان يواصل، وأذن في الوصال ~~إلى السحر، فكما أطعموا وسقوا شرعة مع تمادي حكم الصوم، فكذلك أنكحوا شرعة ~~مع تمادي حكمه، فكان نكاحهم ائتمارا بحكم الله، لا إجابة طبع ولا غرض نفس، ~~فقال: {فالآن} أي حين [أظهر -] لكم إظهار الشرعة على العلم فيكم، وما جبلت ~~عليه طباعكم فسدت عنكم أبواب المخالفة التي فتحت على غيركم، "باشروهن" ~~حكما، حتى استحب طائفة من العلماء النكاح للصائم ليلا، حيث صار طاعة، وهو ~~من المباشرة، وهي التقاء البشرتين عمدا {وابتغوا} أي اطلبوا بجد ورغبة {ما ~~كتب الله} أي الذي له القدرة الكاملة، فلا يخرج شيء عن أمره {لكم} أي من ~~الولد أو ms172 المحل الحل، وفيه إشعار بأن ما قضى من الولد في ليالي رمضان نائل ~~بركة ذرئه على نكاح أمر # PageV01P355 # به، حتى كان بعض علماء [الصحابة] يفطر على النكاح {وكلوا واشربوا} كان - ~~صلى الله عليه وسلم -، يفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد ~~حسا حسوات من ماء، وقال: "إن الماء طهور" وفي تقديم الأكل إجراء لحكم هذا ~~الشرع على وفق الطبع - انتهى. # {حتى يتبين} # قال الحرالي: بصيغة يتفعل، وهو حيث يتكلف الناظر نظره، وكأن الطالع يتكلف ~~الطلوع، ولم يقل: بين، لأن ذلك يكون بعد الوضوح - انتهى. # {لكم الخيط الأبيض} # وقال الحرالي: فمد إلى غاية انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون ~~من مثل الخيط. # {من الخيط الأسود} # وقال الحرالي: ففيه إنهاض لحس الاستبصار في ملتقى الليل والنهار، حتى ~~يؤتى العبد نور حسن بتبين ذلك على دقته [ورقته]، وقد كان أنزل هذا المثل ~~دون بيان ممثوله، حتى [أخذ -] أعرابي # PageV01P356 # ينظر إلى خيطين محسوسين، فأنزل {من الفجر} يعني فبين الأبيض، فأخرجه بذكر ~~المشبه من الاستعارة إلى التشبيه، لأن من شرائطها أن يدل عليها الحالة أو ~~الكلام، وهذه الاستعارة، وإن كانت متعارفة عندهم، فقد نطقت بها شعراؤهم، ~~وتفاوضت [بها -] فصحاؤهم وكبراؤهم، لم يقتصر عليها، وزيد في البيان، لأنها ~~خفيت على بعض الناس، منهم عدي بن حاتم، رضي الله تعالى عنه، فلم تكن الآية ~~مجملة، ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة، ولو كان الأمر كذلك ما عاب النبي، - ~~صلى الله عليه وسلم -، على عدي، رضي الله تعالى عنه، عدم فهمها. # وقال الحرالي في كتاب له في "أصول الفقه"، بناء على أنها مجملة، والخطاب ~~بالإجمال ممكن الوقوع، وليس يلزم العمل به، فالإلزام تكليف ما لا يطاق، ~~وإلزام العمل يستلزم البيان، وإلا عاد ذلك الممتنع، وتأخير بيان المجمل إلى ~~وقت الإلزام ممكن، لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة العالم ~~المكون، فإن الإجمال في القرآن بمنزلة نطق الأكوان، والبيان بمنزلة تخطيط # PageV01P357 # الصور، وذلك ظاهر عند من زاوله، وحينئذ فلا يقال خطاب الإجمال ms173 عديم ~~الفائدة، لأنه يفيد تدريج حكمة التنزيل وتحصيل بركة التلاوة، وفي الاقتصار ~~على بيانه [نمط -] من فصاحة الخطاب العربي، حيث لم يكن فيه ذكر الممثولين، ~~اكتفاء بأحدهما عن الآخر، ففيه تأصيل لأصل البيان من الإفهام، حيث لم يقل: ~~{من الليل} كما قال: {من الفجر} [اكتفاء بما -] في الفهم من الذكر، وفي ~~وقوع المبين إثر غير مثله [نمط -] آخر من فصاحة الخطاب العربي، [لأن العرب] ~~يردون الثالث إلى الأول، لا إلى الثاني، ليتعلق بالأول في المعنى، وينتظم ~~بالثاني في اللفظ، فيكون محرز المحل المفهوم راجعا إلى الأول بالمعنى - ~~انتهى. # {ثم أتموا الصيام إلى الليل} # وقال الحرالي: فكان صوم إتماما لبدء ما صوم ليلة، فكأنه في الليل صوم ليس ~~بتام، لانثلامه للحس، وإن كان في المعنى صوما، ومن معناه رأي بعض العلماء ~~الشروع في الاعتكاف قبل الغروب، لوجه مدخل الليل في الصوم التام بالعكوف، ~~وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما، وهو في النهار تمام بالمعنى والحس، ~~وإنما ألزم بإتمام الصوم نهارا واعتد به ليلا وجرى فيه الأكل والنكاح ~~بالأمر، لأن النهار معاش، فكان الأكل فيه أكلا في وقت انتشار الخلق، # PageV01P358 # وتعاطي بعضهم من بعض، فيأنف عنه المرتقب، ولأن الليل سبات، ووقت توف ~~وانطماس، فبدأ فيه من أمر الله ما انحجب ظهوره في النهار، كأن المطعم ~~بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا" فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه الله وسقاه، فلم يقدح ذلك في معنى ~~صومه وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي، بل المأذون له أشرف رتبة من ~~الناسي - انتهى. # {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}. # قال الحرالي. وإنما كان العاكف في المساجد مكملا لصومه، لأن حقيقة الصوم ~~التماسك عن كل ما شأن المرء أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه، ~~فإذا المعتكف المتماسك عن التصرف [كله -] إلا ما لابد له من ضرورته، ~~والصائم المكمل صيامه والمتصرف الحافظ للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن ~~اعتدى عليه هو # PageV01P359 # المتمم [للصيام، ومن نقص ms174 عن ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه - فليس ~~بمتمم للصيام، فمن أطلق لسانه وأفعاله [فليس لله حاجة يدع طعامه وشرابه]، ~~فإذا حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته، حتى ثبت معناه للأكل ليلا ونهارا، ~~قال، - صلى الله عليه وسلم -، "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنهما ~~صام الدهر كله" وقال، - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثة أيام من كل شهر، فذلك ~~صوم الدهر" وكان بعض أهل الوجهة من الصحابة يقول قائلهم: أنا صائم، ثم يرى ~~يأكل من وقته، فيقال له في ذلك، فيقول: قد صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر، ~~فأنا صائم في فضل الله، مفطر في ضيافة الله؛ كل ذلك اعتداد من أهل الأحلام ~~والنهي بحقيقة الصوم أكثر من الاعتداد بصورة ظاهرة - انتهى بمعناه. ### | {وتدلوا بها إلى الحكام} # [قال الحرالي]: وهو من معنى إنزال الدلو خفية في البئر ليستخرج منه ماء، ~~فكأن الراشي يدلي [دلو -] رشوته للحاكم خفية ليستخرج جوره ليأكل به مالا - ~~انتهى. # {لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} # وقال الحرالي: في # PageV01P360 # مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما كان منزل القرآن لإقامة الأمور الثلاثة ~~التي بها قيام المخاطبين به: وهو صلاح دينهم، وهو ما بين العبد وربه، من ~~عمل أو إلقاء بالسلم إليه، وإصلاح دنياهم، وهو ما فيه معاش المرء، وإصلاح ~~آخرتهم، وهو ما إليه معاده، كان لذلك منزل القرآن مفصلا بأحكام تلك الأمور ~~الثلاثة، فكان شذرة للدين، وشذرة للدنيا، وشذرة للآخرة، فلما كان في صدر ~~هذا الخطاب {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} وهو خطاب للملوك، ~~ومن تبعهم من رؤساء القبائل، ومن تبعهم، انتظم به بعد ذلك حكم من أحكام أهل ~~العلم ومن تبعهم في قوله تعالى: {إن الذين يكتمون} الآية، ثم انتظم به ذكر ~~الوصية من أهل الجدة، ثم انتظم به ذكر أحوال الرشي من الراشي والمرتشي، ~~ليقع نظم التنزيل ما بين أمر في الدين، ونهي في الدنيا، ليكون ذلك أجمع ~~للقلب في قبول حكم الدنيا عقب حكم الدين، ويفهم حال المعاد ms175 من [عبرة -] أمر ~~الدنيا، فلذلك تعتور الآيات هذه المعانى، ويعتقب بعضها لبعض، ويتفصل بعضها ~~ببعض، كما هو حال المرء في يومه وفي مدة عمره، حيث تعتور عليه أحوال # PageV01P361 # دينه ودنياه ومعاده، يطابق الأمر الخلق في التنزيل والتطوير - انتهى. ### | {يسألونك عن الأهلة} # قال الحرالي: وهي جمع هلال، وهو ما يرفع الصوت عند رؤيته، فغلب على رؤية ~~الشهر الذي هو الهلال. انتهى. # {مواقيت للناس والحج} # قال الحرالي: وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة، فهو أمر ~~ديني، مشعر بختم الزمان وذهابه، لما فيه من آية المعاد - انتهى. # {ولكن البر} # قال الحرالي: بالرفع والتخفيف؛ استدراكا لما هو البر، وإعراضا عن الأول، ~~وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد طرحه - انتهى. # {وأتوا البيوت من أبوابها} والباب المدخل للشيء المحاط بحائط يحجزه ~~ويحوطه. قاله الحرالي. وتقدم تعريفه له بغير هذا. # {واتقوا الله لعلكم تفلحون} وذكر الحرالي: إن أكثر ما يقع [فيه -] سؤال ~~يكون مما ألبس فتنة أو أشرب محنة، أو أعقب بعقوبة، ولذلك قال تعالى: {لا ~~تسألوا عن أشياء} وكره رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، المسائل وعابها، ~~وقال: "دعوني ما تركتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة # PageV01P362 # سؤالهم" الحديث. ومنه كره وتكلف توليد المسائل، لأنه شغل عن علم التأصيل ~~وتعرض لوقوعه، كالذي سأل عن الرجل يبتلي في أهله فابتلى به. ويقال: كثرة ~~توليد مسائل السهو أوقع فيه. # وقال: وهذه الآية كالجامعة الوطئة لما ذكر بعدها من أمر توقيت القتال ~~الذي كانوا عليه، كما كان من أمر الجاهلية حكم التخرج من القتال في الأشهر ~~الحرم، والتساهل فيه في أشهر الحل، مع كونه عدوى بغير حكم حق، فكان فيه عمل ~~بالفساد وسفك الدماء - انتهى وفيه تصرف - ### | {وقاتلوا في سبيل الله} # قال الحرالي: من حيث إنه حظيرة على دين الإسلام المقيد بالمواقيت، من حيث ~~إن الإسلام عمل يقيده الوقت، والدفع عنه أمر لا يقيده وقت، بل أيان طرق ~~الضر لبناء الإسلام دفع عنه، كما هو حكم الدفع في الأمور الدينية، فكانت ~~الصلاة لمواقيت اليوم والليلة، ms176 والصوم والحج لمواقيت الأهلة، والزكاة ~~لميقات الشمس، والجهاد لمطلق الميقات، حيثما وقع من مكان وزمان، ناظرا بوجه ~~ما لما يقابله من عمود الإسلام الذي هو ذكر كلمة # PageV01P363 # الإخلاص، وهي: "لا إله إلا الله" على الدوام. {يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا}. {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} انتهى. ### | {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} # قال الحرالي: ففي طبه إشعار بما وقع، وهو واقع، وسيقع، من قتال طائفة ~~الحق لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي، بما تخلص من الفتنة ويخلص الدين لله ~~توحيدا ورضى وثباتا، على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة - انتهى. # {فإن انتهوا} والنهي: # قال الحرالي: الحكم المانع من الفعل المترامي إليه بمنزلة أثر العقل ~~المسمى نهى، لمنعه عما تهوى إليه النفس مما يستبصر فيه النهي، قال، عليه ~~الصلاة والسلام: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهي" فمن لم يكن من أهل النهي ~~كان نهاه النهي، وهو الحكم المذكور - انتهى. # {فلا عدوان إلا على الظالمين} # قال الحرالي: فذكر الظلم الشامل لوجوه إيقاع الأمر في غير موضعه من أعلى ~~الدين إلى أدناه - انتهى. # PageV01P364 # {واعلموا أن الله مع المتقين} # قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير الفضائل؛ ~~من وصل القاطع، والعفو عن الظالم. # ولما كان في هذه التقوى خروج عن حظ النفس، أعلمهم أنه، تعالى، يكون عوضا ~~لهم من أنفسهم، بما اتقوا وداوموا على التقوى، حتى كانت وصفا لهم، فأعلمهم ~~بصحبته لهم - انتهى. # وقال الحرالي: ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس، ~~نظم به، تعالى، ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق، الذي يحصل به ~~الزكاء والنماء، وأيضا لما أسس، تعالى حكم الجهاد، الذي هو أشق الأعمال على ~~النفس، نظم به أمر الجود والإنفاق، الذي هو أشق منه على الأنفس. # ومن حيث [إن -] القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد، لم يكن أمره يتم # PageV01P365 # إلا بإعمال الغريزتين: الشجاعة والجود. ولذلك كان أشد الآفات في الدين ~~البخل والجبن - انتهى. ### | {وأنفقوا في سبيل الله} # قال ms177 الحرالي: فالنظر للأموال بإنفاقها بإصلاحها وإثباتها، فانتظم ~~الخطابان: ما في العفو من العز، وما في الإنفاق من النماء. وأكد ذلك ~~بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة ~~- انتهى. # {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} # وقال الحرالي: إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع القتال والإنفاق ~~اللذين بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام [فيتطرق -] إلى هدمه، ولما ~~كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال، لتجرد المهاجرين ~~عنها، كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى. # {إن الله يحب المحسنين} # قال الحرالي: فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل، وأن يقع ~~الإحسان في المال، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم، يتلون به حال ~~الهاجرين في التجرد عنها، فكما كان أمر المهاجرين # PageV01P366 # أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا، فما خرج ~~المهاجرون عن أصله، خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه، فكان إعراضهم تابعا ~~لترك المهاجرين [أموالهم -]. ### | {فإن أحصرتم} # من الإحصار، وهو منع العدو والمحصر عن متصرفه كالمرض يحصره عن التصرف في ~~شأنه - قاله الحرالي. # {ولا تحلقوا رءوسكم} # قال الحرالي: وهو إزالة ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في ~~عمله، والرأس مجتمع الخلقة، ومجتمع كل شيء رأسه - انتهى. # {حتى يبلغ الهدي محله} # قال الحرالي: والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى، وهو اسم ما يتخذ فداء من ~~الأنعام، بتقديمه إلى الله، سبحانه وتعالى، وتوجيهه إلى البيت العتيق. # وفي تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد، وهو الفداء. ~~والهدي في الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله، سنة إبراهيم في ولده، # PageV01P367 # عليهما الصلاة والسلام، ولإزالة الشعر فداء من جزاء لرأس لله، ولذلك لما ~~سئل النبي، - صلى الله عليه وسلم -، عن تقديم أحدهما على الآخر قال: "افعل ~~ولا حرج"، لأن الجميع غاية بالمعنى الشامل للفداء - انتهى. # {ففدية من صيام أو صدقة} لأن الصدقة، كما # قال الحرالي، عدل الصيام عند فقده، كما تقدم. # {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} # قال ms178 الحرالي: فيكون الصوم عدلا للهدي الذي يطعمه المهدي. كما كان الإطعام ~~عدلا للصوم في أية: {وعلى الذين يطيقونه} - انتهى. # {تلك عشرة} # قال الحرالي: معاد عد الآحاد [إلى -] أوله. # {كاملة} والكمال: # قال الحرالي: الإنتهاء إلى الغاية التي ليس وراءها مزيد من كل وجه. # وقال: فكما استوى حال الهدي في بنائه إلى الحرم أو الحل، كذلك استوى حال ~~الصوم في البلد الحرام والبلد الحلال، ليكون في إشارته إشعار بأن الأرض لله ~~مسجد، كما أن البلد الحرام لله مسجد، فأظهر معنى استوائهما في الكمال في ~~حكم الأجر لأهل الأجور، والقبول لأهل القبول، والرضا، لأهل الرضا # PageV01P368 # والوصول لأهل الوجهة كل عامل على رتبة عمله - انتهى. # {ذلك لمن لم يكن أهله} # وقال الحرالي: والأهل سكن المرء من زوج ومستوطن. # {حاضري المسجد الحرام} # قال الحرالي: إفصاحا بما أفهمه معنى المتعة: وذلك لأن الله، عز وجل، إذا ~~تولى إبانة عمل أنهاه إلى الغاية في الإفصاح - انتهى. # قال الحرالي: لما تجره النفوس من مداخل نقص في النيات والأعمال والتنقلات ~~من الأحكام إلى أبدالها، فما انبنى على التقوى خلص، ولو قصر - انتهى. ### | {فمن فرض فيهن الحج} # قال الحرالي: لأن الفرائض من لم يقمها تساقط عضوا عضوا قائم دينه، كما أن ~~النوافل من لم يأت بها عري من زينتها، فكانت الفروض صحة، والنوافل زينة، ~~وفي قوله: {فيهن} إشعار بصحة وقوع الحج في بعضهن، وأن الحج ليس كالصوم، طبق ~~زمانه، فكان من العبادات ما هو طبق زمانه كالصوم، وما يتسع فيه كالصلاة، ~~وما لابد أن ينتهي إلى خاتمته كالحج، وتقع التوسعة في الشروع - انتهى. # {ولا فسوق} # قال الحرالي: هو الخروج عن إحاطة العلم والعقل والطبع - انتهى. # {ولا جدال في الحج} # قال الحرالي: فمنع في الحج من الإقبال على الخلق، بما # PageV01P369 # فيه كره من رفث ومسابة وجدال، حتى لا يقبل الخلق على الخلق في الحج إلا ~~بما الإقبال فيه إقبال على الحق بالحقيقة، فما ينزه الحق، تعالى، عن ~~مواجهته بما [يتحامى -] مع الخلق في زمن الحج، كما تحومى ما يختص بالنفس من ms179 ~~الأحداث في عمل الصلاة. # وفي وروده نفيا لا نهيا إعلام بأنه مناقض لحال الحج، حين نفى، لأن شأن ما ~~يناقض أن ينفي، وشأن ما لا يناقض ويخالف أن ينهي عنه، كما قال فيما هو قابل ~~للجدال: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}. وبين خطاب النهي ~~والنفي فوت في الأحكام الشرعية، ينبني الفقه في الأحكام على تحقيقه في ~~تأصيلها، والتفريع عليها - انتهى. # {وما تفعلوا}. # وقال الحرالي: ولما حمى من سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ~~ذلك الإحسان، فيقع في محل إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير، وهو ~~الإحسان من خير الدنيا. # PageV01P370 # ففي إعلامه تحريض على إحسان الحاج بعضهم لبعض، لما يجمع وفده من الضعيف. ~~والمنقطع، فقال: {وما تفعلوا} انتهى. # {فإن خير الزاد التقوى} وفي التجرد مداخل خلل في بعض نيات الملتبسين ~~بالمتوكلين من الاتكال على الخلق، فأمر الكل بالتزود سترا للصنفين، إذ كل ~~جمع لابد فيه من كلا الطرفين - قاله الحرالي. # وقال: وفي ضمنه تصنيفهم ثلاثة أصناف: متكل لا زاد معه، فمعه خير الزادين، ~~ومتمتع لم يتحقق تقواه، فلا زاد له في الحقيقة، وجامع بين التقوى والمتعة، ~~فذلك على كمال السنة، كما قال، عليه الصلاة والسلام: "قيدها وتوكل" لأن ذلك ~~أستر للطرفين، وحقيقة التقوى في أمر التزود النظر إلى الله، تعالى، في ~~إقامة خلقه وأمره. قال بعض أهل المعرفة: من عوده الله، سبحانه وتعالى، دوام ~~النظر إليه بالغيبة عما سواه، فقد ملك الزاد، فليذهب حيث شاء، فقد استطاع ~~سبيلا - انتهى. ### | {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} # قال الحرالي: وذلك حظ من الوقوف هنيهة وقت في البلد الحرام، عند إقبال ~~النهار، معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى إقبال الليل، # PageV01P371 # ليتثنى الوقوف في الحل والحرم، فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى الليل في ~~عرفة، وموقف ليل ينتهي إلى النهار في المشعر، فوقف فيه، - صلى الله عليه ~~وسلم -، بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، وهو ذكره عنده، لأن الذكر بحسب ~~الذاكر، فذكر اللسان القول، وذكر البدن العمل، وذكر النفس ms180 الحال والانفعال، ~~وذكر القلب المعرفة والعلم واليقين، ونحو ذلك، ولكل شيء ذكر بحسبه، وفي جمع ~~الموقفين في الحل والحرم، في معلم الحج الذي هو آية الحشر، إيذان وبشرى بأن ~~أهل الموقف صنفان: [صنف -] يقفون في موطن روع ومخافة وقوفا طويلا؛ اعتبارا ~~بوقوف الواقفين بعرفة، من حين زوال الشمس إلى غروبها، ست ساعات. # وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل العرش الذي هو حرم يوم القيامة ~~وكعبته، فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك اليوم يمر على ~~المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة، كما قال، عليه الصلاة والسلام، بمقدار ~~صلاة مكتوبة، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف الحل - انتهى. # {ثم أفيضوا} # وقال الحرالي: لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم، كما كان للكيان ترتيب ~~للأسبق فالأسبق، كان حرف المهلة الذي هو "ثم" يقع تارة # PageV01P372 # لترتيب الكيان، وتارة لترتيب الأخبار، فيقول القائل مثلا: امش إلى حاجة ~~كذا - تقديما في الخبر للأهم - ثم ليكن خروجك من موضوع كذا، فيكون السابق ~~في الكيان متأخرا بالمهلة في الإخبار، فمن معنى ذلك قوله - انتهى. # {واستغفروا الله} # قال الحرالي: والعادات أشد ما على المتعبدين، والطريق إلى الله، تعالى، ~~بخلعها، وقد كان جدالهم، أي في وقوفهم في الحرم، بغير علم، لأن العلم يقتضي ~~أن الواقف خائف، والخائف لا يخاف في الحرم، لأن الله، سبحانه وتعالى، جعل ~~الحرم أمنا، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل، فإذا أمن دخل الحرم، وإذا دخل ~~الحرم أمن - انتهى. ### | {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} # قال الحرالي: فانتظم ذكر إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن موقفهم ~~المعهود إخراجا لهم عن معتادهم في أعمالهم وأحوالهم. وفي إعلامه أخذ للخلق ~~بأن يعاملوا الحق معاملة من يجعلونه من الخلق، وذلك عن بلية ما غلب عليهم ~~من التقيد بما يرون، وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا. # PageV01P373 # ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه هذا الخطاب، كما ورد: "استحى من ~~الله كما تستحي رجلا جليلا من قومك" قال تعالي: {أو أشد ذكرا} - انتهى. ms181 # قال الحرالي: فرفع الخطاب إلى ما هو أليق [بالحق -] من إيثار ما برجع ~~إليه على ما يرجع إلى الخلق [انتهى -]. # {من خلاق} # قال الحرالي: والخلاق: الحظ اللائق بالخلق والخلق. # {في الدنيا حسنة} # قال الحرالي: وهي الكفاف من المطعم والمشرب والملبس والمأوى والزوجة على ~~ما كانت لا شرف فيها - انتهى. # {واعلموا أنكم إليه تحشرون} # قال الحرالي: وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار لأمر يوم الحشر ~~ومواقفه، من خروج الحاج من موطنه متزودا، كخروج الميت من الدنيا متزودا ~~بزاد العمل، ووصوله إلى الميقات، وإهلاله متجردا، كانبعاثه من القبر متعريا ~~- وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره # PageV01P374 # {مهطعين إلى الداع} كذلك اعتباره موطنا إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم ~~الله في الآخرة التي هي الجنة، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزول الله ~~لأهل الجنة على وجوه عن الاعتبارات، يطالعها أهل الفهم واليقين، فلأجل ذلك ~~كان أتم ختم لأحكام الحج ذكر الحشر - انتهى. ### | {يعجبك} # ويعجب من الإعجاب، وهو كون الشيء خارجا عن نظائره من جنسه، حتى يكون ندرة ~~في صنعه - قاله الحرالي. # {وهو ألد الخصام} واللدد: شدة الخصومة، والخصام القول الذي يسمع المصيح، ~~ويولج في صماخه ما يكفه عن مزعمه ودعواه، قاله الحرالي. # {ويهلك الحرث} # قال الحرالي: سماه حرثا لأنه الذي نسبه إلى الخلق، ولم يسمه زرعا، لأن ~~ذلك منسوبا إلى الحق - انتهى. # {والنسل} # قال الحرالي: وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى. # PageV01P375 # {فحسبه جهنم} # قال الحرالي: فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي، تعالى، النار باسم من أسمائها ~~- انتهى. # {ولبئس المهاد} والمهاد موطن الهدوء والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله ~~الحرالي. # وقال: فيه إشعار بإمهال الله، عز وجل، لهذه الأمة رعاية لنبيها [فأحسب -] ~~فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدنيا، فخلص لكافرها ~~الدنيا، ولمؤمنها الآخرة، وأنبأ بطول المقام والخلود فيها. ### | {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} # قال الحرالي: ففي إفهامه أن التسليط في هذا اليوم له، وفيه إشعار وإنذار ~~بما وقع في هذه الأمة، وهو واقع، وسيقع، من خروجهم من السلم إلى الاحتراب ~~بوقوع الفتنة في ms182 الألسنة والأسنة على أمر الدنيا، وعودهم إلى أمور ~~جاهليتهم، لأن الدنيا أقطاع الشيطان، كما أن الآخرة خلاصة الرحمن. فكان ~~ابتداء الفتنة منذ كسر الباب الموصد على السلم، وهو عمر بن الخطاب، رضي ~~الله تعالى عنه، فلم يزل الهرج، ولا يزال، إلى أن تضع الحرب أوزارها. # PageV01P376 ### | {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} # قال الحرالي: بينات التجربة شهودا ونبأ عما مضى، وتحققا بما وقع. # وقال: [إن] التعبير ب"إن" يشعر بأنهم يستزلون، والتعبير بالماضي إشعار ~~بالرجوع عنه، رحمة من الله لهم، كرحمته قبل لأبويهم، حين أزلهما الشيطان، ~~فكما أزل أبويهم في الجنة عن محرم الشجرة، أزلهم في الدنيا عن شجرة ~~المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - انتهى. # {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} # قال الحرالي: وإتيان الله في محل الايمان أمر مبهم لا يناله علم ~~العالمين، ويقف دونه إيمان المؤمنين، لا يأخذونه بكيف، ولا يتوهمونه بوهم، ~~وإتيان الله في أوائل فهمالفاهمين، بدو أمره، وخطابه ف محل ما من السماء ~~رالأ! ض أو العرش أو الكرسي، أو ما شاء من خلقه، فهو، تعالى، يجل أن يحجبه ~~كون، فحيث ما بدأ خطابه كفاحا بواسطة، فهناك هو: {وناديناه من جانب الطور ~~الأيمن} إلي {إني أنا # PageV01P377 # الله} وفي الكتاب الأول: "جاء الله من سيناء" - انتهى. # {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة} # وقال الحرالي: ولما كان هذا الذي أندروز به أمرا مجملا، أحيلوا في تفاصيل ~~الوقائع تخصيص الملاحم، ووقوع الأشباه وللنظائر، على ما تقدم ووقع مثاله في ~~بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم في هذه الأمة، حذو النعل بالنعل،، والقذة ~~[بالقذة -] فقال: {سل} " استنطاقا لحالهم، لا لإنبائهم وإخبارهم، فالتفات ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يشهده الله من أحوال بني إسرائيل ~~وأحوال ملوكهم وأحبارهم وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف بلاياهم، هو سؤاله ~~وأستبصاره، لا أن يسأل واحدا فيخبره - انتهى. # {ومن يبدل نعمة الله} # قال الحرالي: وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه، ورد صلاح الصالح ~~إليه، وعدم الاقتداء بعلم العالم، والاهتداء بصلاح ms183 الصالح، وذلك المشاركة ~~التي تقع بين العامة والعلماء والصلحاء، وهو كفر نعمة الله وتبديلها - ~~انتهى. ### | {زين} # قال الحرالي: من التزيين بما منه الزينة وهي بهجة العين التي لا تخلص إلى ~~باطن المزين - انتهى. # PageV01P378 # {للذين كفروا} # قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما، من حيث إن ~~نظر العقل والإيمان يبصر طيتها، ويشهد جيفتها، فلا يغتر بزينتها، وهي آفة ~~الخلق في انقطاعهم عن الحق، وأبهم، تعالى، المزين في هذه الآية ليشمل أدنى ~~التزيين الواقع على لسان الشيطان، وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج ~~الله، كما في قوله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} - انتهى. ### | {ويسخرون} # وقال الحرالي: هو استزراء العقل معنى، بمنزلة الاستسخار في العقل حسا، ~~{من الذين آمنوا}: لما هم فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن الدنيا، رغبة ~~فيما عند الله، لما وهبهم الله، سبحانه تعالى، من العلم الخارق لتلك الحجب، ~~الكاشف لأستار المغيب، ولأن الله يزوي عنهم الدنيا، ويحميهم منها، رغبة بهم ~~عنها لكرامتهم عليه، كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن كان مريضا ~~لكرامتهم عليه، فصار الكفار بهذا التزيين مع ما بواناهم من الهوان بأنواع ~~التهديد التي لا مرية في قدرتنا عليها، مشغولين يلعاعة من العيش، فهم راضون ~~بأحوالهم، مسرورون بها، بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة، بل مع الحالة ~~الراهنة فيهزؤون بأهل الحق، متعامين عن البينات، معرضين عن التهديد، تاركين ~~الاستبصار بأحوال بني إسرائيل. # PageV01P379 ### | {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} # قال الحرالي: فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهدايه شيء، وإنما هم ~~مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم، فيبشرون من فطر على خير، وينذرون من جبل ~~على شر، لا يستأنفون أمرا لم يكن، بل يظهرون أمرا كان مغيبا، وكذلك حال كل ~~إمام عالم في زمانه، يميز الله الخبيث من الطيب - انتهى. # {وأنزل معهم الكتاب} # قال الحرالي: إبراما لثني الأمر المضاعف، ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه ~~بشاهد واحد، فقد كان في الرسول كفاية، وفي الكتاب وحده كفاية، لكن الله، ~~تعالى، ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون له ms184 الحجة البالغة - انتهى. # {من بعد ما جاءتهم البينات} # قال الحرالي: الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في المسموع، فلذلك ~~كانت البينات مكملة لاجتماع شاهديها - انتهى. # {بغيا بينهم}: والبغي إعمال الحسد بالقول والفعل، قال، عليه الصلاة ~~والسلام: "ثلاث لا يسلم منهن أحد" ومنهن متحلى الحسد والطيرة والظن، فإذا ~~حسدت فلا تبغ، لأن الحسد واقع في النفس كأنها مجبولة عليه، # PageV01P380 # فلذلك عذرت فيه، فإذا استعملت بحسبه مقالها وفعالها كانت باغيه - انتهى. # {فهدى الله} في إسناده إلى الاسم الأعظم، كما # قال الحرالي: إعلام بأنه ليس من طوق الخلق إلا بعون وتوفيق من الحق - ~~انتهى. # {من الحق بإذنه} # قال الحرالي: فيه إشعار بما فطرهم عليه من التمكين لقبوله، لأن الإذن ~~أدناه التمكين وإزالة المنع - انتهى. # {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} # قال الحرالي: هذا هدي أعلى من الأول، كأن الأول هدي إلى إحاطة علم الله ~~وقدرته، وهذا هدي إليه. # وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي: ~~"لا تزال طائفة من أمتي ظاهريا على الحق، حتى يأتي أمر الله". ### | {أم حسبتم} # قال الحرالي: هو مما منه الحسبان، وهو ما تقع غلبته، فيما هو من نوع ~~المفطور عليه، المستقر عادته، والظن الغلبة فيما هو من المعلوم المأخوذ ~~بالدليل والعلم، فكأن ضعف علم العالم ظل، وضعف عقل العاقل حسبان - انتهى. # وقال الحرالي: و "أم" عطف على أمور يفهمها مبدأ الخطاب، كأنه يقول: ~~أحسبتم أن تفارق أحوالكم أحوال الأمم الماضية في حكمة الله وسنته؟ ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا، إلى ما يستجره معنى الخطاب إجمالا وتفصيلا في واقع ~~الدنيا؛ من # PageV01P381 # شدائدها وحرها وبردها، وضيق عيشها، وأنواع أذاها، وحال البرزخ، وحال ~~النشر والحشر، إلى ما وراء ذلك، إلى غاية دخول الجنة، فكان عند انتهاء ذلك ~~بادئة خطاب {أم حسبتم} تجاوزا لما بين [أول -] البعث، وغاية دخول الجنة - ~~انتهى. # {مستهم البأساء والضراء} أي جزاء لهم، كما # قال الحرالي: على ما غيروا مما يجلب كلا منها، ولكل عمل جزاء. {وزلزلوا} ~~لأمور باطنة من خفايا ms185 القلوب - انتهى. # {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه} # وقال الحرالي: فذكر قول الرسول الواقع في رتبة الذين آمنوا معه، لا قوله ~~فيما يخصه في ذاته وحده، ومن هو منه أو متبعه، لأن للنبي ترتبا فيما يظهر ~~من قول وفعل مع رتب أمته، فكان قول الرسول المنبئ عن حالهم: {متى نصر الله} ~~فكأنهم في مثل ترقب المتلدد الحائر الذي كأنه، وإن وعد بما هو الحق، يوقع ~~له التأخير صورة الذي انبهم عليه الأمر، لما يرى من اجتثاث أسباب الفرج. # ففي إشعاره إعلام بأن الله، سبحانه وتعالى، إنما يفرج عن أنبيائه ومن ~~معهم، # PageV01P382 # بعد انقطاع أسبابهم في سواه، ليمتحن قلوبهم للتقوى، فتتقدس سرائرهم من ~~الركون لشيء من الخلق، وتتعلق ضمائرهم بالله، تعالى، وحده، حتى يقول، - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم ~~الأحزاب وحده". إعلاما بأن الله، سبحانه وتعالى، ناصره دون حجاب، ولا وسيلة ~~شيء من خلقه، كذلك سنته مع رسله: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا} وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل الكرامات، لا يكاد يقع ~~لهم إلا عن ضرورة قطع الأسباب. # وفي قراءة النصب إعراب بأن غاية الزلزال القول، وفي الرفع إعراب عن غاية ~~الزلزال وأنه أمر مبهم، له وقع في البواطن والظواهر: أحد تلك الظواهر وقوع ~~هذا القول. ففي الرفع إنباء باشتداد الأمر بتأثيره في ظاهر القول وما وراءه ~~- انتهى. # {ألا} # قال الحرالي: استفتاحا وتنبيها وجمعا للقلوب للسماع. {إن} تأكيدا ~~وتثبيتا، {نصر الله} الذي لا سبب له إلا العناية، من ملك الملوك، بعد قطع ~~كل سبب من دونه، {قريب} لاستغنائه عن عدة ومدة. # ففي جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدد والآلات المتعبة، ~~والاستغناء بتعلق القلوب بالله، ولذلك إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها، ~~لأن نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام، فلذلك تفتح خاتمة هذه الأمة # PageV01P383 # قسطنطينية الروم بالتسبيح والتكبير، قال، - صلى الله عليه وسلم -: "إنا ~~إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" فانعطف ذلك على ما أراده الله، ms186 ~~تبارك وتعالى، بأنبائه وأصفياء من اليسر الذي كماله لهذه الأمة، فأراد بهم ~~اليسر في كل حال - انتهى. ### | {يسألونك ماذا ينفقون} # وقال الحرالي: لما كان منزل القرآن على نحو متصرف المرء في الأزمان، كان ~~انتظام خطابه متراجعا بين خطاب دين يتلقى عن الله، وبين إقامة بحكم يكون ~~العبد فيه خليفة الله في نفاذ أمره، وبين إنفاق يكون فيه خليفة في إيصال ~~فضله، لأن الشجاعة والجود خلافة، والجبن والبخل عزل عنها. فكان في طي ما ~~نقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق، وكان حق ذلك أن لا يسأل عماذا ينفق، لأن ~~المنفق هو الفضل كله، قال، - صلى الله عليه وسلم -: "يا ابن آدم، إن تبذل ~~الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك". # ففي هذا السؤال، ممن سأله له، نوع تلدد، من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في ~~أمر البقرة من مرادة المسألة، لم يستأذن الصديق، رضي الله تعالى عنه، حين ~~أتى بماله كله، ولا استأذن عمر، رضي الله عنه، حين أتى بشطر ماله، ولا # PageV01P384 # استأذن سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنهما، ~~عن شطر ماله وإحدى زوجتيه، فكان في هذا السؤال إظهار {مثل الذين خلوا من ~~قبلكم} ولولا أن الله رحيم لكان جوابهم: تنفقون الفضل، فكان يضع واجبا، ~~ولكن الله لطف بالضعيف لضعفه، وأثبت الإنفاق، [وأبهم قدره] [وتعرض لترتيب ~~المنفق فيهم، لأن آفة المرء البخل، فإن أنفق كان أشد آفاته] في نكس ~~الإنفاق، بأن يتصدق على الأجانب مع حاجة من الأقارب، فقال تعالى خطابا ~~للنبي، - صلى الله عليه وسلم -، وإعراضا منه عن السائلين، لما في السؤال من ~~التبلد الإسرائيلي - انتهى. # {واليتامى} # وقال الحرالي: لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم الذي أوجب خلافة الغير ~~عليهم - انتهى. # {والمساكين} # قال الحرالي: وهو المتعرضون لغة، والمستترون الذين لا يفطن لهم، ولا ~~يجدون ما يغنيهم شرعا، ولغة نبوية - انتهى. # {فإن الله به عليم} # وقال الحرالي: ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في الإنفاق، لأنه ~~من أشد شيء تتباهى به النفس، فيكاد لا يسلم ms187 # PageV01P385 # لها منه إلا ما لا تعلمه شمالها، التي هي التفاتها وتباهيها، ويختص ~~بيمينها التي هي صدقها وإخلاصها - انتهى. ### | {كتب} # وقال الحرالي: لما التف حكم الحج بالحرب تداخلت آيات اشتراكهما، وكما ~~تقدم تأسيس فرض الحج في آية: {فمن فرض فيهن الحج} انتظم به كتب القتال، ~~والفرض من الشيء ما ينزل بمنزلة الجزء منه، والكتب ما خرز بالشيء فصار ~~كالوصلة فيه، كما جعل الصوم، لأن في الصوم جهاد النفس، كما أن في القتال ~~جهاد العدو، فجرى ما شأنه المدافعة بمعنى الكتب، وما شأنه العمل والإقبال ~~بمعنى الفرض، وهما معنيان مقصودان في الكتاب والسنة، تحق العناية بتفهمهما، ~~لينزل كل من القلب في محله، ويختص النية في كل واحد على وجهه. # وقد كان من أول منزلة آي القتال: {أذن للذين يقاتلون} فكان الأول إذنا ~~لمن شأنه المدافعة عن الدين بداعية من نفسه، من نحو ما كانت الصلاة قبل ~~الفرض واقعة من الأولين بداعية من حبهم لربهم، ورغبتهم إليه [في الخلوة به، ~~والأنس بمناجاته، فالذين كانت صلاتهم حبا، كان الخطاب لهم بالقتال إذنا ~~لتلفتهم # PageV01P386 # إليه -] في بذل أنفسهم لله، الذين كان ذلك حبا لهم يطلبوا الوفاء به، حبا ~~للقاء ربهم [بالموت، كما أحبوا لقاء ربهم] بالصلاة، حين عقلوا وأيقنوا أنه ~~لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه، فكان من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم، ~~وطلب لقائه بالشهادة في الحرب. # فلما اتسع أمر الدين، ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق المحبة ~~للقاء الله على البدار للجهاد، نزل كتبه، كما نزل فرض الصلاة استدراكا ~~فقال: {كتب عليكم القتال} أي أيتها الأمة! وكان في المعنى راجعا لهذا الصنف ~~الذين يسألون عن النفقة، وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما قبلها، فكأنهم ~~يتبلدون في الإنفاق تبلدا إسرائيليا، ويتقاعدون عن الجهاد تقاعد أهل التيه ~~منهم، الذين قالوا: {فاذهب أنت وربك فقاتلا} - انتهى. # {وهو كره لكم} وهو، كما # قال الحرالي: عند المحبين للقاء الله، من أحلى ما تناله أنفسهم، حتى كان ~~ينازع الرجل منهم في أن يقف، فيقسم على الذي يمسكه ms188 أن يدعه والشهادة، قال ~~بعض التابعين: لقد أدركنا قوما كان الموت لهم أشهى من الحياة # PageV01P387 # عندكم اليوم، وإنما كان ذلك لما خربوه من دنياهم، وعمروه من أخراهم، ~~فكانوا يحبون النقلة من الخراب إلى العمارة - انتهى. # {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} # قال الحرالي: فشهد لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين الذين يشاهدون غيب ~~الإيمان، كما يشهدون عن الحس، كما قال ثعلبة: "كأني أنظر إلى أهل الجنة في ~~الجنة ينعمون، وأنظر إلى أهل النار في النار يعذبون". # ولم يبرم لهم الشهادة، ولكن ناطها بكلمة {عسى} لما علمه من ضعف قبول من ~~خاطبه بذلك. وفي إعلامه إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا الخطاب ~~من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - انتهى. # قال الحرالي: فأشعر أن المتقاعد له في تقاعده آفات وشر في الدنيا ~~والآخرة، ليس أن لا ينال خير الجهاد فقط، بل وينال شر التقاعد والتخلف - ~~انتهى. # {والله يعلم} # وقال الحرالي: شهادة بحق العلم، يرجع إلى ما عند الأغبياء في تنزل الخطاب ~~- انتهى. # {وأنتم لا تعلمون} # وقال الحرالي: فنفي العلم عنهم بكلمة "لا" أي التي هي # PageV01P388 # للاستقبال، حتى تفيد دوام الاستصحاب {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}. # قال: من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم، وأما المؤمنون ~~أي الراسخون، فقد علمهم الله من علمه ما علموا أن القتال خير لهم، وأن ~~التخلف شر لهم - انتهى. ### | {وصد عن سبيل الله} # قال الحرالي: والصد: صرف إلى ناحية بإعراض وتكره، والسبيل: طريق الجادة ~~الجادة عليه الظاهر لكل سالك منهجه. # {حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} # قال الحرالي: الاستطاعة: مطاوعة النفس في العمل، وإعطاؤها الانقياد فيه. # ثم قال: فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها، وطائفة تثبت، لأن كلام الله ~~لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما، ويوضحه تصريح الخطاب في ~~قوله: {ومن يرتدد} إلى آخره، وهو من الرد، ومنه الردة، وهو كف بكره لما ~~شأنه الإقبال بوفق - انتهى. # {فأولئك حبطت أعمالهم} ms189 # وقال الحرالي: من الحبط، وهو فساد في الشيء الصالح، يأتي عليه من وجه يظن ~~به صلاحه، وهو في الأعمال بمنزلة البطح في الشيء # PageV01P389 # القائم الذي يقعده عن قيامه، كذلك الحبط في الشيء الصالح يفسده عن وهم ~~صلاحه. {في الدنيا} بزوال ما فيها من روح الأنس بالله سبحانه، وتعالى، ~~ولطيف الوصلة به، وسقوط إضافتها إليهم، إلا مقرونة ببيان حبوطها، فقد بطل ~~ما كان لها من الإقبال من الحق والتعظيم من الخلق. # {والآخرة} بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق الوعد. ### | {إن الذين آمنوا} # قال الحرالي: لما ذكر أمر المتزلزلين ذكر أمر الثابتين - انتهى. # {والذين هاجروا} # قال الحرالي: من المهاجرة، وهو مفاعلة، من الهجرة، وهو التخلي عما شأنه ~~الاغتباط به، لمكان ضرر منه {وجاهدوا} أي أوقعوا المجاهدة، مفاعلة من الجهد ~~- فتحا وضما - وهو الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل. # {يرجون} من الرجاء، وهو ترقب الانتفاع، بما تقدم له سبب ما. قاله ~~الحرالي. # {والله غفور رحيم} # قال الحرالي: وفي الختم بالرحمة أبدا في خواتم الآي إشعارا بأن فضل الله ~~في الدنيا والآخرة ابتداء فضل، ليس في الحقيقة جزاء العمل، فكما يرحم العبد ~~طفلا ابتداء، يرحمه كهلا انتهاء، ويبتدئه برحمته في # PageV01P390 # معاده، كما ابتدأه برحمته في ابتدائه - انتهى بالمعنى. ### | {يسألونك عن الخمر والميسر} # قال الحرالي: وهو مما منه الخمر - بفتح الميم - وهو ما وارى من شجر ~~ونحوه، فالخمر - بالسكون - فيما يستبطن، بمنزلة الخمر - بالفتح - فيما ~~يستظهر، كأن الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من الإنسان وبهيميته ~~العجماء. # {والميسر} # قال الحرالي: اسم مقامرة، كانت الجاهلية تعمل بها لقصد انتفاع الضعفاء ~~وتحصيل ظفر المغالبة - انتهى. # {قل فيهما إثم كبير} # قال الحرالي: في قراءتي الباء، الموحدة، والمثلثة، إنباء عن مجموع ~~الأمرين؛ من كبار المقدار وكثرة العدد، وواحد من هذين مما يصد ذا الطبع ~~الكريم والعقل الرصين عن الإقدام عليه، بل يتوقف عن الإثم الصغير القليل، ~~فكيف عن الكبير الكثير - انتهى. # {وإثمهما أكبر من نفعهما} وفي هذا، كما # قال الحرالي، تنبيه على النظر في تفاوت الخيرين، وتفاوت ms190 الشرين - انتهى. # {ويسألونك ماذا ينفقون} # وقال الحرالي: في العطف إنباء بتأكد التلدد مرتين، كما في قصة بني ~~إسرائيل، لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها، فوقع ضمهم # PageV01P391 # عن السؤال في الثالثة، لتقاصر ما يقع في هذه الأمة عما وقع في بني ~~إسرائيل بوجه ما، وقال، سبحانه وتعالى، في الجواب: {قل العفو} وهو ما سمحت ~~به النفس من غير كلفة. # قال: فكأنه ألزم النفس نفقة العفو، وحرضها على نفقة ما تنازع فيه، ولم ~~يلزمها ذلك لئلا يشق عليها، لما يريده بهذه الأمة من اليسر. # فصار المنفق على ثلاث رتب: # رتبة حق مفروض، لابد منه، وهي الصدقة المفروضة، التي إمساكها هلكة في ~~الدنيا والآخرة. # وفي مقابلته عفو لا ينبغي الاستمساك به، لسماح النفس بفساده، فمن أمسكه ~~تكلف إمساكه. # وفيما بينهما ما تنازع النفس إمساكه، فيقع لها المجاهدة في إنفاقه، وهو ~~متجرها الذي تشتري به الآخرة من دنياها. # قالت امرأة للنبي، - صلى الله عليه وسلم -: "ما يحل لنا من أموال ~~أزواجنا" - نسأل عن # PageV01P392 # الإنفاق منها - قال: الرطب - بضم الراء وسكون الطاء - تاكلينه وتهدينه، ~~لأنه من العفو الذي يضر إمساكه بفساده، لأن الرطب هو ما إذا أبقى من يوم ~~إلى يوم تغير، كالعنب والبطيخ، وفي معناه الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير ~~بمبيتها - انتهى. # {يبين الله لكم الآيات} # قال الحرالي: فجمعها لأنها آيات من جهات مختلفات، لما يرجع لأمر القلب ~~وللنفس وللجسم، ولحال المرء مع غيره - انتهى. # {لعلكم تتفكرون} أي لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر. وهو طلب ~~الفكر، وهو يد النفس التي تنال بها المعلومات، كما تنال يد الجسم المحسوسات ~~- قاله الحرالي. ### | {وإن تخالطوهم} # قال الحرالي: وهي رتبة دون الأولى، والمخالطة مفاعلة من الخلطة، وهي ~~إرسال الأشياء التي شأنها الانكفاف بعضها في بعض، كأنه رفع التحاجز بين ما ~~شأنه ذلك {فإخوانكم} جمع أخ، وهو الناشئ مع أخيه من منشأ واحد، على السواء ~~بوجه ما - انتهى. # {لأعنتكم} من الإعنات، وهو إيقاع العنت، وهو أسوأ الهلاك الذي # PageV01P393 # يفحش نعته - قاله الحرالي. # {ولا تنكحوا} # قال الحرالي: ms191 مما منه النكاح، وهو إيلاج نهد في فرج، ليصير بذلك كالشيء ~~الواحد - انتهى. # {خير من مشركة ولو أعجبتكم} # قال الحرالي: فانتظمت هذه الآيات في تبيين خير الخيرين، وترجيح [أمر ~~الغيب في] أمر الدين والعقبى، في أدنى الإماء من المؤمنات خلقا وكونا وظاهر ~~صورة، [على حال العين في أمر العاجلة من الدنيا في أعلى الحرائر من ~~المشركات خلقا وظاهر صورة -] وشرف بيت - انتهى. ### | {ويسألونك عن المحيض} # قال الحرالي: وهو مفعل من المحيض، وهو معاهدة اندفاع الدم العفن الذي هو ~~في الدم، بمنزلة البول والعذرة في فضلتي الطعام والشراب، من الفرج. {قل هو ~~أذى} أي مؤذ للجسم والنفس، لأن فيه اختلاط النطفة بركس الدم الفاسد العفن - ~~قاله الحرالي. # وقال: حتى إنه يقال إن التي توطأ، وهي حائض، يقع في ولدها من الآفات ~~أنواع - انتهى. # {فاعتزلوا النساء} من الاعتزال، وهو طلب العزل، وهو الإنفراد عما شأنه ~~الاشتراك - قاله الحرالي. # {إن الله يحب التوابين} # قال الحرالي: تأنيسا لقلوب المتحرجين من معاودة الذنب بعد توبة منه، أي ~~ومن معاودة التوبة بعد الوقوع في ذنب ثان، لما يخشى العاصي من أن يكتب عليه ~~كذبه كلما أحدث توبة وزل بعدها، فيعد مستهزئا، # PageV01P394 # فيسقط من عين الله، ثم لا يبالي به، فيوقفه ذلك عن التوبة. ### | {نساؤكم حرث لكم} # قال الحرالي: ليقع الخطاب بالإشارة أي في الآية الأولى لأولي الفهم، ~~وبالتصريح، أي في هذه، لأولي العلم، لأن الحرث، كما قال بعض العلماء، إنما ~~يكون في موضع الزرع - انتهى. # {واعلموا أنكم ملاقوه} # قال الحرالي: وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا يصل ~~إليها أحكام حكام الدنيا، مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة، من حيث إن ~~أمر ما بين الزوجين سر لا يفشى، قال، عليه الصلاة والسلام: "لا يسأل الرجل ~~فيم ضرب امرأته" وقال: "لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها" فأنبأ، تعالى، أن أمر ~~ما بين الزوجين مؤخر حكمه إلى لقاء الله، عز وجل، حفيظة على ما بين ~~الزوجين، ليبقى سرا لا يظهر أمره إلا ms192 الله تعالى. # وفي إشعاره إبقاء للمروءة في أن لا يحتكم الزوجان عند حاكم في الدنيا، ~~وأن يرجع كل واحد منهما إلى تقوى الله وعلمه بلقاء الله - انتهى. # {عرضة لأيمانكم} # قال الحرالي: والعرضة ذكر الشيء وأخذه على عير قصد له ولا صمد نحوه، بل ~~له صمد غيره. # PageV01P395 # {باللغو} وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله ~~الحرالي. # {بما كسبت قلوبكم}: # قال الحرالي: فيكون ذلك عزما باطنا وقولا ظاهرا، فيؤاخذ باجتماعهما، ففي ~~جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو، وذلك هو الذي حفظ حرمة ~~الحلف بالله، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا يفعله - انتهى. # {والله غفور حليم} والحلم: احتمال الأعلى للأذى من الأدنى، وهو أيضا رفع ~~المؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم - قاله الحرالي. ### | {للذين يؤلون من نسائهم} # قال الحرالي: والإيلاء: تأكيد الحلف وتشديده، [سواء كانوا أحرارا أو ~~عبيدا، أو بعضا وبعضا، في حال الرضى أو الغضب، محبوبا كان أو لا، لأن ~~المضارة حاصلة بيمينه] {تربص} أي إمهال وتمكث يتحمل فيه الصبر الذي هو ~~مقلوب لفظه - انتهى. # {أربعة أشهر} # قال الحرالي: ولما كان لتخلص المرأة من الزوج أجل عدة كان أجلها مع أمد ~~هذا التربص. كأنه - والله سبحانه وتعالى أعلم - هو القدر # PageV01P396 # الذي تصبر المرأة عن زوجها، يذكر أن عمر، رضي الله تعالى عنه، سأل النساء ~~عن قدر ما تصبر المرأة عن الزوج فأخبرنه أنها تصبر ستة أشهر، فجعل ذلك أمد ~~البعوث، فكان التربص والعدة قدر ما تصبره المرأة عن زوجها، وقطع، سبحانه ~~وتعالى، بذلك ضرار الجاهلية في الإيلاء إلى غير حد. انتهى وفيه تصرف. # {فإن الله غفور رحيم} # قال الحرالي: وفي مورد هذا الخطاب بإسناده للأزواج ما يظافر معنى إجراء ~~أمور النكاح على سترة، وإعراض عن حكم الحكام، من حيث جعل التربص له والفيء ~~منه، فكأن الحكم من الحاكم إنما يقع على من هتك حرمة ستر أحكام الأروأج ~~التي يجب أن تجري بين الزوجين من وراء ستر، كما هو سر ms193 النكاح الذي هو سبب ~~جمعهما، ليكون حكم السر سرا، وحكم الجهر جهرا - انتهى. ### | {وإن عزموا الطلاق} # والعزم الإجماع على إنفاذ الفعل، والطلاق هو في المعنى بمنزلة إطلاق ~~الشيء من اليد الذي يمكن أخذه بعد إطلاقه - قاله الحرالي. # {فإن الله سميع} # قال الحرالي: في إشارته إعلام بأن الطلاق لابد له من ظاهر لفظ يقع مسموعا ~~- انتهى. # {عليم} # قال الحرالي: وفيه تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من # PageV01P397 # المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن ~~يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر، ولذلك رأي ~~العلماء أن ### | الطلاق # أمانة في أيدي الرجال، كما أن العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء، ~~فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه - انتهى. # وقال الحرالي: [لما ذكر تربص الزوج -] سبحانه وتعالى في أمر الطلاق، الذي ~~هو أمانته، ذكر تربص المرأة في أمر العدة، التي هي أمانتها - انتهى. ### | {ثلاثة قروء} # وقال الحرالي: قروء جمع قرء، وهو الحد الفاصل بين الطهر والحيض، الذي ~~يقبل الإضافة إلى كل واحد منهما، ولذلك ما تعارضت في تفسير لغته تفاسير ~~اللغويين، واختلف في معناه أقوال العلماء، لخفاء معناه بما هو حد بين ~~الحالين، كالحد الفاصل بين الظل والشمس، فالقروء الحدود، وذلك حين تطلق ~~المرأة لقبل عدتها في طهر لم تمس فيه، ليطلقها على ظهور براءة من علقتهما، ~~ليلا يطلق ما لم تنطلق عليه، فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما بينهما ~~قرءا، لأن القرء استكمال جمع الحيض حين يتعفن، فما لم ينته إلى الخروج لم ~~يتم # PageV01P398 # قرءا، فإذا طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين، فإذا طهرت ~~الطهر الثالث، وانتهى إلى الحيض، شاهد كمال القرء، كان ثلاثة أقراء، فلذلك ~~يعرب معناه عن حل المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام عدة ~~الأقراء الثلاثة، فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر، ويكون أقرب من تفسيره ~~بالحيض، فأمد الطهر ظاهرا هو أمد الاستقراء للدم باطنا، فيبعد تفسيره ~~بالحيض، عما هو تحقيقه ms194 من معنى الحد بعدا ما - انتهى. # {في أرحامهن} # قال الحرالي: وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل، يكون فيه تخلقه ~~من كونه نطفة إلى كونه خلقا آخر - انتهى. # {إن كن يؤمن بالله} # وقال الحرالي: ففي إشعاره إثبات نوع نفاق على الكاتمة ما في رحمها - ~~انتهى وفيه تصرف. # {وبعولتهن} # قال الحرالي: وهو الرجل المتهيء لنكاح الأنثى المتأتي له ذلك، يقال على ~~الزوج والسيد - انتهى. # {إن أرادوا إصلاحا} # قال الحرالي: الإصلاح لخلل ما بينهما أحق في علم الله وحكمته من افتتاح ~~وصلة ثانية، لأن تذكر الماضي يخل بالحاضر، مما حذر النبى، - صلى الله عليه ~~وسلم -، عنه نكاح اللفوت، وهي التي لها ولد من زوج سابق، فلذلك كان الأحق # PageV01P399 # إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان - انتهى. # {بالمعروف} # قال الحرالي: والمعروف ما أقره الشرع، وقبله العقل، ووافقه كرم الطبع - ~~انتهى. # {وللرجال عليهن درجة} # وقال الحرالي: لما أوثروا به من رصانة العقل، وتمام الدين - انتهى. ### | {الطلاق} # قال الحرالي: لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره الحق، تعالى، على ~~المرتين اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة - انتهى. # {فإمساك} # قال الحرالي: هو من المسك، وهو إحاطة تحبس الشيء، ومنه المسك بالفتح ~~للجلد. # {بمعروف} [قال الحرالي]: فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية الذين كانوا عليه ~~بتكرير الطلاق إلى غير حد، فجعل له حدا يقطع قصد الضرار - انتهى. # {أو تسريح} # قال الحرالي: سمى الثالث تسريحا لأنه إرسال لغير معنى الأخذ، كتسريح ~~الشيء الذي لا يراد إرجاعه. # وقال أيضا: هو إطلاق الشيء على وجه لا يتهيأ للعود، فمن أرسل البازي مثلا ~~ليسترده فهو مطلق، ومن أرسله لا ليسترجعه فهو مسرح - انتهى. # PageV01P400 # {بإحسان} تعريضا بالجبر بالمال، ليلا يجتمع منعان: منع النفس -] وذات ~~اليد. أفاده الحرالي. # وقال: ففيه بوجه ما تعريض بما صرحت به آية المتعة الآتية - انتهى. # {مما آتيتموهن شيئا} # قال الحرالي: لأن إيتاء الرجل للمرأة إيتاء نحلة لإظهار مزية الدرجة، لا ~~في مقابل الانتفاع، فلذلك أمضاه، ولم يرجع منه شيئا، ولذلك لزم في النكاح ~~الصداق، لتظهر مزية الرجل بذات اليد، ms195 كما ظهرت في ذات النفس - انتهى. # {ألا يقيما حدود الله} # قال الحرالي: وفي إشعاره أن الفداء في حكم الكتاب مما أخذت الزوجة من ~~زوجها، لا من غير ذلك من مالها، والحدود جمع حد، وهو النهاية في المتصرف ~~المانع من الزيادة عليه - انتهى. # {ومن يتعد حدود الله} # قال الحرالي: ففيه ترجية فيما يقع من تعدي الحدود من دون ذلك من حدود أهل ~~العلم ووجوه السنن، [وفي إعلامه -] إيذان بأن وقوع الحساب يوم الجزاء على ~~حدود القرآن، التي لا مندوحة لأحد بوجه من وجوه السعة في مخالفتها، ولذلك ~~تتحقق التقوى والولاية [مع -] الأخذ بمختلفات السنن، ومختلفات أقوال ~~العلماء - انتهى. # {فأولئك هم الظالمون} # قال الحرالي: وفي إشعاره تصنيف الحدود ثلاثة أصناف: حد الله، سبحانه ~~وتعالى، وحد النبي، - صلى الله عليه وسلم -، وحد العالم، قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ما جاء من الله فهو الحق، وما جاء مني فهو السنة، وما جاء من ~~أصحابي فهو السعة". # PageV01P401 # فأبرأ العباد من الظلم من حافظ على أن لا يخرج عن حدود العلماء، ليكون ~~أبعد أن يخرج من حدود السنة، ليكون أبعد أن يخرج من حدود الكتاب. فالظالم ~~المنتهي ظلمه الخارج [عن الحدود الثلاثة: حد العالم، وحد السنة، وحد الله - ~~انتهى. ### | {فإن طلقها} # قال الحرالي: فردد معنى التسريح الذي بينه في موضوعه بلفظ الطلاق، لما ~~هيأها بوجه إلى المعاد، وذلك فيما يقال من خصوص هذه الأمة، وأن حكم الكتاب ~~الأول أن المطلقة ثلاثا لا تعود أبدا، فلهذا العود بعد زوج صار السراح ~~طلاقا - انتهى. # {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} لأن النكاح، كما # قال الحرالي: عقد حرمة مؤبدة، لا حد متعة مؤقتة، فلذلك لم يكن الاستمتاع ~~إلى أمد محللا في السنة وعند الأئمة، لما يفرق بين النكاح والمتعة من ~~التأبيد والتحديد - انتهى. # قال الحرالي: [لما جعل الطلاق سراحا جعل تجديد النكاح مراجعة] كل ذلك ~~إيذانا بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير - انتهى. # {فبلغن أجلهن} # وقال الحرالي: ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ وهو ms196 ~~الانتهاء إلى أول حده، وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده، ذكر، سبحانه ~~وتعالى، البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد، دون المجاوزة والمحل، ~~والأجل مشارفة انقضاء أمد الأمر، حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه، كأنه ~~مشارفة فراغ المدة - انتهى. # PageV01P402 # {أو سرحوهن بمعروف} # وقال الحرالي: وهذا معروف الإمتاع والإحسان، وهو غير معروف الإمساك، ~~ولذلك فرقه الخطاب، ولم يكن: فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى. # {واعلموا أن الله بكل شيء عليم} # قال الحرالي: والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى. ### | {فلا تعضلوهن} # والعضل: # قال الحرالي: هو أسوأ المنع، من عضلت الدجاجة إذا نشبت بيضتها فيها حتى ~~تهلك - انتهى. # {إذا تراضوا بينهم بالمعروف} وعرفه، كما # قال الحرالي: لاجتماع معروفين منهما، فكان مجموعهما المعروف التام، وأما ~~المنكر فوصف أحدهما - انتهى. # {ذلك يوعظ به} والوعظ، # قال الحرالي: إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى. # قال الحرالي: لأن من فعل شيء فعل به نحوه، كأنه من عضل عن زوج عضل ولي ~~آخر عنه، حين يكون هو زوجا، "من زني زنى به" {سيجزيهم وصفهم} - انتهى. # PageV01P403 ### | {والوالدات} # وقال الحرالي: لما ذكر، سبحانه وتعالى، أحكام الأشتجار بين الأزواج التي ~~عظم متنزل الكتاب لأجلها، وكان من حكم تواشج الأزواج وقوع الولد، وأحكام ~~الرضاع، نظم به عطفا أيضا على معاني ما يتجاوزه الإفصاح، ويتضمنه الإفهام، ~~لما قد علم من أن إفهام القرآن أضعاف إفصاحه، بما لا يكاد ينتهي عده، فلذلك ~~يكثر فيه الخطاب عطفا، أي على غير مذكور، ليكون الإفصاح أبدا مشعرا بإفهام ~~يناله من وهب روح العقل من الفهم، كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس ~~العقل الذي هو العلم - انتهى. # {يرضعن أولادهن} # قال الحرالي: جعل، تعالى، الأم أرض النسل الذى يغتذي من غذائها في البطن ~~دما، كما يغتذي أعضاؤها من دمها، فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها، ~~ليكون مغذاه وليدا من مغذاه جنينا، فكان الأحق أن يرضعن أولادهن. وذكره ~~بالأولاد ليعم الذكور والإناث. # وقال: الرضاعة: التغذية، بما يذهب الضراعة، وهو الضعف والنحول، بالرزق ~~الجامع الذي هو طعام وشراب، وهو اللبن ms197 الذي مكانه الثدي من المرأة والضرع ~~من ذات الظلف - انتهى. # PageV01P404 # {حولين} [و] الحول: تمام القوة في الشيء الذي ينتهي لدورة الشمس، وهو ~~العام الذي يجمع كمال النبات الذي يتم فيه قواه - قاله الحرالي. # {كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} # وقال الحرالي: وهو أي الذي يكتفي به دون التمام، هو ما جمعه قوله تعالى: ~~{وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} فإذا كان الحمل تسعا، كان الرضاع أحدا وعشرين ~~شهرا، وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثا وثلاثين شهرا، فيكون ثلاثة آحاد ~~وثلاثة عقود، فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع، ليجتمع في الثلاثين تمام ~~الرضاع وكفاية الحمل - انتهى. # {رزقهن وكسوتهن} # قال الحرالي: الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر ~~والأنثى. # وقال: فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه وعادتها ~~بالسنة لا بالبدعة - انتهى. # {بالمعروف} # قال الحرالي: فأكد ما أفهمته الإضافة، وصرح الخطاب بإجماله - انتهى. # {لا تكلف نفس} # قال الحرالي: من التكليف، وهو أن يحمل المرء على أن يكلف به بالأمر كلفة ~~بالأشياء التي يدعون إليها طبعه - انتهى. # PageV01P405 # {إلا وسعها} [والوسع: # قال الحرالي: ما يتأتى بمنة وكمال قوة -]. # {لا تضار والدة بولدها} # قال الحرالي: ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها ~~في فقدها له، ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها، فكما لم يصلح ~~أن يمسكها زوجة إلا بمعروف، لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف، ولا يتم ~~المعروف إلا بالبراءة من المضارة. # وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك أولادهن لقصد الإضرار مع ميل الطبع إلى ~~القيام بهم، وكذلك في إشعاره أن لا تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى. # {وعلى الوارث مثل ذلك}: والوارث # قال الحرالي: المتلقي من الأحياء عن الموتى ما كان لهم من حق أو مال - ~~انتهى. # {فإن أرادا فصالا} # قال الحرالي: وهو من الفصل، وهو عود المتواصلين إلى بين سابق - انتهى. # {عن تراض منهما وتشاور} # قال الحرالي: فأفصح بإشعار ما في قوله: {أن يتم} وأن الكفاية قد تقع بدون ~~الحولين، فجعل ذلك لا يكون ms198 بريا من المضارة إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما ~~وتشاورهما لمن له تبصرة، ليلا تجتمعا على # PageV01P406 # نقص الرأي، قال، عليه الصلاة والسلام: "ما خاب من استخار، ولا ندم من ~~استشار" والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خلايا الصدور، كما يشور ~~العسل جانيه - انتهى. # {فلا جناح عليهما} # قال الحرالي: فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمام فيها الخير والبركة، ~~ورتبة كفاية، فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى. # {إن الله بما تعملون بصير} # وقال الحرالي: لما ذكر عدة الطلاق، الذي هو فرقة الحياة، انتظم برأس آيته ~~ذكر عدة الوفاة، الذي هو فراق الموت، واتصل بالآية السابقة لما انجر في ذكر ~~الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث، وكذلك كل آية، تكون رأسا، لها متصلان: ~~متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به، ومتصل بالآية السابقة قبلها بوجه ما - ~~انتهى. ### | {والذين يتوفون منكم} # قال الحرالي: من الوفاة، وهو استخلاص الحق من حيث وضع، إن الله، عز وجل، ~~نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث أودعها، فكان ذلك توفيا، ~~تفعلا من الوفاء، وهو أداء الحق، {ويذرون} من الوذر، وهو أن يؤخذ المرء عما ~~شأنه إمساكه، {أزواجا} بعدهم. # PageV01P407 # ولما أريد تأكيد التربص مراعاة لحق الأزواج، وحفظا لقلوب الأقارب، ~~واحتياطا للنكاح، أتى به في صيغة الخبر، الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتم، ~~فقال: "يتربصن" أي ينتظرن أزواجهن لانقضاء العدة. # {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به} # قال الحرالي: من التعريض، وهو تفعيل من العرض، والعرض إلقاء القول عرضا ~~أي ناحية على غير قصد إليه، وصمد نحوه - انتهى. # {من خطبة} وهي الخطاب # وقال الحرالي: هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها ~~هو الخطبة بالضم. {النساء} المتوفى عنهن أزواجهن، ومن أشبههن في طلاق بائن ~~بالثلاث أو غيرها. # {أو أكننتم في أنفسكم} # قال الحرالي: من الكن - بالفتح - وهو الذي من معناه الكن - بالكسر - وهو ~~ما وارى، بحيث لا يوصل به إلى شيء. # {علم الله أنكم ستذكرونهن} # قال الحرالي: ففيه إجراء الشرعة على الحيلة الخاص بهذه ms199 الأمة [انتهى]. # {عقدة النكاح} # قال الحرالي: والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين، بحيث يشق حلها وهو ~~معنى دون الكتب الذي هو وصلة وخرز. # {ما لم تمسوهن} من المس، ومن المماسة، في القراءة الأخرى، وهو ملاقاة ~~الجرمين بغير حائل بينهما - قاله الحرالي. # PageV01P408 # {أو تفرضوا لهن فريضة} # قال الحرالي: ففي إنبائه صحة عقد النكاح مع إهمال ذكر الصداق لا مع ~~إبطاله، ففيه صحة نكاح التفويض، ونكاح التأخير لذكر الصداق، فبان به أن ~~الصداق ليس ركنا فيه، وأن إبطاله مانع من بنائه، فيكون له ثلاثة أحوال؛ من ~~رفع الجناح فيه عن المهمل الذي لم يمس فيه، كأنه كان يستحق فرضا ما [فرفع ~~عنه جناحه، من حيث إن على الماس كلية النحلة، وعلى الفارض شطر النحلة -] ~~فرفع عنه جناح الفرض، [وجبر موضع الفرض -] بالإمتاع، ولذلك ألزمت المتعة ~~طائفة من العلماء - انتهى. # {ومتعوهن على الموسع} # وقال الحرالي: [هو -] من الإيساع، وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من ~~الكفاية {قدره} من القدر، وهو الحد المحدود في الشيء حسا أو معنى. # {وعلى المقتر} # قال الحرالي: هو من الإقتار، وهو النقص من القدر الكافي - انتهى. # {على المحسنين} والإحساس غاية رتب الدين كأنه، كما # قال الحرالي: إسلام ظاهر، يقيمه إيمان باطن، يكمله إحسان شهودي - انتهى. # PageV01P409 # لأن ملاك القصد فيها، كما # قال الحرالي، ما تطيب به نفس المرأة، ويبقى باطنها وباطن أهلها سلما أو ~~ذا مودة {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} انتهى. ### | {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} # قال الحرالي: إذا قرن هذا الإيراد بقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح} خطابا ~~للأزواج، [قوى -] فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، معادلة ~~للزوجات، ومن خص عفوهن بالمالكات، أي الراشدات، خص هذا بالأولياء، فكان هذا ~~النمط من التهديف للاختلاف، ليس عن سعة إيهام، وكأنه عن تبقية بوجه ما من ~~نهاية الإفصاح، فمنشأ الخلاف فيه دون منشأ الخلاف من خطابات السعة بالإيهام ~~- انتهى. # {ولا تنسوا الفضل بينكم} وخصه الحرالي بالرجال فقال: فمن حق الزوج، الذي ~~له فضل الرجولة، أن يكون هو ms200 العافي، وأن لا يؤاخذ النساء بالعفو، ولذلك لم ~~يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض، فمن أقبح ما يكون حمل # PageV01P410 # الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها، بما يصرح به قوله: {وآتيتم إحداهن ~~قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث ~~لم تلزموا به - انتهى. ### | {حافظوا} # وقال الحرالي: لما كان ما أنزل له الكتاب إقامة ثلاثة أمور: إقامة أمر ~~الدين، الذي هو ما بين العبد وربه، وتمشية حال الدنيا التي هي دار محنة ~~العبد، وإصلاح حال الآخرة والمعاد الذي [هو -] موضع قرار العبد. صار ما ~~يجري ذكره من أحكام تمشية الدنيا غلسا، نجوم إنارته أحكام أمر الدين، فلذلك ~~مطلع نجوم خطابات الدين أثناء خطابات أمر الدنيا، فيكون [خطاب] الأمر نجما ~~خلال خطابات الحرام والحلال في أمر الدنيا، وإنما كان نجم هذا الخطاب ~~للمحافظة على الصلاة، لأن هذا الاشتجار المذكور بين الأزواج فيما يقع من ~~تكره في الأنفس، وتشاح في الأحوال، إنما وقع من تضييع المحافظة على ~~الصلوات، لأن الصلاة بركة في الرزق، وسلاح على الأعداء وكراهة الشيطان، فهي ~~دافعة للأمور التي منها تتضايق الأنفس وتقبل الوسواس ويطرقها # PageV01P411 # الشح، فكان في إفهام نجم هذا الخطاب، أثناء هذه الأحكام، الأمر بالمحافظة ~~على الصلوات، لتجري أمورهم على سداد يغنيهم عن الارتباك في جملة هذه ~~الأحكام - انتهى. # {حافظوا} # قال الحرالي: من المحافظة، مفاعلة من الحفظ، وهو رعاية العمل؛ علما وهيئة ~~ووقتا وإقامة، بجميع ما يحصل به أصله، ويتم به عمله، وينتهي إليه كماله، ~~وأشار إلى كمال الاستعداد لذلك بأداة الاستعلاء فقال: {على الصلوات} فجمع ~~وعرف حتى يعم جميع أنواعها، أي افعلوا في حفظها فعل من يناظر آخر فيه، فإنه ~~لا مندوحة عنها في حال من الأحوال، حتى ولا في حال خوف التلف، فإن في ~~المحافظة عليها كمال صلاح أمور الدنيا والآخرة، لا سيما إدرار الأرزاق، ~~وإذلال الأعداء: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} الآية. {واستعينوا ~~بالصبر والصلاة}. كان النبي، - صلى الله عليه وسلم -، إذا حزبه أمر فزع إلى ~~الصلاة. ms201 # وقال الحرالي: إن الله، سبحانه وتعالى، يعطي الدنيا على نية الآخرة، وأبي ~~أن يعطي الآخرة على نية الدنيا، خلل حال المرء في دنياه ومعاده إنما هو عن ~~خلل حال دينه، وملاك دينه وأساسه إيمانه وصلاته، فمن حافظ على الصلوات # PageV01P412 # أصلح الله حال دنياه وأخراه، وفي المحافظة عليها تجري مقتضيات عملها عملا ~~إسلاميا، وخشوعا وإخباتا إيمانيا، ورؤية وشهودا إحسانيا. فبذلك تتم ~~المحافظة عليها، وأول ذلك الطهارة لها باستعمال الطهور على حكم السنة، ~~وتتبع معاني الحكمة، كما في مسح الأذنين مع الرأس، لأن من فرق بينهما لم ~~يكد يتم له طهور نفسه بما أبدته الحكمة وأقامته السنة، وعمل العلماء، فصد ~~عنه عامة الخلق الغفلة، ثم التزام التوبة عندها، لأن طهور القلب التوبة، ~~كما أن طهور البدن والنفس الماء والتراب، فمن صلى على غير تجديد توبة صلى ~~محدثا بغير طهارة، ثم حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة، فإن من ~~غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها، فلم يكن لها ~~عمود قيام، من حضر قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته، ومن غفل ~~قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته. # ثم هيئتها في تمام ركوعها وسجودها، وانطاق كل ركن عملي بذكر الله يختص ~~به، أدنى ما يكون ثلاثا، فليس في الصلاة عمل لا نطق له، ولا يقبل الله صلاة ~~من لم يقم صلبه في ركوعه وسجوده وقيامه وجلوسه، فبالنقص من تمامها تنقص ~~المحافظة عليها، [وبتضييع المحافظة عليها يتملك الأعداء النفس ويلحقها ~~الشح، فتنتقل عليها الأحكام وتتضاعف عليها -] مشاق الدنيا، وما من عامل ~~يعمل عملا في وقت صلاة أو حال أذان إلا كان وبالا عليه، وعلى من ينتفع به ~~من عمله، وكان ما يأخذه من أجر فيه شقى خبث لا يثمر له عمل بر، ولا راحة # PageV01P413 # نفس في عاجلته ولا آجلته، وخصوصا بعد أن أمهل الله الخلق من طلوع شمس ~~يومهم إلى زوالها ست ساعات، فلم يكن لدنياهم حق في الست الباقية، فكيف إذا ~~طولبوا منها بأويقات الأذان والصلاة، وما ms202 نقص عمل من صلاة، فبذلك كانت ~~المحافظة على الصلوات ملاكا لصالح أحوال الخلق مع أزواجهم في جميع أحوالهم ~~- انتهى. # {والصلاة الوسطى} # وقال الحرالي: وما من جملة إلا ولها زهرة، فكان في الصلوات ما هو منها ~~بمنزلة الخيار من الجملة، وخيارها وسطاها، فلذلك خصص، تعالى، خيار الصلوات ~~بالذكر، وذكرها بالوصف إبهاما، ليشمل الوسطى الخاصة بهذه الأمة، وهي العصر، ~~التي لم تصح لغيرها من الأمم، ولينتظم الوسطى العامة لجميع الأمم ولهذه ~~الأمة، التي هي الصبح، ولذلك اتسع لموضع أخذها بالوصف مجال العلماء فيها، ~~ثم تعدت أنظارهم إلى جميعها لموقع الإبهام في ذكرها، حتى تتأكد المحافظة في ~~الجميع بوجه ما. # وفي قراءة عائشة، رضي الله تعالى عنها. "وصلاة العصر" - عطفا ما يشعر ~~بظاهر العطف باختصاص الوسطى بالصبح على ما رآه بعض العلماء، وفيه # PageV01P414 # مساغ لمرجعه على {والصلاة الوسطى} بنفسها ليكون عطف أوصاف، وتكون تسميتها ~~بالعصر مدحة ووصفا، من حيث إن العصر خلاصة الزمان، كما أن عصارات الأشياء ~~خلاصاتها: {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} فعصر اليوم ~~هو خلاصة لسلامته من وهج الهاجرة وغسق الليل، ولتوسط الأحوال والأبدان ~~والأنفس بين حاجتي الغذاء والعشاء، التي هي مشغلتهم بحاجة الغذاء. # ومن إفصاح العرب عطف الأوصاف المتكاملة، فيقال: فلان كريم وشجاع، إذا تم ~~فيه الوصفان، فإذا نقصا عن التمام قيل: كريم شجاع - بالإتباع - فبذلك يقبل ~~معنى هذه القراءة أن تكون الوسطى هي العصر، عطفا لوصفين ثابتين لأمر واحد - ~~انتهى. # {وقوموا لله قانتين} # وقال الحرالي: القنوت الثبات على أمر الخير وفعله، وذلك أن فعل الخير ~~والبر يسير على الأكثر، ولكن الثبات والدوام عسير عليهم، وكان من القنوت ~~مداومة الحق فيما جاد به في الصلاة، حتى لا يقع التفات للخلق، فلذلك لزم ~~الصمت عن الخلق معناه، لأن كلام الناس قطع لدوام المناجاة. # ففي إشعاره أن من قام لله، سبحانه وتعالى، قانتا في صلاته، أقام الله، ~~سبحانه وتعالى، في دنياه حاله، في إقامته ومع أهله، كما يشير إليه معنى ~~آية: {وأمر # PageV01P415 # أهلك بالصلاة واصطبر عليها ms203 لا نسألك رزقا نحن نرزقك} ففيه إيذان بأن ~~الصلاة تصلح الحال مع الأهل، وتستدر البركة في الرزق - انتهى. # {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} # وقال الحرالي: ما من حكم شرعه الله في السعة إلا وأثبته في الضيق ~~والضرورة، بحيث لا يفوت في ضيقه بركة من حال سعته، ليعلم أن فضل الله لا ~~ينقصه وقت، ولا يفقده حال. # وفيه إشعار بأن المحافظة على الصلاة في التحقيق ليس [إلا -] في إقبال ~~القلب بالكلية على الرب، فما اتسع له الحال ما وراء ذلك فعل، وإلا اكتفى ~~بحقيقتها، ولذلك انتهت الصلاة عند العلماء في شدة الخوف إلى تكبيرة واحدة، ~~يجتمع إليها وحدها بركة أربع الركعات التي تقع في السعة، وفيها على حالها ~~من البركة، في اتساع الرزق وصلاح الأهل، ما في الواقعة في السعة، مع معالجة ~~النصرة لعزيمة إقامتها على الإمكان في المخافة، وقد وضح باختلاف أحوال صلاة ~~الخوف أن حقيقتها أنها لا صورة لها، فقد صح فيها عن النبي، - صلى الله عليه ~~وسلم -، أربع عشرة صورة، وزيادة صور، في الأحاديث الحسان - انتهى. ### | {فإذا أمنتم فاذكروا الله} # وقال الحرالي: أظهر المقصد في عمل الصلاة وأنه إنما هو الذكر، الذي هو ~~قيام الأمن والخوف - انتهى. # PageV01P416 # {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} # وقال الحرالي: من أحكام هيئة الصلاة في الأعضاء والبدن، وحالها في النفس ~~من الخشوع والاخبات، والتخلي من الوسواس، وحالها في القلب من التعظيم ~~والحرمة، وفي إشارته ما وراء ظاهر العلم من أسرار القلوب التي اختصت بها ~~أئمة هذه الأمة - انتهى. # {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} # وقال الحرالي: لما ذكر، سبحانه وتعالى، أحكام الأزواج في الطلاق والوفاة ~~وحكم الفرض والمتعة في المطلقات، قبل الدخول، ختم هذه الأحكام المؤكدة ~~بالفرض والأمر، بما هو من نحوها، فنظم بالمتعة من النفقة والكسوة والإخدام، ~~وما في معناه، المتعة بالسكنى للمتوفى عنها زوجها، إلى حد ما كانت العدة في ~~الجاهلية، ليكون للخير والمعروف بقاء في الإسلام بوجه ما، أيما عقد وعهد ~~كان في الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة - انتهى. ### | {إلى ms204 الحول} # قال الحرالي: وهو غاية العمر، وجامع لجملة الفصول التي بوفائها تظهر ~~أحوال الصبر عن الشيء والحرص عليه، وإنما الحول الثاني استدراك - انتهى. # {وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} # قال الحرالي: لتكون الأربعة الأشهر والعشر فرضا، وباقي الحول متاعا، ~~لتلحق أنواع المتعة بأنواع اللازم في الزوجية، من نفقة وكسوة وإخدام وسكنى، ~~ولما كان هذا المتاع الزائد إنما هو تقرير للزوجة في حال ما كانت عليه مع ~~زوجها، إشعارا ببقاء العصمة، وإلاحة من الله، تعالى، بحسن صبر المرأة، ~~المتوفى عنها زوجها، على زوجها، لا تتزوج عليه غيره # PageV01P417 # حتى تلقاه، فتكون معه على النكاح السابق، ليكون للأمة في أزواجهم لمحة حظ ~~من تحريم أزواج نبيهم بعده، اللاتي يقمن بعده إلى أن يلقينه أزواجا بحالهن، ~~فيكون ذلك لمن يستشرف، من خواص أمته، إلى اتباعه في أحكامه وأحكام أزواجه، ~~لأن الرجال مما يستحسنون ذلك لأزواجهم، فمن أشد ما يلحق الرجل بعد وفاته ~~تزوج زوجه من بعده، لأنها بذلك كأنها هي المطلقة له، ولذلك ورد أن المرأة ~~إنما تكون لآخر زوج، لأنها تركت الزوج، ولم يتركها هو، قال، - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أنا وسفعاء الخدين، حبست [نفسها على] يتاماها حتى ماتوا، أو ~~بانوا، كهاتين في الجنة" كأنه، - صلى الله عليه وسلم -، أكد ذلك المعنى على ~~من ترك لها المتوفى ذرية، لأنه أثبت عهد معه - امنهى. # {والله عزيز حكيم} وفي ضمنه، كما # قال الحرالي، تهديد شديد للأولياء، إن لم ينفذوا ويمضوا هذه الوصية بما ~~ألزم الله. # ففي إلاحته أن من أضاع ذلك ناله من عزة الله عقوبات في ذات نفسه وزوجه ~~ومخلفيه من بعده، ويجري مأخذ ما تقتضيه العزة على وزن الحكمة جزاء وفاقا، ~~وحكما قصاصا. # وهذه الآية مما ذكر فيها بعض الناس النسخ، وإنما هي مما لحقها # PageV01P418 # نسيان أوقعه الله، تعالى، على الخلق، حتى لا يكاد أن يكون عمل بها أحد ~~إلا أحدا لم يذكر به، ولم يشتهر منه، فهو مما أنسي، فران عليه النسيان لأمر ~~شاءه الله، سبحانه وتعالى، والله يقول الحق، وهو ms205 يهدي السبيل، وقد ورد أن ~~النبي، - صلى الله عليه وسلم -، أنفذ لامرأة من [تركة -] زوجها نفقة سنة، ~~وذلك، والله سبحانه وتعالى، أعلم، قبل نزول آية الفرائض، حين كانت الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف - انتهى. ### | {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} # قال الحرالي: حيث كان الذي قبل الدخول: {حقا على المحسنين} كان المحسن ~~يمتع بأيسر وصلة في القول دون الإفضاء، والمتقي يحق عليه الإمتاع بمقدار ما ~~وقع له من حرمة الإفضاء، ولما وقع بينهم من الإرهاق والضجر، فيكون في ~~المتعة إزالة لبعض ذلك، وإبقاء بسلام أو مودة - انتهى. ### | {ألم تر} # وقال الحرالي: لما كان أمر الدين مقاما بمعالمه الخمس التي إقامة ظاهرها ~~تمام في الأمة، وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب وإخلاص النيات، # PageV01P419 # كان القليل من المواعظ والقصص في شأنه كافيا، ولما كان حظيرة الدين إنما ~~هو الجهاد، الذي فيه بذل الأنفس، وإنفاق الأموال، كثرت فيه مواعظ القرآن ~~وترددت، وعرض لهذه الأمة بإعلام بما يقع فيه، فذكر ما وقع من الأقاصيص في ~~الأمم السالفة، وخصوصا أهل الكتابين: بني إسرائيل، ومن لحق بهم من أبناء ~~العيص، فكانت وقائعهم مثلا لوقائع هذه الأمة، فلذلك أحيل النبي، - صلى الله ~~عليه وسلم -، على استنطاق أحوالهم، بما يكشفه الله سبحانه وتعالى، لهم من ~~أمرهم عيانا، وبما ينزله من خبرهم بيانا، وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم ~~من قوله، سبحانه وتعالى: {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة}. # وكان من جملة الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي، - صلى الله عليه ~~وسلم -، [لعلو معناها، فأشرف المعاني ما قيل فيه {ألم تر} إقبالا على ~~النبي، - صلى الله عليه وسلم -] وعموم المعاني ما قيل فيه: {ألم تروا} ~~إقبالا على الأمة، ليخاطب كل على قدر ما قدم لهم من تمهيد موهبة العقل، ~~لتترتب المكسبة من العلم، على مقدار الموهبة من العقل. # PageV01P420 # فكان من القصص العلى العلم، اللطيف الاعتبار، ما تضمنته هذه الآيات من ~~قوله: {ألم تر} ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة، حتى لا يفروا من الموت فرار من ~~قبلهم، قال، ms206 عليه الصلاة والسلام: "إذا نزل الوباء بأرض وأنتم بها، فلا ~~تخرجوا فرارا منه" وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم [بما يكون من عزمهم، كما ~~أظهر الله، تعالى، مزيتهم على من قبلهم -] بما آتاهم من فضله ورحمته التي ~~لم ينولها لمن قبلهم - انتهى. # {وهم ألوف} # قال الحرالي: فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد، وإنما كان من جزع ~~أنفس، فأعلم، سبحانه وتعالى، أن الحذر لا ينجي من القدر، وإنما ينجي منه، ~~كما قال النبي، - صلى الله عليه وسلم -، الدعاء: "إن الدعاء ليلقى القدر، ~~فيتعالجان إلى يوم القيامة" - انتهى. # {فقال لهم الله موتوا} # قال الحرالي: في إشعاره إنباء بأن هذه الإماتة إماتة تكون بالقول، حيث لم ~~يقل: فأماتهم الله، فتكون إماتة حاقة لا مرجع منها. ففيه إبداء لمعنى تدريج ~~ذات الموت في أسنان متراقية، من حد ضعف الأعضاء والقوى بالكسل، إلى حد ~~السنة، إلى حد النوم، إلى حد الغشي، إلى حد الصعق، إلى حد هذه الإماتة ~~[بالقول، إلى حد الإماتة الآتية على جملة الحياة التي لا ترجع # PageV01P421 # إلا بعد البعث، وكذلك الإماتة -] التي يكون عنها تبدد الجسم، مع بقائه ~~على صورة أشلائه، أشد إتيانا على الميت من التي لا تأتي على أعضائه: "إن ~~الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين". # فكما للحياة أسنان من حد ربو الأرض إلى حد حياة المؤمن، إلى ما فوق ذلك ~~من الحياة، كذلك للموت أسنان بعدد أسنان الحياة، مع كل سن حياة موته، إلى ~~أن ينتهي الأمر إلى الحي الذي لا يموت: {وأن إلى ربك المنتهى} فبذلك يعلم ~~ذو الفهم أن ذلك توطئة لقوله: {ثم أحياهم}. وفي كلمة "ثم" إمهال إلى ما شاء ~~الله - انتهى. # {إن الله لذو فضل على الناس} # قال الحرالي: بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية، ثم ينجيهم منها إلى أحوال ~~منجية، بحيث لو أبقى هؤلاء على هذه الإماتة ومن لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت ~~آخرتهم، كما هلكت دنياهم، ولكن الله، سبحانه وتعالى، أحياهم لتجدد فضله ~~عليهم - انتهى. ms207 # {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} والشكر ظهور باطن الأمر على ظاهر الخلق، # PageV01P422 # بما هو باطن، فمن حيث إن الأمر كله لله قسرا، فالشكر أن يبدو الخلق كله ~~بالله شكرا، لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تاكلها سمنا وصلاحا، ~~فمن أودع خلق أمر لم يبد على خلقه فهو كفور. # فلما أودعه، سبحانه وتعالى، في ذوات الأشياء من معرفته وعلمه وتكبيره كان ~~من لم يبد ذلك على ظاهر خلقه كفورا، ومن بدأ ما استسر فيه من ذلك شكورا، ~~وليس من وصف الناس ذلك لترددهم بين أن يكون البادي عليهم تارة من الله، ~~سبحانه وتعالى، وتارة من أنفسهم، وممن دون الله ممن اتخذوه أولياء على حد ~~كفر أو هوى أو بدعة أو خطيئة، وعلى حد رين كسبهم على قلوبهم، ففي اعتبار ~~هذه الآية تحذير لهذه الأمة من أن يحذروا الموت. # قال بعض التابعين: [رضي الله تعالى عنهم]: لقد رأينا أقواما، يعنون من ~~أصحاب رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، الموت إلى أحدهم أشهى من الحياة ~~عندكم اليوم، وإنما ذلك لما تحققوا من موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه، ~~فهان عليهم الخروج من خراب الدنيا إلى عمارة آخرتهم - انتهى. # PageV01P423 ### | {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} # وقال الحرالي: القرض الجز من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله ~~قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعا مضاعفة، والقرض بين الناس قرضا بقرض، مثلا ~~بمثل، فمن ازداد، فقد أربى، ومن زاد من غير عقد، ولا عهد فقد وفى، فالقرض ~~مساواة، والربا ازدياد. ووصف، سبحانه وتعالى، القرض الذي حرض عليه بالحسن ~~لتكون المعاملة بذلة على وجه الإحساس الذي هو روح الدين، وهو أن يعامل الله ~~به كأنه يراه - انتهى. # {فيضاعفه} # قال الحرالي: من المضاعفة مفاعلة من الضعف - بالكسر - وهو ثني الشيء ~~بمثله مرة أو مرات. # قال الحرالي: هذه المضاعفة أول إنبائها أن الزائد ضعف ليس كسرا من واحد ~~مقرض، ليخرج ذلك عن معنى وفاء القضاء، فإن المقترض تارة يوفي على الواحد ~~كسرا من وزنه، كان رسول ms208 الله، - صلى الله عليه وسلم -، لا يقترض قرضا إلا ~~وفى عليه الزيادة، وقال: "خير الناس أحسنهم قضاء" فأنبأ، تعالى، أن اقتراضه ~~ليس بهذه المثابة، بل بما هو فوق ذلك، لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله، إلى ~~ما يقال فيه الكثرة، وفي قوله: "أضعافا" ما يفيد [أن -] الحسنة بعشر، وفي ~~قوله: {كثيرة} ما يفيد # PageV01P424 # البلاغ إلى فوق العشر وإلى المائة، كأنه المفسر في قوله بعد هذا: {مثل ~~الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} الآية. فأوصل تخصيص هذه الكثرة إلى ~~المئين، ثم فتح باب التضعيف إلى ما لا يناله علم العالمين، في قوله: {والله ~~يضاعف لمن يشاء} - انتهى. # {والله يقبض} # قال الحرالي: والقبض إكمال الأخذ، أصله القبض باليد كله، والقبض - ~~بالمهملة - أخذ بأطراف الأصابع، وهو جمع عن بسط، فلذلك قوبل به {ويبسط} أي ~~لمن يشاء، وإن ضاقت حاله، والبسط توسعة المجتمع إلى حد غاية. {وإليه ~~ترجعون} حسا بالبعث، ومعنى في جميع أموركم، فهو يجازيكم في الدارين على حسب ~~ما يعلم من نياتكم. ### | {ألم تر} # قال الحرالي، أراه في الأولى حال أهل الحذر من الموت، بما في الأنفس من ~~الهلع الذي حذرت منه هذه الأمة، ثم أراه في هذه مقابل ذلك من الترامي إلى ~~طلب الحرب، وهما طرفا انحراف في الأنفس، قال، - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا، واعلموا ~~أن الجنة تحت ظلال السيوف". # ففيه إشعار لهذه الأمة بأن لا تطلب الحرب ابتداء، وإنما تدافع عن منعها ~~من إقامة دينها، كما قال، سبحانه وتعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} ~~وقال، عليه الصلاة والسلام: # PageV01P425 # والمشركون قد بغوا علينا ### | .... # إذا أرادوا فتنة أبينا # فحق المؤمن أن يأبى الحرب ولا يطلبه، فإنه إن طلبه فأوتيه عجز [كما عجز ~~-] هؤلاء حين تولوا إلا قليلا، فهذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثا عن ~~الماضين، وإنما هو إعلام بما يستقبله الآتون، "إياك أعني واسمعي يا جارة". ~~فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذه بجملته خطابا لهذه الأمة بكل ما قص له من ~~أقاصيص ms209 الأولين - انتهى. # {إلى الملإ} # قال الحرالي: الذين يملؤون العيون بهجة، والقلوب هيبة - انتهى. # {من بني إسرائيل من بعد موسى} # قال الحرالي: وفيه إيذان بأن الأمة تختل بعد نبيها، بما يصحبها من نوره ~~زمن وجوده معهم، قالوا: "ما نفضنا أيدينا من تراب رسول الله، - صلى الله ~~عليه وسلم -، حتى أنكرنا قلوبنا) - انتهى. # {إذ قالوا لنبي لهم} # قال الحرالي: لأن نبيهم المعهود الآمر لهم [إنما -] هو موسى، عليه الصلاة ~~والسلام، ومن بعده إلى عيسى، عليهم الصلاة والسلام، إنما هم أنبياء بمنزلة ~~الساسة والقادة لهم، كالعلماء في # PageV01P426 # هذه الأمة، منفذون وعالمون، بما أنزل على موسى، عليه الصلاة والسلام، ~~كذلك كانوا إلى حين تنزيل الإنجيل، فكما قص في صدر السورة حالهم مع موسى، ~~عليه الصلاة والسلام، قص في خواتيمها حالهم من بعد موسى، لتعتبر هذه الأمة ~~من ذلك حالها مع نبيها، - صلى الله عليه وسلم -، وبعده - انتهى. # {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} # قال الحرالي: في إعلامه أخذهم الأمر، بمنة الأنفس، حيث لم يظهر في قولهم ~~إسناد إلى الله، سبحانه وتعالى، الذي لا تصح الأعمال إلا بإسنادها إليه، ~~فما كان بناء على تقوى تم، وما كان على دعوى نفس انهد. {قال} أي ذلك النبي: ~~{هل} كلمة تنبىء عن تحقيق الاستفهام، اكتفى بمعناها عن الهمزة - انتهى. # {عسيتم} # قال الحرالي: بكسر سين عسى وفتحها، لغتان، عادة النحاة [أن -] لا يلتمسوا ~~اختلاف المعاني من أواسط الصيغ وأوائلها، وفي فهم اللغة وتحقيقها إعراب في ~~الأوساط والأوائل، كما اشتهر إعراب الأواخر عند عامة النحاة، فالكسر، حيث ~~كان، مبني عن باد عن ضعف وانكسار، والفتح معرب عن باد عن قوة واستواء - ~~انتهى. # PageV01P427 # قال الحرالي: فأنبأهم بما آل إليه أمرهم، فلم يلفتوا عنه؛ وحاجوه وردوا ~~عليه بمثل سابقة قولهم، ففي إشعاره إنباء [بما -] كانوا عليه من غلظ الطباع ~~وعدم سرعة التنبه - انتهى. # {وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} # قال الحرالي: فأنبأ، سبحانه وتعالى، أنهم أسندوا ذلك إلى غضب الأنفس على ~~الإخراج، وإنما يقاتل في سبيل الله من قاتل لتكون كلمة الله ms210 هي العليا - ~~انتهى. ### | {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} # قال الحرالي: فكان أول ما ابتلوا به أن ملك عليهم من لم يكن من أهل بيت ~~الملك عندهم، فكان أول فتنتهم، بما طلبوا ملكا، فأجيبوا فلم يرضوا بما بعث ~~لهم - انتهى. # {ونحن أحق بالملك منه} # قال الحرالي: فثنوا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق ~~الملك على من ملكه الله عليهم، فكان فيه حظ من فخر إبليس، حيث قال، حين أمر ~~بالسجود لآدم: {أنا خير منه} - انتهى. # {ولم يؤت سعة من المال} # قال الحرالي: فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال، وأنه مما يقام [به ~~-] ملك، وإنما الملك بإيتاء الله، فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، ~~فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم - انتهى. # {قال إن الله اصطفاه} # قال الحرالي: والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى. # PageV01P428 ### | {إن آية ملكه} # قال الحرالي: وقل ما احتاج أحد في إيمانه إلى آية خارقة إلا كان إيمانه، ~~إن آمن، غلبة يخرج عنه بأيسر فتنة، ومن كان إيمانه باستبصار ثبت عليه ولم ~~يحتج إلى آية، فإن كانت الآية [كانت] له نعمة، ولم تكن عليه فتنة، {وما ~~منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} {وما نرسل بالآيات إلا ~~تخويفا}. فإن الآيات طليعة المؤاخذة، والاقتناع بالاعتبار طليعة القبول ~~والثبات - انتهى. # {أن يأتيكم التابوت} # قال الحرالي: [و -] يعز قدره - انتهى. # {فيه سكينة من ربكم} # وقال الحرالي: معناه ثبات في القلوب يكون له في عالم الملكوت صورة بحسب ~~حال المثبت، ويقال: كانت سكينة بني إسرائيل صورة [هر من -] ياقوت ولؤلؤ ~~وزبرجد، ملفق به أعضاء تلك الصورة، تخرج منه ريح هفافة تكون علم النصر لهم ~~- انتهى. # وقال الحرالي وغيره: إنه كان في التابوت صورة يأتي منها عند النصر ريح ~~تسمع. # قال الحرالي: كما كانت الصبا تهب لهذه الأمة بالنصر، قال، - صلى الله ~~عليه وسلم -: "نصرت # PageV01P429 # بالصبا" فكانت سكينتها كلية آفاقها، وتابوتها كلية سمائها، حتى لا تحتاج ~~إلى محمل يحملها، ولا عدة تعدها، لأنها أمة ms211 أمية تولى الله لها إقامة علمها ~~وأعمالها - انتهى. ### | {وبقية} # قال الحرالي: فضلة جملة ذهب جلها {مما ترك} من الترك، وهو أن لا يعرض ~~للأمر حسا أو معى. # {آل موسى وآل هارون} # قال الحرالي: وفي إشعاره تثنية ذكر الآل ما يعلم باختصاص موسى، عليه ~~الصلاة والسلام، [بوصف دون هرون عليه السلام -] بما كان فيه من الشدة في ~~أمر الله، وباختصاص هرون، عليه الصلاة والسلام، بما كان فيه من اللين ~~والاحتمال، حيث لم يكن آل موسى وهرون، لأن الآل حقيقة من يبدو فيه وصف من ~~هو آله. # PageV01P430 # وقال: الآل: أصل معناه السراب الذي تبدو فيه الأشياء البعيدة كأنه مرآة ~~تجلو الأشياء، فآل الرجل من إذا حضروا فكأنه لم يغب - انتهى. # {إن كنتم مؤمنين} # قال الحرالي: ولما ضعف قبولهم عن النظر والاستبصار، صار حالهم في صورة ~~الضعف الذي يقال فيه: إن كان كذا. فكان في إشعاره خللهم وفتنهم إلا قليلا - ~~انتهى. ### | {فلما فصل طالوت بالجنود} # قال الحرالي: وهر جمع جند، وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع. {قال} أي ~~ملكهم {إن الله} أي الذي لا أعظم منه، وأنتم خارجون في مرضاته {مبتليكم ~~بنهر} من الماء الذي جعله، سبحانه وتعالى، حياة لكل شيء، فضربه مثلا للدنيا ~~التي من ركن إليها ذل، ومن صدف عنها عز. # قال الحرالي: فأظهر الله على لسانه ما أنبأ به نبيهم في قوله: {وزاده ~~بسطة في العلم}. انتهى. # {إلا من اغترف غرفة بيده} ففي قراءة فتح الغين إعراب عن معنى إفرادها # PageV01P431 # أخذة ما أخذت، من قليل أو كثير. وفي الضم إعلام بملئها، والغرف بالفتح ~~الأخذ بكلية اليد، والغرفة الفعلة الواحدة منه، وبالضم اسم ما حوته الغرفة. ~~فكان في المغترفين من استوفى الغرفة، ومنهم من لم يستوف. قاله الحرالي. # وقال: فكان فيه إيذان بتصنيفهم ثلاثة أصناف: # من لم يطعمه البتة، وأولئك الذين ثبتوا وظنوا أنهم ملاقو الله. # ومن شرب منهم، وأولئك الذين افتتنوا وانقطعوا عن الجهاد في صبيل الله. # ومن اغترف غرفته، وهم الذين ثبتوا وتزلزلوا حتى ثبتهم الذين لم يطعموا. # ولما كان ms212 قصص بني إسرائيل مثالا. لهذه الأمة، كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ~~ابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها، فكانت جيوشهم يحكم هذا الإيحاء ~~الاعتباري إذا مروا بنهر أموال الناس وبلادهم وزروعهم وأقطارهم في سبيلهم ~~إلى غزوهم، فمن أصاب من أموال الناس ما لم ينله الإذن من الله، انقطع عن ~~ذلك الجيش، ولو حضره، فما كان في بني إسرائيل عيانا يكون وقوعه في هذه ~~الأمة استبصارا؛ سترة لها وفضيحة لأولئك، ومن لم يصب منها شيئا بتا، كان ~~[أهل -] ثبت ذلك الجيشا الثابت المثبت. # PageV01P432 # قيل لعلي، رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين، ما بال فرسك لم يكب بك ~~قط؟ قال: ما وطئت به زرع مسلم قط. # ومن أصاب ما له فيه ضرورة من منزل ينزله، أو غلبة عادة تقع منه، ويوده أن ~~لا يقع، فهؤلاء يقبلون التثبيت من الذين تورعوا كل الورع. # فملاك هذا الدين الزهد في القلب، والورع في التناول باليد، قال، - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إنما تنصرون بضعفائكم". # وفي إلاحة هذا التمثيل والاعتبار أن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل ~~الورع بعدد الثابتين من أصحاب طالوت، الذين بعددهم كان أصحابه رسول الله، - ~~صلى الله عليه وسلم -، يوم بدر، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، عدد المرسلين من ~~كثرة عدد النبيئين. # قال: وفي إفراد اليد إيذان بأنها غرفة اليد اليمنى، لأنها اليد الخاصة ~~للتعريف، ففي اعتباره أن الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين، لاشتمال ~~اليدين على جانبي الخير والشر - انتهى. # {فشربوا منه إلا قليلا منهم} # قال الحرالي: وفيما يذكر أنه قرئ بالرفع، وهو إخراج لهم من الشاربين ~~بالإتباع، كأن الكلام مبني عليه، حيث # PageV01P433 # صار تابعا، وإعرابه مما أهمله النحاة، فلم يحكموه، وحكمه أن ما بني على ~~إخراجه [اتبع، وما لم يبن على إخراجه -]، وكأنه إنما انثنى إليه بعد مضاء ~~الكلام الأول، قطع ونصب - انتهى. # {قالوا} # قال الحرالي: رد الضمير مردا عاما؛ إيذانا بكثرة الذين اغترفوا، وقلة ~~الذين لم يطعموا، كما آذن ضمير شربوا بكثرة الذين شربوا منه - انتهى. # {لا طاقة لنا ms213 اليوم بجالوت وجنوده} # قال الحرالي: ففيه من نحو قولهم: {ولم يؤت سعة من المال} اعتمادا على أن ~~النصر بعدة مال أو قوة، وليس إلا بنصر الله، ثم قال: فإذا نوظر هذا الإنباء ~~منهم، والطلب، أي كما يأتي في: {ربنا أفرغ} بما تولى الله [من -] أمر هذه ~~الأمة في جيشهم الممثول لهذا الجيش في سورة الأنفال، من نحو قوله: {إذ ~~يغشيكم النعاس أمنة منه} الآيات، علم عظيم فضل الله على هذه الأمة، واستشعر ~~بما يكون لها في خاتمتها مما هو أعظم نبأ، وأكمل عيانا، فلله الحمد على ما ~~أعظم من فضله ولطفه - انتهى. # PageV01P434 ### | {فهزموهم} # مما منه الهزيمة، وهو فرار من شأنه الثبات - قاله الحرالي. وقال: ولم ~~يكن، فهزمهم الله، كما لهذه الأمة في: {ولكن الله قتلهم} - انتهى. # {وقتل داوود جالوت} # قال الحرالي: مناظرة قوله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} {وكان فضل ~~الله عليك عظيما} - انتهى. # {وآتاه الله الملك} # قال الحرالي: كان داوود، عليه الصلاة والسلام، عندهم من سبط الملك، ~~فاجتمعت له المزيتان: من استحقاق البيت، وظهور الآية على يديه بقتل جالوت. ~~قال تعالى: {والحكمة} تخليصا للملك مما يلحقه بفقد الحكمة من اعتداء الحدود ~~- انتهى. # {ولولا دفع الله الناس} # قال الحرالي: فعال من اثنين، وما يقع من أحدهما دفع، وهو رد الشيء بغلبة ~~وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته. # * * * * # انتهت نصوص تفسير الحرالي المستخرجة من الجزء الثالث # من تفسير البقاعي: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" # من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية 1 4 3 بالهند # ط 1 - 1391 ه - 1971 م # PageV01P435 # صفحة فارغة # PageV01P436 # نصوص تفسير الحرالي # المستخرجة من الجزء الرابع من تفسير البقاعي # "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" # PageV01P437 ### | {تلك الرسل} # وجعل الحرالي: التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي هي ~~إشارة المذكر، توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها. # وقال: يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث، إنما هو في العربية لجماعة ~~ثانية في الرتبة، لأن التأنيث أخذ الثواني عن أولية تناسبه ms214 في المعنى ~~وتقابله في التطرق. # قال: ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه أطلق ~~عن علامة الثاني في الرتبة وإشارته، ومتى أريد إنزاله قيد بعلامة الثاني ~~وإشارته. # ثم قال: ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من ~~الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع، كما ~~أنه لما كان الذكر واقعا في محل إعلاء في آية الأنعام، قيل: {أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم اقتده}. # PageV01P438 # ولما كان شأن الإختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال، وطئ ~~لهذا الواقع بعد الرسل بأنه ليس من ذلك، وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل، ~~وإبلاغ البينات، لما يشاؤه من أمره - انتهى. # {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} # قال الحرالي: والبينة ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل، بحيث لا ~~مندوحة عن شهود وجوده، وذلك فيما أظهر الله، سبحانه وتعالى، على يديه من ~~الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله، فإن كل باد في الخلق، ومتنزل ~~في الأمر، فهو من آيات الله، فما كان أقرب إلى ما اختص الله، تعالى، به كان ~~أعلى وأبهر، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس، إلا على ~~من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه. {وأيدناه} أي بعظمتنا البالغة {بروح ~~القدس} في إعلامه ذكر ما جعل، تعالى، بينه وبين عيسى، عليه الصلاة والسلام، ~~في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح، كما قال، سبحانه وتعالى: ~~{فأرسلنا إليها روحنا} كذلك كان فعله مع تأييده، وفي ذلك بينه وبين موسى ~~عليهما الصلاة والسلام، موازنة ابتدائية، حيث كان أمر موسى من ابتداء أمر ~~التكليم، الذي هو غاية سقوط الواسطة، وكان أمر عيسى، عليه # PageV01P439 # الصلاة والسلام، من ابتداء أمر الإحياء، الذي هو غاية تصرف المتصرفين - ~~انتهى. # {ولو شاء الله}، # قال الحرالي: وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية، تشهد الله وحده، وتمحو عن ~~الإقامة ما سواه - انتهى. # {ما اقتتل الذين من بعدهم} # قال الحرالي: فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال، بعد ms215 فتنة ~~الأحوال بالضغائن والأحقاد، بعد فقد السلامة، بعد فقد الوداد، بعد فقد ~~المحبة [الجامعة] للأمة مع نبيها - انتهى. # {من بعد ما جاءتهم البينات} # قال الحرالي: فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا بعد ~~إمضاء كلمة الله فيها - انتهى. # {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} # قال الحرالي: هي مما منه المخاللة، وهي المداخلة فيما يقبل التداخل، حتى ~~يكون كل واحد خلال الآخر، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضي والسخط، ~~فالخليل من رضاه رضي خليله، وفعاله من فعاله - انتهى. # وقال الحرالي: فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ابتداء السورة من ~~{الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} إلى قوله: {المفلحون} فلذلك وقع بعد ~~هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة أي هذه السورة المنتظمة بأولها انتظاما ~~معنويا برأس: {الم (1) ذلك الكتاب} فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما ~~أفصح به الخطاب في فاتحة سورة آل عمران، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام ~~وحمد، فكان أوله حمدا، وآخره # PageV01P440 # حمدا، ينثني ما بين الحمدين على أوله، كما قال: "حمدني عبدي، أثنى علي ~~عبدي" فجعلته حمد، وتفاصيله ثناء - انتهى. ### | {الله لا إله إلا هو} # وقال الحرالي: لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين، وجهات ~~الاعتبار، وبيان أحكام الجهاد والانفاق فيه، فتم الدين بحظيرته معالم ~~إسلام، وشعائر إيمان، ولمحة إحسان، أعلى تعالى، الخطاب إلى بيان أمر ~~الإحسان، كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام، فاستفتح هذا الخطاب ~~العلي، الذي يسود كل خطاب، ليعلى به الذين آمنوا، فيخرجهم به من ظلمة ~~الإيمان بالغيب، الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر، إلى صفاء ضياء الإيقان، ~~الذي يصير نور الإيمان، بالإضافة إليه، ظلمة، كما يصير نور القمر عند ضياء ~~الشمس ظلمة، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله، سبحانه وتعالى: ~~{وإلهكم إله واحد} وما بعدها من الاعتبار في خلق السموات والأرض نسبة ما ~~بين علو اسمه {الله} الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل، إلى اسمه الذي وقع ~~فيه الشرك بالباطل، فينقل، تعالى، ms216 المؤمنين الذين استقر لهم إيمان الاعتبار ~~بآية # PageV01P441 # {وإلهكم إله واحد} وما بعدها من الاعتبار في خلق السموات والأرض إلى يقين ~~العيان باسمه "الله" وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى. # {الحي القيوم} # قال الحرالي: فيعول، زيدت في أصوله الياء، ليجتمع فيه لفظ ما هو من ~~معناه، الذي هو القيام بالأمر، مع واوه التي هي من قام يقوم، فأفادت صيغته ~~من المبالغة ما في القيام والقوام، على حد ما تفهمه معاني الحروف عند ~~المخاطبة بها من أيمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه ~~العلوي - انتهى. # {لا تأخذه سنة} # قال الحرالي: هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس، ويخامر ~~القلب، {ولا نوم} وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام ~~قلبه، وما استغرق حواسه في حق من لاينام قلبه - انتهى. # {له ما في السماوات وما في الأرض} # قال الحرالي: وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر ~~جبروته، والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار ~~والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته، فكان هذا ~~الخطاب، بما أبدى للفهم، إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية ~~التي هي حجاب قيوميته، سلبا لقيام ما سواه - انتهى. # {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} # قال الحرالي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له، لمزية وصلة ~~بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظا في سلب ما ~~للشفعاء، ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله، سبحانه وتعالى، عند الله، ~~سبحانه وتعالى، فهو، سبحانه وتعالى، بالحقيقة الذي شفع # PageV01P442 # عند نفسه بنفسه، فبإخفائه، تعالى، شفاعته في شفاعة الشفعاء، كان هو ~~الشفيع في الإبتداء من وراء حجاب، لأن ابداءه كله في حجاب، وإعادته ما في ~~حجاب، فلذلك هو سبحانه وتعالى، خاتم الشفعاء، حيث يقول، كما ورد في الخبرة: ~~"شفع الأنبياء والمرسلون، ولم يبق إلا الحي القيوم". انتهى. # {يعلم ما بين أيديهم} # قال الحرالي: أي ما آتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم، لأن ما ms217 بين يدي ~~المرء يحيط به حسه، وما علمه أيضا، فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه. {وما ~~خلفهم} وهو مالم ينله علمهم، لأن الخلف هو مالا يناله الحس، فأنبأ أن علمه ~~من وراء علمهم، محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى. # {وسع كرسيه} # وقال الحرالي: معنى الكرسي هو الجمع، فكل ما كان أتم جمعا فهو أحق ~~بمعناه، ويقال على المرقى للسرير، الذي يسمى العرش، الذي يضع الصاعد عليه ~~قدمه إذا صعد وإذا نزل، وحين يستوي إن شاء - كرسي. # ثم قال: والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها ~~موجودات الأشياء كلها، فما في الأرض صورة إلا ولها في الكرسي مثل، فما في ~~العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته، وما في السموات إقامته ففي الأرض صورته، ~~فكان الوجود مثنيا، لما كان القرآن مثاني: إجمالا وتفصيلا في القرآن، ~~ومدادا صورا في الكون، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات، وانبهام ~~صورة المداديات، # PageV01P443 # بنسبة ما بين السماء وما منه. # وجعل وسع الكرسي، وسعا واحدا، حيث قال: {السماوات والأرض} ولم يكن وسعان، ~~لأن الأرض في السموات والسموات في الكرسي، والكرسي في العرش، والعرش في ~~الهواء - انتهى. # {ولا يئوده} # قال الحرالي: من الأود أي بلوغ المجهود ذودا، ويقابله ياء من لفظ الأحد، ~~أي وهو القوة، وأصل معناه، والله، سبحانه وتعالى، [أعلم]، أنه لا يعجزه علو ~~أيده، ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله. # {حفظهما} والحفظ، # قال الحرالي: الرعاية لما هو متداع في نفسه، فيكون تماسكه بالرعاية له ~~عما يوهنه أو يبطله - انتهى. # {وهو العلي العظيم} وقد ختمت الآية بما بدئت به، غير أن بدءها بالعظمة، ~~كما # قال الحرالي، كان باسم "الله" إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحا، لما ذكر من ~~أن الإبداء من وراء حجاب، والإعادة بغير حجاب، كذلك تنزل القرآن: مبدأ ~~الخطاب إلاحة، وخاتمته إفصاح، ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام. {ألا ~~له الخلق والأمر} ولما في العلو من الظهور، وفي العظمة من الخفاء، لموضع ~~الإحاطة، # PageV01P444 # لأن العظيم هو ما يستغرق، كما يستغرق الجسم ms218 العظيم جميع الأقطار {وله ~~المثل الأعلى} وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه، ~~قال، سبحانه وتعالى، فيما أنبأ عنه نبيه، - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الكبرياء ردائي" لأن الردأء هو ما على الظاهر، "والعظمة إزاري" والإزار ما ~~ستر الباطن والأسفل، فإذا في السماء كبرياؤه، وفي الأرض عظمته، وفي العرش ~~علوه، [وفي الكرسي عظمته، فعظمه أخفى ما يكون حيث التفصيل، وكبرياؤه وعلوه] ~~أجلى ما يكون، حيث الإبهام والانبهام. # فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان ~~على الكفران، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته، تعالى، وعلوه وعظمته، وإبادة ~~ما سواه في أن بنسب إليهم شيء، لأنه، سبحانه وتعالى، إذا بدا باد ما سواه، ~~كان في إلاحة هذه الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين ~~الإلقاء، كما كان فيما تقدم هو إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي ما ~~أمروا إلا ليعبدون به مخلصين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة، ولذلك ~~كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران، إثر ~~قوله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو}. ### | {لا إكراه في الدين} # قال الحرالي: لما نقل، سبحانه وتعالى، رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر ~~والنهي والحدود، وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى # PageV01P445 # لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيها هم مصرفون إلى ~~علو رتبة دين الله المرضى، الذي لالبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج فيه، وهو ~~اطلاعه، سبحانه وتعالى، عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد، وفي كل باد، ~~وعلى كل باد، وأظهر من كل باد، وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم، ولا ~~يجوزها رسم، وهي مداد كل مداد، بين، سبحانه وتعالى، وأعلن بوضع الإكراه ~~الخفي موقعه في دين القيمة، من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما ~~كتب عليها، مما هو علم عقابها وآية عذابها، فذهب بالاطلاع على أمر الله في ~~قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ماتجري فيه لها ما ms219 عليها {فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات} بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت ~~مختلفات أثمار أعمالهم، فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلوا، كما يقال في ~~الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى. # {قد تبين الرشد} # قال الحرالي: وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه، بحسب ما يثبت ~~ويدوم، {من الغي} وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - ~~انتهى. # PageV01P446 # {فمن يكفر بالطاغوت} # وقال الحرالي: وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة، صيغة ~~مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان - انتهى. # {لا انفصام لها} # وقال الحرالي: من الفصم، وهو خروج العري بعضها من بعض، أي فهذه العروة لا ~~انحلال لها أصلا، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر، والاحتجاج بالمشاهد المحسوس، ~~ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه، ويجل اغتباطه به. # {من الظلمات} [أي المعنوية] جمع ظلمة، وهر ما يطمس الباديات حسا أو معنى، ~~{إلى النور} أي المعنوي، وهو ما يظهر الباديات حسا أو معنى. قاله الحرالي. # {يخرجونهم من النور إلى الظلمات} # قال الحرالي: وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلى ~~الروح المجندة، إلى الفطرة المستوية "كل مولود يولد على الفطرة" - انتهى. # {أولئك أصحاب النار} # قال الحرالي: الذين تبعوها من حيث لم يشعروا، من حيث إن الصاحب من اتبع ~~مصحوبة - انتهى. # {هم فيها خالدون} # قال الحرالي: وجعل الخلود وصفا لهم إشعار بأنهم فيها، وهم في دنياهم - ~~انتهى. # PageV01P447 # قال الحرالي: ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته، وما اتصل بها في خاصة ~~عباده اختص هذا الخطاب بالنبي، - صلى الله عليه وسلم -، لعلو مفهور مغزاه ~~عمن دونه - انتهى. ### | {أن آتاه الله الملك} # قال الحرالي: وفي إشعاره أن الملك فتنة وبلاء على من أوتيه - انتهى. # {قال إبراهيم} # وقال الحرالي: ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة الحجة ~~الملبسة، كما قال تعالى: {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا} نقل المحاج من ~~الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها ms220 الشمس ~~{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} ففي ظاهر الاحتجاج انتقال، وفي [طيه ~~تقرير الأول، لأن الروح شمس البدن، فكأنه ضرب مثل، من حيث إن الإحياء إنما ~~هو أن يوتى بشمس الروح من حيث غربت، فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة] ~~باطنه تتميم للحجة الأولى، قال تعالى: {فإن} بالفاء الرابطة بين الكلامين، ~~إشعارا لتتمة الحجة الأولى بالحجة الثانية - انتهى. # {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} # قال الحرالي: إظهارا لمرجع العالم بكليته إلى واحد، وأن قيوم الإنسان في ~~الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق # PageV01P448 # في طلوع الشمس وغروبها، وفي لحنه إشعار بأن الله، سبحانه وتعالى، لابد ~~وأن ياتي بالشمس من المغرب، ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء، حتى ~~يطلعها من حيث غربت، كما يطلع الروح من حيث قبضت، ليكون طلوع الشمس من ~~مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى. # {فبهت} # قال الحرالي: من البهت، وهو بقاء الشيء على حاله وصورته، لا يتغير عنها ~~لأمر يبهره وقعه. # {الذي كفر} # وقال الحرالي: فعرفه أي في قوله {كفر} بوصفه، من حيث دخل عليه البهت منه ~~- انتهى. # {أو كالذي مر على قرية} # قال الحرالي: [من المرور -] وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات ~~إليه [في] سبيله. # {وهي خاوية على عروشها} # قال الحرالي: من الخوا، وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حسا أو معنى، ~~والعروش جمع عرش، من نحو العريش، وهو ما أقيم من البناء على حاله عجالة، ~~يدفع سورة الحر والبرد، ولايدفع جملتها كالكن المشيد، فكان المشيد في ~~الحقيقة عريشا لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار - انتهى. # PageV01P449 # {قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها} # قال الحرالي: وفي لفظة {أنى} لشمول معناها لمعنى كيف وحيث ومتى، استبعاده ~~الإحياء في الكيف والمكان والزمان، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق النفس من ~~طلبها لمعرفة تكييف مالا يصل إليه علمها - انتهى. # {فأماته الله مائة عام} # قال الحرالي: وخص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد [و] العشرات، ~~وعشرها وتر ms221 الشفع، لأن ماتم في الثالث كان ما زاد عليه تكرارا يجزئ عنه ~~الثلاث. {ثم بعثه} في بيانه إشعار بأن بدنه لم يتغير، ولا فنى فناء حماره، ~~حيث لم يكن {ثم نشره} والله، سبحانه وتعالى أعلم، كما قال: {ثم إذا شاء ~~أنشره} - انتهى. # {ولنجعلك آية للناس} فكان أمره إبقاء وتثبيتا آية في موجود الدنيا على ما ~~سيكون في أمر الآخرة: قيام ساعة، وبعثا، ونشورا. قاله الحرالي. # {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} # قال الحرالي: بالراء من النشر، وهو عود الفاني إلى صورته الأولى، وبالضم ~~جعل وتصيير إليه، وبالزاي من النشز، وهو إظهار الشيء وإعلاؤه، من نشز ~~الأرض، وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى. # {ثم نكسوها لحما} # قال الحرالي: جعل حياته بعثا، وحياة حماره نشورا، وأراه [النشر] واللحم ~~الذي لحم بين العظام حتى صار صورة واحدة، ليتبين أمر الساعة عيانا، فيكون ~~حجة على الكافر والمستبعد. # PageV01P450 # {فلما تبين له} # قال الحرالي: وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين، حتى ~~استقر عنده أمر ما أعلم به، واضمحل عنده ما قدره. # {قال أعلم} بصيغة الفعل بناء على نفسه، وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم، ~~لتدل القراءتان على أنه علم وعلم، لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير ~~العالم، فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى. # {أن الله على كل شيء قدير} # قال الحرالي: في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله، سبحانه وتعالى، في ~~تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار؛ إلحاقا لما دون آية ~~الإحياء والإماتة بأمرها، ليستوي في العلم أن محييك هو مصرفك، فكما أن ~~حياتك بقدرته، [فكذلك عملك بقدرته]، فلاءم تفصيل إفراد القدرة لله بما تقدم ~~من إبداء من الحفظ بالله، والعظمة لله، فكأنها جوامع وتفاصيل، كلها تقتضي ~~إحاطة أمر الله، سبحانه وتعالى، بكلية ما أجمل، وبدقائق تفاصيل ما فصل - ~~انتهى. # {وإذ} # وقال الحرالي: ولما كان أمر منزل القرآن إقامة الذين بمكتوبه وحدوده ~~فأنهاه، تعالى، منتهى منه، ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي، ورتب ~~على ذلك دين الإسلام ms222 الذي هو إلقاء كإلقاء اليد عن الموت - انتظم به أمر ~~المعاد الذي لا مدخل للعباد في أمره، فرتب، سبحانه وتعالى، ذكر المعاد في ~~ثلاثة أحوال: # حال الجاحد الذي انتهت غايته إلى [بهت. # PageV01P451 # ثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى -] علم وإيمان. # وأنهى الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين وطمأنينة ورؤية ~~ملكوت في ملكوت الأرض. انتهى. ### | {قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى} # قال الحرالي: طلب ما هو أهله بما قال تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض} فمن ملكوت الأرض الإحياء فقرره، سبحانه وتعالى، على تحقيق ~~ابتداء حاله من تقرر الإيمان، فقال مستأنفا: {قال} ولما كان التقدير: ألم ~~تعلم أني قادر على الإحياء، لأني قادر على كل شيء؟ عطف عليه قوله: {أولم ~~تؤمن}؟ فإن الإيمان يجمع ذلك كله {قال بلى} فتحقق أن طلبه كيفية الإحياء ~~ليس عن بقية تثبيت في الإيمان، فكان في إشعاره أن أكثر طالبي الكيف في ~~الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم، ومن طلب لتثبت الإيمان، مع أن فيما ~~دون الكيف من الآيات كفايته، لم ينتفع بالآية في إيمانه، لأن كفايتها فيما ~~دونه، ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن تمام حده، فإذا تم الإيمان بحكم آياته ~~التي في موجود حكمة الله في الدنيا بيناته، ترتب عليه برؤية ملكوت شهود ~~الدنيا رتبة اليقين، كما وجد تجربته أهل الكشف من الصادقين في أمر الله، ~~حيث أورث لهم اليقين، ومتى شاركهم في أمر من رؤية الكشف أو الكرامات ضعيف ~~الإيمان طلب فيه تأويلا، وربما كان عليه فتنة تنقصه مما كان عنده من حظ من ~~إيمانه، حتى ربما داخله نفاق لا ينفك منه إلا أن يستنقذه الله، فلذلك أبدى # PageV01P452 # تعالى خطاب تقريره لخليله، - صلى الله عليه وسلم -، على تحقيق الإيمان، ~~ليصح الترقي منه إلى رتبة الإيقان، وهو مثل نحو ما تقدم في مطلق قوله، ~~سبحانه وتعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} وذكر ~~عن الخليل، عليه الصلاة والسلام، أنه نظر إلى بدن دابة توزعها ms223 دواب البحر ~~ودواب البر، وطير الهواء، فتعجب منها وقال: يارب، قد علمت لتجمعنها، فأرني ~~كيف تحييها لأعاين ذلك، فإنما ينبني يقين العيان على تحقيق الإيمان. # {ولكن} أريد المعاينة {ليطمئن} من الطمأنينة، وهي الهدوء والسكون على ~~سواء الخلقة واعتدال الخلق {قلبي} من فطر على نيل شيء جبل على الشوق له، ~~فلما كان إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، متهيئا لقبول الطمأنينة قذف في ~~قلبه طلبها، فأجابه الله بما قد هيأه له، فضرب، سبحانه وتعالى، له مثلا ~~أراه إياه، جعله جرى العيان جلي الإيقان، وذلك أن الله، # PageV01P453 # تعالى سبحانه، هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد، وكان من تنزل تجليه لعباده ~~أنه الإله الواحد، والواحد بريء من العد، فكان أول ظهور الخلق هو أول ظهور ~~العد، فأول العدد الاثنان {ومن كل شيء خلقنا زوجين} فالاثنان عد هو خلق كل ~~[واحد] منهما واحد، فجعل تعالى اثنين كل واحد منهما اثنان، لتكون الاثنينية ~~فيه كلا وجزء، فيكون زوجا من زوج، فكان ذلك العد هو الأربع، فجعله الله، ~~سبحانه وتعالى، أصلا لمخلوقاته، فكان جملتها وتره، فجعل الأقوات من أربع: ~~{وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} وجعل الأركان التي خلق منها صور ~~المخلوقات أربعا، وجعل الأقطار أربعا، وجعل الأعمار أربعا، وقال، عليه ~~الصلاة والسلام: "خير الرفقاء أربعة، وخير البعوث أربعون، وخير السرايا ~~أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف" والمربعات في أصول الخلق وكثيرة، تتبعها ~~العلماء، واطلع عليها الحكماء {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} الآية. # ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي هي: الماء ~~والتراب، والهواء # PageV01P454 # والنار، فأظهر منها الصور {وصوركم فأحسن صوركم} ثم أظهر، سبحانه وتعالى، ~~قهره بإماتته وإفناء صوره، "كل ابن آدم ياكله التراب إلا عجب الذنب، منه ~~خلق، وفيه يركب" فكان بددها في أربعة أقطار: شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، أدى ~~خليله، عليه الصلاة والسلام، كيف يدعو خلقه من أقطار آفاقه الأربعة بعد ~~بددها واختلاطها والتئام أجزائها على غير حدها. # يقال إن عليا، رضي الله تعالى عنه، ضرب بيده على قدح من فخار ms224 فقال: كم ~~فيه من خد أسيل، وعين كحيل! {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم}. # فأرى خليله، عليه الصلاة والسلام، مثلا من جملة ذلك {قال فخذ} بالفاء ~~تحقيقا لمقاله، وتصديقا فيما تحقق من إيمانه، وإبداء لاستحقاقه اليقين ~~والطمأنينة بتقرر إيمائه. ### | {أربعة من الطير} # هو اسم جمع من معنى ما منه الطيران، وهو الخفة من ثقل ماليس من شأنه أن ~~يعلو في الهواء، جعل، تعالى، المثل من الطير، لأن الأركان المجتمعة في ~~الأبدان طوائر تطير إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله، تعالى، لها، ~~جعلا فيها، لا طبعا واجبا منها، فإن الله، عز وجل، هو الحكيم الذي جعل ~~الحكمة، فمن أشهده الحكمة وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها، ومن أشهده الحكمة ~~الدنياويه، ولم يشهده أنه جاعلها فهو جاهلها. فالحكمة شهود الحكمة مجعولة # PageV01P455 # من الله كل ماهية ممهاة، وكل معنوية ممعناة، وكل حقيقة محققة، فالطبع وما ~~فيه جعل من الله، من جهله ألحد، (332) ومن تحققه وحد. # كذلك المعقول وما فيه أقباس من الله وإرادة من أمر الله، من تقيد به ~~وأعتقده لاينفك نسبة الحد في الطبع، وأحتاج إلى ملجإ فتن التأويل في غيب ~~الشعر، وكل ماسوى الحق موضوع معطى حظا وحدا ينال ما أعطى، ويعجز عما فوقه، ~~للعقول حد تقف عنده لاتتعداه، فلذلك جعلها تعالى طوائر يقهرها قفص الصورة ~~وتمام التسوية، ويظهر تماسكها نفح الروح - انتهى. # {فصرهن إليك} قال الحرالى: من الصور وهو استمالة القلوب بالإحسان حتى ~~يشتد إلى المستميل صغوها وميلها. # وإشعاره ينبىء، والله سبحانه وتعالى أعلم، أن إبراهيم، عليه الصلاة ~~والسلام، رباهن وغذاهن حتى عرفنه ليكون ذلك مثل لما لله، سبحانه وتعالى، في ~~خلقه من تربيتهم بخلقهم ورزقهم، حتى عرفوه بما أحتاجوا إليه، فوجدوه معرفة ~~عجز عنه، لا معرفة نيل له، فمتى دعاهم من أقطار الآفاق أجابوه إجابة # PageV01P456 # هذه الطوائر لحلوله لخليله، يسير من تربيته لهن، إذا كانت هده الأربعة ~~مجيبة [للخليل عليه السلام] بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف. تكون ~~إجابته الجملة للجليل العزيز الحكيم! # قال تعالى: {ثم اجعل} عطفا بكلمة ms225 المهلة تجاوزا بعد تربيتهن عن ذبحهن ~~ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لايبين في جملتها شيء من الصور الذابهة ~~كما تصير المواليد ترابا عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية، ليتطابق ~~المثل والممثول مطابقة تامة، إلى ماورإء ذلك من مجاوزة عبرة وروية {على كل ~~جبل} من الجبال القريبة إليك {منهن جزءا} والجزء بعض من كل يشابهه، كالقطعة ~~س الذهب ونحوه، فجعل الجبال مثل الأقطار،، هو لارتفاعها أمكن في الرؤية ~~وأبعد من الاشتباه {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} ~~{فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة} فما كان بالصيحة والزجرة من ~~الممثول كان بالدعاء في المثل، كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان ~~بالصور في المثل، وجعله جزء حيث كان # PageV01P457 # يشبه بعضه بعضا. {ثم ادعهن يأتينك سعيا} والسعي هو العدو والقصد المسرع ~~يكون في الحس والمعنى، في إتيان الطائر طائرا حظ من منته، وفي إتيانه سعيا ~~حظ من ذلته، فلذلك جلبهن عليه سعيا بحال المتذلل الطالب للرزق والأمنة من ~~اليد التي عهد منها الرزق، والجنبة التي ألف منها الأمن، فبدأ المثل مطابقا ~~للممثول، وغايته مرأى عين، فصار موقنا مطمئنا، وليس ذلك بأعجب من مشي ~~الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى، إلى خدمة ولده المصطفى، - صلى ~~الله عليه وسلم -، وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء، بعدما قطعت، وجاء يحملها، ~~كما ذكر في السير في غزوة بدر، فصارت مثل أختها، في أشياء من أمثال ذلك. # على أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران، وكان لآحاد ~~أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عددا كثيرا. وإنما لم يكثر ذلك ~~على يده، - صلى الله عليه وسلم -، لأنه مرسل إلى قوم لا يقرون بالبعث، ومحط ~~الإيمان التصديق بالغيب # فلو كثر وقوع ذلك له، - صلى الله عليه وسلم -، لكشف الغطاء، وإذا انكشف ~~الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب، وهو نبي الرحمة، - صلى الله عليه ~~وسلم -. # PageV01P458 # وأما عيسى، عليه الصلاة والسلام، فكان في قوم يؤمنون ms226 بالآخرة، ففعله ذلك ~~لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه بالطب، على أنه لا فرق في ~~إظهار الخارق بين واحد وأكثر، والله، سبحانه وتعالى، الموفق. # ولما أراه، سبحانه وتعالى، ملكوت الأرض، صارت تلك الرؤية علما على عزة ~~الله من وراء الملكوت في محل الجبروت، فقال: {واعلم أن الله} أي المحيط ~~علما وقدرة {عزيز}. ولما كان للعزة صولة لا تقوى لها فطر المخترعين، نزل، ~~تعالى، الخطاب إلى محل حكمته، فقال: {حكيم} فكان فيه إشعار بأنه، سبحانه ~~وتعالى، جعل الأشياء بعضها من بعض كائنة، وبعضها إلى بعض عامدة، [وبعضها من ~~ذلك البعض معادة {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} وهذه] ~~الحكمة التي أشار إليها اسمه الحكيم حكمة ملكوتية جامعة لوصلة ما بين حكمة ~~الدنيا وحكمة الآخرة، لأن الحكيم بالحقيقة ليس من علمه الله حكمة الدنيا، ~~وألبس عليه وجعله لها، بل ذلك جاهلها كما تقدم، # PageV01P459 # إنما الحكيم الذي أشهده حكمة الدنيا أرضا وأفلاكا ونجوما وآفاقا وموالد ~~وتوالدا، وأشهده أنه حكيمها، ومزج له علم حكمة موجود الدنيا بعلم حكمة ~~موجود الآخرة، وأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل بعضها إلى ~~بعض، حتى يشهد دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب الدنيا إلى ~~مشهود حكمة الدنيا، ثم إلى مشهود حكمة الآخرة، كذلك عودا على بدء، وبدءا ~~على عود، في ظهور غيب الإبداء إلى مشهوده، وفي عود مشهودة إلى غيبه: {قالوا ~~ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} كذلك إلى المعاد الأعظم الإنساني {يوم ~~يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} فهذا هو الحكيم المتوسط الحكمة. # ثم وراء ذلك أمر آخر من على أمر الله في متعالي تجلياته بأسماء وأوصاف ~~يتعالى ويتعاظم للمؤمنين، ويتبارك ويستعلن للموقنين الموحدين، فله، سبحانه ~~وتعالى، العزة في خلقه وأمره، وله الحكمة في خلقه وأمره، ومن ورائها كلمته ~~التي لا ينفد تفصيل حكمتها {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} الآية. ~~وكلماته لاتحد # PageV01P460 # ولا تعد {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية، فهو العزيز الحكيم ~~العلي العظيم - انتهى. ms227 ### | {كمثل حبة} # قال الحرالي: من الحب، وهو تمام النبات المنتهي إلى صلاحية كونه طعاما ~~للآدمي الذي هو أتم الخلق، فالحب أكمل من الثمرة طعامية، والثمرة إدامية. # {أنبتت سبع سنابل} # قال الحرالي: وهو مجتمع الحب في أكمامه، كأنه آية استحقاق اجتماع أهل ذلك ~~الرزق في تعاونهم في أمرهم، وتعريف بأن الحب يجمعه لا بوحدته. # {في كل سنبلة مائة حبة} # قال الحرالي: فضرب المثل للإنفاق في سيل الله وذكر السبع لما فيه من ~~التمام بالحرث، الذي هو كيميا عباده، يشهدون من تثميره حيث تصير الحبة ~~أصلا، ويثمر الأصل سنابل، ويكود في كل سنبلة أعداد من الحب، فكان ما ذكر، ~~تعالى، هو أول الإنفاق في سبيل الله، وذكر السبع لما فيه من التمام، وما ~~يقبله من التكثير، فإن ما أنبت أكثر من سبع، إذا قصد بالتكثير، أنبأ عنه ~~بالسبع، لأن العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر، فجعل أدنى النفقة في سيل ~~الله سبعمائة ضعف، ثم فتح، تعالى، باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد - ~~انتهى. # {والله واسع عليم} # وقال الحرالي: [و -] لما كان للخلافة، وخصوصا # PageV01P461 # بالإنفاق، موقع من النفس بوجوه، مما ينقص التضعيف أو يبطله، كالذي يطرأ ~~على الحرث الذي ضرب به المثل، مما ينقص نباته أو يستأصله، نبه، تعالى، على ~~ما يبطل - انتهى. # {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا} # قال الحرالي: وهو ذكره لمن أنفق عليه، فيكون قطعا لوصله بالإغضاء عنه، ~~لأن أصل معنى المن القطع {ولا أذى} وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك، لما يتعالى ~~عليه بإنفاقه - انتهى. ### | {قول معروف} # قال الحرالي: وهو ما لا يوجع قلب المتعرض بحسب حاله وحال القائل. # {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا} # قال الحرالي: فبين أن ما اشترطه في الأحر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى. # {صدقاتكم بالمن والأذى} # قال الحرالي: فألحق عمل الإخلاص بآفة ما تعقبه بما بنى على أصل الرياء - ~~انتهى. # {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} # قال الحرالي: هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية ~~عنه. # قال الحرالي: ms228 ولما ضرب مثلا لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلا لإبطالها بخطأ ~~الحارث في الحرث فقال: {فمثله} في إنفاقه مقارنا لما يفسده، ومثل نفقته ~~{كمثل صفوان} وما زرع عليه، وهو صيغة مبالغة من الصفا، وهي الحجارة الملس ~~الصلبة التي [لا] تقبل انصداعها بالنبات - انتهى. # PageV01P462 # {عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا} فجعل قلب المؤذي المنان بمنزلة ~~الصفوان الذي أصابه وابل المطر، فأذهب عائد نفقته، كما أذهب بذر الحارث على ~~الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر. قاله الحرالي، وفيه تصرف. ### | {ومثل الذين ينفقون أموالهم} # قال الحرالي: عطفا على {كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر} عطف مقابلة وعلى {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} ~~عطف مناسبة - انتهى. # {ابتغاء مرضات الله} # قال الحرالي: والمرضاة مفعلة لتكرر الرضى ودوامه - انتهى. # {كمثل جنة} # قال الحرالي: ولما كان حرث الدين حبا وثمرا جعل نفقات الأخرى كذلك حبا ~~وثمرا، فمن أنفق في السبيل جعل مثله كالحب، ومن أنفق ابتغاء لمرضاة الله ~~جعل مثله كالجنة التي لها أصل ثابت تدور عليها الثمرات [وهي ثابتة -] ~~وتستغني من الماء بما لا يستغني به الحرث، لأن الحرث مستجد # PageV01P463 # في كل وقت، كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه، والمنفق ابتغاء مرضاة ~~الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق، فكان مثله مثل الجنة الدائمة، ليتطابق ~~المثلان بالممثولين، فعمت هذه النفقة جهات الإنفاق كلها في جميع سبل الخير ~~- انتهى. # {بربوة} # قال الحرالي: في إعلامه أن خير الجنات ما كان في الربوة لتنالها الشمس ~~وتخترقها الرياح اللواقح، فأما ما كان من الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح ~~اللواقح من فوقها فضعفت حياتها لأن الرياح هي حياة النبات "الريح من نفس ~~الرحمان" - انتهى. # {فإن لم يصبها وابل فطل} # قال الحرالي: الطل [سن] من أسنان المطر، خفي لا يدركه الحس حتى يجتمع، ~~فإن المطر ينزل خفيا عن الحس، وهو الطل، ثم يبدو بلطافة وهو الطش، ثم يقول ~~وهو الرش، ثم يتزايد ويتصل وهو الهطل، ثم يكثر ويتقارب وهو الوابل، ثم يعظم ~~سكبه وهو ms229 الجود، فله أسنان مما لا يناله الحس للطافته، إلى ما لا يحمله ~~الحس كثرة - انتهى. # {والله بما تعملون بصير} # وقال الحرالي: ولما ئراجع خبر الإنفاقين ومقابلهما تراجعت أمثالها، فضرب ~~لمن ينفق مقابلا لمن يبتغي مرضاة الله، تعالى، # PageV01P464 # مثلا بالجنة المخلفة - انتهى. ### | {أيود أحدكم أن تكون له جنة} # أي حديقة تستر داخلها، وعين هنا ما أبهمه في المثل الأول فقال: {من نخيل} ~~جمع نخلة وهي الشجرة القائمة على ساق الحية من أعلاها أشبه بالآدمي، ثابت ~~ورقها، مغذ مؤدم ثمرها، في كليتها نفعها حتى في خشبها طعام للآدمى، بخلاف ~~سائر الشجر، مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله. {وأعناب} جمع عنب، وهو ~~شجر متكرم، لا يختص ذهابة بجهة العلو اختصاص النخلة، بل يتفرع علوا وسفلا، ~~ويمنة ويسرة مثله مثل المؤمن المتقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة - قاله ~~الحرالي. # {تجري من تحتها الأنهار} # وقال الحرالي: وفي إشعاره تكلف ذلك فيها بخلاف الأولى التي هي بعل، فإن ~~الجائحة في السقي أشد على الهالك منها في البعل، لقلة الكلفة في البعل، ~~ولشدة الكلف في السقي - انتهى. # {فأصابها إعصار} # قال الحرالي: صيغة اشتداد بزيادة الهمزة والألف فيه، من # PageV01P465 # العصر، وهو [الشدة المخرجة لخبء الأشياء، والإعصار ريح شديدة في غيم يكون ~~فيها حدة من برد الزمهرير، وهو] أحد قسمي النار، نظيره من السعير السموم. # {فيه نار فاحترقت} # قال الحرالي: من الاحتراق، وهو ذهاب روح الشيء وصورته ذهابا وحيا بإصابة ~~قاصف لطيف يشيع في كليته فيذهبه ويفنيه، فجعل المثل الأول في الحب أي الذي ~~على الصفوان بآفة من تحته، وجعل المثل في الجنة بجائحة من فوقه، كأنهما ~~جهتا طرو العلل والآفات من جهة أصل أو فرع - انتهى. # {لعلكم تتفكرون} # وقال الحرالي: فتبنون الأمور على تثبيت، لأخير في عبادة إلا بتفكر، كما ~~أن الباني لابد أن يفكر في بنائه. كما قال الحكيم: "أول الفكرة آخر العمل، ~~وأول العمل آخر الفكرة" كذلك من حق أعمال الدين أن لاتقع إلا بفكرة في ~~إصلاح أوائلها السابقة، وأواخرها اللاحقة، فكانوا في ذلك ms230 صنفين، بما يشعر ~~به {لعلكم} مطابقين للمثل: متفكر مضاعف حرثه وجنته، وعامل [بغير فكرة] ~~تستهويه أهواء نفسه، فتلحقه الآفة في عمله في حرثه وجنته من سابقه أو لاحقه ~~- انتهى. ### | {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} # قال الحرالي: قدم خطاب المكتسبين بأعمالهم، كأنهم المهاجرون، وعطف عليهم ~~المنفقين من الحرث والزرع، كأنهم الأنصار - انتهى. # PageV01P466 # {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} # قال الحرالي: الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء، من الخبث، وهو ما ينافر ~~حس النفس: ظاهره وباطنه، في مقابله ما يرتاح إليه من الطيب، الذي ينبسط ~~إليه ظاهرا وباطنا. # وقال ففي إلاحته معنى حصر، كأنهم لا ينفقون إلا منه، ليتجاوز النهي من ~~ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - انتهى. # {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} # قال الحرالي: من الإغماض، وهو الإغضاء عن العيب فيما يستعمل، أصله من ~~الغمض، وهي نومة تغشي الحس، ثم تنقشع. # وقال: ولما كان الآخذ هو الله، سبحانه وتعالى، ختم بقوله: {واعلموا} - ~~انتهى. # {أن الله غني حميد} # قال الحرالي وهي صيغة مبالغة، بزيادة ياء، من الحمد الذي هو سواء أمر ~~الله الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه، وافق الأنفس أو خالفها. ### | {الشيطان يعدكم الفقر} # قال الحرالي: الذي لخوفه تقاطع أهل الدنيا، وتدابروا وحرصوا وادخروا، وكل ~~ذلك لا يزيل الفقر، كل حريص فقير، ولو ملكوا الدنيا، وكل # مقتنع غني، ومن حق من كان عبدا لغني أن يتحقق أنه غني يغني سيده، ففي # PageV01P467 # خوف الفقر إباق العبد عن ربه، والفقر فقد ما إليه الحاجة في وقت من قيام ~~المرء في ظاهره وباطنه - انتهى. # {ويأمركم بالفحشاء} # وقال الحرالي: وكل ما اجتمعت عليه استقباحات العقل والشرع والطبع فهو ~~فحشاء، وأعظم مراد بها هنا البخل، الذي [هو -] أدوأ داء، لمناسبة ذكر ~~الفقر، وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة، ويلازمه الحرص، ويتابعه الحسد، ~~ويتلاحق به الشر كله. [انتهى] وفيه تصرف. # {والله واسع عليم} # قال الحرالي: وفي إشعاره توهين لكيد الشيطان، ووعد كريم للمفتون بخوف ~~الفقر، وعمل الفحشاء، لما ms231 علمه من ضعف الأنفس، وسرعة قبولها من الوسواس - ~~انتهى. # وقال الحرالي: ولما أبدى، سبحانه وتعالى، أمر الآخرة وأظهر ما فيها، وبين ~~أمر الدنيا من الترتيب والتسبيب، ورجع بعضها على بعض عودا على بدء، أنبأ ~~تعالى أن ذلك من حكمته، وأنهى الحكمة لما فيها من استيفاء حكمة الدارين، ~~فليس الحكيم من علم أمر الدنيا، بل من علم أمر ما بين الدنيا والآخرة، ~~فداوى أدواء الدنيا بدواء الآخرة، وداوى النفس بدواء الدارين، وضم # PageV01P468 # جوامعها في تيسير الكلم كما ضمها لمن اصطفاه: {ذلك مما أوحى إليك ربك من ~~الحكمة} فقال، سبحانه وتعالى: {يؤتي الحكمة} - انتهى. ### | {فقد أوتي خيرا كثيرا} # قال الحرالي مامعناه: أنه نكره لما في الحكمة من التسبب الذي هو كلفة، ~~ولو يسرت، فكان الخير الكثير المعرف في الكلمة، بما فيها من اليسر والحياطة ~~والإنالة [الذي -] لا ينال منه منال بسبب، وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء، ~~فيصير، سبحانه وتعالى، سمعه وبصره - إلى آخره. # {وما يذكر إلا أولو الألباب} # وقال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي ينال لب الحس، كأن الدنيا قشر ~~ينال بظاهر العقل، والآخرة لب تنال بلب العقل؛ ظاهرا لظاهر، وباطنا لباطن، ~~من تذكر ابتداء من الابتداءات السابقة ورد عليه فضل الله منه. من رجع من ~~حسه إلى نفسه، تنشأت له أوصاف الفضائل النفسانية وترقى عما في محسوسه عن ~~المهاوي الشهوانية، ومن تخلص من نفسه إلى روحه تحسس بالوصلة الرحمانية ~~والمحبة الربانية. كذلك من ترقي من روحه إلى أمره تحقق بالإحاطة الوحدانية، ~~ومن استبطن من أمره إلى سره اجتمع إلى الأولية الفردانية. # PageV01P469 # فهذا الترتيب من كمالات هذه الحكمة المؤتاة المنزلة بالوحي في هذا الكتاب ~~الجامع لنبأ ما سبق، وخبر ما لحق، وباطن ما ظهر. انهى، تعالى، إلى ذكرها ~~أعمال الخلق، وخصوصا في الجود بالموجود، كما أنهى إقامة مبنى الدين بظهور ~~وجوده، فأنهى تنزيل أمره بظهور وجوده، وأنهى استخلاف عباده بالانتهاء إلى ~~مدد جوده، فكان أعلى الحكمة الجود [بالموجود -]، فبذلك، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم، اتصل ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظما، وبآية ms232 الكرسي مناظرة - ~~انتهى. # {أو نذرتم من نذر} # قال الحرالي: والنذر إبرام العدة بخير يستقبل فعله، أو يرتقب له ما يلتزم ~~به، وهو أدنى الإنفاق، لاسيما إذا كان على وجه الاشتراط، قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إنما يستخرج به من البخيل " - انتهى. # {وما للظالمين من أنصار} # قال الحرالي: ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي، وبيد الكريم، كلما عثر، ~~فيجد له نصيرا، ولا يجد الظالم بوضع القهر موضع البر ناصرا، وفيه استغراق ~~نفي بما تعرب عنه كلمة "من" - انتهى. ### | {إن تبدوا الصدقات} # قال الحرالي: وهي من أدنى النفقة، ولذلك # PageV01P470 # لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، لأنها طهرة وغسول، يعافها أهل الرتبة [العلية ~~-] والاصطفاء. # وقال: والهدية أجل حق المال، لأنها لمن فوق رتبة المهدي، والهبة لأنها ~~للمثل، {فنعما هي} فجمع لها الأمداح المبهمة، لأن {نعم} كلمة مبالغة، تجمع ~~المدح كله و {ما}. كلمة مبهمة، تجمع الممدوح، فتطابقتا في الإبهام. ### | {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} # قال الحرالي ما معناه: إن الأنصار، رضي الله تعالى عنهم، من أول مراد ~~بهذه الجملة، لأنه، سبحانه وتعالى، جعل فيهم نصرة دينه. # ولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدي، إنما هو الهدى للتوسل ~~إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عموما القريب والبعيد، والمؤمن ~~والكافر، بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل، حتى كان هذا الخطاب ~~صارفا لقوم # PageV01P471 # تحرجوا من الصدقة على فقراء الكفار، وصلة قراباتهم منهم فحملوا على عموم ~~الإنفاق - انتهى. ### | {من التعفف} # والتعفف تكلف العفة، وهو كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه. ~~قاله الحرالي. # {تعرفهم بسيماهم} # قال الحرالي: وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم، وهي العلامة الخفية التي ~~تتراءى للمستبصر. انتهى. # {لا يسألون الناس إلحافا} # وقال الحرالي: هو لزوم ومداومة في الشيء، من حروف الحلف، الذي هو إنهاء ~~الخبر إلى الغاية، كذلك [اللحف] إنهاء السؤال إلى الغاية. انتهى. # {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي ~~فقال فأفضلهم المنفق ليلا سرا، وأنزلهم المنفق نهارا ms233 علانية، فهم بذلك ~~أربعة أصناف. انتهى. # وقال الحرالي: ولما كان حال المنفق، لاسيما المبتغي وجه الله، سبحانه ~~وتعالى، أفضل الأحوال، وهو الحال الذي دعوا إليه، نظم به أدنى الأحوال، وهو ~~الذي يتوسل به إلى الأموال بالربا، فأفضل الناس المنفق، وشر الناس المربى، ~~فنظم به # PageV01P472 # خطاب الربا، فقال: {الذين} ولما كان من الصحابة من أكل الربا، عبر ~~بالمضارع، إشارة إلى [أن] هذا الجزاء يخص المصر، فقال: {يأكلون الربا} وهو ~~الزيادة من جنس المزيد عليه، المحدود بوجه ما - انتهى. # {لا يقومون} # وقال الحرالي: في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة، ففي ~~إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله، ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل، ~~يقبل في محل الإدبار، ويدبر في محل الإقبال. [انتهى]. # {قالوا إنما البيع مثل الربا} # وقال الحرالي: هو رغبة المالك عما في يده إلى ما في يد غيره، والشراء ~~رغبة المستهلك فيما في يد غيره بمعاوضة بما في يده مما رغب عنه، ولذلك [كل ~~-] شار بائع. ### | {وأحل الله البيع وحرم الربا} # قال الحرالي: فيقع الإيثار قهرا، وذلك الجور الذي يقابله العدل الذي ~~غايته الفضل، فأجور الجور في الأموال الربا، وأجور الجور في الربا الربا، ~~كالذي [يقتل -] بقتيل قتيلين، وكل من طفف في ميزان # PageV01P473 # فتطفيفه ربا بوجه ما، ولذلك تعددت أبواب الربا وتكثرت. قال: - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الربا بضع وسبعون بابا والشرك مثل ذلك" وهذا رأسه، وهو ما ~~كانت تتعامل به أهل الجاهلية من قولهم: إما أن تربي، وإما أن تقضي، ثم لحق ~~به سائر أبوابه، فهو انتفاع للمربي، وتضرر للذي يعطي الربا، وهذا أشد الجور ~~بين العبيد الذين حظهم التساوي في أمر بلغة الدنيا، فكما أعلمهم، سبحانه ~~وتعالى، أثر حكمة الخير [في الإنفاق]، أعلمهم أثر حكمه الشر [في الربا في ~~دار الآخرة، وفي غيب أمر الدنيا]، وكما أنه يعجل للمنفق خلفا في الدنيا، ~~كذلك يعجل للمربي محقا في الدنيا، حسبما صرح به الخطاب بعد هذا الإشعار - ~~انتهى. # ولما كان الوعظ، كما # قال الحرالي: دعوة الأشياء بما فيها ms234 من العبرة للانقياد للإله الحق بما ~~يخوفها ويقبضها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها ... سبب عن ذلك قوله: # PageV01P474 # {فمن جاءه} # قال الحرالي: أطلق الكلمة من علامة التأنيث النازل الرتبة ترفيعا لقدر ~~هذه الموعظة الخفية المدرك، العظيمة الموقع {موعظة}: بناء مبالغة وإعلاء ~~لما أشعرت المفعلة الزائدة الحروف على أصل لفظ الوعظ، بما يشعر به الميم من ~~التمام، والهاء من الانتهاء، فوضع الأحكام حكمة، والإعلام بثمراتها في ~~الآخرة موعظة تشوق النفس إلى رغبتها ورهبتها - انتهى. # {من ربه} # قال الحرالي: في إشعاره [أن -] من أصل التربية الحمية من هذا الربا - ~~انتهى. # {فانتهى} # قال الحرالي: أتى بالفاء المعقبة، فلم يجعل [فيه] فسحة ولا قرارا عليه، ~~لما فيه من خبل العقل الذي [هو أصل -] مزية الإنسانية، وإن لم يشعر به ~~حكماء الدنيا ولا أطبائها - انتهى. # {فله ما سلف} # قال الحرالي: والسلف هو الأمر الماضي بكليته، الباقي بخلفه. # PageV01P475 # وقال: في إعلامه إيذان بتحليل ما استقر في أيديهم من ربا الجاهلية ببركة ~~ئوبتهم من استئناف العمل به في الإسلام، لما كان الإسلام يجب ما قبله، وفي ~~طي إشعاره تعريض برده لمن يأخذ لنفسه بالأفضل، ويقوي إشعاره [قوله -] ~~{وأمره إلى الله} - انتهى. ### | {يمحق الله الربا} # قال الحرالي: والمحق الإذهاب بالكلية بقوة وسطوة. # {اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} # قال الحرالي: فبين أن الربا والإيمان، لا يجتمعان. # {فإن لم تفعلوا} # قال الحرالي: في إشعاره أن طائفة منهم لا يذرونه بعد تحريمه، بما أنهم ~~ليسوا من الذين كانوا مؤمنين - انتهى. # {فأذنوا بحرب} # قال الحرالي: والحرب مدافعة بشدة عن اتساع المدافع بما يطلب منه الخروج ~~عنه، فلا يسمح به، ويدافع عنه بأشد مستطاع، ثم عظم أمرها بإيراد الاسم ~~الأعظم فقال: {من الله ورسوله} # وقال الحرالي: الذي هيأه للرحمة، فكان نبي الرحمة محاربا له، فانقطعت ~~وصلته من الرحيم والشفيع - انتهى. ### | {وإن كان ذو عسرة فنظرة} # قال الحرالي: وهو التأخير المرتقب نجازه. # PageV01P476 # {إلى ميسرة} # قال الحرالي: إنباء عن استيلاء اليسر، هي أوسع النظرتين، والباقون ~~بالفتح، إنباء عن توسطها ليكون ms235 اليسر في مرتبتين، فمن انتظر إلى أوسع ~~اليسرين كان أفضل توبة - انتهى. # {إن كنتم تعلمون} # وقال الحرالي: فأعلم، سبحانه وتعالى، أن من وضع كيانه للعلم، فكان ممن ~~يدوم علمه، تنبه، لأن خير الترك خير من خير الأخذ، فأحسن بترك جميعه - ~~انتهى. # وقال الحرالي: لما أنهى الخطاب بأمر الدين [و -] علنه، وأمر الآخرة على ~~وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا، وبين أمر الإنفاق والربا الذي ~~هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما، وأنهى ذلك إلى الموعظة بوعود جزائه ~~في الدنيا والآخرة، أجمل الموعظة بتقوى يوم الرجعة إلى إحاطة أمره، ليقع ~~الختم بأجمل موعظة وأشملها، ليكون إنتهاء الخطاب على ترهيب الأنفس، # PageV01P477 # لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول صلاح دينها ودنياها ~~ومعادها، من خطاب الله، سبحانه وتعالى، لها، فختم ذلك بكمال معناه بهذه ~~الآية، كما أنها هي الآية التي ختم بها التنزيل، أنزلت على النبي، - صلى ~~الله عليه وسلم -، هو في الشكاية، وهي آخر آية أنزلت على النبي، - صلى الله ~~عليه وسلم -، في مقابلة {اقرأ باسم ربك} الذي هو أول منزل النبوة [و -] {يا ~~أيها المدثر} الذي هو أول منزل الرسالة، فكان أول الأمر نذارة، وآخره موعظة ~~تبعث النفس على الخوف، وتبعث القلب على الشوق [من -] معنى ما انختم به أمر ~~خطاب الله، سبحانه وتعالى، في آية {مالك يوم الدين} - انتهى. # {ثم} # قال الحرالي: وقيل يا رسول الله، أين يكون الناس {يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات} قال في الظلمة دون الجسر. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"يقيمون في الظلمة ألف سنة." وورد عن علي، رضي الله تعالى عنه، في # PageV01P478 # تفصيل مواقف يوم الجزاء، أن الخلق يوقفون على قبورهم ألف سنة، ويساقون ~~إلى المحشر ألف سنة، ويوقفون في الظلمة ألف سنة، ثم يكون انشقاق [السموات] ~~السبع، وتبديل الأرض، وما شاء الله، سبحانه وتعالى، من أمره انتظارا ~~لمجيئه. # ففي عبرة مقاله، والله سبحانه وتعالى أعلم، أن ذلك يكون ستة آلاف سنة، ~~وأنها كما بنيت في ستة أيام تهدم في ستة أيام، ms236 {كما بدأنا أول خلق نعيده} ~~فيكون ذلك تسعة أيام، ويكون مجيئه في اليوم العاشر الذي يوم عاشوراء، ذلك ~~اليوم الذي تكرر مجيئ أمره فيه في يوم الدنيا، ثم وصف، - صلى الله عليه ~~وسلم - المواقف إلى منتهاها - انتهى. ### | {ثم توفى كل نفس ما كسبت} # قال الحرالي: جاء بصيغة فعل المشعر # PageV01P479 # بجري العمل على غير تكلف وتحمل، ففي إشعاره أنها توفى ما كسبت من الخير، ~~وما كونت له من الشر، وأن ما تكلفته من الشر، وفي دخلتها كراهية، ربما غفر ~~لها، حيث لم تكن توفى ما كسبت وما أكتسبت، كما قال في الآية التي بعدها ~~{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} فكان مكتسبها عليها، وربما غفر لها، فإنها ~~وفيت ما كسبته من الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - انتهى. # {وهم لا يظلمون} # قال الحرالي: وهذه الآية ختم للتنزيل، وختم لتمام المعنى في هذه السورة، ~~التي هي سنام القرآن وفسطاطه، وختم لكل موعظة وكل ختم، فهو من خواص ~~المحمدية الجامعة المفصلة من سورة الحمد، المشيرة إلى تفاصيل عظيم أمر ~~الله: في حقه، وفي خلقه، وفيما بينه وبين خلقه - انتهى. ### | {إذا تداينتم} # من التداين تفاعل بين اثنين، من الدين، والدين في الأمر الظاهر معاملة ~~على تأخير، كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله، سبحانه وتعالى، ~~معاملة على تأخير - قاله الحرالي. # PageV01P480 # {بدين} # قال الحرالي: فكان في إعلامه أي بالإتيان بصيغة {إذا} أنهم لابد أن ~~يتداينوا، لأنها حين منتظر في أغلب معناها. # {إلى أجل مسمى} # قال الحرالي: من التسمية وهي إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور، ~~وهو إبداء الشيء بصورته في العين. # {وليملل الذي عليه الحق} من الإملال، وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر ~~على اللسان قولا، وعلى الكتاب رسما. قاله الحرالي. # {فليملل وليه بالعدل} # قال الحرالي: فجعل لسان الولي لسان المولى عليه، فكان فيه مثل لما نزل به ~~الكتاب من إجراء كلام الله، سبحانه وتعالى، على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم ~~من قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} وما تفصل ms237 منها. {الله ولي الذين آمنوا} ~~أمل ما عليهم من الحقوق له، فجعل كلاما من كلامه يتلونه، فكان الإملال منه ~~لهم لتقاصرهم عن واجب حقه، تقاصر السفيه ومن معه، عن إملال وليه عنه لرشده ~~وقوته وتمكن استطاعته - انتهى. # {واستشهدوا شهيدين} # قال الحرالي: فجعل شهادة الدين باثنين، كما جعل # PageV01P481 # الشاهد في الدين اثنين: شاهد التفكر في الآيات المرئية، وشاهد التدبر ~~للآيات المسموعة، [و -] في صيغة [فعيل -] مبالغة في المعنى في تحقيق الوصف ~~بالاستبصار والخبرة - انتهى. # {من رجالكم} # قال الحرالي: ولكثرة المداينة وعمومها وسع فيها الشهادة فقال: {فإن لم ~~يكونا} [أي الشاهدان -] {رجلين} أي على صفة الرجولية، كلاهما. {فرجل ~~وامرأتان} وفي عموم معنى الكون إشعار بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان طلب ~~الرجل بوجه ما، من حيث لم يكن، فإن لم تجدوا، ففيه تهدف للخلاف بوجه ما، من ~~حيث إن شمول الكتاب توسعة في العلم، سواء كان على تساو أو على ترتيب. # ولما كن ناقصات عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان رجل - انتهى. # {ممن ترضون من الشهداء} # قال الحرالي: وفي مفهوم الشهادة استبصار نظر الشاهد، لما في الشهود من ~~إدراك معنى خفي في صورة ظاهر، يهدي إليها النظر النافذ - انتهى. # {فتذكر إحداهما الأخرى} # قال الحرالي: بما هي أعرف بمداخل الضلال عليها، # PageV01P482 # لأن المتقاربين أقرب في التعاون، وفي قراءتي التخفيف والتثقيل إشعار ~~بتصنيف النساء صنفين في رتبة هذه الشهادة: من يلحقها الضلال عن بعض ما شهدت ~~فيه حتى تذكر بالتخفيف ولا يتكرر عليها ذلك، ومن شأنها أن يتكرر عليها ذلك، ~~وفي إبهامه بلفظ إحدى، أي من غير اقتصار على الضمير الذي يعين ما يرجع ~~إليه، إشعار أن ذلك يقع بينهما متناوبا، حتى ربما ضلت هذه عن وجه، وضلت تلك ~~عن وجه آخر، فأذكرت كل واحدة منهما صاحبتها، فلذلك يقوم بهما معا شاهد واحد ~~حافظ - انتهى. # {ولا تسأموا} # قال الحرالي: بناء مبالغة، وهو أشد الملالة، {أن تكتبوه} أي لا تفعلوا ~~فعل السئيم، فتتركوا كتابته. # {صغيرا أو كبيرا} # قال الحرالي: ولم يكن قليلا أو كثيرا، لأن الكثرة ms238 والقلة واقعة بالنسبة ~~للشيء المعدود في ذاته، والصغير والكبير يقع بالنسبة إلى المداين، فربما ~~كان الكثير في العدد صغير القدر عند الرجل الجليل المقدار، وربما كان ~~القليل العدد الكثير بالنسبة للرجل المشاحح فيه، فكان الصغر والكبر أشمل ~~وأرجع إلى حال المداين الذي هو المخاطب بأن يكتب - انتهى. # {ذلكم} # قال الحرالي: ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن إقبالا على النبي، - صلى الله ~~عليه وسلم -، الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - انتهى. # {أقسط} # وقال الحرالي: {أقسط} من الإقساط، وهو وضع القسط، وهو حفظ الموازنة حتى ~~لا تخرج إلى تطفيف. # {وأدنى ألا ترتابوا} # قال الحرالي: ففي إشعاره أنه ربما داخل الرجل والرجلين نحو ما داخل ~~المرأتين، فيكون الكتاب مقيما لشهادتهما، فنفى عن الرجال # PageV01P483 # الريبة بالكتاب، كما نفى عن النساء الضلال بالذكر - انتهى. # {تديرونها بينكم} # قال الحرالي: من أصل الدور، وهو رجوع الشيء عودا على بدئه. # {ولا يضار كاتب ولا شهيد} # قال الحرالي: ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه ~~لمراده، ويعين على الائتمار لأمر ربه، بما يدفع عنه من ضرر عطلته واستعماله ~~في أمر من أمور دنياه، ففي تعريضه إجازة لما ياخذه الكاتب، ومن يدعى لإقامة ~~معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي عنه - انتهى. # {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} # قال الحرالي: وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى. # {ويعلمكم الله} # قال الحرالي: وفي قوله: {يعلم} بصيغة الدوام، إيذان بما يستمر به التعليم ~~من دون هذا المنال. [انتهى]. ### | {فرهان مقبوضة} # وقرئ فرهن، وكلاهما جمع رهن، بالفتح والإسكان، وهو التوثقة بالشيء مما ~~يعاد له بوجه ما. # {فليؤد الذي اؤتمن} من الائتمان، وهو طلب الأمانة، وهو إيداع الشيء # PageV01P484 # لحفيظته، حتى يعاد إلى المؤمن. قاله الحرالي. # {والله بما تعملون عليم} # قال الحرالي: فأنهى أمر ما بين الحق والخلق ممثولا وأمر ما بين الخلق ~~والخلق مثلا - انتهى. # وقال الحرالي: ولما كان أول السورة إظهار كتاب التقدير في التذكير الأول، ~~كان ختمها إبداء أثر ذلك الكتاب [الأول -] في الأعمال والجزاء، التي هي ~~الغاية في ms239 ابتداء أمر التقدير، فوقع الختم بأنه سلب الخلق [ما -] في ~~أيديهم، مما أبدوه وما أخفوا من أهل السموات والأرض - انتهى. ### | {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} # قال الحرالي: من الإخفاء، وهو تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علم يهتدي ~~إليه من جهته. {يحاسبكم} من المحاسبة، مفاعلة من الحساب والحسب، وهو ~~استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة. # {به الله} # قال الحرالي: وفي ضمن هذا الخطاب، لأولي الفهم، إنباء بأن الله، سبحانه ~~وتعالى، إذا عاجل العبد بالحساب بحكم ما يفهمه ترتيب الحساب على وقوع ~~العمل، حيث لم يكن فيحاسبكم مثلا، فقد أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله ~~عاجلا في الدنيا، خف جزاؤه عليه، حيث يكفر عنه بالشوكة # PageV01P485 # يشاكها، حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في ~~دنياه، حتى يموت على طهارة من ذنوبه [وفراغ من حسابه -]، كالذي يتعاهد بدنه ~~وثوبه بالتنظيف، فلا يتسخ ولا يدرن، ولا يزال نظيفا - انتهى فيه تصرف. # {والله على كل شيء قدير} # قال الحرالي: فسلب بهذه الآية القدرة عن جميع الخلق - انتهى. ### | {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} # قال الحرالي: فقبل الرسول هذا الحساب الأول العاجل الميسر ليستوفي أمره ~~منه وحظه في دنياه، قال، - صلى الله عليه وسلم -، لما قالت [له -] فاطمة، ~~رضي الله تعالى عنها عند موته: واكرباه! "لا كرب على أبيك بعد اليوم" وقال ~~- صلى الله عليه وسلم -، فيما رواه أبو نعيم في الحلية، عن أنس، رضي الله ~~تعالى عنه: "ما أوذي أحد في الله ما أوذيت" فنال حظه من حكمة ربه في دنياه، ~~حتى كان يوعك كما يوعك عشرة رجال، وما شبع من # PageV01P486 # خبز ثلاثا تباعا عاجلا حتى لقي الله، وكذلك المؤمن لا راحة له دون لقاء ~~ربه، ولا سجن عليه بعد خروجه من دنياه. الحمى حظ كل مؤمن من النار - انتهى. # {كل} # قال الحرالي: فجمعهم في كلية، كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا، لأن ~~القبول واحد، والرد يقع مختلفا - انتهى. # {آمن بالله وملائكته ms240 وكتبه ورسله} # قال الحرالي: انقياد لامتثال من البشر. # {وقالوا سمعنا وأطعنا} # قال الحرالي: فشاركوا أهل الكتاب في طليعة الإباء، وخالفوهم في معالجة ~~التوبة والإقرار بالسمع والطاعة، فكان لهؤلاء ما للتائب، وعلى أولئك ما على ~~المصر - انتهى. # {غفرانك} # قال الحرالي: فهذا القول من الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، كشف عيان، ~~ومن المؤمنين نشء إيمان، ومن القائلين للسمع والطاعة قول إذعان، فهو شامل ~~للجميع، كل على رتبته - انتهى. # {ربنا} # قال الحرالي: وهو خطاب قرب، من حيث لم يظهر [فيه] أداة نداء، ولم يجر ~~الله، سبحانه وتعالى، على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز # PageV01P487 # نداء بعد قط، والغفران فعلان صيغة مبالغة تعطى الملء، ليكون غفرا للظاهر ~~والباطن، وهو مصدر محيط المعنى نازل منزلة الاستغفار، الجامع لما أحاط به ~~الظاهر والباطن، مما أودعته الأنفس التي هي مظهر حكمة الله، سبحانه وتعالى، ~~التي وقع فيها مجموع الغفران والعذاب. {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ففي ~~ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين، ومن تبعهم بالقول لحال المغفرة، لأن ~~هذه الحواتيم مقبولة من العبد بمنزلة الفاتحة، لاجتماعهما في كونهما من ~~الكنز الذي تحت العرش، وعلى ما ورد من قوله: "حمدني عبدي" إلى أن قال: ~~"لعبدي ما سأل" وعلى ما ورد في دعاء هذا الختم في قوله: "قد فعلت قد فعلت" ~~وبما ابتدأ تعالى به آية هذا الحساب، وختمها به من سلب الأمر أولا، وسلب ~~القدرة عما سواه آخرا، وكان في الابتداء والختم إقامة عذر القائلين، فوجب ~~لهم تحقق الغفران، كما كان لأبيهم آدم، حيث تلقى الكلمات من ربه. انتهى. ### | {لها ما كسبت} # قال الحرالي: وصيغة فعل مجردة تعرب عن أدنى الكسب، فلذلك من هم بحسنة فلم ~~يعملها كتبت له حسنة - انتهى. # {إن نسينا أو أخطأنا} # قال الحرالي: والخطأ هو الزلل عن الحد عن غير تعمد، بل مع عزم الإصابة، ~~أو ود أن لا يخطئ، وفي إجرائه من كلام الله، سبحانه # PageV01P488 # وتعالى، على لسان عباده قبوله - انتهى. # {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} # قال الحرالي: هو العهد الثقيل [أي -] الذي في ms241 تحمله أشد المشقة - انتهى. # {واعف عنا واغفر لنا} # وقال الحرالي: ولما كان قد يلحق من يعفي عن ويغفر له قصور في الرتبة عن ~~منال الحظ من الرحمة، ألحق، تعالى، المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء ~~بقوله: {وارحمنا} أي حتى يستوي المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال ~~الرحمة. # ولما ضاعف لهم، تعالى، عفوه ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة ~~العاصمة: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} فلما صاروا خلفاء تحقق ~~منهم الجهاد لأعداء الله، والقيام بأمر الله، ومنابذة من تولى غير الله، ~~فتحقق أنه لابد أن يشاققهم أعداء وينابذوهم، فعلمهم الذي رحمهم، سبحانه، ~~إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلا: {أنت مولانا} والمولى هو الولي اللازم ~~الولاية الدائم بها، الدائم عليها، لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس هو ~~بمستطيع له - انتهى بالمعنى. # {فانصرنا على القوم الكافرين} ولما كان الختم بذلك مشيرا إلى أنه، تعالى، ~~لما ضاعف لهم عفوه عن الذنب، فلا يعاقب عليه، ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم ~~يكن، فلا يذكره أصلا، ولا يعاقب عليه، ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه ~~المغفور له إلى المنازل العالية - أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره ~~والجهاد لأعدائه، وإن جل أمرهم، وأعيى حصرهم، كان منبها على أن بداية هذه ~~السورة هداية، وخاتمتها خلافة، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور ~~الخلافة، فكانت سناما للقرآن، # PageV01P489 # وكان جماع ما في القرآن منضما إلى معانيها، إما لما صرحت به، أو لما ~~ألاحته وأفهمه إفصاح من إفصاحها، كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى سورة ~~الفاتحة، فتكون أما للجميع. أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي. # ومن الجوامع العظيمة في أمرها، وشمول معناها المبين لعلو قدرها، ما # قال الحرالي: إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين، صلوات ~~الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، منزلا حروفا مقطعة المعاني، مخاطبا بها ~~النبي والأئمة، وتفصيل [آيات -] مخاطبا بها عامة الأمة، انتظمت هذه السورة ~~صنفي الخطابين: فافتتحت ب {الم} حروفا منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها ms242 ~~من إحاطة القائم من معنى الألف، وإحاطة المقام من معنى الميم، وإحاطة ~~الوصلة من معنى اللام، ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب: إحاطة إلهية قيومية، ~~وإحاطة كتابية، وإحاطة تفصيلية، كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف [التي -] ~~افتتحت بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه ~~[أمر -] القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة، من حيث هي أقرب ~~للطرفين، وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى، فكان ما كان في القرآن ~~من ### | {الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم} # PageV01P490 # ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة [الكتاب -] التي أنزلت فيها سورة البقرة، ~~فكانت مشتملة على إحاطات الكتب الأربعة: كتاب التقدير الذي كتبه الله، ~~سبحانه وتعالي، قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد [و] عدد. ورد أن ~~الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء، وأن الله، سبحانه وتعالى، ~~قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام، وأنه قدر الأرزاق قبل أن ~~يخلق الصور بألفي عام. # وكثير من ذلك مما ورد في الأخبار، وفي مقابلة هذا الكتاب، السابق ~~بالتقدير، الكتاب اللاحق بالجزاء الذي كتبه الله، سبحانه وتعالى، ويكتبه ~~أثر تمام الإبداء، باستبقاء الأعمال البادية على أيدي الخلق، الذين ينالهم ~~النعيم والجحيم والأمن والروع والكشف والحجاب. # وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان الأول، ويبين بتطرقهما كتاب # PageV01P491 # الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية والفتنة. ثم ~~كتاب الأعمال الذي كتبه الله، سبحانه وتعالى، في ذوات المكلفين من أفعال ~~وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان، أو طبع عليها أو ختم عليها ~~بفجور أو طغيان، فتطابقت الأوائل والأواخر، واختلف كتاب الأحكام وكتاب ~~الأعمال بما أبداه الله، سبحانه وتعالى، من وراء حجاب من معنى الهدى ~~والفتنة والإقدام والإحجام. # فتضمنت سورة البقرة إحاطات جميع هذه الكتب، واستوفت كتاب الأقدار، بما في ~~صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين، وكتاب الأفعال، كما ~~ذكر، سبحانه وتعالى، أمر الختم على الكافرين، والمرض في قلوب المنافقين، ~~وما يفصل في جميع السورة من أحكام الدين، وما يذكر معها مما يناسبها ms243 من ~~الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان، الذي انتهى إليه معنى السورة ~~فيما بين الحق والخلق من أمر الدين، وفيما بين الخلق والخلق من المعاملات ~~والمقاومات، وفيما بين المرء ونفسه من الإيمان والعهود، إلى حد ختمها بما ~~يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين ختم بذكرهم هذه السورة الذين ~~قالوا: {غفرانك ربنا} إلى انتهائها. # ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم ~~آياتها، # PageV01P492 # وكانت الإحاطة الإلهية القيومية إلاحتها ونور آياتها، فكان ذلك في آية ~~الكرسي تصريحا، وفي سائر آيها إلاحة بحسب قرب الإحاطة الكتابية من الإحاطة ~~الإلهية، وفي بدء سابق أو ختم لاحق أو حكمة جامعة، فلذلك انتظم بالسورة ~~التي ذكرت فيها البقرة السورة التي يذكر فيها آل عمران، لما نزل في سورة آل ~~عمران من الإحاطة الإلهية، حتى كان في مفتتحها اسم الله الأعظم، فكان ما في ~~البقرة إفصاحا في سورة آل عمران إلاحة. وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل ~~عمران إفصاحا، إلا ما اطلع في كل واحدة منهما ما تصريح الأخرى، فلذلك هما ~~سورتان مرتبطتان وغايتان وغمامتان، تظلان صاحبهما يوم القيامة، وبما هما من ~~الذكر الأول، وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية، وبين ~~الإحاطة الإلهية، فلذلك كانت سورة البقرة سناما له، والسنام أعلى ما في ~~الحيوان المنكب وأجمله جملة، وهو البعير، وكانت سورة آل عمران تاج القرآن، ~~والتاج هو أعلى ما في المخلوقات من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره، ~~وفي جميع المكون إحاطته، فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام ~~الآي، يتصل الإفصاح في الآية بإلاحة سابقتها، كما تقدم التنبيه عليه في ~~مواضيع - انتهى. # * * * # PageV01P493 ### | (سورة آل عمران) # وقال الحرالي: مشيرا إلى القول الصحيح في ترتيب السور من أنه باجتهاد ~~الصحابة، رضوان الله تعالى عنهم، إقرارا لله، سبحانه وتعالى، لهذا الانتظام ~~والترتيب السوري في مقرر هذا الكتاب، هو ما رضيه الله، سبحانه وتعالى، ~~فأقره. # فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله، سبحانه وتعالى، فيما يرجع ~~إليه، وفيما ms244 يرجع إلى عبده، وفيما بينه وبين عبده، فكانت أم القرآن وأم ~~الكتاب، جعل مثنى تفصيل ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن موقعه في ~~الفاتحة مضمنا سورة البقرة، إلى ما أعلن به لألأ نور آية الكرسي فيها، وكان ~~منزل هذه السورة من مثنى تفصيل ما يرجع علن الله، سبحانه وتعالى، في ~~الفاتحة، فكان منزلة # PageV01P494 # سورة آل عمران منزلة تاج الراكب، وكان منزلة سورة البقرة منزلة سنام ~~المطية، قال - صلى الله عليه وسلم - "لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة ~~البقرة لكل شيء تاج، وتاج القرآن سورة آل عمران". # [وإنما بدئ هذا الترتيب لسورة الكتاب، لأن علم الكتاب أقرب إلى المخاطبين ~~من تلقي علن أمر الله، فكان في تعلم سورة البقرة والعمل بها تهيؤ لتلقي ما ~~تضمنته سورة آل عمران -]، ليقع التدرج والتدرب بتلقي الكتاب حفظا، وبتلقيه ~~على اللقن، منزل بما أبداه علنه في هذه السورة. # وبذلك يتضح أن إحاطة {الم} المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية، بما ~~هو قيامه وتمامه، ووصلة ما بين قيامه وتمامه، وأن إحاطة {الم} المنزلة في ~~أول هذه السورة إحاطة إلاهية حيايية قيومية، مما بين غيبة عظمة اسمه "الله" ~~إلى تمام قيوميته البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه ### | {الحي القيوم} # وما أوصله لطفه من مضمون توحيده المنبئ عنه كلمة الإخلاص في قوله: {لا ~~إله إلا هو} فلذلك كان هذا المجموع في منزله قرآنا حرفيا، وقرآنا كلميا ~~اسمائيا، # PageV01P495 # وقرآنا كلاميا تفصيليا، مما هو اسمه الأعظم، كما تقدم من قوله، - صلى ~~الله عليه وسلم - اسم [الله -] الأعظم في هاتين الآيتين: {وإلهكم إله واحد ~~لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} {الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. # وكما وقعت إلاحة في سورة البقرة لما وقع به الإفصاح في سورة آل عمران، ~~كذلك وقع في آل عمران من نحو ما وقع تفصيله في سورة البقرة، ليصير منزلا ~~واحدا بما أفصح مضمون كل سورة بإلاحة الأخرى، فلذلك هنا غمامتان وغيايتان ~~على قارئهما يوم القيامة - كما تقدم - لا تفترقان. فأعظم ms245 "الم" هو مضمون ~~"الم" الذي افتتحت به هذه السورة، ويليه في الرتبة ما افتتحت به [سورة ~~البقرة، ويليه في الرتبة ما افتتحت به -] سور الآيات، نحو قوله، سبحانه ~~وتعالى: {الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم} فللكتاب الحكيم إحاطة قواما ~~وتماما ووصلة، ولمطلق الكتاب إحاطة كذلك، وإحاطة الإحاطات، وأعظم العظمة ~~إحاطة افتتاح هذه السورة، كذلك أيضا اللواميم محيطة بإحاطة # PageV01P496 # الطواسيم، لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف اللواميم، ~~وإحاطة الحواميم من دون إحاطة الطواسيم، لما يتخصص به معاني حروفها من دون ~~إحاطات حروف الطواسيم، على ما يتضح تراتبه وعلمه لمن آتاه الله فهما بمنزلة ~~قرآن الحروف المخصوص بإنزاله هذه الأمة دون سائر الأمم الذي [هو] من العلم ~~الأزلي العلوي. # ثم قال: ولما كانت أعظم الإحاطات إحاطة عظمة اسمه: {الله} الذي هو مسمى ~~التسعة والتسعين أسماء، التي أولها "إله" كان ما أفهمه أولي الفهم هنا اسم ~~ألف بناء في معنى إحاطات الحروف عن نحو إحاطة اسمه {الله} في الأسماء، ~~فكانت هذه الألف مسمى كل ألف، كما كان # PageV01P497 # اسمه {الله} سبحانه وتعالى، مسمى كل اسم سواه، حتى إنه مسمى سائر الأسماء ~~الأعجمية التي هي أسماؤه، سبحانه وتعالى، في جميع الألسن كلها، مع أسماء ~~العربية، أسماء لمسمى هو هذا الاسم العظيم الذي هو {الله} الأحد الذي لم ~~يتطرق إليه شرك، كما تطرق إلى أسمائه، من اسمه {إله} إلى غاية اسمه ~~{الصبور}. # وكما كان إحاطة هذه الألف أعظم إحاطة حرفية، وسائر الألفات أسماء لعظيم ~~إحاطته، كذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم تفصلت فيه، وكانت له أسماء بمنزلة ~~ما هي سائر الالفات أسماء لمسمى هذه الألف، كذلك سائر الميمات اسم لمسمى ~~هذا الميم، كما أن اسمه {الحي القيوم} أعظم تمام كل عظيم من أسماء عظمته، ~~وكذلك هذه اللام، بمنزلة ألفه وميمه، وهي لام الإلهية، الذي أسراره لطيف ~~التنزل إلى تمام ميم قيوميته، فمن لم ينته إلى فهم معاني الحروف في هذه # PageV01P498 # الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح إحاطتها في الكلم والكلام المنتظم ~~في ms246 قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} فهو قرآن حرفي، يفصله قرآن ~~كلمي، يفصله قرآن كلامي - انتهى. # {لا إله إلا هو} # قال الحرالي: فما أعلن به هذا الاسم العظيم [أي -] الله في هذه الفاتحة، ~~هو ما استعلن به في قوله تعالى: {قل هو الله أحد} ولما كان إحاطة العظمة ~~أمرا خاصا، لأن العظمة إزاء الله الذي لا يطلع عليه إلا صاحب سر، كان ~~البادي لمن دون أهل الفهم، من رتبة أهل العلم، اسمه {الله الصمد} الذي يعني ~~الله بالحاجات والرغبات المختص بالفوقية والعلو الذي يقال للمؤمن عنه: أين ~~الله؟ فيقول في السماء إلى حد علو أن يقول: فوق العرش، فذلك الصمد الذي ~~أنبأ عنه اسمه {إله} الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في ~~الأرض الأصنام، فلذلك نظم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى هو من اسمه العظيم ~~{الله}، ورجع عليه باسم المضمر الذي هو في جبلات الأنفس، وغرائز القلوب ~~الذي تجده غيبا في بواطنها، فتقول فيه: {هو} فكان هذا الخطاب # PageV01P499 # مبدوء بالاسم العظيم المظهر منتهيا إلى الاسم المضمر، كما كان خطاب {قل ~~هو الله أحد} [مبدوء بالاسم المضمر منتهيا إلى الاسم العظيم المظهر، وكذلك ~~أيضا اسم {الله الأعظم} في سورة: {قل هو الله أحد} كما هو في [هذه -] ~~الفاتحة. # ولما كان لبادي الخلق افتقار إلى [قوام -] لا يثبت طرفة عين دون قوامه، ~~كان القوام البادي آيته هي الحياة، فما حي ثبت، وما مات فنى وهلك - انتهى. # {الحي القيوم} # قال الحرالي: فكما أن الحياة بنفخة من روح أمره، فكل متماسك على صورته، ~~حي بقيوميته - انتهى. # وقال الحرالي: [و -] لما كانت إحاطة الكتاب، أي في البقرة، ابتداء، ~~وأعقبها، أي في أول هذه السورة، إحاطة الإلهية، جاء [هذا -] الخطاب ردا ~~عليه، فتنزل من الإحاطة الإلهية إلى الإحاطة الكتابية بالتنزيل، الذي [هو ~~-] تدرج من رتبة إلى رتبة دونها - انتهى. # PageV01P500 ### | {نزل عليك الكتاب} # قال الحرالي: وهذا الكتاب هو الكتاب المحيط الجامع الأول، الذي لا يتنزل ~~إلا على الخاتم الآخر المعقب، لما أقام به ms247 حكمته من أن صور الأواخر مقامة ~~بحقائق الأوائل، فأول الأنوار الذي هو نور محمد - صلى الله عليه وسلم - هو ~~قثم خاتم الصور التي هي صورة محمد - انتهى. # {بالحق} # قال الحرالي: وكما أن هذا الكتاب هو الكتاب الجامع الأول المحيط بكل ~~كتاب، كذلك هذا الحق المنزل به هذا الكتاب هو الحق الجامع المحيط الذي كل ~~حق منه، وهو الحق الذي أقام به حكمته فيما رفع ووضع - انتهى. # {مصدقا لما بين يديه} # قال الحرالي: لما كان هذا الكتاب أولا وجامعا ومحيطا كان كل كتاب بين ~~يديه، ولم يكن من ورائه كتاب - انتهى. # {وأنزل التوراة} # قال الحرالي: فهي توراة بما هي نور أعقبت ظلام ما وردت عليه من [كفر -] ~~دعى إليها من الفراعنة، فكان فيها هدى ونور. {والإنجيل} من النجل، ووضع على ~~زيادة إفعيل لمزيد معنى ما وضعت له هذه الصيغة وزياداتها مبالغة في المعنى، ~~وأصل النجل استخراج خلاصة الشيء، ومنه يقال للولد: نجل أبيه، كأن الإنجيل ~~استخلص خلاصة نور التوراة، فأظهر باطن ما شرع في التوراة ظاهرة، فإن ~~التوراة كتاب إحاطة لأمر الظاهر الذي يحيط بالأعمال وإصلاح # PageV01P501 # أمر الدنيا وحصول الفوز من عاقبة [يوم الأخرى، فهو جامع إحاطة الظواهر، ~~وكل آية ظاهرة فمن كتاب التوراة، والإنجيل كتاب إحاطة -] لأمر البواطن، ~~يحيط بالأمور النفسانية، التي بها يقع لمح موجود الآخرة، مع الإعراض عن ~~إصلاة الدنيا، بل مع هدمها، فكان الإنجيل مقيما لأمر الآخرة، هادما لأمر ~~الدنيا، مع حصول أدنى [بلغة -]، وكانت التوراة مقيمة لإصلاح الدنيا، مع ~~تحصيل الفوز في الآخرة. # فجمع هذان الكتابان إحاطتي الظاهر والباطن، فكان منزل التوراة من مقتضى ~~اسمه الظاهر، وكان منزل الإنجيل من مقتضى اسمه الباطن، كما كان منزل الكتاب ~~الجامع من مقتضى ما في أول هذه السورة من أسمائه العظيمة، مع لحظ التوحيد، ~~ليعتبر الكتاب والسورة بما نبه بتنزيله من اسمه {الله} وسائر أسمائه على ~~وجوه إحاطة - انتهى. # {وأنزل الفرقان} # قال الحرالي: فكان الفرقان جامعا لمنزل ظاهر التوراة، ومنزل باطن ~~الإنجيل، جمعا يبدي ما وراء منزلهما، بحكم استناده ms248 للتقوى التي هي تهيؤ ~~لتزل الكتاب. {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} فكان الفرقان أقرب الكتب ~~للكتاب الجامع، فصار التنزيل في ثلاث رتب: # PageV01P502 # رتبة الكتاب المنزل بالحق الجامع. # ثم رتبة الفرقان المظهر لمحل الجمع بين الظاهر والباطن. # ثم منزل التوراة والانجيل؛ [المختفي فيه مرضع التقاء ظاهر التوراة بباطن ~~الإنجيل]- انتهى. # {إن الذين كفروا بآيات الله} وهذا الكفر - كما # قال الحرالي - دون الكفر بأسماء الله الذي هو دون الكفر بالله. قال: ~~[فكما] بدأ خطاب التنزيل من أعلاه، نظم به ابتداء الكفر من أدناه - انتهى. # {لهم عذاب شديد} # قال الحرالي: ففي إشعاره أن لمن داخله كفر ما حظ بحسب خفاء ذلك الكفر، ~~فأفصح الخطاب بالأشد وألاح بالأضعف - انتهى. # {والله عزيز ذو انتقام} # قال الحرالي: فأظهر وصف العزة موصولا بما أدام من انتقامه، بما يعرب عنه ~~كلمة {ذو} المفصحة بمعنى صحبة ودوام. فكأن في إشعاره دواما لهذا الانتقام ~~بدوام أمر الكتاب الجامع، المقابل علوه لدنو هذا الكفر، وكان في طي إشعار ~~الانتقام أحد قسمي إقامة القيومية في طرفي النقمة والرحمة. # PageV01P503 # فتقابل هذان الخطابان إفصاحا وإفهاما، من حيث ذكر تفصيل الكتب إفصاحا، ~~فأفهم متنزل الفتنة في الابتداء إلاحة، فإنه كما أنزل الكتب هدى، أنزل ~~متشابهها فتنة، فتعادل الإفصاحان والإلاحتان، وتم بذلك أمر الدين في هذه ~~السورة - انتهى. ### | {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} # وقال الحرالي: ولما كان تفصيل يتقدمه بالرتبة عجل جامع، وكانت تراجم ~~السورة موضع الإجمال، ليكون تفصيلها موضع التفاصيل، وكان من المذكور في ~~سورة الكتاب ما وقع من اللبس، كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع ~~إلاهية ما وقع من اللبس في أمر الإلهية في أمر عيسى، عليه الصلاة والسلام، ~~فكان في هذه الآية [الجامعة توطئه لبيان الأمر في شأنه، عليه السلام، من ~~حيث أنه مما صور في الرحم -]، وحملته الأنثى ووضعته، وأن جميع ما حوته ~~السماء والأرض لا ينبغي أن يقع فيه لبس في أمر الإلهية - انتهى. # PageV01P504 # {هو الذي يصوركم} من التصوير، وهو إقامة الصورة، وهي ms249 تمام البادي التي ~~يقع عليها حس الناظر لظهورها، فصورة كل شيء تمام بدوه قاله الحرالي. # {في الأرحام كيف يشاء} # وقال الحرالي: فكان في إلاحة هذه الآية توزيع أمر الإظهار على ثلاثة ~~وجوه، تناظر وجوه التقدير الثلاثة التي في [فاتحة -] سورة البقرة، فينتج ~~هدى وإضلالا وإلباسا أكمل الله به وحيه، كما أقام بتقدير الإيمان والكفر ~~والنفاق خلقه، فطابق الأمر الخلق، فأقام الله، سبحانه، وتعالى، بذلك قائم ~~خلقه وأمره، فكان في انتظام هذه الإفهامات أن بادي الأحوال الظاهرة عند ~~انتهاء الخلق، إنما ظهرت لأنها مودعة في أصل التصوير؛ فصورة نورانية يهتدي ~~بها، وصورة ظلمانية يكفر لأجلها، وصورة ملتبسة عيشية، علميه يفتتن ويقع ~~الإلباس والالتباس من جهتها، مما لا يفي بيانها إلا الفرقان المنزل على هذه ~~الأمة، ولا تتم إحاطة جميعها إلا في القرآن # PageV01P505 # المخصوصة به أيمة هذه الأمة - انتهى. # وقال الحرالي: ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ما تضمنته من الإلباس ~~والتكفير، أظهر، سبحانه وتعالى، كلمة الإخلاص، ليظهر نورها أرجاس تلك ~~الإلباسات وتلك التكفيرات فقال: {لا إله إلا هو} إيذانا بما هي له [الإلباس ~~-] والتكفير من وقوع الإشراك بالإلهية، والكفر فيها والتلبس والالتباس في ~~أمرها، فكان في هذا التهليل بشرى بنصرة أهل الفرقان، وأهل القرآن على أهل ~~الالتباس والكفران، وخصوصا على أهل الإنجيل والتوراة الذين ذكرت كتبهم ~~صريحا في هذا التنزيل، [بل -] يؤيد إلاحته في التهليل إظهار الختم في هذه ~~الآية بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته، والحكمة المقتضية ~~لإكرام أهل ولايته - انتهى. # {العزيز الحكيم} والحكمة العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر ~~العاجلة، وحسن العقبى في الآجلة، ففي ظاهر ذلك الجهد، وفي باطنه الرفق، وفي ~~عاجله الكره، وفي آجله الرضا والروح، ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب ~~سعة العلم، فبذلك يكون أمر العزة على وزن الحكمة - قاله الحرالي # PageV01P506 # بالمعنى. ### | {هو الذي أنزل عليك الكتاب} # قال الحرالي: ولما كانت هذه السورة فيما اختصت به من علن أمر الله، ~~سبحانه وتعالى، مناظرة بسورة البقرة، فيما أنزلت من إظهار كتاب الله، ms250 ~~سبحانه وتعالى، كان المنتظم بمنزل فاتحتها ما يناظر المنتظم بفاتحة سورة ~~البقرة، فلما كانت سورة البقرة منزل كتاب [هو -] الوحي، انتظم بترجمتها ~~الإعلام بأمر كتاب الخلق الذي هو القدر، فكما بين في أول سورة البقرة كتاب ~~تقدير الذي قدره وكتبه في ذوات من مؤمن [وكافر -] ومردد بينهما، هو ~~المنافق، فتنزلت سورة الكتاب للوحي إلى بيان قدر الكتاب الخلقي، لذلك كان ~~متنزل هذا الافتتاح الإلهي إلى أصل منزل الكتاب الوحي. # ولما بين في أمر الخلق أن منهم من فطره على الإيمان، ومنهم من جبله على ~~الكفر ومنهم من أناسه بين الخلقين، بين في الكتاب أن منه ما أنزله على # PageV01P507 # الأحكام، ومنه ما أنزله على الاشتباه، وفي إفهامه ما أنزله على الافتتان ~~والإضلال بمنزلة ختم الكفار - انتهى. # {منه آيات محكمات} # قال الحرالي: وهي التي أبرم حكمها فلم ينبتر، كما يبرم الحبل الذي يتخذ ~~حكمة أي زماما يزم به الشيء الذي يخاف خروجه عن الانضباط، كأن الآية ~~المحكمة تحكم النفس عن جولانها، وتمنعها عن جماحها، وتضبطها إلى محال ~~مصالحها. # ثم قال: فهي آي التعبد من الخلق للخلق، اللائي لم يتغير حكمهن في كتاب من ~~هذه الكتب الثلاث المذكورة، فهن لذلك أم - انتهى. # {هن أم الكتاب} # وقال الحرالي: هي الأصل المقتبس منه الشيء في الروحانيات، والنابت منه أو ~~فيه في الجسمانيات. # {وأخر متشابهات} # قال الحرالي: والتشابه تراد التشبه في ظاهر أمرين، # PageV01P508 # لشبه كل منهما [بالآخر، بحيث يخفى خصوص كل واحد منهما -]. # ثم قال: وهن الآي التي أخبر الحق، سبحانه وتعالى، فيهن عن نفسه وتنزلات ~~تجلياته ووجوه إعانته لخلقه، وتوفيقه وإجرائه ما أجرى من اقتداره وقدرته في ~~بادي ما أجراه عليهم، فهن لذلك متشابهات، من حيث إن نبأ الحق عن نفسه، لا ~~تناله عقول الخلق، ولا تدركه أبصارهم، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل من أنفسهم، ~~فكأن المحكم للعمل، والمتشابه لظهور العجز، فكان لذلك حرف المحكم أثبت ~~الحروف عملا، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيمانا، واجتمعت على إقامته الكتب ~~الثلاث، واختلفت في الأربع اختلافا كثيرا، فاختلف حلالها ms251 وحرامها، وأمرها ~~ونهيها، واتفق على محكمها ومتشابهها - انتهى. # {فأما الذين في قلوبهم زيغ} # وقال الحرالي: هو ميل المائل إلى مايزين لنفسه الميل إليه، والمراد هنا ~~أشد الميل الذي هو ميل القلب عن # PageV01P509 # جادة الاستواء، [و -] في إشعاره ما يلحق بزيغ القلوب من سيء الأحوال في ~~الأنفس، وزلل الأفعال في الأعمال، فأنبأ، تعالى، عما هو الأشد، وأبهم ماهو ~~الأضعف، {فيتبعون} في إشعار هذه الصيغة بما تنبئ عنه من تكلف المتابعة، بأن ~~من وقع له الميل فلفته لم تلحقه مذمة هذا الخطاب، فإذا وقع الزلل، ولم ~~يتتابع حتى يكون اتباعا، سلم من حد الفتنة بمعالجة التوبة. {ما تشابه منه} ~~فأفهمه إبهاما يشعر بما جرت به الكليات، فيما يقع نبأ عن الحق وعن الخلق، ~~[من نحو أوصاف النفس، كالعليم والحكيم وسائر أزواج الأوصاف، كالغضب والرضى، ~~بناء على الخلق -] في بادي الصورة؛ من نحو العين واليد والرجل والوجه، ~~وسائر بوادي الصورة، كل ذلك مما أنه متشابهات أنزلها الله، تعالى، ليتعرف ~~للخلق بما # PageV01P510 # جبلهم عليه، مما لو لم يتعرف لهم به لم يعرفوه. # ففائدة إنزالها التعرف بما يقع به الامتحان بإحجام الفكر عنه، والإقدام ~~على التعبد له. ففائدة إنزاله عملا في المحكم، وفائدة إنزاله فيه توقفا ~~عنه، ليقع الابتلاء بالوجهين: عملا بالمحكم، ووقفا عن المتشابه، قال، عليه ~~الصلاة والسلام: "لا تتفكروا في الله" وقال علي، رضي الله تعالى عنه: "من ~~تفكر في ذات الله تزندق". # ووافق العلماء إنكار الخلق عن التصرف في تكييف شيء منه، كما ذكر عن مالك، ~~رحمه الله تعالى، في قوله: "الكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة" فالخوض في ~~المتشابه بدعة، والوقوف عنه سنة، وأفهم عنه الإمام أحمد، يعني فيما تقدم في ~~آيات الصفات من أن تأويلها تلاوتها. # هذا هو حد الإيمان وموقفه، وإليه أذعن الراسخون في العلم، وهم الذين ~~تحققوا في أعلام المعلم، ولم يصغوا إلى وهم التخييل والتمثل به في شيء مما ~~أنبأ الله، سبحانه وتعالى، به عن نفسه، ولا في شيء مما بينه وبين خلقه. # PageV01P511 # و [كان في -] توقفهم عن ms252 الخوض في المتشابه تفرغهم للعمل في المحكم، لأن ~~المحكم واضح وجداني، متفقة عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ومنزلات الكتب، ~~لم يقع فيه اختلاف بوجه، حتى كان لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة ~~من كبر، للزوم الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس، فكما لا يصلح ~~العراء عن الاتصاف بالمحكم، لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في المتشابه ~~لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات، لأن الله، سبحانه وتعالى، جبل ~~الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم ومن أحوالهم، وأوقفهم عن إدراك ما هو ~~راجع إليه، فأمر الله وتجلياته لا تنال إلا بعناية منه، يزج العبد زجه يقطع ~~به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها مواقف العلماء، فليس في هذا الحرف ~~المتشابه إلا أخذ لسانين: # PageV01P512 # لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في العلم، المشتغلين بالاتصاف بالتذلل ~~والتواضع والتقوى، والبر الذي أمر، - صلى الله عليه وسلم -، أن يتبع فيه ~~حتى ينتهي العبد إلى أن يحبه الله، فيرفع عنه عجز الوقفة عن المتشابه، ~~وينقذه من حجاب النورانية، فلا يشكل عليه دقيق، ولا يعييه خفي بما أحبه ~~الله. # وما بين ذلك من خوض دون إنفاذ هذه العناية، فنقص عن حد رتبة الإيمان ~~والرسوخ في العلم، فكل فائض فيه ناقص، من حيث يحب أن يزيد، فهو إما عجز ~~إيماني من حيث الفطر الخلقي، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة - ~~انتهى. # {ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} # قال الحرالي: والابتغاء افتعال تكلف # PageV01P513 # البغي، وهو شدة الطلب، وجعله، تعالى، ابتغاءين، لاختلاف وجهيه، فجعل ~~الأول فتنة لتعلقه بالغير، وجعل الثاني تأويلا، أي طلبا للمال عنده، ~~لاقصاره على نفسه، فكان أهون الزيغين - انتهى. # {وما يعلم تأويله} # قال الحرالي: هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده {إلا الله}. # قال: ولكل باد من الخلق مال، كما أن الآخرة مآل الدنيا: {يوم يأتي تأويله ~~يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} ولذلك كل يوم من أيام ~~الآخرة مال للذي قبله، فيوم الخلود مال يوم الجزاء، ms253 ومآل الأباد مال يوم ~~الخلود، وأبد الأبد مآل الأبد، وكذلك كل الخلق له بآل من الأمر، فأمر الله ~~مآل خلقه، وكذلك الأمر، كل تنزيل أعلى منه مآل للتنزيل الأدنى إلى كمال ~~الأمر، وكل أمر الله مال من أسمائه وتجلياته، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من ~~تجل أخفى، قال، عليه الصلاة والسلام: # PageV01P514 # "فياتيهم [ربهم -] في غير الصورة التي يعرفونها" الحديث. إلى قوله: "أنت ~~ربنا" فكان تجليه الأظهر لهم مآل تجليه الأخفى عنهم، فكان كل أقرب للخلق من ~~غيب خلق وقائم أمر، وعلى تجل إبلاغا إلى ما وراء - فكان تأويله، فلم تكن ~~الإحاطة بالتأويل المحيط، إلا لله، سبحانه وتعالى. # {والراسخون في العلم} # قال الحرالي: وهم المتحققون في أعلام العلم، من حيث إن الرسوخ، النزول ~~بالثقل في الشيء الرخو، ليس الظهور على الشيء، فلرسوخهم كانوا أهل إيمان، ~~ولو أنهم كانوا ظاهرين على العلم كانوا أهل إيقان، لكنهم راسخون في العلم، ~~لم يظهروا ما بصفاء الإيقان على نور العلم، فثبتهم الله، سبحانه وتعالى، ~~عند حد التوقف، فكانوا دائمين على الإيمان بقوله: {يقولون آمنا به} بصيغة ~~الدوام - انتهى. # {كل} # قال الحرالي: وهذه الكلمة معرفة بتعريف الإحاطة التي أهل # PageV01P515 # النحاة ذكرها في وجوه التعريف، إلا من ألاح معناها منهم فلم يلقن ولم ~~ينقل جماعتهم ذلك، وهو من أكمل وجوه التعريف، لأن حقيقة التعين بعيان أو ~~عقل، وهي إشارة إلى إحاطة ما أنزله على إبهامه، فكان مرجع المتشابه والمحكم ~~عندهم معروجا واحدا؛ آمنوا بمحل اجتماعه الذي منه نشأ فرقانه، لأن كل مفترق ~~بالحقيقة إنما هو معروج من حد اجتماع، فما رجع إليه الإيمان في قلوبهم: ~~{آمنا به} هو محل اجتماع المحكم والمتشابه في إحاطة الكتاب، قبل تفصيله - ~~انتهى. # {وما يذكر إلا أولو الألباب} # قال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي للراسخين في العلم ظاهره، فكان بين ~~أهل الزيغ وأهل التذكر مقابلة بعيدة، فمنهم متذكر ينتهي إلى إيقان، وراسخ ~~في العلم يقف عند حد إيقان، ومتأول يركن إلى لبس بدعة، وفاتن يتبع هوى، ~~فأنبأ جملة هذا البيان ms254 عن أحوال الخلق بالنظر إلى تلقي الكتاب، كما أنبأ ~~بيان سورة البقرة عن جهات تلقيهم للأحكام - انتهى. ### | {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} # وقال الحرالي: ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من أولي الألباب، ~~ليترقوا من محلهم من التذكر إلى ماهو أعلى وأبطن - انتهى. # وقال الحرالي: ولما كان الأمر اللدني ليس مما في فطر الخلق وجبلاتهم # PageV01P516 # وإقامة حكمتهم، وإنما هو موهبة من الله، سبحانه وتعالى، بحسب العناية، ~~ختم بقوله: {إنك أنت الوهاب} وهي صيغة مبالغة من الوهب والهبة، وهي العطية ~~سماحا من غير قصد من بالموهوب - انتهى. # {ربنا إنك جامع} # قال الحرالي: من الجمع، وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفا أو قهرا - ~~انتهى. # {إن الله لا يخلف الميعاد} # وقال الحرالي: هو مفعال من الوعد، وصيغ لمعنى تكرره ودوامه، والوعد العهد ~~في الخير - انتهى. # قال الحرالي: ولما كان من مضمون ترجمة سورة البقرة، إطلاع النبى، - صلى ~~الله عليه وسلم -، على سر التقدير الذي صرف عن الجواب فيه، وإظهار سره موسى ~~كليم الله، وعيسى كلمة الله، عليهما الصلاة والسلام، كان مما أظهره الله، ~~سبحانه وتعالى، لعامة أمه محمد، - صلى الله عليه وسلم -، إعلاء لها على كل ~~أمة، واختصاصا لها بما علا اختصاص نبيها، - صلى الله عليه وسلم -، حتى قال ~~قائلهم: أخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، لقوم لم يظهروا على سر ~~القدر. وقال: والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، ~~فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر. # PageV01P517 # فأفهم الله، سبحانه وتعالى، علماء هذه الأمة أن أعمالها لا تقبل إلا على ~~معرفة سر التقدير، لتكون قلوبها بريئة من أعمال ظواهرها، كما قيل في أثارة ~~من العلم: من لم يختم عمله بالعلم لم يعمل، ومن لم يختم علمه بالجهل لم ~~يعلم، فختم العامل [عمله -] بالعلم أن يعلم أنه لا عمل له، وأن المجري على ~~يديه أمر مقدر قدره الله، تعالى، عليه، وأقامه فيه لما خلقه له من حكمته من ~~وصفه من خير أو شر، ms255 ومن تمام كلمته في رحمته أو عقوبته ليظهر بذلك حكمة ~~الحكيم، ولا حجة للعبد على ربه، ولا حجة للصنعة على صانعها، ولله، سبحانه ~~وتعالى، الحجة البالغة، وكذلك العالم، متى لم ينطو سره على أنه لا يعلم، ~~وإنما العلم عند الله، سبحانه وتعالى، لم يثبت له علم، فذلك ختم العمل ~~بالعلم، وختم العمل بالجهل. # فكما أطلعه، سبحانه وتعالى، في فاتحة سورة البقرة على سر تقديره في خلقه، # PageV01P518 # أظهره في فاتحة سورة آل عمران على علن قيوميته، الذي هو شاهده في وحي ~~ربه، كما هو بصير بسر القدر في تفرق أعمال خلقه، فكان منزل سورة البقرة ~~قوام الأفعال، ومنزل سورة آل عمران قوام التنزيل [والإنزال، فكان علن ~~القيومية قوام التنزيل -] للكتاب الجامع الأول، والتنزيل قوام إنزال الكتب، ~~وإنزال الكتاب الجامع لتفسير الكتب، قوام تفصيل الآيات المحكمات ~~والمتشابهات، والإحكام والتشابه إقامة الهدى والفتنة، والهدى والفتنة إقامة ~~متصرف الحواس الظاهرة والباطنة، والأحوال الحواس وما دونها من الأفعال، على ~~وجه جمع يكون قواما لما تفصل من مجمله، وتكثر من وحدته، وتفرق من اجتماعه، ~~ولعلو مضمون هذه السورة لم يقع فيها توجه الخطاب بها لصنف الناس، واختص ~~خطابها بالذين آمنوا في علو من معاني الإيمان، لما ذكر من شرف الإيمان على ~~سن الناس في تنامي [أسنان -] القلوب. # وكان خطاب سورة البقرة بمقتضى رتبة العقل الذي به يقع أول الإصغاء ~~والاستماع، كما ظهر في آيات الاعتبار فيها، في قوله، سبحانه وتعالى: {إن في ~~خلق السماوات والأرض} إلى قوله: {لقوم يعقلون} فكان خطاب سورة # PageV01P519 # آل عمران إقبالا على أولي الألباب الذين [لهم -] لب العقل، بما ظهر في ~~أولها وخاتمتها في قول: {وما يذكر إلا أولو الألباب} وفي خاتمتها في آيات ~~اعتبارها في قوله، سبحانه وتعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار لآيات لأولي الألباب}. فبالعقل يقع الاعتبار لمنزل الكتاب، ~~وباللب يكون التذكر، إيلاء إلى الذي نزل الكتاب. # وبالجملة، فمثاني هذه السورة من تفاصيل آياتها وجمل جوامعها مما هو أعلق ~~بطيب الإيمان واعتبار اللب، كما أن منزل ms256 سورة البقرة أعلق بما هو من أمر ~~الأعمال، وإقامة معالم الإسلام، بما ظهر في هذه السورة من علن أمر الله، ~~وبما افتتحت به [من -] اسم الله الأعظم الذي جميع الأسماء أسماء له، ~~لإحاطته واختصاصها بوجه ما، فكان فيها علن التوحيد [و -] كماله، وقوام ~~تنزيل الأمر وتطور الخلق في جميع متنزلها ومثانيها، وظهر فيها تفصيل وجوه ~~الحكم العلية التي تضمن جملة ذكرها الآية الجامعة في سورة البقرة في قوله، ~~سبحانه وتعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء} فكان من جملة # PageV01P520 # بناء الحكمة ما هو السبب في ظهور الكفر من الذين كفروا، بما غلب عليهم من ~~الفتنة بأموالهم وأولادهم، حتى ألهتهم عن ذكر الله، فانتهوا فيه إلى حد ~~الكفر الذي نبه عليه الذين آمنوا في قوله، سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله}. انتهى. ### | {كدأب آل فرعون} # قال الحرالي: الدأب العادة الدائمة التي تتأبد بالتزامها، وآل الرجل من ~~إذ أحصر ترائ فيهم كأنه لم يغب، وفرعون اسم ملك مصر في الكفر، ومصر أرض ~~جامعة كليتها وجملة إقليمها نازل منزلة الأرض كلها، فلها إحاطة بوجه ما، ~~فلذلك أعظم شأنها في القرآن، وشأن العالي فيها من الفراعنة، وكان الرسول ~~المبعوث إليه أول المؤمنين بما وراء أول الخلق، من طليعة ظهور الحق لسماع ~~كلامه بلا واسطة ملك، فكان أولى من طوى في رتبة بنوته رتبة البنوة ذات ~~الواسطة، فلذلك بدئ [به -] في هذا الخطاب لعلو رتبة بنوته، بما هو كليم ~~الله ومصطفاه على الناس، # PageV01P521 # ولحق به من تقدمهم بما وقعت في بنوته من واسطة زوج أو ملك، وخص آله لأنه ~~هو كان عارفا بأمر الله، سبحانه وتعالى، فكان جاحدا لا مكذبا - انتهى. # {فأخذهم الله بذنوبهم} # قال الحرالي: فيه إشعار بأن صريح المؤاخذة مناط بالذنوب، وأن المؤاخذة ~~الدنيوية لا تصل إلى حد الانتقام على التكذيب، فكان ما ظهر من [أمر -] ~~الدنيا يقع عقابا على ما ظهر من الأعمال، وما بطن من أمر الآخرة يستوفي ~~العقاب على ما أصرت عليه الضمائر من ms257 التكذيب، ولذلك يكون عقاب الدنيا طهرة ~~للمؤمن لصفاء باطنه من التكذيب، ويكون واقع يوم الدنيا كفاف ما جرى على ~~ظاهره [من المخالفة -]، فكأن الذنب من المؤمن يقع في دنياه خاصة، والذنب من ~~الكافر يقع في دنياه وأخراه، من استغراقه لظاهره وباطنه. ### | {قل للذين كفروا ستغلبون} # وقد أفهم الإخبار بمجرد الغلبة دون ذكر العذاب، كما كان يذكر في تهديد من ~~قبلهم، أن أخذهم بيد المغالبة والمدافعة # PageV01P522 # والنصرة تشريفا لنبيهم، - صلى الله عليه وسلم -، لأنه عرض عليه عذابهم ~~فأبى إلا المدافعة على سنة المصابرة، فكان أول ذلك غلبته، - صلى الله عليه ~~وسلم -، على مكة المشرفة، وكان فتحها فتحا لجميع الأرض، لأنها أم القرى - ~~نبه على ذلك الحرالي. # {وتحشرون إلى جهنم} # قال الحرالي: وهي من الجهامة، وهي كراهة المنظر - انتهى. ### | {يرونهم مثليهم رأي العين} # قال الحرالي: لتقع الإرادة على صدقهم [في موجود الإسلام الظاهر والإيمان ~~الباطن، فكان كل واحد منهم -]: بما هو مسلم، ذاتا، وبما هو مؤمن ذاتا، ~~فالمؤمن المسلم ضعفان أبدا {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين} وذلك بما أن الكافر ظاهر لا باطن له، فكان ذات عين، ~~لا ذات قلب له، فكان المؤمن ضعفه، فوقعت الإرادة للفئة المؤمنة على ما هي ~~عليه، شهادة من الله، سبحانه وتعالى، بثبات إسلامهم وإيمانهم، وكان ذلك ~~أدنى الإرادة لمزيد موجود الفئة # PageV01P523 # المقاتلة في سبيل الله بمقدار الضعف الذي هو أقل الزيادة الصحيحة، وأما ~~بالحقيقة فإن التام الدين، بما هو مسلم مؤمن صاحب يقين، إنما هو بالحقيقة ~~عشر تام، نظير موجود الوجود الكامل، فهو عشر ذوات بما هو صاحب يقين ودين: ~~{إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [انتهى -]. # {والله يؤيد بنصره من يشاء} # قال الحرالي: والنصر لا يكون إلا لمحق، وإنما يكون لغير المحق الظفر ~~والانتقام - انتهى. # {إن في ذلك} وفي أداة البعد - كما # قال الحرالي - إشارة بعد إلى محل [علو -] الآية. {لعبرة} قال: هي ~~المجاوزة من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى، ومن علم أدنى إلى علم أعلى، ms258 ففي ~~لفظها بشرى بما ينالون من ورائها، مما هو أعظم منها إلى غاية العبرة العظمى ~~من الغلبة الخاتمة التي عندها تضع الحرب أوزارها، حيث يكون من أهل الكمال ~~بعدد أهل بدر: ثلاثمائة وثلاثة عشر، فهو غاية العبرة لمن له بصر نافذ ونظر ~~جامع، بين البداية والخاتمة # PageV01P524 # {كما بدأنا أول خلق نعيده} - انتهى. # {لأولي الأبصار} # قال الحرالي: أول موقع العين على الصورة نظر، ومعرفة خبرتها الحسية بصر، ~~ونفوذه إلى حقيقتها رؤية، فالبصرة متوسط بين النظر والرؤية، كما قال، ~~سبحانه وتعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} فالعبرة هي المرتبة ~~الأولى لأولي الأبصار الذين يبصرون الأواخر بالأوائل، فأعظم غلبة بطشه في ~~الابتداء غلبة بدر، وأعظمها في الانتهاء الغلبة الخاتمة التي لا حرب ~~وراءها، التي تكون بالشام في آخر الزمان - انتهى. # وقال الحرالي: لما أظهر، سبحانه وتعالي، في هذه السورة ما أظهره # PageV01P525 # بقاء لعلن قيوميته من تنزيل الكتاب الجامع الأول، وإنزال الكتب الثلاثة: # إنزال التوراة بما أنشأ عليه قومها من وضع رغبتهم ورهبتهم في أمر الدنيا، ~~فكان وعيدهم فيها ووعدهم على إقامة ما فيها إنما هو برغبة في الدنيا ~~ورهبتها، لأن كل أمة تدعى لنحو ما جبلت عليه من رغبة ورهبة، فمن مجبول على ~~رغبة ورهبة في أمر الدنيا، [و -] من مجبول على ما هو من نحو ذلك في أمر ~~الآخرة، ومن مفطور على ما هو من غير ذلك من أمر الله، فيرد خطاب كل أمة ~~وينزل عليها كتابها من نحو ما جبلت عليه، فكان كتاب التوراة كتاب رجاء ~~ورغبة وخوف، ورهبة في موجود الدنيا. وكان كتاب الإنجيل [كتاب -] دعوة إلى ~~ملكوت الآخرة، وكانا متقابلين، بينهما ملابسة لم يفصل أمرهما فرقان واضح، ~~فكثر فيهما الاشتباه. فأنزل الله، تعالى، الفرقان لرفع لبس ما فيهما، فأبان ~~فيه المحكم والمتشابه من منزل الوحي، وكما أبان فيه فرقان الوحي أبان فيه ~~أيضا فرقان [الخلق وما اشتبه من أمر الدنيا والآخرة، وما التبس على أهل ~~الدنيا من # PageV01P526 # أمر -] الخلق بلوائح آيات الحق عليهم، فتبين في الفرقان محكم الوحي ms259 من ~~متشابهه، و [محكم الخلق من متشابهه -]. # وكان متشابه الخلق هو المزين من متاع الدنيا، ومحكم الخلق هو المحقق من ~~دوام خلق الآخرة، فاطلع نجم هذه الآية لإنارة غلس ما بنى عليه أمر التوراة ~~من إثبات أمر الدنيا لهم وعدا ووعيدا، لتكون هذه الآية توطئة لتحقيق صرف ~~النهي عن مد اليد والبصر إلى ما متع به أهلها. فأنبأ، تعالى، أن متاع ~~الدنيا أمر مزين، لا حقيقة لزينته ولا حسن لما وراء زخرفه، فقال: {زين ~~للناس} فأبهم المزين لترجع إليه ألسنة التزيين مما كانت في رتبة علو أو ~~دنو، وفي إناطة التزيين بالناس، دون الذين آمنوا، ومن فوقهم، إيضاح لنزول ~~سنهم في أسنان القلوب، وأنهم ملوك الدنيا وأتباعهم، ورؤساء القبائل ~~وأتباعهم، الذين هم أهل الدنيا. {حب الشهوات} جمع شهوة، وهي نزوع النفس إلى ~~محسوس لا تتمالك عنه - انتهى. # PageV01P527 ### | {من النساء والبنين} # قال الحرالي: وأخفى فتنة النساء بالرجال سترا لهن، كما أخفى أمر حواء في ~~ذكر المعصية لآدم [حيث -] قال: {وعصى آدم ربه} فأخفاهن لما في ستر الحرم من ~~الكرم، والله، سبحانه وتعالى، حي كريم _ انتهى. # {والقناطير} # قال الحرالي: [جمع -] قنطار، يقال: هو مائة رطل، ويقال: إن الرطل اثنتا ~~عشرة أوقية، والأوقية أربعون درهما، والدرهم خمسون حبة [وخمسا -] من حب ~~الشعير، وأحقه أن يكون من شعير المدينة. {المقنطرة} أي المضاعفة مرات - ~~انتهى. # {والخيل} # قال الحرالي: اسم جمع لهذا الجنس المجبول على هذه الاختيال، لما خلق له ~~من الاعتزاز به، وقوة المنة في الافتراس عليه، الذي منه سمي واحده فرسا ~~{المسومة} أي المعلمة بأعلام هي سمتها وسيماها التي # PageV01P528 # تشتهر بها جودتها، من السومة، بضم السين، وهي العلامة التي تجعل على ~~الشاة لتعرف بها، وأصل السوم، بالفتح، الإرسال للرعي مكتفي في المرسل ~~بعلامات تعرف بها نسبتها، لمن تتوفر الدواعي للحفيظة عليها من أجله من ~~الواقع عليها من الخاص والعام، فهي مسومة بسيمة تعرف بها جودتها ونسبتها ~~{والأنعام} وهي جمع نعم وهي الماشية فيها إبل، والإبل واحدها، فإذا خلت ~~منها الإبل لم يجر على ms260 الماشية اسم نعم - انتهى. # {ذلك} # وقال الحرالي: الإشارة إلى بعده عن حد التقريب إلى حفرة الجنة - انتهى. # {متاع الحياة الدنيا} # قال الحرالي: جعل، سبحانه وتعالى، ما أحاط به حس النظر العاجل من موجود ~~العاجل أدنى، فأفهم أن ما أنبأ به على سبيل السمع أعلى، فجعل، تعالى، من ~~أمر اشتباه كتاب الكون المرئي به وذكره المشهود أن عجل محسوس العين، وحمل ~~على تركه وقبض اليد بالورع والقلب بالحب # PageV01P529 # عنه، وأخر مشهود مسموع الأذن من الآخرة وأنبأ بالصدق عنه، ونبه بالآيات ~~عليه ليؤثر المؤمن مسمعه على منظره، كما آثر الناس منظرهم على مسمعهم. # حرض لسان الشرع على ترك الدنيا والرغبة في الأخرى، فأبت الأنفس وقبلت ~~قلوب، وهيم لسان الشعر في زينة الدنيا، فقبلته الأنفس، ولم تسلم القلوب منه ~~إلا بالعصمة، فلسان الحق يصرف إلى حق الآخرة، ولسان الخلق يصرفه إلى زينة ~~الدنيا، فأنبأ، سبحانه وتعالى، أن ما في الدنيا متاع، والمتاع ما ليس له ~~بقاء، وهو في نفسه خسيس خساسة الجيقة - انتهى. # {والله عنده حسن المآب} # قال الحرالي: مفعل من الأوب، وهو الرجوع إلى ما منه كان الذهاب - انتهى. # PageV01P530 ### | {خالدين فيها} # قال الحرالي: وفي معنى لفظ الخلود إعلام بسكون الأنفس إليها لما فيها من ~~موافقتها - انتهى. # {ورضوان} # قال الحرالي: بكسر الراء وضمها [اسم -] مبالغة في معنى الرضى، وهو على ~~عبرة امتلاء، بما تعرب عنه الألف والنون، وتشعر ضمة رائه بظاهر إشباعه، ~~وكسرتها بباطن إحاطته - انتهى. # وقال الحرالي: لما وصف، تعالى، قلوبهم بالتقوى، وبرأهم من الاستغناء بشيء ~~من دونه، وصف أدبهم في المقال فقال: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا}. # قال الحرالي: وبين المغفرة على مجرد الإيمان إشارة إلى أنه لا تغيرها ~~الأفعال، من ترتب إيمانه على تقوى غفرت ذنوبه. فكانت مغفرة الذنوب لأهل هذا ~~الأدب في مقابلة الذين أخذهم الله بذنوبهم من الذين كذبوا، ففي شمول ذكر ~~الذنوب في الصنفين إعلام بإجراء قدر الذنوب على الجميع، فما كان منها مع ~~التكذيب أخذ به، وما كان منها مع التقوى والإيمان غفر ms261 له - انتهى. # {وقنا عذاب النار} # قال الحرالي: ولما وصف تقوى قلوبهم باطنا، وأدب مقالهم ظاهرا، وصف لهم ~~أحوال أنفسهم، ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه فقال: {الصابرين} فوصفهم ~~بالصبر إشعارا بما ينالهم من سجن الدنيا # PageV01P531 # وشدائدها، والصبر أمدح أوصاف النفس، به تنحبس عن هواها، وعما زين من ~~الشهوات المذكورة، بما تحقق من الإيمان بالغيب، الموجب لترك الدنيا للآخرة، ~~فصبروا عن الشهوات، أما النساء فبالاقتصار على ما ملكوه، وأما البنون ~~فبمراعاة أن ما تقدم خير مما تأخر، قال، - صلى الله عليه وسلم -، يعني ~~[فيما -] رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: "لسقط أقدمه بين ~~يدي، أحب إلى من فارس أخلفه خلفي". # وأما الذهب والفضة فبالنظر إليها، أصناما يضر موجودها وبالحري أن ينال ~~منها السلامة بنفقة لا يكاد يصل إنفاقها إلى أن يكون كفارة كسبها وجمعها، ~~فكان الصبر عنها أهون من التخلص منها، وأما الخيل فلما يصحبها من التعزز ~~الممد لخيلاء النفس، الذي هو أشد ما على النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها ~~إلى احتمال الضيم والسكون بحب الذل، يقال إنه آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين ~~حب الرئاسة. # PageV01P532 # وأما الأنعام فبالاقتصار منها على قدر الكفاف، لأن كل مستزيد تمولا من ~~الدنيا، زائدا على كفاف منه؛ من مسكن أو ملبس أو مركب أو مال، فهو محجر، ~~على من سواه من عباد الله، ذلك الفضل الذي هم أحق به منه، قال، - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد" الحديث {وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم}. # وأما الحرث، فبالاقتصار منه على قدر الكفاية، لما يكون راتبا للإلزام، ~~ومرصدا للنوائب، ومخرجا للبذر، فإن أعطاه الله فضلا أخرجه بوجه من وجوه ~~الإخراج، ولو بالبيع، ولا يمسكه متمولا لقلبه إلى غيره من الأعيان، فيكون ~~محتكرا، قال، عليه الصلاة والسلام، كما أخرجه أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر، ~~رضي الله تعالى عنهما: "من احتكر أربعين يوما، فقد بريء من الله، وبريء ~~الله منه". # فبذلك يتحقق الصبر بحبس ms262 النفس عما زين للناس من التمولات من الدنيا ~~الزائدة على الكفاف، التي هي حظ من لا خلاف له في الآخرة، ولذلك يحق أن ~~تكون هذه الكلمات معرفة بالنصب مدحا، لأن الصفات المتبعة للمدح حليتها ~~النصب في لسان العرب، وإنما يتبع في الإعراب ما كان لرفع لبس أو تخصيص - ~~انتهى. # PageV01P533 ### | {والصادقين} # قال الحرالي: في عطف الصفات ما يؤذن بكمال الوصف، لأن العرب تعطفها إذا ~~كملت، وتتبع بعضها بعضا إذا تركبت والتأمت. يعني مثل: الرمان حلو حامض - ~~إذا كان غير صادق الحلاوة ولا الحموضة - ففي العطف إشعار بكمال صبرهم عن ~~العاجلة، على ما عينه حكم النظم في الآية السابقة، ومن شأن الصابر عن ~~الدنيا الصدق، لأن أكثر المداهنة والمراءاة إنما ألجأ إليها التسبب إلى كسب ~~الدنيا، فإذا رغب عنها لم يحمله على ترك الصدق حامل، فيتحقق به فيصدق في ~~جميع أموره، والصدق مطابقة أقواله وأفعاله لباطن حاله في نفسه، وعرفان قلبه ~~- انتهى. # {والقانتين والمنفقين} # قال الحرالي: فيه إشعار بأن من صبر نول، ومن صدق أعلى، ومن قنت جل وعظم ~~قدره، فنوله الله ما يكون له منفقا، والمنفق أعلى حالا من المزكي، لأن ~~المزكي يخرج ما وجب عليه فرضا، والمنفق يجود بما في يده فضلا - انتهى. # {والمستغفرين بالأسحار} # قال الحرالي: وهو جمع سحر، وأصل معناه التعلل عن # PageV01P534 # الشيء بما يقاربه ويدانيه، ويكون منه بوجه ما. فالوقت من الليل الذي ~~يتعلل فيه بدنو الصباح هو السحر، ومنه السحور، تعلل عن الغداء. # ثم قال: وفي إفهامه تهجدهم في الليل، كما قال، سبحانه وتعالى: {كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون} فهم يستغفرون من ~~حسناتهم، كما يستغفر أهل السيئات من سيئاتهم، تبرؤا من دعوى الأفعال ورؤية ~~الأعمال؛ التئاما بصدق قولهم في الابتداء: {ربنا إننا آمنا}، وكمال الإيمان ~~بالقدر خيره وشره. # فباجتماع هذه الأوصاف السبعة من التقوى والإيمان والصبر [والصدق -] ~~والقنوت [والإنفاق والاستغفار، كانت الآخرة خيرا لهم من الدنيا وما فيها، ~~وقد بأن بهذا محكم آيات الخلق -] من متشابهها بعد # PageV01P535 # الإعلام بمحكم آيات الأمر ومتشابهها، ms263 فتم بذلك منزل الفرقان في آيات ~~[الوحي -] المسموع، والكون المشهود - انتهى. # وقال الحرالي: لما أنهى، تعالى، الفرقان نهايته ببيان المحكمين ~~والمتشابهين في الوحي والكون، انتظمت هذه الشهادة، التي هي أعظم شهادة في ~~كتاب الله، بآية القيومية التي هي أعظم آية الوجود، لينتظم آية الشهود بآية ~~الوجود - انتهى. ### | {شهد الله أنه} # قال الحرالي: فأعاد بالإضمار ليكون الشاهد والمشهود له {لا إله إلا هو} ~~فأعاد بالهوية لمعنى الوحدانية في الشهادة، ولم يقل: {إلا الله} بما يشعر ~~به تكرار الاسم في محل الإضمار من التنزل العلي - انتهى. # قال الحرالي: وهذه الشهادة التي هي من الله الله، هي الشهادة التي إليها ~~قصد القاصدون وسلك السالكون، وإليه انتهت الإشارة، وعندها وقفت العبارة، ~~وهي أنهى المقامات وأعظم الشهادات، فمن شهد بها فقد شهد شهادة ليس وراءها ~~مرمى، ومن شهد بما دونها كانت شهادته مشهودا عليها لا شهادة، يؤثر أن ~~النبي، - صلى الله عليه وسلم -، لم يزل يوم الجمعة، وهو قائم بعرفة، منذ ~~كان وقت العصر إلى أن غربت الشمس، في حجته التي كمل بها الدين، وتمت بها ~~النعمة، يقول هذه الآية لا يزيد عليها. # PageV01P536 # فأي عبد شهد لله بهذه الشهادة التي هي شهادة الله لله، سبحانه وتعالي، ~~بالوحدانية فقد كملت شهادته، وأتم الله، سبحانه وتعالى، النعمة عليه، وهي ~~سر كل شهادة من دونها، وهي آية علن التوحيد الذي هو منتهى المقامات، وغاية ~~الدرجات في الوصول إلى محل الشهود، الذي منه النفوذ إلى الموجودة بمقتضى ~~الأعظمية التي في الآية الفاتحة - انتهى. # {والملائكة وأولو العلم قائما} # وقال الحرالي: أفرد القيام، فاندرج من ذكر من الملائكة وأولي العلم في ~~هذا القيام إفهاما، كما اندرجوا في الشهادة إفصاحا، فكان في إشعاره أن ~~الملائكة وأولي العلم لا يقاد منهم فيما تجريه الله، سبحانه وتعالى، على ~~أيديهم، لأن أمرهم قائم بالقسط من الله. # يذكر أن عظيم عاد لما كشف له عن الملائكة في يوم النقمة قال لهود، عليه ~~الصلاة والسلام: ياهود، ما هذا الذي أراهم في السحاب كأنهم البخاتي؟ فقال: ~~ملائكة ربي. ms264 فقال له: أرايت إن آمنت بإلهك أيقيدني منهم بمن قتلوا من قومي؟ ~~قال: ويحك! وهل رأيت ملكا يقيد من جنده؟ - انتهى. # {لا إله إلا هو} # وقال الحرالي: كرر هذا التهليل لأنه في مرتبة القسط الفعلي، لأن التهليل ~~الأول في مرتبة الشهادة العلمية، فاستوفى التهليلان جميع البادي؛ علما # PageV01P537 # وفعلا - انتهى. # {العزيز الحكيم} # قال الحرالي: وقسط الله هو إخفاء عدله في دار الدنيا، من حيث إنه خفض ~~ورفع، يعادل خفضه رفعه، ورفعه خفضه، فيؤول إلى عدل، ويراه بذلك في حال ~~تفاوته كل ذي لب، بما أنه عزيز يظهر عزته فيما يرفع، حكيم يخفي معنى حكمه ~~فيما يخفض، فكل ما هو باد من الخلق جود فهو من الله، سبحانه وتعالى، قسط، ~~طيته عدل سره سواء، فيظهر عزته فيما حكم انتقاما، وحكمته في الموازنة بين ~~الأعمال والجزاء عدلا - انتهى. # {بغيا بينهم} # قال الحرالي: والبغي السعي بالقول والفعل في إزالة نعم أنعم الله، تعالى، ~~بها على خلقه، بما اشتملت عليه ضمائر الباغي من الحسد له - انتهى. # {فإن الله سريع الحساب} # قال الحرالي: من السرعة، وهي وجاء التجاز فيما شأنه الإبطاء - انتهى. # قال الحرالي: كان آية من الله، سبحانه وتعالى، للهداية، فوقع عندهم بحال ~~من كفروا به، فكان سبب كفرهم ما كان مستحقا أن يكون سبب هداية المهتدي، ~~وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه، لأنه اشتبه عليهم خلقه بما ظهر على يديه من ~~آيات # PageV01P538 # الله، سبحانه وتعالى، وفي التعريض به إلاحة لما يقع لهذه الأمة في نحوه، ~~ممن هو مقام الهداية، فوقع في طائفة موقع آية كفروا بها، كما قال عليه، ~~الصلاة والسلام، في علي رضي الله تعالى عنه: "مثلك ياعلي، كمثل عيسى بن ~~مريم، أبغضه يهود فبهتوا أمه، وأحبه النصارى فأنزلوه بالمحل الذي ليس به" ~~كذلك تفرقت فرق في علي، رضي الله تعالى عنه، من بين خارجيهم ورافضيهم ~~-[انتهى -]. ### | {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله} # قال الحرالي: ولما أدرج، تعالى، شهادة الملائكة وأولي العلم في شهادته، ~~لقن نبيه، - صلى الله عليه وسلم -، أن يدرج من اتبعه ms265 في إسلامه وجهه لله، ~~ليكون إسلامهم بإسلام نبيهم، - صلى الله عليه وسلم -، لا بإسلام أنفسهم، ~~لتلحق التابعة من الأمة بالأيمة، وذلك حال الفرقة الناجية، مؤثرة الفرق ~~الإثنين والسبعين، التي قال [النبي]، - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنا ~~عليه" فيما أوتي من اليقين، "وأصحابي" فيما أوتوه من الانقياد، وبراءتهم من ~~الرجوع إلى أنفسهم في أمر، # PageV01P539 # كما كانوا يقولون عند كل ناشئة علم أو أمر: "الله ورسوله أعلم" فمن دخل ~~برأيه في أمر نقص حظه من الاتباع، بحسب استبداده - انتهى. # {والله بصير بالعباد} # وقال الحرالي: ولما كانت هذه السورة منزلة لتبيين ما اشتبه على أهل ~~الإنجيل، جرى ذكر أهل التوراة فيها مجملا بجوامع من ذكرهم، لأن تفاصيل ~~أمرهم قد استقرأته سورة البقرة، فكان أمر أهل التوراة في سورة البقرة ~~بيانا، وأهل الإنجيل إجمالا، وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل عمران بيانا، ~~وذكر أهل التوراة إجمالا، لما كان لبس أهل التوراة في الكتاب، فوقع تفصيل ~~ذكرهم في سورة: {الم (1) ذلك الكتاب} ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في ~~شأن الإلهية، كان بيان ما تشابه عليهم في سورة: {الم (1) الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم} فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين أهل ~~الإنجيل، بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا فيه في أمر الإلهية، في ~~عزيز، واختصوا بقتل الأنبياء، وقتل أهل الخير، الآمرين بالقسط - انتهى. ### | {إن الذين يكفرون بآيات الله} # قال الحرالي: وفي ذكره بصيغة # PageV01P540 # [الدوام -] ما يقع منهم من الكفر بآيات الله في ختم اليوم المحمدي مع ~~الدجال، فإنهم أتباعه {ويقتلون النبيين}، في إشعاره ما تمادوا عليه من ~~البغي على الأنبياء، حتى كان لهم مدخل في شهادة النبي، - صلى الله عليه ~~وسلم -، التي رزقه الله فيما كان يدعو به حيث كان يقول، - صلى الله عليه ~~وسلم -، "اللهم ارزقني شهادة في يسر منك وعافية". # {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} # قال الحرالي: فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك والرؤساء، ~~فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من ms266 علم التطبب ومخالطتهم رؤساء الناس ~~بالطب، الذي توسل كثير منهم إلى قتلهم به عمدا وخطأ، ليجري ذلك على أيديهم ~~خفية في هذه الأمة، نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة - ~~انتهى. # {حبطت أعمالهم} وأنبأ، تعالى، بقوله: {في الدنيا} كما # قال الحرالي: أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها، فلا يطمعون بجزائها ~~في عاجل ولا آجل، وبذلك تمادى عليهم الذل، وقل منهم المهتدي انتهى. # PageV01P541 # {وما لهم من ناصرين} # قال الحرالي: فيه إعلام بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة لهم فيها، في ~~يوم النصر الموعود في سورة الروم، التي هي تفصيل من معنى هذه السورة، في ~~قوله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء} فهم غير ~~داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم يقتلون في آخر الزمان، حتى يقول الحجر: ~~يا مسلم، خلفي يهودي فاقتله، حتى لا يبقى منهم إلا من يستره شجر الفرقد، ~~كما قال، - صلى الله عليه وسلم -: "إنه من شجرهم". وفي إفهامه أن طائفة من ~~أهل الإنجيل يقومون بحقه، فيكونون ممن تشملهم نصرة الله، سبحانه وتعالى، مع ~~المسلمين، فتنتسق الملة واحدة، مما يقع من الاجتماع، حين تضع الحرب أوزارها ~~- انتهى. ### | {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} # وقال الحرالي: كتابهم الخاص بهم نصيب من الكتاب الجامع، وما أخذوا من ~~كتابهم نصيب من اختصاصه، فإنهم لو استوفوا حظهم منه لما عدلوا في الحكم ~~عنه، ولرضوا به، وكان في هذا التعجيب أن يكون غيرهم يرضى بحكم كتابهم، ثم ~~لا يرضون هم به - انتهى. # PageV01P542 # {يدعون إلى كتاب الله} أظهر الاسم الشريف، ولم يقل: إلى كتابهم، احترازا ~~عما غيروا وبدلوا، ولأنهم إنما دعوا إلى كتاب الله الذي أنزل على موسى، ~~عليه الصلاة والسلام، لا إلى ما عساه أن يكون بأيديهم، مما غيروا - نبه ~~عليهم الحرالي. # {ليحكم بينهم} # قال الحرالي: في إشعاره أن طائفة منهم على حق منه، أي وهم المذعنون لذلك ~~الحكم الذي دعا إليه انتهى. # {ثم} # وقال الحرالي: في إمهاله ما يدل على تلددهم وتبلدهم في ذلك، ms267 بما يوقعه ~~الله من المقت والتحير على من دعى إلى حق فأباه، وفي صيغة يتفعل في قوله ~~{يتولى} ما يناسب معنى ذلك في تكلف التولي على انجذاب من بواطنهم لما عرفوه ~~وكتموه، وصرح قوله: {فريق منهم} بما أفهمه ما تقدم من قوله: {ليحكم بينهم} ~~فأفهم أن طائفة منهم ثابتون قائلون لحكم كتاب الله تعالى، وأنبأ قوله ~~المشير إلى كثرة أفراد هذا الفريق {وهم معرضون} بما سلبوه من ذلك التردد ~~والتكلف، فصار وصفا لهم، بعد # PageV01P543 # أن كان تعملا، ما أنكر منكر حقا، وهو يعلمه، إلا سلبه الله، تعالى، علمه ~~حتى يصير إنكاره له بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه - انتهى. # وفي هذا تحذير لهذه الأمة من الوقوع في مثل ذلك، ولو بأن يدعى أحدهم من ~~حسن إلى أحسن منه، نبه عليه الحرالي: وقال: إذ ليس المقصور حكاية ما مضى ~~فقط، ولا ما هو كائن فحسب، بل خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في ~~غابر اليوم المحمدي، مع من يناسب أحوال من تقدم منهم، وفي حق المرء مع نفسه ~~في أوقات مختلفة - انتهى. # {وغرهم في دينهم} # قال الحرالي: من الغرور، وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة - انتهى. # {ما كانوا يفترون} # قال الحرالي: فتقابل التعجيبان في ردهم حق الله، سبحانه وتعالى، وسكونهم ~~إلى باطلهم - انتهى. ### | {فكيف إذا جمعناهم ليوم} # ووصفه بقوله: {لا ريب فيه} مشعر - كما # قال الحرالي: بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم، بمنزلة الذي لم يكن له ~~أصل كتاب، فهم في ريبهم يترددون، إلى أن يأتي ذلك اليوم. # {ووفيت كل نفس} # قال الحرالي: الفصل الموقع للجزاء مخصوص بوجود # PageV01P544 # النفس، التي دأبها أن تنفس فتريد وتختار وتحب وتكره، فهي التي توفي، فمن ~~سلب الاختيار وإلا إرادة والكراهة بتحقق الإسلام الذي تقدم، ارتفع عنه ~~التوفية، إذ لا وجود نفس له بما أسلم وجهه لله، فلذلك اختص وعيد القرآن كله ~~بالنفس في نفاستها بإرادتها، وما تنشأ لها عليه من أحوالها وأفعالها ~~ودعواها في ملكها وملكها، فمتى [نفست فتملكت -] ملكا أو تشرفت ملكا ms268 خرجت عن ~~إسلامها، حتى ينالها سلب القهر منه، وإلزام الذل عنه، وبلمح من هذا المعنى ~~اتصلت الآية التي بعدها بختم هذه الآية، وناظرت [رأس -] آية ذكر الإسلام، ~~فإنما هو مسلم لله، وذو نفس متملك على الله، حتى يسلبه الله في العقبى أو ~~يذله في الدنيا، فشمل هذا الوفاء لكل نفس أهل الكتاب وغيرهم، وعم الوفاء ~~لكل من يعمه الجمع، كذلك خطاب القرآن، يبدأ بخصوص فيختم بعموم، ويبدأ بعموم ~~فيثنيه تفصيل - انتهى. # قال الحرالي: ولما كان هذا الأمر نبوة ثم خلافة، ثم ملكا، فانتظم # PageV01P545 # بما تقدم من أول السورة أمر النبوة في التنزيل والإنزال، وأمر الخلافة في ~~ذكر الراسخين في العلم، الذين يقولون: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} ~~وكانت من هجيري أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، يقنت بها في وتر صلاة النهار ~~في آخر ركعة من المغرب - انتظم برؤوس تلك المعاني ذكر الملك الذي آتى الله ~~هذه الأمة، وخص به من لاق به الملك، كما خص بالخلافة من صلحت له الخلافة، ~~كما تعين للنبوة الخاتمة من لا يحملها سواه - انتهى. # {قل} # قال الحرالي: لعلو منزل هذه السورة كثر الإقبال فيها بالخطاب على النبي، ~~- صلى الله عليه وسلم -، وجعل هو القائل لما كانت المجاورة معه، لأن منزلا ~~القرآن ما كان منه لإصلاح ما بين الخلق وربهم يجيء الخطاب فيه من الله، ~~سبحانه وتعالى، إليهم مواجهة، حتى ينتهي إلى الإعراض عند إياء من يابى ~~منهم، وماكان لإصلاح ما بين الأمة ونبيها يجري الله الخطاب فيه على لسانه، ~~من حيث توجههم بالمجاورة إليه، فإذا قالوا قولا يقصدونه به، قال الله # PageV01P546 # عز وجل: قل لهم. ولكون القرآن متلوا ثبتت فيه كلمة: "قل " انتهى. ### | {اللهم مالك الملك} # قال الحرالي: فأقنعه، - صلى الله عليه وسلم -، ملك ربه، فمن كان منه ومن ~~آله وخلفائه وصحابته، يكون من إسلامه وجهه لربه إسلام الملك كله الذي منه ~~شرف الدنيا لله، فلذلك لم يكن، - صلى الله عليه وسلم -، يتظاهر بالملك، ولا ~~يأخذ مآخذه، لأنه كان نبيا عبدا، لا ms269 نبيا ملكا، فأسلم الملك لله، كذلك ~~خلفائه، أسلموا الملك [لله -]، فلبسوا الخلقان والمرقعات، واقتصروا على شظف ~~العيش، ولانوا في الحق، وحملوا جفاء الغريب، واتبعوا أثره في العبودية، ~~فأسلموا الملك لله، سبحانه وتعالى، ولم ينازعوه شيئا منه، حمل عمر، رضي ~~الله تعالى عنه، قربه على ظهره، في زمن خلافته، حتى سكبها في دار امرأة من ~~الأنصار في أقصى المدينة. # فلما جاء الله بزمن الملك، واستوفيت أيام الخلافة، عقب وفاء زمان النبوة، ~~أظهر الله، سبحانه وتعالى، الملك في أمة محمد، - صلى الله عليه وسلم -، ~~وكما خصص بالنبوة والإمامة بيت محمد وآل محمد، - صلى الله عليه وسلم -، ~~وخصص بالخلافة فقراء المهاجرين، # PageV01P547 # خصص بالملك الطلقاء الذين كانوا عتقاء الله ورسوله، لينال كل من رحمة ~~[الله -] وفضله، التي ولى جميعها نبيه، - صلى الله عليه وسلم -، كل طائفة ~~على قدر قربهم منه، حتى اختص بالتقدم قريشا ما كانت، ثم العرب ماكانت، إلى ~~ماصار له الأمر بعد الملك من سلطنة وتجبر، إلى ما يصير إليه من دجل، كل ذلك ~~مخول لمن يخوله بحسب القرب والبعد منه. # {تؤتي الملك من تشاء} في الايتاء إشعار بأنه تنويل من الله من غير قوة ~~وغلبة، ولا مطاولة فيه. # وفي التعبير بمن العامة للعقلاء، إشعار بمنال الملك من لم يكن من أهله، ~~وأخص الناس بالبعد منه العرب، ففيه إشعار بأن الله ينول ملك فارس والروم ~~العرب كما وقع منه ما وقع، وينتهي منه ما بقي إلى من نال الملك بسببها، وعن ~~الاستناد إليها من سائر الأمم، الذين دخلوا في هذه الأمة من قبائل الأعاجم ~~وصنوف أهل الأقطار، حتى ينتهي الأمر إلى أن يسلب الله الملك جميع أهل ~~الأرض، فيعيده إلى إمام العرب الخاتم للهداية من ذريته ختمه، - صلى الله ~~عليه وسلم -، للنبوة من ذرية آدم، # PageV01P548 # ويؤتيهم من المكنة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "لو شاء أحدهم أن ~~يسير من المشرق إلى المغرب في خطوة لفعل" ومع ذلك فليسوا من الدنيا، وليست ~~الدنيا منهم، فيوتيهم الله ملكا من ملكه، ظاهر هداية من ms270 هداه، شأفة عن سره ~~الذي يستعلن به في خاتمة يوم الدنيا، ليتصل بظهوره ملك يوم الدين، ولذلك ~~التلبس بشرف الدنيا والاستئثار بخيرها، قال أبو بكر لعمر، رضي الله تعالى ~~عنهما، في وصيته: إذا جنيت فلتهجر يدك فاك حتى يشبع من جنيت له، فإن نازعتك ~~نفسك في مشاركتهم، فشاركهم غير مستأثر عليهم، وإياك والذخيرة! فإن الذخيرة ~~تهلك دين الإمام، وتسفك دمه، فالملك التباس بشرف الدنيا واسئثار بخيرها، ~~واتخاذ ذخيرة منها. # لما أرادوا أن يغيروا على عمر، رضي الله تعالى عنه، زيه عند إقباله على ~~بيت المقدس، نبذ زيهم وقال: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام! فلن نلتمس العزة # PageV01P549 # بغيره، فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من شرفها، قل ~~ذلك الحظ أوجل، وهو به من أتباع ملوك الدنيا، وكذلك من التمس الاستئثار ~~بخيرها، واتخذ الذخيرة منها، كل ينال من الملك، ويكون من شيعة الملوك بحسب ~~ما ينال ويحب من ذلك، حتى ينتهي إلى حشره مع الصنف الذي يميل إليه، فمن ~~تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء والمرسلين والخلفاء، كما أن من تشرف ~~بالدنيا واستأثر وادخر منها حشر مع الملوك والسلاطين. # جلس عمر، رضي الله تعالى عنه، يوما وسلمان وكعب وجماعة، رضي الله تعالى ~~عنهم، فقال: أخبروني أخليفة أنا أم ملك؟ فقال له سلمان، رضي الله تعالى ~~عنه: يا أمير المؤمنين، إن جبيت درهما من هذا المال فوضعته في غير حقه فأنت ~~ملك، وإن لم تضعه إلا في حقه فأنت خليفة، فقال كعب: رحم الله تعالى، ما ~~ظننت أن أحدا يعرف الفرق بين الخليفة والملك غيري، # PageV01P550 # فالتزام مرارة العدل وإيثار الغير خلافة، وتشبع في سبيلها، ومنال حلاوة ~~الاستئثار بالعاجلة، شرفها وما لها، ملك وتحيز اتباعه - انتهى. # {وتنزع الملك ممن تشاء} # قال الحرالي: من النزع، وهو الأخذ بشدة وبطش - انتهى. # {وتعز من تشاء وتذل من تشاء} # قال الحرالي: وفي كلمة النزع، بما ينبئ عنه من البطش والقوة، ما يناسب ~~معنى الإيتاء، فهو إيتاء للعرب، ونزع من العجم، كما ورد أن كسرى ms271 رأى في ~~منامه أنه يقال له: سلم ما بيدك لصاحب الهراوة، فنزع ملك الملوك من ~~الأكاسرة والقياصرة، وخوله قريش ومن قام بأمرها، وانتحل الملك باسمها، من ~~صنوف الأمم غربا وشرقا وجنوبا وشمالا، إلى ما يتم به الأمر في الختم، والعز ~~- والله سبحانه وتعالى أعلم - عزة الله، سبحانه وتعالى، لأهله ولآل نبيه، - ~~صلى الله عليه وسلم -، والأنصار والصلحاء من صحابته وعشيرته وأبنائهم ~~وذرياتهم، الذين سلبهم الله ملك الدنيا # PageV01P551 # فحلاهم بعز الآخرة وبعزة الدين، كما قال سبحانه وتعالى: {ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين} ليكون في الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز ~~بالدين ما هو خير من الشرف بملك الدنيا {من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا}. # فالملوك، وإن تشرفوا بملك الدنيا -]، فليس لهم من عزة الدين شيء، أعزهم ~~الله، سبحانه وتعالى، بالدين، تخدمهم الأحرار، وتتوطد لهم الأمصار، لا ~~يجدون وحشة، ولا يحصرون في محل، ولا تسقط لهم حرمة حيثما حلوا وحيثما ~~كانوا، استتروا أو أشتهروا، والمتلبسون بالملك لا يخدمهم إلا من استرقوه ~~قهرا، يملكون تصنع الخلق، ولا يملكون محاب قلوبهم، محصورون في أقطار ~~ممالكهم، لا يخرجون عنها، ولا ينتقلون منها، حتى يمنعهم من كمال الدين، فلا ~~ينصرفون في الأرض ولا يضربون فيها، حتى يمتنع ملوك من الحج مخافة نيل الذل ~~في غير موطن الملك، والله عز وجل يقول: {إن عبدا أصححت له جسمه، وأوسعت # PageV01P552 # عليه في رزقه، يقيم خمسة أعوام لا يفد على المحروم} فالملوك مملوكون بما ~~ملكوا، وأعزاء الله ممكنون فيما إليه وجهوا، لا يصدهم عن تكملة أمر الدين ~~وإصلاح أمر الآخرة صاد، ولا يردهم عنه راد لخروجهم من سجن الملك إلى سعة ~~العز بعزة الله، سبحانه وتعالى، فقارض الله أهل بيت نبيه، - صلى الله عليه ~~وسلم -، ورضي عنهم، ومن لم يرضه للملك بعز الإمامة ورفعة الولاية ~~والاستيلاء على محاب القلوب، فاسترعاهم الله قلوب العالمين بما استرعى ~~الملوك بعض حواس المستخدمين والمستتبعين، والذل مقابل ذلك العزة فإذا كان ~~ذلك العز عزا دينيا ربانيا عوضا عن سلب الملك، كان هذا الذل ms272 - والله تعالى ~~أعلم - ذل أهل الدنيا في دنياهم الذي ألزمهم الله، سبحانه وتعالى إياه بما ~~أذلتهم أنفسهم فاستعملتهم في شهواتها، وأذلهم أتباعهم فتوسلوا بهم إلى قضاء ~~أعراضهم في أهوائهم، ويستذلهم من يظلمونه بما ينتصفون منهم، وينالهم من ذل # PageV01P553 # تضييع الدين، ويبدو على وجوههم من ظلمة الظلم ما يشهد ذلهم فيه أبصار ~~العارفين - انتهى. # {إنك على كل شيء قدير} # وقال الحرالي: ولما كانت هذه الآية متضمنة تقلبات نفسانية في العالم ~~القائم الآدمي، اتصل بها ذكر تقلبات في العالم الدائر، ليؤخذ لكل منها ~~اعتبار من الآخر. # ولما ظهر في هذه الآية افتراق في النزع، والإيتاء والإعزاز والأذلال، ~~أبدى في الآية التالية توالج بعضها في بعض، ليؤذن بولوج العز في الذل، ~~والذل في العز، والإيتاء في النزع، والنزع في الإيتاء، وتوالج المفترقات ~~والمتقابلات بعضها في بعض. # ولما كانت هذه السورة متضمنه لبيان الإحكام والتشابه في منزل الكتاب بحكم ~~الفرقان، أظهر، تعالى، في آياتها ما أحكم وبين في خلقه وأمره، [وما التبس ~~وأولج في خلقه وأمره -]، فكان من محكم آية في الكائن القائم الآدمي ما ~~تضمنه إيتاء الملك ونزعه من الإعزاز والإذلال، وكان من الاشتباه إيلاج العز ~~في الذل، وإيلاج الذل في العز، فلما صرح بالإحكام ببيان الطرفين في الكائن ~~القائم الآدمي، وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل، صرح به في آية ~~الكون الدائر، فذكر آية الآفاق، وهو الليل والنهار، بما يعاين فيها من ~~التوالج، حيث ظهر ذلك فيها، # PageV01P554 # وخفي في توالج أحوال الكائن القائم، لأن الإحكام والاشتباه متراد بين ~~الآيتين: آية الكائن القائم الآدمي، وآية الكون الدائر العرشي، فما وقع ~~اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه في الآخر، فقال سبحانه وتعالى: {تولج} من ~~الولوج، وهو الدخول في الشيء الساتر لجملة الداخل. {الليل في النهار} فيه ~~تفصيل من مضاء قدرته، فهو، سبحانه وتعالى، يجعل كل واحد من المتقابلين ~~بطانة للآخر، والجأ فيه على وجه لا يصل [إليه -] منال العقول، لما في ~~المعقول من افتراق المتقابلات، فكان في القدرة إيلاج المتقابلات بعضها في ~~بعض، وإيداع ms273 بعضها في بعض، على وجه [لا - يتكيف بمعقول ولا ينال بفكر - ~~انتهى. ### | {وتولج النهار في الليل} # قال الحرالي: ولما جعل المتعاقبين من الليل والنهار متوالجين، جعل ~~المتباطنين من الحي والميت مخرجين، فما ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة، وما ~~ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت - انتهى. # {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} # قال الحرالي: فهذه سنة الله، سبحانه وتعالى، وحكمته في الكائن القائم، ~~وفي الكون الدائر. # PageV01P555 # فأما في الكون الدائر فبإخراج حي الشجر والنجم من موات البذر والعجم، ~~وبظهوره في العيان كان أحكم في البيان مما يقع في الكائن القائم. # كذلك الكائن القائم يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل. # {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له ~~أنه عدو لله تبرأ منه} ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم {يا نوح إنه ~~ليس من أهلك} أظهر، سبحانه وتعالى، بذلك وجوه الإحكام والاشتباه في آيتي ~~خلقه، ليكون ذلك آية على ما في أمره، وليشف ذلك عما يظهر من أمر علمه ~~وقدرته على من شاء من عباده، كما أظهر في ملائكته وأنبيائه، وكما خصص بما ~~شاء من إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين: مثل آدم وعيسى، عليهما الصلاة ~~والسلام، فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من التبس عليه أمر ~~عيسى، عليه الصلاة والسلام، فهو، تعالى، أظهر من # PageV01P556 # موات الإنسانية ما شاء من الإحياء بإذنه، وأظهر في آدم، عليه الصلاة ~~والسلام، ما شاء من علمه، حين علم آدم الأسماء كلها، كذلك أظهر في عيسى، ~~عليه الصلاة والسلام، ما شاء من قدرته، كما أظهر في الخلق ما شاء من ملكه، ~~فملك من شاء، ونزع الملك ممن شاء، وأعز من شاء، وأذل من شاء، وأظهر بالنهار ~~ما شاء، وطمس بالليل ما شاء، وأولج المتقابلين بعضهما في بعض، وأخرج ~~المتباطنين بعضهما من بعض - انتهى. # {وترزق من تشاء بغير حساب} # وقال الحرالي: ولما ذكر، سبحانه وتعالى، هذا الإحكام والاشتباه في أمر ~~العلية من الخلق، أهل شرف الملك، ms274 وأهل عزة الدين، ختم الخطاب بأمر الرزق ~~الذي هو تتمة الخلق، وفيه من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع، ~~ولما فيه من الوزن والإيتاء بقدر، ختم بأعزيه. وهو الإرزاق الذي لا يقع على ~~وزن، ولا يكون بحساب، وفيه إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم ~~المحمدي للذين يوتيهم الله، سبحانه # PageV01P557 # وتعالى، ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه بغير حساب. فكما ختم الملك لبني ~~إسرائيل بملك سليمان، عليه الصلاة والسلام، في قوله سبحانه وتعالى: [{هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} كذلك يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير ~~حساب، حين تلقي الأرض بركاتها، وتتطهر من فتنتها، فتقع المكنة في ختم اليوم ~~المحمدي بالهداية والهدنة، كما انقضت لبني إسرائيل بالملك والقوة - انتهى. # وقال الحرالي: ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى بخصوص هذه الأمة ~~وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا حساب فيه، كان من الحق أن تظهر ~~على المبشرين عزة البشرى، فلا يتولوا غيره، ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه ~~في إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وأظهر إحاطة قدرته على كل شيء، ~~وإقامة امتحانه بما أولج وأخرج، وأنبأ عن إطلاق حد العد عن أرزاقه، فسد على ~~النفس الأبواب التي منها تتوهم الحاجة إلى الخلق، ونهى المؤمنين الذين كانت ~~لهم عادة # PageV01P558 # بمباطنة بعض كفرة أهل الكتاب وغيرهم من المشركين، ومن شملهم وصف الكفر أن ~~يجروا على عادتهم في موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم، لأن المؤمنين ~~يفاوضونهم بصفاء، والكافرون يتسمعون ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم، كما ~~قال تعالى: {هائئغ ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} فنهاهم الله، سبحانه ~~وتعالى، عما غاب عنهم خبرته وطيته. ### | {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} # لأن في ذلك - كما # قال الحرالي: تبعيد القريب وتقريب البعيد، والمؤمن أولى بالمؤمن، كما ~~قال، عليه الصلاة والسلام: "المؤمن [للمؤمن -] كالبيان، يشد بعضه بعضا" ~~فأقواهم له ركن، وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي، فإذا والاه قوي به مما ~~يباطنه ويصافيه، وإذا اتخذ الكافر وليا من دون مؤمنه القوي، ربما تداعى ~~ضعفه ms275 في إيمانه إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين، كما أنهم لما ~~أصاخوا إليهم إضاخة أوقعوا بينهم سباب الجاهلية [كما] في قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إن # PageV01P559 # تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} وكما قال ~~سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على ~~أعقابكم فتنقلبوا خاسرين}. # ولم يمنع، سبحانه وتعالى، من صلة أرحام من لهم من الكافرين، ولا من ~~خلطتهم في أمر الدنيا، فيما يجري مجرى المعاملة من البيع والشراء والأخذ ~~والعطاء، وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل الدين، ولا يضرهم أن يباروا من لم ~~يحاربهم من الكافرين - انتهى. # {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} # قال الحرالي: ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو من الله في شيء، ~~بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله، سبحانه وتعالى، من الذين إذا ~~رأوا ذكر الله - انتهى. # {ويحذركم الله نفسه} وهذا المحذور منه وهو، سبحانه وتعالى، كما # قال الحرالي: مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها ~~أنفسهم، وموجود النفس ما تنفس، وإذا كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى ~~حد مستطاعها، فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالى ~~أوصافه وأسمائه أن تنفس على من # PageV01P560 # يغنيه فلا يستغني، ويكفيه فلا يكتفي، ويريه مصارف سد خلاته وحاجاته فلا ~~ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها، فهو، سبحانه وتعالى، يعذب من تعرف له بنفسه ~~فلم يعرفه، أشد من عذاب من تعرف له بآياته فلا يعتبر بها، بما أن كل ما ~~أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب، فلا ~~أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه فعرفه، ولا أشد من عذاب من تعرف له بنفسه ~~فأنكره - انتهى. # {وإلى الله المصير} # وقال الحرالي: ولما كان الزائل أبدا مؤذنا بترك الاعتماد [عليه -]، أقام، ~~تعالى، على المتمسك بما دونه حجة بزواله، فلا يستطيع الثبات عليه، عندما ~~تناله [الإزالة] والإذهاب، ويصير الأمر كله لله، فأعلم ms276 أن المصير المطلق ~~إلى الله، سبحانه وتعالى، فمن تعرف إليه فعرفه نال أعظم النعيم، ومن تعرف ~~إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى. # وقال الحرالي: ولما كان حقيقة ما نهى عنه في الولاية والتقاة أمرا باطنا # PageV01P561 # يترتب عليه فعل ظاهر، فوقع التحذير فيه على الفعل، كرر فيه التحذير على ~~ما وراء الفعل مما في الصدور، [و -] نبيه فيه على منال العلم خفية، فإنه قد ~~يترك الشيء فعلا ولا تترك النفس الغية صغوا ونزوعا إليه في أوقات، وكرر في ~~ختمه التحذير، ليتثنى التحذيران ترقيا من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية ~~في العلم، كما تثنى الأمران في الظاهر والباطن، وكان في إجراء هذا الخطاب ~~على لسان النبي، - صلى الله عليه وسلم -، حجة عليهم بما أنه بشر مثلهم، ~~يلزمهم الاقتداء به فيما لم يبادروا إلى أخذه من الله في خطابه الذي عرض به ~~نحوهم - انتهى. ### | {لو أن بينها وبينه أمدا} # قال الحرالي: وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري، فهو مقدار ما ~~يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه، {بعيدا} من البعد، وهو منقطع ~~الوصلة في حس أو معنى - انتهى. # {ويحذركم الله نفسه} # قال الحرالي: أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة، ~~بل الذي ينبغي أن يبرأ العبد من نفسه تربئته من أن يكون له إرادة، وأن ~~يلاحظ علم الله وقدرته في كلية ظاهره وباطنه، وظاهر الكون وباطنه - انتهى. # PageV01P562 # {والله رءوف بالعباد} # قال الحرالي: فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائيا، والتحذير السابق ~~انتهائيا، فكان هذا رأفة سابقة، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيرا ~~لاحقا متصلا بالمصير إلى الله، وهذا الخاتم مبتدئا بالرأفة من الله. # والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة، والذي يفصح عن المعنى - ~~والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة، فهي ~~رحمة ذي الصلة بالراحم، فمن تحقق أن الأمر لله، سبحانه وتعالى، وجد رفقه ~~وفضله ورحمته عليه، لما بريء من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه، فأحبه ~~لذلك. ms277 # "قيل لأعرابي: إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله، فقال: أتهددونني بمن لم أر ~~الخير قط إلا منه! فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحده، وبما ~~وحده في العاجلة، فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى. # وقال الحرالي: لما كان أعظم ما يترامى إليه مقامات السالكين إلى الله، ~~سبحانه وتعالى، القاصدين إليه من مبدأ حال الذكر، الذي هو منتهي المقامات ~~العشر المترتبة في قوله، سبحانه وتعالى: {إن المسلمين} محبة الله سبحانه # PageV01P563 # وتعالى، بما أن المحبة وصلة خفية يعرف الحاس بها كنهها، أقام، سبحانه ~~وتعالى، الحجة على المترامين لدعوى القرب من الله، والادعاء في أصل ما يصل ~~إليه القول من محبته، بما أنبأهم أن من انتهى إلى أن يحب الله، سبحانه ~~وتعالى، فليتبع هذا النبي الذي أحبه، سبحانه وتعالى، [فمن اتبعه أحبه الله ~~-]، فقامت بذلك الحجة على كل قاصد وسالك ومتقرب، فإن نهاية الخلق أن يحبوا ~~الله، وعناية الحق أن يحب العبد، فرد، سبحانه وتعالى، جميع من أحاط به ~~الاصطفاء والاجتباء والاختصاص، ووجههم إلى وجهة الاتباع لحبيبه الذي أحبه، ~~كما قال، - صلى الله عليه وسلم -: "لو أن موسى بين أظهركم ما وسعه إلا ~~اتباعي" وإذا كان ذلك في موسى، عليه الصلاة والسلام، كان في المنتحلين ~~لملته ألزم، بما هم متبعون لملته عندهم، وأصل ذلك أنه، - صلى الله عليه ~~وسلم -، لما كان المبدأ في الأبد وجب أن يكون النهاية في المعاد، فألزم ~~الله، # PageV01P564 # سبحانه وتعالى، على الخليقة ممن أحب الله، سبحانه وتعالى، أن يتبعوه، ~~وأجرى ذلك على لسانه إشعارا بما فيه من الخير والوصول إلى الله، سبحانه ~~وتعالى، من حيث إنه نبي البشرى، وليكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه - انتهى. # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} # قال الحرالي: قد فسر - صلى الله عليه وسلم -، ظاهر اتباعه فقال: {في ~~البر} وأصل حقيقته الإيمان بالله والإيثار لعباده والتقوى، وهي ملاك الأمر ~~وأصل الخير، وهي اطراح استغناء العبد بشيء من شأنه، لا من ملك ولا من ملك، ~~ولا من فعل ولا من ms278 وصف، ولا من ذات، حتى يكون عنده، كما هو عند ربه في ~~أزله، قبل أن يكون موجردا لنفسه، ليكون أمره كله بربه في وجوده، كما كان ~~أمره بربه قبل وجوده لنفسه، وقد فسر حق التقاة التي هي غاية التقوى، بأن ~~يكون العبد يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، ويطيع فلا يعصي - انتهى. # {يحببكم الله} # قال الحرالي: فإن من رد الأمانة إلى الله، سبحانه وتعالى، أحبه الله، ~~فكان سمعه وبصره ويده ورجله، وإذا أحب الله عبدا أراحه وأنقذه من # PageV01P565 # مناله في أن يكون هو يحب الله، فمن أحب الله وله، ومن أحبه الله سكن في ~~ابتداء عنايته، وثبته الله، سبحانه وتعالى - انتهى. # وقال الحرالي: ولما كان من آية حب الله له، - صلى الله عليه وسلم -، ما ~~أنزل عليه من قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر} أجرى لمن أحبه الله باتباعه حظ منه في قوله: {ويغفر لكم ~~ذنوبكم} أي مطلقا، وذنب كل عبد بحسبه لأن أصل معنى الذنب أدنى مقام العبد، ~~فكل ذي مقام أعلاه حسنته، وأدناه ذنبه، ولذلك في كل مقام توبة، حتى تقع ~~التوبة [من التوبة]، فيكمل الوجود والشهود. # ولما كان هذا الأمر من أخص ما يقع، وكان مما دونه مقامات خواص الخلق، ~~فيما بين إسلامهم إلى محبتهم لله، سبحانه وتعالى، ختم، تعالى، بما يفهم ~~أحوال ما يرجع إلى من دون هذا الكمال فقال: {والله} أي الذي له الكمال كله ~~{غفور رحيم} أي لمن [لم -] ينته لرتبة حب الله، بما يقع في أثناء أحواله من ~~موجب المغفرة واستدعاء الرحمة، حيث لم يصل إلى المحبة، فمرحوم بعد مغفرة، ~~وهو القاصد، ومغفور بعد محبة، وهو الواصل - انتهى. # PageV01P566 # وقال الحرالي: ولما ذكر، تعالى، ما تقدم من التحذيرين في رتبتين: أولاهما ~~في الذكر نجاتين من موجب التحذيرين، فكان الاتباع موجب النجاة من التحذير ~~الثاني الباطن، الذي مبدؤه الرأفة. وكان الطاعة موجب النجاة من التحذير ~~الأول السابق، فمن أطاع الله ورسوله فيما نهى عنه من اتخاذ ms279 ولاية الكافرين ~~من دون ولاية المؤمنين، سلم من التحذير الظاهر، ومن اتبع الرسول، فأحبه ~~الله، سلم من التحذير الباطن، فختم الخطاب بما به بدأ، أو لما كانت رتبة ~~الاتباع عليا وليتها رتبة الائتمار، فهو إما متبع على حب، وإما مؤتمر على ~~طاعة، فمن لم يكن من أهل الاتباع، فليكن من أهل الطاعة، فكأن الخطاب يفهم: ~~{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} فإن لم تستطيعوا أن تتبعوني فأطيعوني - ~~انتهى. ### | {قل أطيعوا الله والرسول} # قال الحرالي: فكان إشارة ذلك إلى ما نهوا عنه من التولي، إلى ما ينتظم في ~~معنى ذلك، وفيه إشعار بأن الأمر يكون فيه محوطا # PageV01P567 # بالرحمة، من حيث ذكر الرسول فيه، بما هو رحمة للعالمين {فإن تولوا} أي عن ~~طاعة خطاب الله والرسول المحفوف باللطف من الله، سبحانه وتعالى، [والرحمة ~~-] من رسول الله - انتهى. # {فإن الله لا يحب الكافرين} # قال الحرالي: أفرد الأمر لله، لما كان وعيدا، إبقاء لرسوله، - صلى الله ~~عليه وسلم -، في حيز الرحمة. # ولما نفى عمن تولى أن يحبه، كان في إشعاره أن هذا الكفر عموم كفر، يداخل ~~رتبا من الإيمان، من حيث نفى عنه الحب، فنفى عنه ما يناله العفو أو المغفرة ~~والرحمة، ونحو ذلك، بحسب رتب تناقص الكفر، لأنه كفر دون كفر، [ومن فيه كفر ~~-] فهو غير مستوف اتباع الرسول، بما أنه الماحي الذي يمحو الله به الكفر، ~~وإنما يحب الله من اتبع رسوله، فعاد الختم في الخطاب إلى إشعار من معنى ~~أوله، وفي إلاحته أن حب الله للعبد بحسب توحيده، فكلما كان أكمل توحيدا كان ~~أحب، وما سقط عن رتبة أدنى التوحيد، الذي هو محل الأمر بطاعة الله، سبحانه ~~وتعالى، ورسوله، - صلى الله عليه وسلم -، كان كفرا بحسب ما يغطي على تلك ~~الرتبة من التوحيد، لأن هذه السورة سورة إلهية إيمانية حبية توحيدية، ~~فخطابها مخصوص بما يجري في حكم ذلك من الإيمان والكفر والمحكم والمتشابه، ~~وكشف # PageV01P568 # غطاء الأعين، ورفع حجب القلوب. انتهى. # وقال الحرالي: لما كان منزل هذه السورة لإظهار المحكم والمتشابه، في ms280 ~~الخلق والأمر، قدم، سبحانه وتعالى، بين يدي إبانة متشابه خلق عيسى، عليه ~~الصلاة والسلام، وجه الاصطفاء المتقدم للآدمية ومن منها من الذرية، لتظهر ~~معادلة خلق عيسى، عليه الصلاة والسلام، آخرا، لمتقدم خلق آدم، عليه الصلاة ~~والسلام، أولا، حتى يكونا مثلين محيطين بطرفي الكون في علو روحه ودنو أديم ~~تربته، وأنه، سبحانه وتعالى، نزل الروح إلى الخلق الآدمي، كما قال: {ولو ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} وظهر أثر ذلك اللبس بما ~~وقع لأهل الزيغ في عيسى، كما أنه رقى الخلق الطيني رتبة رتبة إلى كمال ~~التسوية، إلى أن نفخ فيه من روحه، فكان ترقي الآدمي إلى النفحة لتنزل الروح ~~إلى الطينة الإنسانية، التي تم بها وجود عيسى، # PageV01P569 # عليه الصلاة والسلام، كما كمل وجود آدم، عليه الصلاة والسلام، بالنفخة. # ولما كان أصل الإبداء نورا عليا نزله الحق، سبحانه وتعالى، في رتب ~~التطوير والتصيير والجعل، إلى أن بدأ عالما دنيويا محتويا على الأركان ~~الأربعة. والمواليد الثلاثة، وخفيت نورانيته في موجود أصنافه، صفى الله، ~~سبحانه وتعالى من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي، فكان صفي الله، فأنبأ ~~الخطاب عن تصييره إلى الصفاء بالافتعال - انتهى. ### | {إن الله اصطفى آدم} # قال الحرالي: فاصطفاه من كلية مخلوقه الذي أبداه فسماه وملكوتا، خلقا ~~وأمرا، وأجرى اسمه من أظهر ظاهره الأرضي، وأدنى أدناه، فسماه آدم، من أديم ~~الأرض، على صيغة أفعل، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية، فكان مما ~~أظهر، تعالى، في اصطفاء آدم، ما ذكر جوامعه علي، رضي الله عنه، في قوله: ~~لما خلق الله، سبحانه وتعالى، آدم أبان فضله للملائكة، وأراهم ما اختصه به ~~من سابق العلم، من حيث علمه، عند استنبائه إياه، أسماء الأشياء # PageV01P570 # فجعل الله، سبحانه وتعالى، آدم محرابا وكعبة وبابا وقبلة، أسجد له ~~الأبرار والروحانيين الأنوار، ثم نبه آدم على مستودعه، وكشف له خطر ما ~~ائتمنه عليه، بعد أن سماه عند الملائكة إماما، فكان تنبيهه على خطر أمانته ~~ثمرة اصطفائه - انتهى. # {ونوحا} # وقال الحرالي: أنبأ، تعالى، أنه عطف لنوح، عليه الصلاة ms281 والسلام، اصطفاء ~~على اصطفاء آدم، ترقيا إلى كمال الوجود الآدمي، وتعاليا إلى الوجود الروحي ~~العيسوي، فاصطفى نوحا، عليه الصلاة والسلام، بما جعله أول رسول بتوحيده، من ~~حيث دحض الشرك، وأقام كلمة الإيمان بقول: {لا إله إلا الله} لما تقدم بين ~~آدم ونوح من عبادة الأصنام والأوثان، فكان هذا الاصطفاء اصطفاء باطنا لذلك ~~الاصطفاء الظاهر، فتأكد الاصطفاء، وجرى من أهلكته طامة الطرفان مع نوح، ~~عليه الصلاة والسلام، من الذر الآدمي، مجرى تخليص الصفاوات من خثارتها، [و ~~-] كما صفى آدم من الكون كله، صفي نوحا، عليه الصلاة والسلام، وولده ~~الناجين معه، من مطرح # PageV01P571 # الخلق [الآدمي -] الكافرين، الذين لا يلدون إلا فاجرا كفارا، فلم يكن ~~فيهم، ولا في مستودع ذراريهم، صفاوة تصلح لمزية الإخلاص الذي اختص بصفوته ~~نوح، عليه الصلاة والسلام، [{وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} ~~فكان ميثاق نوح، عليه السلام -] ما قام به من كلمه التوحيد ورفض الأصنام ~~والطاغوت، التي اتخذها الظلمانيون من ذر آدم، فتصفى بكلمة التوحيد ~~النورانيون منه، فكان نوح، عليه الصلاة والسلام، ومن نجا معه صفوة زمانه، ~~كما كان آدم صفوة حنيه - انتهى. # {وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) ذرية بعضها من بعض} # وقال الحرالي: فإثبات هذه الجملة بتشابه وتماثل تتعالى عن نحوه الإلهية، ~~فأبان هذا الخطاب في عيسى، عليه الصلاة والسلام، اصطفاء من # PageV01P572 # جملة هذا الاصطفاء، فكما لم يقع فيمن سواه لبس من أمر الإلهية، فكذلك ~~ينبغي أن لا يقع فيه هو أيضا لبس لمن يتلقن بيان الإحكام والتشابه من الذي ~~أنزل الكتاب محكما ومتشابها، وأظهر الخلق باديا وملتبسا انتهى. # وقال الحرالي: في التعبير عن اصطفاء إبراهيم ومن بعده، عليهم الصلاة ~~والسلام، في إشعار الخطاب، اختصاص إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، بما هو ~~أخص من هذا الاصطفاء، من حيث انتظم في سلكه آله، لاختصاصه هو بالخلة، التي ~~لم يشركه فيها أهل هذا الاصطفاء، فاختص نمط هذا الاصطفاء بآله، وهم - ~~والله، سبحانه وتعالى، أعلم - إسحاق ويعقوب والعيص، عليهم الصلاة والسلام، ~~ومن هو [منهم -] من ذريتهم، لأن إسماعيل، ms282 عليه السلام، اختص بالوصلة، بين ~~إبراهيم الخليل، ومحمد الحبيب، صلوات الله وسلامه عليهم، فكان مترقي ما هو ~~لهم من وراء هذا الاصطفاء، ولأن إنزال هذا الخطاب لخلق عيسى، عليه الصلاة ~~والسلام، وهو من ولد داوود، عليه # PageV01P573 # الصلاة والسلام، فيما يذكر، وداوود من سبط لاوي بن إسرائيل، عليهم الصلاة ~~والسلام، فيما ينسب، فلذلك - والله، سبحانه وتعالى، أعلم - جرى هذا ~~الاصطفاء على آله، فظهر من مزية هذا الاصطفاء لآله ما كان من اصطفاء موسى، ~~عليه السلام، بالتكلم، وإنزال الكتاب السابق {يا موسى إني اصطفيتك على ~~الناس} فكان هذا الاصطفاء استخلاص صفاوة من صفاوة نوح، عليه الصلاة ~~والسلام، المستخلصين من صفاوة آدم، عليه الصلاة والسلام، وآل عمران - ~~والله، سبحانه وتعالى، أعلم - مريم وعيسى، عليهما الصلاة والسلام ليقع ~~الاصطفاء في نمط يتصل من آدم إلى عيسى، عليهما الصلاة والسلام، ليحوزوا ~~طرفي الكون روحا وسلالة، والعالمون علم الله الذي له الملك، فكما أن الملك ~~لابد له من علم يعلم به بدوه وظهوره، جعل الله ما أبداه من خلقه علما على ~~ظهور ملكه بين # PageV01P574 # يدي ظهور خلقه في غاية يوم الدين عاما، وفي يوم الدنيا لمن شاء من أهل ~~اليقين والعيان خاصا، وأعلى معناه بما ظهر في لفظه من الألف الزائدة على ~~لفظ العلم، فاصطفى، سبحانه وتعالى، آدم، عليه الصلاة والسلام، على ~~الموجودين في وقته، وكذلك نوحا وآل إبراهيم، وآل عمران، كلا على عالم ~~زمانه، ومن هو بعد في غيب لم تبد صورته في العالم العياني، لم يلحقه بعد ~~عند أهل النظر اسم العالم، وأشار، سبحانه وتعالى، بذكر الذرية من معنى ~~الذرء، الذي هو مخصوص بالخلق، ليظهر انتظام عيسى، عليه الصلاة والسلام، في ~~سلك الجميع ذرءا. وأنه لا يكون مع الذرء لبس الإلهه، لأن الله، سبحانه ~~وتعالى، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فكان نصب لفظ الذرية تكييفا ~~لهذا الاصطفاء المستخلص على وجه الذر، وهو الذي يسميه النحاة حالا - انتهى. # وقال الحرالي: لما كان من ذكر في الاصطفاء إنما ذكر توطئة لأمر عيسى، ms283 ~~عليه الصلاة والسلام، اختص التفصيل بأمر عيسى، عليه الصلاة # PageV01P575 # والسلام، دون سائر من ذكر معه، وكان في هذه المناظرة بين السورتين حظ من ~~التكافؤ، من حيث ذكر [أمر -] خلق آدم، عليه الصلاة والسلام، في سورة ~~البقرة، فذكر خلق المثل المناظر له في السورة المناظرة لسورة البقرة، وهي ~~هذه السورة، فعاد توقيت هذا القول إلى غاية هذا الاصطفاء. فأنبأ عن ابتداء ~~ما اختص منه بعيسى، عليه الصلاة والسلام، من قول أم مريم امرأة عمران، حين ~~أجرى على لسانها، وأخطر بقلبها أن تجعل ما في بطنها نذرا، ففصل ما به ختم ~~من اصطفاء ال عمران. ولذلك عرفت أم مريم في هذا الخطاب بأنها امرأة عمران، ~~ليلتئم التفصيل بجملته السابقة {رب إني نذرت لك ما في} وكان نذر الولد ~~شائعا في بني إسرائيل، إلا أنه كان عندهم معهودا في الذكور، لصلاحهم لسدانة ~~بيت الله والقيام به، فأكمل الله، سبحانه وتعالى، مريم لما كمل له الرجال، ~~كما قال، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من ~~النساء إلا أربع" فذكر مريم بنت # PageV01P576 # عمران، عليها السلام، فكان من كمالها خروج والدتها عنها، وكان أصله من ~~الأم التي لها الإشفاق، فكان خروجها أكمل من خروج الولد، لأنها لها في زمن ~~الحمل والرضاع والتربية إلى أن يعقل الولد أباه، فحينئذ يترقى إلى حزب ~~أبيه، ولذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - أرى إبراهيم، عليه الصلاة ~~والسلام، ذبح ولده عند تمييزه، وخرجت امرأة عمران عن حملها، وهو في بطنها، ~~حينما هو أعلق بها - انتهى. ### | {محررا} # قال الحرالي: والتحرير طلب الحرية، والحرية رفع اليد عن الشيء من كل وجه، ~~وفي الإيتان بصيغة التكثير والتكرير إشعار بمضي العزيمة في قطع الولاية عنه ~~بالكلية، لتسلم ولايته لله تعالى - انتهى. # {رب إني وضعتها} # قال الحرالي: من الوضع، وهو إلقاء الشيء المستثقل {أنثى} هي أدنى زوجي ~~الحيوان المتناكح - انتهى. # {والله أعلم بما وضعت} وفي قراءة إسكان التاء الذي [هو -] إخبار من الله، ~~سبحانه وتعالى، عنها - كما # قال الحرالي - إلاحة معنى أن ms284 مريم عليها، الصلاة والسلام، وإن كان ظاهرها ~~الأنوثة، ففيها حقيقة المعنى الذي ألحقها # PageV01P577 # بالرجال في الكمال، حتى كانت ممن كمل من النساء، لما لا يصل إليه كثير من ~~رجال عالمها، فكان في إشعاره أن الموضوع كان ظاهره ذكرا وحقيقته انثى. # {وليس الذكر كالأنثى} # قال الحرالي: وفي إشعار هذا القول تفصل مما تتخوفه أن لا يكون ما وضعته ~~كفافا لنذرها، لما شهدت من ظاهر أنوثة ما وضعت، فجعلها الله، سبحانه ~~وتعالى، لها أكمل مما اشتملت عليه عزيمتها من رتبة الذكورة التي كانت ~~تعهدها، فكانت مريم، عليها السلام، أتم من معهود نذرها مزيد فضل من ربها ~~عليها، بعد وفاء حقيقة مقصودها في نذرها - انتهى. # {وإني سميتها مريم} # قال الحرالي: فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل له اسما، ~~ورد أن السقط إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول يارب، أضاعوني، فكان ~~من تمام أن وضعتها أن تسميها، فيكون إبداؤها [لها -] وضع عين وإظهار اسم، ~~لما في وجود الاسم من كمال الوجود في السمع، كما هو في العين، ليقع التقرب ~~والنذر بما هو كامل الوجود عينا واسما. # ولما كانت محررة لله، سبحانه وتعالى، كان حقا أن يجري الله، سبحانه ~~وتعالى، إعاذتها قولا، كما هو جاعلها معاذة كونا، من حيث هي له وما كان في ~~حمى الملك لا يتطرق إليه طريدة، فقالت: {وإني أعيذها بك} # PageV01P578 # وفي قول: {وذريتها} إشعار بما أوتيته من علم بأنها ذات ذرية، فكأنها نطقت ~~عن غيب أمر الله، سبحانه وتعالى، مما لا يعلمه إلا الله، فهو معلمه لمن ~~شاء. # ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره بعيدا ممن أحرقه بنار البعد، ~~وأهانه بالرجم، حققت الإعاذة بقولها: {من الشيطان الرجيم} وفي هذا التخليص ~~لمريم، عليها السلام، بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما شق صدره ~~ونبذ حظ الشيطان منه، وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية الكونية، وبماء ~~زمزم في البداية النبوية عند الانتهاء الكوني، فلذلك كان لمريم ولذريتها ~~بمحمد، - صلى الله عليه وسلم -، اتصال ms285 واصل، قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أن أولى الناس بعيسى ابن مريم، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي" وبما هو ~~حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من قومة دينه. # ولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال: {فتقبلها} فجاء بصيغة التفعل ~~متطابقة لقولها: {فتقبل} ففيه إشعار بتدرج وتطور وتكثر، كأنه يشعر # PageV01P579 # بأنها مزيد لها في كل طور تتطور إليه، من حيث لم يكن: {فتقبل مني} فلم ~~تكن إجابتها: {فتقبلها} فيكون إعطاء واحدا منقطعا عن التواصل والتتابع، فلا ~~تزال بركة تحريرها متجددا لها في نفسها وعائدا بركتة على أمها، حتى تترقى ~~إلى العلو المحمدي فتكون في أزواجه ومن يتصل به - انتهى. # {ربها} # قال الحرالي: وظهر سر الإجابة في قوله، سبحانه وتعالى: {بقبول حسن} حيث ~~لم يكن: {بتقبل} - جريا على الأول. # ولما أنبأ القبول عن معنى ما أوليته باطنا، أنبأ الإنبات عما أوليته ~~ظاهرا في جسمانيتها، وفي ذكر الفعل من أفعل في قوله {وأنبتها} والاسم من ~~"فعل" في ### | قوله: {نباتا حسنا} # إعلام بكمال الأمرين: من إمدادها في النمو، الذي هو غيب عن العيون، ~~وكمالها في ذاتية النبات الذي هو ظاهر للعين، فكمل في الإنباء والوقوع حسن ~~التأثر، وحسن الأثر، فأعرب عن إنباتها ونباتها معنى حسنا - انتهى. # PageV01P580 # وقال الحرالي: وقد أنبأ سبحانه وتعالى، في هذه السورة الخاصة بقصة مريم، ~~عليها الصلاة والسلام، من تقبلها وإنباتها وحسن سيرتها، بما نفى اللبس في ~~أمرها وأمر ولدها، لأن المخصوص بمنزل هذه السورة ما هو في بيان رفع اللبس ~~الذي ضل به النصارى، فيذكر في كل سورة ماهو الأليق والأولى بمخصوص منزلها، ~~فلذلك ينقص الخطاب في القصة الواحدة في سورة ما يستوفيه في سورة أخرى، ~~لاختلاف مخصوص منزلها، كذلك الحال في القصص المتكررة في القرآن، من قصص ~~الأنبياء، وما ذكر فيه لمقصد الترغيب والتثبيت والتحذير، وغير ذلك من وجوه ~~التنبيه - انتهى وفيه تصرف. # {وكفلها} # قال الحرالي: من الكفل، وهو حيازة الشيء من جميع جهاته، حتى يصير عليه ~~كالفلك الدائر {زكريا} وفي قراءة التشديد إنباء بأن الله سبحانه ms286 وتعالى، هو ~~في الحقيقة كفيلها، بما هو تقبلها، وفيه استخلاص لزكرياء من حيث جعله يد ~~وكالة له فيها. انتهى. ### | {كلما دخل عليها زكريا المحراب} # وقال الحرالي: هو صدر البيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه إلا بفضل منه ~~وقوة وجهد حرب، {وجد عندها رزقا} وذلك # PageV01P581 # كما وجد عند خبيث بن عدي الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، قطف العنب - كما ~~سيأتي في آخر المائدة - ومثل ذلك كثير في هذه الأمة. # وفي هذا العبارة، أي من أولها، إلاحة لمعنى حسن كفالته وأنه كان يتفقدها ~~عند تقدير حاجتها إلى الطعام، بما تفيده كلمة {كلما} من التكرار، فيجد ~~الكفيل الحق قد عاجلها برزق من غيب بما هو، سبحانه وتعالى، المتولي ~~لإنباتها، ليكون إنباتها من غيب رزقه، فتصلح لنفخ روحه ومستودع كلمته، ولا ~~يلحقها بعد الإعاذة ما فيه مس من الشيطان الرجيم، الذي أعاذها الله، سبحانه ~~وتعالى، منه بكثرة الاختلاط في موجودات الأرزاق، فكان من حظها أن تولى ~~الله، سبحانه وتعالى، إرزاقها من غيب، إلا ما يطيبه من باد، وليكون حسن ~~نباتها من أحسن رزق الله، سبحانه وتعالى، كما يقال: من غدى بطعام قوم غذى ~~بقلوبهم، ومن غذى بقلوبهم آل إلى منقلبهم. # PageV01P582 # وكانت هي مثل ما كفلها كافلها ظاهرا كلفته باطنا، حين أبدى الله سبحانه ~~وتعالى له من أمره مالم يكن قبل بداله، فكان لمريم، عليها الصلاة والسلام، ~~توطئة في رزقها، لما يكون كماله في حملها، فيكون رزقها بالكلمة ابتداء ~~ليكون حملها بالكلمة، فعند ذلك طلب زكريا، عليه السلام، نحو ما عاين لها، ~~من أن يرزقه الولد في غير إبانه، كما رزق مريم الرزق في غير أوانه، وفي ~~تعيين محلها بالمحراب ما يليح معنى ماذكر من رجوليتها باطنا، من حيث إن محل ~~النساء أن يتأخرن، فأبدى الله، سبحانه وتعالى، في محلها ذكر المحراب إشارة ~~بكمالها. والمحراب صدر البيت المتخذ للعبادة، وفي لزومها لمحرابها في وقت ~~تناول الرزق إعلام بأن الحبيس والمعتكف بيته محرابه، ومحرابه بيته، بخلاف ~~من له متسع في الأرض، ومحل من غير بيت ms287 الله، إنما المساجد بيوت أهل الله ~~المنقطعين إليه، فهو محلهم في صلاتهم، ومحلهم في تناول أرزاقهم، ففيه إشعار ~~بحضورها، وحضور أهل العكوف حضور سواء في صلاتهم وطعامهم، ولذلك أنمى حال ~~العبد عند ربه، بما هو عليه في حال تناول طعامه وشرابه، فأهل # PageV01P583 # الله سواء محياهم ومماتهم، وأكلهم وصلاتهم، من غفل عند طعامه قلبه، لم ~~يستطع أن يحضر في صلاته قلبه، ومن حضر عند طعامه قلبه، لم يغب في صلاته ~~قلبه، وفي ذكر الرزق شائعا إشعار بأنها أنواع من أرزاق، من حيث إنه لو اختص ~~يخص به ماهو أخص من هذا الاسم - انتهى. ### | {قال يا مريم أنى لك هذا} # قال الحرالي: كلمة {أنى} تشعر باستغرابه وجود ذلك الرزق من وجوه مختلفة: ~~من جهة الزمن؛ أنه ليس زمانه، ومن جهة المكان؛ أنه ليس مكانه، ومن جهة ~~الكيف ووصوله إليها؛ أنه ليس حاله. # وفي ذكر الضمير في قوله: {قالت هو من عند الله} إيذاد بنظرها إلى مجموع ~~حقيقة ذلك الرزق، لا إلى أعيانه، فهو إنباء عن رؤية قلب، لا عن نظر عين، ~~لأن {هو} كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت صورة مما اتحد مضمره، ولما لم يكن ~~[من معهود ما أظهرته حكمته، سبحانه، مما يجريه على معالجات أيدي الخلق، ~~قالت: {من عند الله} ذي الجلال والإكرام، لأن ما خرج -] من معهود معالجة ~~الحكمة فهو من عنده، وما كان مستغربا فيما هو من عنده فهو من لدنه، فهي ~~ثلاث رتب: رتبة لدنيه، ورتبة عندية، ورتبة # PageV01P584 # حكمية عادية، فكان هذا من وسط الثلاث، كما قال تعالى: {آتيناه رحمة من ~~عندنا وعلمناه من لدنا علما} حيث كان مستغربا عند أهل الخصوص، كما قال: ~~{أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} والإمر العجب، ولعلو رتبته عن ~~الرتبة العادية، جرى النبأ عنه مضافا إلى الاسم العظيم، الذي هو مسمى ~~الأسماء كلها، من حيث لم يكن: {من عند ربي} لما في ذكر اسم الربوبية من ~~إشعار بمادة أو قريب منها، أو ما كان من نحوها، كما قال: {هذا من ms288 فضل ربي} ~~لما كان من عادته المكنة على الملوك، وكان ممكنا فيما أحاط به موجود ~~الأركان الأربعة - انتهى. # {إن الله} # قال الحرالي: في تجديد الاسم العظيم في النبأ إشعار باتساع النبأ وإيذان ~~وإلاحة بأن ذلك يكون لك، ولمن شاء الله، كما هو لي بما شاء الله، من حيث لم ~~يكن: "إنه" فيكون مليحا لاختصاص ما بها، ويؤيده عموم قولها: {يرزق من يشاء} ~~وقولها: {بغير حساب} يشعر بأنه عطاء متصل، فلا يتحدد ولا يتعدد، فهو رزق لا ~~متعقب عليه، لأن كل محسوب في # PageV01P585 # الإبداء محاسب عليه في الإعادة، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة ~~بشرى برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكر عنه، لأن أعظم الشكر لرزق ~~الله، سبحانه وتعالى، معرفة العبد بأنه من الله تعالى، إنما يشكر رزق الله ~~من أخذه من الله، سبحانه وتعالى - انتهى. ### | {هنالك دعا زكريا ربه} # قال الحرالي: لما أشهده الله، سبحانه وتعالى، أنه يخرق عادته لما شاء ~~بكلمته في حق كفيلته في الظاهر، الكافلة له في هذا المعنى، دعا ربه الذي ~~عوده بالإحسان [أن -] يرزقه ولدا في غير إبانه، كما رزق مريم رزقا في غير ~~زمانه فوجب دعاؤه - انتهى. # قال: {قال رب هب لي من لدنك} # قال الحرالي: طلب عليه من باطن الأمر، كما قال، سبحانه وتعالى: {وعلمناه ~~من لدنا علما} وكما قال فيه {وحنانا من لدنا} لأن كل ما كان من {لدن} فهو # PageV01P586 # أبطن من {عند}. {ذرية} فيه إشعار بكثرة ونسل باق، فأجيب بولد فرد. لما ~~كان زمان انتهاء في ظهور كلمة الروح، وبأنه لا ينسل، فكان يحيى حصورا لغلبة ~~الروحانيه على إنسانية - انتهى. # {إنك سميع الدعاء} # قال الحرالي: أعلم الداعي بما لله، سبحانه وتعالى، من الإجابة والقرب ~~وسيلة في قبول دعائه - انتهى. ### | {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} # قال الحرالي: فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته في قيامه، وأن ~~الغالب على صلاته القيام، لأن الصلاة قيام، وسجود يقابله، وركوع متوسط، ~~فذكرت صلاته بالقيام إشعارا بأن حكم القيام غالب عليها ms289 - انتهى. # {أن الله يبشرك} # قال الحرالي: فذكر الاسم الأعظم المحيط معناه بجميع [معاني -] الأسماء، ~~ولم يقل: {إن ربك} لما كان أمر إجابته من وراء الحكمة العادية. وفي قوله: ~~{بيحيى} مسمى بصيغة الدوام - مع أنه كما قيل: قتل - إشعار بوفاء حقيقة ~~الروحانية الحياتية فيه دائما، لا يطرقه طارق موت الظاهر، حيث قتل شهيدا - ~~انتهى. # PageV01P587 ### | {مصدقا بكلمة} # قال الحرالي: فكان عيسى، عليه الصلاة والسلام، كلمة الله، سبحانه وتعالى، ~~ويحيى مصدقه بما هو منه كمال كلمته حتى إنهما في حماس واحدة، ففي قوله: {من ~~الله} إشعار بإحاطته في ذات الكلمة - انتهى. # {وسيدا وحصورا} # وقال الحرالي: وهو من الحصر وهو المنع عما شأن الشيء أن يكون مستعملا فيه ~~- انتهى. # {وامرأتي عاقر} # قال الحرالي: من العقر، وهو البلوغ إلى حد انقطاع النسل هرما - انتهى. # {إلا رمزا} # قال الحرالي: والرمز تلطف في الإفهام بإشارة تحرك طرف، كاليد واللحظ ~~والشفتين ونحوها، والغمز أشد منه، [باليد -] ونحوها - انتهى. # {وسبح بالعشي} # وقال الحرالي: من العشو، وأصل معناه إيقاد نار على علم لمقصد هدي أو قرى ~~ومأوى على حال وهن، فسمى به عشي النهار، لأنه وقت فعل ذلك، ويتأكد معناه في ~~العشاء، ومنه سمي الطعام العشاء. {والإبكار} وأصله المبادرة لأول الشيء، ~~ومنه التبكير، وهو السرعة، والباكورة، وهو أول ما يبدو من الثمر، فالإبكار ~~اقتطاف زهرة النهار، وهو أوله - انتهى. ### | {واصطفاك على نساء العالمين} # فمن هذا الاصطفاء - والله سبحانه # PageV01P588 # وتعالى أعلم - كما # قال الحرالي: أن خلصت من الاصطفاء الأول العبراني، إلى اصطفاء على عربي، ~~حتى أنكحت من محمد، - صلى الله عليه وسلم -، النبي العربي، قال - صلى الله ~~عليه وسلم - لخديجة، رضي الله تعالى عنها: "أما شعرت أن الله، سبحانه ~~وتعالى، زوجني معك مريم بنت عمران" - انتهى. ### | {يا مريم اقنتي لربك واسجدي} # قال الحرالي: وكان من اختصاص هذا الاصطفاء العلي - أي الثاني - ما اختصها ~~من الخطاب بالركوع الذي لحقت به بهذه الأمة الراكعة التي أطلعها الله، ~~سبحانه وتعالى، من سر عظمته، التي هي إزاره، على مالم يطلع عليه أحدا ممن ~~سواها في ms290 قوله: {واركعي مع الراكعين} كما قال لبني إسرائيل عند الأمر ~~بالملة المحمدية: {واركعوا مع الراكعين} إلى ما يقع من كمال مابشرت به، حيث ~~يكلم الناس كهلا في خاتمة اليوم المحمدي، ويكمل له الوجود الإنساني، حيث ~~يتزوج ويولد له - كما ذكر - وذلك كله فيما يشعر به [ميم التمام في ابتداء ~~الاسم وانتهائه، وفيما بين # PageV01P589 # التمامين من كريم التربية لها، ما يشعر به الراء من تولي الحق لها في ~~تربيتها ورزقها، وما تشعر به الياء من كمالها الذي اختصت به على عالمها - ~~انتهى. # {وما كنت لديهم} # قال الحرالي: لدى هي "عند" حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به عنه - ~~انتهى. # {إذ يلقون أقلامهم} [قال الحرالي: جمع قلم، وهو مظهر الآثار المنبئة عما ~~وراءها من الاعتبار - انتهى]. # {عيسى ابن مريم وجيها} # قال الحرالي: صيغة مبالغة مما منه الوجاهة، وأصل معناه الوجه، وهو ~~الملاحظ المحترم بعلو ظاهر فيه - انتهى. ### | {ويكلم الناس في المهد} # قال الحرالي: هو موطن الهدو والسكون للمتحسس اللطيف، الذي يكون بذلك ~~السكون والهدو قوامه - انتهى. # {وكهلا} # قال الحرالي: والكهولة سن من أسنان أرابيع الإنسان، وتحقيق حده # PageV01P590 # أنه الربع الثالث الموتر لشفع متقدم سنيه من الصبا والشباب، فهو خير ~~عمره، يكون فيمن عمره ألف شهر - بضع وثمانون سنة - من حد نيف وأربعين إلى ~~بضع وستين، إذا قسم الأرباع لكل ربع إحدى وعشرون سنة صبا، وإحدى وعشرون ~~شبابا، وإحدى وعشرون كهولة، وإحدى وعشرون شيوخة، فذلك بضع وثمانون سنة - ~~انتهى. ### | {ولم يمسسني بشر} # قال الحرالي: والبشر هم اسم المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في ~~أعلى قامته من معنى البشرة، وهو ظاهر الجلد. [انتهى]. ### | {أني أخلق لكم من الطين} # قال الحرالي: هو متخمر الماء والتراب، حيث يصير متهيئا لقبول وقوع الصورة ~~فيه. {كهيئة} وهي كيفية وضع أعضاء الصورة، بعضها من بعض، التي يدركها ظاهر ~~الحق - انتهى. # {فأنفخ} # قال الحرالي: من النفخ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة. [انتهى]. # {وأبرئ} # قال الحرالي: من الإبراء وهو تمام التخلص من الداء، والداء ما يوهن القوى ~~ويغير ms291 الأفعال العامة للطبع والاختيار - انتهى. # PageV01P591 # {الأكمه والأبرص} والكمه # قال الحرالي: ذهاب البصر في أصل الخلقة، كالذي يولد أعمى، أو يعمى قبل أن ~~يميز الأشياء أو يدركها. # وقال الحرالي: البرص عبارة عن سوء مزاج يحصل بسببه تكرج، أي فساد بلغم ~~يضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد - انتهى. # {وما تدخرون في بيوتكم} # قال الحرالي: من الادخار، افتعال من الدخرة، قلب حريفاه الدال لتوسط ~~الدال بين تطرفهما في متقابلي حالهما، والدخرة ما اعتنى بالتمسك به عدة لما ~~شأنه أن يحتاج إليه فيه، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار، وما كان ~~لتكسب فيما يكون من القوام فهو احتكار - انتهى. ### | {فلما أحس عيسى} # قال الحرالي: من الإحساس، وهر منال الأمر بادرا إلى العلم والشعور ~~الوجداني - انتهى. # PageV01P592 # {قال الحواريون} # قال الحرالي: جمع حواري، وهو المستخلص نفسه في نصرة من تحقق نصرته، بما ~~كان من إيثاره على نفسه بصفاء وإخلاص، لا كدر فيه ولا شوب - انتهى. ### | {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} # قال الحرالي: والمكر إعمال الخديعة والاحتيال في هدم بناء ظاهر كالدنيا، ~~والكيد إعمال الخدعة والاحتيال ففي هدم بناء باطن كالتدين والتخلق، وغير ~~ذلك، فكان المكر خديعة حس، والكيد خديعة معنى - انتهى. ### | {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} # قال الحرالي: جعل، سبحانه وتعالى، آدم، عليه الصلاة والسلام، مثلا مبدؤه ~~السلالة الطينية، وغايته النفخة الأمرية، وكان عيسى، عليه الصلاة والسلام، ~~مثلا مبدؤه الروحية والكلمة، وغايته التكمل بملابسة السلالة الطينية، حتى ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: إنه عند نزوله في خاتمة اليوم المحمدي يتزوج ~~امرأة من بني أسد، ويولد له غلام، لتكمل [به -] الآدمية في العيسوية، كما ~~كملت العيسوية في الآدمية، # PageV01P593 # وليكونا مثلا واحدا أعلى جامعا، {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} - ~~انتهى. ### | {ثم نبتهل} # وقال الحرالي: الابتهال طلب البهل، والبهل أصل معناه التخلي والضراعة في ~~مهم مقصود - انتهى. ### | {إن هذا لهو القصص الحق} # والقصص كما # قال الحرالي: تتبع الوقائع بالإخبار عنها شيئا بعد شيء، على ترتيبها، في ~~معنى قص الأثر، وهو اتباعه حتى ms292 ينتهي إلي محل ذي الأثر - انتهى. # * * * * ms293