######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0005400 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الفتح بن علي بن محمد البنداري الأصفهاني، أبو إبراهيم (المتوفى: 643هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 643 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مختصر سنا البرق الشامي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0005400 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-5400 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/5400 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | [مقدمة المؤلف] # وما توفيقي إلا بالله (1163) لنا بعد حمد الله على نعم نافحة الرياض، ونح ~~طافحة الحياض، ونرتع في سارحها ليلا ونهارا، ونكرع في شارعها سرا وجهارا، ~~ونلبس فضفاضها سائغا ونرد غياضها سابغا ثم الصلاة والسلام على سيدنا محمد ~~صفوة الأنام المطل من المجد على الغارب والسنام، الملحى بأنوار هدايته ظلم ~~ليالي الباطل المحلى بقلاليد رسالته بحر الزمان العاطل وعلى آله وأصحابه ~~مصابيح الرحمة ومجاديع الحكمة ومفاتيح الجنة. PageV01P001 # فأني لما رأيت أبلغ المراتب وأنجح الوسائل إلى خدمة مولانا السلطان الملك ~~المعظم ملك ملوك العرب والعجم أبي الفتح عيسى بن السلطان الملك العادل أبي ~~بكر بن أيوب لا زالت سماء الجلالة موشحة بدراري سيره الزاهرة ومطالع ~~الإقبال منورة بأشعة مكارمه الباهرة، والتمسك بعصم العلوم وأهداب الآداب ~~والتوسل بإخراج درر الكلم من لجج الحكم الطامية العباب. حبست نفسي ووقفت ~~نفسي مشيعا مآثر حضرته العالية، سالكا مناهج الإخلاص في السريرة والعلانية. ~~فالجنان يضم الولاء النافع، واللسان ينشر الثناء الشايع، والبنان يحرر بل ~~يجيز من مدحه الوشايع أفرغ الاستطاعة جريا على مقتضى الخدمة والطاعة فيما ~~يرجع بتخليد آثار بيته الكريم، ويعود بأعلى صيته العظيم في نظم تطبق فضائله ~~اللآفاق وتملأ بمناقبه خراسان والعراق، ونثر ينشر حلل معاليه في محافل ~~السلاطين وأندية الملوك، ويبث عرف أياديه وينظم عقد مساجيه مثل العنبر ~~المفروك والجوهر المسلوك. # ولما ترجمت لخزانته العالية كتب شهنامة التي توجت فيه سير الملوك ~~والسلاطين الأقدمين يغير مفاخرة وفضلت قلايد مناقبهم وعقود مكارمهم بزهر ~~مآثره نظرت في الكتاب الموسوم بالبرق الشامي للأمام السعيد عماد الدين ~~الأصفهاني فوجدت عمايمه تتدفق بأنواع الفوايد، وكمايمه تتفتق عن أنوار ~~الفوايد، تحتوي من البلاغة على إبكارها وعونها، وتشتمل من البراعة على ~~غررها وعيونها، فيه من السير السلطانية الناصرية والعادلية وساير الدوحة ~~الكريمة الأيوبية ما ينطبق على مثله كثير من الكتب المصنفة في التواريخ ~~والسير القديمة منها والحديثة. لكنني وجدت درر مقاصدة مكنونة في بحار ~~أسجاعه المتلاطمة الأمواج، ورأيت غرر فوايده مغمورة في غمار أوصافه ~~المتتابعة الأفواج ما بين قراين ms001 تشابكت قرون لواحقها في إصلاء سوابقها، ~~وأفانين تشاجرت فنون أغصانها في أرجاء حدايقها، فشذبت شجيراتها أدنيت جنا ~~جناتها لقاطفيها وجناتها، واقتصرت منها على ألفاظ هي كالمعارض لخرايد ~~معانيها الرايقة، وكالواسطة في قلايد قراينها المتناسقة، وكشفت أطباق حجبها ~~بل استار سحبها عن محتلى دراري سماتها، وأرحت قساطل خيلها وغياطل ليلها عن ~~مطالع مسمياتها، وتباشير أسمائها ولم أحم من الكتب النشأة في الوقايع ~~المذكورة إلا حول جهة من الكلم الجليلة الفاضلية، ونبذ من الكتب البديعة ~~العمادية سالكا مسلك الاختصار وناهجا منهج الاقتصار ثم وقفت له رسالتين في ~~ثلاث مجدات وسم احدتهما بالعقبى والعتبى وهي مشتملة على ما جرى بعد الأيام ~~الصلاحية مدة ثلاثة سنين، ووسم الثانية بخطفة البارق وهي محتوية على ~~الوقايع التي جرت من مفتتح سنة ثلاث وتسعين إلى رمضان سنة سبع وتسعين وفيها ~~تصرمت أيامه رحمه الله. # (1164) فرأيت أن أذيل بما أنتخبه منهما هذا المختصر لاشتمالهما على طرف من السير # الكريمة العادلية أنار الله برهانها ولمع من مطالع أنوار دولة السلطانين ~~العادلين مولانا الملك الكامل ومولانا الملك المعظم خلد الله سلطانهما وأعز ~~أنصارهما وأعوانهما ونتف في مدايحهما الزاهرة ومحامدهما الباهرة ونبذ من ~~أحوالهما في مفتتح جلالهما ومقبل إقبالهما وريعان سلطانهما وعنفوان شأنهما ~~خدمة منى للمواقف الكريمة والعتبات العالية وقضاء لبعض حقوق نعمهما العايدة ~~البادية وأياديها الرابحة العادية وسميته سنا البرق الشامي واستعنت في ذلك ~~وفي جميع أموري بالله سبحانه وتعالى وهو حسبي ونعم الوكيل. ### | [مقدمة العماد الأصفهاني] # قال الأمام العالم ذو البلاغتين عماد الدين ابو عبد الله بن محمد بن محمد ~~ابن حامد الكاتب الأصفهاني رحمه الله في صدر كتابه الموسوم بالبرق الشامي ~~وبعد # فإن الكريم من عرف حق المنعم عليه وشكر فضل المحسن إليه # وإذا خدم مخدوما أوجد كرمه بذكره وان صار معدوما وعرف من بين ما عرفه ما ~~كان مكتوما ومن استكفاني بالإنشاء لتنفيذ أوامره في حياته كافية بالأحياء ~~في إنشاء مفاخرة في مماته وهو الملك الناصر صلاح الدنيا والدين ابو المظفر ~~يوسف بن أيوب رحمه الله. فأني ms002 صحبته فكان خير مصحوب، وخطبت وده فألفيته ~~الآن مخطوب، ولما انقضى عصره وانقضت عمره PageV01P002 # خشيت أن ينقرض ذكره فأنشأت هذا الكتاب وأعطيته من البلاغة حظا وأعرته من ~~الفصاحة لحظا وافتكرت وابتكرت صياغته معنى ولفظا وسميته البرق الشامي لأني ~~وصلت في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة في دولة الملك العادل نور الدين ~~محمود بن زنكي سقى الله عهده عماد الرحمة فصادفت الدولة في أيامه والأيام ~~الصلاحية إلى السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين متناسقة المحاسن ~~وهيبتها بطيبها مستمرة على حسنها مستقرة، ثم التفت فإذا هي كبرق ومض وطرف ~~غمض وما أسرع ما انقضت وانقرضت تلك الليالي والأيام والشهور والأعوام. # وقد انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام. قال وأنا أقدم في هذا ~~الكتاب ذكر نبذ من أحوالي مع السلطان ثم أبتدئ بذكر معرفتي به وخدمتي له ~~وأضف مبادئ دولته إلى أن وصل إلى الشام وحضرت خدمته، وأصف سيره كل سنة وآتى ~~بشرح حسناته بكل حسنة. # قال: ولم يزل قلمي لسيفه مشاركا ولملكه مداركا هذا للرزق وذاك للأجل، ~~وهذا للأمن وذاك للوجل. وكان السلطان يعتمد على قلمي وينصر كتابته وهو ~~يقول: الحمد لله الذي لم يضع على العماد اعتمادي وحاط إلى سداده سدادي ثم ~~ما وفي أحد بعهده وفائي بعهده من بعده فأني سيرت معاني معاليه بالنازي ~~الفاضلة وخلدت ذكره في مصنفاتي إلى قيام الساعة وأحييت ذكره بالوفاء وأهديت ~~له حياة ثانية بعد الحياة. ولما نقله الله الكريم إلى جناب جناته واقتسم ~~أولاده ممالكه قلت يسلكوا وينسكوا مناسكه وانهم يعرفون مقداري ويرفعون ~~مناري ويشرحون صدري ولا يضعون قدري فأخلف الظن حتى قطعوا رسومي ومنعوا ~~مرسومي وغوروا منابعي وكدروا مشارعي. قال ومما كتبته في كتاب يتضمن شكوى ~~الحال ما حال ما غصبت أملاكه إملاكه ونصبت إشراكه فكتبت إلى المولى الفاضل ~~في فصل يسلم فيه على ولدي القاضي الولد مقبل العين ويحييه إلى أن تصل القبل ~~إلى اليدين والى أن يسر والده إذا هما في الفضل ثاني اثنتين وما أحسن قول ~~سيدنا غصبت ms003 أملاكه ونصبت إشراكه إشراكه واستحسنت ازدواج هاتين الكلمتين ~~ووقعتا مني بموقع بمشاركتي له في المكروهين قال وتمام هذا الفصل من الكتاب ~~الفاضلي وقد شرح من أحواله واعتزاله وصبره واحتماله وتلطفه في تجويز الوقت ~~واحتياله وشكره لقوم لا على إيصال ما لهم إليه ولكن على إيصاله إلى ماله ما ~~ذكرني بابن حيوس وقد مطله صاحب دار الوكالة ببيع بضاعة له. # مضى الكرماء صانوا ماء وجهي ... بجود لا برفق بالسؤال # وما أنا بعد هم في الناس أبغى ... كريما يشتري حمدي بمالي # قال ومما كتبته إلى الأجل الفاضل في شكوى قصيدة منها: # دمشق تقصد عظمي ... بعرقه أي عرقه # إخفاقه لرجائي فيها ... وللقلب خفقه # أقمت فيها وحيدا ... كالدر ضمته حقه ### | [دولة نور الدين زنكي] ### || ذكر الوصول إلى الشام في سنة اثنتين وستين وخمسمائة # قال: وصلت إلى دمشق في أيام جلاء حسنها وانجلاء حزنها وغناء أفنانها ~~بالأغاريد وانتشاء إنشائها بالأناشيد فقدمتها في أطيب زمان ونزلت من ~~المدرسة التي وليتها في أحسن مكان. وكان ملكها والذي يتولى ممالكها الملك ~~العادل نور الدين ابو القاسم محمود بن زنكي وأعف الملوك واتقاهم وأثقبهم ~~وأصلحهم عملا واحجهم أملا وأرجحهم رأيا وأوضحهم أيا. وهو الذي أعاد رونق ~~الإسلام إلى بلاد الشام فاستفتح معاقلها واستخلص عقايلها وكانت للفرنج في ~~أيام غيره على بلاد الشام قطايع فقطعها وعفى رسومها ومنعها ونصره الله ~~عليهم مرارا حتى أسر ملوكهم وبدد سلوكهم وصان الثغور منهم وحماها عنهم ~~وأحيا معالم العلوم الدوارس وبنا لمذاهب السنة والجماعة المدارس وانشأ ~~الخانكات للصوفيه وكثرها في كل بلد وكثر وقوفها وأجد الأسوار والخنادق وأمر ~~في الطرقات ببناء الربط والخانات وهو الذي أعان على فتح مصر وأعمالها وأنشأ ~~دولتها ورجالها. # وكان صلاح الدين أحد خواصه وأخلص ذوي استخلاصه ولد نجم الدين أيوب من ~~أكابر أمرائه لا يفارقه راكبا في ميدانه ولا جالسا في إيوانه يقف على رأسه ~~ووالده من جلاسه وقد اقتدى به في جميع ما اتصف به من التقى والعفة والنزاهة ~~والنباهة وآداب الملك وأحكام السلطنة فتلقن منه مبادئ الخيرات ms004 ثم جاوز بها ~~في أيامه الغايات. PageV01P003 # وكانت بيننا وبين نجم الدين أيوب معرفة قديمة من تكريت حيث كان بها واليا ~~وسببه أن عمي العزيز أحمد بن حامد ودعه السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه في ~~قلعة تكريت إشفاقا عليه من قصد من صار في منصبه فجد في نصيبه وبذل فيه ~~ثلثمائة ألف دينار ليعتقل ويحضر هو ما بذله ويعجل فمال إلى المال وسير ~~العزيز إلى تكريت برسم الاعتقال وذلك في سنة خمس وعشرين وخمسمائة فسعى ذلك ~~الوزير في قتل السلطان بالسم واجلس أخاه طغرل في السلطنة وتفرد بالحكم فعلق ~~رهن العزيز ودأب مرارا إلى تكريت من يباشر قتله فلم يقبل واليها نجم الدين ~~خدعه وقتله وتولى أخو الوالي أسد الدين شيركوه صوته ولم يزل في حمايته ~~وعونه. قال وسمعت أسد الدين في سنة اثنتين وستين وهو يحكي إلى نصرته لعمي ~~فلما كنت جالسا في المحراب يوما عنده وهو يقرأ من القرآن ورده فسمعت هاتفا ~~يقول: قد جعلك الله عزيزا كما دافعت عن العزيز فالتفت غلي وقال: أعمل ~~وأعلم. قال أسد الدين: فمن ذلك اليوم سمت همتي وتمت عزمتي وبدهاء عمك ~~العزيز طمعت في مصر وان أصير عزيزها وحرصت على أن أملكها وأحرزها. ### || ذكر سبب وصولي إلى دمشق # قال: وكان انصرافي من بغداد ووصولي إلى الشام لا لقصد أحد من الكرام ولكن ~~استوحشت هناك لفارط الاستدراك وذلك أن الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن ~~هبيره مال لفضله إلى فضلي واقتطعني إليه وولاني نيابته بالبصرة تارات وبوسط ~~كرات وعرفت به فلما توفي في سنة ستين أقمت بغداد بعده وكل من هو إليه منسوب ~~مكبوت ومكبوب وما طرقتني بحمد الله آفة ولا عرتني مخالفة وأنا إلى الفقهاء ~~منقطع، وبالمناظرة وبالمباحثة معهم منتفع، ومنهم فقيه من أهل دمشق يصف طيب ~~رياضها وبهجة جواهرها وأعراضها وصحة هوائها وقلة أمراضها فراقتني معرفته ~~وشاقتني صفته فقلت أجعلها سنة فرجة أسافر لأسفار صبحي بسري دجله وأقصد ~~إيناس قلبي وتنفيس كربي ورافقني وما فارقني حتى وصل بي إلى ms005 قرب دمشق فانقطع ~~عني وساء بعد الإحسان به ظني فلم أدر في أي مطار طار والى أي مصير صار ~~فبقيت غريبا وحيدا ولقيت من استيحاشي هما شديدا وقلت لأصحابي: أضربوا لي ~~خيمة عسى أن نعرف أحدا يسدي يدا فقد رضينا بمصيف ومقيل بلا قيل وظل ولو انه ~~غير ظليل. # وقد نمى خبري إلى بعض الصوفية فدخل إلى القاضي كمال الدين ابي الفضل محمد بن عبد # الله بن القاسم الشهروزي وهو يومئذ قاضي دمشق وقال له فلان قد ورد البلد ~~فبينا نحن في تحير وتفكر وتوهج وتسعر إذا جاء خواص القاضي وحجابه وعدول ~~مجلسه ونوابه يعتذرون عن تأخره لأمر أناله وانه يخفي عنك سؤاله ويقول انزل ~~حيث تختار النزول بالمدرسة فنزلت في المدرسة التي أنا الآن مدرسها وترددت ~~إلى القاضي في محافل علمه ومجالس حكمه واستددلت واعترضت في الأصول والفروع ~~على الأئمة الفحول. وعرف (1165) الأمير نجم الدين بالوصول فبعثته معرفة ~~العم العزيز على التعرف بي فبكر إلى منزلي لتبجيلي وتحقيق تأميلي واستقبلته ~~وأسرعت إلى بساط الأدب فقبلته وخدمته بهذه القصيدة في أواخر شوال سنة ~~اثنتين وستين وأخوه أسد الدين شيركوه وولده صلاح الدين يوسف قد توجها في ~~هذه السنة إلى مصر وهي النوبة الثانية. # قلت وأول القصيدة: # يوم النوى ليس من عمري بمحسوب ... ولا الفراق إلى عيشي بمنسوب # لم أنس أنسى بكم والشمل مجتمع ... وعيشتي ذات تطريز وتذهيب # أرجو إيابي إليكم ظافرا عجلا ... فقد ظفرت بنجم الدين أيوب # ومنها في ذكر أخيه وابنه وما تفرس من ملك مصر وقد تم ذلك بعد سنتين. # غدا يشبان في الكفار نار وغى ... بلفحها يصبح الشبان كالشيب # ويستقر بمصر يوسف وبه ... تقر بعد التنائي عين يعقوب # ويلتقي يوسف فيها باخوته ... والله يجمعهم من غير تثريب # فأرجوا الإله فعن قرب بنصرته ... سيكشف الله بلوى كل مكروب ### ||| فصل PageV01P004 # قال: كان شاور وزير مصر في أيام العاضد قد وصل إلى دمشق في سنة ثمان ~~وخمسين يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول ملتجأ إلى نور الدين فنصره على عدوه ms006 ~~وسير معه أسد الدين شيركوه يوم الخميس العشرين من جمادى الأول سنة تسع ~~وخمسين على قرار عينه وأمر بينه فمضى معه ونصره واسترد له موضعه وإعاده إلى ~~مجلسه عادته وأظهره بعدوه فلما تمكن من منصبه قال لأسد الدين: اذهب فقد وقع ~~عنك الغنى وغدر بعهده واخلف في وعده فأنف أسد الدين وأقام يتأسد ويبرق ~~ويرعد. وكان شاور قد شاور الفرنج وهداهم في حرب الإسلام النهج فوصلوا ~~بحميتهم وجمرتهم فتحصن شيركوه ومن معه بمدينة بلبيس وشاور في جنود مصر ~~وحشودها والفرنج في قوامصها وكنودها. حاصروا ثلاثة أشهر فيها وهو يحميها ~~حتى فلت جدودهم وملت جنودهم فبذلوا له قطيعة يأخذها منهم وينفصل عنهم وكانت ~~المحاصرة في مستهل شهر رمضان إلى مستهل شهر ذي الحجة. # قال: وفي تلك السنة اغتنم نور الدين خلو الشام من الفرنج وقصدهم واجتمعوا على حارم # فضرب معهم المصاف ورزقه الله الانتقام منهم وقتلهم وأسرهم ووقع في الاسار ~~ابرنس انطاكية وقومص طرابلس وابن جوسلين ودوك الروم وذلك الحادي العشرين من ~~شهر رمضان سنة تسع وخمسين وتسلم منهم بانياس. وعاد أسد الدين إلى الشام ~~وجرى على عادته في خدمة نور الدين وفي قلبه من شر شاور الاحن وكيف تمت ~~بغدره تلك المحن إلى أن دخلت سنة اثنتين وستين وخمسمائة فجمع وسار في أمل ~~ووصل في سادس شهر ربيع الآخر إلى أطفح وعبر منها إلى الجانب الغربي وأناخ ~~بالجيزة أقام عليها نيفا وخمسين يوما على محاذاة مصر واستعان شاور بالفرنج ~~واستنجد بالكفر وفسح لهم في طروق الديار وجوس خلال الأمصار ورتبوا لهم ~~بالقاهرة سوقا أشاعوا كفرا وفسوقا وعبر بهم من البلاد الغربية إلى الغرب ~~وساقوا لموافقته على الحرب فلما عرف أسد الدين عبورهم رحل قدامهم فقربوا ~~منه في موضع يعرف بالبابين فعبى صفوفه أطال في الملتقى وقوفه وحشا قلبه ~~بأثقاله وجماله وطبوله وأعلامه ووقف جانبا برجاله وأبطاله وظنوا انه في ~~القلب وساق أكثرهم وراء المنهزمين ووقف الباقون وقوف المغيرين. وكان صلاح ~~الدين واقفا في صحبه في أبطال من حزبه فاغتنم خلو ms007 العرصة وانتهز بدو الفرصة ~~وحمل على القوم وهم المقدمون فكسرهم وأسرهم وركب أكتاف فتاكهم وأعرى بيضه ~~وسمره بهلاكهم وكان فيهم ملكهم وقد كاد يدركه ويدركهم. واجتمع إلى صلاح ~~الدين من المفلولين جماعة فما شعروا إلا بالفرنج من وراء المنهزمين عايدة ~~وكان ملك الفرنج في نفريسير وشاور معه وكاد يظفر به العسكر الإسلامي لكن ~~الأصحاب (165ب) رأوا الفرنج عايدة اشتغلوا بهم وقتلوا منهم ومن تبعهم من ~~المصرية ألوفا وضايقوهم وأوسعوهم حتوفا وحصل سبعون فارسا من فرسانهم في ~~الإسار وقيدوا في خرايم الذل والإقتسار ولما تمت لصلاح الدين النصرة أقام ~~وجمع الفل وجاء عمه أسد الدين وساروا بمن معهم إلى الإسكندرية ودخلوها ~~ووجدوا مساعدة أهلها وحلوها ثم قال أسد الدين: أنا لا يمكنني أن أحصر نفسي ~~وجماعتي في البلد فأخذ العسكر وسار إلى بلاد الصعيد واستولى عليها وجبى ~~خراجها وصام بها وأقام إلى انقضاء العيد، وأقام صلاح الدين بالإسكندرية ~~متصنا بها. # وأما شاور والفرنج فما كانت سلم منهم لمن سلم منهم قوة ولا نهضة وراء ~~القوم مرجوة فعادوا إلى القاهرة وصمموا على قصد الاسكندرية فحاصروا صلاح ~~الدين ودام الحصار شهورا فما زاد المحصور على الحاصر الظهور وبلغ الحصار ~~أربعة شهورا وقوى أسد الدين بقوص واستنهض لقصد القوم العموم والخصوص فسمح ~~الفرنج ذلك فرجعوا عن الحصار للخوف والاستشعار مما هو عليه من الاستظهار. ~~وكان شاور قد استمال جماعة من التركمان الذين كانوا معه بالدينار. فلما ~~راسلوا في المهادنة أجاب إلى القرار وطلب منهم عوض ما غرمه فبذلوا له خمسين ~~ألف دينار ورجع صلاح الدين من الإسكندرية فقفلوا إلى دمشق ودخلوها بكرة يوم ~~الاثنين ثامن عشر ذي القعدة وعادوا إلى عادة السعادة من الخدمة النورية ~~والحسنى والزيارة. PageV01P005 # قال: ولما دخل أسد الدين إلى دمشق عرف خبري فحضرت عنده للسلام وتلقاني ~~بالإكرام والاحترام وكان يجلس كل ليلة للأفاضل وأكثر حديثه معي في تقريظ ~~عمي العزيز وتأبينه ووصلني بمعرفته ومعروفه وخصني من عموم بره بصنوفه ~~فخدمته بهذه القصيدة ليلة الجمعة السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ms008 اثنتين ~~وستين. # بلغت بالجد مالا يبلغ البشر ... ونلت ما عجزت عن نيله القدر # إسكندر ذكروا أخبار حكمته ... ونحن فيك رأينا كل ما ذكروا # ورستم خبرونا عن شجاعته ... وصار فيك عيانا ذلك الخبر # يستعظمون الذي أدركته عجبا ... وذاك في جنب ما ترجوه محتقر # قال: واتصلت بيني وبين صلاح الدين مودة ولم يزل يستهديني نظمي ونثري وأول ~~ما خدمته بهذه الكلمة قلت ومن سردها: # نار قلبي لضيف طيفك تبدو ... كل ليل فيهتدي ويزور # كيف يصحو من سكره مستهام ... مزجت كأسه الحسان الحور # أورثته سقاما الحدق النجل ... وأهدت له النحول الخصور # ولكم عودة إلى مصر بالنصر ... على ذكرها تمر العصور # فاستردوا حق المامة ممن ... خان فيها فانه مستعير # قال: وكان صلاح الدين في خدمة نور الدين المساعد والمعين وبهذه المعرفة ~~السالفة من الأسلاف خصصت منه أيام دولته بالإسعاد والإسعاف. ### || ذكر دخولي في خدمة نور الدين # قال: عرفني إليه القاضي كمال الدين الشهروزي ورغبه في استثباتي وقرر لديه ~~من حساب آمالي ما لم يكن في حسابي. وقال: لا بأس بان تكتب إليه أبياتا ونحن ~~نرجو لك في دولة ثباتا وفي روضته نباتا فأنشأت هذه القصيدة وعرضت من جانب ~~القاضي وهي التي أولها # لو حفظت يوم النوى عهودها ... ما مطلت بوصلكم وعودها # ماذا جنت قوبنا حتى غدا ... في النار من شوقكم خلودها # لم أنسها إذا نثرت دموعها ... في خذها ما نظمت عقودها # إذا قربتني للوداع نحوها ... فبان في وصلها صدودها # كأسهم الرامي متى قربها ... يكون في تقريبها بعيدها # (1166) قال فرتبني في ديوانه منشيا وذلك لاستقبال سنة ثلاث وستين قال: ودخلت سنة # ثلاث وستين ورحل لملك العادل نور الدين رحمه الله أقام بحمص أياما، ورتب ~~بها أسبابا وأحكاما، وخرجت معه ورآه ورحلت معه إلى حماه وأنزلني أسد الدين ~~شيركوه في حماه وضرب لي خيمة بقربه وأنا أمضي كل يوم إلى الديوان مبكرا ~~ومما أقدم عليه فمن خدمة لا دربة لي بها مفكرا على أن أهل ديوانه ينظرونني ~~شذرا ويعدون كثير ما عندي من الفضل نزرا وكنت ms009 أظن أن صناعة الكتابة لا سيما ~~الإنشاء صعب حتى قرأت كتب المصار والمراسلات الواصلة من ساير الأقطار ~~فوجدتها في غاية من الركة وياليتها كانت بعبارات معسولة فتجرأت على الكتابة ~~وغيرت تلك الأوضاع الوضيعة واخترعت أسلوبا ما عرفوه والفت مصنوعا ما ألفوه ~~ووفيت بالبلاغتين، ونفيت الغش عن الصياغتين، وكتبت إلى الأعاجم وصارت نواب ~~ديوانه يستغربون ويستهزئون ويهزمون وأرشدتهم من ضلالتهم فحكت نسج المداراه ~~وما سلكت نهج المماراة حتى جرى بسكوني وسكوتي قلمي وعلا بمنار علمي ورجعوا ~~إلي واجتمعوا على ولنا على مر الجديدين أتجدد في بناء النباهة واجعلوا ~~بأسراري أسارير وجه الوجاهة وزاد نور الدين دنوي نورا وملأت صبح دولته ووجه ~~مملكته بما أمليه أسفارا وسفورا وتأكدت رغبته وتمهدت محبته وتكررت موهبته. # ولما أراد قصد حلب حل أسد الدين شيركوه قبله بأيام فوصى بي ابن أخيه صلاح ~~اليدن وترك الخيمة المضروبة لي بما فيه من جميع الآلات فاقمت مدة مقامه ~~أرافقه ولا أفارقه حتى مضى نور الدين إلى حلب ونزل في قلعتها في ذروتها ~~ونزلت في مدرسة ابن العجمي وكان الشتاء كالحا يابسا ووجه الدهر عابسا وكنت ~~أتردد إلى صلاح الدين في منزله واسترسل إليه في تفاصيل أملي وجمله واستدعى ~~مني أن اعمل له أبياتا في الشوق يرصع بها كتبه إلى من يشتاقه ويحبه فمنها ~~ما نظمته له: # وحرمة الود الذي بيننا ... ومالنا من كرم العهد # ما نفضت عهدي لكم جفوة ... ولا أحالت حالة ودي # ولا تغيرت ويأبى الهوى ... ذلك في قرب وفي بعد PageV01P006 # عاد الحديث إلى ما تجدد لنور الدين قال: واتفق أن صاحب منبج ابن حسان ~~ارتكب العصيان إليه من حاصره وانتزعها منه ثم تمكن عنه وتوجه إليها لتهذيب ~~أحوالها وترتيب أعمالها وسار منها إلى قلعة نجم وعبر الفرات إلى الرها ~~وانتظم بأمرها وكان بها قطب الدين ينال بن حسان عم غازي صاحب منبج فنقله ~~إليها مقطعا وواليا وأعاد ذلك الصفح بايالته حاليا وأقام بها مدة في قلعتها ~~ومدحته بهذه الكلمة وتحجب لي في عرضها عنده صلاح الدين وتحجب ms010 لي في عرضها ~~عنده صلاح الدين قلت ومن هذه الكلمة قوله: # ماصين عنك الصين لو حاولتها ... والمشرقان فكيف منبج والرها # ماللملوك لدى ظهورك رونق ... فاذا بدا شمس الضحى خفى السها # قال: وعدنا إلى حلب في شهر رجب وضربت خيمة نور الدين في رأس الميدان ~~الأخضر، وكان مولعا بضرب الكرة وربما دخل الظلام فلعب بها بالشموع ويركب ~~صلاح الدين مذكرا كل بكرة وهو عارف بآدابها في الخدمة وشروطها المعتبرة. ~~واقطعه في تلك السنة ضيعتين إحداهما من ضياع كفر طاب مدكين والأخرى من ضياع ~~حلب وزردنا وزعم انه بلغ به المنهى في المنى. ### || ذكر أسد الدين والأنعام عليه بحمص # قال: ولما كان ثغر حمص اخطر الثغور تعين أسد لدين لحمايته وحفظه ورعايته لتفرده # بجده واجتهاده وبأسه وشجاعته فانعم نور الدين عليه بها فسار إليها وضبط ~~أمورها وكان (166ب) نور الدين قد جدد سورها وسأله في السلو عن حب مصر وشرط ~~على نفسه الحمل في كل سنة وكان لما أراد أسد الدين الانفصال عن الديار ~~المصرية وصلاح الدين عن الإسكندرية اجتمع الكامل بن شاور بشهاب الدين محمود ~~خال صلاح الدين وقال له: أوصل إلى نور الدين سلامي وعرفه شغفي بخدمته ~~وغرامي وأنا أتوسط في جمع الكلمة ورد هذه القلوب المتبددة إلى عقود القلوب ~~المنتظمة، والتكفل بما احمله من مالي على وجه الهدية اقصد بها سلامة البلاد ~~والرعية فلما وصل شهاب الدين محمود أعاد على نور الدين مقاله وذكر سؤاله ~~وسأله مكاتبة الكامل والرضا بما التزم به التزام الكافي وكان دخولي إليها ~~يوم الأربعاء ودخلناها يوم الخميس. ### || ذكر توجه فخر الدين شمس الدولة تورانشاه بن أيوب من مصر إلى بلاد اليمن مستهل رجب سنة تسع وستين # قال كان فخر اليدن اخوة ~~صلاح الدين وقد شاع صيت مروته، وكان لا يفي موجود مصر بجوده ورأى أن حظه من ~~قوص منقوص ولم يرضه ارض تضيق عن سما سماحته فسمت همته وتصممت عزيمته، وكان ~~بمصر شاعر من اليمن يقال له عمارة ولم يزل يمدحه ويكثر فيه المدح ms011 ويحثه على ~~ملك اليمن ويرغبه فيه. ولما اشتد عزمه واحضر عسكره ورحل مستهل رجب ووصل ~~السير باليسرى وفلا الفلا وجاز أجوازها وعان بالوصول إلى مكة ثم خلف وراءه ~~غور الأرض ونجدها وحجازها واستدل بسعادته ونحا البيد نحو زبيد فغلب عليها ~~وقبض على عبد النبي الخارجي وسلمه إلى نايبه الأمير سيف الدولة المبارك بن ~~منقذ فرأى أن مصلحة الملك في هلكه فأراده وشمس لدولة غايب، ومضى إلى عدن ~~وفيه ياسر الأمير عز الدين عثمان الزنجيلي واستنابه وفتح القلاع ومنح ملكا ~~عظيما وفتح اقليما وافترع بكرا وخلف ذكرا. # قال: واما سيف الدوية ابو الميمون المبارك بن كامل بن منقذ المستناب في ~~زبيد فانه كان من الكرماء الكفاه وذوي الآراء والدهاة والحمس الكماة ولم ~~يزل بشيمته متكرما وبحسن الذكر متوسما دأبه والفضل شرعه والأفضال صنعه ومن ~~شعره. # لما نزلت الدير لصاحبي ... قم فاخطب الصهباء من شماسه # فأي وفي يمناه كأس خلتها ... مقبوسة في الليل من نبراسه # وكأن ما في كأسه في خده ... وكأن ما في خده من كأسه # قال: وفي هذه السنة كان تسيير نور الدين المهذب أبا الحسن على ابن عيسى ~~بن النقاش إلى الديوان العزيز للأعلام بمسير شمس الدولة إلى اليمن لأخذها ~~والبشارة بكسر الروم ثانية وفقدهم كلمان وكان قديما أسيرا عند نور الدين من ~~نوبة حارم وفداه بخمسة وخمسين ألف دينار وخمسمائة وخمسين ثوب أطلس وهو أسير ~~من أسيرا معه إسراء في الروم وذلك في شعبان سنة تسع وستين. PageV01P007 # قال: وكان المهذب النقاش كنعته مهذبا وبآرائه للدول مرتبا، وهو من أهل ~~بغداد وقد سافر إلى الشام وشاع صيته بالفضل لا سيما في علم الطب ومعرفته ~~ونفق عليه نور الدين وأقطعه ضيعة وملكه أخرى، وكل طبيب في الشام يستحجج ~~الآن بأنه تلميذه، وعرض جاهه وتقاصر عنه أشباهه ونجح سعيه لنور الدين في ~~مرضاته ونجح سؤله للفوز بمرضاته وصار له عنده وخروج دخول ورأى مقبول وسعى ~~بالنجاح مكفول فندبه نور الدين في هذه السنة للسفارة. # قال: وكلف نور الدين في هذه السنة ms012 بإفادة الألطاف والزيادة في الأوقاف وتكثير # الصدقات، وتوفير النفقات وتعفير آثار الأيام وإسقاط كل ما يدخل تحت شبه ~~الحرام. وأمر تكتب مناشير لجميع البلاد بإطلاق الطراف من الرسوم والتلاد ~~فما أبقى سوى الجزية والخراج وما يحصل من قسمة الغلات على قوايم المنهاج. ~~وحسبنا ما تصدق به على الفقراء في تلك الأشهر فزاد على ثلاثين ألف دينار من ~~الذهب الأحمر قال: وكان إذا أمر بصدقة غلة أو ذهب تقدم خازنه بإحضار جماعة ~~من أماثل البلد وعدوله من أهل كل محلة فيقول لكل واحد: كم تعرف في جوارك من ~~ذي إضافة وصاحب فلقه (1167) ومستحق ومقتر ومعيل وغيرهم فيقول: أعرف كذا ~~وكذا فيسلم إليه صدقات أولئك الأعداد حتى يستقرئ بالسؤال جميع الحاضرين من ~~الأمجاد ثم يأتيه كل منهم ثبت بما فرقه. # قال: وكان برسم نفقته الخاص في كل شهر من جزية أهل الذمة مبلغ ألفى قرطيس ~~في كسوته ونفقته ومأكوله ومشروبه وحوائجه المهمة حتى أجرة خياطه وخيطه ~~وإبرته وجامكية طباخه وقدره ومعرفته من ذلك المقرر المعين النزر ثم يستفضل ~~ما يتصدق به في آخر الشهر ويفضه على المساكين وأهل الفقر. وأما ما يهدى له ~~من الثياب والألطاف والبرود والأفواف وهدايا الملوك من المناديل والسكاكين ~~والمهاميز والدبابيس وكل كثير وقليل ودقيق وجليل لا يتصرف في شيء منه بل ~~يعرض بنظره عنه وإذا اجتمع يخرجه إلى مجلس القاضي ليحصل أثمانها الموفورة ~~ويصرفها في عمارة المساجد الهجورة. وأمر بإحصاء ما في محال دمشق من مساجد ~~هجرت وخربت فأفاق على مائة مسجد وموضع يتبرك به ومشهد فأمر بعمارة ذلك كله ~~وعين له وقوفا وأدنى له من جهات استثمرها قطوفا. قال: ولو اشتغلت بإحصاء ~~وقوفه وصدقاته في كل بلد لطال الكتاب ولم أبلغ إلى أمد ومشاهدة أبنيته ~~الدالة على خلوص نيته يغني عن خبرها بالعيان، ويكفي أسوار البلدان فضلا عن ~~المدارس والربط. وواظب على عقد مجالس الوعاظ وأكبرهم قطب الدين النيسابوري ~~وهو شغوف ببركة أنفاسه المنبر وشاقه وعظه وراقه لفظه، وكذلك وفد إليه ~~الفقيه شرف الدين عبد المؤمن ms013 بن شوروه ونال منه الحظوة وما أيمن تلك الأيام ~~وأبرك تلك الشتوة. # قال: وفي يوم الاثنين رابع شهر رمضان ركب نور الدين على العادة وكنا نحن ~~في إيوانه وكل منا متفرغ لشغله آخذ في شأنه فجاءني من اخبرني أن نور الدين ~~نزل إلى المدرسة التي تتولاها وبسط سجادته في قبلتها لسنة الضحى وصلاها ~~فقمت في الحال فلقيته في الدهليز خارجا لما رآني توقف فقلت له: أن الموضع ~~قد تشرف أما تراه انه من أيام الزلزلة كيف تشعث فقال: نعيده إلى العمارة، ~~ثم حملت إليه وجوه سكر وشيئا من ثياب وطيب وعنبر وكتبت معها. # عند سليمان على قدره ... هدية للنمل مقبولة # لا تقصر الملوك عن نملة ... عندك والرحمة مأمولة # رقى لمولانا وملكي له ... وذمتي بالشكر مشغولة # قال: ورأى محراب المدرسة غير مفصصة فنفذ لعمارتها فصوصا مدهبة وذهبا ثم ~~حم مقدور حمامه دون إتمامه. ووقعت إلى الموصل فرأيته ليلة في المنام يقول: ~~الصلاة فلما انتبهت عرفت انه أشار إلى المحراب وانه الآن على هيئة الخراب ~~فكتبت إلى الفقيه الذي كان الذهب عنده مودعا أن يشرع في عمارته مسرعا فلما ~~عدت إلى دمشق في الأيام الصلاحية دخلتها يوم فراغ الصانع من عمارة المحراب ~~وفزت من الغنيمة بحسن الإياب. ### || ذكر تفويض شحنكية دمشق إلى القاضي كمال الدين الشهرزورى رحمه الله PageV01P008 # قال: ولما اسقط نور الدين الجهات المحظورة عزل الشحن وصرف عن الرعية بصرفهم المحن # وقال للحاكم انظر أنت في العوادي وما يجري فيها من الدعاوى وميز بين ~~المحاسن والمساوئ واحمل الأمور فيها على الشريعة فرتب على بابه حاجبه أبا ~~نصر وأمره بما يصلح في كل أمر وحمل للخزانة من عنده من الأطلس مائة ثوب ~~وأراد الخالص فلم يخل من شوب، ولم يكن كمال المواريث الحشرية حاصل ولا ~~لديونه طائل فجعل نور الدين ثلث ما يحصل من الحشرى للقاضي كمال الدين فوضحت ~~حواده وصحت مواده وكان من قبل لا يخلو الحشرى من وصية يثبت محضرها وقضية ~~يحرر موردها ومصدرها، ودين يدعى وجانب يرعى فلما صار ms014 ثلثه للقاضي أزال ~~نوابه نوايبه وصرفوا عنه شايبه ووفروه وكثروا وأعذبوه عده (167أ) وأعزروه ~~وما كان نور الدين يحاسب القاضي على الوقوف وقال: أنا قد قلدته أن يتصرف ~~بالمعروف وما فضل من مصارفها وشروط واقفها يأمره في بناء الأسوار وحفظ ~~الثغور وكانت دولته نافذة الأوامر منتظمة الأمور. # عاد حديث مصر وما دبره صلاح الدين قال: ولما رسول نور الدين وهو الموفق ~~خالد أطلعه على كل ما فيه، أحصى له الطريف والتالد وقال: هؤلاء الأجناد ~~فأعرضهم واثبت أخبارهم وتأمل اعتبار إقطاعياتهم ومقادير واجباتهم ولا يضبط ~~مثل هذا الإقليم إلا بآمال العظيم، وشرع في جمع مال يسيره ويحمله بجهد ~~ويبذله وقال: الموارد مشفوهة والشدايد مكروهة وحصل لخالد ما لم يحصل في ~~خلده وجاء مطرف غناه أضعاف متلده. # قال: واجتمع جماعة من دعاة الدولة المصرية وتوازوا واعتقدوا منية عادت ~~عليهم بالعقبي منية، وعينوا الخليفة الوزير، وأحكموا الرأي والتدبير وكان ~~عمارة اليمني الشاعر فيهم عقيدتهم ودعا للدعوة قريبهم وبعيدهم وكانوا قد ~~ادخلوا عدة من أنصار الدولة الناصرية في جملتهم وكان الفقيه الواعظ زين ~~الدين علي بن نجا يناجيهم فيما زين لهم من أعمالهم ويدخلهم مطلعا على ~~أحوالهم فجاء واطلع صلاح الدين على فسادهم وطلب ما لابن كامل الداعي من ~~العقار والدور وكل ماله من الموجود والمدخور فبذل له صلاح الدين كل ما طلبه ~~وآمره بمخالطتهم فصار أمرهم يقوى وحديث حادثهم يروى فأمر صلاح الدين بإحضار ~~مقدميهم واعتقالهم لإقامة السياسة فيهم. وصلب يوم السبت ثاني شهر رمضان ~~جماعة منهم عمارة ورجل يعرف بالعويرس وآخر بعبد الصمد وآخرون وانقطع حديثهم ~~وهلك جريرهم وبعيثهم. وكان منهم داعي الدعاة ابن عبد القوي وكان عارفا ~~بخبايا القصر وكنوزه وخفايا السر ورموزه فهلك دون إخفائها وباد ولم يسمح ~~بإبدائها وبقيت تلك الخزائن مدفونة وتلك الدفاين مكنونة وقد دفن دافنها ~~وخزن تحت الثرى خازنها إلى أن يأذن الله في الوصول إليها والاطلاع عليها. # قال وهذه لمع من شعر عمارة فمنها قوله في قصيدة: # ملك إذا قابلت بشر جبينه ... فارقته والبشر فوق ms015 جبيني # وإذا لثمت يمينه وخرجت من ... إيوانه لثم الملوك يميني # ومنها قوله في شمس الدولة تورانشاه بن أيوب من قصيدة. # لي في هوى الرشاء العذري عذرا ... لم يبق لي مذ أقر الدمع أزكار # لي في القدود وفي لثم الخدود وفي ... ضم النهود لبانات واوطار # هذه اختياري فوافق أن رضيت به ... أو لا فدعني وما أهوى واختار # أول كتاب فاضلي من صلاح الدين إلى نور الدين: أدام الله تعالى سلطان ~~المولى الملك العادل نور الدين وحرس من النعم ما خوله وأنهضه بالأمر الذي ~~حمله وحمى من الكدر منهله وصان من الغير منزلته ومنزله ولا زالت الأيام ~~مطايا إلى بلوغ الأماني واكتب تتفاتح إليه بمعاني التهاني وزمانه مسفرا عن ~~نيل المراد في أهل الإلحاد وإقامة حدود الله فيهم بالغرامات الشدد والسيوف ~~الحداد. # قال: وأمر نور الدين ولده الملك الصالح إسماعيل يوم عيد الفطر واحتفلنا ~~لهذا الأمر وغلقت محال دمشق أياما وبنيت القصور طباقا وكل منهم رتب المغاني ~~بأغاني وطيب الأوطان بتهادى التهاني وعاش معبد والغريض وشاع النشيد والقريض ~~واتفق الطهر في أيام الورد وعصر طرده للبرد. # قال: ونظمت في الهناء بالطهر والعيد قصيدة أولها. # عيدان فطر وطهر قريب ونصر ... كلاهما لك فيه حقا هناء وأجر PageV01P009 # قال: وفي يوم الأحد ركب نور الدين على الرسم المعتاد والقدر يقول له هذا آخر # الأعياد ووقف في الميدان الأخضر الشمالي لطعن الحلق ورمى القبق وحوله ~~كماة الكفاح ورماة الحدق والأكابر تحت ركابه وقوف والعساكر للمثول ببابه ~~صفوف والسوابق مضمرة والبيارق مشهرة (واليوم يوم الزينة) والنظارة أهل ~~المدينة، وكان قد ضرب خيمته في الميدان الأخضر (1168) وأمر بوضع المنبر ~~وخطب له القاضي شمس الدين بن الفراش قاضي العسكر وعاد إلى القلعة طالع ~~البهجة بهيج الطلعة وانهب سماطه العام على رسم الأتراك وأكابر الأملاك ثم ~~حضرنا على خوانه الخاص وما وضح بشره وأوضع نشره وأضحك سنه وأبرك يمنه وفي ~~يوم الاثنين ثاني أيام العيد بكر وركب وكان الفلك بتيسييره جار والطود ~~الثابت (يمر مر السحاب في وقار ودخل الميدان ms016 والعظماء يسايرونه والفهماء ~~يحاورونه وفيهم همام الدين في كلامه عظة لمن يغتر بأيامه: ترى نكون ههنا في ~~مثل هذا اليوم من العام القابل فقال نور الدين ما معناه قل هل نكون بعد شهر ~~فان السنة بعيدة فجرى على منطقهما ما جرى به القدر الساكت فان نور الدين لم ~~يصل إلى العام. # ثم شرع نور الدين في اللعب بالأكرة مع خواصه فاعترضه في حاله أمير آخر ~~برتقش وقال له: باش فأحدث له الغيظ والاستيحاش واغتاظ على خلاف مذهبه ~~الكريم وخلقه الحليم وزجره ونهره وساق ودخل القلعة ونزل واحتجب واعتزل ولا ~~شك أن المريض تمكن منه وهو واكب عن إظهار ما به ناكب فبقى أسبوعا في منزله ~~مشغولا بنازله والناس لا هون بالختان فما انقضت تلك الأفراح إلا بالأتراح ~~وما انقضى ما أتيح من السرور إلا بظهور القضاء المتاح وما نهض الجناح إلا ~~منهاض الجناح وما صلح الملك بعده إلا بالملك الصلاح. ### || ذكر وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر رحمه الله بقلعة دمشق # قال: واتصل مرض نور الدين وأشار عليه الأطباء ~~بالفصد فامتنع، وكان مهيبا فما روجع وانتقل يوم الأربعاء حادي عشر من شوال ~~من مرتع الفناء إلى مرتع البقاء ولقد كان من أولياء الله المؤمنين وعباده ~~الصالحين وكانت له صفة في الدار التي على النهر الداخل إلى القلعة من ~~الشمال وكان جلوسه عليها في جميع الأحوال فلما جاءت سنة الزلزلة بنى بازاء ~~تلك الصفة بيتا من الأخشاب فهو يبيت فيه ويصبح ويخلو بعبادته ولا يبرح فدفن ~~في ذلك البيت الذي اتخذه حمى من الحمام وأذن بناؤه لبانيه بالانهدام. ~~واخرجوا يوم وفاته الملك الصالح وهو مجزوز الذوايب مشقوق الجيب حاف حاسر ~~وأجلسوه في الإيوان الشمالي على التخت والدست الباقي من عهد تاج الدولة تتش ~~فوقف الناس يضطربون ويضطرمون ولما كفن ودفن حضر القاضي كمال الدين وشمس ~~الدين محمد بن المقدم وجمال الدولة ريحان وهو أكبر الخدم والعدل ابو صالح ~~بن العجمي أمين الأعمال والشيخ خازن بيت المال وتحالفوا ms017 على أن تكون آراؤهم ~~واحدة وأيديهم متساعدة وان ابن المقدم مقدم العسكر. # قال: وأنشأت في ذلك اليوم كتابا عن الملك الصالح إلى صلاح الدين ترجمته ~~ولده إسماعيل بن محمود ومفتتحه أطال الله بقاء مجلس سيدنا الملك الناصر ~~السيد الأجل وأدام سموه وعظم أمراء الحضرة ومماليك الدولة وإنشاء النعمة ~~وأولياء الطاعة وأرقاء الخدمة على البيعة المؤكدة والإيمان المغلظة ~~والمواثيق المستحكمة بعقائد متعاقدة على الصفاء وأعضاد متعاضدة بالوفاء ~~وحلف الأصاغر والغيب والحاضر وأذعنت الرؤوس (وعنت الوجوه) وسكنت النفوس ~~وعمت بركات الوالد السعيد رحمه الله في ثبات ملكه أو أن زلزال طوده الشامخ ~~وسكون الدهماء بعد حال تخلخل عزه الباذخ. ومنه وما ههنا ما يشغل السر غير ~~شغل الفرنج خذلهم الله وقد عرف السيد أدام الله علوه ما يتعين عليه في مثل ~~هذا الخطب الملم واليوم الدلهم من كل ما يعرف من خصوص وفائه وخلوص ولائه ~~وطيب المحتد وزكائه وكرم النجر وسنائه فما كان اعتماد مولانا السعيد الملك ~~العادل رضى الله عنه إلا عليه وسكونه إليه إلا لمثل هذا الحادث الكارث فقد ~~أدخره لكف أنياب النوايب وأعده لحسم أدواء المعضلات اللوازب وأمله ليومه ~~وغده ورجاء لنفسه وولده ومكنه قوة لعضده وأيدا ليده. PageV01P010 # قال: واتفق نزول الفرنج بعد وفاة نور الدين على الثغر وقصدهم بانياس ورجوا أن يتم # لهم الأمر ثم ظهرت خيبتهم وبان الياس وذلك أن شمس الدين بن المقدم خرج ~~وراسل الفرنج وخوفهم بقصد صلاح الدين (168ب) بلادهم وانه قد عزم جهادهم ~~وتوصلوا وتكلموا في الهدنة وقطع مواد الحرب والفتنة وحصلوا بقطيعة ~~استعجلوها عدة من أساري الفرنج استطلقوها وتمت المصالحة وعقدت المصافحة. # قال: أنشأت في ذلك كتابا إلى صلاح الدين بما تم من المصالحة في ثالث ذي ~~الحجة في الاعتذار عن ترك أعلامه بالحال ومنه. اتفق عند الصدمة الأولى من ~~الحادثة الكارثة نزول الفرنج على بانياس في أعداد من الخيل والرجل خارجة عن ~~حد القياس على حين غفلة من أهلها وقلة من ذخيرتها وخيموا على حزنها وسهلها ~~ولم يسع الوقت لمكاتبة المجلس ms018 العالي ثانية وظننت أن الأولى كافية ولأعنة ~~عزايمة إلى نجدتنا ثانية فأخبار الكفار ليست بخافيه. # ** كتاب بالإنشاء الفاضلي عن الملك الناصر تعزية للملك الصالح بوفاة والده رحمه الله # أوله # "لقد كان لكم في رسولي الله أسوة حسنة" انزل الله الصبر وضاعف التأييد ~~والنصر بالجناب العالي الملكي الصالحي وبيته في محل الامتحان والاختيار ~~وبصره بحجة التذكر والاستبصار وأخلصه بخالصة ذكرى الدار والهمة تدرس قوله ~~(إنما هذه الدنيا متاع وان الآخرة هي دار القرار وهنأه بالمملكة التي اقتعد ~~ذروتها وعلا محلها واحتلي عقيلتها وكان كفوها وبعلها وأورثه سريره وسريرته ~~وكان أحق بها وأهلها أن تعاطي الخادم الإبانة عما دهمه من ألم الفجيعة ~~الفظيعة والمصيبة التي رمت القلوب بالسهام المصيبة احتاج إلى خاطر حاضر ~~وبنان جار وبيان محار وهيهات فالقلوب بأسرها في أسرها والعقول بجمعها ~~معقولة من سمعها والصدور بالهموم مملوءة والوجوه بالوجوم ممنوه ليوم سرت ~~الحادثة فيه مسرى الزلزال هز أعطاف كل بلد وطلع مطلع الكسوف بذ الأنوار عن ~~كل عين ويد واستولى الخلق فيه فمن المعزى واعتدى الحق فيه بين الحزن ~~المجتمع والشمل المجزي ياله ناعيا فجع الإسلام باسكندره فتوحا وجنودا ~~وبحضرة ذكر مثله في الطيب وخلودا (أنا لله وإنا إليه راجعون) قول من عز ~~عزاؤه وصدع قوله وتفرقت أجزاؤه وصبر مغلوبا ويرجو أن يكون على الله جزاؤه، ~~ولو وقى من الحمام واق أو أخر أحد من العمر فوق المقسوم قدر فواق لوفي تلك ~~الروح الكريمة ذلك الفعل الكريم، وتلك اليد التي ما أظلم الخطب البهيم إلا ~~طلعت بيد كيد الكريم ولكنه القدر الذي يتجرأ على الجازع والصابر والمشرع ~~الذي يؤلف بين الوارد والصادر والقضاء الذي يسوق الخلق إلى الصعيد الواحد ~~والمواعد الذي لا يجزي فيه والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والد حتى يرث ~~الله الأرض ومن عليها ويعيد الخلق منها إليها، وإذا ودعنا الدارج رضوان ~~الله عليه بلا حول ولا قوة إلا بالله فانا نستقبل القايم بالحمد لله شكرا ~~على بقاء من وهب وصبرا عن لقاء من ms019 ذهب، فان قضى أجل فقد قضى أمل، وان صدع ~~القلوب وجل فقد جبرها جذل، وان خر جبل فقد علا والحمد لله جبل، وان ثلم ~~جانب من المجد فقد سلم جانب، وان أفل طالع من سماء المجد فقد طلعغارب، وان ~~فارقنا العز فقد وهن منه العظم فقد استأنفناه عقد قد راق منه النظم، وان ~~استقل سرير الفنا بمودعه راحلا فقد استقبل بمودعه نازلا لا جرم انه سد ثلم ~~الرزية واطلع التهنية آخذه باعناق التعزية يلتقي اللفظان فيصطرعان ويحل ~~الضدان في القلب وعجبا لهما في محل واحد كيف يجتمعان حتى إذا تؤمل ثواب ~~الله الذي قدم عليه القادم وسلطان الله الذي قدم إليه القايم زادت السلوة ~~ورجحت واحتجبت الأيام به ونجحت وكادت العيون تسترجع ماءها الذي سمخت ~~والقلوب تنسخ آية السلو التي قال قايل إلا إنها نسخت وهذه الخدمة نايبة عنه ~~في العزاء بهذه النيابة وفي الهناء بالموهبة الثانية وللدولة من الخادم ~~يدان فان انقبضت فعلى قايم سيف نصرها وان انبسطت فبالعطاء الذي به قيام ~~أمرها، وعينان عين تكلؤها على البعاد وعين لولا استزادة طيف مفقودها ما ~~صافحت يد الرقاد. PageV01P011 # ومنه أصدرت هذه الخدمة يوم الجمعة التي أقيمت فيه الخطبة بالاسم الكريم وصرح فيه # بذكره في الموقف العظم والجمع الذي لا لغو فيها ولا تأثيم وأشبه يوم ~~الخادم أمسه في الخدمة ووفي ما لزمه من حقوق النعمة وجمع كلمة الإسلام ~~عالما أن الجماعة رحمة والله تعالى يأخذ ملك المولى الملك الصلاح ويصلح به ~~(1169) وعلى يديه ويؤكد عهود العلماء الراهنة لديه ويجعل للإسلام باقية ~~واقية عليه، ويوفق الخادم لما ينويه من توثيق سلطانه وتشييده ومضاعفة ملكه ~~ومزيده وييسر منال كل أمل صالح وتقريب بعيده. # قال: ولما وصل صلاح الدين ما كتب إليه من الكتب الصالحية لم يعجبه ما جرى ~~مع الفرنج من المهاداة والمهادنة وتأثر قلبه بما آثرته قلوبهم وكيف اندملت ~~ندوبهم إلى جماعة من الأعيان بالشام كتبا دالة على التوبيخ والملام. # قال: ولما توفي نور الدين رحمه الله اختل أمري وأعتل سري ms020 وفاض دمعي وغاض ~~بحري وغلب حسادي وبلغ مرادهم أضدادي. وكان لملك الصالح صغيرا فصار العدل ~~ابن العجمي وزيرا وتصرف المخالفون في الخزانة والدولة كما أرادوا وولوا ~~وصرفوا ونقصوا وزادوا واقتصروا بي على الكتابة محروم الدعوة من الإجابة ~~فمشيت أمرهم على عرج وتجلدت على كربهم منتظر فرج وفي عزمي العود إلى العراق ~~وشاقني إليه لاعج الأشواق ومما نظمته في تلك الأيام قبل الخروج من دمشق في ~~العشرين من ذي الحجة في الشوق والحنين نور الدين: # ترى يجتمع الشمل ترى يتفق الوصل ... ترى العيش الذي مر مريرا بعدهم يحلو # ترى من شاغل الهم فؤادي المبتلى يخلو ... بغيري شغلوا عني وعندي بهم شغل # وكانوا لا يملون فما بالهم ملوا ... وراموا سلوة المغرم والمغرم لا يسلو # ترجى يرجع من طيب زماني ذلك الفضل ... أخلائي ببغداد وهل لي غيركم خل # هبوان الفيه منكم فبالأرواح ما تعلوا ... أعيذوني من الهجر فبهجركم قتل # لفقد الملك العادل ... يبكي الملك والعدل # وقد أظلمت الآفاق ... لا شمس ولا ظل # فأين الكرم والعدل ... وأين النافل الجزل # قال: وكانوا لضعف وثوق بعضهم ببعض يتبعون ما أبرموه أمس في يومهم بنقض ~~ولهم كل يوم قسم جديد على قسم حدوده ويمين يمين الحالف بها لا محالة بما ~~شروطه فيها من المقال أكدوا وكم عقدوا ما حلوه وحلوا ما عقدوه. # قال: وكان الأمير كمشتكيين النايب قد سمع بمرض نور الدين فأخفاه واستأذن ~~في الوصول إلى الشام فأذن له سيف الدين غازي وخرج وسار مرحلتين وسمع النعي ~~فأعذ السير ونجا بماله وندم صاحب الموصل على الرضا بترحاله وكان عنده بوفاة ~~عمه بشارة وظهرت على صفحاته منها أمارة فنودي في الموصل يوم ورود الخبر ~~بالفسحة في الشرب جهارا وزال العرف وعاد النكر وأنشد قول ابن هانئ: # فلا تسقني سرا ... فقد أمكن الجهر # وقيل انه اخذ المنادى على يده دفا وعليه قدح وزمر وزعم انه خرج بها أمر ~~فلا حرج على من يغنى ويشرب ويسكر ويطرب وعادت الضرائب والمكوس. # وأما كمشتكين فانه وصل إلى حلب واجتمع هناك بالأمير ms021 شمس الدين علي وأخيه ~~مجد الدين ابي بكر وهو رضيع نور الدين وقد تربى معه ففوض إليه جميع مقاصده ~~وحكمه في ملكه وكانت حصونه به محصنة ومعاقد معاقله بشره مبرمة وكان يسكن ~~معه في قلعة حلب، وشيزر مع أخيه شمس الدين علي، وقلعة جعبر وتل باشر مع ~~سابق الدين عثمان، وحارم مع بدر الدين حسن وعين تاب وعزاز نوابه فيها وهو ~~يصونها ويحميها، وهم أعيان الدولة وأعضادها وأبدال أرضها وأوتادها فلما ~~توفي نور الدين رحمه الله لم يشكوا في أنهم يكفلون بولده فأقام شمس الدين ~~علي وهو أكبرهم وأنبههم وأجودهم وأوجوههم ودخل قلعة حلب وسكنها وعرف ما جرى ~~بدمشق من الاجتماع واتفاق ذوي الأطماع فكاتبهم وأمرهم بالوصول إليه في خدمة ~~الملك الصالح ونفذ ثم استقر الأمر المحوط واستحكمت الأسباب والشروط وحمل ~~المال وحسنت الأحوال واستمر الأمر وسكن الدهر إلى أن قصد الفرنج تلك الديار ~~وسيأتي شرح ذلك في موضعه أن شاء الله تعالى. ### || ذكر تيسير فتح قلعة جعبر PageV01P012 # قال: كان صاحبها شهاب الدين مالكبن علي بن مالك من آل عقيل من بنى المسيب نازلا في # مناط الكوكب سامي المرقى (196 ب) والمرقب وهي التي قتل زنكي بن آقسنقر ~~وهو على حصارها وتحقق عند الناس أن القدر من أنصارها. فاغتر برقدات عيون ~~الليالي عنه ونزل فيها مسترسلا وقصد أن يتصيد فتقتنصه ينو كلب وتقربوا به ~~إلى نور الدين وذلك في رجب سنة ثلاث وستين فلم يزل عنده بحلب محبوسا وبعين ~~حفظه محروسا فتارة يرغب وآونه يرهبه، مرة يعده يوعده. وسير فخر الدين بن ~~مسعود الزغفراني فحصرها ودام الحصار وأبطأت في استفتاحها الأقدار ومضى مجد ~~الدين أبو بكر أكبر أمراء نور الدين وهو رضيعه وصنيعه فلم ير له في فتحها ~~مجالا فلم يزل يتوسط مع صاحبها حتى أصحب بعد جماحه واشتط فيما اشترطه من ~~اقتراحه وهو سروج بأموالها والملوحة وأدوم والباب بأموالها وعشرون ألف ~~دينار فإذا تعجل له ذلك كله وحصل من اليمن على استظهار سلم القلعة عن ~~اختبار منه وإيثار فأخذ ms022 جميع ما شرط وسلم القلعة في صورة مكره في صورة ~~مختار. # قال: ودخلت سنة أربع وستين وخمسمائة وتسلم مجد الدين قلعة جعبر وصعد ~~إليها يوم السبت منتصف المحرم ووصل كتابه إلى حلب فسار نور الدين وأنا في ~~خدمته وطلع إلى القلعة يوم الخميس العشرين من محرم فأنشدته هذه القصيدة قلت ~~ومنها. # اسلم لبكر الفتوح مفتوحا ... ودم لملك البلاد منتزعا # كان قيما منها على الفلك الأعلى ... شهابا بنوره صدعا # لكنما الشهب ما تنير ... إذا لاح عمود الصباح فانسطعا # يدفعها طايعا إليك وكم ... عنها أبا بجهده دفعا ### || ذكر مسير الفرنج إلى مصر PageV01P013 # قال: كانت الفرنج في النوبتين اللتين استعان بهم شاور على أسد الدين قد شاهدوا # الديار المصرية واطلوا على العورات وكشفوا المستورات وطعموا في البلاد ~~وتجمعوا لها بالأحشاد وتوجهوا إليها سايرين وشايعتهم على قصدهم من أعيان ~~مصر جماعة ما كانت للمصرييين طاعة وشاوروا الفرنج على شاور لأنهم اعداؤه ~~وقد أعياهم دواه وهم ابن الخياط وابن قرجلة وأمثالهم وتوجهوا من عسقلان في ~~النصف من المحرم ووصلوا إلى بليس أول يوم من صفر واستولوا على أهلها قتلا ~~وأسرا وأقاموا بها خمسة أيام ثم أناخوا على القاهرة في عاشر صفر وأحرق شاور ~~مصر اليوم التاسع منه وخاف عليها من الفرنج وبقيت النار تعمل فيها إلى خامس ~~شهر ربيع الأخر وكان غرضه أن يأمن عليها من العدو الكافر ثم ضاق الحصار ~~وعرف شاور أنه يضعف عن الحماية وأن مبدأ الحفظ لا يصل إلى الغاية فشرع في ~~تمحل الحيل فأرسل إلى ملك الفرنج يبذل له المودة وقال أمهلني حتى أجمع لك ~~الدنانير وأطعمة في ألف ألف دينار معجلة منجمة ثم قال له: ترحل عنا وتوسع ~~الخناق وتظهر الأرفاق وعجل له مائة ألف دينار حيلة وخداعا وواصل بكتبه إلى ~~نور الدين مستصرخا ومستنفرا وبما نال الإسلام من الكفر مخبرا وسير الكتب ~~مسودة بمدادها كاسية لباس حدادها وفي طيها ذوايت مجذوذة ظن أنها من شعور ~~أهل القصر للأشعار بما عراهم من بليه الحصر وأرسلها تباعا ورادف بها نجابين ms023 ~~سراعا وعامل الفرنج بالمطال وبالارسال حتى أتى الغوث ولما سمع أسد الدين ~~بخبر الفرنج ساق من حمص في ليلة واحدة إلى حلب وقال لنور الدين أن الفرنج ~~قد استحكم في البلاد المصرية طمعهم، وليس سواك في الوجود من يزحمهم ومتى ~~تجمع العسكر وكيف تدفعهم فقال له: أن خزانتي لك فخذ منها ما تريد وأطلق في ~~العاجل مائتي ألف دينار وأمر خازنه ولى الدين إسماعيل بأن يوصل إليه كثير ~~ما يلتمسه والقليل. فمضى نور الدين لتسلم قلعة جعبر ومضى أسد الدين وحشد ~~التركمان ولما عاد استقل نور الدين إلى دمشق وقدم صلاح الدين إليها السبق ~~وكان وصوله إليها بكرة الأحد التاسع والعشرين من صفر وخرجنا إلى الفور وأسد ~~الدين هناك في العسكر الجرار وأطلق لكل فارس عشرين دينارا وعرضنا أكثر من ~~خمسة آلاف (1170) من الرجال الأبطال وأضاف إليهم نور الدين ألف فارس من ~~أمراء مماليكه عز الدين جرديك وغرس الدين قلج ومن أمراء خواصه عين الدولة ~~ابن كوخات وينال بن حسان ومن شذ عني ذكرهم واجتمع في يوم كتاب الديوان ~~والبيوت والأمراء وركبت العساكر في تلك الصحراء في عددهم الموفورة وألويتهم ~~المنشورة فعرضناهم في ساعة واحدة بأقلام متعددة ورحلوا على قصد مصر في نصف ~~شهر ربيع الأول وخيم نور الدين فيمن أقام معه برأس الماء نازلا بمنزلة ~~الفقيع على تلها مقيما إلى أن يأذن الله في تلك العقدة بحلها فوصل المبشر ~~برحيل الفرنج من القاهرة عند وصول خبر وصل العسكر فسيرنا كتب البشاير ~~بالفتح والظفر. ### || ذكر ما اعتمده أسد الدين عند وصوله إلى مصر وكأن وصوله إليها في سابع عشر ربيع الآخر # قال: ولما سمع الفرنج نهوض عسكر ~~الإسلام أجفلوا إجفال النعام ورحل ملكهم إلى بلبيس ثم عاد إلى الساحل ودخل ~~أسد الدين في التاسع منه إلى الإيوان وخلع عليه وفي العاشر منه نزل أهل مصر ~~وسكنوها وتودد شاور إلى أسد الدين وتردد وتجدد بينها من الوداد ما تأكد ~~فقال صلاح الدين هذا أمر يطول ومسألة فرضها يعول ومعنا هذا العسكر ms024 الثقيل ~~ولا استيلاء شاور ولا سيما إذا راوغ وغارر فأنفذ أسد الدين الفقيه عيسى إلى ~~شاور وقال: أخشى عليك ممن معي من الناس فلم يكترث بمقالة وركب على سبيل ~~انبساطه واسترساله فاعترضه صلاح الدين في الأمراء النورية فبغته وشحته ~~وقبضه وأثبته ووكل به في خيمة ضربها له وحاول إمهاله فجاء من القصر من يطلب ~~برأسه، جاء الرسول وأبوا أن يرجعوا إلا بنجح السؤل فحم حمامه وحمل إلى ~~القصر هامة وذلك يوم السبت سابع عشر ربيع الآخر وتقلد أسد الدين الوزارة ~~واستقل بأوزارها وعاد بالقاهرة إلى دارها ونعت بالملك المنصور ولما جاء ~~المبشر إلى الشام كتبت إليه أهينه بقصيدة أولها: # بالجد أدركت ما أدركت لا اللعب ... كم راحة جنيت من دوحة التعب # أفخر فإن ملوك الأرض قاطبة ... أفلاكها منك قد دارت على قطب PageV01P014 # فتحت مصر وأرجو أن يصير بها ... ميسرا فتح بيت القدس عن كثب # وكتبت إلى صلاح الدين كلمة أولها: # لو أن عذرى لك يالاح لاح ... ما كنت عن سكري يا صاح صاح # وما شقائي وسقامي سوى ... لواحظ الغيد المراض الصحاح # قال: وكتب لأسد الدين منشورا من القصر كتب العاضد في طرته بخطه هذا عهد ~~لا عهد لوزير بمثله وتقلد أمانة رآك فلان أهلا لحملها فخد كتابك بقوة واسحب ~~ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى بنوة النبوة واتخذ للفوز سبيلا (ولا تنقضوا ~~الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) . ### || ذكر وفاة أسد الدين يوم الأحد الثاني والعشرين من جمادى الآخرة وولاية صلاح الدين في الخامس والعشرين منها # قال: ولما تسنى أمر أسد الدين وعلا سنا سلطانه وملك بملكه ~~زمام زمانه وقر غرار الكرى وغرار الظبي في أجفانه فاجأه القدر وجاءه الكدر ~~في صفائه وقضى القضاء لأمل بانقضائه فخمدت ناره وغاض ماؤه وتوفى يوم الأحد ~~الثاني والعشرين من جمادى الآخرة. # ولما فرغ العسكر بعد ثلاثة أيام من التعزية اختلفت آراؤهم واختلطت أهواؤهم فاجتمعت # الأمراء النورية على كلمة واحدة وأيد متساعدة وعقدوا لصلاح الدين وقالوا ~~هذا مقام عمه وألزموا صاحب القصر ms025 بتوليته ونادت السعادة بتلبيته. وشرع في ~~ترتيب الملك وترتيبه، وفض ختوم الخزائن وفرق ما جمعه أسد الدين في حياته، ~~ورأى أولياءه تحت ألويته وراياته وأحبوه ولم تزل محبته غالبة على مهابته ~~وهو يبالغ في تقريبهم كأنهم ذوو قرابته وما زاده الملك إلا ترفعا وما زاده ~~إلا تأصلا في السماح وتفرعا. وكتب له العاضد من القصر منشور الوزارة (170ب) ~~ولقبه بالملك الناصر ومن ألفاظ هذا المنشور في مخاطبته صلاح الدين: فيومك ~~واسطة في المجد (بين يديك) فامسك وكل ناد من أندية الفخار لك أن تقول فيه ~~ولغيرك أن يمسك فبشراك أن أنعمة موصولة بوالد وولد وأن شمس ملكه بكم كالشمس ~~أقوى ما كانت في بيت الأسد. # قال: وكان بالقصر أستاذ له على حكم القصر ستحوز وبدا من شرار شره دخان ~~ومن رشاش كيده رذاذ، وتآمر هو ومن شايعه على أن يكاتبوا الفرنج فكتبوا ~~ملطفات بالاستدعاء وسيروها على سبيل الخفاء فأتفق أن رجلا من التركمان عبر ~~بالبيضاء فرأى نعلين جديدين مع إنسان فأخذهما على سبيل الامتحان. وقال: لو ~~أنهما للبسة لكان بهما أثر استعمال فأخدهما وجاء بهما إلى صلاح الدين ووصف ~~الحال فأمر بنقبهما ووجد في طيهما أحرفا مكتوبة وتأملها فإذا هي الفرنج من ~~القصر وكان مقصودهم أن صلاح الدين إذا سمع بخروج الفرنج خرج إلى القتال ~~ويخرجون وراءه لانتهائه ويقدم الفرنج على لقائه ويأخذون أمامه والمصريون من ~~ورائه فأخذ الكتاب وقال: دلونى على كاتب هذا فدلوه على يهودي من الرهط فلما ~~أحضروه ليسألوه ويعاقبوه قدم التلفظ بالشهادتين والدخول في عصمة الإسلام ثم ~~اعترف بما جناه وأن الآمر به مؤتمن الخلافة فرأى إخفاء هذا السر واستشعر ~~الخصى فما صار يخرج من القصر مخافة وإذا خرج لم يبعد مسافة وصلاح الدين ~~عليه مغضب وعنه إلى أن استرسل. وكان له قصر يقال له الخرقانية فخلا فيه ~~يوما للذة له ولم يدر أنه يوم ذلته فانهض إليه صلاح الدين من اخذ رأسه ونزع ~~من حياته. # لباسه وذلك في يوم الأربعاء العشرين من ذي القعدة سنة ms026 أربع وستين ولما ~~قتل ثار السودان وثأروا يوم الخميس يوم قتله وكانوا أكثر من خمسين ألف من ~~كل أخضر ينظر من عينه الموت الأحمر، وأغبر لا يجلوه إلا اليوم الأغبر. ~~وكانوا إذا قاموا على وزير قتلوه فحسبوه أن كل بيضاء شحمه وأن كل سوداء ~~فحمة فأقبلوا ولضرامهم حجمه ولضرابهم فحمه فقال أصحابنا: هذا مبدأ الروع ~~وريعانه وعنفوان العنف وعنوانه فهاجموا إلى الهيجاء وكان المقدم الأمير أبو ~~الهيجاء السمين فاتصلت الحرب بين القصرين وأحاطت العسكرية بهم من الجانبين ~~ودام الشر يومين حتى أحس الأساحم بالحين كلما لجأوا إلى محله أحرقوها عليهم ~~وحووا ما حواليهم أحرجوا وأخرجوا إلى الجيزة وأذلوا بالنفس عن منازلهم ~~العزيزة وذلك يوم السبت الثامن والعشرين من الشهر فما خلص السودان بعدها من ~~الشدة ولم يجدوا إلى الخلاص سبيلا وأين ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. PageV01P015 # وسير نور الدين الأمير فخر الدين تورانتشاه بن أيوب أخا صلاح الدين إلى ~~مصر وكان خروجه من دمشق عاشر شوال ووصوله إليها ثالث ذي القعدة ورأى أن ~~يمده به ويشد به أزره ويصون مصر بصفوة فخره ويستدسم على الكفر والبدعة ~~ظهوره قال: وكثرت كتب صلاح الدين إلى أصدقائه بالشام فمنها كتاب وضمنه هذا ~~البيت. # انثر الدمع من قبل أبيضا ... وقد حال مذ بنتم فأصبح ياقوتا # ومنها كتاب آخر ضمنه هذا البيت. # ما كنت بالمنظور أقتنع منكم ... ولقد رضيت اليوم بالسموع # قال: وفي هذه السنة قتل العاضد بالقصر ابني شاور وعمهما يوم الأثنين رابع ~~جمادى الآخر وذلك أنه لما قتل شاور عادوا بالقصر وكانما نزلوا في القبر. # قال: ودخلت سنة خمس وستين ونزل الفرنج مستهل صفر على دمياط وأحاطوا بها بحرا # بمراكبهم وبرا بكتايبهم فوقع اليأس والبؤس وقنطت النفوس فسبق إليها تقى ~~الدين بن أخي السلطان وشهاب الدين خاله وتوافد إليها الأمراء فرجع إليها ~~بعد الأشقاء الرجا. وأقام صلاح الدين بالقاهرة في دار ملكة ينهض إليها ~~المدد بعد المدد واتصل الحصار واستشرى الشر لكن الأصحاب أولياء أولياء الله ~~صبروا وصابروا وتزاوروا وأمسوا على القتال وأصبحوا وتاجروا ms027 لله وربحوا ~~وهدوا بنيان الكفر المرصوص المرصوف وأهلكوا بالعشرات الألوف وأقاموا على ~~دمياط أحدا وخمسين يوما ودب فيهم الفناء (1171) وهب عليهم البلاء (وذهب ~~عنهم الرجاء) ورحلوا بالذل الأكمل والصغار الأشمل. # ولما وصل الخبر إلى الشام أغتنم نور الدين وأمر الأمير قطب الدين خسرو ~~الهذباني أن يسير بالعسكر ويخوض بهم العجاج الأكدر فوصل قبل رحيل الفرنج ~~بأسبوع فوقع روعه من الكفر في كل روع فان للنجدة قليلة كانت أو كثيرة صيتا ~~يورث شمل العدد تشتيتا وحبل ذي العتد تبتيتا. # قال: وكتبت عن الملك العادل نور الدين إلى العاضد كتابا منه: أطال الله ~~بقاء فلان ولا زالت عوادي نعمة محدقة بأوليائه إحداق الأجفان بالأحداق، ~~وعوادي نقمة محرقة لأعداءه إحراق النيران أهل الشقاق وما أعلت رايات النصر ~~للدين وتليت آيات الذكر المبين الخادم يهنئ بما أسناه الله من الظفر الذي ~~أضحك سن الأيمان وحصل أهل الشرك في شرك الخذلان وأعاد جيش الكفر وأهي الجأش ~~وبدا الضلالة بادية الارتعاش حتى عاد حزب الشيطان مخذولا وسيف الله في رقاب ~~أعدائه مسلولا وذلك ببركات الدولة التي سطع فخرها ولولا صدق اهتمامه بأهل ~~الإسلام وحفظ الأولياء الذين يذبون عن الدين ويحافظون على الذمام لكاد ركن ~~الحق يميل لكيد الباطل فوفق الله فلانا وأيده بنصره وأجرى قضاه وقدره على ~~وفق أمره ورد كيد العدو الكافر في نحره. # قال: وفي هذه السنة كنت رسولا بخلاط عن نور الدين وخرجت من دمشق ضحوة ~~نهار الأربعاء تاسع ذي الحجة ومتوليها حينئذ ظهير الدين سكمان المعروف بشاه ~~أرمن ودخلت خلاط ثاني صفر وعدت على طريق ماردين ومتوليها البى بن تمر تاتش ~~بن الغازي ابن ارتق المنعوت بنجم الدين وعدت إلى دمشق في ربيع الأول أول ~~فصل الشتاء وعدت إلى عادتي في الإنشاء وكانت سفرتي في الرسالة ممزوجة لم يف ~~بشكايتها شكرنا. # قال: وفي أول هذه السنة خرج نور الدين إلى داريا فأعاد عمارة جامعها ~~وتبرك بضريح أبي سليمان الداراني رحمه الله عليه وعمر مشهده وأعاد إلى ~~الحالة الحالية مسجده وشتا بدمشق. ولما ms028 دخل فصل النيروز استأذن الأمير نجم ~~الدين أيوب في قصد ولده والخروج من دمشق إلى مصر بأهله وجماعته وسبده ~~ولبده. وسار ووصل إلى مصر في السابع والعشرين من رجب وقضى العاضد من حقه ما ~~وجب، وركب لاستقباله. ولما عزم التوجه إلى مصر شرع في تفريق أملاكه وتوفير ~~ماله فيه شركة على إشراكه، ولم يستصحب شيئا من موجودة وجعله نهبه جودة. PageV01P016 # وكان نور الدين لما برز نجم الدين خرج إلى رأس الماء بعسكره وخيامه وأرهف ~~للجد في الجهاد حد أغرامه ثم أقام بعد توديعه والوفاء بحق تشييعه إلى أن ~~اجتمعت عليه عساكره ثم توجهنا إلى بلاد الكرك مستهل شعبان ونزلنا أيامنا ~~بالبلقاء على عمان، وكانت الشعاب معشبة والمراعي ممرعة، ثم سرنا على طريق ~~الوالة إلى الكرك وأقمنا أن نبلغ الغرض ونؤدي في فتحها المفترض لكن وصل ~~الخبر بأن الفرنج قد اجتمعوا ووصلوا إلى ماعين فقال نور الدين نرى أن نصرف ~~اعنتنا إليهم وبالله نستعين فرحلنا ومعنا ومعنا أمراء بنى ربيعة وقد ~~استصحبوا من العرب المشيخة المطيعة ومقدما الفرنج هنفري وفليب بن الرقيق في ~~مائتي رمح وألف فارس من التركبولية وراجل كثير من السرجندية فلما رأوا مثار ~~عجاجنا ولوا مدبرين وقالوا: قد حصل مقصودنا من رحيلهم عن الحصن ولما عدنا ~~وصلنا إلى حوران واستقبلنا شهر رمضان فختمنا بعشترا وادينا فرض الصيام. ### || ذكر الزلزالة التي عمت بلاد الشام # قال: وأصبحنا يوم الاثنين الثاني عشر من شوال وانا في خيمتي جالس فأحسست بالارض # تحتى تموج كالبحر إذا عصفت به الرياح الهوداج فما أروعها زلزلة وأصدعها ~~آية من الله منزلة وتواصلت الأخبار من جميع بلاد الشمام بما أحدثته من ~~الإنهداد والانهدام وأن معاقد معاقلها انحلت واختلت (والتقت ما فيها وتخلت) ~~فرحل نور الدين من عشترا يوم الثلاثاء ووصل إلى بعلبك يوم الأربعاء وسقنا ~~وراءه ووصلنا يوم الخميس. وقد شرع نور الدين لما تهدم (ب) من بنيانها في ~~التأسيس وكانت قلعتها تعلقت فأقام بنية تشييد أركانها ثم أتها الخبر بما تم ~~على حمص وحماه وبعرين وحلب ms029 لأن أمر الله لا سيما بحلب غلب نزع عمارتها وسلب ~~السلب فتقدم بترتيب أمور العمارة، وسلم إلى الثقات مالا ووكل بالعمل صناعا ~~ورجلا ثم سار إلى حمص وأظهر للم شعثها الحرص. وأما حصن بعرين فقد كان بيد ~~الأمير زين الدين عمر بن لاجين فلما وقع سيبه وأخذ الله الأمير الكبير عين ~~الدولة بن كوخات في خمسمائة فارس فإنه كان من الفرنج على خطر فجعلهم من ~~مجاورته على حذر. وكان الهم الكبير في حلب لانهدام مبانيها وانهداد مغانيها ~~فوصل نور الدين إليها وجد في عمارتها وأقبل عليها ورد إلى احكم القواعد ~~بنيانها وأما سور البلد فإنه جدد منه المنهدم وكان بذلك مغرما فلم يستكثر ~~المغرم وأخذ له في كل بلد مجلسا حتى يكون من الزلزلة بعون الله مصونا. # قال: من مكاتبة أنشاتها إلى المواقف المقدسة المستنجدية في المغنى قد ~~أحاط العلم الشريف أجله الله بهذه الحادثة التي ألمت بالشام من الزلزالة ~~التي تداعت له الثغور بالائتلام والمعاقل والحصون بالانهداد والانهدام ولم ~~يكن إلا (عبرة لأولى الأبصار) موعظة وآية من الله لعبادة منذرة موقظة وقد ~~عمت حتى عطلت كل حال وشغلت كل بال والحقت كل جديد ببال والحمد الله على كل ~~حال وما سكنت النفوس من رعبها إلا بما دهم الكفار من أمرها فأنها وافقت يوم ~~عيدهم وهم في الكنائس فأصبحوا للردى فرايس (شاخصة أبصارهم ينظرون) (فخر ~~عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) ولولا اشتغالهم بما ~~عراهم حيث انقلعت كل قلعة لهم من أساس بنيانها ورجف كل بلدة في أيدهم بهلاك ~~سكانها لم تؤمن في نوبة هذه النبوة معرتهم ولم تخش بعد هذه المضرة إلا ~~مضرتهم وأن بالثغور الإسلامية شدة افتقار إلى تحصينها وإعادة أبنية حصونها ~~قبل أن يستفحل الداء ويتفرغ لشغلها الأعداء وما أولى المواقف المقدسة ~~بإيلاء الأيادي وإسدائها وإعانة من تكفل بسد ثغور الإسلام وصد أعدائها وما ~~أحوج الخادم إلى نظرة شافية وعازفة لهذا المذور كافية ولا ينهض بعبء هذه ~~النوبة إلا بما يرفد به من ms030 المعونة وبما يشمله من بركات الأيام الزاهرة ~~الميمونة. ### || ذكر توجه نور الدين إلى الموصل بعد وفاة أخيه قطب الدين PageV01P017 # قال: فوصل الخبر بوفاة قطب الدين مودود بن زنكي بالموصل فأشفق من أمرها المهمل أن # الخادم المنعوت بفخر الدين عبد المسيح قد تعرض للحكم وأقام أحد أولاده ~~وهو سيف غازي مقام أبيه ليتحكم في الموصل وفيه فقال نور الدين أنا ولي ~~بالبلاد والشفقة على الأولاد وسار حتى عبر الفرات عند قلعة جعبر واستصحب ~~العسكر واد لج ليلا وسار وأسرى وأصبح على الرقة وفيها أمير يسمى كردك فتمنع ~~فأخذ منه البلد عنوة بالسلم شبيهه وأطاعه لما عجز ولم يلق كريهة. قال ودخلت ~~سنة ست وستين: يوم نزلنا على الرقة ونور الدين ساطع النور جامع الأمور مصمم ~~العزم آخذ بالحزم جار من عدله وإحسانه على الرسم قال: واستدعاني نور الدين ~~ونحن بظاهر الرقة وقال: قد أنست بك وأمنت إليك وأنا غير مختار للفرقة لكن ~~المهم الذي عرض لا يبلغ فيه غيرك الغرض فتمضي إلى الديوان العزيز جريدة ~~وتؤدي عني رسالة سديدة سعيدة وتنهي أني قصدت بيتي وبيت والدي ومعي طريقي ~~وتالدي فأمضي وخذ لي أذنا في ذلك. وأمر ناصر الدين محمد بن شيركوه أن يسير ~~بي إلى الرحبة في رجال مأموني الصحبة وسرت منها على البرية غربي الفرات ~~بخفير من بنى خفاجة وعبرت على هيت ثم عرسنا بالأنبار ورحلنا منها وجزنا على ~~نهر شيلا وعقرقوف فلما وصلنا إلى قرب بغداد سيرت غلامي إبراهيم ليخبر ~~الديوان العزيز بالوصول وانتظرت ما جرت به العادة في تلقي الرسول فجاءوا ~~وعبروا بي إلى الديوان العزيز وخصوني باسباب (1172) التمييز واجتمعت ~~بالوزير شرف الدين بن البلدي وكانت بيني وبينه صداقة صادقة في أيام الوزير ~~ابن هبيرة فإنه كان نايبه بواسط وأنا مشرفة ثم انتقل هو إلى الديوان الشريف ~~بها ناظرا ونبت عن الوزير فمن هناك تأكدت الصداقة فما صدق كيف رآني وبحبه ~~وحباته حباني وقرظني عند امير المؤمنين وقال له بمثله لا نسمح بل يكرم ~~ويخدم ويشرف ويمنح فاحتبسني ms031 عنده شهرين يعدني من الأمام بأجل منصبين من ~~الإنشاء والنيابة وشفع سؤلى في حق مخدومي بالإجابة والإصابة فقلت له إذا ~~قضيت حق الرسالة عدت إلى عدتك في الحيلة والحالة فلما مرض المستنجد بالله ~~ورأيت مبادئ وهنه تتجدد على مر الجديدين استأذنه في العود فأذن وسير معي في ~~الرسالة الفقيه مجد الدين اليزدى المدرس الحنفي وذلك في العشر الأخير من ~~شهر ربيع الأول فسلكنا الشهباء على النهج الأسهل وجينا إلى سنجار ونور ~~الدين على حصارها وهدم أسوارها ولما فتح البلد دخله وملك من ذخره منتخبه ~~ومنتحله ثم سلم البلد إلى ابن أخيه عماد الدين زنكي بن مودود ولم يزل فيه ~~لكونه خصه مخصوصا بكل مقصود ومطلوب ثم رحل نحو الموصل وقصد بلد واستوضح ~~منها الجد ونزل هناك في دجلة على مخاضته فاستسهل من خوضها العبور فيها ما ~~ظن متصعبا. وجاء دليل تركماني قدامنا وهو يقطع دجلة تارة طولا وتارة عرضا ~~أمامنا ونحن وراءه كخيط واحد حتى عبرنا إلى الجانب الشرقي برجالنا وأثقالنا ~~وأقمنا بقية ذلك اليوم حتى تم عبور القوم ثم رحلنا فنزلنا على الموصل من ~~شرقها وخيمنا على تل توبة فاستعظم أهلها تلك النوبة فما خطر ببالهم أننا ~~نغير بغير مراكب وأنا نأخذ عليهم ذلك الجانب فعرفوا أنهم محصورون مقهورون ~~وانقطعت عنهم السبل من الشرق، وتعذر عليهم الرقع لاتساع الخرق، وبسط العطاء ~~وكشف الغطاء وتكلما في المصلبحة والمصالحة الوسطاء ومد الجسر وقضى الأمر ~~وأنعم نور الدين على أولاد أخيه ومثلوا بناديه وأقر سيف الدين غازي على ~~قاعدة أبيه والبسه التشريف الذي وصل من أمير المؤمنين المستضيء وأعاده إلى ~~البلد ثم دخل قلعة الموصل من باب السرو وأقام بها سبعة عشر يوما وحدد ~~مناشير أهل المناصب وتوقيعات ذوي المراتب فأمضى قضاء القاضي حجة الدين بن ~~نجم الدين الشهروزر على قاعدته ونظر في أحوال الموصل بمعاملاتها ووجوه ~~أموالها جباتها فألفى معظمها محظورا محذورا فتقدم بإسقاطها وإطلاق قناطها ~~وأمرني فكتبت بذلك منشورا. ### || ذكر الشيخ عمر الملاء PageV01P018 # قال: كان بالموصل رجل من شيوخ الصالحين ms032 وأئمة العارفين يعرف بعمر العلاء وكان # العلماء بل الملوك والأمراء يزورونه في زاويته وله كل سنة دعوة في أيام ~~مولد النبي صلى الله عليه وسلم يحضره فيها صاحب الموصل ويحضر الشعراء ~~وينشدون في ذلك المحفل في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وكان يخرج لهم ~~جوايزهم. وكان نور الدين من أخلص محبيه وأحب مخالصيه وكان يستشيره ويكاتبه، ~~وكان بالموصل خربة واسعة متوسطة للبلد وقالوا ما شرع في عمارتها إلا من ذهب ~~عمره فأشار الشيخ عليه بابتياعها وبنائها جامعا تقام فيه الجمع والجماعات ~~فانفق فيها أمولا جاوزت حد الغزارة ووقف عليها ضيعة من ضياع الموصل. وكان ~~الفقيه عماد الدين النوقاني الشافعي تلك السنة من الوافدين إلى الشام وكان ~~من أكابر علماء الإسلام من أصحاب محمد بن يحيى ومعاصريه فسأله أن يكون ~~مدرسا في هذا الجامع فقال: وكتبت له منشورا عند عودنا إلى دمشق بذلك في سنة ~~سبع وستين. قال وحضر مجاهد الدين قايماز صاحب اربل في الخدمة النورية ~~بالموصل وذلك في مستهل جمادى الآخرة وزخرت الموصل بأمواج هداياه الزاخرة. ~~قال: وولى نور الدين سعد الدين كمشتكين بقلعتها نابيا وأر فخر الدين عبد ~~المسيح بأن يكون له في خدمته مصاحبا واقتطع عن صاحب الموصل حران ونصيبين ~~والخابور والمجدل وعاد إلى سنجار واعاد عمارة أسواها. ونزلنا بحران في خامس ~~عشر (172ب) جمادى الآخرة ثم رحلنا على قصد حلب ووصلنا إليها في خامس رجب ~~قال ونظمت هذه الأبيات على مذهب لزوم ما لا يلزم. # أحمد لله فزنا وللمطال حزنا ... حزنا السرور ومات الحسود هما وحزنا # إن الأعادي ذلوا بنصرنا وعززنا ... وعاد سهلا من الأمر كل ما كان حزنا # قال: وفرض القضاء والحكم بنصيبين وسنجار إلى الشيخ شرف الدين أبي سعد بن ~~أبي عصرون فولى بها نوابه وحكم فيها أصحابه. ### || ذكر وفاة الأمام المستنجد بالله وولاية الإمام المستضيء أبي محمد الحسن ووصول رسله إلينا # قال: ووصل الخبر بوفاة المستنجد بالله ~~وجلوس الأمام المستضيء بأمر الله وقد بويع يوم السبت تاسع ربيع الآخر سنة ~~ست وستين ms033 وكان الوزير أبو جعفر المعروف بابن البلدي ركب يوم وقوع الإرجاف ~~في عدة معه وعدة من الأمراء فلما لم يصح الخبر تفرقوا إلى منازلهم ورجع ~~الوزير إلى داره وقيل أن أمير المؤمنين خف ما به فأغلق أستاذ الدار باب ~~العامة فأحس الوزير حينئذ بزوال السلامة وقرع سن الندامة وجاءه أحد الحجاب ~~يعزيه وللحضور في المشايعة يستدعيه فمضى ومعه زعيم الدين أبو جعفر صاحب ~~الخزن فلما دخل صرف به إلى موضع كان فيه مصرعه وأمضه بالسيف من دمه تجرعه ~~وشفع عماد الدين بن عضد الدين رئيس الرؤساء في الزعيم فبقى على سننه القويم ~~وتولى عضد الدين الوزارة وأخرج جميع من في الحبوس ومن جملتهم مخلص الدين بن ~~الكيا الهراس فإنه اعتقل من مبتدأ خلافة الأمام المستنجد إلى منتاها وعاش ~~بعدها حياة في عطلة ما اشتهاها. وقيل قتل في ذلك اليوم في الحبس جماعة لم ~~يؤثر الوزير ظهورهم ومنهم عز الدين محمد بن الوزير ابن هبيرة وغيره. وجاءنا ~~رسل الخلافة ونحن بشرقي الموصل قصد تل توبة مبشرين بخلافة الأمام المستضيء ~~بأمر الله واتفق ذلك اليوم عبور دجلة واجتاب نور الدين تشريف الإحتباء وركب ~~يوم النزول عن التل في الأهبة السوداء واليد البيضاء وذلك بمرأى ومنظر من ~~أهل الموصل الحدباء وأمرني بإصدار خدمة إلى الوزير يشكر الآلاء والأمتثال ~~للأوامر الشريفة بإقامة الدعوة الهادية في جميع الأقطار والأمصار والخطبة ~~على منابرها ونقش سكة الدرهم والدينار. PageV01P019 # قال: وكنت يوما عند نور الدين في ناديه وهو مقبل على بأياديه ويسألني عن ~~الديوان العزيز ورسومه ثم قال: وأنت تمضي في الرسالة إلى منزل الجلالة ~~وتهنئ الإمامة والوزارة وهناك الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون جالس وهو في ~~الزاوية كالس ووجهه لما يشكوه من المرض عابس وكأنه متحيد عن نور الدين ~~وقربه متفقد رأسه في عبه فلما سمع حديث بغداد رفع رأسه وحولق واستعاذ وأبل ~~واستقل واعترض واستدل وانقلب وما به قلبه وتكلم وكلماته مهذبة وثاب ما ~~معناه: أنا للقيام بالرسالة وإقامة الدلالة والنصرة والأدلة وجلا الجلالة ~~فقلنا: ms034 هو شيخنا وكبيرنا وهو الأولى فليعتمد عليه المولى وليس لهذا المقام ~~مثله ولا دراك هذه الفضيلة إلا فضله وإذا وضح الأمام المذهب إلى الإمام فقد ~~تسدى مرامي المرام. واستقر أن يسير رسولا يستقبل اقبالا وقبولا. قال وعلقت ~~أنا على شغلى من الانتشاء وحررت أجوبة الكتب الواصلة مع الرسل للهناء ونظمت ~~هذه الأبيات وخدمت بها الفرض الإشراف قلت ومنها: # قد أضاء الزمان بالمستضيء ... وارث البرد وابن عم النبئ # جاء بالعدل والشريعة والحق ... فيا مرحبا بهذا المجيئ # فهنيئا لأهل بغداد فازوا=بعد بؤس بكل عيش هنئ قال: ولما وصل الرسل إلى ~~مدينة السلام وعرض التهنئة التي نظمتها تاج الدين أخي المقيم بها وسير لي ~~تشريف بأهبة أمامية ومبلغ مائة دينار أميرية وصار التشريف والذهب مع تشريف ~~أخي أنعاما مستمرا وإدرارا استمر لاستقبال سنة ست وستين وأمضاه الأمام ~~الناصر لدين الله في أيامه في كل سنة. # قال: ووصل هذا الإنعام بحلب في شعبان من هذه السنة فنظمت هذه الكلمة ~~وأرسلتها إلى أخي تاج الدين ليعرضها وأولها: # هل عايد زمن الوصال المنقضي ... أم عايد لي في الصبابة ممرضى # لا اشتكى إلا الغرام فإنه بلوى ... على من السماء بها قضى # (1173) لهفى على زمن الشباب فإنني ... بسوى التأسف عنه لم أتعرض # ومنها: # يا حسن أيام الصبى وكأنها ... أيام مولانا الأمام المستضي # قسم السعادة والشقاوة ربنا ... في الخلق بين محبه والمبغض # أصفى ظلام العدل بعد تقلص ... وبنى أساس العدل بعد تقوض # قال وقد عرف العالمون أنني من إنشاء الدولة الأمامية واحد تابعيها وما ~~عشت إلا بعيشها ولا درجت إلا من عشها وأنا إلى الآن في محاسنها وميامنها. # قال: في ذكر صديق له ببغداد يقال له علم الدين على بن إسماعيل الزكاندار ~~هذا الصديق كان ببغداد لي مصادقا وفي حبي صادقا، وقد جمعنا الفضل وانتظم ~~بالموانسة بيت الشمل. وكنا متصاحبين ليلا ونهارا ومتصافيين سرا وجهارا فلما ~~سافرت إلى الشام وحالت بيننا دواعي البين وعوادي الأيام شق عليه التفرق ~~وأوحشه وعدم الورد الذي اعتاد رويا عطشه وتوالت إلى كتبه وبعث ms035 خاطري على ~~اعتياب عتبة فمن الرباعيات التي صدرت بها الكتب إليه: # ما اخحلني وقد أتتني الكتب ... تشكوا وتقول أنهم قد عتبوا # هم أهل مودتي رضوا غضبوا ... ما أعظم زلتي إذا لم يهبوا # ومنها: # هبتى سحرا فنهبت وسواسى ... نشوي خطرت عليلة الأنفاس # أهدت أريج الرجاء بعد اليأس ... ما أطيب بعد وحشتي إيناس # قال: ومن المقطوعات التي كنت أواصل بها ذلك الصديق: # جامع الشمل بعد طول الفراق ... للمحبين كافل بالتلاقي # ولعل الأيام تسمح بالوصل ... وتقضى لبانه المشتاق # يا إخلائي الكرام المضاهين ... بطيب العروق طيب العراق # ومنها: # يا صبورا على الصبابة بعدى ... لك طول البقاء ما أنا باق # فأجرني من النوى بالتلاقي ... وأرث لي لا لقيت ما أنا لاق PageV01P020 # عاد الحديث إلى المتجددات بمصر والشام في هذه السنة قال: فوصل نور الدين ~~إلى دمشق وأدى فرض الصيام وخرج بعد العيد إلى الخيام وكان قد أخرج سرادقه ~~إلى جسر الخشب ناجح الرأي راجح الأرب. وكان بها شهاب الدين الأرتقى ومحمد ~~بن الياس بن ايلعازي بن أرتق صاحب البيرة وهو ذو الرتبة المنيفة في طريق ~~القصد إلى الخدمة وقد فارق حمص ونزل باللبوة وركب متصيدا فصادف الفرنج قد ~~أغاروا في ثلثمائة راكب من كل سال عن الحياة للحياة سالب فصادفهم وصادفوه ~~وأنكروه وما عرفوه فما زال يغلبهم ويشلهم ويتلهم بدمائهم ويعلهم حتى تم على ~~يده قتلهم بأسرهم وأسرهم وذلك في يوم الأربعاء السابع عشر من شوال هذه ~~السنة. # ورحل إلينا ونحن بعشترا فركب نور الدين ووقف وجاء شهاب الدين ونزل وقبل ~~وشكر نور الدين جلادته وجلده وعرض عليه الاسارى المقدمين (مقرنين في ~~الأصفاد) مسجونين في الأغلال والأقياد ومعهم مقدم الاسبتار الكبير الأعور ~~بحصن الأكراد وعدة مقدمون من أهل الشرك والعتاد وفرق شهاب الباقين من ~~الأسارى على الأمراء والأجناد. # قال: وكان بمصر حبس للشحن يعرف بدار المعونة لإقامة العقوبات وسفك الدماء ~~فأعادها صلاح الدين مدرسة للشافعية وعمرها فنشر بها إعلام الأدلة الشرعية ~~وذلك في أول سنة ست وستين. # وفي النصف من المحرم عمل دار الغزل مدرسة ms036 للمالكية. وعول على القاضي صدر الدين عبد # الملك بن درباس في القضاء والحكم بمصر والقاهرة وساير أعمالها الظاهرة ~~وذلك في السادس والعشرين من جمادى الآخرة، وخرج في هذه السنة إلى الغزاة ~~بعساكره وأغار على الرملة وعسقلان وهجم على ربض غزة وأفلت على الداروم ملك ~~الفرنج تجري معه (173ب) الذقن ورجع في الحادي عشر من شهر ربيع الأول إلى ~~القاهرة ثم وصل الخبر بخروج قافلة من دمشق فيها أهله فأشفق وأحب أن يجمع ~~بها شمله فخرج في النصف من ربيع الأول وكانت بايله قلعة في البحر قد حصنها ~~أهل الكفر فعمل لها مراكب وحملها إلى ساحلها على الجمال وفتح القلعة في ~~العشر الأول من ربيع الآخر واستحلها واستباح بالقتل والأسر أهلها وشحنها ~~بالعدد والعدد وحصنها بأهل الجلاد والجلد واجتمع عليها بأهله ثم ساوروا على ~~سمت القاهرة ودخلوا إليها في السادس والعشرين من جمادى الآخرة وسار إلى ~~الإسكندرية ليشاهدها ويرتب قواعدها وهي أول دفعة قدم إليها في أول سلطانه ~~فعم أهلها بأحسانه وأمر بعمارة سورها وتجديد بنيانه. # وفي النصف من شعبان اشترى تقي الدين عمر بن شاهنتشاه بن أيوب ابن اخي ~~السلطان العز بمصر وجعلها للشافعية مدرسة واشترى الروضة وحمام الذهب وغيرها ~~من الأملاك ووقفها عليها. # وفي النصف من جمادى الآخرة أغار شمس الدولة أخو السلطان بالصعيد ثم دخل ~~القاهرة في عاشر رمضان. # وفي الثالث والعشرين من جمادى الآخرة مات القاضي ابن الخلال وكان من ~~الأماثل الأفاضل ولم يزل صاحب ديوان الإنشاء ولما كبر جلس في كير الانزواء ~~وكان الأجل الفاضل يوصل إليه كل ما كان له وقام به مدة حياته لكرم عهده ~~وتكفله. # ودخلت سنة سبع وستين قال: استفتح السلطان سنة سبع بجامع كل طاعة وسمع وهو ~~إقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبنى العباس وعادت الدولة بها ~~ثابتة الأساس، وعفت البدعة وصفت الشرعة، وأقيمت الخطبة العباسية في الجمعة ~~الثانية من المحرم بالقاهرة للإمامة المستضية المضية الزاهرة وأعقب وفاة ~~العاضد في عاشورا بالقصر. وجلس السلطان للعزاء وأغرب في الحزن والبكاء ms037 ثم ~~تسلم القصر بما فيه من خزاينه وذخايره ودفاينه. وكان قد نافق مؤتمن الخلافة ~~وقتل وصرف من هو زمام القصر وعزل ووكل بهاء الدين قراقوش بالقصر وجعله ~~زمامه واستنابه مناب نفسه وإقامة مقامه فما دخل إلى القصر شيء ولا خرج إلا ~~بمرأى منه ومسمع. PageV01P021 # ولما توفي العاضد أمر السلطان بالاحتياط على أولاده في موضع خارج القصر ~~جعله برسمهم على الانفراد، وقرر ما يكون رسمهم للكسوات والأقوات والازواد ~~قال: وهم إلى اليوم في حفظ قراقوش واحتياطه واستظهاره يكلؤهم ويحرس بعين ~~حزمه في ليلة ونهاره وجمع الباقين من عمومتهم وعترتهم من القصر في إيوان ~~وأبعد عنهم النساء لئلا يتناسلوا وهم الآن محصورين وقد نقص عددهم وقلص ~~عددهم. ثم عرض من بالقصر من الجواري والعبيد أكثرهن حراير فأطلقهن، وجمع ~~أموال لهن موات فأعتقهن وجمع الباقيات فوهبهن وفرقهن وأخلى دوره وأغلق ~~قصوره وسلط الجود على الموجود وأبطل الوزن والعد عن الموزون والمعدود وأخذ ~~كلما صلح له ولأهله وأمرائه وخواص مماليكه وأوليائه من أخاير الذخاير ~~وزاواهر الجواهر والعقود والنقود والمنظوم والمنضود وما لا يعد إحصاء ولا ~~يعد استقصاء فوقع فيها القضاء وكشف عنها الغطاء وأرسف فيها العطاء، وأطلق ~~البيع بعد ذلك في كل رخيص منها وغال وبال وأسمال ومنقول ومحمول ومصنوع ~~ومعمول واستمر البيع فيها مدة عشر سنين وتنقلت إلى البلاد بأيدي المسافرين ~~ومن جملتها الكتب فأني قد أخذت منها جملة في سنة اثنتين وسبعين وكانت ~~خزاينها مشتملة على قريب من مائة وعشرين ألف مجلدة مؤيدة من العهد القديم ~~مخلدة، وفيها بالخطوط المنسوبة ما اختطفته الأيدي واقتطفه التعدي ونقلت ~~منها ثمانية أحمال إلى الشام وتقاسم الخواص بدور القصر وانتقل إليه الملك ~~العادل سيف الدين لما ناب عن أخيه واستمر سكناه فيه. # وخطب لأمامنا المستضيء في قوص وأسوان والصعيد البشاير وسار بها البادى ~~والحاضر وتملك السلطان أملاك المنتمين إليهم من أشياعهم وضرب الألواح على ~~دورهم ورباعهم ثم ملكها أمراءه وخص بها أولياءه وباع منها أماكن ووهب ~~مساكن. # كتاب فاضلي من صلاح الدين إلى المبارك بن منقذ ms038 والى قوص وكتابنا هذا وارد على # الأمير مجد الدين: عندما كان من نفوذ قضاء الله وقدره محتوما فيما منصوبا ~~وموسوما وذلك لمرض امتدت فيه أيامه واستولت عليه آلامه إلى أن انقصمت به ~~عراه وانحلت معه قواه وأتاه من أمر الله ما أتاه وحضرنا في إيوانه ونقلنا ~~بانتقاله أسرار الأمر إلى خلانه ليعلم أن الله استأثر (174أ) بوفاته وآثره ~~لحسن العهد بموافاته وبلغنا الغاية في أحمال أمره والتوديع له إلى قبره ~~واطابة نفوس مخلصيه وإقرارهم في قصره وانكفأنا إلى مستقرنا والأمور لدينا ~~مطردة والأحوال قبلنا متمهدة والدهماء ساكنة والدنيا بنظرنا آمنة، وسبيل ~~الامير أن يوعز إلى الخاطئ يوم الجمعة بالدعاء لمن الكلمة عليه مجموعة ~~والدعوة له في الاقطار مسموعة وهو الامام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين ~~ولا يلزم الناس العافية فإنها أسبغ عطاء وأسبل غطاء في تنقل الأيام عبرة ~~(لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد) ومن تعظه الأيام من قريب (فأولئك ~~ينادون من مكان بعيد) . # قال: وكان صلاح الدين لا يخرج عن أمر نور الدين ويرجع في جميع النصائح ~~إلى رأيه المتين وقد كان كاتبه نور الدين في شوال سنة ست بتغيير الخطبة ~~وانتزاع نكر هذه القضية وأيقن أن أمره متبوع وقوله مسموع ونطقت بذلك الخواص ~~والعوام فسير نور الدين شهاب الدين أبا المعالي المطهر بن الشيخ شرف الدين ~~بن أبي عصرون بهذه البشارة وإشاعة ما تقدم له بها من الإشارة وامرني بإنشاء ~~بشارة عامة تقرأ في ساير بلاد الإسلام وبشارة خاصة للديوان العزيز بحضرة ~~الإمام في مدينة السلام. ### || ذكر وصول عماد الدين صندل رسولا من دار الخلافة بالخلع والتشريفات لنور الدين، وصلاح الدين # قال: كان عماد الدين صندل هذا ~~من أكابر الخدم المقتفوية وتولى استاذيه الدار العزيزة بعد عزل عماد الدين ~~بن عضد الدين عنها وهو أكبر من أرسل وجاء بالتشريف لنور الدين بأهبته ~~السوداء العراقية وحلله الموشية وطوقه الثقيل وسرجه الخاص الشريف وحصانه ~~المنيف ولواء الحمد المعقود وفرجية النسج المعمود ومثال التقليد المشهور ~~وكتاب التقريظ المحمود. ms039 PageV01P022 # وعين يوم يحضر فيه الرسول ونصوا على من يحضر في مجلس نور الدين عند ~~اجتيابه تشريف الاحتباء وأغفاوا ذكرى قصدا منهم لاغمامي فلما حضرت الرسل ~~طلبني نور الدين فلم يرني فنفذ ورائي واستحضرني وقام لقيام الرسل حتى حضرت ~~وكان مقصودة أن يعرفهم منزلتي واختصاصي عنده فناولني الكتاب الشريف لأتلوه ~~فتناوله مني الموفق بن القيسراني خالد وكان عنده في مقام الوزير وله انبساط ~~زايد فداريته وما ماريته وتركته يقرأ وأنا أرد عليه وأرشده في التلاوة إلى ~~مالا يهتدي إليه حتى أنهاه فأعجب نور الدين صمتي وسمتي وأجتاب الاهبة ولبس ~~الفرجة وتقلد السيفين طوقها وخرج وركب من داخل القلعة وهو حال بما عليه من ~~الخلعة مركوبة والآخر بحليته مجنونة وسألت عن معنى تقليد السيفين فقيل هما ~~للشام ولمصر والجمع بين البلادين وخرج إلى ظاهر دمشق حتى انتهى إلى منتهى ~~الميدان الأخضر ثم عاد جميل المحضر جليل المنظر لبيقا بالأعظمين السرير ~~والمنبر. # وكان وزن الطوق مع أكرته ألف دينار من الذهب الأحمر، وحملوا لصلاح الدين ~~تشريفا رايقا رايعا، لكن تشريف برمته إليه بمصر ليجتابه وشرف أيضا من عنده ~~بخلع يشرف بها أصحابه وصلت تلك الخلعة إليه فلبسها وطاف بها في الحادي ~~والعشرين من رجب وهي أول أهبه عباسية دخلت الديار المصرية فقضى أهلها منها ~~العجب، وكانت مع ارسل اعلام وبنود ورايات ففرقها على المساجد والجوامع ~~والخطباء والقضاة والعلماء. # قال: وكان صلاح الدين واعد نور الدين أن يجتمعا على الكرك والشوبك ~~ويتشاورا فييما يعود بالصلاح المشترك فخرج من القاهرة في الثاني والعشرين ~~من المحرم فاتفق للاجتماع عايق ولم يقدر للاتفاق قدر موافق في تلك السفرة ~~شدة وعدم خيلا وظهرا وآب إلى القاهرة في النصف من شهر ربيع الأول. # قال: كان مع الرسول لخاصتي من الإمام رسم التشريف والأنعام وهو مائة ~~دينار وأهبة شريفة وعمامة. # وكان لي أيضا مع رسول الوزير عضد الدين وهو الحافظ الدمشقي آخر العجيب ~~المائة عن مكارمه ومناقبه منبية ولما عاد الرسول في سابع عشر جمادى الآخرة ~~سيرت إلى الوزير هذه ms040 المدحة واستزدت المنحة قلت وهي قصيدة أولها: # عسى أن تعود ليالي زرود ... ويقضى المنى بنجاز الوعود # وتشرف أيامنا الزاهرات ... ويورق في روضه الوصل عودي # (174ب) قال: ولما عاد الرسول عاد معهم شهاب الدين بن عصرون بأجوبة الكتب عن نور # الدين. # قال: وكان نور الدين لا يقيم في المدينة أيام الربيع والصيف محافظة على ~~الثغر ورعاية للبلاد وهو متشوق إلى أخبار مصر وأحواتلها فرأى اتخاذ الحمام ~~المنسيب ةتدريجها على الطيران لتحمل إليه الكتب بأخبار البلدان وتقدم الي ~~بكتب منشورة لأربابها وإعزاز أصحابها. # قال: وفي رجب من هذه السنة فوض إلى المدرسة التي بحضرة حمام القصر وعول ~~علي في التدريس بها والنظر في أوقافها وكان الشيخ فيها الفغقيه ابن عبيد ~~فلما توفي خلف ولدين واستمرا فيها على رسم الوالد ثم خدعهما رجل مغربي ~~استهواهما بعمل الكيمياء ونهج بهما سبيل الإغواء فصاهراه وظاهراه فغاظ نور ~~الدين المعنى وأحضرهما واستوفى عليهما أنواع التوبيخ فلم يجد من أحدهما ~~لأمره سمع النصيح فقال لي: تسلم الموضع ورتبني فيه مدرسا وناظرا وكان ليلة ~~الخميس وحضر القاضي كمال الدين وعلماء البلد بكرة التدريس فاستمرت الولاية ~~وشملتني من الله الرعاية. # قال: ودخلت سنة ثمان وستين والامور سديدة والثغور مسدودة وألوية الاولياء ~~بالنصر معقودة والظالع مسعودة والمواسم مشهودة والمواسم المحمودية محمودة. # قال: ذكر تفيض إشراف ديوانه إلى: PageV01P023 # كان نور الدين رحمه الله كلما رتب لديوانه وجده إلى نواب ديوانه متعرضا ~~وبتصرفهم فمنهم من يقصر عن مطاولتهم ولا ينهض لمقاوتهم فإذا عرف انه لا ~~يسوء ولا يسر ولا ينفع ولا يضر عنفه وصرفه وعزف عنه وتعيفه، ومنهم من يعرف ~~انه إذا حادثهم ونافقهم لا يظفر بقبول ولا يفوز بمأمول فيوافقهم ويرافقهم ~~فإذا عرف حاله بعد حين بعزله غير ضنين. وكنت قد توليت شغله وتفيأت ظله بح ~~نوابه في خفض قدري وضيق صدري وأنا أحلم عنهم ولا انتقم منهم فلما كثر منهم ~~التهاون وظهر منهم التعاون ولم يخف عن نور الدين سر أمري وعلم أن لطى ~~المداراة معهم أمري وكان ذكيا ألمعيا ms041 لا يخفى عليه الأحوال ولا يتهرج لديه ~~الرجال ولم يزل لا بناسبه بي واطلاعه على سري يشملني بما لا يخطر ببالي ~~عافته وعاطفته. وأنا إذا انصرف النواب من ديوانه أجلس ملازما للخدمة في ~~إيوانه فإذا خرج الخادم لشغل ولا يرى منهم أحدا حاضرا عاد إليه فأخبره ~~بغيبتهم ويقول ما رأيت إلا فلانا وربما خرج وتقدم إلى بكفاية ذلك المهم ~~وأعجبه دوام تلك الشيمة مني وكان يريد تقديمي ولكنه للحزم على الثبات ~~والتأني. فبينا أنا ذات يوم أطلت القعود وأدمت على الباب الركود وألفيت ~~لنار حركاتي بعد الظهر الخمود فنزلت إلى منزلي لا تبلغ بقوت وأعود إلى ~~الباب في وقت موقوت إذا جاء من يطلبني وعلى الغيبة يعتبني فتضجرت في نفسي ~~وعدمت انسي وقلت: ما أصعب هذه الخدمة وما أصعب هذه الغمة أما أترك لطعامي ~~ومتى مرامي. وحين حضرت خرج إلى خازنه ولي الدين إسماعيل وقال: يأمرك بأن ~~تتولى إشراف مملكته وتكون الحافظ الأمين في دولته فقلت يعفيني في دولته ~~فأنا وحيد في الغربة وبهذا العمل عديم الدربة وهؤلاء النواب قد خلا لهم ~~الميدان وطاوعهم على تقادم السنين الإمكان، ولهم خبرة بالأعمال ومعرفة ~~بالأحوال وكأنهم على حصنهم العربية قد حازوا قصب الرهان وكأني على برزون ~~أعرج فكيف أسابقهم في الميدان. # فعاد بالجواب وقال اتبع أو امرنا وأنت على الصواب فجمعت بين لنصبين وقسمت ~~زماني على النصيبين فمرة للكتب والناشير وتارة للإثبات في الدساتير ولم أثق ~~بنايب وباشرت العمل بنفسي على أنهم لا يلتفتون نحوي ولا يبالون بكدري وصفوي ~~ولا يجرون إلا على ما ألفوه من العادة ولا يشاورونني في الإبداء والإعادة. ~~فما زلت أرد طباعهم واصد أطماعهم حتى قويت على العمل ورويت من عله النهل. # قال: وكان من عادة نور الدين انه إذا أقطع أميرا إقطاعا وعين بعبرته ~~ضياعا قرر عليه رجلا ذوي عدد لا ينقصون في خيل وسلاح وعدد فإذا نقص مغل ~~الإقطاع عن المبلغ أتم له نقدا من خزانته. # قال: وأمر أن يركب كل أمير بعدته وهيئة بأسه في ms042 الحرب وشدته ونحن نبكر لعرضه # والأمير الحاجب ضياء الدين بكر يسان متولى هذا الأمر وهو يجمعنا كل يوم ~~من الفجر وكان هذا الأمير أكبر حجاب أسد الدين شيركوه وأخص أصحابه فلما ~~توجه مخدومه إلى مصر لم يصحبه ولم يرقه ملك مصر بترك وطنه بالشام ولم ~~يعجبه. فمال إليه أمور الدين لزنة حصاه وزينة حجاه (175أ) ورفع قدره إلى ~~رتبة الأمراء الأكابر واعتمد على نهضته في الموارد والمصادر. ### || ذكر ما سيره صلاح الدين من مصر من الأموال # قال: ولما عرض صلاح الدين بعد العاضد بالقصر خزانته واستخرج منها دفاينه ~~سير منها عدة من الأمتعة المستحسنة والآلات المثمنة من قطع البللور واليشم ~~والاواني التي يتصور وجود مثلها في الوهم ومعها ثلاثة قطع من البلخش أكبرها ~~نيف وثلاثون مثقالا، والثانية ثمانية عشر مثقالا والأخرى دونها وقرن بها من ~~الآلي مرصوفها وكنونها وحمل معها من الذهب ستين ألف دينار ووصلت من غرايب ~~المصوغات بما لا يجمع مثله في إعصار وإعمار ومن الطيب والعطر مالم يخطر ~~ببال عطار فشكر نور الدين همته وقال: ما كانت بنا حاجة إلى هذا المال ولا ~~نسد به خلة الإقلال فهو يعلم أنا ما أنفقنا الذهب في ملك مصر وبنا فقر إلى ~~الذهب تمثل بقول أبي تمام: # لم ينفق الذهب المربي بكثرته ... على الحصا وبه فقر إلى الذهب # فاستنزه وما استغزره واستقل المحمول في جنب ما حرزه وتروي فيما يدبره ~~فيما يقدمه في هذا المهم ويؤخره. ### || ذكر خروج الملك الناصر صلاح الدين ونزوله على الكرك والشوبك PageV01P024 # قال: خرج في النصف من شعبان ومعه الفيل والحمارة العنابية والذخاير ~~النفيسة التي انتخبها من خزائن القصر وقد سبق ذكر تسييرها إلى نور الدين ~~ووصلت الحمارة وكثر لهم النظارة، وأما الفيل فانه وصل إلينا في سنة تسع ~~وستين ونحن بحلب فأهداه نور الدين إلى ابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل ~~ثم سيره نور الدين إلى بغداد هدية للخليفة وسير نور الدين الحمارة إلى ~~بغداد مع هدايا وتحف سنايا. # وأما صلاح الدين فانه أقام ms043 على تلك الحصون وأدار عليها رحى الحرب الزبون ~~ولم يبرح حتى برح بها عنها وعربها وخرب عمارتها وشنت على أعمالها سرايا ~~بغاراتها ومن جملة عربانها الذين رغبهم وسيرهم إلى الشام نور الدين صلخد ~~بنو عباد فانهم وصلوا في مائتي فارس من أبطال الحرب وكماة الطعن والضرب ~~ووصل على أيديهم صلاح الدين الفاضلي ونسخته. # سبب هذه الخدمة إلى مولانا الملك العادل أعز الله سلطانه ومد أبدا إحسانه ~~ومكن بالنصر أمكانه وشيد بالتأييد مكانه. علم الملوك بما يؤثر المولى أن ~~يقصد الكفار بما يخمص أجنحتهم ويقلل أسلحتهم ويقطع موادهم ويخرب بلادهم ~~وأكثر الأسباب المعينة على ما نرى أن لا يبقى في بلادهم أحد من العربان وأن ~~ينتقلوا من ذل الكفر إلى عز الإيمان ومما اجتهد فيه غاية الاجتهاد وعده من ~~أعظم الأسباب ترحيل كثير من أنفارهم والحرص في تبديل ديارهم إلى أن صار ~~العدو اليوم إذا نهض لا يجد بين يديه دليلا ولا يستطيع حيلة ولا يهتدي ~~سبيلا ولو كان هؤلاء العربان يرغبون في الديار المصرية لكان يحمل كلهم ~~ويسوقهم كلهم ولكن هواهم في الشام ورغبتهم في بلاده دون غيرها من بلاد ~~الإسلام. ولو أن المولى خلى لهم إقليما وأقطعهم إقطاعا عظيما ليقطعهم عن ~~الكفر وبلاده ويبعدهم عن تكثير سواده لكان في ذلك قد أحسن فعلا وحمل عن ~~المسلمين ثقلا فكيف وهم يخدمون في البلاد خدمة من عرف مدالجها وخبر طرقها ~~ومناهجها فما يدعون جهدا في أخرابها وشن الغارة عليها متواصلة الفتك فيها. ### || ذكر بعض المتجددات في الشام # قال: حضرت عند الملك العادل نور الدين بدمشق في العشرين من صفر والحديث ~~يجري في طيب دمشق ورقة هوائها وبهجة بهائها وإزهار رياضها وأنها كزهر ~~سمائها وكل ما يمدحها ويطريها فقال نور الدين أنما حب الجهاد يسليني عنها ~~فما أرغب فيها، قال: فارتجلت في هذا المعنى فقلت: ليس في الدنيا جميعا بلدة ~~مثل دمشق ويسليني عنها في سبيل الله عشقي # قال: واتفق أن خرج كلب الفرنج اللعين في جنود الشياطين يقصد الغارة على ناحية ms044 زرا # من حوران وأناخ بأول ليلة بقرية بسمكين ووصل الخبر إلى نور الدين وهو ~~نازل بالكسوة إليهم وأقدم بعساكره عليهم فلما عرفوا وصوله رحلوا إلى منزلة ~~الفوار وأصبحوا بكرة السبت غرة شهر ربيع الأول راحلين إلى السواد صارفين ~~أعنة الجياد عن أسنة الصعاد وشلتهم مقدمة عسكرنا حتى نزلوا بالشلالة ونزل ~~نور الدين بعشترا وأنفذ سرية إلى أعمال طبرية ولما عادت لحقها الفرنج عند ~~المخاضة فوقف الشجعان (175ب) وثبت من ثبته الإيمان حتى عبرت السرية بجمالها ~~وعادت وقد نصرت صوارمها ونفدت لهازمها ولما أنهضنا السرية رحلنا من عشترا ~~وخيمنا بظاهر زرا. # قال: وكنت عند مسيرنا إلى اللقاء لنور الدين مسايرا وله مجاورا وهو يقول ~~كيف تصف نهوضنا إلى الجهاد وسواد وجوههم بدخولهم في السواد وهو يبتسم وقد ~~تقدم أمراؤه إلى المعركة ويقول لم أرك قوي القلب وأقول وكيف لا يقوى قلبي ~~بخدمتك وأنا في عصمتك هذه القصيدة في وصف الحال: # عقدت بنصرك راية الإيمان ... وبدت لعصرك آية الإحسان # قلت منها: # كم مصعب عسر المقادة قدته ... نحو الردى بخرا يم الخذلان # ومنها: # وعلى غناء المشرفية في الطلا ... والمهام رقص عوالي المرأن # وكأن بين النقع لمع حديدها نار ... تألق من خلال دخان # غطى العجاج به نجزم سمائه ... لتنوب عنها أنجم الخرصان # ولوا وقلب شجاعهم في صدره ... كالسيف يرعد في يمين جبان # يمتاح من قلب القلوب دماها ... بالسمر منح الماء بالأشطان # فمن العراق إلى الشام إلى ذرى ... مصر إلى قوص إلى أسوان # لم تله عما في البلاد وإنما الهاك ... فرض الغزو عن همذان PageV01P025 # أذعنت لله المهيمن أذعنت ... لك أوجه الأملاك بالإذعان # سير لو أن الوحي تنزل أنزلت ... في شأنها سور في القرآن # قال: وفي هذه السنة غزا شمس الدولة تورانشاه أخو صلاح الدين بلد النوبة ~~وفتح حصنا لهم عرف بابريم وهي بلاد عديمة الجدوى عظيمة البلوى ثم جمع السبي ~~وعاد به إلى أسوان وفرق على أصحابه في الغنايم السودان. ### || ذكر وفاة نجم الدين أيوب والد السلطان # قال: وركب نجم الدين فشب به فرسه وذلك ms045 بالقاهرة عند باب النصر وسط ذي ~~الحجة يوم الاثنين الثامن من ذي الحجة وعاش ثمانية أيام بعد وقوعه وتوفى في ~~يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة في الساعة الرابعة وكان ولده ~~صلاح الدين عنه غايبا في بلاد الكرك والشوبك فدفن إلى جانب أخيه أسد الدين ~~في بيت بالدار السلطانية ثم نقلا بعد سنتين إلى المدينة النبوية. # عاد الحديث إلى الشام قال: ودخل نور الدين دمشق وشتا بها ولما طاب الزمان ~~تقاضاه عزمه بالحركة، وكان قصده بجانب الشمال لتسديد مااختل هناك من ~~الأحوال ولتجديد العهد بتلك الأعمال فبدأ بمصر وشرع في أنفاذ من يستكفيه من ~~الرجال في تقدير ما يحمل كل سنة إليه من الأموال. ### || ذكر مسير الموفق خالد القيسراني إلى مصر # قال: وكان نور الدين منذ ملكت مصر يؤثر أن يقرر له فيها مال للحمل يستعين ~~به على تحمل كلف الجهاد والأيام تماطله والأقدار تحول بينه وبين ما يحاوله ~~وهو ينتظر أن صلاح الدين يبتدئ من نفسه بما يريده وهو لا يستدعي منه ولا ~~يستزيده فلما حمل من أخاير الذخاير ما حمله وعلم مجمله ومفصله تقدم إلى ~~الموفق أن يمضي ويطالب ويقتضي. ويعمل أيضا حيازة بالأعمال المصرية وعين له ~~ما يحمل إليه معه من الهدايا والتحف السنايا والثياب المعلمة والخيل ~~المسومة ورحل نر الدين على سمت البقاع وخرج خالد معه للوداع فأعاده بعد أن ~~قرر معه ما أراده وأمره بالمقام إلى حين دخول خازنه بتسليم ما سبق ذكره من ~~الأقسام فلما نزلنا بعين الجر تذكر ما عد به من الأمر فاستدعى ولى الدين ~~إسماعيل متولي خزانته وشهاب الدين أبا صالح بن العجمي ناظر ديوانه فاستدعى ~~ولي الدين إسماعيل وعدل خزانته وأمرهما بالعود إلى دمشق وتسليم ما كان عنده ~~ليتسلمه خالد وكلاهما بعد انجاز الشغل إلى المعسكر معاود. # قال: ولما ودع الموفق (1176) خالد مستوفي المملكة النورية أراد أن يستنيب ~~بين الإنشاء والإشراف والاستيفاء. ووجدت الخدم الثلاث بكفالتي الوفاء. ثم ~~تعصب فخر الدين الزعفراني وكان من الأمراء الكبار لرضي الدين يعقوب ms046 رئيس ~~سنجار وبذا في منصبي خمسة ألاف دينار فقال نور الدين: أما العماد فلا نبيع ~~كفاة الرجال بالقناطير المقنطرة من المال وأخذ عشرة آلاف دينار وولاه منصب ~~الاستيفاء وجلس معنا أشهرا. فكتب يوما إلى نور الدين أنني أريد أن يكون لي ~~في كل بلد نايب حتى أقدر الوفاء بما بذلته فقال نور الدين: كأنه يريد أن ~~يوفيني المال من مالي وفرا يد أعمالي فصرفه ورد إلى العمل وحقق منه بتقديره ~~إلى الأمل. قال وخرج يوما من عند نور الدين من قال: قد أمر المولى أن كل من ~~كان للموفق عليه رسم يوصله إلى العماد فإنه بعده بمحل الاعتماد وقد مال إلى ~~وعول في مناصبه على وطالعته كل يوم بمرافق عملي ومنافع شغلي فما أتحف بتحفه ~~ولا أخص من أحد بعطية إلا أطالعه بها وأطلعه على سببها فكان يعجبه مني تلك ~~الشيمة ويقول: تصرف فيك تصرفك في مالك. وكانت مواد عنايته لي وافرة ومن ~~وجوه رعايته سافرة ثم اعتمد علي اعتمادا كليا وجعلني له نجيبا وإذا أراد أن ~~يكتب إلى أحد منهم يقول أكتب إليه من عندك. # ومن جملة ذلك أن سعد الدين كمشتكين وكان نايبه بالموصل في خدمة سيف الدين ~~صاحبها أخذ من رجل ألف دينار بعلة عللها فجاء وتظلم فأمر لي نور الدين أن ~~أكتب إليه بردها عليه فقال: ما ينفعني إلا كتابه وتوقيعه فأنهيت ذلك إليه ~~فقال ما معناه: أما يعلم كمشتكين أنك كاتبي وأميني وصاحبي ولا تكتب إلا ~~بأمري فأخالف كتابك إليه قلعت عينيه فمضى إليه بكتابي فسارع إلى طاعته ورد ~~عليه الألف في ساعته. ### || ذكر الوصول إلى حلب والتوجه منها إلى الروم وفتح قلعتي مرعش وبهنسى PageV01P026 # قال: ووصلنا إلى حلب واستغزرنا من ردها الحلب وقضينا الأرب وكان السلطان ~~قلج أرسلان صاحب الروم وقد تعدى على بلاد قر أرسلان فكتب يشكو ويتضرر وأن ~~مقاومته عليه تتعذر فغار من ذلك غيرة المغتاظ وعزم على قصد بلد قلج أرسلان ~~وبدأ ببلدة مرعش ونزل على حصنها في العشرين من ذي ms047 العقدة وأمن من فيها ~~وتسلمها وما حاصرناها أكثر من يوم فما غالونا برسوم. قال ومما كتبت إلى ~~صديق لي بدمشق ومنها: # كتابي فديتك من مرعش ... وخوف نوايبها مرعشى # ترنحنى نشوات الغرام ... كأنى من كأسه منتشي # أسر وأعلن برح الغرام ... فقلبي يسير ودمعي يشي # قال: فرتب فيها واليا وجدد من رثها ما كان باليا، وتولى عنها وجاء إلى ~~بهنسى وواليها يعرف بقايماز السلطاني فأطلنا حصارها وأزلنا استظارها وقامت ~~المجانيق على سورها ورخصت المهج الغوالي في سوقها ودام مرجوما حتى انقض ~~الجدار فطلب من فيها الأمان ودخلها نور الدين وفرعها ونعتها بعد أن صرعها ~~وملك تلك البلاد وأقطعها الأجناد. # قال: وفي هذه السنة وصل الفقيه الإمام العالم قطب الدين النيسابوري وهو ~~فقيه في عصره ونسيج وحده قدوة الإسلام ومفتي الأنام فسر نور الدين بدنو ~~نوره وحضر غايب أنسه بسنا حضوره ونزل في حلب بمدرسة باب العراق فأطلعه إلى ~~دمشق ودرس وشرع نور الدين في إنشاء مدرسة كبيرة للشافعية لفضله وأدركه ~~الأجل دون إدراك عمارتها لأجله ونقل الله قطب الدين إلى جواره في الأيام ~~الناصرية في سنة ثمان وسبعين. # قال: وعلى ذكر قطب الدين ذكرت وفادة شيخ الشيوخ عماد الدين أبي الفتح ~~محمد بن علي بن محمد حموية إلى الشام في أوائل سنة أربع أو في سنة ثلاث ~~وستين وأغفلت ذكره في موضعه فاستدركه ههنا. وكان كبير الشأن لم يكن له في ~~علم الطريقة والحقيقة مساو فأقبل عليه نور الدين بكليته وأمرني بإنشاء ~~منشور له بمشيخته صوفية الشام ومن جملة ما أتحفه به عمامة بأعمدة ذهبية ~~نفذها صلاح الدين إليه فآثر بها شيخ الشيوخ فبذل فيها ألف دينار بزنة ذهبية ~~فلم يجد من سامها إلى طلبها فقال: (176ب) دخلت سنة تسعة وستين ونور الدين ~~قد فتح الحصون مرعش وبهنس واربيل وكيسون وكان مليح بن لاون متملك الأرمن في ~~خدمته آويا إلى ظل عصمته. وقد وصل إلى خدمته ضياء الدين مسعود ابن قفجان ~~فخصه بالحباء والتشريف وأنزله من ظل إحسانه في المحل المنيف ووفد ms048 إليه صاحب ~~ملطيه فأجزل له العطية وهو الذي قتله أخوه وملك البلد وحده ولم يفلح بعده. ~~وكان في خدمته أيضا الأمراء من المجدل فسرحهم بالعطاء الأجزل وأظهر أنه ~~ينزل على قلعة الروم على الفرات فتقبل مستخلف الأرمن بالبراءة وحمل خمسة ~~آلف دينار على سبيل الجزية والصغار، وعاد إلى حلب وقد نجح في كل ما طلب. ### || ذكر عود القاضي كمال الدين الشهرزوري إلى بغداد # قال: كان القاضي كمال الدين توجه من دمشق عام أول إلى بغداد رسولا ووجد ~~من الديوان العزيز عزة ودنوا وإقبالا وقبولا. وأمر أمير المؤمنين المستضيء ~~بضرب دنانير للنثار لا ينقص كل دينار عن عشرة مثاقيل واحضر لنور الدين مما ~~وصل إليه من النضار المطبوع باسم النثار خمسين عددا وزنها خمسمائة دينار ~~فشكر علو تلك الهمة وسأل دوام النعمة. # قال: وكانت ناحيتا درب هرون وصريفين من أعمال العراق لزنكي بن آقسنقر ~~والد نور الدين قديما من أنعام أمير المؤمنين فسأل نور الدين إحياء ذلك ~~الرسم في حقه فأنعم بهما أمير المؤمنين المستضيء عليه ووجه بهما مثاله ~~إليه. وكان من مراده أن يستوهب ببغداد على شاطئ دجلة أرضا ويبني فيها ~~للشافعية مدرسة ويقف عليها الناحيتين فقيل له: ما ثم موضع يصلح لهذا (الأمر ~~إلا دار التمر) فعاقه أمر القدر عن قدرته عن الأمر. PageV01P027 # فقال: وأراد نور الدين أن يسرع إلى دمشق الأوبة ويقضي فيها الشتوه فالتاث ~~سره لالتياث سريته وشكاة جاريته فتصدق عنها بالألوف والتزم لله في شفائها ~~بنذور ووقوف وأقام حتى ترجح ترجى إبلالها ثم سيرها في متحف وتحمل على أيدي ~~الرجال وتأخر نور الدين جريدة مع عدة من مماليكه وأمرائه وتقدم إلى أن ~~أسايره وأسامره في طريقه فسرنا على طريق قبه وملاعب والمشهد وسلمية، وكان ~~إذا سار لا يدركه من يسايره، فوصلنا إلى سلمية من حلب في يومين، فجاءه ~~الخبر بأن الفرنج قد أغارت على حوران، فركب قبل العشاء وأدلج ووصل إلى دمشق ~~والصبح قد تبلج وسمع الفرنجة به فتفرقوا. وكان أخوه سابق الدين عثمان رسولا ~~وكان ms049 رجلا بعيدا عن الدهاء، غير خبير بتدبير الأحكام وآلايها يحمل قول كل ~~قايل على الصدق، وهو كما يقال ساذج سليم القلب فلما وصل إلى دمشق تلقوه ~~بالإكرام وأنزلوه في دار بعيدة عن الأقوام ي11بكرون إليه كل يوم للسلام ~~وإذا جاء إلى القلعة تلقوه إلى الباب وأجلسوه في صدر الإيوان وقام بين يديه ~~حواشي السلطان، وهو لا يعلم بما يدبرونه وما الذي يقررونه ثم قال شمس الدين ~~هو الوصي والولي وبأمر الملك الكفيل الملى فنريد أن يستظهر منه باليمين. ~~وقال شهاب الدين العدل لسابق الدين أنا أصل إلى حلب معك فأعطني يدك أن ~~تنفعني وأنفعك فمضى وخرج معه. قال وخرجت إلى طريق سابق الدين لأودعه وحسبته ~~لا تخفى عليه الإشارة فإذا هو أعجمي لا توقظه العبارة، وخلوت به وقلت ~~احترزوا من الكيد قبل أن تقعوا كالصيد في القيد، وصرحت له بالأمر وخوفته من ~~الغدر وحسبته مأمونا على السر فلما سايره غي الطريق العدل أبو صالح وجاذبه ~~أطراف الكلام أمال إليه أعطاف الاستسلام ووفاه في صوره الوفا مكايل مكايده، ~~وأراه أنه يزجى له محامل محامده حتى إذا وصل إلى حلب وبعد شمس الدين على ~~خرله ساجدا وأظهر أنه لم يزل يتمنى المثول في خدمته مغرما واحدا واستوثق ~~يمينه وشمس الدين لطهارة دينه يعتقد طهارة دينه، واستقر الأمر على أن ~~يحملوا الملك الصالح إلى قلعة حلب، وهو يتسلم ممالكه ويكون فيها أتابكه ورد ~~أخاه سابق الدين للمضي في الخدمة، ووصل سعد الدين كمشتكين أيضا في تلك ~~الأيام إلى دمشق ليجدد بالخدمد عهده، ويذكر من الرأي ما عنده، واستقبلهم ~~الملك الصالح وكنت راكبا في موكبه مسايرا إلى جنبه وهو لا يسمح في أن ~~أتباعد عن قربه فلما أبصرني العدل صعب عليه قربي وسايرني إلى جنبي وقال: ~~سابق الدين حدثني بما حدثته ولو كان ممن ينبعث لبعثته وألغيت من أنفاسه ~~دخان الجمر لفحني منها شرر الشر فجيت إلى كمشتكين أعتقد أنه صديق الدهر فمت ~~إلى بعذر الذعر. وقال: انقطع عني حتى أصلح أمرك فعرفت أنهم ms050 أدخلوا رأسه في ~~المخلاة وأنه ليس من الأمتعة المخلاة فهجرتهم على قصد المقاطعة (1177) ولم ~~أجد أبدا من المسالمة والموادعة لأن لي تجملا وثروة وخيلا وعدة لو تركتها ~~ونجوت بنفسي لكسفت في الآخذ بالحزم شمس، لكني أوهمتهم أني معهم، ومعاذ الله ~~أن أدعهم حتى وصلت إلى حلب في صحبتهم ثم عرجت على دار محي الدين الشهرزوري ~~بالحاضر وأقمت مدة أظهر لهم المودة. ثم أزمعت ورحلت وقطعت الفرات والجزيرة ~~إلى الموصل والتقيت بها العصا لما وصلت. ### || ذكر مسير الملك الصالح من دمشق إلى حلب بتاريخ يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة PageV01P028 # قال ولما عزم الملك الصالح المسير بيت الجماعة التدبير، فأقام شمس الدين ~~بن المقدم بدمشق، وجمال الدين ريحان وإلى القلعة، والقاضي كمال الدين ~~الشهرزوري وسار الملك الصالح ومعه كمشتكين والعدل ابن العجمي الوزير وولي ~~الدين إسماعيل الخازن ومعهم سابق الدين عثمان وهم يستعطفونه ويتلطفونه حتى ~~قربوا من تل السلطان، ووصلت رسل شمس الدين علي بالإحسان فخلفوا الرسل ~~وراءهم، ورحلوا للمسافة مساهم وأدلجوا حتى وصلوا وثوب الليل شقه الصباح، ~~وصدر الفجر رحبه الانشراح فتلقاهم الكبير والصغير والمأمور والأمير. وكان ~~شمس الدين بالقلعة راقدا عشاشه وناشدا انتعاشه فجاء أخوه بدر الدين الحسن ~~متلفيا فبغتوه بالقبض عليه وجاهروا سابق الدين في مبرم عقده بالنقض ~~واستصحبوهما محمولين، وسبقوا الخبر ركضا حتى دخلوا القلعة، وكان وإليها ~~شاذبخت، وهو معهم في الباطن مطلعا على سر الشر الكامن فما أحس بهم الشمس ~~إلا وقد كسفوه وأظهروا له خفى كرههم وكشفوه واعتقلوا الأخوة الثلاثة في ~~مطمورة وشعثوا القلوب بما جنوه فعادت غير معمورة. وجاء ابن الخشاب مقدم ~~الشيعة فسفكوا دمه على الحالة الشنيعة وغاظ السلطان صلاح الدين هذا الخبر ~~وتطاير من حلب إلى مصر من نارهم الشرر، ومن بعدها كم فاضت العبرات واستفاضت ~~العبر. # قال: ودخلت سنة سبعين وخمسمائة والملك الصالح في قلعة حلب مسقر وأمره مع ~~أصحابه مستمر وأنا في دار القاضي محي الدين مقيم، والي التوفيق من الله ~~مستقيم أترقب للانفصال الوقت، ولا أجد من الممقوتين ms051 إلا المقت. وجاءني من ~~أخبرني أنهم وضعوا عليك من الإسماعيلية من يتمم حيلة وتقتل أأاأأأأ غليه، ~~فقلت ما مع هؤلاء سلامة، وما على الكرم أن فارق أهل اللوم ملامة فتحولت عن ~~المنزل النائي وجعلت الدأب دأبي، وانقلبت إلى حران وسيف الدين غازي صاحب ~~الموصل قد خيم على سروج فقدمت على قصده العروج لأستأذن وإلى الركب أعرج ~~وقصدت فخر الدين عبد رب المسيح وأنبأته بعزمي الصريح ورغبتي في خدمة سيف ~~الدين، فأبيت وقلت ما جيت بهذه النية فأخذ لي كتابا إلى الموصل، وقد مضيت ~~إليها وأقمت بها على عزم العود إلى بغداد لأجمع بأخي شملي لكن صدني المرض، ~~وحرف مزاج جوهري العرض وذلك في شهر ربيع الأول. وشغف بالتردد إلى كمال ~~الدين بن الوزير جمال الدين محمد بن على أبي المنصور الجواد فكتبت إليه وقد ~~عادني قطعة منها. # قل في الكرام له ... مشبه وإن كثروا # همة مباركة في ... الشفا لها أثر # ليس في السيوف ... سوى للمهند الأثر # قال: وسأذكر خروجي من الموصل في أوانه في ريعان الملك الصلاحي وعنفوانه ~~قال: وطمع سيف الدين غازي في بلاد عمه، وعاد فخر الدين عبد المسيح إلى ~~خدمته وعاد عزه في مكانته ومكنته، واستعاد الخابور والرقة وحران وسروج ~~والرها وأدرك في تلك الأعمال كل ما اشتهى، فمضى العدل بن العجمي من حلب ~~إليه للإصلاح ودخل له تحت الاقتراح وتمت المصالحة، وعلق رهن أخوة مجد الدين ~~في الاعتقال، وضيقوا عليهم في القيود والأغلال، والزموهم بتسليمه الحصون ~~ورفضوا حكم المروة، وتقضوا عهد الفتوة. وكان الموفق خالد بن القيسراني قد ~~وصل ونحن بدمشق من مصر وحمل معه لخاصته المال الوثر وأخذ أمان ملك الفرنج ~~حتى عبر الساحل وطوى إلينا المراحل، ولزم داره بسكون وعقل ولم يدخل مع ~~القوم في شغل. PageV01P029 # وأما صلاح الدين فإنه اعتقد أن ولد نور الدين يتولاه بعده أخوة مجد الدين ~~وهم أصدقاؤه وخلصاؤه، وغارلهم والملك النوري، وقال: أنا أولى بحفظه وصونه، ~~وكتب إلى شمس الدين بن المقدم ينكر ما أقدموا عليه من تفريق الكلمة ms052 وكيف ~~أجترأوا على أعضاء الدولة وأركانها بل أهلها (177ب) وإخوانها وأنه يلزمه ~~أمرهم أمرها، ويضره ضرهم وضرها فكتب ابن المقدم إليه يردعه عن هذه العزيمة ~~ويقبح له استحسان هذه الشيمة ويقول: لا يقال عنك أنك طمعت في بيت من غرسك ~~وأصفى مشربك، وأضفى ملبسك فما يليق بحالك ومحاسن أخلاقك وخلالك غير فضلك ~~وأفضالك فكتب إليه صلاح الدين بالإنشاء الفاضلي: وصل كتاب الأمير أطال الله ~~بقاءه، وأحطنا بإنشائه والمكتوب وما نريد معرفته أنا لا نؤثر للإسلام وأهله ~~إلا ما يجمع شملهم ويؤلف كلمتهم، وللبيت الأتابكي إلا ما يحفظ أصله وفروعه، ~~ويدفع ضره ويجلب نفعه، فالوفاء إنما يكون بعد الوفاة، والمحبة إنما تظهر ~~آثارها عند تكاثر العداة، وبالجملة أنا في واد والظانون ظن السوء في واد، ~~ولنا من الصلاح مراد لن يبعدنا عنه مراد، ولا يقال لمن طلب الصلاح أنك قادح ~~ولا لمن ألقى السلاح أنك جارح وما مرادنا إلا مصلحة تؤثر لا فتنة تثار، ~~وخدمة تنير لا مضرة تسدى وتثار فلو زرنا على غير هذا السبيل لما سلكنا ~~مراجعة الخطاب ومطالعة الكتاب فلا يحمل أمرنا إلا على أحسنه، ولا يظن بنا ~~إلا الخير الذي طبعنا أخص بوجوده من معدنه. # قال: وكان عزم صلاح الدين أن يسارع إلى التلاقي، ويعتمد في إصلاح الدولة ~~وإنجاح البغية اعتماد الوفى الوافي، فاتفقت عوايق وطرقت طوارق راعت مباديها ~~ثم أحمدت غاياتها، وانحلت بعد الملمات المدلهمات غياباتها فمنها نوبة الكنز ~~ونفاقه أسطول صقيلة ووصوله إلى ثغر الإسكندرية وأرهاته، وكان وصولة إليها ~~في السادس والعشرين من ذى الحجة تسع وستين وانهزامه مستهل المحرم سبعين. PageV01P030 # قال ووجدت كتابا من صلاح الدين إلى بعض أمراء الشام بشرح الحال وهو: هذه ~~المكاتبة صادرة من الأمير بعد أن وصل الأسطول الصقلى إلى ظاهر ثغر ~~الإسكندرية حماها الله تعالى في وقت الظهر من يوم الأحد السادس والعشرين من ~~ذي الحجة ولم يزال متواصلا إلى وقت العصر وكان ذاك حين غفلة من الموكلين ~~بالنظر لا على حين خفاء من الخبز فأمر هذا الأسطول توالت ms053 به الأخبار وعظمت ~~الشناعات عنه في الأفاق والأقطار وروع ابن عبد المؤمن في البلاد المغربية ~~وهدد به في الجزائر الرومية صاحب قسطنطينية وكان عسكر الوالي غايبا ولم ~~يحضر في ذاك اليوم إلا العدد القليل منه وأصبحوا في يوم الاثنين الذي يليه ~~على ما هم عليه من انتشار راجل الثغر فأشار جماعة من عقلاء الأتراك بأن يرد ~~الناس من المكان البعيد ويقفوا من السور من المكان القريب فخلا البر وأمكن ~~الأسطول الصقلى في النزول الأمر، واستنزلوا خيولهم من الطر أيد ورجالهم من ~~المراكب فأما الخيل فعدتها على ما يرام ما حققته أخبار الأسارى على ~~الانفراد وعلم بالارجاف السابق إلى البلاد ألف وخمسمائة رأس منها رامحة ألف ~~وتركبولية خمسمائة وكانت عدة رأجلهم في كل شيء مائة وخمسين راجلا فيكون ~~ثلاثين ألف مقاتل عن شيء وكانت عدة الطرايد ستا وثلاثين طريدة تحمل الخيل ~~وكانت عدة السفن التي تحمل آلات الحرب والحصار من الأخشاب الكبار وغيرها ست ~~سفن وكانت عدة المراكب الحمالة برسم الازورار للرجال أربعين مركبا وفيها من ~~الراجل المتفرق وغلمان الخيالة وصناع المراكب وأبراج الزحف ودباباته ~~المنجنيقية ما يتمم خمسين ألف راجل ولما تكاملوا نازلين على البحر خارجين ~~من البحر حملوا على المسلمين حملة لم يكن حاضرها من أصحابنا سوى محمود بن ~~البصار فاستشهد في سبيل الله واستمرت الحملة على المسلمين إلى إن أوصلتهم ~~إلى السور وجدفت مراكب الفرنج داخله إلى الماء وكانت به مراكب مقاتله ~~ومراكب مسافرة فنسبقهم أصحابنا إليها فخسفوها واغرقوا ما احترق منها واستمر ~~القتال إلى وقت العشاء من يوم الاثنين المذكور ونزلوا بخيامهم وضربوها على ~~البر وكانت ثلاثمائة خيمة وباتوا على الاهتمام بالات الحصار ولما أصبحوا ~~يوم الثلاثاء زحفوا وضايقوا ونصبوا ثلاث دبابات وثلاثة مجانيق كبار تضرب ~~بحجارة سود استصحبوها من صقيلة وإما الدبابات فإنها تشبه الأبراج في جفاء ~~أخشابها وارتفاعها وكثرة مقاتليه مقاتليها وزحفوا بها إلى أن قاربت السور ~~ولجوا في القتال عامه النهار ووردنا الخبر إلى منزلة العسكر بفاقوس على ~~جناح الطاير يوم الثلاثاء ثالث نزول ms054 (1178) العدو فاستنهضنا العساكر إلى ~~الثغرين الاسكندريه ودمياط وكان الأميران بدر الدين أيوب وفارس الدين تميزك ~~فتسبقا إلى الإسكندرية برجالهما ونضاف إليهما من كان في إقطاعه بالبحيرة ~~المجاورة للإسكندرية من المقاويد وغيرهم في يوم الثلاثاء والأربعاء وعاد ~~بعض عسكر تقي الدين من برقه من الغرب واستمرت الحرب وقدمت الدبابات وضربت ~~المنجنيقان وزاحمت السور إلى إن صارت منه بمقدار الاماح فاتفق أصحابنا على ~~إن فتحوا أبوابا من قبالتها من السور ففتحوا الأبواب على غفلة وخرجوا منها ~~على غزة وركب من كان هناك من الأمراء والخيل وخرجوا فارين من الأبواب ~~وتكاثر صياح أهل الثغر من جميع الجهات فاحرقوا الدبابات المنصوبة وصدقوا ~~القتال وانزل الله على المسلمين النصر وعلى الكفار الخذلان والقهر. وما ~~زالت المكافحة بالسيوف إلى وقت العصر من يوم الأربعاء وقد ظهر فشل الفرنج ~~ورعبهم وقصرت عزا يمهم وفترت حربهم وأحرقت آلات قتالهم ودخل المسلمون إلى ~~الثغر لقضاء فريضة الصلاة واخذ ما يكون به قوام الحياة وهم على نية ~~المباكرة وكنا قد سيرنا احد المماليك فركب فرسنا وجنب فرسين فأوقف الثلاثة ~~طاويا واخذ رابعا من ضيعته ودخل الثغر بعد العصر بعد إن اعلم كل من لفيه من ~~الأتراك انه فارقنا على المعدية وسبق بين أيدينا بالبشارة فارتفعت الصيحة ~~وعلت وخرجت الخلايق التي كانت للصلاة والعشاء دخلت وثابت إليها عزيمتها بعد ~~الكلال، وتداعت رجالها وقبائل الثغر إلى القتال وأوقع الله في قلوب ~~المسلمين أنا في أوساطهم وبين ظهورهم، وصار الخارج من بيته يروم أن يتسرع ~~ليجاهد بين أيدينا، ولنرى أثر الذي كان يرجوا أن يصل خبرة ألينا وقضى الأمر ~~ونزل النصر وواقعوا الفرنج في خيامهم PageV01P031 # وهاجموهم، وقد كاد يخلط الظلام وتسلم أهل البلد الخيام بما فيها من همم الملوك # العالمية وتحملاتهم الغالية وفتكوا في الرجالة أعظم فت، وتسلم أصحابنا ~~الخيالة فلم يسلم الا من نزع لبسه ورمى في البحر نفسه وتقحم أصحابنا البحر ~~على بعض المراكب المذكورة فخسفوها وأتلفوها فولت بقية المراكب هاربة ~~وجاءتها أحكام الله غالبه وبقي العدو بين قتل وغرق وأسر ms055 فريق واحتمى ~~ثلثمائة فارسفي رأس تل فأخذت خيلهم ثم غلب أهل الثغر عليهم فقتلوا وأسروا ~~وفيمن أسر رجل كبير كان عمرة خمسين شينيا، وأما المأخوذ من اليزك والنعم ~~والآلات والأسلحة فقد ذكر أنه لا يملك مثله ولا يوجد لفرنجة الشام أيسره، ~~وأما الخيل فأنها أكاديش فحول ولم يعد معهم فرس واحد منها. # وأقلع هذا الأسطول من الثغر يوم الخميس ولا يعلم أين يقصد من البلاد ~~والأعمال على أنه لا بقية فيه لحرب ولا قتال. وكان عدوا ثقيلا وكان خطبة ~~جليلا إلا أن ذكروا أن مكيدتهم في اللقاء ضعيفة وحضر من عقلاء خيالتهم ~~المأسورين من أستجير أن يصدق فذكر أن النفقة كانت في الفارس لخمسة أشهر وهم ~~ألف فارس منهم سبعمائة نقدية من ثلاثين دينار مشاهرة إلى خمسة وعشرين دينار ~~إلى عشرين إلى خمسة عشر ومنهم من له خمسون ومنهم من له مائة من مشاهيرهم، ~~وأن الإقطاعية ثلثمائة فارس وأن التركولية خمسمائة فارس لكل منهم دنانير ~~ومؤنته على ملكهم على أن فرسا لا يموت، ومنهم من له عشرة دنانير وللقائد ~~والرئيس عشرون دينارا وأن العدة تناهز أربعة ألف رجل خارجة عن جرخية ~~وسرجندية عدتهم خمسة آلاف رجل وأن المقدمين ثلاثة أحدهم ابن عم ملك صقلية ~~والحمد لله على هذه النعمة التي أحدثت للقلوب استبشارا وخفضت للشرك علما ~~ورفعت للتوحيد منارا، وأظهرت للملة الحنفية على أعدائها استعلاء واستظهار، ~~وأعلنا الأمير ليكون في شكر الله عليه مشاركا ويأخذ من حمده تعالى بحظ ~~يتعين على مثله أن لا يوجد له تاركا أن شاء الله تعالى. # قال: وفي أول هذه السنة سنة سبعين قام من كان المعروف بالكنز في الصعيد وجمع من كان # في البلاد من السودان والعبيد، وكان عنده من الأمراء أخ لحسام الدين أبي ~~الهيجاء السمين ففتك به وبمن هناك من المقطعين ففارت حمية أخيه وثارت للثأر ~~وساعده أخوه السلطان الملك العادل سيف الدين وعز الدين موسك ابن خاله ~~وجاءوا إلى المدينة (178ب) طود فأتى السيف على أهلها، وباتت بعد عزلها ~~بذلها ثم ms056 قصد الكنز فسفك دمه وظهر بعد ظهور وجوده عدمه ولم يبق للدولة نعد ~~كنزها كنز وسال دمه فلم ينتطح فيها عنز. ### | [دولة صلاح الدين اليوبي] ### || ### ||| ذكر توجه صلاح الدين إلى دمشق وتملكه # قال: ولما خلا باله مهد لاستضافة المماليك، وأضح بعزايمة إقامة سنن ~~المساليك وخرج إلى البركة مستهل صفر ورحل إلى بلبيس ثالث شهر ربيع الأول ~~وكان رسل صاحب بصرى شمس الدين جاولى وشمس الدين ابن المقدم عنده تستورى في ~~البعث والبحث زنده وتستقدمه وجنده فسار ووصل إلية بالسرى إلى أن أناخ على ~~بصرى فاستقبله صاحبها بكل ما أسعد به ذخره، وشد أذرة، وسدد أمره، واستضاف ~~إلى بصرى صرخد، وتفرد بالسبق إلى الخدمة وتوحد وسار في الخدمة معه إلى ~~الكسوة وركب صلاح الدين يوم الاثنين انسلاخ شهر ربيع الأول وسار واعتمد في ~~تعبيه عساكره الاستظهار وحسب إن في البلد من يقوى للامتناع ويقوى بالدفاع ~~فأقبل وهو يسوق حتى دخل وخرقها كأن الله خلقها إلى دار العقيقي مسكن أبية ~~وبقي جمال الدين ريحان الخادم في القلعة على تأبيه فراسله حتى استمالة ~~وأغزر له نواله حتى تملك المدينة والقلعة، وملك ابن المقدم دارة وكل ما ~~حواليها وبذل له طلبته التي أشار إليها وأظهر أنه جاء لتربية الملك الصالح ~~وتدبير ملكه وأنه أحق بصيانة حقه وأجتمع به أعيانها وأصبح هو سلطانها فزاره ~~القاضي كمال الدين الشهرزوري فوفاه حقه من الاحترام وأجراه على مالاق ~~بسعادته والسلام. ### |||| فصل PageV01P032 # من كتاب فاضلي عن صلاح الدين: إن الله ملكنا دمشق عناية وعنوة ولم يكتب ~~فيها بحمد الله إلى خطية خطوة، ولا حدث عثرة فيقال في أمرها لعله يقال، ولا ~~استعيرت صفة في ذكرها لعلة تقال. وعرض في المبادئ تعرض من العسكر الدمشقي ~~فعلموا أن الهشيم تذور الرياح والصريم يمحوه الصباح، والسيف أصدق أنباء ~~والحق أعز أبناء والباطل يضمحل عفاء. "والزبد يذهب جفاء " إلا وأنا رأينا ~~العفو أقرب للتقوى، وأمثل في سلوك الطريقة المثلى فحفظنا الدماء في أهبها ~~وأرحنا القلوب من نصبها، ورددنا السيوف عن قرب تغيظها في ms057 قربها، وتركنا ~~الرماح وأطرافها تضطرم وقدا وتضطرب حقدا، وقلنا لنا الغيظ "يا نار كوني ~~بردا ونظرنا في أحوال البيت النورى أعلاه الله فإذا هو قد أطفيت مصابيح ~~نورة، وكاد ذكره في الذهاب يلحق بمذكورة فاستأنفنا تدبيرات نؤمل أن الله ~~سبحانه يقيم البيت الكريم على عمدة ويغنيه عن مسايدة من لا يعنيه عن سنده، ~~وقضينا حق الملك الكريم الصالح وحق والده رحمه الله بإظهار الإحسان في ~~كفالته، واستشعارا لجميل في خدمته. وقدكان ريحان مانع بتسليم القلعة ريثما ~~علم أن لا يبقى بالرماح ريحانه وبقدر ما احتوى ضال فكره وأبصر حيرانة ~~فأعطيناه أمانا وبوأناه منها مكانا، وصعد الأجل الأخ سيف الإسلام فملكها ~~وسكنها واستقر ركابنا بالدار النجمية لتنفيذ الأمور والأوامر، وتدبير ~~الرعايا والعساكر. # قال: ولما سمع المدبرون للملك الصالح بإقبال صلاح الدين الؤذن بإدبارهم ~~حاروا في حوارهم، ولبسوا شعار استشعارهم وراسلوا بالعنف معنفين وبالعسف ~~متعسفين. وكان الواصل منهم قطب الدين ينال بن حسان وقد تجنب في قوله ~~الإحسان وقال له: هذه السيوف التي ملكتك مصر وأشار إلى سيفه تردك وعما ~~تصديت له تصدك فحلم عنه السلطان واحتمله، وتغافل كرما وأغفله وذكر أنه وصل ~~لترتيب الأمور، وتهذيب الجمهور وتربية ولد نور الدين، واستفاد أخوة مجد ~~الدين. فقالوا له: أنت تريد الملك لنفسك ونحن لا ننزع في قوسك ولا نبني على ~~أسك فارجع حيث جئت أو أجتهد وأصنع ما شئت ولا تطمع فيما ليس فيه مطمع ولا ~~تطلع حيث ما لصعودك فيه مطلع. ونال من تقطيب القطب ينال ما أحال الحال ~~وأبلى البال وأبدى التبسم وأخفى الاحتمال. ### ||| ذكر رحيل السلطان إلى حمص مستهل جمادى الأول # قال: ولما رأى أن القصد لا يقضي إلى مقصود، وأن القوم لايميلون إلى نهج ~~محمود عول على أخيه سيف الإسلام طغتكين " 179ا" في دمشق وأنالتها ورعاية ~~رعايتها، ورحل ونزل على حمص يوم الأحد حادي عشر جمادى الأول ودخلها يوم ~~الثلاثاء. وبقيت القلعة على الامتناع إلى أن أذن الله تعالى لها في ~~الاستفتاح ورتب عليها من الأمراء من تفى حركته ms058 بسكون الدهماء وقلعتها ~~أمتنعة وعلى سيوفها ارتفعت فسار إلى حماة وأخذها في مستهل جمادى الآخر ومضى ~~ونزل حلب في ثالث هذا الشهر على قصد الحصر، وكانت الشتوه ذات أنواء وثلوج، ~~وعواصف هوج، ومضايق كربة بلا فروج ومداخل شدة بلا خروج. وجرت شدة امتدت ~~للمساق عدوة الشقاق مدة. وعصم الله حشاشته في تلك النوبة من سكاكين ~~الحشيشيه، وأجرى من حفظه ما كان في غيب من المشيه. قال وسبب ذالك أن ~~الحلبيين لما أشتد عليهم الحصار أستعانو بالإسماعيلية، وعينوا لهم أموالا ~~وضياعا، وبذلوا من البذول أنواعا. فجاء منهم في يوم بارد من فتلكهم كل عات ~~فعرفهم صاحب بو قبيس ناصح الدين خمارتكين. وقال لهم: لأي شئ جئتم، وكيف ~~تجاسرتم على الوصول وما خشيتم فبدروه بسكينهم وقتلوه، وجاء من يدافع عنه ~~ففتكوا به وبالجراح أثخنوه، وعاد أحدهم ليهجم على السلطان في مقامه وقد شهر ~~سكين انتقامه وطغرل الأمير جاندار واقف ثابت حتى وصل إليه فشمل بالسيف ~~رأسه، وما قتل الباقون حتى قتلوا جماعة وأقام السلطان إلى مستهل رجب ثم رحل ~~وإلى حمص تحول وبحصر حصنهم أشتغل. وسبب ذالك أن قومس طرابلس ريمند الصنجيلي ~~كان في أسر نور الدين رحمه الله مذ كسرة حارمن، وبقي في الأسر أكثر من عشر ~~سنين ثم سعى الأمير فخر الدين الزعفراني في خلاصه. PageV01P033 # وكان في آخر عهد نور الدن فغلب عليه وهو أكر خواصه وخلصه بمبلغ مائة ~~وخمسين ألف دينار، وفكاك ألف أسير اتفق هلاك ملك الفرنج في أول هذه السنة ~~فتكفل بالملك بين يدي ولده المجذوم فلما نزل السلطان على حلب وجد فيما طلب ~~كاتب الحلبية الحشيشيه فجرى منهم ما ذكروا ثم كاتبوا القومص بطرابلس وقالوا ~~له أنت طليقنا، وكنت رفيقنا في الأسر والآن أنت عتيقنا وحقنا عليك متعين ~~وبرهان ذلك فجاء الخبر بتوجه القومص في الإفرنجية إلى حمص فرحل عن حلب ~~مستهل شهر رجب فرجع الملعون ناكصا على عقبيه خوفا مما يقع فيه ويتم. # وأقام السلطان على قلعة حمص شهرا، وقد أستشهد من الجانبين عدة وجرت ms059 شدة ~~والسلطان مقيم في بيت في أعلى المدرسة يشاهد منه الحرب حتى هاجم رجالة يوما ~~باب القلعة وهجم عليها الرجال من فوق فقبضهم أهل القلعة ثم راسلوا السلطان ~~في طلب الأمان فهاب لأجل الرجال المقبوضين عليهم فأعطاهم الأمان، وسلموا ~~الحصن وسلموا وتجاوز عما أجرموا ثم نهد إلى بعلبك وفيها خادم يعرف بيمن ~~فسلم الموضع بسلم وهدنه وذلك يوم السبت رابع شهر من رمضان. # قال: ووجدت كتابا عن السلطان إلى أخيه الإسلام وهو بدمشق يبشره بفتح قلعة ~~بعلبك وهو بالمثال الفاضلى ومنه: نحن نبشر الأخ أدام الله طروق البشاير ~~سمعة ونزول المسار ربعه بفتح قلعة بعلبك بالسلم الذي أغمدت فيه السيوف وقرت ~~به من الأولياء العيون ورغمت من الأعداء الأنوف وكتابنا هذا إله وسنجقنا ~~فوق قلعتها مستقل، ومعتمدنا من أعلى شرفاتها مطل، فالحمد لله الذي قرب كل ~~بعيد وسهل كل شديد وجعلنا حيثما كنا مقصودين بعادات نصره محفوظين بمعقبات ~~أمره، والأخ يضرب نوبة البشارة ويظهر اثر موهبتها السارة ليزيد الله العدو ~~هوانا ويعلم كل من حالف سلطاننا أن الله لم يجعل له سلطانا. # قال رحمه الله في ذكر ما آل إليه أمره وهو بالموصل: قال فوصل نجاب وذكر ~~أنه فارق صلاح الدين بالكسوة فهاجنى الطرب لقصده لسابق معرفته، وقديم وده، ~~وخرجت من الموصل رابع جمادى الأولى وعبرت الخابور في مخاضه المجدل وجئت إلى ~~الرقة ودخلت إلى دمشق في ثامن من جمادى الآخر، وصلاح الدين نازل على حلب، ~~فنزلت في مدرستي، وعدت إلى منزلي، وألغيتها وفيها مدرس يتولاها وقالوا أن ~~العماد خلاها. فدخلت إليها وأخرجته وأبعدته عن النهج الذي نهجه وكنت في غبر ~~ألمى وعقاييله أرتقب اعتدال مزاجي، فأقمت حتى استقمت وصبرت إلى أن عاد ~~السلطان إلى حمص وانتظرت طيب الزمان ومطاوعة الإمكان، وقصدت السلطان وقد ~~تسلم قلعتها في شعبان قال وهنأته في فتح بعلبك بأبيات منها # (179ب) فتح تسنا في الصيام كأنما ... شكرا لما منح الأنام صيام # من ذا رأى في الصوم عيد ... سعادة حلت لنا والفطر فيه حرام # باليمين هذا ms060 الشهر مشهور ... كما قد عم بالبركات هذا العام # قال: ولزمت خدمته أرحل برحيله وأنزل بنزوله، وأواصل حضرته وأنشده شعري ~~وأقول ليت شعري إلى ما يؤول أمري. أحضر في كل وقت على سبيل المجالسة ونهج ~~الموانسه لا أمت بمعرفة ولا انبس ببنت شفة ولمى كثر ترددي إليه وتوددي ~~وتصبري على العطلة وتجلدي اقترحت على قرائحي الإكثار للسلطان من مدايحي، ~~واحتجت إلى أحياء الموات والأذكار بسابق الحرمات فهام به الفهم وكثر فيه ~~النظم إلى أن دخلت في خدمته وصرت كاتب حضرته فشغلني إنشاء الرسايل عن إنشاء ~~المدايح، فغلب النثر وقل النظم ولو ذكرت مدايحي في هذه السنة لكبر حجم ~~الكتاب وخرج عن حد الإسهاب. # قال: وكنت ليلة عند السلطان وهو يذكر جماعة من الشعراء وعنده ديوان ~~الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، وهو به مشغوف وقد أستحسن قصيدة له طائيه ~~ولو عاش السلطان لأقر بفضلها فنظمت في مدح السلطان كلمة أولها: # عفا الله عنكم مالكم أيها الرهط ... قسطتم وفي قلب المحب لكم أقسط # شرطم له حفظ الوداد وخنتم ... حنانيكم ما هكذا العهد والشرط ### ||| ذكر الوقعة الأولى مع المواصلة والحلبيين PageV01P034 # قال رحمه الله: لما تسلم السلطان قلعة بعلبك عاد إلى حمص وخيم ثامن رمضان ~~بظاهرها وخيمنا في عاشره على حماه. وكان قد وصل عز الدين مسعود أخو سيف ~~الدين غازي صاحب الموصل نجدة لها ولما عرفوا أن السلطان مشغول بالحصون ~~تركوا وجاءوا إلى حماه فحصروها فعرفوا أنهم لا ينالون منها فرحلوا عنها. ~~وراسل مقدموا حلب المواصلة النايب السلطاني في حماه قبل وصوله إليها أننا ~~وصلنا للصلح والاجتماع فيما يعود بين الجانبين بالنصح والنجح فكتب إلى ~~السلطان وهو ببعلبك يحثه ويحضه لعله يتم عقد صلح لا يتأتى نقضه فمضى ~~السلطان في خف وجمع غير وجف وجاء للايتلاف وتنكب مذهب الخلاف فجاء من ~~الحلبيين الأمير سعد الدين كمشتكين وشهاب الدين أبو صالح العجمي واجتمعوا ~~بالسلطان لما طلبوا أن يرد عليهم الحصون، واستقر أن يقنع بدمشق نايبا عن ~~الملك الصالح وله خاطبا وعلى الانتماء إليه مواظبا، ms061 وأن يرد كل ما أخذه من ~~الخزانة وأن يسلك فيه سبيل الأمانة. فلما رأوه لكل ما يلتمس منه مجيبا، ~~ولكل ما يستبعدونه من مرام قريبا، ورأوه في عسكر خفيف ومطمع عفيف ومجمع ~~لفيف قالوا خبره صحيح وإن الذي يعرض له من عجزه صريح، وهو في قافلة ما أهون ~~أخذها، فشرعوا في الإشتطاط، وجاوزوا حد الاشتراط، وطلبوا الرحب وأعمالها ~~فقال هي لابن عمي ناصر الدين محمد بن شيركوه، وكيف ألحق به في رضاكم ~~المكروم فقاموا متغضبين ونفروا وارتحلوا ونفذوا وراءهم من يردهم فما ~~اكترثوا به ولا احتفلوا وذهبوا، وهم يقولون كيف نرتاح لقول هؤلاء والى متى ~~نصبر على البلاء، وفارقنا إلى مخيمهم وربضوا تلك الليلة في مجسمهم، وأصبحوا ~~على الرحيل إلى جانب العاصي وأظهروا أنهم على المصاف وعزم الانتصاف فعبر ~~السلطان إلى سفح قرون حماه خيامهم وركز في مقابلتهم لمقاتلتهم أعلامه وقد ~~أجتمع عسكر الموصل والجزيرة وحلب والسلطان ينتظر وصول أمرائه الواصلين إلى ~~دمشق من مصر قال: فوصل في ذلك الوقت لتوفيق الله ومساعدة قدره العسكر ~~المصري في عشرة من المقدمين الأكابر وهم تقي الدين عمر وعز الدين فرخشاه ~~أبناء أخي السلطان، وشهب الدين محمود بن تكش خاله وخواص رجاله ووصلوا إلى ~~المعركة أمام الزحف واقتسموا ميمنة وميسرة تقدموا زحفا وسدا واستدنوا ما ~~ظهر بعيدا فأبصروا أولئك ما لم يبصروه وأنكرا ما لم يعرفوه، واسودت الدنيا ~~في عيونهم وأحسوا بإخفاق ظنونهم، ونحن وقفنا وراء الصفوف نبصر عجاجهم ونسمع ~~ضجا جهم ثخم رأينا الغبرة تبعد عن صوبنا فقلت أن النصر لحزبنا فإن الهزيمة ~~لو كانت علينا لثارت الغبرة إلينا فكان الأمر كما ظننته، فإن السلطان لما ~~هزمهم طردهم الخيل حتى طرد النهار الليل وسار حتى زحزحهم عن أثقالهم ~~وأحمالهم ودوابهم ورجالهم. وحقن الدماء وسكن الدهماء ونزل في منزلتهم ~~واستقال الدين من ذلتهم ثم سرنا ونزلنا بقرأ حصار من أعمال حلب وهناك عيدنا ~~عيد الفطر وشكرنا (180 ا) الله على أداء فريضة الصوم واقتناء فضيلة النصر. PageV01P035 # كتاب فاضلي إلى زين الدين الواعظ في ms062 المعنى أوله: لله سبحانه وتعالى ~~الحمد عندنا عوايدهم قد صارت كالأمر المعروف، والواقع المألوف والضياء ~~اللازم للصباح، والعرف المتضوع مع الرياح فلا تستغرب غرايبها وإن كانت ~~بديعة ولا تبهر عجائبها وإن كانت وسيعة وشيعة. وكان الحلبيون والمواصلة قد ~~صاروا بنيانا مرصوصا في الخلاف، وعقدا واحدا في الشقاق والانحراف، وحصروا ~~حماة أياما وهم فيها المحصورون، وأن جندنا جند الله وهم المنصورون ثم ~~ارتحلوا عنها ولم تزل المراسلات تكرر والمعاقدات تنقض بعد أن تقرر إلى أن ~~كان آخر رسا يلهم ما بيننا إلا السيف فرضينا به حكما وأرسلنا حبلهم على ~~غاربهم، وعلمنا أن البغي معترض دون مطالبهم ولما كان يوم الأحد التاسع عشر ~~شهر رمضان ركبنا والعساكر قد انتظمت عقودها والاطلاب قد أطرد مسرودها، ~~والسيوف قد كادت تلفظ غمودها، والرماح ساقها إلى الأوراد ورودها فلما ~~تصافحت أطراف القنا مع النحور ووصلت صدور الرماح إلى الصدور، تخور له ~~الصخور وأنزل الله نصره علينا فلاذوا بالفرار، وذموا عواقب الاغترار، ~~واستولت على أبطالهم حلقات الإسار وحاز العسكر المنصور من القوة والعتاد ~~وآلات الحرب والطراد ما ملئ كل يمين وشمال حتى لم يبق فارس إلا قاد الجنايب ~~ولا راجل إلا سب الراكب بما أستكثر من المراكب وكان المقام كريما واليوم ~~عظيما، وكان هذا الفتح لفتوحنا أميرا وهذا اليوم بما بعده من سعادات الأيام ~~بشيرا، وكتابنا ونحن على أثر المنهزمين سايقون إلى مستقر القرار الذي ~~يسترجون سابقون. # قال ونظمت في هذه الوقعة في مدح ناصر الدين محمد بن شيركوه قصيدة أولها: # وكتيبة مثل الرياض كأنما ... راياتها منشورة أزهار # وكأنما خض البيارق للقنا ... ورق وهامات العداة ثمار # وكمايم الأغمار عن زهر الظبا ... فتقت فكل صقيلة نوار # وعلى شعاع الشمس لمع حديدها ... يبدو كما يعلوا الجبين نضار # عبيتها بعزيمة مشفوعة بالنصر ... منك تعينها الأقدار # ومنها: # أهلا بجلق والعراق مراقبوا ... حالي وطرف رجائهم نظار # وقطعت أبواب الملوك إليكم ... ليكون منك إلى النجاح بدار # بادرت نحوك بالرجاء مؤملا ... والصفو تهجر دونه الأكدار # قال: فنزل السلطان قرأ حصار بنية الحصار فجاءت رسلهم ms063 بالاقتياد وأجابوا ~~إلى المراد وقالوا: اقتنعوا بما أخذتموه إلى حماه ولا تشمتوا بنا العداة ~~فاسترد عليهم كفر طاب والمعرة على أنا لا نسومهم المضرة والمعرة واستوفينا ~~عليهم الإيمان المستقرة وأحضرني السلطان في ذلك اليوم لتحرير نسخة اليمين ~~ورآني الحلبيون اللذين فارقتهم أني إلى جانب السلطان جالس وبأمره مستأنس ~~فنظروا شزرا وعظموا ما ظنوه نزرا فما وقف السلطان في عرض ولا شاب صحة قولة ~~بمرض وسألهم في المعتقلين أخوة مجد الدين فأجابوا وفرجوا عنهم وتم الصلح ~~وعم النجح ورحلنا ظافرين ظاهرين ونزلنا بحماة يوم الاثنين ثاني عشر شوال ~~وهناك التقينا العصا فما استقرت بنا النوى ونوينا إلى حصار بعرين. ### ||| ذكر وصول رسل دار الخلافة # قال: ولما وصل السلطان إلى حماة تلقاه رسل دار الخلافة بالتشريفات السنية ~~والأمثلة الرضية والجنايب العربية والتحف الأمامية والتقليد والتمليك ~~والتحكيم والتفويض فأفاضوا على السلطان وأقاربه الخلع واتبعوا في التشيع به ~~الأتباع والشيع ولبس الأهبة السوداء كأنه بدر التمام تجلى أنواره في ~~الظلام، وكأنه إنسان عين الإسلام نظر من سوادها، وصحيفة السعادة تلألأت ~~إمدادها من مدادها، وركب ولواء الحمد فوقه خافق والمركب الخاص تحته سابق ~~وأفيض على ناصر الدين محمد بن شيركوه بن عم السلطان تشريف مقارب للتشريف ~~السلطاني منير منيف وخص من الديوان العزيز بالتفضيل والتمييز. PageV01P036 # قال (180 ب) ولم يبق في ذلك الصوب إلا حصن بعرين مع الأمير فخر الدين مسعود # الزعفراني، ولما وصل السلطان إلى الشام لجأ إلى ظل الإكرام، ولازمه ظنا ~~منه أنه يقدمه على العساكر ويجريه على عادته في العهد النورى سقاه الله فإن ~~نور الدين رحمه الله قدمه على العساكر في آخر عمره، وأقطعه الرها وحماه ~~وكفر طاب وحمص وسلمية وبعرين فعرف أنه لايتم له هذا المراد ولا يصح عليه ~~الاعتماد فأصبح يوما مفارقا ولحجاب الحجى خارقا، فنزل السلطان على بعرين ~~فأخذها سلما في العشر الآخر من شوال وانتظمت تلك الفتوح على تواتر ونوال. # قال: واذكر إنا عبرنا نهر العاصي عايدين وقد انكسفت الشمس وادلهم النهار ~~وغلب القلوب الاستشعار، وخفيت الرسوم، ms064 وظهرت النجوم، وجينا إلى حمص ثم إلى ~~بعلبك ثم إلى البقاع بعزم العودة إلى دمشق، وأقطع حماه خاله وصهره شهاب ~~الدين محمودا، وأنعم بحمص على ابن عمه ناصر الدين مجمد بن شيركوه ووصلنا ~~إلى دمشق في هذا الشهر برايات الفتح والنصر. ### ||| ذكر ما أسفر عنه حالي ومال آمالي # قال: قد قرر حسادي عند السلطان، وقالوا: شغله الكتابة وهي منصب الأجل ~~الفاضل، وهو يستنيب فيه من يراه من الأفاضل، وهذا (تصرفه برفد جزيل) ووجه ~~جميل، والسلطان مع رغبته في متوقف وإلى ظهور وجه النجاح في أمري متشوف وكنت ~~قد آنست مدة مقامي في المعسكر بالأمير نجم الدين بن مصال وهو ذو فضل وأفضال ~~وله يد عند السلطان في النوب التي قصدوا فيها مصر لا سيما عند كونه محصورا ~~بالإسكندرية، فلما ملك أحبه وأختار قربه فلزمت له التردد إليه، وجعلته ~~الوسيط بيني وبين الأجل الفاضل والخدمة من أنجح الوسايل ووقفت خاطري على ~~تقاضيه نظما ونثرا فدخل الأجل الفاضل إلى السلطان وعرفه أنه في راغب وأنه ~~في ترتيب حاجب فقال له أنت كاتبي ومدبر ملكي وصاحبي ولو رتبت كاتبا لظن أن ~~في الحال نقصا. فقال أنا لا يمكنني أن الملازمة الدايمه في كل سفره وغدا ~~تكاتبك ملوك الأعاجم ولا يستغني في ذلك عن عقد الملطفات وحل التراجم، وأنا ~~ما أحضر في كل أوان والدولة مفتقرة إلى كافل بها غير متوان والعباد يفي في ~~الوفاء باختراع كل بكر اختراع كل عوان، ولك أختاره وقد عرف في النوبة ~~ألنوريه مقداره، والجواد عينه قراره، فوافق قوله مراد السلطان وعرف أن ~~الأجل الفاضل أجل فضلى وحلى عطلى وأخذ خط السلطان بما قرر لي من شغلي فاعتل ~~كبت من حسد وأنحل عقد ما فسد، وراح من الفضل ما كسد، وعاود الروح منه ~~الجسد. ### || ودخلت سنة إحدى وسبعين # والسلطان في مستهل المحرم في مرج الصفر من دمشق بالمخيم والإسلام وافي ~~المغنم بادي المغرم والعساكر على حظوظها من العز وخاصته والسلطان حاف ولسر ~~عزمه باث فبينا نحن في تصميم عزم ms065 وتتميم حزم إذا وصل رسل الفرنج وقد جنحوا ~~للسلم وغرضوا بسوم الهدنة وضرعوا في تقلد المنة وفيهم ماجد غلام هنفري وهو ~~يثق بقولة السلطان فما زال يرددهم حتى دخلوا تحت كل شرط وقربوا من المراد ~~كل ما شحط وتقبلوا بكل ما فيه للإسلام غبطه، فترجمت الفايدة ووضحت في ~~المصالحة المصلحة الزايدة. ولما تمت الهدنة أزن السلطان لعسكر مصر في ~~الانصراف وأستجدد العدد منها والاستئناف والإقامة ريثما يستوعب المغل ويخرج ~~في المهام الدخل وسار الأجل الفاضل ليزول به هناك الشواغل ولما تم مع ~~الحلبيين الصلح لم يقطع المواصلة مواصلتهم بالعتب والرسل والكتب فحملوهم ~~بالبعث بعد البعث على النقب والنكث وحالفوهم في الباطن وهم مستمرون معنا ~~على الوفاق الظاهر، وأتفق أن المواصلة نفذوا إلى الحلبيين من أخذ عليهم ~~المواثيق وتوجه ذلك الرسول منهم إلى دمشق ليأخذ للمواصلة من السلطان عهده ~~ويكشف ما عنده فلما خلا به لخلابه طالبه بنسخة الرأي المقتدح والشرط ~~المقترح فغلط وأخرج من كمه نسخة يمين الحلبيين لهم ناولها إياه فتأملها ~~وأخفى السر وما أبداه وردها إليه وقال لعلها قد تبدلت وما أعلمه بالقضية ~~التي عليها اشتملت فعلم الرسول انه غلط ولم يمكنه تلافي مافرط وقال ~~السلطان: كيف حال الحلبيين للمواصلة ومن شرط إيمانهم أنهم لا يعتمدون أمرا ~~إلا بمراجعتهم لنا واستئذانهم، وعرف من ذلك اليوم أن العهد منقوض والوفاء ~~مرفوض والغدر عندهم مفروض. PageV01P037 # قال: وفي أول هذه السنة وصل إلى دمشق الجماعة الذين خرجوا (181 أ) من بغداد موافقة # لقطب الدين قايماز وما بدا لأنفسهم بالالتجاء إلى السلطان والاحتراز. ### ||| ذكر السبب في ذالك # قال: كان قطب الدين قايمار محكما في الدولة الإماميه من أول الأيام ~~المستنجديه، وهو الآمر والناهي، والمفاخر والمباهي وقد بلغ في التحكم إلى ~~أقصى غايات التناهي، والإمام المستنجد توفاه الله وهو عنه غير راض واجترأ ~~عليه والقدر عنه متغاض، وبسط يده في الدولة المستضيه، وصل وعقد وأصدر ~~وأورد، وقرب وأبعد وصوب وصعد ثم تجبر وتكبر، وقوي على وزير الخليفة عضد ~~الدين بن رئيس الرؤساء وأخافه ms066 وراما أتلافه حتى أستعاد منه برباط شيخ ~~الشيوخ وسلم بحمايته من أذى المذكور فأرتكب مخالفة الخليفة وخرج عن أمر ~~السنة الشريفة وعن له أن يحيط بالدار إحاطة الحصار وحسب أنه فاز من القوة ~~والجند بالاستظهار فلما نجح الخليفة في إزعاجه وإعجازه لم تفي حقيقة عزه ~~بمجازه وحكم بإذلاله القدر الذي حكم بإعزازه، ولم ينج لما أحيط بداره إلا ~~بفتح باب في جداره وركب وخرج مفلتا غير لافت، وحل بالحلة الزيدة في أوائل ~~ذي القعدة سنة سبعين ففارقها متوجها نحو الموصل متشوشا أمره متشورا فكره قد ~~خلاه خلانه وخانه إخوانه وأحاط به غمد إحسان الإمام وغفرانه وجذبه إلى ~~الأجل نهاية زمانه، ومرض وعانى المضض وتوفى في قرى الموصل بقربها وتحول إلى ~~تربها، وتفرق من صحبه من أصحابه في البلاد، فمنهم من رجع إلى بغداد على ~~سبيل السداد ومنهج الرشاد، ومنهم من جاء إلى الشام والتجأ إلى ظل الإكرام، ~~ومنهم حسام الدين تميرك بن يونس وكان في قديم الدهر للسلطان المؤمل ففرج ~~بلقائه وابتهج بروائه، ومنهم عز الدين أقبوري بن أرغش، وطالما إليه تعطش ~~فإنه كان صهره قديما وعنده كريما، وأسف عز الدين على ماتركه من ماله وكان ~~ذا خزائن مملوءة، وآلاف مؤلفة من بدر النضار وعقود الجواهر والخيل المسومة، ~~فخرج بفرشه منهلا خاليا وعنها ساليا فآواه واعز مأواه وكتب في حقه إلى ~~الديوان العزيز كتب شفاعة فما كان الذنب الذي ارتكبوه مما يقبل الصفح، ~~ومازال السلطان يسعده ويسعفه حتى صح وزنه ومسح حزنه وهون عليه ذهب مصر ذهاب ~~ما سواه ولكن أين الترب الذي تولى بعدما تولاه. وكان عز الدين أقبورلي عند ~~السلطان أعز الأعزة وعزمه في مصالحة غضب المهزة والسلطان خال بنته وهي زوجة ~~عز الدين فرخ شاه ابن أخيه وصعب عليه من محل عزه فحاجه ولزمه بحكم القرابة ~~والمروءة والسماحة حاجة وكثر على الديوان العزيز لحرمانه ومواته وخدماته ~~احتجاجه. # قال: وهذا فصل من كتاب في المعنى إلى نجم الدين نجاح عن السلطان وهل تكون ~~الشفاعات إلا لأهل الكباير، يسع ms067 عواطف الأيام الالذوي الجراير وعفو أمير ~~المؤمنين وهو أرأف بأوليائه وأرحم، ولاغنى عن جذبة من جذبات همته المباركة ~~في التكفل بأمر المذكور لازالت مكارمه متكفلة بإنجاح الأمور. # قال: ولما سار الأجل الفاضل إلى مصر اعتمد علي في تنفيذ الأوامر والتفرد ~~الإصدار والإيراد في الأمر. وواظب السلطان على الجلوس في دار العدل والقيام ~~بدار البدل لكشف المظالم وبث المكارم. ومن جمله ماحصل في خزانته بمصر من ~~الاعلاق النفسي دوى محلاة نضارية وفضيه ثقيلات الأوزان غاليات الأثمان ~~فتسلط عليها يد أياديه وفرقها على جماعة موالية فقال لي يوما اكتب لأمين ~~الدين قاضي حماه إلى مصر بدواة محلاة فقلت بل أكتب بدواتين أحدهما للطالب ~~والأخرى للكاتب فتبسم أستبشارا بالسؤال واهتزازا للنوال ووقع بهما في ~~الحال. # وكتبت إلى الأجل الفاضل رسالة في صفة الدواة، ومنها قد أحاط العلم ~~الأشراف بأن الكاتب معظم أدواته دواته، وها يتوفر وتحيا حرماته ومواته وهي ~~صاحبته التي لا يؤثر طلاقها ومعشوقته التي لا يحب فراقها، المرضعة لبنها ~~الهيف الهيم، الملحفة النهار ليلها البهيم. # قال: ومدحت في مستحل شهر ربيع الأول الملك تقي الدين وكان قد فوض إليه ~~ولاية دمشق بقصيدة أولها # أحاط بورد وجنته الجنى ... بنفسج خط عارضه الطرى # وجال وشاحه في الخصر منه ... مجال الوهم في السر الخفى # وجاذب حقفه غصن قصيف ... فيا ويح الضعيف من القوى # 181ب) يواخذ طرف بالذنب قلبي ... فيا جور السقيم على البرى # ومنها: PageV01P038 # يفيد العاقل اليقظ التغابي ... فيا جور السقيم على البري # ولم يصب السهام على اعتدال=بها لولا اعوجاج في القسى قال: وشاع الخبر عن ~~المواصلة بالخروج في الربيع، وحشد الجموع وحشر الجميع، وإطلاق ألسنتهم ~~بالتشنيع. وكنا في كانون ونحن لبيوت المغاني في دمشق بانون وأمرني السلطان ~~بأن أنشئ عنه إلى الملك العادل سيف الدين وهو بمصر ما يشيع له السر، ويعرفه ~~الأمر، وأن يلمز الأمراء بالاستعداد لوقت الاستدعاء قال ثم ظهر من المواصلة ~~الخلاف وصح عنه الإرجاف وجاؤوا إلى نصيبين بجنودهم وبنودهم وحشدوهم فكتب ~~السلطان إلى الأمراء بالإستدعاء والاستبطاء، فوصل من مصر ms068 من وقع على حضوره ~~التنصيص، ونفذ بالأمر التعميم والتخصيص. ووصل الأجل الفاضل وشملت الفواصل ~~ونجحت الوسائل. ولما تحقق اجتماع الموصلية والحلبية وباتفاقهم بالهمم ~~الأبية أيقنا منهم صدق القصد وضلالهم عن نهج الرشد فرحلنا من دمشق في شهر ~~رمضان فما عرجنا على بلد، ولا انتظرنا ما ورآنا من مدد حتى جزنا حماة، ~~وخيمنا بقرب بو قبيس في فرجه وعث النصر في أوجه وبحر الظفر في موجه فألقينا ~~ذلك الشعب مشعبا فاسمنا الخيول وضممنا الذيول فركب السلطان عند استكمال ~~إمداده، واحتفال أجناده ففرض وفرض وحرض وحرض وصرح بالجد وعرض وجاءنا الخبر ~~أنهم في عشرين ألف فارس سوى سوادهم وما وراءهم من إمدادهم أنهم موعودون من ~~الفرنج بالنجده، وإنهم يزيدون كل يوم في القوة والشده وما كان أجتمع من ~~عسكرنا سوى ستة آلاف فارس فقال الصواب مسيرنا إليهم والأقدام عليهم. ونحن ~~بالقعود لانستزيد عددا وهم كل يوم في زيادة جموع، وما بقى وراءنا من أنا ~~ننتظر وبقدومه نستظهر فرتب عسكره ميمنه وميسره وقوى بقلبه قلبه، وأمد الله ~~بحزب ملائكته حزبه. ### ||| ذكر الوقعة مع المواصلة والحلبيين يوم الخميس عاشر شوال # قال: وأقمنا بقية شهر رمضان بالمرج القبيسي فقد الحرب النسى ونقول قد وصلوا إلى حلب # وما عرفنا منهم الطلب فإن خرجوا في الطلب إلى حدودنا خرجنا إليهم بجدودنا ~~وذكرناهم بعهودنا. ولما وصلت المواصلة إلى حلب أطلقوا من كان في الأسر من ~~ملوك الكفر وفيهم أبرنس الكرك وجوسلين خال الملك وقرروا معهم أن يدخلوا من ~~مسعدتهم في الدرك. وكان وصولنا إلى مرج أبو قبيس في الخامس والعشرين من شهر ~~رمضان فلما عيدنا ووصل الخبر بوصولهم إلى تل السلطان عبرنا العاصي عند شيزر ~~ورتبنا العسكر وأعدنا الأثقال منها إلى حماة وجردنا الكمت والكماة وسار يوم ~~الثلاثاء بعزم اللقاء وتفرق الخيل على الجباب والمصانع يوم الأربعاء، وأخذ ~~حظها من الارتواء ثم أدلج ليلا وصبح القوم بكرة الخميس بالخميس وعرس بقربهم ~~الأسد مع العريس. ولما طلع الفجر نظروا وإذا الخيل عليهم مطلة وبوارق ~~البيارق فوقهم مستهله، والصواهل محمحمة ms069 والقنا طل مدمدمة والجاليشية دايرة ~~والجاوشيه فاغره والخبايا مرنه والمنايا مرجحنة فحين غامرهم الجيش خامرهم ~~الطيش وقالوا ما أوقع هؤلاء أما عرفوا أنهم عند بحارنا جداول وعند جبالنا ~~جنادل وعند صقورنا بغاث وعند ذكورنا إناث فأمتطت جبالهم الرماح وهزوا ~~بالمراح الرماح وشاموا بوارق القضب وأنقضوا بشهب الشهب، وسلوا من النبل ~~الجعاب ومن الزعف العباب وصف سيف الدين غازي صاحب الموصل أمام قلبه وتراكمت ~~قدامه سحب صحبه وقد فوق إليهم السهم كأنه مستوى بيت القوس وشمس برج الأسد ~~للفرس يخطب كفو الكريم لإقامة العرس ملابس وللجمال جميل اللبس، شاب حوله ~~الشباب، وشهاب تجلله من لثام الزرد سحاب بعزه معتز وبغرورة مغتر، وبعطف ~~اللدن مثل رمحه إلى اللقاء مهتز بعمره غير مبال لا يخطر الخطر له ببال ~~والملك الصالح مع الحلبيين في خلابه بارز في أطلابه وقد جمع كل بطل كمي ~~وأجدل مضرحي ومن ساير قبائل الأكراد ومن المماليك الأتابكيه (182 ا) كل ~~كميش وهجان وأكديش وكان الأمير مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي كوجك ~~على ميمنته وهو في كتيبته الشهبا وداهيته الدهيا ودهته الحشا، وفي مقابلته ~~ميسرتنا وفيها شمس الدين صاحب بصرى ومعه جماعة مجمعة فحمل عليهم مظفر الين ~~ففلجها وطحنها وأوهى عقودها وأوهنها وساق أثقالها وقتل رجالها فظنوا أنهم ~~ظفروا وفازوا وكثروا وحازوا. PageV01P039 # وكان السلطان في قلبه وراء التل وهم لايبصرونه فتحين إليه فل الميسرة ~~المكسورة فهاج نحوه بالهمم الموتورة، وساق وأشرف من التل على القوم، وقال: ~~لاونية بعد هذا اليوم وبدر من أصحابه أميران بالجملة واختلطا مع الجاليشية ~~فأحاطوا بهما ولم يفلتا واتلفا، وحينئذ ظهر البرج مبرح الغطا وكانوا حلفوا ~~أنهم لايبقون على أحد ولايقرون من الصلاحية روحا في جسد. # وقويت أطماعهم بظفر الميمنة وقتل من لقوه في المقدمة فحملوا حملة واحدة ~~راكضة إلينا طاردة والسلطان واقف في صفه ألف بالفه، واثق بزحفه، مايح بحره ~~في غدير زعفه. وكانت حملتهم من مسافة بعيدة وشقة مديدة فقال لأصحابه تثبتوا ~~وقفوا دعوهم يتعبروا ويركضوا وينقضوا قواهم ويرفضوا وإذا قربوا منا ms070 ~~أبعدناهم، واذاوصلونا قطعناهم فنحن نعطيهم الأشواط، ونوليهم الإفراط، وهم ~~يصلون متسابقين متفرقين فإذا دنوا من بنيان صفنا المرصوص أنقض عليهم جداره، ~~ولفح وجوههم أواره. وكانت حملتهم وقدام الألوف مائون وإمام المائين عشرات ~~وقد سبقتنا آحاد منتشرات، فلما حملتهم حملتنا وصدمتهم صدمتنا عكستهم ~~وأركستهم وردت أولهم على آخرهم وسيارهم إلى سايرهم، ولم يعرف ساقيهم ماتم ~~على مقدمهم، ووقع التخاذل والتفاشل في ميمنتهم وميسرتهم، وركب السلطان ~~أكتافهم حتى أخرجهم من خيامهم ووكل بسرادق سيف الدين غازي عز الدين فرخشاه، ~~وركض وراءه حتى علم أنه تعداه، ووقع في الأسر جماعة من الأمراء المقدمين ثم ~~من عليهم بالخلع والتشريفات بعد نقلهم إلى حماة، وأطلقهم وأعتقهم بعد أن ~~أسترقهم. # ثم نزل في السرادق السيفي فتسلم خزاينه واصطبلاته ومطابخه ورواسي عزه ~~ورواسخه، والقدور على المواقد رقود، والندامى المواعيد قيام وقعود، والخمور ~~مقدمة، والزمور مقدمة، والملحنون والمرقنون جلوس وبأيدي البدور شموس، ~~والخيل على طايلها صفون، وما نطول الحديث فللحديث شجون، فبسط في جميع ذلك ~~أيدي الجود وفرقها على الحضور والشهود وأبقى منها نصيبا للرسول والوفود، ~~ورأى في بيت الشراب بل في السرادق الخاص طيورا من القمارى والبلابل والهزاز ~~والببغاء في الأقفاص فاستدعى أحدى الندماء هو المظفر المعرى الأقرع وهو مما ~~به يتجشى ويتجشع فقال له: طب نفسا فاستبدل من الوحشة أنسا وخلع عليه وقال ~~له: خذ هذه الأقفاص واذهب إلى سيف الدين وأوصلها إليه وسلم عنا عليه وقل ~~له: عد إلى اللعب بهذه الطيور فهي سليمة لا توقعك في المحذور. # ولما كسر القوم وولوا مدبرين ركضوا إلى حلب فلم يقف بعضهم على بعض، وظنوا ~~أن العسكر ورائهم ركضا وراء ركض، وما سار ورائهم عسكر لكنهم لشدة رعبهم ~~قطعوا نياط القلب، وما صدقوا كيف يصلون إلى حلب فيغلقون أبوابها ويسكنون ~~اضطرابها. # وأما سيف الدين فأنه ركض في يومه من تل السلطان إلى بزاعة، وجاوز في سوقه ~~الاستطاعة، وفرق وفارق الجماعة. # ومن الإنشاء ألفاضلي في هذه الوقعة إلى الأستاذ جلدك بدمشق كتاب منه ~~نشعرك أيها الأستاذ الجل بكسرة المواصلة ms071 والحلبيين والديار بكريين يوم ~~الخميس عاشر شوال على تل السلطان بعد أن وقفوا وواقفوا، وأخلف الله ظنونهم ~~بما نكثوا وعصوا وخالفوا فأظهر الله فيهم القدرة ودمر عليهم بهذه الكسرة، ~~وأخذهم من أمرهم على غرة، وأجرانا على أفضل عوايدنا من الاستظهار والنصرة. # ولم تزل الجيوش بعقب المنهزمة فإذا طرح الراكب إلى الأرض عفت عنه السيوف ~~المتضرمة، وكذلك عودنا الله أن نغفر مع الاقتدار، ونقيل عظيم العثار، ~~والحمد لله الذي مكن لنا الأرض، ولم يجعلنا ممن يفعل في العباد ما لم يرض. # قال رحمه الله: ### ||| (182 أ) ذكر وصول شمس الدولة تورانشاه أخي السلطان من اليمن ودخوله إلى دمشق في سابع شوال # فكتب السلطان بخطه من الإنشاء ألفاضلي: ~~((قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله ~~لايضيع أجر المحسنين)) فالحمد لله الذي أذهب الحزن ووهب الحسن وأغاث الشام ~~بسحاب منشؤه من اليمن، وأرضانا باللقاء اليوم كما أسخط أمس بالفراق على ~~الزمن. # نفسي الفداء لغايب عن ناظري ... ومحله في القلب دون حجابه # لولا تمتع مقلتي بلقائه ... لوهبتها لمبشري بايابه PageV01P040 # واسعد الله المجلس السامي في مقدمه، وأسعد هذه الأعمال بموطىء قدمه، ~~وأجرى الأرزاق بحكمي سيفه وقلمه وأعاد الإسلام وأهله بنعمه وجوده عن نقمة ~~عدمه ويقسم الخادم أنه لو جاز أن تسافر نفس عن جثمانها، وترحل عن أجفانها ~~لسرت مهجته إلى لقاء آمالها، واهتدت مقلته إلى مجلسه الكريم بما أفاض من ~~الأنوار على مسالكها، والحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله قول الشاكر ~~الذي قدر النعمة حق قدرها، وعلم بعد الطالة أنه عاجز عن شكرها، وانهض الله ~~بركاتها حمله وسقى الله طريقا أوصله وان نحلت سحب عليها فا جفاني ن واهلا ~~بليلة قدر لقاؤه في صبيحتها بقدر وصبيحة عيد الفطر هلالنا فيه نير وجهه ~~الأكبر، ولو أن اليوم يصام فيه الفرض لنذر كلما كررته الجمعة صيامه، ولولا ~~الشغل بالعدو الذي لا مشغل للقلب إلا به لا لقيناه من حيث كان في مقامه ~~الجليل مقامه وما انطوت في ms072 الغسولة # ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شهر رمضان. # عاد الحديث إلى ما جرى بعد الكسرة قال: أما صاحب الموصل فإنه أسرع إليها ~~أوبته وشكر سلامته واستأنف اللهو واللعب، وأكل وشرب ولعن الحرب واصطنع ~~الطعن والضرب وأما الحلبيون فأنهم أوثقوا الأسباب وغلقوا الأبواب واسقطوا ~~في أيديهم حين أفرطوا في تعديهم، وتصرفوا بالاستبصار وتهدفوا للحصار، وأما ~~السلطان فإنه عبر بحلب ولم يعرج عليها ولم يعج إليها ونزل على حصن بزاعه. # وتسلمه وفي سلك ملكه نظمه وذلك يوم الاثنين الثاني والعشرين من شوال. ~~وأما منبج فإنه كان فيها الأمير قطب الدين ينال والسلطان لاينال منه ~~الإحسان، وكان في جر عساكر الموصل إليه أقوى أقوى سب ولا يحفظ معه شرط أدب، ~~ويواجه بما يكره فلما قرب من بلده آثر أن يثيره منه ويأخذه من يده فسلط ~~النقابين على حصنه فنزل مستأمنا، وسلم القلعة بما فيها والذخاير التي ~~تحويها فقوم ما تسلم بلثماية ألف دينار وساومه على أن يخدم ويأخذ بلدة ~~وذخيرته وعدده فأبت نخوته ونبت حميته، وأنفت غيرته وغارت أنفته، وسهل عله ~~عسيرة وأمر أمره، ومال عليه في ماله دهره، وكأنما جمع ذالك المال ليفرقه ~~هذا الجود، ومطل بديون المكارم ليقضيها هذه النقود. ومضى إلى صاحب الموصل ~~فأقطعه الرقة وبقي فيها إلى أن أخذها السلطان منه مرة ثانية في سنة ثمان ~~وسبعين. # وعادته عادة منبج وصاروا بحاله الذي جمعه متفرقين، ثم عاش بعد ذلك أحوالا ~~وأثث أحوالا، وجمع مالا وانتهت به صروف الدهر وأحداثه واستحقه من بعده ~~وراثه فأقرضوه السلطان على أن يقتنوا به أملاكا، وينالوا به من فارطهم ~~استدراكا، فانقضى عصر السلطان ونعب بالتفرق غراب البين ولم أدر كيف جرى ~~حديث ذلك البين. قال: ثم سلم منبج إلى من بجده عمرها وبجوده غمرها، ~~وبسياسته ساسها وأنس ناسها. ### ||| ذكر النزول على عزاز في ثالث ذي العقدة # قال: ولما كان حصن عزاز أعز الحصون، والإسلام ضاحك عن ثغرة المصون وهو من الثغور # الإسلامية التي يتعين سدادها، ويجب بأمداد الرجال أشفق السلطان لموافقة ~~الحلبيين للفرنج من ms073 هذا الحصن فانه إن تسلمه الفرنج عادت معاقد الإسلام في ~~معاقلها إلى الوهن، فنزل عليها وقطع بين الحلبيه وبين الفرنج وكان حصارها ~~(183 أ) حصار حلب على الحقيقة، وخيم عليها وأخذ بمضايقها القوادم والأجنحة، ~~وهي غير ملبيه لدعاتها، ولا مباليع بعداتها لا ته اذعانا، ولا تهاب سلطانا ~~فخطب السلطان كيف تسلط خطبها، وقدم نصبه في تقديم منجنيقات ونصبها، ورجم ~~الحصن رجم الزاني المخصن، وأستشهد عليه وفيه جماعة، وصعب الأمر وأستمر ~~الحصر وعيل الصبر، وضجر المقاتل وحرض بالباسل الباسل. وأخرج السلطان مناطق ~~الذهب ونقوده، وقلايد العقيان وعقوده يعني أن من أغنى أغناه، ومن أبلى ~~فقامت هناك للموت أسواق واشتريت بأعلاق النفوس من النفايس أعلاق. ### ||| ذكر قفز الحشيشة على السلطان ليلة الأحد حادي عشر ذي العقدة PageV01P041 # قال: وكان الأمير جاولي الأسدي خيمته قريبه من المنجنيقات، وكان السلطان ~~يحضر فيها كل يوم لترتيب المهمات وحض الرجال، والحث على القتال ليكون ~~المقاتل إذا كان بمرأى من السلطان أحتد وأشتد وبذل الجهد، وهو غار يناديه ~~بار يبث أياديه. والحشيشه في ذي الأجناد وقوف والرجال عنده صفوف إذ قفز ~~واحد منهم فضرب رأسه بسكينه فعاقته صفائح الحديد المدفونات في كمته عن ~~تمكينه، ولفحت المديه خده فخدشته، وساحت قطرات دم غشته، فقوى السلطان قلبه ~~وثبت لبه وحاش رأس الحشيشي وجذبه ووقع عليه وركبه وأدركه سيف الدين يازكوج ~~فأخذ حشاشة الحشيشي وبضعه وقطعه وجاء آخر فأعترضه الأمير داوود بن منكلان ~~فمنعه فجرحه الحشيشي في جنبه بحد سكينه، وكانت منيته بعد أيام في تلك ~~الضربة. وجاء آخر فعانقه الأمير علي بن أبي الفوارس وضمه من تحت أبطيه ~~وبقيت يد الحشيشي من وائه لايتمكن من الضرب فنادى أقتلوني معه فقد قتلني ~~وأذهب قوتي فطعن ناصر الدين محمد بن شيركوه بطن الجارح بسيفه ومازال يخوضه ~~حتى ألقاه لحتفه وخرج آخر من الخيمة منهزما وعلى الفتك بمن يعارضه مقدما ~~فصادفه الأمير شهاب الدين محمود فتنكب عن الطريق ووافقه حسني التوفيق فثار ~~على الكلب أهل السوق فقطعود إربا إربا. وأبن السلطان فإنه ركب ms074 وجاء إلى ~~سرادقه وصوته جهوري وزهوه قسوري، ودم خده سايل وعطف روعه مايل، وطوق ~~كراغنده بتلك الضربة مشكوك مفكوك لكن نهج سلامته بوقاية الله وعصمته مسلوك ~~فما أفرج روع روعه حتى علم أن جرح خده سالم، وأن صبح جده باسم فإنه كان سلا ~~سلامته وأقام القوم قيامته من بعد دين رغب ووهب واحترز واحتجب، وضرب حول ~~سرادقه على مثال خشب وبرز للناس كالمحتجب وما حدث إلا من عرفه ومن لم يعرفه ~~صرفه، وما قرب إلامن يثق باعتقاده ويعتمد على سداده وإذا ركب وأبصر في ~~موكبه من لايعرفه أبعده ثم سأل عنه فإن كان مستشفعا أو أشفعه وأسعده. # قال: وانس بي فمن عرفته قربه ومن أثبت على كفايته استكفاه وندبه وقد ~~اصطنعت أقواما فرعوا المراقب، وافترعوا المراتب فجحدوا من بعده عارفي ~~ومعرفتي، وانكروا صفوتي وصفتي، وليتني خلصت من شرهم ونجوت من ضرهم، وكان ~~السلطان ألي مستنيما ولصحبتي مستديما حتى لايؤثر غيبتي عن ناد يحضره وكل ما ~~أسوغه من أمر يحضره. ### ||| ذكر مكرمة فاضلية # قال: قال الأجل الفاضل للسلطان تنبيها له في حقي على الإحسان أن الذي ~~عينت للعماد من الجامكية بدمشق حوالته ولم يتسع به عندنا ضائقته، فإن الطرق ~~مقطوعة، والسبل ممنوعة فعين له من الخزانة في الصحبة كل شهر ما ينفقه فقرر ~~لي مثل ما كان لي من قبل واستمر المبلغان وتقلدت بهذه العارفة طولي ~~الامتنان ومن تمام إنعامه أني هنيته بعزاز يوم عيد الأضحى على العادة ثم ~~جئت إليه العصر مسلما ولبعض الأحوال مستعلما فقال ما جئت اليوم مرتين إلا ~~لأمر باعث وقد فهمت المعنى. وقع له أني لتشريف السلطان متقاضى وأننى عليه ~~إلا بما يرضاه لي منه غير راض. وأرسل إلى الخزانة وأخذ لي أحسن وأثمن ثوب ~~وعمامه واتبع ذلك نفقة مشفوعة بكرامة سوى ما قرره للعيد من وظيفة وإقامة. ### ||| ذكر فتح عزاز يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة # (183 ب) قال: وأقام السلطان عليها ثمانية وثلاثين يوما يسومها القتال ~~سوما حتى وجت جنوبها، وكثرت ثقوبها، ونحبت قلوبها، ms075 فاقتصر من فيها بعد طول ~~النزال على النزول وانتهت مدة وقوفنا منها على الطلول وسلوا القلعة كرها، ~~قال: وقلت فيها قصيدة أولها: # سلطت المطل على نجازها ... وضيعت حقي في مجازها # وصالها من الحياة منيتي ... من لي بالفرصة في انتهازها # وجنتها الوردة في احمرارها ... وقدها البانة في اهتزازها # شمس الضحى في الحسن لم تضاهها ... بدر الدجى في التم لم يوازها # ومنها: # تمل من فتح غزاز نصرة ... أوقعت العداة في اغترارها # اليوم ذلت حلب فإنها ... كانت تنال العز من غزازها ### ||| ذكر خلاص رجل مسلم من نكبه عظيمة بشفاعة كريمة # قال: كان عسكر حلب مدة مقامنا على عزاز يطلب من عسكرنا غرة فأعارها يوما ~~على العلاقة وبلغ إلينا ضريح المخافة، فركب السلطان والعساكر معه نحو ~~الصارخ وأخذ الحلبيون ما وجدوا وعادوا فما أدرك أصحابنا إلا فارسا فأخذوه ~~وسيروه إلينا. PageV01P042 # وجاء السلطان وهو مغتاظ ومعه من أصحاب الموتورين قوم غلاظ فأحضر وأمر ~~بقطع يده، وكان المأمون بإقامة تلك السياسة حسام الدين سنقر الخلاطي روهو ~~كامل الكياسة فقلت له بمسمع من السلطان سهل ساعة لعله يقبل مني شفاعة، ثم ~~هلت هذا لا يحل وقدرك بل دينك عن عهدا بحل وما زلت أكرر عليه الحديث حتى ~~تبسم، وشاهد عبوسي فنشر، ورجع عما به ثم أمر بحبسه، ودخل ناصر الدين بن أسد ~~الدين وكلح وبسر ودمدم وزمجر وقال لما لا يقتل ولماذا أعتقل فوعظه السلطان ~~وسكن غيظه ثم أطلق سراحه وتم نجاحه. ### ||| ذكر النزول على حلب منتصف ذي الحجة # قال: ولما أمنا من جانب عزاز وجدنا من الله في عدته النجاز سرنا إلى حلب ونزلنا # عليها عند حاضر الياروقيه، والسلطان يركب كل يوم مع العسكر، وربما طاف ~~حول البلاد وتأمل أسواره، وأستوضح بعيانه أسراره، وأقمنا نتصرف في الأعمال ~~ونصرف العمال لجباية الأموال، والبلد في ضجيج وأجيج وأمر مريج، وسب تشنيع ~~وتجنيس في القد وتطبيق وتنويع فما تم إلا ألسنه تعيث وطبول تستغيث ~~والمراسلة بالقول العنيف، ومواصلة بالتنفيذ والتعنيف والسلطان لا يهمه غمهم ~~ولا يغمه همهم ويزيد بحمد ms076 الناس له ذمهم، وقد علم أنهم جاهلون بنيبهم ~~ذاهلون وأنه سوف ينبوا حدهم ويخبو وقدهم قال: وكان حصن حارم قد تولاه سعد ~~الدين كمشتكين وأشفق عليها، ومضى إليها خوفا من النزول عليها وما ظن أن ~~السلطان يعجل من عزاز النجاز فلم يرى منها إلى حلب الجواز فلما حضرناه ~~وحصرناها ضاق كمشتكين بالمقام في حارم ذرعا فعاد يمتري في الضراعة إلينا ~~ضرعا ويقول: لوفسحتم لي في دخول حلب لقضيتم من وفائي بشرط خدمتكم العجب وهو ~~يخشى أنه إن أستمر هنا مقامه بطل في سلك جماعته انتظامه، وتفردوا دونه بما ~~يصدرونه ويوردونه، وهو على النار الحاميه وعساكرنا قد أخذت عليها الطريق ~~فكتب إلى السلطتن يسأله أن يرفع عن نهجه الحجر، وكتب إلى الحلبيين يسألهم ~~أن يراسلوا في أمره فراسلوا السلطان في شأنه وأن يقلدهم من إجازته طوق ~~امتنانه فإنه أول حضوره يبتدئ بالوصول إلى حضرته والمثول لخدمته وقرروا على ~~أنفاذ معروف رهينه تقيم عنده إلى أن يدخل عليهم ويستوفي عليهم في اليمين ~~عقده ونفذوا بحكم الرهن نصرة الدين بن زنكي حتى يدخل الرسول ويخرج فأمرني ~~بالدخول بصحبة الرسول وهو شمس الدين الوزير أبي المضاء فلما دخلوا أبعدوا ~~عنا الغلمان وأفردوني ورفيقي في مكان ضيق بغير اسراج ولا مرفق ولا بساط ولا ~~كساء ولا خبز ولا ماء وبتنا بليلة الغدر ونحن جياع عطاش ولا لحاف ولا فراش ~~وعندنا جماعة يحرسون فإنهم يشتمون ويشمتون، ويلعنون ويطعنون، وما أنسنا حتى ~~تبسم الفجر وقلنا لعله يرتفع الحجر. (1184) فأحضرنا عند الملك الصالح وعنده ~~ابن عمه عز الدين مسعود أخو صاحب الموصل وكان عملوا نسخة يمين فما نظرت في ~~شرط ولا تعيين فحلفناهم كما أرادوا وسكتنا فيما نقصوا وزادوا وخرجنا إلى ~~غلماننا ودوابنا وهم في أخر نفس وخرجنا إلى السلطان كأن قد نشطنا من قيد ~~وعر ضنا النسخة وقلنا له كل من حلف بهذه اليمين يمين ولا كانت حلب ولا ~~كمشتكين. # قال: وجاء كمشتكين وعبر أمنا ولم يزل منافقا مداهنا وعاتبني السلطان وعصب ~~بي جرمهم وألزمني حكمهم ثم ms077 عرف الحال وألان المقال وعاد أليهم رهنهم. ~~وتوبتنى تلك النوبة وصحت الإنابة وما حدثت نفسي بعدها برسالة ولا تعرضت ~~لعثار يحوجني إلى استقالة، ورفهت قدمي ووجهت قلمي أتوسل بالخط لا بالخطى ~~واسطوا بقلمي الداري على نوى السطى وأرسل الرسل برسايلي ولا أخرج من فضاء ~~فضايلي ولا أدخل في لواذع عواذلي قال: ### || ودخلت سنة اثنتين وسبعين # والسلطان بظاهر حلب مقيم وللمصابرة في حصرها مستديم، وكنتا نؤثر أن تصير ~~الكلمة واحدة، والألسنة لسنة الجحود جاحدة، والملك الصالح من حكم الخارجين ~~خارجا حتى يتولاه السلطان بالتربية ويبادر إلى ندائه بالتلبية. لكن قومه ~~قاموا بالإصرار على الإصرار، وسدوا عن مطالعة سبيل الأنوار ثم عادوا إلى ~~السلطان مستعطفين وللاحسان مستسعفين وعرفوا أن العقوبة أليمة، وأن العاقبة ~~وخيمة فدخلوا من باب التدلل والتذلل ولاذوا بالتوصل والتوصل واظهروا ~~التودد، وأكثروا التردد، وحضروا بأذهانهم بعدما غابوا واعترفوا بأنهم ~~أخطأوا وما أصابوا. PageV01P043 # وصفى السلطان وصفح، وأصلح واصطلح، ولما ملك انتجح وأبقى للملك الصالح حلب ~~وأعمالها، وأستقرى كل عثرة فأقالها ورد إليه عزاز واعتذروا عن كل ما أسخطه ~~وحلفوا له على ما شرطه، وكان الصلح لهم وللمواصلة وللديار بكريه عاما، ~~ولشمول المصالح الجامعة ضاما وكتبت نسخ أيمان بأسامي ملوك ديار بكر والروم ~~وصاحب الموصل على الشرط المعلوم وهو أنه إن غدر منهم واحد وخالف ولم يف بما ~~عليه حالف كان الباقون عليه يدا واحدة حتى يفي إلى الوفاء والوفاق ويرجع ~~إلى مرافقة الرفاق. # وسار بهذه الرسالة إليهم سعد الدين أبو حامد وكان جلدا كافيا وبتدبير ~~الأمور وافيا فمضى إلى الملوك ونظمهم من سلك نهج الموافقات في السلوك. ### ||| ذكر الرحيل من حلب # قال: ولما أنتظم بحلب الصلح وتم النحج ذكر السلطان ثأره عند الإسماعيلية ~~وكيف قصدوه بتلك البلية، فرحل منها يوم الجمعة لعشر بقين من المحرم مصمما ~~على الجهاد الأعظم وأناخ على حصنهم مصيات فانهض إليه الرجال وحرض الأبطال ~~وأمر بنصب المنجنيقاي الكبار. وأقام أياما واستطال عليهم فريقه واستطار ~~فيهم حريقه، وشرع العسكر يخرب ديارهم ويقرب دمارهم حتى جاء خاله شهاب ms078 الدين ~~الحارني وهو صاحب حماة وشفع فيهم لأن بلده جار نواحيم، أراد الأمن من خوف ~~عواديه وكانوا قد راسلوه وأرغبوه وأرهبوه. ولكن شهاب الدين مقبول مأمول ~~الطول ورأى أيضا من أمرائه ميلا إلى الانكفاء وأبت تركهم همته الأبية لولا ~~الشفاعة الشهابيه ورحلنا وقد انتقمنا منهم. ### ||| ذكر كسرى على الفرنج # قال: كان شميس الدين بن المقدم متولي بعلبك وأعمال هو مدبر أحوالها فعرف ~~أن الفرنج قد أغاروا على البقاع فكمن لهم عند العياض وأوتر عليهم حنايا ~~المنايا لتفريق التوفيق في الأنباض وأسر منهم سوى من قتل أكثر من مائتي ~~أسير وأحضرهم عندنا ونحن على مصياف، ولولا هذا الحادث لم يصرف عنها ~~الأحداث. # وكان قد خرج الملك المعظم شمس الدولة أخو السلطان حين سمع أن الفرنج على ~~الخروج وباسطهم عند عين الجر في تلك المروج ووقع عدة من أصحابه في الآسار ~~منهم سيف الدين أبو بكر بن السلار وأجترا الفرنج في تلك الجوله واغتروا ~~بتلك الصولة وانبسطوا في تلك العياض وانهاضوا بما قدم أبن المقدم من ~~الأنهاض. # ووصل السلطان إلى حماة فاجتمع فيها بأخيه شمس الدين يوم الثلاثاء ثاني ~~صفر وهو أول يوم لقائه بعد ما أزمع عنه إلى اليمين السفر، وتعانق الأخوان ~~في المخيم في الميدان وتحدثا في الحدثان. وكان قد وصل إلى السلطان من أخيه ~~هذا عند مفارقة اليمن كتاب ضمنة هذه الأبيات من شعر أبي المنجم. # المصري قلت ومنها: # (184) أبدى التجلد والجوانح تلتظى ... وأرى التصبر والحشى تتقطع # وحملت من فقد الأحبة مفردا ... ما ليس يحمله الأحبة أجمع # وإلى صلاح الدين أشكو أنني ... من بعده مضني الصبابة موجع # جزعا لبعد الدار منه ولم أكن ... لولا هواه لبعد داري أجزع # ولا ركبن إليه متن عزائمي ... ويخب بي ركب الغرام ويوضع # حتى أشاهد منه أسعد طلعة ... من أفقها صبح السعادة يطلع # قال: فسألني السلطان أن أكتب في جوابها على وزنها ورويها فقلت أبياتا ~~منها: # صب تولى حالتيه في الهوى ... جلد له عاصي ودمعي طيع # ذو ناظر ربع الكرى في جفنه ... صبح السيادة ms079 من سناه يطلع # لولا ترجى قرب عودك لم يكن ... لي في الحياة لأجل بعدك مطمع # قسما ببيت أمه زواره ... والطايعون الساجدون الركع # أن لي سواك من الحوادث ملجأ ... أو لي سواك من النوايب مفزع # قال: ولما رآني بالمخيم بميدان حماه عند أخيه مخصوصا بتوقيه وتوخيه بشرلى ~~وبش، وشرع في تقريظي والثناء على قريضي. ثم سرنا إلى دمشق ووصلنا إليها في ~~سابع عشر صفر، ووجه النجح قد سفر، وفوض ملك دمشق إلى أخيه الملك المعظم ~~وعزم على السفر إلى مصر. ### ||| ذكر ووفاء القاضي كمال الدين بدمشق في سادس المحرم وما آل إليه أمر القضاء PageV01P044 # قال: كان القاضي كمال الدين بدمشق في الأيام النورية الحاكم المطلق وكان ~~صلاح الدين حينئذ يتولى في دمشق أسباب الشحنكية، وكمال الدين يعكس مقاصده ~~بالأحكام الشرعية، وربما كسر أغراضه وأبدى عن قبوله إعراضه وأهدى إلى صحته ~~أمراضه إلى أن نقله الله من نيابة غالشحنكيه إلى الاستقلال بالملك فصار ~~كمال الدين من قضاة ممالكه المنتظمة الملك وكان في فليه منه ما فيه وما فرط ~~منه فات تلافيه. فلما ماك دمشق أجراه على جملته وأحترم نوابه وأكرم أصحابه ~~وفتح لشرع بابه وأذهب بحقوقه حقودة وأعرض عن عقوقه عقوده. # وكان أبن أخيه ضياء الدين القاسم بن تاج الدين الشهرزوري قد هاجر إلى ~~صلاح الدين بمصر في ريعان ملكه، فأذنت هجرته في درك المراد بإدارة فلكه، ~~وأنعم عليه هناك بجزيرة الذهب، ومن دار الملك بمصر بدار الذهب، ووفر حظه من ~~الذهب وملكه دارا بالقاهرة جميلة جليلة، ورتب له وظايف، وخصه بلطيف. ووصل ~~مع السلطان إلى الشام وأمره جار على النظام ولما اشتد بكمال الدين المرض، ~~وكاد يفارق جوهره العرض أراد أن يبقى في ذويه فوصى مع حضور ولده بالقضاء ~~لضياء الدين بن أخيه علما منه بأن السلطان يمضي حكمه لأجل سؤاله فيه وتوفي ~~في سادس المحرم من هذه السنة وعمره ثمانون سنة لأن ولده كان سنة اثنتين ~~وتسعين وأربعمائة وفارق ولم يخلف مثله، ومن شاهده شاهد العقل المكنون ~~والفضل المدون، وكان ms080 بارا بالأبرار مختارا للأخيار. وإذا كان له صاحب حفظه ~~ونبه له ناظر حظه وأيقظه، وقد قواه نور الدين رحمه الله وقلده الحكم في ~~أيامه سدد مرامي مرامه، وهو الذي سن دار العدل لتنفيذ أحكامه بحضرة السلطان ~~حتى لا يبقى عليه مغمز ولا ملزم لذوى الشأن فيما دبره من الشأن. # وهو الذي تولى بناء أسوار دمشق ومدارسها والمارستان، واستقرت قاعدته في ~~دولة السلطان. وتوفي ونحن لحلب محاصرون. وجلس الضياء ابن أخيه مكانه فأثبت ~~وأمضى وأغضب وأرضى وأشهد وسجل وجرح وعدل. # وكان الفقيه شريف الدين (185 أ) أبو سعد عبد الله بن أبي عصرون قد هاجر من حلب إلى # السلطان وقد أنزله بدمشق، وهو شيخ المذهب الشافعي وأقوم العلماء بالفتيان ~~وأعرفهم بما يقتضيه (10) الشريعة من مصالح الدين والدنيا. # والسلطان يؤثر أن يفوض إليه منصب القضاء ولا يرى عنه عزل الضياء، وأفضى ~~بسر مراده إلى الأجل الفاضل، وكان الفقيه ضياء الدين عيسى يتعصب لشيخه ويجد ~~في رفع الحكم الضيائي بفسخه، واستشعر القاضي ضياء الدين من عزله وتزلزلت ~~قدمه في شغله ولو قوى نفسه ونفسه وثبت على الإناء المحض أسمه لما خرج ~~القضاء على حكمه ولا واجه السلطان بصرفه عن منصب عمه. وأشاروا عليه ~~بالاستعفاء، وإنه كاره لمنصب القضاء فكتب يستعفي فقيل لأوجه لاستعفائك فلح ~~القول فاستفهم عن معنى طلبه وإبداء سببه فقال: ما أوثر إلا فراغ الشر ~~والخلاص من تبعات هذا الأمر فأصيب سؤله وأجيب سؤاله وهنئ بأنه مجدد قبوله ~~وإقباله وأبقى غليه الوكالة الشرعية عنه في بيع الأملاك واستجد عليه ~~الإقبال السلطاني بعطلته وعزا عنده بعزلته وزاد في أعلاء منزلته. ### ||| ذكر وفاة شمس الدين بن أبي المضاء الوزير # قال: كان رسولا كافيا وبما يمضي فيه من مهم وافيا، وهو أول خطيب بالديار ~~المصرية في عصرنا للدولة العباسية، وفيه ترفع وتكبر، يعجبه الناموس ولا ~~بوحشه إلا الجاه المأنوس وإذا مضى إلى الديوان العزيز قصده الشعراء فأكثر ~~خلعهم وجوازيهم وبعث على مدحه سريرهم وربما عاد وعليه ديون تراه في هيأته ~~وهيبته كأنه وزير، وكلامه ms081 إذا خاطبته نذر يسير وهو الذي ضوع للسلطان وعرف ~~عرف ظهير الدين منصور العطار وشد به ظهر الاستظهار، وحصل للسلطان بصدق ~~صداقته الانتفاع والارتفاع، وتزايدت له في القوة والحظوة الأشياء والأشياع. ~~فوصلنا إلى دمشق وقد قضى نحبه وأتى ربه، وكانت وفاته ليلة الجمعة الثاني ~~عشر من صفر فحمل السلطان غمه، وقرب ولده وجبل بتربية يتمه. ثم تعين ضياء ~~الدين الشهروزرى بعده للرسالة إلى الديوان العزيز واستتبت له على أخر العهد ~~السلطاني هذه وتمهدت بتردده في الجانبين العمارة، وذاك بعض المضي إلى مصر ~~والعد إلى الشام فإنه بعد ذلك خاطبت في هذا المرام. ### ||| ذكر مؤيد الدولة أبي الحرث أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ وعوده إلى الشام عند علمه بوصول السلطان PageV01P045 # قال: كان من الأمراء الفضلاء، والسادة القادة العلماء، قد متعه الله ~~بالعمر وطول البقاء، وهو من المعدودين من شجعان الإسلام وفرسان الشام ولم ~~بنو منقذ ملاك شيزر، ولما تفرد بالمعقل من تولاه لم يرد أن يكون معه فيه ~~سواه فخرجوا منه سنة أربع وعشرين وسكنوا دمشق وغيرها من البلاد وكلهم من ~~الأجاود المجاد وما فيهم إلا ذو فضل وكمال ونبل، ومامنهم إلا من له نظم ~~مطبوع وشعر مصنوع وهذا مؤيد الدولة أعرقهم في الحسب، أعرفهم بالأدباء وكانت ~~جرت له نوبة في أيام الدمشقيين وسافر على مصر وأقام هناك سنين في دولة ~~المصريين وعاد إلى الشام لم يمكنه نور الدين من المقام وصار إلى حصن كيفا ~~وتوطن وأبتنى هناك الدار والعقار ولما سمع بالملك الصلاحي نبا إلى دمشق ~~وذلك في سنة سبعين. قال: وكنت اسمع بفضله وأنا بأصفهان وأنشدني له مجد ~~العرب العامري بها سنة خمس وأربعين هذين البيتين وهما من مبتكرات معانيه في ~~سن قلعه: # وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد # لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد # قال: فلما لقيته في دمشق سنة سبعين أنشد فيهما مؤيد الدولة لنفسه مع كثير ~~من شعره المبتكر من جنسه. # وشاهدت ولده عضد الدين أبو ms082 الفوارس مرهفا وهو جليس صلاح الدين وأنيسه ~~وبابن حمدون النديم ليقيسه. وقد كتب ديوان شعر أبيه لصلاح الدين وهو لشغفه ~~به مفضله على ساير الدواوين ولم يزل هذا الأمير (185 ب) العضد مرهف صاحبا ~~له بمصر والشام إلى آخر عمره. وتوطن بمصر فلما جاء أبوه أنزله أرحب منزل ~~وأورده أعذب منهل، وملكه من أعمال المعرة ضيعة زعم أنها قديما تجري في ~~أملاكه وأعطاه بدمشق دارا ووظف له غيثا من فواضله مدرارا فإذا كان بدمشق ~~جالسه وآنسه وذاكره في الأدب ودارسه. وكان ذا رأي وتجربه وخلال مهذبه ~~يستشيره في نوابيه ويستنير برأيه في غياهب وإذا غاب عنه في غزواته كاتبه ~~وأعلمه بواقعاته ووقعاته ويستخرج رأيه في كشف مهماته وحل مشكلاته وبلغ عمره ~~سبعا وتسعين سنه فإن مولده سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ومات سنة خمس ~~وثمانين. # ومن أبيات أوردها عماد الدين لنفسه في هذا الموضوع قوله # نفسي فدا شادن ... على الدل نشا # وأتى زيف قهره ... بحملهما مرتعشا # وخده من أثر الثم ... كأنه قد خدشا # وكاد يمحوا لثمه ... عذارة المنتشا # كأنما وجنتيه ورد ... بطل رشتا # رأيته فكدت من عجبي=به أن أدهشا # هممت أحيانا به ... لولا التقى أن أبطشا ### ||| ذكر تفويض القضاء إلى أبن أبي العصرون # قال: ولما أستعفي القاضي ضياء الدين لم يبقى في منصب القضاء إلا فقيه ~~ينعت بالأوحد كان ينوب عن كمال الدين فأمره السلطان بأن يجري على الرسم ~~ويتصرف في الحكم، وكان السلطان لإحياء القضاء في البيت الزكوي مؤثرا ولذكر ~~مناقبه مكثرا وقد سبق منه الوعد للشيخ شرف الدين أبن أبي عصرون ففوض إليه ~~القضاء والحكم والإمضاء على أن يكون محيي الدين أبو المعالي محمد بن زكي ~~الدين والأوحد داود قاضيان يحكمان، وهما عن منابته يوردان ويصدران، ~~وتوليهما بتوقيع من السلطان. فاستمر الأمر ولم يزل الشيخ شرف الدين متوليا ~~للقضاء سنتي اثنتين وثلاث وسبعين في ولاية أخي السلطان المعظم فخر الدين. ~~فلما عدنا إلى الشام إلى ابنه محيي الدين أبي حامد مجمد كأنه نايب أبيه ~~واستمر القضاء إلى القضاء اسمه ms083 من سنة سبع وثمانين. # وفوض ديوان الوقوف بجامع دمشق وغيره من المساجد إلى القاضي الأجل مجد ~~الدين بن الزكي فتولاه إلى أن انتقل إلى موقف من عمل الأعمال وتولاه بعده ~~أخوه محيي الدين على الاستقلال إلى أخر عهد السلطان وبعده. وبنى على قاعدة ~~الشريعة فيها حلة وعقدة ثم تولى القضاء بدمشق بعد صرف من قبله واحيي بما ~~اعتمده بيته وفضله. ### ||| ذكر وصلة السلطان للخاتون العصمية بنت الأمير معين الدين في أخر صفر PageV01P046 # قال: كانت هذه الخاتون المنعوتة بعصمة الدين في عصمة نور الدين فلما توفى ~~رحمه الله أقامت في منزلها في دمشق بالقلعة مستقلة بأمرها ونهيها. ساكنة في ~~إحدى حجرها أمنة في خفارة خفرها. صادقة في إخراج الصدقات صالحة في ~~الاستكثار من الأعمال الصالحات، فرأى السلطان أن يحلى عطل الملك بخطبتها، ~~ويصل جناح النجاح بوصلتها فاحضر الشيخ شرف الدين والقضاة وأخوها لأبيها سعد ~~الدين مسعود بن انر حاضر وعقد بإذنها وتمت عقدة النكاح ودخل عليها وبات ~~عندها ثم خرج بعد يومين لدمشق مودعا وعلى عزم المسير إلى مصر مزمعا. ### ||| ذكر الخروج من دمشق بكرة يوم الجمعة رابع شهر ربيع الأول # قال: ولما استتمت بالشام للسلطان أمور ممالكه، وامن ~~على مناهج أمره ومسالكه وبلغ حساب النصر إلى فداكه ازمع إلى مصر الإياب ~~وسحب إليها وقد أمحلت بعده السحاب، وعاود بحر نيله بحر نيلها وأعاد من ~~عساكره الأسد إلى غيلها، وبرز مضاربه من أول الشهر وتقدمه الأمراء والملوك ~~إلى المنازل، وخرج بكرة يوم الجمعة رابع الشهر بمرج الصقر، ثم رحل منه قبيل ~~العصر إلى قريب الصنمين قال: وكنت أقمت حتى أديت فرض الجمعة فخرجت بعد ~~الصلاة ووصلت إلى (1186) المخيم السلطاني وقد مضى من الليل هزيع وقبلى إلى ~~الأهل ولمفارقتهم جزوع ولشدة أشواقي مازلت منزلا إلا ونظمت أبياتا فمن ذلك ~~ما قلت يوم المسير: # بعت بمصر دمشق عن غرر ... منى فيا غبن صفقة البائع # وقلت بالزرقاء: # أعدتك يا زرقاء حمراء أنني ... بكيتك حتى شيباؤكم بالدم # فياليت شعري هل أعود إليهم ... وهل ليت شعري ms084 نافع للمتيم # قال ونظمت في طريق مصر قصيدة مشتملة على ذكر المنازل بالترتيب واتفق ~~السلطان في بعض السنين سير الملك المظفر تقي الدين إلى مصر، وكان لا يستدعي ~~منى شادية لإنشادها في ناديه، ويطرب لسماعها، ويعجب بإيقاعها وأولها: # هجرتكم لا عن ملال ولا غدر ... ولكن لمقدور اتيح من الدهر # واعلم أني مخطىء في فراقكم ... فعذرى في ذنبي وذنبي في عذرى # أسير إلى مصر وقلبي أسيركم ... ومن عجب أسرى وقلبي في اسر # تذكرت أحبابي بجلق بعدما ... والمشتاق يانس بالذكر # ومن فارق الأحباب مستبدلا بهم ... سواهم فقد باع المرابح بالخسر # قال: وكان الدخول إلى القاهرة يوم السبت السادس والعشرين من شهر ربيع ~~الأول، وتلقى السلطان أخوه الملك العادل سيف الدين، وتلقانا خير مصر وجنت ~~النا ثمراتها، وجلبت علينا زهراتها، وحلقت أنظارها وعلقت أقراطها، وزينت ~~أطرافها وأوساطها، ودخل السلطان داره، وراجع الفلك مداره ووفق الله في جميع ~~الامرو إيراده وإصداره. قال: ولم يبق لي من الشغل الا الكتب التي إلى الشام ~~ولم يكن ذلك على الدوام فان في كل دوام ديوان كتابا وفي كل عمل نوابا ~~فتوفرنا على الاجتماع في المغازي لاستماع الأغاني والشعر في الجزيرة ~~والجيزة والأماكن العزيزة والاستمتاع بالجواهر والأعراض، والحضور في ~~المدارس للاستدلال والاعتراض والتدريس للطلبة ورواية الأحاديث النبوية ~~والمباحثة تارة في المعنى الأدبية وتارة في المسائل الفقهية، والحضور عند ~~السلطان في كل ليلة للمشاورة الملكية والمحاضرة الإنسية، والمذاكرة ~~النسكية. # وكان مشغوفا بمجالسة خواصه من العقلاء وموانسة ذوى اختصاصه من الفضلاء ~~فإذا أراد الانصراف بعد هزيع الليل قام إلى صلاة العشاء وإذا فرغ من الصلاة ~~جماعة تفرق الجمع ورفع الشمع فإن كانت له حاجة إلى إنشاء كتاب أو البوح بسر ~~صواب أجلسني وأملى علي مقاصده وقمت وسهرت تلك الليلة لتحرير الكتب ثم أبكر ~~إليه وأعرضها عليه فإن رأى الزيادة فيها أو تبديل شيء من معانيها وصل بي ~~إلى مقاطعها ووفقني على مواضعها فما أبرح حتى أسوي قوامها وأروي أوامها ~~وإذا إستصابها وقد أتممت نصابها توجها بتوقيه ويقول توجهها ولا تعوقها ms085 ~~وتسددها إلى الأغراض وتفوقها. قال: ### ||| ذكر نموذج من أنعامه علي بمصر PageV01P047 # كان لبيع الكتب في القصر كل أسبوع يومان, وهي تباع بالمجان وأرخص ~~الأثمان, وخزانتها بالقصر مزينة البيوت مقسمة الرفوف مفهرسة بالمعروف فقيل ~~للأمير بهاء الدين قراقوش متولي مصر, والحال والقاعد للأمر هذه الكتب قد ~~عاث فيها العث وتساوى سمينها والغث, ولا غنى عن تهويتها ونفضها وإخراجها من ~~بيت الخزانة إلى أرضها وهو تركي لا خبرة له بالكتب, ولم يدر أن في نفضها ~~أنفاضهاوإن في تصحيحها أمراضها, وهي مبوبة في مقاصيرها معينة في محاجيزها, ~~مثبتة بخطوطها المنسوبة وإعدادها المحسوبة في دساتيرها. # وكان المقصود دلالي الكتب أن يوكسوها ويخرموها ويعكسوها فأخرجت وهي أكثر ~~من مئة ألف من أماكنها وغربت عن مساكنها وخربت أوكارها وذهبت أنوارها وشتت ~~شملها فاختلط أدبيتها بنحويتها, وشرعيتها بمنطقيتها, وطبيها بهندسيتها, ~~وتواريخها بتفاسيرها ومجاهيلها (186ب) بمشاهيرها. وكان فيها من كتب الأمصار ~~والتواريخ الكبار ما يشتمل كل كتاب على خمسين أو ستين مجلدا إذا فقد منها ~~جزء لا يخلف أبدا فاختلطت واختبطت فكان الدلال يخرج عشرة عشرة من كل فن ~~كتبا متبرة فتسام بالدون وتباع بالهون. والدلال يعرف كل شدة وما فيها من ~~عدة ويعلم أن عنده من أجناسها وأنواعها وقد شارك غيره في ابتياعها حتى إذ1 ~~ألفى كتابا قد تقوم عليه بعشرة باعه بعد ذلك لنفسه بمائة. فلما رأيت الأمر ~~حضرت القصر واشتريت كما اشتروا ومريت الأطباء كما مروا, واستكثرت من المتاع ~~المبتاع, وحويت نفائس الأنواع ولما عرفت السلطان ما ابتعته وكان بمائتين ~~انعم بها علي ثم وهب لي أيضا من خزانة القصر ما عينت عليها. # ودخلت عليه يوما وبين يديه مجلدات كثيرة انتقيت من القصر وهو ينظر في ~~بعضها فبسط يدي لقبضها وقال لي كنت طلبت عينتها فهل في هذه منها فقلت كلها ~~وما استغنى عنها فأخرجتها من عنده بحمال. وكان هذا منه بالإضافة إلى سماحته ~~أقل نوال وأهنا رفد بغير سؤال. # قال: وكتبت إليه رقعة ذكرت فيها أنني غرمت في طريق مصر ما يقارب ثلثمائة ~~دينار ms086 وأنني من تعويض عنه على أمل وانتظار فأمر بطلاق ذلك من بيت المال. ~~وشملني النعام الفاضلى في تحصيله وتعجيله للحال, ورتب لي بمصر وظيفة دارة ~~وميرة بمصالحي بارة, واقطعني من الأنعام ما بقي بعده على الدوام ومرور ~~الأيام مستمرا مضافا إلى ما هو مقرر بالشام فما يزال يتبع الأنعام بالأنعام ~~ويقرن الفرد منه بالقوام, ويعلم أن الدنيا قليلة اللباث كثيرة الأحداث ~~فتناهز فرصه بالاغتنام وادخار حمد الكرام. ### ||| ذكر القاضي ضياء الدين القاسم بن يحيى بن عبد الله الشهرزوري # قال: وكانت للقاضي ضياء الدين بالقاهرة دار جميلة, هي دارة بدره ودايره ~~قدره ومجال جماله وفضل أفضاله, وبمصر له منزل هو قطعة من دار الذهب بدار ~~الملك القديم مقيمة على قواعدها المستقيمة, فهو تارة يضيفنا في داره ~~بالقاهرة بمقاريه الباهرة وتارة يقرينا في منزله بمصر بألطافه الظاهرة, ~~ونحن عنده في أرب وجد وسماع وغناء واستمتاع واستغناء. # قال: وعملت في تلك الأيام أبياتا يغنى بها ومنها: # إن لم تجد بالوصل مت بحسرتي ... إن الفراق منيتي يا منيتي # لك ناظر ذو صحة في علة ... ما صحتي إلا لديه وعلتي # كم منة لك في الوصال قوية ... وأراك في البحران تضعف منيتي # ومنها: # قلبي العليل فكيف سوغ ... وصف طرفك بالعليل # وأنا المحب المستهام ... فما لحضرك والنحول # سلبت شمايلك العقول ... فما يراد من الشمول # وسلاف ثغرك ليس يشفي ... غير رشفتها غليلي # ولقد ظميت فسل سبيلا ... نحو ذاك السلسبيل PageV01P048 # قال: واقترحنا على القاضي أن يفرجنا في الأهرام فأضاء وجه بشره لهذا ~~المرام. وكانت له جزيرة الذهب في طريقها فعبر بنا إليها وتحمل من الكلف ما ~~هو غير مطيقها فبتنا فيها ومعنا فلك ومراكب, وملك ومواكب وشداة وحداة وولاة ~~وحماة, وقصدت تلك الليلة لطيبها, وأخذ كل نفس بمصيبها. وبكرنا وسيف الصباح ~~قد شق برد الظلماء وابن ذكا قد جلا وجه السماء, وقدمنا المراكب وعدينا ~~الجنايب فلما انتهى العبر وانقضى الصبر جزنا بالجيزة فرأينا أرضا رضية ~~وبقعة فضية فيها قوم قعود في حلق متطلسون وبزى فقهائنا في العراق والشام ~~متلبسون ms087 فظننتهم طلبة علم يدرسون فلما أحسوا بنا طاروا وصاروا إلى حيث ~~صاروا وقيل لهم شاربوا المزر وحاقبوا الوزر فقلت لهم ما بال كل منهم بطرحة ~~فقالوا هذا زي هذه البلاد ولا لوم على العرف المعتاد. # ثم مضينا ودفعنا إلى المخاض وارتفاع بعد انخفاض فخاضت بغلة القاضي وعثرت ~~وتوحلت (187 أ) والقلوب لاجلة توجعت وتوجلت فخرج سالما ولتطييب أنفسنا ~~باسما فاستأنفنا قصد الأهرام وقد سبقنا إليها غلماننا بالخيام فنزلنا ودرنا ~~حول الهرمين وطاف عليها القاضي من حسن خلقه وحسن تخلقه بكرمين. وكان معنا ~~القاضي شمس الدين أبو فلان فما منا إلا من هو زهير وقد ظفر بهرمين وشب لنا ~~هناك المكان والزمان وطالما كانا في تلك الرمال هرمين (وقد ظفر بهرمين) ~~ودرنا في تلك البراري والرمال والصحاري, وهالنا أبو الهول, وضاق في وصفه ~~مجال القول. ورأينا العجائب وروينا الغرايب واستصغرنا في جنب الهرمين كل ما ~~استعظمناه. وتداولنا الحديث في الهرم ومن بناه فكل يأتي في وصفه بما نقله ~~وعقله واجتهد في الصعود إليه فلم يوجد منهم من يوقله وحارت العقول في ~~عقوده, والأفكار في توهم حدوده ولما أتممنا الفرجة عزمنا العودة وما أرفق ~~تلك الشيمة وأهنأ وأسنى تلك الصنيعة النصيعة. ### ||| ذكر بناء السور على القاهرة ومصر # قال: ولما ملك السلطان مصر وأتاه الله على الأعداء بها النصر رأى أن مصر ~~والقاهرة لكل واحدة منهما سور لا يمنعها, ولا قوة لأهلها تحميها وتردها ~~وقال: ولو أفردت كل واحدة بسور احتاجت إلى جند مفرد ونظر مجرد والرأي أن ~~أدير عليهما سورا واحدا من الشاطئ إلى الشاطئ ثم يتكل في حفظها على الله ~~الكالئ. فأمر ببناء قلعة في الوسط عند مسجد سعد الدولة على جبل المقطم ~~فابتدأ من ظاهر القاهرة ببرج في المقسم وانتهى به إلى أعلى مصر ببروج وصلها ~~بالبرج الأعظم. # ووجدت في عهد السلطان ثبتا رفعه النواب, وتكمل فيه الحساب وهو داير ~~البلدين مصر والقاهرة بما فيه من ساحل البحر والقلعة بالجبل تسعة وعشرين ~~ألف وثلثمائة ذراعا. شرح ذلك قياس ما بين ms088 قلعة المقسم على شاطئ النيل ~~والبرج بالكوم الأحمر بساحل مصر عشرة ألف وخمسمائة ذراع, ومن الربعة ~~بالمقسم إلى حايط القلعة بجبل مسجد سعد الدولة إلى البرج بالكوم سبعة ألف ~~ومائتي ذراع قياس داير القلعة بمسجد سعد الدولة ثلاثة آلاف ومائتي وعشرة ~~أذرع, وذلك بطول قوسه وأبدانه وأبراجه من النيل إلى النيل على التحقيق ~~والتعديل وذلك بالذراع القاسمي بتولي بهاء الدين قراقوش الأسدي, وبنى ~~القلعة على الجبل وأعطاها من حقها من أحكام العمل وقطع الخندق وهناك مساجد ~~يعرف أحدها بمسجد سعد الدولة اشتملت عليها القلعة ودخلت في الجملة. # وحفر في رأس الجبل بئرا ينزل فيه بالدرج المنحوتة من الجبل إلى المعين, ~~وتوفي السلطان وقد بقيت من السور مواضع, والعمارة فيها مستمرة وأمر بناء ~~المدرسة بالتربة المقدسة الشافعية وتولاها الفقيه نجم الدين الخبشاني وأمر ~~باتخاذ دارا في القصر بيمارستان. # وقال: وخرج السلطان من القاهرة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان ~~وقد استصحب من أولاده الأفضل عليا والعزيز عثمان, وجعل طريقه على دمياط, ~~ورأى في الحضور بالثغر المذكور ومشاهدته الاحتياط. وكان له بها سبى كبير ~~جلبه الأسطول فامتد بظاهر البلد يومين ليتبعه النزول قال: ووهبت منه جارية ~~اخترتها وآثرني بثمنها لما اشتريتها. ثم وصلنا إلى ثغر الإسكندرية وترددنا ~~مع السلطان إلى الشيخ الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن السلفي الأصفهاني, ~~وسمعنا عليه ثلاثة أيام يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت رابع شهر رمضان. ~~قال ونظمت في الطريق مقطوعات ومنها. PageV01P049 # يوما بجى ويوما في دمشق وبالفسطاط ... يوما ويوما بالعرافين # كان جسمي وقلبي الصب ... ما خلقا إلا ليقتسما بالشوق والبين # ومنها # أحبكم حب النفوس نقاها ... واشتقاقكم شوق الظماء للورد # ترحلت عنكم والفؤاد بحاله ... صبور على البلوى مقيم على الوجد (187 ب) # فإن رمتم عذرى فإني على الوفا ... وإن خنتم عهدي فأني على العهد ### ||| ذكر اللسان الصوفي # قال: وكان حينئذ بمصر شيخ صوفي من أهل بلخ قد جرب الدهر وعانى العقد ~~والفسخ، وعاين الإثبات والنسخ وجاور بغداد والكرخ، ظريف طريف، عفيف، لطيف ~~لا يأكل وحده ms089 ولو انه رغيف. له مع نجم الدين أيوب صحبة قديمة ومودة كريمة ~~وقد ملك من قلوب الملوك قبولا، ولم يزل بشمول عارفتهم مشمولا فبنى دارا على ~~شاطئ النيل وفتح بابه لمن يضيفه من أبناء السبيل، وفيها بركة وبستان وروح ~~وريحان، ومن كل شهى ولذيذ ألوان وللحلاوات على شيمته الحلوة حوالات، ~~وللحاجات عند سجيته السمحة ناجات له فيما يدخل السرور في أنفس أصدقائه ~~اخراجات. # وما زال يدعونا إلى داره ولا يخلينا في ليالي الجمع من انتظاره، ويضيفنا ~~مفردين ومجتمعين، ويحضرنا المستمعين والمغردين. وكان محبا للأدب ولدفاتره ~~مستنسخا ومؤثرا للفضل ولمعاشرة معاشر مصرحا فإذا عرف ميلنا إلى كتاب قدمه ~~وقدم على تقديمه قسمه ويحلف انه لا يأخذ ثمنه وانه لأجلنا ادخره وخزنه ثم ~~وقف على الصوفية من بعده وانتقل بعد سنتين إلى النعيم وخلده. # عاد الحديث قال: ولما عدنا من ثغر الإسكندرية صمنا بقية الشهر في ~~القاهرة، والسلطان متوفر على نشر العدل وإفاضة الجود وسماع أحاديث الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. وهناك لسماطه سموط وخوان مبسوط وكلنا بما هو فيه من ~~النعمة مغتبط مغبوط، وكان إذا فرغ من الطعام، وخف ثقل الزحام تخلف عنده من ~~جرت عادته من الجلساء وخواص الأمراء ثم قضينا فرض العشاء ووصلنا بالتراويح ~~والاستغفار والتسبيح. ثم أن شاء جلس وبمن يقربه استأنس وإذا أراد البكور ~~قاس وجلا من نشره القس وبكر وركب "والصبح قد تنفس". ### ||| ذكر وصول الرسل ووقوع بعضهم في الأسر # قال: قد سبق ذكر انفاذ سعد الدين أبي حامد رسولا إلى الأطراف للاستحلاف ~~ورفع الخلاف وتأليف الكلمة العايدة بالإسعاد والإسعاف. ومضى أبو حامد وسرنا ~~نحن إلى مصر ثم وصل الخبر بأنه قد عاد بعد ما استفاد وبلغ في تبليغ الرسالة ~~المراد. ووصل ومعه من صاحب الموصل القاضي عماد الدين بن كمال الدين الشهر ~~زاوي والحاجب ضياء الدين أبو بكر البغدادي ورسولان احدهما من نور الدين قرا ~~أرسلان يقال له المظفري والآخر من قطب الدين صاحب ماردين وهو الضياء ~~الرحبي، وحضروا بدمشق عند الملك المعظم شمس الدولة ms090 أخي السلطان واستحلفوه ~~ودخل لهم تحت ما كلفوه، واستوفوا عليه اليمين بالموافقة على ما شرطوه ~~ووصفوه. # فأما القاضي الشهرزوري فانه عاد إلى الموصل واستبعد طريق مصر واستعمل ~~الوقار فما خف وعاف وعف، فأما الباقون فانه حسن لهم سعد الدين ركوب الخطر ~~وكروب السفر ووعدهم بالغنى وأخذهم على طريق في بلد الفرنج، أن قطعوه في ~~يومين على غرة منهم نجوا فما جاء أمرهم كما رجوا بل شعر بهم القدر فاعرضهم ~~وأخرجهم بالمضايقة وأحرضهم فسبق أبو حامد والضياء أبو بكر بمن معهما في نهج ~~وعر، وحصل رسولا الحصن وماردين في اسر الملاعين الماردين ووصل الناجون إلى ~~مصر واجروا حديث حادث السفيرين الأسيرين فاغتم السلطان واهتم ثم فكهما من ~~الأسر بعد سنين حين فتح حصن بيت الأحزان. PageV01P050 # كتاب فاضلي إلى صاحب الموصل في هذه النوبة مع رسوله: أحق المودات أدام ~~الله أيام المجلس وأنفذ عزمته وأعلى كلمته وأتم نعمته وشرف همته وحفظ ذمته ~~وسدد حكمه وحكمته بان يؤكد أسبابها ويقصد استثباتها ويحافظ وجود استقامتها ~~مودة ارض الله سبحان انتظامها وأتم النعمة على أهل الإسلام تماما وعادت على ~~مسرات الأولياء بتخليصها وعلى جموع الأعداء بتمحيصها وعلى الملة الحنيفية ~~بأفرادها بمزية النصر وتخصيصها وعلى عباد الله ورعايا أوليائه بسبوغ ظلال ~~الإلفة بعد تقليصها ووعدت في انتظام المصالح واتصالها، وفل شافة الكفر ~~واستيصالها وسددت إلى نحور الكاشحين ما كان طايشا من مناصل الأولياء ~~ونصالها وتلك المودة هي التي تلقى الدعوة إليها بالتامين وتلقى الراية ~~(188أ) المنصور منها باليمين. ورفع الكتاب الواصل بسببها على الجبين وعلم ~~أن الخير ماى أشتمل عليه نجواه والصواب ما دل عليه فحواه. قال سبحانه في ~~كتابه الكريم "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقه أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف بؤتيه أجرا عظيما". ~~وأحلى الصفو ما تبع الكدر وأجلى الصحو ما كان غب المطر، واهنا الراحات ما ~~كان في اثر تعب السفر. # والآن وقد حفظت المودة مجراها، وألقت الثقة عصاها، ولاح لعين ms091 السرى دجاها ~~بل أشرقت شمسها وضحاها، وجرت عمدة الله الإيمان " وقد افلح من زكاها وقد ~~خاب من دساها " سورة الشمس آية رقم 9- 10 ووصل الحاجب أبو بكر كتب الله ~~سلامته وأحسن صحابته بعد أن عاد القاضي عماد الدين إلى مستقر عزه من ~~الحضرة، وقنع بحضوره واستيفاء اليمين الملكية المعظمية البرة. وكانت ~~القناعة في موضوعها والثقة في مستقرها ومستودعها فان النفس واحدة ولكنها ~~ساكنة في جسدين والمصافحة لازمة واليد منها كاليدين ووصل هذا الحاجب بعد أن ~~لقى من سفره نصبا، وكانت سلامته مع اخذ المضيق عليه من طريقه اية عجبا ~~فأنها شقة بعيدة ومشقة شديدة وبلاد مطموحة ومسالك تكاد يكون فيها أسباب ~~العطب مرجحة. # ولم يكن التزم من مقصده إلا الكتاب الذي كان على يده فان التعظيم بحسب ~~قدر المناسب إلى قدرة العلى ومجده وشرفه الأولى، وعن الذي هو أبلا أعيان ~~الأوصاف عين الملا، فسرت فيه نعمة السلامة وتوفرت عليه مزية الكرامة ونظمت ~~اليمين التي احتفل بمحضرها واقترنت الأحكام بظاهرها والصفاء بمضمونها وأقام ~~إلى أن أستكرم له التوفيق واختبرت له الطريق, وتوجه مصحوبا بلطف الله ~~وأمانه داخلا في حرز كنايته وضمانه, ونسخة اليمين على يده سايره والمشافعة ~~له تستولي على المقاصد الباطنة والظاهرة. وقد سرى هذا الاتفاق من الألسنة ~~إلى القلوب وتأكدت فيه قضايا سفرة الوجوب مؤكدة الرجوب, واستبشرت الأنفس ~~بأن الله سبحانه يجعله أحد ما ينجز به وعد نصره المكتوب ولزم للمنة به ~~شكران يحمله الله سبحانه وتعالى فقد "ضعف الطالب والمطلوب". # وكذا للأمير مجاهد الدين قايماز أدام الله تأييده في ذلك السعي المشكور ~~والأثر المأثور وتجارة الخير التي لا تبور, والعزم الذي يتوضح في ظلام ~~الخطب منه " نور على نور" فهو شكور بلسان إحسانه, معدود إذا اتسع ميدان ~~الفضل من سبقه وفرسانه. # وأما الكنب الكريمة الاتابكية فإنها نعمة لا يخفى قدرها, ومنه لا يمطل ~~شكرها, وحسنة تتقدم الحسنات ذكرها, ولو أن المودة قد تأكدت لقيل أنها مما ~~يتأكد به عهدها, وينتظم به عقدها ويشرق به في آفاق الخواطر سعدها ms092 وبحسب ذلك ~~نرغب في أن نجعل قوت الأنفس منها إدرارا وسماء أأنعام بها مدارا مع يودع من ~~أخبار نعمة الله سبحانه لديه على أنها نعمة ظاهرة آثارا متظاهرة إيثارا. لا ~~زال الجناب السامي لتحايل الصدور مستخلصا, ولنهر المكارم مستفرصا, ولصفقات ~~المودات مسترخصا, وللقلوب على ما يجب من الموالاة مستحرصا ولا برحت الأيام ~~بحسناته موسومة وأتم الله نعمه فإنها بينه وبين الخلق مقسومةوهو تعالى فاعل ~~ذلك بكرمه أن شاء ### ||| ذكر خروج السلطان إلى مرج الفاقوس في ذي الحجة من السنة. # قال: وخرج السلطان إلى الفاقوس وخيم بمرجها وزجرت بحار عساكره هناك ~~بفوجها وموجها. وكان مقصوده إرهاب العدو في ثغره وإزعاجه بذعره وهو يركب ~~للصيد والقنص والتطلع إلى أخبار الفرنج لانتهاز الفرص. ولم يخل يوم من ~~إنهاض سرية سرية واعتراض البرية الكافرة في كل معقل وبرية. PageV01P051 # وكان مرحبا رضيا, وفضاء مضيا, وصحاري واسعة, وبراري شاسعة وهو مصطاد وسيع ~~ومصطاف وشيع, ومراد مريع كله ربيع, وشملنا فيه جميع ولكل رجاء من الجود ~~السلطاني شفيع, ولكل توقيع توقيع. ### || ودخلت سنة ثلاث وسبعين # والسلطان بمرج الفاقوس من أعمال مصر الشرقية, والإسلام زاهر زاه والكفر ~~واهن واه, والنصر مضمون, والعصر ميمون, وسر التوحيد سار, وقلب الشرك محزون, ~~وذخر المال مبذول, وكنز الحمد مذخور ومخزون ونحن في اجتماع واتساع وارتفاع ~~وامتناع لاشيم كهام ولا رنة شاك ولا أنة باك, ولا شكاية مظلوم, ولا حكاية ~~محروم, والأيام ظاهرة الأيامن باهرة المحاسن, وقد طابت للزمان وأهله أنفاس ~~ونفوس ودارت على الدنيا من ألطاف الله كئوس. قال ونظمت في الأجل (188 ب) ~~الفاضل قصيدة ميمية في منتصف المحرم وأولها: # يم هضيم يروم هضمى ... من سقم عينيه عين سقمي # د نقطت شمس وجنتيه ... للحسن من خاله بنجمي # اهي مناط الوشاح حلت ... فيه بوجدي عقود عزمي # طاقة في القياس نطق ... يدور من خصره بوهمي # ومنها # ندي مواعيد للمعالي تمطل ... دهري فيها برغمي # نتيجة النجح منك تقضي ... أن المواعيد غير عقمي ### ||| ذكر علم الدين الشاتاني # قال: قد سبق ذكره في الأيام النورية, وهو ms093 من أدباء الموصل وشعرائها بل من ~~فصحائها وظرفائها وله نتف وطرف. ووفد سنة اثنتين وسبعين إلى مصر واصطنعه ~~الملك عز الدين فرخشاه وأنزله في داره, وقرر له إحسانا دارا, وجمع له من ~~رفده ومن الأمراء ذوي الفواضل مبلغ ألف دينار, وأذن صبح نجح أمله منه ~~بأسفار, وكان عندنا في المخيم في المحرم من هذه السنة وقد مدح السلطان ~~بكلمة مطلعها: # إذا النصر معقودا براياتك الصفرا ... فسر وافتح الدنيا فأنت بها أحرى # وأقام حتى اجتاب خلعة الاحتباء وعقد له السلطان حبى الباء. # قال: وكتب الأجل الفاضل من عنده مكاتبه إلى عز الدين يحمده على اصطناعه ~~ورفعه من حضيض حظوظه إلى بقاع ارتفاعه. فصل منها: لولا حق وجب على الملوك ~~أداؤه, وسر خدمة تعين عليه إبداؤه لامتثال الأمر في أن يدوم سرور المجلس ~~السامي بالحباية, وأن لا يعارض صفو عيشه بكدر كتابه. لكن لم يتسع له مع عود ~~القاضي الفقيه الإمام الرئيس الكامل علم الدين وهو ينهي أن المذكور صايغ ~~حليه الذكر وفارس خلية الشكر وخطيب الأيادي, والعالم بما يورده في كتب ~~محاسنه (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وما برح مذ فارق الركاب ~~العالي في هذه الأيام التي طالت عليه ببعده فكأنها أعوام كما قصرت عليه تلك ~~الأيام بقربه فكأنها أحلام إذا ذكر المولى سبح بحمده وبادر من غير تشيع ~~بتعفير خده وصلى على ذكره وسلم وأورد من آيات مجده ما كان بإيراده أقوم ولا ~~نقول أعلم فإن الخلق قد أشركوا في هذا العلم وامتروا في هذا الحكم. # عرف العالمون فضلك بالعلم ... وقال الجهال بالتقليد # بل لا يقول أحد بالتقليد في فضايله لما عندهم من فواضله: # فإن مر من يثني عليه حقايب ... فأنت الذي تثنى عليه الحقايق # وكل سحاب يمطره فالمولى منشئ أفواجه, وكل بحر يغمره فهو باعث أمواجه, ~~والمولى مقفو أثر الإحسان متبوعه, ومن الذي يتبعه فيستطيعه, فمن أعطاه ~~أوادنا فإنما عرفه بتعريفه واستشرف ناظره إليه بتقريبه له وتشريفه والمولى ~~كما قال حبيب الأدباء حبيب: # ففي كل نجد في ms094 البلاد وغاير ... مواهب ليست منه وهي مواهبه # وفي هذه القصيدة بيت يليق بأوصاف بيته الكريم وهو: # إلى سالب الجبار بيضة ملكه ... وأمله عاد عليه فسالبه # والمملوك لايستزيد الإحسان لأنه ناقص عن غاية ولكنه يشاركه في الشكر وإن ~~كان المذكور أشهر اياه وأظهر آية. ### ||| ذكر بروز السلطان بقصد الغزاة إلى غزة وعسقلان ونوبة الرملة. PageV01P052 # قال: وعاد السلطان إلى القاهرة وأقام بها ثم تقاضته عزمته واهتمت بالغزاة ~~وجد بالجهاد وجده وجهده وجردت سربجياته وأسرجت جرده وقلقت بغرارية أجفانه ~~وفاضت على النحور غدرانه, وتلبست بالأجسام أبدانه, وصافحت أشجع الشجعان ~~صفاحه, وأسفر في ليل العجاج من غرر وهمه صباحه وخرج من القاهرة يوم الجمعة ~~ثالث (189 أ) جمادى الأولى بعد الصلاة وخيم بظاهر بلبيس في خامسها بخيمته ~~لقصد الغزاة, ثم تقدمنا إلى السرير وخيمنا بالبرز, قال: ونودى خذوا زاد ~~عشرة أيام أخرى زيادة للاستظهار, فقلت لغلامي قد بدأ وقد خطر الرجوع ببالي ~~وأنا صاحب قلم لا صاحب علم وقد استشعرت نفسي في هذه الغزوة من عاقبه ندم, ~~والمدى بعيد والخطب شديد والطريق كله في الرمل وجمالي وبغالي لا تقوى على ~~الحمل وهذه نوبة السيوف لا نوبة الأقلام والواجب على كل منا أن يلزم شغله ~~ولا يتجاوز محله لاسيما ونواب الديوان قد استأذنوا في العود وأظهرت سرى ~~للمولى الفاضل فسره إشفاقا علي. # وكان السلطان أيضا يؤثر إيثاري ويختار اختياري فقال أنت معنا أو عزمت أن ~~تدعنا فقلت العزم للمولى وما يختاره لي فهو أولى, فقال تعود وتدعو لنا ~~وتسأل الله أن يبلغنا في القصر سؤلنا. قال وكنت كتبت إلى المجلس الفاضلي ~~أبياتا ونحن بالمبرز يوم الاثنين العشرين من الشهر مما على سبيل المداعبة ~~ومنها: # قيل لي سر إلى الجهاد وماذا ... بالغ في الجهاد جهد مسيري # ليس يقوى في الجيش جأشي ... ولا قوسي يرى موترا إلى موتور # قال: وما انقطعت عن السلطان في غزواته إلا في هذه الغزوة, وقد عصمني الله ~~فيها من النوبة. قال: وكنت لما فارقت القاهرة استوحشت وتشوقت إلى أصدقائي ~~وتعطشت. وكتبت من ms095 المخيم ببلبيس إلى القاضي شمس الدين محمد بن محمد موسى بن ~~الفراش اذكر له لوا عج الاستيحاش وكان أصدق صديق وأشفق شفيق وقد تصاحبنا من ~~الأيام النورية واستشرته في التأخر عن السلطان فكتب في الجواب وقال: رافقه ~~ولا تفارقه فإنه يعرف لك حقك فكرهت رأيه وتلوت سور الخطر وأية وضمنت الكتاب ~~هذه الأبيات: # إذا رضيتم بمكروهي فذاك رضا ... لا أبتغى غير ما تبغون لي غرضا # وإن رأيتم شفاء القلب في مرضي ... فإنني مستطيب ذلك المرضا # أنتم أشرتم بتعذيبي فصرت له ... مستعذبا أستلذ الهم والمضضا # إن رممتم عوضا في محبتكم فحاشى ... لله أن أبغي بكم عوضا # الله عيش يقضي عندكم ومضى ... وكان مثل سحاب برقه ومضا # قد أظلم الأفق في عيني بغيبتكم ... فإن أذنتم لشخص في الحضور أضا # ما كنت أعهد منكم ذا الجفاء ولا ... حسبت أن ودادي عندكم رفضا # قال فكتب إلى في الجواب أبياتا منها: # أرسلت سهم عتاب قد جعلت له ... قلبي وإن لم تكن عينته غرضا # لا تنسبوني إلى إيثار بعدكم ... فلست أرضى إذا فارقتكم عوضا # عاد الحديث قال: ثم ودعت السلطان وعدت وما تأخرت إلا إلهاما من الله تعالى بالنجاة # من تلك الورطة حيث حكم في تلك النوبة بالعثرة, ورجعت وأنا بين عادل وعاذر ~~وناه وآمر ثم رحل في سلطان مقدما ولعزمه في الجهاد مصمما وسار في جيش مجر ~~من سواد القتام في ليل ومن بياض البيض في فجر, ومن حب الغزو في وصل ومن سلو ~~الحياة في هجر فنزل على عسقلان يوم الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى ~~الأولى وسقاهم من الموت فسبى وسلب وغنم وغلب وجمع من كان معه من الأسارى ~~هناك فضرب منهم الأعناق وسقاهم من الموت الكأس الدهاق, وتفرق الفرق في ~~الأعمال مغيرين ومبيدين ولما رأوا أن الفرنج نايمون خامدون استرسلوا ~~وانبسطوا (189 ب) وناموا وأقاموا وتوسط السلطان البلاد وسلط عليهم البلاء. PageV01P053 # واستقل يوم الجمعة مستهل جمادى الآخرة بالرملة راحلا ليقصد بعض المعاقل ~~فاعترضه نهر عليه تل الصافية فازدحمت على العبور العساكر المتوافية فما ms096 ~~شعروا إلا بالفرنج طالبة بأطلابها حازبة بأحزابها مصحرة, حادرات أسادها في ~~غابها, زايرة بزئيرها في مساعير سعيرها وذلك يوم الجمعة أول الشهر وقد تفرق ~~الجمع وأمن الروع وسرنا والضياع مغبرة ولرحى الحرب عليهم مديرة فوقف الملك ~~المظفر تقي الدين وتلقاهم بصدره, وسبك الرجالة بنيران سيوفه, وصدهم عن ~~الحملات وقوفه ثم حمل على الخيالة بخيله وجرفهم بسيله فاستشهد من أصحابه ~~عدد من الكرام انتقلوا إلى نعيم دار المقام, وهلك من فرسان الفرنج أضعافها. # وكان لتقي الدين ولد يقال له أخمد شاب أول ما طر شاربه وهو في ريعان ~~شبابه الطري فقال له يا ولدي قد جاءت نوبتك فأين سطوتك فأقر عيني بأقدامك ~~وأحسم داء الفزع ببراعتك وحسامك, فحمل وبلغ الطعان وراع تلك الرعان فأردى ~~فارسا وفرسه وصد العدو وحبسه وخرج سالما إلى أبيه يعتقد أن تلك النهضة ~~تكفيه. فقال له: عد يا أحمد فأن العود أحمد وقسا قلبه حتى كان مراده أن ~~يستشهد فقدم الولد طاعة الله وطاعة والده على هوى نفسه وغامر وحشة الروع ~~بأنسه, وأذنت الحملة الثانية بكسوف شمسه فأستشهد. # وكان له ولد آخر اسمه شاهان شاه في الأسر, وسبب ذلك عزته الداعية إلى ~~الاغترار فإنه خدعه بعض مستأمني الفرنج بدمشق وقال له تجي إلى الملك وهو ~~يعطيك الملك, وزور له كتابا واستحضر على لسان بعضهم خطابا فسكن إلى صدقه ~~وصحبه ولم يدر أنه خدعه وسلبه فلما تفرد به شد وثاقه وغله وقيده وضيق خناقه ~~إلى الداوية, وأخذ به مالا وجدد عندهم له حالا وجمالا وبقي في الأسر أكثر ~~من سبع سنين حتى فكه السلطان بمال كثير وأطلق للداوية كل من كان عنده لهم ~~من أسير. قال ولو أن لتقي الدين رداء لأودى القوم وأغلى السوم لكن الناس ~~لما عرفوا الوقعة تفرقوا وراء أثقالهم ثم نجوا برجالهم دون رحالهم, وضربوا ~~مجملتهم على السلطان فثبت ووقف على مقدمته من تخلف. وسمعته يوما يصف تلك ~~النوبة ويقول رأيت فارسا يحث نحوي حصانه وقد صوب إلى مجرى سنانه ومعه آخران ~~قد جعلا ms097 شأنهما شأنه فرأيت من أصحابي خرج كل واحد منهم إلى واحد فبادروه ~~وطعنوه وقد تمكن من قربي فما مكنوه وهم إبراهيم بن قنابر وفضل الفيضي وسويد ~~ابن غشم المصري واتفق بسعادة السلطان أن هؤلاء وأمثالهم من فرسان العسكر ~~وافقوه وما فارقوه ومازال السلطان يسير ويقف حتى لم يبق من ظن أنه يتخلف ~~ودخل الليل وسلك الرمل ولا ماء ولا دليل ولا كثير من الزاد واعلف ولا قليل ~~وتسعفوا السلوك في تلك الرمال والأوغاث والأوعار حتى وصلوا إلى الديار ~~المصرية وأذن ذلك بتلف الدواب وفقد كثير ممن لم يعرف له خبر ولم يظهر له ~~اثر. # وفقد الفقيه ضياء الدين عيسى وأخوه الظهير ومن كان في صحبتهم فضلوا عن الطريق # وكانوا سايرين إلى وراء فأصبحوا بقرب الأعداء فاكتمنوا في مغارة وانتظروا ~~في بلد الإسلام على عمارة فدل عليهم الفرنج من زعم انه يدل بهم فأسروا وما ~~خلص الفقيه عيسى وأخوه إلا بعد سنين بستين أو سبعين ألف دينار وفكاك جماعة ~~من الكفار عندنا من أسار وما اشتدت هذه النوبة بكسرة ولا عدم نصرة وأن ~~النكاية في العدو وبلاده بلغت منتهاها وأدركت كل نفس مؤمنة مشتهاها لكن في ~~الخروج من تلك البلاد تشتت الشمل وتوعر السهل وسلك مع عدم الماء والدليل ~~الرمل, وقبض من ضل به الطريق الأسر والكبل. ومما قدره الله تعالى من أسباب ~~السلامة استظهار الأجل الفاضل في دخوله إلى بلاد الأعداء باستصحاب الأدلاء ~~وأنهم ما كانوا يفارقونه في الغداء والعشاء وينفق عليهم ويقوم بكل ما ~~يحتاجون إليه فلما وقعت الوقعة بدوابه وغلمانه وأصحابه وأثقاله وجماله وثب ~~أصحابه في تلك الرمال والوهاد التلال حتى أخذ خبر السلطان فقصده وفرق ما ~~كان معه من الأزواد على المنقطعين وجمعهم في خدمة السلطان (190أ) أجمعين ~~وكان الناس في مبدأ توجه السلطان ودخول الأجل الفاضل معه إلى البلاد ربما ~~تحدثوا وقالوا لو قعد وتخلف كان أولى فإن الحرب ليست من دأبه. ثم عرف أن ~~السلامة والبركة والنجاة في استصحابه. PageV01P054 # قال: وجاء الخبر إلى القاهرة مع ms098 ناجين فخلع عليهم وأركبوا وأشيع بأن ~~السلطان نصره الله وأن الفرنج خذلهم الله, وأنهم كسروا وغلبوا وركبت لأسمع ~~حديث الناجين وكيف نصر الله المسلمين, وإذا هم يقولون أبشروا فإن السلطان ~~وأهله سالمون وأنهم واصلوا غانمون فقلت ما بشر بسلامته إلا وقد تمت كسرة ~~وماتم سوى بسلامته نصره وكان كما حررته. ولما قرب خرجنا إلى تلقيه ودخل ~~القاهرة يوم الخميس منتصف الشهر ونابت سلامته مناب النصر وسيرنا بها ~~البشاير وأنهضنا ببطاقاتها الطاير لإخراس ألسنة الأراجيف وأبدال التأمين من ~~التخويف, فقد كانت نوبتها هايلة ووقعتها غايلة. # كتاب فاضلي عن السلطان إلى بعض الأمراء يذكر مما دفعه الله في نوبة ~~الرملة من البلاء, نعم الله سبحانه في كل ما تصرفنا عليه توجب أن نصرف إليه ~~شكرنا, وألطافه الجميلة في كل ما يفضي بنا إليه يقتضي أن نبلي في حبها ~~عذرنا. ومكاتبنا إلى الأمير صادرة في يوم الخميس الخامس عشر من جمادى ~~الآخرة عند قفولنا من الغزاة التي صرفنا الله فيها عن الكفار ليبتلي صبرنا. ~~والعساكر المنصورة سالمة بجمهورنا مقسومة نعم الله في الكافة بين آمرها ~~ومأمورها. وقد كانت هذه العساكر جاست خلال ديار الكفار وقاتلت البلاد ~~وأهلها بالسيفين الحديد والنار, وحكمت القتل تحكيما عجل فيه الارتياح إلى ~~أمر الله عن مهلة الأسار واستباحت لهم معاقل وأصابت لهم مقاتل, وشغلت ~~العساكر كسرتها وفيها للعساكر دوما شغل شاغل. # وكانت العدو رامها مستيقظة فلم يطقها وبارزها على باب عسقلان فلم يثنها ~~من غاية ولم يعقها بل ولاها ظهره عجلا وفر تحت الليل وجلا ثم طرقها في حال ~~انبثاث منها وانتشار وشغل بالنهب والاغترار وتباعد من الأطلاب وخفة من ~~رجالها وخلو من الأسلحة التي احتاجت في لباسها إلى أثقالها فقتل من العدو ~~أضعاف المقتولة من المسلمين وكانت البادرة للكافرة والعاقبة كما وعد الله ~~للمتقين, وسلم الله الخلق من المهالك الموحشة والمجاهل المعطشة, والظلم ~~المدهشة والافتراقات التي منها تفلل الجيوش المجيشة حفظا لدينه ونعمة يجب ~~شكرها على كل مسلم وإلا فإن الأعمال موبقة والسيئات موثقة والكثرة أعجبت ~~وأعجلت ms099 والثقة بغير قادر أخجلت. ولم يفقد مع البعد في المسافة والتتبع ~~بالمحافظة فقد الماء في القفز وعدم الأدلاء وكثير من أظهر من أمراء العسكر ~~وأكابرها وأصاغرها إلا نفر قليل أكرمهم الله بالشهادة مقبلين غير مدبرين ~~ومتقدمين غير متأخرين وليس منهم من لاسمه في الأسماء شهرة ولا من يعتقد ~~العدو أن له بقتل مثله كثرة وعدنا فحملنا الضعيف والمنقطع ورفقنا في السير ~~حتى لحق المفترق بالمجتمع والأمير يتلو كتابا على بياض الثغر وذوي هيأته ~~ويستدعي شركتنا في شكر الله الذي هو أيسر واجباته ليسكنوا أن الأمور قايمة ~~والعساكر سالمة والغزوات تتصل ولا تنقطع والطلبات للعدو بإذن الله تسهل ولا ~~تمتنع وراية هذا الدين ترتفع ولا تنخفض, وأنوار هذه الملة تتسع ولا تنتقض. ~~ولا فلت لنا والحمد لله هذه النبوة عزيما ولا أحالت منا عن طلب الكافرين ~~غريما وما عدونا ما قال الله سبحانه (وما زادهم إلا إيمانا وتسليما. # قال: وحيث كانت للملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب في هذه ~~الغزوة اليد البيضاء أنشدته قصيدة في سابع رجب وأولها: # جفون البيض أم بيض الجفون ... وسمر الخط أم هيف الغصون # ألا يا عاذلي دعني وشأني ... وما يجري المدامع من شئوني # فإن صبابتي داء دفين وكم ... أبقي على الداء الدفين # وحايلة الوشاح رأت جمالي ... على هوجاء حايله الوضين # (190 ب) بكت شجوا وأرزمت المطايا ... وهاج أنينها الشاجي أنيني # فلي ولها وللانضاء شجوا حنين ... في حنين في حنين # وقالت ما ظننتك قط تنوي ... مفارقتي لقد ساءت ظنوني # فقلت سراي للعليا وأني ... تخدت لها أمينا من أموني # إلى عمر بن شاهنشاه قصدي ... ثقي بغناي منه وارقبيني # ولست أرى سوى علياك تاجا ... يليق بدر مدحتي الثمين # واهتم السلطان بعد ذلك بإفاضة الجود وتفريق الموجود وانتقاد الناس ~~بالنقود والنسايا الصادقة الوعود وتعويض ما وقف من الدواب ونفق من الغراب ~~حتى حصلوا على أحسن منها وأجود وأحمى وأحمد. PageV01P055 ### ||| ذكر ما في هذه السنة بالشام # قال: وقعت المنافسة بين الحلبيين مدبري الملك الصالح واستولى على أمره ~~ابن ms100 العجمي أبو صالح, وكان مرهوب الشداة مشبوب الشباه مخوف البطش مخشي ~~النهش ولا يلزم طوره ولا يعرف أحد غوره ولا يرض أمرا فوق أمره ولا يريد إلا ~~الاستبداد بخيره وشره. # وكان سعد الدين كمشتكين الخادم مقدم العسكر وأمير المعشر وكبير المحشر ~~وهو صاحب حصن حارم وقد حسده أمثاله من الأمراء لأنه مستقل بالإدارة فسلموا ~~للعدل الاستبداد والتمكين من منافسة كمشتكين فصار يبرئ ويقسط ويرفع ويحط ~~وبرأيه يتسلط وفي المخاوف يتهور ويتورط فقفزت عليه الإسماعيلية في جامع حلب ~~بعد الصلاة وفجعوه في الحياة وشغلوه بمرارة المنون عن المنى الحلوة ~~المشتاة. # ومن بعده انبسط كمشتكين بعد انكماشه, واغتر بوفور ريشه ورياشه, وترك ~~المبالاة بأوشاب الملك وأوباشه فقالوا هو الذي قتل العدل وحسن للإسماعيلية ~~الفتك به والقتل, وحسنوا للملك الصالح وهو صبي وعلموه وهو غبي وقالوا: أنت ~~السلطان ولا حكم إلا لك وقد استكملت الحجر ارفع عنك الحجر وهذا كمشتكين ~~يحتقرك وأنت كثير ويستصغرك وأنت كبير وبالأمس تقلد وزر وزيرك وأشار بالفتك ~~بمشيرك, ومازالوا به حتى بسطوا يده على قبض المذكور وطالبوه بتسليم قلعة ~~حارم وارتكبوا في تعذيبه المحارم فكتب إلى نوابه بها فنبوا وأصروا على ~~الامتناع وأبوا فحملوه ووقفوا به تحت القلعة فلما طال أمه قصر عمره فتركوا ~~رقبته وفكوا رقبته واستبد الصغار بعده بالأمور الكبار وامتنعت القلعة عليه ~~ونزل عليها الفرنج ودافع عليها الكمشتكينية ولزموا في حفظها النخوة والحمية ~~ثم رحل الفرنج عنها بقطيعة بذلها لهم الملك الصالح, ونزل أصحاب كمشتكين ~~عنها وهم رزايا طلايح, وولى بها مملوكا لأبيه يسمى سرخك. ### ||| ذكر نزول الفرنج على حماه يوم الأحد العشرين من جمادى الأولى ورحيلهم عنها بعد أربعة أيام # قال: قد وصل في هذه السنة إلى الساحل من البحر كند كبير يقال له كند ~~أفكنت من اكبر طواغيت الكفر. ونايب السلطان بدمشق أخوه الملك المعظم شمس ~~الدين فخر الدين تورانشاه وقد بذل الفرنج ما آمنت به البلاد من معراتهم ~~وسلمت الغلات من غاراتهم، وهو خايض في أمره وانفاد غايض في بحر ملاذه، ~~واشتغل ms101 كل من الأمراء في ثغره بهزله وجده وبدا للكافر الواصل ضعف العاقل ~~وخلوها من الجند المقاتل ومن جمله شروط هدنة الفرنج إنهم إذا وصل لهم ملك ~~كبير ما لهم في دفعه تدبير إنهم يعاونونه ولا يباينونه ويحالفونه ولا ~~يخالفونه فا ذا عادت الهدنة كما كانت وبحكم هذا الشرط حشدوا الجنود وجندوا ~~الحشود. # ونزلوا على حماه في العشرين من جمادى الأولى وصاحبها شهاب الدين محمود ~~محموم، والملك بمرضه مهموم مغموم. وكان سيف الدين على بن احمد المشطوب ~~بالقرب فدخلها وخرج للحرب، واجتمع إليه رجال الطعن والضرب وجرت ضروب من ~~الحروب، وكاد الفرنج تهجم على البلد فأخرجوهم من الدروب وواصلوا الاشتجار ~~وقطعوا الأشجار، وكشفوا الأسوار وابعدوا (191 أ) في الإنجاد والأغوار، ~~فأعجزهم القدر الغالب وتجمعت على كتبهم الكتايب، وهم في كل يوم يقلون، ~~والمسلون يكثرون ثم سقطت مهابتهم فما صدقوا كيف يرحلون، فكسفت أدبارهم ~~وكسحت آثارهم وكثر قتلهم واسارهم ثم تجمعوا بعد حين ونزلوا على حارم وقالوا ~~رجالها على صاحب حلب عاصية، وهي من نجدة المسلمين قاصية، وصاحبهم قد قتل ~~وهم موتورون فحاصروهم شهرين وجرح أكثر من في الحصن وغلب وهن الوهن. # ثم تسامع الحلبيون برحيلنا من مصر لقصد الشام، وقالوا أول ما يصل صلاح ~~الدين يتسلم حارم فراسلوا الفرنج وارهبوهم وقالوا صلاح الدين واصل فتنازلوا ~~عن النزال بما قرروه من قطيعة المال وعدة من الاسارى فرسان القتال ورحل ~~الفرنج وما انفصلوا عن حارم إلا بعد انفصالنا عن مصر. # وأما الحلبيون فإنهم راسلوا من بقي بحارم، وقد قتل وجرح مقاتلوهم، ولما ~~فرج الله عنهم تركوا في طاعة الله العصيان، وخرجوا، ومضى كل واحد في طريقه ~~(وحصلت القلعة للحلبيين)) . PageV01P056 # قال: وقد مضى ذكر شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي خال السلطان وصهره ~~ومرضه عند نزول الفرنج على حماه وقد مرض أيضا ولده الأمير تكش وهو شاب في ~~ريعان أيامه وعنفوان حسنه وإحسانه فمات يوم الأربعاء سابع جمادى الآخرة ~~ومات شهاب الدين يوم الأحد بعده بثلاثة أيام وانتقلا إلى جوار الواحد الأحد ~~وافق ذلك ms102 وقت وقعة الرملة فأصيب السلطان في الشام بخاله وابن أخته منه وكان ~~هذا شهرا طويلا أورث عويلا وحزنا طويلا، وسلم السلطان إلى القضاء الله ~~وقدره وعلم أن كل صفو مردف بكدره فانفق أموالا استوعبت الآمال، وأعادت بعد ~~الاعوجاج والاعتلال الصحة والاعتدال فشد الرحال وعزم الترحال. ### ||| ذكر الخروج من القاهرة والتوجه إلى بلاد الشام # قال: وخرجنا لقصد الشام من القاهرة يوم السبت السادس والعشرين ورحلنا ~~بالخميس بعد صلاة عيد الفطر يوم الخميس. وكان الخبر قد وصل بان الفرنج حين ~~انفصلوا عن حماه نزلوا على حارم فحث السلطان العزايم سابع الشهر وقطعنا ~~عقبة ليله يوم السبت العاشر واروينا الخوامس والعواشر وهناك على الساحل ~~يحفر الرمل فيخرج الماء العد العذب ويروى منه الركب وتحمله الصحب. وههنا ~~سألني السلطان أن اعمل أبياتا خفيفة لطيفة يكتب بها إلى أخيه بدمشق ~~فارتجلت. # الشوق ابرح ما يكون ... إذا دنا أمد اللقاء # وتزيل أيام التداني ... جور أيام التنائي # العبد يخدم بالسلام ... وبالتحية والدعاء # للسيد الملك العظيم ... ذي الجلالة والعلاء # قال: وكنا سايرين في رفقة من أهل الأدب فعبر بنا مرموق في صورة ملك اسمه ~~شاه ملك فاقترح على لغزفي اسمه فارتجلت. اسم محبوبي سد أسى إذا سقط=الثلث ~~فعكس الكلمة # وإذا قدم ثاني شطره فهو ... سلطان لنا ذو عظمة # عربي عجمي نصفه كله ... معنى لمن قد فهمه # قال: وإنما أوردت هذه اللمعة لأعلم إني في ظعني وإقامتي ما خلوت ممن ~~يقترح زناد قريحتي ويقترح ما ينشره من فضلتي. # قال: وما زلنا نسير حتى وصلنا إلى دمشق يوم السبت الرابع والعشرين من ~~شوال فاستقبلنا أهلها بنعم ذات نوال، وامددنا من فواكهها برخايص وغوال ~~وجددنا العهد يلقيا أصدقائنا من أديب ولبيب وطبيب وأمين وأمير ووال قال: # تذكرت في جلق داركم بمصر ... فيها بعد ما بيننا # وما أتمنى سوى قربكم ... وذلك والله كل المنى # (191ب) كتاب فاضلي إلى السلطان # ورد على الملوك أدام الله أيام المجلس العالي الملكي الناصري ونصره على ~~أعدائه، وملكه أرضه بعدل حكم سمائه، ولا اخلي من نعمتي نظره ms103 وخيره قلوب ~~وعيون أوليائه، واعز الإسلام ورفع عن أهله البلوى بلوائه. الكتب الكريمة ~~التي تسر الناظرين بشعارها الأصفر وتبشر الأولياء إن كانوا غايبين مع الغيب ~~بان خطهم حاضر مع الحضر. # وقد كانت الفترة قد طالت أيامها واستطاعت آلامها، والطرقات التي سبق إلى ~~الأنفس اتهامها (الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن) وأولى من النعمة ما اشترى ~~الحمد عنا بلا ثمن، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ووعده سبحانه منتظر ~~إذ يقول في كتابه (وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا وصدق صلى الله عليه وسلم واله في قوله: أم ~~اختيار الله للمؤمن خير من اختياره، وان مواقع أمله خير منها مواقع امضية ~~الله وأقداره. # فقد كانت حركة احتاجت إليها البلاد التي انفصل عنها, والبلاد التي قدم ~~عليها أما المصرية فبكونها على عدة من نجدته آجلا, وأما الشامية فبكونها ~~على تقدة من نصره عاجلا فقد تماسكت من المسلمين الأرماق وقد انقطعت عن ~~المشركين الأعناق. # تهاب بك البلاد تحل فيها ... ولولا الليث ما خيف العرين # وعرض المملوك جميع ما وصل إليه من مكاتبات المولى على العلم العادلي, ~~فأدركها تحصيلا وأحاط بها جملة وتفصيلا. والمولى خلد الله ملكه فكل ما أشار ~~إليه من عزيمة أبداها ونية أمضاها فهو الصواب الذي أوضح الله مسالكه, ~~والتوفيق الذي قرب الله مداركه ومن أطاع الله أطاعه كل شيء ومن استخاره بين ~~الرشد من الغي فالله يجعله من كل حادثة بنجوة ويكتب أجره في كل حركة ونفس ~~وخطوة. PageV01P057 # ومنه قد كان العدو خذله الله نهض ووصل إلى صدر فوجدها أمنع من عقاب لوح ~~الجو, وعاد متخلف النية مخلف النو وكفى الله أمره وصرف شره. ومنه المملوك ~~ينهى أنه وقف على نسخ الكتب العراقية المباركة وهي دالة على جميل النية, ~~ووقوع الاهتمام بهذا الجانب وحمل إليهم بما يجري له مع الأعداء, والمشاركة ~~المشكورة في (السراء والضراء) وأوهب أن يتلقى هذا ms104 الإحسان بغاية الاعتداد, ~~ويجرد فيه لسان الشكر والاحماد وتوسع القول في أن جميل الآراء الشريفة هو ~~العدة والعمدة والمرجو في الدنيا والآخرة, والعاجلة والآجلة، وتعجل إعادة ~~الرسول فما يكون كلفته إلا واسعة والمطالب بإقامته متشتتة. # ومنه في صفة الرسول ومن يختار للرسالة وشروطها، إن كان ولابد من رسول ~~فيلمح المولى من أمره النزاهة حيث لا يثقل تثقيلا لا ينفعنا، ويستثقل به من ~~نفد إليه، والعقل حتى يعرف ما يأتي ويذر، والصدق فانه لاراى لدرب ~~والاستقلال بالقول فان غيبة الحجة في وقتها خذلان عظيم والمولى يعرف من طلب ~~فما ينبغي إن يقال مع معرفته خذ فلانا ودع فلان ولو أن عندنا عرضا مهما ~~لكان إنهاض الفقيه قطب الدين النيسابوري واجبا لان حرمته كبيرة ومعرفته ~~ثاقبة فلا يعدل عن استشارة ظهير الدين فقد تجرد لقضاء الحق والانصباب إلى ~~هذا الجانب والتشهي بمحبته والخطب في جله. # ومنه في معنى شرف الدين بن عصرون وكان قد كف بصره، وحديث قاض قضاة دمشق ~~لا يعجل في أمره ولا يستبدل به الأبعد ظهور الخيرة فيمن تقدمه فالمنصب كبير ~~وجمع شروط الاختيار عسير وإيلام قلب رجل شارف منتهى عمره مع كونه لم يظهر ~~منه ما يذم من اثر مما لا يحتاج إليه. # ومنه ونوبة العدو في الرملة فقد كانت عثرة علينا ظاهرة، وعلى العدو ~~باطنها ولزمنا ما نسى من اسمها ولزمهم ما بقي من عزمها، ولا دليل أدل على ~~القوة من المسير بعد شهرين من تاريخ وقعتها إلى الشام نخوض بلاد الفرنج ~~بالقوافل الثقيلة والحشود الكثيرة، والذي تضمنه صاحب منبج عن الحلبيين ~~والمواصلة فما هو إلا ظن توهمه اون نقلة ناقل يجب أن يتفهمه فأي سبب يحمل ~~قوما افردتهم الأيام بلذاتهم، وقام المولى بينهم وبين أهل معاداتهم يسهر ~~وهم ضاجعون ويتعب وهم وادعون، ثم إنهم قد جربوا ولدغوا وطلبوا فما بلغوا ما ~~هو عنها بالحديث المرجم. # عاد الحديث قال: لما دخلنا دمشق وجدنا رسل دار الخلافة قد وصلوا بأسباب ~~العاطفة والرأفة، وكان حينئذ صاحب المخزن ظهير الدين ms105 (182أ) أبو بكر منصور ~~بن نصر العطار وهو من ذوي الأخطار وله التحكم في الإيراد والإصدار وقد توفر ~~على محبة السلطان وتربية رجائه، وتلبية دعائه فوصل كتابه ورسوله بكل ما سر ~~السرير، وكان الكتاب بخطه واقترح على السلطان أبياتا يكتبها في كتاب إليه ~~بخط فقلت ما ضمنه الكتاب وهو: # وأفاض في شكر العوافر عارفا ... بقصور باع الشكر عن نعمائه # وتأمل الخط الكريم فأشرقت ... أنوار حسن من أثنائه # أضحى ظهير الدين أفضل صاحب ... يستمسك الداجي بصدق ولائه # مكاتبه فاضلية في التهنئة بمولود. الملوك يبل الأرض بالمقام العالي ~~الناصري، نصر الله الإسلام بمقامه واهلك أعداء الحق بانتقامه ويهنىء المولى ~~بنعمة الله عنده وعند الإسلام وأهله من زيادة في ولده وكثرة في عدد وهو ~~الأمير أبو سليمان داود أنشاه الله نشوة صالحي خلقه، وجعله كما جعل أباه من ~~أنصار حقه، وكانت ولادته في الساعة الرابعة من ليلة الأحد لسبع بقين من ذي ~~القعدة ومن الله بكمال خلقه ووسامة وجهه وسلامة أعضائه وتهلل عزته وابتسام ~~أسرته ودل على أن هذا البيت الكريم فلك الإسلام لا يطلع فيه إلا بدر البدور ~~كما دل على عناية ربه بابيه فانه تعالى قال: " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن ~~يشاء الذكور". # وهذا الولد المبارك هو الموفى لاثني عشر ولدا بل لاثني عشر نجما توقد فقد ~~زاد الله في أنجمه عن أنجم يوسف عليه السلام نجما ورآهم المولى يقظة ورأى ~~هو تلك الأنجم حلما ورآهم ساجدين له ورأينا الخلق له سجودا وهو سبحانه قادر ~~على أن يزيد حدود المولى حتى نراهم آباء وجدودا. PageV01P058 # ومن كتاب فاضلي آخر. أدام الله دولة مولانا الناصر وخصه بتشييد بناء ~~السلطان ولا أخلى منه عيون الأولياء فأما القلوب فإنه لها ساكن وأنها له ~~أوطان, وأوزعه أن يشكر ما به من نعمة وألهمه أن يخلف محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بأحسن الخلافة في أمته, وحفظ عليه كل عمل, بيده قاضيته, ولقاء كل خير ~~بيده ناصيته: # وإن أكثر الداعون فيما دعوا له ... فلا تلحين من بات ms106 يدعو لنفسه # كتبت هذه الخدمة بعد انقضاء عيد النحر على ما شرع فيه من سنة واستحب من ~~قربه وعلى نيابة المولى الملك العادل أوفى نيابه وعلى هذا فإن الخلق لغيبة ~~المولى. # تراهم كبيت غير الكسر وزنه ... فألفاظه نثر ومعناه قايم # * * # دنا العيد أو تدنوا كعبة المنى ... وركن المعالي من ذوابة يعرب # فيا عجبا للدمع يرمى جماره ... ويا بعد ما بيني وبين المحصب # كتب المولى عند المملوك كالجنة التي قال الله تعالى واصفا لها: " وفيها ~~ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون " وإن لم يخلد المملوك ~~فيها جسما فقد خلده الفخر فيها اسما ونعمة المولى بها وبخيرها تجل عن ~~الوصف. # وما عمت لساني كل عن صفة ... وما علمت إلا فوق ما أصف # والله ما يهيج البروق اللامعة, والحمايم الساجعة والنسيم في الأصال ~~والخواطر إذا خطر بها أيام الوصال ما يهيج هذه الكتب وأنها لتلفح من سحب ~~العيون ما تلفحه مراقات السحب وبالجملة كل دم حقنة المولى لجهاده قد أجراه ~~دمعا وذكر المولى أنشودة وأنها ربما كانت للقاء ميعادا: # متى أن يكن حقا أحسن المنى ... يابرد ذاك الذي قالت على كبدي # فسوغوني المنى حتى أعيش بها # وقد ينعش الفتى بعد عثرة ... ويصطنع الحسنى سراة بني عجل # * * * # سقى الله دارا شوقتك بغيرها ... وأذنتك نحوي يا زياد بن عامر # أصايل قرب ارتجي أن أنالها ... بلقياك قد زحزحن برد الهواجر # * * * والمملوك الآن يعالج من الأشواق غريمين كريمين غريم ينزع به إلى ~~كعبة الحزم وغريم يرجع به إلى كعبة الأمم. # لو سرت من ذا إلى هذا وكيف به ما=ما سرت من حرم إلا إلى حرم وحديث ما ~~يلزم الخزانة من المغارم فقد قال أحد وزراء الرشيد له وقد أراد سفرا إلى ~~إحدى غزواته يا أمير المؤمنين تكثر الكلف قال ومتى قلت: (192 ب) # لا يستقر بكفه أمواله ... فكأنما هي عابرات سبيل # وما ضاع ورث الحمد أهله. ومنه المولى أولاد صاروا رجالا ويجب أن يستنجد ~~للقلاع رجالا كما فعل السابقون أعمارا وأعمالا, وقيل القلاع أنوف من ms107 حملها ~~شمخ بها ما في الرجال على النساء أمين. # وزهدني في الناس معرفتي ... وطول اختياري صاحب بعد صاحب # ولا كنت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلا إحدى النوايب # ومنه عز الدين أقبوري يطول المولى عنان صبره, ويودعه بلطف خلقه وتحمل ~~جفوة ظاهرة, مع السلم بسلامة باطنه, ومن كان يخص أيادي الموت عنده تسفيره ~~بستة آلاف دينار فلا بد من احتماله لتناسب أسباب المعروف عنده ومنه من ~~أبيات في ذكر السلام وتبليغه إلى ولده الملك العزيز عثمان: # وغريبة قد جئت فيها أولا ... ومن اقتفاها كان بعدي الثاني # فرسولي السلطان في إيصالها ... والناس رسلهم إلى السلطان PageV01P059 # ومن إجابة السلطان عن بعض الكتب الفاضلية بالإنشاء العمادي. وردت ~~المكاتبات الكريمة الصادرة عن الحضرة السامية الأجلية الفاضلية ضاعف الله ~~سمو ظلالها ونمو أفضالها وبلوغ آمالها وسبوغ ظلالها مؤرخات بثالث عشر شوال ~~ورابع عشر ومنتصفه نظام سطر الطرس وظلام ديجور النفس في صدفة وسدنة متضمنات ~~شكر ما من الله به من سلف الإحسان مبشرا بما أعده لنا من مونيقة مهديات ~~للنصائح الفصايح, فأضاءت بطلوعهن مطالع المطالب عن سنا النجح, ووصلت مناهج ~~المسار ومباهج المبار سافرة الوجه مسفرة الصبح وتضاعف من الأنس بمطالعة ~~الكتب الوحشة لما ينوب من مشاهدة طلعة القرب. فأما ما أنهاه المجلس السامي ~~بعد رحيلنا من بزاعة المقيم فإنه شرح ما تجدد لنا بغيته, وأوضح طرفا مما ~~وجدناه من الوجد عند عدم الاستيناس بكريم حضرته أحاط علم الكريم بأن اليمن ~~مقرون بحضوره وأن استقامة الملك في أموره بحسن تدبيره ولولا متابعة إرادته ~~ومطاوعة بغيته لما سمعنا على الكرة بغيته, ولكننا ضننا به لكننا ظننا أنه ~~يجد من ذلك التعب الدايم راحة ويكون حمام موارد الإحجام له مستباحة ~~مستماحة. إني والمملكة بارئه وآلائه متسقة العقود, مشرقة السعود, فايزة ~~العهود, ناجزة الوعود لا زالت أقلامه لمقاصد النجاح محررة وأحكامه لقواعد ~~الصلاح مقررة والأيام بميامنه المباكرة مباكرة والممالك لمشاركة تدبيراته ~~المشكورة مشاركة. # ومنها وتلقينا رسل الخلافة المعظمة بألطاف البشرى وأصناف اليسرى والرسالة ~~المباركة مشتملة على ثلاثة فصول ms108 ضامنة لإجابة كل سؤال وإصابة كل سؤل. # فأول الفصول إظهار الاغتمام بما جرى من نبوة تلك النوبة, وثانيها عرض ~~المال والرجال الذين بهما مال الرجا إلى دار الحظوة, وثالثها قبول الشفاعة ~~في عز الدين أقبوري والاعتداد بها وعدها من المنن الحلوة والمنح الصفوة. # عاد الحديث قال: وخرج السلطان للصيد في ذي الحجة نحو قارا فشكوت ضرسي ~~وعدمت أنسي, واتفق رجوع عز الدين فرخشاه لحمى عزته ورجعت معه أحاضره ~~وأسامره ليلا ونهارا وأجتني من رياض أخلاقه المونقة أزهارا فأنشدني بيتي ~~المتنبي: # وزايرة كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام # إذ ما فارقتني غلتي ... كأن عاكفان على حرام # فقال: وحماتي بالصد منها فإنها لا تزور إلا نهارا ولا تهجم إلا جهارا ولا ~~بفرقتي يفرق ولا أخلص من نارها بعرق فنظمت فيه كلمة طويلة في صفة الحمى. ~~(193 أ) # وزايرة وليس بها حياء ... فليس تزور إلا في النهار # ولو عرفت لظي سطوات عزمي ... لكانت من سطاي على حذار # أحماك استعارت لفح نار ... لعزمك لم تزل ذات استعار # وما أحمى مزاجك غير لطف ... ليوقد ناره عند الغوار # ولفح العارض السارى دليل ... من الغيث الملث على انهمار # وما إن حم ليث الغاب إلا ... لخلقك سالب لب العقار ### ||| ذكر استشهاد عضد الدين وزير الخليفة في العاشر من ذي القعدة في هذه السنة # قال: ولما صفى للوزير عضد الدين أبي الفرج بن المظفر رئيس الرؤساء موارد ~~النعماء، وامن من صروف الدهر نوايب الاعتداء تفرد بشغله وفاض عدله وفيض ~~فضله واستكمل الري من نهله وعله، وتغاشت أبضار الملوك عن الصعود إلى محلة. ~~وذهل وغفل والخطب غير فأفل وعزم على الحج لأداء فرضة وارتقى بحركته إلى ~~سمائه وقد قرب سكوته تحت أرضه وكان من أمره فيما باح القضاء بسره انه سير ~~الأثقال وقدم الرجال، وحسب الأرزاق ولم يحسب الآجال وخرج في موكب تعنوا له ~~وجوه نجوم الأملاك وتخبوا لشمسه نجوم الأفلاك وهو يتجلى في بهو جلاله وهو ~~حليته حالته كالبدر في هالته. وأمر أن لا يحجب عنه مظلوم ms109 ولا يمنع عنه ~~مهضوم ولا يبعد ذو غصة ولا رافع قصة. فانه قد خرج من بيته إلى الله مهاجرا ~~وإلى بيته الحرام سايرا فوقف له في مضيق غربي دجلة كهل فيه جرأة وكفر وجهل، ~~وفي يده قصة عليها يتحدث وبها يتغوث وهو يصرخ ويقول لا اسلم قصتي من يدي ~~إلا إلى يد مولانا الوزير فهو كهف المضيم، ومويل المستجير. فقال: دعوه ولا ~~تمنعوه فاوما ليوصل قصته فانتهز فرصته وقرب نحوه وضربه بمدية وهتك حجاب ~~روحه وغادره لقي بجرحه. PageV01P060 # وبدر كمال الدين أبو الفضل بن الوزير فقتل قاتل أبيه بسيفه وكان مع ذلك ~~الجاهل رفيقان فخرجا ومعهما سكينان فجرح أحدهما صاحب الباب بموافقة الوزير ~~في شهادة الوفاة فعثا الملاحدة وقطعوهم واحرقوهم قبل دخولهم النار بالنيران ~~وختم الله للوزير بالشهادة وفاز في عليين بالشهادة فاستقل ظهير الدين أبو ~~بكر منصور بن نصر العطار صاحب المخزن بالدولة وكان لسلطاننا ظهيرا، وللملك ~~الناصر نصيرا وكان الرسل قد مضوا إلى الوزير فلم يصادفوه وتولى ظهير الدين ~~أمرهم فألفوه في الاعتناء بالأمر كما ألفوه. وكان المندوب في الرسالة ~~القاضي ضياء الدين الشهرزوري فانه كان يترشح وبادريتها يتوشح ورأى السلطان ~~فيه يترجح فتعين للرسالة وسار بقوة القلب والبسالة فلقي من ظهير الدين ما ~~دنا به من الظهور وحصل منه على الوفر الموفور والعرف المشكور واقتضت المهام ~~مقامه هناك عدة من الشهور، وكانت من الأنعام الامامى وظيفة داره، ومبرته به ~~وبمن معه باره. وكانت ميماومته بالدنانير الأمامية تبلغ العشرين فازا انقضى ~~الشهر تضاعف مائين وذلك سوى وظايف الطعام والعلوفة والأغنام وسوى التحف ~~والهدايا والتشريفات وما وصله من الصلات سفر به وشرف من نقود النفقات كان ~~السلطان قد نفذ معه على عادة انفاذه كل سنة إلى أعيان العراق وأمثاله ~~واكارمه وأفاضله والعلماء والشعراء والمتصوفة من الفقراء عطايا وهدايا ~~وخلعا وتشريفات وسنايا. وربما بلغ المبلغ الوفا يسري بها إلى ذوي المعروف ~~معروفا. ### ||| ذكرى مكرمة ههنا # قال: جئت إلى الصفا بن القابض المتولي والخازن وقلت له أطلعني على أسماء ~~الذين سيرتم ms110 إليهم العطايا على يد الرسول فتلقى قوله بالقبول فلما تأملت ~~الدستور فقدت له: ههنا خمسة أسماء جماعة من الأصدقاء قد أهملت في العطايا ~~فقلت له: ههنا خمسة أسماء لم يجر ذكر (193 ب) ويغتنم لهم حمد ودعاء وشكر ~~فقال: كم نصيبهم فقلت مبلغ مائتي دينار فلم يقابل قولي بإنكار فوزنها وحدها ~~وسلمها إلى عدنان النجاب وقال: الحق بها الرسول وخذ منه بها الوصول. فقلت ~~له هلا استأذنت السلطان فقال قولك المقبول والسلطان لا يقول في هذا ما لا ~~تقول. ### |||| فصل من إنشاء الفاضل في مطالعة إلى السلطان # النوبة الحادثة للوزير عضد الدين نوبة # نابية راجعة فاجعة واعظة رادعة " وما ربك بظلام للعبيد" فقد كان عفى الله ~~عنه قتل ولدي الوزير ابن هبيرة رحمه الله وأزهق أنفسهما وجماعة لا يحصى. # من ير يوما يريه والدهر لا يغتر به # وهو من ذرية لم تزل قاتلة مقتولة وما زالت السيوف عليها ومنها مسلولة فهم ~~في هذه الحادثة المسمعة المصمة كما قال: دريد أبى القتل إلا آل صمة ~~والأبيات المولى يحفظها وهي في الحماسة ومنها: # أبى القتل إلا آل صمة أنهم ... أبوا غيره والغدر يجري إلى القدر # قسمنا بذلك الدهر شطرين ... بيننا فما ينقضي إلا ونحن على شطر # وقد ختمت له السعادة بما ختمت به له الشهادة لا سيما وهو خارج من بيته ~~إلى بيت الله قال سبحانه " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ". # أن المساءة قد تسر وربما ... كان السرور بما كرهت جديرا # أن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان الوزيرا # هذان البيتان قالهما شاعر في أيام السفاح أبى العباس أول خلفاء بني عباس ~~في وزيره أبى سلمى بن الخلال، وكان دعامة دولتهم وقام دعوتهم ولذلك قصة ~~طويلة. ### ||| ذكر عز الدين اقبورى وعوده # قال: قد سبق ذكر الأمير عز الدين اقبورى بن ارغش وانه في نوبة قطب الدين ~~قايماز خرج وخلى ببغداد من أمواله وذحايره القناطر المقنطرة فاعتنى به ~~السلطان وكرر ms111 الشفعة في حقه ورد سناه من رضاء الديوان العزيز إلى افقه، ~~وسفره بأمواله وسيره بإجلال، وسمع في طريقه باستشهاد الوزير فجبنت نفسه ~~وزال بالعودة إلى بغداد انسه فلما وصل كتابه اخلف في أمره حسابه. # من كتاب فاضلي في معناه. وما للمماليك حاصل الاهتمام به واستثبات النظر ~~في أمره أمر الأمير عز الدين اقبوري وعودته وضعف نفسه وكان سبيله أن يتوكل ~~ويقدم فان ذمة المولى ما كانت تخفر فيه والقاتم الآن مقام الماضي صاحب غير ~~متهم المودة وبالجملة المخاطر كثير الخواطر ومالي غير هذا الرأس رأس. PageV01P061 # ولقد ضربنا في البلاد فلم بجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب # فاصبر لعادتنا التي عودتنا ... أولا فأرشدنا إلى من نذهب # وقال: # فلو كنت تحصى ما وهبت من الندى ... تبينت ما تجنى عليك المكارم # قال: ولما وصل الرسول إلى الموصل بلغه استشهاد الوزير فتوقف ووافق وصوله ~~إليها وفاة ابن عمه القاضي عماد الدين احمد بن القاضي كمال الدين ~~الشهرزوري. ### |||| فصل من كتاب فاضلي # في ذلك كله مكاتبة ضياء الشهرزوري بالإتمام لطيته والنفوذ لوجهته # صواب، وعلم أيضا وفاة ابن عمه فسبحان من قارب بين الخلق في الأرزاق ~~والآجال. # يدلى ابن عشرين في قبره ... وتسعون صاحبها راتع # اغتبط الولد مع نضا ... رة الشباب المقتبل # وعمر الوالد مع ذبو ... ل المشيب المشتمل # ليعلم أن الشباب ليس بمسلم ... وان الشباب الغض ليس بمانع # وليكون العبد حذرا من نعيات الآجال في كل الأحوال، والله تعالى يطيل ~~للمولى العمر كما أطال له في القدر ويسمع منه ولا فيه ويبقيه سندا للدين ~~الحنيفي فان بقاءه يكفيه. ### ||| (194أ) ذكر الأمير شمس الدين بن المقدم # قد سبق ذكره وانه من أكابر الأمراء المقدمين وله سوابق وموات وشوافع ~~وحرمات، وهو السابق إلى مكاتبة السلطان في تصويب رأيه إلى الوصول إلى الشام ~~وتدارك أمر الإسلام، وان السلطان لما تسلم قلعة بعلبك انعم بها عليه فأقام ~~بها مستقرا، ولما وصلنا في هذه نوبة إلى الشام لم يحضر كما جرت العادة ~~للخدمة والسلام فانه انتهى إليه أن الملك المعظم ms112 شمس الدولة طلبها من أخيه ~~وانه لا يمكنه الرد في نحر مباغيه وعلم انه إذا احضر حظر عليه العود وكوتب ~~مرارا سرا وجهارا فأبى إلا الإباء وشارف السلطان منه ومن أخيه الحياء، ومكث ~~طويلا عسى إن يجمع بين القلوب ويدفع ما لزم من الخطوب وهو في ذلك يستعين ~~بالله في هدايته إلى الصواب. وفي هذه السنة اربعنا عن مخيم السلطان بتل ~~حارم من الشعراء ونزلنا منها بالعراء والعشب واص والخطب قاص والزمان غير ~~عاص، ونجح الآمال غير متعاص والمرعى مريع وشمل المسار جميع ولله في الإحسان ~~إلينا صنيع نصيع وروض لنا وسيع وشيع. ### || ودخلت سنة أربع وسبعين # والسلطان في أمر بعلبك مفكر, والرسل بينهما إلينا رايح أو مبكر وشمس ~~الدولة أخوه لا يقبل عذرا ولا يرى عما طلبه صبرا, وكانت سلطنة الشام له ~~فلما وصل السلطان أخذت عقوده في الانحلال وأموره في الاختلال فأراد موضعا ~~ينفرد بحكمه, ويجري فيه من طيب عيشه على رسمه فلم يتعين له سوى بعلبك ~~فطلبها والسلطان يريد أن يحفظ قلب ابن المقدم فكلما رفق به عنف, وكلما ~~أستأنف معه لاستمالته عزف فما زالت الموارد الصافية تتكدر والضماير السهلة ~~تتوعر حتى استأذن الملك المعظم في التوجه إلى بعلبك فأذن له وعقد بها أمله ~~وقصر على تسلمه عمله. وتوجه عز الدين فرخشاه إلى حوران لحفظ الثغور ورعاية ~~الجمهور وسرنا إلى حمص ونزلنا على العاصي لاستدناء الآمال القواصي العواصي. ### ||| فصول من كتب فاضلية وردت في أوايل هذه السنة. ### |||| فصل له من كتاب # فأما المتحصن بقلعة بعلبك فقد ضرب بينه وبين السعاد بحجاب, وصرف عن باب ~~الخير وهو باب مولانا الذي ما بعده سوى لله باب وقد خدعه الرأي الذي تبعه ~~وولاه النظر الذي دله. ولو هدى لصوابه ووفق لرشاده فتحت له أبواب الإنابة ~~ومهدت لدعائه أسباب الإجابة قبل أن يحق عليه الكلمة وتشتد عليه حدب الحكمة, ~~وتخبطه الأرجل خبط السلمة. ### |||| فصل آخر من كتاب آخر في المشورة والفكر # المملوك يقول: إن كثرة الشك محاماة عن اليقين المعتقد, وكثرة ms113 أمن من تطرق ~~الرأي المستنقد وأنه لا تنال الزبدة إلا بالمخض ولا يتأكد الإبرام إلا بعد ~~النقض, وإذا تكرر صقل السيف كان التكرار أظهر لجوهره, وإذا تكرر سقي الغصن ~~كان أخرج لثمره ولاسيما وكل أمر ابتدأ به المولى واستدركه ونهى عنه ثم أمر ~~به لم يفت منه فايت ولا خرج عن اليد منه خارج. ### |||| فصل آخر PageV01P062 # لاشك أن المولى تغرق الجبال في بحره, وتضيق العظايم في سعة صدره, وهذه ~~عادة الخواطر والله سبحانه قد أشرك بين الخلق فيها ولكنه عند الصواب أفرده. ~~والملك فيما يرد عليه منها بمثابة الشجرة فيما يرد عليها من مائها ما يتنقى ~~صفوه تستسيغه فينبو عن قذاه فتمجه وتلفظه. ومن أمثال العرب رب عجلة تهب ~~ريثا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا ~~كان الخرق في شيء إلا شأنه ". ولعمر والله أن الفرص إذا لاحت لا يحمد الرفق ~~فيها وإنما يحمد إلى أن يلوح مضاربها ويحمد مطالبها. والله تعالى يقدر ~~المولى على نيل أعراضه ويسدد سهمه لطابقة أغراضه. ### |||| فصل آخر # المولى عفيف إلا أن نوابه والمشارف مأمون إلا أن كتابه إلا أنه غير ~~متصرف. # ولكل شرع آفة موجودة ... نور السراج على سراه يدخن # فصل آخر # وأما سور القاهرة فعلى ما أمر به المولى شرع فيه والله يعمر المولى إلى ~~يراه مستديرا على البلدين, وسورا بل سوارا يكون به الإسلام محلى اليدين ~~محلا الضدين والأمير بهاء الدين قراقوش ملازم الاستحثاث بنفسه ورجاله لازم ~~لما يعينه بخلاف أمثاله قليل الثقيل مع حمله لأعباء التدبير وأثقاله. ### |||| فصل آخر في حق نقل القضاء # (194 ب) من شرف الدين إلى ابنيه. أما ما أورده المولى دفعة وثانية في ~~معنى الحكم بدمشق فالمولى متوقف في مقاما لتوقف متردد في مكان التردد ولن ~~يخلو الأمر من قسمين والله يختار للمولى خير الأقسام. أما إبقاء الأمر باسم ~~الوالد بحيث يبقى رأيه ومشاورته وفتياه ويتولى النيابة ولداه ويشترط عليهما ~~المجازاة لأقل زلة وترك الإقالة لأقل عثرة فطالما بعث ms114 حب المنافسة الراجحة ~~على اكتساب الأخلاق الصالحة وأما أن يفوض إلى الإمام قطب الدين فهو بقية ~~المشايخ وصدر الأصحاب ولا يجوز أن يتقدم عليه في بلد إلا من هو أرفع طبقة ~~في العلم منه. ### |||| فصل آخر من كتاب في معنى أخيه شمس الدولة # وأما المولى المعظم وما قام به من المغارم الجليلة وحمله من التكاليف ~~الثقيلة فالمولى لا يحاسبه فيما يعطيه فإنه إذا أعطاه فقد جعله واسطة بينه ~~وبين سليليه. وقد كان معاوية أجاز عبد الله بن جعفر بعشرة آلاف ألف درهم ~~فقيل له فيها واستكثرت فقال: إنما أعطيت بني هاشم وبني أمية وأهل الحرمين ~~فلم يعد عبد الله إلى بيته إلا بعد أن تحمل خمسة آلاف درهم دينا والدين داء ~~يصيب إكرام ويسلم منه اللثام ولو كان ما يفعله المولى المعظم فعل صديق لوجب ~~أن يفدى بالحداق فكيف فعل أخ لا يجري المماليك مجراه في التوفيق والوفاق. ### |||| فصل في ذم ملء دمشق # عرف المملوك من الكتب الواصلة التياث المولى الأمير عثمان والحقير مما ~~ينال ذلك الجسم الكريم يؤثر في قلوب الأولياء الأثر العظيم وقليل قذاة ~~العين غير قليل وماذا يقول في بلد لو صحت الحمية من مائة لكانت أكثر من ~~أسباب صحة المحتمى وشفائه فإنه ماء يوكل وبقية الأمواه تشرب ويجد وخامته من ~~ينصف ولا يتعصب ونرجو بكون هذا المولى قد أمسك عن الفاكهة الدمشقية التي لا ~~يخفى كثرة فضلاتها وعن أكل اللحوم المجلوبة التي نقلها سير الطريق إلى شر ~~حالاتها. ### |||| فصل آخر # والعرب جنس كالحنظل كلما زيد سقيا بالماء العذب أفرطت مرارة ثمره وعزت ~~نضارة خضرته. ### |||| فصل آخر # وأما الحديث ملك النوبة فإنه من أن يسخى بحجر لنباحه أو يشمر عن ساق لخوض ~~ضحضاحه ولو أن شرارة من زند العزم أو ريشة من ريش السهم هتفت إليه لذاق ~~وبال أمره وعرف بقدر وجهه الذي هو أشد سوادا من قدره. # ومنه إذا وصلت من المولى رفقة نجابين فكأنهما عسكر نجدة قد بشرت وإذا فض ~~منها كتب فكأنها الوية فتح ms115 قد نشرت ورسله وكتبه بالإضافة إلى شغله, ومهماته ~~كثيرة ولكنها بالإضافة إلى تطلعنا وتشوقنا قليلة. # وما استكثرت في اليوم منها ألفها ... وواحدها في الحول منك كثير # وكتاب المولى إلى المملوك مزينة سماؤه من حروف خطه بمصابحها, ومفتوحة له ~~أبواب السعادة من أسطره بمفاتيحها. # فلا عدمت عيناي كاتبه الذي ... له الفضل مكتوبا إليه وكاتبا # صبحت به والله أعظم نعمة ... فلا زال مصحوبا ولا زالت صاحبا PageV01P063 ### |||| فصل آخر في معنى إزالة المنكرات # أما المأمور في معنى المنكرات الظاهرة وإزالة # أسبابها وغلق أبوابها وتحصين كل مهتوكة من عصمة وتطهير كل موصومة فالله ~~يثيب المولى ثواب من غضب ليرضيه بغضبه وحمل الخلق على منهاج شرعه وأدبه. ~~وقد أستدعى الملك العادل أحد الواليين وسلم إليه ما كوتب به من مولانا ~~وأسمعه الأنكار العنيف. وأشار المخاطب إلى جهات تحمي بيوت المنكرات. فقال ~~لو استقام العود لما إعوج ظله ولو تنتهي أنت لانتهى غيرك, ولكنك ملجم عن ~~أنكارها لأنك شريك فيه وأجيب إلى أن يرتب من الأصحاب العادلية من يغلق ~~مواضع الخنا ويحجر على فواسد النسا. وما وقفت خواطر العصيان عند الزنا إلا ~~أن زادت مصحفة وهو الربا فلا حول ولا قوة إلا بالله من محارم فيه منتهكة, ~~وكاسب قد نزع الله منها البركة, ومروات قد سقطت ووجوه قد توقحت وأموال قد ~~تحرمت وشريعة منه قد خولفت نشكو إلى الله دنيا لا نحن نتركها ولا نحن ~~ندركها. # غدارة بالناس غرارة قريبة العرس من المأتم (195 أ) وليس لحوادثها ~~ونوايبها قرن إلا التقوى والله المسئول أن يوفر منها حظ المولى وأما فلان ~~فإنه بطل كثير السر والحيلة والمال والرجال فلا يحتقرنه وبعد أن أيقظه فلا ~~ينم عنه والحيلة في بعض الأوقات ترجح على القوة على أن الساعي مخذول ومن سل ~~سيف بغي فهو عما قليل به مقتول وواجب أن يظهر العذر. # فما أحسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من ساير الناس عاذر # وإذا اقترن بكل مل يريده المولى حسن النية كانت العاقبة للتقوى على أن ~~المولى ظاهر ms116 عذره والمشار إليه ظاهر ذنبه ومكره, قال الله سبحانه وتعالى في ~~مثل المولى " ولمن انتصر بعد ظلم فأولئك ما عليهم من سبيل " وقال حاله مثل ~~حاله: "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله" ورب سبيل بدؤه مطير ونعم السبيل ~~إلى الخير نية الخير قال: وإنما أوردت الفصول الفاضلية لأن في كل فصل منها ~~ذكر سيرة وفيها فوايد كثيرة وبواعث للخواطر مشيرة, وفيها أحاديث وأعاجيب ~~الاوهات والدمايث. ### ||| ذكر ما أسقطه السلطان من المكوس بمكة شرفها الله # قال: كان الرسم بمكة أن يؤخذ من حاج المغرب على عدد الرؤوس ما ينسب إلى ~~الضرائب والمكوس فإذا وصل حاج حبس حتى يؤدي مكسه ويفك بما يطلبونه نفسه ~~وإذا كان فقيرا يحبس وتفوته الوقفة بعرفة. فقال السلطان نريد أن نعوض أمير ~~مكة عن هذا المكس بمال ونغنيه عنه بنوال وإن أعطيناه ضياعا استوعبها ~~ارتفاعا وانتفاعا ولا يكون لأهل مكة فيها نصيب فقرر أن يحمل إليه في كل سنة ~~مبلغ ثمانية آلاف أردب قمح يحمل في جلابها إلى ساحل جدة ويهدي بها إلى أهل ~~الحجاز وجدة فإن الأمير بها يحتاج إلى بيعها للانتفاع بأثمانها وأهل ~~الحرمين يثقون من الدولة بدوام إحسانها وقرر أيضا حمل جلاب الغلات إلى ~~المجاورين والفقراء بها من الشرفاء فسقطت المكوس واغتبطت النفوس واستمرت ~~النعمة ومر البؤس وذلك في سنة اثنتين وسبعين. ### |||| فصل من كتاب فاضلي في المغنى # ومن البشاير التي عهد لملك من ملوك الديار المصرية # بالحصول على فخرها وأجرها انقطاع المكاسين عن جدة وعن بقية السواحل ويكفي ~~أن تمام هذه المثوبة موجب للاستطاعة مقيما لحجة الله في الحج فقد كانت ~~الفتيا على سقوطه مع وجود الحامل ووصلت كتب من مكة تضمنت أن القمح ويبه ~~وربع بدينار مصري وأن الغني في شدة وأن الفقير هالك وأن هذه الجلاب بمشيئة ~~الله قدرة من قدره " يحيي العظام وهي رميم " وفرج عظيم انتهى إلى البلاد ~~بعد أن تناهى الكرب العظيم والله تعالى يفرج عن أهل دينه ضايقات الكروب ~~ويفك عن أهله حيرة حلقات الكروب قال واستمر ms117 مقامنا بالمخيم بظاهر حمص ~~والسلطان يصمم العزم للجهاد ويجد الحرص قال ### ||| ذكر الحوادث في هذه السنة ونحن بحمص # ومنها وفاة المهذب أبي الحسن علي بن عيسى المغروف بابن النقاش البغدادي ~~بدمشق في المحرم. PageV01P064 # قال: وأكن المهذب كنعته مهذبا ومن الملوك لنفرده بفضله مقربا وهو في وقته ~~مبرز ولملك الشام بمحاسنه مطرز ومنها وفاة نجم الدين بن مصال في الثامن عشر ~~من جمادى الأولى وقد جاءنا نعيه ونحن بحمص فزاد اغتمام السلطان برزئه حتى ~~جاز حده وجلس في بيت الخشب مستوحشا وحده وقال: لا يخلف الدهر لي مثله صديقا ~~بعده وأجرى ما كان له جميعه لولده وحفظ عهده وكان لجماعة من الأعيان ~~والشعراء والأدباء بعنايته من السلطان رزق فأباه عليهم كأنه عليه حق مستحق ~~ومن جملتهم رجل من أولاد أبي حصينة فلما توفى المذكور قصدني فقلت للسلطان ~~لو أن نجم الدين بن مصال كان حيا وشفع إليك في رزق مستحق أما كنت تقبله ~~فقال بلى فقلت فاقبل شفاعته وهو في دار البلى ثم ذكرت له ابن أبي حصينة ~~وصداقته النجمية فضاعف أدراه واذهب عنه إقتاره. ### ||| ذكر الظفر بخيل ورجل للفرنج أغارت على بلد حماه في العشر الأول من شهر ربيع الأول # (195ب) قال: وكان متولى عسكر حماه الأمير ناصر الدين منكورس ابن الأمير ~~خمارتكين صاحب حصن بو قبيس، وكانت طايفة من الفرنج ومن انضم إليهم من ذوبان ~~الكفر قد ألهبوا الأعمال بنارهم وألهبوها بغوارهم. ولكم أغاروا على غرة ~~وامتاروا مرة بعد مرة. # وكانت لحماه مع ناصر الدين عدة معدودة لا تبلغ مائة فعرف القوم أن أعمال ~~حماه شاغرة فنهضوا في جمع جم فخرج إليهم ناصر الدين في عدته وعدته وتوكل ~~على الله في نصرته ونجدته وصحنهم بثقالة ونطحهم بكباش رجاله واخذ عليهم ~~المضايق وصوب إليهم البوايق فوقعوا في فخاخه وفنيت شغلهم جاء إلى الخدمة ~~السلطانية بمنقبته مستقلا وبنهضه مذلا وساق أولئك الاسارى والأغلال في ~~أعناقهم والآجال آخذة بارماقهم فركب السلطان في اليوم الحادي عشر من شهر ~~ربيع الآخر ووقف راكبا ووقفنا ms118 راكبين وحضر الأمير منكورس وترجل ولثم الأرض ~~وتقدم وصافح السلطان وقبل يمينه بعد أن عفر بقدمه جبينه ثم احضر الأسارى من ~~الفرنج والنصارى " كأنهم سكارى وما هم بسكارى" فأمر بفتح أغلالهم وضرب ~~أعناقهم وان يتولى ذلك أهل التقى والدين من الحاضرين وان يكون هلاك ~~المشركين بأيدي الموحدين " فأعتق أمامه الضياء الطبري إلى برى عنق وتلاه ~~الشيخ سليمان الديري" المغربي وتلاه آخرون وكان الأمير اقطفان بن ياروق ~~حاضرا فتقرب إلى الله بضرب رقبته احد أعدائه. قال: وجاءني في تلك الحالة ~~رسول من السلطان يدعوني فظننت انه لمهم لا يكفيه غيري ولا ينهز به دوني ~~ولما أجبته وهو يقول جرد سيفك لهذا الكافر وخذ به ما يشتمل على سمعه وبصره ~~فقلت أنا للقلم ولا أزاحم السيوف، وانشر الفتوح ولا أنشئ الحتوف ولكن هب لي ~~ذلك الصغير لأملك رقة وغيري ينوب عني في ذلك الأسير فيضرب عنقه فتبسم ~~فعاينت منه الضحوك القتال وأقالني وأجاب في النوال السؤال فقال: هذا الصغير ~~نسفتك به من المسلمين أسير ونهب لك من سبى الأسطول بمصر مملوكا كما تؤثر ~~أثيرا فانتهزت الفرصة وأحضرت دواتي ودرجي واستعنت بالأمير عضد الدين مرهف ~~بن مؤيد الدولة أسامة بن منقذ فكتب لي توقيعا وأخذت فيه علامة السلطان. ~~وأما نزلت حررت إلى المولى الفاضل رسالة في المعنى ووصفت المملوك المطلوب ~~بأوصاف يتعذر وجودها فسير لي في جوابه مائة دينار مصرية عن المملوك عوضا. ~~وقال رأيت تحصيل غرضك مفترضا والرقيق الذي احضره الأسطول ما فيه يوافقه ~~وجودهم يساوي ثلاثين دينارا وما رأيت ذلك مختارا وقد أخذت من الديوان عن ~~المملوك خمسين وعن الخزانة العادلية ثلاثين ومن خاصتي عشرين فأثمر قلبي بما ~~عف عنه السيف وما ضيعت اللين أما جاء الصيف ولو أرقت الأحمر وإنما أعرضت عن ~~ذلك مخافة أن يضحك مني ذلك الجمع كما ضحكوا مني الباقين. PageV01P065 # قال: وعاود السلطان ذكر بعلبك وأشفق عليها وأزمع أن يسير إليها وخل فصل ~~الخريف ومالت الطباع إلى التحريف واصفرت الأوراق واغبرت الآفاق وقد تشاجرت ~~عواصي العواصف مع ms119 الأشجار وألقت حواملها لجنة الإثمار ونشا النشاص وربا ~~الرباب وسحب ذيل نيلة السحاب وارتجت الأرض وارتجت السماء ووصلت النار وهجر ~~الماء وقال الأمر لسلطان هذا أوان الانصراف ووقت الانحراف فقال قد بقيت في ~~النفس حاجة بعلبك نقضيها وعزيمتنا في تسلها نمضيها فان المتحصن بها بحكم ~~هواه متصرف وعن أمرنا متوقف، فنحضره ونحصره ونعظه ونوقظه وان أهملنا أمره ~~فربما اطمع فينا الفرنج وأفضى بسر الشر إلى الجهر على أن حق ابن المقدم ~~متقدم ولا شك انه متندم ودينه قوي ويقينه روى ولعله لا يحوجنا إلى المطاولة ~~ولا يخرجنا إلى المنازلة فسرنا على طريق الزراعة وجينا وراسلناه بالاستعطاف ~~والاستعفاف وداريناه لشيخوخته كالأطفال بالألطاف. وكان نزولنا بظاهر بعلبك ~~على رأس عينها وطالت الإقامة عليها اشهرا. واطلج المذكور في ليل لجاجة فلم ~~يبد في سفارة منه واليه صبحا مسفرا ونحن نشفق من نزاله ولا نصدق (196 أ) في ~~قتاله ونرفق به على عنقه في أحواله فتارة نخوفه فيتجلد وتارة نرعبه فلا ~~يجيب بل يتبلد. # ودخل الشتاء ووقع الثلج ومتلا به ذلك المرج وأصبحنا وصباحنا ابيض، ~~وجناحنا لا ينهض والعروق لا تنبض والبروق لا تومض وتانيران مقرورة وشباه ~~الجليد مطرودة والزناد كابية والأجناد ايبة ونحن كأننا من ضيمنا في حبوس ~~وقد جمدنا كأننا بلا نفوس فلبدنا على المرابض في مضارب اللباد وكنا في ~~الاكنان حول الكوانين كانا في صوامع العباد نطري افلاذ الأكباد بشي افلاذ ~~الأكباد فعلى المناقل الشيشات شريح، وللاقتراحات على الطهارة قرايح ~~وللسلطان في كل بكور ركوب للصيد وله طرايد وطرايح فما الذي شتوة وأهناها ~~نوبة لم نر لها نبوة لكانها كانت غفوة لم تذكر للدهر لولا انقضاؤها هنوة ~~وهيهات أن ترى بعدها في طيب عيشها عيشة أو غدوة. ### ||| ذكر مكرمة للسلطان # قال: كتب إليه النواب بدمشق أن الأموال ضايعة وان الأطماع زايغة وقد أفنى ~~الجود مجموع الموجود، وأنا عند الاحتياج إلى كف ملم ودفع مهم لا نجد ما ~~ننفقه وان في أرباب الصدقات أغنياء لا يستحقونها وما لهم رقبة من الله وان ms120 ~~المصلحة تقتضي أفراد جهات لما تسنح من مهمات فأمر بهم في كتابه يكتب مؤامرة ~~فجاءت مطالعة مكملة بالأسماء مفصلة. فقال لي السلطان: أقراها علي فبدأت ~~بذكر أرباب الصدقات، وقدمت ذكر جهتهم على الجهات، وكان مبلغ احد عشر ألف ~~دينار للصدقات وقدمت ذكر جهتهم على الجهات، وكان مبلغ احد عشر ألف دينار ~~للصدقات في مثل دمشق قليل والعطاء بحمد الله جزيل والصنع جميل فقال اكتب ~~عليها جميعها بالإمضاء ولا يكدر على ذوى الآمال موالي العطاء. فقلت أما ~~أتلو بقية الأسماء فقال بل نزهني عن الأشياء فبقيت تلك الرسوم دارة وللآمال ~~سارة بل تضاعفت على السنين أضعافا واستضافت آلافها ألافا ولما طال المقام ~~على حصر بعلبك لم ير السلطان مقابلة المسلمين فيه ولا كسر الناموس فرتب ~~طغرل الجاندار وجماعة معه يكفون من الرجال ووصاهم بالا يتعرضوا للقتال بل ~~يمنعون من الدخول والخروج ووصلنا دمشق في العشر الاواخر من رجب، وتمادى ~~الأمر إلى أن رضي ابن المقدم بحصن بعرين وإعماله وببلد كفر طاب واعيان نواح ~~وقرى من بلدة المعرة، وكان الذي اخذ أكثر وانفع مما خلاه وما خطر بباله وما ~~حصل له ولا ترجاه ولأتمناه. قال: وسألني السلطان أن اعمل أبياتا يكتبها إلى ~~مصر فقلت: # يا ساكني مصر لا والله مالكم ... شوقي الذي لذعت قلبي لواعجه # أصبحت أطلب طرق الصبر اسلكها ... هيهات قد خفيت عني مناهجه ### ||| ذكر المقياس بمصر # هذا المقياس موضع مبنى في عهد خلفاء بني العباس ليعرف زيادة الماء ~~ونقصانه بالقياس، وهناك عمود في الماء مقسوم بالأذرع، والأذرع مقسومة ~~بالأصابع في مسجد ينوب في الجزيرة عن الجامع تصلي فيه الجماعات والجمع ~~ويتولاها من العهد القديم متولي من بني الرداد من وهو معروف بالنزاهة ~~والعلم والسداد وله راتب دار ورسم وقرار وخلع وتشريفات في المواسم وحرمة ~~متوالية المعنى سامية المعالم. ### ||| ذكر حديث حصن بيت الأحزان PageV01P066 # قال: كان السلطان على بعلبك نازلا ولتسلمها محاولا وطال مقامه عليها ~~فانتهز الفرنج فرصة الخلو واستخلوا عصر العتو وجاءت الداوية منهم وشرعوا في ~~بناء حصن على مخاضة ms121 بيت الأحزان واحكموا بناء ذلك المكان وكان يقول للسلطان ~~متى احكم هذا الحصن تحكم على الثغر الإسلامي الوهن وغلق الرهن فان بينه ~~وبين دمشق مسافة يوم فيقول إذا أتموه رحلنا وهدمناه إلى الأساس وجعلناه من ~~الرسوم الادراس فندعهم الآن حتى يستنفذوا بقية أحوالهم وينفقوا عليه ~~أموالهم ويتعبوا (196ب) رجالهم فإذا قصدناه عكست آمالهم والحينا نالهم ~~فنقول منعهم من الابتداء أسهل من الدفع في الانتهاء. وإذا فات الفارط لا ~~يستدرك وهو الآن هين فلا يترك وهو صابر بقوة دينه، ساكن بنور يقينه فان ~~العاقبة الحميدة بعد سنة كانت كما جرت على لفظة من عدة حسنة. فلما انفصل ~~أمر بعلبك لم يزل أمر الحصن من همه وقصد حصاره في عزمه وكان العام مجدبا ~~والجدب عاما والشام لروايح الحوايج شاما وللأسعار أسعارا وللأسرار استشعار ~~وللضر استضراء وللشر استشراء، وعلى العباد من ثقل المحل أعباء وللرجال من ~~لطف الله تعالى رجاء على اليادي السلطانية نابت عن الأنواء ونادت في ~~الأندية بالانداء فرتعنا من إحسانه في مرعى مريع وشرعنا في سلطانه من منبع ~~منيع. ### ||| ذكر وصول رسول دار الخلافة # قال: ووصل في هذه السنة رسول دار الخلافة بالعارفة والعاطفة والرافة، وهو ~~الاجل فاضل أفضل الخدم، وهو خاص الجهة الشريفة مخصوص بالمنزلة المنيفة، وسر ~~السلطان بوصوله وحل كل بجح بحلوله وببركات ذلك رخصت الأسعار ونقص الإعسار ~~وتفرجت العيون وتفجرت العيون وسكن القرار، وقر السكون. # كان الرسول كريما أكنه في سواده إنسان عين كله نور وبالحسن والحسنى مشهور ~~وزرته فالفته طلق الوجه بشرا واليد برا فلما خرجت من عنده سير لي من هداياه ~~وألطافه وتحفه وفرا، ولم يدع أحدا من أكابر الدولة إلا وحباه بحباته، وحياة ~~من حيا سحبه وكانت الجهة الأمامية مالكة قد ملأت يده بمال وافر ليصل ويعود ~~بوجه سافر فما رأيت رسولا وجه في وجاهته ونباهته وهمته ونزاهته وشغف ~~السلطان به وكلف بقربهوا ستصحبه معه إلى الغزاة وشن الغارة على العاة ووقف ~~به على الحصن الذي استجده الفرنج على المشهد اليعقوبي وكان السلطان بهذا ms122 ~~الرسول الأمامي مغتبطا واليه في كشف أسراره منبسطا ولما جهزه ليعود ~~بالعطايا السنايا والخيل السبايا فرقها قبل قفوله ومن جملة ما حمل له بغله ~~شهباء موصوفة لا يوجد لها نظير كأنها السرج هضبة من ثبير. # وكان رسولنا ضياء الدين بن الشهرزوري عنده حاضرا. وقال كنت على عزم طلب ~~هذه البغلة من السلطان وقد فرحت لك منه بهذا الإحسان فقال: أنت أولى بها ~~وبما معها. فأخذتها منه بما تبعها وفيها حصان عربي منسوب وحجرة ما لها قيمة ~~وكان إذا أهدى له باقة ريحان حزاها بخلع حسان، وانفصل منتصف ذي القعدة ~~بالإكرام موصولا وبالإعظام مشمولا. ### ||| ذكر نوبة هنفرى ومقتله في أواخر هذه السنة # قال: وكانت الأخبار قد توالت على الأسنة جواسيس الفرنج أنهم على عزم ~~الخروج فتقدم السلطان إلى ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه وقد قدمه ~~على عساكر دمشق أن يخرج على الثغر في عسكره ويرتب كلا في مركزه محترزا في ~~مورده ومصدره. وأقام مدة واستكمل عدة فلما كان مستهل ذي القعدة من هذه ~~السنة تواترت الأخبار بخروجهم على الألسنة فجرى من النصر الذي لم يحتسب ~~والنجح الذي إلا بعون الله لم يكتسب ما وصفته في كتاب إنشاته عن السلطان ~~إلى الأجل الفاضل ومنه: قد سبقت المكاتبة بما سناه الله وأسناه من النصرة ~~الحلوة وذلك يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة فانه فضل بنصرة خميس الإسلام على ~~كل خميس وضيق على الأسود السود من بني الأصفر كل عريس وخيس، وأثمر من ورق ~~الحديد الأخضر في مربع الموت الأحمر منهم براس كل رئيس. وكان الإرجاف قد ~~شاع بخروجهم منذ أيام والظنون مرتابة والقلوب مرتاعة، والفكر غير حاضر لان ~~السنة جدب ومجاعة وليس في مقابلة الفرنج في ذلك الثغر إلا ولدنا عز الدين ~~وهو في عدة من عسكرنا المنصور لا تبلغ ألفا وهو معرض بإرسال PageV01P067 # الحمام عند علمه بخروجهم لنخرج إلى لقاءهم فأمرناه ان يجفل البلد وان ~~ينور الآكام وينذر وانه لا يلقاهم بل يتوقاهم ولا يخاطر بالجماعة الذين معه ~~بل يحمى بهم ms123 ويتحاماهم وفي كل يوم يرجف برجفتهم وهم متمادون متباطئون وعلى ~~مجافلة البلد متواطئون فلم يشعر مقدموا الطلايع ذلك اليوم إلا وقد خالطوا ~~القوم فتحيزوا عنهم إلى الفئة وهم دون المائة فاخرج ولدنا الرماة (197 أ) ~~الكماة وقدمهم إلى العداة العتاة ليشغلوهم ساعة ويحولوا بينهم وبين طعان ~~الحرب الجافلة، ولم يكن في زعم العزم إنهم يستدرون أخلاف النصرة الحافلة ~~واستمرت المراماة عند تل الجارة وطلب أصحابنا طلب الملك فما تركه مماليكنا ~~الترك حتى ولو طرحوا وجرحوا فرسانه فحمل طلب هنفرى ليحميه وأبي الله انه ~~كما رمى الملك إلا ان يرميه وقتل دونهما برهان صاحب الناصرة ونجا الملك يجر ~~معه الذقن وقد تجرع كاس الشجب والشجن، وحمل هنفرى جريحا وأودع بعد يومين ~~ضريحا وما زالت الرماة يرمونهم ويرامون ويدانون حتى نقصت الكماين وانفضت ~~الضغاين وكانت نصرة اثيلة ونوبة أثيرة، وثورة من أعداء الله في تلك الفورة ~~مستثيرة وحالة صدقت قوله تعالى: (كم من فئة قليلة غلبن فئة كثيرة) وتم هذا ~~الغزو ولم يتم مدد العسكر الغربي ورجع الفرنج من الخزي بذلك الزى وآذنتنا ~~بطاقة الطير في دمشق ذلك اليوم بكرة بكرتهم وبادرنا الخروج لدفع مضرتهم ~~وكشف معرنهم فما وصلنا إلى الكسوة إلا ورعوس رعوسهم متوافية والبشاير دانية ~~وألطاف الله كافية والشغف بحمل السعف إلينا زايد والواحد لثلاثة وأربعة من ~~الاساري قايد. ### ||| ذكر مسير شمس الدولة إلى مصر # قال: وكان الملك المعظم فخر الدين توارنشاه بن أيوب قد ملك اليمين فلما ~~ملك السلطان دمشق بعد نور الدين رحمه الله كتب إليه في اليمين بالتشوق ~~والاستيحاش بالوحدة فجاء سنة إحدى وسبعين فسر بقدومه. ولما عزم السلطان ~~المسير إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين لتجديد العهد بملكها عول على أخيه هذا ~~في السلطنة بالشام وفوض الأمر وولاه تولية مطلقة وكان بحرا في الجود مواجا ~~يغني بواصله من الوفود بعد الأفواج أفواجا وراسله الملوك وتواصل إليه من ~~الإطراف والأوساط السلوك. وكان الملك الصالح إسمعيل بن نور الدين رحمه الله ~~مستقرا في حلب فيمن بقي معه من ms124 مماليك أبيه فجرى معه شمس الدولة على الوفاء ~~والوفاق وسبيل الإشفاق. وأقام السلطان بمصر إلى يوم عيد الفطر من سنة ثلاث ~~وسبعين ثم رحل عايدا إلى الشام ولما عاد إلى دمشق جرى على عادة سلطانه ~~وأمره ونهيه وانقطع شمس الدولة إلى مواصلة لذاته وانتهت إحكام سلطانه ~~فاقترح على أخيه تسليم بعلبك إليه والأنعام بها عليه فتسلمها له من شمس ~~الدين بن المقدم على ما سبق فانتقل إليها يتصرف فيها ولما عن المحل رأى ~~السلطان أن يستدعي من عسكر مصر مقدمين يتقدمون في عدة منتخبة ورأى ورأى أن ~~الشام لا تحمل إثقال العساكر الكثيفة فرغب أخاه شمس الدولة بما زاده من ~~الديار المصرية في قصدها وانه يجدد بسعده سعدها وكان رحيله من دمشق بعد ~~صلاة العصر في قصدها وانه يحدد يوم الجمعة لست بقين من ذي القعدة وصحبة ~~كثير من التجار والرجال والنساء والأطفال. # قال: وكتبت عن السلطان كتابا منه قد بان له وجه الصواب في استدعاء عدة ~~متوسطة من إنجاد العسكر المصري الإنجاب بحيث يخف وطؤها وتثقل في العدو ~~نكاؤها فتكتب إلى أخينا الملك العادل بمصر ان ينتخب لنا من الأقوياء بالخيل ~~والعدة ألفا وخمسمائة فارس واشرنا على الملك العظيم بالتوجه إلى مصر ~~مستصحبا معه من طال بالشام بيكارة وبان انفاضه واقتاده ورأينا المصلحة في ~~مسيرة لمنافع كثيرة وفوا يد أثيرة منها التخفيف عن الشام في مثل هذا العام ~~وذلك بعد ان رتب في بعلبك نوابه واقطعها أصحابه. ومنها أن في وصوله إلى مصر ~~وقد خرج منها عسكر اسما كبيرا وصيتا عظميا فان الإرجاف شايع بأسطول صقلية ~~المخذول وخروجه ووصول أخينا يكسر من عزم العدو ويحطه من ذروة العتو. ومنها ~~انه إذا أقام بالقاهرة تصرف أخونا الملك العادل في البلاد بعسكره وعذب صفو ~~مقصده في مورده ومصدره. PageV01P068 # قال رحمه الله: وفي هذه السنة غدر ابرنس إنطاكية وأغار على خشير شيزر ~~وغدر القومص بطرابلس بعد الأمان بجماعة من التركمان فان الإفرنجية اجتمعوا ~~وقالوا: الصواب ان نفرق عسكر الإسلام في ثغوره بالارغاب ms125 والإرهاب فإنا إن ~~هادناهم من جانب توفر عسكرهم من الجانب المجانب وتجرد لأصابتنا بالمصايب ~~فاقتضى الأمر أن رتب السلطان ولد أخيه تقي دين في ثغر حماه ومعه شمس الدين ~~بن المقدم وسيف دولة على المشطوب وصاحب شيزر بعسكره محتاط في مورده ومصدره ~~وأمرهم بالاتكثار من (197ب) الرجال واستخدم نخب الأبطال ورتب ناصر الدين ~~محمد بن شيركوه في حمص في مقالبة القومص. وكلهم مأمور بالتنبيه بكل صوب ~~والاصاخة إلى كل صوت رابض في مكانه وإذا أحس بدناه وثب عليها ممسك بعنانه ~~وإذا سمع هيعه طار إليها. قال: وبعد توديع السلطان أخاه شمس الدولة أغار ~~على بلاد الفرنج لمشاهدة الحصن الذي بنوه. ### |||| فصل في معناه # قصدنا البرج ونازلناه وما زلنا نقاتل حتى أزلناه واحتموا بباطنه فما # خرج احد رأسه وسنعود إليه بعون الله ونقلع أساسه فصل آخر وأما الإطراف ~~فان ملوك ديار بكر إلينا ملتجون ولنا مرتجون ومن سلطان الروم مستشعرون ~~وبسلطاننا مستظهرون ووصل رسول سلطان الروم قلج أرسلان يعف لنا صفاه ويوفينا ~~وفاة ويعرض وده ويعرض بما عنده وقد توافر اجتهادنا على أن نستميل كلا إلى ~~الجهاد ونجمع شملهم على الاتفاق والاتحاد والله تعالى يوثق لنا مواثق رضاه ~~من أمر رحيل هذا المرام وامراع مراد هذا المراد. # قال: وانتقل السلطان إلى الشعراء وخيم في مروجها وسام الخيل في اكلاء ~~خروفها وخروجها ولما تطوحت الأعشاب وصوخت الشعاب وانتقل إلى بانياس وقد وفد ~~من البوادي من جرى بسيله الوادي فرام أعتاب البرية وأعراب البرية وقال: ~~هؤلاء إذا اكتالوا السنة من الشام بلى العام بالمحل العام وجمع عنده الجموع ~~فبلغت الخيم إلى حدود بلد الكفر وكان في كل يوم يركب وفي خدمته الخواص ~~ويظهر أن غرضه الاصطياد والاقتناص ثم ينزل على النهر ويجرد فرسان الجلاد ~~والقهر ويسير قبائل العرب إلى بلد صيدا وبيروت حتى يحصدوا غلات العدو ~~ويجمعوا القوت وما يبرح مكانه حتى يعودون بجمالهم وأحمالهم موثقة بأثقالها ~~حتى خف من زرع الكفار بالقرب ولم يحصل من ذلك كفاية الغرب. وأشفق على الناس ~~وجمع ms126 الأمراء وشاروهم في الأمر وقال: قد علمتم غلا الغلات وإقلال الأقوات ~~وظهور أعراب البادية وخفاء الأعشاب البادية وما كان بالقرب من غلات العدو ~~وزروعه استجناه واجتحناه ولم يبق إلا أن تنهض عساكرنا بالنوبة ونقيم بقوتها ~~إلى حين الأوبة فأجابوه بالسمع والطاعة وما زالت المقانب تنهض والطلايع على ~~مراكزها تربض والمزارع تحصد والمواضع تقصد والثمار تصرم والضرام تضرم قال: ### || ودخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة # والسلطان صلاح الدنيا والدين نازل على تل القاضي ببانياس وقد عم بالإيناس ~~الناس وفي كل يوم يصاحبون بلد العدو ويماسونه، ويداوون جرح الجدب بما ~~ينقلونه من الغلات ويأسونه حتى لم يبق هناك الا اليسير واجمعنا على أنا ~~نستجيبه في يوم واحد ونسير. وكان المقدم على العسكر عز الدين فرخشاه بن أخي ~~السلطان شاهنشاه وكان مخيمه على بعد من السرادق السلطاني وقدامه فلما استهل ~~محرم هذه السنة حضر عند السلطان عمه وقال أن المقام ههنا يصعب لا سيما ~~والحر قد تضرم، والزرع قد تضرم وأهل الشرك هاجمون واجمون ولظنونهم فيما هم ~~راجون راجمون فنتحول إلى حيث نتبدل من الضيق بالسعة فقال السلطان ما أنجب ~~الرأي الذي رأيتموه وانجح السعي الذي سعيتموه وقد بقي لكم أن تنهضوا الليلة ~~أجمعين وعلى بلاد الكفر مجمعين فتجمعون منها ما بقي في مواضعها المتفرقة ~~وإذا عدتم سالمين غانمين رحلنا صوب البقاع واستأنفنا ما يعود للإسلام ~~ولارتفاع والانتفاع. ### ||| ذكر وقعة مرج عيون PageV01P069 # قال: ولما نهض أصحابنا واد لجوا وخاضوا بحر الظلام ولججوا أصبح السلطان ~~يوم الأحد راكبا ومعه صمصام الدين أجك وإلى بانياس في موكب خفيف وجمع غير ~~كثيف ووقف على الطريق وسال الله حسن التوفيق فرأى في تلك العياض أبقارا ~~حافلة، وسروجا عن مراتعها زايلة. وجاءه بعض الرعاة واخبر انه شاهد عسكره ~~العداة وإنهم عبروا بالقرب على قصد المتعلقة فعجب السلطان من هذا الخبر ~~واستبعده وقال: لو كان للفرنج قصد لجاءنا الجاسوس فما صدق الخبر حتى جاء ~~(198 أ) من أوائل العسكر من ارتاع وعجل في العود الإسراع فجاء السلطان إلى ~~المخيم وقت ms127 الظهر ونادى في متخلفى مماليكه بالحضور. وكان في اصطبله خيل ~~عراب شدت للتضمير وجياد عتاق أعدت ليوم النفير فبدل مصونها وأصفى لخواصه ~~صفونها وقال: اركبوا وأدركوا العدو وما زال ينهض مجربا وينقب منقبا حتى ~~انتظمت له كتيبة شهباء وساروا والخضراء من وقع الحوافر ونقع الحوافر غبراء ~~وقلقت في أشباح الغمود الاروح وجرت بالجبال الرياح وطارت العقبان مع ~~أمثالها من الرايات، وتنزلت الملائكة من نص النصر بالآيات وجرى سيل الخيل ~~وجر القتام على النهار ذيل الليل والسلطان في موكب جلالته كالقمر المبدر في ~~هالته ورايد النصر يرشده بدلالته فلم يزل يعتق ويعب حتى ترى الجمعان ودنا ~~الرعان من الرعان وصافحت الصفاح اشاحع الشجعان، وطلعت في ابراج العجاج نجوم ~~الخرصان. # واتفق ان الفرنج حملوا وبرز ابن بارزان مقدما من مقدميهم وحمل لحملتهم ~~وقادوا يكسفون الأنوار ويكشفون الأستار فثبت السلطان أمامهم وردهم وراءهم ~~وتضاعف المدد وترادف العدد فحملوا حملة كادت تتم، وسر الشر متم، وطعن فيها ~~صمصام الدين أجك وخشي إنها لا تتدارك فردهم خوف الردى إلى الجبل وضاقت ~~عليهم واسعات الحيل ثم أحدقت بهم أسودنا أحدق النار بالجان وخاضت غمرة ~~الهيجاء فاسر الفرنج بأسرهم وصح النصر من كسرهم, ودخل الليل فأخفى بسواده ~~سوادهم وقيد بخواتم الذل قوادهم وما فرس فرسانهم, ولا شجي وشجب إلا شجعانهم ~~فإن الرجالة لما شاهدوا عسكر الإسلام تبدد شملهم في الوهاد والآكام فما ضغم ~~إلا كل ضيغم ولا أقدم إلا كل مقدم ولم يفلت من بينهم إلا الملك المجذوم ~~وقيل أن أحدهم حمله على قفاه ثم نجا به ونجاه. وعاد السلطان إلى مخيمه بعد ~~هدء من الليل ووافت البشاير إلى المعسكر المنصور بالنصر من العصر فجلس في ~~سرادقه ونحن عنده جلوس وحول شمسه من الأفاضل شموس وهو يحدثنا ويقول لولا ~~التأييد من الله سبحانه لكان الخطب خطيرا فإنهم لو بدلوا بالمعسكر لأعجلوا ~~عن الإلجام والإسراج وسدوا على اكب مناهج الأفراج ووجدوا الفرصة بادية ~~والعرصة خالية لكن الله تعالى صد قصدهم وأعمى لخطاياهم عمدهم ثم أذن في ~~تقديم الاسارى ms128 وهم يتهادون كأنهم سكارى فأول من قدم ابن بارزان بادوين وقد ~~أسره من أمرائنا الأكراد محمد بن خوشترين. ثم قدم أود مقدم الداوية الكبير ~~وأحضر هو ابن القومصية وقيد أخو صاحب الجبيل وجماعة من مقدميهم الأكابر ~~وأنا جالس بجنب السلطان منفردا استعرضهم بقلمي في الدستور فأجلسهم من حوله ~~وآنستهم بقوله فاقروا بتطوله وطوله، ومن ألطاف الله أنا وخواصه الحاضرون لم ~~نزد على عشرين والاسرا قد أنافوا على سبعين وقد انزل الله علينا السكينة ~~وخصهم بالذلة والمسكنة فطلع الصباح ورفع المصباح فقمنا وصلينا بالوضاء الذي ~~صلينا به العتمة ثم جلسنا حتى تم عرض المأسورين فبلغوا مائتين ونيفا وسبعين ~~من الفرسان المقدمين سوى من أسر أسروه في خيمته وسوى من لا يذكر من الأتباع ~~فإنهم عدوا من سقط المتاع ثم نقل الأسرى إلى دمشق واعتقلوه وبالحديد أوثقوا ~~فإما ابن بارزان فانه بذل بعد سنة في نفسه مائة وخمسين ألف دينار وإطلاق ~~ألف أسير من المسلمين وكان الفقيه ضياء الدين عيسى من نوبة الرملة عندهم ~~فالتزمه راكه وان يودى من قطيعته المذكورة القطيعة التي عرف بها فكافة وأما ~~هو فانه استفكته أمه بخمسة وخمسين ألف دينار صورية وأما أود فانه انتقل من ~~عيشته إلى سجين فطلبت جيفته بإطلاق أسير من مقدمي المؤمنين وطال اسر ~~الباقين فمنهم من هلك وهو عان ونمهم من خرج بأمان. PageV01P070 # قال: ومن حسن الاتفاقات ان الأسطول المصري النصور غزا في أول هذا العام ~~وتوغل في الجزاير على أهل الجزاير وظفر ببطشة كبيرة فلقيها بالبطشة الكبرى ~~واستولى عليها وعلى أخرى وعاد إلى الثغر المحروس مستصحبا ألف راس من السبي ~~وكان تاريخ استطالة الأسطول على الفرنج بمصر في البحر تاريخ بطشتنا بالشام ~~من غير تأخير بحزب الكفر. # (198 ب) فما اقرب بين النصرين في المصريين وما أعذب عذاب الفئتين ~~وتجريعهما الأمرين من المرين. ### ||| ذكر منقبة لعز الدين فرخشاه # قال: ذكر عز الدين أنني في تلك المعركة والجولة الحالية أما عن المملكة ~~وأما عن المهلكة تذكرت قول المتنبي: # فإن تكن الدولات قسما ms129 فإنها ... لمن يرد الموت الزؤام تؤول # ومن هون الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام الكماة صليل # فهان أموت في عيني فما أفرق بين حياتي وحيني وحكى الأمير حسام الدين ~~تميرك بن يونس وكان مع عز الدين في الوقعة أنا كنا في أقل من ثلاثين فرسا ~~فقد تقدمنا من أهل الفتك فشاهدنا خيل الفرنج في ستمائة فارس واقفين على جبل ~~وبيننا وبينهم الماء فقال نعبر النهر إليهم ونحمل عليهم فقلت له كيف تقول ~~هذا وبمتى تحمل عليهم فقال إذا عبرنا النهر إليهم ذلوا وتبعنا من رآنا من ~~عسكرنا وإن وقفنا لهم طمعوا فينا وجاءوا وعملوا ما شاءوا فسار إليهم وعبر ~~الماء فما وصل إلى القوم إلا في عدتهم وقل من حد عدتهم ووافق ذلك رجف ~~السلطان ونصر الإيمان. ### ||| ذكر غيبة تقي الدين عن هذه النوبة # قال: كان سلطان الروم قلج أرسلان أرسل في طلب قلعة رعبان وادعى أنه من ~~بلاده وإنما أخذه نور الدين رحمه الله على غير مراده وأن الملك الصالح ولده ~~قد أنعم به عليه ورضي بعوده إليه وأبى ذلك سلطاننا فعد قصده ومنعه ورده ~~وكان مع شمس الدين بن المقدم وفيه نوابه فانهض قلج أرسلان عسكرا مجرا نزل ~~على حصاره وشرع في تشعيث نواحيه وأقطاره فندب السلطان ابن أخيه تقي الدين ~~ومعه سيف الدين على المشطوب ليتوليا إزالة رعب رعبان ويرسلا الروع على روع ~~عسكر قلج أرسلان فنهضا وهما في ألف وكانت تلك الحشود في ألوف مجمعة فلما ~~شاهدوا أصحابنا قد جرى بسيل خيلهم الوادي أجفلوا من عدوي تلك العداوى وزال ~~عن رعبان رعبها وأمن سربها وعذب شربها وأرجت بأرجائها مهاب المهابة وطافت ~~ألطاف عصمة الله الذابة بالإصابة, وكتب تقي الدين توبتها الدايلة وبنوبتها ~~الزايلة وأنه فتح لم يحتسب ومنح من الله إلا بفضله لم يكتسب وغزو إلا إلى ~~تأييده لم يعز ولم ينتسب ولم يزل تقي الدين بهذه النصرة المبتكر فأنه هزم ~~بآحاد الوفا وأرغم بأعداد من الأعداء أنوفا. # فصل من كتاب سلطاني إلى مجاهد الدين ms130 قايماز بالموصل وكتب تقي الدين بإذن الله # ثلاثين ألفا من عسكر المذكور بألف وكانوا ضعف وقد علم الله تعالى أنه شاء ~~فاكسرنا من سهم المهيب ومؤاخذته على رأيه المخطي المصاب لا المصيب فإن ~~المذكور يمشي زمانه بناموسيه ويؤسي نهاره من أشعة الإفلات من شموسه. ### ||| ذكر النزول على حصن بيت الأحزان وتيسير فتحه في أقرب زمان PageV01P071 # قال: لما ضعف الكفر بالنوب التي نابته بلا بأس الإسلامي قوي العزم السلطاني في قصد # البرج وسير إلى التركمان وإلى البلاد لجمع الراجل فأمر بإعداد الدقيق ~~وتكثيره للتر كمان فخرجنا في جيش فضل بالقضاء ختام قتامه وورد على الأصباح ~~بإظلامه ودارت بفوز القداح أقداحه ولاحت غرره وأوضاحه وحملت أآلات وكملت ~~الحالات ووصلنا إلى مخاضة بيت الأحزان يوم السبت والحصن مبنى دونها من ~~الغرب فخيمنا منها بالقرب ورفعنا على تلك الأكام آكاما من الخيم ورمينا من ~~الحمايم والعمايم مسامع الآفاق بالصمم وقلنا حصن ومكان مكين ولابد من نظم ~~ستار لنصب المنجنيقات وجمع الأخشاب ولآلات فركب السلطان بكرة الأحد إلى ~~ضياع صفد وكانت قلعة ضفد يومئذ للداوية وهي عش (199أ) البلية وأمر بقطع ~~كرومها وحمل زرجونها وأخشابها واستكملت المنجنيقات كل ما يتم به أسباب ~~أسبابها وعاد إلى المخيم بعد الظهر وخرج بعد العصر, وجمع أمراءه وعارض ~~بآرائهم آراءه فأل له عز الدين حاولي الأسدي تأذن لنا في الزحف قبل نصب ~~المنجنيق حتى نذوق قتالهم ونجرب نزالهم فقال: استخيروا الله حيث اخترتم ~~فنودي في البوادي بالأقدام والحضور في مقام الانتقام فثاروا إلى الثأر ~~وطاروا إلى الأقطار ودنوا من الباشورة وباشروا وشاقوا معاشرها كأس المنية ~~وعاشروها. # وعهدي بشاب من العوام في جرأة الضرغام عليه قميص خلق وفي يده قضيب ودرق ~~وقد فرع الجدار وهو يدافع ويقارع ويجالد ويماصع فتبعه ضرب من إضرابه في ~~الضرب وشيعه آخر على حزب الحرب فتخاذل القوم ودخلوا الحصن وأغلقوا الأبواب ~~ووقفوا وراءها على شرفاته وأشرفوا على شرفاته وملك أصحابنا الباشورة ~~وملأوها وانتقلوا بكليتهم إليها وكلأوها. وباتوا طول الليل يحرسون والسلطان ~~يمدهم بالإمداد وينجدهم بالإنجاد ms131 ويشفق من فتح الأبواب وكبسهم الناس فقيل ~~لنا أنهم وقدوا خلف كل باب نارا ليأمنوا على أنفسهم اغترارا ولا يلقوا ~~غوارا فقر قرار الأصحاب وغاد الجماح إلى الأصحاب ثم جمع الأمراء والكبراء ~~وفرق عليهم البناء فأخذ عز الدين فرخشاه الجانب القبلي وجمع عليه الصناع ~~النقابين وأخذ السلطان النقب في الجانب الشمالي وأخذ ناصر الدين محمد ابن ~~شيركوه بقربه نقبا وأفرد تقي الدين قسما وكذلك كل كبير شرع في طرف وأخذ ~~العمل فيه بسرعة الفرنج من فوقهم على السور وراء الستاير يرمون القوارير ~~وكان الحصن شد سد البناء فعسر على النقابين إخراج حجره وإظهاره مضرة ثم تم ~~النقب السلطاني وغلق وحشي بالحطب ليلة الاثنين وأحرق وظن أنه يقع والنقب في ~~طول ثلاثين ذراعا وفي عرض ثلاثة أذرع في المقدار وكان عرض السور سبعة أذرع ~~فما تأثر بالتعليق والتحريق فأصبح يوم الاثنين والقلوب قد أشفقت والظنون قد ~~أخفقت ولا سبيل إلى تعميق النقب للنيران الملتهبة فيه فأخرج السلطان صرة ~~فيها ثلاثمائة دينار مصرية وتركها على يد عزا لدين وأمره أن يعطي كل من جاء ~~بقربة من الماء دينارا فرأيت الناس للقرب حاملين ولأوعية الماء ناقلين حتى ~~أغرقوا النقب فعاد نقابوها فخرقوه وعمقوه ثم علقوه واستظهروا فيه يوم ~~الثلاثاء ويوم الأربعاء ثم أحرقوه ووصل الخبر بأن الفرنج قد اجتمعا بطبرية ~~وأنهم ملأوا بخيلهم ورجلهم تلك البرية فحصن الصناع. # ولما كان الخميس الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول أصبح الخميس قد حمى ~~الوطيس وقد عض الأسد الخيس والدنيا تضطرب والبلوى تضطرم ونحن ننظر إلى ~~السور وقد طال الانتظار ووقع من بطء وقوعه الاستشعار ولما تعالى النهار ~~وعيل الاصطبار وزال القرار انقض الجدار وتباشر الأبرار وتسابق الناس إلى ~~الثملة وكان الفرنج قد جمعوا وراء الواقع حطبا فلما وقع الجدار دخلت الرياح ~~فيها فعادت عليهم النار وأحرقت البيوت الدانية منها في الجوانب وبلوا من كل ~~صوب بالمصايب فاجتمعوا إلى الجانب البعيد من النار وقد لفحهم وهج الاستعار ~~وصاحوا بالأمان وأظهروا الإذعان وجلس السلطان وقد حمد الله ms132 سبحانه وحده فمن ~~أحضر من الأسرى عنده استنطقه فإن كان مرتدا أو راميا يخرج ضرب عنقه. PageV01P072 # وخلص من الأسر أكثر من مائة مسلم أحضروهم للعمارة وقطع الحجارة. وأكثر من ~~أسر قتله الغزاة المطوعة والرعاع المجمعة فكان فتحا هنيا ومنحا سنيا وما ظن ~~لتوثيق بنائه وتوغير سبله يتأتى افتتاحه أو يتصور اجتياحه وكان قد بذل في ~~هدنة لهم ليأمن الناس منهم مبلغ ستين ألاف دينار فلم يذعنوا بالقرار وبلغ ~~المبلغ مائة ألف دينار فثبتوا على الإصرار. # وقال: ورأيت السلطان مستبشرا يتلألأ وجهه بنور السرور وعنده رسول القومص معافى وهو # يشاهد بلية أهل ملته, وكان الحر شديدا لا يطاق ودم الشرك مباحا يراق, وقد ~~وقد القيظ وأن وقد الغيظ وسير من أبقاه الأسار إلى دمشق فأقام السلطان في ~~مخيم والأموات قد جافت والأحياء قد عافت وقال: ولا أبرح حتى أهدم الموضع من ~~أساسه وأعيد الرجاء في أعادته إلى بأسه فقسمناه أذرعا على البأس حتى (199ب) ~~هدوه إلى الأساس وعاد المشهد اليعقوبي مزورا ورأى الابتهاج بزيارته منشورا. ~~ودخلت الحصن فشاهدت العجب ورأيت فارسا قد ألقى على النار حصانه وهو راكبه ~~فانظر إلى هذه الحمية والأنفس الأبية. وأقام السلطان في ذلك المنزل الكريه ~~حتى فرغ من التخريب ورحلنا يوم الأربعاء وعند الوصول إلى دمشق مرضنا من ~~وبال ذلك الوباء ونتن ذلك الهواء وانتقل إلى جوار الرحمة أكثر من عشرة من ~~الأمراء ومن الله غلة بعد الأشقاء بالشفاء. # قال: وهنأ الشعراء السلطان بفتح هذا الحصن فمما بقي على ذكرى من ذلك ما ~~أنشدنيه الفتى أحمد بن نفاذه: # هلاك الفرنج أتى عاجلا ... وقد آن تكسير صلبانها # ولو لم يكن قد دنا حتفها ... لما عمرت بيت أحزانها # ولأبي الحسن علي بن محمد الساعاتي الخرساني من أهل دمشق قصيدة أولها: # بجدك أعطاف القنا تتعطف ... وطرف الأعادي دون مجدك يطرف # وقفت على حصن المخاض وأنه ... لوقف حق لا يوازيه موقف # أيسكن أوطان النبيين عصبة ... تمين لدى أيمانها وهي تحلف # نصحتكم والنصح في الدين واجب ... ذروا بيت يعقوب فقد جاء ms133 يوسف # ولأبي الفتح سعادة الضرير الحمصي من قصيدة: # وقدت إلى الأعداء جيشا عرمرما ... إذا أبرقت فيه الصوارم أرعدا # خميسا كسوت الجو ثوبا ممسكا ... به وكسوت الأرض ثوبا موردا # لها ما يريك الشمس ثاير نقعه ... يقلب مطرفها من الطرف أرمدا # ترى الليث فيه بالحباب مؤبطا ... نزا البدر فيه بالشهاب مقلدا # طما بالمحاصير الصواهل بحره ... الخضم وبالبيض المباتير أزبدا # وأبدى من الخرصان لمعا مفضضا ... يعود يوشك الطعن لمعا معسجدا # فلم تبق للطغيان شملا مجمعا ... ولم تبق للأيمان شملا مبددا # وللأمير نجم الدين محمود بن الحسن بن نبهان العراقي من أهل الحلة ~~المزيدية في السلطان أيضا من كلمة: # وأوردت بيض الهند ماء رقابهم ... وأصدرتها تختال في حلل حمر # جلوت بها صمصامة الدين بعد ما ... علا متنها من بغيم صدء القسر # هي للفتكة الغراء لا زلت قايما ... بأمثالها للدين في السر والجهر # فأصبح في أقصى خرسان ذكرها ... وفي كل قلب منه جيش من الذعر # قال: وفي هذه السنة كان طهر الملك العزيز أبي الفتح عثمان ولد السلطان ~~وسمعته يقول مولد عثمان بمصر ثامن جمادى الأولى من سنة سبع وستين وخمسمائة. ~~وكان أحب أولاده إليه وأعزهم وأثناهم لأعطاف سروره به وأهزهم وهو ريحان شمه ~~وفينان ضمه ورأس ماله وأساس أقباله. وكانت فراسته فيه من علم الغيب الذي ~~أطلعه الله عليه فهو الذي من بعده نظم سلكه وضم ملكه وجمع شمله وأبقى ~~أفضاله وفضله ولزم إحسانه وعدله. ولما وصل من مصر إلى الشام في سني سبعين ~~برح به اشتياقه وأزعجه فراقه فاستقدمه إليه فطلع قمره وينع ثمره وثاب أنسه ~~وبلغت المنى نفسه وقال: وأنشدت أسلطان تهنية بقدومه كلمة منها: # (200أ) يا أسد تحمي عرين العلي ... هنيت جمع الشمل بالشبل # ياطيب الثمر بلغت المنى ... تمليا بالطاهر النجل # يحكيك أقداما وبأسا فما ... أشبه هذا الفرع بالأصل # ملك قضى الله له أنه ... على ملوك الأرض يستغنى # شمله المجموع آمالنا ... بنجمها مجموعة الشمل PageV01P073 # فلم يفارق الملك العزيز أباه واستصحبه إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين ثم ~~عاد به إلى الشام ms134 في سنة ثلاث وسبعين. قال وقال السلطان عند قرب رحيله من ~~مصر: اطلب لولدي هذا معلما يصحبه ويتسنى به تأدبة وتهذبة وكان نجم الدين ~~يوسف بن الحسين بن المجاور إلى متوددا ولشكوى الزمان معددا ويحب الفضل إلى ~~أهله مترددا إليه ودللت عليه ورغبته في الصحبة، وأخذت له مركبا ونفقة، ~~وجاءت أسبابه موافقة موفقة فتولى الصفي بن القابض وأكن متولي الخزانة ~~والديوان والأعمال بدمشق. أسباب ختان الملك العزيز: ولقد كان عالي الهمم من ~~أهل التمييز فوسع الإنفاق وصاغ النحوت والأطواق وأطلق الأموال ونمق الأحوال ~~وأول من وجد بركة هذا الطهر المبارك المؤدب فقد سعد نجمه وصح شيمه ووضح ~~غيمه وتحلى في اللباس الذهبي باللباس الأدبي والمركب النضاري والمركوب ~~العربي وزين المزيون وأعيدت عليهم الخلع السنية وبالسناء أعيدوا وخلع ~~السلطان علينا في المخيم تشريفا لأحوالنا مناسبا وأمسى كل منا لذيل ~~الاعتزاز مصاحبا ومن جملة ما حباني به حجرة عربية وعدة لها ذهبية وعز الملك ~~العزيز في ختام ختانة وعم الفضل والحسنى بأفضاله وإحسانه. # قال: وفي هذه السنة خرجنا إلى بعلبك لتسلمها إلى عز الدين فرخشاه ابن أخي ~~السلطان وكانت الشتوة صعبة، وكان طريقنا على الرواد يف وهي عقاب يتلوها ~~عقاب وطرقها صعاب وفي ذي القعدة من هذه السنة جمع غز الدين فرخشاه من رجال ~~بانياس وماحولها من الأعمال من جرب عادته وجترات عدته فصبح صفد صباح ~~الأربعاء ثامن عشر الشهر فسبى وسلب وعنم وعلب واحرق ما شاء الله وأخرب ومر ~~مر السحاب وعاد بالسبايا والنهاب وأبت عناية الله نصر النصارى وإسلام ~~الإسلام، وشق بالإصباح سراير الإظلام. قال وفي العشر الأخير من شوال من هذه ~~السنة خرج الأجل الفاضل من دمشق إلى الحج وعاد إلى مصر وكان عام أول سنة ~~أربع وسبعين حج من مصر على البحر وجاء الشام. ### ||| ذكر وفاة الإمام المستضيء وخلافة الإمام الناصر رضي الله عنهما # قال: وقي هذه السنة وهي سنة خمس وسبعين توفي الإمام المستضيء بأمر الله فأظلمت # الأضواء وبويع لولده الإمام الناصر فأضاءت الظلماء، وكانت البيعة صبيحة ms135 ~~ليلة الوفاة وذلك مستهل ذي القعدة فأقرت القواعد وأمرت المعاقد وقد حضر ~~الحجيج من المشرقين وامتلأ بالملويين، وتولى عقد البيعة المباركة ظهير ~~الدين بن العطار ولاح بشره وفاح نشره وظن انه قد تم أمره وعرته مرضه أقعدته ~~وعادية عدوى فأعدته وانتقل إلى جوار الحمة التي إعمال الخير بها وعدته ~~وتمكن من الأمر في الخلافة الناصرية مجد الدين بن الصاحب وكان رسولنا ضياء ~~الدين الشهرزوري حاضرا فحضر وبايع وأخبر بحلية الحال وطالع وبادر السلطان ~~إلى الخطبة في جميع البلاد واهتزت بالسمة الشريفة أعطاف الأعواد ومضى صدر ~~الدين شيخ الشيوخ عبد الحليم بن إسماعيل من بغداد إلى بهلوان رسولا وألزمه ~~حتى خطب بهمدان وأصفهان وعمت الدعوة الهادية بلاد خراسان ثم لما رجع شيخ ~~الشيوخ جاء إلينا رسولا في سنة ست وسبعين وأخذه السلطان معه إلى مصر وحج ~~منها وركب البحر وأنعم مولانا الناصر لدين الله أمير المؤمنين (200ب) ~~بإجراء رسمي وإدراري وهز أعطاف فخارى, ومدايحي في أمير المؤمنين قد سارت في ~~آفاق الإشراق أنارت ومن جملتها كلمة سيرتها سنة فتح القدس ومنها: # ورثت من سلفي رقى لطاعته ... وذلك الرق للأسلاف أحساب # ما كان لولا الرضا والسخط منه ... لنا خصب ومحل وأحداء وأحداب # قد قلت لولا التقى ما غير صارمه ... للعمر والرزق مناع ووهاب # معمد بعمود الصبح بينهم ... له من الشهب أوقاد وأطناب # أبشر بفتح أمير المؤمنين أنني ... وصيته في جميع الأرض جواب # ما كان يخطر في بال تصوره ... واستصعب الفتح لما أغلق الباب # وحام عنه الملوك الأقدمون وقد ... مضت على الناس أحقاب وأحقاب # نصر أعاد صلاح الدين رونقه ... إيجازه مبلغ في القول إسهاب # نفى من القدس صلبانا كما نفيت ... من بيت مكة أزلام وأنصاب ### || قال ودخلت سنة ست وسبعين # وفي هذه السنة توجه السلطان إلى بلد الروم وبلد الأرمن. ### ||| ذكر السبب في ذلك PageV01P074 # قال: كان نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن أرتق صاحب حصن كيف ~~تزوج بابنة السلطان قلج أرسلان وهوي بغيرها وقد تزوج بمغنية وهو عليها ~~يستخيرها, وهي ms136 في سر سترها وفي ضمير خدرها زهراء في أوجها صابرة على جور ~~زوجها تخفي بلواها ولا تبدي شكواها وما ذلك لوجود شين أو لعد زين فإنها ~~تالية القمرين وثالثة النيرين سلجوقية النجار سلطانية الفخار. وكان زوجها ~~للنساء المغنيات زيرا فغلبت عليه فمنهن نصف هو بحبها منصف ومن عيشه ~~بملازمتها منتصف وبمنادمتها مع الندماء منتظم مرتصف فاختار العجوز على ~~الشابة وحسب أن الخطأ عين الإصابة ولكن الهوى ما عليه قياس ولا يتحكم من ~~رجاءه بأي ولله في التوفيق مواهب وللناس فيما يعشقون مذاهب. # فعرف أبوها ما هي فيه من الضرة وأبت له عزة الملك الرضا بذلة المعرة فسرح ~~أهل الارغاب وأوضح سبل الإرهاب وأبدل الإعصار بالأعصاب فبان قرار ابن ~~أرسلان وعزب وأضطرم بتوقي التوقع واضطرب. # وكاتب سلطاننا صلاح الدين يستدني إصلاحه ويستجدي أنجاده وإنجاحه وأرسل ~~وتوسل وأعتذر عما يقال عنه وتنصل فأرسلنا إلى قلج أرسلان رسلا لاستكفافه ~~وتحذيره علقبة خلافه فكتب يهدد ويذكر الذنوب وينشر العيوب ويقول أبيت الحكم ~~بيني وبينه ولا بد أن يدين ويؤدي دينه ولما صاهرته جعلت له قطعة من مملكتي ~~فإذا لم ينزل حكمي فليعد إلى ما كان بأسمى ولينزل عن تلك الحصون ليتحصن منى ~~بالسكون فأجبناه بأنه تركته قبلنا المنة وأن قصدته ثنينا لنصره الأعنة وكان ~~ابن قرا أرسلان لقربه من بلاد حمية يخشاه ولا يرى من يحميه ورسله وكتبه ~~إلينا متواصلة متراسلة وهم جيرانه وأقاربه الأرتقية وغيرهم عنه متفاصلة ~~متناسلة فحميت حمية سلطاننا وتحركت همته وتصممت عزيمته وكان الفرنج قد ~~جنحوا للسلم ودخلوا له في الحكم فهادنهم وفدى ابن بارزان نفسه من الأسر ~~بمبلغ مائة وخمسين دينار صورية واطلاق ألأف أسير من المسلمين وأحضر ما تهيأ ~~له من المال والأسارى وأحضر رهائن على الباقي والباقين وقرر على هو ابن ~~اقومصية قطيعة مبلغها خمسة وخمسون ألف دينار وخلص الأسرى المقدمون كل واحد ~~بقرار فلما فرغ سره من جانب الشام سار بصدق (201 أ) الاعتزام وعبرنا إلى ~~حلب والملك الصالح بن نور الدين رحمه الله مالكها فمنعتنا ms137 من طروقها ~~مسالكها فجزنا على قرأ حصار وعبرنا على تل باشر فأضافنا صاحبها بدر الدين ~~دلدرم وهو سخي لد الجود والكرم ووصلنا إلى رعبان وخيمنا على نهر يقال له ~~كوك سو وزخرت بحار معسكرنا بأمواج القباب وانباح اغراب وجاء نور الدين بن ~~قرا أرسلان وأخوه وامتزجت النفوس وابتهجت الوجوه ودارت الأفلاك وتزاورت ~~الأملاك واحتفل السلطان بضيافة القوم في سرادقه وتوشيع نمارقه فكون الأكوان ~~ولون الألوان وجمع من مكارمه البكر والعوان, وبسط الخوان وسماهم الأخوان ~~وشرفهم بنفايس الخلع وحمل لابن قرا أرسلان من الحصن والحجور الغربيات ~~والأطواق والشخون والصياغات وأحمال الثياب المستعملات المصريات ما قوم ~~بمائة ألف دينار وأما ما أخرجه من الخيل فلم يحرز بمقدار ولم يبق في ~~معسكرهم راجل إلا ركب ولا عايل إلا أترب وقد نقلنا إليهم كل ما أصبحنا من ~~أثاث ومتاع ومركوب وكراع ثم عمل ناصر الدين محمد بن شيركوه بن عم السلطان ~~دعوة واقتدى بسلطانه في إظهار حسنه وأحسانه ثم اختار عز الدين فرخشاه بن ~~أخي السلطان يوما للقرى وأجزل جوده وبذل مجهوده بل موجوده. واعتمد ما دخل ~~في الامكان من الإحسان وقرت بما أبداه وأبدعه عين عمه السلطان وما زلنا مدة ~~المقام ببذل الاذعان وجاء الأميراكبير اختيار الدين الحسن بن غفراس وكان ~~لملك الروم الركن والأساس وأحضرني السلطان وهو عنده وأنشأت باتفاقها عهدا ~~أكدت بالشرايط عقده وانصرف هو وأصحابه بخلع سنايا وحسنت السجايا, وأمنت ~~الأذايا بتحف وهدايا ووثقت الألايا ووفقت القضايا. ### ||| ذكر دخول بلد الأرمن وفتح حصن المانوية PageV01P075 # قال: وقد كان متملك الأرمن بن لاوان فاستمال قوما من التركمان حتى يرعوا ~~في مراعي بلاده بالأمان ثم صبحهم بغدره وحصلوا بأسرهم في أسره، وكثرت شكاية ~~المسلمين من نكايته فرأى السلطان أن الأولى دخول ولايته فسرنا بعساكرنا ~~المنصورة وخيمنا على النهر الأسود وثمرنا على دياره بالدواير وبالقرب دنا ~~على الجبل قلعة شامخة الذرى على رأس محفوفة من نبات الأفلاك بأحراش، وهي من ~~عقايل المعاقل محصنات الحصون، وكانت في ضمير الجبل كاسر المصون فأضرمها ~~الأرمن نارا ولم ms138 يحسب مع استفرادنا بداره قرارا فقصدناها وبادرنا إلى إخراج ~~غلاتها وإبراز مودعاتها فأشفع العساكر منها بالزاد والعلف وارتفع عنهم مدة ~~المقام أثقال المون والكلف وخاف الأرمني ودخل الرعب قلبه فأرسل باطلاق ~~الأسارى مذعنا وبذل من مجهود في الإسترضاء والاستعطاف ما كان ممكنا وكان ~~الوقت متعسرا والقوت متعذرا وكان من لطف الله اذعان الأرمني حتى عجلنا ~~رحيلنا بالنصر والعز الهني. # وعملنا على أعمال حلب، ووصنا إلى حماة في العشر الأوسط من جمادى الآخرة، ~~ووصنا إلى حمص وخيمنا على عاصيها، ودانت لنا عواصي الأمور ودنت قواصيها، ~~والمطاب قد أشرقت مطالعها، والمآرب قد ملكت نواصيها. # قال: وجاء الفقيه المهذب بن أسعد الموصلي بمديحة على الرسم وكان غزير ~~الفضل وافر العمل، ورسمه كلما عبر السلطان بحمص مائة دينار مصرية وخلعة ~~مثمنة فمما مدح به السلطان قصيدة مطلعها: # أما وجفونك المرضى الصحاح ... وسكرة مقلتيك وأنت صاح # وما في فيك من برد وشهد ... وفي خديك من ورد وراح # لقد أصبحت في العشاق فردا ... كما أصبحت فردا في الملاح # يقرب جودة أقصى الأماني ... ويضمن بشره أسنى النجاح # ومبسوط بنايلة يداه إذا ... انقبضت به أيدي السماح # فمن هرم وكعب وابن سعدى ... رعا الشاء والنعم المراح # (2. 1ب) جواد بالبلاد وما حوته ... إذا جادوا بألبان القداح ### ||| ذكر وفاة شمس الدولة أخي السلطان في هذه السنة # قال: وتوفي الملك فخر الدين شمس الدولة تور أنشاه أخوه السلطان بثغر ~~الإسكندرية في المحرم سنة ست وسبعين ووصل الخبر والسلطان بظاهر حمص فجاد ~~مزن حزنه بالقطرات، وفاضت عين عينه بالعبرات وتقلص ظل صبره وتنقص ورد عمره ~~وخلا ذلك اليوم في بيت خشبة يندب فضل أخيه في كرمه وحسبه وأستدعى كتبا في ~~المراثى متألما يتأملها، وكان كتاب الحماسة على حفظه فدام ينشد أبيات ~~مراثيها، وينشد ضالة معانيها، وهو يتأسى ويتأسف ويتلب ويتلهف. # وكان شمس الدولة أكبر أخوته قد فضلهم بجوده وفضله ومروته، وهو لا يبقي ~~مالا ولا يذر وكم اقتضت من غرايب رغايته وأبكار مواهبه العذر. ولما ملك ~~صلاح الدين مصر رأى أن تلك الممالك ms139 لا تفي بمكارم أخيه وأن كل من يدخر لهم ~~جوده لا يبقيه فجهزه إىل اليمين في سنة سبع وستين ففتح بلادها وحاز طرافها ~~وتلاها ثم لما ملك الشام استدعاه وجرى من الأمر ما ذكرناه ونوابه في زبيد ~~وعدن وساير بلاد اليمن جارون على السنن ويحمل إليه من أمواله ما يحمله عن ~~خزانيه الجود على أنه يضيق عن همته السمحة الوجود. # وودعه في آخر سنة أربع وسبعين وسار إلى الديار المصرية وحكمه في أعمال ~~ثغر الإسكندرية واتفقت وفاته بها. قال: ولقد كان مقبلا على ومايلا إلى ولى ~~فيه مدايح ومنها مدحه خدمته بها عند وصوله من اليمن ولقائه للسلطان في حماة ~~يوم الثلاثاء ثاني صفر سنة اثنتين وسبعين وأنشد يوم السبت سادسه بالمخيم في ~~الميدان وهي التي أولها: # صب لتذكار أهل الجزع ذو ... جزع أطاعه دمعه والصبر لم يطلع # وكان يطمع في طيف وقد بان ... الرقاد فما في الطيف من طمع # يا لايما يدعى نصح المحب ولم يترك ... له وجده مسمعا ولم يدع # أتعبت نفسك تنتهي غير متبع ... حكم الملام ويلحى غير مستمع # أن يجدى لومى فكم في الجود عاشقه ... تور أنشاه كلانا غير مرتدع # هو الجواد الذي عشق السماح به ... أفضى إلى أمد في الجود مخترع # يارايدا للخطب أن تقصد ذراه تجد ... في ظله خير مصطاف ومرتبع # قال: وكتب شمس الدولة إلى السلطان قبل وصوله بخطه كتابا ضمنه هذين ~~البيتين: # كتبت ولولا أن قلبي واثق ... بقرب التلاقي وما حوته الأصابع PageV01P076 # ولو لم أعد إنسان عيني فأنه ... يراكم سريعا غرقته المدامع # فسألني الملك الناصر أن أجزيهما ليكتب إليه فقلت: # بنفسي وما أحوى وروحي ومهجتي ... كتاب لأسباب الفضائل جامع # يخبر عن قلب حوته أضالع ... ويوم النوى قلبي نفته الأضالع # ومن عجب إنسان عني ظاميا ... وقد غرقته في المياه المدامع # فلما وصل شمس الدولة إلى تيما وقرب من الشام نظم شاعره المعروف بابن ~~المنجم جواب الأبيات وكتب: # ولبته لما دعاني منازعا ... بنفسي ومالي والمشوق منازع # وأني بيوم واحد من لقائه ... على عظم المزية ms140 بايع # (2. 2 أ) وما الملك إلا راحة أنت ... زندها يضم على الدنيا ونحن الأصابع # فيا برق طالعه بأني واصل إليه ... وإن طال التردد راجع # فأحضرني السلطان عند وقوفه على الكتاب وحثني على نظم الجواب وذلك يوم أول ~~شوال وأعتمد لسرعة أمره الإرتجال فكتبت قصيدة طويلة كتبتها إليه ومنها: # تألق برق من تهامة لامع ... يبشر أن الله للشمل جامع # يحاكي خفوق القلب مني ... خفوقه فهل راعه مثلي من البين رايع # لقد طال ليلي لانتظار صباحكم ... فهل لتباشير الصباح طلائع # كأنك شمس الدولة البدر بيننا ... ونحن حواليك النجوم الطوالع # قال: ولما أقام بدمشق وفد على جانبه الوفود وأفنى موجوده الجود وشفه ~~بالواردين بحر عطائه المورود، وما زال يفكر في إطلاق ما يليق إلي من ~~الجائزة ففرض لي من فرضه عيذاب مواهبه الغراب وأمر في توقيعه بها النواب ~~وحسب ما أعطاني العطاء الحساب، ولم يكن قط في توقيه تعويق فقلت: قد أحالني ~~البحر على عيذاب ونونها مهامه إذا قطعها الحديد ولم يع ذاب ومن لي بها ومن ~~لاستدنائها وتقريبها فقيل لي أدنى هباته من أقصى اليمن وعيذاب على كل حال ~~أقرب من عدن فأدرجت التوقيع في كتاب إلى المولى الفاضل وأودعته الخريطة ~~السلطانية وثوقا بالوصول فولت إلى مصر وقد سار على عزم الحج على طريق البحر ~~فسيرت إليه تلك الخريطة فاتفق وصولها ساعة ركوبه بحر عيذاب فتسلم الكتاب ~~وأحضر النواب وعرض التوقيع وفض الجميع فما رأيت عطاء منه أهنا ومن المن ~~أبرأ وما عرفته إلا من الوارف الفاضلية. ### ||| ذكر وصول الرسل من الديوان العزيز # قال: وفي رجب سنة ست وسبعين وصلت رسل الديوان العزيز الأمامي الناصري وهم ~~صدر الدين شيخ الشيوخ أبو القاسم عبد الرحيم ومعه شهاب الدين بشير الخاص ~~بالتفويض والتقليد والتشريف الجديد فتلقيناه بالتعظيم والتمجيد. وقد عرف ~~السلطان ما بيني وبين شيخ الشيوخ من الأواصر الموشجة المتمازجة واللحمة ~~المتمازجة فإن أولاده من ابنة عمي العزيز فأمرني بالوصول إليه والمبيت عنده ~~ليلة وصوله إلى القصر فخرجت أوان العصر ودخلت إليه ولمت عن ms141 السلطان عليه ~~وبت طول ليلتي أسامره وركبت سحرا من عنده لأسبق بالدخول وأخبر بالوصول فجئت ~~إلى السلطان وقد ركب للاستقبال ولما ترآى الرسل الكرام ووجب لهم الاكرام ~~والاعظا نزل وترجل وأبدى الخضوع وتوجل، ونزل الرسل إليه وسلموا عن أمير ~~المؤمنين عليه فتقبل الفرض وقبل الأرض ثم ركبوا ودخلوا المدينة وأنزلوا ~~بنزولهم السكينة وانشرحت الصدور واستبشرت الوجوه بصدر الدين وبشير وظفر ~~السلطان من صدر الدين بصديق صدوق مشفق مشير، وكان قد عزم على قصد الديار ~~المصرية وسلوك طريق ايله والبرية فحسن لشيخ الشيوخ مصاحبته، ورغبته في ~~زيارة الشافعي فقال قد عزمت على الحج فأقبلوا عذر المحتاج المحتج ثم قال: ~~أصل معكم إلى القاهرة بشرط إقامة يومين ولا أدخلها وإنما أسكن التربة ~~الشافعية فأنزلها وأسير منها إلى بحر عيذاب وأركبه إلى جده فلعلي أدرك صوم ~~رمضان بمكة وأغتنم وأقيم وأقضي الحج إذا حل موسمه فأجيب إلى القترح وأعاد ~~السلطان أصحابه إلى بغداد ليأتوه من أيبتها إلى الحجاز، وسير السلطان شهاب ~~الدين بشيرا في جواب رسالته على رسم عظمة الديوان العزيز وجلالته وسار معه ~~رسولنا ضياء الدين الشهرزورى لهدايته إلى الراشد ودلالته واستصحبنا شيخ ~~الشيوخ معنا إلى مصر فأقام يومين كما ذكر وتوجه منها إلى مكة على البحر ~~فأدرك بها الصوم. ### ||| (202ب) ذكر الرحيل إلى مصر يوم الاثنين ثامن عشر رجب والوصول إلى القاهرة ثالث عشر شعبان PageV01P077 # قال: ولما عزم السلطان على التوجه خص ابن أخيه عز الدين فرخشاه باليابة ~~عنه بالشام وقلد أمر أجناده وأعماله بسائر أحواله وشحذ عزمه وأنفذ حكمه. ~~ولقد كان عزيز المثل عزيز الفضل معقود الضريب محمود الضريبة مخصوصا من قبول ~~اقلوب بالمهابة المحبوبة والمهيبة المحبة. # ولقد جرت مدة أيالته أحوال دمشق على احلى حالته وله أياد وغايات في ~~المكارم ومباد ولى فيه مدايح طالت قصائدها وجالت في الأعناق قلايدها وأذكر ~~في هذا الكتاب ما هو شرطه ورسم شرحه وبسطه وكتب إليه يوم توديعه كلمة شينية ~~عظم شأنها وتمم بلإحسان احسانها وسير لي مع فروة واكديش عطاء لم يترك ms142 ~~اسراعه للحمد إبطاء ومن أبياتها: # اسأل الله العلي أن نعيش ... ألف عام لنصرة مستجيشا # رعبكم يقلع القلاع ويضحى الرعب ... ههنا للحمد من بأسكم منقوشا # ما أكرى شيئا سوى فروة منك ... وأبقى لسفرتي أكديشا # كيف يخلو من ذي ظهر وظهر ... سالك طريق أيله والعريشا # قال: ولما نزلنا ببصرى إلى مصر متوجهين جلست في خيمتي وحولي أصدقائي ~~المودعون مجتمعون فقال أحد الجمالين قد وقفت لي جمل وما لنا في صحبته أمل ~~فأبغ جملا نبتاعه وإلا فقد حصل على الأرض متاعه. وعندي صديق قام وغاب ~~وتركني أخطب في شرى الجمل الأصحاب ثم عاد سريعا ومعه ثلاثة من حجاب ثلاث من ~~الأمراء الموعين وقالوا سمعنا بابتياعك الجمال لحمل الأثقال، وقد أتينا ~~بخير ما عندنا من الجمال فعرفت أن ذلك الصديق قام وقصدهم وقال: إن كنتم ~~تريدون أن تتقربوا إلى فلان بما يقبله فسارعوا إلى إهداء الجمال له فشكرته ~~على هذه المكرمة ونسقتها في عقود مكرماته المنتظمة وهذا الصديق المعروف ~~بموفق الدين أبى يعلى حمزة العنزي من أعيان حماة وأمثالها. وكان ذا همة ~~تروي المكارم من مناهلها وأراد في تلك النوبة أن يصحبنا إلى مصر فاحتاج ~~السلطان إلى من يديه فكتب له وودعته وسرنا وسار وشب شوق الأحبة في القلوب ~~النار ووصلنا القاهرة على طريق أيله ثالث عشر شعبان واستقبلنا أهلها والملك ~~العادل أخو السلطان حينئذ بمصر نايبه وتلقتنا مواكبه وخدمته بكلمة منها: # أحبة قلبي طال ليلي بعدكم أسى ... فمتى ألقى بوجهكم الفجرا # فقدت حياتي مذ فقدت لقاكم ... فهلا أخذتم فيه من ناره حذرا # لقد عاد أنسى وحشة بفراقكم ... فهل لحياتي منكم نشأة أخرا # سكنتم فؤادي وهو في نار شوقكم ... كما عاد عرف الدهر بعدكم نكرا # وقد كنت مغترا بأيام وصلكم ... ولا يأمن الأيام من كان مغترا # قطعنا بأيام وصلكم ... ومن قصد بحر الندا يقطع البحرا # إلى عزمة في المجد غير قصيرة ... وكان قصارى أمرنا أن نرى القصرا # قال رحمه الله: وفي أوايل سنة ست وسبعين توفي صاحب الموصل وهو سيف الدين غازي بن # مودود ms143 زنكى ونحن مقيمون على كوك سو من حدود بلد الروم وجلس مكانه أخوه ~~أحمد عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى فجاءنارسول مجاهد الدين قايماز وهو ~~الشيخ الفقيه فخر الدين أبو شجاع ابن الدهان البغدادي يلزمنا بحكم اليمين ~~مع سيف الدين وقد سير معه بنسخة اليمين التي حلف بها السلطان وفيها إبقاء ~~سيف الدين على ولايته وأنه لا يغير على نوابه وأخوته. وقال هذا أخوك الذي ~~حلفت أنك لا تغير عليه فبأي تأويل تقبض ما ف بعد الوفاة (203أ) ونحن نرى ~~رأينا فيما نعتمده ونحله في الأمر ونعتقده، ونطالع الديوان العزيز النبوي ~~أعز الله نره ونمتثل في ذلك أمرنا وأعدنا الرسو على عادة الكرام بالتشريف ~~والأنعام، وشرعنا في العود إلى دمشق واليقين من الله بتسديد مرامي المرام. PageV01P078 # قال: وأقام السلطان بمصر مشتغلا بمصالح الدين والدولة مشتملا من نعم الله ~~على التفضيل وبالجملة محتفلا بمجالسة العلماء ومذكراة الفضلاء والجلوس في ~~دار العدل للمالم وكسر المحامد بالمكارم ونحن في لهية وعشية رغدة بل هنية. ~~قال: وفي هذه السنة عربت كتاب كيمياء السعادة تصنيف الإمام أبي حامد ~~الغزالي في مجلدين وفزت من تعريبه وعلم ما فيه بسعادتين وذلك بأمر فاضلي ~~لزمني امتثاله وشملني في إتمامه إقباله. قال: وفي سنة ست وسبعين مات صاحبي ~~المعتمد إبراهيم (بدمشق وأنا بمصر) وفجعني مصاب كمصابه وفل شبا صبرى لفل ~~شبا شبابه وقد كان بمصالحي كافلا وجهده في صون حوائجي باذلا خدمني في أول ~~أيامي بالعراق وفراسة والدي رحمه الله دلت على ما وجدته فيه من الإشفاق ~~ومما رثيته به قصيدة أولها: # أرى الحزن لا يجدي على من فقده ... ولو كان في حزني مزيدا لزدته # تغيرت الاحوال بعدك كلها فلست ... أرى الدنيا على ما عهدته # عقدت بك الأمال بالنجح واثقا ... فحلت يد الأقدار ما قد عقدته # أردت لك العمر الطويل فلم يكن ... سوى ما أراد الله لا ما أردته # فيا وحشتا من مؤنس قد عمدته ... ويا وحدتا من صاحب قد فقدته # فقدت أحب الناس عندي وخيرهم ... فمن لا ms144 يمي فيه إذا ما أنشدته ### || قال ودخلت سنة سبع وسبعين # والسلطان مقيم بالقاهرة، والأيام ظاهرة الليالي زاهرة، والدزلة العالية ~~ضاحكة المباسم مالكة المرايم مهتزة الأعاطف، معتزة الأطراف، سنية الألطاف، ~~والأنعم مستمرة مستقرة، والأعين قريرة والألسن مقرة، وأنامل الأنام بالدعاء ~~إلى الله مرفوعة، وأدعية الصالحين في ذمام دولته مسموعة، ولرواية الأحاديث ~~النبوية رواء، وللأرواح من أورادها أرواء. # وكان البندهي المسعودي فصيح الحجة، صبيح البهجة، عالي الرواية، حالي ~~الدراية يؤدي بقراءته الصحاح صحيحه، تسمع من ألفاظه ألفاظها الفصائح فصيحة ~~وتسمع من ألفاظ السلطان قد عين له للسماع ميقاتا وجمع به من العلم والعلماء ~~أشتاتا فما أحسن شمايله وأشمل محاسنه وأزين محافله وأحفل مزاينه وأمكن ~~فضايله وأفضل أماكنه. # قال: وفي هذه السنة ورد كتاب عز الدين فرخشاه من الشام يذكر ما من الله ~~تعالى به على الأنام من الأنعام، وإن ولادة التوم كثرت في هذا العام فأنشات ~~رسالة توأمية أصدرتها إلى الأجل الفاضل فإنه يعرض في سوقه بضاعات الفضايل ~~ومنها: لئن أتأم العام بالحنين وأتى بالحسنين فما زال لكل قد توأمان فللعدل ~~العمران وللدهر القمران وللسماء سوى توأميها الفرقدان وللأرض (مرج البحرين ~~يلتقيان) لكن الزمان لم يزل بميل مولانا الفاضل عقيما واولا صحة فضله وحة ~~أفضاله لكان الدهر سقيما فهو واحده وأوحده وماجده وسيده وبراعته أم البراعة ~~قد أتأمت ملكي مصر والشام وعززت من القن بثالث بيمين الإسلام، والملك ~~توأماه الناصران العباسي بلأمانة كفيل وجود الماجد الأيوبي في نيابته وكيل، ~~والمال والنصر توأما نعت فخره وتميما نحت نجره، وكوكبنا سعد فخره ومركبا ~~جاش حزمه وموكبا جيش عزمه وكذلك النظم والنثر توأما الفضل ومولانا الفاضل ~~مربيهما، وهما نجيبا بنانه وجنينا عنانه وإنسانا عين بيانه فلا جوار لمها ~~من جور عناد الدهر إلا عنده ولا رواح لرجائهما بين كرام العصر إلا ف سوقه ~~ومجده. ### ||| (203ب) ذكر وفاة صاحب حلب الملك الصالح رحمه الله # قال: قد سبق ذكر الملك الصالح اسمعيل بن الملك العادل نور الدين رحمه ~~الله، وأنه أقام مقام أبيه وأقام عند السلطان إلى ms145 الشام على تأبيه. وكان ~~قصد صلاح الدين إصلاحه وأن يضمه إليه ويضمن نجاحه وفلاحه فصده عنه ممالك ~~كفلوه فأخذت بلاده كلها بلجاجهم وفرضت دولته لسوء علاجهم فامتنع بحلب وبعد ~~عله من استعادة البلاد ما طلب ولم يزل بحكم المسئولين عليه مكفولا ولا يجد ~~لحلف رأسه عقولا فأسرعت شمسه لبازغة افولا وسعت سعادته عنه قفولا. # ووصل صاحب الموصل عز الدين مسعود إلى حلب فجمع ظاهره وباطنه وأخذ خزانيه ~~وإخراج دفاينه وأخلى كنائنه ثم عرف أنه لا ستقر له بها أمر فرغب أخاه عماد ~~الدين زنكي صاحب سنجار في تعويضها له بحلب فمال إلى بذله ورغب وتسلم حلب ~~وسلم سنجار وأقام في رغد لو أمن الجار. PageV01P079 # ولما سمع السلطان بوفاة الملك الصالح في مصر تحرك عزمه واحتد أواره وندم ~~على النروج من الشام مع قرب هذا المرام وشرع في جد الأهتمام وصدق الإعتزام ~~وكتب إلى ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه وهو يتولى له المعرة وحماة ~~وأمره بالتأهب والربوض لفرصة التوثب وكان نايبه بدمشق عز الدين فرخشاه قد ~~نهض ف مقابلة الفرنج فأن الإبرنس الكركي كان يحدث نفسه بقصد تيما في البرية ~~وأعد لذلك الأزواد والروايا مع السرايا السرية فحركت عز الدين دواعي الحمية ~~وبواعث النخوة الدينية فعرف السلطان أشتغاله بذلك المهم وأنه يتفرغ لدفع ~~الملم فشحذ عزايم نوابه بالشام بتحديد المكاتبات لهم وبعثهم على الاستعداد ~~وحملهم وكان الأمير معين الدين عبد الرحمن صاحب راوندان في حضنه وهو يشتد ~~بركنه فكاتبه بما أرهف حسه واستسعف في المساعدة جده. ### |||| فصل من كتاب إليه من مصر في أواخر شعبان سنة سبع وسبعين # وقد عرف ما تجدد من وفاة # صاحب حلب وهي ولايتنا التي لا نثني عنها عنان الطلب فإنها في تقليدنا ~~بأمر أمير المؤمنين وما تركناه للملك الصالح بعد التصرف فيها وحصول حصونها ~~ومعاقلها في أيدينا إلا رعاية لحقوق أبيه ورغبة فيه، ولا مانع اليوم عنها ~~إلا من يمين معقودة ولا عدة معهودة، وقد وفينا المتوفي بعهده والآن فقد سفر ~~لنا وجه الحق ms146 وبأن ودنا لنا مصعبه وأصحب ودان. وولدنا تقي الدين هناك ~~بالقرب وعساكره جارية على حكمه وعزيمتنا معقودة بما هي عزمه فلتكن أيديكم ~~متساعدة متعاقدة والقلوب واحدة. # ومنه ومعين الدين ينهض بنفسه وبعسكره ويؤثر في هذا المقام حسن أثره ويعمل ~~عمل المرء لنفسه وينتصف ليومه من أمسه. PageV01P080 # وقال: وحررت في المعنى مكاتبة إلى الصاحب مجد الدين استاذ الدار العزيز في منتصف # شهر رمضان سنة سبع وسبعين. ومنها أصدر مملوك الدار العزيز ثبت الله قواعد ~~مجدها وشد بعرى النر معاقد سعدها مطالعةه التي أعرب فيها عن صاحب الموصل ~~فغنه طمع في جانب وطمع إليها ومد يد التعدي بالاحتواء عليها ونكث الإيمان ~~المبرمة ونقضها وترك المراقبة التي فؤضها الله ورفضها وأن حلب وأعمالها ~~داخلة في ولايتنا التي يشهد بها شريف المثال وينطق بحقه المنشور العالي ~~الموقع له من به العظمة والجلال. ومنها ورسوله إلى الفرنج يستجديهم في ~~شغلنا ويغريهم ويبذل لهم الرغايب ويضربهم وقد راسل الحشيشية والمراد من ~~الرسالة غير خاف والعلم بالمعتاد منها غير كاف وما تهيأ للمذكور الوصول إلى ~~حلب إلا بسبب غيبة ابن أخينا في أقصى بلاد الفرنج في أول بريةتيما وهي ~~دهليز على ساكنيها أفضل السلام وأغنم كون البرية معشبة في هذا العام قففا ~~ابن أخينا أثره ومنع الكافر المخذول وصد قصده ولم يعلم بوفاة ابن نور الدين ~~رحمه الله إلا بعد عودته ومن العجب أن نحامي عن قبر النبي صلوات الله عليه ~~مشتغلين بمهمة والمذكور ينازع في ولاية هي لنا ليأخذها بيد ظلمه وكم بين من ~~يحارب الكفر ويحمل إليهم قواصم الآجال وبين من يتخذهم بطانة دون المؤمنين ~~وتحمل إليهم كرايم الأموال وبين بعيد من دار الخلافة المعظمة يفترض الطاعة ~~(204أ) ويستفرغ في مراضيها الاستطاعة، وبين آخر يدعى أنه أقرب جيرانها ولا ~~يمت بل لا يموت إلا عصيانها وكل يعمل على شاكلة أصحابه فهو يمرى بيد المرير ~~أخلاف أخلافه ونحن لا ندين إلا بطاعة الإمام ولا نرى ذلك إلا من أركان ~~الإسلام هذا مع ما نعد من سوابق ms147 في الملة الحنيفية والدولة الهادية ~~العباسية لا يعد مثلها أولا لأبي مسلم لأنه أقدم ثم عام وأمال ثم آلام ولا ~~أحرا لطغر لبك فإنه نصر ونصب ثم حجر وحجب وقد عرف ما فضلنا الله به عليهما ~~في نصر الدولة وتطهير المنابر وحسن الأدعياء وأطلاع أنوار السمات الشريفة ~~كاشفة لظلمة تلك الأسماء وإنارة صباح الهدى بعد امتداد رواق الضلالة ~~والمدلهمة الظلما ولم يفعل ما فعل لأجل الدنيا فاجزا منه بالحسنى طولع في ~~الأخرى غير أن التحدث بنعم الله واجب والنجح بالخدة الشريفة والإفتخار ~~بالتوفيق فيها على سجيته غالب ولا غنى عن بروز الأوامر الشريفة إلى المذكور ~~بأن يلزم حده ولا يتجاوز حقه فلا ولا بذله من خليقة يقترن بها المضاد ولا ~~وراثة له في أرض الله فإن الأرض لله يورثها من يشاء، فإن أطاع وأناب ورجع ~~عن الخطأ وعاود الصواب وألا فما صنا إلا أن نقاتله وهو لأمر الخلافة ~~المعظمة مخالف ونحن طايعون والمشار إليه متصامم ونحن سامعون. # ومنها فأن جنى جان على الدولة العباسية بالنيابة عنه في ذلك لا يقرب عن ~~دخل معتقده وتنكب نهج الحق وجوده فالأولى تقليد المذكور جميع الولاية فأن ~~دخول الأيدي المختلفة من الأعداء شاغل ويحتاج إلى مغرم ينفق فيه العمر بغير ~~طايل وبقاؤنا في هذه الدار القليل اللبث القصير المكث يؤثر أن نغتنمه في ~~الخدمة الشريفة النبوية والطاعة الإمامية في مجاهدة العدو الكافر الذي صار ~~له البيت المقدس محلا للارجاس ومضت عليه دهور وملوك لم يحصلوا من رجائهم ~~تطهيره إلا على اليأس. هذا وما بنا بحمد الله قصور عن أن نصده عن قصده ~~ونريده ثوب العجز برده ونكيل له بضاعة ونعثره في عثير إسراعه وقد طالع ~~الديوان العزيز بطيه مستشفعا ولشرح قصته مستوفيا ولعذره في جميع الأحوال ~~مبليا ولا غنى من نظره السامي ليكون للأحوال متوليا ولراية الحق معليا لا ~~زال لذخاير الحمد مقتنيا ولقواعد المجد مينا ورأيه أسمى. # قال رحمه الله: وفي هذه السنة سنة سبع توجه الإبرنس بالكرك إلى تيما ~~وتقرب من المدينة ms148 النبوية على سكانها السلام فشد عز الدين فرخشاه واستعد ~~ووجد التوفيق الإلهي وجد وتوغل في البرية وما زال على مقابلة الإبرنس حتى ~~نكص ذلك اللعين على أعقابه وأذله عز الدين بحق باسه فبطل ما كان في رأسه. # وقد جرى ذكر ذلك في الكتاب الذي أنشئ إلى الديوان العزيز وأعرب عنه ~~باللفظ الوجيز. قال وفي هذه السنة توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية وخيمنا ~~عند السوارى وشاهدنا بسنا قدومه أشعة زند الإقبال الداري وشاهد الأسوار ~~التي جددها وأمر بالإتمام والاهتمام بالأحكام. PageV01P081 # وقال السلطان: نغتنم حياة الشيخ الإمام أبي طاهر بن عوف وهو اسمعيل بن ~~علي بن عوف فحضرنا عنده وسمعنا عليه موطأ مالك بروايته عن الطرطوسي في ~~العشر الأخير من شوال. وتم له ولأولاده ولنا السماع والوالي بالثغر المحروس ~~فخر الدين قراجه وقد ارتفعت بحسن سيرته عن تلك البلاد السماجة. وفزعنا ~~منارة الإسكندرية وقضينا منها عجبا وخرجنا من البلاد ولم نقض على الكمال ~~اربا وعدنا إلى القاهرة في ذي القعدة وشرع البركة بالبركة مضاربة وكتب ~~بحكته إلى الآفاق وتحركت كتايبه فكتب مناشير البلاد وقسم عسكر مصر قسمين ~~فقسم في ثغورنا بحكم الملك العادل وقسم ف الصحبة ووصى بملازمة الثغر الذي ~~هو فيه، وأمر بهاء الدين قراقوش بإتمام السور الداير على مصر والقاهرة، ~~وأمره بمواد ذكر رحيله في آخر السنة إن شاء الله تعالى. ### ||| ذكر آفة ضيافة # قال رحمه الله: كان الأمير مجد الدين سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ ~~لشمس الدولة نايبا بزبيد ثم اسقاله وانفصل وناب بزبيد أخوه حطان وكان قد ~~ابتاع من السلطان الناحية المعروفة بالعدوية وعدل أحوالها بالعمارة السوية ~~وهو من أهل (204ب) المجد والأبوة والفضل والمروة وكانت بيني وبينه صداقة ~~بصدق العقيدة معقودة ومقاربة بزمام النسب الأدبي والحسب العربي مقودة وربما ~~أقام بالعدوية أياما وه ذات جنان وعيون وأفنان وحدائق فاخرة، وهي على ~~الحقيقة جنة القاهرة فداخلها إليه بها يوما وذلك في أول السنة فمضينا في ~~جمع من الأفاضل منهم شمس الدين ابن الفراش قاضي العسكر، وموفق ms149 الدين أبو ~~يعلى حمزة بن الحسن العنزي وجمال الدين الفقيه والشاعر أبو علي الحسين بن ~~رواحه حتى قربنا فقربنا القاضي واستقبلنا وتلقانا فوفى كلا حقه من السلام ~~والترحيب والإكرام وترجلنا ودخلنا دارا دارت له الأقدار بالأقدار ووردنا ~~عذبا عدا لم تطرقه يد الأكدار وأجلسنا في الرواق كالملوك والمماليك في ~~الروق قيام واستيقظ لحظنا ناظر الدهر وصروفه عنا نيام، وما زلنا في جد ~~ومراح حتى طما على نهر النهار من الليل السيل وجر على الآفاق من جلابيب ~~غياهبه الذيل فأزهرت نجوم الشموع في أبراج تلك الأروقة وأشرقت شموسها ~~للشموس المشرقة وما منا إلا من زكت أثمار غرسه وذكت أنوار شمسه ونثرت عقود ~~نظمه وكثرت نقود فهمه حتى تبسم الصباح وسعت ينابيع النور من ساحل لجة ~~الديجور فأصبحنا على ما أمسينا عليه من جوا وار وشعار من العار عار. وقال ~~الأمير الأديب: ما تقولون في نزول النيل فقلنا: لأمرك الأتباع وحكمك المطاع ~~فركبنا عشاريا مخضت بالمحاسن عشاره وأغرب من نجاره العربي نجارة فتوسطناه ~~بالأملاك شموسا والبدور على الصبا تصبى النفوس وشموسه الحجال تحجل الشموس ~~والمركب صاعد ونازل والراكب جاد وهازل، وعندنا ل طيب وطاهر وبهي وباهر وزاه ~~زاهر ثم استوت السفينة وأحوتت عليها السكينة وملنا للخروج وعدنا إلى الجلوس ~~وقلنا: قد أطلنا وأحجرنا وأمللنا وأضجرنا فإن أذنت فحلف أننا لا نقوم بل ~~نقيم وأنه يتكلف بكل ما نروم ولا نريم، فذبح من الغنم قطيعا، وصنع قرى ~~وسيعا، ثم رأينا أننا نتريح بالقيلولة لعزم البيتوتة فقمنا وقلنا ومال بنا ~~الكرى وملنا ولم ندر أن النور غيور والأصل عثور فما شعرنا حتى أيقظنا ~~الإرتياع والإرتياب وتقطعت بالمتواصلين الأباب وأصحاب الأمير تشاوروا ~~وتشوروا فقلنا ما الخبر وهم غشا صفونا الكدر فقالوا هذا الأمير قراقوش قد ~~أحدق ببسيطة هذه الحديقة لقبض الأمير وقد شغلته مسامرة الحادثة عن الحادثة ~~السمير ففرقنا وتفرقنا وركبنا إذ أنكبنا ونتفنا ولا عطف أحد على أحد، ولا ~~أخذت يد بيد حتى عدنا إلى القاهرة متأسين متأسفين ملتهبين ملتحفين، وكل من ~~يلقانا من ms150 أصدقائنا يغطبنا بالمداعبة ويقول كنتم على الأمير مبارك مباركين ~~فلم لما أخذ كنتم له تاركين وهلا كنتم في المكروه له مشاركين فنقول: هذا ~~قدر محتوم وسر للغيب مكتوم، وشاع عند سلطاننا سره وأعجبه أمرنا وأمره ونقول ~~ما أسفنا على تلك الحلاوة التي مرت ومرت والطلاوة التي سادت يوما بعدما سرت ~~وأحمدت ووجدت العتبى. ### ||| ذكر السبب في القبض عليه PageV01P082 # قال كان خواص السلطان إذا خلوا به ذكروا المذكور وأن له الذخر الموفور وأنه استوعب # أموا زبيد وأقنى الإماء والعبيد، وكنز كنوزا تأبى أن تبيد ولو حضرت ملأت ~~البيد فيقول ما عليه سبيل ولا لما تذكرون دليل، وقد أغناه اله في دولتنا ~~فلا نفقره، وعظمه بعظمتنا فلا نحقره، فكانوا يمتعضون من هذا الحديث، ~~ويتقولون عليه الأقاويل، ويحققون فيه الأباطيل إلى يوم الدعوة العدوية، ~~واشتغاله بأشغالها وتوله إليها لا حوالها، واستدعاء آلات من البلد واحتفاله ~~بجمع المطرف والمتلد. فقالوا للسلطان أن سيف الدولة اليوم في همة عظيمة وحث ~~عزيمة ونهز هزيمة، فإن لم تدركوا فات، وهيهات هيهات، فأمر بهاء الدين ~~قراقوش بأن يعدي إلى العدوية العدوي وأن يركب الجد في احضاره وجدوى فجاءه ~~فجأة على تلك الحالة ولما رآنا عنده عرف اخلال تلك المقالة فأركبه على ~~عادته الجميلة وعزته الجليلة ونحن معه (205أ) وللأمير قراقوش عاتبون وسرنا ~~إلى العصر حتى وصلنا إلى القصر فأرد الملك العادل له فيه دارا ورتب له ~~ولأصحابه من وصايف الطعام والشراب أدرارا فسمح السلطان خاصته بثمانين ألف ~~دينار ولم يظهر فيها بيع متاع ولا اتدانة عقار وعزم لأخوي السلطان الملك ~~العادل وتاج الملوك ما حافظ به على نهج كرمه المشكور وخرج مشرفا مكرما وزاد ~~السلطان في تكريمه ورفع مرتبته ونفذ إليه خط يده بأن المبلغ دين في ذمته ثم ~~باعه أملاكا بمصر بثلاثين ألف دينار وبذل له كل ما طلب عن إيثار واختيار. # وكان هذا الأمير من رجاحة عقله وحصافة فضله ما سمعت منه قط شكوى ولا ~~حكاية في بلوى، وقتل أخوه حطان بزيد وأخذ ماله فلم يظهر ms151 للسلطان منه كراهة ~~وكل نزاهة ونباهة قال ومما أنشدينه لنفسه قوله ف حال أحضرت. # وهيفاء ما زالت عساكر حسنها ... تغير على العشاق ثأره ثائر # لها في احمرا الخد خال مورد به ... خضرة شفافة للنواظر # فقلت لها ماذا النجيع الذي أرى ... وهل صيغ خال قلبه من جواهر # فقالت وقد لاح الحياء وجهها ... حالت جيوش البحر بين المجاهر # سكفت دماء واشتققت مزايرا ... فما ذاك إلا من دم ومزاير # قال وفي هذه السنة تقرير مع سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب أن ~~يمضي إلى بلاد اليمن وزبيد وعدن ويقطع بها الفتن ويتولاها ويولي ويعزل ~~ويستثبت ويستبدل. فسار بعد مسيرنا إلى الشام وجرت مملكته فيها على أحسن ~~النظام وذلك في سنة ثمان وسبعين. ووصل إلى زبيد وحط حطان عن رمحته فاستشعر ~~وآوى إلى بعض الحصون في ذروته وأمنه وسكنه وزال مخافته وأظهر له رأفته ~~ومارجه ومازحه (ونافقه وأمنه) وأثر له في داره وأدخله الجنة وهو في ناره ~~وهو يقول: أمري بمشية مشيتك يتمشى وملكي بتوشية تدبيرك يتوشى وأنا في مراد ~~مرادك أتغدى وأتعشى فقال له حطان: أنت السلطان ومنك الإحسان وفي تخلية ~~سبيلي لك الامتنان وقد تأكدت منك بالأمان الإيمان فقال له ما أردتك عندي ~~إلا ليرى رأيك زندي ثم أذن له الإنفصال إلى الشام وهو يبدي الكراهية ويريه ~~أن لعيشته بمقامه لديه الرفاهية فجمع حطان كل ماله من سبد ولبد ولجين وعسجد ~~وياقوت وزبرجد وآلات وعدد وحصن وحجور غراب ومال أنفذه من اليمن بغير حساب ~~ثم قدم أمامه أحماله وأثقاله وظن أنه نجا وفاز وركب الأوقات فورد إليه ~~ليودعه ثم يشيعه ويركب معه فلما دخل إليه اعتقله وسير وراء ماله من أقفلة ~~وغلى خزانته نقله ثم أنفذه إلى بعض معاقله فحسبه ثم قتله ومما ذكر السلطان ~~عن خبر ذهبه أن نيفا وسبعين غرفا من غلف الزرد كانت مملوءة بالذهب الأحمر ~~المنقدة وقوم الأخود بألف ألف دينار، وأما صاحب عدن الأمير عثمان الزنجلي ~~فإنه لما سمع بسف الإسلام تجهز إلى الشام قبل أن ms152 يحطم كتحطم حطان بالحطام. ### ||| ذكر عاطفة مستغربة PageV01P083 # قال: أقام الملك عز الدين فرخشاه بعد أن صار السلطان إلى مصر بالشام فهيب ورجى وأمل # وخشى فعن للفقيه العلم خطيب مرة أن يزور إلى السلطان مثالا يتضمن له ~~منالا شبيه فيه بالخط السلطاني وخطى ووقع له أن يصيب بالتوقيع وهو المخطي ~~فعرضه على عز الدين فما خفى عليه تزويره ودار في الإيقاع به مع أنه من أهل ~~العلم تدبيره، وهابه العلم وارتاع وارتاب وأجاب غراب البين ونوى الإغتراب ~~ووصل إلى مصر وهو مرتعد ومرتعب وقد سير عز الدين بالتوقيع المزور إلى مصر ~~نجانا وترقب في أمره بالعنف جوابا فما تحدث السلطان (205ب) بحديثه بل أذن ~~للعلم في الدخول وأجلسه إلى جانبه وأكرمه وسأله فيما وفد لأجله من مطالب ~~وأنسه بالبشر والطلاقة وصان ماء وجهه من الإراقة فقال له: أية حاجة أوفدتك ~~وأية ضرورة ن قرب الأهل بعدتك فهل كتبت إلينا بالغرض فكنا نعد قضاءه من ~~المفترض فقال له: أصصدقك عن حالي وأخلي بالي المشغول عن بلبالى قد جرى مني ~~كيت وكيت فضاق بي بعده البيت فقال: هذه القضية تعزي بك إلى التغريب وأنت ~~تثري بمأمولك ولا تثريب ونحن ما نحقق ما عدوه مزورا ونودع روح المعلي فيما ~~أحضر مصورا وأمرني بأن أكتب له توقيعا بضعف ذلك الإدرار وكتب له بخطه ~~الأشرف وشرفه بالكسى والمال وأعاده إلى الديار فتعجب الناس من هذه الرغبة ~~الغريبة والصنيعة البديعة فعادة السلاطين الإنتقام ممن يزور على توقيعهم ~~بالإيقاع الشنيع والعقاب الفظيع فخالف تلك الطباع وخرق ذلك الإجماع وأبدع ~~مع عفوه الإصطناع. # وقال ومن كرمه وحلمه أنه كان له أمام يصلي به وهو يكتب مثل خطه فأطلق به ~~أموالا وأصلح وأنجح بتزويره لأصدقائه أحوالا وآمالا ولا يشك صاحب ديوان ولا ~~متولي حزانة في أنه صحيح وبالجود صريح فلما دام سنين انكشف وشارف عند ~~السلطان التلف وجلس خواص السلطان واماؤه عنده يغزونه به فمنهم من يقول تقطع ~~يده ومنهم من يقول يقتل ويعلق جسده فلما فرغوا من حديث العقوبة ms153 جذبته ~~المثوبة وقلت له بالعجمية سرا تهبه للقرآن فقال وهبته مرضاة للرحمن فتنفس ~~خناقه وعجل وكاد يحبس أطلاقه وأبقى عليه خيره حين استبدل به غيره وصار بعده ~~للملك العادل أماما وبقي شغله معه مستداما وعزم ذلك الإمام على الحج ذلك ~~العام فودع السلطان وقال له اجعلني في حل فقال السلطان: بل أنت تدعو إلي في ~~حلك والإحرام وثق مني عند عودتك بالبر والإكرام. ### ||| ذكر سهوة تطير # قال: كان السلطان عشية توديعه لأهل مصر جالسا في سرادقة آنسا بفيالقه ~~والمجلس غاص وعارض فضله بتلك العراض عراض وكل واحد منا ينشد بيتا في ~~الوداع، ويورد أحسن ما قيل في برح النزاع وهو يقول ما أعبق هذا الشميم ~~وأطيب هذا النسيم، وما أزهى هذه الأزهار وما أسحر هذه الأسحار فأخرج أحد ~~مؤدبي أولاده رأسه وصوب للتنفس كريه أنفاسه وأنشد مظهرا لفضله: # تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # فلما سمعه خمد نشاطه وتبدل بالانقباض انبساطه ونحن ما بين مغضب ومغض ~~بعضنا إلى بعض وكأنه نطق بما هو كاين في الغيب فأنه ما عاد بعدها إلى ~~الديار المصرية حتى انتقل من دار الغفران إلى غرفاتها العلية. # قالومن جملة نسج المعلمين في القول ما حكاه لنا شيخنا أو محمد ابن الخشاب ~~بالعراق قال: ولت إلى تبريز وقد أحضرني رئيسا في داره وقد احتفل في مرابعه ~~بمباره وأجلس ولده بين يدي ليقرأ بعض ما تلقنه علي فقابلت إحسانه بإحساني ~~وقرظت ذلاقة لسانه بلساني وقلت فرخ البط سابح فقال معلمه زكان حاضرا نعم ~~وجرو الكلب نابح فخجلت من خطأ خطابه ومقصوده أن يذكر قرينه ولا يبالي بعينه ~~قريرة أم سخية ودأب آداب أولاد الملوك والرؤساء لاجترائهم على أعزة أولادهم ~~الإجتراء على الآباء وإنما يصلح لمجالسة الملوك من يحتفظ في كلامه ويتيقظ ~~حتى في منامه ويوافق محة مرامه ويلازم مهابه مقامة ويجري في عقود النقود ~~وخصوص الفصول على نظامه وختامه. ### ||| ذكر بطشه فرنجية وقعت إلى البحر PageV01P084 ### |||| فصل من كتاب إلى الديوان العزيز بشرح ذلك: # وجرى ms154 عند ذلك من الاتفاقات الحسنة في # هذهالسنة أن بطشة كبيرة من مراكب الفرنج مقلعة من بلد لهم يقال له يوليه ~~تحتوي على ألفين وخمسمائة نفس من الرجال القوم وأبطالهم وهم على قصد زيارة ~~القدس في الساحل فالقتهم الريح إلى ثغر ديماط المحروس بجدهم المنكوس فغرق ~~منهم الشطر (206أ) وشمل الباقين بأسرهم الأسر وسقط الفرنج في أيديهم وحل ~~منهم في الأسر زهاء ألف وستماية وستة وسبعين نفسا ذل لها جانب الكفر وقامت ~~بها على الكفرة الفجرة حجة النصر. ### || قال: ودخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة # والسلطان لمضاربه مبرز والإيمان لعساكره مجهز ومصر قد أبرزت أثقالها وحقت ~~(وألقت ما فيها وتخلت) وقد خفقت ذوايب الدوابل وانتظمت بحار السوابح وأطردت ~~جداول الصفايح وخرجت المعارف للتوديع والأشياع للتشييع ونحن على العزم ~~الصريح السريع وما من استكثر من الطهر والزاد واستظهر بوفور الإمداد وعزمنا ~~على الرحيل من بركة الجب خامس المحرم على طريق صدر وايلة ثم كانت منازلنا ~~على الجسر ووادي موسى ووصلنا السير بالسرى حتى قطعنا بعد خمس ليال إلى ألة ~~العقبة وسمعنا بأن الفرنج مجتمعون بالكرك لقصد الطريق فصممنا العزايم على ~~جمعهم بالتفريق وشحذنا الجدود وأنفذنا إلى أطرافنا الجنود ثم فرضنا عقبة ~~شتار وذكرنا الأوتار وشددنا بالقسى الأوتار فلما وصلنا إلى القريتين أقمنا ~~لتدمير العدو وأغرنا تلك الأيام العشرة على طرف بلاد العدو ونواحيها وأزلنا ~~نقوش عروشها بمواحيها وأنبتنا في ثنايا تلك الثغور من بيضها بيض أفاعيها ~~فمكثنا على أنهم بغاراتنا يسمعون وفي غزواتنا يطمعون فما برحوا من وراء ~~جواهم ورأى جدواهم فقال السلطان أزوادنا ما تفي بالمقام ومعنا خلق كثير من ~~الخواص والعوام فأقام في كماته المجردة وقال لاخيه تاج الملوك بورى: خذ ~~الناس معك واقصد بهم على طريق مأمونة يمنة فسارت آلايه منتظمة وأتخذت ~~الدجنة جنة وأدلجنا وسار السلطان على سمت الكرك وبيننا وينه وهو مقابلنا فب ~~العرض مسافة يجمع ويقصر فيها الفرض فوردتنا البشاير بنصر عز الدين فرخشاه ~~وظفره وأنه غنم وعاد بكرم مآثره وحسن أثره وسأذكر شرح هذا الظفر بعد ms155 انتهاء ~~هذا السفر. ثم اجتمعنا بالسلطان بعد اسبوع على الأردن ثم جئنا إلى بصرى ~~وهنا استقبلنا أنعم الشام وتلقينا أيام من الأيام وجاء الملك المنصور عز ~~الدين فرخشاه وقال قد نال الإسلام بإقباله ما كان يرجوه والكفر ما كان ~~يخشاه وأقرت بجماله وجميله الأعين والألسن وشهدت له شواهد فضله بأنه المحسن ~~المضل وجنت إلينا دمشق ثميراتها ووجبت بحكم الشوق المسارعة إلى الدخول ~~جناتها ووصلنا إلى دمشق يوم الاثنين سابع عشر صفو ووجه الدولة قد سفر ~~ودخلنا منها إلى جنة النعيم وفزنا منها بالمقام الكريم. ### ||| ذكر ما تم بنهضة عز الدين فرخشاه # قال رحمه الله لما عرف الفرنج رحيلنا من مصر وجمع من الناس التجار وأهل ~~الشام الذين يغربوا خوف اللا من الشام اجتمعوا إلى الكرك للقرب من الطريق ~~لعلهم ينتهزون فرصة التعويق أو يقفون على بعض العقاب ويتطرفون للأطراف ~~والأعقاب فعرف عز الدين فرخشاه بدمشق هذا الخبر فنفر وجمع جموع الشام ~~واغتنم خلو بلاده من حماتها وفراغها من كماتها وتسبيبها على رعاتها فنهض ~~إليها نهضة شمرى مشمر وصحبها صباح مدبر على الكفر مدمر وأغار على دبورية ~~وجاز إلى حبيس جلدك بالسواد وهو شقيف طالما شقب بأشقيائه أهل البلاد فأسعد ~~الله عز الدين فرخشاه بفتحه المبين وتم به ذل الكفر وعز الدين، فجاءت خيبة ~~الفرنج من ورائها وقدامها وتنوعت عليها في صحة عزمه أقسام سقامها ولما ~~استقر بنا المقام مدحت عز الدين فرخشاه بقصيدة طويلة أذكر فيها سعادته بهذه ~~الغزوة، ومطلعها: # حتى متى يجفى المحب أنه ... إلى الأحباب ذنب # والأم تنبو في محبتهم ... له جفن وجنب # (206ب) سهل عليكم ما ألاقى ... فيكم وعلى صعب # يا ظاعنين وهم نزول في ... الحشا فالبعد قرب # من شوقكم أبدأ بأهدابي ... لدر الدمع ثقب # لي بالعراق فديتهم أهل ... وجيران وصحب # بهم أرى الدنيا فهم ... أقمار داجية وشهب # ومنها: # كيف اللقاء ودارنا ... وديارهم شرق وغرب # من آل أيوب الذين هم ... لغيث الجود سحب PageV01P085 # ألقوا صوارمهم كأن ... أكفهم للبيض عقب # فلك يدور من العلى ... وله معز الدين قطب ms156 # المدح صدق في علاء ... وبعض مدح الناس كذب # ومنها: # وكان أرشية الرماح ... لها قلوب القوم قلب # وكان سيفك ناظر ... من حوله الأرماح هدب # وعرفت أن وكيدهم ... الا لسيفك لا يرب # بأس وجود أن ذكرتهما ... فمن عمرو وكعب # علياك علمت الفصاحة ... كلنا فالعجم عرب # قال: ونعت عز الدين بمعز الدين له وتفضيلا، وقد حسنت البلاد بمحاسنه ~~وزينت بمزاينه، وأخصبت بوجود جوده وسعدت مطالعه بمطالع سعوده، وله مهابة ~~ومحبة في قلوب القبول وتناسب وتناسق في عقود العقول. ### ||| ذكر نهوض السلطان إلى طبرية وبيسان PageV01P086 # قال رحمه الله: ولما ألقينا بدمشق عصا النوى عاد غلينا الغزاة الهوى وقال ~~السلطان: لا راحة إلا في التعب ولا دأب لنا غير الدأب، وكيف لا نغتنم طيب ~~الزمان وفرصة الأمكان، والعساكر بحمد الله ماضية العزايم مضية الصرايم، ~~وبرز بجموع العساكر والبحور الزواخر وأغار على طبرية وبيسان وفتك وهتك وكسر ~~وأسر وسل السيوف وقتل الألوف وأذل الأنوف، وكانت وقعة شديدة ونوبة للهداة ~~مبدية وللعداة مبيدة. واستشهد من المؤمنين رجال إلى حمى الحمام عجال وعاد ~~السلطان ولحزبنا القاهر قبول وإقبال ولحرب الكفر الباير أوجال وأوجاع وكانت ~~عودته من غزوة طبرية رابع شهر ربيع الأول، وكان مخيم السلطان في هذا الفوار ~~وعاد إليه في الغزو والفوز، وطال مقامنا به وبلينا بأحبتنا بمكروه، ولم ~~نقدر على اجتيابه فإن ماءه ثقيل وهواءه وبي وبيل وجوه عاقد وجواه واقد ~~وعينه أجون وما لسكانه سكون فالحيات أتراب أترابه والضفادع جازات ضيائه ~~والأساور أساور أحجاره والأفاعي مشاجرات أشجاره، فخفت على مزاجي من انحافه، ~~وأشفقت على نشاطي من انصرافه وانشأت رسالة وعرضها على الأجل الفاضل في تلك ~~المنازل وسميتها برسالة اليات من الرسايل وهي التي من ألفاظها: المملوك في ~~منزلة عيونها سخينة وقطافها ثخية وفوارها فوار وانجادها أغوار وسكانها غير ~~ساكن، وقاطنها غير آمن وجدا جداولها علاقم، وخبا جنادلها أراقم، وحياتها ~~موحيات ونافثاتها نافذات، تسعى ملتويات وتلتوي ساعيات كأنما ترك الترك ~~سهامها والقسى، وألقت السحرة حبالها والعصى أو نبذت السرايا بالعراء السراء ~~وقيدت الغزاة بأذاهم (207أ) أساورها ms157 الإسراء، ساعيات بالشر كالأقلام ~~السعايات، تاليات بألسنتها آيات النكايات، كأنما صاغت من سنابلها الخلاخل ~~أو أراغت من لوازعها الغوايل أو رمت للمساوي مساويكها للنساك، ووضعت ~~للعصيان غضبها الفتاك أو حذفت للقارع وراء الغيض الفرسان وناورت في المأزق ~~على إيمان الشجعان المران، ثقال الرؤؤس فإنها قصب الغروس، وهي حطب الخطب ~~وخشب الأشب وخراعات المحن وقذافات الأحن وحذفات السفن وجاريات القدر ~~وحادثات العبر، من طول كحرب الزنج وقصار كبيادق الشطرزج، وأوساط كأوساط ~~العذاب، سراع كأنامل الحساب، وخاطفات كبارقات السحاب، وممارقات النشاب، ~~مشجرات ف الأشجار كأنها أغصانها مستكنات في الأحجار، كأنها خباتها نواظر ~~بعيون كالجمر أو كالشرار، كوامن تحت الصخور كأنها أسرار قلوب الأشرار أن ~~صعدت في الصعاد فالاسنة، وإن أشفقت في أجهاد الجياد فالاعنة وإن تعلقت ~~بقواميها فأشباه الأشباح، أو قيود القيود كالرياح، وإن غلتفت على أذيابها ~~فكالأمطار، وإن نشبت في سبورها فكالأسبار من خضر كضغابيس الخضر وهم كفرايس ~~الحضرة، تخفف كصوائح الأصداع أو كنافخ الصواغ أو كباشق الأتراك أو كألوية ~~الأفلاك وبتر كأيدي السارقين، وسود كأعمال المجرمين، قوابل كأطماع الغيرين، ~~فواتك كأسياف الغيرين مخذولات كلأزمة في الهرين بهامات كالكرين وقامات ~~كاتساع الوضين، تنساب كجداول البساتين وتنثني كأغداق العراجين وتعدم في دار ~~الديموم كأنما تسبح وتعوم كالاساطين كان البطاح بها أجم وأوهاد بها أكم ~~والرمال منها أعلام، وكأنها مكاحل كحالنا الشريف وانبساطه، وصفارته أشباه ~~العهود وأهب الفهود أو حنك الشهود أو سك اليهود أو نكل ذوات النهود أو ~~أذناب النمور وأعضاب الخيل وأنياب الفيول، أو طوامير الكتاب أو مسامير ~~الأبواب من كل غليظة متعطفة على دقيقة منوقة، رشيقة كالخوص وأسهم الوتر على ~~الحقيقة ومن كل رشقاء إذا استلخت من جلدها، ألفت كم درع وأبقت حديد ذرع ~~وسوداء كصحيفة المجرم كصفحة المتلوم، قصيرة مقصرة الأعمار، دقيقة جليلة ~~الأخطار، رشيقة كسهم الراشق، نحيلة كجسم العاشق خفيفة كخفاف الباشق ومن كل ~~صل شجاع ومن كل أسود سالح وأبتر نافح وأشم شامخ وأصم باذخ وأرقط كالواشي ~~المنمنم كأنه رشا المائح أو قصبة الماسح أو صعدة الرامح، ms158 أو كأنه سجل ~~الحاصد أو مبضع القاصد، أو كأنه مزمار الزاط أو زنار القبط إن استدارت فقره ~~التارس، وإن استقامت فخشبة الحارس ومن كل أقران كان في رأسه سنابق سنلبين ~~أو في حجاجه سراجين، أسود تفرق بين المرء وحياته فهو غراب البين، حنش في ~~أنفه خنس في خيشومه فطس في عنقه قعس، ناظره نار أو دينار أن قرب فثوار، وإن ~~تلوى قصم سوار هامته مستديرة كالرحى وأنيابه عضل PageV01P087 # كالمدى مدرع بنظر عيناه من وراه قيتر، أو كأنما النسيم عض وجه الغدي، لسانه كذبالة # الشمعة عند النضنضة وشدقاه كفكي عجوز عند المضمضة تكش كشيش البكر، وينش ~~نشيش القدر، أهابه لاذ ونابه فولاز، وعطفه مايل، ووشاحه حايل ومنه خايل سمه ~~قاتل فهذه حالة هذه الحلة في همامها وهمومها وسمومها، وهواؤها وبي وبيل، كل ~~صحيح غير النسيم عليل بها نفقت سوق الأطباء وخفقت سوق الأحباء وضعفت جسام ~~الأجسام وتضاعفت أقسام الأقسام. ### ||| ذكر مكرمة للملك عز الدين فرخشاه # قال: ولما رحل السلطان من الفوار إلى رأس الماء والأرض طيبة الهواء أرجة الأرجاء # والخيم قد نزلت بوادرها وانتظرت أوايلها ليصل بها أواخرها وأنا ساير في ~~موكبي صاير إلى مصري، وقد نزل الملك معز الدين في مقدمة السراديق السلطاني ~~على مرج بهيج، وروض أريج وعين تعرف بأم الدنانير وقد بسط عليها قدام مضاربه ~~من البسط الموشاه الموشعة التخيير فلما أبصرني قال: هذا العماد ساير وهو ~~علينا عابر فنادى بي إلى ناديه ووردت حلول واديه فوثب لي مكرما ورحب بي ~~منعما وأجلسني إلى (207ب) جانبه معظما، وقد أحضر عنده بطيخ أعدت بدوره ~~أهله، وأقامت صدوره على طلاوة ظاهرة ومؤنسه فقلت له: هل عرف المولى أن هذه ~~العين تعرف بأم الدنانير ولا نظير لنضرة رياض دولتك في هذه الروض النضير ~~فاعتقده مني بطلب الدنانير تعريضا وأخفاه في نفسه الكريمة، ثم تعجل رحيلنا ~~صوب الشرق، ولما خيمنا على بعلبك عابرين خرج إلينا صارم الدين خطلخ وإليها ~~وأخرج إلي مائة دينار مصرية في صرة وواصل أيدي بره بميرة من حنطة ms159 ودقيق ~~وشعير ومن الأغنام والطيور كل كثير، وناولني كتابا من مخدومه معز الدين ~~مضمونه تبريح لوايح الأشواق والتصريح بلواذع الفراق أنني ما نسيت عين ~~الدنانير فسيرتها وعنيت المحمدة وتخيرتها فكتبت في جوابه ما أكرم من أتيت ~~في يدي وأقر ما قر من عان أبي الطبيب ولله در الجود البكر المولدي ولا سيما ~~وبكر حمدى واسطا فألبثت وأطلت الرسالة بذكره وخلدت ذكرها كتخليد ذكره ثم ~~تعجبت من تيقظه للمكارم وتحفظه من المكاره وما بينه للكرم غير الكريم ~~التائه وجمعت في مديحه نظما ونثرا بين المحكم والمتشابه. ### ||| ذكر مكرمة مشتركة # قال رحمه الله: كان السلطان بمصر زوج إحدى خطاياه أمهات أولاده لأمير ~~كبير من أكبر أمرائه، وكانت عند السلطان في موهبة متسعة ومرتبة مرتفعة، ~~وكانت لها في الخزانة رواتب ممضاة، ووظايف مجراة ولها نفقات وميرات ورسوم ~~وكسوات فلما وصلنا إلى الشام قال السلطان: في بعض الأيام أكتب إلى مصر بقطع ~~ما لفلانة من صلة ورواتب متصلة فقلت له ما يستحسن ما نكارى ووافق إيثاره ~~إيثاري وشكرني على التنبيه شكر النبيه للنبيه وبقيت تلك النعمة مدة عمره ~~عليها داره وتلك المسيرة بها بارة هذا على أنه لم يكن لي بها ولا بزوجها ~~معرفة إلى حسن المناب عنها داعية ولم تعها مني في القضية إذن واعية، ولا ~~ذكرت هذا الحسان ولا عقدت به الإمتنان وإنما ذكرته الآن من مكارم السلطانية ~~ومنايحه السنية. ### ||| ذكر العزم على قصد حلب وعبور الفرات # قال: ولما وصل إلى الشام أظهر إلى قصد حلب صدق الاعتزام وأنه لا بد من ~~استضافتها للأمن من آفتها، ولما عاد من غزوة طبرية وبيسان توجه على سمت ~~بعلبك وخيم بالبقاع. وكان قد وعد أسطول مصر أن يتجهز إلى بعض بلاد الساحل ~~ليوافقه عليه، ويسير بعساكره إليه فجاءه الخبر بأنه وصل إلى ساحل بيروت ~~فبادره السلطان بعسكره جريدة فلما وصل رأى أن أمر بيوت يطول، واكن قد سبى ~~الاسطول منها وسلب، وظفر من غنيمتها بما طلب، فأعار السلطان في تلك البلاد ~~وأتى في تخريبها وأحرقها ms160 بالمراد ورجع وأعاد الملك معز الدين إلى دمشق ~~ليقوم في سد الثغور وتسديد الأمور بالنيابة. PageV01P088 # وسرنا لقصد الشرق وجينا إلى بعلبك وخيمنا بمرج عدوسة أياما، وأحكمنا أسبابنا، # وسببنا أحكاما، ورحلنا على حمص على طريق الزراعة ونزلنا على العاصي ~~مذعنيين لله بالطاعة ورحل السلطان ووصل إلى حماة وكانت حماة للملك المظفر ~~تقي الدين عمر وهو معه فأمره أن يرتب أمور ذلك الثغر ويتبعه فامتثل الأمر ~~وما فارقه ونقل الأمراء ورافقه وسار فلما قرب من حلب تردد عزمه في المسير ~~إليها والعبور عليها فما شعرنا إلا برسول مظفر الدين كوكبورى بن علي كوجك ~~يشير بعبور الفرات وحضور تلك الولايات. وقال له: أنا مواليك والمعالي فيك ~~وصديق صديقك ومعادي معاديك، وهذه البلاد لك وليس من النصح أن لا أدلك وأنا ~~لديك وبين يديك، فإذا ملكت تلك الممالك، وسلكت تلك المسالك فحلب تبقى من ~~ورائك وأنت بعد ذلك على أيثار عزمك ورأيك وإلا فحلب تشغلك عن الأمور ~~ومهماتها والجزيرة وولاياتها، ولك المحبة العامة والمهابة التامة فإذا عبرت ~~الفرات سلم لك الأقاليم أقاليدها، وجمعت لك طاعات العباد ناديدها، وما زلت ~~شوقا إليك في حران حران وغلى الرق من ورد خدمتك ظمآن، وهي لك مبذولة ~~وبأوليائك مأهولة. والرها لا تعتبر أمرها والرقة لرقك والخابور في انتظار ~~خبرك، ودارا دارك ونصيبين (208أ) نصيبك إذا ظهر استظهارك وملك الموصل يوصلك ~~إلى الملك وما هذا أوان الونا وهل يقدم أحد على عيانك وأنا أنا ثم عبر مظفر ~~الدين إلى بلدته عايدا وبنصرته واعدا وحليت صورة اجتهاده، وتليت سورة ~~أحماده، ووصل البحر إلى الفرات وتبدل بالغنى فقر المقفرات، خيمنا على ~~الفراي من غربي البيرة، وارتاعت العدى من عدوى سطواتنا المبيرة، ومد الجسر ~~كما على الطريق السطر. وكانت البيرة قد طمع فيها صاحب ماردين واستولى على ~~مواضع من أعمالها فلما سمع بنا تخلى ابن إلياس الأرتقي وشرعنا ف تهيئة ~~أسباب العبور وبدأنا بنقل الأثقال على السفن ليحصل من مخاطرة الزحام على ~~الأمن، وضرب كل منا خيمته بالجانب الشرقي يحول إليها رحله ms161 وأمددنا من معاقل ~~الأرض بعدة من السفن. # والخلق كثير والجمع جم غفير فلما جزنا الفرات وجمعنا من الرجال والرحال ~~الشتات تسلمنا البيرة والعمق كاتبنا أصحاب الأطراف بالوفود للوفاق والتحني ~~عن مذهب الخلاف فإنه من جاء مسلما وللأمر مستسلما سلمت بلاده وصينت طرافه ~~وتلاده على أنه من أجناد لغزو لبكفر وجهاده. # وعاد رسولنا من نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حمص كيفا يذكر أنه ~~مذعن بالطاعة مؤذن بالتباعة واصل برجاله ورحاله وأشياعه وأشيائه وطلب عند ~~وفائه بالعهد وقيامه بحسن البلاء أن يعان على صاحب آمد فإنه تجرد في عداوته ~~وكان العاند العامد فشكره السلطان وأجاب سؤاله وأصاب سؤله ورد إليه مع ~~رسوله رسوله. PageV01P089 # ثم رحلنا من البيرة والميرة مبرة، وألطاف الله مستديرة وفي كل يوم قوم لهم في بحرنا # عوم وفي كل فجر فجر ولكل جمع جمر وعسكر وافد وعثير عاقد وبيارق تبرق ~~وبوارق تخفق. ونزلنا بالرها واستمرت أياما حصرها. وفيها الأمير فخر الدين ~~مسعود بن الزعراني فتنمر وتذمر وتربض وتصبر ثم رأى أنه لا طاقة فاستبدل من ~~عبوسه الطلاقة وأرسل إلينا بتسليمها لسلامته ووفينا حق كرامته، وتسلمها ~~مظفر الدين وغلى حران مضافة ووجد بهما في رتبة العلاء أنا قد جئتنا إلى ~~حران ظافرين ظاهرين قادرين قاهرين وسحب البأس بارقة راعدة، ومثارات القتام ~~من تحت الصلاد فوق الصعاد صاعدة وأقمنا حتى أقمنا الشعار وأتممنا الاستشعار ~~فرحلنا إلى الرقة وتم الحصر والنزال وفيها الأمير ابن حسان قطب الدين ينال ~~فدارت على قطبه الرحى ورأى من النازلين عليه جنح الدجى في زاد الضحى ثم عرف ~~أنه لا يطيق ومن مكر خطبه لا يفيق فبذل أذعانا وسأل أمانا وسلم وعصم المال ~~والدم وخرج بنفايس أمواله بعد ترك ذخاير عدده وغلاته وفارق وما رافق ووفا ~~لصاحبه وما وافق ورفقنا ريثما أصلحنا الفاسد، ووفقنا الكاسد وولينا في ~~البلد من أهل الجلد من يفي بحفظ المطرف وصون المتلد. ولما أتممنا المصالح ~~وأجملنا المناجح هززنا معاطف الزمان إلى مشهد الرمان وأثنينا اعنة العراب ~~إلى عرابان وحين قربنا ms162 منها تلقانا قضاتها ورؤساؤها ورجالها ونساؤها وخينا ~~على ظاهرها فرفعنا منهم الرؤوس ووضعنا عنهم المكوس وضربنا على الضرايب ~~وقللنا بنوب النوايب وتواصلت أخبار وصولنا إلى الخابور وهبت فيه قبول ~~أقبالنا أدبار البور وشاع العدل وذاع ورنبنا على قانون المعدلة الأوضاع ~~وفتحت من عين رأسها عينها وأصلحت بالطاعة والتباعة بيننا وبينها. وقطعنا ~~نهر الخابور على قنطرة التنين وأخذنا الطريق إلى نصيبين يسرة ونصبنا بنصبين ~~خيامنا بعد ثلاث وسلكنا مسالك سهول وأوعاث ودخلنا المدينة وأنزلنا بها ~~السكينة، وجئنا إلى القلعة وقد تحصنت وبمنعتها تحسنت وأشفقنا في حصرنا من ~~سفك الدم وهتك الحرم ووكلنا من يمنع من الدخول والخروج وسلطنا إلى اللجاج ~~على واليها اللجوج فأرسل بعد برهة من الأيام في الغسلام والإستسلام، ~~وتسلمناها بما فيها من أخاير الذخاير وعولنا في تولي نصبين على حسام الدين ~~أبي الهيجاء السمين وكنا قد ولينا الخابور جمال الدين خوشترين. ولما توفر ~~نصيبنا بنصيبين واختلينا من مشرق الظفر النصر المبين وكانت الحشود مجتمعة ~~والوفود مزدحمة والعقود منتظمة والسعود ملتيمة وقطعنا أعمال بين النهرين ~~وأزرنا الرعية زور الرعاية وأمرنا بالعدل والغحسان في تلك الولاية ثم ~~حزناها إلى أعمال البقعة ووضلنا إلى بلد وأشرفنا على دجلة وكنا أوردنا ~~خيلنا في أشهر من تلك السنة في أسفارنا الحسنة (208ب) نيل مصر والفرات ~~ودجلة فأصغت إلينا المسامع ومالت نحونا المطالع، وتواصل إلينا مقطعوا ~~البلاد وترادفوا أمدادا بعد الإمداد ومن ثم صممنا عزم الوصول إلى الموصل ~~وبشرنا الصواري بقرب المنهل وأطرنا الاطراد برياحها الأربع وسرنا إليها ~~بقصد المصيف والمربع وقربنا منها في مراحل متقاربة وقد دمدمت بما أثار ~~الأسد عين القراة وبطشت من ليل العجاج بصفو النهار يد الأزلة وعادت تلك ~~البراءى من مراكز رماحنا بساتين ومن مراكض جيادنا ميادين والليوث معتقلات ~~ثعابين ممتطيات سراجين وكأنها رياض تخلوا بأيديها من القواصب رياحين قال: ~~ولما قربنا من الوصول كبرنا تكبير من ظفر بالسؤال وتقدم السلطان في الأمراء ~~ذوي الآراء ودار حول السور وعين لكل مقدم مقاما ولكل مقدم أقداما فنزل هو ~~وراء البلد ms163 وتقي الدين من شرقيه بأهل الجلد وأخوه تاج الدين بورى عند باب ~~العمادية، ودايقنا الأسوار أشد المدايقو وصاحب الموصل حين إذا أتابك عز ~~الدين مسعود بن مودود بن زنكي وتولى نايبه مجاهد الدين قايماز حافظ البلد ~~بأحسن تدبير وتلقى كل ما قابله من العسر بوجه يسير. وكان قد كاتب الديوان ~~العزيز لإيعاز بأعزاوه وإيعانته على أعوازه وله موعد إنجاح وإنجاد عند ~~الصاحب مجد الدين فتقاضى بإنجازه. ### ||| ذكر وصول رسل دار الخلافة PageV01P090 # قال: ووصل إلينا الخبر بأن رسل دار الخلافة المعظمة واصلون، وفي أمر ~~الموصل شافعون وهم شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير ومعهما من خواص الديوان ~~العزيز جمع كثير فتلقاهم السلطان بالصدر الرحب والبشر العذب والخطاب ~~المتوجه بصرف وجه الخطب وكنت إلى جنب السلطان له مسايرا وفي الهام ناظرا ~~ومناظرا والموكب مشهود والطلع مسعود وشاع أن شيخ الشيوخ قد وصل في الصلح ~~وأغلق باب الفتح وإطفاء الوقود وإخفاء الحقود. ووصل مظفر الدين قزل ارسلان ~~حسن الجاندار واجتمعت رسل الآفاق داعين إلى الوفاق فقال الذين لاذوابنا من ~~أهل البلاد من الأجناد الأتراك والأكراد هؤلاء غدا يصطلحون ونحن نحظى ~~بالإخفاق وحرمان الأرزاق ونبوء (بالشقاق والشقاء) وأخذوا أمان البلد ودخلوا ~~واعتذروا لأننا نشبنا ووافقهم جماعة من أصحابنا طمعوا في الخلع وهذه من ~~أيسر جنايات الطمع ونحن نصرع باب المصلحة والإستواء على المكافحة وترك قبول ~~الشفاعة وإفراغ المجهول في شغل الحصر وبذل الإستطاعة في كل يوم نناوب ~~القتال ونعاقب النزال، والملك المظفر تقي الدين يحمل من جانبه ويبلي ويجري ~~في مضمار النضال وهو الساق المجلى وتاج الملوك أخو السلطان يبارز ويحاجز ~~وجمرات اللظى تضطرم وغمرات الوغى تقتحم وشيخ الشيوخ ينهى وينكر ويقول أنا ~~جئت في التوسط والمنع من التورط وهذا الفعل الممقوت إذ غبت لا يفوت فإن كان ~~لي قبول فاصبروا حتى أرسل من اليوم إلى القوم أو أتكفل في متاع هذه المتاعد ~~برفع الثوم فقلنا له: # السمع والطاعة والحب والكرامة وما أحسن مرادك إذ أردت السلم والسلامة. وتحولنا إلى # جانب لا يبعد على الرسل ms164 طريقه وارسل شيخ الشيوخ إليهم صاحبه وذكر مطالبه ~~فشرعوا يندبون في كل يوم رسلهم ويملأون بالمراسلات الخادعة سبلهم فخرج أول ~~يوم جمال الدين محاسن مع أخ الشريف النقيب واستفتحا فيما عراهم بالتقريع ~~والتأنيب وكان حضورهم في خيمة شيخ الشيوخ فأنفذ إلى السلطان من عرفه وصولهم ~~واستدعى من ثقاته الذين يسمعون فصولهم فتقدم إلى لأجل الفاضل وغلى الفقيه ~~ضياء الدين عيسى الهكاري بأن نحضره ما يقولون ونحصي فإذهبوا ذلك اليوم ~~بالشكاية ولم يواصلوا مبدأها إلى الغاية ثم قالوا ندخل غدا بالحديث المين ~~والأثر المعين وجاءوا ضحوة الغد وذكروا مطالب متكثرة ومآرب متعذرة واقترحوا ~~إعادة البلاد المأخوذة وقصدوا بها تقليل الجدود المشحوذة وأن نعود إلى ~~الفرات ثم نتكلم بما يعود بجمع الشتات ومكثنا على هذا السننقريبا من شهر ~~ولا ننتهي إلى أمر مستقر وشيخ الشيوخ ينسبنا إلى أن لا نؤثر الفضل فدخلنا ~~في كل ما أراده وانفصل الأمر على أنهم يريدون إلينا حلب ونرد على صاحب ~~الموصل كل ما طلب وكان قد عرف الأجل الفاضل فحوى مقالهم ودعوى (209أ) ~~مجالهم فانقطع بعد أيام عن الحضور وكنت أحضر والفقيه عيسى للسماع والإنهاء ~~والتحمل والأداء ثم انقطع الفقيه عنهم وتأنف منهم واستمر ترددي ولم أجذب عن ~~المهم المقاتل والمخاتل ويظهرون الوفاق ويذهبون في الشر إلى الخلاف حتى ~~وردهم صفو وأن وعدهم من الخلاف خلو فمضى إليهم شيخ الشيوخ في أبرام العقد ~~المنسوخ فظن أن وردهم صفو وأن وعدهم من الخلاف خلو فمضى إليهم ورآهم ~~متفرقين في طرف التلون والتلم غير مجتمعين على سلوك النهج الأقوم وأنكروا ~~كل ما ذكره رسولهم وأن سوى ما شاء سؤلهم وأن صلاح الدين أن أراد وفاقا رد ~~بلادنا ورحل عنا ونحن نخلي بينه وبين حلب ولا يطلب أيضا اعادنا عليها فإن ~~لعماد الدين زنكي أخينا معنا يمينا فكيف يجد منا عليه معينا فإن رضيتم بما ~~سألنا وإلا فما سمع الناس وما قلنا. # وكان المقرر مع الرسل أنهم يسلمون إلينا حلب ويستعيدون منا البلاد ~~ويحضرون معنا الجهاد ثم ندموا على ms165 ما قدموا من التقرير وأخذوا في غيره من ~~التدبير فانصرف مغضبا وخرج إلى بغداد متوجها وعلى نكر مكهم متنبها فخلوا ~~إليه وتضرعوا وتشفعوا وقالوا: تعود وتعيد ما سمعته وتحلي من المعنى ~~مااستملته فعليك ترد لطف ما صعب إلى المنهج الأسهل ويأتي العل بعد النهل ~~فرجع بغير مارجا واستكشف عندهم حجاب الحجى فلما اجتمع بالسلطان استعفى من ~~الكلام واستوفى حديث ما سمعه وأبصره من الأقسام فقال له: هذه أشهر شراف وقد ~~عزمنا أن نرحل ونهب لوصولك الموصل وكان نزولنا عليها في رجب ودخل شعبان ~~وامتد الزمان. ### ||| ذكر الرحيل إلى سنجار وفتحها PageV01P091 # قال: كان من سنجار من عسكر الموصل مدة عليها يقطع دوننا الطريق ويمنع ~~السير فأمر السلطان ابن أخيه الملك المفر تقي الدين عمر أن يمضي لحصر سنجار ~~وقسر من جار فسار في الأسد والغاب والجيش الغضاب فنهض في بحوره وأمواجه ~~وجموعه وأفواجه، وخفقت كواسره ورعدت قساوره وترتبت ميمنة وميسرة، وقلبا ~~وجناحا عساكره وصبح بمنزلة بارنجان قريبا من سنجار عسكرا من الموصل إليها ~~مجردا فأخذ خليهم وعددهم مشتت عدوهم ووكل بهم من ردهم إلى الموصل رجالة ~~ونالوا من عثرتهم منه اقالة واحتبس عنده مقدمين محترمين مكرمين وكتب بخبرهم ~~إلينا وقال: قد وفينا بما علينا فاغتنموا استضافة سنجار فإنها غعنيمة وخير ~~ما تصمم له عزيمة فرحلنا ومعنا رسل دار الخلافة ومطالع المطالب مؤنة ~~بالانابة والأناقة ولاح سنا سنجار بعد ليال ونزلنا على عيونها، وطرقتها ~~الخيل طروق خيال واقتسمنا المنازل حواليها وولينا الوجوه إليها. # وفيها شرف الدين أخو صاحب الموصل فاحتمى منها بالمعقل، وكان معنا نور ~~الدين بن قرا رسلان صاحب حصن كيفا فأنزلناه في أنزه الرياض وأنضرها وأرج ~~البساتين وأعمرها فأذن نزولهم بنزولها والحاق معالمها بمجاهلها فقطعوا ~~أشجار ووصلوا أشجانا ورموا جدرانا وخروا عمرانا. # وأنهى غلالسلطان اجتراء القوم واجتراحهم ومراى فسادهم وكان المرام ~~اصلاحهم فيغتم ويمتعض ويرتقب إلى ذروة الاباء ويرتمض ويبتعد ويمتنع ووبخ ~~ويقرع. ### |||| فصل من كتاب أنشأته إلى الديوان العزيز عن السلطا # وقد ترك الموص في العاجل اكراما # للشفاعة والتزاما ms166 للتباعة واشتغل بسنجار لينظمها في السلك ويضمها إلى ~~بلاده الداخلة في منشور الولاية. # ومنه: ومن جملة نعم الله التي نحمده على اتمامها وصول المبشر اليمن بفتح ~~زبيد وأن حطان ابق اباق العبيد وأن الكلمة فيها قد اتحدت القلوب قد اتفقت. ~~وكان الخادم قد جهز إليها جيشا من مصر لتمهيد أمرها وإخراج من خرج بها منها ~~فجرى الأمر على وفق المراد وانتظم في سلك السداد. # ومن جملة البشاير الواصلة من مصر عود الأسطول المنصور نوبة ثانية إليها كاسبا غانما # غالبا بعد نكايته في أهل الجزاير بالخساير وبعد أخراب ما وجده فيها من ~~الأعمار والعماير ومن جملة ما ظفر بطشه كبيرة من مراكب الفرنج تحمل أخشابا ~~منجورة إلى عكا ومعها نجارون ليبتنوا منها سواري فأسر النجارون ومن معهم ~~وهم نيف وسبعون وأما (209أ) الأخشاب فقد انتفع بها المجاهدون وكفى شرها ~~المؤمنون وللخادم عسكر في المغرب قد بلغ أقصى افريقية فتوجه وعادوا به بهاء ~~الدين في تلك البلاد روجه. # قال: ولما أنخنا على سنجار واستفتحن الاستفتاح بالرسايل وقريبا من السور ~~من يكلمهم فكلموه وأفهمناهم الرشد فما فهموه وناظروا بالسنة النصال ونظروا ~~بأعين المصال فقدم المنجنيق وهدهم النيق الوثيق وأغرينا النقابين برفع نقاب ~~السور وهتك حجابه المستور. ودخل رمضان فقلنا شهر مبارك وبر متدارك ففترنا ~~ونحن في زي الإرهاب وسكنا مظهرين التحرك للإرعاب فطال عليهم الأمد وضاق بهم ~~الجلد، وتمادت المدد فسكنوا إلى السكون وركنوا إلى الركون فجاءنا ليلة من ~~أخبرنا بأن الحراس نيام فندب إليهم منا أنداب نجازهم ونجادهم وضبطوهم ~~وربطوهم وأنقضوا عليهم انقضاض البزاة على القنص، واغتنموا في قبضهم انتهاز ~~الفرص، وهم من المقدمين وأعلام المعلمين فأصبح الذي بسنجار بادي الغنكسار ~~قد عرف العقبى واعترف بالعتبى وأحسن في التقاضي وأقتضى الحسنى وأجيبت دعوته ~~ورعيت أذمته وسيرت إليه هدايا وتحف وزلف لكونه من الأولاد الاتابكيه، وشرف ~~أصحابه وخرج عن العطاء الحساب بحسابه وخرج من سنجار بكوسه وعلمه وحشره ~~وحشمه وعبيده وخدمه وأخلى لنا المدينة فأسكناها السكينة، وخرج إلينا ~~أعيانها وحسن بنا ظهورها وظهر ms167 إحسانها أفراح رعاياها فرحين برعايتنا ~~منتصفين من الليالي بأيامنا مستسعفين ألاء أنعامنا. وما أسرع ما أعدنا ~~عمارتها واستجلينا بالمباهى مباهجها وأخلينا من المناهى مناهجها وألفينا ~~رياستها لصدورها بنى يعقوب فأتيناهم من كرامتهم سؤلهم المحبوب المخطوب. ~~وعول السلطان في قضائها على نظام الدين نصر بن المظفر فإنه كان أعرفهم بحكم ~~الشرع المطهر. PageV01P092 # وكان الأمير سعد الدين أنر مسعود أنار سعده وسار بالذكر الحسن مجده ~~والسلطان يعتمد عليه في إعلانه وأسراره وإيراده وإصداره وأخته ابنة معين ~~الدين أنر في حيالته فلم يعتمد إلا عليه ولم يسلم مدينة سنجار وقلعتها إلا ~~إليه وولاه وقدمه وحكم سيفه وقلمه وأبقى عنده من خواصه من استحمد شيمه ~~واستفرد في النجح ديمه. ولما قضينا بسنجار الآراب شاورنا الأمراء فقالوا قد ~~توسطنا الشتاء والصواب الإقامة بمكان حتى ينقضي فصله وحينئذ نستأنف الفتوح ~~ونستزيد من الله بزيادة الشكر بره الممنوح فرحلنا إلى نصيبين فأقمنا حتى ~~ودعنا شيخ الشيوخ صدر الدين وشهاب الدين بشيرا وركبنا معه حتى توجه سايرا ~~إلى العراق وشكى أهل النصيبين ما هاج من نصبهم بأبي الهيجاء فاستملنا إليه ~~بصرفه رحال الرجاء واستصحبنا المذكور معنا ورحلنا إلى دارا وتلقانا أميرها ~~صمصام الدين بهرام الأرتقى فأكرمناه واحترمناه وأرفدناه وأفدناه ووصلنا إلى ~~حران في أوائل ذي القعدة وألقينا بها حران. وسار الملك تقي الدين بعسكره ~~وعبر الفرات إلى حماه وعاد كل متغرب من بلده إلى مثواه وأقمنا بالمخيم ~~بظاهر حران في الخواص من ذوي الاستخلاص في أحلى حالة وأجلى جلالة وقلنا أن ~~الدهر قد أطمأن والأمر قد أرجحن، وأهل الموصل مع من وازرهم في حشد وطي ونشر ~~وأظها، أيد وأظمار كيد وقد اغتنموا لتفرق جموعنا الجموع واعتزموا إلينا ~~لرجوعنا الرجوع ونحن مع قلتنا ثابتون وفي حلتنا نابتون وهم يعتمدون إنا إذا ~~سمعنا بجمعهم نتفرق وأننا نتأخر ولا نتقدم وعلى ما فرطنا في حقهم نتندم ~~فاستحال تخيلهم واختل تحيلهم على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ### ||| ذكر وفاة الملك المنصور معز الدين فرخشاه بدمشق في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين ms168 # قال: وبعد انفصالنا عنه بالشام لازم الجهاد بجد الاجتهاد وصدق الاعتزام فوعك في # نهضة من نهضاته وأعضلت خلاف ما اعتاد من أعضائه، ونهك بمرضه اشتدت عليه ~~فعاد على دمشق منيبا إلى الله في طلب مرضاته وانتقل من حومة الشهادة إلى ~~حمى السعادة ومن غار الاغترار إلى مقر الاستقرار ومن الرتبة إلى التربة ومن ~~الوطن إلى الغربة فتبا للدهر ما تبقى بناته على بنيه ولا يلي بكبواته ~~بالسوء سوى مواليه. لقد فجعت الدين والدولة به ملكا هماما ماجدا ماجد في ~~الأمر إلا بلغ وغلب ولا سعى لنجح إلا ظفر بما طلب ولم تزل المستشار المؤتمن ~~والمستجار المتمكن وكان السلطان (210أ) يقطع برأيه ويصل ويكلأ الثغور إليه ~~ويكل. قال: رآني يوما بين يدي السلطان وهو يأمرني بفصول أكتبها ومقاصد في ~~مجاوبات مكاتبات أرتبها وأنا ساكت مصغ وساكن غير لاغ ولا ملغ فعجب مني في ~~السكوت والسكون وأطراقي وترك استفهامي عن طرق تلك الفنون فلعبت به مرجمات ~~الظنون فقمت وكتبت الكتاب ونظمت تلك الآراب وكسوت كل معنى لفظ الفضل وختمت ~~كل قضية بنص الفصل وزدت وزنت وعبرت بحصا الحصافة ما وزنت وجئت بالكتاب ~~مسطورا وبالأدب منشورا فأقراه معز الدين فرخشاه فقال لله درك من فضلاء ~~الكتاب وتلا " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب" ولقد كان له في ~~عقودي اعتقاد ولأموري افتقاد وهو من أهل الفضل ويفضل على أهله ويغني الكرام ~~عن الابتذال بكرم بذله وكان من أخص خواصه وذوي استصفائه واستخلاصه الصدر ~~الكبير العالم تاج الدين أبو اليمن الكندي أوحد عصره ونسيج وحده وقريع ~~دهره، وهو علامة زمانه وحسان إحسانه ووزير دسته ومشير وقته ورفيق درسه ~~وشعاع شمسه يروي بصوب روائه صواب آرائه. قال: وكانت منايح عز الدين بواعث ~~القرايح ودواعي المدايح ولي فيه قصائد منها كلمة هائية موسومة مدحته بها في ~~أول سنة صحبت فيها السلطان إلى مصر وهي سنة اثنتين وسبعين وعارضها تاج ~~الدين أبو اليمن بكلمة بديعة في وزنها ورويها فأما كلمتي فهي: # بين أمر حلاوة العيش الشهي ms169 ... وهو أحال طلاوة الزمن البهي # وصبابة لا أستقل بشرحها عن ... حصرها حصر البليغ المدره # أما عقود مدامعي فلقد وهت ... وأبت عقود الود مني أن تهي # ومنها في المدح: # أنت بني أيوب أكرم عصبة ... هذا الزمان بفضل سؤودكم زهى # إن الملوك تخلفوا وسبقتم ابن ... السوام من العتاق الفره # أن يجحد الشاني علاك فهل ... ترى إشراق عين الشمس عين الأكمة PageV01P093 # بك أصبحت راياته منصورة ... يا سيدا عنت الوجوه لوجهه ### ||| وأما الكلمة التاجية فهي التي أولها # هل أنت راحم عبرة وتوله ... ومجير صب عند مأمنه دهى # من بل من داء الغرام فأنني ... مذحل من مرض الهوى لم أنقه # يا مفردا بالحسن أنك كنت ... فيه كما أنا في الصبابة منته # قد لام فيك معاشرا فانتهى ... باللوم عن حب الحيوه وأنت هي # كم آهة لي في هواه وأنه لو كان ... ينفعني عليه تأوهي # ومآرب في وصله لو أنها تقضي ... لكانت عند مبسمه الشهي # ومنها في المدح # فليحجج العلياء منه مجرب ... يوم الجلاد وفي الجدال بمدره # متنبه للمكرمات ولم يكن ... يوما ينام فيبتدي يتنبه # إني على شرف القريض لهاجر ... للنظم هجرة آنف متنزه # أضحى وأهله كمهد وحيهم ... في جهل قيمة ذي الحجا والاوره # كل المميز سامعا ومنشدا ... في الناس بين مفهه ومفوه ### ||| (210 ب) ذكر نصرة الأسطول المتوجه إلى بحر قلزم وكانت في شوال سنة ثمان وسبعين والمقدم فيه الحاجب حسام الدين لؤلؤ # قال: لما صعب على الإبر نس صاحب الكرك ما توالى عليه من نكاية أصحابنا ~~المقيمين في قلعة ايله وهي في وسط البحر لا سبيل إليها لأهل الكفر أفكر في ~~أسباب احتياله، وفتح أبواب اغتياله فبنى له سفننا ونقل أجسامها على الجمال ~~إلى الساحل ثم ركب منها مراكب وشحنها بالرجال والآلات ووقف منها مركبين على ~~جزيرة القلعة يمنع أهلها من استسقاء الماء ومضى الباقون في مراكب نحو عيذاب ~~فقطعوا طريق التجار وشرعوا في الفتك والنهب والإسار ثم توجهوا إلى أرض ~~الحجاز فتعذر على الناس وجه الاحتراز فإنه لم يعهد في ذلك البحر طروق ~~الكفار ms170 فعظم البلاء وأعضل الداء وأشرف أهل المدينة النبوية على خطر، ووصل ~~الخبر إلى مصر والملك العادل متوليها ورافع أعلام الإسلام ومعليها فأفكر ~~فيمن يسلك إلى القوم في البحر ويفتك بأهل الكفر ووقع على السهم المختار ~~والليث المغوار الحاجب حسام الدين لؤلؤ، فعمر في بعمر في بحر القلزم مراكب ~~وملأها بالرجال البحرية ذوي التجربة والتحرية من أهل النخوة للدين والحمية ~~وسار إلى إيله فظفر بالمركب الفرنجي عندها فحرق السفينة وأسر جندها ثم عاد ~~بأهلها إلى عيذاب وشاهد بأهلها العذاب، ودل على مراكب العدو فاتبعها وظفر ~~بها بعد أيام فأوقع بها وأوقعها فخرجت إلى بعض سواحل البرية بشعابها مجتمعة ~~في تلالها مرتقية ولم يزل الحاجب لؤلؤ ناكب مراكبها وراكب مناكبها حتى ~~أزالها وهجم على كثرتها فاستقلها، فما استقرت وفرت وتفرقت وما بدا بالسفن ~~فأطلق المأسورين من التجار ورد عليهم كل ما أخذ منهم من المتاع والدرهم ~~والدينار.. ثم صعد إلى البر فوجد أعرابا قد نزلوا منه شعابا فركب خيلهم ~~وراء الهاربين فحاصرهم في شعب لا ماء فيه وألحاهم بالإظماء حتى استكانوا ~~واستهانوا واستأمنوا واستسلموا فأسرهم بأسرهم وكان ذلك في أشهر الحج فساق ~~منهم أسرى إلى منى كما يساق الهدى، وعاد إلى القاهرة ومعه الأسر والسبي، ~~وقد بذل وسع النجح ونجح السعي وجاءت البشرى بما من الله تعالى به من النصر ~~فكتب السلطان إليه بضرب رقابهم وقطع أسبابهم بحيث لا يبقى منهم عين تطرف ~~ولا أحد يعلم طريق ذلك أو يعرف. # ذكر تولية الأمير شمس الدين بن المقدم بعد الملك معز الدين فرخشاه قال: ~~لما وصل إلينا بوفاة معز الدين النعي فترمنا إلى البلاد الشرقية السعي وكنا ~~عبرنا الفرات على قصد الرهى وقد دنا منها دارها ودرها. فتقدم السلطان إلى ~~شمس الدين بن المقدم بالعودة إلى دمشق أخذا بالأحوط الأحزم وهو أكبر ~~الأمراء المقدمين، وأكرم الأكابر المكرمين، وهو القرم الذي لا يوجد قريعة. ~~والقرن الذي الذي لا يستقل في الوغى صريعا وأمرني بإنشاء منشورة وتحكيمه في ~~أحكام أوامره وأموره. ### ||| ذكر مكرمة لمظفر الدين ms171 كوكبوري PageV01P094 # قال: لما وصل السلطان حران عند عبوره الفرات وبعد تسلم الرهى أبلغ في ~~إكرام مظفر الدين المنتهى المشتهى وقام المذكور بما وجب عليه من حق الخدمة ~~وشكر النعمة واحتفل بنزولها على بلده وسخى لنا بسبده ولبده ومن غرايب ~~رغايبه أنه نفذ إلى صاحبه بألطافه وأنه يعتزر عن المقدم المنقود بوعد ~~إضعافه ويقول ههنا بحران قرية من قراها وقد جعلت برسم وفادتك قراها ولم تزل ~~هذه الضيعة المسماة ضرعة باسم كاتب الموصل وأنت أولى بها فأنت يمين الدولة ~~وأجل كتابها، واستأذن السلطان في كتبها إلى ملكية شرعية معقودة مرعية ~~فأشهدت عليه وعلى السلطان بإجازتها وتغردت بحيازتها عشر سنين إلى آخر العهد ~~السلطاني سقاه الله العهاد. # قال: وفي هذه السنة أنعم السلطان على نور الدين بن قرار أرسلان لأعمال الهيثم ثم # سلمها إليه دون أعمالها تحلة ليمينه ووفاء بوعده لكرمه ودينه، ولما جاء ~~لمساعدتنا في هذا العام خصه عاجلا بهذا الإنعام ثم وهب له قلعة الجديدة وهي ~~من نصيبين (1211) قريبة ولاستصراخ من يدعو أمنها مجيبة ووعده بفتح أمد له ~~وأن ينجح بتسليمها إليه أمله فقط كان أبوه فخر الدين قرار أرسلان درج على ~~حسره أمد وكان الرئيس علي بن نيسان مرتبا لحصافتها ومزيلا لحصانتها، ولم ~~يزل منها الإبلق الفرد راكبا ولكل من يقاربه فيها مجانبا، وكان يضرب ~~بأحكامها المثل، وفي تيسير فتحها يحقق الأمل، وابن نيسان متغور في كهفه ~~متكهف في غاره، آمن من النوازل والدواير بمنزله وداره، وكان لآمد أمير قديم ~~يقال له ايكلدي من أيام السلاطين القدماء، وولده محمود شيخ كبير عنده يطعمه ~~ويسقيه ويدعي أنه من غلمانه ومصطنعيه وانه يحفظ البلد له ولا يغدر به ولا ~~يؤثر بدله وإذ جاء رسول يحضره عند أميره، ويسند ما يديره إلى تدبيره، ~~ويقول: أنه غلام وما معه كلام ولا عليه فيما يجري ملام. # وكنت عبرت في سنة خمسة وستين لآمد، فقد سيرني الملك العادل نور الدين ~~رحمه الله في مهم، ودفع ملم، واتفق نزول بظاهر آمد بكرة جمعة وحسبت صلاتها ~~على ms172 غير ممتنعة فقيل لي تحتاج إلى إستيذان الرئيس وذلك محتاج إلى مقدمات ~~ونتائج ومواصلات ووشايج فقلت: هذا عزر وقدح ضاق الوقت ثم تقدمت إلى غلمان ~~ببتياع مل لا بد منه للطريق من الطعام والعليق فقيل هذا أيضا مشروط بإذن ~~الرئيس فأسرعت الرحيل إزالة للكربة بتنفيس فقدر الله بعد سنين في الدولة ~~الصلاحية أنني دخلتها بالسيف وحللتها حلول المالك لا الضيف، وإنما شرحت هذه ~~الحال استدلالا بها على حزم ابن نيسان. قال: وتوفي وتولى مكانه ابنه مسعود ~~على رسم أبيه وجرى على عاده ثابتة ولم يخطر ببال أحد من الملوك الطمع فيه ~~حتى جاءت الأيام الصلاحية، وصار ابن قرار أرسلان من أشياعها وتدين بأتباعها ~~وأطعمته في إقتناص أبكار الفتوح وافترعها وعرفته أن آمد آمد لا يبعد وأنه ~~عن القيام بمساعدته فيها لا يقعد، وحلف السلطان له على هذا الوعد، وأنه ~~يحقق في حقه صدق القصد. # قال: وكان جمال الدين عيسى صاحب السويداء مسايرا لي في طريق ومذاكرا في ~~جليل ودقيق، وفي جملة ما قاله هذا سلطانكم يحلف على المستحيل فإن فتح آمد ~~ممتنع الدليل فقلت له: سعادته من الله تزلل المصاعب، وتسهل المطالب ولما ~~خيمن بحران بعد العودة من الموصل تقاصى ابن قرار أرسلان بإنجاز عدته فأذن ~~في تفرق المعسكر للاستراحة ووعده بتحقيق الوعد عند العودة واستمر على هذا ~~العهد إلى أن وصل الخبر باجتماع شاه أرمن صاحب خلاط، وأنه اتصل به صاحب ~~الموصل عند ماردين وأنهم خرجوا على نية أن يكونوا لنا طاردين ماردين ### ||| ذكر السبب في ذلك PageV01P095 # قال: كان عند نزولنا على الموصل وصلت رسل شاه أرمن فيها شافعين ولأسباب الحروب # رافعين ثم استتب الرحيل عنها إضهارا لقبول الشفاعة الأمامية وإعلانا بسر ~~الطاعة الناصرية. ونزلنا على سنجار ووصل سيف الدين بكتمر وهو أعز أصحاب شاه ~~أرمن وبذل السلطان في الشفاعة في سنجار كل ما أمكن فاشترطنا شرايط ما قبلها ~~فنفر سيف الدين وسار مغيظا وأبدى خلقا خشنا، وقال قولا غليظا، ولم يقبل ~~خلعه ولا نفقه ومضى إلى صاحبه ونحاه ms173 ونقله عما توقاه إلى ما توخاه، وشاه ~~أرمن ظهير الدين سكمان هو خال صاحب ماردين قطب الدين الكازي بن ألبي بن تمر ~~تاش وهذا ابن خال صاحب الموصل عز الدين مسعود بن مودود بن زنكا وكتب إليه ~~واستدعاه وخرج واجتمع به وأتاه الياروقية وغيرهم من عسكر حلب ونزلوا من ~~ماردين إلى ضيعة يقال لها حرزم وموج قصدهم يرزم. وجاءنا خبرهم فلم يندبه ~~إكتراثا ولم يظهر لصحته التياثة، وكتبنا إلى أمرائنا الغائبين فبادر الملك ~~المظفر تقي الدين من حماه إلى حران في خمسة أيام ووافانا بجد اهتمام وصدق ~~اعتزام وقال: قوموا بنا إلى القوم فلا تعودوا بعد اليوم فقلنا أنهم في كثرة ~~ولا بأس بالإحتراس من عثر وهو العشر المبارك من ذي الحجة والنصر مع الصبر ~~واضح المحجة (211ب) فأبا إلا الرحيل موافقة لرأي السلطان ومتابعة لأمره ~~ومشايعة لسرور سره. وأقمنا حتى صلينا العيد، واستقبلنا الطالع السعيد، ~~وقدمنا الإزماع وأجلنا الاتساع وسرنا بالأسود في غارها، والبروق في سحابها ~~وقدمنا من الرعب جيشا وأبدينا من الحلم طيشا وعلونا الجدد لعزا يم صحيحة ~~غير عليلة، وتلونا كم من فئة قليلة ونزلنا برأس عين فطار الخبر إلى القوم ~~فطاروا شعاعا وتفرقوا ولم تدر لما در من شموسهم شعاعا وذلك يوم عرفة فتركوا ~~الوقوف، وعزموا العزوف ونفروا قبل يوم النفر، ونحروا أضاحي جلدهم قبل النحر ~~وعاد الخلاط إلى خلاط باختلاطه، ورجع الموصلي إلى الموصل بمواصلة احتياطه، ~~واعتصم المارد يني بحصنه المارد وهتكوا حزر حزرم الصادر والوارد وهاب عسكر ~~حلب العودة إليها ونحن على طريقه فأذن جمعه بتفريقه، ومضى معظمهم إلى ~~الموصل فعبر الفرات عند عانة ولم يجدها إعانة الإعانة ونسفتهم ريحنا وهم ~~جبال وذهبوا بقلوب النساء وجاءوا وهم رجال ووصل إلينا خبرهم ونحن للقصد ~~سايرون ولجناح النجاح مطا يرون وأكملنا المسير وقلنا هذا أخلى المشاه وقعته ~~ببيارقه وأفراسه ورخاخه وخاف وقوعه في الشرك قبل نصب فخاخه، واستصرخ صاحب ~~الموصل به فلم يظفر باصراخه ولم يصغ إلى نصائح أشياخه فإن مجاهد الدين ~~قايماز مايزال يشير بالثبات ms174 ويحذره مخاوف الزلات ومواقف العثرات، وعرف بنور ~~فراسته عاقبه الحال ومغبة الاستعجال. ولما نزلنا في منزلة القوم لم نسمع ~~لهم خبرا ولم نعاين لهم أثرا، وهناك بحزرم لصاحب ماردين قصر مشيد على حسنه ~~مزيد وقد زوقه وصوره وحاله جنة (تجري من تحتها الأنهار) ويترنم من فوقها ~~الأطيار وتترنح منه حولها الأشجار فأبقينا بأسه الأثير الأثيل وأشفقنا ~~بنيته الكثيف الأثيب، وعصمنا عمارته من التشعيث، وأقام فيه تاج الملوك أخو ~~السلطان برسم التنزه بحفظه عين التنبه. ### ||| ذكر المسير إلى آمد وفتحها وكان النزول عليها يوم الأربعاء سابع عشر ذي الحجة وفتحها يوم الأحد # قال: ولما أحمدنا المقاصد وقصدنا المحامد واغتنمنا أمد القرب من آمد ~~وقلنا ننجز لنور الدين المواعد، وكنا لما رجعنا من الموصل كتبنا نطلب الأذن ~~من قصد آمد بتقليد أمامي نجعله أمامنا ونتخذه أمامنا فوصل التقليد بملكها ~~والأذن بفتحها فقوي العزم وتحقق بالصدق القصد الجزم وما زالت قلوب أهلها ~~صادرة إلى وردنا، وألسنتهم صادحة بحمدنا فتصدينا لها لنعتقها من الرق ~~النيساني، ونوثقها بالحق السلطاني وأعدنا إلى الشام من أكابر أمرائنا من ~~يسد الثغور ويسدد الأمور، وتوجهنا في أيام التشريق وتأييد الله معنا في ~~الطريق وجزنا على قلعة البارعية فتلقانا بالبر البار الرعية وما اعترضنا ~~بلدا، ولا عارضنا أحدا ونزلنا على آمد فنصبت المنجنيقات، وكان معنا منجنيق ~~يقال له المفتش لأن حجره يدور في الزوايا بدواير المنايا ويشوش وشرعنا في ~~أدوات الحصر وحصر أدواته واشتعل الجمع وأشتعل الجمر، ووقع الحجر على البلد ~~الحجر. ### || قال ودخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة PageV01P096 # والعسكر السلطاني للنصر في حصر آمد آمل والشمل جامع والجمع شامل فصبحناهم بالسلالم # وطمعنا منهم في التسلي من البلد بالتسليم، وصعد فيها الرجال وحالت في ~~قلوب الخصوم الاوجال، وملك أصحابنا بين الورين قطعة من الفصيل وتعمدوا عقد ~~بنائها بالتحليل، وتطرقوا فيها فإذا هي مسدودة السبيل فشرعوا في النقب وابن ~~نيسان في البلد قد جمع الرجال وفرق الأحوال وحرض الكماة وحض الكماة وانهض ~~الحماه وظن أننا نكل ونمل وكلما شددنا العقد ينحل فألفوا ms175 كل يوم جدنا جديدا ~~ووجدوا من بأسنا عليهم مزيدا، وكتب في إعداد من النشاب فصولا للارغاب ~~والإرهاب نعدهم تارة ونتوعدهم ونهديهم مرة ونهددهم ففترت عنه مساعدة ~~الاستطالة وشرعوا معه في الاستقامة فبدا له وجد الخذلان وخيانة الأخوان أهل ~~المدينة وحصلوا منا على الوثوق والسكينة (1212) وقد كانوا تضجروا بولاية ~~ابن نيسان، وعدموا العدل وألفوا العدوان فتقاعدوا عن الاستطالة وشرعوا معه ~~في الاستقالة فبدى له وجد الخزلان وخيانة الإخوان وخطاب الخطوب وحدث ~~الحدثان. فعرف أن سلامته في السلم فأرسل في الاستعطاف والاستسعاف قبل طلب ~~الأمان واصبحنا بعض الأيام مواضع النقب نخشى عليها من الانهدام، والعمل ~~منتهى إلى التمام إذ خرج نسوة من المدينة ذوات جاه وقدر قد أخرجنا فأخرجنا ~~من أعز خدر لا عهد لأقمارهن بالتبرج من البروج ولم يحوجهن إلا صرف الزمان ~~الجافي إلى الخروج فارتدينا على الإضراب برداء الأضرار وطلعنا سحرة طلوع ~~كواكب الأسحار معتمرات إلى حرم الكرم الفاضلة معتفيات نصرة العفو الناصري ~~مستشفعات بشفيع كريم لا ترد شفا عته بل تراد لطاعة الله طاعته فآواهن إلى ~~فناء خيمته وعرف السلطان أن القصد لحرم حرمته وان المعتصمات بعزة عزة ~~وعصمته وإنهن نسوة الأمير والرئيس يسألن ما خربهن بالتنفيس فأكرمن واحترمن ~~وشفعن فيما له شفعن وأعطينا الأمان على أنهم إن قاموا توفرت عليهم الأملاك ~~والأموال وأن تحولوا سهل عليهم الانتقال ولم يسألن في البلد لعلمهن أنه لا ~~يخلى وإنما سألن إلا أن تسلم المدينة إلا أن يفرغ من نفايس أعلاقهم وتخلى ~~فأعطين الأمان على أنهم يخرجون بكل ما يقدرون عليه مدة ثلاثة أيام بلياليهن ~~وأن نعينهم بدوابنا وأصحابنا على أخراج جميع ما لهم فيها وعدنا بما وعدنا ~~وما سعدنا كيف ما أسعدن وأن قربن أبعدن وأن شفعن في استتبات أمورهن فقد ~~رجعن بخراب معمور هن وهذه عادة الليالي العادية، وقضية الأقدار القاضية في ~~إرخاء الطول وانقضاء الدول وإيقاظ النواظر بشوك أقذايها وإيقاظ النوظر بشوك ~~أزوائها. # قال: ولما استقر تسليم المدينة بعد ثلاثة أيام تقدم السلطان برد النساء ~~بإكرام واحترام فنفذ ابن ms176 نيسان يخبر بأن غلمانه خرجوا عن طاعته وانه لا ~~يقدر على نقل ما له أن وكل إلى مجرد استطاعته فندب له من خواصه من يراعي ~~بإعانته أحواله ودواب من إسطبلاته تنقل أمواله ونزل في غير منزل وضربت له ~~خيمة بممعزل فشرع بنقل درهمه وديناره ويحول إليها من كلا الجنسين أوقاره ~~ويعجل منها ما خف حمله وخيف عليه إذا لم يعجل نقله، ونقل المسوغات النضارية ~~والفضية والمنسوجات الذهبية والجواهر والفرايد. والعقود والقلايد ولم يقدر ~~في المدة المضروبة إلا على تحويل الأمتعة الكريمة المحبوبة، وكم نشبت ~~الطوارق في طرقه بنشبه وكم ذهبت أعوانه في مذاهبه بذهبه، وكان من أصحابه ~~جماعه ندبو لإعانته فاستغنوا بما أصابه وذكر أنه كان يحمل من داره عشرة ~~أحمال بأثقال الأموال فربما وصلت إليه من تلك العشرة ثمانية فيسأل عن ~~الباقي فيقال دوابها وافية وهي في الوصول متدانية، وما تزال تدخل جملة في ~~جملة وقد عبثت بها أيدي جانية وهو لما به من روع وكره بغير طوع يحصر لدى ~~التكلم ويقصر عن التظلم فلما انقضى الأجل خامرة الوجل واعترف بأنه عن نقل ~~ذخايره عاجز وأن غدر الزمان بينه وبين ما غادره حاجز فتركها من غير أن ~~فركها وفاته دركها وما أدركها ولو استزداد مهلة لاستفاد نيلة لكنه هاب ~~وارتاع وارتاب وفي مظنة الرجاء خاب وعلى مطية التجاء نجى وغاب ولو رشد لنشد ~~ضارته في ظل السلطان وأوى إحسابه إلى مأوى الإحسان لكنه بعد فبعد ولو أسعده ~~لسعد. ### ||| ذكر تسليم مدينة أمد إلى نور الدين محمد بن قرار أرسلان PageV01P097 # قال: ولما انقضت مدة الأمان فتحت لأولياء الله أبواب الجنان، وذكرنا أن النزول على # آمد في سابع عشر ذي الحجة وكان الاشتغال بالقتال باقي السنة فما استهلت ~~السنة إلا وقد سفرت الحسنة ونطقت للبشاير الألسنة، وقيل للسلطان هذه آمد ~~فيها ذخائر تربى على ألف ألف دينار، وما دخلت عن الوعد بأمد في شرط ولا ~~قرار فقد بها المهام وخص وعم بها الخواص والعوام، وابن قرار أرسلان يقنع ~~بأمد فارغة ويعدها ms177 حجة بالغة ونعمه سابغة فقال: نور الدين صار من أشياعنا ~~فلا نضني عليه بهذه الأشياء ولا يظن بجحود هذه النعمة وهبنا وهبنا له الأصل ~~مع الضفة بالفرع فما يليق بما سننته مكرماتنا من الشرع. فأما ما كان في ~~الإهراء من أجناس الغلات وأنواع الحبوب فما يحويه علم المظنون وعلم المحسوب ~~وأما الأمتعة والأسلحة (212ب) والعدد فما يحسره العدد ومنها أن برجا من سور ~~المدينة يحتوي على ثمانين ألف شمعة، وأما المستعملات الأمدية من البسط ~~والفرش والخيام فلا يدخل حصرها تحت الأوهام وكان من جملة المستودعات القطن ~~فقد أمتلئ به البلد ولا أقول الخزن وذكر أنه بيع منه سبع سنين فما فنى مع ~~أن متولي البلد ببيعه غنى قال: وإنما ذكرت ذلك ليعلم أن الدنيا ما كان لها ~~عند السلطان قدر وأنه لم ينطوا منه على قلبها صدر فأول يوم فتحها نصبت على ~~سورها أعلامه ونفذت فيها أحكامه ثم سلمها إلى نور الدين بن قرار أرسلان ~~وكتبت له بها وبأعمالها التقليد وتسلم منى لمغاليق المعاقل الاقليد واستعبد ~~السلطان منه حرا وفاة ثمنه ووفى له ومكنه. # قال: ودخل السلطان إلى المدينة وجلس في دار الإمارة فهي على أحسن ما يمكن ~~من العمارة، عالية الأبواب حالية البنيان رايقة الرواق شايقة الإشراق يحدث ~~ربيع ربوعها بنيسان وتحدث ذكرى نباهتها بناء نسيانها هذه شيمة الدنيا لا ~~يمق وامقا ولا يرمق رامقا في جنى منها جنت عليه، ومن علت يده فيها علت عليه ~~وقد ظهرت آثار غدرها بابن نيسان حيث غادرته وقد رجا نصرها مخذولا، وتركته ~~وقد اعتصم بها مبتذلا لليالي مبذولا، وهكذا نور الدين امتد زمانه وامتد إلى ~~داره بعد سنين مكانه وسيأتي ذلك في موضعه ويشرح شأنه. ولما استقر السلطان ~~في الدار استحضر نور الدين وأخذ يده واستوثق معه لحلف أكده وعقد ميثاق عقده ~~وعاهده من طاعته على ما عهده وأقامه لملكه وفي دسته أقعده وشرط عليه طاعته ~~وفي كل غزاة متابعته ومبادرته عند الاستدعاء ومسارعته وأنه يعمر البلد ~~وأعماله ويعمها بإحسانه ويعيد ما ms178 تشعث منها إلى عمرانه ويسقط المكوث ويغبط ~~النفوس ويبغى السعود ويمحى النفوس ثم استودعته وودعه بعد إن نور العيون ~~مطلعه وأوضح وأعذب منهجه ومنهله وأتاه بجميلة تفصيلية جملة. ### ||| ذكر القوام أحمد بن سماقة وزير نور الدين محمد بن قرار أرسلان # قال: كان صدرا رحيب الصدر جليل القدر متحببا إلى القلوب بكرمه متقربا إلى ~~الملوك بخدمته ناصحا بخدمة مخدومه مدبرا بقلمه لإقليمه، وهو الذي عطف قلب ~~السلطان على صاحبه باستعطافه ونال مراده منه باستسعافه. ولما سأله السلطان ~~في مبتدأ سفارته ومفتتح زيارته عن مشتهى مخدومه ومنتهى مرومه وما العمل ~~الذي يقترحه وما الذي يستنجحه فقال: أنا أباه فخر الدين قرار أرسلان درج ~~على جبره آمد فإن فتحتها له استعبدته للأبد وأرشدته للجد لخدمتك إلى أوضح ~~الجدد وأخذ اليد الناصرية لإتخاز يد نصرته وحسر لثام الحرص على تحصيل ما هو ~~في حسرته فسبق الوعد وصدق واتفق من الفتح ما اتفق وكان الوزير المنعوت ~~بقوام الدين قوام دولته وقوام مملكته. ودخل إلى سلطانه من باب عرفان وانتظم ~~مع إخوانه ولم يزل نحوى مترددا وإلى متوددا حتى أخجلني بمننه وأثقلني بمنحه ~~وشغلني بفروضه وسننه وجعلني في مقاصده مقصدا واتخذ عندي بصدق صداقته يدا، ~~ونجحت له عند السلطان وسهلت حجابه وصوبت يديه آراءه وآلايه وقرر لي على ~~مخدومه وظائف عطايا ورواتب هدايا استمرت من إحسانه واستقرت إلى أخر زمانه ~~وسيأتي ذكر ذلك في مكانه ### ||| ذكر الرحيل عن آمد والتوجه إلى الفرات لقصد حلب والولايات PageV01P098 # قال: ولما تسنى الغرض وتؤدي المفترض وحصل المقصود رميت النوبتية وقد دنت ~~العيشة فعرفنا دليل الرحيل، ونهجنا سبيل التحويل وشرعنا في ضم نشر الأحمال ~~وجمع شتات الأثقال وتفويض ذات العماد وحمل الأطناب وقلع الأوتاد فاستقلت ~~الجمال نصف الليل آخذة في الأعناق كأعناق السيل، وأصبحنا على الركوب وملأنا ~~الشعاب بالشعوب والصواهل في الأعنة تمرح والذوابل بالأسنة تلمح وبحر البر ~~بالجيش جايش وقلب الجو من جوى النقع طايش والأرض قد تنقبت من وقع الحوافر ~~فما تحرك الخميس حتى صار بالأسد العريس وتعينت المنازل ms179 وتبينت المراحل. # وكان عندنا رسل ملوك الأطراف قد وصلوا على اختلاف المقاصد باتفاق الاستعطاف وكل # يسأل في سؤل بكتاب منه ورسوله وأحضرني السلطان تلك الليلة عنده (1213) ~~وأفردني بخطابه وحده حتى أنجزت الكتب وجهزت الرسل فمنهم من أحلت على رسله ~~بسؤله ومنهم من بشرته بإقباله وقبوله ومنهم قطب الدين ايلغازي بن ألبي بن ~~تمرناش الأرتقى رتق فتقه ورعى في اعتذاره حقه وكان أمره كما ذكر في فصل من ~~كتاب وهو لما رأى صاحب ميافارقين أن أخت صاحبته قد ابتنى بها ابن عمه خاف ~~أن يجمع له بين الأختين فراسل يبذل الخدمة ليكون فيها لنور الدين ثاني ~~اثنين وقرر أن ينهض عسكره في أوقات الملاقات وينتقل عن حكم النفاق إلى حكم ~~الثقات. ### |||| فصل من كتاب آخر # كان الملك نور الدين بن قرار أرسلان في الخدمة منذ عبرنا الفرات # بنفسه وعسكره ملازما لنا لحرصه على المناصحة وتوفره فأنجزنا له في آمد ~~موعده لدينا وحملته إنشاء بالأعمال والبناء ورأى صاحب ماردين أن ابن عمه قد ~~فاز بالسبق وقد حاز الفضيلة فدعانا بالإدعان وابتغى إلينا الوسيلة وقد كنا ~~فتحنا من بلاده طرفا وحركنا من قلبه شغفا فحين عاد إلى الحمد شملته عاطفتنا ~~بالاصطناع والاختصاص وملكناه ما ملكناه عليه وأعدنا كل ما أخذناه من ولايته ~~إليه واستمسك بنا من حبل العصمة واستقر أيضا أن يكون عسكره معنا في الخدمة. ### ||| ذكر القفول وعبور الفرات وفتح تل خالد # قال: ووصلنا إلى الفرات في مراحل وعبرنا ببحر الجيش اللجي وغزونا النهار ~~بليل العجاج الدجوجي وأسدلنا على الخضراء ستر الغبراء وسلونا عن السوداء ~~بحب الشهباء ونزلنا على تل خالد يوم الثلاثاء ثاني عشر محرم وكان قد تقدمنا ~~تاج الملوك أخو السلطان إليها وأناخ عليها. ولما أطلت عليه راياتنا ألقى من ~~فيها بيده وأنجز النصر صادق وعده. ### ||| فصل من الإنشاء الفاضلي في المعنى # فإن راياتنا المنصوبة المنصورة قد صارت مغناطيس البلاد تجذبها بطبعها، ~~وسيوفنا مفاتيح الأمصار نفتحها بنصر الله لأخذها ولا يقطعها ولما قطعنا ~~الفرات3بعثنا سرعات المعسكر المنصور إلى تل خالد ms180 فنزلوا بعقوبتها ورفع ~~المنجنيق يده إلى ذروتها فلما نزلنا بها نزل من فيها على حكمنا وأجزيناه ~~مناالأحسان على رسمنا واستجار من حربنا بذمة سلمنا وطوينا الى أخرى بمشيئة ~~الله بها العيون أسرع من لمحها. # قال: ثم نزلنا على عين تاب حائزين فنزل لأصاحبها إلينا وهو ناصح الدين ~~محمد بن خمارتكين وتبرع بطاعته وشرع في بذل استطاعته فمكناه في مكانه ~~وأحسنا إليه لإحسانه فهنأنا له النحلة وعجلنا عنه الرحلة ووصلنا إلى حلب ~~وعماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي ثاقب سمائها وراكب شهابها وآمرها ~~وناهيها وزاهرها وزاهيها وهو مع ذلك على ما في يده متخوف وإلى سنجار بلده ~~متشوف ومن استئناف الحرب مع امكان السلم آنف لكنه بأمر الأمراء النورية ~~مستنير ولرأيهم مستشير وهم أوقدوا للحرب نارا وخرجوا لأسلافهم وأخلافهم على ~~الإسلام الحقوق والسلطان لا يؤثر جراحهم وخرجوا مدججين ودفعوا عن مقاربة ~~السور وهم على كل حال أجناد الجهاد وأجلاد الجلاد ومنهم النورية الأذكاء ~~القارية الرماء ومنهم الياروقية الروق وقد سلفت اجتياحهم، وقد راقه بأسهم ~~وبسالتهم وترجحت في نظرة استمالتهم وكان هو مع عقلاء العسكر يتقي واليزكية ~~مع الجهلاء المعشر تلتقي. وكان تاج الملوك فارس ومعفر الأقران بحكم شبابه ~~الطري وشباه الطرير ولما سبق حكم الله في التقدير يسرع إلى الحملات ويشرع ~~الأسلات ومازال به الأقدام حتى توقظ وسنذكر شرح ذلك مع النزول بظاهر حلب في ~~منزلتين: ### |||| المنزلة الأولى: PageV01P099 # قال: نزلنا بالميدان الأخضر في الزمان الأنضر والربيع في ريعانه والزهر في زهوه # والروض في ضوعه وضوئه فضربت سرادقات السلطان في صدر الميدان وضربت خيمتي ~~عن يمينها على العادة في البستان، ولقد أسفت على تلك المستنزهات كيف تشعثت ~~وأيدي التعدي بها قد تشبثت. ثم للعساكر على كثرتها من بعيد بالبلد أحاطت ~~واشتطت في حب الكريهة واستشاطت، وفي كل غدوة وعشية وكرب إلى كروب وهبوب إلى ~~وثوب وتاج الملوك موقد نارها وخايض تيارها والسلطان لاشفاقه على الرجال ~~الإسلام وأبطال الشام (213ب) يأمرهم بالكف وينهاهم عن الزحف والشباب يشبون ~~الضرام ويحبون الأقدام فأصابت تاج ms181 الدين طعنة لم يكترث بها وفكت ركبته وقلت ~~ركبته وقضت بفلول شبا شبابه ودبول جني جنانه ومؤول رتبته إلى ترابه. ### |||| المنزلة الثانية: # ثم رأى السلطان أن مقامه في الميدان الأخضر لا يقضي ~~بتضييق حصر ولا يفضي إلى تحقيق نصر فصبحنا بعد أيام على عوم الرحيل وازماع ~~التحويل وعبرنا بمن معنا من العساكر على بيوت الحاضر ولما وصلنا إلى جبل جو ~~شن ضربنا عليه الخيام وأطلنا به المقام وأحضر السلطان بنائين وصناعا وأمر ~~بحفر أساس لقصر يبنيه ونصر يحييه وقال: نحن نتصرف في البلاد والأعمال ~~ونقطعها للرجال ونترك حلب على ما بها من الحال وأمر بترك القتال والإعفاء ~~عن النزال وسكنا ماكثين وركنا لابثين ولرسل الترهيب باعثين وفي عقد الترغيب ~~نافثين ونذكر أننا من عباد الله الصالحين الذين جعلهم الله للأرض وارثين ~~ولقد صفت حلب بحلبها وضنت ببيضها ويلبها وسمع شفاه شفاهها وقطع فحسن ~~أفواهها والسلطان يحمل ويحلم ويتغابى وهو يعلم ويعاود الاستمالة ويواعد ~~بالإقالة وكان عماد الدين صاحب حلب للسوء عايفا وبعواقب الأمر عارفا راغبا ~~في التحدي بالإتحاد والاعتداد بالاعتضاد أماطة للبلاء عن البلاد فأفكر ووجد ~~عليه في كل شهر ما ينفقه ثلاثين ألف دينار على الأجناد وكان يعتمد على رأي ~~الأمير حسام الدين طمان وهو قديما يوالي السلطان ويؤثر المرافقة والموافقة ~~ويحب في مضمار الولاء المسابقة فأشار على عماد الدين بما كشفه من ضميره ~~ووعده إذا سفر فيه بإذكاء الغرس وتثميره وتسهيل الصعب وتيسيره فخرج ليلا من ~~باب السر سرا وبر بالحضور وأحضر برا وقد قر بقربه السلطان وخلا لخلابه وشفي ~~عتابه بأعتابه وسامه أصحاب الأسد الحادر من غابه وأعطاه يمينه مع سطر يمينه ~~في كتابه فعاد الأمير طمان مطمئن الجنان مرجحن الميزان وأفضي إلى مخدومه ~~بسر مكتوبه فأصبحنا بكرة ببكر الفتح وقد جليت وراية النصر قد أعليت وعروس ~~القلعة قد حليت والأبواب قد فتحت والاراب قد نجحت وعرف الأمراء فمنهم من ~~خجل ومنهم من وجل فأرسل إليهم السلطان واستزال روعهم وخوفهم واستزاد طوعهم ~~وشوقهم ومدح لجاجهم وحمد ارتياحهم ms182 وشفع انكسارهم بجبرهم وقرضهم على صبرهم ~~وحدثهم بما طيب النفوس بعد الحادث الذي شيب الرعوس وأزال ببشره العبوس ~~وأوجد النعمى وأعدم البوس ### |||| ذكر نكتة # قال ومدح القاضي محي الدين بن الزنكي السلطان بأبيات منها # وفتحكم حلبا بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب # فوافق فتح القدس كما ذكره فكأنه من الغيب ابتكره ففي صفر سنة تسع وسبعين ~~كان فتح حلب وكان فتح القدس سنة ثلاث وثمانين في رجب. # قال: ويشبه هذا أنني في سنة اثنتين وسبعين طلبت من السلطان جارية من سبى ~~الأسطول المنصور بأبيات هي: # يومل المملوك مملوكة ... تبدل الوحشة بالإنس # تخرجه من ليل وتواسيه ... بطلعة تشرق كالشمس # فوجدة الغربة قد حركت ... سواكن البلبال والمس # فلا تدع يهدم شيطانه ما ... ما أحكم التقوى من الأس # فوقع اليوم بمطلوبه مما ... سبى الأسطول بالأمس # وإنني آمل بعدها بكرايم ... السبى من القدس PageV01P100 # قال: فجاء الأمر على وفق الأمل كما قلت ووهب لي تلك السنة ما سألت وأعطاني عام فتح # القدس ما أملت. عاد الحديث قال: وخرج عماد الدين إلى خيامه التي ضربها ~~وسارع في استنجاز الموعد في البلاد التي طلبها ولفم يزل وزيره شمس الدين بن ~~الكافي مترددا في الطلب وأمر السلطان بإنشاء عهده وإيجاب عقد يتأكد به ~~الميثاق ويتمهد به الوفاق فلازمني (1214) أياما حتى حررت نسخة حكمها المحكم ~~لا ينسخ وعقدها المبرم لا يفسخ وأنعم عليه ببلدة سنجار وزيد الخابور ~~ونصيبين والرقة وسروج. # قال: ولما فتحنا حلب ودانت لنا معاقلها بقي حارم مع أحد المماليك الصغار ~~النورية وقد طمع أن يحميها ثم أن أجناد حارم اتهموه بمراسلة الفرنجة ~~ومداخلتهم فأخرجوه وأكرهوه على النزول ونزل به المكروه وأعلنوا بشعارنا ~~فسرنا إليها وتسلمناها ودبرنا أمرها وأحكمناها ووفرنا من الإحسان قسط أولئك ~~المسلمين وتلونا في حقهم " إن الله لا يضيع اجر المحسنين " فراسل صاحب أنطا ~~كية ضارعا وللعجز عارضا وإلى الانقياد إلينا مسارعا وسير إلينا من أسارى ~~المسلمين جماعة وافية وأظهر إسكانه فيه لأسباب الإيقاع نافية. ### ||| ذكر عبرة # قال: وعين السلطان يوما للضيافة ms183 العمادية وكان ذلك في المخيم قبل انتقاله ~~إ'لى البلد فكملت له أسباب وشروط ونظمت للسماط سموط وترنم الشادي وترنح ~~النادي وكأنما اجتمع القمران بجلوس عماد الدين بجنب السلطان وبنياهم في ~~أحظى حضور وأحبى حبور وأتم نشاط وأتم اغتباط اذ جاء بعض الحجاب وأسر إليه ~~بنفي أخيه تاج الملوك فما تنكب عن منهج ثباته المسلوك ولم تتغير طلاقة وجهه ~~وأمر سرا بتجيزه ودفنه، وأعطى تلك الضيافة حقها وبسط بسنا انبساطه أفقها ثم ~~انتقل السلطان إلى حلب وأقام بالقلعة ووظف المكارم وكشف المظالم وأسقط ~~المكوس وكتب إلى أصحاب الأطراف والأوساط باجتماع عساكر جميع الجهات عنده ~~للرباط ويتم له ملك الشام وسر سره بالتمام، وحالفه عماد الدين في الموافقة ~~في ساير المرام. وأمرني بكتب المناشير لأكابره وأمثاله بعد ما خص أرباب ~~الفضايل بفضائله واعتصمت العواصم بعصمته ووقفت القلوب في القبول بين مهابته ~~ومحبته وأحس رعاية محسني الرعية وأعاد القضاء والخطبة إلى أهل مذهب ~~الشافعية. ### ||| ذكر القلاع وما ترتب من وجوه الاصطناع # قال: وأبقى عين تاب على صاحبها وخصه بأبادي يده ومواهبها وأم تل خالد ~~فإنه أنعم بها على بدر الدين دلدرم بن بهاء الدولة بن ياروق مضافة إلى تل ~~باشر فهدم قلعتها وتصرف في أعمالها واستبد بارتفاعها وعلاها. وأما قلعة ~~عزاز فإن عماد الدين الزنكي كان قد هدمها لتوفر قوته على حفظ حلب فأقطعها ~~وأعمالها علم الدين سليمان بن جندر فأعاد عمارتها كما كانت وظهرت آثار ~~كفايته وبانت، وسلم حارم إلى أحد الخواص من أهل الولاء والإخلاص وولى ~~القضاء في حلب محي الدين أبا المعالي محمد بن زكي الدين على القرشي فاستناب ~~فيها القاضي زين الدين نبأ بن الفضل ابن سليمان المعروف بابن البانياسي ~~وأقام في قلعة حلب سيف الدين يازكوج واليا وولى الديوان العميد ناصح الدين ~~اسمعيل بن العميد، وجعل حلب باسم ولده الملك الظاهر غازي وكان قد اصطحبه من ~~مصر عند وصوله إلى الشام وعادت الأمور بسيرته السارة إلى نظام وما برح ~~السلطان من حلب حتى استقامت أحوالها على جدد الصلاح ms184 واستتامت آمالها إلى ~~مدد النجاح وضرب باسمه درهمها ودينارها وأنارت معالمها وعلا منارها وصدحت ~~بالأدعية منابرها وصدق لإرعاء الرعية منابرها قلت: وأورد ههنا مناشير من ~~إنشائه لأماثل منها منشورا للشيخ الإمام علاء الدين الكاساني مدرس المدارس ~~الحنفية بحلب ومنشور للمحتسب بها ولم يسمه وآخر باسم طبيب ثم قال: ### ||| ذكر بشاير بوقعات نصر فيها الإسلام # وصلت ونحن في حلب منها وقعة برية بالفرنج على ما يعرف بالعسيلة ووقعة ~~بحرية في ظفر الأسطول وذلك في محرم سنة تسع وسبعين وشرح ذلك في كتاب من ~~الإنشاء الفاضلي إلى الديوان العزيز يتضمن الوقعتين: PageV01P101 # أدام الله أيام الديوان ولا زالت منازل ملكه منازل التقديس والتطهير وموالاته # ووسيلة التمحيص والتكثير، ومواقف الأولياء ببابه مواطن السجود والتعفير ~~والولاية من قبله علامة التمليك والتأمير، والوقوف بأقصى المطارح من مرائه ~~موجب التقديم والتصدير وآيات نعمة الله في وجوده واضحة تغنى فيها الألباب ~~عن التبيين والتفسير، والأمة مجموعة بأمامته جمع السلامة لا جمع التكسير ~~الخادم ينهي الذي يحمله على ما يحمله إلى الديوان العزيز من كتبه ويبديه من ~~رسله ويجيب به دواعي طبعه في الولاء المسترسل على لا سجيته أو يحركه ~~المنبعث فيه على رسله أمران أحدهما أن الذي يفتتحه من البلاد ويتسلمه أما ~~بسكون التغمد (214ب) أو بحركة ما في الأغماد إنما يعده طريقا إلى ~~الاسنتنفار إلى بلاد الكفار وإنما يحسبه جناحا يمكنه به المطار إلى ما ~~لامسه الكفر من الأقطار. # والثاني أعلام أمير المؤمنين أن تقليداته وتقليدات آبائه الطاهرين إذا ~~صدرت عنه وعنهم قريت وما عصيت، ونفذت وما نبذت فيعلم أن له عبدا يمتثل أمره ~~ويلزم الناس امتثاله وخادما يطيع الحكم الجليل ويحكم على غيره بطاعته ~~وإجلاله. وعلى هذه التقدمة فهو يستفتح هذه الخدمة بذكر ظفرين للإسلام برى ~~وبحرى أحدهما وهو البحرى عود أحد الأسطولين اللذين أغزاهما أخوه أبو بكر ~~بمصر وكانت مدة غيبته من وقت خروجه إلى وقت عوده إلى دمياط تسعة أيام لأنه ~~غادرها في خامس عشر المحرم وقفته رابع عشرينه فظفر ببطشه مقلعة من الشام ms185 ~~فيها ثلثمائة وخمسة وسبعون منهم خياله ذووا شوكة وازعة وتجار ذووا ثروة ~~واسعة فأخذ الله بأيدي الأولياء برقابهم ومكن الحطم والقصم من صلبهم ~~وأصلابهم ومسخ عزة أقدامهم بذلة أحجامهم وسيوفهم اللاتى في أيديهم سلاسل ~~ومليت آمال المجاهدين أموالا وأثقالا وانقلبوا بالقلوب خفافا وبالأيدي ~~ثقالا وبرد مغنمهم بعد ما تقدمه من حر الحرب وعادوا عن البحر الملح شاكرين ~~لما أوردهم من المشرب العذب. # والظفر الثاني وهو البري ما طولع به من مصر من نهوض فرنج الداروم إلى ~~أطراف بعيدة وهذه العصبة ملعونة لا ترع الأعنة ولا تنزع الأسنة تسري فتسبق ~~الصباح وتدلج فتستصيح الرماح فنزل بهم وإلى الشرقية فركب الليل فرسا أركبوه ~~حملا وسروا ثقيلا وسرى رملا فتوافى الفريقان إلى ماء يعرف بالعسيلة سبق ~~الفرنجة إلى موردته والسابق إلى الماء محاصر المسبوق ووردوا الازرقة فتعصب ~~لأرزقتهم فظن المؤمن أن الكافر مرزوق واشتد بالمسلمين العطش وفل أيديهم ~~الدهش فأنشأ الله في ناجز الهواجز سحابة ماء صيفي شفاهم بها "من فوقهم ومن ~~تحت أرجلهم" وأمسك به أيديهم فاستمسكت على أنصلهم فثابوا إلى الفرنج بقوة ~~أنجاد السماء بالماء وثاروا إلى الملاعين الأعداء بالعزم الجري ذاكرين ~~معجزة اليوم البوري يوم من الله على أهله بالتطهير والري فلم ينجي من ~~الفرنج إلا رجلان أحدهما الدليل والآخر الذليل وانجلت الجلا بعد أن صاروا ~~معصفين، وتساقوا كؤوس الموت تحت ليل العجاج مغتبقين فاقطعت شوكة شديدة وفلت ~~شكا طفر جديدة وعاد المسلمون برؤوس عدوهم في رؤوس القنا وقد اجتنوا ثمراتها ~~وبأرواحهم في صدور الظبي وقد أطفأوا بمائها جمراتها. # قال: ولما تم الفراغ من شغل حلب وأعمالها وتسديد اختلالها فاستصحبنا ~~عساكر حلب والجزيرة واجتمعنا في جموع كثيفة كبيرة وتلون السلطان بتل ~~السلطان مخيمين على غزو الغزاة مصممين فنما وصلنا إلى حباب التركمان حتى ~~وصلت قبائل التركمان فتفرقت العساكر في الطرق وأجدت في الجيب والعنق حتى ~~ناطحتنا قرون حماه، وصافحاتنا سعود قرانه، وقرت بنا عيون أعيانها فأول من ~~تلقانا ببره القاضي أبو القاسم حاتم الأكارم وقاسم المكارم وكان هذا القاضي ~~أمين ms186 الدين بن حبيش لم يزل ذا سجية وعيشة رخية فإذا وصل إلى حماه سلطان أو ~~أمير أو معروف أو كبير دعاه إلى ربعه وأجراه على كريم طبعه فإن لم يزره ~~زارته تحاياه وقرته في مخيمة تحفه وهداياه وله من القلوب أتم القبول ولكل ~~نازل به أهنئ نزل وأكرم نزول. ولهذه الشوافع لم ترد له عند السلاطين ~~والأكابر شفاعة ولم يعر شيئا من حقوقه المصونة إضاعة. ولم يكن هذا القاضي ~~متوليا لعمل ولا قضاء ولا حكم له في إنفاذ ولا إمضاء وكان قانعا بحدى ملكه ~~ويستثمره بفضل جاهه ويفوق المعروفين بتيقظة وانتباهه. PageV01P102 # قال: وكان الملك المظفر تقي الدين بي أخي السلطان صاحب حماه ومالكها، وقد تولى # بالأمن والعدل مسالكها وممالكها فوشع ذراه ووسع قراه وحبر يديه رحب نداه ~~وحصن الحصن الذي في حماه وحماه، وقصر نظرنا على قصره الناظر الذي اعتنى به ~~وابتناه وما أبهج وأبهى بهوه وبهاه وأعظم إيوانه وأكرم أيواه فتفرقنا بعد ~~الاجتماع وجذبنا زمام الإزماع واستنى العسكر سنن الرستن فعبرنا العاصي في ~~طاعة الله لقصد الغزاة وجرد تحت المرد والكمد تحت الكماه، ومالت بنا أعناق ~~الأعناق، وقصدنا إلى حمص أشواط الأشواق، وخيمن على عاصيها وضاقت بجمو عنا ~~أدانيها وأقاصيها وجئنا إلى الزراعة ثم اللبوة ووصلنا إلى بعلبك حتى قربنا ~~من دمشق ودخلنا إليها وهي ببشرنا مستبشرة وعن صباح سفورنا مسفرة ولم يطل ~~بها المقام وعجلنا الرحلة عنها، واغتنمنا حضور العساكر المتضاعفة العدد ~~المتظاهرة العدد فخرجنا نحو العدو متوجهين (215 أ) وفي رياض مراسه الله ~~متنزهين فأول ما وقع البأس ببيسان وجاء الفرنج فرابطهم السلطان على عين ~~الجالوت وواقع بأعداء الله أولياء الطاغوت وقد صفت غزوة بيسان. # وفي كتاب أنشأته عن السلطان وهو: وأقرب غزواتنا عهدا بالفرنج غزوة بيسان ~~في كتاب أنشأته كان من حديثها المبهج أنا سرنا بعساكرنا الموفورة وقطعنا ~~الأردن وعبرنا مخاضة الحسينية بخلوص الضمير في سبيل الله وحسن النية وذلك ~~يوم الخميس تاسع جمادى الأخر فلما وصلنا إلى بيسان وجدنا بأسنا قد أخلاها ~~أهلها فعاجلها الأصحاب ms187 بما أحل لأهلها الكفار من النيران وعقدوا تحت سماء ~~العجاج منها سماء الدخان فما برحنا حتى عفونا أثارها ونهب العسكر فيها من ~~زاد وقوت ما زاد به قوة وكانت هذه المقدمة نصرة مرجوة ألحقنا بها مدنا ~~معمورة وقلاعا حصينة وأضرمناها نارا ولم نذر بها من الكافرين ديارا ووقعت ~~مقدمة العساكر المنصورة في أول يوم على خيل ورجل للفرنج عابرين من نابلس ~~فأوقعت بهم وسدت عليهم طريق مهربهم وقتلت راجلهم وأسرت جماعة من الفرسان ~~قيدوا في الأقياد وتوغل الباقون في الجبال بحزازات القلوب وحرارات الأكباد، ~~وكان مقدمهم ابن هنفرى ففر ووصل الخبر بأن الفرنج وأتوا بجمعهم المحشود ~~وحشدهم المجموع وكانوا في ألف وخمسمائة رمح ومثله تركبلى وخمسة عشر ألف ~~راجل وزحفوا كأنهم أسود الشرى في آجامها وهضاب شروري بأعلامها فبعثنا إليهم ~~الجاليشية فجالت أمامها وجاشت قدامها وعينا الأطلاب للموت طلابا وللنصر ~~بلسان الفصل خطابا وكثر الله المؤمنين في أعين الكافرين فعادوا بعد الأنس ~~نافرين ولما رأوا بأسنا أخلدوا الى الأرض مهطعيين وخندقوا حولهم وأسندوا ~~الى الجبل بالذل لابدين واركزوا قنطارياتهم في مركز دايرة الخذلان وطلبوا ~~ربح سلامتهم من الخسران وأقاموا كذلك خمسة أيام أخرها الأربعاء خامس عشر ~~جمادى الآخرة ونحن في كل يوم نتوقع منهم الحملة التي هي عادتهم والمبادرة ~~في اللقاء التي هي في الصدمة الأولى سورتهم فنكبوا عن اللقاء وما هاجروا ~~الى الهيجاء وعساكرنا المنصورة حولهم حايمة في بحار السوابع في بلاد الساحل ~~دونهم عايمة ويعادونهم مساء وصباحا والفرنج قد يبست أيديهم على الأعنة وغلت ~~في صدورهم وحراب الرعب على صدور الألسنة والمغيرون في بلادهم يشنون الغوار ~~ويكثرون القتل والأسار فلما رأيناهم لا يبرحون رحلنا عنهم يوم الخميس ~~لخناقهم منفسين فما صدقوا حتى جفلوا أجفال النعام وتوغلوا في الجبال وهم ~~أضل من الأنعام، وتصاعدوا في العقاب ونكصوا على الأعقاب، ونحن قد بلغنا ~~النكاية فيهم غايتها والغنايم، والأساري قد ملأت الأيدي وثقلت الظهور، وعجل ~~الله للأسلام وعسكره النصر والظهور، وعدنا سالمي سالبين غانمين غالبين ~~"والحمد لله رب العالمين" وقد شرعنا ms188 الآن في غزوة ثانية لعزب الكفر ثانية ~~والمسير بالعسكر الذي عدنا به إلى الكرك والالتقاء بالعسكر الواصل من مصر ~~عليها فإن الفرنج قد بان لنا هوانها وهذا وقت منيتها وأوانها فما نزال ~~بتأييد الله نوالي الغزوات حتى يأذن الله في فتح الأرض المقدسة والسلام. ### ||| ذكر العودة إلى الكرك واستدعاء الملك العادل من مصر لتولى حلب واستنابة الملك المظفر تقي (الدين في مصر وشرح أسباب في ذلك) . PageV01P103 # قال: وكان الملك العادل سيف الدين أبو بكر أخو السلطان على عادته في تولي الديار # المصرية مستمرا ولأمورها بفضل سياسته وحسن رعايته ممرا، وهو مستقل بالأمر ~~والنهي يولي ويعزل ويعلي وينزل وهو سلطان الديار المصرية على الحقيقة ومرتب ~~أمورها الجليلة والدقيقة. والسلطان بالشام في مهام الإسلام وهو بأخيه كثير ~~وبحسن أثيره أثير وهو يمده بالرجال والمال ويجري الأرزاق والآجال فلما ملك ~~حلب كتب الملك العادل لها طالبا وفيها وفيما يجري معها من البلاد والمعاقل ~~راغبا فكتب إليه لسؤاله مصيبا ولسؤاله مجيبا وواعده إلى الإجماع به على ~~الكرك ليفوز من بغيته بالدرك واستصحب معه الملك المظفر تقي الدين ابن أخيه ~~ليوليه في مصر ويستنيبه وكل ذلك بمشورة الأجل الفاضل وعنايته بالساير ~~والواصل فإن السلطان ما يزال يأخذ بإشارته ويعطي ويصيب ببركات آرائه ولا ~~يخطئ ولما آب السلطان من الغزوة جعل مآب الجهاد إلى جهة مآب من اقليم ~~الشراوة ونزلنا بادرادر واستأمن إليها أهلها المسلمون فأذقناهم بحلية الدين ~~حلاوة الأمان وساكنوا تلك الأعمال مسلمون من قديم الزمان وتربى أولادهم في ~~حكم الفرنج فألفوا ما ألفوه وخافوا منهم على ظهور حبهم لنا فأخفوه ثم خيمنا ~~على الرية ثم حصرنا الكرك وحصرناها وكانت المناجيق (215ب) تراوحها وتغاديها ~~وتعاودها وتباديها وتحول السلطان إلى الربض ملازما للغرض وأقام بدار الرئيس ~~ليقرب من المناجيق المنصوبة ويشاهد مواقع النكاية في القلعة المحصورة وكانت ~~سبعة قد فتحت لأهل جهنم سبعة أبواب وفغرت أفواهها وكشرت عن انيابها وفصلت ~~أوصال السور بسوء خطبها وخطابها وقد رتب السلطان نوب الرملة على رجال ~~الأمراء في الصباح والمساء ms189 ولم يزل يرجم الحصن ويهدم والسلطان في هذه ~~الأثناء منشغل من جانب بتعمير البلاد وترتيب الممالك ومن جانب بتدمير الكفر ~~والتدبير له في المهالك. ثم انقضى شهر رجب وعلم باجتماع الفرنج في الموضع ~~المعروف بالوالة فقالوا هذا حصر يطول ومسألة تعول وقد أضعفنا الحصن ومكنا ~~منه الوهن، وهذه نصرة قد أحكمنا أسبابها ولا خوف من فواتها وما نزال نعاود ~~بالإضعاف حتى نفوذ بالفتوح ونحوز ذخر الظفر الممنوح وهذا جمع الفرنج ملتئم ~~وحمرهم مضطرم وقد اجتمعوا فنحن نقصدهم ونلقاهم ونقدم عليهم ولا نتوقاهم ~~وسيأتي ذكر عودنا في موضعه. # ولما وصل الملك العادل أظهر عن حب مصر سلوه وطلب من حلب وأقطاعها مرجوه ~~فعول السلطان على تقي الدين في تولي الديار وزاد منه اقطاعه بالشام اقطاعا ~~في مصر وأنعم عليه بالأعمال اليومية وساير نواحيها بجميع جهاتها وجواليها ~~وزاده القبيبات وبوش وأبقى عليه بالبلاد الشامية مدينة حماه وقلعتها وجميع ~~اعمالها وجمله بصحبه سيدنا الفاضل حتى إذا وصل تقي الدين إلى مصر اقتدى ~~بالتدبير الفاضلي واهتدى بسنا رأيه الجليل الجلي. # وكان السلطان لا يؤثر مفارقته ولا يحضره أنس إذا فارق حضرته ولما لم يجد ~~من توجه تقي الدجين إلى مصر بدا وكأنه سيكون بالأعمال مستبداوكانت في تقي ~~الدين إلى مصر جدة لم تكن في الملك العادل احتاج إلى تقويمه إلى تدبير ~~الأجل الفاضل فأذن له في السفر بشرط الاسراع في العودة والمبادرة إلى ~~الاجابة عند تحقق الدعوة فسار بمن في صحبتهما وعاد السلطان بالملك العادل ~~وكتبت لهما منشورتين في شعبان سنة تسع وسبعين، PageV01P104 # قال: وكتبت إلى سيدنا الأجل الفاضل عند الرجوع من وداعه وكان رحيله من ~~الكرك في منتصف شعبان: رجع المملوك من الوداع وداعي الأسى يحفزه وعاد الأسف ~~يزعجه ويعجزه فعدم الشمس التي تفيض عليه والظل الذي يفيء إليه. لا مجيب ~~لاستدعائه ولا مجير لاستعدائه ولا قابل له ولا قايل به ولا منفق لنقده ولا ~~موثق لعقده ولا مروج لرجائه وظل كضالة لا ينشد وكالضال لا يرشد وكالفقيد لا ~~يفتقد وكالزيف لا ينتقد ms190 وكيف حال من حالت كيفيته أياسه بأسوة أم نيته ~~أمنيته ياليت المولى قبله صاحبا لركابه وراكبا في صحبه متلاشيا في أشعة ~~آلائه متعاشيا في سابغ لألايه وضيعا مع الشرفاء ثقيلا مع الظرفاء سقيما مع ~~الأصحاء هجينا مع الصرحاء والعقد الثمين ربما أنتظمت فيه لصرف العين الخرزة ~~وسدت بالخرزة ثلمتها المعوزة على أنه إذا أقامه في كنف الرعاية مرعى الكنف ~~غبطة السايرون وتحاماه الضايرون ولم يثر إليه الثايرون ولا غنى بالملوك في ~~كل وقت لاستزادة محقه واستزالة مقته عن تجديد جاهه وتوجيه جده واسعاد رجائه ~~وإجراء سعده فالفارس يستثمر بالتربية غرسه ولا يضيع المملوك الذي ملك رقه ~~بإحسان عشر سنين " إن الله لا يضيع أحر المحسنين ". ### ||| ذكر الرحيل إلى الشام # ولما رأينا أمر الكرك يطول، ودافعنا عن حقه القدر المطول جهز السلطان ~~العسكر المصري في الخدمة التقوية التي بالصحبة الفاضلية يقويها ومن آرائها ~~في كل ما ينادي له تلبيتها وتربيتها وانصرف بعسكر الشام عايدا إلى دمشق عود ~~الحيا الهاطل إلى الثرى الماحل، وألقينا بها العصا واجرينا ذكر من أطاع ~~وعصى، وعدنا من فرض الجهاد إلى فرض الصيام إ ووقع الشروع في إراحة العساكر ~~عند استقبال العام واستيناف الجمع لنصرة الإسلام وتولى الملك العادل سيف ~~الدين أخو السلطان حلب وقلعتها وجميع أعمالها وجميع قلاعها، ومدينة منبج ~~ومعاقلها وصار إليها وتسلط بها سلطانه وتمكن منها مكانه، وتحكمت ولايته ~~وتولتها أحكامه، ونفذنا أوامره في أمورها نقضه وإبرامه ودرت على مراده ~~أخلاقها بوضوح مذهبه في الزفاق خلافها وانصرف نواب السلطان إلى دمشق في ~~خدمة الملك الظاهر ظاهرين بصفو الموارد والمصادر. ### ||| (216 أ) ذكر وصول شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير في الرسالة الشريفة الأمامية ووصول محي الدين الشهرزوري معهما رسولا من الموصل # قال: ولما استقر بنا في دمشق المقام وتم الصيام جاء من رافد نعم الله ~~التمام ووصلت رسل امير المؤمنين عليه السلام فوفيناهم في الاستقبال كل حق ~~وذكرنا من الإسراع إلى الاستسعاد بهم كل سبق. # ولقي السلطان الرسل فنزل ونزلوا وأقبل عليهم وأقبلوا ثم قدم ms191 لهم المراكب ~~التي أعدت لهم فركبوا وسايرهم السلطان واصطحبوا ونزل شيخ الشيوخ بالرباط ~~على المنبع ونزل القاضي محي الدين بن كمال الدين الشهرزوري في جوسق بستان ~~الخلخال ونزل شهاب الدين بشير جوسق صاحب بصرى على الميدان. # قال: وكان بيني وبين شيخ الشيوخ قرابة قريبة فإنه اتصل إلى ابنة عمي عز ~~الدين أبي نصر أحمد بن حامد وقد كانت عقيلة بيت السؤدد، وكان مز راء الزمان ~~وعظماء دولة السلطان يخطبونها رغية في طيب النجار ونزاهة العنصر واتفق حضور ~~هما بالكعبة المعظمة في سنة خمس وأربعين وتكررت منه الخطبة وصحت الرغبة ~~فأجيب لدينه وأصله وتقواه وفضله وبارك الله منها في ذريته ونسله، وكان له ~~منها أولاد نجباء أستأثر الله بهم في ريعان شبابهم وبقي الذي اصطحبه في هذه ~~الرسالة وكان منعوتا مكنى مسمى بما كان لجده العزيز أبي نصر أحمد فمرض في ~~الطريق واصطحبه معه في محفه فوصل ونفسه رهينة بنفس وقد جاء الأجل وذهب ~~الأمل وانقضى العمر وقضى الأمر. # وجلس ثاني يوم وصوله للعزاء وحضر السلطان وجماعة الأمراء وصلى عليه ودفن ~~بالمقبرة بمحاذية الرباط وبردت حرارة الرسالة وشغلت حادثته عن محادثته حتى ~~انقضت ثلاثة أيام موسم التعزية ولم يقدر على التسليم والتسلية. ### ||| ذكر السبب المقتضى لهذه الرسالة في هذه السنة PageV01P105 # قال: لما عرف صاحب الموصل ما تسنى لنا من فتح آمد وحلب وتيسر كل ماأراده ~~السلطان وطلب خطر بباله خطر البلوى وعود العدوى فمال إلى الإستعطاء ~~والإستعطاف وشرع في استعساء رسله للإستعساف واستدعى من الديوان العزيز ~~إرسال شيخ الشيوخ للإستشفاع لعلمهم أنا لا نرى إلا الإئتمار بالطاعة للأمر ~~المطاع وندب قاضي القضاة محى الدين أبا حامد محمد ابن محمد بن عبد الله بن ~~القاسم الشهرزورى للرسالة من جانبه وأناط بسعيه نجح مطالبه فجاء في جاه ~~أنيق ولسان دليق وترفع وتعزف وتقنع وتقشف وترق في ذروة الخطاب بحلو اية على ~~سريرة نبرة الخطابة ولو تخلق بخلق مرسله في الدفع بالتواضع لكفي الغرض وشفي ~~المرض فإنه لما وصل لزمه ناموسه وأطال في محل ms192 بستانه جلوسه واظهر كأنه ~~الأمين نزل بالوحي من السماء وجاز بالعطارد في بيته بالجوزاء ولم يأخذ في ~~طريق الاستحذاء وظن أن ذلك لمخدومه نصيحة وخدمة وبغية صحيحة على أنه ~~السلطان قابل شدته باللين وأعطى يمينه على أخذ اليمين فاشتط واشترط وكلما ~~قاربناه شحط وكلما أرضيناه سخط وكلما توخينا جامعا للمصالح أبى ألا مراده ~~المارد ولم يوافق مصادره الموارد ولو أنه تلطف واستعطف حصل المخطوب ووصل ~~المطلوب وتأكدت العقود وتمهدت العهود لكنه الزم ما لا يلزم وجزم ما لا يجزم ~~وعين شرطا له مانع وفيه منازع. ### ||| ذكر كشف الحال PageV01P106 # قال: كانت قد وصلت رسل صاحب الجزيرة وكان صاحب أربل وصاحب تكريت والحديثة يشكون من # صاحب الموصل وتكليفاته وأثقاله الكثيرة الكبيرة فأما صاحب الجزيرة فهو ~~معز الدين سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي وهو خايف من صاحب الموصل عمه ~~وأنه يلزمه أن يدخل تحت حكمه ويخشى أن يكشف ضياء حاله ظلمة ظلمه وأما صاحب ~~اربل فهو زين الدين يوسف (بن بكتكين) بن علي بن كوجك وهو أيضا شفق من أمره ~~محترق بجمره وكذلك صاحبا الحديثة وتكريت يرهبان وفي الاعتزاز بنا يرغبان ~~وكل أخذ من السلطان عهدا على أنه يحميه ويقيه ويسعده ولا يشقيه، وانصرف ~~رسلهم على هذا القرار. ثم كان وصول شيخ الشيوخ صدر الدين ومحى الدين الشهر ~~زورى ووقع الشروخ في حديثهم وحادثهم وإجازة دواعيهم وإجابة بواعثهم. وكان ~~القاضي محي الدين الشهر زورى سالفا في المدرسة النظامية ببغداد رفيقي وآنفا ~~في الأيام النورية صديقي فصدفوه في هذه المرة عن مشاورتي وصرفوه (216 ب) عن ~~محاورتي ولو استشارني لعرفته النهج وسلكت به طريقنا للمصالح جامعة ~~وللعواقين رافعة فصرت عن سره بمعزل حتى استقرت قاعدته ولم يبقى إلا عقدة ~~للتأليف تقرر ونسخة التحليف تحرر فاستدعاني السلطان ذات يوم غدوة وقال: ~~اكتب لنا شرطا ليكون لنا في الوفاق قدوة فقلت له: كيف تستثنى أولئك الذين ~~وثقوا بعهدك، وسكنوا إلى وعدك وهؤلاء لايرضون بالاستثناء وكيف تنسب إلى ترك ~~الوفاء فقال: اكتب ما ينزهني ms193 عن الخلف وينبهني على صدق الحلف فقلت تحلف ~~لصاحب الموصل على موصله ونجح مؤمله وتعجل أمر أصحاب تلك البلاد إلى ~~اختيارهم عمن اختارنا تم منا له مناله ومن اختاره فله عنده سؤله وسؤاله، ~~وهو يشرع في استدعائهم واسترضائهم على وفق آرائهم فأن صح لنا في عودهم إليه ~~أمرهم بسط عذرنا وقبض عذرهم. فقال: امض الآن إلى شيخ الشيوخ وعرفه بالقضية ~~وأرضه بهذه الحالة الرضية وألم أيضا بمحى الدين وأنا قد أجبناه على هذه ~~الشريطة إلى اليمين. فأما شيخ الشيوخ فإنه عرف واعترف وأسعد بالمراد وأسعف، ~~وأما محى الدين فإنه أبى ألا الأباء وأنكر الأستثناء وقال: هذا مستحيل ولا ~~ينقطع به القال والقيل وأولئك في بلادنا ونوابنا وفي ولايتنا ولاتنا ~~وأصحابنا وفي خروجهم علينا ما لا خفاء به من تفريق الكلم وتشتيت الشمل ~~المنتظم، وإذا علموا أنكم لهم توثقتم وعليهم أشفقتم خرق إجماعهم، وزاغت عنا ~~أسماعهم وأبصارهم فاتركونا وإياهم زاعتذروا إليهم بأنا إنما قبلناكم أيام ~~السخط واللآن فقد كمل الصلح فاجروا على العادة ولا تخالفوا في الإرادة ~~فقلنا تأخذ الآن عهدا كما شرحنا وشرطنا وحفظنا به الجوانب واحتطنا وأنتم ~~أشرعوا في الاستمالة وتنبكوا طرق الاستحالة فما قبل الرسول ولا تم بقبوله ~~السؤل. ثم استأذنوا في الانصراف والاستيمار على ما تقرر في الاستحلاف فاكرم ~~الرسل الكرام وقضيت حقوقهم بكل تشريف وعطية وتحفة وهدية وكان شيخ الشيوخ ~~كبير الهمة أثيرا لا يقبل قليلا ولا كثيرا فإذا حمل له الطعام فرقة على ~~الأجناد الذين معه من الديوان العزيز الأمامى، وعصم أحواله بالخلق العصامى ~~فما زلت به حتى أجاب كل يوم إلى رغيف وباجة متخذة من دجاجة. فلما خرجوا من ~~دمشق عازمين على المسير وعرف السلطان أنهم خيموا بالقصير قال السلطان: قد ~~استحييت من صدر الدين شيخ الشيوخ، وقد عولت على أن أركب لوداعه وأقابل ~~مقاله بامتثاله وأقبل مقاله لأجله ولإجلاله، ويكتب نسخة اليمين كما يمليه ~~بعبارته. فسبقت إليهم منم أمر السلطان، وعرفتهم بسرعة وصوله، فلما وصل نزل ~~في خيمة الصدر منشرح الصدر متضح البشر ms194 ثم كشف له في القناعة ما سأله القناع ~~وسأله بالرسول في عقد الإجماع الاجتماع. فأرسل إليه من يعلم بالأمر ويقفه ~~على السر وضيق عليه سعة العذر فلما رأى تواضع السلطان ترفع وقال: أنا بعد ~~ما جرى من الحال لا رغبة لي في الاسترسال حتى أنهى إلى من خصني بالإرسال. ~~ولعلكم اعتقدتم انه ليس لنا مظاهر ولا مظافر ولا موازر بل لنا من يشتمل ~~علينا ويعصمنا ويميل إلينا ونحن نكاتبه. ونستشير به ولا نتوخى خلاف مذهبه ~~وأشار إلى سلطان العجم والبهلوان فأذن هذا القول منه بنفار السلطان وترك ما ~~عزم عليه وودع وركب، وبعد الأمر الذي كان قد قرب وكان قد أرسل للإطفاء ~~فأسعر وللاستحذاء فتكبر. PageV01P107 # وقال السلطان فاتر العزم في العود إلى الموصل فهاجمه وحرف إليها مزاجه ~~ولو تمسك منه بظاهر يمين لفاز لمرسله في مكانه بتمكين وكأنه ذكر بما نسي ~~واستعجل فيما أنسى، فخطب خطابه خطوبا وغير تغير قلبه قلوبا وجر ذنبه تجريه ~~ذنوبا، وحدثت كوارث، وكرثت حوادث كلها إلى هذه الحالة منسوب ومن هذه ~~المقالة محسوب وسيأتي ذكر ذلك في مكانه بشرحه وبيانه. # قال: ووصل رسسول عماد الدين زنكي صاحب سنجار فاتخذ توخي المصلحة في ~~المصالحة وعاد فعرف ما أفضى إليه الأمر وما جرى عليه رسل الموصل من الآباء ~~والعود إلى عادة الاعتداء. وانا في هذه السنة المقبلة قد عزمنا على الكر ~~إلى الكرك وأنا راغبون في جهاد قال: (217 أ) وكثرت الأمطار في شتوة هذه ~~السنة والثلوج وتعذرت الحركة والخروج. ### || ودخلت سنة ثمانين ### ||| # والبرد قد تقوض اساسه وانقرض بأسه وسقطت جمرانه وسخطت غمراته فتتقاضى ~~السلطان عزم الجهاد وحزم الاجتهاد فاستدعى الأجناد واستعد وخرج إلى مرج ~~الدلهمية من عمل البقاع وقد أذن مرعها بالأمراع وغضب الشعاب ورضت الأعشاب ~~وأمكن الرعي وتمكن السعي وشرع الجند في الاجتماع والجد في الارتفاع وتواصلت ~~الرسل وتراسلت الوصل، وجاء رسول نور الدين بن قرا أرسلان يظهر لما يومئ به ~~الانقياد والاذعان وهو وزيره قوام الدين أحمد بن سماقه وهو حاكم ملكه وناظم ~~لسلكه ms195 وأخص خواصه وأخلص ذوي استخلاصه ودخل إلى السلطان من بابي واستفتح ~~خطابه بمفاتحة خطابي وفرق على الخواص والعوام تحفا وهدايا خصت وعمت، وطرفا ~~وسنايا مقاصده بها استتمت. ورده السلطان سريعا وأتحفه إحسانا وسيعا وشيعا ~~وسامه بالوصول بمخدومه في خصوص عسكره وعمومه وأقمنا حتى وصلت البشرى ~~بقدومه. وركبنا وتقليناه على فراسخ وشاهدنا منه الطود الراسي الراسخ وأنزله ~~السلطان في سرادقه وعام فيالقه في فيالقه واستصحبه إلى دمشق فأبدى ~~بمنتزهاتها العشق وأضافه وازاره الطافة وأدنى من فضله قطافه ولاعبه بالكره ~~في ميادينها وداعبه بالطرف في بساتينها. ولما تم عبير الربيع في عبوره ~~ونمنم حبي الحبير في حبوره تقاضى غريم الغرام بقضاياه وأعلن العزم السلطاني ~~بخفاياه وأخرج خباياه وأيقن الإسلام بأمانيه ولاكفر بمناياه. واجتمعت ~~العساكر برأس الماء على الملوك والأمراء والأكابر والعظماء، وأشفق السلطان ~~من تكليف ابن قرا أرسلان تجشم المشاق فأنزله في مقام الأرقاد والآفاق وتقدم ~~إلى أخيه الملك العادل سيف الدين بالإقامة معه لا يناسبه. وكان قد قدم كتبا ~~إلى الأجل الفاضل بالوصول العاجل، وإلى تقي الدين نايبه بالديار المصرية ~~بإقباله منها بالجحافل، وسار على سمت الكرك واستصحب عدد الحصر وعدد الأبصار ~~والعسكر اللجب والمنظر المعجب. PageV01P108 ### |||| فصل في كتاب إلى صدر الدين شيخ الشيوخ ببغداد في شهر ربيع الأول سنة ثمانين # قد # توافدت العساكر الشامية والجزرية والديار بكرية ووصل نور الدين بن قرا ~~أرسلان في عسكره المجر وجنده المصحوب بالنصر، وعسكر صاحب ماردين في جمع ~~كثيف ومطلع في السعد منير منيف وصاحب دارا وشهاب الدين أخو صاحب سنجار، وكل ~~منهم ماضي العزم شديد السهم لما مهدنا له من المهم. ونحن متوجهون إلى الكرك ~~يسر الله فتحه وقرن بمتجرنا في سبيل ربحه وقد استدعينا العساكر المصرية ~~وتواعدنا بالوصول إليه والحصول عليه فأنا كنا أضعفناه وخربناه وخبرنا ~~القتال عليه وجربناه وأن فتحه يستدعي تكرير العود إليه بالحصر وتكرير صفو ~~العيش على أهل الكفر ولعل بمهمة سيدنا يتخذنا في الملتقى ويسعدنا في نيل ~~الفتح المبتغي، قال وسرنا بالنصر واثقين وفي العزم صادقين ووصلنا الأساد ms196 ~~بالتأويب والخبب بالتقريب حتى أنخنا في خامس ربيع الأخر بأعمال الكرك على ~~أدر وما منا إلا من شرح الله له الصدر. ووصل الخبر بقرب العسكر المصري ~~بالنصر الناصري والبأس العمري فتشوقنا إلى اللقاء وجينا إلى الكرك ونزلنا ~~قبالة الحصن علة واديها وعادتها منا عواديها ووصلت العساكر المصرية ووصل ~~الأجل الفاضل ثم وقع التظافر وكمل التظاهر على مضايقة الحصن بإعادة قوتها ~~إلى الوهن فعبر السلطان إلى الربض ليقرب سهمه من الغرض وسكن دار الرئيس ~~ونصب تسعة من المنجنيقات الكبار ورتب عليها نوب الليل والنهار وكان نصبها ~~صفا قدام الحصار مبنية والأستار موثقة بأسباب الاستظهار فزارت الأسوار ~~ورامتها بالداهية الدهياء حتى هدت اركانها وهدمت بنيانها وجردت من العمارة ~~جدرانها وعمرانها، ولم يبق بيننا وبين الحصن مانع إلا الخندق الواسع العميق ~~وقد تعذر فيه الطريق وكان من الأودية الهائلة والمهاوي والمهالك الغايلة ~~ولم يكن في الرأي إلا طمسه وملوه بكل ممكن وردمه فبعد ذلك من الأمور (217ب) ~~الصعاب وتعذر لحزونة الأرض وتمخرها إليه حفر الأسراب فأمر السلطان يوم ~~الخميس سابع جمادى الأول بضرب اللبن وجمع الأخشاب وبناء الحيطان المتقابلة ~~من الربض إلى الخندق وتسقيفها. وتسفيف ستايرها وتأليفها ولما تمت دروبها ~~ومنافذها وكانت شعاب واسعة لا يزحم فيها الجاي الذاهب ولا يصدم فيها الماضي ~~الايب وتوافدت رجال العسكر على ذلك وأتباعه وأشباعه على نقل ما يرمى في ~~الخندق ويخشى به عرض ذلك المخرم وعمق ذلك المخرق فتمادى على ذلك تتابع ~~الأيام والليالي وكاد أن يتساوى بالهدم والطم مخارم الأسافل والأعالي وكاد ~~الفتح يقرب والنجح يكتب حتى عرض الونا وعنا وما عنا ودنا القدر بما دنا. ### |||| فصل من الكتاب إلى ابن قرا أرسلان # وهان طم الخندق بالدبابات التي قدمت والأسراب # التي بنيت وأحكمت فوجد الناس إليه طريقا مهيعا فهم يزدحمون آمنين من ~~الخراج عاملين على الإفراج وقد أمتلأ الخندق حتى أن أسيرا مقيدا رمى بنفسه ~~من السور إليه ونجا بعدما توالى من الفرنج رمي الحجارة عليه. # قال: ووصل كتاب الملك العزيز وكان مقيما بدمشق بوصول ms197 رسل الديوان العزيز ~~صدر الدين شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير ومن معهما فكتبت من السلطان جوابا ~~منه: وما أسعده حين فاز بخدمة سيدنا صدر الدين ولقد وفق في حضور حضرة جلاله ~~كل يوم والتيمن بأنوار عزته والتبرك بإيثار أدعيته وقد ظهر أثر قدومه ~~المبارك وبشرت ببشر وجهه وجوه الممالك فلنا كل يوم نصرة ومبرة من الله مبرة ~~ومسرة معلنة بالمنايح مسرة. PageV01P109 # من كتاب فاضلي إلى الديوان العزيز: أصدر الخادم هذه الخدمة من الكرك يسر ~~الله فتحه وعجل فدحه وتوجه إليه عقب منصرفه من بلاد الساحل وبعد قضاء ~~مفترضه وأعرض عنه أولا وهو قصده أعراض الرامي عن مراده وغرضه فأنه لجى في ~~الحناجر وقذى، ورصد الطرقات المسلوكة وصير في السبل المشكوكة وقد أخذ من ~~الآمال محققها وقعد بأرصاد العزايم وطرقها وصار ذنبا للدهر في ذلك الفج ~~وعذر التارك فريضة الله من الحج وجلس من هام الاسلام بمكان عمامته وختم على ~~أنفاس الحجاز فما يدع نفسا يصعد من تهامته وخف بهذه القطيعة مدينة قد عقل ~~الجبل حبوتها وأزلق الغراب أن يطأ ذروتها وعصم سوار الوادي القوي بعصمها ~~وحمت عزة الجبل المطل أدهمها والخيل تصعد منه أنجما في فلك بين طالع طالعها ~~وغارب في واديه لغاربها وجنا المنجنيق بحاكمها وقامت كف كفنه تزاحمها ولسان ~~حبله للنضض يخاصمها. قال: واستمر مقامنا واستحر غرامنا وقد آن أن يفتح ~~الفتح المرتجى بابه المريج ويحد الحد المبتغى المنهج البهيج وما في الفرنج ~~من أهل الحصن من رأى له مخرجا وفرجا وتطايرت كتبهم إلي من ورائهم ~~بالاستصراخ واستأيس روع الكفر من الأفراخ. ### ||| ذكر القفول من الشام واجتماع الفرنج في الموضع المعروف بالواله # قال: وصل الخبر ونحن على حصار الكرك وقد ~~ضايقناها أشد مضايقة وعالقناها أحد معالقه بأن الفرنج قد أقدموا مجتمعين ~~ولنداء المحصورين مستمعين وقد جاءوا مدججين وفي بحر الموت ملججين فلما ~~سمعنا بجمهم طمعنا في وقعهم وقلنا متى رقمنا القوم وعاودنا السوم في مجمعهم ~~وربضنا للكريهة كارهون، وكانت مسالك الدخول إليهم صعبة وعرة وطرق التطرف ~~نحوهم متعمقة ms198 متقعرة فقلنا نحصرهم ونصبر عليهم ونصابرهم حتى يخرجوا فيخرجوا ~~إلى مفازة البلقاء فيفوزونا للقاء وأطاف العسكر بهم أياما فلم يطق أقداما ~~فرحل عنهم لخناقهم منفسا فبقى الأمير عز الدين جاولي هناك مقيما للاطلاع ~~على أحوالهم مستديما حتى إذا عرف بحركتهم للخروج وأعلمنا بحالهم وأقدمنا ~~على قتالهم فأصبح وربعهم خال ورسهم بال وأنهم لم ينالوا بركوب الخطر في ~~طريق لم يخطر ببال فاتخذوا الليل حملا ورجعوا القهقرى وسلكوا في المضايق ~~سبلا وفروا من الشرك وكروا إلى الكرك فأسفنا على فوت الفرص وإفلات الطاير ~~من القفص، واجتمعت العساكر في عماق بالأثقال وركزنا زرق الأسنة الزرقاء ~~وقربنا بلقيا الخير قرى البلقاء وعدنا بالسلامة نذكر سلامة الأعداء. PageV01P110 # ولما رأى السلطان أن الفرصة (218 أ) فاتت استدراك الفارط بغزوة قدمها وخطوة # اغتنمها وجاب نابلس وأجرى إليها الخيل وجر عليها الذيل وسبى وسلب وغنم ~~وغلب وأقام بها بياض يومه بسواد قومه حتى استخرج العسكر المغانم من المغاني ~~وتفرقوا في أقاصي شعابها والأدانى. وفي طريق عوده نزل على سبيطه وفيها مشهد ~~زكريا عليه السلام وقد اتخذه الفرنج كنيسة وأودعوها أقمشة نفيسة وبها من ~~الفرنج سكان وأقساء ورهبان فغدوها بأسارى مسلمين ولاذوا بالأمان معتصمين. ~~ثم أناخ على جنين فأهبط أوجها وهدم برجها وآب بالنهاب والسبايا والمراع ~~والصفايا فاجتمعنا على الفوار وبادرنا بالوصول إلى دمشق للاستسعاد برسل ~~الديوان العزيز وبرؤية شيخ الشيوخ وكان البحر متوهجا وضرام الجو متأججا ~~وفشت الأمراض ووشت بالجواهر الأعراض ومرض شيخ الشيوخ فتعفف عن مواصفة ~~الأطباء واستمر في ذلك على شيمة المتوكلين الأتقياء وقال: إن المبلى بالمرض ~~هو المنعم بالشفاء. ومرض أيضا شهاب الدين بشير وأصحابه وخواصه وحجابه فضجوا ~~ومجوا وأبوا الإقامة وأبدوا السآمة وظنوا في الرحلة السلامة وقضى كثير من ~~أصحابهم فتشا عموا بمصابه وأسفوا على شبابه والسلطان يستمهلهم خوفا على ~~مزاجهم ورجاء نصح علاجهم فأشفق أصحاب بشير لشدة مرضه من وفاته وأساءوا الظن ~~بعده بعطايا السلطان وصلاته فأرادوا أن يستعجلوا نقودهم ويستعملوا نفوذهم ~~ويجتابوا خلعهم ويرحلوا ويأخذوه معهم فما عليهم بعد ذلك ما ms199 يقضي به القدر ~~ويقضي به بعد قضاء وطر الورد الصدر فحملوا لأجله المطمع في نفعهم مخدومهم ~~على القدر وساء حظه الخطر وحسنوا له أن الهواء وبى وبيل وأن رسم الصحة في ~~هذا المحل محيل فطلب بشير الإذن في الرجوع بعد استماع جواب قوله المسموع ~~فقضى السلطان حق إكرامه وأدى فرض إجلاله وإعظامه ومد له حصنا عرابا وحجورا ~~عتاقا وأطلق لأصحابه أعنة جوده على حسب اقتراحهم إطلاقا فلما كمل لهم ~~العطاء وكشف لهم عن ستر الراحل الغطاء رغبهم في المقام رفقا بذوي السقام ~~فلم يكن للأصحاء بعد استيفاء حظوظهم في اللبث حظ ولا لزمهم لأجل مرضاة ~~مرضاهم حفظ وأصبحوا وقالوا لمريضهم الثقيل أنت اليوم في خفة وحملوه راحلين ~~به في محفة وأجاؤا شيخ الشيوخ وهو في بحرانه للعوم في بحرهم ولفح حر وجهه ~~في وجههم لحرهم فلم يرى أن يقعد عنهم وأن كان مرضه مقعدا وقال: إن القضاء ~~المحتوم أن لم أدركه اليوم أدركه غدا وعاده السلطان بل تردد إليه كل يوم ~~وليلة في الرباط بالمنبع ثم استقل مودعا وداع الأبد ولم يعلم أن الأمل فيه ~~منقطع الأمد وكان من سنجار حسام الدين طمان مقدم عسكرها معنا في الجهاد ~~فأذن له السلطان في عوده إلى مقره بعسكره وأمره بمرافقة صدر الدين والرسل ~~معه والرفق بهم في مسيرهم ومذهبهم فساروا على سمت الرحبة واغتنم الأمير ~~طمان بركة تلك الصحبة فواجهوا مهاب السموم ودبت الأمراض فيهم مدب السموم ~~ولما بلغ بشير إلى السخنة ووصلوا بشيخ الشيوخ إلى الرحبة وهناك لقى ربه ~~وورد من الكوثر شربه فهو ممن رفع سريره الملايك ووضعت له في عليين الأرايك. ~~ولما جاء السلطان نعيه ساء وعيه ولم يزل يجري على قلبه ولسانه ذكره وشكره ~~ولم يصف لا حد كما صفا له بشره وكانت وفاته في شعبان بوأه الله الجنان. ### ||| ذكر الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه ووصوله مع عمه إلى دمشق وعوده إلى مصر منتصف شعبان # قال: كان تقي الدين نايب عمه ~~السلطان بمصر ولما استدعاه مع ms200 عسكرها للغزاة رتب بالديار المصرية نوابه ~~ووصل لعمه موازرا مظاهرا وبمضاء مضاربه له مظافرا فلما وصلنا إلى دمشق حضر ~~بها معنا وأبدى مكارمه وأبدعها بما وسعنا وبث الزند وبث الحمد وكانت بيني ~~وبينه صداقة لصدق الاعتقاد معقودة وأثمان صنايعي في سوق صنايعه مفقودة وأنا ~~أثبت في هذا الكتاب قصيدة ثائية مدحته بها في سادس رجب سنة ثمانين بدمشق ~~حرصا مني على تخليد ذكره وتعمير مجده قلت ومنها: # إذا شئتما من غير قلبي تحدثا ... فما حل فيه الهم إلا ليلبثا # حذا شاهدي صدق على صحة ... الهوى ضنا ساكنا مني ودمعي محدثا # (218 ب) رثى لي عدوي من جفا عيني رنا ... هيك من حال عذرى لها ممثلا # غدت دمعتي في هدب عيني كأنها ... وقد علقت فيه غريق تشبثا PageV01P111 # واهيف حزني في أرث في الحشا ... من النار ما في خده الحسن وارثا # يقول خليلاي الشقيقان لو مشى ... على غير متن الهوى ما توعثا # رأيتم طريق الحب وعثا وإنني ... أرى طرقات الصبر عندي أو عثا # قال: وخرجنا من دمشق في شعبان وخيمنا على الفقيع ودعا السلطان تقي الدين ~~فأمره أن يرجع بالعسكر إلى مصر بعد ما ودع في منتصف شعبان وعاد إلى القاهرة ~~ثم رجعنا من فرض الجهاد إلى فرض الصيام وأجدنا شهر رمضان في دمشق راحة ~~المقام ورجع كل عسكر إلى مركز ملكه وكل تبر إلى أربع فلكه. ### ||| ذكر الشيخ العالم زين الدين أبي الحسن علي بن نجا الواعظ المقيم بمصر PageV01P112 # قال زين الدين هذا من أهل دمشق ومن ساكني مصر ذو لهجة في الوعظ صحيحة وبهجة في # الفضل صبيحة وقبول من القلوب وفصول في فصل الخطاب الخطوب، وكان السلطان ~~يستشيره ويروقه تدبيره ويتيمن بندبه واستحبائه ويمده بميراته ويوده ~~بمكرماته. ووصل في هذه السنة منه كتاب إلى السلطان يتضمن برح لوافح الأشواق ~~وشرح فوادح الفراق ويشوق إلى مصر ونيلها ونعيمها وسلسبيلها ودار ملكها ~~ومدار فلكها وملتقى البحرين ومرتقى الهرمين وريفها الريف وصيفها الخريف وأن ~~شتاءها ربيع وشتاتها في الفضل جميع وذكر في كتابه ms201 ما دل به على فضيلة تلك ~~الديار من الآيات والأخبار فكتبت إليه في جوابه عن السلطان بتفضيل دمشق على ~~مصر: وردت مكاتبة الشيخ الإمام زين الدين أطال الله تعالى على ما تضمنه من ~~النعم المستمرة والمواهب المستقرة المستدرة وعرفنا طيب الديار المصرية ورقة ~~هوائها وترفرف آلايها وضحك أرضها من بكاء سمائها وبعد شهادة زين الدين ~~بزينة مشهدها واجتلاء العيون برسمها مقام أثمدها قد حكمنا بفضلها وفضيلتها ~~وحفظ وسيلتها وصدق محلتها ونحن نسلم له المثلة في طيبها وتوفر نصيبها ورقة ~~نسيمها ورايق تسببها لكن لا ريب أن الشام أفضل وأن أجر ساكنه أجزل وأن ~~الزلال البارد به أعل وأنهل فإن الهواء في صيفه وشتائه وأن الجمال فيه أكمل ~~وأن الجمال فيه أجمل ودمشق حديقته الناضرة ومنه: لا سيما وقد تمسكنا بالآية ~~والسنة والإجماع وغنينا بهذه الأدلة عن الاختراع والابتداع أما قسم الله ~~بدمشق في قوله " والتين والزيتون " والقسم من الله بها أدل دليل على فضلها ~~المصون أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرة الله من أرضه يسوق إليها ~~خيرة من عباده وهذا أوضح برهان على أنه خير بلاده. أما الصحابة رضي الله ~~عنهم أجمعوا على اختيار السكن بالشام. أما فتح دمشق بيكر الإسلام وما ينكر ~~أن الله ذكر مصر وسماها أرضا فما الذكر والتسمية في فضيلة القسم ولا ~~الأخبار عنها دليلا على الكرم وإنما اكتسب الفضيلة من الشام بنقل يوسف ~~الصديق إليها عليه أفضل السلام ثم المقام بالشام أقرب للرباط وأوجب للنشاط ~~وأين قطوب القطب من سنا ينير وأين ذرى منف المشرف من ذروة الشرف المنيف ~~المنير وأين الهرم الهرم من الحرم المحترم وبينهما فرق ما بين الفرق والقدم ~~وهل النيل مع طول نيله وطول ذيله واستطالة سيله برد بردا في نقع الغليل وما ~~لذلك الكثير طلاوة هذا القليل وسبيل هذا السلسبيل ونحن ما نجفوا الوطن كما ~~جفاه ولا نأبى فضله كما أباه وحب الأوطان من الإيمان ومع هذا ما ننكر أن ~~مصر إقليم عظيم الشأن وان مغلها كثير ms202 وأن ماءها نمير وان ساكنها ملك وأمير ~~ولكن نقول كما قال المجلس السامي الأجلي الفاضلي أسماه الله أن دمشق يصلح ~~أن يكون بستان لمصر ولا شك أن أحسن ما في البلاد البستان وزين الدين وفقه ~~الله قد تعرض للشام فلم يرضى أن يكون المساوى حتى شرع وعد المساوى ولعله ~~يرجع إلى الحق إن شاء الله تعالى. قال: وذكرت بما أنشأته في تفضيل دمشق ~~كتابا كريما أصدره مولانا الفاضل إلى السلطان يشوقه إلى مصر وأولاده بها ~~ويصف طيبها وذلك في سنة أربع وسبعين وهو (219 أ) أدام الله سلطان مولانا ~~الملك الناصر وأعلى ولائه في صدور الأولياء ومكن أسنته من ظهور الأعداء ولا ~~عدمت السنة منه أمداد التعماء ولا زالت بادية لعين صوابه وجوه الآراء باسمة ~~إلى قلوب رجال رجائه أسارير السراء المملوك يقبل الأرض وينبئ أنه وردت ~~المكاتبات الكريمة والتشريفات البارة والشروح الشارحة المسار السارة وتسلم ~~منها حصته التي لا تتبع حظه فيه بملء الأرض ذهبا ولا تأخرت عنه أسار خلقها ~~بنفسه طلبا وجمع بين خطاب المولى وسمعه وخطه وقلبه طامعا أن يجمع الله بين ~~عينيه ووجهه وذلك يوم يكون فيه كما قيل: # رفعت عن الدنيا المنى غير حبها ... فما أسأل الدنيا ولا استزيدها # أو مما قال قيس: متى بات هذا الموت لا يلف حاجة ... وقيل الإجابة عند ~~الفضول # فبشر بما جرت العادة به لا قطع الله تلك العادة من سلامة وصحة وعافية ~~شملت أولاد السادة أطاب الله الخير إليهم عن المولى وإلى المولى عنهم وعجل ~~لقاءه بهم ولقاءهم له فإنه من يلق منهم فلك دستة برجه وفارس مهده سرجه فمن ~~الذي لا يصلح له منه السرح: # فهل لدى منهم ما محالة الميدان ... والدرج تبين فيهم ميسم المجد PageV01P113 # تبين فيهم ميسم المجد والعلى ... وليدا يفدي بين أيدي القوابل # لم يستهل بلى ولكن وحشه ... لم لا تعد له الدروع لفايفا # فهم والله بحمد الله بهجة الدنيا وزينتها وريحان الحياة وزهرتها، وإن ~~فؤادا وسع فراقهم لوسع، وأن قلبا قنع بأخبارهم لقانع وأن ms203 طرفا ما نام عن ~~البعد عنهم لهاجع، وأن ملكا ملك تصبره عليهم لحازم، وأن دهرا جاد بهم لسخى ~~ثم إذا أبعد عنهم الظالم، وإن نعمة الله فيهم لنعمة بها العيش ناعم إنك إن ~~أبصرتها مرة أكبرتها أن يتمناها فدعونا من تعليل البلد الأعسر وملعبها ~~الملعب الأصفر وشتائها العذاب الأكبر، ومن رأس عينها الضيقة المحجر، ومن ~~ثلجها الذي مقسى الجبال بعينه ومن بردها الذي لا يشفع الخمر عنه إلا بإذنه. ~~وعود إلى ما أترفتهم فيه من مساكنكم فإنها قد علتها وحشة لعطينها وسالت ~~مطالع رسومها عن أقمار سلاطينها، واذكروا النيل الذي وفي لكم هذه السنة ~~بنقصه وإلى أن يكون ماءه ذخيرة لغير جودكم الذي أحصاه الله ولم يحصه، ~~واذكروا فرطها فقد بلغ شطاطه إلى الجناد وعلت أفراطه إلى أن يكاد يصافح ~~أفراط اللحم متمكنا، واذكروا ما طوبتها فقد كاد يقيم الحجة على ملك الشام ~~ووجمه ويتغلغل برده فيسرى إلى قلب العليل وكأنه جار على غير طريق فمه ~~واذكروا صحة هوائها وتقضيته لآمالكم حتى أنعم الله عليكم قبل صحة أجسامها ~~بصحة أجسامكم ولولا أنكم أهنتم الذهب الأحمر وألبستموه للروع من جودكم ~~الشعار الأصفر لقلنا واذكروا ذهب مصر لكن قد أهنتموه وأذهبتموه مجانا حتى ~~غلب همم العافين فأسقلوا منه بما اتخذه الأملاك تحايا واذكروا رياحين ~~القلوب من زهرات أولادها، وقطعات أكبادها أما يشتاق جيد المولى بدررهم أما ~~تظمأ عينيه 'لى أن يتروى بنظرهم. # كم ذا التجلد والأحشاء راجفة ... أعيذ قلبك أن تسطو على كبدي # وللمولى أبقاه الله أن يقول: # وما مثل هذا الشوق تحمله مضغة ... ولكن قلبي في الهوى بقلوب # فلو أطيع المملوك وقبل رأيه المسئول لكانت كنية المولى إلى الأملاك فإنها ~~كنية حققها القدر وما يحليها ووسمه بها أولاده لا كتابه وساق بها كتاب الله ~~ومن المملوك وما كتابه وقد كان الرشيد رحمه الله يسمى أبو الأمناء لمكان ~~أولاده الأمين والمأمون، وإذا كانت الكنية لثالثة فلا يكون أبا ثلاثة عشرة ~~أنا بنت القناة وعثمانهم كسنانها وكليالي البدر ولأنها ليلة سرار نقصانها. ~~والمملوك ms204 في هذا الفصل رسول مصر وما هو عنها في البلاغ بلاغ لا صاغ عنها من ~~القول إلا ما ساغ، وهو ينتظر جواب الرسالة وقد خالطها بإنشاد وما هجروا ~~أوطانهم عن ملالة وللآراء العالية فضل الشمول. ### ||| ذكر صاحب أربل الأمير زين الدين أبي سعيد يوسف نيالتكين بن زين الدين علي بن بكتكين وانتمائه إلى الخدمة # قال: # كانت أربل من ولايات الموصل معدودة وايالتها بايالته مشدودة فأراد صاحب أربل أن # ينفرد بالاستبداد (219 ب) ويستقل بالبلاد فكاتب السلطان بالاعتزاز به ~~والاعتزاء والانحياز إلى حوزته والاشتداد بقوته فترددت كتبه ورسله ووضحت في ~~الموالاة والمشايعة سبله وأخذ اليمين على حفظه وصيانة حقه ورعاية حظه ولزم ~~عقده وحزم عهده. # وكاشف بالمواصلة بالمقاطعة وأظهر المناب عن المتابعة وترادفت رسا يله في ~~حظه بالحض وإقامة جداره المنقض فإن المواصلة قامت قيامتهم بقيامه فما ~~أقعدتهم غير المهابة والخواطر المرتاعة من الأخطار المرتادة فداروا أعراضهم ~~بالاستعطاف وداووا أمراضهم بالاستلطاف فعز عليهم وعزف وركب الأنف وغنى عن ~~السواقي بالبحر الخضم وأعاد نشر أمره بالانضمام إلينا إلى الضم ونفذ يطلب ~~المنشور ببلاده وتحكيمه باستبداده وانفراده فأجيب إلى مراده، وكتبت له ~~منشورا وفق أربه وفق طلبه في مستهل المحرم سنة ثمانين وتفصيل ما كتب في ~~منشوره: أربل وقلعتها وأعمالها وجميع ما قطعه الزاب الكبير شهرزور ~~وأعمالها، معايش بيت القرايلي الدشت والزاوية. PageV01P114 # قال: وممن لجأ إلى السلطان واحتمى بحمايته معز الدين سنجر شاه ابن سيف ~~الدين غازي بن مودود بن زنكي صاحب الجزيرة فنفذ فقيه الجزيرة مع حاجبه في ~~استحلاف السلطان فأكرم الرسول وأبرم السول وكان يحث على قصد الموصل وكان هو ~~ولي عهده والموصى له من بعده فلما فل شبا شبابه ونقل من بين أترابه إلى ~~ترابه خلفه أخوه عز الدين مسعود وقنع ابن أخيه هذا سنجر شاه بالجزيرة وكان ~~بعد ذلك على عمه من الجزيرة فرجا من السلطان وأمل أن يحدد له من العز منهجا ~~مبهجا. ### ||| ذكر صاحب ماردين قطب الدين ايلغازي بن تمرتاش ابن ايلغازي بن ارتق وفاته في هذه ms205 السنة # قال: هو من جملة أمراء الارتقية ممن رتق أولوهم فتوق الإسلام ووقفوا في نصرة الدين # مواقف الكرام ولهم في مبادئ خروج الفرنج غايات في الجهاد لا تدرك وملكوا ~~من قياد المصاعب وعاد المطالب وما لا يكاد يملكوا وحفظوا حلب وأبطلوا من ~~الفرنج عنها الطلب، ونزلوا البيت المقدس قبل استيلاء المصريين عليه وحموا ~~ببأسهم ما حواليه فما أخذه الفرنج إلا من المصريين في سنة اثنتين وتسعين ~~وأربعمائة وبقيت تلك الخطة وبلاد الساحل مع أهل الشرك وعجز عنهم ذووا الملك ~~إلى أن يسر الله سبحان فتحها للملك الناصر صالح الدين والدين يوسف بن أيوب ~~في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وسيأتي ذكر ذلك في مقامه عند ورود عامه. ~~فبقيت ديار بكر وبلادها في أيديهم وتفردوا فيها يتوليهم وذبوا عن محصنات ~~معاقلها ومحصنات عقايلها فبهم بقاء بقاعها وبها يتم ضياء ضياعها وبأمرهم ~~أمور ولاة قلاعها يتوارثها كابر عن كابر وماجد عن ماجد. وقد تقدم في عصرنا ~~هذا ملكان أحدهما هذا قطب الدين ايلغازي صاحب ماردين ومعه ميافارقين وتلك ~~الولايات والبلاد التي تجاورها والأعمال والمعاقل التي تقاربها والأخر نور ~~الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سكمان بن أرتق وهو صاحب حصن كيفا ~~وخرتبرت والبلاد التي تناسبها فلما ملك سلطاننا الشام ولزم أمره النظام ~~فأول من لاذ ببابه وعاد بخبابه نور الدين بن قرا أرسلان فإنه خاف من حمية ~~قلج أرسلان كما سبق فقصده السلطان ودخل حدود بلاد قلج أرسلان وخيم على كوك ~~سو حتى زال الخوف وأمن السوء وذلك في سنة ست وسبعين وقد مضى ذكره وشاع في ~~ذلك أمره فلما خرج من مصر سنة ثمان وسبعين راسل هذا نور الدين وابن عمه قطب ~~الدين صاحب ماردين في مساعدته على قصد الموصل فأجاب نور الدين دعاه ولبى ~~نداه وسار إليه وقدم عليه ونبا قطب الدين وأبى فأن صاحب الموصل ابن عمته ~~وما لاق خذلانه بكرم سيمته ولكون شاه أرمن صاحب خلاط خال صاحب ماردين ثبت ~~على مؤازرته بمضاء عزيمته فلا جرم سعى ms206 السلطان في نصرة نور الدين وفتح آمد ~~ووهبها له وأناله من المال والجاه ما أناله. ثم راسله صاحب ماردين بالوفاق ~~وتنكب نهج الشقاق فأثبت عذره ونفى ذعره ولم يزل عيشه رغيدا والظل مديدا إلى ~~أن قلصه القضاء المحتوم والقدر المعلوم ونعى شبابه ونعب غرابه وخلف عيالا ~~وأولادا أطفالا وله ابنان صغيران أكبرهما ينيف على العشر سنة فسفرت بولايته ~~(220أ) بعد قطوبهما الوجوه وكفل به في ماردين أحد الأعيان من مماليك أبيه ~~نظام الدين البقشي وتولاه تولية المشفق النبيه واستقامت الأحوال واستنابت ~~الآمال وافتقروا إلى إشفاق السلطان وأشباله وإبدال أعراضه بإقباله وإيوائهم ~~إلى وافر أفضاله ووارف ظلاله. ### ||| ذكر ما اعتمده السلطان في باقي هذه السنة PageV01P115 # قال: أقام السلطان في دمشق حتى دخل الشتاء وعارضت عارض نداه الأنداء ~~وجادت كجوده السماء ومنح في خصب السنة كما منح في إحسانه الرجاء وتفرقت ~~بأيدي أوليائه كأمواله الأعداء وأقام حتى انقضى رمضان ولم يرض بالمقام في ~~كن كانون وآثر الدنو من أعدائه الذين لا يدينون ولا يدنون فهمت همته وحميت ~~حميته وأخذ بالحزم ونفذ بالعزم واستحض واستحث وحظر اللبث وأصبح في يوم أصحت ~~سماه وصحت في الحسن والطيب أسماره فأخرج مضاربه على سمت بعلبك وضربت خيامه ~~من دمشق على فرسخين وهو يركب كل يوم لصيده وقنصه واهتبال فرصه. وأقام أياما ~~حتى اجتمعت إليه الشداد واتصلت بتوامها الأقداد وشد زمام الزماع للأسراء ~~والإسراع وسار على طريق البقاع وفزعت تلك الجبال بفوارع الجبال وأصحرت ~~الأساد الخوادر من الفيافي الأغيال وسالت أودية الشعاب ببحر الجيش ذي ~~العباب وسرنا حتى خيمنا على بعلبك بظاهرها ودخلت البلد هناك في العشرين من ~~ذي القعدة مفارقا للمخيم بسبب المرض الملم وشق على السلطان انقطاعي وتوجع ~~لما راعه من أوجاعي فانقطع أملي واتصل ألمي. ورحل السلطان إلى حمص فسير إلى ~~طبيبها ابن الصوري وسمع المخدوم الأجل الفاضل بخبري وكان بدمشق فجمع ~~الأطباء وخاطبهم في تدارك حالي فندب من وقته الموفق بن المطلوب وسار في يوم ~~وليلة إلى بعلبك من دمشق فرأيت منه عمل ms207 من طب لمن حب فشفيت بعدما أشقيت ~~وعجلت أوبتي إلى دمشق وكان وصولي إليها في ثامن ذي الحجة وأخرست بحضوري ~~شقاشق المرجفين وأقمعت بأوبتي مناشق المتشوقين وأقمت إلى أن عاد النشاط ~~وتيقن على المزاح الاحتياط والسلطان لحماه يرقب قربي ويطلب أوبي وجاءه عند ~~استشعار اليأس مني من بذل له في منصبي بذولا فما استحسن عني إليهم عدولا ~~وخلع على البشير بسلامتي. وحين استقام مزاجي استقمت على منهاجي ووافيته وما ~~برح من حلب حتى جئته وما لقيت السعادة حتى لقيته وما أمر بالرحيل حتى وضعت ~~بمخيمه رجلي وأبدى لي أن مقامه من أجلي. ### || قال ودخلت سنة إحدى وثمانين # والسلطان بظاهر حماه مخيم وللعزم على قصد الموصل مصمم والثناء قد انكسر والنور قد # انحسر ووصلت إلى السلطان يوم عزمه على الرحيل وإذن وصولي بأحياء رسم ~~منصبي المحيل ورحلنا لأرب منتبهون وإلى حلب متوجهين ولما قربنا من تل ~~السلطان تلا السلطان سورة الحمد وتلاه السلطان السعد وجاء أخوه الملك ~~العادل سيف الدين صاحب حلب لتلقيه وقد أقبل بالإقبال وجلا وجه الجلال ومعه ~~عسكر حلب في هيئة رايقة وهيبة رائعة فاستبشر السلطان بلقائه ودعا له ~~بلقائه. ولما وصلنا إلى حلب در حلبها وتلقانا عجمها وعربها وخرجوا وتبرجوا ~~وتنزهوا وتفرجوا وخيم السلطان بظاهرها ظاهر المخيم طاهر الأديم مستقيما من ~~أمر الله على المنهج القويم وأقام أمامها إلى أن سأل عن الأحوال ومال نحوه ~~بالنوال وأطلع بدور البدور في آفاق الانفاق وأطلق قيود النقود بالإرفاد ~~والإرفاق وتوجه للمسير ماطر السماء سامي المطار سامي الإقتداء قوي ~~الاقتدار. وكنت في ستة من مماليكي وخدمي وأشياع أملي وأتباع عملي والمحتدين ~~إحسان السلطان والمعتفين سلطان إحساني. ولما تكاملت جموع الجنود وتواصلت ~~وفود الحشود رمي قبل العشية دهليز النوبتية في صفر وفض الختام وقوض الخيام. ~~وأصبح السلطان راكبا في عسكره ساحبا ذيل عشيره وهو قمر هالته وشمس جلالته ~~ووصلنا إلى مضيق جبلان ثم سرنا في سهول وأوعاث في مراحل ثلاث حتى خيمنا على ~~الفرات ببحر المبرات ونزلنا بمكان تحت البيرة على ms208 فرسخين نعرف ترتيبا. ~~والفرات قد تحاجزت مدوده وتجاوزت حدوده ومحت من جسوره سطوره وأعجزت ورده ~~وصدره إعجازه وصدوره (220ب) وهو متلاطم الأمواج متزاحم الإثباج وكان ~~السلطان قد سير إلى معاقل الفرات وقلاعه ونواحيه وضياعه وأمر عليها بعمارة ~~كل سفينة ومركب وزورق فحالت جواريها كالجبال الرواسي فعلونا آكامها ورفعنا ~~أعلامها " بسم الله مجريها ومرساها " وأقمنا ثلاثة أيام للعبور وأحمدنا ~~مصبحها وممساها وأخضنا الخيل الماء فغامرت الداء فسبحت السوابح في تياره ~~وتسابقت السوابق في مضماره ولما وقع العبر توقفنا حتى ضم النشر فأخذنا على ~~سمت حران في طريق برج علوة والبيضاء وقد ضايق بالعسكر واسع الفضاء ووصلنا ~~إلى حران في عدة مراحل وخيمنا بظاهرها ظاهرين وبإمداد نعم الله مظاهرين. PageV01P116 ### ||| ذكر الأمير المظفر الدين كوكبوري صاحب حران # قال: قد مضى ذكر الأمير مظفر الدين كوكبوري زين الدين على كوجك في سنة ~~ثمان وسبعين عند توجه السلطان إلى الموصل ووصوله إلى الخدمة وحلوله محل ~~المشاركة في الدولة والنعمة ولم يفارق الخدمة على الموصل وسنجار وكان معنا ~~على آمد عند افتتاحها واختتم كل خدمة نجاحها وحلب على حلب أفاويق الوفاق ~~وظاهر في الغزوات وظافر على العزمات ولم يزل بأخيه زين الدين يوسف بن علي ~~صاحب اربل يستعطفه ويستجديه ويحسن له الالتجاء إلى الخدمة السلطانية ~~ويرغبه. وصار مظفر الدين لكل من يرغب في الخدمة قدوة ونال بذلك من القرب ~~والزلفى حظوة وعاد من يهتدي به يقتدي وبوسيلته يحتذي وبخطابه يبتدي ولما ~~عدنا من غزوة الكرك في سنة ثمانين وأفام السلطان بدمشق لأداء فرض الصوم وظن ~~أنه يريح ويستريح. # وتواصلت كتب مظفر الدين بالحض والحث وتتابعت رسله على هوى الهواده عادلين ~~وللمعونة بالمئونة باذلين وبذل رسوله الخاص ابن ماهان عن صاحبه ما عز وما ~~هان وقال: أن مظفر الدين إذا عبرتم الفرات يستدرك كل ما فات ويقول بكل ما ~~يحتاج إليه في تلك اليلاد ويقدم يوم الوصول إلى حران خمسين ألف دينار وكتب ~~خطه بما أفصح به من قول وأوضحه من قرار وأرغب الأمراء والحجاب والخواص في ms209 ~~البذول فسرنا على ماسبق ذكره على البلاد والإقامة بها بارزة الاستعداد حتى ~~خيمنا على حران بالشرح الذي تقدم وسكت السلطان عن طلب ما كان من البذول وما ~~تكلم فإن شيمته الحياء وسجينته السخاء لكنه لما وجد مظفر الدين غير منبعث ~~لحركة ولا متحرك في مملكته وهو غير مبد للاهتمام ولا مجد بالتزام أرتاب ~~بسكوته وسكونه وتواجهت مختلف ظنونه ووشى الوشاة وسعى السعاة وقيل لولا ~~عمارة الحال بينه وبين المواصلة لبقي على حميته وتحقق بفعله ما تبرع بقوله ~~وسيرني السلطان ومعي شمس الدين بن الفراش قاضي العسكر وقال: احضرا لديه ~~واكشفا عن حالتيه وأخبراه بما أخبر عنه رسوله وبما سبق به بذوله وبما ~~أستأنفه من الإعفاء والأغفال دون الاحتفاء فلما بصر بنا مظفر الدين أنبأته ~~الفراسة بما جئنا فيه وشرع في إثبات ما ينافيه وقام قبل أن يقعد وجاء بمصحف ~~كريم وأقسم به قسم بر على الولاء مقيم. ولما فتح المصحف ووضع عليه يده ~~ليحلف قرأت منه " يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود " فقلت له: PageV01P117 # يا أمير هذا يأمرك بالوفاء وقد أتى القرآن لكل مرض بالشفاء فما رفع يمينه حتى # استوفى يمينه واستحسان أمينه وكذب رسله وجحد ما اعترفوا به من قوله وبذله ~~كله ثم صرف وزيره وادعى عليه تزويره ولولا ذلك ما هان ابن ما هان ولم يصدق ~~على إن ما كان. فجئنا واخبرنا السلطان بحلية الحال وأن ما سبق من القول كان ~~محالا على محال فتذمر وتذمم وتلون وتلوم وتعجب من القضية وأنها ليست على ~~الحالة المرضية ثم سكت عن شأنه مطرقا حتى أصبح وركب الميدان وفرغ من اللعب ~~بالصولجان استصحب معه مظفر الدين إلى سرادقه على العادة وأطاع فيه حكم ~~الإرادة ونقله إلى خيمته ووكل فيها به ومنعه من أصحابه فوقع الخبر بخفضه ~~وشاع سر قبضه وهاج العسكر وماج المعشر وقام المحشر واجتمع الأمراء عند ~~السلطان وأشاروا عليه بخلات العفو والإحسان وأجمعوا على أن ينقلوه إلى قلعة ~~حلب وخافوا أنه إذا خلى سبيله هرب وفات الطلب فلما انصرف ms210 الأمراء وتصرفت ~~بهم الآراء وخلا وجه السلطان وأنا عنده والفقيه ضياء الدين عيسى وقاضي ~~العسكر وعرفنا منه سجية (221 أ) الإحسان فقلنا له انتهز فرصة الإمكان وقلد ~~المذكور طوق الامتنان وما بلغ الأمر إلى الإيحاش وما فقد العثار مهلة ~~الانتعاش والذي أشاروا به ليس من الصواب ولا يحكم فيه بظن الارتياب وكان ~~هذا رأيه فوافقه وعلم أنه قد ما خصه ومازحه وناصحه وما نافقه وانه بالغبن ~~مصاب وبالمنن مغتاب، وقال: امضوا إليه فاكتنفوا ضمايره واستوضحوا سرايره ~~وسكنوا من روعه وأعيدوا أفقه حلقة عادتى ضوءه وضوعه فوافينا وهو مرتاع ~~مستشعر فاجتلى منا وجوه المعارف وهش بهشاشتنا وسر ببشر أسرتنا وقلنا له لا ~~تغتم لما بك فإن السلطان يطلب بعتبك أعتابك وإنما أجلسك ليقرب عليه ~~المراسلة والمخاطبة. فقال: هو مالك رقي وعارف حقي وأنا أسمح بما معي من ~~البلاد وأخرج إليه من الطراف والتلاد وأخدمه ويبين له صدقي الذي أعزمه ~~فقلنا له بل تسلم إليه قلعتي الرها وحران وتظهر بذلك له الأذعان. فقال: كل ~~ما تتسيرون به فهو مقبول وعلى الرأس والعين محمول، وعدنا إلى السلطان ولم ~~يبرح من المكان وأمر من الخزانة بتشريف يليق فقد شفعه التأييد والتوفيق، ~~واستدعى به فقبل الأرض وتقبل الفرض وعاد إلى بيته بالحمد جديد السعد سعيد ~~الجد وتسلمت منه القلعتان ثم أعيدتا إليه غي آخر السنة ومحيت سبة توهموها ~~بكل ما استمحاه من الحسنة. ### ||| ذكر الرحيل من حران وما جرى بعده # قال: وأقمنا بحران في صفر ووجه المنى قد صفر ودخل شهر ربيع الأول في ~~أوائل الربيع واغتنمنا مرعى المراد في المراد المريع. وقال السلطان: لا مكث ~~بعد اليوم ولا لبث في قصد القوم فصممنا على الرحيل وجينا إلى رأس عين ~~فملأنا سهولها وحزونها وكدنا نشفه عيونها وعبرنا على بلاد رمت إلينا ~~بأكبادها وملكنا طوعا وكرها أزمة قيادها ونزلنا بدارا لنا أميرها ووصل إلى ~~الخدمة وامتزج بنا وأنشج بالود وانتسج وكان قد وفد بعساكر ديار بكر عماد ~~الدين أبو بكر بن قرا أرسلان بسبب مرض نور ms211 الدين أخيه فشكرنا على تهديه في ~~توخيه. وأقمنا بنصبين ريثما قضينا الأشغال ونضونا الأسمال ثم سرنا وخبب ~~الفلق على نسيج الفيلق مزرور وطرف الشمس الأرمد بكحل العجاج مذرور وأقبل ~~صاحب الجزيرة معز الدين سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي وكان قران ~~النيرين والتقاء البحرين بين النهرين فأصبحنا لإقباله حامدين ولاستقباله ~~عامدين والتفيناه بدرا طالعا في هالات أعلامه وأسدا خادرا في سلات آجامه ~~واختليناه قمرا في نجومه وسررنا بقدومه فانتظم في السلك واحتكم في الملك ~~وفاض الجود له ولأصحابه حتى دنت كل شاحط ورضيت كل ساخط. واستدركنا بالإحسان ~~كل فارطة لأجل تراكم الجحافل والتزاحم على المناهل قصدنا دجلة من اقرب ~~الطرق وتركنا طريق الدولعية والمرق ونزلنا على بلاد دجلة على بلد وكان ~~وصولنا إلى هذه المدينة في آخر شهر ربيع الأول ثم حدنا على الشاطئ للتنقل ~~والتحول حتى تصل إلى الموصل ثم خيمنا على الإسماعيليات وهناك ألقينا العصا PageV01P118 # واستقرت بنا الهوا وتلونا سورة " والنجم إذا هوى * ماضل صاحبكم وما غوى " وضربت # الخيام إلى المع رقه مغربه ومشرقه ومجتمعه ومتفرقه، وقد هزتنا إلى النصر ~~الأشواق وأستفزتنا إلى ممالكها الآفاق وطارت الأخبار إلى الأطراف ورجفت ~~الأداني والأقاصي بالإرجاف. وأول ما بدأ به يوم نزوله ببلد قبل ~~الإسماعيليات تقديم ما هو آثم الواجبات وألزم المفترضات وندب القاضي ضياء ~~الدين أبا الفضايل القسم بن يحيى بن عبد الله الشهرزوري في الرسالة إلى ~~المواقف الشريفة النبوية وسدة المنيفة الأمامية الناصرية وإنهاء الأحوال ~~وذكر الأسباب المقتضيه للنهوض وإن أهل الموصل مواصلون الأعاجم وخاطبون ~~لسلطانهم القايم وناقشوا أسمه في الدنانير والدراهم وإنهم يتعززون ~~بالبهلوان وإنهم يرسلون إلى الفرنج ويقوون أنفسهم على قصد الثغر وتفريق ~~الجمهور وإنه ما جاء طمعا في استضافة ملك ولا قلع بيت قديم (221 ب) ولا قطع ~~أصل كريم وإنما مقصوده الأصلي ومطلوبه الكلي ردهم إلى طاعة الإمام ونصرة ~~الإسلام وقطعهم عن مواصلة الأعجام وإلزامهم بما يجب عليهم من حفظ الجار ~~وصلة الأرحام. فهذا صاحب الجزيرة وهو أبن أخي صاحب الموصل ولي عهد ms212 أبيه ولم ~~يرع فيه ذمة أخيه وأبعده عما أستحقه بالإرث والتوليه وأجاز حربه وطح رحمه ~~ولو تمكن منه لأطاح دمه ولولا خوفه من جانبه لما التجأ إلى هذا الجانب وما ~~أختار الأجانب على الأقارب. وهذا صاحب إربل جار الموصل أبوه زين الدين على ~~هو الذي حفظ بيتهم وخلف في أحيائهم ميتهم وهذا ولده في جوارهم يشكوا جورهم ~~ولا يعرف في المكيدة عليه غورهم وقد استجار وهو جارهم الأدنى حديث صاحب ~~الحديثة في حديثه لا يخفى وقد أشرف على الضرار وأشفى وعين من تكريت من ~~مخافتهن لا تكره وهلم جره من نوايب وصروف لا تحصى وضرايب ومكوس عنها لا ~~يستقصي أهل الشرك في تفريق الكلمة وتبديد السلك وعود في ذكر هذا كله مشافهة ~~الرسول وعلى ما يراه من علاقات الود والقبول وكتبت إلى الديوان العزيز وإلى ~~الصاحب كتبا برسالته والحواله على مشافهته وكان ضياء الدين الشهرزوري ~~الوزير يشير بمدحة أسيرها إلى الصاحب واستدرار ما في الديوان باسم من رسوم ~~المواهب فأصبته كلمة مطلعها: # قضى الوجد لي أن لا أفيق من الوجد ... فيا ضله اللاجئ إذا ظن أن يهدي # أيا حادي الأظعان خل زمامها ودعها ... على خد بظعنهم تحدي # وما كنت أدري قبل صارم حتفه ... وقبلي أن السيف يقتل في الغمد # ولا صبح إلا وجهه الواضح السنا ... ولا شمس ألا زايد الثاقب الزند # ما رعوس الأعدا إلا سنابل ... وما نبتت إلا لسيفك والحصد # كان لثام الزعف من فوق وجهه ... عام لبدر التم وفراقه مبدي # بدرع كان البحر في البحر ذاخر ... وطرف كان البرق يومض في لبد # تساور أفواه الجراح رماحه ... مساورة الأميال للا عين الرمد # وما لأمير المؤمنين كيوسف ... فتى في مراضيه بمهجته يفدي # قال: وشرع السلطان في إقطاع البلاد والتوسع بها على الأجناد وسيل الأمير ~~سيف الدين علي بن أحمد بن المشطوب الهكاري ومعه الأمراء من قبيلته والأكراد ~~من شيعته إلى بلد الهكاريه وجماعه من الأمراء الحميديه إلى العقر وأعماله ~~لاستفتاح قلاعها واستغلال ضياعها ونصبنا الجسر وعبر مظفر الدين صاحب حران ms213 ~~وخيم بالجانب الشرقي ووافقه جماعه من الأمراء في العزم الماضي المضي وجاء ~~أخوه زين الدين من أربل بجنوده وبنوده وجموعه وحشوده وترفت بالأقاليم ~~أقلامه ونفذت في تلك الممالك أحكامي وكان السلطان قد خصني بما كان للوزير ~~الجواد جمال الدين بالموصل من الخواص فاغتنمت فيه نهزة الافتراص وشحنت على ~~صنيعي بأحد يداه وغيرها ورد على مدة مقامنا حلب خيرها وناقشني نواب الديوان ~~فيها وكتبوا إلى السلطان أن يأخذ ما بذل فيها خمسة عشر ألف دينار وأنتم ~~تحتاجون في إجرائها إلى إستيمار فرمي الرقعة إلي وقال: تأمل هذا الهذيان ~~فقمت له وشكرت الإحسان وتسلطت على أدوات الديوان بالسلطان. ### ||| ذكر ما رآه السلطان من ترك القتال PageV01P119 # قال: ولما نزلنا بالبلاد وجدنا الحر قد وفدت ناره ولفح أواره وقد وقد شهرا ناجرا # والهجير غير هاجر وجاشت الجيوش وشاقت الجيوش فأشفق السلطان على رجاله من ~~لبس الحديد ومن أوار الحر الشديد وقال: نستمهل ولا نستعجل ونقيم ولا نرحل ~~ونسكن إلى أن تحل الحركة وتحل البركة وكفى بأهل الموصل أنهم فيه مسجونون ~~وبما هم فيه محزونون (222 أ) ، والغرض من التصرف في الممالك حاصل والمدد من ~~ألطاف الله متواصل فسلكنا وهدانا واشتغلنا بما به بدأنا وكان حينئذ ماء ~~دجلة في نقصانه ونضوب بحرها في بحرانه، فجاء من زعم أنه يمكن سد دجلة ~~وسكرها وفق فرصة أخرى وكسرها ونقلها أو تحويلها إلى دجلة نينوى ويعطش ~~الموصل إذا الماء عنه انزوى فضحكنا من هذا القايل وقلنا له ومالك ولهذا ~~الرأي القايل فأصر على القول وطول في ادعاء حقيقة الطول. وكان الفقيه ~~العالم فخر الدين أبو شجاع بن الدهان البغدادي حاضرا فجعلناه في الأمر ~~ناظرا، وكان وحيد عصره وفيلسوف دهره ومهندس زمانه موسوس إحسانه وإنسان عين ~~الفضل وعين إنسانه وله الحظ الوافر من جميع العلوم ولاسيما في المنثور ~~والمنظوم والحكمة والهندسة والنجوم. وكان من عهد قديم سكن بالموصل ولما سمع ~~بكرم السلطان تفيأ بظله وتعرف إلى فضله فركب في خدمة السلطان ووقف على ~~المكان وشاهد ما توهموه من سدد ms214 دجلة ومأخذه وفتحها للتحويل ومنافذه. وقال ~~هذا يمكن ولا يتعذر وصدق القائل على رأيه وآمن بأيه ولم ير خلاف مذهبه في ~~در خلف مطلبه ثم وصل الخبر بوفاة شاه أرمن صاحب خلاط فتحول إليها العزم ~~وترجح بها الحزم. ### ||| ذكر شرح ذلك # قال: ولما كان يون السبت العشرين من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بوفاة شاه ~~أرمن صاحب خلاط وأنه توفى يوم الخميس تاسعة وحينئذ ترددت الآراء وتنوعت ~~الأواب واختلفت في المشورة الأمراء والأصحاب فمنهم من أشار بسلام إلى حصول ~~المرام ومنهم من رأى المصلحة في البدار إلى تلك الديار ومنهم من قال نجمع ~~بين الأمرين فنترك ههنا من العسكر بقدر ما يحصل به مضايقة القوم من ~~الجانبين ويعجل بالمسير بالعسكر الباقي إلى تلك البلاد والله كفيل بالمراد. ~~وبيتنا في هذه الأقسام الثلاثة منزوين بإرشاد الله في استخارته متقدين فلما ~~أصبحنا وردت كتب الأولياء بالولايات بخلاط وبدليس واظهروا المماحضة ~~والموافقة والتأنيث ثم رأينا من أمراء خلاط وقد وصل عماد الدين بابل وقال ~~للسلطان: أدرك أوليائك وأحباءك وهذه خلاط خلا طريقها فارق إلى قبولك ~~بالقلوب فريقها وإن أهلها بالأعاجم لم يخلصوا من المظالم فعجل بدارك وأحسن ~~إلينا بآثار إيثارك فما زال بالسلطان يحرك همته ويحرض عزمته ويذكر حلو ~~العرضة ويخوف من فوت الفرصة وهذه الموصل مأمونة القوات مأمولة في ساير ~~الأوقات وهي إليك واصلة وفي اليد حاصلة فأصبح السلطان ورأيه في الرحيل راجح ~~في الرحيل وغدا الرسول وسعبه في التأمين ناجح وأمر الأمراء بالتأهب للرحيل ~~وعرفهم ماتصمم في عزم التدبير ثم أرسل إلى زين الدين صاحب أريل بالعود ~~إليها وقواه بالأمير سيف الدين على بن أحمد وأمره بنصرته والمقام عليها. ### |||| فصل من كتاب أنشأته إلى الديوان العزيز PageV01P120 # ومما ينهيه الخادم وفاة شاه أرمن أورث الله المواقف المقدسة أعماق الخلايق ونصر # ألوية أوليائها في المغارب والمشارق ولم يخلف أحدا وبلاده سايبة شاغرة ~~وأفواه المطامع من الأعاجم نحوها فاغرة وكذلك ديار بكر جميعها قد خلت ~~واختلت ومعاقد الاستقامة بها قد حلت. فصاحب ماردين توفى ms215 وخلف ابنين صغيرين ~~أحدهما في عمر عشر سنين والأخر في عمر سنتين، كذلك صاحب حصن كيفا توفى وله ~~ولد في عمر عشر سنين ودولتشاه صاحب أرزن وبدليس موجود في حكم العدم ومن علة ~~الصرع كلحم على وضم وخلاط الآن قد صار طعمه العاجم وابنة بهلوان فما زوجها ~~أبوها من صاحب خلاط إلا طمعا في مملكته وأن يحتوى بعده على ولايته. والخادم ~~منذ نزل على الموصل لم يشتغل بالحصر لما اشتغل من وقد الحر ورأى الصابرة ~~إلى يطيب الزمان وشرع في تحويل دجلة الموصل عنها واحضر المهندسين فوجدوه ~~هينا والنفع لسهولة الفتح بينا وأحضرت الآلات وشرعت في حفر المحولات فلما ~~وصل خبر وفاة صاحب خلاط (222 ب) تردد عزمه في الإقامة والرحيل ثم وردت كتب ~~المقدمين هناك في مسيره راغبين وللأعاجم كارهين فتعين حينئذ أن يجيب ~~المستدعي ويجر المستدعى. أما الموصل فما يفوت أمر هؤلاء يعيد بعد العود ~~إليها بمشيئة الله حصرها. ومنه وقد عرف أنه لم بق لتلك الممالك خصم سوى ~~البهلوان وما مقابلته إلا الخادم وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وهو يسأل ~~من العوارف الجزيلة ويرغب إلى العرايد الجميلة في مثال شريف يجمع ديار بكر ~~وخلاط والموصل حتى يفتتح بتقاليده الأقاليم ويسلك بهدايته في النصر على ~~الأعداء. ### ||| ذكر رحيلنا إلى ديار بكر قال رحل السلك # كان بعسكره عن الموصل في أواخر شهر ربيع الآخر سيرا ببحر جحافله الزاخر ~~جامعا بالبأس والفأل وشمل المفاخر، يتقدم إلى أبن عمه ناصر الدين بن شيركوه ~~أن يسير في المقدمة إلى الخلاط ثم قواه بمظفر الدين صاحب حران فلما وصلوا ~~هناك وجدوا من المتغلبين بها الحران. وكان سيف الدين بكتمر من مماليك شاه ~~أرمن قد دخلها وحمى معقلها فوقف ناصر الدين دونها وحبس على طيور سكانها ~~وكونها، وكان قد جاور بدليس إلى الطيطوانه ولو سبق إلى المكان لم يسبق إلى ~~المكانة لكن وزير خلاط مجد الدين بن رشيد كان يظهر للسلطان فناصحته ويسر ~~مشايعته ويبدي الإشفاق ويذكر الوفاق وهو في ذلك صاحب عثار ms216 وطالب إيثار فكتب ~~إلى ناصر الدين للإقامة على القرب لتحقيق الهيبة به والرعب وجاء بهلوان في ~~عساكر الشرق وهو شمس الدين أبو جعفر محمد بن أيدكز متولي البلاد بقضه ~~وقضيضه وسمره وبيضه ونزل بقرب خلاط من الجانب الآخر وقيل أن الوزير أيضا ~~كاتبه وأطعمه وأفضى إليه بسر خلوصه وأستودعه وهو في أثناء ذلك يثقل ~~الموازين حتى آل الأمر إلى ما آل وتولى بكتمر وأنصرف الحاج والمعتمر وسيأتي ~~ذكر ذالك. PageV01P121 # عاد الحديث: وأستشعر ملوك ديار بكر حركتنا وقالوا صلاح الدين مذ عين رغبته إلى # مملكتنا وكانا صاحبا أمد وماردين صغيرين يقوم بأمرهما أمراؤها المقدمون ~~فخافوا من الانتهاء إليهم والاستيلاء عليهم. فأما متولي ماردين وهو نظام ~~الدين البقشي فإنه أحترز وكشف وجد الحزن في التحصين وأما من بآمد فإنه خاف ~~أن يستدرك السلطان الفارط ويستعيد آمد التي فتحها ووهبها إذا لم يجد كما ~~قرر الشرائط فقد كان عند وفاته نور الدين قرا أرسلان يوم الاثنين رابع عشر ~~شهر ربيع الأول أشير عليه باسترجاعها وقيل له إنما سلمتها إلى نور الدين ~~محافظة على مرات خدمته موثوقا بمعدلته وحفظا لمنزلته وقد انتقل الآن منها ~~وخلاها خالية وابنه يتيم وهؤلاء الكافلون بأمره قد عرفت سيرته وعلمت سريرته ~~فكيف يحل لك أن تقلدهم وتجراهم على الرعية وتجردهم فقال: هذا أمر لا يفوت ~~استدراكه وقدمنا ما يجب تقديمه ويازم بعد الشروع فيه تتميمه ونحن نقدم ~~أنفاذ من نثق به على وجه الرسالة لشامل ما هم فيه من الحلية والحالة وكانت ~~بيني وبين وزيرهم القوام بن سماقه معرفة صدقت به الصداقة فكتبت له أن يبادر ~~بالوصول مع مخدوميه جاريا من استصحاب المحمول والمبذول على رسومه. وندب ~~للرسالة إلى آمد القاضي شمس الدين محمد بن محمد ابن الفراش فمضى إليهم ~~فوجدهم على جادة العزم جادين فحثهم على الحضور وجاء قدامهم بخبر وصول ولد ~~نور الدين محمد وهو قطب الدين سكمان وشيمته الطاعة والإذعان ولما وصلنا في ~~أول جمادى الأول إلى ميافارقين وكان دخلها من أمراء ماردين أسد الله يرتقش ms217 ~~فتنمر وتشمر وشغل البال وأشعل القتال ونصب المنجنيقات وجود العرادات وملأ ~~الأبراج بالأعلاج والأسماع بالضجاج متعاليا بأمره واشتعلنا بجمره وأبصرنا ~~ما لم نكن نظنه واستصعبنا ما كنا نستسهله ودام قتالها صباح ومساء وسام ~~نزالها من الجرح والقتل كل ما سل وساء وخرجوا مرارا وأحرقوا منجنيق فكم دم ~~أريق وأصر حمل وما أطيق وشاجانا ذاك الشجب وجاء الأمر كما لايحب وأستشهد ~~يوسف منجنيقي وكان بالرجال ولم يزل له في مواقف الجهاد كل مجال وندمنا على ~~ما قدمنا من حصر البلد وقصر الجلاد على ما ليس في الجلد وكانت الخاتون ابنة ~~قره أرسلان زوجة قطب الدين صاحب ماردين متوفى في المدينة مقيمة وعلى سنن ~~حفظها مستقيمة وهي ذات يتامى وإلى لطف الله بهم مستقيمة وللصوم والصلاة ~~برفع يدها في الدعاء مستديمة وأنها أيم مالها قيم متقنعة بكفافها متمتعة ~~بعفافها حاضنه من بناتها لعدد (223 أ) الثريا ساليه بدينها عن الدنيا ~~يحميهن أميرهن في المدينة حماية الغيران وتضرم من دون حماهن جواحم نيران ~~ظلماء لج الحصار. PageV01P122 # وراسلنا الأمير المذكور بمن يستلبنه ويستكشف نهج الصواب من جانبه ~~ويستبينه فذكر أنه يقضى حق من وجب عليه حقه وكان له ملكه ورقه وأن قطب ~~الدين مذ أدرج في كفنه درج أفراخه إلى كنفه ولا يزال في عونهن ويبزل روحه ~~في صونهن، والخاتون مالكة الأمر ونحن لأمره نطيع ولخلافها لانستطيع فراسلنا ~~الخاتون وتردد الذاهبون إليها والآتون وقلنا نحن أولى بحفظ بيتك وأحق ~~برعاية حق ميتتك وهذه المدينة إذا دخلناها فلا خروج عن رضاك ولا دخول إليها ~~إلا وفق هواك ونصاهرك في إحدى عقايلك ويبقى على الإبرام لك معاقدة معاقلك، ~~وقلنا للأمير الأسد سرا: فد مالت الخاتون إلى المقاربة فلا تصر أنت على ~~المجانبة وأتخذ عندنا قبل أصحاب جماحها يدا وكن في الانقياد لنا مقتدا. ~~وقيل للخاتون: إن أسد الدين لانت عريكته ودانه أريكته وأحمد أمره وأخمد ~~جمره، وأستقر بعد ذالك الأمير أسد الدين، وأن بتقطع إلى الخدمة ويتصل ~~بالنعمة ووفور الحرية ويخص بولاية جليجور وأعماله ويقطع عدة ms218 نصيبهم من خواص ~~رجاله وتقرر مع الخاتون أن يبقى عليها كل ما باسمها وباسم خدامها وجواريها ~~وأيتامها وسألت أن يفرض لا حضن الهتاخ ليكون لها عشا للأفراخ. وخطبنا إليها ~~إحدى كرايمها لأبن السلطان الملك المعز فتح الدين أسحق، والتمست اليمين ~~مؤكدة بالحجج والعتاق وأخذت اليد السلطانية أبرام العقود وأحرز نسخ ~~المواثيق، والسلطان يسارع إلى بزل كل ما يقترحونه علية مخافة التعويق، ~~وأعيان البلد حاضرون وفي الأحوال ناظرون. ولما أصبحنا يوم الأربعاء آخر ~~جماد الأول تقدم السلطان إلى موالى القاصي نجم الدين بركات أبن عبد الله ~~أبن أبي عصرون ومعنا جماعه مقدمون أن ندخل البلد لعقد نكاح على ابنة قطب ~~الدين لإسحق أبنه وأن نبتدئ الأمر بنجاح ذالك المقصد ويمنه، فدخلنا المدينة ~~وأنا وكيل السلطان لأبنه في قبول العقل، وأذنت الخاتون أم اليتيمة لأبن ~~عصرون لها في تعيين المهر وتسلم النقد فتم النكاح وعم الصلاح وكمل بالفتح ~~وال استفتاح. وجلس السلطان في سرادقه وخرج إلها أعيان البلد من المقدمين ~~والأمراء والأماثل والكبراء، وسير السلطان إلى الخاتون برسم حمولا وهدايا ~~وبذولا وعطايا ومصوغات ذهبيه ومستعملات عراقيه مغربيه وحصنا وحجورا عربيه ~~وسلم إليها الهتاخ بصياغة وأجرى خدمها وخواصها على أقطاعاتهم ومكنهم من ~~تسلم ارتفاعاتهم وأخذ الأسد المنشور بجليجور وألف الله القلوب ونظم الأمور ~~وسألت الخاتون أن يخلى القاضي أبو الفرج يوسف بن هبة بن بام الجبلي على ~~قضائه فكتب له منشورا في مستهل جمادى الآخر وأجريناه على تولية حكم والقضاء ~~والاحتساب بميافارقين ونواحيها وما يجري معها من الحصون والبلاد، والهتاخ ~~وجلجور وذى القرنين استجابة إلى أمانته ووثوقه بعلمه وأمانته. ### ||| ذكر وصول صاحب آمد ونحن على ميافارقين في جمادى الأولى # قال: قد سبق ذكره وذكر صغر سنه ومخافته وأمنه وذالك أن وزيره القوام كان ~~عارفا بالمصلحة فأنتقل بالأمر ووصل بمخدومة قطب الدين سكمان أبن محمد بن ~~قرا أرسلان قادما بالسادة الرابعة والبشارة الرايعه وأرسى خلاص الولاء من ~~أبيه متقربا باستصحاب صحبه ومقربه. ولما ورد خبر إقباله أمر السلطان ~~باستقالة فتلقيناه على مرحله فتلقاه السلطان ms219 بعد أمرائه بالقرب وأقبل عليه ~~وحياه بالقبول والحب وأكرمه وبجله ووقره وعجله وأفاض عليه جوده حتى أخ0جله ~~وعجل إعادته إلى آمد بعد أن شرفه واجباه ثمار عواطفه وأقطفه وخلع على أمراء ~~دولته ومقدمي مملكته واسهم بإحسانه أكابر ديوانه وأصاغر غلمانه فعاد إلى ~~آمد وقد تزينت له وتعلقت وتألفت بتآلف شمل أبن نورها وتألقت وتمكن الوزير ~~وأمر ونهى وأدرك من منصبه المشتهى. ### ||| ذكر النزول على شاطئ قرامان ومراسلة بهلوان PageV01P123 # قال: ولما أستتب الفتح وخلصنا ميافارقين تجدد لنا ذكر خلاط وكيف كثر انشغالنا # بسواها النشاط ولما تمادى الزمان وقرب (223 ب) منها البهلوان راسله بكتمر ~~وحمل إليه مع أبنته زوجة شاه أرمن الأموال التي أودعه المخزون وندب السلطان ~~إليها الفقيه ضياء الدين عيسى فدخلها وتكلم مع الوزير وشاوره ظنا بصدق ~~فناصحته في التدبير فظهر له من فحوى خطابه ما مخضت به الزبدة ونتجت به ~~لواقح الآراء المستجدة وأحال الحال على البهلوان وأنه جاء ليملك المكان ولو ~~استعجلتم لسهل ما صعب وهان وكان الفقيه عيسى قد صار صاحبا له إلى المعسكر ~~البهلواني للتجسس ومعرفة الأحوال بلتفريس فلما حضر هناك أدعى أنه رسول وأن ~~قوله فيما يريده ويصدره مقبول فقالوا له أن صاحبك إن جاءنا تحقق في المصلحة ~~والمصالحة رجاؤنا فكتب إليه الفقيه عيسى يعلمه بما ذكروه وأن بحضوره تسكن ~~الدهماء ويؤمن المكروه فكتب إلى السلطان بأن القوم قد طلبوه وله مع ما سنح ~~من الخطوب خطبوه فكتبت إلى أتابكة شمس الدين بهلوان كتابا بإرسال الفقيه ~~إليه عن السلطان فتوجه الفقيه رسولا وصادف إقبالا وقبولا ووجد كل ما يقترحه ~~مبذولا وكانوا منا مستوحشين فأنسوا ومن قصدنا إياهم مستشعرين فأمنوا، ومن ~~حركتنا حذرين فسكنوا، وبجلوا ضياء الدين وعظموه وكفلوه بالأمر وأطلعوه على ~~السر وصيروه بالأحوال محيطا وجعلوه بيننا وبينهم وسيطا. فعاد إلينا نشيطا ~~يدرس من شرح حشرهم وجيزا وبسيطا، وأتانا من عند أتابك بهلوان رسل مكرمون ~~وخواص مقربون، وفتحت أبواب الرسالة وسنحت أسباب الاستعطاف والاستمالة، ~~وعرفنا أن خلاط قد حمى عسلها نحلها، وأن غابة عقرها ms220 قد ذب عنها فحلها وأنها ~~أعرضت بعدما تعرضت وأبلست بعدما تمرضت ففارقنا قصدنا بعدما فات انتهاز فرصة ~~الإمكان وخلو عرضة المكان من عسكر البهلوان ولا رغبة في إيذاء الإحن وإذكاء ~~الفتن، فتركنا الدست قايما والخصم خايفا خايما، ولبثنا أياما لترتيب ذلك ~~الإقليم ومباشرة ضعفها وأمنها بالتقوية والتقويم وفوض السلطان ولاية تلك ~~البلاد إلى مملوكه حسام الدين سنقر الخلاطي فحسم بايالته داء الشر ومحاسنا ~~محاسنه بالعرف سنة النكر وأقام السياسة وأدام الحراسة. ولما دخل رجب أصحت ~~السماء التي أضحت تحجب وجاء نذير البراد مسمعا صوت الرعد وسعا من البرق ~~الودق بالودق فرأى السلطان أن يعجل إلى الموصل أمامه ويحكم هناك أحكام ~~العزم وأسبابه وقال: نقضي بها هذه الشتوة وتستتم بالإقامة الخطوة فقوضنا ~~المضارب وفوضنا إلى الله المآرب وجبنا السبايب وعبرنا السور ونكبنا مزورين ~~عن ماردين الزور وألمنا بدار وأقمنا مسترحين ثم نصبنا الأعلام على أعلام ~~نصيبين وورد كتاب من آمد مضمونه أن سيف الدين مايفارق قصد ميافارقين وأنه ~~على قصد أن ينهض إليها فما رفعنا بهذا الخبر رأسا ولارأينا باسا وعرفنا أنه ~~مع سكوننا لايتحرك ولحجرنا لايتحكم ثم انفصلنا عن نصيبين للوصول إلى الموصل ~~وفكرنا فيما نقيم به من المنزلة بحيث يسهل على من بالجزيرة أمدادنا ~~بالإمداد فوقع الاختيار على كفر زمار فقطعنا إليها نواحي البقعة حتى وصلنا ~~وقررنا منازلنا بها ونزلنا في شعبان وأغلقت الموصل أبوابها وكثرت للنكاية ~~أبوابها وأرتجت ارتجفت مغالقها وكان السلطان يركب في بعض الأيام ويشرف ~~عليها، وهي ترفع أيدي الضراعة رجاء عاطفته إليها وهو مقيم في منزلته لا ~~يريم ومقدم على غرامته لا يخيم، ودجلة تمد بفلكها وأفلاكها واكلاء عينا ~~وأكلاها، والعزم مصمم على الهدو والمكث والسكون واللبث إلى أن ينقضي البرد ~~ويقتضى بالرى والورد. PageV01P124 # وأصبحنا ذات يوم وكانت يأتينا في الرسالة قوم بعد قوم فقيل قد أقبلت محفات فيها # مخدرات خواتين أتابكيات لا عهد لشموسهن بشروق ولا لنفوسهن بخفوق، ولا ~~لمطالعهن بهبوط ولا لمطالبهن بقنوط فخرجن يستشفعن ويستفعن فانزلن خير منزل ~~وأوردنا من الإكرام أعزب ms221 مورد واصفا منهل. وقال السلطان: إنما جينا لتأليف ~~كلمة الإسلام وإعادة الأمور بإزالة الخلف إلى النظام وقد قبلة شفاعتكن ~~ورأيت في عصيان العزم طاعتكم ولكن لابد من مصلحة تتم ومصالحه نفعها يعم ~~فأستقر الأمر على أن يكون عماد الدين صاحب سنجار أخوا صاحب الموصل وسيطا في ~~البين وحكما فيما يعود بمصلحة الجانبين فإنه كانت شفاعته سابقه ومسألته قي ~~ذالك صادعة صادقه فرأى بهذا الرأي قضاء الحقين ووقف السداد (224 أ) فيه على ~~الطريقين وتعطف تلطف لأجلهن ولإجلالهن وأتى من الكرامة والمبرة بما يليق ~~بأمثالهن وكنا ظنن أنه لايقين بحرمة قصدهن ولا يشتغل بأمر يؤذن بما ردهن ~~فدخلن المدينة متلومات متزممات وبلطف الله لايزات معتصمات. ### ||| ذكر وصول عماد الدين في الوساطة وما عرض من مرض السلطان # قال: وكان السلطان لما دخل شهر رمضان داوم قراءة القرآن وحفظه والإتقان ~~واشتغل بالصيام والتقليل من الطعام، وظهر انزعاجه وتغير مزاجه وطال مرضه ~~وأمتد وحال مضضه وأشتد ومبدأ ذالك أنه أصبح يوم الأربعاء ثامن رمضان محموما ~~وقي أياما سقامه مكتوما رجاء أن يزول ولا يطول ثم سار خبره وطار شره وقدم ~~على رد الشوافع وردع الشوارع، وسير إلى عماد الدين صاحب سنجار في إنفاذ ~~رسوله ليوعز بكل ما يعود بسؤله فوصل وزيره الكافى شمس الدين بن الكافى وكان ~~من قل قد سق القول في تسليم بلاد شهرزور وقلاعها وحصنها وكذالك ما وراء ~~الرأس من البوازيخ والرستاق وتلك بلد القرابيه وبني قفجاق فدخل أبن الكافي ~~وأن الفراش قاضي العسكر من جاننا إلى الموصل لإجراء العهد على هذا الملتزم ~~المستقبل، ورحل السلطان قبل عيد الفطر بيوم وهو من بحر بحرانة في عوم ~~وخيمنا على نصيبين في شوال ولم نترقب عود الرسل نجاز الأشغال ثم أستمر ~~الصلح وصلح الأمر وخلص ما بينهم وبينه السر والخر وخطب في جميع بلاد الموصل ~~للسلطان بعد قطع خطبه السلجوقية وفي ديار بكر أيضا والديار الارتقيه وضرب ~~اسمه الدينار والدرهم وأنحل الإشكال وانكشف المبهم. ولما تسلمنا البلاد ~~منهم نفذ السلطان إلى شهرزور مملوكه ms222 مجاهد الدين اياز شريك فتمنى بها وتملك ~~وكان التركمان الأيوانية مستولية فشتت شملها وفتك وند للنظر في تلك الأعمال ~~القاضي شمس الدين بن الفراش فمضى وحل وعقد وأصدر وأورد، وأقطع لبعض خواصه ~~المماليك البوازيخ وسير إلى البلاد نوابه ورتب فيها أصحابه، ورتب ضيعة ~~بالبوازيج تعرف بباقلا على ورثة شيخ الشيوخ ببغداد، وأقام السلطان على ~~نصيبين أياما قلايل ثم رحل مستقلا في منازل ومراحل حتى القينا بظاهر حران ~~عصا النوى والقلوب لمرض السلطان متخاذلة القوى وأجتمع عندنا من البلاد ~~الأطباء وللمرض ضرم يفلح وللسقم قسم لا يبرح والأمل مرتعب والجدل محتجب ~~والسماح يقول هذا أوان كسوف سمائي ونضوب مائي والدين يندب والملك يصخب ~~والأيدي إلى الله مرفوعة والنيات بالإخلاص مشفوعة والأنفس متوجعة متولجه ~~والأنفس بالدعاء مبتهلة والرجاء تحت الخوف والبلاء فوق الوصف وفي الغيب ~~أسرار وللقمر أدار تارة وسرار الدموع منا غزار والضلوع حرار وما كنا نعلم ~~أن النعمة في سر تلك البلية وأن الصحة ظاهرة في تلك السريرة الخفية وان ~~لهذه الترحه فرحة وأن لهذه الغمة فرجه وأن لهذه الليلة دلجه وأن العافية ~~عافيه وأنت كفاية الله كافيه وسيأتي ما من الله تعالى به من الرجاء في ~~الشفاء بعد الإشقاء. ### ||| ذكر شيمة السلطان في مرضه PageV01P125 # قال: وكلما زاد ألمه زاد في لطف الله أمله وكل ما بان ضعفه قوى على الله توكله وأنا # ملازمه ليلا نهارا وهو يملي على وصاياه ويفرق بقلمي على إعفائه عطايا، ~~واشتدت به الحال ليلة أيس منه فيها الأطباء فلما أصبح المعتقون والوافدون ~~إلى بابه وضجوا ضجة ارتجت منها الدهماء ولانت لسماعها الصخرة الصماء فسأل ~~عن تلك الرجة وما موجب هذه الضجة فقيل له هؤلاء وفدك ورجائهم رفدك، وقد ~~أشرفوا على الخيمة وخرقوا لأجلها حجاب الهيبة فدعاني وأمر بكتب أسمائهم ~~وتفريق ما أجتمع في خزانته من المال على أقدارهم وتحقيق رجايهم وأعطى كل ~~سايل وأغنى كل آمل فوجد بتلك السماحة راحة ترجى لعلته بها إزاحة واستمر مدة ~~استمرار مرضه على بزل جوهر ماله وعرضه وكان خلقه ms223 أحس ما كان في حال الصحة ~~يخاطبنا بسجاياه السهلة السمحة ولا يخلوا مجلسه من ذوي فضل وأولا نباهه وهم ~~يتجاذبون بحضرته أطراف الفوايد ويهزون لمكارمه أعطاف المحامد فتارة في ~~أحكام شرعيه وآونة في صناعات شرعيه ومره في أحاديث الأجواد وشيم الأمجاد ~~ودفعة في ذكر فضايل (224 ب) الجهاد ينزر أنه إن خلصه الله تعالى من نبوة ~~هذه النوة أشتغل بفتح بيت المقدس ولو يبزل نفايس الأموال والأنفس وأنه لا ~~يصرف بقية عمره إلا في قتال الأعداء الله والجهاد في سبيله وإنجاد أهل ~~الإسلام والإقبال على قبيلة وأنه لا يترك شيمة الجود والسماحة بالموجود ~~وربما استراح في بعض ساعات الليل والنهار إلى السماع إشارة الأشياء لأجل ~~التفريح والانتفاع فإن ظفرنا بمفرد مغري ومطر ومطرب وصانع صوت وحسن لحن ~~أحضرناه عنده فربما راقه وشاقه ووجد به أفراحه. ### ||| ذكر الملك العادل سيف الدين ووصوله إلى حران # قال: ولما سمع الملك العادل في حلب بمرض أخيه ووصوله إلى حران بادر ~~بالوصول وقام بضبط الأمور وسياسة الجمهور والجلوس كل يوم في النوبة ~~السلطانية لتولي مصالح الرعية وإقامة وظيفة السماط والعمل في كل مهم ~~وبالاحتياط والتعدي لكشف المظالم وبث المكارم وسماع مشافهات رسل الجوانب ~~وإبلاء كل عزر وإجلاء كل ذعر وتيسير كل عسير ورفع كل خرق ورتق كل فتق ولقد ~~عصمنا إذ كنا على خوف من إرجاف يقوى وانتشار خبر سوء لا يخفى ولا سيم إذا ~~خرج الأطباء وقالوا ما فيه أمل ولكل عمر أجل فهناك ترى الناس يستشعرون ~~وبإبعاد ما يعز عليهم من أعلاقهم ودوابهم يستظهرون ما أراك من المهملين لا ~~من الموقنين فقلت له: أنا لا أخاف إلا على سلطان فإذا ذهب فلا شداد لساني ~~والذي يفوت أعز من المال والدواء ولأخاف على ذلك مع ذهاب الأصل من الذهاب ~~فزال بالحضور العادل كل مخافة وسلم الله برأفته من كل آفة وكان الملك ~~العزيز عثمان ولد السلطان مع أبيه مقتد بمعاليه مقتف بمراضية وكان من جملة ~~وصاياه عند أشقائه أن أدرنني المحتوم ودنا اليوم المعلوم ms224 فقد خلفت أبا بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وكلهم أراه بمراد في إقامة الجهاد مليا يعنى بأبا بكر ~~الملك العادل أخاه وبعمر تقي الدين بن أخيه وبعثمان وعلي ولديه الملك ~~العزيز والملك الأفضل ورأى عليهما بكفالة سيف الدين وتقي الدين في مصر ~~والشام العون وأقام الملك العادل إلى أن وضح المنهاج وصح المزاج وطابت ~~القلوب وغابت الكروب ثم وصل مع أخيه إلى حلب وتم معه إلى حمص ودمشق وهب له ~~نسيم مصر فاستجد لنشره النشق. # وبدى له من بعد ما اندمل ... الهوى برق تألق موهنا لمعانه # وسيأتي ذكر مضيه مع الملك العزيز إلى مصر في سنة اثنتين والثمانين ووصول ~~الملك الأفضل من مصر وبعده الملك المظفر تقي الدين. # قال: وكان الأجل الفاضل في هذه السنة بدمشق مقيما والى إحسان منابى عنه ~~في الحضرة السلطانية مستنيما فلما وصلنا في هذه النوبة إلى حران أول ما ~~فتحت عيني عمى الملوك الفاضلي سافرا مسافرا وقد اصحبه لي تشريفا شريفة ~~ووفرا أوفرا وأحضرني رزمة ثياب أرزمت لي ركابها بنجح منى ومنيح كل غنى ~~وناولني كتابا وأوقفني على البحر بجواهره والفلك بجواهره. ### ||| ذكر نوع من المكارم السلطانية PageV01P126 # قال: لما نزلنا على الموصل في النوبتين اجتمع شعراء البلاد وحضر الحاضر والبادي # ومابقى من ينظم وهو قعيد بيته بيتا ويجري في مضمار فروسيته كمينا إلا وقد ~~أتى بمدحه ليعود بمنحه فتناولها فقيه ضياء الدين عيسى وكان معينا في كل ~~نعمى وبؤس وجرح الكرام بكرمه يوئس وحملها إلى السلطان ولعلها مئة قطعة أو ~~قصيدة لمواهب مستريدة ولعوارفه مستزيدة فقال سلمها إلى العماد ليتأملها ~~ويعرف أصيلها ومنتحلها فمن استحسن شعره حسن بالتشريف شعاره وأكثرها درهم ~~ودينار فإن نجود لمن يجود ومن أفاد يستفيد فسلم الفقيه تلك الأوراق وعرض ~~مافيها على فما استملحت أكثر مااستملحت وفيها منتحل ومنتحل ومقول ومنقول ~~وصحيح وسقيم ولاقح وعقيم معووج ومستقيم وسمين وغث وجديد ورث فلو حملنا ~~أمرهم على مقتضى الأمر لقل من استقل بالنفع وباء الباقون بالضر فضممت نشرها ~~وطويت خبرها وسترت عيوبها وزررت جيوبها ms225 ودرجتها في دووجها وأبقيت نجومها في ~~بروجها وجئت إلى السلطان وقربت تلك المقروبات بسروجها وقلت ماهذا أوان ~~الانتقاء (2225 أ) والانتقاد وطارد الرجاء فيك للكساد ومامن هؤلاء إلامن ~~استفرغ وسعه وقطع في الطريق شعثه وأحال على نضو أمله نسوه وأتى بجهد المقل ~~وهم وفدتك وقد هديه نارك وحددتههم أخبارك فجد لهم على أقدارهم ولاتشعرهم ~~بشعار أشعارهم فقال: مابه أشرت ولنشره بعرفنا عرفت ونشرت ثم أحضر الأكياس ~~وأجرى في تفريق جمعها القياس وأوجد الرجداء وأعدم اليأس وأغنى الوفد وزخر ~~الحمد. ### |||| ذكر حكاية أخرى # وقال: من معارفي فقيه قد تأدب وأعجم قد تعرب وعن له أن ~~ينظم في السلطان قصيدة كانت ألفاظها مضحكة وكلماتها بالعربية والعجمية ~~مستدركة فأوصلها إلى لاوصلها إلى السلطان وأهز بها منه عطف الإحسان فارتقبت ~~لعرضها ليلة موافقة لأداء فرضها وجئت إلى السلطان بها وقد سر بشفائه وقر ~~بما أقر الله عينه من أماطة أدوائه فأنشدها من جلسائه من صوته أندى ونشاده ~~أجدى والسلطان يضحك من سماعها وتعجب من أعاجيب إبداعها وجلسائه يوافقونه ~~على ضحكه وينظمون النظم المسموع في مسلك الاستغراب وسلكه وأنا ساكن لاابدي ~~حركة فتعجب السلطان من سكوتي وسكوني واستغرابهم الضحك فقلت إنه استعان بي ~~في إحسان المناب فلا اقل أن لاأسهمه بالارتياب والاغتياب فلما كان موسم ~~أرضاء الوافدين وإغناء القاصدين وحررت ورقة بأسمائهم وتجردت لتفرقة عطائهم ~~عين لصاحب ذلك النظم ثلاثون دينارا وجعلها له إدرارا فقلت له بل تضعفها ~~وتجعلها ستين فإنكم ضحكتم لثلاثين وجائزة قصيدته ثلاثين فقال: أنصفت وأحسنت ~~النيابة ولو كانت الجائزة بمقدار القيمة لم يبلغ خمسة صداق تلك اليتيمة ~~فاستغنى ذلك المعلم وحصل له في مظنه المغرم المغنم. ### ||| ذكر الصدقة في المرض # قال: لما مرض قال لي اكتب إلى الولات والنواب ~~بالديار المصرية والشامية أن يتصدقوا على الفقراء والمساكين من المال المعد ~~للحمل على قدره في التعيين ولم يبق في المماليك إلا من وصل إليه نصيب ودعا ~~بالصالحات لمن الله في دعائه مجيب ومن جملة تلك الصدقات أنه أمرنا أن اكتب ~~إلى الصفي ms226 القابض أن يتصدق بخمسة ألاف لنفوز من الثواب بأضعاف. # قال: ولما امتد زمان مرضه أمر ببناء دار عند سرادقه وحمام في أربعة أو ~~خمسة أيام وكان من استحضر من دمشق ولديه الصغيرين تورانشاه وملكشاه وأمهما ~~فأسكنهم فيها مدة مقامه فسماها دار العافية البرء فيها من سقامه ثم خلاها ~~لمن يترك بها ضيوفه وجعلها للآوين إليها وقف فلله وطن وطر عمرت بعمارته ~~الأوطان وبيت سرور خرجت بدخوله إليه من بيوت الكرام الأخوان وبنيان سلطان ~~شاد مبان السلطنة ومكان عز تفاضل بفضله عز الأمكنة ومربط أسد تقشعر من بأسه ~~الأسود ومجثم سداد يترافد إلى رفده الوفود وكان مثل السلطان في تلك المنزلة ~~وهو مقيم كما قال الله تعالى في حق يونس ((فنبذناه بالعراء وهو سقيم)) فيها ~~ألق حبل الحياة وأزجا النجاة وخص الله السلطان بفضيلة فتح القدس وقضى حاجته ~~التي كانت في النفس وسيؤتى إن شاء الله تعالى شرح كل فتح في موضعه وكيف ~~أشرق سنا النصر في مطلعه. ### ||| ذكر من توفى في هذه السنة من أكابر الدولة PageV01P127 # قال: توفيت الخاتون العصمية بدمشق في ذو العقدة وهي عصمة الدين ابنة معين الدين أنر # وكانت في عصمة الملك العادل نور الدين رحمه الله فلما توفى وخلفه السلطان ~~بالشام في حفظ بلاد الإسلام تزوج بها في سنة اثنتين وسبعين وهي من أعف ~~النساء ولها أمر نافذ ومعروف بأيدي المعروفين آخذ وجناب مايزال يلوذ ويعوذ ~~به لائذ وهي في الدولة حاكمة ولها صدق وصدقات ورواتب للفقراء وإدرارات، وقد ~~بنت للفقهاي والصوفية بدمشق مدرسة ورباط وذلك سوى وقوفها على معتقيها ~~وعوارفها وأياديها وكان السلطان حينئذ بحران في بحر المرض وبحرانه فما ~~أخبرناه بوفاتها خوفا على زايد علته ووقد غلته وهو يسدعى كل يوم درجا ويكتب ~~إليها كتابا طويلا حتى سمع نعى (225 ب) ناصر الدين محمد ابن شيركوه ابن عمه ~~فنعيت إليه الخاتون وقد تعدى عنه إليهما المنون وكانت وفاة ناصر الدين بحمص ~~في تاسع ذي الحجة من هذه السنة من غير مرض أشعر بها ولاعلة ms227 أضيف حكم الحمام ~~إلى سببها فجأته المنية # فجأة فوجدنا من القدر ببقاء السلطان إحسانا وبوفاة ناصر الدين إساءة ~~وكادت مطالع الأنس تظلم اولا أننا استأفنا لها بالشفاء السلطاني لها إضاءة ~~وكان ناصر الدين هذا إلي محسنا وبفضيلي معلنا ولي فيها مدايح وله عندي ~~منايح وإن أوردتها طالع الكتاب وأول مامدحته بها في الأيام النورية سقاها ~~الله كلمة منها. # قد أذل الكفر قاهره ... وأعز الدين ناصره # كم ساع في الزمان ... له كرمت منها عشايره # وعلى دون الملوك له ... عقدت فيها محاصره # وفي هذه السنة في جمادى الآخر توفي الأمير سعد الدين مسعود ابن أنر ونحن ~~قد فتحنا ميافارقين ولقد كان من الأكارم الأكابر ولم أرى أحسن منه خلقا ~~وأزكى عرقا ولم يزل في الدولتين النورية والصلاحية أميرا مقدما وعظيما ~~مكرما ولسفور فضا يله ووفور فوا ضله رغب السلطان وهو زوج أخته أن يكون هو ~~زوج أخته وواصله السعد تحقيقا لنعته بالتي تزوج بها مظفر الدين كوكبرى بعده ~~وجدد بها إسعاده وسعده. قال الفتح بن علي بن محمد الأصبهاني منتخب الكتاب ~~وهذه الجهة المصومة بقية شعب الدوحة الأيوبية وهي الآن ساكنة بدمشق وقدمتها ~~في سنة عشرين وستمائة والملك المعظم أبو الفتح عيسى بن السلطان الملك ~~العادل هو القايم بشرايط تعظيم قدرها وتفخيم أمرها وهي التي توسطت بين ~~السلطان وبين زوجها مظفر الدين في اتصال الملك الناصر أبي سليمان داود بن ~~السلطان الملك المعظم حتى يميره من دمشق إلى إربل في رمضان سنة إحدى وعشرين ~~وستمائة وهو الآن متملك تلك البلاد والمتكفل فيها بأموال العباد والله ~~تعالى يبلغه تحت ظل أبيه غاية الطلب ونهية المراد. قال: ولم يزل سعد الدين ~~لي متعصبا ولسعودي متقربا ولقربه من السلطان يتحجب عنده في مطالبي وينوب ~~عني في تقرير مراتبي. # قال: وفي هذه السنة رد السلطان قلعتي الرها وحران إلى مظفر الدين كوكبري ~~لتوفره في الخدمة على حفظ القوانين وظهر منه كلما حقق الاستظهار وأوجب ~~لأمره الإمرار ورغب في مصاهرة السلطان وقلده وطوق الامتنان. # وفي هذه السنة ms228 توفي عز الدين جاولي وهو أكبر الأمراء الأسدية ولم يزل في ~~الجهاد يحسن بلاؤه ويصدق غنائه. ولما عدنا بعد فتح ميافارقين إلى الموصل ~~طرقه البلاء وأوقعه القضاء وقفز لحصانه بعض السواقي فعثر به وأكسرت رجله ثم ~~اشتد ألمه وطال سقمه وانتقل إلى دمشق وتوفي بها في أواخر هذه السنة أو في ~~أول سنة اثنتين وثمانين. PageV01P128 # وفي هذه السنة يوم الأربعاء ثامن رمضان قتل بآمد وزير قرا أرسلان وهو قوام الدين # أبو محمد عبد الله بن سماقة قتله مماليك مخدومة غيلة ومحلوا في مباغتته ~~في الفنا حيلة. والسبب في ذلك أنه كان قد تمكن من الأمر وسكن إلى قوة نفسه ~~وركن وكان أحد الأمراء الكبار المعروف بالصلاح فبلغ أنه تولى الأعراض وأنف ~~من الوزير ولم يرض أن يتبعه وكلاهما مستشعر من صاحبه فتسبق الوزير إلى قبضه ~~وحبسه واشتغل في التدبير بنفسه وتدانى أمسه وسيثق بقوم به يفتكون ولدمه ~~يسفكون وكأنه تعلق بما في الغيب مكتوم وفي اللوح المحفوظ مكتوب محتوم فإنه ~~وصل الخبر بقتله على ما تم من ختره وختله فإن جماعة من المماليك المفردين ~~تآمروا بينهم على الفتك بالوزير فجاء واحد إليه وهو جالس في ديوانه وإيوانه ~~في الدست الأشير وعنده الأكابر والأماثل وهم ينتظرون الإذن على العادة ~~فقال: الملك يدعوك وحدك يسألك عن حديث عندك فقام يسحب ذيل اختياله ولم يدر ~~بما يستصحب من ويل اغتياله فدخل الدهليز وقد أغلقوا الباب الذي يصل فيه إلى ~~الأمير وأغلقوا وراءه الباب الآخر لما تصوروه من التدبير فاغتالوا وفتكوا ~~به وقتلوه ثم أخرجوا الصلاح من حبسه فلما تمكن قبض وسط وشرك أصحاب الوزير ~~وقتل منهم من أدركه واستولى على كل ما ملكه ثم قتل أولئك القاتلين وكانوا ~~به واثقين وعن مكره غافلين وبقي متوليا للدولة إلى أن أدرك الأمير رشده ~~وإلى أن يبلغ أشده فاستبد بملكه وأخرجه من سلكه. # وفي هذه السنة توفي الفقيه المهذب عبد الله بن أسعد الموصلي بحمص وكان ~~المدرس وكان علامة زمانه في علمه ونسيج وحده في نظمه ms229 وقد أوردت في صدر ~~الكتاب ما يستدل به على فضله. ### ||| ذكر العزم على الرحيل من حران # قال: وكان السلطان قد كمل علاجه واشتد مزاجه وأراد أن يكون حركته بعد ~~استكمال السكون واستيفاء الحظ من السهول قبل الحزون ولأنه في وسط الممالك ~~وعلى جواز المسالك فتواترت في البلاد أخبار أبلاله وأنباء استبداده ~~واستقلاله وكان عنده ولده الأعز الملك العزيز وأولاده الصغار الأعزة، ~~والملك الظاهر بدمشق مقيم والأمر هناك مستقيم فلما ورد نعى الخاتون وناصر ~~الدين وخلا شبله أسد الدين بعده في العرين وخيف على بلاده لصغر أولاده ~~واحتج أيضا إلى الاحتياط على ما في خزائنه واستخرج ما خلفه من ورثته من ~~دفاينه. وكذلك الخاتون عصمة الدين خلفت أملاكا وتراثا وأوقافا واسعة وأثاثا ~~ولم يكن من الحركة بد ولم يكن إلا بحضور السلطان لتلك الخلات والاختلالات ~~تسديد وسد. # قال: وفي هذه السنة لما كنا على ميافارقين وقد فتحناها ورد للسلطان مثال ~~شريف امامي ناصري بتفويض ولاية ماردين وحصن كيفا إليه تاريخه غرة جمادى ~~الأول. ### || قال: ودخلت سنة اثنتين وثمانين ### ||| # والسلطان ساير بعساكر مفاخر عساكره ~~وخيم على شاطئ الفرات وقد مشط البؤس وصفا من الصحة العبوس، وودعنا مظفر ~~الدين صاحب حران من الفرات مصحوبا بالقوة والثبات مشحونا وفلك آماله ~~بالمكرمات، ورحلنا صوب حلب والملك العادل سيف الدين سلطانها على المقدمة ~~وقد هيأ لقدومنا أسباب التكرمة ونزلناها في العشر الأوسط من المحرم ~~فألفيناها كما ألفناها بالعدل آهلة ومن الفضل ناهلة والخطوب عنها زاهلة ~~والقلوب بحب الدولة عامرة والنفوس بنعمة ربها متحدثة ذاكرة. # واحتفل الملك العادل بأخيه السلطان وحمل عنه وله وأظهر مجمل جميله ومفصله ~~وقام بكل فرض وسنة في الخدمة وتقبله وما خلى أحد من خواصه إلا خولة ومولة. # وأضافنى الصنيعة ابن النحال كاتب الملك العادل واستضاف معي قوما وفيهم ~~نجم الدين بن المجاور الوزير العزيزي وقد بعثتني على مصاحبتي إليه وده ~~العزيزي. وكان سكن الضيعة من قلعة حلب في برج من أبراجها وكانفي ذلك مذعورا ~~معذورا فإنه كان بالإحتراز من المخالطة مأمورا وكان ms230 قد نفق على مخدومه ~~واختص بسره واطلع على مكنونه ومكتومه. وكان نصرانيا من القبط ثم اضطر إلى ~~الإسلام بسبب امرأة هوى بها وعشقها وحظى بها ورضيها وما سلمت له إلا ~~بالإسلام فأذن سعده في إسعادها بتمامه واستقر أمره على نظامه وأفضى به ~~التوفيق إلى التمكين ولم يزل معه حتى انتهى عمره في سنة تسعين. PageV01P129 # قال: ولما قضينا بحلب الأرب رتب الملك العادل فيها نوابه وأحكم أحكام الملك العادل # وأسبابه، وصحب أخاه السلطان منفذا لأوامره ومدبرا لعساكره اشفاقا من تعب ~~يلحقه وإرفاقا به في نصب يرهقه كأنه كان في غب وعتكة ولا يؤمن من مضرة ~~حركته، ووصلنا إلى حماه في مراحل طاب مراحها وأسفر بحمد مسراها صباحها ~~وتلقانا النايب عن الملك المظفر تقي الدين بكل جمال وجميل وحسن وإحسان جلي ~~جليل وتقي الدين حينئذ نايب السلطان في الديار المصرية وقد عول في حماه على ~~نظر ناصر الدين منكورس بن ناصح الدين خمارتكين وفيه السماحة والحماسة ~~والحجى الصحافة وكان تقي الدين منذ تولى حماه حصن قلعتها وعمق خندقها وأدام ~~بعمارتها اشتهاره وبإرادة إدارتها استظهاره فلما ندبه السلطان للنيابة عنه ~~في مصر سأله أن ينزل عن حمص فأبى فوافقه على مراده وأبقاه لما عرف من ~~اجتهاده فسلمها إلى ناصر الدين منكورس وشكرته الرعية. وكانت بيني وبينه ~~صداقة بصدق الاعتقاد معقودة. واتفق أن سرقت لي في طريقها إلى حمص ثلاثة ~~جمال بمالها من عدة ورجال وكنت قد سلوتها وتمكن عندي فوتها، فجاءنا هذا ~~الأمير بعد يومين بقطارين من الجمال المسروقة وقال: لما سرتم عرفت أن ~~وراءكم لصوصا فرتبت أصحابي في المواضع البعيدة من العمارة ليترصدوا أهل ~~الذعارة فوجدوا هذه الجمال التي أحضروها فتأملتها فإذا هي جمالي نفسها ~~فشكرت همته الكريمة على إحسانها ولم تزل الثغور لسداده مسدودة والرعايا ~~بسياسته محروسة ورايات الكفر بنكاياته منكوسة. ### |||| فصل # قال: وهؤلاء الذين قرضتهم ووصفتهم تنكرت معرفتهم بعد الأيام السلطانية ~~وهم صدقوني لصدق الحاجة فلما استغنوا عني حملوا معرفتي وأنكروا عارفتي وهذه ~~شية أخلاء الدنيا في دين الإخلال وملة ms231 الملال واستحالة الحال. ### ||| ذكر الوصول إلى حمص وتقرير أمر أسد الدين أبي الحرث شيركوه بن محمد بن شيركوه مكان أبيه PageV01P130 # قال: كان قد وصل صاحب أسد الدين إلى الفرات لتقرير ما يجري له من الولايات فأمر # السلطان بنظم منثوره وضم نشره وكتاب منشوره فأجرى عليه جميع ما كان لأبيه ~~وجئنا بعد ذلك إلى حمص وأقمنا واستعرضنا خزاينه واستخرجنا دفاينه وقسمنا ~~ميراثه. وكانت أخت السلطان الحسامية زوجة ناصر الدين وهي مستحقة للثمن ~~والباقي بين البنت والابن وخلفت عينا وورقا ومجتمعا ومفترقا ومبلغ التراث ~~في الملك والعين والأثاث أناف على ألف ألف دينار فما أهاره السلطان طرفة ~~ولا أمتري خلفه بل تركه على أهل التركة وأبقاه برمته لهم وأسد الدين مع ~~صغره وإن كان شهما لبيبا وسهما مصيبا احتاج إلى أمير أمين يتقدم على أصحابه ~~ويتولى مصالح بابه فرتب أميرا من الأسدية يعرف بأرسلان بوغا فولاه وأرلاده ~~ولم يزل مستقلا بالولاية إلى أن تفرد الأمير بالأمر لسداده وبلغ في السن ~~مدى رشاده ونعت بالملك المجاهد وفي نسخة منشورة: وأنعمنا عليه بكل ما كان ~~لوالده رحمه الله من البلاد والضياع والمعاقل والإقطاعات والولايات وقررناه ~~عليه مستمرا على الدوام مصونا من الأحداث معصومة سرايره المحصنة من الإنكاث ~~وذلك حمص، سلمية، تدمر، وادي بني حصين، الرحبة، زلبية. واعتمد على الأمير ~~الحاجب بدر الدين ابراهيم بن شروة الهكاري في ولاية قلعة حمص وما رأيت من ~~الأكراد مثله دينا ومروة وكرما وقوة فأقام بها مدة حسنت فيها آثاره وشاعت ~~بالخير أخباره إلى أن نقله السلطان إلى قلعة حلب فكان كما رغب ثم طلبه ~~الملك العزيز في آخر عهد السلطان ورتبه في قوص. ولما فرغنا بحمص من إشغالها ~~مرتبنا ولاة ولاياتها ونواب أعمالها عادنا هوى جلق وطيب هوائها وموافاة ~~أندية أندائها ومعاودة جنا جناتها ومواعدة لذاة لذاتها فلما ترتبنا ~~واستطبنا لها النشر والنشق قال لي السلطان: جرد القلم فأبد مشق دمشق واكتب ~~إلى الأولياء وبشرهم بوصولنا فقد هبت لهم قبول إقبالنا باقبال قبولنا ~~والحمد لله الذي أعادنا ورد ms232 إلينا برد البلاء بلادنا ولما شاع بدمشق خبر ~~دنونا احتفل أهلها واجتمع بالمسار شملها وطلعت أعيانها ونبعت عيونها ووافت ~~أكبارها وعونها وتطبقت على سنة الأمن بقدومنا جفونها وراقنا تلقي أود الأمل ~~وملقى أخلاء العمل فاتفقت المتعشقة وسمعت الطليقة ودخلنا المدينة وزينة ~~الدنيا خارجة وسكينة النعمى فارجة وكان الناس قد ساءهم خبر المرض فسرهم ~~عيان السلامة وما ألذ الرجاء بعد الإبلاس والثراء بعد الإفلاس وانهم ظفروا ~~في الإيحاش بالإيناس وامنوا بمشاهدة الأنوار السلطانية حنادس الوسواس ~~واجتمع السلطان في القلعة بأهله واقلع الزمان عن جهله وشاهدنا الفضل والكرم ~~بالمشاهدة الفاضلية وعدنا إلى السعادة القديمة واجتمع السلطان به فبثه ~~أسراره وزاره مرة واستزاره ودخل جنته وجنى ثماره وراجعه في مصالح دولته ~~واستشاره وعمل بما أشار به بعد أن شاء الله واستخاره وعاد الهوى وعدنا وزاد ~~الحجى وزدنا ووفينا بما نذرنا وانجزنا ما وعدنا وأحيى السلطان سنتي السعاف ~~والإنصاف وأجنى قطاف الألطاف وجلس في دار العدل لكشف المظالم وبث المكارم ~~واحياء المعالم. ### ||| ذكر ما استأفه السلطان من نقل الولايات PageV01P131 # قال: وكان السلطان لملازمه أخيه العادل له ما قد مال إلى رأيه وغنى ~~بغنائه ووثق بنفاذه في الأمور ومضائه وهو يشير عليه بما يتمكن في نفسه ~~ويقترن بأنسه ويتصور في حدسه. وكان الملك الأفضل نور الدين علي بمصر وهو ~~ولده الأكبر قد بدأ يظهر وقد مالت إليه بمصر جماعة وله منهم طاعة وربما نقم ~~تقي الدين النائب هناك من واحد أمرا فوقعت فيه منه شفاعة فكتب يشكو من ~~اختلال أمره وأنه لا يسعه خلاف من استبد بحكمه ولا يمكنه أيضا ما يقع من ~~المصلحة برغمه في عزمه. وكان في نفس السلطان أن ينقل ولده الملك العزيز ~~عثمان إلى مصر ليكون عزيزها وليحرز ملكها ويحوزها وهو مفكر في وجه تقريره ~~وطريق تدبيره حتى بدا له نقل الأفضل بخطه بكل ما يستميله إلى بلاد الشام ~~فإذا وصل نظر حينئذ في إتمام ما يؤثره من المرام فكتب من الأفضل بخطه ~~يستميله6 ويضمر بالنجح تأميله ويذكر له فرط اشتياقه ms233 وأنه لا افراق من ألم ~~فراقه فليصل بجميع أهله وجماعته ووالدته وحشمه وأصحابه وسحره بمعاني ~~الترغيب كتابه فلما قرأ كتاب والده وثق بنجاح مقاصده وأيقن بنجاز مواعده ~~فودع مصر وداع القالي وأزمع عنها ازماع السالي واعتمد في الرحيل على أمر ~~الله تعالى وسار بالهمم العوالي والأحوال الحوالي وجاء البشير بوصوله يوم ~~الاثنين الثالث والعشرين من جمادى الأولى فأمرنا السلطان بتلقيه في خواصه ~~وحشمة وحواشيه فركبنا سحرة هذا اليوم المبارك وخرج معنا الأمراء والولاة ~~والقضاة وكان العوام والخواص، ودخل في زي موكب السلطان وجاء به وأنزله في ~~القلعة في دار رضوانة ومكن مكانه وكتب إلى تقي الدين أنه قد ازلجت علته ~~وشفيت في الاستبداد بمصر غلته فابتهج تقي الدين بتفرده وانتهج سر توحده ولم ~~يدر أن الوهن بطرق إلى وثوقه أن الكساد يسوقه إلى سوقه وإن كان في ذمة ولد ~~السلطان وعصمته وأن تمام حرمته بحرمته فلو استمسك به واعتصم بسببه وقال: لا ~~ولاية لي في بلدك إلا بولاء ولدك وأنني في التربية كفيلة وفي التولية وكيله ~~لصعب تحويله وما أمكن تبديله لكن قضاء الله ماض وقدره قاض. ### ||| ذكر تسليم حلب إلى الظاهر # قال: ولما دخلنا دمشق كان بها من أولاد السلطان غياث الدين غازي فزار عمه العادل # وهو صهره وقد اشتد بمظاهرته ظهره فقال له قد نزلت عن حلب لك وخليت بها ~~عطلك وأنا اقنع من أخي بإقطاع أين كان والزم الخدمة ولا أفارق السلطان ~~وأطلبها من أبيك أن كانت ترضيك وجاء إلى السلطان فقال: هذه حلب مع رغبتي ~~فيها أرى أن أحد أولادك بها أحق وملكها به أليق وولدنا الملك الظاهر أحب ~~أنني بها أوثره وملك الدنيا فملك حلب له لا استكثره وأنا مع ملازمتي لخدمتك ~~ومساهمتي في نعمتك لا يعوزني بلد وقال السلطان: مالنا الآن لها عوض ولا لنا ~~فيما ذكرته غرض المهم الآن تدبير أمر ولدي العزيز فان مصر لا بد أن يكون لي ~~بها ولد اعتمد عليه واسند ملكها إليه والصواب خروجنا إلى البلقاء ونخيم على ms234 ~~الزرقاء ونرتب معه من يمضي إلى مصر من الأمراء. فرحنا ومعنا الملك العادل ~~والعزيز والظاهر والأمراء والخواص وسرنا حتى خيمنا على الزرقاء وأرعبنا ~~بقربنا مكن الثغور قلوب الأعداء (227ب) وكان مضى أن الملك العادل قد زهد في ~~حلب وطلبها الملك الظاهر والتمس عوضها بلادا عينها ونواحي بمصر بينها وكان ~~قد مال الملك العزيز إليه لإشفاقه عليه فسأل إياه أن يسير معه الملك العادل ~~فانه نعم الكافي الكافل وحلف انه عن عمه غير عادل ومازالت الرسالات تترد ~~والاقتراحات تتحدد حتى أعطاه السلطان بمصر البلاد المعروفة بالشرقية واعتمد ~~عليه في ساير المماليك المصرية وسمع تقى الدين في مصر هذا الخبر فنبا ونفر ~~وإذا تولى ابو بكر فلا عمر فعبر إلى الجيزة مظهرا انه يمضي إلى بلاد المغرب ~~ليملكها وكتب إلى السلطان أن لا يمنعه من سلوك مسلكها وسمت همته إلى مملكة ~~جديدة وأقاليم ذات ظلال مديدة وقد كان أحد مماليكه المعروف بقراقوش قد جمع ~~من قبل الجيوش وسار إلى بلاد برقه وهدته الأمنية إلى النفايس في بلاد نفوسة ~~ف فإدركها وتجاوز إلى أفريقية وهو يكتب إلى تقي الدين مالكه برغبته في تلك ~~المملكة ويقول أن البلاد سايبه وعرايسها لكفوها منها خاطبة فلما تجدد ما ~~تجدد عبر تقي الدين بعسكره وجنده ومالت إليه عساكر مصر لبذوله ومخالفة ~~عدوله وقدم مملوكه يوازبه ليكون في المقدمة. PageV01P132 # ولما انتهى إلى السلطان خبر عزمه قلق بتغربه وعلق بتقربه وقال لعمري أن ~~فتح المغرب مهم لكن فتح البيت المقدس أهم والفايدة به أتم وإذا توجه تقى ~~الدين واستصحب رجالنا المعروفة وأبطالنا الموصوفة ذهب العمر في اقتناء ~~الرجال وإذا فتحنا القدس والساحل طوينا إلى تلك الممالك المواحل وعلم لجاج ~~تقي الدين في ركوب اللجة واحتجاجه في سلوك تلك المحجة. # قال: ولكننا نكتب إليه بالوصول ليشافهه بوصايا ويطلعه على خفايا وحينئذ ~~يعزم ويصمم فإذا وصل إلينا شغلناه وإذا استقالتا عثره أقلناه فكتب إليه ~~يأمره بالقدوم عليه. ولما استقر أمر الملك العادل في المعيشة التي بها توحد ~~الولاية المصرية التي بها ms235 تفرد استدعى نجاز أمر العزيز للسير معه فقرر ~~السلطان لولده قوص وأعمالها ومرافقها وأموالها وأضاف إليه أجنادها ورجالها ~~ورتب له رواتب ووظف له وظايف وعين له من خواصه حجابا ومن ذوي استخلاصه ~~أصحابا ودون له ديوان وكتابا، وودعه في العشر الأول من شعبان، وكان دخولهما ~~إلى القاهرة في خامس رمضان. وأما الملك الظاهر فان السلطان سيره إلى حلب ~~وانعم عليه بها وببلادها وساير قلاعها وأقاليمها وضياعها وأمر أمرائها ~~يطاعته ومتبوعيها بتباعته، وندب معه شجاع الدين عيسى بن تلاشوا، ولم يزل ~~الملك الظاهر من أيام صغره كبير القدر نسيج الدهر شديد التيقظ، سديد التحفظ ~~بعيد المنال قريب النوال. # وأما الملك المظفر تقي الدين فانه لما وصل كتاب عمه بالاستدعاء سارع إلى ~~تلبية النداء، فجاء يغذ السايرين نداء وخلى بمصر أصحابه وأسبابه فوصل الخبر ~~بوصوله في العشر الاخير من شعبان وخرجنا لتلقيه، وخيم السلطان على كنف ~~المصري فوق قصر أم حكيم فلما قرب ركبنا إلى موكبه وقرت عينه بلقيا عمه وظفر ~~من السعادة وما في قسمه ونسى ذكر المغرب لإنارة مشرق سعده فلم يرجع إلى ذلك ~~الحديث من بعده، وخاطبه السلطان بكل ما عاد بانسه النافر والسلو عن أمسه ~~القابل ودخل إلى دمشق في آخر شعبان فابصرنا على وجهه هلال رمضان وعاد إلى ~~ما كان له من البلاد ومنبح والمعرة ثم أضاف إليه ميافارقين وجميع ما في ذلك ~~الإقليم من المعاقل وخصه من ممالكه بالكرايم والغنايم وكتب إلى مصر ~~باستدعاء رجاله وإعلامهم بتأخر عزم المغرب بل إبطاله فامتثلوا الأمر ~~وفارقوا إلى الشام مصر سوى ملوكه زين الدين يوزبه فانه رتب له عسكرا إلى ~~المغرب فأخذه مأسورا ثم اغزاه مع الغز في ثغرة من الثغور فألفاه مشهورا ~~مشكورا فقدمه على الغزية الغزاة ولهم بلاء حسن في تجمع الكفر ولا قدر ~~للبغاث مع البزاة. ### ||| ذكر مكرمة لتقي الدين # قال: أجلسني عنده يوم قدومه بالمخيم على المصري يبثني أسراره ويذكر لي في الحسن # والإحسان آثاره وأطال معي حديثه عتيقة (228 أ) وحديثه فجاءني من سارني ms236 ~~بخبر أزعج خاطري وذلك انه أخبرني احتراق دكان في جواري غلبت عليه النار حتى ~~أشرقت بها الدار فسألني تقي الدين عن المبارك فقد كان العصر القديم وقوع ~~لنار في القربان إمارة قبوله وعنوان حصوله فأثر هذا القول في أريحيته ونفذ ~~إلى يوم وصول إلى دمشق مائتي دينار وقال رم بهذا ما تشعث من هدم أو نار ولم ~~يكن العهد بعيد بإنفاذ رسمي من مصر ودنانير مصرية مائتين ولم يستكثر فيكون ~~الضنين وكم له عندي من أياد مبتكرة وكان يسمع لي قصيدة إلا استأنف لها ~~جايزة جديدة ومما مدحته به في هذه الدفعة قصيدة سينية تشتمل على مائة ~~وأربعين بيتا أنشدتها إياه في ثالث رمضان من هذه السنة ومطلعها: # عفا الله عنكم من ذوي الشوق نفسوا ... فقد تلفت منا قلوب وأنفس # أما لكم ببلواى سلوة ... ولا لكم إلا بهمي تأنس # جرحتم فؤادي بل هدمتم تجلدي ... فهلا بعثتم طيفكم يتحسس # لم أنس أنسى بالحمى سقى الحمى ... عيشة لي مجنى ومجلس # ولي فيه من ثغر الحبيب وخده ... ومقلته راح وورد ونرجس # طننتم إنها تألف الكرى ... فهلا بعثتم فؤادكم يتحسس # ومنها في المدح: # بتوقيعه تجرى المواهب بحرا ... فهل قلم في كفه أم قلمس # وهل بظما الراجى مكارم ماجد ... عيون الندى من كفه يتحيس # تشكى إليه الغرب جور ملوكه ... فأشكيته والجور بالعدل يعكس # يستر بالنقع السماء كأنها بخو ... في فتاكم بالعجاج يترمس PageV01P133 # شموس ظبي تغدوا لها الهام ... سجدا فلله نصرانية تتجمس # وكم كفى الإسلام سوءا بملككم ... كفيتم على رغم المعاذير كل سو # إذا ما تقى الدين صال تساقطت ... لإقدامه من عصبة الشرك أرؤس # بانمار شكري غرس نعماك مثمر ... وتزكوا ثمار الغرس أن طاب مغرس ### ||| ذكر ظهور كذب المنجمين في شعبان هذه السنة # قال: كان المنجمون في جميع البلاد يحكمون بخراب العالم في هذه السنة في ~~شعبان عند اجتماع الكواكب الستة في الميزان بطوفان الريح في ساير البلدان ~~وخوفوا بذلك من لا وثوق له باليقين ولا أحكام له في الدين من ملوك الأعاجم ~~والروم وأشعروهم من ms237 تأثير النجوم فشرعا في حفر مغارا وتعميق بيوت في ~~الأسراب وتوثيقها وسد منافسها على الريح وقطع طريقها ونقلوا أيها الماء ~~والازواد وانتقلوا إليها وودعوا الطراف والتلاد وانتظروا الميعاد وكلما ~~سمعنا بخبارهم ضحكنا من عقولهم الواهية العقود وسلطاننا يسخف آراء أولئك ~~الملوك وكيف خص الله بصايرهم بالإظلام والحكوك فلما كانت الليلة التي عينها ~~المنجمون لمثل ريح عاد ونحن جلوس عند السلطان في فضاء واسع وناد للشموع ~~الزاهرات جامع وما يتحرك لنا نسيم ولا يسرح للهوا في رعى مناقب الأنوار ~~مسيم فذاكرنا ما ذكره المنجمون وشرعنا في رواية أحاديث الرسول وذكر ما يدل ~~على بطلان أقاويلهم من المنقول والمعقول فما رأينا ليلة مثلها في ركودها ~~وركونها وهدوها وهدوئها. ### ||| ذكر الحوادث في هذه السنة # قد سبق ذكر أتابك شمس الدين محمد بن أتابك ايلدكز المعروف ببهلوان وعساكرهم وانهم # وصلوا إلى قرب خلاط عام أول في جمادى الآخرة (228ب) ونحن على ميافارقين ~~فلما انصرفنا انصرف وتصرف بهلوان وجرى بما قدره الله الحدثان ومرض مرضا ~~أعيى الأطباء دواؤه وأعضله داؤه وآيسه عن الصحة أطباؤه وانقطع رجاؤه من ~~الثرا إلى الثرا ومن البراءة إلى السرا وجاءنا نعيه في أول سنة اثنتين ~~وثمانين فما ندري أكانت وفاته في هذه السنة أم قبلها وكانت حياته متصلة ~~للجد والجدى إلى أن جذ القدر حبلها واضطربت م بعده تلك الممالك وتطرقت إلى ~~البلاد من بلائها المهالك وأحربت أصفهان والى اليوم من سنة أربع وتسعين ما ~~وضعت أوزارها وما ببالي أزور عنها من استولى بها أوزارها. قال الفتح علي بن ~~محمد الأصفهاني مختصر الكتاب والى اليوم من سنة اثنتين وعشرين وستماية ~~الحروب في اصفهان قايمة على ساقها وافتن مميحة فيها على سكانها بأوراقها ~~والله تعالى يفرج عن أهلها ويبدل حزن أحوالها بسهلها. قال: وتولى بعد ~~بهلوان أخوه قزا أرسلان فازال مهابة الملك السلجوقي وسلك بالسعيد الشقي إلى ~~أن تضع السلك وطمعت خراسان في العراق وعدمت الأفاقة من الآفاق. # عاد الحديث: قال: واتصلت المواصلة بننا وبين المواصلة واستمرت المراسلات ~~بالصلات وفقدت الحقود ms238 في الحقوق وجاء البر من العقوق وأعد السلطان لاتابك ~~الموصل هدايا وتحفا ومستعملات مصرية وثيابا وحصونا وحجورا عرابا وطيبا ~~أهداه أخوه سيف السلام من اليمن وكذلك لوالدة الاتابك وصاحبته ولابنة نور ~~الدين رحمه الله عليه ولأترابهن ما يليق بهن من البدلات الثمينات والمفاخر ~~الذهبيات وقلايد العنبر الأشهب ونفايس الملبس المذهب. وأعد لمجاهد الدين ~~قايماز مدبر ملكهم ما يعز نظيره من الخلع النضارية والهدايا الكثيرة ~~والمركوب العرب وقوم ما سيره إليهم بما يربي على عشرة آلاف دينار سوى الخيل ~~والطيب والشيء البديع الغريب ورخص وضر ما نزع به الشيطان ورفع الشنان ~~وارتفع الشأن واستظهر بمظاهرتهم السلطان. ### ||| ذكر جمال الدين محاسن بن محمد المعروف بابن العجمي ووصوله إلى الخدمة السلطانية PageV01P134 # قال: قد أجريت حديثه لما نزلنا على الموصل في النوبة الأولى وانه المتردد ~~في لرسالة وانه ذو رأي وبصيرة وفضل وفطنة وهو أمين الأمير مجاهد الدين ~~قايماز وحاجبه ومهديه التي تتضح بسنا رأيه مذاهبه. وفي تلك الدفعة عند حضور ~~شيخ الشيوخ على الموصل في لشفاعة يخرج كل يوم هذا محاسن بحديث ويحضر وهو ~~عاد في ذي مستعد مستغيث حتى بردت تلك الحرارة بطبه وفلت عن الموصل حدود ~~بأسنا بحده وعزمه، ولما رحلنا عنهم تلك الكره وفتحنا بلادهم بالخابور ~~وسنجار واشتغلنا بحصار آمد في اوايل سنة تسع وسبعين وجئنا إلى حلب وحلبنا ~~درها ونظمنا في سلك الفتوح أمرها جاءنا الخبر بدمشق أن أتابك الموصل قبض ~~على مجاهد الدين وحبسه وأخفى موضعه الذي فيه أجلسه وكان من قبل اعتقاله له ~~قد توجه الحاجب محاسن إلينا بإرساله فعلم بحاله وكان قد قرب من حلب فأبعد ~~عنه ممن وراءه الطلب وكتب إلى السلطان وأمره بالوصول وأعطاه حتى أغناه وحقق ~~له من الإقطاع والاصطناع كل ما اقترحه وتمناه ثم استخلصه لنفسه واستخلصه ~~لأنسه وأنساه بجوده الموصل والاتابك وقال الحمد لله الذي آتى بك وهو من ~~جميل دأبه وحسن آدابه كل يوم في زيادة وحسن وسعادة دين ودنيا. وكان يعتمد ~~عليه في المهام العظايم وأرسله مرات إلى قزا ms239 أرسلان والى السلطان السلجقي ~~بهمدان وأما مجاهد الدين فانه طال اعتقاله اشهرا وآيس صديقه لما لم ير له ~~مظهرا ثم رأى صاحب الموصل بعد حين انه من أمر مملكته في تهويم وتهوين ~~واستيقظ وإذا أموره بسواه مختلة وعقوده منحلة فعرف وانف واستدرك ما فرط ~~وكان مجاهد الدين عنده مكرما ولم يزل له مستشيرا معظما فأخرجه يوما بعد ~~اليأس منه إلى مرتبته وسر السلطان بما سمعه من خلاصه فانه لم يزل من مريدي ~~الخير وخواصه ولما نزلنا في المرة الثانية في سنة إحدى وثمانين على الموصل ~~صحبنا جمال الدين محاسن من جملة خواصه الأمراء ومن المعدودين في المشاورات ~~والآراء واقطعه من أعمالها باوشنايا وانفصلت بتوصله وتوسله هناك القضايا ~~ولما صالحناهم اعتمدوا على محاسن في حفظ مصالح الجانبين فاستقرت الألفة ~~وكفايته (229أ) طوارق الفساد وتخيروا في النصرة الناصرية على ما سيأتي شرحه ~~إلى الجهاد ونقل جمال الدين محاسن أهله وولده إلى الشام ووفرت حظوظه من ~~الإكرام والإنعام. # قال: وكان مجاهد الدين قايماز في أيام الملك العادل نور الدين محمود ابن ~~زنكي رحمه الله وهو يتولى اربل يتوفر على مصالحي ويؤثر مناجحي زلما جاءت ~~الدولة الصلاحية وانتقل هو إلى الموصل جرى معي على إحياء تلك المعرفة فلما ~~تنفس صبح الصلح حررت عهدا عمرت به معاهد الأحرار واسوت بإبراء إساءة كلمي ~~كلم الأبرار وقصدت التحقيق وأحكمت المواثيق وقضيت حق الكلم فقضوا حق الكرم ~~وأنفذوا إلى بغلة مسرجة ومائتي دينار وثلاثين ثوبا من مقدمات أنواع الوشى. ~~ولما أقمنا بدمشق سنة اثنتين وثمانين أنفذوا على يد جمال الدين محاسن ذلك ~~الرسم بل أضعفوا فان مجاهد الدين تقرب من خاصة بما أحرزته قصب السبق وأبقى ~~إلى انقضاء بقاء السلطان صداقه الصدق، قال: واشتغل السلطان في بقية سنة ~~اثنتين وثمانين في استقراره بدمشق ومقامه إشفاقا لنكس سقامه في بعض أيامه ~~بالصيد والقنص فكان يركب إلى تل راهط بالبزاة والشواهين مع مماليكه الخواص ~~الميامين وله شاهين يجري كأنه بحر، وإذا حلق فشرار، وإذا أحرق فجمر فكلى ~~المدار ملكي المطار ms240 شهاب ثاقب في الديجور عذاب واصب على الطيور وكم صاد ~~ليوسف يعقوبا وعقر في إنجاز وعد صيده عرقوبا ولما رأيت للسلطان هذا الجارح ~~غبطته عليه وطلبته إليه وقلت له هب لي هذا الشاهين فتعجب من سؤالي المستغرب ~~فقال أنت للقلم والدواوين والحجج والبراهين فمالك وللبزاة والشواهين فقلت: ~~يكون في ملكي وكل ما يقتنصه يأمر لي به المولى وهذا أربح لي وانفع وأولى. ~~فقال: نعم وهبته لك ولما أصبح وعاد من القنص سيرلي سبعة عشر قطعة من طير ~~ماء حجل وقال: سنين والسلطان يصطاد به ولى قنصه فمازال لى على هذا الحق ~~محافظا ولهذه النكتة ملاحظا إلى أن ولى أن أودى الجارح في الله دره من ~~سلطان خاطره بهم الممالك مشغول وعلى قلبه عبء الدنيا والآخرة محمول ولا ~~ينسى ذكر هذه القضية التي أعاد مزاجها جدا والشدة لى حقا معيدا فدون حقه ~~على مثله انه يوسف ومن حقنا بعده أن نتلوا: "يا أسفي على يوسف". PageV01P135 ### ||| ذكر ما انعم به في شهر رمضان من هذه السنة # قال: لما دخل شهر الصيام نوع أقسام الأنعام وأصل وفرع وأعرب وأبدع وأتفق أن بعض # التجار كانت بضاعته بياقير رفيعة مالها نفاق ولا له في إخراجها ارتفاق ~~فحملها إلى الخزانة السلطانية وهي أكثر من مائة قطعة فقال خذوها واكتبوا ~~أثمانها إلى مصر. فاشتريت منه وكتبت له بذلك توقيع على ما في مصر من المال ~~الحاضر وكان من كرم شيم السلطان إذا عرف في خزانته موجودا انه لا يستطيب ~~تلك الليلة حتى يفرقه جودا فقال لي قد اجتمعت لنا بياقير وعمايم فقد ~~تقاضتني نفسي بجعلها على أهل الفضل والمكارم فنبدأ بأهل الدين والتقوى ~~ونجعل لهم أوفر خط من الجدوى وكان في الوافدين ومن اهل البلد وعاظ وعلماء ~~وحفاظ فيكون كل يوم بكرة نوبة لمن يتكلم على المنبر ثم يخلع عليهم وعلى ~~القراء ويفضل بعدهم على الشعراء فاشتغل مدة أسبوعين بالمواعظ وسماعها وضع ~~المنبر في ايوان القلعة للناس واجتماعها ولما فرغ الزعاظ من شغلهم وأتوا ~~بظلهم ووريفهم قلت: ms241 قد قضينا حق الوعاظ وبقى حق الفقهاء وهم العارفون بأداة ~~الشرع ناقلون حكم الأصل والفرع ولابد من إحضارهم في الأيام الباقية من هذا ~~الشهر وسماع مناظرة أئمة العصر فقال: أنهم يقضي بهم الخلاف إلى التشاحن ~~والتضاغن فقلت: أنا أضمنهم ولا أحضر إلا أوقرهم وأوزنهم فقال: أنت تتعصب ~~لهم لأجل إجلالهم لا يمهلهم ولا تغفل عنهم فحضر أول يوم في ذلك المحفل ~~جماعة أكابر من مشايخ أهل أفضل فجرت مناظرة مفيدة ومباحثة مبدية للفضل ~~معيدة فأول من أشار إليه السلطان بالاستدلال من هو منظور بعين الاستقلال ~~وهو مدرس الحنيفية في المدرسة النورية برهان الدين مسعود فتأبى وتنكب وخاف ~~أن يعرض عليه من لا يباريه في نظاره ولا يجاريه في مضماره فقلت له أبدر إلى ~~الميدان منطلق العنان فما يقوم برهان إلا بالبرهان فقال: أن كنت تعرض فأنا ~~بحكمك افترض فأجبته إلى مراده وأمنيته أن يجاريه سواي في ميدانه (229ب) ~~وبجلته بان أكون في أقرانه فشرع إلى الدليل وقضى حق السايل في السؤال ~~والجواب ثم نص السلطان علي في الاعتراض فباشرت إبكار أفكاري بالاقتضاض ~~ونفيت العلة وشفيت الغلة وحللت الأشكال وأعدلت ما مال وبنيت فيه الاختلال. ~~وكان تمسكه بحديث ثم شرع في إثبات الحكم بالقياس فألزمته الانتقال فشرع فقي ~~الجواب واحسن بما أمكن وتعوض النادي وسال بالفوايد الوادى. # كان في اليوم الثاني محفل أحفل واستدل فيه أكبر مشايخ الحنفية بدر الدين ~~عسكر واعترض عليه من أصحابنا القاضي محي الدين بن الزكى ففاض الفضل ودر ~~الحفل، وكان السلطان يجلس كل يوم لطايفه ويجدد ذكر كل تالدة بطارفه فلما ~~دنا العيد وقرب من الأمل البعيد أمر بإثبات ما يخص بالخلع فكانة أكثر من ~~مائتين وخرجوا عن عدة المعينين فأمر بابتياع العمايم وإحياء سنة المكارم ~~ونقل جميع ما في الأسواق إلى الخزانة للإنفاق وكنت قد أخذت رسم التشريف في ~~أول شهر رمضان فسحبت في العيد بالدخول في زمرة العلماء بالخلع المستجدة ~~الأردان وكان قد اجتمع الوفود والرسل من الأطراف فدخلوا في عموم الإسعاف ~~بخصوص الألطاف. ms242 قال: وفي هذه السنة بنيت داري بدمشق مقابل القلعة وكان ~~السلطان لا يكاد يقيم في بلدة ولا يستقيم على أحد ينتقل في البلاد أما ~~للجهاد وإما للاستكبار من الممالك وإخراج الملوك إلى الانقياد فلما أقام في ~~هذه السنة سنة اثنتين وثمانين بدمشق للاستراحة كان يستدعيني ليلا ونهارا ~~ويستكفيني في المهمات والملمات سرا وجهارا فبنيت داري للقلعة مجاورة ليقرب ~~طريق قصده وأدخل داري إذا خرجت من عنده فهي الآن مربعي ومناخي وبه أفراحخي ~~وهي حقه دري وحقه دري وبيت عطاردي ونظم أو أنسى وشواردى. ### ||| ذكر ما تجدد من الخلف بين الفرنج PageV01P136 # قال: كان قومص طرابلس ريمند بن بيمند الصنجلي تزوج بالقومصية صاحبة طبرية ~~وجعل بها لأجلها سكناه وقصر على تملك الفرنج مناه فان الملك المجذوم لما ~~هلك اصى لابن أخته وهو الذي بعده ملك ولأجل صغره كفله القومص وهو على ~~تربيته يحرص وبثوب الاستبداد يقمص وهو بالقوة والرأي مسلسل ويزعم انه ~~بالأمر مستقل فهلك الصغير وبطل عليه التدبير فان الملك انقل إلى أمه وبطل ~~ما كان في زعم القومص وزعمه فوقعت عينها على أحد المقدمين العرب فاستخلصته ~~للقرب وأنكحته نفسها وبدت لسهمه قوسها ومكنته من مزرعتها لسقيها وحرثها ~~وأدنته من خلوتها لإدناء خلخالها من رعاتها وقالت: أن الفرنج ذكورها أقوم ~~بالملك من إناثها ثم جمعت المقدمين والبارونية والاسبتار والداوية وقالت: ~~هذا زوجي قد نقلت إليه ملكي وعقدت به مسلكي فوضعوا على رأسه التاج فزجر ~~بحره وعب وماج فسقط القومص في يده وخرج من جلد جلده وعمى عليه واضح جدده ~~وطولب بحساب ما تولاه فنفر منه وأباه وناداه الملك وما لباه وادعى أن ذلك ~~الفقه في الملك الصغير والذي رباه ثم حل حباه وسل ظباه واختزل واعتزل ومن ~~ذورة العتو ما نزل ولاذ بسلطاننا وأنفذ رسله ببذل الاستطاعة في الطاعة ~~والجري على حكم التباعة وأنه وإن دعى أجاب وإن رعى أهاب فأعجب السلطان قوله ~~وقالوا ربما كان هذا ختلا وخترا وخداعا ومكرا فقال: أليس قد وقع بين الكفر ~~اليأس وحمل لهم من ms243 إصلاحه البأس فيجري به مجرى المؤلفة القلوب وكان الأمر ~~على ما تفرسه والعقبى الحميدة على ما جد منه فان ذلك كان من أسباب وهن ~~الكفر ومنزل نص النصر، وكان في الأسر خيالة من أحاب القومص قد قررت عليهم ~~قطايع ثقيلة فأجاب سؤاله في المن والإطلاق وأخرجهم إلى عز السراح من ذل ~~الاسترقاق حتى كاد القومص لولا خوف أهل ملته يسلم وصار بدولة السلطان وملكه ~~يقيم ومال إليه من الفرنج جماعة وظهرت له منهم للطاغية وأمن الثغر وسكن ~~الدهر ودخلت جانبهم إلى بلادهم السبايا وخرجت الغنائم والسنايا وللقومص قوم ~~صدق يساعدونه في كل باطل وحق فغل بهم أهل الساحل وبلوا منه بالشغل الشاغل. ### ||| (230أ) ذكر غدر ابرنس الكرك # قال: كان هذا الابرنس أرناط أغدر الفرنجية وأخبثها وأفحصها عن الردى ~~وأبحثها وأنقضها للمواثيق المحكمة وأنكثها وهو على طريق الحجاز ومن نهج ~~الحاج على المجاز. وكنا في كل سنة نغزوه وبالبوايق نعزوه وقد ألجأنا إلى ~~مضايق المضايقة والإضاقة فأظهر أنه في الهدنة والهدوء شديد الفاقة فتعرض ~~للتضرع وجنح للسلم وأخذ الأمان لبلده وأهله وبقى الأمن شاملا والقفل من مصر ~~في طريق بلده متواصلا وهو يمكس الجاي والذاهب ويحيى من الضروب والضرايب ~~وينكب النواكب حتى لاحت له فرصة في الغدر فانتهزها وقطع الطريق وأخاف ~~السبيل ووقع على قافلة ثقيلة ونعمة جليلة فاجتاحها واستباحها وكان معها من ~~الأجناد فأوقعهم في الشرك وحملهم ال الكرك فأرسلنا إليه وذممنا فعاله ~~وقبحنا احتياله فأبى إلا الإضرار والإصرار وأضرم الشرار وأضرى الشرار فنذر ~~السلطان دمه فأظفره الله به يوم حطين فقدمه ووفى في إراقة دمه بما التزمه. ~~وأقام السلطان بقية سنة اثنتين وثمانين بدمشق وقد شغل الفرنج بعضهم ببعض ~~وعسكر الجهاد في العرض ونحن بين عداد الأعداد واستمداد الإمداد في إقامة ~~سنة وأداء الفرض. # قال الفتح بن علي الأصفهاني مختصر الكتاب: قد أورد الصدر السعيد عماد ~~الدين رحمه الله ههنا رسايل لفضلاء العصر مبينة على حروف معينة أكثرها وإن ~~اشتملت على الألفاظ البارعة والمعاني البديعة لا تخلو من نكلف ms244 تمجه الأسماع ~~وتعسف تنبو عنه الطباع فتركناها وأضربنا عن ذكرها صفحا وطوينا دون وصفها ~~كشحا وساكنا طريق الاختصار وأعزناها جانب الازورار واختصرنا على إيراد هذه ~~ابتداءات الفاضلية بين كتبه الجليلة الجلية فمنها: PageV01P137 # وقفت على كتابه الذي توالت فيه سجعا الصاد ولسيدنا فخر كل من ينطق بها ~~كما قال أبو الطيب وتناسقت محاسنها تناسق قطرات السحاب الصيب وهو يتناول ~~الألفاظ والمعاني من مكان قريب وإن مد باعه فمن سحاب وإن اغترف فمن قلب ~~والله لا يخلي الأنفس من أنفاسه المستطابة والدولة من آرائه المستصابة. ~~أخرى سلام له من صاحب وأهلا بكتابه ومتى نقول أهلا بالكاتب وفداه من يعرفه ~~وإن أبوا فأنا والطالب الغالب وسبحان من خصه بمعجزة بنوته فسيح القلم بين ~~أصابعه وتفجرت الحم من ينابعه وجعله إماما ومن الذي لا يفخر بأن توسم ~~تتابعه. # أخرى: أدام الله توفيقه والتوفيق به وصرف عنه كل مكروه من صروف الدهر ~~ونوبه ولا أخلى المملكة من كريم مرتبته وشريف منصبه ولا زالت مسرات الخلق ~~مضمونة على رسله وكتبه وعين الله كالية له في منصرفه ومنقلبه. # أخرى: أحظى الكتب أدام الله سعادة الحضرة العاليةوأحضر التوفيق لمقاصدها ~~وأعلن اللسان على فروض محامدها والقلب على شجون تباعده وأجراها على جميل ~~عوايده لديها كما يجري الأصدقاء على أحسن عوايدها وفسح في مدتها ومدة ~~محييها حتى تستدركوا فوايت فوايدها عند عبدها وأدعها إلى تملك رق الحر من ~~شكره وأولى المطلة فإن تحت المحظور من نشعره سكره ما كان قريب العهد بمواطر ~~خواطرها مذكرا بأيام الربيع من لقائها التي فيها ذكرى لذواكرها فلذلك لا ~~يقرأ منها حرفا إلا قرأناه من الثقيل ولا يبين منه صدرا إلا قال أن من ~~البيان لسحرا وهي أدام الله نعمتها إذا أرسلت نسها على السجية أتت بالمطبوع ~~التي تقصر عنه الطباع ف إذا جاءت بالأمور المهمة أتت بالمصنوع الذي يملأ ~~الأسماع فلها الفضلان مسترسلة ومختزلة والصوابان مرية ومرتجلة والأحسانان ~~متأنية ومستعجلة كيف ما شاءت جاءت وكيف ما أرادت وفي أي حلة برزت قال رحمه ~~الله. ms245 ### || ودخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة # وهي السنة الحسنة المحسنة والزمان الذي تقضت على انتظار إحسانه الأزمنة ~~وطهر فيه المكان المقدس الذي سلمت بسلامة الأمكنة وخلصت بمنحة الله من ~~المحنة الأرض المقدسة الممتحنة ونصرت الدولة الناصرية وخذلت الملة ~~النصرانية وتميز الطيب من الخبيث وانتقم التوحيد من التثليث وشاع في الدنيا ~~بمحاسن الأيام الصلاحية حسن الأحاديث. # (230ب) قال: وقد وصفت في الكتاب المرسوم بالفتح القدسي الأحوال ووسعت ووشعت الأقوال # وحليت التوح وأثببت الشروح وأنا أورد في الكتاب مما أوردته جملته الجميلة ~~الجليلة. ### ||| ذكر مقدمة لذلك مباركة # قال: كان السلطان قدم الكتب لاستقدام الكتايب وقرب جانبه لأجانب والأقارب ~~وواصل الموصل وسنجار ونصيبين وآمد وديار بكر من البر بالإمداد بعد الإمداد ~~واستدعى لذلك ممالك الشام من الأطراف والأوساط وأمرهم بالاحتياط وبرز من ~~دمشق يوم السبت أول المحرم في العسكر العرمرم والعزم المصمم ومضى بأهل ~~الجنة لجهاد أهل جهنم فلما وصل إلى رأس الماء وجعلها محط مضارب سرادقه ~~ومجرى صوانعه ومجرى سوابقه وأمر ولده الملك الأفضل نور الدين عليا بالإقامة ~~هناك ليستدنى إليه الأمراء الواصلين والأملاك وسار السلطان إلى بصرى وخيم ~~على قصر السلامة وقد استقبل من الله الكرامة والاستقامة. ### ||| ذكر سبب ذلك PageV01P138 # وقد سبق ذكر غدر ابرنس الكرك وهو على طريق العسكر المصري والحاج وكان في الحج حسام # الدين محمد بن عمر بن لاجين ووالدته أخت السلطان وجماعة من الخواص وأقام ~~إلى تلقي الحجيج وذلك في آخر صفر ثم لما فرغ باله حم إلى الكرك استلاله ~~وتقدم بمن معه من العساكر حتى نزل على حصنها فأقمنا هناك حتى أجتث أصولها ~~وفروعها وأستأصل كرومها وزروعها. ووصل العسكر المصري يقوى الاستظهار، ~~وأقمنا على الحالة الحالية والجلالة الجالية، وأما الملك الأفضل فإنه ~~اجتمعت عنده الجنود من كل فريق وأتوه من كل فج عميق وضاق بوفودهم الفضاء ~~وفاض بوفورهم الفضاء انقضى من السنة شهران وطال بهم انتظار السلطان فرأى ~~الملك الأفضل أن يشغلهم بغزوة يعودون منها بحظوة فانهض منهم سرية ورتب على ~~خيل الجزيرة وما جاء من الشرق ms246 وديار بكر مظفر الدين كوكبرى صاحب حران وعلى ~~عسكر حلب والبلاد الشامية بدر الدن دلدرم ابن ياوق وعلى عسكر دمشق وبلادها ~~صارم الدين قايماز فأسرجوا الخيل وأدلجوا الليل وصبحوا صفورية في أواخر صفر ~~وصباح النصر قد أسفر، وخرج إليهم افرنج في الدواية والاسبتار والبارونية ~~والدركبولية ووثبوا في وثبات الأساد وحملوا في ثبات الأطواد فلولا أن الله ~~أصحب أصحابنا التوفيق لكاد الكفر ينجو والإسلام لا يدرك ما يرجوا لكن ~~أمراءنا الكرام استطابوا الحمام فلاقوهم بقلوب الصخور وهبوب الصقور وفازوا ~~وظفروا وقتلوا وأروا وهلك مقدم الاسبتار وحصل جماعة من فرسانهم في قبضة ~~الإسار فعادوا سالمين غالبين غانمين وكانت تلك النوبة باكورة البركات ~~ومقدمة ما بعدها من ميامين الحركات وجاءتنا البشرى ونحن في نواحي الكرم ~~فلما قرأنا الكتب عدنا واجتمعنا بالعساكر وانتظم شمل الأوايل والأواخر ~~وخيمنا على عشترا وقد ص بخيل الله الوهاد والذرى وأشتمل المعسكر على فراسخ ~~عرضا وطولا وملأنا الملأ حزنا وسهولا وعرض العسكر في اثني عشر ألف مدجج ~~ولما أنقضى العرض وأقتضى الفرض وسالت بأفلاك السماء الأرض كان السلطان قبل ~~رحيله بيوم أركب العسكر بعدته ورتبه أطلابا وحزبه أحزابا وعين رجال القلب ~~ومن يف بالقلب والميمنة وحماتها والميسرة وكماتها والجناحين وقوادمها من ~~ذوي الأقدام والمقدمة والساقة على سنن النظام وعين مواقف الرجال ومواضع ~~الأبطال وعين الجاليشية من كل طلب بأسمائها ورماة أحداقها وحداق رماتها ~~وقرر هيأتهم في الركوب والنزول وسار يوم الجمعة سابع عشر ربيع الآخرة ~~بالعساكر وسارت على تعبيتها وترتيبها وأناخت ليلة السبت على صفين والكفر ~~مخسوف والشرك مكسوف ونسيم النصر من تربها مسوف وباتوا تلك الليلة فلما ~~بكروا ركبوا وقد أخذ بحرهم في الإلتجاج وبرهم في الارتجاج ونزلوا بثغر ~~الإقحوانة وضربت الخيام وزهى الإسلام وأمكن من الكفر الانتقام وأقام ~~السلطان هناك خمسة أيام إلى يوم الخميس ثم صممنا على الإقدام وسلب لبس ~~السلامة من ملابس (231أ) عداوة الإسلام. PageV01P139 # وأما الفرنج فإنهم لما سمعوا باجتماع كلمة الإسلام ووصول أمداد العساكر ~~المصرية والجزرية إلى الشام فزعوا وشرعوا ف إصلاح ذات ms247 بينهم ورجعوا عن ~~التغاير والتنافس وقالوا نحن أنصار الطرسة وأصلاب الملة الصليبية وآثروا ~~صلح القومص ووصلوا على مرادو مطالع أمانيه بالخلص وتزاوروا وتوافدوا وحشدوا ~~وحشروا وجمعوا عنده الناسوت واللاهوت ورفعوا صليب الصلبوت وأصحروا بصحراء ~~صفورية وطما سيل خيلهم على الوهاد والربى ودب راجلهم كرجل الدبا واجتابوا ~~سوابغ واجتنبوا سوابق والمعوا البوارق واسمعوا الصواعق وشبوا نار الفرق ~~وأشابوا المفارق وما زال السلطان مستخيرا ولا عوانه مستشيرا فأشار الأمراء ~~ذووا الآراء بالصدود عن اللقاء والمحافظة على زمار الإسلام وصون الدماء، ~~وقالوا لم يسبقك أحد إلى مضايقة القوم فلا تعركم عقال المعركة ولا تلق ~~بأيديهم إلى التهلكة وهذه بلادهم قد خلت منهم فتشتغل بالإغارة على بلادهم ~~الخالية ونقدهم بأقدامنا عطل أحوالها الحالية. فقال السلطان: الأيام غير ~~مأمونة والأعمار غير مضمونة الجهاد قد تعين فرضه ولا بد لي من اللقاء وقد ~~قال أصدق القائلين: (ولينصر الله من ينصره) فقالوا خصك الله بهذه الفضيلة ~~ونجح الوسيلة وحيث استرخت الله في الإقدام فأنا نبذل المهج بين يديك ~~للإسلام فلما أصبح يوم الخميس سار عنان الحوض عنان الجواد المطلق ولاح سنا ~~الموت الأحمر في السنان الأعرق وأشرف على الفرنج في معسكرها العسكر وقام ~~المحشر وماح البيض والسفور وارتفعت الأصوات بقول الله أكبر فلو برزوا ~~للحصاف لطالت عليهم يد الانتصاف لكنهم ربضوا وما نبضوا وهدءوا وما نفضوا ~~فلما عرف السلطان أنهم لا يبرحون من قرب صفورية أمر أمراءه أن يقيموا على ~~مقابلتهم وقدموا على عزم مقابلتهم ونزل هو في خواصه العشية على مدينة طبرية ~~وعلم أنهم إذا علموا بنزولنا ثاروا للوصول إليها فحينئذ نتمكن من قتالهم ~~ونجهد في استئصالهم فحضر طبرية وجمع العساكر على أحد أبراجها فوقع ذلك ~~البرج وانهزم عنه الفرنج ونصبت عليهم سلاليم الإسلام ودخلوها في جنح الظلام ~~واستضاءوا بما أعلوا من الغرام وعادت ليلة معدودة من الأيام ووقعت النار في ~~مخازن كبار واهراء الأغلال وبقيت الدور فارغة شاغرة وأفواه الأطماع إلى ~~أزواد ما يحويه فاغرة وتحصنت القومصة ست طبرية في قلعتها ومعها بنوها ~~وحموها بسيوفهم ms248 وعصموها ووقع الاشتغال بحصارها ونقب جدارها وقصم سورها فجاء ~~من أخبر بأن الفرنج قد ركبوا وارتكبوا وجاءوا في ليل القتام مداجين وغلى ~~حرب التوحيد بحرب التثليث مخرجين فلما سمع السلطان بحركتهم أيقن بهلكتهم ~~وقال: الحمد لله الذي أنجز وعده وأيد جنده ونهض بجباله إلى جبالهم وار ~~لقتالهم وضيق عليهم سعة مجالهم ووقف بصفوفه أمامهم وقد الحر واستشرى الشر ~~وللصدى شعل ولأولئك الكلاب بين الله لهب وفي ظنهم أنهم يردون الماء ويردون ~~الدماء فخلاتهم الحالة الحالية وعالتهم العلة العايلة وذلك في يوم الجمعة ~~ووراء عسكرنا بحيرة طبرية والورد عد ومأمنه بعد ود قطعت على الفتوح طريق ~~الورود وبلوا من العطش (بالنار ذات الوقود) فوقفوا صابرين مصابرين على ~~ضرواتهم وشربوا ما في أدواتهم وشفهوا ما حولهم من المصانع واستنزلوا حتى ~~الماء المدامع، ودخل الليل وسكر السيل وماتوا بظماء برح وقدوا أنفسهم على ~~الشدة واستعدوا بالعزايم المحتدية وسهر السلطان تلك الليلة حتى عين ~~الجاليشية من كل طلب بأسماء رجالها ملأ كتايبها وكان ما فرقه من النساب ~~أربعمائة حمل ووقف سبعين جمارة في حموة الملتقى يأخذ منها من خت جعابه ورغ ~~نشابه من تعالق يفتح من باب الموت والمغلقوتواضيح لخراق المضاعف الفسيح ~~وناوكات ذوات نكايات وزياريات وزنبزركات. ### ||| ذكر يوم حطين وهو السبت الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر PageV01P140 # قال: وأصبح الجيش على تعبيته النصر على وبرز رجال الجاليش وارتجزت دعاء التحريض # والتحريش وقامت (231ب) الجرب على ساقها ووفت بميثاقها، والفرنج متكاثر ~~العدد متكاثفة العدد آخذة طريق البحيرة بطوارق الحيرة قد أحاط رجلها بخيلها ~~جارية إلى القرار بسيلها فاعترهم سدنا واعتراها صدنا فعرفوا أنه لا سبيل ~~إلى الحياة إلا بسلوك نهج الموت وأنه لا مطمع في اللقاء إلا باستحلاء طعم ~~الفوت والسلطان وقف قلبه ووقف على الوثوق بنصر الله قلبه وهو يمضي بنفسه ~~على الصفوف ويحضهم على حظهم من الفتوح والحتوف وكان له مملوكا اسمه منكورس ~~من شموس الترك قد كمل الله تعالى له حسن الخلق والخلق وصله في الفروسية وهو ~~راكب أمام العسكر وأراد ms249 أن يكون له فضيلة السبق في الإقدام فوثب بحصانه ~~وثوب الضرغام وحمل حملة جرى فيها عنانه وشكر لها إحسانه وظن أنه يوافقه في ~~الركضة أعوانه فجذبه لقوة رأسه حصانه وخلاه خلانه فلما رآه الفرنج وحيدا ~~ووجدوا المدد عن نصرته بعيدا رجعوا إليه ورموه عن ظهر حصانه وأحاطوا به في ~~مكانه فأثتت في مستنقع الموت رجله وقاتل إلى أن بلغوا قتله فلما أخذوا رأسه ~~ظنوا أنه بعض أولاد السلطان وزعموا ظهور الكفر على الإيمان وأما عساكرنا ~~فإنها لما رأت استشهاده حمت حميتها وخلصت لله في إرداء أعدائه بنيتها وصممت ~~الجاليشية تلفحهم بلوافحها وتقدحهم بقوادحها وبرح بالفرنج العطش ووجدوا ~~الطرق مصدودة والسبل مسدودة. وكان النسيم أمامها والحشيش قدامها فرمى بعض ~~مطوعة المجاهدين النار في الحشيش فتأجج عليهم أسعارها وتوهج أوارها فوصلوا ~~في ورطة الاحتدام فضايقت ذيابهم منا الضراغم وعارضت صقورها منهم القثاغم ~~ودارت بمساعير الجحيم وداير الشعرا بجواحن، ونظر القومص من مبتدأ الأمر إلى ~~غيته وعلم أن القوم قد تداعى بنيانهم ودعاهم خذلانهم فأفكر كيف ينجو فقال ~~لهم: أنا أسبق بالحملة وأفضلهم بالجملة فأجتمع هو وآزروه جماعة من ~~المتقدمين هم مظاهروه وصحبه صاحب صيدا وباليان بن بارزان فحمل القومص ومن ~~معه على الجانب الذي فيه الملك المظفر تقي الدين ففتح لهم طريقه ورمى من ~~أتباعهم فريقا فمضوا على رعوسهم ونجو بنفوسهم ولما عرفوا أن القومص نفد في ~~الهزيمة هانوا ثم اشتدوا وما لانوا وحملوا حملات راضوا بها جماع الحرب ~~وخلصوا فيها غمار الطعن والضرب وعدموا فيها استطاعة القدر بل طاعة القدر ~~واستعرنا النصر عليهم من النصل المستعر فوعنا فيهم وقوع النار في الحلفاء ~~وصببنا ماء حديد للأطفال فزاد في الأزكاد فحطموا خيامهم على غرب حطين حين ~~رأونا بهم محيطين فعجلناهم عن ضب الخيان بضرب الهام وأزللنا أقدامهم عن ~~مداحض الأقدام وما زالت الجج تغيض والمهج تفيض والنفوس تقع والرعوس تطير ~~حتى كسد أشلاء مشلوليهم عرى العراء وحشت شفاه الشفاء من أفلاء مفلوليهم ~~أحساء الدماء وانكسر من الصليب صلبه وبطل طلبه وحيرت كماته ms250 كمته وقبابه ~~وقببه وملك عليهم صليبهم الأعظم وذلك مصابهم الأعظم ولما شاهدوا الصليب ~~سليبا أيقنوا بالهلاك وأثخنوا بالضرب الدراك وما برحوا يؤثرون ويقتلون ~~وللوثوب يحفون وبالخراج يثقلون فنكبوا في أرواحهم وأنفسهم ووصلنا إلى ~~مقدميهم وملكهم وأبرنسهم فتم أثر الملك وأبرنس الكرك وأخذ الملك جفرى ودوا ~~صاحب جبيل وهنغرى وأثر من الأثارة وجبر الإسلام بكثرهم وأسروا بأسرهم فمن ~~شاهد القتل قال ما هناك أثير ومن عاين الأثر قال ما هناك قتيل ومنذ استولى ~~الفرنج بساحل الشام ما شفى للمسلمين كيوم حطين غليل فالله عز وجل سلط ~~السلطان وأقدره على ما أعجز عنه الملوك ونظم له في حتوف أعدائه وفتوح ~~أوليائه الملوك وخصه بهذا اليوم الأعز والنصر الأبر. PageV01P141 # قال: هذه النوبة المباركة كانت للفتح القسي مقدمة ومن عجايبه أن فارسهم ما دام فرسه # سالما لم يدم لمصرعه فإنه من لبسه الزردى من فرقه إلى قدمه كأنه قطعة ~~حديد ودراك الضرب والرمي إليه غير مشيد لكن فرسه إذا هلك فرض وملك فلم يغنم ~~من خيلهم (232أ) ودوابهم وكانت الوفا فرس سالم وغنمنا ما لا يحصر من بيض ~~مكنون وزعف موضون وبلد وحصون وابتدلنا منهم بهذا الفتح كله إقليم مصون وذلك ~~سوى ما استفتح من مال مخزون واستخرج من كنز مدفون ولما صح الكسر وقضى الأمر ~~وسكن البحر وتمكن النصر ضرب للسلطان في تلك الحومة دهليز السراديق وتوافت ~~إليه فرسان الحقايق ونزل السلطان وصلى للشكر وسجد وجدد الاستبشار بما وجد ~~وأحضر عنده من الاسارى الملك والابرنس وأجلس الملك بجنبه ليزايله الوحشة ~~ويحل له وهيهات الإنس وألفاه يلهث للعطش وينظر مبهوتا نظر المتوحش فأمر له ~~بماء مثلوج فشربه ثم ناول الملك الابرنس القدح فاستشفه ثم حضر الترجمان حتى ~~يعرف جواب ما يخاطبه به السلطان وما زال يقرعه بغدر وبغيه ويذكره بجله وغيه ~~ثم ركب وخلاهما ولم ينزل حتى شاهده ضرب سرادقه وبطست نمارقه وركزت أعلامه ~~وبيارقه ثم نزل وأمر بإحضار الابرنس فقام إليه بالسيف فحل عاتقه وحفظ مع ~~الله في نذر دمه مواثقه وكان عنده ms251 جادم ثم فجر برجله بعد أن أخذ رأسه وهد ~~أساسه فلما شاهده الملك يسحب بقدمه ويشحب في دمه طار عقله وثار خلبه ~~واستحضره السلطان فخانت رجله فجاه مرتعبا مرتعشا وظن أنه كرفيقه هالك فقربه ~~وسكنه وأدناه وأمنه وقال: ذاك بصنعه لعهده ضيعه وإصراره على غدره صرعه ~~وأجلسه وآنسه وهيهات يبتعش من الله أتعسه أو يسعد من الكفر أنحسه ثم جمع ~~الأسارى العروفين وسلمهم إلي وغلى قلعة دمشق الناصح وسلمهم إلى أصحابه ~~وأمرهم أن يأخذوا خط الصفى القابض في دمشق بوصولهم ويحناط عليهم في أغلالهم ~~وكبولهم فتفرق العسكر بمن ضمته أيدي السبى على أهل الأحد وسار الناس منهم ~~بالمدد. وعبرت بحطين فرأيتها موضع الاعتبار وشاهدت ما فعل أهل الإقبال بأهل ~~الإدبار وعاينت أعيانهم خبرا من الأخبار ورأيت الرعوس طايرة والنفوس بايرة ~~والجسوم رمتها السوافي والرسوم درستها العوافي ولما أبصرت خدودهم ملصقة ~~بالتراب وقد قطعوا أرابا تلوت قول الله تعالى (ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا) ولما أصبح السلطان يوم الأحد خيم على طبرية وأرسل القومصية وأخرجها ~~من حصنها بالأمان ووفى لها ولبنيها الفرسان شروط الإيمان فخرجت بمالها ~~وعيالها ورجالها وأقلها وولى طبرية صارم الدين قايماز النجمي فعادت بعادته ~~الجميلة آهلة بأهل اليمن والإيمان معتدلة المحاسن بالعدل والإحسان وسكنت ~~مساكنها وعمرت أماكنها وقبضت مخازنها عرضت دفانيها وعاد الإسلام الغريب ~~منها إلى وطنه والدين الحافل منها إلى مأمنه وأصبح السلطان يوم الإثنين ~~السابع والعشرين من الشهر مغتبط بما شهره الله له من سيف النصر فرأى أنفاذ ~~مقدم الداوية مع الملك وأخيه وجماعة الأكابر إلى دمشق كما سبق ذكره ثم نفذ ~~في الأسارى الداوية والاسبتارية خاصة أمره وقال: لا نفع في ابقائهما وهما ~~جنسان نجسان فلا بد من أبادتهما وأردائهما فما جرت عادتهما بالمفاداة ولا ~~يقلعان من المفاداة فتقدم باحضار كل أسير داوى واسبتارى ليمض فيه حكم السيف ~~ثم علم أن كل من عنده أسير لا يسمح به فجعل لكل من يأتيه بأسير منهما من ~~الدنانير الحمر خمسون فأتوه في الحال بمائين وأمر بإعطابهم ms252 وضرب رقابهم ~~وكان بحضرته جماعة من المطوعة المتورعة والمتصوفة ومن تمت بالزهد والمعرفة ~~قد اعتقلوا إلى ضرب الأعناق ووقف كل منهم حاسرا عن ساعد ومشمرا عن ساق ~~فمنهم من أمضى عقبه وأمضى ضربه ومنم ما كبا زنده ونبا جده والسلطان جالس ~~وماله عن انفاذ حكم الله فيهم حابس ووجهه باشر ووجه الكفر عابس فشاهدته ~~الضحوك القتال والمختال المغتال وكان الأسارى قد سبق هم إلى البلاد الناس ~~ولم يقع على عددهم القياس فكتب إلى الصفى بن القابض نايبه بدمشق أن يعجل ~~لطلب الداوية والاسبتارية السبق ويضرب عنق من يجده منهم فامثل الأمر في ~~أزهاقهم (232ب) وضرب أعناقهم فما قتل إلا من عرض عليه الإسلام فأبى أن يسلم ~~ورأى لشدته في كفره أن ينقاد للقتل ولا يستسلم وما أسلم إلا آحاد حسن ~~إسلامهم وتأكد بالدين غرامهم. ### ||| ذكر السبب في نذر السلطان دم ابرنس الكرك PageV01P142 # قال: وما زلت أبحث عن ذلك حتى حدثني الأمير عبد العزيز بن شدد بن تميم ~~ابن باديس وهو ممن يتولى الأفضال الفاضى من دونه التنفيس ولم يزل له ~~بحاضرته ومحاورته الأنيس وهو من البيت الكبير وكان جده صاحب أفريقية ~~والقيروان وكانوا يتوارثون ملكه إلى قريب من هذا الزمان ذكر أن الأجل ~~الفاضل حدثه بما حدث من مرض السلطان وأنه لما عاد إلى دمشق من حران عد ~~المرضة وذلك في سنة اثنين وثمانين وهو في عقابيل سقمه لا يفارق الأنين ~~وأشفى ذات يوم على الخطر واستسلم للقدر وحضره في يوم الجمعة وهو يوصيه وهو ~~في تفطر أنفاسه المعدودة وترقب قلوص ظلال عمره الممدودة وقد قنط من الحياة ~~وفاته أمكان من الوفاة فقال فأردت أن اشغله عن الوهم والهم وقلت ما معناه ~~قد أيقظك الله وما يعيذك من هذا السوء سواه فانذر أنك إذا أبللت هذا المرض ~~تقوم بكل ما لله من المفترض وأنك لا تقاتل مع المسلمين أحدا أبدا وتكون في ~~جهاد أعداء الله مجتهدا وأنك إذا نصرك الله في المعترك وظفرت باقومص وابرنس ~~الكرك تتقرب إلى الله تعالى ms253 باراقة دمهما وأعطاه يده على هذا النذر وأنجاه ~~الله وفريضته وجرى من مقدمات الجهاد ما جرى وخيم السلطان في جموع الإسلام ~~يعشترا وركب يوما في عسكره وأموج بحره وأفواه معشره وقد التقا الطلعة ~~المباركة من الأجل الفاضل فقال ليكن نذرك على ذكرك وستزد نعمة الله بمزيد ~~شكرك ولا تخطر غير قمع الكفر بكفرك فما أنقذك الله من تلك الورطة ونعشك من ~~تلك السقطة إلا لتوفر حظك من هذه الغبطة فتوكل على الله عازما وجاز الأردن ~~حازما وأرعب جأش الكفر وفل جيوشه وثل عروشه ووقع في الشرك ابرنس الكرك فوفى ~~بضرب عنقه نذره وأما القومص فإنه أخذ في الملتقى بالهزيمة حذره ولما وصل ~~إلى طرابلس أخافه في مأمنه القدر وسلمه مالك إلى سقر. ### ||| ذكر فتح عكا PageV01P143 # قال: ورحل السلطان ظهر يوم الثلاثاء والتوحيد ظاهر على التثليث والطيب قد امتاز عن # الخبيث ونزلنا بأرض لوبية عشية وأصبح سايرا إلى عكا (فساء صباح المنذرين) ~~ولما أشرفنا عليها بفتحها فما كان فيها من يحميها وما صدقنا كيف نمتلكها ~~ونحويها وظهر أهلها على الأسوار لإظهار الممانعة وخفقان ألويتها يشعر ~~بقلوبها الخافقة وأرواح جلدهم الزاهقة ووقفنا نتأمل طلولها ونأمل حصولها ~~وخيم السلطان بقربها وراء التل ولبث عساكرها في الحزن والسهل وبتنا تلك ~~الليلة وقد هزتنا الأطراب كأنما دار علينا الشراب والسلطان جالس ونحن عنده ~~وهو يحصي جنده ويقدح معهم في اقتباس الآراء زنده ومنا من يستسح رفده ومنا ~~من يستنجر وعده ويواصله بالدعاء ويشافهه بالهناء إلى أن نادانا ابن ذكا ~~فلبينا ونادينا العسكر فعبيناه ووقفنا بإزاء البلد صفوفا وأطلنا على أطلاله ~~وقوفا فخرجوا إلينا رجالا ونساء وأكثروا ضراعة ودعاء وبذلوا الأذعان وطلبوا ~~الأمان فأعطيناهم الأمان على الأنفس من المال والأنفس وخيرناهم بين المقام ~~والترحيل والسكن في وطنهم والتحول فشرع معظمهم لشدة الخوف في التنقل ~~وأرخينا لهم طول التمهل وفتحوا يوم الجمعة في مستهل جمادى الأولى بابها ~~ودخلنا لإقامة الجمعة وزادوا في الدخول عدة من المتطوعة وجماعة من الطمعة ~~وأخياف من الأتباع لا تخاف من التبعة فما ms254 منهم إلا من ركن على دار رمحه ~~وأسام فيها سرحه فحطوا على دور أخلاها أربابها وأموال خلاها أصحابها (233أ) ~~وجينا إلى كنيستهم العظمى وحضر الأجل الفاضل فرتب بها المنبر والقبلة وهي ~~أول جمعة أقيمت بالساحل وكان الخطيب والأمام فيها عبد اللطيف بن الشيخ أبي ~~النجيب ولما رآه السلطان أتقى وأزكى ولاه مناصب الشريعة في عكا فتولى ~~القضاء والوقف والحسبة والخطبة وفوض عكا وضياعها ومعاقلها وقلاعها إلى ولده ~~الأكبر الملك الأفضل نور الدين علي وجعل للفقيه ضياء الدين عيسى بن محمد ~~الهكارى كل ما كان للداوية من معيشة وأقطاع ودور ورباع فتصرف فيها وحصل على ~~حواصلها وعلق بكراميها وعقايلها ووقع في مراعيها المربعة نوابه وأثرى بثراه ~~وثروتها أحابه وولجوا المخازن واستخرجوا الدفاين وكذلك ماليك الملك الأفضل ~~وولاته ونوابه نشبوا المخازن وفتشوا المزاكن واستباحوا الخزون والمدفون ~~والمحروس والمصون ومن جملة ذلك أنهم احتاطوا بغير علمي على دار باسمي ~~فباعوا منها متاعا بسبعمائة دنار فإنها كانت من أنفس العقار وإنما وصفت هذا ~~لعلم ما غنموه وما التهبوا على حيازته والتهموه، وتصرف الملك تقي الدين في ~~دار السكر فاقتفى قنودها واستوعب موجودها وقد أشرت إلى هذا المعنى في كتاب ~~الموسم بالفتح القدسي وقرئ على السلطان منه ليلة ونحن بالقدس سنة ثمان ~~وثمانين وسمع ولو ذخرت تلك الذخاير وجمع لبيت المال المجموع الوافر لكان ~~عدة ليم الشدايد وعدة لنجح المقاصد فقال السلطان: هذه رفيعة على ثلاثة ~~اثنان منهما في جوار الرحمة والآخر باق في مقر العصمة يعني بالاثنين الفقيه ~~عيسى وتقي الدين وبالآخر الباقي ولده نور الدين ولعمري هو كما ذكره لكن ~~الملك الأفضل نور الدين ما حصل له بخاصة بل لذوي اختصاصه بالحالة التي ~~شاهدتها. # عاد الحديث وأقام السلطان بخيمة على عكا أياما وأعلى بالمنى أعلام وكان ~~يوم فتح حطين قد كتب إلى أخيه الملك العادل سيف الدين بما من الله به على ~~الإسلام والمسلمين من الظفر والتأييد والتمكين فوصل بعسكره ورعيله ومعشره ~~وجاء كتابه مبشرا بوصوله ومذكرا بسؤله وأنه فتح في طريقه بمن ms255 صحبه من فريقه ~~الحصن المعروف بمجدل يافا وأنه حاز منه الغنايم والسبايا وأنه مجد في طي ~~السهول والحزون وفتح ما يستقبله من الحصون فسطر جوابه وشكر صوابه وأنه يقيم ~~في ذلك الجانب جامعا للكتايب ليجتمع به الواصلون من مصر الآملون معه النصر. ~~وتوجه عدة من الأمراء إلى الناصرة وقيسارية والبلاد المجاورة لعكا وطبرية ~~وأبوا بالغنيمة والسبى خير أوب وجاءونا بكل مليحة مليحة متعبة مريحة مقبلات ~~أوايب طويلات الذوايب ثقيلات الروافد خفيفات المعاطف فكم أجد الله لنا من ~~نعمى هنيئة وأمددنا من حبى سنية فما إلا من أنفض وغضب وفي كل يوم فتح عتيد ~~وتأييد يتبعه تأييد. PageV01P144 # قال: وفي هذه السنة نكب الصاحب مجد الدين أبو الفضل عبد الله ابن الصاحب ~~أستاذ الدار العزيز بجزيرة جرت عليه القتل وجريمة ما أطلع عليها وما أقيل ~~عثرتها وذلك ظهر يوم السبت رابع عشر ربيع الأول فجاء القدر من كمينه وفجأة ~~الكدر من معنية وبينا هو في أمر قاطع وفجر ساطع وفخر صادع وشمل جامع إذا ~~بغتة الزمان ومحنة الحدثان وعثر منه على جناية أسعت إلى دمه قدمه ودعت إلى ~~وجود عدمه وإنما أوردت ذكر مقتله في هذا الموضع لأنه جرت العادة منا ~~بمكاتبة من يكون أمر الديوان إليه فيما يسنح من المقصود المتوقع فلما مضى ~~لسبيله قام في موضعه عميد الدين أبو طالب بن زادة فتولى الثاني لما بدأ به ~~الأول الإعادة ووصل كتابه وكتب جوابه وفي بعض الكتب إليه: والبلاد والمعاقل ~~التي فتحت هي طبرية وعكا والناصرة وصفورية ونابلس وحيفا ومعليا وفوله ~~والوطر والشقيف. # قال: وأما الفولة فهي قلعة للداوية حصينة لما خرج سكانها لم يدخلها سكينه فإن # الداوية الذين كانوا فيها قد هاجوا إلى الهيجاء وطروا في القتلى والإسراء ~~الحماة وغيل غالت (233ب) ليوثه عداتها الهداة وفيها ذخاير كنايسهم وأخا ير ~~نفايسهم وسبايك نضارهم وكرايم أعاقهم ولم يبق في الحصن إلا أحداد من ~~الغلمان وأتباع الفرسان فخافوا على النفوس وارتاعوا من البؤس ومالوا إلى ~~ألاذعان وسلموا الموضع بالأمان وتسلمنا بتسلمها جميع ms256 الثغر وأما حيفا فإنها ~~من عكا وقيسارية على البحر وتسلمت لسيف النصر وأما نابلس فإن أهل ضياعها ~~ومعظم أهلها كانوا مسلمين وفي سلك الرعية مع الفرنج منتظمين وفيها أفرنج ~~ونصارى مقيمون مدبرون وقد أقروا منذ استولوا عليها المسلمين على عوايهم في ~~قضائهم وحكمهم ومشاهدهم ومساجدهم وهم يجبون كل عام منهم قرارا ولا يغيرون ~~لهم شرعا ولا شعارا فلما عرفوا كسرهم وأنهم لا يرجون جبرهم وخافوا من ~~مساكنة المسلمين وأشفقوا وأخذوا بالحزم لما فرقوا وتفرقوا وكسبهم أهل ~~الضياع في الدور الرباع وغنموا ما وجدوه من الذخاير والمتاع وطلبها من ~~السلطان ابن أخته الأمير حسام الدين عمر بن محمد بن لاجين وكان الأمير ~~القوي وهو عزيز عند خاله ملى بفضله وأفضاله متقبل شيمة السلطان في بأسه ~~ونواله متفرد من الأملاك بمحاسن خلاله فاقطعه السلطان نابلس وأعمالها ~~ضياعها ومعاقلها وقلاعها متوجه لفتوحهم وصحب جموع جماعة من الأصحاب وسال ~~بالجبال (وهي تمر مر السحاب) أوقعوا بضعفائهم وضايقوا الحصون على أقويائهم ~~وطلبها من السلطا فأول ما أناخ على سبسطية وفيها مشهد زكريا عليه السلام ~~وقد أتخذها الأقسام كنيسة منذ فارقها الإسلام وفيها أواني وآلات فضيات ~~وذهبيات وقومتها من الرهابين فيها مقيمة ولا يؤذن في الزيارة إلا لمن معه ~~هدية لها قيمة فدخل الموضع وأغلق بابه وأفرد عنه حجابه وأصحابه وأمر بجمع ~~ذلك المصوغ والملوك والمسبوك والعقود والسلوك كل ما يعز وجوده في خزاين ~~الملوك فاقتناه جميعه لنفسه خاصة وأمن أن يرى عدها خصاصة وصارت له خزانة ~~ثقيلة وذخيرة جليلة وأبقى في الموضع من الفرش والآلات ما لا يستغني عنه ~~المشهد ولا يحسن أن يخلوا من مثلها المسجد وفتح للمسلمين أبوابه وأظهر ~~للمصلين محرابه ولما فرغ من شغله سار إلى نابلس عليها منيحا ولدعاء ~~المسلمين بها مصيخا وطال حصره للفرنج بالحصن ثم استنزلهم بالأمان واستمال ~~من سكانها من ضرب عليه الجزية بعد زمان فعادت بلدة محشوة بساكنيها كالرمان ~~وبقيت إلى آخر عهده وعمرت بعدله وإحسانه ورفقه ورفده قال: وكانت بيني وبينه ~~صداقة بصدق العقيد معقود ومودة ms257 أسباب النقص فيها مفقودة فنظمت هذه القصيدة ~~قلت ومطلعها: # أستوحش القلب مذ غبتم فما أنسا ... وأظلم اليوم مذ نبتم فما شمسا # قلبي وصبري وغمضي والشباب وما ... ألفتم من نشاطي كله خلسا ### ||| ذكر فتح تبنين وصيدا وبيروت وجبيل PageV01P145 # قال: وكان السلطان مدة مقامنا بعكا يندب العساكر إلى الولايات وسير الملك المظفر # تقي الدين وأمره بقصد تبنين فمضى إليها واستسهل اجتيازها ووجد بالمنعة ~~اغترارها ورأى إلى وصول الشام ونزوله عليها أغوارها فكتب وتواترت كتبه ~~وافية بالحشد والتحريض والبعث بالتصريح والتعريض فأخذت العزايم في الاقتضاء ~~والصواب في الانتظار ورحلنا يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى رواحا وأعرنا ~~العزم على تأييد الله في منزلة نزلت بها الألطاف وعذبت لمواردنا النطاف ~~وأصبحنا على الرحيل وبتنا ليلة السبت دون تبنين ونزلنا عليها يوم الأحد ~~الحادي عشر فوجدناها قالعة أرضها في السماء وقلعة في جوزها جواز الجوزاء ما ~~يمر السحاب إلا على سفوحها ولا تسترق شياطين الكفر إلا من سطوحها لا جرم ~~جعلنا (234) نجوم النصال لها نجوما وأنزلنا الوبال عليهم سجوما وهاج بهم ~~وهج الرعب وأبدوا وجوما وأخرجوا من عندهم من أساري المسلمين قرية وطاعة ~~تبدو بهم للشفاعة منهم ضراعة ثم أمن السلطان أهل القلعة وأمهلهم إلى أن ~~ينزلوا خمسة أيام وخرجوا من مقدميهم جماعة رهابين فضربنا عليهم خيمة إلى أن ~~انتهت المدة وتسلمت القلعة واقتضت العذرة وخلص الحصن بما فيه وترتب وإليه ~~وملكت أباعده ونواحيه. # وأما صيدا فأنا لما فرغنا من شغل تبنين رحلنا على سمتها معدين وعبرنا في ~~طريقنا على صرفند ونشقنا رياح رياحينها ونظرنا نضرة بساتينها وجلنا لحكم ~~الرياضة في رياضها وربضت أسودنا في آجامها وغياضها وافتتحتا بفتحها ثم ~~انصرفنا عن صرفند نحو صيدا صابرين ودخلناها ساعة الوصول وحالة النزول فإن ~~صاحبهما كان ناظرا في العواقب ساترا جرح النوايب فتقدم إلى نوابه أن يفتحوا ~~لنا بابها ويرفعوا أحجابها ويخلوها ويعطلوها حتى يحلها المسلمون فيحلوها ~~فلما جيناها حليت لنا عروسها وجنيت غروسها وذلك يوم الأربعاء الحادي ~~والعشرين من جمادى الأولى فحان الفتح الميسر على الوجه الأسهل. ms258 # وأما بيروت فأنا لما حصلت لنا صيدا سرنا في يومنا على سمت بيروت وبتنا ~~ليلة الخميس دونها وصبحنا بكرة يوم الخميس في خميس بكر للصباح وضايقناهم ~~أياما ودافعوا أشد دفع ومانعوا أحد منع فبيناهم في أحر حرب وأمر طعم طعن ~~وضرب إذ صاح صائحهم وناح نايحهم أنهم يركبون السفينة وينزلون المدينة ~~فأصبحنا يوما على العادة المستمرة في المقارعة والمضايقة إلا بحروج واحد ~~يستدعي الأمان ويستدعي الإيمان على أنه يأخذ خط السلطان بجميع شرايط ~~الإيمان واتفق في ذلك اليوم لي تغير المزاج وتعذر العلاج واحتجت إلى مفارقة ~~الخدمة للضرورة والوصول إلى دمشق لمداواة الأدواء المحذورة ولما احتاج ~~السلطان لتأمينهم إلى إنشاء مثال طلبني فاعتالت فعذرني وأحضر عنده كتاب ~~العسكر ومتصرفيه ومن يظن به فضلا ويعتقد فيه وحسب أن كل من يحمل قلما كاتب ~~وأنه يستحق الرتبة من له راتب وكل من كتب الإيمان المطلوب تناوله منه ~~وتأمله واستنقصه واستزاده. # فقال السلطان لكل عمل رجال ولكل جواد في حلبة السبق مجال وهنا عرف قدر ~~العماد وأنه موافق موفق للإتيان بوفق المراد، فجاء إلى النجيب العدل ~~بالحديث ووجدني في العارض الكريث وقال: أكتب هذا الأمان فإن هذا الفتح ~~بقلمك مصدوق وقد خصك خالقك بالفضيلة فما يشاركك فيه مخلوق فقلت له: قد غلق ~~رهني وذهب ذهني وحبس قلمي إلي فقال: إن كنت ما تكتب فأمل فقلت: أرجو أن ~~تشملني السعادة السلطانية فاكتب ما يرضي فوفقني الله تعالى للمراد وهداني ~~في الإنشاء لما يجب من الإصدار والإيراد ووقع ذلك التوقيع الموقع الحسن ~~وسلم البلد خطى ثم ارتحلت إلى دمشق وعدت عند إبلالي وحال اعتدالي يوم فتح ~~القدس وسلمت بيروت بحضوري وخرج منها ومن قلعتها الفرنج وامتلأ بهم إلى ~~السور النهج وعاد الإسلام الغريب منها إلى وطنه وذلك يوم الخميس التاسع ~~والعشرين من جمادى الأولى وكانت مدة النزول عليها إلى نزول أهلها ثمانية ~~أيام. PageV01P146 # وأما جبيل فإن صاحبها أود كان في جملة من نقل الملك الأسير إلى دمشق ~~فتحدث مع الصفي القابض في أمره وباح إليه ms259 بسره وقال له: ما لكم في أسري ~~فائدة ولا غنيمة على فتح جبيل زايدة وأنا أسلمها بشرط سلامتي فأنهى الصفي ~~حاله فاستصيب ما قاله فأمر بإحضاره في قيده والاحتراز من كيده فوصل به ونحن ~~على بيروت فطلبنا منه الشرط الموعود والأجل الموقوت فسلم جبيل وسلم وربح ~~لخاتمه وغنم ومضى إليها من تولاها وتبعها فتح بيروت وتلاها وانتظمت هذه ~~البلاد المتناسقة بالساحل في سلك للفتوح متسق وأمرها من الاستقامة في متفق. ### ||| ذكر ما تجدد في صور من خروج القومص منها ووصول المركيس إليها # قال: وما شك القومص أن السلطان إذا عاد لا يتعدى صور ~~وأنه يجمع عليها العسكر المنصور فأخذ بالحزم ومضي إلى طرابلس ولم يلبث ~~قليلا (234ب) حتى هلك وبتوا من أسفل السافلين في النار الدرك ولما كان من ~~مراد الله بقاء صور وصل إلينا المركيس وهو الذي أغاث الشرك وكان من خبره ~~أنه وصل إلى الساحل هذا العام لفتح بلادها فأربى على عكا مركبه ثم صوت ~~نحوها مذهبه ثم رأى فيها غير الذي بالمعتاد فحداه الارتياب بالارتياع إلى ~~الارتياد فاستخبر فأخبر بالحال فشرع في التخلص والاحتيال وكانت الريح راكدة ~~فنادى من متولي هذا البلد فقيل: الملك الأفضل فقال: هاتوا لي خطة واكتبوا ~~في الأمان شرطة فما زال يرد الرسل حتى طابت الريح فأقلع وطار بجناح شراعه ~~وفات إدراك من يخرج لإتباعه ومضى إليها وقد خرج منها القومص وقد لاح منها ~~الفرص فأقام فيها وهو على تحصينها يحرص ولما عبر السلطان لم يسنح عليها ولم ~~يصح إليها وقال: فتح بيت الله المقدس أنعم ونفعه أتم وأعم وهذه صور ربما ~~طال حصارها واستطال أنصارها والأصواب الأصلح الاشتغال بما هو أنجح وأنجح ~~وكان من قضاء الله تعالى بقاء صور فإنها ضمت من الكفر الجمهور وجمعت الحسود ~~والحسور وما فتحنا بلدا إلا وانتقل أهلها بالأمان إليها ونزلوا حواليها ~~ومجاورتها في هذه النوبة أعادت أرماقها وأرخت خناقها وحفر المركيس لها ~~خنادق أحدثها وغور أعماقها وآوى إليها الواصلون من البحر وملأت آفاقها ~~وكانت لما عبرنا ms260 بها على ما حكي أمرها سهلا ولكن ما لمراد الله مرد وليس ~~مما قضاه الله وقدره بد. ### ||| ذكر فتح عسقلان والنزول عليها والاجتماع بالملك العادل والاتفاق على فتحها # قال: كان السلطان على الاجتماع بالملك العادل ~~حريصا ويرى لمدلولات الآراء بما يشير به وينص عليه تخصيصا وقد وصل كتابه ~~يستحثه على انتهاز الفرص في فتح بيت المقدس وقصده والاشتغال بما عداه من ~~بعده فإن أوقات الإمكان مغتنمة وأنفاس الأسحار للارتياح باستنشاقها متنسمة. PageV01P147 # قال الفتح بن علي بن محمد الأصبهاني منتخب الكتاب: ر حدثني الأمير ظهير الدين غازي # بن الأمير السعيد مبارز الدين سنقر الحلبي في محرم سنة اثنتين وعشرين ~~وستمائة وهو أحد الأمراء السلطانية الملكية المعظمية قال: سمعت الملك ~~العادل بحماة يقول لبعض المؤرخين: ومما شافهت به السلطان صلاح الدين في ~~انتهاز الفرصة في فتح القدس مبالغا في ذلك أني قلت: إن عادتك أن يأخذك ~~القولنج في بعض الأوقات فلو أخذك الليلة وجرى عليك ما لا بد منه من الوفاة ~~علق رهن بيت المقدس في يد الكفر فاجتهد في ذلك وأقضي حق ما أنعم الله به ~~عليك بواجب الشكر فقال: اعمل ما تأمر به وتشير إليه ولا يخالف ما تحكم به ~~وتنص عليه فما فتح المقدس الشريف وما منح ذلك المجد المنيف إلا بالجد ~~العادلي والجد الناصري قدس الله أرواحهما وسهل إلى الفردوس معدلهما ~~ومراحهما. قال الإمام السعيد عماد الدين: فراح السلطان مغز للغزاة الروح ~~مستفتحا بما هو حل الفتوح وسار واجتمع بالملك العادل في طريقه وتفاوضا في ~~شكر ما أنعم الله به من نصره وتأييده وشرعا بعد ذكر الأشواق وتبريحها في ~~موازنة الآراء وترجيجها وتنقيح أداة الصواب وتلقيحها وقد استخار الله تعالى ~~بالنزول على عسقلان يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة وكان السلطان قد ~~استدعى من دمشق ملك الفرنج ومقدم الداوية المأسورين واستصحبهما محمولين ~~بقيادهما وشرط أنه إذا فتح البلاد بهما أطلقهما فلما نزل على عسقلان راسل ~~الملك أهلها في التسليم فعملوا أنه مستكره فأسقطوا حكمه وعصوا أمره فبسط ~~السلطان ms261 عذره وشرع السلطان في مضايقة البلد ونصب عليها من المجانيق كل جاث ~~على الركب جاث للركب جالب معاطن الإبل المعاطن سالب بسكون المساكن وما زال ~~الحجاز ترفض والجدار ينقض والمنجنيقات تضرب وترض حتى خلا السور من حاميه ~~وأمن المقاتلة نكاية مراميه فأقدم النقابون على نقبه ورفعوا عن عروس البلد ~~حجب نقبه وباشروا بالتخريب البواشير ولافح المساعير المساعير ورفعوا عن ~~عروس البلد وقابل المقابيل المدابير فيئسوا من رجاء الانتعاش وتهافتوا على ~~نار الحرب كالفراش فلما أحس الملك بما أحسوا به من الشدايد راسلهم واستحضر ~~منهم عقلاء لا يحملون (235أ) قوله على أنه فرد ولا يردون نصحه بالتهمة ~~وقال: أنتم تعلمون أنني لا أريد الخير إلا لأهل ديني وهذا السلطان في عزمه ~~يريدكم ويرديني فإن سمعتم مني أطعتموني في أمري وأنقذتموني من أسري أما إذا ~~خلصت وخلصت وكنت أعلوا عليكم فكيف رخصت وتكررت بينه وبينهم مراسلات وكانوا ~~يلحون ختى علموا أنهم مغلوبون فقبلوا نصيحة الملك وراسلوا في طلب الأمان ~~بشروط اقترحوها والعفو عن جرائم اجترحوها فإن الأمير حسام الدين ابراهيم ~~الحسين المهراني وهو من أكابر الأمراء استشهد على عسقلان فخاف الفرنج أن ~~تثور عليهم الأكراد لثأره فاشتطوا واشترطوا وسروا إلى ما أجيبوا إليه ~~واعتصموا فسلموا البلد بأنفسهم وأموالهم وخرجوا منها برجالهم ونسائهم وذلك ~~يوم السبت لانسلاخ الشهر وكانت مدة الحصار إلى أن تسلمناها أربعة عشر يوما ~~أبدر لنا فيها قمر الظفر والانتصار وعاد بها بدرهم إلى المحاق والمرار وما ~~برح السلطان مقيما بظاهر عسقلان حتى تسلم المعاقل المجاورة لها والبلاد ~~المقاربة منها. # أما الداروم فقد حاف من بها فسلمها وكذلك غزة وظهرت بظهورها علينا عزتها ~~وتبدل بالإسلام بعد الكفر ربها والرملة ويبنى ظل بها موقف الضلال يهدم ~~ومربع الهدى يبني وبيت لحم ومشهد الخليل صلوات الله عليه وعليه السلام عاد ~~إلى وطنه منهما الإسلام وأما لد فإنها أخرجت منها خصومها اللد ومعصومها في ~~الشرك إلى التوحيد رد وتسلم كل ما كان للداوية مع غزة كبيت جبريل والنطرون ~~وأخلى منهم تلك الحصون وكان ms262 مقدم الداوية معه وشرط أنه إذا تسلم معاقله فك ~~عنه قيوده وسلاسله فما زال معه على الشرط والشرع المضبوط. PageV01P148 # قال: ووصل الملك العزيز واجتمع بوالده بعد فتح عسقلان وكان وصوله ببأسه ~~وصوله وقوته من الله وحوله وبأسه ومعشره وقومه وعسكره وولاة بلاده ووراة ~~زناده وآلافه وآحاده وعدده وأعداده فحنا قلب السلطان على كبده ووضع يده في ~~يده فأعدتها الجود فمدده اليوم من مدده. ولما انتظم شمل كتايب البر وكرم ~~وصولها وصلت مراكب البحر وقدم أسطولها وهي شواني شواتي للشتاء زواين للغزاة ~~عقبانها منقضة كالبزاة وغربانها ناعبة بين الغداة جاءت كقطع من الليل أو ~~دفع من السيل كأنها في خضراء الخضرم كواكب ولرجوم الشياطين ثواقب، أعلام في ~~شعار الإعلام العباسية سود وأكام تمدها من أكام الأمواج مدود تولاها حسام ~~الدين الحاجب لؤلؤ منظم سموطها ومهد الأحكام لنصر أسبابها وشروطها واستمرت ~~بالسواحل تكبس وتكسب وتغنم وتجلب ففي كل يوم لنا غزوة صحيحة ونوبة شديدة ~~ونابية لذرى الشرك مبيرة مبيدة والحاجب لؤلؤ مجاهد عظايمها وممضي عزايمها ~~كلما ألقت مركبا للعدو تلقته وألفته وأسعدها الله وأشقته وكيف ما أمكن ~~أحرقته أو أغرقته واجتمعت على جمعه وفرقته ووقع حقها على الباطل فأزهقته. ### ||| ذكر فتح بيت المقدس PageV01P149 # قال: ورحل من عسقلان على سمت القدس وقصده واستيصال نبات الشرك وحصده من ~~أرض الله تعالى ونقدس بتطهير الأرض المقدسة بإهلاك الطايفة الطاغية النجسة ~~وتقدمه الرعب إلى قلوب الفرنج فوقعوا في الأمر المرتج المضطرب المرتج وكان ~~بالقدس حينئذ البطرك الأعظم وهو الشاني العظيم الشأن وباليان بن بارزان وهو ~~وملكهم في التسلط سيان والذين أغفلتهم حياطة الحطين من الفرسان الداوية ~~والاسبتارية والبارونية من ذوي الكفر والشنان وقد حشروا وحشدوا وقالوا: ~~السمح عند اللقاء بالمهج ونسيح داما الدماء في اللجج وما الذي أصاب عزنا ~~حتى نهون ونحن نشعل عليهم الحرب الزبون فأخرجوا إليهم حتى نلقاهم وهذه ~~رماحنا بأيدينا فاجانأهم فجعناهم وأوجعناهم وأخذنا بثأر يوم حطين إذا صرنا ~~بمراكزهم بدوايرنا محيطين فقال لبيبهم المجرب فارسهم المتدرب عدوا عن هذا ~~الرأي وما بلغتم ms263 في الغي إلى هذا الغاي وأنتم عند مقبرة ربكم تحمونها ~~وتقاتلون دونها والقدس لنا جامع وسورة عن السوء مانع (235 ب) وإذا خرجنا ~~فما ندري على ماذا نحصل وهل نقطع أو نصل ثم شرعوا في السر وأمروا بالأمر ~~وقسموا على الأسوار الأقسام الأسراء ونشروا على كل قطر منه لواء اللواء على ~~كل نيق منجنيقه وحفروا في الخندق حفرا عميقا وأعادوا بل نهج واسع بما وعروا ~~به مضيقا وخرج جماعة منهم على سبيل اليزك وأدلجوا ليلا وجروا للجرأة ذيلا ~~واعترضوا عدة من أصحابنا غارة وعلى طريق السلامة مارة، وكان قد شد من ~~المقدمة المنصورة أمير تقدم وما تحرم وهو جمال الدين شروين بن حسن الزرزاري ~~فلما علمه أثبت في مستنقع الموت رجله وشد من الدنيا إلى الآخرة رحله وكان ~~في موضع يعرف بالقبيبات فساء السلطان نعيه وسره سعيه وسار سارا وللجحفل ~~الجرار حارا ولم يدع لجفنه في يومه ونومه غرارا ووصل السري بالسير ليلا ~~ونهارا ونزل على القدس يوم الأحد منتصف رجب وقد قضى من حق الله في طلب بيته ~~ما جب وفي القدس ستون ألف مقاتل من فارس وراجل. وخيم في أول الأمر على ~~غربيه وأقام خمسة أيام يدور على البلد ويقسم على حصاره أهل الجلد وأبصر في ~~شمالها أرضا رضيها للحصار فانتقل إلى المنزل الشمالي يوم الجمعة العشرين من ~~الشهر متمكنا من القهر ظاهر القوة بالله قوة الظهر فشرع في نصب المجانيق ~~فما أصبح يوم الأحد إلا على منجنيقات نصبت بلا نصب من كل مغتص برد الردا ~~معتصب يشق الجلمود بالجلمود ويدق الصنجود بالصنجود يقضي ختام التأليف ويرضى ~~هام الشراريف ومازالت المجانيق ترمي وترمي وتدمي وتدمي والنزال دايم ~~والقتال قايم وفي قنطاريات الفرنج من الفرج قنوط ولخطيات اليراع بأيدي كتب ~~الكتايب في الظهور خطوط ولشموس اليزك من أفق الترابك بزوغ ولثعلب العواسل ~~في ضلوع الأساد ولوغ وكان فرسانهم في كل يوم يباشرون دون الباشورة أمام ~~جموعهم المحشورة ويتطاعنون بالذوابل ذوات الذوايب المنشورة ويبرزون يبارزون ~~ويحاجزون وينجازون ومطاعيننا المطيعون لله ms264 عليهم يحملون وهم كما قال الله ~~تعالى " يجاهدون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون" وممن استشهد مبارزا ولم ~~يشهد بينه وبين الجنة حاجز الأمير عز الدين عيسى بن مالك كان أبوه صاحب ~~قلعة جعبر. وكان في كل يوم يفرس فوارسا ويلقي ببشر وجهه وجوه المنون ~~العوابس فاغتم المسلمون من صرعه وهان عليهم في تلف مهجته أتلاف المهج ~~وهاجوا وهجموا أكناف الوهج وهجروا الجلد إلى الجلاد وركبوا أصناف الوهج حتى ~~وصلوا إلى الخندق فخربوه وبددوا جمعه وفرقوه والتصقوا بالسور فنقبوه وعلقوه ~~وحشوه وأحرقوه وصدقوا وعد الله في القتال لأعدائه فصدقوه وأرهقت المنجنيقات ~~وأزهقت وسنحت وسحقت فتمكن رعبنا في قلوبهم وأذنت حربنا بكروبهم وعرف الفرنج ~~إنهم مغلوبون وعن النجاة محجوبون فعقدوا بينه مشورة وقالوا ما لنا إلا ~~الإستيمان فقد أخذ منا بخطه الخذلان والحرمان وأخرجوا كبراءهم ليؤخذ لهم ~~الأمان فأبى السلطان إلا قتالهم وتدميرهم واستئصالهم وقال ما آخذ القدس ~~منهم إلا كما أخذوه من المسلمين منذ أحدى وتسعين سنة فإنهم استباحوا القتل ~~ولم يتركوا طرفا يستزير وأمعنوا في رجالهم قتلا ونسائهم سبيا فقال باليان ~~بن بارزان في الحضور مستأذنا مستأمنا وباح بما بان في فكر الكفر من الشر ~~كامنا وقال السلطان: قد رجوناك فلا تخيبنا ووصلنا فلا تصدنا وجئنا فلا ~~تردنا ومتى استوحشنا PageV01P150 # وايسنا أسقلنا الهلاك واستقتلنا وما نخرج من منزل حتى نخربه ولا نظفر بدم محقون حتى # نسربه فالديار نخربها والدماء نحرقها وقبة الصخرة نرميها وعن السلوان ~~نعميها والمصانع نخسفها والمطالع نكسفها وعندنا من المسلمين خمسة آلاف أسير ~~مابين غني وفقير وكبير وصغير فنبدأ بقتلهم وشت شملهم فقيل للسلطان هؤلاء إن ~~أخرجوا لجوا وأسلفوا الأهوال وأتلفوا الأموال وسفكوا الدماء وقتلوا الإسراء ~~والصواب أن نحسبهم اسارنا فنبيعهم نفوسهم وندخل في القطيعة رئيسهم ومرئوسهم ~~فأذن بعد لأي فيما رآه المسلمون من رأي فما زالوا يتوصلون ويترددون ~~ويتلددون حتى استقر أمرهم على قطيعة اشتروا بها المهج ونفوا دونها عنهم ~~الحرج # (236 أ) وهي عن كل رجل عشرة دنانير وعن كل امرأة خمسة وعن كل نسمة ms265 صغيرة أو صغير # ديناران الذكر والأنثى فيه سيان فمن وفى بالحق خلص من الرق ومن عجز بعد ~~أربعين يوما ضرب الرق عليه ونهج به منهج العبيد والإماء وبذل باليان بن ~~بارزان عن الفقراء ثلاثين ألف دينار وانفصل بما التزمه من قطيعة وقرار ~~وسلموا المدينة في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب أوان وجوب صلاتها ~~وطلعت الرايات الناصرية على شرفاتها وأغلقت أبوابها بعد تسلمها لحفظ ناسها ~~في طلب القطيعة والتماسها وضاق وقت الفريضة وتعذر أدائها وللجمعة مقدمات ~~وشروط ولم يكن استيفاؤها وكان الأقصى بلا محرابه مشغولا بالخنازير والخنا ~~مملوءا بما أحدثوا من النسى مغمورا بالنجاسات حتى حرم علينا في تطهيره منا ~~ألوفا فوقع الاشتغال بالأهم الأنفع وهو حفظهم وضبطهم إلى أن يؤخذ قسطهم ~~فرتب السلطان على كل باب أميرا أمينا فلو أديت الأمانة لملأت الخزانة لكنها ~~اختلفت عليها الأيدي وتعدت إلى التعدي وكثرت الأقلام الضابطة فقل الضبط ~~وتزاحم الرابطون فانحل الربط والنواب الأكابر استنابوا أضاعرا أقاموا في ~~تقصيرهم المعاذر وقنوا لأنفسهم الذخائر وادعى مظفر كوكبوري أن بها جماعة من ~~أرمن الرها وعددهم ألف نسمة فجعل إليه أمرها وكذلك صاحب البيرة ادعى العدة ~~الكثيرة وكذلك كل من استوهب عدة أطلقها وحصل له مرفقها ثم تولى الملك ~~العادل استخراجهم وقوم على الأداء منهاجهم وسهل بأوفى نصيب ورعى منه في ~~مرعى خصيب. وكانت بالقدس ملكة رومية متعبدة مترهبة في دين التثليث موحدة ~~وعندها حول وخدم وعبيد وجوار ووصايف ونواب وأمناء وأصحاب وظائف فلما دهتها ~~الداهية وعراها في تمسكها بكنيستها عراها الواهية عاذت السلطان فأعاذها ~~وأبقى عليها من المصوغات من صلباتها الذهبية المجوهرة جذاذها فخرجت بجميع ~~مالها وحالها ونسائها ورجالها وأسقاطها وأعدالها والصناديق بأقفالها ~~والتفاريق بأحمالها وتبعها من لم يكن من أتباعها وشيعت بشفاعتها من ليس من ~~أشياعها وسارت الملكة الرومية لمرامها مالكة ولمسالك ممالكها سالكة. وكذلك ~~خرجت الملكة زوجة الملك كي ابنة الملك أماري وهي بأبيها بتر وبزوجها بتارى ~~وعزمت على أنها تداوي مرض حالها وتداري وتسأل في شيعتها وعيشتها ورزقها ~~ومعيشتها وحاشيتها وغاشيتها ms266 فوهب لها جميع ما سألته وعجل لها نجح ما أملته ~~وكان الملك زوجها مقيما في برج نابلس من قيده مطلقا ومن رقه معتقا لكنه ~~موكل به ليوم تسريحه وقد غلب إلى زوجته لاعج تباريحه فأذن لها في قصده فسرت ~~وسارت بخدمها وجواريها وحليها وحللها وبسطها وفرشها وأحمالها وأوساقها ~~وجواهرها وأعلاقها وأقامت عند زوجا وبلت بغرته غلة أشواقها. وكذلك خرجت ~~الأبرنساسة أم هنفري وهي زوجة الأبرنس الذي سفك يوم حطين دمه وفاء بالنذر ~~وهي صاحبة الكرك وهي بنوابها محوطة وبرأيها منوطة فجاءت سايلة في ولدها ~~العاني فوعدت بالجميل وشفاء مالها من الغليل وأنها إن سمحت بحصنها سمح لها ~~بابنها ثم سلك لها في الأعفاء والإطلاق سبيل الباقيات وعصمت في نفسها ~~ومالها وأصحابها بالراعيات الوافيات. ### ||| ذكر وصولي إلى خدمة السلطان PageV01P151 # قال: سبق ذكر ما ألم بي من السقم وانقطاعي إلى دمشق للتداوي فلما سفر وجه صحتي # توجهت وللعود إلى الخدمة تنبهت فوصلت إلى السلطان يوم السبت ثاني يوم ~~الفتح فاستبشر بقدومي وخلع على البشير قبل أوبتي، وكان أصحابه يطالبونه ~~بكتب البشائر ليغربوا ويشرقوا ويسيروا في البلاد ويتفرقوا ويقول لهم: لهذه ~~القوس ثأر ولهذه المأدبة نار ولهذا الوادي من سبيل الخاطر الفلاني سيا جار ~~ولعله يفد ولا رواينا يرد ثم اجتمع كتابه في غيبتي وعملوا بالبشارة نسخة ~~منها ينسخ أصلها ويفرع ويفرخ وهم بها مشتغلون وبنارها مشتعلون حتى أقبلت ~~وجاءهم الربح وركدت الريح (236ب) وفاح العرار ورمي لاشيح وقالوا: مرحبا بمن ~~صبحنا وجهه الصبيح ولقيني السلطان بكل عرف بهيج وعرف أريج وتقريظ وإطراء ~~وتقريب وأدناء وأنه من كرامة الفتح اتفاق وصولك وإقبال قبولك وقدومك في هذا ~~اليوم وسموك بهذا السوم وهذا ميدانك فأين جوادك وأين أقلامك فهي أقاليد ~~الأقاليم وإذا أعوجت فهي للتقويم واستردا الكتب التي تخيروها واستثقل ~~البطاقات التي طيروها فأجريت ضامري في المضمار وانهيت قمري إلى الأبدار ~~وبريت بقلمي للإيراد والإصدار وكتبت في ذلك اليوم سبعين كتاب بشارة وكل ~~كتاب بمعنى بديع وعبارة ثم أردفتها في تلك الليلة بكتب نابت في ms267 سمائها عن ~~شهب استوعبت في كل كتاب الشروح واستفتحت بتعظيم وعظمت الفتوح. ### ||| ذكر جلوس السلطان يوم الفتح للهنا بالمخيم على ظاهر القدس وخطبة الجمعة # قال: وجلس السلطان يوم الفتح ونص النصر ظاهر ~~ووجه العز سافر والأمراء والعظماء قيام وجلوس وفي المطالع بدور وشموس ~~وللموائح أنفاس وللمنائح نفوس وهو في كيكته وجلالته كاقمر في هالته والدنيا ~~حالية بحالته والدين مدلول دلالته وأعين الأمثال منتظرة لمراسمه وألسن ~~الإقبال مثنية على مواسمه وقلوب القبول ممتلية تمتار وأيدي الآمال متملية ~~بنبله والجمع حافل والخطب عال ولبضائع الفضل أرباع ولصنائع الأفضال أفراح ~~ولأجسام المكرمات أرواح فلم يتقوض المجلس إلا عن مجد مشيد وحمد عتيد وجد ~~سعيد وسعد جديد ولما كان يوم الجمعة التالية لجمعة الفتح تقدم السلطان ببسط ~~العراص وإخلائها لأهل الخلاص وتنظيفها من الأدناس وكنس ما في أرجائها من ~~الأرجاس وكان قد سبق أمره من مبدأ الأمر بهدم ما هناك من أبنية الكفر فقد ~~كان الداوية بنوا غربية دارا وأدخلوه فيها وخلطوه بمبانيها واتخذوا منه ~~جانبا مستراحا للأعلال وجانبا هريا للأغلال فأمر في العاجل بكشف قناعه ورفع ~~الوضيع من أوضاعه حتى ظهر موضع المنبر والمحراب واستظهروا بإقامة أقدامه من ~~الحجاب واجتمع الخلق في ذلك الأسبوع على تفريق ذلك الهدم المجموع وتعاونوا ~~حتى كشفوه ونظفوه ورشوه وفرشوه. وكان قد أمر بإتخاذ منبر في تلك الأيام ~~فنجروه وركبوه ولما أصبحنا يوم الجمعة وجدنا العلل مزاحة والهمم مراحة ~~وهناك فضلاء بلغاء وعلماء أتقياء وكل منهم قد سبق لخطبته الخطبة وأمل الفوز ~~بفضيلة تلك الرتبة وأعد لذلك المقام مقالا ونشط بشقشقة فصاحته من قرم ~~حصافته عقالا حتى إذا جعل الداعي وتعين الفرض على الساعي حضر السلطان ~~للصلاة في قبة الصخرة وامتلأت تلك العراض والسكون واستعبرت للفرح بما يسيره ~~الله العيون فعين السلطان القاضي محي الدين أبا المعالي محمد بن علي القرش ~~بن الزكي للخطبة فصعد فسعد وحمد وأحمد وأبلغت بلاغته وأوردت زناد القلوب ~~صياغته وأدت المعاني ألفاظه وأنبه الأقاصي والأداني أيقاظه فاهتزت لمقامه ~~أكناف المنبر واهتزت لكلامه أعطاف ms268 المعشر ودعا لأمير المؤمنين ثم لسلطان ~~المسلمين ونزل وقام في المحراب أمامها أكمل بصلاته الفرض وأرضى بسمت دعواته ~~والطمأنينة في ركعاته وسجداته السماء والأرض. وسر السلطان بنصبه ورفعه ~~وامتلأ صدره حبورا منه لجلاء بصره وسمعه فقد أخذت أشعة أنوار الخطبة في ~~سواد الأهبة وعظمت أخطار المهابة في خواطر اللجة. ثم رتب السلطان بعده ~~خطيبا يستمر إقامته الجمع والجماعات ويستقر ملازمته لأداء الصلوات. PageV01P152 # وكان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في عهده عرف بنور فراسته فتح البيت # المقدس من بعده فأمر في حلب باتخاذ منبر للقدس. تعب النجارون والصناع ~~والمهندسون فيه سنين وأبدعوا في تركيبه الأحكام والتزيين وبقي ذلك المنبر ~~بجامع حلب منصوبا سيفا في صوان الحفظ مقروبا حتى أمر السلطان في هذا الوقت ~~بالوفاء بالنذر النوري ونقل المنبر إلى موضعه القدسي فعرف بذلك كرامات نور ~~الدين التي أشرف سناها بعده بسنين وكان من المحسنين الذين قال الله فيهم " ~~والله يحب المحسنين " ثم أمر السلطان بترخيم المحراب (237أ) وتعظيمه ~~وتخصيصه في عمارته بأعم أسباب تكريمه فجاء على ما تشاهده الآن العيون ~~ويتفرع من حسنه وإحسانه الفتون. # قال: ولما قضيت الصلاة تلك الجمعة نصب سرير الوعظ. وتقدم السلطان إلى ~~الفقيه ابن نجا الواعظ لشرع السرير وينفع بعظاته الصغير والكبير وحضر ~~المجلس بمرأى منه وسمع وكان أنور مجلس وأجلى وأشرف جمع ومجمع فحقق ورفق ~~وأشهد وأشهق وذكر الفتح وبكارته والقدس وطهارته وما أعه الله لهذه الطائفة ~~من الطارفة الطارقة وما أنزله من الأمن على القلوب الخائفة ووصف ببلاغته ما ~~لا يبلغ إليه الألسن الواصفة وكان يوما راجحا وصوما رابحا. # وأما الصخرة المقدسة فإن الفرنج كانوا بنوا عليها كنيسة وأعادوا رسومها ~~القديمة دريسة وستروها بالأبنية وكسوها صورا هي أشنع من التعرية وملؤوها ~~بتصانيف التصاوير ونبتوها في ترخيمها أشباه الخنازير فتقدم السلطان بكشف ~~قناعها ورفع أوضاعها ومحو صورها ورخص وضرها فحببت بالقبل وفديت بالمقل ~~وغسلت بالأدمع واشتعلت بنار الأضلع ولما ظهرت الصخرة وجدناها قد أبقت بها ~~النوائب حزوزا فإن الفرنج كانوا نقلوا إلى بلادهم ms269 منها قطعا وأبدعوا فيها ~~بدعا حتى قيل أنها بيعت بوزنها ذهبا وأفضى الأمر بها إلى أن يكون حجرها ~~منتهيا فغطاها بعض ملوكهم إشفاقا عليها لئلا تمتد يد ضيم إليها فأبقت ~~جزورها في القلوب حزازات وما حديث جلاتها في الآفاق بروايات وإجازات. ~~وتولاها بعد ذلك الفقيه ضياء الدين عيسى فضلها بشبابيك من حديد وثبت ~~أركانها بكل تشديد وأقام السلطان بها أماما أحسن التلاوة وحافظا للقرآن ~~وحمل إليها وإلى المسجد الأقصى ربعات ومصاحف ورتب بها للقراءة أوراده وظايف ~~فافتتح فيها بالختمات وختمت بالدعوات ودعيت بالصالحات والحمد لله الذي شد ~~ظهر الإرشاد إلى صخرته وملأ قلوب الأولياء بمسرة الدين ونصرته أسرته. ### ||| ذكر ما شرع فيه الفرنج من أداء القطيعة # قال: وشرع الفرنج في إخلاء البيوت وبيع ما ذخروه من الأثاث والقوت ~~وأمهلوا حتى باعوا بأرخص الأثمان وكان خروجها بالمجان ولا سيما ما تعذر ~~لثقله نقله وصعب حمله وكان كما قال الله "كم تركوا من جنات وعيون وزروع ~~ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قواما آخرين " فباعوا ~~ما تهيأ على البيع إخراجه وغلبوا على ما في الدروس الماعون والمذخور، وكانت ~~كنيسة قمامة وهي كنيستهم العظمى مبسوطة بالبسط الرقاع مكسورة بالستور من ~~النسيج والحرير الممزوج من ساير الانواع والذين يذكرون أنه قبر عيسى عليه ~~السلام محلى بصفائح الفضة العين ومصوغات الذهب واللجين مصفح بالنضار مثقل ~~من نفايس الحلي بالأوتار فأعاده البطرك منها عاطلا وتركه طللا ماثلا فقلت ~~للسلطان هؤلاء إنما أخذوا الأمان على أموالهم فما بال هذا المال وهو بالوف ~~يحملونه في أثقالهم فقال هم يعرفون هذا التأويل ويقولون لم يحفظوا العهد ~~ولم يلحظوا العقد ونحن نجيبهم على ظاهر الامان ونغريهم بذكر محاسن الإيمان ~~وكانت المهلة أنه من عجز بعد أربعين يوما عن أداء ما عليه من القطيعة ضرب ~~عليه الرق فتولاهم النواب بعد خروجنا من القدس وبقي منهم من ضرب عليهم الرق ~~خمسة عشر ألفا في الحبس ففرقهم السلطان وتناهيت بهم الممالك وحصلت لي منها ~~سبايا نسوان وصبيان وذلك بعد أن وفي ms270 بارزان بالضمان وأدى ثلاثين ألف دينار ~~واخرج من ذكر أنه فقير بحسب الإمكان وكانوا تقدير ثمانية عشر ألفا واعتقد ~~أنه لم يبق فقير وبقي على أداءه على ما ذكرناه كثير. PageV01P153 # وأما النصارى الساكنون بالقدس فإنهم بذلوا مع القطيعة الجزية ليسكنوا ولا يزعجوا # ويؤمنوا ولا يخرجوا وأقروا بوساطة الفقيه عيسى واقر السلطان من قسوس ~~النصارى أربعة قوام لقمامة وأعفاهم ولم يكلفهم الغرامة وأقام في مدينة ~~القدس وأعمالها منهم وكانت برسم الفرنج ومقدميهم مجاورة الصخرة وعند باب ~~الرحمة مقبرة وقباب معمرة وأجداث واحداث تعفينا آثارها ورخصنا أوصارها (237 ~~ب) وقلعنا صفايحها المخرمة وأعمدتها المرخمة وسوينا بها الأرض وسلطنا عليها ~~النقض وأشير على السلطان بتخريب كنيسة قمامة فلم يترجح في رأيه تخريبها ولا ~~توضح عنده تصويبها. # وقام السلطان بظاهر القدس حتى حقق الآمال وفرق الأموال وقسم الأنفال وعصى ~~في طاعة الله بإفناء تلك النفايس العزال فقد كان أخوه الملك العادل وجماعته ~~يرون وهو من الرأي الصواب إبقاءها للذخائر وإعدادها لما يدور من الدواير ~~وكان ذلك أولى في شرع الحزم لكنه جرى من فرط سماحته على الرسم وسمعت الملك ~~العادل يوما في أثناء حديثه في ناديه وهو يجري ذكر إفراطه في بث أياديه ~~أنني توليت باستيفاء قطيعة القدس فانفذت له ليلة سبعين ألف دينار وقلت قد ~~حصل منه على استظهار فجاءني خازنه بكرة وقال: نزيد اليوم ما نخرجه على ~~إنفاق مما عندنا فما كان بالأمس باق فنفذت ثلاثين ألف دينار أخرى في الحال ~~ففرقها على رجال الرجا بيد النوال ونفد إلى الملوك الذين كانت عساكرهم في ~~الفتوح حاضرة هدايا وتحفا والطاف جازية. ### ||| ذكر الرحيل عن القدس على عزم الحصار صور وهو يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان PageV01P154 # قال: كانت صيدا وبيروت مع الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وهما ~~لمجاورة صور معرضتان للخطوب وقد وصلت كتبه محرضة على حصار صور خاصة وعلى ~~بنان التندم لخوف فوات الفرص خاصة وإنها بالمرابطة فيها والصابرة عليها ~~تملك وفي كل يوم فرصة إذا فاتت لا تستدرك وإلى ms271 متى البث وحتام المكث ولم ~~يبق في النفس إلا حاجة صور فانهضوا إليها عسكر المنصور فقد أينع في القلوب ~~غرس ضمها وما بقي في كنانه الكفر غير سهمها ولا بد من العزم الجزم في خوض ~~هذا الخضم وكف الملم وكفاية المهم فرحل السلطان عن القدس بالبوارق الملتمعة ~~والفيالق المجتمعة والأفلاك بكواكبها والأملاك بمواكبها وكان الملك الأفضل ~~قد رحل قبله بأيام ليحكم ما بعكا التي يتولاها من أسباب وأحكام ثم تبعه ~~الملك المظفر تقي الدين ثم رحل السلطان في اليوم المذكور وودع ولده الملك ~~العزيز وسار معه منزلة وأعاد إلى مصر عزيزها وجدد بمحاسنه تطريزها وذلك آخر ~~العهد بلقاءه وإن مد الله سبع سنين بعد الفتح في حياة السلطان وبقاءه ثم ~~استصحب معه الملك العادل واستظهر بصحبته ووصلنا إلى عكا يوم الخميس مستهل ~~رمضان وبصور من خبر مصيرنا ما أقعد الكفر وأقامه وكان المركيز قد حفر ~~الخندق للبلد من البحر إلى البحر قدامه ووثق سورة وأسعر عليه مساعيره وبنى ~~بواشيره وأحكم " في التعمير تدبيره " واستكثر إلى جموعه العدد كثر من جنوده ~~العدد ورحلنا إلى صور بقوايم قوية وصوارم ظامية روية ووصلنا إليها يوم ~~الجمعة تاسع الشهر وخيمنا بإزاء السور بعيدا منه على النهر وأقمنا ثلاثة ~~عشر يوما حتى تلاحقت الأمداد وتكاتفت العدد وتكاثرت الأعداد وهيأنا آلات ~~الحصار وتنكبنا عنها عن نهج الاقتصاد والاقتصار وحول السلطان مضاربه إلى تل ~~قريب من السور مشرف منه على الجمهور " وكان تحوله إليها يوم الخميس الثاني ~~والعشرين من الشهر وأقام مقامه المصابر الصبور" وحجز على السفهاء العدى ~~بالحجازات وضايقهم بالأبراج والمنجنيقات والعرادات والدبابات وقد تكفل كل ~~واحد من الملوك بجانب يكفيه فالملك العادل سيف الدين بدر في جانبه وتحرف ~~الأقران بمضاء مضاربه، وتقي الدين في جانب آخر نازل منازل مقابل، والملك ~~الأفضل خيمته من وراء السلطان قريبة وعزمته لدعاء الصباح مجيبه الأمراء ~~والكبراء وعساكر ملوك الأطراف والحاضرون في الخدمة لا يحصون ولا يحصرون ~~ونحن نرجو من الله أنهم على أعداء الله ينصرون. وفي هذه الأيام وصل ms272 الملك ~~الظاهر غياث الدين غازي غازيا وللدين بقيامه وافيا واستظهر السلطان بالظاهر ~~ابنه وركن إلى شدته لشدة ركنه وأنزله بقربه ورتب رجاله في أماكنها وأبطاله ~~في مكامنها وعين لها مواقفها في مياسرها وميامنها وتعاضد أولياء الله على ~~قتال أعدائه وانتظروا نزول نصره من سمائه وكانوا يقاتلون (سماء) صباح مساء ~~وفي كل يوم بل في كل ساعة بأس شديد وقتال جديد ونوال مبيد (238 أ) وأما ~~المنجنيقات فإنما شقت حجاب السور بشورة الأحجار وهتكت ما نضدته للستاتر من ~~الستار الأبراج فانقضت على الكفر من النضال نجومها وقذفت الشياطين من ~~القوارير رجومها واستدعى السلطان السطول المصري وكان بعكا فجاءت منه شوان ~~عشر لها على القتال ضم ونشر جبالها "تمر مر السحاب" وهضابها تجرى في ~~الأمواج على الهضاب. وكانت للفرنج في البحر مراكب خفاف وحراريق لها بحريق ~~النصال قذاف وفيها رماه الجروخ والزنبوركات والنكابات بالناوكات فهي تجرى ~~بقرب الساحل موتره للمنايا موثرة للمنايا يرمون من دنا من البحر ويدمونه ~~ويصممون على ماقاتلهم فلما جاء أسطولنا استطال عليها وأبعدها من صور ~~وحواليها فأجترأنا على الدنو من البحر والهجوم عليهم فيه بالقهر، وأحطنا ~~بهم وقاتلناهم برا وبحرا وصدعنا أكبادهم رعبا وذعرا وكاد الفتح لنا يتم ~~والحتف فيهم يهم ونحن نحرص ونحرس ونقتص ونفرس فبينا نحن في أهنأ ظفر وأصفى ~~ورد وصدر إذا أصبنا ليلة وفجعنا بقطع مدده الموصول وذلك ان رئيسه عبد ~~السلام المغربي ومتوليه بدران الفارسي ومقدميه ورجاله ألفوا على الاستقامة ~~أحواله واغتروا بالأقدار ونعسوا ولم يحترسوا عن نوايب الأسحار وذلك أن خمس ~~شوان منها كانت بإزاء البلد في بعض الليالي مرساة بإرصاد العيون على الكفر ~~معراة فنامت بإزاء ميناء صور وقد نسى المقدور وجرت إلى السحر ومالت إلى ~~راحة العين من تعب السهر فما شعروا إلا PageV01P155 # بمراكب العدو مالكة وبرجالها فاتكة فدخلوا بها إلى الميناء " وملك الفرنج خمسة من # شواني المسلمين وأسروا مقدميها ورئيسهم عبد السلام المغربي ومتوليه بدران ~~الفارسي وأمراءه " وبدر أمراؤها المقدمون وتواقع إلى الماء رجالهم الباقون ~~فمنهم من نجا وخلص ms273 تحت ستر الدجى ومنهم من قنط من خلاصه المرتجى فأصبحنا ~~وقد وجمنا من تلك الليلة وبغتتنا نبوة تلك النوبة ثم قلنا هذه المراكب التي ~~سلمت لا انتفاع بعدتها القليلة ولا حاجة إلى بقاء الباقيات الصالحات عندنا ~~وإن الله سينصر بدونها في حماية الدين جندنا فجرنا لنسير إلى بيروت وننجو ~~من المعرة ونفوت فلما أقذف بها ملاحوها بصرت بمراكب الفرنج وراءها فخافت ~~اعتراكها واجتراءها فتواقعت إلى الماء خارجة على الوجوه مشفقة من المكروه ~~وكانت مجمعة بجريد وبجفوة مصرية ونجا منها شيني رئيس جبيل كأنها الجبل ~~وانحدر على البحر كأنه سيل وكانت رجاله منتخبين بالبأس والبسالة منتخبين ~~وأما الشواني التي تخلوا عنها فأنا رفعناها إلى الأرض وبسطنا فيها أيدي ~~النقص وعدنا إلى ما كنا عليه من قتال البر وأطعمت الفرنج شئون تلك الشواني ~~فقالت ما هذا أوان التواني فاستعدت يوما وقت العصر وخرجت عن الحصر وأقدموا ~~مدججين في بحر اللجاج ماججين يجرون من أبدان السوابغ ذيولها ويجرون من ~~أمواه السيوف القواطع سيولها فما ترى إلا فل الحديد بالحديد وشل العديد ~~بالعديد وهز الصوارم وحز الغلاصم وحطم الموازن وبث المكنون ونقل الكناين ~~ومازالت الرؤوس كالزروع تحصد والعوالي في الضلوع تقصد والقنا في السابري ~~تندق والكلى باليسرى تنشق حتى انفل الحديد وتكسر وانحل السديد وتيسر وكانت ~~الدايرة على الكفرة فانفجرت على نصالها عيون الفجرة وانتكصوا مغلولين ~~مأخوذين وأسر فيمن أسر منهم مقدم كبير قدم سلبه بأموال وعد لحماسته ~~ولبسالته برجال ما سلم نفسه حتى سلمت دونه نفوس وما غل عنقه حتى طارت دون ~~وقوعه رؤوس وتباشر الناس وقالوا أسر المركيس وحصل في القبض إبليس وكل من ~~يتألمه يشبهه بالمركيس ويمثله. وكان الليل قد جن والسيل قد أرجحن فسلمه ~~السلطان إلى الملك الظاهر ليحفظه ويعين الحراسة يلحظه فقدم المقدم وضرب ~~بيده عنقه ولما أقمنا صروحا تبين أن المركيس في الحياة مهله إبليس وعادت ~~بالحروب في كل يوم يحدد فيها المنون وتدور برحاها الحرب الزبون تجد ويجدون ~~وتشتد ويشتدون ولو أقمنا لرجونا من عون (238ب) الله ms274 تعالى أن ينصرنا وقلنا ~~قد آن للصبح أن يسفر وللنجح أن يظهر لكن مراد الله أمضى وقدره أغلب وأقضى. ### ||| ذكر الرحيل عن صور وبيان السبب فيه وذلك في آخر شوال PageV01P156 # قال: كان أصحابنا قد ألغوا من مفتتح الفتح الحصول من غير تعب على هني الربح فما # التقطوا إلا درة ثمينة ولا اشترطوا إلا لقمة سمينة فلما حصروا صور ~~وأبصروا الأمور وشاهدوا الشهادة واحتاجوا إلى هجر المعيشة الرحبة المألوفة ~~وأنفقوا الأموال في جلب القوت والعلوفة مشي رجالنا ومالت إلى الزوال ~~أموالنا وفيها جماعة كرهوا الرحيل وقالوا: قد أوهنا العدو ورزقنا الله عليه ~~الغلبة والعلو وقد فرق علينا السلطان من الأموال آلافا مؤلف5ة حتى استتبت ~~الأسباب فإذا رحلنا أحبطنا الأعمال وأذهبنا غبنا تلك وقد قال الله تعالى: " ~~يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " ~~وإذا امتثلتم هذه الأوامر فإنكم بوعده الصادق تفلحون وتفتحون ومن الناس من ~~هو ساكن ساكت حتى يبصر ما يكون من حكم القدر ويقضي الله أما بالرحيل وأما ~~بالفتح والظفر فجاء الألوف إلى السلطان وقالوا: قد بان تعذر الإمكان وقد ~~أشرفنا على كانون وكل ومل المؤمنون وما ينقضي يوم إلا ويقضي أو يجرح فيه ~~قوم وهؤلاء رجالك فلا تفرط فيهم ولا تحملهم على ما يرديهم وبين أيدينا بلاد ~~أهون من صور فأرح لفتحها عسكرك المنصور فقال السلطان: قد أنهينا في بحر ~~الاجتهاد العوم فكيف يطرق بالرحيل إلينا اللوم وما عذرنا إذا فرجنا عن ~~عداته وخرجنا عن مواقيت عداته وبالصبر ينال الظفر وبتوفيق الله لإتباع أمره ~~يوافق القدر وهذه صور إن بقيت أتعبت وإن نفس كربها أكربت ولم يبق بهذا ~~الساحل مدينة للسوء سواها وما نخاف اجتماع مدد الفرنج إلى الساحل لولاها ~~فإذا فتحنا رتاجها فتحنا كل رتاج وأوضحنا كل منهاج والحصون والمعاقل ~~الباقية في يد الكفر مجاورة لبلادنا في البر وما أهون فتحها إذا يئس رجالها ~~من إمداد البحر وإذا تركنا هذه الجمرة في رمادها وهذه الشعلة المتوارية في ~~زنارها أعصفت بها نكب الرياح وعنت ms275 بوريقها الذي للإقتداح فانتشر حريقها ~~واتسعت للطورق طريقها وقد قرب من نار شره الخمود وتعذرت من سوره الحدود ~~وإذا مضينا وتفرقنا فمتى نجتمع ونعود وقد أمكننا الغربة وأنتم الاسود وقد ~~لاحت الفرصة وقد حميت الحمية فماذا الخمود فتأبوا إلى ما رآه وأتوا على ~~رضاه فأقمنا بعد ذلك أياما نوفي الباصرة حقها والمرابطة صدقها والسلطان ~~يفرق على الرجال الأموال ويحبب إلى أولياء الله في سبيله القتال في انفس ~~المتضجرين بالمقام ما فيها وكم ثبتت متجلدة على ما ينافيها فتمكنت الفترات ~~في عزماتها وتطرقت السكنات إلى حركاتها وصارت تخل بنوب المنجنيق وتدعى ~~سانحات اسباب التعويق ويقول الأمير: رجالي يجرحون فكيف يعدون للنوبة أو ~~يروحون وبقيت المنجنيقات واقفة لا فادح لزنادها بحجارة ولا قابل لسومها بيع ~~ولا إجارة وقد استوفيت شرح ذلك في كتاب الفتح القدسي واديت العنى باللفظ ~~القسي فعزم السلطان على الرحيل وأمر بنقض الابراج والمنجنيقات ونقل الأثقال ~~والآلات فحمل بعضها إلى صيدا وبيروت في البحر والبر وأحرق بعضها لئلا يحصل ~~بها نفع للكفر وانتقل السلطان إلى المنزلة الأولى وشرع جمع العسكر في ~~الإفتراق كأنهم قد أطلقوا عن الوثاق ورحل الملك المظفر تقي الدين وسار إلى ~~دمشق على طريق هونين واستصحب معه عساكر الشرق وجموع الجزيرة والموصل وسنجار ~~وديار بكر وماردين ثم استقل السلطان راجلا وسلكنا بالخيل في خدمته ورأى ~~الباقين فوق الجبل في ثلاث مراحل حتى انخنا بظاهر عكا عند التل وخيم ~~السلطان (239 أ) هناك وأقر الفضل وأرف الظل وعين يوم رحيله أمراء يقيمون ~~على صدر إلى أن يعرفوا عبور النقل فإن طريق الناقورة في الجبل المطل على ~~البحر ضيقة المسلك لا نعبر بها إلا جمل جمل فعبرت بها الأثقال والأحمال في ~~أسبوع وسار الملك العادل إلى مصر والملك الظاهر إلى حلب واستأذن أيضا بدر ~~الدين دلدرم الياروقي في المسير وصار هاولا في الجم الغفير والجمع الكثير. PageV01P157 # وفي هذا التاريخ استشهد سيف الدين أخو عز الدين جاولي في عفربلا كبسته ~~فرنج حصن كوكب آخر ليلة من شوال وكان محمود ms276 السيرة منتبه الغريرة طاهر ~~الذيل من الدرن ظاهر الميل إلى الأثر الحسن وكان قد تخلف من الحصون التي لم ~~تملك حصنا كوكب وصفد وإنما طال أمد فتحهما لأن في كوكب جمهرة الإستبار وفي ~~صفد جمهرة الداوية فرأى السلطان الحاجة في فتحهما إلى المطاولة والمحاجة من ~~غريمهما بالمماطلة فوكل بهما أميرين أمينين فأصلت على أشقياء صفد سيف الدين ~~اللصتي مسعود ورأى أن يوكل بكوكب غير محمود وكلاهما استشهد وحكم مراد الله ~~غير مردود فأما محمود فإنه أقام في حصن عفر بلا وهو قريب من حصن كوكب ونغص ~~على المقيمين فيه المطعم والمشرب وضيق عليهم حتى ضاق خناقهم وحاق إرهاقهم ~~وآن أن ينصال أرماقهم فدخل الشتاء واعتل الهواء واغتر محمود بجمود القوم ~~وخمودهم وترك النوم واشتغل بعادته في حصنه ولما كان آخر ليلة من شوال وهي ~~ليلة راعدة بارقة خلا محمود خلاله المحمودة وسهر وحرض إلى السحر وهو في غرة ~~في غار الغير وأخل أصحابه الاحتراس ومالوا ((فغلبهم النعاس)) فما استيقظوا ~~إلا وفرنج كوكب عليهم باركة وللبنة حياتهم هاتكة فمازالوا يدافعون عن ~~أنفسهم حتى استشهدوا ونقل الفرنج إلى كوكب ما وجدوا من عدة ومتاع وسلاح ~~وكراع. ووافق نعيه رحيل السلطان من صور فتقدم إلى صارم الدين قايماز النجمى ~~أن يرابط كوكب في خمسمائة فارس ولم يزل عليها منيخا حتى تسلمنا الموضع في ~~أواخر سنة أربع على ما سيأتي ذكره. # وفي هذه السنة كان فتح حصن هونين أيام مقامنا على حصار صور وذلك أنه لما ~~فتحت تبنين امتنعت هونين فوكل بها من الأمراء من رابطها وصابرها ولم يزل ~~مقاتلا لها حتى راسلوا في طلب الأمان وتسليم المكان وجاء الخبر إلى السلطان ~~فأمر الأمير بدر الدين دلدروم الياروقي في التوجه إلى هناك وخرج الفرنج ~~منها آمنين والحمد لله رب العالمين. ### ||| ذكر دخول السلطان إلى عكا # قال: وأقام السلطان بظاهر عكا في سرادقه ناظرا في غاية حقوق الدين وحماية ~~حقايقه واتفقت في تلك الليالي رياح مختلفة وعواصف مرجفة وكان الملك الأفضل ~~في برج الداوية مقيما ms277 فسكن السلطان بالقلعة في محل الرفه والرفعة واستقر ~~بها إلى أن دخلت السنة الأخرى ورتب الأمير عز الدين جرديك واليا وأعاد به ~~عاطل الولاية حاليا وإنما عول عليه لنزاهته ونباهته فسدد المختل وشفى ~~المعتل وأقام السياسة وأدام الحراسة ووقف دار الإسبتارية نصفين نصفا على ~~المتصوفة ونصفا على المتفقهة وأهل المعرفة من الطائفتين ووقف دار الأسقف ~~إلى جمال الدين بن أبي النجيب المتولي بها أمور الشريعة وأدت الحال بتفريق ~~رياضها الوسيعة. ### ||| ذكر حسن خلق السلطان # قال: كان أيام حصار صور قد فرق أمولا كثيرة على الولاة في البلاد لجمع ~~الرجال فلما قضى الله بالارتحال ذكر بتلك الأموال فأضرب عن ذكرها ولم يخرج ~~أمره في أمرها وكان والي أعمال عكا حينئذ شمس الدين علي بكريسان وقد سير ~~إليه ألف دينار قبل الرحيل من صور بأيام فلما حم الرحيل كوتب برد المال ~~فقلت للسلطان: أنه من الكماة الكفاه فأنعم عليه بما عنده فلم يعد لذكره ~~بعده واحتسب تلك الأموال للآخرة ذخرا ولم ير لما جبره من كنز إنفاق كسرا. ### ||| (239 ب) ذكر الرسل الواردين في هذا التاريخ PageV01P158 # قال: فأول رسول وصل وسؤله حصل رسول الديوان النبوي منزل الرسالة ومحل ~~الجلالة وهو أخي تاج الدين أبو بكر حامد بن محمد بن حامد وكان وصوله ونحن ~~على صور فحين وردت البشرى بقربه أمر بعض الأمراء بتلقيه ويحميه في المنزلة ~~التي يبيت بها ويقيه ولما بكر أمر الأمراء بالتبكير لاستقباله والتوقير ~~لجلاله وتلقاه الملوك الحاضرون الملك العادل والأفضل والظاهر وعقدت بمحاسن ~~ذلك المقدم المشهود المحاضر ثم ركب السلطان آخرا وتلقاه وقام بحق الخدمة ~~الأمامية ووفاه واستصحبه معه إلى موقف القتال ومقام مناصب الأبراج ومراكب ~~الأمواج ثم أنزله بقربه وحباه بحبه ثم عبر يوما لحضوره وأدى الرسالة ~~النبوية بحقها وأبدى الجلالة المنيفة في أنفتها. وكانت معه تذكرة مشتملة ~~على العتب والتقريع فيما مر به الأعداء من السعي الوضيع والوشي الشنيع ~~فقابل العتاب بالأعتاب ورد الخطأ إلى لصواب وبين أن الحسود اخترع الزور ~~وشهد أنواره رام أن يستر ms278 بظلامه الفلق ومضى أخي إلى القدس وزاره وشهد ~~أنواره وأقام إلى آخر السنة ومنزلته موقرة معظمة ثم كتبت على يده ما استقام ~~به على جدده. # وكان من جملة الواصلين الفقيه كمال الدين الشاشي قاضي أرز الروم فأسهمه ~~السلطان خصوص أنعامه والعموم واتفق وصولنا أو إن رحيلنا من حصار صور وسار ~~معنا إلى عكا ولقيته وقد أنجز أمره وهو يشكي وسألته عن شكواه فذكر لي ~~اقتراحا يسيرا وشكى تقصيرا فقلت حقك يقضي وتلوت " ولسوف يعطيك ربك فترضى " ~~ثم استأذنت له تلك الليلة على السلطان وأحضرته ووفيته حق تبجيله وقربته ~~وقلت: لعل مولانا ما عرف أنه فقيه عن النظراء ومتميز وفي المناظرة مبرز فهل ~~يؤذن في حل مشكلة والكلام في مسألة فبش لذلك القول وهش بالطول فقال: مبارك ~~يشرع ويجيد ونسمع ويفيد فشرع في مسألة مستدلا معللا وأصغيت له مبجلا وهززت ~~له عطف الاستحسان وأعززت قدره ومكانته بقدر الإمكان وقربته إلى قلب السلطان ~~ثم اعترضت على كلامه وأعدته أحسن إعادة وذيلته من المعاني البديعة. # قلت للسلطان: هذا من الفقاء الأعيان يعود إلى تلك البلدان ويتحدث بأخبار ~~فتوحك وأنباء غدوتك في الجهاد وصبوحك وقد رغب في التبرك بما يستصحبه معه من ~~عدتك في الغزو والملبوس فإن لها قبولا في القلوب ونفاسة في النفوس فأدناه ~~منه تأنيسا ووهب من كل عدة خاصة لها علقا نفسيا حتى أعطاه قميصه المزرور ~~عليه وملأ بعوارفه يديه فخرج وودعه وودعته وأشاع حمدي وبالحمد شيعته هذا ~~ولم يزل أدبي وقضاء حقوق الكرام من أنجح آدابي والسلطان يقلدني في مذهب ~~سماحه ويقلدني في المنن في الإرشاد مقصد معارفي هذا وإنجاحه. قال: ومن جملة ~~الواصلين في التاريخ رسول الأتابك مظفر الدين قزل أرسلان. ### ||| ذكر نبذة من أحواله PageV01P159 # كان هذا مظفر الدين قزل أرسلان وهو عثمان شمس الدين أيلدكز مستوليا على بلاد العجم # بعد أخيه يهلوان وهو عم السلطان السلجوقي ليس معه أمر نافذ ولا بيده في ~~الملمات منه آخذ وقد حكم على البلاد جميعها أرانيه وأذربيجان والري واصبهان ~~ومن حد حلوان ms279 إلى حد خرسان وقد هرب السلطان السلجوقي ليخرج من تحت حكمه ~~ويتسلط على عادة كل سلطان ورسمه ثم قوي وعاد ولم ينتظم لسوء تدبيره أمر ولم ~~يرتفع له قدر فإنه كان كثير التحيل من خواصه يرتاب بغش ذوي استخلاصه فإذا ~~أوهموه في أعظم أمرائه أمرا عظيما لم ير في الإيقاع بهم تهوينا ولا تهويما ~~فما يشعر به الواقف على رأسه إلا ورأسه طاير ودمه ماير فخانه مقربوه ~~وانتزحوا فكل منهم نافر ومازال قزل أرسلان يتتبعه ويرده تارة ويردعه حتى ~~ظفر به وسيره إلى بعض القلاع وحبسه وهذا قزل أرسلان كان يجد لي أمرا في ~~السماح والأموال في أنامله كالهشيم على مهب الرياح ومن جملة سجاياه الكريمة ~~أنه تبقى عنده رسل الأطراف مقيمين في ظل الإسعاف مشمولين من تفقده بكرا يم ~~الألطاف (240 أ) فلو أقام الرسول سنة أقام بتبجيله وتشريفه حتى تستغني ~~بدقيق أنعامه وجليله فإذا استأذن في العود أجزل له عطاءه ووفر له الاءه ~~وأعاده مملوء الحقائب مطوق الجنائب مثقلا بالنضار وكان إذا عرف اجتماع ~~الرسل عنده من الأمصار وأقاصي البلاد وأداني الديار أحضرهم في إيوانه ~~وغمرهم بإحسانه فمن وافقته على أنسه أقام ومن عف عن القعود في ذلك المجلس ~~قام. وكان على مذهب ملوك العجم في إدمان الشرب وسمعت أنه أنهب آلات مجلسه ~~الذهبية والفضية وكانت ألوفا لندماه مرارا وكم مرة لم يبق في خزانته غرضا ~~ولا درهما ولا دينارا وكانت هذه شيمته في دولة أبيه وهو يحبه إذا افتقر ~~ويغنيه فلما اتسع ملكه وتوحد واتسق سلكه وتفرد ولم يخل خليفته ولم يزل ~~طريقته وكلما سنحت الدنيا له سخا بها ووهب الدرر بسخائها والدرر لسحابها. ~~وإذا ركب تعد له المواكب وتمد له الجنايب والمراكب مثقلة بالسرقسات المدثرة ~~والأطواق والسحوت العسجدية المجوهرة وهو راكب أزهاها حليا وأبهاها جربا. ~~وحكى أنه أنعم على أحد الرسل بمركوب غال فجاءه كل سابح كأنه بحر ساطع كأنه ~~فجر ضامر كأنه صقر ذي حافر كأنه صخر وقد ركب الأمير وهو يسايره ويحادثه ~~ويحاوره وتحت ms280 الأمير مركوب في كون مركوبه بعينه بطوقه وسحته ونضاره وتحته ~~مد فرس الرسول وترح وتجهد فقال: ما بال جوادك إلينا يسهل وعلينا يحمل فقال: ~~يطلب رفيقه وينادي شقيقه وهو من فراقه على فرق ومن اشتياقه على قلق فنزل ~~الأمير عن حصانه ووهبه له بقلايده وعقبانه وركب غيره وصان ببذله خيره وقبل ~~سايره قاض من قضاة تلك البلاد وهو على بغلة عاطلة هزيلة والأمير على بغلة ~~فارهة جميلة بمصوغات التبر في الحلي ثقيلة فقال يا قاضي: ما لبغلتك قد عجفت ~~فقال: أدمغتها الغيرة من أختها فما هي على تختها ولا في طوقها وسحتها ~~فأعطاه البغلة بسرجها وطوقها وأمر لبغلة القاضي بمثل زينتها لتقرن بها ~~بقرينتها وزاده عطية لأجل علفها وإزالة هزلها وضعنها فاستغنى القاضي بها ~~بقية عمره ووجد جده وعدم عدمه. # ومن جملة مكارمه أن الأثير الأخسيكي شاعر دهره وساحر عصره مدحه بستة ~~أبيات من شعره فجاد له بستة آلاف دينار من تبره وقال: لو زادني زدته. وحكى ~~أيضا أنه وصل إلى المعسكر شاب أديب قد حوى من كل فضل طرفا وحاز من كل غريبة ~~طرفا لكنه فقير قد أدركته حرفة الأدب وأحوجه الأضرار إلى الاضطراب وأخرجه ~~الاغترار بالاغتراب فلما وصل إلى المعسكر اجتمعوا حوله وسمعوا قوله وعرفوا ~~معرفته ووصفوا صفته ونما الخبر إلى الأمير على ألسنة ندمائه فأمر بإحضاره ~~ولما حضر فاكهه وشافهه واستطرف أدبه واستوصف آدابه ونظم في وصف الحال ~~رباعية بالفارسية فأحضر له ألف دينار حمر وقال: خذ هذه واتسع بها وشفع وقد ~~وصلناك فلا تنقطع فلما بسط الكف وقبض الألف طار من الفرح كالفرخ إلى وكره ~~وأبعد الدموع إلى تلك الدنانير عن ذكره ورجع إلى البلد وقرت عين الوالدين ~~بالولد وطلبه مظفر الدين قزل أرسلان فأخبر بانفصاله وأنه قنع بما تهيأ به ~~من أفضاله فقال: ما كان أدنى همته ولو عرفنا لاجزلنا عطيته. PageV01P160 # ومن جملة انحرافه في سماحته أن المجير البيلقاني الشاعر بالفارسي تعلق له أمل بجمل # فكتب إلى قزل أرسلان مقطوعا في أحد وعشرين بيتا لم ms281 يخل كل بيت عن لفظه ~~الجمل بمعنى ليس في البيت الآخر بديع وسبك نصيع فوهب له أحد وعشرين بازلا ~~نجيبا. قال: وهذه نبذ من مكارمه ليقتدي بها الكرام ولأنوب في الشكر عمن ~~شمله الأنعام وهو من الملوك الذين سيرت إليهم البشارة من المملوك وسار ~~بالبشائر والهدايا والتحف والأساري إليه ابن أختي جمال الدين أبو الفتح ~~إسمعيل بن الحسن بن عبد ربه وكان ينوب عني في الكتابة وهو سهم كاف كثير ~~الإصابة فاختاره السلطان لهذه السفارة وجعله أمينا في أداء أدوات البشارة ~~ومضي سفيرا فقوبل وفوده من القبول بالوفور وأرسل معه أعز من عنده وحمله ~~مشافهة وشكره وهو عز الدين الطالبي فوصل وأوصل الهدايا والتحايا وأحضر لما ~~حضر نفود المكرمات والثنايا وكنا حينئذ بعكا وهي بالأولياء معمورة وبالآلاء ~~مغمورة فأنزلنا في أكرم منزل وشاهد مواقف الكرام ومفامات الأقدام وأقام في ~~(240ب) إقامة هنية وكرامة مضية وفي كل يوم إهداء مركوب وعطاء غير منسوب ~~فلما آن انفصاله وحان ارتحاله أغناه وأعطاه مل لم يخطر في مناه وعين لصاحبه ~~من أنواع الهدايا ما جاوز تقويمه الألوف وأطاع في سماحة طبعه الألوف وأخذ ~~الهدية القزلية من الجواهر الثمينة والمستعملات المصرية والثياب المعدنية ~~والعتاق العربية وكل ما حاز به يد الأيد في جهاد من طريف التلاد وعقابل ~~الطرف والتلاد والخوذ والنزول والعقود والسلوك وغير ذلك مما يصلح للملوك ~~وسلم جميع ذلك إلى جمال الدين نسيبي وجعل له تلك الرسالة من نصيبي وأهدى ~~لأمرائه وخواصه وذوي قربه واختصاصه هدايا على أقدارهم ومنازل كبارهم ~~وصغارهم وتوجه وتوجه الرسول ومعهم رسولنا وقد شملنا اقبالنا وقبولنا وكتبت ~~على أيديهم بالفارسية كتبا بالبدايع مشحونة فلما وصلتهم الكتب والرسل ~~تواصلت بيننا وبينهم الصلات وتهادت المهاداة واسترسلت المراسلات وانقلبت ~~إلى المصافات الصفات. # قال: وسأذكر نبذا من تخرقه في السماحة وأغفلتها ثم تندمت كيف أهملتها ~~أصبح يوما في عنفوان هبوب صباحنا وقد وهب جميع ماله من لبسه وثيابه واصطبله ~~بآلاته ودوابه وخيمته بما فيها من سبده ولبده وقعد على الأرض متجردا عن كل ms282 ~~ملك شاذا من كل عقد وسلك وذلك في زمان أبيه فلما نما الخبر إليه بما سخا به ~~وأنه صفر يده أحضره وزجره واستجهله فيما عرف منه وأنكره. قال: ومن أنت ومن ~~يقال لك ومن لهذا الطريق الذي سلكه سلك فقال ما معناه أنا أبي خير من أبيك ~~وأشرف وأعظم. أنت الأتابك شمس الدين إيلدكز والدي فمن كان والدك ولا تنكر ~~إذا وردت مواردك وأنت تخاف وتسعد عنه وأخلف عليه أفضل ما كان له وأوفر. # ومن حكايات مغنية في مجلس أنسه والتهاب طربه في طيب نفسه فقالت مالدو ~~أيرى علف وما لما أنفقه على علفها خلف فقال سرا لخادمة خذا غراره فأملأها ~~بثياب ديباج وحرير وأطلى رأسها بحشيش وشدها وأعدها وإذا طلبناها أحضرها ~~فأما أحضرت قل لها هكذا هذا العلف خذوني هذه الساعة إذا كان هذا جودك ~~وموجودك فكنت تخل مجلسك من إحضاره وتبقيه عاريا من عاره فقال لها وحلف أنها ~~تتولى أخذ الغرارة المحشوة وتفريغ الفرد المملوة فقامت كرها على القدم لأجل ~~إجلال القسم فأخرجت منها غنى الأبد فخرت ساجدة وفخرت واجدة وعاد منها غنى ~~الإحسان بإحسان الغنى وأخذت في الإطراب والإطراء. # ومن حكاياته أن شاعرا مدحه بقصيدة سبعين تناهزت أعطافه فقال يحكم على ~~فيما أعطيك ولا ترضى إلا بما يرضيك فقال: قد قنعت بسبعين دينارا عدد ~~أبياتها فقال له: ما أدنى همتك لو طلبت مني سبعين ألف دينار ولا حرمتك منها ~~ولا حظرتها ثم أعطاه ألف دينار وحلا وجه أمله وصفح نجحه بسفور وأسفار. قال: ~~وهذا كله لا يكون في بحر سلطاننا جدولا ولا لأحد أمليه في سماحته منهلا ~~وكان مهذب المذهب طاهر المحفل والموكب وقد خصه الله بالصدر الأرحب والعرق ~~الأطهر الأطيب للخالق تقواه وللمخلوقين جدواه وإنما يريد للآخرة دنياه فلا ~~جرم ختم الله بالحسنى عقباه. قال وفي هذه السنة سنة ثلاث وثمانين استشهد ~~الأمير الكبير شمس الدين بن المقدم وهو محمد بن عبد الملك يوم عرفه في ~~عرفات. ### ||| ذكر السبب في ذلك PageV01P161 # قال: لما وقع الفراغ من ms283 فتح القدس دنا الحج واستقام منه المفلحون على النهج وقالوا # نحرم من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام ونفوز مع إدراك فضيلة القدس في ~~هذا العام بأداء فريضة الجهاد وحج ركني الإسلام فاجتمع جمع من أهل ديار بكر ~~والجزيرة والشام وسار بهم الأمير شمس الدين بن المقدم شيخ أمراء الإسلام ~~الكرام فودعه السلطان على كره من مفارقته واستمهله ليحج في السنة الأخرى ~~على موافقته فقال ما معناه: إن العمر قد فرغ والأمل قد بلغ والشيب قد أنذر ~~والقدر قد حذر واغتنم فرصة الإمكان قبل أن يتعذر فمضي والسعادة تقوده ~~والشهادة تروده حتى وصل إلى عرفات وما عرف الآفات فشاع وصوله وسالت سيوله ~~وحالت حيوله وضربت خيامه وخفقت أعلامه واشتغلوا ليلة عرفة بالمناسك فلما ~~أصطبحوا نقرت على العادة نقاراته ونعرت (241أ) بوقاته فغاظ ذاك أمير الحاج ~~العراقي ففاض غيظه وغاض برد رضاه ولفح فيضه وركب إليه في أحرابه وكماة ~~طعانه وضرابه فأوقع به وبأصحابه وأبلاهم بخراجه ونهابه وجرى حكم الله الذي ~~كان ضرب الطبل أوكد أسبابه وقتل جماعة من حاج الشام وجرحوا وهتكت أستارهم ~~ونقل طاشتكين شمس الدين بن المقدم إلى خيمته وهو مجروح وفيه روح وحمله معه ~~إلى منى فقضى ودفن بالعلى وارتاع أمير الحاج بما اجترمه وكيف لم يراقب الله ~~وأحل حرمه وكيف عدا على العائذ بالله وسفك دمه فكتب محضرا على ما اقترفه ~~بعذره فيما اجترحه وألزم أعيان الحاج على ما عينه من المراد فكتبوا مكرهين ~~ووقعوا له على الأنفس والأموال وسلكوا معه طريق السلامة في الأحوال وكان ~~عذره أنه أنكر عليه ضرب الطبل فأبى وثبت عليه من الحرب السبا فلما انتهت ~~إلى الغرض الأشرف تلك الحالة وان العثرة أخطأتها الأقالة أنكرها إنكارا ~~شديدا ونسبها إلى طيش طاشتكين ولم يجد له رأيا سديدا فلا جرم وضع عنده قدره ~~ووهى أمره حتى نكبه بعد سنين وحبسه وأطال سجنه ثم عفا عنه بعد مدة مديدة ~~وشدة جرت عليه شديدة وولاه حرب بلاد خوزستان وخراجها وأوضح بسياسته منهاجا ~~ولما وصل إلى السلطان ms284 خبر استشهاد ابن المقدم وجماعته لامه على ترك الحزم ~~وإضاعته واحتسبه عند الله غازيا شهيدا ساعيا إلى الجنة بقدمه سعيدا وأقام ~~ابنه عز الدين إبراهيم في بلاده مقامه وأقر عليه أنعامه ووجده على سمت أبيه ~~وسمده وهديه وهدوه وكبر قدره وعلوه ومثلث يوم الحضرة الكريمة الفاضلية ~~فتجاذبنا أطراف العوايد وتناولا أقطاف الفوائد فوجدت بحر خاطره يتدفق ~~لإلقاء الدرر وسنا رأيه يتألق لإبداء الغرر فتفاوضنا في همة السلطان ~~وغزواته وعزمته وفتكاته ومعجبات كراماته ومعجزات مكرماته فارتجل الأجل ~~الفاضل بديهيه في صفة سيوفه مقطوعا علقت بحفظي من أبياته بعض قطوفه وهي: # ماضيات على الدوام دوام ... هن في النصر نجدة الإسلام # في يمين السلطان أن جردتها ... أشبهتها صواعق في غمام # تنثر الهام كاحروف فما أشبه ... هذي السيوف بالأقلام # في محاريب حربه البيض صلت ... وركوع الظبي سجود الهام # ودعا للسلطان فقال: أدام الله استعباده الأحرار وتحريره العبيد وتبعيده ~~من التوب القريب وتقريبه من الأمل البعيد. ووصف بحالي أنوار سعادته أثمار ~~إرادته وقال: طلب مونعها فما مونعها ومن التحنيس قوله: فيم وقوفنا على قوم ~~وقوفنا. # ومنه: لولا كرك بالكرك لما عدمت شوبك بالشوبك وأنشأ مرتجلا: # أحرق مني كبدي في ... خده الحمر الندى # قال: نكت من مكاتباته. فمنها: # أبا الاسكندر الملك أفتديتم ... فما تضعون في أرض وسادا # وإن من النصرات إلى مجرى ... الفرات إلى فريق مستزادا # والله يصون الحضرة العالية عن عدواء السكر ورعشائه ويحملها على سهل ~~الطريق ومثابه ويمتع بأقوالها التي شفع الناس نيلها وأقوالهم ترهب ذهاب ~~غيابه. # قال: ووصف كتب إليه ووقف منها على البلاغة المسرودة الموصوفة والجواهر ~~الثمينة المكنونة والثمرات التي اجتنيتها من شجرة اللاغة الطيبة ومن الناس ~~من يجتني ليجنيها من الشجرة الملعونة. PageV01P162 ### |||| فصل من أخرى # وقفت منه خاطري الحيران على ما هداه لقصده وقلبي الظمآن على ما ~~جمع بينه وبين ورده ويسرت حللل الإنس ورقعت ولولا القلق لقلت له ~~ورياض القدس وأشرفت على أيام الأعياد وليالي العرس فلا عدمت ذلك الفضل ~~الواسع والخلق البارع والأطناب (241أ) والمعنى النافع واللفظ الناقع ~~والمعنى ms285 الواقع والسرو الطالع والحديث الذي بث في الأرواح شعاع الروح ~~والعلم الذي يذبح الطروس بوشي الوشائع والقوافي التي إلى هذه الحلى وأحل ~~لها عقدة الحبي واهتز لقطرها كما يهتز لحب القطر الربي وأنني أقراها معاودا ~~ثم لا أقضي منها إربا وقد تمادت الفرقة والشوق متماد وهام خاطري ومنه # في كل واد إلا وادي السلو ... ليس له بواد ولا هو له بواد # أما في صروف الدهر أن يرجع النوى ... بهم ويدل القريب فيهم على البعد # بلى في صروف الدهر كل الذي ... أرى ولكنما أغفلن حظى على عمد # وأما الأخبار الطيبة بتلك السياقة المستعذبة فقد أوردها بلسان الإحسان ~~وأحسن فيها العبارة عن الزمان وهو ترجمان الزمان وهو المعيد لبنائه لمل ~~يملأ الملوان ولقد جئت أن ذلك البيان مما زين للناس من الشهوات وما حظر ~~عليهم من حوادث النشوات بل هو من نعيم الجنة الذي كلما نفد جدد ومن ثمراتها ~~الذي كلما أريد ردد لأعدمت الدولة الناصرة من قلمة ناصرا ومن رأيه ناظرا ~~ومن فكره جيشا لجيش الأعداء كاسرا. # ومن أخرى أقلام المجلس السامي إذا صفاها صوب فكره أطفأت كل نار وإذا ~~أنجدها جد عزمه أخذت كل ثار وأدام الله أسفار وجوه كتبه ورسله وسأذكر ما ~~حضرته من قوله الحسن والإحسان والروح والريحان وثبوت ذهنه على أن الطبع ~~شجاع والفكر صاع وقلمه في كرسي مملكة يده نافذ الأمر مطاع، قال: وقد سبق ~~ذكر أخي تاج الدين رسولا من الديوان العزيز في هذه السنة بتذكرة غلظ فيها ~~القول واحفظ منها الصول وأتت إلى العلم الكريم الفاضلي فوصل منه جواب. ### |||| فصل # وقفت على ما أشار إليه من حديث التاج أبقاه الله وتأويل التذكرة وما جدده ~~تأملها من مغائظ وضبائط وما أشار إليه الحاضرون وما نظر فيه الناظرون ~~واستنجاده برأيي واستمداده بكتابي وانتظاره لما يسفر عنه من السلطان عن ~~بصره جوابي وقد علم سيدنا أنني أمللت الأقلام فيما كتبته وأخفيتها فيما ~~أردته وحررت المشورة في دمج هذه القضية وسير هذه الحلية والإمساك أما على ~~معنى التخصص ms286 أو معنى التربص فرب صبر استقل بحمود العاقبة ورب مكروه الفاتحة ~~أدى إلى محمود الخاتمة. وأصل هذه التذكرة مبني على جواب الباطن والتعاطي ~~الظاهر ومن كان صلاحه التوقي فتساعده عليه ومن كان رضاه القول فنرشده إليه ~~وقد كتبت الآن بما اتسع لي أن أكتبه وسألت أن يدفع هذا الغيظ فما جاء ما ~~أوجبه وأنا واثق من حسن النية أن المولى التاج أبقاه الله يخرج من هذه ~~القضية سالما غانما لا راغما غارما فإن حريته وفضل سجيته يجردانه من الذنب ~~ولا يجعلان لقلبه بهذا الأمر شغلا فما رأيت قط الثأر العثار إلا حيث لا ~~يستقيم إليه ولا يخلص الطوبة. ### |||| جواب مكاتبة أخرى # وقفت على كتاب كريم يتضمن من أحوال المولى تاج الدين إلا من جهتين من جهة ~~المودة ومن جهة إطراح ما يردد في حقي من المهودة وبالله أقسم لقد بذلت ~~المجهود وما من شرط بذله بلوغ المقصود وودت لو اطلع على الكتب التي كتبتها ~~فإن فيها عذرا ونصحا يقتضيان قبولا ونجحا وقد جددت في هذا الوقت الذي كشفت ~~فيه وجه النصيحة وأوردت فيها قضية الرأي الصحيحة وأرجو أن يسرد على أصغار ~~ولا يرد على ما ورد عليه ما قبل من إلغاء ومن فقرة الأسدين فلا بأس فنزل ~~الأنس الدين. أخرى هو مغض على كل مغضب ومجد على كل مجدب يستقل بكل مضلع ~~ويكشف كل معضل وقد علم قاصده أنه مفض منه إلى مفضل. # قال: وقال استلامت البلاغة بزرد أحرفه فقلت واستنت المعاني في طرق طرفه. ~~قال وفي التعزية لشهيد وليس من السنة أن يرتع في رياض الرضا ونحن نسخط في ~~جنان الجنان ونحن في الأسى نتورط فإن الله لا حكم على علمه ولا علم لنا ~~بحكمه. وله والحر أصبر قلبا والعبد أصبر جسما. وله: كتابي يملي على القلم ~~ويكاد يستمد من الدم. وله: وصمته بما استوى فيه نطقه وصمته ألفت منه ود ~~اللام للألف والواو للحلف. ### |||| (242 أ) وله في التوسط بين الأصدقاء PageV01P163 # ما أدخل بينكم إلا كدخول المرود في ms287 الأجفان بيد لها ما ذهب من النور ~~والغمض وكالنسيم بين الأغصان معطف بعضها على بعض وله: لمجت لواهج التصغير ~~برويد والضرب بزيد. # ومن دعائه للسلطان: جعل الله الأرض التي يملكها مبقلة والأرض التي يطأها ~~مقبلة والأرض التي يجر عسكره مثقلة والأرض التي يلاقي عدوه بها مقتله. ### ||| استفدته من محاضرة السلطان صلاح الدين # قال كان يعدل في البذل فقال: أحسن ما سمعته في حب العدل للفقيه زين الدين ~~بن الحكيم. # من ذم عاذله فإني شاكر للعذل ... أيقاظه فاهتزت لمقامه أكناف المنبر ~~واهتزت # مبتصثبتصثبتصأأسيلللسيلصبصبقففغاقفما ضرهم إغراؤهم بالعدل إن لم أقبل # تعبت الملام عليهم وحلاوة التذكار لي ... لهم القلب من ذكر الأحبة ممتلي # وكان نقادا للشعر جيد الفكر ولكنه يلوم أهله على أظهار النظم ويقولون ~~يتعرضون للذم. وجرى عنده يوما حديث وحيش الشاعر من أهل عصرنا فقال: استحسنت ~~أبياته في القاضي كمال الدين الشهرزوري وقد مطله: # سنة تمر وتتلوها سنة ... شهر يكر وبعده شهر # والمدح مني غير مقتصر ... ونداك لا قل ولا كثر # وأروح بالإحسان مشتملا ... حتى كان عطيتي كفر # واستحسن لحسان الكلبي من أهل عصرنا في وصف دمشق: # لشام شآمة وجنة الدنيا ... كما أن إنسان مقلتها الغضيضة جلق # من روضها لك جنة مال تنقص ... ومن الشفيق جهنم ما تحرق # قريب الخطو يحسب لو رآني ... ولست مقيدا لي بقيد # وأنشده عنده: # كان بزاته أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدروع # واستحسن الفاضل قول الشاعر في معنى اقتضاء الوقت: # شر من عاش ماله ... فإذا حاسبه الله سره الإعدام # وجرى بالمجلس الكريم الفاضلي ذكر حب الصغير وان القلب الضيق ربما ضاق عنه ~~فارتجل في الحال هذه الأبيات: # طفل كفاه القلب دارا له ... كأنما القلب له قالب # ويوسف الحسن وقلبي له ... سجن وما تم له صاحب # أصبح والقلب لباس ... له لا قاصر عنه ولا ساحب # وهو كعيني وهو إنسانها ... وهي له من الخارج حاجب # ضاق به ضيق عناقي له ... فلم يسع ما قاله العايب # تام الجزء الأول من كتاب سنا البرق الشامي ويتلوه في الثاني # ودخلت سنة ms288 أربع وثمانين وخمسمائة ... PageV01P164 ms289