######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000280 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن الصلاح الشهرزوري #META# 010.AuthorNAME :: عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرزوي أبو عمرو #META# 011.AuthorBORN :: 577 #META# 011.AuthorDIED :: 643 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أدب المفتي والمستفتي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الفقه الإسلامي :: مسائل فقهية :: مسائل فقهية وأصولية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: أدب المفتي والمستفتي #META# 030.LibURI :: JK_000280 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. موفق عبد الله عبد القادر #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة العلوم والحكم , عالم الكتب #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1407 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير قال العبد الفقير ~~عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح غفر الله له ولهم # الحمد لله الذي كرم هذه الأمة بالشريعة السمحة الظاهرة وأيدها بالحجج ~~الباهرة القاهرة ووطدها بالقواعد المتظاهرة المتناصرة ونورها بالأوضاع ~~المتناسبة المتوازرة أحمده على نعمه الباطنة والظاهرة وأصلي على رسوله محمد ~~وسائر النبيين والصالحين وأسلم صلاة وتسليما متواصلي الصلات في الدنيا ~~والآخرة آمين # هذا ولما عظم شأن الفتوى في الدين وتسنم المفتون منه سنام السناء ~~PageV01P069 وكانوا قرات الأعين لا تلم بهم على كثرتهم أعين الأسواء فنعق ~~بهم في أعصارنا ناعق الفناء وتفانت بتفانيهم أندية ذاك العلاء على أن الأرض ~~لا تخلوا من قائم بالحجة إلى أوان الانتهاء رأيت أن أستخير الله تبارك ~~وتعالى وأستعينه وأستهديه وأستوفقه وأتبرأ من الحول والقوة إلا به في تأليف ~~كتاب في الفتوى لائق بالوقت أفصح فيه إن شاء الله العظيم عن شروط المفتي ~~وأوصافه وأحكامه وعن صفة المستفتي وأحكامه وعن كيفية الفتوى والاستفتاء ~~وآدابهما جامعا فيه شمل نفائس التقطتها من خبايا الروايا وخفايا الزوايا ~~ومهمات تقر بها أعين أعيان الفقهاء ويرفع من قدرها من كثرت مطالعاته من ~~الفهماء ويبادر إلى تحصيلها كل من ارتفع عن حضيض الضعفاء مقدما في أوله ~~بيان شرف مرتبة الفتوى وخطرها والتنبيه على آفاتها وعظيم غررها ليعلم ~~المقصر عن شأوها المتجاسر عليها أنه على النار يجرأ ويجسر وليعرف متعاطيها ~~المضيع شروطها أنه لنفسه يضيع ويخسر وليتقاصر عنها القاصرون الذين إذا ~~انتزوا على منصب تدرس أو اختلسوا ذروا من تقديم وترئيس وجانبوا جانب ~~المحترس ووثبوا على الفتيا وثبة المفترس PageV01P070 # اللهم فعافنا واعف عنا وأحلنا منها بالمحل المغبوط ولا تحلنا منها بالمحل ~~المغموط واجعل ما نعانيه منها على وفق هداك وسببا واصلا بيننا وبين رضاك ~~إنك الله لا إله إلا أنت أنت حسبنا ونعم الوكيل # | بيان شرف حرمة الفتوى وخطرها وغررها # روينا ما رواه أبو داود السجستاني وأبو عيسى الترمذي وأبو عبد الله ابن ~~ماجه القزويني في كتبهم المعتمدة ms01 في السنن من حديث أبي الدرداء عن ~~PageV01P071 رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن العلماء ورثة ~~الأنبياء # فأثبت للعلماء خصيصة فاقوا بها سائر الأمة وما هم بصدده من أمر الفتوى ~~يوضح تحققهم بذلك للمستوضح ولذلك قيل في الفتيا إنها توقيع عن الله تبارك ~~وتعالى # وقد أخبرنا الشيخ الإمام المسند أبو بكر منصور بن عبد المنعم الفراوي ~~قراءة عليه بنيسابور قال أخبرنا أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي قال ~~أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال أخبرنا PageV01P072 أبو ~~عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا حدثنا أبو العباس محمد بن ~~يعقوب قال حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال بن الفرات ببيروت حدثنا أحمد بن ~~أبي الحواري حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا سفيان بن PageV01P073 عيينة ~~عن محمد بن المنكدر قال إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل ~~بينهم # وفيما نرويه عن سهل بن عبد الله التستري وكان رضي الله عنه أحد الصالحين ~~المعروفين بالمعارف والكرامات أنه قال من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء ~~عليهم السلام فلينظر إلى مجالس العلماء يجيء الرجل فيقول يا فلان أيش تقول ~~في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا فيقول طلقت امرأته وهذا مقام الأنبياء ~~فاعرفوا لهم ذلك ولما ذكرناه هاب الفتيا من هابها من أكابر العلماء ~~العاملين وأفاضل السالفين والخالفين وكان أحدهم لا تمنعه شهرته بالأمانة ~~واضطلاعه بمعرفة المعضلات في اعتقاد من يسأله من العامة من أن يدافع ~~بالجواب أو يقول لا أدري أو يؤخر الجواب إلى حين يدري PageV01P074 # فروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال أدركت عشرين ومائة من الأنصار ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا ~~إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول وفي رواية ما منهم من أحد يحدث ~~بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه ~~الفتيا وروينا عن ابن مسعود رضي الله ms02 عنه أنه قال من أفتى الناس في كل ما ~~يستفتونه فهو مجنون # وعن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه PageV01P075 وروينا عن أبي حصين الأسدي ~~أنه قال إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه لجمع لها أهل بدر وروي عن الحسن والشعبي مثله # وأخبرنا الشيخ الأجل الأصيل أبو القاسم منصور بن أبي المعالي الفراوي ~~بنيسابور قال أخبرنا أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي قال حدثنا أبو ~~بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا ~~عبد الله محمد بن عبد الله الصفار يقول سمعت عبد الله بن PageV01P076 أحمد ~~بن حنبل يقول سمعت أبي يقول سمعت الشافعي يقول سمعت مالك بن أنس يقول سمعت ~~محمد بن عجلان يقول إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله هذا إسناد جليل ~~عزيز جدا لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة فيه بعضهم عن بعض # وروى مالك مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وذكر الحافظ أبو ~~PageV01P077 عمر ابن عبد البر الأندلسي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنهم أنه جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم لا أحسنه فجعل ~~الرجل يقول إني دفعت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم لا تنظر إلى طول لحيتي ~~وكثرة الناس حولي والله ما أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه يا ابن ~~أخي الزمها فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم فقال القاسم والله لأن ~~يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به # وروى أبو عمر عن سفيان بن عيينة وسحنون بن سعيد قالا أجسر الناس على ~~الفتيا أقلهم علما وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي PageV01P078 قال جاء رجل ~~إلى مالك بن أنس يسأله عن شيء أياما ما يجيبه فقال يا أبا عبد الله إني ~~أريد الخروج وقد طال التردد إليك قال فأطرق طويلا ثم رفع رأسه فقال ما شاء ~~الله يا هذا إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه ms03 الخير ولست أحسن مسألتك هذه # وروي عن الشافعي رضي الله عنه أنه سئل عن مسألة فسكت فقيل له ألا تجيب ~~رحمك الله فقال حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب # وروينا عن أبي بكر الأثرم قال سمعت أحمد بن حنبل يستفتى فيكثر أن يقول لا ~~أدري وذلك فيما قد عرف الأقاويل فيه # وبلغنا عن الهيثم بن جميل قال شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين ~~مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري # وعن مالك أيضا أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة ~~PageV01P079 منها وكان يقول من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها ~~أن يعرض نفسه على الجنة أو النار وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب فيها # وعنه أنه سئل عن مسألة فقال لا أدري فقيل له إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب ~~وقال ليس في العلم شيء خفيف أما سمعت قوله جل ثناؤه @QB@ إنا سنلقي عليك ~~قولا ثقيلا @QE@ فالعلم كله ثقيل وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة وقال إذا ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصعب عليهم مسائل ولا يجيب أحد ~~منهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه قال مع ما رزقوا من السداد والتوفيق مع ~~الطهارة فكيف بنا الذين قد غطت الخطايا والذنوب قلوبنا # وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنهما أنه كان لا يكاد يفتي فتيا ولايقول ~~شيئا إلا قال اللهم سلمني وسلم مني PageV01P080 # وجاء عن أبي سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي الملقب بسحنون إمام ~~المالكية وصاحب المدونة التي هي عند المالكيين ككتاب الأم عند الشافعيين ~~أنه قال أشقى الناس من باع آخرته بدنياه وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره ~~قال ففكرت فيمن باع آخرته بدنيا غيره فوجدته المفتي يأتيه الرجل قد حنث في ~~امرأته ورقيقه فيقول له لا شيء عليك فيذهب الحانث فيتمتع بامرأته ورقيقه ~~وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا # وعن سحنون أن رجلا أتاه فسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة ms04 أيام فقال ~~له مسألتي أصلحك الله لي اليوم ثلاثة أيام فقال له وما أصنع لك يا خليلي ~~مسألتك معضلة وفيها أقاويل وأنا متحير في ذلك فقال له وأنت أصلحك الله لكل ~~معضلة فقال له سحنون هيهات يا ابن أخي ليس بقولك هذا أبذل لك لحمي ودمي إلى ~~النار ما أكثر ما لا أعرف إن صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك وإن أردت أن تمضي ~~إلى غيري فامض تجاب مسألتك في ساعة فقال له إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك ~~PageV01P081 فقال له فاصبر عافاك الله ثم أجابه بعد ذلك # وقد كان فيهم رضي الله عنهم من يتباطؤا بالجواب عما هو فيه غير مستريب ~~ويتوقف في الأمر السهل الذي هو عنه مجيب # بلغنا عمن سمع سحنون بن سعيد يزري على من يعجل في الفتوى ويذكر النهي عن ~~ذلك عن المتقدمين من معلميه وقال إني لأسأل عن المسألة فأعرفها وأعرف في أي ~~كتاب هي وفي أي ورقة وفي أي صفحة وعلى كم هي من سطر فما يمنعني من الجواب ~~فيها إلا كراهة الجرأة بعدي على الفتوى # وبلغنا عن الخليل بن أحمد أنه كان يقول إن الرجل ليسأل عن المسألة ويعجل ~~في الجواب فيصيب فأذمه ويسأل عن مسألة فيتثبت في الجواب فيخطىء فأحمده # وروي عن سحنون بن سعيد أنه قيل له إنك لتسأل عن المسألة لو سئل عنها أحد ~~من أصحابك لأجاب فيها فتترجح فيها وتتوقف فقال إن فتنة الجواب بالصواب أشد ~~من فتنة المال رضي الله عنه ولما ذكره نلفت إلى نحو ما بلغنا عن القاضي أبي ~~الحسن علي بن محمد PageV01P082 بن حبيب الماوردي أحد المصنفين الشافعيين ~~قال صنفت في البيوع كتابا جمعت له ما استطعت من كتب الناس وجهدت فيه نفسي ~~وكددت فيه خاطري حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به وتصورت أنني أشد الناس ~~اضطلاعا بعلمه حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه في ~~البادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لشيء منها جوابا فأطرقت مفكرا ~~بحالي وحالهما معتبرا ms05 فقالا أما عندك فيما سألناك جواب وأنت زعيم هذه ~~الجماعة # قلت لا فقالا إيها لك وانصرفا ثم أتيا من قد يتقدمه في العلم كثير من ~~أصحابي فسألاه فأجابهما مسرعا بما أقنعهما فانصرفا عنه راضيين بجوابه ~~مادحين لعلمه فبقيت مرتبكا وإني لعلى ما كنت عليه في تلك السائل إلى وقتي ~~فكان ذلك لي زاجر نصيحة ونذير عظة وقال القاضي أبو القاسم الصيمري أحد ~~الأئمة الشافعيين ثم أبو بكر الخطيب الحافظ الفقيه PageV01P083 الشافعي ~~الإمام في علم الحديث قل من حرص على الفتوى وسابق إليها وثابر عليها إلا قل ~~توفيقه واضطرب في أمره وإذا كان كارها لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه ~~وقدر أن يحيد بالأمر فيه على غيره كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح في ~~جوابه وفتاويه أغلب # قال ذلك الصيمري أولا ثم تلقاه عنه الخطيب فقاله في بعض تصانيفه # وروى بإسناده عن بشر بن الحارث أنه قال من أحب أن يسأل فليس بأهل أن يسأل # وذكر أبو عبد الله المالكي فيما جمعه من مناقب شيخه أبي الحسن القابسي ~~الإمام المالكي أنه كان ليس شيء أشد عليه من الفتوى وأنه قال له عشية ~~PageV01P084 من العشايا ما ابتلي أحد بما ابتليت به أفتيت اليوم في عشر ~~مسائل # قلت قول الله تبارك وتعالى @QB@ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم @QE@ شامل بمعناه من زاغ في فتواه فقال في ~~الحرام هذا حلال أو في الحلال هذا حرام أو نحو ذلك # وفيما رواه أبو عمر بن عبد البر الحافظ بإسناده عن مالك قال أخبرني رجل ~~أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن فوجده يبكي فقال له ما يبكيك وارتاع ~~لبكائه فقال له أمصيبة دخلت عليك فقال لا ولكن أستفتي من لا علم له وظهر في ~~الإسلام أمر عظيم قال ربيعة ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق رحم ~~الله ربيعة كيف ms06 لو أدرك زماننا وما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل # | القول في شروط المفتي وصفاته وأحكامه وآدابه # أما شروطه وصفاته فهي PageV01P085 أن يكون مكلفا مسلما ثقة مأمونا متنزها ~~من أسباب الفسق ومسقطات المروءة لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح ~~للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد # ويكون فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط مستيقظا # ثم ينقسم وراء هذا إلى قسمين مستقل وغير مستقل # القسم الأول المفتي المستقل وشرطه أن يكون مع ما ذكرناه قيما بمعرفة أدلة ~~الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على ~~التفصيل وقد فصلت في كتب الفقه وغيرها فتيسرت والحمد لله عالما بما يشترط ~~في الأدلة ووجوه دلالتها وبكيفية اقتباس الأحكام منها وذلك يستفاد من علم ~~أصول الفقه عارفا من علم القرآن وعلم الحديث وعلم الناسخ PageV01P086 ~~والمنسوخ وعلمي النحو واللغة واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن ~~به من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك ~~عالما بالفقه ضابطا لأمهات مسائله وتفاريعه المفروغ من تمهيدها # فمن جمع هذه الفضائل فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض ~~الكفاية ولن يكون إلا مجتهدا مستقلا # والمجتهد المستقل هو الذي يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة ~~الشرعية من غير تقليد وتقيد بمذهب أحد PageV01P087 # وفصل الإمام أبو المعالي ابن الجويني صفات المفتي ثم قال القول الوجيز في ~~ذلك إن المفتي هو المتمكن من درك أحكام الوقائع على يسر من غير معاناة تعلم ~~وهذا الذي قاله معتبر في المفتي ولا يصلح حدا للمفتي والله أعلم # | تنبيهات # الأول ما اشترطناه فيه من كونه حافظا لمسائل الفقه لم يعد من شروطه في ~~كثير من الكتب المشهورة نظرا إلى أنه ليس شرطا لمنصب الاجتهاد فإن الفقه من ~~ثمراته فيكون متأخرا عنه وشرط الشيء لا يتأخر عنه # واشترطه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني وصاحبه أبو منصور البغدادي وغيرهما # واشتراط ذلك في صفة المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية هو ms07 الصحيح ~~PageV01P088 وإن لم يكن كذلك في صفة المجتهد المستقل على تجرده لأن حال ~~المفتي يقتضي اشتراط كونه على صفة يسهل عليه معها إدراك أحكام الوقائع على ~~القرب من غير تعب كثير وهذا لا يحصل لأحد من الخلف إلا بحفظ أبواب الفقه ~~ومسائله ثم لا يشترط أن تكون جميع الأحكام على ذهنه بل يكفي أن يكون حافظا ~~للمعظم متمكنا من إدراك الباقي على القرب # الثاني هل يشترط فيه أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية ~~الفقهية # حكى أبو إسحاق وأبو منصور فيه اختلافا للأصحاب والأصح اشتراطه لأن من ~~المسائل الواقعة نوعا لا يعرف جوابه إلا من جمع بين الفقه والحساب # الثالث إنما يشترط اجتماع العلوم المذكورة في المفتي المطلق في جميع ~~أبواب الشرع أما المفتي في باب خاص من العلم نحو علم المناسك أو علم ~~الفرائض أو غيرهما فلا يشترط فيه جميع ذلك ومن الجائز أن ينال PageV01P089 ~~الإنسان منصب الفتوى والاجتهاد في بعض الأبواب دون بعض فمن عرف القياس ~~وطرقه وليس عالما بالحديث فله أن يفتي في مسائل قياسية يعلم أنه لا تعلق ~~لها بالحديث ومن عرف أصول المواريث وأحكامها جاز أن يفتي فيها وإن لم يكن ~~عالما بأحاديث النكاح ولا عارفا بما يجوز له الفتوى في غير ذلك من أبواب ~~الفقه # قطع بجواز هذا الغزالي وابن برهان وغيرهما ومنهم من منع من ذلك ~~PageV01P090 مطلقا وأجازه أبو نصر بن الصباغ غير أنه خصصه بباب المواريث ~~قال لأن الفرائض لا تنبني على غيرها من الأحكام فأما ما عداها من الأحكام ~~فبعضه مرتبط ببعض # والأصح أن ذلك لا يختص بباب المواريث والله أعلم # القسم الثاني المفتي الذي ليس بمستقل ومنذ دهر طويل طوي بساط المفتي ~~المستقل المطلق والمجتهد المستقل وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين ~~إلى أئمة المذاهب المتبوعة وللمفتي المنتسب أحوال أربع # الأولى أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله لكونه قد جمع ~~الأوصاف والعلوم المشترطة في المستقل وإنما ينتسب إليه لكونه سلك طريقه في ~~الاجتهاد ms08 ودعا إلى سبيله PageV01P091 # وقد بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني رحمه الله أنه ادعى هذه الصفة ~~لأئمة أصحابنا فحكى عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر أصحاب أبي حنيفة رحمهم ~~الله أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدا لهم ثم قال الصحيح الذي ذهب إليه ~~المحققون ما ذهب إليه أصحابنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي رحمه الله ~~تعالى لا على جهة التقليد له ولكن لما وجدوا طريقه في الاجتهاد والفتاوى ~~أسد الطرق وأولاها ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه في الاجتهاد ~~وطلبوا معرفة الأحكام بالطريق الذي طلبها الشافعي به رحمه الله تعالى # قلت وهذا الذي حكاه عن أصحابنا واقع على وفق ما رسمه لهم الشافعي ثم ~~المزني في أول مختصره وفي غيره وذكر الشيخ أبو علي السنجي شبيها ~~PageV01P092 بذلك فقال اتبعنا قول الشافعي دون غيره من الأئمة لأنا وجدنا ~~قوله أحج الأقوال وأعدلها لا أنا قلدناه في قوله قلت دعوى انتفاء التقليد ~~عنهم مطلقا من كل وجه لا يستقيم إلا أن يكونوا قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد ~~المطلق وفازوا برتبة المجتهدين المستقلين وذلك لا يلائم المعلوم من أحوالهم ~~أو أحوال أكثرهم وقد ذكر بعض الأصوليين منا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي ~~مجتهد مستقل # وحكى اختلافا بين أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة في أبي يوسف PageV01P093 ~~ومحمد والمزني وابن سريج خاصا هل كانوا من المجتهدين المستقلين أو من ~~المجتهدين في المذاهب # ولا نستنكر دعوى ذلك فيهم في فن من الفقه دون فن بناء على ما قدمناه من ~~جواز تجزىء منصب المجتهد المستقل ويبعد جريان ذلك الخلاف في حق هؤلاء ~~المتبحرين الذين عم نظرهم الأبواب كلها فإنه لا يخفى على أحدهم إذا كمل في ~~باب ما لا يتعلق منه بغيره من الأبواب التي لم يكمل فيها لعموم نظره ~~وجولانه في الأبواب كلها # إذا عرفت هذا ففتوى المنتسبين في هذه الحالة في حكم فتوى المجتهد المستقل ~~المطلق يعمل بها ويعتد بها في الإجماع والخلاف والله أعلم # الحالة الثانية أن يكون في مذهب إمامة مجتهدا ms09 مقيدا فيستقل بتقرير مذاهبه ~~بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده ومن شأنه أن يكون ~~PageV01P094 عالما بالفقه خبيرا بأصول الفقه عارفا بأدلة الأحكام تفصيلا ~~بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الارتياض في التخريج والاستنباط قيما ~~بإلحاق ما ليس بمنصوص عليه في مذهب إمامه بأصول مذهبه وقواعده ولا يعرى عن ~~شوب من التقليد له لإخلاله ببعض العلوم والأدوات المعتبرة في المستقل مثل ~~أن يخل بعلم الحديث أو بعلم اللغة والعربية وكثيرا ما وقع الإخلال بهذين ~~العلمين في أهل الاجتهاد المقيد ويتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها نحو ما ~~يفعله المستقل بنصوص الشارع وربما مر به الحكم وقد ذكره إمامه بدليله ~~فيكتفي بذلك فيه ولا يبحث هل لذلك الدليل من معارض ولا يستوفي النظر في ~~شروطه كما يفعله المستقل وهذه صفة أصحاب الوجوه والطرق في المذهب # وعلى هذه الصفة كان أئمة أصحابنا أو أكثرهم ومن كان هذا شأنه فالعامل ~~بفتياه مقلد لإمامه لاله لأن معوله على صحة إضافة ما يقوله إلى إمامه لعدم ~~استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع والله أعلم # | تنبيهات # الأول الذي رأيته من كلام الأئمة يشعر بأن من كانت هذه حالته ففرض ~~الكفاية لا يتأدى به ووجهه أن ما فيه من التقليد نقص وخلل في المقصود # وأقول إنه يظهر أنه يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى وإن لم يتأد به فرض ~~الكفاية في أحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى لأنه قد قام في فتواه ~~مقام إمام مطلق فهو يؤدي عنه ما كان يتأدى به الفرض حين كان حيا قائما ~~بالفرض PageV01P095 فيها والتفريع على الصحيح في أن تقليد الميت جائز # الثاني قد يوجد من المجتهد المقيد الاستقلال بالاجتهاد والفتوى في مسألة ~~خاصة أو باب خاص كما تقدم في النوع الذي قبله والله أعلم # الثالث يجوز له أن يفتي فيما لا يجده من أحكام الوقائع منصوصا عليه ~~لإمامه بما يخرجه على مذهبه هذا هو الصحيح الذي عليه العمل وإليه مفزع ~~المفتين من مدد مديدة فالمجتهد في مذهب الشافعي مثلا المحيط ms10 بقواعد مذهبه ~~المتدرب في مقاييسه وسبل تصرفاته متنزل كما قدمنا ذكره في الإلحاق ~~بمنصوصاته وقواعد مذهبه منزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينص عليه ~~الشارع بما نص عليه وهذا أقدر على هذا من ذاك على ذاك فإن هذا يجد في مذهب ~~إمامه من القواعد الممهدة والضوابط المهذبة ما لا يجده المستقل في أصل ~~الشرع ونصوصه ثم إن هذا المستفتي فيما يفتيه به من تخريجه هذا مقلد لإمامه ~~لا له # قطع بهذا الشيخ أبو المعالي ابن الجويني في كتابه الغياثي # وأنا أقول ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ~~أن ما يخرجه أصحابنا رحمهم الله على مذهب الشافعي رضي الله PageV01P096 عنه ~~هل يجوز أن ينسب إليه واختار الشيخ أبو إسحاق أنه لا يجوز أن ينسب إليه ~~والله أعلم # الرابع تخريجه تارة يكون من نص معين لإمامه في مسألة معينة وتارة لا يجد ~~لإمامه نصا معينا يخرج منه فيخرج على وفق أصوله بأن يجد دليلا من جنس ما ~~يحتج به إمامه وعلى شرطه فيفتي بموجبه ثم إن وقع النوع الأول من التخريج في ~~صورة فيها نص لإمامه مخرجا خلاف نصه فيها من نص آخر في صورة أخرى سمي قولا ~~مخرجا وإذا وقع النوع الثاني في صورة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك سمي ~~ذلك وجها ويقال فيها وجهان وشرط التخريج المذكور عند اختلاف النصين أن لا ~~يجد بين المسألتين فارقا ولا حاجة في مثل ذلك إلى علة جامعة وهو من قبيل ~~إلحاق الأمة بالعبد في قوله صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد قوم ~~عليه PageV01P097 # ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجزله على الأصح التخريج ولزمه تقرير ~~النصين على ظاهرهما معتمدا على الفارق وكثيرا ما يختلفون في القول بالتخريج ~~في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق والله أعلم # الحالة الثالثة أن لا يبلغ رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق غير أنه ~~فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريرها وبنصرته يصور ms11 ويحرر ~~ويمهد ويقرر ويزيف ويرجح لكنه قصر عن درجة أولئك إما لكونه لم يبلغ في حفظ ~~المذهب مبلغهم وإما لكونه لم يرتض في التخريج والاستنباط كارتياضهم وإما ~~لكونه غير متبحر في علم أصول الفقه على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه ~~من الفقه ويعرفه من أداته على أطراف من قواعد أصول الفقه وإما لكونه مقصرا ~~في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق ~~وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الخامسة من الهجرة المصنفين ~~الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف بها معظم اشتغال الناس اليوم ~~ولم يلحقوا بأرباب الحالة الثانية في تخريج الوجوه وتمهيد الطرق في المذهب ~~PageV01P098 # وأما في فتاويهم فقد كانوا يتبسطون فيها كتبسيط أولئك أو قريبا منه ~~ويقيسون غير المنقول والمسطور على المنقول والمسطور في المذهب غير مقتصرين ~~في ذلك على القياس الجلي وقياس لا فارق الذي هو نحر قياس الأمة على العبد ~~في إعتاق الشريك وقياس المرأة على الرجل في رجوع البائع إلى عين ماله عند ~~تعذر الثمن # وفيهم من جمعت فتاويه وأفردت بالتدوين ولا يبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ ~~فتاوى أصحاب الوجوه ولا تقوى كقوتها والله أعلم # الحالة الرابعة أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في واضحات المسائل ~~ومشكلاتها غير أن عنده ضعفا في تقرير أدلته وتحرير أقيسته فهذا يعتمد نقله ~~وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصات إمامه وتفريعات أصحابه ~~المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم وأما ما لا يجده منقولا في مذهبه فإن وجد في ~~المنقول ما هذا في معناه بحيث يدرك من غير فضل فكر وتأمل أنه لا ~~PageV01P099 فارق بينهما كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في ~~إعتاق الشريك جاز له إلحاقه به والفتوى به وكذلك ما يعلم اندراجه تحت ضابط ~~منقول ممهد في المذهب وما لم يكن كذلك فعليه الإمساك عن الفتيا فيه # ومثل هذا يقع نادرا في حق مثل الفقيه المذكور إذ يبعد كما ذكر الإمام أبو ~~المعالي ابن الجويني ms12 أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب ولا هي في ~~معنى شيء من المنصوص عليه فيه من غير فرق ولا هي مندرجة تحت شيء من ضوابط ~~المذهب المحررة فيه ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس لأن تصوير ~~المسائل على وجهها ثم نقل أحكامها بعد استتمام تصويرها جلياتها وخفياتها لا ~~يقوم به إلا فقيه النفس ذو حظ من الفقه # قلت وينبغي أن يكتفي في حفظ المذهب في هذه الحالة وفي الحالة التي قبلها ~~بأن يكون المعظم على مد ذهنه ويكون لدربته متمكنا من الوقوف على الباقي ~~بالمطالعة أو ما يلتحق بها على القرب كما اكتفينا في أقسام الاجتهاد ~~الثلاثة الأول بأن يكون المعظم على ذهنه ويتمكن من إدراك الباقي بالاجتهاد ~~على القرب PageV01P100 # هذه أصناف المفتين وشروطهم وهي خمسة وما من صنف منها إلا ويشترط فيه حفظ ~~المذهب وفقه النفس وذلك فيما عدا الصنف الأخير الذي هو بعض ما يشترط في هذا ~~القبيل فمن انتصب في منصب الفتيا وتصدى لها وليس على صفة واحدة من هذه ~~الأصناف الخمسة فقد باء بأمر عظيم @QB@ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم ~~عظيم @QE@ ومن أراد التصدي للفتيا ظانا كونه من أهلها فليتهم نفسه وليتق ~~ربه تبارك وتعالى ولا يخدعن عن الأخذ بالوثيقة لنفسه والنظر لها # ولقد قطع الإمام أبو المعالي وغيره بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه ~~لا تحل له الفتوى بمجرد ذلك ولو وقعت له في نفسه واقعة لزمه أن يستفتي غيره ~~فيها ويلتحق به المتصرف النظار البحاث في الفقه من أئمة الخلاف وفحول ~~المناظرين # وهذا لأنه ليس أهلا لإدراك حكم الواقعة استقلالا لقصور آلته ولا من مذهب ~~إمام متقدم لعدم حفظه له وعدم اطلاعه عليه على الوجه المعتبر والله أعلم # | تنبيهات # الأول قطع الإمام العلامة أبو عبد الله الحليمي إمام الشافعيين بما وراء ~~PageV01P101 النهر والقاضي أبو المحاسن الروياني صاحب بحر المذهب وغيرهما ~~بأنه لا يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه # وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في شرحه ms13 لرسالة الشافعي عن شيخه أبي بكر ~~القفال المروزي أنه يجوز لمن حفظ مذهب صاحب مذهب ونصوصه أن يفتي به وإن لم ~~يكن عارفا بغوامضه وحقائقه # وخالفه الشيخ أبو محمد وقال لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن ~~متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى ~~المفتين أن يفتي بها وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتي به PageV01P102 # قلت قول من قال لا يجوز أن يفتي بذلك معناه أنه لا يذكره في صورة ما ~~يقوله من عند نفسه بل يضيفه ويحكيه عن إمامه الذي قلده فعلى هذا من عددناه ~~في أصناف المفتين من المقلدين ليسوا على الحقيقة من المفتين ولكنهم قاموا ~~مقام المفتين و أدوا عنهم فعدوا معهم و سبيلهم في ذلك أن يقولو مثلا مذهب ~~الشافعي كذا و كذا و مقتضى مذهبه كذا و كذا وما أشبه ذلك و من ترك منهم ~~إضافة ذلك إلى إمامه إن كان ذلك منه اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح ~~بالمقال فلا بأس # و ذكر الماوردي في كتابه الحاوي في العامي إذا عرف حكم حادثة بناء على ~~دليلها ثلاثة أوجه # أحدها أنه يجوز أن يفتي به و يجوز تقليده فيه لأنه قد وصل إلى العلم مثل ~~وصول العالم إليه # والثاني يجوز ذلك إن كان دليلها من الكتاب أو السنة # والثالث وهو أصحها أنه لا يجوز ذلك مطلقا PageV01P103 # قلت وليس فيما ذكره حكاية خلاف في جواز فتيا المقلد وتقليده لأن فيما ~~ذكره من توجيه وجه الجواز تشبيبا بأن العامي لا يبقى مقلدا في حكم تلك ~~الحادثة والله أعلم # الثاني إن قلت من تفقه وقرأ كتابا من كتب المذهب أو أكثر وهو مع ذلك قاصر ~~لم يتصف بصفة أحد من أصناف المفتين الذين سبق ذكرهم فإذا لم يجد العامي في ~~بلده غيره فرجوعه إليه أولى من أن يبقى في واقعته مرتبكا في حيرته # قلت إن كان في غير بلده مفت يجد السبيل إلى استفتائه فعليه التوصل إلى ~~استفتائه بحسب إمكانه ms14 على أن بعض أصحابنا ذكر أنه إذا شغرت البلدة عن ~~المفتين فلا يحل المقام فيها وإن تعذر ذلك عليه ذكر مسألته للقاصر المذكور ~~فإن وجد مسألته بعينها مسطورة في كتاب موثوق بصحته وهو ممن يقبل خبره نقل ~~له حكمها بنصه وكان العامي في ذلك مقلدا لصاحب المذهب وهذا وجدته في ضمن ~~كلام بعضهم والدليل يعضده ثم لا يعد هذا القاصر بأمثال ذلك من المفتين ولا ~~من الأصناف المذكورة المستعار لهم سمة المفتين وإن لم يجد مسألته بعينها ~~ونصها مسطورة فلا سبيل له إلى القول فيها قياسا على ما عنده من المسطورة ~~وإن اعتقده من قبيل قياس لا فارق الذي هو نحو قياس الأمة على العبد في ~~سراية العتق لأن القاصر معرض لأن يعتقد ما ليس من هذا القبيل داخلا في هذا ~~القبيل وإنما استتب الحاق الأمة بالعبد في سراية العتق في حق من عرف مصادر ~~الشرع وموارده في أحكام العتق بحيث استبان له أنه لا فرق في ذلك بين الذكر ~~والأنثى والله أعلم PageV01P104 # الثالث إذا لم يجد صاحب الواقعة مفتيا ولا أحدا ينقل له حكم واقعته لا في ~~بلده ولا في غيره فماذا يصنع قلت هذه مسألة فترة الشريعة الأصولية والسبيل ~~في ذلك كالسبيل فيما قبل ورود الشرائع والصحيح في كل ذلك القول بانتفاء ~~التكليف عن العبد فإنه لا يثبت في حقه حكم لا إيجاب ولا تحريم ولا غير ذلك ~~فلا يوأخذ إذن صاحب الواقعة بأي شيء صنعه فيها وهذا مع تقرره بالدليل ~~المعنوي الأصولي يشهد له حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ~~ولا صدقة ويسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ~~وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون أدركنا آبائنا ~~على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها فقال صلة بن زفر لحذيفة فما ~~تغني عنهم ms15 لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا PageV01P105 صيام ولا ~~نسك ولا صدقة فأعرض عنه حذيفة فردها عليه ثلاثا كل ذلك يعرض عنه حذيفة ثم ~~أقبل عليه في الثالثة فقال يا صلة تنجيهم من النار تنجيهم من النار رواه ~~أبو عبد الله ابن ماجه في سننه # والحاكم أبو عبد الله الحافظ في صحيحه وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ~~ولم يخرجاه والله أعلم # | القول في أحكام المفتين وفيه مسائل # الأولى لا يشترط في المفتي الحرية والذكورة كما في الراوي وينبغي أن يكون ~~كالراوي أيضا في أنه لا تؤثر فيه القرابة والعداوة وجر النفع ودفع الضرر ~~لأن المفتي في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص فكان في ذلك ~~كالراوي لا كالشاهد وفتواه لا يرتبط بها إلزام بخلاف القاضي ووجدت عن ~~القاضي الماوردي فيما جاوب به القاضي أبا الطيب الطبري عن رده عليه في ~~PageV01P106 فتواه بالمنع عن التلقيب بملك الملوك ما معناه إن المفتي إذا ~~نابذ في فتواه شخصا معينا صار خصما معاندا ترد فتواه على من عاداه كما ترد ~~شهادته # ولا بأس بأن يكون المفتي أعمى أو وأخرس مفهوم الإشهارة أو كاتبا والله ~~أعلم # الثانية لا تصح فتيا الفاسق وإن كان مجتهدا مستقلا غير أنه لو وقعت له في ~~نفسه واقعة عمل فيها باجتهاد نفسه ولم يستفت غيره # وأما المستور وهو من كان ظاهره العدالة ولم تعرف عدالته الباطنة ففي وجه ~~لا تجوز فتياه كالشهادة والأظهر أنها تجوز لأن العدالة الباطنة تعسر ~~معرفتها على غير الحكام ففي اشتراطها في المفتين حرج على المستفتين والله ~~أعلم # الثالثة من كان من أهل الفتيا قاضيا فهو فيها كغيره وبلغنا عن أبي بكر ~~ابن المنذر أنه يكره للقضاة أن تفتي في مسائل الأحكام دون ما لا مجرى ~~لأحكام PageV01P107 القضاء فيه كمسائل الطهارة والعبادات وقال قال شريح أنا ~~أقضي ولا أفتي # ووجدت في بعض تعاليق الشيخ أبي حامد الإسفرايني أن له أن يفتي في ~~العبادات وما لا يتعلق به ms16 الحكم وأما فتياه في الأحكام فلأصحابنا فيه ~~جوابان أحدهما ليس له أن يفتي فيها لأن لكلام الناس عليه مجالا ولأحد ~~الخصمين عليه مقالا # والثاني له ذلك لأنه أهل لذلك والله أعلم # الرابعة إذا استفتي المفتي وليس في الناحية غيره تعين عليه الجواب وإن ~~كان في الناحية غيره فإن حضر هو وغيره واستفتيا معا فالجواب عليهما على ~~الكفاية PageV01P108 وإن لم يحضر غيره فعند الحليمي تعين عليه بسؤاله جوابه ~~وليس له أن يحيله على غيره # والأظهر أنه لا يتعين عليه بذلك وقد سبقت روايتنا عن عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى أنه قال أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع ~~إلى الأول # وإذا سأل العامي عن مسألة لم تقع لم تجب مجاوبته والله أعلم # الخامسة إذا أفتى بشيء ثم رجع عنه نظرت فإن أعلم المستفتي برجوعه ولم يكن ~~عمل بالأول بعد لم يجز له العمل به وكذلك لو نكح بفتواه أو استمر على نكاح ~~ثم رجع لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من قلده في القبلة في أثناء صلاته ~~فإنه يتحول وإن كان المستفتي قد عمل به قبل رجوعه فإن كان مخالفا لديل قاطع ~~لزم المستفتي نقض عمله ذلك وإن كان في محل الاجتهاد لم يلزمه نقضه # قلت وإذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معين فإذا رجع لكونه ~~PageV01P109 بان له قطعا أنه خالف في فتواه نص مذهب إمامه فإنه يجب نقضه ~~وإن كان ذلك في محل الاجتهاد لأن نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق ~~المفتي المجتهد المستقل على ما سبق تأصيله وأما إذا لم يعلم المستفتي ~~برجوعه فحال المستفتي في عمله به على ما كان ويلزم المفتي إعلامه برجوعه ~~قبل العمل وكذا بعد العمل حيث يجب النقض # ولقد أحسن الحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة فيما بلغنا عنه أنه ~~استفتي في مسألة فأخطأ فيها ولم يعرف الذي أفتاه ms17 فاكترى مناديا فنادى إن ~~الحسن بن زياد استفتي يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن بن ~~زياد بشيء فليرجع إليه # فلبث أياما لا يفتي حتى وجد صاحب الفتوى فأعلمه أنه أخطأ وأن الصواب كذا ~~وكذا والله أعلم # السادسة إذا عمل المستفتي بفتيا المفتي في إتلاف ثم بان خطأه وأنه ~~PageV01P110 خالف فيها القاطع فعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أنه يضمن ~~إن كان أهلا للفتوى ولا يضمن إن لم يكن أهلا لأن المستفتي قصر والله أعلم # السابعة لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى ومن عرف بذلك لم يجز أن ~~يستفتى وذلك قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر ~~والفكر وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة والإبطاء عجز ومنقصة ~~وذلك جهل ولئن يبطىء ولا يخطىء أكمل به من أن يعجل فيضل ويضل # فإن تقدمت معرفته بما سئل عنه على السؤال فبادر عند السؤال بالجواب فلا ~~بأس عليه وعلى مثله يحمل ما ورد عن الأئمة الماضين من هذا القبيل # وقد يكون تساهله وانحلاله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل ~~المحظورة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص على من يروم نفعه أو ~~التغليظ على من يريد ضره ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه ونسأل الله تعالى ~~العافية و العفو # وأما إذا صح قصده فاحتسب في تطلب حيلة لا شبهة فيها ولا تجر إلى مفسدة ~~ليخلص بها المستفتي من ورطة يمين أو نحوها فذلك حسن جميل يشهد له قول الله ~~تبارك وتعالى لأيوب صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا لما حلف ليضربن امرأته ~~PageV01P111 مائة @QB@ وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث @QE@ # ورد عن سفيان الثوري رضي الله عنه أنه قال إنما العلم عندنا الرخصة من ~~ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد # وهذا خارج على الشرط الذي ذكرناه فلا يفرحن به من يفتي بالحيل الجارة إلى ~~المفاسد أو بما فيه شبهة بأن يكون في النفس من القول به شيء أو نحو ذلك ~~وذلك كمن ms18 يفتي بالحيلة السريجية في سد باب الطلاق ويعلمها وأمثال ذلك ~~PageV01P112 والله أعلم # الثامنة ليس له أن يفتي في كل حالة تغير خلقه وتشغل قلبه وتمنعه من ~~التثبت والتأمل كحالة الغضب أو الجوع أو العطش أو الحزن أو الفرح الغالب أو ~~النعاس أو الملالة أو المرض أو الحر المزعج أو البرد المؤلم أو مدافعة ~~الأخبثين وهو أعلم بنفسه فمهما أحس باشتغال قلبه وخروجه عن حد الاعتدال ~~أمسك عن الفتيا فإن أفتى في شيء من هذه الأحوال وهو يرى أن ذلك لم يمنعه من ~~إدراك الصواب صحت فتياه وإن خاطر بها # ومن أعجب ذلك ما وجدته بخط بعض أصحاب القاضي الإمام حسين بن محمد ~~المروروذي عنه أنه سمع الإمام أبا عاصم العبادي يذكر أنه كان عند ~~PageV01P113 الأستاذ أبي طاهر وهو الإمام الزيادي شيخ خراسان حين احتضر ~~فسئل عن ضمان الدرك وكان في النزع فقال إن قبض الثمن فيصح وإن لم يقبض فلا ~~يصح قال لأنه بعد قبض الثمن يكون ضمان ما وجب والله أعلم # التاسعة الأولى بالمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك ويجوز له أن يرتزق على ذلك ~~من بيت المال إذا تعين عليه وله كفاية فظاهر المذهب أنه لا يجوز وإذا كان ~~له رزق فلا يجوز له أخذ أجرة أصلا وإن لم يكن له رزق في بيت المال فليس له ~~أخذ أجرة من أعيان من يفتيه كالحاكم على الأصح # واحتال له الشيخ أبو حاتم القزويني في حيله فقال لو قال PageV01P114 ~~للمستفتي إنما يلزمني أن أفتيك قولا وأما بذل الخط فلا فإذا استأجره على أن ~~يكتب له ذلك كان جائزا # وذكر أبو القاسم الصيمري أنه لو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا له رزقا من ~~أموالهم ليتفرغ لفتاويهم جاز ذلك وأما الهدية فقد أطلق السمعاني الكبير أبو ~~المظفر أنه يجوز له قبول الهدية بخلاف الحاكم فإنه يلزم حكمه قلت ينبغي أن ~~يقال يحرم عليه قبولها إذا كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد كما في الحاكم ~~وسائر ما لا يقابل بعوض والله أعلم ms19 # العاشرة لا يجوز له أن يفتي في الأيمان والأقارير ونحو ذلك مما يتعلق ~~بالألفاظ إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ بها أو متنزلا منزلتهم في الخبرة ~~بمراداتهم من ألفاظهم وتعارفهم فيها لأنه إذا لم يكن كذلك كثر خطؤه عليهم ~~في ذلك كما شهدت به التجربة والله أعلم # الحادية عشرة لا يجوز لمن كانت فتياه نقلا لمذهب إمامه إذا اعتمد في نقله ~~على الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته وجاز ذلك كما جاز اعتماد ~~PageV01P115 الراوي على كتابه واعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي ويحصل ~~له الثقة بما يجده في نسخة غير موثوق بصحتها بأن يجده في نسخ عدة من ~~أمثالها وقد تحصل له الثقة بما يجده في النسخة غير الموثوق بها بأن يراه ~~كلاما منتظما وهو خبير فطن لا يخفى عليه في الغالب مواقع الإسقاط والتغيير ~~وإذا لم يجده إلا في موضع لم يثق بصحته نظر # فإن وجده موافقا لأصول المذهب وهو أهل لتخريج مثله على المذهب لو لم يجده ~~منقولا فله أن يفتي به فإن أراد أن يحكيه عن إمامه فلا يقل قال الشافعي ~~مثلا كذا وكذا وليقل وجدت عن الشافعي كذا وكذا أو بلغني عنه أو ما أشبه هذا ~~من العبارات # وأما إذا لم يكن أهلا لتخريج مثله فلا يجوز له ذلك فيه وليس له أن يذكره ~~بلفظ جازم مطلق فإن سبيل مثله النقل المحض ولم يحصل له فيه ما يجوز له مثل ~~ذلك ويجوز له أن يذكره في غير مقام الفتوى مفصحا بحاله فيه فيقول وجدته في ~~نسخة من الكتاب الفلاني أو من كتاب فلان لا أعرف صحتها أو وجدت عن فلان كذا ~~وكذا أو بلغني عنه كذا وكذا وما ضاهى ذلك من العبارات والله أعلم ~~PageV01P116 # الثانية عشرة إذا أفتى في حادثة ثم وقعت مرة أخرى فإن كان ذاكرا لفتياه ~~الأولى ومستندها إما بالنسبة إلى أصل الشرع إن كان مستقلا أو بالنسبة إلى ~~مذهبه إن كان منتسبا إلى مذهب ذي مذهب أفتى بذلك وإن تذكرها ms20 ولم يتذكر ~~مستندها ولم يطرأ ما يوجب رجوعه عنها فقد قيل له أن يفتي بذلك والأصح أنه ~~لا يفتي حتى يجدد النظر # وبلغنا عن أبي الحسين ابن القطان أحد أئمة المذهب أنه كان لا يفتي في شيء ~~من المسائل حتى يلحظ الدليل وهكذا ينبغي لمن هو دونه ومن لم تكن فتواه ~~حكاية عن غيره ولم يكن له بد من استحضار الدليل فيها والله أعلم # الثالثة عشرة روينا عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال إذا وجدتم في كتابي ~~خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ودعوا ما قلته PageV01P117 # وهذا وما هو في معناه مشهور عنه فعمل بذلك كثير من أئمة أصحابنا وكان من ~~ظفر منهم بمسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عمل بالحديث وأفتى به قائلا ~~مذهب الشافعي ما وافق الحديث ولم يتفق ذلك إلا نادرا # ومنه ما نقل عن الشافعي رضي الله عنه فيه قول على وفق الحديث وممن حكي ~~عنه منهم أنه أفتى بالحديث في مثل ذلك أبو يعقوب البويطي وأبو القاسم ~~الداركي وهو الذي قطع به أبو الحسن إلكيا الطبري في كتابه في أصول الفقه ~~وليس هذا بالهين فليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من ~~الحديث وفيمن سلك هذا المسلك من الشافعيين من عمل بحديث تركه الشافعي ~~PageV01P118 عمدا على علم منه بصحته لمانع اطلع عليه وخفي على غيره كأبي ~~الوليد موسى بن أبي الجارود ممن صحب الشافعي رضي الله عنه وروي عنه أنه روى ~~عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث ~~وقلت قولا فأنا راجع عن قولي قائل بذلك # قال أبو الوليد وقد صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم فأنا أقول PageV01P119 ~~قال الشافعي أفطر الحاجم والمحجوم فرد على أبي الوليد ذلك من حديث أن ~~الشافعي تركه مع صحته لكونه منسوخا عنده وقد دل رضي الله عنه على ذلك وبينه ~~وروينا عن ابن خزيمة الإمام البارع ms21 في الحديث والفقه أنه قيل له هل ~~PageV01P120 تعرف سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام لم ~~يودعها الشافعي في كتبه قال لا # وعند هذا أقول من وجد من الشافعيين حديثا يخالف مذهبه نظر فإن كملت آلات ~~الاجتهاد فيه إما مطلقا وإما في ذلك الباب أو في تلك المسألة على ما سبق ~~بيانه كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث وإن لم تكمل آلته ووجد في قلبه ~~حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفيه عه جوابا شافيا فلينظر # هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل ~~بذلك الحديث ويكون ذلك عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والعلم عند الله ~~تبارك وتعالى # الرابعة عشرة هل للمفتي المنتسب إلى مذهب الشافعي مثلا أن يفتي تارة ~~بمذهب آخر فيه تفصيل وهو أنه إذا كان ذا اجتهاد فأداه اجتهاده إلى مذهب ~~إمام PageV01P121 آخر اتبع اجتهاده وإن كان اجتهاده مقيدا مشوبا بشيء من ~~التقليد نقل ذلك الشوب من التقليد إلى ذلك الإمام الذي أداه اجتهاده إلى ~~مذهبه ثم إذا أفتى بين ذلك في فتياه # وكان الإمام أبو بكر القفال المروزي يقول لو اجتهدت فأدى اجتهادي إلى ~~مذهب إبي حنيفة فأقول مذهب الشافعي كذا وكذا ولكني أقول بمذهب أبي حنيفة ~~لأنه جاء ليستفتي على مذهب الشافعي فلابد من أن أعرفه بأني أفتي بغيره ~~وحدثني أحد المفتين بخراسان أيام مقامي بها عن بعض مشايخه أن الإمام أحمد ~~الخوافي قال للغزالي في مسألة أفتى فيها أخطأت في الفتوى فقال له الغزالي ~~من أين والمسألة ليست مسطورة # فقال له بلى في المذهب الكبير فقال له الغزالي ليست فيه ولم تكن في ~~الموضع الذي يليق بها فأخرجها له الخوافي من موضع قد أجراها فيه المصنف ~~استشهادا # فقال له الغزالي عند ذلك لا أقبل هذا واجتهادي ما قلت # فقال له الخوافي هذا شيء آخر أنت إنما تسأل عن مذهب الشافعي لا عن ~~اجتهادك فلا يجوز أن تفتي على اجتهادك ms22 أو كما قال المذهب الكبير ~~PageV01P122 هو نهاية المطلب تأليف الشيخ أبي المعالي ابن الجويني وكان ~~الخوافي مع الغزالي من أكابر اصحابة # وأما إذا لم يكن ذلك بناء على اجتهاد فإن ترك مذهبه إلى مذهب هو أسهل ~~عليه وأوسع فالصحيح امتناعه وإن تركه لكون الآخر أحوط المذهبين فالظاهر ~~جوازه ثم عليه بيان ذلك في فتواه على ما تقدم والله أعلم # الخامسة عشرة ليس للمنتسب إلى مذهب الشافعي في المسألة ذات القولين أو ~~الوجهين أن يتخير فيعمل أو يفتي بأيهما شاء بل عليه في القولين إن علم ~~المتأخر منهما كما في الجديد مع القديم أن يتبع المتأخر فإنه ناسخ للمتقدم ~~وإن ذكرهما الشافعي جميعا ولم يتقدم أحدهما لكن رجح أحدهما كان الاعتماد ~~على الذي رجحه وإن جمع بينهما في حالة واحدة من غير ترجيح منه لأحدهما وقد ~~قيل إنه لم يوجد منه ذلك إلا في ستة عشر أو سبعة عشر موضعا أو نقل عنه ~~قولان ولم يعلم حالهما فيما ذكرناه فعليه البحث عن الأرجح الأصح منهما ~~متعزفا ذلك من أصول مذهبه غير متجاوز في الترجيح قواعد مذهبه إلى غيرها هذا ~~إن كان ذا اجتهاد في مذهبه أهلا للتخريج عليه فإن لم يكن أهلا لذلك فلينقله ~~عن بعض أهل التخريج من أئمة المذهب وإن لم يجد شيئا من ذلك PageV01P123 ~~فليتوقف قال القاضي الإمام أبو الحسن الماوردي رحمه الله في مسألة فعل ~~المحلوف عليه على نسيان ذات القولين قال لي شيخنا أبو القاسم الصيمري ما ~~أفتيت في يمين الناسي بشيء قط # وحكى عن شيخه أبي الفياض أنه لم يفت فيها بشيء قط وحكى أبو الفياض عن ~~شيخه أبي حامد المروروذي أنه لم يفت فيها بشيء قط # وقال المروروذي فاقتديت بهذا السلف ولم أفت فيها بشيء لأن استعمال التوقي ~~أحوط من فرطات الإقدام وأما الوجهان فلا بد من ترجيح أحدهما وتعرف الصحيح ~~منهما عند العمل والفتوى بمثل الطريق المذكور ولا عبرة فيهما بالتقدم ~~والتأخر سواء وقعا معا في حالة واحدة من إمام من أئمة المذهب ms23 أو من إمامين ~~واحد بعد واحد لأنهما انتسبا إلى المذهب انتسابا واحدا وتقدم أحدهما لا ~~يجعله بمنزلة تقدم أحد القولين من صاحب المذهب وليس ذلك أيضا من قبيل ~~اختلاف المفتيين على المستفتي بل كل ذلك اختلاف راجع إلى PageV01P124 شخص ~~واحد وهو صاحب المذهب فيلتحق باختلاف الروايتين عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أنه يتعين العمل بأصحهما عنه وإذا كان أحد الرأيين منصوصا عنه ~~والآخر مخرجا فالظاهر أن الذي نص عليه منهما يقدم كما يقدم ما رجحه من ~~القولين المنصوصين على الآخر لأنه أقوى نسبة إليه منه إلا إذا كان القول ~~المخرج مخرجا من نص آخر لتعذر الفارق فاعلم ذلك # واعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقا لقول أو وجه في ~~المسألة ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه من غير نظر في الترجيح ولا ~~تقيد به فقد جهل وخرق الإجماع وسبيله سبيل الذي حكى عنه أبو الوليد الباجي ~~المالكي من فقهاء أصحابه أنه كان يقول إن الذي لصديقي علي إذا وقعت له ~~حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه وحكى عن من يثق به أنه وقعت له واقعة ~~وأفتى فيها وهو غائب جماعة من فقهائهم من أهل الصلاح بما يضره فلما عاد ~~سألهم فقالوا ما علمنا أنها لك وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه قال ~~وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الاجماع أنه لا يجوز # قلت وقد قال إمامهم مالك رضي الله عنه في اختلاف أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ورضي الله عنهم مخطىء ومصيب فعليك بالاجتهاد وقال ~~PageV01P125 ليس كما قال ناس فيه توسعة قلت لا توسعة فيه بمعنى أنه يتخير ~~بين أقوالهم من غير توقف على ظهور الراجح وفيه توسعة بمعنى أن اختلافهم يدل ~~على أن للاجتهاد مجالا فيما بين أقوالهم وأن ذلك ليس مما يقطع فيه بقول ~~واحد متعين لا مجال للاجتهاد في خلافه والله أعلم # فرعان أحدهما إذا وجد من ليس أهلا للترجيح والتخريج بالدليل اختلافا بين ms24 ~~أئمة المذهب في الأصح من القولين أو الوجهين فينبغي أن يفزع في الترجيح إلى ~~صفاتهم الموجبة لزيادة الثقة بآرائهم فيعمل بقول الأكثر والأعلم والأورع ~~وإذا اختص واحد منهم بصفة منها والآخر بصفة أخرى قدم الذي هو أحرى منهما ~~بالإصابة فالأعلم الورع مقدم على الأورع العالم واعتبرنا ذلك في هذا كما ~~اعتبرنا في الترجيح عند تعارض الأخبار صفات رواتها وكذلك إذا وجد قولين أو ~~وجهين لم يبلغه عن أحد من أئمته بيان للأصح منهما اعتبر أوصاف ناقليهما ~~وقائليهما فما رواه المزني أو الربيع المرادي مقدم عند أصحابنا على ما حكاه ~~الإمام أبو سليمان الخطابي عنهم على ما رواه حرملة أو الربيع PageV01P126 ~~الجيزي وأشباهما ممن لم يكن قوي الأخذ عن الشافعي رضي الله عنه # ويرجح ما وافق منهما أكثر أئمة المذاهب المتبوعة أو أكثر العلماء وفيما ~~استفدته من الغرائب بخراسان عن الشيخ حسين بن مسعود صاحب التهذيب عن شيخه ~~القاضي حسين بن محمد قال إذا اختلف قول الشافعي في مسألة وأحد القولين ~~يوافق مذهب أبي حنيفة فأيهما أولى بالفتوى قال الشيخ أبو حامد ما يخالف قول ~~أبي حنيفة أولى لأنه لولا أن الشافعي عرف فيه معنى خفيا لكان لا يخالف أبا ~~حنيفة # وقال الشيخ القفال ما يوافق قول أبي حنيفة أولى # قال وكان القاضي يذهب إلى الترجيح بالمعنى ويقول كل قول كان معناه أرجح ~~فذلك أولى وأفتي به # قلت وقول القفال المروزي المذكور أظهر من قول أبي حامد الاسفراييني ~~PageV01P127 وكلامهما محمول على ما إذا لم يعارض ذلك من جهة القول الآخر ~~ترجيح آخر مثله أو أقوى منه # وهذه الأنواع من الترجيح معتبرة أيضا بالنسبة إلى أئمة المذهب غير أن ما ~~يرجحه الدليل عندهم مقدم على ذلك والله أعلم # الثاني كل مسألة فيها قولان قديم وجديد فالجديد أصح وعليه الفتوى إلا في ~~نحو عشرين مسألة أو أكثر يفتي فيها على القديم على خلاف في ذلك بين أئمة ~~الأصحاب في أكثرها وذلك مفرق في مصنفاتهم # وقد قال الإمام أبو المعالي ابن الجويني في نهايته ms25 قال الأئمة كل قولين ~~أحدهما جديد فهو أصح من القديم إلا في ثلاث مسائل وذكر منها مسألة التثويب ~~في أذان الصبح PageV01P128 # ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير # ولم ينص على الثالثة غير أنه لما ذكر القول بعدم استحباب قراءة السورة ~~بعد الركعتين الأوليين وهو القول القديم ذكر أن عليه العمل وفي هذا إشعار ~~بأن عليه الفتوى فصاروا إلى ذلك في ذلك مع أن القديم لم يبق قولا للشافعي ~~لرجوعه عنه فيكون اختيارهم إذن للقديم فيها من قبيل ما ذكرناه من اختيار ~~أحدهم مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه كما سبق وبل أولى لكون ~~القديم قد PageV01P129 كان قولا له منصوصا ويلتحق بذلك ما إذا اختار أحدهم ~~القول المخرج على القول المنصوص أو اختار من القولين اللذين رجح الشافعي ~~أحدهما غير ما رجحه وبل أولى من القول القديم ثم حكم من لم يكن أهلا ~~للتخريج من المتبعين لمذهب الشافعي رضي الله عنه أن لا يتبعوا شيئا من ~~اختياراتهم هذه المذكورة لأنهم مقلدون للشافعي دون من خالفه والله أعلم # المسألة السادسة عشرة إذا اقتصر في جوابه على حكاية الخلاف بأن قال فيها ~~قولان أو وجهان أو نحو ذلك من غير أن يبين الأرجح فحاصل أمره أنه لم يفت ~~بشيء # وأذكر أني حضرت بالموصل الشيخ الصدر المصنف أبا السعادات ابن الأثير ~~الجزري رحمه الله فذكر بعض الحاضرين عنده عن بعض المدرسين أنه أفتى في ~~مسألة فقال فيها قولان وأخذ يزري عليه فقال الشيخ ابن الأثير كان الشيخ أبو ~~القاسم بن البزري وهو علامة زمانه في المذهب إذا كان في المسألة خلاف ~~واستفتي عنها يذكر الخلاف في الفتيا ويقال PageV01P130 له في ذلك فيقول لا ~~أتقلد العهدة مختارا لأحد الرأيين مقتصرا عليه وهذا حيد عن غرض الفتوى وإذا ~~لم يذكر شيئا أصلا فلم يتقلد العهدة أيضا ولكنه لم يأت بالمطلوب حيث لم ~~يخلص السائل من عمايته وهذا في ذلك كذلك ولا اقتداء بأبي بكر محمد بن داود ~~الأصبهاني الظاهري في فتياه التي أخبرني بها ms26 أبو أحمد الوهاب بن علي شيخ ~~الشيوخ ببغداد قال أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أخبرنا ~~الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب قال حدثني القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد ~~الله الطبري حدثني أبو العباس الخضري وأخبرني PageV01P131 أيضا الشيخ أبو ~~العباس أحمد بن الحسين المقرىء ببغداد قال أخبرنا أبو الحسن علي بن هبة ~~الله بن عبد السلام قال أخبرنا الشيخ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي ~~الفيروزأبادي قال سمعت شيخنا القاضي أبا الطيب الطبري قال سمعت أبا العباس ~~الخضري قال كنت جالسا عند أبي بكر بن داود فجاءته امرأة فقالت له ما تقول ~~في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها # فقال أبو بكر اختلف في ذلك أهل العلم فقال قائلون تؤمر بالصبر والاحتساب ~~ويبعث على التطلب والاكتساب وقال قائلون يؤمر بالإنفاق وإلا يحمل على ~~الطلاق فلم تفهم المرأة قوله وفأعادت وقالت رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا ~~هو مطلقها # فقال لها يا هذه قد أجبتك عن مسألتك وأرشدتك إلى طلبتك ولست PageV01P132 ~~بسلطان فأمضي ولا قاض فأقضي ولا زوج فأرضي انصرفي قال فانصرفت المرأة ولم ~~تفهم جوابه قلت التصحيف شين فاعلم أن أبا العباس الخضري هذا هو بخاء معجمة ~~مضمومة وبضاد معجمة مفتوحة # وقوله تؤمر بالصبر والاحتساب في أوله التاء التي للمؤنث # وقوله يبعث على التطلب في أوله الياء التي هي للمذكر # وقولها لا هو ممسكها أي ليس ينفق عليها # ولقد وقع ابن داود بعيدا عن مناهج المفتين في تعقيده هذا وتسجيعه وتحييره ~~من استرشده وتضييعه وهكذا إذا قال المفتي في موضع الخلاف يرجع إلى رأي ~~الحاكم فقد عدل عن نهج الفتوى ولم يفت أيضا بشيء وهو كما إذا استفتي فلم ~~يجب وقال استفتوا غيري وحضرت بالموصل شيخها المفتي أبا حامد محمد بن يونس ~~وقد استفتي في مسألة فكتب في جوابها إن فيها خلافا فقال بعض من حضر كيف ~~يعمل المستفتي # فقال يختار له القاضي أحد المذهبين ثم قال هذا يبنى على أن ms27 العامي إذا ~~PageV01P133 اختلف عليه اجتهاد اثنين فبماذا يعمل وفيه خلاف مشهور وهذا غير ~~مستقيم # أما قوله أولا يختار له الحاكم فهو فاسد لما ذكرناه ولأن الحاكم إذا لم ~~يكن أهلا للفتوى وذلك هو الغالب في زمان من ذكرنا عنه ما ذكرناه فقد رده ~~إلى رأي من رأي له وأحاله على عاجز حاجته في ذلك إلى فتياه كحاجة من ~~استفتاه # وما قوله ثانيا يبنى ذلك على الخلاف فيما إذا اختلف عليه اجتهاد مفتيين ~~في فتواهما فهل يتخير بين فتويهما أو يأخذ بالأخف أو بالأغلظ # فهذا فيه إحواج للمستفتي إلى أن يستفتي مرة أخرى ويسأل عن هذا أيضا لأنه ~~لا يدري أن حكمه التخير أو الأخذ بالأخف أو الأغلظ # فلم يأت إذن بما يكشف عن عمايته بل زاده عماية وحيرة على أن الصحيح في ~~ذلك على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى إنه يجب عليه الأخذ بقول الأوثق ~~منهما وإذا قال فيه خلاف ولم يعين القائلين لم يتهيأ له فيه وهذه حالته ~~البحث عن الأوثق من القائلين والله أعلم # | القول في كيفية الفتوى وآدابها # وفيه مسائل # الأولى يجب على المفتي حيث يجب عليه الجواب أن يبينه بيانا مزيحا للإشكال ~~ثم له أن يجيب شفاها باللسان وإذا لم يعلم لسان المستفتي أجزأت ترجمة ~~الواحد لأن طريقه الخبر وله أن يجيب بالكتابة مع ما في الفتوى في الرقاع من ~~الحظر وكان القاضي أبو حامد المروروذي الإمام فيما بلغنا عنه كثير ~~PageV01P134 الهرب من الفتوى في الرقاع # قال أبو القاسم الصيمري وليس من الأدب للمفتي أن يكون السؤال بخطه فأما ~~بإملائه وتهذيبه فواسع # وبلغنا عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي رحمه الله أنه كان قد يكتب للمستفتي ~~السؤال على ورق من عنده ثم يكتب الجواب والله أعلم # الثانية إذا كانت المسألة فيها تفصيل لم يطلق الجواب فإنه خطأ ثم له أن ~~يستفصل السائل إن حضر ويقيد السؤال في رقعة الاستفتاء ثم يجيب عنه وهذا ~~أولى وأسلم وكثيرا ما نتحراه نحن ونفعله وله أن يقتصر على جواب ms28 أحد الأقسام ~~إذا علم أنها الواقع للسائل ولكن يقول هذا إذا كان كذا وكذا وله أن يفصل ~~الأقسام في جوابه ويذكر حكم كل قسم وهذا قد كرهه أبو الحسن القابسي من أئمة ~~المالكية وقال هذا ذريعة إلى تعليم الناس الفجور ونحن نكرهه أيضا لما ذكره ~~من أنه يفتح للخصوم باب التمحل والاحتيال الباطل ولأن ازدحام الأقسام ~~بأحكامها على فهم العامي يكاد يضيعه وإذا لم يجد المفتي من يستفسره في ذلك ~~كان مدفوعا إلى التفصيل فليتثبت وليجتهد في استيفاء الأقسام وأحكامها ~~وتحريرها والله أعلم # الثالثة إذا كان المستفتي بعيد الفهم فينبغي للمفتي أن يكون رفيقا به ~~صبورا عليه حسن التأني في التفهم منه والتفهيم له حسن الإقبال عليه لا سيما ~~إذا كان ضعيف الحال محتسبا أجر ذلك فإنه جزيل PageV01P135 # أخبرت عن أبي الفتوح عبد الوهاب بن شاه النيسابوري قال أخبرنا الأستاذ ~~أبو القاسم القشيري قال سمعت أبا سعيد الشحام يقول رأيت الشيخ الإمام أبا ~~الطيب سهلا الصعلوكي في المنام فقلت أيها الشيخ # فقال دع التشييخ فقلت وتلك الأحوال التي شاهدتها فقال لم تغن عنا فقلت ما ~~فعل الله بك فقال غفر لي بمسائل كان يسأل عنها العجز العجز بضم العين ~~والجيم العجائز والله أعلم PageV01P136 الرابعة ليتأمل رقعة الاستفتاء ~~تأملا شافيا كلمة بعد كلمة ولتكن عنايته بتأمل آخرها أكثر فإنه في آخرها ~~يكون السؤال وقد يتقيد الجميع بكلمة في آخر الرقعة ويغفل عنها القارىء لها ~~وهذا من أهم ما ينبغي أن يراعيه فإذا مر فيها بمشتبه سأل عنه المستفتي ~~ونقطه وشكله مصلحة لنفسه ونيابة عمن يفتي بعده وكذا إن رأى لحنا فاحشا أو ~~خطأ يحيل معنى أصلحه # قطع بذلك أبو القاسم الصيمري من أئمة أصحابنا في كتابه في أدب المفتي ~~والمستفتي # وقال الخطيب أبو بكر أحمد بن علي الحافظ رأيت القاضي أبا الطيب الطبري ~~يفعل هذا في الرقاع التي ترفع إليه للاستفتاء # قلت ووجهه إلحاقه بقبيل المأذون فيه بلسان الحال فإن الرقعة إنما قدمها ~~صاحبها إليه ليكتب فيها ما يرى وهذا منه ms29 وكذلك إذا رأى بياضا في أثناء بعض ~~السطور أو في آخرها خط عليه وشغله على نحو ما يفعله الشاهد في كتب الوثائق ~~ونحوها لأنه ربما قصد المفتي فكتب في ذلك البياض بعد فتواه PageV01P137 ما ~~يفسدها # كما بلي القاضي أبو حامد المروروذي بمثل ذلك إذ قصد مساءته بعض الناس ~~فكتب ما تقول في رجل مات وخلف ابنة وأختا لأم ثم ترك بياضا في آخر السطر ~~موضع كلمة ثم كتب في أول السطر الذي يليه وترك ابن عم فأفتى المفتي للبنت ~~النصف والباقي لابن العم فلما أخذ خطه بذلك الحق في موضع البياض وأب وشنع ~~عليه بذلك # وكان ذلك سبب فتنة ثارت بين طائفتين من رؤساء البصرة والله أعلم # الخامسة يستحب له أن يقرأ ما في الرقعة على من بحضرته ممن هو أهل لذلك ~~ويشاورهم في الجواب ويباحثهم فيه وإن كانوا دونه وتلامذته لما في ذلك من ~~البركة والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالسلف الصالح رضي الله ~~عنهم # اللهم إلا أن يكون في الرقعة ما لا يحسن إبداؤه أو ما لعل السائل يؤثر ~~ستره أو في إشاعته مفسدة لبعض الناس فينفرد هو بقراءتها وجوابها والله أعلم # السادسة ينبغي أن يكتب الجواب بخط واضح وسط ليس بالدقيق الخافي ~~PageV01P138 ولا بالغيظ الجافي وكذلك يتوسط في سطوره بين توسيعها وتضييقها ~~وتكون عبارته واضحة صحيحة بحيث يفهمها العامة ولا تزدريها الخاصة واستحب ~~بعضهم أن لا تتفاوت أقلامه ولا يختلف خطه خوفا من التزوير عليه وكيلا يشتبه ~~خطه # قال الصيمري وقل ما وجد التزوير على المفتي وذلك أن الله تعالى حرس أمر ~~الدين # وإذا كتب الجواب أعاد نظره فيه خوفا من أن يكون قد أخل بشيء منه والله ~~أعلم # السابعة إذا كان هو المبتدىء بالافتاء فيها فالعادة جارية قديما وحديثا ~~بأن يكتب فتواه في الناحية اليسرى من الورقة لأن ذلك أمكن له ولو كتب في ~~غيرها فلا عيب عليه إلا أن يرتفع إلى أعلاها ترفعا ولا سيما فوق البسملة # وفيما وجدناه عن أبي القاسم الصيمري ms30 أن كثيرا من الفقهاء يبدأ في فتواه ~~بأن يقول الجواب وبالله التوفيق وحذف ذلك آخرون قال ولو عمل فيما طال من ~~المسائل وحذف فيما سوى ذلك لكان وجها ولكن لا يدع أن يختم جوابه بأن يقول ~~وبالله التوفيق أو والله الموفق أو والله أعلم # قال وكان بعض السلف إذا أفتى يقول إن كان هذا صوابا فمن الله وإن ~~PageV01P139 كان خطأ فمني قال وهذا معنى كره في هذا الزمان لأن إضعاف نفس ~~السائل وإدخال قلبه الشك في الجواب # قال وليس يقبح منه أن يقول الجواب عندنا أو الذي عندنا أو يقول الذي نراه ~~كذا وكذا لأنه من جملة أصحابه وأرباب مقالته والله أعلم # الثامنة روي عنف مكحول و مالك رضي الله عنهما أنهما كانا لا يفتيان حتى ~~يقولا لا حول ولا قوة إلا بالله # ونحن نستحب للمفتي ذلك مع غيره فليقل إذا أراد الإفتاء أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم @QB@ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم @QE@ @QB@ ففهمناها سليمان @QE@ الآية # رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبحانك اللهم وحنانيك PageV01P140 اللهم ~~اللهم لا تنسني ولا تنسني الحمد لله أفضل الحمد اللهم صل على محمد وعلى آله ~~وسائر النبيين والصالحين وسلم اللهم وفقني واهدني وسددني واجمع لي بين ~~الصواب والثواب وأعذني من الخطأ والحرمان آمين # فإن لم يأت بذلك عند كل فتوى فليأت به عند أول فتيا يفتيها في يومه لما ~~يفتيه في سائر يومه مضيفا إليه قراءة الفاتحة وآية الكرسي وما تيسر فإن من ~~ثابر على ذلك كان حقيقا بأن يكون موفقا في فتاويه والله أعلم # التاسعة بلغنا عن القاضي أبي الحسن الماوردي صاحب كتاب الحاوي قال إن ~~المفتي عليه أن يختصر جوابه فيكتفي فيه بأنه يجوز أو لا يجوز أو حق أو باطل ~~ولا يعدل إلى الإطالة والاحتجاج ليفرق بين الفتوى والتصنيف قال ولو ساغ ~~التجاوز إلى قليل لساغ إلى كثير ولصار المفتي ms31 مدرسا ولكل مقام مقال # وذكر شيخه أبو القاسم الصيمري عن شيخه القاضي أبي حامد المرورذي أنه كان ~~يختصر في فتواه غاية ما يمكنه واستفتي في مسألة قيل في آخرها أيجوز ذلك أم ~~لا فكانت فتواه لا وبالله التوفيق # قلت الاقتصار على لا أو نعم لا يليق بغي العامة وإنما يحسن بالمفتي ~~الاختصار الذي لا يخل بالبيان المشترط عليه دون ما يخل به فلا يدع إطالة لا ~~يحصل البيان بدونها فإذا كانت فتياه فيما يوجب القود أو الرجم مثلا فليذكر ~~الشروط PageV01P141 التي يتوقف عليها القود والرجم # وإذا استفتي فيمن قال قولا يكفر به بأن قال الصلاة لعب أو الحج عبث أو ~~نحو ذلك فلا يبادر بأن يقول هذا حلال الدم ويقتل بل يقول إذا ثبت عليه ذلك ~~بالبينة أو بالإقرار استتابه السلطان فإن تاب قبلت توبته وإن أصر ولم يتب ~~قتل وفعل به كذا وكذا وبالغ في تغليظ أمره وإن كان الكلام الذي قاله يحتمل ~~أمورا لا يكفر ببعضها فلا يطلق جوابه وله أن يقول ليسأل عما أراد بقوله فإن ~~أراد كذا فالجواب كذا وإن أراد كذا فالحكم فيه كذا وقد سبق الكلام فيما ~~شأنه التفصيل وإذا استفتي عما يوجب التعزير فليذكر قدر ما يعزره به السلطان ~~فيقول يضرب ما بين كذا إلى كذا ولا يزاد على كذا خوفا من أن يضرب بفتواه ~~إذا أطلق القول ما لا يجوز ضربه ذكره الصيمري # قلت وإذا قال عليه التعزير بشرطه أو القصاص بشرطه فليس بإطلاق وتقييده ~~بشرطه يبعث من لا يعرف الشرط من ولاة الأمر على السؤال عن شرطه والبيان ~~أولى والله أعلم # العاشرة إذا سئل عن مسألة ميراث فالعادة غير جارية بأن يشترط في جوابه في ~~الورثة عدم الرق والكفر والقتل وغيرها من الموانع بل المطلق محمول على ذلك ~~بخلاف ما إذا أطلق السائل ذكر الأخوة والأخوات والأعمام وبنيهم فلا بد أن ~~يشترط في الجواب فيقول من أب وأم أو من أب أو من أم PageV01P142 # وإذا سئل عن مسألة فيها عول كالمنبرية ms32 وهي زوجة وأبوان وبنتان فلا يقل ~~للزوجة الثمن ولا للزوجة التسع لأن أحدا من السلف لم يقله بل إما أن يقول ~~للزوجة ثمن عائل وهو ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين سهما أو يقول ما قاله أمير ~~المؤمنين علي رضي الله عنه صار ثمنها تسعا أو يقول لها سهما من كذا وكذا ~~وإذا كان في المذكورين في السؤال من لا يرث أفصح بسقوطه فقال وسقط فلان وإن ~~كان سقوطه في صورة دون صورة قال وسقط فلان في هذه المسألة أو نحو ذلك وإذا ~~سئل عن أخوة وأخوات أو بنين وبنات PageV01P143 فلا ينبغي إلا أن يقول ~~يقتسمون التركة على كذا وكذا سهما لكل ذكر كذا سهما ولكل أنثى كذا سهما ولا ~~يقل @QB@ للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ فإن ذلك يشكل على العامي هذا رأي ~~الإمام أبي القاسم الصيمري ونحن نجد في تعمد العدول عنه حزازة في النفس ~~لكونه لفظ القرآن العظيم وأنه قل ما يخفى معناه على أحد وسبيله أن يكون في ~~جواب مسائل المناسخات شديد التحرز والتحفظ وليقل فيها لفلان كذا وكذا من ~~ذلك كذا من ميراثه من فلان وكذا بميراثه من فلان وحسن أن يقول في قسمة ~~المواريث تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا ~~والله أعلم # الحادية عشرة ليس للمفتي أن يبني ما يكتبه من جوابه على ما يعلمه من صورة ~~الواقعة المستفتى عنها إذا لم يكن في الرقعة تعرض له وكذا إذا زاد السائل ~~شفاها ما ليس في الرقعة تعرض له ولا له به تعلق فليس للمفتي أن يكتب جوابه ~~في الرقعة ولا بأس بأن يضيفه إلى السؤال بخطه وإن لم يكن من الأدب كون ~~السؤال جميعه بخط المفتي على ما سبق ولا بأس أيضا لو كتب بعد جوابه عما في ~~الرقعة زاد السائل من لفظه كذا وكذا والجواب عنه كذا وكذا وإذا كان المكتوب ~~في الرقعة على خلاف الصورة الواقعة وعلم المفتي بذلك فليفت على ما وجد في ~~PageV01P144 الرقعة وليقل هذا إن ms33 كان الأمر على ما ذكر وإن كان كيت وكيت ~~ويذكر ما علمه من الصورة فالحكم كذا وكذا # قلت وإذا زاد المفتي على جواب المذكور في السؤال ما له به تعلق ويحتاج ~~إلى التنبيه عليه فذلك حسن والله أعلم # الثانية عشرة لا ينبغي إذا ضاق موضع الفتوى عنها أن يكتب الجواب في رقعة ~~أخرى خوفا من الحيلة عليه ولهذا انبغى أن يكون جوابه موصولا آخر سطر في ~~الرقعة ولا يدع بينهما فرجة خوفا من أن يثبت السائل فيها غرضا آخر له ضارا ~~وكذا إذا كان في موضع الجواب ورقة ملزقة كتب على موضع الإلزاق وشغله بشيء ~~وإذا أجاب على ظهر الرقعة فينبغي أن يكون الجواب في اعلاها لا في ذيلها ~~اللهم إلا أن يبتدىء الجواب في أسفلها متصلا بالاستفتاء فيضيق عليه الموضع ~~فيتمه وراءها مما يلي أسفلها ليتصل جوابه واختار بعضهم أن يكتب على ظهرها ~~ولا يكتب على حاشيتها بطولها والمختار أن حاشيتها أولى بذلك من ظهرها ~~والأمر في ذلك قريب والله أعلم # الثالثة عشرة إذا رأى المفتي رقعة الاستفتاء قد سبق بالجواب فيها من ليس ~~أهلا للفتوى فعن الإمام أبي القاسم الصيمري رضي الله عنه أنه لا يفتي معه ~~PageV01P145 لأن فيه تقريرا لمنكر بل يضرب على ذلك بإذن صاحب الرقعة ولو لم ~~يستأذنه في هذا القدر جاز لكن ليس له احتباس الرقعة إلا بإذن صاحبها وله ~~انتهار السائل وزجره وتعريفه قبح ما أتاه وأنه قد كان واجبا عليه البحث عن ~~أهل الفتوى وطلب من يستحق ذلك وإن رأى فيها اسم من لا يعرفه سأل عنه فإن لم ~~يعرفه فواسع أن يمتنع من الفتوى معه خوفا مما قلناه قال وكان بعضهم في مثل ~~هذا يكتب على ظهرها والأولى في هذه المواضع أن يشار على صاحبها بإبدالها ~~فإن أبى ذلك أجابه شفاها # قلت وإذا خاف فتنة من الضرب على فتيا العادم للأهلية ولم تكن خطأ عدل إلى ~~الامتناع من الفتيا معه وإن غلبت فتاويه لتغلبه على منصبها بجاه أو تلبيس ~~أو غير ms34 ذلك بحيث صار امتناع الأهل من الفتيا معه ضارا بالمستفتين فليفت معه ~~فإن ذلك أهون الضررين وليتلطف مع ذلك في إظهار قصوره لمن يجهله والله أعلم # الرابعة عشرة إذا ظهر له أن الجواب على خلاف غرض المستفتي وأنه لا يرضى ~~بكتبه ورقته فليقتصر على مشافهته بالجواب # حدثني الشيخ أبو المظفر عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد عبد الكريم ~~PageV01P146 السمعاني بمدينة مرو عن والده رحمهما الله قال سمعت أبا ~~السعادات المبارك بن الحسين الشاهد بواسط يقول دخلت على قاضي القضاة أبي ~~عبد الله الدامغاني وكان معي رقعة فيها مسألته مسأله الجواب عنها فأخذ ~~الرقعة وشرع يكتب الجواب وكنت أدعو له فقال المفتي إذا وافق جوابه غرض ~~المستفتي يدعو له وإذا لم يوافق سكت ثم قال غرم شيخنا أبو الحسين ابن ~~القدوري لرجل ورقة أفتى يوما في مسألة استفتي عنها فاتفق الجواب على خلاف ~~غرض المستفتي فقال له يا شيخ أتلفت ورقتي قال فأخرج شيخنا ورقة من عنده ~~وقال هاك عوضها والله أعلم PageV01P147 # الخامسة عشرة إذا وجد في رقعة الاستفتاء فتيا غيره وهي خطأ قطعا إما خطأ ~~مطلقا لمخالفتها الدليل القاطع وإما خطأ على مذهب من يفتي ذلك الغير على ~~مذهبه قطعا فلا يجوز له الامتناع من الافتاء تاركا للتنبيه على خطئها إذا ~~لم يكفه ذلك غيره بل عليه الضرب عليها عند تيسره أو الإبدال وتقطيع الرقعة ~~بإذن صاحبها أو نحو ذلك وإذا تعذر ذلك وما يقوم مقامه كتب صواب جوابه عند ~~ذلك الخطأ ثم إن كان المخطىء أهلا للفتوى فحسن أن تعاد إليه بإذن صاحبها ~~وأما إذا وجد فيها فتيا ممن هو أهل للفتوى وهي على خلاف ما يراه هو غير أنه ~~لا يقطع بخطئها فليقتصر على أن يكتب جواب نفسه ولا يتعرض لفتيا غيره بتخطئة ~~ولا اعتراض عليه # وبلغنا أن الملك الملقب بجلال الدولة من ملوك الديلم المتسلطين على ~~الخلفاء لما زيد في ألقابه شاها نشاه الأعظم ملك الملوك وخطب له بذلك ~~ببغداد على المنبر جرى في ذلك ما أحوج ms35 إلى استفتاء فقهاء بغداد في جواز ذلك ~~وذلك في سنة تسع وعشرين وأربعمائة فأفتى غير واحد من أئمة العصر بجواز ذلك ~~منهم PageV01P148 القاضي الإمام أبو الطيب الطبري وأبو القاسم الكرخي وابن ~~البيضاوي الشافعيون والقاضي أبو عبد الله الصيمري الحنفي وأبو محمد التميمي ~~الحنبلي ولم يفت معهم القاضي أبو الحسن الماوردي فكتب إليه كاتب الخليفة ~~يخصه بالاستفتاء في ذلك فأفتى بأن ذلك لا يجوز ولقد أصاب في تحريمه ~~PageV01P149 ذلك وأخطأوا في تجويزه فلما وقفوا على جوابه تصدوا لنقضه وأطال ~~القاضيان أبو الطيب الطبري وأبو عبد الله الصيمري في التشنيع عليه فأجاب ~~الماوردي عن كلامهما بجواب طويل يذكر فيه أنهما أخطآ من وجوه منها أنه لا ~~يسوغ لمفت إذا استفتي أن يتعرض لجواب غيره برد ولا تخطئة ويجيب بما عنده من ~~موافقة أو مخالفة فقد يفتي أصحاب الشافعي بما يخالفهم فيه أصحاب أبي حنيفة ~~فلا يتعرض أحد منهم لرد على صاحبه والله أعلم # السادسة عشرة إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلا ولم يحضر صاحب الواقعة فعن ~~القاضي أبي القاسم الصيمري الشافعي رحمه الله أن له أن يكتب يزاد في الشرح ~~لنجيب عنه أو لم أفهم ما فيها فأجيب عنه PageV01P150 # وقال بعضهم لا يكتب شيئا أصلا # قال ورأيت بعضهم كتب في مثل هذا يحضر السائل لنخاطبه شفاها وإذا اشتملت ~~الرقعة على مسائل فهم بعضها دون بعض أو فهمها كلها ولم يرد الجواب عن بعضها ~~أو احتاج في بعضها إلى مطالعة رأيه أو كتبه سكت عن ذلك البعض وأجاب عن ~~البعض الآخر # وعن الصيمري أنه يقول في جوابه فأما باقي المسائل فلنا فيه نظر أو يقول ~~مطالعة أو يقول زيادة تأمل # قلت وإذا فهم من السؤال صورة وهو يحتمل غيرها فلينص عليها في أول جوابه ~~فيقول إن كان قد قال كذا وكذا أو فعل كذا وكذا أو ما أشبه هذا ثم يذكر حكم ~~ذلك والله أعلم # السابعة عشرة ليس بمنكر أن يذكر المفتي في فتواه الحجة إذا كانت نصا ~~واضحا مختصرا مثل أن يسأل ms36 عن عدة الآيسة فحسن أن يكتب في فتواه قال الله ~~تبارك وتعالى @QB@ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر @QE@ أو يسأل هل يطهر جلد الميتة بالدباغ فيكتب نعم PageV01P151 ~~يطهر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إيما إهاب دبغ فقد طهر وأما الأقيسة ~~وشبهها فلا ينبغي له ذكر شيء منها # وفيما وجدناه عن الصيمري قال لم تجر العادة أن يذكر في فتواه طريق ~~الاجتهاد ولا وجه القياس والاستدلال اللهم إلا أن تكون الفتوى تتعلق بنظر ~~قاض فيومىء فيها إلى طريق الاجتهاد ويلوح بالنكتة التي عليها بنى الجواب أو ~~يكون غيره قد أفتى فيها بفتوى غلط فيها عنده فيلوح بالنكتة التي أوجبت ~~خلافه ليقم عذره في مخالفته # قلت وكذلك لو كان فيما يفتي به غموض فحسن أن يلوح بحجته وهذا التفصيل ~~أولى مما سبق قريبا ذكره عن القاضي الماوردي من إطلاقه القول بالمنع من ~~تعرضه للإحتجاج وقد يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد ويبالغ فيقول ~~هذا إجماع المسلمين أو لا أعلم في هذا خلافا أو فمن خالف هذا فقد خالف ~~الواجب وعدل عن الصواب أو فقد أثم وفسق أو على ولي الأمر أن يأخذ بهذا ولا ~~يهمل الأمر وما أشبه هذه الألفاظ على حسب ما تقضيه المصلحة وتوجبه الحال ~~والله أعلم PageV01P152 # الثامنة عشرة يجب على المفتي عند اجتماع الرقاع بحضرته أن يقدم الأسبق ~~فالأسبق كما يفعله القاضي عند اجتماع الخصوم وذلك فيما يجب عليه فيه ~~الإفتاء وعند التساوي أو الجهل بالسابق يقدم بالقرعة والصحيح أنه يجوز له ~~تقديم المرأة والمسافر الذي شد رحله وفي تأخيره تخلفه عن رفقته على من ~~سبقهما إذا كثر المسافرون والنساء بحيث يلحق غيرهم من تقديمهم ضرر كبير ~~فيعود بالتقديم إلى السبق أو القرعة ثم لا يقدم من يقدمه إلا في فتيا واحدة ~~والله أعلم # التاسعة عشرة ليحذر أن يميل في فتياه مع المستفتي أو مع خصمه ووجوه الميل ~~كثيرة لا تخفى ومنها أن يكتب في جوابه ما هو له ويسكت ms37 عما هو عليه # وليس له أن يبتدىء في مسائل الدعاوي والبينات بذكر وجوه المخالص منها ~~وإذا سأله أحدهم وقال بأي شيء تندفع دعوى كذا وكذا أو بينة كذا وكذا لم ~~يجبه كيلا يتوصل بذلك إلى إبطال حق وله أن يسأله عن حاله فيما ادعي عليه ~~فإذا شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع والله أعلم # العشرون ليس له إذ استفتي في شيء من المسائل الكلامية أن يفتي بالتفصيل ~~بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض في ذلك أصلا ويأمرهم بأن يقتصروا ~~فيها على الإيمان جملة من غير تفصيل ويقولوا فيها وفيما ورد من الآيات ~~PageV01P153 والأخبار المتشابهة إن الثابت فيها في نفس الأمر كل ما هو ~~اللائق فيها بجلال الله وكماله وتقديسه المطلقين وذلك هو معتقدنا فيها وليس ~~علينا تفصيله وتعيينه وليس البحث عنه من شأننا بل نكل علم تفصيله إلى الله ~~تبارك وتعالى ونصرف عن الخوض فيه قلوبنا وألسنتنا فهذا ونحوه عند أئمة ~~الفتوى هو الصواب في ذلك وهو سبيل سلف الأمة وأئمة المذاهب المعتبرة وأكابر ~~الفقهاء والصالحين وهو أصون وأسلم للعامة وأشباههم ممن يدغل قلبه بالخوض في ~~ذلك ومن كان منهم اعتقد اعتقادا باطلا تفصيلا ففي إلزامه بهذا صرف له عن ~~ذلك الإعتقاد الباطل بما هو أهون وأيسر وأسلم # وإذا عزر ولي الأمر من حاد منهم عن هذه الطريقة فقد تأسى بعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه في تعزيره صبيغ بن عسل الذي كان يسأل عن المتشابهات على ذلك ~~PageV01P154 # والمتكلمون من أصحابنا معترفون بصحة هذه الطريقة وبأنها أسلم لمن سلمت له ~~وكان الغزالي منهم في آخر أمره شديد المبالغة في الدعاء والبرهنة عليها # وذكر شيخه الشيخ أبو المعالي في كتابه الغياثي أن الإمام يحرص ما ~~PageV01P155 أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك واستفتي ~~الغزالي في كلام الله تبارك وتعالى فكان من جوابه واما الخوض في أن كلامه ~~تعالى حرف وصوت أو ليس كذلك فهو بدعة وكل من يدعو العوام إلى الخوض في هذا ms38 ~~فليس من أئمة الدين وإنما هو من المضلين ومثاله من يدعو الصبيان الذين لا ~~يعرفون السباحة إلى خوض البحر ومن يدعو الزمن المقعد إلى السفر في البراري ~~من غير مركوب # وقال في رسالة له الصواب للخلق كلهم إلا الشاذ النادر الذي لا تسمح ~~الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنتين سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل ~~والتصديق المجمل بكل ما أنزله الله تعالى وأخبر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من غير بحث وتفتيش والاشتغال بالتقوى ففيه شغل شاغل # وفي كتاب أدب المفتي والمستفتي للصيمري أبي القاسم إن مما أجمع عليه أهل ~~الفتوى أن من كان موسوما بالفتوى في الفقه لم ينبغ أن يضع PageV01P156 خطه ~~بفتوى في مسألة من الكلام كالقضاء والقدر والرؤية وخلق القرآن وكان بعضهم ~~لا يستتم قراءة مثل هذه الرقعة # وحكى أبو عمر ابن عبد البر الفقيه الحافظ الأندلسي الامتناع من الكلام في ~~كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى وقال إنما ~~خالف ذلك أهل البدع # وحكى أبو عمر ابن عبد البر الفقيه الحافظ الأندلسي الامتناع من الكلام في ~~كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى وقال إنما ~~خالف ذلك أهل البدع # قلت فإن كانت المسألة مما يؤمن في تفصيل جوابها من ضرر الخوض المذكور جاز ~~الجواب تفصيلا وذلك بأن يكون جوابها مختصرا مفهوما فيما ليس له أطراف ~~يتجاذبها المتنازعون والسؤال عنه صادر من مسترشد خاص منقاد أو من عامة ~~قليلة التنازع والمماراة والمفتي ممن ينقادون لفتواه ونحو هذا وعلى هذا ~~ونحوه يخرج ما جاء عن بعض السلف من بعض الفتوى في بعض المسائل الكلامية ~~وذلك منهم قليل نادر والله أعلم # | القول في صفة المستفتي وأحكامه وآدابه # أما صفته فكل من لم يبلغ درجة المفتي فهو فيما يسأل عنه من الأحكام ~~PageV01P157 الشرعية مستفت ومقلد لمن يفتيه # وحد التقليد في اختيارنا وتحريرنا قبول قول من يجوز عليه الإصرار على ~~الخطأ بغير حجة على عين ما قبل قوله فيه ويجب عليه ms39 الاستفتاء إذا نزلت به ~~حادثة يجب عليه تعلم حكمها # وفي أحكامه وآدابه مسائل الأولى اختلفوا في أنه هل يجب عليه البحث ~~والاجتهاد عن أعيان المفتين وليس هذا الخلاف على الإطلاق فإنه يجب عليه ~~قطعا البحث الذي يعرف به صلاحية من يستفتيه للإفتاء إذا لم يكن قد تقدمت ~~معرفته بذلك ولا يجوز له استفتاء كل من اعتزى إلى العلم وإن انتصب في منصب ~~التدريس أو غيره من مناصب أهل العلم بمجرد ذلك ويجوز له استفتاء من تواتر ~~بين الناس أو استفاض فيهم كونه أهلا للفتوى وعند بعض أصحابنا المتأخرين ~~إنما يعتمد قوله أنا أهل للفتوى لاشهرته بذلك والتواتر لأن التواتر لا يفيد ~~العلم إذا لم يستند إلى معلوم محسوس والشهرة بين العامة لا يوثق بها وقد ~~يكون أصلها التلبيس PageV01P158 # ويجوز له أيضا استفتاء من أخبر المشهور المذكور عن أهليته ولا ينبغي أن ~~يكفى في هذه الأزمان بمجرد تصديه للفتوى واشتهاره بمباشرتها لا بأهليته لها # وقد أطلق الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره أنه يقبل فيه خير العدل الواحد # وينبغي أن يشترط فيه أن يكون عنده من العلم والبصر ما يميز به الملتبس من ~~غيره ولا يعتمد في ذلك على خبر آحاد العامة لكثرة ما يتطرق إليهم من ~~التلبيس في ذلك إذا عرفت هذا # فإذا اجتمع اثنان أو أكثر ممن يجوز له استفتاؤهم فهل يجب عليه الاجتهاد ~~في أعيانهم والبحث عن الأعلم الأورع الأوثق ليقلده دون غيره # فهذا فيه وجهان # أحدهما وهو في طريقة العراق منسوب إلى أكثر أصحابنا وهو الصحيح فيها أنه ~~لا يجب ذلك وله استفتاء من شاء منهم لأن الجميع أهل وقد أسقطنا الاجتهاد عن ~~العامي PageV01P159 # والثاني يجب عليه ذلك وهو قول ابن سريج واختيار القفال المروزي والصحيح ~~عند صاحبه القاضي حسين لأنه يمكنه هذا القدر من الاجتهاد بالبحث والسؤال ~~وشواهد الأحوال فلم يسقط عنه # والأول أصح وهو الظاهر من حال الأولين ولكن متى ما اطلع على الأوثق منهما ~~فالأظهر أنه يلزمه تقليده دون الآخر كما وجب تقديم 0 أرجح ms40 الدليلين وأوثق ~~الراويين فعلى هذا يلزمه تقليد الأورع من العالمين والأعلم من الورعين فإن ~~كان أحدهما أعلم والآخر أورع قلد الأعلم على الأصح والله أعلم # الثانية في جواز تقليد الميت وجهان # أحدهما لا يجوز لأن أهليته زالت بموته فهو كما لو فسق والصحيح الذي عليه ~~العمل الجواز لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها ولهذا يعتد بها بعدهم في ~~الإجماع والخلاف وموت الشاهد قبل الحكم لا يمنع من الحكم PageV01P160 ~~بشهادته بخلاف الفسق والقول الأول يجر خبطا في الأعصار المتأخرة # الثالثة هل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء لينظر إن كان منتسبا ~~إلى مذهب معين بنينا ذلك على وجهين حكاهما القاضي حسين في أن العامي هل له ~~مذهب أو لا # أحدهما أنه لا مذهب له لأن المذهب إنما يكون لمن يعرف الأدلة فعلى هذا له ~~أن يستفتي من شاء من شافعي أو حنفي أو غيرهما # والثاني وهو الأصح عند القفال المروزي أن له مذهبا لأنه اعتقد أن المذهب ~~الذي انتسب إليه هو الحق ورجحه على غيره فعليه الوفاء بموجب اعتقاده ذلك # فإن كان شافعيا لم يكن له أن يستفتي حنفيا ولا يخالف إمامه فقد ذكرنا في ~~المفتي المنتسب ما يجوز له أن يخالف إمامه فيه وإن لم يكن قد انتسب إلى ~~مذهب معين فينبني ذلك فيه على وجهين حكاهما ابن برهان في أن العامي هل ~~يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه # أحدهما لا يلزمه ذلك كما لم يلزم في عصر أوائل الأمة أن يخص PageV01P161 ~~العامي عالما معينا بتقليده # قلت فعلى هذا هل له أن يستفتي على أي مذهب شاء أو يلزمه أن يبحث حتى يعلم ~~علم مثله أسد المذاهب وأصحها أصلا فيستفتي أهله # فيه وجهان مذكوران كالوجهين اللذين سبقا في إلزامه بالبحث عن الأعلم ~~والأوثق من المفتين # والثاني يلزمه ذلك وبه قطع إلكيا أبو الحسن وهو جار له في كل من لم يبلغ ~~رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأرباب سائر العلوم ووجهه أنه لو جاز له اتباع أي ~~مذهب ms41 شاء لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعا هواه ومتخيرا بين التحريم ~~والتجويز وفي ذلك انحلال ربقة التكليف بخلاف العصر الأول فإنه لم تكن ~~المذاهب الوافية بأحكام الحوادث حينئذ قد مهدت وعرفت فعلى هذا يلزمه أن ~~يجتهد في اختيار مذهب يقلده على التعيين وهذا أولى بإيجاب الاجتهاد فيه على ~~العامي مما سبق ذكره في الاستفتاء ونحن نمهد له طريقا يسلكه في اجتهاده ~~سهلا فنقول # أولا ليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي والميل إلى ما وجد عليه أباه ~~وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة وغيرهم من الأولين وإن كانوا ~~PageV01P162 أعلم وأعلى درجة ممن بعدهم لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط ~~أصوله وفروعه وليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر وإنما قام بذلك من جاء ~~بعدهم من الأئمة الناخلين لمذاهب الصحابة والتابعين القائمين بتمهيد أحكام ~~الوقائع قبل وقوعها الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها كمالك وأبي حنيفة ~~وغيرهما # ولما كان الشافعي رحمه الله قد تأخر عن هؤلاء الأئمة ونظر في PageV01P163 ~~مذاهبهم نحو نظرهم في مذاهب من قبلهم فسبرها وخبرها وانتقدها واختار أرجحها ~~ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل فتفرغ للاختيار والترجيح ~~والتنقيح والتكميل مع كمال آلته وبراعته في العلوم وترجحه في ذلك على من ~~سبقه ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك كان مذهبه أولى المذاهب بالاتباع ~~والتقليد وهذا مع ما فيه من الإنصاف والسلامة من القدح في أحد من الأئمة ~~جلي واضح إذا تأمله العامي قاده إلى اختيار مذهب الشافعي والتمذهب به والله ~~أعلم # الرابعة إذا اختلف عليه فتوى مفتيين فللأصحاب فيه أوجه # أحدها أنه يأخذ بأغلظها فيأخذ بالحظر دون الإباحة لأنه أحوط ولأن الحق ~~ثقيل # والثاني يأخذ بأخفهما لأنه صلى الله عليه وسلم بعث بالحنفية السمحة ~~السهلة PageV01P164 # والثالث يجتهد في الأوثق فيأخذ بفتوى الأعلم الأورع كما سبق شرحه واختاره ~~السمعاني الكبير ونص الشافعي على مثله في القبلة # والرابع يسأل مفتيا آخر فيعمل بفتوى من يوافقه # والخامس يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء وهو الصحيح عند ms42 الشيخ أبي إسحاق ~~الشيرازي واختاره صاحب الشامل فيما إذا تساوي المفتيان في نفسه # والمختار أن عليه أن يجتهد ويبحث عن الأرجح فيعمل به فإنه حكم التعارض ~~وقد وقع وليس كما سبق ذكره من الترجيح المختلف فيه عند الاستفتاء وعند هذا ~~ليبحث عن الأوثق من المفتيين فيعمل بفتياه فإن لم يترجح أحدهما عنده استفتى ~~آخر وعمل بفتوى من وافقه الآخر فإن تعذر ذلك وكان اختلافهما في الحظر ~~والإباحة وقبل العمل اختار جانب الحظر وترك جانب الإباحة فإنه أحوط وإن ~~تساويا من كل وجه خيرناه بينهما وإن أبينا التخيير في غيره لأنه ضرورة في ~~صورة نادرة # ثم إنما نخاطب بما ذكرناه المفتيين وأما العامي الذي وقع له ذلك ~~PageV01P165 فحكمه أن يسأل عن ذلك ذينك المفتيين أو مفتيا آخر وقد أرشدنا ~~المفتي إلى ما يجيبه به في ذلك فهذا جامع لمحاسن الوجوه المذكورة ومنصب في ~~قالب التحقيق والله أعلم # الخامسة قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله إذا سمع المستفتي جواب المفتي ~~لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه ويجوز أن يقال إنه يلزمه إذا أخذ في العمل ~~به وقيل يلزمه إذا وقع في نفسه صحته وحقيته # قال وهذا أولى الأوجه # قلت لم أجد هذا لغيره وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الأصوليين أنه إذا أفتاه ~~بما هو مختلف فيه خيره بين أن يقبل منه أو من غيره ثم اختار هو أنه يلزمه ~~الاجتهاد في أعيان المفتين ويلزمه الأخذ بفتيا من اختاره باجتهاده ولا يجب ~~تخييره # والذي تقتضيه القواعد أن نفصل فنقول إذا أفتاه المفتي نظر فإن لم يوجد ~~PageV01P166 مفت آخر لزمه الأخذ بفتياه ولا يتوقف ذلك على التزامه لا ~~بالأخذ في العمل به ولا بغيره ولا يتوقف أيضا على سكون نفسه إلى صحته في ~~نفس الأمر فإن فرضه التقليد كما عرف وإن وجد مفت آخر فإن استبان أن الذي ~~أفتاه هو الأعلم الأوثق لزمه ما أفتاه به بناء على الأصح في تعينه كما سبق ~~وإن لم يستبن ذلك لم يلزمه ما أفتاه به ms43 بمجرد إفتائه إذ يجوز له استفتاء ~~غيره وتقليده ولا يعلم اتفاقهما في الفتوى فإن وجد الاتفاق أو حكم به عليه ~~حاكم لزمه حينئذ والله أعلم # السادسة إذا استفتي فأفتى ثم حدثت له تلك الحادثة مرة أخرى فهل يلزمه ~~تجديد السؤال فيه وجهان # أحدهما يلزمه لجواز تغير رأي المفتي # والثاني لا يلزمه وهو الأصح لأنه قد عرف الحكم والأصل استمرار المفتي ~~عليه وخصص صاحب الشامل الخلاف بما إذا قلد حيا وقطع فيما إذا كان ذلك خبرا ~~عن ميت بأنه لا يلزمه PageV01P167 # ولا يختص ذلك كما قاله فإن المفتي على مذهب الميت قد يتغير جوابه على ~~مذهبه والله أعلم # السابعة له أن يستفتي بنفسه وله أن ينفذ ثقة يقبل خبره ليستفتي له ويجوز ~~له الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره من يثق بقوله إنه خطه أو كان يعرف خطه ~~ولم يتشكك في كون ذلك الجواب بخطه والله أعلم # الثامنة ينبغي للمستفتي أن يحفظ الأدب مع المفتي ويبجله في خطابه وسؤاله ~~ونحو ذلك ولا يومىء بيده في وجهه ولا يقول له ما تحفظ في كذا وكذا وما مذهب ~~إمامك الشافعي في كذا وكذا ولا يقل إذا أجابه هكذا قلت أنا أو كذا وقع لي ~~ولا يقل له أفتاني فلان أو أفتاني غيرك بكذا وكذا ولا يقل إذا استفتى في ~~رقعة إن كان جوابك موافقا لما أجاب فيها فاكتبه وإلا فلا تكتب PageV01P168 # ولا يسأله وهو قائم أو مستوفز أو على حالة ضجر أو هم به أو غير ذلك مما ~~يشغل القلب # ويبدأ بالأسن الأعلم من المفتيين وبالأولى فالأولى على ما سبق بيانه # وقال الصيمري إذا أراد جمع الجوابات في رقعة قدم الأسن والأعلم وإن أراد ~~إفراد الجوابات في رقاع فلا يبالي بأيهم بدأ والله أعلم # التاسعة ينبغي بأن تكون رقعة الاستفتاء واسعة ليتمكن المفتي من استفياء ~~الجواب فإنه إذا ضاق البياض اختصر فأضر ذلك بالسائل ولا يدع الدعاء فيها ~~لمن يفتي إما خاصا إن خص واحدا باستفتائه وإما عاما إن استفتي الفقهاء ~~مطلقا # وكان ms44 بعضهم يختار أن يدفع الرقعة إلى المفتي منشورة ولا يحوجه إلى نشرها ~~ويأخذها من يده إذا أفتى ولا يحوجه إلى طيها # وينبغي أن يكون كاتب الاستفتاء ممن يحسن السؤال ويضعه على الغرض مع إبانة ~~الخط واللفظ وصيانتهما عما يتعرض للتصحيف كنحو ما حكي أن مستفتيا استفتي ~~ببغداد في رقعة عمن قال أنت طالق إن ثم أمسك عن ذكر الشرط لأمر PageV01P169 ~~لحقه فقال ما يقول السادة الفقهاء في رجل قال لامرأته أنت طالق إن ثم وقف ~~عند إن يعني ثم أمسك ووقف عند إن فتصحف ذلك على الفقهاء لكون السؤال عريا ~~عن الضبط واعتقدوه تعليقا للطلاق على تمام وقف رجل اسمه عبدان # فقالوا إن تم وقف عبدان طلقت وإن لم يتم هذا الوقف فلا طلاق # حتى حملت إلى أبي الحسن الكرخي الحنفي وقيل إلى إلى أبي مجالد الضرير ~~فتنبه لحقيقة الأمر فيها فأجاب على ذلك فاستحسن منه # قال الصيمري ويحرص أن يكون كاتبها من أهل العلم وقد كان بعض PageV01P170 ~~الفقهاء ممن له رياسة لا يفتي إلا في رقعة كتبها رجل بعينه من أهل العلم ~~ببلده والله أعلم # العاشرة لا ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أفتاه به ولا يقول ~~له لم وكيف فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة في ذلك سأل عنها في مجلس آخر ~~أو في ذلك المجلس بعد قبول الفتوى مجردة عن الحجة # وذكر السمعاني أنه لا يمنع من أن يطالب المفتي بالدليل لأجل احتياطه ~~لنفسه وأنه يلزمه أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعا به ولا يلزمه ذلك إن لم ~~يكن مقطوعا به لافتقاره إلى اجتهاد يقصر عنه العامي والله أعلم بالصواب # الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل آخر كتاب الفتوى تصنيف الشيخ الإمام العلامة ~~تقي الدين المعروف بابن الصلاح تغمده الله برحمته ورضوانه PageV01P171 ms45