######OpenITI# #META# bkid: 145168 #META# bk: شرح المعالم في أصول الفقه #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: شرح المعالم في أصول الفقه #META# المؤلف: ابن التلمساني عبد الله بن محمد علي شرف الدين أبو محمد الفهري المصري (المتوفى: 644 ه) #META# تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض #META# الناشر: عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان #META# الطبعة: الأولى، 1419 ه - 1999 م #META# عدد الأجزاء: 2 #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: ابن التلمساني #META# authinf: ابن التلمساني (567 - 644 ه = 1171 - 1246 م). عبد الله بن محمد بن علي، أبو محمد، شرف الدين الفهري التلمساني: فقيه أصولي شافعي. أصله من تلمسان اشتهر بمصر، وتصدر للإقراء. وصنف كتبا، منها. • «شرح المعالم في أصول الدين - خ» في شستربتي (3951) [طبع]. • «شرح التنبيه» في فروع الفقه، سماه «المغني» ولم يكمله. • «شرح خطب ابن نباتة» (1). __________. (1) طبقات الشافعية للأسنوي 1: 316. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [مع إضافة بين معقوفين] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 145168 #META# over: 1 #META# seal: E11FD3D1 #META# oauth: 2972 #META# bver: 1 #META# pdf: None #META# oauthver: 1 #META# vername: None #META# cat: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# lng: عبد الله بن محمد بن علي، أبو محمد، شرف الدين الفهري التلمساني #META# higrid: 644 #META# ad: 644 #META# aseal: 7B1E10B9 #META# blnk: None #META# pdfcs: None #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/145168 #META#Header#End# PageV01P136 # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر وأعن # قال الشيخ الإمام، العالم، الفاضل، المحقق، شرف الدين أبو عبد الله بن ~~محمد بن علي الفهري، عرف ب "ابن التلمساني"، تغمده الله برحمته. # هذا تعليق أمليته معتصما بالله تعالى على "معالم أصول الفقه" لمولانا ~~الإمام العلامة فخر الدين، حجة الإسلام محمد بن عمر الخطيب الرازي، قدس ~~الله روحه، ونور ضريحه. # قال: أعلم: أنه لا بد من تقديم مقدمة بها يتبين حد هذا العلم، ومقصوده، ~~ومادته؛ فإنه حقيق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم -أن يحيط ~~بذلك منه. # ولما كان علم أصول الفقه هو العلم بأدلة الأحكام الشرعية؛ من حيث ~~الإجمال، وكيفية دلالتها على الأحكام، وحال المستدل -دار البحث فيه على ~~أمور أربعة: # الدليل الشرعي وأقسامه، والحكم الشرعي وأقسامه، ووجه ارتباط الدليل ~~بالحكم، وحال المستدل به، وهو المجتهد. # وقولنا: من حيث الإجمال: احتراز من علم الفقه؛ فإن الفقيه ينظر في الدليل ~~من حيث إشعاره بالمسألة المعينة، والأصولي ينظر من حيث هو دليل على الحكم ~~على الجملة، لا من حيث مسألة معينة. # ولما كانت الأدلة الشرعية تعرف من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ ~~هو المبلغ عن الله -تعالى- وإن انقسم ما يبلغه إلى: معجز؛ كالقرآن، وغير ~~معجز؛ كالسنة، ولا حكم إلا لله -تعالى- في الحقيقة، وكان المبلغ لنا عربيا ~~-: احتيج في البحث في هذا العلم إلى طرف صالح PageV01P137 # من العربية؛ ومن ثم كان أحد موارده، وكان ينبغي أن تؤخذ مسلمة في هذا ~~العلم كسائر المبادئ؛ إلا أنه لما كانت الحاجة إلى بعضها أمس؛ لقلة خلو شيء ~~من الأدلة عنها، واختلاف الأصوليين في بعضها؛ كاختلافهم في أن القرآن يشتمل ~~على ألفاظ مجازية، أو مشتركة، أو مترادفة، وهل يجري القياس في اللغات أو ~~لا؟ إلى نظائر ذلك- بوب الأصوليون باب "أحكام اللغات". # ولما كان الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين؛ على PageV01P138 # جهة الاقتضاء، أو التخيير، وخطاب الله -تعالى- كلامه، ولا بد في معرفة ~~ذلك من إثبات واجب الوجود، وما يجب له؛ . . . . . . . PageV01P139 # من العلم، والقدرة، ms001 والإرادة، والحياة، . . . . PageV01P140 # والكلام، وكل ما يتوقف إثبات صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه، ~~........... PageV01P141 # وما يستحيل، وما يجوز في حقه، ومن جملة الجائزات منه: بعثة الرسل، وإقامة ~~الدليل على إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وعصمته فيما يبلغه-: ~~احتيج في البحث في هذا العلم إلى طرف من علم الكلام؛ ومن ثم كان أحد ~~موارده. # ولما كان الفقه مدلوله، ولا يتصور فهم الدليل مع الذهول عن المذلول-: ~~احتيج PageV01P143 # إلى الفقه، وكان أحد موارده، إلا أن استمداده منه من حيث تصوره، لا من ~~حيث ثبوته أو نفيه؛ فإن الفقه فرعه؛ فلا يكون مادة له؛ فيدور. # ثم اعلم: أن الكلام يطلق على المعنى القائم بالنفس، وعلى الكلام اللفظي، ~~والبحث في هذا العلم إنما يقع في القسم الثاني؛ إذ الدلالة به. # وينقسم إلى مستعمل ومهمل: # فالمهمل: ما لم يوضع للدلالة، وليس من غرضنا. # والمستعمل: ما وضع للدلالة، وهو موضوع بحثنا في هذا العلم. PageV01P144 ### | AUTO الباب الأول في أحكام اللغات، وفيه مسائل # : ### || AUTO المسألة الأولى في تقسيمات الألفاظ # فنقول: # اللفظ: إما أن يعتبر بالنسبة إلى تمام مسماه؛ وهو المطابقة. # أو إلى جزء مسماه من حيث هو جزؤه؛ وهو التضمن. # === # قوله "اللفظ إما أن يعتبر بالنسبة إلى تمام مسماه، وهو المطابقة" - قاصر؛ ~~فإنه لا يشمل من المطابقة سوى المركبات، والمطابقة أعم؛ فإن المسمى قد يكون ~~بسيطا: كالوجود، والآن، والنقطة، والوحدة. # قوله في التضمن: "من حيث هو جزؤه"- احتراز من أن يوضع اللفظ للشيء ولجزئه ~~وضعا أوليا؛ فيكون إشعاره بكل واحد منهما مطابقة. # مثال ذلك: إطلاق لفظ "مصر" على الوادي المشتمل على مصر التي هي المدينة ~~المخصوصة، واستعماله في المدينة المخصوصة خاصة: # فإن أخذ إشعاره بها من حيث اشتماله عليها-: كان تضمنا، وإن نظر إلى عرف ~~الاستعمال PageV01P145 # أو إلى الخارج عن مسماه اللازم له في الذهن من حيث هو كذلك؛ وهو ~~الالتزام. # === # - كان استعماله بها مطابقة. # قوله: في الالتزام: "من حيث هو كذلك"- احتراز من أن يوضع اللفظ للشيء ~~وللازمه وضعا أوليا؛ فيكون إشعاره بكل واحد منهما مطابقة. ms002 # مسألة: لفظ الكلام، إذا جعل حقيقة في المعنى القائم بالنفس، ومجازا في ~~اللفظ الدال عليه -كان إشعاره بالمعنى النفسي مطابقة، وباللفظي من حيث هو ~~دليله، التزاما. وإن جعل حقيقة فيهما- كان إشعاره بكل واحد منهما مطابقة. # وكان ينبغي أن يحترز من القسم الأول أيضا، فيقول: "من حيث هو كذلك"؛ لعين ~~ما سبق. # وتقييده باللازم الذهني، يعني به: أن يكون بينا قريبا بحيث ينتقل الذهن ~~من فهمه إلى فهمه؛ كالشجاعة للأسد؛ فإنها لازم ظاهر، فصح إطلاق الأسد ~~لإرادتها؛ بخلاف البخر، وإن كان لازما للأسد، إلا أنه خفي؛ فلا يجوز إطلاق ~~الأسد لإرادته. # وكون اللازم ذهنيا شرط لا موجب؛ أعني: أن الاستعمال يتوقف عليه، لا أنه ~~متى وجد، وجب استعماله. PageV01P146 # والدال بالمطابقة: إما أن يكون جزؤه دالا على شيء من معناه؛ وهو المركب، أو # === # وليس المراد باللزوم اللزوم العقلي؛ فإنه يصح إطلاق اللفظ المطلق وإرادة ~~المقيد، وإطلاق البعض وإرادة الكل، والأعم لا يستلزم الأخص، والجزء لا ~~يستلزم الكل؛ وهذه العبارة التي ذكرها عبارة المنطقيين. # ووجه الحصر فيها: أن اللفظ إما أن يستعمل في موضوعه أو لا؟ : فإن استعمل، ~~فكيفية إشعاره به يسمى: مطابقة؛ لمطابقة الاستعمال الوضع. PageV01P147 # لا يكون كذلك؛ وهو المفرد. # === # وإن استعمل في غير موضوعه؛ فإما أن يلازم موضوعه أو لا؟ : # فإن لم يلازم، فلا دلالة؛ إذ الدليل لا بد أن يرتبط بالمدلول، وحيث لا ~~ملازمة، فلا ربط؛ فلا دلالة. # وإن لازم، فلا يخلو: إما أن يكون داخلا في موضوعه أو لا؟ ، وكيفية إشعاره ~~بالداخل يسمى: تضمنا، وبالخارج: التزاما. # والمشهور عند الأصوليين في تقسيم وجوه دلالة اللفظ: أن اللفظ إما أن يدل ~~بمنطوقه، وتندرج تحته المطابقة والتضمن، أو بمفهومه، وينقسم إلى: مفهوم ~~الموافقة؛ كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23]؛ فإن النهي عن ~~التأفيف -وهو أول درجات الغضب- يستلزم النهي عن ضروب التأفيف؛ ويسمونه ~~"فحوى الخطاب". # وإلى مفهوم المخالفة؛ كقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن} [الطلاق: 6]، مفهومه: إن لم يكن أولات حمل، فلا نفقة؛ ويسمونه ~~دليل الخطاب". # أو ms003 باقتضائه، وضرورته: وهو ما يتوقف صدق الكلام عليه من الإضمار؛ كقوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وليسا مرفوعين حقيقة؛ ~~فلا بد من إضمار "حكم الخطإ". PageV01P148 # ثم إن المفرد يمكن تقسيمه من ثلاثة أوجه: # الأول: أن المفرد: إما أن يكون نفس تصور معناه مانعا من وقوع الشركة ~~[فيه]؛ وهو الجزئي، أو لا يمنع؛ وهو الكلي. # === # وبإيمائه؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام- "لا يقض القاضي؛ وهو غضبان"، يفهم ~~منه معنى التعليل، أي: لغضبه، وإن لم ينطق بصيغة تشعر بالتعليل. # هذه الوجوه كلها ترجع إلى دلالة اللفظ، فلتعرف الاصطلاحات، ولا مشاحة في ~~الألفاظ. # ومذهب المصنف: أن دلالتي التضمن والالتزام عقليتان. PageV01P151 # الثاني: أن مسمى اللفظ: إما ألا يستقل بالمفهومية؛ وهو الحرف، أو يستقل؛ ~~وحينئذ: # إما ألا يدل على زمان معين؛ وهو الاسم، أو يدل؛ وهو الفعل. # === # ومذهب الآمدي: أن دلالة الالتزام خاصة عقلية. # والحق: أنهما عقليتان تابعتان للوضع. # تنكيت: تقييده القسمة بأن المفرد. . . . . . PageV01P152 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والمركب: الدال بالمطابقة- لا معنى له؛ فإنه لا يمتنع أن يكون لجزء اللفظ ~~جزء؛ فإن الجملة الشرطية مركبة من جملتين، ولكل واحدة منهما جزء. # ولا يمتنع أيضا أن يكون الملزوم الخارجي جزءا؛ فإنه متى صدقت القضية، صدق ~~عكسها، إن كان لها عكس، وعكس نقيضها، وقد يكون [ذلك] مفردا، أو مركبا لا محالة. # والمشهور عند المنطقيين: أنه لا فرق بين المؤلف والمركب. # وصار بعض المتأخرين منهم إلى أن المركب هو: الذي يدل جزؤه على معنى في ~~الجملة. والمؤلف هو: الذي يدل جزؤه على جزء معناه؛ ف"بعلبك"، على هذا: ~~مركب، وليس بمؤلف. # ولا شك أن اللفظ ينقسم إلى: مفرد ومركب، لكن اختلف الناس في حدهما: # فقال أهل المنطق: المفرد هو: الذي لا يدل جزؤه على جزء معناه، والمركب ~~بخلافه. ثم قسموا المركب إلى: تركيب إسنادي، وتقييدي، والإسنادي: تركيب ~~الجمل، والتقييدي: تركيب الإضافة والصفة، وكل ما أمكن أن يعبر عنه بمفرد. # قال النحاة: المفرد: الكلمة الواحدة، والمركب: ما عداها. ثم قسموا ~~التركيب إلى ثلاثة أقسام: # إسنادي، وهو: تركيب الجمل، وتركيب الإضافة؛ ك"غلام زيد"، وتركيب ms004 بنية؛ ~~ك"بعلبك"؛ ف"بعلبك" مركب عند النحاة، مفرد عند المنطقيين، "وقيوم" مركب عند ~~المنطقيين، مفرد عند النحاة. # وقوله: "حيث هو جزؤه"-: احتراز من مثل "إن" في "إنسان"؛ فإن "إن" قد تكون ~~شرطا، ولكنها في لفظ "إنسان" ليست كذلك. # قوله: "ويمكن تقسيمه من ثلاثة أوجه: PageV01P153 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الأول: أن المفرد، إما أن يكون نفس تصور معناه مانعا من وقوع الشركة فيه ~~.... " إلى آخره- هذا تقسيم اللفظ باعتبار معناه. # ولا شك في انقسام مدلوله إلى الجزئي، والكلي. والشرط في كونه كليا - كونه ~~غير مانع من الشركة، لا حصول الشركة فيه بالفعل، وأن يكون عدم المنع من حيث ~~اللفظ فقط، وإن امتنعت الشركة فيه عقلا كالإله. # وقد ضبطه الغزالي -رحمه الله- بقبول الألف واللام. # ورد عليه: بأن قولك: "ولد آدم"- عام كلي مع امتناع قبوله الألف واللام. # ثم الكلي ينقسم إلى: ما يمكن وجوده، وإلى: ما لا يمكن وجوده. # والثاني: كشريك الإله. # والأول: إما أن يعهد له وجود أو لا يعهد: PageV01P154 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فغير المعهود: كحائط من ياقوت. # والمعهود: ينقسم إلى ما لا شركة فيه كالشمس، وإلى ما فيه شركة بالفعل. ~~والذي فيه شركة بالفعل؛ فالشركة فيه: إما متناهية؛ كالجواهر الموجودة؛ أو ~~غير متناهية، ولا وجود لهذا القسم عند المتكلمين؛ ومثاله عند الحكماء: ~~النفوس البشرية بعد مفارقتها الأبدان؛ فإنها عندهم باقية، وهي لا تتناهى. # واعلم أنا إذا قلنا على الإنسان: "حيوان"، وأنه كلي؛ فههنا اعتبارات ثلاثة: # أحدها: أن يراد به "الخاصة" من الحيوان التي شارك باعتبارها الإنسان ~~غيره؛ وهذا يقال له: "الكلي الطبيعي". # وتارة: يراد به أنه غير مانع من الشركة، وهذا هو "الكلي المنطقي". PageV01P155 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وتارة: يراد به الأمران، أعني: الحيوانية التي وقعت بها الشركة [و] من ~~كونها غير مانعة، وهذا هو "الكلي العقلي". # والأول: موجود في الأعيان؛ لأنه جزء من الإنسان الموجود، وجزء الموجود موجود. # والثاني: لا وجود له في الأعيان؛ لاشتماله على ما لا يتناهى. # والثالث: الحق أنه لا وجود له في الأعيان؛ لاشتماله على ما لا يتناهى. # وزعم أفلاطون؛ أنه موجود في الأعيان، وأن الإنسان الكلي حاصل في ms005 الخارج. # ثم "الكلي" إما أن يكون موضوعا لتمام الماهية؛ كالإنسان، أو لجزئها؛ ~~كالحيوان، أو الناطق؛ على الإنسان -أو الخارج عنها؛ كالضاحك، والماشي؛ على ~~الإنسان. # ثم الدال على تمام الماهية: إما ألا يوجد منه إلا واحد: كالشمس- فهو ~~المقول على الماهية باعتبار الخصوصية فقط أو يوجد منه أكثر؛ وحينئذ: تلك ~~الحقائق: إما أن تتفاوت في شيء من الذاتيات، أو لا تتفاوت: فإن تفاوتت؛ ~~كالحيوان المقول على الإنسان، والفرس، والطائر- فهو المقول على الماهية؛ ~~باعتبار الشركة فقط، وإن لم تتفاوت: كالإنسان المقول على زيد وعمرو- فهو ~~المقول على الماهية؛ باعتبار الشركة والخصوصية معا. # وأما المقول على جزء الماهية، فهو الذاتي: فإما أن يكون واقعا في طرف ما ~~به الشركة، أو في طرف ما به التمييز: # فإن وقع في طرف ما به الشركة: فإما أن يكون تمام المشترك أو لا؟ : فإن ~~كان تمام المشترك؛ كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان- فهو الجنس. PageV01P156 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وإن لم يكن، فهو: إما جنس الجنس، أو جنس جنس الجنس: كالنامي والجسم على ~~الإنسان، أو فضل الجنس المتحرك بالإرادة. # وإن كان واقعا في طرف ما به التمييز: فإما أن يكون تمام المميز، فهو ~~الفصل: كالناطق، وإما ألا يكون تمام المميز، فهو: إما جنس الفصل: كالمميز ~~للإنسان، أو فصل الفصل: ككونه ذا قوة فكرية. PageV01P157 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ثم الخارج إما أن يكون ملازما للماهية: كالإمكان للجوهر، أو ملازما في ~~الوجود: # كالحدوث للجوهر، أو مفارقا: كالأبيض وهو إما أن يثبت لنوع واحد: كالضاحك ~~له، فهو الخاصة. أو لأنواع: كالماشي، وهو العرض العام. PageV01P158 # الثالث: إما أن يكون اللفظ واحدا والمعنى واحدا، أو يكون اللفظ كثيرا ~~والمعنى كثيرا، أو يكون اللفظ كثيرا والمعنى واحدا، أو يكون اللفظ واحدا ~~والمعنى كثيرا: # === # قوله، في تقسيمه المفرد إلى الاسم، والفعل، والحرف: "إما ألا يستقل ~~بالمفهومية؛ وهو الحرف". # يرد عليه: الأسماء التي لا يفهم معناها دون متعلقاتها؛ نحو: أي، وكل، ~~وبعض، وغير، وتحت، وفوق. # وأجيب: بأنا نعني بالمفهومية مفهومية التركيب؛ فإن التقسيم في المفرد، ~~وهذه الألفاظ، وإن افتقرت إلى الإضافة، فليس ذلك إلا في فهم معناها ~~التركيبي ms006 التقييدي، وإلا فالكلية، والبعضية، والقرينة- مفهومة من مجرد اللفظ. # قوله: "أو يستقل، وحينئذ: إما ألا يدل على زمان معين وهو الاسم": يرد ~~عليه: الصبوح، والغبوق؛ إبطالا لعكسه. # قوله: "أو يدل وهو الفعل": لا يكفي؛ فإنه يرد عليه بعض الظروف، والغبوق ~~والصبوح؛ إبطالا لطرده؛ فلا بد من زيادة، وهو أن يقال: إما ألا يدل ببنيته ~~على أحد الأزمنة الثلاثة، وهو الاسم، أو يدل، وهو الفعل. # قوله في القسمة الثالثة في القسم الأول منه: "وهو أن يكون اللفظ واحدا، ~~والمعنى PageV01P159 # أما القسم الأول -وهو: أن يكون اللفظ واحدا والمعنى واحدا-: فذلك المعنى: ~~إما أن يكون نفس تصور معناه مانعا من وقوع الشركة فيه؛ وهو العلم، أو لا يكون؛ # === # واحدا؛ فذلك المعنى: إما أن يكون نفس تصور معناه مانعا من الشركة وهو ~~العلم، أو لا يكون": # ظاهر هذا التقسيم فيه تكرير؛ فإنه قد تقدم مثله، وليس كذلك فإنه أراد ~~بالأول: تقسيم اللفظ باعتبار معناه، وأراد بهذا الثاني: تقسيم المعنى ~~باعتبار لفظه. # قوله: "وهو العلم"؛ إن عنى به "العلم" في اصطلاح النحاة، فالعلم عندهم ~~أخص مما ذكر؛ فإن [هذا] التقسيم الذي ذكره مندرج فيه المضمرات، وأسماء ~~الإشارة، وغيرهما. PageV01P160 # وحينئذ: يكون حصول ذلك المسمى في تلك المواضع: إن كان بالسوية، فهو: ~~المتواطىء، وإن كان في بعضها أولى من البعض، فهو: اللفظ المشكك. # أما القسم الثاني -وهو: أن تكون الألفاظ كثيرة والمعاني كثيرة: فحينئذ: يكون # === # وإن عنى به الاصطلاح على تسميته علما - فلا مشاحة في الاصطلاح. # وتحريره: أن يقال: فهو العلم، أو ما يقوم مقامه. # قوله: "أو لا يكون" يعني: أو لا يكون نفس تصور معناه مانعا من الشركة. # قوله: "وحينئذ: ذلك المسمى في تلك المواضع، إما أن يكون بالسوية: وهو ~~المتواطئ. # يعني: إن كان حصوله في موارده بالسوية، فهو المتواطئ؛ مثاله: الإنسان؛ ~~فإنه، وإن قيل على كثيرين، فإن أولئك الكثيرين لا يتفاوتون في ذلك المعنى؛ ~~ومعنى التواطؤ: التوافق؛ قال الله تعالى: {ليواطئوا عدة ما حرم الله} ~~[التوبة: 37]. # قوله: "وإن كان في بعضها أولى من بعض" يعني: ms007 إن كان حصول ذلك المعنى في ~~موارده لا بالسوية، بل يكون في بعضها أوليا وأولى: كإطلاق الوجود على واجب ~~الوجود، وعلى الممكنات، والأبيض على الثلج والعاج، فهو اللفظ المشكك، وإنما ~~سمى مشككا؛ لتردده بين المتواطيء والمشترك؛ فمن حيث إنه يشعر بمعنى عام ~~-أشبه المتواطئ، ومن حيث اختصاص بعض موارده بمزية ما- أشبه المشترك. # وقد أورد عليه: أن الأبيض مثلا إذا أطلق على الثلج، فإما أن يكون ~~استعماله فيه مع ضميمة تلك الزيادة، أو لا: فإن لم يكن، فهو المتواطئ، وإن ~~كان، فهو المشترك؛ فإذن لا حقيقة لهذا القسم المسمى ب"المشكك" في وضع ~~الألفاظ. # قوله: في القسم الثاني من هذه القسمة: "وهو الألفاظ المتباينة"، يعني: أن ~~هذه تسمى متباينة؛ لتباين ألفاظها ومعانيها، وسواء تواصلت، أو تفاصلت؛ ~~والتواصل: كالسيف، والصارم؛ فإن الأول: باعتبار الاسم، والثاني: باعتبار ~~الصفة. PageV01P161 # كل واحد من تلك الألفاظ دليلا على كل واحد من تلك المعاني؛ فهذه: هي ~~الألفاظ المتباينة. # أما القسم الثالث -وهو: أن تكون الألفاظ كثيرة والمعنى واحدا-: فهي: ~~المترادفة. # أما القسم الرابع -وهو: أن يكون اللفظ واحدا والمعنى كثيرا: فنقول: هذا ~~اللفظ: إما أن يكون قد وضع أولا لأحدهما، ثم نقل عنه إلى الثاني؛ لأجل ~~مناسبة بينهما، أو لا يكون كذلك: # === # أو كالناطق، والفصيح؛ فإن الأول: باعتبار الصفة، والثاني: باعتبار صفة ~~الصفة؛ ومثله: أحمر قانئ، وأسود حالك، وأبيض يفق، وأخضر مدهام. # والتفاصل: كالإنسان والفرس. # [قوله]: "وأما الثالث: وهو أن تكون الألفاظ كثيرة، والمعنى واحدا - فهي: ~~المترادفة "، يعني: سواء كانت من لغة واحدة، أو من لغتين. # قوله: "وأما الرابع: وهو عكس الثالث"، يعني: أن يكون اللفظ واحدا، ~~والمعنى كثيرا. # قوله: "فإما أن يكون قد وضع أولا لأحدهما، ثم نقل إلى الثاني؛ لأجل ~~مناسبة بينهما، أو لا يكون كذلك": PageV01P162 # أما الأول: فإنه يسمى ذلك اللفظ بالنسبة إلى موضوعه الأول: حقيقة، وإلى ~~الثاني: مجازا. # === # قال أما الأول: فإنه يسمى بالنسبة إلى موضوعه الأول حقيقة، والثاني ~~مجازا، وأما الثاني: فإنه يسمى ذلك اللفظ بالنسبة إليهما مشتركا، وبالنسبة ~~إلى كل واحد بعينه ms008 مجملا. PageV01P163 # أما الثاني: فإنه يسمى ذلك اللفظ بالنسبة إليهما: مجملا، وبالنسبة إلى كل ~~واحد منهما بعينه: مشتركا. # === # وقد أوجز في هذه القسمة، وعادته أن يسمي ما نقل لا باعتبار مناسبة ~~"مرتجلا"؛ وهو في ذلك مخالف لاصطلاح النحاة؛ لأن المرتجل عندهم: هو العلم ~~الذي لم ينقل عن اسم جنس ألبتة؛ ك"غطفان"، ويقابلون به المنقول، وإنما سماه ~~مرتجلا؛ لأنه لم يراع فيه المعنى عند نقله ألبتة، فهو ارتجال من وجه، وإن ~~نقل إلى الثاني باعتبار مناسبة، فهذا القسم ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: أن يستقر على الثاني، بحيث يصير هو السابق إلى الفهم عند الإطلاق ~~فيسمى منقولا. # وينقسم باعتبار الناقل إلى ثلاثة أقسام؛ لأن الناقل: إما أن يكون هو ~~الشرع؛ فيسمى شرعيا؛ كالصوم، والصلاة، وإما أن يكون أهل العرف؛ وينقسم إلى: ~~عرف عام: كالدابة، والغائط، وخاص: كاصطلاح كل طائفة على ألفاظ اختصت بها؛ ~~كالنحاة، والعروضيين، وغيرهم. # والثاني: ألا يستقر على الثاني، وهو كما ذكره باعتبار موضوعه الأول ~~حقيقة، وباعتبار الثاني مجازا. # قوله: "وأما الثاني" يعني: أن يوضع اللفظ لمعنيين فصاعدا، وضعا أوليا. # قوله: "فإنه يسمى ذلك اللفظ بالنسبة إليهما مشتركا، وبالنسبة إلى كل واحد ~~بعينه مجملا"، هذا اللفظ يسمى باعتبار أصل الوضع مشتركا، وباعتبار الفهم ~~مجملا؛ لأن معناه معلق على السامع بدون القرينة. # قوله: "ثم يتفرع على هذا التقسيم نوع آخر من التقسيم، وهو أن اللفظ الذي ~~يفيد معنى واحدا: إما ألا يحتمل غيره، وهو النص ... " إلى آخره. # يعني بالتقسيم الآخر: تقسيم اللفظ إلى النص والظاهر، والمجمل والمؤول، ~~وهذا PageV01P164 # ثم يتفرع على هذا التقسيم نوع آخر من التقسيم، وهو: # أن اللفظ الذي يفيد معنى: إما ألا يحتمل غيره؛ وهو: النص، أو يحتمل غيره؛ ~~وهو على ثلاثة أقسام: # إما أن تكون إفادته لذلك المعنى المعين راجحا على غيره؛ وهو: الظاهر. # === # التقسيم هو المشهور عند الأصوليين، والتقسيم الأول تقسيم المنطقيين. # ولا خفاء أن الأقسام الثلاثة السابقة معناها متحد، فإشعارها بمعناها يسمى نصا. # وأما القسم الرابع: وهو اللفظ الواحد الدال على معنيين فصاعدا - لا يخلو ~~إما ms009 أن يتساويا بالنسبة إلى فهم السامع، أو لا: # فإن تساويا فهو: المجمل، وإن لم يتساويا، فالراجح هو الظاهر، والمرجوح هو ~~المؤول؛ كما ذكر. PageV01P167 # أو مساويا لغيره؛ وهو: المجمل، أو مرجوحا؛ وهو: المؤول. # إذا عرفت هذا، فنقول: النص والظاهر: يشتركان في إفادة الرجحان؛ إلا أن ~~النص راجح مانع من احتمال الغير، والظاهر راجح غير مانع من احتمال الغير، ~~والقدر المشترك بينهما هو: المحكم. # === # قوله إن بين النص والظاهر قدرا مشتركا، وعئبر عنه بالرجحان - لا شك أنهما ~~يشتركان، في: الاستقلال بالإفادة، وعدم الحاجة إلى المفسر فاصطلح على تسمية ~~ذلك بالمحكم. ولا شك أن بين المجمل والمؤول أيضا قدرا مشتركا، وهو: عدم ~~الاستقلال بالإفادة إلا بضميمة؛ فاصطلح العلماء على تسميته "متشابها" فإن ~~أراد أن يسمونها بذلك اصطلاحا فلا مشاحة في الألفاظ، وإن أراد أن هذا هو ~~المراد من قوله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل ~~عمران: 7] فللمفسرين فيها أقوال قريبة، وبعيدة، وغير ما ذكر: # قال ابن عباس، والزجاج: القرآن كله محكم إلا آيات القيامة؛ فإنها ~~متشابهة؛ إذ لم PageV01P168 # أما المجمل والمؤول: فهما يشتركان في أنهما غير راجحين؛ إلا أن المجمل ~~-وإن لم يكن راجحا- فإنه غير مرجوح، والمؤول -مع أنه غير راجح- فهو مرجوح - ~~إلا بحسب الدليل المنفصل، والقدر المشترك بينهما هو: المتشابه. # === # يكشف الغطاء عنها. # "وقيل: "المتشابه: ما ورد عليه النسخ، والمحكم ما عداه، والمحكم: ما أجري ~~على ظاهره؛ والمتشابه: ما لم يجر على ظاهره؛ مثل آية الاستواء". # وقال بعض السلف: المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، والمحكم: ما ~~عداها. PageV01P169 ### || AUTO المسألة الثانية # في بيان أن الأصل عدم الاشتراك؛ ويدل عليه وجهان: PageV01P170 # الأول: أن احتمال الاشتراك، لو كان مساويا لاحتمال الانفراد - لما حصل ~~الفهم في شيء من الألفاظ حالة التخاطب؛ لأنه لو كان كون اللفظ مفيدا لمعنى، ~~ومفيدا لغيره - حاصلا بالتساوي -: لكان حصول فهم أحدهما دون الآخر ترجيحا ~~من غير مرجح؛ وهو محال. PageV01P171 # لا يقال: "لم لا يجوز أن يتعين بسبب التصريح بالتعيين؟ ! ": # === # وقال الأصم: المحكم نعته - عليه السلام - في ms010 الكتب السابقة. # وقال واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد المعتزليان: المحكم: الوعيد الوارد على PageV01P172 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الكبائر، والمتشابه ما ورد على الصغائر، وهذان أول من قال بدرجة بين ~~الإيمان والكفر، وسموها فسقا، وقضوا بتخليد الفاسق في النار، إن مات قبل ~~التوبة؛ فاعتزلهما الحسن البصري - PageV01P173 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # رحمه الله - لهذه المقالة واعتزلا مجلسه؛ فسموا معتزلة. # قوله: "الأصل" يحتمل ثلاثة معان: # أحدهما: أن يراد أنه على خلاف الدليل؛ كما يقال: إذا كان اتصال النجس ~~بالطاهر بشرط الرطوبة، وقبول المحل -سببا لنجاسة الطاهر-: فتطهير الماء ~~للنجاسة على خلاف الأصل؛ لأن PageV01P174 # لأنا نجيب عنه من وجهين: # أحدهما: لو كان الأمر كما ذكرتم - لوجب ألا يحصل الفهم إلا بعد أن يبين ~~المتكلم: إن مرادي من كل واحد من هذه الألفاظ كذا وكذا؛ ومعلوم أنه لا ~~يتوقف عليه. # === # المحل لا يخلو عن نجس أو متنجس. # الثاني: أن يراد ب "الأصل": القاعدة المستمرة؛ فما خرج عنها يكون على ~~خلاف الأصل؛ كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل. # الثالث: أن يراد ب "الأصل": الأغلب الأكثر: فما خرج عنه يكون على خلاف ~~الأصل؛ كما يقال: العقل في النساء على خلاف الأصل، أي: للأكثر. وما ذكره من ~~أن الاشتراك على خلاف الأصل، يحتمل المعاني الثلاثة؛ # أما الأول والثاني؛ فلأن الألفاظ وضعت للإفهام، ولازم الاشتراك الإجمال، ~~وهو محل بمقصود الوضع، فكان على خلاف الدليل والقاعدة. وأما الثالث: وهو ~~أنه خلاف الغالب فظاهر بدلالة الاستقراء. # قوله: "إن احتمال الاشتراك لو كان مساويا لاحتمال الانفراد - لما حصل ~~الفهم في شيء من هذه الألفاظ حالة التخاطب"، هذا الدليل لا يفيده المطلوب؛ ~~فإنا اجمعنا على أن لنا ألفاظا نعلم نصها، وألفاظا نعلم ظهورها، وألفاظا ~~نعلم اشتراكها، وألفاظا نتردد في اشتراكها وظهورها؛ فلا نزاع أنا نحمل ~~القسمين الأولين عند الإطلاق على معانيهما من غير توقف، وأنا نقف في ~~المشترك عند من لا يرى التعميم. # وإنما يلزم الوقف فيما يتردد فيه، ونحن نقول به، فما ذكره من لزوم الوقف ~~عند الإطلاق في جميع الألفاظ - غير لازم. # قوله: "لا يقال: لم لا ms011 يجوز إذا يتعين بسبب التصريح بالتعيين؛ لأنا نجيب ~~عنه من وجهين: PageV01P175 # الثاني: أن ذلك التعيين والبيان إنما يحصل بلفظ، أو إشارة، أو كتابة؛ ~~وإذا كان احتمال الاشتراك والانفراد واقعا على التساوي - كان ذلك الاحتمال ~~في كل واحد من تلك الألفاظ المذكورة للبيان: قائما؛ فاحتاجت إلى ما يعين ~~مدلولاتها؛ ولزم: إما الدور، وإما التسلسل؛ وهما محالان. # === # الأول لو كان الأمر كما ذكرتم - لوجب ألا يحصل الفهم إلا بعد أن يبين ~~المتكلم: إن مرادي من كل واحد من هذه الألفاظ كذا وكذا، ومعلوم أنه لا ~~يتوقف عليه" يرد عليه ما تقدم من عدم لزوم الوقف في جميع الألفاظ. # قوله: "والثاني: أن ذلك التعيين، والبيان إنما يحصل بلفظ أو إشارة، أو ~~كتابة PageV01P176 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وغاية الإشارة, والكتابة أن تنزلا منزلة اللفظ الذي أقيمتا مقامه، ولو ~~صرح به، لكان علي هذا التقدير؛ فالقائم مقامه؛ من إشارة أو كتابة -أولى". # قوله: "واحتاجت إلى ما يعين مدلولها؛ ويلزم التسلسل". # يجاب عنه من وجهين: # أحدهما: منع حصر المفسر فيما ذكره؛ فإن من المفسرات القرائن الحالية، ثم ~~لو PageV01P177 # الوجه الثاني: لو لم يكن الاشتراك مرجوحا - لما أفادت الدلائل السمعية ~~الظن، فضلا عن اليقين؛ لاحتمال أن يقال: هذه الألفاظ مشتركة بين هذه ~~المعاني التي لا نفهمها وبين غيرها؛ وعلى هذا التقدير: يحتمل أن يكون مراد ~~الشارع غير ما ظهر لنا؛ وإنه لا يجوز بالإجماع. # === # سلم، فقد يكون المفسر ألفاظا ناصة، أو ظاهرة؛ فلا يلزم التسلسل. # قوله: "الوجه الثاني -يعني: على أصل المطلوب- أن الاشتراك لولم يكن ~~مرجوحا - لما أفادت الدلائل السمعية الظن، فضلا عن اليقين؛ لاحتمال أن ~~يقال: هذه الألفاظ مشتركة بين هذه المعاني التي نفهمها وبين غيرها؛ وعلى ~~هذا التقدير: يحتمل أن يكون مراد الشارع غير ما ظهر لنا". # ظاهر كلامه: أن الدليل الثاني فرض في صورة من صور الدليل الأول؛ فإنه إذا ~~امتنع الفهم مطلقا، امتنع في كلام الشارع؛ فلا فائدة في ذكر الدليل الثاني، ~~ووجه الفرق بين المسلكين: أن اللازم من الأول: خلاف العرف، واللازم من ~~الثاني: خلاف الإجماع؛ ms012 وهما محالان. # ومما يجب تقديمه: أن الاشتراك جائز وواقع لغة وشرعا: أما لغة: فقولهم ~~للخطير: الحقير، وأما شرعا: فالقرء. PageV01P178 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومنعه قوم؛ واحتجوا بأنه يخل بالتفاهم، وبأن استعماله شرعا بدون القرينة ~~- تكليف بما لا يطاق، ومع القرينة: إن قارنته أغنت عن المشترك، وصار لغوا، ~~وإن تأخرت فتجهيل. PageV01P179 ### || AUTO المسألة الثالثة # في بيان أن الأصل في الكلام هو الحقيقة؛ ويدل عليه وجوه: # الأول: أن اللفظ إذا تجرد من القرينة: فإما أن يحمل على حقيقته؛ وهو ~~المطلوب. أو على مجازه؛ وهو باطل؛ لأن شرط كونه مجازا: ألا يحمل اللفظ عليه ~~إلا لقرينة منفصلة؛ لأن الواضع لو أمر بحمل اللفظ عليه -عند تجرده- على ذلك ~~المعنى، لكان ذلك اللفظ حقيقة فيه؛ إذ لا معنى للحقيقة إلا ذلك. أو عليهما، ~~معا؛ وهو -أيضا- باطل؛ لأن الواضع لو قال: "احملوا هذا اللفظ عند تجرده ~~عليهما معا" -لكان ذلك اللفظ حقيقة في ذلك المجموع، ولو قال: "احملوه: إما ~~على هذا أو على ذاك"- لكان ذلك مشتركا بينهما، أو لا على واحد منهما ألبتة؛ ~~وحينئذ: يصير هذا اللفظ عند تجرده: من المهملات لا من المستعملات. # فلما بطلت هذه الأقسام تعين القسم الأول؛ وهو أنه يجب حمله على حقيقته ~~فقط؛ فقد ثبت أن ذلك هو الحق. # === # وأجيب عن الأول بأن فائدته البيان الإجمالي، وهو مقصود في بعض الأحوال؛ ~~كقول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لما سئل عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقيل له: من هذا؟ وهو مطلوب، فقال: "هاد يهديني إلى الطريق". PageV01P180 # الثاني: أن واضع اللفظ للمعنى، إنما يضعه له ليكتفى به في الدلالة عليه؛ ~~فصار كأنه قال: "إذا سمعتموني تكلمت بهذا اللفظ، فاعلموا أني عنيت به هذا ~~المعنى، وكل من تكلم بلغتي، فليعن به هذا المعنى"؛ فكل من تكلم بلغته، وجب ~~أن يريد به ذلك المعنى. # === # وينتقض ما ذكروه [باستعمال] أسماء الأجناس. # وعن الثاني: قوله: "إن القرينة إن، قارنته أغنت عنه"- غير لازم؛ لأن ~~القرينة قد تكون حالية. # قولهم: "ومع تأخرها تجهيل بالمراد"- لا يسلم؛ فإن غايته تأخير البيان إلى ~~وقت ms013 الحاجة عندنا، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. # حد الحقيقة: هو اللفظ المستعمل في موضوعه الأول، والمجاز: هو اللفظ ~~المستعمل في غير موضوعه الأول؛ لضرب من المناسبة. PageV01P181 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقولنا: "لضرب من المناسبة": يخرج ما نقل لغير مناسبة، وجعل لقبا؛ ~~كالتسمية ب"أسيد"، "وثور". # وقيل: الحقيقة: هو اللفظ المستعمل في معناه الأول في وضع التخاطب، ~~والمجاز: عكسه. # "فعلى الأول: تكون الأسماء الشرعية؛ كالصلاة، والزكاة، والعرفية العامة؛ ~~كالدابة، والغائط، والخاصة أيضا- مجازات راجحة". PageV01P182 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وعلى الثاني: تكون حقائق؛ فتنقسم الحقيقة على هذا إلى: لغوية، وشرعية ~~وعرفية، والخلاف لفظي، وإذا فهم المجاز، فهو جائز وواقع لغة وشرعا. # ومنع الأستاذ أبو إسحاق وقوعه لغة، قال: لأن "الأسد" إذا استعملته العرب PageV01P183 # الثالث: أنا نجد بالضرورة من أنفسنا: أن مبادرة الذهن إلى فهم الحقيقة، ~~أقوى من مبادرته إلى فهم المجاز؛ وذلك يدل على ما قلناه من الرجحان. # === # ل "البهيمة" بدون القرينة، ول "الشجاع" مع القرينة- كانا حقيقتين، وهذا ~~نزاع لفظي؛ فإنا لا نعني بالمجاز إلا ما تتوقف دلالته على القرينة منهما. # ولا يلزم أن تكون القرينة بالوضح؛ فإنها قد تكون حالية، وهو واقع في ~~القرآن أيضا؛ خلافا لأهل الظاهر، والشيعة؛ بدليل قوله تعالى: {واخفض لهما ~~جناح الذل من الرحمة} PageV01P184 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # [الإسراء 24]، [وقوله تعالى]: {واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في ~~قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 93]. # وقولهم: إنه يلزم منه إبهام الكذب: غير لازم؛ بعد قيام القاطع على وجوب ~~الصدق لله -تعالى- ولرسوله. # وقولهم: إنه يلزم أن يسمى البارئ بسبحانه وتعالى تجوزا -: غير لازم؛ فإن ~~أسماء الله -تعالى- توقيفية. PageV01P185 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقوله: "الأصل في الكلام الحقيقة".-: يحتمل تفسير الأصل بما مضى من ~~الوجوه الثلاثة؛ لأنا إن قلنا: إن الأصل هو الدليل، أو القاعدة المستمرة، ~~وقد تقرر أن وضع الألفاظ للتفاهم، فتوقف المجاز على قرينة قد تخفى منحل ~~بذلك، وإن قلنا: إن الأصل بمعنى الغالب- فلا يخفى أن الحقيقة أغلب؛ لأن لكل ~~مجاز حقيقة، ولا ينعكس. # ومن زعم أنه يتصور المجاز بدون الحقيقة؛ لأن شرط الحقيقة الوضع، لا ~~الاستعمال، فقد يوضع اللفظ ms014 لمعنى، ولا يستعمل فيه، ثم ينقل لغيره، لضرب من ~~المناسبة؛ فيكون مجازا لا حقيقة له: # يقال له: هذا تجويز عقلي، والبحث في الواقع، ونحن لا نعلم دلالات الألفاظ ~~إلا باستقراء استعمالها؛ فإنا لم نعلم عين الواضع من موقف، أو مصطلح، فينقل ~~عنه. وأما الأدلة الثلاثة التي ذكرها، فظاهر الاعتراض عليها. # وحاصل الأول: راجع إلى تعيين الحقيقة بعدم إرادة ما سواها؛ لأنها لو لم ~~تكن مرادة -لزم: إما ثبوت المشروط بدون الشرط، أو تغيير الوضع، أو الإهمال؛ ~~والكل محال. # وحاصل الثاني: تعيين الحقيقة بحدها. # وحاصل الثالث: تعيين الحقيقة بخاصتها؛ وهو السبق إلى الفهم، والله أعلم. # وأعلم: أنه لا بد في صحة المجاز من مناسبة وارتباط: # فمن ذلك: إطلاق السبب على المسبب؛ كقوله تعالى: {قد أنزلنا عليكم لباسا} ~~[الأعراف: 26]، والمسبب على السبب؛ كتسمية المرض مؤتا، والكل على البعض؛ ~~كإطلاق العام وإرادة الخاص، والبعض على الكل؛ كتسمية الزنجي أسود، مع بياض ~~عينيه وأسنانه، أو تسمية الشيء بما كان عليه؛ كتسمية الضارب أمس ضاربا، أو ~~بما يصير إليه؛ كقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون (30)} [الزمر: 30]، أو ~~بزيادة، كقوله تعالى: {فبما رحمة من الله} [آل عمران: 159]، أي: فبرحمة من ~~الله، و: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]؛ على رأي من زعم ~~أن الكاف زائدة أو بالنقصان؛ كقوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82]. PageV01P186 ### || AUTO المسألة الرابعة # إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة وبين المجاز الراجح -لم يتعين ~~لأحدهما إلا بالنية؛ وذلك لأن كونه حقيقة يوجب القوة، وكونه مرجوحا يوجب ~~الضعف وأما المجاز الراجح: فكونه مجازا يوجب الضعف، وكونه راجحا يوجب ~~القوة؛ فيحصل التعارض بينهما؛ فلا يتعين لاحدهما إلا بالنية. # === # أو المقابلة؛ كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40]، أو ~~إطلاق المتعلق على المتعلق، كقولك: "اللهم اغفر لنا علمك فينا"، أي: ~~معلومك، و"انظر إلى قدرة الله"، أي: مقدور الله تعالى، وإطلاق ما بالفعل ~~على ما بالقوة؛ كقولهم للسيف: قاطع، وهو في غمده. # ومن المجاز أيضا: إطلاق اللفظ على ما يشابه مسماه سورة، أو معنى؛ كإطلاق ~~"الأسد" على ms015 ما يماثله في الصورة، وعلى الشجاع؛ لمشابهته في المعنى؛ ويسمى ~~هذا بالمستعار. ومن المجاز تسمية الشيء بضده؛ كتسمية المهلكة مفازة. # وهذا الحصر استقرائي. # [قوله]: "إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة، والمجاز الراجح -لم يتعين ~~لأحدهما إلا بالنية". هذه المسألة لم يحرر صورتها، ولم يحسن تمثيلها، ~~وبالجملة فاللفظ إذا كان له حقيقة واحدة لغوية، ومجاز، أو مجازان فصاعدا، ~~ولم يكثر استعماله في شيء من مجازاته- فلا خلاف أنه عند إطلاقه لا يحمل على ~~أحدهما إلا بنية أو قرينة، وأنه لا يحمل على مجازه إلا بنية أو قرينة. # وإن كان له حقيقتان لغويتان فصاعدا، ولم يكثر استعماله في -شيء من مجازه- ~~فلا خلاف أنه عند إطلاقه لا يحمل على أحدهما إلا بنية أو قرينة. كان أكثر ~~استعمال اللفظ في شيء من مجازاته، سواء كانت له حقيقة واحدة أو حقيقتان ~~-فلا يخلو: إما أن يربو على الحقيقة إلى حد يصير هو السابق إلى الفهم عند ~~الإطلاق، وهو المسمى بالحقيقة الشرعية، أو العرفية- انعكس الحكم ولا يحمل ~~على حقيقته اللغوية، إلا بنية أو قرينة، ولا يحتاج في حمله على مجازه ~~الشرعي أو العرفي إلى نية أو قرينة. وإن كان قد كثر استعماله حتى ساوى ~~الحقيقة اللغوية، ولم PageV01P187 # مثالة: قول الشافعي -رضي الله عنه-: إذا قال الرجل لأمته: "أنت طالق"، ~~ونوى به العتق- صح بالنية؛ لأن تركيب لفظ "الطاء واللام والقاف"، لإزالة ~~القيد؛ يقال: لفظ مطلق، وأطلق فلان من الحبس، وانطلق بطنه، ويقال: حلال ~~طلق، ووجه طلق. # === # يسبق إلى الفهم عند الإطلاق -فهذه صورة المسألة- لأنها إجمال عارض، ~~والمجمل لا يتعين لأحد محمليه إلا بنية أو قرينة. # وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يحمل على الحقيقة. # وقال أبو يوسف -رحمه الله-: يحمل على المجاز. # ولفظ المصنف يوهم أن سورة المسألة هو القسم الذي قبل هذا، أو أنه مندرج ~~في صورة المسألة. # وأما تمثيله بلفظ "الطلاق" فبعيد أيضا؛ فإنه لا خلاف أن لفظ "الطلاق" ~~صريح في إزالة PageV01P188 # وملك اليمين أحد أنواع القيد، فإذا قال: "أنت طالق"، ونوى به إزالة القيد -فقد # === # قيد ms016 النكاح لغة وشرعا، وأن الصريح لا يحتاج فيه بمعنى احتياجه إلى نية أو قرينة. # ولا خلاف عند الشافعية أن استعماله في العتق كناية، وأن الكناية لا تؤثر ~~إلا مع النية، PageV01P189 # استعمله في حقيقته الأصلية؛ إلا أن هذه الحقيقة صارت مرجوحة في العرف، واختص # === # فلم يطابق تمثيله المسألة. # وإنما يقرب تمثيلها بلفظ "النكاح"، فإنه حقيقة في الوطء؛ لأنه مأخوذ من ~~التضام، PageV01P190 # لفظ "الطلاق" -في العرف- بإزالة قيد النكاح؛ فصار لفظ "الطلاق" دائرا بين ~~الحقيقة المرجوحة وبين المجاز الراجح؛ فلا ينصرف إلى حقيقته المرجوحة إلا ~~بسبب النية. PageV01P191 # فإن قالوا: "وجب ألا ينصرف إلى المجاز الراجح، وهو إزالة قيد النكاح إلا ~~بالنية؛ وليس كذلك! ": # قلنا: هو غير لازم؛ لأنه إذا قال لمنكوحته: "أنت طالق": فإن عنى بهذا ~~اللفظ الحقيقة المرجوحة -وهو: إزالة مطلق القيد- وجب أن يزول مسمى القيد، ~~وإذا زال هذا المسمى، فقد زال القيد المخصوص. # وإن عنى به: المجاز الراجح - فقد زال قيد النكاح، فلما كان على كلا ~~التقديرين يفيد الزوال- لا جرم استغنى عن النية، بخلاف الجانب الآخر؛ لأنه ~~لو حمل على مجازه الراجح- لم يفد الحكم، ولو حمل على الحقيقة المرجوحة ~~أفاد؛ فلا جرم افتقر إلى النية الموجبة للتعيين. # === # والتداخل، يقال: تناكحت الأشجار؛ إذا تضامت، وتداخلت أغصانها بعضها في ~~بعض، وقد استعمل في "العقد" الذي هو سبب له؛ فكان مجازا. # وكثر استعماله من الشرع فيه، إلا أنه لم يبلغ إلى حد يكون هو السابق إلى ~~الفهم، فإذا أطلق، لم يتعين للوطء، ولا للعقد، إلا بقرينة. # قوله: "فإن قالوا: فوجب ألا يصرف إلى المجاز الراجح إلا بالنية"- هذا ~~السؤال لازم. # قوله: "إنه غير لازم؛ لأنه إذا قال لمنكوحته: أنت طالق؛ فإن عنى بهذا ~~اللفظ الحقيقة المرجوحة، وهي إزالة مطلق القيد -وجب أن يزول مسمى القيد، ~~وإذا زال هذا المسمى فقد زال المسمى المخصوص. # وإن عنى به المجاز الراجح -فقد زال قيد النكاح، فلما كان يفيد الزوال على ~~التقديرين- استغنى عن النية": # يقال له: الكلام مفروض فيما إذا ذكره، ولم ينو شيئا؛ ولا خلاف أنه يحمل ~~على ms017 الطلاق. # فقوله: "إن نوى ... وإن نوى ... ". حيد عن السؤال. PageV01P192 ### || AUTO المسألة الخامسة # لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا: # والدليل عليه: أن الواضع، إذا وضع لفظا للمفهومين معا على سبيل الانفراد: ~~فإما ألا يكون قد وضعه -مع ذلك- لمجموعهما، أو وضعه لذلك المجموع: # فإن كان الأول: امتنع استعماله في إفادة ذلك المجموع، عند فرض كونه ~~متكلما بتلك اللغة. # وإن كان الثاني: فحينئذ يكون ذلك اللفظ مشتركا بالنسبة إلى أمور ثلاثة: لهذا # === # اعلم أن اللفظ المشترك لا خلاف أنه لا يتعين لأحد مسمياته إلا بقرينة، ~~وعند عدم القرائن- اختلفوا فيه: # فذهب بعضهم: إلى الوقف، وهو مذهب المصنف. # وقال بعضهم: يعم فيها، إن أمكن الجمع؛ ويعزى إلى الشافعي -رحمه الله- ~~والقاضي PageV01P193 # وحده، ولذلك وحده، ولمجموعهما؛ وحينئذ: لا يكون استعمال اللفظ في إفادة ~~المجموع استعمالا للفظ المشترك في كل مفهوماته، بل في أحد مفهوماته. # === # ابن الباقلاني، وجماعة من المعتزلة. # واختلف المعممون: فمنهم من قال: يعم فيها بطريق الحقيقة؛ ويعزى إلى ~~الشافعي -رحمه الله- وهو بعيد. # ومنهم من قال: يعم بطريق المجاز، وإليه صغو إمام الحرمين رحمه الله. # واحتج المعممون: بأنه لو لم يعم: # فإما أن يحمل على أحدها بعينه، وهو ترجيح بغير مرجح، أو لا يحمل على شيء ~~منها؛ وفيه إهمال للفظ، وتعطيل له، وهو على خلاف الأصل؛ فتعين التعميم. # واحتج لهم: بقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} [الأحزاب: ~~56] والصلاة من الله -تعالى-: الرحمة، ومن الملائكة: استغفار؛ فقد عم ~~فيهما، وبقوله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ~~والشمس والقمر ... } الآية [الحج: 18] فقد عم السجود الاختياري والجبري. # قالوا: وقد نقل عن سيبويه، أنه قال: "ويل": خبر ودعاء، ولا حجة في PageV01P194 # بقي أن يقال: إنه مستعمل في المجموع، وفي كل واحد من ذينك المفردين؛ إلا ~~أن ذلك محال؛ لأن إفادته للمجموع تفيد أن الاكتفاء لا يحصل إلا بهما، ~~وإفادته لكل واحد من المفردين تفيد حصول الاكتفاء بكل واحد منهما؛ وذلك ~~يوجب الجمع بين النقيضين؛ وهو محال. # === # الاثنين؛ فإنه يمكن ms018 التعميم فيهما بقدر مشترك؛ فيكون من باب التواطؤ، لا ~~من باب الاشتراك؛ فيعم الصلاة؛ بمعنى التعظيم والتوقير، ويعم السجود؛ بمعنى ~~الخضوع. # وسيبويه وإن قال في "ويل": إنه خبر ودعاء- فلم يقل: إنه يعم فيهما؛ وهو ~~محل النزاع. # وقوله: "الدليل عليه: أن الواضع ... " إلى قوله: "عند فرض كونه متكلما ~~بتلك اللغة"-: يقال له: إنه يمتنع استعماله حقيقة، أو مجازا؟ : # الأول مسلم؛ فإنه إذا وضع لمعنيين فقط، فاستعماله في الثالث لا يكون ~~حقيقة. وإن قلت: إنه يمتنع استعماله مجازا، فلا يسلم، وظاهر أنه مجاز يتعين ~~الرجوع إليه عند تعذر الحمل على الحقيقة؛ لأن من لازم استعماله في كل واحد ~~بعينه- استعماله فيهما؛ إذ يلزم من صدق الأول صدق الثاني. # ولا معنى للمجاز إلا استعمال اللفظ في لازم المسمى، داخلا أو خارجا. # قوله: "فحينئذ؛ يكون مشتركا بالنسبة إلى أمور ثلاثة ... إلى آخره". # واعترض عليه، وأجاب عن السؤال: بأنه يلزم منه التناقض؛ فإن وضعه لأحدهما ~~يدل على الاكتفاء به، ووضعه لهما يدل على عدم الاكتفاء؛ فالتعميم على هذا ~~القدر يلزم منه التناقض. # يقال عليه: إن الواحد إذا أخذ من حيث هو هو -لا بقيد التجرد- فلا مانع أن ~~يكون جزءا من الاثنين، وإن أخذ بقيد التجرد- امتنع أن يكون جزءا من ~~الاثنين. # والفرق بين إرادة المطلق بقيد، أو بلا قيد ظاهر، والثاني صالح للإرادة. # ولا نسلم أنه حيث وضع للواحد أخذ في مسماه سلب وضعه لغيره؛ ليلزم ~~التناقض. # وللمسألة فرعان: # الأول: القائلون بمنع التعميم في المشترك في طرف الإثبات -اختلفوا في ~~التعميم في طرف النفي؛ كقوله: "لا عين لي". # فمنهم: من عمم، ومنهم: من لم يعمم. # قالوا: لأن النفي داخل على الإثبات، وإذا لم يشعر الإثبات بكثرة -لم يشعر ~~بها النفي، وفيه نظر. # الفرع الثاني: اختلفوا في جمعه؛ كقوله: "اعتدي بالأقراء". PageV01P195 ### || AUTO [المسألة السادسة] # في التعارض الحاصل بين أحوال اللفظ: # اعلم: أن الخلل الحاصل في فهم مراد المتكلم؛ إنما يحصل بناء على خمسة ~~احتمالات في اللفظ، وهي: # === # فمنهم من عمم في الجمع. وقيل: لا يعم؛ لأن الجمع تكثير ms019 المفرد؛ فإذا لم ~~يشعر المفرد بالتعميم- فلا يشعر به الجمع؛ وفيه نظر أيضا. # [قوله]: "اعلم أن الخلل في فهم مراد المتكلم؛ إنما يحصل بناء على خمسة ~~احتمالات ... " # أورد عليه: بأن الخلل قد يعرض باعتبار الزيادة؛ كقوله تعالى: {ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. # فإن ظاهره نفي مثل المثل بالتقديم والتأخير؛ كقوله تعالى: {فجعله غثاء ~~أحوى} [الأعلى: 5] وبالقلب؛ كقولك: "أدخلت القلنسوة في رأسي". # وأجيب عنه: بأن هذه الوجوه ترجع إلى المجاز؛ فإن حاصلها يرجع إلى التركيب ~~في الإسناد، فإن المجاز تارة يكون في الإفراد فقط؛ كإطلاق الأسد على ~~الشجاع، وتارة في PageV01P196 # احتمال الاشتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص. # والدليل على هذا الحصر: أنه إذا انتفى احتمال الاشتراك والنقل -كان اللفظ ~~موضوعا لمعنى واحد. وإذا انتفى احتمال المجاز والإضمار- كان المراد باللفظ ما وضع # === # الإسناد؛ كقوله تعالى: {مما تنبت الأرض} [البقرة: 61]، والمنبت هو الله، ~~وتارة بهما؛ كقول القائل: أحياني اكتحالي بطلعتك، فإنه أوقع "أحياني" موقع ~~سرني، و "اكتحالي" موقع رؤيتي، وأسند الإحياء إلى الاكتحال، وهو مجاز في ~~الإسناد، والأولان مجازان في الإفراد. # لا يقال: والإضمار -أيضا- راجع إلى المجاز في التركيب، فلم عده؟ ؛ لأنا ~~نقول: إنما أفرده لاختصاصه بمزيد غرض في الترجيح؛ فإن الحذف إنما يحسن مع ~~القرينة المقالية أو الحالية؛ كقولهم للقادم: أهلا وسهلا، أي: صادفت أهلا؛ ~~لأن الدعاء يطلب الفعل، ولمن سدد سهما: القرطاس، أي؛ أصبت القرطاس، لقرينة ~~التسديد، وقرينته لا تزايله، بخلاف غيره من المجازات. # وقد يقال مثل ذلك في التخصيص؛ فإنه من إطلاق الكل، وإرادة البعض، وهو من ~~المجاز أيضا، فلم أفرده؟ PageV01P197 # له. وإذا انتفى احتمال التخصيص- كان المراد باللفظ جميع ما وضع له؛ وعند ~~ذلك: لا يبقى خلل ألبتة في الفهم. # === # فنقول: إنه اختص بمزيد قوة من حيث إن استعماله في اللازم الداخل، فإشعاره ~~من دلالة التضمن، وهي أقوى من دلالة الالتزام. # ولا يناقض ما ذكره ها هنا، ما عده من شروط الدلالة السمعية في كثير من ~~كتبه مضافا إلى هذه الخمسة، وهي نفي النسخ، والمعارض العقلي، والتقديم ~~والتأخير، وصحة النقل، ms020 ومعرفة العربية؛ لأن انتفاء النسخ، والمعارض العقلي، ~~وصحة النقل- شرط في العمل لا في إشعار اللفظ. # والخلل من عدم فهم العربية راجع إلى السامع لا إلى اللفظ؛ لأنه إذا قيل: ~~"ذكاة الجنين PageV01P198 # ثم اعلم: أن التعارض الحاصل بين هذه الجهات الخمس يقع على عشرة أوجه؛ PageV01P199 # لأنه يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية، ثم بين النقل وبين ~~الثلاثة الباقية، ثم # === # ذكاة أمه" برفع الثاني -لم يحتج إلى ذكاة في الجنين، وبنصبه على معنى أنه ~~يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه؛ فيحتاج في حله إلى ذكاة تخصه. PageV01P200 # بين المجاز وبين الوجهين الباقيين، ثم بين الإضمار والتخصيص؛ فصار ~~المجموع عشرة: PageV01P201 # الأول: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والنقل، فالنقل أولي؛ لأن عند النقل ~~يكون اللفظ لحقيقة مفردة في جميع الأوقات؛ أما قبل النقل: فللمنقول عنه، ~~وأما بعد النقل: فللمنقول إليه، وأما الاشتراك: فإنه يخل بالفهم في كل ~~الأوقات؛ فكان النقل أولى. # الثاني: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والمجاز، فالمجاز أولي؛ لأن اللفظ ~~الذي له مجاز؛ إن تجرد عن القرينة، وجب حمله على الحقيقة، وإن حصلت ~~القرينة، وجب حمله على المجاز؛ وحينئذ: يفيد علي كلا التقديرين؛ بخلاف ~~الاشتراك. # === # وأما التقديم، والتأخير: فقد بينا رجوعهما إلى المجاز في التركيب. # وقوله: "فاعلم أن التعارض بين هذه الجهات الخمس يقع من عشرة أوجه"، أصل ~~هذه العشرة التي ذكرها من عشرين، ولكنه أسقط المتكرر؛ لأنا إذا أخرنا كل ~~واحد من هذه الخمسة، قابلناها بالأربعة الباقية، فتكون أربعة في خمسة: فهي ~~عشرون، إلا أن ما عارض الشيء فقد عارضه الآخر، فلا فائدة في عده ثانيا؛ ~~فلهذا كل ما عده في درجة لم يعده في الثانية. # قوله: "الأول: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والنقل، فالنقل أولي". # مثاله لفظ "الزكاة" في اللغة موضوع للنماء، وقد استعمله الشرع في الجزء ~~المخرج، فاستعماله دار بين الاشتراك والنقل، والنقل أولي، لما ذكره. # وقد عورض ما ذكره بأن النقل يتوقف على مناسبة، ووضع ثان، وغلبة استعماله ~~في الثاني، والاشتراك لا يتوقف إلا على وضع ثان، فكان المحذور ms021 فيه أدنى. # وأجيب: بأنا لا نعينه للنقل إلا مع كثرة الاستعمال، وحينئذ تزول المفاسد ~~المذكورة. # قوله: "الثاني: إذا وقع التعارض بين الاشتراك، والمجاز، فالمجاز أولى". # مثاله: إطلاق لفظ الأمر على القول المخصوص حقيقة. # واختلف في إطلاقه على الفعل، فقيل: هو حقيقة أيضا، فيكون مشتركا، وقيل: ~~مجاز؛ وهو الأولى لما ذكر. # وقد عورض ما ذكره بأن المجاز يتوقف على العلاقة والاستعمال؛ بخلاف ~~الاشتراك؛ فإنه PageV01P204 # الثالث: إذا وقع التعارض بين الاشتراك وبين الإضمار، فالإضمار أولي، ~~والدليل عليه: أن الإضمار إنما يحسن، حيث يكون المضمر متعينا بالضرورة؛ ~~كقوله تعالي: {واسأل القرية} [يوسف: 82]؛ فإن كل واحد يعلم أن المراد منه: ~~"واسأل أهل القرية"؛ وعلى هذا التقدير: فالفهم غير مختل؛ بخلاف الاشتراك ~~فإن الفهم فيه مختل. # === # لا يتوقف إلا على أحدهما، وبأن استعمال الاشتراك في معنييه حقيقة. # وأجيب: بمعارضة ذلك بكثرة فوائد المجاز من خفة الوزن، وعذوبة اللفظ ~~وصلاحيته لأنواع البديع أو لعظم الحقيقة؛ كقولهم: تخدم المقام أو للتحقير، ~~كالغائط. # قوله: "الثالث: وإذا وقع التعارض بين الاشتراك، والإضمار، فالإضمار أولى" ~~فمثاله: قوله - عليه الصلاة والسلام: "في أربعين شاة شاة" فإن لفظة ~~"في"حقيقة في الظرفية، فإذا PageV01P205 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # تلف النصاب بعد الحول، والتمكن، وقبل الأداء، فمقتضى اللفظ سقوط الزكاة , ~~لزوال المظروف. PageV01P206 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فيعارض: بأن "في" تقع للسببية؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام: "في النفس ~~المؤمنة مائة من الإبل". # فيقول الخصم: هذا يلزم منه الاشتراك. # فيعارضه: بأن حمله على الظرف يلزم منه الإضمار؛ إذ تقديره: في مقدار ~~أربعين شاة شاة. # فيقول: الإضمار الأولى من الاشتراك، وتقديره ما ذكره. PageV01P207 # الرابع: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والتخصيص - فالتخصيص أولى؛ لأن ~~التخصيص خير من المجاز، علي ما سيأتي بيانه، والمجاز خير من الاشتراك على ~~ما تقدم. # === # قوله "الرابع إذا وقع التعارض بين الاشتراك والتخصيص، فالتخصيص أولى". # مثاله: الاستدلال على أن الوطء في النكاح الفاسد يثبت حرمة المصاهرة: ~~بقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] والنكاح ~~حقيقة في الوطء. PageV01P208 # الخامس: إذا وقع التعارض بين النقل والمجاز، فالمجاز أولى؛ لأن النقل لا ~~يحصل ms022 إلا عند اتفاق أرباب اللسان علي تغيير الوضع، وهو متعذر أو متعسر، ~~وأما المجاز، فيكفي فيه حصول قرينة تمنع من حمل اللفظ علي حقيقته، وهي سهلة ~~الوجود. # السادس: إذا وقع التعارض بين الإضمار والنقل، فالإضمار أولى؛ والدليل عليه # === # فيقول المعترض أحمله على العقد؛ فإنه موضع له أيضا. # فيقول الخصم: يلزم منه التخصيص؛ فإن حمله على العقد يقتضي تخصيصه بالعقد ~~الصحيح، فيخرج النكاح الفاسد. # فيقول الخصم: التخصيص أولى من الاشتراك؛ وتقريره ما ذكر. # قوله: "الخامس: إذا وقع التعارض بين النقل والمجاز، فالمجاز أولى": # مثاله: إطلاق لفظ "الصلاة" على الدعاء حقيقة، واستعماله في الأفعال ~~المخصوصة إما بالمجاز عند قوم، أو بالنقل، والمجاز أولى. # قوله: "السادس: إذا وقع التعارض بين النقل والإضمار، فالإضمار أولى": # مثاله: قول الحنفي في بيع الدرهم بالدرهمين: إن المحرم أخذ الزيادة، فإذا ~~توافقا على إسقاطها، فيحكم بصحة العقد؛ احتجاجا بأن الربا في اللغة: ~~الزيادة. فيقول الشافعي: إن الربا PageV01P209 # عين ما ذكرناه في أن المجاز أولى من النقل. # === # على لسان الشرع عبارة عن: عقد مخصوص فقوله تعالي: {وحرم الربا} [البقرة: ~~275]، نهي عن نفس العقد، فيكون فاسدا، اتفقا على حط الزيادة، أو لم يتفقا. # فيقول الحنفي: حمل الربا على العقد يستلزم النقل، وهو على خلاف الأصل. # فيقول الشافعي: والإضمار -أيضا- على خلاف الأصل؛ إذ تقديره على زعمك: ~~وحرم أخذ الربا. # فيقول الحنفي: الإضمار أولى من النقل، وتقديره ما ذكر. PageV01P210 # السابع: إذا وقع التعارض بين النقل والتخصيص؛ فالتخصيص أولى؛ لأن التخصيص ~~خير من المجاز، على ما سيأتي بيانه، والمجاز خير من النقل على ما تقدم. # === # قوله: "السابع إذا وقع التعارض بين النقل، والتخصيص- فالتخصيص أولى": ~~مثاله؛ قول الحنفي: يجوز بيع الرطب بالتمر متساويا، لعموم قوله تعالى: ~~{وأحل الله البيع} [البقرة: 275]. # فيقول الشافعي: البيع في لسان الشرع عبارة عن: مقابلة مال بمال عن تراض، ~~على أوضاع قدرها الشرع. # فيقول الحنفي: هذا يقتضي النقل، وهو خلاف الأصل. # فيقول الشافعي: وحمله على الوضع اللغوي يلزم منه تخصيص البيع، وقصره على ~~كل بيع غير منهي عنه نهي فساد. ms023 PageV01P211 # الثامن: إذا وقع التعارض بين المجاز والإضمار، فالمجاز أولى؛ لأنه أكثر ~~وقوعا، والكثرة تدل على قلة مخالفة الدليل. # التاسع: إذا وقع التعارض بين المجاز والتخصيص، فالتخصيص أولى؛ لأن في # === # فيقول الحنفي: التخصيص أولى من النقل وتقديره ما ذكر. # قوله: "الثامن: إذا وقع التعارض بين المجاز والإضمار- فالمجاز أولى": # مثاله: إذا قال السيد لعبد من عبيده -وهو أكبر منه سنا: أنت والدي. ~~فيحتمل الكناية عن العتق بطريق المجاز ويحتمل التعظيم بإضمار؛ لأن تقديره: ~~أنت كوالدي فمن يوقع العتق به، يرجح المجاز لما ذكر، ومن لم يوقعه، يرجح ~~الإضمار؛ لأن قرينته لا تزايله. # وقيل: هما سواء؛ لتوقفهما على القرينة مع إمكان خفائها فيهما. # قوله: "التاسع: إذا وقع التعارض بين المجاز والتخصيص، فالتخصيص أولى": # مثاله: قول الحنفي في متروك التسمية عمدا: لا يؤكل؛ لعموم قوله تعالى: ~~{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121]. PageV01P212 # صورة التخصيص: يبقى اللفظ مستعملا في شيء من موارده الأصلية؛ وفي صورة ~~المجاز: لم يبق اللفط مستعملا في شيء من موارده الأصلية؛ لأن التغيير فيه أكثر. # === # فيقول الشافعي: هو مجاز في ذبح عبدة الأوثان، وما أهل لغير الله تعالى ~~لملازمته ترك التسمية. # فيقول الحنفي: المجاز على خلاف الأصل. PageV01P213 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فيقول الشافعي وحمل الآية على الذكر اللفظي، يلزم منه التخصيص بالناسي ~~بالإجماع، وهو على خلاف الأصل. # فيقول [الحنفي]: التخصيص أولى من المجاز، وتقديره على ما ذكر. PageV01P214 # العاشر: إذا وقع التعارض بين الإضمار والتخصيص، فالتخصيص أولى؛ لأن ~~التخصيص خير من المجاز الذي هو خير من الإضمار -كما تقدم- فكان التخصيص ~~خيرا من الإضمار. # === # قوله: "العاشر: إذا وقع التعارض بين الإضمار والتخصيص، فالتخصيص أولى": # مثاله، قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179]. # إذا قيل في تأويله المراد بالحياة: الحياة المعنوية، فإن القاتل إذا اقتص ~~منه في الدنيا - زال ذنبه، فينجو في دار الآخرة. # فيقال: هذا التأويل يلزم منه المجاز. # فيعارضه: أنه يحتمل أن يكون الخطاب للجميع، فيكون معناه في شرع القصاص ~~حياة؛ PageV01P216 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فإن القاتل إذا علم أنه متى قتل قتل، انزجر؛ فتبقى الحياة له، ms024 وللمقتول ~~وهو أولى؛ لإبقاء الحياة علي حقيقتها. # فيقول الآخر: إلا أن فيه إضمارا؛ إذ تقريره: ولكم في شرع القصاص حياة. # فيقول الآخر: وفيما ذكرته تخصيص، لقصره على القائلين. # فيقول الخصم: التخصيص خير من الإضمار، وتقديره ما ذكر. # فروع: # الأول: إذا تعارض الاشتراك والنسخ، فالاشتراك أولى؛ لأن النسخ إبطال، ~~والاشتراك تأخير إلى غاية. # الثاني: إذا تعارض الاشتراك والتواطؤ، فالتواطؤ أولى؛ لأنه دال على حقيقة ~~فرده، والكثرة في مواردها. # الثالث: إذا وقع التعارض بين الاشتراك، وبين معنيين، أو بين جنسين- ~~فالمعنيين أولى؛ لقلة المحذور. # وكذلك إذا وقع بين معنيين، وجنس، أو بين جنسين، فالأول أولى؛ لقلة ~~المحذور في أحد الطرفين. # "قد تقدم حصر دلالة الألفاظ في المطابقة"، وهي: # الحقيقة، والتضمن، والالتزام، وهما المجاز، ولا بد فيهما من ملازمه، إما ~~داخلا، أو خارجا. # قوله: "لأنه إذا حصل لفظ يفيد معنى، فهناك أمران: اللفظ، ومعناه، فإذا لم ~~يفد اللفظ ذلك المعنى الثالث، ولم يكن فهم معناه مستلزما لفهم ذلك الثالث- ~~امتنع حصول ذلك الثالث". # يعني بالثالث: ما أردت التجوز فيه، فإذا لم يكن الثالث نفس الموضوع، ولا ~~لازمه -فنسبة اللفظ إليه، وإلى سائر المعاني نسبة واحدة، فلا ارتباط، وإذا ~~لم يكن ارتباط، فلا شعور. PageV01P217 ### || AUTO المسألة السابعة # شرط المجاز حصول الملازمة الذهنية؛ لأنه إذا حصل لفظ يفيد معنى، فهناك ~~أمران: اللفظ ومعناه، فإذا لم يفد اللفظ ذلك المعنى الثالث، ولم يكن فهم ~~معناه مستلزما لفهم ذلك الثالث -امتنع حصول فهم ذلك الثالث؛ فثبت أن شرط ~~المجاز حصول الملازمة الذهنية؛ فالملازمة الذهنية على ثلاثة أوجه: # أحدها: استلزام العلة المعلول. # وثانيها: استلزام المعلول العلة، لما كان النوع الأول من الملازمة أقوى ~~من النوع الثاني- كان الأول راجحا على الثاني، عند حصول التعارض. # وثالثها: ملازمة الشيئين المتساويين؛ كما في المتضايفين وكما في الضدين؛ ~~فإنه عند # === # ومعنى: قوله: "الملازمة الذهنية: أن الذهن ينتقل من فهم إلى فهم من غير ~~واسطة": # احتراز من اللازم البعيد؛ فإنه لا يصح استعماله فيه كملازمة الجوهر ~~للعرض؛ فإنه يحتاج إلى أوساط، فلا يصح إطلاق أحدهما لإرادة ms025 الآخر. # واشتراط الملازمة الذهنية متقق عليه في صحة المجاز. # وهل يشترط في صحته استعمال العرب له؟ # فيه خلاف: # منهم من قال: هو شرط، والأصح إطلاق النخلة على الطويل من الآدميين، ولكان ~~إثبات اللغة بالقياس. # وأجيب: بمنع الأول، وبمنع أن يكون قياسا، بل ذلك استقراء تام، علم منه ~~صحة الإطلاق عند وجود المصحح؛ كما علم رفع كل فاعل، ونصب كل مفعول. # قوله: والملازمة على ثلاثة أقسام: # استلزام العلة المعلول، واستلزام المعلول العلة. # مثال ذلك: أن النظر يطلق، ويراد به تقليب الحدقة نحو المرئي. # ويطلق ويراد به نفس الإبصار، والأول سبب في الثاني، فإذا جعل حقيقة في ~~تقليب الحدقة مجازا في الإبصار- كان هذا المجاز من إطلاق السبب على المسبب، ~~وإذا عكس كان من إطلاق المسبب على السبب. # قال: والأول أولى؛ لاستلزام العلة المعينة المعلول المعين، واستلزام ~~المعلول المعين مطلق العلة؛ لجواز تحليل الواحد بالنوع بالعلل المختلفة. # قوله: "وثالثها: ملازمة الشيئين المتساويين"، يعني: وليس أحدهما سببا في ~~الآخر "كما في المتضايفين" يعني: كالأبوة والبنوة، ومتى فهم أحدهما، فهم ~~الآخر. PageV01P218 # الشعور بأحد الضدين -يحصل الشعور بالضد الآخر. ولما كان الثاني أقوى من ~~الثالث- كان الثاني راجحا على الثالث، عند حصول التعارض. ### || AUTO المسألة الثامنة # الواو # الواو العاطفة لا تفيد الترتيب؛ لأنها قد تستعمل فيما يمتنع حصول الترتيب ~~فيه؛ كقولهم: "تقاتل زيد وعمرو". # === # قوله: "وكما في الضدين" يعني: من حيث هو ضده، لا من جهة خصوصه. # "الواو العاطفة لا تفيد الترتيب"، يعني: أنها للجمع المطلق، فلا تفيد ~~الترتيب، ولا PageV01P219 # والأصل في الكلام الحقيقة، وإذا كانت حقيقة في غير الترتيب -وجب ألا تكون ~~حقيقة في الترتيب؛ دفعا للاشتراك، ولأنه لو أفادت الترتيب- لكان قوله: ~~"رأيت زيدا وعمرا قبله" متناقضا، ولكان قوله: "رأيت زيدا وعمرا قبله" ~~تكرارا. # === # تمنعه، فقد يكون المعطوف مرتبا معها؛ كقول حسان بن ثابت الأنصاري: [من ~~الوافر] # هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء # والإجابة مرتبة على الهجاء، والجزاء مرتب على الإجابة. # وقد يكون متأخرا؛ كقوله تعالى: {واسجدي واركعي مع الراكعين} [آل عمران: 43]. # وقد ms026 يكونان معا؛ كقوله تعالى: {وجمع الشمس والقمر} [القيامة: 9] ولا يمنع ~~الاهتمام بتقديم الأول، وعليه قول الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر ~~الله} [البقرة: 158]، فقال - عليه الصلاة والسلام: [ابدءوا بما بدا الله ~~تعالى به". PageV01P220 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقول عمر - رضي الله عنه - للشاعر القائل: [من الطويل] # ........................ ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # هلا قلت: كفى الإسلام والشيب ... # وأقوى ما احتج به: قوله تعالى: {وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا} [الأعراف ~~161]، {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} [البقرة: 58]، والقصة واحدة. # واعترض عليه: بأن التقديم مجاز في إحدى الآيتين. # وأقرب منه أن يقال: إذا كان معنى قوله تعالى: {وقولوا حطة} حط عنا ~~ذنوبنا، أو مقالة بين حطه للذنوب، وهي كلمة التوحيد. # والأمر بالاستغفار، والتوحيد دائم مستمر، فحسن التقديم والتأخير ضرورة ~~الدوام. # وأقوى ما احتج به من حيث المعنى: وقوعها حيث يمنع الترتيب في باب ~~المفاعلة، كما ذكر، وذلك في قولهم: سيان زيد وعمرو، والمال بين زيد وعمرو. # وامتناع وقوعهما فيما يقتضي الترتيب، وهو جواب الشرط. # واعترض على الأول: بأنه مجاز عينته القرينة العقلية. # واحتج أيضا: بأن الواو في مختلفي الاسم: كألف التثنية في متفقى الاسم؛ ~~بدليل أن الشاعر رد التثنية إلى العطف، كقوله: [من الرجز]. # كأن بين فكها والفك ... فارة مسك ذبحت في سك PageV01P221 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقوله: [من الرجز] # ليث وليث في مجال ضنك ... كلاهما ذو أنف ومحك # والألف لا تقتضي الترتيب، كذلك الواو. # ومنع، وأسند المنع بقوله -عليه الصلاة والسلام- للخطيب القائل: ومن يطع ~~الله ورسوله، فقد اهتدى، ومن يعصهما فقد غوى: "بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن ~~يعص الله PageV01P222 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ورسوله"، فلم يسو بينهما. # ويقول القائل لزوجته غير المدخول بها: أنت طالق طلقتين، وأنت طالق، ~~وطالق؛ لوقوع اثنتين في الأولى، دون الثانية. # وأجيب عن الأول: بأن الإفراد داخل في التعظيم لله تعالى. # وعن الثاني: أن طلقتين في المسألة الأولى، تفسير لقوله: أنت طالق، وقوله: ~~طالق: ليس بتفسير، وقد بانت بالأولى، فلا تجد الثانية محلا، ويلتزم الوقوع ~~على مذهب ما. PageV01P223 ### || AUTO المسألة التاسعة # [إنما] # لفظة "إنما" تفيد الحصر؛ لأن ابن عباس ms027 - رضي الله عنه - فهم الحصر في ~~قوله - عليه السلام -: "إنما الربا في النسيئة"، وفهمه الصحابة من قوله - ~~عليه السلام -: "إنما الماء من الماء"؛ فنفى وجوب الغسل من غير ماء، ولأن ~~كلمة "إن" للإثبات و"ما" للنفي؛ فوجب حمل "إنما" على إثبات المذكور، ونفي ~~ما عداه. PageV01P224 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # "قوله لأن ابن عباس - رضي الله عنهما - فهم من قوله عليه الصلاة والسلام: ~~"إنما الربا في النسيئة" الحصر. # تقرير الدليل: أنه قاله محتجا به على الصحابة على عدم منع ربا الفضل، ~~وحصره في النسيئة، ولم ينازعوه في الإشعار. PageV01P227 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وإنما عارضوه بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا ~~مثلا بمثل ... " الحديث؛ فكان إجماعا. # وكذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنما الماء من الماء" حاصله التمسك ~~بالإجماع أيضا. # وأما دليله من اللغة: فقول الأعشى: [من السريع] # ....................... ... وإنما العزة للكاثر PageV01P229 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقول الفرزدق: [من الطويل] # ................... وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # وقوله: "ولأن كلمة "أن" للإثبات، وكلمة "ما" للنفي". # تقريره: "أن الأصل إبقاء الحروف على دلالتها عند الضم، و"أن" للإثبات، ~~و"ما" للنفي، فلا بد من نفي وإثبات، ويمتنع عود النفي إلى نفس المثبت؛ لما ~~فيه من التناقض، فوجب حمله على إثبات المذكور، ونفي ما سواه. # والاعتراض عليه: يمنع أن "ما" ها هنا للنفي بل إن أعملت "أن" ف"ما" ~~زائدة، وإن لم تعمل ف"ما" كافة. PageV01P230 ### || AUTO المسألة العاشرة # " الباء" # الباء في مثل قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} تفيد التبعيض؛ لأنه لا بد ~~وأن تفيد فائدة زائدة؛ صونا لكلام الله تعالى عن العبث، وكل من قال بأنها ~~تفيد فائدة زائدة، قال: إنما هي للتبعيض، وإذا لم يكن ذلك البعض مبين ~~المقدار -كان محمولا على أقل ما ينطلق عليه الاسم، أما إيجاب مسح الوجه ~~بتمامه في قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم} - فذلك إنما عرف من الخبر. # === # [قوله]: "الباء في قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} [المائدة 6] تفيد ~~التبعيض": PageV01P231 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # زعم أن الباء تفيد التبعيض، وقد قال ابن جني في كتاب "سر الصناعة": لا ~~يعرفه أصحابنا. ورد: بأنها شهادة على النفي. # قوله: "لأنه لا بد وأن تفيد ms028 فائدة زائدة" يعني: لأن الفعل يتعدى بنفسه، ~~فقد فات معنى الإلصاق الذي هو حقيقة فيه، فلا بد من فائدة. # قال: ولا فائدة إلا التبعيض، يعني: لأن ما عداها منفي بالإجماع، أو ~~بالأصل، وقد منع. # وقيل: بل في الآية ضرب من القلب؛ فإن أصل الكلام: فامسحوا رءوسكم بالماء, ~~و"الباء" تدخل على الممسوح به؛ كقولك: "مسحت يدي بالمنديل"، فحذف الماء ~~للعلم به، ونقلت الباء إلى الممسوح؛ تنبيها على المحذوف، قاله ابن العربي ~~في "أحكام القرآن" له. PageV01P232 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # قوله: "وأما مسح الوجه في قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم} [المائدة: 6] ~~إنما عرف بالخبر" لما استشعر النقص على ما قرره بآية التيمم، اعتذر بالخبر. # ويمكن أن يقال: إن التعميم في الوجه غير لازم في استعمال التراب؛ إذ لا ~~يجب إيصال التراب من الوجه إلى كل ما يجب إيصال الماء إليه من منابت الشعور ~~الحقيقية. PageV01P233 ### | AUTO الباب الثاني في الأوامر والنواهي، وفيه مسائل # : ### || AUTO المسألة الأولى # الأمر: هو اللفظ الدال على طلب الفعل، على سبيل الاستعلاء. # وهذا التعريف يشتمل على قيود: # القيد الأول: قولنا: "اللفظ الدال" فالفائدة فيه: أن يتناول جميع الألفاظ ~~الدالة على هذا المعنى، بأي لغة كانت. # === # الأمر والنهي قسمان من أقسام الكلام؛ كالخبر، والاستخبار، والوعد ~~والوعيد، والترجي والتمني، والدعاء، والنداء، وغير ذلك مما ذكر، والحصر ~~استقرائي. # والكلام يطلق على معان ما بين حقيقة ومجاز، فيطلق على المعنى القائم ~~بالنفس، وعلى اللفظ مستعملا كان [أو مهملا]، مؤلفا كان أو غير مؤلف. # وعلى الجملة التامة في اصطلاح النحاة، وعلى الكناية، وعلى الإشارة، وعلى ~~دلالة الحال؛ كقوله [من الرجز]: # امتلأ الحوض ................ ... ............................. # وقال بعضهم: ولا خلاف أن إطلاقه على الكناية، والإشارة، ودلالة الحال ~~-مجاز، وأن إطلاقه على الجملة التامة في اصطلاح النحاة- حقيقة عرفية خاصة. PageV01P234 # القيد الثاني: قولنا: "على طلب الفعل"؛ فنقول: إن ماهية الطلب متصورة لكل ~~العقلاء تصورا بدهيا؛ فإن من لم يمارس شيئا من الصنائع العلمية، ولم يعرف ~~الحدود والرسوم -فإنه قد يأمر وينهى، ويدرك التفرقة البدهية بين طلب الفعل، ~~وبين طلب الترك، # === # وأما إطلاقه على المعنى القائم ms029 بالنفس: فحقيقة عند الأشعري، وأما إطلاقه ~~على اللفظ: فقد تردد الأشعري في أنه حقيقة أو مجاز، والمشهور عنه: أنه مجاز. # وقال في جواب "المسائل البصرية": إنه حقيقة، فيكون مشتركا. # وزعمت المعتزلة: أنه حقيقة في اللفظ؛ لمبادرته إلى الفهم، ولأنه لو علق ~~عليه طلاقا لم يحنث بما في النفس، وإنما يحنث باللفظ. # وإذا انقسم الكلام إلى النفسي واللفظي، فالأمر، والنهي، والخبر ينقسم إلى ~~ذلك، ونحتاج في تمييز كل واحد منها إلى حد؛ لامتناع اجتماع المتخالفات في ~~حد واحد، أو رسم واحد. # وقد اختلف الناس في حد الأمر اللفظي: PageV01P235 # وبين كل واحد منهما، وبين المفهوم من الخبر، ويعلمون بالبديهة: أن ما ~~يصلح جوابا لأحدهما؛ فإنه لا يصلح جوابا عن الثاني. PageV01P236 # وكل ذلك يدل على أن هذه الماهية متصورة تصورا بدهيا. # === # فقال القاضي ابن الباقلاني: هو القول المقتضى طاعة المأمور بفعل ~~المأمورية. # وضعف من أوجه: # الأول: أن القول كما يطلق على اللفظ، يطلق على ما في النفس؛ فيكون ~~مشتركا، والحدود تصار على الألفاظ المشتركة. # الثاني: أن قوله: المأمور، والمأمور به مشتقان من الأمر، فمن جهل الأمر ~~جهل كل ما يشتق منه، فتعريفه به يلزم منه الدور، وتعريف الأجلى بالأخفى. PageV01P237 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الثالث: أن الطاعة عنده موافقة الأمر، فيلزم المحذور المذكور. # وقال أوائل المعتزلة: الأمر قول القائل لمن دونه: "افعل"، أو ما يقوم مقامه. # وأورد عليهم: أنها قد ترد من النائم، والهاذي، ولا تكون أمرا. # فقالوا: مع إرادة إحداث الصيغة أمرا. # فورد عليهم: أنها ترد للتهديد، والإباحة. # فقالوا: وإرادة جعل الصيغة أمرا. # فورد عليهم: أنها قد ترد من الحاكي، والمبلغ، وليسا بآمرين. # فقالوا: مع إرادة المأمور به. # واكتفى الكعبي بإرادة المأمور به عن إرادة جعلها أمرا، لاستلزامها، فقال: ~~هي تابعة للحدوث. # واعترض عليهم: بأن تقييده عن دونه يمنع طرده؛ فقد قال فرعون لقومه: ~~{فماذا تأمرون} [الأعراف 110]. # وقال عمرو بن العاص لمعاوية [من الطويل]: PageV01P238 # القيد الثالث: قولنا: "على سبيل الاستعلاء" فالفائدة فيه: أنه لو طلب ذلك ~~الفعل على سبيل التضرع -سمي ذلك الطلب دعاء والتماسا، وإنما يسمى ms030 أمرا: إذا ~~حصل ذلك # === # أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم # وقد اعتذروا: بأن هذا الإطلاق مجاز، وحسنه تنزيله نفسه منزلة الملتزم ~~إشارته. # فلما استشعر المصنف هذه الاعتراضات على الحدين أراد حده بما يسلم من ذلك ~~كله، فقال هو: "اللفظ الدال على طلب الفعل على سبيل الاستعلاء". # فاستعمل "اللفظ" بدل "القول"؛ ليحترز عن الاشتراك، وقوله: "الدال" احتراز ~~من المهمل، وقوله: "على طلب"، احتراز من الخبر، وقوله: "الفعل" احتراز من ~~النهي والاستفهام، ، وقوله: "على سبيل الاستعلاء" ليدخل فيه مثل قول عمرو: # أمرتك أمرا حازما ... ..................... البيت # ويخرج منه الالتماس، والدعاء. # قوله: "والقيد الثاني: طلب الفعل، فنقول: ماهية الطلب متصورة لكل العقلاء ~~تصورا بدهيا ... " إلى آخره. # لم يختلف العقلاء في أن الآمر حالة أمره، يجد في نفسه معنى ما يعبر عنه ~~بالصيغة. # لكن اختلفوا في تعيين ذلك المعنى، فزعمت الأشعرية: أنه اقتضاء واستدعاء ~~مغاير لماهية الإرادة. # وأنكرت المعتزلة ذلك، وقالوا: ليس في النفس إلا الإرادة، فتنحل من هذا: ~~أن وجدان أصل المعنى ضروري، وتصوره نظري، ولا يلزم من علمنا بوجود الشيء ~~بالضرورة -أن نتصوره ضرورة؛ فإنا نعلم وجود أرواحنا بالضرورة، ولا نتصورها ~~بالضرورة. PageV01P239 # الطلب مع الاستعلاء؛ وإنما شرطنا الاستعلاء لا العلو؛ لأن من قال لغيره: ~~"افعل" على # === # وكذلك نعلم بالضرورة اختصاص حجر المغناطيس بخاصة جذب الحديد، ولا ~~نتصورها. # فدعوى المصنف: أن تصور ماهيته بدهية- غير صحيح. # واحتجاجه على أنه بدهي بأن من لم يمارس شيئا من الصنائع العلمية، ولم ~~يعرف الحدود، والرسوم بأمر ونهي ... ". # يرد عليه: أن ذلك يستدعي وجود الشعور به، لا تصور ماهيته. # قوله: "ويدرك التفرقة بين طلب الفعل، وطلب الترك": يعني بين الأمر، ~~والنهي. # وقوله: "وبين كل واحد منهما"، يعني: بين الأمر، والنهي، وبين الخبر- يرد ~~عليه: أن الفرق بين الشيئين، وتمايزهما لا يتوقف على فهم حقيقتهما ولا بد؛ ~~فإنا كما نفرق بين الشيئين بتباينهما في شيء من الأوصاف الذاتية، فقد نفرق ~~بينهما بتباينهما في الخواص، وبأن يعرض لأحدهما ما لا يعرض للآخر: # مثال الافتراق بالخواص في مسألتنا، أن ms031 نقول: من خاصية الأمر تعلقه بفعل ~~الغير، ومن خاصية الإرادة التي تخصص أن تتعلق بفعل المريد. # وأيضا فإن الآمر قد يأمر بما يعجز عنه؛ كالعاجز عن القيام بأمر غيره، ~~بخلاف المريد. # ومثال افتراقها بالعارض: وجود أحدهما بدون الآخر، وقد ذكر الأصحاب له أمثلة: # أحدها: أن الله تعالى أمر الكفار والعصاة، ولم يرد إيمانهم وطاعتهم؛ لأنه ~~لو أراد ذلك - لوقع. # والثاني: أنه لو حلف ليقضين غريمه دينه غدا، إن شاء الله تعالى، فلم يقضه ~~في الغد مع التمكن- فإنه لا يحنث مع وجود الأمر. # الثالث: السيد المعاقب من جهة السلطان على ضرب عبده إذا اعتذر بأنه ~~يخالفه، وأراد تحقيق عذره بأمره بحضرة الملك، فإنه يأمره، ولا يريد ~~امتثاله. # واعترض على هذا الوجه: بأن الوارد منه -والحالة هذه- ليس حقيقة الأمر، ~~وإنما هو إرادة الأمر، وإظهاره، وعذره يتمهد مع التلبيس. # قالوا: ومثله وارد عليكم في الطلب النفسي. # الرابع: قصة إبراهيم - عليه السلام - فإنه أمر بذبح ولده، ثم نسخ عنه قبل ~~الامتثال، ولو PageV01P240 # سبيل التضرع إليه-: لا يقال: "إنه أمره" وإن كان أعلى رتبة منه، ومن قال ~~لغيره: "افعل، على سبيل الاستعلاء؛ يقال: "إنه أمره" وإن كان أدنى رتبة ~~منه؛ ولذلك فإنهم يصفون من هذا شأنه بالجهل والحمق؛ من حيث إنه أمر من هو ~~أعلى منه رتبة. ### || AUTO المسألة الثانية # الأكثرون اتفقوا على أن صيغة "افعل" تفيد الترجيح، وهؤلاء اختلفوا: فمنهم ~~من قال: إنه متعين للوجوب؛ وهو المختار، ومنهم من قال: إنه دائر بين الوجوب ~~والندب، وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه: # الأول: أن يكون اللفظ مشتركا بينهما؛ بأن يكون حقيقة فيهما. # === # كان المأمور به مراد الوقوع من الله تعالى، لما صح نسخه. # ولهم في هذه القاعدة منع، وعلى الاحتجاج بالآية مقاومة مذكورة في الكتب ~~المطولة. # وقد نتخيل أن في دعواه: أن تصور الطلب بدهى، مع احتجاجه على بداهته - ~~تناقضا؛ فإن البدهي لا يحتج عليه. # ويمكن أن يقال: لا يلزم من تصور الشيء بالبديهة إدراك وصفه بالدهية. # قوله في القيد الثالث: "على سبيل الاستعلاء لا العلو، ms032 واضح، وقد تقدم ~~البحث فيه في حد المعتزلة. # [قوله]: "صيغة افعل تفيد الترجيح، وهؤلاء اختلفوا .. " إلى آخر نقل ~~المذاهب. # قوله: تفيد الترجيح: يعني ترجيح الفعل على الترك؛ وإنما قيده بالأكثرين ~~احترازا من مذهب الواقفية، ومن مذهب من ينزلها على الإباحة. # وبالجملة: فإن "افعل" ترد لستة عشر معنى: # الأول: الوجوب؛ كقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} [البقرة 43]. PageV01P241 # والثاني: أن يكون حقيقة في أحدهما، مجازا في الثاني؛ إلا أنه لا يعلم أنه ~~حقيقة في أيهما، ومجاز في أيهما. # الثالث: أنه يفيد الترجيح الذي هو القدر المشترك بين الترجيح المانع من ~~النقيض، وبين الترجيح الذي يجوز معه النقيض، ولا دلالة فيه ألبتة لا على ~~المنع من الترك، ولا على الإذن فيه، وهذا الوجه أحسن الوجوه الثلاثة. # ومنهم من قال: إنه يفيد الندب؛ وهذا القول قوي أيضا. # === # الثاني: الندب؛ كقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور 33]. # الثالث: الإباحة؛ كقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة 2]. # الرابع: التهديد؛ كقوله تعالى: {اعلموا ما شئتم} [فصلت 40]. # الخامس: الإرشاد؛ كقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة 282] ~~فيفارق الندب: بأنه لمصالح الدنيا. # السادس: التأديب؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام - لابن عباس - رضي الله ~~عنه -: "كل مما يليك ... ". # ويفارق الإرشاد: بأنه لحق الغير. # السابع: التسوية؛ كقوله تعالى: {فاصبروا أو لا تصبروا} [الطور 16]. # الثامن: الإهانة؛ كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان 49]. # التاسع: الاحتقار؛ كقوله تعالى: {فاقض ما أنت قاض} [طه 72]. # العاشر: الإنذار؛ كقوله تعالى: {قل تمتعوا} [إبراهم 30]. # الحادي عشر: الامتنان؛ كقوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [الأعراف 160]. # الثاني عشر: الإكرام؛ كقوله تعالى: {ادخلوها بسلام آمنين} [الحجر: 46]. # الثالث عشر: التعجيز؛ كقوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} [يونس 38]. PageV01P242 # احتج القائلون بالوجوب بوجوه: # أحدها: قوله تعالى لإبليس: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} وليس المراد منه # === # الرابع عشر: الدعاء؛ كقوله تعالى: {واغفر لنا} [البقرة 286]. # الخامس عشر: التكوين؛ كقوله تعالى: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة 65]. # السادس عشر: التمني؛ كقول امرئ القيس [الطويل]: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... ........................... # ومنهم من لم يعد الإنذار، واكتفى بالتهديد، واتفق الجميع ms033 على أن ~~استعمالها فيما عدا الأربعة الأول بطريق المجاز. # واختلفوا في الأربعة الأول: وهي الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد: ~~فذهب الأشعري والقاضي إلى: أنها مشتركة في الأربعة، ومقتضاها عند عدم ~~القرائن الوقف. # ومنهم من غلا في الوقف، فقال: يحتمل إطلاقها بطريق الحقيقة في الجميع، أو ~~في البعض، والباقي مجاز، إلا أنا لا ندري، فيكون الوقف في المراد، وكيفية ~~الوضع معا. # ومنهم من أخرج التهديد، وزعم أنها مترددة بين الثلاثة. # ومنهم من أخرج الإباحة أيضا، قال: وهي مترددة بين الوجوب والندب، وهو ~~معنى قول صاحب الكتاب: اتفق الأكثرون على أن صيغة "افعل" تفيد الترجيح، ~~فتخرج الإباحة، والحظر؛ لأن الإباحة لا ترجيح فيها للفعل على الترك، ولا ~~للترك على الفعل، والحظر ترجيح لجانب الترك. PageV01P243 # الاستفهام؛ لأنه على الله تعالى محال، بل الذم؛ فإنه لا عذر له في الترك ~~بعد ورود الأمر؛ هذا هو المفهوم من قول السيد لعبده: "ما منعك من دخول ~~الدار؛ إذ أمرتك؟ ! " إذا لم يكن مستفهما، ولو لم يكن الأمر للوجوب، لما ~~ذمه الله تعالى على الترك، ولكان لإبليس أن يقول: "إنك أمرتني بالسجود، وما ~~أوجبته علي؛ فكيف تلومني؟ ! ". # === # وهؤلاء اختلفوا على ما ذكر: # فمنهم من قال: هي حقيقة فيهما، ولا تعين لأحدهما إلا بقرينة. # ومنهم من قال: إنها حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر، إلا أنا لا ندري ~~أيهما الحقيقة. # ومنهم من قال: تفيد أصل الترجيح، أما أنه مانع من النقيض، أو غير مانع، ~~فلا يعرف إلا بقرينة. # قوله: "وهذا الوجه أحسن الوجوه" يعني: لخلوه عن الاشتراك، والمجاز. # ومنهم بن قال: تفيد الندب؛ لأنه المتيقن، ولحوق الذم بالترك مشكوك فيه. # ومذهب الفقهاء: أنها حقيقة في الوجوب، مجاز فيما عداه. ثم اختلف هؤلاء: # فمنهم من قال: تفيد الوجوب وضعا، ومنهم من قال: تفيده شرعا، والحجج تأتي ~~على المذهبين، إن شاء الله تعالى. # قوله: {إذ أمرتك} وليس المراد منه الاستفهام" يعني: أن الاستفهام يلزم ~~منه الاستبهام، وهو جهل، وهو على الله تعالى محال، فتعين حمله على مجازه، ~~وهو إما التقرير؛ كقوله ms034 تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1]. # أو التوبيخ؛ كقوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان} [يس: 60]. # وهذا التوبيخ والذم على الترك من خاصية الوجوب، فدل على أن الأمر في ~~الآية للوجوب. # قوله: "فإن قالوا: لعل الأمر في تلك اللغة كان مفيدا للوجوب": # تقريره: بأن النزاع لم يقع في أن الأمر يذم تاركه، وإنما النزاع في أن ~~"افعل" بمجردها للوجوب، أو لا؟ # فإن قلتم: إن أمر الملائكة الذي يشمل إبليس كان بصيغة "افعل"، ولعله كان ~~بصيغة ناصة من لغة أخرى، فلا تفيد ذلك المطلوب. # قوله في الجواب: "قلنا: الظاهر يقتضي ترتيب الذم على مخالفة الأمر بأي ~~لغة كان". # يقال له: هذا لا يدفع السؤال؛ فإن تلك اللغة جاز أن تكون ناصة؛ فلا تفيد ~~المطلوب. # وقد أجيب عنه بجواب آخر: وهو أن المطلق يحمل على المقيد إذا اتحدت ~~الواقعة؛ وقد قال الله تعالى في آية أخرى {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا} ~~[البقرة 34]، وقال تعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} ~~[الحجر 29]. PageV01P244 # فإن قلت: "لعل الأمر -في تلك اللغة- يفيد الوجوب؛ فلم قلت بأنه في هذه ~~اللغة كذلك؟ ! ": # قلت: الظاهر يقتضي ترتيب الذم على مخالفة الأمر، فتخصيصه بأمر خاص خلاف ~~الظاهر. # الثاني: قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} ذمهم على أنهم ~~تركوا ما قيل لهم: "افعلوه"؛ وذلك يفيد أن ظاهر الأمر للوجوب. # الثالث: أنه - عليه الصلاة والسلام - دعا أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - فلم # === # ويرد عليه: أنه لا يتعين أن يكون قد ورد الأمر بنفس هذه الصيغة، بل جاز ~~أن يكون ذلك ترجمة في سائر قصص الأنبياء المحكية عنهم في القرآن بألفاظ ~~مختلفة. # ويرد على أصل الدليل أنه يحتمل إفادته الوجوب لانضمام قرائن. # وأجيب عنه: بأن الأصل انتفاء القرائن، ولو كان هذا الاحتمال ضارا لسقط ~~الاحتجاج بسائر الظواهر والأحوال، بل الظاهر من الآية: أن الذم لم يكن ~~لمجرد الترك، بل للترك بصفة الإباء، والاستكبار، وزعمه أن الأمر بسجود ~~الأعلى للأدنى خلاف الحكمة؛ ولهذا حكم بكفره، ms035 فلم يكن الذم على مجرد الترك. # ومما ينبه له: أن المحتج بهذه الحجة وما بعدها إن كان مطلوبه القطع، ~~فمجرد هذه الاحتمالات قادح وكاف في ردها، ولا يغنيه الاعتذار بأنه خلاف ~~الظاهر، وميل القاضي وأكثر الأصوليين إلى أن المطلوب منها القطع، وإن كان ~~المطلوب منها الظن فهي كافية، وإليه ميل المصنف؛ لأن مآلها إلى العمل، ~~والعمل يكفي فيه غلبة الظن. PageV01P245 # يجبه؛ لأنه كان في الصلاة؛ فقال - عليه السلام -: "ما منعك أن تجيب؛ وقد ~~سمعت قؤله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم}؛ ~~فذمه على ترك الاستجابة عند ورود الأمر؛ وذلك يدل على أن مجرد الأمر ~~للوجوب. # الرابع: قوله - عليه السلام -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ~~عند كل صلاة" وكلمة "لولا" تفيد انتفاء الشيء لأجل وجود غيره؛ فههنا: تفيد ~~انتفاء الأمر؛ لأجل # === # قوله: "الثاني قوله تعالى {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} [المرسلات ~~48]، ذمهم على أنهم لا يركعون". # وأورد عليه: أن الذم احتمل أن يكون للتكذيب ورد الأمر، لا لعدم امتثاله. # وأجيب: بأن ظاهره لترك الأمر، فإذا اجتمع معه التكذيب، وقد ترتب عليهما ~~الذم والويل - نزل الويل على التكذيب والذم على الترك. # قوله: "الثالث: أنه - عليه الصلاة والسلام - دعا أبا سعيد الخدري، وهو في ~~الصلاة، فلم يجبه، فقال - عليه الصلاة والسلام-: "ما منعك أن تجيب، وقد ~~سمعت الله يقول: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} [الأنفال 24]. # تقريره: أنه وبخه على ترك الإجابة بقوله: "ما منعك أن تجيب". # ويرد عليه: أن قوله: "ما منعك" لا يتعين للتوبيخ، بل يحتمل الاستفهام؛ ~~لاعتقاد الرسول -عليه الصلاة والسلام- استبهام الأمر عليه من حيث إن الكلام ~~ممنوع في الصلاة، والإجابة كلام؛ فأراد - صلى الله عليه وسلم - إفهامه أن ~~إجابة الرسول - عليه الصلاة والسلام - ليست من جنس الكلام الممنوع في ~~الصلاة. # قوله: "الرابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لولا أن أشق على أمتي ~~لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ... " إلى آخره". PageV01P246 # وجود المشقة؛ فهذا يقتضي أن السواك غير مأمور به، وأجمعت الامة على أن ~~السواك مندوب؛ ms036 فوجب ألا يكون المندوب مأمورا به، وإذا ثبت هذا: ظهر أن ~~الأمر لا يحصل إلا عند الوجوب. # الخامس: روي في خبر بريرة؛ أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~"اتأمرني بذلك؟ فقال -عليه السلام-: "لا؛ إنما أشفع" نفى الأمر مع حصول ~~الشفاعة الدالة على الندبية؛ وذلك يدل على أن المندوب غير مأمور به. # === # تقريره: أنه نفى الأمر بالسواك مع ثبوت الندب بالإجماع، فيتعين أن يكون ~~الأمر للوجوب. # ويرد عليه: أنه يحتمل أن يكون المراد لأمرتهم وجوبا. # قوله: "الخامس: ما روي في خبر بريرة: أنها: قالت لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أتأمرني بذلك؟ PageV01P247 # السادس: قوله - عليه السلام -: "إذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم". # لا يقال: "إن قوله: "فأتوا منه "صيغة أمر؛ فالاستدلال به على أن الأمر ~~للوجوب - إثبات الشيء بنفسه؛ وهو محال"؛ # === # فقال لا، إنما أنا شفيع". # نفى الأمر مع حصول الشفاعة الدالة على الندبية. # قصة الحال: أن بريرة لما عتقت تحت عبد فقال لها - عليه الصلاة والسلام -: ~~"ملكت نفسك فاختاري"، فاختارت فراقه، فشق عليه ذلك؛ فاستشفع برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال لها: "كيف لو راجعته؟ فإنما هو أبو ولدك". # فلم يرد منه - عليه الصلاة والسلام - صيغة أمر، وإنما ورد منه تحضيض، ~~والتخضيض يستلزم الطلب، فتردد ذلك عندها بين أن يكون أمرا فتمتثله، أو شفاعة. # وقول المصنف: "إن الشفاعة دالة على الندب" - ممنوع؛ وإنما تدل على الندب ~~إذا كانت لغرض الآخرة، وأما غرض الدنيا فمحض إرشاد! فلم يتحقق أمر ألبتة. # قوله: "السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا ~~منه ما استطعتم". PageV01P248 # لأنا نقول: إن الأمر الأول دل على أصل الرجحان، فلما قال مرة أخرى: ~~"فأتوا منه ما استطعتم" امتنع أن يكون المراد من قوله: ، "فأتوا منه" أصل ~~الترجيح؛ وإلا لزم التكرار الخالي عن الفائدة؛ فوجب حمله على فائدة زائدة، ~~وتأكيد الطلب - بحيث يمنع من الترك فائدة زائدة؛ فوجب حمله عليه، إلا أن ~~يذكر الخصم ما يصلح معارضا، ثم تأكد ما ذكرنا بقوله: "ما استطعتم"؛ ms037 فإنه ~~يفيد المبالغة التامة في الطلب؛ وذلك يفيد المنع من الترك. # === # هذا الحديث احتج به الغزالي، وغيره على الندب". # تقريره: أنه لما قال - عليه الصلاة والسلام-: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ~~ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا"، أمر بالانتهاء مطلقا، ورد الأمر إلى ~~إرادتنا، والمردود إلى إرادتنا هو المندوب. # ويرد عليهم: بأنه لا يفهم من قوله: "ما استطعتم" الندب؛ فإن الوجوب مقيد ~~أيضا بالاستطاعة؛ قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا} [آل عمران: 97]. # قوله: "لا يقال: "فأتوا، صيغة أمر، فالا ستدلال به على أن الأمر للوجوب - ~~إثبات للشيء بنفسه". # تقريره: أن النزاع في مطلق صيفة "افعل" المجردة عن القرائن: هل تكون ~~حقيقة في الوجوب، أو لا؟ [و] قوله: "فأتوا" فرد من أفرادها، وصورة من صور ~~محل النزاع، وإثبات الكل بفرد منه يستلزم إثبات الشيء بنفسه، وهو دور؛ فإنه ~~لا يثبت أن قوله: "فأتوا" للوجوب، ما لم يثبت أن "افعل" للوجوب، ولا يثبت ~~أن "افعل" للوجوب، ما لم يثبت أن "فأتوا" للوجوب. # قوله في الجواب: "لأنا نقول: إن الأمر الأول دل على أصل الرجحان، فحمل ~~قوله: PageV01P249 # السابع: أن تارك المأمور به عاص، وكل عاص يستحق العقاب؛ فتارك المأمور به ~~يستحق العقاب، ولا معنى لقولنا: "إن الأمر يفيد الوجوب، إلا هذا: # أما الأول: فلقوله تعالى: {ولا أعصي لك أمرا} [الكهف 69]. # وقوله: {أفعصيت أمري} [طه 93]. # وقوله تعالى: [لا يعصون الله ما أمرهم} [التحريم: 66]. # وأما الثاني: فلقوله تعالى: {من يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم}. # الثامن: أن العبد، إذا لم يفعل ما أمره به سيده، اقتصر العقلاء من أهل ~~اللغة -في تعليل حسن ذمه- على أن يقولوا: "أمره سيده بكذا، فلم يفعل"؛ فدل ~~كون هذا المفهوم علة في تعليل حسن الذم، على أن ترك المأمور به يوجب الذم. # === # "فأتوا" على الرجحان يكون تكرارا، فيتعين حمله على فائدة زائدة، والمنع ~~من الترك فائدة، فوجب حمل اللفظ عليها، ويتعين؛ لأن الأصل عدم ما سواها". # والاعتراض عليه: بمنع حصر الفائدة فيما ذكر أو ms038 لزوم التكرار، بل جاز أن ~~يكون المراد: إذا أمرتكم فأتمروا؛ كما قال: "وإذا نهيتكم فانتهوا" - حثا ~~على طاعته، وليس في ذلك ما يشعر بالمنع من النقيض أو لا. # قوله: "السابع: أن تارك المأمور عاص، والعاصي مستحق للعقاب، ولا معنى ~~لقولنا: الأمر يفيد الوجوب إلا هذا". # والاعتراض عليه من ثلاثة أوجه: # الأول: لا نسلم أن تارك المأمور عاص مطلقا، بل تارك المأمور الواجب؛ ~~لانعقاد الإجماع على أن تارك المندوب ليس بعاص. # الثاني: قوله: "والعاصى مستحق للعقاب" ممنوع، واحتجاجه بقوله تعالى: {ومن ~~يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} [الجن 23]- لا يسلم عمومه، بل هو خاص ~~بالكفار؛ لقرينة الخلود، والتأبيد. # الثالث: القول بالموجب، فإنه يدل على أن الأمر للوجوب، فلم قلتم إن مجرد ~~"افعل" تدل على الوجوب؟ . # قوله: "الثامن: أن العبد إذا لم يفعل ما أمره السيد به - اقتصر العقلاء ~~من أهل اللغة في تعليل حسن ذمه على قولهم: أمره السيد بكذا، فلم يفعله". # رد: بمنع ذلك مطلقا، بل عند فهم الوجوب، والحجة السابقة تدل على أن الأمر ~~للوجوب في زعمه شرعا، وهذه الحجة تدل عليه لغة وعرفا. PageV01P250 # التاسع: أن لفظ "افعل" يدل على طلب الفعل؛ فوجب أن يكون مانعا من عدمه؛ ~~[ك "الخبر"؛ فإنه لما دل على وجود الشيء، كان مانعا من عدمه]، والجامع ~~بينهما: هو أن اللفظ لما وضع لإفادة معنى، وجب أن يكون مانعا من نقيض تلك ~~الفائدة؛ تكميلا لذلك المقصود، وتقوية لحصوله. # فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: "إن صيغة "افعل" لا تفيد إلا أن إدخال ~~المصدر في الوجود - أولى؟ ! ": # فنقول: لو كان [الأمر] كذلك، لزم أن يقال: إن صيغة الماضي والمضارع لا ~~تفيد إلا أنه أولى بالحصول؛ لأن المشتق منه بالنسبة إلى الماضي والمستقبل ~~والأمر - واحد. # العاشر: أن حمل اللفظ على الوجوب أحوط؛ فوجب المصير إليه؛ وذلك صونا ~~للنفس عن ضرر الخطر؛ [ف] بتقدير أن يكون اللفظ موضوعا للوجوب-: كان اعتقاد ~~كونه ندبا - جهلا، وبالضد: فالحظر قائم في الاعتقاد على كلا التقديرين. # وأما في الفعل: فحمله ms039 على الوجوب أحوط؛ لأن بتقدير أن يكون ندبا كان ~~الإتيان به خاليا عن الخطر، وبتقدير أن يكون للوجوب، كان الإتيان به ~~متعينا؛ فثبت: أن هذا أحوط. # احتج القائلون بالندب بوجوه: # === # قوله: "التاسع: أن لفظ "افعل" يدل على طلب الفعل، فوجب أن يكون مانعا من ~~عدمه كالخبر ... " إلى آخره. # تقريره: أن أمثلة الأفعال الخمسة اشتركت في الدلالة على الحدث، والزمان ~~الخاص، واختص: "فعل"، و"يفعل"، و"سيفعل" بالخبر، واختص "افعل"، و"لا تفعل" ~~بالطلب، وكما أن الخبر الصادق مانع من نقيضه، وجب أن يكون الطلب جازما ~~مانعا من نقيضه، لإطباقهم على أنه لا فرق بينهما سوى الخبر والطلب. # والاعتراض عليه: أنه لو سلم الجامع، فهو كقياس في اللغة، وجنسه ممنوع. # قوله: "العاشر: أن حمل اللفظ على الوجوب أحوط؛ فوجب المصير إليه صونا ~~للنفس عن ضرر الخطر". # والاعتراض: أنا لا نسلم اندراج الندب في حقيقة الوجوب؛ لئلا يلزم من ~~الإتيان بالواجب الإتيان بالمندوب، بل هما حقيقتان متناقضتان؛ فإنه يدخل في ~~ماهية الندب جواز الترك، ويدخل في ماهية الوجوب المنع من الترك. # قوله: "احتج القائلون بالندب بوجوه: PageV01P251 # الأول: أن هذه الصيغة وردت حيث صدق فيه الوجوب تارة، وحيث صدق فيه الندب ~~أخرى، ولا يمكن أن يكون حقيقة فيهما؛ وإلا لزم الاشتراك؛ وهو خلاف الأصل، ~~ولا أن يكون حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر؛ لأن المجاز خلاف الأصل؛ فوجب ~~أن يكون حقيقة في القدر المشترك؛ وهو ترجيح جانب الفعل على الترك؛ لأن هذا ~~المفهوم قدر مشترك بين الترجيح المانع من الترك الذي هو الوجوب، وبين ~~الترجيح الذي # === # أحدها: أن هذه الصيغة وردت حيث صدق فيه الوجوب تارة، وحيث صدق فيه الندب ~~أخرى. . ." إلى قوله: "وما به المشاركة" يعني: هو أصل الترجيح "غير ما به ~~المخالفة" يعني: المنع من النقيضين أو عدم المنع. # وقوله: "وهو غير مستلزم له" يعني: لأن اللفظ إذا كان مدلوله المعنى ~~العام، فلا يدل على الخاص، لا مطابقة، ولا تضمنا، ولا التزاما؛ فيتعين أن ~~يكون مقولا عيه بالتواطؤ، يعني: فيكون مدلوله ترجيح جانب الفعل ms040 على ما صرح ~~به، وفيه مناقشة؛ فإن القدر المشترك عند الفقهاء هو الطلب، وعند المعتزلة: ~~إرادة المأمور به، وترجيح الفعل لازم لأحد الأمرين، فجعله حقيقة في اللازم، ~~لم يقل به أحد من الفريقين. # وقوله: "وفي هذا المقام إن أردنا نصرة من يقول الصيغة محتملة للوجوب، ~~والندب -يعني: بطريق التواطؤ- اكتفينا بهذا القدر، وإن أردنا نصرة من يقول ~~إنها للندب، قلنا: لما ثبت أن هذه الصيغة دلت على أصل الرجحان، وقد كان ~~جواز الترك ثابتا بمقتضى البراءة الأصلية، فحينئذ يحصل من اللفظ والبراءة ~~الأصلية الإشعار بالندب". # والاعتراض عليه: أن إثبات اللغة بالاستصحاب العقلي لا يصح؛ فإنها إما ~~توقيفية، أو اصطلاحية. PageV01P252 # يجوز معه الترك، الذي هو المندوب؛ وما به المشاركة غير ما به المخالفة، ~~وغير مستلزم PageV01P253 # له؛ فهذا اللفظ لا يفيد إلا أصل الرجحان. وفي هذا المقام: إن أردنا نصرة ~~قول من يقول: "إن هذه الصيغة محتملة للوجوب والندب" -اكتفينا بهذا القدر، ~~وإن أردنا نصرة قول من يقول: "إنها تفيد الندب"- قلنا: لما ثبت أن هذه ~~الصيغة دلت على أصل الرجحان، وقد كان جواز الترك ثابتا بمقتضى البراءة ~~الأصلية؛ فحينئذ: يحصل الظن أن طرف الفعل راجح، وأن الترك غير ممنوع منه؛ ~~وذلك هو الندب. # الحجة الثانية: لو جعلنا هذه الصيغة حقيقة في الوجوب -لكان استعمالها في ~~المندوب تركا لمدلول اللفظ، أما لو قلنا: "إنه يفيد الترجيح الذي هو القدر ~~المشترك بين الوجوب والندب، وإن جواز الترك يثبت بمقتضى البراءة الأصلية"- ~~كان استعمالها في الوجوب إثباتا لأمر زائد على مقتضى اللفظ، ولم يكن رفعا ~~لمقتضاه؛ ولا شك أن الثاني أولى؛ فكان حمل اللفظ عليه أولى. # === # قوله: "الحجة الثانية: لو جعلنا هذه الصيغة حقيقة في الوجوب - لكان ~~استعمالها في الندب تركا لمقتضى اللفظ. . ." إلى آخره. # حاصله: أنها لو كانت حقيقة في الوجوب، وقد استعملت في الندب - لكان ~~استعمالها فيه مخالفا للأصل. # وبتقدير جعلها حقيقة في الندب، لا يكون استعمالها في الوجوب مخالفا ~~للأصل؛ وهذا يعارضه. # أما إذا جعلناها حقيقة في الندب، وقد استعملت في الوجوب كانت مشتركة، ms041 ~~والاشتراك على خلاف الأصل، والندب أعم من الوجوب، فيكون إطلاقا للعام، ~~وإرادة للخاص، وهو لا يشعر به، ولا يستلزمه على ما ذكر. # والحق أنه أضعف لزوما، فالأول أولى. PageV01P254 # الحجة الثالثة: النافي للوجوب، قائم؛ لأنه حرج؛ فيكون منفيا؛ لقوله ~~تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]. # وأيضا: [هو] عسر؛ فيكون منفيا بقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر} [البقرة: 185]. # وأيضا: [هو] إثبات السبيل على المحسنين؛ فيكون منفيا بقوله تعالى: {ما ~~على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91]، وضرر؛ فيكون منفيا بقوله - عليه ~~الصلاة والسلام-: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام": # === # والحجة الثالثة: ظاهرة، والرابعة كذلك. # قوله في الجواب عن حجج الندب: "لما تعارضت الدلائل، كان الترجيح معنا؛ ~~لأنه أحوط" قد تقدم القول في منع استلزام الوجوب للندب. # قوله: "ولأنه أوفق لعمل الصحابة - رضي الله عنهم": PageV01P255 # تركنا العمل بهذه العمومات الخارجة عند التصريح بالإيجاب: إما باللفظ، أو ~~بالقرائن الخالية؛ فيبقى عند الاقتصار على هذه الصيغة على وفق الأصل. PageV01P256 # الحجة الرابعة: مقتضى البراءة الأصلية عدم التكاليف: # خالفنا هذا الدليل عند ورود هذه الصيغة في إثبات أصل الرجحان؛ فوجب ألا ~~يفيد الإيجاب؛ لأن فيه زيادة المخالفة، وكلما كانت المخالفة أقل كان أولى. PageV01P257 # الجواب: لما تعارضت الدلائل كان الترجيح معنا؛ لأنه أحوط، ولأنه أكثر ~~فائدة، ولأنه أوفق لعمل الصحابة، ولأنه حمل اللفظ على أهم المطالب. ### || AUTO المسألة الثالثة الأمر الوارد عقيب الحظر يفيد الوجوب # وقال بعض من يسلم أن أصل الأمر للوجوب: إنه إذا ورد بعد الحظر أفاد ~~الإباحة. # لنا: # أن المقتضي للوجوب قائم؛ فإنا بينا أن ظاهر الأمر للوجوب، وقيد كونه ~~واردا بعد # === # يرد عليه: المنع لعموم عملهم إلا عند ظهور القرائن. # وتتمة البحث في هذه المسألة: بذكر مستند الواقفية، والقائلين بالإباحة، ~~وقد احتجت الواقفية: بأن دعوى أن الصيغة للوجوب: إما أن تعلم بالعقل، ولا ~~مجال له في إثبات اللغة، أو بالنقل: وهو ما لم يتواتر، ولا وجود له؛ لأنه ~~لو وجد لاستوى في العلم به طبقات الباحثين. # وإما آحاد: ولا ms042 يفيد؛ لأن المسألة علمية. # ويرد عليهم: منع الحصر؛ فإن من الأدلة الاستقراء التام، وبه علمنا سائر ~~اللغات. # أو بالمركب من العقل، والنقل، أعني: الاستدلال بلازم النقلين كما تقدم ~~الاستدلال بأن تارك المأمور به عاص، وأن العاصي مستحق للعقاب ونحوه. # أو بأخبار الآحاد، ومنع أن المسألة علمية، بل يكفي فيها الظن؛ لأن مآلها ~~إلى العمل، كما سبق. # واحتج من زعم أنها للإباحة؛ وعنى بها رفع الحرج، بأنه القدر المشترك بين ~~الوجوب، والندب، والتخيير. PageV01P258 # الحظر - لا يصلح معارضا لذلك المقتضى؛ لأنه كما جاز الانتقال من المنع ~~إلى الإذن، فقد يجوز -أيضا- الانتقال من المنع إلى الإيجاب. # === # ورد: بأن علماء العربية قاطبة: البصريين، والكوفيين أجمعوا على تقسيمهم ~~الكلام إلى: الخبر، والاستخبار، والأمر، والنهي. # وقالوا: الخبر: فعل، ويفعل، والاستخبار: "أتفعل"، والأمر: "افعل"، ~~والنهي: "لا تفعل"، ، وهذه حجة صالحة للتمسك بها على الوجوب في أصل المسألة ~~من حيث اللغة. # وقد اعتمد عليها بعض الأصوليين، وكان شيخنا تقي الدين -رحمه الله- ~~يستصوبها. # [قوله]: "الأمر الوارد عقيب الحظر يفيد الوجوب، وقال بعض من يسلم أن أصل ~~الأمر يفيد PageV01P259 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # == # الوجوب: إنه إذا ورد بعد الحظر، أفاد الإباحة". # هذه المسألة مفرعة على أن صيغة "افعل" المجردة عن القرائن ظاهرة في ~~الوجوب، فلو قدر سبق حظر عليها، فهل يكون ذلك قرينة صارفة لها إلى الإباحة. # اختلفوا فيه: # فصار كثير من الأصوليين: إلى أنها صارفة، ونقل عن الشافعي -رحمه الله- ~~واختار بعضهم أنها ليست صارفة، ، والصيغة بحالها للوجوب، وهو اختيار المصنف ~~والقاضي. # احتج من صار إلى الإباحة: بأن هذه الصيغة غلب استعمالها بعد الحظر في رفع ~~الحرج لغة وشرعا: # أما اللغة: فإن السيد إذا قال لعبد: لا تفعل كذا؛ فإنه يقتصر في رفع ~~الحرج عنه على قوله: "افعل". # وأما شرعا: فبدلالة الاستقراء؛ قال الله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~[المائدة: 2]، {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222]، {فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] {فالآن ~~باشروهن} [البقرة: 187]. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ~~ثلاث، فكلوا ms043 وادخروا". PageV01P260 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقوله عليه الصلاة والسلام-: "كتت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا ~~تقولوا هجرا"، إلى غير ذلك. # واحتج القائلون بالوجوب: بأن سبق الحظر لو كان قرينة صارفة، لكانت إما ~~مقالية، أو حالية. # والمقالية: لا بد أن تكون مفسرة مطابقة لما اقترنت به، ولا مطابقة بين ~~الإذن والمنع. # والحالية: شرطها المقارنة، والسابق غير مقارن. # وأجيب: بأن العلم بسبقها مقارن، كالقرينة العهدية في الألف واللام، فإنها ~~تعين وتخصص مع سبقها للعلم المقارن. # قوله: لنا أن المقتضى للوجوب قائم. قلنا: ممنوع. # قوله: فإنا بينا أن ظاهر الأمر للوجوب. # قلنا: مع عدم القرائن، أما مع القرينة، فلا نسلم تقرير الدلائل على هذا ~~التقدير. # قوله: "لأنه لما جاز الانتقال من المنع إلى الإذن، فقد يجوز الانتقال من ~~المنع إلى الإيجاز". # تقديره: أن الحظر أحد أنواع الحكم الشرعي، وهي خمسة، فرفعه لا يستلزم ~~نوعا مخصوصا، بل كما جاز رقعه بالإباحة، جاز رفعه بالوجوب، وغيره؛ كقوله ~~تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5]. # والجواب: أننا لا ننازع في الجواز، وإنما ندعي ظهور الرفع بالإباحة؛ لما ~~تقرر من عرف الاستعمال لغة وشرعا، ولأن الإذن هو المحقق، وما سواه من وجوب ~~أو ندب مشكوك فيه، والحمل على المتيقن أولى؛ لأن الأصل في الأفعال رفع الحرج. # وقد ورد الحظر رافعا لحكم البراءة الأصلية، فورود ما يرفعه يرده إلى ~~أصله، لا يقال: قد يرد للوجوب بغير المنع؛ كقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5]. # لأنا نقول: إنما حمل -ها هنا- على الوجوب لما تقرر من فرض الجهاد، وأن ~~الأشهر الحرم مانعة، فإذا زال المانع رجع إلى الأصل. PageV01P263 ### || AUTO المسألة الرابعة الأمر لا يفيد التكرار # بمعنى أنه يفيد أصل الطلب، الذي هو: القدر المشترك بين المرة الواحدة، ~~وبين التكرار؛ لا بمعنى أنه موضوع لأحدهما بعينه إلا أنا لا نعرفه. # وقال قوم: إنه يفيد التكرار. # === # وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام-: فإذا أدبرت الحيضة، فاغتسلي، وصومي، ~~وصلي"؛ لأن الأصل وجوب الصوم والصلاة، وتركها لعارض، فإذا زال العارض عاد ~~الوجوب، ومثل هذا قليل ms044 من ثبوت الحكم على خلاف الأصل، وما ذكرناه على وققه: ~~أعني البراءة الأصلية. # قوله: "الأمر لا يفيد التكرار ... " إلى آخر المذاهب. PageV01P264 # لنا وجوه: # الأول: أن هذه الصيغة وردت في موارد التكرار مرة، وفي موارد الوحدة أخرى، PageV01P265 # والأصل عدم الاشتراك والمجاز؛ فوجب جعلها حقيقة في الطلب الذي هو: القدر ~~المشترك بين المرة الواحدة، وبين التكرار، والدال على ما به الا شتراك غير ~~دال على ما به الامتياز: لا بالوضع، ولا بالالتزام؛ فوجب ألا يكون في هذا ~~اللفظ دلالة على التكرار. # الثاني: أن هذه الصيغة، لو دلت على التكرار -لدلت: إما على التكرار ~~الدائم؛ وهو باطل بالإجماع، أو على التكرار بحسب وقت معين؛ وهذا -أيضا- ~~باطل؛ لأن اللفظ لا دلالة فيه على تعين ذلك الوقت؛ [فوجب] ألا يدل على ~~التكرار. # === # الذي ذهب إليه المحصلون من الفقهاء، وعلماء الأصول أن صيغة الأمر إذا ~~وردت عرية عن قيد التكرار، والوحدة، والمرار- لا تشعر بشيء من ذلك، وإنما ~~عد الآتي بالمرة ممتثلا؛ ضرورة أن حصول المستدعى لا يتصور بدونها؛ لأن ~~اللفظ مشعر بها، وسر ذلك أن مدلولات الأفعال أجناس، والأجناس لا تشعر ~~بالوحدة الشخصية، ولا بقلة ولا بكثرة؛ ومن ثم لم تثن ولم تجمع، وحسن ~~استعمالها في القليل والكثير بلفظ واحد؛ # فقيل لمن أوقع القيام مرة، أو مرارا: قائم؛ لاشتراكها في الحقيقة ~~الشاملة، وكل ما ثبت مع المتقابلين، فليس له من ذاته أحدهما. # وصار بعضهم: إلى أنها ظاهرة في المرار، وستأتي حججهم. # وصارت الواقفية: إلى الوقف على المذهبين فيه، على ما مر من وقف الاشتراك ~~والخيرة. # احتج القائلون بوقف الاشتراك: بأنه أطلق تارة وتارة، والأصل في الإطلاق ~~الحقيقة، وبحسن الاستفهام. # ودفع الأول: بأن الاشتراك على خلاف الأصل. # والثاني: بأنه قد يحسن الاستفهام لرفع المجاز أيضا، ولأسباب وأغراض أخرى. # واحتج الفريقان من الواقفية بأن: دعوى أن الصيغة للتكرار، أو للمرة، إما ~~أن يعلم بالعقل، أو بالنقل ... " إلى آخره على ما مر، وجوابه على ما سبق. # وقطع القاضي بإشعارها بالمرة، وتوقف فيما زاد. # ونوقش: بأنه من الواقفية في أصل ms045 الصيغة: وهل تدل على الوجوب، أو لا؟ فكيف ~~يحسن منه الكلام في كيفية دلالتها عليه؟ . # واعتذر عنه: بأنه تفريغ على مذهب غيره، أو بتقدير قرينة تدل على أصل ~~الأمر فقط. # قوله: "لنا وجوه: الأول: أن هذه الصيغة وردت للتكرار تارة" يعني: كقوله ~~تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43]. PageV01P266 # الثالث: لو قال: "افعل دائما أو لا دائما"- لم يكن الأول تكرارا، ولا ~~الثاني نقضا. # الرابع: اتفقوا على أنه لا معنى للأمر إلا طلب إدخال المصدر في الوجود، ~~ولا معنى لصيغة الماضي إلا الإخبار عن حصول المصدر في الزمان الماضي، ثم ~~المصدر لا دلالة فيه على التكرار؛ وإلا لما صدقت صيغة الماضي إلا عند ~~التكرار؛ فوجب ألا يفيد الأمر التكرار. # === # قوله "وللوحدة أخرى" يعني: كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "حجوا". قوله: ~~"والأصل عدم الاشتراك والمجاز"، يعني: لافتقارهما إلى القرينة. # قوله: "والدال على الاشتراك غير دال على ما به الامتياز، لا بالوضع ولا ~~بالاستلزام "- لا # يعني بالاستلزام: اللازم الخارجي، بل اللازم مطلقا؛ ليعم به أقسام ~~الدلالات الثلاث، ويعني: أن العام لا يدل على الخاص لا حقيقة ولا مجازا. # قوله: "الثاني: أن هذه الصيغة لو دلت على التكرار -لدلت: إما على التكرار ~~الدائم، وهو باطل بالإجماع" -يعني: لما فيه من تكليف المحال ولزوم نسخ ~~الأمر الأول عند توجه الأمر الثاني. # قوله: "أو على التكرار بحسب الوقت المعين، وهو باطل " -يعني؛ لأنه ترجيح ~~بلا مرجح. # وما ذكره لا يعين دعواه؛ لأنه لم يدل على إبطال الموحدة، وإنما ينتج له ~~إبطال مذهب الخصم بالتكرار فقط. # ورد: بأنها تقتضي التكرار بحسب الإمكان؛ كما لو وردت مقيدة بالتكرار. # قوله: "الثالث: لو قال: "افعل دائما، أو لا دائما" لم يكن الأول تكرارا ~~ولا الثاني نقضا". ورد: بأن الأول تاكيد، والثاني لتعيين المجاز. # قوله: "الرابع: اتفقوا على أنه لا معنى للأمر إلا طلب إدخال المصدر في ~~الوجود، ولا معنى لصيغة الماضي إلا الإخبار عن حصول المصدر في الزمان ... " ~~إلى آخره. # حاصله: أن أمثلة الأفعال الخمسة اشتركت في الدلالة على المصدر، والزمان ~~المعين، ms046 ولا فارق بين "فعل"، و"افعل" في الزمان إلا المضي، والاستقبال، ~~والماضي لا يشعر بالتكرار، PageV01P267 # [الخامس: لو قلنا: "إن الأمر يفيد التكرار"؛ فحيث لا يفيده -لزم ترك ~~العمل بمقتضى اللفظ، ولو قلنا: "إنه لا يفيده"؛ فحيث حصل التكرار- حصلت ~~زيادة لا يتعلق اللفظ بها: لا ثبوتا، ولا عدما؛ ولا شك أن هذا أولى. # السادس: أن الإيجاب حرج، وعسر، وضرر؛ فكان على خلاف الدليل، والقول بعدم ~~التكرار تقليل له؛ فكان أولى]. # === # فكذلك المستقبل وأكد ذلك بالإجماع على بر من حلف "ليفعلن كذا بالمرة ~~وكذلك لو نذره". # ورد: بأن ذلك يرجع إلى أحكام الشرع، والبحث في مقتضى اللسان. # وأجيب: بأن حكم الشرع في هذه المواضع مبني على المفهوم من إشعار اللفظ، ~~وإنما يرد على هذه الحجة قوله: "لا تفعل" إن سلم أنه يقتضي التكرار، وسيأتي ~~الفرق بينهما إن شاء الله تعالى. # قوله: "الخامس: لو قلنا: إن الأمر يفيد التكرار، فحيث لا يفيد، يلزم ترك ~~العمل بمقتضى اللفظ: # ولو قلنا: إنه لا يفيد فحيث حصل التكرار، لم يحصل منه مخالفة". # تمام هذه الحجة أن يقال: ولو قلنا: إنه يفيد المرة، فحيث يفيد التكرار، ~~لزم منه مخالفة الأصل، فيجعل حقيقة في القدر المشترك، وهي قريبة من الحجة ~~الأولى. # قوله: : السادس: التكرار حرج وعسر وضرر ... " إلى آخرها - واضح. # قوله: "حجة المخالف": يعني القائل بالتكرار فقط؛ فإنا قدمنا في أول ~~المسألة أن المخالفين فرق: # الفرقة الحاملة لها على المرة لفظا، والفرقة الواقفية على اختلاقها في ~~الوقف، وأشرنا إلى حججهم، والاعتراض عليها؛ لإعراض المصنف عنها، ولم يبق ~~إلا الاحتجاج للقائلين بالتكرار. # قوله: "النهي يفيد التكرار، وكذلك الأمر". # اعترض عليه: بأن هذا قياس في اللغة، ولا يصح. # وأجيب عنه: بأن القياس الممتنع في اللغة -على رأى- أن نجد مسمى باعتبار ~~معنى، ويتحقق ذلك المعنى في غيره، فهل يكون مسمى بذلك الاسم أو لا؟ والخلاف ~~ها هنا في لوازم مدلولات الألفاظ المعنوية؛ فإن البحث في لازم الأمر في كل لغة. # قوله في الجمع: "لأن كل واحد من الضدين يجب أن يكون حكمه ms047 مثل حكم ضده". # هذا ضعيف جدا؛ فإنه لا يلزم من اشتراك المختلفين في حكم عام، اشتراكها في ~~سائر الأحكام. # وأقرب ما يقرر به الجمع أن العرب قد تحمل الشيء على نقيضه، كما تحمله على ~~نظيره؛ PageV01P268 # حجة المخالف أمور: # الأول: النهي يفيد التكرار؛ فكذا الأمر؛ لأن كل واحد من الضدين يجب أن ~~يكون حكمه مثل حكم الآخر. # الثاني: يصح أن يقال: "صل إلا في الوقت الفلاني"، والاستثناء يخرج من ~~الكلام ما لولاه لدخل فيه؛ وذلك لا يتم إلا إذا كانت هذه الصيغة متناولة ~~لكل الأوقات. # === # كحملهم "لا" الداخلة على النكرة في عملها علي "إن"، و "كم" الخبرية على "رب". # ومنهم من قرر الجمع بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي للتكرار، والنهي ~~يعم؛ فكذلك الأمر. # ورد: بأنا لا نسلم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ثم لو سلم، فلا نسلم أن ~~مطلق النهي للتكرار، ثم لو سلم إشعاره بالتكرار، فإنما يسلم في النهي ~~الابتدائي، أما المتضمن التابع للأمر، فهو بحسب متبوعه، إن عم عم، وإن خص ~~خص؛ كما نقول في النهي المقيد بالمرة. # والحاصل: أنه استدلال بفرع محل النزاع. # ومنهم من قدر الجمع بأنه لا معنى للنهي إلا الأمر بالترك، وقد عم النهي؛ فيعم. # قوله: "وعن الثاني: أن الاستثناء يخرح من الكلام ما لولاه لصلح"- هذا منه ~~مقابلة دعوى بدعوى، ولم يحقق ها هنا أن الاستثناء حقيقة في إخراج الداخل، ~~أو الصالح للدخول، ولا شك في استعماله بالاعتبارين معا. # أما في استعماله في إخراج الداخل، فكقولك: له علي عشرة إلا درهما، وأما ~~الصالح، فكاستثناء ما زاد على العشرة من العشرة على وجه البدل من جموع القلة. # وإذا استعمل فيهما فيحتمل أن يكون بالاشتراك إلا أنه على خلاف الأصل، ~~ويحتمل أن يكون بالحقيقة والمجاز، فإما يكون حقيقة في إخراج الداخل، مجازا ~~في إخراج الصالح، أو بالعكس. # ولا جائز أن يكون حقيقة في إخراج الصالح؛ لئلا يلزم من استعماله مجازا في ~~إخراج الداخل عدم المصحح بخلاف عكسه، كما قرر. # والأقرب من ذلك كله أن ms048 يكون مقولا عليهما باعتبار قدر مشترك، فيكون ~~متواطئا، ويكون حقيقة الاستثناء: إخراج الثاني من حكم الأول ب "إلا ~~وأخواتها" مع قطع النظر عن الخصوصيتين؛ وحينئذ تسقط الحجة، والجواب عنها. # قوله: "ولئن سلمنا ذلك، لكن لم لا يجوز أن يكون هذا الاستثناء قرينة دالة ~~على الأمر؟ " والجواب عنه بالفرق، وسيأتي إن شاء الله تعالى. # قوله: "الثاني: أنه يصح أن يقال: "صلوا إلا في الوقت الفلاني"، ~~والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، وذلك لا يتم إلا إذا كانت ~~هذه الصيغة متناولة لكل الأوقات" وقوله: PageV01P269 # الثالث: أن حمله على التكرار أحوط؛ فوجب المصير إليه؛ لقوله -عليه ~~السلام-: "دع ما يريبك، إلى ما لا يريبك". # الجواب عن الأول من وجوه: # الأول: أن النهي يقتضي الترك المستمر في جميع أجزاء الزمان بالاتفاق، ~~والأمر لا يوجب الفعل المستمر في جميع أجزاء الزمان. # الثاني: أن النهي منع من تكوين الماهية، والامتناع عنها في الوجود لا ~~يتحقق إلا بالامتناع عن جميع أجزاء الزمان. # أما الأمر: فهو حمل المكلف على إدخال الماهية في الوجود، وذلك يكفي في ~~العمل به إدخالها في الوجود مرة واحدة. # الثالث: أن الأمر والنهي، يجريان مجرى الإيجاب والسلب، فكما أن السالبة ~~الكلية الدائمة يكفي في ارتفاعها حصول الموجبة الجزئية في وقت واحد؛ فكذلك ~~النهي كالسالبة الكلية الدائمة، والأمر كالموجبة الجزئية. # وعن الثاني: أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لصح دخوله تحت اللفظ، ~~لا ما يجب، ولئن سلمنا ذلك؛ لكن لم لا يجوز أن يقال: حصول هذه الاستثناءات، ~~صار قرينة دالة على معنى التكرار؟ ! # === # "الثالث أن حمله على التكرار أحوط"- واضح المراد. # وقوله: "والجواب عن الأول من وجوه: الأول: أن النهي يوجب الانتهاء ~~المستمر بخلاف الأمر". # ويرد عليه: أنه يجب أن يثبت بحسب الإمكان؛ كما لو قيده بالتكرار لفظا. # قوله: "الثاني: أن النهي منع من تكوين الماهية ... " إلى آخره؛ يعني: أن ~~النهي المطلق لا يتصور امتثاله إلا بالامتناع عن كل أشخاصه، والأمر يقتضي ~~مطلق الوجود، وأنه يتحقق بالمرة. # قوله: "الثالث: أن الأمر والنهي يجريان ms049 مجرى الإيجاب والسلب" يعني: ~~والنهي قد عم بالاتفاق من الخصم، والأمر يقابله. # فكما يكفي في رفع السالبة الكلية الموجبة الجزئية- يكفي في رفع النهي ~~العام الأمر الجزئي! فلا دلالة على التكرار تثبت. ومما احتج به القائلون ~~بالتكرار: أنه أتى بشارب خمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر ~~بضربه إلى أن كفهم عنه، ففهموا من أمره - صلى الله عليه وسلم - التكرار. # وأجيب عنه بأن فهم التكرار لم يكن من مجرد الأمر، وإنما فهم من قرينة ~~الزجر، وأن المرة لا تصلح للزجر غالبا. PageV01P270 # فإذا لم توجد هذه القرينة، لم يحصل المقتضي لوجوب التكرار. # وعن الثالث: أن ترك التكرار قد يكون أحوط؛ فإنه إذا قال السيد لمملوكه: ~~"ادخل الدار"، فلو أنه أخذ يدخل الدار في كل الأوقات، ربما استوجب اللوم؛ ~~وهذا الكلام يصلح لأن يستدل به في أول المسألة. # === # واحتج الأستاذ بأن الشارع إذا قال: قم، مثلا, فللصيغة مقتضيات ثلاثة: ~~اعتقاد الوجوب، والعزم على الفعل، والعزم على التكرار؛ فكذلك الفعل. # وأجيب بأنا لا نسلم اقتضاء كل الأوامر كذلك، ولو سلم فبدليل خارج عن ~~اللفظ؛ إما لأن وجوب اعتقاده من قواعد الإيمان، وهو على التكرار، أو ~~لاستحالة العزم عند الذكر عن اعتقاد الوجوب؛ أو لا وجوب: # والثاني ممتنع، فيجب الأول، وكذلك العزم، ، وما ذكره منقوض بالأمر المقيد ~~بالمرة؛ كالحج؛ فإن وجوب الاعتقاد، والعزم عليه للتكرار دون الفعل. # فرع على هذه المسألة: # إذا قلنا: إن الأمر يقتضي التكرار، فإذا علق على صفة؛ كقوله تعالى: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا} [النور 2]، أو على شرط؛ كقوله تعالى: {وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا} [المائدة 6]. # قال قوم: يقتضي التكرار؛ محتجين بمثل هذه الآية؛ فإنها للتكرار بالإجماع. # وقال قوم: لا يقتضيه؛ محتجين بما إذا قال السيد لعبده: إذا دخلت السوق ~~فاشتر اللحم؛ فإنه لا يقتضي التكرار. # والحق أنه لا يقتضيه بحسب الوضع؛ فإن الصيغة لم تشعر بالتكرار على ما ~~تقرر، والشرط إنما يفيد تعليق ما أشعر اللفظ به. # وكذلك لو قال للمدخول بها: إن دخلت الدار فأنت طالق- لم يتكرر، والتكرار ~~فيما ذكرنا ms050 إنما كان من شرعية القياس الشرعي، وأن الحكم يتكرر بتكرار علته ~~شرعا. PageV01P271 ### || AUTO المسألة الخامسة الأمر لا يفيد الفور، خلافا لقوم # لنا وجوه: # الأول: أن صيغة الأمر وردت تارة مع الفور، وأخرى مع التراخي؛ فوجب جعلها ~~حقيقة في القدر المشترك؛ وحينئذ: يلزم ألا تفيد الفورية التي بها الامتياز، ~~دفعا للاشتراك. # === # قوله: "الأمر لا يفيد الفور خلافا لقوم"، هذه المسألة مفرعة على أن مطلق ~~الأمر لا يقتضي التكرار، فإن من ضرورة استيعابه الأوقات بحسب الإمكان- ~~المبادرة والفور. PageV01P272 # الثاني: أن صيغة الأمر لا تفيد إلا طلب إدخال الماهية في الوجود، فأما ~~تعيين الوقت، فلا دلالة للمصدر عليه؛ وإلا لجعلت تلك الدلالة في صيغة ~~الماضي والمضارع. # === # وقد اختلف الأئمة في ذلك: # فذهب بعض الأصوليين، والحنفية، والحنابلة إلى اقتضائها الفور. # وتوقف الواقفية على المذهبين، خلافا للقاضي؛ فإنه زعم أنه مخير في أول ~~الوقت بين الفعل والعزم، إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخره لفات. # فحينئذ يتعين بحكم الحال، كالواجب الموسع بالنسبة إلى العمر إلى آخر وقته ~~المتعين له. # واختيار الشافعي -رحمه الله- أنها لا تشعر بالفور، ولا بالتراخي، ومتى ~~أوقعه عد ممتثلا، ، وهو اختيار المصنف. # وقد احتج عليه بخمسة أوجه، ذكر جميعها في الاحتجاج على أنها لا تفيد ~~التكرار، وقد مضى تقريرها، والتنبيه على ما يرد عليها، فلا حاجة إلى ~~إعادته. PageV01P273 # الثالث: لو قال: "افعل على الفور، أو على التراخي"- لم يكن الأول تكرارا، ~~ولا الثاني نقضا. # الرابع: لو قلنا: هذه الصيغة تفيد الطلب الذي هو القدر المشترك بين الفور ~~والتراخي -لم يكن عدم حصول الفورية، تركا للعمل بمقتضى اللفظ، أما لو قلنا: ~~إنها وضعت للفورية- كان عدم حصول الفورية، تركا للعمل بمقتضى اللفظ؛ فكان ~~الأول أولى. # الخامس: ذكرنا أن النافي لحصول الإيجاب قائم، والإيجاب على الفور يقتضي ~~حصول الجانبين: أحدهما: إيجاب أصل الفعل، والثاني: إيجاب الفورية، وأما ~~إثبات الوجوب مع قطع النظر عن الفورية- فتعليل لمخالفة ذلك النافي؛ فكان أولى. # حجة المخالف وجوه: # الأول: المأمور به من الخيرات، ويتعين فيه الفورية؛ لقوله تعالى: ~~{فاستبقوا الخيرات} [البقرة 148]، ولقوله ms051 تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم}. [آل عمران 133]. # الثاني: قوله تعالى لإبليس: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف 12] ~~ذمه على أنه لم يأت بالمأمور به في الحال؛ فلو لم يدل الأمر على الفور ~~-لكان لإبليس أن # === # قوله: "حجة المخالف وجوه" يعني: القائلين بالفور. # قوله: " (الأول: المأمور به من الخيرات، فيتعين فيه الفور؛ لقوله تعالى: ~~{فاستبقوا الخيرات} [البقرة 148]. # أورد عليه: إن سلمت الدلالة على الوجوب ها هنا، فإنه ليس من مقتضى ~~الصيغة، بل من دليل خارج. # وقوله: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} [آل عمران 133]. # أورد عليه: أنه لا يعم إل بدلالة الاقتضاء، والاقتضاء لا عموم له؛ لأن ~~دلالته ضرورية، والضرورة تقدر بقدر الحاجة. # وبيانه: أن المسارعة إنما هي إلى سبب المغفرة، والتوبة من أسباب المغفرة: ~~إما من الشرك، أو من المعاصي، وكلاهما على الفور، فلا دلالة لها على ما سواها. # قوله: "الثاني: قوله تعالى لإبليس: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف 12]. # أورد عليه: أن أمر الملائكة كان على الفور؛ بدليل قوله تعالى: {فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [سورة ص: 72]. PageV01P274 # يقول: إنك أمرتني بالسجود، وما أمرتني به في الحال؛ فكيف تذمني على تركه ~~في الحال؟ ! # الثالث: لو جاز التأخير لجاز: إما إلى بدل، أو لا إلى بدل، والقسمان ~~باطلان؛ فالقول بجواز التأخير باطل: # أما فساد القسم الأول: فهو: أن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل من كل ~~الوجوه؛ # === # وقوله: "الثالث: لو جاز التأخير لجاز إما إلى بدل، أو لا إلى بدل، ~~والقسمان باطلان؛ فالقول بجواز التأخير باطل: # أما فساد الأول؛ فلأن البدل يقوم مقام المبدل منه من كل وجه". # ظاهر هذا اللفظ فيه مناقشة؛ فإن التيمم بدل عن الماء، ولا يقوم مقامه من ~~كل وجه؛ PageV01P275 # فإذا أتى بذلك البدل، وجب أن يسقط عنه ذلك التكليف؛ وبالاتفاق ليس كذلك. # فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: "البدل قائم مقام المبدل في ذلك الوقت، ~~لا مطلقا": # فنقول: لما كان مقتضى الأمر ليس إلا المرة الواحدة -وهذا البدل قائم ms052 ~~مقامه في # === # فإنه لا يرفع الحدث، وكذلك الكنايات تقوم مقام الصريح في إفادة الحكم، لا ~~من كل وجه، بل مع النية. # ومراده: أنه إذا خير في أول الوقت بين الفعل والعزم، فقد ينزل ذلك منزلة ~~التخيير في خصال الكفارة، ومتى أتى بخصلة منها كفاه الإتيان بها في إسقاط ~~الباقي، فنظره ها هنا سقوط العزم فقط. # قوله: "فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: البدل قائم مقام المبدل في ذلك ~~الوقت لا مطلقا"؟ # وجوابه: أن مقتضى الأمر ليس إلا المرة، وهذا البدل قائم مقامه، فوجب أن ~~يكون كافيا PageV01P276 # المرة الواحدة- وجب أن يكون كافيا في سقوط الأمر. # وأما فساد القسم الثاني -وهو القول بجواز التأخير لا إلى بدل-: فهذا يقدح ~~في وجوبه؛ لأنه لا معنى لقولنا: "إنه ليس بواجب"- إلا أنه يجوز تركه لا إلى بدل. # الرابع: لو جاز التأخير لجاز: إما إلى غاية معينة؛ بحيث إذا وصل المكلف ~~إليها لم يجز له التأخير، أو ليس كذلك؛ بل يجوز له التأخير أبدا، والقسمان ~~باطلان؛ فالقول بجواز التأخير باطل: # === # في سقوطه. # والتحقيق: أن البدل ليس مجرد العزم، والتخيير إنما وقع بين أن يفعل في ~~أول الوقت، وبين أن يفعل في غيره مع العزم؛ كما نقول في المسافر: إنه مخير ~~بين أن يصلي الظهر، أو المغرب في وقتها، أو بين أن يفعلهما في وقت الثانية، ~~بشرط العزم، فليس العزم وحده بدلا ليكتفى به. # وقد أبطل القسم الأول، وهو التأخير ببدل، وهو العزم، بأن إيجاب العزم ~~إيجاب ما لا دليل عليه، فإن الكلام مفروض إذا لم يرد سوى طلب الماهية، فلا ~~إشعار للفظ به، ولا دليل عليه. # وأجاب القاضي: بأنه وإن لم يشعر به لفظا، فقد أشعر به من جهة الاقتضاء ~~والضرورة، فإنه إذا لم يفعل في أول الوقت، وكان ذاكرا للفعل، ولم يعزم على ~~الفعل -كان عازما على الترك؛ لاستحالة الخلو عن النقيضين، والعزم على الترك ~~حرام، وترك الحرام واجب، ولا يتأتى تركه إلا بالعزم على الفعل، وما لا ~~يتأتى فعل الواجب إلا به فهو ms053 واجب؛ فالعزم على الفعل واجب. # ورد: بأن نقيض العزم على الفعل: لا عزم على الفعل، وهو أعم من العزم على الترك. # وأجيب: بأن الترك فعل الضد، وفيه بحث. # وأما فساد القسم الثاني: وهو جواز التأخير لا إلى بدل، فلما ذكر [من] أن ~~ذلك يقدح في وجوبه؛ يعني: أن الواجب ما طلب فعله على وجه لا يسوغ تركه، أما ~~ما يسوغ تركه، فهو المندوب. # وأجيب عنه: بأن هذا لا يسوغ تركه بالنسبة إلى جملة الوقت، فيتحقق فيه ~~معنى الوجوب بخلاف الندب؛ فإنه يسوغ تركه بالنسبة إلى جملة الوقت، لا إلى بدل. # قوله: "الرابع: لو جاز التأخير لجاز؛ إما إلى غاية معينة ... " إلى آخره. # تقريره: أنه لو جاز التأخير لجاز إما مطلقا وإما إلى غاية معينة، ~~والإطلاق ينافي الوجوب، والغاية إما مجهولة للمكلف، أو معلومة له، والتعليق ~~بغاية مجهولة للمكلف من تكليف المحال. # والمعلومة إما بأمارة، أو لا بأمارة، وبدون الأمارة وسواس، ولا أمارة ~~بالإجماع إلا ظن PageV01P277 # أما فساد القسم الأول: فلأن تلك الغاية المعينة يجب أن تكون معلومة ~~للمكلف؛ وإلا لزم أن يكون مكلفا بألا يؤخر ذلك الفعل عن ذلك الوقت بعينه، ~~مع أنه لا سبيل له إلى معرفة ذلك الوقت؛ وذلك تكليف ما لا يطاق، [و] كل من ~~قال: "إنه يجوز له تأخير الفعل إلى غاية معينة" -[قال]: وإن تلك الغاية هي ~~الوقت الذي يغلب على ظنه: أنه لو لم يشتغل بأدائه فيها- فاته ذلك الفعل؛ ~~فوجب أن تكون تلك الغاية هي هذا الوقت؛ وإلا لكان ذلك قولا ثالثا خارقا ~~للإجماع؛ وهو باطل. # إذا ثبت هذا، فنقول: حصول ذلك الظن: إن لم يكن بناء على أمارة أخرى -كان ~~ذلك جاريا مجرى [ظن] السوداوي؛ فلا عبرة به، وإن كان بناء على أمارة، فكل ~~من قال بهذا القسم- قال: إن [تلك] الأمارة: إما المرض الشديد، أو علو السن؛ ~~وهو -أيضا- باطل. # === # الفوات؛ لكبر السن، أو مرض مخوف، ولا يصلح [واحد] منهما أن يكون أمارة؛ ~~لعدم الارتباط لتحقق الموت فجأة بدون واحد منهما. # والجواب عن قوله: ms054 الغاية إما مجهولة، أو معلومة بدعوى أنها مظنونة، وأكثر ~~الأحكام مبنية على غلبات الظنون. # قوله: "إن علو السن، والمرض المخوف ينقل الموت عنهما": # قلنا: موت الفجأة نادر، والأسباب الشرعية لا يشترط فيها الملازمة بحكمتها ~~الشرعية قطعا، بل تكفي فيها الملازمة بالأكثر ظنا، وموت الفجأة نادر، ولا ~~يمتنع نصب "ظن الفوات" أمارة. # قوله في الجواب: لا شك أنه حصل في الشريعة أوامر متراخية كأداء الكفارات، ~~وكل ما يقولونه فهو جوابنا، يعني أنه إذا تقرر أن لنا واجبا موسعا، وقد ~~يتقيد بالعمر كأداء الكفارات، وقضاء بعض الفوائت -فالمطلق من الأمر يكون ~~حكمه كذلك، وما ذكروه من الإشكالين يرد في الواجب الموسع، وقد قلتم به، ~~وجوابكم عنه جوابنا هنا. PageV01P278 ### || AUTO المسألة السادسة # الأمر المعلق على الشيء بكلمة "إن" عدم عند عدم ذلك الشيء؛ ويدل عليه وجهان: # === # هذ المسألة والتي تليها من مسائل "المفهوم"، وقد نوقش في إيرادهما نعتا، ~~والعذر له أن البحث في الأمر يتعلق بطرفين: # أحدهما: المسائل اللفظية، والثاني: المعنوية، ، ولما كان الأمر يرد مطلقا ~~أو مقيدا، والشرط، والصفة من المقيدات- ساغ ذكرهما فيه. # وبالجملة، فالمفهوم ينقسم إلى مفهوم موافقة، وإلى مفهوم مخالفة، وهو: ما ~~يفهم منه PageV01P279 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # نقيض الحكم في المسكوت عنه. PageV01P282 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وينقسم هذا إلى: مفهوم الشرط، والصفة، والزمان، والمكان، والغاية، ~~والعدد، واللقب: أما مفهوم الشرط؛ فقد قال به الشافعي -رحمه الله تعالى- ~~.................. PageV01P287 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ونفاه مالك، وأبو حنيفة، رحمهما الله. PageV01P288 # الأول: أن أهل اللغة اتفقوا على تسمية كلمة "إن" بحرف الشرط، واتفقوا على ~~أن الشرط هو الذي ينتفي الحكم عند انتفائه؛ بدليل أنهم سموا الوضوء شرطا ~~للصلاة؛ وذلك يفيد المطلوب. # === # واحتج صاحب الكتاب على إثباته بوجهين: # الأول: أن أهل اللغة اتفقوا على أن "إن" للشرط، قال: والشرط هو الذي يتفي ~~الحكم بانتفائه، بدليل أنهم يسمون الوضوء شرطا في الصلاة؛ وذلك يفيد ~~المطلوب. # وقد غلط في هذه الحجة؛ فإنه أخذ الشرط بالاشتراك؛ # والشرط ينقسم إلى شرط لغوي: وهو ما دخل عليه "إن"، وما يقوم مقامها من ~~أسماء وظروف. PageV01P289 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وإلى عقلي: كالحياة بالنسبة إلى العلم. # وشرعي: كالوضوء ms055 بالنسبة إلى الصلاة، وحدها واحد: وهو ما يلزم من انتفائه ~~انتفاء الشيء، ولا يلزم من ثبوته ثبوته. PageV01P290 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وليس بمفهوم احتراز من الجزء، وما يدخل عليه حرف الشرط حكمه بالعكس من ~~ذلك؛ فإنه يلزم من ثبوت الشرط ثبوت المشروط، ولا يلزم من نفيه نفيه؛ كقوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "من أحيا أرضا ميتة، فهي له". PageV01P291 # الثاني: روي أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "ما ~~بالنا نقصر، وقد أمنا؟ ! فقال: هذه صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا ~~صدقته"؛ فلولا أن # === # فاللازم من ثبوت الإحياء ثبوت الملك، ولا يلزم من نفي الإحياء نفي الملك؛ ~~لتعدد أسباب الملك. # وكذلك إذا قلنا: إذا كان هذا إنسانا، فهو حيوان، فيما يسميه المنطقيون ~~شرطا متصلا، واللازم عنه ثبوت الثاني لثبوت الأول ونفي الأول لنفي الثاني، ~~ولا يلزم من نفي الأول، نفي الثاني؛ لجواز أن يكون المشروط أعم؛ كما في ~~المثال المذكور. # وإذا انقسم مسمى الشرط إلى معنيين، فإنما ينتج المطلوب إذا أريد به في ~~المقدمة الثانية عين ما أريد به في المقدمة الأولى، وإلا كان جمعا بمجرد ~~اللفظ فلا ينتج. # وقد يعتذر عنه: بأن لا تنازع في أن ما ذكرتموه ثمرة مقتضى الكلام من حيث ~~المنطوق، ولكن ندعي أنه يشعر مع ذلك إشعارا ظاهرا، لا قطعا بالانتفاء عند ~~الانتفاء؛ فإنه لو قال: أنت طالق، وأطلق - كان مقتضاه تحقق الطلاق لتحقق ~~السبب، ، وإذا قال: إن دخلت الدار، فليس أثره في وقوع الطلاق، وإنما أثره ~~في نفي الحكم بدون ما علق عليه، فلم يظهر أثر الشرط إلا في النفي. # فأما وقوع الطلاق بسبب آخر، أو الملك بسبب غير الإحياء - فليس ذلك هو ~~المعلق بالشرط، بل غيره. # قوله: "الوجه الثاني: روي عن يعلى بن أمية، قال لعمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه -: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ ! فقال عمر - رضي الله عنه - عجنت مما ~~عجنت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "صدقة تصدق الله ~~بها عليكم؛ فأقبلوا صدقته". PageV01P295 # المعلق على الشيء بكلمة "إن" ms056 عدم عند عدم ذلك الشيء؛ وإلا لم يبق للتعجب معنى. # واحتج الخصم بقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان ~~مقبوضة} [البقرة: 283]؛ ويجوز الرهن عند وجدان الكاتب. وقوله تعالى: {ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} [النور: 33] وذلك النهي قائم، ~~سواء حصلت إرادة التحصن أو لم تحصل. وقوله تعالى: {واشكروا لله إن كنتم ~~إياه تعبدون} [البقرة: 172] والأمر بالشكر قائم، سواء حصل الاشتغال ~~بالعبادة أو لم يحصل. # [و] الجواب: أنه لما تعارضت الدلائل، فقولنا أولى؛ لأنه أكثر فائدة. # === # ولولا أن الأمر المعلق على الشي بكلمة "إن" يعدم عند عدم ذلك [الشيء]- ~~وإلا لم يبق للتعجب معنى. # وقد عورض: بأن التعجب لا يتعين أن يكون لإشعار بالانتفاء، وترك؛ بل لما ~~تقرر في الشرع أن الأصل في الصلاة الإتمام، وأن القصر إنما يكون لعارض، ~~فإذا زال العارض، فكان يجب الرجوع إلى الأصل، لا من مجرد اللفظ، والذي يدل ~~على أن الأصل المستقر الإتمام - قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة} [النساء: 101]. # قوله: "احتج الخصم بقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان ~~مقبوضة} [البقرة: 283]، وبقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن ~~أردن تحصنا} [النور: 33]، وبقوله تعالى: {إن كنتم إياه تعبدون} [البقرة: ~~172]، ولا مفهوم لشيء منها. # وأجاب: بأنه لما تعارضت الدلائل، فقولنا أولى؛ لأنه أكثر فائدة، [و] لا ~~معنى لإشعاره بالنفي والإثبات معا. # والحق في الجواب: أنا لا ندعي أن الشرط يدل على الانتفاء قطعا، وإنما يدل ~~عليه ظاهرا بطريق الالتزام، والدليل الظاهر لا يمتنع تركه؛ لامتناع إجرائه ~~على ظاهره، أو لدليل أرجح منه؛ كما في العموم، وهو أظهر دلالة على ما يخرج ~~منه من المفرادات، وهذا جواب جملي. # وأما التفصيلي: فالآية الأولى ترك العمل بالمفهوم فيها؛ لخروجها مخرج ~~الغالب. # والثانية لامتناع إكراه المختارات؛ لأنهن إذا لم يردن تحصنا فهن مريدات ~~للبغاء، ولا إكراه مع الإرادة، وفيه بحث. # وأما الثالثة: فهو قوله تعالى: {واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} ~~[البقرة: 172] فليس جاريا على الشرط الحقيقي، وإنما المراد ms057 التنبيه على ~~المعنى المقتضى للشكر؛ كما يقول الرجل لولده: إن كنت ولدي فبرني، وليس شاكا ~~في البنوة، وإنما مراده أن من صفة الابن أن يبر والده، ، ومثل ذلك قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين} [البقرة PageV01P296 ### || AUTO المسألة السابعة # الأمر المقيد بالصفة، أو الخبر المقيد بالصفة: هل يدل على نفي الحكم عما ~~عداه أو لا؟ # === # 278]، يعني: أن من صفة المؤمن ترك الربا، وقوله تعالى: {وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] ونظائره كثيرة، وبعضهم يسمي هذا ~~خطاب التهيج والإلهاب. # [قوله: " ### || AUTO المسألة السابعة # "] # الأمر المقيد بالصفة هل يدل على نفي الحكم عما عداه؟ مثال ما إذا قال: ~~زكوا عن الغنم السائمة، فهل يدل على نفي الحكم عن غير السائمة؟ PageV01P297 # مثاله إذا قال: "زكوا عن الغنم السائمة"- فهل يدل على نفي الزكاة عن غير ~~السائمة؟ : PageV01P298 # قال الشافعي - رضي الله عنه-: يدل. # وقال أبو حنيفة ومالك - رضي الله عنهما -: لا يدل. # === # وقد قال به الشافعي رحمه الله - وجمهور الصحابة، وخالف ابن سريج، وأبو ~~حنيفة، والقاضي ابن الباقلاني -رحمهم الله- وقال به إمام الحرمين: إذا كانت ~~الصفة مناسبة؛ كتعليق الزكاة على السوم - فإنه يشير بنوع من الرفق، وهو ~~معتبر في الزكاة، ولأجله اعتبر الحول والنصاب والنمو، ولم يقل به إذا علق ~~على صفة غير المناسبة؛ بل زعم أنها تجري مجرى اللقب، ولا مفهوم للقب عنده، ~~ولا عند الشافعي، رحمه الله تعالى. # ونقل المصنف عن مالك -رحمه الله تعالى- أنه لا يقول به. # ونقل الشيرازي عنه أنه يقول به، ولعلهما ينقلان عنه بالتخريج من مسائل. PageV01P299 # والمختار: أنه لا يدل بحسب أصل اللغة؛ لكنه -عندي- يدل بحسب العرف: # أما الأول- فيدل عليه وجوه: # الأول: أن الصيغة ما دلت إلا على ثبوت الحكم في تلك الصورة المقيدة بتلك ~~الصفة، والثبوت في تلك الصورة مغاير لانتفاء الحكم في الصورة الثانية، وغير ~~مستلزم له؛ لأنه [يثبت] في بديهة العقل: أن ثبوت الحكم في الصورة الأولى قد ~~لا يحصل مع ثبوته في الصورة الثانية، ولولا ms058 ذلك، لما كانت القضية الكلية ~~[ممكنة] على الانتفاء في الصورة الثانية: لا بحسب الوضع اللغوي، ولا بحسب ~~الاستلزام العقلي؛ وهو المطلوب. # === # واختار المصنف أنه لا يدل عليه بحسب اللغة، ويدل عليه بحسب العرف. # قوله: أما الأول، يعني: عدم الدلالة لغة: فيدل عليه وجوه: # الأول: أن الصيغة ما دلت إلا على ثبوت الحكم في تلك الصورة المقيدة بتلك ~~الصفة، والثبوت في تلك الصورة [مغاير] للانتفاء في الصورة الثانية، وغير ~~مستلزم له، وقرر بصدق القضية الكلية الممكنة. # وحاصله: نفي الدلالات الثلاث؛ فإنه إذا لم يشعر به من حيث الوضع له ولا ~~جزء له - انتفت المطابقة، والتضمن، وإذا انتفت الملازمة انتفت دلالة ~~الالتزام أيضا؛ فإن شرطها اللزوم، ومعنى قوله: "ولولا ذاك لما كانت القضية ~~الكلية ممكنة"، يعني: كقولنا: كل إنسان كاتب بالإمكان، فإن اللازم فيها صدق ~~الجزئية، والحكم للباقي جائز ثبوته وانتفاؤه، وهي صادقة على التقديرين معا. # ولو استلزم الحكم على الجزء نفى الحكم عن الجزء الآخر- لكان إثباته للجزء ~~الثاني مناقضا. # والاعتراض عليه: أنا لا نسلم انتفاء الإشعار من جهة الإفراد، ولا نسلم ~~انتفاءه من جهة التركيب التقييدي، وظاهر أنه يشعر به فإن وضع الصفة ~~للتخصيص، والتخصيص يستلزم التمييز عن المخالف، والتمييز يستدعي إثباتا ~~ونفيا، وعرف الاستعمال مقدر لذلك، فإن من قال لغيره: PageV01P300 # الثاني: وهو أن الأمر المقيد بالصفة: يرد تارة مع انتفاء الحكم عن غير ~~المذكور؛ وهو متفق عليه، وتارة مع ثبوته فيه؛ كقوله تعالى: {ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق} [الإسراء 31] مع أنه يحرم قتلهم -أيضا- عند عدم هذه ~~الخشية، وقال في قتل الصيد: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم} [المائدة 95]، ثم أجمعنا على أن قتله -خطأ- يوجب الجزاء. # إذا ثبت هذا، فنقول: الاشتراك والمجاز، خلاف الأصل؛ فوجب جعل هذه الصيغة ~~حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين، وهو ثبوت انحكم في المذكور، مع قطع ~~النظر عن ثبوته في غير المذكور، وانتفائه عنه. # الثالث: لو قلنا: إنه يدل على انتفاء الحكم عن غير المذكور، ففي الموضع ~~الذي لا يحصل فيه هذا ms059 الانتفاء - يلزم ترك العمل بالدليل. أما لو قلنا: إنه ~~لا يدل على هذا الانتفاء، ففي الموضع الذي يحصل فيه هذا الانتفاء - يكون ~~ذلك إثباتا لأمر زائد على مفهوم اللفظ؛ لا تعلق لذلك اللفظ به: لا نفيا ولا ~~إثباتا؛ فكان هذا أولى. # وأما أنه يدل عليه في العرف - فيدل عليه وجهان: # الأول: أن الرجل إذا ما قال: "الإنسان الطويل لا يطير، والميت اليهودي لا ~~يبصر" - ضحك منه كل أحد، ويقول: إذا كان الإنسان القصير -أيضا- لا يطير، ~~والميت المسلم - # === # اشتر لي ثوبا قطنا أو كتانا، أو اشتر لي عبدا حبشيا، أو هنديا - لم يرد ~~بالوصف سوى إخراج غير الموصوف بالصفات المعينة من مطلق إذنه في شراء المسمى ~~من ذلك الجنس، وكل من توهم انتقاض حد، فأراد إخراج صورة النقض زاد وصفا، ~~والنقل على خلاف الأصل. # ولا يكفي في بيان انتفاء دلالة الالتزام الانفكاك العقلي؛ فإن الخصم لا ~~يدعيه؛ وإنما يدعي اللزوم ظاهرا. # وقد يترك الظاهر لدليل أرجح منه؛ وبهذا يعترض على الوجه الثاني، وهو ~~احتجاجه بقوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31]، ~~وقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} [المائدة: 95]. # فإنا نقول: إن هذا خرج مخرج الغالب، فظهر للتخصيص؛ فإنه سوى نفي الحكم، ~~أما إذا لم يظهر غيرها كانت هي المتبادرة إلى الفهم، وما ذكر من الوجه ~~الثاني والثالث - واضح المراد. # قوله: "وأما أنه يدل عليه في العرف فيدل عليه وجهان: # الأول: أن الرجل إذا قال: الإنسان الطويل لا يطير، واليهودي الميت لا ~~يبصر - يضحك منه كل واحد، ويقول: والقصير كذلك، والميت المسلم كذلك". PageV01P301 # أيضا -لا يبصر-: كان التقييد بكونه طويلا، وبكونه يهوديا -عبثا، فلما ~~اتفقوا على هذا الاستقباح، واتفقوا على تعليل هذا الاستقباح بهذا المعنى-: ~~ثبت لك أن هذا الاستقباح حاصل في العرف العام، وفي كل اللغات. # الثاني: التخصيص بالصفة، لا بد له من فائدة؛ وانتفاء الحكم عن غير تلك ~~الصورة يصلح أن يكون فائدة؛ بدليل أن المتبادر إلى الفهم في العرف العام - ~~ليس إلا هذا؛ # === # يرد عليه: بأنه: لا يتعين ms060 الاستقباح لأجل ذلك، بل يعارضه احتمال الإخبار ~~عن المعلوم. # قوله: "الثاني: أن التخصيص بالصفة لا بد له من فائدة ... " إلى آخره، ~~الحجة عول عليها الشافعي -رحمه الله- وهو أن التخصيص من العالم بمواقع ~~الخطاب، ونزوله من الأعم إلى الأخص لا بد أن يكون عن قصد، فلا بد له من ~~فائدة، ويتعين حمله من الشارع على فائدة شرعية ما أمكن، واختصاص الحكم من ~~الفوائد الشرعية، فيحمل عليه. # واعترض عليه: بمنع حصر الفائدة؛ فإن من فوائد التخصيص العناية بالمذكور، ~~أو التنبيه بالأدنى على الأعلى، مع موافقة الحكم، وكذلك عكسه، وهو التنبيه ~~بالأعلى على الأدنى، أو لأن المذكور في مظنة الخفاء، أو اختصاصه بسؤال ~~سائل، أو ترك النظر فيه إلى المجتهد؛ ليبذل جهده في إلحاقه؛ فيثاب عليه، أو ~~لخروجه مخرج الغالب، فتعيين فائدة التخصيص تحكم به. # وأجاب صاحب الكتاب: بأنها المتبادرة إلى الفهم، والخصم لا يسلم ذلك؛ بل ~~الحق: أنه إن لم يظهر سواها، فتتعين. # وإن احتمل غير ذلك اعتبر الراجح وإلا كان مجملا، وقد اعتمد بعض الأئمة في ~~إثبات مسألة دلالة المفهوم على أنه قال به كثير من أئمة العربية ك "أبي ~~عبيدة" وغيره. # قال: والشافعي -رحمه الله- منهم، وقد احتج الأصمعي بقوله، وصحح عليه ~~ديوان PageV01P302 # فوجب حمل هذا التخصيص على هذه الفائدة، وأما سائر الفوائد -وإن كانت ~~محتملة- إلا أن الفائدة التي ذكرناها أرجح؛ بدليل مبادرة الفهم إليها. # === # الهذليين. # قالوا: وإذا كنا نقبل قول أعرابي جلف، فلأن نعتبر قول أئمة العربية بطريق ~~الأولى. PageV01P303 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ورد عليهم: بأن العربي ينطق بطبعه، وأئمة العربية يقولون عن استدلال ونظر ~~واجتهاد، فيقابله اجتهاد غيرهم. # فقد قال محمد بن الحسن -رحمه الله- بنفيه، وهو من علماء العربية إلا أن ~~ينقلوا ذلك فنقلهم مقبول، والله أعلم. PageV01P306 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومما يلحق بمفهوم الصفة: # مفهوم الزمان؛ كقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} [البقرة 197]، احتج به ~~الشافعي - رحمه الله - على أنه لو أحرم بالحج في غير أشهره لم ينعقد حجا، ~~ويتحلل منه بعمرة. # ومفهوم المكان كذلك؛ ومثاله قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد} [البقرة: 187]. # واحتج به ms061 على أنه لا يصح الاعتكاف في غير المسجد، وقربهما من الصفة أنهما ~~يقيدان المطلق كتقييد الصفة، والخلاف فيهما كالخلاف في الصفة. # ويقرب من مفهوم الشرط مفهوم الغاية؛ كقوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا PageV01P310 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # غيره} [البقرة 230] وكقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا: لا إله إلا الله". PageV01P311 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومن أنواع المفهم مفهوم العدد؛ كقوله تعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} ~~[النور: 4]، وقوله - PageV01P314 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # عليه الصلاة والسلام-: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا" يفهم ~~منه نفي الزائد والناقص، ورده الإمام والقاضي إلى الصفة أيضا. # واحتج قوم على إفادته كذلك بقوله -عليه الصلاة والسلام- لما نزل قوله ~~تعالى: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80]: "لأزيدن ~~على السبعين". PageV01P316 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # واستبعد من جهة النقل ومن جهة المعنى أيضا؛ فإن المفهوم منه المبالغة في ~~اليأس فيما زاد على السبعين. # وقد ذكر المصنف فيه تفصيلا طويلا، فمن أحبه فليراجعه في "المحصول". # ومن أنواع المفهوم: "مفهوم اللقب"، وهو تعليق الحكم والخبر على اسيم غير ~~مشتق؛ PageV01P317 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "واغسليه بالماء"، "صبوا عليه ذنوبا من ~~ماء". PageV01P318 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ولم يقل به سوى الدقاق من أصحاب الشافعي -رحمه الله- وبعض الحنابلة. # واحتج؛ بأن التخصيص لا بد له من فائدة، ولا فائدة سوى نفي الحكم عما ~~عداه، كاحتجاج الشافعي -رحمه الله- على مفهوم الصفة. # وفرق بينهما بأن الاسم يذكر لبيان محل الحكم، والصفة تذكر للتخصيص وضعا ~~وعرفا، ولأنه لو أسقط الاسم من اللفظ من غير مسوغ للإضمار- لاختل الكلام، ~~بخلاف الصفة. # واحتج من منع: بأنه لو دل لكان الظاهر من مثل قول القائل: زيد موجود، ~~وعيسى بن مريم رسول الله - كفرا؛ لما يلزم من نفي الوجود عن الله تعالى، ~~ونفي الرسالة عن غير عيسى - عليه السلام - من المرسلين، صلوات الله عليهم ~~أجمعين. # ويمكن أن يجاب عنه: بأنه إشعار ظاهر على خلاف القاطع فيسقط. # واحتج أيضا: بأنه لو دل لمنع القياس، فإنه إذا قال: "لا تبيعوا البر ~~بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء"، ~~ودل بمنطوقه ms062 على منع التفاضل، فلو دل بمفهومه على جواز التفاضل فيما سواها ~~- لكان القياس على خلف مقتضى النص، ومن شرط الحكم المستفاد من القياس أن ~~يكون مستفادا من النقل. # ويمكن أن يجاب عنه: بأن دلالة المفهوم دلالة تابعة، ولا مانع من تركها ~~بدليل أقوى منها، كما يخصص العام بالقياس، وإشعاره بالمخصص أقوى. # ومما عد من المفهوم الحصر؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنما الماء من ~~الماء"، و: "إنما الولاء لمن أعتق"، وكقولنا: "لا إله إلا الله"، والألف ~~واللام في مثل قوله - PageV01P320 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # عليه الصلاة والسلام: "الشفعة فيما لم يقسم"؛ لأن تقديره: كل الشفعة فيما ~~لم يقسم. # وتقديم الخبر؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "تحريمها التكبير، وتحليلها ~~التسليم". PageV01P321 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وكقولك: صديقي زيد، والعالم عمرو والرجل بكر. # وزعم الإمام: أن جميع ذلك خارج عن المفهوم، ورده إلى المنطوق. # هذا تمام القول في مفهوم المخالفة، ويسمى دليل الخطاب، ونقيضه مفهوم ~~الموافقة، وهو: فهم مثل الحكم المنطوق به في المسكوت عنه. # وينقسم إلى: قطعي، وظني، فالقطعي كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف}، ~~[الإسراء 23]، وإنما يحصل عند فهم المقصود من السياق، وإلا فلا يمتنع أن ~~يقول السلطان لعبده: أقر بعتق هذا الملك، ولا تقل له: أف. # ومن حيث توقف فهم المقصود منه على القرائن- ظن قوم أنه من قياس الأولى، ~~والحق أنه ليس كذلك؛ لفهمه وإن لم يشعر القياس. # والظني كقوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء 92]، ~~ومنه قال الشافعي -رحمه الله-: إنه يشعر بإيجابها في العهد بطريق الأولى، ~~وبالتنبيه بالأدنى على الأعلى. PageV01P323 ### || AUTO المسألة الثامنة # اعلم: أن السيد إذا قال لعبده: "افعل هذا أو هذا"- كان معناه: أنه حرم ~~عليه ترك الكل، ولم يوجب عليه الإتيان بالكل، وجوز له أن يأتي بكل واحد ~~منهما بدلا عن الآخر، وهذا القدر متفق عليه بين الكل إلا أن من الناس من ~~قال: إن واحدا منهما بعينه # === # [قوله: " ### || AUTO المسألة الثامنة # ... "] # قد تقدم أن هذا الباب يشتمل على مسائل لفظية، وقد مضى ما قصد ذكره منها، ~~وعلى مسائل معنوية، وهذه أولها: # اعلم ms063 أن الواجب ينقسم باعتبار المأمور به إلى معين ومخير، وباعتبار وقته ~~إلى مضيق، وموسع، وباعتبار المأمورين إلى عين وكفاية، ، ولا إشكال في ~~المعين في الثلاثة، وإنما محل النظر غير المعين. PageV01P324 # هو الواجب في نفس الأمر وفي علم الله تعالى، إلا أنه غير معلوم لنا، وهذا ~~القول -عندنا- باطل؛ لأن الشرع قد صرح بأنه يجوز له ترك أيهما كان عند ~~الإتيان بغيره؛ وذلك PageV01P325 # يقتضي كون كل واحد منهما جائز الترك على بعض التقديرات، ووجوب واحد منهما ~~بعينه يقتضي كونه ممنوع الترك على جميع التقديرات؛ والجمع بينهما متناقض. PageV01P326 # واحتج المخالف بوجوه: # الأول: أنه إذا أتى المكلف بجميعها: فإما ألا يستحق ثواب الواجب على شيء ~~منها؛ وذلك يقدح في وجوبها، أو يستحق ثواب الواجب على كلها؛ وهذا يقتضي كون ~~المجموع واجبا، أو يستحق ثواب الواجب على واحد، لا بعينه، وهو باطل؛ لأن كل ~~ما دخل في الوجود، فهو متعين في نفسه؛ فما لا يكون متعينا في نفسه، لا يكون ~~موجودا في نفسه، وما لا يكون موجودا في نفسه، يمتنع استحقاق الثواب على فعله. # ولما بطلت هذه الأقسام بأسرها، لم يبق إلا قولنا: إنه يستحق ثواب الواجب ~~على واحد معين في نفسه، وإن كان غير معين عندنا؛ فيثبت أن ذلك هو الحق. # الثاني: أنه إذا أتى بالكل، فالفرض: إما أن يسقط بالكل، أو بواحد بعينه، ~~أو بواحد لا بعينه، ويعود التقسيم الأول فيه. # === # ورد بأن إيجاب الجميع مخالف لصريح النص، ولا يمكن طرده في جميع الصور؛ ~~فإن من صور التخيير عقد الإمامة لأحد الشخصين المتساويين، والتزويج من أحد ~~الكفئين، وطلاق أحد الزوجتين، وعتق أحد العبدين. # ويلزم عليه: أن من وجب عليه إخراج مد من طعام، وفي ملكه عشرة آلاف مد ~~-وجوب الجميع، ومن وجب عليه شراء رقبة، وقدر على شراء رقاب- يجب عليه شراء ~~الجميع، وأكثر ذلك خلاف الإجماع. # قالوا: لو صح التكليف بأحد الفعلين لا بعينه لصح تكليف أحد الشخصين لا ~~بعينه، وذلك محال، بخلاف تعليق الطلب بأحد الفعلين لا بعينه؛ فإنه جائز؛ ~~لأنه راجع ms064 إلى القول النفسي أو اللفظي، وكلاهما يتعلق ولا يؤثر، فلا يمتنع ~~تعلقهما بالمطلقات كالعلم، وبالمعين يخرج من عهدة المطلق لاشتماله عليه. # فإن قالوا: الاتفاق واقع على الأحكام، فإنا اتفقنا على أنه يحرم ترك ~~الجميع، ويكفي الإتيان بواحد، فالخلاف لفظي. # قلنا: قد بينا عود الخلاف إلى المعنى، ولما اعتقد صاحب الكتاب أن الخلاف ~~لفظي - عدل عن إبطال هذا المذهب، وعن الاحتجاج لأصحابنا. # وأخذ في إبطال قول من زعم أن الواجب معين في نفس الأمر وعند الله تعالى، ~~وغير معين عند المكلف. PageV01P327 # الثالث: إذا ترك الكل: فإما ألا يستحق العقاب أصلا؛ وذلك يقدح في وجوبها، ~~أو يستحق العقاب على ترك الكل؛ فيكون المجموع واجبا؛ وهو باطل، أو يستحق ~~العقاب على ترك واحد لا بعينه؛ وهو باطل؛ كما تقدم في الوجه السابق، أو على ~~واحد بعينه؛ وهو المطلوب. # الجواب عن الأول: أنه -عندنا- يستحق على فعل كل واحد منهما ثواب الواجب ~~المخير؛ لا ثواب الواجب المعين؛ ومعناه: أنه يستحق على فعلها ثواب أمور كان ~~له ترك كل واحد منها بشرط الإتيان بالآخر، لا ثواب أمور كان يجب عليه ~~الإتيان بكل واحد منها # === # ودعواه الاتفاق على أنه لا يجب عليه الإتيان بالكل -غير مسلم قبل الوقوع ~~عند المعتزلة، وفيه وقع النزاع. # قوله: إلا أن من الناس من قال: إن واحدا منهما هو الواجب في نفس الأمر ~~وفي علم الله تعالى، إلا أنه غير معلوم لنا. # إنما قال: "من الناس" لأن الأشعرية تعزو هذا المذهب إلى بعض المعتزلة، ~~والمعتزلة تعزوه إلى بعض الأشعرية. # وتتمة هذا الى مذهب أنه إن أوقع ما علمه الله تعالى واجبا فذاك، وإن أوقع ~~غيره كان نفلا دافعا للوجوب رخصة. # قوله: "وهذا القول عندنا باطل .. " إلى آخره، حاصله لزوم التناقض، وما ~~خير فيه جائز الترك على بعض التقديرات، والمعين ممنوع الترك على كل ~~التقديرات؛ فلا يجتمعان. # ويمكن أن يقال: إنما يلزم التناقض أن لو كان التعيين والتخيير باعتبار ~~جهة واحدة. # أما إذا كان التعيين بالنسبة إلى الله تعالى، والتخيير بالنسبة إلى العبد ms065 ~~-فلا يسلم التناقض، بل الدليل على إبطال هذا المذهب أن التكليف بمعين عند ~~الله تعالي غير معين للعبد، ولا طريق له إلى معرفة تعيينه- من تكليف ~~المحال. # فإن قيل: المانع من أن العبد لا يأتي إلا بما علم الله تعالى. فجوابه: أن ~~الله تعالى لا يوجب عليه إلا بما يعينه العبد، أو أنه إذا أتى كان سببا ~~لإسقاط المعين. # قلنا: الجوالب عن الأول: أن المأمور به لا بد وأن يكون معلوما للمكلف؛ ~~ليصح قصده إلى الإتيان به، وإذا لم يعلمه إلا بعد الإتيان به - تقدم ~~المشروط على الشرط، وهو محال. # وعن الثاني: أن الإجماع منعقد على تحقق الإيجاب قبل الامتثال. # وعن الثالث: أن الإجماع منعقد على أن العبد ممتثل بعين ما أتى به. # قوله: "احتج الخصم بوجوه" وذكر وجوها ثلاثة، حاصل الجمع يئول إلى حرف ~~واحد، وهو أن للواجب أحكاما وخواص تتعلق بفعله وتركه: # فمما يتعلق بفعله استحقاق ثواب الواجب، والخروج عن العهدة، ومما يتعلق ~~بتركه استحقاق العقاب واللوم. PageV01P328 # على التعيين؛ وعلى هذا التقدير: يسقط السؤال. # وعن الثاني: أنه يسقط الفرض -عندنا- بكل واحد. # فإن قالوا: يلزم أن يجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان؛ وهو محال: # === # وهذه الأحكام معللة بالإتيان بالمأمور به وبتركه، فإذا أتى بجميع الخصال ~~في الصورة المفروضة، أو ترك الجميع- فحصول ثواب الواجب والخروج عن عهدته ~~بتقدير الفعل، والعقاب واللوم بتقدير الترك: # إما أن يعلل بالجميع: بمعنى أن كل واحد منهما جزء العلة، فيلزم أن يكون ~~الجميع واجبا، وينتفي التخيير، أو بكل واحد بعينه؛ فيلزم اجتماع المؤثرات ~~العديدة على أثر واحد، وهو محال، أو واحد لا على التعيين، والتعليل به ~~يستدعي وجوده، وغير المعين لا وجود له. # وتقريره: بأن كل موجود متعين، وعكس نقيضه، وكل ما ليس بمتعين لا يكون ~~موجودا، وما لا يقبل الوجود غير ممكن، وما ليس بممكن لا يكون مقدورا، وما ~~ليس بمقدور لا يتعلق به طلب، لا بالفعل ولا بالترك؛ فلا يكون سببا في ~~الثواب ولا في العقاب. # أو بمعين عندنا: وهو خلاف الفرض، فيتعين أن ms066 يكون معينا عند الله تعالى، ~~غير معين عندنا، وهو المطلوب. # والجواب الحق: أن قوله: "إن غير المعين لا وجود له"، إن عنى أنه لا وجود ~~له متجردا فمسلم، ولا ندعى وقوع التكليف به على هذا الوجه؛ فإنه محال، وإن ~~عنى به أنه لا وجود له مع ما يميزه، فليس الأمر كذلك؛ فإن هذا الإنسان ~~المعين إنسان، وهذا الدينار المعين دينار. # وإذا تقرر أن له وجودا بهذا الاعتبار، فلا مانع من تعلق الطلب والتكليف ~~به، من جهة ما شارك به غيره، لا من جهة ما تميز به، وعلى هذا وجوب سائر ~~المطلقات في الشرع؛ كوجوب دينار أو درهم أو شاة أو صاع أو ضمان مثل، أو ~~قيمة متلف، أو عتق رقبة، ويخرج من جميع ذلك بالمعين؛ لما فيه من الوجه الذي ~~يكون به مطلقا. # قوله: "والجواب عن الأول: أن عندنا أنه يستحق على فعل كل واحد منهما ثواب ~~الواجب المخير لا المعين". # حاصل كلامه: أن يقول: إن الواجب المخير رتبة بين الندب والواجب المعين؛ ~~فإن الحكمة تقتضي أن يترتب على كل مرتبة ما يناسبها، فإذا وجب أن يقابل ~~المندوب بخمس درجة من الثواب مثلا، وأن يقابل الواجب المعين منه ضعفاه - ~~اقتضى أن يقابل المخير ضعفه مثلا، وهي مرتبة بين المرتبتين. # والجواب الحق: أنه لا يخلو إما أن يأتي بالجميع على جهة الترتيب أو ~~المعية، فإن أتى بها على الترتيب، كان ثواب الواجب مرتبا على الأول، وما ~~عداه نفل؛ لأنه يسوغ تركه حينئذ مطلقا. # وإن أتى بها معا فيضاف ثواب الواجب إلى أعلاها إن تفاوتت؛ لأنه لو اقتصر ~~عليه لاستحق PageV01P329 # فنقول: هذه الأسباب -عندنا- معرفات، لا موجبات، ولا يمتنع أن يجتمع على ~~مدلول واحد دلائل كثيرة. # === # عليه ثواب الواجب، فإضافة غيره إليه لا ينقصه، وإن تساوت فإلى أحدها. وإن ~~ترك الجميع عوقب على أقلها؛ لأنه لو اقتصر عليه لأجزأه. # وقد ضعف صاحب الكتاب هذا الجواب، وعدل إلى الجواب المذكور في الكتاب، وما ~~ذكره غير لازم؛ فإنه لا يلزم من تعينه في حالة -بحكم ms067 الحال- تعينه في أصل ~~التكليف. # ومما ينبه له: أنه ذكر في هذه الحجج أن من لازم الواجب استحقاق الثواب ~~على فعله، واستحقاق العقاب على تركه، وهذا اللفظ يوهم بمذهب المعتزلة، وهو ~~أنه يجب على الله تعالى إثابة المطيع؛ لأن العقول تقتضي ترتيب الإحسان على ~~فعل المحسن، ولا يحسن من الله تعالى ترك ذلك؛ لأنه نقيض الحكمة، وكذلك ~~يقتضي ترتيب العقوبة على إساءة المسيء عند عدم التوبة؛ لأن تركه إغراء ~~بالمخالفة، وهذه أصول باطلة؛ لأنها مبنية على التحسين والتقبيح العقلي. PageV01P330 # وعن الثالث: أنه يستحق العقاب على ترك المجموع، ولا يلزم من المنع من ترك ~~المجموع المنع من ترك كل واحد من آحاد المجموع؛ وهو ظاهر غني عن البيان. ### || AUTO المسألة التاسعة # الفعل بالنسبة إلى الوقت، يقع على ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون الفعل زائدا عن الوقت، والتكليف به لا يجوز، إلا عند من ~~يجوز تكليف ما لا يطاق، أو يكون المقصود إيجاب القضاء؛ كما إذا طهرت الحائض ~~أو بلغ الغلام، وبقي من الوقت مقدار ما لا يسع إلا ركعة واحدة، أو أقل. # === # وإن عنى أنه يستحق الثواب وعدا من الله فهو حق، وكذلك استحقاق العقاب ~~بالوعيد، وهو متعلق عندنا بمشيئة الله تعالى، وقد ورد أنه سبحانه وتعالى لا ~~يعفو عن الكفار؛ قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]. ### || AUTO [المسألة التاسعة] # في هذه المسألة ثلاثة أوجه: - # أحدها: أن الجميع يكون قضاء. PageV01P334 # ثانيها: ألا يكون أزيد ولا أنقص؛ وهو كالأمر بصوم يوم واحد. # ثالثها: أن يكون الوقت فاضلا عن الفعل؛ وهذا هو الواجب الموسع؛ واختلفوا ~~فيه؛ فمنهنم من أنكره، ومنهم من جوزه: # أما الأولون- فقد اختلفوا على ثلاثة أوجه: # أحدها: قول بعض الشافعية: إن وجوب الصلاة يختص بأول الوقت؛ فإذا أتى بها ~~في آخر الوقت- كان قضاء. # === # ثانيها: أن الجميع يكون أداء. # ثالثها: أن ما أوقعه في الوقت أداء، وما أوقعه خارج الوقت قضاء. # قوله: "وثانيها ألا يكون أزيد، ولا أنقص، وهو كالأمر بصوم يوم ms068 واحد". # قوله: "وثالثها أن يكون الوقت فاضلا، وهذا هو الواجب الموسع". # ومثاله: إضافة وجوب صلاة الظهر من الزوال إلى مقدار القامة. # قوله: "واختلف الناس فيه: فمنهم من أنكره" والمنكرون له اختلفوا في تخريج ~~ما ادعى وجوبه على التوسيع على أوجه: # قوله: "الأول: قول بعض الشافعية إن وجوب الصلاة يختص بأول الوقت، فإذا ~~أتى بها في آخر الوقت كان قضاء". # هذا الوجه لا يعرف من مذهب الشافعي -رحمه الله- ولعله التبس عليه بوجه ~~الإصطخري: أن ما يفعل فيما زاد على بيان جبريل - عليه السلام - في العصر، ~~والصبح مثلا- يعد PageV01P335 # والثاني: قول بعض الحنفية، وهو: أن الوجوب إنما يحصل في آخر الوقت؛ فإذا ~~أتى بالفعل في أول الوقت- كان ذلك معجلا؛ كما إذا أدى الزكاة قبل حولان الحول. # وثالثها: ما حكي عن الكرخي، وهو: أن الصلاة المأتي بها في أول الوقت ~~موقوفة: فإن أدرك المصلى آخر الوقت، ولكنه ليس على صفة المكلفين- كان [ما] ~~فعله نفلا، وإن أدركه على صفة المكلفين- كان [ما] فعله واجبا. # وأما المعترفون بثبوت الواجب الموسع -وهم الجمهور- فلهم قولان: # الأول: أن الوجوب متعلق بكل الوقت؛ لأنه إنما يجوز ترك الصلاة في أول الوقت # === # قضاء، وهو لا ينكر التوسعة، وإنما قصرها على بيان جبريل - عليه السلام -. # قوله: "والثاني: قول بعض الحنفية: إن الوجوب إنما يحصل في آخر الوقت، ~~فإذا أتى المكلف بالفعل في أول الوقت، كان بذلك معجلا، كما لو أدى الزكاة ~~قبل تمام الحول". # قالوا: ووجه ذلك أن الصلاة في أول الوقت يسوغ تركها، وهذه حقيقة المندوب، ~~أو المستعجل، وفي آخره لا يسوغ تركها، وهذه حقيقة الواجب فيتعين أن ما ~~يفعله المكلف في أول الوقت يكون نفلا أو استعجالا، وهذا باطل؛ لأنه لو كان ~~مستعجلا لصح بنية التعجيل، ولا يصح بالإجماع، وبهذا يبطل قول من قال: إنها ~~نفل يدفع الفرض ولم ينفله؛ لأنها لو كانت نفلا لصح بنية النفل. # قوله: "وثالثها ما حكى عن الكرخي أنها موقوفة، فإن أدرك آخر الوقت وليس ~~على صفة المكلفين- كان نفلا وإن أدركه على صفة المكلفين كان واجبا". ms069 # قال الغزالي -رحمه الله- في "المستصفى": "وهذا باطل بالإجماع، على أن من ~~صلى في أول الوقت ومات عقيبه، فإنه يكون مؤديا للفرض. # قوله: وأما المعترفون بثبوت الواجب الموسع، وهم الجمهور- فلهم قولان: PageV01P336 # إلى بدل، وهو العزم على فعلها. # == # الأول: أن الوجوب تعلق بكل الوقت. # ووجهوه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجبريل - عليه السلام - صليا في ~~أول الوقت، وفي آخره، وقالا: "ما بين هذين وقت". PageV01P337 # والثاني: لا حاجة ألبتة إلى هذا البدل؛ وهو المختار. # === # قوله: إلا أنه إنما يجوز الترك في أول الوقت إلى بدل، وهو العزم. # هذا مذهب أكثر الفقهاء، والقاضي منا، وأبي علي، . .. PageV01P338 # وأعلم: أن حقيقة الواجب الموسع، يرجع -عند التحقيق- إلى الواجب المخير؛ ~~فإن الشارع إذا قال: "أفعل هذا الفعل: إما في أول الوقت، أو في وسطه، أو في ~~آخره، وإذا لم يبق من الوقت إلا قدر ما لا يفضل عليه، فافعله لا محالة، ولا ~~تتركه في ذلك الوقت"؛ فقوله: "يجب عليك إيقاع هذا الفعل: إما في هذا الوقت، ~~أو في ذلك" - يجري مجرى قولنا في الواجب المخير: "إن الواجب: إما هذا، أو ~~ذاك"؛ وكما أنا نصفها # === # وأبي هاشم من المعتزلة. # قوله: "والثاني: أنه لا حاجة إلى هذا البدل، وهو المختار" وهذا مذهب بعض ~~الفقهاء، واختيار أبي الحسين من المعتزلة. # واحتج من أوجب العزم: بأنه إنما يتميز ترك الواجب في أول الوقت عن ترك ~~النفل- بشرط البدل. # واحتجوا على أن البدل هو العزم، وعلى وجوبه بما تقدم في مسألة الفور. # ومن لم يوجبه قال: البدل فعله في الوقت الثاني، والتخيير في صور الصلاة ~~المنسوبة إلى أول الوقت، ووسطه، وآخره، كالتخيير في تعيين الرقبة. # وقالوا: الواجب الموسع يرجع حاصله إلى الواجب المخير كما ذكر. # قال المصنف: "ثم إذا ضاق هذا الوقت، ولم يبق إلا مقدار ما يكون مساويا ~~للفعل- يضيق التكليف؛ فهذا هو المختار في هذا الباب، وبه تزول جميع ~~الإشكالات". # ومما أورد على القول بالموسع: أن المكلف إذا أخر ومات في أثناء الوقت، ~~فهل يلقى الله عاصيا أو لا؟ فإن لم يعص، ms070 لم يبق للوجوب معنى معقول، وإن عصى ~~فكيف يعصى، وقد فعل ماله أن يفعله؟ # وأجيب عنه: باختيار أنه يعصى، وإنما جوز له التأخير؛ بشرط سلامة العاقبة. PageV01P339 # بالوجوب، على معنى أنه لا يجوز الإخلال بجميعها، ولا يجب الإتيان ~~بجميعها، والأمر في اختيار أي واحد منها، كان مفوضا إلى رأي المكلف-: فكذا ~~ههنا: لا يجوز للمكلف إخلاء جميع أجزاء الوقت عن هذا الفعل، ولا يجب عليه ~~إيقاعه في جميع أجزاء هذا الوقت، ويجوز له إيقاعه في أي جزء كان من أجزاء ~~هذا الوقت بدلا عن الآخر، ثم إذا ضاق الوقت، ولم يبق له إلا مقدار ما يكون ~~مساويا للفعل- يضيق التكليف؛ فهذا هو المختار في هذا الباب؛ وبه تزول جميع ~~الإشكالات. # === # وأورد عليه: أن في اشتراط سلامة العاقبة ربط التكليف بلبس وعماية. # وأجيب عنه: بأن التكليف متحتم، والمشروط بسلامة العاقبة جواز التأخير، ~~والجواز ليس من التكليف؛ وهو كما أبيح للإمام، والمؤدب، والزوج- التأديب؛ ~~بشرط سلامة العاقبة. # والمنقول في الصلاة: لا يعصى على أصح الوجهين، وفي الحج: أنه يعصي على ~~أصح الوجهين؛ لعظم الخطر بطول الزمان. # فرع: إذا غلب على ظنه أنه لو لم يفعل لفات فأخر- عصى بالإجماع. فإن بقي ~~وأتى به يعد ذلك الوقت في وقت التوسعة، فهل يكون قضاء أو أداء؟ # قال القاضي: يكون قضاء؛ لأنه أخره عن الوقت المعين له. # وقال الغزالي، والأكثرون: يكون أداء، والظن الكاذب لا أثر له، وعصيانه ~~بالتأخر لا يخرجه عن كونه وقتا له، كما غلب على ظنه دخول الوقت المعين له، ~~وأخره ثم تبين بقاء الوقت؛ فإنه يكون أداء بالإجماع. # وقد تقدم: أن الوجوب ينقسم بالنسبة إلى المأمور به إلى معين ومخير، ~~وبالنسبة إلى وقته إلى مضيق وموسع، وبالنسبة إلى المأمورين به إلى عين ~~وكفاية، وقد مر البحث في القسمين الأولين. # وبقي البحث في الثالث، وهو الواجب على الكفاية ولم يذكره والحاجة ماسة ~~إلى تعيينه ولا شك أن الخطاب المتوجه على الجميع تارة يتوجه على كل واحد، ~~وتارة لا يتوجه على كل واحد. # والأول ينقسم إلى: ما ms071 يكون فعل البعض شرطا في فعل الآخر، كصلاة الجمعة، ~~وإلى ما [لا] يكون كذلك، كالصلوات الخمس. # والثاني: وهو المتوجه على الكل لا باعتبار كل واحد. # قال المصنف وجماعة: هو فرض الكفاية، ومثلوه بقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى PageV01P340 ### || AUTO المسألة العاشرة # الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ بمعنى: أنهم كما يعاقبون يوم القيامة على ~~ترك الإيمان؛ فكذلك يعاقبون -أيضا- على عدم إتيانهم بالصلاة والزكاة. # === # ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104]، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر من فروض الكفاية بالإجماع؛ وكذلك قوله تعالى: {فلولا نفر ~~من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] وغير ذلك. # وقال قوم: معنى فرض الكفاية توجه الخطاب على كل واحد، وسقوطه بفعل البعض، ~~وبهذا فارق المعين. # واحتجوا: بأنه لو لم يكن الخطاب لكل واحد- لما عصى بالترك كل واحد. # وعورضوا: بأنه لو كان الخطاب لكل واحد لما سقط بفعل البعض، فبهذا فارق ~~المعين. # وأجيب: بأنه لا يعد في سقوط الخطاب به غير الامتثال، كما يسقط بالنسخ ~~والعجز، والسر في سقوطه: أنهم إذا أمروا بغسل ميت، وتكفينه مثلا، وفعل ذلك ~~البعض- فقد حصل المطلوب، فبقاء الطلب على الباقين يكون تحصيل الحاصل؛ وهو محال. # واحتج الأولون: بأنه إذا صح الأمر بغير المعين، فليصح أمر غير المعين. # وفرق الآخرون: بأن تعلق الأمر بالمأمور به راجع إلى الذكر، وأقول: ولا ~~مانع من تعلقهما بالمطلق المبهم، ويخرج عن عهدته بالمعين؛ لاشتماله عليه. # وأما المأمور به فلازمه لحوق العقاب، أو اللوم على تركه، ويمتنع تعلقهما ~~بغير المعين، وهو كخلق البياض، أو السواد في محل غير معين. # قالوا: فظاهر الخطاب في الآية دال على ما ذكرنا. # أجيبوا: بأن ما ذكرناه قطعي، وما ذكرتموه ظني، فيتعين تأويله؛ جمعا بين ~~الأدلة. # وزاد المصنف فقال: والتكليف به منوط بغلبة الظن، فإن غلب على ظن البعض أن ~~البعض الآخر أتى به- سقط عن الجميع. # وهذا ضعيف؛ فإنه يؤدي إلى التواكل، وتضييع الواجب، ولا شك أنه يكفي في ~~التوجه ورود الخطاب، وإنما البحث في المسقط، والأمر فيه منقسم، فما يتصور ~~العلم بحصوله، كميت حاضر، ms072 خوطب بتغسيله وتكفينه ودفنه- فلا يسقط إلا بالعلم ~~بالامتثال. # وما يتقرر العلم به يكفي في إسقاطه الظن، كما في قيام طائفة بالجهاد ~~لإعلاء كلمة الدين. ### || AUTO [المسألة العاشرة] # اختلف الأصوليون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: # فذهب الأشعري، والقاضي، وأكثر أصحاب الشافعي -رحمه الله تعالى- إلى أنهم PageV01P341 # والدليل عليه: أن المقتضي لوجوب هذه الأعمال على الكفار- قائم؛ وهو قوله ~~تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21]، وقوله: {ولله على الناس ~~حج البيت} [آل عمران: 97]، والكفر غير مانع منها؛ لأن الكافر يمكنه أن يؤمن ~~بالله، ثم بعد الإيمان # === # مخاطبون بالفروع. # وصار أبو هاشم، وأكثر الحنفية إلى أنهم غير مخاطبين، وغلا أبو هاشم فقال: ~~إن المحدث لا يخاطب بالصلاة إلا بعد إزالة حدثه، ونسب إلى خرق الإجماع. # وفرق قوم بين الأمر والنهي، فقالوا: يجوز التكليف بالمنهى، لأن المقصود ~~منه الترك، وهو حاصل بدون نية التقرب، بخلاف المأمور، وهو لا يلزمهم جواز ~~الأمر بالمأمورات التي لا يشترط فيها نية التقرب. # وهذه المسألة لا يظهر فيها أثر الخلاف في الدنيا؛ فإن الكافر لا يصح منه ~~العبادة مع كفره، وإذا آمن لا يخاطب بقضاء ما فات؛ لأن "الإسلام يجب ما ~~قبله"، ولأن إيجاب القضاء تنفير من الدخول فيه، وإنما أثره في تضعيف العقاب ~~في الآخرة. # وهذه مسألة فرعية، وإنما فرضها العلماء مثالا لأصل، وهو أن التكليف ~~بالمشروط حالة عدم الشرط هل يصح أو لا؟ # وحرف المسألة: ينبيء على أن الإمكان المشروط هل يشترط فيه التمكن الناجز أم لا؟ # فمن اشترطه منع ذلك، ومن اعتقد أن الشرط التمكن على الجملة -وهو الحق- ~~جوز التكليف به؛ فإنه يمكنه الإتيان بالمشروط، والتوسل إليه بالإتيان ~~بالشرط. # وتحقيقه بالإجماع على تكليف الدهري بالإيمان بالرسول، المشروط بتقديم ~~الإيمان بالله تعالى، والإجماع على أمر المحدث بالصلاة بشرط تقديم الطهارة. PageV01P342 # يأتي بهذه الأعمال؛ كما أن الدهري مكلف بالإيمان بالرسول؛ على معنى: أنه ~~يمكنه أن يأتي بالإيمان بالله أولا، ثم يأتي بعده بالإيمان بالرسول، ~~والمحدث مأمور بالصلاة؛ بمعنى: أنه يمكنه أن يتوضأ أولا، ثم يأتي بالصلاة ثانيا. # حجة ms073 المخالف: لو وجهت الصلاة على الكافر- لوجبت: إما في حال الكفر؛ وهو ~~محال؛ لأن حال الكفر: لا يصح صدورها منه، أو بعد الكفر؛ وهو محال؛ لأن بعد ~~الكفر: تسقط عنه جميع التكاليف السالفة؛ بالإجماع، ولقوله -عليه السلام-: ~~"الإسلام يجب ما قبله". # الجواب: أن محل النزاع شيء آخر؛ وهو: أنه إذا مات على الكفر، وعوقب على ~~الكفر: فهل يعاقب -أيضا- على ترك هذه الأفعال؟ ! وما ذكرتموه لا يبطل ذلك. # === # ولو شرط التمكن الناجز- لما صح التكليف بعبادة ذات أجزاء جملة، كالصلاة مثلا. # هذا هو البحث في طرف الجواز، وهو حظ الأصوليين، وأما الوقوع فهو من مباحث ~~الفروع، ويكتفى فيه بغلبات الظنون. # ويدل عليه ظاهر قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ~~يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} [الفرقان: 68، 69] وغيره. # قوله: "والدليل عليه: أن المقتضي لوجوب هذه الأعمال على الكافر قائم، وهو ~~قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21]، وقوله تعالى: {ولله ~~على الناس حج البيت} [آل عمران: 97]، يعني: وظاهر "الناس" يعم المؤمنين ~~والكافرين، وهذا استدلال على الوقوع. # وقوله: "والكفر غير مانع" وقرره بالقياس على أن الدهري مخاطب بالإيمان ~~بالرسول، والمحدث مخاطب بالصلاة- هذا بحث في الجواز، وقد تقدم تقريره. # وقوله: "واحتج المخالف بأنه لو وجبت الصلاة على الكافر لوجبت: إما في حال ~~الكفر وهو محال، أو بعده، وهو محال؛ لأن إيمانه يسقط عنه جميع الكاليف" ~~-يعني أنه لا يؤمر بالقضاء، فأشبه الحائض من حيث إنها لم تؤمر بالصلاة في ~~حال الحيض، ولم تؤمر بالقضاء بعد زواله؛ فلم تكن مخاطبة بالصلاة. # وجوابه: أن محل النزاع شيء آخر يعني في تضعيف العذاب في الآخرة، هذا مع ~~أن قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: ~~38]. PageV01P343 ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # الأمر بالشيء أمر بما لا يتم ذلك الشيء إلا به؛ بشرط أن يكون ذلك الأمر ~~مطلقا، وبشرط أن يكون ذلك الشرط مقدورا للمكلف. ms074 # === # وقوله -عليه الصلاة والسلام: "الإسلام يجب ما قبله" - مشعر بتوجه الخطاب؛ ~~إذ لا معنى لسقوط ما لم يثبت. ### || AUTO [المسألة الحادية عشرة] # ما لا يتم الواجب إلا به أقسام: PageV01P344 # والدليل عليه: أن الأمر اقتضى إيجاب ذلك الفعل على كل حال؛ [و] لو لم ~~يقتض إيجاب شرطه، لكان قد كلف بالفعل حال عدم شرطه؛ وهذا تكليف ما لا يطاق. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه أمرنا بفعل بشرط حصول ذلك الشرط؛ غاية ~~ما في الباب أن يقال: هذا عدول عن الظاهر؛ لأن اللفظ يقتضي إيجاب الفعل على ~~كل حال، فتخصيص الإيجاب بزمان حصول الشرط- خلاف الظاهر؛ إلا أنا نقول: هذا ~~لازم عليكم؛ لأن اللفظ اقتضى إيجاب ذلك الفعل، ولم يقتض إيجاب شرطه، فإيجاب ~~ذلك الشرط عدول عن الظاهر؛ فلم كان مخالفة الدليل من أحد الوجهين أولى من ~~مخالفته من الوجه الثاني؟ ! # الجواب: أن مخالفة الظاهر إثبات ما ينفيه اللفظ، أو نفي ما يثبته اللفظ. # === # أحدها: ما يكون ركنا فيه، ولا خلاف أن الأمر بالشيء أمر بجميع أركانه. # الثاني: ما هو خارج عنه، ومنه شرعي، وعقلي، وعادي: # أما الشرعي: [ف] كاشتراط الطهارة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا صلاة ~~إلا بطهور"؛ فالأمر بالصلاة أمر بها. # وأما العقلي: فما يتوقف عليه عقلا، كالانكفاف عن الضد حال فعل ضده. # وأما العادي: فما يتوقف عليه عادة؛ كإمساك جزء من الليل لوجوب إمساك ~~اليوم، وهما محل النزاع، ولا شك في وجوبهما عقلا، أو عادة، وإنما النزاع في ~~وجوبهما شرعا لوجوب مستلزمهما. PageV01P345 # فأما إثبات ما لا يتعرض اللفظ له؛ لا بنفي ولا بإثبات -فلم يكن إثباته ~~مخالفا للظاهر، وليس كذلك إذا خصصنا إيجاب الفعل بحال حصول الشرط؛ لأن ~~اللفظ لما اقتضى إيجابه على كل حال-: كان تخصيص الإيجاب بزمان معين -دون ما ~~سواه- مخالفة للظاهر. # حجة المخالف: أن صدور الإيمان من أبي جهل مشروط بكون الله تعالى عالما ~~بصدور الإيمان منه، وبعدم علمه بصدور الكفر منه، فإما أن يقال: الأمر ~~بالإيمان أمر بتحصيل هذا الشرط، أو لا [يكون]؛ ms075 والأول باطل؛ وإلا - لزم [أن ~~يكون الكافر مأمورا # === # قوله: "بشرط أن يكون ذلك الأمر مطلقا"؛ يعني: أنه واجب على كل حال، ~~كالأمر بعتق رقبة؛ فإن الوجوب يتعلق بها، سواء كانت حاصلة في ملكه، أو لم ~~تكن، إذا كان قادرا على تحصيلها. # قوله: "ويشترط أن يكون ذلك الشرط مقدورا للمكلف" احتراز عن سلامة البنية ~~وخلق القدرة على الفعل. # وقد احتج القاضي على الوجوب: بأنه لو لم يكن واجبا، لكان إما محظورا أو ~~مندوبا، أو مكروها، أو مباحا؛ لانحصار الأحكام في الخمسة، ولا جائز أن يكون ~~محظورا؛ لأن الأمر بالمتوسل إليه، مع منع الوسيلة، تكليف بالمحال، ولا جائز ~~أن يكون مباحا أو مندوبا، أو مكروها؛ لأن جميع ذلك يسوغ تركه، وفي تجويز ~~تركه تجويز ترك الواجب. # والاعتراض عليه: أن شرط التكليف إمكان الفعل، وإمكان الفعل يتحقق بعدم ~~المنع من الوسيلة، ولا يتوقف على إيجابها، ولو صرح بذلك وقال: أوجبت عليك ~~غسل الوجه، ولا أوجب عليك أخذ جزء من الرأس، ولا أمنعك منه، فإن فعلت أثبتك ~~على غسل الوجه فقط، وإن تركت عاقبتك على تركه فقط- لم يكن متناقضا. # قوله: "والدليل عليه أن الأمر يقتضي إيجاب الفعل على كل حال"؛ لأن الكلام ~~فيه، وإيجاب الفعل على كل حال لو لم يقتض إيجاب شرطه لكان قد كلف بالفعل ~~حال عدم شرطه مع عدم منعه منه؛ وأنه تكليف بالمحال. # والاعتراض عليه: أن التكليف بالفعل، حال عدم شرطه مع عدم منعه منه- لا ~~نسلم أنه تكليف بالمحال. # قوله: "فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنه أمر بالفعل بشرط حصول ذلك ~~الشرط"؟ هذا الاعتراض إحالة لصورة المسألة؛ فإن الكلام فيما إذا تحقق ~~الوجوب، وكان لا يحصل ذلك الفعل إلا بفعل آخر، كالأمر بالمعرفة التي لا ~~يتأتى حصولها عادة إلا بتقديم النظر. # فقوله: "إنه لا تجب المعرفة إلا بعد حصول النظر" - إحالة لصورة المسألة؛ ~~فإن الشروط تنقسم إلى قسمين: PageV01P346 # بتغيير صفة الله تعالى؛ وهو محال، فإن التزمتم] جواز الأمر به؛ بناء على ~~أنه يجوز تكليف ما لا يطاق-: فلم ms076 لا يجوز أن يقال: "إنه أمر بالفعل، ولم ~~يؤمر بشرطه"؟ ! فلزوم تكليف ما لا يطاق لما كان واردا على جميع التقادير- ~~امتنع الاحتراز منه! # === # شرط إيجاب: كملك النصاب في إيجاب الزكاة، فهذا لا نزاع في عدم وجوبه. # وشرط أداء: كالإيمان في العبادات، وهو محل النزاع. # قوله: "غاية ما في الباب أن يقال: هذا عدول عن الظاهر"، يعني أنه تقييد ~~للمطلق، وتقييد المطلق على خلاف الظاهر. # قوله: "إلا أنا نقول: هذا لازم عليكم؛ لأن اللفظ اقتضى إيجاب ذلك الفعل، ~~ولم يقتض إيجاب شرطه، فإيجاب ذلك الشرط عدول عن الظاهر. # وجوابه: بأن مخالفة الظاهر إثبات ما ينفيه اللفظ، أو نفى ما يثبته ... " ~~إلى آخره- ظاهر. # قوله: "حجة المخالف: أن صدور الإيمان من أبي جهل مشروط بكون الله تعالى ~~عالما بصدور الإيمان منه، وبعدم علمه بصدور الكفر"، يعني بعدم علمه تعالى ~~بالنقيض؛ كقوله تعالى: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض} [يونس: 18]، أي: بما يعلم خلافه. # وما ذكره من الاعتراض غير لازم؛ لأن هذا الشرط غير مقدور عليه، فليس هو ~~من محل النزاع. # قوله: إن غاية ما فيه تكليف المحال، والأمر بالمشروط بدون الشرط تكليف ~~المحال، فلم قلتم: إن أحد الاحتمالين أولى؟ . # والاعتراض عليه: أن يقال: البحث في هذه المسائل كلها مفرع على امتناع ~~التكليف؛ فلا يجاب بالتزامه. PageV01P347 ### || AUTO المسألة الثانية عشرة الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ خلافا للأكثرين # لنا: [أن] ما دل على وجوب الشيء دل على وجوب ما هو من ضروراته، إذا كان ~~مقدورا للمكلف؛ لكن الطلب الجازم من ضروراته المنع من تركه، فاللفظ الدال على # === # [قوله: "المسألة الثانية عشرة] الأمر بالشيء نهي عن ضده، خلافا ~~للأكثرين": المذاهب في هذه المسألة ثلاثة: # أحدها: أن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده، فإذا قال مثلا: تحرك، فمعناه: ~~لا تسكن. # الثاني: أنه يتضمنه ويستلزمه، وهو اختيار صاحب الكتاب. # الثالث: أنه ليس عينه، ولا يستلزمه؛ وهو مذهب الإمام، والغزالي، ومن ~~المعلوم أن قول PageV01P348 # الطلب الجازم يكون دالا على المنع من الترك. # حجة المخالف: ms077 أن الإنسان قد يأمر بالشيء حال غفلته عن ضد المأمور به، ~~والغافل عن الشيء يمتنع كونه ناهيا عنه. # === # القائل: "تحرك" ليس هو عين قوله لا تسكن، فليس الخلاف إلا أن معناه ~~معناه، أو لا. # واحتج القاضي: على أنه عينه باشتمال القضيتين على الطلب، والطلب لا يتحقق ~~بدون المطلوب، فمطلوب "لا تسكن": إما أن يكون سلب الحركة، ولا يصح التكليف ~~به؛ لأن العدم غير مقدور الحركة، أو السكون؛ لانحصار الأمر في ذلك ضرورة، ~~ولا يتعلق بفعل السكون؛ لأن الأمر بالسكون يناقض الأمر بالحركة. # وقوله: "لا تسكن" لا يناقض الأمر بالحركة، فيتعين أن يكون متعلقه نفس ~~الحركة، ونظره بالحركة؛ فإنها معنى واحد. # وحقيقتها: تفريغ حيز، وشغل غيره، والكون واحد [و] هو تفريغ وشغل بالنسبة ~~إلى محلين، فلم يلزم من تعددهما بالإضافة تعدد المعنى الحاصل؛ كذلك تعدد ~~الأمر والنهي. # والاعتراض عليه: أن الفعل والترك متقابلان، والتحريك والتسكين كذلك، ، ~~وشرط تحقق أحد المتقابلين سلب ما يقابله، فلو كان الترك عين الفعل، لكان ~~الشيء شرطا في نفسه، فهو إذن غيره، لا عينه. # وتنظيره بالحركة أنها معنى واحد هو تفريغ وشغل- حجة عليه؛ فإنه وإن كان ~~معنى واحدا فله اعتباران في العقل يختلفان باختلاف مقاصد الآمرين، فقد يكون ~~مقصود الطالب الحصول في الحيز الثاني؛ فيكون الطلب المتوجه إليه أمرا، وقد ~~يكون مقصوده إخلاء الحيز الأول؛ فيكون الطلب المتوجه إليه نهيا، فاختلف ~~الطلب باختلاف المتعلق؛ وهو قول القاضي في الجديد. # وقرره: بأنه لو لم يكن منهيا عنه، لصح الأمر به، والأمر به جمع بين ~~النقيضين. # والاعتراض عليه: بأن اللزوم في الوجود مسلم، فلم قلت: إنه يلزم من ~~تلازمهما في الوجود تلازمهما في الطلب؟ فرجع القول فيه إلى البحث في أن ما ~~لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب أم لا؟ # وقد بينا في المسألة السابقة أنه غير لازم، وصاحب الكتاب بنى دليله على ~~أن ما كان من ضرورات الشيء، فإنه واجب. # وقول القاضي: "إنه لو لم يكن منهيا عنه، لصح الأمر به"- غير لازم؛ فإنه ~~إذا انتفى المعنى، ms078 جاز وجود خلافه، بشرط ألا يضاده معنى في المحل، فإذا ~~انتفى النهي جاز ثبوت خلاف لا يضاد الأمر؛ كإطلاق الفعل مثلا للأمر به، ~~فإنه يضاد الأمر بضده الثابت في المحل. # قوله: "حجة المخالف أن الإنسان قد يأمر بالشيء حال غفلته عن ضد المأمور ~~به، والغافل عن الشيء يمتنع كونه ناهيا عنه"- هذا مستند من يدعي المفارقة؛ ~~وهو اختيار الإمام، والغزالي. PageV01P349 # الجواب: لما جاز أن يقال: "الأمر بالشيء أمر بمقدماته الضرورية، وإن كان ~~ذلك الآمر غافلا عن تلك المقدمات"- فلم لا يجوز أن يقال: إن الآمر بالشيء ~~ناه عن ضده؛ على سبيل الاستلزام. # === # وأجاب صاحب الكتاب عنه في غير هذا الكتاب بمنع عدم الحضور؛ فإن الأمر ~~الجازم يستلزم المنع من الترك؛ فكيف يتصور الذهول عنه، وهو جزء ماهية ~~الوجوب؟ # نعم، ما يقع به الترك قد يذهل عن تفاصيله. # وهذا يعترض عليه: بأن نفس الترك المجرد هو النقيض، وهو سلب غير مقدور، ~~فيمتنع التكليف به. # قوله في الكتاب: "لما جاز أن يقال: الأمر بالشيء أمر بمقدماته الضرورية، ~~وإن كان غافلا عن تلك المقدمات، فلم لا يجوز أن يكون الآمر بالشيء ناهيا عن ~~ضده على سبيل الاستلزام له؟ " وهذا غير سديد؛ فإن للخصم أن يمنع الأمر ~~بالمقدمات مع الغفلة عنها. # ومما يتعلق بهذه المسألة: أن بعض الأئمة زعم أن هذا الخلاف لا يجري على ~~قواعد المعتزلة؛ فإنهم أنكروا كلام النفس، وردوا الأمر والنهي إلى الصيغ. # ومعلوم أن "لا تفعل" ليس هو عين "افعل"، ولا لازمه، ، وقد نفل عنهم ~~الخلاف في المسألة. # والحق صحة جريانه؛ فإنهم شرطوا مع العبادات أمارات، فلا مانع أن يقولوا: ~~إن كون صيغة "افعل" أمرا بشرط إرادة الفعل، وإرادة الفعل مستلزمة لكراهة الضد. # وقال بعض من ينتهي إلى التحقيق: إنه لا يجري في كلام الله تعالى؛ فإنه ~~معنى واحد، وهو بعينه أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، فعين ما أمر به هو عين ما ~~نهى عنه. # وهذا أيضا غير صحيح؛ فإنه وإن اتحد الكلام في نفسه إلا أن الأمر والنهي ~~يختلفان بجهات التعليق. # وإذا ms079 حصل الاختلاف، لزم التعدد بالوجوه، فأمكن أن يقال: هل يلازم طلب هذا ~~الوجه طلب الوجه الآخر أم لا؟ . PageV01P350 ### || AUTO المسألة الثالثة عشرة الوجوب إذا نسخ بقي الجواز؛ خلافا لقوم # لنا: أن المقتضي لحصول الجواز قائم، والمعارض الموجود لا يصلح أن يكون ~~معارضا له؛ فوجب أن يبقى الجواز: # بيان الأول: أن جواز الفعل جزء من ماهية الوجوب؛ لأن الواجب هو الذي يجوز ~~فعله، ويمتنع تركه، والمقتضي للمجموع مقتض لكل واحد من تلك المفردات؛ ~~فالمقتضي للوجوب مقتض للجواز. # === # [المسألة الثالثة عشرة] # الوجوب إذا نسخ بقي الجواز، خلافا للغزالي. # اعلم: أن أكثر الباحثين يردون الخلاف في هذه المسألة إلى خلاف لفظي؛ لأن ~~المتباحثين فيها لم يتواردوا على مورد واحد. # فإن الغزالي عنى بالجواز -الذي لا يبقى بعد رفع الوجوب- التخيير، ولا شك ~~أنه ليس جزءا للوجوب، بل هو قسيمه، ومقابله، فإذا ارتفع الوجوب بمطلق ~~النسخ؛ كقوله: نسخت الفعل مثلا، فلا يتعين ثبوت التخيير؛ لعدم انحصار ~~التقابل فيه لبقاء الأحكام الأربعة. # ومن قال: يبقى، لم يعن بالجواز التخيير؛ وإنما عنى به رفع الحرج، ولا شك ~~أنه جزء من الواجب. PageV01P351 # بيان الثاني: أن الوجوب ماهية مركبة من جواز الفعل، ومن المنع من الترك، ~~والمركب يكفي في ارتفاعه ارتفاع حد قيد به؛ فيكفي في نسخ الوجوب ارتفاع ~~المنع من # === # فاحتج صاحب الكتاب على هذا التقدير فقال: "إن المقتضى للجواز قائم" لأن ~~المقتضى للوجوب قائم؛ إذ الفرض فيه؛ وإذا كان الوجوب ثابتا، والجواز جزؤه، ~~وجزء الثابت ثابت- كان الجواز ثابتا. # قوله: "والمعارض الموجود لا يصلح أن يكون معارضا"، يعني أن الموجود هو ~~النسخ، والنسخ يقتضي إبطال الحقيقة، وحقيقة الوجوب مركبة من قيدين، كما ذكر ~~من جواز الفعل، والمنع من الترك. # والمركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه، فإنه ينتفي أيضا بانتفاء بعضها، ~~ويكفي في رفع الوجوب رفع المنع من الترك، ورفع الجواز محتمل، والأصل بقاؤه؛ ~~لأن المقتضي لثبوته قائم، والمعارض مشكوك فيه. # واعترض عليه: بأنا لا نسلم تفسير الجواز برفع الحرج؛ فإنه ثابت في أفعال ~~البهائم والصبيان، ولا توصف بالجواز؛ ms080 بل معناه: التخيير، والتخيير ليس جزءا ~~من الواجب. سلمناه، لكن لا نسلم أنه ثابت بالشرع، بل من البراءة الأصلية، ~~والشرع لم يدل إلا على العمل على الفعل. سلمناه، ولكن لا نسلم بقاءه؛ فإنه ~~تابع فينتفي لانتفاء المتبوع. # فإن قلتم: إنه أعم، ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم- قلنا: لا ~~نسلم عدم انتفائه مطلقا، بل إنما يتقرر ذلك إذا اختص كل واحد من الأعم ~~والأخص بوجود يخصه؛ كالجسم والنمو. # أما إذا كان العموم، والخصوص راجعين إلى وجوه واعتباراب في العقل، واتحدا ~~في الوجود الخارجي كاللونية والسوادية في السواد- فإنه يلزم من إبطال ~~السوادية إبطال اللونية المختصة بها؛ بل إن وجدت لونية البياض في المحل فهي ~~لونية أخرى؛ لاتحادهما في الوجود. # فإن قلتم: إن الأمر هنا ليس كذلك، سلمناه، لكن لم قلتم: إن الرافع يتعين ~~عند الإطلاق بالأخص؟ # والجواب عن الأول: أنه لا خلاف في صحة إطلاق الجواز بمعنى رفع الحرج؛ قال ~~الله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة 198]. # وعن الثاني: أن دلالة العقل لا تمنع دلالة الشرع. # وعن الثالث: أنه يكفي في انتفاء الماهية انتفاء الأخص. # قوله: إنه لا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم مطلقا؛ لجواز أن يكونا ~~اعتبارين في العقل- قلنا: ولو سلم ذلك لم يضر ها هنا؛ فإن الحكم الشرعي ~~راجع إلى القول والذكر النفسي، ولا يمنع تعلقهما بالوجوه والاعتبارات، كما ~~يصح طلب المطلقات، وإن كانت لا تؤخذ إلا معينة. PageV01P352 # الترك؛ فيثبت أن المقتضي لبقاء الجواز قائم، ويثبت أن نسخ الوجوب- لا ~~يوجب نسخ الجواز؛ فيوجب القول ببقاء ذلك الجواز. ### || AUTO المسألة الرابعة عشرة # تكليف ما لا يطاق واقع، وقد ذكرناه في علم الكلام. # ونزيده ههنا وجهين آخرين: # أحدهما: أن التكليف: إما أن يتوجه حال استواء الداعي إلى الفعل والترك، ~~أو حال رجحان أحد الجانبين على الآخر: # فإن كان الأول: كان هذا أمرا بتحصيل الترجيح حال حصول الاستواء؛ وهذا ~~تكليف ما لا يطاق. # === # وعن الرابع: إنما تعين نفي الأخص؛ لأن المنع على خلاف الدليل، وبتقدير ~~نفي الأخص ms081 فقط تكون المخالفة أقل؛ فوجب المصير إليه، والله أعلم. # [قوله: " ### || AUTO المسألة الرابعة عشرة] # : تكليف ما لا يطاق واقع" الخلاف في هذه المسألة في طريقين: في الجواز، ~~والوقوع. وقد اختار صاحب الكتاب: أنه واقع، وفي ضمنه اختيار الجواز. # ومذهب المعتزلة، وإمام الحرمين، والغزالي: أنه لا يجوز. # ومذهب الأشعري: جوازه، ، وقد تردد النقلة عنه في وقوع ما جوزه. # قال الإمام: وهذا سوء معرفة بمذهبه؛ فإن التكاليف كلها واقعة على خلاف ~~الاستطاعة. # وبينه من وجهين: # أولا: أن قدرة العبد لا تأثير لها في وقوع المقدور عنده، فهذا كلف بالفعل ~~فقد كلف بفعل غيره. # ثانيا: أن القدرة عنده لا تبقى زمانين، ولا توجد إلا مقارنة للامتثال ~~والتكليف بالفعل متوجه قبل الامتثال، فقد كلف بما لا قدرة له عليه. وما ~~ذكره الإمام من الالتزام لا يمنع من تردد النقلة؛ فإن ما تئول إليه المذاهب ~~لا يلزم أن يكون مذهبا لقائله. # وهذه المسألة تذكر في أصلي الدين والفقه معا؛ لتعلقها بهما: أما تعلقها ~~بأصول الدين: فإن الأشعرية إذا أثبتوا عموم الصفات لله تعالى، وبينوا أن كل ~~حادث واقع فهو بمشيئة الله تعالى وقدرته. # قالت المعتزلة: هذا يلزم منه التكليف بالمحال؛ لأنه تعالى إذا أخبر بفعل، ~~وهو من خلقه كان حاصل التكليف به: افعل يا من لا فعل له، أو افعل ما أنا ~~فاعل، وهذا عين التكليف بالمحال. PageV01P353 # وإن كان الثاني: فالراجح واجب، والمرجوح ممتنع، فإن وقع التكليف بتحصيل ~~الطرف الراجح -كان هذا أمرا بتحصيل الحاصل؛ وهو محال، وإن وقع الأمر بتحصيل ~~المرجوح- كان هذا أمرا بتحصيل الممتنع؛ وهو محال. # === # وأجاب الأصحاب بوجهين: # أحدهما: التزامه والتزامهم مثله على قواعدهم؛ فإن اختلاف المعلوم مكلف ~~به، وفعله متوقف على خلق داع من الله تعالى، دفعا للتسلسل، فقد كلفه، ولم ~~يخلقه له، وطلب الفعل لاستصلاح من علم أنه لا ينصلح، ، إلى غير ذلك مما ~~يقررونه في محله. # الثاني: قالوا: إن أثبتنا عموم القدرة والإرادة لله تعالى، وقلنا: إن كل ~~حادث باختراعه ومشيئته، إلا أن للعباد في بعض الأفعال كسبا؛ على ms082 ما نطق به ~~القرآن المجيد: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286]. # والكسب فعل فاعل بمعين فلا نقول بالاستقلال ولا بالجبر فإنا نفرق ~~بالضرورة بين حركة المرتعش والمسحور والمختار، والتكليف إنما يتعلق ~~بالمكسوب. # وأما تعلقها بأصول الفقه: فلأن أصول الفقه عبارة عن: العلم بأدلة الأحكام ~~الشرعية من حيث الإجمال. # وذلك يستدعي البحث في طرفين: طرف الأدلة، وطرف الحكم، والبحث في طرف ~~الحكم يستدعي البحث في تعيين الحاكم، وهو الله تعالى: {إن الحكم إلا لله} ~~[يوسف: 40]. # والمحكوم عليه: وهو البالغ العاقل، الفاهم للخطاب. # والمحكوم فيه: وهو فعل المكلف، وله شروط منها: أن يكون مقدورا لمن كلف ~~به، فمن ثم استدعي البحث في تكليف ما لا يطاق، وقد اتفق الجميع أن التكليف ~~بخلاف المعلوم واقع، وقد احتج به على جواز التكليف بما لا يطاق ووقوعه. # قالوا: لأنه إذا كلف بفعل، مع علمه تعالى أنه لا يوقعه -فوقوعه محال؛ ~~لأنه لو وقع لانقلب العلم جهلا. # قالوا: ولا فرق بين المستحيل لغيره، والمستحيل لنفسه. # قالوا: ولأن الله تعالى أخبر عن قوم كلفهم بالإيمان أنهم لا يؤمنون، فلو ~~وقع للزم الخلف في كلامه؛ وهو محال. # قالوا: ولأن ما علم الله تعالى انتفاء وقوعه، فهو لا يريده، ووقوع خلاف ~~المراد محال. # وأجاب المانعون: بأن تعلق العلم بعدم وقوع الفعل لا يخرجه عن الإمكان؛ ~~فإن العلم يتعلق بالشيء، ولا يؤثر فيه؛ بدليل صحة تعلقه بالواجب والمستحيل، ~~وإذا لم يؤثر، لم يخرج الممكن عن إمكانه؛ ولذلك كان مقدورا لله تعالى، وإلا ~~لم تعم صفاته تعالى. # قالوا: والشرط في التكليف إمكان الفعل عادة بالنسبة لمن كلف به، فمن كلف ~~بالطيران PageV01P354 # فإن قالوا: "إنه -حال الاستواء- مأمور بتحصيل الترجيح في الزمن الثاني": # فنقول في الجواب: إما أن يكون المراد منه: أنه في الزمن الأول مأمور ~~بتحصيل الفعل في الزمن الثاني، أو المراد منه: أنه عند مجيء الزمن الثاني ~~يصير مأمورا بتحصيل الفعل فيه: # === # فقد كلف بما لا طاقة له به، بخلاف تكليفه بالمشي. # ثم ما لا يطاق ينقسم إلى خمسة أقسام: ms083 # الأول: المستحيل في نفسه؛ كقلب الأجناس، والكون في محلين في زمان واحد، ~~وهذا لا تتعلق به قدرة ألبتة، لا قديمة، ولا حادثة. # الثاني: المستحيل بالنسبة إلى العبد خاصة؛ كخلق الأجسام، وبعض الأعراض ~~كالطعوم، والروائح. # الثالث: ما لا تجري العادة بخلق القدرة على مثله، وإن جاز خلقها؛ كالمشي ~~على الماء والطيران في الهواء. # الرابع: ما لا قدرة للعبد عليه حال التكليف، وله قدرة عليه حال الامتثال. # الخامس: ما هو من جنس مقدور للبشر، لكن في الحمل عليه مشقة عظيمة؛ كالأمر ~~في التوبة بقتل النفس، وثبوت الواحد للعشرة، وعليه يحمل قوله تعالى: {ربنا ~~ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به} [البقرة: 286] إذ لا معنى للابتهال في دفع ما لا يتصور وقوعه. # والخامس واقع بالاتفاق. # والرابع أيضا واقع على أصل أبي الحسن، وهو لا يعده من تكليف ما لا يطاق؛ ~~لأنه لا يشترط التمكن إلا على حال الوقوع، فلا يضر عدمه قبل ذلك. # والثلاثة الباقية جوزها أبو الحسن، والتردد المنقول عنه إنما هو في ~~وقوعها. # وقد احتج صاحب الكتاب على وقوعه ها هنا بوجهين: # الأول: أن الأمر: إما أن يتوجه حال استواء الداعي، أو ترجحه، ووقوع الفعل ~~مع الاستواء محال، ومع الترجيح للفعل واجب، والترك ممتنع والتكليف به تكليف ~~بالواجب، أو المستحيل. # ورد: بأن تعلق الداعي لا يصيره واجبا، فإنه واقع باختياره وقدرته، ، ~~ولزوم وقوع الجائز لتحقق سببه لا يصيره واجبا، وإلا لكان الباري تعالى ~~موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار؛ فإن ما تعلق علمه وإرادته وقدرته بوقوعه ~~فهو لازم الوقوع؛ فعدمه واجب بالتفسير الذي ذكره. # قوله في الاعتراض: "فإن قالوا إنه حال الاستواء مأمور بتحصيل الترجيح في ~~الزمان الثاني. # فنقول في الجواب: إما أن يكون المراد منه أنه في الزمن الأول مأمور ~~بتحصيل الفعل فيه، أو المراد منه أنه عند مجيء الزمن الثاني يصير مأمورا ~~بتحصيل الفعل فيه، فالأول تكليف ما لا PageV01P355 # والأول تكليف ما لا يطاق؛ لأن تحصيل الفعل في الزمن ms084 الثاني موقوف على ~~حصول الزمن الثاني، وحصول الزمن الثاني -عند وجود الزمن الأول- محال؛ ~~والموقوف على المحال محال. # === # يطاق -أي: في الزمن الثاني- لأنه تحصيل للفعل في الزمن الثاني، وهو موقوف ~~على حصول الزمن الثاني، وحصول الزمن الثاني عند وجود الزمن الأول محال". # والاعتراض عليه: أن يقال: المراد منه: أنه في الزمن الأول مأمور بإيقاع ~~الفعل في الزمن الثاني، والموقوف على وجود الزمن الثاني وقوع المأمور به، ~~لا الأمر؛ فإنه متقدم، ولم يؤمر بإيقاعه في الزمن الأول بشرط حصول الزمن ~~الثاني؛ فإنه محال. # والقسم الثاني: ظاهر البطلان؛ فلا نقول به. # قوله: "الوجه الثاني: أن الأمر بمعرفة الله تعالى حاصل" يعني بالإجماع ~~على الجملة. # قوله: "فهذا الأمر: إما أن يتوجه على المكلف حال كونه عارفا بالله تعالى، ~~فيكون أمرا بتحصيل حاصل" يعني: وهو من التكليف بالمحال. # قوله: "أو قبل كونه عارفا بربه وقبل كونه عارفا بربه لا يكون عارفا بأمر ~~ربه" يعني: فقد كلف بالمشروط بدون شرطه. # والجواب عنه: اختيار الثاني، ولا يلزم منه التكليف بالمشروط مع عدم ~~الشرط؛ فإن شرط التكليف به تصور أن له ربا يأمره، لا علمه بأن له ربا ~~يأمره، والتصور حاصل بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إن لك ربا ~~يأمرك، فإن شكرته أثابك، وإن كفرته عاقبك". # وقد احتج الإمام والغزالي على امتناع التكليف بما لا يطاق: بأن التكليف ~~طلب واستدعاء، والطلب يستدعي مطلوبا، وشرطه أن يكون معلوما للطالب، ~~والمستحيل وقوعه غير معلوم الوقوع؛ فلا يكون مطلوبا؛ لاستحالة تحقق المشروط ~~بدون الشرط. # واعترض عليه: بأن المستحيل محكوم عليه بالاستحالة، والحكم على الشيء ~~موقوف على تصوره، فالمستحيل متصور. # وأجيب: بأنه محكوم عليه بالنفي، فيتوقف على تصوره منفيا. أما الحكم عليه ~~بالطلب، فيتوقف على تصوره مثبتا تصور الشيء على خلاف ما هو به، ولا يقع ~~الأمر به إلا من جاهل أو مقدور، والجهل على الله تعالى محال؛ لأنه نقص، ~~والتقدير لا يكون إلا حادثا، ولا يتصف سبحانه بحادث. # ويمكن أن يقال: الحكم عليه بأنه لا يتصور طلبه يستدعي تصوره، فهو ms085 متناقض، ~~والحق أن قوله في الفرق: إن الحكم عليه بالنفي يتوقف على تصوره منفيا، ~~والحكم عليه بالطلب يتوقف على تصوره مثبتا -مغالطة؛ فإن فيه أخذ الحكم في ~~المحكوم عليه، وجعل التصور تصديقا. # ومعنى الحكم على الشيء بالاستحالة: أن بعض التصورات الثابتة في الذهن إذا ~~عرضت على العقل، قضى عليها بأنها لا تقبل الوجود الخارجي بوجه ما، فإذا فرض ~~جوهر ما في PageV01P356 # وأما الثاني -وهو أنه عند مجيء الزمن الثاني يصير مكلفا بذلك الفعل-: ~~فنقول: إن عند مجيء ذلك الزمان- يعود التقسيم فيه، وهو: أن عند ذلك الزمن، ~~المكلف: إما أن يكون متساوي الدواعي، أو ما كان كذلك: # === # محلين، في زمان واحد، قضى بذلك، وما لا حصول له في الذهن يكون غير مشعور ~~به، ومغفولا عنه؛ فلا يتصور القضاء عليه بإمكان ولا وجوب ولا استحالة. # وتشكيك صاحب الكتاب على هذا: بأن الثابت في الذهن، إن لم يكن له ثبوت من ~~خارج، فهو جهل ومغالطة أيضا- إنما يكون جهلا مع اعتقاد أنه ثابت من خارج؛ ~~فإن التصور الساذج -أعني: الحصول في الذهن- أعم. # والحق أيضا: جواز التكليف بما لا يطاق؛ فإن الطلب راجع إلى القول والذكر ~~النفسي، وهما الصفات التي تتعلق ولا تؤثر، فلا يمتنع تعلقها بالممتنع، كما ~~يتعلق بالمعدوم، والمطلق. # واشتراطه إمكان الفعل إنما يلزم لصحة القصد إلى امتثال المأمور به؛ لحصول ~~حكمة الفعل، ولا ينحصر مقصود التكليف في ذلك؛ بل قد يكون لمحض الابتلاء؛ ~~كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ونسخه قبل الامتثال، ولم يكن الأمر ~~لحكمة تنشأ من نفس وقوع الفعل. # وإذا تقرر ذلك: تبين أن التكليف يكون علما للشقاوة، أو للسعادة؛ قال الله ~~تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا} [الإسراء: 16] , وإذا كان ذلك فلا يمتنع أن يؤمر ~~العبد بما لا قدرة له عليه؛ علما لشقاوته. # وأما الوقوع: فالأقرب عدمه، وقد دلت آية ظاهرة على نفيه؛ كقوله تعالى: ~~{لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق 7] , وقوله تعالى: {لا يكلف الله ~~نفسا إلا ms086 وسعها} [البقرة 286] , وما احتج به على وقوعه من الابتهال فقد ~~تقدم تأويله على الأثقال الممكنة التي كلف بها من قبلنا. # ومما احتج به على وقوعه: أن الله تعالى كلف أبا لهب أن يصدق رسوله - عليه ~~السلام - في جميع ما أخبر به، ومن جملة ما أخبر به: أنه لا يصدقه، فقد كلفه ~~بأن يصدقه بأنه لا يصدقه، والتكليف به: تكليف بالجمع بين النقيضين. # واعترض عليه: بمنع ورود التكليف له على هذا الوجه، ويفتقر إلى نقل قاطع. PageV01P357 # الوجه الثاني: وهو أن الأمر بمعرفة الله تعالى حاصل، وهذا الأمر: إما أن ~~يتوجه على المكلف، حال كونه عارفا بربه؛ فيكون هذا أمرا بتحصيل الحاصل، أو ~~قبل كونه # === # قالوا: إنما كلف بأن يؤمن به، وهو ممكن، وأعلم الله نبيه - عليه السلام - ~~بأنه لا يؤمن. # ومنهم من قال بالامتناع ها هنا، وإن جوز التكليف بالمحال، وفرق بأن ~~التكليف بالمحال إنما جوز؛ علما للمحنة، وخطاب من لا يفهم كخطاب الجماد، ~~فيمتنع ها هنا وإن جاز ثم. # والقولان منقولان عن الأشعري، والحق هو الثاني. # قال ابن العربي: وفرق بين التكليف بالمحال، وتكليف المحال، يعني أن ~~التكليف بالمحال: كل ما يرجع إلى خلل في المأمور به، وتكليف المحال مما ~~يرجع إلى خلل في المأمور. # واحتج المجوزون: بقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: ~~43] , وبقوله -عليه الصلاة والسلام-: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى ~~يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم. ولا معنى للرفع فيما ~~يستحيل تصوره. PageV01P358 # عارفا بربه، وقبل كونه عارفا بربه: لا يكون عارفا بأمر ربه؛ فتوجه ذلك ~~الأمر إليه تكليف ما لا يطاق. PageV01P359 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وأجيب عن الآية بوجهين: # الأول: أنه خطاب مع المستثنى، وقوله تعالى: {حتى تعلموا ما تقولون} ~~[النساء 43] أي حتى تستكملوا العلم. # الثاني: أن الآية نزلت قبل تحريم الخمر، والمقصود منها النهي عن الإكثار ~~في الشرب إلى حد يمنع من الصلاة، فأضيف إلى الصلاة مجازا، أي: لا تسكروا ~~فتمتنعوا من الصلاة؛ كما يقال: لا تقرب التهجد، وأنت شبعان، أي: لا تشبع ~~فيمنعك ms087 الشبع من التهجد. # وأما الحديث فأجابوا عنه: بأنه لا يلزم من الحكم على ذي صفة ألا يكون ~~الحكم عليه باعتبار تلك الصفة، وإلا فيمتنع أن يقال: تحرك الساكن، وسكن ~~المتحرك. # [القول فيما يتعلق بالبحث في المحكوم فيه] # ومما يتعلق بالبحث في المحكوم فيه مسألة: # قال أصحابنا: يصح التكليف بعين المكره عليه ونقيضه، خلافا للمعتزلة في ~~العين دون النقيض. PageV01P361 ### || AUTO المسألة الخامسة عشرة الأمر يقتضي الإجزاء؛ خلافا لأبي هاشم # والمراد من كون المأمور [به] مجزئا: أنه كاف في الخروج عن العهدة. # === # والمكره على قسمين: # مكره انتهى الإكراه به إلى سلب القدرة والاختيار، فإذا لا نزاع بيننا ولن ~~المعتزلة أنه غير مكلف. # ومكره له قدرة وإرادة، لكنه لم يخل ودواعيه، فهذه مسألة النزاع. # واحتج أصحابنا على جواز تكليفه بأن الفعل ممكن، والفاعل متمكن، وشرط ~~الاستصلاح قد أبطلناه. # وألزم القاضي المعتزلة المكره على القتل؛ فإنه منهي عنه بالإجماع. # قال الإمام: وهذه هفوة من القاضي؛ فإن المعتزلة تشترط في المأمور به. أن ~~يكون بحال يثاب على فعله، وإذا أكره على عين المأمور به، فالإتيان به لداعي ~~الإكراه، لا لداعي الشرع، فلا يثاب عليه، بخلاف ما إذا أتى بنقيض المكره ~~عليه لداعي الشرع؛ فإنه أبلغ في إجابة داعي الشرع، وما ذكره الإمام حق من ~~هذا الوجه، ولم يورده القاضي على هذا المأخذ، إنما أورده على منعهم أن ~~المكره قادر، فبين أنه قادر بتكليفه بالضد، وعندهم أن الله -تعالى- لا يكلف ~~العبد إلا بعد خلق القدرة له، وهي عندهم من الأعراض الباقية. # والقدرة عندهم على الشيء قدرة على ضده، فإذا كان قادرا على ترك القتل، ~~فهو قادر على الفعل المكره على عينه. # وقال الغزالي: الآتي بالفعل مع الإكراه، إن أتى به لداعي الشرع - فهو صحيح. # وإن أتى به لداعي الإكراه فليس بصحيح، يعني كمن أكره على أداء الزكاة، ~~فأداها. # قال بعض المتأخرين: وهذا الذي ذكره إنما هو في العبادات المشترط فيها النية. # أما ما لا يشترط فيه النية، كمن يجب عليه رد المغصوبات، والودائع، وتسليم ~~المبيع وحبس ms088 المعتدة - فالمقصود منه واقع، قصد أو لم يقصد، فيخرج عن عهدة ~~التكليف به مع الإكراه. # وبحث صاحب الكتاب في هذه المسألة حائد عن مأخذ الفريقين جدا، والله أعلم. # [قوله: المسألة الخامسة عشرة]: # "الأمر يقتضي الإجزاء، خلافا لأبي هاشم، والمراد من كون المأمور مجزيا: ~~أنه كاف في الخروج عن العهدة". # تفسير الإجزاء: بأنه الكافي في الخروج عن العهدة -يعني به عهدة الأمر، ~~وهذا مذهب المتكلمين. PageV01P362 # والدليل عليه: أن بعد الإتيان بالمأمور به، لو بقي الأمر -لبقي: إما ~~متناولا لذلك الفعل الذي أدخله في الوجود؛ وهو محال؛ لأن على هذا التقدير: ~~كان ذلك الأمر متناولا لطلب ذلك الفعل مرتين؛ فلا يكون الإتيان به مرة ~~واحدة إتيانا بتمام المأمور به، وقد فرضناه كذلك؛ هذا خلف. # === # ومذهب الفقهاء: أنه الأداء الكافي في إسقاط القضاء. # والخلاف فيه مبني على أن القضاء؛ حيث شرع استدراكا للفائت، هل هو من ~~مقتضيات الأمر الأول، أو بأمر جديد؟ : # فالمتكلمون يعتقدون: أنه بأمر جديد، فحدوا الإجزاء بما ذكر. # والفقهاء يزعمون أنه من مقتضيات الأمر الأول، فأضافوا إلى الإتيان ~~بالمأمور به إسقاط القضاء. # قوله: "والدليل عليه أنه بعد الإتيان بالمأمور به": يعني: بما أشعر اللفظ به. # قوله: "لو بقي الأمر لبقي إما: متناولا لطلب ذلك الفعل .. " إلى آخره، ~~يعني: إما أن يكون متناولا للمأتي به، أو غيره، والأول: طلب تحصيل الحاصل، ~~والثاني: خلاف الفرض؛ إذ التقدير: أنه أتى جميع ما أشعر اللفظ به. # واحتج الفقهاء: بأن امتثال المأمور به، لو كان مقتضيا للإجزاء؛ لما أمر ~~من عدم الماء والتراب، وصلى على حسب حاله -بالقضاء؛ وكذا من ظن أنه متطهر ~~وصلى على حسب حاله، ثم تبين الحدث، وكذا من أفسد حجه بالمضي في فاسده، أو ~~صومه بإمساك بقية يومه. # وأجيب: بأن وجوب القضاء في مسألة العازم بأمر جديد، وأما من ظن أنه ~~متطهر، فإما [أن] يعتقد أن كل مجتهد مصيب أو لا: فإن اعتقد أن كل مجتهد ~~مصيب، فقد خرج عن عهدة الأمر بما فعله أولا، وهذا أمر ثان بالقضاء، وإن ~~اعتقد ms089 أنه واحد فالخطاب بصلاة بطهارة باق في ذمته، ولم يأت به، والخطاب ~~الأول: كان بحسب حاله. # ومن أفسد حجه، أو صومه، فالأمر الأول باق عليه، والأمر بالمضي فيه أمر ~~ثان؛ معاقبة له، أو تشبها بالصائمين لحرمة الوقت، وهو ممتثل للأمر الثاني. # قوله: "حجة المخالف: أن النهي إذا كان لا يدل على الفساد، فكذلك الأمر لا ~~يدل على الإجزاء". # ووجه الملازمة: أن كل مخزئ صحيح، والصحيم نقيض الفاسد؛ فالمجزئ نقيض ~~الفاسد. # فإذا كان المجزئ عبارة عن الموافق للطلب -كان الفاسد هو المخالف له، فإذا ~~لم تستلزم المخالفة الفساد، وجب ألا تستلزم الموافقة الصحة والإجزاء. PageV01P363 # حجة المخالف: أن النهي إذا كان لا يدل على الفساد, فكذلك الأمر لا يدل ~~على الإجزاء. # === # تقرير الثانية: أن النهي لا يدل على الفساد؛ لصحة الصلاة في الدار PageV01P364 # الجواب: الفرق أن النهي لا يفيد إلا المنع من الفعل، وذلك لا ينافي أن ~~يقال له: "إنك لو أتيت به، جعلته سببا للحكم الفلاني"، أما الأمر فلا دلالة ~~فيه إلا على اقتضاء # === # المغصوبة، ونفوذ الطلاق في الحيض، وغير ذلك. # والجواب: منع أن النهي: لا يدل على الفساد، لا سيما في العبادات؛ فإن ~~الآتي بالمنهي لم يأت بالمأمور، فيتعين القول بالفساد. # وبتقدير التسليم بالجمع بين الأمر والنهي، باعتبار الجهتين، وصرف النهي ~~إلى أمر خارج مفارق، ومتى تحقق رجوعه إلى عين الشيء، أو شرطه، أو لازم غير ~~منفك -فلا بد من الحكم بالفساد. # قوله: "إن النهي لا يفيد إلا المنع من الفعل، وذلك لا ينافي أن يقال له: ~~إنك لو أتيت به جعلته سببا للحكم الفلاني". # هذا الجواب إنما يتحقق في النهي المتعلق بغير العبادات من العقود ~~والتصرفات؛ لأن معنى الصحيح فيها هو المستمر، ولا مانع أن ينهى الأب عن وطء ~~أمة ابنه، وإذا وطئ، وعلقت منه، PageV01P367 # المأمور به مرة واحدة، فإذا أتى المكلف به- فقد أتى بتمام ما دل عليه ~~الأمر؛ فوجب ألا يبقى الأمر بعد ذلك مقتضيا لشيء آخر. ### || AUTO المسألة السادسة عشرة # إذا قال السيد لعبده: "صل، في هذا ms090 الوقت" ولم يصل في ذلك الوقت-: فذلك ~~الأمر هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت؟ # أكثر المحققين [ذهبوا] إلى أنه لا يوجبه: # واحتجوا عليه: بأن قول القائل لغيره: "افعل هذا الفعل يوم الجمعة" - لا ~~يتناول ما بعد الجمعة: لا بنفي ولا بإثبات؛ فوجب ألا يدل عليه ألبتة. # === # كان الوطء سببا في حرية الولد، وجعلها مستولدة له، أو غير ذلك. # أما في العبادات فلا؛ لما قررناه، وأشار بعض الأئمة أن الخلاف في هذه ~~المسأله شيء آخر، وهو أن مطلق الأمر يشعر بالإجزاء، أو أن الإجزاء من عدم ~~دليل، وهذا بحث يرجع إلى المفهوم، والأمر فيه منقسم. ### || AUTO [المسألة السادسة عشرة] # هذه المسألة مترجمة ب "وجوب القضاء" من مقتضيات الخطاب الأول، أو بأمر ~~جديد؟ : ومذهب الحنابلة، وأكثر الفقهاء أنه من مقتضيات الخطاب, , ومذهب ~~المحققين من الأصوليين، وبعض الفقهاء أنه بخطاب جديد. # قوله: احتجوا عليه بأن القائل إذا قال لغيره: افعل هذا الفعل يوم الجمعة ~~لا يتناول ما بعده. # حاصله: أنه لو وجب به لأشعر به، ولا إشعار؛ فلا وجوب: # أما الأولى: فإنه لا معنى للدلالة سوى الإشعار، وإذ لا إشعار فلا دلالة. # وأما الثانية: فلأن التقييد بحاضرين، يخرج ما عداهما، فإذا قال: صم يوم ~~الخميس، فكما لا يتناول ما قبله لا يتناول ما بعده. # والاعتراض عليه: أن يقال: قولك لا يشعر به، تعني: مطابقة، أو مطلقا؟ : ~~الأول: مسلم، ولا يلزم من نفي الإشعار من وجه نفي الإشعار مطلقا. الثاني: ~~ممنوع؛ فإنه يشعر به بجهة التضمن. والطلب للصوم في يوم معين، طلب لصوم يوم. # هذا الوجه يبطل قول من قال: إنه لو أشعر به، لاقتضى التخيير، ولبطلت نية ~~القضاء؛ فإنه إنما يلزم أن لو أشعر به مطابقة. PageV01P368 # ولمن يوجبه أن يقول: إنه إذا قال: "صل يوم الجمعة" -فقد أوجب عليه ~~الصلاة، وأوجب إيقاعها في يوم الجمعة؛ لأن التكليف بإحداث المركب تكليف ~~بإحداث جميع مفرداته، ثم بعد انقضاء يوم الجمعة: يتعذر عليه إيقاع ذلك ~~المجموع؛ لأجل أن إيقاع أحد جزأيه متعذر؛ ولكنه ms091 لا يتعذر عليه إيقاع ذات ~~الصلاة؛ فوجب أن يبقى ذلك الأمر بعد انقضاء ذلك الوقت، موجها لإيقاع ماهية ~~الصلاة. # أقصى ما في الباب أن يقال: "هذا الدليل صار متروكا في بعض الصور": # قلنا: نعم؛ ولكن الدليل منفصل؛ إلا أنه لا يلزم من كونه متروكا ثم: أن ~~يكون متروكا ههنا. # === # قوله: "ولمن يوجب أن يقول: إنه إذا قال: صل يوم الجمعة فقد أوجب عليه ~~الصلاة .. " إلى آخره. # حاصله: أن طلب المركب يستلزم طلب أجزائه، وقاعدة الشرع: أن الميسور لا ~~يسقط بالمعسور. # وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. . ~~". وبخروج الوقت لا يفوت أصل الفعل. # قوله: أقصى ما في الباب أن يقال: هذا الدليل صار متروكا في بعض الصور، ~~يعني: أنه منقوض بفوات الجمعة، والأضحية. # فنقول: لو اقتضى، لما انفك عنه مقتضاه، وقد انفك؛ فلا يقتضيه، وبإلزام ما ~~صار إليه أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- في نذر صوم يوم العيد، ونذر ذبح ولده ~~-أنه يلزمه مطلق الصوم، وتلغى الإضافة؛ لفسادها؛ فيلزمه صوم يوم غيره، وكذا ~~الذبح يلغي الإضافة، ويجب مطلق الذبح، وأقله شرعا شاة. # واعتذر عنه: بأنه لا يلزم من ترك الدليل في بعض الصور لمعارض راجح تركه ~~مطلقا؛ وإنما لم يقل الشافعي -رحمه الله تعالى- بصحة أصل النذر في صوم يوم ~~العيد، وذبح الولد؛ PageV01P369 # مثاله: أن يقول الحنفي، في [نذر] صوم يوم العيد، ونذر ذبح الولد: إنه نذر ~~صوم يوم العيد، وذبح الولد، والآتي بذلك آت بنذر الصوم ونذر ذبح الولد؛ ~~ضرورة أن الآتي بالمركب آت بكل واحد من مفرداته؛ فوجب أن يأتي بالصوم ~~والذبح؛ لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1]. # غاية ما في الباب أن يقال: إنه انتفى قيد كونه في يؤم العيد، وفي الولد، ~~إلا أنه لا يلزم من مخالفه الدليل في صورة مخالفته في سائر الصور. # وإذا ثبت أنه وجب عليه الصوم والذبح - وجب أن يجب عليه صوم يوم آخر وذبح ~~الشاة؛ لأنه لا قائل بالفرق. # === # لاعتقاده أن النهي متعلقه ذات المنهي عنه؛ فيكون معصية، ويدل على ms092 الفساد. # وإنما يصرف النهي عن ذات الشيء إلى غيره، كالصلاة في الدار المغصوبة ~~بتقدير تعدد الجهة، ولا يمكن هنا؛ فإن النهي هنا عن الصوم لأجل كونه صوم ~~يوم العيد، والنهي عن صوم يوم العيد لا ينفك عن الصوم. # وأبو حنيفة -رحمه الله تعالى- يرى تعدد الجهة كالصلاة في الدار المغصوبة. # ولم يقل بإيجاب الشاة قياسا؛ إنما قاله استحسانا من قصة الخليل إبراهيم - ~~عليه السلام - وقول بعض الصحابة، وقول ابن عباس - رضي الله عنهما - وإلا ~~فقياسه يوجب أن من نذر ذبح ولده، يلزمه ذبح شاة لعين ما ذكر، ولم يقل به. # ومما احتج به الفقهاء: أن وقت العبادة كالأجل في الدين، ولا يلزم من ~~سقوطه، سقوطه فكذلك العبادة. # وفرق: بأن الدين مطلوب الحصول في نفسه، والأجل رفق لتيسير الأداء. # وإن لم يتبين لنا أن العبادة مطلوبة لنفسها بدون وقتها، فإن لخصوص ~~الأوقات، والأمكنة، والصفات أثرا في مقاصد الآمرين؛ كالأمر بالوقوف يوم ~~عرفة بأرضها، وصوم يومها، والأمر بعتق رقبة مؤمنة، والأمر بشراء الفحم في ~~الثتاء، والثلج في فصل الصيف. PageV01P370 ### || AUTO المسألة السابعة عشرة # الأمر بالماهية الكلية لا يتناول الأمر بشيء من جزئياتها؛ كقوله: "بع هذا ~~الثوب" لا يكون أمرا ببيعه بالغبن الفاحش، ولا بثمن المساوي؛ لأن هذين ~~النوعين مشتركان في مسمى البيع، ويتميز كل واحد منهما عن صاحبه بكونه ~~واقعا. بالغبن الفاحش، وبثمن # === ### || AUTO [المسألة السابعة عشرة] # [قوله]: الأمر بالماهية [الكلية] لا يتناول الأمر بشيء من جزئياتها؛ ~~كقوله: بع PageV01P371 # المثل، وما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز، وغير مستلزم له، والأمر ~~بالبيع لا يكون أمرا بشيء من أنواعه، بل إن دل الدليل على الرضا ببعض ~~الأنواع لقرينة- حمل اللفظ عليه؛ ولذلك قلنا: إن الوكيل بالبيع المطلق لا ~~يملك البيع بالغبن الفاحش، وإن كان يملك البيع بثمن المثل؛ لأن العرف دل ~~على حصول الرضا بهذا النوع. # === # هذا الثوب؛ فإنه لا يكون أمرا ببيعه بالغبن الفاحش، ولا بالثمن المساوي؛ ~~لأن هذين النوعين يشتركان في مسمى البيع، ويمتازان بالخصوص، وما به ~~الاشتراك مغايز لما به الامتياز، وغير ms093 مستلزم له" يعني بأن المطلق هو الدال ~~على الماهية فحسب، والدال على الأعم لا يتناول الأخص؛ لأنه ليس عينه، ولا ~~جزأه، ولا يستلزمه بعينه، فانتفت الدلالات الثلاث. # لا يقال: قد تقرر: أن الأمر بالشيء أمر بما هو من ضرورياته، والمطلقات لا ~~دخول لها في الأعيان إلا بخصوص ما، فالأمر بها أمر بأحد الخصوصيات؛ لأنا ~~نقول: هذا وإن سلم؛ فليس من مقتضيات اللفظ؛ بل من قاعدة: أن التكليف مشروط ~~بالإمكان، والإتيان بالمطلق غير ممكن. # ثم لو سلم الإشعار فلا يشعر بخصوص معين، والبحث فيه. # وأما التوكيل بالبيع المطلق، فأبو حنيفة يرى: أن اللفظ عام في مسمى ~~البيع، وأنه متناول للإذن بالبيع بالغبن الفاحش، وغيره. # والشافعي -رحمه الله- يرى أن اللفظ لا إشعار له بقيد ألبتة، والأصل المنع ~~من التصرف، إلا في المأذون فيه بطريق اللفظ، أو العرف. # والعرف دال على البيع بالثمن المساوي، كما دل في الثمن المطلق على النقد ~~الرابح، وهذا معنى قوله: بل إن دلت قرينة على الرضا ببعض الأنواع حمل عليه. ### || AUTO مسائل أغفلها الإمام الرازي # هذه آخر مسألة ذكرها في قسم الأوامر، وقد أسقط مسائل. # منها ما يقرب الأمر فيها بعد ما قرره من القواعد، ومنها ما تقل جدواه ~~بالنسبة إلى أصول الفقه. # والمقصود الأعظم منها يتعلق بأصول الدين؛ كأمر المعدوم، وكون الفعل ~~مأمورا به حال الامتثال، والأمر المعلق على شرط يعلم الآمر أن المأمور لا ~~يبلغه. PageV01P372 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فمن القسم الأول: أنه قد تقرر أن المنع من الترك جزء من الواجب، فإذن كل ~~واجب لا يسوغ تركه، وعكس نقيضه؛ وكل ما يسوغ تركه ليس بواجب. # [ما ينبني على هذه القضية]: # وانبنى على هذه القضية مسألتان: # المسألة الأولى: # فساد قول من زعم: أن الحائض مخاطبة بالصوم؛ لعموم قوله تعالى: {فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] وهو خطاب للمكلفين، ووجوب القضاء بحسب ~~الفائت يؤيده. # وما ذكروه متناقض؛ فإن الحائض يسوغ لها الترك، بل يحرم عليها الفعل، فلا ~~يجتمعان. # وما ذكروه من الدلائل ظاهر فلا يعارض القطع، فيتعين تأويلها. # المسألة الثانية: # قول ms094 الكعبي: كل مباح واجب؛ إذ ما من مباح إلا ويترك بفعله حرام، وترك ~~الحرام واجب، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به- فهو واجب. # وما ذكره جمع بين النقيضين؛ فإن الواجب لا يسوغ تركه، والمباح يسوغ تركه، ~~وقد رد بمخالفة الإجماع من ثلاثة أوجه: PageV01P373 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الأول أنه يلزم منه رفع المباح من الشريعة، وهو خلاف الإجماع. # الثاني: يلزمه أن كل مندوب واجب لعين ما ذكر، وهو خلاف الإجماع. # الثالث: أنه إذا ترك محرما بفعل محرم آخر، يلزمه وجوب المحرم من حيث إنه ~~ترك محرم، وهو خلاف الإجماع. # والحق: أنه إن عنى أن الفعل واجب من حيث أبيح؛ فهو متناقض، وإن عنى أن ~~المباح بحسب ذاته، لا يمتنع أن يكون وسيلة من وجه إلى ترك محرم، فيكون ~~واجبا من هذا الوجه، ولا تناقض. # ومتى سلموا له: أن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به، وأن التخيير لا ~~ينافي الوجوب- لزمهم عين ما ذكره. # فلا خلاص لهم إلا بمنع قاعدة: أن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب. # وأما فعل المحظور، فله أن يقيد دعواه فيقول: مع إطلاق الفعل. # ومما اختلفوا فيه: # قال القاضي: الوجوب لا يتوقف على العقاب على الترك، خلافا للمعتزلة، ~~وساعدهم الإمام والغزالي. # واحتج القاضي: بأن الثواب والعقاب من ثمرات الإيجاب، فلا يدخلان في ~~ماهيته، ولا يستلزمهما عقلا؛ بل كل ثواب من الله تعالى فضل، وكل عقاب منه ~~عدل، واللزوم بالشرع. # فقال بناء على هذه القاعدة: لو قدر ورود الأمر الجازم من الله تعالى بدون ~~الثواب والعقاب- لتحقق الوجوب. # والمعتزلة يمنعون ذلك؛ بناء على التحسين والتقبيح العقليين. # وقد اختار الإمام في مسألة التحسين والتقبيح في "البرهان": موافقة ~~الأشعرية من وجه، والمعتزلة من وجه: # فقال: إن العقول لا تحسن ولا تقبح في حكم الباري تعالى؛ لاستواء الأفعال ~~بالنسبة إليه، فوافق الأشعرية في هذا الطرف. # وقال: إن العقل يحسن ويقبح بالنسبة إلى أفعال العباد؛ فإن مدارها على ~~النفع والضر. # قال: وتمام القول في ذلك: أنه لو قدر ورود أمر من الشارع من ms095 غير تعلق ~~نفع، ولا ضر، ولا ثواب، ولا عقاب- لم يقض العقل بوجوبه. وساعده الغزالي على ~~هذا الفرع. # ورد صاحب الكتاب عليه: بأنه يكفي في ترجيحه الذم. # ورد على المعتزلة: بأن العفو من الله تعالى مأمول. PageV01P374 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والردان ضعيفان: # أما الأول: فإن الذم نوع من العقاب العاجل، وهو خلاف ما فرضه القاضي. # أما الثاني: فلأن العفو يستدعي استحقاق العقاب، فقد سلم تعلقه به. # ومما اختلف فيه: أن المندوب مأمور به أو لا؟ # فذهب القاضي إلى أنه مأمور به؛ لأن فعله طاعة، والطاعة موافقة الأمر. # واعترض عليه: بأنه لا يعصي بتركه. # وأجيب: بأن العصيان اسم ذم؛ فلا يطلق على تاركه. # قالوا: والخلاف لفظي. # والتحقيق: أنه ليس بلفظي؛ فإنا إذا قلنا: إنه مأمور، فإذا ورد في ~~الأخبار: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا، أو أمرنا بكذا - لم ~~يتعين الوجوب إلا بقرينة، وإن لم يكن مأمورا تعين الوجوب، فتظهر ثمرة ~~الخلاف؛ قاله المازري. # ومما اختلف فيه: معنى التكليف: # قال القاضي: هو طلب ما فيه كلفة؛ فيدخل فيه الواجب، والمحرم، والمندوب، ~~والمكروه. # وقال الإمام: هو إلزام ما فيه كلفة؛ فإن التكليف يشعر بتطويق المشقة، ولا ~~مشقة فيما جعل زمام الخير في تركه إلى المكلف. # والقاضي يقول: إن ربط الثواب بفعله يحمل العاقل على فعله، والخلاف فيه لفظي. # وأما الإباحة فليس من التكليف. PageV01P375 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقال الأستاذ أبو إسحاق: هي من التكليف. # قال الإمام: وعدت من هفواته. # ولما رجع في ذلك، فسره باعتقاد أنها من الشرع، ولا خلاف في أن اعتقاد ~~أنها من الشرع واجب، إذا فسرت بتسوية الثارع بين الفعل والترك؛ وإنما ~~الخلاف في نفس الإباحة. # ومما اختلف فيه: أن الإباحة حكم شرعي أو لا؟ # والصحيح: أن ما أخذ من خطاب التسوية، فهو حكم شرعي، ورفعه نسخ، وما أخذ ~~من البراءة الأصلية، فليس بحكم شرعي، ورفعه ليس بنسخ. # ومما ذكر نيه: أن الأمر بالأمر بالشيء، لا يكون أمرا بذلك الشيء؛ لاختلاف ~~المتعلق؛ فإن الأمر الأول: متعلقه الأمر، والثاني: متعلقه الفعل، وليس هو ~~عينه، ولا من ضروراته. ms096 # احتج المخالف: بأن أمر الله تعالى رسوله بأمره لنا - أمر لنا. # وأجيب: بأن ذلك معلوم من قاعدة التبليغ، لا من إشعار اللفظ. # هذا مما أغفله من القسم الأول. # وأما القسم الثاني: فمما أسقطه من المسائل المعنوية، مسائل: # المسألة الأولى: # قالت الأشعرية: الباري تعالى آمر في الأزل، والمعدوم مأمور على تقدير ~~الوجود، وشرط مؤاخذته به البلوغ إليه. # وخالفهم سائر الفرق، ومعنى قولهم: "على تقدير الوجود": أن من علم الله ~~-تعالى- أنه سيوجده مستجمعا لشرائط التكليف، وأراد تكليفه؛ فإن بدأته تعالى ~~في الأزل طلبا، متعلقه إيمانه في ذلك الوقت مثلا. # والحاصل: أنه يجوز وجود الآمر مع عدم المأمور. # وقرب الشيخ مذهبه بمثال، فقال: إن الملك العظيم المستولى على الأقاليم قد ~~يجد في نفسه أمرا لمن يعد من نوابه، ويكتب بذلك إليه، ولا يصل إليه إلا بعد ~~المدة الطويلة، ويكون مؤاخذا بمقتضاه، مستحقا للمدح والذم بشرط البلوغ. # ولا يقال: إنه إنما أمره عند البلوغ إليه؛ فإن الآمر قد يكون عند البلوغ ~~على حال لا يصح الأمر منه من نسيان أو نوم. PageV01P376 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # واحتج صاحب الكتاب وغيره بمسلكين: # أحدهما: أنا في زماننا هذا مأمورون بأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~فقد وجد أمره -عليه الصلاة والسلام- مع عدمنا. # الثاني: أن من أخبره صادق بأنه سيوجد له ولد، فإنه قد يجد في نفسه أنه ~~يأمره بتعلم العلم وغيره، وعند وجوده وبلوغ ما عهد به إليه- يكون مطيعا ~~بفعل ذلك. # قال الإمام: ولا أرى ذلك أمرا حقا، بل ذلك تقرير الأمر. # وأما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنا فقد قيل: إنا مأمورون ~~الآن بأمر الله تعالى، وهو موجود، والرسول - صلى الله عليه وسلم - مبلغ لنا ~~بواسطة النقل عنه. # ونقل عن القلانسي، وعبد الله بن سعيد من أصحابنا: أن الباري -تعالى- ~~متكلم في الأزل، ولا يوصف بكونه آمرا وناهيا إلا عند وجود المأمور والمنهي. PageV01P377 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وعد ذلك من صفات الأفعال، كوصفه تعالى بأنه: خالق، ورازق. # واستضعف: بأن وجود كلام لا يتخصص بخاصية أمر، ولا نهي، ولا خبر، ولا غير ~~ذلك من ms097 الخصوصيات- يلزم منه وجود المطلقات في الأعيان، وأنه محال. # ولو جاز وجود ذلك، لجاز وجود صفة مطلقة غير متخصصة من علم، أو قدرة أو ~~غير ذلك، ثم تصير قدرة، وعلما، وإرادة، وأنه محال. # وأول بعض الأصحاب كلامهما؛ لعظم هذا الإشكال، بأنهما أرادا أنه لا يسمى ~~آمرا ولا ناهيا إلا عند وجود المأمور، والمنهي، كما لا يسمى خطابا إلا عند ~~وجود المخاطب. # واحتج المعتزلة: بأن الأمر من الصفات المتعلقة، فالأمر يستدعي مأمورا، ~~والمأمور لا يكون إلا حادثا ممكنا، ولا ممكن في الأزل، فلا أمر في الأزل. # قالوا: ولا فرق بين عدم التعلق، والتعلق بالعدم. # وقالوا: لو أن شخصا جلس في بيته وحده يأمر، وينهي، ويخبر- لعد ذلك سفها، ~~واختلالا، والباري يتعالى عن مثل ذلك. # قال الإمام: والمعطلة ألزمونا تقرر أمر آمر، ولا مأمور. # وما ذكروه يبطل باتصاف الباري -جل ثناؤه- بكونه تعالى قادرا في الأزل ~~بالاتفاق، والقادر يستدعي مقدورا، والمقدور لا يكون إلا حادثا ممكنا، ولا ~~ممكن في الأزل. # ويلزم الإمام ذلك في جميع الصفات المتعلقة في الأزل، بما سيكون؛ ~~كالإرادة، والسمع، والبصر. # وقولهم: لا فرق بين عدم التعلق، والتعلق بالعدم يبطل بالمأمور به، فإن ~~شرطه أن يكون معدوما، وإلا كان طلبا بتحصيل الحاصل. وما ضربوه من مثال غير ~~مطابق، بل المطابق: أن من جلس في بيته وحده يقرر مواعظ وحكما، وأمثالا، ~~ويضعها؛ ليأتمر بها وينزجر بها من سيقف عليها ممن سيحدث بعد ذلك، فإنه يعد ~~حكيما، والعقل يستحسنه. # المسألة الثانية: الفعل حال حدوثه مأمور به # وقالت المعتزلة: إنما يكون مأمورا قبل وجوده، وعند وجوده ينفك التعلق، ~~وساعدهم الإمام. # والمسألة مبنية علي وقت تعلق القدرة بالمقدور: PageV01P378 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فعند الأشعرية: الاستطاعة مع الفعل؛ لأن الإعراض عندهم لا ينفي، فالفعل ~~مقدور حال الوجود، فيكون مأمورا. # وعند المعتزلة: الفعل حال الوجود حاصل، وتحصيل الحاصل محال، فالقدرة ~~تتعلق به قبل حصوله، وحدوثه بالفعل لا بالقدرة، والصلاحية. # وألزموا: أن قبل الحدوث: القدرة حاصلة، ولا مقدور. # وعند الحدوث: المقدور حاصل، ولا قدرة، فيلزم: مؤثر بالفعل ولا أثر، وأثر ~~بالفعل ولا مؤثر. ms098 # وقد نقضوا ذلك في العلة والمعلول؛ كالعلم والعالمية الحادثة، وسلموا أن ~~المعلول يوجد مع العلة، ويكون أثرا لها حال وجوده. # قال الإمام: الأمر طلب، وطلب الحاصل محال. # وعورض: بأن الواقع حال الحدوث منه طاعة، والطاعة موافقة الأمر؛ [و] إذ لا ~~أمر فلا طاعة. # وقوله: "طلب الحاصل محال" يوهم بالمستمر، فإن عنى به: إنشاء الطلب -لما ~~هو كائن، محال- فمسلم، وإن عنى: أن استمرار الطلب عليه حال وقوعه إلى ~~الخروج عنه، محال- فهو محل النزاع. # المسألة الثالثة # قال أصحابنا: المأمور يعلم كونه مأمورا قبل التمكن. # قالت المعتزلة: لا يعلم، وساعدهم الإمام. # واحتجوا: بأن التمكن شرط في التكليف، واحتمال العجز والموت قائم، والشك ~~في الشرط شك في المشروط، وإنما يغلب على الظن دوام التمكن واستصحاب الحال، ~~فإن بقي إلى حال الامتثال، قطع بكونه مأمورا، وإن لم يبق، تبين عدم الأمر. # والمسألة مبنية على: أن الأمر المعلق على شرط يعلم الآمر عدم بلوغ ~~المأمور إليه- هل يتصور أم لا؟ # والمعتزلة تمنع التصور؛ بناء على قاعدتين لهم: # إحداهما: أن المأمور به مراد، وما علم الله تعالى أنه يمتنع، لا يصح ~~إرادته. # الثانية: أنه إنما يؤمر بالفعل؛ لمصلحة تتعلق بوجوده. # هذه المسألة من قسم النواهي. والنواهي: تشتمل على أحكام مشتركة بينها ~~وبين الأوامر، فاستغني عن إعادتها، وأحكام تختص بالنواهي، ففرض الكلام ~~فيها: PageV01P379 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فمن المشتركة: أن النهي قسم من أقسام الكلام؛ كالأمر. PageV01P380 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والخلاف في حده كالخلاف في حد الأمر، وهو عندنا: يرجع إلى الطلب كالأمر، ~~ولا يشترط فيه الإرادة، ويطلق على النفسي، واللهجي. # وهل هو مقول عليهما بالاشتراك، أو بالحقيقة والمجاز؟ الخلاف فيه كما في ~~الأمر، ومطلقه يقتضي التكرار على الأصح. # واختيار صاحب الكتاب أنه لا يقتضي كالأمر، وقد تقدم الفرق بينهما. # وإذا كان مقتضاه التكرار، فمن لازمه الفور. # ويصح النهي عن أحد الشيئين لا بعينه، خلافا للمعتزلة، كالنهي عن الجمع ~~بين الأختين، كما يؤمر بأحد الشيئين. PageV01P382 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقد تقدم أن ل "افعل" ستة عشر محملا. # وأما "لا تفعل" فقد ذكر الغزالي لها سبعة محامل: # الأول: التحريم؛ كقوله تعالى: {ولا ms099 تقربوا الزنا} [الإسراء: 32]. # الثاني: التنزيه؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام- لعائشة - رضي الله عنها - ~~وقد شمست ماء للوضوء: "لا تفعلي هذا". PageV01P383 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الثالث: الدعاء؛ كقوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل ~~عمران: 8]. # الرابع: التأديب؛ كقوله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ~~[المائدة: 101]. # الخامس: التحقير؛ كقوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} [طه: 131]. # السادس: اليأس؛ كقوله تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 66]. # السابع: بيان العاقبة؛ كقوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون} [إبراهيم: 42]. # والخلاف في مطلق "لا تفعل" كالخلاف في مطلق "افعل": # فمذهب الفقهاء، واختيار المصنف: أنها ظاهرة في التحريم؛ لقوله تعالى: ~~{وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]. PageV01P384 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وظاهر الأمر للوجوب بالدلائل السابقة. # وأما الأحكام المختصة فمنها: # أن الواحد بالشخص لا يكون مأمورا به منهيا عنه؛ حلالا حراما، من جهة ~~واحدة؛ فإن أدنى درجات الأمر رفع الحرج، والنهي يثبته؛ فالجمع بينهما ~~متناقض، إلا إذا جوز التكليف بالمحال، وليس التفريع عليه. # وأما الواحد بالجنس أو النوع، فلا يمتنع انقسامه إلى مأمور منهي؛ كالسجود ~~لله تعالى، والسجود للصنم؛ قال الله تعالى: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله} [فصلت: 37]. # وتوهم أبو هاشم التناقض؛ فرد النهي إلى القصد، وقال: يعصي بقصد سجوده ~~للصنم خاصة، ولم ينته إلى أنه قد يجب لأحد النوعين ما يستحيل على النوع ~~الآخر باعتبار اختلاف الفصول، وقد يختص أحد الشخصين بما يمتنع على الآخر مع ~~الاشتراك النوعي؛ بسبب إضافة، أو محل. # أما الواحد بالشخص المتعدد بالجهة، فهو محل البحث. # ومسألة الصلاة في الدار المغصوبة مثال لهذا الأصل، لا أنها مقصودة في ~~نفسها؛ فإن البحث فيها فرعي. # وحظ الأصول: أنه متى تعددت الجهة وأمكن انفكاك إحداهما عن الأخرى في ~~العقل والوجود، ولم تكن إحداهما في وجودها من ضرورة الأخرى- فلا يمتنع ~~الحكم على إحداهما بالأمر، وعلى الأخرى بالنهي، وإلا فلا. PageV01P386 ### || AUTO المسألة الثامنة عشرة # الصلاة في الدار المغصوبة غير صحيحة عندنا؛ خلافا للفقهاء، ثم إن صح ~~الإجماع ms100 على أن الآتي بها لا يؤمر بالقضاء- قلنا: يسقط الفرض عندها لا بها، ~~وإن لم يصح هذا الإجماع- وهو الأصح- أوجبنا القضاء. # === # وأما مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، فللعلماء فيها ثلاثة مذاهب: # الأول: أنها صحيحة مسقطة للقضاء، وهو مذهب أكثر الفقهاء. # الثاني: أنها غير صحيحة، ولا مسقطة للقضاء، وهو مذهب أحمد، وأكثر ~~المتكلمين، وأبي هاشم من المعتزلة. PageV01P387 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والثالث أنها غير صحيحة، لكنها مسقطة للقضاء، وهو قول القاضي، واختيار ~~صاحب الكتاب ها هنا. PageV01P389 # لنا: أن الصلاة ماهية مركبة من أمور، منها: القيام، والقعود، والركوع، ~~والسجود، وهذه الأشياء: إما حركات، وإما سكنات، والحركة: عبارة عن الكون ~~الأول في الحيز الثاني، والسكون: عبارة عن الكون الثاني في الحيز الأول؛ ~~فيكون الحصول في الحيز جزء ماهية الحركة والسكون، وهما جزءان من ماهية ~~الصلاة، وجزء الجزء جزء. # فالحصول في الحيز جزء ماهية الصلاة؛ فيكون الحصول في هذا الحيز جزء ماهية # === # وقوله: "إن لم يصح هذا الإجماع، وهو الأصح. أوجبنا القضاء". # وجه تضعيف الإجماع: أن مستند القاضي فيه، أن السلف -رضي الله عنهم- لم ~~يأمروا الغصاب بإعادة الصلاة، وقضائها. # ونقل الإجماع بهذا الطريق ضعيف، ودعوى الإجماع مع مخالفة أحمد، مع شدة ~~بحثه عن النقليات- بعيد أيضا. # وقول القاضي: يسقط الفرض عندها، لا بها - بعيد؛ فإن مسقطات الفرض محصورة ~~من نسخ أو عجز، أو فعل غيرها؛ كما في فرض الكفاية، وليس هذا منها؛ فهو دعوى ~~مسقط لا دليل عليه. # قوله: "إن الصلاة ماهية مركبة .. " إلى آخره: # الحاصل: أن الكون من أجزاء الصلاة، وهو منهي عنه، والأمر بالصلاة أمر ~~بجملة أجزائها؛ فيلزم اجتماع الأمر والنهي على الكون الواحد. PageV01P390 # هذه الصلاة المعينة، والمطلق في مقابلة المطلق، والمقيد في مقابلة ~~المقيد. # إذا ثبت هذا، فنقول: الصلاة في الدار المغصوبة منهي عنها، وإذا كان أحد ~~أجزاء الماهية منهيا عنه - امتنع ورود الأمر بتلك الماهية؛ وإلا لزم توارد ~~الأمر والنهي على الشيء الواحد؛ وهو محال؛ فثبت أن هذا المكلف أمر بالصلاة ~~وبما يأتي بما أمر به، وإن لم يأت بما أمر به، وجب أن يبقى في العهدة. ms101 # أما القائلون بصحة هذه الصلاة، فقالوا: كون هذا الفعل صلاة: جهة مغايرة ~~لكونها غصبا؛ بدليل أن الصلاة قد تنفك عن الغصب، والغصب قد ينفك عن الصلاة؛ ~~فهذان أمران متباينان؛ فلا يبعد أن تكون مأمورا بها من حيث إنها صلاة، ~~ومنهيا عنها من حيث إنها غصب. # واعلم: أن هذا الكلام ضعيف من وجهين: # الأول: أن الصلاة المطلقة جزء ماهيتها الحصول في الحيز المطلق، وهذه ~~الصلاة المعينة جزء ماهيتها الحصول في هذا الحيز المعين. # والنزاع ما وقع في أن الصلاة المطلقة، هل تصح أم لا - وإنما وقع في أن ~~الصلاة في الدار المغصوبة هل تصح أم لا؟ ! # وهذه الصلاة من حيث إن جزء ماهيتها هو شغل هذا الحيز المعين، فلما كان هذا # === # قوله: "والمطلق في مقابلة المطلق، والمقيد في مقابلة المقيد"- يشير إلى ~~دفع مأخذ الفقهاء في تعديد الجهة لدفع التناقض بقولهم: إن جزء الصلاة مطلق ~~الكون، لا الكون المغصوب، فأشار إلى أن مطلق الكون جزء مطلق الصلاة، والكون ~~المغصوب جزء الصلاة الغصبية، وهو محل النزاع. # وبذلك أجاب ثانيا، ثم تنزل، وقال: ولو سلفنا تعدد الجهة، إلا أن شرط رفع ~~التناقض؛ ألا يكون من ضرورات الشيء ولوازمه؛ فإن الأمر بغسل الوجه، مع منع ~~أخذ جزء من الرأس- يفضي إلى التناقض، ويمتنع انفكاك الصلاة في الدار ~~المغصوبة عن الكون المغصوب. # ومستند الفقهاء: أن ماهية الغضب منفكة عن ماهية الصلاة في الوجود الذهني ~~والعينى معا؛ فإن حقيقة الغضب: الاستيلاء على ملك. الغير بغير إذن، ولا ~~يدخل فيه خصوص المكان، والصلاة تستلزم مطلق المكان لا خصوص مكان؛ بدليل صحة ~~الأمر بها مع الذهول عن خصوصيات الأمكنة؛ والمأمور به لا بد أن يكون مشعورا ~~به للآمر. PageV01P391 # الشغل حراما - امتنع كون هذه الماهية المركبة منه ومن غيره: مأمورا بها. # الثاني: أن كون ذلك الفعل صلاة وكونه غصبا - وجهان متباينان؛ إلا أنه إما ~~أن يحصل بينهما ملازمة، أو لا يحصل: # فإن كان الأول، فحينئذ: لا يمكن إيجاد الشيء، إلا مع إيجاد لازمه، ~~والموقوف على الحرام حرام. # وإن كان الثاني، فحينئذ: ms102 وجب أن يمكنه الإتيان بالصلاة في الدار ~~المغصوبة، منفكة عن الإتيان بالغصب؛ ومعلوم أنه باطل. # === # وإذا خرجت الخصوصيات في الأمر والنهي، أمكن الجمع بين كونه مطيعا من وجه، ~~وعاصيا من وجه، ومثلوه: بما لو أمره بكسر آنية، ونهاه عن كسر الأخرى، فكسر ~~إحداهما بالأخرى؛ فإنه يعد مطيعا عاصيا، ، وكذلك لو صلى في ثوب مغصوب، أو ~~حرير صحت صلاته، مع أن الستر من شرائط الصلاة، وما ذاك إلا أن خصوص ما به ~~الستر لم يدخل في الأمر، فصح أن يكون منهيا عن بعض الخصوصيات. # وقرر بعض الأئمة دفع التناقض، بناء على مسألة: أن الفعل حال حدوثه ليس ~~مأمورا به، فقال: الصلاة، والغصب ماهيتان منفكتان في التعقل والوجود ~~والطلب، وليس إحداهما من ضرورات الأخرى، وإنما اتحدا حال الوجود، والفعل ~~حال الوجود ليس مأمورا به، ولا منهيا عنه؛ لأنه حاصل، فحال الاتحاد لا أمر، ~~وحال الأمر لا اتحاد. PageV01P392 ### || AUTO المسألة التاسعة عشرة # المختار -عندنا-: أن النهي في العبادات يدل على الفساد، وفي المعاملات لا ~~يدل عليه: # === ### || AUTO [المسألة التاسعة عشرة] # لا بد من تقديم مقدمة -قبل البحث في هذه المسألة- في بيان معنى الصحة ~~والفساد: # فالصحة في العبادات عند المتكلمين: عبارة عن موافقة الأمر، سقط القضاء أو ~~لم يسقط. PageV01P393 # أما الأول: فالدليل عليه: أن الفعل الواحد لا يكون مأمورا به ومنهيا عنه؛ ~~فالذي يكون منهيا عنه، يكون مغايرا للمأمور به. # === # وعند الفقهاء: مع شرط إسقاط القضاء. # والفساد فيها عند الفريقين مقابلاهما على التفسيرين. # والصحة في المعاملات: عبارة عن ترتب أثر الشيء عليه، واعتباره سببا بحكم آخر. # ولا فرق عند الشافعي -رحمه الله تعالى- بين الفاسد، والباطل. PageV01P394 # إذا ثبت هذا، فنقول: إذا أتى بالفعل المنهي عنه، واقتصر عليه - كان تاركا ~~للمأمور به وتارك المأمور به عاص، والعاصي يستحق العقاب؛ لقوله تعالى: {ومن ~~يعص الله # === # وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: الفاسد هو المشروع بأصله، دون وصفه؛ ~~كبيع الدرهم PageV01P395 # ورسوله فإن له نار جهنم} [الجن: 23]، ولا معنى لقولنا: "النهي في ~~العبادات يدل على الفساد" إلا ذلك. # وأما ms103 الثاني: فيدل عليه: أنه لا يمتنع في العقول أن يقول الشرع: "لا تفعل ~~هذا الفعل؛ لكنك إن فعلته، أفاد الملك". # === # بالدرهمين؛ فإنه مشروع، من حيث إنه بيع، منهي عنه؛ لأجل الزيادة، فلو ~~اتفقا على إسقاطها، صح البيع. # والباطل: ما ليس مشروعا بأصله، ولا وصفه؛ كبيع الملاقيح، والمضامين. # إذا تقرر هذا، فقد اختلف العلماء في النهي المطلق، أعني العاري عن ~~القرائن: هل يدل على الفساد أو لا؟ # فذهب أكثر الفقهاء: إلى أنه يدل على الفساد مطلقا، أعني: في العبادات ~~والتصرفات. PageV01P396 # والفرق بين هذه الصورة وبين ما قبلها: أن المراد بالفساد في العبادات: ~~البقاء في عهدة التكليف، والمراد بالفساد في المعاملات: هو ألا يترتب عليه ~~أثره، وقد بينا أن PageV01P397 # المقتصر على الإتيان بغير المأمور به -تارك للمأمور به؛ فيكون عاصيا؛ ~~فيكون مستحقا للعقاب. # === # وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال: يدل عليه لغة، وهو ضعيف؛ إذ معنى الفساد: ~~سلب الأحكام الشرعية، واللغة لا تفيد ذلك. PageV01P398 # أما الإتيان بالمنهي عنه: فإنه لا يمنع من ترتب أثر آخر؛ فظهر الفرق ~~بينهما. # === # ومنهم من قال: يدل عليه شرعا. PageV01P400 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # واحتجوا بأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يزالوا يحتجون على الفساد ~~بالنهي؛ كاحتجاجهم على تحريم نكاح المتعة، ..................... PageV01P402 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ونكاح الشغار، وعقود الربا وغير ذلك من المناهي. PageV01P406 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ودعوى أن ذلك لقرينة خلاف الأصل، وهو كدعوى أنهم إنما عملوا بخبر الواحد؛ ~~لاقترانه بقرائن أفادت العلم. أو أنهم إنما عملوا بقياس أمر الشرع بالعمل بعينه. # وذهب آخرون: إلى أنه لا يدل على الفساد مطلقا؛ # قالوا: لأنه لو دل عليه، فإما أن يدل عليه بلفظه، وهو باطل بما سبق. PageV01P409 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # أو بمعنا، وهو باطل؛ لأنه لو دل عليه بمعناه، لما حكم بصحة الصلاة في ~~الدار المغصوبة، ولمنع نهي الكراهة؛ لأن ما يدل بمعناه من شرطه اللزوم. # ورد عليهم: بتعديد الجهة. # وذهب أبو الحسين البصري من المعتزلة: إلى أنه يدل على الفساد في العبادات ~~دون المعاملات، وهو اختيار المصنف. # قوله: "والدليل عليه أن الفعل الواحد لا يكون مأمورا منهيا عنه .. " إلى آخره: # حاصله: أنه إذا أتى ms104 بالمنهي عنه فقط، فالمأتي به غير المأمور به؛ لأن ~~المنهي عنه لا يكون مأمورا به، وإذا كان المأتي به غير المأمور به فلا صحة؛ ~~إذ الصحة موافقة الأمر، وإذا انتفت PageV01P414 # إذا عرفت هذا، فنقول: أجمعوا على أن النهي في المعاملات، لا يفيد نفي ~~الملك في جميع الصور، بل يفيده تارة، وتارة لا يفيد [ه]؛ والضابط فيه: أن ~~المنهي عنه: إما أن يكون تمام الماهية، أو جزءا منها، أو خارجا لازما، أو ~~خارجا مفارقا: # === # الصحة تحقق الفساد؛ لاستحالة الخلو عن النقيضين. # قوله: "وأما الثاني -يعني: أنه لا يقتضي الفساد في المعاملات-[فيدل عليه] ~~أنه لا يمتنع في المعقول أن يقول الشارع: لا تفعل هذا الفعل، لكنك إن فعلته ~~أفاد الملك". # حاصل دليله: أن الصحة في المعاملات إذا فسدت بترتيب الأثر، واعتبار الفعل ~~سببا لحكم آخر- فالنهي لا يشعر بذلك لفظا، ولا معنى. # أما أنه لا يشعر به لفظا، فظاهر. وأما أنه لا يشعر به معنى؛ فلأنه لو ~~أشعر به معنى، لناقض التصريح به شرعا. # ولا مانع أن يقول الشارع: لا ترسل الطلاق الثلاث، وإن أرسلت نفذ، ولا ~~تطلق في الحيض، وإن طلقت وقع، ولا تذبح بسكين الغير، وإن ذبحت حل. # واحتج من ادعى الفساد: بأن الأسباب الشرعية لا بد أن تكون مناسبة ~~لأحكامها، والمناسب: هو الذي يتوقع من إثبات الحكم في مجراه حصول المنفعة ~~باعتباره غالبا؛ فإذن شرط اعتبار الوصف سبب حصول المصلحة منه غالبا. ~~والمنهي عنه إنما تحصل المصلحة منه نادرا؛ لأنه إنما تحصل المصلحة بتقدير ~~ارتكاب المخالفة. # فالظاهر من حال المؤمن أنه لا يرتكب محظور دينه؛ فلا يعتبر سببا. # ومما يتمسك به في أن النهي يدل على الفساد: أن العقود في الواقع إنما ~~تشرع لتحصيل مصالح العباد، وإنما ينهى عن الشيء لاشتماله على مفسدة خالصة، ~~أو راجحة، أو لخلوه عن المصلحة فبين النهي عن الشيء واعتباره، تناقض ~~باعتبار الدواعي والصوارف فلا يجتمعان. # ومما احتج به: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من أدخل في ديننا ما ليس منه ~~فهو رد"، و: "من عمل ms105 عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". # واعترض عليه: بالقول بموجبه، فقالوا: نسلم أنه رد في نفسه، فلم كان ~~اعتباره سببا لغيره ردا؟ # وحمل الحديث على مثل هذا بعيد، يكاد يخرجه عن كونه مفيدا؛ فيتعين حمل ~~الرد على نفي الثمرة والمقصود. # قوله: "إذا عرفت هذا فنقول: أجمعوا على أن النهي في المعاملات [لا] يفيد ~~الملك في PageV01P415 # أما الأول والثاني: فكانهما يقتضيان بطلان انعقد؛ لأن على هذا التقدير: ~~تكون المفسدة متمكنة في جوهر الماهية. # أما القسم الثالث -وهو أن يكون منشأ المفسدة أمرا خارجا عن الماهية لازما ~~لها-: فههنا قال أبو حنيفة -رحمه الله-: وجب أن ينعقد العقد مع وصف الفساد؛ ~~لأن ماهية هذا العقد وجميع أجزاء ماهيتها، إذا كانت خالية عن المفسدة، وكان ~~منشأ المفسدة الوصف الخارجي: فلو حكمنا فيه بالبطلان المطلق -لكنا قد رجحنا ~~مقتضى الأمر # === # سائر الصور، بل يفيده تارة، وتارة لا يفيد. والضابط فيه: أن المنهي عنه، ~~إما أن يكون تمام الماهية، أو جزءا منها، أو خارجا لازما، أو خارجا مفارقا: # أما الأول والثاني: فإنهما يقتضيان بطلان العقد؛ لأن على هذا التقدير ~~تكون المفسدة متمكنة في جوهر الماهية": # هذان القسمان مما ساعد الحنفي على أنهما يدلان على الفساد. # وإنما يخالف الشافعي، ومالكا -رحمهما الله تعالى- في أنهما يقولان: إن ~~إطلاق النهي يقتضي الفساد بظاهره في نفس ما أضيف إليه، ولا ينصرف عنه إلا ~~بدليل منفصل يضرف النهي إلى المجاور المفارق. # وأبو حنيفة -رحمه الله- يزعم أن مقتضى الإطلاق في النهي محمول على ~~المفارق، ولا ينصرف إلى ما أضيف إليه إلا بدليل، وهو بعيد؛ فإنه يقدر غير ~~المنطوق به ظاهرا، والمنطوق به ليس بظاهر؛ وإنما حمله على ذلك: اعتقاد أن ~~الشارع غير الألفاظ، فهو إذا أضاف المنهي إلى بيع، أو صوم، أو نكاح مثلا- ~~فالمراد به الماهية الشرعية، والماهيات الشرعية تستلزم الصحة، فإضافة النهي ~~إليها يناقض مشروعيتها، فاحتاج إلى أن يصرف النهي لغيرها. # ونحن نقول: إن الماهيات الشرعية ينبغي أن تؤخذ عرية عن قيدي الصحة ~~والفساد، وحينئذ يصح اعتوار الحكمين عليها. # أو ms106 يقال: إن الماهية الشرعية إذا كانت باعتبار الجعل، فتؤخذ من المنهي ~~عنه إضافة قيد في المشروع؛ لدفع التناقض. # قوله: "وأما القسم الثالث: وهو أن يكون منشأ المفسدة أمرا خارجا عن ~~الماهية لازما، فههنا قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى: وجب أن ينعقد العقد ~~مع وصف الفساد ... " إلى آخره: # حاصل ما ذكره: أن أبا حنيفة -رحمه الله- يزعم أن النهي متى لم يرجع إلى ~~ماهية الشيء أو جزئه- كان ذلك الشيء مشروعا بأصله دون وصفه. # وبنى على هذا مسائل: # منها: لو نذر صوم يوم العيد، وصامه - أجزأه وزعم أن الصوم بما هو صوم: ~~مشروع، وإضافته إلى اليوم المخصوص غير مشروع؛ فيكون مطيعا بأصل الصوم، ~~عاصيا بالإضافة. PageV01P416 # الخارجي على مقتضى الأمر الذاتي؛ وهو باطل. وإن حكمنا فيه بالصحة ~~المطلقة- لكنا قد سوينا بين الخارجي اللازم وبين الخارجي المفارق؛ وهو ~~-أيضا- باطل؛ فلم يبق إلا أن يقابل الأصل بالأصل، والوصف بالوصف: # فنقول: لما كانت الماهية خالية عن مع المفسدة -حصل الانعقاد. ولما كان ~~الوصف الخارجي منشأ المفسدة- كان العقد فاسدا. # فهذا تدقيق حسن؛ إلا أنه يقال: الجمع بين كون الماهية وجميع أجزائها ~~خاليا عن المفسدة، مع كون لازمها منشأ المفسدة- محال؛ لأن الموجب لذلك ~~اللازم الخارجي هو # === # وكذلك يقول إن الطواف مشروع بأصله؛ لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} [الحج: 29]، فإذا نهي عن طواف المحدث فأوقعه- كان مطيعا بالطواف ~~عاصيا بالحدث. # وكذلك البيع: مشروع بأصله؛ لقوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: ~~275]؛ وبيع الدرهم بالدرهمين منهي عنه، فإذا وقع ذلك قال: هو منعقد بأصله ~~دون وصفه على معنى: أنهما لو اتفقا على إسقاط الدرهم الزائد، لصح العقد. # ومأخذه في جميع ذلك اعتقاده تفرد الجهة؛ كالصلاة في الدار المغصوبة. # والشافعي ومالك -رحمهما الله- يقولان: إنه متى ورد الأمر بمطلق ثم نهي عن ~~وصفه- كان نقيض ذلك الوصف شرطا في المشروع. # فإذا أمر بالطواف ثم نهي عن طواف المحدث- كان ذلك مقيدا لأمر الطواف ~~بالطهارة، وإذا أتى به بدون الطهارة كان آتيا بغير المأمور به؛ فيكون فاسدا. # وكذلك إذا قال: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275]، ثم نهى عن ms107 بيع الميتة- ~~كان ذلك مقيدا للمبيع بالطهارة، إلى غير ذلك. # وصرف المسألة من حيث المعقول: أنه لا يتصور النهي عن الوصف مع مشروعية ~~الأصل في محل الوصف. # فإنه لو قال: "خط هذا الثوب، ولا تخط وقت الزوال" فلا يتصور أن يقال: إن ~~الخياطة مشروعة وقت الزوال؛ بل يلزم منه تقييد الأمر بالخياطة بما عدا وقت ~~الزوال. # أما قول صاحب الكتاب في توجيه مذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-: "إنا لو ~~حكمنا بالبطلان المطلق لكنا قد رجحنا مقتضى اللازم الخارجي على مقتضى ~~اللازم الذاتي؛ وهو باطل. # ولو حكمنا بالصحة مطلقا، لكنا قد سوينا بين الخارجي اللازم، وبين الخارجي ~~المفارق وهو أيضا باطل" فهو بعيد عن مأخذ الإمام أبي حنيفة -رحمه الله ~~تعالى- فإن الخارجي إذا لم يفارق يؤدي إلى التناقض. # قوله: "وهو تدقيق حسن، إلا أنه يقال: الجمع بين كون الماهية وجميع ~~أجزائها خاليا عن المفسدة، مع كون لازمها منشأ المفسدة- محال؛ لأن الموجب ~~لذلك اللازم الخارجي هو تلك PageV01P417 # تلك الماهية، أو جزء من أجزائها، فلو كانت الماهية مع جميع أجزائها ~~مشتملة على المصلحة، ثم إنها صارت موجهة للوصف الخارجي المشتمل على المفسدة ~~-لزم كون المصلحة موجهة للمفسدة؛ وهو محال؛ فثبت أن كون هذا الوصف الخارجي ~~اللازم منشأ المفسدة-: يدل على تمكن المفسدة في جوهر الماهية؛ وحينئذ: يجب ~~الحكم بالبطلان. # وأما القسم الرابع -وهو أن يكون منشأ المفسدة أمرا خارجا عن الماهية، ~~مفارقا لها-: فهذا لا يمنع من صحة الفعل؛ كالوضوء بالماء المغصوب، ~~والاصطياد بالقوس المغصوب. # إذا عرفت هذا، فلنذكر مثالا واحدا؛ ليحصل التنبيه على المقصود: # قال الشافعي -رحمه الله- في "مسألة الإرسال": لو حرم الجمع لما نفذ، وقد ~~نفذ؛ فلا يحرم: # بيان الملازمة: أن بتقدير أن يكون الجمع حراما- كان الآتي بالجمع آتيا ~~بنفس المحرم؛ فوجب القول بالبطلان. # فإن قيل: "ينقض هذا بالطلاق في زمان الحيض": # === # الماهية، أو جزء من أجزائها"، وهو أيضا فاسد؛ فإنه مبني على التعليل ~~العقلي، وهو مذهب الحكماء. # واعتقاد أهل الحق: أن جميع الكائنات واقعة بقدرة الله تعالى، ثم لو سلم ms108 ~~له الإيجاب العقلي، فلا يتعين أن يكون الموجب اللازم للماهية نفس الماهية، ~~أو جزأها؛ بل قد يكون من أمر خارج، فكثير من المتلازمات واقعة مع عدم تأثير ~~أحدها في الأخرى؛ كالأبوة، والبنوة، وغير ذلك. # قوله: "وأما القسم الرابع، وهو: أن يكون منشأ المفسدة أمرا خارجا عن ~~الماهية، مفارقا لها- فهذا لا يمنع صحة الفعل؛ كالوضوء بالماء المغصوب، ~~والاصطياد بالفرس المغصوب". # هذا القسم متفق عليه أيضا من الأئمة: وهو: أنه متى كان النهي لمجاور ~~مفارق؛ فإنه لا يمنع الصحة؛ وإنما يقع النزاع في بعض المواطن في تحقيق مناط ~~أنه مفارق أو لا، كالبيع وقت النداء عندنا، وعند مالك، رحمه الله تعالى. # قوله: "إذا عرفت هذه القاعدة فنذكر منها مثالا واحدا، ليحصل التنبيه على ~~المقصود: # قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في مسألة الإرسال: لو حرم الجمع لما نفذ؛ ~~وقد نفذ فلا يحرم". # حاصله: الاستدلال بأن مقتضى النهي الفساد، وحيث لا فساد فلا تحريم. # واعترض عليه: بالطلاق في الحيض؛ فإنه حرام مع النفوذ. PageV01P418 # قلنا: الفرق ظاهر؛ لأن الطلاق في زمان الحيض واقع بفعله وعمله، وإيقاع ~~الطلاق غير منهي عنه؛ إلا أن في هذه الصورة: لما وقع الطلاق عليها، وكان ~~الحيض حاصلا في ذلك المحل؛ فحينئذ: يلزم من إيقاع الطلاق عليها حصول ~~المقارنة بين الطلاق وبين الحيض، في ذلك المحل، وهذه المقارنة هي المنشأ ~~للمفسدة، وهذه المقارنة ليست فعلا للمكلف، وإنما لواقع بفعله هو الطلاق، ثم ~~عند حصول الطلاق: حصلت هذه المقارنة؛ بسبب قيام الحيض في المحل. # فثبت أن -ههنا- ما هو المنشأ للمفسدة غير واقع بفعل المكلف؛ بخلاف ما إذا ~~قلنا: إن الجمع حرام؛ فإن المكلف إذا أتى بالجمع- كان ذلك الجمع واقعا بفعل ~~المكلف؛ ففي مسألة الجمع: ما هو المنشأ لحصول المفسدة واقع بفعله. وفي ~~مسألة الطلاق في زمان الحيض: ما هو المنشأ لحصول المفسدة غير واقع بفعله؛ ~~فكان الأول أقوى؛ فظهر الفرق. # === # وأجاب بأن الإرسال محض فعله، ولو حرم لما نفذ، بخلاف الطلاق عند الحيض؛ ~~فإن المنسوب إلى فعله نفس الطلاق، ومنشأ المفسدة الحيض، وليس ms109 من فعله، وهذا ~~ضعيف؛ فإن الأفعال تتقيد بالنسبة إلى الزمان والمكان، وإن لم يكونا من فغل ~~المكلف، ويؤمر بها، وينهى عنها باعتبارهما. # وإنما الفرق إن امتنع كان الأمر مفارقا، وهو الاطراد بتطويل العدة، أو ~~خشية الندم بالشك في لحوق الولد، ، والله أعلم. PageV01P419 ### || AUTO المسألة العشرون # النهي -عندنا- لا يدل على الصحة البتة. وقال الحنفية: يدل عليه. # لنا: أن النهي عن بيع الملاقيح والمضامين- حاصل، ولم يدل على الصحة؛ ~~وكذلك قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22]، ~~والمراد منه: النهي عن الوطء، ولم يدل هذا على الصحة أصلا. # احتجوا: بأنه لو كان المنهي عنه ممتنعا- لم يكن في النهي فائدة؛ كما [لا] ~~يقال للأعمى: لا تبصر، وللزمن: لا تقم. # === ### || AUTO [المسألة العشرون] # لا تدل إضافة النهي ألبتة على صحة المنهي عنه. # وقالت الحنفية: تدل عليه. # هذه المسألة من فروع أن النهي لا يدل على الفساد. # والقائلون به اختلفوا: فزعم أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن -رحمهما الله ~~تعالى- أنه يتضمن الصحة؛ واحتجا بذلك على انعقاد بيع الربا، وانعقاد صوم ~~يوم العيد. # ومستندهما أمران: أحدهما: أن النهي يضاف إلى الماهيات الشرعية، والماهيات ~~الشرعية لابد أن تكون بحال يصح. # الثاني: أن المنهي عنه لا بد أن يكون ممكنا؛ لعدم فائدة النهي عن ~~الممتنع. # وافترض عليهما بوجهين: الأول: لا نسلم أن الشارع غير في طرف النهي؛ قاله ~~الغزالي. وهو بعيد؛ فإنه لا يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "دعي ~~الصلاة أيام أقرائك" النهي عن الدعاء. # الثاني: سلمنا أنه غير الماهيات، لكن لا نسلم دخول الاعتبار فيها، بل ~~إنما غيرها على وجه تكون معروضة للنهي والأمر، فيتصور عليها الصحة والفساد. # قوله: "لنا: أن النهي عن بيع الملاقيح، والمضامين حاصل، ولم يدل على ~~الصحة". # حاصله: أن من قال بالصحة، لا يقوله مطلقا، وإنما يقوله فيما إذا كان ~~مشروعا بأصله دون وصفه. # فاحتج عليهم بكل ما نهى عنه مما ليس مشروعا بأضله: كبيع الملاقيح، ~~والمضامين، PageV01P420 # الجواب: أن الكلام في تكليف ما لا يطاق قد تقدم. ثم ينقض ما ms110 ذكرتم ببيع ~~المضامين والملاقيح. # ثم نقول: لم لا يجوز حمل النهي -ههنا- على الفسخ، وتقريره: أن العبيد وكلهم # === # والخمر، والميتة، ونكاح المحارم، ، وهو لازم لهم على المأخذين المذكورين، ~~ولا جرم أنه استدل به تارة، ونقض به أخرى. # قوله: "احتجوا بأنه لو كان ممتنعا، لم يكن في النهي فائدة، كما لا يقال ~~للأعمى: لا تبصر، وللزمن: لا تقم"، يعني: أنه إذا امتنع النهي عن المبيع ~~-فلا بد للمنهي عنه أن يكون ممكنا متصورا. # وهذه مغالطة؛ فإن الصحة المشروطة في التكليف عبارة عن قبول الوجود ~~والعدم، والمنهيات كلها كذلك. # والصحة المتنازع فيها: كونه منعقدا معتبرا، مفيدا لثمرته. # قوله: "والجواب: أن الكلام في تكليف ما لا يطاق وقد تقدم": # حاصله: أنه نازع في اشتراط الصحة في التكليف، وهذا لا حاجة به إليه ها ~~هنا؛ فإن النزاع في هذه المسألة بعد تسليم امتناع تكليف ما لا يطاق. # قوله: "ثم نقول: لم لا يجوز حمل النهي ها هنا على النسخ ... " إلى آخره: # لم يرد حقيقة النسخ الشرعي، وهو: رفع حكم شرعي بخطاب متراخ؛ وإنما أراد ~~النسخ اللغوي، وهو: الرفع والإبطال. # وتقريره: أن العرب كانت تعتقد صحة بياعات وعقود: إما بشرائع متقدمة، أو ~~غير ذلك، والنهي لما كانوا يعتقدونه من الصحة، فإنهم كانوا يعتقدون صحة ~~نكاح الأختين، والشغار، وما زاد على الأربع، وصحة بيع الحصاة والمنابذة، ~~وغير ذلك، فيكون النهي رافعا لتلك الصحة المنعقدة، إما من شرع أو غيره. PageV01P421 # الله في جميع تصرفاتهم، ثم كما أن الموكل، إذا قال لوكيله: "لا تفعل هذا" ~~-كان ذلك فسخا مانعا من الانعقاد-: فكذا ههنا بل ههنا أولى؛ لأن المالك ~~الحقيقي ليس إلا الله سبحانه وتعالى. # === # ومن تمام البحث في المناهي مسألة، وهي: # أن متعلق النهي ما هو؟ # قال أصحابنا، وأكثر المعتزلة: متعلقه فعل الضد. # وقال أبو هاشم من المعتزلة، والغزالي منا: متعلقه الإعراض، والترك. # قال أبو هاشم: والترك ليس بفعل البتة؛ فإن الباري -سبحانه- يوصف به في ~~الأزل، ولا فعل في الأزل. # احتج اصحابنا بأن المنهي عنه لا بد وأن يكون ms111 مقدورا، والقدرة تستدعي ~~أثرا، والعدم لا شيء؛ فلا يصح أن يكون أثرا؛ لأنه مستصحب، فنسبته إلى ~~القدرة تحصيل الحاصل. # واحتج الغزالي؛ بأن من عرضت له داعية الزنا، فمنع نفسه من ذلك؛ فإنه يحمد ~~عند العقلاء. # وحاصل ما ذكره: أن الكف ليس نفيا محضا، بل لا بد فيه من أخذ العدم عند ~~داعية ما له عرضية الحصول، مما هو مقدور للمكلف، فتندفع المفسدة، فلا جرم ~~أنه إن لم يخطر له الزنا، لم يثب على تركه. # ومما ذكره أبو هاشم من تسمية الباري -سبحانه- تاركا في الأزل: إن أراد به ~~نفي مجرد الفعل، فهو حق من جهة المعنى، بعيد من حيث اللفظ؛ إذ لا يقال في ~~العرف: "تارك لكذا" إلا لما كان بعرضية الثبوت، وإذ لا يصح فعل أو لا قط؛ ~~تحقق الترك، والله أعلم. PageV01P422 ### | AUTO الباب الثالث في العام والخاص، وفيه مسائل # : ### || AUTO المسألة الأولى في الفرق بين المطلق والعام # أعلم: أن لكل شيء ماهية وحقيقة، فكل أمر: يكون المفهوم منه ليس عين ~~المفهوم من تلك الماهية؛ فكان مغايرا لها، سواء كان لازما لها، أو مفارقا، ~~وسواء كان إيجابا أو سلبا. # === # اختلف الأصوليون في عد الخصوص والعموم من أقسام الكلام فمنهم من عدهما منها. # قال الإمام: والحق أنهما عارضان للخبر، والأمر، والنهي، وغير ذلك من ~~أقسام الكلام، لا أنهما قسمان بذاتهما. # [و] إنما بوب على الفرق بين العام، والمطلق؛ لأن المنطقيين يسمون المطلق عاما. # ويعنون بالعام: كل حقيقة منطبقة على معدود باعتبار معنى واحد. والخلاف ~~راجع إلى PageV01P423 # [ف] الإنسان من حيث هو إنسان، ليس إلا أنه إنسان: فإما أنه واحد، أو لا ~~واحد؛ وهما قيدان مغايران لكونه إنسانا، وإن كنا نعلم أن المفهوم من كونه ~~إنسانا لا ينفك عنهما معا. # === # الاصطلاح، والغرض ها هنا: بيان العموم الاستغراق العارض للأشخاص ~~"المؤمنين"، "والمسلمين". # وهذا العموم يعرض للقضايا، ويستعمل في البراهين؛ كقولك: كل جسم ممكن، وكل ~~ممكن محدث، بخلاف عموم المطلق؛ فإن معناه: أن مفهوم اللفظ غير مانع من ~~الشركة، وهذا العموم يعرض للمفردات؛ ومنه ms112 النوع، والجنس، والفصل، والخاصة، ~~والعرض العام: وهو المستعمل في الحدود والرسوم. # والعام المستغرق يلزم من صدقه صدق الخاص، ولا ينعكس، والعام الثاني يلزم ~~من صدق الخاص منه صدق العام ولا ينعكس. # إذا تقرر هذا فاعلم: أن بين المطلق: كإنسان، وفرس، وبين العام: ~~كالمسلمين، والمشركين، وبين أسماء الأعداد؛ كمائة، وألف- اشتراكا في كثرة ما. # ويختص المطلق: بأن الكثرة عارضة عليه، ويشترك العام واسم العدد في دخول ~~الكثرة في ماهيتها. PageV01P427 # إذا عرفت هذا، فنقول: أما اللفظ الدال على الحقيقة، من حيث إنها هي هي، ~~من غير أن تكون فيه دلالة على شيء من قيود تلك الحقيقة -فهو: المطلق. وأما ~~اللفظ الدال على تلك الحقيقة مع قيد الكثرة: فإن كانت تلك الكثرة كثرة ~~معينة؛ بحيث يتناولها اللفظ، ولا يتناول ما يزيد عليها -فهو: اسم العدد، ~~وإن لم يكن كذلك- فهو: العام؛ فلهذا # === # ويختص العدد: بأن الكثرة فيه معينة محصورة. # ومفرد العام: بأن الكثرة فيه غير معينة ولا محصورة. # قوله: "إن كل شيء له ماهية وحقيقة؛ فكل أمر يكون المفهوم منه ليس عين ~~المفهوم من تلك الماهية- كان مغايرا له، سواء كان لازما، أو مفارقا، وسواء ~~كان إيجابا أو سلبا": # غرضه من ذكر الشرطية: الرد على من أخذ الموحدة في حد المطلق، وهي عارضة ~~له؛ فإن المطلق يوصف بالقلة، والكثرة، والوحدة، وكل ما يوجد مع المتقابلين، ~~وليس له من ذاته أحدهما إلا أن عبارته لا توفي بمقصوده؛ فإن الذي أنتجه ~~ضابطه: أنه مغاير للماهية، وجزء الماهية مغاير لها، وداخل فيها، وليس ~~مقصوده مطلق المغايرة، بل مغاير هو خارج، فكان حقه أن يقول: فكل أمر يكون ~~المفهوم منه ليس عين المفهوم من تلك الماهية، ولا جزءا- فهو عارض عليه؛ ~~لتتم له المؤاخذة. # قوله: "إذا عرفت هذا، فنقول: اللفظ الدال على الحقيقة من حيث إنها هي، من ~~غير أن يكون فيها دلالة على شيء آخر من قيود تلك الماهية- فهو اللفظ ~~المطلق" يعني: أن المطلق هو الدال على الماهية فحسب. # قوله: "وأما الدال على تلك الحقيقة مع قيد الكثرة: فإن كانت ms113 تلك الكثرة ~~كثرة معينة، بحيث يتناولها اللفظ، ولا يتناول الزائد عليها - فهو اسم ~~العدد" وهذا أيضا فيه مؤاخذة؛ فإنه أخذ المعدود في ماهية العدد، والعدد ~~يستلزم المعدود لا أنه يشعر به مطابقة، ولا تضمنا؛ إذ العدد عبارة عن محض ~~الكثرة المعينة. # قوله: "فلهذا السبب قلنا: ما يتناول الشيئين فصاعدا من غير حصر هو ~~العام". # قوله: "ما يتناول الشيئين": يخرج المطلق. # وقوله: "من غير حصر" يخرج العدد. # وعدل عن قول الغزالي وهو: "اللفظ المتناول لشيئين فصاعدا"؛ لأن العموم ~~كما يعرض للفظ قد يعرض لدلالة مقتضى اللفظ، ولمفهومه؛ ما سيأتي إن شاء الله تعالى. # وقد أخد عليه: تقييده له بالشيئين؛ فإن العموم قد يعرض للمعدومات، فإن ~~قولنا: المعدومات والمستحيلات عامة، وليست أشياء. # فالأولى أن يقال: "ما يتناول مسميين فصاعدا من غير حصر". PageV01P428 # السبب قلنا: العام ما يتناول الشيئين فصاعدا من غير حصر. وبهذا البيان: ~~ظهر خطأ قول من يقول: المطلق: هو اللفظ الدال على واحد لا بعينه؛ لأن ~~الوحدة وعدم التعيين قيدان زائدان على الماهية. ### || AUTO المسألة الثانية # في بيان أن لفظة "من" و"ما" في معرض الشرط والاستفهام- للعموم. # ويدل عليه وجهان: # === # وحده أبو الحسين البصري بأنه: "اللفظ المستغرق لكل ما يصلح لتناوله بحسب ~~وضع واحد". # فقوله: "المستغرق" يتحرز به عن النكرات، مفردة كانت أو مثناة أو مجموعة. # وقوله: "بحسب وضع واحد"- احتراز من تعميم المشترك في محامله؛ فإنه لا ~~يقول به. # قوله: "وبهذا البيان ظهر الخطأ في قول من يقول: المطلق هو اللفظ الدال ~~على واحد، لا بعينه؛ فإن الوحدة وعدم التعيين قيدان" هذا حد الشريف وغيره، ~~وما ذكره وارد عليه على ما سبق. # تقدم البحث في حقيقة العموم، والبحث الآن في جهاته وصيغه: PageV01P429 # الأول: لو قال: "من دخل داري، فأعطه درهما"- كان له أن يعطي جميع ~~الداخلين؛ وذلك يدل على العموم. # === # فجهاته ثلاث: لفظية، وعرفية، وعقلية: # أما اللفظية: فكالمسلمين، والمؤمنين. # وأما العرفية: فكقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء 23]، وليس ~~المراد PageV01P430 # الثاني: أنه إذا قال: "من دخل داري، فأكرمه"- حسن استثناء كل واحد من ~~العقلاء ms114 منه، والاستثناء مخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه؛ لوجهين: # أحدهما: أن المستثنى من الجنس، لا بد وأن يكون بحيث يصح دخوله تحت ~~المستثنى منه، فإن لم يكن الدخول واجبا - لم يبق فرق بين الاستثناء عن ~~الجمع المنكر؛ # === # بالتحريم تحريم ذات الأم، بل المراد ما يفهم منه عرفا من تحريم وجوه ~~الاستمتاعات. # وأما العقلية: فكترتيب الحكم على اسم مشتق، يفهم منه التعليل، فيعم الحكم ~~جميع أفراده، وهو التعميم؛ كقوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة 275]؛ # رتب الحل على مسمى البيع، فيدل على حله أينما وجد مسماه إلا أن يمنع منه مانع. # وأما صيغة: فعند المحققين ترجع إلى قسمين: # أحدهما: ما يستقل بإفادة العموم من غير ضميمة. # والثاني: ما يفتقر في إفادته إلى ضميمة. # فالأول: نحو "كل"، و"جميع"؛ كقول الله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الزمر: ~~62]، مريد لجميع الكائنات. PageV01P431 # كقوله: "جاءني فقهاء إلا زيدا" وبين الاستثناء عن الجمع المعرف؛ كقوله: ~~"جاءني الفقهاء إلا زيدا"، ولما كان الفرق بينهما معلوما بالضرورة- ثبت: أن ~~الاستثناء من الجمع # === # وأسماء الشرط، والاستفهام، والموصولات؛ كقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك يلق ~~أثاما} [الفرقان 68]، و: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله ~~أجر كريم} [الحديد: 11]، و: {لله ما في السماوات وما في الأرض} [البقرة ~~284] و: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} ~~[الأنبياء: 98]. # والثاني: صيغ المجموع المعرفة بلام الجنس، أو الإضافة: # كقوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات} [الأحزاب 33]، و: {إن الأبرار لفي ~~نعيم} [الانفطار: 13]. # وقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء 11]، وما في معناها من ~~أسماء المجموع؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أمرت أن أقاتل الناس". # واسم الجنس المعرف بلام الجنس؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام -: "لا تبيعوا ~~الذهب PageV01P432 # المعرف، يقتضي إخراج ما لولاه لدخل. # الثاني: وهو أنه ينقل عن بعضهم: أن الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، وعن ~~آخرين: أن الاستثناء إخراج ما لولاه لصح دخوله. # === # بالذهب إلا سواء بسواء". # والنكرة في سياق النفي؛ كقوله تعالى: {لا بيع فيه ولا خلة} [البقرة: 254]. # ولم يختلف العلماء في ms115 إفادة جملة هذه الصيغ للعموم مع القرائن. وأما مع ~~تجردهما، فقد اختلف العلماء في ذلك: # فذهب الفقهاء، ومعظم المعتزلة إلى أنها حقيقة في الاستغراق. # ونقل عن الثلجي وغيره: أنها تحمل على الأقل؛ لأنه المستيقن، فيحمل الجمع ~~على أقله، والأسماء المبهمة على الواحد. # وتوقف الواقفية على المذهبين في الوقف. # ومعتمد الفقهاء في التعميم أربع حجج: # الأولى: حسن مدح المعمم، وذم المقصر. # الثانية: حسن الاستثناء. # الثالثة: حسن التوكيد بالمستغرقات. # الرابعة: النقض؛ كقول عثمان بن مظعون ... ... ... ... ... ... ... PageV01P433 # فنقول: وجب أن يكون الاستثناء حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر؛ صونا ~~للنقل عن التكذيب، فنقول: جعله حقيقة في الوجوب، مجازا في الصحة -أولى؛ لأن ~~الصحة من لوازم الوجوب، والملازمة شرط في جواز المجاز فإذا جعلناه حقيقة في ~~الوجوب- # === # للبيد - حين قال [من الطويل]: # ...................... ... وكل نعيم لا محالة زائل # كذبت؛ فإن نعيم الجنة لا يزول. # وقد جعلها صاحب الكتاب مسائل؛ لاختلاف اختياره فيها، واختلاف مأخذه، فذكر ~~في المسألة الأولى من أسماء الشرط "من"، و"ما" فرضا، وتمثيلا. # واحتجاجه جائز في جميع أسماء الشرط، والاستفهام، والأسماء الموصولات. ~~والموصولات، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: PageV01P434 # أمكن جعله مجازا في الصحة؛ لأن الوجوب يستلزم الصحة. أما لو جعلناه حقيقة ~~في الصحة - لا يمكن جعله مجازا في الوجوب؛ لأن الوجوب لا يلزم الصحة. # === # منها: ما هو شرط فيمن يعلم وهي: من. # ومنها: ما هو شرط فيمن لا يعلم؛ ك "متى"، "وأيان" في الزمان، "وأين"، ~~"وحيثما" في المكان، و"ما" فيما لا يعلم في الأكثر، وقد تأتي فيمن يعلم ~~للتنويع؛ كقوله تعالى: {يسبح PageV01P435 # احتج القائلون بأن الاستثناء تأثيره في إخراج ما لولاه لصح، لا في إخراج ~~ما لولاه لوجب- بوجوه: # === # لله ما في السماوات وما في الأرض}، [الجمعة 1]، وكقوله تعالى: {فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء} [النساء 3]. # ومنها: ما هو صالح للقسمين: ك "أي"؛ فإنها بحسب ما تضاف إليه: فإن أضيفت ~~إلى من يعلم، كانت شرطا، وإن أضيفت إلى ما لا يعلم، كانت شرطا فيه، ، وإن ~~أضيفت إلى الزمان أو المكان كانت شرطا فيهما. # قوله: "ويدل عليه ms116 وجهان: # الأول: أنه لو قال: من دخل داري، فأعطه درهما -كان له أن يعطي جميع ~~الداخلين"، يعني: ويحسن مدحه على ذلك، ويذم على الاقتصار. # لا يقال: العموم باعتبار القرائن؛ فإنا نفرضه مع الغيبة، وعدم المناسب؛ ~~كما لو كتب: من قال لك: ألف، فقل له: باء. # لقائل أن يقول: إذا بولغ في الفرض إلى هذا الحد - فللخصم منع العموم. # قوله: "الثاني: أنه لو قال: من دخل داري، فأكرمه، حسن استثناء كل داخل من ~~غير العقلاء" يعني على البدل. # قوله: "والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل من وجهين: # الأول: أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يكون بحيث يمكن دخوله تحت ~~المستثنى منه" يعني: إن لم يكن فرق بين المتصل والمنقطع. # قوله: "وإن لم يكن الدخول واجبا، لم يبق فرق بين الاستثناء عن الجمع ~~المنكر؛ كقولك: جاءني فقهاء إلا زيدا، وبين الاسثتناء عن الجمع المعرف، ~~كقولك: جاءني الفقهاء إلا زيدا"، يعني: أن المنكر لا يستغرق ضرورة شيوعه، ~~وإذا لم يستغرق مع حسن استثناء كل فرد من الفقهاء PageV01P436 # الأول: أن جموع القلة لا تفيد إلا ما دون العشرة، مع أنه يصح الاستثناء منها. # الثاني: أن سيبويه نص على أن جمع السلامة من جموع القلة، مع أنه يصح ~~الاستثناء منها. # الثالث: أنه يصح أن يقال: "صل إلا في الوقت الفلاني"، مع أن الأمر لا ~~يفيد التكرار. # الرابع: أنه يصح أن يقال: "اصحب جمعا من الفقهاء إلا فلانا"؛ فهاهنا: ~~المستثنى منه منكر، ولا يفيد الجمع؛ مع أنه يصح [الاستثناء منه]. # === # منه، يعني فيكون الاستثناء لإخراج الصالح للدخول، فلو كان في المعرف ~~كذلك، لم يكن فرق. # قوله: "الثاني: أنه نقل عن بعضهم: أن الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، وعن ~~آخرين: أنه إخراج ما لولاه لصلح". # ويدل على صحة ما قاله: أن الاستثناء من النصوص لإخراج الداخل؛ كفوله ~~تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت 14]، ومن مثل قوله: ~~صل ركعتين بالفاتحة والمعوذتين إلا في وقت كذا لإخراج الصالح. # قوله: "فنقول: جعله حقيقة في الوجوب، ms117 مجازا في الصحة - أولى؛ لأن الصحة ~~من لوازم الوجوب، والملازمة شرط صحة المجاز" يعني: أن الأخص يستلزم الأعم، ~~والدال على الأخص بالمطابقة دال على الأعم بالتضمين أو الالتزام، ولا ينعكس. # قوله: "احتج القائلون بأن الاستثناء لإخراج الصالح للدخول بوجوه: # الأول: أن جموع القلة لا تفيد إلا ما دون العشرة". # صوابه أن يقول: لا تفيد إلا العشرة فما دونها. # قوله: "مع أنه يصح الاستثناء منها"، يعني: أنه يصح استثناء ما زاد على ~~العشرة بطريق البدل، وما ذاك إلا لصحة الدخول. # قوله: "الثاني: أن سيبويه نص على أن جمع السلامة من جموع القلة، مع أنه ~~يصح الاستثناء منها" وجهه ما سبق. # ووجه التوفيق بين ما نقل عن سيبويه، وما ذكره الفقهاء: أن يحمل كلام ~~سيبويه على المنكر، أو يقال: أنه الأصل، وغلب استعماله في الكثرة، فصار ~~التعميم ثابتا بالعرف، إما لغة، أو شرعا. # قوله: "الرابع: أنه يقال: اصحب جمعا من الفقهاء .. " إلى آخره، يعني بصحة ~~الاستثناء صحة الاستثناء من المنكر، وقد تقدم. PageV01P437 # الجواب: أنه لما تعارضت الدلائل، كان قولنا أولى؛ لأنه أكثر فائدة. # === # قوله: "والجواب: أنه لما تعارضت الدلائل، كان قولنا أولى؛ لأنه أكثر ~~فائدة" يعني: أن الوجوب يستلزم الصحة، ولا ينعكس، فكان أكثر فائدة؛ لدلالته ~~على الوجوب والصحة معا. # وما ذكره من الترجيح يعارضه أنه إذا كان حقيقة في الصحة، لم يكن في حمله ~~على الوجوب عند القرينة مخالفة أصل؛ بخلاف العكس. # والأولى أن يحمل الاستثناء على قدر مشترك بين الداخل والصالح للدخول؛ ~~دفعا للمجاز أيضا؛ فإنه على خلاف الأصل، فيقال: الاستثناء إخراج الثاني من ~~حكم الأول ب "إلا" وأخواتها. # وقد ذكر في أول المسألة أن الدليل على العموم وجوه، ولم يذكر سوى وجهين. # ومما احتج به المخصصة أن أظهر هذه الأسماء في اقتضاء العموم "من"، وقد ~~سمع عن العرب تثنيتها، وجمعها فقالت: من، ومنان، ومنون، ومنه، ومنتان، ومنات. # وقال الشاعر [الوافر]: # أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ ... فقالوا: الجن، قلت: عموا ظلاما # والمراد من التثنية والجمع: التكثير، ولا معنى لذلك لو ms118 كانت مفيدة للكثرة ~~المستغرقة. # وأجيب: بأن ذلك ليس تثنية حقيقة، ولا جمعا حقيقيا، وإنما هي زيادات ألحقت ~~في باب الحكاية للنكرات؛ حرصا على البيان؛ بدليل أنهم لم يستعملوها في ~~الوصل، ولا في غير الحكاية، ولم يحركوا نونه، وإنما ذلك في حكايات النكرات ~~مع الاستفهام خاصة، وفي البيت شذوذ من وجوه: # أحدها: استعماله في غير الحكاية. # والثاني: استعماله في الوصل. # والثالث: تحريك النون. PageV01P438 ### || AUTO المسألة الثالثة في أن الجمع المعرف يفيد العموم # ويدل عليه وجوه: # الأول: أن الأنصار لما طلبوا الإمامة، احتج عليهم أبو بكر -رضي الله عنه- ~~بقوله - عليه السلام -: "الأئمة من قريش" والأنصار سلموا صحة ذلك الدليل، ~~ولولا أن الجمع # === # [المسألة الثالثة] # [قوله]: "إن الجمع المعرف -يعني: ب "لام الجنس"- يفيد العموم، ويدل عليه وجوه: # الأول: أن الأنصار - رضي الله عنهم- لما طلبوا الإمامة، احتج عليهم أبو ~~بكر - رضي الله عنه - بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "الأئمة من قريش" ~~والأنصار سلموا ذلك الدليل، فلولا PageV01P439 # المعرف بالألف واللام يفيد الاستغراق؛ وإلا لم يصح ذلك الدليل. وعن عمر - ~~رضي الله # === # أن الجمع المعرف بالألف واللام يفيد الاستغراق، وإلا لما صح ذلك" يعني: ~~أنهم لما قالوا: منا أمير، ومنكم أمير، فلا يندفع هذا القول إلا بتقدير أن ~~يكون معنى الحديث: كل الأئمة من قريش. PageV01P440 # عنه - أنه قال لأبي بكر - رضي الله عنه - لما هم بقتال مانعي الزكاة: ~~"أليس قال النبي - # === # ويرد عليه: أن الإمامة إثبات سلطنة وولاية عامة، وثبوت السلطنة العامة ~~للأشرف PageV01P441 # عليه السلام -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: "لا إله إلا الله"؛ ~~فاحتج عليه بعموم اللفظ، ولم ينكر عليه أحد، بل عدل أبو بكر - رضي الله عنه ~~- إلى الاستثناء، فقال: "أليس قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إلا ~~بحقها"، والزكاة من حقها؟ ! ". # الثاني: أن هذا الجمع مما يؤكد بما يقتضي الاستغراق؛ فوجب أن يكون موضوعا ~~في الأصل للاستغراق: # أما الأول فلقوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [الحجر: 30]. # أما الثاني - فلأن التأكيد هو: اللفظ الدال على تقوية ما كان ثابتا في ~~الأصل، ولولا أن هذا ms119 الجمع في الأصل يفيد الاستغراق؛ وإلا لم يكن تأكيده ~~مفيدا للاستغراق. # الثالث: لو لم يحمل على الاستغراق - لكان: إما أن يحمل على بعض معين؛ وهو ~~باطل؛ لأن اللفظ قاصر عن ذلك التعيين. أو على بعض مبهم؛ وهو يوجب تعطيل ~~الكلام، أو على الكل إلا ما خصه الدليل؛ وهو المطلوب. # === # مناسب، فترتيب الحكم عليه يقتضي التعميم من جهة المعنى، فلا نسلم لهم أن ~~العموم - ها هنا - من مجرد اللفظ، والنزاع عند عدم القرائن. # قوله: "وقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في قتال مانعي الزكاة: [أليس ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -]-: "أمرت أن أقاتل الناس ... " إلى آخره: # يرد عليه: لا نسلم أنهم فهموا العموم من مجرد اللفظ، بل وبما استقر ~~واشتهر، من ظهور دعوته للناس كافة؛ الأحمر والأسود. # قوله: "الثاني: أن هذه الجموع تؤكد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يكون ~~موضوعها في الأصل للاستغراق ... " إلى آخره. # اعترض عليه: بأن فهم الاستغراق كان لقرينة التوكيد. # قوله: "التوكيد تقوية ما كان ثابتا في الأصل" يقال له: مسلم، ولكن لا ~~نسلم ثبوته بطريق الظهور لولا المؤكد. # قوله: "الثالث: لو لم تحمل على الاستغراق لكان: إما أن يحمل على بعض ~~معين، وهو باطل؛ لأن اللفظ قاصر على ذلك المعين. أو على بعض مبهم، وهو يوجب ~~التعطيل. أو على الكل إلا ما خصه الدليل، وهو المطلوب". # والاعتراض على قوله: "أن اللفظ قاصر عن ذلك التعيين" أن نقول: يعني أنه: ~~قاصر في الكيفية، أو الكمية؟ : # الأول: مسلم، والثاني: ممنوع؛ فإن الأول متيقن، فتعين الحمل عليه. PageV01P442 # الرابع: أنه يصح استثناء أي واحد أريد، وهو يفيد العموم؛ على ما تقدم. # الخامس: الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة، فوق المنكر؛ لأنه يصح انتزاع ~~المنكر من المعرف، ولا ينعكس؛ فإنه يجوز أن يقال: "جاءني رجال من الرجال"، ~~ولا يجوز أن يقال: "جاءني الرجال من رجال"؛ ومعلوم بالضرورة: أن المنتزع ~~منه أكثر من المنتزع. # إذا ثبت هذا، فنقول: # المفهوم من الجمع المعرف: إما الكل، وإما دونه، والثاني باطل؛ لأنه ما من ms120 ~~عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف؛ وثبت أن المنتزع منه أكثر؛ ~~ولما بطل هذا - ثبت أنه يفيد الكل. # احتج المنكرون للعموم بوجوه: # الأول: أنه يصح أن يقال: "جاءني كل الناس"، "جاءني بعض الناس"، ولو كان ~~قولنا: "الناس" يفيد العموم - لكان الأول تكرارا، والثاني نقضا. # === # [و] قوله: "إن حمله على بعض مبهم تعطيل" لا يسلم، بل يفيد الجمع المطلق؛ ~~كما نقول في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء.} الآية [التوبة 60]. # قوله: "الرابع: أنه يصح استثناء كل واحد، وذلك يدل على أنه يفيد العموم" ~~وقد مضت هذه الحجة، والاعتراض عليها والانفصال، في المسألة التي قبلها. # قوله: "الخامس: الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر؛ لأنه يصح ~~انتزاع الجمع المنكر من المعرف -يعني: تعريف الجنس- ولا ينعكس؛ فإنه يجوز ~~أن يقال: جاءني رجال من الرجال، ولا يجوز أن يقال: جاءني الرجال في رجال، ~~ومعلوم بالضرورة أن المنزوع منه أكثر. إذا ثبت هذا فنقول: المفهوم من الجمع ~~المعرف إما الكل، وإما دونه: والثاني باطل؛ لأن ما من عدد دون الكل إلا ~~ويصح انتزاعه من الجمع المعرف، فثبت أن المنزوع منه أكثر" ولا بأس بهذه ~~الحجة، وقوتها راجعة إلى حجة الاستثناء. # قوله: "احتج المنكرون للعموم بوجوه: الأول: أنه يصح أن يقال: جاءني كل ~~الناس، وجاءني بعض الناس، فلو كان قولنا: "الناس" يفيد العموم، لكان الأول ~~تكرارا، والثاني نقضا" يعني: أن اللام الدالة على الاستغراق مقدرة بكل ~~واحد، فلو أدخل عليها "كل" لكان تكرارا. وجوابه: أنه تأكيد. وقوله: "لو ~~أدخل عليها "بعض" لكان نقضا". # وجوابه: أنها وإن أفادت العموم لا تفيده نصا، وإنما تفيده مع احتمال ~~إرادة الخصوص، وقوله: "بعض" تعيين لإرادة الاحتمال الخفي. # قوله: "إنه يصح أن يقال: جاءني كل الناس إلا الفقهاء، ولو كان لفظ ~~"الناس" يفيد العموم - لجرى مجرى ما إذا صرح بذكر جميع أنواع الناس، فيصير ~~[قوله]: جاءني الناس إلا الفقهاء جاريا PageV01P443 # الثاني: يصح أن يقال: "جاءني الناس، إلا الفقهاء"؛ فلو كان لفظ "الناس" ~~يفيد العموم - لجرى قولنا: "الناس" مجرى ما ms121 إذا صرح بذكر جميع أنواع الناس؛ ~~فيصير [قوله]: "جاءني الناس، إلا الفقهاء" جاريا مجرى قوله: "جاءني فلان ~~والفقهاء، إلا الفقهاء"، ولما كان هذا باطلا؛ ثبت أن لفظ "الناس" لا يفيد ~~العموم. # الثالث: أن العرف العام يشهد بأن الرجل قد يقول: "رأيت الناس، وخالطت ~~الناس، [وجالست الناس" مع أنه ما رأى الكل، وإنما رأى البعض، ولا خالط ~~الكل، وإنما خالط البعض]، والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل؛ فوجب أن تكون ~~هذه اللفظة موضوعة لإفادة الحكم في الجمع الكثير من غير أن تفيد الاستغراق. # الرابع: أن الحكم بكون هذه اللفظة موضوعة للعموم: إما أن يعرف بالعقل؛ ~~وهو باطل؛ لأنه لا مجال للعقل في اللغات. أو بالنقل المتواتر؛ وهو باطل؛ ~~وإلا لارتفع الخلاف فيه. أو بنقل الآحاد؛ وهو باطل؛ لأن الحاجة إلى معرفة ~~كون هذه الألفاظ عامة، شديدة، والحكم الذي تتوفر الدواعي على معرفته - يجب ~~أن يصير متواترا. # الجواب أنه لما تعارضت الدلائل، فالحمل على الاستغراق أولى؛ إلا ما خصه # === # مجرى قوله: جاءني فلان، والفقهاء إلا الفقهاء، ولما كان هذا باطلا، ثبت ~~أن لفظ "الناس" لا يفيد العموم". # والاعتراض: أن قوله: "يجري مجرى الأنواع" - لا يلزم من جريانه مجراه: أن ~~يشاركه في جميع أحكامه، وإنما يبطل الاستثناء مع تعديد الأنواع؛ لأنه يعود ~~إلى الأقرب؛ وهو مستغرق؛ فيبطل على رأي. # ومنهم من يقدر المعطوف والمعطوف عليه كالمذكور جملة؛ فيصح الاستثناء. # وإن عددت؛ كقوله: أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة - فإن فيها وجهين. # وأما مع اندراج المخرج في الشمول فتحقق حقيقة الاستثناء بالاتفاق، وهو ~~إخراج بعض من كل. # قوله: "الثالث: أن العرف العام يشهد أن الرجل قد يقول: رأيت الناس ... " ~~إلخ. الاعتراض عليه أن التخصيص - ها هنا - معلوم بدليل العقل أو الحس. # قوله: "الرابع: أن الحكم بكون هذه اللفظة موضوعة للعموم: إما أن يعرف ~~بالعقل، وهو باطل؛ إذ لا مجال للعقل في اللغات"، يعني: أنها إما توقيفية، ~~أو اصطلاحية. # قوله: "أو بالنقل المتواتر، وهو باطل، وإلا ارتفع الخلاف"، يعني: أن ~~التواتر يفيد العلم الضروري، ويستوي في ms122 العلم به طبقات الباحثين عنه، فيلزم ~~رفع الخلاف. # قوله: "أو بنقل الآحاد، وهو باطل؛ لأن الحاجة إلى معرفة هذه الألفاظ عامة ~~- شديدة، والحكم الذي تتوفر الدواعي على معرفته، وجب أن يكون متواترا". PageV01P444 # الدليل؛ لأنا لو لم نقل به - لزمنا أن نقول: المراد منه بعض مجهول، أو ~~نقول بالوقف في الخصوص والعموم؛ وعلى التقديرين: يصير الكلام معطلا، أما ~~إذا قلنا: إنه يفيد العموم، إلا ما خصه الدليل - بقيت هذه النصوص منتفعا ~~بها؛ فكان هذا أولى. ### || AUTO المسألة الرابعة في أن المفرد المعرف بحرف التعريف لا يفيد الاستغراق بحسب اللغة # وقال الأكثرون من الفقهاء: إنه يفيده. # === # هذه حجة الواقفية، فإن كان المستعمل بها الواقف بناء على الاشتراك، فهي ~~منقلبة عليه؛ إذ يقال: "الحكم بكون هذه الألفاظ موضوعة على وجه الاشتراك: ~~إما أن يعرف بالعقل أو بالنقل ... " إلى آخره. # وإن تمسك بها القائلون: "لا ندري" فالاعتراض عليها من وجهين: # الأول: منع الحصر، فمن الطرق الاستقراء التام والمركب من العقل والنقل، ~~ولم يبطلها. # والثاني: دعوى الآحاد، لا نسلم شدة الحاجة إلى معرفتها؛ فإن استعمالها ~~عرية عن القرائن المقالية، والحالية - قليل. # قوله: "والجواب: لما تعددت الدلائل، فالحمل على الاستغراق أولى؛ لأنا لو ~~لم نقل به، للزمنا أن نقول: المراد به بعض مجهول، أو بالوقف، وعلى ~~التقديرين يصير الكلام معطلا". # [المسألة الرابعة] # قوله: "بحسب اللغة" احتراز من مثل قولهم: الرجل خير من المرأة، والدينار ~~خير من الدرهم. # فإن العموم، وإن فهم منه، فليس هو باعتبار اللفظ فقط، وإنما هو مفهوم من ~~قرينة الفضيلة، والتسعير. # وقوله: "وقال أكثر الفقهاء: يفيده"، ، وساعدهم الجبائي، والمبرد، ~~واحتجوا: PageV01P445 # لنا وجوه: # الأول: أنه يقال: "جاءني الرجل والرجلان والرجال"، فلو كان قولنا: ~~"الرجل" يفيد الاستغراق - لامتنعت التثنية والجمع؛ لأنه لم يبق بعد الكل ~~شيء يضم إليه. # الثاني: أجمعوا على أنه لو قال: "أنت طالق الطلاق" - لم يقع الثلاث ~~عليها، ولو كان المفرد المعرف يفيد العموم - لكان هذا تصريحا بالثلاث وأكثر. # === # بأن اللام تفيد التعريف، وهو دائر بين العهدي، والجنسي، ولا يصح إرادة ~~العهد ms123 إلا مع سبق ذكر، أو قرينة، والأصل عدم ذلك. # والخلاف عند تجرد الصيغة عن القرائن، فيتعين الحمل على الجنس؛ ولأن العهد ~~إذا لم يفهم إلا بقرينة، كان مجازا، وكل مجاز يستدعي حقيقة، فيتعين أن يكون ~~حقيقة في الجنس. # وتوقف الواقفية؛ قالوا: لأن هذه الصيغة، كما تستعمل لإفادة الجنس، تستعمل ~~لإفادة الواحد المعين، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فتكون مشتركة، أو لا ~~ندري ما هو الحقيقة. # وفرق الإمام بين ما يميز بين جنسه وواحده بالهاء؛ كالثمرة والثمر، والبرة ~~والبر، وبين ما لا يميز بالهاء؛ كالذهب والورق؛ # فقال: الأول يفيد العموم؛ لانتفاء إرادة الواحد المعين بدون الهاء، وتوقف ~~في الثاني؛ لصلاحيته للأمرين، وساعده الغزالي في "المنخول" على هذا ~~التفصيل، وزاد فقال: وما عرى عن الهاء فلا يخلو: إما أن يتكرر لفظه بتكرر ~~مسماه، أو لا يتكرر: # فالأول: كالرجل، والدرهم؛ فإنك إذا ضممت إليه غيره، قلت: رجلان، أو رجال. # والثاني: كالذهب؛ فإنك لو رددت أمثاله، فاسم الذهب باق عليه لم يتكثر. # قال: فالأول لا يعم، والثاني يعم. # قوله: "لنا وجوه: الأول: أنه يقال: جاءني الرجل، والرجلان، والرجال، فلو ~~كان قولنا: "الرجل" يفيد الاستغراق لامتنعت التثنية، والجمع؛ لأنه لم يبق ~~بعد الكل شيء ينضم إليه": # والاعتراض: أن يقال: نحن لا ندعي إفادته للاستغراق نصا، وإنما ندعيه ~~ظاهرا، مع احتمال إرادة الواحد المعين، فحصول التثنية، والجمع - قرينة دالة ~~على إرادة هذا المحمل، أعني: الواحد المعين. # قوله: "أجمعوا على أنه لو قال: أنت [طالق] الطلاق، لم تقع الثلاث عليها، ~~فلو كان المفرد المعرف يفيد العموم - لكان هذا تصريحا بالثلاث"، يعني: أنه ~~إذا دل على الاستغراق، فيقع من الطلاق ما يملكه. # والاعتراض: أن هذا ظاهر عارضه أصل، وهو أن الأصل: العصمة، ، ولا يزال ~~اليقين إلا PageV01P446 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # بمثله؛ بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام -: "فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، ~~أو يجد ريحا". # وأمره - عليه الصلاة والسلام - لمن شك في عدد الركعات بالبناء على ~~اليقين. PageV01P447 # الثالث: أنه لا يجوز تأكيده بما يؤكد به العموم؛ فلا يقال: "جاءني الرجل ~~كلهم أجمعون" وإذا ثبت ms124 هذا، كان قوله: {كل الطعام} [آل عمران: 93] مجازا؛ ~~إذ لو كان حقيقة، لاطرد. # === # ولا يلزم من ترك الظاهر لمعارض راجح، أو مساو في صورة - تركه مطلقا. # قوله: "الثالث: أنه لا يجوز تأكيده بما يؤكد به العموم، فلا يقال: جاءني ~~الرجل كلهم أجمعون". # والاعتراض: أن من الصيغ ما يكون لفظه مفردا، ومعناه الجمع؛ كصيغة "من"، ~~و"كل"، وما كان كذلك، فالعرب تارة تراعي فيه اللفظ، وتارة تراعي فيه ~~المعنى: # ومن ثم: جاء قوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك} [الأنعام: 25]، {ومنهم من ~~يستمعون إليك} [يونس: 42]. # والإتباع من الأحكام اللفظية، فغلب فيه جهة اللفظ، ، وهذا هو الجواب عن ~~بقية حجج الإتباعات التي ذكرها. # قوله: "إذا ثبت هذا، كان قوله تعالى: {كل الطعام} [آل عمران: 93] مجازا" ~~يعني: أن "كلا" تفيد تأكيد الاستغراق، تقدمت، أو تأخرت، ، والتأكيد لتقوية ~~المعنى، فيكون للاستغراق. # واعتذاره: بأنه مجاز؛ لأنه لو كان حقيقة لاطرد - يرد عليه: أنا لا نسلم ~~وجوب اطراد الحقائق، فقد سمت العرب القارورة قارورة؛ لاستقرار الماء فيها، ~~ولم تطرده، إلى غير ذلك. PageV01P448 # الرابع: أنه لا يجوز وصفه بما توصف به الجموع؛ فلا يقال: "جاءني الرجل ~~العلماء الحكماء" إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {والنخل باسقات} [ق: 10] ~~وقوله نعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} [النور: 31]- ~~مجاز؛ لعدم الاطراد. # الخامس: لا يجوز استثناء الجمع منه؛ فلا يقال: "جاءني الرجل؛ إلا العلماء ~~والحكماء"؛ إذا ثبت هذا، كان قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2]- ~~مجازا؛ لعدم الاطراد. # السادس: إذا قال الرجل: "لبست الثوب، وشربت الماء" لم يفهم منه إلا ~~الماهية؛ والأصل في الكلام الحقيقة؛ فوجب ألا يكون حقيقة في غيره؛ لعدم ~~الاشتراك. # السابع: أن قولنا: "أحل الله هذا البيع" -لا يفيد العموم، فلو كان قولنا: ~~"البيع" يفيد العموم- لكان خروجه عن إفادة العموم: إنما كان لأجل انضمام ~~لفظة "هذا" إليه؛ وذلك يوجب التعارض؛ وهو خلاف الأصل. # === # سلمناه، ولكن لا نسلم عدم الاطراد، فإنه يقال: كل الماء، وكل الذهب، وكل ~~البر، وهو كثير. # قوله: "الرابع: أنه لا يجوز وصفه بما ms125 يوصف به الجمع، فلا يقال: جاءني ~~الرجل العلماء": # وقد تقدم التنبيه على الاعتراض عليه، بأن الوصف تابع، فيراعى فيه اللفظ ~~إذا ثبت هذا. # قوله: "إذا ثبت هذا، فقوله تعالى: {والنخل باسقات} [ق: 10]، وقوله تعالى: ~~{أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} [النور: 31] مجاز؛ لعدم ~~اطراده". # يرد عليه ما تقدم، وإيراده: {والنخل باسقات} [ق: 10] نقضا على منع الصفة ~~بما يوصف به الجمع - لا يريد به الصفة الصناعية؛ فإن "باسقات" حال، بل يريد ~~الصفة المعنوية. # قوله: "الخامس: لا يجوز استثناء الجمع منه، فلا يقال: جاءني الرجل إلا ~~العلماء. # وإذا ثبت هذا، كان قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2] مجازا ~~لعدم الاطراد. # يرد عليه: لا نسلم عدم الاطراد، بل ذلك كثير في الاستعمال إذا أريد بها ~~تعريف الجنس. # قوله: "السادس: إذا قال الرجل: لبست الثوب، وشربت الماء - لم يفهم منه ~~إلا الماهية". # الاعتراض عليه: أن قرينة استحالة التعميم ها هنا معينة لما علم من ~~استحالة شربه جميع الماء، ولبسه جميع الثياب. # قوله: "السابع أن قولنا: "أحل الله هذا البيع" لا يفيد عموما، فلو كان ~~قولنا: "البيع" يفيد العموم، لكان خروجه عن إفادة الأصل؛ لانضمام لفظة ~~"هذا"، وهذا يوجب التعارض". PageV01P449 # الثامن: أنه يجوز أن يقال: "رأيت الرجل الواحد"، ولا يجوز أن يقال: "رأيت ~~الرجل الثلاثة"؛ فعلمنا: أن لفظ "الرجل" لا يحتمل الجمع؛ فضلا عن العموم. # التاسع: أنه يصح أن يقال: "الإله واحد"، فلو كان قولنا: "الإله" يفيد ~~العموم - لكان قولنا: "الإله واحد" يجري مجرى قولنا: "الآلهة واحد"؛ ومعلوم ~~أنه متناقض. # العاشر: أنه يصح أن يقال: "الحيوان جنس"، ولا يصح أن يقال: "كل حيوان ~~جنس"؛ فعلمنا: أن قولنا: "الحيوان" لا يفيد فائدة قولنا: "كل حيوان". # إذا ثبت هذا، فنقول: المفرد المعرف يجب حمله على المعهود السابق، إن حصل ~~هناك معهود سابق؛ وإلا: فإن كان في جانب الثبوت - كفى في العمل به تحصيله ~~في صورة واحدة؛ لأنه يكفي في تكوين الماهية تكوين فرد من أفرادها. وإن كان ~~في جانب السلب - وجب الامتناع عنها مطلقا؛ ms126 لأن الامتناع عن تكوين الماهية ~~لا يحصل إلا عند الامتناع عن جميع أفرادها. # === # والاعتراض عليه أن غايته لزوم إرادة المجاز لقرينة، ويتعين إذا دل عليه دليل. # قوله: "الثامن: أنه يجوز أن يقال: رأيت الرجل الواحد ... " إلى آخره. # هذا أيضا من باب الإتباع، وقد تقدم أن المغلب فيه مراعاة اللفظ. # قوله: "التاسع: أنه يقال: الإله واحد ... " إلى آخره. # الاعتراض عليه: أن هذا إخبار عنه، وهو كالوصف في مراعاة اللفظ. # قوله: "العاشر: أنه يصح أن يقال: الحيوان جنس ولا يصح أن يقال: كل حيوان ~~جنس": يعني: أن اللام المستغرقة تقدر بكل واحد، فقوله تعالى: {إن الإنسان ~~لفي خسر} [العصر: 2] تقريره: إن كل إنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات. # ولا يصح التقدير ها هنا، فلا تكون للاستغراق؛ لما ذكر من القرينة، يقال ~~له: فلم لا تدل عليه مع عدم القرينة؟ # قوله: "إذا ثبت هذا، فنقول: المفرد المعرف يجب حمله على المعهود السابق، ~~إن حصل هناك معهود سابق" هذا لا نزاع فيه. # قوله: "وإلا فإن كان في جانب الثبوت، كفى في العمل به تنزيله على صورة ~~واحدة؛ لأنه يكفي في تكوين الماهية تكوين فرد من أفرادها. # وإن كان في جانب السلب، وجب الامتناع مطلقا؛ لأن الامتناع من تكوين ~~الماهية لا يتحقق إلا بالامتناع من جميع أفرادها": PageV01P450 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # حاصله أنه أجرى الاسم مع التعريف مجراه مع التنكير، فإن النكرة إنما تدل ~~على ذات شائعة في الجنس، فتكفي في الإثبات بفرد من أفرادها. # وأما في النفي، فالعموم فيها بالعرض لا بالذات؛ لما ذكره من اللزوم ~~العقلي. ولم يجعل لدخول لام التعريف فيها على هذا التقدير أثرا ألبتة، وهو ~~على خلاف الإجماع؛ فإنها لا بد وأن تفيد تعريفا، وإذا امتنع العهد كما فرض، ~~فيتعين الجنس. # لا يقال: فلتفد تعريف الماهية؛ لأنا نقول: الماهية معرفة بالاسم، ~~فتعريفها باللام تحصيل الحاصل. # وههنا بحث لطيف: # وهو: أن لفظ "إنسان" وضع للماهية، ولام التعريف إنما دخلت لتعريف كيفية ~~المحل المحكوم عليه، وكيفية المحل المحكوم عليه تختلف؛ فتارة تحكم على ~~الإنسان ms127 مع قيد وحدة، أو كثرة معينة، فتكون اللام فيه للعهد؛ كقوله تعالى: ~~{إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى ~~فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} [المزمل: 15، 16]. # وتارة تحكم عليه مع كثرة غير معينة، [فتكون اللام فيه لتعريف الجنس]؛ ~~كقوله تعالى: # {إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2]. # وتارة تحكم فيه على مجرد الماهية؛ كقولك: الإنسان نوع، فتكون لتعريف ~~الماهية، أعني: أنها في المحكوم عليها فقط لا تفيد، وهو غير تعريف الاسم ~~للماهية، فكأن اللام تجري في استعمالها مجرى سور القضية نحو: كل، وبعض؛ ~~المعينين لكمية الحكم. # وعلى هذا، أمكن أن يقال: إنها تدخل لأصل التعريف، وتعيين هذه الجهات ~~بالقرائن دفعا للاشتراك، أو المجاز. # تتمة: # قد تقدم أن الصيغ الدالة على العموم عند المحققين ستة أنواع: # الأسماء المبهمة، والشرط، والاستفهام، والموصولة -وقد تقدم الاحتجاج ~~عليها- والجمع المعرف بلام الجنس- وقد تقدم الاحتجاج عليه. ومثله الجمع ~~المضاف إلى معرفة؛ كقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11]؛ ~~والدليل على عمومه: صحة تأكيده بالصيغ المسغرقة، وصحة استثناء كل فرد منه. # والاسم المفرد المعرف باللام، وقد اختار أنه لا يعم في الإثبات، وقد تقدم ~~الكلام على حججه؛ وذكر ما احتي به المعممون. # ومنها النكرة في سياق النفي؛ وقد احتج على عمومها: بأنه لا يتصور نفي ~~الماهية إلا بالامتناع عن جميع أفرادها. PageV01P451 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والاعتراض عليه: أنا نسلم العموم مع "من" المستغرقة؛ مثل: ما في الدار من ~~رجل، وفي النكرة المبنية مع "لا" لتضمنها معنى "من"، كقولك: لا رجل في الدار. # ولا نسلم عمومها فيما عدا ذلك؛ لأن الاسم النكرة: هو الاسم الدال على ~~ماهية مع وحدة غير معينة. # فإذا قال القائل: "ليس في الدار رجل"، فقد نفاه بصفة الوحدة، فلا يلزم ~~ألا يكون فيها رجلان، أو رجال. # ثم ما ذكروه ينتقض بقولهم: ليس كل كذا كذا، فإنها نكرة في سياق النفي، ~~ولا تعم، وإلا لكانت القضية الجزئية كلية. # والجواب عن الأول: أنا وان سلمنا أن المنفي الماهية بصفة الوحدة، فنفي ~~الماهية بصفة الوحدة يقتضي العموم في كل ms128 موصوف بتلك الصفة؛ كما لو قال: لا ~~رجل عالم في الدار، فإنه يعم في كل موصوف بهذه الصفة. # وأما نقضهم بأن ليس كل كذا كذا، وأنها نكرة في سياق النفي، وما عمت؛ ~~لأنها جرئية - فجوابه: أن صيغة النفي اقتضت العموم فيما دخلت عليه، وهي ~~داخلة على الكلية، فتكون سالبة لكل كلية، فتلزم الجزئية من المادة، ، ~~ومنها: "كل"، و"جميع"، وهي بالحقيقة الصريحة في التعميم. # والدليل عليه: أنها نقيضة "بعض كذا أو بعض كذا" جزئية، فيتعين أن يكون كل ~~" [كل] كذا" مستغرقة؛ لأن جزئيتين لا تتناقضان. # قال السهروردي في "التنقيحات": "ومن زعم أن كل حقيقة في "لا كل" مجاز في ~~"كل"- فهو من غريب ما يذكر". # ومما يظن إفادته في العموم وليس كذلك أمور: # أحدها: النكرة المتعلقة بالأمر، أو المضافة إلى المصدر؛ كقوله: أعتق ~~رقبة، وكقوله تعالى: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] # وقد زعم الغزالي: أنها عامة، وقد ناقض حده للعام بأنه "اللفظ الدال على ~~شيئين فصاعدا" وهذه ما دلت إلا على شيء واحد شائع في جنسه، فهي مطلقة لا ~~عامة. PageV01P452 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الثاني: المفهوم، قال الغزالي: لا عموم له؛ لأن العام: هو اللفظ الدال ~~على شيئين فصاعدا، والمفهوم ليس بلفظ. PageV01P453 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # واعترض عليه: بأن المفهوم تابع للمنطوق في عمومه وخصوصه، فإن لم يسمه ~~عاما، فالنزاع لفظي. # ودلالة المفهوم، وإن لم تكن لفظية، فهي تابعة للفظ، وقد عد من دلالات ~~اللفظ دلالة الالتزام، والمفهوم منها. # الثالث: المشهور أن المقتضى لا عموم له؛ لأن دلالته ضرورية تقدر بقدر ~~الحاجة، والحاجة تندفع بتقدير حكم واحد، فلا دلالة له على التعميم. # والحق أنه قد يعم، فإنه تابع لمقتضيه، فإذا كان الموصوف عاما؛ كقوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "لا صلاة إلا بطهور" - كانت الصفة المقدرة عامة ~~بحسبه لا محالة. # الرابع: العطف على العام لا يقتضي العموم، خلافا لقوم. # لنا: قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228]. # وقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228]. # والأول: عام في كل بائنة، ورجعية غير حامل، والمعطوف خاص بالرجعية. # قالوا: إن العطف يقتضي التسوية بين المعطوف، ms129 وبين المعطوف عليه. # قلنا: لا نسلم ذلك مطلقا، فإن قولك: رأيت زيدا وعمرا، لا يقتضي الاستواء ~~في الزمان، والمكان، والحال. # ومنها: الجمع المنكر، قال الجبائي: يعم بدليل صحة الاستثناء؛ قال تعالى: ~~{لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]. PageV01P455 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والاعتراض: لا نسلم أن "إلا" ها هنا استثناء، بل صفة، ثم لو سلم ~~الاستثناء فيه في غير هذا المثال، فيتعين لإخراج الصالح؛ لأن الجمع المنكر: ~~هو الدال على جمع مطلق شائع، والاستغراق ينافي الشيوع. # واحتج الفخر على نفي العموم فيه: بأنه يصح تقسيمه إلى أنواع الجموع، ~~ومورد التقسيم مشترك. # وما ذكره يبطل بالجمع المعرف، فإنه يصح تقسيمه كذلك، وهو للاستغراق عنده. ~~وأما الضمائر، فعمومها بحسب ما يعود إليه. # فروع لهذه القاعدة: # الأول: صيغة "من" تتناول المذكر والمؤنث، وكذلك "الناس". # ولفظ "الرجال"، و"النساء" لا يتناول أحدهما الآخر اتفاقا. # ومثل: "المسلمين"، و"المؤمنين" اختلفوا فيه: # فقال قوم: يتناولهما. # والصحيح: أنه لا يتناول الإناث إلا عند إرادة التغليب؛ لأن الجمع تكثير ~~المفرد، والمفرد ما دل إلا على المذكر فقط. # الثاني: قوله تعالى: {يا أيها النبي اتق الله} [الأحزاب: 1]، وقوله ~~تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1]: # زعم قوم: أنه عام. # وظاهر: أنه لا يعم باعتبار اللفظ، وإن عم، فإنما يعم بدليل خارج. # الثالث: المخاطب يندرج في العموم على الأصح، قال تعالى: {وهو بكل شيء ~~عليم} [الحديد: 3] وهو عليم بذاته وصفاته. # احتج المانع بقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62]، وبقول القاتل: ~~من دخل داري، فأعطه درهما، فإنه لا يتناوله. # وأجيب: بأن الأول مخصوص بدليل العقل. PageV01P456 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والثاني بالعرف، والمحكم في ذلك كله القرائن. # الرابع: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} [الحجرات: 1] و {يا أيها ~~الناس} [النساء: 1]- يتناول الموجودين حال نزول الخطاب، أما من يأتي بعدهم، ~~فلا يتناولهم إلا بدليل منفصل، وهو: الإجماع على أن الناس في الشرع سواء، ~~إلا ما خصه الدليل، وقوله تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] وقوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". # وقال الإمام أحمد بن حنبل: يعم ms130 بنفسه، وهو بعيد. # الخامس: قول الراوي في مثل نهيه -عليه الصلاة والسلام- عن بيع الغرر يفيد ~~العموم، PageV01P457 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # خلافا للأكثرين؛ لأن الراوي فاهم للغة، فلا ينقل بصيغة علمه، إلا عند ~~القطع بالعموم، أو PageV01P458 ### || AUTO المسألة الخامسة # أقل الجمع ثلاثة. وقال قوم: اثنان. # === # ظهوره، وظن صدق الراوي يغلب، فيجب العمل به. # وقولهم: إنه يحتمل أنه اعتقد ما ليس بعام عاما -قدح في عدالته، وعربيته. ~~لا يقال: هذا يشكل، فإنه لو قال: نسخ هذا الحكم، فإنه لا يفعل على الأصح؛ ~~لأن الفرق أن الرواية لا تتوقف إلا على فهم اللسان، وهو من أهله، والنسخ ~~يتوقف على أهلية الاجتهاد. # وقد اختلف الناس فيما ينسخ به، وما كان كذلك لا يسمع مفصلا؛ كالشهادة ~~بالجرح، والإخبار عن وقوع النجاسة في الماء. # خاتمة: # قال الإمام: إن العموم إنما يجري في الأسماء، ولا يجري في الحروف، ولا في ~~الأفعال. # وقوله: "ولا في الأفعال"، فيه نظر؛ فإن النفي إذا دخل على الفعل اقتضى ~~العموم لنفيه؛ لما دل عليه من ماهية المصدر المنكر بطريق التضمين. # فعلى هذا، إذا حلف لا يأكل، فله أن يخصصه بمأكول، خلافا لأبي حنيفة، ~~والفخر؛ فإنهما قالا: يقبل، كما يقبل في الزمان، والمكان. # وأجيب: بالمنع، وبالتزام صحة التخصيص، والتقييد بالجميع. # الكلام على ### || AUTO المسألة الخامسة # مذهب مالك، والقاضي، والأستاذ، وجماعة من السلف -رضي الله عنهم- أن أقل ~~الجمع اثنان. # ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وبعض الصحابة -رضي الله عنهم- أن اقل الجمع ~~ثلاثة. وعزي هذا المذهب لابن مسعود - رضي الله عنه - تخريجا من قوله: "إذا ~~أم الرجل PageV01P459 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # اثنين: فإما عن يمينه أو شماله، وإذا كانوا ثلاثة اصطفوا خلفه". # وهذا التخريج ضعيف، فإن مواقف المأمومين مستندها أحكام الشرع، لا موجب اللغة. # ونقل أنه مذهب ابن عباس أيضا، من قوله لعثمان بن عفان - رضي الله عنهما - ~~وقد رد الأم إلى السدس بأخوين: "ليس الأخوان إخوة". # وقد احتج به من قال: إن أقل الجمع ثلاثة، وقرره بأنه احتج به على عثمان، ~~وساعده على ذلك، واعتذر بفعل الصحابة. # وقال له: "حجبها قومك يا غلام"، ms131 ، وهذا لا يشعر صريحا بأنه مذهب لعثمان، ~~فإن قوله: "حجبها قومك"، يحتمل أنهم فهموا من الآية خلاف ما فهمه. # ويحتمل أنهم أجمعوا على الحكم قياسا على الإخوة بنظر ما. # ومحل النزاع: في مثل: رجال، ومسلمين، وضمائر الغيبة في الخطاب، وليس من ~~محل النزاع: "فعلنا"، ولا باب {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4]، ولا أسماء ~~الأجناس وأسماء الجموع. PageV01P460 # لنا وجوه: # الأول: أن الفصل بين التثنية والجمع منقول بالتواتر. # الثاني: أن صيغة الجمع تنعت بالثلاثة فما فوقها؛ يقال: "جاءني رجال ~~ثلاثة، وثلاثة رجال"، ولا تنعت بالاثنين؛ فلا يقال: "جاءني رجال اثنان، ~~واثنان رجال". # الثالث: أن أهل اللغة فصلوا بين ضمير الاثنين، وبين ضمير الجمع؛ فقالوا ~~في الاثنين: "فعلا"، وفي الثلاثة: "فعلوا"، وفي أمر الاثنين: "افعلا"، وفي ~~أمر الجمع: "افعلوا". # === # واختار الإمام صحة استعماله في الاثنين مجازا عند ظهور قرينة؛ كما لو فرض ~~أن واحدا يقاوم مثله ولا يقاوم من الجماعة، فرأى رجلين قد أقبلا عليه، فإنه ~~يحسن أن يقول: أقبل الرجال؛ لاستوائهما في الثالث والجمع. # قال: وقد يسوغ أيضا إطلاقه على الواحد مجازا عند ظهور القرينة؛ كما لو ~~رأى زوجته وقد تبرجت لرجل، فإنه يحسن أن يقول: أتتبرجين للرجال يا لكاع؟ ~~ولفظ الجمع أبلغ في مقصوده. # يمكن أن يقال: إن صحة إطلاق الجمع في المحلين، إنما كان لظهور ما دل على ~~الجمع؛ لأن إقبال الاثنين دال على إقبال الجمع، فصحة الجمع كذلك، وكذلك ~~التبرج للواحد دليل على التبرج للجمع. # قوله لنا وجوه: "الأول: أن الفصل بين التثنية والجمع منقول بالتواتر"، ~~يعني: أن العرب قد أفردت كل واحد منهما بصيغة، كما أفردت الواحد بصيغية، ~~فكما أن الجمع بيان الواحد، فكذلك التثنية. # قوله: "الثاني: أن صيغة الجمع تنعت بالثلاثة، ولا تنعت بالاثنين" دليل واضح. # وقوله: "يقال: ثلاثة رجال، ولا يقال: اثنان رجال". # هذا ليس من باب النعت، ولكن قد احتج به أيضا، ووجهه: أن الاثنين لو كان ~~جمعا تميز بما تميز به الجمع. # الجواب عنه: أن القياس: أن يقال: اثنا رجال، وواحد رجال، ولكن استغني ~~بدلالة ms132 المعدود على العدد، والجنس معا، وهو: رجل، ورجلان بخلاف الجمع؛ فإن ~~لفظة "رجال" لا تفيد ثلاثة، ولفظة "ثلاثة" لا تفيد رجالا؛ فاحتيج إليهما معا. # قوله: "الثالث: أن أهل اللغة فصلوا بين ضمير الاثنين، وضمير الجمع، ~~فقالوا في الاثنين: "فعلا"، وفي الثلاثة "فعلوا": # اعترض عليه: بأنه قد استعملت هذه الضمائر في الاثنين، وهي عمدة القاضي في ~~مثل قوله تعالى في خطاب موسى وفرعون: {إنا معكم مستمعون} [الشعراء: 15] PageV01P461 # احتج المخالف: بقوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} ~~[التحريم: 4] وقال - عليه السلام-: "الاثنان فما فوقهما جماعة"، ولأن معنى ~~الاجتماع حاصل بين الاثنين. # الجواب عن الاول: أن اسم "القلب" قذ يطلق على الميل الحاصل في القلب؛ # === # وعورض بشركة فرعون وملئه، وبقوله تعالى، حكاية عن يعقوب - عليه السلام -: ~~{عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} [يوسف: 83] والمراد: يوسف - عليه السلام -، ~~وأخوه الصغير الذي أخذه. # وعورض: بمشاركة الأخ الكبير القائل: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو ~~يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} [يوسف: 80]. # وبقوله تعالى في قصة سليمان وداود: {وكنا لحكمهم شاهدين} [الأنبياء: 78]. # وعورض: بأن الضمير يحتمل عوده على القوم؛ إذ المراد به هما مع الشركة ~~المحكوم لهم وعليهم. # قال الفخر: والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول. # وهذا فيه نظر؛ فإنه لا يضاف إليهما معا، وإنما يضاف إليهما على البدل؛ ~~لأنه إذا أضيف إلى الفاعل كان موضع المجرور رفعا، وإذا أضيف إلى المفعول ~~كان نصبا، فلو أضيف إليهما معا كان المجرور في موضع رفع ونصب معا، وإنه ~~محال، إلا أن يحمل قوله سبحانه وتعالى: {وكنا لحكمهم شاهدين} [الأنبياء: ~~78] على معنى: وكنا لأمرهم شاهدين، وبقوله تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داوود ففزع منهم} [ص: 21، 22]. # وأجيب: بأن "الخصم" يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، فعاد الضمير ~~عليه، باعتبار معناه، ويجوز أن يكون صحبهما جمع من الملائكة. # وقوله: "احتج المخالف بقوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} ~~[التحريم: 4] وبقوله -عليه الصلاة والسلام-: "الاثنان فما فوقهما جماعة"، ~~وبأن معنى الاجتماع حاصل ms133 في PageV01P462 # فيقال للمنافق: "إنه ذو قلبين"، ويقال للبعيد عن النفاق: "لة قلب واحد، ~~ولسان واحد". # === # الاثنين"، وتقرير الدلالة مما ذكره واضح. # قوله: "والجواب عن الأول: أن اسم "القلب" قد يطلق على الميل" وما ذكره ~~ليس هو المسوغ لإطلاق الجمع ها هنا، وإنما سوغه كراهية اجتماع علامتي تثنية ~~مع عدم اللبس؛ ولهذا أجازوا التعبير عنه بلفظ الإفراد أيضا، وإن كان قليلا. # وقرأ الحسن: {فبدت لهما سوآتهما} [طه: 121]. # قال الشاعر [من البسيط]: # كأنه وجه تركيين قد غضبا ... ..................... PageV01P463 # وإذا ثبت هذا- وجب أن يحمل لفظ "القلب" على الإرادة الحاصلة في القلب. # وعن الثاني: أنه محمول على إدراك فضيلة الجماعة. # وعن الثالث: أن البحث ما وقع عن ماهية الاجتماع؛ وإنما وقع عن لفظة: ~~"الرجال" و"المسلمين" تقال للاثنين أو الثلاثة، فأين أحدهما من الآخر؟ ! # === # ثم لو صح هذا التأويل في هذه الآية لم يطرد له في بقية الباب. # وعن الخبر: "أنه محمول على إدراك فضيلة الجماعة" # هذا الاحتمال هو السابق إلى الفهم. # ويحتمل: أنه لما نهى أن يسافر الرجل وحده - أخبر أن الكراهية منتفية في ~~الاثنين. قوله: "وعن الثالث: أن البحث ما وقع في ماهية الاجتماع، وإنما وقع ~~في لفظة "الرجال" و"المسلمين": هل تفيد الاثنين أو الثلاثة فأين أحدهما من ~~الآخر؟ ". # ثم ما ذكره قياس في موضع الأسماء، وهي لا تثبت قياسا. # وثمرة الخلاف في هذه المسألة: # أن الجمع المنكر وجمع القلة يتنزلان على الأقل عند قوم من المحصلين، ~~فنحتاج إلى تعيين الأقل ما هو؟ # وكذلك في التخصيص يجوز قصر اللفظ على بعض ما يتناوله إلى الثلاثة، وهل ~~يسوغ قصره على الاثنين؟ # ينبني على هذا: # قال الإمام: وليس من ثمرة الخلاف تنزيل لفظ الجمع في باب "الإقرار"، PageV01P464 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # و"الوصايا على اثنين؛ فإنهم ينزلونه على الثلاثة. # قال: ولا أراهم يسمحون تنزيله على الاثنين. # ونقله الغزالي في "المنخول" إجماعا. # ونقل صاحب "الشامل" فيه عن قوم من الفقهاء: أنهم ينزلونه على الاثنين. PageV01P465 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وكان الإمام، والغزالي، إنما أرادا إجماع الأئمة المشهورين. # اعلم: أن العام يعرض له: النسخ، والاستثناء، والتخصيص، وبينها اشتراك؛ ms134 من ~~حيث إشعاره لمخالفة ما أشعر به اللفظ الأول ويحتاج إلى الميز بينه: # فالنسخ: رفع مقتضاه أو بعضه بعد استقراره بخطاب متراخ. # وشرطه: أن يكون مثله في القوة، أو أقوى منه، ، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # والاستثناء: إخراج بعض، ما يتناوله ب "إلا" وأخواتها بشرط أن يكون- ~~الاتصال العرفي، لأنه جزء من الكلام، فلا يقطعة التنفس والتثاؤب، ونحو ذلك. # وما نقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في صحة تأخيره محمول على ما إذا ~~نوى عند الكلام، وأخر الذكر، أو على الاستثناء المذكور للتبرؤ" من "الحول ~~والقوة"؛ كقوله: أفعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله تعالى، فلو ترك ذلك الأدب ~~غفلة- استحب له أن يأتي به عند الذكر، كما لو نسي التسمية أولا ثم ذكرها. # وقيل: سبب نزول هذه الآية: أن اليهود سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن لبث أهل الكهف فقال: "غدا أخبركم؛ فتأخر الوحي عنه بضعة عشر يوما، ثم ~~نزل قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله} ~~[الكهف: 23، 24]، قيل: فقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن شاء الله". # فإن صح ذلك فهو عين ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما. # وأما التخصيص فهو: قصر العام على بعض مسمياته بدليل: متصلا كان أو منفصلا ~~عقليا أو شرعيا، إجماعا أو نصا أو ظاهرا، . . . . . . . أو PageV01P466 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # قياسا أو مفهوما، أو حسيا، أو قرينة؛ لأن حاصله: بيان ما أريد باللفظ، ~~وجميع ذلك صالح لبيان إرادة المطلق؛ فصح بالجميع. PageV01P467 ### || AUTO المسألة السادسة # يجوز التمسك بالعام المخصوص؛ ويدل عليه وجوه: # === # [الكلام على المسألة الثالثة] # إذا تقرر هذا: فإذا خص العام، فهل تبقى دلالته على الباقي حقيقة أو ~~مجازا؟ ! . # اختلفوا فيه: # فقال الفقهاء: تبقى حقيقة. # وقال الجبائي: تبقى مجازا. # وقال أبو الحسين: إن خص بدليل متصل؛ كالشرط، والصفة، والغاية، وبدل ~~البعض، والاستثناء- فإنه يعده من المخصصات. # ويحد التخصيص بأنه: إخراج بعض ما يتناوله العام، فيدخل فيه الاستثناء، ~~قال: فهو حقيقة. # وإن خص بدليل منفصل، كنص، أو إجماع، أو قياس- فهو مجاز. # وقال إمام الحرمين: ms135 هو حقيقة في التناول، مجاز في الاقتصار. # يعني: أنه وضع للدلالة على كل واحد بصفة الاجتماع، فإذا لم يرد الكل، ~~فقصره على البعض الباقي استعمال له في غير موضوعه الأول، فيكون مجازا. # إذا تقرر هذا: فهل يصح الاحتجاج به أو لا؟ # اختلفوا فيه: # فقالت المعتزلة: يصير مجملا؛ لأن حقيقته -وهي: الدلالة على الكل- قد زالت PageV01P468 # الأول: أن اللفظ العام عبارة عن اللفظ الذي يتناول الصور الكثيرة، فنقول: ~~إما ألا يتوقف كونه حجة في شيء من تلك الصور على كونه حجة في الأخرى، أو يتوقف: # فإن توقف: فإما أن يحصل هذا التوقف من الجانبين، وإما أن يحصل من أحد ~~الجانبين دون الثاني: # والأول: هو المطلوب. # والثاني: يوجب الدور. # والثالث: يوجب الرجحان من غير مرجح؛ وهو محال. # === # بالتخصيص، فيبقى أن يراد به البعض، وليس بعض أولى من بعض، فيتعارض فيه ~~جهات المجاز؛ فيصير مجملا. # وقال عيسى بن أبان: إن خص بدليل متصل، جاز الاحتجاج به؛ لأنه لم يتناول ~~بأصل وضعه سوى المخصوص. # وإن خص بدليل منفصل، صار مجملا. # وصار الفقهاء إلى أنه حجة مطلقا إذا خص بمعلوم، ومعتمدهم: ما ذكره من ~~الحجة الثانية، والثالثة. # قوله: "ويدل عليه وجوه: الأول: أن اللفظ العام عبارة عن اللفظ الذي ~~يتناول الصور الكثيرة". # لا يريد أن هذا تمام حد "العام"؛ فإنه يدخل فيه العدد، بل يعني: أن العام ~~من شأنه أن يكون كذلك. # قوله: "فنقول: إما ألا يتوقف كونه حجة في شيء من تلك الصور على كونه حجة ~~في الأخرى وإما أن يحصل هذا التوقف من الجانبين. وإما أن يحصل عن أحد ~~الجانبين دون الثاني. والأول هو المطلوب، والثاني يوجب الدور، والثالث يوجب ~~الرجحان بلا مرجح". # يعني: أنه إذا لم يتوقف كونه حجة في شيء من تلك الصور على كونه حجة في ~~الأخرى -فالفائت بالتخصيص ليس بشرط في دلالته، وفوات ما ليس بشرط في ~~الدلالة- لا يقدح فيها. # قوله في الثالث: إن التوقف من أحد الجانبين ترجيح من غير مرجح: PageV01P469 # الثاني: أن المقتضي لثبوت الحكم في غير محل ms136 التخصيص هو الصيغة العامة، ~~وهي باقية، والمعارض الموجود -وهو زوال الحكم عن محل التخصيص- لا يقتضي ~~زواله عن سائر الصور؛ فثبت أن في سائر الصور: المقتضي قائم، والمعارض ~~مفقود؛ فوجب بقاء الحكم. # الثالث: أنه لو خرج العام المخصوص عن أن يكون حجة -لخرج القرآن عن أن ~~يكون حجة؛ لأن العلماء قالوا: عمومات القرآن مخصوصة؛ إلا قوله تعالى: ~~{والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282]. # === # يعني لاستواء اللفظ بالنسبة إلى سائر أفراده، فليس جعل بعضها مشروطا ببعض ~~بأولى من العكس. # والاعتراض عليه: اختيار التوقف من الطرفين. # وقوله: إنه دور، مسلم، ولكن دور معي، والدور المعي لا يقدح، وإنما يقدح ~~إذا وجب تقدم كل واحد منهما على الآخر من جهة واحدة، فيوجب تقدم الشيء على نفسه. # أما فرض شيئين لا يوجدان إلا معا، فليس بمحال في العقل؛ كالجواهر ~~والأعراض عند المحققين، ولو امتنع ذلك، لامتنع وجود ماهية ذات أجزاء؛ لتوقف ~~تحققها على أجزائها، ولكانت جميع الموجودات بسائط. # قوله: "الثاني: المقتضى لثبوت الحكم في غير محل التخصيص هو الصيغة ~~العامة". # يعني: أن العام وضع لكل فرد من أفراده؛ لأنه موضوع للكل المستلزم ~~للأفراد، فحينئذ يدل على المجموع بالمطابقة، ويدل على كل فرد بطريق التضمن ~~لا بطريق الالتزام. # قوله: "والمعارض مفقود، فوجب بقاء الحكم": # يعني: أن الدليل إذا دل بأصله على إثبات الحكم في الجميع. # والمنافاة: إنما هي في صورة التخصيص، ولا يؤثر المانع إلا في محله، فيجب ~~استصحاب الدلالة فيما عداه؛ عملا بالأصل، وجمعا بين الأدلة بحسب الإمكان. # وقول المعتزلة: "إنه إذا زالت الحقيقة فليس بعض بأولى من بعض"- لا يسلم؛ ~~بل حمله على البعض الخالي عن المعارض أولى. # قوله: "الثالث: لو خرج العام المخصوص عن أن يكون حجة- لخرج القرآن عن ~~كونه حجة": PageV01P470 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # هذ الحجة أيضا مما اعتمد عليها الفقهاء ويقررونها إجماعا، فيقولون: لم ~~يزل الصحابة، والتابعون ومن بعدهم -وهلم جرا- يحتجون بعموميات الكتاب ~~العزيز، مع أنها مخصوصة إلا ما ذكر من قوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} ~~[الحديد 3]. # وحضرهم الاستثناء في هذه الآية غير مسلم، فمن العموميات ms137 الباقية على ~~عمومها قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6]، ~~وقوله تعالى: {لله ما في السماوات وما في الأرض} [البقرة 284]، وقوله ~~تعالى: {ما لكم من إله غيره} [الأعراف 65] إلى غير ذلك. # تتمة: # اختلفوا في جواز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص: # قال ابن سريج: لا يصح إلا بعد الاستقصاء في طلب المخصص وعدمه. PageV01P471 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومعنى الاستقصاء: أن يجد من نفسه سكونا تاما في عدم المخصص؛ كمن يطلب ~~متاعا يعرف مظانه ولا يجده؛ لأنه وإن كان الأصل عدم المخصص إلا أنه يجب على ~~المجتهد غاية الإمكان كما في البينات. # وقال أبو بكر الصيرفي: لا يجب، بل يكتفى بأن الأصل عدم المخصص؛ بناء على ~~الأصل، كما يحمل اللفظ على حقيقته بدون بحث عن عدم إرادة المجاز؛ بناء على الأصل. # وفرق بينهما: بأن التخصيص، وإن كان على خلاف الأصل، إلا أن أكثر العمومات ~~مخصصة، فقد عارض هذا الأصل الغالب بخلاف المجاز؛ فإنه وإن كان على خلاف ~~الأصل، إلا أن أكثر الألفاظ محمولة على حقائقها؛ فقد وافق الاستعمال فيها ~~الأصل، والله أعلم. PageV01P475 ### || AUTO المسألة السابعة # المختار -عندنا-: أن الاستثناء من النفي، ليس بإثبات؛ ويدل عليه وجهان: # الأول: أن الألفاظ تدل على الصور المرتسمة في الأذهان، والأحوال الذهنية ~~مطابقة للأمور الخارجية، والاستثناء المذكور في اللفظ: إن صرفناه إلى ~~الحكم، أفاد زوال الحكم، وإن صرفناة إلى ذلك العدم، أفاد زوال العدم؛ ~~فحينئذ: يفيد الثبوت، إلا أن # === ### || AUTO [المسألة السابعة] # اتفقوا على أن الاستثناء من الإثبات نفي وإن اختلفوا في الاستثناء من ~~النفي، هو إثبات أم لا؟ # فالجمهور: على أنه إثبات. # وقال أبو حنيفة: ليس بإثبات، بل مقتضاه خروج المستثنى من الحكم لا غير، ~~وساعده الفخر ها هنا. # قوله: "ويدل عليه وجهان: الأول: أن الألفاظ تدل على الصور المرتسمة في ~~الأذهان" يعني: أنها حقيقة بالوضع الأول فيها. # قوله: "والأحوال الذهنية مطابقة للأمور الخارجية" يعني: إن استعملت فيها ~~فهي بطريق المجاز. # وقد احتج على هذه القضية في "المحصول" من وجهين: # أحدهما: أن الألفاظ تتغير ms138 عند تغير الصور الذهنية، وإن لم تتغير في ~~الخارج، كما لو رأى شخصا من بعيد فتوهمه فرسا، فقال: هذا فرس، فإذا تحقق ~~أنه إنسان قال: هذا إنسان. # والثاني: أن الألفاظ لو كانت موضوعة للخارج لكان قول القائل: قام زيد لا ~~يحتمل الكذب؛ لأنه موضوع للنسبة الخارجة، ولا يحتمل غيره. # أما إذا كان للنسبة الذهنية فقد يطابق الخارج، وقد لا يطابق، فيحتمل ~~الصدق والكذب. # وجواب الأول: أن اختلاف الصور الذهنية إنما كان لاختلاف الخارجي، والغلط ~~في الحس، فهو إنما أخبر أنه فرس؛ لتوهم أنه أدركه محسوسا فرسا. PageV01P476 # الأول أولى؛ لأن تعلق اللفظ بالحكم الذهني بغير واسطة، وتعلقه بالأحوال ~~الثابتة في الخارج: بواسطة الأحكام الذهنية؛ فكان الأول أولى. # === # وعن الثاني: أن الكذب هو الخبر غير المطابق: فتارة يكون غير مطابق لما في ~~الخارج كالإخبار عن قيامه، وليس بقائم، لا سيما مع علمه بذلك، وتارة يكون ~~لعدم مطابقة ما في النفس، وإن طابق ما في الخارج؛ كقوله تعالى: {إذا جاءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1]: # كذبهم؛ لإخبارهم على خلاف ما في نفوسهم، وإن كان الأمر من خارج مطابقا. # وقد تناقض قوله في هذه المقدمة؛ فإنه ادعى أن تسمية الحقيقة حقيقة مجاز ~~في رابع درجة؛ # قال: فإن أصلها من حق الشيء: إذا ثبت في نفسه، ثم استعمل في الثابت ذهنا؛ ~~لمطابقته الخارج، ثم في اللفظ، لمطابقته الصور الذهنية المطابقة للخارج، ثم ~~في اللفظة المخصوصة المسماة: بالحقيقة المقابلة للمجاز. # وهو في هذا الموضع يدعي أن الألفاظ حقائق في الأعيان، مجاز في الصور ~~الذهنية. # وفي مسألة الاستثناء ادعى عكسه: فما أسرع ما نسي الناس؟ ! # ومما يبطل ما ذكره: أن أسماء الإشارة، والأعلام موضوعة للمعين الخارجي. # وأما النكرات فهي الموضوعات لشيء في الخارج، ولكل ما شابهه، بخلاف علم ~~الجنس؛ فإنه موضوع للماهية الذهنية كأسامة للأسد. # والذي يحقق، أن أكثر الوضع باعتبار الخارج -أن الاسم إذا كان شائعا، ~~يستعملة الخاص والعام، فيمتنع حمله على معنى لا يدركه ms139 إلا الخواص، ~~والماهيات الذهنية لا يدركها إلا الخواص، ، ولفظ الإنسان والفرس والبعير ~~وما أشبههما يستعمله الخاص والعام. # والحق أن الوضع بحسب الحاجة، وقد يحتاج إلى الإخبار عن أحوال الكلي ~~والجزئي معا، فدعوى اختصاص الوضع الأول بأحدهما تحكم. # قوله: "والاستثناء المذكور في اللفظ إن صرفناه إلى الحكم، أفاد زوال ذلك ~~الحكم، وإن صرفناه إلى العدم أفاد زوال ذلك العدم"، يعني بأن النفي ~~والإثبات في نفس الأمر واسطة بينهما، فرفع كل واحد منهما يستلزم ثبوت الآخر. # أما عند الناظر فبينهما واسطة، وهي الوقف عن الحكم، إلا أن ما ذكره ينتقض ~~بما سلمه من أن الاستثناء من الإثبات نفي. # قوله: "إلا أن الأول أولى؛ لأن تعلق الحكم بالذهني بغير واسطة، وتعلقه ~~بالأحوال الثابتة في الخارج بواسطة الأحكام الذهنية؛ فكان أولى". # هذا الترجيح مبني على ما قرره من أن الألفاظ حقيقة في الصور الذهنية، وقد ~~أبطلناه، وبينا أنه لا تصح دعواه مطلقا. PageV01P477 # الثاني: أننا لو قلنا: "إن الاستثناء من النفي إثبات"-: فحيث لا يفيد ~~الإثبات؛ كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة إلا بطهور"، و"لا ~~نكاح إلا بولي"- يلزم مخالفة الدليل. # === # - قوله: "الثاني: لو قلنا إن الاستثناء من النفي إثبات، فحينئذ: لا يفيد ~~الإثبات؛ كما في قوله عليه الصلاة والسلام-: "لا صلاة إلا بطهور"، "ولا ~~نكاح إلا بولي" - يلزم منه مخالفة PageV01P478 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الدليل" يعني: أنه لو أفاد للزم من وجود الطهارة صحة الصلاة مطلقا، ومن ~~وجود الولي صحة النكاح مطلقا، وليس كذلك؛ فيلزم مخالفة الدليل. PageV01P481 # أما إذا قلنا: "إنه لا يفيد الإثبات"- فحيث يحصل الإثبات، لم تحصل مخالفة ~~الدليل" بل يحصل حكم زائد، لم يدل اللفظ الأول عليه لا بالثبوت، ولا ~~بالانتفاء؛ فكان الثاني أولى. # فإن قالوا: "فعلي هذا التقدير: وجب أن يكون قولنا: "لا إله إلا الله"- لا ~~يفيد الإقرار بثبوت الإله! ": # قلنا: الإقرار بثبوت الإله موجود في بديهة العقل لكل أحد؛ كما قال الله ~~تعالي: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25]، ~~والمقصود من هذه الكلمة: نفي الشركاء والأنداد. # === # هذا هو الدليل ms140 الذي اعتمد عليه الحنفية. # قوله: "أما إذا قلنا: لا يفيد الإثبات فحيث يحصل الإثبات لم تحصل مخالفة ~~دليل، بل يحصل حكم زائد لم يدل عليه اللفظ لا بالثبوت، ولا بالانتفاء". # والاعتراض عليه من وجهين: # الأول: أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا صلاة إلا بطهور" لا يحسن نفي ~~الصلاة لنفي الطهارة، إلا عند تحقيق سائر الأركان، والشرائط وتخلف الطهارة ~~فقط، وإلا فالنفي لا ينفى، وإذا كان كذلك، لزم من ثبوت الطهارة الصحة، لا محالة. # الثاني: أنا إنما ادعينا أن الاستثناء من النفي إثبات، والإثبات أعم من ~~الإثبات العام. # وإذا قال: "لا صلاة إلا بطهور: اقتض نفي كل صلاة عند عدم الطهارة مطلقا، ~~وقوله: "إلا بطهور": يستلزم من الثبوت ولو في صورة، فيصدق أن الاستثناء من ~~النفي إثبات. # قوله: "فإن قالوا: على هذا التقدير وجب أن يكون قولنا: لا إله إلا الله ~~لا يفيد الإقرار بثبوت الإله"، يعني: أنه إذا لم يقتض إلا خروجه من النفي- ~~لم يكن منفيا، ولا جازما بثبوت الإلهية لله تعالى، فلا يكون إيمانا. # وهذا هو الدليل الذي اعتمد عليه الفقهاء؛ فإن تفريعهم في الفقه على ذلك ~~في مسألة: له عندي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا ~~أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدا، فإنه تلزمه خمسة، وكذلك غيرها. # قوله في الاعتراض على هذه الحجة: "قلنا: الإقرار بثبوت الإله موجود في ~~بديهة العقل لكل أحد؛ كما قال الله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله} [لقمان 25]. # والمقصود من هذه الكلمة نفي الشريك والأضداد". # والاعتراض: أنا لا نسلم أن هذه القضية بدهية في العقل لكل أحد؛ فإن عن ~~الكفار الدهرية وقد قالوا: {وما يهلكنا إلا الدهر}، [الجاثية 24] ومن يقول ~~بالعلة أو الطبيعة ينفي الإله الذي نثبته نحن، فقوله تعالى: {ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان 25] هنا - في حق PageV01P482 ### || AUTO المسألة الثامنة الاستثناء المذكور عقيب الجمل # المختار -عندنا-: أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل مختص بالجملة الأخيرة. # والدليل عليه: أن المقتضي ms141 لثبوت الحكم في كل تلك الجمل قائم، وما لأجله ~~ترك العمل به في الجملة الواحدة- فمقصود في سائر الجمل؛ فوجب أن يبقى الحكم ~~في سائر الجمل على الأصل. # === # طائفة اعترفت بالإله، وعبدت الأصنام أو الملائكة، وقالوا: {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر 3]؛ وكذلك قوله تعالى: {أفي الله شك فاطر ~~السماوات والأرض} [إبراهيم 10]، يعني: أنه لا شك فيه، مع العلم بأنه فاطر ~~السموات والأرض، وهذا علم حاصل بالنظر والاستدلال، لا ببداهة العقل. # [المسألة الثامنة] # الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفة بالواو: لم يختلف الأصوليون في جواز عود ~~الاستثناء إلى الجميع، أو قصره على بعضها، متقدمة كانت الجملة، أو متأخرة. # وقد جاء عودها إلى الجميع في قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق ~~أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا} [الفرقان: 68 - 69]. # وجاء عوده إلى الأخيرة باتفاق في قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور 4] هذه جملة أمرية ~~{ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور 4]: هذه جملة PageV01P483 # أما بيان الأول: [ف] هو أنه أخبر عن ثبوت الحكم في كل تلك الجمل، وأخبار ~~الشرع حق وصدق. # === # نهيية {وأولئك هم الفاسقون} [النور 4]: هذه جملة خبرية: # ولم يعد الاستثناء إلى الأولى بالإجماع؛ لأن الجلد حق آدمي لا يسقط ~~بالتوبة، ويعود إلى الأخيرة بالاتفاق. # وقال الشافعي: ويعود أيضا إلى الثانية؛ فتقبل شهادته إذا تاب التوبة ~~المعتبرة. # ومنع أبو حنيفة: عوده إلى الثانية. # وقال القاضي: في قوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ~~إلا قليلا} [النساء: 83]- إنه يمكن عوده إلى الجملة الأخيرة؛ لأن من لم ~~يصبه فضل الله، فلا بد أن يكون متبعا للشيطان، فيعود إلى الأول، فيكون ~~تقديره: لعلمه الذين يستنبطونه منه إلا قليلا. # وما ذكره محتمل، ويمكن عوده إلى الجملة ms142 الأخيرة، على معنى. ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - لاتبعتم الشيطان؛ ~~لعدم التوفيق إلى الإيمان إلا قليلا؛ كقس بن ساعدة، وأويس القرني، ~~وأمثالهما. # وإنما اختلفوا في الظهور عند عدم القرائن: # فقال الشافعي: إنه ظاهر في التعميم. # وقال أبو حنيفة: إنه ظاهر في الاختصاص بالأخيرة، وهو اختيار الفخر. # وقال المرتضى من الشيعة بالوقف بالاشتراك. # وقال القاضي والغزالي بالوقف بلا أدري. # وقال أبو الحسين البصري: إن يتبين استقلال الأولى عن الثانية -باختلاف ~~نوعها، أو تباين جزئيها- فإلى الأخيرة، وإلا فإلى الجميع. PageV01P484 # أما بيان الثاني: فهو أن الاستثناء كلام غير مستقل بنفسه؛ فلا بد من ~~تعليقه بجملة واحدة؛ حتى لا يصير لغوا، فإذا علقناه بجملة واحدة -فقد حصل ~~المقصود؛ فتعليقه بسائر الجمل يقتضي مخالفة الدليل من غير حاجة؛ وإنه لا يجوز. # === # احتج الشافعي بوجوه: # الأول: أن احتمال عوده إلى الجميع جائز، ولا أولوية؛ فيعم؛ كاللفظ العام ~~بالنسبة إلى مسمياته. # ورد: بمنع سلب الأولوية، بل عوده إلى الأخيرة أولى؛ لقربه. # الثاني: أن الواو العاطفة تصير المتعدد في حكم المتحد إذا فرق بين قولهم: ~~رأيت زيدا وزيدا، ورأيت الزيدين. # واعترض: بأن هذا مسلم في عطف المفرد، والكلام في عطف الجمل. # الثالث: أنه لو قال: له عندي خمسة وخمسة إلا ستة- عاد إلى الجميع. # وأجيب: بأنه عطف في المفرد، وبامتناع عوده إلى الأخيرة فقط. # واحتج المرتضى: بأنه إذا استعمل تارة مع التعميم، وتارة مع الاختصاص، ~~والأصل في الإطلاق الحقيقة- لزم الاشتراك. # ورد: بأن الاشتراك على خلاف الأصل أيضا. # واحتج أيضا: بحسن الاستفهام، وهو دليل الاستبهام. # واعترض بأنه لطلب تعيين الحقيقة ولقطع الاحتمال. # واحتج القاضي بأنه إذا تكافأت الأدلة تعين الوقف. # ورد بمنع التكافؤ وبيان الترجيح. # واحتج أبو حنيفة بوجوه: # الأول: ما أشار إليه الفخر، وهو قوله: "إن المقتضي لثبوت الحكم في كل تلك ~~الجمل قائم ... " إلى آخره. # يعني: أن الجمل ظاهرة في العموم، والاستثناء إخراج وتخصيص، وكلاهما على ~~خلاف الأصل، والاستثناء لا يستقل بنفسه، ولا بد من ربطه بجملة، وربطه ~~بواحدة يدفع الضرورة، وما ms143 يثبت للضرورة يقدر بحسبها، فيتعين عوده إلى ~~واحدة، ويختص بالأخيرة للقرب، فيبقى فيما عداها على الأصل. # واعترض: بأنا لا نسلم ظهور العموم مع الاستثناء وحرت العطف، والكلام إنما ~~يعتبر بجملته، ولا يقين مع احتمال العود. # ولا نسلم أن الاستثناء إخراج بعد الحكم؛ بل هو إخراج قبل الحكم، وإلا كان ~~قولنا: لا إله إلا الله إيمانا بعد كفر، وقوله: له علي عشرة إلا درهما ~~رجوعا بعد الإقرار. PageV01P485 # فإن قيل: هذا القول الذي اختزتموه هو قول أبي حنيفة -رحمه الله- وهو يسلم ~~أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى يعود إلي كل الجمل؛ فالشرط المذكور عقيب ~~الجمل يعود إلى الكل. # ثم نقول: هب أن ما ذكرتم من الدليل يقتضي تعلق الاستثناء بجملة واحدة، ~~فما السبب في تعلقه بالجملة الأخيرة؟ ! # فالجواب عن الأول: أنا نمنع الحكم في الإلزامين. # وأما السبب في تعلق الاستثناء بالجملة الأخيرة- ففيه طريقان: # الأول: أنه لما ثبت تعلقه بالجملة الواحدة- وجب تعلقه بالجملة الأخيرة؛ ~~كيلا يحصل قول ثالث خارق للإجماع. # === # واحتج أيضا: بأن الاستثناء لو عاد إلى الجميع فإما أن يضمر عقيب كل جملة، ~~وهو خلاف الأصل. # أو يكتفى بالأخرى، والعامل في المستثنى هو العامل في المستثنى منه بواسطة ~~"إلا"؛ فيلزم اجتماع العوامل الكثيرة على معمول واحد، وقد نص سيبويه على منعه. # واعترض عليه: بأنا لا نسلم أن العامل ما ذكره؛ بل للنحاة فيه مذاهب. # ولو سلم، فلا نسلم امتناع [اجتماع] عاملين في معمول واحد؛ فإنها معرفات ~~لا مؤثرات. # وقول سيبويه يعارضه قول الكسائي. # قوله: "فإن قيل: هذا القول الذي اخترتموه هو قول أبي حنيفة، وأنه سلم أن ~~الاستثناء بمشيئة الله تعالى يعود إلى الجميع والشرط المذكور عقيب الجمل" ~~مثال ذلك قول القائل: نساؤه طوالق، وعبيده أحرار، ودوره حبس إلا أن يشاء ~~الله، أو إن جاء زيد، في الأولين. # وقد سلم أبو حنيفة عودها إلى الجميع، ومنع الفخر عودها في الجميع، ومن ~~سلم فرق بأن هذا شرط، وقياس الاستثناء عليه قياس في اللغة، وهو ممنوع ولو ~~سلم؛ فلا بد من جامع، ثم الفارق أن ms144 الشرط يقدر تقدمه، بخلاف الاستثناء. # وللخصم أن يقرر الجمع بأن كل واحد منهما مخصص غير مستقل، ولا فرق بين ~~قوله: "إلا من تاب" أو: إن لم يتب، والفرق ضعيف، فإن الشرط إنما يقتضي ~~تقديمه فيما هو شرط فيه، ولا نسلم أنه شرط في الجميع. # قوله: "وأما السبب في تعلقه بالجملة الأخيرة- ففيه طريقان: الأول: أنه ~~لما ثبت تعلقه بالجملة الواحدة، وجب تعلقه بالجملة الأخيرة؛ لئلا يحصل قول ~~ثالث خارق للإجماع". # هذا إنما يلزم الشافعي. # وأما المرتضى والقاضي: فلم يسلما الانحصار في القولين. PageV01P486 # الثاني: أن القرب يوجب هذا الاختصاص؛ ويدل عليه أمور أربعة: # الأول: اتفاق البصريين علي أنه إذا اجتمع على المعمول الواحد عاملان- ~~فإعمال الأقرب أولى. # الثاني: أنهم قالوا في: "ضرب زيد عمرا وضربته": إن هذا الضمير يجب عوده ~~إلى الأقرب؛ لأن القرب يوجب هذه الأولوية. # الثالث: أنهم قالوا في قولنا: "ضربت سلمى سعدى": إنه ليس في إعراب اللفظ ~~ولا في معناه: ما يجعل أحدهما بالفاعلية أولى، فاعتبروا القرب، وقالوا: ~~تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول؛ فوجب أن يكون الأقرب هو الفاعل. # والرابع: أنهم قالوا في قولهم: "أعطى زيد عمرا بكرا": إنه لما احتمل في ~~كل واحد من "عمرو" و"بكر": أن يكون مفعولا أول، وليس في اللفظ ما يقتضي ~~الترجيح؛ فوجب اعتبار القرب. # === # قوله: "الثاني إن القرب يوجب الأولوية، ويدل عليه أربعة وجوه: الأول: ~~اتفاق البصريين على بيان كونه أولوية بإعمال الثاني لقربه الثاني: أنهم ~~قالوا في قولهم: ضرب زيد عمرا، وضربته: إن الضمير يعود إلى الأخير". # هذان الوجهان ظاهران في اعتبار القرب. # قوله: "الثالث: إنهم قالوا في قولهم: ضربت سلمى سعدى: إنه ليس في إعراب ~~اللفظ، ولا في معناه ما يجعل أحدهما بالفاعلية أولى؛ فاعتبر القرب": # ويرد عليه: أن تقديم المفعول من باب المجاز، ولا يصح المجاز إلا مع ~~القرينة، ومتى عدمت فقد فات شرطه فلا يصح، وهو الجواب عن الرابع، وهو حفظ ~~المراتب في المفعولين اللذين يصح الاقتصار على أحدهما عند اللبس، نحو: ~~أعطيت زيدا عمرا. PageV01P487 ### || AUTO المسألة التاسعة ms145 # الاستثناءات إذا تعددت: فإن كان البعض معطوفا على البعض بحرف العطف - كان ~~الكل عائدا إلى المستثنى منه؛ كقولك: "لفلان علي عشرة إلا خمسة وإلا ~~أربعة". # === # لا بد من تقديم تؤطئة لهذه المسألة وهي: # أن الاستثناء المستغرق لا يصح بالإجماع؛ لأنه نقض، واستثناء الأقل صحيح ~~بالإجماع. # واستثناء المساوي صحيح عند الأكثرين، خلافا لابن درستويه من النحاة، ~~وأحمد بن حنبل، وعبد الملك بن الماجشون من الفقهاء، والقاضي من الأصوليين. # واستثناء الأكثر باطل عند النحاة، صحيح عند جمهور الفقهاء. # ومن منع المساوي، منع الأكثر بطريق الأولى. # واحتج المانعون للمساوي وللأكثر: بأنه لم يوجد في كلام العرب، وما لا ~~يوجد في كلامهم لا يكون من لغتهم. # قال القاضي: ولأن الاستثناء على خلاف الأصل، خالفناه في الأقل؛ لأنه في ~~مظنة النسيان لحاجة الاستدراك. PageV01P488 # وإن لم يكن كذلك -فالاستثناء الثاني: إن كان أكثر من الأول، أو مساويا ~~له- عاد أيضا إلى الأول؛ كقولك: "لفلان على عشرة إلا أربعة إلا خمسة". # === # وهذا المعنى لا يتحقق في المساوي؛ فوجب البقاء على الأصل. # احتج المجوزون: بأنه لو قال: له على عشرة دراهم إلا تسعة- لزمه درهم واحد ~~بإجماع علماء الأمصار. # ورد: بأنه تفريع على هذا المذهب، واستبعد دعوى الإجماع مع خلاف أحمد وغيره. # قوله: لو صح تخصيص الأكثر فيصح استثناؤه؛ لأن معناهما واحد. # ورد: بأنه قياس في اللغة. # قالوا: قد سمع من العرب قول الشاعر [من البسيط] # أدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا # هو في معنى الاستثناء. # ورد: بأنه قياس، وأيضا فلا تثبت هذه القاعدة ببيت شعر غير صريح. # احتجوا بقوله تعالى: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم ~~المخلصين} [ص 82 - 83]، وقال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42]؛ حيث استثنى الغاوين مرة والمخلصين مرة. # وأياما كان أكثر لزم استثناء الأكثر من الأقل، كيف والغاوون أكثر؛ لقوله ~~تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] {ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين} [الأعراف: 17]. # ورد عليه: أن قوله تعالى: {ولأغوينهم أجمعين} [ص: 82] المراد ms146 منه ذريه ~~آدم -عليه السلام-؛ بدليل قوله تعالى: {لأحتنكن ذريته إلا قليلا} [الإسراء ~~62]، وأن المخلصين إما المعصومون وهم الأنبياء، وإما الصالحون. # وأيا ما كان، فهو استثناء الأقل. # وأما قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر 42]، فظاهر أن ~~إضافة العباد ها هنا: إضافة تشريف، وهم المخلصون. # وحينئذ: يتعين أن يكون قوله: {إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر 42] ~~استثناء منقطعا؛ كقولك: من أين أتيت؟ . # فإن قيل: فقد منع قوم وقوع الاستثناء المنقطع في القرآن والشعر، وردوا ~~جميع ذلك إلى المتصل. PageV01P489 # وإن [كان] أقل من الأول؛ كقولك: "لفلان على عشرة إلا خمسة إلا أربعة" - ~~فالاستثناء الثاني: إما يكون عائدا إلى الاستثناء الأول فقط، أو عائدا إلى ~~المستثنى منه فقط، أو إليهما معا، أو لا إلى واحد منهما: # === # قلنا ذلك تعسف وتكلف، ولا نزاع في أنه ورد بعد "إلا" ما لا يندرج فيما قبلها. # وإنما الخلاف في أمور: # منها: أنه هل يكون استثناء حقيقة أو مجاز؟ : والصحيح أنه مجاز؛ لأنه مشتق ~~إما من التثني تقول: ثنيت من عنان الفرس إذا رددته ومنعته عن صوبه، ولا ~~يتحقق هذا المعنى إلا مع الاتصال. # أو مشتق من التثنية وذلك لتثنية الخبر ولا يتحقق ذلك أيضا إلا بتقدير ~~دخوله في الخبر الأول بالإثبات مثلا وبالنفي في الثاني، وبالعكس. # ومنها: أن حكمه النصب أو البدل فيما يتبع الجنس عند بني تميم، وهذا بحث نحوي. # ومنها: أنه إذا قال: له علي مائة دينار إلا ثوبا فأبو حنيفة يلزمه ~~المائة، وقوله: "إلا ثوبا، لاغ، والشافعي ينظر إلى قيمة الثوب، فإن كانت ~~مساوية للمائة أو أكثر ألغاه، وإن كانت أقل استثنى القيمة من المائة. # فوجه المجاز فيه: أنه بتقدير حرف مضاف كأنه قال: له علي مائة دينار إلا ~~قيمة ثوب، والمصير إليه أولى من التعطيل. # وما ذكره أبو حنيفة: قياس الاستثناء من غير الجنس فهو مقدر ب"لكن"، إلا ~~أنه ناقضه في استثناء الموزون من المكيل، والمكيل من الموزون. # عدنا إلى المسألة: # قوله: "إذا تعددت فإن كان البعض معطوفا على البعض ms147 بحرف العطف، كان الكل ~~عائدا إلى المستثنى منه"- ظاهر؛ فإن مقتضى العطف جعل المتعدد كالواحد، ~~فيعودان معا إلى الأول بشرط عدم الاستغراق. # قوله: "كقولك: لفلان علي عشرة إلا خمسة وإلا أربعة" يعني: فيلزمه واحد؛ ~~وهذا تقريع على صحة استثناء الأكثر، ومن منع كان الجميع عنده لاغيا، أو ~~الثاني. # قوله: "وإن لم يكن كذلك فإن الاستثناء الثاني إن كان أكثر من الأول أو ~~مساويا- عاد أيضا إلى الأول؛ كقولك: لفلان على عشرة إلا أربعة إلا خمسة" ~~يعني: لتعذر استثناء الخمسة من الأربعة. # قوله: "وإن كان أقل منه؛ كقولك: علي عشرة إلا خمسة إلا أربعة، فالاستثناء ~~الثاني إما أن يكون عائدا إلى الاستثناء الأول فقط ... " إلى آخره. # يعني: أن الأصل اعتبار القرب، وإخراج الأربعة من الخمسة ممكن؛ فقد استثنى ~~بخمسة أخرج منها أربعة، فيكون الاستثناء بواحد، فتبقى تسعة. PageV01P490 # والأول: هو الحق. # والثاني: باطل؛ لما ذكرنا أن القرب يوجب الرجحان. # والثالث: باطل أيضا؛ لأن المستثنى منه مع الاستثناء الأول -لا بد وأن ~~يكون أحدهما نفيا والآخر إثباتا، فالاستثناء الثاني لو عاد إليهما معا- وقد ~~ثبت أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي-: فيكون الاستثناء ~~الثاني قد نفى عن أحد الأمرين # === # قوله: "إن عوده إليهما باطل " يعني بالوجهين المشار إليهما: # أحدهما: أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، ولو عاد إليهما ~~لزم أن يكون نفيا وإثباتا معا. # ورد عليه: بأنه لا مانع من ذلك بالنسبة إلى أمرين. # والثاني: أنه إذا نفى عن أحدهما عين ما أثبته الآخر، فينجبر النقصان ~~بالزيادة، وصار الاستثناء لغوا. # ومما يتصل بالتخصيص: # التخصيص بالشرط وقد اختلف في حده: # قال الغزالي: "هو ما يتوقف المشروط عليه، ولا يلزم من وجوده وجوده". # واعترض عليه: بأن أخذ المشروط في بيان الشرط دور، وبأنه ينتقض بجزء ~~الماهية، وجزء السبب. # وقال الفخر: هو ما يتوقف تأثير المؤثر عليه، لا ذاته. # واحترز بقوله: "لا ذاته" من جزء الماهية. # وما ذكره لا ينعكس، فإن الحياة شرط في وجود العلم ولا تأثير. # والأولى أن يقال: هو ما يلزم من ms148 انتفائه انتفاء الشيء وليس بمقوم. # وينقسم إلى: عقلي: كالحياة في العلم، وشرعي: كالطهارة في الصلاة، ولغوي: ~~وهو ما PageV01P491 # السابقين عليه، عين ما أثبته الآخر؛ فينجبر النقصان بالزيادة، ويبقى ما ~~كان حاصلا قبل الاستثناء؛ فيصير [الاستثناء] الثاني لغوا. # واعلم: أن هذا الكلام جيد، ولكن بشرط أن يثبت أن الاستثناء من النفي إثبات. # الرابع -وهو ألا يرجع الاستثناء الثاني لا إلى الاستثناء الأول، ولا إلى ~~المستثنى منه-: فهو باطل بالاتفاق. ### || AUTO المسألة العاشرة # اتفقوا على أن حكاية الحال لا تفيد العموم؛ وهذا هو الحق؛ لأن قول ~~القائل: "إن فلانا فعل كذا"- يكفي في صدقه كون ذلك المخبر عنه آتيا بذلك ~~الفعل مرة واحدة، فكيف يثبت العموم؛ فهذا الكلام حق، وفيه بحث: # وهو: أن جمهور الأصوليين أثبتوا إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد، ~~وعلى العمل بالقياس؛ لما نقل عنهم أنهم عملوا بخبر من أخبار الآحاد، وبأنهم قاسوا. # فنقول: هذه حكاية حال، فيكفي في صدقه ثبوته في صورة واحدة؛ فهذا يدل على ~~أن نوعا من أنواع الخبر الواحد حجة، وأن نوعا من أنواع القياس حجة، ولا يدل ~~على أن كل ما كان خبرا واحدا فهو حجة، وأن كل ما كان قياسا فهو حجة. # === # يتوقف عليه أمر ما، بصيغة "إن" وما في معناها، وهو المقصود ها هنا. # وأكثر أحكامه كأحكام الاستثناء، من عدم الاستقلال، ووجوب الاتصال، وجواز ~~تعدده، واتحاد المشروط والعكس، ويصح أن يكون وجودا وعدما. # ويخالف الاستثناء في وجوب التقدم، أو أنه الأصل على رأي، بخلاف ~~الاستثناء. وإذا تعقب جملا، فقد اتفق الجمهور على عوده إلى الجميع، ومنع ~~الفخر ذلك، وتوقف الواقفية. ### || AUTO [المسألة العاشرة] # [قوله]: "اتفقوا على أن حكاية الأحوال لا تفيد العموم، وهذا هو الحق؛ لأن ~~قول القائل: إن فلانا فعل كذا يكفي في صدقه كون المخبر عنه آتيا بذلك الفعل ~~مرة واحدة". # صواب التمثيل أن نقول: كان يفعل كذا وهذا ليس على إطلاقه؛ فإن مثل ذلك ~~إذا استعمل في معرض المدح، أو الذم، اقتضى العرف أن ذلك مما يكثر منه فعله؛ ~~كقوله ms149 تعالى في المدح: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} [الذاريات: 17]، ~~وفي الذم: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} [المائدة: 79]. # وقوله: "هذا كلام حق وفيه بحث ... إلى قوله وحينئذ خرج دليلهم عن كونه ~~حجة- أي إلى آخر ما ذكره المصنف في المسألة: PageV01P492 # إذا ثبت هذا- فنقول: ذلك النوع لم يعلم أنه أي الأنواع، وعلى هذا ~~التقدير: فلا نوع يشار إليه أولا، ولا يعلم أنه هل هو الذي أجمعوا على صحته ~~أو لا؟ وحينئذ: يخرج دليلهم عن أن يكون حجة في إثبات الخبر الواحد والقياس. # === # والاعتراض عليه: أن يقال: إن الجمهور لم يعتمدوا في تقدير الإجماع ~~المذكور على مجرد كونهم كانوا يعملون بهما؛ بل على أن كل مجتهد من الصحابة ~~قد عمل بخبر الواحد والقياس في وقائع عديدة من غير تكبر مع تكرار ذلك منهم، ~~ودوامه إلى انقراضهم عن جملتهم، وقريب من مائة سنة؛ وذلك يمنع أن يكون ~~السكوت من الباقين إلا عن موافقة. # ومثل ذلك: إجماع قاطع على العمل بالقدر المشترك في الصور كلها، وهو خبر ~~العدل، أو معقول النص والإجماع. ### || AUTO خاتمة لهذا الباب # بذكر مسألة وهي: حمل المطلق على. . . . . . ... PageV01P493 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # المقيد: PageV01P495 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وله أحوال: # أحدها: اتحاد الواقعة، فيحمل المطلق على المقيد؛ كقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: PageV01P496 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # "لا نكاح إلا بولي وشهود"، وقوله مرة: "إلا بولي وشاهدي عدل"، فإنه تقييد ~~للشهادة بالعدالة، وجمع الشهود في الأول؛ لاشتراطه في الجنس. # الحالة الثانية: # اختلاف الموجب واتحاد الموجب؛ كتقييد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان، ~~وإطلاقها في الظهار: # فمذهب الشافعية: حمل المطلق على المقيد واختلفوا فيه: # فمنهم: من شرط الجامع. # ومنهم من قال: لا يحتاج إليه؛ وكأنه يقول: إذا قيد الشارع الرقبة أولا ~~بصفة من سلامة أو إيمان، ثم ذكرها مرة أخرى فكأن المتقدم صار معهودا فيحمل عليه. # أو أن الأول قدر عرفا للشرع، وهنا يقوى إذا تكرر المقيد أولا مرارا. # وقد قيد الرقبة بالإيمان ثلاث مرات في آية القتل، واختيار المحققين أنه ~~لا بد من جامع. # الحالة الثالثة: # اتحاد الموجب واختلاف الموجب، كاشتراط الإيمان في الرقبة، وإطلاق طعام ms150 ~~المسكين مع اتحاد السبب: كالظهار مثلا، فهل يقيد المسكين بالإيمان؟ الخلاف ~~فيها كالتي قبلها. # وكذلك تقييد الإطعام بأقل الميسر، لتقييد الإعتاق به والصيام. PageV01P507 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وأبو حنيفة يزعم أن تقييد المطلق زيادة على نص القرآن، وأن بين المطلق ~~والمقيد تنافيا، فيكون نسخا؛ والقرآن لا ينسخ بالقياس. # والحق: أن إجزاء الرقبة الكافرة عند الإطلاق لم يكن من إشعار اللفظ؛ ~~وإنما كان من عدم دليل، فرفعه لا يكون نسخا، ثم لو سلم إشعاره بإجزاء كل ~~رقبة، وأن تقييده بالإيمان- يخرج بعض الرقاب عن الإجزاء، فلا يزيد إشعاره ~~على إشعار العام بأفراده، وقد جوز تخصيصه بخبر الواحد، والقياس، وقد ناقض ~~ما أصله؛ فإنه قيد الرقبة بالسلامة، وقيد: {ولذي القربى} [النساء: 36] في ~~آية الغنيمة بالفقر. # فرع: # إذا قيد في محلين بمتقابلين، ثم أطلق في موضع آخر، فلا يقيد في أحدهما لا ~~بترجيح؛ كما قيد الشارع الصوم في الظهار بالتتابع، وقيده في التمتع ~~بالتفريق، وأطلقه في كفارة اليمين، فلا يحمل على أحدهما إلا بمرجح. # الحالة الرابعة: # اختلاف الموجب والموجب، فلا خلاف على أن أحدهما لا يحمل على الآخر إلا ~~بجامع، والله أعلم. # ومما يعرض لألفاظ الكتاب العزيز والسنة: الإجمال، والبيان، وقد اختلف ~~الأصوليون في حد البيان: # فقال الصيرفي: هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح. # واعترض عليه: بأنه غير جامع؛ فإنه لا يتناول إلا بيان ما سبق إشكاله. # ونوقش أيضا: باستعمال الخروج والحيز في المعاني، وهو مجاز، لا سيما مع ~~اختلاف المتكلمين في حقيقة الحيز ما هو؟ وبأنه اشتمل على زيادة مستغنى ~~عنها، وهي قوله: والوضوح، وهو التجلي. # وقيل في حده: إنه العلم. PageV01P508 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ورد: بأنه ثمرة البيان لا نفسه. # وقال القاضي: هو الدليل. # ونوقش: بأن الدليل في عرف العلماء يختص بما يفيد التصديق، فيخرج منه بيان ~~التصور، وحمل قوله على الدليل اللغوي، وهو المرشد. # والأولى أن يقال: البيان هو الخطاب المستقل بإفادة المراد منه. # والإجمال: مقابلة مع استواء الاحتمال. وهما بالحقيقة حد المبين والمجمل، ~~لا البيان والإجمال. # ومنهم من حد الإجمال، بأنه: اللفظ الذي لا ms151 يفهم منه شيء. # ونقض بالمهمل. # ثم الإجمال قد يكون بسبب الاشتراك؛ كالقرء للطهر والحيض، أو التصريف ~~كالمختار للفاعل والمفعول أو التركيب؛ كقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده ~~عقدة النكاح} [البقرة: 237]، لتردده بين الولي الخاص والزوج والإضمار؛ ~~كقوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] الضمير متردد بين القرآن ~~العزيز والنبي - صلى الله عليه وسلم -. # أو لاستواء جهات المجاز عند تعذر إرادة الحقيقة. # أو لغلبة استعمال المجاز، بحيث ساوى الحقيقة؛ كلفظ النكاح؛ فإنه حقيقة في ~~الوطء، مجاز في العقد الذي هو سببه إلا أنه كثير، ولم يترجح على الحقيقة. # ومن وجوه الإجمال: تخصيص العام بصفة مجهولة؛ كقوله تعالى: {أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] قبل البيان.# شرح المعالم في أصول الفقه # تأليف # ابن التلمساني عبد الله بن محمد علي شرف الدين أبو محمد الفهري المصري # (567 ه - 644 ه) # تحقيق # الشيخ عادل أحمد عبد الموجود # الشيخ علي محمد معوض # [الجزء الثاني] # ----NO PAGE NO------ PageV01P509 ### | AUTO الباب الرابع في المجمل والمبين # الخطاب المحتاج إلى البيان- ضربان: # أحدهما: ما له ظاهر، وقد أريد خلافه. # والثاني: ما لا يكون كذلك؛ وهو كالاسم المتواطئ إذا كان المراد بعض ~~أنواعه، وكالاسم المشترك إذا كان المراد أحد مفهوماته. # وللأول أقسام: # أحدها: تأخير بيان التخصيص. # ثانيها: تأخير بيان النسخ. # ثالثها: تأخير بيان الأسماء الشرعية، وقد نقلت عن موضوعاتها اللغوية إلى ~~موضوعاتها الشرعية. # === # قوله: "الخطاب المحتاج إلى البيان ضربان: أحدهما: ماله ظاهر، وقد أريد ~~خلافه: الثاني: ما لا يكون كذلك، وهو الاسم المتواطئ إذا كان المراد بعض ~~أنواعه، والاسم المشترك إذا كان المراد أحد مفهوماته". # ما ذكره من مثال المشترك حق. # وما ذكره من مثال المتواطئ، ليس من هذا القسم، بل من القسم الأول؛ فإنه ~~من المطلق، والمطلق إذا أريد به مقيد، كان تركا لظاهره؛ إذ مقتضاه التعيين، ~~والتقييد قاطع له. # قوله: "الأول أقسام: أحدها: تأخير بيان التخصيص"، هذا؛ لما قرر من ظهور ~~صيغ العموم في الاستغراق؛ فقصرها على بعض مسمياتها: ترك للظاهر. # قوله: "وثانيها: تأخير بيان النسخ"؛ لأن ms152 اللفظ المنسوخ مقتضى حكمة ~~الاستمرار، والنسخ قاطع له. # قوله: "وثالثها: تأخير بيان الأسماء الشرعية، وقد نقلت من موضوعاتها ~~اللغوية"؛ لأن استعمالها في الموضوع اللغوي حقيقة، وفي المنقول مجاز راجح ~~على خلاف الأصل. PageV02P005 # رابعها: تأخير بيان النكرة، إذا أريد بها شيء معين. # فمذهبنا: أنه يجوز تأخير البيان، في كل هذه الأقسام، إلى وقت الحاجة. # وأما أبو الحسين البصري: فإنه منع تأخير البيان فيما له ظاهر، وقد أريد ~~به خلافه، ثم زعم: أن البيان الإجمالي كاف، وهو أن يقول عند الخطاب: اعلموا ~~أن العموم مخصوص، وأن هذا الحكم سينسخ، وأما البيان التفصيلي: فإنه يجوز ~~تأخيره. وأما الذي لا يكون له ظاهر؛ كالألفاظ المتواطئة والمشتركة - فقد ~~جوز فيه تأخير البيان إلى وقت الحاجة. # أما أبو علي وأبو هاشم: فقد منعا منه. # لنا وجوه: # الأول -وهو الدليل العام-: أنا بينا في "علم الكلام": أن تحسين العقل ~~وتقبيحه لا # === # قوله: "ورابعها تأخير بيان النكرة إذا أريد بها شيء معين". # والأولى أن: يقول: وتقييد المطلق؛ ليدخل فيه وصف النكرة وتعينها معا. # قوله: "فمذهبنا أنه يجوز تأخير البيان في كل هذه الأقسام إلى وقت ~~الحاجة": لم يختلفوا في أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، إلا على ~~تقدير التكليف بالمحال، والظاهر أنه غير واقع. # وأما التأخير عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة فهو في محل النزاع، والمذاهب ~~فيه كما ذكر. # قوله: "لنا وجوه: الأول: وهو الدليل العام" يعني: أنه شامل لجميع المسائل ~~المتنازع فيها. # قوله: "ما ثبت في علم الكلام، أن تحسين العقل وتقبيحه لا يجري في أفعال ~~الله تعالى، ولا في أحكامه، فوجب ألا يقبح من الله تعالى شيء": PageV02P006 # يجري في أفعال الله تعالى، وفي أحكامه؛ فوجب ألا يقبح من الله تعالى شيء. # الثاني: قوله تعالى: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه} ~~[القيامة: 18، 19] فكلمة "ثم" للتراخي. # الثالث: أن نقول: الدليل على أنه يجوز تأخير البيان في النكرة: أنه تعالى ~~أمر بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة بصفة معينة، ثم إنه تعالى لم يبينها لهم؛ ms153 ~~حتى سألوا سؤالا بعد سؤال: # إنما قلنا: "إن المأمور به كان بقرة موصوفة بصفة معينة"؛ من وجهين: # الأول: أن قوله تعالى: {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} [البقرة: 68] , ~~وقوله تعالى: {إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر} [البقرة: 68] وقوله ~~تعالى: {إنها بقرة صفراء} # === # حاصله أن الخصم عول في منع ما له ظاهر على أنه تجهيل للمخاطب، وهو قبح من ~~الحكيم، وفيما ليس له ظاهر أنه خطاب بما لا فائدة فيه، وهو عبث. # وكلا الدليلين مبني على التحسين والتقبيح العقلى، فإذا أبطله بطل مأخذ ~~الخصم، وليس فيه ما يدل على صحة مذهبه، وإنما هو أمر جدلي في إبطال ما عول ~~عليه الخصم. # قوله: "الثاني يعني: من الدليل العام - قوله تعالى: {فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 18، 19]: "ثم" للتراخي". # اعترض عليه: بأنها قد ترد لا للتراخي؛ كقوله تعالى: {ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون} [يونس: 46] وقوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} [البلد: 17] , ~~وبقول الشاعر [من الطويل]: # لا يكشف الغماء إلا ابن وحرة ... يرى غمرات الموت ثم يذوقها # وأجيب: بأن ااستعمالها في ذلك مجاز، ولا يلزم ترك الحقيقة من غير ضرورة. # قوله: "الثالث: أن نقول: الدليل على أنه يجوز تأخير البيان في النكرة ~~-يعني: إذا أريد بها المعين- أنه -تعالى- أمر بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة ~~معينة، ثم إنه -تعالى- ما بينها حتى سألوا سؤالا بعد سؤال .. " إلى آخره: # الحاصل: أن قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] ~~يدل على طلب ذبح بقرة مطلقة بظاهره. # ثم تبين بعد المراجعة أن المراد بها البقرة. الموصوفة بالأوصاف المذكورة. # [لا] يقال: كان الواجب أولا ذبح مسمى البقرة والتقييد بالأوصاف، إنما وجب ~~عند المراجعة؛ كما نقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لو أنهم عمدوا ~~إلى أية بقرة كانت، فذبحوها - لكفتهم، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله ~~عليهم": PageV02P007 # [البقرة 69]، وقوله تعالى: {إنه يقول إنها بقرة لا ذلول} [البقرة: 71]-: ~~يدل على أن متعلق الأمر الأول- وهو قوله: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} ms154 ~~[البقرة: 67]- هي البقرة الموصوفة بهذه الصفات المعينة؛ وإن هذه الضمائر ~~عائدة إليهما لا إلى غيرها. # الثاني: وهو: أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني: إما أن ~~يقال: إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها، أو يقال: إنها صفات بقرة وجبت ~~عليهم عند ذلك السؤال، وصار ما وجب عليهم قبل ذلك منسوخا بهذا الثاني. # والأول: هو المطلوب. # والثاني: يوجب أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخرا؛ وألا يجب تحصيل ~~الصفات المذكورة قبل ذلك، إلا أن هذا باطل؛ وإن المسلمين أجمعوا على أن ~~تحصيل كل تلك الصفات معتبر؛ فعلمنا فساد هذا القسم. # الحجة الرابعة في المسألة: أن نقول: أجمعنا على أنه يجوز أن يأمر الله ~~تعالى المكلف بالفعل، مع أنه قد يموت ذلك المكلف قبل حضور وقت ذلك الفعل؛ ~~وحينئذ: يدل موته على أنه ما كان مرادا بذلك الخطاب؛ فهذا تخصيص لم يتقدم بيانه. # === # لأنا نقول: هذا لا يصح لوجهين: # أحدهما: إلزامي، والآخر: برهاني: # أما الإلزامي: فإنه يلزم منه النسخ قبل الامتثال، وهم لا يقولون به. # وأما البرهاني: فلأن الضمائر عائدة إلى البقرة، فيدل على أنها هي الواجبة ~~فيجب أن يقال: إن قوله: "إنها" عائدة إلى البقرة والجواب: راجع إلى ما وقع ~~عليه السؤال. # وقوله: في الثاني: "إن ذلك يوجب الاكتفاء بالصفات المذكورة آخرا" غير ~~صحيح؛ لأن الضمير يعود إلى الأقرب: # فقوله أولا: "ما هي" يعود إلى "البقرة"، وقوله ثانيا: "ما لونها" يعود ~~إلى البقرة الموصوفة بالوصفين المتقدمين؛ فيتعين الإتيان بالجميع. # لكن لقائل أن يقول: لا حجة في الآية؛ إذ جاز أن تكون المراجعة في مجلس ~~الخطاب تعقبه بالبيان ومثل ذلك لا يعد تأخيرا في العرف. # وتحقق ذلك: أنه لو كان تأخيرا لكان تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة؛ لحاجتهم ~~لفصل الخصومة، وهو باطل بالاتفاق. # قوله: "الحجة الرابعة في المسألة: أجمعنا على أنه يجوز أن يموت قبل حضور ~~ذلك الوقت، وحينئذ: يدل موته على أنه ما كان مرادا بذلك الخطاب، وهذا تخصيص ~~لم يتقدم بيانه": PageV02P008 # احتج المخالف: بأنه لو جاز أن يذكر الشارع لفظا، ms155 ويريد به غير ظاهره؛ ~~فحينئذ: لا يبقى لنا وثوق بشيء من الشرائع، فلعله تعالى كلفنا بالصلاة ~~والمراد غيرها، فإذا قال: "صلوا غدا" فلعل المراد بقوله: "غدا" -: بعد غد؛ ~~وذلك يوجب الشك في جميع الشرائع. # الجواب: أنكم وإن أوجبتم حصول المخصص مع حصول هذا اللفظ؛ إلا أنه لا نزاع ~~في أن المكلف قد يسمع العام، مع أنه لا يصل إليه ذلك المخصص؛ وحينئذ: ~~يلزمكم ما ألزمتموه علينا. # وأيضا: نقول: إن مجرد هذه الألفاظ يفيد ظنا غالبا بأن المراد ظاهرها؛ فلا ~~جرم: يحصل لنا هذا الظن الغالب. فأما القطع: فقد بينا أن اللفظ لا يفيده ~~ألبتة؛ إلا إذا حصل معه قرائن تدل عليه. # === # والاعتراض عليه أن يقال قوله: "أجمعنا على أن ... " الخصم لا يسلم ذلك؛ ~~فإن التكليف المعلق على شرط يعلم الآمر أن المكلف لا يبلغه- يأباه ~~المعتزلي؛ بناء على أن المأمور به لا بد وأن يكون مرادا للآمر. # ثم لو سلم تحقيق التكليف بمثله، فالفرق أن المكلف به معلوم ها هنا، فصح ~~اعتقاد وجوبه والعزم عليه والشروع فيه، ثم إذا طرأ العذر سقط، بخلاف ~~التكليف بخلاف الظاهر؛ فإنه تجهيل. # وهذا البيان كبيان النسخ؛ لأنه قاطع للاستمرار، ومثلة لا يمتنع عندهم أو ~~يكتفى فيه بالبيان الإجمالي، وقد علم من قاعدة الشرع أن استمرار التكليف ~~مشروط بالإمكان وعدم ورود الناسخ فهو كالبيان المقارن لفظا. # قوله: "احتج المخالف بأنه لو جاز أن يذكر الشارع لفظا، ويريد به غير ~~ظاهره -فحينئذ لا يبقى وثوق بالشارع ... " إلى آخره- ظاهر. # قوله: "والجواب أنكم وإن أوجبتم حصول المخصص مع حصول هذا اللفظ إلا أنه ~~لا نزاع أن المكلف قد يسمع العام مع أنه لا يصل إليه المخصص؛ وحينئذ يلزمكم ~~ما ألزمتمونا": # يرد عليه: أن التقصير في هذا ينسب إلى المكلف لا إلى الشارع، والأول تجهيل. # قوله: "وأيضا نقول: إن مجرد هذه الألفاظ يفيد ظنا غالبا بأن المراد ~~ظاهرها". # هذا هو الحق؛ فإنا نعتقد عند ورود العام أن المراد ظاهره إن لم يرد مخصص ~~عند الحاجة. # فإذا لم يرد بقينا على ms156 الأصل، وكذلك في المطلق وتقيده الأمثلة المذكورة. PageV02P009 # وأما الخطاب الذي لا ظاهر له -وهو: الاشم المشترك؛ كالقرء المشترك بين ~~الطهر والحيض-: فنقول: هذه الألفاظ لها ظاهر من وجه دون وجه: أما الوجه ~~الذي تكون هذه الألفاظ ظاهرة فيه -فهو: أنه يفيد أن المتكلم أراد: إما ~~الطهر، وإما الحيض. وأما الوجه الذي تكون هذه الألفاظ فيه غير ظاهرة- فهو: ~~أنه لا يدل على أن أي الأمرين هو المراد. # فنقول: الدليل على جواز ورود مثل هذا الخطاب عاريا عن البيان- وجهان: # أحدهما: أن الاسم المشترك يفيد: إما هذا، وإما ذاك، من غير تعيين؛ وهذا ~~القدر يصلح أن يراد تعريفه من غير بيان التفصيل. # الثاني: أنه يحسن من الملك أن يقول لبعض خدمه: "قد وليتك البلد الفلاني، ~~فاخرج إليه في الغد، وأنا أكتب إليك مذكرة في تفاصيل تلك الأعمال"، وإذا ~~كان مثل هذا الكلام حسنا في العرف - ثبت أنه عار عن جهات القبح. # واحتج المخالف: بأنه لو حسن الخطاب بالاسم المشترك من غير بيان في الحال- ~~لجاز خطاب العربي بالزنجية من غير بيان في الحال. # والجواب: أن المعتبر في حسن الخطاب: أن يقدر السامع على أن يعرف ما هو # === # قوله: "وأما الخطاب الذي لا ظاهر له، وهو الاسم المشترك، كالقرء المشترك ~~بين الطهر والحيض، فنقول هذه الألفاظ لها ظاهر .. " إلى آخره: # الحاصل: أن الاسم المشترك يفيد بيانا إجماليا، وهو من مقاصد المخاطبين. # قوله: "إنه يحسن من الملك أن يقول لبعض خدمه: قد وليتك البلد الفلاني، ~~فاخرج إليه من الغد، وأنا أكتب إليك مذكرة فيها تفاصيل تلك الأعمال، وإذا ~~كان مثل هذا حسنا في العرف، ثبت أنه عار عن جهات القبح": # وهذا الوجه الثاني راجع إلى بعض صور الأول؛ فإنه بيان إجمالي إلا أنه قصر ~~فيه، وكان حقه أن يقول: يأمره بأوامر جملية يحيل تفصيلها على ورود المذكرة؛ ~~ليطابق محل النزاع. # قوله: "واحتج المخالف بأنه لو حسن الخطاب بالاسم المشترك من غير بيان في ~~الحال- لجاز خطاب العربي بالزنجية من غير بيان في الحال". # وأجاب بالفرق بأن الخطاب ms157 بمثل ذلك لا يصح؛ لأنه لا يفهم منه شيء، والخطاب ~~بالمشترك يفهم منه أن المراد أحد الشيئين، أو الأشياء. # والحق في الجواب أن يجوز ذلك أيضا، ولا فرق بين ذلك، وبين خطاب عموم ~~الخلق الأحمر والأسود باللسان العربي بشرط التفسير عند الحاجة؛ قال الله ~~تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28]. PageV02P010 # المفهوم من الخطاب، وهذا المعنى حاصل عند سماع اللفظ المشترك؛ لأنه وضع ~~لإفادة أحد هذين المعنيين، فالسامع فهم منه هذا القدر، وهذا القدر من ~~المصلحة يقتضي تعريفه، وذلك بخلاف العربي إذا خوطب بالزنجية؛ فإنه لا يفهم ~~من ذلك الخطاب ما هو موضوع بإزائه؛ فظهر الفرق. # === # ومما يلحق بهذا الباب: # أنه يجوز البيان بكل دليل عقلي، أو سمعي، أو حسي، أو عرفي، أو قرينة حال ~~أو فعل، لكن يشترط في الفعل ما يشعر بكونه بيانا من قرينة قولية، أو حالية. # ومن المشهور بين الفقهاء: أن بيان الواجب واجب، وبيان المندوب مندوب، ~~وهذا ليس على إطلاقه؛ بل قد يكون بيان المندوب واجبا على الرسول؛ تبليغا ~~كما يجب عليه بيان المباح. # ومن تمام الباب: # التنبيه على أمور ظن قوم أنها مجملة، وليست مجملة: # منها: قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23]. # قال الكرخي: هي مجملة؛ لأنه أضاف التحريم إلى الذات، وليست مرادة؛ وإنما ~~يحرم الفعل، والأفعال كثيرة، وليس إضمار بعض بأولى من بعض. # وجوابه: أن العرف يعينه؛ فإن التحريم إذا أضيف إلى النساء، فهم منه تحريم ~~الاستمتاع عرفا، وإذا أضيف إلى الطعام والشراب، فهم منه تحريم التناول عرفا. # ومن ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام -: "لا عمل إلا بنية" وقوله -عليه ~~الصلاة PageV02P011 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والسلام- "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل". PageV02P014 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # زعم أبو عبد الله البصري: أنها مجملة؛ لأن الذات المنفية ليست مرادة، ~~وإنما المراد الحكم وهو متردد بين نفي الكمال، ونفي الإجزاء. # والجواب من وجهين: # الأول: أنه إذا كان للشارع التعيين، فلا مانع من إضافة النفي إلى المسمى ~~الشرعي إن أمكن. # ثم لو سلم عوده إلى الحكم فنفي الصحة أظهر، لوجهين: # أحدهما: أن مثل ms158 هذا يستعمل في العرف لنفي الجدوى والفائدة؛ كما يقال: لا ~~علم إلا بعمل، ولا بلد إلا بسلطان، ونفي الصحة أظهر في بيان نفي الفائدة. # الثاني: أنه يشعر بالنفي العام، ونفي الصحة أقرب إلى العموم من نفي ~~الكمال؛ لأن الباطل لا اعتبار له بوجه فساوى العدم" والله عز وجل أعلم. # جرت عادة الأصوليين بتقديم مسألة على هذه المسألة، وهي: PageV02P015 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # تحقيق عصمة الرسل -عليهم السلام- لتوقف الاقتداء بهم على نفي المخالفة منهم. # وبالجملة: فالنظر في أربعة أطراف: PageV02P016 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الأول: اتفق العلماء على امتناع صدور الكفر منهم إلا الفضيلية -وهم فرقة ~~من الخوارج- فإنهم جوزوا عليهم الذنب، وكل ذنب عندهم كفر وما نقل عن ~~الروافض: أنهم يجيزون إظهار الكفر؛ تقية. # الثاني: ما يبلغونه عن الله تعالى، وهم معصومون فيه عن الكذب والتحريف ~~عمدا؛ فإنه مدلول المعجزة. # واختلف في جواز وقوعه سهوا، ولا يقرون عليه اتفاقا. # الثالث: صدور الكبائر منهم: # قطع المعتزلة بامتناعها عقلا؛ بناء على التحسين والتقبيح العقلي؛ لما فيه ~~من التنفير عن المتابعة. # وقطع القاضي وأصحابنا بذلك سمعا. # وقضت الحشوية بجوازها، ووقوعها. # الرابع: الصغائر: # وجمهور المعتزلة على جوازها عمدا، وسهوا، وتأويلا: # واختلف أصحابنا في ذلك، والأظهر عدم الوقوع، وتأويل ما يوهم ذلك وقوعه ~~قبل النبوة، أو ترك الأولى. # وذهبت الشيعة: إلى امتناع الذنب مطلقا عمدا، وسهوا، وتأويلا، وهو اختيار ~~الفخر، إلا ما كان سهوا من الصغائر، وحجج ذلك مذكورة في الكتب الكلامية. PageV02P017 ### | AUTO الباب الخامس في الأفعال، وفيه فصلان # : ### || AUTO الفصل الأول في أن أفعال النبي - عليه السلام - حجة # والمختار -عندنا-: أن كل ما أتى به الرسول - عليه السلام - وجب أن نأتي ~~بمثله، إلا إذا دل دليل منفصل على خلافه. # وقال قوم: ليس كذلك. # === # عدنا إلى المسألة، ولا بد من تنقيح محل النزاع، فنقول: # ما كان من أفعال الجبلية؛ كأصل القيام والقعود، والأكل والشرب - فالاتفاق ~~على أنه مباح منا ومنهم. # وما دل الدليل على اختصاصه به - صلى الله عليه وسلم - كوجوب الوتر، ~~والتهجد وغير ذلك- فالاشتراك فيه ينافي الاختصاص. # وما وقع منه بيانا: إما بقول؛ كقوله ms159 - عليه الصلاة والسلام -: "صلوا كما ~~رأيتموني أصلي". # "أو بقرينة حال؛ كما إذا أمر بقطع السارق، ثم قطعه من الكوع-: فلا نزاع ~~في الاقتداء به. # وما علمت صفته من أفعاله- علمه الصلاة والسلام- من وجوب، أو ندب، أو ~~إباحة-: فالجمهور على وجوب اتباعه فيه بحسبه: إن وجوبا فوجوب، وإن ندبا ~~فندب، وإن إباحة فإباحة. # وقال أبو علي بن خلاد المعتزلي بذلك في العبادات خاصة. # وقال قوم: حكمه حكم ما لم تعلم صفته، وسنذكره إن شاء الله تعالى. # وأما ما لم يعلم، فهو محل النزاع. PageV02P018 # لنا وجوه: # الأول: قوله تعالى: {واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158]؛ وظاهر الأمر ~~للوجوب، والمتابعة عبارة: عن الإتيان بمثل ما أتى به المتبوع لأجل كونه ~~آتيا به؛ وذلك يفيد المطلوب. # فإن قالوا: بأن قوله تعالى: {واتبعوه} أمر بتكوين هذه الماهية؛ فلا يفيد ~~العموم. # قلنا: الأمر بتكوين الماهية يقتضي الأمر بتكوين فرد من أفرادها: فإن كان ~~ذلك الفرد متعينا بدليل منفصل، كفى في العمل بذلك الأمر الإتيان بذلك ~~الفرد. وإن لم يكن متعينا، لم يكن حمله على البعض أولى من حمله على الباقي ~~فإما ألا يحمل على شيء منهما؛ # === # وقد اختلف فيه: # فمذهب مالك: أنه على الإباحة، وهو سديد فيما لم يكن واقعا في محل ~~القرينة. # ومذهب الشافعي: أنه على الندب، وهو سديد فيما إذا كان في محل القرينة. # ومذهب أبي حنيفة، وابن سريج، والإصطخري، وابن خيران: أنه على الوجوب. # ومذهب الصيرفي والقاضي: الوقف؛ لأن الفعل لا صيغة له والخصوصيات والأدلة ~~متعارضة. # احتج الفخر للوجوب بوجوه: # "الأول: قوله تعالى: {واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158]: وظاهر الأمر ~~للوجوب: والمتابعة: عبارة عن الإتيان بمثل ما أتى به المتبوع؛ لأجل كونه ~~أتى به": وهذا احتراز عن مثل نطق اليهود بكلمة التوحيد كنطقنا، ولا يعد ~~متابعة لنا. # واعترض عليه: بأن المتابعة لا تتحقق إلا إذا أتى به على الوجه الذي أتى ~~به من فرض أو نقل، أو إباحة، وذلك في المعلوم وصفه، فنقول به، وليس هو محل ~~النزاع. # قوله: "فإن قالوا: إن قوله تعالى: {واتبعوه} [الأعراف: 158] أمر ms160 بتكوين ~~هذه الماهية ولا يفيد العموم- قلنا: الأمر بتكوين الماهية يقتضي تكوين فرد ~~من أفرادها؛ فإن كان ذلك الفرد معينا بدليل منفصل، كفى في العمل بذلك الأمر ~~الإتيان به وإن لم يكن معينا: لم يكن حمله على بعض أولى من حمله على بعض: ~~فإما [ألا] يحمل على شيء فيقتضي تعطيل النص، أو يحمل على الكل إلا ما خصه ~~الدليل، وهو المطلوب". PageV02P019 # فيقتضي تعطيل النص، أو يحمل على الكل إلا ما خصه الدليل؛ وهو المطلوب. # وأيضا: الأمر الوارد عقيب الوصف المناسب يقتضي كونه معللا به، ومتابعته ~~في الأفعال والتروك يقتضي صدور الأفعال الشرعية والتروك الشرعية عن المكلف؛ ~~وذلك مناسب للأمر به، وإذا كان كذلك كان يقتضي هذا التكليف نفس متابعته؛ ~~فوجب أن يعم هذا الحكم. # الثاني: قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل ~~عمران: 31]؛ دلت الآية على أن متابعة الرسول من لوازم محبة الله تعالى، ثم ~~إن محبة الله تعالى لازمة واجبة بالإجماع، ولازم الواجب واجب؛ فوجب أن تكون ~~متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - واجبة. # الثالث: قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر} [الأحزاب: 21] وهذا الكلام يجري مجرى الوعيد لمن ترك ~~التأسي به، ولا معنى للتأسي به، إلا أن يأتي الإنسان بمثل ما أتى به في ~~الفعل والترك. # === # والاعتراض عليه أن المطلق إنما يدل على فرد شائع. # وقوله: "إنه يلزم من عدم التعميم الترجيح بلا مرجح، أو تعطيل اللفظ"- غير ~~لازم؛ لعدم الحصر فيهما، لإمكان قسم ثالث، وهو تحصيل المطلق بإيقاع مسماه ~~كما في سائر المطلقات. # كيف، والمطلق يكفي العمل به في صورة، وقد أجمعنا على وجوب المتابعة في ~~المعلوم وصفه، وأصل الدين؟ ! # قوله: "وأيضا الأمر الوارد عقيب الوصف المناسب يقتضي كونه معللا به ~~ومتابعته في الأفعال، والتروك ... " إلى آخره. # حاصله: التعميم بطريق القياس والمعنى، والجامع: أن وجوب متابعته في صورة ~~ما؛ إنما كان توقيرا له وتعظيما، وهذا موجود في سائر الأفعال؛ فوجب ~~التعميم. # واعترض عليه في المناسبة: بأنا ms161 لا نسلم أن متابعة العبد لسيده في جميع ~~أفعاله، مثل أن بجلس إذا جلس، ويركب إذا ركب، ويأكل إذا أكل- تكون توقيرا ~~وتعظيما. # قوله: "الثاني: قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله} [آل عمران: 31] ... " إلى آخره: # يقال بموجبه: فإن المتابعة هي الإتيان به على الصفة التي أتى بها: إن ~~وجوبا فوجوب، وإن ندبا فندب، وإن إباحة فإباحة، وذلك في المعروف الصفة، ~~ونحن نقول به، والنزاع في الفعل المجرد. # قوله: "الثالث: قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان ~~يرجو الله واليوم الآخر} [الأحزاب: 21] وهذا يجري مجرى الوعيد لمن ترك ~~التأسي، ولا معنى للتأسي إلا PageV02P020 # فإن قالوا: "إنه بتقدير أن يعتقد الرسول -عليه السلام- أن تلك الأفعال ~~غير واجبة على الأمة-: كان اعتقاد الأمة وجوبها عليهم: مخالفة له وتركا ~~لمتابعته": # قلنا: الاعتقاد أمر خفي، وهو متعارض؛ لأنه بتقدير أن يعتقد الرسول -عليه ~~السلام وجوب متابعته في الأفعال على الأمة-: كان اعتقادهم أنها غير واجبة: ~~تركا لمتابعته. # فثبت: أنا إن اعتبرنا حال الاعتقاد جاء التعارض؛ فوجب طرحه والاقتصار على ~~الأفعال الظاهرة. # الرابع: قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] فإذا ~~حملنا لفظ "الأمر" على الشأن المطلق، والطريق -دخل فيه جميع أفعاله ~~وأقواله، ويجب حمله على هذا المعنى؛ لأنه هو القدر المشترك بين الأمر بمغنى ~~"القول"، وبين الأمر بمعنى "الفعل". # الخامس: قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ~~[الحشر: 7] # === # أن يأتي بمثل ما أتى به في الفعل، والترك": هذه الحجة تمسك بها القائلون ~~بالندب؛ لقوله تعالى: {لقد كان لكم} [الأحزاب: 21]: ولم يقل: عليكم، وقوله: ~~في قوله تعالى: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} [الأحزاب: 21] يجري مجرى ~~الوعيد" يعني: أن المراد به لمن كان يخاف الله؛ كقوله تعالى: {فمن كان يرجو ~~لقاء ربه} [الكهف: 110]. # فيقال له: هذا ترك للظاهر؛ فلا بد له من دليل. # قوله: "فإن قالوا: إنه بتقدير أن يعتقد الرسول أن تلك الأفعال غير واجبة ~~على الأمة كان اعتقاد الأمة وجوبها عليهم، مخالفة ms162 # - قلنا: الاعتقاد أمر خفي، ومتعارض": # يعني: أن احتمال الخطإ فيه لا يتصور الاحتراز عنه؛ # فإنا لو اعتقدنا كونه ندبا يحتمل الوجوب أيضا؛ كاحتمال العكس فيتعين ~~الإعراض عنه. # وما ذكره إنما يلزم من عين للفعل محملا، من ندب، أو إباحة، وأما الواقفية فلا. # قوله: "الرابع: قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] ~~إذا حملنا لفظ الأمر على الشأن والطريق- دخل فيه جميع أقواله، وأفعاله، ~~ويجب حمله على هذا المعنى؛ لأنه القدر المشترك": # يرد عليه: أن السابق إلى الفهم من الأمر القول المخصوص، وأيضا الإجماع ~~الذي نقله هو في مسألة الأوامر على أنه حقيقة في القول، فيتعين أن يكون ~~مجازا فيما سواه؛ دفعا للاشتراك. # قوله: "الخامس: قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} [الحشر: 7]. PageV02P021 # وإذا فعل شيئا فقد أتانا بذلك الفعل؛ فوجب على الأمة أن يأخذوا به. # السادس: قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم} [الأحزاب 37]؛ بين أنه تعالى إنما زوجه ~~بها؛ ليكون حكم أمته مساويا لحكمه في ذلك؛ وهذا يدل على أن الاقتداء به واجب. # السابع: أن الاقتداء به في بعض الأعمال واجب؛ فوجب أن يكون الاقتداء به ~~في الكل وإجبا؛ إلا ما خصه الدليل: # بيان الأول: قوله - عليه السلام -: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله ~~-عليه السلام-: "خذوا عني مناسكم". # بيان الثاني: أن كل من وجب عليه الاقتداء به في بعض التكاليف، وجب عليه ~~الاقتداء في سائرها؛ إلا ما خصه الدليل. # الثامن: أن ترك متابعة الرسول مشاقة له، ومشاقة الرسول محرمة: # === # أورد عليه: منع أنه أتى به لنا، وإنما أتى به لنفسه، أو أنه محمول على ~~الأمر، لمقابلته بالنهي؛ هكذا ذكروا. # والحق: أن: "آتاكم" ممدود من العطاء، والآية في النفي. # قوله: "السادس: قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب ~~37] بين تعالى أنه إنما زوجها منه؛ للاقتداء به؛ ليكون حكم الأمة مساويا ~~لحكمه في ذلك" يعني لقوله تعالى: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم ms163 إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب 37]. # يقال عليه: إن ذلك قرينة في التأسي، ونحن نقول به. # قوله: "السابع: أن الاقتداء به في البعض واجب؛ فيجب الاقتداء به في الكل، ~~إلا ما خصه الدليل". # يرد عليه: أنه ينقلب؛ فإنا نقول: الاقتداء به في بعض الأحوال ليس بواجب ~~بالإجماع، فوجب أن يكون الكل كذلك إلا ما خصه الدليل. # وجوابه: الترجيح بالأغلب. # قوله: "الثامن: أن ترك متابعة الرسول مشاقة له، ومشاقة الرسول: -عليه ~~الصلاة والسلام- محرمة، وإنما قلنا: إن ترك متابعة الرسول مشاقة له؛ لأن ~~المشاقة ... " إلى قوله: "وإنما قلنا أن مشاقة الرسول محرمة؛ لقوله تعالى: ~~{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ... } الآية [النساء: 115] ". # يرد عليه: أن حمل المشاقة على ما ذكر يلزم منه أن كل من ترك سنة، أو ~~مباحا فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكون متوعدا بمضمون الآية، ~~وهو خلاف الإجماع فيتعين حمل المشاقة على PageV02P022 # وإنما قلنا: "إن ترك متابعته مشاقة له"؛ لأن المشاقة عبارة: عن كون ~~أحدهما في شق، وكون الآخر في شق آخر؛ فإذا فعل الرسول - عليه السلام - فعلا ~~وتركه غيره، كان ذلك الغير في شق آخر من الرسول؛ فكان مشاقا له. # وإنما قلنا: "إن مشاقة الرسول محرمة"؛ لقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} [النساء 115] ~~والمراد من "الهدى": المعجز الدال على كونه رسولا؛ لأنا بينا أن المفرد ~~المعرف بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق - ههنا - ~~هو معجزاته. # التاسع: أن الصحابة -رضي الله عنهم- رجعوا في تكاليفهم إلى أفعاله؛ بوجوه: # أحدها: أنهم لما اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين، رجعوا فيه إلى ~~عائشة - رضي الله عنها - فقالت: "فعلته أنا ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فاغتسلنا"، والصحابة كلهم رجعوا إلى قولها. # === # المشاقة العرفية: المحادة والمعاندة، أو يقال: الوعيد مقيد بتبين الهدى، ~~والنزاع في الفعل المجرد، وهو مجهول الوصف. # قوله: "المراد من الهدى: المعجزة" قلنا: تقييد من غير دليل، وإن حمل على ~~المعجزة، فالمراد من ms164 المشاقة: مشاقة الكفار؛ ونحن نقول به. # قوله: "التاسع: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - رجعوا في معرفة تكاليفهم ~~إلى أفعاله" هذا الدليل يقررونه إجماعا بالوجوه التي ذكرها، وكلها محمولة ~~على ما اقترن به الأمر بالتأسي من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما ~~رأيتموني أصلي"، و"خذوا عني مناسككم" والغسل من التقاء الختانين من أسباب ~~الصلاة. PageV02P023 # ثانيها: أنهم واصلوا الصيام لما واصل، وخلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع، ~~فلما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الفرق، تركوا تلك المتابعة؛ ولولا ~~أنه تقرر عندهم: أن الأصل وجوب متابعته؛ وإلا لما فعلوا ذلك. # ثالثها: أن عمر - رضي الله عنه - كان يقبل الحجر الأسود، ويقول: "إني ~~لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع؛ ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقبلك، ما قبلتك". # وبالجملة: فتمسك الصحابة بأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - يجري مجرى ~~التواتر الظاهر. # العاشر: الحديث المشهور؛ وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات ~~الأمور؛ فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". # والاستدلال بهذا الخبر، من ثلاثة أوجه: # === # قوله: "العاشر: الحديث المشهور؛ وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: "عليكم ~~بسنتي ... ": # يقال فيه: إنه محمول على ما عرف وصفه من قول، أو فعل، وهو الجواب عن ~~الحادي عشر، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من ترك سنتي فليس مني، وعن ~~الثاني عشر أيضا؛ وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما أنا عليه وأصحابي"؛ ~~وعن الثالث عشر؛ وهو قوله - عليه الصلاة والسلام-: "تبعا لما جئت به". PageV02P024 # الأول: أن السنة عبارة عن "الطريقة" وهي تتناول: الفعل والقول والترك، ~~وقوله -عليه السلام-: "عليكم" للوجوب؛ وهذا يدل على وجوب متابعته في افعاله ~~وأقواله وتروكه. # والثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "عضوا عليها بالنواجذ"؛ وذلك تأكيد ~~عظيم للأمر به. # والثالث: قوله -عليه السلام-: "إياكم ومحدثات الأمور" لا يريد به كل ما ~~حدث بعد ما لم يكن؛ فإن جميع الأفعال هكذا، بل المراد منه: ما يأتي به ~~الإنسان مع أنه -عليه السلام- لم ms165 يأت بمثله، وذلك متناول للفعل والترك؛ فكل ~~ما فعله الرسول -عليه السلام- كان تركه بدعة، وكل ما تركه الرسول -عليه ~~السلام- كان فعله بدعة. # فلما حكم على البدعة بأنها ضلالة؛ عللنا بأن متابعة الرسول - عليه السلام ~~- في كل الأمور واجبة؛ إلا ما خصه الدليل. # الحادي عشر: قوله - عليه السلام -: "من ترك سنتي، فليس مني" والسنة: ~~الطريقة؛ فكان ذلك متناولا للأقوال، والأفعال، والتروك. # الثاني عشر: أنه قال - عليه السلام -: "إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين ~~وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة ~~واحدة"، فقالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". # والاستدلال به: أن قوله - عليه السلام -: "ما أنا عليه وأصحابي" يتناول ~~الأقوال، والأفعال، والتروك. # الثالث عشر: قوله - عليه السلام -: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا ~~لما جئت به" ومن ترك فعلا فعله الرسول - عليه السلام - لم يكن هواه تبعا ~~لما جاء به الرسول؛ فوجب أن يدخل تحت هذا الوعيد. # الرابع عشر: قوله - عليه السلام -: "إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به؛ فلا ~~تختلفوا # === # قوله: "الرابع عشر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنما جعل الإمام ليؤتم ~~به، فلا تختلفوا عليه؛ فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا" دل الحديث: على ~~أنه يجب على كل قوم أن يأتوا PageV02P025 # عليه؛ فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا". # دل الحديث على أنه يجب على كل قوم أن يأتوا بمثل ما فعل إمامهم، ولما ~~أجمعت الأمة على أنه - عليه السلام - إمام الأئمة بأسرهم -: وجب عليهم أن ~~يأتوا بمثل أفعاله وتروكه؛ إلا ما خصه الدليل. # واحتج المخالف: بأنا أجمعنا على أنه - عليه السلام - كان مخصوصا في ~~تكاليفه وأفعاله بأمور لا يشاركه فيها غيره. # === # بمثل ما فعل إمامهم، ولما أجمعت الأمة على أنه - عليه السلام - إمام ~~الأئمة بأسرهم -: وجب عليهم أن يأتوا بمثل أفعاله إلا ما خصه الدليل. # يرد عليه: ما تقدم. # قوله: واحتج المخالف: بأنا أجمعنا على أنه - عليه السلام - كان مخصوصا في ~~تكاليفه وأفعاله بأمور لا يشاركه فيها غيره. # هذه الحجة ms166 للواقفية، وتمامها: أن الفعل لا صيغة له، والخصوصيات متعارضة، ~~والأدلة متكافئة؛ فيتعين الوقف إلى البيان. PageV02P026 # الجواب: أن الدلائل التي ذكرناها: إن تركناها - لزمنا صرف تلك الظواهر ~~إلى المجازات، ولو أبقيناها على ظواهرها لزمنا إدخال التخصيص فيها؛ وقد ~~بينا في "باب المجاز": أن التخصيص خير من المجاز. # === # قوله: "الجواب أن الدلائل التي ذكرناها: إن تركناها لزم صرف الظواهر إلى ~~المجازات"، يعني: أن تصرف الأوامر لغير الوجوب، وهو مجاز. # قوله: "ولو أبقيناها على ظواهرها، لزمنا إدخال التخصيص عليها": لأن الأمر ~~بالاتباع، والتأسي، وغيره - مقتضاه التعميم، وقد أجمعنا على تخصيصه. # قوله: "قد بينا في باب المجازات أن التخصيص خير من المجاز": يعني: فيكون ~~الاعتماد على، ما ذكرنا من أدلة الوجوب، أولى. # واحتج للندبية بالآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21]، ولم يقل: عليكم، وما ذكر في تقرير الندبية، ~~يعارضه ما ذكر في تقرير الوجوب. # واحتجوا: بأن ما فعله: إما أن يكون راجح الفعل، أو الترك، أو مساويا، ولا ~~جائز أن يكون راجح الترك؛ لما يلزم فيه من المخالفة، ومنصبه -عليه الصلاة ~~والسلام- يجل عن ذلك، ولا مساويا؛ لأنه عبث؛ فيتعين أن يكون راجحا. # ولحوق العقاب، أو الذم مشكوك فيهما؛ فيتعين الندب. # والاعتراض عليه: لا نسلم أن فعل المساوي عبث؛ بل إباحة. # والظاهر حمل ما كان في محل القربة على الندبية؛ لأنه راجح الفعل، وهو ~~المتيقن. # وما لم يكن في محل القربة: على الإباحة، إلا ما خصه الدليل. PageV02P027 ### || AUTO الفصل الثاني التنبيه على فوائد هذا الأصل ### ||| AUTO الفائدة الأولى # اعلم: أنا إذا شككنا في أمر من الأمور: هل فعله الرسول -عليه السلام- أم ~~لا؟ قلنا: إلى إثباته طرق: # الطريق الأول: أنا إذا أردنا أن نقول: إنه - عليه السلام - توضأ مع النية ~~والترتيب -: قلنا: لا شك أن الوضوء مع النية والترتيب أفضل، والعلم الضروري ~~حاصل بأن أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره؛ فثبت: أنه أتى ~~بالوضوء المرتب المنوي، ولم يثبت - عندنا - أنه أتى بالوضوء العاري عن ~~النية ms167 والترتيب، والشك لا يعارض اليقين؛ فثبت: أنه - عليه السلام - أتى ~~بالوضوء المرتب المنوي؛ فوجب أن يجب علينا مثله للأصل الذي قررناه. # الطريق الثاني: أن نقول إنه - عليه السلام - لو ترك النية والترتيب، لوجب علينا # === # قوله: الفصل الثاني في التنبيه على فوائد هذا الأصل: ### ||| AUTO الفائدة الأولى # : إذا شككنا في شيء من الأمور، هل فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -أو ~~لا؟ قلنا: في إثباته طرق: الأولى: أنا إذا أردنا أن نقول إنه - صلى الله ~~عليه وسلم - توضأ مع النية والترتيب - قلنا: لا شك أن الوضوء مع النية ~~أفضل" يعني: لمساعدة الخصم، والإجماع أنه راجح الفعل. # قوله: "والعلم الضروري حاصل بأن أفضل الخلق يواظب على الأفضل طول عمره ~~... " إلى قوله: "فوجب أن يجب علينا مثله؛ للأصل الذي قررناه" يعني: من حمل ~~أفعاله المطلقة على الوجوب. # والاعتراض على هذه الطريقة من وجهين: # أحدهما: أن تبين أنه فعل مقابل المدعى فعله بوجه ما - إن أمكن ثم - يقلب ~~الدليل. # الثاني: أن مقتضى ذلك رفع المندوب. # وجوابه: ما أشار إليه في الفائدة الأخيرة أنه الأصل، إلا أن يدل دليل على ~~خلافه فيصار إليه. # قوله: (الطريق الثاني أن نقول: إنه -عليه الصلاة والسلام- لو ترك النية ~~أو الترتيب، لوجب علينا تركه؛ فثبت أنه ما تركه بل فعله؛ وحينئذ: يحصل ~~المطلوب، يعني: على ما قرره PageV02P028 # تركه؛ للدلائل الدالة على وجوب الاقتداء به، ولما لم يجب علينا تركه؛ ثبت ~~أنه ما تركه بل فعله؛ وحينئذ: يحصل المطلوب. # ويفتقر ههنا إلى بيان أن لفظ "المتابعة" يدخل فيه الأفعال والتروك: # فنقول: قد ذكرنا في "علم الكلام": أن الترك ليس عبارة عن العدم المحض، بل ~~هو عبارة عن فعل الضد وإذا ثبت هذا: كان الترك فعلا محضا؛ فيدخل فيه. # وأيضا: فإنه يصح أن يقال: "فلان يتبع أستاذه في أفعال الخير، ولا يتبعه ~~في فعل الشر"؛ وذلك مما يدل على ما قلناه. # الطريق الثالث: أن يروى خبر أنه - عليه السلام - أتى بذلك الفعل. ### ||| AUTO الفائدة الثانية # المختار - عندنا -: أنه إذا نقل إلينا أخبار ms168 متعارضة في فعل واحد، ولم ~~يصح عندنا أنه آخرها كيف كان -: فإنه يكون المكلف مختارا في الكل؛ # === # من حمل فعله المطلق على الوجوب. # قوله: "ويفتقر ها هنا إلى بيان أن لفظ المتابعة تدخل فيها الأفعال، ~~والتروك، فنقول: قد ذكرنا في علم الكلام أن الترك ليس هو العدم المحض، بل ~~هو عبارة عن فعل الضد، وإذا تبين هذا كان الترك فعلا محضا": # هذا بناء منه على أن العدم الطارئ لا يكون أثرا للقدرة، وقد نقل القاضي ~~في أحد قوليه صحة كونه متعلقا للقدرة؛ فحينئذ لا يكون الترك فعل الضد. # قوله: "وأيضا، فإنه يصح أن يقال: فلان يتبع أستاذه في فعل الخير، ولا ~~يتبعه في فعل الشر" يعني: وحسن السلب مشعر بإمكان الوقوع. # قوله: "وذلك يدل على ما قلناه" هذا التقدير لا يفتقر فيه إلى أن الترك ~~أمر وجودي. # قوله: "الطريق الثالث أن يروي خبر أنه - عليه الصلاة والسلام - أتى بذلك ~~- الفعل" إنما ذكره؛ لحضر الطرق، وإلا فهو واضح. # قوله: " ### ||| AUTO الفائدة الثانية # : المختار عندنا أنه إذا نقل إلينا أخبار متعارضة في فعل واحد، ولم يصح ~~عندنا أن آخرها كيف كان - فإنه يكون المكلف مخيرا في الكل؛ مثاله: إذا صح ~~خبر أنه -عليه الصلاة والسلام- سجد للسهو قبل السلام، وخبر أنه سجد بعد ~~السلام، ولم يثبت بالنقل آخر أفعاله -: وجب القول بالتخيير ... " إلى آخره: PageV02P029 # مثاله: إذا صح خبر: في أنه سجد للسهو قبل السلام، وخبر آخر: في أنه سجد ~~بعد السلام، ولم يثبت بالنقل أن أواخر أفعاله كيف كان -: وجب القول ~~بالتخيير. # وإذا اختلفت الروايات في أنه - عليه السلام - رفع يديه إلى منكبيه أو إلى ~~أذنيه - فههنا: يرجح ما تأيد بالأصل؛ فنقول: وجب ترجيح المنكبين؛ لأن الأصل ~~تقليل الأفعال في الصلاة؛ وهذا أقل. فإن لم يوجد هذا الترجيح - وجب ترجيح ~~الأقرب إلى شرائط العبودية. فإن لم يوجد ذلك - حكم فيه بالتخيير؛ مثل ~~الأخبار الواردة في أنه - عليه السلام - في التشهد كيف كانت أصابع يديه. # === # وبالجملة: إذا حصل التعارض، ولم يتحقق شرط النسخ وجب ms169 الرجوع إلى الترجيح، ~~ومن وجوه الترجيح ما ذكره من أن تعليل الأفعال في الصلاة مؤيد بالأصل؛ كرفع ~~اليدين إلى المنكبين في إحدى الروايات. # وقيل: إن الشافعي -رحمه الله- لما قدم العراق اجتمع عنده العلماء، فسئل ~~عن أحاديث الرفع، وأنه روي أنه -عليه الصلاة والسلام- رفع حذو منكبيه، وحذو ~~شحمة أذنيه؟ فقال: أرى أن يرفع بحيث تحاذي أطراف أصابعه أذنيه، وإبهامه ~~شحمة أذنيه، وكفاه حذو منكبيه. # فاستحسن ذلك منه في الجمع بين الروايات. # وروى صالح بن خوات بن جبير: "أن الطائفة الأولى أتمت ما بقي عليها [ثم ~~مضت]، وأتت الطائفة الثانية": . PageV02P030 ### ||| AUTO الفائدة الثالثة # مقتضى ما ذكرناه من الأصل: أن كل ما فعله الرسول - عليه السلام - في ~~الطهارات والصلاة والصوم -: وجب أن يجب علينا مثله. فإن دل دليل: إما نص ~~خاص، أو إجماع بين الأمة، على أنه ليس بواجب -: قضينا بعدم وجوبه؛ وإلا ~~حكمنا بوجوبه. # فهذه أصول؛ من وقف عليها؛ سهل عليه معرفة الشريعة. # === # فهذ الرواية أقل تغيرا، فرجحها الشافعي بذلك، بأنها أكثر رواة، وأنها ~~مقيدة بغزوة ذات الرقاع، وهي من آخر الغزوات، التي صليت بها صلاة الخوف، ~~ولا يرد عليه تبوك، أم يعني أنها آخر الغزوات مطلقا؛ فيرد عليه ما ذكرناه؛ ~~إذ كان العدو في غير جهة القبلة وأنه -عليه الصلاة والسلام- صلى بالطائفة ~~الأولى ركعة، ثم مضت إلى تجاه العدو، وأتت الطائفة الثانية فصلى بهم ركعة ~~ثم أتموا لأنفسهم، وانتظر الطائفة الأولى حتى أتت وصلت ما بقي عليها، ثم ~~سلم بهم. # قوله: " ### ||| AUTO الفائدة الثالثة # : أن مقتضى ما ذكرناه أن كل ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ~~الطهارة، والصلاة، والصوم -وجب علينا مثله. فإن دل دليل، إما نص، أو إجماع، ~~أو قياس على أنه ليس بواجب- قضينا بعدم وجوبه": وهذا لازم على ما اختاره ~~وجوابه: ما ذكره، وهو واضح. # ومما يتعلق بذلك: أنا قد ذكرنا أن الأظهر وجوب التأسي فيما ظهرت صفته من ~~أفعاله - عليه الصلاة والسلام - على الوجه الذي أتى به من إباحة، أو ندب، ~~أو وجوب. # ويحتاج إلى معرفة ms170 الطرق المعرفة لذلك: فمما تعرف به الإباحة: تنصيصه ~~عليها، أو لآية دلت على الإباحة، أو فعله ذلك بيانا لها. # ومما تعرف به الندبية: تنصيصه عليها، أو فعله امتثالا لآية دلت على ~~الندب، أو فعله بيانا لها، أو كونه قضاء المندوب، أو التخيير بينه وبين ~~مندوب، أو مواظبته عليه وتركه في حالة من غير عذر ولا نسخ، أو كونه في معرض ~~قرينة مع أن الأصل رفع المؤاخذة. # ومما يعرف به الوجوب: الخمسة المتقدمة، أو اقترانه بما يدل على وجوبه، ~~كال صلاة بأذان، أو كزيادة الركوع في صلاة الخوف؛ لأنه لو لم يكن واجبا ~~فيها - أعني: وجوب شرائط الصحة كوجوب الطهارة في صلاة النافلة - بطلت ~~الصلاة. PageV02P031 ### | AUTO الباب السادس في النسخ، وفيه مسائل # : ### || AUTO المسألة الأولى # اتفق المسلمون على جواز النسخ، واليهود خالفوهم. # === # النسخ يطلق لغة: ............................... PageV02P032 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # بمعنى الرفع والإزالة يقال: نسخت الشمس الظل، ونسخت الرياح آثار القوم. # وبمعنى: النقل والتحويل؛ كتناسخ المواريث، ومنه: نسخت الكتاب: # فقيل: إنه حقيقة فيهما؛ لاستعماله فيهما, وليس بينهما قدر مشترك، فيكون ~~متواطئا ولا علاقة؛ فيكون أحدهما مجازا. # وقيل: حقيقة في النقل؛ لاستلزامه الإزالة. # وقيل: حقيقة في الرفع: وهو الأظهر؛ لتبادره إلى اللهم عند الإطلاق. # واختلف في معناه وحده شرعا: ............................. PageV02P033 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فقال القاضي: هو الخطاب الدال على رفع حكم خطاب سابق، وارتضاه الغزالي. # واعترض عليه بوجوه: # الأول: أن الحكم عنده قديم، والخطاب وتعلقه لنفسه، فكيف يتصور رفعه؟ ! # الثاني: أنه غير جامع؛ فإن الحكم قد يستند إلى فعل الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - ويكون ناسخا ومنسوخا. # الثالث: أن ما ذكره حد الناسخ لا النسخ. # وأجيب عن الأول: بأن المنسوخ تقرر الحكم في الأذهان والمعتقدات، لا في ~~نفس الأمر؛ فإنه قديم. # وعن الثاني: بأن الفعل إنما يدل وإسناده إلى قول: إما عام؛ كقوله تعالى: ~~{فاتبعوه} [الأنعام 155] وإما خاص؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام -: "صلوا ~~كما رأيتموني أصلي". # وأما الثالث: فلازم والأسد فيه أن يقال: النسخ: رفع حكم شرعي بدليل شرعي ~~متأخر عنه، فالمعني برفع الحكم: أن الشارع إذا أمرنا باستقبال بيت المقدس ms171 ~~في كل صلاة بغير عدد، وحكمنا بوجوب الاستقبال دائما، واعتقدنا دوامه، فإن ~~ورد بعد ذلك قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره} [البقرة 144]-: كان زوال حكمنا واعتقادنا بوجوب استقبال بيت ~~المقدس وارتفاعه- بسبب الخطاب؛ فأضيف إليه؛ كما أن مقتضى البيع دوام الملك، ~~فإذا ورد الفسخ عليه أضيف زوال الملك إليه. # وتقييد الحكم المرفوع "بالشرعي" احتراز من رفع حكم البراءة الأصلية، ~~وإيجاب الصلاة والزكاة، وغير ذلك. # وتقييد الرافع بدليل شرعي: احتراز من سقوطه بالموت، وطريان العجز مع ~~شموله لجميع الأدلة الشرعية: القولية والفعلية. # وتقييده بالتأخير: احتراز من تقييد الحكم بغاية ابتداء؛ كقوله تعالى: {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة 187]. # هذا مذهب القاضي، وخالفه أبو إسحاق الإسفراييني والإمام، ورداه إلى بيان ~~ظهور انتفاء شرط الاستمرار. PageV02P034 # واعلم: أن جمهور المسلمين احتجوا على وقوع النسخ؛ بأن قالوا: ثبت القول ~~بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - فصحة نبوته موقوفة على صحة حصول النسخ؛ ~~فوجب أن يكون النسخ حقا. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن صحة نبوة محمد -عليه السلام- أمر موقوف على ~~حصول النسخ؛ لأنه لا يمتنع أن يقال: إن موسى وعيسى -عليهما السلام- نصا على ~~أن شرعهما يبقى إلى ظهور شرع محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان انتهاء ~~شرعهما جاريا مجرى قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187]. # === # وخالفه الفخر أيضا، والمعتزلة, وجمهور الفقهاء، وردوه إلى بيان أمد ~~الحكم، ولكل منهم معتمد. # والرد عليهم يأتي في المسألة الثانية إن شاء الله تعالى؛ حيث ذكره ~~المصنف، وكان حقه أن يذكره أولا؛ لأن البحث في جواز النسخ ووقوعه فرع تصوره. # قوله: "المسألة الأولى: اتفق المسلمون على جواز النسخ ... ". # نقل عن طائفة من المسلمين منعه، وردوا جميع ما يدعى أنه نسخ إلى التخصيص. # وجمهور اليهود على امتناعه عقلا، وذهب شرذمة منهم إلى امتناعه سمعا. # قوله: "واعلم أن جمهور المسلمين احتجوا على وقوع النسخ بأن قالوا: ثبت ~~القول بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحة نبوته موقوفة على النسخ؛ ~~فوجب أن يكون النسخ حقا": ms172 هذا كلام ليس على ظاهره؛ فإن نبوة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - لا تتوقف إلا على إثبات المعجزة، وإنما مراده أن ثبوت ~~نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - مع كونها ناسخة لبعض الشرائع المتقدمة - ~~موقوفة على صحة النسخ على هذا التقدير. # واعترض عليه: بأن هذا لا يفيد مع اليهود مع تكذيبهم لنبوة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - فلا تثبت نبوته ما لم يثبت النسخ، ولا يثبت النسخ ما لم ~~تثبت نبوته؛ فيدور. # والوجه أن يحرر إيراده فيقال: وقوع الخارق على وفق دعوى المتحدي، مع ~~العجز عن معارضته- إما أن يدل على صدق المتحدي أو لا: # فإن لم يدل على صدق المتحدي لزم ألا يصدقوا موسى، - عليه السلام -. # وإن دل: لزم تصديق محمد - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: "ولقائل أن يقول: لا نسلم أن صحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~موقوفة على النسخ؛ إذ يمكن أن يقال: إن موسى - عليه السلام - نص على بقاء ~~شرعه إلى ظهور شرع محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان انتهاء شرعه جاريا ~~مجرى قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة 187] ": # هذا السؤال لا يمكن لليهود إيراده؛ لأن في ضمنه تصديق محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وهم لا يصدقونه؛ وإنما هو شك في هذه الحجة، وقد يتمسك به من ~~ينفي النسخ من المسلمين. # والرد عليه بالحجج السمعية كما سيأتي إن شاء الله تعالى PageV02P035 # ومن الناس من احتج على النسخ؛ بأن القرآن مشتمل على آيات كثيرة منسوخة. # واعلم: أنا بينا في "التفسير الكبير": أن أكثر ما يدعى فيه أنه نسخ، فإنه ~~يصح حمله على التخصيص. # والمعتمد في جواز النسخ: العقل، والنقل: # أما العقل: فهو أن الإيجاد يحصل بالقدرة، والإيجاب بالكلام؛ فكما لا يبعد ~~حصول الإيجاد بعد الإعدام، والإعدام بعد الإيجاد فكذلك لا يبعد حصول ~~الإيجاب بعد الحظر، والحظر بعد الإيجاب. # وأما النقل: فقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها} [البقرة: 106]. # === # قوله: "ومن الناس من احتج على النسخ بأن القرآن مشتمل على ms173 آيات كثيرة ~~منسوخة" - كآية العدة، وآية الصدقة بين يدي النجوى، وغير ذلك-: ظاهر. # قوله: "واعلم أنا بينا في "التفسير الكبير": أن أكثر ما يدعى فيه أنه ~~نسخ؛ فإنه يصح حمله على التخصيص" يعني: فالاعتماد على الآية الدالة على ~~النسخ من حيث الجملة؛ كقوله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية} [النحل: ~~101"] , وقوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} ~~[النساء 160] , وقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها} [البقرة 106]-أولى من الاحتجاج بالآية الدالة على التفصيل. # قوله: "والمعتبر في جواز النسخ العقل والنقل: أما العقل: فهو أن الإيجاد ~~يحصل بالقدرة، والإيجاب بالكلام، فكما لا يبعد حصول الصحة بعد السقم ولا ~~يبعد حصول الإيجاب بعد الحظر والحظر بعد الإيجاب ... " إلى آخره: # حاصل هذه الحجة: أنه لو امتنع النسخ، فإما أن يمتنع لذاته، أو لغيره: # ولا امتناع لذاته بالاتفاق. # ولو امتنع لغيره لكان: إما لما يلزم منه من البداء؛ كما يزعم اليهود، أو ~~للتناقض؛ كما تزعم المعتزلة في النسخ قبل الامتثال: من أن الشيء الواحد ~~يكون مرادا ولا مرادا، حسنا قبيحا؛ للإجماع على أن ما عدا ذلك ليس بمانع. # ولو لزم البداء أو التناقض في الحكم، للزم في الفعل من تبديل الحياة ~~بالموت، والصحة بالسقم، والغنى بالفقر، وعكس ذلك، فكما لا يمتنع منه التصرف ~~بالفعل، ولا يلزم منه البداء ولا التناقض- فكذلك لا يمتنع بالقول {ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54]. # قوله: "وأما النقل فقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة 106]: # لا يقال: المراد بالنسخ النقل من اللوح المحفوظ إلى صحف الملائكة؛ لأنا ~~نقول: يلزم أن PageV02P036 # احتج اليهود على إنكار النسخ؛ بوجهين: # الأول: أن موسى -عليه السلام- حين نص على شرعه: فإما أن يقال: إنه نص على ~~الدوام، أو على عدم الدوام، أو سكت عن القيدين: # فإن كان الأول: كان حصول عدم الدوام يوجب كذبه؛ وهو باطل بالاتفاق. # وإن كان الثاني: وجب أن يكون نقل هذا القيد جاريا مجرى نقل أصل تلك ms174 ~~الشريعة؛ لأنه لما كان هذا القيد حكما تتوفر الدواعي على نقله، ثم إنه بينه ~~بيانا ظاهرا-: وجب أن ينقل نقلا متواترا؛ إذ لو جاز في مثل هذا ألا ينقل، ~~جاز -أيضا- أن يقال: إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - بين في الصلاة والصوم ~~والحج: أنها ستصبر منسوخة بعد مائة سنة، أو أقل، أو أكثر، ولكنه لم ينقل؛ ~~وعلى هذا التقدير: فإنه تخرج جميع الشرائع عن الوثوق بها. # === # يكون القرآن كله منسوخا، ولا يبقى لقوله: {نأت بخير منها أو مثلها} ~~[البقرة 106]- فائدة. # قوله: "واحتج اليهود بوجهين" وجوابهما واضح. # [قوله]: "قال أكثر الفقهاء: النسخ عبارة عن انتهاء مدة الحكم، وهو ~~المختار": صوابه أن يقال: عبارة عن بيان انتهاء مدة الحكم مع تراخيه. وإلا ~~لزم أن يكون البيان بالتعيين بزمان متصل نسخا. # قوله: "وقال القاضي: النسخ رفع الحكم بعد ثبوته" لا بد من تقييده بخطاب ~~متراخ؛ احترازا من الرفع بالعجز والموت. # قوله: "والدليل على صحة الأول أن طريان الطارئ مشروط بزوال الأول ... " ~~إلى آخر المسألة: # نقول: قد خالف القاضي جماعة من الفقهاء، وجملة المعتزلة، وأبو إسحاق ~~الإسفراييني، والإمام، والمصنف من الأصوليين؛ ولكل معتمد: # أما الفقهاء فقالوا: الحكم خطاب الله تعالى، وخطابه كلامه، وكلامه قديم، ~~وتعلقه بنفسه: فالرفع: إما أن يرجع إلى الكلام، أو إلى تعلقه، وهما قديمان ~~عنده، والقديم لا يقبل الرفع. # ورد عليهم: بأن ما فرضتم منه يلزمكم فيما صرتم إليه؛ حيث قلتم: إنه بيان ~~أمد الحكم، وكما أن القديم لا يقبل الرفع لا يقبل التقييد بالزمان ولا يعني بقاءه. # وأما المعتزلة فقالوا: الشيء إنما يؤمر به؛ لحسنه واشتماله على مصلحة، ~~وإنما ينهى عنه؛ لقبحه، واشتماله على مفسدة، ولو أمر بالحكم الواحد ثم نهى ~~عنه، لكان حسنا قبيحا، مصلحة PageV02P037 # وإن كان الثالث -وهو أن يقال: إن موسى -عليه السلام- بين شريعته، وسكت عن ~~بيان الدوام وعدم الدوام-: فهذا -أيضا- باطل؛ لأن مثل هذا التكليف لا يوجب ~~العمل إلا مرة واحدة؛ لما بينا: أن الأمر لا يفيد التكرار، ولو كان الأمر ~~كذلك، لما كانت شريعته باقية ms175 في تلك المدة الطويلة؛ # فثبت: أنه لو صح النسخ، لكانت تلك الشريعة واقعة على واحد من هذه الوجوه ~~الثلاثة، وثبت: أنها بأسرها باطلة؛ فكان القول بحصول النسخ باطلا. # الثاني: أن اليهود -على كثرتهم وتفرقهم في مشارق الأرض ومغاربها- ينقلون ~~عن موسى -عليه السلام- أنه كان يقول: إن شريعتي باقية غير منسوخة، ونص في ~~"التوراة" على قوله: "تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض": # فإما أن يكذب هذا النقل المتواتر؛ وهو باطل؛ لأن القدح في الخبر ~~المتواتر، يوجب القدح في نبوة محمد. # وإما أن يعترف بأن موسى -عليه السلام- قال ذلك؛ إلا أنه كذب؛ وهو باطل؛ ~~بدليل إجماع المسلمين على أنه كان نبيا صادق القول. # وإما أن يصدق بحصول هذا الخبر، ويصدق موسى -عليه السلام- في هذا الخبر؛ ~~وحينئذ: يلزم منه امتناع طريان النسخ على شرعه. # === # مفسدة، مرادا لا مرادا؛ وهو جمع بين النقيضين، أو يلزم منه البداء، وهو محال؛ # فقالوا بناء على ذلك: النسخ: رفع مثل الحكم بخطاب متراخ. # ورد عليهم: بأن شرط النسخ التراخي، ولا تناقض مع تعدد الزمان، ولا مانع ~~من كون الشيء مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر، كأمر الحكيم بشرب الدواء في ~~وقت، ونهيه عنه في غيره. # وقولهم: إن المرفوع مثل الحكم. # يقال لهم: الخطاب الأول لا يخلو: إما أن يتناول الحكم وقت الخطاب الثاني أو لا: # فإن تناوله فالمحذور الذي فررتم منه لازم لكم، وإن لم يتناوله فلا رفع. # وأما المصنف: فقد اعتقد أن بين الأمر والنهي تضادا، أو أن رفع أحدهما ~~بالآخر يستلزم إعدام الضد بالضد، فهو كقول المعتزلة له: إن البياض إذا تام ~~بالمحل يصح بقاؤه، وانعدامه بطريان ضد من سواد، أو غيره. # وقد رد القاضي عليهم دعوى الإعدام بالضد بوجهين فاعتمد المصنف في الرد ~~على القاضي PageV02P038 # الجواب عن الأول: أن نقول: لعل موسى -عليه السلام- بين أن شريعته غير ~~دائمة؛ إلا أنه إنما بين ذلك بطريق لا يعرف إلا بالنظر والتأمل؟ فلا جرم: ~~لم ينقل على سبيل التواتر. # وعن الثاني: أن اليهود قل عددهم في زمان بختنصر- وبلغوا ms176 في القلة إلى حيث ~~لا يحصل اليقين بقولهم. ### || AUTO المسألة الثانية # قال أكثر العلماء: النسخ: عبارة عن انتهاء مدة الحكم؛ وهو المختار. # وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: النسخ: عبارة عن رفع الحكم بعد ثبوته. # والدليل على صحة الأول: أن طريان الطارئ مشروط بزوال الأول، فلو عللنا ~~زوال الأول بطريان هذا الطارئ- لزمنا الدور. # وأيضا: فليس ارتفاع المتقدم بطريان هذا الطارئ، أولى من ارتفاع هذا ~~الطارئ؛ # === # ما اعتمده القاضي في الرد على المعتزلة من الوجهين: # الوجه الأول: قال: لو عدم الضد بالضد، للزم الدور؛ لأن شرط إعدامه له ~~قيامه بمحفله، وشرط قيامه بمحله عدم ضده؛ فلا يعدم حتى يقوم به، ولا يقوم ~~به حتى يعدم الضد، فيدور. # ورد على القاضي: بأن ذلك ليس دورا تقدميا، وإنما هو دور معي، ولا استحالة فيه. # فيقال: زمن العدم من القيام، وهذا على أصله ألزم؛ فإنه يقول: إن الجوهر ~~إذا قبل العرض لم يخل عنه أو عن مثله، أو عن ضده إن كان له ضد، والمستحيل ~~اجتماع المثلين والضدين، فيتعين أن يكون زمان قيام المثل والضد زمان عدم ~~الآخر ولا تنافي. # الوجه الثاني: أن معقول التضاد مع الجانبين معقول واحد، فليس عدم الحاصل ~~بالطارئ - بأولى من منع الحاصل لطريان الطارئ. # وأجيب: بأن الطارئ يترجح طريانه بالفاعل المختار، والضد يقتصر لنفسه عدم ~~الحاصل؛ كما يقال: إن الباري -سبحانه وتعالى- يوجد العلم، والعلم يقتضي ~~لنفسه كون محله عالما على رأي من يرى التعليل. # وكما أن الله تعالى يخلق للعبد القدرة والإرادة وسلامة البنية، والعبد ~~فاعل عند المعتزلة، أو كاسب عند الأشعرية، ولا يكون فاعل السبب فاعلا ~~للمسبب، إلا أن القاضي لا يمكنه الدفع بهذين الجوابين؛ لاعتقاده صحة ~~الوجهين. # وإنما يفرق بين انتقاء الأمر بطريان الخطاب الدال على النهي، وبين إعدام ~~البياض بالسواد بأن الأول راجع إلى التعريف، ولا استحالة فيه. PageV02P039 # لأجل بقاء المتقدم. # وأيضا: الخطاب الأول: إما أن يقال: إنه كان يقتضي ثبوت الحكم في زمان ~~النسخ أو لا يقتضيه: # والأول: باطل, لأنه تعالى -مع علمه بأنه لا يشرع ms177 ذلك الحكم في زمان ~~النسخ- لو قلنا: إنه كان قد شرع الخطاب المتقدم [في زمان النسخ]-: لزم أن ~~يقال: إنه شرعه وما شرعه معا؛ وهو محال. # وأما الثاني -وهو أن الخطاب الأول ما كان يقتضي ثبوت الحكم في زمان ~~النسخ- فحينئذ: لا يكون النسخ رفعا له. # === # والثاني: راجع إلى التأثير. # وأما أبو إسحاق والإمام فقد اعتمدا ما ذكره المصنف في الوجه الثالث وهو: ~~أن الله تعالى إما أن يكون عالما باستمرار الحكم أبدا، فرفعه محال لاستلزام الجهل. # أو يعلمه مقيدا بقاءه فلا رفع، فقالا بناء على هذا: النسخ هو الخطاب ~~الدال على ظهور انتفاء شرط استمرار الحكم. # ورد عليهما: بأنه لا مانع أن يعلم استمراره إلى غاية، وانتفاؤه بالناسخ، ~~كما يعلم استمرار الملك، وانتفاؤه بطريان الفسخ. # واعلم أن الخلاف في هذه المسألة يرجع عند التحقيق إلى اللفظ، فإن الحكم ~~الأزلي راجع إلى كلام الله تعالى، وتعلقه بنفسه، فتارة يتعلق بصفة الدوام، ~~وتارة يتعلق بغاية معلومة لله تعالى غير معلومة لنا عند ورود الخطاب الأول، ~~ولا رفع بالنسبة إليه ألبتة، والخطاب الدال على الحكم إنما يدل على ثبوته ~~في الأذهان، ويتبعه الاعتقاد والحكم به، والرفع راجع إليه لا إلى رفع الحكم ~~في نفس الأمر، وذلك لا يعلم إلا بخطاب؛ فاستلزم النسخ البيان لمدة دوام ~~حكمنا، ودوام حكمنا بالأول مشروط بعدم الثاني؛ فصح الاشتراط؛ كما ذكره ~~الإمام، والنسخ لا يتم إلا بمجموع ذلك. # فكل لاحظ جهة، وغفل عن غيرها، رجعنا إلى التعبير عن هذا المعنى، وقد سموه ~~الشارع هذه الحقيقة نسخا: # والنسخ في اللغة: الرفع والإزالة، فجعل الاسم بإزاء ما اشتمل عليه من رفع ~~الأول، وجعل الوجهين الآخرين -أعني: البيان، وانتفاء شرط الاستمرار- لازمين ~~للمسمى -: أقرب إلى الوضع اللغوي، وأولى من جعله بالعكس؛ فما ذكره القاضي ~~أولى. PageV02P040 ### || AUTO المسألة الثالثة في الزيادة علي النص، هل هي نسخ أم لا؟ # الزيادة على النص ليست بنسخ عندنا؛ خلافا لأبي حنيفة -رحمه الله- فلنعين ~~صورة النزاع؛ ليكون الكلام فيها أوضح: # === # [قوله] "الزياة على النص ليست بنسخ خلافا لأبي حنيفة" ms178 لا يعني بالزيادة: ~~الزيادة في السياق، بل الزيادة على مقتضى اللفظ وحكمه. PageV02P041 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # قوله: "فلنعين صورة [النزاع] ليكون الكلام فيها أوضح" إنما قال ذلك؛ لأن ~~للمسألة صورا كثر النزاع فيها، وإنما يغني الفرض ها هنا عن ذكرها لو تساوت ~~في حكمها، لكن حكمها مختلف. # فلنذكر صورا منها: # الأولى: زيادة عبادة مستقلة، لا ارتباط لها بالأولى؛ كإيجاب الحج بعد ~~إيجاب الصلاة، وهذا ليس نسخا بالإجماع -ورفع البراءة الأصلية، وأن العبادة ~~المتقدمة كانت كل الواجب- ليست أحكاما شرعية؛ لأنها لم تستفد من خطاب ~~الشرع، بل من البراءة الأصلية ولوازمها، فرفع ذلك لا يكون نسخا اصطلاحا. # وقول بعض المعتزلة: إن زيادة صلاة سادسة تكون نسخا؛ لاعتقادهم أن ذلك ~~يخرج PageV02P042 # فنقول: إيجاب الجلد لا يدل على حال التغريب: لا نفيا، ولا إثباتا؛ ويدل ~~عليه وجوه: # الأول: أن إيجاب الجلد قد يحصل معه إيجاب التغريب، وقد لا يحصل معه # ذلك، ومورد التقسيم إلى الشيئين مشترك بينهما، واللفظ الدال على المشترك ~~بين الشيئين فقط: لا إشعار له ألبتة بخصوص ذينك الشيئين. # الثاني: لو قال: "الزاني يجلد ويغرب"، أو قال: "الزاني يجلد ولا يغرب"-: ~~لم يكن الأول نقضا، ولا الثاني تكرارا. # الثالث: أن إيجاب الجلد ماهية، وإيجاب التغريب ماهية أخرى، ولا تعلق ~~لواحدة منهما بالأخرى: لا بالنفي، ولا بالإثبات؛ فكان إيجاب الجلد خاليا عن ~~إثبات التغريب ونفيه؛ فثبت: أن إيجاب الجلد لا دلالة فيه على حال التغريب ~~ألبتة، وإذا كان كذلك- كان إيجاب التغريب لا يزيد شيئا مما دل عليه إيجاب ~~الجلد؛ فلم يكن ذلك نسخا. # === # الوسطى عن كونها وسطى-: باطل؛ لتبقى كلية الواجب، وإخراج الأخيرة عن ~~كونها أخيرة، وكل ذلك تابع لرفع البراءة الأصلية؛ فلا يكون نسخا. # الصورة الثانية: زيادة جزء في العبادة الواجبة؛ كما لو زيد في الصبح ~~ركعتان. # قال الشافعي وجماعة: وليس بنسخ أيضا؛ لوجوب الركعتين، والأربعة ركعتان ~~وزيادة. # وقال أبو حنيفة، والغزالي، وأكثر الأصوليين: إنها نسخ؛ لأجل رفعها ~~لاستعقاب التشهد السلام، وتحريم الزيادة، وذلك حكم شرعي، ومنعوا أن الأربعة ~~ركعتان وزيادة؛ لأنه لا يعين هذا الاعتبار، ms179 ويمكن تعلقها بدونه، ولو جاز ~~ذلك لجاز أن يقال: إنها ثلاثة وزيادة، والشيء الواحد لا يقوم بمحلين على البدل. # الصورة الثالثة: زيادة شرط؛ كما لو أوجب الصلاة أولا، ولم يشترط فيها ~~الطهارة، ثم شرطها بعد ذلك، فقيل: ليس بنسخ وإجزاؤها بدون الطهارة أولا ~~مأخوذ من عدم دليل شرعي. # وقيل: نسخ؛ لأن الفعل بدون الطهارة حينئذ خرج عن كونه مأمورا به. # الصورة الرابعة: لو أوجب الحد أولا ثمانين ثم زاد عليه عشرين. # قال الشافعي: ليس بنسخ؛ لبقاء وجوب حد الثمانين وإجزائها عن نفسها وقال ~~أبو حنيفة: # يكون نسخا؛ لرفعه تحريم الزيادة. # وما ذكره صاحب الكتاب من هذا القسم؛ فقد احتج فقال: إيجاب الجلد الأول لا ~~يدل على حال التغريب: لا نفيا، ولا إثباتا، فإثبات التغريب لا يكون مزيلا ~~لشيء مما دل عليه اللفظ الأول، فلا يكون نسخا شرعيا، بل رفعا لمقتضى ~~البراءة الأصلية. PageV02P043 # حجة المخالف من وجوه: # الأول: أن الشرع لما أوجب الجلد، ولم يوجب التغريب - كان عدم وجوب ~~التغريب حاصلا، فلو وجب التغريب؛ فحينئذ: يزول ذلك العدم السابق؛ وهذا نسخ. # الثاني: وهو أنه قبل وجوب التغريب: كان كل الواجب هو الجلد، فإذا وجب ~~التغريب- لم يبق الجلد كل الواجب؛ بل صار بعض الواجب، فقد زال حكم من ~~الأحكام؛ وذلك نسخ. # الثالث: أن "الفاء" في قوله تعالى: {فاجلدوا كل واحد منهما} [النور: 2] ~~للجزاء، والجزاء اسم للكافي، وكونه كافيا يمنع وجوب غيره: فلو وجب التغريب؛ ~~فحينئذ: يبطل المعنى المفهوم من هذه الفاء؛ فكان نسخا. # الجواب عن الأول: أنا لا نسلم أن ذلك العدم الذي يزول: نسخ؛ لأن ذلك ~~العدم إنما ثبت بمقتضى البراءة الأصلية، أما اللفظ: فلا دلالة له عليه ~~ألبتة، والنسخ ليس إلا عبارة عن زوال شيء من مدلولات اللفظ؛ فالحاصل: أنه ~~فرق بين عدم الدلالة على الشيء، وبين الدلالة على عدم الشيء؛ فحق: أن آية ~~الجلد لا تدل على التغريب، وليس بحق: أنها تدل على عدم التغريب، والشبهة ~~إنما دخلت على المخالف؛ بسبب عدم التمييز بينهما. # وعن الثاني: أن ما ذكرتم ms180 يقتضي أن يقال: إنه تعالى أمر بالصلاة أولا، ثم أمر # === # قوله: "حجة المخالف من وجوه: الأول أن الشارع لما أوجب الجلد ولم يوجب ~~التغريب كان عدم وجوب التغريب حاصلا، فلما وجب التغريب زال ذلك العدم" وما ~~ذكره واضح أنه ليس بحكم شرعي، كما أجاب عنه. # قوله: "الثاني أنه قبل وجوب التغريب كان الجلد كل الواجب": # وهذا أيضا واضح أنه ليس رفعا لحكم، إنما هو تابع لرفع البراءة الأصلية ~~كما ذكر. # قوله: "الثالث: أن "الفاء" في قوله تعالى: {فاجلدوا} [النور 2] للجزاء ~~الكافي، وكونه كافيا يمنع وجوب غيره" وجوابه عنه بأنه إنما أورده مثالا في ~~هذه المسألة بتقدير ألا يحصل في الآية لفظ يدل على عدم وجوب التغريب، فإن ~~لم يكن الأمر كذلك- فليطلب له مثال آخر. # لا وجه لتوقفه في عدم إشعار الجزاء بنفي التغريب من جهة اللفظ، على ما ~~منعه في الجواب الثاني؛ فإن لازم الشرط: حصول عند وجوده، أما أنه لا يحصل ~~سواه فليس من قصة الشرط. ثم لو سلم إشعاره بالنفي، فهو ظاهر، وتركه لا يكون ~~نسخا بل تأويلا. PageV02P044 # بعدها بالصيام؛ فوجب أن يكون هذا التكليف الثاني ناسخا للأول؛ لأن عند ~~التكليف الأول: كان كل الواجب هو الصلاة، وعند ورود التكليف الثاني: ما بقي ~~المفهوم من قولنا: "كل الواجب هو الصلاة". # وعن الثالث: أنا إنما أوردنا المثال في هذه المسألة -"مسألة الجلد ~~والتغريب"- على تقدير ألا يحصل في الآية لفظ يدل على عدم وجوب التغريب، فإن ~~لم يكن الأمر كذلك- فلنطلب له مثالا آخر على أنا نقول: "الفاء" في اللغة: ~~للتعقيب. # وأما أن يقال: إنه يدل على الجزاء بمعنى أنه يدل على كونه كافيا- فذلك لم ~~يقل به أحد من علماء اللغة. ### || AUTO المسألة الرابعة في جواز التكليف بالفعل، ثم رفع التكليف قبل الفعل # إذا قال الله تعالى في الصبح: "صلوا عند غروب الشمس ركعتين"، ثم قال قبل ~~حضور ذلك الوقت: "لا تصلوا"- فهذا- عندنا- جائز؛ خلافا للمعتزلة. # === # والضابط الكلي -في هذه الصور-: أن كل نص متأخر اقتضى زيادة مغيرة لحكم ~~ثبت بالشرع- فهو نسخ؛ إذ ms181 هو حقيقة، وما لا فلا، والبحث في جميع الصور راجع ~~إلى تحقيق مناط. # ومن تمام هذا الأصل: # أن نسخ ما يتوقف عليه صحة العبادة من جزء أو شرط هل يكون نسخا للفعل أو لا؟ # اختلفوا فيه: # مثال نسخ الجزء: قوله: صل الظهر أربعا ثم أسقط ركعتين. # قال الكرخي والفخر صاحب الكتاب: ليس بنسخ للأصل؛ لبقاء وجوب الركعتين ~~وإجزائهما عن أنفسهما، ولأن النص المتناول لأمرين لا يلزم من خروج أحدهما ~~خروج الثاني؛ كالتخصيص. # وقال الغزالي وجمهور الأصوليين: يكون نسخا للأول؛ فإن وجوب الركعتين كان ~~تابعا لوجوب الأربع، وقد سقط وجوب الأربع، فسقط وجوب الركعتين المنضمتين، ~~وهاتان ركعتان مستقلتان، وليس طلب الأربع طلب الركعتين وركعتين [و] إلا ~~لكان الآتي بالأربع بعد النسخ ممتثلا. # وأما نسخ الشرط: فكما لو أمر بالصلاة بطهارة ثم نسخ وجوب الطهارة: فقد ~~وافق الغزالي PageV02P045 # لنا: أن الله تعالى أمر إبراهيم -عليه السلام- بذبح إسماعيل، ثم نسخ ذلك ~~قبل حضور وقت الذبح. # فإن قالوا: "لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح؛ بل لعله كان مأمورا بمقدمات ~~الذبح: من الإضجاع، وتحديد السكين، مع الظن الغالب بكونه مأمورا بالذبح؛ ~~والدليل عليه قوله تعالى: {قد صدقت الرؤيا} [الصافات: 105] ": # قلنا: لو كان الأمر كذلك، لوجب ألا يحتاج إلى الفداء؛ لأنه لما أتى بتمام ~~تلك المقدمات، فقد أتى بتمام المأمور به؛ فوجب أن يخرج عن العهدة؛ فكان ~~يمتنع احتياجه إلى الفداء، ولما احتاج إليه علمنا: أنه كان مأمورا بحقيقة الذبح. # === # على أنه ليس بنسخ للأصل؛ قال: لأنهما عبادتان منفصلتان، ورفع الوجوب لا ~~يستلزم رفع الجواز؛ فيصح مع الطهارة وبدونها. نعم، لو أوجبها بشرط الحدث ~~فيكون نسخا. # ونوقش في الفرق إلزام التسوية بعين ما ذكر؛ فإن الصلاة الموصوفة بوجوب ~~الطهارة مغايرة للصلاة الموصوفة بجواز الطهارة؛ كما أن الركعتين المستقلتين ~~مغايرتان للركعتين المنضمتين. # وقوله: إن رفع الوجوب لا يستلزم رفع الجواز، إن عنى به: الجواز الخاص، ~~فظاهر أنه ليس جزءا له، بل قسيمه، وإن عنى به الجواز العام، فقد تقدم فيه بحث. # قوله: "إذا قال الله تعالى: صلوا ms182 عند الغروب ركعتين، ثم قال قبل حضور ذلك ~~الوقت: لا تصلوا- فهذا عندنا جائز خلافا للمعتزلة ... " إلى آخرها: # [قوله: المسألة الرابعة] # اعلم أن هذه المسألة يعبر عنها بعبارتين: # إحداهما: النسخ قبل دخول الوقت؛ وهو فيما يكون مأموره مرتقبا، وصورته ما مثله. # العبارة الثانية: النسخ قبل الإمكان، وهو فيما إذا كان المأمور به منجزا، ~~لكن فعله يتوقف على مقدمات وأسباب، فيأخذ العبد في الإتيان بالمقدمات ثم ~~ينسخ قبل الفعل؛ كقصة إبراهيم - عليه السلام -. # "ومأخذ الفريقين في الصورتين واحد: # فذهبت المعتزلة والحنفية والصيرفي وبعض الفقهاء إلى منع ذلك. # وذهبت الأشعرية وأكثر الفقهاء إلى جوازه، واحتجوا بمسلكين: العقل، ~~والنقل: # أما العقل: فقالوا: لو امتنع: فإما أن يمتنع لذاته، أولما يلزم منه من ~~الجمع بين النقيضين؛ وهو كون الشيء الواحد في الزمان الواحد من الشخص ~~الواحد- حسنا قبيحا، مرادا غير مراد. أو للأمر المعلق على شرط يعلم الآمر ~~عدم بلوغه. أو لعدم تصور النسخ؛ فإنه تخصيص في الأزمنة، ولا يعقل مع اتحاد ~~الوقت والفعل. # وبيان اللزوم: الإجماع على أنه لو قدر انتفاء جميع ذلك لجاز، وواضح أنه ~~لا يمتنع لذاته. PageV02P046 # وأما قوله تعالى: {قد صدقت الرؤيا} [الصافات: 105]- فلا دلالة فيه على ~~أنه أتى بكل ما أمر به؛ بل فيه دلالة على أنه اعتقد صدق الرؤيا، وعزم على ~~الإتيان بها، وأما أنه فعلها بتمامها، فالآية لا تدل عليه. # احتج المخالف: بأن متعلق الأمر والنهي، في هذه الصورة -شيء واحد في وقت ~~واحد؛ لأن متعلق الأمر: هو أن يصلي زيد ركعتين وقت الغروب، ومتعلق النهي: ~~هو ألا يفعل ذلك الشخص ذلك الفعل في ذلك الوقت. # إذا عرفت هذا، فنقول: ذلك الفعل في ذلك الوقت: إما أن يكون حسنا، أو ~~قبيحا، وعلى التقديرين: فالآمر والناهي: إما أن يكون عالما بحاله، أو لا يكون: # === # وأما ثبات التناقض فغير لازم؛ لوجوب اشتراط التأخير في النسخ، ولا يمتنع ~~كون الشيء حسنا قبيحا بالنسبة إلى وقتين. أو بمنع حضر الحكمة في المأمور ~~به، فقد تكون في نفس الأمر للابتلاء؛ كما ذكر في الجواب. ms183 # وأما توقف الأمر على الإرادة فقد أبطلناه بالإجماع؛ فإن الله تعالى أمر ~~الكفار والفسقة، مع عدم إرادته لوقوع الفعل منهم. # وأما الأمر المعلق على شرط يعلم الآمر عدم بلوغه- فقد أقمنا الدليل فيما ~~تقدم على جوازه، وأن شرطه جهل المأمور لتحقق الابتلاء، لا جهل الآمر كما زعموا. # وأما عدم تصور النسخ فقد بينا أن النسخ راجع إلى الرفع، لا إلى التخصيص. # وأما النقل: فقصة إبراهيم الخليل - عليه السلام - فإنه أمر بذبح ولده، ~~ونسخ منه قبل الامتثال. # وقد اعترضوا على التمسك بالآية بخمسة مقامات: # المقام الأول: لا نسلم أنه أمر؛ فإنه كان مناما، وليس كل منام للأنبياء ~~وحيا، بل منه ما هو محتاج إلى التفسير؛ كرؤيته -عليه الصلاة والسلام- كسر ~~سيف قيصر بسيفه، والاستقاء من البئر. # وقول ولده: "افعل ما تؤمر": لا يدل على الأمر؛ فإنه لم يكن إذ ذاك نبيا، ~~فلا مانع من ظنه ما ليس بأمر أمرا وقوله: "افعل ما تؤمر" صيغة تصلح ~~للاستقبال. # وأجيب: بتقدير إبراهيم - عليه السلام - للأمر، وتقديره ما ليس بأمر أمرا ~~يكون تلبيسا، والظن الكاذب ممتنع على الأنبياء -عليهم السلام- ولو جاز ~~اعتقاده ما ليس بأمر أمرا لم يوثق بشيء مما يبلغونه، وقوله تعالى: {فلما ~~أسلما} [الصافات 103] يمنع من حمل الأمر على المستقبل. # المقام الثاني: قالوا: سلمنا أنه كان أمرا، لكنه أمر بالعزم على الذبح. PageV02P047 # فإن كان الأول- لزم: إما الأمر بالقبح، أو النهي عن الحسن. # وإن كان الثاني- يلزم الجهل في حقه؛ وهو على الله تعالى محال. # الجواب من وجهين: # الأول -وهو الذي يحسم المادة-: أن هذا الكلام مبني على تحسين العقل ~~وتقبيحه؛ وقد أبطلناه. # الثاني: كما يحسن الأمر والنهي لحكمة تنشأ من المأمور به، والمنهي عنه-: ~~فقد يحسن الأمر والنهي -أيضا- لحكمة تنشأ من نفس الأمر والنهي؛ فإن السيد ~~قد يقول لعبده: "اذهب إلى القرية غدا راجلا"، ويكون غرضه منه: أن يظهر في ~~الحال انقياد العبد لأمره، وتوطين نفسه على الالتزام بذلك الفعل الشاق، مع ~~كون السيد عالما بأنه سيرفع # === # وأجيب: بأن وجوب العزم على ما ليس بواجب محال. ms184 # المقام الثالث: قالوا: أمر بالمقدمات وامتثل. # وأجيب: بأنه لو كان كذلك لم يبق للفداء معنى. # المقام الرابع: أمر وتعذر الامتثال بانقلاب عنقه نحاسا. # وأجب: بأنه من أغرب ما ينقل في القصة؛ فلو كان كذلك لتوافرت الدواعي على ~~نقله، ولتواتر، ولاشتملت الآية عليه. # وضعف: بأنه لا مانع من الدراسة بعد التواتر، لا سيما واقعة غير عليها ~~دهورا، وليس كل واقع منقولا في القرآن. # والأسد في الجواب: أنه ممتنع على أصولهم؛ فإنه من تكليف المحال، وعلى ~~أصولنا: أنه لا يبقى للفداء معنى. # المقام الخامس: قالوا أمر بالذبح، وذبح، والتأم، وهو باطل؛ بإيجاب ~~الفداء. # وأما ما ذكره المصنف من المعارضة بإلزام التناقض، فقد تقدم الجواب عنه في ~~المسلك العقلي، والله أعلم. # وقد اقتصر في هذا الباب على أربع مسائل؛ لأنها من أهم ما يذكر في النسخ، ~~ولم يذكر سواهن؛ لقرب المأخذ فيهن. # ولا غنى عن الإشارة إليها، لا سيما مع وقوع الخلاف في بعضها: # فمنها: أنه يجوز نسخ القرآن، خلافا لأبي مسلم الأصفهاني، والدليل على ~~جوازه وقوعه. # واحتج: بقوله تعالى: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت ~~43] والنسخ إبطال. # وجوابه: أنه لا يمتنع حمله على نفى التكذيب. PageV02P048 # ذلك التكليف عنه غدا؛ وعند هذا نقول: إنه -حين أمره- كان المأمور به منشأ ~~للمصلحة، وكان الأمر به أيضا- منشأ للمصلحة؛ فلا جرم: حسن الأمر به، أما في ~~الوقت الثاني: فإنه وإن بقي المأمور به منشأ للمصلحة؛ إلا أن الأمر به ما ~~بقي منشأ للمصلحة؛ فلا جرم: حسن النهي عنه. # === # ومنها يجوز نسخ الكتاب بالكتاب؛ كقوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا} [البقرة: 234]؛ فإنه ناسخ لقوله تعالى: {متاعا إلى الحول غير إخراج} ~~[البقرة 240]. # والسنة بالسنة؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا. # ونسخ الكتاب بالسنة خلافا للشافعي. # واحتج على الجواز بأن قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا وصية لوارث" ناسخ ~~لقوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية} [البقرة 180]. # وبأن قوله -عليه الصلاة والسلام-: "البكر بالبكر ms185 جلد مائة وتغريب عام، ~~والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم" ناسخ لقوله تعالى: {فأمسكوهن في البيوت ~~حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء 15]. # ولا حجة في الأول بجواز النسخ؛ لقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} ~~[النساء 11] PageV02P049 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ويكون الحديث مخبرا عن ذلك، وهو ظاهر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن ~~الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ ألا لا وصية للوارث". # ولا في الثاني؛ لأن الحبس مقيد بغاية؛ لقوله: {أو يجعل الله لهن سبيلا} ~~[النساء 15]. # واحتج الشافعي بقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها} [البقرة 106] فأخبر أنه هو الآتي بالنسخ وتقييده بالمثل أو الخبر ~~والسنة ليست كذلك بالنسبة إلى القرآن. # وبقوله تعالى: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي} [يونس 15]. # وأجيب عن الأول: بأن الكل من عند الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو ~~إلا وحي يوحى} [النجم 3 - 4] ويحمل المثل أو الخير على مصلحة المكلف أو ~~الثواب؛ إذ لا يتحقق في نفس كلام الله تعالى ذلك. # وعن قوله: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} [يونس 15] بما تقدم. # والسنة بالكتاب خلافا للشافعي في أحد قوليه- واحتج بنسخ استقبال بيت ~~المقدس بقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة 144] وبنسخ ~~تحريم المباشرة في الصوم بعد الاضطجاع في الليل بقوله تعالى: {فالآن ~~باشروهن} [البقرة 187]. # وما ضعف به من جواز نسخ الاستقبال بالسنة، ثم أمره باستقبال القبلة ~~بالقرآن- ضعيف وبعيد؛ فإنه توهم لا مستند له، وجواز تحريم المباشرة بقرآن ~~نسخت تلاوته بعد. # احتج الشافعي، بأن السنة بيان القرآن؛ لقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} [النحل 44] فلو بينت بالكتاب لصار المبين بيانا. # ورد: بأنه لا يلزم من كونه بيانا في بعض ألا يكون مبينا في بعض. # وعورض: بقوله تعالى في وصف الكتاب: {تبيانا لكل شيء} [النحل 89]. # ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر؛ كآية عدة الوفاة. # والآحاد بالآحاد، كما تقدم، والآحاد بالمتواتر بطريق الأولى. # ولا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، خلافا لبعض ms186 الظاهرية؛ لأن المظنون لا ~~يقدم على المقطوع. # واحتجوا: بأن أهل "قباء" تحولوا بخبر الواحد وبالقياس على التخصيص. # وأجيبوا: بأنه قد تقترن به قرائن تفيد العلم، والفرق أن التخصيص لرفع ~~متوهم الثبوت؛ فيكفي فيه الظن، والنسخ رفع ما تحقق ثبوته. # ويجوز النسخ لا إلى بدل عند الجمهور، بدليل نسخ وجوب الصدقة بين يدي ~~النجوى [لا] إلى بدل. PageV02P050 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ويجوز نسخ الأثقل إلى الأخف بلا خلاف، والأخف إلى الأثقل عند الجمهور؛ ~~بدليل وجوب رمضان بعد التخيير بين الصوم والفدية. # ويجوز نسخ- التلاوة والحكم معا؛ كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها ~~قالت: فيما يتلى: "عشر رضعات يحرمن" فنسخن بخمس رضعات. # والتلاوة دون الحكم خلافا للمعتزلة؛ كقول عمر - رضي الله عنه -: كان فيما ~~يتلى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة". # واحتج المعتزلة بأن بقاء اللازم بدون المستلزم محال. # وأجيب: بأنه دليل، ولا حاجة له في الدوام. # ويجوز نسخ الحكم دون التلاوة بالاتفاق؛ كنسخ وجوب الصدقة بين يدي النجوى وغيره. # ويجوز نسخ القول بالفعل، والفعل بالقول. ويجوز نسخ النطق والفحوى معا، ~~والنطق PageV02P051 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ويتبعه الفحوى وفي نسخ الفحوى دون النطق خلاف. # ولا يجوز نسخ الإجماع؛ لأنه لا يتحقق إلا بعد موت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا ينسخ به؛ لأن ثبوته على خلاف النص إجماع على الخطأ؛ إلا أن ~~يقول: إنهم اجتمعوا على الناسخ؛ وحينئذ: تكون تسميته ناسخا مجازا. # ويصح نسخ القياس بالنص والإجماع، ونسخ قياس دليل أمارته أضعف بقياس دليل ~~أمارته أقوى. # ويجوز نسخ الخبر إذا كان متعلقه قابلا للتغيير، كالإخبار عن تعلق الثواب ~~والعقاب ببعض المأمورات أو المنهيات، خلافا للمعتزلة فإنهم قالوا: لا يجوز ~~نسخ الأمر والنهي؛ لأنه يوهم الخلف. # وأجيب: بأنه لو امتنع لإيهام الخلف لامتنع نسخ الأمر بمعرفة الله تعالى؛ ~~لما فيه من التناقض. # ولا تنسخ جملة الشريعة؛ لأن الناسخ من الشريعة. # خاتمة: # ويعرف الناسخ بصريح القول؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "نسخ كذا"، أو ~~"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا"، وكقوله ~~تعالى: PageV02P052 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # {الآن خفف الله عنكم} [الأنفال 66]. # وبالضمن؛ ms187 كإضافة القول إلى ما قبل الهجرة وبعدها، لا يثبت بالتأخير في ~~التلاوة؛ فإن الآية الناسخة من آيتي العدة متقدمة في التلاوة. # ولا بتأخر صحبة الراوي وإسلامه؛ لاحتمال سماعه من غيره. # وقول الصحابي: "نسخ" لا يكفي في النسخ عند الأكثر؛ لاحتمال اعتقاد ما ليس ~~بناسخ ناسخا، واختلاف العلماء فيما ينسخ به. PageV02P053 ### | AUTO الباب السابع في الإجماع، وفيه مسائل # : ### || AUTO المسألة الأولى: إجماع الأمة حجة؛ خلافا للنظام والخوارج # === # الباب السابع: في الإجماع # يطلق في اللغة على العزم؛ قال الله: {فأجمعوا أمركم} [يونس 71]، وقال - ~~عليه السلام -: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" ويطلق على الاتفاق. # ومن قال: إن أصله من: أجمع الرجل إذا صار ذا جمع؛ كقولهم: ألبن الرجل إذا ~~صار ذا لبن، فكان لا ضرورة إليه مع جريانه على الاشتقاق. # وفي الاصطلاح: عبارة عن اتفاق المجتهدين من أمة محمد -عليه السلام- في ~~عصر ما غير عصره - عليه السلام - على أمر من الأمور. PageV02P054 # احتج الفقهاء بوجوه: # الأول: قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى} [النساء 115]. # === # وزاد الغزالي، وبعض الفقهاء: "الدينية"؛ لاعتقادهم عدم جريانه في ~~العقليات، واللغات، والحروب، وقد اشتمل الحد على تنبيهات على أمور اختلف فيها: # منها: أن قولنا: "اتفاق" يشتمل على صور الإجماع؛ سواء كانت عن دليل قاطع، ~~أو اجتهاد، أو ظن غالب، فإن الصحيح جواز انعقاد الإجماع عن الرأي، كإمامة ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وكتحريم شحم الخنزير بالقياس على لحمه، ~~وسواء علم اتفاقهم بقول الجميع أو بفعل الجميع، أو بقول بعض وفعل بعض، أو ~~بقول بعض وسكوت الباقين سكوتا يشعر بالوفاق، أو بفعل بعض وسكوت الباقين كذلك. # وقولنا: "المجتهدين" يخرج العوام؛ فإن الصحيح أنه لا يشترط وفاقهم؛ لعدم ~~الأهلية؛ كالصبيان، والمجانين؛ خلافا للقاضي؛ ولأن العامي يجب عليه اتباع ~~المجتهد، فكيف يحرم على المجتهد المخالفة لقوله؟ ! # وقولنا: "من أمة محمد، عليه الصلاة والسلام" لأن الصحيح في أن الإجماع ~~حجة الاعتماد على النصوص، وهي دالة على تعظيم هذه الأمة، ms188 وإثبات العصمة لهم ~~شرعا، ولم يقم دليل لنا على أن من سواهم كذلك، ، ومن أخذه من مسلك العادي، ~~لزمه أن يقول: إن إجماع سائر الأمم حجة. # وقولنا: "في عصر ما": احتراز من قول أهل الظاهر: إن الإجماع مختص ببعض ~~الصحابة، فإن أدلتنا شاملة لسائر الأعصار. # وينقسم إلى قطعي، وظني: # فالقطعي: ما علم اتفاقهم فيه، وكان المجتهدون عدد التواتر، ونقل إلينا ~~بالتواتر، ومثل ذلك عزيز، ويصح التمسك به في الفقهيات، وفي المطالب ~~القطعية، وفي كل ما لا يتوقف إثباته على المعجزة؛ لأنه دليل سمعي، ، ومستند ~~جميع الأدلة السمعية قول الرسول المستند إلى صدقه، وصدق الرسول متوقف على ~~المعجزة، فلو أثبت ما تتوقف عليه المعجزة بالإجماع، لزم الدور. # والظني: ما عداه؛ وهو أن يظن اتفاقهم، أو يكون عددهم دون عدد التواتر، أو ~~ينقل إلينا بالآحاد، ويصح الاحتجاج به في الفقهيات، كما صح العمل بأخبار ~~الآحاد. # قوله: "وفيه مسائل: المسألة الأولى: إجماع الأمة حجة، خلافا للنظام، ~~والخوارج، واحتج الفقهاء بوجوه: الأول: قوله -سبحانه وتعالى-: {ومن يشاقق ~~الرسول ... } الآية. [النساء 115] ". # اعلم: أن النزاع في الإجماع في ثلاثة أطراف: في تصوره، وتصور العلم ~~بوقوعه، وكونه حجة: PageV02P055 # وجه الاستدلال به: أنه تعالى حرم متابعة غير سبيل المؤمنين، وترك متابعة ~~سبيل المؤمنين متابعة لغير سبيل المؤمنين؛ لأن متابعة الغير عبارة: عن ~~الإتيان بمثل فعل، ولما دلت الآية على أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، ~~وثبت بالعقل: أن ترك متابعة المؤمنين متابعة لغير سبيل المؤمنين-: وجب أن ~~يحرم ترك متابعة سبيل المؤمنين فإذا حرم ترك متابعتهم وجب متابعتهم فيكون ~~الإجماع حجة. # ولقائل أن يقول: هذا الدليل إنما يتم أن لو ثبت أن متابعة الغير عبارة عن ~~الإتيان # === # وقد منع قوم تصوره، وقالوا: فرض الاتفاق على رأي واحد من الأمة؛ كفرض ~~الاجتماع على كلمة واحدة، أو على أكل طعام واحد في وقت واحد، والعادة تحيله. # وأجيب: بأنه لا داعي لهم إلى الاجتماع على كلمة واحدة، ولا على التغذي ~~بنوع واحد، وللمجتهدين داع إلى الاجتماع على الحكم الواحد لوجود النص ms189 ~~القاطع، أو الظن الغالب الواجب الاتباع بالقاطع. # ومنع قوم جواز العلم بوقوعه عادة، مع اتساع الخطة، وكثرة العلماء. # والدليل على جواز وقوعه: أنا نعلم بالقطع اتفاق علماء الصحابة على تقديم ~~النص المقطوع به من الطرفين على المظنون من الطرفين، أو من أحدهما، ونعلم ~~اتفاق الأمة على أن الصبح ركعتان، والمغرب ثلاث ركعات. # وأما كونه حجة، فقد أنكره النظام، والخوارج، والشيعة، وإن سلموا في ~~الظاهر كونه حجة، فهم منازعون في الباطن؛ لاعتقادهم أنه إنما كان حجة، ~~لاشتماله على قول الإمام المعصوم، ونحن ندعي أنه حجة مع نفي الإمام ~~المعصوم، فهم مخالفون لنا في الحقيقة. # وقد احتج أصحابنا عليه بالنص، والعقل: # أما النص: فآي، وأخبار، فمن الآي قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول ... } ~~[النساء 115] الآية، وقد استدل بها الشافعي في "الرسالة". # ووجه الاحتجاج بها: أن اتفاق علماء الأمة سبيل المؤمنين، فيجب اتباعه؛ ~~لأن تركه اتباع لغير سبيل المؤمنين، وإنه حرام والدليل على أن ترك اتباع ~~سبيل المؤمنين اتباع لغير سبيل المؤمنين وإنه حرام: أن المتابعة عبارة عن ~~الإتيان بمثل فعل المتبوع. # والدليل على أن متابعة غير سبيل المؤمنين حرام: أن الله تعالى جمعها مع ~~المشاقة للرسول - عليه السلام - المحرمة قطعا-: في الوعيد، والمباح لا يجمع ~~مع المحرم في الوعيد؛ إذ لا يحسن أن يقال: من زنى وأكل الحلوى -مع أنها ~~مباحة- فعاقبه. # وقد أورد ها هنا على هذه الحجة سؤالين، وأكثر هو وغيره من إيراد الأسئلة ~~عليها، وبعضها يخص هذه الحجة، وبعضها لا يخصها، بل يرجع إلى معارضات وقدح ~~في أصل الإجماع؛ فلننبه على ما يخصها؛ وذلك من وجوه: PageV02P056 # بمثل فعل الغير وذلك باطل، وإلا لزم أن يكون المسلمون أتباعا لليهود في ~~قولهم: لا إله إلا الله بل المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل ما فعله الغير ~~لأجل أنه فعله ذلك الغير فأما لو # === # الأول: القول بموجبها # وبيانه من أوجه: # الأول: أن الآية تدل على تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين عند المشاقة، ~~ونحن نقول به، فأين دليل التحريم مطلقا؟ # الثاني: أنه مشروط بتبين الهدى؛ لأنه ms190 معطوف على تحريم مشاقة الرسول بعد ~~تبين الهدى، والعطف يقتضي الاشتراك، وتبين الهدى فيما أجمعوا عليه يكون ~~بالوقوف على مستندهم، ونحن نقول به. # الثالث: ما ذكره المصنف أن لفظ "سبيل" مفرد مضاف إلى محلى بحرف التعريف، ~~فلا يفيد العموم، بل يكفي في العمل به تنزيله على صورة واحدة، فيحمل على ~~السبيل الذي صاروا به مؤمنين، وهو الإيمان. # الرابع: وإن سلم عموم "سبيل" إلا أن مقتضاه يتناول ترك كل سبيل المؤمنين، ~~ونحن نقول به. # الخامس: أن المؤمنين كل من آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فاختصاصه ~~ببعض الأعصار تحكم لا ينتفع به إلا في الآخرة. # السؤال الثاني: سلمنا العموم؛ إلا أنه عام دخله التخصيص، والعام إذا خص ~~صار مجملا. # أما أنه خص، فلأن علماء العصر لو اتفقوا على فعل مباح، لم يجب اتباعهم في ~~فعله، وإلا لكان المباح واجبا. ولأنهم إذا خاضوا في المسألة، فقد أجمعوا ~~قبل اتفاقهم على جواز المخالفة فيها، فإذا اتفقوا، فقد أجمعوا على منع ~~المخالفة، والعمل بهذين الإجماعين يكون جمعا بين النقيضين. فلا بد من ترك ~~العمل بأحدهما. # وأما أن العام إذا خص صار مجملا فتقريره ما مضى في "باب العموم". # السؤال الثالث: أن سبيل المؤمنين حقيقة هو طريقهم، فحمله على طريقهم قولا ~~وفعلا يكون مجازا وتأويلا؛ فيفتقر في حمله عليه إلى دليل. # الرابع: لا نسلم أنه يلزم من تحريم اتباع غير المؤمنين وجوب اتباع سبيل ~~المؤمنين؛ لأن بينهما واسطة؛ وهو عدم اتباعهم. # وتقريره ما ذكره المصنف في الكتاب. # ثم لو سلمنا لزومه، فإنما يلزم من دليل الخطاب -أعني: مفهوم المخالفة- ~~وهو من أضعف الدلالات، وقد منعه كثير من القائلين بصحة الإجماع، فكيف يثبت ~~به أصل عام قاطع في زعم مثبته مقدم على الكتاب والسنة؟ ! . # الخامس: أن الآية مشتركة الدلالة، فإنها لو دلت على عموم وجوب اتباع سبيل ~~المؤمنين - لدلت على وجوب اتباعهم فيما هو سبيلهم في الحكم؛ وهو الدليل ~~التفصيلي في المسألة، لا PageV02P057 # أتى بمثل فعل الغير لا لأجل أنه فعله ذلك الغير. بل لأن الدليل ساقه ms191 ~~إليه- لم يكن متابعا لذلك الغير. # إذا ثبت هذا، فنقول: حصل بين متابعة سبيل المؤمنين وبين متابعة غير سبيل ~~المؤمنين واسطة، وهي ألا يتبع أحدا بل يتوقف إلى وقت ظهور الدليل. وإذا ~~حصلت هذه الواسطة، لم يلزم من تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين وجوب اتباع ~~سبيل المؤمنين؛ وحينئذ: يسقط الاستدلال. # === # الحكم بمجرد اتفاقهم. # السادس: المؤمنون حقيقة من اتصف منهم بالإيمان؛ وذلك يتناول الموجودين ~~حال نزول الخطاب، واتفاقهم في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس ~~بحجة، وبعد موته لم يبق الجميع؛ فاتفاق الموجودين بعده يكون اتفاق بعض ~~المؤمنين. # السابع: سلمنا دلالة الآية على وجوب اتباع سبيل المؤمنين، لكن بم نعلم ~~أنهم مؤمنون، والإيمان من فعل القلب، ولا اطلاع لنا عليه؟ ! # الثامن: هذه الاحتمالات المذكورة، وإن لم يكن مقطوعا بها؛ لكنها جائزة ~~الإرادة، فيكون ذلك مانعا من الجزم، ودلالة الإجماع على زعمكم دلالة قاطعة ~~يكفر جاحدها، أو يبدع، أو يفسق، ومن منع دلالة ظاهرة لا يكفر، ولا يبدع، ~~ولا يفسق، فكيف صارت دلالة الإجماع -التي هي فرع دلالة الظاهر- أقوى من ~~أصلها؟ ! وقد استعظم الفخر هذا السؤال، ووافق لأجله أبا الحسين؛ في أن ~~دلالة الإجماع ظنية. # والجواب: قولهم: إن الآية لا تدل على تحريم المخالفة مطلقا، بل مع مشاقة ~~الرسول: قلنا: مشاقة الرسول مستقلة بالتحريم، فلو لم يكن اتباع غير سبيل ~~المؤمنين محرما- لكان ذلك ضما للمباح إلى المحرم في ترتيب الوعيد عليه؛ ~~وإنه غير جائز. # سلمنا أنه مشروط بمشاقة الرسول، لكن ترك سبيل المؤمنين ومشاقتهم- مشاقة ~~لله ورسوله. # وقولهم: إن التحريم مشروط بتبين الهدى، وهو الدليل الذي حكموا لأجله، ~~ودليل الإشتراط قضية العطف: # قلنا: لا نسلم أن العطف يوجب الاشتراك في جميع الوجوه؛ بدليل قوله تعالى: ~~{كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام 141]، وقوله تعالى: ~~{فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} [الحج 36] والأكل ~~مباح، والإيتاء والإطعام واجبان. # سلمنا اقتضاء العطف للاشتراك، لكن المشروط [في] تحريم مشاقة الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - تبين هدى مخصوص؛ وهو الدلالة على صدقه، ms192 فيتعين أن يكون هو ~~الشرط في تحريم المخالفة؛ عملا بقضية العطف، على ما ذكرتم. # قولهم: المراد ب"السبيل" سبيل خاص؛ وهو السبيل الذي كانوا به مؤمنين: PageV02P058 # السؤال الثاني: هو أن لفظ السبيل لفظ مفرد غير محلى بحرف التعريف؛ فلا ~~يفيد العموم، بل يكفي في العمل به تنزيله على صورة واحدة؛ فنحن نحمله على ~~السبيل الذي صاروا به مؤمنين، وهو الإيمان. فلم قلتم: إن متابعتهم في سائر ~~الأمور واجبة؟ ! # === # قلنا: الدليل على عمومه الرجوع إلى موارد الاستعمال؛ لأنه لو قال: من دخل ~~غير داري، فله درهم -عم الاستحقاق كل داخل لكل دار لغيره، وهو الجواب عن ~~قولهم: المراد به التارك لكل سبيل المؤمنين؛ لأن استحقاق الدرهم يعم كل ~~داخل بصفة الانفراد والاجتماع. # قولهم: المؤمنون هم الموجودون إلى يوم الدين: # قلنا: حمله على ذلك يسقط فائدته؛ فيتعين حمله على مؤمنين يتصور اتباعهم ~~في دار التكليف، ولا يتصور ذلك باتباع سبيل الموجودين في عصرهم، أو من تقدم ~~اتفاقهم على عصرهم. # قولهم: إن هذا عام مخصوص، والعام إذا خص صار مجملا: # قلنا: قد أوضحنا في "باب العموم" أنه متى خص بمعلوم، كان دليلا فيما بقي. # قولهم: استعمال سبيل المؤمنين في طريقهم قولا وفعلا يكون مجازا: # قلنا: وإن كان مجازا في الأصل، إلا أنه صار هو المتبادر إلى الفهم عند ~~الإطلاق؛ كما في قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني} [يوسف 108]. # قولهم: إن بين ترك اتباع غير سبيل المؤمنين، واتباع سبيل المؤمنين- ~~واسطة؛ وهو عدم الاتباع لهما: # قلنا: قد بينا في "باب الأوامر والنواهي" أن الشيئين إذا كانا على طرفي ~~النقيض؛ كالحركة والسكون، كان الأمر بأحدهما نهيا عن الآخر، والنهي عن ~~أحدهما أمرا بالآخر؛ ضرورة أنه يلزم من طلب الشيء طلب ما هو من ضروراته. # وبينا أن الترك ليس محض السلب بل فعل الضد؛ لأن السلب المقابل الذي هو ~~عدم محض لا يكون معدوما، فلا يكون مكسوبا، وبينا انحصار التكليف في ~~المكسوب؛ بناء على امتناع تكليف ما لا يطاق، وعدم وقوعه. ms193 # قولهم: اتباع سبيلهم: الحكم في المسألة بالطريق التي حكموا بها لا بمجرد ~~اتفاقهم: # قلنا: إذا حكمنا في الواقعة لأجل أنهم حكموا بها، تضمن ذلك الحكم بما ~~حكموا لأجله، وكما أن سبيلهم قبل الاتفاق الحكم بالدليل التفصيلي، فسبيلهم ~~بعد الاتفاق الحكم به لأجل الاتفاق. # قولهم: المراد ب"المؤمنين" الموجودون حال نزول الآية: # قلنا: "المؤمنون" يتناول كل من يوصف بالإيمان، وهم كل من يوجد في عصر؛ ~~ضرورة حمل الآية على مؤمنين يمكن اتباعهم، وإلا لكان تعطيلا للآية. # وقولهم: "الإيمان فعل القلب، ولا اطلاع لنا عليه": PageV02P059 # الحجة الثانية للفقهاء: الاستدلال بقوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143]. # === # قلنا: الأحكام التي بين العباد المرتبة على الإيمان مرتبة على النطق ~~بكلمتي الشهادة من حل المناكحة، وأكل الذبيحة، والميراث، والصلاة وراءهم ~~وعليهم إلى غير ذلك، بخلاف الأحكام المتعلقة بالعبد وربه؛ فإنه يعلم السر وأخفى. # قولهم: "هذه الاحتمالات جائزة الإرادة، وهي مانعة من الجزم": # قلنا: لا ننكر أن كل لفظ احتج به على صحة الإجماع، لو جرد النظر إليه من ~~حيث هو، لتطرق إليه وجوه من الاحتمالات، لكن موافقة كل لفظ احتج به لمجموع ~~الألفاظ مع كثرتها، وتضافرها، وتطابق ظواهرها على ذلك- يدفع إرادة تلك ~~الاحتمالات؛ فإذن كل نص منها يصح التمسك به ابتداء؛ لإشعاره بالمطلوب ~~الظاهر، ودفع إرادة ما عداه بانضمامه إلى الجملة، وبهذا الطريق يقطع بكثير ~~من الأحكام من وجوب الصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، وشرع أصل البيع ~~والنكاح والإجارة وغير ذلك، وان كان كل لفظ ورد فيها، لو نظرنا إليه من حيث ~~هو- لكان للتأويل فيه مجال، لكن بالنظر إلى ما اقترن به من التكريرات، ~~والتأكيدات، وقرائن الأحوال؛ فلا يبقى للاحتمال فيه مجال، والله أعلم. # قوله: "الحجة الثانية: قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة 143] وجه الاستدلال به ~~أنه تعالى وصف مجموع هذه الأمة بكونهم وسطا، و"الوسط": العدل، فالموصوف ~~بالعدالة إما أن يكون كل واحد من آحاد الأمة؛ وهو باطل قطعا. # [يعني: ms194 لما علم أن الواقع خلافه [أو مجموع الأمة؛ وذلك يقتضي أن يكون ~~مجموع هذه الأمة موصوفين بالعدالة] " يعني: إذا بطل أن يكون الموصوف ~~بالعدالة كل واحد، تعين أن يكون الموصوف بها جميع الأمة، وهذا على زعمه ~~تقرير للمقدمة الأولى. # وأما تقرير الثانية: وهي "الوسط": العدل؛ فقوله تعالى: {قال أوسطهم} ~~[القلم: 28] أي: أعدلهم، وقوله - عليه السلام -: "خير الأمور أوسطها". # وقول الشاعر [من الطويل]: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # ويقال: ميزان وسط؛ أي: لا ميل فيه. PageV02P060 # وجه الاستدلال به: أنه تعالى وصف مجموع الأمة بكونه وسطا، والوسط: هو ~~العدل؛ فالموصوف بالعدالة: إما كل واحد من آحاد الأمة؛ وهو باطل قطعا، أو ~~مجموع الأمة، وذلك يقتضي أن يكون مجموع الأمة موصوفا بالعدالة، وكل من قال ~~قولا ليس بحق كان كاذبا، والكاذب يستحق الذم؛ فلا يكون عدلا؛ فوجب: أن يكون ~~كل ما يقوله مجموع الأمة حقا. # ولقائل أن يقول: قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} خطاب مع الأقوام ~~الحاضرين في ذلك الوقت، فهب أن هذا يدل على أن إجماعهم في ذلك الوقت بعينه ~~حجة لكنا لا # === # قوله: "وكل من قال قولا ليس بحق يكون كاذبا"؛ لأنه أخبر بالشيء على خلاف ~~ما هو به، يعني: بالاتفاق، أما عندنا: فشرعا، وأما عند الخصوم: فعقلا، وشرعا. # قوله: "فوجب ألا يكون عدلا" يعني: على هذا التقدير؛ لأنه لو لم يكن ما ~~قالوه حقا، لكانوا كاذبين، ولم يكونوا عدولا، لكنهم عدول بإخبار الله ~~تعالى، فوجب ألا يصدر عنهم ما يخل بالعدالة، وأن يكون ما يقولونه حقا ~~وصدقا؛ فيجب اتباعهم. # قوله: "ولقائل أن يقول ... " إلى آخر الأسئلة. # الحاصل: أنه اعترض على هذه الحجة من ثلاثة أوجه، ولم يجب عنها؛ لقوتها ~~على زعمه، ونحن نذكر ما يخص هذه الحجة من الأسئلة، والجواب عنها إن شاء ~~الله -تعالى- متضمنا لما ذكره على الوجه الجدلي، بحيث لا يتضمن منعا بعد ~~تسليم الأول: # قوله: الموصوف ب"الوسط" مجموع هذه الأمة: # قلنا: لا نسلم. # قوله: إذا لم يكن الموصوف به كل واحد، فالموصوف ms195 به المجموع: # قلنا: لا نسلم تعينه، مراد الجواز إرادة البعض؛ لتعذر إرادة ظاهره، وهو ~~كل واحد، لكن ذلك البعض غير معين لنا، فلا تقوم به الحجة، والإمامية عينت ~~ذلك البعض بالأئمة المعصومين، فلم قلتم: إن هذا غير مراد؟ لا بد لهذا من دليل. # قوله: "والوسط: العدل": # قلنا: لا نسلم، والظاهر أنه غير مراد من الآية؛ لأن العدالة تحصل بفعل ~~الواجبات، واجتناب المنهيات، وهي فعل العبد، و"الوسط" الموصوف به في الآية ~~فعل الله تعالى؛ لأنه جعله؛ بدليل قوله تعالى: {جعلناكم} وما كان فعلا لله ~~لا يكون فعلا لغيره، فالوسط في الآية غير العدالة. # قوله: "وكل من قال قولا ليس بحق يكون كاذبا، والكاذب يستحق الذم". # قلنا: الكذب لا يخلو إما أن يكون عبارة عن الخبر غير المطابق مع اعتقاده، ~~أو لا مع اعتقاده؛ على ما يقوله الجاحظ: فإن عنيت به الأول، فلا نسلم أن كل ~~كاذب يستحق الذم؛ PageV02P061 # نعرفهم بأعيانهم، ولا نعرف أيضا ذلك الوقت. وأما إجماع سائر الناس في ~~سائر الأوقات فغير داخل تحت الآية، ولا يمكن أن يقال: إنه لما ثبت أن ذلك ~~الإجماع حجة - وجب أن يكون سائر الإجماعات حجة؛ لانعقاد الإجماع على أنه لا ~~قائل بالفرق. لأنا نقول: هذا إثبات لأصل الإجماع، بأضعف أنواع الإجماعات ~~وهو في غاية الفساد، ثم نقول: سلمنا كون الأمة موصوفة بالعدالة، فلم قلتم: ~~إن ذلك يقتضي كونهم عدلا في كل شيء؟ ! # === # لجواز الإخبار به عن نسيان، أو خطأ في اجتهاد بعد بذل الوسع فيه؛ فلا ~~يستحق الذم؛ لقوله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} [الأحزاب: 5]، ~~ولقوله - عليه السلام -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إذا اجتهد الحاكم وأخطأ - فله أجر، وإن أصاب، فله أجران". # وإن عنيت به الثاني، فلا نسلم أن كل من قال قولا ليس بحق يكون كاذبا؛ ~~لجواز إخباره لا عن اعتقاده، والحاصل أن هاتين المقدمتين لا تجتمعان على الصدق. # سلمنا أنه يكون كاذبا، وأن الكاذب يستحق الذم، لكن لم قلتم: إن ذلك يخرم ~~العدالة ms196 مطلقا؛ وظاهر أنه لا يخرم؛ لجواز أن تكون المخالفة صغيرة، والصغيرة ~~لا تخرم العدالة، إلا مع الإصرار، أو تكون مما يتضمن خساسة النفس، ودناءة ~~الهمة؛ كتطفيف حبة أو اختزان كسرة وهذا معنى سؤاله. PageV02P062 # وتقريره ما ذكرناه من أن الوصف في جانب الثبوت يكفي في العمل بمقتضاه ~~ثبوته في صورة واحدة. # فأما إذا قلنا: فلان عالم، فهذا يكفي في العمل به كونه عالما بشيء واحد، ~~فأما كونه عالما بكل الأشياء فغير واجب. # فنقول: هب أنهم عدول في كل شيء، لكن لم يجوز أن يقال: الخطأ إذا كان من ~~باب الصغائر؛ فإنه لا يقدح في العدالة. # === # قوله: "فوجب أن يكونوا عدولا: # قلنا: لم قلت: إنه يلزم من وصفهم بالعدالة أن يكونوا عدولا في كل شيء؟ ! # وتقريره: ما ذكره أن الوصف في جانب الإثبات يكفي في صدقه ثبوته في صورة. # فإذا قلنا: زيد عالم، لا يلزم أن يكون عالما بكل شيء، وهذا سؤاله الثاني. # سلمنا أنهم عدول في كل شيء، لكن في كل زمان، وفي زمان الأداء؟ : # الأول ممنوع، والثاني مسلم، ونحن نقول به؛ فإنهم عدول عند أداء الشهادة ~~التي وصفهم الله -تعالى- بالوسط لأجلها، أو هي الشهادة على الناس يوم ~~القيامة للأنبياء -صلوات الله تعالى عليهم- فلم قلتم: إنهم عدول عند التحمل ~~في دار الدنيا، وإنه غير لازم؛ فإنه يصح تحمل الفاسق، والكافر، والعبد، ~~والصبي المميز. # سلمنا أنهم عدول مطلقا في الدنيا والآخرة، لكن مجموع الأمة الموصوفون هم ~~الموجودون عند نزولها؛ لأن الخطاب خطاب المواجهة، لكن الموجودين عند نزولها ~~غير معلومين لنا، ولا بقي الجميع بعد موته، فإنه قد استشهد في حياته -عليه ~~الصلاة والسلام- جماعة من المهاجرين والأنصار، وهذا معنى سؤاله الأول؛ إلا ~~أنه قال في تقريره: "لكن لا نعرفهم بأعيانهم، ولا نعرف أيضا ذلك الوقت ~~بعينه؛ وحينئذ لا يمكننا أن نعرف الإجماع الذي حصل في ذلك الوقت" وفي ضمن ~~هذا التقرير اعترف بصحة صورة الإجماع. # وما ذكرناه من التقريرات أقرب إلى الغرض؛ فإنه لا يرد عليه ما ذكره من ~~الدخل الذي ذكره وأجاب ms197 عنه على زعمه؛ وهو قوله: "ولا يمكن أن يقال: إنه لما ~~ثبت أن ذلك الإجماع حجة، وجب أن تكون سائر الإجماعات حجة؛ لانعقاده على أنه ~~لا قائل بالفرق؛ لأنا نقول: هذا إثبات لأصل الإجماع بأضعف أنواع الإجماعات؛ ~~وهو في غاية الفساد"، يعني: أنه استدلال بإجماع تركيبي على أصل الإجماع، ~~وهو مختلف في صحته عند القائلين بأصل الإجماع. # سلمنا: أن كل ما يقولونه حق وصدق، لكن لم قلتم: إن كل ما كان حقا في نفسه ~~يكون حجة، يجب على المجتهد اتباعه؟ وظاهر أنه غير لازم؛ فإنه: لا يسوغ ~~لمجتهد اتباع قول مجتهد PageV02P063 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # يخالف اجتهاده، وإن قلنا: إن كل مجتهد نصيب. ولا يقضي القاضي بعلمه على ~~رأي. ولو PageV02P064 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # شهد عدد التواتر من النساء في قصاص أو حد، لم يثبت بشهادتين. PageV02P065 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والجواب: # قوله: "يجوز حمل الآية على بعض الأمة، فلم قلتم: إن ذلك غير مراد؟ ": # قلنا: يمنع من إرادته أن الآية سيقت لبيان عظيم شأن هذه الأمة، وتفضيلها ~~على سائر الأمم، فلو كان المراد منها وصف بعض هذه الأمة، وبعض كل أمة كذلك ~~-لم يكن لها مزية. # لا يقال: وصف مجموع الأمة بالعدالة يستلزم وصف كل واحد؛ لامتناع قيام ~~الصفة الواحدة بالمحال المتعددة؛ كما أن وصف مجموع الجواهر بالجواز والحدوث ~~يستلزم وصف كل جوهر بذلك، فيلزمكم ما فررتم منه: # لأنا نقول: وصف الجواهر بالجواز لذاته، ووصفه بالحدوث للازم ذاته، وهو ~~بالجواز والإمكان، وكل حكم يثبت لشيء لذاته، أو للازم ذاته؛ لا يفارقه في ~~حاله، بخلاف ما يغرض له لا لذلك؛ فإنه قد يثبت للجملة ما لا يثبت لآحادها ~~كعدد التواتر المفيد للعلم دون آحاده، وكاستلزام المقدمتين للنتيجة دون ~~إحداهما إلى نظائر ذلك، فلم قلتم: يلزم من ثبوت العصمة لكل الأمة ثبوتها ~~لكل واحد، وإذا بطل أن تحمل الآية على كل واحد؛ لما علم أن الواقع خلافه، ~~وبطل أن يحمل على بعض؛ لانتفاء المزية -تعين أن تحمل على مجموع الأمة، وإلا ~~لزم التعطيل. # قوله: "لا نسلم أن الوسط في الآية العدل": PageV02P067 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # قلنا: قد دللنا ms198 على أنه يطلق لذلك بالكتاب، والسنة، والشعر، والاستعمال، ~~والاشتراك. والنقل والمجاز على خلاف الأصل. # قوله: "العدالة فعل الواجبات، وهو فعل العبد، والوسط الموصوف به في الآية ~~فعل الله -تعالى- فلا يكون الوسط العدالة": # قلنا: لا نسلم أن العدالة فعل الواجبات، بل ذلك من آثارها؛ وإنما العدالة ~~عبارة عن هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة. # سلمنا أن العدالة فعل الطاعات، لكن قد تقرر في علم الكلام من مذهب أهل ~~الحق أن كل واقع من الممكنات، فإنه ينسب إلى الله -تعالى- خلقا واختراعا، ~~وأنه لا يمتنع مع ذلك نسبة بعضها إلى العبد كسبا واتصافا ثم لو سلم جدلا أن ~~العدالة فعل الطاعات، وأنها فعل العبد، لكن لا يمنع ذلك من نسبة جعلها ~~[إلى] الله تعالى بخلق أسبابها من سلامة البنية والإلهام لامتثالها ~~والقدرة، والداعي، والإرادة، وخلق بعض الألطاف. # قوله: " [لا نسلم] أن كل من قال قولا ليس بحق يكون كاذبا، وأن كل كاذب ~~يستحق الذم، وإنهما لا يجتمعان على الصدق": # قلنا: نحن ندعي أن لا واسطة بين الصدق والكذب، على ما عرف من أصل أهل ~~الحق، وأن كل خبر: فإما أن يكون مطابقا لمخبره، أو لا، والأول: الصدق، ~~والثاني: الكذب. # قوله: "لا نسلم أن كل كاذب بهذا التفسير يستحق الذم؛ لجواز الإخبار به عن ~~خطأ، أو نسيان": # قلنا: لا يمتنع استثناء الناسي والمخطئ من هذه القضية، لكن لا يمكن دعوى ~~ذلك في مسألتنا؛ لأن الفرض أن المخبر بذلك مجموع الأمة، وهم عدد يزيد على ~~عدد التواتر، والعادة تحيل النسيان على مثلهم، وكذلك الغلط والخطأ في الحكم ~~الشرعي؛ فإنهم إذا جزموا به وقطعوا، فالعادة تحيل الجزم إلا عن قاطع شرعي، ~~ولا قاطع شرعيا سوى النقل المتواتر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إما ~~بسماعهم منه؛ فيستند القطع إلى محسوس ضروري، أو بالنقل المستند إلى ~~المحسوس. ولو جزم الغلط والخطأ في مثله، للزم جواز تطرق مثله إلى النقل ~~المتواتر؛ وذلك يقدح في إثبات النبوة؛ فإن إحدى مقدمات صحتها بالنسبة إلينا ~~النقل المتواتر، وعلى ms199 هذا التقدير قد يمنع انعقاد الإجماع عن أمارة، ولو ~~سلم، فإنما يتصور عن ظن غالب سالم عن المعارضة، والعادة تحيل الخطأ فيه وفي ~~مثله أيضا مع كثرة عددهم، ولا يلزم عليه اتفاق العدد الكثير على كفر، أو ~~بدعة؛ فإن ذلك إنما يتفق عن مصادفة نظر الأقل، وتقليد من الأكثر؛ كاتباع كل مذهب. # أما اتفاق الجم الغفير على نظر واستدلال في العقليات مع تشعب طرقها، ~~وتعارض الشبهات فيها، وعسر الإحاطة بشرائط إنتاج براهينها وعجز مجاري ~~العقول عن موافقها، PageV02P068 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وكل ذلك لا يدركه إلا الأفراد في كل عصر-: فالعادة تحيل الاتفاق فيه؛ ~~ولذلك قيل: إن العقلاء لم يتفقوا على مسألة عقلية نظرية، سوى أن القديم لا ~~يعدم، وعلى هذا الحرف منع الإمام كون الإجماع حجة في العقليات، وخالفه ~~الغزالي في "المنخول"، وهذا من أغمض ما يبحث فيه في باب الإجماع. # قوله: "لا نسلم أنه يلزم من المخالفة خرم العدالة مطلقا؛ لجواز أن تكون ~~المخالفة صغيرة، وأنها لا تقدح مطلقا": # قلنا: الجواب عنه من وجهين: # الأول: أنا فرقنا في خرم العدالة بين الكبيرة والصغيرة؛ لأن العدالة وصف ~~باطن غيب عنا لا اطلاع لنا عليها، إلا بمظنتها وآثارها، ووقوع الصغيرة فلتة ~~مع استعقابها بالاستغفار وعدم الإصرار: لا يخرم الظن بمراعاة التقوى، وإذا ~~كان المزكي هو الله -تعالى- عالم السر والعلانية، فلا نتصور أن يقع منهم ما ~~يخل بعدالتهم. # الثاني: أن المخالفة في الفتوى مع العلم كذب على الله -تعالى- والكذب على ~~الله تعالى كبيرة. # قوله: "سلمنا أنهم عدول، لكن لما قلتم: إنهم عدول في كل شيء": # قلنا: إذا كانت العدالة راجعة إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة ~~التقوى والمروءة- لم تختلف الحال. # قوله: "الحكم بالعدالة إنما يحتاج إليه حال الأداء، وهي في الآخرة لا حال ~~التحمل في الدنيا؛ وهو محل النزاع": # قلنا: لا قيد في الآية في وصفهم، وقبول شهادتهم في الآخرة لا يمنع من ~~وصفهم بها في الدنيا، وقد وصفهم الله -تعالى- بذلك في معرض المدح تقضيلا ~~لهم على سائر الأمم؛ وذلك يدل على أن ms200 ذلك شيمة لهم؛ فإنه لا يحسن أن يقال: ~~فلان يغيث الملهوف، ويكرم الضيف؛ لصدوره منه مرة واحدة، وقد قال الله ~~-تعالى-: {جعلناكم} [البقرة: 143]، ولم يقل: سنجعلكم. # قوله: الآية تخص الموجودين عند نزولها؛ لأن الخطاب للمواجهة. # قلنا: خطاب الله -تعالى- على لسان نبيه - عليه السلام - - لمن بلغ، وإلا ~~لم نكن مخاطبين بقوله تعالى: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [الحج: 78] ~~{وجاهدوا} [الحج: 78] إلى غير ذلك ولم يختلف حملة الشريعة في تناول هذا ~~الخطاب لنا، وإنما اختلفوا في أنه يتناولنا بمجرد اللفظ، أو بضمنيه؟ PageV02P069 # الحجة الثالثة في المسألة: قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110]. # وجه الاستدلال: أنهم لما أمروا بكل معروف، ونهوا عن كل منكر -كانوا ~~معصومين من الخطأ والزلل؛ فكان قولهم حجة. # اعلم: أن هذا الاستدلال إنما يتم إذا قلنا: إن المفرد المعرف بالألف ~~واللام، يفيد العموم، وقد سبق الكلام فيه. وأيضا: فهذا خطاب مشافهة، فهب أن ~~أولئك الأقوام، كانوا في ذلك الوقت كذلك؛ فلم قلتم: "إنهم بقوا بعد ذلك ~~الوقت على تلك الصفة"؟ ! ولم قلتم: "إن من جاء بعدهم كان موصوفا بتلك ~~الصفة"؟ ! # === # قوله: "سلمنا أن كل ما يقولونه حق، لكن لم قلتم: إن كل حق يكون حجة؟ ؟ ": # قلنا: لأنا نقول: لا يكون حقا إلا لموافقته الشرع"، والشرع واجب الاتباع. # قوله: "لا يجب على مجتهد موافقة مجتهد خالفه": # قلنا: لأنه ظن، وظن نفسه أقوى عنده وأرجح، والراجح واجب الاتباع. # قوله: "لا يقضي القاضي بعلمه على رأي": # قلنا: لمعارض التهمة، كما لا يقضي لولده. # قوله: "لا تقبل شهادة العدد الكثير من النساء في القصاص والحدود": # قلنا: للشارع تعبدات في "باب الشهادة"، ومحل التعبد لا ينقض به، ولا يقاس عليه. # قوله: "الحجة الثالثة: قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر ... } [آل عمران: 110] وجه الاستدلال بها أنهم ~~لما أمروا بكل معروف، ونهوا عن كل منكر -كانوا معصومين من الخطأ والزلل؛ ~~فكان قولهم حجة": # واعلم أن تقرير هذه الحجة من هذا الوجه، ضعيف؛ فإنه ms201 رتبه على عصمتهم، ~~ورتب عصمتهم على أنهم أمروا بكل معروف، ونهوا عن كل منكر، مع أنا نعلم قطعا ~~ويقينا أن كل علماء كل عصر لم يأمروا بكل معروف، ولم ينهوا عن كل منكر ~~تفصيلا، فإن الوقائع لا تتناهى تقديرا، ولا يقع في كل عصر إلا بعضها، وإنما ~~يأمرون بما وقع واتصل بهم منها. ولكن يمكن تقريرها من وجه آخر؛ وهو أن كل ~~ما أمر به علماء كل عصر، فهو من المعروف، وكل ما نهوا عنه، فهو من المتكبر؛ ~~لأنه -تعالى- وصفهم بذلك في معرض المدح لهم، والتعظيم لشأنهم، والتفضيل لهم ~~على من عداهم من الأمم السالفة؛ وذلك يقتضي إصابتهم في كل ما أمروا به، ~~ونهوا عنه، وإلا لم يكن لهم مزية؛ فإن كل الأمم تصيب في بعض، وتخطئ في بعض. # قوله: "واعلم أن هذا الاستدلال إنما يتم إذا قلنا: إن المفرد المعرف ~~بالألف واللام يفيد العموم -وأيضا فإنه خطاب مشافهة، فهب أن أولئك الأقوام ~~كانوا كذلك في ذلك الوقت على PageV02P070 # الحجة الرابعة: قوله -عليه السلام-: "لا تجتمع أمتي على الضلالة". # ولقائل أن يقول: هذا خبر واحد؛ فلا يفيد العلم؛ والمسألة مسألة علمية. ~~فإن قالوا: الأخبار الكثيرة وردت في هذا الباب، وهي بأسرها دالة على أن ~~الإجماع حجة؛ فصارت هذه الأخبار الكثيرة جارية مجرى الأخبار الكثيرة ~~الواردة في شجاعة علي - # === # تلك الصفة- فلم قلتم: إن من جاء بعدهم كانوا موصوفين بتلك الصفة؟ ولم ~~قلتم: إنهم يبقون بعد ذلك الوقت على تلك الصفة؟ ولم يجب عن هذه الأسئلة، ~~والجواب عنها واضح: # أما قوله: "إن هذا الاستدلال إنما يتم إذا قلنا: إن المفرد المعرف بالألف ~~واللام يفيد العموم" فالجواب عنه ما ذكرنا أن الآية سيقت للمدح، ولا يتحقق ~~المدح والتفضيل، إلا إذا كانت تلك سجيتهم وعادتهم؛ كما لا يحسن أن يقال: ~~"بنو فلان يقرون الضيف" إلا إذا كانت تلك سجيتهم وهذه قرينة معينة للعموم. # قوله: "إنه خطاب مشافهة" قد تقدم الجواب عنه. # قوله: "هب أن أولئك الأقوام كانوا في ذلك الوقت كذلك -فلم قلتم: إن ms202 من ~~جاء بعدهم كذلك؟ ": # قلنا: قال علماء التفسير: معنى قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ~~[آل عمران: 110] أي: في اللوح المحفوظ، وهذا مدح لجميع أمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وإذا كان هذا وصفهم في اللوح المحفوظ في علم الله -تعالى- أو في الكتب ~~السابقة؛ فمجموع هذه الأمة موصوف بذلك في كل وقت، وفي كل عصر، وإلا لم يكن ~~لهم مزية. # وقال الفراء في كتاب "معاني القرآن": {كنتم خير أمة} [آل عمران: 110] أي: ~~أنتم خير أمة، ودخول "كان" ههنا وخروجها سواء. # قوله: "والحجة الرابعة: قوله -عليه السلام-: "لا تجتمع أمتي على ~~الضلالة". # هذه الحجة اختارها الغزالي، وادعى تقريرها بالضرورة تارة، وبالنظر أخرى: ~~أما طريق الضرورة فقال هو وغيره: تواتر معنى هذا الحديث بألفاظ كثيرة ~~مختلفة متضافرة على عصمة هذه الأمة عن الزلل والخطأ إلى حد العلم الضروري ~~بذلك؛ كالأخبار المنقولة في شجاعة علي وسخاء PageV02P071 # رضي الله عنه- وسخاء حاتم؛ فإن كل واحد منها - وإن كان من باب الآحاد إلا ~~أن مجموعها يفيد العلم. # فنقول: إما أن يقال بأن القدر المشترك بين هذه الأخبار: هو أن الإجماع ~~حجة، أو القدر المشترك بينهما شيء: يلزم من ثبوته أن الإجماع حجة، أو لا ~~ذلك ولا هذا: # فإن كان الأول: وجب أن يحصل التواتر في كون الإجماع حجة؛ وذلك باطل؛ لأن ~~المخالفين نازعوا فيه، والموافقين إنما أثبتوا كونه حجة بالدليل، فلو حصل ~~النقل المتواتر # === # حاتم، ثم نقلوا أحاديث متضافرة: # الأول: ما ذكره المصنف. # الثاني: "ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن". # الثالث: قوله - عليه السلام -: "يد الله على الجماعة". # الرابع: قوله - عليه السلام -: "لا تجتمع أمتي على ضلالة". PageV02P072 # فيه، لكان جاريا مجرى العلم بشجاعة علي وسخاء حاتم؛ ومعلوم أن ذلك باطل. # وبهذا الحرف يظهر الفرق بين هذه الأخبار وبين الأخبار الواردة في شجاعة ~~علي - رضي الله عنه - وسخاء حاتم؛ لأن القدر المشترك بين هذه الأخبار هو ~~شجاعة علي # === # الخامس قوله - عليه السلام - "سألت الله ألا تجتمع أمتي على الضلالة ~~فأعطانيها". # السادس: قوله - عليه السلام ms203 -: "لم يكن الله ليجمع أمتي على ضلال" ويروى ~~"ولا خطأ"، وهو من مراسيل الحسن البصري وكان يقول: إذا حدثني أربعة من ~~الصحابة تركتهم، وقلت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # السابع: قوله - عليه السلام -: "يد الله على الجماعة، ولا يبالي بشذوذ من شذ". # الثامن: "عليكم بالسواد الأعظم". # التاسع: قوله - عليه السلام -: "من خرج من الجماعة قيد شبر، فقد أخرج ~~ربقة الإسلام من عنقه". # العاشر: قوله -عليه السلام-: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة ~~جاهلية". # الحادي عشر: قوله - عليه السلام -: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على ~~الحق حتى PageV02P073 # وسخاء حاتم؛ لأنه لما كان الأمر كذلك لا جرم: صار هذا المعنى معلوما ~~متواترا؛ فلو كان الأمر في مسألتنا كذلك، لوجب حصول التواتر عن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - في أن الإجماع حجة؛ ومعلوم أن أحدا لم يقل بذلك. # === # يقاتلون الدجال". # الثاني عشر: قوله - عليه السلام -: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا ~~يضرهم من خالفهم". # الثالث عشر: قام عمر بن الخطاب في الناس خطيبا، فقال: إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله ~~تعالى". # الرابع عشر: قوله - عليه السلام -: "ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص ~~العمل، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". PageV02P074 # أما الوجه الثاني -وهو ادعاء أن هذا القدر المشترك، بين هذه الأخبار ثبوت ~~شيء يلزم منه كون الإجماع حجة-: فلا بد من الإشارة إليه؛ ليعرف أنه حق أو باطل. # === # الخام عشر: قوله - عليه السلام -: "من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم ~~الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد". # السادس عشر: قوله - عليه السلام -: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا ~~يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم القيامة". وفي رواية: "لا يضرهم من خالفهم حتى ~~يأتي أمر الله". # إلى غير ذلك من الأحاديث المختلفة الألفاظ، المتفقة المعنى؛ وكلها مروية ~~بطرق مقبولة تفيد القطع ضرورة بالقدر المشترك، وهو عصمة ms204 مجموع هذه الأمة. # وأما طريقة النظر: فقد قررها من وجهين: # الأول: أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة في عصر الصحابة والتابعين - رضوان ~~الله عليهم - متمسكين بها، ولم يظهر من أحد نكير فيها، مع أن الطباع مجبولة ~~على المخالفة؛ وذلك دليل صحتها، وكونها حجة. # الثاني: أنهم أثبتوا بها أصلا مقطوعا يحكم به على الكتاب والسنة، ولا ~~يمكن إلا عند مستند مقطوع به. # واعترض على الطريق الأول بأوجه: # الأول: أن مثل هذا العدد لو تطابق على نقل لفظ واحد - لم تحل العادة ~~اتفاقهم على الكذب، فكيف يصح دعوى التواتر المعنوي في مثله؟ # الثاني: أنكم ادعيتم العلم الضروري، ومن خاصيته ألا يختلف فيه العقلاء، ~~ونحن نخالفكم. # الثالث: أنكم ادعيتم الضرورة، ثم اشتغلتم ببيان وجه الدلالة، ولا ~~يجتمعان. # واعترض على الطريق الثاني بأوجه: # الأول: قولكم: "لم تزل الصحابة والتابعون متمسكين بهذه الأحاديث من غير ~~نكير، ولا PageV02P075 # سلمنا صحة الخبر؛ لكن الضلالة اسم للباطل الذي يعظم بطلانه؛ ولا يلزم من نفي # === # مخالف" - غير مسلم؛ فلعل مخالفا خالف ومنكرا أنكر، ولم ينقل إلينا. # الثاني: أنكم أثبتم الإجماع بالإجماع، والشيء لا يصح أن يكون دليل نفسه، ~~ولا دليل دليل نفسه. # والثالث: التأويل بحمل الضلالة على الكفر، فهذا وجه تقرير هذه الحجة، ~~والاعتراض عليها. # وأما المصنف فقال: "ولقائل أن يقول: هذا خبر واحد، فلا يفيد العلم، ~~والمسألة مسألة علمية. فإن قالوا: الأحاديث كثيرة في هذا الباب، وهي بأسرها ~~دالة على أن الإجماع حجة، كالأخبار الواردة في شجاعة علي، وسخاء حاتم، ~~فنقول: إما أن يكون القدر المشترك كون الإجماع حجة، أو شيئا يلزم منه كون ~~الإجماع حجة، أو لا ذا ولا ذا: # فإن كان الأول، وجب أن يحصل التواتر في أن الإجماع حجة، وهذا باطل؛ لأن ~~المخالفين نازعوا فيه، والموافقين إنما أثبتوا كون الإجماع حجة بالدليل، ~~فلو حصل النقل المتواتر، كان ذلك باطلا، وبهذا الحرفية يظهر الفرق بين هذه ~~الأخبار، وبين الأخبار الواردة في شجاعة علي، وسخاء حاتم. # وإن كان القدر المشترك شيئا يلزم منه كون الإجماع حجة - فلا ms205 بد من ~~الإشارة إليه؛ ليعرف أنه حق، أو باطل. # وأما الثالث فظاهر البطلان. # قال: سلمنا صحة الخبر، لكن الضلالة: الباطل الذي يعظم بطلانه؛ فلا يلزم ~~من نفي الباطل المكيف بكيفية العظم نفى أصل الباطل، والله أعلم. # والجواب: # قوله: "إن مثل هذا العدد لا تحيل العادة اجتماعهم على الكذب، فلا يكون ~~عدد التواتر": # قلنا: الحق أن عدد التواتر لا ينضبط بكمية معلومة لنا، ولا ضابط له سوى ~~كونه بحال يفيد العلم بمخبره، وللقرائن فيه مدخل عظيم؛ فتختلف باختلاف ~~المخبربن والمخبر عنه. وعلى هذا، فاتفاق جماعة من أجلاء الصحابة؛ كعمر، ~~وابن عمر، وأبي سعيد، وابن مسعود، وأبي PageV02P076 # الباطل المكيف بكيفية العظمة - نفي أصل الباطل. # === # هريرة، وأنس، وخديجة وغيرهم، والحسن البصري وأكابر التابعين على رواية ~~هذه PageV02P077 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الأحاديث، والاحتجاج بها على أمر من أهم الأمور الدينية يسند إليه كثير ~~من قواعد الأصول والفروع، وينبني عليه التكفير، والتبديع، والتفسيق، ويحكم ~~به على الكتاب والسنة، ويتلقاه غيرهم بالقبول من الصحابة والتابعين-: تحيل ~~العادة السكوت على مثله مع تكريره، إلا مع الاعتراف بصحته، ومجموع ذلك ~~تحصيل اليقين، والجزم لا محالة. # قوله: "خاصية العلم الضروري ألا يختلف فيه العقلاء". # قلنا: تلك خاصية العلم الضروري الذي لا يتوقف على سبب؛ كالأوليات التي هي ~~نفس العقل، أو لازم العقل، أما ما يتوقف على سبب؛ كالحسيات والتواتريات ~~والتجريبيات والعاديات والحدسيات، فيمكن وقوع الخلاف فيها؛ بناء على عدم ~~المشاركة في السبب، والغفلة عن القرائن. PageV02P078 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # قوله: "ادعيتم الضرورة، ثم اشتغلتم ببيان وجه الدلالة، ولا يجتمعان": # قلنا: ما ذكروه من الوجهين في بيان وجه النظر عند التحقيق يرجع إلى تبيين ~~القرائن، والتبيين لعدم تحقق سبب العلم الضروري، والمسامحة واقعة في تسميته ~~نظريا لافتقاره إلى زيادة تفطن بتحقيق القرائن، لا أنه نظري حاصل عن ترتيب ~~مقدمات أو وسائط العادات. ولتوقف مثل هذا العلم الضروري على تمييز القرائن، ~~وتحقيق مقتضيات؛ ظن قوم أن حصول العلم عن خبر التواتر نظري، كيف والأئمة قد ~~تذكر مثل هذا على طريق التنزل سدا لباب العناد في منع الضرورة. # قولهم: "لعل ms206 معترضا اعترض ومنكرا أنكر، ولم ينقل": # قلنا: كيف يندرس مثل هذا الإنكار لهذا الأصل العظيم، والأمر الجليل، ولا ~~يندرس اختلافهم في دية الجنين، ومسألة الحرام، . . . . . . PageV02P084 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وميراث الجد والإخوة. PageV02P085 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # قولهم: "حاصله إثبات الإجماع بالإجماع": # قلنا: نحن استدللنا على صحة الإجماع بالأخبار، واستدللنا على صحة الأخبار ~~بخلو الأعصار عن المراجعة، مع أن العادة تقتضي الإنكار ولو لم يكن مقطوعا ~~بها، والعادة مدرك من مدارك العلم يستند إليها كثير من الأحكام؛ منها دلالة ~~المعجزات على صدق الرسول، عليه السلام. # قولهم: "تحمل الأحاديث على امتناع الكفر على جملتهم": # قلنا: قد بينا أن القدر المشترك بين هذه الأحاديث عصمتهم عن الزلل ~~والخطأ؛ فتقييده ببعض الخطأ تحكم من غير دليل. # وقول المصنف: "هذا خبر واحد". # قلنا: قد بينا تواتر معناه؛ لاعتضاده بموافقة الآية التي تقدم الاحتجاج ~~بها، وبما لم يذكره PageV02P089 # الحجة الخامسة: قال إمام الحرمين -رحمه الله-: إن إجماع الجمع العظيم على ~~القول الواحد، لا يعقل إلا لدليل قاهر جمعهم عليه. وهو منقوض بإطباق ~~النصارى على القول بالتثليث، وصلب عيسى، عليه السلام. # === # من الآيات بما احتج بها على صحته؛ كقوله تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء ~~فحكمه إلى الله} [الشورى: 10]. يفهم منه أن ما اتفقتم عليه فهو حق؛ وكقوله ~~تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103]، وكقوله ~~تعالى: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 181] ونحو ذلك. # قوله: "المشترك بين هذه الأحاديث كون الإجماع حجة، أو شيء يلزمه، أو لا ~~هذا ولا ذاك": # قلنا: شيء يلزمه، وهو عصمتهم عن الخطأ والزلل كما قررناه؛ ويلزم منه وجوب ~~الاتباع. # قوله: "الحديث دل على امتناع الضلال المكيف بكيفية العظمة؛ فلا يعم": # قلنا: بعض الأحاديث مشتملة على امتناع الخطأ، وهو الأعم المتيقن، والقدر ~~المشترك فيعم، والله أعلم. # قوله: "الحجة الخامسة: قال إمام الحرمين: "إن إجماع الجمع العظيم على ~~القول الواحد لا يقع إلا بدليل قاهر جمعهم عليه": # تقرير هذه الحجة أن هذا الاستدلال ذكره الإمام فرضا في صورة من صور ~~الإجماع؛ فإن مأخذه هذا لا يعم سائر ms207 صور الإجماع؛ وبيانه أن أهل الحل ~~والعقد إذا كانوا عدد التواتر، أو يزيدون، وقطعوا بالحكم في محل تتشعب فيه ~~الآراء، وتدق فيه الظنون مع تباين قرائحهم -فلا يتصور ذلك إلا عن جامع ~~قاهر، فإن فرض اجتماعهم على ذلك، وهم العدد الكثير من PageV02P090 # فهذه الوجوه هي أقوى ما قيل في هذا الباب. # === # غير جامع- لفرض اجتماع الناس على التغذي بنوع واحد من الطعام، ووقت واحد، ~~مع اختلاف الدواعي. وإذا تعين أنهم لا يجتمعون إلا عن جامع- تعين أن يكون ~~ذلك الجامع قاطعا شرعيا؛ إذ لا مجال للعقل في إثبات الأحكام الشرعية عندنا. # ولا يمكن أن يكون مستند الإجماع بالإجماع، فإنه إثبات الشيء بنفسه، ولا ~~القياس؛ لأنه إنما وجب العمل به بالإجماع، فتعين أن يكون إجماعهم عن نص ~~قاطع بلغهم، ولم يتفق بلوغه إلينا، فيجب العمل به؛ لاشتماله على النص، فمن ~~أثبت الحكم في مثل هذه الصورة بالإجماع- فقد أثبته بالنص حقيقة، واتفاقهم ~~معرف لنقله، وتسميته الإجماع مثبتا مجاز، فهذا القطع يستند إلى محسوس؛ إما ~~مباشرة، أو بواسطة محسوس، فلو لم يجب العمل به، لما وجب بخبر التواتر. ~~وتجويز الخطأ عليهم كتجويزه على خبر التواتر. # ولا يلزم على هذا التقدير ما اعترض به المصنف من إجماع النصارى على ~~التثليث؛ PageV02P091 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فإنهم لم يستندوا في قطعهم إلى محسوس، فإن ذلك وأمثاله إنما ينشأ عن شبهة ~~اتفقت للأقل، وتبعهم الأكثر عن تقليد. وأما اتفاقهم هم واليهود على الصلب، ~~فإنه شبه لهم؛ كما أخبر الله تعالى، وذلك خرق عادة، ونحن إنما نتكلم على ~~استقرار العادات، وإلا فيجوز أن يخبر العدد الكثير الذي لا يحصى عن محسوس، ~~ولا يفيد العلم عقلا، لكن الواقع خلافه، وكذلك الجزم بجميع العاديات. # ثم يبقى وراء هذه الصور صور من الإجماع، وهو أن يفرض اجتماعهم عن ظن ~~غالب، أو قياس جلي خال عن المعارض، أو عن لازم نصين، أو بأن أفتي بعضهم عن ~~ظاهر، وآخرون عن قياس، وآخرون عن خبر واحد، ثم وقع الاتفاق على الحكم - ~~فإنا لا نشترط في اتفاقهم على الحكم اتفاقهم على ms208 المأخذ. # ومن الصور أيضا أن يصرحوا بالحكم بالقياس عن بحث ومشاورة، ثم يستقر رأيهم ~~على حكم في مثل هذه الصور: # قال بعض الأصحاب: يجب العمل بها؛ لاستنادها إلى الإجماع القاطع المتضمن ~~للنص، وهو إجماع التابعين على تحريم المخالفة، وعلى النكير على كل من خالف ~~الإجماع، والإجماع على أن الإنكار لا يكون إلا عن نص قاطع؛ فإنه لو كان عن ~~اجتهاد، أو قياس جلي يقتضي تحريم المخالفة - لكان في مقابلته قياس جلي ~~يقتضي حل المخالفة، وهو أن المجتهد الآتي بعد عصرهم يقول: أنا مشارك لهم في ~~خصال الاجتهاد، ولو كنت في عصرهم، لما انعقد إجماعهم دوني، ولما حرمت علي ~~المخالفة، ولا فارق سوى الزمان، وهو طرد محض بالنسبة إلى مأخذ أحد الأحكام، ~~فهذا قياس جلي يقتضي حل المخالفة يعارض القياس المعروض بتحريم المخالفة. # وعند تعارض الأقيسة الجلية لا يمكن العمل بموجب أحدها، إلا بعد الترجيح، ~~ومسالك الترجيح مما تتشعب فيها الآراء، وتدق فيه الظنون، والعادة تقتضي أن ~~العدد الكثير لا يجمعون PageV02P092 # والمعتمد: أن يتمسك بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا ~~مع الصادقين} [التوبة: 119] أمرنا بالكون مع الصادقين، فالمراد من ذلك ~~الصادق: إما من يكون صادقا في بعض الأمور، أو من يكون صادقا في كل الأمور؛ ~~والأول باطل؛ وإلا لكان ذلك أمرا بموافقة كلا الخصمين؛ لأن كل واحد منهما ~~صادق في بعض الأمور، ولما بطل هذا؛ ثبت أن المراد: من كان صادقا في كل ~~الأمور. # === # فيه إلا عن نص قاطع؛ فيجب العمل بإجماع التابعين على تحريم المخالفة؛ ~~لتضمنه النص، ويجب العمل بكل إجماع في محل لا تتشعب فيه الآراء وكل إجماع ~~ظني؛ لاستناده إلى إجماع التابعين القاطع. # والحاصل أنه يجب العمل بكل إجماع؛ لتضمنه النص، أو استناده إلى الإجماع ~~المتضمن للنص. # قوله: "فهذه الوجوه أقوى ما ذكر في هذا الباب": # إنما قال "أقوى"؛ لاعتقاده أن هذه الحجج ظنية، وأن المسألة ظنية، وأشار ~~إلى أن الأصوليين ربما تمسكوا بحجج غير هذه: نقلية أو عقلية تركها خشية ~~الإطالة. # قوله: "والمعتمد في ms209 المسألة أن نتمسك بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] أمرنا بالكون مع الصادقين، ~~والمراد من ذلك الصادق من يكون صادقا في بعض الأمور، أو من يكون صادقا في ~~كل الأمور: والأول باطل، وإلا لكان ذلك أمرا بموافقة كلا الفريقين؛ لأن كل ~~واحد منهما صادق في بعض الأمور. . . ثم نقول: ذلك الصادق الذي تجب متابعته ~~إما أن يجب في بعض الأمور، وهو باطل؛ لأن ذلك البعض غير معين في هذه الآية، ~~وحينئذ يلزم الإجمال والتعطيل. أو تجب متابعته في كل الأمور؛ وهو المطلوب ~~ثم نقول ذلك الصادق الذي تجب متابعته في كل الأمور: إما مجموع الأمة، أو ~~بعضهم: والقسم الثاني باطل؛ لأنا لما أمرنا بالكون معهم - وجب أن نكون ~~قادرين على الكون معهم، وإنما نقدر على الكون معهم إذا عرفناهم بأعيانهم، ~~لكنا نعلم بالضرورة أنا لا نعلم واحدا نقطع فيه بأنه من الصادقين، وإذا كان ~~كذلك كانت القدرة على الكون معهم فائتة؛ وذلك يقتضي أن يكون الأمر من هذه ~~الآية غير هذا القسم، وإذا بطل هذا، وجب أن يكون الصادقون الذين أمرنا الله ~~تعالى بالكون معهم: مجموع الأمة، وإلا لبقيت الآية معطلة؛ وذلك يدل على أن ~~الإجماع حجة". # حاصل دعواه: أن الآية تدل على وجوب الكون مع كل الصادقين من هذه الأمة في ~~كل الأمور في كل ما صدقوا فيه عقدا وقولا وعملا، وتتمة ذلك بحملها على ~~الموجودين من الصادقين في كل عصر؛ لإمكان متابعتهم، والكون معهم، وقد اعتمد ~~في لزوم العموم في الأحوال الثلاثة على أن التخصيص والتقييد بشيء من هذه ~~الثلاثة - لا دليل عليه في الآية، فلو لم يعم، لزم: إما التكليف بالمحال، ~~أو الجمع بين النقيضين وغيره، أو الترجيح بلا مرجح، أو الإهمال والتعطيل ~~للآية عن الدلالة، وكل ذلك باطل، فيجب العموم. PageV02P093 # ثم نقول: إما أن يكون المراد وجوب متابعته في بعض الأمور؛ وهو باطل؛ لأن ~~ذلك البعض غير مبين في هذه الآية؛ وحينئذ: يلزم الإجمال والتعطيل. أو ~~المراد: وجوب متابعته في ms210 كل الأمور؛ وهو المطلوب. # === # والاعتراض عليه: # لا نسلم أنه يلزم من انتفاء دلالة الآية بصريح اللفظ على التخصيص ~~والتقييد - انتفاؤها مطلقا؛ لجواز أن يدل عليه دليل منفصل، أو سياق خطاب، ~~أو دلالة حال، وقد قال علماء التفسير: الخطاب في الآية لمن آمن من اليهود، ~~ومن تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة "تبوك"، أمرهم الله ~~- تعالى - بالكون مع المهاجرين والأنصار والصادقين فيما عاهدوا الله عليه ~~من نصرة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والكون معه والثبات، كما وصفهم بذلك ~~- سبحانه وتعالى - فقال: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} ~~[الأحزاب: 23]، ويحقق ذلك سياق الآية بتوبيخ من تخلف عنه، ومدح من كان معه؛ ~~لقوله تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. . .} إلى قوله: {إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين} [التوبة: 120]. # ثم لو سلم عدم الالتفات إلى السبب، فلا مانع من حمل الآية على الأمر ~~بالكون مع كل من علم صدقه، أو ظن فيما يكتفي فيه بالظن، وطريق معرفة ذلك ~~موافقته للحق؛ كما يقال: "اعرف الحق تعرف أهله". # قوله: "واحتج المخالف بوجوه: الأول: أن العلم بأن هذا القول قول لكل ~~الأمة يقتضي العلم بصفات كل الأمة، والعلم بصفات الشيء مشروط بالعلم بذاته؛ ~~فصح أن العلم بأن هذا القول قول لكل الأمة مشروط بمعرفة أشخاص جميع الأمة، ~~ولما كان العلم الضروري حاصلا بأنا لا نعلم أشخاص جميع الأمة - استحال أن ~~القول المخصوص قول لكل الأمة، لماذا كان العلم بحصوله ممتنعا، امتنع كونه حجة": # واعلم أن للرادين للإجماع ثلاثة مقامات: # المقام الأول: النزاع في تصوره، قالوا: لا يقع الإجماع في مواقع النصوص، ~~فإن فيها غنية عنه، ومواقع النظر الدواعي فيها مختلفة، وطبقات الناظرين ~~فيها متفاوتة، والطباع مجبولة على المخالفة؛ ففرض اتفاقهم على مسألة نظرية، ~~كفرض اتفاقهم على أكل نوع واحد من الطعام في وقت معين، أو النطق بكلمة واحدة. # وأجيب بأن لهم داعيا إلى الإجماع على الحكم، وهو النصوص ms211 الظاهرة، ~~والأقيسة الجلية الخالية عن المعارضة، مع اعتقاد وجوب العمل بالظن الغالب، ~~ولا يشترط في انعقاد الإجماع اتفاقهم في وقت واحد، بل الغالب في مثله ~~ابتدار الأذكياء إلى الوقوف على المآخذ، وإظهارها، فيقف عليها من لم يبلغ ~~طبقتهم، ويتبع ذلك، وتقع المطابقة على تدريج إلى أن يحصل اتفاق الجميع، ~~كمطابقة شيعة كل مذهب لإمامهم. PageV02P094 # ثم نقول: ذلك الصادق الذي تجب متابعته في كل الأمور: إما مجموع الأمة، أو بعضهم: # والقسم الثاني: باطل؛ لأنه تعالى لما أمرنا بالكون معهم، وجب أن نكون ~~قادرين على الكون معهم، وإنما نقدر على الكون معهم إذا عرفناهم بأعيانهم، ~~لكنا نعلم بالضرورة: أنا لا نعرف أحدا نقطع فيه بأنه من الصادقين، وإذا كان ~~كذلك كانت القدرة على الكون معهم فائتة؛ وذلك يقتضي أن يكون المراد من هذه ~~الآية غير هذا القسم، وإذا بطل هذا؛ وجب أن يكون الصادقون الذين أمرنا الله ~~تعالى بالكون معهم: مجموع الأمة؛ وإلا لبقيت الآية معطلة. وذلك يدل على أن ~~الإجماع حجة. # احتج المخالف بوجوه: # الأول: أن العلم بأن هذا القول قول لكل الأمة، يقتضي العلم بصفة من صفات ~~كل الأمة، والعلم بصفة الشيء مشروط بالعلم بذاته؛ ينتج: أن العلم بأن هذا ~~القول قول لكل # === # قالوا ولا مانع من الاتفاق على كلمة عند الداعي إليها؛ كالاتفاق على ~~التلبية ب"عرفة"، والتكبير يوم العيد. # المقام الثاني: وهو شبهة منع الوقوف عليه بعد تسليم تصوره. # قوله: "العلم بأن هذا قول لكل الأمة موقوف على العلم بصفات الأمة. . ." ~~إلى آخره. # هذا السؤال أخيل ما يورده مانعو الإجماع، وقرروه بأن معرفة اتفاقهم ليس ~~أمرا ضروريا في العقل، ولا وجدانيا، وإنما طريقه الحس والخبر المستند إلى ~~الحس، ومع تفرق العلماء في مشارق الأرض ومغاربها وأقطارها كيف يعرف وجودهم ~~وفتواهم، حتى لا يبقى منهم واحد في جزيرة، ولا أسير في مطمورة، ولا منقطع ~~في جبل بلغ رتبة الاجتهاد، ثم الإخبار عنه يتوقف على تصريحه وصدقه، ونقل ~~طائفة يفيد العلم عن مشاهدة، ثم العلم بأنه لم يرجع قبل اتفاق غيره، ms212 ~~والعادة تحيل العلم بجميع ذلك. # قوله: "نعم لا نزاع أنه قد يحصل عند الإنسان عدم العلم بالمخالفة، أما أن ~~يحصل عنده العلم بعدم المخالفة، فلا، والمعتبر هو الثاني لا الأول، فإنه لا ~~يلزم من عدم علمنا بشيء عدم ذلك الشيء". # يرد عليه أن الأمور الخطيرة التي تتوفر الدواعي على نقلها، إذا لم تنقل ~~دلت العادة على PageV02P095 # الأمة مشروط بالعلم بجميع أشخاص الأمة، ولما كان العلم الضروري حاصلا ~~بأنا لا نعرف جميع أشخاص الأمة - استحال أن نعرف القول المخصوص أنه قول لكل ~~الأمة، وإذا كان العلم بحصوله ممتنعا، امتنع كونه حجة. # نعم. . لا نزاع في أنه قد يحصل عند الإنسان عدم العلم بالمخالفة، أو لا ~~يحصل عنده العلم بعدم المخالفة، والمعتبر الثاني لا الأول؛ لأنه لا يلزم من ~~عدم علمي بالشيء عدم ذلك الشيء. فإن قالوا: إنا نعرف أن جميع هذه الأمة ~~مقرون بنبوة محمد - عليه السلام - مقرون بوجوب الصلوات الخمس، وإن كنا لا ~~نعرف كل آحاد الأمة - قلنا: أمة # === # عدمها، ونستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم؛ كما نعلم أن القرآن لم ~~يعارض بمثله، وأنه لا خليفة بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر. # قوله: "فإن قالوا: إنا نعترف بأن جميع هذه الأمة مقرون بنبوة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ومقرون بوجوب الصلوات الخمس وإن كنا لا نعرف كل آحاد ~~الأمة - قلنا: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - عبارة عن المقرين بنبوته، ~~وكان قولنا: "الأمة مقرون بنبوة محمد" جاريا مجرى قولنا: كل من أقر بنبوة ~~محمد - عليه السلام - فهو مقر بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -. وأما ~~قولنا: "الأمة مقرون بوجوب الصلوات الخمس"؛ فنقول: هب أنا لا نعلم فيه ~~مخالفا وأما أن يعلم أن لا مخالف فهو بعيد، وربما كان بعضهم مقرا بنبوة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك فإنه يمنع وجوب الصلاة لشبهة ركيكة ~~وقعت في قلبه، وكيف لا نقول ذلك وقد رأينا في كتب المقالات أن ابن مسعود - ~~رضي الله عنه - أنكر كون الفاتحة من القرآن. ms213 وعن الخوارج أنهم قالوا: لا ~~تجب الصلاة إلا في طرفي النهار؛ لقوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار} ~~[هود: 114] " -: # يرد عليه: أن قوله: "أمة محمد هم المقرون بنبوة محمد، فيكون الإخبار ~~تكريرا PageV02P096 # محمد - عليه السلام - عبارة عن المقرين بنبوته، فكان قولنا: "الأمة مقرون ~~بنبوة محمد، عليه السلام" جاريا مجرى قولنا: كل من أقر بنبوة محمد - عليه ~~السلام - فهو مقر بنبوته. # === # للموضوع، لا إسنادا" - غير صحيح؛ لأن الأمة في اللغة: الجماعة؛ قال الله ~~تعالى: {وقطعناهم في الأرض أمما} [الأعراف: 168]. # والإضافة لا تفيد تخصيصا، إلا في الوجه الذي وقعت فيه الإضافة، فأمة محمد ~~عبارة عن جماعة محمد، وكون أمة محمد لا يفارقهم الإقرار بنبوته لا يمنع ~~حمله عليهم؛ كما أن الثلاثة لا تفارقها الفردية، ويصح حملها عليها فنقول: ~~الثلاثة فرد، وهي قضية صحيحة، وكلام يحسن السكوت عليه، ولهذا فإن الله - ~~تعالى - أخبر عنهم أنهم يؤمنون بالله، فقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110] والضمير ~~في "كنتم" إشارة إلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فلو كان الإيمان ~~داخلا في مسماهم، لما حسن الحديث به عنهم. PageV02P097 # وأما قولنا: "الأمة مقرون بوجوب الصلوات الخمس"، فنقول: هب أنا لا نعلم ~~فيه مخالفا. فأما أن نعلم أنه لا مخالف فيه؛ فهو بعيد؛ فربما كان بعضهم ~~مقرا بنبوة محمد - عليه السلام - ومع ذلك: فإنه أنكر وجوب الصلاة؛ لشبهة ~~ركيكة وقعت في قلبه، وكيف لا نقول ذلك، وقد رأينا في كتب المقالات: أن ابن ~~مسعود - رضي الله عنه - أنكر كون الفاتحة من القرآن، وعن الخوارج: أنهم ~~قالوا: لا تجب الصلاة إلا في طرفي النهار؛ لقوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي ~~النهار} [هود: 114]. # الحجة الثانية: أنه لو ثبت الإجماع، لثبت: إما بدليل ظني، أو بدليل قطعي: ~~والأول باطل؛ لأن القائلين بصحة الإجماع قد اتفقوا على أنه من المسائل ~~القطعية، وإثبات المطلوب القطعي بالدليل الظني؛ باطل؛ فثبت أنه لو ثبت، ~~لثبت بدليل قطعي، وذلك # === # وهذا نقص واضح على قوله: "إن معرفة أن هذا القول ms214 قول كل الأمة يتوقف على ~~معرفة أشخاصهم"؛ فإنا قد عرفنا أن كل واحد من أمة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - صدق بالله ورسوله، وإن لم نعرف أشخاصهم. # قوله: "ربما أنكر بعضهم وجوب الصلاة"، هذا لا يمنع القطع؛ لأنه احتمال لا ~~عن مثار، وكل احتمال لا عن مثار وهم محض، ولو كان قادحا لم يبق لنا علم ~~بشيء من العاديات. # قوله: "إن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنكر كون الفاتحة من القرآن". # قيل: إنه لم يصح عنه الإنكار، وإنما نقل عنه أنه لم يثبتها في مصحفه، ~~فلعل ذلك لظهورها عنده، ثم لا مانع من الإنكار في ذلك الزمان قبل استقرار ~~التواتر عنده. # ونقله عن بعض الخوارج أن الصلاة لا تجب إلا في طرفي النهار: لا اعتبار به ~~مع قطع السابقين لهم واللاحقين - بخلافه، وهو كنقل السوفسطائية للعلوم ~~البدهية. # قوله: الثاني: لو ثبت الإجماع، لثبت إما بدليل ظني، أو قطعي. . ." إلى آخره: # هذا السؤال وما بعده من أسئلة المقام الثالث لمنكري الإجماع، وهي من ~~المعارضات، وحاصله: أنه لو ثبت لم يثبت بغير مستند؛ لأنه ضلال، والمستند ~~إما ظني فلا يفيد القطع، والإجماع -على زعم مثبته- حجة قاطعة، والقطعي إما ~~عقلي، ولا مجال له في الأحكام الشرعية، وإما سمعي، وهو النص المتواتر، ولو ~~كان لنقل إلينا، ولعرفه الكل؛ وارتفع الخلاف. # قوله: "الثالث: أن الله تعالى نهى كل الأمة عن القول الباطل، والفعل ~~الباطل، فقال جل ذكره: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] ~~وقال: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188]، والنهي عن الشيء ~~إنما يجوز عند جواز الإتيان به؛ وذلك يدل على إمكان إتيان مجموع الأمة ~~بالباطل": # وتقريره واضح على اشتراط الإمكان في صحة التكليف. PageV02P098 # القطعي: إما العقل، أو النقل: # والأول باطل؛ لأنه لا مجال للعقل في ذلك. # والثاني -أيضا- باطل؛ لأن النقل لا يكون قطعيا إلا بشرطين: # أحدهما: أن يكون منقولا نقلا متواترا. # الثاني: أن تكون تلك الألفاظ دالة على هذا المعنى دلالة قطعية، لا يبقى ~~للاحتمال فيها مجال. # ولو حصل مثل هذا ms215 الدليل، لعرفه الكل، ولو كان كذلك، لارتفع الخلاف؛ وحيث ~~لم يكن الأمر كذلك، بطل القول بكون الإجماع حجة. # والحجة الثالثة: أن الله تعالى نهى كل الأمة عن القول الباطل والفعل ~~الباطل؛ فقال - جل ذكره -: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: ~~169] وقال تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] والنهي ~~عن الشيء لا يجوز إلا عند جواز الإتيان بالمنهي عنه؛ وذلك يدل على جواز ~~إتيان مجموع الأمة بالباطل. # الرابع: أنه لم يجر ذكر الإجماع في خبر معاذ - رضي الله عنه - ولو كان ~~حجة، لما جاز الإخلال بذكره عند مساس الحاجة إليه؛ لأن تأخير البيان عن وقت ~~الحاجة لا يجوز. # الخامس: أن إجماع الناس على ذلك الحكم المعين: إما أن يكون لدليل دلهم ~~على صحة ذلك الحكم، أو لأمارة ساقتهم إليه، أو لا لذلك ولا لهذا: # === # قوله: "الرابع: إنه لم يجر ذكر الإجماع في خبر معاذ، ولو كان حجة لما جاز ~~الإخلال بذكره عند مساس الحاجة إليه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا ~~يجوز": يعني بالاتفاق؛ إلا عند من جوز التكليف بالمحال. # قوله: "الخامس: أن إجماع الناس على ذلك الحكم المعين، إما لدليل، أو ~~لأمارة، أو لا لواحد منهما، والأول باطل؛ لأنه لو كان لاشتهر؛ لأن الواقعة ~~العظيمة تتوافر الدواعي على نقل دليلها، ولو نقل لاستغني به عن الإجماع، ~~فلا يبقى في التمسك بالإجماع فائدة، وإن كان إجماعهم عن أمارة فباطل أيضا؛ ~~لأن الأمارات تختلف باختلاف أحوال الناظرين فيها؛ فيمتنع اتفاق الخلق ~~العظيم على موجبها. أو لأن كثيرا من الأمة أنكر كون الأمارة حجة. وإن كان ~~لا لواحد منها، كان خطأ بالإجماع. والفرق بين هذا الوجه والثاني أن الثاني ~~تقسيم في مستند صحة الإجماع على الجملة، وهذا تقسيم في مستند اتفاقهم على ~~الحكم المعين، وإن كان تقرير الجميع راجعا إلى نفي المدرك، وإن اختلفت ~~العبارات. PageV02P099 # فإن كان الأول: فالواقعة التي أجمع عليها علماء العالم، تكون واقعة ~~عظيمة، ومثل هذه الواقعة مما تتوفر الدواعي على نقل دليلها القاطع؛ فكان ~~يجب ms216 اشتهار تلك الدلائل وبلوغها إلى حد التواتر؛ وحينئذ: لا يبقى في التمسك ~~بالإجماع فائدة. # وإن كان إجماعهم لأمارة، فهذا باطل؛ لأن الأمارات أمور ظنية، والأمور ~~الظنية مما تختلف أحوال الناس فيها؛ فيمتنع اتفاق الخلق العظيم على موجبها، ~~ولأن كثيرا من الأمة قالوا: الأمارة ليست بحجة؛ وحينئذ: لا يكون قولهم ~~بالأمارة. # فإن كان ذلك الإجماع لا لدلالة ولا أمارة، كان ذلك خطأ بالإجماع، فلو ~~أجمعوا عليه، لكانوا مجمعين على الخطأ؛ وذلك يقدح في صحة الإجماع. # السادس: أن نقول: إجماعهم على ذلك الحكم: إن كان لا عن دليل، كان ذلك ~~باطلا يقدح في كون الإجماع حجة. # وإن كان عن دليل، كان ذلك الدليل شيئا سوى الإجماع؛ لأن الإجماع يحصل بعد ~~الوقوف على الحكم؛ والدليل يجب أن يكون سابقا على ثبوت الحكم؛ فهذا يقتضي ~~أنهم إنما أمروا بذلك الحكم لدليل آخر سوى الإجماع، فلو كان الإجماع حجة - ~~وقد ثبت أنهم إنما أجمعوا على ذلك الحكم بطريق آخر سوى الإجماع - فحينئذ: ~~يلزم أنه يجب علينا إثبات هذا الحكم بطريق آخر سوى الإجماع، ولو كان الأمر ~~كذلك؛ فحينئذ: يصير الإجماع ضائعا؛ فثبت: أن القول بكون الإجماع حجة - يفضي ~~ثبوته إلى عدمه؛ فكان القول به باطلا. # السابع: أن المجمعين إنما أجمعوا على ذلك الحكم بدليل آخر لهم على صحة ~~ذلك الحكم، وقبل وصولهم إلى ذلك الدليل، كانوا مجوزين لثبوت ذلك الحكم ~~ولعدمه، فهذا # === # قوله: "السادس. . ." حاصله: أن مستند الحكم المجمع عليه يجب أن يكون غير ~~الإجماع؛ لأن الإجماع عليه فرع ثبوته، وإذا وجب أن يكون غيره كان الإجماع ~~ضائعا؛ فالقول بأنه حجة يفضي ثبوته إلى عدمه. وهذا الوجه قريب من الخامس. # قوله: "السابع: أنهم إنما أجمعوا لدليل وقبل وصولهم إلى ذلك الدليل كانوا ~~مسوغين للأخذ بخلاف ما دل عليه، وبعد الوقوف عليه صاروا مانعين لذلك، فلو ~~كان إجماعهم حجة مانعة من المخالفة، للزم تناقض الإجماعين. # لا يقال: الإجماع الأول مشروط بعدم الثاني؛ لأنه يلزم مثله في كل إجماع؛ ~~فيقال: هو حجة بشرط ألا يظهر دليل على ms217 نقيضه أقوى منه": PageV02P100 # يقتضي انعقاد الإجماع بينهم قبل معرفة دليل ذلك الحكم. على أنه كما جاز ~~القول بثبوت هذا الحكم، فإنه يجوز القول بعدمه، فلو صار هذا الإجماع مانعا ~~من القول بما يخالف ذلك الحكم - لزم تناقض الإجماعين؛ وذلك يوجب بطلان ~~الإجماع. # فإن قالوا: لم يجوز أن يقال: إن الإجماع الأول كان مشروطا بألا يوجد دليل ~~يوجب القطع بثبوت هذا الحكم، فلما وجد الإجماع الثاني، وجب القطع بعدم ثبوت ~~هذا الحكم، لا جرم: زال شرط الإجماع الأول؛ فزال بزوال شرطه. # قلنا: إذا جوزتم كون الإجماع مشروطا بشرط، فلم لا يجوز في هذا الإجماع ~~الثاني أن يقال: إنما يوجب القطع بثبوت هذا الحكم بعينه، إذا لم يوجد معارض ~~أقوى منه، وإذا وجد ذلك المعارض، لم يبق هذا الإجماع معتبرا؛ وعلى هذا ~~التقدير: فإنه لا يستقيم شيء من الإجماعات؛ وخرج الكل عن كونه حجة. # الجواب عن الأول: أن معرفة جميع الأمة ممكنة في زمان الصحابة؛ فلهذا قال ~~أهل الظاهر: إنه لا حجة إلا في إجماع الصحابة بمعنى أنه لا يمكن معرفة حصول ~~الإجماع إلا في ذلك الزمان؛ وهذا هو المختار عندنا. # === # وهذه الأسئلة واضحة التقرير، وإنما ذكرناها لإكمال البحث في تحقيق ~~أجوبتها إن شاء الله تعالى. # قوله: "والجواب عن الأول: أن معرفة جميع الأمة كانت ممكنة في زمن ~~الصحابة؛ ولهذا قال أهل الظاهر: إنه لا يمكن حصول الإجماع، إلا في ذلك ~~الزمان": # والحق أننا لا ننكر عسر الاطلاع عليه مع اتساع الخطة، لكنا مع ذلك نعلم ~~اتفاق الأمة في كل عصر على أن الصبح ركعتان، والمغرب ثلاث، وعلى تقديم النص ~~المقطوع به من الطرفين على المظنون، كما أجمع الصحابة على جمع القرآن، ~~وتدوين الجيش، وأجمع السلف في كل عصر على جواز تدوين مسائل الفقه، وجمع ~~الأحاديث. # قوله: "وهذا هو المختار عندنا": # إن عنى به أن أدلة الإجماع قاصرة على عصر الصحابة؛ كما زعم أهل الظاهر؛ ~~بناء على أن المؤمنين في الآية حقيقة تتناول الموجودين، وأن الخطاب خطاب ~~مواجهة - فقد بينا أن الآية ms218 عامة، وإن عسر الاطلاع، مع أنه لو وقف عليه، ~~لكان حجة في نفس الأمر، فالأمر كذلك. PageV02P101 # وعن الثاني: أنه إنما ثبت الإجماع بدلائل ظنية، وهذه المسألة عندنا ليست ~~من القطعيات، بل من الاجتهاديات. # وعن الثالث: لم لا يجوز أن يقال: ذلك النهي ليس خطابا مع الكل، بل مع كل ~~واحد، والفرق بين الكل وبين كل واحد- معلوم بالضرورة، ونحن إنما ندعي عصمة ~~الكل، لا عصمة كل واحد. # وعن الرابع: أنه -عليه السلام- إنما ترك حكم الإجماع في خبر معاذ - رضي ~~الله عنه - لأن الإجماع لا يكون حجة في زمان النبي، عليه السلام. # وعن الخامس: لم لا يجوز أن يقال: إن إجماعهم كان عن دليل، لكنهم ما نقلوه # === # قوله: "وعن الثاني: أنا نثبت الإجماع بدليل ظني، وهذه المسألة عندنا ليست ~~من القطعيات، بل من المجتهدات": # هذا الاختيار مذهب أبي الحسين من المعتزلة، وقد تقدم أن مذهب جمهور ~~العلماء أن المسألة قطعية، وأدلتها قاطعة، وأن معتمدهم في القطع. إما ~~التمسك بالنصوص، ورد تأويله بمعاضدة بعضها إلى بعض، وتضافر فحواها، وإما ~~الأخبار المتواترة المعنى، وإما التمسك بالمسلك العادي الذي ذكره الإمام، ~~وقد تقدم ذكر الجميع. # ثم الإجماع بعد ذلك ينقسم إلى مقطوع، ومظنون: فالمقطوع: ما يكون عدد ~~المجمعين فيه عدد التواتر، والمحل المجمع عليه مما تتشعب فيه الآراء، وتدق ~~الظنون، وينقل عنهم بطريق التواتر، فهذا مقطوع المتن والنقل. # والمظنون: ينقسم إلى مظنون من الطرفين، أو أحدهما، فيجب العمل به؛ ~~لاستناده إلى الإجماع القاطع، ومحل استعماله الأحكام الشرعية كأخبار ~~الآحاد. # قوله: "وعن الثالث: لم لا يجوز أن ذلك النهي ليس خطابا مع الكل، بل مع كل ~~واحد؟ والفرق بينهما معلوم بالضرورة" وهذا واضح. ولو سلم أن النهي يتناول ~~الكل لم يضر؛ لأن شرط صحة التكليف الجواز العقلي، ولا يمنع نفي الوقوع ~~بالسمع؛ فإنا لا ندعي عصمتهم عقلا، وإنما ندعيها سمعا، أو عادة. # قوله: "وعن الرابع: أنه -عليه السلام- إنما ترك الإجماع في خبر معاذ؛ لأن ~~الإجماع لا يكون حجة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -: # يعني: ms219 لأن إجماعهم دونه - عليه السلام - لا عبرة به، ومع قوله لا حاجة إليهم. # قوله: "وعن الخامس: لم لا يجوز أن يقال: إجماعهم كان عن دليل، لكنه ما ~~نقل عنهم؛ لحصول الإجماع؛ فإنه متى حصل الثاني، كان الأول لغوا" هذا تجور ~~في العبارة، ومقصوده: أن الأدلة إنما تورد لإثبات الحكم، فإذا حصل استغنى ~~بنقله، وقولهم: "إنه لا ينعقد عن أمارة PageV02P102 # إلينا؛ اكتفاء منهم بحصول الإجماع؛ فإنه متى حصل الدليل ألثاني كان ~~الباقي لغوا. # وعن السادس: أن إثبات الحكم بطريق، لا يمنع إثباته بطريق آخر. ### || AUTO المسألة الثانية # قالت الشيعة: دل الدليل على أنه لا بد في كل زمان من أزمنة التكليف من ~~إمام معصوم؛ فإذا اجتمعت الأمة على قول، اشتمل ذلك الإجماع على قول ذلك ~~المعصوم، وقوله حجة؛ فيكون الإجماع حجة بهذا الاعتبار. # فيقال لهم: أما دليلكم في إثبات الإمام المعصوم فقد سبق الكلام فيه في علم # === # ممنوع؛ إذ العادة لا تحيل الاتفاق على الظن الغالب، لا سيما مع وجوب ~~العمل به. # قوله: "وعن السادس: أن إثبات الحكم بطربق لا يمنع إثباته بطريق آخر" يعني ~~بالنسبة إلى من بعدهم. # قوله: "كانوا مجوزين لثبوت الحكم، وعدمه قبل الوقوف على دليل الإجماع، ~~فوجوب الاتباع يلزم منه تناقض الإجماعين": # جوابه: أن الأول مشروط بعدم الاتفاق. # قوله: "يلزم مثله في كل إجماع": # قلنا: نعم، ولكن انعقد الإجماع القاطع على عدم الاشتراط فيما عدا الإجماع ~~على قولين؛ لابتدار التابعين النكير على من خالف الإجماع. # فروع: منها ما يتعلق بأهلية من ينعقد الإجماع به، ومنها ما يتعلق بطرد ~~أدلة الإجماع وعكسها. # الأول: لا يعتبر في الإجماع موافقه العوام، خلافا للقاضي؛ فإنهم ليسوا من ~~أهل النظر؛ ولأنه يجب عليهم اتباعهم، فلا يبطل قولهم بمعصيتهم. PageV02P103 # الكلام. سلمنا بثبوته لكن لم لا يجوز أن يقال: إن ذلك الإمام المعصوم قد ~~أفتى بالباطل على سبيل التقية والخوف؛ وعندكم أن ذلك جائز منه. PageV02P104 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الثاني: المجتهد الفاسق لا يعتبر اجتهاده؛ كما لا يعتبر خبره، وشهادته، ~~وفتواه. # وقيل: يعتبر في نفسه خاصة. # وقيل: مطلقا، ms220 واختاره الغزالي؛ قال: لأنه مستجمع لخصال النظر، والنظر ~~والتبصر في الأحكام وصدقه ممكن، والأصل عدم الإجماع، فلا ينعقد على تردد ~~ينشأ من خلاف عالم بالشرع، ولا يقبل روايته، وشهادته؛ لأن الأصل عدم ما ~~يخبر عنه. # الثالث: المجتهد المبتدع المكفر ببدعته لا يعتبر، ولا يثبت كفره بإجماع ~~أهل عصره؛ لأنهم لا يكونون كل الأمة ما لم يكفر ولا يكفر حتى يكونوا كل ~~الأمة، فهو دور، لكن يكفر بإجماع من تقدمهم، أو بقاطع غير الإجماع، وإن لم ~~يكفر ببدعته، فالأصح اعتباره، وقبول شهادته، وروايته، إلا الخطابية من ~~الروافض؛ لاستباحتهم الكذب لمن يوافقهم في اعتقادهم. # الرابع: الفقيه المبرز في الفقه الذي لا يعلم "أصول الفقه" والأصولي الذي ~~لا يتعمق في "الفروع" فيهما أقوال: # الأول: يعتبران؛ لأهليتهما على الجملة. PageV02P105 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الثاني لا يعتبران؛ لأن كل غير عالم بفن كالعامي فيه. # والثالث: يعتبر الفروعي خاصة؛ لأنه المقصود. # والرابع: يعتبر الأصولي خاصة، وهو الأصح؛ لأن له أهلية الوقوف على ~~المنقول، فيجتهد، ويحكم. # الخامس: إذا بلغ عدد المجتهدين عدد التواتر، فهو النهاية، ولا يشترط عند ~~الأكثرين؛ لأن أدلة الإجماع شاملة لهم. # قالوا: لا يمكن بقاء التكليف بدون عدد تقوم به الحجة، ولا تقوم إلا ~~بالنقل المتواتر. # وأجيب: بأنه يقوم بأخبار المجتهدين والعوام، وعند نقصان العدد بانضمام ~~القرائن، فإن لم يبق من المجتهدين إلا واحد، فقوله حجة لمضمون السمع، ولا ~~يسمى إجماعا. # السادس: لا ينعقد الإجماع مع مخالفة الاثنين والواحد، خلافا للخياط، وابن ~~جرير، وأبي بكر الرازي؛ لأن من عداهم بعض الأمة، واحتجوا بقوله -عليه ~~السلام-: "عليكم بالسواد الأعظم": # وأجيب بأنه حث على متابعة الإمام. # السابع: إجماع علماء "المدينة" مع مخالفة غيرهم ليس بحجة في العصور كلها؛ ~~خلافا لمالك، ونقل. . . . . . . . ... PageV02P106 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الغزالي عنه في "المنخول" أنه يحصل بقول الفقهاء السبعة، ولا يبالى بخلاف ~~من خالفهم. # قال: ويقدم مذهبهم على النصوص، ولا خفاء ببطلان هذا؛ فإنهم ليسوا كل الأمة. # قال: وإنما صار إلى هذا؛ لأن عدد التواتر لا يعتبره، ومخالفة الأقل لا ~~تضر عنده، وكانوا أكثر المجتهدين في زمانهم. # قال: وإنما ms221 قدم قولهم على النصوص؛ لاعتقاده أن مذهب الراوي مقدم على ~~روايته، وانحصرت الرواية فيهم عنده. # قال: وهذا مجمل مذهبه مع إحسان الظن به، ونقل غيره أنه يئول إجماعهم على ~~روايتهم لا على اجتهادهم، ومنهم من حمله على اتفاقهم فيما طريقه النقل ~~كالأذان والصاع. # وقيل: مطلقا، واحتج له بأن إجماعهم على المرجوح مع أنهم أحق العلماء ~~بالاطلاع على الأدلة؛ فإنهم في مهبط الوحي والمشاهدة لأسباب الأحكام- بعيد، ~~ولو اتفق ذلك في غير "المدينة"، لكانوا كذلك. وبقوله - عليه السلام - "إن ~~المدينة لتنفي خبثها"، والقول الباطل خبيث؛ فكان منفيا. PageV02P107 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وأجيب عن الأول بأن أدلة الإجماع غير شاملة لهم. # وعن الثاني أنه محمول على من كره المقام بها، أو على الكفر والنفاق. # الثامن: إجماع العترة وحدهم ليس بحجة، خلافا للشيعة. # واحتجوا بقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} ~~[الأحزاب: 33] والخطأ رجس، فكان ذاهبا. # قالوا: وأهل البيت: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين - رضي الله عنهم - لأنه PageV02P108 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # لما نزلت هذه الآية لف -عليه الصلاة والسلام- عليه وعليهم كساء، وقال: ~~"هؤلاء أهل بيتي"، وبقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إني تارك فيكم ما إن ~~تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي". # وأجيب عن الأول بأن الآية في زوجاته بدليل السياق، وذكر الضمير لاندراجه ~~- صلى الله عليه وسلم - معهن، وعن الحديث بأنه آحاد، وليس بحجة عند ~~الإمامية، وحمل العترة على المجتهدين منهم. # التاسع: قال القاضي أبو حازم: إجماع الخلفاء الأربعة حجة. # وقال بعضهم: إجماع الشيخين. # لنا: أنهم ليسوا كل الأمة. # واحتج الأول بقوله - عليه السلام -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~من بعدي". PageV02P109 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والثاني: بقوله - عليه السلام -: "اقتدوا باللذين من بعدي". # والجواب: أنه خطاب للعوام، وهو معارض بقوله - عليه السلام -: "أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. PageV02P110 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # العاشر: الإجماع المنقول على لسان الآحاد في التكاليف حجة، خلافا ~~للغزالي. # لنا: أنا إذا ظننا كون الحكم منقولا عن أهل الإجماع، وعلمنا صحة اتباع ~~قولهم - صار الحكم مظنون العمل في محل الاجتهاد؛ فيجب العمل به؛ كأخبار ~~الآحاد والأقيسة، ولا يلزم عليه القرآن المنقول بالآحاد؛ فإنه ليس ms222 في محل ~~الاجتهاد. # الحادي عشر: إذا بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة قبل اتفاقهم، ~~فلا ينعقد الإجماع بدونه؛ لأن إجماعهم دونه إجماع بعض الأمة، ونعتقد بأن ~~الصحابة ردوا إلى التابعين؛ قال أنس: سلوا مولانا الحسن -يعني: البصري- ~~فإنه سمع كما سمعنا، وحفظ ونسينا، وسئل ابن عباس عن نذر ذبح الولد، فأشار ~~إلى مسروق، فلما أتاه السائل بجوابه، تابعه. # وإن نشأ بعد اجتماعهم على الحكم، فيبنى على اشتراط انقراض العصر في صحة PageV02P111 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الإجماع، والصحيح أنه لا يعتبر؛ لأن حجج الإجماع ناهضة بدونه؛ لتحقق ~~مسماه، ولو في لحظة، وقال أحمد، وابن فورك: يشترط. # وفصل قوم بين الإجماع السكوتي وغيره. # وقال الإمام: يشترط إن كان عن قياس، حتى لو انقرضوا عقيب إجماعهم لم يكن ~~حجة، واحتجاح المانع بأنه لو شرط لم يحصل إجماع؛ لتلاحق البعض بالبعض- ~~ضعيف؛ فإن الشرط انقراض عصر المجمعين. # واحتج الشارطون بأنه لو لم يعتبر لامتنع على المجتهد الرجوع عند تغير ~~اجتهاده بظهور الخطإ. # وأجيب بالتزامه؛ لقيام الإجماع. # قالوا: لو لم يعتبر لم يعتبر مخالفة من مات وقد خالف في المسألة؛ لأن من ~~بقي كل الأمة. # وأجيب بأنهم ليسوا كل الأمة بالنسبة إلى المسألة، والقول لا يموت بموت قائله. # وقيل: بالتزامه. # قالوا: الآثار تدل على ذلك. # قال عبيدة السلماني لعلي لما رأى بيع أم الولد بعد أن وافق: رأيك مع ~~الجماعة أحب الينا، وخالف عمر أبا بكر في التسوية في العطاء، وحد في الخمر ~~ثمانين، وكان أربعين. PageV02P112 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وأجيب بمنع تحقق الاتفاق من جميع مجتهدي الصحابة في المسائل كلها. # الثاني عشر: إجماع الأمم السالفة هل يكون حجة في الأديان السالفة؟ : من ~~رأى التمسك بالدليل العادي لزمه، ومن تمسك بالنصوص، فيلزمه الوقف إلى أن ~~يتحقق النقل. # الثالث عشر: قال قوم: لا يجري الإجماع في الآراء والحروب. # وتال قوم: يجري بعد استقرار الرأي. # وقيل: مطلقا؛ لأن الأدلة شاملة. # الرابع عشر: لا يصح التمسك بالإجماع فيما تتوقف صحته عليه؛ كوجود الباري ~~سبحانه، وصحة الرسالة، ودلالة المعجزة. وما لا يتوقف عليه إن كان دينيا، صح ~~بالاتفاق، ms223 وإن كان عقليا؛ كخلق الأعمال، وجواز الرؤية، والقضاء والقدر، ~~فيصح أخذه من النص. وهل يصح أخذه من الإجماع؟ اختلف فيه: منعه الإمام، ~~وخالفه الغزالي. PageV02P113 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومما يذكر أن ظن بعض الضعفاء أن قول الشافعي بأن دية الذمي ثلث دية ~~المسلم؛ أخذا بالأقل المتيقن- إجماع مع قول عمر - رضي الله عنه -: إنها ~~كدية المسلم، وقول غيره: النصف ليس بصواب؛ فإن الإجماع على أنه واجب، لا ~~على أنه كل الواجب، وإنما اعتمد الشافعي في نفي لزيادة على البراءة ~~الأصلية، وضعف أدلة الزائد. # المسألة الثانية: # [قوله]: "قال الشيعة: دل الدليل على أنه لا بد في كل زمن من أزمنة ~~التكليف من إمام معصوم" وعنوا بالدليل أن نصب الإمام المعصوم لطف؛ لأنه ~~يوضح لهم الدلائل، ويدفع عنهم الشبه، ويحثهم على الواجبات، ويزجرهم عن ~~المحرمات، وإذا كان كذلك كان حالهم إلى الصلاح أقرب، وهو معنى اللطف، وخلق ~~اللطف من الله -تعالى- واجب؛ لأنه حكيم، فلو جاز تركه، لجاز منه فعل ~~المفسدة، والثاني محال، فالمقدم مثله، وأما وجوب عضمته؛ فلأنه لو لم يكن ~~كذلك، لم يأمن من الخطأ، وإلا لما افتقر الخلق إليه؛ ليؤمنهم من الخطأ فلو ~~كان هو كذلك، لافتقر إلى إمام؛ ويتسلسل. PageV02P116 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # قوله "فإذا أجمعت الأمة دل حصول الإجماع على حصول قول ذلك الإمام ~~المعصوم، وقوله حجة، فيكون الإجماع حجة بهذا الاعتبار". # يعني: لتضمنه قول الإمام الواجب الاتباع. # قوله: "فيقال لهم: أما دليلكم في إثبات الإمام المعصوم، فقد سبق الكلام ~~فيه في علم الكلام": # يعني: أن مستندهم ما ذكرناه آنفا، وقد اعترض عليه بوجوه جدلية؛ بناء على ~~تسليم ما بنوا عليه استدلالهم من التحسين والتقبيح العقلي، ووجوب الصلاح ~~والأصلح على الله تعالى، وأقرب ما يبطل به على أصلهم أن كل ما يوجبون به ~~وجوب عصمة الإمام الأعظم يلزمهم في نوابه، وولاته، وقضاته، ودعاته، لا سيما ~~مع بعد الخطة، وتعذر المراجعة في وقائع لا تقبل التأخير، ولم يوجبوها لهم. ~~ثم إن المصلحة الحاصلة به إنما تثبت رعايتها لو كان ظاهرا قاهرا، وليس ~~الأمر كذلك. # قال المصنف: "سلمنا ثبوته، ms224 لكن لم لا يجوز أن يقال: إن ذلك الإمام قد ~~أفتى بالباطل على سبيل التقية والخوف، وعندكم أن ذلك جائز منه؟ " وهذا واضح. # والتحقيق أن هذه المسألة مبنية على التحسين والتقبيح العقلي، ووجوب ~~الصلاح والأصلح على الله -تعالى- المرتب على ذلك، وهذه قاعدة باطلة على ~~أصلنا، إلا أن الفخر اعتمد في إبطالها على طريق ضعيف، وهو نفي الاختيار في ~~أفعال العباد، وزعم أن جملة أفعالهم إما ضرورية، أو اتفاقية، وأيا ما كان ~~يلزم منه نفي الاختيار، ومتى كانت كذلك لزم نفي التحسين والتقبيح العقلي؛ ~~قال إذ لا قائل بالتحسين والتقبيح العقلي مع نفي الاختيار. # وأقرب ما يرد به عليه: أنه يلزم منه نفي التحسين التقبيح الشرعي أيضا؛ إذ ~~لا قائل به مع نفي الاختيار، ثم ما ذكره خلاف إجماع الأشعرية والمعتزلة؛ ~~فإنهم متفقون على انقسام أفعال العباد إلى اختيارية واضطرارية، وإن اختلفوا ~~في تفسير الاختيار، ومعنى الكسب؛ فإنهم يفرقون PageV02P117 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # بالضرورة بين حركة المرتعش المشحوب، وبين من يوقع حركته على حسب دواعيه ~~واعتماده في سلب الاختيار على أن القادر إن لم يصح منه الترك، لزم الجبر، ~~وإن صح، فإن ترجح الفعل على الترك من غير ضميمة، كان اتفاقيا، وإن افتقر ~~إلى ضميمة، فإن كانت من العبد لزم التسلسل، وإن كانت من الله -تعالى- لزم ~~الاضطرار. # يرد عليه أن خلق الله -تعالى- له الداعي الذي يترتب عليه قصده لا يمنع من ~~نسبة الفعل إلى قادريته، ولزوم الفعل عند وجود نسبته لا يخرجه عن كونه ~~مفعولا للقادر عليه والمريد تركه، وإلا لزم سلب الاختيار عن أفعال الله ~~-تعالى- فإن ما تعلق علمه وإرادته وقدرته بوقوعه، فهو واقع لا محالة، ولم ~~يخرجه لزوم وقوعه عن كونه فعلا اختياريا لله تعالى. PageV02P118 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والأولى أن نحرر محل النزاع قبل ذكر طرق الأصحاب، فنقول: # الحسن والقبح يطلق باعتبارات ثلاثة: # الأول: الحسن عبارة عن الملاءمة، والقبح عبارة عن المنافرة، وهما بهذا ~~التفسير عرفيان يختلفان باختلاف الأمم والأعصار، وهذا لا نزاع فيه، وإن ~~كانت هذه القضية هي منشأ الغلط، فإن المعتزلة والبراهمة اعتقدوها عقلية ms225 مطردة. # الثاني: أن يراد بالحسن ما هو صفة كمال، وبالقبح ما هو صفة نقص كقولهم: ~~العلم حسن بنوعه؛ والجهل قبح بنوعه، وهذا أيضا لا نزاع في أنه عقلي. # الثالث: أن يراد به كون الفعل بحال يمدح فاعله شرعا، ويذم تاركه عاجلا، ~~ويثاب عليه ويعاقب آجلا، وهذا محل النزاع، وللقاضي فيه عبارتان: # إحداهما: قال: الحسن ما لفاعله أن يفعله، فيندرج فيه فعل الله -تعالى- ~~والواجب، والمندوب، والمباح، إلا أنه يدخل فيه فعل البهيمة، والذاهل. وقد ~~حرره بعضهم فقال: ما للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله. # العبارة الثانية: الحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، فيندرج فيه فعل ~~الله تعالى، والواجب، والمندوب، ويخرج منه المباح، وزعمت المعتزلة الكرامية ~~أن الحسن والقبح يرجعان إلى صفات في الأفعال. # وقيل: صفة نفسية، وصفة النفس عندهم ما ثبت للشيء وجودا وعدما؛ بناء على ~~تثبيت المعدوم. PageV02P119 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقيل: الحسن والقبح صفتان تابعتان للحدوث. # وقيل: وجوه واعتبارات. # وقيل: صفة في القبح دون الحسن. # ثم قسموا الأفعال إلى ما تستقل العقول بدرك الحسن والقبح فيها، وإلى ما ~~لا تستقل إلا بتبينه من الشرع: # وما تستقل به العقول قسمان: ضروري، ونظري. فالضروري كحسن الصدق النافع، ~~وقبح الكذب الضار. والنظري: كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع. # وما لا يستقل العقل بدركه كحسن صوم آخر يوم من رمضان، وقبح صوم أول يوم ~~من شوال، والشارع عندهم مخبر عن حال المحل، لا أنه منشئ فيه حكما، ويعتبر ~~على أصولهم جواز النسخ. # وقد اعتمد الأصحاب في الرد عليهم على أربعة مسالك: # الأول: المناقضة العادية. # الثاني: المناقضة الذهنية. # الثالث: المناقضة العقلية. # الرابع: البرهان القاطع. # أما المناقضة العادية: فقالوا: ادعيتم أن بعض الأفعال يدرك حسنها وقبحها ~~بضرورة العقل، وحكم العلم الضروري ألا يختلف فيه العقلاء عادة، ونحن جمع ~~كثير نخالفكم، وإذا بطل الضروري بطل النظري المرتب عليه، فإن نسبونا إلى ~~العناد عكسنا عليهم دعواهم، ثم العناد إنما يتصور عادة من شرذمة يسيرة مع ~~رجوعهم عن قريب، وقد توالت علينا العصور ونحن مصرون على ذلك. # فإن قالوا: نحن متفقون ms226 على التحسين والتقبيح؛ فإنا نحسن كل ما تحسنونه، ~~ونقبح كل ما تقبحونه، وإنما اختلفنا في المدرك، والعادة لا تحيل الاختلاف ~~في مثله؛ كاتفاق العقلاء غير الشذوذ على أن خبر التواتر يفيد العلم مع ~~اختلافهم في كونه ضروريا، أو نظريا؛ وذلك لا يقدح في إفادته العلم. # قلنا: من أصلنا أنه يحسن من الله -تعالى- إيلام البرايا من غير جريمة ~~سابقة، أو التزام عوض لاحق، وأنتم لا تحسنون ذلك، لانا لم نتفق لا في ~~اللفظ، ولا في المعنى؛ فإن معنى الحسن عندنا يرجع إلى تعلق خطاب الشرع، وهو ~~إضافة، والقول لا يكسب الفعل صفة، وإلا لم يتعلق بالمعدوم. ومعنى ذلك عندكم ~~يرجع إلى صفة في المحل، ونحن نافون لها في صورة فقط. # وأما المناقضة الذهنية: فإنهم حسنوا الأم إذا اشتمل على مصلحة راجحة، ولم ~~يحسنوا الكذب وإن اشتمل على نجاة نبي، فالتزم أبو هاشم طرده، وقال: أحسنه، ~~فقيل له: من أصلك PageV02P120 ### || AUTO المسألة الثالثة # إذا قال بعض أهل العصر قولا، وسكت الباقون عن الإنكار: فمذهب الشافعي ~~-رضي الله عنه- أنه ليس بحجة؛ وهو المختار، وقال الباقون: إنه حجة. # لنا: أن السكوت يحتمل وجوها أخرى سوى الرضا: # أحدها: أنه سكت للتقية. # === # أن كل حسن يصح من الله -تعالى- فعله، والمتكلم عندك من قبل الكلام، فيكون ~~الباري -تعالى- متكلما به قبله، ولم يحر جوابا. ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا ~~يلزم بالنسبة إلى الله -تعالى- فإن له غنية عنه، فإنه قادر على منعه منه. # وأما المناقضة العقلية: فهو أن القتل قصاصا كالقتل ابتداء في الصورة ~~والصفات؛ بدليل أن الغافل عن المستند فيهما لا يفرق بينهما، وقد حكمتم بقبح ~~أحدهما وحسن الآخر، وحكم المثلين وجوب اشتراكهما فيما يجب، ويجوز، ويمتنع. # وأما البرهان القاطع: فهو أن الحكم بذلك حكم بالعقل بوقوع جائز، وهو غيب ~~عنا، والعقل لا جريان له في ذلك، بل حظ العقل في الجائز الحكم بجوازه، أما ~~وقوعه فلا يعرف إلا بحس، أو وجدان، أو عادة، أو إخبار صادق، وإذا بطلت ~~قاعدة التحسين والتقبيح العقلي- بطل ما بنوه من الإيجاب ms227 العقلي، والصلاح ~~والأصلح. # وإنما ذكرنا هذه النبذة ها هنا؛ لأن هذه القاعدة ينبني عليها كثير من ~~مسائل الأصول عند الخصوم، ولم يذكرها في هذا المختصر، اكتفاء منه بذكرها في ~~"معالم أصول الدين" على وجه يكتفي به المحصل، والله أعلم. ### || AUTO المسألة الثالثة # : # [قوله]: "إذا قال بعض أهل العصر قولا، وسكت الباقون عن الإنكار- فمذهب ~~الشافعي أنه ليس بحجة، وهو المختار". # اعلم أن لنا صورا ثلاثة: PageV02P121 # ثانيها: أنه حضر هناك من هو أولى بإظهار الإنكار. # ثالثها: لعله اعتقد أن غيره أظهر ذلك الإنكار؛ فسقط ذلك التكليف عنه؛ لأن ~~إظهار الإنكار على الباطل فرض على الكفاية؛ فإذا أتى به واحد، سقط الفرض عن ~~الباقين. # رابعها: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب؛ فيجوز لذلك الرجل أن يفتي بما يؤدي إليه # === # الأولى: أن يفتي بعضهم، ولا ينتشر لأهل عصره، ولكنه لا يعرف له مخالف، ~~فالأكثرون على أنه ليس بإجماع، ولا حجة؛ لأنه يجوز أن لا قول لغيره فيها؛ ~~لعدم ظهورها، أو له قول مخالف. # الصورة الثانية: أن ينتشر ذلك القول، ويشتهر، ويتكرر، وتتوالى عليه ~~الأزمنة من غير إنكار؛ كعمل الصحابة بأخبار الآحاد والقياس، فهذا حجة ~~وإجماع، فإن العادة -والحالة هذه- تحيل السكوت إلا عن موافقة، وجميع ما ذكر ~~من الاحتمالات لا يبقى مع التكرار وتوالي الأزمنة. # الثالثة: صورة مسألة الكتاب، وهو إذا أفتى بعض، أو عمل وعرفوا ذلك، ~~وسكتوا، ولم ينكروا، ولم يتكرر- فمذهب الشافعي: أنه ليس بإجماع، ولا حجة. # وقال أحمد وأكثر الحنفية وبعض أصحاب الشافعي: إنه إجماع وحجة. # وقال الجبائي: إنه إجماع بشرط انقراض العصر. # وقال أبو هاشم: إنه حجة، وليس بإجماع. # وقال ابن أبي هريرة: إنه إجماع في الفتوى دون الحكم. # حجة أحمد وأكثر الحنفية: أن ظاهر السكوت يدل على الموافقة، والغالب من ~~حال الصحابة أنهم لا يسكتون مع المخالفة؛ كقول علي لعمر لما رأى جلد أبي ~~بكرة: إن جلدته PageV02P122 # اجتهاده، وإن كان يعتقد أن المصيب واحد، لكنه يعتقد أن الخطأ فيه من باب ~~الصغائر، فيعفى عنه. # خامسها: أنه ربما كان الرجل في مهلة ms228 النظر، فلم يعرف كونه حقا أو باطلا؛ ~~فلا جرم: كان فرضه السكوت. # فعلم أن السكوت يحتمل وجوها أخرى سوى الموافقة، وهذا معنى قول الشافعي ~~-رضي الله عنه-: لا ينسب إلى ساكت قول. # === # فارحم صاحبك، وقول معاذ لما هم عمر بجلد الحامل: ما جعل الله لك على ما ~~في بطنها سبيلا، فقال: لولا معاذ لهلك عمر، وقول امرأة له لما نهى عن ~~المغالاة في المهور: أيعطينا الله بقوله: {وآتيتم إحداهن قنطارا} [النساء: ~~20]، ويمنعنا عمر؟ ! فقال: امرأة خصمت عمر. وقول عبيدة السلماني لعلي لما ~~قال: تجدد رأيي في بيع أمهات الأولاد-: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك: # والجواب: أنا لا نسلم أن ظاهر سكوتهم الموافقة؛ لما سنذكره من الأسباب ~~المتعددة للسكوت غير الموافقة، ووقوع واحد من أشياء متعددة، أقرب من وقوع ~~واحد بعينه منها. # وحجة الجبائي: أن الانقراض يؤكد احتمال الموافقة، وجوابه: منع ذلك مع عدم ~~التكرار. # وحجة من قال: هو حجة، وليس بإجماع أن الظاهر الموافقة، فيكون حجة: # و[الجواب]: سلب القطع لما سنذكره من الاحتمالات. # وحجة ابن أبي هريرة: أن العادة عدم الاعتراض على الحكام دون المفتين، ~~للزوم الطاعة والاتباع: # والجواب: منع العادة قبل جزم الحكم. # قوله: "لنا -يعني اختيار مذهب الشافعي- أن السكوت يحتمل وجوها ... " إلى آخرها: # واضحة، إلا أن الأحسن في الترتيب أن يقدم احتمال مهلة النظر، ثم اعتقاد ~~أن كل مجتهد مصيب، ثم اعتقاد أن غيره أظهر ذلك الإنكار، فاكتفى به، ثم ~~التقية. PageV02P123 # ثم ههنا بحث، وهو: أن الشافعي عول في إثبات خبر الواحد والقياس على أن ~~بعض الصحابة عمل به، ولم يظهر من الباقين إنكار؛ فكان ذلك إجماعا؛ وهذا ~~يناقض ما تقدم ذكره. ### || AUTO المسألة الرابعة # إذا اتفقت الأمة في مسألة على قولين، كانوا مطبقين على أن ما يغايرهما ~~باطل؛ لكن القول الثالث يغايرهما؛ فوجب كونه باطلا. # === # وأما إلزام الشافعي المناقضة: فإنه أثبت العمل بخبر الواحد، والقياس بمثل ~~هذه الحجة التي نص على إبطالها، وقال: لا ينسب إلى ساكت قول - فغير لازم؛ ~~فإن السكوت الذي تمسك ms229 به الشافعي مع التكرار، ولم تزل الصحابة من حين وفاة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجون بأخبار الآحاد، والأقيسة من غير ~~نكير إلى حين انقراضهم، والعادة تنفي جميع ما ذكر من الاحتمالات سوى ~~الموافقة والحالة هذه، والله أعلم. ### || AUTO المسألة الرابعة # : # "إذا اتفقت الأمة في مسألة على قولين، فقد كانوا مطبقين على أن ما ~~يغايرهما باطل، لكن القول الثالث يغايرهما؛ فوجب أن يكون باطلا": # المذاهب في هذه المسألة ثلاثة: # الأكثر من الأصوليين، والفقهاء: على أنه لا يجوز إحداث قول ثالث؛ قالوا: ~~لأنهم أجمعوا على الحصر، فذهولهم عن الحق مع كثرتهم على مر الأيام محال؛ ~~لأن فيه تخطئة كل فريق، وهو تخطئة لكل الأمة، ولأنه ذهب الجميع عنه؛ فكان خطأ. # وقال أهل الظاهر: يجوز؛ لأنهم أجمعوا على تسويغ الخلاف في المسألة، ~~وفتحوا بابه. # وفصل آخرون، وقالوا: إن كان القول الثالث يرفع ما اتفق عليه، لم يجز، وإن ~~لم يرفع، جاز: # مثال الأول: مصير بعض الصحابة إلى أن الجد مع الإخوة يرث المال كله، وقول PageV02P124 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # بعضهم: يقاسمهم. # هذا إجماع منهم على أصل استحقاق الجد، فالقول بأن الأخ يأخذ المال كله ~~فيه حرمان للجد، وهو مجمع على بطلانه. # ومثال الثاني: قول زيد، وبعض الصحابة في زوج وأبوين، وزوجة وأبوين: للأم ~~ثلث ما يبقى. # وقول ابن عباس: للأم ثلث الأصل، فقول ابن سيرين من التابعين بقول، ابن ~~عباس في زوجة وأبوين، وبقول غيره في زوج وأبوين- لا يكون رافعا، بل موافقا ~~لكل فريق في صورة. # قال قوم: هذا التفصيل هو الصحيح؛ لأن الأول خالف إجماعا، فلم يسغ، ~~والثاني لم يخالف إجماعا، فساغ. # ومما يلتحق بهدا الأصل، وهو مما يتردد في أنه خرق الإجماع أو لا - مسائل: # الأولى: إذا تمسك أهل العصر الأول بدليل، أو صاروا إلى تأويل، فصار من ~~بعدهم إلى دليل، أو تأويل غيره- فلا يجوز إبطال الأول؛ لأنه مجمع عليه، ~~وأما الثاني فإن كان يرفع الأول لم يجز؛ كما لو حملوا لفظا مشتركا على غير ~~ما حمله الأولون. وإن لم يرفع، فالأكثرون على ms230 جوازه؛ لأن الناس في كل عصر ~~يستخرجون دلائل واعتراضات من غير نكير. # واحتج المانع بأن ذلك غير سبيل المؤمنين، وبقوله: {تأمرون بالمعروف} [آل ~~عمران: 110] ولو كان معروفا لأمروا به. # وأجيب عن الأول: بأن سبيلهم ما نقل عنهم لا ما سكتوا عنه. # وعن الثاني: بأنه معارض بقوله تعالى: {وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] ~~ولو كان منكرا لنهوا عنه. # المسألة الثانية: الفصل بين مسألتين لم تفصل الأمة بينهما، إن عمهما حكم ~~واحد، أو PageV02P125 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # مأخذ واحد -لم يجز، وإلا جاز، مثال الأول: تحريم الجمهور، فتحليل البعض ~~خرق للإجماع، وهذا واضح. # ومثال الثاني: قول البعض مثلا بإرث إحداهما دون الأخرى يكون خرقا؛ لأنهم ~~أجمعوا على التسوية بينهما في المأخذ، وإنما اختلفوا في تعيين حكمهما. # ومثال الثالث: قول فريق: لا يقتل المسلم بالذمي، ولا يصح بيع الغائب، ~~كالشافعية مثلا، وقول فريق: يقتل به ويصح، كالحنفية مثلا- فقول الثالث: ~~يقتل، ولا يصح، لا يكون PageV02P126 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # خرقا، بل يكون موافقا لكل فريق في مسألة؛ إذ لم يجمعهما حكم ولا مأخذ واحد. # المسألة الثالثة: إذا أجمع العصر الأول على قولين، ثم أجمع العصر الثاني ~~على أحدهما - فهل يحرم الخلاف بعده، والأخذ بالقول الأول: # قال قوم: لا يجوز؛ لأن الثاني صار سبيل المؤمنين، ومنع بأنهم ليسوا كل ~~المؤمنين بالنسبة إلى المسألة، والقول يموت بموت قائله. # وقال الشافعي، والقاضي: يجوز؛ لأن الأولين أجمعوا على تسويغ الخلاف، أما ~~أهل PageV02P127 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # العصر الأول إذا رجعوا إلى أحد القولين، فإن كان قبل استقرار الخلاف، كان ~~حجة. وإن رجعوا بعد استقرار الخلاف، فمن اعتبر انقراض العصر جوز وقوعه، ~~وقال: هو حجة. ومن لم يعتبره فمنهم من منع وقوعه، والحق أنه بعيد، إلا أن ~~تكون الفرقة الراجعة قليلة؛ لأن الرجوع من الجمع الكثير إنما يكون لظهور ~~خبر قاطع، أو قياس جلي، وفرض ذهول العدد الكثير عنه بعيد في العادة، ~~والمجوزون لتصور وقوعه اختلفوا فيه. # واحتج المانع بأنه يلزم تعارض الإجماعين، ويلزم الاتفاق على الخطأ. # وأجيب: بأن الإجماع الأول مشروط بعدم الوقوف على قاطع، ولا يقال: فيلزم ~~مثله في ms231 كل إجماع؛ لأن الإجماع القاطع منع منه. # خاتمة: إنكار الإجماع الظني لا يوجب التكفير، وأما القطعي فكفر به بعضهم، ~~والتحقيق أن المتفق على ما يكفر به ثلاثة أمور: # الأول: ما يكون نفس اعتقاده كفرا؛ كاعتقاد أن صانع العالم علة، أو طبيعة. # الثاني: ما تقرر في الشرع أنه ما يصدر إلا من كافر؛ كإلقاء المصحف في ~~القاذورات. # الثالث: إنكار ما علم كونه من الدين ضرورة من غير عذر؛ كإنكار من ليس ~~قريب العهد بالإسلام- وجوب الصلاة، وإنكار الإجماع القاطع من هذا القسم. # أما التكفير بالمآل فاختلف فيه: فذهب الأشعرية إليه، وخالفه غيرهم، وإلى ~~هذا ميل الشافعي؛ فإنه قال بقبول شهادة المبتدعة، إلا الخطابية. # وسئل مالك عن القدري فقال مرة: كافر يقتل وقال مرة: يضرب ويحبس حتى تظهر ~~توبته، وفرق بين تكذيب الله -تعالى- والكذب عليه، والأول يكفر به بالاتفاق، ~~والثاني مختلف فيه. PageV02P128 ### | AUTO الباب الثامن في الأخبار، وفيه مسائل # : ### || AUTO المسألة الأولى # قال الأكثرون: الخبر: ما يحتمل التصديق والتكذيب [لذاته]. وعندي هذا باطل؛ # === # [قوله: "الباب الثامن في الأخبار] # وفيه مسائل: ### || AUTO المسألة الأولى # : # قال الأكثرون: الخبر ما يحتمل التصديق والتكذيب لذاته": # اعلم أن الخبر قسم من أقسام الكلام، ويطلق على النفسي، واللفظي؛ كلفظ ~~الكلام، وهل هو حقيقة فيهما، أو [حقيقة] في النفسي، مجاز في اللفظي أو ~~بالعكس؟ الخلاف فيه كالخلاف في الكلام. ويطلق مجازا على ما يفيد الإعلام من ~~الدلائل المعنوية، والإشارات الحالية؛ كقوله: # تخبرك العينان ما القلب كاتم # وقول المتنبي: [من الطويل] # وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب # وقوله: "قال الأكثرون" إشارة إلى أن من الناس من حده بغير هذا. PageV02P129 # لأن التصديق والتكذيب هو الإخبار عن كونه صدقا أو كذبا؛ فهذا يقتضي تعريف الخبر # === # قال القاضي، والمعتزلة، وجماعة: الخبر هو الكلام الذي يدخله الصدق ~~والكذب. # ورد بأن خبر الله -تعالى- ورسله لا يدخله الكذب، وبأن خبر من أخبر عن ~~وقوع المستحيلات لا يدخله الصدق، وبأنه يستحيل اجتماعهما في خبر واحد. # وأجيب عن الأول بأن المحدود مطلق الخبر، وامتناع الكذب ms232 في خبر الله ~~-تعالى- ورسله باعتبار أنه خبر خاص، وكذا امتناع الصدق في خبر من أخبر عن ~~وقوع المستحيلات، وهذا حق. # وأجيب عن الثاني بأن بعض الخبر؛ يدخله الصدق، وبعضه يدخله الكذب، فعم، ~~وزعموا أنه جواب عن الأول أيضا، ولا يصح بوجه؛ فإن شرط المميز أن يوجد في ~~جميع أفراد المحدود فصلا كان أو خاصة، وقد جعل هذا الحاد المميز دخول الصدق ~~والكذب، ولا يجتمعان في خبر ما. # وأورد عليه أيضا: أن قول القائل: محمد - صلى الله عليه وسلم - ومسيلمة ~~صادقان، وقول من لم يصدق قط: خبري كله كذب- لا يدخلها صدق ولا كذب. # وأجيب عن الأول بأنه في تقدير خبرين: أحدهما صدق، والآخر كذب، أو بأن ~~الخبر عن المجموع بالصدق كذب، وعن الثاني أنهما يدخلانه باعتبارين، والحق: ~~أنه كاذب. # فعدل بعضهم من أجل هذه الأسئلة عن هذا الحد وقال: هو الكلام الذي يدخله ~~الصدق أو الكذب، فخرج عن هذين السؤالين الأولين، ويجيب عن الثاني بما ذكر. # ونوقش في استعماله لكلمة "أو" فإنها ممتنعة الاستعمال في الحدود ~~الحقيقية، فإن الشيء # الواحد لا يقوم بمختلفين على البدل، مستقبحة في الرسمية؛ لظهورها في ~~التردد المنافي لمقصود الحد من البيان، فعدل الأكثرون لأجل هذا عن هذا الحد أيضا. # وقالوا: الخبر ما يحتمل التصديق والتكذيب، ويعم، فإن معنى التصديق: نسبة ~~المتكلم PageV02P130 # بنفس الخبر؛ وإنه باطل. وأيضا: الصدق خبر مطابق، والكذب خبر مخالف؛ ~~فالصدق والكذب لا يمكن تعريفهما إلا بالخبر؛ فلو عرفنا الخبر بهما، لزم الدور. # وقال المنطقيون: إنه القول الذي يوجب شيئا لشيء، ويسلب شيئا عن شيء. # وهذا أيضا ضعيف؛ لأن السلب والإيجاب نوعان للخبر، والنوع لا يمكن تعريفه ~~إلا بالجنس، فلو عرفنا الجنس بالنوع، لزم الدور. # وأيضا: إسناد أمر إلى أمر قد يكون على سبيل الإخبار، وقد يكون على سبيل ~~الوصف، فلما ذكره في حد الخبر وجب دخول الوصف فيه. # === # إلى الصدق ولا يمتنع نسبته إلى الصدق، وإن كان كاذبا، ومعنى التكذيب: ~~نسبته إلى الكذب، ولا يمتنع نسبته إليه، وإن كان صادقا. # قوله: "وهذا عندي ms233 باطل؛ لأن التصديق والتكذيب هو الإخبار عن كونه كذبا أو ~~صدقا، فقد اقتضى تعريف الخبر بنفس الخبر، وأنه باطل، وأيضا الصدق خبر ~~مطابق، والكذب خبر مخالف، فالصدق والكذب لا يمكن تعريفهما [إلا] بالخبر، ~~فلو عرفنا الخبر بهما، لزم الدور": # ويرد عليه: أنا لا نسلم أن الصدق هو الخبر المطابق بل مطلق المطابقة؛ ~~ولذلك يوصف به العقد والظن، فيقال: هذا عقد صدق، وهذا ظن صدق، وكذلك الكذب، ~~وإذا لم يتوقف فهمهما على فهم الخبر، فيصح أن يميزهما عن سائر أقسام الكلام ~~من الأمر، والنهي، والاستفهام، والتنبيه وغير ذلك. # قوله: "وقال المنطقيون: هو القول الذي يوجب شيئا لشيء، أو يسلب شيئا عن شيء". # وقد زاد أبو الحسين فيه قيدا، فقال: الخبر كلام يفيد بنفسه إضافة أمر إلى ~~أمر بنفي، أو إثبات، وإنما قيده بنفسه؛ لأن الكلمة عنده كلام، فلو اقتصر ~~على قوله: إنه كلام يفيد إضافة على الوجه المذكور، للزمه أن يكون مثل: ~~"قائم" خبرا؛ لأنه كلام عنده، وقد أفاد نسبة القيام، إلا أنه لم يوضع ~~للدلالة على النسبة، لكن لذي النسبة؛ فإشعاره بها بالتضمن لا بنفس الوضع. # قوله: "وهذا أيضا ضعيف؛ لأن السلب والإيجاب نوعان للخبر، والنوع لا يمكن ~~تعريفه إلا بالجنس، فلو عرفنا الجنس بالنوع، للزم الدور": # ويقال له: لا نسلم أن السلب والإيجاب نوعان للخبر، بل بهما يتنوع الخبر، ~~ومفهوم السلب والإيجاب بدهي لا يتوقف على فهم الخبر؛ فصح أخذهما في تعريفه. # وقوله: "وأيضا إسناد أمر إلى أمر قد يكون على سبيل الإخبار، وقد يكون على ~~سبيل الوصف" يعني: كقولك في حد الإنسان: حيوان ناطق، تال: فما ذكره في حد ~~الخبر يوجب دخول الوصف فيه. # وإذا قيل: الخبر كلام وضع لإفادة نسبة أمر إلى أمر بنفي أو إثبات، وفسر ~~الكلام بالجملة المفيدة، فلا يرد عليه الوصف؛ فإن الصفة والموصوف في تقدير ~~المفرد، وإنما ورد ما ذكره؛ PageV02P131 # والمختار -عندنا-: أن تصور ماهية الخبر تصور بدهي؛ # والدليل عليه: أن كل ما يعلم بالضرورة صدق، كقولنا: الواحد نصف الاثنين، ~~وهذا خبر خاص، ms234 وتصور الخبر الخاص موقوف على تصور أصل الخبر؛ فلما كان تصور ~~الخبر بدهيا، وجب أن يكون تصور أصل الخبر بدهيا. ### || AUTO المسألة الثانية # الخبر إما أن يعلم كونه صدقا، وإما أن يعلم كونه كذبا، وإما أن يتوقف فيه: # أما الذي يعلم كونه صدقا، فهو على قسمين؛ لأنه إما أن يعلم أولا حصول ~~المخبر عنه، فيستدل بذلك على كون الخبر صدقا، وإما أن يعلم أولا كون الخبر ~~صدقا، ثم # === # لأنه جعل جنس الخبر القول، وهو أعم من الكلام الاصطلاحي. ومن قال في حده: ~~هو الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية؛ ليخرج التعجب، والطلب، والاستفهام، ~~وسائر الإنشاءات- فلا بأس به، وقد احترز فيه عن السؤالين. # قوله: "والمختار: أن تصور ماهية الخبر تصور بدهي، والدليل عليه: أن كل ~~أحد يعلم بالضرورة صدق قولنا: الواحد نصف الاثنين، وهذا خبر خاص، وتصور ~~الخبر الخاص موقوف على تصور أصل الخبر، فلما كان تصور الخبر الخاص بدهيا، ~~وجب أن يكون تصور أصل الخبر بدهيا": # يقال له: لا يلزم من الحكم على الشيء بأنه ثابت بالضرورة، تصور ماهيته ~~بالضرورة؛ لما علم أن الحكم على الشيء إنما يتوقف على الشعور به من وجه ما، ~~وقد تميز الشيء عن غيره بالأمور الخارجية الخاصة به؛ فإنا نعلم بالضرورة ~~وجود أرواحنا، وإن لم نتصور ماهيتها، ونوقش في دعوى الضرورة، والاستدلال عليها. # وأجيب عنه بأن ذلك للتمثيل، أو بأنه لا يلزم من العلم بالشيء ضرورة العلم ~~بكيفيته ضرورة، ثم ما ذكره لا يمنع من الحد اللفظي، فلعله مراد الأصحاب. # فإن قيل: قد قررتم أن الخبر قسم من أقسام الكلام، وأنه مباين للأمر، ~~والنهي، وغيرهما، وجميع السنة تسمى أخبارا وإن اشتملت على الأوامر ~~والنواهي. # قلنا: إطلاق ذلك عليها لا باعتبار إشعارها، بل من وجهين آخرين: # أحدهما: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن الله -تعالى- أنه أمر ~~بها، أو نهى عنها، أو لأنه أخبر بها. # الثاني: أن طريق وصولها إلينا بإخبار من سمعها منه، صلى الله عليه وسلم. # قوله: " ### || AUTO المسألة الثانية # : الخبر إما أن يعلم ms235 كونه صدقا، أو يعلم كونه كذبا، أو يتوقف فيه". PageV02P132 # يستدل به على وقوع المخبر عنه: # أما القسم الأول: فهو ما إذا علم ببديهة العقل أو بالحس أو بالدليل- حصول ~~شيء؛ فإذا أخبر عن حصوله؛ فحينئذ يعلم كون ذلك الخبر صدقا. # وأما القسم الثاني، وهو ما إذا عرف -أولا- كون الخبر صدقا، ثم يستدل بذلك ~~على حصول المخبر عنه-: فهذا على أقسام: # === # يعني بالتوقف: عدم الجزم بأحدهما، وهذا القسم ينقسم أيضا إلى ثلاثة أقسام: # إلى ما يترجح فيه احتمال الصدق؛ كخبر العدل، وإلى ما يترجح فيه احتمال ~~الكذب؛ كخبر من عرف بالكذب، وإلى ما لا يترجح فيه أحدهما؛ كخبر المجهول الحال. # قوله: "أما الذي يعلم كونه صدقا، فهو على قسمين؛ لأنه إما أن يعلم أولا ~~حصول المخبر عنه، فيستدل بذلك على كون الخبر صدقا، وإما أن يعلم أولا كون ~~الخبر صدقا، ثم يستدل به على وقوع المخبر عنه": # يعني: أنه يعلم صدق الخبر أولا؛ لعلمه بصدق المخبر؛ فإن بين صدق الخبر ~~وصادقية المخبر ملازمة من الطرفين؛ فيستدل بثبوت أحدهما على ثبوت الآخر ~~وبنفيه على نفيه؛ فصدق المخبر يستلزم صدق الخبر، وصدق الخبر يستلزم حصول ~~المخبر عنه. # قوله: "أما الأول فإنه إذا علم ببديهة العقل أو بالحس أو بالدليل، حصول ~~شيء- فإذا أخبر عنه؛ فحينئذ يعلم كون ذلك الخبر صدقا: # مثال الأول: الإخبار بأن النفي والإثبات لا يجتمعان، ولا يرتفعان. # ومثال الثاني: الإخبار بأن السماء فوقنا والأرض تحتنا، ويقرب من هذا ~~النوع الإخبار عن الوجدانيات؛ كالإخبار بأن الإنسان يلد، ويألم، ويفرح، ويحزن. # ومثال الثالث: الإخبار بأن العالم حادث، وصانعه قديم. ومن أنواعه أيضا ~~الإخبار بالعلوم عادة؛ كالإخبار عن إنسان نشاهده بأنه مخلوق من أبوين، أو ~~بأن الموتى الآن لم ينشروا. # قوله: "وأما القسم الثاني -وهو ما إذا عرف أولا كون الخبر صدقا، ثم يستدل ~~بذلك على حصول المخبر عنه- فهذا على أقسام: الأول: خبر الله -تعالى- فإنه ~~يجب أن يكون صدقا: يعني: في سائر الأديان، وإن اختلفت مآخذهم. # قوله: "لأن الكذب صفة نقص، وهو على الله -تعالى- محال. ms236 والعلم به ضروري": PageV02P133 # الأول: خبر الله تعالى، فإنه يجب أن يكون صدقا؛ لأن الكذب صفة نقص، وهو ~~على الله محال، والعلم به ضروري. # وأما القائلون بتحسين العقل وتقبيحه؛ فإنهم قالوا: الكذب قبيح لذاته؛ وهو ~~كونه كذبا. والله تعالى عالم بقبح القبائح وبكونه غنيا عنه؛ وكل من كان ~~كذلك، امتنع صدور القبح منه. # === # يقال له: لا نسلم أنه يلزم من مجرد العلم بأن الكذب صفة نقص، وأن النقص ~~محال على الله تعالى- وجوب اتصافه بالصدق ضرورة ما لم يفد أولا معنى الكلام ~~المضاف إلى الله -تعالى- ويتبين صحة اتصافه به، ووجوبه له، وأنه لا واسطة ~~بين الصدق والكذب؛ وحينئذ يلزم من امتناع اتصافه بالكذب- وجوب اتصافه ~~بالصدق، وهذه المطالب الأربعة نظرية. # أما الكلام الموصوف بأنه واجب الوجود: PageV02P134 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فالأشعرية تفسره بالقول النفسي، وسائر الفرق تمنع ثبوته غائبا، وشاهدا، ~~والحشوية تفسره بحروف وأصوات قديمة قائمة بذاته -تعالى- وبلسان القارئ ~~ولهاته. # والكرامية تقول: الكلام هو الحروف والأصوات الحادثة، وهي قائمة بذاته ~~سبحانه وتعالى، ولا يتصف بها، وإنما يتصف بالقابلية، وهي القدرة على القول. # والمعتزلة فسرت كلامه -سبحانه وتعالى- بحروف وأصوات يخلقها في جماد، ~~والنظام PageV02P135 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # زعم أن الكلام أجسام لطيفة تتشكل في الهواء، وتقرع الأسماع، والصابئة ~~والفلاسفة منعت وصف واجب الوجود بشيء من ذلك، وزعمت أن الكلام المنسوب إليه ~~كلام اعتباري، وهو ما يفهم من آثار الصنع؛ كقوله تعالى: {ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11] وهو مجاز؛ كقوله: [من الرجز]: # امتلأ الحوض وقال: قطني ... ..................... # والجاحظ يزعم أن بين الصدق والكذب واسطة، واحتج بقوله تعالى: {افترى على ~~الله PageV02P136 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # كذبا أم به جنة} [سبأ: 8]. # ومع هذا الاختلاف العظيم كيف يدعى اتصافه بالصدق ضرورة، بمجرد أن الكذب ~~صفة نقص، وأن النقص مستحيل عليه؟ ! # فإن قيل: أخذنا هذه المطالب مسلمة من علم الكلام وبنينا عليها وجوب ~~اتصافه بالصدق ضرورة. # فيقال: فهلا أخذ وجوب الصدق لله -تعالى- مسلما من علم الكلام أيضا، فإنه ~~من مبادئ هذا العلم، ولا يبرهن عليه فيه؟ ! # وقد نقل عن الغزالي مسلكين وضعفهما: # الأول: إخبار الرسول بامتناع الكذب على الله ms237 -تعالى- وضعفه بأن صدق ~~الرسول مبني على دلالة المعجزة، ودلالة المعجزة متوقفة على إثبات الصدق لله ~~-تعالى- فإنها تنزل منزلة التصديق بالقول، فما لم يثبت الصدق لله -تعالى- ~~لا يدل على صدق الرسول، فإثباته به دور. # وقد أجاب الأصحاب عنه بجوابين: # أحدهما: أن المعجزة تدل على الصدق والتصديق معا؛ فلا دور. # والثاني: أن دلالة المعجزة على الرسالة لا تتوقف على إثبات الكلام، ~~والصدق لله تعالى. # قال الإمام: فإن من ادعى الرسالة في ملأ من ملك، وادعى صحة رسالته بأن ~~الملك يغير عادته المألوفة، ويوافقه فيما ادعاه ... المثال المشهور، فطابقه ~~-علم الحاضرون صدقه، وإن كان فيهم من ينفي كلام النفس. ثم ما ذكره من الدور ~~لازم له على المسلك الذي اختاره؛ فإن حاصل دليله راجع إلى وجوب نفي النقائص ~~عن الله -تعالى- واعتمد جمهور الأصحاب في نفي النقائص عنه بالإجماع، فإن ~~الفرق مجمعة على وجوب اتصافه -تعالى- بالكمال، واستحالة اتصافه بالنقص، وإن ~~اختلفوا في تعيين ما هو الكمال: فإذا كان معتمدهم PageV02P137 # الثاني: خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنه ادعى كونه صادقا ~~وأثبت بالمعجزة صدقه في دعواه؛ فوجب القول بكونه صادقا. # === # الإجماع، ونوزعوا في نفي النقيصة المضادة للكمال، فأثبتوها بالإجماع، ~~والإجماع من الأدلة السمعية، وجميع الأدلة السمعية تبنى على صدق الرسول، ~~وصدق الرسول مبني على دلالة المعجزة-: لزمه الدور بعين ما ذكر المخلص له أن ~~يستدل على نفي النقائص بالعقل، فإن البارئ واجب الوجود، وكل ناقص جائز محتاج. # المسلك الثاني للغزالي: أن كلام الله -تعالى- قائم بذاته، والكلام النفسي ~~يستحيل عليه الكذب في حق من يمتنع عليه الجهل. # واعترض عليه بمنع المقدمة الثانية، فقال: لا أسلم أن الكذب على الكلام ~~النفسي في حق من يمتنع عليه الجهل محال؛ فإن ذلك ليس بدهيا. # وهذه الحجة أشار إليها الإمام، وقررها بأن الله -تعالى- عالم بثبوت أشياء ~~أو نفيها، وكل عالم ففي نفسه حديث مطابق لمعلومه بالضرورة، ولا معنى للخبر ~~الصادق إلا ذلك. # وإذا تقرر وجوب اتصافه بالعلم القديم والصدق القديم، فالإخبار بالكذب ~~إنما يتصور عن جهل بحال المخبر عنه، ms238 أو بفرض تقدير الحال بخلاف ما هو عليه ~~من العلم، وهو أيضا جهل؛ لعدم مطابقته للخارج؛ ولأن التقرير فعل المقدور، ~~ولا يكون إلا حادثا، والبارئ -تعالى- لا يوصف بحادث وفرض قيام الجهل به ~~محال لوجهين: # أحدهما: أنه نقص. # والثاني: أن قيامه به إما مع اتصافه بالعلم، أو مع انتفائه، والأول جمع ~~بين الضدين، والثاني يستلزم عدم القديم؛ وكلاهما محال. # قوله: "وأما القائلون بتحسين العقل وتقبيحه، فإنهم يقولون: الكذب يقبح ~~لكونه كذبا، والله -تعالى- عالم بالقبيح مع كونه غنيا عنه، وكل من كان كذلك ~~امتنع صدور القبح منه" يعني: مع كونه حكيما. # وما قالوه بناء على مذهبهم أن الكلام من صفات الأفعال، لا من صفات ~~المعاني، وتقييده باستغنائه عنه احتراز من مثل كذبة فيها نجاة نبي تصدر من ~~العبد؛ فإن أبا هاشم حكم بحسنها، ولا يتصور ذلك من الله تعالى؛ لأنه لا ~~يتعين طريقا للنجاة منه؛ فإنه قادر على منعه منه، وقد ألزمهم أصحابنا على ~~أصولهم أن الله -تعالى- إذا خلق على لسان متهم: سرقت وزنيت، وكان المتكلم ~~من فعل الكلام، لا من قام به - أن يكون الله- تعالى -هو المتصف بذلك، ونحن ~~لا نمنع أن يطلق على الله -تعالى- كونه متكلما بخلقه الكلام إذا ورد به ~~سمع، ولكنا لا نقول: إنه يعود إليه من أفعاله صفات تقوم به، وإنما تنسب ~~إليه بالخلق، والاختراع، وإلا لزام أن يكون بخلقه الصوت مصوتا، وبخلقه ~~الحركة متحركا؛ فالصدق إذن، في كلام الله -تعالى- النفسي ثابت؛ لمطابقته ~~المعلوم على ما هو به، وفي الأقوال المنسوبة إليه الدلالة على كلامه ~~النفسي؛ لمطابقتها الكلام المطابق للعلم. # قوله: "الثاني: خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك أنه ادعى كونه ~~صادقا، وأثبتت المعجزة صدقه في PageV02P138 # فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: "إنه ادعى كونه صادقا في ادعاء النبوة، ~~وثبت بالمعجزة كونه صادقا في هذه الدعوى، ولا يلزم من كونه صادقا في هذه ~~الدعوى- كونه صادقا في جميع الدعاوى"؟ ! # === # دعواه، فوجب القول بكونه صادقا": # أورد عليه إشكال، فقيل له: إذا كان من مذهبكم أن الله -تعالى- يضل ms239 من ~~يشاء، ولا يقبح منه شيء، ولا مانع من ظهور المعجزة على يد الكاذب؛ وحينئذ ~~لا يثبت صدقه. # وأجيب عنه بجوابين بناء على الاختلاف في وجه دلالة المعجزة أنها عادية، ~~أو عقلية: # فمن قال: إنها عادية -وهو اختيار الإمام- قال: وإن جوزنا ذلك عقلا، إلا ~~أن ذلك لا يمنع جزمنا بدلالتها على الصدق، بناء على استمرار العاديات؛ كما ~~أنا وإن جوزنا أن يقلب الله -تعالى- الجبل ذهبا لا يمنع جزمنا بأنه الآن ~~باق على صفته، ولو وقع لانسلت العلوم من الصدور. # وأما من قال: إن دلالتها عقلية -وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق- فإنه ~~يقول: إن تخصيص هذا المدعي بخلق الخارق على وفق دعواه وتحديه- دليل على ~~إرادة الله -تعالى- لتصديقه؛ لما دل تخصيص الممكنات بوجوه صح في العقل ~~وقوعها على خلافها على أنه -تعالى- مريد لذلك. # فنقول في جوابه: إنه لا يصح على هذا التقدير صدورها على يد كاذب؛ لأن ~~الدليل العقلي يدل بذاته ونفسه، فلو وجد غير دال لا نقلب الدليل شبهة، وقلب ~~الأجناس محال. # وأما أن الله -تعالى- يضل من يشاء- فنقول: يضل من يشاء، ولكن لا بالدليل ~~من الوجه الذي كان به دليلا. # قوله: "فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنه ادعى كونه صادقا في ادعاء ~~النبوة، وثبت بالمعجزة كونه صادقا في هذه الدعوى، ولا يلزم من كونه صادقا ~~في هذه الدعوى: كونه صادقا في جميع الدعاوى": # حاصل هذا الاعتراض القول بموجب الدليل بأنه يقول بأنكم ادعيتم وجوب صدقه ~~في كل ما يخبر به، ودليلكم لا يدل إلا على صدقه في الإخبار عن نبوته. # [قوله]: "قلنا: لا معنى للنبوة، إلا كونه مبلغا للأحكام عن الله -تعالى- ~~فإذا جوزنا كذبه في شيء، فقد بطلت النبوة، وإن لم نجوز ذلك، فهو المقصود فيه": # [هذا] استدراك؛ فإن معنى النبوة اصطفاؤه بأن يوحى إليه، فإن أمر بعد ذلك ~~بتبليغ ما أوحى إليه كان رسولا، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، ومراد ~~المصنف بالنبوة PageV02P139 # قلنا: لا معنى للنبوة إلا كونه مبلغا للأحكام عن الله تعالى، فإذا جوزنا ~~كذبه في ms240 شيء من هذا، فقد بطلت النبوة، وإن لم نجوز ذلك فهو المقصود. # الثالث: أنه لما ثبت أن مجموع الأمة معصومون عن الكذب- كان قولهم صدقا. # الرابع: كل من أخبر الله تعالى عنه أو أخبر رسول الله -عليه السلام- أو ~~دل الإجماع على كونه صادقا- ثبت الحكم فيه. # === # الرسالة؛ فوقعت العبارة مستدركة. ثم التبليغ لا يختص بالأحكام كما ذكر؛ ~~فإن الرسل -صلوات الله عليهم- مبشرون منذرون، وكما اشتمل القرآن على ~~الأحكام، اشتمل على المواعظ، والحكم، والأمثال، والوعد، والوعيد، والإنباء ~~عن قصص الأولين، والإخبار عما سيكون. # وبالجملة: فإن المعجزة تدل على الوجه الذي تحدى به؛ فإن ادعى النبوة فقط، ~~وأقام المعجزة عليها، فلا بد من دليل زائد على عصمته فيما يخبر به عن الله ~~تعالى- بيان ادعى أنه رسول عن الله -تعالى- في جميع ما يبلغه عنه، فلا حاجة ~~في عصمته في ذلك إلى دليل زائد على المعجزة. # قوله: "الثالث: أنه لما ثبت أن جميع الأمة معصومون عن الكذب، كان قولهم صدقا": # هذا القول حق في نفسه، لكنه لا يصح منه دعواه مع اختياره أن دلائل ~~الإجماع ظنية. # قوله: "الرابع: كل من أخبر الله -عز وجل- عنه، وكل من أخبر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، أو دل الإجماع على كونه صادقا- يثبت هذا الحكم فيه": # يعني: أن كل من ثبت صدقه فهو صادق، وقد قيل: إن من الأنبياء من لم يكن له PageV02P140 # الخامس: القرائن إذا حصلت مع قول الواحد، فقد يفيد العلم؛ كما إذا علمنا ~~أن رجلا كان مريضا، ثم إن ولده خرج حافيا حاسرا مشقوق الجيب مناديا بالويل ~~والثبور- فإنه يحصل العلم بأن ذلك الإنسان قد مات. وهذه القرائن غير مطردة؛ ~~فإنه يمكن أن يظهر أن ذلك الإنسان لم يمت، وأنه أظهر الموت لغرض آخر؛ إلا ~~أن ذلك لا يقدح في كون القرائن مفيدة للعلم في الجملة. # === # معجزة، بل اكتفى في صدقه بتصديق نبي له ثبت صدقه. # قوله: "الخامس: إذا احتفت القرائن مع القول الواحد، فقد يفيد العلم؛ كما ~~إذا علمنا أن رجلا كان مريضا، ثم إن ولده خرج ms241 حافيا حاسرا مشقوق الجيب، ~~مناديا بالويل والجزع؛ فإنه يحصل لنا العلم بأن ذلك الإنسان قد مات- وهذه ~~القرائن غير مطردة؛ فإنه يمكن أن يظهر أن ذلك الإنسان لم يمت، وأنه أظهر ~~الموت لغرض آخر، إلا أن ذلك لا يقدح في كون القرائن تفيد العلم في الجملة": # زعم النظام، والإمام، والغزالي أن مثل هذا الخبر يفيد العلم. # وقال القاضي وغيره: لا يفيد. # واحتج المنكرون بوجوه: # الأول: قالوا: لو أفادت القرائن العلم بما ظهر الأمر بخلافه، وقد يظهر مع ~~ما ذكره من القرائن البكاة والندبة، والنياحة، وتغيير الأحوال، وحضور ~~الكفن، وخروج الجنازة، وغير ذلك- كونه مغمى عليه أو مسكتا أو خبل بذلك لغرض ~~خوف سلطان أو غيره. # الثاني: لو أفادت القرائن العلم، لجاز إلا يدل خبر التواتر؛ لانتفاء ~~القرائن؛ ولأنه لو دل لاطرد في كل خبر واحد. # وأجيب عن الأول بأن الظهور على خلاف الأمر في بعض الصور لا يمنع دلالتها ~~مطلقا، ونحن لم ندع وجوب إفادة القرائن. # الثالث: ذلك في كلل صورة، وإنما ادعينا أنها قد تفيد على الجملة، وهذا ~~يضاهي قول الفقهاء: إن تعليل الثبوت على الجملة لا ينتقض بانتفاء الحكم في ~~صورة؛ كتعليل أصل البيع بالحاجة، ينتقض بعدم شرعه في بياعات نهي عنها ~~بعينها مع الحاجة اليها، كيف وإن قرائن الأحوال قد تستقل بإفادة العلم؛ كما ~~يعلم بها خجل الخجل، وخوف الخائف، وحال العطشان، والمحب، ويكذب عند ادعاء خلافه. # وعن الثاني: أن التواتر لا ينفك عن القرائن، ولو سلم انفكاكه، فهو إلزام ~~عكس الدليل، PageV02P141 # السادس: التواتر، وفيه أبحاث: # الأول: في شرائط التواتر؛ وهي ثلاثة: # أحدها: أن يكون المخبر عنه محسوسا، أما لو أخبر أهل الشرق والغرب عن حدوث ~~العلم ووحدة الله تعالى، لم يحصل العلم بمجرد ذلك الخبر. # === # وإنه غير لازم؛ فإنا ادعينا أن احتفاف القرائن يخبر الواحد قد يفيد ~~العلم، ولم ندع أنه لا يفيد العلم إلا ذلك، فقد تقل القرائن وتجتمع مع ~~إخبارات، فيكون متواترا، وقد يكثر العدد، وينفرد بإفادة العلم على رأي ~~القاضي وأبي الحسين إن أمكن. # وعن ms242 الثالث: أنا نطرده في كل خبر احتفت به القرائن المعلمة لا في مطلق ~~خبر الواحد، ومثل هذا الخبر إذا أفاد العلم لا يكون من المتواترات، بل من ~~جنس الحدسيات. # قوله: "السادس الخبر المتواتر": # التواتر في اللغة: تتابع أمور شيئا فشيئا، قال الله تعالى: {ثم أرسلنا ~~رسلنا تترى} [المؤمنون: 44] وفي الاصطلاح: عبارة عن خبر جماعة يفيد العلم ~~بنفسه، وتقييدهم له ب"نفسه" ليخرج منه خبر جماعة علم صدقهم بإخبار صادق ~~أنهم صادقون، أو غيره. وهو مفيد للعلم عند اجتماع شرائطه، سواء كان عن ~~موجود في زماننا، أو في زمان ماض. # قوله: "وفيه أبحاث: البحث الأول في شرائط التواتر، وهي ثلاثة: أحدها: أن ~~يكون PageV02P142 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # المخبر عنه أمرا محسوسا، أما لو أخبر أهل المشرق والمغرب عن حدوث العالم، ~~ووحدة الإله، لم يحصل العلم بمجرد ذلك الخبر. PageV02P144 # الثاني: كون المخبرين بحالة يمتنع اتفاقهم على الكذب، وتلك الحالة ~~المانعة عن # === # واشتراط كون المخبر عنه محسوسا يتضمن اشتراط كونه معلوما للمخبر، وشرط ~~الإمام أن يكون عن اطراد، وهو أعم من محسوس، ومراده أن يدخل فيه ما يستفاد ~~من قرائن الأحوال لا الأوليات؛ فإن كل واحد يعلم ذلك بمجرد العقل؛ فلا حاجة ~~فيه إلى الخبر، وقد حافظ على عكسه، فأبطل طرده. # قال الإمام: والفرق بين حصول العلم عن ذلك، وعدم حصوله أن الأخبار عن ~~المستند إلى النظر- ليس مما يحاول المرء فيه تعليلا، وفرقا، أو دليلا؛ بل ~~المرجع فيه إلى العادة؛ فإنا رأينا العادة مستمرة في النفي والإثبات. # وقال الغزالي: ولعل الفرق أن المخبر عن حدوث العالم قد يخبر عن اعتقاده، ~~ولا قرينة تميزه عن العلم، ويمكن الفرق بأنهم إذا أخبروا عن محسوس، فقد ~~تواردوا على مخبر واحد بعينه، وإذا أخبروا عن نظر، فكل واحد منهم إنما يخبر ~~عن نظر نفسه؛ فلم يتحد المخبر عنه. # قوله: "والثاني كون المخبرين بحالة تمنع اتفاقهم على الكذب، وتلك الحالة ~~المانعة من إمكان الكذب قد تكون ببلوغ المخبرين في الكثرة إلى حيث لا يمكن ~~اتفاقهم على الكذب، وقد PageV02P149 # إمكان الكذب قد تكون ببلوغ ms243 المخبرين في كثرتهم إلى حيث يمتنع اتفاقهم على ~~الكذب؛ وقد تكون بحصول سائر القرائن. # وهذان الشرطان كافيان في كون الخبر المتواتر مفيدا للعلم، إذا كان ~~المخبرون # === # تكون بحصول سائر القرائن، وهذان شرطان كافيان في كون الخبر المتواتر يفيد ~~العلم". # قلت: اختلف الناس في شروط خبر التواتر، وقد اعتبروا شروطا منها ما يصح، ~~ومنها ما لا يصح: فأما ما يصح: فمنها ما يعود إلى المخبرين، وهو ما ذكره من ~~الشرطين. # ومنها ما يعود إلى السامعين، وهو ألا يكون موجب التواتر معلوما بالضرورة ~~للسامع؛ فإنه إذا كان حاصلا امتنع إفادة الخبر له، وشرط المرتضى من الشيعة ~~ألا يكون معتقدا نقيضه عن شبهة، أو تقليد، وإنما شرط ذلك؛ لزعمه تواتر النص ~~على إمامة علي - كرم الله وجهه - وإن كان لا يفيد العلم عند خصومهم؛ ~~لاعتقادهم نقيض ذلك. # قوله: "هذا إذا كان المخبرون يخبرون عن مشاهد، وأما إن اخبروا أن قوما ~~أخبروهم بأن الأمر كذلك، وجب اعتبار الشرطين المذكورين في تلك الواسطة": # يعني: أنه يشترط في الطبقة الثانية ما اشترط في الأولى، وكذلك الثالثة، ~~والرابعة إلى أن يصل إلينا؛ كنقل القرآن الكريم إلينا. # وأما الشروط الفاسدة: فقد شرط قوم ألا يحويهم بلد، ولا يحصرهم عدد، وهو ~~باطل؛ فإن أهل جامع "بغداد" مثلا لو أخبروا عن سقوط مؤذن عن المنارة يوم ~~الجمعة، لأفاد العلم. # ومنهم من شرط إلا يكونوا من أهل بلد واحد ولا من أب واحد، وهو باطل؛ فإن ~~أهل "قسطنطينية" لو أخبروا بموت ملكهم لأفاد العلم. # وشرط اليهود أن يكونوا تحت ذلة وصغار؛ ليحاولوا بذلك القدح فيما ننقله من ~~معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وألزموا ألا يحصل لهم علم بنقل ~~شريعتهم قبل ذلتهم، ولو شرط عكسه، لكان أقرب؛ لاستغنائهم عن الكذب. # وشرط الإمامية، ويعزى إلى ابن الراوندي اشتمالهم على الإمام المعصوم، وقد ~~سبق PageV02P150 # يخبرون عن المشاهدة. فأما إن أخبروا أن قوما أخبروهم بأن الأمر كذلك - ~~وجب اعتبار الشرطين المذكورين في تلك الواسطة. # البحث الثاني: في أن الخبر المتواتر يفيد العلم؛ وتقريره: أنا ms244 لما سمعنا ~~أن في الدنيا بلدة يقال لها: : "الصين" - وجدنا نفوسنا ساكنة في وجود هذه ~~البلدة، ولما سمعنا أنه كان في الدنيا إنسان يقال له: "موسى" و"عيسى" - ~~وجدنا نفوسنا ساكنة؛ وذلك يدل على أن الخبر المتواتر، يفيد العلم. # === # بطلانه، ويلزمهم ألا يحصل العلم بقول دعاته، ورسله، ولا بخبر أهل بلدة ~~ليس هو منها. # ولا يشترط فيهم العدالة، ولا الإسلام؛ لحصول العلم بدون الجميع. # قوله: "البحث الثاني: في أن الخبر المتواتر يفيد العلم، وتقريره: أنا لما ~~سمعنا أن في الدنيا بلدة يقال لها: "الصين" وجدنا نفوسنا ساكنة في وجود هذه ~~البلدة، ولما سمعنا أن في الدنيا إنسانا يقال له: "موسى" و"عيسىى" وجدنا ~~نفوسنا ساكنة، وذلك يدل على أن الخبر المتواتر يفيد العلم": # وقد أشار بهذين المثالين إلى أنه يفيد العلم، سواء كان في زماننا، أو في ~~الماضي. # وقد أنكرت فرقة من الملحدة البراهمة تعرف ب "السمنية" إفادته العلم عن ~~الماضي؛ توسلا إلى القدح في النبوات؛ فإنه من مقدماتها، ومنهم من منع ~~إفادته للعلم مطلقا؛ خشية المناقضة. # ولنا: أنا نجد من أنفسنا العلم الضروري بوجود البلاد النائية، والأمم ~~السالفة بمجرد الإخبار، كما نجد العلم بالأمور المشاهدات من غير أن يعارضنا ~~فيه شك ولا شبهة، وجميع ما يوردونه تشكيك في الضروريات، لا يستحق الجواب ~~لولا التنزل، وقد تمسكوا بأمور: # الأول: قالوا: التفاوت حاصل بين موجب هذه الإخبارات، وبين قولنا: الواحد ~~نصف الاثنين، والتفاوت دليل عدم العلم؛ إذ لا تفاوت في العلوم. # الثاني: أن خبر كل واحد يتطرق إليه الكذب، والخطأ، والنسيان، والإجماع لا ~~ينفيه؛ لأنه مانع منه في الاثنين، والثلاثة، والأربعة، والعقل لا يهتدي ~~لتعيين عدد؛ فوجب أن يبقى الجواز. # قالوا: وهذا كقولكم في إبطال حوادث لا أول لها: إنه لما كان لكل حادث ~~بذاته، كان للمجموع بذاته. # الثالث: قالوا: لو أفاد العلم، لأفاد خبر اليهود العلم ببقاء شريعة موسى ~~- عليه السلام -، وهو عدد كثير، وكذلك خبر النصارى بصلب المسيح، - عليه ~~السلام -. PageV02P151 # البحث الثالث: # قال الكعبي: العلم الحاصل عقيب سماع الخبر المتواتر نظري. ms245 # === # وأجيب عن الأول بأن التفاوت راجع إلى كثرة الاستئناس بتصور إحدى القضيتين ~~دون الأخرى. # وعن الثاني: أنا لا ننكر تطرق الجواز العقلي، وإنما الاعتماد في حصول ~~العلم به على العادة، وللقرائن فيه مدخل عظيم، ولذلك يختلف باختلاف ~~المخبرين، والمخبر عنه. # وعن الثالث: أنا لا نسلم تحقق شرائط التواتر في أخبار اليهود؛ فإن من ~~شرائطه استواء الطرفين والواسطة، والكثرة في اليهود تخبر عن قلة، فإن ~~بختنصر لم يبق من أحبارهم من تقوم الحجة بنقلهم. # وقيل: إن ابن الراوندي لقنهم ذلك، ولا يعرف من غير جهته. # وأما خبر النصارى فالمتفق عليه صلب شخص على شبه المسيح، وهو خرق عادة، ~~والكلام في إفادة التواتر العلم مبني على استقرار العادة. # قوله: "البحث الثالث: قال الكعبي: العلم الحاصل عقيب سماع الخبر ~~المتواتر- نظري، وقال الباقون: ضروري، وهو المختار؛ لأن هذا العلم يحصل ~~للعوام والأطفال، مع أن الدليل الذي يذكرونه في كون التواتر يفيد العلم- ~~دقيق، على ما بينا في كتاب "المحصول"، وبينا أن العلم الظاهر الحاصل لكل ~~أحد على طريق الخفاء- محال": # اعلم أن القول بأن هذا العلم نظري مكسوب بالاستدلال يعزى إلى الكعبي، ~~وأبي الحسين، وأبي بكر بن الدقاق، واعتذر له الإمام، وللغزالي صغو إليه في ~~بعض كتبه، وتوقف فيه المرتضى من الشيعة، والآمدي. # وقال الجمهور: إنه ضروري. # واحتجوا بما أشار إليه، وهو أن العلم النظري يتوقف على أهلية، وحصول ~~العلم به بدون أهلية من البله والصبيان- دليل على أنه ليس بنظري. واعتذروا ~~عما ألزموا بأنه قد يلتبس العلم النظري بالضروري؛ لقرب مقدماته من الصورة، ~~ولزومها في الذهن، فيشترك فيه الأكثر، ويظن أنه ضروري؛ وليس كذلك، كعلمنا ~~بأن الواحد نصف الاثنين. # وأجيب عنه بأن حصول العلم بأمر مع عدم الشعور به- محال، وفيه مغالطة؛ فإن ~~الكلام في صفته. # واحتج الكعبي بأنه لو كان ضروريا، لعلم كونه ضروريا. # وأجاب القاضي وغيره عنه بأنه لا يلزم من العلم بالشيء؛ ضرورة أن تعلم ~~صفته بالضرورة. # وضعف الجواب بأن العلم المتعلق بالعلم بالشيء، أما أن يكون نفس ذلك العلم ~~المتعلق PageV02P152 # وقال الباقون: إنه ms246 ضروري؛ وهو المختار؛ لأن هذا العلم يحصل للعوام ~~والأطفال، مع أن الدليل الذي يذكر في كون الخبر المتواتر مفيدا للعلم- دليل ~~دقيق على ما بيناه في "كتاب المحصول" [وبينا: ] أن العلم الظاهر الحاصل لكل ~~أحد بالطريق الخفي فحال. # البحث الرابع: أنه ليس للتواتر عدد يستدل بحصوله على حصول العلم به؛ فإن كل # === # بذلك الشيء، أو غيره: كان غيره، لزم التسلسل، وإن كان إياه، فلا يتصور أن ~~يكون العلم الواحد ضروريا نظريا معا. # واحتج له الغزالي بما حاصله أن الضروري هو الذي يكفي في إدراك تصور طرفي ~~القضية من غير واسطة، والنظري عكسه، وإدراك أنهم صادقون لا يكفي فيه تصور ~~مجرد الخبر، بل لا بد من النظر في أحوال المخبرين بأنهم لا داعي لهم إلى ~~الكذب، وأحوال المخبر عنه، وهذه المقدمات نظرية، والموقوف على النظري نظري، ~~فنقول: هؤلاء لا داعي لهم إلى الكذب، وكل من لا داعي له إلى الكذب صادق. # وأجيب عنه بأن مجرد نظم الدليل لا يمتنع في غير ما ذكر من الضروريات، ولا ~~ينكر أنه لا بد في حصوله من تأمل في حال المخبرين والمخبر عنه، لكن ذلك ليس ~~باستدلال بأوساط ومقدمات، وإنما هو تفطن لتحقق الأسباب العادية؛ فإن ~~الضروري ينقسم إلى ما لا يتوقف على سبب؛ كالأوليات، ومنها: ما يتوقف على ~~سبب؛ كالحسيات والتجريبيات وغيرها، فإن رؤية الهلال الخفي لا بد في العلم ~~به من معرفة الجهة؛ وتحديق البصر نحو المرئي وترديده في الجهة، وذلك لا ~~يخرجه عن كونه ضروريا، وكذلك العلم بخجل الخجل، ووجل الوجل، وهذا منشأ ~~التردد في هذه المسألة، والله أعلم. # قوله: "البحث الرابع: المختار عندنا: أنه ليس للتواتر عدد يستدل به على ~~حصول العلم، وإن كان عددا لفرض في القوة والضعف، بل متى علمنا حصول العلم ~~به، علمنا أن الأحوال الموجبة للعلم كانت حاصلة على سبيل التمام والكمال": # اختلف العلماء في أقل عدد التواتر: فقيل: خمسة؛ لأن الأربعة بينة تقبل ~~التزكية. # قال القاضي: اعلم أن قول الأربعة لا يفيد العلم أصلا؛ إذ لو أفاد، ms247 لكان ~~قول كل أربعة صادقا؛ لاستواء حكم المثلين، ولو كان كذلك، لما وجب تزكية ~~شهود الزنا، وأتوقف في قول الخمسة. # وأورد عليه: أنه لا معنى لتوقفه في الخمسة؛ فإن ما قرره في أن الأربعة لا ~~تكون عدد التواتر- مطرد فيها، فإن القاضي قد يستظهر بخامس وسادس، ويفتقر ~~إلى التزكية، وإنما أبهم عليه؛ لأنه لا يشترط فيه القرائن، وإلا فقد يفيد ~~مع الانضمام. PageV02P153 # عدد يفرض في القوة والضغف- فالعلم الضروري حاصل، إن حصل ذلك العدد بنقصان ~~واحد أو اثنين يساويه في القوة والضعف، فمتى علمنا حصول العلم، علمنا: أن ~~الأحوال الموجبة للعلم كانت حاصلة على سبيل التمام والكمال. # البحث الخامس: متى سمعنا الخبر على الحد الذي يسمعه غيرنا، ولم يحصل ~~العلم- علمنا قطعا أنه غير متواتر. # === # وقيل: أقله اثنا عشر؛ لقوله تعالى: {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} ~~[المائدة: 12]. # وقال أبو الهذيل: أقله عشرون؛ لقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65]. # وقيل: أربعون؛ لقوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين (64)} [الأنفال: 64]، وكانوا أربعين. # وقيل: سبعون؛ لقوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} ~~[الأعراف: 155]، وإنما اختارهم ليخبروا قومهم. # وقيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أهل "بدر"؛ إذ بهم استقر الدين. # وقيل: عدد بيعة الرضوان، وكانوا ألفا وسبعمائة، ولا يخفى سقوط هذه ~~التحكمات، ويكفي في ذلك عدم تعلقها بالمقصود، ومعارضة بعضها بعضا. # قال الإمام: ولسنا نجد حدا في القليل والكثير؛ كما ورد تحديد الشهود، فإن ~~رام ذو تحصيل في ذلك ضبطا، فليفرض خبر واحد عن محسوس، وخبر اثنين، ثم كذلك ~~يزيد صاعدا، وهو في ذلك يعلم ما يزيد إلى أن ينتفي الريب، ويحصل العلم ~~الضروري؛ فذلك عدد التواتر. # قال: فإن اتفق مثل هذا العدد في صورة أخرى غير موجب للعلم، فذلك كتخلل ~~كاذبين، وما ذكره قاله القاضي في بعض كتبه؛ بناء على مذهبه أن العدد يستقل ~~بتحصيل العلم دون القرائن. # والذي ارتضاه المحققون أن للقرائن فيه مدخلا عظيما في إفادته للعلم، ولا ~~يكاد يتجرد عنها وإن ظن المرء تجريد نفسه ms248 عنها؛ وعلى هذا قالوا: لا ضابط ~~له، إلا ما أفاد العلم على ما ذكره المصنف، ورب سبب لشيء لا يعلم كونه سببا ~~إلا بعد حصول أثره؛ كالقدر المحصل للشبع من الطعام، والقدر المحصل للري من ~~الماء، ولا ينكر حصول العلم بخبرهم بتزايد خفي، لكن العقل لا يضبطه؛ كما ~~يحصل كمال العقل بتزايد، والقوى البشرية قاصرة عن درك ذلك. # قوله: "البحث الخامس: متى سمعنا الخبر على الحد الذي سمعه غيرنا، ولم ~~يحصل لنا العلم، علمنا أنه غير متواتر": # تصوير هذا الفرع على رأي من يعتقد استقلال العدد بإفادة العلم واضح، وأما ~~من يعتقد أن للقرائن فيه مدخلا؛ كالإمام والمصنف- ففيه عسر؛ فإنها تختلف ~~باختلاف المخبرين والمخبر PageV02P154 # ومثاله: أن الروافض يدعون التواتر في النص على إمامة علي -كرم الله وجهه- ~~فلما سمعنا هذا الخبر المتواتر الذي يذكرونه في إمامة علي على الوجه الذي ~~سمعوه، وما أفاد -ألبتة- ظن الصدق فضلا عن اليقين-: فذلك يدل على كذب ذلك الخبر. # === # عنه، وإن من القرائن ما لا يمكن تجريد النفس عنها، وإن اعتقد تجريدها، ~~ففرض تساوي نفوس السامعين فيه عسر. # قوله: "مثاله: أن الروافض يدعون التواتر في إمامة علي - رضي الله عنه - ~~على الوجه الذي سمعوه، فعلمنا أنا سمعنا هذا الخبر المتواتر الذي يذكرونه ~~في إمامته على الوجه الذي ذكروه، وما أفاد ألبتة الظن فضلا عن اليقين؛ وذلك ~~يدل على كذب هذا الخبر": # هذا المثال ليس مطابقا؛ فإن خبر النص انضاف إليه أن العادة تقتضي بكذبه ~~على ما سيأتي تقريره. # وأما مسألة دعوى النص، فاعلم أن من يدعي النص على إمامة على ثلاث فرق: ~~فرقة تزعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه باسمه، وعينه، وعلى الحمسن ~~بعده، والحسين، وهم الأكثرون، وفرقة تزعم أنه - عليه السلام - نص عليه ~~باسمه، وعينه، ونص على ولديه بعده. # والفرقة الثالثة: تزعم أنه نص عليه بصفاته لا باسمه، وبالجملة: فكل من ~~ادعى نصا على إمامة شخص بعينه من علي، أو أبي بكر، أو العباس -رضوان الله ~~عليهم أجمعين- فالرد على الجميع واحد؛ وهو أن ms249 هذا أمر خطير تتشوف النفوس ~~إليه، لا سيما عند دعاء الحاجة إليه، وحيث لم ينقل عند اشتوارهم يوم ~~السقيفة، ولا عند عهد أبي بكر لعمر، ولا عند [ما] جعلها PageV02P155 ### || AUTO المسألة الثالثة في أقسام الخبر الذي يعلم كونه كذبا # الأول: كل ما علم ثبوته ببديهة العقل، أو بالحس، أو بالدليل- فالخبر على خلافه # === # عمر شورى في الستة، ونقل أبو بكر ما هو أعم من ذلك؛ وهو قوله -عليه ~~السلام-: "الأئمة من قريش" وتلقوه بالقبول- دل على عدم النص المتواتر. وقد ~~تقرر أن المحكم فيما يحصل العلم وما لا يحصله العادة. # واعتذار المرتضى بأن المانع لخصومهم من حصول العلم اعتقاد نقيضه عن تقليد ~~أو شبهة- يعارضه أن يقال: أو لعل موجب جزمكم بالصدق اعتقادكم ذلك، أو ~~انضمام شبهة في نفوسكم، وكيف لا مع اعتقادكم أنه يصح أن ينسب إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كل ما صح من قول من تعتقدون إمامته، وهو على زعمكم ~~أنه معصوم؟ ! وهذا تصريح منكم بتسويغ الكذب وتصديقه، أعنى: قول الراوي: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقله. # وإذا عرفت خبر التواتر، وأنه يفيد العلم، فهو ينقسم إلى لفظي، ومعنوي، ~~فاللفظي كنقل القرآن، والمعنوي كنقل العدد الكثير الذي يستحيل تواطؤهم على ~~الكذب- وقائع مختلفة لم يجتمعوا على آحادها مشتملة على قدر مشترك؛ كالوقائع ~~التي علم بها شجاعة علي، وسخاء حاتم، وإن لم يتفق الرواة على وقائع بعينها. # ومن تمام مباحث هذا الأصل أن خبر التواتر يستلزم العلم عادة، ولا يولده، ~~خلافا لقوم؛ لوجوب إسناد جميع الممكنات إلى الله -تعالى- خلقا واختراعا، ~~والقول بالتولد من فروع قواعد المعتزلة، وهو أن العبد يستقل بفعله وأنه ~~يفعل مباشرة في ذاته، ويفعل خارج ذاته بالتولد عن مقدور له في ذاته؛ فلهذا ~~قالوا: التولد حادث عن سبب مقدور بالقدرة الحادثة. # [قوله]: " ### || AUTO المسألة الثالثة في أقسام الخبر الذي يعلم كونه كذبا # : الأول: كل ما علم ثبوته ببديهة العقل، أو بالحس، أو بالدليل، فالخبر ~~على خلافه يكون كاذبا": وبالجملة فمما يعلم كذبه كل خبر ms250 مخالف لما علم صدقه ~~بمدرك من مدارك العلوم، وهي السابقة؛ لاستحالة اجتماع PageV02P156 # يكون كذبا. ويتفرع عليه: أن كل خبر نقل عن النبي -عليه السلام- مما يوهم ~~الباطل كالتشبيه وغيره فإن كان يحتمل نوعا من التأويل اللائق لم يقطع بكونه ~~كذبا، وإن لم يحتمل إلا التأويل البعيد- وجب القطع: إما بكذبه، أو بأنه ~~-عليه السلام- كان قد تكلم # === # النقيضين على الصدق، ومن جملة ذلك كذب من يدعي رسالة بغير معجزة ولا ~~تصديق ممن ثبت صدقه له؛ لأن العادة على خلافه. # قوله: "ويتفرع عليه أن كل خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما ~~يوهم الباطل؛ كالتشبيه وغيره: فإن كان يحتمل نوعا من التأويل اللائق، لم ~~يقطع بكونه كذبا، فإان لم يحتمل إلا التأويل البعيد، وجب القطع بكونه كذبا، ~~أو بأنه كان - عليه السلام - تكلم قبله أو بعده بكلام يزيل تلك الشبهة، ~~والناقل لم ينقله؛ لأنا لو لم نعتقد ذلك، لزم أن يقال: إنه كان جاهلا بالله ~~تعالى، والجاهل بالله -تعالى- لا يكون نبيا": # هذا التفريع يخرج على قاعدة؛ وهي أن كل ما ورد في الكتاب والسنة مما يوهم ~~التشبيه في الأسماء والصفات، فيمتنع منه أن يرد متواترا لا يقبل التأويل؛ ~~لأن الشرع إنما يثبت بالعقل، وهو شاهده. # فلو جاء بما يكذبه لم يثبت عقل ولا شرع. وما ورد من ذلك في أخبار الآحاد، ~~وكان لا يقبل التأويل ألبتة، أو التأويل اللائق بفصاحته- قطعنا بكذب راويه، ~~أو يحمل على الغلط. وإن كان للتأويل الصحيح فيه مجال، فيتعين أن يقطع بأن ~~المحمل الباطل غير مراد. ثم ينظر بعد ذلك إلى اللفظ: فإن بقي له احتمال ~~واحد، تعين أن يكون مرادا لحكم الحال، فإن بقى أكثر من واحد، وكل واحد منها ~~جائز الإرادة: فإن دل قاطع شرعي على تعين أحدها - عيناه؛ وإن لم يدل قاطع، ~~فهل نعين بمسالك الظنون؟ اختلفوا فيه: فمذهب السلف -رضوان الله عليهم- أنه ~~لا يجوز التعيين بذلك خشية الإلحاد في الأسماء والصفات. # قالوا: ويتعين أن يعتقد أن له محملا صحيحا في نفس الأمر يعلمه الله ms251 ~~-تعالى- وعلى هذا يحمل قول بعض السلف. # ويقال: إن مالكا لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ~~والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ يعني: أن محامل الاستواء في اللغة ~~تفيد القطع بأن الاستقرار غير مراد من القهر والاستعلاء، أو القصد، أو ~~التناهي في صفات الكمال. PageV02P157 # قبله أو بعده، بكلام يزيل تلك الشبهة، والناقل أخل بنقله؛ لأنا لو لم ~~نعتقد ذلك يلزم أن يقال: إنه -عليه السلام- كان جاهلا بالله تعالى؛ والجاهل ~~بالله تعالى لا يكون نبيا. # الثاني: أن يكون متناقضا في نفسه؛ كقول القائل: "كل كلامي كذب"؛ فإنه ~~بتقدير أن يقال: "إنه كان كاذبا في كل ما تكلم به في الزمان المتقدم": فقد ~~كان صادقا في الإخبار عن أنه كان كاذبا، وبتقدير أن يكون كاذبا في هذا ~~الكلام: فقد كان صادقا في كل ما تقدم، وهذا بخلاف قوله: "كل كلامي صدق": ~~فإنه لا يمتنع كونه صادقا في كل ما تقدم، وفي هذا الكلام أيضا. # الثالث: الشيء الذي يتقدر وقوعه تتوفر الدواعي على نقله: فإذا لم يشتهر ~~-دل على أنه لم يوجد؛ لأن انتفاء اللازم يدل على انتقاء الملزوم؛ بهذا ~~الطريق عرفنا: أن القرآن لم يعارض، وأنه لم يوجد النص الجلي على إمامة علي ~~-رضي الله عنه- وسائر معجزات النبي -عليه السلام- فهي، وإن كانت بحيث تتوفر ~~الدواعي على نقلها، إلا أنه # === # وقوله والكيف مجهول؛ يعني: أن تعيين محمل من المحامل السابقة مجهول لنا. # وقوله: والإيمان به واجب؛ أي: التصديق بأن له مجملا يصح واجب. # وقوله: والسؤال عنه بدعة؛ أي: عن تعينه بالطرق الظنية؛ فإنه تصرف في صفات ~~الله وأسمائه برجم من الظنون، ولم يعهد من الصحابة؛ فهو بدعة، وإنما عملوا ~~بالظنون في الأحكام الشرعية، وجوز المتأخرون ذلك لرفع الخبط عن العقائد، ~~والأول أحوط، والله أعلم. # قوله: "الثاني: أن يكون متناقضا في نفسه؛ كقول القائل: كل كلامي كذب؛ ~~فإنه بتقدير أن يقال: إنه كان كاذبا في كل ما تكلم به في الزمن المتقدم- ~~كان صادقا في الإخبار بأنه كان كاذبا وبتقدير أن يكون كاذبا ms252 في هذا الكلام، ~~فقد كان صادقا في كل ما تقدم، وفي هذا الكلام أيضا": هذا واضح. # قوله: "الثالث: إن الشيء إذا كان يتقدر وقوعه تتوافر الدواعي على نقله"، ~~يعني: إما بكونه مهما في الدين، أو لغرابته، أولهما. # قوله: "فإذا لم يشتهر دل على أنه لم يوجد؛ لأن انتفاء اللازم يدل على ~~انتفاء الملزوم، وبهذا الطريق علمنا أن القرآن لم يعارض وأنه لم يوجد النص ~~على إمامة علي": # هذا الذي ذكره مقطوع به عادة، إلا أنه يرد عليه إشكالات تحتاج إلى الجواب عنها: # منها: قوله: "وأما سائر معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - وان كانت ~~تتوافر الدواعي على نقلها، إلا أنها حصلت الغنية بثبوت نبوته - عليه السلام ~~- بأن القرآن عن نقلها يغني فلا يرد نقضا لهذه القاعدة": ويمكن أن يقال: ~~أكثرها لم يحصرها العدد الكثير، وإنما شاهدها منه الآحاد؛ فلم يتم شرط ~~التواتر، ولا تحدى بها؛ فلم يتم شرط المعجزة، وإنما هي آيات. PageV02P158 # حصلت الغنية عن نقلها بثبوت نبوته بالقرآن؛ فلذلك بقيت سائر المعجزات في ~~مرتبة الآحاد، وأما أعمال الصلاة؛ مثل: قراءة الفاتحة، ورفع اليدين، وكون ~~الإقامة مثنى أو فرادى- فهي ليست من الوقائع العظيمة. # === # قوله: "وأما أعمال الصلاة مثل قراءة الفاتحة، ورفع اليدين، وكون الإقامة ~~مثنى أو فرادى- فليست من الوقائع العظيمة": # هذه أيضا مما أوردت نقضا للقاعدة، وكذلك الاختلاف في أنه أحرم مفردا أو ~~قارنا، وأنه - صلى الله عليه وسلم - دخل "مكة" عنوة، أو صلحا. PageV02P159 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والجواب: أن نشير إلى قاعدة كلية فيما ينقل، وعليها يخرج الجواب، فنقول: PageV02P160 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # أما القرآن فلا يثبت إلا بالتواتر؛ لأنه أصل الشريعة، وأما أركان ~~الإسلام، وشرع أصل البيع، والإجارة، والنكاح، والقصاص، والحدود - فإن ذلك ~~مما تتوفر الدواعي على PageV02P161 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # نقلها؛ فهي مقطوع بشرعة أصلها، وأما تفاصيل أحكام هذه الكليات، فما كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV02P162 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # يكلف فيها بنقل التواتر؛ لما فيه من التعذر، أو العسر، والحاجة أن يرسل ~~إلى كل الجهات في PageV02P163 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # تعلم تفاصيل الأحكام مع كثرتها عدد التواتر؛ وذلك متعذر، أو متعسر، ~~فاكتفى فيها بالظواهر ms253 والأقيسة فمن ثم وقع الاختلاف، وأما النية في ~~الإحرام، فهي من جنس ما يخفى، أو لعله PageV02P164 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # كان نقل، ثم اندرس، وأما دخول "مكة" عنوة، أو صلحا، فالذي تواتر أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - دخلها شاكي السلاح متهيئا لأسباب الحرب، ويروى أنه - ~~عليه السلام - قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن تعلق بأستار الكعبة ~~فهو آمن، ومن أغلق بابه، فهو آمن"، وإنما الخلاف في أنه صدر منه أمن عام، ~~وهذا مما يخفى، ولا يبعد انفراد الآحاد به. # ومنشأ الشبهة أنه - صلى الله عليه وسلم - ودى قوما قتلهم خالد بن الوليد. PageV02P165 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومن تمام البحث في هذا الأصل ذكر طرق اختلف العلماء في إفادتها لصدق الخبر: # الأولى: إذا أخبر شخص بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر ~~عليه: قال قوم: يكون صدقا. # وقال الفخر: يمكن أن يكون سكوته عن الإنكار لأنه كان بينة، وهو مما لا ~~يقبل التغيير، # فعلى هذا لا يفيد العلم بصدقه إلا بشرطين: ألا يكون قد تقدم بيانه، وألا ~~يكون جائز التغيير، هذا إذا كان في أمر ديني. # فإن كان في أمر دنيوي، فيحتمل أن يكون سكوته لأنه ما علمه، أو لأنه لا ~~تدعو الحاجة إليه، فلا بد في صدقه من عدم الأمرين. # الثانية: إذا أخبر شخص بحضرة جمع يفيد خبرهم العلم، وادعى عليهم العلم ~~بما سمعوه، فلم ينكروا: # قال قوم: يفيد العلم، ومثلوه برواية بعض الصحابة: أنه كان - عليه السلام ~~- - في غزوة كذا، وأنه رآه - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ والماء ينبع من ~~بين أصابعه، وتوضأ الناس من الماء اليسير، وهم عدد كثير، فروايته لذلك ~~ودعواه عليهم المشاهدة من غير نكير- دليل على صدقه. # وما ذكروه لا يطرد في كل صورة؛ إذ لا يبعد السكوت في بعض الوقائع تقية، ~~أو سياسة، أو مهابة، أو خوفا؛ كخبر ذي شكوة ظالما في مجد سلطنته، والحق أنه ~~يفيد الظن القوي. # الثالثة: ذهب أبو هاشم، وجماعة إلى أن عمل الأمة على وفق خبر الواحد- ~~دليل على صدقه. # قال الفخر: وهو باطل؛ ms254 لوجوب العمل بخبر الواحد- وإن لم يقطع بصدقه؛ ~~ولجواز أن يكون دليل عملهم غيره. # وزاد بعضهم: إن تلقوه مع الفعل بالقبول قولا، لا يمتنع التصديق؛ بناء على ~~ظاهر العدالة. # الرابعة: قالت الزيدية: بقاء النقل مع توفر الدواعي على إخفائه- دليل على ~~صدقه. PageV02P166 ### || AUTO المسألة الرابعة # اعلم: أن المراد في أصول الفقه ب "خبر الواحد": الخبر الذي لا يفيد العلم ~~واليقين. # === # قال الفخر: وهذا غلط؛ فإنه يجوز أن يكون خبر آحاد، ثم اشتهر؛ بحيث لا ~~يقدر على إخفائه، والله أعلم. # [قوله]: " ### || AUTO المسألة الرابعة # : المراد في "أصول الفقه" بخبر الواحد الذي لا يفيد العلم واليقين" يعني: ~~أنهم لا يقصرون اسم "الآحاد" على ما يرويه الواحد، كما هو حقيقة فيه، بل ~~يريدون به ما لا يفيد العلم مع جواز الصدق، وإن كان من عدد، ولو أفاد خبر ~~الواحد العلم بانضمام قرائن إليه، أو بالمعجزة - فليس منه اصطلاحا، ~~فاصطلاحهم على خلاف اللغة طردا وعكسا، والمشهور انقسام الخبر إلى قسمين: ~~متواتر وآحاد. # وقال الأستاذ أبو إسحاق، وابن فورك، وجماعة: # الخبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: متواتر، وآحاد، ومستفيض، وميزوا التواتر ~~بخبر جماعة يفيد العلم ضرورة، والآحاد بما يفيد الظن، والمستفيض بما أفاد ~~العلم بمخبره نظرا، ومثلوه بما تتلقاه الأمة بالقبول، أو تعمل بمقتضاه؛ ~~كقوله - عليه السلام -: "في الرقة ربع العشر"، و"لا تنكح المرأة على عمتها ~~وخالتها". PageV02P167 # ومذهب الجمهور: أن العمل به واجب في الجملة خلافا لقوم. # === # وأنكره الإمام والغزالي، وقالا: ما لم يتواتر، فيتصور فيه التواطؤ ~~والغلط, وهذا منهما نزاع في تصوره, والحق أنه لا يمتنع تصوره في بعض ~~الوقائع، وإذا قيدوا المتواتر بما أفاد العلم الضروري- بقي بعض الصور التي ~~يحصل العلم بصدق خبرهم نظرا؛ فيحتاج إلى تمييزه باسم. # ومن الناس من قال: المستفيض ما زاد ناقلوه على ثلاثة. # ومنهم من قال: المستفيض ما يعده الناس شائعا، وهؤلاء خصوا بعض الآحاد ~~باسم؛ لاشتماله على مزية, فالنزاع معهم يكون لفظيا. # قوله: "ومذهب الجمهور: أن العمل به واجب في الجملة" يعني: بشرائط يأتي ~~ذكرها، وإن اختلفوا في تفاصيل. # قوله: ms255 "خلافا لقوم" , وعلى الجملة فقد اختلف الناس في جواز التعبد به ~~عقلا، فجوزه الجمهور، ومنعه قوم, والمجوزون اختلفوا في وقوع التعبد به ~~شرعا, والمثبتون لذلك اتفقوا على دلالة السمع عليه. واختلفوا في دلالة ~~العقل: فذهب ابن سريج، والقفال، وأبو الحسين إلى ذلك. # وأما المانعون له عقلا، فبعض المبتدعة. # وأما المنكرون لوقوعه شرعا، فقد اختلفوا: فمنهم من قال: لا دليل عليه, ~~ومنهم من منعه سمعا، ويعزى إلى القاشاني، والنفرواني، وأبي بكر بن داود من ~~الظاهرية، وبعض الشيعة, وساعد الجميع على العمل بقول المفتي، والشاهد، وعلى ~~العمل به في الأمور الدنيوية. # وغلا قوم من المحدثين، فقالوا: يفيد العلم والعمل, وهؤلاء إن أرادوا ~~بالعلم اليقين، فلا يخفى سقوطه؛ فإن الواحد يجوز عليه الخطأ، والكذب. وإن ~~أطلقوا اسم العلم على الظن فمجاز بعيد, والمشهور في الاستعمال عكسه؛ قال ~~الله تعالى: {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} [التوبة: 118]. # ولا حجة لهم في قوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: 10] فإنه ~~يحتمل علمتم بنطقهن PageV02P174 # واحتج المثبتون بأشياء: # الحجة الأولى: قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122]. # وجه الاستدلال: أن الفرقة ثلاثة، والطائفة من الفرقة: إما اثنان وإما ~~واحد، وقد أوجب الله تعالى على كل طائفة أن يتفقهوا في الدين؛ لغرض أن ~~ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، ثم أوجب على أولئك السامعين لتلك الإنذارات ~~الحذر؛ لأن قوله تعالى: {لعلهم يحذرون}: كلمة رجاء، وهو على الله محال؛ ~~فوجب حمله على الإيجاب. # === # بكلمة الإيمان، أو علمتم حكم الله -تعالى- عند النطق بذلك من جريان أحكام ~~الإيمان عليهن. # قوله: "واحتج المثبتون بحجج: الأولى: قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون} [التوبة: 122] وجه الاستدلال أن "الفرقة" ثلاثة، والطائفة من ~~الفرقة إما الاثنان أو الواحد، فقد أوجب الله -تعالى- على كل طائفة أن ~~يتفقهوا في الدين بغرض أن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، ثم أوجب على أولئك ~~السامعين ms256 لذلك الإنذار الحذر؛ لأن قوله تعالى: {لعلهم يحذرون} كلمة رجاء ~~وهو على الله محال، فوجب حمله على الإيجاب". # قوله: "أن الفرقة ثلاثة" مستدرك؛ فإنه يوهم أنها لا تطلق إلا على ~~الثلاثة، وليس كذلك؛ بل الثلاثة فرقة؛ فإن الفرقة والطائفة من الناس بعضهم، ~~وبعض الناس يصدق على الثلاثة، والاثنين، والواحد، وإذا صح إطلاق الفرقة على ~~الثلاثة، والطائفة من الفرقة بعضها - تعين أن يكون الطائفة على هذا التقدير ~~فيها اثنين، أو واحدا كما ذكر. # قوله: "كلمة "لعل" لمة رجاء، وهو على الله -تعالى- محال": # يعني: لأنه -تعالى- عالم بما سيكون. # قوله: "فوجب حمله على مجازه": # يعني: لتعذر إرادة الحقيقة، فيحمل على ما يستلزمه الرجاء من الطلب، ~~ويتعين أن يكون الطلب ها هنا للوجوب؛ لترتب الحذر عليه، والحذر إنما يتحقق ~~عند سبب الخوف، وهو من خصائص الوجوب. # ويرد عليه أنه لا تتغير إضافة الرجاء في الآية إلى الله -تعالى- ليجب ~~تأويله وحمله على الطلب, بل جاز أن يقال: إن ذلك حث للفرقة النافرة على ~~إنذار قومهم إذا رجعوا إليهم إنذار من يرجو حذرهم؛ كقوله -تعالى- لموسى ~~وهارون -عليهما السلام: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44] ~~أي: قول من يرجو تذكره وخشيته مع علم الله -تعالى- أن فرعون لا يتذكر ولا ~~يخشى, فلم قلتم: إن هذا غير مراد؟ ! . PageV02P175 # ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك الإنذار هو الإنذار ~~بالفتوى؟ ! # وهذا أولى؛ لأنه تعالى رتب هذا الإنذار على التفقه في الدين، والإنذار ~~الموقوف على التفقه في الدين هو الفتوى. # الحجة الثانية ما روي أن النبي -عليه السلام- كان يبعث رسله إلى القبائل؛ لتعليم # === # قوله: "ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من الإنذار هو الإنذار ~~بالفتوى؟ وهو أولى؛ لأنه -تعالى- رتب الإنذار على التفقه في الدين, ~~والإنذار الموقوف على التفقه في الدين هو الفتوى": # يرد عليه أن مضمون الآية البحث على الخروج مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - للغزو بإظهار ما ترتب عليه بعد ما علم من فوائده من الأغراض المهمة ~~للعقلاء ms257 من التفقه في الدين، والإنذار، ولكل واحد منهما غرض حامل على ~~الخروج، وليس في ذلك ما يقتضي ترتيب أحدهما على الآخر؛ فإنه عطف أحدهما على ~~الآخر ب "الواو" ولا إشعار لها بالترتيب, والتفقه لغة أعلم من التهيؤ ~~للفتيا؛ فحمله على ذلك بعيد, لكن لقائل أن يقول: لم قلت: إنه يلزم من وجوب ~~الإنذار وجوب العمل به، وغايته لزوم القبول بخبرهم، ولا يلزم من وجوب ~~القبول بخبرهم استقلال العمل به؛ كما لا يلزم من وجوب أداء شهادة العدل ~~ووجوب قبولها، استقلال الحكم بها؟ ! # قوله: "الثانية: ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث رسلة إلى ~~القبائل لتعليم الأحكام؛ وذلك يدل على أن خبر الواحد حجة": # هذا المسلك احتج به الشافعي، واعتمد عليه جمهور الأئمة؛ فإنه علم قطعا ~~ويقينا من سيرته - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يبعث كتبه على أيدي ~~الآحاد، وسعاته، ورسله، وولاته, وقد بعث معاذا، وعليا , وعمرو بن حزم إلى ~~"اليمن"، ومصعب بن عمير إلى "المدينة"، وعتاب بن PageV02P176 # الأحكام؛ وذلك يدل أن خبر الواحد حجة. # === # أسيد إلى "مكة" وبعث عمر وأبي بن كعب، وأبا هريرة على الصدقات, وأمر ~~مناديا أن ينادي بتحريم الخمر، ومناديا بتحريم صيام أيام "منى", وغير ذلك؛ ~~وكان يكلفهم PageV02P177 # ولقائل أن يقول: لعله كان يبعث أولئك الآحاد لأجل الفتوى، وعندنا: أن ~~فتوى الواحد واجب العمل بها، وإنما النزاع في أن المجتهد هل يجوز له أن ~~يفتي بناء على خبر الواحد؟ وما ذكرتموه لا يدل عليه. # === # العمل بأقوالهم، ولو توقفوا إلى التواتر لحزت رقابهم. # قوله: "ولقائل أن يقول: كان يبعث الآحاد لأجل الفتيا" ورجحه بأنه حكم خاص ~~في زمان خاص، بخلاف الخبر؛ فإنه يفيد حكما عاما دائما؛ ولأن الحاجة إليها ~~أمس وأقرب مما ذكره أن أكثرهم ولاة وحكام. # وجوابه: أن يقال: الإخبار بأن هذا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إليكم، وأنه ألزمكم العمل بما فيه ليس من الفتوى, وكذلك تفاصيل العبادات من ~~الصلاة والصوم والصدقات والجزية مما لا يجوز الرأي والقياس فيها, ولا طريق ms258 ~~فيها سوى النقل. # ثم ما ذكره من ترجيح حمله على الفتيا معارض بأن ما ذكرناه أكثر فائدة؛ ~~لعموم الإنذار بالفتوى، والإخبار عن الأحكام، والقصص؛ لدعاء الحاجة إلى ~~الجميع. PageV02P179 # والدليل على الفرق بين البابين: أن الفتوى تقتضي ثبوت حكم في حق شخص ~~معين، في زمان معين. وأما التمسك بخبر الواحد، فإنه يوجب شرعا باقيا على كل ~~المكلفين إلى قيام يوم القيامة، بل الطاهر أن الحق ما ذكرناه؛ لان أولئك ~~القبائل كانوا عوام، فكانوا محتاجين إلى المفتي، ولم يكن بينهم مجتهد حتى ~~يقال: إنه كان يجتهد بناء على خبر الواحد. # الحجة الثالثة: أن بعض الصحابة عمل بمقتضى خبر الواحد، وسكت الباقون عن ~~الإنكار، ومتى عمل البعض، وسكت الباقون عنه حصل الإجماع. # وإنما قلنا: إنه عمل بعض الصحابة بمقتضى خبر الواحد؛ لأنهم عملوا عند ~~سماع ذلك الخبر على وفق ذلك الخبر؛ فوجب أن يكون لأجله: # بيان الأول: بالروايات. # وبيان الثاني: هو أن الظاهر عدم غيره. # وأما أنه سكت الباقون عن الإنكار، فهو أنه لو حصل ذلك الإنكار لاشتهر، ~~ولو أشتهر لنقل، ولو نقل لوصل إلينا, ولما لم يصل إلينا؛ علمنا أنه لم يوجد. # === # ومما أورد على هذه الحجة: أنه جاز أن يكون عملهم بذلك؛ لعلمهم بما أخبروا ~~به؛ لاحتفافه بقرائن. # وجوابه: أنا لا ننكر اتفاق ذلك في بعض الوقائع على ندور, أما وقوعه في كل ~~ما أخبروا به مع كثرتها، فنعلم بالعادة نفيه, والله أعلم. # قوله: "الحجة الثالثة: أن بعض الصحابة عمل بخبر الواحد، وسكت الباقون عن ~~الإنكار، وذلك يوجب الإجماع, وإنما قلنا: إن بعض الصحابة عمل بخبر الواحد؛ ~~لأنهم عملوا عند سماع ذلك الخبر على وفق ذلك الخبر، فوجب أن يكون لأجله: ~~بيان الأول: بالروايات. وبيان الثاني: هو أن الظاهر عدم غيره، وأما أنه سكت ~~الباقون عن الإنكار، فهو أنه لو حصل ذلك الإنكار لاشتهر، ولنقل، ولوصل ~~إلينا؛ ولما لم يصل إلينا، علمنا أنه لا يوجد. وأما أنه متى حصل عمل البعض، ~~وسكت الباقون عن الإنكار حصل الإجماع؛ لأنه لو كان باطلا ms259 لوجب إظهار ~~الإنكار، وإلا لكانت الأمة مجمعين على الخطأ، وذلك باطل؛ فوجب أن يكون ~~الحكم حقا، وهو المطلوب": وما ذكره من التقرير واضح لا ليس فيه، إلا أنه لم ~~ينقل من الوقائع التي عملوا فيها بخبر الواحد شيئا؛ طلبا للاختصار. # وقوله في تقديم أنهم عملوا لأجلها: "لأن الظاهر عدم غيرها" فإن المحتجين ~~بها يدعون العمل بها؛ جزما بقرائن الأحوال لا ظاهرا. PageV02P180 # وأما أنه متى حصل عمل البعض وسكت الباقون عن الإنكار؛ حصل الإجماع-: ~~فلأنه لو كان ذلك باطلا - لوجب إظهار الإنكار؛ وإلا لكانت الأمة مجمعين على ~~الخطأ؛ وذلك باطل؛ فوجب أن يكون ذلك الحكم حقا؛ وهو المطلوب. # === # وأما مواقع العمل: فمنها عمل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - بخبر ~~المغيرة ومحمد بن مسلمة في توريث الجدة, PageV02P181 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وعمل عمر بخبر ابن عوف في أخذ الجزية من المجوس، وبخبر حمل بن مالك ~~بالغرة PageV02P182 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # في الجنين، وبخبر الضحاك بن سفيان بأنه كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي PageV02P183 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # من دية زوجها، وبخبر عمرو بن حزم أن في كل إصبع عشرة من الإبل، وعمل ~~عثمان PageV02P184 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ابن عفان بخبر فريعة بنت مالك في سكنى المتوفى عنها زوجها، وعمل زيد بن ~~ثابت PageV02P185 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # برواية امرأة من الأنصار أن الحائض تنفر بلا وداع، ورجع ابن عباس عن ~~قوله: إنما الربا في النسيئة بخبر أبي سعيد الخدري، وعملوا بقول أبي بكر: ~~"إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"، وعمل المهاجرون والأنصار ~~بقول عائشة في التقاء الختانين. PageV02P186 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقال عبد الله بن عمر كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا، حتى أخبرنا ~~رافع بن خديج بنهيه - عليه السلام - فتركناها لقول رافع، وتحول أهل "قباء" ~~إلى الكعبة بخبر الواحد، وعمل الصحابة بقول أبي بكر: "الأئمة من قريش"، إلى ~~غير ذلك. PageV02P187 # اعلم: أن هذا الكلام دليل عول عليه الأصوليون في إثبات خبر الواحد، وفي ~~إثبات القياس، وجواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس، وفي إثبات أن ~~العام المخصوص حجة، وفي إثبات أن المراسيل حجة؛ وكان النصف ms260 من مسائل الأصول ~~متفرعا على هذا الدليل: # فنقول: لا نسلم أن بعض الصحابة عمل على وفق خبر الواحد: # وأما الروايات: فإن ادعيتم بلوغها إلى حد التواتر، فهو ممنوع، وإن ادعيتم ~~أنها من باب الآحاد، كان ذلك إثباتا لخبر الواحد بخبر الواحد. # الثاني: هب أنهم عملوا على وفق ذلك الخبر، فكيف علمتم أنهم إنما أقدموا ~~على ذلك العمل لأجل ذلك الخبر. ولم لا يجوز أن يقال: إنهم عند سماع ذلك ~~الخبر تذكروا دليلا آخر؟ ! # وقوله: "الأصل عدم الغير" قلنا: هذا مسلم إلا أن دليلكم يصير ظنيا ويخرج ~~عن كونه يقينيا. # === # قوله: "واعلم أن هذا الكلام دليل عول عليه الأصوليون في إثبات خبر ~~الواحد، وفي إثبات القياس، وجواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وبالقياس، ~~وفي إثبات أن العام المخصوص حجة، وفي إثبات أن المراسيل حجة، وكان النصف من ~~مسائل الأصول متفرعا على هذا الدليل، فنقول: لا نسلم أن بعض الصحابة عمل ~~على وفق خبر الواحد ... " إلى آخر الأسئلة: # اعلم أنه لا شك في اعتمادهم على ما ذكر، إلا أن تقرير الإجماع في بعض هذه ~~المسائل قطعي، وبعضه ظني، والظني متفاوت؛ فإنه في بعضها أقوى من بعض، فإن ~~العمل بالمراسيل لم ينقل عن عدد كثير، ولا تكرر، ولا شاع شيوع العمل بخبر ~~الواحد، والقياس، وأما التخصيص بهما والتمسك بالعام المخصوص- فمتوسط. # وحاصل الأسئلة عليه من أوجه: # الأول: منع بلوغ الروايات إلى حد التواتر، والآحاد لا تكفي؛ فإنه إثبات ~~الشيء بنفسه. # الثاني: منع أنهم عملوا على وفق الروايات لأجلها، بل جاز أنهم إنما ~~عملوا؛ لأنهم تذكروا عند سماعها دليلا آخر. PageV02P188 # الثالث: سلمنا أن بعض الصحابة عمل بخبر الواحد؛ فلم قلتم: إن الباقين ~~سكتوا؟ ! # وقوله: "لو أنكروا لاشتهر، ولو اشتهر لنقل، ولو نقل لوصل إلينا؛ لكنه لم ~~يصل إلينا" قلنا: كل واحدة من هذه المقدمات الثلاثة مقدمة ظنية ظنا ضعيفا. # وأيضا: قوله: لوصل إلينا، قلنا: إن أريد به أنه كان يجب وصوله إلى كل ~~واحد منا - فهذا بعيد؛ لأنه كيف يمكن ادعاء أن كل ما ذكره ms261 الصحابة يجب أن ~~يصل إلى كل واحد منا. وإن أريد به أنه كان يجب وصوله إلى واحد من أهل هذا ~~الزمان- فهذا مسلم؛ لكن المعلوم عندي حال نفسي، لا حال غيري، فكيف يعرف أنه ~~لم يصل؟ ! # الرابع: هب أنه عمل به البعض وسكت الباقون؛ فلم قلتم: إن هذا يفيد ~~الإجماع؟ ! # وتقريره: ما ذكرناه في "باب الإجماع": أن هذا النوع من الإجماع ضعيف جدا. # الخامس: ما ذكرناه في "باب العموم": أن حكاية الحال لا عموم لها؛ فيكفي ~~في العمل بمقتضى هذا الدليل الذي ذكرتم- إثبات أن نوعا من أنواع خبر الواحد ~~حجة، ولا يفيد العموم، ثم إن ذلك النوع غير معلوم بعينه، فعلى هذا: لا نوع ~~من أنواع خبر الواحد إلا ويبقى مجهولا في أنه هل هو ذلك النوع الذي أجمعوا ~~على قبوله، أو هو غيره. # وعلى هذا التقدير: يخرج الكل عن أن يكون حجة. # السادس: أنكم تتوسلون بهذا البيان الذي ذكرتم إلى أنهم أجمعوا على أن كل واحد # === # الثالث: منع سكوت الباقين، وقولهم: إنهم لو أنكروا لاشتهر، ولو اشتهر ~~لنقل، ولو نقل لوصل إلينا، كل هذه المقدمات ممنوعة. # وأيضا قوله: "ولو وصل إلينا إن أراد به أنه كان يجب وصوله إلى كل واحد، ~~فهذا بعيد؛ لأنه كيف يمكن ادعاء أن كل ما ذكره الصحابة -رضي الله عنهم- يجب ~~أن يصل إلى كل واحد منا، وإن أراد أنه كان يجب وصوله إلى واحد من أهل ~~البلاد، فهذا مسلم به، لكن المعلوم لي حال نفسي، لا حال غيري. # الرابع: هب أنه عمل به البعض، وسكت الباقون، منع إفادته الإجماع، وتقريره ~~ما ذكرناه في "باب الإجماع". # الخامس: أن هذه حكاية حال، وقد ذكره في "باب العموم"، وهل يكفي العمل ~~بمقتضى هذا الدليل في صدقها إذا قيل: كانوا يفعلون كذا المرة الواحدة؟ ، ~~قيل: على العموم، بل يدل على أن نوعا من أنواع الخبر حجة، لكنه مجهول لنا. # السادس: العمل بموجبه؛ فإنه إنما يدل على وجوب العمل بخبر واحد تأكد ~~بالإجماع، فلم قلتم: إنه يجب العمل بخبر العدل ms262 مطلقا؟ . PageV02P189 # من أخبار الآحاد حجة، أو إلى أنهم أجمعوا على أن ذلك الخبر الذي ذكروه ~~ونقلوه حجة؟ ! : # وأما الأول: فممنوع؛ وما الدليل عليه؟ ! # وأما الثاني: فإنه يفيد أنهم أجمعوا على أن ذلك الخبر الذي نقلوه- حجة؛ ~~وعلى هذا التقدير: يكون ذلك الخبر خبرا واحدا تأكد بالإجماع. # فلم قلتم: "إن خبر الواحد إذا تأكد بالإجماع، لما كان حجة -وجب أن يكون ~~خبر الواحد الخالي من تأكيد الإجماع- يجب أن يكون حجة"؟ ! # === # هذا ما أشار إليه من الأسئلة، ولم يذكر [أجوبتها] ها هنا، ولا يحسن منه ~~ترك أجوبتها مع قوله: إن النصف من مسائل الأصول مفرع على هذا الدليل؛ فإن ~~يورث غضا من الشريعة في نفوس الضعفاء. [وها هي الأجوبة]: # أما منع بلوغ الروايات حد التواتر، فلا نسلم؛ فإن فيها كثرة، وما ذكره ~~منها فللتنبيه، لا للحصر، وبه قال الصحابة منذ مات رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عاملين بذلك من غير إنكار إلى انقراض جميعهم، وهو قريب من مائة ~~سنة، وهي مع اختلافها مشتركة في العمل بخبر الواحد العدل؛ وذلك يفيد ~~التواتر المعنوي؛ كالعلم بشجاعة علي، وسخاء حاتم، ثم التابعون بعدهم عملوا ~~بذلك من غير نكير، ومن تصفح موارد العمل منهم أفاده العلم الضروري بذلك، ~~وعلم أن بعضهم كان ينقل خبر بعض، ولا يكتبه تواترا؛ لاستفاضته. # وعن الثاني: القطع بأنهم إنما عملوا لأجلها بدليل قرائن الأحوال والمقال؛ ~~فإن أكثرهم رجع إلى موجبها بغير تردد، وطلب السماع؛ كمناشدة أبي بكر في ~~ميراث الجدة، وقول عمر في حديث الغرة: لو لم نسمع هذا اكتفينا بغيره، ~~وتصريح ابن عمر بترك المخابرة بخبر رافع بن خديج، وعدم التعرض منهم لمأخذ ~~سوى المنقول، وتقرر هذه الأمور، وعدم الوقوف مع البحث في مآخذ هذه الوقائع ~~سواه، ومجموع ذلك يفيد العلم بأن العمل لأجلها. # وعن الثالث -وهو منع سكوت الباقين-: ما ذكر أنه لو أنكروا لاشتهر، ولنقل، ~~ولوصل إلينا؛ فإن العمل بخبر العدل أصل عظيم مهم في الدين يستند إليه كثير ~~من الأحكام، ومع تقرره وكثرة وقوعه منهم وما جبلت ms263 النفوس عليه؛ من ~~المخالفة؛ إذا لم ينقل شيء من ذلك -قطع بعدمه عادة؛ كما يقطع بأن القرآن لم ~~يعارض، وبعدم النص على إمامة شخص بعينه، وكيف يخفى مثل هذا الإنكار، وينقل ~~إنكار عائشة على زيد بن أرقم في العينة، وعلى ابن عمر PageV02P190 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # في أن الميت يعذب ببكاء أهله وإنكار ابن عباس للعول، وإنكاره أن الأخوين ~~إخوة، وينقل تفصيل خلافهم في ميراث الجد والإخوة، ومسألة الحرام، وإنكار ~~امرأة على عمر في نهيه عن المغالاة في الصدقات ... وغير ذلك من المسائل ~~الحرية. # قوله في الاستفسار: "ما تعني بقولك: لوصل إلينا؟ ". # قلنا: المعني به أن العادة تقضي أنه لو وجد لاطلع عليه المعتنون بنقل ~~الوقائع والأخبار، ولتواتر عندهم؛ فإن تواتر كل شيء إنما يتحقق عند أهله، ~~فتواتر الأحاديث يعرفه المحدثون، وتواتر كل مذهب يعرفه أهله، وأشهر التواتر ~~تواتر القرآن، وتواتره عند حملته، فكم في الأمة من لم يحط علما بألفاظ ~~القرآن، ولا يقدح ذلك في تواتره. # وعن الرابع وهو منع أن ذلك إجماع: "ما قررناه في باب الإجماع، وهو أن مثل ~~هذه الوقائع إذا كثرت وتكررت لا يحتمل السكوت فيها إلا عن الموافقة، وأن ~~جميع ما يمكن أن يحال عليه السكوت غيرها من إمهاله في مهلة النظر، أو ~~المهابة، أو التقية، أو أن مجتهدا لا يعترض على مجتهد، أو اعتقاد أن غيره ~~قام بوظيفة الإنكار، وغير ذلك ينتفي بالكثرة، والتكرار، وإن اتجه في المرة ~~والمرتين. # والجواب [عن] الخامس -وهو قوله: إنه حكاية حال، فلا يفيد العموم-: أن ذلك ~~إنما يمكن إذا اقتصر الراوي على قوله: كانوا يفعلون، أما مع التصريح بنقل ~~التكرار، فلا يبقى هذا الاحتمال. # قوله: "إنه يدل على العمل بنوع من الخبر، وهو ما اجتمعت الأمة عليه، ~~وتلقته بالقبول مطلقا": PageV02P191 # الحجة الرابعة: أجمعنا على أن الخبر الذي لا نقطع بصحته، مقبول في ~~الفتوى، وفي الشهادات؛ فوجب أن يكون مقبولا في الروايات؛ والجامع: تحصيل ~~المصلحة المظنونة، أو دفع المفسدة المظنونة. # ولقائل أن يقول: القياس لا يفيد إلا الظن الضعيف. # === # قلنا: دلت القصص ms264 على أنهم لم يعملوا إلا بما روي، وقد بينا أن خبر العدل ~~إنما يفيد الظن لا العلم، ولو أفاد العلم لوجب تخطئة مخالفه بالاجتهاد؛ ~~كالمتواتر، ولعارض المتواتر، ولصدق النقيضان، ولما كلف المدعي بينة، وكل ~~ذلك خلاف الإجماع، أو العقل، وإذا عملوا به، ولم يوجب علما كان العمل للظن ~~المستفاد من قول العدل، وهو القدر المشترك في جميع الوقائع؛ فإنا نقطع بأن ~~خصوصيات تلك الصور الفرعية ساقطة عن الاعتبار؛ فإنها طرد محض، وما ينقل عن ~~الصحابة من رد بعض الأخبار، أو التوقف عن العمل إلى زيادة راو، وتحليف- لا ~~يعارض ما قررناه، وطريق التوفيق حمل الرد على عدم ظهور الثقة، أو العدالة، ~~أو الاستظهار بما يؤكد الظن، وجميع ذلك لا يبلغه إلى رتبة العلم، ولا يخرجه ~~عن الظن، وهو من جملة الشواهد لنا، والله أعلم. # قوله: "الحجة الرابعة: أجمعنا على أن الخبر الذي لا يقطع بصحته مقبول في ~~الفتوى والشهادة، فوجب أن يكون مقبولا في الروايات": # هذه العبارة مستدركة، وهي قوله: "أجمعنا على أن الخبر الذي لا يقطع بصحته ~~مقبول"؛ فإنه يوهم أنهم إنما قبلوه؛ لأنه لا يقطع بصحته، ويلزم منه قبول ~~خبر الكافر والفاسق، وليس الأمر كذلك؛ بل إنما قبل لغلبة الظن بصحته مع ~~زيادة تحسينات شرعية في عدم قبول خبر الكافر حطا لمنصبه، وإن كان ممن يجانب ~~الكذب، وعدم قبول شهادة العبد فإنه منحط، وكذلك عدم قبول شهادة النساء في ~~بعض المحال، وإنما أراد التعريض بأن عدم القطع مع ظهور العدالة ليس بمانع ~~لقبول الخبر؛ إذ لو منع في الخبر لمنع في الفتوى والشهادة؛ وفيه تنبيه على ~~وجه آخر؛ وهو أنه لما قسم الخبر من قبل إلى ما يعلم صدقه، وإلى ما يعلم ~~كذبه، وإلى ما لا يعلم صدقه ولا كذبه، واستوعب أحكام القسمين الأولين- أراد ~~التصريح بأن البحث في أن خبر الواحد العدل حجة مندرج تحت القسم الثالث، ~~وأنه معمول به على ما سنبينه إن شاء الله تعالى؛ ليكون بالكلام عليه ~~مستوعبا لجميع أحكام الأخبار. # قوله: "والجامع تحصيل المنفعة المظنونة، ms265 أو دفع المفسدة المظنونة" هذه ~~حكمة الحكم، وفي التعليل بالحكمة خلاف، والأقوى منعه؛ لعدم انضباطها، فلا ~~يعلم مجرى الحكم من موقفه؛ وإنما الجامع ها هنا عموم الحاجة إلى الحكم، ~~وعسر اليقين؛ فاكتفى بالظن كدأب العقلاء في تصرفاتهم؛ فإنهم عند العجز عن ~~اليقين يفزعون إلى الظنون الراجحة. # قوله: "ولقائل أن يقول: إنه لا يفيد إلا الظن الضعيف": # يعني: والمسألة قطعية؛ فإنها من الأصول المهمة في الدين يستند إليها كثير ~~من الأحكام. PageV02P192 # وأيضا: الفرق ثابت؛ لأن الحكم الحاصل بسبب الشهادة والفتوى، لا يفيد شرعا ~~باقيا على جميع المكلفين إلى يوم القيامة. أما خبر الواحد: فإنه بتقدير ~~صحته يفيد ذلك. # وأيضا: إذا أثبتم خبر الواحد بالقياس- لزم أن يكون خبر الواحد أضعف حالا ~~من القياس؛ وذلك باطل بالإجماع. # === # قوله "وأيضا فإن الفرق أن الحكم الحاصل بسبب الشهادة والفتوى، لا يفيد ~~شرعا عاما باقيا على المكلفين إلى قيام الساعة وأما خبر الواحد فإنه يفيد ~~-بتقدير صحته- ذلك": يعني: فمحذور الخطأ فيه أعظم. # قوله: "أيضا إذا أثبتم خبر الواحد بالقياس، لزم أن يكون خبر الواحد أضعف ~~حالا من القياس؛ وذلك باطل بالإجماع": # يعني: لكثرة مقدماته، فتطرق الخلل إليه أكثر. # قوله: "والحكم الذي يطلبونه يجب أن يكون أعلى حالا من القياس، فلا يفيده ~~هذا الدليل": ولم يجب عن هذه الأسئلة، والجواب عنها: # قوله: "إن هذا الدليل لا يفيد إلا الظن الضعيف" ممنوع؛ فإنه قياس جلي، ~~وهو إن لم يكن قاطعا، فإنه يداني القطع؛ فإن الحكم في الأصل ثابت بالإجماع، ~~والقياس معمول به في الأمور الشرعية -على ما سنقرره- بالإجماع، والمعنى ~~الذي لأجله ثبت الحكم في الأصل -وهو عموم الحاجة إلى الحكم وعسر اليقين- ~~متحقق في الفرع بالإجماع. # وما فرق به من التفاوت في عموم الحكم [و] دوامه بالنسبة إلى المجتهد، وخصوصه # بالنسبة إلى المقلد- ممنوع؛ فإن الخبر لا يقتضي حكما إلا لمن وقف عليه، ~~ويتقيد دوامه بحياته، # وكذلك فتوى المجتهد بالنسبة إلى العامي، وقد يعم لا سيما فيما يقتضي كفا، ~~أو تكليفا دائما. # ولو سلم التفاوت من هذا الوجه، فيعارضه أنه ms266 إذا كان مقتضاه عموم الحكم ~~ودوامه -كانت الحاجة إليه أمس، والحاصل منه بتقدير الثبوت بناء على الصحة- ~~منفعة عامة دائمة، أو دفع ضرر عام دائم؛ فقد استويا في عموم الصلاح بتقدير ~~الثبوت؛ بناء على الصحة، وفي عموم الفساد ودوامه بتقدير عدم الصحة، لكن ~~الثبوت مبني على احتمال راجح؛ وهو احتمال الصدق المبني على عدالة الراوي، ~~وجزمه بالرواية، والفساد مبني على احتمال مرجوح؛ وهو تقدير الكذب منه أو ~~الخطأ، والمبنى على الراجح راجح، والمبنى على المرجوح مرجوح؛ وحينئذ يكون ~~ثبوت الحكم في الفرع بطريق الأولى، ومن وجه آخر؛ وهو أنه إذا وجب العمل ~~بخبر المفتي عن اجتهاد نفسه، فلأن يجب بإخباره عن قول الرسول أولى؛ لأن ~~الخطأ فيه أقل. # فقوله: "إنكم إذا أثبتم خبر الواحد بالقياس، لزم أن يكون أضعف الحكم الذي ~~تطلبونه أقوى. # فنقول: لا نسلم أنه يكون أضعف مطلقا، بل قد يكون بطريق الأولى، كقياس ~~العمياء على PageV02P193 # إذا كان كذلك: فالحكم الذي يطلبونه هو كون خبر الواحد حجة بحيث يكون أعلى ~~حالا من القياس؛ وذلك لا يفيده هذا الدليل، والذي يفيده هذا الدليل، باطل ~~بالإجماع؛ فسقط هذا الدليل. # === # العوراء في منع الأضحية، ومكسورة الرجلين على العرجاء البين عرجها، وقد ~~يكون مساويا؛ كقياس تحريم شحم الخنزير على لحمه، وإلحاق العبد بالأمة في ~~تنصيف العذاب، والحط عن مناصب الأحرار، وإلحاق الأمة به في سراية العتق، ~~وقد يكون أدنى، وما ذكرناه من القسم الأول على ما حققناه. # لا يقال: فوجب ألا يقدم الخبر على القياس عند التعارض في العمل مطلقا؛ ~~لأنا نقول: من الأئمة من يقدم الراجح منهما عند التعارض قياسا كان أو خبرا؛ ~~كما ينقل عن بعض أصحاب مالك: أنهم يقدمون قياس الأصول على الخبر المخالف ~~لها، وأن أبا حنيفة يقدم القياس الجلي على خبر الواحد؛ كخبر المصراة. PageV02P194 # الحجة الخامسة: هو أن العمل بخبر الواحد وبالقياس، يفيد دفع ضرر مظنون؛ ~~فكان العمل به واجبا: # بيان الأول: أن الراوي العدل إذا أخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أمر بذلك الفعل، فقد ms267 حصل ظن أنه وجد ذلك الأمر، وعندنا مقدمة يقينية؛ وهي ~~أن مخالفة الرسول -عليه السلام- توجب العقاب؛ فحينئذ: يحصل من ذلك الظن ومن ~~هذا العلم: ظن أنا لو تركنا العمل به، صرنا مخالفين مستحقين العقاب؛ إذا ~~ثبت هذا: وجب أن يجب العمل به؛ لأنه إذا حصل الظن الراجح، والجواز المرجوح- ~~امتنع العمل بهما؛ لامتناع اجتماع النقيضين، وامتنع الإخلال بهما؛ لامتناع ~~زوال النقيضين، وامتنع إيجاب ترجيح المرجوح على # === # وساعد الشافعي على التخصيص به، وهو تقديم له من وجه، ومن يرى تقديم الخبر ~~على القياس مطلقا، فاعتقاده أن جنس الخبر مقدم على القياس، وإن كان الظن ~~الحاصل من القياس أقوى؛ تعبدا بخبر معاذ، وسيرة الصحابة، وكيف ينكر مثل هذا ~~والقائلون بالإجماع يثبتون صحته بالنص، ويقدمونه في العمل به عليه؟ ! . # قوله: "الحجة الخامسة: هو أن العمل بخبر الواحد والقياس يفيد رفع ضرر ~~مظنون؛ فكان العمل به واجبا": # قد تقدم أن القائلين بالعمل بخبر العدل منهم من يثبته بالحجج السمعية، ~~والحجج المتقدمة من ذلك، ومنهم من يثبته بالحجج العقلية أيضا، وهذه الحجة ~~على زعمه منها. # قوله: "بيان الأول: الراوي العدل إذا أخبر عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك الخبر المعين، فقد حصل أنه وجد ذلك الأمر، وعندنا مقدمة ~~يقينية؛ وهي أن مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - توجب العقاب؛ فحينئذ ~~يحصل من ذلك الظن ومن ذلك العلم أنا لو تركنا العمل به، صرنا مستحقين ~~للعقاب، وإذا ثبت هذا وجب أن يجب العمل به؛ لأنه إذا حصل الظن الراجح ~~بالوجوب، والجواز المرجوح، امتنع العمل بهما؛ لامتناع حصول النقيضين، ~~وامتنع الإخلال بهما؛ لامتناع زوال النقيضين، وامتنع إيجاب ترجيح المرجوح ~~[على الراجح]؛ لأنه ضد المعقول؛ فلم يبق إلا إيجاب الراجح؛ وذلك يقتضي وجوب ~~العمل بخبر الواحد. PageV02P196 # الراجح؛ لأنه ضد المعقول؛ فلم يبق إلا إيجاب الراجح؛ وذلك يقتضي وجوب ~~العمل بخبر الواحد. # وأما تقرير هذا الدليل في القياس، فهو أنا إذا رأينا الحكم ثابتا في محل ~~الإجماع، ثم ظننا كونه معللا بالصفة الفلانية، ثم علمنا أو ظننا: حصول ms268 ~~الصفة الفلانية في محل النزاع-: يحصل حينئذ ظن أن حكم الله تعالى في محل ~~النزاع يساوي حكمه في محل الوفاق. # وعندنا مقدمة يقينية؛ وهي: أن مخالفة حكم الله تعالى توجب العقاب؛ ~~فحينئذ: يحصل الظن بأن ترك العمل بهذا الظن يوجب العقاب، وأن العمل بمقتضاه ~~يوجب الخلاص من هذا العقاب. # إذا ثبت هذا: كان العمل به واجبا؛ للتقرير الذي قدمناه. # ولقائل أن يقول: السؤال عليه من وجوه: # الأول: أن ذلك الظن إنما يبقى لو لم يوجد ما يدل على أن العمل به لا ~~يجوز، أما لما رأينا أن الله تعالى ملأ كتابه من الآيات الدالة على أن ~~العمل بالظن لا يجوز، وأن العمل بما لا يعلم لا يجوز- فقد زال ذلك الظن ~~الذي ذكرتموه بالكلية. # الثاني: وهو أن ذلك الظن، إنما يبقى معتبرا، لو لم يحصل ظن أقوى منه ~~بخلافه، وها هنا قد وجد؛ لأنه سبحانه وتعالى لما أنزل القرآن وبين فيه ~~الأحكام، فقال في آخر عهد # === # وأما تقريره في القياس: فهو أنا إذا رأينا الحكم ثابتا في محل الإجماع، ~~ثم علمنا أو ظننا أنه معلل بالصفة الفلانية، ثم علمنا أو ظننا حصول الصفة ~~الفلانية في محل النزاع- فيحصل لنا حينئذ ظن أن حكم الله -تعالى- في محل ~~النزاع مساو للحكم في محل الإجماع، وعندنا مقدمة يقينية أن مخالفة حكم الله ~~-تعالى- توجب العقاب ... " إلى آخره، هذا واضح المراد. # قوله: "ولقائل أن يقول: السؤال عليه من أوجه: # الأول: أن ذلك الظن إنما يبقى أن لو لم نجد ما يدل على أن العمل بالظن لا ~~يجوز، أما إذا رأينا أن الله -تعالى- ملأ كتابه من الآي الدالة على أن ~~العمل بالظن لا يجوز، وأن العمل بما لا يوجب لا يجوز- فقد زال ذاك الظن ~~الذي ذكرتموه بالكلية. # الثاني: أن ذلك الظن إنما يبقى معتبرا لو لم يحصل ظن أقوى منه يخالفه، ~~وههنا قد وجد ظن أقوى منه يخالفه؛ لأن الله -تعالى- لما أنزل القرآن، وبين ~~فيه الأحكام، فقال في آخر عهد محمد -عليه الصلاة والسلام-: {اليوم أكملت ~~لكم دينكم} ms269 [المائدة 3]، وإكمال الدين إنما PageV02P197 # محمد -عليه السلام-: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3]، وإكمال الدين ~~إنما يكون إذا كان القدر الذي وجد كاملا وتاما، ومتى كان القدر كاملا تاما ~~- كانت الزيادة عليه لغوا غير معتبرة؛ وحينئذ: لا يبقى للظن الذي ذكرتموه عبرة. # الثالث: أنا بينا أن القرآن واف ببيان جميع الأحكام- وإذا كان وافيا ~~بجميع الأحكام، لم يبق للظن الذي ذكرتموه أثر. # الرابع: أن الطريق الذي ذكرتموه يوجب أن يكون كل ظن حجة، ولو كان الأمر ~~كذلك -لكان ظن من غلب على ظنه أن خبر الواحد ليس حجة- معتبرا، وما أفضى ~~ثبوته إلى نفيه، كان باطلا. # === # يكون [إذا كان] ذلك القدر الذي وجد كاملا تاما، ومتى كان ذلك القدر كاملا ~~تاما كانت الزيادة عليه لغوا غير معتبرة؛ فحينئذ لا يبقى للظن الذي ذكرتموه عبرة. # الثالث: أنا بينا أن القرآن واف بتبيان جميع الأحكام. # الرابع: أن الطريق الذي ذكرتموه يوجب أن يكون كل ظن حجة، ولو كان كذلك، ~~لكان ظن من غلب على ظنه أن خبر الواحد ليس بحجة معتبرا، وما أفضى ثبوته إلى ~~نفيه، كان باطلا": وقد يوجه هذا السؤال نقضا، فيقال: فيجب العمل بخبر ~~الكافر إذا ظن صدقه، والفاسق، ويلزم قبول شهادة العبيد والنساء في القصاص ~~والحدود، وشهادة الواحد في المال، والاثنين في الزنا؟ ! # ولم يجب عن هذه الأسئلة، والجواب عنها: # أما الآي فأكثرها وارد في ذم الاكتفاء به في عقود التوحيد، ونحن نقول به، ~~أو نقول: أجمعنا على تخصيصها بقول المفتي والشاهدين، وإنما خص للمشترك، ~~فالتخصيص ثم يكون تخصيصا ههنا. # وأما تمسكهم بقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة 3] فنقول: لم ~~يقل: بمجرد الكتاب، بل إكماله بالكتاب المبين على لسان نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - بأقواله، وأفعاله، وتقريره، وبالنظر إلى معقوله؛ كما قال الله ~~تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل 44] فالسنة مبينة ~~لمجمله ولمؤوله، ومخصصة لعمومه، ومقيدة لمطلقه؛ قال الله تعالى: {واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} [الأحزاب 34] وقيل: الحكمة ها هنا: ~~السنة، وليس في ms270 الكتاب عدد الركعات، ولا بيان الأركان من السنن، ولا تقدير ~~نصب الزكاة، ولا مقدار المخرج، ولا أفعال الحج، ولا شرائط البيع والنكاح، ~~ولا مقدار ما يقطع فيه، ولا بيان محل القطع، PageV02P198 # والمعتمد لنا في إثبات أن خبر الواحد حجة: قوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6]. # === # إلى غير دلك من تفاصيل الأحكام المشروع أصلها في الكتاب، المأخوذ جميع ~~ذلك من بيانه - عليه السلام - ودعوى أن جميع هذه التفاصيل ثابتة بالتواتر ~~لا سبيل إليها، وهذا هو الجواب عن السؤال الثالث؛ وهو أن القرآن واف ببيان ~~جميع الأحكام. # قوله: "هذا الطريق يوجب أن يكون كل ظن حجة" قلنا: الأمر كذلك في كل ظن ~~مستفاد من أصول الشريعة، ما لم يدل قاطع على إلغائه أو يعارضه ما هو أولى منه. # قوله: "وكون ظن من غلب على ظنه أن خبر الواحد ليس بحجة- معتبرا": # قلنا: إذا قام قاطع على نقيضه، فلا يتصور معه اعتباره. # ووجه الاعتراض على هذه الحجة [الخامسة]-وهي بالحقيقة شبهة- أن يقال: ~~قولك: إن العمل به يوجب دفع ضرر مظنون، وما ذكرته يناسب دفع ذلك. والاحتراز ~~عنه مطلقا بتقدير خلوه عن المعارض، أو المساوي؟ : الأول ممنوع، والثاني ~~مسلم؛ لكن لا نسلم خلوه عن المعارض الراجح. # وبيانه: أن في الاحتراز عنه التزام ضرر مقطوع به ناجزا، وهو إتعاب النفس، ~~وترك ملاذها، ومحتوياتها مع التصرف في ملك الغير بغير تحقق إذنه؛ فإن العبد ~~ومنافعه ملك لله تعالى. # قوله: "فيجب الاحتراز عنه" يقال له: ما تعني بالوجوب؟ تعني به: الوجوب ~~الشرعي أو العقلي؟ # فإن عنيت به الوجوب الشرعي، فممنوع، ولا بد له من دليل. وبتقدير ثبوته ~~تخرج الحجة عن أن تكون عقلية. # وإن عنيت به الوجوب العقلي، فالوجوب العقلي ما لا يقبل الانتفاء بحال، أو ~~[هو] ما يلزم من فرض انتفائه محال، وليس الأمر ها هنا كذلك. # قوله: "إن في ترك العمل بالراجح والمرجوح الخروج عن النقيضين": # قلنا: لا نسلم، بل اللازم خروج المذكور عن الدلالة، وليس بمحال؛ كما لو ~~تساوى فيه ms271 الاحتمالان، ثم الدليل لا يلزم عكسه، ومع تقدير انتفاء دلالته، ~~فلا يمتنع ثبوت الحكم، ونفيه بدليل آخر، والبقاء على البراءة الأصلية أو ~~على ما كان عليه عند عدم الناقل والمغير، فلم قلتم: إن ذلك محال؟ وما ذكره ~~الفخر من الأسئلة، فأكثرها معارضة في أصل المسألة؛ لاختصاصها بهذا المسلك، ~~والله أعلم. # شبهة ثانية لموجبي التعبد بالآحاد عقلا: # قالوا: تبليغ الشرع واجب، وإرسال العدد المتواتر إلى كل النواحي متعذر؛ ~~فيجب بعث الآحاد، وقبول أخبارهم. PageV02P199 # أمر بالتبين بعد وصفه بكونه فاسقا، وكونه فاسقا يناسب ألا يقبل خبره، ~~وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب- مشعر بالعلية؛ فهذا يقتضي أن كونه فاسقا ~~علة لعدم قبول خبره. # === # وأجيبوا بأنا لا نسلم وجوب تعميم الحكم عقلا، وما المانع أن يكون التبليغ ~~بحسب الإمكان، والتكليف به مشروط بالبلاغ، دمانما علمنا التعميم من الشرع. # قوله: "والمعتمد في المسألة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات 6] أمر بالتبين بعد وصفه بكونه فاسقا، وكونه ~~فاسقا يناسب ألا يقبل خبره، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يشعر بالعلية، ~~فهذا يقتضي أن يكون كونه فاسقا علة لعدم قبول خبره. # وإذا ثبت هذا، فنقول: خبر الواحد إن لم يجز قبوله، لم يبق لكونه فاسقا ~~أثر في الدفع، لكنا بينا أن النص يدل على ذلك التأثير؛ فوجب أن يكون خبر ~~الواحد حجة في الجملة": يعني: أنه لو كان مردودا لكونه خبر واحد، سواء كان ~~فاسقا أو عدلا، لكان معللا بالذاتي اللازم السابق، فلا أثر للطارئ العارض، ~~وهو الفسق. # قالوا: وتقريره من وجه آخر؛ وهو أن تقييده بالفسق يدل على الانتفاء؛ عملا ~~بمفهوم الشرط. وهذه الحجة قد اعتمدوا فيها على دلالة الإيماء على التعليل، ~~ووجوب اتحاد العلة الشرعية، ووجوب عكسها، أو دليل الخطاب، وكل هذه المقدمات ~~ظنية ضعيفة، وقد قال بخبر الواحد من ينفي أكثرها، كيف وتخصيص الرد وتعليله ~~بالفسق في الآية جار على سبب، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قد بعث ~~الوليد بن عقبة لأخذ الصدقات من بني المصطلق، فخرجوا ليلقوه، ms272 فخاف منهم، ~~فانصرف راجعا، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم ارتدوا، فهم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بغزوهم، فأنزل الله -تعالى- هذه الآية، ثم إن ~~الموحدة وإن كانت كافية في الرد، ولا يمتنع التعرض للفسق PageV02P200 # إذا ثبت هذا، فنقول: خبر الواحد لو لم يجز قبوله، لم يبق لكونه فاسقا أثر ~~في الدفع؛ لكنا بينا أن النص يدل على ذلك التأثير؛ فوجب أن يكون خبر الواحد ~~مقبولا في الجملة. # احتج المخالف على أنه لا يجوز العمل بخبر الواحد والقياس بوجوه: # الأول: أن خبر الواحد يفيد الظن؛ فلا يكون حجة: # بيان الأول: أن ذلك الواحد لما لم يكن واجب العصمة، لم يفد قوله القطع. # === # للمبالغة في الرد وقد أورد الخصوم على هذه الآية أنها مشتركة الدلالة؛ ~~فإنه علل منع قبول خبر الفاسق بعلة موجودة في خبر العدل، وهي عدم العلم ~~والجهالة؛ كما نبه عليه بقوله تعالى: {أن تصيبوا قوما بجهالة} [الحجرات 6]. # وأجاب القاضي عنه بأن الجهالة ههنا بمعنى السفاهة وفعل ما لا يجوز فعله ~~لا العقد غير المطابق؛ بدليل قوله تعالى: {فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} ~~[الحجرات 6]، فلو كان المراد به الغلط في العقد، لما جاز قبول الشهادة ~~والفتوى. # لا يقال: إن الفرق أن الفتوى في محل الضرورة؛ لأن وجوب تحصيل صفات ~~الاجتهاد على كل أحد غير متيسر، لا سيما الضعفاء التمييز، واشتغال الجميع ~~به عائق عن المعاش الذي به بقاء العالم، وفي توقيف الشهادة على حصول العلم ~~تضييع لحقوق الناس، والمجتهد إذا عدم النص والإجماع ولوازمهما يرجح البراءة ~~الأصلية. # لأنا نقول: معرفة النصوص، ومواقع الإجماع للجميع قريب، ويمكن الرجوع ~~بعدها إلى البراءة الأصلية. # وقولهم: "في قبول الشهادة الظنية صيانة حق المدعي": يعارضه أنه إضرار ~~بالمدعى عليه PageV02P201 # بيان الثاني: أن الله تعالى لما ذكر الظن في كتابه، ذكره في معرض الذم؛ ~~قال الله تعالى: {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28]، وقال أيضا: ~~{إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام: 116]، وقال الله تعالى: ~~{وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: 10]. # وهذا النوع ms273 من الآيات كثير، وكلها مذكورة في معرض الذم. # وأما عدم العلم، فهو قوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~[البقرة: 169]، وقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] ~~وقوله تعالى: {أم تقولون على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 80]. # === # بسفك دمه، وقطع أطرافه, وإباحة عرضه وماله بقول من يجوز عليه الغلط ~~والسهو والكذب، ولا يناسب إزالة الضرر بالضرر. # والأسد بالجواب -إذا كانت المسألة عنده ظنية من حيث إن مآلها إلى العمل- ~~أن يقال: كيف يسوى بين خبر الفاسق والعدل، وظاهر خبر الفاسق الكذب، وظاهر ~~خبر العدل الصدق؟ ! وحمل القاضي الجهالة على فعل ما لا يجوز فعله لا يدفع ~~السؤال؛ فإنه إنما ينشأ عن الغلط في الاجتهاد، والله أعلم. PageV02P202 # الحجة الثانية: أن الحكم الذي دل عليه خبر الواحد: إما أن يكون شرعا ~~لازما على كل المكلفين، أو ما كان كذلك: # فإن كان الأول: كان يجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - إيصاله إلى ~~جميع المكلفين: فإما أن يقال: إن إيصاله إلى ذلك الشخص الواحد يقتضي إيصاله ~~إلى جميع المكلفين أو لا يقتضي ذلك: # فالأول باطل؛ لأن ذلك الواحد: إن لم يكن واجب العصمة، كان في محل السهو ~~والنسيان، ومعرض التحريف والإخفاء؛ وإذا ثبت هذا: ثبت أن إيصاله إليه لا ~~يفيد إيصاله إلى الكل؛ فكان هذا تقصيرا في الإيصال من الوحي وخيانة منه؛ ~~وإنه على الرسول - عليه السلام - محال. # أما إن قلنا: إن الحكم الذي دل عليه خبر الواحد، ما كان شرعا لازما على ~~كل المكلفين - فحينئذ: جعله شرعا لازما على كل المكلفين، على خلاف دين محمد ~~- عليه السلام - فوجب كونه باطلا. # الحجة الثالثة: أن من المعلوم بالنقل المتواتر أن الصحابة الذين كانوا ~~يسمعون تلك الألفاظ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كانوا ~~يكتبونها، وإذا خرجوا عن حضرة الرسول - عليه السلام - ما كانوا يكررون على ~~تلك الألفاظ، بل كانت تلك الألفاظ على مسامعهم، ثم إن الواحد منهم كان يروي ~~تلك الألفاظ بعد السنين المتطاولة؛ وإذا كانوا كذلك: كان ms274 العلم الضروري ~~حاصلا؛ بأن هذه الكلمات لا تكون عين تلك الكلمات التي ذكرها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ فإن الرجل الذي تعود تلقف الدروس من الأستاذ، وصار ~~ماهرا في هذه الصنعة # === # قوله: "واحتج المخالف ... " إلى آخر الشبهة: # وأجوبتها ظاهرة، وفيما تقدم إشارة إلى ما أغفل من أجوبتها، وبالجملة فقد ~~تقدم أن المخالفين لنا في هذه المسألة فرق، ولكل فرقة على مقالتها شبهة، ~~فلنذكر أخيلها: أما المانعون لجواز التعبد به عقلا، فلهم وجوه: # الأول: قالوا: التكليف إنما يحسن بشرط أن يكون فيه مصلحة، والمصلحة لا ~~يعلمها إلا الله - تعالى - ورسوله - عليه السلام - بالوحي، والمخبر عنه ~~بطريق الانفراد يجوز عليه السهو والغلط والكذب، وإذا جاز ذلك، لم تعلم ~~المصلحة؛ والجهل بالشرط مانع من العلم بالمشروط. # الثاني: لو جاز في الفروع، لجاز في الأصول. # الثالث: لو جاز لجاز نقل القرآن به. PageV02P203 # عديم النظير، إذا ألقى عليه أستاذه درسا فإن ذلك التلميذ لا يمكنه أن ~~يعيد ذلك الدرس، بعين تلك الألفاظ، في عين ذلك المجلس؛ بل لا بد وأن تقع ~~فيه زيادات كثيرة، ونقصانات كثيرة؛ وإذا كان كذلك: فالقوم الذين لم يمارسوا ~~تلقف الألفاظ وحفظها وضبطها، إذا سمعوا كلمات وما قرءوها وما أعادوها وما ~~كرروا عليها ألبتة، ثم إنهم بعد السنين المتطاولة يروونها ويذكرونها - كان ~~العلم الضروري حاصلا بأن شيئا من هذه الألفاظ لا يناسب شيئا من الألفاظ ~~التي ذكرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمعاني -أيضا- لا تكون باقية ~~بتمامها، بل التغيرات كثيرة في اللفظ، والمعنى يكون حاصلا؛ فثبت أن الظاهر ~~والغالب أن شيئا من هذه الكلمات ليس من كلام رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فوجب ألا يكون شيء منها حجة، ولا يقال: الظاهر من حال الراوي ألا ~~يذكر شيئا، إلا إذا تيقن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال كلاما معناه ~~ما ذكره هذا الراوي؛ لأنا نقول: غرضنا من هذه الحجة: بيان أن شيئا من هذه ~~الألفاظ لا يطابق لفظ الرسول - عليه السلام - يقينا مع المعاني؛ فنقول: ~~الشرط في رواية المعاني ms275 أن يكون الراوي عالما بما قبل الكلام، وبما بعده، ~~وبالقرائن الحالية والمقالية الصادرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~فإن من المحتمل أن الراوي لما دخل عليه، كان قد ذكر كلاما قبل ذلك، تغير ~~حال هذا الكلام بسبب تلك المقدمة؛ فكان يجب ألا تقبل إلا رواية العالم، ~~والمتيقن في العلم، إلا أن أحدا ممن يجوز العمل بخبر الواحد، لا يعتبر ذلك؛ ~~فوجب سقوطه. # الحجة الرابعة: أن خبر الواحد: إما [أن] يكون مشتملا على مسائل الأصول؛ ~~وهي: الكلام في ذات الله تعالى وفي صفاته وفي أفعاله، وإما أن يكون مشتملا ~~على مسائل الفروع؛ وهي: بيان الأحكام والشرائع: # أما الأول: فباطل؛ لأن تلك المطالب يجب أن تكون يقينية، وخبر الواحد لا ~~يفيد إلا الظن. # أما الثاني: فباطل؛ لأن تلك الأحكام لما كانت شريعة عامة، وجب على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - إيصالها إلى كل المكلفين، فلما لم يوصلها إلا إلى ~~ذلك الواحد؛ وجب قطعا أن يكون قد أوجب على ذلك الواحد إيصال ذلك الخبر إلى ~~كل المكلفين؛ وإلا لحصلت الخيانة في # === # الرابع لو جاز لأدى إلى التناقض عند التعارض. # الخامس: إذا لم يقبل خبر الرسول عن الله - تعالى - إلا بما يعلم به صدقه، ~~فخبر غيره أولى. # السادس: أن حق العمل أن يكون تابعا للعلم، وإلا فلا. PageV02P204 # أداء الشريعة؛ وذلك محال على الأنبياء، عليهم السلام. # إذا ثبت هذا؛ فقد كان من الواجب على ذلك الراوي: إيصال ذلك الحكم إلى كل ~~المكلفين، والسعي في تشهيره، وتبليغه إلى الكل؛ لكن الرواة ما فعلوا ذلك، ~~وإنما روى كل واحد منهم ذلك الخبر بعد دهر بعيد وزمان طويل؛ فكان ذلك خيانة ~~عظيمة صادرة عنهم في الدين؛ وظهور الخيانة يوجب رد الرواية. # الجواب عن الأول: أن دليلكم عام في المنع من العمل بالظن، ودليلنا في ~~قبول خبر الواحد خاص، والخاص مقدم على العام. # الجواب عن الثاني: أنه لا يبعد أن يقال: إن الشرائع على قسمين: منها ما ~~يجب إيصاله إلى كل المكلفين بالنقل المتواتر، ومنها ما يجب ms276 إيصاله إليهم ~~برواية الآحاد. # الجواب عن الثالث: أنا نسلم أن أكثر هذه الألفاظ لا تكون ألفاظ الرسول - ~~عليه السلام - وإنما هي ألفاظ الرواة؛ إلا أن الأحكام تصير معلومة منها. # الجواب عن الرابع: أن إظهار الحكم الشرعي إنما يجب عند الحاجة، فلما لم ~~تحصل الحاجة إلا في ذلك الوقت - لا جرم: حسن من الراوي تأخير تلك الرواية ~~إلى ذلك الوقت. # === # وأجيب عن الأول: بأنه باطل بقبول الشهادة، وقول المفتي، وقبول خبر المرأة ~~في الطهر والحيض، وقبول خبر بائع اللحم أنه مذكى. # وعن الثاني: أن للظن مدخلا في الفروع بالإجماع دون الأصول. # وعن الثالث: أن القرآن معجزة، فقضت العادة بالتواتر فيها. # وعن الرابع: يعمل بالراجح، وعند التساوي التخيير أو الوقف. # وعن الخامس: إنما شرط في معجزة الرسول العلم؛ لأن سائر السمعيات تنتهي ~~إليها، والظن إنما يجب العمل به لاستناده إلى القطع. # وعن السادس: وهو قولهم: "إن حق العمل أن يكون تابعا": # قلنا: الأمر كذلك، وإنما أوجبنا العمل عندها لأدلة قاطعة، وهو ما علم من ~~سيرته - عليه السلام - وسيرة الصحابة. # وأما المانعون لعدم دليل: فحاصل ما يذكرونه من نفي المدارك يرجع إلى طلب ~~دليل، وقد أقمنا الدليل عليه. # وأما المانعون له سمعا: فشبهتهم: ما أشار إليها من الظواهر المانعة من ~~اتباع الظن، والعمل بغير العلم، وأن في الكتاب غنية عنه، وقد تقدم الجواب ~~عن الجميع، والله علم. PageV02P205 ### || AUTO المسألة الخامسة # لا يجوز العمل بالمراسيل؛ خلافا لأبي حنيفة - رحمه الله -[وجمهور ~~المعتزلة]. # === # قوله: " ### || AUTO المسألة الخامسة # : لا يجوز العمل برواية المراسيل، خلافا لأبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~وجمهور المعتزلة": # مثال المراسيل أن يقول التابعي: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو ~~يقول: أخبرني رجل، أو أخبرني الثقة، ويجمع ذلك أن يروى العدل عمن لا يعرف ~~السامع عنه. # وقد اختلف العلماء فيها: # فقبلها أبو حنيفة، وجمهور المعتزلة، وأكثر من تكلم في الأصول. # قال القاضي عبد الوهاب: وهو الظاهر من مذهب مالك. # وردها المحدثون مطلقا، وهو الظاهر من مذهب الشافعي، ومن أصحابه من تأول ~~أن ms277 مذهبه قبول مراسيل الصحابة، وأما مراسيل التابعين، فإنها معتبرة عنده ~~بأمور تقويها. PageV02P206 # لنا وجهان: # الأول: أن النافي للعمل بالخبر المرسل - قائم؛ وهو كونه عملا بالظن، ~~وبغير المعلوم؛ وذلك لا يجوز والفرق بين المراسيل وغيرها قائم؛ لأن أسباب الجرح # === # منها: أن يسنده غيره، أو يرسله آخر، وشيوخهما مختلفة، أو يعضده قول ~~صحابي، أو يفتي بموجبه أكثر العلماء، أو يعلم من حاله أنه إذا سمى لم يسم ~~مجهولا، ولا من فيه علة تمنع حديثه - فإن جميع ذلك يتقوى به؛ ولذلك قال في ~~بيع اللحم بالحيوان: إن إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن. واحتج به على ~~التحريم، ولم يذكر غيره، ومن أصحابه من قال: إن مذهبه قبول مراسيل سعيد بن ~~المسيب، والحسن البصري دون غيرهما؛ لأنهما يرويان عن أكابر الصحابة مع شدة ~~عنايتهما بذلك. # ونقل عن عيسى بن أبان قبول مراسيل الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين ~~دون غيرهم. # واختار الإمام أن المرسل إن كان من أئمة الحديث، وعلم من عادته أنه لا ~~يروي إلا عن عدل - قبل، وإلا فلا. # قوله: "لنا: أن النافي للعمل بالخبر المرسل قائم، وهو كونه عملا بالظن ~~وبغير المعلوم، وذلك لا يجوز": # يعني أن العمل بالظن على خلاف الأصل. # قوله: "والفرق بين المراسيل وغيرها ... " إلى آخره: PageV02P208 # والتعديل كثيرة، فإذا بين الراوي اسم الشخص الذي روى عنه - يمكن التأخر ~~من البحث عن أسباب جرحه وتعديله؛ وحينئذ: يصير اعتقاده في قوة تلك الرواية ~~قويا. أما إذا لم يبين اسمه [و] عجز المتأخر عن الوقوف على أحواله؛ فيكون ~~اعتقاده في صحة تلك الرواية ضعيفا. # الثاني: أن عدالة الأصل غير معلومة؛ فوجب أن تكون روايته غير مقبولة: # بيان الأول: أن ذاته غير معلومة، والجهل بالذات يوجب الجهل بالصفات. # بيان الثاني: أن قبول روايته يوجب وضع شرع عام في حق كل المكلفين؛ وذلك # === # لما استشعر أن ترك هذا الأصل في العمل بالمسند، احتاج إلى الفرق؛ فقال: ~~إنما خولف النافي لمعارض راجح لم يتحقق مثله في المرسل؛ فوجب البقاء على ~~حكم الأصل. ثم أشار إلى الفارق ms278 بأن أسباب الجرح والتعديل كثيرة، فإذا سمى ~~العدل اسم الشخص الذي يروي عنه، أمكن المتأخر أن يبحث عن أسباب جرحه ~~وتعديله، وحينئذ يصير اعتقاده في تلك الرواية قويا. # أما إذا لم يبين اسم الشخص، وعجز [المتأخر] عن الوقوف على أحواله، فيكون ~~اعتقاده [في] تلك الرواية ضعيفا. # غاية ما فرق به أن الثقة بمن سمى أتم، والظن بعدالته أقوى. وهذا يعارضه ~~أنه إذا لم يسمه، فقد التزم تعديله، وعهدته، وإذا سماه وأطلق الرواية ~~والسماع منه، لم يلتزم عهدته، ووكل النظر فيه إلى غيره. # وقد غلت طائفة، فرجحته على المسند بذلك، لا سيما إذا كان المرسل من أئمة ~~الجرح والتعديل كابن معين، وأحمد، ومالك، وعلم من حاله -أو صرح بقوله- أنه ~~لا يروي إلا عن عدل. # وقد سئل مالك عن عدالة رجل فقال: هل رأيته في كتابي؟ فقال له السائل: لا، ~~فقال: لو كان عدلا لرأيته، وقال: أدركت عدد سواري هذا المسجد رجالا، لو نشر ~~أحدهم بالمنشار ما كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لم آخذ عن ~~أحد منهم حديثا؛ لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن. # فإن قيل: فقد رووا عمن لو سألوا عنه: عدلوه تارة، وجرحوه أخرى، وسكتوا أخرى: # قلنا: التحقيق أن من عرف بالرواية عن العدل وغيره، فإرساله غير مقبول، ~~وكذلك إرسال غير العالم بأسباب الجرح والتعديل، فإنه لو سماه وعدله، لم ~~يكتف به. # وإنما مورد البحث، ومحل التجاذب غير هذا. # قوله: "الثاني: أن عدالة الأصل غير معلومة، فوجب أن تكون روايته غير ~~مقبولة: # بيان الأول: أن ذاته غير معلومة، والجهل بالذات يوجب الجهل بالصفة. # وبيان الثاني: قبول روايته توجب شرعا عاما في حق كل المكلفين، وذلك ضرر ~~منفي PageV02P209 # ضرر منفي؛ لقوله - عليه السلام -: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، [وقد] ~~عدلنا عنه فيما إذا كانت عدالة الراوي معلومة؛ فعند عدم هذا العلم: وجب ~~البقاء على حكم الأصل. # === # بالحديث عدلنا عنه ما إذا كانت عدالة الراوي معلومة فعند عدم هذا العلم، ~~وجب البقاء على حكم هذا الأصل": # والاعتراض ms279 عليه: قوله: "عدالة الأصل غير معلومة": # قلنا: لا نسلم اشتراط العلم، بل المعتبر الظن، وإلا لم يعمل بالخبر ~~المتصل. # قوله: "الجهل بالذات يستلزم الجهل بالصفة" ممنوع؛ فإنه إذا قال العدل ~~العالم بأسباب الجرح والتعديل: أخبرني الثقة عندي، غلب على الظن عدالة من ~~يروي عنه، إذا كان ظن العدالة كافيا في العمل، فإذا قال المرسل بالصفة ~~المذكورة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جازما، دل ظاهرا على أنه ~~لم ينقله إلا بعد ثبوته عنده، وإلا لكان مدلسا، ولأنه لو سماه وقال: هو ~~عدل، قبل: واكتفى به وحده على الأصح؛ فالرواية عنه كذلك. # يبقى أن يقال: إذا سماه أمكن البحث في تعديله عن نفي المعارض؛ فإنه ~~بتقدير أن يجرحه غيره، فالجرح مقدم على التعديل، فلم يلزم من قبول التعديل ~~المطلق قبول المرسل، والحق أن ذلك صالح للترجيح، وأما إذا فرع على قبول ~~التعديل المطلق والاكتفاء فيه بواحد، وكان المرسل من أهل الشأن - قرر العمل ~~به، واعبر الإمام التفاوت المذكور في الترجيح دون الرد، وناقض القاضي ~~الشافعي في عمله بمراسيل سعيد بن المسيب دون غيره، واعتذر له بأنه كان يروي ~~عن أكابر الصحابة، وهم عدول بتزكية الله ورسوله؛ فقد أمن محذور الإرسال، ~~ولم يتحقق عنده ذلك في غيره، ومن أضاف إليه مراسيل الحسن، فكذلك يقول؛ فإنه ~~كان يقول: إذا حدثني أربعة من الصحابة تركتهم، وقلت: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # فإن قيل: فقد قال الشافعي: أخبرني الثقة، وأخبرني من لا أتهم، ولا يكتفي ~~بذلك عندكم، وقال القاضي: فهمت من مذهب الشافعي قبول المراسيل؛ فإنه قال في ~~"المختصر": أخبرني الثقة، وهو المرسل بعينه، وأجاب أصحابه عن ذلك بأنه إنما ~~ذكره لبيان مذهبه لا احتجاجا به على غيره. # وقيل: لأنه كان أعلم أصحابه بذلك، ولهذا قيل في بعضه: إنه أحمد بن حنبل، ~~وفي بعضه: إنه يحيى بن حسان، وفي بعضه: إنه ابن أبي فديك، وسعيد بن سالم، ~~وقيل ذكره فيما ثبت من طرق مشهورة، والله أعلم. PageV02P210 ### || AUTO المسألة السادسة # لا يجوز العمل ms280 برواية المجاهيل؛ خلافا لأبي حنيفة، رحمه الله. # لنا: أن النافي قائم، والفرق هو أن الوثوق بصدق من كان معلوم الحال أشد ~~من الوثوق بصدق من كان مجهول الحال. # === # [قوله: ### || AUTO المسألة السادسة] # "لا يجوز العمل برواية المجاهيل، خلافا لأبي حنيفة، لنا: في المسألة أن ~~النافي للعمل قائم، والفرق هو أن الوثوق بصدق من كان معلوم الحال أشد من ~~الوثوق بصدق من كان مجهول الحال": اعلم أن العمل بخبر الواحد له شروط: ~~منها: ما يرجع إلى المخبر. ومنها: ما يرجع إلى المخبر عنه. ومنها: ما يرجع ~~إلى الخبر. # فأما ما يرجع إلى المخبر فخمسة: # الأول: العقل، فلا تقبل رواية المجنون، وغير المميز بالإجماع؛ لعدم الفهم ~~والضبط. # الثاني: البلوغ، فلا يقبل خبر الصبي المميز الضابط عند الجمهور، وهو ~~الأصح؛ لأنه إذا لم يقبل الفاسق مع خوفه من العقاب على الكذب؛ فلأن لا يقبل ~~الصبي مع اعتقاده عدم العقاب على الكذب -أولى، ولأنه لا يقبل إقراره على ~~نفسه في نفسه، فلا يقبل على غيره، ولا ينتقض بالعبد والمغمى عليه إذا قيد ~~بما ذكر. # قال الإمام وغيره: ولأن المعتمد في العمل بخبر الواحد ما علم من سيرته - ~~صلى الله عليه وسلم - وسيرة الصحابة، ولم ينقل أنه كان يبعث صبيا، ولا عن ~~الصحابة مراجعة الصبيان. # واعترض عليه بأنه كان لا يبعث العوام أيضا، وقد قبلتم أخبارهم. # وقال القاضي: لا أقطع برد الصحابة روايتهم. # قال الغزالي: ونحن قاطعون بذلك، ولو كانت مقبولة لما عطلت روايتهم وهم ~~شطر الأمة. # فإن قيل: كيف لا تقبلون خبر الصبي الضابط وقد حكمتم بصحه الاقتداء به، ~~وفيه اعتبار صدقه في الطهارة، ولم يزل السلف يعتمدون على أخبارهم في الإذن ~~في الدخول، وقبول الهدية، وقبلتم إسلامهم، وقد أجمع علماء "المدينة" على ~~قبول شهادة بعضهم على بعض في PageV02P211 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الدماء قبل تفرقهم؟ ! # قلنا: أما صحة الاقتداء؛ فلأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة ~~الإمام. وأما قبول أخبارهم في الإذن والهدية، فالاعتماد فيها على القرائن، ~~ومثله مقبول من الفاسق وإن لم تقبل روايته. ms281 وأما قبول إسلامه، ففيه خلاف ~~مشهور، وعلة القبول الاحتياط للإسلام. # وأما إجماع أهل "المدينة" فقد بينا أنه ليس بحجة، ومن سلم كونه حجة، ~~فإنما قبلهم للحاجة؛ لأن الحاجة تكثر بينهم منفردين. نعم لا يشترط في ~~تحملهم سوى التمييز؛ لأن الصحابة قبلت خبر عبد الله بن عباس، وعبد الله بن ~~الزبير، وغيرهم ممن صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حال صغره، من ~~غير بحث في أن ما رواه سمعه حال صغره أو كبره، ولإجماع علماء الأمصار على ~~إحضار الصبيان مجالس السماع؛ ولأنا نقبل شهادتهم فيما تحملوه حال صغرهم؛ ~~فالرواية أولى. # الثالث: الإسلام؛ فخبر الكافر غير مقبول بالإجماع لا للتهمة، بل لسلبهم ~~أهلية هذا المنصب وإن كان متحريا في دينه، ولا تقبل رواية المبتدع المكفر ~~ببدعته، فاما غير المكفر المتأول المتدين بتحريم الكذب؛ كالحشوية، ~~والمعتزلة في بعض المسائل- فقبلهم الشافعي وبعض الأصوليين، خلافا للقاضي ~~منا، والقاضي عبد الجبار من المعتزلة، وأبي هاشم. # لنا: أنهم من أهل القبلة معظمون للدين. # قالوا: فاسق، فلا يقبل، وجهله بفسقه لا يكون عذرا كالكافر. # وأجيب بأن الفاسق عرفا: مسلم ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة مع العلم. PageV02P212 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وفرق مالك بين من يدعو إلى بدعة، ومن لا يدعو. # الرابع: العدالة: وهي هيئة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى ~~والمروءة، ومن ضرورتها اجتناب الكبائر، وعدم الإضرار على الصغائر، والكف ~~عما ينافي المرؤة؛ كالأكل في الطريق، والبول في الشارع، وصحبة الأراذل، ~~والمحكم فيه العرف. # وقد اضطرب في حد الكبيرة: # فقيل: كل ما توعد الشرع عليه بخصوصه. # وقال البغوي في "التهذيب": كل ما يوجب الحد من المعاصي كبيرة. وهذا منه ~~ليس بحصر؛ فإن الأحاديث تدل على كبائر لا يقام فيها حد؛ كالفرار يوم الزحف، ~~وعقوق الوالدين. # وقيل: كل ما يحقق الوعيد بصاحبه بنص كتاب، أو سنة- فهو كبيرة، ومنهم من ~~حاول حصرها بالعدد، وقد روى عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "الكبائر سبع: الشرك بالله، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين ~~المسلمين، والإلحاد في البيت الحرام". ms282 # وزاد أبو هريرة: أكل الربا، وزاد علي: السرقة، وشرب الخمر، ولم يذهب بذلك ~~مذهب الحصر، وإنما أراد التفحيم، ولما نقل لابن عباس قول ابن عمر قال: هي ~~إلى السبعين منها أقرب إلى السبع. # قال مكي في كتاب "القوت": والذي عندي في ذلك أن الكبائر سبع عشرة ~~أستخرجها PageV02P213 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # من أحاديث متفرقة يذكر في حديث ما لا يذكر في الآخر؛ وهي: أربع في القلب: ~~الشرك باب تعالى، والإصرار على معصية الله تعالى، والقنوط من رحمة الله ~~تعالى، والأمن من مكر الله تعالى، وأربع في اللسان وهي: شهادة الزور، وقذف ~~المحصنات، واليمين PageV02P214 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الغموس، والسحر؛ قال الله تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد} [الفلق: 4]، ~~وثلاث في البطن: شرب الخمر والمسكر من الأشربة، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل ~~الربا وهو يعلم، PageV02P215 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # واثنتان في الفرج الزنا واللواط، واثنتان في اليدين: وهما القتل والسرقة، ~~وواحدة في الرجلين، وهي الفرار يوم الزحف إلا بشرطه، وواحدة في جميع الجسد، ~~وهي عقوق الوالدين بقول أو فعل. # ثم الفاسق مردود بالإجماع، ومن شرب يسيرا من نبيذ لا يعتقد تحريمه من ~~مجتهد، أو مقلد، وفعل فعلا نحوه من الفروع الظنية- فليس بفاسق وإن قلنا: إن ~~المصيب واحد؛ لئلا يؤدي إلى التفسيق بما يجب عليه اتباعه. # وقول الشافعي: "أقبل شهادته وأحده" لظهور التحريم عنده، وضعف الشبهة. # وفي وجه: يقبل، ولا يحد. # وفي وجه: يحد ولا يقبل. # وأما المجهول وهو المستور، فلا يقبل عند الأكثرين، خلافا لأبي حنيفة، ~~واحتج له بقوله عليه السلام: "أنا أحكم بالظاهر"، وظاهر المسلم -مع سلامة ~~الظاهر- العدالة، وينضم إليه وجوب إحسان الظن بالمسلمين ولأن أعرابيا أسلم ~~وشهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برؤية الهلال، فقبله وأمر ~~بالصوم: ولأنه يقبل خبره في الزكاة، ورق جاريته، وخبر المرأة أنها ليست ~~منكوحة، ولا في عدة. PageV02P216 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وأجيب بمنع الظاهر؛ فإن الغالب الفسق والكذب أكثر ما يسمع، وقبوله - عليه ~~السلام - شهادة الأعرابي لا نسلم أنه كان مع عدم الاطلاع على حاله، فلعله - ~~عليه السلام - علم عدالته، وهي قضية عين. # ولا نسلم اكتفاء الصحابة بظاهر ms283 الإسلام والسلامة، بل المنقول عنهم ~~المبالغة في طلب الثقة، والاستظهار في بعضها بطلب الزيادة، ويكفي المستور ~~أن يستوي في حقه العدالة والفسق. وقبول خبره في الزكاة، ورق جاريته وخبر ~~المرأة فيما ذكر للحاجة، ومثله مقبول من الفاسق أيضا، وما ذكره المصنف من ~~المنافي ظاهر؛ ولأن الفسق مانع، فلا بد من تحقق انتفائه؛ كالصبي والرق. # الشرط الخامس: الضبط، وتكفي غلبته عليه، ولا يقبل من كثر سهوه، ولا ~~المساوى سهوه لضبطه، ولا خبر من يتساهل في حديثه، ولا المشهور بالهزل ~~واللعب؛ لأن جميع ذلك يبطل الثقة، وأما المدلس فلا يقبل خبره حتى يقول: ~~سمعت من فلان، أو حدثني فلان، وأما إن قال: عن فلان، فلا يقبل؛ لجواز واسطة ~~مجهولة لنا إيهاما منه لعلو السند. ومن يقبل المراسيل يقبله. وكذلك لا يقبل ~~إذا قال: أخبرني؛ لجواز أن يكون بكتابة، حتى يبين. # ولا يشترط البصر، وقد كانت عائشة تحدث من وراء حجاب؛ وذلك اعتمادا على ~~الصوت مع القرائن. # ولا الذكورة، وفي الترجيح بها خلاف، ولا تمنع العداوة والولادة، وفيه نظر. # ولا يشترط الفقه؛ لقوله عليه السلام: "فرب حامل فقه غير فقيه"، وشرطه أبو ~~حنيفة إذا كان مخالفا للقياس، وأدلة العمل شاملة، ولا يشترط علمه بالعربية، ~~ولا كونه معلوم النسب. PageV02P217 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والصحابة كلهم عدول، وهو المعتقد، وهو مذهب السلف وجمهور الخلف، والمعنى ~~بذلك أن أخبارهم مقبولة من غير بحث من أسباب العدالة. # وقيل: حكمهم في العدالة حكم غيرهم في التوقف على البحث، وقيل ذلك من حين ~~الفتن بينهم. # وقيل: عدول إلا من قاتل عليا، ويعزى لبعض المعتزلة. # ورد بعض القدرية شهادة علي، وطلحة، والزبير مجتمعين ومتفرقين، ومنهم من ~~قبلهم متفرقين. PageV02P218 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والأول وهو عدالة الكل أصح؛ لتزكية الله -تعالى- لهم، ورضاه، وكذلك رسوله ~~-عليه السلام- ولا تعديل فوق تعديل الله -تعالى- ورسوله؛ قال الله تعالى: ~~{كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] وقال: {محمد رسول الله والذين ~~معه أشداء على الكفار} [الفتح: 29] الآية، وقال: {فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157] ~~وقال تعالى: ms284 {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} [التوبة: 100] وقال: {لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18] وقال -عليه السلام-: "أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وقال: "لو أنفق أحدكم ملء الأرض ما بلغ مد ~~أحدهم ولا نصيفه" وقال: "إن الله تعالى اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا"، ~~وقال: "لا تسبوا أصحابي" وقال: "خير القرون قرني" إلى غير ذلك، هذا مع ما ~~علم من حالهم في الجد، والاجتهاد، والصدق، والإخلاص، وبذل المهج والأموال، ~~واستحقار ذهاب العشيرة والأهل في نصرة الحق، وما نقلوه من المطاعن غير ~~معلوم، فلا يعارض المقطوع. PageV02P219 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # قال النظام: لا شك عند أهل النقل في طعن بعضهم على بعض، فإن لم يصدق ~~الطعن، فليجرح الطاعن. # قلنا: الطاعن منهم بنى ظنه على اعتقاد غلط فيه، ومن لا يعتقد فسق نفسه، ~~فهو مقبول. # والصحابي قيل: من رآه - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يرو عنه، ولم تطل ~~صحبته. وقيل: إن طالت. PageV02P220 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقيل إن اجتمعا والثاني أقرب للعرف. وإن صح إطلاق اسم الصحبة بدون الطول ~~لغة؛ إذ يقال: صحبه لحظة. # وهذه المسألة وإن كانت لفظية، فتنبني عليها المسألة السابقة. # وتعرف العدالة بالخبرة والتزكية. # قال المحدثون: ولا يثبت التعديل والتجريح إلا بعدلين في الرواية ~~والشهادة. وقال القاضي: يكتفى بالواحد فيهما. وقال الأكثرون: يكفي في ~~الرواية فقط. # احتج المحدثون بأن الاكتفاء في العمل بقول الواحد علم من سيرة الصحابة، ~~ولم ينقل عنهم ذلك في التعديل والتجريح؛ فوجب الرجوع إلى قاعدة الشريعة؛ ~~فإن ما يحتاج إلى إثباته لا يثبت بدون عدلين. # وأجيبوا بأن شرط الشيء لا يزيد على أصله؛ كشرط الإحصان في الزنا؛ وعلى ~~هذا يكتفى بتعديل العبد والمرأة في الرواية. # قال القاضي: ويكفي الإطلاق في التعديل والتجريح؛ لأنه إن لم يكن عارفا ~~بأسبابه لم يقبل. # وقال قوم: لا يكفى فيهما؛ لاختلاف العلماء فيما يجرح به، ولتسارع الناس ~~في الثناء. # وقال الشافعي: يكفي في التعديل؛ لأن أسبابه تكثر، ويعتبر ذكرها في الجرح؛ ~~إذ الجرح يحصل بخصلة. # وقيل: بالعكس؛ ms285 لأن العدالة ملتبسة؛ فيخاف التصنع. # وقال الإمام: يقبل إن كان عالما بأسبابهما، وإلا فلا. # والأسد: إن كان عالما بأسباب التعديل قبل، وإلا استفصل؛ كما فعل عمر - ~~رضي الله عنه - ولا يقبل الجرح إلا مفصلا، كما ذكره. # وأعلى مراتب التعديل أن يحكم بشهادة من علم أنه لا يكتفي في العدالة ~~بسلامة الظاهر. PageV02P221 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ودونه قوله: هو عدل عندي لكذا. ودونه التعديل المطلق. وأما العمل بروايته ~~أظنه لا يكون تعديلا؛ فإن له أسبابا أخر. # والجرح مقدم على التعديل، إلا إذا عين الجارح سببا، ونفاه المعدل بطريق ~~يقتضي ذلك؛ كما لو قال الجارح: قتل فلانا ظلما وقت كذا، فيقول الآخر: كان ~~حيا في ذلك الوقت، فيتعارضان. ولا ترجيح بكثرة المعدلين. # وأما ما يرجع من الشروط إلى المخبر عنه: فهو ألا يكون مدلوله مخالفا ~~لدليل قاطع. # وأما ما يرجع إلى الخبر. فالنظر في كيفية لفظ الراوي، وهي مراتب أعلاها: ~~قول الصحابي: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أخبرني، أو ~~شافهني. # ودونه أن يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو حدثنا، أو ~~أخبرنا، وليس كالأول؛ لاحتمال أن يقول ذلك عن واسطة كما في كثير رووا، ~~ورجعوا بعد الإطلاق، فقالوا: سمعناه من فلان، وإن كان الظاهر عند الإطلاق ~~سماعه من الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # ودونه أن يقول: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو نهانا، أو ~~أباح، أو حرم؛ لاحتمال اعتقاده ما ليس بأمر أمرا، وما ليس بنهي نهيا، وإن ~~كان بعيدا، وهو حجة، خلافا لداود، وبعض المتكلمين. # ودونه أن يقول: أمرنا بكذا؛ كقول أنس: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر ~~الإقامة"؛ PageV02P222 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # لاحتمال أن يكون الآمر غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخلفاء، ~~أو فهمه عن اجتهاد، وهو حجة، خلافا للصيرفي، والكرخي، وهذا الاحتمال في غير ~~الصحابي أظهر. # ودونه أن يقول: من السنة كذا؛ كقول علي - كرم الله وجهه -: "من السنة ألا ~~يقتل حر بعبد"؛ لأنه يحتمل أن يكون من سنة الخلفاء؛ يقول علي -كرم الله ~~وجهه-: جلد رسول ms286 الله - صلى الله عليه وسلم - في الخمر أربعين، وجلد أبو ~~بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة" وقال -عليه السلام-: "عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وسنة الخلفاء في الظاهر ما رأوه، وحمله ~~على ما رووه بعيد. # وظاهر مذهب الشافعي أنه حجة، خلافا للصيرفي أيضا؛ لأن الشافعي احتج على ~~قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بإسناده عن عبد الله بن عباس؛ أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى على جنازة، وقرأ فاتحة الكتاب، وجهر بها، وقال: "إنما ~~فعلت هذا؛ لتعلموا أنها سنة"، فمطلق السنة من قول PageV02P223 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الصحابي محمول على سنة الرسول - عليه السلام - ظاهرا، واحتمال سنة ~~الخلفاء في إطلاق التابعي أقرب ودونه قول الصحابي: عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، واحتمال أنه من غيره قريب. # ودونه أن يقول: كانوا يفعلون كذا؛ كقول عائشة - رضي الله عنها -: "كانوا ~~لا يقطعون في الشيء التافه"، وهذا ظاهر في التشريع، والظاهر أنه إجماع، أو ~~تقرير من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذه سبع مراتب. # فأما رواية غير الصحابي: فإنها على سبع مراتب أيضا: # أعلاها أن يقول: سمعت من فلان. ثم إن كان الشيخ قصد إسماعه وحده، أو مع ~~غيره - جاز أن يقول: أسمعني، وأخبرني، وحدثني وإن لم يقصد إسماعه قال: ~~أخبر، أو حدث. # الثانية: أن يقول السامع للمسموع عليه بعد القراءه: أسمعت؟ فيقول: نعم، ~~أو الأمر كما قرئ، وهو كقراءته عليه؛ قال الحاكم: القراءة على الشيخ إخبار، ~~وعليه عهدنا أئمتنا، ونقله عن الأئمة الأربعة. # الثالثة: أن يكتب إليه، فللمكتوب إليه إن علم أنه خطه، أو ظنه- أن يقول: ~~أخبرني؛ لأن الكتابة إخبار، ولا يجوز. # الرابعة: أن يقرأ عليه، فيقول له بعد السماع: أسمعت؟ فيشير برأسه، أو غير ~~ذلك من أنواع الإيماء؛ فهي كالعبارة في التصديق؛ فهو حجة؛ لأن المقصود منه ~~الدلالة، لكن لا يقول: حدثني، ولا أخبرني، ولا سمعته مطلقا، بل يقول: ~~حدثني، أو أخبرني قراءة عليه، ويجوز في عرف المحدثين أن يقول: سمعته قراءة ~~عليه ومطلقا على الأصح. # ويجب العمل به، وفي الرواية ms287 به خلاف، وأجازها المحدثون [و] الفقهاء، ~~وأنكرها المتكلمون وبعض الظاهرية. # احتج المحدثون والفقهاء بأن الإخبار: ما أفاد العلم، أو الظن، والسكوت ~~والحالة هذه كذلك. # واحتج المتكلمون بأنه لم يحدثه، ولم يخبره؛ فكان قوله كذبا. PageV02P224 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وجوابه لا نسلم أنه كذب، بل إطلاق الإخبار عليه مجاز شائع. # السادسة: المناولة؛ وهي أن يشير الشيخ إلى كتاب، أو صحيفة، فيقول: هذا ~~سماعي سمعته من فلان، فله أن يروي عنه، سواء قال: اروه عني، أو لم يقل؛ كما ~~يشهد على شهادته إذا رآه يؤديها عند الحاكم، وإن لم يحمله؛ ولا حاجة إلى ~~مناولة الكتاب، ولا يجوز أن يروي من غير تلك النسخة؛ لأن النسخ تختلف، إلا ~~إذا أمن الاختلاف. # السابعة: الإجازة؛ وهي أن يقول: أجزت لك أن تروي عني كتاب كذا وما صح ~~عندك من حديثي، وهي معتبرة عند المحدثين مسلطة على الرواية عنه، فيقول: ~~أجازني، أو أخبرني إجازة، وأكثر على منع حدثني، وأخبرني مطلقا بخلاف النافي ~~للفرق، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجوز الرواية بها. PageV02P225 ### || AUTO المسألة السابعة # إذا روى راوي الفرع: فراوي الأصل إن صدقه -فلا كلام في قبوله، وإن كذبه- ~~فلا كلام في رده؛ لأنه إن كان صادقا في هذا التكذيب -فالحق ما قلنا، وإن ~~كان كاذبا- صار راوي الأصل واجب الرد؛ فالفرع أولى أن يرد. وإن قال: لا ~~أعرف أني رويت أم # === # وقال أبو بكر الرازي -من أصحابه-: يجوز إن كانا عالمين بمضمون الكتاب. # وقال الأستاذ أبو بكر: يعول عليها في أحكام الآخرة. # فرع: وفي الإجازة لجميع الموجودين من الأمة، أو لنسل فلان، أو لمن يوجد ~~من نسله- خلاف. # لنا: أن الظاهر أنه لا يروى عنه إلا بعد علمه، أو ظنه لعدالته؛ فوجب أن تصح. # قالوا: ظن؛ فلا يجوز الاعتماد عليه؛ كالشهادة. # أجيبوا بأن باب الشهادة أضيق؛ كما علم. # قال الغزالي: إذا قال: أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي ~~مطلقا، فهذا لفظ مبهم لا بد فيه من تثبت فليقع البناء على اليقين، وثلج ~~الصدور، وليجتنب رواية كل ما تردد ms288 فيه. # قال: ولا يجوز التعويل على خطأ المخبر المكتوب على حاشية النسخ أصلا. # قوله: " ### || AUTO المسألة السابعة # : إذا روى راوي الفرع، فراوي الأصل إن صدقه، فلا كلام [في قبوله] وإن ~~كذبه، فلا كلام في رده ... " إلى آخره: # الحاصل: أنه متى عملنا بهذا الحديث مع جزم الأصل بتكذيبه- فقد عملنا ~~برواية كاذب؛ فإنه إن صدق الأصل، كذب الفرع، أو بالعكس، وله طريق في جزمه ~~بتكذيبه، بأن يكون جميع ما رواه معلوما له مضبوطا. ولا يكون جرحا لواحد ~~منهما؛ لتعارضهما، وهو كتعارض البينتين، وكما لو قال أحدهما: إن كان هذا ~~الطائر غرابا، فزوجتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابا، فزوجتي طالق، ~~وطار ولم يعرف، فإنه مع العلم بأنه لا يخرج عن النقيضين- لا يقع به طلاق. PageV02P226 # لا - فالأقرب: أن ذلك الخبر صحيح؛ لأن رواية راوي الفرع توجب القبول، ولم ~~يصدر عن راوي الأصل ما يصلح معارضا؛ فوجب القول بالصحة. # === # قوله: "وإن قال لا أعلم أني رويته أم لا، فالأقرب أن ذلك الخبر صحيح؛ لأن ~~رواية [راوي] الفرع توجب القبول": # يعني: أنه عدل جازم بالرواية. # قوله: "ولم يوجد من الأصل ما يصلح معارضا له، فوجب القبول": # يعني: أن المعارض لا يقوى على معارضة الجزم؛ فإنه متردد بين أن يكون لم ~~يروه، وبين أن يكون رواه ونسيه والمتشابه لا يعارض المحكم، وأي راو يحفظ مع ~~تطاول الزمان كل ما يرويه؟ ! وقد روى لسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي ~~هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشاهد مع اليمين، ونسيه، ~~فكان يقول: "حدثني ربيعة عني"، ولم ينكر عليه أحد، ونقل PageV02P227 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # مثله عن الزهري، والنسيان غالب على نوع الإنسان؛ فأول ناس أول الناس. PageV02P228 ### || AUTO المسألة الثامنة # قال الجبائي: الشرط في قبول الخبر رواية العدلين، وعندنا أنه غير واجب؛ ~~والدليل عليه: قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6]- ~~يتناول الواحدة؛ فهذا # === # وقال الكرخي، وأحمد -في إحدى الروايتين عنه-: لا تقبل؛ كما لو شك شاهد الأصل. # وفرق بأن باب الشهادة أضيق؛ فإنا لا نعرج على ms289 الفرع مع حضور شاهد الأصل، ~~بخلاف الرواية. # قالوا: لو جاز العمل به، لجاز للحاكم إذا شهد عنده عدلان بحكمه ونسيه أن ~~يحكم به. # قلنا: نحن لا نوجب العمل على الناسي، وإنما أوجبناه على الجازم. # فإن قالوا: نسبة النسيان إليهما على السواء، كنسبة التكذيب عند الجزم. # قلنا: لا نسلم الاستواء مع تصريح الراوي بالجزم، واسترابة الأصل. # قوله: " ### || AUTO المسألة الثامنة # ": # قال الجبائي: يشترط في قبول الخبر رواية العدلين، وعندنا: أنه غير واجب، ~~والدليل عليه قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ} [الحجرات: 6] ... " إلى آخرها: # ذهب الجبائي إلى أنه لا يعمل إلا بما ينقله عدلان، أو يعضد روايته دليل ~~من إشهاد، أو اجتهاد، أو عمل بعض الصحابة، أو موافقة ظاهر، وشرط عند تكرار ~~الأعصار أن يتحمل قول كل راو عدلان إلى أن ينتهي إلينا. # قال الغزالي: وهذا استئصال لهذه القاعدة؛ إذ لا يستقيم على هذا المذاق ~~حديث في PageV02P230 # يقتضي أن يكون رد رواية الفاسق معللا بفسقه، وهذا التعليل إنما يصح أن لو ~~كانت رواية العدل الخالي عن الفسق مقبولة. # === # عصرنا، وروى عنه أنه اعتبر في الزنا أربعة؛ كما في الشهادة عليه، ~~ومعتمدنا اكتفاء الصحابة في العمل بنقل الواحد؛ كما تقدم نقله. # فإن قيل لم يقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ذي اليدين حتى ~~صدقه أبو بكر وعمر، ولم يقبل PageV02P231 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # أبو بكر خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى وافقه محمد بن مسلمة، ~~وطالب أبو بكر، وعمر وعثمان بن عفان -رضي الله عنهم- في رد الحكم بن أبي ~~العاص بثان، ولم يقبل علي حديث معقل بن يسار في المفوضة المتوفى عنها ~~زوجها، ولم يقبل عمر خبر فاطمة بنت قيس في السكنى، وكان علي يحلف الراوي؟ ! # قلنا: قد نقلنا عمن نقلتم عنه العمل بخبر المنفرد، فمحمل الرد على سبب: ~~إما عدم حصول غلبة الظن بروايته، أو التهمة أو قوة معارض عنده، أو استظهار، ~~هذا جواب جملي، وأما تفصيل الجواب عما ذكروه ففي المطولات. # وأما احتجاج المصنف بقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ} [الحجرات: ms290 6] ~~فنقول: إن تعليل الرد بالفسق يدل على أن خبر العدل مقبول، يقال له: مسلم، ~~ولكن لم قلتم: إنه يجب استقلاله في العمل به؟ والله أعلم. PageV02P233 ### || AUTO المسألة التاسعة # قال الشافعي -رضي الله عنه-: إذا كان مذهب الراوي بخلاف روايته، لم يلزم ~~منه طعن في الحديث. وقال الأكثرون: يوجب الطعن له. # لنا: أنه لو لم يكن فاسقا، وجب أن تكون روايته مقبولة؛ لقوله تعالى: {إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6]، والمعارض الموجود -وهو مخالفة ~~الراوي- لا يصلح معارضا له؛ لاحتمال أن تكون تلك المخالفة لأجل أنه أعتقد ~~وجود دليل آخر أقوى من الأول؛ ولا يكون كذلك. # === ### || AUTO [المسألة التاسعة] # [قوله]: "قال الشافعي: إذا كان مذهب الراوي بخلاف روايته، لم يلزم منه ~~الطعن في الرواية، وقال الأكثرون: يوجب. # لنا أنه لما لم يكن فاسقا، وجب أن تكون روايته مقبولة؛ لقوله تعالى: {إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} ... [الآية: الحجرات 6] الآية. # والمعارض الموجود -وهو مخالفة الراوي- لا يصلح معارضا؛ لاحتمال أن تكون ~~تلك المخالفة لأجل أنه اعتقد وجود دليل أقوى": # الحاصل: أن المقتضي للعمل قائم، وهو جزم العدل بالرواية، والمعارض ~~الموجود لا يقوى لمعارضته؛ فإنه متردد؛ إذ يحتمل أنه خالف قبل الرواية، أو ~~بعدها مع النسيان، أو مع الذكر؛ لدليل راجح في نظره؛ كمخالفة مالك لحديث: ~~"المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا"؛ PageV02P234 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # لاعتقاد أن الإجماع أهل "المدينة" حجة، وأنه أقوى، وكمخالفة أبي حنيفة ~~الحديث للقياس الجلي، ولا يلزمنا تقليدهم في اجتهادهم؛ فإن الحجة فيما ~~رووه، لا فيما راوه، ولا يلزم مجتهدا تقليد مجتهد، وكذلك التأويل المخالف ~~لظاهره مردود عند الشافعي لذلك. # أما تفسيره للفظ المحمل كحمل ابن عمر قوله - عليه السلام -: "الذهب ~~بالذهب ربا إلا هاء وهاء" على القبض في المجلس-فهو أولى من غيره؛ لأنه أعرف ~~بقرائن الأحوال، وليس في العمل به مخالفة ظاهر. # ومما يلحق بهذا الأصل؛ أعني: ما وجد المقتضي فيه لوجوب العمل، وتخيل فيه ~~المانعية، وإن عدمه شرط، وليس كذلك- أمور: # الأول: رواية الحديث بالمعنى: وقد أوجب المحدثون نقل ألفاظ الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم ms291 - على وجهها، حتى غلوا، ومنعوا إبدال اسم الله -تعالى- باسم ~~آخر من أسمائه تمسكا بقوله تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا} [الأحزاب: 34]. # قيل: المراد ب "الحكمة" ها هنا السنة، وكما يتعين نقل ألفاظ القرآن، ~~فكذلك السنة، ولقوله - عليه السلام -: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، ~~وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل ~~فقه إلى من هو أفقه منه". PageV02P235 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والحق: أنه إذا لم يتعلق تعبد بلفظه؛ كحديث التشهد، والقنوت، والأذان، ~~ونحو ذلك، فيجوز بشرط أن يكون الناقل على ثبت من تبقية المعنى لوجهين: # أحدهما: أن الصحابة روت القصة الواحدة بألفاظ عديدة، مع اتحاد المعنى؛ ~~كقوله - عليه السلام -: "إذا قام أحدكم من نومه وإذا استيقظ أحدكم من نومه ~~فلا يغمس يده ولا يدخل يده"، ونحو ذلك، ومن المعلوم أن الصحابة كانت تسمع ~~الحديث ولا ترويه إلا عند PageV02P236 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الحاجة إليه، هذا أبو بكر - رضي الله عنه - مع ملازمته لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مدة حياته، قيل: إنه لم يرو سوى اثني عشر حديثا؛ لدعاء ~~الحاجة إليها، ومع طول الزمان العادة تقضي أنه لا تبقى تلك الألفاظ بعينها. # الثاني: أن ترجمته بالفارسية وغيرها مقبولة بالإجماع، فالعربية أولى، ~~وأما قياس الحديث PageV02P239 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # على الكتاب، فبعيد؛ لأن القرآن معجزة، وإعجازه في نظمه؛ ولأنه متعبد ~~بتلاوته، وأما الحديث المتمسك به فمحمول على الأولى، وعلى الحث على التثبت ~~في الرواية، ومن أدى المعنى بتمامه، فقد أدى ما وعى، كيف ونفس هذا الحديث ~~قد روي بألفاظ مختلفة مع اتحاد المعنى. # ومنها: الإكثار في الرواية لا يمنع إلا إذا كثر مع قصر المدة كثرة لا ~~تحتملها المدة؛ فيرد الجميع. # ومنها: انفراد العدل بالزيادة، وهي مقبولة، كما لو انفرد بأصل الحديث؛ ~~ولإمكان الجمع بين صدقه، وصدقهم باحتمال نسيانهم واتصاله بالجماعة قبل ~~إتمام الحديث، أو الغفلة عنها، وطروء شاغل، إلا أن تكون الزيادة مغيرة ~~للإعراب؛ كقول الجماعة: "في أربعين شاة شاة" فيروى واحد نصف شاة، فلا ms292 يمكن ~~الجمع، وقد تعجب من رد الحنفية زيادة العدل، وقبول القراءة الشاذة المقتضية ~~للزيادة؛ كقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" مع أن طريق إثبات ~~القرآن التواتر. # ومنها: انفراد العدل بما تعم به البلوى، فإنه مقبول عندنا، خلافا للكرخي ~~وبعض الحنفية ولابن داود؛ لأن أدلة العمل شاملة، وقد عمل المهاجرون ~~والأنصار برواية عائشة: "إذا التقى الختانان، وجب الغسل"، قالوا: لو كان ~~صحيحا؛ لتواتر لوجوب إشاعته عليه -صلوات الله عليه- ولكثرة السؤال عنه ~~والجواب، والعادة تقتضي في مثل ذلك التواتر، فحيث لم يتواتر دل PageV02P240 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # على عدم صحته. # وأجيب بمنع العادة مع العلم باكتفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~بيان تفاصيل الأحكام بالآحاد؛ فإنه لم يتكلف أن يرسل إلى كل جهة في تعليم ~~ذلك عدد التواتر، بل اكتفى فيه بخبر الآحاد والأقيسة، ثم ما أصلوه نقضوه في ~~نقض الوضوء بالقيء والرعاف، والقهقهة في الصلاة، PageV02P241 ### || AUTO المسألة العاشرة # خبر الواحد: إذا ورد على خلاف القياس المظنون، فعندنا: أن الخبر راجح. ~~وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه-: القياس راجح كما في خبر المصراة. # === # ووجوب الوتر، ولا ينفعهم الاعتذار بأن الوتر متواتر، فإن التواتر في ~~شرعه، لا في وجوبه. # ولا يقدح انفراد بعض التلاميذ بحديث عن شيخه، ولا اتصال ما أرسله غيره من ~~الرواة عنه؛ إذ لاختصاصه به أسباب، وهو عدم قدح جازم بذلك، وزعم المحدثون ~~أن جميع ذلك قادح، والله أعلم. # ومنها: خبر الواحد فيما يوجب الحد مقبول عند الأكثرين، خلافا للكرخي، ~~وأبي عبد الله البصري. # قالوا: لأنه حد؛ فيسقط بالشبهة. # وأجيب بأنه لا شبهة مع الحديث الصحيح؛ كما لا شبهة مع الشهادة، وظاهر ~~الكتاب بالإجماع، هذا مع إيجابهم له بالاستحسان في مسألة شهود الزنا. ### || AUTO [المسألة العاشرة] # خبر الواحد إذا كان على خلاف القياس المظنون، فعندنا أن الخبر راجح. PageV02P243 # لنا: أن خبر معاذ -رضي الله عنه- يقتضي تقديم الخبر على القياس. # وأيضا: خبر الواحد يتوقف على مقدمتين: إحداهما: روايته، والثانية: دلالة ~~ألفاظه. # === # وقالت الحنفية القياس راجح، كما في خبر المصراة. # لنا: خبر معاذ، ms293 وأن العمل بالخبر يتوقف على مقدمتين: # إحداهما: روايته، والثانية: دلالة ألفاظه، وأما القياس فهاتان المقدمتان ~~معتبرتان في الدليل الدال على ذلك الحكم في أصل القياس، وأما سائر ~~المقدمات- وهي أن تعليل الحكم في الأصل بعلة معينة، ثم بيان أنها حاصلة في ~~الفراع، ثم بيان انتفاء الموانع عن الفرع- فكلها زائدة، فوجب أن يكون الحكم ~~الثابت بالخبر أقوى، فيكون راجحا على القياس: # جملة الأمر: أن خبر الواحد المخالف للقياس، إذا تعارضا من كل جهة؛ بحيث ~~لا يمكن العمل بهما - فالأكثر على أن الخبر مقدم. # وقالت المالكية: إذا كان مخالفا لقياس الأصول، فالقياس أولى، ونحوه عن ~~الحنفية كخبر المصراة، والتفليس، والقرعة. PageV02P244 # وأما القياس: فهاتان المقدمتان معتبرتان في الدليل الدال على ثبوت ذلك ~~الحكم في أصل ذلك القياس، وأما سائر المقدمات -وهي تعليل الحكم في الأصل ~~بعلة معينة، ثم # === # وقال أبو الحسين: إن كانت العلية، وحكم الأصل بنص قاطع -فالقياس أولى، ~~وإن كان الأصل مقطوعا به خاصة فموضع اجتهاد، وإلا فالخبر أولى، والمختار إن ~~كانت العلة المنصوصة راجحة على الخبر في الدلالة، وكان وجودها في الفرع ~~مقطوعا به- فالقياس أولى، وإن كانت راجحة ووجودها في الفرع مظنون، فالوقف، ~~وإلا فالخبر أولى. # هذا إذا قلنا: إن النص على العلة لا يخرجه عن القياس، وهو الصحيح. # احتج الأصحاب بأن عمر ترك القياس في الجنين بخبر حمل بن مالك، وقال: لولا ~~هذا لقضينا بغرة؛ يعني: لأن فيه إيجاب الضمان مع الشك في سببه، وهو أنه مات ~~بجنايته، وترك القياس في احتساب دية الأصابع على قدر منافعها؛ لحديث عمرو ~~بن حزم من غير إنكار، وكان رأيه أن في السبابة عشرا، وكذا الوسطى، وفي ~~البنصر تسع، وفي الخنصر ست، وفي الإبهام خمس عشرة، وفي دعوى أن هذا قياس ~~نظر، ولا ننكر أن القياس يقتضي التفاوت على هذا الوجه، فبعيد من نظر العقل. # احتج المانعون بأن متعلق الاستدلال بالقياس فعل نفسه، ومتعلقه في الخبر ~~فعل غيره، والثقة بما هو من فعل نفسه أقوى. # ورد بأن القياس يتوقف على حكم الأصل، وهو فعل ms294 غيره، وقد نقضت الحنفية ما ~~أصلوه بأن من أكل ناسيا لا يفطر؛ لحديث أبي هريرة: "الله أطعمك"، وفي إيجاب ~~الوضوء بنبيذ PageV02P245 # بيان أنها حاصلة في الفرع، ثم بيان انتفاء المانع في الفرع- فكلها زائدة؛ ~~فوجب أن يكون الحكم الثابت بالخبر الواحد أقوى؛ فيكون راجحا. # === # التمر في السفر بخبر ابن مسعود، وإيجاب الوضوء بالقهقهة في الصلاة، مع أن ~~القياس أن ما PageV02P246 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # لا ينقض خارجها لا ينقض فيها، وخبر القسامة، وما ذكره المصنف من حديث ~~معاذ، فإنه PageV02P247 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # قدم مطلق السنة على الاجتهاد، وما اعتمد عليه من قلة المقدمات فإن احتمال ~~الخطأ يكون أقل، وبين أن كل ما يتوقف عليه العمل بخبر الواحد، يتوقف عليه ~~العمل بالقياس، مع مزيد مقدمات، وهي أن الأصل معلل، وأنه معلل بغير هذه ~~العلة، وانتفاء المعارض في الأصل، ووجود غير تلك العلة في الفرع، وانتفاء ~~المعارض فيه أيضا كلام ظاهر لا خفاء فيه، والله أعلم. PageV02P248 ### | AUTO الباب التاسع في القياس، وفيه مسائل # : ### || AUTO المسألة الأولى # القياس: عبارة عن إثبات مثل حكم صورة في صورة أخرى؛ لاشتراكهما في علة ~~الحكم عند المثبت. # === # الباب التاسع في القياس # "وفيه مسائل: ### || AUTO المسألة الأولى # : القياس عبارة عن إثبات مثل حكم صورة في صورة أخرى؛ لاشتراكهما في علة ~~الحكم عند المثبت": # اعلم أن النظر في هذا الباب من أهم مقاصد أصول الفقه؛ فإنه مناط ~~الاجتهاد، وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه، وعليه مدار الفروع وعلم الخلاف، ~~ومنه يستمد، وإليه يستند، وبه تعم أحكام الوقائع التي لا نهاية لها؛ فإن ~~اعتقاد المحققين: أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى، ومواقع النصوص ~~والإجماعات محصورة؛ والمتكفل بتعميم الأحكام هو القياس. # والقياس في اللغة: عبارة عن المساواة والتقدير؛ يقال: قست النعل بالنعل، ~~وقست PageV02P249 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الأرض إذا قدرتها بشيء معلوم، وفلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساويه. # وأما في الاصطلاح فقيل: لا يمكن حده ولا رسمه؛ لأنه يتركب من معلومات ~~مختلفة الحقائق، ووجود وعدم، والمختلفات لا تجتمع في فصل واحد، ولا خاصية ~~واحدة، والحق: أنه لا يمتنع اجتماع بعض المختلفات ms295 في أمر ما يتميز بخاصية؛ ~~فيكون الاسم والحد مقولا عليها باعتبار ذلك، ثم إنه إذا كان القياس من ~~الأمور الجعلية المصطلح عليها - فلا يمتنع حده، أو رسمه؛ كسائر الحقائق ~~الشرعية الجعلية وغيرها. # وأسد عبارة اعتمدها المتقدمون، واختارها المحققون عبارة القاضي؛ وهي: حمل ~~معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم ~~أو صفة أو نفيهما. # وعدل عن لفظ "شيء" إلى "معلوم"؛ ليحوى به الموجود والمعدوم؛ فإن قياس ~~الدلالة يجري في المعدوم، والتعليل بالمانع قياس في نفي ما له عرضية ~~الثبوت، وأشار إلى أنه لا يتم إلا بجامع؛ فإن الجمع بغير جامع يجر إلى ~~التعطيل والتشبيه، ثم فصل الجامع إلى "حكم"؛ كقولك: "نجس، فلا يجوز بيعه"، ~~أو "صفة"؟ كقولك: "مسكر؛ فلا يجوز شربه"، أو "نفي حكم"؛ كقولك: "غير معصوم؛ ~~فلا يضمن"، أو "نفي صفة"؛ كقولك: "غير منتفع به؛ فلا يجوز بيعه". # وأورد عليه أسئلة: # الأول: إن أراد أنه يحمل إثبات مثل حكم احدهما للآخر، فقوله: "في إثبات ~~حكم لهما": تكرار، وإن أراد غيره، فلا بد من إثباته. # الثاني: قوله: "في إثبات حكم لهما": يشعر بأن الأصل ثبوت الحكم في الأصل ~~بالقياس، وهو دور، ويشعر بأن الثابت في الفرع عين حكم الأصل، وإنه محال؛ ~~لاختلاف المتعلق، ولأن ثبوت الحكم في الأصل مقطوع به، وفي الفرع مظنون، وفي ~~الأصل مجمع عليه، وفي الفرع مختلف فيه، وثبوته في الأصل بالنص والإجماع، ~~وفي الفرع بالعلة، وهو في الأصل أصل، وفي الفرع فرع فكيف يتحد؟ ! . # الثالث: تفصيله للجامع: إما أن يكون مفتقرا إليه، أو لا: فإن كان مفتقرا ~~إليه، فهلا فصل المقيس إلى حكم وصفة؛ فإن القياس يجري في الصفة؛ كإثبات أن ~~الباري تعالى عالم؛ لثبوت العالمية له؛ قياسا على الشاهد؛ فإن المعتزلي ~~يسلم تلازم العلم للعالمية شاهدا، ويسلم ثبوت العالمية غائبا؛ فيلزمه ثبوت ~~العلم غائبا، وإن لم يكن مفتقرا إليه، وإنما هو أمر عرضي للجامع، فكان ~~زيادة. PageV02P250 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الرابع: استعماله لفظة "أو"، وهي ظاهرة في الشك المنافي للبيان. # الخامس: أنه ms296 قاصر؛ لخروج الفاسد منه. # والجواب عن الأول: أنا لا نعني بالحمل مجرد ثبوته أو نفيه في الفرع؛ ~~ليكون تكرارا، وإنما نعني به ثبوته في الفرع أو نفيه تبعا لثبوته في الأصل ~~أو نفيه، ولا يتميز حكم الفرع عن حكم الأصل إلا بذلك؛ فاستعمال لفظ "الحمل" ~~فيه من أرشق العبارات وأحسن البلاغات؛ فكيف يعد استدراكا؟ ! # وعن الثاني: أن ثبوته لهما معا بصفة الجمعية من أثر القياس. # وقوله: "إنه يشعر باتحاد حكم الأصل والفرع، وإنه محال بالوجوه المذكورة": # قلنا: المراد: اتحادهما بالنوع والحقيقة، لا بالشخص، وجميع ما ميز به ~~أمور عرضية معتبرة في التشخيص. # وعن الثالث: أن إثبات الصفة بالقياس نوع من الحكم. # وقولهم: "فيستغني عن تفصيل الجامع": # قلنا: الحق أنه مستغنى عنه، وإنما ذكره القاضي -رحمه الله- لوجهين: # الأول: للتفهيم لا للتتميم؛ وذلك شأن من يريد الإفادة والتعليم. # الثاني: أن في ذلك إشارة إلى أمور وقع الخلاف فيها بين القائسين؛ فنبه ~~على مذهبه فيها وما هو الحق فيها؛ من ذلك التعليل بالأحكام الشرعية؛ فأشار ~~إلى أنه يصح، ومن ذلك التعليل بالعدم؛ فأشار إلى أنه يصح الجمع به، وإن ~~امتنع الجمع به في قياس المعنى، فلا يمتنع في قياس الدلالة؛ فإن القياس جنس ~~يتنوع إلى: قياس علة، وقياس دلالة؛ فإنه لا يخلو: إما أن يجمع القائس بعين ~~العلة أو بلازمها، والأول: قياس العلة، والثاني: قياس الدلالة. # ثم قياس العلة ينقسم إلى: قياس المعنى والإخالة، وإلى القياس في معنى ~~الأصل، وإلى قياس الشبه، وعند بعضهم قياس السبر والطرد؛ على ما سيأتي، إن ~~شاء الله تعالى. # وعن الرابع: أنه الثابت على أحد الوجوه المذكورة، وأحد الوجوه المذكورة ~~بما هو أحد الوجوه أمر واحد، وأن المذكور رسم، وكون الشيء ملزوما لأحد ~~الشيئين أو الأشياء خاصة يصح التمييز بها. # وعن الخامس: أن من اعتقد أن كل مجتهد مصيب، فهو عنده لا يحتاج إلى مزيد، ~~وإن اعتقد أن المصيب واحد، فلا بد أن يزيد فيه "في ظن المجتهد". # وأما ما ذكره المصنف في الحد، وهو: "إثبات حكم صورة ms297 في صورة أخرى؛ ~~لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت"، أو قول من قال: "إنه إثبات مثل حكم ~~معلوم في معلوم آخر؛ لاشتباههما في علة الحكم عند المثبت" وإن احترز عن ~~الأسئلة الواردة على القاضي، إلا أنه يحتاج في تعميمه في النفي إلى غاية في ~~حمل الإثبات على الحصول الذهني، مع أنه قاصر لا PageV02P251 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # يدخل فيه قياس الدلالة إذا عينا الجامع بالعلة. # وأوردوا عليه: أنه يشكل بقياس العكس والتلازم والاقتران، والجميع غير وارد: # أما قياس العكس، فلا بد من فهمه أولا، فاعلم أن القياس ينقسم إلى قياس ~~طرد، وقياس عكس: # فقياس الطرد: أن يعين القائس علية الأصل المجمع عليه، ويحقق علتها بطريق ~~ما، ثم يطردها في الفرع المتنازع فيه؛ كقوله: الشدة المطرية علة لتحريم ~~الخمر، وقد تحققت في النبيذ، فيحرم. # وقياس العكس: أن يحقق علة الخصم أولا في الفرع على زعمه، ثم يحققها في ~~صورة إجماع مع تخلف الحكم عنها بالاتفاق؛ فينعكس الأمر في جعل محل الإجماع ~~فرعا للعلة، ومحل النزاع أصلا؛ فيسمى قياس العكس لذلك، وهو بالحقيقة راجع ~~إلى إبطال مأخذ الخصم بتعيين علتها ونقضها. # مثال ذلك: قولنا في الخارج من غير السبيلين: إنه لا ينقض الوضوء مع تسليم ~~الحنفي أن قليله لا ينقض الوضوء، وتعليله النقض بأنه خارج نجس؛ فحينئذ ~~يقول: لو نقض كثير الخارج النجس من غير السبيلين، لنقض قليله، كالخارج من ~~السبيلين؛ ولا ينقض قليله بالإجماع؛ فلا ينقض كثيره، والحكم في هذا النظم ~~في الأصل في مسألة الخارج من السبيلين بثبوت النقض، وفي الفرع وهو الخارج ~~من غير السبيلين عدم النقض؛ فمق ها هنا كان إبطالا لعكس الحد. # وجوابه: أن هذا النظم يرجع إلى الشرط المتصل، وقياس الطرد فيه مستعمل ~~لتحقيق القضية الشرطية، ثم استثنى فيه نفي الأول لنفي الثاني، وهو عين عكس ~~النقيض، فيجوز أن يكون PageV02P252 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # سمي قياس العكس كذلك أيضا، والشرطيان معا؛ أعني: المتصل -كما ذكر- ~~والمنفصل؛ كقولنا: لو انعقد بيع الغائب: فإما أن ينعقد جائزا أو لازما؛ ~~والقسمان باطلان. # والحملي: كقولنا: النبيذ مسكر، وكل مسكر ms298 حرام، وإن كانت أدلة، فليست من ~~أنواع القياس في اصطلاح الفقهاء، وإنما يسمونها "استدلالا"، ويخصون اسم ~~القياس بالاستدلال على الجزء بالجزء، وهو التمثيل عند المنطقيين، ~~والمنطقيون يخصون اسم "القياس" بالاستدلال بالكلي على الجزئي، ويسمون عكس ~~هذا، وهو الاستدلال بالجزئي على الكلي - "الاستقراء"، والشرطي عندهم في ~~تقدير الحملي؛ فالشرطية هي الكبرى، والاستثنائية الصغرى؛ فإنك إذا قلت: إن ~~كل من صلاته صحيحة، فهو متطهر، لكن صلاته صحيحة - ينتج: فهو متطهر - كان ~~تقديره: هذا صلاته صحيحة، وكل من صحت صلاته، فهو متطهر ينتج: هذا متطهر. # وإذا لم تكن هذه الأنواع من الأدلة قياسا في اصطلاح الفقهاء، فلا يضرهم ~~خروجها من حدهم، بل يجب الاحتراز في الحد عنها؛ فلا إشكال في المعنى، وإنما ~~ذلك مغالطة بلفظ مشترك وضع باصطلاحين، واصطلاح الفقهاء على إطلاق القياس ~~على التمثيل فقط - أقرب إلى اللغة؛ لتحقق المساواة فيه وظهورها، وإطلاق ~~المنطقيين له على الحملي، وما في معناه من PageV02P253 # اعلم: أن حاصل الكلام في القياس: أنه إذا غلب على الظن: أن الحكم في محل ~~الوفاق معلل بالصفة الفلانية، ثم علمنا أو ظننا: حصول تلك الصفة في صورة ~~أخرى، فيغلب على الظن أن الحكم في الصورة الثانية يساوي الحكم في الصورة ~~الأولى -: فهذا الظن إذا حصل للمجتهد، فهل يجوز العمل به؟ وهل يجوز له أن ~~يفتي به غيره أو لا؟ # فهذا هو المراد بقولنا: القياس حجة أو لا؟ وعند هذا: يظهر أن الحكم أصل ~~في الأصل، وفرع في الفرع، وأن العلة فرع في الأصل، وأصل في الفرع؛ لأنا ~~نعرف الحكم أولا في محل الوفاق، ثم نفرع عليه معرفة العلة، ثم إنا نثبت ~~العلة في محل النزاع، ثم نفرع عليه الحكم. # === # الشرطيين، وتخصيص اسم القياس بذلك باعتبار أن أعتقاد النتيجة مساو ~~لاعتقاد المقدمات - بعيد؛ فإنه يلزم عليه تسمية كل دليل قياسا، وإن كان نصا ~~أو إجماعا كذلك. # قوله: "واعلم أن حاصل الكلام في القياس أنه إذا غلب على الظن أن الحكم في ~~محل الوفاق معلل بالصفة الفلانية، ثم علمنا أو ظننا أن ms299 تلك الصفة في صورة ~~أخرى، فغلب على ظننا أن حكم الله - تعالى - في الصورة الثانية مساو للحكم ~~في الصورة الأولى -: فهذا الظن إذا حصل للمجتهد، فهل يجوز له العمل به، وهل ~~يجوز له أن يفتي به ... " إلى قوله: "وعند هذا نقول: إن الحكم أصل في ~~الأصل، فرع في الفرع؛ وإن العلة فرع في الأصل، أصل في الفرع": # اعلم أن أركان القياس أربعة: # الأصل: وهو اسم للصورة المقيس عليها، المنطوق بحكمها أو المجمع عليه. # والفرع: وهو اسم لصورة المسكوت عنه الملحق بالمنقول، أو المجمع عليه، ومن ~~فسره بمحل النزاع، فمراده بين المتناظرين. # والجامع: وهو العلة أو لازمها. # والحكم: وقد عرفته. هذا المشهور عند الفقهاء. # وقال المتكلمون: الأصل هو: النص الدال على الحكم في محل الوفاق. # وقال الفخر: الأصل: هو الحكم الثابت في محل الوفاق، أو علة ذلك الحكم، ~~قال: والحكم أصل في محل الوفاق؛ يعني: لأنه مع المناسبة دليل العلية، وفرع ~~في محل النزاع؛ لأنه الأثر، والعلة فرع في الأصل - لما ذكر- أصل في الفرع؛ ~~لأنها المعرفة للحكم فيه، والخلاف فيه، والبحث لفظي. # والمشهور عند الفقهاء: أن الأصل عبارة عن الصورة المقيس عليها على مقابلة ~~الفرع، وإذا كان الأصل في اللغة عبارة عما ينبني عليه غيره، أو ما يستغني ~~عن غيره - فإطلاقه على ما اصطلح عليه الفقهاء واضح؛ ولا مشاحة في التسمية. PageV02P254 ### || AUTO المسألة الثانية # احتج القائلون بالقياس بحجج: # === # قوله: " ### || AUTO المسألة الثانية # في القياس: # إذا فهمت معنى القياس وحده وتمثيله وانقسامه إلى عقلي وشرعي - فقد اختلف ~~الناس فيهما: فأنكرهما الحشوية، وأثبتهما الجماهير، وردت الحنابلة قياس ~~العقل دون الشرع، ورد النظام معظم قياس الشرع دون العقل، ورد الإمام في ~~"البرهان" قياس الغائب على الشاهد بالجوامع الأربعة؛ أعني: العلة، والدليل، ~~والشرط، والحقيقة. # وقال: الدليل المذكور لا يخلو: إما أن يتحقق في الغائب حيث تحقيقه في ~~الشاهد أو لا: فإن لم يتحقق، فلا دلالة، وإن تحقق، فلا حاجة إلى الشاهد. # ورد عليه: بأنه من الشاهد يعرف كونه دليلا فيطرد في الغالب فلا يستغنى عن ms300 ~~المشاهد فإنه لا معنى للدليل إلا وجود مستلزم للحكم؛ فلا بد من بيان ~~استلزامه للحكم؛ ومعرفة ذلك من الشاهد، وهي المقدمة الكبرى، ولا بد من بيان ~~وجوده في المحكوم عليه؛ أغني: تحققه في الغائب، وهو المقدمة الصغرى. # واستضعف الفخر قياس العقل بأن إسقاط تعين الأصل عن التأثير، وتعين الفرع ~~عن المانعية - عسير، قال: والمشكل فيه تحقيق أن الحكم في الأصل باعتبار ~~المشترك، والقطع به عسير، والدوران -وإن اعتمد عليه المعتزلة- فلا يفيد إلا ~~الظن، والمقصود بالبحث ههنا هو الشرعي، وأصول المذاهب فيه ثلاثة: # الأول: أنه يمتنع التعبد به عقلا، والقائلون بذلك اختلفوا: # فمنهم: من خص ذلك شرعيا، وهو النظام، وساعدنا على العمل بالقطعي منه، ~~والمنصوص على علته. # ومنهم: من لم يخصه، وهو بعض المعتزلة والخوارج والرافضة إلا الزيدية. # ثم اختلف المانعون في مأخذ المنع: # فمنهم: من رده؛ لأنه لا يفيد علما ولا ظنا في زعمه. # ومنهم: من سلم إفادته للظن، وزعم أن التعبد به توريط في الجهالات. # ومنهم من قال: الظن قبيح؛ لأنه ضد العلم المحكوم بحسنه، والقبيح لا يؤمر ~~به؛ ومن القائلين بذلك أبو هاشم، وقد قال: أول واجب الشك، والشك في الله ~~كفر، وهو قبيح لعينه، والغفلة والغشية من أضداد العلم، وقد سلم أنهما من ~~أفعال الله تعالى، ومن أصله أن الله - تعالى - لا يفعل ما يقضي العقل ~~بقبحه، وقد ساعد أيضا على العمل بما نص عليه الشارع من تشبيه وتمثيل؛ كقوله ~~تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة 95]. # المذهب الثاني: أنه لا يمتنع التعبد به عقلا، لكن لا يجوز العمل به شرعا، ~~والقائلون بهذا PageV02P255 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # أهل الظاهر كابن داود والقاشاني والنهرواني، ثم اختلفوا في مأخذ ذلك: # فمنهم: من زعم أنه لا دليل على التعبد به؛ فينتفي. # ومنهم: من نفاه لوجود النافي له من الكتاب والسنة والإجماع على زعمه؛ ~~وساعدنا بعضهم على العمل بالقياس في معنى الأصل قطعا؛ كإلحاق الأمة بالعبد ~~في سراية العتق. وقياس الأولى؛ كقياس العمياء على العوراء في منع التضحية ~~بها - وعلى كل قياس دل النص ms301 أو الظاهر أو الإيماء على التعليل فيه وكل ما ~~يمكن التنصيص عليه؛ كقيم المتلفات، وأروش الجنايات، وتقدير النفقات. # وكان الحامل لهم على تسليم الأول والثاني القطع، أو أنه ليس بقياس، وعلى ~~الثالث: أن النص على التعليل نص على التعميم؛ بناء على أن العلة الشرعية لا ~~تقبل التخصيص، فمتى نص الشارع على علة، فلازم علتها ثبوت الحكم بها أينما ~~وجدت، وعلى الرابع الضرورة؛ لتعذر التنصيص عليه على الإفراد. # المذهب الثالث: أنه جائز عقلا وشرعا، ويجب التعبد به شرعا، وهو مذهب أكثر ~~الفقهاء والمتكلمين على الجملة، وإن اختلفوا في تفاصيل: # منها: أن القفال وأبا الحسين يزعمان أن دلالة العقل عليه أيضا. # ومنها: أن أبا الحسين يزعم أن دلالة السمع عليه ظنية، والحق أن بعض ما ~~تمسكوا به كذلك. # ومنها: قول بعضهم: "إنه لا يجري في الأسباب والموانع والشروط". # ومنها: قول بعض القدرية: "لا يجري إلا في المنهيات دون المأمورات". # ومنها: قول الحنفية: "إنه لا يجري في الحدود والكفارات والمقدرات، ولا في ~~الرخص". # والمختار: أنه حجة شرعية، أينما تحقق ما لا يمنع منه مانع من مصادمة نص ~~أو إجماع أو قياس أرجح منه. PageV02P256 # الأولى: قوله تعالى: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} [الحشر: 2]: # والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة؛ ولذلك سميت الدمعة "عبرة"؛ ~~لانتقالها من العين إلى الخد، وسميت السفينة: "معبرا"؛ لأنه يحصل الانتقال ~~[بها]، وسمي تأويل المنام: "تعبيرا"؛ لأنه ينتقل من ذلك المتخيل في النوم ~~إلى معناه، وسمي الاعتبار: "اعتبارا"؛ لأن الرجل ينتقل فيه من حال غيره إلى ~~حال نفسه. # === # قوله: "وقد تمسكوا بحجج: الأولى: قوله تعالى: {فاعتبروا} [الحشر 2] ... " ~~إلى آخر التقدير: # حاصله أن القياس اعتبار، والاعتبار مأمور؛ فالقياس مأمور به. # أما أن القياس اعتبار؛ فلأنه مجاوزة على الأصل إلى الفرع، والمجاوزة ~~اعتبار بدلالة الاستعمال؛ من ذلك تسمية الدمعة عبرة؛ لانتقالها من العين ~~إلى الخد، وتسمية السفينة معبرا؛ لحصول الانتقال بها، وتسمية تأويل الرؤيا ~~تعبيرا؛ لأنه انتقال من الصورة التخيلية إلى ما يطابقها ويشابهها من الأمور ~~الخارجة، وسمي الاتعاظ اعتبارا؛ لأنه انتقال من حال غيره إلى ms302 حال نفسه، ~~والقياس كذلك؛ فيندرج تحت مسمى الاعتبار. # وأما أن الاعتبار مأمور به؛ فلقوله تعالى: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} ~~[الحشر 2]، وظاهر الأمر الوجوب، ولم يورد الفخر على هذا المسلك ها هنا سوى ~~اعتراض واحد، ولم يجب عنه، ونحن نورد ما ذكر من الأسئلة متضمنة لما ذكره، ~~ونجيب عنها، إن شاء الله تعالى: # الأول: قوله: "الاعتبار حقيقة في المجاوزة" - ممنوع، بل هو حقيقة في ~~الاتعاظ، وما ذكروا من الاستعمال معارض بمثله؛ كقولهم: "السعيد من اعتبر ~~بغيره"، والأصل في الإطلاق الحقيقة. # الثاني: سلمنا أنه حقيقة في المجاوزة، لكن لا يمكن حمله في الآية على ~~القياس بدلالة السياق؛ فإنه لو صرح به، فقال: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين} [الحشر 2] فقيسوا الذرة على البر" - لم يحسن، ولم ينتظم. # سلمنا صحة حمل الآية على المجاوزة، لكن المجاوزة قدر مشترك بين القياس ~~وسائر الأدلة، عقلية كانت أو نقلية، فإن كل من استدل بشيء على شيء، فقد ~~انتقل من الدليل إلى المدلول؛ كقوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة} ~~[المؤمنون 21]، وقد تقدم أن الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرا بشيء من ~~جزئياتها، وهذا معنى سؤاله المذكور في الكتاب. # قوله: "لا يقال: ذلك المفهوم الكلي لا يمكن إدخاله في الوجود إلا بواسطة ~~إدخال أحد أنواعه؛ فيكون واجبا، ولا أولوية لبعضها دون بعض؛ فيجب الجميع؛ ~~لأنا نقول: لا نسلم عدم الأولوية، بل ها هنا أمر لا بد من إيجابه، وهو ~~الاعتبار بما أشار إليه بقوله تعالى: {يخربون بيوتهم} [الحشر 2]، فإنه لا ~~بد من الاعتبار بهذه الصورة، وإذا صرف إليه، كفى في الخروج عن عهدة PageV02P257 # فثبت: أن الاعتبار عبارة عن العبور، والقياس يشتمل على معنى العبور؛ لأن ~~الرجل يعبر من معرفة حكم الأصل إلى معرفة حكم الفرع؛ # فثبت: أن القياس داخل تحت حكم الاعتبار؛ فكان الأمر بالاعتبار أمرا ~~بالقياس. # ولقائل أن يقول: كل من استدل بشيء على شيء، فقد انتقل من الدليل إلى ~~المدلول؛ فكان معنى الاعتبار حاصلا فيه. # إذا ثبت هذا، فنقول: الدليل قد يكون عقليا، وقذ يكون نقليا قطعيا، ms303 وقد ~~يكون [نقليا] ظنيا من باب التمسك بأخبار الآحاد والعمومات المظنونة، وقد ~~يكون من باب التمسك باستصحاب الحال، وقذ يكون من باب التمسك بالقياس، ~~والاعتبار هو المفهوم المشترك بين الكل، وما به المشاركة غير ما به ~~المخالفة، وغير مستلزم لشيء منها، # === # الأمر، فلم يبق له دلالة على القياس. # سلمنا دلالته على القياس، لكنه مطلق، والمطلق تتأتى دلالته بصورة، ونحن ~~نقول به؛ فإنا نحمله على القياس المقطوع به، أو قياس الأولى، أو المنصوص ~~على علته، أو على ما يتعذر التنصيص عليه. # سلمنا دلالته على جميع الأقيسة، لكنها دلالة ظنية، والمسألة علمية؛ لأنه ~~بتقدير ثبوته؛ فيكون أصلا في الشريعة تستند إليه كثير من الأحكام، ومثله لا ~~يثبت بالظن. # والجواب عن الأول: أنا قد دللنا على استعماله بمعنى المجاوزة، وبينا أنه ~~قدر مشترك في جميع صور الإطلاق من الاتعاظ والدلالة وغيرهما؛ فيتعين أن ~~يكون حقيقة فيه؛ دفعا للاشتراك والمجاز. # قولهم: "السياق مانع من حمله على القياس": # قلنا: نحن لا ندعي تناوله لصور القياس بخصوصياتها، وإنما ندعي أنه أمر ~~بالقدر المشترك بين القياسات كلها، والاتعاظ إنما يتحقق بالقياس، وهو: أنكم ~~إذا فعلتم فعلهم لم تأمنوا أن ينزل بكم ما نزل بهم. # قوله: "الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرا بشيء من جزئياتها": # قلنا: نسلم أنه لا يستلزمه بعينه، لكن يعمها بقدر مشترك، ولأنه إن لم يدل ~~عليه حقيقة لا يمتنع إرادته إذا دل عليه دليل، وقد دل عليه دليل؛ وهو صحة ~~استثناء أي فرد كان من الاعتبار منه، والاستثناء حقيقة في إخراج الداخل، ~~والسؤال قوي. # قوله: "نحمله على العمل بالأقيسة المتفق عليها": # قلنا: تخصيص، وتقييد بغير دليل. # قوله: "الدلالة ظنية": PageV02P258 # والاعتبار مغاير لهذه الخصوصيات، وغير مستلزم لشيء منها؛ فالأمر ~~بالاعتبار لا يكون أمرا - ألبتة - بالاعتبار الخاص الذي هو القياس. # ولا يقال: ذلك المفهوم المشترك لا يمكن إدخاله في الوجود إلا بواسطة ~~إدخال أحد أنواعه، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب؛ فكان إدخال أحد ~~أنواعه في الوجود واجبا، ثم ليس القول بوجوب البعض أولى ms304 من القول بوجوب ~~الباقي؛ فوجب حمله على إيجاب الكل؛ وهو المطلوب: # لأنا نقول: لما ثبت أن حمله على إيجاب نوع واحد من أنواعه واجب - فنقول: ~~ههنا نوع واحد لا بد من إيجابه؛ لأنه تعالى قال: {يخربون بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين فاعتبروا ياأولي الأبصار} [الحشر: 2]؛ فهذه الآية لا بد وأن ~~تدل على وجوب الاعتبار في تلك الصورة؛ فكان صرف الآية إلى هذا النوع واجبا، ~~وإذا صرفناه إليه يكفي ذلك في الخروج عن العهدة بالأمر بالاعتبار؛ فلم يبق ~~فيها - ألبتة - دلالة على إيجاب القياس الشرعي. # === # قلنا: من رأى أن المسألة ظنية، اكتفى به، ومن زعم أنها علمية، يقول: ~~الآية مقطوع بنقلها، ويمنع من صرفها عن ظاهرها مضافرتها للنصوص الدالة على ~~العمل بالقياس؛ كقوله تعالى: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: ~~105] وقوله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] وقوله - عليه ~~السلام -: "إنني لأقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي". # وقال: وأمره - عليه السلام - سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة برأيه، ~~وأنزلهم على حكمه. وقال: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر"، والأحاديث التي ~~يأتي ذكرها وتقريرها بما أقرت به النصوص الدالة على أن الإجماع حجة، وهو ~~بعيد ها هنا؛ فإن النصوص ثم كثيرة، PageV02P259 # الحجة الثانية: ما روي في قصة معاذ -رضي الله عنه- أنه قال: "أجتهد ~~رأيي"؛ فصوبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # === # وهي قليلة ها هنا، وأكثرها آحاد. # قوله: الحجة الثانية: ما روي في قصة معاذ -رضي الله عته- أنه قال: "أجتهد ~~رأيي"؛ فصوبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. PageV02P260 # ولقائل أن يقول: أطبق المحدثون على أن هذا الخبر مرسل، وقد دلننا على أن ~~المراسيل ليست بحجة. ثم نقول: لم لا يجوز أن يحمل ذلك على الاجتهاد في أمور ~~أخرى سوى القياس؟ ! : # === # ولقائل أن يقول: أطبق المحدثون على أن هذا الخبر مرسل ... " إلى آخر ~~المسلك: وقد أورد عليه أسئلة: PageV02P261 # فالأول: الاجتهاد في تركيب النصوص؛ مثل قولنا في المبتوتة: إنها ليست ~~زوجة له؛ لأنها لو كانت زوجة له، لكان إذا ماتت، ms305 وجب أن يرث الرجل منها ~~النصف؛ لقوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} [النساء: 12]، وبالاتفاق: ~~لا يرث الرجل منها؛ فلم يكن الرجل زوجها، ولم تكن هي زوجة له؛ فوجب ألا ~~يحصل لها الميراث منه؛ لقوله تعالى: {ولهن الربع مما تركتم} [النساء: 12]؛ ~~أثبت الربع للزوجة، فصرف شيء منه إلى غير الزوجة ترك للنص، ومعلوم: أن مثل ~~هذا الاجتهاد في غاية الحسن، ويكون معنى: "أجتهد رأيي"- في تركيبات النصوص، ~~وفي إدخال الخصوص تحت العمومات. # === # الأول: أنه اشتمل على الخطإ، وحديثه - عليه السلام - مصون عنه: # أما أنه اشتمل على الخطإ، فمن أوجه: # الأول: قوله: "فإن لم تجده في كتاب الله تعالى" فإنه مناقض لقوله تعالى: ~~{ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38]. # والثاني: اشتماله على تصويب الاجتهاد في زمن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وإنه خطأ؛ على ما سيأتي في "باب الاجتهاد" إن شاء الله تعالى. # الثالث: اشتماله علي سؤاله عن أهلية القضاء بعد التولية، وحقه أن يكون ~~قبل التولية. # الرابع: أنه قيد العمل به بعدم وجدان الحكم في السنة، وقيد العمل بالسنة ~~بعدم وجدانه في الكتاب، والأول خلاف مذهبكم، والثاني خلاف الإجماع الثاني ~~من القبح: أنه نقل أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له: "اكتب إلي، أكتب إليك". # الثالث: ما ذكره المصنف أنه مرسل، وليس بحجة عند الشافعي، ولأنه خبر واحد ~~فيما تعم به البلوى، وليس بحجة عند أبي حنيفة. # السؤال الثاني على أصل الحجة: القول بموجبه؛ فإنا نحمل قوله: "أجتهد ~~رأيي" على الاجتهاد في تركيب النصوص؛ كما ذكر المصنف في المبتوتة أنها لا ~~ترث؛ لأنها ليست بزوجة؛ لأنها لو كانت زوجة، لورثها؛ لقوله تعالى: {ولكم ~~نصف ما ترك أزواجكم} [النساء: 12] ولا يرثها؛ فليست بزوجة؛ فلا ترثه. # أو على الاجتهاد في إدخال الخاص تحت العام؛ كتحقيق أن النباش سارق؛ ~~ليندرج تحت عموم قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: ~~38]. PageV02P262 # والثاني: يجب أن يكون المراد إدخال الحكم تحت البراءة الأصلية، وإنما ~~سماه ب "الاجتهاد"؛ لوجهين: # === # أو على الاجتهاد بإدخاله تحت البراءة الأصلية؛ فإنه ms306 مشروط بالبحث عن ~~موارد النصوص وعدمها. # أو على الاجتهاد في الترجيح؛ للإلحاق بأحد الأصلين عند تعارضهما؛ كما في ~~مسألة المقدود. # السؤال الثالث: سلمنا دلالته على العمل بالقياس، لكنا نقيده بالعمل ~~بالأقيسة المتفق على العمل بها، ودليل التقييد ما سنذكره من الأدلة المانعة ~~من التعميم. # الرابع: سلمنا عمومه، لكنه في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإمكان ~~استدراك الخطإ فيه بالوحي، وقبل إكمال الدين بمسيس الحاجة إليه. # الخامس: سلمنا دلالته مطلقا، لكنها ظنية، والمسألة علمية. # والجواب: قوله: "اشتمل على الخطإ": # قلنا: لا نسلم. # قوله: "إنه مناقض لقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38]: # قلنا: محمول على إحاطة علمه تعالى، والإشارة إلى كتبه في اللوح المحفوظ؛ ~~كقوله تعالى: {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} [يونس: 61]، سلمنا إرادة الكتاب ~~العزيز، لكنه إنما يعم ويشمل بدلالة معقوله، وهو القياس؛ لأن الوقائع لا ~~نهاية لها، ودلالة منطوقه ومظنونه وفحواه، ودلائله متناهية. # قوله: "إنه محمول على الاجتهاد في زمن الرسول": # قلنا: إذا جاز في زمنه مع إمكان الرجوع إلى الوحي ففيما بعده أولى؛ لمسيس ~~الحاجة إليه. # قوله: "اشتمل سؤاله عن أهلية القضاء بعد التولية": # قلنا: ممنوع؛ وقوله: "لما بعثه": يحمل على إرادة بعثه. # قوله: "العمل به مشروط بعدم السنة": # قلنا: كذلك نقول إذا خالفها. # قوله: "وقيد العمل بالسنة بعدم الكتاب": # قلنا: ترك الدليل؛ فيبقى ما عداه على الأصل. # قوله: "اكتب إلي أكتب إليك": # قلنا: يحمل على ما أشكل بعد بذل الوسع والاجتهاد؛ وللتوفيق. # قوله: "إنه مرسل": # قلنا: تلقته الأمة بالقبول؛ ودلت النصوص على مقتضاه، ومثل هذا المرسل ~~يقول به PageV02P263 # الأول: أنه ما لم يجتهد في طلب النصوص حتى يغلب على ظنه عدمها؛ فإنه لا ~~يجوز له التمسك بالبراءة الأصلية. # والثاني: أنه قد يتعارض أصلان؛ كما إذا لف إنسان في ثوب، ثم قده نصفين؛ ~~فههنا: قد تعارض فيه أصلان؛ لأن الأصل بقاء الحياة؛ فيكون القصاص واجبا ~~عليه، وأيضا: الأصل ms307 براءة الذمة وعدم وجوب القصاص؛ فههنا: لا بد من ترجيح ~~أحد الأصلين. # الحجة الثالثة: أن بعض الصحابة عمل بالقياس، وسكت الباقون عن الإنكار؛ ~~وذلك يوجب الإجماع. # === # الشافعي، وقيل: ليس بمرسل من جميع طرقه. # قوله: "خبر واحد فيما تعم به البلوى": # قلنا: لا جرم أنه استفاض واشتهر عند حملة الشريعة. # قوله: "ويحمل الاجتهاد على الاجتهاد بلوازم النصوص وتركيبها، أو تحقيق ~~المناط أو إدراج الخاص تحت العام، أو الإلحاق بأقرب الأصلين": # قلنا: كله خلاف الظاهر، بل لا يفهم من قوله: أقيس الأمر بالأمر إلا ~~التمثيل؛ كما صرح به عمر في تفسير الرأي في وصيته لأبي موسى الأشعري: أعرف ~~الأشباه والأمثال، وقس الأمور برأيك. # قوله: "يحمل على القياس المجمع عليه": # قلنا: تقييد بغير دليل. # قوله: "على ما سنذكره من الحجج": # قلنا: سنبين أنها شبه، إن شاء الله تعالى. # قوله: "إنه حجة في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -": # قلنا: إذا ثبت أنه حجة في زمن الرسول، وجب التمسك به إلى تحقق ناسخ. # قوله: "حجة قبل إكمال الدين": # قلنا: إكماله بمشروعية القياس؛ ليعم الأحكام. # قوله: "الحجة [ظنية": قلنا: قد تقدم الجواب عنها]. # قوله: "الحجة الثالثة: أن بعض الناس عمل بالقياس، وسكت الباقون عن ~~الإنكار؛ وذلك يوجب أن يكون إجماعا؛ والإجماع حجة": PageV02P264 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # إنما قال: "بعض الناس"، ولم يقل "الصحابة"؛ ليعم إجماع الصحابة ~~والتابعين، وهذه الحجة هي التي عول عليها الموجبون للتعبد بالقياس شرعا، ~~وما يذكر من نصوص الكتاب والسنة؛ فكان مجموعها هو مستند الإجماع، والقاطع ~~في المسألة هو الإجماع، وقد تقدم الاعتراض عليها والجواب في العمل بخبر ~~الآحاد؛ فلا حاجة إلى إعادته. # والذي نريده الآن التنبيه على بعض صور الأقيسة التي عملت بها الصحابة، ~~وتصريحهم بالاعتماد عليه؛ لتخرج الحجة عن مجرد الدعوى: # فمنها: جمعهم القرآن لحفظه؛ قياسا على دراسته، وعقدهم الإمامة لأبي بكر؛ ~~محتجين بقولهم: "رضيه لديننا؛ أفلا نرضاه لدنيانا؟ ! ". # وقول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه-: أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن ~~صوابا فمن الله تعالى، وإن يكن خطأ فمني أو من الشيطان، والله ms308 ورسوله منه ~~بريئان، الكلالة: ما عدا الوالد والولد". # ومن ذلك: لما ورث أم الأم، ولم يورث أم الأب، قال له رجل من الأنصار: لقد ~~ورثت امرأة من ميت، ولو كانت هي الميتة، لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي ~~الميتة، ورث جميع ما تركت؛ فرجع إلى التشريك بينهما في السدس، وقوله في ~~قتال مانعي الزكاة: "لا أفرق بين ما جمع الله". # ومن ذلك: قول عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: "اعرف الأمثال والأشباه، ~~وقس الأمور برأيك". # وكان أبو بكر يرى التسوية في العطاء، فقال له عمر: لا تجعل من ترك دياره ~~وأمواله، وهاجر إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كمن دخل في الإسلام ~~كرها الآن، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: إنما أسلموا لله، وأجورهم على ~~الله، وإنما الدنيا بلاغ، فلما انتهت النوبة إلى عمر، وزع على التفاوت. # وقول عمر في الغرة: "لو لم نسمع هذا، لقضينا فيه برأينا"، وقوله: "إني ~~رأيت في الجد رأيا، فاتبعوني"، فقال عثمان: "إن نتبع رأيك، فرأيك سديد، وإن ~~نتبع رأي من قبلك، يعني أبا PageV02P265 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # بكر، فنعم الرأي كان"، ولو كان في المسألة قاطع، لما صوبهما. # وقول ابن مسعود في بروع بنت واشق المفوضة، وقد مات زوجها بعد أن رد ~~السائل شهرا: أقول فيها برأيي، فإن أصبت فمن الله تعالى، وإن أخطأت فمني ~~ومن الشيطان؛ أرى لها مثل مهر نسائها، ؛ لا وكس ولا شطط. # وقول زيد بن ثابت لابن عباس -حين قال: أين في كتاب الله ثلث ما يبقى؟ ! ~~-: أقول برأيي، وتقول برأيك. # ومن ذلك: استشارة عمر الصحابة في المرأة البغية التي بعث إليها، فألقت ~~جنينا، فقال بعضهم: ليس عليك شيء، إنما أنت وال، أو مؤدب، وعلي ساكت، فقال ~~له عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن أخبروك عن رأيهم، فقد أخطئوا ~~رأيهم، وإن قالوا لهواك، فما نصحوك: إن ديته عليك؛ فإنك أنت أفزعتها. وهذه ~~القضية أظهر دليل على أنهم مجمعون على الرأي، PageV02P266 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وإنما اختلفوا في التفصيل. # ومنها: قول علي لعمر، لما سأل ms309 عن قتل الجماعة بالواحد فقال: "أرأيت لو ~~اشترك نفر في سرقة، أكنت تقطعهم؟ قال: نعم، قال: فكذلك هذا. # قوله في حد الخمر: "إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى؛ فأرى عليه حد ~~المفترين"، وساعده عمر وغيره. # ومن ذلك: اختلافهم في ميراث الجد والإخوة ومسألة الحرام، واختلافهم في أن ~~الخلع فسخ أو طلاق، ورجوع عمر في مسألة المشتركة؛ لقول الأخ: "هب أن أبانا ~~كان PageV02P267 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # حمارا، ألسنا من أم واحدة"، وتوريث عثمان المبتوتة في مرض الموت؛ معاقبة ~~له بنقيض مقصوده. # وفي الوقائع كثرة، ولا خفاء بعدم النصوص فيها؛ لاعترافهم بعدمها وترديدهم ~~الرأي بين الخطإ والصواب على وجل، ولم تجر عادتهم بذلك في العمل بالنصوص، ~~وعدم ردها إلى البراءة الأصلية؛ فإن أكثرها ناقل عنها. # فإن قيل: من نقلتم عنه العمل به مع قلتهم بالنسبة إلى من بقي من الصحابة، ~~واحتمال حمل الرأي على غير القياس، مع تطرق وجوه من النظر في هذه النصوص ~~المخصوصة غير القياس: من تفسير لفظ، أو تمسك بعموم ضعيف، أو نقل خفي، أو ~~مفهوم، أو استصحاب أصل، أو تمسك برأي، أو أخذ المستيقن في طرف الأعلى أو ~~الأدنى، أو لازم نصين، أو مناسب مرسل، أو استحسان، أو استقراء، أو تحقيق ~~مناط. . . إلى غير ذلك من وجوه الرأي-: غير القياس؛ فما نقلتموه عتهم معارض ~~بما نقل عنهم من المنع بالعمل بالرأي: PageV02P268 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # [من] المنع من ذلك قول أبي بكر: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني؛ إن قلت ~~في كتاب الله برأيي". # وقال عمر: إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء الدين؛ أعيتهم الأحاديث أن ~~يحفظوها؛ فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا. # وقول علي: لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف أولى من ظاهره. # وعن ابن مسعود: يذهب قراؤكم وصلحاؤكم، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون ~~الأمور برأيهم. # وقالوا: لو حكمنا بالرأي، لحرمنا كثيرا مما أحل الله تعالى. # ورد ابن عباس قياس العول. # وقال عمر: من أحب أن يقتحم جراثيم جهنم، فليقض في الجد برأيه. # وقالت عائشة: أخبروا زيد بن أرقم أنه حبط جهاده مع رسول الله ms310 - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ لفتواه بالرأي في مسألة العينة (7). # وقال ابن عمر: اتهموا الرأي على الدين. # وقال ابن عباس: إياكم والمقاييس [فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس. وقال ابن ~~عمر: ذروني من رأيت وأريت]. PageV02P269 # الحجة الرابعة: أن العمل بالقياس يوجب دفع الضرر المظنون؛ فيكون حجة. # وقد سبق الاعتراض على هذين الوجهين في "باب أخبار الآحاد". # الحجة الخامسة: أن الأحكام غير متناهية، والنصوص متناهية، وإثبات ما لا ~~نهاية له بالمتناهي محال؛ فلا بد من طريق آخر سوى النصوص؛ وهو القياس. # === # وقال الشعبي: ما أخبروك به عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~فأقبله، وما أخبروك عن أنفسهم، فألقه في الحش؛ إن السنة لم توضع بالمقاييس. # وقال ابن مسعود: لا أقيس شيئا بشيء؛ أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها. # وقال ابن سيرين: أول من قاس إبليس. # قلنا: إن صح ما ذكرتموه من الأخبار مع صحة ما ذكرناه من الوقائع الكثيرة ~~المتفقة على اتفاقهم على العمل بالقياس والرأي- فطريق الجمع والتوفيق: أن ~~يحمل الرأي المذموم على الرأي الموضوع في غير محله المصادم للنصوص؛ بدليل ~~قوله: "أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها"، وقولهم: لأحللتم كثيرا مما حرم الله، ~~وحرمتم كثير مما أحل الله"، أي: على الرأي الفاسد الذي لا يشهد له أصل من ~~الشرع، أو الرأي الصادر عن العادم لأهلية الاجتهاد؛ كما قال: "اتخذوا رؤساء ~~جهالا". # قوله: "الحجة الرابعة: أن العمل بالقياس يوجب دفع الضرر المظنون؛ فيكون ~~حجة، وقد سبق الاعتراض عليها في "باب أخبار الآحاد": # وهذه من الطرق العقلية لموجبي التعبد به عقلا، وقد تقدم إفسادها، وبيان ~~أنها شبهة. # قوله: "الحجة الخامسة: الأحكام غير متناهية، والنصوص متناهية، وإثبات ما ~~لا نهاية له بالمتناهي محال، ولا بد من طريق أخرى، وهي القياس": # هذا المسلك اعتمده الإمام، وساعده الغزالي عليه في "المنخول"، وحاصله بعد ~~تمام تقريره تمسك بإجماع جملي. # قال الغزالي: إنا نعلم أن الصحابة من مفتتح أمرهم يوم السقيفة إلى موت ~~واثلة بن PageV02P270 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الأسقع، وهو آخر من مات من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- كانوا ~~يفتون ويحكمون بالتحليل والتحريم، ms311 والحقن والإهدار، والصحة والبطلان، ~~وبالأمور الخطيرة والقضايا العظيمة، وأقضيتهم وفتاويهم تزيد على منصوصات ~~الكتاب والسنة زيادة خارجة عن الحد والحصر المعتاد، ولا نظن بهم الاحتكام ~~والتشهي في الدين؛ فإن منصبهم يجل عن ذلك؛ فلا بد لهم من مستند شرعي؛ وهو ~~القياس، وطريق تعينه: أنهم إذا لم يحكموا بالتشهي، فلا بد من موافقة مقصود ~~الشرع، ومقصود الشرع، إذا لم يكن منصوصا عليه -فلا يسلم ولا يظن إلا بإيماء ~~أو استنباط بملاءمة أو شبه، أو دوران، وما أشبه ذلك، وهذا عين القياس؛ إذ ~~لا معنى للقياس إلا التمسك بمعقول النص أو الإجماع. # هذا تمام تقرير هذا المسلك شرعيا، فظاهر كلام الفخر بشير إلى تقريره ~~عقليا، كالذي قبله، ويرد على ظاهر كلامه استدراك؛ وهو أنه ادعى أن إثبات ما ~~لا نهاية له بالمتناهي محال، وعنى بالمتناهي: نصوص الكتاب والسنة، وادعى ~~دفع المحذور من ذلك بزيادة القياس، وزيادة واحد على المتناهي لا تصيره غير متناه. # لا يقال: المراد بقولنا: "إن أحكام الكتاب والسنة متناهية"، أن ما أشعرت ~~به النصوص من الأحكام -وإن كانت كثيرة- يدخل تحت العد والحصر، والقياس -وإن ~~كان واحدا بنوعه- لكنه يعم الأحكام التي لا نهاية لها ويسترسل عليها ~~باعتبار أمر عام يشترك فيه الآحاد؛ فإن الشارع إذا قال: "حرمت الخمر"، فهذا ~~حكم خاص، فإذا فهمنا أنه إنما حرمه؛ لكونه مسكرا -عم التحريم كل مسكر؛ ~~وكذلك إذا نهى عن بيع البر بالبر متفاضلا، وفهمنا أنه إنما حرمه؛ لكونه ~~مطعوما- عم الحكم كل مطعوم؛ ولهذا قيل: لا معنى للقياس إلا تجريد المعين عن ~~التعين وإضافة الحكم إلى المشترك؛ لأنا نقول: إذا فسرتم عدم النهاية بهذا، ~~فلا يتم هذا المسلك ما لم تثبتوا أن عمومات الكتاب والسنة لا تفي بمثل هذا ~~العموم؛ فإن قوله - عليه السلام -: "كل مسكر حرام"، و"لا تبيعوا الطعام ~~بالطعام"، وقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] PageV02P271 # ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: كل ما وقع النص عليه، فقد ثبت الحكم ~~فيه، وما لم يحصل النص فيه، لم يكن لله ms312 -تعالى- فيه على العبد تكليف، بل ~~دخل تحت البراءة الأصلية. # ألا ترى: أن السلطان إذا أرسل أميرا إلى بلدة، فإن الأمير يقول: كل ~~تكاليفك على وعلى أهل تلك البلدة. فإذا ذكر السلطان أنواعا من التكاليف، ~~وقال: هذا تمام التكاليف عليك، وعلى أهل بلدتك-: فإنهم إذا أتوا بتلك ~~التكاليف، كانوا مطيعين سامعين، ولا يكون لذلك السلطان عليهم في غيرها شيء ~~من التكاليف. # فكذلك: هذا سلطان الموجودات أرسل محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة ~~إلى هذا العالم، وذكر # === # بالألف واللام المستغرقة يشمل ما لا يتناهى؛ باعتبار الذي ذكرتم؛ كيف ~~والخصم قد يسلم العمل بالعلة المنصوص عليها والمومإ إليها وجريان القياس في ~~تحقيق المناط، وفي كل ما يعتبر التنصيص عليه، وإنما يخص النزاع بتخريج ~~المناط، فلا يتحقق المحذور المذكور. # قوله: "ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: كل ما وقع النص عليه، فقد ~~ثبت الحكم فيه، وما لم يحصل النص فيه، لم يكن لله -تعالى- على العبد فيه ~~تكليف، بل دخل تحت البراءة الأصلية ... " إلى آخره، ولم يجب عنه: # والجواب عنه: ما نبهنا عليه في مسلك الإجماع التفصيلي، وهو أن أكثر ~~الوقائع التي حكمت فيها الصحابة بالرأي على خلف البراءة الأصلية، وما ~~اختلفوا فيه لا يمكن اجتماع الطريقين فيه على البراءة، والاستقراء يحقق ~~ذلك، فلم يعم الأحكام باعتبار البراءة الأصلية فقط. # فإن قيل: ما حكمت فيه الصحابة من الوقائع وإن كثرت، فهي متناهية؛ فكيف ~~تدعون تعميم القياس وشموله لما لا يتناهى من الأحكام وقوعا منها؟ : # قلنا: المعني بعدم النهاية: الكثرة إلى حد يعسر عدها، وأن النصوص لا تفي ~~بها، أما دعوى الوقائع التي لا تتناهى تقريرا، فهل لله -تعالى- في كل واقعة ~~منها حكم أو لا؟ - فسيأتي البحث فيه، إن شاء الله -تعالى- في "باب ~~الاجتهاد". # والإمام يدعي التعميم بوجه، وهو أن نوع من الأحكام؛ فإن الوقائع فيه ~~واقعة بين طرفين على التقابل بين النفي والإثبات، فإذا خص طرفا بالحكم، عم ~~نفيه المقابل له؛ كقوله: الوارثون من الرجال عشرة، ومن النساء سبعة، فمن ~~عداهم ليس بوارث، ms313 وموانع الميراث خمسة، وما عدا ذلك ليس بمانع، ونواقض ~~الوضوء خمسة، وما عدا ذلك ليس PageV02P274 # أنواعا من التكاليف، ثم بين أن تلك التكاليف تمام التكاليف؛ حيث قال: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3]؛ فوجب: إلا يبقى ~~بعدها تكليف آخر ألبتة؛ فكان كل ما سواها داخلا تحت البراءة الأصلية. # الحجة السادسة: أن الشافعي -رضي الله عنه- قاس الاجتهاد في طلب الأحكام ~~الشرعية على الاجتهاد في طلب القبلة. وهذا بعيد؛ لأنه إثبات القياس ~~بالقياس. # احتج المنكرون للقياس بوجوه: # الحجة الأولى: أن القياس مبني على مقدمتين: # إحداهما: أن الحكم في محل الوفاق معلل بالصفة الفلانية. # === # بناقض، وأسباب حل الوطء اثنان ملك، ونكاح، وأسباب الملك كذا وكذا، وما ~~عداه ليس بسبب، وبين ذلك وقائع يتجاذبها الطرفان، فتلحق بأشباهها منها، ~~كالواجب مثلا في العبد المقتول خطأ، فإنه دائر بين ضمان النفسية؛ كالحر، ~~والمالية؛ كالبهمية. # قوله: "الحجة السادسة: أن الشافعي -رحمه الله- قاس الاجتهاد في طلب ~~الأحكام الشرعية على الاجتهاد في طلب القبلة؛ وجه الجمع أن الشارع إنما ~~يسوغ القياس في العلة لعسر التنصيص على الآحاد؛ أو ليبذل المجتهد وسعه في ~~تحصيل الحكم؛ فينال ثواب درجة الاجتهاد، وأيا ما كان، فهو متحقق في محل ~~النزاع، فالورود ثم يكون ورودا ها هنا. # قوله: "وهذا بعيد؛ فإنه إثبات للقياس بالقياس": # قلنا: المحذور من إثبات القياس بالقياس إثبات الشيء بنفسه؛ لأن المفيد ~~يجب تقدمه على المستفاد، فلو أثبت الشيء بنفسه، لزم تقدم الشيء على نفسه؛ ~~وهو محال، أنا إثبات نوع من القياس بالنص أو بالإجماع، وإثبات ضرب آخر من ~~القياس بذلك القياس المنصوص- فلا يلزم منه المحذور المذكور؛ فلا نسلم ~~امتناعه. # لا يقال: التنصيص على غير جهات القبلة غير ممكن، فدعت الضرورة إلى ~~القياس، ولا ضرورة، ولا حاجة إلى القياس فيما أمكن التنصيص عليه. # لأنا نقول: بفرض الكلام عند عدم النص، واليأس منه؛ فقد استوت الحاجة ~~إليه، وإن كان التنصيص عليه قد كان ممكنا، وكان يمكن أيضا تأخر الصلاة إلى ~~التبين؛ كما يقال -فيمن عدم الماء والتراب؛ على رأي بعض ms314 العلماء، أو صلى ~~إلى أربع جهات، ولا ضرورة إلى الاجتهاد، وإنما كان يتجه منهم المنع من ~~القياس أن لو دعونا إلى العمل بقاطع، وإنما يدعوننا بتركه إلى التعطيل أو ~~التحيين أو الحوالة على إمام منتظر، لا يعرف له عين ولا خبر. # قوله: "احتج منكرو القياس بوجوه: الأول: أن القياس مبني على مقامين: # أحدهما: أن الحكم في محل الوفاق معلل بالصفة الفلانية. PageV02P275 # الثانية: أن الصفة الفلانية حاصلة في محل النزاع. # فهاتان المقدمتان: إن كانتا قطعيتين -فهذا القياس لا نزاع في كونه حجة. # وإن كانتا غير قطعيتين، أو كانت إحداهما غير قطعية -كانت النتيجة غير ~~قطعية؛ لأن الفرع لا يكون أقوى من الأصل، وكل ما لا يكون قطعيا كان ظنيا؛ ~~لأن الظن في مقابلة اليقين؛ قال الله تعالى حكاية عن قوم: {إن نظن إلا ظنا ~~وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32]؛ فجعل الظن في مقابلة اليقين. # وإذا كان الحكم المثبت بالقياس ليس يقينيا - ثبت كونه ظنيا؛ فثبت أن ~~القياس لا يفيد إلا الظن، والظن لا يجوز العمل به؛ لقوله تعالى: {وإن الظن ~~لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28]، ولقوله تعالى في ذم الكفار: {إن يتبعون ~~إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام: 116]، وقال تعالى: {وتظنون بالله ~~الظنونا} [الأحزاب: 10]، والآيات الدالة على ذم الظن كثيرة. # وأيضا: فإنه تعالى نهى عن الحكم بغير العلم؛ فقال: {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم} [الإسراء: 36]، وقال جل جلاله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~[البقرة: 169]، وقال تعالى مخاطبا اليهود: {أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف ~~الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 80]. # === # الثاني: حصول الصفة الفلانية في محل النزاع. # فهذان المقامان، إن كانا قطعيين، فهذا القياس لا نزاع في كونه حجة، وإن ~~كانا غير قطعيين أو كان أحدهما غير قطعي- كانت النتيجة غير قطعية؛ لأن ~~الفرع لا يكون أقوى من الأصل، وكل ما لا يكون قطعيا، كان ظنيا؛ لأن الظن في ~~مقابلته؛ قال الله تعالى؛ حكاية عن قوم: {إن نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين} ms315 [الجاثية: 32]، فجعل الظن في مقابدة اليقين، وإذا كان هذا الحكم ~~المثبت بالقياس ليس يقينيا - ثبت كونه ظنيا؛ فثبت أن القياس لا يفيد إلا ~~الظن، والظن لا يجوز العمل به؛ لقوله تعالى: {وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا} [النجم: 28]؛ ولقوله تعالى في ذم الكفار: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم ~~إلا يخرصون} [الأنعام: 116] وقال تعالى: {وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: ~~10]، والآيات الدالة على ذم الظن كثيرة": # حاصل هذه الحجة: المعارضة بالنصوص المانعة من العمل بالظن. # وقد أجيب عنها - بعد تسليم عمومها- بتناول محل النزاع؛ فينها لا تتناوله ~~بخصوصها؛ لوجوه: # الأول: أنه تمسك بالظن في إبطال العمل بالظن. PageV02P276 # فثبت: أن القياس لا يفيد إلا الظن، والعمل بالظن غير جائز. # ثم نقول: عدلنا عن هذا الدليل في صور كثيرة: # إحداها: الاكتفاء بالظن في فتوى المفتين. # ثانيتها: في الشهادات. # ثالثتها: في تقويم المتلفات وأروش الجنايات. # رابعتها: في طلب القبلة. # خامستها: في ركوب البحر عند ظن السلامة، وفي الإقدام على العلاجات عند ظن ~~السلامة. # إلا أن الفرق بين هذه الصور وبين محل النزاع، ظاهر؛ لأن الأحكام التي ~~اكتفينا فيها بالظنون في هذه الصور -أحكام جزئية متعلقة بأشخاص معينة في ~~أوقات معينة، وكان التنصيص عليها متعذرا؛ فوجب الاكتفاء فيها بالظن، بخلاف ~~الأحكام التي يراد إثباتها بالأقيسة؛ فإنها أحكام كلية مضبوطة، فيمكن ~~إثباتها بالنصوص؛ فظهر الفرق. # الحجة الثانية: أن نقول: الحكم بمقتضى القياس حكم بغير ما أنزل الله ~~تعالى؛ فوجب ألا يجوز: # بيان الأول: أن ذلك الحكم لو كان حكما بما أنزل الله، لكان تاركه تاركا ~~للحكم بما أنزل الله؛ فيلزمه الكفر؛ لقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم # === # الثاني: أنها محمولة على الظن فيما ينبغي فيه القطع. # الثالث: حمله على الحدس والتخمين، والاعتماد على الظن بغير طريق مشروع. # الرابع: أن العمل عند الظن مستند إلى القاطع، وهو الإجماع لا بالأمارة. # والخامس: أنه مخصوص بمواقع الإجماع، وكلما خص المشترك بالتخصيص ثم، يكون ~~تخصيصا ها هنا. # قوله: "الثانية: أن نقول: الحكم بمقتضى القياس حكم بغير ما ms316 أنزل الله ~~تعالى؛ فوجب إلا يجوز: # بيان الأول: أن ذلك الحكم: لو كان حكما [بما] أنزل الله تعالى، لكان ~~تاركه تاركا للحكم بما أنزل الله؛ فيلزمه الكفر؛ لقوله تعالى: {ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، وبالإجماع لم يحصل هذا، ~~فوجب القطع بأن ذلك الحكم ما كان حكما بما أنزل الله. PageV02P277 # الكافرون} [المائدة: 44]؛ وبالإجماع لم يحصل هذا؛ فوجب القطع: بأن ذلك ~~الحكم ما كان حكما بما أنزل الله تعالى. # وإذا ثبت هذا -فنقول: الحاكم بالقياس حاكم بغير ما أنزل الله تعالى، ~~والحكم بغير ما أنزل الله تعالى يكون غير حكم بما أنزل الله؛ فحينئذ: يدخل ~~تحت قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]. # ونقول: القول بالتكفير متعذر بالإجماع، إلا أنا قد دللنا على أنه إذا نسخ ~~الوجوب، يبقى الجواز؛ فههنا: لما تعذر التكفير، وجب أن يبقى الخطأ والرجز ~~والمنع منه. # الحجة الثالثة: النصوص وافية ببيان الأحكام؛ ومتى كان الأمر كذلك كان ~~القول بالقياس باطلا: # بيان الأول: أن الحكم لا يخلو: إما أن يكون منشأ للمصلحة الخالصة، أو ~~للمفسدة الخالصة، أو كان مشتملا عليهما، أو كان خاليا عنهما: # === # إذا ثبت هذا، فالحاكم بالقياس حاكم بغير ما أنزل الله، [ف] كان يجب ~~تكفيره، لكن القول بالتكفير متعذر بالإجماع، إلا أنا بينا أنه إذا نسخ ~~الوجوب، بقي الجواز؛ فههنا لما تعذر التكفير، وجب أن يبقى الخطأ والحرمة": # يعني: أنه لا يلزم من رفع الأخص رفع الأعم؛ فيبقى التحريم ها هنا. # والجواب: أن التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله مشروط بالعمل بالمخالفة ~~قطعا؛ كحكم اليهود بعدم رجم الزاني المحصن مع علمهم بأنه منصوص عليه في ~~التوراة، أنها الحكم بغير ما أنزل الله عن خطإ أو غلط أو سهو- فليس كفرا ~~بالإجماع. # قوله: "الثالثة: أن النصوص وافية ببيان الأحكام؛ ومتى كان الأمر كذلك، ~~كان القول بالقياس باطلا: # بيان الأول: أن الأمر إما أن يكون منشأ للمصلحة الخالصة، أو للمفسدة ~~الخالصة، أو كان مشتملا عليهما، أو كان خاليا عنهما": ms317 # يعني ب "الأمر" ها هنا: الذي جعلة موردا لتقسيم الشيء؛ كقولهم [من ~~الوافر]: # ...................... ... لأمر ما يسود من يسود PageV02P278 # أما الأول -وهو: أن يكون منشأ للمصلحة الخالصة-: فمقتضاه الإذن. # وأما الثاني- وهو: أن يكون منشأ للمفسدة الخالصة-: فمقتضاه الحرمة؛ ~~لوجهين: # أحدهما: الإقدام على المفسدة قبح؛ فوجب أن يكون ممنوعا منه. # الثاني: أنه ليس في تحصيله مصلحة؛ فوجب أن يكون عبثا. # والدليل على الأول: النصوص، والمعقول: # أما النصوص-، فكثيرة: # أحدها: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]. # ثانيها: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]. # ثالثها: {أحل لكم الطيبات} [المائدة: 4]. # رابعها: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ~~[الأعراف: 32]. # خامسها: قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم} [هود: 118، 119]؛ قوله: "ذلك" ضمير؛ فيجب عوده إلى أقرب المذكورات، ~~وهو قوله: {من رحم ربك}. # === # قوله: "وأما الأول، فمقتضاه الإذن. وأما الثاني، فمقتضاه الحرمة؛ والدليل ~~عليه النصوص والمعقول: أما النصوص فكثيرة، أحدها: قوله تعالى: {يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]. وثانيها: قوله تعالى: {وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]. وثالثها: قوله تعالى: {ويحل لهم ~~الطيبات} [الأعراف: 157]. ورابعها: قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32]. وخامسها: قوله تعالى: {ولا ~~يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118، 119]، قوله: ~~"لذلك" ضمير فيجب عوده على أقرب مذكور": # وهذا بعيد؛ فإن "الرحمة" مؤنثة، والإشارة مذكرة، وسياق الآية، وهو قوله: ~~{وتمت كلمة PageV02P279 # سادسها: قوله - عليه السلام -: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". # سابعها: قوله - عليه السلام - حكاية عن الله تعالى: "سبقت رحمتي غضبي". # والمراد بالسبق الكثرة؛ لأنه ثبت أن صفات الله تعالى ليست محدثة. # ثامنها: قوله - عليه السلام - حكاية عن الله تعالى: "خلقتكم لتربحوا علي ~~لا لأربح عليكم". # === # ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس} [هود: 119]، يدل على عودته على ~~الاختلاف الذي هو سبب ملء جهنم. # [قوله]: "وسادسها: قوله - عليه السلام -: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". # وسابعها: قوله ms318 -عليه السلام- حكاية عن ربه: "خلقتكم لتربحوا على لا لأربح ~~عليكم". # ومنها: قوله - عليه السلام - عن الله تعالى: "سبقت رحمتي غضبي"، والمراد ~~ب "السبق" الكثرة؛ لأنه ثبت أن صفة الله -تعالى- ليست محدثة. # يقال له: الرحمة إذا لم تحمل على الرقة والشفقة التي هي حقيقتها في ~~الشاهد، ردت -في حق الباري سبحانه- إلى إرادة النفع والإنعام الذي هو لازم ~~الرقة، ورد الغضب إلى إرادة الإضرار والانتقام؛ فلا كثرة في نفس الصفة على ~~هذا التقدير. # وإن رد ذلك إلى كثرة المتعلقات وقلتها، فالأفعال المتعلقات حادثة؛ فلا ~~يمتنع السبق فيها؛ فإن الله تعالى فطر الإنسان على المعرفة والإيمان؛ قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما ~~اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه"؛ لذلك استووا عند أخذ الميثاق، حيث قال PageV02P280 # أما المعقول فهو أن الله تعالى رحيم جواد، فإذا فرضنا فعلا كان مصلحة من جميع # === # الله تعالى: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172]. # قوله: "وأما المعقول: فهو أنه رحيم جواد، ومتى فرضنا فعلا كان مصلحة من ~~جميع الوجوه، والله تعالى متعال عن المضار والمنافع- كان المنع منه بخلا؛ ~~وذلك على الله تعالى PageV02P281 # الوجوه، والله تعالى متعال عن جميع المنافع والمضار- كان المنع فيه بخلاف ~~ذلك على الله تعالى محالا. # أما القسم الثالث وهو أن يكون ذلك الفعل مشتملا عليهما-: فنقول: هذا ~~القسم على ثلاثة أقسام؛ لأنه: إما أن تكون المصلحة راجحة، أو المفسدة ~~راجحة، أو يتعادلان: فإن كانت المصلحة راجحة، وجب الإذن؛ لوجهين: # الأول: أن نقابل المثل بالمثل؛ فيبقى القدر الزائد مصلحة محضة خالية عن ~~المعارض، ومقتضاه: الإذن. # الثاني: أنا لو منعنا منه، لزم ترجيح المرجوح على الراجح؛ وهو محال. # وإن كانت المفسدة راجحة- وجب المنع؛ لعين الدليلين المذكورين. # وأما إن تعادلا، تساقطا؛ فوجب بقاء ما كان على ما كان. # أما القسم الرابع- وهو أن يكون خاليا عن المصلحة والمفسدة جميعا- فحينئذ: ~~لم يوجد التعارض؛ فوجب بقاء ما كان على ما كان. # === # محال. القسم الثالث، وهو أن يكون الفعل مشتملا عليهما - فنقول: هذا القسم ~~ثلاثة أقسام: # إما أن ms319 تكون المصلحة راجحة، أو المفسدة راجحة، أو يتعادلان: # فإن كان الأول، وجب الإذن؛ لوجهين: # الأول: أنه إذا قوبل المثل بالمثل، فيبقى القدر الزائد مصلحة خالية عن ~~المعارضة. # الثاني: أنا لو منعنا منه، لزم ترجيح المرجوح على الراجح؛ وهو محال. # وإن كان الثاني وجب المنع للدليلين المذكورين. # وأما إن تعادلا، تساقطا؛ فوجب بقاء ما كان على ما كان. [أما القسم الرابع ~~وهو أن يكون خاليا عن المصلحة والمفسدة جميعا- فحينئذ: لم يوجد التعارض؛ ~~فوجب بقاء ما كان على ما كان]. # فثبت بهذا التقسيم أن القرآن والعقل وافيان بجميع أقسام التكليف إلى الأبد. # لكن ها هنا بحث آخر، وهو أن في بعض الوقائع جاءت النصوص الدالة على أحكام ~~تلك الوقائع على سبيل التفصيل، وأينما وجدنا مثل هذا النص، قدمناه على ~~الطريق الأول؛ لما ثبت أنه يجب تقديم الخاص على العام": # اعلم أن هذا المسلك مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وحصر جهة الحكم في ~~العقل المكلف به أو تركه؛ وقد تقدم إبطال الأمرين. PageV02P282 # فثبت بهذا التقسيم: أن القرآن والعقل وافيان بتبيان جميع أقسام التكاليف ~~إلى الأبد. # إلا أن ههنا بحثا آخر، وهو: أن في بعض الوقائع جاءت النصوص الدالة على ~~أحكام تلك الوقائع على سبيل التفصيل، فأينما وجدنا مثل هذا النص، قدمناه ~~على الطريق الأول؛ لما ثبت أنه يجب تقديم الخاص على العام. # === # وقد ادعى أولا: أن نصوص القرآن وافية بالأحكام، ثم استنتج أن العقل ~~والقرآن كافيان، وعنى أن ما خلا من نص خاص، فيجب البحث عنه بالعقل: فإن كان ~~مصلحة خالصة أو راجحة، فحكمه الإذن مع عفمه بانقسام الإذن إلى مباح ومندوب ~~وواجب، وأن مطلق الإذن لا يثبت بدون خصوص، فليت شعري على أي خصوص نثبته؟ ! # وكذلك عكسه؛ وهو خالص المفسدة، أو راجحها يقتضي المنع من انقسامه إلى ~~محظور ومكروه، وقال: "عملا بمقتضى العمومات الدالة على أن الله -تعالى- شرع ~~الأحكام لإصلاح العباد على الجملة"، فانظر كيف منع من القياس، وأوجب العمل ~~بالاستحسان والمصالح المرسلة التي هي أعم من القياس، ومن لازمها العمل ~~بالقياس، ms320 واكتفى في الاعتبار باعتبار جنس المصالح في جنس الأحكام، وحكم به ~~مع قطع النظر عن الخصوصيات، والقائلون بالقياس لا يكتفون بذلك القدر؛ بل لا ~~بد مع ذلك من اعتبار الجنس الأقرب، ومراعاة مقصود الشرع بتأثير أو ملائمة، ~~حتى منع بعضهم العمل بالمناسب القريب، ومن قال بالمرسل، فالصحيح من رأيه: ~~أنه إنما يعمل به مع التقريب من مقصود الشرع، ويشترط أن تكون المصلحة ~~المعتبرة قطعية؛ أي: حاصلة قطعا، كلية؛ أي: عامة، ضرورية؛ على ما تحقق في ~~موضعه، ويعني ب "الضرورية": أنها من الضروريات لا التتمات والتحسينات؛ ~~فانظر ما في هذا الكلام من التناقض والبعد عن جميع مآخذ الأئمة، والبناء ~~على أصول باطلة؛ وترك الاعتراض عليها. # والاستدلال بالعقل لمن ينفى الاعتماد على العقل أو يحرمه من الظاهرية: إن ~~أراد تعميم الحجة؛ على ما هو ظاهر كلامه، وإنما يمكن التمسك بها للرافضة أو ~~المعتزلة من البغداديين القائلين بالتحسين والتقبيح، فإن الأحكام من صفات ~~أنفس الأفعال، أو تابعة لها؛ والشرع مخبر عن صفتها لا مثبت للحكم فيها. # والذي يشفي الغليل في رد هذه الشبهة: أن نقول: وإن سلمنا أن الواقع في ~~الشرع مراعاة مصالح العباد؛ فضلا من الله ونعمة، لا وجوبا عليه؛ على ما ~~أشارت إليه النصوص، ودل عليه الاستقراء في كثير من الأحكام، إلا أن الشارع ~~اعتبرها بشرائط وقيود لا يهتدي العقل إليها، ولا يستقل بإدراكها؛ فإن غاية ~~ما في العقل أن يدرك أن السرقة مفسدة، وأنها تناسب شرع عقوبة صارفة لها، ~~وليس في العقل ما يعين القطع صارفا ودافعا لهذه المفسدة، دون شرعه صارفا في ~~الغصب والنهب، وليس فيه ما يعين محل القطع، ولا القدر المقطوع منه، وكذلك ~~غايته في PageV02P283 # إذا عرفت هذا- فنقول: الحكم المثبت بالقياس: إن كان واردا على وفق ~~القرآن، ففي القرآن غنية عنه. وإن كان واردا على خلاف القرآن، كان باطلا؛ ~~لأن القرآن أقوى من القياس؛ والضعيف لغو عند قيام القوي. # === # الزكاة أن يدرك أن أخذ الصدقة من أغنيائهم وصرفها على فقرائهم، سد ~~لخلتهم. أما تعيين PageV02P284 # الحجة الرابعة: قوله ms321 - عليه السلام -: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ~~فرقة؛ أعظمهم فتنة على أمتي أقوام يقيمون الأمور برأيهم فضلوا وأضلوا". # فإن قيل: هذا خبر واحد؛ فلا يفيد إلا الظن، والمسألة يقينية: # === # أموال الزكاة وتقدير نصبها وأوقاصها، وقدر المخرج منها، وتعيين مصارفها - ~~فلا يهتدى العقل إلى شيء من ذلك ألبتة، وهكذا سائر الأحكام الشرعية؛ وأنى ~~يهتدي لتعيين جلد الزاني غير المحصن مائة وتغريبه عاما، وجلد القاذف ~~ثمانين، وجلد الشارب ثمانين وأربعين، ثم إذا انقسمت المصالح لدية إلى ~~معتبرة بالنص ومهدرة: فالخارج عن القسمين كيف يمكن إلحاقه بأحدهما بدون ~~التفات إلى مقاصد الشرع؛ ولا يعرف مقصود الشرع إلا بنصه، أو إيمائه، أو ما ~~يغلب على الظن أنه مقصود من مناسبة أو اقتران أو دوران؛ وذلك عين القياس: ~~فانظر كيف صار فساد القياس صلاحا، وإصلاحه فسادا، وليس المنكر إيراد الشبهة ~~لتحل، وإنما المنكر إخلاؤها عن الجواب بعد المبالغة في تقريرها، والله ~~الموفق للصواب. # قوله: "الحجة الرابعة: # قوله - عليه السلام -: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، وأعظمهم على ~~أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فضلوا وأضلوا": # والجواب أنه محمول على الرأي المقابل للنص أو الرأي غير المستند إلى أصول ~~الشريعة، وبأنه مخصوص بالإجماع. # قوله: "فإن قيل: هذا خبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد العلم، والمسألة ~~يقينية. # قلنا: الدلائل التي ذكرتم في جانب الإثبات أضعف من هذا الدليل": # الجواب: أنه معارض بما ذكرناه من نصوص الكتاب والسنة، وما ذكرناه أولى؛ ~~لأن الكتاب مقطوع به في نقله. PageV02P286 # قلنا: الدلائل التي ذكرتموها في جانب الإثبات أضعف بكثير من هذا الدليل. # وأيضا: هب أنه خبر واحد، إلا أنه يفيد أن العمل بالقياس يوجب حصول الضرر؛ ~~فوجب أن يكون ترك العمل به واجبا لعين ما ذكرتموه من أن الظن الراجح واجب ~~العمل به. # الحجة الخامسة: أن القياس لو كان حجة-، لكان كالثابت المطلق لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في بيان وقائع المكلفين إلى يوم القيامة. # ولو كان كذلك: لكان القول بإثباته من الأصول المهمة في الدين، ومن ~~الوقائع العظيمة، ولو كان ms322 كذلك، لبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~حجة، بيانا شافيا قاطعا للعذر. # وحيث لم يوجد ذلك: علمنا أنه باطل. وهذا هو الدليل الذي عول عليه الجمهور ~~في بطلان قول الروافض في إثبات النص على إمامة علي -رضي الله عنه- حيث ~~قالوا: إن النص عليه لو صح لبلغ في الشهرة إلى حد التواتر؛ لكونه من ~~الوقائع العظيمة؛ فكذلك نقول: لو كان القياس حجة في الشرع- لكان التنصيص ~~على كونه حجة بالغا إلى حد التواتر؛ لكونه من الوقائع العظيمة. # === # وقوله "ما ذكرتم من دلائل الإثبات، أضعف": # قلنا: ممنوع؛ فإنه لا يعارض الإجماع القاطع. # قوله: "وأيضا، فهو خبر واحد، إلا أنه يفيد أن العمل بالقياس يوجب حصول ~~الضرر؛ فوجب أن يكون ترك العمل به واجبا؛ بعين ما ذكرتم من أن الطن الراجح ~~واجب العمل به": # ويجاب عنه: بأنه إذا تعارضت النصوص، فإن الترجيح لجانبنا يقطع الطريق. # قوله: "الحجة الخامسة: # لو كان القياس حجة، لكان كالثابت المطلق لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في بيان جميع وقائع المكلفين # إلى يوم القيامة، ولو كان كذلك، لكان القول بإثباته من الأصول المهمة في ~~الدين، ولو كان كذلك لبين الرسول - عليه السلام - أنه حجة بيانا شافيا ~~قاطعا للعذر، وحيث لم يوجد، علمنا أنه باطل، وهذا هو [الدليل] الذي عول ~~عليه الجمهور في بطلان قول الروافض بإثبات إمامة علي بالنص ... " إلى آخره: # الجواب عنه من وجهين: # أحدهما: إلزامهم مثله، وهو أنه لو لم يكن حجة مع ما يلزم من إسناد ~~الأحكام إليه من المفاسد العظيمة؛ بتقدير كونه غير حجة- لبينه بيانا قاطعا. # الثاني: أنه لو لم يبينه بيانا شافيا، لما انعقد الإجماع القاطع على ~~العمل به، وقد انعقد. PageV02P287 # الحجة السادسة: القول بالقياس يتوقف على تعليل أحكام الله تعالى، وهذا ~~باطل؛ فذاك باطل: # بيان الأول: أما نقول في القياس: الحكم هناك ثبت للمعني الفلاني، وذلك ~~المعني قائم ههنا؛ فيلزم حصول ذلك الحكم ههنا؛ فقوله: "الحكم هناك ثبت ~~للمعني الفلاني": قول بتعليل الحكم. # فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد من ms323 التعليل التعريف؟ ! # قلنا: هذا باطل؛ لأن طلب علة الحكم فرع عن حصول معرفة الحكم أولا، فإذا ~~كان كذلك؛ امتنع جعل ذلك الوصف معرفا له؛ لامتناع تعريف المعرف، وتحصيل ~~الحاصل. # === # قوله: "الحجة السادسة: # القول بالقياس موقوف على تعليل أحكام الله تعالى، وهذا باطل، فذاك باطل: # بيان الأول: أنا نقول في القياس: إن الحكم هناك ثبت للمعنى الفلاني، وذلك ~~المعنى قائم ها هنا؛ فيلزم حصول ذلك الحكم ها هنا - فقوله: "إن الحكم هناك ~~ثبت للمعنى الفلاني": تعليل للحكم. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد بالعلة ها هنا: المعرف؟ ؟ ! . # قلنا: هذا باطل؛ لأن طلب علة الحكم فرع عن معرفة الحكم أولا، وإذا كان ~~كذلك، امتنع جعل ذلك الوصف معرفا؛ لامتناع تعريف المعرف، وتحصيل الحاصل. # والجواب عما ذكره: أنه لا نزاع في إطلاق العلة على المؤثر والداعي ~~والمعرف، ويمتنع جعل العلة الشرعية مؤثرة على أصلنا؛ فإن الحكم الشرعي يرجع ~~عندنا إلى خطاب الله -تعالى- المتعلق بأفعال العباد على وجه مخصوص، وخطابه ~~وكلامه قديم، والقديم لا يعلل فضلا عن أن يعلل بعلة حادثة؛ ولأن العلة في ~~الخمر الإسكار، وهو متحقق قبل التحريم، والعلة العقلية يمتنع تخلف حكمها ~~عنها؛ ولأنه لا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين شرعا. # وأما العلة بمعنى الداعي: فإن عنى به الغرض، فهو على الله -تعالى- عندنا ~~محال؛ لأنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقلي؛ ونحن لا نقول به. # وإن أطلقنا على السبب الشرعي الداعي والحامل، فنعني به أن العلم باشتمال ~~شرع الحكم، على حكمة معتبرة شرعا تدعو المجتهد وتحمله على القول بالحكم لا ~~أنه حامل وداع لله تعالى، وإن عنى بالغرض أن الإحكام في الواقع يلزمها ~~استصلاح العباد في سيرهم وسرائرهم، وتلك المصالح تنشأ من أوصاف ترتبط ~~بأفعال العباد عادة، وكونها عللا معرفة للأحكام بنصب الشارع إياها أمارة؛ ~~فهذه هي التي نسميها عللا شرعية، ولا يصخ أن يطلق عليها اسم "الغرض"؛ ~~بالنسبة إلى الله تعالى، واختصاص المعرف بالمناسب؛ كالإسكار، أو مظنة ~~المعنى المناسب PageV02P288 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # كالسفر؛ فإنه مظنة المشقة، أو ما يوهم الاشتراك في ms324 المناسب، وهو الله عند ~~القائلين به؛ كقولنا: صوم مفروض -مما عرف من عادة الشرع في الواقع إجراء ~~الأحكام الشرعية على المألوف من القضايا العرفية؛ لتكون النفوس لها أقبل ~~والطباع لها أذعن. # وقد نص الشارع على التعليل بالوصف، ولا يطلع على وجه الحكمة فيه؛ كقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من مس ذكره فليتوضأ"؛ فيعلل به، ويعتقد اشتماله على ~~حكمة تغيب عنا، وقد لا ينص على علة، ويخفى علينا وجه المصلحة فيه؛ فنسميه ~~تعبدا. PageV02P289 # وإنما قلنا: إن تعليل أحكام الله تعالى- محال؛ لوجوه: # الأول: أن أكثر أحكامه -سبحانه وتعالى- خالية عن رعاية المصلحة؛ وذلك ~~لأنه تعالى أوجب الإيمان على الكفار، والطاعات على الفساق؛ مع أنه تعالى ~~كان عالما بأنهم لا يؤمنون، ولا يطيعون، وقد ذكرنا أن الأمر بالإيمان ~~وبالطاعة -حال حصول العلم بعدم الإيمان- تكليف بالجمع بين الضدين؛ وذلك ~~محال، فثبت: أنه لا فائدة في تلك الأوامر إلا إلحاق المضار بهم؛ وذلك يدل ~~على أن أكثر تكاليف الله تعالى خالية عن رعاية مصالح العباد. # === # ولو نصب الشارع الأوصاف الطردية أمارات معرفة للأحكام- لم يمتنع عندنا ~~عقلا، لكن الواقع في الشرع خلافه. # وقوله: "إن طلب علة الحكم فرع معرفة الحكم أو لا": يقال له: إن عنيت تصور ~~الحكم، فمسلم، ولا يلزم منه تعريف المعرف؛ فإن العلة تعرف بثبوت الحكم أو ~~نفيه، لا تصوره، وإن عنيت به أنه فرع ثبوته، قلنا: هي فرع ثبوته في الأصل، ~~والحكم في الفرع فرع معرفة علة الأصل، وتقريرها في الفرع، وحكم الأصل لا ~~يعرف بها؛ وإنما يعرف بالنص أو الإجماع؛ فلا دور، ولا تحصيل للحاصل، وإنما ~~يلزم ذلك المعتزلة، ولا نفتقر نحن إلى الجواب عن الوجوه التي أبطل بها ~~الغرض على الله تعالى؛ لأنا لا نقول به، إنما نذكرها لبيان المقصود منها، ~~وتتبع ألفاظها، وننبه على ما في مقدماتها من الخلل، إن شاء الله تعالى. # قوله: "وإنما قلنا: إن تعليل أحكام الله -تعالى- محال؛ لوجوه: # الأول: أن أحكام الله -تعالى- خالية عن رعاية المصالح؛ وذلك أن الله ~~-تعالى- أوجب الإيمان على الكفار، والطاعة على الفساق ms325 مع أنه علم أنهم لا ~~يؤمنون ولا يطيعون، وقد PageV02P294 # الثاني: أن العالم محدث، فاختصاص حدوثه بالوقت المعين: إما أن يكون ~~لاشتمال ذلك الحدث على خصوصية لأجلها استحق أختصاصه بالحدوث في ذلك الوقت ~~المعين بحدوث العلم فيه بعينه، أو لم يكن كذلك: # فإن كان الأول -عاد التقسيم في اختصاص ذلك الحدث بتلك الخاصية. وإن كان ~~الثاني- فحينئذ: يجوز أن يكون ذلك الوقت يوجب بذاته حصول تلك الخاصية ~~المعينة؛ فحينئذ: يمتنع الاستدلال بحدوث الحوادث على وجود الفاعل؛ لاحتمال ~~أن يكون المؤثر فيه هو ذلك الوقت بعينه. فإن كان اختصاص ذلك الوقت بتلك ~~الخاصية لأجل اختصاصه بخاصية أخرى -لزم التسلسل، وهو محال. وإن كان اختصاص ~~ذلك الوقت بحدوث العالم فيه، ليس لغرض ولا لعلة-: كان توقيف أفعال الله ~~تعالى وأحكامه على العلل- باطلا. # === # ذكرنا أن الأمر بالإيمان والطاعة تكليف بالجمع بين الضدين -يعني: على هذا ~~التقدير- وذلك محال": يعني: أنه مع خلق داعي المخالفة الذي تعلق علمه ~~بوقوعه وإرادته له: لو خلق داعي الموافقة، لكان ذلك جمعا بين الضدين؛ فلا ~~صلاح لهم على هذا التقدير في التكليف بذلك. # يقال له بطريق الجدل: لم قلت: إنه يلزم من نفي الصلاح بالنسبة إليهم نفي ~~أصل الصلاح بالنسبة إلى التكليف مطلقا؟ لا بد لهذا من دليل، وإنما هو أصل ~~الشيخ أبي الحسن -رحمه الله- فالتكليف عنده علم للشقاوة والسعادة؛ فمن ثم ~~جوز التكليف بما لا يطاق، وبخلاف المعلوم؛ قال الله تعالى: {وإذا أردنا أن ~~نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} ~~[الإسراء: 16]. # قوله: "الثاني: أن العالم محدث؛ فاختصاص حدوثه بالوقت المعين: إما أن ~~يكون لاشتمال ذلك الوقت على خصوصية لأجلها استحق اختصاصه بحدوثه فيه بعينه، ~~أو لم يكن كذلك: فإن كان الأول: عاد التقسيم في اختصاص ذلك الوقت بتلك ~~الخاصية، فإن كان الثاني فحينئذ [يجوز أن يكون ذلك الوقت بذاته يوجب حصول ~~تلك الخاصية وإذا جاز ذلك فحينئذ] يمتنع الاستدلال بحدوث الحوادث على وجود ~~الفاعل؛ لاحتمال أن يكون المؤثر فيه ذلك الوقت بعينه، وإن اختص ذلك ms326 الوقت ~~بتلك الخاصية [لأجل اختصاصه] بخاصية أخرى -لزم التسلسل، وهو محال، وإن كان ~~اختصاص ذلك الوقت بحدوث العالم ليس لغرض ولا لعلة- كان توقيف أحكام الله ~~-تعالى- وأفعاله على العلل محالا": # يقال له جدلا: لم قلت: إن العلة الغائبة يجب تقدمها في الوجود العيبي؛ ~~ليلزم التسلسل؟ ؟ ومعلوم أن العلة الغائبة إنما يجب تقدمها في العلم، وأن ~~وجودها في الأعيان تبع لوجودها هي علة فيه، ولا دور لتميز الوجود العلمي عن ~~الوجود العيني، ومغايرتهما. # ومثال ذلك: أن اعتقاد وجود الشفاء بشرب الدواء يكون حاملا وسائغا للشرب، ~~والشرب PageV02P295 # الثالث: أن كل من فعل فعلا لغرض، كان حصول ذلك الغرض له أولى من عدم ~~حصوله؛ فيكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره؛ وهو محال في حق الله تعالى. # فإن قالوا: غرض الله تعالى عود النفع إلى العبد: # فنقول: عود النفع إلى العبد: إن كان أولى بالنسبة إلى الله من عدم عود ~~نفعه إليه - فقد عاد حديث الاستكمال. وإن لم يكن أولى، فقد بطل التعليل ~~بالغرض. # === # علة لوجود السقاء، فإذا تقرر هذا، فللمعتزلي أن يقول: إذا علم الله ~~-تعالى- أن إحداث الحادث المعين في الوقت المعين يتبع وقوعه حكمة لا تحصل ~~من غيره، فأراد إيقاعه لترتب تلك الحكمة عليه- فلم قلت: إن ذلك يستلزم ~~الاستغناء عن الفاعل والتسلسل على هذا التفسير؟ ؟ فإن قال: الحكمة ممكنة في ~~نفسها، والقدرة صالحة لإيجاد كل ممكن؛ فلا يتوقف إيجادها على غيرها. # قلنا: لا نسلم أن كل ما كان ممكنا في نفسه يمكن وجوده على تجرده، وإلا ~~لجاز خلق الأعراض بدون الجوهر، وخلق العالم بدون حياة. # قوله: "الثالث: أن كل من فعل فعلا لغرض، كان حصول ذلك الغرض أولى به من ~~لا حصوله؛ فيكون ناقصا بذاته، مستكملا بغيره؛ وهو محال في حق الله تعالى. # فإن قالوا: الغرض عود النفع إلى عبده. # قلنا: عود النفع إلى عبده: إن كان أولى بالنسبة إليه من عدمه، فقد حدث ~~الاستكمال، وإن لم يكن، فقد بطل التعليل": # أعلم أن أصل هذه الشبهة للفلاسفة، وقد تمسكوا بها في قدم العالم؛ فقالوا: ms327 ~~إن كان واجب الوجود لم يكن موجودا في الأزل، ثم صار موجودا لزم أن يكون ~~ناقصا بذاته مستكملا بفعله؛ وهو محال؛ فوجب أن يكون موجبا أزلا وأبدا. # جوابها: أن نقول: من كمال ذات البارئ -تعالى- ثبوتها في الأزل على صفات ~~يتأتى بها الخلق والاختراع حيث أمكن ذلك؛ إذ إثبات الإحداث أزلا محال؛ لما ~~ثبت أنه فاعل بألاختيار، فإن ما يقتضي لذاته لا يخصص مثلا عن مثل، والبارئ ~~-سبحانه- قد خصص مثلا عن مثل؛ وليس موجبا بالذات؛ فهو فاعل بالاختيار، ~~والفاعل المختار لا بد وأن يكون قاصدا لفعله، والقصد إلى إيجاد ما هو موجود ~~تحصيل الحاصل؛ فلا بد من سبق علمه على وجوده؛ ليصح القصد إلى إيجاده، وليس ~~ذلك السبق مجرد سبق بالذات؛ ليقال: عدمه لذاته، ووجوده من غيره، وهما معا؛ ~~لأن عدم الشيء لا يجامع وجوده، والمسبوق بالعدم لا يكون أزليا. # ويلزمهم على سياق شبهتهم ألا يوجد شيء من الحوادث اليومية؛ كيف ومن ~~مذهبهم أن العقل الفعال قديم، وأنه يفيض على كل قابل ما يستحقه عند كمال ~~أستعداده لذلك، ولا يعد ناقصا بذاته قبل الحاجة ولا تخيلا، وإذا تقرر بطلان ~~أصل هذه الشبهة عدنا إلى استعماله لها في الرد على المعللة لأحكامه -تعالى- ~~وأفعاله بالحكم المرتب عليها من صلاح العباد: PageV02P296 # الرابع: أنه تعالى، لو فعل لغرض -لكان ذلك: إما أن يكون قديما، أو حديثا: ~~فإن كان حادثا كان فعله لغرض آخر، ولزم التسلسل. وإن كان قديما- لزم من ~~قدمه قدم الفعل؛ وهو محال. # === # فنقول له: أما نحن، فقد عرف من أصلنا أنا لا نعنى بالعلة إلا المعرف؛ ~~لثبوت الحكم بنصب الله -تعالى- له الذي يلزم من تعلق الحكم به مصلحة لنا ~~عادة، ومنة من الله تعالى. # وأما المعتزلي، فنقول له: لم قلت بأن الجواد إذا كان عطاؤه عند الحاجة ~~يلزم أن يكون ناقصا لذاته عند عدم الحاجة؛ فإذا علم الله -تعالى- أن كمال ~~الإنسان في معرفته لربه، وعلم أن إكمال عقله ونصب الدلائل الظاهرة له على ~~معرفته، وإرسال الرسول وإنزال الكتب- مما ييسر حصول ذلك له، فأنعم ms328 عليه ~~بجميع ذلك، وأيده بأسباب التوفيق له عند حاجته إليها -: [وجب] أن يكون ~~ناقصا قبل ذلك؟ ! إذا كان المرجع في الكمال والنقص إلى تعارف العقلاء. هذا ~~قولهم، وأما نحن، فنقول: الكمال أن يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد؛ {لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23]؛ وإنما ينشأ هذا الغلط للفلاسفة من ~~اعتقادهم أن كمال الشيء أن يحصل له بالفعل ما هو له بالقوة، والبارئ عندهم ~~موجب لذاته، وتخلف ما هو للذات نقص، وقد بينا أنه فاعل بالاختيار؛ فأضمحل ~~هذا الخيال. # قوله: "الرابع: أن الله تعالى لو فعل لغرض، لكان ذلك الغرض: إما قديما أو ~~حادثا، فإن كان حادثا، كان فعله لغرض آخر، ويتسلسل، وإن كان قديما، لزم من ~~قدمه قدم الفعل؛ وهو محال". # والجواب: أن يقال: لفظ الغرض لا نطلقه على الله تعالى؛ فإنه يسبق إلى ~~الفهم منه ما هو مقرر في الشاهد؛ وهو أن العاقل إذا علم أو اعتقد أن للفعل ~~سرورا ولذة في نفسه أو ما إلى ذلك -ترتب عليه ميله للفعل بما جبل عليه من ~~الميل إلى الموافق، وترتب عليه همه وقصده إلى الفعل، وإذا علم أو اعتقد أنه ~~غم أو ألم في نفسه أو سبب لذلك فر عنه؛ فكان ذلك سببا لترتب قصد الانكفاف ~~عنه؛ فيكون ترجيح العبد للفعل أو الترك مبنيا على النفع والضر، والبارئ ~~تعالى ينزه عن ذلك؛ فالغرض لفظ موهم لم يرد به شرع؛ فلا نطلقه. # فإذا تقرر ذلك، فيقال له: إن أريد بالغرض هذا، وأن فعل الله لا يتوقف على ~~ذلك - فمسلم بطلانه، وإن أريد به أنه سبحانه إذا كان عالما في أزله؛ أنه ~~إذا خلق الليل والنهار للسكون والمعاش؛ نعمة منه، وأنه إذا أنشأ جنات ~~معروشات وغير معروشات، والنخل والزرع مختلفا أكله؛ للاعتبار والأكل؛ فأوجده ~~لهذه الحكمة؛ كلما أثار إليه في كتابه العزيز إلى غير ذلك، وأنه إذا شرع ~~القصاص لنا حياة، وحرم الخمر؛ حفظا للعقول، والزنا؛ حفظا للأنساب- فمن أين ~~يلزم منه قدم الفعل أو التسلسل في الحوادث، وإنما الشناعة في ms329 تسمية هذا ~~غرضا، وإن أريد به معنى آخر، فلا بد من إفساد تصوره؛ لينظر استحالته أو ~~جوازه. PageV02P297 # الخامس: سؤال أبي الحسن الأشعري أنه سأل أستاذه أبا على الجبائي عن ثلاثة ~~إخوة؛ أحدهم: كان مؤمنا برا تقيا، والثاني: كان كافرا شقيا، والثالث: كان ~~صغيرا- ماتوا كلهم على ذلك، فكيف حالهم؛ فقال الجبائي: أما الزاهد ففي ~~الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة. فقال أبو ~~الحسن: إن أراد الصغير أن يذهب ويصل إلى درجات الزاهد، هل يؤذن له فيه؟ قال ~~الجبائي: لا؛ لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى تلك الدرجات بسبب طاعته ~~الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات. فقال أبو الحسن الأشعري: فإن قال ذلك ~~الصغير: التقصير ليس مني؛ لأنك ما أبقيتني، وما أقدرتني على الطاعة؟ فقال ~~الجبائي: يقول الله تعالى له: كنت أعلم أنك لو بقيت، لشقيت ولصرت مستحقا ~~للعقاب الأليم؛ فراعيت مصلحتك. فقال أبو الحسن: فلو قال الأخ الكافر: يا ~~إله العالمين، كما علمت حاله، فقد علمت حالي؛ فلم راعيت مصلحته دوني؟ ! ~~فانقطع الجبائي! . # هذه المناظرة دالة على أنه -تبارك وتعالى- يختص برحمته من يشاء، ويختص ~~بعذابه من يشاء، وأن أفعاله غير معللة بشيء من الأغراض. # === # قوله: "الخامس سأل أبو الحسن الأشعري أستاذه الجبائي عن ثلاثة إخوة: ~~أحدهما كان مؤمنا برا تقيا، والثاني: كان فاسقا كافرا شقيا، والثالث: كان ~~صغيرا- ماتوا كلهم على ذلك؛ فكيف حالهم في الآخرة؟ # قال الجبائي: الزاهد في الدرجات العلى، والكافر من أهل الدركات، والصغير ~~من أهل السلامة. فقال له أبو الحسن: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات ~~الزاهد، هل يؤذن له فيه؟ فقال الجبائي: لا؛ لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل ~~إلى تلك الدرجات؛ بسبب طاعته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعة. # فقال أبو الحسن: فإن قال الصغير: التقصير ليس مني؛ لأنك ما أبقيتني، وما ~~أقدرتني على الطاعة؟ ! . قال الجبائي: يقول الله تعالى له: علمت أنك لو ~~بقيت، لشقيت وصرت مستحقا للعقاب. قال أبو الحسن: فإن قال الكافر: يا إله ~~العالمين، كما علمت ms330 حاله علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دون مصلحتي؛ فانقطع ~~الجبائي. # وهذه المناظرة دالة على أن الله -تعالى- يختص برحمته من يشاء، ويختص ~~بعذابه من يشاء، وأن أفعاله تعالى غير معللة بشيء من الأغراض": # وما ذكره لازم على المعتزلة على ما بنوا عليه عقائدهم الفاسدة من وجوب ~~الثواب والعقاب على الله تعالى عقلا، وأنه لا يصح أن يفعل فعلا إلا لمصلحة ~~العباد، وأن الأغراض لا يصح التفضيل بمثلها، وكل ذلك فروع التحسين والتقبيح ~~العقلي؛ وقد أبطلناه. PageV02P298 # ولنا كتاب مفرد في "مسألة القياس"؛ فمن أراد الاستقصاء فيه، رجع إليه؛ ~~ولا بأس بأن نذكر بعد هذا بعض تفاريع القياس: # === # ومما احتج به الشيعة على بطلان العمل بالقياس: أن قالوا: النفي الأصلي ~~معلوم؛ فكيف يرفع المظنون المقطوع، ونقض عليهم بقبول الشاهدين، وقول ~~المفتي. # ومن شبههم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي جوامع الكلم، فكيف تخلى ~~الأحكام عن التنصيص؟ ؟ . # وأجيب: كما ترك التنصيص على إبطال العمل بالقياس عندكم، أو النص القاطع ~~على الإمام المعصوم، دل على نفي التشبيه. # ومن شبههم: أن الحكم لا يثبت إلا بتوقيف، والعلة غايتها أن تكون منصوصة، ~~فلو قال المالك: أعتقت غانما لسواده- لم يعتق عليه كل أسود في ملكه. # وأجيب: بأنه لولا قيام القاطع على العمل بالقياس، لم نقس بالعلل الشرعية؛ ~~فإنا نسلم أن التعميم لا يثبت لمجرد التعليل. # ومن شبههم: ما اعتمده النظام؛ قال: كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على ~~التحكم، والفرق بين المتماثلات، والجمع بين المختلفات؟ ! وقرر ذلك بأنه أمر ~~بالغسل من بول الصبية، والنضح من بول الغلام، ~~...................................... PageV02P299 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وأمر بالغسل من خروج المني والحيض، دون الغائط والبول، وحرم النظر إلى ~~العجوز PageV02P300 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الحرة الشوهاء، وأباحه إلى الشابة المملوكة الحسناء، وعد صورا لا يخفى ~~على من شدا طرفا من الفقه تعليلها: # والجواب الجملي عما ذكر، وما لم يذكر: أنا لا ندعي أن جميع الأحكام ~~الشرعية معللة، بل منها ما يعلل، ومنها ما هو تعبد، وأن شرط القياس أن يعلم ~~أو يظن كون الحكم في الأصل معللا وتحقق تلك العلة في ms331 الفرع من غير معارض؛ ~~فإن للقياس مجاري ومواقف وشروطا، ؛ وعدم جريانه في غير المعقول لا يمنع من ~~جريانه في المعقول. # ومن شبههم: أن قالوا: إذا اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات، أو ميتة بعشر ~~مذكيات -لم يجز الاجتهاد ولو وجد على ذلك أمارات؛ ما ذلك إلا لاحتمال الخطإ ~~مع عدم الحاجة، والخطأ في كل قياس ظني ممكن؛ فلا يجوز العمل به، ولا يلزم ~~عليه الاجتهاد في جهة القبلة، وعدالة الشاهد والإمام؛ لأنه محل ضرورة؛ فإن ~~التنصيص على آحاد الجهات والأشخاص متعذر. # وأجيب: بأن ما ذكرتموه نفي للقياس بالقياس، وبأنا لا نسلم أن عدم القياس ~~في الصورتين إنما كان لإمكان الخطإ مع إمكان التحرز منه؛ فإنه لو شك في ~~رضاع امرأة، حل له نكاحها مع احتمال الخطإ، وإنما امتنع ها هنا؛ لأن يقين ~~الحل عارضه يقين الحرمة، وشرط الاجتهاد ظهور العلامات، وهي مفقودة ها هنا، ~~والاجتهاد شرطه أن يرد الشيء إلى أصله، والأصل في الأبضاع الحرمة، وكذلك ~~الحيوانات المأكولة إلا ما ذكي، وفي الاجتهاد في الميتة وجه ضعيف. # تتمة: قد تقدم أن القائلين بالقياس الشرعي اختلفوا في فروع: # منها: أن القياس هل يجري في الأسباب والموانع والشروط أو لا؟ PageV02P301 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومثاله في الأسباب: قياس التسبب إلى القتل بالإكراه؛ على التسبب ~~بالشهادة. # ومثاله في الموانع: قياس الناسي للماء في رحله؛ على المانع الحسي من ~~استعماله: من سبع أو غيره. PageV02P302 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومثاله في الشروط: قياس استقصاء الأوصاف على الرؤية؛ بجامع الحكمة في ~~الجميع. # واحتج المانعون بأنه لو جاز لكان الجامع هو الحكمة، ولو صح التعليل ~~بالحكمة لما علل بضابطها؛ لأنه تطويل للطريق بغير فائدة. # وأجيب: بأنه الأصل، وإنما امتنع إثبات الحكم بها في الأشخاص؛ لأنها لا ~~تتناهى، وتتبع الآحاد الكثيرة، واعتبار ظهور المعنى فيها عسير؛ فعلق الشارع ~~الحكم بالأوصاف الظاهرة المضبوطة، فأما قياس ضابط على ضابط، فهو قياس كل ~~على كل غير مفض إلى المحذور المذكور. # واحتجوا بأن شرط القياس: القطع بوجود الجامع في الفرع، ولا سبيل إلى ~~القطع بتساوي الحكمة فيهما. # وأجيبوا بمنع اشتراط ذلك؛ فإن ms332 غلبة الظن بأنه قد حصل في الفرع ما لأجله ~~ثبت الحكم في الأصل - يستلزم غلبة الظن بالحكم، وظن الحكم موجب للعمل، وقد ~~تكون الحكمة حاصلة في الفرع بطريق الأولى. # واحتج المجوزون: بأن قالوا: قد ثبت قياس المثقل على المحدد، واللواط على ~~الزنا، والإفطار بالأكل على الجماع. PageV02P303 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وأجيبوا: بأن من قال بالتسوية في هذه الأحكام، فالجامع عنده قدر مشترك، ~~وهو في القصاص القتل العمد العدوان. # وفي الحد إيلاج فرج في فرج، مشتهى طبعا، محرم شرعا، وفي الكفارة عموم ~~إفساد صوم يوم من رمضان. # ومنها: قول المبتدعة: لا يجري القياس في الأوامر ويجري في النواهي. # ولنا: أن أدلة العمل به شاملة. # قالوا: لو قال له: "كل هذه الرمانة؛ لأنها حلوة، ولا تأكل هذه الحشيشة؛ ~~فإنها سم" عم الثاني دون الأول. # وأجيبوا: بأن عموم الثاني فهم من الشفقة، ولولا قيام القاطع على تعدية ~~الحكم من المنصوص على علته - لم نعده لمجرد تعليل المعين؛ فإن النص على ~~التعليل في معتقدنا ليس نصا على التعميم. # ومنها: قول الحنفية: لا يجري القياس في الحدود والكفارات والمقدرات ~~والرخص. PageV02P305 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # قالوا: لأنها مشتملة على معقول من وجه وغير معقول من وجه؛ فإن ترتيب ~~الزواجر على المفاسد معقول، وكذلك وجه المحو في الكفارات معقول، لكن حصول ~~الزجر بهذا القدر المعين والمحو بهذا المعين - لا يهتدي إليه العقل، ولا ~~يمكن تعدية المعقول إلا بعين المعقول. # وأما الرخص: فإنها أبيحت للضرورة، وبعد شرع الإباحة في المستثنى لا تبقى ~~الضرورة التي خولف الأصل لها. # وأجيبوا بأنه: إن لم يمكن الجمع بالمخيل، أمكن بالشبه، وقد قاس علي - كرم ~~الله وجهه - في حد الخمر بمحضر من الصحابة، وصوبوه؛ فقال: "أراه إذا شرب ~~سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى؛ وأرى عليه حد المفتري"، وبالجملة: فمتى ~~تحقق القياس بشرائطه، فأدلة العمل بالقياس شاملة، ولا خصوصية لها بباب دون ~~باب، ومتى لم يتحقق، فامتناع القياس لعدم وجوده، لا لأن العمل به لا يجوز. # وأما ما ذكره في الرخص: فنقول: إذا رخص الشارع في العرايا في الرطب لحاجة ms333 ~~التفكه PageV02P308 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # للمحاويج الذين يجدون فضولا من التمر، ولا يجدون فضلا من النقد - فمثلها ~~متحقق في العنب بالزبيب، فلا تسند الحاجة إلى العنب بإباحة بيع الرطب ~~بالتمر، وقد اعتمد الشافعي وأصحابه على إبداء مناقضات لهم، ومنها ما يتصور ~~الاعتذار عنها. # قال الغزالي: وقد أفحشوا في القياس في الحدود، حتى أوجبوا الحد في مسألة ~~شهود الزوايا، وأوجبوا القطع بسرقة بقرة بشهادة شاهدين - شهد أحدهما أنه ~~سرق بقرة بيضاء، والآخر أنها سوداء؛ لاحتمال أن البقرة ملحة، وقاس الإفطار ~~بالأكل والشرب على الإفطار بالجماع في وجوب الكفارة، وهذا غير لازم له؛ ~~فإنه يحذف خصوص الجماع وتعلق الكفارة بالإفساد، ومن باب "تنقيح المناط" ~~قالوا: وقد قدر مسح الرأس بالربع، أخذا من حديث المغيرة؛ أنه مسح بناصيته، ~~وهو قدر الربع في زعمه، فكأنه استند فيه إلى توقيف، قالوا: وقد قدر نزح ماء ~~البئر عند النجاسة بثلثي دلو، وعذرهم أنهم قلدوا فيه الأوزاعي. # وقال الغزالي: ولا ينفعهم هذا العذر؛ فإنهم أبوا عن تقليد الصحابة، ~~ولعلهم يقولون: إن PageV02P309 ### || AUTO المسألة الثالثة # في بيان الطرق الدالة على أن الحكم في الأصل معلل بكذا؛ وهي كثيرة: # الأول: التنصيص على التعليل؛ وهو: إما باللام؛ كقوله تعالى: {وما خلقت الجن # === # مثل هذا لا يهتدى فيه إلا بتوقيف، فتحمل فتواه على سماع، وقاسوا في الرخص ~~سائر النجاسات على مقدار محل النجو رخصة إلى غير ذلك، والله أعلم. # [قوله]: " ### || AUTO المسألة الثالثة # : # في بيان الطرق الدالة على أن الحكم في الأصل معلل بكذا، وهي كثيرة": # اعلم: أن نصب الوصف سببا حكم شرعي طريقه أدلة الشرع؛ وهي النقل والإجماع ~~والاستنباط وتفصيلها في المشهور تسعة: الإجماع، والنص الذي لا يحتمل ~~التأويل، والظاهر، والإيماء، والتنقيح، والتخريج، ونفي الفارق، والسبر ~~والتقسيم، والشبه، والدوران، وقد اختلفوا في معنى حكم المشتبه، فقيل: يرجع ~~إلى خطاب التكليف، وهو أمر المجتهد بإثبات الحكم في مجرى الوصف، وقيل: يرجع ~~إلى خطاب الأخبار، والحق: أنه إنشاء وضع بخطاب الأخبار، وليس من خطاب ~~التكليف؛ لتعلقه بأفعال الصبيان والمجانين والجماد، وليس هو محض إخبار؛ لأن ~~الإخبار ms334 عن سببية الوصف مشروط بكونه سببا فيما إذا ثبتت سببيته بهذا ~~الخطاب؛ فيكون دورا؛ فإنه لا يكون سببا حتى يخبر عن سببيته، ولا يصدق الخبر ~~عن كونه سببا حتى يكون سببا - أو بغيره؛ فينتقل الكلام إليه، ويتسلسل. # إذا تقرر هذا فنقول: إن من مسالك التعليل الإجماع: كإجماعهم على تعليل ~~ولاية الصغير لصغره، وهو مقدم في العمل به على النص؛ لأنه لا يحتمل النسخ. # الثاني: النص الذي لا يحتمل التأويل؛ كقوله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على ~~بني إسرائيل} [المائدة 32]، وقوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم} [الحشر 7]. # الثالث: الظاهر، وقول المصنف: "الأول: التنصيص" يريد به المنقول، سواء ~~كان نصا أو ظاهرا، ولا خلاف في تقديم الإجماع عليهما. # قوله: "إما باللام": أما "اللام" فليست نصا في التعليل؛ فإنها محتملة ~~للتأقيت؛ كقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء 78] وتجيء لبيان ~~العاقبة والصيرورة؛ كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} ~~[القصص 8]، وكقول الشاعر: [من الوافر] # .......................... ... لدوا للموت وابنوا للخراب # قوله: "كقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ~~": PageV02P310 # والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، وقوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك ~~لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 1]، وإما بالباء؛ كقوله ~~تعالى: {بأنهم شاقوا الله ورسوله} [الأنفال: 13]. # === # الأكثرون على أن الآية مخصوصة؛ لانتفاء العبادة من أكثرهم، ويمكن التعميم ~~بحملها على الاستعداد للعبادة؛ كما يقال: خلقت البقر للحرث، والخيل للكر ~~والفر، وسواء وقع ذلك بالفعل أو لم يقع؛ فإنه لا يفهم منه إلا وضعها على ~~وجه تستعد لذلك، كذلك الآدمي فطره الله مستعدا للتمييز، وفهم الخطاب مهيئا ~~لما يكلف به. # قوله: "وكقوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور} [إبراهيم: 1] ": أي: من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الإيمان ~~والمعرفة، والتعميم فيها بما ذكرناه. # قوله: "وإما ب "الباء"؛ كقوله تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} ~~[الأنفال: 13] ": أصل "الباء" للإلصاق، وإيصال معنى الفعل إلى الاسم، لكن ~~ما يتصل بها من الأفعال تختلف معانيها؛ فعددوا معانيها لذلك؛ فقالوا فيما ~~يتصل بفعل القسم؛ كقوله: ms335 أقسمت بالله-: للقسم، وفي مثل: كتبت بالقلم: ~~الاستعانة، وفي مثل: بعت الفرس بسرجه، وقوله تعالى: {فأتبعهم فرعون بجنوده} ~~[طه 78] باء المصاحبة، وفي مثل قول الشاعر: [من البسيط] # تالله يبقى على الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الريان والآس PageV02P311 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # إن الباءين للظرفية" وفي مثل قوله تعالى: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} [مريم ~~4]-: باء السببية" وفي مثل قوله تعالى: {وشروه بثمن بخس} [يوسف 20]: باء ~~العوضية والثمنية، وتقع زائدة مع المفعول؛ كقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة} [البقرة 195]، ومع المبتدأ؛ كقوله: [من المتقارب] # بحسبك في القوم أن يعلموا ... ....................... # ومع الخبر كقوله: [من الوافر] # ....................... ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا # وأما التبعيض، فقال ابن جني: لا يعرفه أصحابنا. # ومن الصيغ الظاهرة في التعليل: "الفاء"؛ كقوله: أعطيته، فشكر. # وتكون لمجرد العطف والتعقيب؛ بحسب الإمكان؛ كقولك: دخلت البصرة فالكوفة. PageV02P312 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وللاستئناف؛ كقوله تعالى {فلا تكفر فيتعلمون} [البقرة 102] , أي: ومنهم ~~يتعلمون، وكقول الخطيئة: [من الرجز] # يريد أن يغربه فيعجمه # أي: فهو يعجمه. # وزائدة عند الأخفش، كقول الشاعر: [من الطويل]. # وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... .......................... # وتقديره عند سيبويه: هذه خولان، فانكح. # وقول الشاعر: [من الكامل] # لا تجزعي إن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي PageV02P313 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # إحدى الفاءين زائدة. # قال الأخفش: وترد بمعنى الواو. # كقول امرئ القيس: [من الطويل] # .......................... ... ..... بين الدخول فحومل # ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن الدخول يشتمل على أمكنة؛ فكأنه قال: بين أماكن ~~الدخول، فأماكن حومل, وروي بالواو. # ويجاب بها الشرط, فيكون نصا في التعليل وسواء كان بصريح الشرط كقوله ~~-عليه السلام-: "من أحيا أرضا ميتة، فهي له"، أو بمعناه؛ كقوله تعالى: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة 38]، وكقوله - عليه السلام -: ~~"فإذا رأيتم ذلك، فافزعوا إلى الصلاة"؛ فيكون نصا على التعليل بالقرينة لا ~~بالوضع. PageV02P314 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وهي ظاهرة في الاستدلال؛ فتدخل على الحكم تارة, كما تقدم, وعلى العلة؛ ~~كقوله - عليه السلام - في المحرم الذي وقص عن بعيره، فمات: "فلا تمسوه ~~طيبا؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا"، وكذلك قوله: "زملوهم بكلومهم ودمائهم؛ ~~فإنهم يبعثون ... " الحديث. # وتدخل في كلام الراوي على الوجهين، وهي أدنى رتبة من ms336 الأول؛ لاحتمال ~~اعتقاده ما ليس بعلة علة، ومثاله قول الراوي: "زنا ماعز؛ فرجم"، و"سها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ PageV02P315 # === # فسجد". PageV02P323 # الثاني: الإيماء، وفيه وجوه كثيرة؛ أحسنها أن يقال: إن ذكر الحكم عقيب ~~الوصف المناسب، مشعر بالعلية؛ والدليل عليه: أنه إذا قال القائل: "أكرموا ~~الجهال، وأهينوا # === # قوله: "الثاني: الإيماء" ويعني به: ما لا يدل على التعليل وضعا، ويفهم ~~منه معنى التعليل ضرورة حمل المذكور على فائدة، وإلا صار الكلام لغوا وهجرا ~~يجل عنه منصب الشرع. وينزل PageV02P324 # العلماء" استقبحه كل أحد: فإما أن يفيد هذا الكلام أن هذا القائل جعل ~~الجهل علة للإكرام، والعلم علة للإهانة، أو لا يفيد هذا التعليل: والثاني ~~باطل؛ وإلا لزم ألا يبقى هذا القبح القبيح؛ لأن ثبوت الإكرام مع الجهل لعلة ~~سوى الجهل -جائز، وثبوت الإهانة مع العلم لعلة سوى العلم- جائز؛ فثبت أنه ~~يفيد التعليل؛ وهو المطلوب. # === # في الإفادة منزلة الإشارة. # قوله: "وفيه وجوه كثيرة" المشهور أنها خمسة، سنذكرها، إن شاء الله تعالى. # قوله: "وأحسنها أن يقال: ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب دليل على التعليل ~~به؛ والدليل عليه: أنه إذا قال: "أكرموا الجهال، وأهينوا العلماء" يستقبحه ~~كل أحد، فإما أن يفيد هذا الكلام أن هذا القائل جعل الجهل علة للإكرام، ~~والعلم علة للإهانة، أو لا يفيد: # والثاني باطل، وإلا لزم ألا يبقى القبح القبيح؛ لأن ثبوت الإكرام مع ~~الجهل لعلة أخرى جائز": # يعني: بقرابة، أو مكافأة، أو غير ذلك، وكذلك عكسه؛ لا يقال: وجه القبح ~~أنه أمر بإكرام الجاهل مع وجود المانع، وكذلك عكسه، أو أنه إثبات قاعدة ~~بمثال، فيقال: هب أنه فهم منه ها هنا التعليل، فلم قلتم: إنه يفيده مطلقا؛ ~~لأنا نجيب عن الأول؛ بأنه لما أمكن إكرام الجاهل بأسباب أخر - وجب ألا يكون ~~الجهل مانعا؛ دفعا للتعارض، وكذلك عكسه. # وعن الثاني: أنه إذا خصصت العلة ها هنا، وجب طردها؛ دفعا للاشتراك عن هذا ~~الترتيب، واشتراط المناسبة في هذا الترتيب شرطه الإمام، والأكثرون على فهم ~~التعليل من مجرد ترتيب الحكم على المشتق بدون التفات ms337 إلى المناسبة، واختيار ~~الإمام ها هنا كاختياره في مفهوم الصفة؛ فإن غير المناسب في ترتيب الحكم ~~عليه كاللقب، والواقع في استعمال الشرع: أنه إنما ترتب الحكم على المناسب، ~~وهو ظاهر في استقلال المذكور محتمل للجزئية والاشتراط. # النوع الثاني من الإيماء: أن يذكر وصفا مقرونا بالحكم لا بصيغة التعليل ~~على وجه لو لم يكن له أثر في الحكم لكان ذكره لغوا؛ كقوله - عليه السلام - ~~"الهرة ليست بنجسة؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، وكقوله في الخمر: ~~{فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن PageV02P325 # === # يوقع بينكم العداوة والبغضاء} [المائدة: 90، 91] إشارة إلى ما يترتب من ~~مخامرة العقل من المفاسد. PageV02P326 # الثالث: المناسبة، ومبناها على ثلاث مقدمات: # أولاها -وهي أقواها-: أنه ثبت أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة ~~بالمصالح؛ # === # النوع الثالث: تنظير المسألة؛ كقوله - عليه السلام - لما سئل عن قبلة ~~الصائم، فقال: "أرأيت لو تمضمضت بماء، ثم مججته؛ أكان ذلك مفسدا للصوم؟ ~~فقال: لا"؛ فنبه على أن PageV02P327 # والكلام فيها ما سبق. # ثانيتها: أن هذا الوجه المعين مشتمل على المصلحة الفلانية. # ثالثتها: أن العلم بأن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة بالمصالح، مع ~~العلم بأن هذا الفعل اشتمل على هذه المصلحة من هذا الوجه -: يفيد الظن بأن ~~ذلك الحكم معلل بهذه المصلحة، ولأن غير هذه المصلحة كان معدوما، والأصل ~~بقاؤه على العدم؛ فوجب أن يبقى معللا بهذا الوصف. # وإذا ثبت هذا الأصل، فنقول: إن أهل هذا الزمان يعبرون عن هذا المعنى ~~بعبارة: "التلازم"؛ مثاله: # لو كان كثير القيء ناقضا للوضوء، لكان قليله ناقضا؛ لأن خروج النجاسة ~~يوجب انتقاض الوضوء، ولما لم يكن القليل ناقضا له؛ وجب ألا يكون الكثير ~~ناقضا له. # وأقول: أقوى من هذا الكلام: أن يقال: القول بانتقاض الوضوء بخروج القيء، ~~يفضي إلى مخالفة الدليل؛ فوجب ألا يثبت: # بيان الأول: أن بتقدير انتقاض الوضوء بخروج القيء: إما ألا يكون كونه ~~خارجا نجسا: علة لانتقاض الوضوء، وإما أن يكون: # والأول باطل؛ لأن المناسبة مع الاقتران يدلان على العلية، وقد حصلا في ~~هذا المعنى، فلو لم يكن هذا ms338 المعنى علة، لزم تخلف الدليل عن المدلول، وهو ~~باطل. ولا يجوز أن يكون علة؛ لأنه حصل في القيء القليل؛ فعدم الانتقاض به ~~يوجب تخلف المدلول عن الدليل؛ وهو باطل. # === # مقدمات الشيء لا تنزل منزلته؛ فإن نسبة القبلة إلى الجماع المفطر؛ كنسبة ~~وضع الماء في الفم إلى إيصال المفطر إلى الباطن، ومقدمة الواصل لا تفطر؛ ~~فكذلك مقدمة الجماع، وكقوله للخثعمية؛ حيث سألت عن قضاء الحج عن أبيها ~~الميت: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه؟ " فقالت: نعم، قال: ~~"فدين الله أحق أن يقضى". PageV02P328 # الطريق الرابع: الدوران؛ وهو أن هذا الحكم دار مع هذا الوصف وجودا وعدما. ~~والدوران يفيد ظن العلية؛ بدليل أن العقلاء أطبقوا على أن التجربة تفيد ظن ~~الغلبة، ولا معنى للتجربة إلا مشاهدة هذه المعاينة وجودا وعدما. # === # النوع الرابع: التنبيه بالسؤال عن وصف واضح، لو لم يكن له مدخل في الحكم، ~~لكان لغوا؛ كقوله - عليه السلام -: "أينقص الرطب إذا جف؟ " فقالوا: نعم، ~~فقال: "فلا إذن"؛ فالسؤال عن النقص إيماء إلى التعليل به في المنع، هذا مع ~~اشتمال الجواب على ما يشعر بالتعليل من وجهين آخرين: # أحدهما: تعقيبه بالفاء. # والثاني: صيغة "إذن". # فكل واحد من هذه الثلاثة كاف في التعليل. # النوع الخامس: التفرقة بين شيئين في الحكم بصفة فاصلة؛ فإن فيه تنبيها ~~على العلة؛ كقوله - عليه السلام -: "للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم". PageV02P329 # واعلم: أن الدوران قد يكون في صورة واحدة؛ مثل: أن عصير العنب قبل أن ~~يصير خمرا، كان حلالا، فلما صار خمرا، صار حراما؛ فلما زالت الخمرية وصار ~~خلا، صار حلالا مرة أخرى. # === # وبعضهم يعد من الإيماء الترتيب بالفاء؛ وليس منه، والفاء ظاهرة في ~~التعليل وضعا؛ إذ معناها ترتب الثاني على الأول، ولا معنى للعلة الشرعية ~~إلا ذلك، وقد تكون ناصة في التعليل بقرينة الشرط؛ إذ لا يحتمل غير التعقيب؛ ~~كما نبهنا عليه. # والأصل في المسلك الخامس من مسالك التعليل: "تنقيح المناط"، وهو: أن يدل ~~ظاهر على التعليل من كلام الشارع، أو الراوي بوصف، فيحذف خصوصه بالاجتهاد ms339 ~~عن درجة الاعتبار، ويناط الحكم بالأعم؛ ليدل على التعليل مجموع أوصاف، ~~فيحذف بعضها بالاجتهاد عن درجة الاعتبار، ويناط الحكم بالباقي، وتسميته ~~تنقيحا مأخوذ من تنقيح النخل؛ فإنه إزالة ما يستغنى عنه، وإبقاء ما يحتاج ~~إليه، وحاصله: تأويل ظاهر مع إبقاء دلالته على التعليل بالاجتهاد: فمن ثم ~~تأخر عن درجة ما يشعر بالتعليل ظاهرا: من تصريح أو تلويح. # مثال الأول: "لا يقض القاضي وهو غضبان"، فإن ذكر الغضب مقرونا بالحكم يدل ~~ظاهرا بإيمائه على التعليل بخصوص الغضب؛ فتحذف خصوصيته، ويناط الحكم بما ~~يتضمنه من التشويش المانع من استيفاء الفكر؛ فيناط الحكم به، ويعم الجوع ~~المفرط والعطش المفرط ومغالبة النعاس. PageV02P335 # وقد يكون في صورتين؛ كقول الحنفية في زكاة الحلي: كون الذهب جوهر ~~الأثمان، موجب لوجوب الزكاة؛ بدليل أن التبر، لما حصل فيه ذلك الجوهر- وجبت ~~الزكاة فيه، وسائر الأشياء؛ كالثياب والعبيد، لما لم يحصل فيها ذلك- لم تجب ~~الزكاة. # === # ومثال الثاني: قول الراوي: جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يضرب وجهه، وينتف شعره، ويقول: هلكت وأهلكت؛ واقعت أهلي في نهار ~~رمضان، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أعتق رقبة" فنقول: كونه ~~أعرابيا لا أثر له في إيجاب الكفارة؛ فإن الناس في الشرع سواء، وكونه يضرب ~~وجهه وينتف شعره، أو مواقعا امرأته دون سريته، أو زانيا - لا أثر له، وإنما ~~الموجب كونه مفسدا لصوم محترم في رمضان بالجماع عند الشافعي، ومالك وأبو ~~حنيفة يحذفان خصوص الجماع، ويعلقان الحكم بعموم الإفساد والهتك، ويوجبان ~~الكفارة بأكل والشرب. # والاتفاق على أصل التنقيح، وإنما الخلاف في صحة الحذف؛ فإن طريق الحذف قد ~~يكون قطعيا بأن يكون المحذوف طردا محضا لا عبرة به في الأحكام؛ لكونه عربيا ~~أو عجميا، وقد يكون مظنونا كحذف خصوص الجماع؛ فإن الشافعي يرى أن له حظا من ~~المناصبة في شرع الكفارة؛ فإنها تتضمن معنى الزجر، وداعي النكاح قد لا ~~ينزجر عنه عند هيجان الشهوة بمجرد التحريم، بل لا بد من وازع وصارف أقوى؛ ~~ولذلك أناط الشرع بجنسه الحد، ويكتفى في ms340 المنع من الأكل والشرب بالتحريم ~~وإيجاب القضاء؛ لضعف الداعي؛ ولهذا المعنى أوجب الشارع الحد في شرب يسير ~~الخمر، ولم يوجبه في شرب البول؛ اكتفاء بالتحريم؛ لضعف الداعي، وقوة الصارف ~~الطبيعي، وأبو حنيفة يمنع القياس في الكفارات، وقد اعترف بالاجتهاد في ~~تنقيح المناط، وهو لا يراه قياسا، وإنما يسميه استدلالا على مراد الشرع، ~~واعترف به أيضا من ينفي الاجتهاد في "تخريج المناط"، وقال به كما قال بجواز ~~الاجتهاد في "تحقيق المناط"؛ كتحقيق أن PageV02P336 # ومن الناس من قال: الدوران لا يفيد العلية؛ وذلك لأن علم الله متعلق ~~بمعلومات لا نهاية لها، فالعلم مع المعلوم: كل واحد منهما دائر مع الآخر ~~وجودا وعدما، مع أنه يمتنع كون كل واحد منهما علة للآخر: # === # النباش سارق؛ ليندرج تحت عموم قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38]، وطريق الحذف تبيان أن المحذوف طرد محض بالنسبة إلى الأحكام، ~~أو طرد بالنسبة إلى عين الحكم؛ كالذكورة والأنوثة في باب العتق، وإن كان ~~لهما أثر في الولايات والشهادات وغير ذلك، أو ببيان استقلال الباقي بدونه ~~في صورة، أو بلفظ من الشارع يدل على استقلال الباقي، وهو الإلغاء. # قوله: "الثالث: المناسبة" وهو: ما رتبناه خامسا، ويلقب ب "تخريج المناط"، ~~والتخريج معناه الاستنباط، والمناط: متعلق الحكم، وهذا المسلك هو الأغلب في ~~المناظرات. # وصورته: أن يحكم الشارع في صور بحكم، ولا يتعرض لبيان علة ذلك الحكم؛ لا ~~بصريح لفظ، ولا بتلويح؛ فيبحث المجتهد عن علة ذلك الحكم، ويستخرج ما يصلح ~~مناطا له، ويحتج على عليته بالمناسبة، والقرائن، وسلامته عن القوادح، ويحقق ~~استقلاله بعدم ما سواه بالسبر بألا يجد مثله، ولا ما هو أولى منه. # مثاله: أن يقول الشارع: حرمت الخمر، مقتصرا على ذلك، فيبحث فيجد الإسكار ~~مناسبا بتحريمها؛ صيانة للعقل الذي هو مناط التكليف [و] مناط المصالح ~~الدنيوية والأخروية، فيقول: هو العلة. # ولا بد من تحقيق معنى المناسبة، وهي في اللغة: الموافقة؛ يقال: هذا الثوب ~~يناسب هذه العمامة؛ أي: يوافقها. # وهو في الاصطلاح عبارة عن موافقة مخصوصة وهي موافقة الوصف للحكم، فقيل في ms341 ~~حده: إنه عبارة عما يلزم من ربط الحكم به حصول حكمة غالبا باعتباره، ~~والمعني بالحكمة: حصول منفعة أو تكميلها، أو دفع مضرة، أو تقليلها، أو ما ~~يتركب من ذلك. # وقال أبو زيد الحنفي: وهو ما لو عرض على العقول السليمة والطباع ~~المستقيمة، لتلقته بالقبول، وما ذكره ظاهر بالنسبة إلى الناظر، أما المناظر ~~إذا نوزع في أن المذكور كذلك، فقد يضيق عليه المجال؛ فالأول أولى. # وقيل: هو ما يلائم الحكم بالنظر إلى رعاية المصالح، وهو راجع إلى الأول؛ ~~فإنه إنما PageV02P337 # أما العلم: فلا يكون علة للمعلوم؛ لأن العلم تابع للمعلوم، وتابع الشيء ~~لا يكون مؤثرا في الشيء، أما المعلوم: فلأنه محدث؛ وعلم الله تعالى قديم، ~~والمحدث لا يكون علة للقديم. # === # يكون كذلك إذا تضمن ترتيب الحكم عليه الإفضاء إلى ما يوافق الإنسان في ~~معاشه أو معاده، والموافق له في الدارين جلب منفعة، أو دفع مضرة. # والمنفعة: قيل: هي اللذة أو الطريق إليها. # والمضرة: قيل: هي الألم، أو الطريق إليه. # وقيل: لا حاجة إلى ذكر الطريق؛ فإن طريق اللذة لذة، وطريق الألم ألم، ~~واللذة والألم معلومان بالضرورة والوجدان، فهما غنيان عن التعريف. # وإذا تقرر معنى "المناسب" فإنما يناط الحكم به إذا كان ظاهرا؛ لأن الحكم ~~خفي، والخفي لا يعرف الخفي، ومضبوطا ليعرف مجرى الحكم من موافقته كالشدة، ~~وان كان خفيا كالرضى بالنسبة إلى البيع؛ فإنه من أفعال القلوب، ومتى تعلق ~~الحكم به بشخصين، فلا بد له من مظنة تدل عليه؛ كالإيجاب والقبول في البيع، ~~أو المعاطاة عند من يراها دالة على الرضى، PageV02P338 # === # وكالسكوت في البكر في إذنها، وإن تعلق الحكم بشخص واحد؛ كالنية في ~~العبادات، وكقوله - عليه السلام -: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" فلا حاجة ~~فيه إلى مظنة؛ فإنه يجده من نفسه بالضرورة، وإن كان المناسب غير مضبوط، أي: ~~من الأمور النسبية التي تختلف بالنسبة إلى الأشخاص والأحوال؛ كالمشقة في ~~السفر؛ فلا تعتبر إلا بمظنة؛ كتقدير السفر بمرحلتين أو يومين ونحو ذلك، ~~وسواء تعلق الحكم فيه بشخص واحد أو شخصين. # ثم المناسب ms342 ينقسم باعتبار أجناس المصالح إلى ثلاث مراتب: ضروري، وحاجي، ~~وتزييني: # والضروري على مراتب: أولها وأولاها مصلحة حفظ الدين؛ ولأجلها شرع الجهاد، PageV02P339 # === # وقتل المرتد والزنديق، ومصلحة حفظ النفس؛ ولأجلها شرع القصاص، ومصلحة حفظ ~~الأنساب؛ ولأجلها شرع حد الزنا، ومصلحة حفظ الأعراض؛ ولأجلها شرع حد PageV02P340 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # القذف واللعان وقطع يد السارق؛ كيلا يلطخ عرضه برذيلة السرقة، ومصلحة حفظ ~~العقول؛ PageV02P342 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ولأجلها شرع الحد في شرب المسكر، ومصلحة حفظ الأموال؛ ولأجلها شرع ~~الضمان، PageV02P343 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وهذه المصالح مما يعلم التفات الشرع إليها قطعا في كل شريعة، وأهمها ~~الدين؛ وما سواه وسيلة إليه، وأدناها المال. # ويلتحق بهذه المرتبة ما هو كالتكملة والتتمة لها؛ كاعتبار البلوغ في قتل ~~المحارب، واعتبار التكافؤ في القصاص، وتحريم الخلوة بالأجانب، وتحريم شرب ~~القليل من الخمر؛ لأن قليلها يدعو إلى كثيرها، وتنجيسها من ذلك يدعو إلى ~~إبعادها؛ بإعطائها حكم المستقذرات، وهذا مما تختلف فيه الشرائع. # المرتبة الثانية -وهي الوسطى-: ما شرع لدفع الحاجات؛ كشرع أصل البيع، ~~والإجارة، PageV02P348 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والنكاح، والعارية، والمساقاة، والنيابة، والولاية، ومنه تسليط الولي ~~المجبر على PageV02P349 # === # تزويج الصغير والصغيرة أيضا لا لضرورة، بل لتقييد الأكفاء خيفة الفوات، ~~واستقبالا للصلاح المنتظر في المآل، وليس منه تسليط الولي على تربية الطفل ~~وإرضاعه، وشراء مطعومه وملبوسه وشرابه؛ فإن ذلك من باب الضرورات في حفظ ~~النفوس؛ وعلى هذا: فلا يمتنع أن يكون شرع أصل البيع من باب الضروريات؛ فإنه ~~لا يمكن بقاء الحياة بدون الأفوات، في الغالب، ولا يوصل إليها إلا ~~بالمعاوضات. # ويلتحق بهذه الرتبة أيضا ما يجري مجرى التكملة لها، والتتمة؛ كشرع الخيار ~~بالعيب والحلف والشرط والمجلس لدفع الغبن، وشرع الشفعة، ومنع تزويج الصغيرة ~~من غير كفء وبدون مهر المثل. PageV02P352 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # المرتبة الثالثة -وهي الدنيا-: وهي ما لا ترهق إليها ضرورة ولا حاجة، ~~ولكنها واقعة موقع التزينات والتحسينات، واتباع أحسن المناهج في العبادات ~~والمعاملات؛ كاجتناب النجاسات، وتحريم المستخبثات، وسلب الأرقاء أهلية ~~الولايات والقضاء والشهادات؛ إظهارا لشرف فذه المناصب. # هذا هو التقسيم المشهور، وقسم الإمام هذه المرتبة إلى قسمين: إلى ما خولف ~~فيه القياس؛ تشوفا لتحصيله، وإلى ما ms343 لا يخالف فيه القياس: # والأول كالمبالغة في تحصيل العتق بتكميل مبعضه، والسراية في ملك الغير ~~بدون رضاه، وتسويغ مكاتبة السيد عبده، ومعاوضته منه ماله بماله، ومعاملته ~~معاملة الأجانب. # والثاني: كقوله - عليه السلام -: "عشر من الفطرة ... "، وما قدمنا ذكره ~~إلى غير ذلك. # قال: وهذه الضروب الأربعة يجري فيها تعليل لكلياتها وجزئياتها، وألحق ~~ضربا خامسا لا يلوح فيه تعليل جزئي، ولكن يلوح فيه تعليل كلي؛ كالعبادات ~~البدنية؛ فإنها لا تنطبق على أغراض نفعية، ولا دفعية عاجلا؛ وإنما يعقل من ~~شرعها معنى كلي، وهو أن مرور العباد على حكم الانقياد، يتضمن تجديد العهد ~~بعقود الأيمان بمطالعة أوامره تعالى ونواهيه، وتحقق الاستسلام والانقياد ~~له، وهو سر ملازمة الأذكار والأوراد للسالكين؛ قال الله تعالى: {إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} [العنكبوت 45]. # ثم ينقسم "المناسب" إلى قسمة أخرى؛ بالنظر إلى اعتباره واهداره إلى ثلاثة أقسام: # الأول: ما شهد الشرع باعتباره. # الثاني: ما شهد بإهداره. # والثالث: ما لم يشهد بإهداره، ولا باعتباره، وهو "المرسل". # وقد تقدم أن مما يدل على الاعتبار المناسبة والقرائن، فإن وجد ذلك في ~~وصف، ولم يعهد من الشرع التفات إلى التعليل بجنسه، فهذا يلقب ب "الغريب"، ~~والتعليل به مختلف [فيه] بين النظار، والأقرب قبوله؛ فإنه يغلب على الظن، ~~فلو رأينا شخصا أعطى فقيرا، ولم تعرف PageV02P354 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # عادته- يسبق إلى الظن أنه إنما أعطا لفقره، وإن احتمل غيره. # ومثاله في الشرع: تعليل حرمان القاتل ألا يرث؛ بالمعاقبة بنقيض مقصوده؛ ~~حتى يلحق به توريث المبتوتة في مرض الموت؛ معاقبة للزوج بنقيض مقصوده، ~~وتحليل الخمر بالنقل، وإن كان المناسب مما عهد من الشرع الالتفات إليه؛ فلا ~~يخلو إما أن يدل نص صريح، أو غير صريح، أو إجماع على اعتبار عينه في عين ~~الحكم، أو جنسه في جنس الحكم؛ ليخرج الغريب أو عينه في جنس الحكم، أو جنسه ~~في عين الحكم: # مثال الأول: شرع القصاص؛ فإن فيه اعتبار جنس الجناية في جنس العقوبة، ~~واعتبار الجناية الخاصة في العقوبة بمثلها. # ومثال الثاني: اعتبار جنس المشقة في جنس ms344 التخفيف؛ كقياس الجمع في الحضر ~~بعذر المطر؛ قياسا على الجمع بعذر السفر، لو لم يرد نص في الجمع بالمطر. # ومثال الثالث: اعتبار عين الصغر في ولاية البقع؛ قياسا على ولاية المال. # ومثال الرابع: اعتبار جنس المشقة في إسقاط قضاء الركعتين عن المسافر ~~بالقياس على إسقاط القضاء عن الحائض. # وقد اختلفوا في تلقيب هذه الأنواع، واتفقوا على تسمية الأول "مؤثرا"، ~~والثاني "ملائما"، وألحق البزدوي الثالث والرابع بالملائم، وألحقها الشريف ~~بالمؤثر. # ومن النظار من يفسر الملاءمة بمجرد المشابهة بتصرف الشرع لا غير؛ وهذا لا ~~يصلح للترجيح، وبعض الحنفية يطلق المؤثر على كل مخيل بأي وجه ثبت، ولا ~~مشاحة في الألقاب بعد معرفة المقاصد. # وقد أورد على قولهم: "اعتبار جنس العلة" إشكال: # فقيل: ما تعني باعتبار جنس الوصف؛ أتريد به المعنى الكلي المسمى جنسا؟ أم ~~تريد به الصورة المجانسة؟ : # فإن أردت به المعنى الكلي، فمتى اعتبر الشارع عينه، كان مؤثرا؛ وليس من ~~شرط المؤثر ألا يكون عاما. # وإن أردت به اعتبار الصورة المجانسة، فاعتبارها بخصوصها أو بعمومها؟ : ~~فإن كان الأول، فلا يصح القياس مع فقدانه، ولا يتأتى إثبات التعليل إلا به. # وإن كان الثاني، فهو المؤثر. # وجوابه: أن من جوز القياس في الأسباب، فله أن يقول: لا يضر الافتراق في ~~الخصوصين بعد اشتراكهما في تحصيل المقصود والحكمة، ومن ينفيه يقول: النص ~~والإجماع يدلان على PageV02P355 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # التعليل بالوصف ولا يتعرض فيهما لوجه الاعتبار بخصوص أو عموم، فيحذف ~~الخصوص بالاجتهاد. # وفائدة هذه التقاسيم تظهر في الترجيح عند معارضة العلل، فكما يلقبون بعض ~~الأوصاف "مناسبا"؛ لموافقتها لما رتب عليها؛ فيسمونه مخيلة أيضا، ~~و"الإخالة" الظن؛ ولا شك أنه يغلب على الظن أن الحكم إنما شرع لأجلها. # وأما أن المناسبة والقران بشرط السلامة عن المبطلات دليل على العلية، فقد ~~اعتمد الإمام فيه على إجماع الصحابة المقطوع به من تصرفاتهم في الأحكام؛ ~~فإن المتحقق عنهم أنهم كانوا يعملون بكل ظن مستفاد من أصول الشريعة لا ~~يعارضه قاطع، ولا ما هو أولى منه؛ ويستلزم العمل بالمناسب لا محالة. # قال المصنف: "وبناؤها ms345 على ثلاث مقدمات: # أولها وأقواها: أنه ثبت أن أفعال الله - تعالى - وأحكامه معللة ~~بالمصالح". # والذي تقدم منه إبطال تعليل أحكام الله - تعالى - وأفعاله بالمصالح؛ فكيف ~~يقول هنا: "أقواها" إلا أن يريد أقواها في ظن القائلين به: إما نظرا إلى ~~الوقائع، أو على الوجوب؛ كما يقول المعتزلة. وقوله: "الكلام فيه ما سبق" ~~يشعر بذلك. # قوله: "وثانيها: أن هذا الوجه المعين يشتمل على هذه المصلحة الفلانية. # وثالثها: أن العلم بان هذا الفعل يشتمل على هذه المصلحة من هذا الوجه ~~فيفيد الظن بأن ذلك الحكم معلل بهذه [المصلحة] ولأن غير هذه المصلحة كان ~~معدوما، والأصل بقاؤه على العدم؛ فوجب أن يكون معللا بهذا [الوصف] ": . # وزوال الاستدراك في هذا التقرير -على أصولنا، فإنه ظاهر على أصول ~~المعتزلة-: أن يقال: إن الواقع في الشرع رعاية مصالح العباد في شرع الأحكام ~~غالبا؛ فضلا من الله - تعالى - ونعمة، لا وجوبا عليه؛ بدلالة النصوص المقدم ~~ذكرها، وقوله تعالى: {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة 50] ~~وقوله - عليه السلام -: "عجبا للمؤمن؛ لا يقضي الله له قضاء إلا وهو خير ~~له"، وبدلالة الاستقراء. # وإذا تقرر هذا، فالحكم لا ينفك عن مصلحة، ومصلحته لا تعدو أوصاف محله، ~~فإذا بحثنا وسبرنا، ولم نجد ما يصلح للتعليل سوى هذا الوصف المناسب مع ~~سلامته عن المبطلات والمعارض الراجح- غلب على الظن أنه العلة؛ لأنا بين ~~أمور ثلاثة: # إما أن نقول بأن الحكم غير معلل، وإنه خلاف الأصل والغالب. أو نقول: إنه ~~معلل بوصف لم يطلع عليه بعد البحث والسبر، وإنه خلاف الظاهر والأصل أيضا ~~عدم ذلك الوصف PageV02P356 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والبقاء عليه كما ذكر؛ فيتعين الثالث وهو أن العلة هذا المذكور المناسب؛ ~~فيتعين إضافة الحكم إليه أينما وجد. # هذا حاصل ما يشيرون إليه، وهو جار في الدوران والشبه والسبر، ولا فارق، ~~ونخص "لا فارق" بأنه المنطبق على مسمى القياس؛ فإن حاصله تقرير المماثلة. # قوله: "إذا ثبت هذا الأصل، فنقول: إن أهل الزمان يعبرون عن هذا المعنى ~~بعبارة التلازم: مثاله: لو كان كثير القيء ناقضا للوضوء، لكان قليله ms346 ناقضا ~~له؛ لأن خروج النجاسة موجب لانتقاض الوضوء، ولما لم يكن القليل ناقضا وجب ~~ألا يكون الكثير ناقضا": وقد تقدم أن القياس ينقسم إلى: # قياس الطرد، ولا يعني به أن الجامع طردي، بل يعني طرد حكم العلة من محل ~~الإجماع إلى محل النزاع. # وقياس العكس، وهو: طرد العلة من محل النزاع إلى محل الإجماع، وما ذكره ~~المصنف مثال لقياس العكس. # وأما قياس الطرد، فالمشهور: أن له ثلاث عبارات، وقد علمت أن القياس مركب ~~من: فرع، وحكم، وعلة، وأصل. PageV02P357 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فالفزغ والحكم لا بد من التصريح بهما؛ لأنهما عين الدعوى ونتيجة القياس ~~المطلوبة. # وأما العلة والأصل: فتارة يصرح بهما، وتارة لا يصرح بهما، وتارة يصرح ~~بالعلة دون الأصل، وتارة يصرح بالأصل دون العلة: # أما العبارة الأولى، وهي التصريح بهما، فكقولنا: "النبيذ مسكر؛ فيحرم؛ ~~قياسا على الخمر"، وهذه العبارة أتم العبارات، وهي متفق على صحتها عند ~~القائلين بالقياس. # وأما العبارة الثانية، وهي ألا يصرح بالعلة، ولا بالأصل- فكقولهم: "وجد ~~المقتضي لتحريم النبيذ؛ فيحرم"، والأكثرون على عدم قبولها؛ لكونها وعدا ~~بالدليل؛ إذ معناها أنه وجد المقتضي الذي سأبينه. # وقولهم في تصحيحها: "إنها تندرج تحت حد الدليل؛ فتكون دليلا؛ فإن حد ~~الدليل: ما يلزم من تسليمه تسليم محل النزاع" - باطل؛ فإن ما ذكروه من حد ~~الدليل ينتقض بالشبهة؛ فإنه لو قال قائل: البارئ - تعالى - موجود، وكل ~~موجوبد في جهة، وسلمت المقدمتان، لزم منها أن البارئ - تعالى - في جهة، ~~وهذه شبهة، وليست دليلا؛ بل حد الدليل هو المعلوم الذي يمكن التوصل بصحيح ~~النظر فيه إلى مطلوب خبري، ولا يخفى ما فيه من الاحترازات. # وما يجمع العبارة الثالثة: أن يصرح بالعلة دون الأصل؛ فيقول: الشدة ~~المطرية علة للتحريم، وقد تحققت في النبيذ؛ فيحرم. والأكثرون على قبولها، ~~ومنهم من ردها؛ وقال: القياس رد فرع إلى أصل بعلة، ولم يذكر الأصل، والخلاف ~~فيها مبني على أن الأصل يذكر في القياس؛ لأنه جزء الدليل، أو لأنه دليل ~~الدليل: فمن يزعم أن المثبت للحكم في الفرع إنما هو العلة، وأن المناسبة ~~والقران ms347 في الأصل دليل العلية - فلا يتعين عليه ذكر دليل الدليل في التحديد ~~أولا، وإنما يذكر أولا المستلزم للحكم، وهو العلة، فإذا نوزع في علتها، ~~أثبتها بذلك أو بما يدل عليها من مسالك التعليل؛ وهو الحق، أو يقال: إن ~~الشيء قد يحذف للعلم به، والتصريح بالعلة يشير إلى محالها من مواقع ~~الإجماع، لا سيما علة مشهورة بين النظار؛ كقولنا: "القتل العمد والعدوان: ~~سبب القصاص، وقد تحقق ها هنا". PageV02P358 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وأما العبارة الرابعة: وهي أن يصرح بالأصل دون العلة -فإنما تقع في قياس ~~الدلالة؛ كقولهم في المخلوقة من ماء الزاني: لو حرمت عليه، لورثت منه؛ ~~كاللاحقة. PageV02P359 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقد علمت أن الفقهاء اصطلحوا على قصر اسم القياس على التمثيل، وهو ~~الاستدلال بالجزئي على الجزئي؛ لاشتراكهما فيما لأجله شرع الحكم، وهو أخص ~~من الرأي المعمول به شرعا، ويسمون ما يتركب على غير صيغة التمثيل استدلالا ~~ويرسمونه بأنه: ما يلزم من تسليمه تسليم المطلوب، وليس بنص ولا إجماع ولا ~~قياس؛ فيندرج تحته ما يوضع على صيغة الحملي؛ كقولنا: النبيذ مسكر، وكل مسكر ~~حرام، ويقررون كل مقدمة بما يساعد عليها من عقل أو عرف أو نقل، ويندرج فيه ~~الشرطي المتصل، وهو ما استعمل بكلمة "إن" أو ما يقوم مقامها. # واللازم عنه ثبوت الثاني لثبوت الأول، ونفي الأول لنفي الثاني، ولا يلزم ~~من نفي الأول نفي الثاني، ولا من ثبوت الثاني ثبوت الأول؛ لاحتمال أن يكون ~~الثاني أعم، وإن كان الاستثناء فيه بإثبات، فالأحسن استعماله بكلمة "إن"؛ ~~كقولك: "إن كان هذا إنسانا، فهو حيوان لكنه إنسان فهو حيوان" وإن كان: ~~الاستثناء بالنفي، فالأحسن استعماله بكلمة "لو"؛ فإنها تدل على الامتناع؛ ~~كقولك: "لو كان هذا إنسانا، لكان حيوانا، لكنه ليس بحيوان؛ فلا يكون ~~إنسانا" وقد تحذف إحدى المقدمتين؛ لشهرتها؛ كقوله تعالى: {لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء 22]، PageV02P360 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ويندرج أيضا فيه الشرطي المنفصل، وهو: ما استعمل بكلمة "أما" أو ما يقوم ~~مقامها والقسمة فيه إما أن تكون حقيقة، وهي المانعة من الجمع والخلو ~~الدائرة بين النفي والإثبات؛ كقولك: "هذا ms348 العدد إما شفع، أو وتر" فهذا ينتج ~~أربعة: "لكنه وتر؛ فليس بشفع" "لكنه شفع؛ فليس بوتر"، "لكنه ليس بوتر؛ فهو ~~شفع"، "لكنه ليس بشفع؛ فهو وتر". # وإن كانت القسمة مانعة من الجمع دون الخلو؛ كقوله: "هذا الفعل إما واجب ~~أو حرام"، فالاستثناء فيه بالإثبات"، "منتج نفي ما عداه؛ كقولك: لكنه واجب؛ ~~فيلزم ألا يكون حراما، ولا غيره من الأحكام ضرورة استحالة الجمع، ~~والاستثناء بالنفي لا ينتج؛ لعدم الانحصار؛ إذ يجوز أن يكون مندوبا، أو ~~مكروها، أو مباحا، اللهم إلا أن يدعي عدم ما سوى المذكور ظاهرا بناء على ~~السبر وعدم الوجدان فيفيد السلب إثبات المذكور ظاهرا، كما سنذكره في مسلك ~~السبر، إن شاء الله تعالى. # وإن كانت القسمة مانعة من الخلو دون الجمع؛ كقولك: زيد في البحر، أو لا ~~يعرف، لزم من استثناء السلب فيه ثبوت نقيضه، ولا ينعكس، وقد يختصرون ~~المنفصل، فيقولون: القول بكذا وكذا مما لا يجتمعان، وقد ثبت كذا؛ فينتفي ~~الآخر، وقد انتفى كذا فيثبت الآخر وهو العنادي بعينيه. وقد يختصرون المتصل ~~أيضا، فيقولون: انتفى لازم كذا، فينتفي، أو وجد ملزومه فيثبت. # قوله: "وأقول: تحقيق هذا الكلام؛ أن يقال: القول بانتقاض الوضوء بخروج ~~القيء يفضي إلى مخالفة الدليل، فوجب ألا يثبت: # بيان الأول: أن تقرير انتقاض الوضوء بخروج القيء: إما ألا يكون كونه ~~خارجا نجسا - علة لانتقاض الوضوء، وإما أن يكون: والأول باطل؛ لأن المناسبة ~~والقران يدلان على العلية، وقد حصلا في القيء، فلو لم يكن هذا المعنى علة - ~~لزم تخلف الدليل عن المدلول - يعني حكم السببية - وهو باطل، ولا جائز أن ~~يكون علة؛ لأنه حصل في القليل، فيلزم الانتقاض به، فإذا لم يثبت الانتقاض - ~~وجب تخلف المدلول عن الدليل -يعني: حكم العلة - وإنه باطل PageV02P361 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # بالإجماع" وما ذكره واضح، والعبارات متسقة. # قوله: "الرابع: الدوران وهو: أن هذا الحكم دائر مع هذا الوصف وجودا وعدما ~~والدوران يفيد ظن العلية": # هذا قول عامة الفقهاء: الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة -رضي الله عنهم- وزعمت ~~المعتزلة أنه يفيد العلم. # قال القاضي ابن الباقلاني، ms349 والإسفرايني: لا يفيد علما ولا ظنا. # واحتج القاضي: بأن دعوى اطراده في جميع صور وجوده تتوقف على ثبوت الحكم ~~في الفرع، وثبوت الحكم في الفرع يتوقف على عليته، وعليته تتوقف على اطراده؛ فيدور. # واحتج: بأن الطرد حاصله السلامة عن النقض، والعكس ليس شرطا في العلل ~~الشرعية، ونفي الحكم عند انتفائه، حكم آخر معلل بعلة أخرى لا ارتباط لها ~~بثبوت الحكم. # وأجيب: بأنا نعني باطراده وجوده معه في سائر الصور المجمع عليها، والعكس، ~~وإن لم يكن شرطا، لكنه يغلب على الظن، وكل واحد منهما وإن لم يستقل، لكن ~~المجموع مستقل. # واحتج المثبتون: بأن الحكم لا بد له من علة غالبا، وغير الدائر ليس بعلة؛ ~~لأنه إن كان موجودا قبل الحكم فيلزم تخلف الحكم عنه، وإن لم يكن موجودا، ~~فالأصل عدمه، إلا أن يتعين أن يكون الدائر هو العلة. # واعترض عليه: بأنه كما دار معه، دار مع تعينه، وكونه في ذلك المحل؛ ~~فيكونان -أو أحدهما- علة أو جزءا من العلة، وبالنقض بسائر الأمور ~~المتضايفة؛ كالأبوة والبنوة، وببعض الأوصاف الطردية: كالرائحة الفائحة مع ~~تحريم الخمر، وكون الماء مائعا؛ تبنى القنطرة على جنسه، وأنه يسبح فيه، ~~ويصاد منه السمك، ويعكس في سائر المائعات. وبأن الوصف كما دار مع الحكم، ~~دار الحكم معه؛ كتحريك الإصبع مع تحريك الخاتم، فليس جعل أحدهما علة والآخر ~~معلولا بأولى من العكس. وبالنقض بأخص وصف العلة، والشرط المساوي. # وأجيب عن الأول: بأنه يتعين على المتمسك به إلغاء تعيين الوصف والأصل إما ~~ببيان أنه طرد محض، أو بأن المتعين أمر عدمي؛ إن أمكن، وأن العدم لا يعلل ~~به الثبوت، أو أنه يلزم منه التعليل بالقاصر، والمتعدي أرجح، أو غير ذلك، ~~وأما النقض بالمتضايفات؛ فيدفع ببيان تقدم المدعى عليته بالذات على الحكم، ~~وعليه يخرج النقض بدوران الحكم مع العلة؛ لأنه مرتب PageV02P362 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # على الوصف. # وأما النقض بالطرديات: فباشتراط ألا يقطع بعدم علية الدائر، ومنهم من ~~قيده بشرط ألا يوجد في المحل مثله أو أولى منه، والطرد لا يعدم في المحل ~~مثله ولا ما هو ms350 أولى منه. # ومنهم من قيده بأنه مما يجوز ورود الشرع به، يعني: وعادة الشرع عدم ~~الالتفات إلى الطرديات في الأحكام. # وأما النقض بأخص العلة والشرط المساوي، فوارد ولا سبيل إلى دفعه، إلا ~~بالاحتراز عنه عن تقييد الدعوى أولا بأن الدوران مستلزم لتحقيق العلة؛ فإن ~~الدائر: إما أن يكون عين العلة أو لازمها، وأيا ما كان فقد تحقق وجود العلة. # واحتج أيضا: بأن بعض الدورانات، دليل علية الدائر، فيكون الكل كذلك، ~~وقرروه بدوران الغضب مع الدعاء بالاسم الخاص، وهو منقلب، وهو أيضا منقوض ~~بجميع ما ذكر. # والجواب عن النقوض بما تقدم. # قوله: "بدليل أن العقلاء أطبقوا على أن التجربة تفيد ظن العلية، ولا معنى ~~لذلك إلا مشهادة هذه المعاينة وجودا وعدما": # يقال له: التجربة اختصت بكثرة التكرار كثرة أفادت العلم، ولا تتوقف دلالة ~~العادة على سببية الشيء على انتفاء الحكم عند انتفائه، والدوران يكفي فيه ~~المرة والمرتان، ويرد عليه أيضا النقوض المذكورة، وجوابها ما تقدم. # قوله: "وأعلم أن الدوران قد يكون في صورة واحدة مثل أن عصير العنب قبل أن ~~يصير خمرا، كان حلالا، فلما صار خمرا- صار حراما، فلما زالت الخمرية، وصار ~~خلا- صار حلالا. وقد يكون في صورتين؛ كقول الحنفي في زكاة الحلي: "كون ~~الذهب جوهر الأثمان فوجبت الزكاة، بدليل أن التبر لما حصل فيه ذلك الجوهر- ~~وجبت الزكاة فيه، وسائر الأشياء؛ كالثياب والعبيد، لما لم يحصل فيها ذلك- ~~لم تجب الزكاة فيها": # ولا شك في إفادتها الظن، وكان حقه أن يمثل ذلك قبل الاحتجاج فإن المقصود ~~من المثال إفادة تصور الشيء، وهو متقدم على الاحتجاج على ثبوته أو نفيه. # قوله: "ومن الناس من قال: الدوران لا يفيد العلية؛ وذلك أن علمه -تعالى- ~~متعلق بالمعلومات التي لا نهاية لها، والعلم مع المعلوم: كل واحد منهما ~~دائر مع الآخر وجودا وعدما، مع أنه يمتنع كون كل واحد منهما علة للآخر: أما ~~العلم، فلا يكون علة للمعلوم؛ لأن العلم تابع للمعلوم؛ وتابع الشيء لا يكون ~~مؤثرا فيه، وأما المعلومات؛ فلأنها محدثة، وعلم الله -تعالى- قديم": # هذه صورة ms351 من صور النقض بالأمور المتضايفة التي لا تعقل، فلا يوجد أحدها ~~بدون الآخر: كالأبوة والبنوة، وقد تقدم الجواب عنها؛ بأنا نشترط في العلة ~~الدائرة: أن يكون الحكم مرتبا عليها، وتكون سابقة عليه سبقا ذاتيا. PageV02P363 # النوع الثاني من القياس قياس الشبه # مثاله: أن العبد المقتول خطأ يشبه الأحرار في كونه عاقلا مكلفا؛ ومقتضى ~~قتله من # === # قوله: "النوع الثاني من القياس: قياس الشبه": # اعلم: أن الشبه لم يعن بتصويره إلا الحذاق، فقيل: إنه عبارة: عما يثير ~~اشتباها بين محلين على الجملة، ويغلب على الظن استواؤهما في الحكم. # وقيل: ما يوهم الاشتراك في مخيل، وبالجملة فكل وصف لا يخلو: إما أن يلزم ~~من ربط الحكم به مصلحة أو لا: # والثاني: الطرد، والأول: لا يخلو: إما أن يتعين فيه جهة الصلاح أو لا: # والأول: المخيل. # والثاني: الشبه؛ فالشبه له مرتبة وسطى بين الطرد والمناسب. ومما يفارق به ~~المخيل الشبه: أنه لو قدر عدم ورود الشرع، لأدرك العقل صلاحية المخيل لما ~~ترتب عليه من الأحكام؛ حتى ظنت المعتزلة أن الحكم صفة لمخيله لذلك، وأن ~~الشرع مخبر عن حال المخيل، ولو قدر ورود الشرع- لم يدرك العقل صلاحية الشبه ~~لحكم المرتب عليه؛ فإن كون القتل العمد العدوان جناية مناسب للاعتداء ~~بمثله، والإتلاف يناسب ترتيب الضمان بالمثل فيما له مثل؛ فإنه يقوم مقامه ~~صورة ومعنى، وبإيجاب القيمة فيما لا مثل له؛ لأنه يمكن التوصل به إلى مثله الخفي. # وأما اشتراط النية في الصوم المفروض، فلولا ورود الشرع بإيجابه في القضاء ~~والنذر دون PageV02P364 # هذا الاعتبار: وجوب الدية، ويشبه الأموال من حيث إنه يباع ويشترى؛ ومقتضى ~~قتله من هذا الاعتبار: وجوب القيمة. # === # النفل -لما تفطن العقل لاشتراطها في رمضان؛ بجامع أنه صوم مفروض. ولو لم ~~يستقر في PageV02P365 # إلا أنا رأينا أن الشارع أجرى فيه أحكام الأموال أكثر مما أجرى فيه أحكام ~~النفوس، والكثرة دليل الغلبة؛ فيغلب على الظن أن إلحاقه بالأموال أولى. # === # الشرع أشتراط النية في التيمم - لما أمكن اعتبارها في الوضوء؛ بجامع أنها ~~طهارة حكمية. ولولا استقرار الشرع بأن ms352 في الجناية على طرف الحر نصف دية- ~~لما أمكن أن يوجب في طرف العبد نصف قيمته على قول؛ فإن نسبة يده إلى نفسه ~~كنسبة يد الحر إلى نفسه؛ حتى قدم بعض العلماء هذا الشبه الخصيص على قياس ~~المعنى العام في إيجاب قيمة ما نقص بفواتها بالنسبة إلى قيمته جميعه؛ كما ~~في البهيمة، وكل هذا شبه معنوي، وقد يكون الشبه خلقيا، ومنه معتبر ~~بالاتفاق؛ كالواجب في جزاء الصيد، ومنه مختلف فيه، وقد رده بعض من قال ~~بالشبه المعنوي لضعفه؛ وهو كإلحاق أحد التشهدين بالآخر في الوجوب، أو ~~الندبية، وكإلحاق المني بالبيض يتولد الحيوان الطاهر منه في طهارته، وإلحاق ~~الولد بأبيه بالقيافة. # قوله: "ومثاله أن العبد المقتول خطأ يشبه الأحرار في كونه عاقلا مكلفا، ~~ومقتضى هذا الوجه اعتبار وجوب الدية فيه، ويشبه الأموال من حيث إنه يباع ~~ويشترى، ومقتضى هذا الوجه اعتبار وجوب القيمة أولى ... " إلى آخره: # يعني: أنه لما اشتمل تفويته على تفويت النفسية والمالية، وكان ضمان ~~النفسية مقدرا شرعا بقدر لا يزيد ولا ينقص، وكان الواجب فيه الإبل، وكان ~~ضمان المال يرجع فيما لا مثل له إلى قيمته بالغة ما بلغت من النقدين، ووقع ~~الاتفاق منا ومن أبي حنيفة أن قيمته لو نقصت عن دية الحر: لم يجب الزائد، ~~وأنه يضمن بالنقدين-: قوي منه فيه شبه ضمان المالية؛ فأوجب الشافعي -رحمه ~~الله- قيمته بالغة ما بلغت؛ كإتلاف البهيمة، وغلب أبو حنيفة فيه ضمان ~~النفسية؛ فلم PageV02P366 ### || AUTO المسألة الرابعة # في الطرق الدالة على أن الوصف لا يصلح للعلية، وهي كثيرة: # === # يوجب فيه ما زاد على مقدار دية الحر، وأوجب نصف دينار أو عشرة دراهم، وهو ~~نصاب السرقة عنده الذي لا يقطع في دونه؛ ليتميز الحر عن العبد بما له ~~اعتبار شرعا. PageV02P367 # الأول عدم التأثير؛ فإنه إذا حصل في المحل ما علم كونه موجبا للحكم -كان # === # وإذا فهمت معنى الشبه، وأنه درجة بين المخيل والطرد، وأنه يشبه المناسب ~~المخيل من PageV02P368 # ذلك دليلا على امتناع إسناده إلى وصف سواه. # === # حيث إن ربط الحكم به يستلزم ms353 حكمة على الجملة فهمت من مقصود الشرع، وأنه ~~يشبه الطرد من حيث إنه لم يطلع فيه على عين تلك الحكمة-: فقد اختلف، النظار ~~في قبوله: فرآه الشافعي -رضي الله عنه- وأصحابه خلا أبا إسحاق المروزي، ~~ورده الدبوسي وأكثر أصحاب أبي حنيفة. # وتردد فيه القاضي فقبله مرة ورده أخرى. # والدليل على اعتباره: ما قدمناه من أن الحكم لا بد له من علة، وأن علته ~~لا تعدوا أوصاف محله، وإذا لم يوجد في المحل مثله ولا ما هو أولى منه- غلب ~~على الظن أنه العلة. وقد اعتمد القائلون به أيضا على مناظرات صحب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في المواريث وغيرها؛ فإنها تدور على PageV02P369 # الثاني: النقض، وهو أن يوجد ذلك الوصف في بعض الصور، مع عدم الحكم: # === # محض الشبه. # قالوا: وإذا تصفحنا فتاوى الصحابة وأقضيتهم فيما اعتمدوا فيه على الرأي، ~~وجدنا المناسب لا يفي بها، وقد بطل الجميع بالطرد؛ فإنه تحكم في الدين ~~لاستواء النسبة في ثبوت الحكم إليه ونفيه، والتحكم في الدين باطل بالإجماع؛ ~~فيتعين أنهم إنما اعتمدوا على الشبه؛ لانحصار الأوصاف في الثلاثة. # واحتج الرادون له: بأن الوصف إما أن يناسب أو لا، ولا واسطة: والأول: ~~المخيل، والثاني: الطرد. # وأجيب: بالاستفسار، فقيل: ما تعنون بالمناسب المخيل؟ أتعنون به: ما يتضمن ~~مصلحة في نفسه أو ما ظهرت مصلحته؟ : فإن فسرتم المناسب بالأول، فنحن نسلم ~~أن مقابله هو الطرد، لكن ما سميتموه مناسبا ينقسم إلى ما يظهر لنا مصلحته، ~~وإلى ما لا يظهر: والأول عندنا: هو المخيل، والثاني: الشبه، وإن فسرتم ~~المناسب المخيل بما ظهر لنا مصلحته، فلا نسلم أن ما يقابله هو الطرد، بل ما ~~يقابله ينقسم إلى ما [تكون] نسبة ثبوت الحكم إليه ونفيه على حد سواء، وإلى ~~ما تكون نسبة ثبوت الحكم إليه أرجح في الظنون، والأول عندنا: هو الطرد، ~~والثاني: الشبه. # فإذا تقرر تصوره، وأنه حجة -فالشبه تارة يعرف بكثرة الأحكام، كما مثله ~~المصنف، وتارة يعرف بالخلقة؛ كما مثلناه، وتارة يعرف بالاشتراك في الخاصية ~~كإلحاق الأقوات بالبر والشعير في ms354 الربا، وإلحاق ما يتفكه به تارة، وقد ~~يقتات به تارة، ويؤتدم به أخرى؛ كالتين والتمر، وإلحاق ما يستعمل للتداوي ~~وإصلاح القوت بالملح. # ومما يشتركان في الخاصية قول الشافعي -رحمه الله- في الجمع بين الوضوء ~~والتيمم: طهارتان، فكيف يفترقان؟ يعني: أنهما شرعا لمقصود واحد؛ فإنه لا ~~يستمر على السير في الوضوء مقصود عاجل، وغاية ما يلوح فيه الوضاءة والنظافة ~~عند الإقبال على مناجاة الله تعالى، إلا أن هذا المعنى ينخرم بمن خرج من ~~الحمام على أكمل حالة من النظافة، ثم أحدث ولم يجد إلا ماء متغيرا بالطحلب ~~فإنه يجب عليه استعماله، ويشكل بإقامة التراب بدلا عنه، والبدل هو الذي ~~يقوم مقام المبدل في المقصود منه، ولو على قصور، وهذا ضد المقصود في ~~الوضاءة والنظافة، وإذا لم يلح فيه غرض عاجل؛ فيتعين صرف المقصود منه إلى ~~أمر آجل، والمقصود الآجل: هو الثواب، وحصول الثواب منوط بقصد التعبد، وقد ~~وقع الإجماع على اعتباره في التيمم فيغلب على الظن استواؤهما فيه. # ثم شرط التعليل بالشبه واعتباره أن يكون اعتبار تأثير لا ملاءمة- وعدم ~~المناسب وما هو مثله أو أولى؛ فلا يعرف ذلك إلا بالسبر، واشتراطه فيه وفي ~~المخيل إنما يكون شرطا لاستقلاله علة لا في أصل اعتباره، وقد يستقل السبر ~~والتقسيم بأصل الاعتبار؛ فيعد من مسالك التعليل PageV02P370 # قال بعضهم: إن هذا يقدح في كونه علة؛ وهو قول المنكرين لتخصيص العلة. # === # ومعنى السبر؛ في اللغة الاختبار، ومعنى التقسيم: الإفراز. # وهو في الاصطلاح كذلك، إلا أنه خص باعتبار خاص، وهو أن يختبر الناظر ~~أوصاف المحل ويفرز ما يصلح للتعليل بإبطال ما عداه، واعتماد الدلالة فيه ~~على ركنين: الحصر، والإبطال، فإن كان الحصر فيه قطعيا بأن كان دائرا بين ~~النفي والإثبات، وكان دليل الإبطال قطعيا، وكان الحكم في الأصل مجمعا على ~~تعليله في الجملة -ثبت التعليل قطعا، ولا خفاء بصحة هذا إن أمكن، ولكنه ~~عزيز في الشرعيات، وإن كان الحصر ظاهرا، والإبطال ظاهرا، أو أحدهما- فهو ~~ظني، والركن الأول محل للشغب. # وقد اختلف النظار فيه: # فقال قوم: هو حجة مطلقا ms355 للناظر والمناظر، وهو الأظهر؛ لأنه يغلب على الظن. # وقال قوم: لا يكون حجة مطلقا، وهو بعيد؛ لما تقدم تقريره، وهو أن الحكم ~~لا يخلو عن علة غالبا، وأن علته لا تعدو أوصاف محله، وإذا ظهر بطلان ما ~~سواه فيغلب على الظن أنه هو العلة؛ لأنا بين أمور ثلاثة: إما أن نقول: إنه ~~لا علة للحكم، وهو خلاف الأصل، أو العلة أمر لم يطلع عليه، وهو خلاف ~~الظاهر؛ فيتعين الثالث؛ وهو أن العلة هو المستبقى. وإذا عورض بأنه لو كان ~~فيه مصلحة، لاطلع عليها -رجح السبر الأول بأن جنس المصالح مما لا يخفى؛ ~~بخلاف الأوصاف. # وشرط الإمام في كونه حجة: انعقاد الإجماع على تعليل الحكم في الأصل على ~~الجملة؛ فإن الاحتمال أن يكون تعبدا، وما ذكره محتمل، إلا أنه خلاف الأصل؛ ~~على ما مهدناه؛ فإلحاق هذا الفرد بالأعم الأغلب أقرب من إلحاقه بالأشد ~~الأندر، وقد رد الشارع إلى الأغلب حيث قال للمستحاضة: "تحيضي في علم الله ~~تعالى ستة أيام أو سبعة أيام؛ كما تحيض النساء PageV02P371 # وقال آخرون: إنه لا يقدح في كون الوصف علة، إلا بشرط أن يوجد -هناك- ما ~~يصلح جعله مانعا من الحكم. # وقال القائل الثالث: إنه لا يقدح أصلا، سواء حصل هناك ما يصلح جعله مانعا ~~من الحكم أو لم يحصل. # === # ويطهرن، لميقات حيضهن وطهرهن". # وفرق آخرون فقالوا: هو حجة للناظر دون المناظر، وإليه ميل الآمدي، فإن ~~المستدل إذا بذل وسعه في طلب وصف زائد، ولم يجد ما يصلح للتعليل، ولم يتبين ~~له أن المستبقى ساقط عن درجة الاعتبار- أحس من نفسه بغلبة الظن بالعدم، وأن ~~المستبقى علة. # أما الخصم فيقول -بعد أن يسلم أن خصمه بحث وسبر ولم يجد، ويصدقه في جميع ~~ما ادعاه؛ فإنه لا يسمع منه منعه لذلك؛ فإن منع ذلك محض السفه، ولا يسمع في ~~المناظرات؛ فيساعده على ذلك ظن بالعدم، لا عدم ظن- فيقول له: إن بحثك وسبرك ~~يختص بك، فيغلب على ظنك، وأنت في هذا المقام مستلزم إظهار ما يغلب على ~~خصمك، لينقاد إلى مذهبك، ms356 فكيف يقبل منك بمجرد التقليد؟ # وأجاب المعممون: بأنه يقول له: قد أرشدتك إلى الجهة التي غلبت على ظني، ~~وأن الأوصاف التي يمكن دعوى عليتها هي مجموع ما ذكرته وهو كذا وكذا؛ كقوله ~~"علة الربا إما الطعم في الجنس، أو التقدير، وهو الكيل والوزن في الجنس، أو ~~القوت في الجنس، أو المالية، أو ما يتركب؛ من ذلك، فإن كان عندك احتمال آخر ~~فأبرزه، واحذر من كتمان علم مست الحاجة إلى إظهاره" فإن أبدى المعترض وصفا ~~زائدا، فلا يكلف بيان صلاحيته للتعليل؛ فإن المستدل لم يعتمد في صلاحية ما ~~ادعاه إلا بإبطال ما عداه، وهذا يحرم دليله، ولا يكون المستدل منقطعا بمجرد ~~إظهاره ما لم يعجز عن إبطاله؛ فإنه إنما ادعى العدم ظاهرا، أو استصحابا ~~لعدم ما سوى المذكور. # وقد يتفق الخصمان على إبطال ما عدا الوصفين، فيكفي المستدل الترديد بين ~~علته وعلة خصمه فقط؛ اكتفاء بالاتفاق منهما على إبطال ما سواهما؛ فتبطل علة ~~خصمه فقط، فتصح علته، كما لو وقع الخلاف مع الحنفي، فيقول الشافعي: العلة ~~ما الطعم في الجنس، أو التقدير، وهو PageV02P372 # حجة القائل الأول وجوه: # الأول: أن كون ذلك الوصف مؤثرا في الحكم: إما أن يكون من حيث هو هو من ~~غير أن يعتبر في حصول التأثير قيد سواه، أو لا بد مع ذلك الوصف من قيد آخر: # === # الكيل والوزن، وقد أجمعنا علي إسلام الذهب والدراهم في الموزونات ~~والمكيلات، ولو جمعتهما علة واحدة؛ لما جاز إسلام أحدهما في الآخر، ومع ~~المالكي فيقول: لو كان القوت هو العلة، لما حرم التفاضل في الملح بالملح، ~~فإن قال: العلة القوت أو ما يصلح للقوت أبطل عليه بالحطب، فإذا ثبت الحصر: ~~إما قطعا أو ظاهرا، فطريق الإبطال -وهو الركن الثاني- بأحد أمور ثلاثة: إما ~~ببيان أن الوصف طرد محض بالنسبة إلى جميع الأحكام: كالسواد والبياض، أو أنه ~~طرد بالنسبة إلى الحكم المنازع فيه؛ كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق ~~مثلا، أو يبين إلغاءه، وإن كان مناسبا باستقلال المستبقى دونه في صورة مجمع ~~عليها، أو يرجح ms357 التعليل بالمستبقى على المحذوف. # ومن مسالك التعليل: "لا فارق"، وهو المكمل للمسالك التسعة، وينقسم إلى ~~قطعي وظني: # فالقطعي: كإلحاق الأمة بالعبد في السراية، وإلحاق صب البول من الكوز في ~~الماء الراكد بالبول فيه، وهذا هو الملقب بالقياس في معنى الأصل عند ~~الجمهور. # والظني راجع عند التحقيق إلى ضرب من الشبه، وكذلك الدوران والسير؛ فإن ~~الجميع يغلب على الظن من حيث الجملة ولا يشير إلى تعيين جهة الصلاح، وهو ~~الشبه نفسه، وإنما خصوا كل واحد منهما باسم خاص؛ لاختلاف النظار في بعضها، ~~ولأن الاسم يتبع أبدا الأخص؛ فإن المخيل أشد اقتضاء لمشابهة الفرع الأصل؛ ~~فيختص باسم المخيل؛ لاشتماله على خصوص، واكتفي بالاسم الأعم، فقيل: شبه. ~~ووجه دلالة "لا فارق"؛ أنه إذا لم يفارق الفرع الأصل إلا فيما لا يؤثر، ~~فيتعين اشتراكهما في المؤثر، وهو إما جميع المستبقى أو بعضه، وأيا ما كان ~~فيلزم من ثبوت الحكم في الأصل ثبوته في الفرع. # وأما وجه حصر مسالك التعليل في التسعة المذكورة؛ فنقول: كل ما تدعى عليته ~~شرعا، فلا يخلو: إما أن يتفق عليه علماء عصر من الأعصار أو لا: # والأول: الإجماع، والثاني: لا يخلو: إما أن يوجد فيه منقول من الشرع، أو ~~لا: فإن PageV02P373 # فإن كان الأول، وجب أن يقال: إنه متى حصل ذلك الوصف -فقد حصل ذلك # === # وجد، فلا يخلو: إما أن يشعر به صريحا أو لا: # والثاني: الإيماء، والأول لا يخلو: إما أن يحتمل غير التعليل، أو لا: # والثاني: النص، والأول لا يخلو: إما أن يصرف عن حقيقته أو لا: # والثاني: الظاهر، والأول إما أن يصرف على وجه تنص دلالته على التعليل أو لا: # والثاني: ليس من مسالك التعليل في شيء، والأول: التنقيح. هذا كله إذا وجد ~~فيه نقل من جهة الشرع. # فإن لم يوجد، فلا يخلو: إما أن يقترن الحكم به في صورة أو لا: فإن لم ~~يقترن: فهو إما المرسل؛ إن ناسب ولم يقم دليل على اعتباره، أو الطرد؛ إن ~~كان لم يناسب فهو باطل. # وإن اقترن به الحكم ms358 في صورة، فلا يخلو: إما أن تتعين العلة بإبطال ما ~~عداه أو لا: فإن عينت العلة بإبطال ما عداه: فلا يخلو إما أن يتعين الوصف ~~في نفسه أو لا: فإن تعين، فهو السبر، وإن لم يتعين، فهو نفي الفارق. # وإن لم يتعين بإبطال ما عداه: فلا يخلو: إما أن يلزم من ربط الحكم به ~~مصلحة أو لا: الثاني: الطرد، ولا حجة فيه؛ لأن نسبة ثبوت الحكم إليه ونفيه ~~على حد سواء؛ فإثبات الحكم به تحكم، والتحكم في الدين باطل بالإجماع. # وإن لزم من ربط الحكم به مصلحة: فلا يخلو إما أن يتعين فيه جهة الصلاح أو ~~لا: الأول: المناسب، والثاني: الشبه. # هذا طريق الحصر من حيث التفصيل؛ فقد تبين لك اندراج السبر، ونفي الفارق ~~والدوران تحت الشبه، واندراج الشبه والمخيل تحت العلة المستنبطة، واجتماع ~~النص والظاهر والإيماء والتنقيح تحت المنقول؛ فإذن دليل العلية من حيث ~~الجملة: إما إجماع، أو منقول، أو معقول. PageV02P374 # الحكم، فكان يجب أن يمتنع ما عدا ذلك الوصف عن ذلك الحكم. # وإن توقف تأثير ذلك الوصف في ذلك الحكم على انضمام قيد آخر إليه- كان ~~المؤثر هو ذلك الوصف مع ذلك القيد، وذلك يقدح في قولنا: إن ذلك الوصف هو العلة. # فإن قالوا: إن ذلك القيد قد يكون عدما، فكيف يمكن جعله جزءا من العلة؟ : # فنقول: ذلك العدم يدل على حصول قيد وجودي؛ ليضاف إلى الوصف الأول؛ حتى ~~يكون مجموعهما مؤثرا في الحكم. # الحجة الثانية: أن هذا وصف حصل في محل الوفاق مع الحكم، والمعية تدل على ~~العلية، وحصل في صورة النقض مع عدم الحكم، وذلك يقدح في العلية؛ فلم يكن # === # ومن تمام هذه القاعدة الإشارة إلى إبطال طرق موهومة تمسك بها من ادعى كون ~~الوصف علة: منها: مجرد الاطراد، وليس بحجة؛ لأن حاصله السلامة عن قادح ~~واحد، ولو سلم الوصف عن جميع القوادح، لم يكن في نفسه علة؛ فإن الشيء إنما ~~يثبت لوجود مثبته لا لانتفاء مبطله. # ومنها: قولهم: عجزك عن الاعتراض عليه دليل على صحته؛ كالمعجزة، ms359 وهذا ~~معارض بأن يقال: عجزك عن إقامة الدليل على صحته دليل على بطلانه، والعجز في ~~المعجزة لا يكفي ما لم ينضم إليه وقوع الخارق الموافق لتحدي الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، ثم العجز المعتبر فيه عجز كافة من تحدى به عليهم من أهل ~~ذلك الشأن؛ فيتحدى بالبلاغة والفصاحة على البلغاء والفصحاء، وتقلب العصا ~~ثعبانا على السحرة، وبإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص على الأطباء. # خاتمة # قد زعم بعض النظار أن مما يطالب به المعلل أولا إقامة الدليل على أن هذا ~~الحكم معلل، وهذه الطلبة لا وجه لها؛ فإنه إذا طولب بإثبات العلة الخاصة، ~~ففي ضمنها طلب أصل التعليل، وإذا ثبت دليل على التعليل بالعلة الخاصة، فقد ~~أثبت أصل التعليل؛ فما أبداه دليل الأمرين معا؛ لاستلزام الأخص الأعم. # وإذا عرفت انحصار مسالك التعليل جملة وتفصيلا، فالاعتراض عليها يقع عاما ~~وخاصا: فالخاص ما يخص كل مسلك: # والإجماع إن كان قطعيا نوزع في تواتره وفي نصوصيته، بإبداء احتمال، وإن ~~كان ظنيا، فالمطالبة بسنده، ويكفيه في جوابه الإعزاء إلى كتاب مشهور لإمام، ~~يرجع إليه، ولا يكلف بالعنعنة، أو بالطعن في سنده بأن راويه ضعيف أو مجهول ~~أو متروك، أو وضاع، أو انقطاع سنده. # وأما من حيث إشعاره: فيمنع ظهور ما ادعى ظهوره ببيان احتمال غير المدعى، ~~أو تأويله. PageV02P375 # الاستدلال بحصول تلك المعية على حصول العلية- أولى من الاستدلال بحصول ~~هذا التخلف على القدح في العلية، ثم يؤكد هذا: أن إحالة عدم الحكم على عدم ~~المقتضي أولى من إحالته على المانع. ### || AUTO المسألة الخامسة التعليل بالمصلحة والمفسدة لا يجوز؛ خلافا لقوم # لنا: أنه لو صح التعليل بالمصلحة- لامتنع التعليل بالوصف المشتمل على ~~المصلحة؛ وبالإجماع هذا جائز؛ فذاك باطل: # بيان الملازمة: أن التعليل بالوصف، إنما جاز لاشتماله على الحكمة، ~~والحكمة هي # === # وأما النص القاطع؛ فالاعتراض عليه كالاعتراض على الإجماع القاطع، والظني ~~كالظني، ولا يقدح فيه بيان تخلف الحكم عن العلة المدلول عليها لفظا؛ فإنه ~~يتعين إحالة الانتفاء فيها على وجود مانع، أو انتفاء شرط؛ جمعا بين الأدلة، ~~بخلاف المستنبطة؛ ms360 فإن دلالة اعتبارها المقارنة، فالتخلف فيها يقتضي معارضة ~~دليل الاعتبار بدليل الاعتبار وبدليل الإهدار، والأصل انتفاء الشيء لانتفاء سببه. # وأما التنقيح: فبما يعترض به على الظاهر، ويزيد بالكلام على دليل الإبطال ~~أو حذف بعض المستبقى بدليل، يساعد عليه. # وأما المخيل: فالاعتراض عليه من وجوه: # الأول: منع كونه أمرا وجوديا بناء على امتناع التعليل بالعدم. # الثاني: منع ظهوره وانضباطه بعد تسليم أنه أمر موجود. # الثالث: منع مناسبه ببيان أنه طرد محض، أو بالنسبة إلى الحكم. وله القدح ~~في صلاحيته بالمعارضة على الأصح؛ فإن المناسبات أمور عرفية لا عقلية، وإذا ~~كان الشيء: متضمنا مصلحة، ولا تنال تلك المصلحة إلا بمفسدة تساويها أو ~~تترجح عليها، أو بفوات مصلحة مثلها، أو تترجح عليها - فأهل العرف لا يعدون ~~مثل هذا الضرب صلاحا، والشارع يبني الأحكام على القضايا العرفية. # الرابع: المزاحمة بمناسب صالح للاعتبار جزءا أو كلا، سواء أمكن الجمع ~~بينهما أو لم يمكن؛ على الأصح؛ كما سنبينه إن شاء الله تعالى. # وأما الشبه: فيمنع كونه موجودا أو ظاهرا أو مضبوطا، ويمنع صلاحيته أو ~~يعارضه بمناسب أو شبه آخر. # وأما الدوران بعد تسليم أن الدائر موجود ظاهر مضبوط بإبطال طرده أو عكسه، ~~أو ببيان أنه طرد، أو المعارضة له بدوران غيره. PageV02P376 # الأصل في هذه العلية، والوصف هو الفرع، ومتى كان التعليل بالأصل ممكنا، ~~كان نفس ذلك التعليل بالفرع تطويلا من غير فائدة؛ فوجب ألا يجوز؛ فثبت أن ~~التعليل بالمصلحة: لو جاز، لما جاز التعليل بالوصف؛ ولما جاز هذا، وجب ألا ~~يجوز ذلك. ### || AUTO المسألة السادسة # التعليل: إما أن يكون تعليلا للوجود بالوجود، أو للعدم بالعدم؛ وهما ~~جائزان. # وإما أن يكون تعليلا للوجود بالعدم؛ وهو مثل أن نعلل حكما وجوديا بقيد ~~عدمي؛ وذلك لا يجوز؛ لأن قولنا: " [هذا] علة" لا نقيض لقولنا: "ليس بعلة، ~~وقولنا: "ليس بعلة" قيد عدمي، وقولنا: " [هذا] علة" رافع له، ورافع العدم ~~ثبوت، وكونه علة صفة ثابتة، فلو قلنا: "العدم علة" لزم قيام الصفة الوجودية ~~بالعدم المحض؛ وهو محال. # === # وأما السبر: فبمنع الحصر ms361 وإبداء وصف زائد، وإبطال ما أبطل به، وإبطال ~~المستبقى. # أما نفي الفارق: فببيان فارق في الأصل مفقود في الفرع له حظ في المناسبة ~~أو بتحقيق فارق في الفرع له حظ في المناسبة يمنع من إجراء الحكم فيه يشهد ~~له أصل هذا وما يخص كل مسلك. وأما ما لا يختص من النقض والقلب والمعارضة، ~~والقول بالموجب، وغير ذلك- فسنذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. # قوله: "المسألة الرابعة: في الطرق الدالة على أن الوصف لا يصلح للعلية، ~~وهي كثيرة: الأول: عدم التأثير": # اعلم أن العلماء ذكروا اعتراضات على القياس، وقسموها إلى صحيحة وفاسدة ~~واختلفوا في عدها، ولا يريدون بالفاسدة كل ما عدا الصحيحة؛ فإن ذلك لا ~~ينحصر، وإنما عدوا من الفاسد كل ما ظن صحته بعض النظار، وبالجملة فلا يتبين ~~ذلك إلا بعد ذكر مقدمة، وهي ذكر شرائط صحة القياس؛ فإن الاعتراضات الصحيحة ~~كلها ترجع إلى بيان الإخلال بشرط منها، وقد علمت أن القياس يتركب من فرع ~~وأصل وحكم وعلة: # فأما الحكم، فله شروط: # الأول: أن يكون شرعيا؛ لأنه المقصود، لا عرفيا؛ فإن طريقه معرفة استقرار ~~العادة؛ كأقل PageV02P377 # وإما أن يكون تعليلا للعدم بالوجود، وهذا هو الذي يسميه الفقهاء بأنه ~~تعليل بالمانع؛ وذلك لا يتوقف على بيان المقتضي عندنا؛ خلافا للجمهور. # لنا: أن المقتضي للشيء والمانع منه متضادان، وتوقف وجود الشيء على وجود ~~ضده محال؛ فوجب ألا يتوقف وجود المانع على وجود المقتضي. ثم نقول: لو سلمنا ~~أن التعليل بالمانع يتوقف على وجود المقتضي- لكان لا حاجة إلى ذكر دليل ~~منفصل على وجود المقتضي، بل يكفي أن يقال: إن لم يكن المقتضي موجودا في ~~الفرع. وجب ألا يكون الحكم ثابتا فيه؛ وهو المطلوب. وإن كان المقتضي للحكم ~~ثابتا في الفرع- فهو إنما يثبت تحصيلا للمصلحة المرتبة عليه، وهذا المعنى ~~قائم في الأصل؛ فيلزم من ثبوت الحكم ثبوته في الفرع، وإذا ثبت ذلك؛ فقد صح ~~جواز التعليل بالمانع. # === # الحيض وأكثر وغالبه. وهل يصح أن يكون عقليا؟ فيه خلاف تقدم، وهل يصح أن ~~يكون لغويا؟ فيه ms362 خلاف أيضا؛ والأصح منعه. # وصورة المسألة: أن تسمي العرب مثلا المسكر المعتصر من العنب خمرا، وترى ~~الاسم دائرا مع مخامرة العقل، فإذا تحققنا ذلك في النبيذ، فهل تسميته خمرا ~~لأجل مخامرة العقل أم لا؟ # وثمرة الخلاف -إن صح القياس في تسميته خمرا- كونه مندرجا تحت عموم قوله ~~تعالى: {فاجتنبوه} [المائدة: 90] ويكون حكم تحريم النبيذ بالنص، وإن لم يصح ~~القياس لغة؛ فيكون تحريم النبيذ ثابتا بالقياس الشرعي؛ بجامع الإسكار على ~~تحريم الخمر، ولا شك أن العرب سمت تارة لمعنى وطردت، وسمت تارة ولم تطرد؛ ~~كما سمت القارورة قارورة؛ لاستقرار الماء فيها، ولم تسم الحوض قارورة؛ فما ~~علمنا من لغتهم في الطرفين اتبعناه. # ومحل الخلاف فيما لم يعلم طرده، ولا قصره، فهل يجري فيه القياس أو لا؟ : # قال القاضي، وابن سريج، وبعض الفقهاء: يجري. # وقال قوم: لا يجري؛ فإنه لم يقم قاطع من أهل اللسان عليه، ولولا قيام ~~القاطع على العمل به في الأحكام الشرعية لم نقل به، ولا استمر فيه استقرار ~~في اللسان؛ فيحكم به كما علم من تصرفاتهم استقرار أبنية المصادر، وأسماء ~~الفاعلين والمفعولين، والجموع، ورفع الفاعل، ونصب المفعول، ولا يلزم عليه ~~عدم التجوز؛ لأنا نقول: أما من شرط في صحته استعمال العرب له، فلا إشكال ~~عليه، وأما من لم يوافقه عليه، فيقول: اطرد لنا من لغتهم صحة التجوز بجنس ~~المصححات المذكورة. # الشرط الثاني: اتحاد نوع الحكم، فإن اختلف حكم الفرع والأصل؛ كقياس ~~المبتوتة في مرض الموت على القاتل، والحكم في الأصل عدم الإرث، وفي الفرع ~~الإرث مع اتحاد الحكمة، والضابط فيه خلاف، والحق: أنه إن أمكن تحقيق ~~الإلحاق في قدر مشترك، وهو العقوبة بنقيض المقصود مع قطع النظر عما به ~~العقوبة- صح القياس، وإلا فلا؛ فإن حقيقة PageV02P378 ### || AUTO المسألة السابعة # اختلف الفقهاء في جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد والقياس: # فنقول: قد بينا فيما تقدم أن القرآن واف ببيان جميع الأحكام التي لا ~~نهاية لها؛ فلو أن الفقهاء اقتصروا عليه، لخفت المئونة وسهل الطريق، إلا ~~أنهم ذكروا مسألتين: # إحداهما: تخصيص عموم ms363 القرآن بخبر الواحد. # ثانيتهما: تخصيصه بالقياس. # فلأجل هاتين المسألتين؛ عظم الخطب، وكثرت المذاهب، وتشعبت الأقوال، وقربت ~~من أن تصير غير متناهية. # === # القياس إدراج خصوص تحت عموم؛ بحيث يكون مندرجا تحت خصوص؛ كإدراج خصوص ~~النبيذ تحت عموم الإسكار المندرج تحت خصوص الخمر، ولا يعقل ذلك مع اختلاف الحكم. # الشرط الثالث: ألا يكون منسوخا؛ لأنا إنما نعدي بالوصف الجامع، بناء على ~~المساواة، وإذا نسخ الحكم، فقد زال الاعتبار. # ومثاله: قياس أبي حنيفة صحة صوم رمضان بنية من النهار على صوم يوم ~~عاشوراء بعد نسخ وجوبه إن صح وجوبه، ويمكن أن يقال على المثال المذكور: إن ~~المنسوخ عين اليوم، ووجوب أصل الصوم بشرائطه باق لم ينسخ؛ فيصح هذا القياس، ~~ويلتفت البحث فيه إلى أن نسخ الأخص هل يستلزم نسخ الأعم أو لا؟ قد سبق ~~البحث في أنه إذا نسخ الوجوب، هل يبقى الجواز أو لا؟ # وشرط قوم أن يكون ثبوتيا، والحق أنه قد يكون عدما، فالنفي والمانع قياس ~~فيما له عرضية الثبوت، وقياس الدلالة يجري فيه أيضا، وأما المنفي بالأصل، ~~فلا يجري فيه قياس؛ إذ انتفاؤه لانتفاء المثبت. # وأما الأصل فله شروط: # الأول: أن يكون دليله من النص أو الإجماع ظاهرا عليه قطعا، لا يتناول ~~الفرع بمنطوقه، وإلا فليس جعل البر أصلا للشعير في منع التفاضل أولى من ~~العكس، مع نص الشارع عليهما معا. # الثاني: أن يكون متفقا عليه بين الخصمين، فإن قاس على أصل مختلف فيه: فإن ~~كان PageV02P379 # والمختار عندنا: أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، بشرط أن يكون ~~سليما عن المطاعن كلها. وأما تخصيصه بالقياس، فلا يجوز ألبتة: # أما بيان أنه يجوز تخصيصه بخبر الواحد، فهو أنا بينا أن قوله تعالى: {إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6]-يقتضي تعليل منع القبول بكونه ~~فاسقا، ولو كان كونه مخصصا لعموم القرآن مانعا من قبوله- لما بقي لكون ~~الآتي به فاسقا أثر في عدم القبول؛ لأن عند حصول العلة المستقلة للحكم: لا ~~يبقى لغيرها أثر فيه. # إذا ثبت هذا، فنقول: الدليل يقتضي أن يكون ms364 خبر الواحد حجة مطلقا، سواء ~~عارضه الكتاب أم لم يعارضه، ولا شك أن القرآن حجة أيضا مطلقا، فإذا اجتمعا، ~~فهما دليلان متعارضان؛ فوجب أن يقدم الخاص على العام؛ لأنا لو رجحنا العام ~~على الخاص، # === # الحكم فيه مقولا على مذهب الخصم لم يصح؛ لأن حاصله تخطئة الخصم في الفرع؛ ~~لأجل تصويبه في الأصل، ولأن للخصم أن يعين لتلك المسألة علة على أصله، وليس ~~للمستدل نقل الكلام إلى تلك المسألة، وإبطال ما علل به فيها الإفضاء إلى ~~عدم الانضباط، وإن كان الحكم في الأصل مقولا به على مذهب المستدل، والخصم ~~ينازعه أيضا فيه- فقد اختلف النظار في صحة القياس عليه: # والجمهور على أنه لا يصح مطلقا. # وقيل: يصح. وقيل: ينظر: فإن أثبته بنص أو إجماع، صح، وإن أثبته بقياس، لم ~~يصح؛ لأنه إذا قيل: حصل الأصل فرعا لأصل آخر، فلا يخلو إما أن يجمع بعين ~~الجامع الأول أو بغيره: فإن جمع بعين الجامع الأول، فقد وقع القياس الأول ~~لغوا من غير فائدة؛ كما لو قاس التفاح على السفرجل في منع التفاضل بجامع ~~أنه مطعوم، فنوزع في حكم السفرجل، فقاسه على التمر المنصوص عليه؛ بجامع أنه ~~مطعوم، وإن كان بغير الجامع، فقد أقحم نفسه؛ إذ فرق بين أصله الأول ومحل ~~النزاع بالجامع الذي عينه ثانيا؛ كما لو قال: المسلم لا يقتل بالذمي، ~~لاختصاصه بفضيلة الإسلام؛ كالمعاهد، فمنع الحكم في المعاهد مثلا، وقاسه على ~~الدراري والنسوان، بجامع أن الصادر منه قتل- تمكنت منه الشبهة. # الشرط الثالث: ألا يكون الاتفاق في الأصل عن تركيب؛ أعني: أن الاتفاق في ~~الأصل تركيب على علتين مختلفتين، والتركيب على قسمين تركيب في الأصل، ~~وتركيب في الوصف: # أما الأول: فكما قال الشافعي - رضي الله عنه -: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأن ~~اختصاص القاتل بفضيلة الحرية مانع من القصاص؛ كما لو قتل عبد نفسه، أو ~~المكاتب. فيقول الخصم: إنما لم أقتله بعبد نفسه؛ لاتحاد المستحق والمستحق؛ ~~لأنه لا يملك القصاص على نفسه، وإنما لم أقتله بالمكاتب؛ لإبهام المستحق ~~أهو السيد أم الوارث؟ فإن صورة ms365 مسألة الأصل: إذا مات المكاتب، وفي تركته ~~وفاء، فمسألتنا أن العلتين إن صحتا امتنع الإلحاق، وإن بطلتا، منعت PageV02P380 # لكان ذلك إبطالا للخاص بالكلية، ولو رجحنا الخاص على العام، لم يكن ذلك ~~إبطالا للعام بالكلية؛ فكان هذا أولى. ### || AUTO المسألة الثامنة # قال الأكثرون: تخصيص عموم القرآن بالقياس جائز، والمختار عندنا: أنه لا يجوز. # احتج المجوزون بوجهين: # أحدهما: أن القياس وعموم القرآن دليلان متعارضان، وأحدهما أخص من الآخر؛ ~~فوجب تقديم الخاص -وهو القياس- على العام. # واعلم: أن هذا ليس بشيء؛ لأنا حيث ذكرنا هذا الدليل في خبر الواحد، فإنما # === # الحكم في الأصل؛ فإني لم أقل بالحكم إلا على ذلك التقدير. # وأما التركيب في الوصف: فكقول الشافعي -رحمه الله- باندراج الثمرة غير ~~المؤبرة تحت مطلق البيع؛ لاعتقاده أنها إذا لم تؤبر، فهي بمنزلة الجزء من ~~البيع، وإذا أبرت، فهي مستقلة وقد ساعد الحنفي على اندراجها في الأخذ ~~بالشفعة، فيقول: ما يندرج تحت استحقاق الشفيع يندرج تحت مطلق العقد؛ بجامع ~~الجزئية، فيقول الحنفي: علة الاندراج عندي في الشفعة دفع ضرر المداخلة، ~~وكذلك أقول: إن الشفيع يأخذ المؤبرة أيضا لهذه العلة لا للجزئية؛ فإن صح في ~~الأصل وجود هذه العلة- امتنع قياس مطلق البيع على الشفعة، وإن لم يصح وجود ~~الضرر، قلت بعدم التبعية والاندراج. # فإذا تقرر معنى التركيب، فقد اختلف النظار في صحة هذا القياس: فمنعه ~~القاضي وجماعة، وصححه الأستاذ أبو إسحاق في جماعة، وغلا حتى قدمه على قياس ~~غير التركيب؛ قال: لأنه أبعد عن الاعتراضات. # قال: ولأن الغرض من المناظرة التضييق على الخصم، وتنقيح الخواطر من ~~المشكلات، والتركيب أقوى في تحصيل هذا الغرض، نعم: لا يعول عليه المجتهد، ~~ولا يمكنوا الخصم من المنع. # قالوا: لأن اتفاق الخصمين على حكم الأصل يتنزل منزلة اتفاق الأمة عليه؛ ~~فكما لا يجوز منع حكم الأصل بعد اتفاق الأمة؛ فكذلك لا يسوغ منع حكم بعد أن ~~سلمه من التزم الذب عنه، وليس له تخطئته في مسألة لتصويبه في مسألة أخرى؛ ~~لعجرة عن نصرته في المسألتين، ولعل من يذب عنه لا يعتقد ms366 نفي الحكم في الأصل ~~بحال، أو يعتقد انتفاء الحكم في الفرع؛ لوجود مانع راجح يخصه، ويكفي ~~المعترض ما أبداه في الأصل فارقا، وعلى المستدل إبطاله، ليصح الجمع. PageV02P381 # يصح ذلك لأنا بينا أن الآية تدل على أن خبر الواحد حجة مطلقا، سواء عارضه ~~الكتاب أم لم يعارضه؛ فلا جرم: تم الدليل. # وأما في "مسألة القياس" فلا نسلم أن الدليل يدل على أن القياس على جميع ~~التقديرات حجة. # و [أما] قوله سبحانه وتعالى: {فاعتبروا} [الحشر: 2]، وقول معاذ: "أجتهد ~~رأيي" - # === # ومنهم من لم يرجح قياس التركيب على غيره، وقال: هما سواء. ومن منع من ~~التركيب يسمع السؤال: فهل تعد المستدل منقطعا بناء على منع القياس على ~~الأصل المختلف فيه؟ : فيه خلاف. وفرق الإمام، فقال: إن ألزم بقياسه مناقضة ~~في فقه المسألة على الخصم- صح، وإلا فلا؛ لأن منعه من ذلك سد لباب الجدل. # مثال ما يلزم مناقضة: قياس عبد غيره على المكاتب، وتبين عدم تأثير إبهام ~~المستحق أو بمنعه إن أمكنه بتحقيق أن عتقه موقوف على أدائه، وقد مات قبل ~~الأداء، ففات شرط العتق؛ فالمستحق للقصاص سيده. # وأما ما لا يشعر بمناقضة في فقه المسألة، فكقول الشافعي -رحمه الله- مثلا ~~في البالغة الرشيدة: إنها لا تزوج نفسها؛ لأنها أنثى؛ فلا تزوج؛ كابنة خمس ~~عشرة سنة. فيقول الحنفي: إنما لم تزوج نفسها بنت خمس عشرة؛ لما عرف من أصل ~~أنها صغيرة، فإن البلوغ عنده في الجارية ثماني عشرة سنة، وفي الغلام سبع ~~عشرة، فإن تحقق أنها غير بالغة، امتنع القياس، وإن كانت بالغة، منع الحكم، ~~وكانت صورة من صور محل النزاع، فهذا الجمع باطل، والسؤال مسموع؛ فإن ما فرق ~~المعترض به ليس من استنباطه، وإنما هو المعروف من مذهب إمامه. # الشرط الرابع: ألا يكون الأصل معدولا به عن سنن القياس: فإن الخارج عن ~~القياس لا يقاس عليه، وهذا مما أطلقه الفقهاء، وفيه إجمال يحتاج إلى تفصيل؛ ~~فإنه ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: ما استثني من قاعدة عامة. # والثاني: ما افتتح من غير استثناء. # وكلا القسمين ينقسم إلى ms367 ما لا يعقل معناه، وإلى ما يعقل. # أما الأول: وهو ما استثني من قاعدة ولا يعقل معناه، فكتخصيصه - عليه ~~السلام - أبا بردة في الأضحية بالعناق في قوله - عليه السلام -: "تجزئك ولا ~~تجزئ أحدا بعدك"، PageV02P382 # فقد بينا أنه لا يفيد العموم. # وأما إجماع الصحابة: فهو حكاية حال؛ وإنه لا يفيد العموم. # وقوله: "القياس يقتضي دفع ضرر مظنون" فلا نسلم أنه إذا عارضه عموم ~~القرآن، فإن العمل به يقتضي دفع الضرر المظنون؛ بل العمل به يوجب حصول ~~الضرر المظنون؛ لأن القرآن أقوى عند كل عاقل من القياس؛ فموافقة القرآن ~~توجب دفع الضرر، ومخالفته توجب حصول الضرر؛ فثبت: أن الدلائل الدالة على ~~صحة القياس لا تدل على كونه حجة ألبتة عندما يكون معارضا للقرآن. # === # وتخصيصه - عليه السلام - خزيمة بقبول شهادته وحده، وعد الغزالي من هذا ~~القسم PageV02P383 # وإذا ظهر الفرق الذي ذكرناه، لم يتمكن المستدل من أن يقول: "إن عموم ~~القرآن والقياس دليلان متعارضان، وأحدهما أخص من الآخر؛ فنقدم الأخص على ~~الأعم" لأنه لم يثبت بالدليل أن القياس بقي حجة عند معارضة القرآن؛ فظهر الفرق. # الحجة الثانية: # أن الصحابة خصصوا عموم بعض الآيات بخبر الواحد وبالقياس؛ فيكون حجة. وقد ~~عرفت ضعف هذا الدليل. # ثم نقول ها هنا: إنكم إن ادعيتم أن الصحابة أجمعوا على تخصيص تلك ~~العمومات بتلك القياسات -فقد حصل هناك القياس مع الإجماع على تخصيص تلك ~~العمومات بها؛ فها هنا: إذا حصلت تلك القياسات من غير حصول الإجماع على ~~وجوب تخصيص # === # اختصاصه - عليه السلام - بالزيادة على الأربع في الجمع بين النساء، ولا ~~يمتنع أن يقال: إنه مشتمل على معنى معقول، وهو الحاجة إلى ائتلاف العشائر، ~~وتضافر القبائل، وإثبات التفاخر بمصاهرته - عليه السلام - وللحاجة إلى نقل ~~أحكام النساء. ومع أنه معقول المعنى، فالعلة PageV02P384 # العمومات بها؛ فقد ظهر الفرق العظيم، فكيف يمكن إجراء أحدهما مجرى الآخر؟ ! # ثم نقول: الذي يدل على أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن بالقياس، وجوه: # === # قاصرة عليه، - عليه السلام -. # ثم القاصر ينقسم إلى ما يعلم قصره على ما ورد فيه، ms368 وإلى ما يظن: فالمعلوم ~~ما ذكروا، PageV02P385 # الأول: أن قصة معاذ -رضي الله عنه- تدل على أن العمل بالقياس معلق بكلمة ~~"إن" على عدم وجدان الكتاب والسنة؛ لأن النبي -عليه السلام- قال: "فإن لم ~~تجد في سنة رسوله؟ " قال: أجتهد رأيي. # === # والمظنون كقوله - عليه السلام - في شهداء بدر: "زملوهم بكلومهم ودمائهم"؛ ~~فإن أبا حنيفة لا يرفع قاعدة الغسل من الشهادة؛ هذا لأن اللفظ خاص، فلا ~~يتعدى الحكم إلى غيرهم؛ لاحتمال اطلاعه - عليه السلام - على إخلاصهم. # الثاني: ما استثنى من قاعدة وهو معقول المعنى؛ كاستثناء العرايا في بيع ~~الرطب بالتمر خرصا؛ للحاجة، فهذا عندنا يصح أن يقاس عليه بيع العنب بالزبيب ~~على الشرط المستثنى. PageV02P386 # والشرط المذكور في السؤال كالمذكور في الجواب، والمعلق على الشيء بكلمة # === # القسم الثالث: القاعدة المستفتحة التي لا يعقل معناها: لا يقاس عليها. PageV02P387 # "إن" عدم عند [عدم] ذلك الشيء؛ فوجب ألا يجوز الاجتهاد عند وجدان الكتاب ~~والسنة. # الحجة الثانية: لو جاز تخصيص النص بالقياس، لكان قول إبليس في قصة آدم ~~-عليه السلام-: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] ~~صحيحا؛ لأنه - # === # ومثال ذلك: مقادير النصب في الزكوات، وأعداد الركعات؛ إذ لا معنى للقياس ~~إلا التمسك بمعقول النص، وإذ لم يظهر بمعقوله، فكيف يتأتى القياس عليه؟ # القسم الرابع: القاعدة المستفتحة، وهي معقولة المعنى، لكن لا يوجد لها ~~نظائر غير النصوص، فهذا أيضا لا يجري فيه القياس؛ لعدم العلة في غير ~~المنصوص. # مثاله: شرع اللعان، وإيجاب الغرة وتعلق الأرش برقبة العبد وغير ذلك. # الشرط الخامس: قال عثمان البتي: شرط الأصل أن يقوم دليل على جواز القياس عليه. # وقال قوم: بل دليل على وجوب تعليله. PageV02P388 # تعالى- أمر الملائكة بالسجود، وهو خطاب عام، وأن إبليس قال: هذا العموم ~~أخصصه في حق نفسي بالقياس؛ لأن النار خير من الطين؛ لأن النار جوهر مشرق ~~علوي لطيف مؤثر، والطين كثيف مظلم سفلي متأثر؛ فتكون النار خيرا من الطين، ~~والنار أصلي، والطين أصل آدم، ومن كان أصله خيرا من أصل غيره- كان هو خيرا ~~منه؛ نظرا إلى هذه ms369 الجهة؛ اللهم إلا عند قيام المعارض، فمن ادعاه، فعليه ~~إثباته؛ فهذا [قياس] منتظم، وأن إبليس قد جعله مخصصا لعموم الأمر بالسجود ~~فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا، لكان قول إبليس صوابا؛ ولم يستحق الذم ~~ألبتة، وحيث لم يكن كذلك، علمنا أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز. # الحجة الثالثة: أن الله تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا: {إنما البيع مثل ~~الربا} [البقرة: 275] ومعناه: أنه لا فرق بين أن يشترى الكرباس بالدينار، ~~ويباع بالدينارين، وأن يباع الدينار بالدينارين، ثم إنه تعالى ما أجاب عن ~~هذا السؤال إلا بقوله: {وأحل الله البيع # === # وكلاهما فاسد؛ فإن الصحابة حيث قاست لفظ "الحرام" على "الظهار" أو ~~"الطلاق" أو "اليمين" لم يتوقفوا في قياسهم على قيام دليل على وجوب التعليل ~~أو جوازه، لكن الضابط فيما يعلل وما لا يعلل عن لفظ يشعر بالتعليل من ~~الشرع: أن كل ما انقدح فيه معنى مخيل مناسب أو شبه يغلب على الظن، مطرد لا ~~يعارضه أصل من أصول الشرع- فهو معلل، وما لا فلا. # وأما حكم الفرع، فله شروط: # الأول: ألا يكون حكمه منصوصا ولا مجمعا عليه؛ فإن النص والإجماع: إن كان ~~على خلافه، فهو فاسد الوضع، وإن كان على وفقه، كان قياس المنصوص على ~~المنصوص، والمجمع على المجمع عليه، ولا أولوية، وهو خلاف ما دل عليه خبر ~~معاذ وسيرة الصحابة؛ فإنهم كانوا لا يرجعون إلى الرأي إلا عند عدم النص. # الشرط الثاني: وجود عين علة الأصل فيه؛ فإن تعدية الحكم فرع تعدية العلة، ~~وهل يشترط وجودها قطعا أو ظنا؟ اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب؛ الثالث: إن ~~كانت العلة حكما شرعيا، كفى الظن، وإن كانت وصفا حقيقيا أو عرفيا- لم يكف، ~~وإن لم يكن الموجود عينها بل غيرها، واتحدت الحكمة- فصحته مبنية على صحة ~~القياس في الأسباب، وفيه الخلاف. # الشرط الثالث: قال قوم: ألا يكون حكم الفرع متقدما في مشروعيته على حكم ~~الأصل؛ كقياس الوضوء على التيمم في اشتراط النية؛ فإن الحكم لا يتقدم على ~~علته. والأصح أنه لا يشترط؛ فإنه لا يمتنع تعليل ms370 الحكم الشرعي بعلتين، ~~والعلل الشرعية معرفات، فثبت قبل التيمم بعلة، وبعده بعلتين. PageV02P389 # وحرم الربا} [البقرة: 275] ولولا أن النص خير من القياس؛ وإلا لصار هذا ~~الجواب باطلا، ولصار قياس الكفار حقا لازما. # الحجة الرابعة: أن الدليل الدال على إثبات القياس: إما قوله تعالى: ~~{فاعتبروا ياأولي الأبصار} [الحشر: 2] وقول معاذ -رضي الله عنه- "أجتهد" ~~وهما عمومان في غاية البعد. # === # الشرط الرابع، ذكره أبو هاشم: وهو أن يكون الحكم في الفرع مما ثبت جملته ~~بالنص، وتفصيله بالقياس. قال: ولولا أن الشرع ورد بأصل ميراث الجد، ما قاست ~~الصحابة فيه. # وهذا فاسد؛ فإنهم قاسوا في مسألة الحرام، ولم يرد فيها حكم على العموم. # وأما العلة، فلها شروط: PageV02P390 # وإما الإجماع إلا أن الإجماع: إنما يمكن إثباته بعمومات بعيدة جدا؛ كقوله ~~تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] وقوله تعالى {تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110]. # وعلى هذا: لا يمكن إثبات القياس إلا بعمومات ضعيفة: إما ابتداء؛ كما في ~~قوله تعالى {فاعتبروا} [الحشر: 2] أو في قول معاذ: "أجتهد رأيي" وإما ~~بواسطة إثبات الإجماع. # ثم إذا ثبت أن القياس حجة، فلا بد أيضا من إثبات الحكم في محل الوفاق؛ ~~وذلك لا يتم إلا بشيء من العمومات، ثم إذا ثبت ذلك، فلا بد من طريق آخر يدل ~~على إمكان تعليل أحكام الله تعالى، ثم لا بد من دليل آخر على تعليل ذلك ~~الحكم بذلك الوصف # === # الأول: أن تكون ظاهرة؛ ويعني بالظاهرة أنها ليست من أفعال القلوب؛ كالرضا ~~والهداية؛ فإن الحكم غيب عنا، والوصف الخفي غيب، والغيب لا يعرف بالغيب. # الثاني: أن تكون مضبوطة لا تخالف بالنسبة والإضافة، والقلة والكثرة؛ ~~لأنها تراد لتعريف الحكم، وغير المنضبطة لا تعرف القدر الذي علق به الحكم؛ ~~فلا يعرف مجرى الحكم موقعه؛ ولأجل ذلك منع قوم التعليل بالحكمة وسيأتي. PageV02P391 # المعين، ثم لا بد من دليل آخر يدل على حصول ذلك الوصف في الفرع، ثم لا بد ~~من دليل آخر يدل على انتفاء الموانع والمعارضات. # فثبت: أن الحكم المثبت بالقياس يتوقف على هذه المقدمات العشرة. ms371 # وأما الحكم المثبت بالعمومات، فإنه يكفي في ثبوته مقدمة واحدة؛ وهي: بيان ~~أن ذلك العموم متناول له؟ فثبت أن مقدمات القياس كثيرة، وكلها مشكلة، وأما ~~العموم فله مقدمة واحدة فقط؛ فكان الحكم المثبت بالعموم أقوى، والأقوى أولى ~~بالاعتبار من الأضعف؛ فوجب كون العموم راجحا على القياس. # فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إن مقدمات القياس وإن كانت كثيرة إلا ~~أنها قوية، والمقدمات المعتبرة في العموم، وإن كانت قليلة، إلا أنها ضعيفة؛ ~~وعلى هذا التقدير: بطل ما ذكرتموه من الترجيح: # قلنا: هذا الكلام في غاية البعد؛ وذلك لأن إحدى المقدمات المعتبرة في ~~الحكم المثبت بالقياس: إقامة الدليل على أن القياس حجة، والدليل الدال على ~~أن القياس حجة هو قوله تعالى: {فاعتبروا} [الحشر: 2]، أو قول معاذ - رضي ~~الله عنه -: "أجتهد رأيي" وهما عمومان في غاية الضعف. # === # الثالث وهو مختلف فيه: ألا يكون عدما، وسيأتي. # الرابع: ألا يكون طردا لما عرف من عادة الشرع؛ أنه إنما ينصب ما اشتمل ~~على حكمة. # الخامس: أن يكون معتبرا لا ملغى، ولا مرسلا، ولا يضر كونه غريبا على الأصح. # السادس: ألا يكون محلا، ولا جزءا لمحل، وإلا اتحد الأصل والفرع. نعم: قد ~~يكون ذلك في العلة القاصرة، وهي صحيحة عند الشافعي، رحمه الله. # وفائدتها: الاطلاع على حكمة الحكم؛ لتكون النفوس للحكم أقبل، والطبائع له ~~أذعن أو معرفته لانتفاء الحكم وقطع ما يتوهم ثبوته فيه بعلة متعديه أضعف ~~منها؛ كتعليل طهورية الماء بالرقة واللطافة دون الإزالة, وتعليل الربا في ~~الذهب والفضة بكونهما جوهري الأثمان، لا بالوزن في الجنس، وأبو حنيفة لا ~~يرى للعلة القاصرة فائدة غير التعدية، والحكم في الأصل معرف بالنص أو ~~الإجماع؛ فلا فائدة فيها. # وقال الإمام: إنها تفيد قوة الدلالة في محل النص بتقدير كونه ظاهرا أو ~~عاما. وأبو حنيفة لما لم ير للعلة فائدة إلا التعدية، والقاصرة لا فرع لها ~~- اشترط في صحة العلة التعدية، فقيل له: التعدية إن فسرت بنقل الحكم من ~~الأصل إلى الفرع، فهو فرع صحة العلة؛ فلا يكون شرطا ms372 في صحتها؛ فيدور، وإن ~~فسرت بوجود الوصف في غير محل النص بدون الحكم - فقد PageV02P392 # وأما التمسك بإجماع الصحابة، فهو في غاية البعد. ثم نقول بعد حصول ~~المقصود من أن الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعوا عليه فهو إنما يتم بإقامة ~~الدلالة على أن الإجماع حجة، وتلك الدلآلة ليست إلا تلك العمومات البعيدة؛ ~~كقوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115]، وسائر الآيات ~~المذكورة في هذه المسألة فثبت: أن هذه العمومات ضعيفة الدلالة على إثبات أن ~~الإجماع حجة، وأن القياس حجة. # === # اشترط في صحة العلة نقضها، وهو محال. وهذا أورده بعض الحذاق على أبي ~~حنيفة، وهو غير لازم؛ فإن له أن يقول: الشرط وجود الوصف في غير محل النص ~~بلا قيد، وهو أهم من قيد انتفاء الحكم فيه أو ثبوته؛ ومذهبه باطل بالعلة ~~القاصرة المنصوصة؛ فإنه اعترف بصحتها، وإذا صح التعليل بالقاصرة، فهل تكون ~~أقوى من المتعدية، أو المتعدية أقوى، أو يتساويان؟ فيه خلاف نذكر مأخذه في ~~الترجيح، إن شاء الله تعالى. # وشرط قوم اطرادها، وسيأتي، واتحادها , وليس بشيء؛ فإن علل الشرع معرفات، ~~وأكثرها ذوات أوصاف، والعلية ليست صفة محققة، فيمتنع قيامها بالمتعدد، ~~وإنما معناها قول الشارع: "جعلت هذا الشيء منشأ"، والقول لا يكسب المقول ~~صفة قيامه. # وشرط قوم إلا تكون حكما شرعيا , وليس بشيء؛ فإنا نعلل القصاص بالقتل ~~العمد العدوان؛ فالعدوانية حكم شرعي. ونمنع البيع، ونعلله بنجاسة المحل، ~~ونعلل وجود الحد بالفعل المحرم. وليس من شرطها العكس؛ لصحة تعليل الحكم ~~الشرعي بعلتين؛ كما لو مس وبال معا، أو خلط لبن أخته بلبن زوجة أخيه، وسقاه ~~طفلة في الحولين، وقد فعل ذلك خمس مرات؛ فإنها تحرم عليه بأنه عمها وخالها، ~~وهذان المثالان يقطعان عند من يقول عند اجتماع العلل التي علم تأثيرها ~~واستقلالها في المحل الواحد: إن الحكم يضاف إلى أسبقها وإلى أقواها؛ فإنه ~~لا يتصور فيما فرضناه ذلك، وقول الإمام في تحريم وطء الزوجة المحرمة ~~الصائمة المعتدة: إنها تحريمات متعددة؛ بدليل اختلاف أحكامها وغاياتها- ~~بعيد؛ وكذا إباحة دمه بالقتل والزنا والردة؛ فإن منع الوطء ms373 من حيث إنه منع ~~لا يختلف؛ وكذلك إباحة دمه، ولا يمتنع اقتضاء الشيء الواحد لأحكام عديدة، ~~لكن الكلام فيه، اشتركا فيه؛ فإنه لا يعقل التعدد، مع اتحاد المتعلق به. # ولقائل أن يقول: المشترك معلل بقدر مشترك، إن أمكن تحقيقه وبيان اعتباره ~~من ذلك الوجه. # وما يعتمده الفخر في إبطال التعليل بعلتين من أن الحكم لو ثبت بهما، ~~لاستغنى عنهما؛ على ما تقرر في دلالة الوجدانيات أنها تجري في العلل ~~العقلية المؤثرة، أما الشرعية، PageV02P393 # وأما العمومات التي يراد تخصيصها تارة بخبر الواحد، وتارة بالقياس -فهي ~~عمومات في غاية القوة؛ فكيف يليق بالعاقل أن يقول: الحكم المثبت بالقياس، ~~وإن كان دليله أكثر مقدمات؛ إلا أن تلك المقدمات أقوى. وأما الحكم المثبت ~~بالعمومات، فهو وإن كان دليله أقل مقدمات؛ إلا أنها أضعف؛ فظهر الفرق، ~~وظهر: أن هذا الكلام لا يليق بالعاقل المتسائل في غور الكلام؛ فلا يجب ذكره ~~والالتفات إليه في هذا الباب. # ومن تأمل في القرآن وجد ما يقرب من مائتي آية تدل على وجوب تقديم النص ~~على الرأي. # === # فإنها وضعية بمعنى المعرف، ولا يمتنع اجتماع المعرفات، ولو فسرت بالداعي ~~الداعي؛ فلا يمتنع اجتماع ذلك أيضا. # وشرط قوم ألا يقطع بانتفاء الحكمة عن الضابط؛ فإنا إنما أردنا الحكم على ~~الضابط؛ لأنه مظنة الحكمة؛ إذ يظن عند وجوده وجودها غالبا بالنسبة إلى جنس ~~الحكم. ويكتفى في بعض الصور باحتمالها, ولو على بعد؛ فإنا لو شرطنا ظهورها ~~في كل صورة، للزم العسر الذي لأجله عدل عن إناطة الحكم بها إلى ضابطها؛ ~~ففوات ظن الحكمة في بعض الصور فوات ما ليس بشرط؛ فلا يضر. # أما إذا قطع بانتفاء الحكمة عنه قطعيا في بعض الصور، فهل يثبت الحكم بناء ~~على المظنة، أو ينتفي بناء على نفي الحكمة؟ - فيه خلاف، أكثر الجدليين ~~قالوا بالمنع، واختار ابن يحيى الصحة، وللغزالي ميل إليه؛ قال في "الوسيط" ~~في مسألة الطلاق في الحيض: "الحكمة: أنه يدعي تطويل العدة". # فرع: لو قال لها: أنت طالق مع آخر جزء من الحيض، فهذا طلاق ms374 صادف الحيض، ~~والحكمة: أنه يدعي تطويل العدة. # فرع: لو قال لها: إن صادف الحيض، ولكن تستعقب العدة؟ فلا تطويل. # ومنهم: من نظر إلى المظنة، وهي الحيض؛ فقال: هو بدعى. # وكذلك الخلاف فيما إذا قال: مع آخر جزء من الظهر، قال: ولعل النظر إلى ~~المظنة أولى، وعلى هذا يخرح كثير من المسائل؛ كشرع الاستنجاء من حصاة لا ~~رطوبة معها، أو الغسل من وضع الولد الجاف، ونظير ذلك. # وشرط قوم في العلة المستنبطة ألا ترفع حكم ما استنبطت منه، فتعكر على ~~أصلها؛ كإخراج أبي حنيفة قيمة الشاة؛ قياسا على وجوب إخراج الشاة؛ لسد حاجة ~~الفقير. # وفي المثال نظر؛ فإن إباحة المسح على الخف ليس رفعا لوجوب غسل الرجلين، ~~وغايته PageV02P394 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # إثبات بخبر، فكذلك ها هنا، والمشكل على أبي حنيفة: أنه يرى الزيادة على ~~النص نسخا. # فإذا تقرر معرفة شرائط القياس، فنعود إلى ذكر القوادح والاعتراضات، وقد ~~رتبها الجدليون على مقدمات ثلاثة: # الأولى: المناقشات اللفظية. # والثانية: المؤاخذات الجدلية. # والثالثة: المفاقهة المعنوية والإلزامات الأحكامية. # فأما المناقشات -ويسمونها استدراكات أيضا- فهي: كل ما يرجع إلى خلل في ~~التعبير؛ كاستعمال الألفاظ المجملة والغريبة، والزيادة والنقص، واستعمال ~~اللفظ في غير ظاهره، أو ما ظاهره يوهم مناقضة. # قال القاضي: ما ثبت فيه الإبهام، وجب عنه الاستفهام، وعلى هذا فلا ينبغي ~~أن يعد سؤال الاستفسار ولا سؤال التقسيم، من الاعتراضات الفقهية؛ وإن عدها ~~قوم؛ فإن مثارها من تردد اللفظ بين جهات، وعلى المستفسر لأجل الإجمال أن ~~يبين صلاحية اللفظ لاحتمالين فصاعدا، وليس عليه بيان التساوي؛ فإنه يعسر، ~~بل على المستدل أن يبين مراده منها أو من غيرها، وأن ذلك الاحتمال ظاهر ~~بالوضع أو بعرف الاستعمال، أو بقرينة,, وأما الغرابة، فلا تسمع إلا إذا كان ~~غريبا عن الاصطلاح أو يكون من حوشي اللغة، فإن استفسر عنه لعدم معرفته ~~بالاصطلاح، فيقال له: "قم فتعلم، ثم ارجع فتكلم". # وأما التقسيم، فهو أن يبين المعترض أن للفظ احتمالين، ويمنع وجود أحدهما، ~~ويسلم الثاني، ويبني عليه غرضا في القدح. # وقد منع بعضهم من منع القسمين معا ms375 بعد التقسيم، والصحيح أن له ذلك إذا خص ~~كل تفسير بتقدير، وإلا فلا فائدة في التقسيم، مثاله قول الشافعي في ~~السفرجل: مطعوم؛ فلا يجوز بيعه متفاضلا كالزبيب. فيقول المعترض: ما تعني ~~بمطعوم: إن عنيت به ما له طعم يدرك بحاسة الذوق، فيبطل بالطين, وإن عنيت به ~~ما يعد للأكل؛ فيبطل بالغنم والدجاج؛ فإنها تعد للأكل، ولا يمتنع بيع الشاة ~~بشاتين عتدك. # ومما يعد من المناقشة سؤال التقرير؛ وهو أن يكون اللفظ ظاهرا، لكن له ~~احتمال يقرب إرادته عند قرينة، فيبني المعترض كلامه عليه؛ يقول الشافعي في ~~مسألة إزالة النجاسة: طهارة تعبد بها؛ لأجل الصلاة، فتختص بالماء؛ كالحدث. ~~فيقول المعترض: المفهوم من لفظ الطهارة المضافة إلى الثوب نقاؤه عن الخبث ~~الذي ورد عليه, وهذا المعنى لا يشتمل عليه الأصل؛ فهو جمع بمجرد تسميته، أو ~~يقال: إن المفهوم منه قضية حسية لا تتلقى من قياس. # وأما المؤاخذات الجدلية: فكل ما يرجع إلى خلل في تركيب أضل الدليل في زعم ~~المعترض؛ كترتيب قياس من سالبتين، وكجعل المقدمة الصغرى سالبة من الشكل ~~الأول مثلا؛ PageV02P395 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فيجيب عنه بأنه من قوة المثبتة بأن يكون المراد منه لازم النقيض؛ كما لو ~~قال: ليس بمعلوم، فمعناه مجهول، أو ليس بحي، فمعناه: ميت. # وأما المفاقهات المعنوية: فهي المقصودة، وهي كل ما يرجع إلى ممانعة أو ~~معارضة أو إلزام مناقضة، أو بيان حيد الحجة عن المطلوب، وقد اختلف النظار ~~في عدد الصحيح منها,, والأقرب أنها ترجع إلى عشرة أسئلة: # الأول: فساد الاعتبار، وحاصله النزاع في صحة جنس الدليل؛ كما لو استدل ~~الشافعي على الحنفي بالمفهوم، أو على الظاهري بالقياس، فيقول: لا نسلم أنه ~~حجة، وعلى المستدل إثبات أنه حجة، ولا يضره التطويل بالنقل إلى مسألة أخرى؛ ~~إذ المقصود ينبني على صحتها، والتطويل في المقصود مسموع، وإلا فليس إلزام ~~المستدل المعترض بأصل لا يقول به- بأولى من منع المعترض المستدل لأصل يقول ~~به، فيسوغ منه، لا سيما إذا لم يكن للمستدل طريق لإثبات الحكم سوى هذا الأصل. # الثاني: فساد الوضع، والمشهور منه ms376 استعمال القياس في مقابلة النص أو ~~الإجماع؛ فإنه استعمال للقياس في غير موضعه، وإن كان حجة في الجملة؛ فإن ~~المعتمد في العمل به سيرة الصحابة (رضوان الله عليهم) وكانوا لا يعدلون إلى ~~القياس إلا عند اليأس عن النصوص، وعليه يدل حديث معاذ, وقد ذم الله -تعالى- ~~قوما قاسوا في مقابلة النص؛ حيث قالت {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربا} [البقرة: 275] ورد عليهم بقوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا} ~~[البقرة: 275] وكذلك قياس إبليس في مقابلة النص، وجوابه بالاعتراض على النص ~~بما يعترض به على النصوص من الطعن أو الإجمال أو التأويل، أو القول بالموجب ~~أو بالمعارضة، ليسلم القياس أو يرجح القياس على ظاهر النص، إن أمكن، والجمع ~~بين الأدلة والتوفيق بحسب الإمكان. # وعند الحنفية من فساد الوضع: القياس في الكفارات والحدود والمقدرات ~~والرخص، وقد تقدم أنه إن تحقق صورة القياس بشرائطه، وجب العمل به، إذ لا ~~قيد في الأدلة الموجبة للعمل به بباب دون باب, وإن لم يتحقق، فهو باطل؛ ~~لفساد أركانه؛ وليس من فساد الوضع في شيء, ولا يعد من ذلك قولهم: "وصفك ~~يشعر بنقيض حكمك"؛ يقول الشافعي في تكرار مسح الرأس: مسح؛ فيشرع فيه ~~التكرار؛ قياسا على مسح الاستطابة، فيقول الحنفي: شرع المسح يشعر بالتخفيف، ~~فاعتباره في التكرار اعتبار له في التثقيل، وهو نقيض ما استقر في الشرع" ~~وبالجملة فمن هذا النوع كل شيئين علم من قواعد الشرع تباينهما في حل ~~الأحكام، فقياس أحدهما على الآخر يعد من فساد الوضع، وبعضهم يسمي هذا فساد ~~اعتبار، ولا يتميز هذا السؤال من غيره من PageV02P396 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الأسئلة، إذا تبين أن الوصف معتبر بالنص أو الإجماع في نقيض الحكم من ذلك ~~الوجه، ويكون فساد وضعه في حكم السببية، والأول في حكم المسألة، فإن تبين ~~أنه معتبر في نقيضه من وجه آخر- فلا يقدح؛ لتعدد الجهة، إن أمكن الانفكاك؛ ~~كالصلاة في الدار المغصوبة, وإن كان من عين تلك الجهة أو من غيرها, ولا ~~يتصور الانفكاك بينه وبين الاجتهاد والمناسبة- فهو قدح في المناسبة ~~بالمعارضة, وفي قبوله خلاف ms377 مشهور، والأصح قبوله؛ فإن المناسبات قضايا ~~عرفية" وإن رده إلى أصل المستدل، ومن اعتبره بالاجتهاد فهو القلب. # السؤال الثالث: المنع، وهو أربعة: # الأول: منع وجود الوصف في الأصل. # الثاني: منع وجوده في الفرع، ويسمى إثباته في الفرع "تحقيق المناط"، وهو ~~مسموع، وعليه تحقيقه بطريق من العقل، أو العرف، أو الشرع، فهل تقبل فيه ~~العناية؟ الصحيح قبولها؛ إذا فسره بما يحتمله اللفظ، ولو على بعد؛ فإن ~~الألفاظ لا تكاد تفي بجملة المعاني إلا لمجاز، أو استعارة، وشرطه بعد ~~التفسير: أن يكون ثابتا باتفاق الخصمين" أما إذا فسره بما يحتمله على بعد، ~~وهو غير ثابت باتفاقهما - فقد فاته الأحسن لا إلى فائدة. # الثالث: منع كونه علة، ويسمى "سؤال المطالبة" ويكفي فيه قوله: لم قلت؟ ؟ ~~، ولا يسمع من المعترض تقرير عدم الصلاحية على الأصح، بل عليه أن يسمع ~~مستند المستدل، وذلك من مسالك التعليل، ويعترض عليه بما تليق به معارضته ~~حينذ، فإن السيل لا يسبق المطر. # الرابع: منع حكم الأصل، وقد تقدم ذكر الاختلاف فيه، وأن المستدل هل ينقطع ~~به، والأصح أنه لا ينقطع؛ إن أثبته بنص أو إجماع مظنون. # السؤال الرابع: بيان عدم التأثير: # قال المصنف: "فإذا حصل في المحل ما علم كونه موجبا للحكم- فإن ذلك دليل ~~على امتناع إسناده إلى وصف سواه": # حاصل هذا السؤال: يرجع إلى بيان أمر في الدليل لا تأثير له ألبتة، وهو ~~ينقسم إلى أربعة أقسام: # الأول: عدم التأثير في الأصل. # مثاله: قول الشافعي في منع بيع النائب: مبيع اشتمل على غرر يمكن الاحتراز ~~عنه؛ فلا يصح؛ كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء. # فيقول المعترض: لا أثر لكونه مبيع غرر في الأصل؛ فإن العجز عن تسليمه كاف ~~في منعه. PageV02P397 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الثاني: عدم التأثير في الوصف بأن يكون الجامع وصفا طرديا إما مطلقا؛ ~~كالسواد والبياض، أو بالنسبة إلى الحكم؛ كالذكورة والأنوثة في العتق، ~~وأمثلته كثيرة. # الثالث: عدم التأثير في الحكم، وهو تقييد الحكم بوصف لا أثر له فيه؛ يقول ~~الحنفي: إن المرتدين إذا أتلفوا أموال المسلمين، فلا ضمان ms378 عليهم؛ لأنهم ~~مشركون أتلفوا في دار الحرب، فلا ضمان عليهم, ودار الحرب وغيرها عندهم سواء ~~في عدم الضمان؛ فلا فائدة بالتقييد بها. # الرابع: عدم التأثير في الفرع؛ يقول الشافعي في مسألة أن المرأة لا تلي ~~عقد النكاح: لأنها زوجت نفسها من غير كفء؛ فلا يصح. والنزاع في الكفء ~~وغيره؛ فلا أثر للتقييد بغير الكفء. # والمحققون لا يعدون هذا سؤالا مستقلا بنفسه على القياس؛ فإن الضرب الأول ~~يرجع إلى المعارضة في الأصل, والثاني: إلى القدح في المناسبة" وسؤال ~~المطالب مغن عنه, والثالث: إلى القدح في المناسبة أيضا؛ إن كان الوصف ~~طرديا, وإلى الإلغاء؛ إن كان مناسبا، والرابع: يرجع إلى المناقشة في فرض ~~الدليل في بعض صور النزاع. # وفي صحة الغرض في الفتوى في صورة من صور المسألة مع عموم الخلاف في ~~الجميع، أو فرض الدليل بعد تعميم الفتوى- خلاف بين النظار، ومنعه أبو ~~إسحاق, والأقرب جوازه؛ فإن المستدل قد لا يساعده دليل عام بأن يكون بعض ~~الصور ثابتة بالنص وبعضها بالقياس على المنصوص، أو يكون تقدير الدليل في ~~بعض الصور أظهر أو يتخلص بالغرض عن قائله، ثم بعد صحة الدليل في تلك الصور ~~المعينة تعين الحكم بأنه لا قائل بالفرق، أو تبين عموم المأخذ. # قوله: "الثاني: النقض": وهو السؤال الخاص على ما تقدم. # قوله: "وهو أن يوجد ذلك الوصف في بعض الصور مع تخلف الحكم عنه": # قال بعضهم: إن ذلك يقدح في كون الوصف علة، وهم المنكرون لتخصيص العلة. # وقال آخرون: إنه يقدح في كون الوصف علة بشرط إلا يوجد هناك ما يصلح جعله ~~مانعا من الحكم. # وقال القائل الثالث: إنه لا يقدح أصلا، سواء حصل هناك ما يصلح جعله مانعا ~~من الحكم أو لم يحصل": # اعلم أن هذا بحث في أحد شرائط العلة الموعود به، وهو الاطراد، ومعنى ~~الاطراد: وجود الحكم أينما وجد الوصف، وتخلف الحكم عنه في صورة مفوت لهذا ~~الشرط, وقد اختلف النظار في قدحه وعدم قدحه على مذاهب: # فمنهم من زعم أنه يقدح مطلقا مستنبطة كانت العلة أو ms379 منصوصة، وهم لا ~~يزعمون أن ورود النص الذي لا يحتمل التأويل عن كون الوصف علة، مع تخلف ~~الحكم عنه في صورة - متناقض؛ لاعتقادهم أن النص على التعليل نص على ~~التعميم, ومتى ورد نقض بعد التنصيص PageV02P398 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # على علة -والحالة هذه- كان نسخا لحكم السببية, والعلة عند هؤلاء هي ~~المعنى المثبت التام, ولا يثبت الحكم إلا مع نفي الموانع ووجود والشرائط؛ ~~فيأخذون من صورة المانع قيدا في التعليل؛ ويستلزمون التعليل بالعدم, ~~واعتماد هؤلاء على أن العلة الشرعية كالعقلية؛ متى تخلف عنها حكمها بطل ~~كونها علة، وهذا جميع بمجرد اللفظ؛ فإن العلة العقلية: إن سلم التعليل ~~العقلي، اقتضى حكمها كونه علة، لنفسها وذاتها، وتخلف صفة النفس محال, ~~والعلة الشرعية بالوضع، وهي راجعة إلى قول الشارع؛ فإن كانت بخطاب الإخبار ~~والوضع، فمعناه أن الشارع أخبر بنصبها , ولا مانع من الإخبار بنصبها بمعرفة ~~في بعض محال وجودها، وإن كان نصبها راجعا إلى أمر المجتهد بإثبات الحكم بها ~~في بعض مجاريها أيضا, ولو قدر فيها معنى الباعث، فلا مانع أن تكون القرابة ~~مثلا باعثة على الإكرام، ما لم يعارضها عداوة، والشدة المطرية لم تكن علة ~~قبل تحريم الخمر، ثم صارت علة، ولأن القرابة تناسب الميراث؛ للمصاهرة، ما ~~لم يوجد مانع الكفر الموجب للعداوة الدينية، أو القتل أو غير ذلك. # وقد حسم بعضهم القول بالتعليل العقلي على أصل الشيخ أبي الحسن؛ وقال: ما ~~يتخيل فيه التعليل: إما وجود أو عدم أو حال، والوجود ينقسم إلى واجب وجائز، ~~والواجب يستغنى بوجوبه عن مؤثر، والجائزات بأسرها مستندة إلى الله -تعالى- ~~خلقا واختراعا، والعدم لا يؤثر ولا يتأثر، وتعليل مثل العالمية بالعلم مبني ~~على إثبات واسطة بين الوجود والعدم، وهو باطل, وما يحصل عند بعض الامتزاجات ~~أو التقريبات مما يعده الطباعيون عللا- فأمور أجرى الله -تعالى عادته ~~بخلقها عقيب ذلك؛ كالشبع عند الأكل، والري عند الشرب. # والمجوزون للتخصيص اختلفوا: # فمنهم من جوز ذلك مطلقا، وزعم أن وضع التعليل معرفا للأحكام كوضع الألفاظ ~~العامة، وكما يجوز تخصيص اللفظ العام يجوز تخصيص دلالة العلة ببعض ms380 المحال. ~~وضعف بأن استعمال اللفظ لإرادة بعض مسماه من باب المجاز, واللفظ العام وضع ~~للدلالة على الكل حقيقة بمجرد اللفظ، وللبعض مع القرينة، أو بالاشتراك عند قوم. # وأما معرفة كون الوصف علة: إذا أخذنا دلالته في المناسبة والقران، ~~فالمقارنة دليل ظاهر على الاعتبار؛ فإذا تخلف الحكم عنه في صورة، فقد عارض ~~ذلك الاعتبار دليل الإهدار؛ فلم تبق غلبة الظن بنصبه. # ومن ها هنا فرق قوم بين العلة المنصوصة والمستنبطة، فقالوا: الظن الحاصل ~~من اللفظ لا يزول بالتخلف؛ فإن دلالة التخلف على الإهدار استنباط؛ فلا ~~يعارض الدلالة اللفظية؛ فيتعين أن يكون التخلف فيه لمانع أو فوات شرط. # ومنهم من عكس، وقال: التخلف قادح في المنصوصة دون المستنبطة. وهذا أضعف ~~المذاهب. PageV02P399 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومنهم من فرق، فقال: إن كانت صورة التخلف والاستثناء غير معقولة المعنى؛ ~~كإيجاب الدية على العاقلة مثلا- فلا يقدح, وإن ظهر في صورة الأصل والنقض ~~معنى فقهي- قدح؛ فإنه لا بد من قيد في العلة، والمذكرر جزء العلة. وهذا ~~اختيار الإمام. وضعف هذا الإطلاق بأن الفرق قد يرجع إلى معنى موجوب في ~~الأصل، معدوم في صورة النقض؛ فيكون المذكور بعض العلة كما زعموا؛ فيقدح, ~~وقد يكون الفرق بأمر موجود في صورة النقض، معدوم في صورة الأصل؛ فلا يقدح، ~~ويكون انتفاء الحكم في صورة النقض على هذا التقدير لمانع، والعدم لا يكون ~~علة ولا جزءا من العلة، والأولون لا يمنعون من أخذه جزءا، وعند هذا يرجع ~~الخلاف إلى عبارة؛ فإن من لا يرى التخصيص، ويأخذ نقيض العلم المانع، أو ~~لازم نقيضه جزءا من العلة. وجملة الشرائط في مسمى العلة تفسير العلة ~~بالمثبت التام، وإن سمي بعضها محلا؛ كملك النصاب، وبعضها شرطا؛ كالحول، ~~وبعضها أهلا لكون المالك حرا، مسلما- فهو عنده إشارة إلى اختلاف جهة ~~المناسبات, ومن يرى تخصيص العلة، ويقول: إن النقض لا يقدح، إذا أمكن حمل ~~التخلف على وجود مانع أو انتفاء شرط لا يفسر العلة بالمثبت التام الذي لا ~~يتخلف عنه أثره بحال؛ وإنما يفسره بالباعث، وبما هو مناط المصلحة؛ وعلى ~~هذا، فلا ms381 يمتنع أن يتحقق مناط المصلحة بشرائطه وانتفاء موانعه في الأصل، ~~ويتخلف الحكم في صورة النقض لمعارض يسير بتقدير ثبوت الحكم فيها إلى حصول ~~مفسدة مساويه لمصلحة الحكم، أو تترجح عليها أو ذوات مصلحة أهم في نظر ~~الشارع؛ كتعليل القصاص في المسلم بالمسلم غير ذي الولادة بالقتل العمد ~~العدوان، مع منع جريانه في قتل الوالد؛ للأبوة؛ فإنه كان أصلا في وجوده؛ ~~فلا يكون سببا لعدمه، وفي قتل المسلم بالكافر؛ لتفويت فضيلة الإسلام, ~~وتعليل تحريم أكل الميتة بالاستخباث، وإباحة تناولها حال المخمصة لحفظ ~~النفس؛ فإن المحافظة عليها من الضروريات، وتحريم التناول لها من التزيينات، ~~وهذا المذهب أعدل المذاهب؛ وعليه يدور البحث عند الأكثرين في المناظرات، ~~فإن المستثنيات من العلل المجمع عليها شرعا في الجملة لا تنكر؛ كجواز بيع ~~العرايا على كل علة، وضرب الدية على العاقلة، ولأجل هذا قال قوم: إن كانت ~~صورة النقض واردة على العلتين- لم تقدح؛ كالعرايا، وإلا قدحت. وهذا الفرق ~~لا حاصل له؛ فإنه يرجع إلى مقابلة الفاسد بالفاسد، وحاصله أن التخلف في مثل ~~هذه الصورة محمول على مانع اتفق عليه في الجملة. # قوله: "حجة القائل الأول": # يعني المانع من التخصيص، قال: "وجوه", ولم يذكر ها هنا سوى وجهين، وكثيرا ~~ما يقع ذلك منه، ولعله يعني أن لهم وجوها في الجملة، والأقوى منها ما ذكره. # قوله: "الأول: أن كون الوصف مؤثرا في الحكم: إما أتى يكون من حيث هو هو ~~من غير أن يعتبر في حصول ذلك التأثير قيد آخر سواه، أو لابد مع ذلك الوصف ~~في إدارة الحكم عليه PageV02P400 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # من انضمام قيد آخر؛ فإن كان الأول وجب أن يقال: حيث حصل ذلك الوصف فقد ~~حصل ذلك الحكم، فكان يجب أن يمتنع غير ذلك الوصف عن ذلك الحكم، وإن توقف ~~تأثيره على انضمام قيد آخر كان المؤثر هو ذلك الوصف مع ذلك القيد، وذلك ~~يقدح في قولنا: إن ذلك الوصف هو العلة": # والاعتراض عليه أن يقال: لا نسلم أنه إن توقف عليه التأثير يكون جزءا من ~~العلة لا بد، ms382 بل قد يكون شرطا، وشرط الشيء خارج عنه، والفارق بينهما يرجع ~~إلى اختلاف جهة المناسبة؛ فللجزء حظ في تحصيل أصل المصلحة، والشرط أثره في ~~دفع ما يعارضه مما يمنع حصول حكمة السبب، ويسمى مثل هذا شرط السبب، أو يدفع ~~مانعا يستلزم حصول مفسدة مساوية أو راجحة، أو فوات مصلحة أهم، ويسمي مثل ~~هذا شرط الحكم، وهذا معنى قول المخصصة: وجود الشرط مظنة انتفاء المانع ~~الخفي، أو غير المنضبط؛ فإن المانع إذا كان ظاهرا مضبوطا، فهو معتبر بنفسه ~~في انتفاء الحكم، ويقسمونه إلى مانع السبب، ومانع الحكم؛ فإن قال: أنا أعني ~~بالجزء كل ما يتوقف عليه الثبوت، عاد الخلاف لفظيا؛ كما تقدمت الإشارة إليه. # قوله: "فإن قالوا: إن ذلك القيد قد يكون عدما، فكيف يمكن جعله جزءا من العلة؟ # فنقول: ذلك العدم يدل على حصول قيد وجودي انضاف إلى هذا الوصف الأول؛ حتى ~~صار مجموعها مؤثرا في اقتضاء الحكم": # قد أشرنا إلى جهة الفرق بين جهتي الاعتبار، سواء كان ذلك وجودا أو عدما. # قوله: "الحجة الثانية: أن هذا الوصف حصل في محل الوفاق مع الحكم، والمعية ~~تدل على العلية، وحصل في صورة النقض مع عدم الحكم، وذلك يقدح في العلية؛ ~~فلم يكن الاستدلال بحصول تلك المعية [على حصول العلية] بأولى من الاستدلال ~~بحصول هذا التخلف على القدح في العلية": # ما ذكره من معارضة دليل الإهدار لدليل الاعتبار ظاهر؛ إذا لم تظهر إحالة ~~النفي في صورة النقض على معارض، أما مع ظهور المعارض، فلا يستويان. # قوله: "ويؤكد هذا أن إحالة عدم الحكم على عدم المقتضي أولى من إحالته على ~~المانع": # يعني لأنه الأصل المستصحب؛ وكذلك الأصل عدم المانع وعدم صلاحيته، والنفي ~~بوجود المانع يستلزم مخالفة دلالة الاقتضاء به، وهو على خلاف الأصل أيضا. ~~إلا أن ما ذكره يعارضه بعد ظهور مناسبة السبب للاقتضاء وصلاحيتها ~~للاستقلال، ووجود المانع في صورة النقض، وصلاحيته للنفي-: أن إحالة النفي ~~عليه جمع بين الأدلة، وهو أولى من تعطيل دلالتهما، وإحالة النفي على عدم ~~المقتضي، ولما فيه أيضا ms383 من كثرة الفوائد، وأن التأسيس أولى من التأكيد. PageV02P401 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # لا يقال: إحالة النفي على المانع يلزم منه الدور؛ فإن كونه مانعا يستدعي ~~سببا أو يتوقف عليه، وكون السبب مسببا يتوقف على اعتباره، واعتباره يتوقف ~~على تحقق المانع في صورة النقض، وإحالة النفي عليه، فتتوفف المانعية على ~~السببية، والسببية على المانعية. # لأنا نقول: هذا لا يقدح؛ فإنه توقف معي، مثله جار في معارضة كل عارض خاص ~~لعام، ولم يمنع من العمل بالخاص والعمل بالعام فيما عدا صورة التخصيص؛ لما ~~فيه من الجمع بين الأدلة بحسب الإمكان، ووجه الحل فيه أن إحالة الحكم على ~~المانع لا يتوقف إلا على تحقيق المناسب للإثبات، وصلاحية المانع للنفي لا ~~على الاعتبار، فلا دور. # فروع: منها ما يتعلق بأمور جدلية، ومنها ما يرجع إلى أمور حقيقية: # الأول: هل يشترط في توجه النقض أن يكون تخلف الحكم في صورة النقض متفقا ~~عليه بين الخصمين، أو على أصل المستدل حتى لا يمكن عند منع المستدل له من ~~الاستدلال عليه؟ اختلف الجدليون فيه على مذاهب: # الثاني: هل يسمع الاستدلال عليه؟ فيه أقوال: # الثالث: يسمع من المستدل؛ لأنه منصبه دون المعترض؛ لأن وظيفته الهدم، ~~والمشهور أن النقض المدلول عليه غير مسموع من السائل والمسئول؛ فإن المستدل ~~إنما يحتاج إلى ذلك إذا عورض قياسه بقياس آخر، فينقضه عليه، فمنعه المعترض ~~تخلف الحكم في تلك الصورة؛ فيحتاج إلى الاستدلال على تخلفه، وهو في هذا ~~المقام معترض؛ فلا يسمع منه؛ لأن نقل الكلام إلى مسألة أخرى قد ينقض عليها ~~بنقض ممنوع، وذلك يخرج المناظرة عن الضبط. # الثاني: إذا منع وجود العلة في صورة النقض، فهل يستدل على ثبوتها؟ فيه ~~خلاف أيضا بين الجدليين، والأقرب إن كان ذلك الجامع حكما شرعيا، لم يمكن؛ ~~لما فيه من الانتشار، وإن كان عقليا أو عرفيا، فيسمع منه؛ لقرب المأخذ فيه. # الثالث: من يرى تخصيص العلة، هل يحتاج في التحرير إلى ذكر ما يشير إلى ~~دفع النقض؟ جرت عادة المتقدمين بذلك؛ لما فيه من التنبيه على المسائل ~~المتضادة، وليكون ms384 العذر بإبداء PageV02P402 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # المانع مسموعا بالاتفاق، وعلى هذا إنما يحتاج إلى بيان انتفاء ما هو مانع ~~في محل الوفاق؛ فإن ما عداه لا مرد له، ومنهم من يكتفي أولا ببيان السبب، ~~فإذا ورد عليه النقض اعتذر عنه، فإن كان اعتماده على الظاهر والإيماء، ~~فالظاهر أن التخلف لا يقدح؛ فإن دليل العلية يرجع إلى اللفظ، ودلالة النقض ~~على الإبطال ترجع إلى الاستنباط، واللفظ مقدم عليه، وإن كان اعتماده على ~~التخريج والاستنباط، فلا بد أن يبين أن تخلف الحكم كان لمانع أو انتفاء ~~شرط، وإلا فالأصل انتفاء الحكم؛ لانتفاء أسبابها، ويتعين أن يكون ما عينه ~~علة جزءا لعلة. # الرابع: هل يصح الاحتراز عن النقض بالطرد؟ من جوز التعليل به أجازه، ومن ~~منع، فهل يكون دفعه للنقض فائدة تسوغ استعماله؟ # الأصح أنه لا يكفي؛ فإن العلة منقوضة حقيقة، والعاصم إنما هو في اللفظ ~~فقط، لا في غيره. # الخامس: الكسر، هل يكون قادحا أو لا؟ وهو قسمان: # الأول: النقض على الحكمة، والأصح أنه لا يقدح؛ فإنه راجع إلى اعتبار ما ~~ألغاه الشارع، وترك ما ظهر منه اعتباره من المظنة؛ فإن الشارع إنما عدل عن ~~إرادة الحكم على الحكمة لعسر تتبع ظهورها في آحاد الصور، ولعدم انضباطها ~~فأعرض عنها، وعلق الحكم على مظنتها الظاهرة المضبوطة، وتتبع تحققها في جميع ~~المواطن بدون ما هو ضابط لها - خروج عن ذلك. # مثاله: أن الشارع جوز الرخص في السفر بالقصر والفطر للمشقة، وإنها لا ~~تنضبط؛ فأناط PageV02P403 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الشرع دلك بما توجد عنده المشقة غالبا، وهو السفر المقيد بمرحلتين أو ~~يومين أو بأربعة برد أو ثمانية وأربعين ميلا؛ وذلك إعانة للمكلف على حصول ~~غرضه المباح؛ فإذا قيل: ينتقض بالمشقة الحاصلة في الحضر بمعاناة الصنائع ~~الشاقة- لم يقدح؛ فإن الشارع ما اعتبر ذلك إلا بضابط معين لم يوجد في صورة النقض. # القسم الثاني: النقض ببيان تخلف الحكم عن بعض أجزاء العلة، وظاهر أنه لا ~~يقدح؛ فإن من ضرورة كون الوصف جزءا توقف الحكم على حصول الجزء الثاني، ~~اللهم إلا أن يبين المعترض أن الجزء ms385 الثاني لا أثر له، فالعلة -والحالة ~~هذه- هي الوضف الباقي، وقد تأخر الحكم عنه؛ فيكون قادحا. # مثاله: قول الشافعي في مسألة مسح الرأس: مسح في الوضوء، فلا يشترط فيه ~~الاستيعاب، كمسح الخفين. فيقول المالكي: قولك: "في الوضوء" لا أثر له، ~~والباقي ينتقض بمسح الوجه في التيمم. # السادس: التعليل: إذا كان لإثبات الحكم على الجملة لا ينتقض ببيان التخلف ~~في آحاد الصور؛ فإنه لا يناقضه. # مثاله: قول الحنفي في الرشيدة تلي عقد النكاح: تصرفت في محض حقها؛ فوجب ~~أن يصح كالمال. فيقول الشافعي: ينتقض بالمعتدة. فهذا لا يقدح؛ فإن الخصم لا ~~يدعي الاعتبار إلا بعد وجود الشرائط المتفق عليها، ما عدا ما وقع فيه ~~النزاع، وما عدا ذلك تركه للعلم به. # قوله: "المسألة الخامسة: التعليل بالمصلحة والمفسدة لا يجوز خلافا لقوم": # المبحث في هذه المسألة يرجع إلى سؤال القدح في صلاحية المذكور للتعليل، ~~وليس بسؤال مستقل على القياس، وإنما يرجع إلى الاعتراض على بعض مسالك ~~التعليل، وهو التخريج خاصة، وهو إذا عد يكون سادسا. # قوله: "لنا: [أنه] لو صح التعليل بالمصلحة، لامتنع التعليل بالوصف ~~المشتمل على المصلحة، وبالإجماع هذا جائز؛ فذلك باطل": # بيان الملازمة: أن التعليل بالوصف إنما جاز لاشتماله على الحكمة، والحكمة ~~هي الأصل PageV02P404 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # في هذ العلية، والوصف هو الفرع، ومتى كان التعليل بالأصل ممكنا، كان ~~التعليل بالفرع تطويلا من غير فائدة، فوجب ألا يجوز": # وما ذكره واضح؛ فإن الأصل أن تناط الأحكام بالحكم، وهي نفس المصالح ~~والمفاسد، إلا أنه يعسر تتبعها، ولعدم انضباطها عدل الشارع عنها إلى ضوابط ~~تحصل عندها غالبا؛ دفعا للعسر والخبط عن الأحكام، نعم إن تحقق وجود تلك ~~الحكمة في بعض الصور قطعا بدون الضابط، أو وجد الضابط في صورة بدون الحكمة ~~قطعا- فهل الالتفات: إلى الحكمة أو الضابط؟ فيه خلاف تقدم، وميل الشريف ~~وغيره إلى أن النظر إلى الحكمة أولى. # وميل الغزالي إلى أن النظر إلى المظنة أولى. # قوله: "المسألة السادسة: "التعليل إما أن يكون تعليلا للوجود بالوجود، أو ~~للعدم بالعدم، وهما جائزان": # اعلم أن الغرض من ms386 هذه المسألة منع تعليل الأمور الثبوتية بالعدم، وهو ~~يرجع إلى سؤال القدح في الصلاحية، وهو سابعها وتعليل العدم بالعدم صحيح عند ~~الحكماء؛ فإنهم يقولون: عدم العلة علة لعدم المعلول. # وأما المتكلمون فيمنعون كون العدم أثرا أو مؤثرا في العقليات، ويسلمون أن ~~عدم العلة يستلزم عدم المعلول عقلا وشرعا، إن اتحدت، وأن عدم الشرط يدل على ~~عدم المشروط؛ وفرق بين ما يدرك وبين ما يؤثر ويقتضي. # قوله: "وإما أن يكون تعليلا للوجود بالعدم ... وذلك لا يجوز؛ لأن قولنا: ~~"هذا علة" نقيض: "ليس بعلة"، وقولنا: "ليس بعلة" عدمي ورافع العدم ثبوت، ~~وكونه علة صفة ثابتة فلو جعلناها للعدم لزم قيام الصفة الوجودية بالعدم ~~المحض، وهو محال". # اعلم أن النظار اختلفوا في تعليل الأحكام الشرعية بالأمور العدمية، مع ~~قولهم بصحة التعليل بالأمور الإضافية؛ لكون المحل مستقذرا أو مشتهى، أو كون ~~الشيء حراما أو حلالا مع قولهم: "إن الإضافات ليست من الأعراض" خلافا ~~للحكماء، والعدم ينقسم إلى عدم مطلق ومضاف، والأول لا يصح التعليل به ~~اتفاقا؛ لعدم اختصاصه، والثاني محل النزاع، ومن منع تخصيص العلة، فلا يمتنع ~~من التعليل به، ويقول سرق نصابا كاملا من حرز مثله لا شبهة له فيه. PageV02P405 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ويقول في بيع الغائب: "بيع اشتمل على غرر من غير حاجة"؛ ليحترز من أساس ~~الجدران، وبطون الحيوان، وما بقاؤه في قشره من مصلحته، ويأخذ في صحة نكاح ~~الحر للأمة: عدم الطول، وفقد الحرة تحته، وفي صحة التيمم العجز عن استعمال ~~الماء مما يعده المخصصة شروطا. # ومن يرى جواز تخصيص العلة، ويمنع التعليل بالعدم يقول: العلة الشرعية، ~~وإن كانت معرفة، فإن العدم لا يمتنع أن ينصب معرفا إلا أن الواقع في الشرع ~~أنه لا ينصب علة إلا ما كان مناسبا أو مظنة لمعنى مناسب، والمناسب ما تحصل ~~باعتباره مصلحة، والمصلحة المنفعة، وهي شيء، والعدم لا شيء، ولم تجر العادة ~~بالانتفاع من لا شيء. # وأورد عليهم: ما المانع أن يعتبر؛ لأنه مظنة معنى مناسب تعذر اعتباره ~~بنفسه، فأقيم العدم مقامه في حق الاعتبار. # وأجيب عنه ms387 بأنه إنما يترجح نصب عدمه على وجوده؛ إذا لم يجامع وجوده ~~وجوده، وذلك إنما يكون عند المناقضة، وشرط المناقضة اتحاد المحل، وإذا كان ~~الوصف المناسب إنما يحتاج إلى مظنة، إذا كان خفيا أعني من أفعال القلوب، ~~ونقيضه يكون في محله، فيكون العدم أيضا خفيا، والخفي لا يعرف الخفي، وإذا ~~فرض احتياجه للمظنة، لعدم انضباطه من قلة أو كثرة، فمقابله أيضا غير منضبط. # وأجيب عن ذلك بأنا لا نعتبر في الضابط إلا ما يظن وجود ذلك المناسب عنده ~~غالبا، ولا يمنع لزوم أمر خفي لأمر ظاهر؛ كما تعرف أحوال القلوب من خجل أو ~~وجل أو خوف أو غضب بعلامات تظهر بالوجه. # ومنهم من احتج على منع التعليل بالإجماع، وقرره بأنه لم ينقل ذكره في ~~السبر. وهو ضعيف؛ فإن مسلك السبر مختلف في صحة التمسك به، ولو سلم فنقول ~~مثل هذه التفاصيل ليس مما تتوفر الدواعي على نقلها؛ ليستدل بعدم الوقوف ~~عليه على عدمه. # ومنهم من احتج بأن العدم المضاف إما أن ينتسب إلى مكتسب أو لا: فإن انتسب ~~إلى مكتسب، فهو إعدام لا عدم، ويصح التعليل به، وإن لم ينتسب، فلا ارتباط ~~له بفعل المكلف، وإذا لم يرتبط بفعله، فكيف يشرع الحكم لاقتناص حكمة تحصل، ~~باعتباره. وهذا ضعيف؛ فإنه إذا سلم اشتماله على حكمة، وإن لم تكن من كسب ~~المكلف، فلا مانع من ربط فعله به؛ لتوقع الحكمة منه بمجرى خلق الله -تعالى- ~~ذلك عنده؛ كما يفعل الأكل والشرب PageV02P407 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # لأجل خلق الله تعالى عندهما الشبع والري. # أما قول المصنف بأن قولنا: "علة" نقيض "ليس بعلة"، وقولنا: "ليس بعلة" ~~سلب، فلا يصدق أنه سلب ما لم يتحقق أن مسمى "علة" ثبوت؛ فإنه إن كان مسمى ~~العلة سلبا، فسلب السلب إثبات، فيكون دورا. # قوله: "وكونه علة صفة وجودية، فلو جعلناها للعدم، لزم قيام الصفة ~~الوجودية بالعدم"- لا يصح أيضا: أما أولا فإنه ينتقض بما سلم من أن العدم ~~يكون علة للعدم؛ فقد وصف بالعلية، وأما ثانيا؛ فلأن كون الوصف علة ليس صفة ~~حقيقية قائمة به ms388 لا نفسية ولا معنوية، وإنما هو آيل إلى قول الشارع: "جعلته ~~سببا لكذا" وهو راجع إلى أنه متعلق القول، والقول لا يكسب المقول صفة حالة ~~فيه؛ كما أن العلم لا يكسبه ذلك. # قوله: "وأما أن يكون تعليلا للعدم بالوجود، وهو الذي يسميه الفقهاء ~~مانعا": # يعني: كتعليل عدم الميراث بالرق والقتل وغير ذلك، وقد قدمنا انقسامه إلى ~~مانع السبب، ومانع الحكم. # قوله: "وذلك لا يتوقف على وجود المقتضي؛ خلافا للجمهور": # المشهور أنه لا يتحقق مسمى مانع ما لم يوجد ممنوع؛ فإنه من الأمور ~~الإضافية، ولا يحسن أن يقال: إن القفص مانع للطائر الميت من الطيران، وإنما ~~يضاف إلى المانع ما له غرضية الثبوت؛ فإن من لا داعي له إلى دخول دار لا ~~يقال: منعه البواب، ولا ينكر أن النافي للحكم أعم من النافي بالمانع، وأن ~~منه ما ينفى بإشعار اللفظ؛ كقوله - عليه السلام -: "لا صلاة إلا بطهور"، أو ~~لقيام مناف في المحل لا يجامعه عقلا أو شرعا، وهو الذي يلقبونه ب"المنافي"؛ ~~كقولهم: مقتضى الدليل ألا يشرع القصاص؛ لأنه على خلاف العاصم من الإسلام، ~~أو الدار أو الإنسانية، وهو ثابت حال شرع القصاص، أو للتنافي الشرعي ككون ~~المحل المتنجس إذا ورد عليه المائع لا يخلو من نجس ومتنجس؛ وجميع هذا يدل ~~على نفي الحكم، ولا يتوقف على وجود المقتضي. # قوله: "لنا: أن المقتضي للشيء والمانع منه متضادان، وتوقف وجود الشيء على ~~ضده محال؛ فوجب ألا يتوقف وجود المانع على وجود المقتضي": # يرد عليه: أنه لا نزاع في صحة اشتمال الشيء على جهتين: داع وصارف؛ كالولد ~~الكافر؛ فإن قرابته تناسب الإرث؛ فإن القرابة مظنة المناصرة، وكونه كافرا ~~يناسب منعه منه؛ فإنه مظنة العداوة [من البسيط] # كل العداوة [قد] ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك في الدين # فلا مضادة ببن اشتمال الشيء الواحد على الجهتين، وإنما المنافاة في ~~اعتبارهما معا، PageV02P408 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والشرط في صحة إضافة الحكم إلى المانع والصارف- وجود جهة الداعي، لا ~~اعتبارها فيه؛ فعند الاجتماع إنما يثبت حكم واحد منهما: [من البسيط] # لولا المشقة ms389 ساد الناس كلهم ... ألجود يفقر والإقدام قتال # وإلى مثله أشار بقوله - عليه السلام -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة". # قوله: "ولو سلمنا أن التعليل به يتوقف على وجود المقتضي، لكان لا حاجة ~~إلى ذكر دليل منفصل على وجود المقتضي بل يكفي أن يقال: إن لم يكن المقتضى ~~موجودا في الفرع- وجب أن يكون الحكم ثابتا فيه، وهو المطلوب. وإن كان ~~المقتضي للحكم ثابتا في الفرع، فهو إنما يثبت؛ تحصيلا للمصلحة المرتبة ~~عليه، وهذ المعنى قائم في الأصل؛ فلزم (من) ثبوته في الأصل [ثبوته في ~~الفرع]، وإذا ثبت ذلك، فقد صح جواز التعليل بالمانع": # وإنما قال: يكفي أن يقال -ما ذكره من هذه الطريقة الجدلية-: للمستدل أن ~~يبين ثبوت المقتضي في الأصل بطريق تفصيلي، وأما ما ذكره في الطريق الجملي، ~~وهو أن الخصم قائل بالثبوت في الفرع، ولا بد له من علة، والأصل مساو له؛ ~~فيلزم اشتراكهما في المقتضي، ويصير الأصل فرعا بالنسبة إلى وجود المقتضى، ~~وإن سلم الخصم أن المقتضي للثبوت لم يثبت في الفرع -لزمه نفي الحكم، وهو ~~المطلوب- فإن قيل: فلعله يثبته بنص عنده، قيل: الثبوت بالنص يستلزم اشتماله ~~على علة. # بناء على الأعم الأغلب، وهو أن كل حكم لا يخلو عن علة، ومما يعترض به على ~~القياس المعارضة في الأصل، وهو في العدد سابع، وهي دعوى الاشتراك في دلالة ~~الاعتبار، ويسمونه ب"المزاحمة في الأصل" وب"الفرق" أيضا، وهو على قسمين: # أحدهما: المعارضة في أصل الاعتبار بما يصلح علة مستقلة، سواء أمكن الجمع ~~بينهما في التعليل أو لم يمكن. # الثاني: المعارضة في الاستقلال بإبداء وصف يشعر بزيادة مصلحة أو ~~أنقصيتها. # ومن الجدليين من يخص اسم "الفرق" بهذا الثاني. # وقد اختلف في قدحه: فزعم أبو إسحاق أنه لا يقدح؛ فإن حاصله تعليل الحكم ~~بعلتين، PageV02P409 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وليس يمتنع في الحكم الشرعي وأما زيادة المصلحة، فيكفي في إثبات الحكم ~~أصل المصلحة. وهذا الذي ذكره لا يصح؛ فإنا إنما نسلم صحة التعليل بعلتين ~~علم استقلال كل علة منهما، وأمكن اجتماعهما في محل؛ ms390 بحيث لا يمكن ترجيح ~~إحداهما على الأخرى بسبق أو قوة، أما وصفان صالحان للاعتبار لم يعلم من ~~الشرع اعتبارهما ولا إلغاؤهما وقد اقترنا بالحكم مع مناسبة كل واحد ~~واستقلاله- فلا نسلم، وهو في المثال كما لو شاهدنا شخصا أعطى قريبا عالما؛ ~~فإن الاحتمالات فيه ثلاثة؛ فإنه يجوز أنه إنما أعطاه لعلمه فقط، أو لقرابته ~~فقط، أو للمجموع، ولعله الأظهر؛ إذ لا يلزم من الاستقلال بالمناسبة- ~~الاستقلال في الاعتبار، وإذا احتمل فتعيين أن الحكم إنما ثبت لهذا دون هذا ~~- ترجيح بلا مرجح. وكذلك إذا اختص الأصل بزيادة مصلحة، جاز أن يكون الشارع ~~أثبت الحكم لأجل المصلحة، أولها بقيد الأكملية؛ فتخصيصه أنه إنما أثبته ~~لأصل المصلحة تحكم، أو لعل الظاهر اعتبار المجموع، وهل يجب على المعترض ~~بيان انتفاء ما فرق به في الفرع أو لا؟ فيه أقوال. # الثالث: يفرق فيه بين أن يدخل فيه باسم المعارضة؛ فلا يلزمه، أو بلفظ ~~الفرق؛ فيلزمه لتحقيق مسمى الفرق. # قال البزدوي: ويكفيه بعد بيان تحقيقه في الأصل منع وجوده في الفرع، ~~والجواب عنه بعد تسليم أنه راجع في الأصل إلى أمر وجودي، وتسليم مناسبته ~~وظهوره وانضباطه بالإلغاء بإيماء النص إلى استقلال ما ادعاه علة أو ببيان ~~استقلاله بالحكم في صورة مع تخلف ما عورض به. # وطريق المعترض في الاعتراض عليه بيان اختصاص الأصل الثاني بفارق آخر، ~~ويسمى "تعداد الوضع"، وجواب المستدل: إلغاء الثاني إلا أن يبين استقلال ما ~~ادعاه، ولا يكون ذلك انتقالا من أصل إلى أصل؛ إذ الغرض بذلك إبطال ما يخيل ~~أن له تعلقا بالحكم. # ومن الجواب عنه أيضا: أن يحقق ما فرق به المعترض في الفرع؛ فيلزمه القول ~~بالحكم. # ومما يعترض به على القياس المعارضة في الفرع، والصحيح قبولها، ومن ردها ~~بأنها غصب لمنصب الاستدلال، فليس بشيء؛ فإنها قادحة في حق الناظر إجماعا؛ ~~والأصل: أن كل ما كان قادحا في حق الناظر فهو قادح في حق المناظر، إلا ما ~~استثنى لأجل ضبط الكلام والمعارضة، وإن كانت صورة دليل على النقيض إلا أن ~~المعترض لا ينفي ms391 بها استدلالا، وإنما ينفي بها اتفاق دليل المستدل؛ ولذلك ~~يكتفي بالمساواة، ولا يكلف ببيان أن قياسه أرجح. # ثم المعارض لا يخلو إما أن يستعمل أوصاف المستدل أو بعضها أو يستعمل ~~غيرها، والأخير هو المشهور باسم "المعارضة"، والأول ب"القلب"، وهما في ~~العدد الثامن والتاسع، قال PageV02P410 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # بعضهم وشرطه: استعمال غير أوصافه، وأصله، ويختص بأنه لا يطالب بتحقيق ~~الوصف لا في الأصل، ولا في الفرع، وقسموه إلى أربعة أقسام: # الأول: القلب بالحكم المقصود. # والثاني: قلب الإبهام. # والثالث: قلب التسوية. # والرابع: القلب المكسور. # أما القلب المقصود بالحكم: فينقسم إلى القلب المقصود بالقياس، وإلى القلب ~~المقصود بالخلاف، والأول لا يتصور أن يرده إلى عين الأصل؛ فإن الصورة لا ~~تشتمل على النقيضين. أما الحكم المقصود بالخلاف، وهو أن يقع الخلاف في ~~أمرين متلازمين ثبوتا وانتفاء، ويوجد في الأصل أحدهما فيستدل المستدل على ~~إثبات ذلك الحكم بجامع، ويستلزم من ثبوته ثبوت الحكم الآخر، فيقلبه ~~المعترض، ويستعمله في انتفاء أحد الحكمين المقصودين بالخلاف، ونفيه على ~~الأصل المعين، ويستلزم من نفيه نفي الآخر؛ # مثاله: بيع الغائب: # قال الحنفي: ينعقد صحيحا مع الجواز، ونفاهما الشافعي. فيقول الحنفي: عقد ~~معاوضة، فيصح مع عدم الرؤية؛ كالنكاح. فيقلبه الشافعي فيقول: عقد معاوضة، ~~فلا ينعقد على الخيار؛ كالنكاح. # وأما القلب المبهم: فصورته: أن يأتي بما يلزم منه المناقضة في حكم القياس ~~من غير تعرض لخصوص النقيض، بل يأخذه من جهة عامة؛ # مثاله: قول الحنفي على الشافعي في مسح الرأس: عضو من أعضاء الوضوء، فلا ~~يكتفى فيه بأقل ما ينطلق عليه الاسم؛ كسائر الأعضاء. فيقلبه الشافعي، ~~فيقول: عضو من أعضاء، فلا يتقدر بالربع؛ كسائر الأعضاء. # وأما قلب التسوية: فكالقلب المبهم، إلا أنه يختص بذكر التسوية؛ # مثاله: قول الحنفي في مسألة عدم اشتراط النية في الوضوء: طهارة تراد ~~للصلاة؛ فلا تفتقر إلى نية؛ كطهارة الخبث. فيقول الشافعي: طهارة تراد ~~للصلاة، فاستوى جامدها ومائعها؛ كطهارة الخبث. ولا يمكنه التعرض لخصوص ~~الحكم؛ فإن المراد بالتسوية في إزالة النجاسة عدم اشتراط النية في استعمال ~~الماء والحجر، والمراد بالتسوية في ms392 الحدث اشتراط النية فيهما؛ أعني: الوضوء ~~والتيمم؛ إذ لا يمكن التسوية فيهما بعدم الاشتراط؛ فإنه خلاف الإجماع. # وأما القلب المكسور: فهو أن يستعمل بعض أوصاف المستدل، وكسر العلة وإن لم ~~يكن قادحا في النقض، فهو قادح في القلب؛ فإنه يبين استعماله بالاجتهاد في ~~النقيض؛ فلا يعتبر كلا PageV02P411 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # في النقيض الآخر، وإلا فيلزم عند وجوده مع الجزء الآخر اجتماع النقيضين؛ ~~لوجود علتهما معا؛ # مثالة: قول الحنفي في مسألة مسح الرأس على المالكي: مسح في الوضوء؛ فلا ~~يجب فيه التعميم؛ كمسح الخف. فيقول المالكي: مسح في طهارة؛ فلا يتقدر ~~بالربع؛ كمسح الخف. فقد قلبه بعد حذف خصوص الوضوء والغرض المثال؛ فإنه يمكن ~~قلبه بجميع أوصافه، وقد رد القاضي القلب المبهم؛ من حيث إنه لم يعين فيه ~~الحكم المقصود، وليس بشيء؛ لأن المعترض ألزم المستدل به مناقضة، وإن كان ~~مبهما. ورد قوم قلب التسوية من حيث إن التسوية ليست حكما شرعيا. وليس بشيء؛ ~~لأنها تستلزم التسوية في حكم شرعي. # وقد قال قوم: لا يسمع أصلا؛ فإن القالب إما أن يتعرض فيه لنقيض الحكم، أو ~~لأمر خارج، فإن تعرض فيه لنقيض الحكم لم يجده في الأصل؛ فإن الأصل الواحد ~~لا يجتمع فيه النقيضان، وإن تعرض لأمر خارج، فليس بقلب، وليس بشيء؛ فإنه ~~وإن عدل إلى أمر خارج إلا أنه على وجه يستلزم عدم القول بالحكم؛ فكان قادحا. # ومنهم من رده، وزعم أن القلب لا بد فيه من تعيين العلة المروج إليها ~~الخصم، والعلة لا بد وأن تكون مناسبة، ومعلوم أن الشيء الواحد لا يناسب ~~النقيضين، وان أراد المعترض أن نسبة الوصف إلى الحكم ونقيضه على حد سواء- ~~كان قادحا في صلاحية الوصف، فيكون ذكره الأصلي حشوا، وليس من القلب في شيء. ~~وهذا ضعيف أيضا؛ فإنه لا مانع أن يناسب الوصف الشيء ونقيضه بوجهين، ~~واعتبارين؛ ككون الشيء ملذوذا يناسب إباحته قضاء لو طلبه المكلف، ويناسب ~~منعه ابتلاء، كالصلاة في الدار المغصوبة؛ فإن الكون من حيث هو صلاة يناسب ~~الطلب، ومن حيث كونه غصبا يناسب المنع، وأكثر ms393 ما يقع القلب عند التعليل ~~بالشبه؛ كما مثل. # ومما يعترض به على القياس القول بالموجب؛ وهو تسليم ما أشعر به قياس ~~المستدل مع استيفاء الخلاف؛ وهو أن يرتب على الوصف أمرا ما، ليس هو عين ~~الحكم، ولا مستلزمه، ويقع في الثبوت والنفي: # وتارة يرد للخلل في إشعار لفظ المستدل، وتارة للسكوت عن تقدير المستلزم ~~في محل النزاع، أما ما يرد للخلل في طرق الإثبات فهو أن يقع النزاع في حكم ~~خاص؛ كالوجوب مثلا؛ فيستنتج ما هو أعم منه؛ كالجواز؛ # مثاله: قول الشافعي في القتل بالمثقل: قتل عمد من يكافئه بما هو الغالب ~~حتف أنفه فيه، فوجوب القصاص لا ينافيه؛ كما لو أجج نارا في فيه. فيقول ~~الحنفي: مسلم أنه لا ينافيه، فلم قلت: إنه نقيضه؛ فقد لا ينافي الشيء الشيء ~~ولا نقيضه. # ومثاله في النفي وأكثر ما يرد؛ إذا صرف المستدل عنايته لإبطال مأخذ معين ~~للخصم؛ فإنه لا يلزم من إبطال دليل خاص إبطال المذاهب، ولا صحة مذهب الخصم؛ PageV02P412 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # مثاله في مسألة المثقل قول الحنفي: اختصاص وصف الخارج بقوة السريان ~~والفور يمنع إلحاق المثقل به. فيقول الشافعي: سلمت أنه يمنع إلحاقه به، فلم ~~قلت: إنه يمنع من جريان القصاص؟ # وقد يرد بشمول لفظ المستدل وعمومه لصورة من صور الوفاق، فيحمله المعترض ~~على تلك الصورة، ويستبقي النزاع؛ # مثاله: قول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: حيوان يسابق عليه؛ فتجب فيه ~~الزكاة؛ كالإبل فيقول المعترض: أقول به؛ إذا كانت الخيل للتجارة. وهذا من ~~أضعف أنواعه؛ فإن حاصله مناقشة في اللفظ، وتندفع بمجرد العناية. هذا ما يرد ~~بخلل في اللفظ. # أما ما يرد للسكوت عن ذكر المقدمة الصغرى؛ وهو عدم تقرير الدليل في محل ~~النزاع -فمثاله: قول الشافعي في مسألة النية في الوضوء: ما ثبت وضعه قربة ~~فيتعين فيه النية كالصلاة؛ ويسكت عن قوله والوضوء ثبت وضعه قربة، وعن تقرير ~~ذلك، فيقول الحنفي: نسلم أن ما ثبت وضعه قربة يفتقر إلى النية، فلم قلت: إن ~~الوضوء يفتقر إلى النية. وسببه عدم التصريح بأن وضع ms394 الوضوء قربة، فلو صرح ~~به، لم يرد القول بالموجب، ولكن يرد عليه المنع. # ولا يحسن حذف إحدى المقدمتين من الدليل إلا إذا كانت مشهورة، وضابط ~~الشهرة أن تكون ضرورية أو متفقا عليها من الخصمين، وهذا آخر الأسئلة، وهو ~~العاشر. # قالوا: وهو انقطاع من أحد الجانبين قطعا؛ فإن المعترض قد يسلم مدلوله، ~~فلا تسمع منه بعد ذلك المنازعة في شيء من أركانه؛ فإن تحقق أنه حائد، فقد ~~انقطع المستدل؛ لأنه لم يأت بدليل على ما ادعاه. # لا يقال: فجميع الأسئلة لا تخلو: إما أن تتحقق أو لا: فإن لم تتحقق، فقد ~~انقطع المعترض في دعواه، وإن تحققت، فقد انقطع المستدل بما قرره المعترض من ~~الخلل في دليله: # لأنا نقول: للمعترض أن ينزل عما منعه، أو عارض به في مقام، ويحقق الخلل ~~من وجه آخر، وللمستدل أن يسلم ورود المنع، ويستدل عليه، ويسلم ما عارض به ~~في مقدمة أو في أصل المسألة، ويرجح دليله بما يقتضي الترجيح، وإذا سلم أنه ~~حائد، فكيف يمكنه الترجيح؟ ! . # وإذا كان الترجيح طريقا يخرج به عن أكثر الأسئلة؛ فيتعين التنبيه بما يقع ~~به الترجيح، PageV02P413 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والترجيح عبارة عن تغليب إحدى الأمارتين على الأخرى في سبيل الظنون، ~~وحاصله يرجع إلى اختصاص إحداهما لمزيد قوة، وإنما قيدناه بالأمارة؛ لأنه لا ~~ترجيح في القطعيات؛ إذ ليس بعد القطع مرتبة، ولا تفاوت في العلوم. # وزعمت الفلاسفة وبعض الصوفية أن العلم يقبل الأشد والأضعف. # واحتج لهم الغزالي في بعض كتبه بأن علم الواحد منا بالله تعالى لا يساوي ~~علم النبي - - عليه السلام - وهذا فيه مغالطة؛ فإنا لا ندعي أنا نعلم من ~~صفات الله تعالى ما يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما نقول: إذا ~~تعلق علم الرسول مثلا بأن الله تعالى موجود، وتعلق علمنا بذلك- فلا تفاوت ~~بين هذين العلمين، وإنما يفاوت علم النبي - صلى الله عليه وسلم - علم غيره ~~بكثرة متعلقاته، وإدراكه من الله تعالى ما لم ندركه، أو بتوالى أمثاله، ~~وقلة أضداد علومه من الغفلات والشكوك، أو في طريقه، بأن يخلق له ms395 علم ضروري ~~بما هو نظري لغيره. # والعلوم كلها بعد حصولها ضرورية، وإنما تتفاوت طرقها بقربها من ~~الضروريات، وباختلاف حال الناظر في طلبها بحدة الذهن، وجودة القريحة أو ~~كلال بعضها، وقلة الممارسة. # أما العلم نفسه، فلا تفاوت فيه ألبتة، ولو فرض نصان قاطعان في النقل ~~والدلالة، فلا يتصوران إلا فيما يقبل النسخ، والمتأخر منهما ناسخ، وليس من ~~مواضع الترجيح، وإن نقل تأخر أحدهما بطريق الآحاد، فالعمل به أولى؛ لأن ~~احتمال كونه ناسخا راجح؛ وعورض الترجيح فيه لا من جهة ما قطعنا به، وإنما ~~من جهة دوامه، وهو من هذا الوجه مظنون، فجرى الترجيح فيه، وقد أجمع ~~السابقون واللاحقون على وجوب العمل بالراجح في مسالك الظنون، ولم ينكره إلا ~~من شذ؛ كالبصري الملقب ب"جعل" وهو مسبوق بالإجماع، حتى من أنكر القياس ~~اعترف بجريان الترجيح في الظاهر، ولا يصح قياسه على الشهادة؛ فإنها مسألة ~~اجتهادية. # وعن مالك في ترجيح البينات بالأعدل وكثرة العدد، ثلاث روايات: # الثالثة: ترجح بالأعدل دون العدد، وهو المشهور. وللشافعى في القديم ميل ~~إلى بعض ذلك، بتقدير تسليم امتناع الترجيح في الشهادة؛ فلا يصح القياس ~~عليها؛ لأن المقصود منها فضل الخصومات على قرب، فقدرها الشارع على وجه ~~ينضبط مع أن له فيها تعبدات. PageV02P414 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وبعد وجوب اتباع الراجح، فقد اختلف الجدليون في أنه هل يجب على المستدل ~~أن يومئ في دليله إلى وجه الترجيح، أو لا: # فزعم بعضهم: أنه لا بد منه؛ فإنه من جملة الدليل. ولم يوجبه قوم للعسر. # وفرق الآمدي بين أن يرجح إلى نفس الدليل أو أمر خارج؛ فأوجب الأول دون ~~الثاني. # وأعلى مراتب الأدلة السمعية الإجماع القاطع؛ فإن النسخ مأمون فيه؛ إذ لا ~~يتحقق إلا بعد زمان الوحي، وبعده النص من الكتاب والسنة المتواترة، والغرض ~~من الترجيح يتمهد بفصلين: # أحدهما: في ترجيح الألفاظ. # والثاني: في ترجيح الأقيسة والمعاني، مع التنبيه على أمور اختلف فيها ~~الأصوليون. # الفصل الأول: في النصوص: # متى تعارض لفظان، فلا يخلو: إما أن يكونا من الكتاب أو من السنة، أو ~~أحدهما من الكتاب والآخر ms396 من السنة: # فإن كانا من الكتاب فلا جريان للترجيح فيهما بالنسبة إلى النقل؛ ~~لاستوائهما في التواتر وإنما يقع الترجيح بالنسبة إلى المتن أو بأمر خارج: ~~فما يعود إلى المتن أن يكون أحدهما خاصا، والآخر عاما؛ فيقدم الخاص على ~~العام؛ لأن الخاص يتناول الحكم على وجه لا يحتمل التأويل، وفي العمل به ~~وصرفت العام إلى ما وراء محل التخصيص جمع بين الدليلين من بعض الوجوه. ~~وكذلك يقدم المقيد على المطلق؛ لأن في العمل بالمقيد عملا بهما على الجملة، ~~وفي العمل بالمطلق إلغاء للمقيد من كل وجه، فالأول أولى، والعام المتأصل ~~راجح على الوارد على سبب خاص. وما ظهر فيه قصد العموم أولى. وما لم يخص ~~والأقل تخصيصا أولى. وما سيق لبيان أولى. والمنطوق أولى من المفهوم. ~~والعاري عن الإضمار أولى والحقيقة كذلك. وحمل كلام الشارع على الحكم الشرعي ~~أو الأكثر فائدة أولى. وما يستقل بالإفادة أولى من المفتقر إلى بيان. وما ~~لا يحتمل النسخ أولى. # وأما الترجيح بما يرجع إلى آمر خارج: فبموافقة أحدهما للأصول أو اقترانه ~~بدلالة التعليل، أو بأنه أحوط أو أقل محظورا، وهل الناقل أولى من المقرر أو ~~لا؟ فيه خلاف: # الأصح: أن الناقل أولى؛ لأنه أكثر فائدة، والتأسيس أولى من التأكيد. # وأما إن كانا من السنة: فيقع الترجيح فيهما بما يقع به الترجيح في ~~الكتاب، وبأمور أخر منها ما يعود إلى السند، ومنها ما يعود إلى المتن، ~~ومنها ما يعود إلى أمر خارج: # فأما ما يعود إلى السند: فمنه ما يعود إلى الراوي، ومنه ما يعود إلى ~~الرواية: # فأما ما يعود إلى الراوي فيرجح بكون راوي أحدهما عالما أو أعلم، أو حافظا ~~أو أحفظ، أو ورعا أو أورع، أو يكون أحدهما من عدول أهل السنة، والآخر من ~~عدول أهل البدعه عند من يقبله، أو بأنه صاحب الواقعة، أو بمعرفته في اللغة، ~~أو بمخالطته ومجالسته العلماء والمحدثين، PageV02P415 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والمزكى بالخبرة أولى من المعدل، والمصرح بسبب عدالته أولى من المعدل ~~بالتعديل المطلق، ويرجح بكثرة الرواة عند الشافعي، وهو الأصح لقربه ms397 من ~~التواتر؛ وكذلك إن عارض الثقة، كثرة الرواة أيضا. # وأما ما يعود إلى الرواية: فعلى ما رتبناه في كيفية التحمل والأداء، ~~والمتصل بالسند أولي من المرسل عند من يقول بأنه حجة على الأصح، ومنهم من ~~زعم أن المرسل أولى؛ لأنه التزم عهدته، وفي المصرح باسمه وكل النظر في ~~عدالته إلى غيره. # وأما ما يرجع إلي متنه: فبأن يكون متن أحدهما أسلم من الاضطراب في اللفظ ~~أو المعني، أو أقرب إلى حال الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # وأما ما يرجع إلى أمر خارج: فبأن يكون أحدهما موافقا للقياس، وقد رجح ~~الشافعي به، وقال القاضي: يتساقط الخبران، ويجب العمل بالقياس. وكان القاضي ~~يرى أن شرط الترجيح أن يكون قوة في الدليل؛ والقياس دليل مستقل بنفسه؛ فلا ~~يكون قوة في غيره، والشافعي يرى أن الموافقة تكسبة قوة. # وأما البزدوي، فإنه فرق في الترجيح بالدليل بين أن يكون صالحا للتمسك به ~~في المسألة ابتداء أو لا: فإن كان صالحا، لم يجز الترجيح به: # مثاله: أن يستدل بقياس، فيعارضه بقياس، فيرجح قياسه بنص؛ فإنه لا يجوز؛ ~~لأنه لو تمسك بالنص ابتداء لاستغنى عن القياس. # وإن لم يكن صالحا للاستدلال به ابتداء- جاز: # مثاله: أن يستدل بنص فيعارضه بنص، فيرجح بالقياس؛ فإنه يصح؛ لأن القياس ~~لا يصلح دليلا على هذا التقدير؛ لأنه لو تمسك به ابتداء، لكان في مقابلة ~~النص، والقياس في مقابلة النص يكون فاسد الوضع؛ فلا يكون دليلا. # وما يثبت العتاق أو الطلاق مقدم على ما ينفيهما على الأصح، ونافي الحد ~~مقدم على مثبته على الأصح، وما لم يخالفه الراوي أولى، وما لم يتردد فيه ~~راوي الأصل كذلك: # وإن كان النصان أحدهما من الكتاب والآخر من السنة: # فإن كانا متواترين، ففيهما ثلاثة أوجه: الأصح: أنهما سواء من هذا الوجه، ~~فيطلب الترجيح من وجه آخر. وبالجملة فإذا تعارض نصان، فإما أن يكونا عامين، ~~أو خاصين، أو أحدهما أخص، أو كل واحد منهما أخص من وجه: # وعلى الأقسام الأربعة: فإما أن يكونا معلومي النقل أو الدلالة أو ms398 مظنونين ~~أو أحدهما معلوما والآخر مظنونا: وعلى التقديرات كلها: فإما أن يعلم ~~المتأخر منهما، أو يجهل، PageV02P416 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومجموع ذلك اثنا عشر قسما ولا يخفى حكمهما في النسخ والترجيح، وعند ~~الاستواء في التساقط أو التخيير. # الفصل الثاني: # في ترجيح بعض الأقيسة على بعض، ومسالك الترجيح لا تنحصر آحادها؛ فنشير ~~إلى أنواعها، وذكر جمل منها، والترجيح في القياس من وجوه: # الأول: بالنظر إلى طريق إثبات حكم الأصل، والترجيح فيه يقع بجميع ما ذكر ~~في ترجيح النصوص. # الثاني: النظر إلى دليل التعليل، والترجيح فيه على ما رتبناه في مسالك ~~التعليل. # الثالث: بالنظر إلى ذات العلة: والوصف الحقيقي أولى من العرفي، والعرفي ~~أولى من الشرعي، والوجودي أولى من الإضافي، والإضافي أولى من العدمي عند من ~~يرى صحة التعليل به، والمعتبر بنفسه أولى مما اعتبر بمظنته، وذات الوصف ~~الواحد أولى من ذات الوصفين. # الرابع: باعتبار صلاحيتها للحكم وإشعارها به: وقياس المعنى أولى من قياس ~~الدلالة، وقياس الدلالة أولى من الشبه، والشبه أولى من قياس الطرد عند من ~~يراه حجة، وإنما قدم قياس الدلالة على الشبه؛ لأنه يرجع إلى الاستدلال ~~بلازم العلة، وقد تكون العلة التي هو لازمها مخيلة. # واختلف في تقديم قياس الشبه الخاص بالحكم على القياس المعنوي العام؛ كحمل ~~العاقلة جناية الأطراف؛ قياسا على حملها جناية النفس؛ لاستوائهما في ~~الصيانة بشرع القصاص والدية؛ فيقدم على القياس العام المقتضي لاختصاص ~~الضمان بالجاني. # والسالمة من التخصيص أولى، والمنعكسة أولى، والضروري أولى من الحاجي، ~~والحاجي من التزييني، وما اعتبر أصلا أولى مما اعتبر تتمة وتكملة؛ كقتل ~~الجماعة بالواحد وقطع الأيدي باليد الواحدة؛ لأن مراعاة المساواة ها هنا ~~تفضي إلى اتخاذ الاشتراك وسيلة لفوات الأنفس والأعضاء؛ فيفضي إلى فوات أصل ~~حكمة القصاص؛ ففي اعتبار مصلحة الوصف المكمل ها هنا تفويت لمصلحة الأصل ~~والوصف جميعا. # والمؤثر أولى من الملائم، ويقدم الأقرب فيه فالأقرب، وأعم أجناس الوصف ~~كونه مصلحيا، وأقرب منه كونه ضروريا، وأخص منه كونه حفظ نفس مثلا أو مال، ~~وأعم أجناس الحكم كونه حكما، وأقرب منه كونه وجوبا مثلا، ms399 وأقرب منه كونه ~~عبادة، وأقرب منه كون العبادة صلاة، أو زكاة أو غير ذلك. # الخامس: ما يرجع إلى تحقيق وجود العلة في الأصل والفرع، ولا يخفى أن ما ~~يثبت بطريق مقطوع أولى مما يثبت بطريق مظنون عند من يجوز ذلك، ثم تتفاوت ~~طرق الظن. # السادس: ما يرجع إلى أمر خارج ككثرة الفائدة؛ وككون إحدى العلتين ناقلة، ~~والأخرى PageV02P417 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # مقررة، والناقلة أولى على الأصح والموافقة للأصول أولى، وما يقتضي ~~احتياطا أولى، وموافقة قول صحابي أولى، والأكثر أصولا وفروعا أولى. # واختلف في المتعدية والقاصرة عند من يصحح التعليل بها، فقيل: المتعدية ~~أولى، وهو الأصح؛ للإجماع على صحتها، وكثرة فوائدها. # وقيل: القاصرة أولى؛ لاعتضادها بالنص أو الإجماع، أينما وجدت، ولأن في ~~اعتبار الأخص اعتبار الأعم، ولا ينعكس. وعورض بأن المتعدية أبسط، فتحقيقها ~~أيسر وأقل معارضا. # وقيل: هما سواء؛ لتقابل جهات القوة والضعف، وانجبار بعضها ببعض. # قوله: "المسألة السابعة ... قد بينا فيما تقدم أن القرآن واف ببيان جميع ~~الأحكام التي لا نهاية لها": # يقال له: إنما يفي ببيان السنة، وضم معقوله إلى مظنونه؛ فإن أكثر الأحكام ~~مشروعة بأصلها في الكتاب دون تفاصيلها؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ~~والجهاد، والبيع، والنكاح، وغير ذلك. # قوله: "فلو أن الفقهاء اقتصروا عليه، لخفت المؤنة": # يقال له: كيف يمكن الاقتصار على العمل بالمجملات دون بيانها، أو المطلقات ~~المراد بها المقيدات، أو العمومات المراد بها بعض المستثنيات، مع أنه على ~~خلاف الظاهر- بدون مبين، وقد تقدم أن إطلاق الظاهر وإرادة المجمل الخفي من ~~المتشابه الذي لا يمكن المصير إليه إلا بمبين، فكيف تخف المؤنة، والأمر ~~كذلك؟ ! . # قوله: "لكنهم ذكروا مسلكين آخرين: # أحدهما: تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد": # إنما قيد بخبر الواحد للاتفاق على جواز تخصيص القرآن بالسنة المتواترة، ~~وإن اختلف في نسخه بها. # قوله: "وثانيها: تخصيصه بالقياس. ولأجل هذين المسلكين عظم الخطب وكثرت ~~المذاهب، واتسعت الأقوال، وقربت من أن تصير غير متناهية": # يعني الأقوال في مسائل الاجتهاد، لا الوقائع؛ فإنه قد زعم أن مجرد الكتاب ~~واف بالأحكام التي لا نهاية لها. # قوله: "والمختار ms400 عندنا أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد بشرط أن ~~يكون سليما عن المطاعن كلها. وأما تخصيصه بالقياس، فلا يجوز": # ومذهب الأئمة الأربعة، وأكثر الفقهاء والأصوليين أنه يجوز تخصيص القرآن ~~بخبر الواحد. PageV02P418 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومنعه قوم، وبعض المعتزلة. # وقال ابن أبان: إن كان قد خص قبل ذلك بدليل قطعي- جاز؛ لأنه صار مجازا، ~~فضعفت دلالته، وإلا فلا. # وقال الكرخي: إن خص بدليل منفصل- جاز، وإلا فلا، وإنما فرق بين المتصل ~~والمنفصل؛ لأنه يرى أن التخصيص بالمنفصل كالصفة والشرط لا يخرج العام عن ~~تناوله حقيقة؛ لأن المخصص، إذا لم يستقل كان جزءا من الكلام كالاستثناء، ~~ويكون ذلك كتغيير الكلمة من بناء إلى بناء آخر؛ كقولك "مسلم"، و"مسلمان"، ~~و"مسلمون"؛ فإن جميعها حقائق. # وتوقف القاضي؛ لاشتمال كل واحد منهما على جهتين: قوة، وضعف. # قوله: "لنا: أنا بينا أن قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} ... ~~[الحجرات 6] إلى قوله: "ولو رجحنا الخاص على العام، لم يكن ذلك إبطالا ~~للعموم بالكلية": # حاصل ما ذكره أن خبر الواحد حجة؛ للآية، وقد بينا أنه حجة بما تقدم من ~~المسالك، وأن الاعتماد فيه على ما علم من سيرته - عليه السلام - وسيرة ~~الصحابة، وأن الاحتجاج بالآية التي ذكرها ليس بالقوي، وإذا تقرر أنه حجة ~~على الجملة وأن العام أيضا حجة على الجملة، فعند الاحتجاج والتعارض على أمر واحد: # فإما أن يعمل بهما معا، وهو جمع بين النقيضين. أو لا يعمل بهما، وإنه ~~تعطيل، وهو خلاف الأصل. أو يعمل بالعام؛ وفيه ترك العمل بالخاص بالكلية. أو ~~يعمل بالخاص، ويصرف العام إلى ما وراء ذلك، وهو جمع بين الدليلين بحسب ~~الإمكان؛ فإن الأصل هو العمل بهما، فما كان أقرب إليه كان أولى. # ويرد عليه: أنا لا نسلم أن في ذلك جمعا بين الدليلين؛ فإن التعارض إنما ~~وقع على أفراد الخاص، وما سواه لا تعارض فيه، وإشعار العام بغيره؛ كدليل ~~آخر على غير المطلوب، فمتى عمل بأحد الدليلين المتقابلين على هذا الفرد- ~~كان في العمل بأحدهما ترك الآخر؛ فالأولى أن يقال: إن إشعار الخاص بالحكم: ~~إما نص ms401 أو لنص، فإشعاره به أقوى، فكان العمل به أولى. PageV02P419 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # واعتماد الجمهور في المسألة على الإجماع وقرروه بأن الصحابة -رضي الله ~~عنهم- خصصت عمومات الكتاب بآحاد في وقائع يفيد مجموعها القطع: # ومنها: تخصيص قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء 11] برواية ~~الصديق: "نحن -معاشر الأنبياء- لا نورث؛ ما تركناة صدقة" وبقوله - عليه ~~السلام -: "لا يرث القاتل"، وبقوله - عليه السلام -: "لا يتوارث أهل ملتين ~~شتى" وتخصيص قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} ~~[النساء: 11]، بتوريث الجدة بخبر محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة. # وتخصيص قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة 275] بخبر أبي سعيد في ~~تحريم ربا الفضل. # وقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة 5] بخبر عبد الرحمن بن عوف في ~~المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". # وتخصيص قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء 24] بخبر أبي هريرة: ~~"نهى - صلى الله عليه وسلم - أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها". # وقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائده 38] بقوله - ~~عليه السلام -: "لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا"، وذلك كثير من غير نكير، ~~وقد تقدم ذكر جنس هذا الدليل في العمل بخبر الواحد والقياس، والاعتراض عليه ~~والانفصال، والذي يخص هذا قولهم: إن لم يكن هذا التخصيص المنقول مجمعا ~~عليه، فلا حجة فيه. وإن أجمعوا عليه، فالإجماع هو المخصص لا الخبر، ~~وبمعارضة النقل بقول عمر في حديث فاطمة بنت قيس: إنه - عليه PageV02P420 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # السلام: "لم يجعل لها سكنى"؛ لما كان مخصصا لقوله تعالى: {أسكنوهن} ~~[الطلاق 6] فقال: كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو ~~كذبت"، من غير إنكار من أحد، وبما روى أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إذا روي لكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله: فإن وافقه، فاقبلوه، وإن ~~خالفه، فردوه"، وبأن كتاب الله مقطوع به، والخبر مظنون، وبأنه لو جاز ~~تخصيصه به، لجاز نسخه به، وليس فليس. # وأجيب عن الأول: بأنهم أجمعوا على تخصيصها بأخبار الآحاد، وعن رد عمر: ~~أنه رد عليكم؛ لأنه علل الرد بعدم الثقة، ولو كان الكتاب ms402 لا يخصص بالسنة، ~~لبطل هذا التعليل، وأما الحديث فالإجماع على خلافه في السنة المتواترة، ~~وبأن التخصيص مبين لا مخالف. # وقولهم: "الكتاب مقطوع به": # قلنا: مقطوع النقل غير مقطوع التناول، ويبطل برفع البراءة الأصلية بخبر ~~الواحد، والرد على القاضي بأن في التخصيص الجمع أو العمل بالأقوى، والحق أن ~~الترجيح بحسب خصوص الوقائع لتقابل الدليلين الظنيين، فيتبع المجتهد في كل ~~واقعة ما يغلب على ظنه، والمقصود من هذه المسألة بيان الجواز على الجملة، ~~وإلا فلأبي حنيفة تفصيل في بناء الخاص على العام، والفرق بين معرفة التقدم ~~والتأخر والالتباس. # وأما عدم نسخ القرآن به عند المحققين؛ فلأن النسخ رفع حكم تحقق ثبوته ~~فاحتيج فيه إلى PageV02P421 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # مثله، أو أقوى منه، والتخصيص بيان قطع أمر متوهم، والله أعلم. # قوله: "المسألة الثامنة: # قال الأكثرون: يجوز تخصيص عموم القرآن بالقياس، والمختار عندنا أنه لا يجوز": # واختلف العلماء في جواز تخصيص القرآن والسنة المتواترة بالقياس: فقال ~~الشافعي PageV02P422 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومالك وأبو حنيفة والأشعري منا وأبو الحسين من المعتزلة وأبو هاشم آخرا-: ~~إنه يجوز. # وقال عبد الجبار وأبو هاشم أولا: لا يجوز. # وقال ابن أبان: إن كان قد خص من قبل بدليل قطعي - جاز، وإلا لم يجز. # وقال الكرخي: إن كان قد خص بدليل منفصل جاز، وإلا لم يجز. # وقال ابن سريج، وجماعة من الفقهاء: إن كان القياس جليا، جاز، وإلا لم يجز. # واختلفوا في تفسير الجلي: فمنهم من قال: هو قياس المغني دون الشبه. # وقال الإصطخري: هو الذي ينقض قضاء القاضي بخلافه. وتوقف القاضي، والإمام. # وقال الغزالي: الاعتبار بأغلبهما ظنا ولعله الأصح: PageV02P424 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فقال بعض المتأخرين: إن ثبتت العلة بنص أو إجماع، أو كان الأصل محل تخصيص ~~- خص، وإلا فالمعتبر القرائن في آحاد الوقائع، وهو يقارب اختيار الغزالي ~~معنى، وان اختلفا لفظا. # قوله: "واحتج المجوزون بوجهين: # أحدهما: أن القياس 4 وعموم القرآن دليلان متعارضان، وأحدهما أخص من ~~الآخر؛ فوجب تقديم الخاص على العام"- قد تقدم تقريره. # قوله: "واعلم أن هذا ليس بشيء؛ لأنا حيث ذكرنا هذا الدليل في خبر الواحد، ~~فإنه إنما ms403 صح، لأنا بينا أن الآية دلت على أن خبر الواحد حجة مطلقا، سواء ~~عارضه الكتاب، أو لم يعارضه؛ فلا جرم: تم الدليل": # قد ذكرنا في "باب الأخبار" أن الآيه واردة على سبب في شخص خاص، وهو ~~الوليد بن عقبة أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - لأخذ الصدقة من بني ~~المصطلق فخرجوا ليلقوه فخاف منهم، فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأخبره بأنهم ارتدوا فهم - عليه السلام - بغزوهم؛ فأنزل الله تعالي هذا الآية. # وقد نمنع عمومها، ولو سلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بالسبب، فهو عموم ليس ~~في قوة ما لم يرد علي سبب، وليس في الآية ما يشعر بأنه دليل مطلقا، عارض ~~الكتاب، أو لم يعارضه علي ما زعم، بل إنما هو مطلق، والمطلق تتأدى دلالته ~~بالحمل على بعض الصور، فكيف يدعي العموم في الأحوال؟ . # قوله: "أما في مسألة القياس، فلا نسلم أن الدليل يدل على أن القياس حجة ~~على جميع التقديرات": # يقال له: القياس صالح لكونه حجة في هذه المسألة، لولا ظاهر النص المعارض ~~بالاتفاق، والمعارض إنما هو الظاهر، وهو دليل ظني؛ فقد تعارضت الأمارتان ~~علي هذا المطلوب، والاعتماد على تعيين العمل به بالتقسيم المذكور، وإذا كان ~~العمل به أرجح، وجب العمل به؛ لامتناع العمل بالمرجوح بالإجماع، ولما في ~~الوقف من إلغاء الدليلين. # قوله: "وقوله تعالى: {فاعتبروا} [الحشر 2]، وقول معاذ: "أجتهد رأيي"- قد ~~بينا أنه لا يفيد العموم. # وأما إجماع الصحابة، فهو حكاية حال، وإنه لا يفيد العموم. وقوله: "القياس ~~يقتضي دفع ضرر مظنون" لا نسلم أنه إذا عارض القرآن يكون مقتضيا لدفع ضرر ~~مظنون، بل العمل به يوجب حصول الضرر؛ [لأن القرآن أقوى عند كل عاقل من ~~القياس؛ فموافقة القرآن توجب دفع الضرر]؛ فثبت أن الدليل الدال على صحة ~~القياس لا يدل علي كونه حجة عندما يكون معارضا للقرآن، وإذا ظهر الفرق الذي ~~ذكرناه لم يتمكن المستدل من أن يقول: "إن عموم القرآن والقياس دليلان ~~متعارضان، وأحدهما أخص من الآخر؛ فيقدم الأخص على الأعم"؛ لأنه لم يثبت ~~بدليل ms404 أن PageV02P425 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # القياس بقي حجة عند معارضة القرآن؛ فظهر الفرق": # والجواب عما ذكره: أما منعه من عموم دلالة الآية على القياس، وعموم دلالة ~~الخبر على العمل به- فقد تقدم بيان العموم فيهما بطريق الظهور فيما تقدم، ~~ودفع جميع ما أورد عليهما بطريق ظاهرة على وجه ينفي ظهور دلالة العموم، وأن ~~المسألة إذا كانت عملية، كان الظن كافيا فيها. # وأما الإجماع، فقد قررنا دلالته على العمل بالقياس بطريق القطع. # ويجيب عن قوله: "إنه حكاية حال؛ فلا يعم"- قولنا غير مرة بأن حكاية ~~الحال: إذا تكررت ودامت من غير إنكار- أنه لا يحتمل أن يكون السكوت لوجه من ~~تلك الوجوه سوى "الموافقة". # وقوله على طريقة: "إن العمل بالقياس دفع ضرر مظنون"، وإن لم يرتضيها علي ~~ما سبق، لا نسلم بأنه يكون دفع ضرر مظنون، مع مقابلة القرائن، بل دفع الضرر ~~المظنون في العمل بعكسه دعوى عرية عن البرهان؛ فإن القطع في العموم في ~~النقل لا غير، والتناول ظاهر، والقياس قد تعرض فيه وجوه من القطع؛ كالنص ~~على الأصل والعلة، وتحقيقها قطعا في محل النزاع مع ضعف دلالة العام؛ لكونه ~~لم يسق لقصد الحكم، أو يكون بالقياس على المخرج بعين تلك العلة، أو بلا ~~فارق أو بقياس الأولي؛ وحينئذ لا ينكر منصف أن ظن موجب القياس -والحالة ~~هذه- راجح، وظن موجب العموم مرجوح، والراجح واجب الاتباع؛ فلا يفيد ما ذكره ~~منع التخصيص به مطلقا، والحق أن العبرة بخصوص الوقائع، فيتبع أغلب ~~الأمارتين؛ كما سلم في تعارض العموم وخبر الآحاد، وتعارض العمومات وبعض ~~الأخبار، أو الأقيسة وسائر الأمارات. # قوله: "الحجة الثانية: أن الصحابة خصصوا بعض العمومات بخبر الواحد ~~والقياس؛ فيكون حجة. وقد عرفت [ضعف] هذا الدليل، وجميع ما أورد عليه" فقد ~~تقدم الجواب عنه، وما أورد عليه. # قوله: "ثم نقول ها هنا: إنكم ادعيتم أن الصحابة أجمعوا على تخصيص تلك ~~العمومات بتلك القياسات؛ فقد حصل هنالك القياسات مع الإجماع على تخصيص تلك ~~العمومات، وههنا إنما حصلت القياسات من غير حصول الإجماع علي وجوب تخصيص ~~العمومات بها؛ فقد ظهر الفرق ms405 العظيم": # والجواب عنه من وجهين: # الأول: أن هذا لازم في عين ما سلمه من التخصيص بالخبر. # والثاني: أن الإجماع لم يقع على التخصيص؛ وإلا لجزم بالخلاف، والمخصص به ~~لم يمنع من الخلاف، ولا فسق ولا باع مخالفه، فالإجماع إنما كان على العمل ~~بجنس القياس في جنس التخصيص، لا على التخصيص بالقياس المعين للعام المعين. ~~وإذا كان الإجماع إنما وقع على القدر المشترك، وأن خصوص الوقائع لا أثر ~~لها- لزم العمل به أينما تحقق بشروطه، PageV02P426 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والله أعلم. # قوله: "ونقول: الذي يدل علي أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن بالقياس، وجوه: # الأول: قصة معاذ؛ فإنها تدل على العمل بالقياس معلقا بكلمة "إن" على عدم ~~وجدان الكتاب والسنة؛ لأنه - عليه السلام - قال: "فإن لم تجد في سنة رسول ~~الله؟ " قال: أجتهد رأيي. والشرط المذكور في السؤال شرط في الجواب، والمعلق ~~على الشيء بكلمة "إن" عدم عند عدم ذلك الشيء؛ فوجب ألا يجوز الاجتهاد عند ~~وجدان الكتاب والسنة": # وبيان الجواب عن هذه المعارضة من أوجه: # الأول أنه لازم له فيما سلمه من التخصيص بالخبر؛ فإن العمل به في خبر ~~معاذ مشروط بعدم الكتاب بعين ما ذكره، وجوابه عنه جوابنا. # الثاني: أن نقول: إنا لم نعمل في المسألة بالقياس؛ ليكون العمل به مع ~~وجود النص مخالفا، وإنما للفظ محملان: حقيقة ومجاز، والقياس الموافق للمجاز ~~قرينة ترجح احتمال إرادة المجاز؛ كما أن الوضع الأول أو غلبة الاستعمال ~~مرجح لإرادة المحمل الآخر؛ وهذا كما نقول: إذا تعارضت البينتان، واختصت ~~إحداهما باليد، وقلنا: نقضي له بدون يمين، فإن العمل بالبينة الراجحة لا ~~بمجرد اليد؛ بخلاف اشتراط اليمين؛ فإن البينتين تتساقطان، والقضاء مستند ~~إلى اليمين واليد. # الثالث: أن قوله "فإن لم تجد" مطلق في تقديم الكتاب والسنة على القياس، ~~وإذا قام الإجماع على أن العمل به بأرجح الأمارتين واجب، كان ذلك مقيدا ~~لهذا المطلق؛ فصار كأنه قال: فإن لم تجد في الكتاب والسنة ما يجب العمل به ~~بشرطه، وهو سلامته عن النسخ والمعارض الراجح؛ وحينئذ لا يسلم أنه مع معارضة ms406 ~~القياس الراجح واجب التقديم على هذا التقدير. # قوله: "الحجة الثانية: لو جاز تخصيص النص بالقياس، لكان قول إبليس في قصة ~~آدم: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12]- صحيحا؛ ~~لأنه أمر الملائكة بالسجود لآدم، وهو خطاب عام، وأن إبليس قال هذا العموم ~~أخصصه في حق نفسي بالقياس؛ لأن النار خير من الطين؛ لأن جوهر النار مشرق ~~علوي لطيف مؤثر، [والطين كثيف مظلم سفلي متأثر]؛ فتكون النار خيرا من ~~الطين، والنار أصلي، والطين أصل آدم، ومن كان أصله خيرا من أصل غيره- كان ~~هو خيرا منه؛ نظرا إلى هذه الجهة. اللهم: إلا إذا ظهر قيام المعارض، فمن ~~ادعاه فعليه إثباته، هذا قياس منتظم جعله إبليس مخصصا لعموم الأمر بالسجود، ~~فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا، لكان قول إبليس صوابا": # والجواب عن هذه المعارضة بعد تسليم أوصاف قياسه؛ فإن من جملتها أن جوهر ~~النار مؤثر، على ما يزعمه الطبيعيون، ونحن إنما نعتقد أنه لا مؤثر إلا الله ~~-تعالى- فنقول: إنه لو PageV02P427 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # سلم صحة هذا القياس, لكان موجبه ترك العمل بجميع النص؛ فإن من عد إبليس ~~من الملائكة، كان أصلهم إما مثله أو أشرف منه؛ فإنهم من نور، ونحن نسلم أن ~~القياس المقابل للنص باطل وفاسد الوضع. # والتحقيق في الجواب -وقد أومأ إليه بقوله: "إلا إذا ظهر قيام المعارض"- ~~يعني: أن حق المفاضل بين شيئين أن يجمع جميع وجوه الشرف والكمال، ويقابل ~~المجموع بالمجموع، وينظر ما بينهما من التفاوت في الكيفية والكمية، ويعلم ~~درجات الزيادة والنقص -كالمعدل في القسم- ثم يحكم بعد الخبر بالرجحان، وقد ~~أسقط إبليس ما خص الله تعالي به آدم من التكريم والاصطفاء، وتعليم الأسماء، ~~ورجح من المادة بخاصة، فكيف يصح هذا القياس؟ ! # قوله: "الحجة الثالثة: أن الله تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا: {إنما ~~البيع مثل الربا} [البقرة 275] ومعناه: أنه لا فرق بين أن يشترى الكرباس ~~بالدينار، ثم يباع الكرباس بالدينارين، وبين أن يباع الدينار بالدينارين، ~~ثم إن الله تعالى إنما أجاب عن هذا السؤال بقوله: {وأحل الله البيع وحرم ms407 ~~الربا} [البقرة: 275]، فلولا أن النص خير من القياس، وإلا لصار هذا الجواب ~~باطلا، ولصار قياس الكفار حقا": # والجواب عما ذكره: أن هذا إن صح كما قرره، فليس من باب التخصيص، وإنما هو ~~من فساد الوضع، وهو إسقاط موجب النص جملة؛ فالقياس والتخصيص جمع في العمل ~~بين الدليلين، فشتان ما بين البابين. # قوله: "الحجة الرابعة: أن الدليل على إثبات القياس قوله تعالى: ~~{فاعتبروا} [الحشر: 2]، وقول معاذ: "أجتهد رأيي" ... والإجماع. ولكن إنما ~~يمكن إثباته بعمومات ضعيفة؛ كقوله تعالي: {ومن يشاقق الرسول} [النساء: ~~115]، و {كنتم خير أمة} [آل عمران: 110]، وعلي هذا: لا يمكن إثبات القياس ~~إلا بعمومات ضعيفة ... " إلى آخره: # الحاصل: أنه يزعم أن أدلة القياس ضعيفة، وأن الإجماع الذي استند إليه ~~القياس في غاية الضعف؛ فإنها عمومات بعيدة قابلة للتأويلات القريبة، وأن ~~القياس الذي وجب العمل به إنما يدل بعد إثبات مقدمات كثيرة، وهي ثبوت الحكم ~~في الأصل، وثبوت دليل يدل على تعليله، ودليل علي تعليله بالعلة المعينة، ~~ودليل على انتفاء الموانع في الأصل، ودليل على تحقيق ذلك المعنى في الفرع، ~~ودليل على انتفاء ما يعارضه في الفرع، وهذه مقدمات كثيرة، والعمل بالعموم ~~لا يتوقف إلا على مقدمة واحدة، وهي بيان أن هذا العام متناول لهذا الفرد، ~~فاحتمال الغلط فيه أقل؛ فالعمل به أولى. # والجواب أن يقال: لا مستند للعمل بالعموم إلا الإجماع؛ فإن العمل به عمل ~~بالظن، فلولا إسناده إلى الإجماع القاطع، لما وجب العمل به، فإذا كان ~~الإجماع إنما عمل به للعمومات، كان دورا، ولزم ألا يكون العموم حجة. ثم لو ~~سلمنا أنه دليل على الجملة، لكنه ظني، PageV02P428 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والعمومات على درجات في الظن؛ لظهور بعض أدواته دون بعض، ولانقسامه إلى ~~ما ظهر فيه قصد العموم أو أنه سيق لبيان الحكم، وإلى ما لم يسق لذلك؛ كأخذ ~~أبي حنيفة وجواب الزكاة في الخضراوات مثلا من قوله -عليه السلام-: "فيما ~~سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر"؛ فإنه لم يسق لبيان ~~ما تجب فيه الزكاة، وإنما سيق لبيان قدر ms408 المأخوذ؛ PageV02P429 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فدلالته على وجوب الزكاة في الخضراوات في غاية الضعف، وكاستدلالهم على ~~طهارة جلد الكلب بالدباغ؛ بقوله - عليه السلام -: "أيما إهاب دبغ، فقد طهر" ~~مع وروده على سبب، وهو شاة ميمونة، ومع أن جلد الكلب من الصور الشاذة التي ~~لا تخطر بالبال عند إطلاق PageV02P430 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # العموم، ومع تطرق التخصيص إلى أكثرها، وضعف تأويلها، فمثل ذلك من عموم ~~الكتاب إذا عارضه قياس أصله منصوص عليه بالتواتر، وعلته منصوص عليها ~~بالتواتر، وهي متحققة قطعا في الفرع، ولم يفارق الأصل الفرع إلا في أوصاف ~~طردية- فكل منصف يعلم ترجيح مثل هذا القياس علي عموم مخصص، وما ذكره بعد ~~ذلك تبشيع وتشنيع علي أدلة الأحكام الشرعية، وقدح في جميعها؛ فإنه إذا كان ~~يزعم أن دلالة الألفاظ القاطعة تتوقف على عشرة أمور متعددة أو متعسرة، ~~والظنون كلها تستند إلى الإجماع، والإجماع به يستند إلى العموم- لم يبق ~~للظن قاطع يستند إليه، وكان عملا بالظن، بل الحق الذي لا مراء فيه أن لنا ~~نصوصا قواطع بالقرائن، وأن من الإجماع ما هو قطعي إليه يستند العمل بجميع ~~الظنون، وقد قرر ذلك مفصلا في مواضعه بما فيه كفاية، والله أعلم. PageV02P431 ### | AUTO الباب العاشر في بقية الكلام من هدا العلم، وفيه مسائل # : ### || AUTO المسألة الأولى # اختلف القائسون في إصابة المجتهدين. وضبط الأقوال فيه: أنه: إما أن يقال: ~~حصل في الواقعة حكم معين؛ وهو مطلوب المجتهد، أو لم يحصل ذلك: # فإن قلنا: حصل فيه حكم معين، فهل يحصل العقاب، والإثم للمخطئ؟ قال الأصم ~~وابن علية: يحصل. وقال جمهور الفقهاء: لا يحصل. # === # الباب العاشر في بقية الكلام من هذا العلم، وفيه مسائل: # [قوله]: " ### || AUTO المسألة الأولى # : # اختلف الناس في إصابة المجتهدين": # الكلام في هذه المسألة يستدعي ذكر مقدمة في بيان ماهية الاجتهاد، ومن له ~~أهلية الاجتهاد ومحل الاجتهاد: # أما الاجتهاد لغة، فهو: عبارة عن بذل الوسع في فعل من الأفعال يقال له: ~~اجتهد في حمل الصخرة، ولا يقال: اجتهد في حمل نواة. وقد خص في لسان حملة ~~الشريعة ببذل الوسع في في الأحكام الشرعية. ms409 # وأما الأهل: فله أوصاف وشرائط، وبيان ضبطها من حيث الإجمال والتفصيل: PageV02P432 # وأما إن قلنا: لم يحصل في الواقعة حكم معين، فهل هناك حكم، لو قدرنا أن ~~الله تعالى يذكر حكما معينا، لوجب أن يذكره أم لا؟ : # فالأول: مذهب من يقول: إنه لا حكم في الواقعة إلا أنه حصل ما هو أشبه ~~بالصواب عند الله تعالى. # [و] الثاني: قول من يقول: ليس في الواقعة حكم أصلا، وإنما الحكم يتبع ~~الاجتهاد. # === # أما الإجمال، فهو المستقل بمعظم أحكام الشرع نصا واستنباطا، وأشرنا ب ~~"النص" إلى الكتاب والسنة، وب "الاستنباط" إلى الأقيسة والمعاني. # وأما من حيث التفصيل: فيشترك فيه العقل، والبلوغ، ولا يشترط فيه الذكورة ~~والحرية، ويحتاج بعد العلم بتصديق الله -تعالى- ورسوله إلى العلم باللغة ~~والنحو والتصريف، وطريق البلاغة؛ فإن مأخذ الشريعة ألفاظ القرآن المعجز ~~ببلاغته ونظمه وأسلوبه ومعناه، وألفاظ السنة؛ فلا بد من أهلية الفهم ~~للمعاني المشعرة بها والمستودعة في سياقها وترتيبها وتنزيلها؛ على ما لا ~~يخل بفصاحتها، ولا يستقل بذلك إلا مبرز في العلم باللسان، ونهج البلاغة، ~~ولا يشترط فيه معرفة غرائب اللغة. # ومن شرائطه أن يكون عالما بالكتاب والسنن المتعلقة بالأحكام مميزا بين ~~صحيحها وسقيمها، وأحوال الرواة في التعديل والترجيح، وعالما بسيرة الصحابة، ~~وبما اجتمعت عليه الأمة؛ كيلا يخرق إجماعا. وأن يكون عالما بالمتقدم ~~والمتأخر من النصوص، والناسخ والمنسوخ. وأن يكون عالما بوجوه دلالات ~~الأحكام الشرعية وشرائطها، وكيفية استثمار الأحكام منها، وهو العلم الملقب ~~ب "أصول الفقه". # ولا يستقل بالنظر دون معرفة استعمال الأدلة بشرائطها، والتمكن من استنباط ~~أحكام الله تعالى بالنظر في الطرق الموصلة، فتخرج الفروع على حكم أصولها. ~~وأن يكون عالما بمراتب الأدلة، وما يجب تقديمه منها، ولا بد أن يكون له ~~فقه، وهي غريزة لا يتعلق بها الكسب. # وإذا كان بهذه الصفة، وجب عليه أن ينظر في الأحكام باجتهاده، ويحرم عليه ~~تقليد غيره في ما له أهلية دركه، إلا أن يكون حكما يجب له أو عليه لغيره؛ ~~فيجب رجوعه فيه إلى حاكم يحكم بينهما باجتهاده. وإذا صار من ms410 أهل الاجتهاد ~~بما ذكرناه -لم يجب قبول قوله فيما يفتي به غيره، إلا أن يكون ثقة عدلا ~~مأمونا في دينه، وإذا كان بهذه الصفة، وجب على العامي الرجوع إلى قوله، ~~وقبول فتواه. والعامي الذي يجب عليه أن يستفتي: هو من ليس له ما ذكرناه من ~~آلة الاجتهاد. # وقال بعض المعتزلة: لا يجوز للعامي أن يقلد في دينه، ويجب عليه أن يقف ~~على طريق الحكم، وإذا سأل العالم، فإنما يساله عن طريق الحكم بمنزلته، فإذا ~~عرفه، وجب عليه العمل PageV02P433 # والمختار عندنا: أن الوقائع على قسمين: # منها: ما لله تعالى فيها حكم معين، وهو مطلوب المجتهد. # ومنها: ما ليس لله فيها حكم ثبوتي محدد؛ وإنما حكمه فيها براءة الذمة، ~~والبقاء على العدم الأصلي. # === # به -وهذا بعيد؛ وقد قال الله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون} [الأنبياء: 7]، وقال -عليه السلام-: "ألا سألوا إذا لم يعلموا؛ ~~فإنما شفاء العي السؤال" ولا يمكن حمله على الوقوف على مأخذ الأحكام ومعرفة ~~استثمارها منها؛ فإن ذلك يستدعي مدة طويلة بعد جودة PageV02P434 # والذي يدل على صحة قولنا وجوه: # الأول: أنه إذا اعتقد أحد المجتهدين أن الطعم أولى بكونه علة لحرمة ~~الربا، [و] الثاني اعتقد أنه ليس أولى بهذه العلية -فهذه الصفة في نفس ~~الأمر: إن كانت أولى بهذه العلية- كان الثاني مخطئا، وإن لم تكن أولى ~~بالعلية، كان الأول مخطئا؛ فثبت أنه لا بد وأن يكون أحدهما مخطئا في نفس الأمر. # === # الفطرة، ووجوب ذلك على الأعيان يفضي إلى تعطيل المعاش الذي به قوام ~~الوجود، وليس ذلك في وسع غالب الناس؛ ويؤدي إلى تكليفهم بما لا يطاق، وهو ~~كإلزام الأعمى أن يتعلم أسباب القبلة. # وقد اختلفوا في أنه: هل يصح الاتصاف بأهلية الاجتهاد في بعض الأحكام دون ~~بعض؟ ، والأقرب صحته؛ فإنه لا مانع أن يكون عالما بأحكام المواريث، محكما ~~لأصولها دون غيرها؛ كما أنه يكون عالما بأسباب القبلة والأوقات دون غيرها. # واحتج المصححون بأنه إذا اطلع على ما يتعلق بالمسألة، فلا فرق بين نظره ~~ونظر المجتهد المطلق. # واعترض ms411 عليه بأنه قد يكون لما لم يعلم تعلقه بما علمه، ويعتقد خلافه. # وأجيب عن الجواب بأن الشرط حصول جميعها في ظنه. # واحتج أيضا بما روي عن مالك؛ أنه سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست ~~وثلاثين: لا أدري. # وأجيب: بأن ذلك للتثبت أو العجز عن المبالغة في الحال. # وبالجملة فلم يصر أحد إلى أنه يشترط في المجتهد أن يكون عالما بكل مسألة ~~ترد عليه، وقد توقف كثير من الصحابة في كثير من المسائل. # وقال بعضهم: من أفتى في كل مسألة ما يسأل عنه، فهو مجنون؛ بل الشرط ألا ~~يفتي إلا فيما يعلم. # وهل تقبل فتوى مبتدع لا يكفر ببدعته؟ فيه من الخلاف ما تقدم ذكره في ~~الإجماع. # ومما ينبه له أن المجتهد لا يجوز له الحكم ما لم يستفرغ جهده في التخصيص، ~~والمعارض للحكم. # وكيفية اجتهاده: # قال الشافعي: "إذا رفعت إليه واقعة، فليعرضها على نصوص الكتاب، فإن ~~أعوزه، فعلى الأخبار المتواترة، ثم على الآحاد، فإن أعوزه، لم يخض في ~~القياس، بل يلتفت إلى ظواهر القرآن، فإن وجد ظاهرا، نظر في المخصصات من خبر ~~أو قياس، فإن لم يجد مخصصا، حكم به، وإن لم يعثر على لفظ من كتاب الله ~~تعالى وسنة رسوله، نظر في PageV02P435 # الثاني: أن المجتهد: إما أن يكلف بأن يبني الحكم على طريق، أو لا على ~~طريق: والثاني باطل؛ لأن القول في الدين بمجرد التشهي باطل بالإجماع؛ فثبت ~~أنه لا بد من طريق، فذلك الطريق: # إما أن يكون خاليا في نفس الأمر عن المعارض، أو لا يكون خاليا عنه: # فإن لم يكن له معارض، تعين ذلك الحكم؛ فيكون تاركه مخطئا. # وإن كان له معارض: # فإما أن يكون أحدهما راجحا على الآخر، أو لا يكون: # فإن كان أحدهما راجحا، كان العمل به واجبا بالإجماع؛ فتاركه يكون مخطئا. # === # المذاهب فإن وجد فيها مجمعا عليها، اتبع الإجماع، وإن لم يجد إجماعا، خاض ~~في القياس، ويلاحظ القواعد الكلية أولا". # وليس فيما ذكره مستدرك سوى تأخيره الإجماع، وهو متقدم في العمل؛ وإنما ~~آخره؛ ms412 لأنه إنما كان حجة؛ لتضمنه النص أو استناده إليه، وإذا أعوزه الجميع، ~~رجع إلى البراءة الأصلية. # والغرض أنه متى يتعين عليه أن يحكم مع بذل وسعه؟ : فيه أربعة أقوال: # قيل: يكفيه غلبة الظن بالانتفاء. # وقيل: لا بد أن يحصل له اعتقاد جازم وسكون نفس؛ بحيث لا يجوز وجدان مخصص، ~~ولا معارض. # وقال القاضي: لا بد أن يبحث حتى يحصل له علم، وهو قريب من الأول، إلا أنه ~~يعتقد أن كل مجتهد مصيب، وقد ذكر طريقين في القطع ضعيفين: # أحدهما: أنه إذا فرض النظر في مسألة قتل المسلم بالذمي مثلا، تمسك بقوله ~~-عليه السلام-: "لا يقتل مؤمن بكافر"، وهي مسألة طال البحث فيها بين ~~العلماء، ومع بحثهم عن المعارص لو كان فيها مخصص أو معارض غيره ما اشتهر ~~ذكره ولما ظهر. وهذه طريقة ضعيفة؛ فإنه لا يكاد يعرف الخوض في جميع ~~المجتهدين في كل مسألة، وهذا الذي ذكره على سبيل الفرض. PageV02P436 # وإن لم يكن أحدهما راجحا، فحكم تعارض الأمارتين: إما التخيير، وإما ~~التساقط والرجوع إلى غيرهما؛ وعلى كلا التقديرين: فحكمه متعين؛ فمخالفه ~~يكون مخطئا؛ فثبت أن المصيب على كلا التقديرين واحد. # === # المسلك الثاني الحكم لو كان خاصا، لنصب الله عليه للمكلف دليلا يخصصه، ~~ولو كان لوقف عليه بعد البحث. وهذه أيضا ضعيفة؛ لأنه لا يبعد اطلاع بعض ~~العلماء عليه، وإن لم يبلغ ذلك المجتهد. # وقال الغزالي: يشترط في حقه قطع وظن: # أما القطع: فبالإضافة إلى نفسه بأن يحس العجز من نفسه. # أما الظن: فبانتفاء الدليل المخصص والمعارض في نفس الأمر. # تتمة: ذكر الغزالي في صفات المجتهد تحقيقات: # منها: أنه قال: لا يجوز التقليد في قواعد الإيمان، ولا شك أنه من مبادئ ~~العلوم الشرعية كلها، ويكفي لمن أراد البحث في علم أن يأخذ مبادئه من علم ~~آخر مسلمة، لكنه لا يكون عالما بذلك الفن، فإذا توقف العلم بأن يكون هذا ~~حكم الله تعالى على معرفة الله تعالى، وثبوت الصدق لله تعالى ولرسوله - ~~عليه السلام - والمقلد متى شك، لزم من أشكه، الشك في ms413 أن هذا حكم الله ~~تعالى؛ فلا بد إذن من معرفته لثبوت الأهلية والرسالة وما يتوصل إليها، وزعم ~~أنه يكفيه لإحاطة بأحكام القرآن، وأنها خمسمائة حكم. وهذا في غاية البعد؛ ~~فإنه ما استخرجه العلماء من الكتاب من الأدلة لا يكاد ينحصر لا سيما إذا ~~ركب الدليل من مقدمات، يستدل على كل مقدمة بنص خاص أو بنص على إحداها، ~~وإجماع على الأخرى، أو سنة أو عادة، أو عقل، والحكم يستند إلى المجموع؛ ~~فإذن لا بد من العلم بجميعه. # وللشافعي وغيره غرائب في استخراج الأحكام من لوازم النصوص؛ كالاستدلال ~~على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر من قوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ~~[الأحقاف: 15] وقوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة} [البقرة: 233] وكالاستدلال على صحة صوم الجنب بمدة غاية إباحة ~~الوطء إلى الفجر؛ لقوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر} [البقرة: 187]. # ثم قال: يكفيه من السنة الإحاطة بأحاديث الأحكام فقط. وفيه نظر، فقد احتج ~~الشافعي بأن أكثر الحيض خمسة عشر يوما من قوله - عليه السلام -: "تقعد ~~إحداكن شطر عمرها لا تصلي" PageV02P437 # والثالث: أن المجتهد مستدل بشيء على شيء، والدليل لا بد وأن يكون موجودا ~~قبل التأمل فيه وقبل طلبه، والدليل إذا كان دليلا على الحكم، والمدلول سابق ~~على الدليل الذي هو سابق على التأمل فيه؛ فيكون الحكم سابقا على الاجتهاد؛ ~~فالقول بأن الحكم تابع للاجتهاد يوجب كون المتقدم متأخرا؛ وهو محال. # === # في معرض المبالغة في نقص الدين، فلو كان أكثر منه، لم تكن مبالغة. ثم ~~قال: "ولا يلزمه حفظهما -يعني: آي الأحكام والسنة- بل يكفيه أن يكون عالما ~~بمواقعها في الكتاب والسنة. ثم زعم أنه يرجع في التعديل والترجيح لأئمة ~~الحديث، وهو محض تقليد. # وجميع ما ذكرناه شرائط المفتي المطلق، وهو المجتهد في الدين. ودونه ~~المجتهد في المذهب، وهو الذي له مكنة بتخريج الوجوه على نصوص إمامه؛ كابن ~~سريج وأبي حامد بالنسبة إلي مذهب الشافعي، ومحمد بن الحسن وأبي يوسف بالنظر ~~إلي مذهب أبي حنيفة، وابن ms414 القاسم وأشهب بالنسبة إلى مذهب مالك. ودونه ~~المجتهد في الفتوى في مذهب خاص وهو الذي له مكنة في ترجيح بعض الأقوال ~~والأوجه على بعض. # أما المجتهد فيه، وهو محل الاجتهاد: فهو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع؛ ~~فتخرج منه العقليات، وموانع الإجماع وما علم كونه من الشرع ضرورة. وانبنى ~~على هذا أنه ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا، وأن المخطئ فيها مخالف ملة ~~الإسلام؛ أعني فيما يرجع إلى العقائد. PageV02P438 # احتج القائلون بأنه لا حكم إلا ما يحصل بعد الاجتهاد: بأن الفقهاء أجمعوا ~~على أن المجتهد مأمور بأن يعمل بمقتضى ظنه، ولا معنى لحكم الله إلا ما أمره ~~به، فإذا كان مأمورا بالعمل بمقتضى ظنه، فإذا عمل به كان مصيبا؛ لأنه قاطع ~~بأنه عمل بما أمره الله تعالى وذلك يدل على أن كل مجتهد مصيب. # === # وذهب الجاحظ والعنبري إلى أن كل مجتهد في الأصول مصيب، وليس مرادهما أن ~~الاعتقادين على النقيض حق معا، ولا مطابق للحقيقة؛ لأن ذلك معلوم البطلان ~~بالضرورة، وإنما أرادا سقوط الإثم كما في الفروع، وهو خلاف الإجماع من ~~علماء الشريعة قاطبة. ثم العلم الضروري حاصل بأن النبي أمر اليهود والنصارى ~~بالإيمان، وكفرهم على الإصرار، وقاتلهم عليه، وكان يكشف عن مقتدرهم فيقتل ~~من أنبت منهم من غير تفصيل، ولو كان فيهم معذورون، لبحث عنهم؛ صيانة لدم ~~المعصوم؛ كما لو عرف فيهم مسلما، هذا مع كثرة الآيات الدالة على وعيد ~~الكفار مطلقا لمن تتبعها. # واختلفوا في أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل كان متعبدا ~~بالاجتهاد فيما لا نص فيه؟ والظاهر جوازه؛ وبه قال أحمد وأبو يوسف. # وقد جوزه الشافعي في "الرسالة"، ومنعه بعض أصحابه، وأبو الحسين ~~والجبائيان. # وقيل له: ذلك في الحروب دون الأحكام. # وقال العراقي: لا خفاء بالجواز. والغالب على الظن وقوعه. # واحتج المثبتون بقوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159]، ~~والمشاورة إنما تكون PageV02P439 # والجواب: أن كثيرا من الناس قالوا: إنه مأمور بأن يعمل على وفق الدليل، ~~ولا يجوز له أن يعمل بمقتضى اجتهاده، حين ms415 يشرع في الاجتهاد على الإطلاق. # ولئن سلمنا؛ لكن لم لا يجوز أن يقال: إن المجتهد -حين شرع في الاجتهاد- ~~كان مأمورا بطلب الحكم الذي عينه الله تعالى، ونصب عليه الدلالة والأمارة، ~~ثم لما أمعن المجتهد فكره، وعجز عن الوصول إليه، تغير حكم الله تعالى، ~~واكتفي فيه بالقدر الذي وصل إليه، وهذا كما أن السيد الرحيم الحليم يقول ~~لعبده: "افعل كذا وكذا، فإن ثقل # === # فيما طريقه الاجتهاد؛ وبقوله تعالى {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: ~~43]، ولا يمكن فيما علم مثله بالوحي. # واحتج أيضا بقوله تعالى: {فاعتبروا} [الحشر: 2] وهو عام فيندرج فيه، ولأن ~~العمل بالاجتهاد أشق؛ فكان أفصل؛ لقوله - عليه السلام -: "أفضل العبادات ~~أحمزها" وبقوله -عليه السلام-: "العلماء ورثة الأنبياء"، ومن المحال: أن ~~يورث ما لم يملك، وبقوله -عليه السلام-: "أرأيت لو تمضمضت"، وبقوله: "أرأيت ~~لو كان على أبيك دين". PageV02P440 # الأمر عليك بعد الشروع، فإني أكتفي منك بمقدار ما وصلت إليه"؛ فكذا ههنا. # === # واحتج أبو يوسف بقوله تعالى: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: ~~105]، وقرره الفارسي، فقال: {أراك} هنا لا يستقيم لإرادة العين؛ لاستحالته ~~في الأحكام، ولا بمعنى الإغلام؛ لوجوب ذكر المفعول الثالث لذكر الثاني؛ لأن ~~المعنى بما أراكه الله؛ ليتم الكلام، فوجب أن يكون تقديره: بما جعله الله ~~لك رأيا، وهو المقصود. # واحتجوا بأنه أعلم بطريق الاستنباط وأبعد عن الخطإ إن جوز عليه، ولا يقر ~~عليه بالإجماع؛ فلو لم يقض به، لكان تاركا لحكم الله تعالى في ظنه، وهو ~~حرام بالإجماع. # وأجيب بأن ذلك فرع للتعبد به، ولو سلم أنه ليس فرعه، فالعمل بالظن مشروط ~~بعدم معرفة الوحي، وأنه قادر عليه. # واحتج المانعون بقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ~~[النجم: 3، 4]، واعترض بأنه ظاهر في الرد عليهم فيما يقولونه في القرآن، ~~ولو سلم: فإذا تعبد بالاجتهاد بالوحي، لم ينطق عن الهوى. # قالوا: لو جاز لجاز أن يخالفه غيره، وأنه لا يذم مخالفه؛ لأنه من أحكام ~~الاجتهاد. # واعترض بأنه إذا كان الإجماع في اجتهاد يذم مخالفه، فاجتهاده ms416 - عليه ~~السلام - أولى. # قالوا: لو كان مجتهدا لما تأخر في أجوبة كثيرة من الأحكام؛ لوجوب ~~الاجتهاد عليه. # واعترض: بأنه يتوقف؛ لجواز الوحي المشروط عدمه في الاجتهاد، أو لاستفراغ ~~الوسع في الاجتهاد. # قالوا: هو قادر على اليقين فيحرم عليه العمل بالظن، وينسخ حكمه بالشهادة ~~وبالأيمان. # ومما اختلفوا فيه: جواز الاجتهاد لغيره في عصره، وفيه أقوال: # قيل: يجوز مطلقا. # وقيل: لا يجوز مطلقا. # وقيل: يجوز لقضاته ونوابه في غيبته. # وقيل: يجوز بإذن خاص. # ومنهم من توقف مطلقا. PageV02P441 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومنهم من توقف بحضرته. # وأكثر أصحاب الشافعي على الجواز. # واحتجوا: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر سعد بن معاذ أن يحكم في ~~بني قريظة، وهو حاضر، فحكم، وصوبه، وقال: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ~~أرقعة". # وبتقريره معاذ بن جبل على قوله: "أجتهد رأيي". # وقرر أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- حيث قال: لاها الله إذا لا يعمد إلى ~~أسد من أسد الله -تعالى- يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "صدق". # واحتج المانعون: بأنه عمل بالظن مع القدرة على اليقين بمراجعته، - عليه ~~السلام -. # واعترض: بأن الغائب غير قادر على المراجعة فيما لا يحتمل التأخير، ~~والحاضر يغلب على ظنه العدم، وبالنقض بالعمل بخبر الواحد. # عدنا إلى مسألة الكتاب في تصويب المجتهدين: # قوله: "وضبط الأقوال فيه أنه إما أن يقال: إنه حصل في الواقعة حكم معين، ~~وهو مطلوب المجتهد، أو لم يحصل حكم معين: فإن قلنا: حصل فيها حكم معين، فهل ~~يحصل العقاب، والإثم للمخطىء؟ # قال الأصم وابن علية: يحصل. # وقال جمهور الفقهاء: لا يحصل. # وإذا قلنا: إنه لم يحصل في الواقعة حكم معين، فهل هناك حكم لو قدرنا أن ~~الله يذكر PageV02P442 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # حكما معينا، لوجب أن يذكره، أو لا؟ # فالأول: مذهب من يقول: لا حكم في الواقعة إلا أنه يحصل حكم هو أشبه ~~بالصواب عند الله تعالى. # والثاني: قول من يقول: ليس في الواقعة حكم أصلا، وإنما يتبع الحكم ~~الاجتهاد": # وقد أوجز في نقل المذاهب ها هنا، فلنذكرها على وجه أبسط من ms417 هذا؛ فإن هذه ~~المسألة من أمهات المسائل، وينبني عليها مسائل كثيرة. وبالجملة، فكل مسألة ~~فرعية اجتهادية لا نص فيها؛ فإن فيها اختلافا بين النظار في أمور يترتب ~~بعضها على بعض. # وقد ذهب جمهور المتكلمين إلى أن كل مجتهد مصيب. وقال قوم: المصيب واحد. ~~وقد اختلف الفريقان معا في أن لله -تعالى- فيها حكما معينا، وهو مطلوب ~~الناظر، أو لا؟ # فذهب جمهور المصوبة إلى أنه لا حكم فيها، بل الحكم فيها يتبع الظن؛ وحكم ~~الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه، وهو مذهب ابن الباقلاني والأشعري ~~منا وأبي هاشم وابنه من المعتزلة، وبعض الفقهاء إلا أن منهم من قال ~~بالأشبه، وهو أن الله تعالى لو حكم فيها بحكم، لكان هو ذلك الحكم، وعزاه ~~الغزالي في "المنخول" إلى ابن سريج. # ومنهم من فسره بالأقرب من الأصلين اللذين تتردد الواقعة بينهما: فمن ظفر ~~به، فقد أصاب، ومن لا فقد أخطأ. # ومنهم من فسره بما يظهر للفقيه في مجاري نظره وهذا لا ضابط له؛ فإن ذلك ~~قد يتعارض. # وذهب بعض المصوبة إلى أن لله -تعالى- فيها حكما معينا يتوجه الطلب إليه؛ ~~إذ لا بد لكل طالب من مطلوب، ثم اختلفوا: # فمنهم من قال: لا دليل عليه، ولا أمارة، بل هو كدفين يعثر عليه. # ومنهم من قال: عليه أمارة ظنية، لكنا ما كلفنا بها؛ لخفائها. وهذا قول ~~كثير من الفقهاء، ونسبه بعضهم إلى الشافعي وأبي حنيفة. # ومنهم من قال: إن المجتهد مكلف بطلبها، لكن إن أخطأها بعد بذل وسعه، تعين ~~تكليفه، وصار متعلقه اتباع ظنه، وسقط الإثم تخفيفا. # ونقل الأئمة عن الأستاذ أبي إسحاق وجماعة من المتكلمين، منهم ابن فورك ~~وأبو بكر بن مجاهد، أن المصيب واحد، وأن لله تعالى في كل واقعة حكما، وهو ~~مطلوب بالاجتهاد، وأن عليه أمارة. ويعزى هذا أيضا إلى الشافعي، ونقل الرواة ~~الخلاف في التصويب والتخطئة عن الأئمة الأربعة، وعزا القاضي مذهبه إلى ~~الشافعي، وقال: لو لم يصر إليه لكنت لا أعده من أحزاب الأصوليين. # وقال الشيرازي: قال أكثر أصحاب ms418 الشافعي: نصب الله على الحق دليلا، وجعل ~~إليه PageV02P443 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # سبيلا، وكلف المجتهد إصابته، وجعل للمصيب أجرين، وعذر المخطىء، وجعل له ~~أجرا على قصد الصواب. # قال: وقال الطبري: قاله الشافعي، وحمله جماعة من أصحابه، ونسب بعض ~~المتأخرين إليه في المسألة قولين تخريجا. وقال المزني: اتخاذ الإصابة مذهب ~~أصحابنا المتقدمين والمتأخرين. # وقال أبو إسحاق المروزي: لا أعلم أحدا من الأصحاب اختلف في ذلك من مذهبه ~~إلا ما نسبه إليه من لا يعرف مذهبه من المتأخرين في قوله: أدى ما كلف به. ~~وكل موضع وقع فيه ذلك؛ فإن قبله أو بعده نصا على ذلك أن الحق واحد، وإنما ~~أراد بذلك حط الإثم عنه؛ لأنه لم يأل جهدا في اجتهاده، والكل متفقون على ~~سقوط الإثم عند الخطإ؛ لإجماع الصحابة؛ فإنهم اجتهدوا، واختلفوا، ولم ~~يؤثموا. # وخالف في ذلك بشر المريسي، وزعم أن على الحكم دليلا قاطعا، وأن المجتهد ~~مكلف بإصابته، وأن مخطئه آثم، وتابعه على ذلك الأصم وابن علية من القائلين ~~بالقياس، ووافقه جميع فقهاء نفاة القياس، ومنهم الإمامية؛ فإنهم قالوا: لا ~~مجال للنظر في الأحكام، والعقل قاض بالنفي في جميع الأحكام إلا ما استثناه ~~دليل سمعي؛ فما أثبته دليل سمعي، فهو ثابت، وما لا، فهو على النفي الأصلي، ~~وإنما استقام لهم هذا المذهب بإنكارهم العمل بخبر الواحد والقياس؛ كما ~~أنكروا الحكم بالعموم، والظاهر المحتمل. # قال الغزالي في "المستصفى": ويلزمهم عليه منع التقليد، قال: وقد ركب بعض ~~معتزلة "بغداد" رأسه في الوفاء بهذا؛ وقال: على العامي أن يسأل المجتهد عن ~~مأخذ الأحكام، فإذا وقف عليه عمل، ومن تصفح دواوين الفقه، علم عزة نص قاطع ~~في الأحكام المجتهد فيها، ولو كان لم يخف مع شدة الطلب على الباحثين عادة، ~~وما اختلف فيه الصحابة من المسائل وسوغوا الاجتهاد فيها وأقروا عليه، لا ~~يلقى فيه قاطع. # وبشر ومتبعوه والإمامية محجوجون بإجماع الصحابة، وساعد بشر مع التخطئة ~~والتأثيم على أنه لا ينقض قضاء القاضي به، وخالف الأصم. PageV02P444 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ومختار المحصلين ما نقله الشيرازي عن جمهور أصحاب الشافعي أن لله تعالى ~~في ms419 الواقعة حكما، وأن عليه دليلا ظنيا، وأن المجتهد مكلف بإصابته، وأن ~~المصيب واحد، وأن الإثم محطوط عن المخطئ، وأنه لا ينقض إن لم يخالف قياسا ~~جليا؛ هذا إذا لم يكن في الواقعة نص معلوم، فإن كان فيها نص، فقصر في طلبه، ~~فمخطئ آثم بالحكم، وإن لم يقصر، فالصحيح أنه مخطئ غير آثم، وأنه ينقض إن ~~كان صريحا بعيدا عن قبول التأويل اللائق، وقد أشرنا إلى بعض أدلة هذه ~~الدعاوى في غضون الكلام، وستأتي الحجج على ما بقي منها، إن شاء الله تعالى. # قوله: "والمختار عندنا: أن الوقائع على ضربين: منها ما لله تعالى فيه حكم ~~هو مطلوب المجتهد، ومنها ما ليس فيه حكم ثبوتي، وإنما حكمه براءة الذمة، ~~والبقاء على العدم الأصلي": # يعني: أن نفي الحكم الشرعي ليس بحكم شرعي، وإلا لكان قسيم الشيء قسما ~~منه، ولا يقال: هذا قول متناقض؛ فإن البقاء على الأصل حكم بالسلب؛ لأنا ~~إنما نعني بالسلب الأحكام الخمسة لا عموم السلب؛ فلا تناقض. # قوله: "والذي يدل على صحة قولنا وجوه: # الأول: أنه إذا اعتقد أحد المجتهدين أن الطعم أولى؛ لكونه علة لحرمة ~~الربا، والثاني اعتقد أنه ليس أولى- فهذه الصفة في نفس الأمر: إن كانت أولى ~~بالعلية، كان الثاني مخطئا، وإن لم تكن أولى بالعلية، كان الأول مخطئا؛ ~~فثبت أنه لا بد وأن يكون أحدهما مخطئا في نفس الأمر": # والاعتراض عليه أن يقال: قد قررنا أن الأحكام ليست صفات للمحال، ولا ~~تابعة لأوصاف المحال؛ فإن ذات الخمر وشربها لم تختلف قبل التحريم ولا بعده، ~~ولم تكن محرمة ولا الإسكار علة، ثم صار شرابها حراما والإسكار علة وما ثبت ~~للذات أو للازم الذات لا يزول، وإذا رجع الحكم إلى محض تعلق الخطاب ~~بالأفعال، وكانت المؤاخذة فيه مشروطة بالاطلاع، ولا قاطع- فلا يمتنع أن ~~يقول الشارع لشخص: افعل كذا، ولآخر: لا تفعله في زمن واحد؛ فلا أولوية إلا ~~في ظن المجتهد، ولا يمتنع أن يغلب على ظن أحد المجتهدين طرب، وعلى ظن آخر ~~عكسه، وهو الذي أوجب الشارع عليه ms420 اعتقاده، وألزمه العمل به بالإجماع، ولو ~~حكم بغيره حينئذ، لأثم ونقض بالإجماع. # قوله: "الثاني: أن المجتهد: إما أن يكون مكلفا بأن يبني الحكم على طريق: ~~أو لا على طريق: والثاني: باطل؛ لأن القول في الدين بمجرد التشهي باطل؛ ~~فثبت أنه لا بد من طريق: وذلك الطريق إما أن يكون خاليا في نفس الأمر عن ~~المعارض أو لا يكون خاليا عن المعارض، فإن كان خاليا عن المعارض تعين ذلك ~~الحكم؛ فيكون تاركه مخطئا. فإن كان له معارض: فإما أن يكون أحدهما راجحا ~~على الآخر، أو لا يكون أحدهما راجحا: فإن كان أحدهما راجحا، كان العمل به ~~واجبا بالإجماع، ويكون تاركه مخطئا، وإن لم يكن أحدهما راجحا، فحكمه حكم PageV02P445 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # تعارض الأمارتين: إما التخيير، واما التساقط والرجوع إلى غيرهما، وعلى ~~التقديرين فحكمه متعين وتاركه يكون مخطئا، فثبت أن المصيب على كل التقديرات واحد": # والاعتراض عليه أن يقال: قوله: "إما أن يكون مكلفا بأن يبني على طريق أو لا": # قفنا: مكلف بأن يبني على طريق. # قوله: "فثبت أنه لا بد من طريق": # قلنا: في نفس الأمر أو في ظنه؟ : الأول: ممنوع، والثاني: مسلم، وعند ~~الخصم أنه إذا غلب على ظنه مساواة الفرع الأصل، وأن المسألة إذا دارت بين ~~أصلين، وهي أقرب إلى أحدهما من الآخر- كان ذلك طريقا لظن الحكم؛ فيجب عليه ~~اعتقاده، والجزم بأنه مكلف به عند ظنه بالإجماع، وليس للأمارة وجه مرتبط ~~على التحقيق لا عقلي، ولا عادي، بخلاف الأدلة؛ وإلا لما انتفى الحكم ~~بالمعارض؛ وإنما يختلف أمرها باختلاف الناظرين فيها؛ فرب أمارة تحرك ظن ~~مجتهد، ولا تحرك ظن غيره؛ كما رأى أبو بكر - رضي الله عنه - التسوية في ~~العطاء، وقال: الدنيا بلاغ، وإنما أسلموا لله؛ وأجورهم على الله تعالى، ~~ورأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- ألا يسوي بين الفاضل والمفضول، وقال: ~~كيف يسوى بين من ترك ماله وأهله وهاجر إلى الله -تعالى- ورسوله وبين من ~~أسلم كرها تحت ظلال السيوف، ورأى التفاوت، وأمضاه حين صار الأمر إليه، وكل ~~واحد منهما سمع أمارة صاحبه، ms421 ولم يمله. # قوله: "وإن كان خاليا عن المعارض تعين ذلك الحكم، فيكون تاركه مخطئا": ~~يقال له: لم قلت: إنه إذا كان خاليا عن المعارض في نفس الأمر، يكون خاليا ~~عنه في ظن المجتهد؛ فإنما يتعين الحكم به إذا كان خاليا في ظنه؛ فإنه لا ~~يكلف بخلاف ظنه بالإجماع. # قوله: "فإن كان له معارض: فإما أن يكون أحدهما راجحا على الآخر أو لا ~~يكون: فإن كان أحدهما راجحا كان العمل به بالإجماع": يقال له: العمل ~~بالإجماع مشروط بظنه، ولا يلزم من رجحانه في نفسه، رجحانه في ظنه. # قوله: "وعند التساوي: إما التخير أو التساقط": يقال له: لا نسلم بعين أحد ~~الأمرين، بل يمكن أن يقال بالوقف. # قوله: "الثالث: أن المستدل يستدل بشيء على شيء، والدليل لا بد وأن يكون ~~موجودا قبل التأويل فيه، وقبل طلبه، والدليل إذا كان دليلا على الحكم، ~~فالمدلول كان سابقا على الدليل الذي هو سابق على التأمل فيه؛ فيكون الحكم ~~سابقا على الاجتهاد، فالقول بأن الحكم يكون تابعا للاجتهاد يوجب كون ~~المتقدم متأخرا -يعني بدرجتين- وهو محال": # وحاصله أن النظر لا بد له من موضوع وهو محل نظر الناظر، وموضوع النظر في ~~الأحكام الاجتهادية الأمارات، وللأمارة على الحكم ارتباط ما على الجملة، ~~يعبر عنه بالدلالة، والدلالة نسبة بين الأمارة والحكم، والنسبة بين الشيئين ~~تستلزم سبق الشيئين عليها، فإذا توقف الحكم PageV02P446 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # على ثبوت الأمارة، وثبوت الأمارة على النسبة، والنسبة على الحكم- لزم سبق ~~الحكم في نفس الأمر على النظر والظن؛ فلا يكون تابعا للظن، وهذا الوجه أقوى ~~ما يذكر من المآخذ العقلية في المسألة. # والاعتراض منع أن للأمارة وجها وارتباطا في نفس الأمر، فقد فرق الخصم ~~بينها وبين الدليل. سلمناه، لكن لم قلت: إن الطلب مستمر عليه بعد بذله ~~الوسع، وعجزه عن الاطلاع، وما المانع أن يقال: انتقل تكليفه -والحالة هذه- ~~إلى العمل بما غلب على ظنه وهو مصيب؛ لأنه أدى ما وجب عليه أولا وآخرا. # واحتجوا من السمع بقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم} [آل عمران: ms422 7]، ولولا أن ثم حكما معينا، لما حسن ذلك. # وأجيبوا بأن في تفسير المتشابه اختلافا للعلماء، وما تحتمله الألفاظ ~~الواردة المتوهمة في الأسماء والصفات المترددة بين ما يصححه العقل وبين ما ~~يمنعه؛ كالاستواء، وكقوله: {ونفخت فيه من روحي}؛ لتردد الاستواء بين القهر ~~والاستعلاء المجوز عقلا، والاستقرار الممتنع على الله تعالى عقلا، وتردد ~~الإضافة بين التشريف؛ كبيت الله، وناقة الله وغيرها؛ فالراسخ في العلم يعلم ~~من المتشابه الوجه الذي يشابه الحق به، فيرده إليه، ثم لو سلم حمل المتشابه ~~على المتشابه في الأحكام الشرعية- فيجوز تخصيصه بما فيه نص أو إجماع. # واحتجوا بقوله - عليه السلام -: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإن ~~اجتهد فأخطأ فله أجر". # وأجيب بأنه لا يكون مخطئا إلا إذا أخطأ نصا أو إجماعا أو قياسا جليا، ~~وخفي ذلك عليه بعد البحث، وفيه بعد، فإن التقسيم يشعر بحكم جملة أحواله. # واحتجوا بإجماع الصحابة على إطلاقهم الخطأ في الاجتهاد من غير نكير. # قال أبو بكر الصديق: أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابا، فمن الله ~~تعالى، وإن يكن خطأ، فمني ومن الشيطان"، وعن عمر أنه حكم بحكم، فقال له ~~رجل: هذا -والله- هو الحق، فقال عمر: إن عمر لا يدري أنه أصاب الحق، لكنه ~~لم يأل جهدا. # وعن علي في المرأة التي استحضرها عمر، فأجهضت جنينا، فقال عثمان وعبد ~~الرحمن بن عوف: إنما أنت مؤدب، لا نرى عليك شيئا، فقال علي: إن كانا اجتهدا ~~فقد أخطآ، وإن لم يجتهدا، فقد غشاك. أرى عليك الدية. # وعن علي، وزيد، وابن مسعود: أنهم خطئوا ابن عباس في رد العول، وخطأهم هو ~~أيضا، PageV02P447 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وذلك شائع من غير نكير في إطلاقه. # واعترض عليه: بأنه قد يكون الخطأ بمخالفة نص أو قياس جلي. # وأجيب عنه: بأن التخطئة وقعت في المسائل الاجتهادية، ولا تقصير ظاهر في ~~مجتهد من الصحابة، ومما يشنع به مخصصو التصويب: قولهم لخصومهم: تصويب كل ~~مجتهد يؤدي إلى الجمع بين النقيضين، وهو كون الشيء الواحد حراما حلالا، حتى ~~بالغ بعضهم، فقال: "هذا المذهب أوله سقسطة، وآخرة ms423 زندقة"، وأكدوه بما لو ~~تزوج مجتهد شافعي مجتهدة حنفية، فقال لها: أنت بائن، ثم قال: راجعتك، ~~والرجل يعتقد الحل، والمرأة تعتقد الحرمة، ويلزم من صحة المذهبين حلها ~~وحرمتها. وبما لو تزوج حنفي امرأة بغير ولي، ثم نكحها مجتهد آخر بولي؛ ~~فيلزم في صحة المذهبين حلها لهما معا. ومن ذلك أن يستفتي عامي مجتهدين ~~مختلفي الاجتهاد: فإن عمل بأحدهما، كان تحكما، وإلا لزم المحال، أو الترك لهما. # وأجيب: بأن هذا لازم على المذهبين، ويمكن الخروج منه بالرفع إلى حاكم، ~~ويجب اتباعه. # وأما العامي، فحكمه حكم تعارض الأمارتين لدى المجتهد. # ومما تمسكوا به: أنه لو اجتهد اثنان في جهة القبلة، وأدى اجتهاد كل واحد ~~منهما إلى جهة غير جهة الآخر، لم يأتم أحدهما بالآخر. # ولو كان كل مجتهد مصيبا، لصح الاقتداء، وهو ضعيف: # أما أولا فليست المسألة إجماعية، وقد قال أبو ثور: "يصح الا قتداء، أو ~~يصلي كل واحد إلى جهة غلبة ظنه، كالمستقبلين في البيت". # وأما ثانيا: فليس كل من صحت صلاته في نفسه، صح الاقتداء به؛ فإن أحد ~~الخنثيين لا يأتم أحدهما بالآخر؛ لاحتمال أن يكون الإمام أنثى، والمأموم ~~ذكرا، مع صحة صلاة كل واحد منهما، بل يعتبر في الاقتداء شرائط آخر. وههنا ~~في تقدير صحة صلاة المأموم بطلان صلاة إمامه؛ لاستحالة كون القبلة في ~~جهتين، فالاجتهاد في القبلة كالاجتهاد في مسألة فيها نص؛ وقد تعين في الا ~~قتداء في هذه الصلاة الخطأ في المأموم، واحتجوا بقوله تعالى: {وداوود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 78 - 79]، واختصاص ~~سليمان بالتفهيم دليل على اختصاصه بالإصابة و"نفشت" أي: انتشرت فيه ليلا، ~~والقول بأنهما لم يحكما عن اجتهاد، بناء على أنه لا يسوغ PageV02P448 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # اجتهاد الأنبياء؛ لقدرتهم على اليقين بالوحي، أو بنزول نص موافق لحكم ~~سليمان، أو حمل الأمر على شبهة في الواقعة اختص بحلها سليمان-: لا يسوغ؛ ~~فإن الصحيح جواز اجتهاد الأنبياء على ما بيناه، وأنهم لا يقرون على الخطإ، ms424 ~~وفي تقدير نزول نص موافق لحكم سليمان تسليم للمسألة، وحمل الأمر على حل ~~شبهة تأويل تخالف نص الآية؛ فإنها مصرحة بالحكومة؛ وأقوى الحجج هذه، وحجة ~~الإجماع والخبر. # قوله: "واحتج القائلون بأنه لا حكم إلا ما يحصل بعد الاجتهاد؛ بأن ~~المجتهد مأمور بأن يعمل على ظنه، ولا معنى لحكم الله تعالى إلا ما أمر به، ~~فإذا كان مأمورا بالعمل بمقتضى ظنه، وعمل به -كان مصيبا؛ لأنه قطع أنه عمل ~~بما أمر به، وذلك يدل على أن كل مجتهد مصيب": وهذا واضح المراد. # قوله: و"الجواب. . ." إلى آخره: # حاصله وجهان: # أحدهما: مغ أنه كلف بمجرد ظنه، وإنما كلف بالعمل على وفق الدليل. # والثاني: تسليم أنه مأمور بالعمل بظنه لكن بعد أن أمر أولا ببذل الوسع في ~~طلب الدليل وعجزه عنه فيصدق أنه مخطئ؛ لعدم اطلاعه عليه، وإن كان معذورا. # واحتجوا أيضا: بأنه لو كان في الواقعة حكم معين، لكان عليه دليل ظاهر؛ ~~لامتناع تكليف المحال، ولو كان عليه دليل ظاهر، لأمكن نيله، ويكون غير ~~نائله حاكما بغير ما أنزل الله؛ فيكون كافرا أو فاسقا، والكفر والفسق منتف ~~بالإجماع. لا يقال: الأدلة غامضة يصعب استخراجها، فكان غير المطلع عليها ~~معذورا؛ لأنا نقول: يلزم مثله في الأصول، ولم يعذر. # والجواب: أن يقال: ما المانع أنه يقال: إنه عند العجز حط عنه، وصار حكمه ~~حكم ما غلب على ظنه؟ # فروع: # [الأول]: المجتهد إذا تغير اجتهاده كما لو ظن الخلع على الثلاث فسخا، ~~فنكحها قبل أن تنكح زوجا غيره، ثم ظهر له بعد ذلك أنه طلاق-: فإن كان ذلك ~~بعد أن اقترن بالأول وحكم حاكم بصحته لم ينقض، وإن كان قبله، نقض، وسواء ~~كان في حق نفسه، أو في حق غيره. # ومنهم من قال: إن كان في حق غيره، لم ينقض. وهو ضعيف؛ لأن قول المجتهد هو ~~المتبع؛ فإذا تغير الأصل، تغير الفرع ضرورة، ولا ينقض الحكم بالاجتهاد منه، ~~ولا من غيره؛ لما يؤدي إليه من نقض النقض إلى غير نهاية، وتفويت مصلحة نصب ~~الحاكم، وينقض إذا ms425 خالف نصا قاطعا أو إجماعا أو قياسا جليا؛ لأنه لا يؤدي ~~إلى ذلك. # قال الغزالي: وينقض إذا خالف خبر الواحد الصحيح الذي لا يحتمل إلا ~~التأويلات البعيدة؛ كخبر النكاح بغير ولي ونحوه. PageV02P449 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # الفرع الثاني: إذا اجتهد وأدى اجتهاده إلى حكم، لم يجز له تقليد غيره ~~اتفاقا، فإذا لم يجتهد، فالأكثر على منع التقليد أيضا. # وقيل: فيما يفتي به، لا فيما يخصه. # وقيل: فيما لا يفوت وقته باشتغاله بالنظر، ويعزى لابن سريج. # وقال أحمد، وجماعة: يجوز مطلقا. # ولأبي حنيفة قولان. # وقال محمد بن الحسن: يجوز إن كان أعلم منه. # وقال الشافعي في القديم والجبائي: يجوز أن يقلد صحابيا خاصة أرجح من ~~غيره، فإن استووا، تخير، وقيل: تابعيا. # احتج المجوزون بقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7)} ~~[الأنبياء: 7]، وهو عالم. # واعترض بأن أهل الشيء هو المتأهل له، والمجتهدون كلهم أهل علم، فلم ~~يدخلوا تحت الأمر. # واحتج المخصص بالصحابي بقوله -عليه السلام-: "أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم"، وبقوله -عليه السلام-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدي". # واعترض بأنه خطاب للعوام. # واحتج المانعون بقوله تعالى: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} [الحشر: 2] وبأنه ~~متمكن من الأصل؛ فلا يجوز له البدل. # واحتجوا: بأنه لو جاز له التقليد قبل الاجتهاد، لجاز له بعده؛ لأن المانع ~~كونه مجتهدا. وأجيب: بأنه إذا اجتهد، حصل له الظن الأقوى؛ فكان أولى. # الفرع الثالث: لا يستقيم لمجتهد قولان متناقضان في شيء واحد؛ بخلاف ~~وقتين، أو لشخصين على القول بالتخيير عند التعادل، فإن رويا عنه، فالظاهر ~~أن الثاني رجوع عن الأول، فإن لم يعلم التاريخ، فيجب اعتقاد رجوعه عن ~~أحدهما، وكذلك لو كانتا صورتين متناظرتين، ولم يظهر فرق فالظاهر أيضا أن ~~الثاني رجوع، وقول الشافعي -رحمه الله-: "في المسألة قولان" في سبع عشرة ~~مسألة: إما على معنى أن الأدلة متعادلة فيها؛ فأنا مخير في القولين أقول ~~بهذا مرة، وبهذا مرة. وإما على أن فيها قولين للعلماء ويكون هو في مهلة ~~النظر. وإما على معنى أن فيها ما يقتضي للعلماء قولين من أصلين، ms426 أو من أصل ~~وظاهر، أو دليلين متعادلين، أو على معنى الإخبار وأنه تقدم منه فيها قولان، ~~والله أعلم. PageV02P450 ### || AUTO المسألة الثانية # اختلفوا في أنه: هل يجوز تعادل الأمارتين؟ # والمختار عندنا أن نقول: تعادل الأمارتين: إما أن يكون في حكمين متناقضين ~~والفعل واحد؛ وهو كتعارض الأمارتين على كون الفعل حراما ومباحا. وإما أن ~~يكون في فعلين متناقضين والحكم واحد؛ مثل وجوب التوجه إلى جهتين غلب على ~~ظنه أنهما جهتا القبلة: # أما القسم الأول: فهو في الجملة جائز؛ لأنه يجوز أن يخبرنا رجلان بالنفي ~~والإثبات، وتستوي عدالتهما في الظن. وأما في الشرع فغير واقع؛ لأنه لو ~~تعادلت أمارتان على كون هذا الفعل مباحا وحراما: فإما أن نعمل بهما معا، أو ~~نتركهما معا، أو نرجح إحداهما على الأخرى، أو نحكم فيه بالتخيير: # والأول: باطل؛ لأنه يوجب الجمع بين النقيضين. # === # قوله: " ### || AUTO المسألة الثانية # : اختلفوا في أنه: هل يجوز تعادل الأمارتين؟ والمختار عندنا أن نقول: ~~تعادل الأمارتين: إما أن يقع في حكمين متناقضين، والفعل واحد؛ وهو كتعارض ~~الأمارتين في كون الفعل حراما مباحا. وإما أن يقع في فعلين متناقضين، ~~والحكم واحد؛ كالتوجه إلى جهتي القبلة: # أما القسم الأول: [فهو في الجملة جائز]؛ فإنه يجوز أن يخبرنا رجلان ~~بالنفي والإثبات، وتستوي عندنا عدالتهما في الظن. # يعني: أن هذا جائز بالنسبه إلينا وواقع. # قوله: "وأما في الشرع، فهو غير واقع" يعني: لما يلزم منه من المحال ~~بالنسبة إلى الله تعالى. # وبالجملة: فلم يختلف العلماء في استحالة تقابل دليلين عقليين؛ ~~لاستلزامهما النقيضين. # واختلفوا في جواز تقابل الأمارتين في نفس الأمر، لا بالنسبة إلى نظرنا؛ ~~أعني: على حكمين متناقضين مع اتحاد الفعل- فالجمهور على جوازه. # واختلفوا في حكمه عند الوقوع: فذهب القاضي ابن الباقلاني منا، وأبو هاشم، ~~وأبو علي من المعتزلة إلى أن حكمه التخيير. # وذهب بعض الفقهاء: إلى التساقط والرجوع إلى الأصل. وصار الكرخي وأحمد إلى ~~امتناعه، وظاهر اختيار المصنف أنه جائز غير واقع من الله تعالى؛ لما يؤدي ~~إليه من المحال؛ ويحتمل هذا موافقة الكرخي؛ فإن الممتنع ms427 لغيره كالممتنع ~~لنفسه، والكرخي لم يصرح بأن الامتناع فيه للنفس. PageV02P451 # والثاني: باطل أيضا؛ لأنه لما تعذر العمل بهما جميعا، كان وضعهما عبثا؛ ~~وهو على الله تعالى محال. # والثالث: أيضا باطل؛ لأنه يحصل الترجيح من غير مرجح. # والرابع: باطل أيضا؛ لأنه يقتضي حصول التخيير بين الفعل والترك، وذلك ~~يقتضي ترجيح أمارة الإباحة على أمارة الحرمة؛ وقد ثبت أن هذا الترجيح باطل. # أما القسم الثاني -وهو تعادل الأمارتين في فعلين متناقضين، والحكم واحد-: فهذا # === # قوله: "لأنه لو تعادلت أمارتان على كون هذا الفعل مباحا حراما: فأما أن ~~يعمل بهما معا أو يتركا أو ترجح إحداهما على الأخرى، أو يحكم فيهما ~~بالتخيير: والأول باطل, لأنه يوجب الجمع بين النقيضين. والثاني أيضا: باطل؛ ~~لأنه لما تعذر العمل بهما جميعا، كان وضعهما عبثا، وهو محال على الله ~~تعالى. والثالث: باطل؛ لأنه يقتضي الترجيح من غير مرجح، وهو محال. # والرابع: باطل؛ لأنه يقتضي حصول التخيير بين الفعل والترك، وذلك ترجيح ~~أمارة الإباحة على أمارة الحرمة، وقد ثبت أن هذا الترجيح باطل": # والاعتراض عليه من وجهين: # أحدهما: اختيار القسم الثاني، وهو الترك لهما، أو التساقط والرجوع إلى ~~الأصل؛ كما صار إليه بعض الفقهاء. # قوله: "إن نصبهما على هذا التقدير يكون عبثا": # قلنا: لا نسلم، ولم قلت: إنه يلزم من عدم اطلاعنا على حكمة في النصب - ~~انتفاء الحكمة في نفس الأمر، وأي مانع من اشتماله على حكمة استأثر الله ~~بها، وهذا إذا سلمنا أن مثل هذا يقال: إنه عبث، وقد عرف من أصول الأشعرية ~~أنهم لا يوقفون أحكام الله تعالى ولا أفعاله على مصالح العباد، وإنما هو ~~مذهب المعتزلة. # الوجه الثاني: اختيار القسم الرابع، وهو التخيير؛ كما صار إليه القاضي. # قوله: "إنه يقتضي حصول التخيير بين الفعل والترك وذلك يقتضي ترجيح أمارة ~~الإباحة": قلنا: لا نسلم أن التخيير في العمل بأحد الأمارتين، تخيير بين ~~الترك والفعل وإن أخذ بأمارة الحرمة لم يكن مخيرا بين الفعل والترك؛ ~~لاختلاف متعلقي التخيير وحكمهما، فإن أخذ بأمارة الإباحة - كان مخيرا بين ~~الفعل ms428 والترك؛ بل كان ممنوعا من الفعل على هذا التقدير؛ وهذا كتخيير ~~المسافر بين الأخذ بدليل الرخصة والاقتصار على ركعتين، وبين الأخذ بدليل ~~العزيمة والتزام الأربع؛ وكقول من له على غيره أربعة دراهم معينة: وهبتك ~~منها درهمين، فإن قبلت، فأنا مطالب لك بدرهمين، وإن لم تقبل، فأنا مطالب لك ~~بأربعة. # قوله: "وأما القسم الثاني، وهو تعادل الأمارتين في فعلين متناقضين والحكم ~~واحد - فهو جائز، ومقتضاه التخيير ... ": PageV02P452 # جائز، ومقتضاه التخيير؛ ويدل عليه قوله -عليه السلام- في زكاة الإبل: "في ~~كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة"؛ فمن ملك مائتين، فقد ملك أربع ~~خمسينات وخمس أربعينات، فهو مخير بين إخراج الحقاق وبنات اللبون. # === # كما مثله فيمن ملك مائتين من الإبل؛ فإن الواجب فيها أربع حقاق أو خمس ~~بنات لبون، لاشتمالها على أربع خمسينات، وعلى خمس أربعينات. وهذا واضح، ~~ونظيره من صلى بالكعبة. # وتمام البحث بذكر أحكام تتعلق بالمقلد في الفروع، ويجب عليه التقليد؛ ~~لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء 7] وقوله - ~~عليه السلام - -: "ألا سألوا إذا لم يعلموا". # وخالف بعض المعتزلة، وأوجبوا عليه النظر وسؤال العالم؛ ليعين له الطريق؛ ~~فينظر ويعمل. # ولنا: إجماع الأمة في كل عصر قبل حدوث هذا الخلاف وبعده على ترك الإنكار ~~على العوام في الاقتصار على مجرد الاستفتاء، وتقليدهم في الفتوى، ولأن ~~تكليفهم ذلك تعطيل عن طلب المعاش وفساد العالم. # لا يقال: إنما يلزم ذلك لو وجب على المجتهد النظر في أخبار الآحاد ~~والأقيسة، وعندنا لا حجة في شيء من ذلك، وإنما أساس الاجتهاد أمور ثلاثة: ~~البراءة الأصلية، وإباحة الملاذ، وحرمة المضار، وكل عقل سليم يدرك ذلك من ~~غير حاجة إلى صرف زمان يؤدي إلى تعطيل المعاش, وعند عدم الإحاطة بهذه ~~الأمور، فهو متمسك بالبراءة إلا أن ينقله عنها نص قاطع, ومن لم يستقل بهذه ~~الأصول فليسأل المفتي عنها؛ فإنه يدركها في أيسر زمان. # وهذا سؤال تورده الشيعة؛ والجواب عنه: أنا قد أبطلنا قاعدة التحسين ~~والتقبيح العقلي، وبينا وجوب الرجوع إلى العمومات والأقيسة وأخبار الآحاد، ~~وقررنا ms429 ذلك في مواضعه بما فيه غنية. # وإذا تقرر هذا، فنقول: ليس للعامي أن يستفتي من لم تثبت عنده أهليته لذلك ~~بالنظر اللائق المغلب على ظنه، ومما يدركه به أن يظن علمه وورعه, , والعامي ~~قادر على ذلك حسب قدرته على غلبة ظنه بحذق طبيب، وسائر أرباب الحرف، وذلك ~~بالتسامع، وازدحام أعيان الناس عليه، والتصدي على ملإ من أهل العلم للفتوى، ~~وثناء أهل الحق عليه مع اشتهاره بملازمة العلماء PageV02P453 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والمصابرة على الحفظ والتكرار والسؤال زمانا طويلا يظن فيه حصول أهلية ~~الفتوى. # وأما الورع، فبملازمة السمت الحسن، والمحافظة على واجبات الدين والمروءة. # لا يقال: العامي إنما يرجع في جميع ما ذكرتموه إلى ظن؛ إذ لا بصيرة له، ~~وربما رجح المفضول على الفاضل؛ اغترارا منه بأمور ظاهرة, , فإن كان يقنع ~~بهذا القدر، فليبحث في أصل المسألة؛ فإنه لا يعجز عن مثل هذا الظن. # لأنا نقول: قدرته على تحصيل ما ذكرناه ظاهرة، وتعذر أسباب الاجتهاد في ~~اقتناص الأحكام عليه أيضا ظاهر؛ لتوقفه على الشرائط المذكورة في صفات ~~المجتهد المتقدم ذكرها. # فرع: # إذا اختلف عليه المفتون: # فمنهم من خيره، ولم يكلفه اجتهادا وراء ما ذكرناه وهو الأصح؛ واحتج بأن ~~العلماء في كل عصر لم ينكروا على العوام استفتاء المفضول مع القدرة على ~~استفتاء الفاضل. # ومنهم من أوجب عليه طلب الترجيح بزيادة علم أو ورع ويعزى لابن سريج، وإن ~~تعارضا فزيادة العلم أولى، فإن استويا، فلا طريق إلا التخيير. # فرع: # إذا علم مذهب المجتهد الميت العدل، فالمشهور أنه لا يجوز تقليده؛ فإن ~~الميت لا مذهب له، ولا ينسب إليه قول في الحال. # فإن قيل: فما فائدة دواوين المذاهب، ونقل مقالات العلماء؟ # قيل: له فائدتان: # إحداهما: معرفة طرق الاجتهاد، وكيفية بناء الحوادث بعضها على بعض. # والأخرى: معرفة المتفق عليه والمختلف فيه. # يتجه أن يقال: مذهب الميت معتد به، لا سيما في زماننا؛ لعدم المجتهدين, ~~ولو بطل مذهب المجتهد بموته، لما كان إجماع السلف بعد انقضاء عصرهم حجة، ~~ولكانت الواقعة بعد موتهم خالية عن فتوى المتقدمين, والله أعلم. # فرع: ms430 # إذا عمل العامي بقول مجتهد في حكم، فليس له الرجوع عنه إلى غيره اتفاقا. # وأما في حكم آخر، فقيل: المختار جوازه للقطع بوقوع ذلك في زمن الصحابة ~~وغيرهم من PageV02P454 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # غير نكير، وأما إن التزم مذهبا معينا، كمذهب مالك والشافعي مثلا - ففيه ~~ثلاثة أقوال: # الثالث: إن وقعت حادثة، فقلده فيها، فليس له الرجوع. # فرع: # اختلفوا في جواز إفتاء من ليس بمجتهد بمذهب مجتهد: # المشهور: أنه يجوز. وقال أبو الحسين: إنه لا يجوز. والمختار: إن كان ~~مطلعا على مآخذ مجتهده، أهلا للنظر فيها، جاز، وإلا فلا. # احتج المجوز مطلقا بأنه ناقل؛ فلا فرق؛ كالأحاديث. # واعترض بأن الخلاف ليس في النقل، بل في تخريج فروعه على أصوله. # واحتج المانع بأنه لو جاز لجاز للعامي؛ لأنه لم يسأل إلا عما عنده. # والاعتراض بأنه لا "عند" للعامي. # وأقل درجات المفتي: أن يكون له أهلية ترجيح وجه على وجه بمآخذ الإمام. # "خاتمة" # المختار: أنه لا يكتفي بالتقليد في علم التوحيد؛ خلافا لبعض الأصوليين، ~~والكثير من الفقهاء. # وقال أهل الظاهر: يحرم النظر العقلي. # لنا: أن الله -تعالى- أمر بالنظر والاعتبار، وذم التقليد في آي كثيرة، ~~وليس مذموما في الفروع بالإجماع؛ فتعين أن يكون في علم التوحيد؛ ولأن ~~الصحابة أجمعوا أيضا على ذمه من غير نكير، ولأنه لو اكتفي به، فلا يخلو: ~~إما أن يقال له: قلد من شئت أو المحق: والأول: خلاف الإجماع، وإلا لكان ~~مقلد الكفرة ممتثلا, والتقييد بالمحق: إما في نفس الأمر أو عنده؟ : وفي نفس ~~الأمر لا سبيل إلى معرفته بلا دليل، وتكليفه به ولا دليل عليه من تكليف ~~المحال, وإن كان مقيدا بالمحق عنده، فلا يعرف أنه المحق- مع أن الأقوال ~~متكافئة, فكل يزعم أنه المحق -إلا بالنظر في دليله, , ومتى نظر في دليله، ~~وعلم صحة قوله- خرج من كونه مقلدا؛ فإن التقليد قبول قول الغير من غير دليل ~~على عين المطلوب. # واحتج المجوزون: بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل كلمتي الشهادة من ~~كل ناطق بهما، وأجرى عليه PageV02P455 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # أحكام الإيمان من غير سؤال عن معتقده: ms431 أهو عن دليل أو تقليد، وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". # وكذلك الصحابة من بعده قبلوا من غير تفصيل، وهذا إجماع واجب الاتباع. # وأجيب عنه: بأنه لا نزاع في إجراء أحكام الإسلام عليهم بذلك؛ فإنه مظنة ~~للإيمان والتصديق للباطن، وليس لنا طريق سوى ذلك؛ ولهذا قال - عليه السلام ~~-: "هلا شققت عن قلبه" وإنما البحث فيما بين العبد وبين ربه، وعليه يحمل ذم ~~التقليد الوارد في الكتاب العزيز، ويحمل عليه إجماعهم علي ذم التقليد للعلم ~~بأن إجماعين لا يتناقضان؛ كما ذكرناه، هذا طريق التوفيق، وإنما لم يسألهم - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ لظهور الآيات مع إقامته على الدعوة لهم مدة طويلة ~~يتلو عليهم آيات الكتاب، مع اشتمالها على دلائل التوحيد، مع كثرتها كثرة لا ~~تنحصر، مع علمهم بمواقع الخطاب، وإنما كان كفر أحدهم كفر عناد لا كفر ~~استتار؛ ولذلك فإنهم عند الدخول في الدين يدخلون فيه أفواجا. # واحتج أهل الظاهر بقوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} ~~[غافر 4]: # قلنا: محمول على الجدال بالباطل؛ لأن الجدال بالتي هي أحسن مأمور به؛ قال ~~الله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل 125]. # واحتجوا: بأنه - صلى الله عليه وسلم - خرج على الصحابة، فرآهم يتكلمون في ~~القدر، فغضب حتى احمرت وجنتاه، وقال: "إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في ~~هذا؛ عزمت عليكم ألا تخوضوا فيه أبدا"، وقال: "إذا ذكر القدر فأمسكوا". PageV02P456 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقال "عليكم بدين العجائز". # والجواب أن الحديثين الأولين يمنعان من الخوض في القدر بخصوص القدر، ونحن ~~نقول به، والثالث -إن صح- فالمراد مداومة الإخبات والخضوع. # واحتجوا بأنه لو كان واجبا، لكانت الصحابة أولى به، ولو كان، لنقل ~~كالفروع. # وأجيب بأنه لو لم يكن كذلك، لأدى إلى نسبتهم إلى الجهل بالله تعالى، ~~وتصديق رسوله، وهو باطل؛ فإن العلم بذلك ليس بضروري. # قالوا: لو كان واجبا، لأنكر الصحابة والتابعون وغيرهم على تاركه من ~~العوام مع أنهم أكثر الخلق. # وأجيب: بأنا ms432 إنما نوجب على العوام الدليل بطريق ما على الجملة، ولا نوجب ~~عليهم تحرير الأدلة، ودفع الشكوك والشبهات؛ فإن ذلك من فروض الكفايات، وهو ~~من الذب عن الدين لمن يبسط لسانه إليه؛ فيجب دفعه؛ كما يجب دفع من بسط يده ~~إلينا من الكفار للقتال، والله أعلم. PageV02P457 ### || AUTO المسألة الثالثة استصحاب الحال حجة. # ومعناه: أن العلم بكون الشيء معدوما أو موجودا، يقتضي ظن بقائه على تلك ~~الحالة في الماضي والمستقبل. # ويدل عليه وجوه: # الأول: أن الشيء -حال بقائه- غني عن المؤثر؛ إذ لو حصل له مؤثر، لكان ~~تأثيره: إما أن يكون في شيء صدق عليه أنه كان قبل ذلك؛ فحينئذ: يكون تأثير ~~ذلك المؤثر في تحصيل الحاصل؛ فهو محال. أو في شيء صدق عليه أنه ما كان قبل ~~ذلك؛ فحينئذ: يكون تأثيره في الحادث لا في الباقي. # === # قوله: "المسألة الثالثة: "الاستصحاب" استصحاب الحال حجة. # ومعناه: أن العلم بكون الشيء موجودا أو معدوما يقتضي ظن بقائه على تلك ~~الحال في الماضي والمستقبل": # اعلم: أن استصحاب الحال على ثلاثة أقسام: # الأول: استصحاب البراءة الأصلية، وهو دليل صحيح؛ إذا قرر بشروطه، يفزع ~~إليه المجتهد، ويعتمد عليه بعد بذل الوسع في طلب المعنى، وعدم اطلاعه عليه؛ ~~كالاحتجاج على اختصاص طهارة الجنب بالماء، ونفي وجوب الوتر، والأضحية وزكاة ~~الخيل، والخضراوات، وغير ذلك؛ فأدلة ثبوت الحكم النص والإجماع والقياس، ~~وينضاف إليها في مدارك النفي استصحاب البراءة, , وأما ضروب الاستدلال فما ~~عدا ذلك، فيرجع إلى الاستدلال بلوازم هذه الأدلة، والمعني بالرجوع إلى ~~البراءة أن لا حكم، ومن زعم أن الأفعال قبل ورود الشرع على الحظر، أو ~~الإباحة بمعنى التسوية، والدلالة على الإذن أو الوقف؛ لعدم الاطلاع على حكم ~~ثابت فيها - فجميع ذلك مبني على إثبات التحسين والتقبيح العقلي، وقد ~~أبطلناه. ولو سلم جدلا فيكفي في إبطال هذه المذاهب معارضة كل فريق لشبه ~~الفريقين الآخرين. # لا يقال: حاصل التمسك بالاستصحاب بعد ورود الشرع راجع إلى التمسك بعدم ~~العلم؛ لأنا نقول: ليس كذلك بل منه ما يرجع إلى العلم بالعدم، كنفي صوم ms433 ~~شوال، ومنه ما يرجع إلى الظن بالعدم, والظن في الأحكام الشرعية وفي وجوب ~~الاعتماد عليه - كالعلم. # ولا يقال: فجوزه في العامي؛ لأنه لا يعجز عن ذلك؛ لأنا نقول: بحث العامي ~~كتفتيش الأعمى في بيت لا يعهده عن بعض الأمتعة، والفرق بين طلبه وطلب ~~المجتهد كالفرق بين طلب البصير متاعا في بيب يعلم زواياه. # والأحسن في الاستدلال به مع قوله: لا نص ولا إجماع ولا قياس ببيان القدح ~~في نص PageV02P458 # وأما الشيء -حال حدوثه- فإنه يفتقر إلى المؤثر؛ لأنا بهذه المقدمات ~~أثبتنا القول بالصانع، والغني عن المؤثر راجح الوجود؛ لأنه لو لم يكن راجحا ~~- لكان: إما مساويا، أو مرجوحا؛ وعلى التقديرين: يفتقر إلى المرجح؛ فيلزم ~~أن يكون الغني عن المؤثر مفتقرا # === # خصمه أو تحقيق اختصاص مواقع الإجماع بما يمنع الإطلاق؛ كبيان اختصاص ~~الماء بالرقة واللطافة، واختصاص المخرج المعتاد بالتفات الشرع إليه في كثير ~~من الأحكام في مسألة الخارج من غير السبيلين. # القسم الثاني: استصحاب حكم النص إلى تحقيق الناسخ، أو العام إلى تحقيق ~~المخصص، أو المطلق إلى تحقيق المقيد، أو الاسم اللغوي إلى تحقيق الناقل من ~~عرف أو شرع، أو حكم معنى متحقق في المحل من طهارة أو نجاسة أو عقد، أو عاصم ~~وأشباه ذلك، وحاصله التمسك بذلك الدليل في غير الصورة مع عدم تبدل المحل. # القسم الثالث -وهو محل الخلاف على ما حكاه الشيرازي-: استصحاب الإجماع مع ~~تغير حال المحل؛ كاستصحاب الإجماع في المتيمم، إذا رأى الماء في أثناء ~~الصلاة، وهو استصحاب حكم حالة عدم الماء في حالة وجوده؛ وكاستصحاب بقاء مال ~~المرتد عليه؛ فإنه استصحاب حكم حالة العصمة على حال نفي العاصم؛ بمجرد أن ~~ما وجد، فالأصل بقاؤه. # وقد اختلف فيه: فذهب المزني والصيرفي وداود: إلى صحته، ومنعه القفال، ~~وابن سريج، وجمهور الحنفية، والمتكلمون، وهو الصحيح, , واختاره الغزالي. # واعتماد المجوز على أن ما تعذر فالأصل بقاؤه، وأن قول المجمعين كقول ~~الرسول في أنه حجة؛ فإذا وجب استصحاب قوله، وجب استصحاب حكم الإجماع، وكما ~~وجب استصحاب حكم البراءة والطهارة والنجاسة، وهذا ms434 باطل؛ فإن قول الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا كان خاصا بمحل، فلا PageV02P459 # إليه؛ وهو محال. وأما الحادث، فإنه ليس براجح الوجود في نفسه؛ إذ لو كان ~~راجحا، لكان رجحانه في نفسه يغنيه عن المؤثر؛ فحينئذ: يصير المفتقر إلى ~~المؤثر غنيا عن المؤثر؛ وهو محال؛ فثبت: أن الباقي راجح، والحادث مرجوح في ~~نفسه، والراجح في نفسه يجب أن يكون راجحا في الظن الصادق؛ فثبت أن البقاء ~~على ما كان أرجح في الظن الصادق من التغيير عما كان. # === # يجوز الاستدلال به في محل آخر إلا بالقياس؛ وكذلك الإجماع والبراءة ~~الأصلية متحققة في محل الخلاف وكذلك العام إشعاره باق في محل الخلاف، وسائر ~~المعاني المستصحبة، أما الإجماع، فقد تيقن زواله مع تبدل المحل؛ فدعوى ~~الإجماع في محل النزاع من أمحل المحال، وإن قال الخصم: أستصحب مستند ~~الإجماع كان استدلالا لا استصحابا. # قوله: "ويدل عليه وجوه": # وحججه عامة لجميع أقسام الاستصحاب في زعمه. # قوله: "الأول: أن الشيء حال بقائه غنى عن المؤثر؛ إذ لو حصل له مؤثر، ~~لكان تأثيره: إما أن يكون في شيء صدق عليه أنه كان قبل ذلك، فحينئذ يكون ~~تأثير ذلك المؤثر في تحصيل الحاصل، وهو محال. أو في شيء يصدق عليه أنه ما ~~كان قبل ذلك، فحينئذ يكون تأثيره في الحادث لا في الباقي, وأما الشيء حال ~~حدوثه، فإنه مفتقر إلى المؤثر، فإنا ببيان هذه المقدمة أثبتنا القول ~~بالصانع, , والغني عن المؤثر راجح الوجود في نفسه؛ لأنه لو لم يكن راجحا، ~~لكان إما مساويا أو مرجوحا، وعلى التقديرين يفتقر إلى المرجح؛ فيلزم أن ~~يكون الغني عن المؤثر مفتقرا إليه، وهو محال. # وأما الحادث، فإنه ليس براجح الوجود في نفسه؛ إذ لو كان راجحا، لكان ~~رجحانه في نفسه يغنيه عن المؤثر فحينئذ يصير المفتقر إلى المؤثر غنيا عنه، ~~وهو محال؛ فثبت أن الباقي راجح والحادث مرجوح، والراجح في نفسه يجب أن يكون ~~راجحا في الظن الصادق؛ [فثبت أن البقاء على ما كان، أرجح في الظن الصادق من ~~التغير عما] كان": ms435 # والاعتراض عليه: قوله: "إن الشيء حال بقائه غني عن المؤثر": # قلنا: لا نسلم. # قوله: "لأنه لو حصل بمؤثر، لكان تأثيره: إما أن يكون في شيء صدق عليه أنه ~~كان قبل ذلك، أو في شيء صدق عليه أنه ما كان قبل ذلك": # قلنا: تأثيره في شيء ما كان قبل ذلك. # قوله: "فحينئذ يكون تأثيره في الحادث، لا في الباقي": # قلنا: إنا لا نعني بالباقي -ههنا- إلا الحصول الثاني لما كان حاصلا من ~~الزمن الأول، ومفعول الحصول ثانيا مغاير للحصول أولا؛ فإن الحصول الأول ~~موصوف بالجواز؛ كحصول الجوهر في الزمن الثاني، وقد يكون موصوفا بالاستحالة ~~كحصول الحركة في الزمن الثاني PageV02P460 # الحجة الثانية: أنه لو لم يكن اعتقاد البقاء راجحا، على اعتقاد التغيير ~~-لما فهمنا من كلام أحد شيئا؛ لأنه لما كان اعتقاد بقاء هذه الألفاظ على ~~أوضاعها المتقدمة مساويا لاعتقاد تغييرها عن تلك الأوضاع-: بقي الذهن ~~مترددا بين الطرفين؛ فوجب ألا يحصل الفهم ألبتة. # الحجة الثالثة: أنا إذا خرجنا من الدار، فإن اعتقاد بقائها على ما كانت- ~~يكون راجحا على اعتقاد تغييرها عما كان؛ ويدل ذلك على كون اعتقاد البقاء راجحا. # الحجة الرابعة: أن الفقهاء أطبقوا على أنه متى حصل حكم، ثم وقع الشك في أنه: # === # بالاتفاق. وإذا كان غيره، والحصول الأول غير مستلزم له لم يكن فعله فعله، ~~ولا لازم فعله. فإذا كان غيره، وهو موصوف بالإمكان وكل ممكن فليس له الوجود ~~من نفسه - فوجوده من غيره؛ فإذن الحصول الثاني يفتقر إلى المؤثر وحصوله في ~~الزمن الثاني هو المعبر عنه في الحادث بالبقاء واستمرار الوجود؛ ويؤكد ذلك ~~أن كون العالم عالما لما كان في أول زمن الاتصاف لا يستغني عن علته، وهي ~~العلم- كان دوامه كذلك؛ وكذلك سائر الأحوال المعللة بالمعاني كالسوادية، ~~والبياضية وغير ذلك؛ وكذلك دوام الحكم لا يكفي فيه وجود الدليل الدال على ~~أصل ثبوته ما لم ينضم إليه أمر يدل على الدوام إما بلفظ, أو معنى كما قررنا ~~أن مطلق الأمر لا يدل على التكرار، ولا ينفيه، ولا يوجد الدوام إلا ms436 من ~~قرينة لفظية أو دوام معنى يقتضي دوام الحكم. # وإذا تحقق أن الممكن لا يستغني عن المؤثر في حال وجوده، ولا حال دوامه- ~~فقد بطل ما رتبه عليه من الترجيح. # قوله: "الحجة الثانية: لو لم يكن اعتقاد البقاء راجحا على اعتقاد ~~التغيير- لما فهمنا من كلام أحد شيئا؛ لأنه لما كان اعتقاد بقاء هذه ~~الألفاظ على أوضاعها المتقدمة مساويا لاعتقاد تغيرها عن تلك الأوضاع في ~~الذهن؛ فيكون مترددا بين الطرفين؛ فوجب ألا يحصل الفهم ألبتة": والاعتراض ~~عليه: لا نسلم أن الحكم بالبقاء يستند إلى مجرد أصل الوضع مع أن الأصل عدم ~~التغيير، بل لدلالة الاستقراء مع حكم العادة بأنه لو غير، لنقل واشتهر، ~~والعادة تستند لكثير من الأحكام. # قوله: "الحجة الثالثة: أنا إذا خرجنا من الدار، كان اعتقاد بقائها على ما ~~كان راجحا على اعتقاد تغيرها, وذلك يدل على أن اعتقاد البقاء راجح": # الاعتراض: أنا نحكم بالبقاء فيما تقضي العادة ببقائه، ولا نقضي ببقاء ما ~~لم تقض العادة ببقائه من رائحة أو حرارة ماء أو برده أو تأجج نار، وما أشبه ذلك. # قوله: "الحجة الرابعة: أن الفقهاء أطبقوا على أنه متى حصل حكم، ثم وقع ~~الشك في أنه هل طرأ المزيل أو لا؛ فإنه يرجع البقاء على ما كان، ولولا أن ~~البقاء راجح على جانب التغيير، وإلا لكان هذا ترجيحا من غير مرجح": PageV02P461 # هل طرأ المزيل أو لا؟ فإنهم يرجحون البقاء على ما كان، ولولا أن جانب ~~البقاء راجح على جانب التغيير - وإلا لكان هذا ترجيحا من غير مرجح؛ وهو باطل. # وإذا ثبت هذا الأصل، فنقول: إذا أردنا نفي حكم، قلنا: الدلائل الدالة على ~~الثبوت: إما النص، وإما الإجماع، وإما القياس، وقد فقد الكل؛ فوجب ألا يثبت الحكم. # فإن قيل: هذا الذي ذكرته دليل رابع مغاير للدلائل الثلاثة التي ذكرتها؛ ~~وهذا يقدح في قولكم: "والدلائل ليست إلا تلك الثلاثة: # فنقول: الدلائل الدالة على ثبوت الحكم ليست إلا تلك الثلاثة، وأما ~~الدلائل الدالة على بقاء ما كان، فتلك الثلاثة مع رابع هو التمسك ms437 باستصحاب ~~الحال، فأنتم لما ادعيتم أن البيع الفاسد يفيد الملك، فأنتم تدعون حدوث ~~الملك، فلما قلتم: "إن الدلائل الدالة على الحدوث ليس إلا تلك الثلاثة، وقد ~~فقد الكل؛ فوجب ألا يحصل الملك" -: كان الكلام مستقيما. # === # والاعتراض لا نسلم إطباق الفقهاء على ذلك؛ فإن مالكا لا يساعد على الشك ~~في الحدث، ولا الشك في الطلاق، وأصحاب الشافعي خالفوا هذا الأصل في مسائل: ~~فمن شك في وقت المسح أو انقضاء مدته أو انتهاء السفينة به إلى مقصده، أو أن ~~إمامه مقيم - فإنه لا يترخص، وكذلك إذا شك في خروج وقت الجمعة، لم يقمها، ~~أو عورض اشتباه منكوحته بأجنبية، ولو سلم، فإنما كان ذلك لدلالة الدليل ~~عليه، وضعف المعارض، لا لمجرد أن الحكم إذا ثبت وجب دوامه. ثم لو سلم له ~~دلالة جميع ما ذكره، فإنما يتجه مع بقاء صورة محل الحكم، أما مع تبدل ~~أحواله فلا، وهو محل النزاع؛ أعني استصحاب حكم الإجماع في صورة النزاع. # قوله: وإذا ثبت هذا الأصل، فنقول: إذا أردنا نفي حكم، قلنا: الدلائل ~~الدالة على الثبوت: إما النص، وإما الإجماع، وإما القياس، وقد فقد الكل؛ ~~فوجب ألا يثبت الحكم هنا": # هذا هو القسم الأول من الاستصحاب: وهو استصحاب البراءة الأصلية، وهو متفق ~~عليه، والمعتمد في الجزم في النفي بعد استفراغ الجهد من المجتهد وعدم ~~الاطلاع على المغير - إجماع السلف؛ إذ لولاه لكان الأقرب في موجب العقل بعد ~~بعثة الرسل، وعدم الوقوف على الناقل - الوقف؛ لأن الأصل قد عارضه النقل ~~الغالب. # قوله: "فإن قيل: هذا الدليل الذي ذكرتموه دليل رابع ... ": # والجواب عنه قد تقدم. هذا آخر ما ذكره. PageV02P462 # وأما نحن، فلما ادعينا أن هذا البيع فاسد - كان معناه: أن ذلك الملك بقي ~~على ملك البائع كما كان، فأمكننا إثباته بطريق رابع، وهو الاستصحاب؛ فثبت: ~~أن هذا السؤال غير لازم، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. # تم الفراغ من "كتاب المعالم" بحمد الله وحسن توفيقه، على يد العبد المذنب ~~الراجي عفو ربه محمد بن محمد المتفقه الآمدي في ms438 ذي الحجة. # === # فرع # المختار أن النافي عليه دليل. # وقيل: لا دليل عليه في الشرعيات دون العقليات. # ولنا: أن ما ليس بضروري لا يحكم به إلا بمستند، فإذا ادعاه، فليذكر ما ~~بنى عليه علمه أو ظنه، ولا يمكن اعتقاده دون مرجح. # والتحقيق أن هذا القائل إن عنى بأنه لا دليل عليه ألبتة، فخطأ فإنه يستدل ~~عليه بنفي اللازم، وبالمنافي، وبصيغ النفي من الكتاب والسنة، وبالمانع فيما ~~تحقق فيه المقتضي في الشرعيات. # واحتج النافي مطلقا: بأن من ادعى النبوة يطالب بالمعجزة، ومن أنكرها لا ~~يطالب، وبقوله - عليه السلام -: "البينة على من ادعى". PageV02P463 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # والاعتراض أنكم إذا لم يتم لكم هذا المذهب إلا بالاستدلال عليه، وجنحتم ~~إلى الاستدلال - كان في إثبات هذه الدعوى بالدليل نفيها؛ فإنها نفي لم يتم ~~إلا بالاستدلال. # وحجة منكر نبوة من ادعاها بغير معجزة بأن الله تعالى لا يبعث رسولا بغير ~~دليل، وعدم معجزته دليل على كذبه، والحديث معارض بقوله تعالى لقوم حكى عنهم ~~أنهم قالوا: {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة 111]؛ فطالبهم بالبرهان على النفي وبتمام ~~الحديث؛ فإنه قال: "واليمين على من أنكر"، فلم يتركه بمجرد نفيه، ولا اكتفى ~~منه بمجرد الاستصحاب، بل جعل في جانبه أضعف الحجتين: إما لتعذر إقامة ~~البينة على النفي العام، أو لقوة جانبه باستصحاب البراءة الأصلية. # واحتج المفصل بين الشرعيات والعقليات؛ بأن الإنسان لا يحتاج في علمه بأنه ~~ليس عنده PageV02P464 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # لمزيد شيء إلى دليل؛ بخلاف النافي لأمر عقلي؛ فإنه عليه واسطة تلزم من ~~غير مواقع الضروريات. # قلنا: الكلام في قبول قوله بغير مزيد، وإن كان لا يعرف إلا من جهته؛ فإنه ~~لا مانع من إسناده بيمينه. # هذا تمام الكلام على الأدلة المعتبرة شرعا، وقد تكلم الأصوليون على مدارك ~~اختلف فيها، وعبروا عنها بالمدارك المهمة منها: # قول الصحابي، وشرع من قبلنا، والاستحسان، والاستصلاح؛ فلنجر على عاداتهم ~~في ذلك. # مسألة: اختلف العلماء في قول الصحابي: # فقال قوم: حجة مطلقا. # وقال قوم: فيما خالف القياس ms439 لا غير. # ومنهم من قصره على الخلفاء الأربعة. # ومنهم من قصره على الشيخين. # وقال قوم: ليس بحجة مطلقا، وهو الصحيح، وقول الشافعي في الجديد، وأحد ~~قولي أحمد، وبعض الحنفية. # وقال في القديم: يقلد الصحابي؛ إذا انتشر قوله. وقال مرة: وإن لم ينتشر. ~~وعلى قولنا ليس بحجة يحصل الترجيح بموافقته على أصح الوجهين، احتج المجوزون ~~مطلقا بقوله - عليه السلام -: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". # واحتج المقيد بمخالفة القياس: بأنه لا يكون -والحالة هذه- إلا عن توقيف. # واحتج مخصصو الأربعة بقوله - عليه السلام -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدي". PageV02P465 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # واحتج مخصصو الشيخين بقوله - عليه السلام -: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي ~~بكر وعمر". # والاعتراض: أن هذه الأحاديث مع تعارضها في التعميم والاقتصار، وأنها ~~أحاديث في بيان قواعد كلية يستند إليها كثير من الأحكام بتقدير الصحة - ~~محمولة على خطاب العوام بقبول فتاويهم، وتلقي الشريعة عنهم، والسير ~~بطريقتهم في الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة؛ ويتعين صرفها. للعوام ~~بدليل إطباقهم على جواز مخالفة بعضهم بعضا في الاجتهاد، ولأن المجتهد متمكن ~~من درك الحكم بالدليل؛ فلا يسوغ له التقليد. ومن قيد بمخالفة القياس؛ لأنه ~~توقيف - فقد اعترف بأن قوله ليس بحجة، ويبقى النظر في أنه لم يقله إلا عن ~~توقيف، وليس بمتعين؛ لاحتمال اعتقاده ما ليس بقياس قياسا، أو التمسك بقياس ضعيف. # فإن قيل: أليس عبد الرحمن بن عوف عرض البيعة على علي بشرط اتباع الشيخين، ~~فأبى، وعرض ذلك على عثمان، فقبل؛ فاتفقوا على مبايعته؟ # قيل: أليس لم يلتزمه علي، ولم ينكر عليه؛ ويحمل على السيرة والسياسة لا ~~المذهب. # مسألة: # اختلف أن النبي قبل أن يوحى إليه مع القطع بأنه لم يشرك بالله طرفة عين: ~~هل كان على شريعة نبي؟ # أجمعت المعتزلة على أنه لم يكن على شريعة نبي. # قالوا: لأنه يورث النقيض؛ فإن التابع لا يكون متبوعا. # واختلف أصحابنا: فمنهم من قال: كان على شريعة نبي؛ فإن الانسلال عن ربقة ~~التكليف والخروج على ضوابط الشرع يزري بمنصبه، وقد ورد في الأخبار الصحيحة: ~~أنه كان يتحنث ms440 بحراء، ويصلي ويطوف. # ثم اختلفوا فمنهم من قال: كان على شريعة نوح. # وقيل: على شريعة إبراهيم، ومن شرع إبراهيم التوحيد، واستقبال القنلة، ~~والختان، وقد كان كذلك. # وقيل: على شريعة موسى. # وقيل: على شريعة عيسى؛ فإنها الناسخة لما تقدمها؛ لا يقال: كانت محرفة ~~مغيرة؛ لأنا نقول: كان فيهم أحبار يعرفونها على وجهها، وتحريف البعض لا ~~يمنع من اتباع البعض غير المغير. # ومن التزم أنه على شريعة إبراهيم، إذا قيل له: شريعة موسى وعيسى ناسخة، ~~يمنع عموم رسالتهما. PageV02P466 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # وقال قوم كان متبعا لما ثبت أنه شرع. # ومنهم من توقف. # وقال القاضي: أقطع بأنه لم يكن على شريعة نبي؛ إذ لو كان لتواتر؛ فإن ~~أحوال الرجل العظيم في مثل هذا تتوافر الدواعي على نقلها، نعم: كان على عقد ~~التوحيد. # واحتج له: بأنه لو كان موافقا لطائفة في شرعهم، لقضت العادة بمخالطتهم ~~ومراجعتهم؛ ليعلم، فيتبع. # وأجيب: بأن المتواتر فيها معلوم، وغيره لا يعتد به، وعدم المخالطة لا ~~تمنع الأسباب. # واحتجوا: بأنه لو كان على شريعة، لافتخر بها أهلها، ولنقل. # وأجيب: بأنه لم يثبت التعيين، واختار الغزالي الوقف، قال: وما ذكره ~~القاضي يعارضه أنه لو كان منسلا عن التكليف أربعين سنة متميزا عن أصناف ~~الخلائق بأجمعهم، لتوفرت البواعث على نقله، فإذ لم ينقل هذا ولا ذاك، ~~توقفنا. # قال: ولعل الله تعالى قطع بواعث الناس، وطمس حاله، والتحق هذا بمعجزاته. # إذا تقرر هذا، فنقول: اختلف العلماء في أنه بعد المبعث متعبد هو وأمته ~~بما علم أنه شرع من قبله: # فالمعتزلة على المنع، ومنعه كثير من الأشعرية. # وقال قوم: إنا متعبدون بذلك. ثم اختلفوا فيمن تتبع شريعته حسب اختلافهم ~~قبل المبعث. # وقال الشافعي في "كتاب الأطعمة": الرجوع في استحلال الحيوانات إلى النصوص ~~وآثار الصحابة، فإن لم تكن فإلى استخباث العرب واستطابتها، فإن لم يكن، فما ~~صادفناه حراما أو حلالا في شرع من قبلنا، ولم نجد ناسخا - اتبعناه. وعضد ~~هذا المذهب بأن نفس بعثة الرسل لا تتضمن نسخ الشرائع السابقة إذ أصحاب ~~الملل والشرائع من الأنبياء ستة وهم ms441 أولو العزم: "آدم" و"نوح" و"إبراهيم" ~~و"موسى" و"عيسى" و"محمد" - صلى الله عليه وعليهم أجمعين - فلا بعد في ~~التضافر على شرع واحد. # وقيل: قد كان في زمان موسى ألف نبي يحكمون بالتوراة، ولم ينقل عن الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - نص PageV02P467 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # في نسخ شرع من قبلنا، فإذا عجزنا عن مأخذ في شرعنا، رجعنا إليه؛ فإن ~~الأصل بقاؤه. # واحتجوا بقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ... } الآية ~~[المائدة 45]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "كتاب الله القصاص" وبقوله ~~-عليه السلام-: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" وتلى قوله ~~تعالى: {وأقم الصلاة لذكرى} [طه 14]، وهي لموسى والسياق يدل على استدلاله ~~بها، عليه السلام. # واحتج بقوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]، ~~أي: بشرعهم. PageV02P468 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # واستدل بقوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} [النساء: 163]: # وأجيب: بأن ذلك رد لاستبعاد الكفار أن يوحى إلى بشر، ولو سلم فمعناه أنه ~~تعبد بمثله لا باتباعه. # واحتج بقوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} [الشورى: 13]: # وأجيب بحمله على أصل التوحيد، وخص نوحا؛ تشريفا له، ولو سلم، فيحمل على ~~أنه تعبد بمثله. # واحتج بقوله تعالى: {أن اتبع ملة إبراهيم} [النحل 123]: # وأجيب: بمثل ما تقدم من حمله على التوحيد؛ لأنه لا يقال: ملة الشافعي، ~~ولا دين الشافعي، ثم هذه حجج تعارض بعضها ببعض. # واحتج المانع: بأن معاذا لم يذكره، وصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأجيب: بأنه يحتمل أنه تركه؛ لشمول الكتاب له. # قالوا: لو كان، لكان تعلمها من فروض الكفايات، ولوجبت المراجعة والبحث. # وأجيب بأن المعتبر فيها ما ثبت بالتواتر، أو الوحي، وأنه غير محتاج إلى ~~ما ذكرتم. # احتجوا بأن شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع. # وأجيب بأن معناه: ناسخة لما خالفها، وإلا لزم نسخ الإيمان وتحريم الكفر، ~~واختار الغزالي أنه لا يرجع إلى شيء من ذلك، قال: لأنه لو كان مأخذا من ~~مآخذ الشرع، لبينه - عليه السلام - كما بين القياس، وغيره من المآخذ، ولرجع ~~إليه واحد من الصحابة على طول الدهور، وكثرة ms442 الوقائع، وشدة ترويهم فيها، ~~ورجوعهم في الاشتوار إلى الجماعة، وكان فيهم كعب الأحبار، وابن سلام، ووهب، ~~ولم يراجعوا قط، فاستبان بهذا أن لا حكم له أصلا، والله أعلم. # مسألة: # ومما اختلف فيه العلماء "الاستحسان": فمنعه الأكثرون. # وقال الشافعي: من استحسن فقد شرع. وقال به الحنفية والحنابلة. PageV02P469 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # ولا بد أولا من تنقيح معنى الاستحسان، وقد كثرت فيه العبارات، وليس ~~المراد بالاستحسان المختلف فيه: فعل الواجبات والأولى؛ فإنه متفق عليه؛ قال ~~الله تعالى: {فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك ~~الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب} [الزمر: 17 - 18] ولا ما تميل ~~النفس إليه من غير دليل شرعي؛ فإنه مردود بالإجماع. # وقيل في حده: إنه دليل خفي ينقدح في نفس المجتهد تضيق العبارة عنه. # قال الغزالي: وهذا هوس؛ فإن معاني الشرع إذا لاحت في العقول، انطلقت ~~الألسن بالتعبير عنها، وما لا تقدر النفس على الإفصاح عنه من الخواطر - وهم وخيال. # والأقرب أن يقال: ما يجده في نفسه، إن شك في كونه دليلا، فلا نزاع في ~~رده، وإن تحقق، فلا نزاع في التمسك به، فيئول الخلاف فيه إلى اللفظ. # وقيل: هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه. وحاصل هذا: العمل ~~بالقياس الراجح، ولا نزاع فيه أيضا. # وقيل: هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه. وخاصله أيضا ترك القياس للدليل ~~الراجح، ولا نزاع فيه. # وقال الكرخي: هو العدول بالمسألة عن نظائرها لوجه من الدليل يخصها. # واعترض علي ظاهر اللفظ: بأنه يلزم أن يكون تخصيص العموم بنص أو قياس ~~استحسانا. وأراد أبو الحسين الاحتراز عن هذا السؤال، فقال: هو ترك وجه من ~~وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه هو أقوى منه، هو في حكم الطارئ، ~~فلا يرد عليه تخصيص العموم والاستثناء؛ لأنه شامل شمول الألفاظ، ولا ~~التخصيص بالقياس؛ لكون الثاني ليس في حكم الطارئ. # ويرد عليه بأن هذا يقتضي أن يكون الاستحسان أقوى من القياس، وهو على خلاف ~~نص PageV02P470 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # محمد بن الحسن؛ فإنه قال: تركنا الاستحسان للقياس فيما إذا قرأ آية ~~السجدة ms443 في آخر السورة؛ فإن القياس يأبى السجود، والاستحسان يقتضيه. # وأجيب عن هذا الاعتراض: بأنا نقول: الاستحسان أقوى من القياس، وإنما ~~قدمنا القياس في هذه المسألة؛ لاعتضاده بنص وهو قوله تعالى في حق داود: ~~{فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب} [ص 24]؛ فالركوع هنا قائم مقام السجود. # واعترض الفخر على أصل حده: بأنه يقتضي على هذا أن تكون الشريعة بأسرها ~~استحسانا؛ لأنها ترك للبراءة الأصلية بما هو أقوى منها. # وبالجملة: فهذه المباحث كلها لفظية، ترجع إلى مناقشة في العبارة، ~~والاستحسان عند القوم ما قاله الكرخي، ومقصوده ظاهر من تقسيمه؛ فإنه قسمه ~~إلى أربعة أقسام: # الأول: ترك القياس العام لحديث خاص؛ كحديث القهقهة وجعله ناقضا في ~~الصلاة، ولا ينقض خارجها؛ فهذا عدل به عن نظائره من النواقض بنص يخصه؛ ~~ومثله التوضؤ بنبيذ التمر عند عدم الماء في السفر خاصة؛ لحديث ابن مسعود. # القسم الثاني: ترك القياس العام بقول الصحابي؛ كتقدير أجرة رد العبد ~~الآبق بأربعين درهما؛ اتباعا لاين عباس، وإيجاب شاة في نذر ذبح الولد دون ~~الوالد؛ لقول ابن عباس أيضا، فإنه تابع مسروقا على فتواه بذلك. وحط من قيمة ~~العبد المتلف، إذا ساوى دية الحر أو زاد عشرة دراهم؛ اتباعا لابن مسعود. # القسم الثالث: اتباع عادات الناس وما اطرد به عرفهم كمصيرهم إلى أن ~~المعاطاة صحيحة؛ لأن الأعصار لا تنفك عنها، ويغلب على الظن جريانها في عصر ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومنه -أعني اتباع العادة لمصلحة الناس- ~~استحسان دخول الحمام من غير تقدير للماء المستعمل، ولا تقدير لمدة الإقامة ~~به، ولا للعوض فيهما، واستحسان شرب الماء من السقاء من غير تقدير للماء، ~~ولا لعوضه. # القسم الرابع: اتباع معنى خفي هو أخص بالمقصود، وأمس من المعنى الجلي. # واحتجوا لصحة الاستحسان بقوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم} [الزمر 55]، [و] بقوله - عليه السلام-: "ما رآه المسلمون حسنا، فهو ~~عند الله حسن"، وبأن استحسان دخول الحمام وشرب الماء إجماع. # إذا تقرر هذا، فنقول: PageV02P471 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # أولا: أما الآية، فمقيدة بالمنزل، ونحن نقول به، وليس هو محل ms444 النزاع. # وأما الحديث فمحمول على ما أجمعوا عليه، وما أجمعوا عليه فهو حق، وأما ~~مسألة الحمام وشرب الماء؛ فإن تحقق إجماع أو جرى في عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مع علمه وتقريره - فهو حجة. # وأما تفصيل الأقسام المذكورة، فنقول: أما اتباع الخبر الصحيح وتقديمه على ~~القياس -فواجب عندنا. وأبو حنيفة لم يقر به في مسألة المصراة والعرايا ~~وخيار المجلس، ولم يستحسنوا - معاشر الحنفية - هذه الأحاديث مع اتفاق أئمة ~~الحديث على صحتها وضعف حديث القهقهة وخبر ابن مسعود. # وأما قول الصحابي إذا خالف القياس؛ فقد قال به الشافعي في القديم، فمن ~~التزمه، وجب عليه طرده؛ لكن الحنفي لم يطرد ذلك في مسألة تغليظ الدية مع ما ~~نقل فيه عن الصحابة، واعتماده على تقدير ابن عباس أجرة رد الآبق بأربعين، ~~وهي واقعة عين تحتمل أن تكون أجرة مثل تلك الواقعة، أو لحكم مصالحة. # وقول ابن مسعود فيه التفات إلى تغليب ضمان النفسية على المالية، ومراعاة ~~النفسية، وإظهار شرف الحر بحط قدر من المال له خطر في الشرع، وهو ما يقطع ~~فيه السارق، وهو دينار في هذا الرأي أو عشرة دراهم، وهذا كله قياس، فلم نقل ~~به لمجرد قول الصحابي. نعم: يصلح قول الصحابي مرجحا؛ لاعتبار العمل بقياس ~~ضمان النفسية على قياس اعتبار المالية. # وأما دعوى عمل الناس بالمعاطاة في الأعصار، فلا يصح التمسك به؛ وإنما ~~العبرة باتفاق العلماء؛ فإنا نعلم أن العقود الفاسدة والربويات الآن أكثر ~~منها في ابتداء الإسلام، وعوام الناس لا مبالاة بإجماعهم. # وأما اتباع المعنى الخفي، إذا كان أخص فيساعد عليه؛ لأن الحكم الذي لا ~~يمس المقصود باطل معه، إلا أن أبا حنيفة لم يف به حيث ظن أن منه إيجاب الحد ~~في الزنا بشهادة أربعة شهد كل واحد بأنه زنا بها في زاوية؛ فإن القياس سقوط ~~الحد؛ كما لو أضافوا الزنا إلى أربعة أوقات، ولكنه استحسنه. # وقال: لعله كان يزحف بها في زنية واحدة، وأي استحسان في سفك دم امرئ مسلم ~~بمثل هذا، مع أن مبنى ms445 الحدود على السقوط بالشبهات. # والحاصل أن أكثر ما يفسرون به الاستحسان، فنحن نقول بحسنه، وننازعهم في ~~أن ما صاروا إليه في الفروع منه، وإن ساعدناهم عليه، كان الخلاف لفظيا. ~~والمحذور من الاستحسان ما يرجع إلى محض ميل النفس، وما يستحسنه العاقل ~~بعقله من غير استناده إلى دليل، فهو شارع تحقيقا؛ لأنه افتتح أمرا لا مستند ~~له في الشرع، مع أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين. وإن كان ما ~~سماه استحسانا يستند إلى دليل شرعي، فهذا لا نزاع فيه. PageV02P472 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # مسألة # ومما اختلف في العمل به المصالح المرسلة؛ والمعني بها: كل وصف مناسب لم ~~يلق من الشارع ما يدل على اعتباره، ولا إهداره، لا بطريق تأثير ولا ملاءمة. # وقال القاضي: وابن الباقلاني والأكثرون على منعه، واعتمده قوم، ويعزى إلى ~~مالك، ونسبه الإمام إلى أنه استرسل فيه حتى رأى قتل ثلث الأمة؛ لاستصلاح ~~ثلثيها، وقتل في التعزير. # وللشافعي مسلكان يخص في أحدهما التمسك بالمخيل والشبه الذي يشهد له أصل ~~معين، ويرد الاستدلال المرسل، والمسلك الثاني يصحح الاستدلال بالمرسل، ~~ويقرب فيه من مالك، وإن خالفه في مسائل. # وقد رد القاضي عليه في هذا المسلك، وقال: إذا قلت بالاستدلال، فلا فرق ~~بين أن تقول به في المعاملات والأموال وبين أن تقضي به في العقوبات؛ كما ~~فعل مالك، فكل حقير، فإثباته في الشرع تحكما - خطر عظيم، وما أثبته، ~~بالنسبة إلى ما أجمله الشارع في المعاملات هو كما أثبته مالك بالنسبة إلى ~~العقوبة التي أجملها الشرع. # وأما الغزالي، فقال: إن المصلحة التي لا يشهد لها أصل معين: إذا كانت ~~ضرورية قطعية كلية لا يبعد أن يؤدي إلى العمل بها اجتهاد مجتهد؛ ومثله ~~بالكفار: إذا تترسوا بجماعة من أسرى المسلمين، فلو رمينا الترس، لقتلنا ~~مسلما لم يذنب؛ وهذا لا عهد لنا به في الشرع، ولو كففنا عنهم، لتسلط الكفار ~~على جميع المسلمين؛ فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى، ولقائل أن يقول: الترس ~~مقتول على كل حال؛ فيجب حفظ المسلمين أجمعين؛ فإنه أقرب إلى مقصود الشرع، ~~فيحكم بالمحاربة حفظا ms446 للدين؛ لئلا يلزم أن يكون تركه لحفظ الدين رافعا ~~لنفسه، وموجبا PageV02P473 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # لبطلان ذاته. # قال: وليس هذه كمسألة السفينة: إذا أفضى الأمر براكبيها إلى أنهم لو ~~غرقوا واحدا، لتخلص الباقون؛ فإنه لا أولوية، والقرعة غير مشروعة فيه، ~~وليست مصلحة كلية كالترس. وكذلك جماعة مضطرون في مخمصة؛ إذا أرادوا قتل ~~واحد ولا كذلك كترس الكفار في قلعة بمسلم؛ فإن المصلحة في جميع ذلك ليست ~~كلية، وليس في معناه قطع اليد الآكلة؛ فإنه ينقدح فيه الرخصة، وهي إضرار ~~الشخص بنفسه لمصلحته، وقد اعتبره الشرع في الفصد والحجامة. لا يقال: فلا ~~يرجح اعتبار الكثرة على القلة في مسألة السفينة إلحاقا بالترس؛ لأنا نقول: ~~إن الكثرة ملغاة بتحريم قتل مكرهين شخصا وتحريم أكل مسلمين مسلما، بخلاف ~~المصلحة الكلية؛ فلا مانع أن تختص بوجوب الرعاية. # واحتج المانعون مطلقا: بأنه لو تقرر، لثبت بقاطع، ولا قاطع؛ فوجب نفيه. # واحتج المجوزون مطلقا: بأنه قد ثبت اعتبار المصالح قطعا، فما من مصلحة ~~تقرر إلا وهي من جنس المصلحة المعتبرة، فيكون من "الملائم"، وهو ما اعتبر ~~جنسه في جنس الحكم. # وأجيب: بأنه معارض بأن جنس المصالح ملغى؛ فيجب إلغاؤه؛ فيكون معتبرا ~~ملغى، وهو محال؛ فلا بد من اعتبار الجنس القريب. # واحتجوا أيضا: بأن الحكم إما أن يستلزم مصلحة أو مفسدة، أو يخلو عنهما، ~~أو يجمعهما، وعند ذلك: إما أن يتعادلا، أو ترجح هذه أو تلك؛ فهذه ستة ~~أقسام. ثم لا بد من إلغاء المفسدة الخالصة والراجحة والمساوية، والصورة ~~الخالية عنهما؛ فيتعين اعتبار المصلحة المحضة والراجحة؛ لأن ترك الخير ~~الكثير للشيء القليل شر كثير؛ وهذا كالمعلوم بالضرورة من دين الأنبياء ووضع ~~الشرائع؛ فإنها مصالح، وقد دل عليه صريحات النصوص، وشهادة الأحكام، ولا ~~تخلو واقعة عن الدخول في قسم من هذه الأقسام، وإن لم نجد له شاهدا يشهد ~~بحسب جنسه القريب، ولكن هذا التقسيم العام يوجب العمل به؛ لأنه إذا ثبت أن ~~المصلحة الغالبة واجبة الاعتبار، وثبت أن هذه المصلحة المعينة غالبة - لزم ~~من مجموع المقدمتين وجوب اعتبار المصلحة المعينة. # وربما يؤيدون ms447 هذا باستقراء مجاري اجتهاد الصحابة، وبقوله - عليه السلام ~~-: "إنما أقضي بالظاهر"؛ وبأن الترجيح بالراجح مقتضى صريح العقل. # والقول الوجيز في رد ذلك أن الشارع، وإن اعتبر المصالح، إلا أنه قيد ~~اعتبارها بقيود وشرائط واصطلاحات لا تهتدي العقول إليها، وغاية العقل أن ~~يحكم بأن جلب المصلحة ودفع المفسدة مطلوبان، لكن تحصيلهما بالطريق المعين، ~~ودفعهما بالطريق الخاص- لا يهتدى إليه؛ PageV02P474 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # === # فلا بد من دليل شرعي يوصل إلى أن هذا الطريق من مقاصد الشرع؛ وذلك لا ~~يعرف إلا بالاعتبار الخاص: إما بعينه أو بجنسه القريب، فحظ العقل أن يدرك ~~أن السرقة مفسدة فتناسب شرعا زاجرا، أما كون الزاجر قطعا أو ضربا أو حبسا ~~أو استرقاقا، والقدر الذي يقطع في مثله- فليس في العقل ما يرشد إلى ذلك إلا ~~بتوقيف شرعي، وكذلك سائر الأبواب غاية العقل تعليل أصلها، أما تفاصيلها، ~~فلا يكاد يطلع على شيء من أسرارها إلا ما أشار إليه الشرع فيها، هذا تلخيص ~~المباحث المشهورة، وأما الإمام فقد قال على ما لخصه الغزالي في "المنقول" ~~من مختاره: الصحيح عندنا أن الاستدلال المرسل في الشرع لا يتصور حتى يحكم ~~عليه بنفي أو إثبات؛ إذ الوقائع لا حصر لها، وكذلك المصالح، وما من مسألة ~~تعرض إلا وفي الشرع دليل عليها: إما بالقبول أو بالرد؛ فإنا نعتقد استحالة ~~خلو واقعة عن حكم الله تعالى؛ خلافا للقاضي؛ فإن الدين قد أكمل واستأثر ~~الله -تعالى- برسوله، وانقطع الوحي، ولم يكن ذلك إلا بعد إكمال الدين؛ قال ~~الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة 3]؛ والذي يدل على عدم تصوره ~~أن أحكام الشرع تنقسم إلى: # مواقع التعبدات، والمتبع فيها النصوص وما في معانيها فما لم ترشد النصوص ~~إليه، فلا تعبد به. # وإلى ما ليس من المتعبدات وهو ينقسم إلى: # ما يتعلق بالألفاظ؛ كالأيمان، والمعاملات، والطلاق، والعتاق، وقد أحال ~~الشارع موجباتها على قضايا العرف، ولا ينفك لفظ عن قضايا العرف فيها بنفي ~~أو إثبات إلا فيما استثناه الشارع؛ كالاكتفاء بالعثكال الذي عليه مائة ~~شمراخ إذا حلف. ليضربنه مائة؛ كما في قصة أيوب -عليه ms448 السلام- ولم ينسخ من شرعنا. # وإلى ما يتعلق بغير الألفاظ، وهو ينقسم إلى: # ما لا ينضبط في نفسه؛ كالنجاسات والمحظورات، وطرق تلقي الأملاك؛ فهذه ~~الأحكام منضبطة، ومستنداتها معلومة. # وإلى ما لا ينضبط إلا بالضبط من مقابله؛ كالأعيان الطاهرة والأفعال ~~المباحة تنضبط بأن تضبط النجاسة والحظر؛ وكذلك الأملاك تنضبط بضبط طرق ~~النقل، والباقي على الاسترسال في الطرف الثاني؛ فإذا وقعت واقعة، ألحقت ~~بأحد الجانبين، وإن تردد بينهما، فجاز بها الطرفان - لحقت بأقربهما، ولا بد ~~أن يلوح الترجيح غالبا لا محالة؛ فيخرج منه أن كل مصلحة تتخيل في كل واقعة ~~محتوشة الأصول المعارضة لا بد أن تشهد الأصول لردها أو قبولها، فأما تقدير ~~جريانها مهملة، فلا تصور له، والله أعلم. # نجز الإملاء على "معالم أصول الفقه" بحمد الله وعونه، وحسن توفيقه. # والحمد لله وحده وصلواته على خير خلقه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ms449