######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008559 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي، محيي الدين (المتوفى: 647هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 647 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المعجب في تلخيص أخبار المغرب من لدن فتح الأندلس إلى آخر عصر الموحدين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008559 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8559 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8559 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور صلاح الدين الهواري #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1426هـ - 2006م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتبة العصرية، صيدا-بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة # ازدهرت حركة التصنيف في بلاد المغرب1 في أيام الحكم الإسلامي. واتجه ~~المصنفون في كتاباتهم اتجاهات متنوعة، فمنهم من كتب في التراجم والسير، ~~ومنهم من اختص بالتواريخ والأحداث السياسية وأخبار الممالك والإمارات ~~والملوك. ومنهم من صنف في علوم الأدب والشعر والفلسفة، وغير ذلك. # والمعجب في تلخيص أخبار المغرب, واحد من تلك المصنفات النفيسة التي عنيت ~~بأخبار البلاد المغربية وسير ملوكها وأمرائها ودويلاتها، ألفه أبو محمد، ~~عبد الواحد بن علي المراكشي، استجابة لطلب أحد الأعيان الرؤساء، الذي سأله ~~إملاء أوراق تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته وحدوده وأقطاره، وشيء من ~~سير ملوكه، وخصوصا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن، من لدن ابتداء دولتهم، ~~إلى حدود سنة 621ه/ 1225م، مع نبذة من سير الذين لقيهم أو روى عنهم من ~~الشعراء، وأهل الفضل والرواية والأدب2. # وقبل شروعه بتأليف الكتاب، اعتذر المراكشي لرئيسه عن أمور ثلاثة: # - أولها: ضعف عبارته، وغلبة العي على طباعه. # - وثانيها: عدم امتلاكه لكتاب في هذا الشأن يعتمد عليه، ويجعله مستندا أو ~~مرجعا، على عادة المصنفين الذين سبقوه أو عاصروه. # - وثالثها: قلة محفوظاته وتشتتها بسبب ازدحام همومه، وكثره غمومه3. # ويشتمل هذا الكتاب على فصول كثيرة، بدأها المؤلف بالحديث عن جزيرة ~~الأندلس وحدودها ومدنها وقراها. ثم انتقل إلي أحداث فتحها، وسير ملوكها، ~~ومن كان فيها من الفضلاء حتى نهاية حكم الأمويين. ثم توسع بذكر أخبار ~~الأندلس بعد زوال الحكم الأموي، وأخبار من حكمها من متغلبين، ومرابطين، ~~وموحدين. # ويمكننا تحديد منهج المؤلف في كتابه هذا بالنقاط الآتية: PageV01P005 # - تصديره الكتاب بمقدمة تشتمل على دوافع تأليفه، وموضوعاته، وتتضمن ~~اعتذارا صريحا عن قصر باعه فيما طلب إليه تصنيفه. # - تقسيمه الكتاب إلي فصول تفاوتت في أحجامها، فبينما كان بعضها يقصر فلا ~~يتجاوز الصفحتين أو الثلاث الصفحات، اتسع بعضها الآخر ليتجاوز الخمسين ~~صفحة. # - تحديده لسمات منهجه فى جمع الأخبار، وسماع الروايات، وتدوين المشاهدات؛ ~~فبعد اعترافه بالعجز عن كمال التأليف في مقدمة الكتاب، يقول في ختام حديثه ~~عن دولة المصامدة: هذا تلخيص التعريف بأخبار المصامدة، ### | .... # وإنما ms001 أوردنا من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، وتجشم الضرورة من عني بالأخبار ~~إلى معرفته ... ولم أثبت في هذه الأوراق المحتوية على دولة المصامدة وغيرها ~~إلا ما حققته نقلا من كتاب، أو سماعا من ثقة عدل، أو مشاهدة بنفسي؛ هذا بعد ~~أن تحريت الصدق، وتوخيت الإنصاف في ذلك كله1. # - ذكره المصادر التي استقى منها مواد كتابه، وفي طليعتها كتاب2 ابن أبي ~~نصر فتوح الحميدي3، مؤلف كتاب: جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، ثم ما ~~وسعه حفظه من أخبار وأشعار وروايات، وما شاهده وعاينه بنفسه من وقائع ~~وأحداث. # - تضمينه الكتاب مجموعة ضخمة من الأشعار، إذ كان لا يكتفي بالبيت الواحد ~~أو البيتين، وإنما كان يورد القصائد الطوال، التي تتجاوز القصيدة الواحدة ~~منها الخمسين بيتا. وكان يعلل ذلك بنفاسة القصيدة، وجودة معانيها, وحسن ~~تمثيلها للمواقف والأحداث4. # - اعتذاره عن عدم إيراد بعض القصائد كاملة، ورده ذلك إلى ضعف الذاكرة، ~~وقلة الحفظ، في مثل قوله بعد أبيات للشاعر الرمادي5 في مدح أبي علي ~~القالي6: # هذا ما بقي من حفظي منها7. PageV01P006 # - حرصه بعد الحديث عن كبار الملوك أو الأمراء على ذكر وزرائهم، وحجابهم، ~~وكتابهم، وقضاتهم، وأبنائهم، وشعرائهم، كالذي نجده في ختام ترجمته للأمير ~~عبد المؤمن بن علي بن علوي الكومي1، وختام ترجمته للأمير أبي يوسف يعقوب بن ~~يوسف بن عبد المؤمن2. # - تضمينه الكتاب بعض العبارات أو الجمل المعترضة التي كانت تجري على ~~ألسنة الناس آنذاك، مثل: لعنه الله, بعد أسماء ملوك الأعاجم المناوئين ~~للمسلمين في الأندلس، ورحمه الله, بعد أسماء أمراء المسلمين وقادتهم، ~~وأعادها الله إلى المسلمين, بعد اسم كل مدينة غلب عليها الفرنجة أو ~~احتلوها، وأسأل الله إبقاءه إلى أن تقوم الساعة, بعد أسماء المساجد ~~المشهورة. # - إكثاره من إيراد عبارة: كما تقدم، أو كما ذكرنا، أو فلان المتقدم الذكر ~~في صفحات كتابه. وسبب ذلك أنه كان يورد الخبر مجملا في مكان من الكتاب، ثم ~~يعود إلى ذكره مفصلا في مكان آخر منه. # - بالرغم من ميل المؤلف إلى التلخيص والإيجاز، فإن الاستطراد والتطويل ~~كانا يلاحقانه في ms002 غير موضع من الكتاب. مثال ذلك: أنه أورد رواية على لسان ~~أبي محمد علي بن حزم3، ثم استطرد فترجم له، وأورد مقتطفات من أشعاره، ~~واعتذر عن ذلك بقوله: "وإنما أوردت هذه النبذة من أخبار هذا الرجل، وإن ~~كانت قاطعة للنسق، مزيحة عن بعض الغرض؛ لأنه أشهر علماء الأندلس اليوم، ~~وأكثرهم ذكرا في مجالس الرؤساء وعلى ألسنة العلماء4. # وكذلك فعل المراكشي عندما قال في نهاية حديثه عن أستاذه أبي جعفر ~~الحميري: وقد امتد بنا عنان القول إلى ما لا حاجة لنا بأكثره؛ رغبة في ~~تنشيط الطالب، وإيثارا للأحماض5. # - إظهاره لتواضع علمي لا نجده عند الكثير من المصنفين الذين يملئون ~~الأسماع ضجيجا وادعاء, بدا ذلك في قوله: مع أن أصغر خدم مولانا لم تجر ~~عادته بالتصنيف، ولا حدث قط نفسه به، وإنما بعثته عليه الهمة الفخرية6. ~~PageV01P007 # - اعترافه بفضل سابقيه، من دون إغفاله لجهده الخاص، حين قال: وهذا آخر ~~أخبار الحسنيين وما يتعلق بها، حسبما أورده أبو عبد الله محمد بن أبي نصر ~~الحميدي، عليه عولت في أكثر ذلك، ومن كتابه نقلت، خلا مواضع تبينت غلطه ~~فيها، أصلحتها جهد ما أقدر1. # ونظرا لأهمية هذا الكتاب في إغناء المكتبة العربية بما اشتمل عليه من صور ~~حية لحياة ملوك المغرب، وممالكهم، ومعاركهم، وإنجازاتهم العمرانية، ~~واهتماماتهم الدينية والفكرية والأدبية والاجتماعية، وحرصا منا على بعث ~~التراث العربي الأندلسي، وإظهار مكنوناته النفيسة، نخرج اليوم هذا الكتاب، ~~ونقدمه للقراء بحلة جديدة، وإضافات مهمة في الضبط والشرح والتوثيق ~~والفهرسة، جهدنا أن تكون على مستوى طموحاتهم وحاجاتهم وأذواقهم. # ويقوم عملنا في هذا الكتاب وفقا للخطة الآتية: # - تصدير الكتاب بمقدمة تشتمل على حياة المؤلف أبي محمد عبد الواحد بن علي ~~التميمي المراكشي، وآثاره، ومنهجه في تأليف الكتاب. # - ضبط أسماء الأعلام والأماكن والبلدان وغيرها. # - ضبط الشواهد الشعرية، وشرحها، وتعيين بحورها. # - التعريف بالأعلام غير المترجم لهم في الكتاب ما أمكن، مع الإحالة إلى ~~أهم المصادر التي ترجمت لهم. # - تزويد الأعلام المترجم لهم بعدد من الكتب التي ترجمت لهم ما أمكن. # - التأكد من سلامة النص ms003 من خلال تصحيح بعض الأخطاء الإملائية والمطبعية، ~~أو إضافة ما سقط في بعض مواضع الكتاب من كلمات أو حروف. # - تزويد الكتاب بمجموعة من الفهارس الفنية التي تساعد القارئ، وتمكنه من ~~الرجوع إلى مواد الكتاب بسهولة ويسر. # والله سبحانه وتعالى نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن ~~يلهمنا السداد في الفكر والقول والعمل، إنه سميع مجيب، وبالإجابة جدير. # صلاح الدين الهواري # 1 ربيع الثاني 1426ه # 10 أيار 2005م PageV01P008 ### | ترجمة المؤلف # حياته وتنقلاته: # هو أبو محمد، عبد الواحد بن علي التميمي، المراكشي1, المالكي: مؤرخ, ~~بحاثة، ولد بمراكش في ربيع الآخر سنة 581ه/1185م، في أول أيام أبي يوسف، ~~يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي الموحدي2، المنصور، صاحب بلاد المغرب. ~~ثم انتقل إلى مدينة فاس، وهو ابن تسعة أعوام، فقرأ فيها القرآن وجوده ورواه ~~عن جماعة من الأفاضل المبرزين في علوم القرآن والحديث والنحو واللغة. # وحين تم للمراكشي ما رغب فيه من تحصيل بفاس، عاد إلى مراكش، وظل يتردد ~~بعد ذلك بين المدينتين، ينهل ما يتاح له من علوم ومعارف وفنون. # ثم رغب في السفر إلى الأندلس، فعبر إليها في أوائل سنة 603ه/1207م، وأدرك ~~جماعة من علمائها وفضلائها، لكنه لم يحصل منهم -كما يقول- إلا معرفة ~~أسمائهم ومواليدهم ووفياتهم وعلومهم3. # ومن الذين لقيهم المراكشي، وتوثقت صلاته بهم من أدباء عصره: أبو بكر بن ~~زهر4، وأديب آخر هو أحد أنجال ابن الطفيل الفيلسوف الأندلسي المشهور. # وعندما نزل إشبيلية، قدمه صديق له يدعى محمد بن الفضل إلى واليها إبراهيم ~~بن أبي يعقوب يوسف، أخي الخليفة الموحدي الناصر، فحظي عنده، وأصبح من ~~أصحابه وجلاسه5. # وعن رأفة هذا الأمير به، وتقريبه إياه، يقول المراكشي: كان لي -رحمه ~~الله- محبا، وبي حفيا؛ وصلت إلي منه أموال وخلع جمة غير مرة. وعن بدء ~~علاقته به PageV01P009 # وما تلاها من محبة وتلازم، يقول: لم أعرفه أيام وزارته، وإنما كانت ~~معرفتي إياه حين ولوه إشبيلية سنة 605ه، ### | .... # ثم علت حالي عنده بعد ذلك، إلى أن يقول لي في أكثر الأوقات: والله, ms004 إني ~~لأشتاقك إذا غبت عني أشد الشوق وأصدقه1. # ومن الذين أخلصوا له الود من أهل القضاء: أبو عمران، موسى بن عيسى بن ~~عمران القاضي، وفيه يقول: وأبو عمران هذا صديق لي، لم أر صديقا لم تغيره ~~الولاية غيره. ولم يزل يعاملني بما كان يعاملني به قبل ذلك، لم ينقصني شيئا ~~من بره. ما لقيته قط في مركبه إلا سلم علي مبتدئا، وجدد لي برا2. # وطمحت نفس المراكشي إلى مصر، فسافر إليها سنة 613ه/1227م، والتقى ببعض ~~علمائها، ثم انتقل إلى مكة المكرمة، فأدى فريضة الحج سنة 620ه/1224م. ثم ~~تجول بعد ذلك في بعض بلدان المشرق3. # آثاره: # لم يذكر الذين ترجموا لأبي محمد غير كتاب واحد هو: المعجب في تلخيص أخبار ~~المغرب، الذي ألفه استجابة لطلب واحد من أعيان عصره. # وقد فرغ المراكشي من تأليف هذا الكتاب سنة 620ه/1224م. ونشره دوزي سنة ~~1240ه/1847م، وأعاد طبعه سنة 1298ه/1881م، وترجمه فانيان إلى الفرنسية، ثم ~~نشر الترجمة في الجزائر سنة 1310ه/1893م. PageV01P010 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة المؤلف # الحمد لله مفني الأمم، وباعث الرمم1، وواهب الحكم، ذي البقاء والقدم2، ~~الذي لا مطمع في إدراكه لثواقب الأذهان3 ونوافذ الهمم. أحمده على ما علم ~~وألهم، وسوغ وأنعم. وصلى الله على كاشف الظلم، ورافع التهم، وموضح الطريق ~~الأمم4، المخصوص بجوامع الكلم5، والمبتعث إلى جميع العرب والعجم، وعلى آله ~~وصحبه أهل الفضل والكرم، وسلم عليه وعليهم وشرف وعظم. # وبعد -أيها السيد الذي توالت علي نعمه، وأخذ بضبعي6 من حضيضي الفقر ~~والخمول اعتناؤه وكرمه، وقضى إحسانه إلي ومحبته التي جبلت7 عليها بأن ألتزم ~~من بره وطاعته ما أنا ملتزمه- فإنك سألتني -بوأك الله أعلى الرتب، كما عمر ~~بك أندية الأدب، ومنحك من سعادتي الدنيا والآخرة أوفر القسم8، كما جمع لك ~~فضيلتي التدبير والقلم- إملاء أوراق تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته ~~وحدود أقطاره، وشيء من سير ملوكه، وخصوصا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن، من ~~لدن ابتداء دولتهم إلى وقتنا هذا -وهو سنة 621- وأن ينضاف إلى ذلك نبذة من ~~ذكر من لقيته، أو لقيت ms005 من لقيه، أو رويت عنه، بوجه ما من وجوه الرواية، من ~~الشعراء والعلماء وأنواع أهل الفضل؛ فلم أر بدا من إسعافك والمسارعة إلى ما ~~فيه رضاك؛ إذ هي الغاية التي أجري إليها، والبغية التي أثابر أبدا عليها؛ ~~ولوجوب طاعتك علي من وجوه يكثر تعدادها؛ فاستخرت الله عز وجل فيما ندبتني9 ~~إليه، واستعنته واعتمدت في كل ذلك عليه؛ فهو الموئل والملجأ، PageV01P011 # وهو حسبنا ونعم الوكيل. # هذا مع أني أعتذر إلى مولانا -فسح الله في مدته- من تقصير إن وقع، بثلاثة ~~أوجه من الأعذار: # فأولها: ضعف عبارة المملوك وغلبة العي1 على طباعه، فمهما وقع في هذا ~~الإملاء من فتور لفظ، أو إخلال بسرد، فهو خليق بذلك. # والوجه الثاني: أنه لم يصحبني من كتب هذا الشأن شيء أعتمد عليه وأجعله ~~مستندا كما جرت عادة المصنفين. وأما دولة المصامدة خصوصا فلم يقع إلي لأحد ~~فيها تأليف أصلا، خلا أني سمعت أن بعض أصحابنا جمع أخبارها واعتنى بسيرها، ~~وهذا المجموع لا أعرفه إلا سماعا. # والوجه الثالث: أن محفوظاتي في هذا الوقت على غاية الاختلال والتشتت؛ ~~أوجبت ذلك هموم تزدحم على الخاطر، وغموم2 تستغرق الفكر، فرغبة المملوك ~~الأصغر إجراء مولانا إياه على جميل عادته وحميد خلقه من التسامح والتغاضي، ~~لا زال مجده العالي يرفع الهمم، ويعقد الذمم، ويوصل النعم، ويعمر ربوع ~~الفضل والكرم. PageV01P012 ### | فصل في ذكر جزيرة الأندلس وحدودها # فأول ما يقع الابتداء به ذكر جزيرة الأندلس1 وتحديدها والتعريف بمدنها ~~ونبذ من أخبارها وسير ملوكها، من لدن فتحها إلى وقتنا هذا وهو سنة 621؛ إذ ~~هي كانت معتمد المغرب الأقصى، والمعتبرة منه، والمنظور إليها فيه. وهي كانت ~~كرسي المملكة، ومقر التدبير، وأم قرى تلك البلاد؛ لم يزل هذا معروفا من ~~أمرها إلى أن تغلب عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني2، فصارت إذ ذاك تبعا ~~لمراكش3 من بلاد العدوة4، ثم تغلب عليها المصامدة بعده، فاستمر الأمر على ~~ذلك إلى وقتنا هذا، فأقول وبالله التوفيق: # أما حدود جزيرة الأندلس؛ فإن حدها الجنوبي منتهى الخليج الرومي الخارج من ~~بحر مانطس، وهو البحر ms006 الرومي5 مما يقابل طنجة6، في موضع يعرف بالزقاق -سعة ~~البحر هنالك اثنا عشر ميلا-وهذا الخليج هو ملتقى البحرين، أعني بحر مانطس ~~وبحر أقيانس7. PageV01P013 # وحداها الشمالي والمغربي البحر الأعظم، وهو بحر أقيانس المعروف عندنا ~~ببحر الظلمة، وحدها المشرقي الجبل الذي فيه هيكل الزهرة الواصل ما بين ~~البحرين: بحر الروم وهو مانطس، والبحر الأعظم. ومسافة ما بين البحرين في ~~هذا الجبل قريب من ثلاث مراحل، وهو الحد الأصغر من حدود الأندلس. وحداها ~~الأكبران الجنوبي والشمالي, مسافة كل واحد منهما نحو من ثلاثين مرحلة. وهذا ~~الجبل الذي ذكرنا فيه هيكل الزهرة الذي هو الحد المشرقي من الأندلس، هو ~~الحاجز ما بين بلاد الأندلس وبين بلاد إفرنسة من الأرض الكبيرة1، أرض الروم ~~التي هي بلاد إفرنجة العظمى. # والأندلس آخر المعمور في المغرب2؛ لأنها كما ذكرنا منتهية إلى بحر أقيانس ~~الذي لا عمارة وراءه. # ومسافة ما بين طليطلة التي هي قريبة من وسط الأندلس، ومدينة رومية قاعدة ~~الأرض الكبيرة، قريب من أربعين مرحلة، ووسط الأندلس كما ذكرنا مدينة طليطلة ~~العتيقة، التي كانت قاعدة القوطا من قبائل الإفرنج، ثم ملكها المسلمون زمان ~~الفتح على ما سيأتي بيانه، وعرضها تسع وثلاثون درجة وخمسون دقيقة، وطولها ~~ثمان وعشرون درجة بالتقريب، فصارت بذلك قريبا من وسط الإقليم الخامس. # وأقل بلاد الأندلس عرضا المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء، على البحر ~~الجنوبي منها، وعرضها ست وثلاثون درجة, وأكثر مدنها عرضا بعض المدائن التي ~~على ساحلها الشمالي, وعرض ذلك الموضع ثلاث وأربعون درجة. # فتبين بما ذكرنا أن معظم الأندلس في الإقليم الخامس أميل إلى الشمال؛ ~~فلذلك اشتد بردها وطالت مدة الشتاء فيها وعظمت جسوم أهل ذلك الميل وابيضت ~~ألوانهم وكانت أذهانهم إلى الغلظ ما هي، فنبت3 عن كثير من الحكمة. # وطائفة من الأندلس في الإقليم الرابع، كإشبيلية، ومالقة، وقرطبة وغرناطة، ~~والمرية ومرسية، فهذه البلاد التى ذكرنا في الإقليم الرابع أعدل هواء وأطيب ~~أرضا وأعذب مياها من البلاد التي في الإقليم الخامس، وأهلها أحسن ألوانا ~~وأجمل صورا وأفصح لغة من أولئك؛ إذ كان للميول ms007 والسموت في اللغات تأثير بين ~~لمن استقرأ ذلك وفهم علته. # وجملة مدن الأندلس التي هي أمهات قراها ومراكز أعمالها ومواضع مخاطبات ~~PageV01P014 # أولي الأمر منها: أولاها في الحد الشمالي: مدينة شلب، ثم مدينة إشبيلية، ~~ثم قرطبة، ثم جيان، ثم أغرناطة1، ثم المرية، ثم مرسية، ثم بلنسية، ثم ~~مالقة، وهي على البحر الرومي. # فالذي على البحر الأعظم من هذه المدائن: شلب، وإشبيلية، وبينهما قريب من ~~خمس مراحل. # والذي على البحر الرومي: المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء، وهي من ~~أعمال إشبيلية؛ ثم مالقة، وهي مستقلة، ثم المرية، ثم دانية؛ هذه كلها على ~~البحر الرومي. # ثم سائر ما ذكرنا من المدن ليست على ساحل. # ولما استقر أمر المسلمين بالأندلس في غرة المائة الثانية، تخيروا مدينة ~~قرطبة فجعلوها كرسي المملكة ومقر الإمارة، فلم تزل على ذلك إلى أن انقرضت ~~دولة بني أمية بالأندلس، فتغلب على كل جهة من الجزيرة متغلب على ما سيأتي ~~بيانه. # وهذه المدن التي ذكرت هي التي يملكها المسلمون اليوم، وقد كانوا يملكون ~~قبلها مدنا كثيرة لم أذكرها في هذا الموضع؛ إلا أن ذكرها سيرد فيما يأتي من ~~تفصيل أخبار الأندلس، تعرف ذلك بقولي: أعادها الله للمسلمين. # فهذه جملة من أخبار الأندلس وحدودها وبلادها الكائنة بأيدي المسلمين. ~~PageV01P015 ### | ذكر فتح جزيرة الأندلس ولمع من تفصيل أخبارها وسير ملوكها ومن كان فيها من الفضلاء منها ومن غيرها # ثم نعود إلى افتتاحها فنقول والله الموفق: # افتتح المسلمون جزيرة الأندلس في شهر رمضان سنة 92 من الهجرة، وكان فتحها ~~على يدي طارق1، قيل: ابن زياد، وقيل: ابن عمرو، وكان واليا على طنجة، مدينة ~~من المدن المتصلة ببر القيروان2 في أقصى المغرب، بينها وبين الأندلس الخليج ~~المذكور المعروف بالزقاق، وبالمجاز. رتبه موسى بن نصير3 أمير القيروان. ~~وقيل: إن مروان بن موسى بن نصير خلف طارقا هناك على العساكر، وانصرف إلى ~~أبيه لأمر عرض له، فركب طارق البحر إلى الأندلس من جهة مجاز الجزيرة ~~الخضراء، منتهزا لفرصة أمكنته؛ وذلك أن الذي كان يملك ساحل الجزيرة الخضراء ~~وأعمالها من الروم ms008 خطب إلى الملك الأعظم ابنته، فأغضب ذلك الملك، ونال منه ~~وتوعده، فلما بلغه ذلك جمع جموعا عظيمة وخرج يقصد بلد الملك، فبلغ طارقا ~~خلو تلك الجهة، فهذه الفرصة التي انتهزها ... # وقيل: إن العلج4 كتب إليه بالعبور لسبب أنا ذاكره، وهو أن لذريق ملك ~~الجزيرة-لعنه الله- كان له رسم: يوجه إليه أعيان قواده وأمراء دولته ~~ببناتهم، فيربيهن عنده في قصوره ويؤدبهن بالآداب الملوكية حسبما كانوا ~~يرونه ### | .... # ؛ فإذا بلغت الجارية منهن وحسن أدبها، زوجها في قصره لمن يرى أنه كفء ~~أبيها. فوجه PageV01P016 # إليه صاحب الجزيرة الخضراء وأعمالها بابنته على الرسم المذكور، فكانت ~~عنده إلى أن بلغت مبلغ النساء، فرآها يوما فأعجبته، فدعاها فأبت عليه، ~~وقالت: لا والله حتى تحضر الملوك والقواد وأعيان البطارقة وتتزوجني، هذا ~~بعد مشورة أبي! فغلبته نفسه واغتصبها على نفسها، فكتبت إلى أبيها تعلمه ~~بذلك، فهذا كان السبب الذي بعثه على مكاتبة طارق والمسلمين، فكان الفتح، ~~فالله أعلم أي ذلك كان. # فأول موضع نزله فيما يقال منها: المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء ~~اليوم، نزلها قبيل الفجر، فصلى بها الصبح بموضع منها وعقد الرايات لأصحابه، ~~فبني بعد ذلك هناك مسجد، عرف بمسجد الرايات، وهو باق إلى وقتنا هذا، أسأل ~~الله إبقاءه إلى أن تقوم الساعة ... # ثم دخل طارق هذا الأندلس وأمعن فيها واستظهر1 على العدو بها، وكتب إلى ~~موسى بن نصير موليه بخبر الفتح وغلبته على ما غلب عليه من بلاد الأندلس وما ~~حصل له من الغنائم، فحسده موسى على الانفراد بذلك، وكتب إلى الوليد بن عبد ~~الملك بن مروان2 يعلمه بالفتح وينسبه إلى نفسه، وكتب إلى طارق يتوعده، إذ ~~دخلها بغير إذنه، ويأمره ألا يتجاوز مكانه الذي ينتهي إليه الكتاب فيه حتى ~~يلحق به، وخرج متوجها إلى الأندلس، واستخلف على القيروان ابنه عبد الله، ~~وذلك في رجب من سنة 93. وخرج معه حبيب بن أبي عبدة الفهري3 ووجوه العرب ~~والموالي وعرفاء البربر في عسكر ضخم، ووصل من جهة المجاز إلى الأندلس وقد ~~استولى طارق على قرطبة دار المملكة، وقتل لذريق الملك-لعنه الله- بالأندلس، ms009 ~~فتلقاه طارق وترضاه، ورام أن يستل ما في نفسه من الحسد له، وقال له: إنما ~~أنا مولاك ومن قبلك، وهذا الفتح لك وبسببك؛ وحمل طارق إليه ما كان غنم من ~~الأموال, فلذلك نسب الفتح إلى موسى بن نصير؛ لأن طارقا من قبله، ولأنه أتم ~~من الفتح ما كان بقي على موسى. # وأقام موسى بالأندلس مجاهدا وجامعا للأموال ومرتبا للأمور بقية سنة 93 ~~وسنة 94 وأشهرا من سنة خمس، وقبض على طارق، ثم استخلف على الأندلس ابنه عبد ~~العزيز بن موسى4، وترك معه من العساكر ووجوه القبائل من يقوم بحماية البلاد ~~PageV01P017 # وسد الثغور وجهاد العدو، ورجع إلى القيروان، ثم سار منها بما حصل له من ~~الغنائم وأعده من الهدايا إلى الوليد بن عبد الملك -وكان مما وجده بمدينة ~~طليطلة حين فتحها مائدة سليمان بن داود -عليهما السلام-، فيقال: إنها طوق ~~ذهب وطوق فضة، مكللة باللؤلؤ والياقوت- ومعه -فيما يقال- طارق، فمات الوليد ~~وقد وصل موسى إلى طبرية في سنة 96، فحمل ما كان معه إلى سليمان بن عبد ~~الملك1؛ ويقال: إنه وصل أدرك الوليد حيا، فالله أعلم. # وأقام عبد العزيز بن موسى بن نصير أميرا على الأندلس إلى أن ثار عليه من ~~الجند جماعة، فيهم حبيب بن أبي عبدة الفهري، وزياد بن النابغة التميمي، ~~فقتله بعضهم، وخرجوا برأسه إلى سليمان بن عبد الملك -وذلك في صدر سنة 98- ~~بعد أن أمروا على الأندلس أيوب ابن أخت موسى بن نصير. ويقال: إنهم كتبوا ~~إلى سليمان بما أنكروا من أمره، فأمرهم بما فعلوه، فالله أعلم. # ثم اختلف الأمر هنالك، ومكث أهل الأندلس بعد ذلك زمانا لا يجمعهم وال، ثم ~~ولي عليها السمح بن مالك الخولاني2 قبل المائة، واجتمع عليه الناس، ثم ولي ~~عليها الغمر بن عبد الرحمن بن عبد الله، ثم وليها عنبسة بن سحيم الكلبي3، ~~وعزل الغمر بن عبد الرحمن، ثم وليها عبد الرحمن بن عبد الله العكي نحوا من ~~العشر ومائة، وكان رجلا صالحا، ثم وليها عبد الملك بن قطن الفهري4، ثم عقبة ~~بن الحجاج5، ms010 فهلك عقبة بالأندلس، ورد عبد الملك بن قطن، ثم جاء بلج بن بشر6 ~~فادعى ولايتها من قبل هشام بن عبد الملك7، وشهد له بعض من PageV01P018 # كان معه، ووقعت فتن من أجل ذلك، وافترق أهل الأندلس فيها على أربعة ~~أمراء, حتى أرسل إليهم واليا أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي1، فحسم مواد ~~الفتن، وجمعهم على الطاعة بعد الفرقة. وفي تقديم بعض هؤلاء الأمراء على بعض ~~اختلاف، إلا أن هؤلاء المذكورين كانوا أمراءها وولاة الحروب فيها أيام بني ~~أمية قبل ذهاب دولتهم في المشرق. PageV01P019 ### | ذكر من دخل الأندلس من التابعين # وأنا ذاكر هاهنا من دخل الأندلس من التابعين للجهاد والرباط: # فمنهم محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري، يروي عن أبي هريرة1. # ومنهم حنش بن عبد الله الصنعاني2، يروي عن علي بن أبي طالب، وفضالة بن ~~عبيد3. # ومنهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي4، يروي عن عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب5. # ومنهم يزيد بن قاسط، وقيل: ابن قسيط، السكسكي المصري، يروي عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص. # ومنهم موسى بن نصير الذي ينسب الفتح إليه، يروي عن تميم الداري6. ~~PageV01P020 ### | فصل في فضل المغرب # وقد جاء في فضل المغرب غير حديث، فمن ذلك ما حدثني الفقيه الإمام المتقن ~~المتفنن, أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل الشيباني سماعا عليه بمكة في شهر ~~رمضان من سنة 620 قال: حدثني المؤيد بن عبد الله الطوسي قراءة عليه ~~بنيسابور قال: حدثنا الإمام كمال الدين محمد بن أحمد بن صاعد القراوي قراءة ~~عليه قال: حدثنا ابن عبد الغافر الفارسي, حدثنا محمد بن عيسى بن عمرويه ~~الجلودي, حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان, حدثنا أبو الحسين مسلم بن ~~الحجاج القشيري النيسابوري1 قال: حدثنا يحيى بن يحيى عن هشام بن بشر ~~الواسطي عن داود بن أبي هند بن أبي عثمان النهدي عن سعد بن أبي وقاص2 أن ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق, ~~لا يضرهم من خذلهم, حتى تقوم الساعة". # ومن ms011 فضل الأندلس أنه لم يذكر قط أحد على منابرها من السلف إلا بخير. # وما زالت الولاة بالأندلس تليها من قبل بني أمية أو من قبل من يقيمونه ~~بالقيروان أو بمصر، فلما اضطرب أمرهم في سنة 126ه بقتل الوليد بن يزيد بن ~~عبد الملك3، اشتغلوا عن مراعاة أقاصي البلاد، ووقع الاضطراب بإفريقية ~~والاختلاف بالأندلس أيضا بين القبائل، ثم اتفقوا بالأندلس على تقديم قرشي ~~يجمع PageV01P021 # الكلمة إلى أن تستقر الأمور بالشام لمن يخاطب، ففعلوا، وقدموا يوسف بن ~~عبد الرحمن الفهري1، فسكنت به الأمور، واتفقت عليه القلوب؛ واتصلت إمارته ~~إلى سنة 138 بعد ذهاب دولة بني أمية بست سنين. PageV01P022 ### | ذكر خبر دخول عبد الرحمن بن معاوية* الأندلس # وفي هذه السنة دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ~~الأندلس، الملقب بالداخل؛ فقامت معه اليمانية، وحارب يوسف بن عبد الرحمن بن ~~أبي عبدة بن عقبة بن نافع الفهري الوالي على الأندلس المذكور آنفا، فهزمه؛ ~~واستولى عبد الرحمن على قرطبة دار الملك، وكان دخوله إياها يوم الأضحى من ~~السنة المذكورة، فاتصلت ولايته إلى أن مات سنة 172. # وكان مولده بالشام سنة 113، أمه أم ولد اسمها: راح، ويكنى أبا المطرف. ~~دخل الأندلس في ذي القعدة، واستولى على قرطبة دار ملكها في التاريخ ~~المذكور؛ وذلك أنه هرب من الشام لما انتشرت دولة بنى العباس، فلم يزل ~~مستترا ينتقل في بلاد المغرب حتى دخل الأندلس، ودخل حين دخلها طريدا وحيدا ~~لا أهل له ولا مال، فلم يزل يصرف حيله ويسمو بهمته والقدر مع ذلك يوافقه، ~~إلى أن احتوى على ملكها، وملك بعض بلاد العدوة. وكان أبو جعفر المنصور1 إذا ~~ذكر عنده قال: "ذاك صقر قريش". # وكان عبد الرحمن بن معاوية من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من العدل؛ ومن ~~قضاته معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي2، وله أدب وشعر. ومما أنشد، وقاله ~~يتشوق إلى معاهده بالشام، قوله: من الخفيف # أيها الراكب الميمم أرضي ... أقر من بعضي السلام لبعضي3 PageV01P023 # إن جسمي كما علمت بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض ms012 # قدر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضي1 # قد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي! # وله شعر كثير أبرع من هذا, أورده المؤرخون في كتبهم. وكانت مدة ولايته ~~منذ استولى على قرطبة دار الملك إلي أن توفي، اثنتين وثلاثين سنة. ~~PageV01P024 ### | ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن # ثم ولي بعد عبد الرحمن ابنه هشام، يكنى: أبا الوليد، وسنه حينئذ خمس ~~وثلاثون سنة، واتصلت ولايته سبعة أعوام إلى أن مات في صفر سنة 180. وكان ~~حسن السيرة، متحريا للعدل، يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويتصدق بالصدقات ~~الكثيرة، وربما كان يخرج في الليالي المظلمة الشديدة المطر ومعه صرر ~~الدراهم يتحرى بها المساتير وذوي البيوتات من الضعفاء؛ لم يزل هذا مشهورا ~~من أمره إلى أن مات في التاريخ المذكور. أمه أم ولد اسمها: حوراء. ~~PageV01P024 ### | ولاية الحكم بن هشام الملقب بالربضي** # ثم ولي بعده ابنه الحكم وله اثنتان وعشرون سنة، يكنى: أبا العاص، أمه أم ~~ولد اسمها: زخرف، وكان طاغيا مسرفا، وله آثار سوء قبيحة، وهو الذي أوقع ~~بأهل الربض الوقعة المشهورة، فقتلهم وهدم ديارهم ومساجدهم. وكان الربض محلة ~~متصلة بقصره، فاتهمهم في بعض أمره، ففعل بهم ذلك، فسمي الحكم الربضي لذلك. # وفي أيامه أحدث الفقهاء إنشاد أشعار الزهد والحض على قيام الليل في ~~الصوامع، أعنى: صوامع المساجد، وأمروا أن يخلطوا مع ذلك شيئا من التعريض ~~به، مثل أن يقولوا: يا أيها المسرف المتمادي في طغيانه، المصر على كبره، ~~المتهاون بأمر ربه، أفق من سكرتك، وتنبه من غفلتك.. وما نحا هذا النحو؛ ~~فكان هذا من PageV01P024 # جملة ما هاجه وأوغر صدره1 عليهم. وكان أشد الناس عليه في أمر هذه الفتنة ~~الفقهاء، هم الذين كانوا يحرضون العامة ويشجعونهم، إلى أن كان من أمرهم ما ~~كان. # وحكى أبو مروان بن حيان2 صاحب أخبار الأندلس، أنه لما تسور عليه القصر ~~وأحس بالشر، قال لأخص غلمانه: اذهب إلى فلانة، إحدى كرائمه، وقل لها تعطيك ~~قارورة الغالية3. فأبطأ الغلام وتلكأ، فأعاد ذلك عليه، فقال: يا مولاي، هذا ~~وقت الغالية؟ فقال ms013 له: ويلك يا ابن الفاعلة! بم يعرف رأسي إذا قطع من رءوس ~~العامة إن لم يكن مضمخا بالغالية؟ ثم إنه ظهر بعد هذا عليهم، وذلك أنهم ~~كانوا يقاتلون القصر وعامة الحشم والجند يشغلونهم، إلى أن دهمتهم الخيل من ~~ورائهم، فانهزموا وقتلوا قتلا قبيحا، وأمر بديارهم ومساجدهم فهدمت وحرقت، ~~وأمر بنفي من بقي منهم عن البلاد، فخرجوا حتى نزلوا جزيرة إقريطش من جزائر ~~البحر الرومي المقابلة لبر برقة أول المغرب، فلم يزالوا هنالك سنين إلى أن ~~تفرقوا، فرجع بعضهم إلى الأندلس، واختار بعضهم سكنى صقلية، وانتقل بعضهم ~~إلى الإسكندرية. # ومن أعجب ما حكي أبو مروان بن حيان المؤرخ بما يتصل بخبر هذه الوقعة، ~~قال: كان من أشد الناس على الحكم هذا تحريضا، رجل من الفقهاء اسمه طالوت4, ~~كان جليل القدر في الفقهاء، رحل إلى المدينة وسمع من مالك بن أنس5 وتفقه ~~على أصحابه، وكان قويا في دينه؛ فلما الحكم بأهل الربض -كما ذكرنا- وأمر ~~بتغريب من بقي منهم، كان ممن أمر بتغريبه طالوت الفقيه، فعسر عليه الانتقال ~~ومفارقة الوطن، ورأى الاختفاء إلى أن تتغير الأحوال، فاستخفى في دار رجل ~~يهودي سنة كاملة، واليهودي في كل ذلك يكرمه أبلغ الكرامة، ويعظمه أشد ~~التعظيم؛ فلما مضت السنة طال على الفقيه الاختفاء، فاستدعى اليهودي وشكره ~~على إحسانه إليه، وقال له: قد عزمت غدا على الخروج وقصد دار فلان الكاتب؛ ~~لأنه قرأ علي ولي عليه حق التعليم، وقد بلغني أن له جاها عند هذا الرجل، ~~فعسى هو يشفع لي عنده PageV01P025 # فيؤمنني ويدعني في بلدي! فقال له اليهودي: يا مولاي، لا تفعل، فما آمنهم ~~عليك! وجعل يحلف له بكل يمين يعتقده، أنه لو أقام عنده بقية عمره ما أمله ~~ذلك ولا ثقل عليه؛ فأبى إلا الخروج، فخلى بينه وبين ذلك؛ فخرج حتى أتى دار ~~ذلك الكاتب بغلس1، فاستأذن عليه فأذن له، فلما دخل عليه رحب به وأدنى ~~مجلسه، وسأله أين كان في هذه المدة؟ فقص عليه قصته مع اليهودي، ثم قال له: ~~اشفع لي عند هذا الرجل ms014 حتى يؤمنني في نفسي ويمن علي بتركي في بلدي! فوعده ~~بذلك، وركب من فوره ودخل على الحكم، فقال له كل ما سمع من طالوت، ووشى به ~~إليه؛ فأحضره الحكم إليه فعنفه ووبخه، فقال له طالوت: كيف يحل لي أن أخرج ~~عليك، وقد سمعت مالك بن أنس يقول: سلطان جائر مدة خير من فتنة ساعة؟ قال ~~الحكم: الله تعالى! لقد سمعت هذا من مالك؟ قال طالوت: اللهم إني قد سمعته. ~~قال: فانصرف إلى منزلك وأنت آمن. ثم سأله أين استتر؟ فقال: عند يهودي مدة ~~عام، ثم إني قصدت هذا الوزير فغدر بي! فغضب الحكم على أبي البسام وعزله عن ~~وزارته، وكتب عهدا ألا يخدمه أبدا؛ فرئي أبو البسام الكاتب بعد ذلك في فاقة ~~وذل، فقيل: استجيبت فيه دعوة الفقيه طالوت -رحمه الله تعالى-. PageV01P026 ### | ولاية الحكم المستنصر* # من الوافر2 ### | ........................ # ... ### | ......................... # PageV01P026 # فقال وقد مضى ليل وثان ... ولم يسمعه غنى: ليت شعري # أجاري المؤنسي ليلا غناء ... لخير قطع ذلك أم لشر؟ # فقالوا: إنه في سجن عيسى ... أتوه به بليل وهو يسرى1 # فنادى بالطويلة وهي مما ... يكون برأسه لجليل أمر2 # ويمم جاره عيسى بن موسى ... فلاقاه بإكرام وبر3 # وقال: أحاجة عرضت فإني ... لقاضيها ومتبعها بشكر! # فقال: سجنت لي جارا يسمى ... بعمرو! قال: يطلق كل عمرو # بسجنى حيث وافقه اسم جار ال ... فقيه ولو سجنتهمو بوتر! 4 # فأطلقهم له عيسى جميعا ... لجار لا يبيت بغير سكر! # فإن أحببت قل لجوار جار ... وإن أحببت قل لطلاب أجر # فإن أبا حنيفة لم يؤب من ... تطلبه تخلصه بوزر5 # وتلخيص هذه الحكاية التي نظمها أبو عمر في شعره، أن أبا حنيفة6 -رحمه ~~الله- كان يجاوره رجل كيال، فكان كل ليلة يأخذ سمكة ورغيفا وشيئا من ~~النبيذ، فإذا صلى العشاء الآخرة أكل ثم شرب، حتى إذا انتشى رفع عقيرته7 ~~واندفع ينشد هذا البيت: من الوافر # أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر PageV01P027 # فلا يزال يعيده حتى يغلبه النوم، وكان أبو حنيفة -على ما اشتهر عنه- يحيي ~~الليل كله صلاة، فلما كان في بعض ms015 الليالي فقد صوت ذلك الرجل، فقال لبعض من ~~عنده: ما فعل جارنا هذا الذي كان يغني كل ليلة؟ أهو مريض أم غائب؟ فقالوا ~~له: إنه مسجون! فقال: ومن سجنه؟ فقالوا: خرج في الليل لبعض حاجته فلقيه ~~أصحاب عيسى بن موسى صاحب الشرطة, فأتوا به فأمر بسجنه؛ فلما أصبح أبو حنيفة ~~لبس ثيابه وركب دابته وقصد عيسى بن موسى في بيته، فلما أعلم عيسى بمكان أبي ~~حنيفة خرج يتلقاه مسرعا، وبالغ في تكريمه وبره، وسأله عن حاجته، فقال: لي ~~في سجنك جار اسمه عمرو, فقال عيسى: يطلق كل من كان اسمه عمرو بسجني من أجل ~~جار الفقيه! فأطلقه وخلقا كثيرا معه؛ فأتى الرجل أبا حنيفة يتشكر له، فلما ~~وقعت عينه عليه قال له: أضعناك؟ قال الرجل: لا والله، بل حفظت الجوار -حفظك ~~الله-! # والبيت الذي نظمه أبو عمر وكان يغني به الرجل جار أبو حنيفة، هو للعرجي1، ~~رجل من ولد عثمان بن عفان2، سجنه المغيرة خال هشام بن عبد الملك3 وعامله ~~على مكة، فلم يزل بسجنه إلى أن مات وخرجت جنازته من السجن. # ولأبي عمر هذا شعر كثير جيد، وهو من الطبقة الثالثة من طبقات شعراء ~~الأندلس؛ فمما على حفظي له أول قصيدة يمدح بها أبا علي القالي4 المتقدم ~~الذكر5، وهي: من الكامل # من حاكم بيني وبين عذولي ... الشجو شجوي والعويل عويلي6 PageV01P028 # أقصر فما دين الهوى كفر ولا ... أعتد لومك لي من التنزيل1 # عجبا لقوم لم تكن أذهانهم ... لهوى ولا أجسادهم لنحول # دقت معاني الحب عن أفهامهم ... فتأولوه أقبح التأويل2 # في أي جارحة أصون معذبي ... سلمت من التعذيب والتنكيل3 # إن قلت في عينى فثم مدامعي ... أو قلت في قلبي فثم غليلي4 # لكن جعلت له المسامع موضعا ... وحجبتها عن عذل كل عذول # هذا ما بقي في حفظي منها. وكان أبو عمر هذا من مقدمي شعراء الحكم ~~المستنصر، وكان مختصا بأبي الحسن المصحفي5، منضويا إليه؛ وهو الذي حمله على ~~هجو محمد بن أبي عامر6، فلما أفضى الأمر إلى محمد قبض على المصحفي واستصفى ms016 ~~أمواله ووضعه في المطبق، فلم يزل به حتى مات جوعا وهزالا. وأما ما كان من ~~أبي عمر الشاعر فإنه أوسعه عقوبة ونكالا، وأمر بتغريبه7، فشفع له عنده في ~~أن يتركه ببلده، فأذن في ذلك، غير أنه خرج الأمر من جهته ألا يكلمه أحد من ~~العامة ولا من الخاصة؛ أمر مناديه أن ينادى بذلك في جميع جهات قرطبة. فأقام ~~أبو عمر هذا كالميت إلى أن مات موتة الوفاة في آخر أيام أبي عامر. # وكان لحكم المستنصر مواصلا لغزو الروم ومن خالفه من المحاربين، فاتصلت ~~ولايته إلى أن مات في صفر سنة 366، فكانت مدة ولايته منذ بويع له إلى أن ~~مات ست عشرة سنة وأشهرا؛ وانقرض عقبه بعد موت ابنه هشام المؤيد، لم يعش له ~~ولد غيره. PageV01P029 ### | ولاية هشام المؤيد ابن الحكم المستنصر* # وتغلب المنصور بن أبي عامر # ثم ولي بعده ابنه هشام بن الحكم، يكنى أبا الوليد، أمه أم ولد اسمها: ~~صبح، وسنه إذ ولي عشرة أعوام وأشهر، فلم يزل متغيبا ولا يظهر ولا ينفذ له ~~أمر. وكان الذي تغلب على أمره أولا وتولى حجابته وتنفيذ أموره وتدبير ~~مملكته، أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر محمد بن الوليد بن يزيد بن ~~عبد الملك بن عامر المعافري القحطاني. # وكان أصل ابن أبي عامر هذا من المدينة المعروفة ب الجزيرة الخضراء، من ~~قرية من أعمالها تسمى طرش، على نهر يسمى وادى آروا، إلا أنه كان شريف البيت ~~قديم التعين، ورد شابا إلى قرطبة، فطلب العلم والأدب وسمع الحديث وتميز في ~~ذلك؛ وكانت له همة يحدث بها نفسه بإدراك معالي الأمور، وتزيد في ذلك حتى ~~كان يحدث من يختص به بما يقع له من ذلك؛ وله في ذلك أخبار عجيبة، قد أورد ~~منها الشيخ الفقيه المحدث الضابط المتقن أبو عبد الله محمد بن أبي نصر ~~الحميدي1 طرفا في كتابه المترجم بوالأماني الصادقة، فمن جملتها قال ~~الحميدي: # حدثني أبو محمد علي بن أحمد بن حزم2 قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن ms017 ~~إسحاق التميمي قال: # كان محمد بن أبي عامر نازلا عندي في حجرة فوق بيتي، فدخلت عليه في بعض ~~الليالي في آخر الليل، فوجدته قاعدا على الحال التي تركته عليها أول الليل ~~حين فصلت عنه، فقلت له: ما أراك نمت الليلة! قال: لا، قلت: فما أسهرك؟ قال: ~~فكرة عجيبة! قلت: فيماذا كنت تفكر؟ قال: فكرت إذا أفضى إلي الأمر ومات محمد ~~بن بشير القاضي، بمن أستبدله؟ ومن الذي يقوم مقامه؟ فجلت الأندلس كلها ~~بخاطري فلم أجد إلا رجلا واحدا.. قلت: لعله محمد بن السليم3؛ قال: هو والله ~~هو؛ لشد ما اتفق خاطري وخاطرك! PageV01P030 # قال الحميدي: وأخبرني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد قال: كان ابن أبي عامر ~~يوما جالسا مع ثلاثة من أصحابه من طلبة العلم، فقال لهم: ليختر كل واحد ~~منكم خطة أوليه إياها إذا أفضى إلي الأمر! فقال أحدهم: توليني قضاء كورة ~~رية، وهي مالقة وأعمالها؛ فإنه يعجبني هذا التين الذي يجئ منها! # وقال الآخر: توليني حسبة السوق؛ فإني أحب هذا الإسفنج! # وقال الثالث: إذا أفضى إليك الأمر فأمر أن يطاف بي قرطبة كلها على حمار ~~ووجهى إلى الذنب وأنا مطلي بالعسل ليجتمع علي الذباب والنحل! # وافترقوا على هذا؛ فلما أفضى الأمر إليه كما تمنى بلغ كل واحد منهم ~~أمنيته على نحو ما طلب! # ولم تزل حاله تعلو منذ ورد قرطبة إلى أن تعلق بوكالة السيدة: صبح أم هشام ~~المؤيد ابن الحكم والنظر في أموالها وضياعها، فزاد أمره في الترقي معها إلى ~~أن مات الحكم المستنصر؛ وكان هشام صغيرا كما ذكرنا، وخيف الاضطراب، فضمن ~~لصبح سكون الحال وزوال الخوف واستقرار الملك لابنها. وكان قوي النفس، ~~وساعدته المقادير، وأمدته المرأة بالأموال؛ فاستمال العساكر إليه، وجرت ~~أحوال علت قدمه فيها، حتى صار صاحب التدبير والمتغلب على الأمور؛ وحجب ~~هشاما المؤيد، وتلقب هو بالمنصور، فأقام الهيبة، فدانت له أقطار الأندلس ~~كلها وأمنت به، ولم يضطرب عليه شيء منها أيام حياته؛ لعظم هيبته وفرط ~~سياسته. # واستوزر جماعة منهم الوزير أبو الحسن جعفر بن ms018 عثمان الملقب بالمصحفي، ~~ومنهم الوزير الكاتب أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري1، ومنهم الوزير ~~أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي2 الذي اختصر كتاب العين3 -وقد تقدم ذكره- ~~وكان قد ولاه شرطته، وكان الزبيدي هذا من بطانة الحكم المستنصر ووجوه ~~أصحابه. # واستوزر أبا العلاء صاعد بن الحسن الربعي4 اللغوي البغدادي، وله معه ~~أخبار مستطرفة، ولعلي سأورد طرفا منها فيما بعد -إن شاء الله تعالى-. ~~PageV01P031 # وكان محبا للعلوم مؤثرا للأدب مفرطا في إكرام من ينسب إلى شيء من ذلك ~~ويفد عليه متوسلا به، بحسب حظه منه وطلبه له ومشاركته فيه. ورد عليه ~~الأندلس في أيام إمارته أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي المذكور آنفا، ~~فعظمت منزلته عنده ونال منه أموالا جمة. وكان وروده عليه سنة 380؛ أظن أصله ~~من بلاد الموصل، دخل بغداد فقرأ بها، وكان عالما باللغة والآداب والأخبار، ~~سريع الجواب، حسن الشعر، طيب المعاشرة، فكه المجالسة ممتعا؛ فأكرمه المنصور ~~وأفرط في الإحسان إليه والإفضال عليه؛ وكان مع ذلك محسنا لظريف السؤال، ~~حاذقا في استخراج الأموال، طبا1 بلطائف الشكر. # أخبرني بعض مشايخ الأندلس بإسناد له، أن أبا العلاء دخل على المنصور أبي ~~عامر يوما في مجلس أنسه، وقد كان تقدم له أن اتخذ قميصا من رقاع الخرائط ~~التي كانت تصل إليه فيها الأموال منه، فلبسه تحت ثيابه؛ فلما خلا المجلس ~~ووجد فرصة لما أراد، تجرد وبقي في القميص المتخذ من الخرائط، فقال له: ما ~~هذا يا أبا العلاء؟ فقال: هذه الخرائط التي وصلت إلي فيها صلات مولانا ~~أتخذها شعارا! وبكى، وأتبع ذلك من الشكر فصلا كان رواه، فأعجب ذلك المنصور، ~~وقال له: لك عندي مزيد! وكان كما قال. # وألف له أبو العلاء هذا كتبا، فمنها كتاب سماه: كتاب الفصوص، على نحو: ~~كتاب النوادر لأبي علي القالي. واتفق لهذا الكتاب من عجائب الاتفاق أن أبا ~~العلاء دفعه حين كمل لغلام له يحمله بين يديه وعبر النهر، نهر قرطبة؛ فخانت ~~الغلام رجله فسقط في النهر هو والكتاب؛ فقال في ذلك بعض الشعراء -وهو أبو ms019 ~~عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن العريف- بيتا مطبوعا بحضرة المنصور، ~~وهو: من السريع # قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا كل ثقيل يغوص! 2 # فضحك المنصور والحاضرون، فلم يرع ذلك صاعدا ولا هاله3، وقال مرتجلا مجيبا ~~لابن العريف: من السريع # عاد إلى معدنه إنما ... توجد في قعر البحار الفصوص! 4 PageV01P032 # وكتاب آخر على نحو كتاب الخزرجي أبي السري سهل بن أبي غالب، سماه: كتاب ~~الهجفجف بن غيدقان بن يثربي مع الخنوت بنت مخرمة بن أنيف، وكتاب آخر في ~~معناه سماه: كتاب الجواس بن قعطل المذحجي مع ابنة عمه عفراء، وهو كتاب مليح ~~جدا، انخرم أيام الفتن بالأندلس، فنقصت منه أوراق لم توجد بعد. وكان ~~المنصور كثير الشغف بهذا الكتاب، أعني الجواس، حتى رتب له من يخرجه أمامه ~~كل ليلة. ويقال: إن أبا العلاء لم يحضر بعد موت المنصور مجلس أنس لأحد ممن ~~ولي الأمور بعده من ولده، وادعى وجعا لحقه في ساقه لم يزل يتوكأ منه على ~~عصا ويعتذر به في التخلف عن الحضور والخدمة إلى أن ذهبت دولتهم؛ وفي ذلك ~~يقول في قصيدته المشهورة في المظفر أبي مروان عبد الملك بن المنصور أبي ~~عامر محمد بن أبي عامر، وهو الذي ولي بعد أبيه، وأولها: من الوافر # إليك حدوت ناجية الركاب ... محملة أماني كالهضاب1 # وبعت ملوك أهل الشرق طرا ... بواحدها وسيدها اللباب2 # وفيها يقول: # إلى الله الشكية من شكاة ... رمت ساقي فجل بها مصابي3 # وأقصتني عن الملك المرجى ... وكنت أرم حالي باقترابي4 # ومما استحسن له قوله: # حسبت المنعمين على البرايا ... فألفيت اسمه صدر الحساب5 # وما قدمته إلا كأني ... أقدم تاليا أم الكتاب6 # قال أبو عبد الله الحميدي: أخبرني أبو محمد علي ابن الوزير أبي عمر أحمد ~~بن سعيد بن حزم، أنه سمع أبا العلاء ينشد هذه القصيدة بين يدي المظفر في ~~عيد الفطر سنة 396 - قال أبو محمد: وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر- ~~ولما رآني أبو العلاء أستحسنها وأصغي إليها كتبها لي بخطه وأنفذها إلي. ~~انتهى كلام ms020 الحميدي. PageV01P033 # وكان أبو العلاء كثيرا ما تستغرب له الألفاظ، ويسأل عنها فيجيب بأسرع ~~جواب، على نحو ما يحكى عن أبي عمر الزاهد المطرز غلام ثعلب1، ولولا أن أبا ~~العلاء كان كثير المزح لحمل على التصديق في كل ما يأتي به من ذلك، وقد ظهر ~~صدقه في بعض ما قال؛ فمما يحكى عنه من هذا المعنى أنه دخل على المنصور يوما ~~وفي يد المنصور كتاب ورد عليه من عامل له في بعض البلاد اسمه ميدمان بن ~~يزيد، يذكر فيه القلب والتزبيل2، وهذه عندهم أسماء لمعاناة الأرض قبل ~~الزرع، فقال له: أبا العلاء! قال: لبيك مولانا! قال: هل رأيت فيما وقع إليك ~~من الكتب كتاب القوالب والزوابل لميدمان بن يزيد؟ قال: إي والله يا مولانا؛ ~~رأيته ببغداد في نسخة لأبي بكر بن دريد3 بخط كأكرع النمل في جوانبها علامات ~~الوضاع هكذا هكذا ... فقال له: أما تستحي أبا العلاء؟ هذا كتاب عاملي ببلد ~~كذا وكذا, واسمه كذا, يذكر فيه كذا -الذي تقدم ذكره-، وإنما صنعت لك هذه ~~الترجمة مولدة من هذه الألفاظ التي في هذا الكتاب، ونسبته إلى عاملي ~~لأختبرك! فجعل يحلف له أنه ما كذب وأنه أمر وافق. # وقال له المنصور مرة أخرى وقد قدم طبق فيه تمر: يا أبا العلاء، ما ~~التمركل في كلام العرب؟ قال: يقال: تمركل الرجل تمركلا: إذا التف في ~~كسائه!. # وله من هذا كثير، ولكنه مع هذا كان عالما. # قال أبو عبد الله الحميدي: حدثني أبو محمد علي بن أحمد قال: حدثني الوزير ~~أبو عبدة حسان بن مالك بن أبي عبدة4، عن أبي عبد الله العاصمي النحوي قال: # لما قدم صاعد بن الحسن اللغوي على المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر، ~~جمعنا معه، فسألناه عن مسائل من النحو غامضة فقصر فيها، فلما رآه ابن أبي ~~عامر PageV01P034 # كذلك قال: دعوه، هو من طبقتي في النحو، أنا أناظره. قال: ثم سألنا صاعد ~~فقال: ما معنى قول امرئ القيس1: من الطويل # كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل2..؟ ms021 # فقلنا: هذا واضح، وإنما وصف فرسا أشهب عقرت عليه الوحش فتطاير دمها على ~~صدره فجاء هكذا. فقال صاعد: سبحان الله! أنسيتم قوله قبل هذا3: # كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل4؟ # قال: فبهتنا5 كأنا لم نقرأ هذا البيت قط، واضطررنا إلى سؤاله عنه، فقال: ~~إنما عنى أحد وجهين: إما أنه تغشى صدره بالعرق، وعرق الخيل أبيض، فجاء مع ~~الدم كالشيب؛ وإما شيء كانت العرب تصنعه، وهو أنها كانت تسم6 باللبن الحار ~~في صدور الخيل فيتمعط ذلك الشعر وينبت مكانه شعر أبيض؛ فأيما عنى من أحد ~~هذين الوجهين فالوصف مستقيم. # قال أبو عبد الله: وحدثنا أبو محمد علي بن أحمد قال: حدثني أبو الخيار ~~مسعود بن سليمان بن مفلت7 الفقيه، أن أبا العلاء صاعدا سأل جماعة من أهل ~~الأدب في مجلس المنصور أبي عامر عن قول الشماخ بن ضرار8: من البسيط # دار الفتاة التي كنا نقول لها: ... يا ظبية عطلا حسانة الجيد9 ~~PageV01P035 # تدني الحمامة منها, وهي لاهية # من يانع المرد قنوان العناقيد1 # فقالوا: هي الحمامة، تنزل على غصن الأراكة أو الكرمة فتنفضه فتتمكن ~~الظبية منه فترعاه. فأنكر ذلك عليهم صاعد وقال: إن الحمامة في هذا البيت هي ~~المرآة، وهي اسم من أسمائها؛ فأراد أن هذه الجارية المشبهة بالظبية إذا ~~نظرت في المرآة أدنت المرآة منها في المنظر شعرها الذي هو كقنوان العناقيد ~~من يانع الكرم أو المرد، فرأته. # ومن عجائب الدنيا التي لا يكاد يتفق مثلها، أن صاعد بن الحسن اللغوي هذا ~~أهدى إلى المنصور أبي عامر أيلا2, وكتب معه بهذه الأبيات: من الكامل # يا حرز كل مخوف، وأمان ك ... ل مشرد، ومعز كل مذلل3 # جدواك إن تخصص به فلأهله ... وتعم بالإحسان كل مؤمل4 # كالغيث طبق فاستوى في وبله ... شعث البلاد مع المراد المقبل5 # الله عونك ما أبرك بالهدى ... وأشد وقعك بالضلال المشعل # ما إن رأت عيني، وعلمك شاهد، ... شروى علائك في معم مخول6 # أندى بمقربة كسرحان الغضا ... ركضا، وأوغل في مثار القصطل7 # مولاي، مؤنس غربتي، متخطفي ... من ms022 ظفر أيامي، ممنع معقلي8 # عبد نشلت بضبعه وغرسته ... في نعمة أهدى إليك بأيل9 # سميته غرسية وبعثته ... في حبله ليتاح فيه تفاؤلي PageV01P036 # فلئم قبلت فتلك أسنى نعمة ... أسدى بها ذو منحة وتطول1 # صحبتك غادية السرور وجللت ... أرجاء ربعك بالسحاب المخضل # فقضى الله في سابق علمه أن غرسية بن شانجه من ملوك الروم -وكان أمنع من ~~النجم- أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد بالأيل وسماه غرسية ~~متفائلا بأسره. وهكذا فليكن الجد للصاحب والمصحوب. وكان أسر غرسية هذا في ~~ربيع الآخر سنة 385. # خرج أبو العلاء صاعد هذا من الأندلس أيام الفتن، وقصد صقلية فمات بها في ~~قريب من سنة 410 -فيما بلغني- عن سن عالية. # ولم يزل المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر طول أيام مملكته مواصلا لغزو ~~الروم، مفرطا في ذلك لا يشغله عنه شيء. وكان له مجلس في كل أسبوع يجتمع فيه ~~أهل العلم للمناظرة بحضرته ما كان مقيما بقرطبة. وبلغ من إفراط حبه للغزو ~~أنه ربما خرج للمصلى يوم العيد فحدثت له نية في ذلك فلا يرجع إلى قصره، بل ~~يخرج بعد انصرافه من المصلى كما هو من فوره إلى الجهاد، فتتبعه عساكره ~~وتلحق به أولا فأولا، فلا يصل إلى أوائل بلاد الروم إلا وقد لحقه كل من ~~أراده من العساكر. غزا في أيام مملكته نيفا وخمسين غزوة, ذكرها أبو مروان ~~بن حيان كلها في كتابه الذي سماه ب المآثر العامرية، واستقصاها كلها ~~بأوقاتها وذكر آثاره فيها. وفتح فتوحا كثيرة، ووصل إلى معاقل قد كانت ~~امتنعت على من كان قبله، وملأ الأندلس غنائم وسبيا من بنات الروم وأولادهم ~~ونسائهم. وفي أيامه تغالى الناس بالأندلس فيما يجهزون به بناتهم من الثياب ~~والحلي والدور؛ وذلك لرخص أثمان بنات الروم، فكان الناس يرغبون في بناتهم ~~بما يجهزونهن به مما ذكرنا، ولولا ذلك لم يتزوج أحد حرة. بلغني أنه نودي ~~على ابنة عظيم من عظماء الروم بقرطبة -وكانت ذات جمال رائع- فلم تساو أكثر ~~من عشرين دينارا عامرية. وكان في أكثر زمانه لا ms023 يخل بأن يغزو غزوتين في ~~السنة. وكان كلما انصرف من قتال العدو إلى سرادقه يأمر بأن ينفض غبار ثيابه ~~التي حضر فيها معمعة2 القتال، وأن يجمع ويتحفظ به، فلما حضرته المنية أمر ~~بما اجتمع من ذلك أن ينثر على كفنه إذا وضع في قبره. # وكانت وفاته بأقصى ثغور المسلمين، بموضع يعرف بمدينة سالم، مبطونا؛ فصحت ~~له الشهادة، وتاريخ وفاته سنة 393. فكانت مدة إمارته نحوا من سبع وعشرين ~~PageV01P037 # سنة، وكان معافري النسب، وأمه تميمية اسمها فريهة بنت يحيى بن زكريا ~~التميمي، كان يعرف بابن برطل؛ ولذلك قال فيه أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج ~~الشاعر المعروف بالقسطلي1 من قصيدة له: من الطويل # تلاقت عليه من تميم ويعرب ... شموس تلألأ في العلا وبدور # من الحميريين الذين أكفهم ... سحائب تهمي بالندى وبحور2 # وأبو عمر هذا من فحول شعراء الأندلس والمجيدين منهم، ذكره أبو منصور ~~الثعالبي3 في: كتاب اليتيمة وقال فيه: القسطلي عندهم كأبي الطيب4 بصقع ~~الشام. # هذا قول أبي منصور أو معناه. وكنت أنا في أيام شبيبتي مولعا بشعره كثير ~~الدراسة له، فلم يبق اليوم على خاطري منه شيء أصلا، خلا بيتين هما مما ~~ارتجل في بعض مجالسه، وهما: من الكامل # أجد الكلام إذا نطقت فإنما ... عقل الفتى في لفظه المسموع5 # كالمرء يختبر الإناء بصوته ... فيرى الصحيح به من المصدوع6 PageV01P038 ### | وزارة المظفر بن أبي عامر # ثم تقلد الوزارة والحجابة بعد ابن أبي عامر هذا، ابنه أبو مروان عبد ~~الملك بن أبي عامر، وتلقب ب المظفر، فجرى في الغزو والسياسة عن هشام المؤيد ~~على سنن7 أبيه، وكانت أيامه أعيادا في الخصب والأمان، دامت سبع سنين، إلى ~~أن مات8 وثارت الفتن بعده. PageV01P038 ### | وزارة الناصر بن أبي عامر # ثم تقلد ما كان يتقلده من بعده، أخوه عبد الرحمن، وتلقب ب الناصر، فخلط ~~وتسمى ولي العهد. ولم يزل مضطرب الأمور مدة أربعة أشهر، إلى أن قام عليه ~~محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، لثماني عشرة ليلة خلت من ~~جمادى الآخرة سنة 399، فخلع ms024 هشاما المؤيد، وأسلمت الجيوش عبد الرحمن بن ~~محمد بن أبي عامر، فقتل وصلب. # وكان محمد بن هشام بن عبد الجبار -المتقدم ذكره- لما قام تلقب ب المهدي، ~~وبقي الأمر كذلك إلى أن قتل محمد بن هشام بن عبد الجبار، ورد هشام المؤيد ~~إلى الأمر؛ وذلك يوم الأحد السابع من ذي الحجة سنة 400؛ وبقي كذلك وجيوش ~~البربر تحاصره مع سليمان بن الحكم بن سليمان، واتصل ذلك إلى خمس خلون من ~~شوال سنة 403؛ فدخل البربر مع سليمان قرطبة، وأخلوها من أهلها، حاشا ~~المدينة وبعض الربض الشرقي، وقتل هشام المؤيد بن الحكم المستنصر؛ وكان -كما ~~ذكرنا- في طول دولته متغلبا عليه لا ينفذ له أمر؛ وغلب عليه في هذا الحصار ~~-أعني حصار البربر- واحد من العبيد بعد محمد بن أبي عامر المنصور وولديه ~~عبد الملك الظافر وعبد الرحمن الناصر. PageV01P039 ### | تفصيل ما سبق إجماله ولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي # ** # ثم قام محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، على هشام بن ~~الحكم في جمادى الآخرة -كما تقدم- فخلعه وتسمى بالمهدي، وكان يكنى أبا ~~الوليد، أمه أم ولد اسمها: مزنة، وكان له ولد اسمه عبيد الله. وكان مولد ~~المهدي في سنة 366، وقتل وله من العمر أربع وثلاثون سنة. ولم يزل واليا إلى ~~أن قام عليه -يوم الخميس لخمس خلون من شوال سنة 399- هشام بن سليمان بن عبد ~~الرحمن الناصر مع البربر، فحاربه بقية يومه والليلة الآتية وصبيحة اليوم ~~الثاني؛ فقام عامة أهل قرطبة مع محمد المهدي؛ فانهزم البربر وأسر هشام بن ~~سليمان، فأتي به إلى المهدي فضرب عنقه. PageV01P039 # بدء الفتنة # واجتمع البربر عند ذلك فقدموا على أنفسهم سليمان بن الحكم بن سليمان بن ~~عبد الرحمن الناصر، وهو ابن أخي هشام القائم المذكور. فنهض بالبربر إلى ~~الثغر، واستجاش النصارى وأتى بهم إلى باب قرطبة، فبرز إليه جماعة أهل ~~قرطبة، فلم تكن إلا ساعة حتى قتل من أهل قرطبة نيف وعشرون ألف رجل، في جبل ~~هنالك يعرف بجبل قنطش، وهي الوقعة المشهورة، ذهب فيها من ms025 الخيار والفقهاء ~~وأئمة المساجد والمؤذنين خلق كثير. واستتر محمد بن هشام المهدي أياما، ثم ~~لحق بطليطلة؛ وكانت الثغور كلها من طرطوشة إلى الأشبونة باقية على طاعته ~~ودعوته، واستجاش بالإفرنج وأتى بهم إلى قرطبة؛ فبرز إليه سليمان بن الحكم ~~مع البربر، إلى موضع بقرب قرطبة على نحو بضعة عشر ميلا يدعى دار البقر، ~~فانهزم سليمان والبربر، واستولى المهدي على قرطبة؛ ثم خرج بعد أيام إلى ~~قتال جمهور البربر، وكانوا قد عاثوا بالجزيرة، فالتقوا بموضع يعرف بوادي ~~أره؛ فكانت الهزيمة على محمد بن هشام المهدي؛ وانصرف إلى قرطبة، فوثب عليه ~~العبيد مع واضح الصقلبي، فقتلوه وردوا هشاما المؤيد -كما تقدم من قبل-. # فكانت مدة ولاية المهدي منذ قام إلى أن قتل سبعة عشر شهرا1، من جملتها ~~الأشهر الستة التي كان فيها سليمان بقرطبة، وكان هو بالثغر؛ وانقرض عقبه ~~فلا عقب له. PageV01P040 ### | ولاية سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر # المتلقب بالمستعين بالله # قام سليمان بن الحكم يوم الجمعة لست خلون من شوال سنة 399، وتلقب ب ~~المستعين بالله، ثم دخل قرطبة -كما تقدم- في ربيع الآخر سنة 400، فتلقب ~~حينئذ ب الظافر بحول الله، مضافا إلى المستعين بالله. ثم خرج عنها في شوال ~~من السنة بعينها، فلم يزل يجول بعساكر البربر معه في بلاد الأندلس، يفسد ~~وينهب ويقفر المدائن والقرى بالسيف والغارة، لا يبقي البربر معه على صغير ~~ولا كبير ولا امرأة، إلى أن دخل قرطبة في صدر شوال سنة 403. PageV01P040 ### | أولية بنى حمود # وكان من جملة جنده رجلان من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب، يسميان القاسم ~~وعليا ابني حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن ~~إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -رضى الله عنهم-؛ ~~فجعلهما قائدين على المغاربة، ثم ولى أحدهما سبتة وطنجة، وهو علي الأصغر ~~منهما؛ وولى القاسم الجزيرة الخضراء، وبين الموضعين المجاز المعروف ~~بالزقاق، وسعة البحر هنالك اثنا عشر ميلا، وقد ذكر فيما قبل. ms026 # وافترق العبيد إذ دخل البربر مع سليمان قرطبة، فملكوا مدنا عظيمة وتحصنوا ~~فيها، فراسلهم علي بن حمود المذكور -وقد حدث له طمع في ولاية الأندلس- فكتب ~~إليهم يذكر لهم أن هشام بن الحكم إذ كان محاصرا بقرطبة كتب إليه يوليه ~~عهده، فاستجابوا له وبايعوه، فزحف من سبتة إلى مالقة، وفيها عامر بن فتوح ~~الفائقي، مولى فائق مولى الحكم المستنصر؛ فاستجاب له وأدخله مالقة، فتملكها ~~علي بن حمود وأخرج عنها عامر بن فتوح، ثم زحف بمن معه من البربر وجمهور ~~العبيد إلى قرطبة، فخرج إليه محمد بن سليمان في عساكر البربر، فانهزم محمد ~~بن سليمان، ودخل قرطبة علي بن حمود، وقتل سليمان بن الحكم صبرا؛ ضرب عنقه ~~بيده يوم الأحد لتسع بقين من المحرم سنة 407، وقتل أباه الحكم بن سليمان بن ~~الناصر أيضا في ذلك اليوم، وهو شيخ كبير له اثنتان وسبعون سنة!. # وكانت مدة ولاية سليمان -مند دخل قرطبة إلى أن قتل- ثلاثة أعوام وثلاثة ~~أشهر وأياما، وكان قد ملكها قبل ذلك ستة أشهر على ما تقدم؛ وكانت مدته -منذ ~~قام مع البربر إلى أن قتل- سبعة أعوام وثلاثة أشهر وأياما. # وانقطعت دولة بنى أمية في هذا الوقت وذكرهم على المنابر في جميع أقطار ~~الأندلس، إلى أن عادت بعد ذلك في الوقت الذي نذكره إن شاء الله تعالى. # وكانت أم سليمان هذا أم ولد اسمها: ظبية، ومولده سنة 354، ترك من الولد ~~ولي عهده محمدا، لم يعقب، والوليد، ومسلمة. # وكان سليمان أديبا شاعرا؛ قال الحميدي: أنشدني أبو محمد علي بن أحمد قال: ~~أنشدني فتى من ولد إسماعيل بن إسحاق المنادي1 الشاعر كان PageV01P041 # يكتب لأبي جعفر أحمد بن سعيد بن الدب، قال: أنشدني أبو جعفر قال: أنشدني ~~أمير المؤمنين سليمان الظافر لنفسه، قال أبو محمد: وأنشدنيها قاسم بن محمد ~~المرواني قال: أنشدنيها وليد بن محمد الكاتب لسليمان الظافر أمير المؤمنين: ~~من الكامل # عجبا يهاب الليث حد سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان1 # وأقارع الأهوال لا متهيبا ... منها سوى الإعراض والهجران2 # وتملكت نفسى ثلاث كالدمى ... زهر الوجوه ms027 نواعم الأبدان3 # ككواكب الظلماء لحن لناظر ... من فوق أغصان على كثبان4 # هذي الهلال وتلك بنت المشتري ... حسنا، وهذي أخت غصن البان5 # حاكمت فيهن السلو إلى الضنى ... فقضى بسلطان على سلطاني6 # فأبحن من قلبي الحمى وثنينني ... في عز ملكي كالأسير العاني7 # لا تعذلوا ملكا تذلل للهوى ... ذل الهوى عز وملك ثان # ما ضر أني عبدهن صبابة ... وبنو الزمان وهن من عبداني8 # إن لم أطع فيهن سلطان الهوى ... كلفا بهن فلست من مروان9 # وإذا الكريم أحب أمن إلفه ... خطب القلى وحوادث السلوان10 # وإذا تجارى في الهوى أهل الهوى ... عاش الهوى في غبطة وأمان11 # وإنما قصد المتسعين بهذه الأبيات معارضة الأبيات التي عملها العباس بن ~~PageV01P042 # الأحنف1 على لسان هارون الرشيد2، فنسبت إليه، وهي: من الكامل # ملك الثلاث الآنسات عنانى ... وحللن من قلبي بكل مكان # ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني # ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني # وأبو محمد الذي يحدث عنه الحميدي: هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن ~~حزم بن غالب بن صلح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي3، مولى يزيد ~~بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي4. قرئ علي نسبه ~~هذا بخطه على ظهر كتاب من تصانيفه. وأصل آبائه الأدنين من قرية من إقليم ~~لبلة من غرب الأندلس. سكن هو وأبوه قرطبة، وكان أبوه من وزراء المنصور محمد ~~بن أبي عامر، ووزراء ابنه المظفر بعده. وكان هو المدبر لدولتيهما، وكان ~~ابنه أبو محمد الفقيه وزيرا لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر ~~الملقب بالمستظهر بالله، أخى المهدي المذكور آنفا. ثم إنه نبذ الوزارة ~~واطرحها اختيارا، وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن، فنال من ~~ذلك ما لم ينل أحد قبله بالأندلس. وكان على مذهب الإمام أبي عبد الله ~~الشافعي5 -رحمه الله-، أقام على ذلك زمانا، ثم انتقل إلى القول بالظاهر، ~~وأفرط في ذلك حتى أربى على أبي سليمان داود ms028 الظاهري6 وغيره من أهل الظاهر. ~~له مصنفات كثيرة جليلة PageV01P043 # القدر, شريفة المقصد في أصول الفقه وفروعه، على مهيعه1 الذي يسلكه، ~~ومذهبه الذي يتقلده، وهو مذهب داود بن علي بن خلف الأصبهاني الظاهري ومن ~~قال بقوله من أهل الظاهر ونفاة القياس والتعليل. بلغني عن غير واحد من ~~علماء الأندلس أن مبلغ تصانيفه في الفقه والحديث والأصول والنحل والملل ~~وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المخالفين له -نحو من ~~أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وهذا شيء ما علمناه ~~لأحد ممن كان في مدة الإسلام قبله إلا لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري2، ~~فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفا، فقد ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر ~~الفرغاني في كتابه المعروف بالصلة، وهو الذي وصل به تاريخ أبي جعفر الطبري ~~الكبير: أن قوما من تلاميذ أبي جعفر لخصوا أيام حياته منذ بلغ الحلم إلى أن ~~توفي في سنة 310 وهو ابن ست وثمانين سنة، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، ~~فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة. وهذا لا يتهيأ لمخلوق إلا بكريم عناية الباري ~~تعالى وحسن تأييده له. # ولأبي محمد بن حزم بعد هذا نصيب وافر من علم النحو واللغة، وقسم صالح من ~~قرض الشعر وصناعة الخطابة؛ فمن شعره: من الطويل # هل الدهر إلا ما عرفنا وأدركنا ... فجائعه تبقى ولذاته تفنى3 # إذا أمكنت فيه مسرة ساعة ... تولت كمر الطرف واستخلفت حزنا # إلى تبعات في المعاد وموقف ... نود لديه أننا لم نكن كنا4 # حصلنا على هم وإثم وحسرة ... وفات الذي كنا نقر به عينا5 # حنين لما ولى، وشغل بما أتى ... وعم لما يرجى، فعيشك لا يهنا # كأن الذي كنا نسر بكونه ... إذا حققته النفس، لفظ بلا معنى PageV01P044 # وله من قصيدة طويلة: من الطويل # أنا الشمس في جو العلوم منيرة ... ولكن عيبي أن مطلعي الغرب # ولو أنني من جانب الشرق طالع ... لجد على ما ضاع من ذكري النهب # ولي نحو أكناف العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف ms029 الصب1 # فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكرب # فكم قائل: أغفلته وهو حاضر ... وأطلب ما عنه تجيء به الكتب! # هنالك يدري أن للبعد قصة ... وأن كساد العلم آفته القرب! 2 # فيا عجبا من غاب عنهم تشوقوا ... له، ودنو المرء من دارهم ذنب # وإن مكانا ضاق عني لضيق ... على أنه فسح مهامهه سهب3 # وإن رجالا ضيعوني لضيع ... وإن زمانا لم أنل خصبه جدب # ومنها في الاعتذار عن مدحه لنفسه: # ولكن لي في يوسف خير أسوة ... وليس على من بالنبي ائتسى ذنب4 # يقول -وقال الحق والصدق-: إنني ... حفيظ عليهم؛ ما على صادق عتب # ومن المختار له قوله: من البسيط ... لا يشمتن حاسدي إن نكبة عرضت # فالدهر ليس على حال بمترك ... ذو الفضل كالتبر طورا تحت ميقعة # وتارة في ذرا تاج على ملك! 5 ... ومن ذلك قوله: من الوافر # لئن أصبحت مرتحلا بشخصي ... فروحي عندكم أبدا مقيم # ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم6 PageV01P045 # ومن أجود ما أحفظ له بيتان قالهما في رجل نمام: من الطويل # أنم من المرآة في كل ما درى ... وأقطع بين الناس من قضب الهند1 # كأن المنايا والزمان تعلما ... تحيله في القطع بين ذوي الود! # وجد بخطه أنه ولد يوم الأربعاء بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس آخر يوم ~~من شهر رمضان سنة 384، وتوفي -رحمه الله- في سلخ شعبان من سنة 456. # وإنما أوردت هذه النبذة من أخبار هذا الرجل وإن كانت قاطعة للنسق, مزيحة ~~عن بعض الغرض؛ لأنه أشهر علماء الأندلس اليوم وأكثرهم ذكرا في مجالس ~~الرؤساء وعلى ألسنة العلماء, وذلك لمخالفته مذهب مالك بالمغرب واستبداده ~~بعلم الظاهر، ولم يشتهر به قبله عندنا أحد ممن علمت. وقد كثر أهل مذهبه ~~وأتباعه عندنا بالأندلس اليوم. PageV01P046 ### | ولاية ابن حمود الناصر # ثم ولي علي بن حمود على ما تقدم، وتسمى بالخلافة، وتلقب ب الناصر، ثم ~~خالف عليه العبيد الذين كانوا بايعوه، وقدموا عبد الرحمن بن محمد بن عبد ~~الملك بن عبد الرحمن الناصر، ولقبوه ب المرتضي، وزحفوا به إلى غرناطة، ms030 وهي ~~من البلاد التي تغلب عليها البربر، ثم ندموا على تقديمه لما رأوا من صرامته ~~وحدة نفسه، وخافوا من عواقب تمكنه وقدرته، فانهزموا عنه ودسوا عليه من قتله ~~غيلة2، وخفي أمره. # وبقي علي بن حمود بقرطبة مستمر الأمر عامين غير شهرين، إلى أن قتله ~~صقالبة له في الحمام سنة 408، وكان له من الولد: يحيي، وإدريس. PageV01P046 ### | ولاية القاسم بن حمود المأمون # ** # ثم ولي بعده أخوه القاسم بن حمود، وكان أسن منه بعشرة أعوام، وكان وادعا، ~~أمن الناس معه، وكان يذكر عنه أنه تشيع؛ ولكنه لم يظهر ذلك ولا غير على ~~الناس عادة ولا مذهبا، وكذلك سائر من ولي منهم بالأندلس. # فبقي القاسم كذلك إلى شهر ربيع الأول سنة 412، فقام عليه ابن أخيه ~~PageV01P046 # يحيى بن علي بن حمود، بمالقة، فهرب القاسم عن قرطبة بلا قتال وصار ~~بإشبيلية، وزحف ابن أخيه المذكور من مالقة بالعساكر ودخل قرطبة بلا قتال، ~~وتسمى بالخلافة، وتلقب ب المعتلي؛ فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره ~~واستمال البربر وزحف بهم إلى قرطبة، فدخلها سنة 413، وهرب يحيى بن علي إلى ~~مالقة، فبقي القاسم بقرطبة شهورا واضطرب أمره. # وغلب ابن أخيه يحيى على المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء، وهي كانت ~~معقل القاسم، وبها كانت امرأته وذخائره؛ وغلب ابن أخيه الثاني إدريس بن علي ~~صاحب سبتة على طنجة، وهي كانت عدة القاسم، يلجأ إليها إن رأى ما يخافه ~~بالأندلس. # وقام عليه جماعة أهل قرطبة بالمدينة، وغلقوا أبوابها دونه، وحاصرهم نيفا ~~وخمسين يوما، وأقام الجمعة في مسجد خارج قرطبة، يعرف بمسجد ابن أبي عثمان، ~~أثره باق إلى اليوم. ثم إن أهل قرطبة زحفوا إلى البربر، فانهزم البربر عن ~~القاسم وخرجوا من الأرباض كلها في شعبان سنة 414، ولحقت كل طائفة من البربر ~~ببلد غلبت عليه. # وقصد القاسم إشبيلية، وبها كان ابناه محمد والحسن، فلما عرف أهل إشبيلية ~~خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم، طردوا ابنيه ومن كان معهما من البربر، وضبطوا ~~البلد، وقدموا على أنفسهم ثلاثة من أكابر البلد، أحدهم القاضي أبو القاسم ~~محمد بن ms031 إسماعيل بن عباد اللخمي، ومحمد بن يريم الألهاني، ومحمد بن الحسن ~~الزبيدي. ومكثوا كذلك أياما مشتركين في سياسة البلد وتدبيره، ثم استبد ~~القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد بالأمر والتدبير، وصار الآخران ~~من جملة الناس. # ولحق القاسم بشريش، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى، فزحفوا إلى ~~القاسم فحاصروه حتى صار في قبضة ابن أخيه، وانفرد ابن أخيه يحيى بولاية ~~البربر. # وبقي القاسم أسيرا عنده وعند أخيه إدريس بعده إلى أن مات إدريس، فقتل ~~القاسم خنقا سنة 431، وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة، فدفنه هناك. # فكانت ولاية القاسم منذ تسمى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسره ابن أخيه ستة, ~~أعوام، ثم كان مقبوضا عليه ست عشرة سنة عند ابني أخيه يحيى وإدريس، إلى أن ~~قتل -كما ذكرنا- في أول سنة 431، ومات وله ثمانون سنة، وله من الولد محمد ~~والحسن، أمهما أميرة بنت الحسن بن قنون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن ~~إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. # PageV01P047 ### | ولاية يحيى بن علي المعتلي # اختلف في كنيته، فقيل: أبو القاسم، وقيل: أبو محمد؛ وأمه لبونة بنت محمد ~~بن الحسن بن القاسم المعروف بقنون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس ~~بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وكان الحسن بن ~~قنون من كبار ملوك الحسنيين وشجعانهم ومردتهم1 وطغاتهم المشهورين، فتسمى ~~يحيى بالخلافة بقرطبة سنة 413 كما ذكرنا، ثم هرب عنها إلى مالقة سنة 414 ~~كما وصفنا، ثم سعى قوم من المفسدين في رد دعوته إلى قرطبة في سنة 416، فتم ~~لهم الأمل، إلا أنه تأخر عن دخولها باختياره، واستخلف عليها عبد الرحمن بن ~~عطاف اليفرني، فبقي الأمر كذلك إلى سنة 417، ثم قطعت طاعته جماعة البربر، ~~وصرفوا عاملهم، وبايعوا المعتلي الأموي أخا المرتضي. وبقي المعتلي هذا يردد ~~لحصارهم العساكر، إلى أن اتفقت كلمة البربر على الاستسلام لأبي القاسم, ~~وسلموا إليه الحصون والقلاع والمدن، وعظم أمره ms032 بقرمونة، فصار محاصرا ~~لإشبيلية، طامعا في أخذها، فخرج يوما وهو سكران إلى خيل ظهرت من إشبيلية ~~بقرب قرمونة، فلقيها وقد كمنوا له، فلم يكن بأسرع من أن قتلوه، وذلك يوم ~~الأحد لسبع خلون من المحرم سنة 427؛ وكان له من الولد: الحسن، وإدريس لأمي ~~ولد. PageV01P048 # رد الأمر إلى بني أمية ### | ولاية عبد الرحمن بن هشام المستظهر # ** # ولما انهزم البربر عن قرطبة مع أبي القاسم كما ذكرنا، اتفق رأي أهل قرطبة ~~على رد الأمر إلى بنى أميه، فاختاروا منهم ثلاثة، وهم: عبد الرحمن بن هشام ~~بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، أخو المهدي المذكور آنفا، وسليمان بن ~~المرتضي المذكور آنفا، ومحمد بن عبد الرحمن بن هشام بن سليمان القائم على ~~المهدي بن الناصر. # ثم استقر الأمر لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار، فبويع بالخلافة لثلاث ~~عشرة ليلة خلت لرمضان 414، وله اثنتان وعشرون سنة، وتلقب ب المستظهر. وكان ~~مولده سنة 392 في ذي القعدة، يكنى أبا المطرف، وأمه أم ولد اسمها: غاية. ~~PageV01P048 # ثم قام عليه أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد ~~الرحمن الناصر، مع طائفة من أراذل العوام، فقتل عبد الرحمن بن هشام، وذلك ~~لثلاث بقين من ذي القعدة سنة 414 المؤرخة، ولا عقب له. # وكان في غاية الأدب والبلاغة والفهم ورقة النفس، كذا قال أبو محمد علي بن ~~أحمد، وكان خبيرا به لأنه وزر له. وقال الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك ~~بن شهيد1: كان المستظهر شاعرا ويستعمل الصناعة فيجيد، وهو القائل في ابنة ~~عمه: من الطويل # حمامة بيت العبشميين رفرفت ... فطرت إليها من سراتهم صقرا2 # تقل الثريا أن تكون لها يدا ... ويرجو الصباح أن يكون لها نحرا # وإني لطعان إذا الخيل أقبلت ... جوانبها حتى ترى جونها شقرا3 # ومكرم ضيفي حين ينزل ساحتي ... وجاعل وفري عند سائله وفرا4 # وهي طويلة، قالها أيام خطبته لابنة عمه أم الحكم بنت سليمان المستعين. ~~قال أبو عامر: وكان متهما في أشعاره ورسائله، حتى كتب أبياتا ليعلى بن ms033 أبي ~~زيد حين وفد عليه ارتجالا، فعجب أهل التمييز منه، وأما أنا فقد كنت بلوته. ~~وكان ورود يعلى فجأة ولم يبرح من مجلسه حتى ارتجل الأبيات، وأنا والله أخاف ~~أن يزل، فأجاد وزاد. هذا آخر كلام أبي عامر. PageV01P049 # ولم يكن كذلك إلى أن خلع، وقتل وزيره المذكور في داره؛ دخل عليه عوام أهل ~~قرطبة نهارا فتولوه بالحديد إلى أن برد، وخلعوا المستكفي بالله وأخرجوه عن ~~قرطبة، بعد أن أقام ثلاثة أيام مسجونا لا يصل إليه طعام ولا شراب، ثم نفوه ~~-كما ذكرنا- فلحق بالثغور، ورجع الأمر إلى يحيى بن علي الفاطمي. # وانتهى المستكفي المذكور من الثغر إلى قرية تعرف ب شمنت بالقرب من مدينة ~~سالم، ومعه أحد قواده، وهو عبد الرحمن بن محمد بن السليم، ومن ولد سعيد بن ~~المنذر القائد المشهور أيام عبد الرحمن الناصر؛ فكره هذا القائد التمادي ~~معه، فاستدعى المستكفي غداءه، فعمد القائد إلى دجاجة فدهنها له بعصارة نبت ~~يقال له: البيش1 -وهو كثير ببلاد الأندلس وخصوصا بتلك الجهة- فلما أكلها ~~المستكفي مات مكانه، فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه؛ فقبره هناك، ولا عقب ~~له2. # ثم أقام يحيى بن علي الفاطمي في الولاية نافذ الأمر، إلا أنه لم يدخل ~~قرطبة، وإنما كان مقيما بقرمونة كما قد قدمنا، إلى أن قتل في التاريخ الذي ~~تقدم ذكره. PageV01P050 ### | ولاية هشام المعتد بالله* # ولما انقطعت دعوة يحيى بن علي الفاطمي عن قرطبة في التاريخ الذي ذكرنا، ~~أجمع رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بني أمية، وكان عميدهم في ذلك والذي ~~تولى معظمه وسعى في تمامه، الوزير أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبيد ~~الله بن محمد بن الغمر بن يحيى بن عبد الغافر بن أبي عبدة3. وقد كان ذهب كل ~~من ينافس في الرياسة ويخب في الفتنة بقرطبة؛ فراسل جهور من كان معه على ~~رأيه من أهل الثغور والمتغلبين هنالك على الأمور، وداخلهم في هذا الأمر، ~~فاتفقوا بعد مدة طويلة على تقديم أبي بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن ms034 عبد ~~الرحمن الناصر، وهو أخو المرتضي المذكور آنفا. # وكان هشام هذا مقيما بحصن يدعى البنت، من الثغور، عند أبي عبد الله محمد ~~بن عبد الله بن قاسم القائد المتغلب بها؛ فبايعوه في شهر ربيع الأول سنة ~~418، تلقب ب المعتد بالله. PageV01P050 # وكان مولده في سنة 364، وكان أسن من أخيه المرتضي بأربعة أعوام، وسنه يوم ~~بويع له أربع وخمسون سنة، أمه أم ولد اسمها: عاتب. # فبقي ينتقل في الثغور ثلاثة أعوام لا يستقر بموضع، ودارت هنالك فتن عظيمة ~~بين الرؤساء المتغلبين واضطراب شديد، إلى أن اتفق أمرهم واجتمع رأيهم على ~~أن يسير إلى قرطبة قصبة الملك. فسار إليها ودخلها في الثامن من ذي الحجة ~~سنة 420، فلم يقم بها إلا يسيرا حتى قامت عليه طائفة من الجند، فخلع، وجرت ~~أمور يطول شرحها، من جملتها إخراج المعتد بالله هذا من قصره هو وحشمه، ~~والنساء حاسرات عن أوجههن، حافية أقدامهن، إلى أن أدخلوا الجامع الأعظم على ~~هيئة السبايا، فأقاموا هنالك أياما يتعطف عليهم بالطعام والشراب، إلى أن ~~أخرجوا عن قرطبة. # ولحق هشام ومن معه بالثغور بعد اعتقال بقرطبة، فلم يزل يجول في الثغور ~~إلى أن لحق بابن هود المتغلب على مدينة لاردة وسرقسطة وأفراغة وطرطوشة وما ~~والى تلك الجهات، فأقام عنده هشام إلى أن مات في سنة 427 ولا عقب له؛ فهشام ~~هذا آخر ملوك بني أمية بالأندلس. # نسبه: هو هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد ~~الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ابن ~~معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم. # وبخلعه انقطعت الدعوة لبني أمية وذكرهم على المنابر بجميع أقطار الأندلس ~~والعدوة إلى الآن. # فهذا آخر ما انتهى إلينا من أخبار بني أمية بالأندلس على شرط التلخيص. # PageV01P051 ### | ذكر أخبار الأندلس بعد انتقال الدعوة الأموية # عنها، ومن ملكها من الملوك إلى وقتنا هذا، وهو سنة 621 مآل قرطبة بعد ~~انتهاء الدولة الأموية # ولما انقطعت دعوة بني أمية ms035 كما ذكرنا بالأندلس ولم يبق من عقبهم من يصلح ~~للإمارة ولا من تليق به الرياسة، استولى على تدبير ملك قرطبة جهور بن محمد ~~بن جهور، ويكني: أبا الحزم، وقد تقدم ذكر نسبه في ترجمة هشام المعتد. # وأبو الحزم هذا قديم الرياسة شريف البيت، كان آباؤه وزراء الدولة الحكمية ~~والعامرية، وهو موصوف بالدهاء وبعد الغور وحصافة العقل1 وحسن التدبير. ولم ~~يدخل من دهائه في الفتن الكائنة قبل ذلك، كان يتصاون عنها ويظهر النزاهة ~~والتدين والعفاف؛ فلما خلا له الجو، وأصفر2 الفناء، وأقفر النادي من ~~الرؤساء، وأمكنته الفرصة، وثب عليها، فتولى أمرها، واضطلع بحمايتها. # ولم ينتقل إلى رتبة الإمارة ظاهرا، جريا على ما قدمنا من إظهار سنن ~~العفاف؛ بل دبرها تدبيرا لم يسبق إليه, وذلك أنه جعل نفسه ممسكا للموضع إلى ~~أن يجيء من يتفق الناس على إمارته فيسلم إليه ذلك. ورتب البوابين والحشم ~~على تلك القصور على ما كانت عليه أيام الدولة. ولم يتحول عن داره إليها، ~~وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك وهو المشرف ~~عليهم. وصير أهل الأسواق جندا له، وجعل أرزاقهم رءوس أموال تكون بأيديهم ~~محصاة عليهم يأخذون ربحها ورءوس الأموال باقية محفوظة، يؤخذون بها ويراعون ~~في كل وقت كيف حفظهم لها، وفرق السلاح عليهم وأمرهم بتفرقته في الدكاكين ~~والبيوت، حتى إذا دهمهم أمر في ليل أو نهار كان سلاح كل واحد معه حيث كان ~~من بيته أو دكانه. PageV01P052 # وكان أبو الحزم هذا يشهد الجنائز ويعود المرضى، جاريا على طريقة ~~الصالحين، وهو مع ذلك يدبر الأمور تدبير الملوك المتغلبين. وكان آمنا ~~وادعا، وقرطبة في أيامه حرما يأمن فيه كل خائف. # واستمر أمره على ذلك إلى أن مات في غرة صفر سنة 435، فكانت مدة تدبيره ~~منذ استولى إلى أن مات أربع عشرة سنة وأشهرا. # ثم ولي ما كان يتولى من أمر قرطبة بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور، ~~فجرى في السياسة وحسن التدبير على سنن أبيه، غير مخل بشيء من ذلك، إلى أن ~~مات أبو ms036 الوليد المذكور في سلخ شوال من سنة 443. # فغلب عليها بعد أمور جرت، الأمير الملقب بالمأمون بن ذي النون صاحب ~~طليطلة، فدبرها مدة يسيرة إلى أن مات. # وخلف فيها بعده من البربر رجل يعرف ب ابن عكاشة، أظن اسمه موسى؛ فكان بها ~~إلى أن غلبه عليها وأخرجه منها الأمير الظافر بحول الله أبو القاسم محمد بن ~~عباد على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # فهذا آخر أخبار قرطبة وكونها دارا للملك. # وبعد غلبة المعتمد عليها صارت تبعا لإشبيلية. # PageV01P053 ### | فصل رجع الحديث إلى بني حمود ومطمع بني عباد في التغلب على قرطبة # وأما أحوال الحسنيين، فإنه لما قتل يحيى بن علي -كما ذكرنا- لسبع خلون من ~~المحرم سنة 427 -رجع أبو جعفر بن أحمد بن موسى المعروف ب ابن بقنة، ونجا ~~الخادم الصقلبي، وهما مدبرا دولة الحسنيين، فأتيا مالقة، وهي دار مملكتهم، ~~فخاطبا أخاه إدريس بن علي، وكان بسبتة، وكان يملك معها طنجة، واستدعياه، ~~فأتى مالقة، وبايعاه بالخلافة على أن يجعل حسن بن يحيى المقتول مكانه ~~بسبتة؛ ولم يبايعا واحدا من ابني يحيى، وهما إدريس وحسن؛ لصغرهما. فأجابهما ~~إلى ذلك، ونهض نجا مع حسن هذا إلى سبتة وطنجة، وكان حسن أصغر ابني يحيى ~~ولكنه أسدهما رأيا1. # وتلقب إدريس ب المتأيد، فبقي كذلك إلى سنة 30 أو31، فتحركت فتنة، وحدث ~~للقاضي أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد2 صاحب إشبيلية أمل في التغلب ~~على تلك البلاد، فأخرج ابنه إسماعيل في عسكر مع من أجابه من قبائل البربر، ~~ونهض إلى قرمونة فحاصرها، ثم نهض إلى حصن يدعى أشونة، وحصن آخر يدعى إستجة، ~~فأخذهما؛ وكانا بيد محمد بن عبد الله، رجل من قواد البربر من بنى برزال؛ ~~فاستصرخ محمد بن عبد الله إدريس بن علي الحسني وقبائل صنهاجة، فأمده صاحب ~~صنهاجة بنفسه، وأمده إدريس بعسكر يقوده ابن بقنة أحمد بن موسى مدبر دولته؛ ~~فاجتمعوا مع محمد بن عبد الله. ثم غلبت عليهم هيبة إسماعيل بن محمد بن ~~إسماعيل بن عباد، قائد عسكر أبيه القاضي أبي ms037 القاسم، فافترقوا، وانصرف كل ~~واحد منهم إلى بلده. فبلغ ذلك إسماعيل بن محمد، فقوي PageV01P054 # أمله، ونهض بعسكره قاصدا طريق صاحب صنهاجة، وقدر صاحب صنهاجة أنه سيلحقه، ~~فوجه إلى ابن بقنة يسترجعه، وإنما كان فارقه قبل ذلك بساعة، فرجع إليه، ~~والتقت العساكر؛ فما كان إلا أن تراءى الجمعان، فولى عسكر ابن عباد منهزما، ~~وأسلموا إسماعيل، فكان أول مقتول، وحمل رأسه إلى إدريس بن علي الحسني. # وقد كان إدريس استشعر بالهلاك، فنزل عن مالقة إلى جبل بباشتر، وهو الذي ~~قام فيه ابن حفصون المتقدم الذكر1، فتحصن به وهو مريض مدنف، فلم يعش إلا ~~يومين ومات، وترك من الولد يحيى -قتل بعده- ومحمدا الملقب بالمهدي، وحسنا ~~المتلقب ب السامي. وكان له ابن هو أكبر بنيه اسمه علي، مات في حياة أبيه. ~~وترك ابنا اسمه عبد الله، أخرجه عمه2 ونفاه لما ولي. # وقد كان يحيى بن علي المذكور قبل قد اعتقل ابني عمه محمدا والحسن ابني ~~القاسم بن حمود بالجزيرة، وكان الموكل بهما رجلا من المغاربة يعرف بأبي ~~الحجاج، فحين وصل إليه خبر قتل يحيى، جمع من كان في الجزيرة من المغاربة ~~والسودان، وأخرج محمدا والحسن، وقال: هذان سيداكم! فسارع أجمعهم إلى الطاعة ~~لهما؛ لشدة ميل أبيهما إلى السودان قديما وإيثاره لهم. وانفرد محمد بالأمر ~~دون الحسن، وملك الجزيرة، إلا أنه لم يتسم بالخلافة، وبقي معه أخوه الحسن ~~مدة، إلى أن حدث له رأي في التنسك، فلبس الصوف وتبرأ من الدنيا، وخرج إلى ~~الحج مع أخته فاطمة بنت القاسم، زوجة يحيى بن على المعتلي. # فلما مات إدريس كما تقدم، رام ابن بقنة أحمد بن موسى ضبط الأمر لولده ~~يحيى بن إدريس المعروف ب حيون، ثم لم يجسر على ذلك الجسر التام، وتحير ~~وتردد. # ولما وصل خبر قتل إسماعيل بن عباد، وموت إدريس بن علي إلى نجا الخادم ~~الصقلبي، وكان بسبتة، استخلف عليها من وثق به من الصقالبة، وركب البحر هو ~~وحسن بن يحيى إلى مالقة، ليرتب الأمر له؛ فلما وصلا إلى مرسى مالقة، خارت ~~قوى ms038 ابن بقنة وهرب إلى حصن كمارش، على ثمانية عشر ميلا من مالقة. # ودخل حسن ونجا مالقة، واجتمع إليهما من بها من البربر، فبايعوا حسن بن ~~يحيى بالخلافة، وتسمى ب المستعلي، ثم خاطب ابن بقنة وأمنه، فلما رجع إليه ~~قبض عليه وقتله، وقتل ابن عمه يحيى بن إدريس. PageV01P055 # ورجع نجا إلى سبتة وطنجة، وترك مع الحسن رجلا كان من التجار يعرف ~~بالسطيفي، كان نجا كثير الثقة به، فبقي الأمر كذلك نحوا من عامين. # وكان الحسن بن يحيى متزوجا بابنة عمه إدريس، فقيل: إنها سمته أسفا على ~~أخيها، فلما مات احتاط السطيفي على الأمر، واعتقل إدريس بن يحيى, وكتب إلى ~~نجا بالخبر. # وكان للحسن ابن صغير عند نجا، فقيل: إنه اغتاله أيضا فقتله، فالله أعلم. # ولم يعقب حسن بن يحيى، فاستخلف نجا على سبتة وطنجة من وثق به من الصقالبة ~~عند وصول الخبر إليه، وركب البحر إلى مالقة، فلما وصل إليها زاد في ~~الاحتياط على إدريس بن يحيى، وأكد اعتقاله، وعزم على محو أمر الحسنيين ~~جملة، وأن يضبط تلك البلاد لنفسه، فدعا البربر الذين كانوا جند البلد، وكشف ~~الأمر إليهم علانية، ووعدهم بالإحسان، فلم يجدوا لمساعدته بدا، فوافقوه في ~~الظاهر، وعظم ذلك في أنفسهم باطنا. ثم جمع عسكره، ونهض إلى الجزيرة ليستأصل ~~محمد بن القاسم، فحاربه أياما، ثم أحسن بفتور نيات الذين معه، فرأى أن يرجع ~~إلى مالقة، فإذا حصل فيها نفى من يخاف غائلته1 منهم واستصلح سائرهم، ~~واستدعى الصقالبة من حيثما أمكنه ليقوى بهم على غيرهم. وأحسن البربر بهذا ~~منه، فاغتالوه في الطريق من قبل أن يصل إلى مالقة، فقتل وهو على دابته في ~~مضيق صار فيه، وقد تقدمه إليه الذي أراد الفتك به، وفر من كان معه من ~~الصقالبة بأنفسهم. ثم تقدم فارسان من الذين غدروا به يركضان حتى وردا ~~مالقة، فدخلا وهما يقولان: البشرى البشرى! فلما وصلا إلى السطيفي، وضعا ~~سيفيهما عليه فقتلاه. # ثم وافى العسكر فاستخرجوا إدريس بن يحيى من محبسه، فقدموه وبايعوه ~~بالخلافة، وتسمى ب العالي. فظهرت ms039 منه أمور متناقضة، منها أنه كان أرحم ~~الناس قلبا، كثير الصدقات؛ يتصدق كل يوم بخمسمائة، ورد كل مطرود عن وطنه ~~إليه، ورد عليهم ضياعهم وأملاكهم، ولم يسمع بغيا في أحد من الرعية. وكان ~~أديب اللقاء، حسن المجلس، يقول من الشعر الأبيات الحسان. ومع هذا فكان لا ~~يصحب ولا يؤثر إلا كل ساقط رذل، ولا يحجب حرمه عنهم. وكل من طلب منه حصنا ~~من حصون بلاده ممن يجاوره من صنهاجة أو بني يفرن أعطاه إياه. وكتب إليه ~~أمير صنهاجة أن يسلم إليه وزيره ومدبر أمره وصاحب أبيه وجده: موسى بن عفان ~~السبتي، فلما أخبره بأن الصنهاجي كتب إليه يطلبه منه وأنه لا بد من تسليمه ~~إليه، قال له موسى بن عفان: افعل ما تؤمر، PageV01P056 # ستجدني إن شاء الله من الصابرين1! فبعث به إلى الصنهاجي فقتله. # وكان قد اعتقل ابني عمه محمدا وحسنا ابني إدريس بن علي في حصن إيرش، فلما ~~رأى ثقته الذي في الحصن اضطراب آرائه، خالف عليه وقدم ابن عمه محمد بن ~~إدريس. فلما بلغ ذلك السودان المرتبين في قصبة مالقة، نادوا بدعوة ابن عمه ~~محمد بن إدريس، وراسلوه بالمجيء إليهم وامتنعوا بالقصبة. # واجتمعت العامة إلى إدريس بن يحيى، واستأذنوه في حرب القصبة والدفاع عنه؛ ~~ولو أذن لهم ما ثبت السودان فواق ناقة2، فأبى، فقال لهم: الزموا منازلكم ~~ودعوني؛ فتفرقوا عنه. # وجاء ابن عمه، فسلم عليه، وبويع بالخلافة، وتسمى ب المهدي، وولى أخاه ~~عهده، وسماه السامي، واعتقل ابن عمه إدريس بن يحيى في الحصن الذي كان هو ~~معتقلا فيه. # وظهرت من محمد بن إدريس هذا شهامة وجرأة شديدة هابه بها جميع البربر، ~~وأشفقوا منه، وراسلوا المرتب في الحصن الذي فيه إدريس بن يحيى هذا ~~واستمالوه، فأجابهم وقام بدعوة إدريس. # وقد كان إدريس أول ولايته بعد قتل نجا -كما تقدم- قد ولى سبتة وطنجة ~~رجلين من برغواطة، قبيلة من قبائل البربر، مع عبيد أبيه، اسم أحدهما رزق ~~الله، والآخر سكات؛ فلما خلع إدريس كما تقدم، بقيا حافظين لمكانيهما. # فلما قام -كما ms040 ذكرنا- بدعوته صاحب حصن إيرش، لم يظهر محمد مبالاة بذلك، ~~بل ثبت ثباتا شديدا. وكانت والدته تشجعه وتقوي متنه وتشرف على الحرب بنفسها ~~فتحسن إلى من أبلى. فلما رأى البربر شدة عزمه وثباته، فت ذلك في أعضادهم3 ~~وتخلوا عن إدريس بن يحيى، ورأوا أن يبعثوا به إلى سبتة وطنجة، إلى ~~البرغواطيين اللذين ذكرنا، وقد كان إدريس جعل ابنه عندهما في حضانتهما؛ ~~فلما وصل إليهما أظهرا تعظيمه ومخاطبته بالخلافة، إلا أنهما حجباه شديدا ~~ولم يدعا أحدا من الناس يصل إليه، فتلطف4 قوم من أكابر البربر حتى وصلوا ~~إليه، وقالوا له: إن PageV01P057 # هذين العبدين قد غلبا عليك، وحالا بينك وبين أمرك، فأذن لنا نكفيكهما، ~~فأبى؛ ثم أخبرهما بذلك، فنفيا أولئك القوم، وأخرجا إدريس بن يحيى، وبعثا به ~~إلى الأندلس، وتمسكا بولده لصغره؛ إلا أنهما في كل ذلك يخطبان لإدريس ~~بالخلافة. # ثم إن محمد بن إدريس أنكر من أخيه الملقب ب السامي أمرا، فنفاه إلى ~~العدوة، فصار في جبال غمارة، وهي بلاد تنقاد لهؤلاء الحسنيين، وأهلها ~~يعظمونهم تعظيما مفرطا. # ثم إن البرابرة خاطبوا محمد بن القاسم الكائن بالجزيرة الخضراء، واجتمعوا ~~إليه ووعدوه بالنصر. فاستفزه الطمع وخرج إليهم، فبايعوه بالخلافة، وتسمى ب ~~المهدي؛ وصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة: أربعة كلهم يتسمى بأمير ~~المؤمنين، في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا في مثلها. # فأقاموا معه أياما ثم افترقوا عنه إلى بلادهم، ورجع محمد خاسئا إلى ~~الجزيرة، ومات لأيام؛ فقيل: إنه مات غما؛ وترك نحوا من ثمانية ذكور. # فتولى أمر الجزيرة بعده ابنه القاسم بن محمد بن القاسم، إلا أنه لم يتسم ~~بالخلافة. # وبقى محمد بن إدريس المهدي بمالقة إلى أن مات سنة 445. # وكان إدريس بن يحيى المعروف ب العالي عند بني يفرن بتاكرونة؛ فلما توفي ~~محمد بن إدريس بن يحيى المهدي ردت العامة إدريس العالي إلى مالقة واستولى ~~عليها، وهو آخر من ملكها من الحسنيين. فلما مات، أجمع البربر رأيهم على نفي ~~الحسنيين عن الأندلس إلى العدوة، والاستبداد بضبط ما كانوا يملكونه من ~~البلاد، ففعلوا ms041 ذلك وتم لهم ما أرادوا منه. # كانت الجزيرة الخضراء وما والاها من القرى إلى تاكرونة، ومالقة وما ~~والاها أيضا إلى حصن منكب وغرناطة وأعمالها، في ملك البربر. وملكوا مع ذلك ~~بعض أعمال إشبيلية، كحصن أشونة، وقرمونة، وشلبر. ولم يزالوا كذلك إلى أن ~~أخرج من أيديهم ما كانوا يملكونه من أعمال إشبيلية المعتضد بالله أبو عمرو ~~عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي، ثم أتم ابنه أبو القاسم المعتمد ~~على الله ما ابتدأه أبوه من ذلك. # وهذا آخر أخبار الحسنيين وما يتعلق بها، حسبما أورده أبو عبد الله محمد ~~بن أبي نصر الحميدي، عليه عولت في أكثر ذلك، ومن كتابه نقلت، خلا مواضع ~~تبينت غلطه فيها، أصلحتها جهد ما أقدر. # وعلى الله قصد السبيل، وهو المسئول في الهداية قولا وعملا. # PageV01P058 ### | فصل يتضمن ذكر أحوال الأندلس بعد انقطاع الدعوة الأموية عنها على الإجمال لا على التفصيل # وأما حال سائر الأندلس بعد اختلال دعوة بنى أمية، فإن أهلها تفرقوا فرقا، ~~وتغلب في كل جهة منها متغلب، وضبط كل متغلب منهم ما تغلب عليه، وتقسموا ~~ألقاب الخلافة؛ فمنهم من تسمى ب المعتضد، وبعضهم تسمى ب المأمون، وآخر تسمى ~~ب المستعين، والمقتدر، والمعتصم، والمعتمد، والموفق، والمتوكل؛ إلى غير ذلك ~~من الألقاب الخلافية؛ وفي ذلك يقول أبو علي الحسن بن رشيق1: # مما يزهدني في أرض أندلس ... سماع مقتدر فيها ومعتضد2 # ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد! # وأنا ذاكر -إن شاء الله في هذا الفصل- أسماءهم والجهات التي تغلبوا ~~عليها، على نحو ما شرطت من الإجمال؛ إذ لكل منهم أخبار وسير ووقائع لو بسطت ~~القول فيها خرج هذا التصنيف عن حد التلخيص إلى حيز الإسهاب. وأيضا فالذي ~~منعني عن استيفاء أخبارهم أو أخبار أكثرهم، قلة ما صحبني من الكتب، واختلال ~~معظم محفوظاتي. PageV01P059 ### | ملوك الطوائف # فأولهم في الربع الشرقي، رجل اسمه سليمان بن هود، تلقب ب المؤتمن، وتلقب ~~ابنه ب المقتدر، وتلقب ابنه ب المستعين3. PageV01P059 # كان بنو هود هؤلاء يملكون من مدن هذه الجهة ms042 الشرقية: طرطوشة وأعمالها، ~~وسرقسطة وأعمالها، وأفراغة، ولاردة، وقلعة أيوب؛ هذه اليوم كلها بأيدي ~~الإفرنج، يملكها صاحب برشنونة -لعنه الله- وهي البلاد التي تسمى أرغن، حد ~~هذا الاسم آخر مملكة البرشنوني مما يلي بلاد إفرنسة. # ويجاور بنى هود هؤلاء رجل آخر اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، يكنى أبا ~~مروان، قديم الرياسة، هو أحق ملوك الأندلس بالتقدم لشرف بيته، ولا أعلم له ~~لقبا، كان يملك بلنسية وأعمالها. # وكان يلى الثغر رجل آخر يقال له: أبو مروان بن رزين، كان يملك إلى أول ~~أعمال طليطلة. # وكان الذي يملك طليطلة وأعمالها: الأمير أبو الحسن يحيى بن إسماعيل بن ~~عبد الرحمن بن إسماعيل بن عامر بن مطرف بن موسى بن ذي النون1. # وأبو الحسن هذا أقدم ملوك الأندلس رياسة وأشرفهم بيتا وأحقهم بالتقدم، ~~تلقب ب المأمون؛ كان أبوه إسماعيل هو الذي تغلب على طليطلة من قبل واستبد ~~بملكها أول الفتنة. # ولم يزل أبو الحسن هذا يملك طليطلة وأعمالها كما ذكرنا، إلى أن أخرجه ~~عنها الأدفنش2 -لعنه الله- واستولى عليها النصارى في شهور سنة 478، فهي ~~قاعدة ملك النصارى إلى وقتنا هذا. # وكان يملك قرطبة وأعمالها إلى أول الثغر: جهور بن محمد بن جهور المتقدم ~~ذكره ونسبه, إلى أن غلبه عليها صاحب طليطلة إسماعيل بن ذي النون والد أبي ~~الحسن المذكور آنفا. # وكان يملك إشبيلية وأعمالها: القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد ~~PageV01P060 # اللخمي، تغلب عليها بعد أن أخرج عنها القاسم بن حمود وابنيه محمدا والحسن ~~على ما سيأتي الإيماء إليه إن شاء الله عز وجل. # وكان يملك مالقة والجزيرة وغرناطة وما إلى ذلك: البربر بنو برزال ~~الصنهاجيون على ما قدمناه. # وتغلب على المرية وأعمالها زهير العامري الخادم، ثم ملكها بعده خيران ~~العامري أيضا الخادم، ثم تغلب عليها بعدهما أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح ~~المتلقب ب المعتصم؛ فلم يزل فيها إلى أن أخرجه عنها يوسف بن تاشفين ~~اللمتوني في شهور سنة 484. # وكان يملك دانية وأعمالها: مجاهد العامري1، أصله رومي، مولى لأبي عامر ~~محمد بن أبي ms043 عامر، ثم ملكها بعده ابنه علي بن مجاهد، وتقلب ب الموفق، لا ~~أعلم في المتغلبين على جهات الأندلس أصون منه نفسا ولا أطهر عرضا ولا أنقى ~~ساحة، كان لا يشرب الخمر ولا يقرب من يشربها، وكان مؤثرا للعلوم الشرعية, ~~مكرما لأهلها. توفي قبل فتنة المرابطين بيسير، لا أتحقق تاريخ وفاته2. # وكان يملك الثغر الذي من الجهة المغربية من الأندلس وبعض المدن المجاورة ~~للبحر الأعظم: ابن الأفطس المتلقب ب المظفر، ذهب عني اسمه3، ثم كان له ابن ~~اسمه عمر، يكنى أبا محمد، تلقب ب المتوكل على الله، كان يملك بطليوس ~~وأعمالها، ويابرة، وشنترين، والأشبونة. # كان المظفر هذا أحرص الناس على جمع علوم الأدب خاصة من النحو والشعر ~~ونوادر الأخبار وعيون التاريخ، انتخب مما اجتمع له من ذلك كتابا كبيرا ~~ترجمه باسمه، على نحو: الاختيارات للروحي، وعيون الأخبار لأبي محمد بن ~~قتيبة4؛ PageV01P061 # جاء هذا الكتاب في نحو من عشرة أجزاء ضخمة، وقفت على أكثره، ترجمته ~~المظفري. # وكان لابنه المتوكل قدم راسخة في صناعة النظم والنثر، مع شجاعة مفرطة ~~وفروسية تامة، وكان لا يغب الغزو ولا يشغله عنه شيء. واتصلت مملكته إلى أن ~~قتله المرابطون أصحاب يوسف بن تاشفين، وقتلوا ولديه الفضل والعباس صبرا؛ ~~ضربوا أعناقهم في غرة سنة 485. # وكانت أيام بني المظفر بمغرب الأندلس أعيادا ومواسم، وكانوا ملجأ لأهل ~~الآداب، خلدت فيهم، ولهم قصائد شادت مآثرهم وأبقت على غابر الدهر حميد ~~ذكرهم؛ وفيهم يقول الوزير الكاتب الأبرع ذو الوزارتين أبو محمد عبد المجيد ~~بن عبدون1، من أهل مدينة يابرة، قصيدته الغراء، لا بل عقيلته العذراء, التي ~~أزرت على الشعر، وزادت على السحر، وفعلت في الألباب فعل الخمر، فجلت عن أن ~~تسامى، وأنفت من أن تضاهى2؛ فقل لها النظير، وكثر إليها المشير، وتساوى في ~~تفضيلها وتقديمها باقل وجرير3؛ فلله هي من عقيلة خدر قربت بسهولتها حتى ~~أطمعت؛ وبعدت حتى عزت فامتنعت؛ أوردتها في هذا المصنف وإن كان فيها طول ~~مخرج عن الحد الذي رسمته؛ مخل بالتلخيص الذي شرطته؛ لصحة مبانيها، ورشاقة ~~ألفاظها, وجودة ms044 معانيها، سلك فيها أبو محمد -رحمه الله- طريقة لم يسبق ~~إليها، وورد شرعة لم يزاحم عليها؛ فلذلك قل مثلها لا بل عدم، وعز نظيرها ~~فما توهم ولا علم، وهي: من البسيط # الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور؟ # أنهاك أنهاك, لا آلوك موعظة ... عن نومة بين ناب الليث والظفر # فالدهر حرب وإن أبدى مسالمة ... والبيض والسود مثل البيض والسمر # ولا هوادة بين الرأس تأخذه ... يد الضراب وبين الصارم الذكر4 PageV01P062 # فلا تغرنك من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السهر # ما لليالي -أقال الله عثرتنا- ... من الليالي وخانتها يد الغير1 # في كل حين لها في كل جارحة ... منا جراح وإن زاغت عن النظر # تسر بالشيء, لكن كي تغر به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر # كم دولة وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها -وسل ذكراك- من خبر # هوت بدارا وفلت غرب قاتله ... وكان عضبا على الأملاك ذا أثر2 # واسترجعت من بنى ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبنى يونان من أثر3 # وألحقت أختها طسما، وعاد على ... عاد وجرهم منها ناقض المرر4 # وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر5 # ومزقت سبأ في كل قاصية ... فما التقى رائح منهم بمبتكر6 # وأنفذت في كليب حكمها، ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر7 # ولم ترد على الضليل صحته ... ولا ثنت أسدا عن ربها حجر8 # ودوخت آل ذبيان وإخوتهم ... عبسا، وغصت بني بدر على النهر9 PageV01P063 # وألحقت بعدي بالعراق على ... يد ابنه أحمر العينين والشعر1 # وأهلكت أبرويزا بابنه ورمت ... بيزدجرد إلى مرو فلم يحر2 # وبلغت يزدجرد الصين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر3 # ولم ترد مواضي رستم وقنا ... ذي حاجب عنه سعدا في ابنة الغير4 # يوم القليب بنو بدر فنوا وسعى ... قليب بدر بمن فيه إلى سقر5 # ومزقت جعفرا بالبيض واختلست ... من غيله حمزة الظلام للجزر6 # وأشرفت بخبيب فوق فارعة ... وألصقت طلحة الفياض بالعفر7 # وخضبت شيب عثمان دما وخطت ... إلى الزبير ولم تستحي من عمر8 # ولا رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزوده إلا ms045 الضيح في الغمر9 # وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن ... وأمكنت من حسين راحتي شمر10 PageV01P064 # وليتها إذ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليا بمن شاءت من البشر1 # وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسن ... أتت بمعضلة الألباب والفكر2 # فبعضنا قائل ما اغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يؤت من حصر3 # وأردت ابن زياد بالحسين فلم ... يبؤ بشسع له قد طاح أو ظفر4 # وعممت بالظبى فودي أبي أنس ... ولم ترد الردى عنه قنا زفر5 # وأنزلت مصعبا من رأس شاهقة ... كانت بها مهجة المختار في وزر6 # ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا ... راعت عياذته بالبيت والحجر7 # وأعملت في لطيم الجن حيلتها ... واستوسقت لأبي الذبان ذي البخر8 # ولم تدع لأبي الذبان قاضبه ... ليس اللطيم لها عمرو بمنتصر9 # وأحرقت شلو زيد بعدما احترقت ... عليه وجدا قلوب الآي والسور10 ~~PageV01P065 # وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكأس والوتر1 # حبابة حب رمان أتيح لها ... وأحمر قطرته نفحة القطر2 # ولم تعد قضب السفاح نائية ... عن رأس مروان أو أشياعه الفجر3 # وأسبلت دمعة الروح الأمين على ... دم بفخ لآل المصطفى هدر4 # وأشرقت جعفرا والفضل ينظره ... والشيخ يحيى بريق الصارم الذكر5 # وأخفرت في الأمين العهد، وانتدبت ... لجعفر بابنه والأعبد الغدر6 # وما وفت بعهود المستعين ولا ... بما تأكد للمعتز من مرر7 # وأوثقت في عراها كل معتمد ... وأشرقت بقذاها كل مقتدر # وروعت كل مأمون ومؤتمن ... وأسلمت كل منصور ومنتصر # وأعثرت آل عباد لعا لهم ... بذيل زباء لم تنفر من الذعر8 # بني المظفر والأيام -لا نزلت- ... مراحل، والورى منها على سفر # سحقا ليومكم يوما ولا حملت ... بمثله ليلة في غابر العمر9 PageV01P066 # من للأسرة، أو من للأعنة، أو ... من للأسنة يهديها إلى الثغر # من للظبى وعوالي الخط قد عقدت ... أطراف ألسنها بالعي والحصر1 # وطوقت بالمنايا السود بيضهم ... فاعجب لذاك وما منها سوى الذكر # من لليراعة أو من للبراعة أو ... من للسماحة أو للنفع والضرر # أو دفع كارثة أو ردع آزفة ... أو قمع حادثة تعيا على القدر2 # ويب السماح وويب البأس لو سلما ... وحسرة الدين والدنيا على عمر3 ms046 # سقت ثرى الفضل والعباس هامية ... تعزى إليهم سماحا لا إلى المطر4 # ثلاثة ما رأى السعدان مثلهم ... واخبر ولو عززا في الحوت بالقمر # ثلاثة ما ارتقى النسران حيث رقوا ... وكل ما طار من نسر ولم يطر # ثلاثة كذوات الدهر منذ نأوا ... عني، مضى الدهر لم يربع ولم يحر5 # ومر من كل شيء فيه أطيبه ... حتى التمتع بالآصال والبكر # أين الجلال الذي غضت مهابته ... قلوبنا وعيون الأنجم الزهر6 # أين الإباء الذي أرسوا قواعده ... على دعائم من عز ومن ظفر # أين الوفاء الذي أصفوا شرائعه ... فلم يرد أحد منها على كدر7 # كانوا رواسي أرض الله، منذ مضوا ... عنها استطارت بمن فيها ولم تقر8 # كانوا مصابيحها فمذ خبوا عثرت ... هذي الخليقة يا لله في سدر9 # كانوا شجا الدهر فاستهوتهم خدع ... منه بأحلام عاد في خطا الحضر10 ~~PageV01P067 # ويلمه من طلوب الثأر مدركه ... منهم بأسد سراة في الوغى صبر1 # من لي ولا من بهم إن أظلمت نوب ... ولم يكن ليلها يفضي إلى سحر2 # من لي ولا من بهم إن عطلت سنن ... وأخفيت ألسن الآثار والسير3 # من لي ولا من بهم إن أطبقت محن ... ولم يكن وردها يدعو إلى صدر4 # على الفضائل إلا الصبر بعدهم ... سلام مرتقب للأجر منتظر # يرجو عسى وله في أختها أمل ... والدهر ذو عقب شتى وذو غير5 # قرطت آذان من فيها بفاضخة ... على الحسان حصا الياقوت والدرر6 # سيارة في أقاصي الأرض قاطعة ... شقاشقا هدرت في البدو والحضر7 # مطاعة الأمر في الألباب قاضية ... من المسامع ما لم يقض من وطر8 # وكان أبو محمد هذا يكتب للمتوكل على الله، ونمت حاله معه؛ وهو أحد كتاب ~~المغرب، وممن جمع منهم فضيلتي الكتابة والشعر، على أنه مقل من النظم، لم ~~يثبت به منه إلا يسير بالنسبة إلى غزارة آدابه ونباهة قدره. وسيمر من مختار ~~رسائله في موضعه من هذا الكتاب ما يدل على ما وصفناه به. # حكى عن نفسه -رحمه الله- أنه كان بين يدي مؤدبه، وسنه إذ ذاك ثلاث عشرة ~~سنة، فعن للمؤدب أن قال: من المجتث ms047 # الشعر خطة خسف # وجعل يردد هذا القول. قال الوزير أبو محمد رحمه الله: فكتبت في لوحي ~~مجيزا له: # لكل طالب عرف9 PageV01P068 # ثم خطر لي بيت ثان، وهو: # للشيخ عيبة عيب ... وللفتى ظرف ظرف1 # قال: فنظر إلي المؤدب وقال: يا عبد المجيد، ما الذي تكتب؟ فأريته اللوح؛ ~~فلما رآه لطمني وعرك أذني وقال: لا تشتغل بهذا! وكتب البيتين عنده. # ومن غزارة حفظه -رحمه الله- ما حدث الوزير الأجل أبو بكر محمد ابن الوزير ~~أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر2 -وكان أبو بكر ~~هذا قد مات عن سن عالية، نيف على الثمانين- قال: # بينا أنا قاعد في دهليز دارنا وعندي رجل ناسخ أمرته أن يكتب لي كتاب ~~الأغاني3 فجاء الناسخ بالكراريس التي كتبها؛ فقلت له: أين الأصل الذي كتبت ~~منه لأقابل معك به قال: ما أتيت به معي؛ فبينا أنا معه في ذلك إذ دخل ~~الدهليز علينا رجل بذ الهيئة، عليه ثياب غليظة أكثرها صوف، وعلى رأسه عمامة ~~قد لاثها4 من غير إتقان لها؛ فحسبته لما رأيته من بعض أهل البادية، فسلم ~~وقعد وقال لي: يا بني، استأذن لي على الوزير أبي مروان؛ فقلت له: هو نائم؛ ~~هذا بعد أن تكلفت جوابه غاية التكلف؛ حملني على ذلك نزوة الصبا وما رأيت من ~~خشونة هيئة الرجل. ثم سكت عني ساعة، وقال: ما هذا الكتاب الذي بأيديكما؟ ~~فقلت له: ما سؤالك عنه؟ فقال: أحب أن أعرف اسمه، فإني كنت أعرف أسماء ~~الكتب! فقلت: هو كتاب الأغاني؛ فقال: إلى أين بلغ الكاتب منه؟ قلت: بلغ ~~موضع كذا، وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به والضحك على قالبه، فقال: ~~وما لكاتبك لا يكتب؟ قلت: طلبت منه الأصل الذي يكتب منه لأعارض به هذه ~~الأوراق، فقال: لم أجئ به معي؛ فقال: يا بني، خذ كراريسك وعارض؛ قلت: ~~بماذا؟ وأين الأصل؟ قال: كنت أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي؛ قال: فتبسمت من ~~قوله، فلما رأى تبسمي قال: يا بني, أمسك علي؛ قال: فأمسكت ms048 عليه وجعل يقرأ، ~~فوالله إن أخطأ واوا ولا فاء؛ قرأ هكذا نحوا من كراستين، ثم أخذت له في وسط ~~السفر وآخره، فرأيت حفظه في ذلك كله سواء. # فاشتد عجبي، وقمت مسرعا حتى دخلت على أبي, فأخبرته بالخبر ووصفت له ~~PageV01P069 # الرجل؛ فقام كما هو من فوره، وكان ملتفا برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر ~~الرأس حافي القدمين لا يرفق على نفسه، وأنا بين يديه، وهو يوسعني لوما، حتى ~~ترامى على الرجل وعانقه، وجعل يقبل رأسه ويديه ويقول: يا مولاي اعذرني، ~~فوالله ما أعملني هذا الجلف1 إلا الساعة؛ وجعل يسبني، والرجل يخفض عليه ~~ويقول: ما عرفني؛ وأبي يقول: هبه ما عرفك، فما عذره في حسن الأدب. # ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به فتحدثا طويلا؛ ثم خرج الرجل وأبي بين ~~يديه حافيا حتى بلغ الباب، وأمر بدابته التي يركبها فأسرجت، وحلف عليه ~~ليركبنها ثم لا ترجع إليه أبدا. # فلما انفصل قلت لأبي: من هذا الرجل الذي عظمته هذا التعظيم؟ قال لي: اسكت ~~ويحك! هذا أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الآداب، هذا أبو محمد عبد ~~المجيد بن عبدون، أيسر محفوظاته كتاب الأغاني؛ وما حفظه في ذكاء خاطره ~~وجودة قريحته. # سمعت هذه الحكاية من أبي بكر بن زهر -رحمه الله- حين دخلت عليه وقد وفد ~~على مراكش لتجديد بيعة أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف في ~~شهور سنة 595. # وأنشدني الوزير أبو بكر المذكور في هذا التاريخ لنفسه -بعد أن سألني عن ~~اسمي وعن نسبي فتسميت وانتسبت، وتسمى لي هو -رحمه الله-, وانتسب من غير ~~استدعاء، تواضعا منه وشرف نفس وتهذيب خلق، قدس الله روحه وسامحه: من البسيط # لاح المشيب على رأسي فقلت له: ... الشيب والعيب, لا والله ما اجتمعا # يا ساقي الكأس لا تعدل إلي بها ... فقد هجرت الحميا والحميم معا! 2 # وأنشدني -رحمه الله- وقال: احفظ عني: من البسيط # إني نظرت إلى المرآة إذ جليت ... فأنكرت مقلتاي كل ما رأتا # رأيت فيها شييخا لست أعرفه ... وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتى ms049 # هذا ما أنشدني لنفسه بلفظه -رحمه الله-. وله شعر كثير أجاد في أكثره. ~~وأما الموشحات خاصة فهو الإمام المقدم فيها, وطريقته هي الغاية القصوى التي ~~يجري كل من بعده إليها؛ هو آخر المجيدين في صناعتها، ولولا أن العادة لم ~~تجر بإيراد PageV01P070 # الموشحات في الكتب المجلدة المخلدة لأوردت له بعض ما بقي على خاطري من ~~ذلك. # رجع القول إلى ملوك الطوائف # ثم رجع بنا القول إلى ذكر أحوال الأندلس؛ فهؤلاء الرؤساء الذين ذكرنا ~~أسماءهم هم الذين ملكوا الأندلس بعد الفتنة وضبطوا نواحيها؛ واستبد كل رئيس ~~منهم بتدبير ما تغلب عليه من الجهات، وانقطعت الدعوة للخلافة وذكر اسمها ~~على المنابر؛ فلم يذكر خليفة أموي ولا هاشمي بقطر من أقطار الأندلس، خلا ~~أيام يسيرة دعي فيها لهشام المؤيد بن الحكم المستنصر بمدينة إشبيلية ~~وأعمالها، حسبما اقتضته الحيلة واضطر إليه التدبير، ثم انقطع ذلك حسبما ~~يأتي بيانه إن شاء الله تعالي، فأشبهت حال ملوك الأندلس بعد الفتنة حال ~~ملوك الطوائف من الفرس بعد قتل دارا بن دارا. # ولم يزالوا كذلك وأحوال الأندلس تضعف وثغورها تختل، ومجاوروها من الروم ~~تشتد أطماعهم ويقوى تشوفهم؛ إلى أن جمع الله الكلمة، ورأب الصدع، ونظم ~~الشمل، وحسم الخلاف، وأعز الدين، وأعلى كلمة الإسلام، وقطع طمع العدو، بيمن ~~نقيبة أمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين اللمتوني -رحمه ~~الله-. ثم استمر على ذلك ابنه علي، وأعادا إلى الأندلس معهود أمنها وسالف ~~نضارة عيشها؛ فكانت الأندلس في أيامهما حرما آمنا. وأول دعاء دعي للخلافة ~~العباسية -أبقاها الله- على منابر الأندلس في أيامهما. ولم تزل الدعوة ~~العباسية وذكر خلفائها على منابر الأندلس والمغرب إلى أن انقطعت بقيام ابن ~~تومرت1 مع المصامدة في بلاد السوس2، على ما يأتي بيانه إن شاء الله عز وجل. ~~PageV01P071 ### | فصل في ملك بني عباد بإشبيلية # وإذ ذكرنا أحوال ملوك الأندلس المتغلبين عليها بعد الفتنة على ما شرطنا ~~من الإجمال، فلنرجع إلى ذكر مملكة إشبيلية خصوصا من جزيرة الأندلس، وذكر من ~~ملكها, فبذلك يتصل نسق الأخبار عما نريده، ms050 ويتطرق لنا القول فيما نقصده؛ ~~لأن ملك إشبيلية هو كان السبب في دخول يوسف بن تاشفين مع المرابطين ~~الأندلس، على ما سيذكر إن شاء الله تعالى، فنقول: # أما أحوال إشبيلية فإنها كانت في طاعة الفاطميين، أعني: علي بن حمود، ~~والقاسم بن حمود، ويحيى بن علي بن حمود، أيام كان الأمر دائرا بينهم على ما ~~تقدم ذكره؛ فلما زحف يحيى بن علي بالبرابر إلى قرطبة، وهرب القاسم بن حمود ~~منها وقصد إشبيلية -وقد كان ابناه محمد والحسن مقيمين بها-اجتمع أمر أهل ~~إشبيلية واتفق رأيهم على إخراج محمد والحسن عنها قبل وصول القاسم أبيهما؛ ~~فأخرجوهما. وجاء القاسم فمنعوه دخول البلد أيضا، واتفقوا على تقديم رجل ~~منهم يرجع إليه أمرهم وتجتمع به كلمتهم؛ فتوارد اختيارهم بعد مخض الرأي ~~وتنقيح التدبير، على القاضي أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي؛ ~~لما كانوا يعلمونه من حصافة عقله، وسعة صدره، وعلو همته، وحسن تدبيره؛ ~~فعرضوا عليه ما رأوه من ذلك، فتهيب الاستبداد، وخاف عاقبة الانفراد أولا، ~~وأبى ذلك إلا على أن يختاروا له من أنفسهم رجالا سماهم؛ لكي يكونوا له ~~أعوانا ووزراء وشركاء، ولا يقطع أمرا دونهم، ولا يحدث حدثا إلا بمشورتهم ~~-وهؤلاء المسمون هم: الوزير أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي1، ومحمد بن يريم ~~الألهاني، وأبو الأصبغ عيسى بن حجاج الحضرمي، وأبو محمد عبد الله بن علي ~~الهوزني، في رجال آخرين ذهبت عني أسماؤهم إلا أني أعرف قبائلهم وبيوتهم- ~~ففعلوا ذلك وأجابوه إلى ما أراد. ولم يزل يدبر أمر إشبيلية, وهؤلاء ~~المذكورون وزراؤه. PageV01P072 # وكان له من الولد إسماعيل، وهو الأكبر، يكنى أبا الوليد؛ وعباد, يكنى أبا ~~عمرو؛ فأما إسماعيل فخرج إلى لقاء البربر بعد أن حدث لأبيه أمل في التغلب ~~على ما كان البربر يملكونه من الحصون القريبة من إشبيلية، بعسكر من جند ~~إشبيلية، فالتقى هو وصاحب صنهاجة؛ فأسلمت إسماعيل عساكره، وكان أول قتيل، ~~وقطع رأسه وسير به إلى مالقة، إلى إدريس بن علي الفاطمي، كما تقدم. # وبقي الأمر كذلك، والقاضي أبو القاسم يدبر الأمور ms051 أحسن تدبير، وكان صالحا ~~مصلحا، إلى أن مات في شهور سنة 439. # ولاية المعتضد بالله العبادي # ثم ولي ما كان يليه بعده من أمور إشبيلية وأعمالها، ابنه أبو عمرو عباد ~~بن محمد بن إسماعيل بن عباد، فجرى على سنن أبيه في إيثار الإصلاح وحسن ~~التدبير وبسط العدل، مدة يسيرة. ثم بدا له أن يستبد بالأمور وحده؛ وكان ~~شهما صارما حديد القلب شجاع النفس بعيد الهمة ذا دهاء، وواتته مع هذا ~~المقادير؛ فلم يزل يعمل في قطع هؤلاء الوزراء واحدا واحدا، فمنهم من قتله ~~صبرا، ومنهم من نفاه عن البلاد، ومنهم من أماته خمولا وفقرا، إلى أن تم له ~~ما أراده من الاستبداد بالأمر، وتلقب ب المعتضد بالله. # وقيل: إنه ادعى أنه وقع إليه هشام المؤيد بالله، ابن الحكم المستنصر ~~بالله؛ وكان الذي حمله على تدبير هذه الحيلة ما رآه من اضطراب أهل إشبيلية، ~~وخاف قيام العامة عليه؛ لأنهم سمعوا بظهور من ظهر من أمراء بني أمية ~~بقرطبة، كالمستظهر، والمستكفي، والمعتد؛ فاستقبحوا بقاءهم بغير خليفة. ~~وبلغه أنهم يطلبون من أولاد بني أمية من يقيمونه؛ فادعى ما ادعاه من ذلك، ~~وذكر أن هشاما عنده بقصره، وشهد له خواص من حشمه، وأنه في صورة الحاجب له ~~المنفذ لأموره؛ وأمر بالدعاء له على المنابر. فاستمر ذلك من أمره سنين، إلى ~~أن أظهر موته ونعاه إلى رعيته في سنة 455, واستظهر بعهد عهده له هشام ~~المذكور فيما زعم، وأنه الأمير بعده على جميع جزيرة الأندلس. # ولم يزل المعتضد هذا يدوخ1 الممالك وتدين له الملوك من جميع أقطار ~~الأندلس، وكان قد اتخذ خشبا في ساحة قصره جللها2 برءوس الملوك والرؤساء ~~PageV01P073 # عوضا عن الأشجار التي تكون في القصور؛ وكان يقول: في مثل هذا البستان ~~فليتنزه. # وجملة أمر هذا الرجل أنه كان أوحد عصره شهامة وصرامة وشجاعة قلب وحدة ~~نفس؛ كانوا يشبهونه بأبي جعفر المنصور من ملوك بني العباس؛ كان قد استوى في ~~مخافته ومهابته القريب والبعيد، لا سيما منذ قتل ابنه وأكبر ولده المرشح ~~لولاية عهده صبرا. وكان سبب ms052 ذلك أن ولده المذكور -وكان اسمه إسماعيل- كان ~~يبلغه عنه أخبار مضمونها استطالة حياته وتمني وفاته، فيتغاضى المعتضد ~~ويتغافل تغافل الوالد، إلى أن أدى ذلك التغافل إلى أن سكر إسماعيل المذكور ~~ليلة وتسور سور القصر الذي فيه أبوه، في عبدان وأراذل معه، ورام الفتك ~~بأبيه؛ فانتبه البوابون والحرس، فهرب أصحاب إسماعيل، وأخذ بعضهم فأقر وأخبر ~~بالكائنة على وجهها؛ وقيل: إن إسماعيل لم يكن معهم وإنما بعثهم على ذلك، ~~وجعل لمن قتل أباه المعتضد جعلا سنيا، فالله أعلم. فقبض المعتضد على ابنه ~~إسماعيل هذا واستصفى أمواله وضرب عنقه؛ فلم يبق أحد من خاصته إلا هابه من ~~حينئذ. # وبلغني أنه قتل رجلا أعمى بمكة كان يدعو عليه بها؛ كان هذا الرجل من ~~بادية إشبيلية؛ كان المعتضد قد وضع يده على بعض مال لهذا الرجل الأعمى، ~~وذهب باقي ماله حتى افتقر، ورحل إلى مكة، فلم يزل يدعو على المعتضد بها إلى ~~أن بلغه عنه ذلك، فاستدعى بعض من يريد الحج وناوله حقا1 فيه دنانير مطلية ~~بالسم، وقال: لا تفتح هذا حتى تدفعه إلى فلان الأعمى بمكة؛ وسلم عليه عنا! ~~فاتفق أن سلم الرجل ومعه الحق، فحين وصل مكة لقي الأعمى ودفع إليه الحق، ~~وقال: هذا من عند المعتضد؛ فأنكر ذلك الأعمى، وقال: كيف يظلمني بإشبيلية ~~ويتصدق علي بالحجاز؟ فلم يزل الرجل يخفضه إلى أن سكن وأخذ الحق، فكان أول ~~شيء فعله أن فتح الحق وعمد إلى دينار من تلك الدنانير فوضعه في فمه، وجعل ~~يقلب سائرها بيده، إلى أن تمكن منه السم، فما جاء الليل حتى مات؛ فاعجب ~~لرجل بقاصية المغرب يعتني بقتل رجل بالحجاز!. # وقتل على هذه الصورة رجلا من المؤذنين من أهل إشبيلية؛ فر منه إلى ~~طليطلة، فكان يدعو عليه بها في الأسحار، مقدرا أنه قد أمن غائلته إذ صار في ~~مملكة غيره. فلم يزل يعمل فيه الحيلة إلى أن بعث من قتله فجاءه برأسه. # وكان أكبر من يناويه2 من المتغلبين المجاورين له وأشدهم عليه: البربر في ~~صنهاجة، وبنو برزال الذين بقرمونة ms053 وأعمالها من نواحي إشبيلية؛ فلم يزل يصرف ~~PageV01P074 # الحيلة تارة ويجهز الجيوش أخرى إلى أن استنزلهم؛ ففرق كلمتهم وشتت منتظم ~~أمرهم، ونفاهم عن جميع تلك البلاد وصفت له أموره. # كان له عين1 بقرمونة يكتب له بأخبار البربر؛ بلغ من لطف حيلة المعتضد, ~~وقد أراد أن يكتب إلى ذلك الرجل الذي جعله عينا له بقرمونة كتابا في بعض ~~أمره، أن استدعى رجلا من بادية إشبيلية شديد البله كثير الغفلة، وقال له: ~~اخلع ثيابك؛ وألبسه جبة جعل في جيبها كتابا وخاط عليه، وقال له: اخرج إلى ~~قرمونة، فإذا وصلت بقربها فاجمع حزمة حطب وادخل بها البلد وقف حيث يقف ~~أصحاب الحطب، ولا تبعها إلا لمن يشتريها منك بخمسة دراهم؛ وكان قد قرر هذا ~~كله مع صاحبه الذي بقرمونة؛ فخرج البدوي كما أمره المعتضد، فلما قرب من ~~قرمونة جمع حزمة من الحطب، ولم يكن قبل هذا يعاني جمعه؛ فجمع حزمة صغيرة ~~ودخل بها البلد، ووقف في موقف الحطابين، فجعل الناس يمرون عليه ويسومون منه ~~حزمته، فإذا قال: لا أبيعها إلا بخمسة دراهم، ضحك من يسمع هذا القول منه ~~ومر عنه؛ فلم يزل كذلك إلى أن أجنه الليل والناس يسخرون منه، فبعضهم يقول: ~~هذا آبنوس! ويقول الآخر: لا بل هو عود هندي! وما أشبه هذا؛ حتى مر به صاحب ~~المعتضد، فقال له: بكم تبيع حزمتك هذه؟ فقال: بخمسة دراهم! فقال: قد ~~اشتريتها فاحملها إلى البيت؛ فقام يحملها والرجل بين يديه حتى بلغ بيته، ~~فوضع الحزمة ودفع إليه الخمسة الدراهم. فلما أخذها وهم بالانصراف قال له: ~~أين تريد في هذا الوقت وقد علمت خوف الطريق؟ فبت الليلة عندي، فإذا أصبحت ~~رجعت إلى منزلك؛ فأجابه؛ فأدخله إلى بيت وقدم له طعاما، وسأله كأنه لا ~~يعرفه: من أين أنت؟ فقال: أنا من بادية إشبيلية؛ قال: يا أخي، ما الذي جاء ~~بك إلى هذا الموضع وقد علمت نكد البربر وشؤمهم وهوان الدماء عليهم؟! فقال: ~~حملتني على هذا الحاجة! ولم يظهر له أن المعتضد أرسله؛ فلم يزل الرجل ~~يحادثه إلى ms054 أن أخذه النوم، فلما رأى غلبة النوم عليه قال له: تجرد من ثوبك ~~هذا فهو أهنأ لنومك وأروح لجسمك! فتجرد الرجل ونام، وأخذ صاحب المعتضد ~~الجبة ففتق جيبها، واستخرج الكتاب فقرأه وكتب جوابه، وجعله في جيب الجبة ~~وخاط عليه كما كان؛ فلما أصبح الرجل لبس جبته، ورجع إلى إشبيلية وقصد باب ~~دار الإمارة واستأذن، فأدخل على المعتضد، فقال له: اخلع تلك الجبة؛ وكساه ~~ثيابا حسانا فرح بها البدوي، وخرج من عنده فرحا يرى أنه قد خلع عليه؛ ولم ~~يعلم فيم ذهب ولا بم جاء! وأخذ المعتضد الكتاب من جيب الجبة فقرأه وتمم ما ~~أراد من أمره. # وله في تدبير ملكه وإحكام أمره حيل وآراء عجيبة لم يسبق إلى أكثرها، يطول ~~تعدادها ويخرج عن حد التلخيص بسطها. PageV01P075 # ولما قتل ابنه إسماعيل -كما تقدم- وكان لقبه المؤيد، عهد بعده إلى ابنه ~~أبي القاسم محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد، ولقبه ب المعتمد على ~~الله؛ فحسنت سيرة أبي القاسم هذا في حياة أبيه وبعد وفاته. # أولية المرابطين في مراكش # وفي إمارة المعتضد بالله هذا نزل لمتونة ومسوفة -قبيلتان عظيمتان من ~~البربر- رحبة مراكش؛ فتخيروها دار ملكهم لتوسطها البلاد. وكانت إذ نزلوها ~~غيضة1 لا عمران بها، وإنما سميت بعبد أسود كان يستوطنها يخيف الطريق, اسمه ~~مراكش. فاستوطنها البربر كما ذكرنا، وقدموا عليهم رجلا منهم اسمه تاشفين بن ~~يوسف. # وكان المعتضد في كل وقت يستطلع أخبار العدوة؛ هل نزل البربر رحبة مراكش؟ ~~وذلك لما كان يراه في ملحمة كانت عنده أن هؤلاء القوم خالعوه أو خالعو ولده ~~ومخرجوه من ملكه؛ فلما بلغه نزولهم جمع ولده وجعل ينظر إليهم مصعدا ومصوبا ~~ويقول: يا ليت شعري من تناله معرة2 هؤلاء القوم، أنا أو أنتم؟ فقال له أبو ~~القاسم من بينهم: جعلني الله فداك, وأنزل بي كل مكروه يريد أن ينزله بك! ~~فكانت دعوة وافقت المقدار3. # وكان نزول لمتونة ومسوفة قبيلتي المرابطين رحبة مراكش، في صدر سنة 463، ~~وانفصالهم عنها جملة واحدة في وسط سنة 540؛ فكانت مدة إقامتهم ms055 في الملك منذ ~~نزلوا رحبة مراكش إلى أن انفصلوا عنها وأخرجهم عنها المصامدة، نحوا من ست ~~وسبعين سنة. # ثم توفي المعتضد بالله في شهر رجب من سنة 464، واختلف في سبب وفاته، ~~فقيل: إن ملك الروم سمه في ثياب أرسل بها إليه, وقيل: إنه مات حتف أنفه, ~~فالله أعلم. # ولاية أبي القاسم بن عباد المعتمد على الله # ثم قام بالأمر من بعده, ابنه أبو القاسم محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل ~~بن عباد؛ وزاد إلى المعتمد على الله: الظافر بحول الله. وكان المعتمد هذا ~~يشبه بهارون الواثق بالله4 من ملوك بني العباس، ذكاء نفس وغزارة أدب. وكان ~~PageV01P076 # شعره كأنه الحلل المنشرة. واجتمع له من الشعراء وأهل الأدب ما لم يجتمع ~~لملك قبله من ملوك الأندلس. وكان مقتصرا من العلوم على علم الأدب وما يتعلق ~~به وينضم إليه. وكان فيه مع هذا من الفضائل الذاتية ما لا يحصى، كالشجاعة ~~والسخاء والحياء والنزاهة، إلى ما يناسب هذه الأخلاق الشريفة. وفي الجملة ~~فلا أعلم خصلة تحمد في رجل إلا وقد وهبه الله منها أوفر قسم، وضرب له فيها ~~بأوفى سهم. وإذا عدت حسنات الأندلس من لدن فتحها إلى هذا الوقت؛ فالمعتمد ~~هذا أحدها، بل أكبرها. # ولي أمر إشبيلية بعد أبيه، وله سبع وثلاثون سنة. واتفقت له المحنة الكبرى ~~بخلعه وإخراجه عن ملكه في شهر رجب الكائن في سنة 484؛ فكانت مدة ولايته إلى ~~أن خلع وأسر عشرين سنة؛ كانت له في أضعافها مآثر أعيا على غيره جمعها في ~~مائة سنة أو أكثر منها. وكانت له -رحمه الله- همة في تخليد الثناء وإبقاء ~~الحمد. # عبد الجليل بن وهبون الشاعر* # كان من جملة شعرائه رجل من أهل مدينة مرسية اسمه عبد الجليل بن وهبون، ~~كان حسن الشعر, لطيف المأخذ, حسن التوصل إلى دقيق المعاني؛ أنشد يوما بين ~~يدي المعتمد -رحمه الله- بعض الحاضرين بيتين لعبد الجليل بن وهبون هذا, ~~قالهما قديما قبل وصوله إلى المعتمد، وهما: من البسيط # قل الوفاء, فما تلقاه في أحد ... ولا يمر لمخلوق على ms056 بال # وصار عندهم عنقاء مغربة ... أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقال! 1 # فأعجب المعتمد بهما وقال: لمن هذان البيتان؟ فقالوا: هما لعبد الجليل بن ~~وهبون أحد خدم مولانا! فقال المعتمد عند ذلك: هذا والله اللؤم البحت؛ رجل ~~من خدامنا والمنقطعين إلينا يقول: أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقال! وهل يتحدث ~~أحد عنا بأسوأ من هذه الأحدوثة؟ وأمر له بألف مثقال. فلما دخل عليه يتشكر ~~له قال له: يا PageV01P077 # أبا محمد، هل عاد الخبر عيانا؟ قال: إي والله يا مولاي؛ ودعا له بطول ~~البقاء؛ فلما هم بالانصراف قال له: يا عبد الجليل، الآن حدث بها لا عنها، ~~يعني: ألف مثقال. # وله -رحمه الله1- شعر كثير برز في أكثره وأجاد ما أراد، وسيمر منه في ~~أضعاف أخباره ما يشهد له بالتبريز، عند ذوي التمييز؛ فمما اختاره من شعره ~~قوله: من الكامل # علل فؤادك قد أبل عليل ... واغنم حياتك فالبقاء قليل2 # لو أن عمرك ألف عام كامل ... ما كان حقا أن يقال طويل # أكذا يقود بك الأسى نحو الردى ... والعود عود والشمول شمول3 # لا يستبيك الهم نفسك عنوة ... والكأس سيف في يديك صقيل4 # بالعقل تزدحم الهموم على الحشا ... فالعقل عندي أن تزول عقول! # ومن شعره السيار، لا بل الطيار، قوله في مملوك له صغير كان يتصرف بين ~~يديه، أهداه له صاحب طليطلة؛ اسم المملوك سيف: من البسيط # سموه سيفا وفي عينيه سيفان ... هذا لقتلي مسلول وهذان5 # أما كفت قتلة بالسيف واحدة ... حتى أتيح من الأجفان ثنتان # أسرته وثناني غنج مقلته ... أسيره، فكلانا آسر عاني6 # يا سيف, أمسك بمعروف أسير هوى ... لا يبتغي منك تسريحا بإحسان! 7 # ومن شعره الرشيق المليح, الخفيف الروح، الذي حكى الماء سلاسة والصخر ~~ملاسة، قوله في هذا المملوك وقد عذر: من مخلع البسيط # تم له الحسن بالعذار ... واقترن الليل بالنهار8 PageV01P078 # أخضر في أبيض تبدى ... ذلك آسي وذا بهاري1 # فقد حوى مجلسي تماما ... إن كان من ريقه عقاري2 # وبينا هو يوما في قبة له يكتب شيئا، أو يطالع، وعنده ms057 بعض كرائمه، فدخلت ~~عليه الشمس من بعض الكوى الكائنة فيها، فقامت دونه تستره من الشمس، فقال ~~-رحمه الله- بديها: من البسيط # قامت لتحجب ضوء الشمس قامتها ... عن ناظري، حجبت عن ناظر الغير3 # علما لعمرك منها أنها قمرئ ... هل تكسف الشمس إلا صورة القمر! # وبينا جارية من كرائمه قائمة على رأسه تسقيه والكأس في يدها، إذ لمع ~~البرق فارتاعت؛ فقال -رحمه الله- بديها: من السريع # ريعت من البرق وفي كفها ... برق من القهوة لماع4 # عجبت منها وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع! # وله مع هذا مقاطع حسان كان يرتجلها في مجالس أنسه، ولاستدعاء خاصة ~~جلسائه، منعني من استيفائها قلة ما على خاطري منها. # وسيمر من شعره الذي قاله في أيام محنته ما يفجر الصم، ويزعزع الشم5. وكان ~~لا يستوزر وزيرا إلا أن يكون أديبا شاعرا حسن الأدوات، فاجتمع له من ~~الوزراء الشعراء ما لم يجتمع لأحد قبله. # أبو الوليد بن زيدون* # فمن جملة وزرائه الوزير الأجل ذو الرياستين، أبو الوليد أحمد بن عبد الله ~~بن أحمد بن زيدون، ذو الأدب البارع، والشعر الرائع، أحد شعراء الأندلس ~~المجيدين PageV01P079 # وفحولها المبرزين. كان إذا نسب أنساك كثيرا1، وإذا مدح أزرى بزهير2، واذا ~~فخر أناف3 على امرئ القيس4؛ فمن جملة مقاطعه التي تشهد له بجودة الطبع ~~وإتقان الصنعة قوله: من البسيط # بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع # يا بائعا حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع # يكفيك أنك إن حملت قلبي ما ... لا تستطيع قلوب الناس, يستطع # ته أحتمل، واستطل أصبر، وعز أهن ... وول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع! # وهو القائل -رحمه الله- يخاطب بني جهور، وكان قد وزر لهم قبل وزارته ~~للمعتمد؛ لأن أصله من مدينة قرطبة، فنالته منهم محنة، فخرج عن قرطبة إلى ~~إشبيلية وافدا على المعتمد، فعلت رتبته عنده؛ فكان يبلغه عن بني جهور ما ~~يسوءه في نفسه وقرابته بقرطبة، فقال يخاطبهم: من الطويل # بني جهور أحرقتمو بجفائكم ... فؤادي، فما بال المدائح تعبق # تعدونني ms058 كالعنبر الورد، إنما ... تفوح لكم أنفاسه حين يحرق # ومن نسيبه الذي يختلط بالروح رقة, ويمتزج بأجزاء الهواء لطافة، قصيدته ~~التي قالها يتشوق ابنة المهدي: ولادة5، وهي بقرطبة وهو بإشبيلية: من البسيط # أضحى التنائي بديلا من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا6 # بنتم وبنا, فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم, ولا جفت مآقينا7 ~~PageV01P080 # نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا1 # حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضا ليالينا2 # إذ جانب العيش طلق من تألفنا ... ومورد اللهو صاف من تصافينا3 # وإذ هصرنا غصون الأنس دانية ... قطوفها فجنينا منه ما شينا4 # ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا5 # من مبلغ ملبسينا بانتزاحهم ... حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا6 # أن الزمان الذي ما زال يضحكنا ... أنسا بقربهم قد عاد يبكينا! # غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغص فقال الدهر: آمينا7 # فانحل ما كان معقودا بأنفسنا ... وانبت ما كان موصولا بأيدينا8 # وقد نكون وما يخشى تفرقنا ... فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا # ما حقنا أن تقروا عين ذي حسد ... بنا، ولا أن تسروا كاشحا فينا9 # يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم ... هل نال حظا من العتبى أعادينا10 # لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم ... رأيا, ولم نتقلد غيره دينا11 # كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه ... وقد يئسنا, فما لليأس يغرينا! 12 # يا ساري البرق غاد القصر فاسق به ... من كان صرف الهوى والود يسقينا13 ~~PageV01P081 # واسأل هنالك هل عيني تذكرني ... إلفا تذكره أمسى يعنينا1 # ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ... من لو على البعد حيا كان يحيينا # من لا يرى الدهر يقضينا مساعفة ... فيه, وإن لم يكن عنا يقاضينا2 # وبيت ملك كأن الله أنشأه ... مسكا, وقد أنشأ الله الورى طينا3 # أو صاغه ورقا محضا وتوجه ... من ناصع التبر إبداعا وتحسينا4 # إذا تأود آدته رفاهية ... تدمي العقول وأدمته البرى لينا5 # كأنما نبتت في صحن وجنته ... زهر الكواكب تعويذا وتزيينا # ما ضر أن لم نكن أكفاءه شرفا ... وفي المودة كاف من تكافينا6 # ولا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا ms059 ... إذ طال ما غير النأي المحبينا7 # والله ما طلبت أهواؤنا بدلا ... منكم ولا أنصرفت عنكم أمانينا # ولا استفدنا خليلا عنك يشغلنا ... ولا اتخذنا بديلا منك يسلينا # يا روضة طال ما أجنت لواحظنا ... وردا جناه الصبا غضا ونسرينا8 # ويا حياة تملأنا بزهرتها ... منى ضروبا ولذات أفانينا9 # ويا نعيما حضرنا من غضارته ... في وشي نعمى سحبنا ذيلها حينا10 # لسنا نسميك إجلالا وتكرمة ... فقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا # إذ انفردت فما شوركت في صفة ... فحسبك الوصف إيضاحا وتبيينا # يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها ... والكوثر العذب زقوما وغسلينا11 ~~PageV01P082 # كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسعد قد غض من أجفان واشينا1 # سران في خاطر الظلماء يكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا2 # لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت ... عنه النهى، وتركنا الصبر ناسينا3 # أنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا ... مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا4 # إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي ... مواقف الحشر نلقاكم، ويكفينا5 # أما هواك فلم نعدل بمنهله ... شربا وإن كان يروينا فيظمينا6 # لم يخف أفق جمال أنت كوكبه ... سالين عنه، ولم نهجره قالينا7 # ولا اختيارا تجنبناك عن كثب ... لكن عدتنا على كره عوادينا8 # نأسى عليك إذا حثت مشعشعة ... فيها الشمول وغنانا مغنينا9 # لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا ... سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا10 # دومي على العهد -ما دمنا- محافظة ... فالحر من دان إنصافا كما دينا11 # فما ابتغينا خليلا منك يحبسنا ... ولا استفدنا حبيبا عنك يغنينا12 # ولو صبا نحونا من علو مطلعه ... بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا13 # أولي وفاء وإن لم تبذلي صلة ... فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا PageV01P083 # وفي الجواب قناع لو شفعت به ... بيض الأيادي التي ما زلت تولينا1 # عليك مني سلام الله ما بقيت ... صبابة منك تخفيها فتخفينا2 # أوردتها على الاختيار لا على النسق، ولعل في كثير مما تركت منها أحسن مما ~~أوردت، وإنما منعني من استيفائها الوفاء بشرط التلخيص. # ومن شعره -رحمه الله-، مما قاله في مدة صباه: من البسيط # أخذت ثلث الهوى غصبا ولي ثلث ... وللمحبين فيما بينهم ثلث # تالله ms060 لو حلف العشاق أنهمو ... موتى من الوجد يوم البين ما حنثوا3 # قوم إذا هجروا من بعد ما وصلوا ... ماتوا، فإن عاد من يهوونه بعثوا # ترى المحبين صرعى في عراصهم ... كفتية الكهف ما يدرون ما لبثوا4 # ومما قال -رحمه الله- يتشوق ابنة المهدي المذكورة5 ومعاهده بقرطبة، ~~وضمنها بيت أبي الطيب6 في أول قصيدته الكافورية7: من البسيط # بم التعلل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن؟! 8 # قصيدة أولها: من البسيط # هل تذكرون غريبا عاده شجن ... من ذكركم وجفا أجفانه الوسن9 # يخفي لواعجه والشوق يفضحه ... فقد تساوى لديه السر والعلن10 # يا ويلتاه! أيبقى في جوانحه ... فؤاده وهو بالأطلال مرتهن11 PageV01P084 # وأرق العين والظلماء عاكفة ... ورقاء قد شفها، أو شفني، حزن1 # فبت أشكو وتشكو فوق أيكتها ... وبات يهفو ارتياحا بيننا الغصن2 # يا هل أجالس أقواما أحبهم ... كنا وكانوا على عهد فقد ضغنوا3 # أو تحفظون عهودا لا أضيعها ... إن الكرام بحفظ العهد تمتحن # ومنها: # إن كان عادكم عيد فرب فتى ... بالشوق قد عاد من ذكراكم حزن4 # وأفردته الليالى من أحبته ... فبات ينشدها مما جنى الزمن: # بم التعلل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن؟! # أبو بكر بن عمار* # ومنهم الوزير أبو بكر محمد بن عمار5، ذو النفس العصامية، والآداب ~~الأهتمية؛ كان أحد الشعراء المجيدين على طريقة أبي القاسم محمد بن هانئ ~~الأندلسي6، وربما كان أحلى منزعا منه في كثير من شعره. ولشعره ديوان يدور ~~بين أيدي أهل الأندلس، ولم ألف أحدا ممن أدركته سنى من أهل الآداب الذين ~~أخذت عنهم إلا رأيته مقدما له مؤثرا لشعره، وربما تغالى بعضهم فشبهه بأبي ~~الطيب، وهيهات!. # فمن قصائده المشهورة التي أجاد فيها ما أراد: قصيدته التي كتب بها من ~~PageV01P085 # سرقسطة حين فرق المعتضد بالله بينه وبين المعتمد -لأنه شغله عن كثير من ~~أمره فنفاه- وهي: من الطويل # علي، وإلا ما بكاء الغمائم ... وفي، وإلا ما نياح الحمائم # وعني أثار الرعد صرخة طالب ... لثأر وهز البرق صفحة صارم1 # وما لبست زهر النجوم حدادها ... لغيري, ولا ms061 قامت له في مآتم2 # وفي هذه القصيدة يقول -يمدح المعتضد بالله-: # إذا ركبوا فانظره أول طاعن ... وإن نزلوا فارصده آخر طاعم3 # أبى أن يراه الله إلا مقلدا ... حميلة سيف أو حمالة غارم4 # ومن جيد نسيبه قوله في قصيدة يمدح بها المعتضد بالله: من الكامل # جاه الهوى -فاستشعروه- عاره ... ونعيمه -فاستعذبوه- أواره5 # لا تطلبوا في الحب عزا إنما ... عبدانه في حكمه أحراره6 # قالوا: أضربك الهوى فأجبتهم ... يا حبذاه وحبذا إضراره # قلبي هو اختار السقام لجسمه ... زيا، فخلوه وما يختاره # عيرتموني بالنحول وإنما ... شرف المهند أن ترق شفاره7 # وشمتم لفراق من آلفته ... ولربما حجب الهلال سراره8 # أحسبتم السلوان هب نسيمه ... أو أن ذاك النوم عاد غراره9 # إن كان أعيا القلب من حرب الجوى ... خذلته من دمعى إذا أنصاره10 ~~PageV01P086 # من قد قلبي إذ تثنى قده ... وأقام عذري إذ أطل عذاره1 # أم من طوى الصبح المنير نقابه ... وأحاط بالليل البهيم خماره2 # غصن ولكن النفوس رياضه ... رشأ, ولكن القلوب عراره3 # سخرت ببدر التم غرته كما ... أزرت على آفاقه أزراره4 # ما زال ليل الوصل من فتكاته ... تسري إلي بعرفه أسحاره5 # ويجود روض الحسن من وجناته ... دمعي فيندى رنده وبهاره6 # حتى سقاني الدهر كأس فراقه ... فسكرت سكرا لا يفيق خماره7 # ووقفت في مثل المحصب موقفا ... للبين من حب القلوب جماره8 # حيران أعمى الطرف وهو سماؤه ... وأذاب فيه القلب وهو قراره9 # ولئن يذبه وهو مثواه فكم ... قد أحرقت عود العفارة ناره10 # إن يهنه أني أضعت لحبه ... قلبي وذاعت عنده أسراره # فليهن قلبي أن شكاه وشاحه ... لسواره فاقتص منه سواره! 11 # فوحسنه لقد انتدبت لوصفه ... بالبخل لولا أن حمصا داره # بلد رمتنى بالمنى أغصانه ... وتفجرت لي بالندى أنهاره # ولابن عمار هذا مع المعتمد أخبار عجيبة عني بجمعها أهل الأندلس، وأنا إن ~~PageV01P087 # شاء الله مورد منها ما لا يخل بالشرط الذي التزمته، ولا يخرج عن الحد ~~الذي رسمته، حسبما بقي على خاطري من ذلك؛ لأني كنت في حداثة سني قد صرفت ~~عنايتي إلى أخبار ابن عمار هذا مع المعتمد، لما تضمنته من ms062 الآداب. وقد فتشت ~~خزانة حفظي فلم ألف1 فيها إلا نبذة يسيرة، وأنا موردها إن شاء الله عز وجل. # فابن عمار هذا هو محمد بن عمار، يكنى أبا بكر، أصله من شلب، من قرية من ~~أعمالها يقال لها شنبوس. مولده ومولد آبائه بها. كان خامل2 البيت ليس له ~~ولا لأسلافه في الرياسة في قديم الدهر ولا حديثه حظ، ولا ذكر منهم بها أحد. ~~ورد مدينة شلب طفلا فنشأ بها، وتعلم علم الأدب على جماعة، منهم: أبو الحجاج ~~يوسف بن عيسى الأعلم3. ثم رحل إلى قرطبة فتأدب بها، ومهر في صناعة الشعر، ~~فكان قصاراه التكسب به، فلم يزل يجول في الأندلس مسترفدا لا يخص بمدحه ~~الملوك دون غيرهم، بل لا يبالي ممن أخذ ولا من استعطف من ملك أو سوقة، وله ~~في ذلك خبر ظريف: # وذلك أنه ورد في بعض سفراته شلب، لا يملك إلا دابة لا يجد علفها، فكتب ~~بشعر إلى رجل من وجوه أهل السوق، فكان قدره عند ذلك الرجل أن ملأ له ~~المخلاة شعيرا ووجه بها إليه؛ فرآها ابن عمار من أجل الصلات وأسنى الجوائز. ~~ثم اتفق أن علت حال ابن عمار وساعده الجد ونهض به البخت، وانتهى أمره أن ~~ولاه المعتمد على الله مدينة شلب وأعمالها، أول ما أفضى الأمر إليه، فدخلها ~~ابن عمار في موكب ضخم وجملة عبيد وحشم، وأظهر نخوة لم يظهرها المعتمد على ~~الله حين وليها أيام أبيه المعتضد بالله؛ فكان أول شيء سأل عنه، الرجل ~~صاحبه صاحب الشعير، فقال: ما صنع فلان، أهو حي؟ قالوا: نعم؛ فأرسل إليه ~~بمخلاته بعينها بعد أن ملأها دراهم، وقال لرسوله: قل له: لو ملأتها برا ~~لملأناها تبرا. # ولم يزل ابن عمار على الحال التي ذكرناها، من التقلب في بلاد الأندلس ~~للاستجداء والاستعطاف، إلى أن ورد على المعتضد بالله أبي عمرو، فامتدحه ~~بقصيدته المشهورة التي أولها: من الكامل # أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السرى4 ~~PageV01P088 # والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استرد الليل منا العنبرا1 ms063 # وفيها قال يمدح المعتضد: # عباد المخضر نائل كفه ... والجو قد لبس الرداء الأغبرا2 # قداح زند المجد لا ينفك من ... نار الوغى إلا إلى نار القرى3 # يختار أن يهب الخريدة كاعبا ... والطرف أجرد والحسام مجوهرا4 # وفي هذه القصيدة يقول في وصف وقعة أوقعها المعتضد بالبربر: # شقيت بسيفك أمة لم تعتقد ... إلا اليهود وإن تسموا بربرا # أثمرت رمحك من رءوس كماتهم ... لما رأيت الغصن يعشق مثمرا5 # وخضبت سيفك من دماء نحورهم ... لما عهدت الحسن يلبس أحمرا6 # ومن أبيات هذه القصيدة بيت لم أسمع لمتقدم ولا متأخر بمثله، وهو قوله: # السيف أفصح من زياد خطبة ... في الحرب إن كانت يمينك منبرا7 # ولما أنشد المعتضد هذه القصيدة استحسنها وأمر له بمال وثياب ومركب، وأمر ~~أن يكتب في ديوان الشعراء؛ فكان كذلك. ثم تعلق بالمعتمد على الله وهو إذ ~~ذاك شاب، فلم تزل حاله معه تتزيد، وموات8 خدمته له تقوى وتتأكد، إلى أن صار ~~ابن عمار ألزق بالمعتمد من شعرات قصه9، وأدنى إليه من حبل وريده10؛ كان ~~المعتمد لا يستغني عنه ساعة من ليل ولا نهار. PageV01P089 # ثم اتفق أن ولي المعتمد على الله شلب من قبل أبيه، فاستوزر ابن عمار هذا ~~في تلك الولاية، وسلم إليه جميع أموره، فغلب عليه ابن عمار غلبة شديدة، ~~وساءت السمعة عنهما ... فاقتضى نظر المعتضد التفريق بينهما، ونفى ابن عمار ~~عن بلاده حسبما تقدم الإيماء إليه. فلم يزل ابن عمار مغتربا في أقاصي بلاد ~~الأندلس، إلى أن توفي المعتضد بالله، فاستدعاه المعتمد، وقربه أشد تقريب، ~~حتى كان يشاركه فيما لا يشارك فيه الرجل أخاه ولا أباه. # وله معه أيام كونهما بشلب خبر عجيب؛ وذلك أن المعتمد استدعاه ليلة إلى ~~مجلس أنسه، على ما كانت العادة جارية به، إلا أنه في تلك الليلة زاد في ~~التحفي1 به والبر له على المعتاد، فلما جاء وقت النوم أقسم المعتمد عليه: ~~لتضعن رأسك معي على وساد واحد! فكان ذلك. قال ابن عمار: فهتف بي هاتف في ~~النوم يقول: لا تغتر أيها المسكين؛ إنه سيقتلك ms064 ولو بعد حين! قال: فانتبهت ~~من نومي فزعا, وتعوذت, ثم عدت, فهتف بي الهاتف على حالته الأولى, فانتبهت، ~~ثم عدت، فسمعته ثالثة؛ فانتبهت فتجردت من أثوابي والتففت في بعض الحصر، ~~وقصدت دهليز القصر مستخفيا به، وقد أزمعت على أني إذا أصبحت خرجت مستخفيا ~~حتى آتي البحر فأركبه وأقصد بلاد العدوة فأكون في بعض جبال البربر حتى ~~أموت. فانتبه المعتمد فافتقدني فلم يجدني، فأمر بطلبي، فطلبت له في نواحي ~~القصر، وخرج هو بنفسه يتوكأ على سيفه والشمعة تحمل بين يديه؛ فكان هو الذي ~~وقع علي؛ وذلك أنه أتى دهليز القصر يفتقد الباب هل فتح؛ فوقف بإزاء الحصير ~~الذي كنت فيه، فكانت مني حركة فأحس بي، وقال: ما هذا يتحرك في هذا الحصير؟ ~~ثم أمر به فنفض، فخرجت عريانا ليس علي إلا السراويل! فلما رآني فاضت عيناه ~~دموعا وقال: يا أبا بكر، ما الذي حملك على هذا؟ فلم أر بدا من أن صدقته، ~~فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها، فضحك وقال: يا أبا بكر، أضغاث أحلام، ~~هذه آثار الخمار، ثم قال لي: وكيف أقتلك؟ أرأيت أحدا يقتل نفسه؟ وهل أنت ~~عندي إلا كنفسي؟ فتشكر له ابن عمار ودعا له بطول البقاء، وتناسى الأمر ~~فنسيه، ومرت على ذلك الأيام والليالي، إلى أن كان من أمره ما سيأتي الإيماء ~~إليه، فصدقت رؤيا ابن عمار، وقتل المعتمد نفسه كما قال!. # ولما أفضى الأمر إلى المعتمد كما ذكرنا، سأله ابن عمار ولاية شلب، وهي ~~كانت بلده ومنشأه كما تقدم؛ فأجابه المعتمد إلى ذلك وولاه إياها أنبه ~~ولاية؛ جعل إليه جميع أمورها، خارجها وداخلها. فاستمرت ولاية ابن عمار ~~عليها إلى أن اشتد PageV01P090 # شوق المعتمد إليه، وضعف عن احتمال الصبر عنه؛ فاستدعاه وعزله عنها ~~واستوزره؛ فكانت حاله معه شبيهة بحال جعفر بن يحيى1 مع الرشيد. # ولم يزل المعتمد يعده لكل أمر جليل، ويؤهله لكل رتبة عالية. وكان ابن ~~عمار مع هذا لا يناط به أمر إلا اضطلع به وكان فيه كالسكة المحماة. واشتهر ~~أمره ببلاد الأندلس حتى ms065 كان ملك الروم الأدفنش إذا ذكر عنده ابن عمار قال: ~~هو رجل الجزيرة! وكان ابن عمار هو الذي رده عن قصد إشبيلية وقرطبة ~~وأعمالهما؛ وذلك أنه خرج في جيوش ضخمة يقصد بلاد المعتمد طامعا فيها، فخافه ~~الناس، وامتلأت صدور أهل تلك الجهات رعبا منه، وتيقنوا ضعفهم عن دفاعه؛ ~~فتولى ابن عمار رده بألطف حيلة وأيسر تدبير, وذلك أنه أقام سفرة شطرنج في ~~غاية الإتقان والإبداع، لم يكن عند ملك مثلها، جعل صورها من الآبنوس2 ~~والعود الرطب والصندل3، وحلاها بالذهب، وجعل أرضها في غاية الإتقان؛ فخرج ~~من عند المعتمد رسولا إلى الأدفنش، فلقيه في أول بلاد المسلمين، أعظم ~~الأدفنش قدومه وبالغ في إكرامه، وأمر وجوه دولته بالتردد إلى خبائه ~~والمسارعة في حوائجه؛ فأظهر ابن عمار تلك السفرة، فرآها بعض خواص الأدفنش، ~~فنقل خبرها إليه. وكان العلج -أعني: الأدفنش- مولعا بالشطرنج، فلما لقي ابن ~~عمار سأله: كيف أنت في الشطرنج؟ وكان ابن عمار فيه طبقة عالية، فأخبره ~~بمكانه منه؛ فقال له: بلغني أن عندك سفرة في غاية الإتقان! قال ابن عمار: ~~نعم؛ فقال: كيف السبيل إلى رؤيتها؟ فقال ابن عمار لترجمانه: قل له: أنا ~~آتيك بها على أن ألعب معك عليها، فإن غلبتني فهي لك، وإن غلبتك فلي حكمي! ~~فقال له الأدفنش: هلمها لننظر إليها. فأمر ابن عمار من جاء بها، فلما وضعت ~~بين يدي العلج صلب وقال: ما ظنت أن إتقان الشطرنج يبلغ إلى هذا الحد! ثم ~~قال لابن عمار: كيف قلت؟ فأعاد عليه الكلام الأول، فقال له الأدفنش: لا ~~ألعب معك على حكم مجهول لا أدري ما هو، ولعله شيء لا يمكنني! فقال ابن عمار ~~سر ما أراده لرجال وثق بهم من وجوه دولة الأدفنش، وجعل لهم أموالا عظيمة ~~على أن يؤازروه على أمره، ففعلوا. فتعلقت نفس العلج بالسفرة، وشاور خاصته ~~فيما رسمه ابن PageV01P091 # عمار، فهونوا عليه وقالوا له: إن غلبته كانت عندك سفرة ليس عند ملك ~~مثلها، وإن غلبك فما عساه أن يحتكم؟ وقبحوا عنده إظهار الملك العجز عن شيء ms066 ~~يطلب منه، وقالوا له: إن طلب ابن عمار ما لا يمكن, فنحن لك برده عن ذلك. ~~ولم يزالوا به حتى أجاب، وأرسل إلى ابن عمار فجاء ومعه السفرة، فقال له: قد ~~قبلت ما رسمته! فقال له ابن عمار: فاجعل بيني وبينك شهودا -أسماهم له- فأمر ~~الأدفنش بهم فحضروا، وافتتحا يلعبان. وكان ابن عمار -كما ذكرنا- طبقة ~~بالأندلس؛ لا يقوم له أحد فيها؛ فغلب الأدفنش غلبة ظاهرة لجميع الحاضرين، ~~لم يكن للعلج فيها مطعن. فلما حقت الغلبة قال ابن عمار: هل صح أن لي حكمي؟ ~~قال: نعم، فما هو؟ قال: أن ترجع من ههنا إلى بلادك! فاسود وجه العلج وقام ~~وقعد، وقال لخواصه: قد كنت أخاف من هذا حتى هونتموه علي! في أمثال لهذا ~~القول، وهم بالنكث والتمادي لوجهه، فقبحوا ذلك عليه، وقالوا له: كيف يجمل ~~بك الغدر وأنت ملك ملوك النصارى في وقتك! فلم يزالوا به حتى سكن، وقال: لا ~~أرجع حتى آخذ إتاوة عامين خلاف هذه السنة! فقال ابن عمار: هذا كله لك! ~~وجاءه بما أراد، فرجع وكف الله بأسه، ودفعه بحوله وحسن دفاعه عن المسلمين. ~~ورجع ابن عمار إلى إشبيلية وقد امتلأت نفس المعتمد سرورا به. # ثم إن المعتمد حدث له أمل في التغلب على مرسية وأعمالها، وهي التي تعرف ب ~~تدمير1؛ وكانت بيد أبي عبد الرحمن محمد بن طاهر، كان هو المتغلب عليها ~~والمدبر لأمرها، فجهز المعتمد جيوشا عظيمة، وتكفل له ابن عمار بأخذها ~~وإخراج ابن طاهر عنها؛ فولاه ما تولى من ذلك. وخرج ابن عمار حتى نزل على ~~مرسية، فأخذها وأخرج ابن طاهر عنها. فلحق ابن طاهر حين خرج من مرسية ببني ~~عبد العزيز ببلنسية؛ فكان بها إلى أن مات -رحمه الله-. # ولما تغلب ابن عمار على مرسية دار ملك بني طاهر كما ذكرنا، حدثته نفسه ~~وسول له سوء رأيه أن يستبد بأمره، وأن يضبط تلك البلاد لنفسه؛ فلم يزل يصرف ~~الحيلة في ذلك إلى أن تم له بعضه ودانت له مرسية وأعمالها، وطمع في ملك ~~بلنسية؛ إلى ms067 أن قام عليه رجل من أهل مرسية يقال له: ابن رشيق، كان أبوه من ~~عرفاء الجند بها؛ وكان ابن عمار قد خرج لبعض أمره، فدعا ابن رشيق هذا إلى ~~نفسه، وقامت معه العامة وبعض الجند، فسمع ابن عمار بذلك، فجاء يركض حتى أتى ~~PageV01P092 # المدينة وقد غلقت أبوابها دونه؛ فحاصرها بمن معه أياما، فامتنعت عليه ولم ~~يقدر على دخولها؛ فبقي حائرا لا يدري ما يصنع ولا أين يتوجه، وقد كان بلغ ~~المعتمد قيامه عليه وخلع يده من طاعته, فلم ير إلا الهروب ملجأ, فهرب حتى ~~لحق ببني هود بسرقسطة، فأقام عندهم حتى ثقل عليهم وخافوا غائلته؛ وبغضه في ~~عيونهم ما فعل مع صاحبه وولي نعمته، فأخرجوه عن بلادهم. # ولم تزل البلاد تتقاذفه، وملوكها تشنأه1، إلى أن وقع في حصن من حصون ~~الأندلس في غاية المنعة يدعى شقورة2، كان المتغلب عليه رجل يقال له: ابن ~~مبارك، فأكرم وفادته وأحسن نزله، ثم بدا له بعد أيام فقبض عليه وقيده وجعله ~~في سجنه. فلما رأى ابن عمار ذلك منه قال له: لا عليك أن تكتب إلى ملوك ~~الأندلس بكوني عندك وتعرضني عليهم، فما منهم إلا من يرغب في؛ فمن كان أشدهم ~~رغبة جعل لك مالا ووجهت بي إليه! ففعل ابن مبارك ذلك، فما عرضه على أحد من ~~ملوك الأندلس إلا رغب فيه. وكتب فيمن كتب إلى المعتمد ... # وفي ذلك يقول ابن عمار: من السريع # أصبحت في السوق ينادى على ... رأسي بأنواع من المال # والله ما جار على ماله ... من ضمني بالثمن الغالي! # وفي هذا السجن يقول ابن عمار وقد استدعى نورة3 يستنظف بها فتعذرت عليه، ~~فاستدعى موسى فأتي بها، فقال في ذلك: من المجتث # بؤسى شقورة عندي ... أربى على كل بوسى4 # فقدت هارون فيها ... فظلت أطلب موسى! 5 # وبعث المعتمد على الله من رجاله من تسلم ابن عمار من يد ابن مبارك، بعد ~~أن بعث إليه بمال وخيل، وأمر المعتمد الذين تسلموا ابن عمار أن يزيدوا في ~~الاحتياط عليه وتقييده. فخرجوا به حتى وافوا ms068 قرطبة، ووافق ذلك كون المعتمد ~~بها، فدخلها ابن عمار أشنع دخول وأسوأه، على بغل بين عدلي تبن، وقيوده ~~ظاهرة للناس. وقد PageV01P093 # كان المعتمد أمر بإخراج الناس خاصة وعامة حتى ينظروا إليه على تلك الحال. ~~وقد كان قبل هذا إذا دخل قرطبة اهتزت له وخرج إليه وجوه أهلها وأعيانهم ~~ورؤساؤهم، فالسعيد منهم من يصل إلى تقبيل يده أو يرد عليه ابن عمار السلام، ~~وغيرهم لا يصل إلا إلى تقبيل ركابه أو طرف ثوبه، ومنهم من ينظر إليه على ~~بعد لا يستطيع الوصول إليه. فسبحان محيل الأحوال ومديل الدول!. # فدخل ابن عمار قرطبة كما ذكرنا، بعد العزة القعساء1, والملك الشامخ، ~~والرياسة الفارعة2، ذليلا خائفا فقيرا لا يملك إلا ثوبه الذي عليه؛ فسبحان ~~من سلبه ما وهبه، ومنعه ما كان به أمتعه. # وأحبر بعض الموكلين به ما اتفق لهم معه من فرط ذكائه وسرعة فطنته، قال: ~~لما قربنا من قرطبة بحيث يرانا الناس، خرج فارس من البلد يركض يقصدنا، فلما ~~رآه ابن عمار -وكان معتما- أزال العمامة عن رأسه، فجاء الفارس حتى وصل ~~إلينا، فنظر إلى ابن عمار ودخل معنا في الصف فمشى، فسألناه فيم جاء؟ فقال: ~~الذي جئت فيه صنعه هذا الرجل قبل أن أصل إليه! فعلمنا أنه أرسل ليزيل ~~عمامته. # فأدخل على المعتمد على الله على الحالة التي ذكرت، يرسف في قيوده3؛ فجعل ~~المعتمد يعدد عليه أياديه ونعمه، وابن عمار في ذلك كله مطرق لا ينبس4، إلى ~~أن انقضى كلام المعتمد؛ فكان من جواب ابن عمار أن قال: ما أنكر شيئا مما ~~يذكره مولانا -أبقاه الله-، ولو أنكرته لشهدت علي به الجمادات فضلا عمن ~~ينطق؛ ولكنى عثرت فأقل، وزللت فاصفح! فقال المعتمد: هيهات؛ إنها عثرة لا ~~تقال! وأمر به فأحدر في النهر إلى إشبيلية، فدخل به إشبيلية على الحال التي ~~دخل عليها قرطبة، وجعل في غرفة على باب قصر المعتمد المعروف بالقصر المبارك ~~-وهو باق إلى وقتنا هذا- فطال سجنه هناك. # كتبت عنه في هذا السجن قصائد لو توسل بها إلى الدهر لنزع ms069 عن جوره، أو إلى ~~الفلك لكف عن دوره؛ فكانت رقى5 لم تنجع، ودعوات لم تسمع، وتمائم6 لم تنفع، ~~فمنها قوله: من الطويل # سجاياك إن عافيت أندى وأسجح ... وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح7 PageV01P094 # وإن كان بين الخطتين مزية ... فأنت إلى الأدنى من الله تجنح1 # حنانيك في أخذي برأيك، لا تطع ... عداي ولو أثنوا عليك وأفصحوا2 # فإن رجائي أن عندك غير ما ... يخوض عدوي اليوم فيه ويمرح3 # ولم لا وقد أسلفت ودا وخدمة ... يكران في ليل الخطايا فيصبح4 # وهبني وقد أعقبت أعمال مفسد ... أما تفسد الأعمال ثمت تصلح # أقلني بما بيني وبينك من رضا ... له نحو روح الله باب مفتح # وعف على آثار جرم سلكتها ... بهبة رحمى منك تمحو وتمصح5 # ولا تلتفت قول الوشاة ورأيهم ... فكل إناء بالذي فيه يرشح6 # سيأتيك في أمري حديث وقد أتى ... بزور بني عبد العزيز موشح7 # وما ذاك إلا ما علمت فإنني ... إذا ثبت لا أنفك آسو وأجرح8 # كأني بهم لا در لله درهم ... أشاروا تجاهي بالشمات وصرحوا # وقالوا: سيجزيه فلان بفعله ... فقلت: وقد يعفو فلان ويصفح! # ألا إن بطشا للمؤيد يرتمي ... ولكن حلما للمؤيد يرجح9 # وماذا عسى الواشون أن يتزيدوا ... سوى أن ذنبي واضح متصحح؟! # نعم, لي ذنب غير أن لحلمه ... صفاة يزل الذنب عنها فيسفح10 # عليه سلام كيف دار به الهوى ... إلي فيدنو أو علي فينزح11 PageV01P095 # ويهنيه إن مت السلو فإنني ... أموت ولي شوق إليه مبرح1 # وبين ضلوعي من هواه تميمة ... ستنفع لو أن الحمام يجلح2 # ولما بلغت المعتمد هذه القصيدة وأنشدت بين يديه، كان بحضرته رجل من ~~البغداديين، فجعل يزري على هذا البيت: وبين ضلوعي ... ويقول: ما أراد بهذا ~~المعنى؟ فكان من جواب المعتمد -رحمه الله- أن قال: أما لئن سلبه الله ~~المروءة والوفاء، لما أعدمه الفطنة والذكاء؛ إنما نظر إلى بيت الهذلي3 من ~~طرف خفي، وهو: من الكامل # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع! 4 # ولم يزل ابن عمار هذا بسجن المعتمد، إلى أن قتله صبرا في شهور سنة 479. # وتلخيص خبر ms070 قتله، أنه لما طال سجنه كتب إليه بالقصيدة التي تقدم إنشادها، ~~فأدركت المعتمد بعض الرقة، فوجه إليه ليلا وهو في بعض مجالس أنسه، فأتي به ~~يرسف في قيوده، فجعل المعتمد يعدد مننه عليه وأياديه قبله، فلم يكن لابن ~~عمار جواب ولا عذر، غير أنه أخذ في البكاء، وجعل يترقق للمعتمد ويمسح عطفيه ~~ويستجلب من الألفاظ كل ما يقدر أنه يزرع له الرأفة في قلب المعتمد؛ فتم له ~~بعض ما أراد من ذلك، وعطفت المعتمد عليه سابقته وقديم حرمته؛ فقال له قولا ~~يتضمن العفو عنه تعريضا لا تصريحا؛ وأمر برده إلى محبسه؛ فكتب ابن عمار من ~~فوره بما دار له مع المعتمد إلى ابنه الراضي بالله، فوافاه الكتاب وبحضرته ~~قوم كانت بينهم وبين ابن عمار إحن5 قديمة؛ فلما قرأ الراضي الكتاب قال لهم: ~~ما أرى ابن عمار إلا سيتخلص؛ فقالوا له: ومن أين علم مولانا ذلك؟ فقال: هذا ~~كتاب ابن عمار يخبرني فيه أن مولانا المعتمد قد وعده بالخلاص؛ فأظهر القوم ~~الفرح وهم يبطنون غيره؛ فلما قاموا من مجلس الراضي نشروا حديث ابن عمار ~~أقبح نشر، وزادوا فيه زيادات قبيحة صنت هذا الكتاب عن ذكرها. فبلغ المعتمد ~~ذلك، فأرسل إلى ابن عمار PageV01P096 # وقال له: هل أخبرت أحدا بما كان بيني وبينك البارحة؟ فأنكر ابن عمار كل ~~الإنكار، فقال المعتمد للرسول: قل له: الورقتان اللتان استدعيتهما، كتبت في ~~إحداهما القصيدة، فما فعلت بالأخرى؟ فادعى أنه بيض فيها القصيدة؛ فقال ~~المعتمد: هلم المسودة! فلم يجد جوابا، فخرج المعتمد حنقا وبيده الطبرزين1 ~~حتى صعد الغرفة التي فيها ابن عمار، فلما رآه علم أنه قاتله، فجعل ابن عمار ~~يزحف وقيوده تثقله، حتى انكب على قدمي المعتمد يقبلهما، والمعتمد لا يثنيه ~~شيء؛ فعلاه بالطبرزين الذي في يده، ولم يزل يضربه به حتى برد2. # ورجع المعتمد فأمر بغسله وتكفينه، وصلى عليه ودفنه بالقصر المبارك. فهذا ~~ما انتهى إلينا من خبر ابن عمار ملخصا حسبما بقي على خاطري. # رجع الحديث عن بني عباد # ولم يزل المعتمد هذا في ms071 جميع مدة ولايته والأيام تساعده، والدهر على ما ~~يريده يؤازره ويعاضده، إلى أن انتظم له في ملكه من بلاد الأندلس ما لم ~~ينتظم لملك قبله، أعنى: من المتغلبين. ودخلت في طاعته مدن من مدائنها أعيت ~~الملوك وأعجزتهم، وامتدت مملكته إلى أن بلغت مدينة مرسية، وهي التي تعرف ب ~~تدمير، بينها وبين إشبيلية نحو من اثنتي عشرة مرحلة، وفي خلال ذلك مدن ~~متسعة وقرى ضخمة. # وكان تغلبه على قرطبة، وإخراجه ابن عكاشة منها يوم الثلاثاء لسبع بقين من ~~صفر سنة 471. ثم رجع إلى إشبيلية واستخلف عليها3 ولده عبادا ولقبه ب ~~المأمون، وهو أكبر ولده، ولد له في حياة أبيه المعتضد، وسماه عبادا، فكان ~~المعتضد يضمه إليه ويقول: يا عباد، يا ليت شعري من المقتول بقرطبة، أنا أو ~~أنت؟ فكان المقتول بها عباد هذا في حياة أبيه المعتمد، وفي السنة التي زال ~~عنهم الملك فيها. # أول أمر المرابطين بالأندلس # ولما كانت سنة 479 جاز المعتمد على الله البحر قاصدا مدينة مراكش إلى ~~يوسف بن تاشفين، مستنصرا به على الروم، فلقيه يوسف المذكور أحسن لقاء، ~~وأنزله أكرم نزل، وسأله عن حاجته، فذكر أنه يريد غزو الروم، وأنه يريد ~~إمداد أمير المسلمين إياه بخيل ورجال؛ ليستعين بهم في حربه. فأسرع أمير ~~المسلمين المذكور PageV01P097 # إجابته إلى ما دعاه إليه؛ وقال له: أنا أول منتدب لنصرة هذا الدين، ولا ~~يتولى هذا الأمر أحد إلا أنا بنفسي!. # فرجع المعتمد إلى الأندلس مسرورا بإسعاف أمير المسلمين إياه في طلبته1، ~~ولم يدر أن تدميره في تدبيره؛ وسل سيفا يحسبه له ولم يدر أنه عليه؛ فكان ~~كما قال أبو فراس2: من الطويل # إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد3 # كما جرت الحنفاء حتف حذيفة ... وكان يراها عدة للشدائد! 4 # فأخذ أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في أهبة العبور إلى جزيرة الأندلس؛ ~~وذلك في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة، فاستنفر من قدر على استنفاره ~~من القواد وأعيان الجند ووجوه قبائل البربر؛ فاجتمع له نحو من سبعة ms072 آلاف ~~فارس في عدد كثير من الرجل؛ فعبر البحر بعسكر ضخم، وكان عبوره من مدينة ~~سبتة، فنزل المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء، وتلقاه المعتمد في وجوه أهل ~~دولته، وأظهر من بره وإكرامه فوق ما كان يظنه أمير المسلمين، وقدم إليه من ~~الهدايا والتحف والذخائر الملوكية ما لم يظنه يوسف عند ملك؛ فكان هذا أول ~~ما أوقع في نفس يوسف التشوف5 إلى مملكة جزيرة الأندلس. # ثم إنه فصل عن الخضراء بجيوشه قاصدا شرقي الأندلس، وسأله المعتمد دخول ~~إشبيلية دار ملكه ليستريح فيها أياما حتى تزول عنه وعثاء السفر6، ثم يقصد ~~قصده، فأبى عليه وقال: إنما جئت ناويا جهاد العدو، فحيثما كان العدو توجهت ~~وجهه. # وكان الأدفنش -لعنه الله- محاصرا لحصن من حصون المسلمين يعرف بحصن الليط؛ ~~فلما بلغه عبور البربر أقلع عن الحصن راجعا إلى بلاده, مستنفرا عساكره ~~ليلقى بهم البربر. # وتوجه يوسف المذكور إلى شرقي الأندلس يقصد ذلك الحصن المحاصر، ~~PageV01P098 # والإصلاح بين المعتمد على الله وبين رجل كان تغلب على مرسية يقال له: ابن ~~رشيق -قد تقدم ذكره في أخبار ابن عمار- فأصلح بينهما يوسف أمير المسلمين، ~~على أن يخرج له ابن رشيق عن مرسية، ويعوضه المعتمد عن ذلك مالا جعله له، ~~ويوليه في جهة إشبيلية ولاية؛ فأجابه ابن رشيق إلى ذلك؛ وتسلم المعتمد ~~مرسية وأعمالها. # ولقي يوسف أمير المسلمين ملوك الأندلس الذين كان عليهم طريقه، كصاحب ~~غرناطة، والمعتصم بن صمادح1 صاحب المرية، وابن عبد العزيز أبو بكر صاحب ~~بلنسية. # وقعة الزلاقة # ثم إن يوسف المذكور استعرض جنده على حصن الرقة؛ فرأى منهم ما يسره، فقال ~~للمعتمد على الله: هلم ما جئنا له من الجهاد وقصد العدو؛ وجعل يظهر التأفف ~~من الإقامة بجزيرة الأندلس، ويتشوق إلى مراكش، ويصغر قدر الأندلس، ويقول في ~~أكثر أوقاته: كان أمر هذه الجزيرة عندنا عظيما قبل أن نراها، فلما رأيناها ~~وقعت دون الوصف! , وهو في ذلك كله يسر حسوا في ارتغاء2! فخرج المعتمد بين ~~يديه قاصدا مدينة طليطلة، واجتمع للمعتمد أيضا جيش ضخم من أقطار الأندلس. # وانتدب الناس ms073 للجهاد من سائر الجهات، وأمد ملوك الجزيرة يوسف والمعتمد ~~بما قدروا عليه من خيل ورجال وسلاح، فتكامل عدد المسلمين من المتطوعة ~~والمرتزقة3 زهاء عشرين ألفا، والتقوا هم والعدو بأول بلاد الروم. # وكان الأدفنش -لعنه الله- قد استنفر الصغير والكبير، ولم يدع في أقاصي ~~مملكته من يقدر على النهوض إلا استنهضه، وجاء يجر الشوك والشجر؛ وإنما كان ~~مقصوده الأعظم قطع تشوف البرابرة عن جزيرة الأندلس، والتهيب عليهم. فأما ~~ملوك الأندلس فلم يكن منهم أحد إلا يؤدي إليه الإتاوة4، وهم كانوا أحقر في ~~عينه, وأقل من أن يحتفل لهم!. PageV01P099 # ولما تراءى الجمعان من المسلمين والنصارى، رأى يوسف وأصحابه أمرا عظيما ~~هالهم من كثرة عدد، وجودة سلاح وخيل، وظهور قوة؛ فقال للمعتمد: ما كنت أظن ~~هذا الخنزير -لعنه الله- يبلغ هذا الحد!. # وجمع يوسف أصحابه وندب لهم من يعظهم ويذكرهم؛ فظهر منهم من صدق النية ~~والحرص على الجهاد واستسهال الشهادة ما سر به يوسف والمسلمون. # وكان ترائيهم يوم الخميس، وهو الثاني عشر من شهر رمضان؛ فاختلفت الرسل ~~بينهم في تقرير يوم الزحف ليستعد الفريقان؛ فكان من قول الأدفنش -لعنه ~~الله-: الجمعة لكم، والسبت لليهود وهم وزراؤنا وكتابنا وأكثر خدم العسكر ~~منهم، فلا غنى بنا عنهم، والأحد لنا؛ فإذا كان يوم الاثنين كان ما نريده من ~~الزحف. وقصد -لعنه الله- مخادعة المسلمين واغتيالهم، فلم يتم له ما قصد ... # فلما كان يوم الجمعة تأهب المسلمون لصلاة الجمعة ولا أمارة عندهم للقتال، ~~وبنى يوسف بن تاشفين الأمر على أن الملوك لا تغدر؛ فخرج هو وأصحابه في ثياب ~~الزينة للصلاة؛ فأما المعتمد فإنه أخذ بالحزم، فركب هو وأصحابه شاكي ~~السلاح1، وقال لأمير المسلمين: صل في أصحابك؛ فهذا يوم ما تطيب نفسي فيه، ~~وها أنا من ورائكم؛ وما أظن هذا الخنزير إلا قد أضمر الفتك بالمسلمين. فأخذ ~~يوسف وأصحابه في الصلاة، فلما عقدوا الركعة الأولى ثارت في وجوههم الخيل من ~~جهة النصارى، وحمل الأدفنش -لعنه الله- في أصحابه؛ يظن أنه قد انتهز ~~الفرصة؛ وإذا المعتمد وأصحابه من وراء الناس، فأغنى ذلك اليوم ms074 غناء2 لم ~~يشهد لأحد من قبله؛ وأخذ المرابطون سلاحهم فاستووا على متون الخيل، واختلط ~~الفريقان؛ فأظهر يوسف بن تاشفين وأصحابه من الصبر وحسن البلاء والثبات ما ~~لم يكن يحسبه المعتمد؛ وهزم الله العدو، واتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل ~~وجه، ونجا الأدفنش -لعنه الله- في تسعة من أصحابه؛ فكان هذا أحد الفتوح ~~المشهورة بالأندلس، أعز الله فيه دينه وأعلى كلمته، وقطع طمع الأدفنش -لعنه ~~الله- عن الجزيرة، بعد أن كان يقدر أنها في ملكه، وأن رءوسها خدم له؛ وذلك ~~كله بحسن نية أمير المسلمين. # وتسمى هذه الوقعة عندهم وقعة الزلاقة. وكان لقاء المسلمين عدوهم -كما ~~ذكرنا- في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان الكائن في سنة 480. ورجع ~~يوسف بن تاشفين وأصحابه عن ذلك المشهد منصورين, مفتوحا لهم وبهم. فسر بهم ~~PageV01P100 # أهل الأندلس، وأظهروا التيمن بأمير المسلمين والتبرك به، وكثر الدعاء له ~~في المساجد وعلى المنابر، وانتشر له من الثناء بجزيرة الأندلس ما زاده طمعا ~~فيها, وذلك أن الأندلس كانت قبله بصدد التلاف، من استيلاء النصارى عليها ~~وأخذهم الإتاوة من ملوكها قاطبة. فلما قهر الله العدو وهزمه على يد أمير ~~المسلمين، أظهر الناس إعظامه، ونشأ له الود في الصدور. # ثم إنه أحب أن يجول في الأندلس على طريق التفرج والتنزه، وهو يريد غير ~~ذلك؛ فجال فيها ونال من ذلك ما أحب، وفي خلال ذلك كله يظهر إعظام المعتمد ~~وإجلاله، ويقول مصرحا: إنما نحن في ضيافة هذا الرجل وتحت أمره، وواقفون عند ~~ما يحده. # بين المعتصم بن صمادح والمعتمد بن عباد # وكان ممن اختص بأمير المسلمين من ملوك الجزيرة وحظي عنده واشتد تقريب ~~أمير المسلمين له: أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح المعتصم صاحب المرية. ~~وكان المعتصم هذا قديم الحسد للمعتمد، كثير النفاسة1 عليه؛ لم يكن في ملوك ~~الجزيرة من يناويه2 غيره، وربما كانت بينهما في بعض الأوقات مراسلات قبيحة. ~~وكان المعتصم يعيبه في مجالسه وينال منه, ويمنع المعتمد من فعل مثل ذلك ~~مروءته ونزاهة نفسه وطهارة سريرته وشدة ملوكيته. وقد كان المعتمد قبل ms075 عبور ~~أمير المسلمين بيسير، توجه إلى شرقي الأندلس يتطوف على مملكته ويطالع أحوال ~~عماله ورعيته؛ فلما دانى أول بلاد المعتصم، خرج إليه في وجوه أصحابه، ~~وتلقاه لقاء نبيلا، وعزم عليه ليدخلن بلاده؛ فأبى المعتمد ذلك. ثم اتفقا ~~بعد طول مراودة3 على أن يجتمعا في أول حدود بلاد المعتصم وآخر حدود بلاد ~~المعتمد، فكان ذلك واصطلحا في الظاهر. واحتفل المعتصم في إكرامه, وأظهر من ~~الآلات السلطانية والذخائر الملوكية المعدة لمجالس الأنس ما ظنه مكمدا4 ~~للمعتمد مثيرا لغمه. وقد أعاذ الله المعتمد من ذلك، وصان خلقه الكريم عنه، ~~وعصمه بفضله منه؛ ثم افترقا بعد أن أقام المعتمد PageV01P101 # عنده في ضيافته ثلاثة أسابيع، ورجع المعتمد إلى بلاده. وبإثر ذلك عبر إلى ~~مراكش؛ ولم يزل ما بينه وبين المعتصم معمورا إلى أن عبر أمير المسلمين كما ~~ذكرنا، فلقيه المعتصم بهدايا فاخرة وتحف جليلة، وتلطف في خدمته حتى قربه ~~أمير المسلمين أشد تقريب؛ وكان يقول لأصحابه: هذان رجلا هذه الجزيرة؛ يعني: ~~المعتصم والمعتمد. وكان أكبر أسباب تقريب أمير المسلمين إياه، ثناء المعتمد ~~عليه عند أمير المسلمين، ووصفه إياه عنده بكل فضل؛ ولم يكن المعتصم بعيدا ~~من أكثر ما وصفه به. # ولما اشتد تمكن المعتصم من أمير المسلمين، بدا له أن يسعى في تغيير قلبه ~~على المعتمد وإفساد ما بينهما -حسن له ذلك سوء رأيه ودنس سريرته وضعف بصره ~~بعواقب الأمور، وليقضي الله أمرا كان مفعولا، وليبلغ القدر ميقاته؛ وإذا ~~أراد الله تمام أمر هيأ له أسبابا- فشرع المعتصم فيما أراده من ذلك, ولم ~~يدر أنه ساقط في البئر التي حفر، وقتيل بالسلاح الذي شهر، فكان من جملة ما ~~ألقى إلى أمير المسلمين، أن جعل يقرر عنده عجب المعتمد بنفسه، وفرط كبره، ~~وأنه لا يرى أحدا كفؤا له. وزعم أنه قال له في بعض الأيام -وقد قال له ~~المعتصم: طالت إقامة هذا الرجل بالجزيرة، يعني: أمير المسلمين-: لو عوجت له ~~إصبعي ما أقام بها ليلة واحدة هو ولا أصحابه, وكأنك تخاف غائلته؛ وأي شيء ~~هذا المسكين وأصحابه؟ ms076 إنما هم قوم كانوا في بلادهم في جهد من العيش، وغلاء ~~من السعر، جئنا بهم إلى هذه البلاد نطعمهم حسبة وائتجارا1، فإذا شبعوا ~~أخرجناهم عنها إلى بلادهم! إلى أمثال هذا القول من تحقير أمرهم. وأعانه على ~~ذلك قوم من وجوه الأندلس، إلى أن بلغوا ما أرادوه من تغير قلب يوسف أمير ~~المسلمين على المعتمد. # وقد كان أمير المسلمين ضرب لنفسه ولأصحابه أجلا وحد له ولهم مدة يقيمونها ~~في الجزيرة لا يزيدون عليها. وإنما فعل ذلك تطييبا لقلب المعتمد وتسكينا ~~لخاطره؛ فلما انقضت تلك المدة أو قاربت، عبر أمير المسلمين إلى العدوة وقد ~~وغر صدره وتغيرت نفسه: من الطويل # وما النفس إلا نطفة في قرارة ... إذا لم تكدر كان صفوا غديرها2 # هذا مع ما ذكرنا من طمعه في الجزيرة وتشوفه إلى مملكتها؛ وظهرت للمعتمد ~~قبل عبوره أشياء عرف بها أنه غير عليه!. PageV01P102 # نكبة بني عباد # ورجع أمير المسلمين إلى مراكش وفي نفسه من أمر الجزيرة المقيم المقعد؛ ~~فبلغني أنه قال لبعض ثقاته من وجوه أصحابه: كنت أظن أني قد ملكت شيئا، فلما ~~رأيت تلك البلاد، صغرت في عيني مملكتي؛ فكيف الحيلة في تحصيلها؟ فاتفق رأيه ~~ورأي أصحابه على أن يراسلوا المعتمد يستأذنونه في رجال من صلحاء أصحابهم ~~رغبوا في الرباط بالأندلس ومجاهدة العدو والكون ببعض الحصون المصاقبة1 ~~للروم إلى أن يموتوا؛ ففعلوا، وكتبوا إلى المعتمد بذلك، فأذن لهم، بعد أن ~~وافقه على ذلك ابن الأفطس المتوكل صاحب الثغور, وإنما أراد يوسف وأصحابه ~~بذلك أن يكون قوم من شيعتهم مبثوثين بالجزيرة في بلادها، فإذا كان أمر من ~~قيام بدعوتهم أو إظهار لمملكتهم وجدوا في كل بلد لهم أعوانا. # وقد كانت قلوب أهل الأندلس -كما ذكرنا- قد أشربت2 حب يوسف وأصحابه، فجهز ~~يوسف من خيار أصحابه رجالا انتخبهم، وأمر عليهم رجلا من قرابته يسمى بلجين، ~~وأسر إليه ما أراده، فجاز بلجين المذكور، وقصد المعتمد من ملوك الجزيرة ~~فقال له: أين تأمرني بالكون؟ فوجه معه المعتمد من أصحابه من ينزله ببعض ~~الحصون التي اختارها لهم، ms077 فنزل حيث أنزلوه هو وأصحابه. وأقاموا هناك إلى أن ~~ثارت الفتنة على المعتمد، وكان مبدؤها في شوال من سنة 483 بأخذ جزيرة طريف ~~المقابلة لطنجة من العدوة، دون مقدمة ظاهرة توجب ذلك، فتشعبت جموعه ~~وأهواؤها ملتئمة، وانتثرت بلاده وقلوب أهلها على محبته منتظمة. # ولما أخذ المرابطون جزيرة طريف ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين، انتشر ~~ذلك في الأندلس، وزحف القوم الذين قدمنا ذكرهم، الكائنون في الحصون، إلى ~~قرطبة؛ فحاصروها وفيها عباد بن المعتمد الملقب ب المأمون، وقد تقدم ذكره، ~~وهو من أكبر ولده؛ فدخلوا البلد، وقتل عباد هذا بعد أن أبلى عذرا، وأظهر في ~~الدفاع عن نفسه جلدا وصبرا؛ ذلك في مستهل صفر الكائن في سنة 484؛ فزادت ~~الإحنة3 والمحنة، واستمرت في غلوائها4 الفتنة. # وأجمعت على الثورة بحضرة إشبيلية طائفة، فأعلم المعتمد بما اعتقدته ~~الطائفة PageV01P103 # المذكورة، وكشف له عن مرادها، وأثبت عنده سوء اعتقادها، وأغري بتمزيق ~~أديمها1 وسفك دمها، وحض على هتك حريمها وكشف حرمها؛ فأبى له ذلك مجده ~~الأثيل2، ورأيه الأصيل، ومذهبه الجميل، وما حباه الله3 به من حسن اليقين، ~~وصحة العقل والدين؛ إلى أن أمكنتهم الغرة4 يوم الثلاثاء منتصف رجب من السنة ~~المذكورة، فقاموا بجيش غير مستنصر، واستنسروا بغاثا غير مستنسر5؛ فبرز هو ~~من قصره، سيفه بيده، وغلالته6 ترف7 على جسده، لا درقة8 له ولا درع عليه؛ ~~فلقي على باب من أبواب المدينة يسمى باب الفرج فارسا من الداخلين مشهور ~~النجدة شاكي السلاح، فرماه الفارس برمح قصير أنابيب القناة، طويل شفرة ~~السنان؛ فالتوى الرمح بغلالته وخرج تحت إبطه، وعصمه الله منه، ودفعه بفضله ~~عنه؛ وصب هو سيفه على عاتق الفارس فشقه إلى أضلاعه فخر صريعا، وانهزمت تلك ~~الجموع، ونزل المتسنمون9 للأسوار عنها؛ وظن أهل إشبيلية أن الخناق قد تنفس. # فلما كان عصر ذلك اليوم، عاودهم القوم، فظهر على البلد من واديه، ويئس من ~~سكنى ناديه، وبلغ فيه الأمل حاسده وشانيه10، وشبت النار في شوانيه، فانقطع ~~عندها الأمل والقول، وذهبت القوة من أيدي أهلها والحول. وكان الذي ظهر ~~عليها من جهة ms078 البر، رجل من أصحاب يوسف أمير المسلمين يعرف بحدير بن واسنو؛ ~~ومن الوادي رجل يعرف بالقائد أبي حمامة مولى بني سجوت؛ والتوت الحال أياما ~~يسيرة، إلى أن ورد الأمير سير بن أبي بكر بن تاشفين -وهو ابن أخي أمير ~~المسلمين- بعساكر متظاهرة، وحشود من الرعية وافرة، والناس في خلال هذه ~~الأيام قد خامرهم الجزع11، وخالط قلوبهم PageV01P104 # الهلع1، يقطعون السبل سياحة، ويعبرون النهر سباحة، ويتولجون2 مجاري ~~الأقذار، ويترامون من شرفات الأسوار، حرصا على الحياة. والموفون بالعهد، ~~المقيمون على صريح الود، ثابتون؛ إلى أن كان يوم الأحد لإحدى وعشرين ليلة ~~خلت من رجب من السنة المذكورة، وهذا يوم الكائنة العظمى، والطامة الكبرى3، ~~فيه حم4 الأمر الواقع، واتسع الخرق5 على الراقع، ودخل البلد من واديه، ~~وأصيب حاضره وباديه، بعد أن جد الفريقان في القتال، واجتهدت الفئتان في ~~النزال، وظهر من دفاع المعتمد -رحمه الله- وبأسه، وتراميه على الموت بنفسه، ~~ما لا مزيد عليه، ولا تناهي لخلق إليه، وفي ذلك يقول المعتمد بعد ما نزل ~~بالعدوة أسيرا حسيرا6: من مجزوء الكامل # لما تماسكت الدموع ... وتنهنه القلب الصديع7 # قالوا: الخضوع سياسة ... فليبد منك لهم خضوع # وألذ من طعم الخضو ... ع على فمي السم النقيع8 # إن تستلب عنى الدنا ... ملكي وتسلمني الجموع9 # فالقلب بين ضلوعه ... لم تسلم القلب الضلوع # لم أستلب شرف الطبا ... ع أيسلب الشرف الرفيع # قد رمت يوم نزالهم ... ألا تحصنني الدروع10 # وبرزت ليس سوى القمي ... ص عن الحشا شيء دفوع # وبذلت نفسي كي تسي ... ل إذا يسيل بها النجيع11 # أجلي تأخر، لم يكن ... بهواي ذلي والخشوع PageV01P105 # ما سرت قط إلى القتا ... ل وكان من أملي الرجوع # شيم الألى أنا منهمو ... والأصل تتبعه الفروع! 1 # فشنت الغارة في البلد، ولم يترك البربر لأحد من أهلها سبدا ولا لبدا2، ~~وانتهبت قصور المعتمد نهبا قبيحا، وأخذ هو قبضا باليد، وجبر على مخاطبة ~~ابنيه: المعتد بالله، والراضي بالله، وكانا بمعقلين من معاقل الأندلس ~~المشهورة، لو شاءا أن يمتنعا بهما لم يصل أحد إليهما، أحد الحصنين يسمى ~~رندة، والآخر مارتلة؛ ms079 فكتب إليهما -رحمه الله-، وكتبت السيدة الكبرى أمهما، ~~مستعطفين مسترحمين، معلمين أن دم الكل منهم مسترهن بثبوتهما. فأنفا من ~~الذل، وأبيا وضع أيديهما في يد أحد من الناس بعد أبيهما. ثم عطفتهما عواطف ~~الرحمة، ونظرا في حقوق أبويهما المقترنة بحق الله عز وجل. فتمسك كل منهما ~~بدينه، ونبذ دنياه، ونزلا عن الحصنين بعد عهود مبرمة، ومواثيق محكمة. فأما ~~المعتد بالله فإن القائد الواصل إليه قبض عند نزوله على كل ما كان يملكه. ~~وأما الراضي بالله فعند خروجه من قصره قتل غيلة3 وأخفي جسده. # ورحل بالمعتمد وآله، بعد استئصال جميع أحواله، ولم يصحب من ذلك كله بلغة4 ~~زاد؛ فركب السفين، وحل بالعدوة محل الدفين؛ فكان نزوله من العدوة بطنجة؛ ~~فأقام بها أياما، ولقيه بها الحصري الشاعر5، فجرى معه على سوء عادته من قبح ~~الكدية6 وإفراط الإلحاف7، فرفع إليه أشعارا قديمة قد كان مدحه بها، وأضاف ~~إلى ذلك قصيدة استجدها عند وصوله إليه. ولم يكن عند المعتمد في ذلك اليوم ~~مما زود به فيما بلغني أكثر من ستة وثلاثين مثقالا، فطبع عليها وكتب معها ~~بقطعة شعر يعتذر من قلتها -سقطت من حفظي- ووجه بها إليه. فلم يجاوبه عن ~~القطعة، على سهولة الشعر على خاطره وخفته عليه. كان هذا الرجل -أعني ~~الحصري- الأعمى- PageV01P106 # أسرع الناس في الشعر خاطرا، إلا أنه كان قليل الجيد منه؛ فحركه المعتمد ~~على الله على الجواب بقطعة أولها: من مجزوء الرمل # قل لمن قد جمع العلم ... وما أحصى صوابه # كان في الصرة شعر ... فتنظرنا جوابه # قد أثبناك فهلا ... جلب الشعر ثوابه؟ # ولما اتصل بزعانفة1 الشعراء وملحفي أهل الكدية ما صنع المعتمد -رحمه ~~الله- مع الحصري، تعرضوا له بكل طريق، وقصدوه من كل فج عميق2، فقال في ذلك ~~رحمه الله: من الكامل # شعراء طنجة كلهم والمغرب ... ذهبوا من الإغراب أبعد مذهب3 # سألوا العسير من الأسير وإنه ... بسؤالهم لأحق فاعجب واعجب4 # لولا الحياء وعزة لخمية ... طي الحشا ساواهم في المطلب # قد كان إن سئل الندى يجزل وإن ... نادى الصريخ ببابه اركب يركب5 # وله في هذا ms080 المعنى رحمه الله: من الرمل # قبح الدهر فماذا صنعا ... كلما أعطى نفيسا نزعا6 # قد هوى ظلما بمن عادته ... أن ينادي كل من يهوى لعا! 7 # من إذا الغيث همى منهمرا ... أخجلته كفه فانقطعا8 # من غمام الجود من راحته ... عصفت ريح به فانتشعا9 # من إذا قيل الخنا صم وإن ... نطق العافون همسا سمعا10 PageV01P107 # قل لمن يطمع في نائله ... قد أزال اليأس ذاك الطمعا1 # راح لا يملك إلا دعوة ... جبر الله العفاة الضيعا! # وأقام المعتمد بطنجة -رحمه الله- أياما على الحال التي تقدم ذكرها، ثم ~~انتقل إلى مدينة مكناسة2، فأقام بها أشهرا، إلى أن نفذ الأمر بتسييرهم إلى ~~مدينة أغمات3؛ فأقاموا بها إلى أن توفي المعتمد -رحمه الله-، ودفن بها ~~فقبره معروف هناك. وكانت وفاته في شهور سنة 87، وقيل: سنة 88، فالله أعلم، ~~وسنه يوم توفي إحدي وخمسون سنة. # فمن أحسن ما مر بي مما رثي به المعتمد على الله مقطوعة من شعر ابن ~~اللبانة4 أولها: من البسيط # لكل شيء من الأشياء ميقات ... وللمنى من مناياهن غايات5 # والدهر في صبغة الحرباء منغمس ... ألوان حالاته فيها استحالات6 # ونحن من لعب الشطرنج في يده ... وربما قمرت بالبيدق الشاة7 # فانفض يديك من الدنيا وساكنها ... فالأرض قد أقفرت, والناس قد ماتوا # وقل لعالمها الأرضي قد كتمت ... سريرة العالم العلوي أغمات # طوت مظلتها، لا بل مذلتها ... من لم تزل فوقه للعز رايات # من كان بين الندى والبأس، أنصله ... هندية وعطاياه هنيدات8 PageV01P108 # أنكرت إلا التواء للقيود به ... وكيف تنكر في الروضات حيات # وقلت: هن ذؤابات فلم عكست ... من رأسه نحو رجليه الذؤابات1 # رأوه ليثا فخافوا منه عادية ... عذرتهم فلعدوى الليث عادات2 # وله قصيدة يرثيهم3 بها، وهي كثيرة الجيد، أولها: من البسيط # تبكي السماء بدمع رائح غادى ... على البهاليل من أبناء عباد4 # على الجبال التي هدت قواعدها ... وكانت الأرض منهم ذات أوتاد # والرابيات عليها اليانعات ذوت ... أنوارها فغدت في خفض أوهاد5 # عريسة دخلتها النائبات على ... أساود لهم فيها وآساد6 # وكعبة كانت الآمال تعمرها ... فاليوم لا عاكف فيها ولا باد7 # تلك الرماح ms081 رماح الخط ثقفها ... خطب الزمان ثقافا غير معتاد8 # والبيض بيض الظبا فلت مضاربها ... أيدي الردى وثنتها دون إغماد9 # لما دنا الوقت لم تخلف له عدة ... وكل شيء لميقات وميعاد10 # كم من دراري سعد قد هوت ووهت ... هناك من درر للمجد أفراد11 # نور ونور فهذا بعد نعمته ... ذوى وذاك خبا من بعد إيقاد12 # يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ ... في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد ~~PageV01P109 # ويا مؤمل واديهم ليسكنه ... خف القطين وجف الزرع بالوادي1 # ضلت سبيل الندى بابن السبيل فسر ... لغير قصد فما يهديك من هادي # وفيها يقول: # نسيت إلا غداة النهر كونهم ... في المنشآت كأموات بألحاد2 # والناس قد ملئوا العبرين واعتبروا ... من لؤلؤ طافيات فوق أزباد3 # حط القناع فلم تستر مخدرة ... ومزقت أوجه تمزيق أبراد4 # تفرقوا جيرة من بعد ما نشئوا ... أهلا بأهل وأولادا بأولاد # حان الوداع فضجت كل صارخة ... وصارخ من مفداة ومن فادي # سارت سفائنهم والنوح يتبعها ... كأنها إبل يحدو بها الحادي5 # كم سال في الماء من دمع وكم حملت ... تلك القطائع من قطعات أكباد # من لي بكم يا بني ماء السماء إذا ... ماء السماء أبى سقيا حشا الصادي6 # وهي طويلة جدا، وهذا ما اخترت له منها. # أبو بكر الداني* # وابن اللبانة هذا هو أبو بكر محمد بن عيسى7، من أهل مدينة دانية، وهي على ~~ساحل البحر الرومي، كان يملكها مجاهد العامري وابنه علي الموفق على ما ~~تقدم. # ولابن اللبانة هذا أخ اسمه عبد العزيز، وكانا شاعرين، إلا أن عبد العزيز ~~منهما لم يرض الشعر صناعة ولا اتخذه مكسبا، وإنما كان من جملة التجار. وأما ~~أبو بكر فرضيه بضاعة، وتخيره مكسبا، وأكثر منه، وقصد به الملوك فأخذ ~~جوائزهم، ونال PageV01P110 # أسنى الرتب عندهم. وشعره نبيل المأخذ، وهو فيه حسن المهيع1، جمع بين ~~سهولة الألفاظ ورشاقتها، وجودة المعاني ولطافتها؛ كان منقطعا إلى المعتمد، ~~معدودا في جملة شعرائه؛ لم يفد عليه إلا آخر مدته؛ فلهذا قل شعره الذي ~~يمدحه به. # وكان -رحمه الله- مع سهولة الشعر عليه وإكثاره منه، قليل المعرفة بعلله، ms082 ~~لم يجد الخوض في علومه، وإنما كان يعتمد في أكثره على جودة طبعه وقوة ~~قريحته؛ يدل على ذلك قوله في قصيدة له, سيرد ما أختاره منها في موضعه: من ~~الكامل # من كان ينفق من سواد كتابه ... فأنا الذي من نور قلبى أنفق # ولما خلع المعتمد على الله، وأخرج من إشبيلية، لم يزل أبو بكر هذا يتقلب ~~في البلاد، إلى أن لحق بجزيرة ميرقة2، وبها مبشر العامري المتلقب ب الناصر؛ ~~فحظي عنده وعلت حاله معه، وله فيه قصائد أجاد فيها ما شاء؛ فمنها قصيدة ركب ~~فيها طريقة لم أسمع بها لمتقدم ولا متأخر، وذلك أنه جعلها من أولها إلى ~~آخرها، صدر البيت غزل وعجزه مدح، وهذا لم أسمع به لأحد؛ وأول القصيدة: من ~~الكامل # وضحت وقد فضحت ضياء النير ... فكأنما التحفت ببشر مبشر3 # وتبسمت عن جوهر فحسبته ... ما قلدته محامدي من جوهر # وتكلمت فكأن طيب حديثها ... متعت منه بطيب مسك أذفر4 # هزت بنغمة لفظها نفسي كما ... هزت بذكراه أعالي المنبر # أذنبت واستغفرتها فجرت على ... عاداته في المذنب المستغفر # جادت علي بوصلها فكأنه ... جدوى يديه على المقل المقتر5 # ولثمت فاها فاعتقدت بأنني ... من كفه سوغت لثم الخنصر6 # سمحت بتعنيقى فقلت: صنيعة ... سمحت علاه بها فلم تتعذر # نهد كقسوة قلبه في معرك ... وحشا كلين طباعه في محضر # ومعاطف تحت الذوائب خلتها ... تحت الخوافق ما له من سمهري7 PageV01P111 # حسنت أمامي في خمار مثل ما ... حسن الكمي أمامه في مغفر1 # وتوشحت فكأنه في جوشن ... قد قام عنبره مقام العثير2 # غمزت ببعض قسيه من حاجب ... ورنت ببعض سهامه من محجر3 # أومت بمصقول اللحاظ فخلته ... يومي بمصقول الصفيحة مشهر4 # وضعت حشاياها فويق أرائك ... وضع السروج على الجياد الضمر5 # من رامة أو رومة، لا علم لي ... أأتت عن النعمان أم عن قيصر6 # بنت الملوك فقل لكسرى فارس ... تعزى وإلا قل لتبع حمير7 # عاديت فيها غر قومي فاغتدوا ... لا أرضهم أرضي ولا هم معشري8 # وكذلك الدنيا عهدنا أهلها ... يتعافرون على الثريد الأعفر9 # طافت علي بجمرة من خمرة ... فرأيت مريخا ms083 براحة مشتري10 # فكأن أنملها سيوف مبشر ... وقد اكتست علق النجيع الأحمر11 # ملك أزرة برده ضمت على ... بأس الوصي, وعزمة الإسكندر PageV01P112 # هذا ما اخترت له منها. # ومن نسيبه المليح, الخفيف الروح قوله يتغزل ويمدح مبشرا هذا: من الكامل # هلا ثناك علي قلب مشفق ... فترى فراشا في فراش يحرق # قد صرت كالرمق الذي لا يرتجى ... ورجعت كالنفس الذى لا يلحق1 # وغرقت في دمعي عليك وغمني ... طرفي, فهل سبب به أتعلق؟ 2 # هل خدعة بتحية مخفية ... في جنب موعدك الذي لا يصدق # أنت المنية والمنى، فيك استوى ... ظل الغمامة والهجير المحرق3 # لك قد ذابلة الوشيج ولونها ... لكن سنانك أكحل لا أزرق4 # ويقال: إنك أيكة حتى إذا ... غنيت قيل: هو الحمام الأورق5 # يا من رشقت إلى السلو فردني ... سبقت جفونك كل سهم يرشق6 # لو في يدي سحر وعندي أخذة ... لجعلت قلبك بعض حين يعشق # لتذوق ما قد ذقت من ألم الجوى ... وترق لي مما تراه وتشفق7 # جسدي من الأعداء فيك؛ لأنه ... لا يستبين لطرف طيف يرمق8 # لم يدر طيفك موضعي من مضجعي ... فعذرته في أنه لا يطرق9 # جفت عليك منابتي ومنابعي ... فالدمع ينشغ والصبابة تورق10 # وكأن أعلام الأمير مبشر ... نشرت على قلبى فأصبح يخفق11 # وفيها يقول، يصف لعب الأسطول في يوم المهرجان: # بشرى بيوم المهرجان فإنه ... يوم عليه من احتفائك رونق12 PageV01P113 # طارت بنات الماء فيه وريشها ... ريش الغراب وغير ذلك شوذق1 # وعلى الخليج كتيبة جرارة ... مثل الخليج كلاهما يتدفق2 # وبنو الحروب على الجواري التي ... تجري كما تجري الجياد السبق3 # ملأ الكماة ظهورها وبطونها ... فأتت كما يأتي السحاب المغدق4 # خاضت غدير الماء سابحة به ... فكأنما هي في سراب أينق5 # عجبا لها! ما خلت قبل عيانها ... أن يحمل الأسد الضواري زورق # هزت مجاديفا إليك كأنها ... أهداب عين للرقيب تحدق6 # وكأنها أقلام كاتب دولة ... في عرض قرطاس تخط وتمشق7 # وله فيها إحسان كثير. وله من قصيدة يتغزل: من الطويل # فؤادي معنى بالحسان معنت ... وكل موقى في التصابي موقت8 # ولي نفس يخفى ويخفت رقة ... ولكن جسمى منه أخفى ms084 وأخفت # وبي ميت الأعضاء حي دلاله ... غرامي به حي وصبري ميت # جعلت فؤادي جفن صارم جفنه ... فيا حر ما يصلى به حين يصلت9 # أذل له في هجره وهو ينتمي ... وأسكن بالشكوى له وهو يسكت # وما انبت حبل منه إذ كان في يدي ... لريحان ريعان الشبيبة منبت10 # ومن جيد ماله من قصيدة يمدح بها مبشرا ناصر الدولة أولها: من الكامل # راق الربيع ورق طبع هوائه ... فانظر نضارة أرضه وسمائه 11 PageV01P114 # واجعل قرين الورد فيه سلافة ... يحكي مشعشعها مصعد مائه1 # لولا ذبول الورد قلت بأنه ... خد الحبيب عليه صبغ حيائه # هيهات أين الورد من خد الذي ... لا يستحيل عليك عهد وفائه2 # الورد ليس صفاته كصفاته ... والطير ليس غناؤها كغنائه # يتنفس الإصباح والريحان من ... حركات معطفه, وحسن روائه3 # ويجول في الأرواح روح ما سرت ... رياه من تلقائه بلقائه4 # صرف الهوى جسمي شبيه خياله ... من فرط خفته وفرط خفائه # ومن أحسن ما على خاطري له بيتان يصف بهما خالا، وهما: من البسيط # بدا على خده خال يزينه ... فزادني شغفا فيه إلى شغف5 # كأن حبة قلبي عند رؤيته ... طارت فقال لها: في الخد منه قفي! 6 # ولابن اللبانة هذا إحسان كثير، منعني من استقصائه خوف الإطالة، وأيضا ~~فلأن هذا الكتاب ليس موضوعا لهذا الباب؛ وإنما يأتي منه فيه ما تدعو إليه ~~ضرورة سياق الحديث. # رجع الحديث إلى أخبار المعتمد # ثم رجع بنا القول إلى أخبار المعتمد على الله. # وبلغني أن رجلا رأى في منامه قبل الكائنة العظمى على بني عباد بأشهر ~~يسيرة وهو بمدينة قرطبة، كأن رجلا أتى حتى صعد المنبر واستقبل الناس بوجهه ~~ينشدهم رافعا صوته: من الرمل # رب ركب قد أناخوا عيسهم ... في ذرا مجدهم حين بسق7 # سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق! # فما كان إلا أشهر يسيرة حتى وقع بهم, وأبكاهم الدهر كما قال. PageV01P115 # وبلغ من حال المعتمد على الله بأغمات، أن آثر حظياته وأكرم بناته ألجئت ~~إلى أن تستدعي غزلا من الناس تسد بأجرته بعض حالها، وتصلح به ms085 ما ظهر من ~~اختلالها. فأدخل عليها فيما أدخل غزل لبنت عريف شرطة أبيها؛ كان بين يديه ~~يزع الناس1 يوم بروزه، لم يكن يراه إلا ذلك اليوم. واتفق أن السيدة الكبرى ~~أم بنيه اعتلت، وكان الوزير أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر2 بمراكش؛ ~~قد استدعاه أمير المسلمين لعلاجه؛ فكتب إليه المعتمد راغبا في علاج السيدة ~~ومطالعة أحوالها بنفسه. فكتب إليه الوزير مؤديا حقه ومجيبا له عن رسالته ~~ومسعفا له في طلبته3. واتفق أن دعا له في أثناء الرسالة بطول البقاء؛ فقال ~~المعتمد في ذلك: من الوافر # دعا لي بالبقاء وكيف يهوى ... أسير أن يطول به البقاء # أليس الموت أروح من حياة ... يطول على الشقي بها الشقاء4 # فمن يك من هواه لقاء حب ... فإن هواي من حتفي اللقاء5 # أأرغب أن أعيش أرى بناتي ... عواري قد أضر بها الحفاء6 # خوادم بنت من قد كان أعلى ... مراتبه إذا أبدو النداء # وطرد الناس بين يدي ممري ... وكفهمو إذا غص الفناء7 # وركض عن يمين أو شمال ... لنظم الجيش إن رفع اللواء8 # يعنيه أمام أو وراء ... إذا اختل الأمام أو الوراء9 # ولكن الدعاء إذا دعاه ... ضمير خالص نفع الدعاء # جزيت أبا العلاء جزاء بر ... نوى برا وصاحبك العلاء10 PageV01P116 # سيسلي النفس عما فات علمى ... بأن الكل يدركه الفناء1 # وورد عليه أغمات، أبو بكر بن اللبانة المتقدم الذكر، ملتزما عهد الوفاء، ~~قاضيا ما يجب عليه من شكر النعمى؛ فسر المعتمد بوروده، فلما أزمع2 ابن ~~اللبانة على السفر، استنفد المعتمد وسعه ووجه إليه بعشرين مثقالا وثوبين، ~~وكتب إليه معها: من الوافر # إليك النزر من كف الأسير ... فإن تقبل تكن عين الشكور3 # تقبل ما يذوب له حياء ... وإن عذرته حالات الفقير! # ولا تعجب لخطب غض منه ... أليس الخسف ملتزم البدور؟ 4 # ورج لجبره عقبى نداه ... فكم جبرت يداه من كسير5 # وكم أعلت علاه من حضيض ... وكم حطت ظباه من أمير6 # وكم من منبر حنت إليه ... أعالي مرتقاه، ومن سرير # زمان تزاحفت عن جانبيه ... جياد الخيل بالموت المبير7 # فقد نظرت ms086 إليه عيون نحس ... مضت منه بمعدوم النظير # نحوس كن في عقبى سعود ... كذاك تدور أقدار القدير # وكم أحظى رضاه من حظي ... وكم شهرت علاه من شهير8 # زمان تنافست في الحظ منه ... ملوك قد تجور على الدهور! 9 # بحيث يطير بالأبطال ذعر ... ويلفى ثم أرجح من ثبير10 PageV01P117 # فامتنع ابن اللبانة من قبول ذلك عليه، وصرفه بجملته إليه؛ وكتب مجيبا له ~~عن شعره: من الوافر # سقطت من الوفاء على خبير ... فذرني والذي لك في ضميري # تركت هواك وهو شقيق ديني ... لئن شقت برودي عن غدور1 # ولا كنت الطليق من الرزايا ... لئن أصبحت أجحف بالأسير2 # أسير ولا أصير إلى اغتنام ... معاذ الله من سوء المصير # إذا ما الشكر كان وإن تناهى ... على نعمى فما فضل الشكور؟ # جذيمة أنت والأيام خانت ... وما أنا من يقصر عن قصير3 # أنا أدرى بفضلك منك إني ... لبست الظل منه في الحرور4 # غني النفس أنت وإن ألحت ... على كفيك حالات الفقير # تصرف في الندى حيل المعالي ... فتسمح من قليل بالكثير5 # أحدث منك عن نبع غريب ... تفتح عن جنى زهر نضير6 # وأعجب منك أنك في ظلام ... وترفع للعفاة منار نور # رويدك سوف توسعني سرورا ... إذا عاد ارتقاؤك للسرير7 # وسوف تحلني رتب المعالي ... غداة تحل في تلك القصور PageV01P118 # تزيد على ابن مروان عطاء ... بها وأنيف ثم على جرير1 # تأهب أن تعود إلى طلوع ... فليس الخسف ملتزم البدور # فراجعه المعتمد بهذه الأبيات: من الخفيف # رد بري بغيا علي وبرا ... وجفا فاستحق لوما وشكرا # حاط نزري إذ خاف تأكيد ضري ... فاستحق الجفاء إذ حاط نزرا # فإذا ما طويت في البعض حمدا ... عاد لومي في البعض سرا وجهرا # يا أبا بكر الغريب وفاء ... لا عدمناك في المغارب ذخرا # أي نفع يجدي احتياط شفيق ... مت ضرا فكيف أرهب ضرا؟ 2 # فأجابه ابن اللبانة رحمه الله: من الخفيف # أيها الماجد السميدع عذرا ... صرفي البر إنما كان برا3 # حاش لله أن أجيح كريما ... يتشكى فقرا وكم سد فقرا4 # لا أزيد الجفاء فيه شقوقا ... غدر الدهر بى لئن ms087 رمت غدرا5 # ليت لي قوة, أوآوي لركن ... فترى للوفاء مني سرا؟! 6 # أنت علمتني السيادة حتى ... ناهضت همتي الكواكب قدرا7 # ربحت صفقة أزيل برودا ... عن أديمي بها وألبس فخرا8 # وكفاني كلامك الرطب نيلا ... كيف ألفي درا وأطلب تبرا؟! 9 # لم تمت, إنما المكارم ماتت ... لا سقى الله بعدك الأرض قطرا10 ~~PageV01P119 # ومما قاله المعتمد من الشعر عند موته, وأمر أن يكتب على قبره: من البسيط # قبر الغريب سقاك الرائح الغادي ... حقا ظفرت بأشلاء ابن عباد1 # بالحلم, بالعلم, بالنعمى إذا اتصلت ... بالخصب إن أجدبوا بالري للصادي2 # بالطاعن, الضارب, الرامي إذا اقتتلوا ... بالموت أحمر بالضرغامة العادي3 # بالدهر في نقم بالبحر في نعم ... بالبدر في ظلم بالصدر في النادي4 # نعم هو الحق حاباني به قدر ... من السماء فوافاني لميعاد5 # ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه ... أن الجبال تهادى فوق أعواد6 # كفاك فارفق بما استودعت من كرم ... رجاك كل قطوب البرق رعاد7 # يبكي أخاه الذي غيبت وابله ... تحت الصفيح بدمع رائح غادي8 # حتى يجودك دمع الطل منهمرا ... من أعين الزهر لم تبخل بإسعاد9 # ولا تزل صلوات الله دائمة ... على دفينك لا تحصى بتعداد # وكان للمعتمد على الله هذا ولد يلقب ب فخر الدولة، رشحه للملك من بعده، ~~وجعله ولي عهده، ولقبه ب المؤيد بنصر الله؛ فعاقته الفتنة عن مراده، وحالت ~~الأقدار بينه وبين إصداره وإيراده؛ فما برح بفخر الدولة هذا تغير الأيام ~~بعد الفتنة، إلى أن أسلم نفسه في السوق، وتعلم من الصنائع صنعة الصواغ، فمر ~~به محمد بن اللبانة المتقدم الذكر شاعر أبيه، فقال في ذلك: من البسيط # أذكى القلوب أسى، أبكى العيون دما ... خطب وجدناك فيه يشبه العدما10 # أفراد عقد المنى منا قد انتثرت ... وعقد عروتنا الوثقى قد انفصما11 ~~PageV01P120 # شكاتنا فيك يا فخر الهدى عظمت ... والرزء يعظم فيمن قدره عظما1 # طوقت من نائبات الدهر مخنقة ... ضاقت عليك، وكم طوقتنا نعما2 # وعاد كونك في دكان قارعة ... من بعد ما كنت في قصر حكى إرما3 # صرفت في آله الصواغ أنملة ... لم تدر إلا الندى والسيف ms088 والقلما # يد عهدتك للتقبيل تبسطها ... فتستقل الثريا أن تكون فما # يا صائغا كانت العليا تصاغ له ... حليا وكان عليه الحلي منتظما # للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى ... هول رأيناك فيه تنفخ الفحما4 # وددت إذ نظرت عيني إليك به ... لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى # ما حطك الدهر لما حط من شرف ... ولا تحيف من أخلاقك الكرما5 # لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمرا ... وقم بها ربوة إن لم تقم علما # واصبر فربتما أحمدت عاقبة ... من يلزم الصبر يحمد غب ما لزما # والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت ... ولو وفى لك دمع المزن لانسجما6 # بكى حديثك حتى الدر حين غدا ... يحكيك رهطا وألفاظا ومبتسما7 # وروضة الحسن من أزهارها عريت ... حزنا عليك لأن أشبهتها شيما8 # بعد النعيم ذوى الريحان حين رأى ... ريحانك الغض يذوي بعد ما نعما9 # لم يرحم الدهر فضلا أنت حامله ... من ليس يرحم ذاك الفضل لا رحما # شقيقك الصبح إن أضحى بشارقة ... وأنت في ظلمة فالصبح قد ظلما PageV01P121 ### | فصل رجع الحديث عن دولة المرابطين بالأندلس # وإنما أوردنا هذه النبذة اليسيرة من أخبار المعتمد على الله، مع ما تعلق ~~بها، وإن كانت مخرجة عن الغرض؛ لندل بها على ما قدمنا من ذكر فضله وغزارة ~~أدبه وإيثاره لذلك؛ وأيضا فليتصل نسق الأخبار عن المملكة، أعني: مملكة ~~الأندلس إلى المرابطين أصحاب يوسف بن تاشفين, ولوجه ثالث: وهو أن ما آلت ~~إليه حال المعتمد هذا من الخمول بعد النباهة1, والضعة2 بعد الرفعة، والقبض ~~بعد البسط، من جملة العبر3 التي أرتناها الأيام، والمواعظ التي تصغر الدنيا ~~في عيون أولي الأفهام. # ثم إن يوسف بن تاشفين استوسق له أمر الأندلس بعد القبض على المعتمد؛ إذ ~~كان هو كبش كتيبتها، وعين أعيانها، وواسطة نظمها؛ فلم يزل أصحاب يوسف بن ~~تاشفين يطوون تلك الممالك مملكة مملكة، إلى أن دانت لهم الجزيرة بأجمعها؛ ~~فأظهروا في أول إمرتهم من النكاية4 في العدو، والدفاع عن المسلمين، وحماية ~~الثغور، ما صدق بهم الظنون، وأثلج الصدور5، وأقر العيون؛ فزاد حب ms089 أهل ~~الأندلس لهم، واشتد خوف ملوك الروم منهم؛ ويوسف بن تاشفين في ذلك كله يمدهم ~~في كل ساعة بالجيوش بعد الجيوش، والخيل إثر الخيل، ويقول في كل مجلس من ~~مجالسه: إنما كان غرضنا في ملك هذه الجزيرة أن نستنقذها من أيدي الروم، لما ~~رأينا استيلاءهم على أكثرها، وغفلة ملوكهم وإهمالهم للغزو وتواكلهم ~~وتخاذلهم وإيثارهم الراحة؛ وإنما همة أحدهم كأس يشربها، وقينة تسمعه، ولهو ~~PageV01P122 # يقطع به أيامه. ولئن عشت لأعيدن جميع البلاد التي ملكها الروم في طول هذه ~~الفتنة إلى المسلمين، ولأملأنها عليهم - يعني الروم- خيلا ورجالا لا عهد ~~لهم بالدعة1، ولا علم عندهم برخاء العيش؛ إنما هم أحدهم فرس يروضه ~~ويستفرهه2، أو سلاح يستجيده، أو صريخ3 يلبي دعوته ... في أمثال لهذا القول. ~~فيبلغ ذلك ملوك النصارى، فيزداد فرقهم4، ويقوى -مما بأيدي المسلمين، بل مما ~~بأيديهم- يأسهم. # وحين ملك يوسف أمير المسلمين جزيرة الأندلس وأطاعته بأسرها ولم يختلف ~~عليه شيء منها، عد من يومئذ في جملة الملوك، واستحق اسم السلطنة، وتسمى هو ~~وأصحابه ب المرابطين. وصار هو وابنه معدودين في أكابر الملوك؛ لأن جزيرة ~~الأندلس هي حاضرة المغرب الأقصى، وأم قراه، ومعدن الفضائل منه. فعامة ~~الفضلاء من أهل كل شأن منسوبون إليها، ومعدودون منها. فهي مطلع شمس العلوم ~~وأقمارها، ومركز الفضائل وقطب مدارها؛ أعدل الأقاليم هواء، وأصفاها جوا، ~~وأعذبها ماء، وأعطرها نبتا، وأنداها ظلالا، وأطيبها بكرا مستعذبة وآصالا: ~~من البسيط # أرض يطير فؤادي من قرارته ... شوقا لها ولمن فيها من الناس # قوم جنيت جنى ورد بذكرهم ... فهل بلقياهم أجني جنى آس؟ # فانقطع إلى أمير المسلمين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله، حتى أشبهت ~~حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم. # أعيان الكتاب في دولة المرابطين # واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في ~~عصر من الأعصار؛ فممن كتب لأمير المسلمين يوسف: كاتب المعتمد على الله أبو ~~بكر المعروف بابن القصيرة5، أحد رجال الفصاحة، والحائز قصب السبق في ~~البلاغة؛ كان على طريقة قدماء الكتاب، من إيثار جزل الألفاظ ms090 وصحيح المعاني ~~من غير التفات إلى الأسجاع التي أحدثها متأخرو الكتاب، اللهم إلا ما جاء في ~~رسائله من PageV01P123 # ذلك عفوا من غير استدعاء. رأيت له عن المعتمد رسائل تدل على ما وصفته به، ~~ليس على خاطري منها شيء. # وزارة ابن عبدون* # ثم كتب له، أو لابنه، بعد أبي بكر هذا -الوزير الأجل أبو محمد عبد المجيد ~~بن عبدون. قد تقدم من نعته ما أغنانا عن تكراره ههنا. وكان يكتب قبل من كتب ~~له منهما، للأمير سير بن أبي بكر بن تاشفين، وهو الذي دخل على المعتمد على ~~الله إشبيلية، فلم يزل يكتب له إلى أن اتصل بأمير المسلمين، باستدعاء منه ~~له. # فمن رسائله عنه إلى أمير المسلمين، رسالة يخبر بها بفتح مدينة شنترين1 ~~أعادها الله؛ وكان سير هذا هو الذي تولى فتحها؛ فكتب عنه أبو محمد كتابا: # أدام الله أمر أمير المسلمين، وناصر الدين، أبي الحسن علي بن يوسف بن ~~تاشفين، خافقة بنصرة الدين أعلامه، نافذة في السبعة الأقاليم أقلامه، من ~~داخل مدينة شنترين، وقد فتحها الله تعالى بحسن سيرتك، ويمن نقيبتك2 على ~~المسلمين. # والحمد لله رب العالمين، حمدا يستغرق الألفاظ الشارحة معناه، ويسبق ~~الألحاظ الطامحة أدناه، لا يرد وجهه نكوص3، ولا يحد كنهه4 تخصيص، ولا ~~يحزره5 بقبض ولا ببسط مثال ولا تخمين، ولا تحصره بخبط ولا بعقد شمال ولا ~~يمين، ولا يسعه أمد يحويه، ولا يقطعه أبد يستوفيه، ولا يجمعه عدد يحصيه، ~~إذا سبقت هواديه6، لحقت تواليه. # وعلى محمد عبده وأمين وحيه، الصادع بأمره ونهيه، نظام الأمة، وإمام ~~الأئمة، سر آدم من بنيه، وفخر العالم ومن فيه -صلاة تامة نقضيها، وتحية ~~عامة نؤديها، ترفض7 ارفضاض الزهر من كمامه، وتنفض8 انفضاض المسك من ختامه؛ ~~PageV01P124 # فلقد صدع بتوحيده، وجمع على وعده ووعيده، وأوضح الحق وجلاه، ونصح الخلق ~~وهداه، إلا من حقت عليه كلمة العذاب، وسبقت له الشقوة في أم الكتاب. # وأظهر العزيز -عزت أسماؤه، وجلت كبرياؤه- دينه على جميع الأديان، على رغم ~~من الصلبان، ووقم1 من الأوثان؛ وأنجز لنا تعالى وعده، ونصرنا ms091 معه -صلى الله ~~عليه وسلم- وبعده، وجمع في هذه الجزيرة شمل الإسلام بعد انصرامه وانبتاته2، ~~وقطع غيل3 الإشراك بعد انتصابه وثباته، وأنزل الذين كفروا من أهل الكتاب ~~بأيدينا من صياصيهم4، نأخذ بأقدامهم ونواصيهم. # وكانت قلعة شنترين -أدام الله أمر أمير المسلمين- من أحصن المعاقل ~~للمشركين، وأثبت المعاقل على المسلمين؛ فلم نزل بسعيك الذي اقتفيناه، وهديك ~~الذي اكتفيناه، نخضد5 شوكتها، وننحت أثلتها6، ونتناولها عللا بعد نهل7، ~~ونطاولها عجلا في مهل؛ نخرف8 الحين بعد الحين سراة رجالها، ونتطرف9 المرة ~~بعد المرة حماة أبطالها، ونخوض غمار كفاحهم، وبحار صفاحهم10، إلى بسط ~~أشباحهم، وقبض أرواحهم، ونهدي للقنا وصدورها رءوسهم، وإلى لظى وسعيرها ~~نفوسهم، وننقلهم من الشفار اليمانية، إلى النار الحامية، ونرفع بالجد ~~والتشمير حجاب كيدهم الغامض، ونضعضع باستخارة القديم القدير هضاب أيدهم ~~الهائض11. ولما رأينا هذه القلعة الشريفة المناسب في القلاع، المنيفة12 ~~المناصب على البقاع، قد استشرى داؤها، وأعيا دواؤها، استخرنا الله تعالى ~~على صمدها13، وضرعنا إليه في تسهيل قصدها؛ وسألناه ألا يكلنا إلى نفوسنا، ~~وإن كانت في صيانة PageV01P125 # ديانته مبذولة، وعلى المكروه والمحبوب في ذاته محمولة؛ فقصدنا إليها، ~~وهجمنا هجوم الردى عليها، في وقت انسدت فيه أبواب السبل، وأعيت أهلها بحول ~~الله وجوه الحيل، والدهر قد كشر عن أنيابه العصل1، وقام من الوحول والسيول ~~على أثبت رجل. فنزلنا بساحة القوم، فساء صباحهم ذلك اليوم؛ فلم نزل ~~نصاولهم2 مصاولة المحتسب المؤتجر، ونطاولهم مطاولة المرتقب لأمر الله ~~المنتظر، ونشن الغارات على جميع الجهات، فترد جيوشنا عليهم خفافا وتصدر ~~إلينا ثقالا، فتملأ صدور الأعداء أوجالا3، وأيدي الأولياء أموالا. وأمرنا ~~بإقامة سوق سبيهم وأموالهم، على مرأى ومسمع من نسائهم ورجالهم؛ فازدادت ~~ريحهم بذلك ركودا، ونارهم خمودا. # ولما ضمهم لضيق ولاجه الحصار، وغشيهم بتفريق أمواجه البوار4، وأحاط بهم ~~البلاء، واستشاط عليهم بغضب الجبار القضاء، ولم يكن لليل بأسائهم سحر ~~يتأمل، ولا لورد ضرائهم صدر يؤمل، اختاروا الدنية على المنية، ورضوا ~~بالاستسلام للعبودية، وإسلام الأهل والذرية، والسلامة من مدارج الكفن، ~~وموالج الجنن، ولو بجريعة الذقن. وكان القتل -كما قدمنا- قد أتى على ms092 صيد5 ~~أعيانهم، وصناديد6 فرسانهم، فلم تبق إلا شرذمة7 قليلة، وعصبة ذليلة، لا تضر ~~حياتهم موحدا، ولا تسر نجاتهم ملحدا. نقلناهم من يمين المنون، إلى شمال ~~الهون8، ومن أليم الحصار، إلى لئيم الإسار. وكانوا سألونا الإبقاء عليهم ~~فأجبناهم، بعد أن قدموا من الخضوع صدقة بين يدي نجواهم، ووهبنا أولاهم ~~لأخراهم، وجعلنا العفو عنهم تطريقا لسواهم، ممن يتقيل صنيعهم إذا نحن غدا ~~بإذن الله حاصرناهم. # وهذه القلعة التي انتهينا إلى قرارها، واستولينا على أقطارها، أرحب المدن ~~أمدا للعيون، وأخصبها بلدا في السنين، لا يريمها9 الخصب ولا يتخطاها، ولا ~~PageV01P126 # يرومها الجدب ولا يتعاطاها؛ فروعها فوق الثريا شامخة، وعروقها تحت الثرى ~~راسخة، تباهي بأزهارها نجوم السماء، وتناجي بأسرارها أذن الجوزاء، مواقع ~~القطار1 في سواها مغبرة مربدة2، وهي زاهرة ترف أنداؤها، ومطالع الأنوار في ~~حشاها مقشعرة مسودة، وهي ناضرة تشف أضواؤها. وكانت في الزمن الغابر، أعيت ~~على عظيم القياصر، فنازلها بأكثر من القطر عددا، وحاولها بأوفر من البحر ~~مددا، فأبت على طاعته كل الإباء، واستعصت على استطاعته أشد الاستعصاء، ~~ومردت مرود3 مارد على الزباء4. فأمكننا الله تعالى من ذروتها، وأنزل ركابها ~~لنا عن صهوتها. # ومن رسائله -الإخوانيات- رسالة كتب بها إلى أبي عبد الله محمد بن أبي ~~الخصال5 يخطب مودته، ويستدعي من إخائه جدته: # أنا مع عمادي الأعظم -أدام الله علوه- كعزيب6 طواه الجهد، وآواه من تهامة ~~وهد7، وما له بريحها العقيم، ولا بحرها المقعد المقيم عهد. فرفضت به من ~~سرابها المغرق وشرابها المحرق في حمام، فأشرف من ذلك الجحيم وضرمه، لولا ~~تنفيس الرحيم عنه بكرمه, فوأل8 إلى ربوة من رباها، وسأل جبال فاران عن مهب ~~صباها؛ ليلتقط من أنفاسها بوساطة نجد، بردا يهديه إلى حر الوجد؛ فحيته ~~ببليل من نسيمها العليل، فأحيته بعد التعليل. # وأنا ما قصدت فيما خطبت به إليك لآخذ عليك بفضل الابتداء، وإنما سلكت ~~سبيل الاقتداء، واتبعت دليل الاهتداء؛ وأردت أن أستنير بأضوائك، وأستثير من ~~سمائك، نجوما تهديني في غسق الظلام، أو رجوما تعديني على مسترق سمع الكلام. ~~فإن سمح عمادي بالجواب ورجعه، ms093 غالبت -بما حصل منه لدي ووصل إلي- الحمام ~~PageV01P127 # في سجعه1، والأنصار في حسانها2، والإعصار3 في نيسانها، وطيئا في وليدها ~~وحبيبها4، وسعدا في خالدها وشبيبها. وخرقت -بما أعار من مراح وأثار من ~~ارتياح- جيب مخارق5 طربا، ولم أدع لأبي العتاهية6 في المغرب وخفيفه المطرب ~~أربا، وطويت كشحا7 عن أغاريد عبيد8، وأضربت صفحا عن أناشيد لبيد9، وطالبت ~~بلغاء العصر، بالمثل المضروب في جمل مصر، وقلت: هذه القارة فراموها ~~وأنصفوا، وهذه الغاية فروموها أو نصفوا، وإن كانت تؤمه البواهر منا أنحلت ~~في درجي10، ونجومه الزواهر ما حلت في برجي. وإن كفي من جنى ثماره لصفر11، ~~وإن طرفي من سنا أقمارها لقفر. وإني بضنه علي بدرة من بحره، أو نفثة من ~~سحره، لبين ظنين، لم أحصل من تحقيقهما على أثر ولا عين، أحدهما قلت: إنه ~~أجرى اسمي على خلده، فلم يجدني في أنداده12 ولا بلده، فقال: وما أنا وفلان، ~~وهل هو إلا من الغرب، وإن كان بزعمه في الصميم من العرب، وهل الغرب في ~~الأقطار، إلا كاللحق13 بين الأسطار. والآخر ربما يقول، ما لا تقبله العقول: ~~إني لأنظر من فلان PageV01P128 # بأحد من نظر الزرقاء1، إلى أجل من خطر العنقاء،؛ وينشد قول أبي العلاء بن ~~سليمان2، شاعر معرة النعمان: # أرى العنقاء تكبر أن تصادا # وأنا أقسم بالربيع الممطر وائتلاف أوانه، والبقيع المزهر واختلاف ألوانه، ~~والشباب ودولته، والمضراب وصولته، والمثاني إذا نسقت3، والقناني وما وسقت4، ~~وإن أقسمت من بعضها بيمين، لا أتلقى رايتها بشمال ولا يمين -أن اسمي في ~~البلغاء والفهماء، كاسم العنقاء في الأسماء: اسم ما وقع على مسمى، ولفظ ما ~~دل على معنى. فأين أقع مما تريد، وكتابى بين يدي حمدي أو عتابي بريد، ينفض ~~تهائم ظنوني، أو ينقض تمائم جنوني. وله الرأي العالي في الجواب، على خطإ ~~كنت من ظني أو صواب، إن شاء الله -عز وجل-. # ومن سلامي، علي عمادي الأعظم وإمامي، أحفله وأحفده5، وأجزله وأوفده؛ ~~والسلام الأتم الأعم عليه ورحمة الله وبركاته. # فراجعه الوزير أبو عبد الله برسالة لم يكتب مثلها في بابها، ms094 أبدع فيها ~~غاية الإبداع، وإن كان فيها بعض تكلف، تسمى هذه الرسالة: الحولية, منعني من ~~إيرادها في هذا المرسوم ما فيها من الطول. # ولأبي محمد عبد المجيد المذكور إحسان قد اشتهر عندنا بتلك الأقطار شهرة ~~الأمثال، وسار ذكره فيها سير الجنوب والشمال. # واتصلت حال أمير المسلمين يوسف -كما ذكرنا- في إيثار الغزو، وقمع6 ملوك ~~الروم، والحرص على ما يعود بالمصلحة على جزيرة الأندلس، إلى أن توفي في ~~شهور سنة 493. PageV01P129 ### | ولاية أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين # وقام بأمره من بعده ابنه علي بن يوسف بن تاشفين، وتلقب بلقب أبيه أمير ~~المسلمين, وسمى أصحابه المرابطين, فجرى على سنن أبيه في إيثار الجهاد, ~~وإخافة العدو، وحماية البلاد. وكان حسن السيرة، جيد الطوية1، نزيه النفس، ~~بعيدا عن الظلم؛ كان إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين2 أقرب منه إلى أن يعد ~~في الملوك والمتغلبين. واشتد إيثاره لأهل الفقه والدين، وكان لا يقطع أمرا ~~في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء؛ فكان إذا ولى أحدا من قضاته كان فيما ~~يعهد إليه ألا يقطع أمرا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا ~~بمحضر أربعة من الفقهاء. فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله ~~في الصدر الأول من فتح الأندلس. # ولم يزل الفقهاء على ذلك، وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكامهم صغيرها ~~وكبيرها موقوفة عليهم، طول مدته، فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا. وانصرفت وجوه ~~الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم، وفي ذلك يقول أبو جعفر ~~أحمد بن محمد المعروف بابن البني، من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس: من ~~الكامل # أهل الرياء لبستمو ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم3 # فملكتمو الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتمو الأموال بابن القاسم4 # وركبتمو شهب الدواب بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم5 # وإنما عرض أبو جعفر هذا في هذه الأبيات بالقاضي أبي عبد الله محمد بن ~~PageV01P130 # حمدين قاضي قرطبة، وهو كان المقصود بهذه الأبيات؛ ثم هجاه بعد هذا صريحا ~~بأبيات أولها: من المتقارب # أدجال, هذا أوان الخروج ... ويا شمس ms095 لوحي من المغرب1 # يريد ابن حمدين أن يعتفي ... وجدواه أنأى من الكوكب2 # إذا سئل العرف حك استه ... ليثبت دعواه في تغلب3 # في أمثال لهذه الأبيات. وكان القاضي أبو عبد الله بن حمدين ينتسب إلى ~~تغلب ابنة وائل. # ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم علم الفروع، أعني: ~~فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما ~~سواها. وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله, وحديث رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-, فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء. ~~ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام. ~~وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم ~~من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين، وربما أدى أكثره إلى اختلاف في ~~العقائد، في أشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله، ~~فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، ~~وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه. ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي4 -رحمه ~~الله- المغرب، أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد -من سفك ~~الدم واستئصال المال- إلى من وجد عنده شيء منها؛ واشتد الأمر في ذلك. ~~PageV01P131 # أعيان الكتاب في عهد أبي الحسن # ولم يزل أمير المسلمين من أول إمارته يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة ~~الأندلس، وصرف عنايته إلى ذلك؛ حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك، كأبي ~~القاسم بن الجد1 المعروف ب الأحدب، أحد رجال البلاغة، وأبي بكر محمد بن ~~محمد المعروف بابن القبطرنة، وأبي عبد الله بن أبي الخصال، وأخيه أبي ~~مروان، وأبي محمد عبد المجيد بن عبدون المذكور آنفا؛ في جماعة يكثر ذكرهم. # وكان من أنبههم عنده، وأكبرهم مكانة لديه: أبو عبد الله محمد بن أبي ~~الخصال، وحق له ذلك؛ إذ هو آخر الكتاب، وأحد من انتهى إليه علم الآداب، وله ~~مع ذلك في علم ms096 القرآن والحديث والأثر وما يتعلق بهذه العلوم الباع الأرحب، ~~واليد الطولى. # فمما أختار له -رحمه الله-, فصول من رسالة كتب بها مراجعا لبعض إخوانه، ~~عن رسالة وردت عليه منه يستدعي فيها منه شيئا من كلامه؛ وهذا الرجل صاحب ~~الرسالة هو أبو الحسن علي بن بسام2 صاحب كتاب الذخيرة: # وصل من السيد المسترق، والمالك المستحق -وصل الله إنعامه لديه، كما قصر ~~الفضل عليه- كتابه البليغ، واستدراجه المريع؛ فلولا أن يصلد3 زند اقتداحه، ~~ويرقد طرف افتتاحه، وتنقبض يد انبساطه، وتغبن4 صفقة اغتباطه -للزمت معه ~~مركز قدري، وصلت سريرة صدري؛ لكنه بنفثات سحره يسمع الصم، ويستنزل العصم5، ~~ويقتاد الصعب فيصحب، ويستدر الصخور فتحلب. # ولما فجأني ابتداؤه، وقرع سمعي نداؤه، فرغت إلى الفكر، وخفق القلب بين ~~الأمن والحذر، فطاردت من الفقر أوابد قفر؛ وشوارد عفر6، تغبر في وجه ~~سائقها، PageV01P132 # ولا يتوجه اللحاق لوجيهها ولا حقها؛ فعلمت أنها الإهابة والمهابة1، ~~والإصابة والاسترابة2، حتى أيأستني الخواطر، وأخلفتني المواطر؛ إلا زبرجا3 ~~يعقب جوادا، وبهرجا4 لا يحتمل انتقادا؛ وأنى لمثلي والقريحة مرجاة، ~~والبضاعة مزجاة5 -ببراعة الخطاب، وبزاعة6 الكتاب. ولولا دروس7 معالم ~~البيان، واستيلاء العفاء8 على هذا الشأن، لما فاز لمثلي فيه قدح، ولا تحصل ~~لي في سوقه ربح؛ لكنه جو خال، ومضمار جهال؛ وهي حكمة الله في الخلق، وقسمته ~~للرزق. وأنا -أعزك الله- أربأ بقدر الذخيرة، عن هذه النتف الأخيرة، وأرى ~~أنها قد بلغت مداها، واستوفت حلاها؛ وأنا أخشى القدح في اختيارك، والإخلال ~~بمختارك. وعلى ذلك فوالله ما من عادتي أني أثبت ما أكتب في رسم ينقل، ولا ~~في وضع المراتب عندنا مخاطب يتحفز له ويحتفل؛ وإنما هو عفو فكر، ويسير ذكر. # وعذرا -أعزك الله- فإني خططت ما خططته والنوم مغازل، والقر9 منازل، ~~والريح تلعب بالسراج، وتصول عليه صولة الحجاج10، فطورا تسدده سنانا، وتارة ~~تحركه لسانا؛ وآونة تطويه حبابة، وأخرى تنشره ذؤابة. وتقيمه إبرة لهب، ~~وتعطفه برة ذهب11، أو حمة12 عقرب. وتقوسه حاجب فتاة، ذات غمزات، وتسلطه على ~~سليطه، وتزيله عن خليطه؛ وتخلعه نجما، وتمده رجما، وتسل روحه من ذباله، ~~PageV01P133 # وتعيده ms097 إلى حاله. وربما نصبته أذن جواد، ومسخته حدق جراد، ومشقته حروفا ~~برق، بكف ودق. ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله. فلا حظ منه ~~للعين، ولا هداية في الطرس لليدين؛ والليل زنجي الأديم1، تبري النجوم؛ قد ~~جللنا ساجه2، وأغرقتنا أمواجه؛ فلا مجال للحظ، ولا تعارف إلا بلفظ. لو نظرت ~~فيه الزرقاء لاكتحلت، أو خضبت به الشيبة لما نصلت3؛ والكلب قد صافح خيشومه ~~ذنبه، وأنكر البيت وطنبه4، والتوى التواء الحباب5، واستدار استدارة ~~الحباب6. وجلده الجليد، وصعد أنفاسه الصعيد؛ فحماه مباح، ولا هرير7 ولا ~~نباح. والنار كالرحيق، أو كالصديق. كلاهما عنقاء مغرب، أو نجم مغرب. استوى ~~الفصل، ولك في الإغضاء الفضل؛ والسلام. # ولأبي عبد الله هذا ديوان رسائل يدور بأيدي أدباء أهل الأندلس، قد جعلوه ~~مثالا يحتذونه، ونصبوه إماما يقتفونه؛ منعني من إيراد ما أختار له من ذلك، ~~خوف الخروج إلى التطويل الممل، والإكثار المخل. # فلم يزل أبو عبد الله هذا وأخوه كاتبين لأمير المسلمين، إلى أن أخر أمير ~~المسلمين أبا مروان عن الكتابة، لموجدة كانت منه عليه؛ سببها أنه أمره ~~وأخاه أبا عبد الله أن يكتب عنه إلى جند بلنسية، حين تخاذلوا وتواكلوا حتى ~~هزمهم ابن رذمير -لعنه الله- هزيمة قبيحة، وقتل منهم مقتلة عظيمة؛ فكتب أبو ~~عبد الله رسالته المشهورة في ذلك؛ وهي رسالة كاد أهل الأندلس قاطبة أن ~~يحفظوها، أحسن فيها ما شاء، منعني من إيرادها ما فيها من الطول. وكتب أبو ~~مروان رسالة في ذلك الغرض، أفحش فيها على المرابطين وأغلظ لهم في القول ~~أكثر من الحاجة؛ فمن فصولها قوله: أي بني اللئيمة، وأعيار الهزيمة، إلام ~~يزيفكم الناقد، ويردكم الفارس الواحد؟ فليت لكم بارتباط الخيول ضأنا لها ~~حالب قاعد. لقد آن أن نوسعكم عقابا، وألا تلوثوا8 PageV01P134 # على وجه نقابا1، وأن نعيدكم إلى صحرائكم، ونظهر الجزيرة من رحضائكم ... ~~2. # في أمثال لهذا القول؛ فأحنق ذلك أمير المسلمين وأخره عن كتابته، وقال ~~لأبي عبد الله أخيه: كنا في شك من بغض أبي مروان للمرابطين، والآن قد صح ~~عندنا. فلما رأى ذلك أبو ms098 عبد الله استعفاه فأعفاه، ورجع إلى قرطبة بعدما ~~مات أخوه أبو مروان بمراكش. وأقام هو بقرطبة إلى أن استشهد في داره -رحمه ~~الله- أول الفتنة الكائنة على المرابطين. PageV01P135 ### | اختلال أحوال المرابطين # واختلت حال أمير المسلمين -رحمه الله- بعد الخمسمائة اختلالا شديدا، ~~فظهرت في بلاده مناكر3 كثيرة؛ وذلك لاستيلاء أكابر المرابطين على البلاد، ~~ودعواهم الاستبداد؛ وانتهوا في ذلك إلى التصريح؛ فصار كل منهم يصرح بأنه ~~خير من علي أمير المسلمين، وأحق بالأمر منه!. # واستولى النساء على الأحوال، وأسندت إليهن الأمور، وصارت كل امرأة من ~~أكابر لمتونة ومسوفة مشتملة على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر ~~وماخور4؛ وأمير المسلمين في ذلك كله يتزيد تغافله، ويقوى ضعفه؛ وقنع باسم ~~إمرة المسلمين، وبما يرفع إليه من الخراج؛ وعكف على العبادة والتبتل؛ فكان ~~يقوم الليل ويصوم النهار، مشتهرا عن ذلك؛ وأهمل أمور الرعية غاية الإهمال؛ ~~فاختل لذلك عليه كثير من بلاد الأندلس، وكادت تعود إلى حالها الأول، لا ~~سيما منذ قامت دعوة ابن تومرت بالسوس. PageV01P135 ### | ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي* وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس # ولما كانت سنة 515 قام بسوس محمد بن عبد الله بن تومرت في صورة آمر ~~بالمعروف, ناه عن المنكر. # ومحمد هذا رجل من أهل سوس، مولده بها بضيعة منها تعرف ب إيجلي أن وارغن، ~~وهو من قبيلة تسمى هرغة، من قوم يعرفون ب إيسرغينن، وهم الشرفاء بلسان ~~المصامدة، ولمحمد بن تومرت نسبة متصلة بالحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~وجدت بخطه1. وكان قد رحل إلى المشرق في شهور سنة 501 2 في طلب العلم، ~~وانتهى إلى بغداد، ولقي أبا بكر الشاشي3، فأخذ عليه شيئا من أصول الفقه ~~وأصول الدين، وسمع الحديث على المبارك بن عبد الجبار4 ونظرائه من المحدثين. ~~وقيل: إنه لقي أبا حامد الغزالي بالشام أيام تزهده، فالله أعلم. # وحكي أنه ذكر للغزالي ما فعل أمير المسلمين بكتبه التي وصلت إلى المغرب، ~~من إحراقها وإفسادها، وابن تومرت حاضر ذلك المجلس، فقال الغزالي حين بلغه ~~ذلك: ليذهبن ms099 عن قليل ملكه، وليقتلن ولده، وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرا ~~مجلسنا! وكان ابن تومرت يحدث نفسه بالقيام عليهم؛ فقوي طمعه. PageV01P136 # وكر راجعا إلى الإسكندرية، فأقام بها يختلف إلى مجلس أبي بكر الطرطوشي ~~الفقيه1. وجرت له بها وقائع في معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أفضت ~~إلى أن نفاه متولي الإسكندرية عن البلاد؛ فركب البحر؛ فبلغني أنه استمر على ~~عادته في السفينة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن ألقاه أهل ~~السفينة في البحر. فأقام أكثر من نصف يوم يجري في ماء السفينة لم يصبه شيء. ~~فلما رأوا ذلك من أمره أنزلوا إليه من أخذه من البحر، وعظم في صدورهم، ولم ~~يزالوا مكرمين له إلى أن نزل من بلاد المغرب بجاية, فأظهر بها تدريس العلم ~~والوعظ، واجتمع عليه الناس، ومالت إليه القلوب، فأمره صاحب بجاية بالخروج ~~عنها حين خاف عاديته، فخرج منها متوجها إلى المغرب. فنزل بضيعة يقال لها ~~ملالة، على فرسخ من بجاية؛ وبها لقيه عبد المؤمن بن علي، وهو إذ ذاك متوجه ~~إلى المشرق في طلب العلم؛ فلما رآه محمد بن تومرت، عرفه بالعلامات التي ~~كانت عنده. وكان ابن تومرت هذا أوحد عصره في علم خط الرمل، مع أنه وقع ~~بالمشرق على ملاحم من عمل المنجمين وجفور2 من بعض خزائن خلفاء بني العباس؛ ~~أوصله إلى ذلك كله فرط اعتنائه بهذا الشأن, وما كان يحدث به نفسه. # وبلغني من طرق صحاح أنه لما نزل ملالة -الضيعة التي تقدم ذكرها- سمع وهو ~~يقول: ملالة! ملالة! يكررها على لسانه يتأمل أحرفها؛ وذلك لما كان يراه أن ~~أمره يقوم من موضع في اسمه ميم ولامان؛ فكان -كما ذكرنا- إذا كررها يقول: ~~ليست هي!. # وأقام بهذه الضيعة أشهرا، وبها مسجد يعرف به، وهو باق إلى اليوم، لا أدري ~~أبني على عهده أو بعده. # ... فاستدعى عبد المؤمن وخلا به، وسأله عن اسمه واسم أبيه ونسبه، فتسمى ~~له وانتسب. وسأله عن مقصده فأخبره أنه راحل في طلب العلم إلى المشرق. فقال ~~له ابن تومرت: أوخير من ms100 ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: شرف الدنيا والآخرة؛ تصحبني ~~وتعينني على ما أنا بصدده، من إماتة المنكر وإحياء العلم وإخماد البدع. ~~فأجابه عبد المؤمن إلى ما أراده. PageV01P137 # وأقام ابن تومرت بملالة أشهرا، ثم رحل عنها، وصحبه من أهلها رجل اسمه عبد ~~الواحد، يعرفه المصامدة بعبد الواحد الشرقي، وهو أول من صحبه بعد عبد ~~المؤمن؛ وخرج متوجها إلى المغرب. # وقيل: إنه إنما لقي عبد المؤمن بموضع يعرف ب فنزارة من بلاد متيجة، وعبد ~~المؤمن يعلم صبيان القرية المذكورة؛ فسأله ابن تومرت صحبته والقراءة عليه ~~وإعانته، بعد أن عرفه بالعلامات كما قد تقدم. # وبهذه القرية له حكاية طريفة؛ وذلك أنه رأى وهو بها في المنام كأنه يأكل ~~مع أمير المسلمين علي بن يوسف في صحفة1 واحدة؛ قال: ثم زاد أكلي على أكله ~~وأحسست من نفسي شرها إلى الطعام. ولم يزل ذلك بي إلى أن اختطفت الصحفة من ~~بين يديه وانفردت بها! فلما انتبه قص الرؤيا على رجل كان يقرأ عليه، اسمه ~~عبد المنعم بن عشير، يكنى أبا محمد، كان يقرأ عليه؛ فلما أتى على آخرها، ~~قال: يا بني، يا عبد المؤمن، هذه الرؤيا لا ينبغي أن تكون لك؛ إنما هي لرجل ~~ثائر، يثور على أمير المسلمين فيشاركه في بعض بلاده ثم يغلبه بعد ذلك عليها ~~كلها وينفرد بمملكتها!. # واتفق له فيها أيضا من العجائب التي تثبت في باب الكلم الموافقة للقدر، ~~أن رجلا من وجوه أصحاب الملك العزيز بن المنصور الصنهاجي صاحب بجاية ~~والقلعة، وجد عليه الملك العزيز، فاشتد خوفه، فهرب منه إلى هذه الضيعة التي ~~كان فيها عبد المؤمن، فكان معه بها يعلم الصبيان. وانتهت حال ذلك الرجل إلى ~~غاية الإقلال. ثم اتفق أن صاحبه رضي عنه، فبلغه ذلك، فسار إلى بجاية فدخل ~~عليه، فسأله: أين كنت في هذه الأيام؟ فأخبره بقصته، وكيف كان الصبيان ~~يحيونه بالكسر! فضحك وقال: الضيعة لك وما والاها! وأمر له بمال ومركب ~~وثياب، فخرج الرجل إلى الضيعة في خيل ورجال معه، وخرج إليه أهلها يتلقونه؛ ~~فأتى ms101 الصبيان عبد المؤمن وهو قاعد بفناء المسجد، فقالوا له: أتعرف من هذا ~~الذي اهتزت له هذه الأرض؟ قال: لا! قالوا: هو فلان صاحبك الذي كان يعلمنا ~~معك! فقال: إن كانت حالة فلان انتهت إلى هذا، فلا بد أن أكون أنا غدا أمير ~~المؤمنين! فكان الأمر كما قال، ووافقت كلمته القدر. # وخرج ابن تومرت -كما ذكرنا- متوجها إلى المغرب، حتى أتى مدينة تلمسان، ~~فأقام بمسجد بظاهرها يعرف ب العباد جاريا على عادته، وكان قد وضع له في ~~PageV01P138 # النفوس هيبة وفي الصدور عظمة، فلا يراه أحد إلا هابه، وعظم أمره؛ وكان ~~شديد الصمت كثير الانقباض؛ إذا انفصل عن مجلس العلم لا يكاد يتكلم بكلمة ~~... # أخبرني بعض أشياخ تلمسان عن رجل من الصالحين كان معتكفا معه بمسجد ~~العباد، أنه خرج عليهم ذات ليلة بعدما صلى العتمة، فنظر إليهم وقال: أين ~~فلان؟ لرجل كان يصحبهم؛ فأخبروه أنه مسجون، فقام من وقته ودعا برجل منهم ~~يمشي بين يديه، حتى أتى باب المدينة، فدق على البواب دقا عنيفا، واستفتح؛ ~~فأجابه البواب إلى الفتح بسرعة من غير تلكؤ ولا إبطاء، ولو استفتح أمير ~~البلد لتعذر ذلك عليه؛ ودخل حتى أتى السجن، فابتدر إليه السجانون والحرس ~~يتمسحون به، ونادى: يا فلان! باسم صاحبهم؛ فأجابه؛ فقال: اخرج! فخرج ~~والسجانون ينظرون إليه كأنما أفرغ عليهم الماء الحار، وخرج بصاحبه حتى أتى ~~المسجد. وكانت هذه عادته في كل ما يريد، لا يتعذر عليه مراد، ولا يمتنع ~~عليه مطلوب، قد سخرت له الرعية، وذللت له الجبابرة. # ولم يزل مقيما بتلمسان وكل من بها يعظمه من أمير ومأمور، إلى أن فصل عنها ~~بعد أن استمال وجوه أهلها وملك قلوبها؛ فخرج قاصدا مدينة فاس؛ فلما وصل ~~إليها أظهر ما كان يظهره، وتحدث فيما كان يتحدث فيه من العلم. وكان جل ما ~~يدعو إليه علم الاعتقاد على طريق الأشعرية1. وكان أهل المغرب -على ما ~~ذكرنا- ينافرون هذه العلوم، ويعادون من ظهرت عليه، شديدا أمرهم في ذلك؛ ~~فجمع والي المدينة الفقهاء وأحضره معهم، فجرت له مناظرة كان له ms102 الشفوف2 ~~فيها والظهور؛ لأنه وجد جوا خاليا، وألفى قوما صياما عن جميع العلوم ~~النظرية خلا علم الفروع. فلما سمع الفقهاء كلامه أشاروا على والي البلد ~~بإخراجه لئلا يفسد عقول العوام؛ فأمره والي البلد بالخروج؛ فخرج متوجها إلى ~~مراكش. # ابن تومرت في حضرة ابن تاشفين # وكتب بخبره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف؛ فلما دخلها أحضر بين يديه، ~~وجمع له الفقهاء للمناظرة؛ فلم يكن فيهم من يعرف ما يقول، حاشا رجل من أهل ~~الأندلس اسمه مالك بن وهيب3 كان قد شارك في جميع العلوم، إلا أنه كان لا ~~يظهر PageV01P139 # إلا ما ينفق في ذلك الزمان. وكانت لديه فنون من العلم، رأيت له كتابا ~~سماه قراضة الذهب، في ذكر لئام العرب, ضمنه لئام العرب في الجاهلية ~~والإسلام، وضم إلى ذلك ما يتعلق به من الآداب؛ فجاء الكتاب لا نظير له في ~~فنه؛ رأيته في خزانة بني عبد المؤمن. # ولمالك بن وهيب هذا تحقق بكثير من أجزاء الفلسفة؛ رأيت بخطه كتاب الثمرة ~~لبطليموس في الأحكام، وكتاب المجسطي في علم الهيئة، وعليه حواش بتقييده ~~أيام قراءته إياه على رجل من أهل قرطبة اسمه حمد الذهبي. # ولما سمع مالك هذا كلام محمد بن تومرت، استشعر حدة نفسه وذكاء خاطره ~~واتساع عبارته؛ فأشار على أمير المسلمين بقتله، وقال: هذا رجل مفسد لا تؤمن ~~غائلته ولا يسمع كلامه أحد إلا مال إليه، وإن وقع هذا في بلاد المصامدة ثار ~~علينا منه شر كثير! فتوقف أمير المسلمين في قتله، وأبى ذلك عليه دينه. وكان ~~رجلا صالحا مجاب الدعوة، يعد في قوام الليل وصوام النهار، إلا أنه كان ~~ضعيفا مستضعفا، ظهرت في آخر زمانه مناكر كثيرة وفواحش شنيعة، من استيلاء ~~النساء على الأحوال واستبدادهن بالأمور، وكان كل شرير من لص أو قاطع طريق ~~ينتسب إلى امرأة قد جعلها ملجأ له ووزرا على ما تقدم ... # ... فلما يئس مالك مما أراده من قتل ابن تومرت، أشار عليه بسجنه حتى ~~يموت؛ فقال أمير المسلمين: علام نأخذ رجلا من المسلمين نسجنه ولم يتعين ms103 لنا ~~عليه حق؟ وهل السجن إلا أخو القتل؟ ولكن نأمره أن يخرج عنا من البلد ~~وليتوجه حيث شاء!. # فخرج هو وأصحابه متوجها إلى سوس؛ فنزل بموضع منها يعرف ب تينمل. # بدء دعوة الموحدين # من هذا الموضع قامت دعوته، وبه قبره، ولما نزله اجتمع إليه وجوه ~~المصامدة، فشرع في تدريس العلم والدعاء إلى الخير، من غير أن يظهر إمرة ولا ~~طلبة ملك. وألف لهم عقيدة بلسانهم, وكان أفصح أهل زمانه في ذلك اللسان. ~~فلما فهموا معاني تلك العقيدة زاد تعظيمهم له، وأشربت قلوبهم محبته، ~~وأجسامهم طاعته. فلما استوثق منهم دعاهم إلى القيام معه أولا على صورة ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا غير، ونهاهم عن سفك الدماء ولم يأذن ~~لهم فيها, وأقاموا على ذلك مدة. وأمر رجالا منهم ممن استصلح عقولهم بنصب ~~الدعوة واستمالة رؤساء القبائل, وجعل يذكر المهدي ويشوق إليه، وجمع ~~الأحاديث التى جاءت فيه من المصنفات. فلما قرر # PageV01P140 # في نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته، ادعى ذلك لنفسه، وقال: أنا محمد بن ~~عبد الله ... ورفع نسبه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وصرح بدعوى العصمة ~~لنفسه، وأنه المهدي المعصوم. وروى في ذلك أحاديث كثيرة، حتى استقر عندهم ~~أنه المهدي، وبسط يده فبايعوه على ذلك، وقال: أبايعكم على ما بايع عليه ~~أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رسول الله. # ثم صنف لهم تصانيف في العلم، منها كتاب سماه: أعز ما يطلب، وعقائد في ~~أصول الدين، وكان على مذهب أبي الحسن الأشعري1 في أكثر المسائل، إلا في ~~إثبات الصفات، فإنه وافق المعتزلة في نفيها وفي مسائل قليلة غيرها. وكان ~~يبطن شيئا من التشيع، غير أنه لم يظهر منه إلى العامة شيء. # طبقات الموحدين # وصنف أصحابه طبقات؛ فجعل منهم العشرة، وهم المهاجرون الأولون الذين ~~أسرعوا إلى إجابته، وهم المسمون ب الجماعة, وجعل منهم الخمسين، وهم الطبقة ~~الثانية. وهذه الطبقات لا تجمعها قبيلة واحدة، بل هم من قبائل شتى، وكان ~~يسميهم المؤمنين، ويقول لهم: ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم. وأنتم ~~العصابة المعنيون ms104 بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تزال طائفة بالمغرب ~~ظاهرين على الحق, لا يضرهم من خذلهم, حتى يأتي أمر الله"، وأنتم الذين يفتح ~~الله بكم فارس والروم، ويقتل الدجال، ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى ابن ~~مريم، ولا يزال الأمر فيكم إلى قيام الساعة. هذا مع جزئيات كان يخبرهم بها ~~وقع أكثرها، وكان يقول: لو شئت أن أعد خلفاءكم خليفة خليفة ... # فزادت فتنة القوم به، وأظهروا له شدة الطاعة. # وقد نظم هذا الذي وصفناه من قول ابن تومرت في تخليد هذا الأمر، رجل من ~~أهل الجزائر -مدينة من أعمال بجاية- وفد على أمير المؤمنين أبي يعقوب وهو ~~بتينمل؛ فقام على قبر ابن تومرت بمحضر من الموحدين وأنشد قصيدة أولها: من ~~الطويل # سلام على قبر الإمام الممجد ... سلالة خير العالمين محمد PageV01P141 # ومشبهه في خلقه ثم في اسمه ... وفي اسم أبيه والقضاء المسدد1 # ومحيي علوم الدين بعد مماتها ... ومظهر أسرار الكتاب المسدد # أتتنا به البشرى بأن يملأ الدنا ... بقسط وعدل في الأنام مخلد2 # ويفتتح الأمصار شرقا ومغربا ... ويملك عربا من مغير ومنجد3 # فمن وصفه: أقنى وأجلى, وأنه ... علاماته خمس تبين لمهتدي:4 # زمان، واسم، والمكان، ونسبة ... وفعل له في عصمة وتأيد5 # ويلبث سبعا أو فتسعا يعيشها ... كذا جاء في نص من النقل مسند # فقد عاش تسعا مثل قول نبينا ... فذلكم المهدي بالله يهتدي # وتتبعه للنصر طائفة الهدى ... فأكرم بهم إخوان ذي الصدق أحمد # هي الثلة المذكور في الذكر أمرها ... وطائفة المهدي بالحق تهتدي6 # ويقدمها المنصور والناصر الذي ... له النصر حزب إذ يروح ويغتدي # هو المنتقى من قيس عيلان مفخرا ... ومن مرة أهل الجلال الموطد7 # خليفة مهدي الإله وسيفه ... ومن قد غدا بالعلم والحلم مرتدي # بهم يقمع الله الجبابرة الألى ... يصدون عن حكم من الحق مرشد8 # ويقطع أيام الجبابرة التي ... أبادت من الإسلام كل مشيد9 # فيغزون أعراب الجزيرة عنوة ... ويعرون منها فارسا وكأن قد10 # ويفتتحون الروم فتح غنيمة ... ويقتسمون المال بالترس عن يد PageV01P142 # ويغدون للدجال يغزونه ضحى ... يذيقونه حد الحسام المهند1 # ويقتله في باب لد وتنجلي ... شكوك ms105 أمالت قلب من لم يوحد2 # وينزل عيسى فيهم وأميرهم ... إمام فيدعوهم لمحراب مسجد # يصلي بهم ذاك الأمير صلاتهم ... بتقديم عيسى المصطفى عن تعمد # فيمسح بالكفين منه وجوههم ... ويخبرهم حقا بعز مجدد # وما إن يزال الأمر فيه وفيهم ... إلى آخر الدهر الطويل المسرمد3 # فأبلغ أمير المؤمنين تحية ... على النأي مني, والوداد المؤكد # عليه سلام الله ما ذر شارق ... وما صدر الوراد عن ورد مورد4 # وقد قيل: إن منشئ هذه القصيدة لم يحضر ذلك المشهد ولم ينشدها بنفسه؛ ~~منعته عن ذلك الكبرة وبعد الشقة؛ وإنما أرسل بها فأنشدت على قبر الإمام. ~~وكان عمله إياها وعبد المؤمن حي؛ فالله أعلم. وهي طويلة، هذا ما اخترت له ~~منها، ولم أوردها في هذا الموضع؛ لأنها من مختار الشعر، ولكن لموافقتها ~~الفصل الذي قبلها. # ولم تزل طاعة المصامدة لابن تومرت تكثر، وفتنتهم به تشتد، وتعظيمهم له ~~يتأكد، إلى أن بلغوا في ذلك إلى حد لو أمر أحدهم بقتل أبيه أو أخيه أو ابنه ~~لبادر إلى ذلك من غير إبطاء. وأعانهم على ذلك وهونه عليهم ما في طباعهم من ~~خفة سفك الدماء عليهم. وهذا أمر جبلت عليه فطرهم واقتضاه ميل إقليمهم. # حكى أبو عبيد البكري الأندلسي5 ثم القرطبي في كتابه الموسوم ب المسالك ~~والممالك عن رجال، قال: أهديث إلى الإسكندر فرس ببعض بلاد الغرب لم تلد ~~الخيل أسبق منها، لم يكن فيها عيب إلا أنها لم يسمع لها صهيل قط؛ فلما حل ~~الإسكندر في تطوافه بجبال درن، وهي بلاد المصامدة، وشربت تلك الفرس من ~~مياهها، صهلت صهلة اصطكت منها الجبال؛ فكتب الإسكندر إلى الحكيم يخبره ~~بذلك, فكتب إليه: إنها بلاد شر وقسوة، فعجل الخروج منها!. PageV01P143 # فهذه حال بلاد القوم. وأما خفة سفك الدماء عليهم فقد شهدت أنا منه أيام ~~كوني بسوس ما قضيت منه العجب. # PageV01P144 ### | الحرب بين المرابطين والموحدين # ولما كانت سنة 517 جهز جيشا عظيما من المصامدة جلهم من أهل تينمل، مع من ~~انضاف إليهم من أهل سوس، وقال لهم: اقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الذين ~~تسموا ms106 بالمرابطين، فادعوهم إلى إماتة المنكر، وإحياء المعروف، وإزالة ~~البدع، والإقرار بالإمام المهدي المعصوم؛ فإن أجابوكم فهم إخوانكم, لهم ما ~~لكم وعليهم ما عليكم، وإن لم يفعلوا فقاتلوهم، فقد أباحت لكم السنة قتالهم. # وأمر على الجيش عبد المؤمن بن علي، وقال: أنتم المؤمنون وهذا أميركم. ~~فاستحق عبد المؤمن من يومئذ اسم إمرة المؤمنين. # وخرجوا قاصدين مدينة مراكش، فلقيهم المرابطون قريبا منها بموضع يدعى ~~البحيرة، بجيش ضخم من سراة لمتونة، أميرهم الزبير بن علي بن يوسف بن ~~تاشفين، فلما تراءى الجمعان أرسل إليهم المصامدة يدعونهم إلى ما أمرهم به ~~ابن تومرت، فردوا عليهم أسوأ رد، وكتب عبد المؤمن إلى أمير المسلمين علي بن ~~يوسف بما عهد إليه محمد بن تومرت؛ فرد عليه أمير المسلمين يحذره عاقبة ~~مفارقة الجماعة، ويذكره الله في سفك الدماء وإثارة الفتنة. فلم يردع ذلك ~~عبد المؤمن، بل زاده طمعا في المرابطين، وحقق عنده ضعفهم. فالتقت الفئتان، ~~فانهزم المصامدة، وقتل منهم خلق كثير، ونجا عبد المؤمن في نفر من أصحابه. ~~فلما جاء الخبر لابن تومرت قال: أليس قد نجا عبد المؤمن؟ قالوا: بلى. قال: ~~لم يفقد أحد!. # ولما رجع القوم إلى ابن تومرت، جعل يهون عليهم أمر الهزيمة، ويقرر عندهم ~~أن قتلاءهم شهداء؛ لأنهم ذابون1 عن دين الله، مظهرون للسنة؛ فزادهم ذلك ~~بصيرة في أمرهم، وحرصا على لقاء عدوهم. ومن حينئذ جعل المصامدة يشنون ~~الغارات على نواحي مراكش، ويقطعون عنها مواد المعايش وموصول المرافق، ~~ويقتلون ويسبون، ولا يبقون على أحد ممن قدروا عليه. وكثر الداخلون في ~~طاعتهم والمنحاشون2 إليهم؛ وابن تومرت في ذلك كله يكثر التزهد والتقلل، ~~ويظهر التشبه بالصالحين، والتشدد في إقامة الحدود، جاريا في ذلك على السنة ~~الأولى. PageV01P144 # أخبرني من رآه -ممن أثق به- يضرب الناس على الخمر بالأكمام والنعال وعسب ~~النخل1، متشبها في ذلك بالصحابة. # ولقد أخبرني بعض من شهده وقد أتي برجل سكران، فأمر بحده، فقال رجل من ~~وجوه أصحابه يسمى يوسف بن سليمان: لو شددنا عليه حتى يخبرنا من أين شربها ~~لنحسم2 هذه العلة من ms107 أصلها..! فأعرض عنه. ثم أعاد عليه الحديث، فأعرض عنه. ~~فلما كان في الثالثة قال له: أرأيت لو قال لنا: شربتها في دار يوسف بن ~~سليمان، ما نحن صانعون؟ فاستحيا الرجل وسكت، ثم كشف على الأمر، فإذا عبيد ~~ذلك الرجل سقوه، فكان هذا من جملة ما زادهم به فتنة وتعظيما، إلى أشياء كان ~~يخبر بها فتقع كما يخبر. # ولم يزل كذلك وأحواله صالحة، وأصحابه ظاهرون، وأحوال المرابطين المذكورين ~~تختل، وانتقاض دولتهم يتزيد، إلى أن توفي ابن تومرت المذكور في شهور سنة ~~524 بعد أن أسس الأمور وأحكم التدبير ورسم لهم ما هم فاعلوه. PageV01P145 ### | ذكر ولاية عبد المؤمن # ثم قام بالأمر من بعده عبد المؤمن بن علي، وبايعه المصامدة، واتفقت على ~~تقديمه الجماعة. وكان الذين سعوا في تقديمه وهيئوا ذلك له ثلاثة، وهم من ~~أهل الجماعة: عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف عندهم بعمر أزناج، وعمر بن ~~ومزال -الذي كان اسمه قبل هذا فصكة، فسماه ابن تومرت عمر، يعرفونه بعمر ~~إينتي- وعبد الله بن سليمان، من أهل تينمل، من قبيلة يقال لها: مسكالة؛ ~~ووافقهم على ذلك سائر أهل الجماعة, وأهل خمسين، وباقي الموحدين. # وصية ابن تومرت # وذلك أن ابن تومرت قبل موته بأيام يسيرة، استدعى هؤلاء المسمين بالجماعة، ~~وأهل خمسين؛ وهم -كما ذكرنا- من قبائل مفترقة لا يجمعهم إلا اسم المصامدة؛ ~~فلما حضروا بين يديه قام وكان متكئا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ~~وصلى على محمد نبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ ثم أنشأ يترضى عن الخلفاء ~~الراشدين -رضوان الله عليهم-، ويذكر ما كانوا عليه من الثبات في دينهم، ~~والعزيمة في أمرهم، وأن أحدهم كان لا تأخذه في الله لومة لائم، وذكر من حد ~~عمر -رضي الله عنه- ابنه في الخمر، وتصميمه على الحق، في أشباه لهذه ~~الفصول، ثم قال: # ... فانقرضت هذه العصابة -نضر الله وجوهها، وشكر لها سعيها، وجزاها خيرا ~~عن أمة نبيها-وخبطت1 الناس فتنة تركت الحليم حيران، والعالم متجاهلا ~~مداهنا2؛ فلم ينتفع العلماء بعلمهم, بل قصدوا به الملوك، واجتلبوا به ~~الدنيا، وأمالوا ms108 وجوه الناس إليهم ... في أشباه لهذا القول، إلى هلم جرا. # ثم إن الله -سبحانه وله الحمد- من عليكم أيتها الطائفة بتأييده، وخصكم من ~~بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده، وقيض3 لكم من ألفاكم ضلالا لا تهتدون، ~~PageV01P146 # وعميا لا تبصرون، لا تعرفون معروفا، ولا تنكرون منكرا، قد فشت فيكم ~~البدع1، واستهوتكم الأباطيل، وزين لكم الشيطان أضاليل وترهات أنزه لساني عن ~~النطق بها، وأربأ2 بلفظي عن ذكرها؛ فهداكم الله به بعد الضلالة، وبصركم بعد ~~العمى، وجمعكم بعد الفرقة، وأعزكم بعد الذلة، ورفع عنكم سلطان هؤلاء ~~المارقين3، وسيورثكم أرضهم وديارهم؛ ذلك بما كسبته أيديهم، وأضمرته قلوبهم؛ ~~وما ربك بظلام للعبيد؛ فجددوا لله سبحانه خالص نياتكم، وأروه من الشكر قولا ~~وفعلا ما يزكي به سعيكم، ويتقبل أعمالكم، وينشر أمركم. واحذروا الفرقة ~~واختلاف الكلمة وشتات الآراء، وكونوا يدا واحدة على عدوكم؛ فإنكم إن فعلتم ~~ذلك هابكم الناس, وأسرعوا إلى طاعتكم, وكثر أتباعكم, وأظهر الله الحق على ~~أيديكم. وإلا تفعلوا شملكم الذل وعمكم الصغار4, واحتقرتكم العامة، ~~فتخطفتكم5 الخاصة. وعليكم في جميع أموركم بمزج الرأفة بالغلظة، واللين ~~بالعنف؛ واعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا على الذي صلح ~~عليه أمر أولها، وقد اخترنا لكم رجلا منكم، وجعلناه أميرا عليكم؛ هذا بعد ~~أن بلوناه6 في جميع أحواله، من ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه، واختبرنا ~~سريرته وعلانيته، فرأيناه في ذلك كله ثبتا في دينه، متبصرا في أمره، وإني ~~لأرجو ألا يخلف الظن فيه. وهذا المشار إليه هو عبد المؤمن؛ فاسمعوا له ~~وأطيعوا ما دام سامعا مطيعا لربه، فإن بدل أو نكص7 على عقبه أو ارتاب في ~~أمره، ففي الموحدين - أعزهم الله- بركة وخير كثير، والأمر أمر الله يقلده ~~من شاء من عباده. # فبايع القوم عبد المؤمن، ودعا لهم ابن تومرت، ومسح وجوههم وصدورهم واحدا ~~واحدا؛ فهذا سبب إمرة عبد المؤمن -رحمه الله-. ثم توفي ابن تومرت بعد عهده ~~بيسير، واجتمع أمر المصامدة على عبد المؤمن. PageV01P147 # فصل حياة عبد المؤمن* وأعماله وعماله # وعبد المؤمن هذا، هو عبد المؤمن بن ms109 علي بن علوي الكومي، أمه حرة كومية ~~أيضا، من قوم يقال لهم: بنو مجبر. مولده بضيعة من أعمال تلمسان تعرف ب ~~تاجرا؛ وقيل: إنه كان يقول إذا ذكر كومية: لست منهم، وإنما نحن لقيس عيلان ~~بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ولكومة علينا حق الولادة بينهم والمنشأ ~~فيهم، وهم الأخوال. وهكذا أدركت من أدركت من أولاده وأولاد أولاده ينتسبون ~~لقيس عيلان بن مضر، وبهذا استجاز الخطباء أن يقولوا إذا ذكروه بعد ابن ~~تومرت: قسيمه رضي الله عنه في النسب الكريم. # كان مولده في آخر سنة 487 في أيام يوسف بن تاشفين؛ وكانت وفاته في شهر ~~جمادى الآخرة سنة 558، ومدة ولايته من حين استوسق1 له الأمر بموت علي بن ~~يوسف أمير المسلمين -في سنة 37 على التحقيق- إحدى وعشرين سنة، إلى أن توفي ~~في التاريخ المذكور. # وكان أبيض ذا جسم عمم2 تعلوه حمرة، شديد سواد الشعر، معتدل القامة، وضيء ~~الوجه، جهوري الصوت3، فصيح الألفاظ، جزل المنطق4. وكان محببا إلى النفوس؛ ~~لا يراه أحد إلا أحبه بديهة. وبلغني أن ابن تومرت كان ينشد كلما رآه: من ~~البسيط # تكاملت فيك أخلاق خصصت بها ... فكلنا بك مسرور ومغتبط # فالسن ضاحكة، والكف مانحة ... والصدر منشرح، والوجه منبسط # أولاده # كان له من الولد ستة عشر ذكرا، وهم: محمد، وهو أكبر ولده وولي عهده، هو ~~الذي PageV01P148 # خلع، وعلي، وعمر، ويوسف، وعثمان، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحسن، ~~والحسين، وعبد الله، وعبد الرحمن، وعيسى، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب. # وزراؤه # وزر له في أول الأمر أبو حفص عمر أزناج، إلى أن استقر الأمر واستقل عبد ~~المؤمن؛ فأجلى أبا حفص هذا عن الوزارة وربأ1 بقدره عنها، إذ كان عندهم فوق ~~ذلك؛ واستوزر أبا جعفر أحمد بن عطية، فجمع بين الوزارة والكتابة، فهو معدود ~~في الكتاب والوزراء. فلم يزل عبد المؤمن يجمعهما له إلى أن افتتحوا بجاية، ~~فاستكتب عبد المؤمن من أهلها رجلا من نبهاء الكتاب يقال له أبو القاسم ~~القالمي -وسيأتي ذكره في كتابه- واستمرت وزارة أبي جعفر إلى أن قتله عبد ~~المؤمن ms110 في شهور سنة 553 واستصفى أمواله. ثم وزر له عبد السلام الكومي، وكان ~~يدعى المقرب؛ لشدة تقريب عبد المؤمن إياه، فاستمرت وزارة عبد السلام هذا ~~إلى أن أرسل إليه عبد المؤمن من قتله خنقا في شهور سنة 557. ثم وزر له ابنه ~~عمر إلى أن توفي عبد المؤمن. # كتابه # أبو جعفر أحمد بن عطية المذكور في الوزراء، كان قبل اتصاله بعبد المؤمن ~~وفي الدولة اللمتونية، يكتب لعلي بن يوسف في آخر أيامه. وكتب عن تاشفين بن ~~علي بن يوسف؛ فلما انقرض أمرهم هرب وغير هيئته وتشبه بالجند، وكان محسنا ~~للرمي، وكان في الجند الذين خرجوا إلى سوس لقتال ثائر قام هناك؛ كان الأمير ~~على هذا الجند أبو حفص عمر إينتي المتقدم الذكر في أهل الجماعة. فلما انهزم ~~أصحاب ذلك الثائر وقتل هو وانفضت تلك الجموع، طلب أبو حفص من يكتب عنه صورة ~~هذه الكائنة إلى الموحدين الذين بمراكش، فدل على أبي جعفر هذا ونبه على ~~مكانه، فاستدعاه، وكتب عنه إلى الموحدين رسالة في شرح الحال، أجاد في ~~أكثرها ما شاء، منعني من رسمها في هذا الموضع ما فيها من الطول؛ فلما بلغت ~~الرسالة عبد المؤمن استحسنها واستدعى أبا جعفر هذا واستكتبه، وزاده إلى ~~الكتابة الوزارة؛ لما رآه من شجاعة قلبه وحصافة عقله. فلم يزل وزيره كما ~~ذكرنا إلى أن قتله في التاريخ الذي ذكر. وكان سبب قتله -فيما بلغني- أنه ~~كانت عنده بنت أبي بكر بن يوسف بن تاشفين، التي تعرف ب بنت الصحراوية؛ ~~وأخوها يحيى فارس المرابطين المشهور عندهم، يعرف أيضا ب يحيى ابن ~~الصحراوية؛ فحظي يحيى هذا عند الموحدين، PageV01P149 # وقودوه على من وحد من لمتونة، ولم يزل وجيها عندهم, مكرما لديهم -وكان ~~خليقا بذلك- إلى أن نقلت عنه إلى عبد المؤمن أشياء كان يفعلها وأقوال كان ~~يقولها أحنقته عليه، فتحدث عبد المؤمن ببعض ذلك في مجلسه، وربما هم بالقبض ~~على يحيى هذا؛ فرأى الوزير أبو جعفر أن يجمع بين المصلحتين: من نصح أميره، ~~وتحذير صهره؛ فقال لامرأته أخت يحيى المذكور: قولي ms111 لأخيك يتحفظ، وإذا ~~دعوناه غدا فليعتل ويظهر المرض، وإن قدر على الهروب واللحاق بجزيرة ميورقة ~~فليفعل! فأخبرته أخته بذلك، فتمارض وأظهر أن ألما به، فزاره وجوه أصحابه ~~وسألوه عن علته، فأسر إلى بعضهم -ممن كان يثق به- ما بلغه عن الوزير. فخرج ~~ذلك الرجل الذي أسر إليه فنقل ذلك كله بجملته إلى رجل من ولد عبد المؤمن، ~~فكان هذا هو السبب الأكبر في قتل أبي جعفر المذكور. وأمر أمير المؤمنين عبد ~~المؤمن بتقييد يحيى المذكور وسجنه، فكان في سجنه إلى أن مات!. # ثم كتب له بعد أبي جعفر هذا: أبو القاسم عبد الرحمن القالمي، من أهل ~~مدينة بجاية، من ضيعة من أعمالها تعرف ب قالم، وكتب له معه أبو محمد عياش ~~بن عبد الملك بن عياش، من أهل مدينة قرطبة. # قضاته # أبو محمد عبد الله بن جبل، من أهل مدينة وهران من أعمال تلمسان. ثم عبد ~~الله بن عبد الرحمن المعروف بالمالقي، لم يزل قاضيا له إلى أن توفي عبد ~~المؤمن، وصدرا من خلافة أبي يعقوب. # رجع الحديث إلى أخبار عبد المؤمن # وكان عبد المؤمن مؤثرا لأهل العلم، محبا لهم، محسنا إليهم، يستدعيهم من ~~البلاد إلى الكون عنده والجوار بحضرته، ويجري عليهم الأرزاق الواسعة، ويظهر ~~التنويه بهم والإعظام لهم. وقسم الطلبة طائفتين: طلبة الموحدين، وطلبة ~~الحضر؛ هذا بعد أن تسمى المصامدة بالموحدين، لتسمية ابن تومرت لهم بذلك ~~لأجل خوضهم في علم الاعتقاد الذي لم يكن أحد من أهل ذلك الزمان في تلك ~~الجهة يخوض في شيء منه. # وكان عبد المؤمن في نفسه سري1 الهمة، نزيه النفس، شديد الملوكية، كأنه ~~كان ورثها كابرا عن كابر2، ولا يرضى إلا بمعالي الأمور. PageV01P150 # أخبرني الفقيه المتفنن أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي جعفر ~~الوزير، عن أبيه, عن جده الوزير أبي جعفر، قال: دخلت على عبد المؤمن وهو في ~~بستان له قد أينعت ثماره، وتفتحت أزهاره، وتجاوبت على أغصانها أطياره، ~~وتكامل من كل جهة حسنه؛ وهو قاعد في قبة مشرفة على البستان، فسلمت وجلست، ms112 ~~وجعلت أنظر يمنة وشأمة، متعجبا مما أرى من حسن ذلك البستان، فقال لي: يا ~~أبا جعفر، أراك كثير النظر إلى هذا البستان! قلت: يطيل الله بقاء أمير ~~المؤمنين، والله إن هذا لمنظر حسن! فقال: يا أبا جعفر، المنظر الحسن هذا؟ ~~قلت: نعم؛ فسكت عني، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة، أمر بعرض العسكر آخذي ~~أسلحتهم، وجلس في مكان مطل، وجعلت العسكر تمر عليه قبيلة بعد قبيلة وكتيبة ~~إثر كتيبة، لا تمر كتيبة إلا والتي بعدها أحسن منها؛ جودة سلاح، وفراهة1 ~~خيل، وظهور قوة؛ فلما رأى ذلك التفت إلي وقال: يا أبا جعفر، هذا هو المنظر ~~الحسن، لا ثمارك وأشجارك؟. # ولم يزل عبد المؤمن -بعد وفاة ابن تومرت- يطوي الممالك مملكة مملكة، ~~ويدوخ البلاد2، إلى أن ذلت له البلاد، وأطاعته العباد. # نهاية المرابطين وآخر من ولي الأمر منهم # وكان آخر ما استولي عليه من البلاد التي يملكها المرابطون، مدينة مراكش، ~~دار ملك أمير المسلمين وناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين؛ وهذا بعد وفاة ~~أمير المسلمين المذكور حتف أنفه في شهور سنة 537. وكان قد عهد في حياته إلى ~~ابنه تاشفين، فعاقته الفتنة عن تمام أمره، ولم يتفق له ما أمله من استقلال ~~ابنه تاشفين المذكور بشيء من الأمور. # وخرج تاشفين بعد وفاة أبيه قاصدا تلمسان، فلم يتفق له من أهلها ما يريد، ~~فقصد مدينة وهران -وهي على ثلاث مراحل من تلمسان- فحاصره الموحدون بها؛ ~~فلما اشتد عليه الحصار خرج راكبا فرسا شهباء، عليه سلاحه، فاقتحم البحر حتى ~~هلك. ويقال: إنهم أخرجوه من البحر وصلبوه ثم أحرقوه، فالله أعلم بصحة ذلك. # فكانت ولاية تاشفين هذا من يوم وفاة أبيه إلى أن قتل -كما ذكرنا- بمدينة ~~وهران، ثلاثة أعوام إلا شهرين. وكان قتله سنة 540, وكان طول هذه الولاية لا ~~يستقر به قرار ولا تستقيم له حال، تنبو به البلاد، وتتنكر له الرعية؛ فلم ~~تزل هذه حاله إلى أن كان من أمره ما ذكر. PageV01P151 # وبعد دخول عبد المؤمن -رحمه الله- مراكش، طلب قبر أمير المسلمين، وبحث ~~عنه عبد ms113 المؤمن أشد البحث؛ فأخفاه الله وستره بعد وفاته كما ستره في أيام ~~حياته؛ وتلك عادة الله الحسنى مع الصالحين المصلحين. # وانقطعت الدعوة بالمغرب لبني العباس بموت أمير المسلمين وابنه، فلم ~~يذكروا على منبر من منابرها إلى الآن، خلا أعوام يسيرة بإفريقية، كان قد ~~ملكها يحيى بن غانية1 الثائر من جزيرة ميورقة على ما سيأتي بيانه. # وكانت مدة المرابطين -من حين نزولهم رحبة مراكش إلى أن انقرض ملكهم جملة ~~واحدة بموت أمير المسلمين وابنه- نحوا من ست وسبعين سنة. # تغلب عبد المؤمن على بجاية وقلعة بني حماد # ولما دان لعبد المؤمن جميع أقطار المغرب الأقصى مما كان يملكه المرابطون ~~-على ما قدمنا- وأطاعه أهلها، جمع جموعا عظيمة وخرج من مراكش يقصد مملكة ~~يحيى بن العزيز بن المنصور بن المنتصر الصنهاجي، وكان يملك بجاية وأعمالها ~~إلى موضع يعرف ب سيوسيرات. وهذا الموضع هو الحد فيما بينه وبين لمتونة؛ ~~فقصده عبد المؤمن -كما ذكرنا- في شهور سنة 540، فحاصر عبد المؤمن بجاية ~~وضيق عليها أشد التضييق، فلما رأى يحيى بن العزيز أن لا طاقة له بدفاع ~~القوم ولا يدان بمنعهم، هرب في البحر حتى أتى مدينة بونة، وهي أول حد بلاد ~~إفريقية، ثم خرج منها حتى أتى قسطنطينة المغرب، فأرسل إليه عبد المؤمن ~~-رحمه الله- بالجيوش، فاستنزل وأتي به عبد المؤمن، هذا بعد أن عاهد عبد ~~المؤمن أن يؤمن يحيى في نفسه وأهله. # ودخل عبد المؤمن بجاية وملكها، وملك قلعة بني حماد، وهي معقل صنهاجة ~~الأعظم وحرزهم الأمنع، فيها نشأ ملكهم، ومنها انبعث أمرهم. # وكان يحيى هذا وأبوه العزيز وجداه المنصور والمنتصر، وجدهم الأكبر حماد ~~-من شيعة بني عبيد وأتباعهم والقائمين بدعوتهم؛ ومن بلادهم -أعني صنهاجة- ~~قامت دعوة بنى عبيد؛ وهم الذين أظهروها ونشروها ونصروها؛ فلم يزل ملك بني ~~حماد هؤلاء مستمرا، ودولتهم قائمة، وأمرهم نافذا، لا ينازعهم أحد شيئا مما ~~في أيديهم؛ إلى أن أخرجهم من ذلك كله وملكه بأسره وضمه إلى مملكته: أبو ~~محمد عبد المؤمن بن علي في التاريخ الذي تقدم!. PageV01P152 # ولما ملك عبد المؤمن بجاية ms114 والقلعة وأعمالها، رتب من الموحدين من يقوم ~~بحماية تلك البلاد والدفاع عنها؛ واستعمل عليها ابنه عبد الله؛ وكر راجعا ~~إلى مراكش ومعه وفي جنده يحيى بن العزيز ملك صنهاجة وأعيان دولته؛ فحين ~~وصلوا إلى مراكش أمر لهم بالمنازل المتسعة والمراكب النبيلة والكسى الفاخرة ~~والأموال الوافرة؛ وخص يحيى من ذلك بأجزله، وأسناه وأحفله؛ ونال يحيى هذا ~~عنده رتبة عالية وجاها ضخما، وأظهر عبد المؤمن عناية به لا مزيد عليها ... # بلغني من طرق عدة أن يحيى بن العزيز كان في مجلس عبد المؤمن يوما، فذكروا ~~تعذر الصرف؛ فقال يحيى: أما أنا فعلي من هذا كلفة شديدة، وعبيدي في كل يوم ~~يشكون إلي ما يلقون من ذلك، ويذكرون أن أكثر حوائجهم تتعذر لقلة الصرف ~~-وذلك أن عادتهم في بلاد المغرب أنهم يضربون أنصاف الدراهم وأرباعها ~~وأثمانها والخراريب، فيستريح الناس في هذا وتجري هذه الصروف في أيديهم ~~فتتسع بياعاتهم- فلما قام يحيى بن العزيز من ذلك المجلس، أتبعه عبد المؤمن ~~ثلاثة أكياس صروف كلها وقال لرسوله: قل له: لا يتعذر عليك مطلوب ما دمت ~~بحضرتنا -إن شاء الله عز وجل-!. # وأقام عبد المؤمن -رحمه الله- بمراكش، مرتبا للأمور المختصة بالمملكة؛ من ~~بناء دور، واتخاذ قصور، وإعداد سلاح، واستنزال مستعص، وتأمين سبل، وإحسان ~~إلى رعية، وما هذا سبيله. # PageV01P153 # فصل أحوال الأندلس بعد سقوط دولة المرابطين # فأما أحوال جزيرة الأندلس، فإنه لما كان آخر دولة أمير المسلمين أبي ~~الحسن علي بن يوسف، اختلت أحوالها اختلالا مفرطا، أوجب ذلك تخاذل المرابطين ~~وتواكلهم، وميلهم إلى الدعة، وإيثارهم الراحة، وطاعتهم النساء؛ فهانوا على ~~أهل الجزيرة، وقلوا في أعينهم، واجترأ عليهم العدو، واستولى النصارى على ~~كثير من الثغور المجاورة لبلادهم. وكان أيضا من أسباب ما ذكرناه من ~~اختلالها، قيام ابن تومرت بسوس، واشتغال علي بن يوسف به عن مراعاة أحوال ~~الجزيرة. # ولما رأى أعيان بلاد تلك الجزيرة ما ذكرناه من ضعف أحوال المرابطين، ~~أخرجوا من كان عندهم من الولاة، واستبد كل منهم بضبط بلده. وكادت الأندلس ~~تعود إلى سيرتها الأولى بعد انقطاع ms115 دولة بني أمية. فأما بلاد أفراغة ~~فاستولى عليها ملك أرغن -لعنه الله-، وملك مع ذلك سرقسطة -أعادها الله ~~للمسلمين- وكثيرا من أعمال تلك الجهات. # واتفق أمر أهل بلنسية ومرسية وجميع شرق الأندلس على تقديم رجل من أعيان ~~الجند اسمه عبد الرحمن بن عياض. وكان عبد الرحمن هذا من صلحاء أمة محمد ~~وخيارهم؛ بلغني عن غير واحد من أصحابه أنه كان مجاب الدعوة, من عجائب أمره ~~أنه كان أرق الناس قلبا وأسرعهم دمعة، فإذا ركب وأخذ سلاحه لا يقوم له أحد ~~ولا يستطيع لقاءه بطل؛ كان النصارى يعدونه وحده بمائة فارس، إذا رأوا رايته ~~قالوا: هذا ابن عياض! هذه مائة فارس! فحمى الله تلك الجهات ودفع عنها العدو ~~ببركة هذا الرجل الصالح. وانتشر له من الهيبة في صدور النصارى ما ردهم عن ~~البلاد. وأقام ابن عياض هذا بشرقي الأندلس يحفظ تلك البلاد ويذود عنها إلى ~~أن توفي، رحمه الله ونضر وجهه وشكر له سعيه. لا أتحقق تاريخ وفاته. # وقام بأمر تلك الجهات بعده رجل اسمه محمد بن سعد، المعروف عندهم ب ابن ~~مردنيش. كان محمد هذا خادما لابن عياض، يحمل له السلاح ويتصرف بين يديه في ~~حوائجه؛ فلما حضرته الوفاة اجتمع إليه الجند وأعيان البلاد فقالوا له: إلى # PageV01P154 # من تسند أمورنا وبمن تشير علينا؟ وكان له ولد، فأشاروا به عليه؛ فقال: ~~إنه لا يصلح؛ لأني سمعت أنه يشرب الخمر ويغفل عن الصلاة، فإن كان ولا بد ~~فقدموا عليكم هذا -وأشار إلى محمد بن سعد- فإنه ظاهر النجدة, كثير الغناء1، ~~ولعل الله أن ينفع به المسلمين!. # فاستمرت ولاية ابن سعد على البلاد إلى أن مات في شهور سنة 658. # وأما أهل المرية فأخرجوا من كان عندهم أيضا من المرابطين؛ واختلفوا فيمن ~~يقدمونه على أنفسهم؛ فندبوا إليها القائد أبا عبد الله بن ميمون، ولم يكن ~~منهم، إنما هو من أهل مدينة دانية؛ فأبى عليهم وقال: إنما أنا رجل منكم، ~~ووظيفتي البحر وبه عرفت؛ فكل عدو جاءكم من جهة البحر فأنا لكم به. فقدموا ~~على أنفسكم من ms116 شئتم غيري! فقدموا على أنفسهم رجلا منهم اسمه عبد الله بن ~~محمد، يعرف ب ابن الرميمي؛ فلم يزل عليها إلى أن دخلها عليه النصارى من ~~البر والبحر؛ فقتلوا أهلها وسبوا نساءهم وبنيهم وانتهبوا أموالهم في خبر ~~يطول ذكره. # وملك جيان وأعمالها إلى حصن شقورة وما والى تلك الثغور، رجل اسمه عبد ~~الله، لا أعرف اسم أبيه، هو معروف عندهم ب ابن همشك؛ وربما ملك عبد الله ~~هذا قرطبة أياما يسيرة. # وأقامت على طاعة المرابطين أغرناطة وإشبيلية. # فهذه جملة أحوال الأندلس في آخر دعوة المرابطين. وفي ضمن هذه الجملة ~~جزئيات من أخبار الحصون والقلاع والمدن الصغار, أضربت عن ذكرها خوفا من ~~الإطالة؛ لأنها نكرة، والتعريف بها مخرج إلى الطول. # وقام بمغرب الأندلس دعاة فتن ورءوس ضلالات؛ فاستفزوا2 عقول الجهال، ~~واستمالوا قلوب العامة؛ من جملتهم رجل اسمه أحمد بن قسي؛ كان في أول أمره ~~يدعي الولاية، وكان صاحب حيل ورب شعبذة3، وكان مع هذا يتعاطى صنعة البيان ~~وينتحل4 طريق البلاغة، ثم ادعى الهداية؛ بلغني ذلك عنه من طرق صحاح. ثم لم ~~PageV01P155 # يستقم له شيء مما أراد، واختلف عليه أصحابه. وكان قيامه بحصن مارتلة -وقد ~~تقدم اسم هذا الحصن في أخبار الدولة العبادية- فأسلمه-كما ذكرنا- أصحابه، ~~واختلفوا عليه، ودسوا إليه من أخرجه من الحصن بحيلة حتى أخذه الموحدون قبضا ~~باليد، فعبروا به إلى العدوة، فأتوا به عبد المؤمن -رحمه الله-، فقال له: ~~بلغني أنك ادعيت الهداية! فكان من جوابه أن قال: أليس الفجر فجرين: كاذبا ~~وصادقا؟ فأنا كنت الفجر الكاذب! فضحك عبد المؤمن وعفا عنه. ولم يزل بحضرته ~~إلى أنه قتله بعض أصحابه الذين كانوا معه بالأندلس. ولابن قسي هذا أخبار ~~قبيحة، مضمونها الجراءة على الله سبحانه، والتهاون بأمر الولاية؛ منعني من ~~ذكرها صرف العناية إلى ما هو أهم منها. # عبور الموحدين إلى الأندلس # ولما انتشرت دعوة المصامدة -كما ذكرنا- بالمغرب الأقصى، تشوف1 إليهم ~~أعيان مغرب الأندلس؛ فجعلوا يفدون في كل يوم عليهم، ويتنافسون في الهجرة ~~إليهم؛ فدخل في ملكهم كثير من جزيرة الأندلس، كالجزيرة الخضراء، ms117 ورندة، ثم ~~إشبيلية، وقرطبة، وأغرناطة. وكان الذي فتح هذه البلاد الشيخ أبو حفص عمر ~~إينتي المتقدم الذكر في أهل الجماعة. واجتمع على طاعتهم أهل مغرب الأندلس. # فلما رأى عبد المؤمن ذلك، جمع جموعا عظيمة، وخرج يقصد جزيرة الأندلس؛ ~~فسار حتى نزل مدينة سبتة، فعبر البحر، ونزل الجبل المعروف بجبل طارق، وسماه ~~هو جبل الفتح، فأقام به أشهرا، وابتنى به قصورا عظيمة، وبنى هناك مدينة هي ~~باقية إلى اليوم. ووفد عليه في هذا الموضع وجوه الأندلس للبيعة، كأهل ~~مالقة، وأغرناطة، ورندة، وقرطبة، وإشبيلية، وما والى هذه البلاد وانضم ~~إليها. وكان له بهذا الجبل يوم عظيم، اجتمع له وفي مجلسه فيه من وجوه ~~البلاد ورؤسائها وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس ما لم يجتمع لملك ~~قبله. واستدعى الشعراء في هذا اليوم ابتداء ولم يكن يستدعيهم قبل ذلك، إنما ~~كانوا يستأذنون فيؤذن لهم. # محمد بن حبوس الفاسي الشاعر # وكان على بابه منهم طائفة أكثرهم مجيدون؛ فدخلوا، فكان أول من أنشد: أبو ~~عبد الله محمد بن حبوس2، من أهل مدينة فاس. وكانت طريقته في الشعر على ~~PageV01P156 # نحو طريقة محمد بن هانئ الأندلسي1، في قصد الألفاظ الرائعة والقعاقع2 ~~المهولة وإيثار التقعير3؛ إلا أن محمد بن هانئ كان أجود منه طبعا وأحلى ~~مهيعا4؛ فأنشد في ذلك اليوم قصيدة أجاد فيها ما أراد. أولها: من الكامل # بلغ الزمان بهديكم ما أملا ... وتعلمت أيامه أن تعدلا # وبحسبه أن كان شيئا قابلا ... وجد الهداية صورة فتشكلا # لم يبق على خاطري منها أكثر من هذين البيتين. # ولابن حبوس هذا قصائد كثيرة. وكان حظيا5 عنده, نال في أيامه ثروة, وكذلك ~~في أيام ابنه أبي يعقوب. وكان في دولة لمتونة مقدما في الشعراء، حتى نقلت ~~إليهم عنه حماقات، فهرب إلى الأندلس، ولم يزل بها مستخفيا ينتقل من بلد إلى ~~بلد، حتى انتقلت الدولة المرابطية. # قرأ علي ابنه عبد الله من خط أبيه هذه الحكاية، قال: # دخلت مدينة شلب من بلاد الأندلس، ولي يوم دخلتها ثلاثة أيام لم أطعم فيها ~~شيئا، فسألت عمن يقصد ms118 إليه فيها، فدلني بعض أهلها على رجل يعرف ب ابن ~~الملح، فعمدت إلى بعض الوراقين فسألته سحاءة ودواة، فأعطانيهما؛ فكتبت ~~أبياتا أمتدحه بها، وقصدت داره، فإذا هو في الدهليز6، فسلمت عليه، فرحب بي ~~ورد علي أحسن رد، وتلقاني أحسن لقاء، وقال: أحسبك غريبا! قلت: نعم؛ فقال ~~لي: من أي طبقات الناس أنت؟ فأخبرته أني من أهل الأدب، من الشعراء؛ ثم ~~أنشدته الأبيات التي قلت؛ فوقعت منه أحسن موقع؛ فأدخلني إلى منزله، وقدم ~~إلي الطعام، وجعل يحدثني؛ فما رأيت أحسن محاضرة منه. فلما آن الانصراف، خرج ~~ثم عاد ومعه عبدان يحملان صندوقا حتى وضعه بين يدي؛ ففتحه فأخرج منه ~~سبعمائة دينار مرابطية، فدفعها إلي وقال: هذه لك! ثم دفع إلي صرة فيها ~~أربعون مثقالا، وقال: PageV01P157 # هذه من عندي! فتعجبت من كلامه وأشكل علي جدا، وسألته: من أين كانت هذه ~~لي؟ فقال لي: سأحدثك: إني أوقفت أرضا من جملة مالي للشعراء، غلتها في كل ~~سنة مائة دينار؛ ومنذ سبع سنين لم يأتني أحد لتوالي الفتن التي دهمت ~~البلاد؛ فاجتمع هذا المال حتى سيق إليك, وأما هذه فمن حر مالي! يعني: ~~الأربعين مثقالا؛ فدخلت عليه جائعا فقيرا، وخرجت عنه شبعان غنيا. # الأصم المرواني الشاعر، ابن الطليق # وأنشده في ذلك اليوم رجل من ولد الشريف الطليق المرواني، كان شريفا من ~~جهه أمه: من البسيط # ما للعدا جنة أوقى من الهرب1 ... ### | ............................ # فقال عبد المؤمن رافعا صوته: إلى أين ... إلى أين؟ فقال الشاعر: ### | ............................ # ... أين المفر وخيل الله في الطلب! # وأين يذهب من في رأس شاهقة ... وقد رمته سماء الله بالشهب2 # حدث عن الروم في أقطار أندلس ... والبحر قد ملأ العبرين بالعرب3 # فلما أتم القصيدة قال عبد المؤمن: بمثل هذا تمدح الخلفاء! فسمى نفسه ~~خليفة كما ترى ... # وجد هذا الشاعر هو الشريف الطليق، طليق النعامة؛ وإنما سمي بذلك لأنه كان ~~محبوسا في مطبق أبي عامر محمد بن أبي عامر الملقب بالمنصور القائم بدعوة ~~هشام المؤيد، أقام في ذلك المحبس سنين، فكتب يوما قصة يذكر فيها ما آلت ms119 ~~إليه حاله من ضيق الحبس وضنك4 العيش، فرفعت إلى ابن أبي عامر؛ فأخذها في ~~جملة رقاع ودخل إلى داره. فجاءت نعامة كانت هناك، فجعل يلقي إليها الرقاع، ~~فتبتلع شيئا وتلقي شيئا. فألقى إليها رقعة هذا الشريف في جملة الرقاع وهو ~~لم يقرأها، فأخذتها ثم دارت وألقتها في حجره، فرمى بها إليها ثانية، فدارت ~~القصر كله ثم جاءت وألقتها في حجره، فرمى بها إليها ثالثة ... وفعلت ذلك ~~مرارا؛ فتعجب من ذلك، وقرأ PageV01P158 # الرقعة، وأمر بإطلاقه؛ فسمي بذلك: طليق النعامة!. # وأنشد في ذلك اليوم رجل من أهل إشبيلية يعرف ب ابن سيد، ويلقب ب اللص: من ~~البسيط # غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل ... وانظر إلى الجبل الراسي على جبل1 # أنى استقر به، أنى استقل به ... أنى رأى شخصه العالي فلم يزل # فقال له عبد المؤمن: لقد ثقلتنا يا رجل! فأمر به فأجلس؛ وهذه القصيدة من ~~خيار ما مدح به؛ لولا أنه كدر صفوها بهذه الفاتحة. # الرصافي الرفاء الشاعر* # وأنشده في ذلك اليوم الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن غالب البلنسي ~~المعروف بالرصافي؛ كان مستوطنا مدينة مالقة: من البسيط # لو جئت نار الهدى من جانب الطور ... قبست ما شئت من علم ومن نور2 # من كل زهراء لم ترفع ذؤابتها ... ليلا لسار ولم تشبب لمقرور3 # فيضية القدح من نور النبوة أو ... نور الهداية تجلو ظلمة الزور4 # ما زال يقضمها التقوى بموقدها ... صوام هاجرة, قوام ديجور5 # حتى أضاءت من الإيمان عن قبس ... قد كان تحت رماد الكفر مكفور6 # نور طوى الله زند الكون منه على ... سقط إلى زمن المهدى مذخور # وآيه كإياة الشمس بين يدي ... غزو على الملك القيسي منذور7 PageV01P159 # يا دار دار أمير المؤمنين بسفح الط ... ود طود الهدى، بوركت في الدور1 # ذات العمادين من عز ومملكة ... على الأساسين من قدس وتطهير # ما كان بانيك بالواني الكرامة عن ... قصر على مجمع البحرين مقصور2 # مواطئ من نبي طالما وصلت ... فيها الخطا بين تسبيح وتكبير # حيث استقلت به نعلاه بوركتا ... فطيبت كل موطوء ومعبور3 # وحيث ms120 قامت قناة الدين ترفل في ... لواء نصر على البرين منشور4 # في كف منشمر البردين ذي ورع ... على التقى وصفاء النفس مفطور5 # يلقاك في حال غيب من سريرته ... بعالم القدس مشهود ومحضور6 # تسنم الفلك من سخط المرار وقد ... تؤدين يا خير أفلاك العلا سيري7 # فسرن يحملن أمر الله من ملك ... بالله مستنصر في الله منصور # يومي له بسجود كل محركة ... منها، ويوليه حمدا كل تصرير8 # لما تسابقن في بحر الزقاق به ... تركن شطيه في شك وتحيير # أهز من موجه أثناء مسرور؟ ... أم خاض من لجه أحشاء مذعور؟ # كأنه سالك منه على وشل ... في الأرض من مهج الأسياف مقطور9 # من السيوف التي ذابت لسطوته ... وقد رمى نار هيجاها بتسعير10 # ذو المنشآت الجواري في أجرتها ... شكل الغدائر في سدل وتضفير11 # أعدى المياه وأنفاس الرياح لها ... ما في سجاياه من لين وتعطير ~~PageV01P160 # من كل عذراء حبلى في ترائبها ... ردعان من عنبر ورد وكافور1 # نجالها بين أيد من مجاذفها ... يغرقن في مثل ماء الورد من جور2 # وربما خاضت التيار طائرة ... بمثل أجنحة الفتخ الكواسير3 # كأنما عبرت تختال عائمة ... في زاخر من يدي يمناه معصور # حتى رمت جبل الفتحين من كثب ... بساطع من سناه غير مبهور4 # لله ما جبل الفتحين من جبل ... معظم القدر في الأجيال مذكور # من شامخ الأنف في سحنائه طلس ... له من الغيم جيب غير مزرور5 # معبرا بذراه عن ذرا ملك ... مستمطر الكف والأكناف ممطور6 # تمسي النجوم على إكليل مفرقه ... في الجو حائمة مثل الدنانير # وربما مسحته من ذوائبها ... بكل فضل على فوديه مجرور7 # وأدرد من ثناياه بما أخذت ... منه مقاحم أعواد الدهارير8 # محنك حلب الأيام أشطرها ... وساقها سوق حادي العير للعير9 # مقيد الخطو جوال الخواطر في ... عجيب أمريه من ماض ومنظور # قد واصل الصمت, والإطراق مفتكرا ... بادي السكينة, مغبر الأسارير # كأنه مكمد مما تعبده ... خوف الوعيدين من دك وتسيير10 # أخلق به وجبال الأرض راجفة ... أن يطمئن غدا من كل محذور # كفاه فضلا أن انتابت مواطئه ... نعلا مليك كريم السعي مشكور PageV01P161 # مستنشيا بهما ms121 ريح الشفاعة من ... ثرى إمام بأقصى الغرب مقبور # ما انفك آمل أمر منه بين يدي ... يوم القيامة محتوم ومقدور # حتى تصدى من الدنيا على رمق ... يستنجز الوعد قبل النفخ في الصور1 # مستقبل الجانب الغربي مرتقبا ... كأنه باهت في جو أسمير2 # لبارق من حسام سله قدر ... بالغرب من أفق البيض المشاهير # إذا تألق قيسيا أهاب به ... إلى شفا من مضاع الدين موتور3 # ملك أتى عظما فوق الزمان فما ... يمر فيه بشيء غير محقور # ما عن في الدين والدنيا له أرب ... إلا تأتى له من غير تعذير4 # ولا رمى من أمانيه إلى غرض ... إلا هدى سهمه نجح المقادير5 # حتى كأن له في كل آونة ... سلطان رق على الدنيا وتسخير6 # مميز الجيش، ملتفا مواكبه ... من كل مثلول عرش الملك مقهور7 # من الألى خضعوا قسرا له وعنوا ... لأمره بين منهي ومأمور8 # من بعد ما عاندوا أمرا فما تركوا ... إذ أمكن العفو ميسورا لمعسور # بقية الحرب، فاتوها وما بهم ... في الضرب والطعن سيماء لتقصير9 # لا ينكر القوم مما في أكفهم ... بيض مفاليل أو سمر مكاسير10 # إذا صدعت بأمر الله مجتهدا ... ضربت وحدك أعناق الجماهير11 PageV01P162 # لا يذهبن لتقليل أخو سبب ... من الأمور، ولا يركن لتكثير1 # فالبحر قد عاد من ضرب العصا يبسا ... والأرض قد غرقت من فور تنور2 # وإنما هو سيف الله قلده ... أقوى الهداة يدا في دفع محذور3 # فإن يكن بيد المهدي قائمه ... فموضع الحد منه حد مشهور # والشمس إن ذكرت موسى فما نسيت ... فتاه يوشع قماع الجبابير4 # وكان الرصافي يوم أنشد هذه القصيدة لم تكمل له عشرون سنة. وهو من مجيدي ~~شعراء عصره، لا سيما في المقاطيع, كالخمسة الأبيات فما دونها. وقد رويت ~~شعره عن جماعة ممن لقوه، وقد رأيت أن أورد منه هاهنا نبذة يسيرة تدل على ما ~~وصفناه به، فمن ذلك قوله يصف نهر إشبيلية الأعظم، وهو نهر لا نظير له في ~~الدنيا: من الكامل # ومهدل الشطين تحسب أنه ... متسايل من درة لصفائه5 # فاءت عليه مع الهجيرة سرحة ... صدئت لفيئتها صفيحة مائه6 ms122 # فتراه أزرق في غلالة سمرة ... كالدارع استلقى بظل لوائه7 # وله, وقد اجتمع مع إخوان له في بعض العشايا, في بستان رجل يقال له: موسى ~~بن رزق: من الكامل # ما مثل موضعك ابن رزق موضع ... روض يرق وجدول يتدفع # فكأنما هو من محاجر غادة ... فالحسن ينبت في ثراه وينبع8 # وعشية لبست رداء شحوبها ... والجو بالغيم الدقيق مقنع PageV01P163 # بلغت بنا أمد السرور تألفا ... والليل نحو فراقنا يتطلع1 # فابلل بها رمق من الغبوق فقد أتى ... من دون قرص الشمس ما يتوقع2 # سقطت فلم يملك نديمك ردها ... فوددت يا موسى لو انك يوشع3 # وله يصف عشية أيضا في موضع هذا الرجل المتقدم الذكر: من الطويل # محل ابن رزق جر فيه ذيوله ... من المزن ساق يحسن الجر والسقيا4 # ذكرت عشيا فيك -لا ذم عهده- ... وإن نحن لم نهتع ببهجته لقيا5 # ولم يعتلق بي منك عند افتراقنا ... سوى عبق من مسك قبلتك اللميا6 # وكنت أراني في الكرى وكأنني ... أناول كالدينار من ذهب الدنيا # فلما انطوى ذاك الأصيل وحسنه ... على ساعة من أنسنا، صحت الرؤيا # وله يصف دولابا: من مخلع البسيط # وذي حنين يكاد شوقا ... يختلس الأنفس اختلاسا7 # لما غدا للرياض جارا ... قال له المحل لا مساسا8 # يبتسم الروض حين يبكي ... بأدمع ما رأين باسا9 # من كل جفن يسل سيفا ... صار له غمده رئاسا10 # وله وقد رأى صبيا يتباكى ويجعل من ريقه على عينيه، يحكي بذلك الدموع: # من الطويل # عذيري من جذلان يبدي كآبة ... وأضلعه مما يحاوله صفر11 PageV01P164 # أميلد مياس إذا قاده الصبا ... إلى ملح الإدلال أيده السحر1 # يبل مآقي زهرتيه بريقه ... ويحكى البكا عمدا كما ابتسم الزهر # ويوهم أن الدمع بل جفونه ... وهل عصرت يوما من النرجس الخمر؟ # وقال يصف نائما قد تحبب العرق على خده: من الكامل # ومهفهف كالغصن إلا أنه ... سل التثني النوم عن أثنائه2 # أضحى ينام وقد تحبب خده ... عرقا فقلت: الورد رش بمائه3 # وللرصافي هذا افتنان في الآداب. وكان -رحمه الله- عفيف الطعمة, نزيه ~~النفس، لا يحب أن يشتهر بالشعر مع إجادته في كثير ms123 منه. # وصل الحديث عن عبد المؤمن بن علي # وأقام عبد المؤمن بجبل الفتح، مرتبا للأمور، ممهدا للمملكة؛ وأعيان ~~البلاد يفدون عليه في كل يوم، إلى أن تم له ما أراد من إصلاح ما استولى ~~عليه من جزيرة الأندلس. # فولى مدينة إشبيلية وأعمالها ابنه يوسف، وهو الذي ولي الأمور بعده على ما ~~سيأتي بيانه؛ وترك معه بها من أشياخ الموحدين وذوي الرأي والتحصيل منهم من ~~يرجع إليه في أموره، ويعول عليه فيما ينويه. # وولى قرطبة وأعمالها أبا حفص عمر إينتي. # وولى أغرناطة وأعمالها ابنه عثمان بن عبد المؤمن، يكنى أبا سعيد، وكان من ~~نبهاء أولاده ونجبائهم وذوي الصرامة منهم. وكان محبا للآداب، مؤثرا لأهلها، ~~يهتز للشعر ويثيب عليه. اجتمع له من وجوه الشعراء وأعيان الكتاب عصابة ما ~~علمتها اجتمعت لملك منهم بعده. # ثم كر عبد المؤمن راجعا إلى مراكش، بعد ما ملأ ما ملكه من أقطار جزيرة ~~الأندلس خيلا ورجالا من المصامدة والعرب وغيرهم من أصناف الجند. # منازل العرب الهلالية في المغرب والأندلس # وقد كان حين أراد العبور إلى جزيرة الأندلس، استنفر أهل المغرب عامة؛ ~~فكان PageV01P165 # فيمن استنفره العرب الذين كانوا ببلاد يحيى بن العزيز، وهم قبائل من هلال ~~بن عامر، خرجوا إلى البلاد حين خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب؛ ~~فعاثوا في القيروان عيثا1 شديدا أوجب خرابها إلى اليوم، ودوخوا مملكة بني ~~زيري بن مناد، وهذا بعد موت المعز بن باديس2؛ فانتقل تميم إلى المهدية. ~~وسار هؤلاء العرب حتى نزلوا على المنصور بن المنتصر؛ فصالحهم على أن يجعل ~~لهم نصف غلة البلاد، من تمرها وبرها3 وغير ذلك. فأقاموا على ذلك باقي ~~أيامه، وأيام ابنه الملقب بالعزيز، وأيام يحيى، إلى أن ملك البلاد أبو محمد ~~عبد المؤمن -رحمه الله-، فأزال ذلك من أيديهم، وصيرهم جندا له، وأقطع ~~رؤساءهم بعض تلك البلاد. # فكتب إليهم رسالة يستنفرهم إلى الغزو بجزيرة الأندلس، وأمر أن تكتب في ~~آخرها أبيات قالها -رحمه الله- في ذلك المعني، وهي: من الطويل # أقيموا إلى العلياء هوج الرواحل ... وقودوا ms124 إلى الهيجاء جرد الصواهل4 # وقوموا لنصر الدين قومة ثائر ... وشدوا على الأعداء شدة صائل5 # فما العز إلا ظهر أجرد سابح ... يفوت الصبا في شده المتواصل6 # وأبيض مأثور كأن فرنده ... على الماء منسوج, وليس بسائل7 # بني العم من عليا هلال بن عامر ... وما جمعت من باسل وابن باسل8 # تعالوا فقد شدت إلى الغزو نية ... عواقبها منصورة بالأوائل # هي الغزوة الغراء والموعد الذي ... تنجز من بعد المدى المتطاول # بها تفتح الدنيا، بها تبلغ المنى ... بها ينصف التحقيق من كل باطل # أهبنا بكم للخير, والله حسبنا ... وحسبكمو, والله أعدل عادل # فما همنا إلا صلاح جميعكم ... وتسريحكم في ظل أخضر هاطل PageV01P166 # وتسويغكم نعمى ترف ظلالها ... عليكم بخير عاجل غير آجل1 # فلا تتوانوا فالبدار غنيمة ... وللمدلج الساري صفاء المناهل2 # فاستجاب له منهم جمع ضخم؛ فلما أراد الانفصال عن الجزيرة رتبهم فيها، ~~فجعل بعضهم في نواحي قرطبة، وبعضهم في نواحي إشبيلية مما يلي مدينة شريش ~~وأعمالها؛ فهم بها باقون إلى وقتنا هذا -وهو سنة 621-, وقد انتشر من نسلهم ~~بتلك المواضع خلق كثير. وزاد فيهم أبو يعقوب، وأبو يوسف، حتى كثروا هناك؛ ~~فبالجزيرة اليوم من العرب من زغبة وريح وجشم بن بكر وغيرهم نحو من خمسة ~~آلاف فارس سوى الرجالة. # وكان عبور عبد المؤمن -رحمه الله- إلى الجزيرة ونزوله بجبل الفتح في سنة ~~538، ثم كر -كما ذكرنا- راجعا إلى مراكش؛ فأخبرني غير واحد ممن أرضى نقله، ~~أنه لما نزل مدينة سلا -وهي مدينة على البحر الأعظم المحيط، ينصب إليها نهر ~~عظيم يصب في البحر المذكور- عبر النهر، وضربت له خيمة على الشاطئ؛ وجعلت ~~العساكر تعبر قبيلة بعد قبيلة؛ فلما نظر إلى كثرة العدد وانتشار العالم، خر ~~ساجدا، ثم رفع رأسه وقد بل الدمع لحيته؛ والتفت إلى من عنده وقال: أعرف ~~ثلاثة أشخاص وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيف واحد، فراموا عبور هذا ~~النهر، فأتوا صاحب القارب وبذلوا له الرغيف على أن يعبروا ثلاثتهم فقال: لا ~~آخذه إلا على اثنين خاصة؛ فقال لهم أحدهم -وكان شابا جلدا-: خذا ثيابي ms125 ~~معكما وأعبر أنا سباحة! فأخذا ثيابه معهما، وصعدا في القارب؛ فجعل الشاب ~~يسبح، فكلما أعيا دنا من القارب ووضع يديه عليه ليستريح، فضربه صاحبه ~~بالمجداف الذي معه حتى يؤلمه؛ فما بلغ البر إلا بعد جهد شديد!. # فما شك السامعون للحكاية أنه العابر سباحة، وأن الاثنين المذكورين هما ~~ابن تومرت, وعبد الواحد الشرقي. # ثم سار حتى أتى مراكش، فنزلها، وأخذ في البناء والغراسة3 وترتيب القصور، ~~غير مخل بشيء مما تحتاج إليه المملكة من السياسة وتدبير الأمور وبسط العدل ~~والتحبب إلى الرعية وإخافة من تجب إخافته. PageV01P167 # وأخبرني السيد حقيقة والماجد1 خلقا وخليقة، أبو زكريا يحيى ابن الإمام ~~أمير المؤمنين أبي يعقوب ابن الإمام أمير المؤمنين أبي محمد عبد المؤمن بن ~~علي: أنه رأى على ظهر كتاب الحماسة بخط الخليفة عبد المؤمن هذين البيتين، ~~وقال لي رحمه الله: لا أدري هما له أو لغيره: من البسيط # وحكم السيف لا تعبأ بعاقبة ... وخلها سيرة تبقى على الحقب2 # فما تنال بغير السيف منزلة ... ولا ترد صدور الخيل بالكتب # وقد كان عبد المؤمن حين فصل عن بجاية وولى عليها ابنه عبد الله -حسبما ~~تقدم- عهد إليه أن يشن الغارات على نواحي إفريقية، وأن يضيق على تونس ويمنع ~~عنها المرافق التي تصل إليها على طريقه؛ ففعل ذلك. # غزو الموحدين لإفريقية # ثم إن عبد الله تجهز في جيش عظيم من المصامدة والعرب وغيرهم، وسار حتى ~~نزل على مدينة تونس، وهي حاضرة إفريقية بعد القيروان، وكرسي مملكتها، ومقر ~~تدبيرها، وإياها يستوطن والي إفريقية، لم يزل هذا معروفا من أمرها إلى ~~وقتنا هذا -وهو سنة 621- فحاصرها عبد الله المذكور، وأخذ في قطع أشجارها ~~وتغوير مياهها3, وكان الذي يملكها في ذلك الوقت لوجار بن لوجار المعروف ~~بابن الدوقة الرومي صاحب صقلية -لعنه الله-, وكان عامله عليها رجل من ~~المسلمين اسمه عبد الله؛ يعرف بابن خراسان؛ لم يزل عاملا عليها حتى أخرجه ~~الموحدون في التاريخ الذي سيذكر. فلما طال على ابن خراسان الحصار، أجمع ~~رأيه ورأي أهل البلد من الجند على الخروج لقتال ms126 المصامدة، ففعلوا ذلك، ~~وخرجوا بخيل ضخمة، فالتقوا هم وأصحاب عبد الله فانهزم أصحاب عبد الله، وقتل ~~منهم خلق كثير. ورجع عبد الله ببقية أصحابه إلى بجاية إلى بجاية, فكتب إلى ~~أبيه يخبره بذلك. # فتح المهدية واسترجاعها من يد الصقليين # فلما كان في آخر سنة 553 أخذ عبد المؤمن في الحركة إلى إفريقية، فجمع ~~جموعا عظيمة من المصامدة وغيرهم من جند المغرب، وسار حتى نزل على مدينة ~~تونس، فافتتحها عنوة؛ وفصل عنها إلى مهدية بني عبيد؛ وفيها الروم أصحاب ابن ~~PageV01P168 # الدوقة، وفيها معهم يحيى بن حسن بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن ~~بلجين بن زيري بن مناد الصنهاجي، ملوك القيروان؛ فنزل عبد المؤمن عليها ~~فحاصرها أشد الحصار، وهي من معاقل المغرب المنيعة؛ لأن بنيانها في غاية ~~الإحكام والوثاقة1؛ بلغني أن عرض حائط سورها ممشى ستة أفراس في صف واحد، ~~ولا طريق لها من البر إلا على باب واحد، والبحر في قبضة من في البلد: يدخل ~~الشيني كما هو بمقاتلته إلى داخل دار الصناعة، لا يقدر أحد ممن في البر على ~~منعه؛ فبهذا قدر الروم على الصبر على الحصار؛ لأن النجدة كانت تأتيهم من ~~صقلية في كل وقت. وأقام عبد المؤمن وأصحابه عليها سبعة أشهر إلا أياما، ~~وأصابتهم عليها شدة شديدة من غلاء السعر؛ بلغني عن غير واحد أنهم اشتروا ~~الباقلاء في العسكر، سبع باقلات بدرهم مؤمني، وهو نصف درهم النصاب. ثم ~~اقتتحها عبد المؤمن -رحمه الله- بعد أن أمن النصارى الذين بها على أنفسهم، ~~على أن يخرجوا له عن البلد، ويلحقوا بصقلية بلدهم حيث مملكة صاحبهم؛ ففعلوا ~~ذلك، ودخل عبد المؤمن وأصحابه المهدية فملكوها. # وبعث إلى قابس من افتتحها، وفيها الروم أيضا. # امتداد مملكة الموحدين إلى الشرق # ثم افتتح طرابلس المغرب، وأرسل إلى بلاد الجريد، وهي توزر، وقفصة، ونفطة، ~~والحامة، وما والى هذه البلاد؛ فافتتحت كلها، وأخرج الإفرنج منها وألحقهم ~~ببلادهم كما تقدم. فمحا الله به الكفر من إفريقية، وقطع عنها طمع العدو؛ ~~فانتبه2 بها الدين بعد خموله، وأضاء ms127 كوكب الإيمان بعد انطماسه وأفوله3. # وتم لعبد المؤمن -رحمه الله- ملك إفريقية كلها منتظما إلى مملكة المغرب، ~~فملك في حياته من طرابلس المغرب إلى سوس الأقصى من بلاد المصامدة وأكثر ~~جزيرة الأندلس؛ وهذه مملكة لم أعلمها انتظمت لأحد قبله منذ اختلت دولة بني ~~أمية إلى وقته. # ألوان من شكر النعمة # ثم كر عبد المؤمن راجعا من إفريقية، بعد ما استولى على بلادها ودان له ~~أهلها4؛ PageV01P169 # فأخبرني بعض أشياخ الموحدين من ذوي التحصيل منهم والثقة، أن عبد المؤمن ~~مر في طريقه راجعا من إفريقية ببجاية؛ فدخل البلد متنزها فيه، فمر بسويقة1 ~~بناحية باب من أبوابها يدعى باب تاطنت؛ فوقف ووقفت معه وجوه دولته؛ فسأل عن ~~بياع بها سماه باسمه؛ فأخبره أهل السويقة بوفاته، فقال: هل خلف عقبا؟ ~~قالوا: نعم؛ فأمر بشراء جميع الدكاكين التي بتلك السويقة وأوقفها عليهم، ~~وأمر لهم بمال كثير. ثم التفت إلى بعض خواصه وقال له: أتيت إلى هذا البياع ~~ولي وللإمام -يعني: ابن تومرت- ولجماعة من أصحابنا من الطلبة أيام لم نطعم ~~فيها، وما معي إلا سكين الدواة؛ فأخذت منه خبزا وإداما، ثم وضعت عنده ~~السكين رهنا على ذلك، فأبى قبولها وقال لي: إني توسمت فيك الخير؛ فمتى ~~أعوزك شيء فهلم الدكان فهو بين يديك وبحكمك! فحقه علي أكثر من هذا. # ونظر في هذا اليوم الذي ركب فيه مخترقا بجاية إلى يحيى بن العزيز يمشي ~~بين يديه راجلا وقد علاه الغبار، فدمعت عيناه، واستدعاه فقال له: أتذكر ~~يوما خرجت إلى بعض منتزهاتك، فأذكر أني جمعني وإياك هذا الباب، فوطئت دابتك ~~عقبي، فلما نظرت إليك أمرت بعض عبيدك فوكزني وكزة2 كدت أقع منها لفي! ~~فاستحيا يحيى وتغير لونه وأطرق، وجعل يقول: الله الله يا مولاي! وظن أنه ~~الشر؛ فلما رأى ذلك منه قال له: إنما ذكرت لك ذلك على طريق الاعتبار؛ ~~ولتذكر وتنظر كيف تقلب الأيام بأهلها! وأمر له بما زال به روعه3. # ومر في طريقه هذا ما بين البطحاء وتلمسان بموضع قد التف فيه الدوح، فجاءت ~~منه دوحة4 في ms128 وسطها رحبة5 نقية؛ فأمر أن يضرب خباؤه هنالك؛ وهو غير منزل ~~معروف. فلما نزل ونزلت العساكر واستقر بهم النزول، قال لبعض خواصه: أتدرون ~~لم آثرت النزول بهذا المكان؟ قالوا: لا؛ قال: ذلك لأني بت بهذا الموضع في ~~بعض الليالي جائعا مقرورا6، وكانت ليلة ممطورة؛ فما زال هذا الدوح وقائي ~~حتى أصبحت؛ فأردت النزول هنا على هذه الحالة لأشكر الله سبحانه على الفرق ~~ما PageV01P170 # بين المنزلتين والفصل ما بين المبيتين! ثم قام فتوضأ وصلى ركعتين شكرا ~~لله عز وجل. وجدت هذه الحكاية بخط رجل من ولد ولد عبد المؤمن؛ من اسمه موسى ~~بن يوسف بن عبد المؤمن. # وبدا له في هذا الوجه أن يمر على القرية التي تسمي تاجرا -وبها كان مولده ~~كما تقدم- لزيارة قبر أمه وصلة من هناك من ذوي رحمه؛ فلما أطل عليها ~~والجيوش قد انتشرت بين يديه وقد خفقت على رأسه أكثر من ثلاثمائة راية ما ~~بين بنود وألوية، وهزت أكثر من مائتي طبل -وطبولهم في نهاية الكبر وغاية ~~الضخامة، يخيل لسامعها إذا ضربت أن الأرض من تحته تهتز ويحس قلبه يكاد ~~يتصدع من شدة دويها- فخرج أهل القرية للقائه والتسليم عليه بالخلافة؛ فقالت ~~امرأة عجوز من عجائز القرية، ممن كانت تصحب أمه: هكذا يعود الغريب إلى ~~بلده! تقول ذلك رافعة صوتها ... # وفاء وفداء # ونازع عبد المؤمن الأمر قوم من قرابة ابن عبد الله يعرفون بأيت ومغار ~~-معناه بالعربية: بنو ابن الشيخ- وانتهوا في ذلك إلى أن أجمع رأيهم ورأي من ~~وافقهم على سوء صنيعهم على أن يدخلوا على عبد المؤمن خباءه ليلا فيقتلوه؛ ~~وظنوا أن ذلك يخفى من أمرهم، وأن عبد المؤمن إذا فقد ولم يعلم من قتله صار ~~الأمر إليهم؛ لأنهم أحق به؛ إذ كانوا أهل الإمام وقرابته وأولى الناس به، ~~فأعلم بما أرادوه من ذلك رجل من أصحاب ابن تومرت، من خيارهم، اسمه إسماعيل ~~بن يحيى الهزرجي؛ فأتى عبد المؤمن فقال له: يا أمير المؤمنين، لي إليك ~~حاجة! قال: وما هي يا أبا إبراهيم؟ فجميع حوائجك عندنا ms129 مقضية! قال: أن تخرج ~~عن هذا الخباء وتدعني أبيت فيه! ولم يعلمه بمراد القوم؛ فظن عبد المؤمن أنه ~~إنما يستوهبه الخباء؛ لأنه أعجبه, فخرج عنه وتركه له؛ فبات فيه إسماعيل ~~المذكور؛ فدخل عليه أولئك القوم فتولوه بالحديد حتى برد. فلما أصبحوا ورأوا ~~أنهم لم يصيبوا عبد المؤمن؛ فروا بأنفسهم حتى أتوا مراكش وراموا القيام ~~بها؛ فأتوا البوابين الذين على القصور فطلبوا منهم المفاتيح، فأبوا عليهم؛ ~~فضربوا عنق أحدهم وفر باقيهم؛ وكادوا يغلبون على تلك القصور. ثم إن الناس ~~اجتمعوا عليهم، من الجند وخاصة العبيد، فقاتلوهم قتالا شديدا من لدن طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس. ثم إن العبيد غلبوهم على أمرهم؛ ولم يزل الناس ~~يتكاثرون عليهم إلى أن أخذوا قبضا باليد, فقيدوا وجعلوا في السجن إلى أن ~~وصل أبو محمد # PageV01P171 # عبد المؤمن -رحمه الله- إلى مراكش؛ فقتلهم صبرا، وقتل معهم جماعة من ~~أعيان هرغة، بلغه أنهم قادحون1 في ملكه, متربصون به. # ولما أصبح أبو إبراهيم إسماعيل المتقدم الذكر في الخباء مقتولا على الحال ~~التي ذكرنا، أعظم ذلك عبد المؤمن ووجد2 عليه وجدا مفرطا أخرجه عن حد ~~التماسك إلى حيز الجزع، فأمر بغسله وتكفينه، وصلى عليه بنفسه، ودفن. # ولم يترك إسماعيل هذا من الولد سوى ولد واحد ذكر، اسمه يحيى. نال يحيى ~~هذا في أيام أبي يوسف يعقوب جاها متسعا ورتبة عالية، وكذلك في أيام أبي عبد ~~الله محمد؛ كانت أكثر أمورهم ترجع إليه؛ لم يزل كذلك إلى أن مات في شهور ~~سنة 602 وترك بنتا واحدة، تزوجها أمير المؤمنين أبو يعقوب يوسف بن عبد ~~المؤمن، اسمها فاطمة، لا عقب له منها؛ طال عمرها، تركتها بالحياة حين فصلت ~~عن مراكش في شهور سنة 611. # ولإسماعيل هذا مع ابن تومرت خبر يقرب مما قدمنا في النصح والتحذير، تلطف ~~فيه إسماعيل غاية التلطف؛ وذلك أن ابن تومرت حين خرج من مراكش على الحال ~~التي تقدمت من إخراج أمير المسلمين إياه عنها، سار حتى نزل الضيعة التي ~~فيها أبو إبراهيم؛ فدخل المسجد، فاجتمع أهل الضيعة على باب ms130 المسجد ينظرون ~~إلى ابن تومرت ويقول بعضهم لبعض همسا: هذا الذي نفاه أمير المسلمين عن ~~بلاده لإفساده عقول الناس؛ ونحو هذا القول؛ وهموا بقتله تقربا بذلك إلى ~~أمير المسلمين. فلما رأى ذلك أبو إبراهيم من أمرهم، تقدم إلى ابن تومرت ~~فسأله عن إعراب هذه الآية: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من ~~الناصحين} [القصص: 20] . ففهم ابن تومرت ما أراد، وخرج عن تلك الضيعة، وعرف ~~لأبي إبراهيم نصحه؛ ثم لحق به أبو إبراهيم هذا بعد ما اشتهر أمره ب تينمل؛ ~~فهو معدود في أهل الجماعة. # ولما قتل عبد المؤمن أولئك القوم الذين قدمنا ذكرهم صبرا، هابه المصامدة ~~وسائر أهل دولته، وعظم أمره في صدورهم. # وأقام عبد المؤمن بمراكش بقية سنة 55 وسنة 6 وسنة 7 وفي أول سنة 58 خرج ~~أمره إلى الناس كافة بالغزو إلى بلاد الروم من جزيرة الأندلس. وكتبت عنه ~~PageV01P172 # الكتب إلى سائر الجهات يستنفر الناس ويحضهم على الجهاد ويرغبهم فيه، ~~فاجتمعت له جموع عظيمة. وخرج يقصد جزيرة الأندلس مظهرا للغزو والاحتساب، ~~ويتمم أيضا مع ذلك ما بقي عليه من مملكتها مما بيد محمد بن سعد المتقدم ~~الذكر. فسار بالجيوش حتى نزل مدينة سلا، فأقام بها ينتظر تكامل العساكر، ~~فاعتل علته التي مات منها -رحمه الله-. # وفاة عبد المؤمن وعهده لولده # وكانت وفاته -كما تقدم- في السابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه ~~السنة، أعني: سنة 58. # وكان قد عهد في حياته إلى أكبر أولاده محمد، وبايعه الناس، وكتب ببيعته ~~إلى البلاد؛ فأبى تمام هذا الأمر لمحمد هذا ما كان عليه من أمور لا تصلح ~~معها الخلافة، من إدمان شرب الخمر، واختلال الرأي، وكثرة الطيش، وجبن ~~النفس. ويقال: إنه مع هذا كان به ضرب من الجذام1، فالله أعلم. # ولما مات عبد المؤمن، اضطرب أمر محمد هذا واختلف عليه اختلافا كثيرا؛ ~~فكانت ولايته إلى أن خلع خمسة وأربعين يوما، واتفقوا على خلعه في شعبان من ~~هذه السنة. وكان الذي سعى في خلعه -مع ما قدمنا من استحقاقه لذلك- أخواه ~~يوسف, ms131 وعمر. PageV01P173 ### | ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وما يتعلق بها # ولما تم خلع محمد في التاريخ المذكور، بعد اتفاق من وجوه الدولة على ذلك، ~~دار الأمر بين اثنين من ولد عبد المؤمن: يوسف، وعمر، وهما من نبهاء أولاده ~~ونجبائهم1 وذوي الرأي والغناء2 منهم، فأباها عمر منهما وتأخر عنها مختارا؛ ~~وبايع لأخيه أبي يعقوب، وسلم له الأمر؛ حمله على ذلك فرط عقله وإيثار دينه ~~وحب المصلحة للمسلمين؛ لأنه يعلم من نفسه أشياء لا يصلح معها لتدبير ~~المملكة وضبط أمور الرعية. فبايع الناس أبا يعقوب، واتفقت عليه الكلمة؛ فلم ~~يختلف عليه أحد من الناس من إخوته ولا غيرهم. وذلك كله بحسن سعي أبي حفص ~~عمر بن عبد المؤمن، وشدة تلطفه، وجودة رأيه. فاستوسق لأبي يعقوب هذا أمره، ~~وتمت بيعته في التاريخ المذكور. وكان الساعي فيها والقائم بها ومديرها إلى ~~أن تمت -كما ذكرنا- أخوه لأبيه وأمه، أبو حفص المتقدم الذكر. # وأبو يعقوب هذا هو يوسف بن عبد المؤمن بن علي؛ أمه وأم أخيه أبي حفص، ~~امرأة حرة اسمها زينب ابنة موسى الضرير. كان موسى هذا من شيوخ أهل تينمل ~~وأعيانهم، من ضيعة يقال لها: أنسا، وكان عبد المؤمن يستخلفه على مراكش إذا ~~خرج عنها، وكانت مصاهرته إياه أيام كان عبد المؤمن بتينمل، برأى ابن تومرت. ~~وخلف موسى هذا من الولد الذكور ثلاثة: إبراهيم، وعليا، ومحمدا، وبنات. # صفة أبي يعقوب # كان أبيض تعلوه حمرة، شديد سواد الشعر، مستدير الوجه، أفوه3، أعين4، ~~PageV01P174 # إلى الطول ما هو. في صوته جهارة1، رقيق حواشي اللسان2، حلو الألفاظ، حسن ~~الحديث، طيب المجالسة، أعرف الناس كيف تكلمت العرب، وأحفظهم لأيامها ~~ومآثرها وجميع أخبارها في الجاهلية والإسلام. صرف عنايته إلى ذلك أيام كونه ~~بإشبيلية واليا عليها في حياة أبيه. ولقي بها رجالا من أهل علم اللغة ~~والنحو والقرآن، منهم الأستاذ اللغوي المتقن أبو إسحاق إبراهيم بن عبد ~~الملك المعروف عندهم ب ابن ملكون، فأخذ عنهم جميع ذلك وبرع في كثير منه. # أخبرني من لقيته من ولده، كأبي زكريا، وأبي ms132 عبد الله، وأبي إبراهيم ~~إسحاق، وغيرهم ممن لقيته وشافهته منهم، أنه كان أحسن الناس ألفاظا بالقرآن، ~~وأسرعهم نفوذ خاطر في غامض مسائل النحو، وأحفظهم للغة العربية. وكان شديد ~~الملوكية، بعيد الهمة، سخيا جوادا، استغنى الناس في أيامه وكثرت في أيديهم ~~الأموال، هذا مع إيثار للعلم شديد، وتعطش إليه مفرط؛ صح عندي أنه كان يحفظ ~~أحد الصحيحين -الشك مني؛ إما البخاري3 أو مسلم4، وأغلب ظني أنه البخاري- ~~حفظه في حياة أبيه بعد تعلم القرآن، هذا مع ذكر جمل من الفقه. وكان له ~~مشاركة في علم الأدب، واتساع في حفظ اللغة، وتبحر في علم النحو حسبما تقدم. ~~ثم طمح به شرف نفسه وعلو همته إلى تعلم الفلسفة، فجمع كثيرا من أجزائها، ~~وبدأ من ذلك بعلم الطب، فاستظهر من الكتاب المعروف بالملكي أكثره، مما ~~يتعلق بالعلم خاصة دون العمل. ثم تخطى ذلك إلى ما هو أشرف منه من أنواع ~~الفلسفة، وأمر بجمع كتبها؛ فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر ~~بالله الأموي. # أخبرني أبو محمد عبد الملك الشذوني، أحد المتحققين بعلمي الطب وأحكام ~~النجوم، قال: كنت في شبيبتي أستعير كتب هذه الصناعة -يعني: صنعة الأحكام- ~~من رجل كان عندنا بمدينة إشبيلية، اسمه يوسف، يكني: أبا الحجاج، يعرف ب ~~المراني بتخفيف الراء، كانت عنده منها جملة كبيرة وقعت إلى أبيه في أيام ~~الفتنة بالأندلس؛ PageV01P175 # فكان يعيرني إياها في غرائر1: أحمل غرارة وأجيء بغرارة؛ من كثرتها عنده، ~~فأخبرني في بعض الأيام أنه عدم تلك الكتب بجملتها، فسألته عن السبب الموجب ~~لذلك، أسر إلي أن خبرها أنهي إلى أمير المؤمنين، فأرسل إلى داري وأنا في ~~الديوان لا علم عندي بذلك؛ وكان الذي أرسل كافور الخصي مع جماعة من العبيد ~~الخاصة، وأمره ألا يروع أحدا من أهل الدار، وألا يأخذ سوى الكتب، وتوعده ~~والذين معه أشد الوعيد إن نقص أهل البيت إبرة فما فوقها. فأخبرت بذلك وأنا ~~في الديوان؛ فظننته يريد استصفاء أموالي، فركبت وما معي عقلي، حتى أتيت ~~منزلي، فإذا الخصي كافور الحاجب واقف على الباب والكتب ms133 تخرج إليه. فلما ~~رآني وتبين ذعري قال لي: لا بأس عليك! وأخبرني أن أمير المؤمنين يسلم علي، ~~وأنه ذكرني بخير! ولم يزل يبسطني حتى زال ما في نفسي؛ ثم قال لي: سل أهل ~~بيتك هل راعهم أحد أو نقصهم شيء من متاعهم؟ فسألتهم، فقالوا: لم يرعنا أحد ~~ولم ينقصنا شيء، جاء أبو المسك2 حتى استأذن علينا ثلاث مرات، فأخلينا له ~~الطريق، ودخل هو بنفسه إلى خزانة الكتب فأمر بإخراجها. فلما سمعت هذا القول ~~منهم زال ما كان في نفسي من الروع. # وولوه بعد أخذهم لهذه الكتب منه ولاية ضخمة ما كان يحدث بها نفسه. # ولم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب، ويبحث عن العلماء، وخاصة ~~أهل علم النظر، إلى أن اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله ممن ملك ~~المغرب. # أبو بكر بن طفيل* # وكان ممن صحبه من العلماء المتفننين، أبو بكر محمد بن طفيل، أحد فلاسفة ~~المسلمين. كان متحققا بجميع أجزاء الفلسفة؛ قرأ على جماعة من المتحققين ~~بعلم الفلسفة، منهم أبو بكر بن الصائغ المعروف عندنا بابن باجة3 وغيره. ~~ورأيت لأبي بكر هذا تصانيف في أنواع الفلسفة من الطبيعيات والإلهيات وغير ~~ذلك. فمن رسائله PageV01P176 # في الطبيعيات رسالة سماها رسالة: حي بن يقظان, غرضه فيها بيان مبدإ النوع ~~الإنساني على مذهبهم، وهي رسالة لطيفة الجرم1, كبيرة الفائدة في ذلك الفن. ~~ومن تصانيفه في الإلهيات رسالة في النفس رأيتها بخطه -رحمه الله-. وكان قد ~~صرف عنايته في آخر عمره إلى العلم الإلهي ونبذ ما سواه. وكان حريصا على ~~الجمع بين الحكمة والشريعة، معظما لأمر النبوات ظاهرا وباطنا، هذا مع اتساع ~~في العلوم الإسلامية. # وبلغني أنه كان يأخذ الجامكية مع عدة أصناف من الخدمة، من الأطباء ~~والمهندسين والكتاب والشعراء والرماة والأجناد، إلى غير هؤلاء من الطوائف. ~~وكان يقول: لو نفق عليهم علم الموسيقى لأنفقته عندهم! وكان أمير المؤمنين ~~أبو يعقوب شديد الشغف به والحب له؛ بلغني أنه كان يقيم في القصر عنده أياما ~~ليلا ونهارا لا يظهر. وكان أبو بكر ms134 هذا أحد حسنات الدهر في ذاته وأدواته؛ ~~أنشدني ابنه يحيى بمدينة مراكش سنة 603 من شعر أبيه -رحمه الله-: من الطويل # ألمت وقد نام المشيح وهوما ... وأسرت إلى وادي العقيق من الحمى2 # وجرت على ترب المحصب ذيلها ... فما زال ذاك الترب نهبا مقسما3 # تناوله أيدي التجار لطيمة ... ويحمله الداري أيان يمما4 # ولما رأت أن لا ظلام يجنها ... وأن سراها فيه لن يتكتما5 # نضت عذبات الريط عن حر وجهها ... فأبدت محيا يدهش المتوسما6 # فكان تجليها حجاب جمالها ... كشمس الضحى يعشى بها الطرف كلما7 # ولما التقينا بعد طول تهاجر ... وقد كاد حبل الود أن يتصرما8 PageV01P177 # جلت عن ثناياها وأومض بارق ... فلم أدر من شق الدجنة منهما1 # وساعدني جفن الغمام على البكا ... فلم أدر دمعا أينا كان أسجما2 # فقالت وقد رق الحديث وأبصرت ... قرائن أحوال أذعن المكتما:3 # نشدتك لا يذهب بك الشوق مذهبا ... يهون صعبا أو يرخص مأثما4 # فأمسكت لا مستغنيا عن نوالها ... ولكن رأيت الصبر أوفي وأكرما5 # ومن شعره في الزهد -رحمه الله- ما قرأ علي ابنه من خطه في التاريخ ~~المذكور: من البسيط # يا باكيا فرقة الأحباب عن شحط ... هلا بكيت فراق الروح للبدن6 # نور تردد في طين إلى أجل ... فانحاز علوا وخلى الطين للكفن7 # يا شد ما افترقا من بعد ما اعتلقا ... أظنها هدنة كانت على دخن8 # إن لم يكن في رضا الله اجتماعهما ... فيا لها صفقة تمت على غبن9 # وأنشدني بعض أصحابنا من الكتاب له -رحمه الله-: من المنسرح # ما كل من شم نال رائحة ... للناس في ذا تباين عجب # قوم لهم فكرة تجول بهم ... بين المعاني، أولئك النجب10 # وفرقة في القشور قد وقفوا ... وليس يدرون لب ما طلبوا11 # لا غاية تنجلي لناظرهم ... منه ولا ينقضي لهم أرب12 PageV01P178 # لا يتعدى امرؤ جبلته ... قد قسمت في الطبيعة الرتب1 # ولم يزل أبو بكر هذا يجلب إليه العلماء من جميع الأقطار وينبهه عليهم، ~~ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم، وهو الذي نبهه على أبي الوليد محمد بن ~~أحمد بن محمد بن رشد؛ فمن حينئذ ms135 عرفوه ونبه قدره عندهم. # أبو الوليد بن رشد* # أخبرني تلميذه الفقيه الأستاذ أبو بكر بندود بن يحيى القرطبي قال: سمعت ~~الحكيم أبا الوليد يقول غير مرة: لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب ~~وجدته هو وأبو بكر بن طفيل ليس معهما غيرهما؛ فأخذ أبو بكر يثني علي ويذكر ~~بيتي وسلفي، ويضم بفضله إلى ذلك أشياء لا يبلغها قدري. فكان أول ما فاتحني ~~به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي أن قال لي: ما رأيهم ~~في السماء -يعني الفلاسفة- أقديمة هي أم حادثة؟ فأدركني الحياء والخوف؛ ~~فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة؛ ولم أكن أدري ما قرر معه ابن ~~طفيل. ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء؛ فالتفت إلى ابن طفيل وجعل ~~يتكلم على المسألة التي سألني عنها، ويذكر ما قاله أرسطوطاليس وأفلاطون ~~وجميع الفلاسفة، ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم؛ فرأيت منه غزارة ~~حفظ لم أظنها في أحد من المشتغلين بهذا الشأن المتفرغين له. ولم يزل يبسطني ~~حتى تكلمت، فعرف ما عندي من ذلك؛ فلما انصرفت أمر لي بمال وخلعة سنية ~~ومركب. # وأخبرني تلميذه المتقدم الذكر عنه قال: استدعاني أبو بكر بن طفيل يوما ~~فقال لي: سمعت اليوم أمير المؤمنين يتشكى من قلق عبارة أرسطوطاليس، أو ~~عبارة المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه، ويقول: لو وقع لهذه الكتب من ~~يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهما جيدا لقرب مأخذها على الناس؛ فإن ~~كان فيك فضل قوة لذلك فافعل، وإني لأرجو أن تفي به؛ لما أعلمه من جودة ذهنك ~~وصفاء قريحتك وقوة نزوعك إلى الصناعة. وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من ~~كبرة سنى واشتغالي بالخدمة وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي منه. قال أبو ~~الوليد: فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم أرسطوطاليس. ~~PageV01P179 # وقد رأيت أنا لأبي الوليد هذا تلخيص كتب الحكيم في جزء واحد في نحو من ~~مائة وخمسين ورقة، ترجمه ب كتاب الجوامع, لخص فيه كتاب الحكيم المعروف ب ~~سمع ms136 الكيان، وكتاب السماء والعالم، ورسالة الكون والفساد، وكتاب الآثار ~~العلوية، وكتاب الحس والمحسوس. ثم لخصها بعد ذلك وشرح أغراضها في كتاب ~~مبسوط في أربعة أجزاء. # رجع الحديث عن الأمير أبي يعقوب # وفي الجملة، لم يكن في بني عبد المؤمن فيمن تقدم منهم وتأخر ملك بالحقيقة ~~غير أبي يعقوب هذا. # وزراؤه # وزر له أخوه عمر أياما يسيرة، ثم ارتفع قدره عن الوزارة؛ إذ رآها دونه. # ثم وزر له أبو العلاء إدريس بن إبراهيم بن جامع، إلى أن قبض عليه واستصفى ~~أمواله في شهور سنة 577. # ووزر له بعده ابنه أبو يوسف ولي عهده, إلى أن مات سنة 580. # فكانت ولايته من حين بويع له إلى أن استشهد -رحمة الله عليه- ببلاد ~~الروم، اثنتين وعشرين سنة إلا أشهرا. # كتابه # أبو محمد عياش بن عبد الملك بن عياش كاتب أبيه، وأبو القاسم المعروف ب ~~القالمي، وأبو الفضل جعفر بن أحمد المعروف ب ابن محشوة، من أهل مدينة ~~بجاية، كان يخدم أبا القاسم القالمي إلى أن مات، فكتب مكانه. # هؤلاء كتبة الإنشاء خاصة، وكتاب الجيش: أبو الحسين الهوزني الإشبيلي، ~~وأبو عبد الرحمن الطوسي. # حاجبه # كافور مولاه الخصي، كان يدعى كافور بغرة. # أولاده # كان له من الولد ثمانية عشر ذكرا، وهم: عمر، ويعقوب -وهو ولي عهده-، وأبو ~~بكر، وعبد الله، وأحمد، ويحيى -كان يحيى هذا -رحمه الله- لي صديقا، # PageV01P180 # ومن جهته تلقيت أكثر أخبارهم؛ لم أر في الملوك ولا في السوقة مثله -رحمة ~~الله عليه-؛ وما استجزت لفظة الصداقة مع أن الواجب لفظ الخدمة، إلا لما كان ~~-رحمه الله- يكتب إلي: أخي، وصديقي في بعض الأوقات، ووليي في بعضها؛ اجتمعت ~~عندي بخطه رقاع كثيرة، خلع علي فيها فضله، وحلاني بما لم أكن أستحقه- ~~وموسى، وإبراهيم، وإدريس، وعبد العزيز، وطلحة، وإسحاق، ومحمد، وعبد الواحد، ~~وعثمان، وعبد الحق، وعبد الرحمن، وإسماعيل, وبنات. # قضاته # أبو محمد المالقي المتقدم الذكر. ثم عزله وولى بعده عيسى بن عمران ~~التازي1، من أهل رباط تازا من أعمال مدينة فاس، من قبيلة يقال لها: تسول، ~~من البربر يرجعون إلى ms137 زناتة. # كان عيسى هذا من فضلاء أهل المغرب ونبهائهم، وكان خطيبا مصقعا2 وبليغا ~~لسنا3 وشاعرا مفلقا4 مشاركا في كثير من العلوم. ونال في أيام أبي يعقوب ~~حظوة ومكانة؛ كان يتكلم عن الوفود ويخطب في النوازل فيأتي بكل عجيبة. وكان ~~مع هذا ذا مروءة تامة وتعصب لمن ينقطع إليه مفرط. أخبرني ابنه أبو عمران ~~-قاضي الجماعة في وقتنا هذا- قال: سمعت أبي يقول وقد لامه بعض من يلوذ به ~~في التنويه بأقوام ليست لهم سوابق ولا أقدار، رفعهم من الحضيض جاهه، ونبههم ~~بعد الخمول اعتناؤه: ليس العجب ممن يأتي إليه رجل نبيه القدر يرفعه، إنما ~~العجب ممن يحيي الميت وينبه الخامل ويرفع الوضيع؛ فأما النبيه القدر ~~فنباهته تكفيه. # وبلغ من إفراطه في التعصب أن قال يوما: ليس بحماية أن تحمي صاحبك وهو ~~محق؛ فإن الحق أظهر وأقوى من أن يحمى؛ إنما الحماية أن تحميه وهو مبطل! في ~~أشباه لهذه الأخبار. # وكان له أولاد ما منهم إلا من ولي القضاء؛ وهم علي، وكان علي هذا رجلا ~~صالحا، ولي في حياة أبيه قضاء مدينة بجاية، ثم عزل عنها وولي مدينة تلمسان. ~~وهو عندنا من المشهورين بالتصميم والتبتل5 في دينه، وممن لا تأخذه هوادة في ~~الحق. PageV01P181 # ومن أولاده طلحة، ولي قضاء تلمسان؛ ويوسف، تركته قاضيا بمدينة فاس، ~~بلغتني وفاته وأنا بمكة في سنة 620؛ وأبو عمران موسى، قاضي الجماعة في ~~وقتنا هذا، وسيأتي ذكره في موضعه -إن شاء الله عز وجل-. # ثم ولي بعد أبي موسى هذا رجل اسمه حجاج بن إبراهيم التجيبي، من أهل مدينة ~~أغمات من أعمال مدينة مراكش. كان حجاج هذا رجلا صالحا يعد في الزهاد ~~المتبتلين، وكان له تبحر في الفقه ومعرفة بأصوله وبصر بعلم الحديث. هذا مع ~~نزاهة نفس وطهارة عرض وتصميم في الحق؛ أفرط في ذلك حتى ثقلت على كثير من ~~وجوه الدولة وطأته، ونالوا منه عند أبي يعقوب؛ فما زاده ذلك إلا حبا ~~وتقريبا، إلى أن مات -رحمه الله- في حياة أبي يعقوب. بلغ من رقة قلبه وسرعة ~~دمعته أنه ms138 دخل يوما على أمير المؤمنين أبي يعقوب وقد بل لحيته ورداءه ~~بدموعه؛ فلما مثل بين يديه زاد في البكاء، فسأله أمير المؤمنين عما أبكاه؛ ~~فقال: يا أمير المؤمنين، سألتك بالله، ألا أعفيتني؟ قال: عزمت عليك لتخبرني ~~أولا بسبب بكائك! قال: بينا أنا قاعد في مجلس الحكم إذ أتيت بشيخ سكران كنت ~~قد حددته مرارا، فكان من كلامي أن قلت له: يا شيخ، كيف تحشر؟ ففتح يديه ~~وقال: هكذا ... فوالله ما ملكت دمعتي حين عرفت ما عنى بقوله؛ إنما عرض لي ~~بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن القاضي يحشر مطوقة يداه إلى عنقه؛ فإما ~~أن يحله عدله أو يهوي به جوره"! هذا معنى الحديث؛ فأسألك بالله، ألا ~~أعفيتني؟ فوعده بذلك؛ فقال: عسى أن يكون في مقامي هذا! فقال له: لا أفعل ~~حتى أجد عوضا منك! فخرج من عنده، فما لبث إلا أياما يسيرة حتى مات -رحمة ~~الله عليه-!. # ثم ولي بعده القضاء أبو جعفر أحمد بن مضاء، من أهل مدينة قرطبة؛ فلم يزل ~~أبو جعفر هذا قاضيا إلى أن مات أمير المؤمنين أبو يعقوب، وصدرا من خلافة ~~أبي يوسف المنصور -رحمه الله-. # PageV01P182 # فصل دخول بني مردنيش في طاعة الموحدين # ولما استوسق لأبي يعقوب هذا الأمر، لم يزل مقيما بمراكش إلى أن كانت سنة ~~567، فبدا له أن يعبر إلى جزيرة الأندلس، مظهرا قصد غزو الروم، ومبطنا ~~إتمام تملك الجزيرة والتغلب على ما في يد محمد بن سعد المعروف ب ابن مردنيش ~~منها. وكان يملك منها ابن سعد المذكور من أول أعمال مرسية إلى آخر ما يملكه ~~المسلمون اليوم من شرقيها -وقد تقدم تلخيص التعريف بملكته إياها ومن أين ~~اتصلت إليه- فجمع أمير المؤمنين أبو يعقوب جموعا عظيمة من قبائل الموحدين ~~وغيرهم من أصناف الجند، وسار حتى نزل مدينة سبتة، فبني له بها منزل هو باق ~~هناك إلى اليوم. فأقام بها إلى أن تكاملت جموعه، ولحق به من كان تأخر عنه ~~من العساكر؛ ثم عبر البحر وقصد مدينة إشبيلية، فنزلها، وجهز العساكر إلى ms139 ~~محمد بن سعد. # وكان أخو أبي يعقوب، عثمان بن عبد المؤمن، واليا على مدينة أغرناطة؛ فكتب ~~إليه أن يقصد بالعساكر إلى مدينة مرسية، دار مملكة محمد بن سعد؛ فخرج عثمان ~~بالعساكر حتى نزل قريبا منها بموضع يدعى الجلاب، وخرج إليه محمد بن سعد في ~~جموع عظيمة أكثرها من الإفرنج؛ لأن ابن سعد كان مستعينا بهم في حروبه؛ قد ~~اتخذهم أجنادا له وأنصارا؛ وذلك حين أحس باختلاف وجوه القواد عليه، وتنكر ~~أكثر الرعية له، فقتل من أولئك القواد الذين اتهمهم جماعة بأنواع من القتل؛ ~~بلغني أن منهم من بنى عليه في حائط وتركه حتى مات جوعا وعطشا، إلى غير هذا ~~من ضروب القتل. واستدعى النصارى كما ذكرنا، فجعلهم أجنادا له، وأقطعهم ما ~~كان أولئك القواد يملكونه، وأخرج كثيرا من أهل مرسية وأسكن النصارى دورهم ~~... # فزحف1 كما ذكرنا بجيشه، ومعظمهم من الإفرنج؛ فالتقى هو والموحدون بالموضع ~~المعروف ب الجلاب، على أربعة أميال من مرسية؛ فانهزم أصحاب محمد بن سعد ~~انهزاما قبيحا، وقتل من أعيان الروم جملة، ودخل محمد بن سعد PageV01P183 # مدينة مرسية مستعدا للحصار؛ فضايقه الموحدون، وما زالوا محاصرين له إلى ~~أن مات وهو في الحصار حتف أنفه. وسترت وفاته إلى أن ورد أخوه يوسف بن سعد، ~~الملقب بالرئيس، من بلنسية؛ وكان واليا عليها من جهة أخيه محمد؛ فاجتمع ~~رأيه ورأي أكابر ولد محمد بن سعد -بعد أن أتهموا وأنجدوا1 وأخذوا في كل وجه ~~من وجوه الحيل- على أن يلقوا أيديهم في يد أمير المؤمنين أبي يعقوب، ~~ويسلموا إليه البلاد، ففعلوا ذلك. وقيل: إن أبا عبد الله محمد بن سعد حين ~~حضرته الوفاة، جمع بنيه -وكان له من الولد على علمي ثمانية ذكور، وهم: هلال ~~-يكنى: أبا القمر، وهو أكبر ولده وإليه أوصى- وغانم، والزبير، وعزيز، ~~ونصير، وبدر، وأرقم، وعسكر، وأصاغر لا علم لي بأسمائهم، وبنات تزوج إحداهن ~~أمير المؤمنين أبو يعقوب، وتزوج الأخرى أمير المؤمنين أبو يوسف يعقوب بن ~~يوسف- فكان فيما أوصاهم به أن قال: يا بني، إني أرى أمر هؤلاء القوم قد ms140 ~~انتشر، وأتباعهم قد كثروا، ودخلت البلاد في طاعتهم؛ وإني أظن أنه لا طاقة ~~لكم بمقاومتهم؛ فسلموا إليهم الأمر اختيارا منكم، تحظوا بذلك عندهم، قبل أن ~~ينزل بكم ما نزل بغيركم؛ وقد سمعتم ما فعلوا بالبلاد التي دخولها عنوة! ~~ففعلوا ما أمرهم به؛ فالله أعلم أي الأمرين كان. # وخرج أمير المؤمنين أبو يعقوب من إشبيلية قاصدا بلاد الأدفنش -لعنه الله- ~~فنزل على مدينة له عظيمة تسمى وبذة، وذلك أنه بلغه أن أعيان دولة الأدفنش ~~ووجوه أجناده في تلك المدينة. فأقام محاصرا له أشهرا، إلى أن اشتد عليهم ~~الحصار وأرادوا تسليم البلد. أخبرني جماعة يكثر عددهم ممن أدركت من شيوخ ~~أهل الأمر، أن أهل هذه المدينة لما برح بهم العطش أرسلوا إلى أمير المؤمنين ~~يطلبون الأمان على أنفسهم، على أن يخرجوا له عن المدينة؛ فأبى ذلك عليهم، ~~وأطمعه فيهم ما نقل إليه من شدة عطشهم وكثرة من يموت منهم؛ فلما يئسوا مما ~~عنده سمع لهم في بعض الليالي لغط2 عظيم وجلبة3 أصوات؛ وذلك أنهم أخرجوا ~~أناجيلهم، واجتمع قسيسوهم ورهبانهم يدعون ويؤمن4 باقيهم، فجاء مطر عظيم ~~كأفواه القرب5، ملأ PageV01P184 # ما كان عندهم من الصهاريج1، وشربوا وارتووا وتقووا على المسلمين؛ فانصرف ~~عنهم أمير المؤمنين راجعا إلى إشبيلية، بعد أن هادن الأدفنش -لعنه الله- ~~مدة سبع سنين. # ولم يزل أمير المؤمنين مقيما بالأندلس بقية سنة سبع، وثمان، وتسع، إلى أن ~~رجع إلى مراكش في آخر سنة 569، وقد ملك الجزيرة بأسرها، ودانت له بجملتها، ~~ولم يخرج عن طاعته شيء منها. # الخارجون على طاعة الموحدين بالمغرب # وفي سنة 71 خرج إلى سوس؛ لحسم خلاف وقع هنالك بين بعض القبائل الذين ب ~~درن, فتم له ما أراد من إخماد الفتنة, وجمع الكلمة, وإطفاء النائرة2, وحسم ~~الخلاف. # وفي صدر سنة 73 رام بعض القبيلة المسماة ب غمارة مفارقة الجماعة ونزع ~~اليد من الطاعة؛ وكان رأسهم في ذلك الذي إليه يرجعون، وعميدهم الذي عليه ~~يعولون، رجل اسمه سبع بن حيان, ووافقه على ذلك أخ له يسمى مرزدغ. فدعوا إلى ~~الفتنة، واجتمع عليهما ms141 خلق كثير. والقبيلة المذكورة لا يكاد يحصرها عدد ولا ~~يحدها حزر لكثرتها؛ مسافة بلادها طولا وعرضا نحو من اثنتي عشرة مرحلة. فخرج ~~إليهم أمير المؤمنين أبو يعقوب بنفسه؛ فأسلمتهما جموعهما، وتفرق عنهما من ~~كان اجتمع عليهما، وأخذا قبض اليد؛ فقتلا صبرا وصلبا؛ ثم رجع أمير المؤمنين ~~أبو يعقوب إلى مراكش. # وفي أول سنة 75 خرج أبو يعقوب من مراكش قاصدا بلاد إفريقية؛ فقصد منها ~~مدينة قفصة؛ وكان قد قام بها رجل اسمه علي، يعرف بابن الرند، وتلقب ب ~~الناصر لدين النبي؛ فحاصره أبو يعقوب والموحدون إلى أن استنزلوه، وقطعوا ~~دابر الخلاف وحسموا مواده، ورجعوا إلى مراكش. # صلح ملك صقلية # وفي هذه السفرة صالحه ملك صقلية وأرسل إليه بالإتاوة، بعد أن خافه خوفا ~~شديدا؛ فقبل منه ما وجه به إليه، وهادنه على أن يحمل إليه في كل سنة مالا ~~اتفقا عليه. وبلغني أنه اتصلت إليه منه ذخائر لم يكن عند ملك مثلها؛ مما ~~اشتهر منها حجر PageV01P185 # ياقوت يسمى الحافر -جعلوه فيما كللوا به المصحف، لا قيمة له1، على قدر ~~استدارة حافر الفرس، هو في المصحف إلى اليوم- مع أحجار نفيسة. # المصحف العثماني في المغرب # وهذا المصحف الذي ذكرناه، وقع إليهم من نسخ عثمان -رضي الله عنه- من ~~خزائن بني أمية، يحملونه بين أيديهم أنى توجهوا، على ناقة حمراء عليها من ~~الحلي النفيس وثياب الديباج الفاخرة ما يعدل أموالا طائلة. وقد جعلوا تحته ~~بردعة من الديباج الأخضر يجعلونه عليها، وعن يمينه ويساره عصوان عليهما ~~لواءان أخضران. # وموضع الأسنة منهما ذهب شبه تفاحتين، وخلف الناقة بغل محلى أيضا، عليه ~~مصحف آخر يقال: إنه بخط ابن تومرت، دون مصحف عثمان في الجرم2، محلى بفضة ~~مموهة3 بالذهب؛ هذا كله بين يدي الخليفة منهم. # ورجع أمير المؤمنين أبو يعقوب إلى مراكش من إفريقية، بعد أن لم يبق بجميع ~~المغرب مختلف عليهم ولا معاند لهم، ودانت له جزيرة الأندلس بأسرها -كما ~~ذكرنا- وكثرت في أيامه الأموال واتسع الخراج. # حسن معاملة الموحدين لمن يغلبونهم من الملوك # وكان -كما ذكرنا- سخيا جوادا؛ بلغني ms142 أنه أعطى هلال بن محمد بن سعد ~~المتقدم الذكر، صاحب شرقي الأندلس، اثني عشر ألف دينار في يوم واحد. ولهلال ~~هذا معه أخبار عجيبة، من تقريبه إياه وإحسانه إليه وحبه له؛ أخبرني بعض ولد ~~هلال هذا، أنه سمع أباه يقول: رأيت في المنام في بعض الليالي كأن أمير ~~المؤمنين أبا يعقوب ناولني مفتاحا؛ فلما أصبحت إذا رسوله يستحثني4، فركبت ~~وأتيت القصر، فدخلت عليه وسلمت، فاستدناني حتى مست ثيابه، ثم أخرج إلي من ~~تحت برنسه5 مفتاحا على النحو الذي رأيت في المنام، وقال: خذ إليك هذا ~~المفتاح؛ فتهيبت أن أسال عن شأن المفتاح؛ فقال لي ابتداء: يا أبا القمر، إن ~~عامل مرسية أرسل إلينا في جملة ما أرسل صندوقا وجده -زعم- في بعض خزائنكم، ~~لا يدري ما PageV01P186 # فيه؛ وهذا مفتاحه، ونحن لا ندري ما فيه! فقلت: هلا أمر أمير المؤمنين أن ~~يفتح بين يديه! فقال: لو أردنا أن يفتح بين أيدينا لم نسلم إليك المفتاح! ~~وأمر فحمل الصندوق إلي ففتحته، فإذا فيه حلى وذخائر من ذخائر أبي ما يساوي ~~أكثر من أربعين ألف دينار. # ولما تجهز أمير المؤمنين إلى غزو الروم، أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في ~~الجهاد تملى1 على الموحدين ليدرسوها -وهكذا جرت عادتهم إلى اليوم- فجمع ~~العلماء ذلك وجاءوا به إليه؛ فكان يمليه على الناس بنفسه؛ فكان كل واحد من ~~الموحدين والسادة يجيء بلوح يكتب فيه الإملاء؛ فجاء هلال هذا المذكور يوما ~~ولا لوح معه؛ فأخرج القوم ألواحهم؛ فقال له الوزير: أين لوحك يا أبا ~~القمر؟! فخجل وافتتح يعتذر؛ فأخرج له أمير المؤمنين من تحت برنسه لوحا ~~وناوله إياه، وقال: هذا لوحه! فلما كان من الغد جاء ومعه لوح غير الذي دفعه ~~له أمير المؤمنين؛ فلما نظر إليه قال له: أين لوحك بالأمس يا أبا القمر؟ ~~فقال: خبأته وأوصيت إذا مت أن يجعل بين جلدي وكفني! وأتبع ذلك بكاء حتى ~~أبكى بعض من كان في المجلس؛ فقال أمير المؤمين: هذا المحب الصادق! وأمر له ~~بخيل وأموال وخلع، ولبنيه بمثل ذلك. # اتساع ms143 الدولة وزيادة الخراج # وكان الذي يسهل عليه بذل الأموال -مع ما جبل عليه من ذلك- سعة الخراج 2 ~~وكثرة الوجوه التي يتحصل منها الأموال. # كان يرتفع إليه خراج إفريقية، وجملته في كل سنة وقر3 مائة وخمسين بغلا، ~~هذا من إفريقية وحدها، خلا بجاية وأعمالها، وتلمسان وأعمالها، والمغرب -وحد ~~عمل المغرب عندهم الذي يطلقون عليه هذا الاسم، من مدينة تدعى رباط تازا إلى ~~مدينة تدعى مكناسة الزيتون؛ طول هذه المسافة وعرضها نحو من سبع مراحل، وهي ~~أخصب رقعة على الأرض فيما علمت، وأكثرها أنهارا مطردة، وأشجارا ملتفة، ~~وزروعا وأعنابا- ومدينة سلا وأعمالها، وسبتة وأعمالها -وأعمال سبتة هذه في ~~غاية السعة والضخامة؛ لأن بلاد غمارة كلها ترجع إليها، وهي كما ذكرنا طولا ~~وعرضا نحو PageV01P187 # من اثنتي عشرة مرحلة- وجزيرة الأندلس قاطبة؛ أول ذلك آخر بلاد المسلمين ~~مما يتاخم أرض الروم، وآخره أيضا مما يتاخم أرض الروم من أعمال شلب؛ ومسافة ~~ذلك طولا وعرضا نحو من أربع وعشرين مرحلة. # هذا كله لا ينازعه إياه أحد ولا يمتنع عليه منه درهم، مضافا إلى مراكش ~~وأعمالها؛ وأعمال مراكش أيضا في نهاية من السعة؛ لأن بالقرب منها قبائل ~~ضخمة وبلادا كثيرة؛ فلم يرتفع لملك من الملوك -أعني ملوك المغرب- قبل أبي ~~يعقوب هذا وبعده، ما ارتفع إليه من الأموال. # وقد بلغني من جهة رجل من أصحابنا كان يتولى بيوت الأموال، قال لي: وجدت ~~خرائط كثيرة مما كان يرتفع إلى أمير المؤمنين أبي يعقوب بختمها ### | .... # قال لي هذا القول في غرة سنة 611. # وفي أيام أبي يعقوب ورد علينا المغرب أول من وردها من الغز1، وذلك في آخر ~~سنة 74، وما زالوا يكثرون عندنا إلى آخر أيام أبي يوسف. # ولم تزل أيام أبي يعقوب هذا أعيادا وأعراسا ومواسم: كثرة خصب، وانتشار ~~أمن، ودرور أرزاق2، واتساع معايش؛ لم ير أهل المغرب أياما قط مثلها؛ واستمر ~~هذا صدرا من إمارة أبي يوسف. # محاولة أبي يعقوب فتح شنترين، ووفاته # ولما كانت سنة 79 تجهز أبو يعقوب للغزو، واستنفر أهل السهول والجبال من ~~المصامدة والعرب وغيرهم، وخرج ms144 بجيوشه قاصدا جزيرة الأندلس؛ فعبر البحر ~~بعساكره كما ذكرنا، وقصد مدينة إشبيلية على عادته؛ إذ هي منزله ومنزل ~~الأمراء من بنيه بالأندلس أيام كونهم بها؛ فأقام بها ريثما أصلح الناس ~~شئونهم وأخذوا أهبتهم؛ ثم خرج يقصد مدينة شنترين -أعادها الله للمسلمين-. ~~وهذه المدينة -أعني شنترين- بمغرب الأندلس؛ وهي من أمنع المدائن -وقد تقدم ~~ذكرها في أخبار الدولة اللمتونية- يملكها وجهاتها مع بلاد كثيرة هنالك: ملك ~~من ملوك النصارى يعرف ب ابن الريق -لعنه الله- فخرج أمير المؤمنين -كما ~~ذكرنا- في جيوشه حتى نزل عليها، فضايقها وأخذ في قطع ثمارها وإفساد زروعها ~~وشن الغارات على نواحيها. وكان ابن الريق -لعنه الله- حين سمع بحركة أبي ~~يعقوب إليه وصح عنده أنه PageV01P188 # يقصده، نظر في أمره، فلم ير له طاقة بدفاعه ولا نهضة لمقاومته؛ فلم يكن ~~له هم إلا أن جمع وجوه دولته وأعيان جنده وذوي الغناء من قواده وسائر ~~أتباعه، ودخل بهم مدينة شنترين؛ واثقا بحصانتها وشدة منعتها؛ هذا بعد أن ~~ملأها أقواتا وسلاحا وجميع ما يحتاج إليه، وجلل أسوارها مقاتلة معهم الدرق1 ~~والقسي والحراب؛ إلى غير ذلك مما يحتاج إليه. # فنزل عليها أبو يعقوب، فألفاها كما ذكرنا: قد استعد أهلها بكل ما يظنونه ~~نافعا لهم ودافعا عنهم؛ وهذه المدينة على نهر عظيم من أنهار الأندلس ~~المشهورة، يسمى تاجو؛ فبالغ أبو يعقوب -كما ذكرنا- في التضييق عليها ~~وانتساف معايشها وقطع المواد والمدد عنها؛ فما زاد ذلك أهلها إلا صرامة2 ~~وشدة وجلدا3؛ فخاف المسلمون هجوم البرد -وكان في آخر فصل الخريف- وخافوا أن ~~يعظم النهر فلا يستطيعوا عبوره وينقطع عنهم المدد؛ فأشاروا على أمير ~~المؤمنين بالرجوع إلى إشبيلية، فإذا كان وجه الزمان عادوا إليها أو بعث من ~~يتسلمها. وصوروا له أنها في يده، لا يمنعه منها مانع. فقبل ذلك منهم ~~ووافقهم عليه، وقال: نحن راحلون غدا إن شاء الله. ولم ينتشر هذا القول كل ~~الانتشار؛ لأنه كان قاله في مجلس الخاصة؛ فكان أول من قوض خباءه وأظهر ~~الأخذ في أهبة الرحيل، أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الرحمن ms145 المعروف ~~عندهم ب المالقي -وقد تقدم ذكر أبيه في قضاة عبد المؤمن- وكان أبو الحسن ~~هذا خطيبهم ومعتبرا عندهم، يدعى خطيب الخلافة. وكان له حظ جيد من الفقه ~~ومعرفة الحديث، وقسم وافر من قرض الشعر وصناعة الكتابة. فلما رآه الناس قوض ~~خباءه قوضوا أخبيتهم ثقة به؛ لمكانه من الدولة ومعرفته بأخبارها؛ فعبر في ~~تلك العشية أكثر العسكر النهر يريدون التقدم خشية الزحام وحرصا على أخذ جيد ~~المواضع واختيار المنازل؛ ولم يبق إلا من كان بقرب خباء أمير المؤمنين. # وبات الناس يعبرون الليل كله وأمير المؤمنين لا علم له ذلك؛ فلما رأى ~~الروم عبور العساكر وبلغهم من جهة عيونهم الذين بالعسكر ما عزم عليه أبو ~~يعقوب والمسلمون من الرحيل، ورأوا انفضاض الأجناد وافتراق أكثر الجموع، ~~خرجوا منتهزين للفرصة التي أمكنتهم، في خيل كثيفة؛ فحملوا على من يليهم من ~~الناس، فانهزموا أمامهم، حتى بلغوا الخباء الذي فيه أمير المؤمنين أبو ~~يعقوب؛ فقتل على PageV01P189 # باب الخباء من أعيان الجند خلق كثير، أكثرهم من أعيان الأندلس؛ وخلص إلى ~~أبي يعقوب فطعن تحت سرته طعنة, مات منها بعد أيام يسيرة ... # وتدارك الناس فانهزم الروم راجعين إلى بلدهم بعد أن قضوا ما قضوا، وعبر ~~بأمير المؤمنين النهر جريحا، فجعل في محفة1 وسير به. # عاقبة أبي الحسن المالقي الخطيب # وسأل أمير المؤمنين: من كان السبب في حركة الناس على هذا الوجه المؤدي ~~إلى هذا الاختلال؟! فأخبر بما فعله أبو الحسن المالقي؛ فقال يتوعده: سيجني ~~ثمرتها إن شاء الله! فلما بلغه ذلك هرب حتى دخل مدينة شنترين فارا بنفسه ~~على ملك الروم ابن الريق؛ فأحسن نزله وأكرم مثواه وأجرى عليه رزقا واسعا. ~~ولم يزل عنده مكرما إلى أن بدا له من سوء رأيه أن يكتب كتابا إلى الموحدين ~~يستعطفهم ويسأل من عرفه من أعيانهم الشفاعة له؛ وأدرج في ضمن ذلك فصلا يذكر ~~فيه ضعف المدينة, وأنهم لو كانوا أقاموا عليها ليلة أخرى أخذوها، ويدلهم ~~على بعض عوراتها مما كان خفي عنهم؛ وقال لملك الروم ابن الريق: إني أحب أن ms146 ~~أكتب كتابا إلى عيالي وأولادي وأخبرهم بسلامتي وأعلمهم إكرام الملك إياي ~~وإحسانه إلي وما أنا فيه من العافية، حتى تطمئن نفوسهم؛ وأريد أن توجه مع ~~الذي يحمله من يخفره2 إلى أول بلاد المسلمين؛ فأذن له في ذلك وأجابه إليه؛ ~~فكتب الكتاب ... # وكان العلج الموكل به الذي يقوم عليه ويأتيه بكل ما يحتاج إليه، يعرف ~~لسان العرب -إلا أنه لم يكن يتكلم به- ويقرأ الخط العربي؛ فقام أبو الحسن ~~المذكور لبعض حوائجه وترك الكتاب منشورا، ولم يخطر له أن العلج يعرف شيئا ~~من لسان العرب ولا يقرأ الخط العربي؛ فلمح العلج الكتاب لمحة، ووقف على ~~الفصل المذكور وفهم مقصوده؛ فمضى حتى دخل على الملك وأخبره الخبر ### | .... # وختم أبو الحسن الكتاب ودفعه إلى بعض عبيده؛ فلما خرج العبد بالكتاب وفصل ~~عن المدينة بنحو من مرحلة، أمر بالقبض عليه هناك وأخذ الكتاب منه؛ فلما أتي ~~بالكتاب فتحه وجمع المسلمين الذين بالمدينة وألقى إليهم الكتاب وأمرهم ~~بقراءة ذلك الفصل المذكور؛ واستحضر أبا الحسن، وقال لترجمانه: قل له: ما ~~حملك على ما صنعت مع إكرامي لك وبري بك؟! فكان من جوابه أن قال: إن برك بي ~~وإكرامك PageV01P190 # إياي لا يمنعاني من النصح لأهل ديني والدلالة لهم على ما فيه مصلحتهم! ~~فشاور ابن الريق -لعنه الله- قسيسيه في أمره؛ فأشاروا عليه بإحراقه، ~~فأحرقوه. # وفاة الأمير أبي يعقوب # وأما ما كان من أمر أمير المؤمنين أبي يعقوب؛ فإنهم لما عبروا به النهر ~~كما ذكرنا، أثقله الجرح واشتد عليه؛ فما ساروا به إلا ليلتين أو ثلاثا حتى ~~مات -رحمه الله-؛ فأخبرني من كان معهم في تلك السفرة أنه سمع النداء فيما ~~بين العشاءين في العسكر كله: الصلاة على الجنازة، جنازة رجل. فصلى الناس ~~قاطبة على الجنازة لا يعرفون على من صلوا؛ ولم يعلم بذلك إلا خواص أهل ~~الدولة، وساروا به حتى بلغوا إشبيلية فنزلوها، فصبروه1 وبعثوا به في تابوت ~~مع كافور الحاجب مولاه المتقدم الذكر إلى تينمل؛ فدفن هناك مع أبيه عبد ~~المؤمن, وابن تومرت. # وكانت وفاته يوم السبت قبيل ms147 غروب الشمس, لسبع خلون من رجب الفرد سنة 580. # أخبرني ابنه أبو زكريا يحيى -رحمة الله عليه- أنه كان قبل موته بأشهر ~~يسيرة كثيرا ما يردد هذا البيت: من البسيط # طوى الجديدان ما قد كنت أنشره ... وأنكرتني ذوات الأعين النجل! 2 ~~PageV01P191 ### | ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن # هو يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي كما ذكرنا، يكنى أبا يوسف، أمه أم ~~ولد رومية اسمها: ساحر. بويع له في حياة أبيه بأمره بذلك. وكانت سنه يوم ~~صار إليه الأمر اثنتين وثلاثين سنة؛ فكانت مدة ولايته منذ وفاة أبيه إلى أن ~~توفي في شهر صفر الكائن في سنة 595، ست عشرة سنة وثمانية أشهر وأياما، ~~وتوفي وله من العمر ثمان وأربعون سنة, وقد وخطه1 الشيب. # صفته # كان صافي السمرة جدا إلى الطول ما هو، جميل الوجه، أعين2 أفوه3 أقنى4، ~~شديد الكحل، مستدير اللحية، ضخم الأعضاء، جهوري الصوت، جزل الألفاظ5، أصدق ~~الناس لهجة وأحسنهم حديثا وأكثرهم إصابة بالظن؛ كان لا يكاد يظن شيئا إلا ~~وقع كما ظن، مجربا للأمور، عارفا بأصول الشر والخير وفروعهما. ولي الوزارة ~~أيام أبيه فبحث عن الأمور بحثا شافيا، وطالع أحوال العمال والولاة والقضاة ~~وسائر من ترجع إليه الأمور مطالعة أفادته معرفة جزئيات الأمور؛ فدبرها بحسب ~~ذلك، فجرت أموره على قريب من الاستقامة والسداد، حسبما يقتضيه الزمان ~~والإقليم. # أولاده # كان له من الولد: محمد -ولي عهده، وسيأتي ذكر مولده ووفاته- وإبراهيم، ~~وعبد الله، وعبد العزيز، وأبو بكر، وزكريا، وإدريس، وعيسى، وموسى، وصالح، ~~PageV01P192 # وعثمان، ويونس، وسعد، ومساعد، والحسن، والحسين؛ هؤلاء أولاده المخلفون ~~بعده؛ ومات له في حياته عدة من الولد، وله بنات فيهن كثرة. # وزراؤه # أبو حفص، عمر بن أبي زيد الهنتاتي إلى أن مات. # ثم وزر له بعده أبو يحيى أبو بكر بن عبد الله بن أبي حفص عمر إينتي ~~المتقدم الذكر، واستمرت وزارة أبي يحيى هذا إلى أن استشهد -رحمه الله- ~~ببلاد الروم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله؛ فاضطرب أمر الوزارة قليلا ... # ثم وقع اختيارهم ms148 على أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن الشيخ أبي حفص ~~المتقدم الذكر؛ وأبو عبد الله هذا هو الملقب عندهم ب الفيل، هو ابن عم ~~الوزير الشهيد أبي يحيى المذكور آنفا. فوزر أبو عبد الله هذا أياما يسيرة، ~~ثم ترك الوزارة مختارا وهرب إلى بعض نواحي إشبيلية؛ فخلع ثيابه ولبس عباءة ~~وتزهد؛ فأرسلوا إليه من رده؛ وأعفوه من الوزارة. # ثم وزر له أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن يوجان الهنتاتي؛ فلم يزل عبد ~~الرحمن هذا وزيرا إلى أن مات أبو يوسف، وصدرا من إمارة ابنه أبي عبد الله، ~~ثم عزل عن الوزارة. # حجابه # عنبر الخصي مولاه؛ ثم ريحان الخصي مولاه أيضا، إلى أن مات، وحجب ابنه أبا ~~عبد الله، فلم يزل حاجبا له إلى أن مات ريحان المذكور. # كتابه # أبو الفضل جعفر المعروف ب ابن محشوة؛ كان من كتاب أبيه -حسبما تقدم- جمع ~~أبو الفضل جعفر هذا إلى براعة الكتابة سعة الرواية, وغزارة الحفظ, وذكاء ~~النفس؛ لم يزل كاتبا له إلى أن توفي، أعني أبا الفضل. # فكتب له بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش من أهل برشانة، من ~~أعمال المرية من بلاد الأندلس. لم يزل أبو عبد الله هذا كاتبا له ولابنه ~~محمد ولابن ابنه يوسف. تركته حيا حين ارتحلت عن البلاد سنة 614، ثم اتصلت ~~بي وفاته في شهور سنة 619 وأنا يومئذ بالبلاد المصرية. # هذان الكاتبان اللذان ذكرناهما، هما كاتبا الإنشاء خاصة. # PageV01P193 # وكتاب الجيش: رجل يعرف ب الكباشي، ذهب عني اسمه؛ وقد كان يكتب قبله أبو ~~الحسن بن مغن. استمرت كتابة الكباشي هذا في ديوان الجيش إلى أن مات أمير ~~المؤمنين أبو يوسف. # ولم يكتب لهم منذ قام أمرهم -أعني من كتبة الإنشاء- من عرف طريقتهم وصب ~~في قالبهم وجرى على مهيعهم وأصاب ما في أنفسهم كأبي عبد الله بن عياش هذا؛ ~~فإن القوم لهم طريقة تخالف طريقة الكتاب. ثم جرى الكتاب بعده على أسلوبه، ~~وسلكوا مسلكه لما رأوا من استحسانهم لتلك الطريقة. # قضاته # أبو ms149 جعفر أحمد بن مضاء المتقدم الذكر إلى أن مات. وولي بعده أبو عبد الله ~~محمد بن مروان، من أهل مدينة وهران؛ ثم عزله وولى بعده أبا القاسم أحمد بن ~~محمد، رجلا من ولد بقي بن مخلد الفقيه المحدث الذي يروي عن أحمد بن حنبل1. ~~وقد تقدم ذكر بقي هذا وطرف من أخباره في صدر الدولة الأموية في أخبار ~~الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ~~الداخل بالأندلس. لم يزل أبو القاسم هذا قاضيا إلى أن توفي أمير المؤمنين ~~أبو يوسف، وشيئا من أيام ابنه محمد. # تلخيص التعريف بخبر بيعته # ولما مات أبو يعقوب -كما ذكرنا- على مراحل من مدينة شنترين، سترت وفاته ~~إلى أن بلغوا إشبيلية، وهم في كل يوم يصبحون يمشون بين يدي الدابة التي ~~عليها المحفة مشاة على أرجلهم كما جرت العادة؛ ثم يركبون والمحفة مسدول ~~عليها ستر أخضر؛ إلى أن بلغوا إشبيلية كما ذكرنا؛ فخرج الإذن من أمير ~~المؤمنين أبي يعقوب -زعموا- بتجديد البيعة لابنه أبي يوسف، فبايعه المصامدة ~~والناس عامة من جميع الأصناف. # وكان الذي سعى في بيعته وقام بها ورغب فيها وتولى كبر أمرها، ابن عمه أبو ~~زيد عبد الرحمن بن عمر بن عبد المؤمن؛ فتم له الأمر وبايعه الناس، يحسبون ~~ذلك بإذن أبيه. فلما فرغ مما أراده من ذلك وتهيأ له، أعلن وفاة أبيه عند ~~خواص الدولة؛ ولم تجر عادتهم بإعلان موت خلفائهم عند العامة إلى هلم. # وكان له من إخوته وعمومته منافسون لا يرونه أهلا للإمارة؛ لما كانوا ~~يعرفون PageV01P194 # من سوء صباه؛ فلقي منهم شدة -على ما سيأتي بيانه- وكانت هذه البيعة ~~العامة -كما ذكرنا- في سنة 580. # ولما استوسق أمره -على ما تقدم- عبر البحر بعساكره وسار حتى نزل مدينة ~~سلا، وبها تمت بيعته واستجاب له من كان تلكأ عليه من أعمامه من ولد عبد ~~المؤمن، بعد ما ملأ أيديهم أموالا وأقطعهم الأقطاع الواسعة. # بنيان مدينة الرباط # ثم شرع في بنيان المدينة العظمى التي على ساحل البحر والنهر من العدوة ~~التي ms150 تلي مراكش. وكان أبو يعقوب -رحمه الله- هو الذي اختطها ورسم حدودها ~~وابتدأ في بنيانها، فعاقه الموت المحتوم عن إتمامها؛ فشرع أبو يوسف -كما ~~ذكرنا- في بنيانها إلى أن أتم سورها، وبنى فيها مسجدا عظيما كبير المساحة ~~واسع الفناء جدا، لا أعلم في مساجد المغرب أكبر منه. وعمل له مئذنة في ~~نهاية العلو، على هيئة منار الإسكندرية، يصعد فيه بغير درج، تصعد الدواب ~~بالطين والآجر والجص وجميع ما يحتاج إليه إلى أعلاها. ولم يتم هذا المسجد ~~إلى اليوم؛ لأن العمل ارتفع عنه بموت أبي يوسف؛ ولم يعمل فيه محمد ولا يوسف ~~شيئا. وأما المدينة فتمت في حياة أبي يوسف وكملت أسوارها وأبوابها وعمر ~~كثير منها. وهي مدينة كبيرة جدا، تجيء في طولها نحوا من فرسخ، وهي قليلة ~~العرض. # ثم خرج بعد أن رتب أشغال هذه المدينة وجعل عليها من أمناء المصامدة من ~~ينظر في أمر نفقاتها وما يصلحها؛ فلم يزل العمل فيها وفي مسجدها المذكور ~~طول مدة ولايته إلى سنة 594، وسار هو حتى نزل مراكش. # طمع بني غانية في التغلب على إفريقية # وفي هذه السنة -أعني سنة 80- خرج الميورقيون بنو ابن غانية من جزيرة ~~ميورقة قاصدين مدينة بجاية، فملكوها وأخرجوا من بها من الموحدين؛ وذلك لست ~~خلون من شعبان من السنة المذكورة؛ وهذا أول اختلال وقع في دولة المصامدة، ~~لم يزل أثره باقيا إلى وقتنا هذا، وهو سنة 621. # التعريف ببني غانية ودار ملكهم # وتلخيص خبر هؤلاء القوم -أعني بني غانية- أن أمير المسلمين علي بن يوسف ~~بن تاشفين، وجه إلى الأندلس برجلين -اسم أحدهما يحيى، والآخر محمد- ابني ~~علي، من قبيلة مسوفة، يعرفان ب ابني غانية، وهي أمهما. فأما يحيى منهما، # PageV01P195 # وهو الأكبر، فكان حسنة من حسنات الدهر، اجتمع له من المناقب ما افترق في ~~كثير من الناس؛ فمنها أنه كان رجلا صالحا شديد الخوف لله -عز وجل- والتعظيم ~~له والاحترام للصالحين؛ هذا مع علو قدم في الفقه واتساع رواية للحديث. وكان ~~مع هذا شجاعا فارسا، إذا ركب عد وحده بخمسمائة فارس. وكان علي بن ms151 يوسف يعده ~~للعظائم ويستدفع به المهمات، وأصلح الله على يديه كثيرا من جزيرة الأندلس، ~~ودفع به عن المسلمين غير مرة مكاره قد كانت نزلت بهم. كان أمير المسلمين ~~ولاه مدينة بلنسية، ثم عزله عنها وولاه قرطبة؛ فلم يزل بها واليا إلى أن ~~مات -رحمة الله عليه- أول الفتنة الكائنة على المرابطين. لا أعلم له عقبا. # محمد بن غانية # وكان أخوه محمد واليا من قبله على بعض أعمال قرطبة، فلما مات اضطرب أمر ~~محمد هذا، وبقي يجول في بلاد الأندلس والفتنة تتزيد، ودعوة المصامدة تنتشر. ~~فلما اشتد خوف محمد هذا أتى مدينة دانية فعبر منها إلى جزيرة ميورقة في ~~حشمه وأهل بيته، فملكها والجزيرتين اللتين حولها: منرقة، ويابسة. ويقال: إن ~~أمير المسلمين علي بن يوسف نفاه إليها على طريق السجن بها، فالله أعلم. # وهذه الجزيرة -أعني ميورقة- أخصب الجزر أرضا، وأعدلها هواء، وأصفاها جوا؛ ~~طولها وعرضها نحو من ثلاثين فرسخا، اتفق أهلها على أنهم لم يروا فيها شيئا ~~من الهوام المؤذية قط منذ عمرت، من ذئب أو سبع أو حية أو عقرب، إلى غير ذلك ~~مما يخشى ضرره. ويجاورها بالقرب منها جزيرتان تقربان منها في الخصب، تسمى ~~إحداهما منرقة، والأخرى يابسة، وقد تقدم ذكرهما. # ... فاستقل محمد بمملكة هذه الجزر، وضبطها لنفسه، وأقام فيها جاريا على ~~أمر لمتونة الأول: يدعو لبني العباس. وكان له من الولد: عبد الله، وإسحاق، ~~والزبير، وطلحة؛ وبنات. # فعهد في حياته إلى أكبر ولده، عبد الله؛ فنفس1 ذلك عليه أخوه إسحاق، ودخل ~~عليه في جماعة من الجند وعبيد له فقتله -قيل: في حياة أبيه، وقيل: بعد ~~وفاته- وتوفي عبد الله المذكور. # إسحاق بن محمد # واستقل أبو إبراهيم بالملك استقلالا حسنا، وحسنت حاله، وكثر الداخلون ~~عليه PageV01P196 # بجزيرة ميورقة من فل لمتونة وبقاياهم؛ فكان يحسن إليهم ويصلهم حسب طاقته. # وأقبل على الغزو، وصرف عنايته إليه؛ فلم يكن له هم غيره؛ فكان له في كل ~~سنة سفرتان إلى بلاد الروم، يغنم ويسبي وينكي1 في العدو أشد نكاية، إلى أن ~~امتلأت أيدي أصحابه أموالا؛ فقوي ms152 بذلك أمره، وتشبه بالملوك. ولم يزل هذه ~~حاله إلى أن توفي في سنة 79، وفي أولها وفي آخر أيام أبي يعقوب يوسف بن عبد ~~المؤمن. # وكان يراسل الموحدين ويهاديهم ويهادنهم ويختصهم من كل ما يسبي ويغنم ~~بنفيسه وجيده؛ يشغلهم بذلك عنه، مع احتقارهم لأمر تلك الجزيرة، وقلة ~~التفاتهم إليها. فلما كان في شهور سنة 578 والوا إليه الكتب يدعونه إلى ~~الدخول في طاعتهم والدعاء لهم على المنابر، ويتوعدونه على ترك ذلك؛ فوعدهم ~~ذلك واستشار وجوه أصحابه، فاختلفوا عليه؛ فمن مشير عليه بالامتناع بمكانه، ~~وحاض له على الدخول فيما دعوه إليه؛ فلما رأى اختلافهم أرجأ الأمر إلى أن ~~ينظر ... # وخرج إلى بلاد الروم غازيا، فاستشهد -رحمه الله- هناك؛ وقيل: إنه طعن ~~طعنة في حلقه لم يمت منها مكانه, وإنما جيء به حيا حتى أدخل قصره فمات فيه، ~~فالله أعلم2. # وكان له من الولد: علي -وهو أكبر ولده والقائم بأمره من بعده- وعبد الله, ~~ويحيى، وأبو بكر، وسير، وتاشفين، ومحمد، والمنصور، وإبراهيم؛ توفي إبراهيم ~~هذا بدمشق حين كان نازلا بها على السلطان الملك العادل. # علي بن إسحاق # ولما توفي أبو إبراهيم إسحاق بن محمد المذكور، قام بالأمر من بعده ابنه ~~علي بعهد أبيه إليه، وخرج بأسطول ميورقة إلى العدوة، وقصد مدينة بجاية حين ~~راسله جماعة من أعيانها -على ما يقال- يدعونه إلى أن يملكوه، ولولا ذلك لم ~~يجسر على الخروج. ومما جرأه أيضا كون الموحدين بالأندلس، وسماعه خبر موت ~~أبي يعقوب واشتغالهم ببيعة أبي يوسف، وظن أن الأمر سيضطرب وأن الخلاف ~~سينشأ، فكان هذا أيضا مما أعانه على الخروج. ولولا هذه الأسباب التي ذكرنا ~~لم يجسر على الخروج ... # فقصد ساحل بجاية فنزل به، فقاتله أهلها قتالا غير كثير، ثم دخلها؛ وكان ~~PageV01P197 # دخوله إياها -كما ذكرنا- يوم الاثنين لست خلون من شعبان من السنة ~~المذكورة. # استطراد عن انتقاض العرب بإفريقية على الموحدين # وكان فيها إذ دخلها، أبو موسى عيسى بن عبد المؤمن؛ لم يكن واليا عليها ~~وإنما كان الوالي عليها أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد ms153 المؤمن، وكان ~~أبو موسى مارا بها حين رجع من إفريقية، وكان واليا عليها هو وأخوه الحسن من ~~قبل أخيهما أبي يعقوب، فظهر من العرب إفساد ببعض نواحي إفريقية، فخرج أبو ~~موسى هذا وأخوه أبو علي بجيش من المصامدة ومن انضاف إليهم من العرب وسائر ~~الجند، فالتقوا هم وأولئك العرب المفسدون؛ فانهزم جند إفريقية عنهما ~~وأخذتهما العرب أسيرين، فأقاما عندهم، وانتهى الخبر إلى أبي يعقوب، فأرسل ~~إلى أولئك العرب؛ فطلبوا مالا اشتطوا1 فيه غاية الاشتطاط. ثم إن الأمر تقرر ~~بينهم وبين الموحدين على ستة وثلاثين ألف مثقال، فلما أخبر بذلك أبو يعقوب ~~استكثر المال وقال: هذه أيضا مضرة أخرى؛ إن أعطيناهم مثل هذا المال تقووا ~~به على ما يريدونه من الفساد! ثم اتفق رأيهم على أن يضربوا لهم دنانير من ~~الصفر مموهة2، ففعلوا ذلك وأرسلوا بها إليهم؛ فأطلقوا أبا علي وأبا موسى ~~ومن كان معهما من خدمهما وحاشيتهما؛ فهذا ما أوجب كون أبي موسى ببجاية، ~~فخرج من أسر العرب إلى أسر الميورقيين!. # رجع الحديث عن بني غانية في بجاية # فدخل علي بن إسحاق -كما ذكرنا- بجاية في اليوم المؤرخ، وأقام بها سبعة ~~أيام صلى فيها الجمعة فخطب ودعا لبني العباس، ثم للإمام أبي العباس أحمد ~~الناصر منهم، وكان خطيبه الفقيه الإمام المحدث المتقن أبو محمد عبد الحق بن ~~عبد الرحمن الأزي الإشبيلي3 - مؤلف كتاب الأحكام وغيره من التآليف- فأحنق ~~ذلك عليه أبا يوسف يعقوب أمير المؤمنين، ورام سفك دمه، فعصمه الله منه، ~~وتوفاه حتف أنفه وفوق فراشه!. # وخرج علي بن إسحاق من بجاية بعد أن أسس أموره فيها، وسار حتى نزل على ~~قلعة بني حماد، فملكها وملك جميع تلك النواحي؛ فانتهى ذلك إلى أمير ~~المؤمنين PageV01P198 # يعقوب، فخرج بالموحدين قاصدا مدينة بجاية، فلما سمع علي بقدومه خرج له ~~عنها وقصد بلاد الجريد. # استرجاع بجاية من يد الميورقيين # ونزل أمير المؤمنين بالقرب من بجاية، فتلقاه أهلها، فلقيهم منشرح الصدر, ~~ظاهر البشر1، وقال لهم من القول ما بسط به نفوسهم ورد إليهم نافر أنسهم، ~~وقد كانوا ms154 يظنون غير ذلك، فخرجوا من عنده متعجبين مما رأواه منه وسمعوا ... # واستعمل على بجاية من أعيان الموحدين رجلا اسمه محمد بن أبي سعيد ~~الجنفيسي؛ ثم سار حتى نزل مدينة تونس، فجهز جيشا عظيما أمر عليهم رجلا من ~~ولد عمر بن عبد المؤمن اسمه يعقوب، وذلك لما كانوا يرونه في ملحمة كانت ~~عندهم من أنهم سيهزمون مع رجل اسمه يعقوب، بموضع يعرف ب وطا عمره. فسار ~~يعقوب هذا بالجيش المذكور، وأقام هو في تونس؛ فكانت الهزيمة على يعقوب بن ~~عمر -كما ذكر-. وذلك أن الموحدين التقوا هم وأصحاب علي بن غانية، فانهزم ~~الموحدون انهزاما قبيحا، واتبعتهم العرب والبربر يقتلونهم في كل وجه. وهلك ~~أكثرهم عطشا، ورجع بقيتهم إلى تونس حيث أمير المؤمنين, فلم شعثهم، وجبر ما ~~وهى من أحوالهم، وخرج هو بنفسه حتى لقي علي بن غانية بموضع يعرف ب الحامة، ~~حامة دقيوس؛ فما وقف أصحاب علي إلا يسيرا حتى انكشفوا عنه، وأبلى هو عذرا ~~فأثحن جراحا2، وخرج فارا بنفسه فمات في خيمة لعجوز أعرابية. # وكان حين خرج من ميورقة خرج معه من إخوته: عبد الله، ويحيى، وأبو بكر، ~~وسير؛ فبقي هؤلاء المذكورون بعد موت أخيهم على من كان معهم من أصحابهم؛ ثم ~~رأوا أن يقدموا عليهم يحيى لما رأوا من شهامته وشجاعة نفسه؛ فقدموه، ثم ~~لحقوا بالصحراء فكانوا بها مع العرب الكائنين هناك إلى أن رجع أمير ~~المؤمنين من هذا الوجه. # استرجاع قفصة # وفي هذه السفرة انتقضت عليهم أيضا مدينة قفصة، ونزع أهلها أيديهم من ~~طاعتهم ودعواللميورقيين؛ فنزل عليها أمير المؤمنين أبو يوسف فحاصرها أشد ~~الحصار؛ ثم دخلها PageV01P199 # عنوة فقتل أهلها قتلا ذريعا؛ بلغني أنه قتل أكثرهم ذبحا؛ وأمر بأسوارها ~~فهدت. # إبراهيم الزويلي الكاتب # وفي ذلك يقول رجل من أصحابنا من الكتاب، اسمه إبراهيم، يعرف عندنا ~~بالزويلي، في قصيدة طويلة له يمدح بها أمير المؤمنين أبا يوسف, ويذكر شأن ~~قفصة ورميهم إياها بحجارة المنجنيق: من البسيط # سائل بقفصة هل كان الشقي لها ... بعلا, وكانت له حمالة الحطب1 # تبت يدا كافر ms155 بالله ألهبها ... فكان كالكافر الأشقى أبي لهب2 # وفيها يقول: # لما زنت وهي تحت الأمر محصنة ... حصبتموها اتباع الشرع بالحصب3 # أنشدني -رحمه الله- هذه القصيدة بلفظه من أولها إلى آخرها؛ فلما انتهى ~~إلى هذا البيت: لما زنت ... غلبني الضحك لما سبق إلى خاطري من سوء معناه؛ ~~فسترت وجهي، فقال لي: ما لك؟ فلم أملك أن قهقهت فتغير لي؛ فلما خفت غضبه ~~أخبرته بما سبق إلى خاطري، فسبني وقال لي: أنت والله شيطان سيئ القريحة، ~~غالب على طباعك اللهو! ### | .... # واستمر في إنشاده حتى أتم القصيدة. # وأبو إسحاق الزويلي هذا من شيوخ الكتاب وظرفاء الشعراء، جمعتني وإياه ~~مجالس عند السيد الأجل أبي زكريا يحيى بن يوسف بن عبد المؤمن، شاهدت فيها ~~من ظرفه4 وغزارة بديهته ما قضيت منه العجب. # رجع الحديث عن بني غانية # ولما فرغ أبو يوسف من أمر إفريقية، كر راجعا إلى المغرب. # ولم يزل يحيى بن غانية قائما بما كان يقوم به أخوه من تدبير الأمور؛ ورجع ~~منهم عبد الله خاصة إلى جزيرة ميورقة، فألفاها قد انتقضت عليهم، ودعي فيها ~~للموحدين؛ PageV01P200 # فعل ذلك أخوهم أبو عبد الله محمد بن إسحاق. فلما قدم عبد الله قام معه ~~علج من علوج أبيه يسمى نجاحا؛ كان نجاح هذا لم ينقض عهدا ولا نزع يدا من ~~طاعة؛ وكان متحصنا في قلعة ومعه جماعة على رأيه من الموالي والجند. فلما ~~قدم عبد الله -كما ذكرنا- تلقوه، وانضاف إليهم خلق من بوادي الجزيرة من ~~الفلاحين ورعاة الغنم؛ فنهد1 بهم عبد الله إلى المدينة، فلم يدفعه عنها أحد ~~ولا امتنع عليه من أهلها ممتنع؛ ففتحوا له الأبواب، ودخلها بمن معه؛ وأخرج ~~أخاه محمدا ونفاه إلى الأندلس؛ فحظي محمد هذا عند المصامدة حظوة عظيمة، ~~وولوه مدينة دانية، فلم يزل واليا عليها حتى مات. # واستقر عبد الله بميورقة، فضبط أمرها وجرى في الغزو وإخافة العدو على ~~سنن2 أبيه؛ فلم يزل كذلك إلى أن دخلها عليه الموحدون في سنة 599 على ما ~~سيأتي بيانه إن شاء الله. # ولم يزل أمر يحيى بإفريقية ms156 ينبه ويخمل أخرى؛ وله أخبار يطول شرحها ويخرج ~~عن الغرض بسطها. # اختلاف بني عبد المؤمن # وحين كان أمير المؤمنين أبو يوسف غائبا في هذا الوجه الذي ذكرنا، طمع في ~~الأمر أخوه أبو حفص عمر المتلقب ب الرشيد، وعمه سليمان بن عبد المؤمن؛ وكان ~~أحدهما بشرقي الأندلس بمدينة مرسية، والآخر ب تادلا من بلاد صنهاجة. # فأما أبو الربيع سليمان فسولت3 له نفسه وزين له سوء رأيه أن يجمع على ~~نفسه قبائل صنهاجة ليقوموا بدعوته, وصرح بذلك ودعا أشياخهم فألقى إليهم ما ~~أراد؛ فلم يتفق له من ذلك أكثر من أن تشعثت4 عليه البلاد وانتشرت عنه هذه ~~الأشنوعة القبيحة، وبلغ الخبر أمير المؤمنين. # وأما عمر، فكان قد بدأ من ذلك بتنقص أمير المؤمنين أبي يوسف على رءوس ~~الأشهاد5، تعريضا6 مرة وتصريحا تارة، وإلقاء ذلك إلى خواصه ليلقوه إلى وجوه ~~PageV01P201 # الأندلس؛ وانتهى أن قتل قاضي مرسية وخطيبها المعروف ب ابن أبي جمرة، ~~وقيل: إنه وكزه برئاس السيف1 في صدره وكزة مات منها بعد أيام. # فاستحثت هذه الأخبار أمير المؤمنين وأزعجته، فعجل من بجاية إلى فاس سبع ~~عشرة مرحلة؛ وهذا نهاية ما يكون من سرعة السير لمثله. فلما سمع بقدومه أبو ~~الربيع سليمان وعمر المذكوران، خرجا يلتقيانه؛ فعبر عمر البحر. وجاء سليمان ~~بمن معه من تادلا للقائه أيضا؛ فأما عمر فلقيه بالقرب من مدينة مكناسة، ~~فلما رآه نزل عن دابته على العادة ليسلم عليه، فلما قرب منه لم تدر بينهما ~~كلمتان حتى أمر بالقبض عليه وتقييده، وحمل بعد التقييد إلى مدينة سلا؛ ~~ولقيه سليمان عمه، ففعل به مثل ذلك؛ وسار حتى نزل مدينة سلا. وفصل عنها بعد ~~أن وكل بهما من يقوم عليهما، وأثقلهما بالحديد؛ وسار حتى بلغ مراكش، فكتب ~~إلى القائم عليهما بقتلهما وتكفينهما والصلاة عليهما ودفنهما؛ فقتلهما ~~صبرا، ودفنهما، وكتب يعلمه بذلك؛ فبلغني أنه قال له: بنيت قبريهما بالكدان ~~والرخام، وجعل يذكر حسنهما، فكتب إليه: ما لنا ولدفن الجبابرة، إنما هما ~~رجلان من المسلمين، فادفنهما كيف يدفن عامة المسلمين. # وبعد قتله هذين ms157 الرجلين هابه بقية القرابة وأشربت قلوبهم خوفه2، بعد أن ~~كانوا متهاونين بأمره محتقرين له؛ لأشياء كانت تظهر منه في صباه توجب ذلك. ~~وكان قتله هذين الرجلين في سنة 583، وأظهر بعد ذلك زهدا وتقشفا وخشونة ملبس ~~ومأكل. # وانتشر في أيامه للصالحين والمتبتلين وأهل علم الحديث صيت، وقامت لهم ~~سوق، وعظمت مكانتهم منه ومن الناس. ولم يزل يستدعي الصالحين من البلاد، ~~ويكتب إليهم يسألهم الدعاء، ويصل من يقبل صلته منهم بالصلات الجزيلة. # دعوة أبي يوسف إلى الأخذ بالكتاب والسنة # وفي أيامه انقطع علم الفروع، وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد ~~أن يجرد ما فيها من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقرآن، ففعل ~~ذلك، فأحرق منها جملة في سائر البلاد، كمدونة سحنون3، وكتاب ابن يونس4، ~~ونوادر أبي PageV01P202 # زيد1 ومختصره، وكتاب التهذيب للبراذعي2، وواضحة ابن حبيب3، وما جانس هذه ~~الكتب ونحا نحوها. لقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس، يؤتى منها ~~بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار. وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم ~~الرأي والخوض في شيء منه، وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة. وأمر جماعة ممن ~~كان عنده من العلماء المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة: الصحيحين4، ~~والترمذي5، والموطأ6، وسنن أبي داود7، وسنن النسائي8، وسنن البزار9، ومسند ~~ابن شيبة10، وسنن الدارقطني11، وسنن PageV01P203 # البيهقي1 في الصلاة وما يتعلق بها، على نحو الأحاديث التي جمعها محمد بن ~~تومرت في الطهارة؛ فأجابوه إلى ذلك، وجمعوا ما أمرهم بجمعه؛ فكان يمليه ~~بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه؛ وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب، وحفظه ~~الناس من العوام والخاصة. فكان يجعل لمن حفظه الجعل السني من الكسا ~~والأموال. وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، ~~وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث. وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه ~~وجده، إلا أنهما لم يظهراه، وأظهره يعقوب هذا. يشهد لذلك عندي ما أخبرني ~~غير واحد ممن لقي الحافظ أبا بكر بن الجد، أنه أخبرهم قال: لما دخلت على ~~أمير المؤمنين أبي يعقوب أول دخلة دخلتها ms158 عليه، وجدت بين يديه كتاب ابن ~~يونس، فقال لي: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في ~~دين الله؛ أرأيت يا أبا بكر، المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أقوال أو ~~أكثر من هذا؛ فأي هذه الأقوال هو الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ ~~فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك؛ فقال لي وقطع كلامي: يا أبا بكر، ليس ~~إلا هذا, وأشار إلى المصحف, أو هذا, وأشار إلى كتاب سنن أبي داود, وكان عن ~~يمينه, أو السيف! فظهر في أيام يعقوب هذا ما خفي في أيام أبيه وجده؛ ونال ~~عنده طلبة العلم -أعني علم الحديث- ما لم ينالوا في أيام أبيه وجده؛ وانتهى ~~أمره معهم إلى أن قال يوما بحضرة كافة الموحدين يسمعهم -وقد بلغه حسدهم ~~للطلبة على موضعهم منه وتقريبه إياهم وخلوته بهم دونهم-: يا معشر الموحدين، ~~أنتم قبائل؛ فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته؛ وهؤلاء -يعني الطلبة- لا ~~قبيل لهم إلا أنا؛ فمهما نابهم أمر فأنا ملجؤهم، وإلي فزعهم، وإلي ينتسبون! ~~فعظم منذ ذلك اليوم أمرهم، وبالغ الموحدون في برهم وإكرامهم. # استرجاع مدينة شلب # ولما كان في سنة 585، قصد بطرو بن الريق -لعنه الله- مدينة شلب، من جزيرة ~~الأندلس؛ فنزل عليها بعساكره، وأعانه من البحر الإفرنج بالبطس والشواني2؛ ~~PageV01P204 # وكان قد وجه إليهم يستدعيهم إلى أن يعينوه، على أن يجعل لهم سبي البلد، ~~وله هو المدينة خاصة؛ ففعلوا ذلك، ونزلوا عليها من البر والبحر؛ فملكوها ~~وسبوا أهلها؛ وملك ابن الريق -لعنه الله- البلد. # وتجهز أمير المؤمنين في جيوش عظيمة، وسار حتى عبر البحر؛ ولم يكن له هم ~~إلا مدينة شلب المذكورة، فنزل عليها؛ فلم تطق الروم دفاعه، وخرجوا عنها ~~وعما كانوا قد ملكوه من أعمالها؛ ولم يكفه ذلك حتى أخذ حصنا من حصونهم ~~عظيما يقال له: "طرش"؛ ورجع إلى مراكش. # طامع آخر من بني عبد المؤمن # وبعد رجوعه مرض مرضا شديدا خيف عليه منه؛ وكان قد ولى أخاه أبا يحيى ~~الأندلس، فجعل يتلكأ في خروجه ويبطئ ms159 تربصا به وطمعا في وفاته؛ وكلما أفاق ~~هو سأل: هل عبر أبو يحيى أم لا؟ فلما بلغ أبا يحيى استحثاثه إياه، أسرع إلى ~~العبور وهو لا يشك أن أول ما يرد عليه خبر وفاته؛ فاستمال أشياخ الجزيرة ~~ودعاهم إلى نفسه، وقال: ما تركت أمير المؤمنين إلا هامة1 اليوم أو غد، وليس ~~لها غيري! فجعل أشياخ الجزيرة يحيل بعضهم على بعض، وأهل بلد على أهل بلد؛ ~~حتى بلغ مرسية؛ وكتبوا بذلك مساطير خوفا على أنفسهم. # وأفاق أمير المؤمنين من مرضه، وأشار عليه الأطباء بالسفر، فخرج قاصدا ~~مدينة فاس، يحمل في محفة على بغلين؛ وبلغه أمر أبي يحيى المذكور، وجاءته ~~كتب أهل الأندلس والمساطير التي كتبوها. # ولما سمع أبو يحيى بحركته، جاء معتذرا إليه حتى عبر البحر، فلقيه بمدينة ~~سلا؛ فلما وقعت عينه عليه قال لمن عنده: هذا الشقي قد جاء! وأمر به فقيد، ~~ووجه إلى أشياخ الأندلس فحضروا وأدوا شهاداتهم؛ وأمر به فأحضر وقال: إنما ~~أقتلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع خليفتان بأرض فاقتلوا الآخر ~~منهما"! وأمر به فضربت عنقه، تولى قتله أخوه لأبيه عبد الرحمن بن يوسف؛ ~~وذلك بمحضر من الناس، وأمر به فكفن ودفن؛ وأقبل على القرابة فنال منهم ~~بلسانه وأخذ منهم أخذا شديدا، وأمر PageV01P205 # بإخراجهم على أسوإ حال، حفاة عراة الرءوس؛ فخرجوا وكل واحد منهم لا يشك ~~أنه مقتول!. # ولم يزل أمر القرابة من يومئذ في خمول وهلم، وقد كانوا قبل ذلك لا فرق ~~بين أحدهم وبين الخليفة سوى نفوذ العلامة؛ فكان جملة من قتل يعقوب, أخويه ~~وعمه!. # وقعة الأرك # ولما كان في سنة 90 انتقض ما بينه وبين الأدفنش -لعنه الله- من العهد؛ ~~فخرجت خيل الأدفنش تدوس البلاد وتجوس خلالها؛ إلى أن كثر عيثها1 بالأندلس. # وتجهز أمير المؤمنين وأخذ في العبور، فعبر البحر في حمادى الآخرة من سنة ~~591 بجموع عظيمة، ونزل مدينة إشبيلية، فلم يقم بها إلا يسيرا ريثما اعترض ~~الجند, وقسم الأموال وخرج يقصد بلاد الروم. # وسمع الأدفنش -لعنه الله- بقصده، فتجهز هو أيضا في ms160 جموع ضخمة؛ والتقوا ~~بموضع يعرف ب فحص الحديد؛ وكان الأدفنش قد جمع جموعا لم يجتمع له مثلها ~~قط2؛ فلما تراءى الجمعان اشتد خوف الموحدين وساءت ظنونهم؛ لما رأوا من كثرة ~~عدوهم؛ وأمير المؤمنين في ذلك كله لا مستند له إلا الدعاء والاستعانة بكل ~~من يظن عنده خيرا من الصالحين. # فلما كان يوم الأربعاء وهو الثالث من شعبان3 من هذه السنة المذكورة، ~~التقى المسلمون وعدوهم؛ فأنزل الله على الموحدين نصره، وأفرغ عليهم صبره، ~~ومنحهم أكتاف الروم؛ وكانت الدائرة على الأدفنش -لعنه الله- وأصحابه؛ ولم ~~ينج إلا هو في نحو من ثلاثين من وجوه قواده؛ واستشهد من المسلمين جماعة من ~~أعيان الموحدين وغيرهم، منهم الوزير أبو يحيى أبو بكر بن عبد الله ابن ~~الشيخ أبي حفص المتقدم الذكر في وزراء أبي يوسف. # وخرج أمير المؤمنين بنفسه حتى أتى قلعة رباح، وقد انجلى عنها أهلها، ~~فدخلها، وأمر بكنيستها فغيرت مسجدا؛ فصلى فيها المسلمون؛ واستولى على ما ~~PageV01P206 # حول طليطلة من الحصون؛ ثم رجع إلى مدينة إشبيلية منصورا مفتوحا عليه1. # وكانت هذه الهزيمة أختا لهزيمة الزلاقة، المتقدم ذكرها في مدة يوسف بن ~~تاشفين أمير المرابطين. # وأقام أمير المؤمنين بإشبيلية بقية سنة 591، وقصد بلاد الروم في السنة ~~الثانية، فنزل على مدينة طليطلة بعساكره؛ فقطع أشجارها، وانتزف2 معايشها، ~~وغور مياهها، وأنكى في الروم أشد نكاية. # ثم عاد في السنة الثالثة أيضا، وتوغل بلاد الروم، ووصل إلى مواضع لم يصل ~~إليها ملك من ملوك المسلمين قط؛ ورجع إلى مدينة إشبيلية، فأرسل الأدفنش ~~إليه -لعنه الله- يسأله المهادنة، فهادنه إلى عشر سنين، فعبر البحر بعد أن ~~أصلح الجزيرة ورتب فيها من يقوم بحمايتها، وقصد مدينة مراكش، وذلك في سنة ~~594. # عزم أبي يوسف على قصد مصر، ووفاته # فبلغني عن غير واحد أنه صرح للموحدين بالرحلة إلى المشرق، وجعل يذكر ~~البلاد المصرية وما فيها من المناكر والبدع3، ويقول: نحن -إن شاء الله- ~~مطهروها؛ ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات -رحمه الله- في صدر سنة 595 -كما ~~ذكر- ودفن ب تينمل مع آبائه4. # شيء من سيرته ms161 # وكان في جميع أيامه وسيره مؤثرا للعدل، متحريا له بحسب طاقته وما يقتضيه ~~إقليمه والأمة التي هو فيها؛ كان في أول أمره أراد الجري على سنن الخلفاء ~~الأول ... PageV01P207 # فمن ذلك أنه كان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس؛ لم يزل على ذلك ~~مستمرا أشهرا، إلى أن أبطأ يوما عن صلاة العصر إبطاء كاد وقتها يفوت، وقعد ~~الناس ينتظرونه؛ فخرج عليهم فصلى ثم أوسعهم لوما وتأنيبا، وقال: ما أرى ~~صلاتكم إلا لنا، وإلا فما منعكم عن أن تقدموا رجلا منكم فيصلي بكم؟ أليس قد ~~قدم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد الرحمن بن عوف1 حين دخل وقت ~~الصلاة وهو غائب؟ أما لكم بهم أسوة وهم الأئمة المتبعون والهداة المهتدون؟ ~~فكان ذلك سببا لقطعه الإمامة. # وكان يقعد للناس عامة، لا يحجب عنه أحد من صغير ولا كبير؛ حتى اختصم إليه ~~رجلان في نصف درهم، فقضى بينهما؛ وأمر الوزير أبا يحيى صاحب الشرطة أن ~~يضربهما ضربا خفيفا تأديبا لهما؛ وقال لهما: أما كان في البلد حكام قد ~~نصبوا لمثل هذا؟ فكان هذا أيضا مما حمله على القعود في أيام مخصوصة لمسائل ~~مخصوصة, لا ينفذها غيره. # ولما ولى أبا القاسم بن بقي المتقدم الذكر، كان فيما اشترط عليه أن يكون ~~قعوده بحيث يسمع حكمه في جميع القضايا؛ فكان يقعد في موضع بينه وبين أمير ~~المؤمنين ستر من ألواح. # وكان قد أمر أن يدخل عليه أمناء الأسواق وأشياخ الحضر في كل شهر مرتين، ~~يسألهم عن أسواقهم وأسعارهم وحكامهم. # وكان إذا وفد عليه أهل بلد فأول ما يسألهم عن عمالهم وقضاتهم وولاتهم؛ ~~فإذا أثنوا خيرا قال: اعلموا أنكم مسئولون عن هذه الشهادة يوم القيامة؛ فلا ~~يقولن امرؤ منكم إلا حقا. وربما تلا في بعض المجالس: {يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} ~~[النساء: 135] . # ولما خرج إلى الغزوة الثانية سنة 92 -وهي الغزة التي كانت بعد الوقعة ~~الكبرى التي أذل الله فيها الأدفنش وجموعه, وأعز الإسلام وأنصاره- كتب قبل ms162 ~~خروجه إلى جميع البلاد بالبحث عن الصالحين والمنتمين إلى الخير وحملهم ~~إليه؛ فاجتمعت له منهم جماعة كبيرة كان يجعلهم كلما سار بين يديه، فإذا نظر ~~إليهم قال لمن عنده: هؤلاء الجند, لا هؤلاء! ويشير إلى العسكر؛ فكان في ذلك ~~شبيها بما حكي PageV01P208 # عن قتيبة بن مسلم1 والي خراسان حين لقي الترك وكان في جيشه أبو عبد الله ~~محمد بن واسع؛ فجعل يكثر السؤال عنه، فأخبر أنه في ناحية من الجيش متكئا ~~على سية قوسه2 رافعا إصبعه إلى السماء ينضنض3 بها؛ فقال قتيبة: لإصبعه تلك ~~أحب إلي من عشرة آلاف سيف!. # ولما رجع أمير المؤمنين أبو يوسف من وجهه هذا، أمر لهؤلاء القوم بأموال ~~عظيمة، فقبل منهم من رأى القبول، ورد من رأى الرد؛ فتساوى عنده -رضي الله ~~عنه- الفريقان، وقال: لكل مذهب؛ ولم يزد هؤلاء ردهم ولا نقص أولئك قبولهم. # وكان كثير الصدقة؛ بلغني أنه تصدق قبل خروجه إلى هذه الغزوة -أعني التي ~~كانت فيها الوقعة الكبرى- بأربعين ألف دينار، خرج منها للعامة نحو من ~~نصفها، والباقى في القرابة؛ أدركتهم وقد قسموا مدينة مراكش أرباعا، وجعلوا ~~في كل ربع أمناء معهم أموال يتحرون بها المساتير وأرباب البيوتات. وكان ~~كلما دخلت السنة يأمر أن يكتب له الأيتام المنقطعون، فيجمعون إلى موضع قريب ~~من قصره، فيختنون 4 ويأمر لكل صبي منهم بمثقال وثوب ورغيف ورمانة. وربما ~~زاد على المثقال درهمين جديدين؛ هذا كله شهدته لا أنقله عن أحد من الناس. # وبنى بمدينة مراكش بيمارستانا ما أظن أن في الدنيا مثله؛ وذلك أنه تخير ~~ساحة فسيحة بأعدل5 موضع في البلد، وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه؛ ~~فأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخاريف المحكمة ما زاد على الاقتراح؛ ~~وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المشمومات والمأكولات، وأجرى فيه ~~مياها كثيرة تدور على جميع البيوت، زيادة على أربع برك في وسطه، إحداها ~~رخام أبيض؛ ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير ~~والأديم وغيره بما يزيد على الوصف، ويأتي فوق النعت. ms163 وأجرى له ثلاثين ~~دينارا في كل يوم برسم الطعام وما ينفق عليه خاصة، خارجا عما جلب إليه من ~~الأدوية. وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال؛ وأعد فيه ~~للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم، من جهاز PageV01P209 # الصيف والشتاء؛ فإذا نقه المريض1 فإن كان فقيرا أمر له عند خروجه بمال ~~يعيش به ريثما يستقل2، وإن كان غنيا دفع إليه ماله وترك وسببه، ولم يقصره ~~على الفقراء دون الأغنياء، بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج إلى ~~أن يستريح أو يموت. وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله، يعود المرضى ~~ويسأل عن أهل بيت أهل بيت، يقول: كيف حالكم؟ وكيف القومة3 عليكم؟ إلى غير ~~ذلك من السؤال، ثم يخرج؛ لم يزل مستمرا على هذا إلى أن مات -رحمه الله-. # مماليك الغز المصريون في المغرب # وفي أول ولايته -إما سنة 83 أو 82- ورد علينا البلاد الغز4 من مصر؛ وكان ~~فيمن ورد علينا مملوك يسمى قراقش، ذكروا أنه كان مملوكا لتقي الدين ابن أخي ~~الملك الناصر، ورجل يسمى شعبان، ذكروا أنه من أمراء الغز، ومن أجناد ~~المصريين رجل يعرف بالقاضي عماد الدين، في آخرين. فأحسن نزلهم، وبالغ في ~~تكرمتهم، وجعل لهم مزية ظاهرة على الموحدين؛ وذلك أن الموحدين يأخذون ~~الجامكية ثلاث مرات في كل سنة، في كل أربعة مرة؛ وجامكية الغز مستمرة في كل ~~شهر لا تختل، وقال: الفرق بين هؤلاء وبين الموحدين أن هؤلاء غرباء لا شيء ~~لهم في البلاد يرجعون إليه سوى هذه الجامكية، والموحدون لهم الأقطاع ~~والأموال المتأصلة5. هذا مع أنه أقطع أعيانهم أقطاعا كأقطاع الموحدين أو ~~أوسع؛ أقطع رجلا منهم فيما أعرف، من أهل إربل، يعرف ب أحمد الحاجب، مواضع ~~ليس لأحد من قرابته مثلها؛ وأقطع شعبان المذكور بالأندلس قرى كثيرة تغل6 في ~~كل سنة نحوا من تسعة آلاف دينار، هذا خارجا عن جامكيتهم الكثيرة التي ليس ~~لأحد من الأجناد غيرهم مثلها. # ولم يرد المغرب من هذه الطائفة -أعني الغز- ألطف حسا ولا أزكى نفسا ولا ~~أحسن ms164 محاضرة ولا أطيب عشرة من شعبان هذا المذكور؛ ما لقيته إلا استنشدني أو ~~أنشدني. PageV01P210 # أنشدته يوما لشاعر من أصحابنا من أهل إشبيلية: من البسيط # وقائل: فيم لم تهجع؟ فقلت له: ... كيف الهجوع لطرف نافر الوسن1 # لم تدر أن الكرى الممنوع عن بصري ... هي السنات التي في مقلتي حسن2 # فضحك وقال: لقد حوم3 هذا الشاعر وما ورد، ورفرف فما طار، وأراد غاية فوقع ~~دونها؛ ولله من أثار هذا المعنى بأوجز لفظ وأسهل مأخذ وأيسر كلفة حيث يقول: ~~من الطويل # أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب4 # قلت: هو أبو الطيب. قال لي: نعم، هو الطيب أبو الطيب. # وأنشدته يوما -وقد جرى ذكر التجنيس اللفظي5، فأنشد هو منه وأكثر-: من ~~الطويل # إذا صال ذو ود بود صديقه ... فيا أيها الخل المصاحب لي صل بي6 # فإني مثل الماء لينا لصاحبي ... وناهيك للأعداء من رجل صلب # فاستحسنهما وكتبهما عنده، وقال لي رحمه الله: لك علي بهذين البيتين حق؛ ~~فما وافقني شيء من الشعر في هذا المعنى ولا في غيره ولا وقع مني موقعهما. # وفي الجملة كان له شغف بالآداب شديد، وكان يقرض شيئا من الشعر، وربما ~~ندرت له الأبيات الجيدة؛ سألته أن يكتب لي شيئا من شعره أو ينشدنيه، فأبى ~~علي كل الإباء، وحلف لا يفعل ... # أبو يوسف وعقيدة العامة في ابن تومرت # وخرج أمير المؤمنين أبو يوسف إلى تينمل للزيارة ومعه هؤلاء الغز ~~المذكورون، فقعدوا تحت شجرة خروب مقابلة للمسجد؛ وقد كان ابن تومرت قال ~~لأصحابه فيما قال لهم ووعدهم به: ليبصرن منكم من طالت حياته أمراء أهل مصر ~~مستظلين بهذه الشجرة قاعدين تحتها! فلما جلس الغز على الصفة المتقدمة تحتها ~~كان ذلك اليوم في PageV01P211 # تينمل يوما عظيما؛ اتصل التكبير من كل جهة، وجاء النساء يولولن ويضربن ~~بالدفوف، ويقلن ما معناه بلسانهم: صدق مولانا المهدي! نشهد أنه الإمام ~~حقا!. # فأخبرني من رأى أمير المؤمنين أبا يوسف حين رأى ذلك يتبسم استخفافا ~~لعقولهن؛ لأنه لا يرى شيئا من هذا كله، وكان ms165 لا يرى رأيهم في ابن تومرت؛ ~~فالله أعلم. # أخبرني الشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف المري ونحن بحجر ~~الكعبة قال: قال لي أمير المؤمنين أبو يوسف: يا أبا العباس، اشهد لي بين ~~يدي الله عز وجل أني لا أقول بالعصمة -يعني عصمة ابن تومرت-. قال: وقال لي ~~يوما وقد استأذنته في فعل شيء يفتقر إلى وجود الإمام: يا أبا العباس، أين ~~الإمام ... ؟ أين الإمام ... ؟. # أخبرني شيخ ممن لقيته من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس، يسمى أبا بكر ~~بن هانئ، مشهور البيت هناك؛ لقيته وقد علت سنه فرويت عنه، قال لي: لما رجع ~~أمير المؤمنين من غزوة الأرك -وهي التي أوقع فيها بالأدفنش وأصحابه- خرجنا ~~نتلقاه؛ فقدمني أهل البلد لتكليمه، فرفعت إليه، فسألني عن أحوال البلد ~~وأحوال قضاته وولاته وعماله -على ما جرت عادته- فلما فرغت من جوابه، سألني ~~كيف حالي في نفسي؛ فتشكرت له ودعوت بطول بقائه؛ ثم قال لي: ما قرأت من ~~العلم؟ قلت: قرأت تواليف الإمام -أعني ابن تومرت- فنظر إلي نظرة المغضب، ~~وقال: ما هكذا يقول الطالب! إنما حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت شيئا ~~من السنة؛ ثم بعد هذا قل ما شئت. في أضراب1 لهذه الحكايات لو أوردناها لطال ~~بها هذا التلخيص. # اهتمامه بالتشييد والبناء # وكان عند رجوعه من السفرة التي استنقذ فيها مدينة شلب من أيدي الروم على ~~ما تقدم، أمر أن يبنى له على النهر الأعظم -نهر إشبيلية- حصن؛ وأن تبنى له ~~في ذلك الحصن قصور وقباب، جاريا في ذلك على عادته من حب البناء وإيثار ~~التشييد -فإنه كان مهتما بالبناء، وفي طول أيامه لم يخل من قصر يستجده أو ~~مدينة يعمرها؛ زاد في مدينة مراكش في أيامه زيادة كثيرة يطول تفصيلها-فتمت ~~له هذه القصور المذكورة على ما أراد وفوقه؛ وسمى ذلك الحصن حصن الفرج. ~~PageV01P212 # علي بن حزمون الشاعر* # ولما رجع من غزوته العطمى -المتقدم ذكرها- في سنة 591، جلس للوفود في قبة ~~من تلك القباب مشرفة على النهر الأعظم، وأذن فدخلوا عليه على طبقاتهم ms166 ~~ومراتبهم؛ وأنشده الشعراء؛ فممن أنشده في ذلك اليوم صديق لي من أهل مرسية ~~اسمه علي بن حزمون، أنشده قصيدة في عروض يسمى الخبب كان يقترحه على ~~الشعراء، فوقعت القصيدة من أمير المؤمنين ومن الحاضرين موقع استحسان، ~~أولها: من الخبب أو المحدث # حيتك معطرة النفس ... نفحات الفتح بأندلس # فذر الكفار ومأتمهم ... إن الإسلام لفي عرس1 # أإمام الحق وناصره ... طهرت الأرض من الدنس2 # وملأت قلوب الناس هدى ... فدنا التوفيق لملتمس3 # ورفعت منار الدين على ... عمد شم وعلى أسس4 # وصدعت رداء الكفر كما ... صدع الديجور سنا قبس5 # لا قيت جموعهمو فغدوا ... فرصا في قبضة مفترس6 # جاءوك تضيق الأرض بهم ... عددا لم يحص ولم يقس # خرجوا بطرا ورئاء النا ... س ليختلسوا مع مختلس7 # ومضيت لأمر الله على ... ثقة بالله ولم تخس8 # فأناخ الموت كلاكله ... بظباك على بشر رجس9 PageV01P213 # وتساوى القاع بهامهم ... الربض مع الحرب الضرس1 # سقيت بنجيعهمو أكم ... وطئوا منهن على دهس2 # فأولئك حزب الكفر ألا ... إن الكفار لفي نكس3 # أذوي الصلبان وراءكمو ... خيل الملك الخبر الندس4 # لو أن البحر تناوله ... جرعا وطئته على يبس5 # ولو أن الصم تراجمها ... أضحت كحل المقل النعس6 # ملأ التوحيد أعنتها ... وأغار بها روح القدس7 # نهضت فمضت فقضت أملا ... أنسى عتب الدنيا فنسي # جاست جنبات الكفر فلم ... تترك لهمو ما لم تجس8 # لم يبق بها مثوى رجل ... إلا وعليه شذى فرس9 # لحقوا بقرون الشم فلا ... سقيا لطلولهمو الدرس10 # إن كان نجا أدفنشهمو ... فإلى عيش نكد تعس # نظر الملك الأعلى فرأى ... ملكا ما بين قنا وقسي11 PageV01P214 # كالصبح توشح رونقه ... كالطور بنور الله كسي1 # فمضى لم يلو على أحد ... ورمى بالدرع بالترس2 # لصليل الهند بمفرقه ... لا يسمع صلصلة الجرس3 # سهر الموتور وأرقه ... تذكار المنصل والمرس4 # وبكاء عقائل هاتفة ... كالورق ينحن مع الغلس5 # برزت وكأن ذوائبها ... أذناب روامحة شمس6 # ترنو كظباء الرمل على ... وجل لضراغمة شرس7 # قد كن مها أنس فغدت ... تحت الرايات بلا أنس8 # إن الأيام قد ازدهرت ... كالروض يروق لمغترس9 # وتناسقت الآمال لنا ... كالثغر تنظم في لعس10 # وتلألأ نور الحق ms167 على ال ... أثر المهدية فاقتبس # أجزيرة أندلس اعتصمي ... بإمام الأمة واحترسي # أرعاك حراسته ملك ... جبريل له أحد الحرس # حكمت أسيافك سيدنا ... في كل مصر الكفر مسي11 # ومضت في الروم مضاربها ... وكذلك تفعل في الفرس PageV01P215 # لا يخلف ربك موعده ... دوخ أقطارهمو ودس! 1 # أوردتها على تواليها وإن كان فيها طول؛ لغرابة عروضها، وجودة أكثر ~~أبياتها؛ أنشدنيها منشئها المذكور من لفظه، ثم أعدتها عليه بلفظي آخر مرة ~~لقيته بمدينة مرسية في سنة 614. # ولعلي بن حزمون هذا قدم في الآداب، واتساع في أنواع الشعر، ركب طريقة أبي ~~عبد الله بن حجاج البغدادي2 - سامحه الله وغفر له- فأربى فيها عليه؛ وذلك ~~أنه لم يدع موشحة تجري على ألسنة الناس بتلك البلاد إلا عمل في عروضها ~~ورويها موشحة على الطريقة المذكورة؛ وله مع هذا في الهجاء يد لا تطاول، غير ~~أنه يفحش في كثير منه؛ فمن أحسن ما أحفظ له من ذلك وأسلمه من الفحش ~~والإقذاع3، أبيات ركب فيها طريقة الحطيئة4: ابتدأ يهجو نفسه، ثم استطرد ~~يهجو رجلا من أعيان قواد الأندلس يقال له: محمد بن عيسى، مشهور النجدة ~~عندهم. والأبيات: من الطويل # تأملت في المرآة وجهي فخلته ... كوجه عجوز قد أشارت إلى اللهو # كأن على الأزرار مني عورة ... تنادي الورى: غضوا ولا تنظروا نحوي5 # فلو كنت مما تنبت الأرض لم أكن ... من الرائق الباهي ولا الطيب الحلو6 # وأقبح من مرآي بطني فإنه ... يقرقر مثل الرعد قرقر في الجو7 # وإلا كقلب بين جنبي محمد ... سليل ابن عيسى حين فر ولم يلو8 # يود بأن لو كان في بطن أمه ... جنينا ولم يسمع حديثا عن الغزو ~~PageV01P216 # ثقيل ولكن عقله مثل ريشة ... تطير بها الأرواح في مهمه دوي1 # تميل بشدقيه إلى الأرض لحية ... تظن بها ماء يفرغ من دلو2 # وقد حدثوا عنه بكل نقيصة ... ولكن مثلي لا يروي ولا يروي # وله في هذا المعنى أحسن من هذا كثيرا إلا أنه أقذع فيه؛ فلذلك لم أودعه ~~هذه الأوراق؛ لأني لا أستجيز أن ينقل مثل هذا عني. # ونال ابن حزمون هذا ms168 عند قضاة المغرب وعماله وولاته جاها وثروة؛ كل ذلك ~~خوفا من لسانه وحذرا من هجائه. ولا أعلم في جميع بلاد المغرب بلدا إلا ~~وأهاجي هذا الرجل تحفظ فيه وتدرس؛ أسأل الله له المسامحة ولجميع إخواننا من ~~المسلمين. # محمد بن عبد ربه الكاتب حفيد صاحب العقد3 # وأمر أمير المؤمنين بعرض الجند في هذا اليوم4 في السلاح التام؛ فلما ~~انتشروا بين يديه وأعجبه ما رأى من حسن هيئاتهم، قام فصلى ركعتين شكرا لله ~~عز وجل، واتفق إثر فراغه من ذلك الركوع أن جاءت سحابة فأمطرت مطرا جودا5 ~~حتى ابتل الناس؛ فقال في ذلك صديق لي من الكتاب اسمه محمد بن عبد ربه، أصله ~~من الجزيرة الخضراء، كان يكتب لأبي الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد ~~المؤمن6، وكان مختصا به: من البسيط # بادي الكرامة, بل بادي الكرامات ... قد شفع الله آيات بآيات7 # يا ليت شعري ما شيء دعوت به ... قبل السلام ومن بعد التحيات # شيء تأثر عنه الجو فاتصلت ... من السحائب رايات برايات PageV01P217 # من كل وطفاء لفاء الرباب همت ... ماء نقيا على زغف نقيات1 # قل: كيف لا يفتح الله البلاد وقد ... تفتحت لك أبواب السماوات # فاشتهر من يومئذ أبو عبد الله هذا وعرف مكانه ونبه قدره؛ وله إحسان كثير ~~وقدم راسخة في صناعتي النظم والنثر، مع تحقق بشيء من أجزاء الفلسفة من علوم ~~التعاليم وعلم المنطق؛ أنشدني -رحمه الله- من شعره: من الكامل # قف بالقباب وأين ذاك الموقف ... واسألهم بمأمهم أن يعطفوا2 # وأنشد فؤادك إن عرفت مكانه ... بين القباب وما إخالك تعرف # عند التى رمت الجمار غدية ... وبنانها بدم القلوب مطرف3 # نفسي الفداء لها وإن لم تبق لي ... نفسا تذكرني بها وتعرف # وهي قصيدة طويلة لم يبق تقادم العهد منها على خاطري سوى ما أوردته. # وأنشدته -رحمه الله- يوما ونحن في قبة على شاطئ نهر وقد أخذ المطر في ~~الانسكاب، بيتين أحفظهما لشاعر قديم: من المنسرح # حاكت يمين الرياح محكمة ... في نهر واضح الأسارير4 # فكلما ضعفت به حلقا ... قام لها القطر بالمسامير5 # فاستحسنهما وقال ms169 لي: ذكرتني هذا المعنى؛ وأنشدني فيه لنفسه أبياتا ما ~~سمعت بمثلها؛ هذا على إكثار الناس في هذا المعنى وتواردهم6 عليه حتى صار ~~أخلق7 من الليل والنهار, من كثرة تكراره على الأسماع، فلا يتخلص منه إلا من ~~لطف حسه وجاد طبعه وحسن ميزه8؛ والأبيات: من البسيط PageV01P218 # بين الرياض وبين الجو معترك ... بيض من البرق أو سمر من السمر1 # إن أوترت قوسها كف السماء رمت ... نبلا من الماء في زغف من الغدر2 # لأجل ذاك إذا هبت طلائعها ... تدرع النهر واهتزت قنا الشجر3 # فانظر -حفظك الله- إلى حسن توطئته لهذا المعنى, وقوة تخلصه إلى هذا ~~التشبيه بأحسن لفظ, وأسهله على السمع والنطق. # واستأذنت عليه يوما وهو في مجلس له؛ فلم ير -رحمه الله- أن يحجبني؛ ~~فاسترفع ما كان لديه وأذن لي؛ فدخلت؛ فتلقاني أحسن لقاء، وأخذ يحدثني؛ ~~وفهمت أنه مستح خجل, إذ عرف أني تفطنت لبعض الأمر، فأنشدته رافعا عنه كلفة ~~الخجل لبعض الشعراء: من الطويل # أدرها فما التحريم فيها لذاتها ... ولكن لأسباب تضمنها السكر # إذا لم يكن سكر يزل به الفتى ... فسيان ماء في الزجاجة أو خمر! # فطرب -نضر الله وجهه- وعاوده أنسه وانبسط، ثم سكت عني ساعة واستدعى ~~الدواة وكتب بديها في قريب من المعنى الذي أنشدته فيه: من البسيط # ما ضرت الخمر لولا الشرع يشربها ... قوم حديثهمو همس التسابيح4 # ليسوا برعش إذا أدوا فروضهمو ... عند القيام ولا ميل مراجيح5 # بيت كبيت وفيه شادن سدن ... مزج الكئوس به وقد المصابيح6 # وأنشدني بعد هذا لنفسه، في هذا المجلس، من قديم شعره، مقطوعة سينية لم ~~أسمع بأحسن منها؛ لم يبق على خاطري منها سوى آخر بيت فيها، وهو: من الطويل # ولكن قوما لا يغيب نهارهم ... إذا غربت شمس يديرونها شمسا PageV01P219 # وله -رحمه الله- رحلة إلى مصر لقي فيها ابن سناء الملك1 وأخذ عنه من ~~شعره، وهو أول من سمعت يذكره عندنا ويروي شعره. # ولأبي عبد الله هذا اتساع في صناعة الشعر، إلا أنه نحل كثيرا من شعره ~~السيد الأجل أبا الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد ms170 المؤمن أيام كتابته له، ~~ولم يدع بعد ذلك في شيء مما نحله إياه من شعره، ولا ذكر أنه له؛ فكان أكثر ~~شعره ينشد لأبي الربيع وترويه الرواة له. عرفت ذلك بعد مفارقته إياه؛ لأني ~~فقدت شعر السيد أبي الربيع واختلف علي كلامه، ورأيت بخطه أشعارا نازلة عن ~~رتبة الشعر جدا؛ فعلمت أن ذلك الأول ليس من نسجه!. # وأخبرني ابن عبد ربه هذا قال: دخلت على السيد أبي الربيع وهو في قبة له ~~وقد دخلت عليه الشمس من كوى2 صغار في أعلاها، فلما رأيت ذلك المنظر أعجبني ~~وقلت بديها: من الكامل # لما رأته الشمس يفعل فعلها ... في العالمين مقاسما ومساهما3 # خافت توالي الجود ينفد ماله ... نثرت عليه دنانرا ودراهما! 4 # فحذف الياء من دنانير، وهذا جائز، كما قال الأول: # تضل به أمنا وفيه العصافر # أبو جعفر الحميري المؤدب* # ومما يتعلق بأخبار أبي يوسف -رحمه الله- ما أخبرني شيخي وأستاذي أبو جعفر ~~أحمد بن محمد بن يحيى الحميري -رحمه الله- أيام قراءتي عليه بقرطبة سنة ~~606، وذلك أنا بلغنا عليه في الحماسة إلى مقطوعة ابن زيابة التيمي5 التي ~~أولها: من السريع PageV01P220 # يا لهف زيابة للحارث ال ... صابح فالغانم فالآيب1 # فلما انتهينا منها إلى قوله: # والله لو لاقيته خاليا ... لآب سيفانا مع الغالب! # قال لنا2: أحدثكم بأعجب ما اتفق لي في هذا البيت؛ وذلك أن أمير المؤمنين ~~أبا يوسف -رحمه الله- لما فصل عن قرطبة متوجها إلى لقاء الأدفنش -لعنه ~~الله- قال لي ولدي عصام بعد انفصاله بليلة أو ليلتين: يا أبت، رأيت البارحة ~~أمير المؤمنين داخلا قرطبة وقد رجع من السفر وهو متقلد بسيفين! فقلت: يا ~~بني، لئن صدقت رؤياك هذه ليهزمن الأدفنش -لعنه الله-! وخطر لي هذا البيت: # والله لو لاقيته خاليا ... لآب سيفانا مع الغالب # فصدقت الرؤيا والتعبير. # وأبو جعفر هذا المذكور، آخر من انتهى إليه علم الآداب بالأندلس. لزمته ~~نحوا من سنتين، فما رأيت أروى لشعر قديم ولا حديث، ولا أذكر بحكاية تتعلق ~~بأدب أو مثل سائر أو بيت نادر أو سجعة مستحسنة منه، ms171 رضي الله عنه وجازاه ~~عنا خيرا. أدرك جلة من مشايخ الأندلس فأخذ عنهم علم الحديث والقرآن ~~والآداب، وأعانه على ذلك طول عمره وصدق محبته وإفراط شغفه بالعلم. قال لي ~~ولده عصام -وقد رأيت عنده نسخة من شعر أبي الطيب قرئت علي أو أكثرها ~~فألفيتها شديدة الصحة- فقلت له: لقد كتبتها من أصل صحيح وتحرزت3 في نقلها. ~~فقال لي: ما يمكن أن يكون في الدنيا أصل أصح من الأصل الذي كتبت منه! فقلت ~~له: أين وجدته؟ قال: هو موجود الآن بين أيدينا وعندنا! وكنا في المسجد في ~~زاوية، فقلت له: أين هو؟ فقال لي: عن يمينك! فعلمت أنه يريد الشيخ، فقلت: ~~ما على يميني إلا الأستاذ! فقال لي: هو أصلي، وبإملائه كتبت؛ كان يملي علي ~~من حفظه! فجعلت أتعجب. فسمع الأستاذ حديثنا؛ فالتفت إلينا وقال: فيم أنتما؟ ~~فأخبره ولده الخبر، فلما رأى تعجبي قال: بعيدا أن تفلحوا! يعجب أحدكم من ~~حفظ ديوان المتنبي! والله لقد أدركت أقواما لا يعدون من حفظ كتاب سيبويه4 ~~حافظا ولا يرونه مجتهدا!. PageV01P221 # توفي أبو جعفر هذا في شهر صفر من سنة 610 وقد كملت له ست وتسعون سنة؛ لم ~~يبق في الأندلس أعلى رواية منه في كل ما يروى، ولم أر قبله ولا بعده -مع ~~اتساع علمه وشدة تمييزه وحسن اختياره ومعرفته بعلل هذه الصناعة- أكثر ~~إنصافا منه ولا أسرع رجوعا إلى الحق. كنت أنشده من شعري على ركاكته1 وكثرة ~~تكلفه وبعده من الجودة أبياتا لا أعدها شيئا؛ يحملني على إنشادها إياه فرط ~~استدعائه ذلك مني؛ فيلهج2 بها ويشتد استحسانه لها، وربما درسها فحفظها. # أنشدته يوما -وقد استدعى مني ذلك على عادته- بيتين ارتجلتهما في شاب كان ~~يقرأ معنا, كان شديد العفة -رحمه الله- مع حسن رائع وظرف ناصع، كان اسمه ~~فتحا وهما: من المجتث # يا من له عن كناس ... من المتيم قلبه3 # ما أنت كاسمك فتح ... وإنما أنت قلبه # فطرب والتفت إلى ابنه وقال له: هذا والله الشعر، لا ما تصدعني به طول ~~نهارك؛ إن كنت تقول مثل هذا ms172 وإلا فاسكت! فلما كان من الغد قال لي رحمه ~~الله: أعلمت ما صنع عصام أمس؟ قلت: لا؛ قال: كان كما قالوا في المثل: سكت ~~ألفا..؛ لم يزل أمس يعمل فكرته، فبعد الجهد الشديد أخذ معنى بيتيك فسلبه ~~روحه وأعدمه رونقه ومسخه4 جملة فقال: من المجتث # سبى فؤادي خشف ... فقوتي اليوم ضعف5 # سموه فتحا مجازا ... وفي الحقيقة حتف! 6 # ما زاد فيه أكثر من المجاز والحقيقة؛ فقلت أنا: هذا والله أحسن من شعري! ~~فتغير لي وقال: يا بني، دع عنك هذه العادة؛ فإن أسوأ ما تخلق به الإنسان: ~~الملق7 وتزيين الباطل، سيما إذا أضاف إلى ذلك الحلف الكاذب. والله إنك ~~لتعلم أن هذا ليس بشيء، وإلا فقد اختل ميزك وساء اختيارك، وما أظن هذا ~~هكذا. PageV01P222 # وسمعته -من شدة إنصافه رحمه الله- يستحسن بيتين هجاه بهما صاحبنا علي بن ~~خروف رحمه الله1؛ وذلك أن الأستاذ -رحمه الله وعفا عنه- كان يلقب ب الوزغي، ~~وكان عنده شاب يقرأ عليه يلقب ب الغرنوق -وهو اسم عندهم للكركي، والفصيح ~~فيه غرنيق2- فكان بعض الطلبة يتهمون الأستاذ بالميل إلى ذلك الشاب؛ وذلك ~~خلق قد أعاذه الله منه ونزهه بفضله عنه؛ فقال ابن خروف في ذلك، سامحه الله: ~~من الوافر # أحقا سام أبرص ما سمعنا ... بأنك قد تعشقت ابن ماء3 # وكيف وأنت في الحيطان تمشي ... وذاك يطير في جو السماء # فأبعده الأستاذ -رحمه الله- وأنهى خبره إلى القاضي أبي الوليد بن رشد، ~~فأوجعه ضربا؛ وامتنع الأستاذ من قراءته عليه؛ فحرمه الله بهذين البيتين ~~فوائد علمه، وأبعده عن مريع جنابه4، وولاه الأستاذ خطته، وألقى حبله على ~~غاربه5؛ فلم يفلح ابن خروف بعدها، ولا حصل على شيء من العلم؛ وإنما كان ~~يعتمد فيما يأتي به على طبعه خاصة. # وقد امتد بنا عنان القول إلى ما لا حاجة لنا بأكثره؛ رغبة في تنشيط ~~الطالب وإيثارا للإحماض6؛ ولنرجع الآن إلى ما قطعنا: # اليهود في عهد أبي يوسف # وفي آخر أيام أبي يوسف أمر أن يميز اليهود الذين بالمغرب بلباس يختصون به ~~دون غيرهم؛ وذلك ثياب ms173 كحلية وأكمام مفرطة السعة تصل إلى قريب من أقدامهم، ~~وبدلا من العمائم كلوتات على أشنع صورة كأنها البراديع7 تبلغ إلى تحت ~~آذانهم؛ فشاع هذا الزي في جميع يهود المغرب؛ ولم يزالوا كذلك بقية أيامه ~~وصدرا من أيام PageV01P223 # ابنه أبي عبد الله، إلى أن غيره أبو عبد الله المذكور، بعد أن توسلوا ~~إليه بكل وسيلة، واستشفعوا بكل من يظنون أن شفاعته تنفعهم. فأمرهم أبو عبد ~~الله بلبسان ثياب صفر وعمائم صفر؛ فهم على هذا الزي إلى وقتنا هذا -وهو سنة ~~621- وإنما حمل أبا يوسف على ما صنعه من إفرادهم بهذا الزي وتمييزه إياهم ~~به، شكه في إسلامهم؛ وكان يقول: لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون ~~بالمسلمين في أنكحتهم وسائر أمورهم، ولو صح عندي كفرهم لقتلت رجالهم وسبيت ~~ذراريهم1 وجعلت أموالهم فيئا2 للمسلمين؛ ولكني متردد في أمرهم. # ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا في ~~جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة؛ إنما اليهود عندنا يظهرون ~~الإسلام ويصلون في المساجد ويقرئون أولادهم القرآن؛ جارين على ملتنا ~~وسنتنا، والله أعلم بما تكن3 صدورهم وتحويه بيوتهم. # محنة أبي الوليد بن رشد # وفي أيامه نالت أبا الوليد محمد بن أحمد بن رشد -المقدم الذكر- محنة ~~شديدة؛ وكان لها سببان: جلي وخفي؛ فأما سببها الخفي، وهو أكبر أسبابها، فإن ~~الحكيم أبا الوليد -رحمه الله- أخذ في شرح كتاب الحيوان لأرسطاطاليس صاحب ~~كتاب المنطق، فهذبه وبسط أغراضه وزاد فيه ما رآه لائقا به، فقال في هذا ~~الكتاب عند ذكره الزرافة وكيف تتولد وبأي أرض تنشأ: وقد رأيتها عند ملك ~~البربر ... جاريا في ذلك على طريقة العلماء في الإخبار عن ملوك الأمم ~~وأسماء الأقاليم، غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خدمة الملوك ومتحيلو الكتاب من ~~الإطراء والتقريظ4، وما جانس هذه الطرق؛ فكان هذا مما أحنقهم5 عليه, غير ~~أنهم لم يظهروا ذلك. وفي الجملة فإنها كانت من أبي الوليد غفلة؛ فقد قال ~~القائل: رحم الله من عرف زمانه فمانه6، وميز مكانه فكانه!. وما أحسن ما قال ~~الأول: ms174 من الطويل # وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت الذي لا أشاكله7 ~~PageV01P224 # فحامقته حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله! 1 # واستمر الأمر على ذلك إلى أن استحكم ما في النفوس. ثم إن قوما ممن يناوئه ~~من أهل قرطبة ويدعي معه الكفاءة في البيت وشرف السلف، سعوا به عند أبي ~~يوسف؛ ووجدوا إلى ذلك طريقا، بأن أخذوا بعض تلك التلاخيص التي كان يكتبها، ~~فوجدوا فيها بخطه حاكيا عن بعض قدماء الفلاسفة بعد كلام تقدم: فقد ظهر أن ~~الزهرة أحد الآلهة ### | .... # ، فأوقفوا أبا يوسف على هذه الكلمة؛ فاستدعاه بعد أن جمع له الرؤساء ~~والأعيان من كل طبقة وهم بمدينة قرطبة، فلما حضر أبو الوليد -رحمه الله- ~~قال له بعد أن نبذ2 إليه الأوراق: أخطك هذا؟ فأنكر! فقال أمير المؤمنين: ~~لعن الله كاتب هذا الخط! وأمر الحاضرين بلعنه؛ ثم أمر بإخراجه على حال سيئة ~~وإبعاده وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم. وكتبت عنه الكتب إلى البلاد ~~بالتقدم إلى الناس في ترك هذه العلوم جملة واحدة، وبإحراق كتب الفلسفة ~~كلها، إلا ما كان من الطب والحساب، وما يتوصل به من علم النجوم إلى معرفة ~~أوقات الليل والنهار، وأخذ سمت القبلة. فانتشرت هذه الكتب في سائر البلاد ~~وعمل بمقتضاها. # ثم لما رجع إلى مراكش، نزع عن ذلك كله، وجنح إلى تعلم الفلسفة، وأرسل ~~يستدعي أبا الوليد من الأندلس إلى مراكش للإحسان إليه, والعفو عنه. فحضر ~~أبو الوليد -رحمه الله- إلى مراكش، فمرض بها مرضه الذي مات منه -رحمه ~~الله-, وكانت وفاته بها في آخر سنة 594 وقد ناهز الثمانين، رحمه الله. # ثم توفي أمير المؤمنين أبو يوسف بعد هذا التاريخ بيسير، وكانت وفاته -كما ~~ذكرنا- في غرة صفر الكائن في سنة 595. PageV01P225 ### | ذكر ولاية أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف أمير المؤمنين # أبو عبد الله هذا هو محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، أمه أم ~~ولد اسمها: زهر، رومية. بويع له بعهد أبيه إليه في سنة 595 بعد ms175 وفاة أبيه. ~~وقد كان أبوه أمر ببيعته في سنة 86 وسنه إذ ذاك عشر سنين إلا أشهرا. وكان ~~مولده في آخر سنة 576، ولم يزل مرشحا للخلافة معروفا بها إلى أن مات أبوه ~~واستقل بالأمر في التاريخ المذكور، وسنه يوم بويع له البيعة الكبرى العامة، ~~سبع عشرة سنة وأشهر. وكانت وفاته لعشر خلون من شعبان سنة 610؛ فكانت مدة ~~ولايته ست عشرة سنة إلا أشهرا. # صفاته # أبيض، أشقر شعر اللحية، أشهل العينين1، أسيل الخدين2، حسن القامة، كثير ~~الإطراق3، شديد الصمت، بعيد الغور4 -كان أكبر أسباب صمته لثغا5 كان بلسانه- ~~حليما، شجاعا، عفيفا عن الدماء، قليل الخوض فيما لا يعنيه جدا، إلا أنه كان ~~يبخل أولاده. # أولاده # كان قليل الولد جدا، لا أعلم له من الولد سوى يوسف ولي عهده، ويحيى، ~~وإسحاق. توفي يحيى في حياته بإشبيلية سنة 608. وبلغني عن جماعة من الحشم ~~أنه كان رشح يحيى هذا لولاية العهد؛ وله بنات. PageV01P226 # وزراؤه # أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن يوجان، وزير أبيه. # ثم عزله بعد مدة يسيرة، وولى بعده أخاه إبراهيم ابن أمير المؤمنين أبي ~~يوسف ... # صلة المؤلف بإبراهيم بن أبي يوسف # ... وهو خير ولده وأجدرهم بالأمر لو كانت الأمور جارية على إيثار الحق ~~واطراح الهوى؛ لا أعلم فيهم أنجب منه. كان لي -رحمه الله- محبا وبي حفيا1؛ ~~وصلت إلي منه أموال وخلع جمة غير مرة. لم أعرفه أيام وزارته؛ لأني كنت إذ ~~ذاك حديث السن جدا ما ناهزت2 الاحتلام، وإنما كانت معرفتي إياه حين ولوه ~~إشبيلية في سنة 605، من جهة رجل من أصحابنا من الكتاب اسمه محمد بن الفضل ~~-جازاه الله عني خيرا- هو الذي أوصلني إليه؛ أنشدته أول يوم لقيته قصيدة ~~مدحته بها، أولها: من الكامل # لكمو على هذا الورى التقديم ... وعليهمو التفويض والتسليم3 # الله أعلاكم وأعلى أمره ... بكمو وأنف الحاسدين رغيم4 # أحييتمو المنصور فهو كأنه ... لم تفتقده معالم وعلوم5 # ومحابر ومنابر ومحارب ... وحمى يحاط وأرمل ويتيم6 # إلى أن أقول فيها في ذكر ولايته إشبيلية: # فكأنما حمص جمالا سارة ... وكأن إبراهيم إبراهيم7 # وأرى ms176 طليطلة كهاجر إثرها ... سيزفها الأدفنش وهو ذميم8 PageV01P227 # أقول فيها: # يذر الصليب صغيره وكبيره ... فيها جذاذا والعلوج جثوم1 # ويحرق الأعداء فيما أضرمت ... ويجوب نار الحرب وهي جحيم2 # لم يبق على خاطري منها لتقادم عهدها وقلة اعتنائي بها سوى هذه الأبيات ~~التي أوردتها؛ فاستحسنها -رحمه الله- وبالغ في الثناء عليها، تفضلا منه ~~وسؤددا، وجريا على سنن الأجواد؛ هذا مع ركاكتها وقلة انطباعها وظهور ~~تكلفها. # ثم علت حالي عنده بعد ذلك -نضر الله وجهه- إلى أن كان يقول لي في أكثر ~~الأوقات: والله إني لأشتاقك إذا غبت عني أشد الشوق وأصدقه! ثم لم تزل حالي ~~معه على هذا إلى أن فارقته -رحمة الله عليه- وهو وال على إشبيلية ولايته ~~الثانية. # وكان توديعي إياه -قدس الله روحه- آخر يوم من ذي الحجة سنة 613، ثم اتصلت ~~بي وفاته وأنا بصعيد مصر سنة 617. # لم أر في العلماء بعلم الأثر المتفرغين لذلك أنقل منه للأثر؛ كان يذهب ~~مذهب أبيه في الظاهرية. # ... ثم عزله أبو عبد الله وولى بعده أبا عبد الله محمد بن علي بن أبي ~~عمران الضرير، جد يوسف بن عبد المؤمن لأمه؛ وكناه أبا يحيى؛ فكان أبو عبد ~~الله الوزير هذا من أحسن الوزراء سيرة وسريرة، وكان يحضه على فعل الخير ~~بجهده، ونشر العدل حسب طاقته، والإحسان إلى الرعية والأجناد. رأى الناس في ~~أيام وزارته من الخصب وسعة الأرزاق وكثرة العطاء مثل الذي رأوا في أيام أبي ~~يعقوب يوسف بن عبد المؤمن أو قريبا منه. # ثم عزل وولى بعده أبا سعيد عثمان بن عبد الله بن إبراهيم بن جامع ### | .... # أولية الوزير أبي سعيد بن جامع ### | .... # كان إبراهيم بن جامع جد هذا الوزير من جملة أصحاب ابن تومرت، صحبه من ~~مراكش؛ وكان أصله من الأندلس؛ آباؤه من أهل مدينة طليطلة، ونشأ هو -أعني ~~إبراهيم- بساحل مدينة شريش على البحر الأعظم، بضيعة تسمى روطة، وبها مسجد ~~مشهور بالفضل يزوره أهل الأندلس قاطبة في كل سنة. ثم انتقل إبراهيم هذا ~~PageV01P228 # إلى العدوة، وكان يحاول صنعة النحاس؛ فتعرف بابن تومرت، فكان من أصحابه، ~~فهو ms177 معدود فيهم. وولد له أولاد نالوا في الدولة حظوة وجاها متسعا؛ فمن ~~أولاده: أبو العلاء إدريس وزير أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وقد تقدم ~~ذكره. وأبو هذا الوزير المتقدم الذكر، اسمه عبد الله، كان يتولى في إمارة ~~أبي يعقوب مدينة سبتة وجهاتها، وزيادة على ذلك ولاية الأسطول في جميع ~~بلادهم. فلم يزل كذلك إلى أن مات -أظن أمير المؤمنين أبا يعقوب قتله! - ~~وترك من الولد: يوسف، والحسين، وعثمان الوزير هذا المذكور، ويحيى, وبنات. # ... فاستمرت وزارة أبي سعيد هذا إلى أن توفي أمير المؤمنين أبو عبد الله؛ ~~ووزر بعده لابنه أبي يعقوب إلى حين ارتحلت من البلاد -وهو سنة 614-. ثم ~~اتصل بي في شهور سنة 617 أن أبا يعقوب عزله وولى من سيأتي ذكره بعد هذا -إن ~~شاء الله عز وجل-. # حجابه # ريحان الخصي، ويدعى ريحان بينك، حجبه ريحان هذا إلى أن مات. # ثم حجبه بعده مبشر الخصي، يدعى مبشر ولدي. فلم يزل مبشر هذا حاجبا له إلى ~~أن توفي أمير المؤمنين أبو عبد الله، رحمه الله. # كتابه # أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش, المتقدم الذكر في كتاب أبيه. # وأبو الحسن علي بن عياش بن عبد الملك بن عياش, المتقدم ذكر أبيه في كتاب ~~عبد المؤمن وأبي يعقوب. # وأبو عبد الله محمد بن يخلفتن بن أحمد الفازازي؛ ذكره الله فيمن عنده، ~~وقرب مطالعتي تلك الغرة الميمونة، وسماعي تلك الألفاظ الحلوة، واستمتاعي ~~بتلك الشمائل الشريفة؛ فما أشد شوقي إلى تقبيل يديه!. # هؤلاء كتبة الإنشاء. وكتاب الجيش: أبو الحجاج يوسف المراني "بتخفيف الراء ~~وضم الميم" من أهل مدينة شريش من جزيرة الأندلس. # ثم بعده أبو جعفر أحمد بن منيع إلى وقتنا هذا، وهو سنة 621. # قضاته # أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي قاضي أبيه. # PageV01P229 # ثم عزله وولى أبا عبد الله محمد بن مروان الذي كان أبوه قد عزله؛ فلم يزل ~~قاضيا إلى أن مات. # وولى بعده رجلا من أهل مدينة فاس، اسمه محمد بن عبد الله بن طاهر، يدعي ms178 ~~أنه من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب1. كان قبل اتصاله بهم ينتحل طريقة ~~الوعظ ويتصوف، لم يزل هذا دأبه ولا برح معروفا به. وكان له مع هذا حظ جيد ~~من معرفة أصول الفقه وأصول الدين وشيء من الخلاف. اتصل بأمير المؤمنين أبي ~~يوسف شهور سنة 587، فحظي عنده وكانت له منه منزلة. سمعت أبا عبد الله ~~الحسيني هذا يقول وأنا عنده في بيته: جملة ما وصل إلي من أمير المؤمنين أبي ~~يوسف منذ عرفته إلى أن مات، تسعة عشر ألف دينار، خارجا عن الخلع والمراكب ~~والأقطاع. # لم يزل أبو عبد الله هذا قاضيا إلى أن مات بالأندلس في شهور سنة 608، ~~وكانت ولايته في شهور سنة 601. # ثم ولى بعده أبا عمران موسى بن عيسى بن عمران؛ كان أبوه من قضاة أبي ~~يعقوب؛ فاستمرت ولاية أبي عمران هذا إلى هذا الوقت -وهو سنة 621- لم يبلغني ~~عزله ولا وفاته. وأبو عمران هذا لي صديق، لم أر صديقا لم تغيره الولاية ~~غيره، ولم يزل يعاملني بما كان يعاملني به قبل ذلك، لم ينقصني شيئا من بره. ~~ما لقيته قط في مركبه إلا سلم علي مبتدئا وجدد لي برا؛ جزاه الله عني أفضل ~~الجزاء، وعم بذلك سائر إخواني!. # أعمال أبي عبد الله بن أبي يوسف # ولما تمت بيعة أبي عبد الله العامة كما ذكرنا -وكان الذي تولاها وقام ~~بأمرها من القرابة: أبو زيد عبد الرحمن بن عمر بن عبد المؤمن، وهو الذي قام ~~ببيعة أبيه؛ ومن الموحدين: أبو زيد عبد الرحمن بن موسى وزير أبيه، وأبو ~~محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص -وهو الذي ولاه محمد بعد هذا أمر ~~إفريقية- كان أول شيء شرع فيه تجهيز الجيوش إلى إفريقية؛ وذلك أن يحيى بن ~~إسحاق بن غانية المتقدم الذكر، كان استولى على أكثر بلادها أيام اشتغل ~~الموحدون عنه بغزو الروم؛ فأول جيش جهز أبو عبد الله من الموحدين، الجيش ~~الذي استعمل عليه السيد أبا الحسن علي بن عمر بن عبد المؤمن؛ لم أر لهم ~~جيشا ms179 أضخم منه ولا أكثر منه سلاحا ولا PageV01P230 # أحسن عدة. وكان فيه من أعيان الموحدين وأشياخهم جملة وافرة. فسار أبو ~~الحسن هذا بجيشه المذكور حتى التقى هو والميورقيون فيما بين بجاية ~~وقسطنطينة، وبالقرب من قسطنطينة؛ فانهزم الموحدون أصحاب أبي الحسن المذكور، ~~ورجع أبو الحسن إلى بجاية على حالة سيئة. # وجهز بعد هذا الجيش جيشا على مثاله، وأمر عليهم من الموحدين أبا زيد عبد ~~الرحمن بن موسى الوزير؛ فسار بالجيش حتى بلغ قسطنطينة المغرب. # دخول الموحدين جزيرة ميورقة # ثم استعمل أمير المؤمنين أبو عبد الله على إفريقية وأعمالها، السيد الأجل ~~أبا زيد عبد الرحمن بن عبد المؤمن، وخرج هو في سنة 597 إلى تينمل لزيارة ~~قبر أبيه أبي يوسف، وزيارة ضريح آبائه وابن تومرت. ثم رجع إلى مراكش، وأقام ~~إلى أول سنة 609، فتجهز بجيوش ضخمة حتى أتى مدينة فاس ونزل بها، وأشاع أنه ~~يقصد إفريقية -هذا بعد أن بلغه أن الميورقي استولى على مدينة تونس، وقبض ~~على الوالي عليها عبد الرحمن- فأقام بفاس ثلاثة أشهر وأياما، وبدا له أن ~~يبعث بعثا إلى جزيرة ميورقة، ليستأصل شأفة1 بني غانية ويقطع دابرهم2؛ فعمر ~~الأسطول والطرائد فيها الخيل والرجال، واستعمل على الأسطول عمه أبا العلاء ~~إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، وعلى الجيش أبا سعيد عثمان بن أبي حفص من ~~أشياخ الموحدين؛ فقصد الجزيرة هذان الرجلان ففتحاها عنوة، وقتلا عبد الله ~~بن إسحاق بن غانية الأمير عليها؛ وكان الذي قتله رجل من الأكراد يقال له: ~~عمر المقدم؛ وذلك أنه حين نازله القوم خرج على باب من أبواب المدينة سكران، ~~فكبت به فرسه، فضربه هذا المذكور بسيفه حتى مات؛ وقيل: إنه قتله بسيف نفسه. # وكان دخولهما ميورقة وقتلهما أميرها المذكور في شهر ذي الحجة من سنة 599، ~~فانتهبا أمواله، وسبيا حرمه، ودخلا بهم مدينة مراكش على الجمال في هيئة ~~الأسارى. فأما النساء فدخل بهن ليلا فجعلن في بعض الخانات إلى أن نفذ الأمر ~~بالمن عليهن وإطلاقهن، وتزويج من تحتاج إلى التزويج منهن وتجهيزها بمال. ~~وأما الرجال فلم يزالوا ms180 في الحبس إلى أن من عليهم بعد أن ضمنهم أكابرهم ~~واتخذوا أجنادا فهم, كذلك إلى اليوم. # وبلغني أن المتولين لفتحها انتهبوا منها أموالا عظيمة وذخائر نفيسة. ~~PageV01P231 # ثم رجع أمير المؤمنين أبو عبد الله إلى مراكش، وبها اتصل به خبر فتح ~~ميورقة؛ وكان رجوعه إلى مراكش في ذي القعدة من السنة المذكورة. # عبد الرحمن الجزولي الثائر # وقد كان قبل هذا في سنة 97، قام بسوس رجل من جزولة اسمه عبد الرحمن، يعرف ~~عندهم بما معناه بلسانهم ابن الجزارة, فدعا إلى نفسه؛ واجتمع إليه خلق ~~كثير. واشتد خوف الموحدين منه، فلم يزالوا يجهزون إليه العساكر بعد ~~العساكر، وفي كل ذلك يهزمهم؛ إلى أن بعثوا بعثا من الموحدين والغز وأصناف ~~الجند، بعد أن تقدموا إلى المصامدة والمجاورين للبلاد التي كان فيها؛ ~~وقالوا: إنما يقوى هذا الرجل بتغافلكم عنه، ومسامحتكم إياه، ولو شئتم لم ~~يبق بالبلاد يوما واحدا! فتحركوا عند ذلك وأظهروا الحمية، والتقوا هم ~~وأصحاب عبد الرحمن المذكور -وكان يدعى أبا قصبة- فأسلمته جموعه، وقتل وسير ~~برأسه إلى مراكش؛ فكتب إلي بعض إخواني، وهو إذ ذاك صبي صغير كان مع أبيه ~~بسوس -وكان أبوه من العمال، من أهل جزيرة الأندلس من ناحية بلنسية- يخبرني ~~بهذا الفتح قبل وصوله إلي من جهة كتاب الموحدين المتولين له، رسالة أولها: # كتب من منزل سوس وقد تبلج1 فجر الفتح فأسفر، وقال فريق الضلال وشيعته: ~~أين المفر؟ وقد ألقى النصر جرانه2، وأعز الله حزبه المؤيد وأعوانه؛ وشرح ~~الحال على غاية الإيجاز؛ لأجل الاستعجال في إنهاء هذه البشائر والانحفاز3، ~~أن الناكثين النابذين للعروة الوثقى، المتمسكين بالسبب الأشقى، حاصرهم ~~الموحدون -أنجدهم الله- أشد الحصار، وقطعوا عنهم مواد المعايش وزرافات4 ~~الأنصار؛ ولسان التأييد يتلو علينا بالعشي والإشراق. ما ينظر هؤلاء إلا ~~صيحة واحدة ما لها من فواق5. ولحين ما أخذ الموحدون -أنجدهم الله- في حسم ~~دائهم العضال، وجردوا لهم من عزماتهم الصادقة ما هو أمضى من النصال، طاحوا ~~مجدلين بالحضيض6، وملأ جثمانهم الفضاء العريض، وخيب الله ظنونهم الكاذبة ~~وآمالهم، PageV01P232 # وصيرهم إلى أمهم الهاوية فكانت أولى بهم؛ ms181 ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط1 أعمالهم؛ وأمكن الله من رأس ضلالهم المدعو بأبي قصبة، ~~فقهره الحزب المنصور وغلبه، وحز الحسام منه قنة2 ورقبة ... # إنما أوردت هذه الرسالة هاهنا لغرابة شأن من وردت علي منه؛ وذلك أنه كان ~~حين كتب بها إلي لم يحتلم بعد!. # فتح جزرة منرقة # ومع اتصال هذا الفتح بهم، اتصل معه فتح جزيرة منرقة؛ كان فيها من أصحاب ~~ابن غانية رجل اسمه الزبير بن نجاح؛ دخلوها عليه فقتلوه ووجهوا برأسه إلى ~~مراكش، فهو معلق بها مع رأس أبي قصبة المذكور. # محاربة يحيى بن غانية بإفريقية # ولما كانت سنة 601، تجهز أمير المؤمنين أبو عبد الله في جيوش عظيمة، وقصد ~~بلاد إفريقية؛ وقد كان الميورقي يحيى بن غانية قد استولى عليها، خلا ~~قسطنطينة وبجاية؛ هيأ له ذلك غفلة الموحدين عنه، واشتغال أمير المؤمنين أبي ~~يوسف بغزو الروم بالأندلس على ما قدمناه. # فسار أبو عبد الله حتى نزل بلاد إفريقية؛ فما استعصى عليه بلد من بلادها ~~خلا المهدية، مهدية بني عبيد؛ فإنه أقام عليها أربعة أشهر قبل أن دخلها؛ ~~أوجب ذلك ما قدمنا من شدة منعتها -وكان يحيى بن غانية قد ولى فيها ابن عمه ~~لحا، أبا الحسن علي بن محمد بن غانية -فلما طال عليه الحصار سلم البلد وخرج ~~بنفسه يقصد ابن عمه. ثم بدا له أن يرجع إلى الموحدين، فأرسل إليهم فتلقوه ~~أحسن لقاء، ووصلوه من الصلات النفيسة بما لا قيمة له3، ولا يصل بمثله إلا ~~الخلفاء، وبعد هذا نزع إليهم أخو يحيى بن غانية، سير بن إسحاق بن محمد؛ ~~فأكرموا نزله وأقطعوه الأقطاع الواسعة بعد أن ملئوا يديه أموالا. # ولم يزل أبو عبد الله أمير المؤمنين مقيما بإفريقية يصلح ما أفسده ابن ~~غانية، PageV01P233 # إلى أن تم له ما أراد من ذلك. وبلغني أن جملة ما أنفق في هذه السفرة مائة ~~وعشرون حملا ذهبا. # ثم رجع إلى مراكش دار الملك، بعد أن ترك بإفريقية من الموحدين وأصناف ~~الجند من يقوم بحمايتها ويذود عنها من ms182 رامها. واستعمل عليها من أشياخ ~~الموحدين أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص عمر إينتي، فأقام بمراكش. # انتقاض الهدنة بين الموحدين والفرنجة # وكان رجوعه إليها في شهور سنة 604، فأقام بها -كما ذكر- إلى أول سنة 607، ~~فانتقض ما بينه وبين الأدفنش -لعنه الله- من المهادنة، وبدا له أن يقصد ~~بلاد الروم للغزو؛ فخرج بالجيوش حتى عبر البحر؛ وكان عبوره في شهر ذي ~~القعدة من سنة 7 المذكورة، فسار حتى نزل إشبيلية على عادة من سلف قبله؛ ~~فأقام بها بقية السنة المذكورة. # فتح شلبترة # وتحرك في أول سنة 8 فقصد بلاد الروم؛ فنزل على قلعة عظيمة لهم في غاية ~~المنعة تدعى شلبترة -معناه بلسان العرب: الأرض البيضاء، إلا أن فيه تقديما ~~وتأخيرا كما جرت العادة في لسان العجم- ففتحها بعد حصار وتضييق عليها شديد. ~~وكان أبوه قد نزل عليها قبل ذلك فحاصرها أياما يسيرة ثم تركها شفقة على ~~المسلمين وخوفا عليهم. فراع فتح هذه القلعة الروم، وخامرهم الرعب1؛ وخرج ~~الأدفنش -لعنه الله- إلى قاصية بلاد الروم مستنفرا من أجابه من عظماء الروم ~~وفرسانهم وذوي النجدة2 منهم؛ فاجتمعت له جموع عظيمة من الجزيرة نفسها ومن ~~السام، حتى بلغ نفيره3 إلى القسطنطينية، وجاء معه صاحب بلاد أرغن المعروف ب ~~البرشنوني -لعنه الله-!. # أشهر الإمارات الإسبانية في ذلك العهد # وذلك أن جزيرة الأندلس يملك جهاتها الأربع أربعة ملوك من الروم: # إحدى الجهات تسمى أرغون -وهي التي ذكرنا- وهي شرقي الجزيرة مما يقابل ~~الجنوب منها. PageV01P234 # والجهة الأخرى -وهي المملكة الكبرى- بلاد تسمى بلاد قشتال، يملكها ~~الأدفنش -لعنه الله-؛ وحد هذه الجهة فيما بين الجنوب والشمال، أميل إلى ~~الجنوب قليلا. # والجهة الأخرى تسمى ليون، فهو أول الحد الشمالي المغربي، يملكها رجل يدعى ~~بالببوج؛ ومعنى هذا الاسم بالعربية: الكثير اللعاب. # والجهة الأخرى في الشمال مما يلي البحر الأعظم -بحر أقيانس- يملكها رجل ~~يعرف بابن الريق، وقد تقدم ذكره في مواضع من هذا الكتاب. # والجزيرة بأسرها، أعني جزيرة الأندلس، تسمى في قديم الدهر عند الروم ~~جزيرة أشبانية. # وبعد رجوع أمير المؤمنين أبي عبد الله من ms183 هذا الفتح المتقدم الذكر إلى ~~إشبيلية، استنفر الناس من أقاصي البلاد، فاجتمعت له جموع كثيفة، وخرج من ~~إشبيلية في أول سنة 609، فسار حتى نزل مدينة جيان؛ فأقام بها ينظر في أمره ~~ويعبئ عساكره. وخرج الأدفنش -لعنه الله- من مدينة طليطلة في جموع ضخمة، حتى ~~نزل على قلعة رباح -وهي كانت للمسلمين، افتتحها المنصور أبو يوسف في الوقعة ~~الكبرى- فسلمها إليه المسلمون الذين بها، بعد أن أمنهم على أنفسهم؛ فرجع عن ~~الأدفنش -لعنه الله- بهذا السبب من الروم جموع كثيرة، حين منعهم من قتل ~~المسلمين الذين كانوا بالقلعة المذكورة، وقالوا: إنما جئت بنا لتفتتح بنا ~~البلاد وتمنعنا من الغزو وقتل المسلمين! ما لنا في صحبتك من حاجة على هذا ~~الوجه!. # وقعة العقاب وهزيمة المسلمين # وخرج أمير المؤمنين من مدينة جيان، فالتقى هو والأدفنش بموضع يعرف ب ~~العقاب، بالقرب من حصن يدعى حصن سالم؛ فعبأ الأدفنش جيوشه ورتب أصحابه، ~~ودهم المسلمين وهم على غير أهبة؛ فانهزموا، وقتل من الموحدين خلق كثير. # وأكبر أسباب هذه الهزيمة اختلاف قلوب الموحدين؛ وذلك أنهم كانوا على عهد ~~أبي يوسف يعقوب يأخذون العطاء في كل أربعة أشهر، لا يخل ذلك من أمرهم؛ ~~فأبطأ في مدة أبي عبد الله هذا عنهم العطاء، وخصوصا في هذه السفرة، فنسبوا ~~ذلك إلى الوزراء؛ وخرجوا وهم كارهون؛ فبلغني عن جماعة منهم أنهم لم يسلوا ~~سيفا ولا شرعوا رمحا ولا أخذوا في شيء من أهبة القتال؛ بل انهزموا لأول ~~حملة الإفرنج # PageV01P235 # عليهم قاصدين لذلك. وثبت أبو عبد الله هذا في ذلك اليوم ثباتا لم ير لملك ~~قبله، ولولا ثباته هذا لاستؤصلت تلك الجموع كلها قتلا وأسرا!. # ثم رجع من هذا الوجه إلى إشبيلية، وأقام بها إلى شهر رمضان من هذه السنة، ~~ثم عبر البحر قاصدا مدينة مراكش.. # وكانت هذه الهزيمة الكبرى على المسلمين، يوم الاثنين منتصف صفر, الكائن ~~في سنة 609. # وفصل الأدفنش -لعنه الله- عن هذا الموضع بعد أن امتلأت يداه وأيدي أصحابه ~~أموالا وأمتعة من متاع المسلمين؛ فقصد مدينتي بياسة وأبذة؛ فأما بياسة ~~فوجدها أو أكثرها ms184 خالية، فحرق أدورها وخرب مسجدها الأعظم؛ ونزل على أبذة ~~وقد اجتمع فيها من المسلمين عدد كثير من المنهزمة وأهل بياسة وأهل البلد ~~نفسه؛ فأقام عليها ثلاثة عشر يوما، ثم دخلها عنوة فقتل وسبى وغنم؛ وفصل هو ~~وأصحابه من السبي من النساء والصبيان بما ملئوا به بلاد الروم قاطبة؛ فكانت ~~هذه أشد على المسلمين من الهزيمة!. # وفاة الناصر محمد # ولم يزل أمير المؤمنين أبو عبد الله مقيما بمراكش بقية سنة 9 وأشهرا من ~~سنة 10 إلى أن توفي في شهر شعبان كما قدمنا؛ واختلف علينا في سبب وفاته1؛ ~~فأصح ما بلغني أنه أصابته سكتة من ورم في دماغه؛ وذلك يوم الجمعة لخمس خلون ~~من شعبان؛ فأقام ساكتا لا يتكلم يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء؛ ~~وأشار عليه الأطباء بالفصد فأبى ذلك؛ وتوفي يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر ~~شعبان من سنة 610، ودفن يوم الخميس؛ صلى عليه خاصة الحشم!. PageV01P236 ### | ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن محمد # هو يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي1, أمه أم ولد ~~رومية اسمها: قمر، تلقب حكيمة. كانت ولادته في صدر شوال من سنة 594؛ قبل ~~وفاة جده أبي يوسف بأربعة أشهر. # بويع له وسنه يومئذ ست عشرة سنة، لا أعلم له ولدا لحداثة سنه؛ ثم اتصل بي ~~في شهور سنة 621 أن يوسف هذا توفي في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة سنة ~~20، فكانت مدة ولايته من يوم بويع له -وذلك لأحد عشر يوما خلت من شعبان من ~~سنة 610- إلى أن توفي كما ذكر في التاريخ المذكور، عشرة أعوام وشهرين. # صفته # كان صافي السمرة، مستدير الوجه، شديد الكحل، يشبهونه بجده أبي يوسف في ~~أكثر خلقه وخلقه. # وزراؤه # أبو سعيد -المتقدم الذكر- وزير أبيه؛ استمرت وزارته إلى آخر سنة 615. # ثم عزله وولى بعده رجلا اسمه زكريا بن يحيى بن أبي إبراهيم إسماعيل ~~الهزرجي صاحب ابن تومرت والمقتول في حياة عبد المؤمن كما تقدم. # أم هذا الوزير هي بنت أبي يوسف المنصور؛ فهو وزيره إلى ms185 أن توفي كما ذكر. # حجابه # مبشر الخصي حاجب أبيه. # ثم حجبه بعده فارح الخصي، يكنى: أبا السرور؛ فلم يزل حاجبا له إلى أن ~~توفي كما قيل. PageV01P237 # قاضيه # أبو عمران موسى بن عيسى بن عمران قاضي أبيه؛ لم يزل أبو عمران هذا قاضيا ~~له إلى أن توفي كما قيل. # كتابه # أبو عبد الله بن عياش, كاتب أبيه وجده. # وأبو الحسن بن عياش. # ثم اتصلت بي وفاة هذين الكاتبين وأنا بالديار المصرية في شهور سنة 619، ~~وأنهم استعادوا أبا عبد الله محمد بن يخلفتن الفازازي المتقدم الذكر في ~~كتاب أمير المؤمنين أبي عبد الله؛ وكان قاضيا بمدينة مرسية من شرقي ~~الأندلس، وبها فارقته؛ فأعادوه إلى الكتابة كما كان. # واستكتبوا معه أبا جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عياش. أبوه هو ~~كاتبهم المشهور بكتابتهم، وقد تقدم ذكره في كتاب ثلاثة أمراء منهم. # وكاتب الجيش أحمد بن منيع؛ لم يتغير. # بيعته # بويع لأبي يعقوب هذا يوم دفن أبيه، لا أدري أبعهد أبيه أم لا؛ لأني أعلم ~~أن أباه كان كثير الانحراف عنه في آخر أيامه؛ لما كان يسمع من سوء أخباره. ~~والذين قاموا ببيعته من القرابة: أبو موسى عيسى بن عبد المؤمن -عم جده الذي ~~دخل عليه الميورقيون بجاية، وهو آخر من بقي من ولد عبد المؤمن لصلبه، لم ~~تبلغني وفاته إلى وقتنا هذا- وأبو زكريا يحيى بن أبي حفص عمر بن عبد ~~المؤمن؛ كانا قائمين على رأسه يأذنان للناس؛ ومن الموحدين: أبو محمد عبد ~~العزيز بن عمر بن أبي زيد الهنتاتي -كان أبوه أول وزر لأبي يوسف، وقد ذكر- ~~وأبو علي عمر بن موسى بن عبد الواحد الشرقي؛ وأبو مروان عبد الملك بن يوسف ~~بن سليمان، من أهل تينمل. # وبويع البيعة الخاصة يوم الخميس، ويوم الجمعة بايعه أشياخ الموحدين ~~والقرابة، وفي يوم السبت أذن للناس عامة؛ شهدت ذلك اليوم وأبو عبد الله بن ~~عياش الكاتب قائم يقول للناس: # تبايعون أمير المؤمنين ابن أمراء المؤمنين على ما بايع عليه أصحاب # PageV01P238 # رسول الله -صلى الله عليه ms186 وسلم- رسول الله، من السمع والطاعة في المنشط1 ~~والمكره واليسر والعسر والنصح له ولولاته ولعامة المسلمين. هذا ما له ~~عليكم، ولكم عليه: ألا يجمر بعوثكم2، وألا يدخر عنكم شيئا مما تعمكم ~~مصلحته، وأن يعجل لكم عطاءكم، وألا يحتجب دونكم؛ أعانكم الله على الوفاء ~~وأعانه على ما قلد من أموركم. # يعيد هذا القول لكل طائفة، إلى أن انقضت البيعة. ثم اتصلت وفادة3 أعيان ~~البلاد ورؤسائها ووجوه القبائل عليه للبيعة إلى أن تم له الأمر. # فاطمي من سلالة ملوك القاهرة يثور بمراكش # ولأربعة أشهر من ولايته قبض على رجل كان قد ثار عليهم يدعي أنه من بني ~~عبيد، ويقول: إنه ولد العاضد4 لصلبه، اسمه عبد الرحمن. # كان قد ورد البلاد في حياة أبي يوسف أيام كونه بإشبيلية، ورام الاجتماع ~~به فلم يأذن له؛ وأقام بالبلاد مطرحا إلى أن حبسه أمير المؤمنين أبو عبد ~~الله في شهور سنة 596؛ فلم يزل في الحبس إلى أن كانت سنة 601 وتحرك أمير ~~المؤمنين إلى إفريقية؛ شفع له فيه أبو زكريا يحيى بن أبي إبراهيم الهزرجي، ~~فأطلقه له بعد أن ضمن عنه أنه لا يتحرك في أمر يكرهونه. فلم يقم هذا ~~العبيدي بمراكش إلا أياما يسيرة بعد خروج أمير المؤمنين أبي عبد الله، ثم ~~خرج وقصد بلاد صنهاجة، فالتفت عليه منهم جماعة وانتشر له فيهم تعظيم؛ لأن ~~هذا الرجل كان كثير الإطراق والصمت، حسن الهيئة؛ لقيته مرتين فلم أر في ~~أكثر من شهدته من المشبهين بالصالحين مثله في الآداب الظاهرة؛ من هدوء ~~النفس وسكون الأطراف ووزن الكلام وترتيب الألفاظ ووضع الأشياء مواضعها، مع ~~الرياضة المفرطة. ثم قصد مدينة سجلماسة في حياة أمير المؤمنين أبي عبد الله ~~بجيش عظيم، فخرج إليه متوليها السيد أبو الربيع سليمان بن أبي حفص عمر بن ~~عبد المؤمن, فهزمه العبيدي المذكور وأعاده إلى سجلماسة أسوأ عود. ولم يزل ~~ينتقل في قبائل البربر من موضع إلى موضع، وفي ذلك كله لا يستقيم له أمر ولا ~~تثبت عليه جماعة؛ أوجب ذلك كونه غريب البلد واللسان، لا ms187 عشيرة له، ولا أصل ~~بالبلاد يرجع إليه؛ إلى أن قبض عليه بظاهر مدينة فاس؛ لم يبلغني تفصيل ~~PageV01P239 # قضية القبض عليه. وكتب إلى أمير المؤمنين متولي فاس أبو إبراهيم إسحاق ~~ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، يعلمه بالقبض عليه وبكونه ~~عنده في سجنه؛ فكتب إليه يأمره بقتله وصلبه، فضرب عنقه وصلب جسده ووجه ~~برأسه إلى مراكش؛ فهو معلق هناك مع عدة رءوس من الثوار والمتغلبين. # ولم يغير أبو يعقوب هذا على الناس شيئا من سير آبائه، ولا أحدث أمرا ~~يتميز به عمن كان قبله؛ خلا أني رأيت كل من يعرفه من خواص الدولة قد ملئ ~~قلبه منه رعبا؛ لما يعلمون من شهامته وشدة تيقظه؛ لقيته وجلست بين يديه ~~خاليا به، وذلك في غرة سنة 611؛ فرأيت -من حدة نفسه وتيقظ قلبه وسؤاله عن ~~جزئيات لا يعرفها أكثر السوق فكيف الملوك- ما قضيت منه العجب؛ وإلى وقتنا ~~هذا لم يظهر منه شيء مما يتوقع. # ثائران آخران على أبي يعقوب الثاني # وثار في أيام يوسف هذا -بعد قتل العبيدي- رجلان: أحدهما ببلاد جزولة من ~~سوس، كان يدعى بالفاطمي؛ قتل وجيء برأسه إلى مراكش في شهور سنة 612 وأنا ~~يومئذ بجزيرة الأندلس؛ لم يبلغني تفصيل أمره لبعدي عن الحضرة، غير أني ~~رأيتهم أعظموا الفرح بأخذه وقتله. والآخر من صنهاجة، قتل في سنة 618 بعد أن ~~أثر آثارا قبيحة فيما بلغني، وهزم بعوثا عدة واستفسد خلقا كثيرا؛ بلغني هذا ~~كله وأنا بالبلاد المصرية في التاريخ المتقدم. وكان الذي تولى قتل هذا ~~الرجل والإراحة منه وحسم الخلاف الواقع بسببه، السيد الأجل أبا محمد عبد ~~العزيز ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب بن عبد المؤمن بن علي، وهو يومئذ وال ~~على مدينة سجلماسة وأعمالها. # وفاة أبي يعقوب الثاني # ثم اتصل بي في هذه السنة -وهي سنة 621- أن أبا يعقوب أمير المؤمنين توفي ~~في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة من سنة 620 ولم يبلغني كيفية وفاته1 ~~فاضطرب الأمر، واشرأب4 الناس للخلاف. PageV01P240 ### | ولاية أبي محمد عبد العزيز بن ms188 أبي يعقوب الأول # ثم ذكر لي أن عامتهم ومعظمهم اجتمعوا على تقديم السيد الأجل أبي محمد عبد ~~العزيز ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف ابن أمير المؤمنين أبي محمد عبد ~~المؤمن بن علي، رحمهما الله ونضر وجهيهما وجزاهما خيرا عن صلاحهما ~~وإصلاحهما. # وأبو محمد عبد العزيز هذا من أصاغر أولاد أبي يعقوب؛ أمه حرة اسمها: ~~مريم، صنهاجية من أهل قلعة بني حماد، تزوجها أمير المؤمنين أبو يعقوب في ~~حياة أبيه؛ وكانت سبيت هي وأمها: ملكة فيمن سبوا من أهل القلعة؛ فأعتقهما ~~أبو محمد عبد المؤمن، وزوج مريم هذه لابنه أبي يعقوب، فولدت له ثمانية من ~~الولد: أربعة ذكور، وأربع بنات؛ فالذكور هم: إبراهيم، وموسى، وإدريس، وعبد ~~العزيز هذا المذكور، وهو أصغرهم؛ توفي موسى بظاهر مدينة تاهرت؛ قتله العرب ~~أصحاب الميورقي في شهور سنة 605؛ وتوفي إبراهيم منهم بإشبيلية وأنا بها في ~~شهور سنة 612؛ وتوفي أبو العلاء إدريس منهم بإفريقية كما سيأتي. والبنات ~~هن: زينب، ورقية، وعائشة، وعلية. # لم يتول أبو محمد عبد العزيز هذا شيئا من أمرهم في حياة أبيه، ولا في ~~حياة أخيه أبي يوسف؛ فلما ولي أبو عبد الله الأمر1 ولاه مدينة مالقة ~~وأعمالها من جزيرة الأندلس؛ وذلك في شهور سنة 598؛ ثم عزله عنها في شهور ~~603، وولاه أمر قبيلة هسكورة، وهي ولاية ضخمة؛ فلم يزل واليا عليها إلى أن ~~عزله عنها وولاه أمر سجلماسة، فلم يزل واليا عليها بقية مدته ومدة ابنه أبي ~~يعقوب، إلى أن قتل هذا الثائر المتقدم الذكر في ولاية أبي يعقوب بن أبي عبد ~~الله؛ فعزله أبو يعقوب عن سجلماسة وولاه مدينة إشبيلية حين عزل عنها أخاه ~~أبا العلاء وولاه أمر إفريقية، فلم يزل أبو العلاء إدريس واليا بإفريقية ~~إلى أن مات بها في رمضان من سنة 620 على ما بلغني، رحمة الله عليه. # فهذه جملة أخبار هذا الرجل، أبي محمد عبد العزيز المذكور بالولاية لأمرهم ~~كما قالوا؛ ولئن كان ما قالوا حقا وتم هذا الأمر له، ليملأنها خيرا وعدلا، ~~ولتزكون2 الأرض وتخرج بركاتها، ولترسلن ms189 السماء مدرارها؛ بيمن نقيبته3 وحسن ~~PageV01P241 # سيرته وحميد سريرته. هذا إذا ساعده الدهر وقيض1 الله له أعوانا صالحين؛ ~~فإنه -ما علمت- صوام قوام، مجتهد في دينه، شديد البصيرة في أمره، قوي ~~العزيمة، شديد الشكيمة2، لا تأخذه في الحق لومة لائم؛ أرطب الناس لسانا ~~بذكر الله، وأتلاهم لكتاب الله؛ شهدته والولاية قد اكتنفته، وأمور الرعية ~~قد استغرقت أوقاته، وهو في كل ذلك لا يخل بشيء من أوراده، ولا يترك وظيفة ~~من الوظائف التى رتبها على نفسه؛ من أخذ العلم وقراءة القرآن، وأذكار رتبها ~~على أوقات الليل والنهار. شهدت هذا كله منه بنفسي، لا أنقله عن أحد ولا ~~أستند فيه إلى رواية؛ هذا مع دماثة خلق3، ولين جانب وخفض جناح لأصحابه ولمن ~~علم فيه خيرا من المسلمين أو ظنه مضافا إلى سخاء نفس وطلاقة وجه. # صفته # أبيض تعلوه صفرة، جميل الوجه جدا، معتدل القامة، متناسب الأعضاء. # وله من الولد -على علمي- ثلاثة: محمد، وهو أكبرهم, وعبد الرحمن, وأحمد, ~~وبنات. # هذا تلخيص التعريف بأخبار دولة المصامدة من أول قيام أمرهم -وهو سنة 515- ~~إلى وقتنا هذا -وهو سنة 621- فذلك مائة سنة وست سنين، على الإجمال لا على ~~التفصيل. # وإنما أوردنا من ذلك ما تدعو الحاجة إليه، وتجشم الضرورة من عني بالأخبار ~~إلى معرفته، من غير تعرض إلى ما لا حاجة بنا إليه، من ذكر أولاد عبد ~~المؤمن، وأولاد أولاده، وأولاد أولاد أولاده، وتفاصيل أخبارهم في ولايتهم ~~وعزلهم وأمهاتم وكتابهم وحجابهم ووزرائهم؛ إذ لو تتبعنا ذلك لخرج هذا ~~المجموع عن حد التلخيص، ولحق بالكتب المبسوطة. هذا على أنا لو كفينا ضرورات ~~المعاش، وأعفينا من كد الزمان، لأوردنا من ذلك ما أحاط به العلم وبلغته ~~الرواية وحصلته المشاهدة. # ولم أثبت في هذه الأوراق المحتوية على دولة المصامدة وغيرها إلا ما حققته ~~نقلا من كتاب، أو سماعا من ثقة عدل، أو مشاهدة بنفسي؛ هذا بعد أن تحريت ~~الصدق وتوخيت الإنصاف في ذلك. وجهدت ألا أنقص أحدا ذرة مما له، ولا أزيده ~~PageV01P242 # خردلة1 مما لا يستحقه؛ وبالله أستعين، وإياه أسأل، وإليه ms190 أضرع في إلهام ~~الصواب والسداد في القول والعمل، فهو حسبي ونعم الوكيل. PageV01P243 ### | جامع سير المصامدة وأخبارهم وقبائلهم وأحوالهم في ظعنهم وإقامتهم # قد قدمنا أن أول من صحب المهدي محمد بن تومرت، عشر أنفس؛ وهم المسمون ~~بالجماعة؛ أولهم عبد الواحد الشرقي على الصحيح؛ ثم عبد المؤمن بن علي أمير ~~المؤمنين، ثم عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف عندهم بعمر أزناج، ثم فصكة ~~بن ومزال، سماه ابن تومرت: عمر، وكناه أبا حفص؛ انتشر من ظهر عمر هذا بشر ~~كثير، وكان له عدة من الولد، منهم: إبراهيم، وإسماعيل، ومحمد -أم محمد هذا ~~ابنة عبد المؤمن- ويحيى، وعيسى، وموسى، ويونس، وعبد الحق، وعثمان، وأحمد، ~~وعبد الواحد؛ كان عبد الواحد هذا يتولى أمر إفريقية، ولاه أمرها أمير ~~المؤمنين أبو عبد الله سنة 603، فلم يزل واليا عليها إلى أن مات بها يوم ~~الخميس، وهو أول يوم من شهر محرم سنة 618. # وكان ابن تومرت يسمي فصكة هذا: المبارك، ويقول: لا يزالون بخير ما بقي ~~فيهم هذا الرجل أو أحد من ولده؛ فكان الأمر كما قال، وانتفعوا به وبأولاده ~~وأولاد أولاده، وهو المشهور بعمر إينتي، وقد تقدم ذكره في مواضع من هذا ~~الكتاب. ولم يبق في وقتنا هذا من ولده لصلبه سوى رجل واحد اسمه عثمان، ~~فارقته بمدينة مرسية، وبها ودعته حين ارتحلت إلى هذه البلاد؛ وقد ولوه ~~مدينة جيان وأعمالها؛ هذا آخر عهدي به. ثم اتصل بي بديار مصر أنهم ولوه ~~بلنسية ثم عزلوه عنها، فلا أدري أهو بالأندلس اليوم أو بمراكش؟ وهو معدود ~~عندي من جملة إخواني، رضي الله عنه وعنا وعن جميع المسلمين. # ... ثم يوسف بن سليمان، وأخوه عبد الله بن سليمان، وهما من أهل تينمل، من ~~قبيلة تدعى مسكالة حسبما تقدم؛ ثم أبو عمران موسى بن علي الضرير، صهر عبد ~~المؤمن، كان ضرير البصر، كان عبد المؤمن يستخلفه على مراكش إذا سافر عنها؛ ~~ثم أبو إبراهيم إسماعيل الهزرجي -وهو الذي أسلم نفسه للقتل وفدى عبد المؤمن ~~بذلك على ما تقدم- ثم رجل من أهل تينمل، يعرف ms191 عندهم بابن بيجيت # PageV01P243 # -أنا شاك في اسمه- ثم أيوب الجدميوي، وهو الذي تولى قسمة الأقطاع بين ~~الموحدين في أول الأمر. # فهؤلاء العشيرة المسمون بالجماعة، وبعض الناس يعد فيهم أبا محمد واسنار، ~~وهو رجل دباغ أسود من أهل مدينة أغمات، صحب أبا عبد الله بن تومرت حين مر ~~بها؛ فاختصه أبو عبد الله بن تومرت لخدمته؛ لما رأى من شدته في دينه ~~وكتمانه لها يرى ويسمع؛ فكان يتولى وضوءه وسواكه والإذن عليه للناس وحجابته ~~والخروج بين يديه؛ فلم يزل على ذلك إلى أن توفي ابن تومرت، فكان يتولى خدمة ~~ضريحه وضريح عبد المؤمن حين دفن هناك؛ توفي واسنار هذا في صدر دولة أبي ~~يعقوب بعد أن علت سنه؛ وكان من العباد المجتهدين والزهاد المتبتلين؛ لم ~~يكتسب شيئا ولا خلف دينارا ولا درهما، مع أنه لو شاء لكان أكثر الناس مالا؛ ~~لمكانه من عبد المؤمن ومن المصامدة، لما كانوا يعلمون من قربه من صاحبهم ~~وثنائه عليه في أكثر الأوقات. # وانضاف إلى هؤلاء القوم المسمين بالجماعة؛ خلق من قبائلهم، فعدوا فيهم ~~ونسبوا إليهم. # وأول من يعترض في العرض العام، ولد عمر بن عبد الله الصنهاجي، ثم فرس عبد ~~المؤمن أو من كان من ولده يتولى الأمر، ثم سائر أهل الجماعة على طبقاتهم من ~~سبق وإبطاء، ثم أهل خمسين، وهم خلق كثير. # PageV01P244 ### | ذكر قبائل الموحدين # وقبائل الموحدين الذين يجمعهم هذا الاسم ويعمهم -وهم الجند والأعوان ~~والأنصار، ومن سواهم من سائر البربر والمصامدة رعية لهم وتحت أمرهم- سبع ~~قبائل، وأولهم قبيلة ابن تومرت، وهي قبيلة تسمى هرغة، وهي قليلة العدد ~~بالنسبة إلى قبائل الموحدين. ثم قبيلة عبد المؤمن، تسمى كومية، وهي قبيلة ~~كثيرة العدد جمة الشعوب، لم يكن لها في قديم الدهر ولا في حديثه ذكر في ~~رياسة ولا حظ من نباهة، إنما كانوا أصحاب فلاحة ورعاة غنم وأصحاب أسواق ~~يبيعون فيها اللبن والحطب وسوى ذلك من سقط المتاع1. فتبارك المعز المذل ~~المعطي المانع! فأصبح القوم اليوم وليس فوقهم أحد ببلاد المغرب، ولا تطاول ~~أيديهم يد بكون ms192 عبد المؤمن منهم؛ هذا على أنه -كما قدمناه- ينتسب إلى ~~غيرهم. ثم أهل تينمل، وهم قبائل شتى يجمعها اسم هذا الموضع. ثم هنتاتة، وهي ~~أيضا قبيلة ضخمة جدا، وفي بعضها رياسة وشرف في الدهر القديم. ثم جنفيسة، ~~وهي قبيلة عزيزة منيعة، ولغتها أجود اللغات وأفصحها في ذلك اللسان. ثم ~~جدميوه، وليست كلها -بل بعضها- رعية. ثم من استجاب للموحدين من قبائل ~~صنهاجة. ثم بعض قبائل هسكورة ... # فهذه جملة قبائل الموحدين المستحقين لهذا الاسم عندهم، والذين يأخذون ~~العطاء وتجمعهم الجيوش وينفرون في البعوث؛ وغير هؤلاء القبائل من المصامدة ~~رعية. # وإذ قد جرى ذكرهم -أعني المصامدة- على هذا النسق، فلنذكر لك الآن -حفظك ~~الله وأصلحك وأصلح بك- القبائل التي يجمعها هذا الاسم، أعني المصامدة، وحد ~~بلادهم؛ لتعرفهم ممن سواهم من البربر؛ فحد بلادهم النهر الأعظم الذي يصب من ~~جبال صنهاجة وينتمي إلى البحر الأعظم، بحر أقيانس، يدعى هذا النهر أم ربيع، ~~عليه قبيلتان، إحداهما تسمى هسكورة، وأخرى صنهاجة؛ وهما من المصامدة؛ وآخر ~~بلادهم الصحراء التي تسكنها قبائل لمتونة ومسوفة وسرطة؛ وهؤلاء ليسوا ~~مصامدة؛ وقد كانت المملكة في هذه القبائل أيام المرابطين كما تقدم. فهذا حد ~~PageV01P245 # بلاد المصامدة عرضا؛ وحدها طولا من الجبل المعروف ب درن، إلى البحر ~~الأعظم المسمى أقيانس؛ وقبائلها الذين ينطلق عليهم هذا الاسم: هسكورة، ~~وصنهاجة, ودكالة، وحاحة، ورجراجة، وجزولة، ولمطة، وجنفيسة، وهنتاتة وهرغة، ~~وقبائل أهل تينمل؛ وحول مراكش قبائل منهم أيضا، وهم: هزمير، وهيلانة، ~~وهزرجة؛ يدعونهم الموحدون بالقبائل؛ فهؤلاء الذين يجمعهم اسم المصامدة؛ ثم ~~يجمع الكل جنس البربر, من طرابلس المغرب إلى أقصى سوس وما وراء ذلك ممن ~~ذكرنا, من لمتونة ومسوفة وسرطة؛ وآخر بلادهم أول حد بلاد السودان. # وللمصامدة بعد هذا جند من سائر أصناف الناس، كالعرب، والغز، والأندلس، ~~والروم، وقبائل من المرابطين، وغيرهم. # ثم من ذكرنا من الموحدين صنفان: فالصنف الأول يدعون الجموع، وهم المرتزقة ~~الذين يكونون بمراكش لا يبرحونها. والصنف الآخر يدعون العموم، وهم الكائنون ~~ببلادهم لا يحضرون إلى مراكش إلا في النفير الأعظم؛ وعدد المرتزقة الذين ~~بمراكش من قبائل ms193 الموحدين وسائر من ذكرنا من الأجناد -على ما صح عندي ~~تلخيصه- عشرة آلاف نفس؛ هؤلاء الذين بمراكش خارجا عما في سائر البلاد من ~~الموحدين وأصناف الجند. # وإذا كان العرض العام, فأول من يعترض ذرية أبي حفص عمر الصنهاجي على ~~طبقاتهم في أسنانهم، ثم بعدهم فرس الخليفة من بني عبد المؤمن، ثم أهل ~~الجماعة على ترتيب طبقاتهم، ثم أهل خمسين، ثم القبائل؛ وأولهم عرضا هرغة ~~قبيلة ابن تومرت، ثم بعدهم أهل تينمل، ثم كومية، ثم الموحدون بعد هذا على ~~طبقاتهم في سرعة الهجرة وبطئها. # وقد جرت عادتهم بالكتب إلى البلاد واستجلاب العلماء إلى حضرتهم من أهل كل ~~فن، وخاصة أهل علم النظر، وسموهم طلبة الحضر، فهم يكثرون في بعض الأوقات ~~ويقلون، وصنف آخر ممن عني بالعلم من المصامدة يسمون طلبة الموحدين؛ ولا بد ~~في كل مجلس عام أو خاص يجلسه الخليفة، من حضور هؤلاء الطلبة الأشياخ منهم، ~~فأول ما يفتتح به الخليفة مجلسه مسألة من العلم يلقيها بنفسه أو تلقى ~~بإذنه؛ كان عبد المؤمن ويوسف ويعقوب يلقون المسائل بأنفسهم ولا ينفصلون من ~~مجلس من مجالسهم إلا على الدعاء: يدعو الخليفة ويؤمن الوزير جهرا يسمع من ~~بعد من الناس. ثم إذا سافروا لا يزال القرآن يقرأ بين أيديهم بالغدو والعشي ~~ركبانا؛ وإذا نزلوا فأول شيء يصنعونه في أول النهار بعد صلاتهم الفجر، أن ~~يخرج من ينادي: الاستعانة بالله والتوكل عليه, هذه عندهم للركوب؛ فحينئذ ~~يركب الناس، # PageV01P246 # ويخرج الخليفة من خيمته راكبا وأعيان القرابة وأشياخ الموحدين بين يديه ~~مشاة خطوات كبيرة؛ ثم يأمرهم بالركوب؛ فإذا ركبوا وقف وبسط يديه ودعا، فإذا ~~فرغ الدعاء افتتح القراءة طلبة الموحدين خلفه؛ فيقرءون حزبا من القرآن في ~~نهاية الترتيل، وهم سائرون سيرا رفيقا، ثم شيئا من الحديث. ثم يقرءون ~~تواليف ابن تومرت في العقائد بلسانهم وباللسان العربي؛ فإذا فرغوا وقف ~~الخليفة أيضا وبسط يديه ودعا. وإذا كان وقت النزول أيضا نزلوا مشاة بين ~~يديه إلى خيمته؛ فإذا بلغها بسط يديه ودعا؛ فلا يزال هذا دأبهم في جميع ~~سفرهم ms194 كله. # صفة أحوالهم في إقامة الجمعة # فأما صفة أحوالهم وخطبتهم في جمعهم، فيخرج الخليفة منهم عند زوال الشمس ~~من خوخة1 في القبلة، ويخرج معه خواص حشمه2، ويركع ركعتين ثم يجلس؛ فيقرأ ~~قارئ قدر عشر آيات، حسن القراءة, حسن الصوت. ثم يقوم رئيس المؤذنين ومعه ~~العصا التي يتوكأ عليها الخطيب فيقول: قد فاء الفيء يا سيدنا أمير ~~المؤمنين، والحمد لله رب العالمين! يريد بهذا القول استئذانه في صعود ~~الخطيب المنبر، فيقوم الخطيب ويصعد المنبر، ثم يناوله ذلك الرجل العصا. ~~فإذا جلس الخطيب فوق المنبر أذن ثلاثة من المؤذنين مفترقين، أصواتهم في ~~نهاية الحسن، قد انتخبوا لذلك من البلاد؛ ثم يقوم الخطيب فيخطب، فأول شيء ~~يقول: # الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ~~من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ ونشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أرسله بالحق بشيرا ونذيرا ~~بين يدي الساعة؛ من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله لا يضر ~~إلا نفسه ولا يضر الله شيئا؛ أسال الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع ~~رسوله، ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه؛ فإنما نحن به وله ... # ثم يتعوذ ويقرأ سورة قاف من أولها إلى آخرها، ثم يجلس؛ فإذا قام إلى ~~الخطبة الثانية قال: # الحمد لله، نحمده ونستعينه ونتوكل عليه، ونبرأ من الحول والقوة إليه، ~~ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه ففاتوا الأنام جدا وعزما، ~~وأنفدوا وسعهم في PageV01P247 # نصره والصبر على ما أصابهم فيه وفاء وصدقا وحزما، وعلى الإمام المعصوم ~~المهدي المعلوم أبي عبد الله محمد بن عبد الله العربي القرشي الهاشمي ~~الحسني الفاطمي المحمدي، الذي أيد بالعصمة فكان أمره حتما، واكتنف بالنور ~~اللائح1 والعدل الواضح الذي يملأ البسيطة2 حتى لا يدع فيها ظلاما ولا ظلما؛ ~~وعلى وارث شرفه الصميم قسيمه -رضي الله عنه- في النسب الكريم، المجتبى ms195 ~~لوراثة مقامه العلي، الخليفة الإمام أبي محمد عبد المؤمن بن علي؛ وعلى أبي ~~يعقوب ولي ذلك الاستخلاص ومستوجب شرف الاجتباء والاختصاص. اللهم وارض عن ~~المجاهد في سبيلك، المحيي سنة رسولك؛ وعلى الخليفة الإمام أبي عبد الله ابن ~~الخلفاء الراشدين؛ اللهم وانصر ولي عهدهم، الطالع في أفق سعدهم، القائم ~~بالأمر من بعدهم، الخليفة الإمام أمير المؤمنين أبا يعقوب ابن أمير ~~المؤمنين، ابن أمير المؤمنين، ابن أمير المؤمنين، ابن أمير المؤمنين؛ اللهم ~~كما شددت به عرا الإسلام، وجمعت على طاعته قلوب الأنام، ونصرت به دين نبيك ~~محمد عليه الصلاة والسلام؛ فاقض له بالنصر المقرون بالكمال والتمام؛ اللهم ~~كما اجتبيته3 من الخلفاء الراشدين, والأئمة المهديين، فاجعله من المقتفين ~~لآثارهم4، المهتدين بمنارهم، المقتبسين من أنوارهم. اللهم وأيد الطائفة ~~المنصورة والجماعة، إخوان نبيك، وطائفة مهديك، الذين أخبرت عنهم في صريح ~~وحيك أنهم لا يزالون ظاهرين على أمرك إلى قيام الساعة؛ وأمدهم وكافة من ~~انتظم في سلكهم من أنصار الدين، وحزبك الموحدين، بمواد النصر والتمكين، ~~والفتح المبين؛ واجعل لهم من عضدك وتأييدك أعز ظهير، وأكرم نصير ... # ثم يدعو وينزل فيصلي؛ فإذا فرغ دعا الخليفة بنفسه وأمن الوزير على ما ~~تقدم؛ فهذه كليات سيرتهم مجملة على ما يقتضيه شرط التقريب. وفي أثناء ذلك ~~تفاصيل يطول شرحها وليس بالناظر في هذا الكتاب إليها كبير حاجة؛ إذ قد بين ~~له ما يستدل على ما لم يرسم في هذه الأوراق بما رسم. PageV01P248 ### | ذكر أقاليم المغرب والأندلس # وهذا -أصلحك الله- منتهى ما بلغ من أخبار المغرب وسير ملوكه ووزرائهم ~~وكتابهم وما تعلق بذلك حسب الاستطاعة؛ وقد تقدم بسط العذر عما يقع من ~~التقصير أو الخلل، مع أن أصغر خدم مولانا1 لم تجر عادته بالتصنيف ولا حدث ~~قط نفسه به؛ وإنما بعثته عليه الهمة الفخرية -أعلى الله رتبها- فما كان من ~~إحسان فإلى تلك الهمة العلية نسبته وعنها منبعثه، وما كان من غير ذلك ~~فإغضاؤها يستره ومسامحتها تغمره. # وقد رسم مولانا -حرس الله مجده- أن يضاف إلى هذا التصنيف ذكر أقاليم ~~المغرب وتعيين مدنه وتحديد ms196 ما بينها من المراحل عددا؛ من لدن برقة إلى سوس ~~الأقصى؛ وذكر جزيرة الأندلس وما يملكه المسلمون من مدنها على ما تقدم؛ فلم ~~ير المملوك بدا من الجري على العادة في سرعة الإجابة وامتثال مرسوم الخدمة؛ ~~لوجوب ذلك عليه شرعا وعرفا2؛ هذا مع أن هذا الباب خارج عن مقصود هذا ~~التصنيف، وداخل في باب المسالك والممالك. وقد وضع الناس فيه كتبا كثيرة؛ ~~ككتاب أبي عبيد البكري الأندلسي3، وكتاب ابن فياض الأندلسي أيضا، وكتاب ابن ~~خرداذبة الفارسي4، وكتاب الفرغاني5؛ وغيرها من الكتب المفردة لهذا الشأن ~~المستوعبة له. ونحن إن شاء الله ذاكرون من ذلك -موافقة لرأي مولانا العالي- ~~ما يقف به على حدود البلاد ويصور له صورتها على التقريب من غير تطويل، ~~جارين في ذلك على ما PageV01P249 # سلف من عادتنا في سائر الكتاب؛ فنقول وبالله التوفيق ومنه الإعانة: # قد تقرر واشتهر أن أول حد البلاد المصرية مما يلي الشام، العريش؛ وآخره ~~مما يلي المغرب، مدينة أنطابلس المعروفة ب برقة؛ هذا عرض الديار المصرية. ~~وحدها في الطول من ثغر أسوان إلى مدينة رشيد الكائنة على ساحل البحر ~~الرومي؛ هكذا ذكر أصحاب المسالك والممالك والمعتنون بهذا الشأن. # أولا: المدن العامرة على الساحل # وأول حد بلاد إفريقية والمغرب مدينة أنطابلس المذكورة، المدعوة ب برقة. ~~بناها الروم فكانت حاضرة لتلك البلاد ومجتمعا لأهلها. افتتحها المسلمون في ~~أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛ ومنها كان ابتداء فتح ~~المغرب؛ ومن هذه المدينة -أعني أنطابلس- إلى مدينة طرابلس المغرب، قريب من ~~خمس وعشرين مرحلة. # اتصال العمران بين الإسكندرية والقيروان # وما بين الإسكندرية وطرابلس المغرب، خمس وأربعون مرحلة؛ وكانت العمارة ~~متصلة من مدينة الإسكندرية إلى مدينة القيروان، تمشي فيها القوافل ليلا ~~ونهارا. وكان فيما بين الإسكندرية وطرابلس المغرب حصون متقاربة جدا، فإذا ~~ظهر في البحر عدو نور كل حصن للحصن الذي يليه، واتصل التنوير؛ فينتهي خبر ~~العدو من طرابلس إلى الإسكندرية، أو من الإسكندرية إلى طرابلس، في ثلاث ~~ساعات أو أربع ساعات من الليل؛ فيأخذ الناس أهبتهم ويحذرون ms197 عدوهم؛ لم يزل ~~هذا معروفا من أمر هذه البلاد إلى أن خربت الأعراب تلك الحصون ونفت عنها ~~أهلها أيام خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب -وذلك في حدود سنة ~~440- حين تغير ما بينهم وبين المعز بن باديس الصنهاجي، وقطع الدعاء لهم على ~~المنابر، ودعا لبني العباس؛ فاستولى الخراب عليها إلى وقتنا هذا. ~~واستوطنتها الأعراب من سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر ~~بن نزار بن معد بن عدنان وغيرهم، فهم اليوم بها، وآثار المدن والحصون باقية ~~إلى اليوم. # ومدينة أنطابلس هذه خراب، لم يبق منها إلا آثارها؛ وفيما بين برقة ~~وطرابلس حصن يسمى طلميثة، بالقرب منه معدن كبريت. فأما مدينة طرابلس فلم ~~تزل معمورة إلى هذا الوقت، وهي أول مملكة المصامدة، وقد استولى عليها في ~~مدة # PageV01P250 # ملكهم وفي ملك أبي يعقوب منهم، المملوك قراقش المتقدم ذكره في ترجمة أبي ~~يوسف، ثم أخرجه منها المصامدة، واستولى عليها أيضا يحيى بن غانية، وعلى ~~كثير من إفريقية حسبما تقدم تلخيصه، ثم أخرجه عنها أيضا المصامدة، فهي في ~~ملكهم إلى وقتنا هذا، وهو سنة 621. # بلاد إفريقية الساحلية # فحد بلاد إفريقية مما يلي المشرق، مدينة أنطابلس المذكورة، وحدها مما يلي ~~المغرب، المدينة المعروفة ب قسطنطينة الهواء، سميت بذلك لإفراط علوها وشدة ~~منعتها؛ ومسافة ما بين أنطابلس وقسطنطينة المغرب قريبة من خمس وخمسين ~~مرحلة، فهذا حد إفريقية طولا؛ وعرضها يختلف بحسب مزاحمة الصحراء العمارة ~~ومباعدتها؛ وسميت إفريقية بذلك لنزول إفريقش من ولد حام بن نوح بها. ~~وإفريقش هذا هو أبو البربر، فالبربر كلهم من ولد حام بن نوح، خلا صنهاجة، ~~فإنهم يرجعون إلى حمير؛ هذا كله قول أبي جعفر محمد بن جرير الطبري1 في ~~تاريخه، من لدن ذكر إفريقش إلى ذكر صنهاجة. # فأول مدن إفريقية المعمورة، طرابلس المغرب المتقدم ذكرها، ومنها إلى ~~مدينة تسمى: قابس، عشر مراحل. وقابس هذه على ساحل البحر الرومي؛ وكذلك ~~طرابلس. وتنصب إلى قابس هذه أنهار من بعض تلك الجبال التي تليها، فهي بذلك ~~أخصب ms198 بلاد إفريقية وأوسعها فواكه وأعنابا. ومن قابس هذه إلى مدينة صغيرة ~~على الساحل أيضا تسمى سفاقس؛ أربع مراحل؛ ومن سفاقس إلى مهدية بني عبيد، ~~ثلاث مراحل. وقد تقدمت صفة المهدية في أخبار أبي محمد عبد المؤمن بن علي. ~~وبظاهر المهدية المذكورة وقريب منها جدا، مدينة تدعى زويلة؛ بناها بنو عبيد ~~حين بنوا المهدية؛ فاختصوا المهدية لأنفسهم وحشمهم وأعيان جندهم ووجوه ~~قوادهم؛ وأسكنوا زويلة هذه سائر الناس من الرعية والسودان وأراذل كتامة ~~وغيرهم من أتباعهم. ولما ارتحل المعز إلى مصر بعد أن افتتحها على يدي خادمه ~~جوهر2؛ ارتحلت معه طائفة كبيرة من أهل زويلة هذه؛ فإليهم ينسب الباب ~~والحارة التي PageV01P251 # بالقاهرة اليوم1. ومن مهدية بني عبيد إلى مدينة تسمى سوسة -وإليها تنسب ~~الثياب السوسية- مرحلتان؛ ومن سوسة إلى مدينة تونس، ثلاث مراحل. ولم تكن ~~تونس هذه في قدم الدهر على أيام الإفرنج مدينة، وإنما بنيت في أول الإسلام، ~~بناها عقبة بن نافع الفهري لمصلحة رآها؛ وإنما كانت المدينة الكبرى مدينة ~~على الساحل هناك تسمى قرطاجة، بينها وبين تونس نحو من أربعة فراسخ. # شأن مدينة قرطاجة في القديم # وهذه المدينة -أعني قرطاجة- هي كانت حاضرة إفريقية أيام الروم، وهي مدينة ~~عظيمة، ظهر فيها من قوتهم وشدة طاعة رعيتهم لهم وفرط جبروتهم ما يعجب منه ~~من تأمله، ويعتبر فيه من وقف عليه؛ وذلك أنهم جلبوا إليها المياه من بعد ~~شديد، وتحيلوا على ذلك بغرائب من الحيل يعجز عن أيسرها جميع من في هذا ~~العصر. وكانوا يضاهون بها مدينة القسطنطينية العظمى، المنسوبة إلى قسطنطين ~~بن هيلان ملك الإفرنج. ثم لما افتتح المسلمون إفريقية في أيام عثمان بن ~~عفان -رضى الله عنه-، خربوا هذه المدينة المذكورة2، واتخذوا مدينة القيروان ~~دار ملكهم ومقر ولاتهم ومجتمع جندهم ومركز جيوشهم, وأسسوا على ساحل البحر ~~مدينة تونس المذكورة. وكان هناك قبل ذلك دير معظم عند الروم يزورونه من ~~أقاصي بلادهم، فهدمه المسلمون وبنوه مسجدا، وسموا المدينة تونس، باسم ~~الراهب الذي كان في ذلك الدير؛ فما زالت تونس معمورة إلى وقتنا هذا. ms199 # ولما خربت مدينة القيروان إلى ما سيأتي الإيماء إليه، صارت مدينة تونس ~~حاضرة إفريقية ومقر ولاتها وموضع مخاطبة أولي الأمر منها؛ وكل ما بتونس من ~~جيد الرخام وخالص المرمر فمن مدينة قرطاجة المذكورة. # ومن مدينة تونس هذه إلى مدينة صغيرة على ساحل البحر تدعى بونة3 -ومعنى ~~هذه اللفظة بلسان الإفرنج: جيدة- ست مراحل. وفيما بين تونس وبونة ~~PageV01P252 # بليدة صغيرة تسمى بني زرت1، بينها وبين تونس يوم تام في البر للمجد. ~~ولبني زرت، هذه شأن غريب، وذلك أنه يخرج في بحرها كلما طلع هلال، نوع من ~~السمك لم يكن في الشهر الذي قبل ذلك؛ هذا متواتر عند أهلها لا يختلف فيه ~~منهم أحد. والمتفطنون من الصيادين يعرفون الشهور باختلاف السمك عليهم وإن ~~لم يروا الأهلة. وهذا منسوب إلى الطلسمات، اعتنى به من عني بخدمة القمر. ~~ومن مدينة بونة إلى مدينة قسطنطينة التي هي أحد حدي إفريقية، خمس مراحل؛ ~~وقسطنطينة بينها وبين البحر مرحلتان أو أكثر من ذلك قليلا. # هذا ما على ساحل البحر أو قريب منه من مدن إفريقية. وبها مما يلي الصحراء ~~مدن أنا ذاكرها إن شاء الله تعالى إذا فرغت مما على ساحل البحر من بلاد ~~المغرب. # بلاد المغرب الساحلية # ومن قسطنطينة المغرب إلى بجاية، خمس مراحل على الرفق؛ وبجاية هذه هي دار ~~ملك بني حماد الصنهاجيين الذين تنتسب قلعة بني حماد إليهم. وكانوا يملكون ~~من قسطنطينة المغرب إلى موضع يعرف ب سيوسيرات، وقد تقدم هذا الموضع، بينه ~~وبين بجاية قريب من تسع مراحل. # لم يزل بنو حماد يملكون بجاية وجهاتها إلى أن أخرجهم عنها في ولاية يحيى ~~منهم، أبو محمد عبد المؤمن بن علي حسبما سبق. # ومن مدينة بجاية إلى مدينة صغيرة تدعى الجزائر -وتنسب إلى قوم يقال لهم: ~~بنو مرغنة- قريب من أربع مراحل. وهذه المدينة -المعروفة بالجزائر- على ساحل ~~البحر الرومي؛ وكذلك مدينة بجاية. ومن الجزائر هذه إلى مدينة صغيرة تسمى ~~تنس أربع مراحل؛ ومن مدينة تنس إلى مدينة وهران سبع مراحل؛ ومن مدينة وهران ~~إلى مدينة سبتة على ms200 التقريب ثماني عشرة مرحلة. # ضيق البحر بين المغرب والأندلس # وبساحل سبتة هذه يلتقي البحران؛ بحر مانطس الذي هو بحر الروم، وبحر ~~أقيانس الذي هو البحر الأعظم؛ وهذا أول الخليج المعروف بالزقاق. # وسعة البحر فيما بين سبتة والأندلس ثمانية عشر ميلا؛ ثم لا يزال يضيق إلى ~~أن ينتهي ذلك من عدوة البربر إلى موضع يدعى قصر مصمودة، بينه وبين سبتة ~~PageV01P253 # نصف يوم. ومن جزيرة الأندلس إلى موضع يدعى جزيرة طريف، مقابلا لقصر ~~مصمودة المذكور؛ فأضيق ما يكون البحر هنالك، وسعته فيما بين هذين الموضعين ~~اثنا عشر ميلا؛ ترى رمال كل واحد من الشطين من الآخر في كل وقت من أوقات ~~النهار. وقد ذكر المؤرخون أن الروم بنت في قديم الدهر قنطرة على هذا ~~الخليج، ثم طغت المياه فغطتها؛ فيذكر قوم من أهل جزيرة طريف أنهم يرونها ~~أوان سكون البحر وهدوئه حين تصفو المياه. # ومن مدينة سبتة إلى مدينة طنجة يوم تام في البر. وطنجة هذه آخر الخليج ~~الذي به يلتقي البحران، وهي على ساحل البحر الأعظم الذي لا عمارة وراءه، ~~وهو المعروف عندنا بالبحر المحيط، المتصل ببحر الهند والحبشة. وطنجة هذه ~~آخر بلد بالمغرب المحقق؛ وما بعدها من البلاد فإنما هو في الجنوب، كمدينة ~~سلا، ومدينة مراكش, ثم لا يزال1 دائرا في الجنوب إلى أن يأتي بلاد الحبشة ~~والهند. # فأول بلاد المغرب مما على ساحل البحر الرومي، مدينة أنطابلس المعروفة ب ~~برقة؛ وآخرها مما على ساحل البحر الأعظم مدينة طنجة؛ ومسافة ما بين ذلك على ~~التقريب ست وتسعون مرحلة؛ فهذا ذكر المدن التي على ساحل البحر من بلاد ~~المغرب. # ثانيا: البلاد التي ليست على ساحل # ثم نعود إلى ذكر ما ليس على الساحل من مدن إفريقية والمغرب، فنقول: # بلاد إفريقية # من مدينة قابس المتقدم ذكرها إلى مدينة تسمى قفصة، ثلاث مراحل؛ ومن مدينة ~~قفصة إلى مدينة توزر، أربع مراحل. # وتوزر هذه هي حاضرة بلاد الجريد وأم قراها. وبلاد الجريد التي يقع عليها ~~هذا الاسم تنقسم قسمين: قسم يسمى قسطيلية، وهذا الاسم ms201 يقع على توزر ~~وأعمالها؛ وقسم يسمى الزاب، وهذا الاسم أيضا يقع على مدينة بسكره وأعمالها. # ومن مدينة توزر إلى مدينة بسكرة، أربع مراحل؛ وبالقرب من مدينة بسكرة ~~مدينة صغيرة تسمى تقاوس، بينها وبينها مرحلتان؛ فهذه المدن التي تلي ~~الصحراء من بلاد إفريقية، ويتخللها قرى كثيرة لم نذكرها لصغرها. ~~PageV01P254 # شأن القيروان في قديم الزمان # وفيما بين مدينة تونس وتوزر، مدينة القيروان المشهورة؛ منها إلى الساحل ~~ثلاث مراحل؛ وهي كانت -أعني القيروان- دار ملك المسلمين بإفريقية منذ ~~الفتح؛ لم يزل الخلفاء من بني أمية وبني العباس يولون عليها الأمراء من ~~قبلهم، إلى أن اضطرب أمر بني العباس واستبد الأغالبة بملك إفريقية بعض ~~الاستبداد وهم بنو أغلب بن محمد بن إبراهيم بن أغلب التميميون؛ فاتخذوا ~~القيروان دار ملكهم؛ فلم يزالوا بها إلى أن أخرجهم عنها بنو عبيد وملكوها ~~أيام كونهم بإفريقية؛ ثم ولوا عليها حين ارتحلوا إلى مصر زيري بن مناد ~~الصنهاجي1، فلم يزل زيري وبنوه ملوكا عليها، إلى أن كان آخرهم الذي أخرجه ~~العرب عنها، تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن بلجين بن زيري بن مناد ~~المذكور؛ فانتهبتها الأعراب وخربتها، فهي كذلك خراب إلى اليوم، فيها عمارة ~~قليلة يسكنها الفلاحون وأرباب البادية. # وكانت القيروان هذه في قديم الزمان -منذ الفتح إلى أن خربتها الأعراب- ~~دار العلم بالمغرب؛ إليها ينسب أكابر علمائه، وإليها كانت رحلة أهله في طلب ~~العلم. وقد ألف الناس في أخبار القيروان ومناقبه وذكر علمائه ومن كان به من ~~الزهاد والصالحين والفضلاء المتبتلين، كتبا مشهورة؛ ككتاب أبي محمد بن ~~عفيف، وكتاب ابن زيادة الله الطبني2، وغيرهما من الكتب. فلما استولى عليها ~~الخراب -كما ذكرنا- تفرق أهلها في كل وجه؛ فمنهم من قصد بلاد مصر، ومنهم من ~~قصد صقلية والأندلس. وقصدت منهم طائفة عظيمة أقصى المغرب، فنزلوا مدينة ~~فاس، فعقبهم بها إلى اليوم. # فهذه نبذة من أخبار إفريقية، وفيها مدن كثيرة قد خربت لا أعرف أسماءها؛ ~~لقلة معرفتي بتفاصيل أحوال إفريقية؛ لأني لم أدخل منها إلا مدينة تونس ~~خاصة، أتيتها في البحر ms202 من الأندلس، وذلك سنة 614؛ وإنما نقلت ما نقلته من ~~أخبارها حسب المستفيض من السماع. PageV01P255 # وفي خراب القيروان -على ما تقدم- يقول أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد1 بن ~~شرف الجذامي2: من الطويل # ترى سيئات القيروان تعاظمت ... فجلت عن الغفران, والله غافر! 3 # تراها أصيبت بالكبائر وحدها ... ألم تك قدما في البلاد الكبائر؟ 4 # بلاد المغرب # ... فقسطنطينة آخر بلاد إفريقية، ما يلي البحر منها وما يلي الصحراء. وما ~~بعد قسطنطينة فهو من المغرب غير إفريقية؛ فأول ذلك بليدة صغيرة قبلي بجاية ~~في البر، تسمى ميلة، بينها وبين بجاية ثلاث مراحل، ومن بجاية إلى قلعة بني ~~حماد أربع مراحل؛ وهي أيضا -أعني القلعة- قبلي بجاية. # طريق السفار من بجاية إلى مراكش # وها أنا أذكر طريق السفار من بجاية إلى مراكش؛ فمن بجاية إلى مدينة ~~تلمسان عشرون مرحلة، وفيما بين ذلك بليدات صغار كمليانة، ومازونة، ووهران ~~-وقد ذكرناها في بلاد الساحل- وبين مدينة تلمسان وبين البحر أربعون ميلا؛ ~~وذلك يوم للمجد؛ ومن مدينة تلمسان إلى مدينة فاس عشر مراحل، سبع منها إلى ~~المدينة التي تدعى رباط تازا، وثلاث إلى فاس؛ وقبلي مدينة تلمسان في ~~الصحراء، مدينة سجلماسة، منها إلى تلمسان عشر مراحل؛ وهذه المدينة -أعني ~~سجلماسة- متوسطة في الصحراء، مسافة ما بينها وبين تلمسان وفاس ومراكش، على ~~حد سواء؛ فمن حيث قصدت إليها من أحد هذه البلاد، كان ذلك مسافة عشر مراحل. # التعريف بمدينة فاس # ومدينة فاس هذه هي حاضرة المغرب في وقتنا هذا، وموضع العلم منه؛ اجتمع ~~فيها علم القيروان وعلم قرطبة؛ إذ كانت قرطبة حاضرة الأندلس، كما كانت ~~القيروان حاضرة المغرب. فلما اضطرب أمر القيروان -كما ذكرنا- بعيث العرب ~~فيها، PageV01P256 # واضطرب أمر قرطبة باختلاف بني أمية بعد موت أبي عامر محمد بن أبي عامر ~~وابنه، رحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفضلاء من كل طبقة؛ ~~فرارا من الفتنة؛ فنزل أكثرهم مدينة فاس؛ فهي اليوم على غاية الحضارة، ~~وأهلها في غاية الكيس ونهاية الظرف، ولغتهم أفصح اللغات في ذلك الإقليم. ~~وما زلت أسمع ms203 المشايخ يدعونها بغداد المغرب, وبحق ما قالوا ذلك؛ فإنه ليس ~~بالمغرب شيء من أنواع الظرف واللباقة في كل معنى إلا وهو منسوب إليها ~~وموجود فيها ومأخوذ منها؛ لا يدفع هذا القول أحد من أهل المغرب. ولم يتخذ ~~المصامدة مدينة مراكش وطنا ولا جعلوها دار مملكة لأنها خير من مدينة فاس في ~~شيء من الأشياء، ولكن لقرب مراكش من جبال المصامدة وصحراء لمتونة؛ فلهذا ~~السبب كانت مراكش كرسي المملكة؛ وإلا فمدينة فاس أحق بذلك منها. وما أظن في ~~الدنيا مدينة كمدينة فاس، أكثر مرافق، وأوسع معايش، وأخصب جهات؛ وذلك أنها ~~مدينة يحفها الماء والشجر من جميع جهاتها، وتتخلل الأنهار أكثر دورها زائدا ~~على نحو من أربعين عينا ينغلق عليها أبوابها ويحيط بها سورها. وفي داخلها ~~وتحت سورها نحو من ثلاثمائة طاحونة تطحن بالماء. ولا أعلم بالمغرب مدينة لا ~~تحتاج إلى شيء يجلب إليها من غيرها -إلا ما كان من العطر الهندي- سوى مدينة ~~فاس هذه؛ فإنها لا تحتاج إلى مدينة في شيء مما تدعو إليه الضرورة، بل هي ~~توسع البلاد مرافق وتملؤها خيرا. # ومن مدينة فاس إلى مدينة مكناسة الزيتون، يوم تام للمجد؛ ومن مكناسة ~~الزيتون إلى مدينة سلا، أربع مراحل. # ومدينة سلا هذه على ساحل البحر الأعظم المسمى أقيانس، وهي في الجنوب كما ~~ذكرنا، ينصب إليها نهر يسمى وادي الرمان، يصب في البحر الأعظم المذكور. # وقد بنى المصامدة على ساحل هذا البحر مما يلي مراكش مدينة عظيمة، سموها ~~رباط الفتح، كان الذي اختطها أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وأتمها ابنه ~~يعقوب، وبنى فيها مسجدا عظيما قد تقدم ذكره. وقيل: إنهم إنما بنوها بأمر ~~ابن تومرت إياهم بذلك؛ وذلك أنه قال لهم: تبنون مدينة عظيمة على ساحل هذا ~~البحر -يعني البحر الأعظم- ثم يضطرب أمركم وتنتقض عليكم البلاد حتى ما يبقى ~~بأيديكم إلا هذه المدينة؛ ثم يفتح الله عليكم ويجمع كلمتكم ويعود أمركم كما ~~كان! فلهذا سموها رباط الفتح. وبين هذه المدينة وبين سلا العتيقة، النهر ~~المذكور؛ وقد بنوا عليه قنطرة من ms204 ألواح وحجارة يعبر الناس عليها حين يجزر ~~النهر1، فإذا مد عبروا في القوارب. PageV01P257 # وبين مدينة سلا هذه ومدينة مراكش كرسي المملكة، تسع مراحل؛ فمراكش آخر ~~المدن بالمغرب؛ وكان الذي اختطها ملك لمتونة تاشفين بن علي؛ ثم زاد فيها ~~بعده ابنه يوسف بن تاشفين؛ ثم زاد فيها بعدهما علي بن يوسف بن تاشفين؛ ثم ~~ملكها المصامدة فزادوا فيها حتى جاءت في نهاية الكبر؛ فهي اليوم طولا وعرضا ~~قدر أربعة فراسخ -هذا إذا ضمت إليها قصور بني عبد المؤمن- وأجرى المصامدة ~~فيها مياها كثيرة لم تكن فيها قبل ذلك، بنوا فيها قصورا لم يكن مثلها لملك ~~ممن تقدمهم من الملوك؛ فصارت بذلك في نهاية الحسن وغاية الكمال، كما قال ~~الأول: من المديد # ليس فيها ما يقال له ... كملت لو أنه كملا # ترجمة المؤلف بقلمه # وبهذه المدينة -أعني مراكش-مسقط رأسي، وهي أول أرض مس جلدي ترابها؛ وكان ~~مولدي بها لسبع خلون من ربيع الآخر سنة 581، في أول أيام أبي يوسف يعقوب بن ~~يوسف بن عبد المؤمن بن علي. # ثم فصلت عنها وأنا ابن تسعة أعوام إلى مدينة فاس؛ فلم أزل بها إلى أن ~~قرأت القرآن وجودته ورويته عن جماعة كانوا هنالك مبرزين1 في علم القرآن ~~والنحو. # ثم عدت إلى مراكش؛ فلم أزل مترددا بين هاتين المدينتين. # ثم عبرت إلى جزيرة الأندلس في أول سنة 603، فأدركت بها جماعة من الفضلاء ~~من أهل كل شأن؛ فلم أحصل بحمد الله من ذلك كله إلا معرفة أسمائهم ومواليدهم ~~ووفياتهم وعلومهم؛ انفردوا دوني بكل فضيلة؛ ولا مانع لما أعطى الله، ولا ~~معطي لما منع؛ يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم!. # بلاد السوس الأقصى # فمراكش هذه آخر المدن الكبار بالمغرب المشهورة به؛ وليس وراءها مدينة لها ~~ذكر وفيها حضارة، إلا بليدات صغار بسوس الأقصى؛ فمنها مدينة صغيرة تسمى ~~تارودانت، وهى حاضرة سوس، وإليها يجتمع أهله. ومدينة أيضا صغيرة تدعى ~~زجندر، هي على معدن الفضة، يسكنها الذين يستخرجون ما في ذلك المعدن. وفي ~~بلاد جزولة مدينة هي حاضرتهم أيضا ms205 تسمى الكست. وفي بلاد لمطة مدينة أخرى ~~PageV01P258 # هي حاضرتهم أيضا تسمى نول لمطة. فهذه المدن التي وراء مراكش, فأما ~~تارودانت وزجندر فدخلتهما وعرفتهما؛ ولم أزل أعرف السفار من التجار وغيرهم، ~~وخاصة إلى مدينة المعدن المعروفة ب زجندر. وأما مدينة جزولة ومدينة لمطة ~~فلا يسافر إليهما إلا أهلهما خاصة. # PageV01P259 ### | ذكر ما بالمغرب من معادن الفضة والحديد والكبريت والرصاص والزيبق وغير ذلك، وأسماء مواضعها # قد تقدم ذكر معدن الكبريت الذي بين برقة وطرابلس، وأنه بالقرب من حصن ~~يدعى طلميثة. # وفيما بين سبتة ووهران موضع قريب من ساحل البحر يسمى تمسامان، فيه معدن ~~حديد. # وفيما بين سلا ومراكش قريبا من ساحل البحر الأعظم بمقدار يوم أو أكثر ~~قليلا، موضع يدعى إبسنتار، فيه معدن حديد أيضا؛ وليس هذا الموضع على طريق ~~السفار1، إنما يقصده من أراد حمل الحديد منه. # وبالقرب من مكناسة الزيتون على ثلاث مراحل منها حصن يدعى وركناس، فيه ~~معدن فضة؛ وقد ذكرنا معدن زجندر الذي بسوس، غير أن فضته ليست هناك، أعني ~~فضة معدن زجندر. # وبسوس أيضا معدنان للنحاس، ومعدن توتيا، وهي التوتيا التي يصبغ بها ~~النحاس الأحمر فيصير أصفر. # فهذا جملة ما بالعدوة من المعادن. # المعادن بجزيرة الأندلس # وبجزيرة الأندلس معادن أيضا؛ فمنها معدن فضة ببلاد الروم في الجهة ~~المغربية، بموضع يدعى شنترة. # وعلى أربع مراحل من مدينة قرطبة موضع يسمى شلون، فيه معدن زيبق، منه ~~يفترق الزيبق على جميع المغرب. PageV01P260 # وفي أعمال المرية وعلى يوم ونصف منها, موضع يعرف ب دلاية، فيه معدن رصاص. # وفي أعمال المرية أيضا على يوم ونصف منها, موضع يسمى بكارش، فيه معدن ~~حديد أيضا. # وما بين دانية وشاطبة موضع يسمى أوربة، على نصف يوم من دانية، فيه معدن ~~حديد. # فهذا أيضا جملة ما بالأندلس من المعادن؛ فأما الذهب فمسوق إليها من بلاد ~~السودان. # PageV01P261 ### | ذكر أسماء الأنهار العظام التي بالمغرب # فأول ذلك نهر ببلاد إفريقية على نصف مرحلة من مدينة تونس، يسمى بجردة، ~~ينصب من جبل هنالك ينتهي إلى البحر الرومي. # ونهر بجاية الذي يسمى ms206 الوادي الكبير، هو متنزهها وعليه بساتينها وقصورها. # ونهر آخر فيما بين تلمسان ورباط تازا يدعى وادي ملوية، يصب في البحر ~~الرومي أيضا. # ونهر يدعى سبو، هو محيط بمدينة فاس من شرقها وغربها. # ويجاور نهر سبو هذا نهر آخر كبير يسمى ورغة. # وهذان النهران ينصبان إلى البحر الأعظم، بحر أقيانس، بعد أن يلتقيا بموضع ~~يدعى المعمورة. # وفيما بين مكناسة وسلا نهر يدعى بهتا، ينصب إلى البحر الأعظم أيضا. # ونهر سلا المتقدم الذكر. # وفيما بين سلا ومراكش، وعلى ثلاث مراحل من مراكش، نهر عظيم يدعى أم ربيع، ~~ينصب من جبال صنهاجة من موضع يدعى وانسيفن، يصب في البحر الأعظم أيضا. # ونهر على أربعة أميال من مراكش، عليه قنطرة عظيمة، يسمى تآنسيفت ونهر سوس ~~الأقصى. # ونهر ببلاد حاحة، يسمى شفشاوة. # هذه الأنهار كلها تصب إلى البحر الأعظم؛ فهذه جملة الأنهار الكبار التي ~~بالمغرب، التي لا يقل ماؤها ولا ينقطع شتاء ولا صيفا، ولم نتعرض لذكر ~~الأودية الصغار والأنهار التي تيبس في الصيف. # PageV01P262 ### | ذكر جزيرة الأندلس وأسماء مدنها وأنهارها # فأما جزيرة الأندلس فهي المعروفة في قديم الزمان عند الروم بجزيرة ~~أشبانية، وقد تقدم ذكر حدودها في صدر هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته ههنا. ~~وكان دين أهلها في الدهر القديم دين الصابئة من عبادة الكواكب واستنزال ~~قواها والتقرب إليها بأنواع القرابين؛ شهدت بذلك طلسمات وجدت بها وضعتها ~~القدماء من أهلها؛ ثم انتقل أهلها إلى دين النصرانية حين ظهر على أيدي ~~أصحاب المسيح -عليه السلام-. # وكانت هذه الجزيرة -أعني الأندلس- منتظمة في مملكة صاحب رومة، يستعمل ~~عليها من شاء من أصحابه؛ فلم تزل كذلك والروم يملكونها -وقاعدة ملكهم منها ~~مدينة تسمى طالقة، على فرسخين من إشبيلية، وهي مدينة عظيمة باق أثرها إلى ~~هذا اليوم- إلى أن غلبهم عليها القوطا، وهي قبيلة من قبائل الإفرنج، ~~فأخرجوهم عن الجزيرة وألحقوهم برومية مدينتهم العظمى. # وانفرد القوطا هؤلاء بمملكة الجزيرة، فملكوها أضخم ملك، قريبا من ~~ثلاثمائة سنة، وكانت دار ملك القوطا، مدينة طليطلة؛ وهي في قريب من وسط ~~الجزيرة، فلم يزالوا ms207 بها وطليطلة دار ملكهم -كما ذكرنا- إلى أن افتتحها ~~المسلمون في شهر رمضان من سنة 92 من الهجرة، على ما تقدم في صدر الكتاب. # فلما افتتحها المسلمون تخيروا قرطبة دار ملكهم ومقر تدبيرهم وموضع حلهم ~~وعقدهم؛ فلم تزل قرطبة على ذلك إلى أن انتشرت الفتنة واضطرب أمر بني أمية ~~بالأندلس بموت الحكم المستنصر وتغلب أبي عامر محمد بن أبي عامر وابنه, على ~~هشام المؤيد بن الحكم المستنصر حسبما تقدم في صدر هذا الكتاب. # فهذا تلخيص أخبار جزيرة الأندلس. # مجاز الأندلس # وأنا ذاكر إن شاء الله أول ما يلقاه من يعبر إليها من حدودها ومدنها، ~~فأول ذلك أني أقول: # PageV01P263 # قد تقدم أن البحرين: بحر الروم، وبحر أقيانس، يلتقيان بساحل سبتة؛ ثم ~~يضيق الخليج وتتقارب العدوتان حتى ينتهي ذلك إلى قصر مصمودة من العدوة ~~وجزيرة طريف من الأندلس، ثم يأخذ في السعة. وأول هذا الخليج مما يلي طنجة، ~~الجبل الخارج في البحر الأعظم المعروف بطرف أشبرتال، وآخره الجبل الذي شرقي ~~سبتة. فإذا عبرت إلى جزيرة الأندلس من سبتة، كان الذي تنزل به المدينة ~~المعروفة بالجزيرة الخضراء؛ وإذا عبرت من قصر مصمودة وقعت إلى جزيرة طريف؛ ~~فالمدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء هي -في التحقيق- على ساحل البحر ~~الرومي، وجزيرة طريف على ساحل البحر الأعظم؛ وبين الموضعين -أعني الخضراء ~~وطريف- ثمانية عشر ميلا. # وفي شرقي الجزيرة الخضراء الجبل المعروف بجبل الفتح، ويسمى أيضا جبل ~~طارق؛ وله طرف خارج في البحر يسمى طرف الفتح؛ وعنده يلتقي البحران بجزيرة ~~الأندلس. # فهذا تلخيص التعريف بخبر مجاز الأندلس. # البلاد التي تغلب عليها النصارى إلى سنة 621 # فأما ذكر مدنها فقد كانت فيها مدن كثيرة تغلب النصارى على أكثرها؛ فأنا ~~ذاكر أسماء المدن التي بأيدي النصارى في وقتنا هذا، ومواضعها من الجزيرة من ~~مشرق ومغرب، من غير تعرض إلى ما بينها من المسافات؛ إذ كان كون النصارى بها ~~مانعا من معرفة ذلك. # فأول المدن في الحد الجنوبي المشرقي على ساحل البحر الرومي: مدينة ~~برشنونة، ثم مدينة طركونة، ثم مدينة طرطوشة؛ هذه البلاد التي ms208 على ساحل ~~البحر الرومي المذكور؛ أعادها الله للمسلمين!. # والمدن التي على غير الساحل في هذا الحد المذكور: مدينة سرقسطة، ولاردة، ~~وأفراغة، وقلعة أيوب؛ هذه كلها يملكها صاحب برشنونة -لعنه الله- وهي الجهة ~~التي تسمى أرغن. # وفي الحد المتوسط ما بين الجنوب والمغرب من المدن: مدينة طليطلة، وكونكة، ~~وأفليج، وطلبيرة، ومكادة، ومشريط، ووبذة، وأبلة، وشقوبية؛ هذه كلها يملكها ~~الأدفنش -لعنه الله- وتسمى هذه الجهة قشتال. # وتجاور هذه المملكة فيما يميل إلى الشمال قليلا، مدن كثيرة أيضا، وهي: # PageV01P264 # سمورة، وشلمنكة، والسبطاط، وقلمرية؛ هذه كلها يملكها رجل يعرف ب بالبجوج ~~-لعنه الله- وتسمى هذه الجهة ليون. # وفي الحد المغربي الذي هو ساحل البحر الأعظم أقيانس، مدن أيضا، منها: ~~مدينة الأشبونة، وشنترين، وباجة، وشنترة, وشنت ياقو؛ ومدينة يابرة، ومدن ~~كثيرة ذهبت عني أسماؤها، يملكها رجل يعرف ب ابن الريق، لعنه الله. # فهذا ما بأيدي النصارى من مدن جزيرة الأندلس مما يلي بلاد المسلمين؛ ~~ووراء هذه المدن مما يلي بلاد الروم، مدن كثيرة لم تشتهر عندنا لبعدها عنا ~~وتوغلها في بلاد الروم؛ لم يملكها المسلمون قط؛ لأنهم لم يملكوا الجزيرة ~~بأسرها حين افتتحوها، وإنما ملكوا معظمها واستولوا على أكثرها. # المدن التي بقيت بأيدي المسلمين إلى سنة 621 # وأنا ذاكر بعد هذا ما بقي بأيدي المسلمين من البلاد، وعدد المراحل التي ~~بينها، وقربها من البحر وبعدها؛ حتى يبين ذلك إن شاء الله تعالى. # فأول شيء يملكه المسلمون بجزيرة الأندلس اليوم، حصن صغير على شاطئ البحر ~~الرومي يسمى بنشكلة، بينه وبين مدينة بلنسية ثلاث مراحل؛ وهذا الحصن مما ~~يلي بلاد الروم، بينه وبين طرطوشة مرحلتان أو أكثر قليلا. # ثم مدينة بلنسية، وهي مدينة في غاية الخصب واعتدال الهواء، كان أهل ~~الأندلس يدعونها فيما سلف من الزمان: مطيب الأندلس؛ والمطيب عندهم: حزمة ~~يعملونها من أنواع الرياحين ويجعلون فيها النرجس والآس وغير ذلك من أنواع ~~المشمومات؛ سموا بلنسية بهذا الاسم لكثرة أشجارها وطيب ريحها؛ وبين بلنسية ~~هذه وبين البحر الرومي قريب من أربعة أميال. # ثم بعدها مدينة تدعى شاطبة، بينها وبينها مرحلتان. ms209 # وبينهما مدينة صغيرة تدعى جزيرة الشقر؛ وسميت جزيرة لأنها في وسط نهر ~~عظيم قد حف بها من جميع جهاتها, فلا طريق إليها إلا على القنطرة. # ومن شاطبة هذه إلى مدينة دانية التي على ساحل البحر الرومي، يوم تام. # ومن شاطبة إلى مدينة مرسية ثلاثة أيام. # ومن مرسية إلى البحر الرومي عشرة فراسخ. # ومن مدينة مرسية إلى مدينة أغرناطة سبع مراحل. # وبين ذلك بلاد صغار، أولها مما يلي مرسية: حصن لرقة، ثم حصن آخر يدعى # PageV01P265 # بلس، ثم حصن آخر يدعى قلية، ثم بليدة صغيرة تسمى بسطة، ثم بليدة أخرى على ~~مسيرة يوم من أغرناطة تسمى وادي آش، ويقال لها أيضا وادي الأشي؛ هكذا سمعت ~~الشعراء ينطقون بها في أشعارهم؛ فهذه البليدات التي بين أغرناطة ومرسية. # وفي مقابلة وادي آش على ساحل البحر الرومي، مدينة المرية -مخففة الراء- ~~وهي مدينة مشهورة، تضرب أمواج البحر في سورها، بينها وبين وادي آش هذه ~~مرحلتان للمجد. # وبعد المدينة المعروفة بالمرية على ساحل البحر الرومي، حصن منكب، وهي ~~بليدة صغيرة يضرب البحر أيضا في سورها، بينها وبين المرية أربع مراحل. # وبين حصن منكب هذا وبين مدينة مالقة ثلاث مراحل. # وبين مالقة وبين الجزيرة الخضراء ثلاث مراحل للمجد. # وبالجزيرة الخضراء، أو بجبل الفتح، يلتقي البحران كما ذكرنا، فالذي على ~~ساحل البحر الرومي من بلاد المسلمين بالأندلس: الجزيرة الخضراء، ومالقة، ~~ومنكب، والمرية، ودانية؛ وبين المرية ودانية نحو من ثماني مراحل؛ ووراء ~~دانية الحصن الذي يسمى بنشكلة؛ وقد تقدم ذكره. # فهذا ما على الساحل من بلاد المسلمين بالأندلس، أعني ما يضرب الموج في ~~سوره؛ فأما مدينة بلنسية فبينها وبين البحر -كما ذكرنا- قريب من أربعة ~~أميال. # ثم نعود إلى ذكر البلاد التي ليست على الساحل؛ فنقول: # من مدينة أغرناطة إلى البحر قريب من أربعين ميلا؛ وذلك مسيرة يوم تام أو ~~يومين على الرفق. # ومن مدينة أغرناطة إلى مدينة جيان، مرحلتان؛ بين جيان وبين البحر الرومي ~~ثلاث مراحل. # ومن مدينة جيان إلى مدينة قرطبة مرحلتان. # ذكر قرطبة # وقد تقدم ذكر قرطبة هذه, ms210 وأنها كانت دار ملك المسلمين ومقر تدبيرهم إلى ~~أن نشأت الفتنة واختل أمر بني أمية بالأندلس؛ وبلغت قرطبة هذه من القوة ~~وكثرة العمارة وازدحام الناس مبلغا لم تبلغه بلدة. # حكى ابن فياض في تاريخه في أخبار قرطبة قال: كان بالربض الشرقي من # PageV01P266 # قرطبة مائة وسبعون امرأة, كلهن بكتبن المصاحف بالخط الكوفي؛ هذا ما في ~~ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها؟!. # وقيل: إنه كان فيها ثلاثة آلاف مقلس؛ وكان لا يتقلس1 عندهم في ذلك الزمان ~~إلا من صلح للفتيا. # وسمعت ببلاد الأندلس من غير واحد من مشايخها، أن الماشي كان يستضيء بسروج ~~قرطبة ثلاثة فراسخ لا ينقطع عنه الضوء. # وبها الجامع الأعظم الذي بناه أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد المتلقب ب ~~الناصر لدين الله، وزاد فيه بعده ابنه الحكم المستنصر بالله؛ فزيادة الحكم ~~معروفة إلى اليوم. # وحكى أبو مروان بن حيان -رحمه الله- في أخبار قرطبة، أن الحكم لما زاد ~~زيادته المشهورة في الجامع، اجتنب الناس الصلاة فيها أياما؛ فبلغ ذلك ~~الحكم، فسأل عن علته؛ فقيل له: إنهم يقولون: ما ندري هذه الدراهم التي ~~أنفقها في هذا البنيان من أين اكتسبها! فاستحضر الشهود والقاضي أبا الحكم ~~المنذر بن سعيد البلوطي المتقدم الذكر في قضاته، واستقبل القبلة وحلف ~~باليمين الشرعية التي جرت العادة بها، أنه ما أنفق فيه درهما إلا من خمس ~~المغنم! وحينئذ صلى الناس فيه لما علموا بيمينه؛ ومن الخمس أيضا كان أبوه ~~بناه؛ وزاد فيه أبو عامر محمد بن أبي عامر زيادة أخرى من هذه النسبة؛ فهو ~~مسجد لم ينفق فيه درهم إلا من خمس المغنم. وهو معظم القدر عند أهل الأندلس، ~~مبارك، لا يصلي فيه أحد ويدعو بشيء من أمر الدنيا والآخرة إلا استجيب له؛ ~~قد عرف ذلك من أمره، واشتهر. # وحكى غير واحد أن الأدفنش -لعنه الله- لما دخلها في شهور سنة 503، دخل ~~النصارى في هذا المسجد بخيلهم، فأقاموا به يومين لم تبل دوابهم ولم ترث حتى ~~خرجوا منه؛ وهذه الحكاية مما تواتر عندهم واستفاض بقرطبة. # وقد جمع ms211 أهل الأندلس كتبا في فضائل قرطبة وأخبارها ومن كان بها أو نزلها ~~من الصالحين والفضلاء والعلماء. # ذكر إشبيلية # ومن مدينة قرطبة إلى مدينة إشبيلية ثلاث مراحل؛ وإشبيلية هذه هي حاضرة ~~الأندلس في وقتنا هذا، وهي التي تسمى عندهم في قديم الزمان حمص؛ سميت ~~PageV01P267 # بذلك لنزول أجناد حمص إياها حين افتتح المسلمون الأندلس. # وقد زاد أمر هذه المدينة على صفة كل واصف، وأتى فوق نعت كل ناعت؛ وهي على ~~شاطئ نهر عظيم ينصب من جبل شقورة؛ وتنصب فيه أنهار كثيرة، فلا يصل إلى ~~إشبيلية إلا وهو بحر خضم1؛ تصعد فيه السفن الكبار من البحر الأعظم، ترسى ~~على باب المدينة، بينها وبين البحر الأعظم سبعون ميلا، وذلك مرحلتان. # وهذه المدينة كانت قاعدة ملك بني عباد حسبما تقدم، ثم صيرها المصامدة ~~منزلا لهم أيام كونهم بالأندلس؛ منها ينفذ أمرهم، وفيها يستقر ملكهم. وبنوا ~~بها قصورا عظيمة، وأجروا فيها المياه، وغرسوا البساتين؛ فزاد ذلك في حسن ~~هذه المدينة، أعني إشبيلية. # ومن إشبيلية إلى مدينة شلب التي على ساحل البحر الأعظم خمس مراحل؛ وبين ~~ذلك بليدات صغار؛ كمدينة لبلة، وحصن مرتلة، ومدينة طبيرة، ومدينة العليا، ~~والمدينة المعروفة ب شنتمرية؛ هذه البلاد كلها فيما بين شلب وإشبيلية من ~~مغرب الأندلس. # وبين قرطبة وبين البحر الرومي خمس مراحل؛ وقرطبة أيضا على ساحل هذا النهر ~~الذي ينصب إلى إشبيلية؛ يعظم جدا حتى تصعد فيه السفن كما تقدم، وينحدر من ~~أراد في القوارب من قرطبة إلى إشبيلية، ويصعدون من إشبيلية إلى قرطبة؛ ~~كهيئة النيل. # وبين مدينة إشبيلية ومدينة شريش مرحلتان. # وبين شريش وبين البحر ثلاث مراحل. # فهذه جملة أخبار بلاد المغرب وجزيرة الأندلس ومسافات الأبعاد التي بين كل ~~بلد وبلد على التقريب؛ منها ما سافرت فيه بنفسي، ومنها ما نقلته مستفيضا عن ~~السفار المترددين. PageV01P268 # فصل أنهار الأندلس الكبار المشهورة # وقد رأيت أن أذكر ههنا جملة أنهار الأندلس الكبار المشهورة بها: # فأول ذلك مما يلي المشرق: نهر طرطوشة، وهو نهر عظيم ينصب من جبال هناك ~~إلى مدينة طرطوشة، ثم يصب ms212 في البحر الرومي؛ وبين طرطوشة وبين البحر الرومي ~~اثنا عشر ميلا. # ثم نهر مرسية، وهو يصب أيضا في البحر الرومي، منبعه من جبل شقورة؛ وهو ~~قسيم نهر إشبيلية؛ منبعهما واحد ثم يفترقان؛ فينصب هذا إلى إشبيلية, وهذا ~~إلى مرسية. # ثم نهر إشبيلية الأعظم -وقد تقدم ذكر منبعه- ثم تنصب فيه قبل وصوله إلى ~~إشبيلية أنهار كثيرة، فيعظم حتى يصير بحرا كما ذكرنا، ثم يصب في البحر ~~الأعظم المسمى أقيانس. # ثم نهر عظيم ببلاد الروم يسمى تاجو، وهو الذي عليه مدينة طليطلة وشنترين؛ ~~وبين هاتين المدينتين قريب من عشر مراحل؛ وعلى هذا النهر أيضا مدينة ~~الأشبونة، وبينها وبين شنترين ثلاث مراحل؛ ثم ينصب هذا النهر إلى البحر ~~الأعظم. # فهذه جملة أنهار الأندلس المشهورة بها. # وقد نجز بحمد الله جميع هذا الإملاء حسبما رسمه مولانا، وجريت في ذلك كله ~~على عادتى في التلخيص، وتركت أسماء القرى والضياع والأنهار الصغار، وغير ~~ذلك مما لا تدعو إليه الحاجة ولا يخل بالتصنيف تركه؛ فإن وافق غرض مولانا ~~ولاق بنفسه وأتى وفق مراده، فهي البغية الكبرى والأمنية العظمى التي لم أزل ~~أكدح لها وأسعى فيها وأسابق إليها؛ وإن يك غير ذلك فما أنا بأول من اجتهد ~~فحرم الإصابة ولم يقع على المراد، ولا وفى المقصود!. # PageV01P269 # وبالله أعتصم، وإياه أسترشد، وعليه أعتمد؛ وهو حسبي ونعم الوكيل. # وكان الفراغ من هذا الإملاء، يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة من سنة ~~621، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين؛ ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV01P270 ### | الفهارس ### | فهرس الأعلام # ... # فهرس الأعلام # حرف الألف # -إبراهيم بن إسحاق بن محمد بن غانية: 197. # -إبراهيم بن جامع: 228. # -إبراهيم الزويلي، أبو إسحاق: 200. # -إبراهيم بن سفيان، أبو إسحاق:21. # -إبراهيم بن عبد الملك، أبو إسحاق = ابن ملكون. # -إبراهيم بن عبد المؤمن: 149. # -إبراهيم "ابن أمير المؤمنين أبي يوسف": 192، 227. # -إبراهيم بن يوسف بن عبد المؤمن: 181، 241. # -أحمد بن إبراهيم بن مطرف، أبو العباس: 212. # -أحمد بن حنبل: 194. # -أحمد بن خالد "الحائك": 49. # -أحمد بن سعيد بن الدب، أبو جعفر: 42. # -أحمد ms213 بن عبد الله بن أحمد بن زيدون، أبو الوليد: 79. # -أحمد بن عبد الملك بن شهيد، أبو عامر "الوزير": 49. # -أحمد بن عطية، أبو جعفر: 149. # -أحمد بن قسي: 155. # -أحمد بن محمد بن بقي "القاضي": 194، 229. # -أحمد بن محمد بن دراج القسطلي، أبو عمر: 38. # -أحمد بن محمد، أبو جعفر "ابن البني": 130. # -أحمد بن محمد بن عياش بن عبد الرحمن بن عياش، أبو جعفر: 238. # -أحمد بن محمد بن يحيى الحميري: 220. # -أحمد بن مضاء، أبو جعفر: 182، 194. # -أحمد بن منيع، أبو جعفر: 229، 238. # -أحمد بن موسى، أبو جعفر "ابن بقنة": 54، 55. # -أحمد بن يوسف بن عبد المؤمن: 180. # -إدريس بن إبراهيم بن جامع "أبو العلاء": 180، 229. # -إدريس بن علي بن حمود "المتأيد": 47، 54، 55، 73. # -إدريس بن يحيى بن علي بن حمود "العالي": 46، 48، 54، 56، 57، 58. # -إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 192. # -إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، أبو العلاء: 181، 231، 241. # PageV01P273 # -الأدفنش: 60، 91، 92، 98، 99، 100، 184، 206، 207، 208، 221، 234، 235، ~~236، 264، 267. # -أرقم بن محمد بن سعد: 184. # -إسحاق بن محمد بن غانية: 196. # -إسحاق بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن: 175، 181، 240. # -أرسطوطاليس: 179، 224. # -الإسكندر: 143. # -إسماعيل بن إسحاق المنادي: 41. # -إسماعيل بن ذي النون: 60. # -إسماعيل بن عباد بن محمد بن إسماعيل: 74. # -إسماعيل بن عبد المؤمن: 149. # -إسماعيل بن محمد بن عباد، أبو الوليد: 54، 55، 73. # -إسماعيل بن يحيى الهزرجي: 171، 172، 243. # -إسماعيل بن يوسف بن عبد المؤمن: 181. # -الأصم المرواني "ابن الطليق": 158. # -إفريقش: 251. # -ابن الأفطس "المظفر": 61. # -أفلاطون: 179. # -امرؤ القيس بن حجر الكندي: 35، 80. # -أميرة بنت الحسن بن قنون: 47. # -أيوب "ابن أخت موسى بن نصير": 18. # -أيوب الجدميوي: 244. # حرف الباء # -ابن باجة، أبو بكر بن الصائغ: 176. # -باقل: 62. # -بالبجوج: 235، 265. # -البخاري "الإمام": 175. # -بدر بن محمد بن سعد: 184. # -البراذعي: 203. # -البرشنوني: 234. # -البزار: 203. # -أبو البسام "الوزير الكاتب": 26. # -بطرو بن الريق = ابن الريق. # -بطليموس: 140. # -بقي بن مخلد "الفقيه": 194. # -أبو بكر بن إسحاق بن محمد بن غانية: 197، 199. # -أبو بكر بن الجد: 204. # -أبو بكر الشاشي: 136. # -أبو بكر الطرطوشي: 137. # -أبو بكر بن عبد الله بن أبي حفص عمر إينتي: 206. # -أبو بكر بن هانئ: 212. # -أبو بكر بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 192. # -أبو بكر بن يوسف بن عبد المؤمن: 180. # -بلج بن بشر: 18. # -بلجين: 103. # -بندود بن يحيى القرطبي، أبو ms214 بكر: 179. # -ابن بيجيت: إسماعيل الهزرجي. # -البيهقي: 204. # حرف التاء # -تاشفين بن إسحاق بن محمد بن غانية: 197. # -تاشفين بن علي بن يوسف: 149، 151، 258. # PageV01P274 # -تاشفين بن يوسف: 76. # -الترمذي: 203. # -تقي الدين ابن أخي الملك الناصر: 210. # -تميم الداري: 20. # -تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي: 255. # -ابن تومرت: 71، 135، 136، 137، 138، 139، 140، 141، 143، 144، 145، 146، ~~147، 148، 151، 154، 170، 171، 172، 191، 204، 211، 212، 228، 229، 231، ~~237، 243، 244، 245، 257. # حرف الجيم # -جرير: 62. # -جعفر بن أحمد، أبو الفضل "ابن المحشوة": 180، 193. # -جعفر بن عثمان المصحفي = أبو الحسن المصحفي. # -أبو جعفر الحميري = أحمد بن محمد. # -أبو جعفر المنصور "الخليفة العباسي": 23، 74. # -ابن أبي جمرة "القاضي": 202. # -جهور بن محمد بن جهور بن عبيد الله، أبو الحزم: 50، 52، 53، 60. # -جوهر: 251. # حرف الحاء # -حام بن نوح "عليه السلام": 251. # -حبيب بن أبي عبدة الفهري: 17، 18. # -ابن حبيب: 203. # -حجاج بن إبراهيم التجيبي: 82. # -ابن حجاج البغدادي = أبو عبد الله. # -الحجاج بن يوسف الثقفي: 133. # -أبو الحجاج "رجل من المغاربة": 55. # -حدير بن واسنو: 104. # -ابن حزم = علي بن أحمد، أبو محمد. # -حسام بن ضرار الكلبي، أبو الخطار: 19. # -حسان بن مالك بن أبي عبدة، أبو عبدة الوزير: 34. # -الحسن بن إدريس "السامي": 55، 56، 58. # -أبو الحسن الأشعري: 141. # -الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: 136. # -الحسن بن رشيق القيرواني: 59. # -الحسن بن عبد المؤمن: 149. # -الحسن بن علي بن أبي طالب: 41. # -الحسن بن القاسم بن حمود: 47، 55، 61، 72. # -الحسن بن قنون: 48. # -أبو الحسن المصحفي: 29، 31. # -أبو الحسن بن مغن: 194. # -الحسن بن يحيى بن علي بن حمود "المستعلي": 48، 54، 55. # -الحسن بن يحيى: 54. # -الحسن بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 193. # -الحسين بن عبد المؤمن: 149. # -الحسين بن علي بن أبي طالب: 230. # -أبو الحسين الهوزني الإشبيلي: 180. # PageV01P275 # -الحسين بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 193. # -الحصري "الشاعر": 106. # -الحطيئة: 216. # -ابن حفصون: 55. # -الحكم بن سليمان "المستعين": 41. # -الحكم المستنصر: 26، 29، 73، 175، 267. # -الحكم بن هشام الربضي "الأمير": 24، 26. # -أم الحكم بنت سليمان المستعين: 49. # -حماد الصنهاجي: 152. # -أبو حمامة "مولى بني سجوت": 104. # -حمد الذهبي: 140. # -حنش بن عبد الله الصنعاني: 20. # -أبو حنيفة "الإمام": 27، 28. # -حوراء "أم الأمير هشام بن عبد الرحمن": 24. # -حوراء "أم المستكفي بالله": 49. # -ابن حيان، أبو مروان: 25، 37، 267. # حرف الخاء # -ابن خرداذبة الفارسي: 249. # -ابن أبي الخصال = محمد، أبو مروان. # -خيران العامري "الخادم": 61. # حرف الدال # -الدارقطني: 203. # -أبو داود: 203، 204. # -داود الظاهري، ms215 أبو سليمان: 43، 44. # -داود بن أبي هند بن أبي عثمان النهدي: 21. # -ابن دريد، أبو بكر: 34. # -حرف الراء # -راح: 23. # -الراضي "ابن المعتمد بن عباد": 96، 106. # -رزق الله "البرغواطي": 57. # -الرشيد العباسي = هارون الرشيد. # -ابن رشيق "المرسي": 92، 99. # -الروحي: 61. # -ريحان الخصي: 193، 229. # -ابن الريق: 188، 190، 204، 205، 235، 265. # حرف الزاي # -الزبير بن علي بن يوسف بن تاشفين: 144. # -الزبير بن محمد بن سعد: 184. # -الزبير بن محمد بن غانية: 196. # -الزبير بن نجاح: 233. # -زخرف: 24. # -زكريا بن يحيى بن أبي إبراهيم إسماعيل الهرزجي: 237. # -زكريا بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 192. # -أبو زكريا بن يوسف بن عبد المؤمن: 175. # -زهر: 226. # -زهر بن عبد الملك بن زهر، أبو العلاء: 116. # -زهير بن أبي سلمى: 80. # -زهير العامري "الخادم": 61. # PageV01P276 # -ابن زيابة التميمي: 220. # -زياد بن النابغة التميمي: 18. # -ابن زيادة الله الطبني: 255. # -أبو زيد الأنصاري: 202. # -زيري بن مناد الصنهاجي: 255. # حرف السين # -ساحر "أم أبي يوسف يعقوب بن يوسف": 192. # -سبع بن حيان: 185. # -سحنون: 202. # -سعد بن أبي وقاص: 21. # -سعد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 193. # -سعيد بن المنذر: 50. # -السطيفي: 56. # -سكات "البرغواطي": 57. # -سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر: 39، 41، 42. # -سليمان بن عبد الملك: 18. # -سليمان بن عبد المؤمن، أبو الربيع: 149، 198، 201، 202، 217، 220، 239. # -سليمان بن المرتضي: 48. # -سليمان بن هود "المؤتمن": 59. # -السمح بن مالك الخولاني: 18. # -سهل بن أبي غالب، أبو السري: 33. # -سيبويه: 221. # -ابن سيد "اللص": 159. # -سير بن إسحاق بن محمد بن غانية: 197، 199، 233. # -سير بن أبي بكر بن تاشفين: 104، 124. # -حرف الشين # -الشافعي "الإمام": 43. # -شعبان "من أمراء الغز": 210. # -الشماخ بن ضرار: 35. # -ابن شيبة: 203. # حرف الصاد # -صاعد بن الحسن الربعي، أبو العلاء: 31، 32، 33، 34، 35، 36. # -صالح بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 192. # -صبح: 30، 31. # -ابنة الصحراوية: 149. # حرف الطاء # -طارق بن زياد: 16، 17. # -طالوت "الفقيه": 25، 26. # -طلحة بن عيسى بن عمران: 182. # -طلحة بن محمد بن غانية: 196. # -طلحة بن يوسف بن عبد المؤمن: 181. # -الطليق المرواني: 158. # -أبو الطيب المتنبي: 84، 85، 221. # حرف الظاء # -ظبية: 41. # حرف العين # -عاتب: 51. # -عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي، أبو عمرو "المعتضد": 58، 73، ~~86، 88، 97. # -عباد بن المعتمد بن عباد "المأمون": 97، 103. # PageV01P277 # -العباس بن الأحنف: 42. # -أبو العباس أحمد "الناصر": 198. # -العباس بن المتوكل "ابن الأفطس": 62. # -عبد الجليل بن وهبون: ms216 77. # -عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي، أبو محمد: 198. # -عبد الحق بن يوسف بن عبد المؤمن: 181. # -عبد الرحمن الجزولي "أبو قصبة": 232. # -أبو عبد الرحمن الطوسي: 180. # -عبد الرحمن بن العاضد: 239. # -عبد الرحمن بن عبد الله العكي: 18. # -عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي: 20. # -عبد الرحمن بن عبد المؤمن: 149، 231. # -عبد الرحمن بن عطاف اليفرني: 48. # -عبد الرحمن بن عمر بن عبد المؤمن، أبو زيد: 194، 230. # -عبد الرحمن بن عوف: 208. # -عبد الرحمن بن عياش: 154. # -عبد الرحمن القالمي = أبو القاسم. # -عبد الرحمن بن محمد، أبو المطرف، الناصر لدين الله: 267. # -عبد الرحمن بن محمد بن أبي جعفر، أبو القاسم "الوزير": 151. # -عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك "المرتضي": 46. # - عبد الرحمن بن محمد بن السليم: 50. # -عبد الرحمن بن معاوية بن هشام "الداخل": 23. # -عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر "الناصر": 39، 50. # -عبد الرحمن بن موسى، أبو زيد "الوزير": 193، 227، 230، 231. # -عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر: 43، 48. # -عبد الرحمن بن يوسف بن عبد المؤمن: 181، 205. # -عبد السلام الكومي: 149. # -ابن عبد العزيز، أبو بكر: 99. # -عبد العزيز بن عمر بن أبي زيد الهنتاني: 238. # -عبد العزيز بن اللبانة: 110. # -عبد العزيز بن موسى بن نصير: 17، 18. # -عبد العزيز بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، أبو محمد: 181، 240، 241. # -عبد العزيز بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 192. # -ابن عبد الغافر الفارسي: 21. # -عبد الله بن إسحاق بن غانية: 199، 231. # -عبد الله بن جبل، أبو محمد: 150. # -عبد الله بن سليمان: 146، 243. # -أبو عبد الله العاصمي النحوي: 34. # -عبد الله بن عبد الرحمن المالقي: 150. # -عبد الله بن عبد المؤمن بن علي: 149، 153، 168. # -عبد الله بن علي الهوزني، أبو محمد: 72. # -عبد الله بن عمر بن الخطاب: 20. # -عبد الله بن عمرو بن العاص: 20. # PageV01P278 # -عبد الله بن محمد "ابن الرميمي": 155. # -عبد الله بن محمد بن حبوس: 157. # -عبد الله بن محمد بن عبد الله بن القاسم: 50. # -عبد الله بن محمد بن غانية: 196، 201. # -عبد الله بن موسى بن نصير: 17. # -عبد الله "ابن خراسان": 168. # -عبد الله "ابن همشك": 155. # -أبو عبد الله بن حجاج البغدادي: 216. # -أبو عبد الله العاصمي النحوي: ms217 34. # -أبو عبد الله بن ميمون: 155. # -عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 192. # -عبد الله بن يوسف بن عبد المؤمن: 180. # -أبو عبد الله بن يوسف بن عبد المؤمن: 175. # -عبد المجيد بن عبدون، أبو محمد: 62، 68، 70، 124، 129، 132. # -عبد الملك بن إدريس الجزيري، أبو مروان: 31. # -عبد الملك الشذوني، أبو محمد: 175. # -عبد الملك بن قطن الفهري: 18. # -عبد الملك بن عبد العزيز، أبو مروان: 60. # -عبد الملك بن المنصور أبي عامر "المظفر": 33، 38، 43. # -عبد الملك بن يوسف بن سليمان، أبو محمد: 238. # -عبد المنعم بن عشير، أبو محمد: 138. # -عبد المؤمن بن علي: 137، 138، 143، 144، 146، 147، 148، 149، 150، 151، ~~153، 156، 158، 165، 166، 167، 168، 169، 191، 243، 244، 245، 246، 253. # -عبد الواحد الشرقي: 138، 243. # -عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص "عمر إينتي": 230، 234. # -عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن: 181. # -عبيد الله بن محمد بن هشام بن عبد الجبار: 39. # -أبو عبيد البكري الأندلسي: 143، 249. # -عثمان بن أبي حفص، أبو سعيد: 231. # -عثمان بن عبد الله بن إبراهيم، أبو سعيد: 228. # -عثمان بن عبد المؤمن بن علي، أبو سعيد: 149، 165، 183. # -عثمان بن عفان: 28، 186، 252. # -عثمان بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 193. # -العرجي: 28. # -عزيز بن محمد بن سعد: 184. # -العزيز بن المنصور الصنهاجي: 138، 152، 166. # -عسكر بن محمد بن سعد: 184. # -عصام بن أبي جعفر الحميري: 221. # -ابن عفيف، أبو محمد: 255. # -عقبة بن الحجاج: 18. # -ابن عكاشة "موسى": 53، 97. # PageV01P279 # -علي بن أحمد بن محمد بن حزم، أبو محمد: 30، 31، 33، 34، 35، 41، 43، 44، ~~49. # -علي بن إسحاق بن محمد بن غانية: 197، 198، 199. # -علي بن بسام، أبو الحسن: 132. # -علي بن حزمون "الشاعر": 213، 214، 217. # -علي بن حمود بن ميمون بن الحسن بن علي بن أبي طالب: 41، 46، 72. # -علي بن خروف: 223. # -علي بن الرند "الناصر لدين النبي": 185. # -علي بن أبي طالب: 20. # -علي بن عبد الله بن عبد الرحمن، أبو الحسن المالقي: 189، 190. # -علي بن عبد المؤمن: 149. # -أبو علي بن عبد المؤمن: 198. # -علي بن عمر بن عبد المؤمن، أبو الحسن: 230. # -علي بن عياش بن عبد الملك بن عياش، أبو الحسن: 229، 238. # -علي بن عيسى بن عمران: 181. # -أبو على القالي: القالي. # -علي بن مجاهد العامري "الموفق": 61، 110. # -علي بن يوسف بن تاشفين، أبو الحسن: 124، 130، 138، 139، 144، 148، 149، ~~151، 154، 196، 258. # -عماد الدين "القاضي": 210. # -عمر "المتوكل" أبو محمد "ابن الأفطس": 61، 68. # -عمر بن الخطاب: 146، 250. # -عمر بن ms218 أبي زيد الهنتاني، أبو حفص: 193. # -عمر بن عبد الله الصنهاجي "أزناج": 146، 149، 243، 244. # -عمر بن عبد المؤمن بن علي: 149، 173، 174، 199. # -عمر بن موسى بن عبد الواحد الشرقي، أبو علي: 238. # -عمر المقدم: 231. # -أبو عمر الزاهد المطرز "غلام ثعلب": 34. # -عمر بن ومزال "فصكة" إينتي، أبو حفص: 146، 149، 156، 193، 243. # -عمر بن يوسف بن عبد المؤمن: 180، 201، 202. # -أبو عمران، موسى "قاضي الجماعة": 182. # -أبو عمران، موسى بن علي الضرير: 243. # -عمرو "جار أبي حنيفة": 28. # -عنبر الخصي: 193. # -عنبسة بن سحيم الكلبي: 18. # -عياش بن عبد الملك بن عياش، أبو محمد: 150، 180. # -عيسى بن الحجاج الحضرمي، أبو الأصبغ: 72. # -عيسى بن عبد المؤمن، أبو موسى: 149، 198، 238. # PageV01P280 # -عيسى بن عمران التازي: 181. # -عيسى بن مريم "عليه السلام": 141. # -عيسى بن موسى: 28. # -عيسى بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 192. # حرف الغين # -غانم بن محمد بن سعد: 184. # -غاية: 48. # -غرسية بن شانجه "ملك الفرنجة": 37. # -الغزالي، أبو حامد: 130، 136. # -الغمر بن عبد الرحمن بن عبد الله: 18. # حرف الفاء # -فارح الخصي: 237. # -فاطمة بنت إسماعيل الخزرجي: 172. # -فاطمة بنت القاسم: 55. # -الفاطمي: 240. # -فتح "غلام": 222. # -فخر الدولة ابن المعتمد بن عباد "المؤيد": 120. # -أبو فراس الحمداني: 98. # -الفرغاني: 249. # -فريهة بنت يحيى التميمي: 38. # -فصكة بن ومزال = عمر، أبو حفص، إينتي. # -فضالة بن عبيد: 20. # -الفضل بن عمر "المتوكل - ابن الأفطس": 62. # -ابن فياض الأندلسي: 249، 266. # حرف القاف # -القاسم بن حمود: 41، 46، 61، 72. # -القاسم بن محمد بن القاسم: 58. # -أبو القاسم بن بقي: 208. # -أبو القاسم بن الجد "الأحدب": 132. # -أبو القاسم القالمي: 149، 150، 180. # -أبو القاسم، المعتمد على الله: 58. # -القالي، أبو علي: 28، 32. # -ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد: 61. # -قتيبة بن مسلم: 209. # -قراقش: 210، 251. # -قسطنطين بن هيلان: 252. # -ابن القصيرة، أبو بكر: 123. # -قمر: 237. # حرف الكاف # -كافور الخصي: 176، 180. # -الكباشي: 194. # -كثير عزة: 80. # حرف اللام # -ابن اللبانة: 108، 110، 117، 118، 119. # -لح "أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن غانية": 233. # -لبونة بنت محمد بن الحسن بن القاسم بن إدريس بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب: 48. # -لذريق: 16. # -لوجار "ابن الدوقة الرومي صاحب صقلية": 168. # حرف الميم # -مالك بن أنس: 25، 26، 131. # -مالك بن وهيب: 149، 140. # PageV01P281 # -المأمون بن ذي النون: 53. # -المبارك بن عبد الجبار: 136. # -ابن مبارك: 93. # -مبشر الخصي: 229، 237. # -مبشر العامري "الناصر": 111، 114. # -مجاهد العامري: 61، 110. # -محمد صلى الله عليه ms219 وسلم: 21، 131، 141، 146، 205، 208، 239. # -محمد بن أحمد بن صاعد القراوي "كمال الدين": 21. # -محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، أبو الوليد: 179، 223، 224، 225. # -محمد بن إدريس "المهدي": 55، 56، 58. # -محمد بن إسحاق التميمي، أبو عبد الله: 30. # -محمد بن إسحاق بن محمد بن غانية: 197، 201. # -محمد بن إسماعيل بن عباد، أبو القاسم: 47، 54، 58، 60، 72، 73. # -محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري: 20. # -محمد بن بشير القاضي:30. # -محمد بن أبي بكر ابن الشيخ أبي حفص، أبو عبد الله: 193. # -محمد بن جرير الطبري، أبو جعفر: 44، 251. # -محمد بن جهور، أبو الوليد: 53. # -محمد بن حبوس الفاسي "الشاعر": 156، 157. # -محمد بن الحسن الزبيدي، أبو بكر: 31، 47، 72. # -محمد بن حمدين، أبو عبد الله "القاضي": 130. # -محمد بن أبي الخصال، أبو عبد الله: 127، 129، 132، 134. # -محمد بن سعد "ابن مردنيش": 154، 155، 173، 183. # -محمد بن أبي سعيد الجنفيسي: 199. # -محمد بن أبي سعيد بن شرف الجذامي القيرواني: 256. # -محمد بن سليمان بن الحكم: 41. # -محمد بن السليم "القاضي": 30. # -محمد بن طاهر، أبو عبد الرحمن: 92. # -محمد بن طفيل، أبو بكر "الفيلسوف": 176، 179. # -محمد بن أبي عامر، أبو عامر: 29، 30، 33، 34، 35، 36، 37، 43، 49، 61، ~~158، 257، 263، 267. # -محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد، أبو القاسم "المعتمد ~~والظافر": 53، 76، 77، 86، 89، 90، 91، 92، 93، 94، 96، 97، 98، 99، 100، ~~101، 102، 105، 107، 108، 115، 116، 119، 120، 122، 124. # -محمد بن عبد ربه: 217، 220. # -محمد بن عبد الرحمن "المستكفي": 49. # -محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي: 194. # -محمد بن عبد الرحمن بن عياش، أبو عبد الله: 193، 229. # PageV01P282 # -محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر، أبو عبد الرحمن: ~~49. # -محمد بن عبد الرحمن بن هشام بن سليمان: 48. # -محمد بن عبد الله "من البربر": 54. # -محمد بن عبد الله بن طاهر: 230. # -محمد بن عبد المؤمن بن علي، أبو عبد الله "أمير المؤمنين": 148، 172، ~~173. # -محمد بن علي بن أبي عمران الضرير، أبو عبد الله: 228. # -محمد بن عمار، أبو بكر "الشاعر": 85، 87، 88، 90، 91, 92، 93، 94، 96. # -محمد بن عيسى: 216. # -محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي: 21. # -محمد بن غالب البلنسي الرصافي، أبو عبد الله: 159، 163، 165. # -محمد بن غانية: 195. # -محمد بن الفضل: 227. # -محمد بن الفضل الشيباني، أبو عبد الله: 21. # -محمد بن القاسم بن حمود "المهدي": 47, 55، 56، 58، 61، 72. # -أبو محمد المالقي: 181. # -محمد بن محمد، أبو بكر "ابن القبطرنة": 132. # -محمد بن مروان، أبو عبد الله: 194، 230. # -محمد بن ms220 أبي مروان بن عبد الملك بن أبي العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر، ~~أبو بكر: 69، 70. # -محمد بن معن بن صمادح = المعتصم. # -محمد بن أبي نصر الحميدي، أبو عبد الله: 30، 31، 33، 34، 35، 41، 58. # -محمد بن هانئ، أبو القاسم "الشاعر": 85، 157. # -محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر: 39، 40. # -محمد بن واسع، أبو عبد الله: 209. # -محمد بن يحيى، أبو محمد "ابن العريف": 32. # -أبو محمد واسنار: 244. # -محمد بن يخلفتن بن أحمد الفازازي: 229، 238. # -محمد بن يريم الألهاني: 47، 72. # -محمد بن أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي "أمير المؤمنين": ~~70، 192، 226، 230، 232، 235. # -محمد بن يوسف بن عبد المؤمن: 181. # -مراكش "عبد من البربر": 76. # -مرزدغ بن حيان: 185. # -المرتضي: 51. # -أبو مروان "ابن أبي الخصال": 132، 134. # -أبو مروان بن رزين: 60. # -مروان بن موسى بن نصير: 16. # -مريم: 241. # PageV01P283 # -مزنة: 39. # -مساعد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 193. # -مسعود بن سليمان بن مفلت، أبو الخيار: 35. # -مسلم بن الحجاج النيسابوري "الإمام": 21، 175. # -معاوية بن صالح الحضرمي: 23. # -المعتد بالله ابن المعتمد بن عباد: 106. # -المعتصم بن صمادح "أبو يحيى": 61، 99، 101، 102. # -المعز بن باديس: 166، 250. # -المغيرة "خال هشام بن عبد الملك": 28. # -ابن الملح: 157. # -المنتصر "جد يحيى الصنهاجي": 152. # -المنذر بن سعيد البلوطي، أبو الحكم: 267. # -المنصور بن إسحاق بن محمد بن غانية: 197. # -المنصور "جد يحيى الصنهاجي": 152. # -أبو منصور الثعالبي: 38. # -المنصور بن المنتصر: 166. # -موسى بن رزق: 163. # -موسى بن عبد المؤمن: 149. # -موسى بن عفان السبتي: 56. # -موسى بن عكاشة: 53. # -موسى بن عيسى بن عمران، أبو عمران: 230، 238. # -موسى بن نصير: 16, 17, 18, 20. # -موسى بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 192. # -موسى بن يوسف بن عبد المؤمن: 181، 241. # -مؤيد بن عبد الله الطوسي: 21. # -ميدمان بن يزيد: 34. # حرف النون # -الناصر "الملك": 210. # -نجا الصقلبي: 54, 55, 56. # -النسائي: 203. # -نصير بن محمد بن سعد: 184. # حرف الهاء # -هارون "الرشيد العباسي": 43. # -هارون "الواثق العباسي": 76. # -أبو هريرة: 20. # -الهذلي، أبو ذؤيب: 96. # -هشام "المعتد بالله": 50، 52. # -هشام بن بشر الواسطي: 21. # -هشام بن الحكم المستنصر "المؤيد": 29، 30، 31، 38، 39، 41، 49، 71، 73، ~~158، 263. # -هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر: 39، 40. # -هشام بن عبد الرحمن، أبو الوليد الأمير: 24. # -هشام بن عبد الملك الأموي: 18. # -هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن ms221 الناصر، أبو بكر "المعتد ~~بالله": 50. # -هلال بن محمد بن سعد: 184، 186، 187. # -ابن هود: 51. # PageV01P284 # حرف الواو # -ولادة "ابنة المستكفي": 80، 83. # -أبو الوليد بن رشد = محمد بن أحمد. # -الوليد بن عبد الملك بن مروان: 17، 18. # -الوليد بن يزيد بن عبد الملك: 21. # حرف الياء # -يحيى بن أبي إبراهيم الهزرجي، أبو زكريا: 239. # -يحيى بن إدريس بن علي بن حمود: 55. # -يحيى بن إسحاق بن محمد بن غانية: 197، 199، 200، 230. # -يحيى بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن عامر بن ذي النون ~~"المأمون": 60. # -يحيى بن إسماعيل الهزرجي: 172. # -يحيى بن حسن بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بلقين بن زيري بن ~~مناد الصنهاجي: 169. # -يحيى بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن: 238. # -يحيى ابن الصحراوية: 149. # -يحيى بن عبد العزيز بن المنصور بن المنتصر الصنهاجي: 152، 153. # -يحيى بن عبد المؤمن: 149. # -يحيى بن العزيز: 166، 170. # -يحيى بن علي بن حمود "المعتلي": 46، 47، 48، 50، 54، 55، 72. # -يحيى بن غانية: 152، 195، 233، 251. # -يحيى بن يحيى: 21. # -يحيى بن أبي يعقوب بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي، أبو زكريا: 168، 181، ~~191، 200. # -أبو يحيى بن يوسف بن عبد المؤمن: 205. # -أبو يحيى "الوزير": 208. # -يزيد بن أبي سفيان: 43. # -يزيد بن قاسط السكسكي: 20. # -يعقوب بن عبد المؤمن: 149. # -يعقوب بن عمر بن عبد المؤمن: 199. # -يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن "أبو يوسف": 180، 192، 198، 199، 200، 201، ~~202، 207، 211، 225، 233، 235، 246، 257. # -يعلى بن أبي زيد: 49. # -يوسف بن تاشفين: 13، 61، 62، 71، 72، 97، 98، 99، 100، 101، 102، 103، ~~104، 122، 123، 148، 195، 207، 258. # -يوسف بن سعد "الرئيس": 184. # -يوسف بن سليمان: 145، 243. # -يوسف بن عبد الرحمن الفهري: 22، 23. # -يوسف بن عبد المؤمن بن علي، أبو يعقوب: 60، 91، 92، 98، 99، 100، 149، ~~165، 172، 173، 174، 180، 182، 183، 184، 188، 190، 191، 197، 206، 207، ~~208، 228، 246. # -يوسف بن محمد بن عبد المؤمن، أبو يعقوب: 226. # PageV01P285 # -يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، أبو يعقوب: 226، ~~237، 240، 258. # -يوسف المراني، أبو الحجاج: 175، 229. # -يوسف بن هارون الرمادي، أبو عمر: 27، 28، 29. # -ابن يونس: 202، 204. # -يونس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن: 193. # PageV01P286 ### | فهرس الأشعار # كلمة القافية ... اسم الشاعر ... البحر ... عدد الأبيات ... الصفحة # البقاء ... المعتمد بن عباد ... الوافر ... 11 ... 116 # ماء ... ابن خروف ... الوافر ... ... 223 # لصفائه ... الرصافي ... الكامل ... 4 ... 163 # أثنائه ... الرصافي ... الكامل ... 2 ... 165 # وسمائه ... أبو بكر الداني ... الكامل ... 8 ... 114 # ... ... قافية الباء ... ... # صوابه ... المعتمد بن عباد ... مجزوء الرمل ... 3 ms222 ... 107 # الغرب ... أبو محمد بن حزم ... الطويل ... 11 ... 45 # عجب ... ابن الطفيل ... المنسرح ... 5 ... 178 # قلبه ... المراكشي ... المجتث ... 2 ... 222 # الحبائب ... - ... الطويل ... 1 ... 211 # صل بي ... - ... الطويل ... 2 ... 211 # الطلب ... الأصم المرواني ... البسيط ... 3 ... 158 # الحطب ... الزويلي ... البسيط ... 3 ... 200 # الحقب ... عبد المؤمن بن علي ... البسيط ... 2 ... 168 # الهضاب ... صاعد الربعي ... الوافر ... 6 ... 33 # مذهب ... المعتمد بن عباد ... الكامل ... 4 ... 107 # PageV01P287 # كلمة القافية # ... # اسم الشاعر # ... # البحر # ... # عدد الأبيات # ... # الصفحة # فالآيب # ... # ابن زيابة # ... # السريع # ... # 2 # ... # 221 # المغرب # ... # ابن البني # ... # المتقارب # ... # 3 # ... # 131 # ... # ... # قافية التاء # ... # ... # رأتا # ... # ابن زهر # ... # البسيط # ... # 2 # ... # 70 # موقت # ... # أبو بكر الداني # ... # الطويل # ... # 6 # ... # 114 # غايات # ... # ابن اللبانة # ... # البسيط # ... # ... # 108 # بآيات # ... # محمد بن عبد ربه # ... # البسيط # ... # 5 # ... # 217 # ... # ... # قافية الثاء # ... # ... # ثلث # ... # ابن زيدون # ... # البسيط # ... # 4 # ... # 84 # ... # ... # قافية الحاء # ... # ... # وأوضح # ... # ابن عمار # ... # الطويل # ... # 19 # ... # 94 # التسابيح # ... # ابن عبد ربه # ... # البسيط # ... # 3 # ... # 219 # ... # ... # قافية الدال # ... # ... # الهند # ... # أبو محمد بن حزم # ... # الطويل # ... # 2 # ... # 46 # الفوائد # ... # أبو فراس # ... # الطويل # ... # 2 # ... # 98 # محمد # ... # ... # الطويل # ... # 141 # ... # 26 # الجيد # ... # الشماخ بن ضرار # ... # البسيط # ... # 2 # ... # 35 # ومعتضد # ... # ابن رشيق # ... # البسيط # ... # 2 # ... # 59 # عباد # ... # ابن اللبانة # ... # البسيط # ... # 21 # ... # 109 # عباد # ... # المعتمد بن عباد # ... # البسيط # ... # 10 # ... # 120 # PageV01P288 # كلمة القافية ... اسم الشاعر ... البحر ... عدد الأبيات ... الصفحة # ... ... قافية الراء ... ... # صقرا ... عبد الرحمن بن هشام ... الطويل ... 4 ... 49 # السرى ... ابن عمار ... الكامل ... 9 ... 88 # شكرا ... المعتمد بن عباد ... الخفيف ... 5 ... 119 # برا ... ابن اللبانة ... الخفيف ... 8 ... 119 # وبدور ... ابن دراج القسطلي ... الطويل ... 2 ... 38 # السكر ... - ... الطويل ... 2 ... 219 # غافر ... ابن شرف ... الطويل ... 2 ... 256 # صفر ... الرصافي ... الطويل ... ... 164 # غديرها ... - ... الطويل ... 1 ... 102 # أواره ... ابن عمار ... الكامل ... 22 ... 86 # الصور ... عبد المجيد بن عبدون ... البسيط ... 75 ... 62 # الغير ... المعتمد بن عباد ... البسيط ... 2 ... 79 # السمر ... محمد بن عبد ربه ... البسيط ... 3 ... 219 # نور ... الرصافي ... البسيط ... 62 ... 159 # بالنهار ... المعتمد بن عباد ... مخلع البسيط ... 3 ... 78 # شعري ... الرمادي ... الوافر ... 11 ... 27 # ثغر ... العرجي ... الوافر ... 1 ... 27 # الشكور ... المعتمد بن عباد ... الوافر ... 12 ... 117 # ضميري ms223 ... ابن اللبانة ... الوافر ... 15 ... 118 # مبشر ... أبو بكر الداني ... الكامل ... 22 ... 111 # الأساير ... - ... المنسرح ... 2 ... 218 # ... ... قافية السين ... ... # شمسا ... ابن عبد ربه ... الطويل ... 1 ... 219 # PageV01P289 # كلمة القافية ... اسم الشاعر ... البحر ... عدد الأبيات ... الصفحة # اختلاسا ... الرصافي ... مخلع البسيط ... 4 ... 164 # بوسى ... ابن عمار ... المجتث ... 2 ... 93 # الناسي ... - ... البسيط ... 2 ... 123 # بأندلس ... علي بن حزمون ... الخبب ... 40 ... 213 # ... ... قافية الصاد ... ... # يغوص ... ابن العريف ... السريع ... 1 ... 32 # الفصوص ... صاعد الربعي ... السريع ... 1 ... 32 # ... ... قافية الضاد ... ... # بعضي ... عبد الرحمن بن معاوية ... الخفيف ... 3 ... 23 # ... ... قافية الطاء ... ... # ومغتبط ... ابن تومرت ... البسيط ... 2 ... 148 # ... ... قافية العين ... ... # الصديع ... المعتمد بن عباد ... مجزوء الكامل ... 12 ... 105 # اجتمعا ... أبو بكر بن زهر ... البسيط ... 2 ... 70 # نزعا ... المعتمد بن عباد ... الرمل ... 12 ... 107 # لا تنفع ... أبو ذؤيب الهذلي ... الكامل ... 1 ... 96 # يتدفع ... الرصافي ... الكامل ... 6 ... 163 # لماع ... المعتمد بن عباد ... السريع ... 2 ... 79 # لم يذع ... ابن زيدون ... البسيط ... 4 ... 80 # PageV01P290 # كلمة القافية ... اسم الشاعر ... البحر ... عدد الأبيات ... الصفحة # المسموع ... ابن دراج القسطلي ... الكامل ... 2 ... 38 # ... ... قافية الفاء ... ... # يعطفوا ... علي بن حزمون ... الكامل ... 4 ... 218 # ضعف ... أبو جعفر الحميري ... المجتث ... 2 ... 222 # شغف ... أبو بكر الداني ... البسيط ... 2 ... 115 # عرف ... عبد المجيد بن عبدون ... المجتث ... 2 ... 68 # ... ... قافية القاف ... ... # بسق ... - ... الرمل ... 2 ... 115 # تعبق ... ابن زيدون ... الطويل ... 2 ... 80 # أنفق ... أبو بكر الداني ... الكامل ... 1 ... 111 # يحرق ... أبو بكر الداني ... الكامل ... 23 ... 113 # ... ... قافية الكاف ... ... # بمترك ... أبو محمد بن حزم ... البسيط ... 2 ... 45 # ... ... قافية اللام ... ... # كملا ... - ... المديد ... 1 ... 258 # تعدلا ... ابن حبوس ... الكامل ... 2 ... 157 # أشاكله ... - ... الطويل ... 2 ... 224 # قليل ... المعتمد بن عباد ... الكامل ... 5 ... 78 # مرجل ... امرؤ القيس ... الطويل ... 1 ... 35 # PageV01P291 # كلمة القافية ... اسم الشاعر ... البحر ... عدد الأبيات ... الصفحة # بالمتنزل ... امرؤ القيس ... الطويل ... 1 ... 35 # الصواهل ... عبد المؤمن بن علي ... الطويل ... 12 ... 166 # بال ... عبد الجليل بن وهبون ... البسيط ... 2 ... 77 # جبل ... ابن سيد اللص ... البسيط ... 2 ... 159 # النجل ... عبد المؤمن بن علي ... البسيط ... 1 ... 191 # عويلي ... الرمادي ... الوافر ... 8 ms224 ... 28 # مذلل ... صاعد الربعي ... الكامل ... 11 ... 36 # المال ... ابن عمار ... السريع ... 2 ... 93 # ... ... قافية الميم ... ... # الحمى ... ابن الطفيل ... الطويل ... 12 ... 177 # العدما ... ابن اللبانة ... البسيط ... 19 ... 120 # مساهما ... ابن عبد ربه ... الكامل ... 2 ... 220 # مقيم ... أبو محمد بن حزم ... الوافر ... 2 ... 45 # التسليم ... المراكشي ... الكامل ... 8 ... 227 # الحمائم ... ابن عمار ... الطويل ... 5 ... 86 # العاتم ... ابن البني ... الكامل ... 3 ... 130 # ... ... قافية النون ... ... # نى ... أبو محمد بن حزم ... الطويل ... 6 ... 44 # تجافينا ... ابن زيدون ... البسيط ... 50 ... 80 # سكن ... المتنبي ... البسيط ... 1 ... 84 # الوسن ... ابن زيدون ... البسيط ... 10 ... 84 # وهذان ... المعتمد بن عباد ... البسيط ... 78 ... 4 # PageV01P292 # كلمة القافية ... اسم الشاعر ... البحر ... عدد الأبيات ... الصفحة # للبدن ... ابن الطفيل ... البسيط ... 4 ... 178 # الوسن ... - ... البسيط ... 2 ... 211 # الأجفان ... سليمان بن الحكم الظافر ... الكامل ... 12 ... 42 # مكان ... العباس بن الأحنف ... الكامل ... 2 ... 43 # ... ... قافية الواو ... ... # اللهو ... علي بن حزمون ... الطويل ... 9 ... 216 # ... ... قافية الياء ... ... # السقيا ... الرصافي ... الطويل ... 5 ... 164 # PageV01P293 ### | فهرس المصادر والمراجع # -القرآن الكريم. # -الأعلام: خير الدين الزركلي. دار العلم للملايين، بيروت، ط6، 1984م. # -الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني. تحقيق لجنة من الأدباء. دار الثقافة، ~~بيروت، 1983م. # -إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: إسماعيل البغدادي. دار الفكر، ~~1982م. # -البداية والنهاية: ابن كثير الدمشقي. تحقيق أحمد أبو ملحم وغيره. دار ~~الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1985م. # -بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس. ابن عميرة الضبي. تقديم وشرح د. ~~صلاح الدين الهواري. المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، ط1، 2005م. # -تاريخ الأدب العربي: عمر فروخ. دار العلم للملايين، بيروت، ط5، 1984م. # -تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي "أحمد بن علي". دار الكتاب العربي، بيروت، ~~لاتا. # -تاريخ علماء الأندلس: أبو الوليد بن الفرضي. الدار المصرية للتأليف ~~والترجمة, القاهرة، لاتا. # -تاريخ الفكر الأندلسي: آنخل بلانثيا. مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ~~ط1، 1955م. # -تاريخ قضاة الأندلس: أبو الحسن النباهي. مصر، 1948م. # -جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس: أبو عبد الله الحميدي. تقديم وشرح د. ~~صلاح الدين الهواري. المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، ط1، 2004م. # -جمهرة أشعار العرب: أبو زيد ms225 القرشي. دار ومكتبة الهلال, بيروت، ط2، ~~1991م. # -حزانة الأدب: عبد القادر البغدادي، دار صادر، بيروت، لاتا. # -ديوان امرئ القيس: دار صادر، بيروت، 1972م. # -ديوان جرير بن الخطفي: دار صادر، بيروت، لاتا. # -ديوان ابن رشيق القيرواني: تقديم وشرح د. صلاح الدين الهواري بالاشتراك. ~~دار الجيل، بيروت، ط1، 1995م. # -ديوان أبي فراس الحمداني: رواية أبي عبد الله الحسين بن خالويه. دار ~~صادر، بيروت، 1990م. # PageV01P294 # -ديوان كثير عزة: شرح عدنان زكي درويش. دار صادر، بيروت، ط1، 1994م. # -شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ابن العماد الحنبلي. تحقيق لجنة إحياء ~~التراث العربي. دار الآفاق الجديدة، بيروت، لاتا. # -الشعر والشعراء: ابن قتيبة الدينوري. دار الثقافة، بيروت، لاتا. # -الصلة في تاريخ علماء الأندلس: ابن بشكوال الأندلسي. تقديم وشرح وفهرسة ~~د. صلاح الدين الهواري. المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، ط1، 2003م. # -طبقات الشعراء: ابن المعتز العباسي. تقديم وشرح د. صلاح الدين الهواري. ~~دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط1، 2002م. # -طبقات فحول الشعراء: ابن سلام الجمحي. شرح محمد شاكر. مطبعة المدني، ~~القاهرة، 1974م. # -الكامل في التاريخ: ابن الأثير. دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، لاتا. # -كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: حاجي خليفة. دار الفكر، 1982م. # -لسان العرب: ابن منظور. جروس برس، طرابلس - لبنان، لاتا. # -المعجب في تلخيص أخبار المغرب: عبد الواحد المراكشي. مطبعة دار ~~الاستقامة، القاهرة. # -معجم الأدباء: ياقوت الحموي. تحقيق د. عمر فاروق الطباع. مؤسسة المعارف، ~~بيروت، ط1، 1999م. # -معجم البلدان: ياقوت الحموي. دار صادر، بيروت، 1964م. # -معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة. دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1957م. # -المعجم الوسيط: إبراهيم مصطفى وغيره. مجمع اللغة العربية، القاهرة، ط2، ~~1972م. # -مجمع الأمثال: أبو الفضل الميداني. دار القلم، بيروت، لاتا. # -النجوم الزاهرة: يوسف بن تغري بردي. المؤسسة المصرية العامة للكتاب، ~~القاهرة، لاتا. # -هدية العارفين: إسماعيل البغدادي، دار الفكر، لاتا. # -وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ابن خلكان. تحقيق إحسان عباس. دار ~~الثقافة، بيروت، ط1، 1968م. # -يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر: أبو منصور الثعالبي. تحقيق د. مفيد ~~قميحة. دار الكتب العلمية، بيروت، ms226 ط1، 1983م. # PageV01P295 ### | فهرس المحتويات # مقدمة ### | ................................................................................... # 5 # ترجمة المؤلف ### | .......................................................................... # 9 # حياته وتنقلاته ### | ........................................................................ # 9 # آثاره ### | ................................................................................... # 10 # مقدمة المؤلف ### | ........................................................................ # 11 # فصل ### | .................................................................................... # 13 # في ذكر جزيرة الأندلس وحدودها ### | ................................................. # 13 # ذكر فتح جزيرة الأندلس ولمع من تفصيل أخبارها وسير ملوكها # ومن كان فيها من الفضلاء منها ومن غيرها ### | ..................................... # 16 # ذكر من دخل الأندلس من التابعين ### | ................................................ # 20 # فصل في فضل المغرب ### | ............................................................... # 21 # ذكر خبر دخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس ### | ................................ # 23 # ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن ### | ............................................... # 24 # ولاية الحكم بن هشام الملقب بالربضي ### | ......................................... # 24 # ولاية الحكم المستنصر ### | .............................................................. # 26 # ولاية هشام المؤيد ابن الحكم المستنصر ### | ....................................... # 30 # وزارة المظفر بن أبي عامر ### | .......................................................... # 38 # وزارة الناصر بن أبي عامر ### | .......................................................... # 39 # تفصيل ما سبق إجماله ولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي ### | .... # 39 # بدء الفتنة ### | .............................................................................. # 40 # ولاية سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر # المتلقب بالمستعين بالله ### | ............................................................ # 40 # أولية بني حمود ### | ....................................................................... # 41 # PageV01P296 # ولاية ابن حمود الناصر ### | ........................................................... # 46 # ولاية القاسم بن حمود المأمون ### | ............................................... # 46 # ولاية يحيى بن علي المعتلي ### | ................................................. # 48 # رد الأمر إلى بني أمية ولاية عبد الرحمن بن هشام المستظهر ### | ........ # 48 # ولاية محمد بن عبد الرحمن المستكفي بالله ### | .............................. # 49 # ولاية هشام المعتد بالله 50 # ذكر أخبار الأندلس بعد انتقال الدعوة الأموية عنها، ومن ملكها # من الملوك إلى وقتنا هذا، وهو سنة 621 ### | ................................... # 52 # مآل قرطبة بعد انتهاء الدولة الأموية ### | ........................................... # 52 # فصل رجع الحديث إلى بني حمود ### | ............................................ # 54 # ومطمع بني عباد في التغلب على قرطبة ### | ................................. # 54 # فصل يتضمن ذكر أحوال الأندلس بعد انقطاع الدعوة الأموية عنها # على الإجمال لا على التفصيل ### | ................................................ # 59 # ملوك الطوائف ### | ..................................................................... # 59 # رجع القول إلى ملوك الطوائف ### | .................................................. # 71 # فصل في ملك بني عباد بإشبيلية ### | ........................................... # 72 # ولاية المعتضد بالله العبادي ### | .................................................... # 73 # أولية المرابطين في مراكش ### | ................................................... # 76 # ولاية أبي القاسم بن عباد المعتمد على الله ### | .............................. # 76 # عبد الجليل بن وهبون الشاعر ### | ................................................. # 77 # أبو الوليد بن زيدون ### | ............................................................... # 79 # أبو بكر بن عمار ### | ................................................................... # 85 # رجع الحديث عن بني عباد ### | ..................................................... # 97 # أول أمر المرابطين بالأندلس ### | ................................................... # 97 # وقعة الزلاقة ### | ..................................................................... # 99 ms227 # بين المعتصم بن صمادح والمعتمد بن عباد ### | .............................. # 101 # نكبة بني عباد ### | .................................................................. # 103 # أبو بكر الداني ### | .................................................................. # 110 # PageV01P297 # رجع الحديث إلى أخبار المعتمد ### | ........................................ # 115 # فصل رجع الحديث عن دولة المرابطين بالأندلس ### | ................... # 122 # أعيان الكتاب في دولة المرابطين ### | ....................................... # 123 # وزارة ابن عبدون ### | .......................................................... # 124 # ولاية أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين ### | ..................... # 130 # أعيان الكتاب في عهد أبي الحسن ### | ................................... # 132 # اختلال أحوال المرابطين ### | ................................................. # 135 # ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي ### | ..................... # 136 # وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس ### | ................................ # 136 # ابن تومرت في حضرة ابن تاشفين ### | .................................... # 139 # بدء دعوة الموحدين ### | ....................................................... # 140 # طبقات الموحدين ### | ....................................................... # 141 # الحرب بين المرابطين والموحدين ### | ..................................... # 144 # ذكر ولاية عبد المؤمن ### | ................................................... # 146 # وصية ابن تومرت ### | ......................................................... # 146 # فصل حياة عبد المؤمن وأعماله وعماله ### | ............................. # 148 # أولاده ### | ...................................................................... # 148 # وزراؤه ### | ..................................................................... # 149 # كتابه ### | ...................................................................... # 149 # قضاته ### | ..................................................................... # 150 # رجع الحديث إلى أخبار عبد المؤمن ### | ................................ # 150 # نهاية المرابطين وآخر من ولي الأمر منهم ### | ......................... # 151 # تغلب عبد المؤمن على بجاية وقلعة بني حماد ### | .................. # 152 # فصل أحوال الأندلس بعد سقوط دولة المرابطين ### | ............... # 154 # عبور الموحدين إلى الأندلس ### | ......................................... # 156 # محمد بن حبوس الفاسي الشاعر ### | .................................. # 156 # الأصم المرواني الشاعر، ابن الطليق ### | ................................ # 158 # الرصافي الرفاء الشاعر ### | .................................................. # 159 # PageV01P298 # وصل الحديث عن عبد المؤمن بن علي ### | ..................................... # 165 # منازل العرب الهلالية في المغرب والأندلس ### | ................................ # 165 # غزو الموحدين لإفريقية ### | ........................................................ # 168 # فتح المهدية واسترجاعها من يد الصقليين ### | ................................ # 168 # امتداد مملكة الموحدين إلى الشرق ### | ...................................... # 169 # ألوان من شكر النعمة ### | ........................................................ # 169 # وفاء وفداء ### | ....................................................................... # 171 # وفاة عبد المؤمن وعهده لولده ### | ............................................... # 173 # ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وما يتعلق بها ### | .......... # 174 # صفة أبي يعقوب ### | .............................................................. # 174 # أبو بكر بن طفيل ### | ............................................................... # 176 # أبو الوليد بن رشد ### | ............................................................. # 179 # رجع الحديث عن الأمير أبي يعقوب ### | ........................................ # 180 # وزراؤه ### | ........................................................................... # 180 # كتابه ### | ............................................................................ # 180 # حاجبه ### | .......................................................................... # 180 # أولاده ### | ........................................................................... # 180 # قضاته ### | ........................................................................... # 181 # فصل دخول بني مردنيش في طاعة الموحدين ### | .......................... # 183 # الخارجون على طاعة الموحدين بالمغرب ### | .................................. # 185 # صلح ملك صقلية ### | ............................................................. # 185 # المصحف العثماني في المغرب ### | ............................................ # 186 # حسن معاملة الموحدين لمن يغلبونهم من الملوك ### | ..................... # 186 # اتساع الدولة وزيادة الخراج ### | ................................................. # 187 # محاولة أبي يعقوب فتح شنترين، ms228 ووفاته ### | .................................. # 188 # عاقبة أبي الحسن المالقي الخطيب ### | ..................................... # 190 # وفاة الأمير أبي يعقوب ### | ....................................................... # 191 # ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ### | .............. # 192 # PageV01P299 # صفته ### | ..................................................................... # 192 # أولاده ### | ..................................................................... # 192 # وزراؤه ### | ..................................................................... # 193 # حجابه ### | .................................................................... # 193 # كتابه ### | ...................................................................... # 193 # قضاته ### | .................................................................... # 194 # تلخيص التعريف بخبر بيعته ### | ........................................... # 194 # بنيان مدينة الرباط ### | ..................................................... # 195 # طمع بني غانية في التغلب على إفريقية ### | .......................... # 195 # التعريف ببني غانية ودار ملكهم ### | ..................................... # 195 # محمد بن غانية ### | ........................................................ # 196 # إسحاق بن محمد ### | ..................................................... # 196 # علي بن إسحاق ### | ...................................................... # 197 # استطراد عن انتقاض العرب بإفريقية على الموحدين ### | ............ # 198 # رجع الحديث عن بني غانية في بجاية ### | ............................. # 198 # استرجاع بجاية من يد الميورقيين ### | .................................. # 199 # استرجاع قفصة ### | ....................................................... # 199 # إبراهيم الزويلي الكاتب ### | ............................................... # 200 # رجع الحديث عن بني غانية ### | .......................................... # 200 # اختلاف بني عبد المؤمن ### | .............................................. # 201 # دعوة أبي يوسف إلى الأخذ بالكتاب والسنة ### | ....................... # 202 # استرجاع مدينة شلب ### | .................................................. # 204 # طامع آخر من بني عبد المؤمن ### | ....................................... # 205 # وقعة الأرك ### | ............................................................... # 206 # عزم أبي يوسف على قصد مصر، ووفاته ### | ............................ # 207 # شيء من سيرته ### | ...................................................... # 207 # مماليك الغز المصريون في المغرب ### | .................................. # 210 # أبو يوسف وعقيدة العامة في ابن تومرت ### | ............................ # 211 # PageV01P300 # اهتمامه بالتشييد والبناء ### | .................................................. # 212 # علي بن حزمون الشاعر ### | ................................................... # 213 # محمد بن عبد ربه الكاتب حفيد صاحب العقد ### | ........................ # 217 # أبو جعفر الحميري المؤدب ### | ................................................ # 220 # اليهود في عهد أبي يوسف ### | ................................................. # 223 # محنة أبي الوليد بن رشد ### | ................................................... # 224 # ذكر ولاية أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف أمير المؤمنين ... ... 226 # صفاته ### | ......................................................................... # 226 # أولاده ### | .......................................................................... # 226 # وزراؤه ### | ......................................................................... # 227 # صلة المؤلف بإبراهيم بن أبي يوسف ### | .................................... # 227 # أولية الوزير أبي سعيد بن جامع ### | .......................................... # 228 # حجابه ### | ......................................................................... # 229 # كتابه ### | ........................................................................... # 229 # قضاته ### | ......................................................................... # 229 # أعمال أبي عبد الله بن أبي يوسف ### | ...................................... # 230 # دخول الموحدين جزيرة ميورقة ### | ............................................ # 231 # عبد الرحمن الجزولي الثائر ### | ................................................ # 232 # فتح جزرة منرقة ### | ............................................................. # 233 # محاربة يحيى بن غانية بإفريقية ### | ........................................... # 233 # انتقاض الهدنة بين الموحدين والفرنجة ### | ................................... # 234 # فتح شلبترة ### | ................................................................... # 234 # أشهر الإمارات الإسبانية في ذلك العهد ### | ................................ # 234 # وقعة العقاب وهزيمة المسلمين ### | .......................................... # 235 # وفاة الناصر محمد ### | ............................................................ # 236 # ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن محمد ### | .................................. # 237 # صفته ### | ......................................................................... # 237 # وزراؤه ### | ......................................................................... # 237 # PageV01P301 # حجابه ### | ........................................................................... # 237 # قاضيه ms229 ### | ............................................................................ # 238 # كتابه ### | ............................................................................. # 238 # بيعته ### | ............................................................................. # 238 # فاطمي من سلالة ملوك القاهرة يثور بمراكش ### | ........................ # 239 # ثائران آخران على أبي يعقوب الثاني ### | ..................................... # 240 # وفاة أبي يعقوب الثاني ### | ...................................................... # 240 # ولاية أبي محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب الأول ### | ....................... # 241 # صفته ### | ............................................................................ # 242 # جامع سير المصامدة وأخبارهم وقبائلهم وأحوالهم في ظعنهم # وإقامتهم ### | ........................................................................ # 243 # ذكر قبائل الموحدين ### | .......................................................... # 245 # صفة أحوالهم في إقامة الجمعة ### | ........................................... # 247 # ذكر أقاليم المغرب والأندلس ### | ................................................ # 249 # أولا: المدن العامرة على الساحل ### | ......................................... # 250 # اتصال العمران بين الإسكندرية والقيروان ### | ................................ # 250 # بلاد إفريقية الساحلية ### | ...................................................... # 251 # شأن مدينة قرطاجة في القديم ### | ......................................... # 252 # بلاد المغرب الساحلية ### | ...................................................... # 253 # ضيق البحر بين المغرب والأندلس ### | ....................................... # 253 # ثانيا: البلاد التي ليست على ساحل ### | .................................. # 254 # بلاد إفريقية ### | ................................................................... # 254 # شأن القيروان في قديم الزمان ### | ......................................... # 255 # بلاد المغرب ### | ................................................................... # 256 # طريق السفار من بجاية إلى مراكش ### | ................................... # 256 # التعريف بمدينة فاس ### | ....................................................... # 256 # ترجمة المؤلف بقلمه ### | ....................................................... # 258 # بلاد السوس الأقصى ### | ....................................................... # 258 # PageV01P302 # ذكر ما بالمغرب من معادن الفضة والحديد والكبريت والرصاص والزيبق # وغير ذلك، وأسماء مواضعها ### | ................................................... # 260 # المعادن بجزيرة الأندلس ### | ........................................................ # 260 # ذكر أسماء الأنهار العظام التي بالمغرب ### | ..................................... # 262 # ذكر جزيرة الأندلس وأسماء مدنها وأنهارها ### | ................................. # 263 # مجاز الأندلس ### | ................................................................... # 263 # البلاد التي تغلب عليها النصارى إلى سنة 621 ### | ....................... # 264 # المدن التي بقيت بأيدي المسلمين إلى سنة 621 ### | .................. # 265 # ذكر قرطبة ### | ....................................................................... # 266 # ذكر إشبيلية ### | ..................................................................... # 267 # فصل أنهار الأندلس الكبار المشهورة ### | ........................................ # 269 # فهارس الكتاب # فهرس الأعلام ### | .................................................................... # 273 # فهرس الأشعار ### | .................................................................. # 287 # فهرس المصادر والمراجع ### | ....................................................... # 294 # فهرس المحتويات ### | ............................................................... # 296 PageV01P303 ms230